######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.Israiliyyat.Hindawi92597516 #META# Tags: history #META# ID: 92597516 #META# Title: الإسرائيليات #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تمهيد‏ # التوراة قراءة نقدية‏ # نقد أسفار الأنبياء‏ # التضليل الصهيوني (فليكوفسكي نموذجا)‏ # ملحق له ضرورته‏ # حتى لا يضيع العقل مع الأرض‏ # مصادر استشهادات البحث‏ # الإهداء‏ # تمهيد‏ # التوراة قراءة نقدية‏ # نقد أسفار الأنبياء‏ # التضليل الصهيوني (فليكوفسكي نموذجا)‏ # ملحق له ضرورته‏ # حتى لا يضيع العقل مع الأرض‏ # مصادر استشهادات البحث‏ # | الإسرائيليات # | الإسرائيليات # تأليف # سيد القمني # | الإهداء # ما عادت على الجسد عاديات أمراضه المتناوبة إلا وتناوب رفقتي صديقان، يذهلان ~~لأمري عن شئون دنياهم. # جمال عقيل ووسيم فريد. # فإليهما أهدي كتابي مشفوعا بامتنان هما أهل له وإن كانا في غنى عنه. فقط هو ~~الحب والعرفان. # سيد # ضمن هذا الكتاب يقع كتاب سبق نشره بعنوان «إسرائيل: التوراة والتاريخ والتضليل»، ~~إضافة إلى مجموعة من الدراسات المستجدة، سواء فيما يتعلق بنقد أسفار التوراة أو ~~بالعلاقات التاريخية للقبيلة الإسرائيلية بشعوب المنطقة، مع قراءة نقدية لخطاب الحق الديني ~~في القدس. # | تمهيد # في التجربة المستمرة للتعامل مع طروحات الأيديولوجيا الصهيونية، المؤسسة على أعمدة ~~تاريخية ودينية قدسية، كنت على يقين دوما بمدى تهافت كثير من أعمالنا الفكرية ~~وترنحها إزاء تلك الطروحات، رغم كم الشعارات والجمل الساخنة، والإطالة المفرطة؛ ~~حيث كانت تلك الأعمال تلقي بنا في النهاية على حجر الفكر الصهيوني وقبضة منظومته الفكرية، ~~بعد الإقرار لها بكل تأسيساتها التاريخية والقدسية، برداء إسلامي يعيد إنتاج عناصر ~~الأيديولوجيا الصهيونية، وهو ناتج ضروري، ولزوم حتمي عن التسليم الإيماني بقدسية التاريخ ~~الإسرائيلي، كمادة أولى وأساس في النص المقدس، وكمادة أولى في قانون الإيمان «بالله ~~وملائكته ورسله وكتبه»، وكان الواضح أن أولئك الرسل جميعا من بني إسرائيل نسبا وشرفا ~~وعقيدة، وإن تم سحب المصداقية عن مقدسهم المتداول بين الأيدي الآن بعد وصمه ~~بالتحريف، بعد اكتشاف يهود يثرب والنبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، اختلاف توجهاتهم على البعد ~~الاستراتيجي؛ ومن ثم تغير التكتيك المرحلي زمن الدعوة، بالنسخ القدسي، ليتم الكشف عن ~~الإسلام كبعد تاريخي قديم، وأن الإسلام كان مستبطنا باليهودية التاريخية؛ ومن ثم ~~تمت إعادة التاريخ دورة كاملة إلى عهد النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. كما ms001 تحول جميع أنبياء ~~وملوك دولة إسرائيل القديمة إلى أنبياء مسلمين، كانوا يدعون بدعوة الإسلام، وإن ظلت ~~الشهادات المنسوخة متواجدة بالمقدس الإسلامي، بكل تفاصيلها التاريخية الإسرائيلية كما ~~هي في المنظومة التوراتية، وظلت التوراة بصفتها الحاملة للهدى والنور، وظلت الآيات ~~التي تذكر بهم كشعب مختار متميز فضلهم الله على العالمين. وغير ذلك لا تجد سوى ~~تنويعات عروبية نادرة ويتيمة، عن القرى العربية البائدة، وأنبياء مثل هود وصالح. أما ~~النسب الإسلامي والعربي فقد ظل بدوره إسرائيليا، بإعلان نبي الإسلام عليه الصلاة ~~والسلام، أنه الحفيد النبوي الأخير لسلسلة عبرانية استعربت بعد إبراهيم، باستعراب ولده ~~إسماعيل، واكتسابه الجنسية العربية بسكناه بلاد الحجاز، عبورا على عمومة مؤكدة ~~لإسحاق شقيق إسماعيل، الذي أنجب إسرائيل (يعقوب) وبنيه وسلساله الطويل من أنبياء توارثوا ~~النبوة خلفا عن سلف. # هذا ناهيك عن تطابق المنمنمات الدقيقة حول الإله وقدراته، وقصص الأولين الأولى بدءا ~~من قصة الخليقة وآدم مرورا بنوح والطوفان، حتى قيام مملكة شعب الرب (مملكة إسرائيل ~~القديمة) في فلسطين، وما لحق ذلك من قصص الأنبياء والمرسلين، وكلهم من ذات النسل ~~المبارك. ثم ما أضيف في عصر التدوين الإسلامي للسير والتاريخ؛ تلك المدونات التي ~~عملت مستضيئة بحديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا ~~حرج.» والتزاما بقانون الإيمان، وما فرضه كل ذلك من سيادة المأثور الإسرائيلي على العقل ~~العربي وروحه، بعد أن غص مأثوره بالإسرائيليات. # أما الشق الثاني من عناصر الأمة، والذي يمثله المسيحيون العرب، فمعلوم منذ البدء ~~أنهم قد سلموا لإسرائيل وتوراتها، عبر إسرائيلية المسيح وتلامذته جميعا، نسبا، بل ~~وبالشق الأعظم من العقيدة المسيحية، وذلك اتباعا لأمر إيماني، يطلب الإيمان ~~بالمقدس الإسرائيلي القديم، والتاريخ الإسرائيلي؛ إعمالا لتوجيهات يسوعية بدأت ~~بالإعلان: «ما جئت لأنقض الناموس، بل جئت لأكمل.» ولهذا ركز المسيح تعاليمه على ~~الجانب الأخلاقي التشريعي، وترك ما دون ذلك للمؤمن يبحث عنه في المقدس الإسرائيلي؛ لذلك ~~تم ضم الكتاب اليهودي المقدس (التوراة ومجموعة الأسفار القديمة) إلى الكتاب المسيحي ~~المقدس (الأناجيل ومجموعة رسائل التلاميذ) في كتاب واحد مقرر على ms002 المسيحي المؤمن، ~~يحمل عنوان «الكتاب المقدس» بشقيه «العهد القديم» و«العهد الجديد». # وإعمالا لذلك سلم المسيحيون بتاريخ إسرائيل وقدسيته وحتميته القدرية، ونهايته ~~المرسومة في التقدير الإلهي لقيام مجد إسرائيل في فلسطين مرة أخرى، بل أصبح المسيحيون هم ~~مادة التطور الكبرى، لقيام مملكة داود وسليمان في فلسطين بزعامة الرب يسوع صاحب ~~الملكوت؛ لأنه امتداد لملوك إسرائيل القديمة، باعتباره من نسل سليمان وأبيه داود؛ فإن ~~هو إلا حفيد ملوك، تجري في عروقه دماء إسرائيلية ملكية، ارتفع في المسيحية من كرسي ~~النجارة الأرضية في مدينة الجليل، حيث كان يمارس حرفته، إلى كرسي الألوهية في السماء. ~~لكن ليظل وفيا لرحمه وعشيرته، يمركز كل الحقوق التاريخية والدينية لإسرائيل في فلسطين؛ ~~لأنه هو ذاته إله اليهود «يهوه» القائد الرباني المظفر الذي قاد شعب إسرائيل من مصر ~~ليقيم مملكة في فلسطين، نعم هو «يهوه» ولكن بعد أن تجلى لخرافه الضالة في صيغة ~~بشرية. # ومن ثم تنافس العربان، عتاة العقيدة العاضون بالنواجذ على الإيمان، مسيحية ~~وإسلاما، في تشريف تاريخ إسرائيل وتكريمه. وبينما باتت عودة المسيح لإقامة مملكة أبيه ~~داود، والجلوس على عرش سلفه سليمان في فلسطين، مشروعا مسيحيا، فلا يزال المسلمون ~~ينتظرون المسيح ليقتل الدجال، ويقيم ذات المملكة، وبعدها يقف إسرافيل ينفخ في البوق ~~من صخرة بيت المقدس، لقيام مملكة الحق الإسلامية الخالدة، مشروعا إسلاميا. # والأمر بهذا الشكل مشكلة إيمانية، وأزمة فكرية طاحنة، يتغافل عنها الجميع وفق ~~صيغهم السياسية، وتكتيكاتهم المرحلية، وأهدافهم الاستراتيجية، لكن المأساة الحقيقية أنها ~~تتجاوز ذلك الإطار إلى مستوى الأزمة الوطنية والقومية والاجتماعية، بحالة تبدو مستعصية ~~على الحل تماما، اللهم إلا في عالم الحلم الثوري الآتي، وهو - بالركون إليه - يعادل ~~تماما انتظار المسيح قاتل الدجال ثم دخول الجنات في المشروع الإسلامي، كما يعادل ~~انتظار عودة المسيح الإله وقيام المملكة المجيدة في المشروع المسيحي واليهودي، على حد ~~سواء. والمدرك لأبعاد تلك الأزمة المروعة في الفكر والسلوك العربي، سيجد كما من ~~الإحباط الفكري والنفسي، والواقعي (في التعايش مع ذلك الفكر السائد)، كفيلا وحده بإلجائه ~~إلى إهمال الأمر برمته، ms003 ونفض يديه منه، بيأس كامل ومطبق، لولا بقية من روح قتالية ~~تتشبث بالمحاولة، لوضع لبنة حقيقية في بناء الأمل الآتي، ضمن لبنات أخرى نتمناها ~~ونرجوها ونستحثها، من الباحثين المخلصين. # وضمن تلك المحاولات يأتي هذا القسم من بحثنا، الذي جهدنا عليه بالمعنى السالف، ولا ~~نعلم مدى ما حققناه فيه، الأمر متروك في النهاية للجدل القائم الآن على مستوى التعامل ~~مع التراث لتحديد الهوية؛ وعليه، أضع هذا الجهد، الذي ربما كان متعجلا في بعض مواضعه، ~~كناتج محاولة المسارعة بالخروج إلى الساحة، بعد تأخر طويل، راجيا أن أكون بذلك قد ~~وضعت بين يدي القارئ مساهمة على طريق التعامل العلمي مع طروحات الأيديولوجيا ~~الصهيونية، مع قناعة خاصة، أو اعتقاد، أني أقدم به واحدة من الأدوات اللازمة، في ~~الصراع الثقافي والحضاري، الملتبس دوما بالاجتماعي، والذي تخوضه فصائل أمتنا الواعية ~~اليوم. # سيد القمني # | التوراة قراءة نقدية # تأسيس # على الصفحة الأولى للكتاب المقدس (النسخة العربية) نقرأ إعلانا افتتاحيا يقول: # الكتاب المقدس؛ أي كتاب العهد القديم والعهد الجديد، وقد ترجم من اللغات ~~الأصلية وهي: اللغة العبرانية، واللغة الكلدانية، واللغة اليونانية. # والعهد القديم يشمل مجموعة الكتب اليهودية المقدسة، التي يشار إليها في مجموعها - ~~مجازا - باسم التوراة، وهو الاصطلاح الذي استخدمناه في عنونة كتابنا هذا للدلالة على ~~مجموعة كتب العهد القديم، رغم أن التوراة تقتصر على الكتب الخمسة الأولى من العهد ~~القديم، لكن الاصطلاح صار دارجا للدلالة على مجموع الكتب اليهودية التي يشملها ذلك ~~العهد بكامله، وهو المختص في صفحة عنوان الكتاب المقدس، بالترجمة عن اللغة ~~العبرانية واللغة الكلدانية، أما العهد الجديد فيشمل مجموعة الكتب المقدسة للعقيدة ~~المسيحية، وهو فقط من بين مجموع كتب الكتاب المقدس، المترجم عن اللغة ~~اليونانية. # ويطلق على كتب العهدين اصطلاحا لفظة «أسفار» (جمع «سفر» أي: كتاب، وتعني السور ~~أو المحيط بالمحتوى)، و«سفر» هي المقابل العبري لكلمة «سورة» في اللغة العربية؛ حيث ~~يتبادل الحرفان «ف» و«و» بين العبرية والعربية، كما في «ليفي» العبرية، ومقابلها «لاوي» ~~في العربية، وقد اعتبرت تلك السور أو الأسفار عند أصحابها كتبا ms004 مقدسة؛ أي موحى ~~بها. أما كلمة العهد في التسميتين «العهد القديم» و«العهد الجديد» فتعني الميثاق؛ ~~بمعنى أن كلتا المجموعتين من الكتابات عبارة عن ميثاق أخذه الله على البشر، ~~وارتبطوا به مع الله، فكان العهد القديم ميثاق العقيدة اليهودية، بينما أصبح العهد ~~الجديد ميثاق العقيدة المسيحية. # وكتب العهد الجديد تمثل مجموعة الأناجيل وعددها أربعة أناجيل هي على الترتيب: ~~إنجيل متى، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا؛ هذا إضافة إلى سفر أعمال الرسل، ~~ومجموعة رسائل تخص تلامذة المسيح والتي بشروا بها الأمم، وهي: # رسائل بولس الرسول: رسالة إلى رومية، ورسالتان إلى كورنثوس، ورسالة إلى ~~غيلاطية، ورسالة إلى أفسس، ورسالة إلى فيليبي، ورسالة إلى كولوسي، ورسالتان ~~إلى تسالونيكي، ورسالتان إلى تيموثاوس، ورسالة إلى تيطس، ورسالة إلى ~~فيلمون، ورسالة إلى العبرانيين. # رسالة يعقوب الرسول. # رسالتان لبطرس الرسول. # ثلاث رسائل ليوحنا الرسول. # رسالة ليهوذا. # سفر الرؤيا، وهو سفر خاص ناتئ يخص رؤيا ليوحنا اللاهوتي. # وتلك الأسفار والرسائل في مجموعها، إضافة إلى الأناجيل، تشكل سبعة وعشرين كتابا ~~أو سفرا، تكون منظومة المقدس المسيحي: أناجيل ورسائل مقدسة. # لكن الأهم، والذي يعنينا هنا، هو القسم الأول من الكتاب المقدس، وهو القسم الأكبر ~~والأضخم «العهد القديم» أو التوراة، ويتضمن تسعة وثلاثين سفرا ضخما هي على الترتيب: ~~سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية، وسفر يشوع، وسفر ~~القضاة، وسفر راعوث، وسفر صموئيل الأول، وسفر صموئيل الثاني، وسفر أعمال الملوك الأول، ~~وسفر أعمال الملوك الثاني، وسفر أخبار الأيام الأول، وسفر أخبار الأيام الثاني، وسفر ~~عزرا، وسفر نحميا، وسفر أستير، وسفر أيوب، وسفر مزامير النبي داود (المعروف إسلاميا ~~باسم الزبور لاختلاط حرفي الباء والميم بين اللسان العبراني واللسان العربي)، وسفر ~~الأمثال، وسفر الجامعة، وسفر نشيد الأنشاد الذي لسليمان، وسفر إشعيا (وهو مجموعة ~~نبوءات)، وسفر دانيال، وسفر هوشع، وسفر يوئيل، وسفر عاموس، وسفر عوبيديا، وسفر يونان، ~~وسفر ميخا، وسفر ناحوم، وسفر حبقوق، وسفر صفنيا، وسفر حجي، وسفر زكريا، وسفر ~~ملاخي. # وعادة ما يتم تقسيم هذه المجموعة من الأسفار إلى أربعة ms005 أقسام هي على الترتيب: # القسم الأول: # المعروف باسم التوراة، أو كتب موسى الخمسة أو البانتاتك ويشمل خمسة ~~أسفار هي: التكوين # Cenesis # والخروج # Exodus # واللاويين # Leviticus # والعدد # Nambers # والتثنية # Deuteronomy ~~. وتعد تلك الأسفار ~~الخمسة أهم أجزاء العهد القديم، وتنسب بجملتها إلى النبي موسى ~~بوحي من الله. # ويحكي السفر الأول منها (التكوين) تاريخ العالم من لحظة البدء بخلق ~~السموات والأرض، ثم آدم ونسله، ويسير مع ذلك النسل حتى يصل إلى ~~أولاد يعقوب المعروف بإسرائيل، وهم اثنا عشر ولدا يعرفون بالأسباط أو ~~بني إسرائيل، وينتهي السفر باستقرار هؤلاء ضيوفا على أرض مصر، في ~~زمن حلت به المجاعة بالمنطقة بكاملها، ومن المرجح عند العلماء أن ~~هذا السفر قد تم تأليفه حوالي القرن التاسع قبل الميلاد؛ أي بعد ~~موسى بحوالي خمسة قرون، وهو افتراض علمي لا يأخذ بعين الاعتبار ~~مسألة نسبته للوحي أو لموسى من الأساس. # أما السفر الثاني (الخروج) فيعرض للأحداث التي مرت بها القبيلة ~~الإسرائيلية في مصر، وقصة النبي موسى وقيادته لبني إسرائيل في رحلة ~~خروج - أو هروب - كبرى، ويحكي السفر أحداث الرحلة بتدقيق وتفصيل ~~شديدين، ويشير إلى أسماء ومواضع الحل والترحال بكثافة وإصرار، ~~إضافة لما يحويه ذلك السفر من بعض أحكام الشريعة اليهودية في ~~العبادات والمعاملات والعقوبات، ويرجح أنه قد تم تأليفه زمن ~~تأليف سفر التكوين. # والسفر الثالث هو سفر «التثنية»، الذي شغل معظمه بأحكام الشريعة ~~اليهودية الخاصة بالحرب والسياسة والاقتصاد، والمعاملات والعقوبات ~~والعبادات، وقد سمي التثنية لأنه ثنى أو أعاد ذكر التعاليم التي ~~يفترض أن موسى تلقاها من ربه، لكن العلماء يرجحون أن هذا السفر قد ~~تم تأليفه في أواخر القرن السابع قبل الميلاد؛ أي بعد موسى بحوالي سبعة ~~قرون، وذلك أثناء وجود القبيلة الإسرائيلية في المنفى البابلي. # والسفر الرابع هو سفر «اللاويين» أو الليفيين، نسبة إلى لاوي أو ~~ليفي # Lievi # أحد الأسباط، والإشارة ~~هنا إلى أبناء ليفي أو سلسلة نسله من أحفاد الأحفاد، الذين اشتغلوا ~~بالكهانة اليهودية، ومن هؤلاء الأبناء كان النبي موسى، وقد شغل معظم ~~هذا السفر بشئون العبادة ms006 وطقوسها، خاصة ما تعلق منها بطرق تقديم ~~الأضاحي والقرابين. # أما السفر الخامس وهو سفر «العدد»، فقد اهتم بإحصائيات عن عدد ~~قبائل بني إسرائيل، وجيوشهم، وأموالهم، وأي أمر كان يمكن إحصاؤه في ~~شئونهم؛ لذلك سمي «العدد» من عملية العد والإحصاء. # القسم الثاني: # ويعرف بالأسفار التاريخية، وعددها اثنا عشر سفرا، قامت بعرض ~~تاريخ بني إسرائيل بعد استيلائهم على كنعان (فلسطين)، وهي أسفار: يشوع ~~(ويشوع هو خليفة موسى على قيادة بني إسرائيل إلى فلسطين بعد موت موسى، ~~بعد استيلائهم على بعض أرض فلسطين)، ثم سفر راعوث (وهو اسم جدة ~~داود من جهة أبيه)، ثم سفر صموئيل الأول، وصموئيل الثاني (وصموئيل ~~هو آخر قضاة إسرائيل قبل انتهاء النظام القبلي وقيام المملكة ~~المركزية). ثم يلي ذلك سفران بعنوان أعمال الملوك أو الملوك أول ~~وثاني، ويحكي تاريخ ملوك بني إسرائيل بدءا من أول ملوكهم «شاول» ~~مرورا بداود وولده سليمان وسلسلة الملوك من بعدهم. ويلي ذلك سفران ~~بعنوان أخبار الأيام، وهما أول وثاني بدورهما، ويعرضان على الترتيب ~~شجرة النسب من آدم إلى يعقوب إسرائيل، وهو تكرار سبق عرضه في سفر ~~التكوين. ثم بعد ذلك يتم تقديم عرض لتاريخ داود، ثم ولده سليمان، ~~ثم عرض لتاريخ إسرائيل السياسي بعد سليمان. # ويأتي بعد ذلك سفر عزرا وينسب إلى عزرا النبي الذي تمكن من إعادة ~~الإسرائيليين من منفاهم في بابل إلى فلسطين، وذلك حوالي القرن الخامس ~~قبل الميلاد، وإليه تنسب محاولة إعادة تجديد الديانة ونفخ الروح في ~~القومية الإسرائيلية، إضافة إلى قيامه بتجديد بناء الهيكل، وينسب ~~إلى عزرا النشط هذا تحرير كثير من أسفار العهد القديم، حتى بلغ ~~منزلة عظيمة الشأن، عند بني إسرائيل. # ومن بين تلك الأسفار التاريخية يأتي أيضا سفر نحميا نسبة إلى ~~نحميا، أحد وجهاء بني إسرائيل، والذي تمكن بمساعدة عزرا من إقناع ملك ~~الفرس، بالسماح لهم ببناء الهيكل مرة أخرى. ويلي نحميا سفر أستير وهو ~~سفر صغير يشتمل على تسعة إصحاحات فقط، يروي قصة الإسرائيلية ~~الجميلة أستير، التي تمكنت من إغواء أحشويريش ملك الفرس فتزوجها، ~~كما ms007 تمكنت من إحباط مؤامرات وزيره هامان ضد بني ملتها، ~~ودبرت مع عمها الكاهن مردخاي مكيدة قضت عليه وعلى أنصاره، حتى سمح ~~لهم الملك الفارسي بالولوغ في الدم كيف شاءوا، فقام الإسرائيليون ~~بذبح الآلاف من قوم هامان ونسائهم وأطفالهم، وحتى اليوم يحتفل أصحاب ~~الملة اليهودية بذكر تلك المذبحة الدموية في عيد البوريم، أو عيد ~~أستير، وذلك في شهر مارس من كل عام. # القسم الثالث: # ويعرف بمجموعة أسفار الأناشيد أو الأسفار الشعرية، ويشمل أسفارا في ~~صيغ الأناشيد والمواعظ الدينية المؤلفة تأليفا شعريا وهي خمسة ~~أشعار: أولها أيوب ثم المزامير، وبعده سفر أمثال سليمان ثم سفر ~~الجامعة وهو منسوب بدوره لسليمان، ومن بعده سفر نشيد الأنشاد وهو ~~بدوره من أعمال سليمان حسب عنوانه «نشيد الأنشاد الذي لسليمان». # القسم الرابع: # ويسمى بمجموعة أسفار الأنبياء (النبييم)، ويشمل سبعة وعشرين سفرا ~~تعرض لتاريخ أنبياء إسرائيل بعد موسى، وهي إشعيا، وأرميا، ومراثي ~~أرميا، وحزقيال، ودانيال، وهوشع، ويوئيل، وعاموس، وعوبديا، ويونس، ~~وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجي، وزكريا، وملاخي. # ويرجح العلماء أن معظم تلك الأسفار قد تم تأليفها بين النصف ~~الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد، وأوائل القرن السادس قبل الميلاد، ~~وأن بعضها يمكن تزمينه بأواخر القرن الرابع قبل الميلاد. ~~(1) علاقة النبي موسى بالتوراة # بات معلوما - اليوم - أن نسبة «الأسفار الخمسة الأولى من التوراة» إلى النبي موسى، ~~أمر مشكوك فيه تماما، وغير علمي بالمرة، بل أصبح من العلمي القطع بتأليفه على يد ~~عدد من الكتاب الذين اختلفت مشاربهم وأمزجتهم وثقافتهم ومواقعهم الاجتماعية ~~وتوجهاتهم العقائدية، وهو الأمر الذي فرض نفسه في النهاية على المؤسسات الدينية ~~ذاتها، حتى إنك تجد في مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس، الصادرة في عام ~~1960م ما نصه: # ما من عالم كاثوليكي في عصرنا، يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة، منذ ~~قصة الخليقة، أو أنه أشرف حتى على وضع النص؛ لأن ذلك النص قد كتبه عديدون ~~بعده؛ لذلك يجب القول: إن ازديادا تدريجيا قد حدث، وسببته مناسبات ~~العصور التالية، الاجتماعية والدينية. # وقد كان السبب في إطلاق ms008 اصطلاح «أسفار موسى الخمسة» على التوراة، هو افتراض إيماني ~~ينسب تأليفها إلى النبي موسى، حتى صار ذاك الافتراض عقيدة يهودية منذ عهد فيلون ~~السكندري ويوسفيوس في القرن الأول قبل الميلاد، اللذين عاصرا المسيح، وأعلنا أن موسى ~~هو مؤلف التوراة، وهي العقيدة التي ظلت تأخذ بها الكنيسة إلى زمن قريب، ولا تزال ~~سائدة في كثير من الكنائس. # إلا أن التوراة نفسها تقدم لمن يبحثها شواهد تقطع بأن تلك النسبة إلى موسى ~~باطلة تماما، ومن تلك الشواهد على سبيل المثال: # هناك عبارات تتعلق بموسى في التوراة، ويستحيل أن تصدر عنه وذلك مثل ~~الآية التي تقول: «وأما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع ~~الناس الذين على وجه الأرض» (عدد، 12: 3)؛ فهنا واضح تماما أن الكاتب شخص ~~آخر يتحدث عن موسى، ويذهب إلى تأكيد حلم «الرجل موسى»، كما لو كانت ~~محاولة للتنصل من أحداث سيرة ذلك النبي التوراتية، تنفي عنه صفة الحلم ~~بالمرة. ومثل تلك الآية، الأخرى التي تقول: «وأيضا الرجل موسى كان عظيما ~~جدا في أرض مصر، وفي عيون فرعون وعيون الشعب» (خروج، 11: 3). هذا ~~ناهيك عن الخبر الخاص بوفاة موسى والذي يقول: «فمات هناك موسى عبد الله في ~~أرض موآب حسب قول الله، ودفنه في الجواء في أرض موآب» (تثنية، 34: 5)، ~~وبالطبع يستحيل أن يكتب موسى عن نفسه أنه قد مات، بل ويحدد موضع ~~دفنه. # إنك تجد في التوراة أسماء لمواضع جغرافية يستحيل أن يكون لدى موسى ~~علم بها؛ لأنها كانت في عمق أرض فلسطين وموسى مات ولم تطأ قدمه أرض ~~فلسطين. إضافة إلى أن أكثر تلك الأسماء لم تكن قد سميت زمن موسى، ~~بل تمت تسميتها حسب ظروف ومستجدات حدثت بعد موسى بثلاثة أو أربعة ~~قرون؛ مثل اسم مدينة دان (تكوين، 14: 14؛ تثنية، 34: 1)، ومثل مجموعة القرى ~~المعروفة باسم يائير (عدد، 32: 41؛ تثنية، 3: 14)، وهي القرى التي لم تظهر ~~أصلا في الوجود إلا في عصر القضاة بعد زمن موسى بقرون (انظر: القضاة، 10: ~~14). # وفي قصة يوسف خطأ تاريخي هائل، يطلق على فلسطين أرض العبريين (تك، ~~40: 15) وهو الاسم ms009 الذي لم يطلق إلا بعد ذلك بزمان، بينما قبل ذلك - ~~بتأكيد التوراة نفسها - كانت تسمى أرض الفلسطينيين، وأرض ~~الكنعانيين. # وفي سفر التكوين سقطة فاضحة تؤكد كتابة التوراة بعد قيام الملكية ~~المركزية لإسرائيل؛ أي بعد أربعة قرون من زمن النبي موسى، والسقطة تتضح في ~~حديث التوراة، وقولها إن ما ترويه عن زمن موسى، كان «قبل أن يملك ملك من ~~أبناء إسرائيل» (تكوين، 36: 31؛ عدد، 24: 7)، وهي جملة لا يكتبها إلا شخص ~~عاصر العهد الملكي وعرف بقيام المملكة، إنها بالقطع لا يمكن أن تكتب ~~إلا في العصر الملكي لإسرائيل. # هناك تعبير متواتر في التوراة هو «حتى اليوم»، يلحق قص بعض الأحداث، ~~كالقول إنه تم تسمية مدينة كذا بهذا الاسم وهذا اسمها «حتى اليوم»، أو إن ~~الحدث قد أدى إلى تدمير مدينة كذا وظلت على حالها ذلك «حتى اليوم». ~~والملاحظ أن كل التسميات والأحداث التي لحق بها هذا التعبير، تمت بعد ~~عصر موسى بقرون، إضافة إلى مساحة زمنية أخرى يضيفها تعبير «حتى اليوم»؛ ~~أي حتى يوم كتابة الحدث وتدوينه. وهو ما يشير باليقين إلى مسافة زمنية ~~أخرى تفصل بين الحدث وبين زمن التدوين؛ مما يبعد بزمن كتابة التوراة عن ~~زمن موسى مسافات أخرى. ونموذجا لذلك التعبير المتواتر ما يمكنك أن تجده ~~في عدة مواضع؛ مثل «تكوين، 35: 20؛ وتكوين، 47: 26؛ وتكوين، 48: 15؛ ~~وخروج، 10: 6؛ وعدد، 22: 30؛ وتثنية، 22: 30؛ وتثنية، 10: 8؛ وتثنية، 11: ~~4». # أما تعبير «ولم يظهر نبي مثل موسى» (تثنية، 34: 10) فهو يشير إلى ~~معرفة الكاتب بظهور أنبياء بعد موسى، والمفترض أن ذلك لم يكن معلوما ~~زمن موسى، علما أن هؤلاء الأنبياء لم يبدأ تواجدهم الفعلي إلا بعد عهد ~~صموئيل ومع قيام المملكة الإسرائيلية. # وعلى مثل تلك الملاحظات التي يمكن لقارئ مدقق أن يراها في التوراة، ~~تتالت التأكيدات التي ترفض نسبة التوراة إلى موسى؛ فكان تأكيد توماس هوبز ~~الفيلسوف الإنجليزي (1588-1679م) أن تدوين التوراة قد تم بعد موت موسى ~~بزمن طويل. ثم تبعه الفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا (1632-1677م) الذي ~~انتهى إلى إنكار أي احتمال يمكن بموجبه نسبة التوراة إلى موسى، وقدم ~~على ذلك شواهد عديدة، ms010 وقدم عددا من القرائن التي تشير إلى أن كتب ~~العهد القديم بدءا من سفر التكوين وحتى سفر الملوك الثاني، قد كتبها ~~عزرا الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. وكان الطبيب الفرنسي جاك ~~أوستراك (1684-1766م) أول من كشف عن احتواء سفر التكوين على روايتين ~~مختلفتين، وأوضح حقيقة وجود اسمين مختلفين للإله في ذلك السفر وفي ~~قسم من سفر الخروج، هما «إلوهيم = ~~الآلهة» و«يهوه». وقد ربط «أوستراك» بين ذلك وبين روايات التوراة فاكتشف أن ~~الأجزاء التي تستخدم اسم «إلوهيم» تروي رواية مختلفة عن تلك التي تستخدم ~~اسم «يهوه». # ويأتي الألماني جراف (1865م) ليكمل تلك الدراسات فيقوم بعملية عكس وقلب شامل ~~للتصور التقليدي، الذي شاع عن كون القصة الإلوهيمية هي الأقدم، ليؤكد أن القصة ~~اليهودية كانت هي الأقدم، بينما دونت القصة الإلوهيمية في فترة العودة من المنفى ~~البابلي زمن عزرا، وذلك خلال القرن الخامس قبل الميلاد. # 1 # ولعل أهم ما ينفي نسبة التوراة إلى موسى، أنها لم تكن أبدا موضوعا واحدا ~~متكاملا دفعة واحدة، يؤكد ذلك التكرار الذي يمكنك ملاحظته في قصة الخلق، مما يشير ~~إلى اختلاف المؤلفين، بل إنك تجد في ذلك التكرار مخالفات جوهرية، ونماذج لتلك ~~الروايات والمخالفات ما يمكن أن نورده كأمثلة وليس حصرا: # في قصة الخلق أو التكوين التي يمكن للقارئ ~~الرجوع إلى نصها كاملا بالتوراة منعا للإطالة، يمكننا أن نقف على ذلك التناقض في فعل ~~الخلق، الذي يقوم به مرة من سمي في الترجمة العربية «الله» وهو في الأصل العبري ~~«يهوه». كما في القول: «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين، 1: 1) أو كما في ~~القول: «وقال الله ليكن ... كذا وكذا.» ومرة أخرى نجد الخالق في ذات القصة لكن في مواضع ~~أخرى هو «إلوهيم» أو «الآلهة»، وذلك كما في قوله لأعضاء مجمعه الإلهي: «نعمل الإنسان ~~على صورتنا كشبهنا» (تكوين، 1: 26). # وفي موضع من القصة يقوم الإله بخلق السماء ~~والأرض دفعة واحدة «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين، 1: 1)، بينما في موضع ~~آخر تكون السماء والأرض موجودتين في الأصل في ms011 هيئة غمر ماء أزلي مظلم يفتقه الله ~~عن بعضه إلى سماء و«أرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه ~~المياه ... وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلا بين مياه ومياه، فعمل الله ~~الجلد ... ودعا الله الجلد سماء» (تكوين، 1: 2-8). # وفي مشهد آخر من دراما التكوين، نجد الإله يقوم بإنبات النبات في الأرض ويضع فيها ~~حيوانها ودباباتها «وقال الله لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر ~~يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الأرض» (تكوين، 1: 11)، وفي مشهد آخر نجد برية ~~بلا عشب يقوم الرب الإله فيها بخلق آدم، ثم يضعه فجأة في مكان يدعى جنة عدن ~~ليزرع أرضها ويفلحها «هذه مبادئ السموات والأرض حين خلقت، يوم عمل الرب الإله ~~الأرض والسموات، كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض، وكل عشب البرية لم ينبت ~~بعد ... وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ... وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ~~ووضع هناك آدم الذي جبله» (تكوين، 2: 1-8). # أما أفصح الإشارات لوجود روايتين مختلفتين لقصة الخلق، فهو ما جاء عن آدم عندما ~~وضع في الجنة، فمرة نعلم أنه لم يكن محرما عليه أكل ثمرة الخلد أساسا، بينما ~~نفهم في موضع آخر أنه كان مخلوقا للفناء «حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها؛ لأنك ~~تراب، وإلى التراب تعود» (تكوين، 3: 19). # ثم تناقض آخر؛ فلدينا رواية تؤكد أن عملية الخلق قد بدأت بخلق السموات والأرض ~~دفعة واحدة «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين، 1: 1)، وأنه بعد ذلك تقرر ~~إنارة الكون «وقال الله ليكن نور فكان نور. ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ~~ليلا» (تكوين، 1: 3-5)، بينما لدينا رواية أخرى تتحدث عن السماء والأرض كموجود واحد ~~أصلي في هيئة محيط أزلي مظلم، وترجئ تلك الرواية إيصال الإنارة إلى ما بعد فتق ~~هذا المحيط إلى سماء وأرض «وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلا بين مياه ~~ومياه. ودعا الله الجلد سماء ... وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل ms012 بين النهار ~~والليل» (تكوين، 1: 6، 8، 14). # أما أبرز الشواهد على مزج روايتين مختلفتين للتكوين، فهو الكيفية التي تم بها ~~خلق الإنسان الأول؛ ففي مواضع من القصة نجد الخالق يخلق الإنسان دفعة واحدة، ككائن ~~واحد يجمع في ذاته الواحدة بين الذكورة والأنوثة «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله ~~عمله «ذكرا وأنثى، خلقه وباركه ودعا اسمه آدم»» (تكوين، 5: 1)، لكن في موضع آخر نجد ~~الإله يخلق زوجين متمايزين ذكرا وأثنى «على صورة الله خلق الزوجين، ذكرا وأنثى ~~خلقهم» (تكوين، 1: 27). # وبالطبع لم تكن شواهد التداخل بين روايات مختلفة تم جمعها، أمرا واضحا في قصة ~~الخلق وحدها؛ فهناك دلائل أخرى في روايات أخرى تشير إلى هذا الأمر بسفور؛ ففي قصة ~~نوح نجد رواية تقول إن الله قد أمر نوحا أن يأخذ معه في الفلك من كل زوجين ~~اثنين «ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل، تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك، ~~تكون ذكرا وأنثى» (تكوين، 6: 19)، بينما نجد رواية أخرى ترتفع بهذا الرقم فتقول: «من ~~جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة ذكرا وأنثى» (تكوين، 7: 2). ثم في موضع نجد ~~نوحا يستكشف أحوال الطوفان «وأرسل الغراب فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الأرض» ~~(تكوين، 8: 7)، بينما المستمر في القراءة يجد المياه لم تنشف بعد، فيرسل الحمامة، ثم ~~بعد فترة «في الشهر الثاني في اليوم السابع والعشرين من الشهر جفت الأرض» (تكوين، 8: ~~14). والقصة النوحية مليئة بمثل تلك التناقضات التي لا تغيب على فراسة قارئ مهتم، ~~وهي ذات التناقضات التي تغص بها بقية أسفار التوراة بلا استثناء؛ فهناك كمثال ~~تعليلات قدمتها التوراة لتفسير بعض التسميات، كتعليلها لتسمية مدينة «بئر سبع» ~~بهذا الاسم؛ فالتسمية في رواية تقول إنها سميت كذلك نسبة إلى سبع نعاج قدمها ~~النبي إبراهيم لأبيمالك ملك مدينة جرار الفلسطينية، كرمز لميثاق عدم اعتداء بينهما، ~~وهو الوارد في «تكوين، 21: 28-31». لكن في رواية أخرى نجد التسمية تعود إلى إسحاق بن ~~إبراهيم الذي حفر له عبيده بئر ماء «فدعاها شعبه، لذلك اسم المدينة بئر سبع إلى هذا ~~اليوم» (تكوين، 26: 33). وذات ms013 التناقض نجده في تعليل تسمية مدينة «بيت إيل»؛ فهو في ~~رواية ينسب إلى يعقوب بن إسحاق عندما نام فأتاه الله في المنام فقام متيقنا أن هذا ~~المكان مسكن الله فسماه بيت الإله أو بيت إيل «ودعا اسم ذلك المكان بيت إيل، ولكن اسم ~~المدينة أولا كان لوز» (تكوين، 28: 19)، وفي رواية أخرى تنسب التسمية إلى يعقوب ~~أيضا لكن في قصة أخرى ومناسبة أخرى حيث حدثه الله «ودعا يعقوب اسم المكان الذي فيه ~~تكلم الله معه بيت إيل» (تكوين، 35: 15). هذا بينما نعلم من التوراة ذاتها «أن المدينة ~~كانت تحمل اسم بيت إيل قبل يعقوب وقبل أبيه إسحاق وقبل جده إبراهيم»؛ حيث نعلم أن ~~إبراهيم هبط أرض فلسطين غريبا «ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته، ~~وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق» (تكوين، 12: 8). # وفي قصة يوسف نجد يهوذا أحد الأسباط وهو هو صاحب اقتراح بيع يوسف للإسماعيليين ~~بعشرين مثقالا (تكوين، 37: 26-28)، بينما في موضع آخر نجد رءوبين أخاهم يقترح إلقاءه ~~في الجب (تكوين، 37: 21، 22، 24)، ثم تجد نفسك هنا في متاهة: هل ألقوه أم باعوه؟ ~~ومن الذي أنقذه أو اشتراه؟ تجار إسماعيليون أم مديانيون؟ التضارب هنا يصل قمته فلا ~~تخرج بطائل. # وعليه فلا مناص من الاعتراف بأن التوراة، مجموعة جمة من التآليف التي اشترك في ~~وضعها مجموعة مؤلفين، اختلفوا، ولم يلتقوا أبدا لتصفية ما بينهم من خلافات، وأن ~~هذه المجموعة من التآليف تعنى بمسائل دينية ودنيوية وسياسية وأدبية وتاريخية. أما ~~الذي يجب الإشارة إليه وعدم إهماله فهو شهادة العهد القديم نفسه في كثير من الإشارات ~~الواضحة إلى أسفار يحيلنا إليها، فلا نجدها ضمن المقدس المجموع، مما يدلل ~~بسفور على ضياع كثير من الكتب والأسفار ونموذجا لذلك، وهنا سنحاول الحصر، وسنأتي ~~بالنصوص التوراتية التي تحيلنا لمزيد التفصيل في أسفار أخرى، بينما هذه الأسفار غير ~~موجودة على الإطلاق. # لذلك يقال في كتاب حروب الرب: «واهب في سوفة وأودية أرنون» ~~(العدد، 21: 14). (هنا سفر حروب الرب ~~وهو غير موجود.) ~~«فدامت الشمس ووقف القمر ms014 حتى انتقم الشعب من أعدائه أليس هذا مكتوبا ~~في سفر ياشر ، فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل» ~~(يشوع، 10: 13). (هنا سفر ياشر، وهو مفقود بدوره.) ~~«فكلم صموئيل الشعب بقضاء المملكة وكتبه في السفر ووضعه أمام الرب» ~~(صموئيل الأول، 10: 25). (وهنا سفر قوانين المملكة، وهو غير ~~موجود.) ~~«وأمور داود الملك الأولى والأخيرة، هي مكتوبة في سفر أخبار صموئيل ~~الرائي، وأخبار ناثان النبي، وأخبار جاد الرائي» (أخبار أيام أول، 29: 29). ~~(وهنا ثلاثة أسفار هي أخبار صموئيل الرائي وناثان النبي وجاد الرائي، وهي ~~بدورها لا يعلم شيء عنها.) ~~«وبقية أمور سليمان الأولى والأخيرة، إما هي مكتوبة في أخبار ناثان ~~النبي، وفي نبوءة أخيا الشيلوني، وفي رؤى يعدو الرائي» (أخبار أيام ثاني، ~~9: 29). (وهنا إشارة إلى سفرين آخرين مفقودين هما سفر أخيا الشيلوني، ~~وسفر يعدو الرائي.) ~~«وبقية أمور يهوشافط الأولى والأخيرة، ها هي مكتوبة في أخبار ياهو بن ~~حناني، المذكور في سفر ملوك إسرائيل» (أخبار أيام ثاني، 20: 34). (وهنا ~~سفر آخر مفقود هو سفر أخبار ياهو بن حناني.) ~~«وبقية أمور عزيا الأولى كتبها إشعيا بن آموص النبي» (أخبار أيام ~~ثاني، 26: 23). (والإشارة هنا إلى سفر ~~من إشعيا المعروف؛ فالسفر المفقود هنا لإشعيا النبي، وقد دونه عن الملك ~~الإسرائيلي عزيا.) ~~«وبقية أمور حزقيا ومراحمه، ها هي مكتوبة في رؤيا إشعيا بن آموص النبي» ~~(أخبار أيام ثاني، 32: 32). ~~«وكذلك فإن أخبار الملك الإسرائيلي حزقيا بدورها ليست مدونة في سفر ~~إشعيا المعروف؛ وعليه فهناك سفر دونه إشعيا عن أخبار هذا الملك فقد ~~بدوره، ما كان هو ذات السفر المفقود الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة ~~مباشرة.» ~~«ورثى أرميا يوشيا، وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم ~~إلى اليوم، وجعلوها فريضة إسرائيل» (أخبار أيام ثاني، 35: 25). ~~«وهنا إشارة لمراث كتبها النبي أرميا على الملك الإسرائيلي يوشيا، ~~الذي قتل على يد الفرعون المصري نخاو، وأن تلك المراثي كانت ترتل كطقس ~~فرضي على بني إسرائيل في صلواتهم، أو في تاريخ المناسبة السنوي، وهي غير ~~موجودة في أرميا أو مراثيه الموجودة بالعهد القديم ms015 الموجود بين أيدينا، مما ~~يشير إلى كونها شكلت سفرا بذاتها فقد بدوره.» ~~«وكان بنو لاوي رءوس الآباء مكتوبين في سفر أخبار الأيام إلى أيام ~~يوحانان بن الياشيب» (نحميا، 12: 23). ~~(وبالبحث في السفر الموجود بالعهد القديم والمعروف بأخبار الأيام الأول، ~~والسفر المعروف بأخبار الأيام الثاني، لم نجد تلك الإشارات حتى يوحانان ~~بن الياشيب، مما يقطع بوجود سفر أخبار أيام ثالث هو المقصود بتلك ~~الإشارة، وهو غير موجود بالعهد القديم، مما يشير إلى ضياعه ~~بدوره.) # وتأسيسا على ذلك يمكن القول إن هناك ستة عشر أو سبعة عشر كتابا قد ضاعت من العهد ~~القديم، وربما يصل الرقم إلى عشرين إذا أخذنا بإشارات إلى ثلاثة كتب مفقودة تنسب ~~إلى الملك سليمان، هذا عدا ما ضاع ولم تشر إليه أسفار العهد القديم، ولم نعلم بأمره. ~~وكان ضياع تلك الأسفار وغيرها أمرا محتوما، اقتضته ظروف المنطقة والحروب التي خاضها ~~الإسرائيليون، والتي تعرض أثناءها هيكلهم للتدمير والتلف أكثر من مرة. هذا ~~إضافة للمدة الطويلة التي تطلبها تدوين ذلك المقدس الهائل، والتي امتدت زمنا ~~طويلا، وكان هذا بحد ذاته مدعاة لنقص شديد تعرض له ذلك الكتاب، الذي يلقي بظله ~~على أي بحث ديني أو تاريخي فيه. ناهيك عن خضوع الأسفار لمؤثرات مختلفة وعديدة ~~باختلاف الأزمان والأحداث التي عملت فيها حذفا أو زيادة، حتى إنك تجد اليوم نزاعا ~~داخل المؤسسات اللاهوتية ذاتها، حول مدى أصالة سفري الجامعة ونشيد الأنشاد، وهل هما ~~مقدسان يهوديان، أم دخيلان من ديانات أخرى. ~~(2) تدوين العهد القديم وترجمته # انتهى التطور الأخير لأعمال مدرسة يوليوس فلهاوزن الألمانية حول الكتاب المقدس ~~(1844-1918م)، إلى الكشف عن وثائق أربعة مختلفة يتكون منها المقدس اليهودي ~~التوراتي (العهد القديم)، هي على الترتيب: ~~(1) # مصدر يهوي # Jaheist ~~: ويرمز له اختصارا ~~بالرمز # J # وقد أخذت التسمية من اسم الإله ~~يهوه # Jahouva # لأنه الاسم الإلهي ~~الغالب على الاستعمال في هذا المصدر، ويرجع تأليفه إلى حوالي عام 850ق.م في ~~مملكة يهوذا؛ أي المملكة الجنوبية. وقد ركز هذا المصدر على الوعد الذي ~~أعطاه الله للبطاركة من إبراهيم إلى ms016 موسى. وإن كان يحق لنا أن نرى ذلك ~~التركيز في هذا المصدر، محاولة لإضفاء الشرعية التاريخية والدينية، على ~~الائتلاف الذي أنشأه داود، بوضعه هو وأسلافه في خضم تاريخ أقدم، لجعل ~~مملكة داود ميثاقا وعهدا مع الله، يمتد شرعا إلى العهد مع إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب وموسى، ويمنح وحدة القبائل المعروفة بالأسباط وجودا ~~تاريخيا قديما، وهي الوحدة التي لم تتحقق إلا بعد خروج القبائل ~~الإسرائيلية من مصر، بقصد وضع أساس قومي تاريخي متين للدولة التي ~~وحدت القبائل، حتى يصعد بتاريخ تلك القومية التاريخية عبر الأنساب ~~إلى زمن الخلق الأول. ~~(2) # مصدر إلوهيمي # Elohist ~~: ويرمز له ~~اختصارا بالرمز # E # نسبة إلى الاسم الإلهي ~~الغالب في ذلك المصدر وهو إيل # EL # أي ~~الإله، وإللوهيم أي الآلهة، ويرجع زمن تأليفه إلى حوالي 770ق.م، ويرجح ~~أنه قد تم تأليفه في المملكة الشمالية إسرائيل، ثم تم بعد ذلك إدماج ~~المصدرين اليهوي # J # والإلوهي # E # في مجموعة واحدة يرمز إليها بالرمز # EJ # وذلك حوالي عام 650ق.م. وقد عني ~~هذا المصدر، باستكمال النقص الذي حدث في المصدرين اليهوي والكهنوتي الذي ~~سياتي ذكره الآن. ~~(3) # سفر التثنية # Deuteronomy ~~: ويرمز له ~~اختصارا بالرمز # D # ويعني بالإغريقية ~~«القانون الثاني»، ويعد مصدرا منفصلا، تم تأليفه خلال القرن السابع قبل ~~الميلاد، وتزعم الرواية التوراتية أنه كان مخفيا في مكان أو فجوة ~~بجدران المعبد، وتم الكشف عنها عام 622ق.م أثناء حكم الملك اليهودي «يوشيا» ~~عند ترميم معبد أورشليم (ملوك ثاني، 22: ~~3-10؛ و22: 3-25)؛ حيث عثر المرممون في وجود كبير الكهنة «حلقيا» على ~~كتاب الشريعة وأحضروه للملك، فترك فيه أثرا عظيما، حتى قام بموجبه ~~يحرم كل الطقوس المختلفة عن الوثنية، وقصر العبادة على معبد يهوه في ~~أورشليم وحده. لكن الملاحظ هو تعرض ذلك المصدر لكثير من الحشو ~~والإضافات من عناصر ثقافية لا علاقة لها بالبيئة الصحراوية البدوية، ~~وواضح أن كاتبها ينتمي لثقافة دولة متماسكة يحكمها ملك، ويعنى هذا ~~السفر بالإضافة للشريعة، بوضع تشاريع الحرب وما جاء من أوامر إلهية ~~بشأنها. ~~(4) # المصدر الكهنوتي Priestly ~~: ويرمز له ~~اختصارا بالحرف P ms017 # وهو تجميع كهنوتي يرجع ~~إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ويركز على شعائر العبادة والطقوس، ويعود ~~للتركيز على العهد مع نوح وإبراهيم وموسى وداود، ويقوم جوهره على وجوب ~~إخلاص اليهود للعهد حتى يستحقوا الخلاص والوفاء بالعهد، وذلك عن طريق ~~التزامهم شريعتهم بدقة، وشريطة أن يتمسكوا بلحظتين تاريخيتين جوهريتين: ~~لحظة العهد القديم مع الله الذي أخذوا فيه الأرض مقابل الختان، أما ~~اللحظة الأهم والأخطر فهي لحظة الإنقاذ بكبرى المعجزات (فلق البحر) عند ~~الخروج من مصر، لذلك يكاد العزف على معجزة البحر عند اليهود، يشكل ~~ترنيمة دائمة، وركنا أساسيا في الاعتقاد، ويرجع زمن ذلك المصدر إلى عهد ~~«عزرا»، وقد تم إدماج هذا المصدر مع المصدر اليهوي والمصدر الإلوهيمي ~~حوالي نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. # وانتهت المدرسة الألمانية، إلى أنه قد تم تجميع المصادر الأربعة في كتاب واحد، هو ~~العهد القديم، حوالي عام 200ق.م، أما الأسفار المتأخرة مثل سفر المكابيين الأول ~~والثاني (في النسخة السبعينية اليونانية)، فقد تم تحريرها خلال القرن الأول قبل ~~الميلاد. إلا أن مدرسة «فلهاوزن» قامت بعمل جريء حقا عندما عكست الترتيب اللاهوتي ~~التقليدي القديم لتأليف الأسفار، بناء على ما أصبح بيدها من نتائج، وبحيث أصبح الترتيب ~~يعاد على النحو التالي: أسفار الأنبياء، فالأسفار التاريخية، ثم أسفار موسى الخمسة ~~مضافا إليها سفر يشوع لتتشكل التوراة من ستة أسفار بدلا من خمسة، ثم أضيفت ~~إليها الأسفار بترتيب منهجي حسب مادتها، وليس حسب الترتيب الزمني لتأليفها. # أما عن الطرق والوسائل والأدوات التي ~~استخدمها مؤلفو التوراة ومحرروها في التدوين، فهي ما يمكن استخراجه من الكتاب ~~المقدس ذاته؛ فنجد سفر أرميا (2: 36) يحدثنا عن تدوين الأدراج، بمعنى اللفائف، ~~وتكتب من اليمين إلى اليسار. وقد أكدت ذلك الأسلوب في الكتابة أسفار عدة؛ مثل سفر ~~حزقيال (2: 9؛ 3: 1) وسفر زكريا (5: 2؛ 1) وسفر المزامير (40: 8). وأما الأداة التي ~~استخدمت في الكتابة على اللفائف، فكانت أحيانا قلم الاردواز كما يذكر المزمور (45: ~~2)، أو باستخدام الأحبار كما في سفر أرميا (36: 18). # ويبدو أن تلك الأدراج قد بدأت بأوراق البردي المصرية، ثم تطورت إلى الكتابة على ~~الرق (الجلود)، ms018 وظلت تلك المخطوطات على هيئة اللفائف حتى جاء القرن الثالث قبل ~~الميلاد حيث بدأت تأخذ شكل الكتب، مع الاستمرار في العمل بنظام اللفائف، وهو نظام لا ~~زال معمولا به إلى اليوم في الأشكال الطقسية التي تمارس في المعابد «من باب تحنيط ~~التاريخ»، ونجد ذلك مستعملا خاصة في أسفار التوراة وسفر أستير بشكل محدد. # إلا أن أول أسلوب اتبعه الإسرائيليون في التدوين، وإن كان غير موجود منه الآن ~~أي أثر يشير إليه، أو لم يعثر على شيء منه حتى تاريخه، فهو أسلوب النقش المصري ~~القديم على المسلات، وكان أول من اتبعه النبي موسى، واستخدمه في كتابه ألواح ~~الشريعة الحجرية، والمزعوم أنها نقرت على الحجر أو نقشت بيد الإله نفسه، ووردت ~~قصتها في عدد من الإصحاحات المتفرقة في سفر الخروج التي جمعناها ورتبناها حسب ~~ترتيب ورودها كالتالي: ~~«وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل وكن هناك، فأعطيك لوحي حجارة ~~والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم ... ودخل الجبل أربعين نهارا ~~وأربعين ليلة» (خروج، 24: 12، 13، 18). ~~«ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء، لوحي شريعة ~~مكتوبين بإصبع الله» (خروج، 31: 18). ~~«فانصرف موسى ونزل من الجبل، ولوحا الشهادة في يده؛ لوحان مكتوبان على ~~جانبيهما، من هنا وهناك كانا مكتوبين، واللوحان هما صنعة الله، والكتابة ~~كتابة الله، منقوشة على اللوحين ... وكان عند اقترابه من المحلة أنه أبصر ~~العجل والرقص، فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في ~~أسفل الجبل» (خروج، 32: 15، 16، 19). ~~«ثم قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين، فأكتب أنا ~~على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين، اللذين كسرتهما ... ~~فنحت لوحين من حجر كالأولين، وبكر موسى في الصباح، وصعد إلى جبل ~~سيناء كما أمره الرب وأخذ من يديه الحجر» (خروج، 34: 1-4). # وقد جاء في الأثر الإسلامي: «إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة ~~عدن بيده، وكتب التوراة بيده.» # 2 # كما جاء في الآيات الكريمة: # وكتبنا ~~له في الألواح من كل شيء موعظة ~~(الأعراف: ~~144). # هذا بالإضافة إلى أسفار الشريعة، التي أمر موسى ms019 أتباعه بكتابتها، وبذات ~~الطريقة، وهو ما يتضح في قوله لهم: «يوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي ~~يعطيك الرب إلهك، تقيم لنفسك حجارة كبيرة، تشيدها بالشيد، وتكتب عليها ~~جميع كلمات هذا الناموس ... حين تعبرون الأردن تقيمون هذه الحجارة، التي ~~أنا أوصيكم بها اليوم، في جبل عيبال، وتكلسها بالكلس ... وتكتب على ~~الحجارة جميع كلمات هذا الناموس، نقشا جيدا» (تثنية، 27: 2، 4، ~~8). # أما اللغة التي دونت بها الأسفار، فهي كما جاء على غلاف العهد ~~القديم من الكتاب المقدس: العبرانية والكلدانية، والعبرانية، كما يقرر ~~المقدس التوراتي أن اللغة العبرية هي لغة أو لسان أو شفة كنعان ~~الفلسطينية (إشعيا، 19: 18). وإن كان من المفيد العلم أن بعض الأجزاء قد ~~كتبت باللغة الآرامية، وأجزاء أخرى كتبت بالخط المربع (الآشوري) ~~بعد السبي البابلي، وقد استخدم تلك اللغة «عزرا» صاحب معظم أجزاء العهد ~~القديم. # أما المنطق التاريخي، فيفترض أن بدء الكتابة، بل وربما اللغة، التي استخدمها ~~الخارجون من مصر بقيادة موسى، هي اللغة المصرية، خاصة إذا كانت الأدوات والأسلوب ~~مصريين، وهو ما يجعل المدونات العبرية أمرا متأخرا حدث بعد موسى بزمان، وهو ما ~~سبق وأثبتناه في الصفحات السابقة، كما يستحسن الفرض تقدير أن مؤلفي الكتاب المقدس ~~قد تكلموا اللغة المصرية القديمة، شأنهم شأن بقية الأقوام التي دخلت مصر، هذا ناهيك ~~عن ميلاد موسى في مصر ونشأته نشأة مصرية، وشهادة المقدس له بأنه تثقف ثقافة مصرية ~~وأنه كان متفقها بكل حكمة المصريين. # بل وربما ذهب الافتراض حد القول إن لغة التخاطب بين موسى وربه في سيناء، كانت اللغة ~~المصرية القديمة وليست العبرية، التي لم يكن موسى يعرفها أصلا؛ حيث ولد في مصر وعاش ~~فيها ثم خرج منها حتى مات ولم تطأ قدمه أرض فلسطين حيث شفة كنعان التي عرفت ~~بعد بالعبرية، # 3 # هذا ناهيك عن كون لفظة توراة ذاتها من الألفاظ المصرية، ومعنى تورا # Torah # في العبرية (الشرعية) من # Tororh ~~(توروث)، # 4 # وهي ترتبط - في رأينا - بعبادة الثور المقدس في المصرية القديمة. # 5 # أما عن ترجمات ذلك الأثر الهائل عن لغاته الأصلية، ms020 فمعلوم أن الترجمة العربية ~~المتداولة الآن، قد تمت عام 1865م، أما الترجمة الإنجليزية فقد تمت في عهد الملك ~~جيمس عام 1611م، وكلا الترجمتين تمت عن الأصل العبري المعروف بالنص المازوري، الذي سبق ~~تدوينه في القرن العاشر الميلادي ؛ أي بعد ثلاثة قرون من تدوين القرآن الكريم. # ومن المفيد العلم أن النص المازوري المدون قبل القرن العاشر كان غير مصحوب ~~بالإشارات والحركات والنقاط فوق أو فيما بين الحروف الساكنة، وعند تدوين النص المازوري ~~(المفترض أنه كان نصا قديما) تم اقتباس حركات النظام البابلي للحركات. # وهناك نص آخر باللغة اليونانية القديمة، يعرف بالنص السبعيني، وقد تم كتابته حوالي ~~سنة 283 قبل الميلاد، على يد اثنين وسبعين فقيها يهوديا مصريا، بأمر ملك مصر آنذاك ~~«بطليموس فلادفيوس». وتزيد هذه النسخة عن النص المازوري أربعة عشر سفرا، وتلك الأسفار هي: # سفر طوبيا وهو وصف لسيرة أسير إسرائيلي، في الأسر الآشوري بمدينة ~~نينوى، في القرن السابع قبل الميلاد. # سفر الحكمة لسليمان ويشمل أمثلة حكمية وعظات ضد الوثنية. # أسفار المكابيين وعددها أربعة أسفار، تتحدث عن المكابيين الذين ~~حكموا فلسطين حكما وطنيا في عهد الرومان، في القرن الثاني قبل الميلاد، ~~وجاء اسمهم في الشعار الذي كانوا يتنادون به في الحروب وهو «مي كاموخا ~~بجييم يهوفا»؛ أي «من مثلك بين الأمم يا يهوه؟» فأخذ من كل كلمة حرف «م ~~كاب ي» شكلت الاسم «مكابي». # سفر يهوديت وهو قصة أرملة يهودية، غنية وتقية، ساعدت اليهود في ~~الانتصار على الجيش الآشوري. # سفر الكهنوت أو سفر الحكمة ليسوع بن سيراخ، وهو مجموعة أمثال على ~~غرار أمثال سليمان. # سفر تسبيحه الفتية الثلاثة وهي تسابيح يقال إن أصدقاء دانيال الثلاثة ~~رنموها وهم في أتون النار (وردت قصة الإلقاء في النار بالقرآن الكريم ~~لكن حول الأب إبراهيم، والتوراة لم تذكر ذلك في قصة ذلك البطرك). # سفر سوزان # Suzane # أو قصة سوسنة ~~العفيفة، وهو تمجيد من النبي دانيال لقاض دحض وشاية ضد سوسنة ~~العفيفة. # سفر بعل والتنين، وهو قصة تم إلحاقها بسفر دانيال تشرح كيف تم إقناع ms021 ~~قورش ملك فارس بنبذ عبادة الأصنام. # هذا إضافة إلى ثلاثة أسفار منسوبة إلى عزرا، وإصحاحات تمت زيادتها على الأصل ~~المازوري في أسفار «أستير» و«دانيال»، والمعلوم أن الكنيسة لم تتخل عن النص اليوناني ~~السبعيني إلى النص العبري المازوري، إلا بعد القرن العاشر الميلادي؛ حيث أصبح النص ~~المازوري هو النسخة المعتمدة للعهد القديم، ورغم ذلك ما زالت الكنيسة الأرثوذكسية ~~اليونانية، والكنيسة الروسية، وكنائس شرق أوروبا، تستعمل النص السبعيني ~~اليوناني. ~~(3) الخرافة في العهد القديم # سبق وأشرنا في بحوثنا المنشورة إلى المصداقية التاريخية في النص التوراتي، والمصداقية ~~هنا لا تعني أمرا لاهوتيا أو علاقة ما بالغيبيات، قدر ما تعني مدى مطابقة النص ~~لوقائع وأحداث أثبتتها نصوص تاريخية أركيولوجية أي مصداقية موضوعية بحتة، وتلك ~~الإشارة واجبة تماما وهامة، لكن مع الحذر في احتساب نص بعينه صادقا لمجرد مطابقة ~~بعض أحداثه مع أحداث تاريخية واقعية، بل يجب القول إنه قد دخله حشو وإضافات ~~ومتراكمات وزيادات خرجت به عن معنى المصداقية الحقة، وأنه هناك فقط ظل من حقيقة، ~~بل وظل باهت، ونموذجا لذلك، أسماء المدن والمواضع وأخبار المعارك والحروب، وسير ~~الأنبياء والملوك؛ لأنه من المستحيل علميا أن نتغاضى عن آلاف أسماء للمواضع ~~الجغرافية التي وردت بالعهد القديم، لمجرد أنها وضعت في سياق من الخرافة ~~الواضحة، خاصة إن علمنا أن هناك - كمثال - مواضع عديدة وكثيفة مرت بها رحلة الخروج من ~~مصر إلى فلسطين، ومن العبث أن تكون كل تلك الأسماء لهذه المواضع قد ذكرت عبثا، ~~أما الأهم حقا، فهو ما جاء في روايات تثبت معرفة مدهشة لدى الكاتب التوراتي ~~بشئون تاريخية قديمة كانت مخفية عنا، ولم نعلم بأمرها إلا بعد كشف المناطق الأثرية ~~القديمة في حضارات المنطقة، وفك لغات تلك الحضارات، كمعرفة العهد القديم العجيبة، ~~لأسماء مدن مصرية، أهال عليها الزمان النسيان، بعد أن أهالت عليها الرياح تلول ~~الرمال، ولم نكشف عنها ونعرفها إلا حديثا، كذلك أسماء بعض الفراعنة مثل «شيشنق» ~~و«نخاو»، أو مثل اسم زوجة النبي يوسف المصرية «إسنات بنت فوطي-فا-رع، كاهن مدينة أون»، ~~وهو ما جاء ms022 ذكره في سفر التكوين (41: 45)، ولم نعلم إلا حديثا باسم «رع» إله الشمس ~~المصري، كما لم نعرف ما هي «أون» إلا بعد فك الطلاسم القديمة التي كشفت أن مدينة عين ~~شمس الحالية كانت حاضرة مصرية عظيمة باسم «أون»، أو ما جاء عن مدينة «رعمسيس» في سفر ~~التكوين (47: 11)، وهي المدينة التي لم نعثر عليها حتى الآن بشكل قاطع، لكننا وجدنا ~~بشأنها برديات تتحدث عنها وتصف معالمها بكل دقة، إضافة لنشيد مديح مدينة «رعمسيس» ~~المنسوب للشاعر «بنتأرو»، ناهيك بالطبع عن الاسم «رعمسيس» ذاته كدلالة تامة الصدق ~~والمطابقة لاسم الفرعون «رعمسيس» بنطقه المصري القديم، قبل تحريفه إلى «رمسيس» بإهمال ~~حرف ال «ع». # 6 # أضف إلى ذلك حديث التوراة عن مركبات فرعون (تك 41: 43 مثلا)، أو معرفة التوراة أن ~~المصريين كانوا يعتبرون الرعاة رمزا للشر وأنجاسا ملاعين، كما في سفر التكوين ~~(46: 34؛ و43: 32)، وهو أمر كشفت عنه علوم المصريات الحديثة، إضافة إلى معرفة ~~التوراة الدقيقة بالأسلوب المصري في التعامل مع الموتى وطقوس التحنيط والدفن، وهو ما ~~ذكرته التوراة عن دفن يعقوب في مصر، وأنه تحنيطه خلال أربعين يوما، ثم البكاء ~~والندب عليه سبعين يوما (سفر التكوين، 50: 1-3)، وهو طقس لم نكن أبدا على علم به ~~قبل فك أسرار المصريات القديمة. # وكثير مما يتعلق بشئون مصر القديمة أثبتت التوراة معرفة دقيقة به، مثل قصة سفط ~~البردي (خروج، 2: 3)، وأسلوب البناء بالطوب اللبن، الذي يؤخذ من طمي النيل ثم يخلط ~~بالتبن ويجفف، وذكره سفر الخروج (5: 6-17)، كذلك معرفة الكتابة بالحفر على ~~المسلات، كما جاء في سفر الخروج (24: 12-13؛ و31: 18)، أو معرفتهم بصفات التابوت ~~المقدس بدقة مدهشة تكاد تطابق التوابيت المصرية الملكية، وهو ما جاء ذكره في سفر ~~الخروج (35: 10) مع إفراد إصحاحات كاملة بذات السفر لمواصفات ذلك التابوت، أو عبادة ~~عجل أبيس في سيناء (خروج، 32: 1-19)، أو مركبات الشمس التي ورد ذكرها في سفر ملوك ~~ثاني (23: 11)، وهي من أحدث الكشوف الحالية في المصريات القديمة. # لكن ذلك كله أمر، والتعامل مع النص بكامله كنص صادق تاريخيا أمر آخر؛ لأن ~~التناقضات التي ms023 ينطوي عليها العهد القديم، يمكن أن تؤلف وحدها كتابا قائما بذاته، ~~لا يقل حجما عن الكتاب المقدس، لو أردنا أن نجمعها في مدون واحد، وهذا بحد ذاته ~~كفيل بنزع الثقة عن التوراة وأخبارها منذ البدء، وحتى الأحداث التي ترويها، كوقائع ~~حدثت في القرن التاسع قبل الميلاد على الأقل؛ ففي التوراة مبالغات لا يمكن قبولها ~~إطلاقا، وهي أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ الصادق. # وسنحاول هنا ضرب بعض الأمثلة التي تدخل روايات التوراة في عداد الخرافات ~~البسيطة، والمركبة؛ فسفر القضاة مثلا يحدثنا كيف قتل «شمشون» ألف فلسطيني بفك ~~حمار (سفر القضاة، 15: 16)، وهناك روايات تحتوي على أرقام خيالية إلى حد بعيد، كما ~~في تقرير سفر الملوك الأول «فضرب بنو إسرائيل من الآراميين مائة ألف رجل في يوم ~~واحد» (20: 29)، والحديث هنا عن حرب دارت بين «آخاب» ملك إسرائيل، وبين «بنحدد» ملك ~~دمشق، حوالي عام 860ق.م، ومثل ذلك الحديث ليس فقط عسير التصديق، بل هو كذب فاضح؛ ~~لأن مملكة دمشق بكاملها لم تكن تحتوي على مائة ألف رجل يمكن قتلهم في يوم واحد بل ~~ربما لم يبلغ سكانها جميعا رجالا ونساء وأطفالا هذا الرقم العظيم. # وفي تلك الخرافات ما يعد لونا من الأساطير المشروعة إيمانا، ولا زالت موضع ~~تصديق وإيمان في اليهودية والمسيحية، بل وفي الإسلام مع بعض التعديل، مثل قصة وجود ~~آدم في الجنة وأكله من الثمرة المحرمة، وحديث حواء مع الحية التي تتكلم: # 7 # وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله، فقالت الحية ~~للمرأة: أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجرة الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ~~ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا ~~تأكلا منه وتمساه، لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم ~~أنه يوم تأكلان منه، تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشر. ~~(تكوين، 3: 1-5) # ومن قبيل تلك المصدقات الإيمانية، المبالغة الهائلة في أعمار ~~الرعيل الأول من البشرية: # فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسعمائة وثلاثين سنة. ms024 ~~(تكوين، 5: 5) # فكانت كل أيام شيث تسعمائة سنة واثني عشر سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 8) # فكانت كل أيام آنوش تسعمائة وخمسين سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 11) # فكانت كل أيام قينان تسعمائة وعشر سنين ومات. ~~(تكوين، 5: 14) # فكانت أيام مهلائيل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 17) # فكانت كل أيام يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 20) # فكانت كل أيام أخنوح ثلاثمائة وخمسا وستين سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 23) # فكانت كل أيام متوشالح تسعمائة وتسعا وستين سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 27) # فكانت كل أيام لامك سبعمائة وسبعا وسبعين سنة ومات. ~~(تكوين، 5: 31) # فكانت كل أيام نوح تسعمائة وخمسين سنة ومات. ~~(تكوين، 9: 29) # ثم هناك أحاديث أخرى عن إنجاب الله لأبناء تزوجوا من آدميات فأنجبوا جيلا من ~~الجبابرة، وهو ما جاء نصا: # وحدث لنا وابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، أن أبناء الله ~~رأوا بنات الناس أنهن حسان، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا، فقال ~~الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه، هو بشر وتكون أيامه مائة ~~وعشرين سنة وكان في الأرض طغاة في تلك الأيام، وبعد ذلك إذا دخل بنو الله على ~~بنات الناس وولدن لهم أولادا، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ أبد الدهر ذوو اسم. # 8 ~~(تكوين، 6: 1-4) # ومن باب تمجيد الآباء الأولين للقبيلة الإسرائيلية، نجد قصة تقول إن عددا من ~~الملوك العظام «إمرافل ملك شنعاء، وإريوك ملك الأسار، وكدر لعومر ملك عيلام، وتدعال ملك ~~جوييم» قد تحالفوا في حرب ضد مجموعة ملوك لدويلات أخرى في المنطقة هم «بارع ملك ~~سدوم، وبرشاع ملك عمورة، وشنآب ملك أدمة، وشمئيبر ملك صبوييم، وملك بالع التي هي صوغر»، ~~وتمت هزيمة الحلف الثاني، وكان بين أسرى المهزومين «لوط» ابن أخي ~~«إبراهيم» وهنا تقول القصة ببساطة إن النبي إبراهيم ~~أخذ ثلاثمائة رجل من أتباعه وهزم حلف الدول الكبرى، أو كما جاء في النص: # فلما سمع إبرام أن أخاه سبي، جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته، ~~ثلاثمائة وثمانية عشر، وتبعهم إلى دان، وانقسم عليهم ليلا هو وعبيده ~~فكسرهم، وتبعهم إلى حوبه التي عن شمال دمشق، ms025 واسترجع كل الأملاك. واسترجع ~~لوطا أخاه أيضا، وأملاكه، والنساء أيضا، والشعب. ~~(تكوين، 14: 13-16) # هذا ناهيك عن ظهور الإله (بهيئة تشبه ما تحدثنا به الأساطير عن الجن) للبطاركة ~~الأوائل، وحديثه معهم، وصراعه مع يعقوب، أو مثلما جاء في قصة لقائه بموسى وأتباعه وهو ~~في هيئة أقرب إلى التماثيل. ~~«ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو، وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأوا إله ~~إسرائيل، وتحت رجليه شبه «صنعة من العقيق» الأزرق الشفاف، وكذات السماء في ~~النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل، فرأوا الله، وأكلوا وشربوا» ~~(خروج، 24: 9-11). (والمعلوم أن العقيق الأزرق هو فيروز سيناء الذي صنع منه المصريون ~~تماثيل آلهتهم.) # وغير ذلك كثير وكثيف، نشير إليه في عجالة، ~~مثل: العصا الحية (خروج، 4: 1-5)، وضرب يهوه للمصريين بضربات أسطورية (خروج، 7)، أو ~~فلق البحر (خروج، 14)، وانشقاق نهر الأردن (يشوع، 3: 16-17)، وسقوط مدينة أريحا بمجرد ~~أن صرخ عليها الإسرائيليون مع طبول وزمور وأبواق (يشوع، 6)، وإيقاف يشوع للشمس والقمر ~~حتى ينتهي من القضاء على أعدائه (يشوع، 10: 12-4)، وعكاز الملاك الذي يحرق اللحم ~~(قضاة، 6: 21)، وتحضير الأرواح (صموئيل، 28: 11-20)، ومعجزات شمشون في سفر القضاة (14: ~~4؛ 14: 5؛ 15: 15؛ 16: 30)، وإحياء النبي إيليا للطفل الميت ~~(ملوك، 17: 21-22)، والأمر الذي أصدره إيليا بهبوط ~~نار من السماء تأكل جنود الأعداء (ملوك ثاني، 1: 10-12)، ثم صعوده إلى السماء (ملوك ~~ثاني، 2: 1، 11)، وقيام رداء إيليا بعد ذلك بدور عصا موسى في فلق الماء (ملوك ثاني، ~~2: 8، 14)، أو حروب الله مع التنين لوايثان (إشعيا، 27: 1). # وعليه، فإن النص التوراتي من وجهة نظرنا ليس أكثر من وثيقة أسطورية، لكنه كأي ~~وثيقة أسطورية أخرى، وحسب منهجنا الذي اتبعناه في أعمالنا، يمكن أن يقدم لنا - إذا ~~تعاملنا معه عمليا - مادة تاريخية نادرة لم تسعفنا بها الكشوف الأركيولوجية، وأن ~~يضيء لنا مساحات مظلمة من التاريخ لم يكشف عنها البحث الآثاري بعد، ولكن وفق أصول ~~وقواعد ومنهج صارم، وهو ما سبق وأن قدمنا له نماذج في أعمالنا المنشورة، لكن في ~~نفس الوقت، يمكن لباحث مغرض أن يقرأه قراءة أخرى، بأغراض بعينها، وفق أيديولوجيا ~~خاصة، فينطق بأمور ms026 أبعد ما تكون عن الصدق والموضوعية والعملية، وهو ما سنجد له ~~نموذجا مثاليا في الباب الثالث من هذا الكتاب. ~~(4) الأنبياء في العهد القديم # من الجدير بالذكر هنا، منعا للالتباس، أن الآباء الأوائل أو البطاركة، من إبراهيم ~~إلى موسى في التوراة، لا يحتسبون أنبياء بالمعنى المفهوم والسائد وفق الطروحات ~~الإسلامية، وتبدأ النبوات فقط في العهد القديم بموسى. أما عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ... ~~إلخ؛ فهم مجرد أسلاف يجب الإعزاز بهم وبسيرتهم، رغم علاقتهم بالإله، ورغم أنهم ~~أصحاب الوعد، فهم ليسوا أنبياء بالمعنى المفهوم في الإسلام؛ لأن النبوة في الفهم ~~التوراتي هي التنبؤ، والقدرة على قراءة المغيبات. هذا بالطبع مع أمور أخرى ~~تفصيلية تضع هؤلاء البطاركة الأوائل على المستوى الأخلاقي، في صف الأفراد العاديين، ~~الذين يمكن أن يرتكبوا أمورا يمجها التذوق المبني على الفهم الإسلامي لمعنى ~~النبوة، فالنبي إبراهيم مثلا يتاجر بشرف زوجته سارة في مصر، وفي جرار الفلسطينية، ~~للحصول على الأموال، ويتم سرد ذلك دون أي تحرج (تكوين، 12: 11-20؛ وتكوين، 20: ~~1-7، 14)، # 9 # وهو الأمر الذي يكرره بعد ذلك ابنه إسحاق في جرار كما ورد في سفر ~~التكوين (26: 7-10). # وفي قصة هلاك سدوم وعمورة، ينجو لوط مع ابنتيه الوحيدتين، ويسكن في مدينة «صوغر»، ~~لكنه لسبب غير مفهوم يتركها إلى الصحراء وتحكي الرواية بعد ذلك: # وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل ~~وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن في صوغر (؟!)، فسكن في المغارة هو وابنتاه، ~~وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل ~~الأرض، هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلا، فسقتا ~~أباهما خمرا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم ~~باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت ~~البارحة مع أبي، نسقيه خمرا الليلة أيضا، فادخلي اضطجعي معه فنحيي من أبينا ~~نسلا، فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ~~ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ~~ابنا ms027 ودعت اسمه موآب، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة ولدت ابنا ~~ودعت اسمه بني عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم. ~~(تكوين، 19: 30-38) # وعليه فلن تصيبنا الدهشة إن وجدنا «يعقوب» ابن «إسحاق» الأصغر يحتال على أبيه ليسرق ~~ميراث أخيه الأكبر «عيسو» (تكوين، 27)، أو حين نجد «راحيل» زوجة «يعقوب» تغادر بيت ~~أبيها مع زوجها فتسرق الأصنام من أبيها عشقا في عبادتها ~~(تكوين، 31: 19)، كما لن ندهش إذا وجدنا الأسباط ~~المكرمين يلقون بأخيهم الأصغر «يوسف» في بئر للتخلص منه (تكوين، 37: 18-38)، ~~ولا أن يتزوج «عمران» من عمته يوكابد (خروج، 6: ~~20)، ولا أن يوعز الرب لموسى بسرقة ذهب النساء المصريات (خروج، 3: 21-22 وخروج، ~~12: 35-36). وربما لا نصعق إذا ما علمنا أن الرب قرر موت موسى وهارون لأنهما قاما ~~بخيانته (التثنية، 38: 50-50)، أو أن يتم اختيار «شاول» كأول ملك لإسرائيل، لا ~~لميزة فيه سوى طوله وجماله (صموئيل الأول، 9: 2؛ 10: 23) أو اختيار «دواد» لأنه كان ~~أشقر وحلو المنظر (صموئيل الأول، 16: 12؛ 17: 42)؛ ومن ثم فلا يجب أن ننزعج إذا ~~أوعز لنا ذلك المقدس، بأمر علاقة شاذة تقوم بين «داود» وبين الصبي يوناثان بن ~~شاول (صموئيل الثاني، 1: 26)، أو أن يبدأ «داود» حياته مطبلا للزار ومزمرا ~~لإخراج العفاريت التي ركبت «شاول» كما في (صموئيل، 16: 23)، وربما يجب أن نقبل ~~المبررات التي قدمها المقدس، والتي تم فيها تبخيس «نابال» وتصويره خسيسا، حتى ~~يسوغ لداود أخذ امرأته، وهو ما جاء في سفر صموئيل الأول (25)، ولطرافته يمكن سرد ~~نصه القائل: # واسم الرجل نابال، واسم امرأته أبيجايل، وكانت المرأة جيدة الفهم وجميلة ~~الصورة وأما الرجل فكان قاسيا وردئ الأعمال ... وبعد نحو عشرة أيام ضرب ~~الرب نابال فمات ... وأرسل داود وتكلم مع أبيجايل ليتخذها له امرأة ... وصارت له ~~امرأة. # ومثل تلك القصة نموذج آخر بطله «داود» أيضا، وهي بدورها قصة غرامية انتهت ~~باستيلائه على زوجة أخلص ضباطه أوريا الحثي (وكان يعمل تحت قيادة يوآب) بعد أن ~~ضاجعها في غياب زوجها للدفاع عن حدود الدولة، فحبلت في الحرام بولده الذي سيصبح ~~أشهر ملوك إسرائيل؛ سليمان، وهي كما وردت نصيا: ms028 # وكان في وقت المساء أن قام داود عن ~~سريره وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحم، وكانت ~~المرأة جميلة المنظر جدا، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه ~~بتشبع بنت أليعام، امرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلا وأخذها، فدخلت إليه، ~~فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة ~~فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني حبلى . فأرسل داود إلى يوآب يقول: أرسل ~~إلي أوريا الحثي. فأرسل يوآب أوريا إلى داود، فأتى أوريا إليه فسأله داود عن ~~سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لأوريا انزل إلى بيتك واغسل ~~رجليك، فخرج أوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك، ونام أوريا ~~على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده، ولم ينزل إلى بيته، فأخبروا داود ~~قائلين: لم ينزل أوريا إلى بيته، فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر؟ ~~فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون ~~في الخيام، وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي لبيتي لآكل ~~وأشرب وأضطجع مع امرأتي؟! وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر، فقال ~~دواد لأوريا: أقم هنا اليوم أيضا وغدا أطلقك، فأقام أوريا في أورشليم في ذلك ~~اليوم وغده ... وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا، وكتب في ~~المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه، فيضرب ~~ويموت. وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال ~~البأس فيه، فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب، فسقط بعض الشعب من عبيد داود، ~~ومات أوريا الحثي أيضا ... فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها، ~~ندبت بعلها، ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته، وصارت له امرأة، ~~وولدت له ابنا. ~~(صموئيل الثاني، 11) # وإعمالا لكل ذلك فلا يصح أن تأخذنا الدهشة عندما نجد سليمان يقتل أخاه الأكبر صاحب ~~الحق في العرش (ملوك أول، 2: 25)، ولا عشق سليمان للنساء ms029 وعبادته لآلهة أخرى (ملوك ~~أول، 11: 1-8)، ولا عندما نجد أمنون بن داود يعشق أخته ثامارا ويجامعها (صموئيل ثاني، ~~13: 1)؛ فهذه قصص أسلاف وملوك ومؤامرات قصور ودسائس، أما الأنبياء فلهم في العهد ~~القديم شأن آخر. # والنبييم جمع كلمة «نابي» أو «نبي» العبرية، من «نبا» أي خرج وارتفع، أو ظهر ~~وخالف القطيع، وإن كانت بقراءة التوراة العبرية تعني تماما: الهاذي أو المخبول، وظهر ~~منهم عدد كبير من بني إسرائيل، بعضهم كان قاسيا يقرع أسماع الإسرائيليين بالقول ~~الغليظ، إلا أن الواضح أيضا في كثرتهم، أنها أصبحت مهنة تدر على محترفها رزقا ~~طيبا، ومن هنا نلحظ في الأسفار المتأخرة تحفظ المؤلفين وحيطتهم إزاء الأنبياء كما ~~جاء في سفر حزقيال «فإذا ضل النبي وتكلم كلاما، فأنا الرب قد أضللت ذلك النبي، ~~وسأمد يدي عليه وأبيده من وسط شعبي إسرائيل» (14: 9). # وكثرة هؤلاء الأنبياء كانت لا تتناسب مع قلة عدد السكان في البلاد، وهو ما يؤخذ ~~من قول سفر ملوك أول: «فجمع ملك إسرائيل الأنبياء نحو أربعمائة» (22: 6)، لكنهم على ~~أية حال كان بإمكانهم إشعال الحروب وخلع الملوك وتنصيب من يريدون، هؤلاء عادة ما ~~كانوا من رجال الدين غير النظاميين، أشبه بمن نعرفهم اليوم بالدراويش، ولم يخضعوا ~~لهيكل من الهياكل. لكنهم كانوا يزعمون تلقي الوحي من الرب بلا واسطة، وأن روح الرب ~~قد تملكتهم فنطقت بلسانهم، وعادة ما نجد بعضهم في صف الشعب يدافعون عن قضاياه، ~~ضد المؤسسة الدينية الرسمية وكهانها المسيسين. وقد ظهر سلطانهم ونما منذ القرن ~~العاشر قبل الميلاد، ولم يأت منتصف القرن التاسع قبل الميلاد حتى أصبحوا من أهم ~~عناصر الجماعة الإسرائيلية، وقام بعضهم بعقد اتصالات مع الدول الخارجية، لتقويض سلطان ~~الداخل المرفوض. ويقول «روبنسون» إنه كانت «تعتورهم حالة نفسانية غريبة نسميها ~~نحن الوجد، تشبه أعراضها أعراض الغيبوبة أو الصرع، ويزعمون أن كل مرجع ذلك إلى أن ~~الشخص قد حل فيه إله ... والعجيب أنها كانت حالة معدية قد تنتقل من شخص إلى آخر، ~~وقد نزع الأنبياء والواجدون إلى التجمع وتأليف الفرق، وتعلموا كيف يبتعثون هذه ~~الحالة ms030 الخاصة بهم برياضات شتى كالرقص أو اصطناع الموسيقى أو تناول العقاقير.» # 10 # ونموذجا لذلك ما جاء في اختيار الكاهن صموئيل لشاول لمسحه بالزيت المقدس مسيحيا، ~~كأول ملك لبني إسرائيل، فيصفه الإصحاح التاسع من سفر صموئيل الأول بالصفات «شاول، ~~شاب، وحسن، ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوق كان أطول من كل ~~الشعب». لكنه حتى يكون نبيا ملكا، «أخذ صموئيل قنينة الدهن ، وصب على رأسه، ~~وقبله، وقال: أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسا ... إنك ستصادف زمرة من ~~الأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود، وهم يتنبئون، فيحل عليك ~~روح الرب معهم وتتحول إلى رجل آخر» (صموئيل أول، 10). # وهذا «داود» بعد تنصيبه ملكا، يتمكن من استعادة تابوت بني إسرائيل المقدس من الفلسطينيين، # 11 ~~«فأركبوا تابوت الله على عجلة جديدة ... وداود وكل بيت إسرائيل يلعبون ~~أمام الرب بكل أنواع الآلات من خشب السرو، بالعيدان والرباب والدفوف وبالجنوك وبالصنوج ~~... وكان داود يرقص بكل قوته أمام الرب، وكان داود متمنطقا بأفود من كتان، فأصعد ~~داود وجميع بيت إسرائيل تابوت الرب بالهتافات وبصوت البوق، ولما دخل تابوت الرب مدينة ~~داود، أشرفت ميكال بنت شاول (زوجة داود) من الكوة، ورأت الملك داود يطفر ويرقص ~~أمام الرب، فاحتقرته من قلبها ... فخرجت ميكال بنت شاول لاستقبال داود وقالت: ما ~~كان أكرم ملك إسرائيل اليوم؛ حيث تكشف اليوم في أعين إمائه وعبيده، كما يتكشف ~~أحد السفهاء. فقال داود لميكال: إنما أمام الرب الذي اختارني دون أبيك، ودون كل بيته، ~~ليقيمني رئيسا على شعب الرب إسرائيل، فلعبت أمام الرب» (صموئيل ثاني، 6). # ومن الأنبياء من لم يكن من بني إسرائيل، إنما من أهل المنطقة الذين يدعون إلى عبادة ~~الإله البعل الزراعي، وقد ذاع صيت نبي موآب المدعو «بلعام بن بعور»، وجاء ذكره في ~~العقد القديم كمناصر لبني إسرائيل ضد شعبه، مما يشير إلى أن المكافأة التي نالها من ~~الإسرائيليين كانت أعظم. (جاء ذكره في التراث الإسلامي باسم بلعم بن ~~باعوراء.) # ومن الطرائف أن ms031 الأنبياء الإسرائيليين كانوا ~~يكذبون بعضهم بعضا؛ فهذا ملك المملكة الجنوبية «يهوذا» المعروف باسم «يهوشفاط» يذهب ~~إلى ملك المملكة الشمالية «آخاب» يطلب معونته لشن الحرب على بلاد سورية (آرام)، «فجمع ~~ملك إسرائيل الأنبياء نحو أربعمائة رجل وقال لهم: أأذهب إلى رامة الجلعاد للقتال أم ~~أمتنع؟ فقالوا اصعد فيها فيدفعها السيد ليد الملك» (ملوك أول، 22: 6)، وتحمس ~~الأنبياء للقتال ومنهم صدقيا «وعمل صدقيا بن كنعنة لنفسه قرني حديد وقال: هكذا قال ~~الرب بهذه تتطح الأراميين حتى يفنوا» (ملوك أول، 22: 11). لكن الملك آخاب أرسل ~~يستدعي نبيا لم يكن حاضرا هو «ميخا بن يمله» وسأله في هذه المشكلة وهل يذهب ~~لمحاربة الآراميين أم لا؟ فأجابه «ميخا» وقال: فاسمع إذن كلام الرب: «قد رأيت الرب ~~جالسا على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره. فقال: هذا: هكذا، ~~وقال ذاك: هكذا، ثم أخرج الروح ووقف أمام الرب وقال: أنا أغويه. قال له الرب: بماذا؟ ~~فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه، فقال: إنك تغويه وتقدر، فاخرج ~~وافعل هكذا، والآن هو ذا قد جعل الرب روح كذب في أفواه جميع أنبيائك هؤلاء، والرب ~~تكلم عليك بشر، فتقدم صدقيا بن كنعنة وضرب ميخا على الفك وقال: من أين عبر ~~روح الرب مني ليكلمك؟» (ملوك أول، 22: 19-24). ~~(5) الآلهة في العهد القديم # معلوم أن بني إسرائيل انتقلوا بين مرحلتين، ~~تمت فيهما عبادة إلهين: واحد باسم إيل، وأحيانا باسم إللوهيم أي الآلهة، والآخر ~~باسم «يهوه»، لكن الأمر في الحقيقة لم يكن مقصورا على هذين الإلهين فقط؛ فقد عبد بنو ~~إسرائيل العجل المصري أبيس في سيناء بعد خروجهم من مصر بأسابيع قليلة، أثناء غياب ~~موسى على الجبل المقدس لإحضار لوحي الشريعة. # ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل، اجتمع الشعب على هارون ~~وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا؛ لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من ~~أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هرون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان ~~نسائكم وبنيكم وبناتكم ms032 وأتوني بها ... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه ~~عجلا مسبوكا فقالوا: «هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض ~~مصر.» ~~(خروج، 32: 1-4) # ثم إنهم بعد ذلك عبدوا الإله المدياني بعل فغور، كما في سفر العدد (25: 1-3) ~~وبدخولهم أرض كنعان حيث عبادة البعول الزراعية، عبدوا بعل وعشتروت، كما في سفر ~~القضاة (2: 11-7)، والقضاة (3: 5-8)، بل ومارسوا طقوس الزنا الجماعي أمام هيكل تلك ~~الآلهة، كما في القضاة (8: 33؛ و10: 6)، ثم تحول طقس الزنا إلى يهوه نفسه، فكانوا ~~يمارسون النزو الجماعي في باب خيمة الاجتماع حيث تابوت الرب، وهو ما حدثنا عنه ~~سفر صموئيل الأول (2: 22)، بل إن سليمان الملك عبد بدوره عددا من الآلهة «فذهب ~~سليمان وراء عشتروث إلهة الصيدونيين، وملكولم رجس العمونيين ... وبنى سليمان مرتفعة ~~لكموس رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون» (ملوك أول، ~~1: 11-8). # أما الملك «يربعام» فقد عاد إلى عبادة العجل: «وعمل عجلي ذهب وقال لهم: هو ذا ~~ألهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر، ووضع واحدا في بيت إيل، وجعل الآخر في ~~دان» (ملوك أول، 12: 28-29). # كما بنى المرتفعات للزنى وراء الآلهة «رحبعام بن سليمان»، وهو ما جاء في سفر ملوك ~~أول (14: 23)، كذلك الملك آخاب بن عمري عبد البعل (ملوك أول، 16: 31-33)، بل إن أحاز ~~ملك يهوذا، أعاد طقس التضحية بالأبناء لنيران الآلهة، فقدم ابنه قربانا لنيران ~~الإله، كما جاء في سفر ملوك ثاني (16: 3-4)، أما الحية التي صنعها لهم موسى وهم ~~خارجون من مصر، وكان اسمها «نحشان»؛ أي الحنش؛ أي الثعبان، فقد ظلت تعبد زمنا ~~طويلا حتى عهد متأخر (ملوك، 18: 4)، وقد عبد الملك منسي بدوره البعول وبنى لهم ~~مرتفعات المضاجعة الجماعية، وهو ما يؤخذ من (ملوك ثاني، 21: 62) وكذلك لعبادة إله ~~جبل توفه المعروف باسم مولك (ملوك ثاني، 23: 10)، كما عادت قدسية مراكب الشمس المصرية ~~وظلت قائمة إلى عهد متأخر كما في سفر ملوك ثاني (23: 11)، واستمر يهورام ملك ~~أورشليم في عمل مرتفعات الزنى في أورشليم كما أخبرنا سفر أخبار الثاني (21: ~~11). # وفي الكتاب المقدس سفر ms033 كامل، لا يمكن تفسيره إلا في ضوء العبادات الجنسية وطقوس ~~الزنى الجماعي، تلك العبادات التي كانت متفشية في العبادات الزراعية بشكل وبائي، ~~من باب حض الأرض على الخصب والعطاء اعتمادا على مبدأ السحر التشاكلي حيث الشبيه ~~ينتج الشبيه، وكان الملك عادة ما يقوم داخل الهيكل مع الكاهنة الكبرى بإعطاء إشارة ~~البدء في ممارسة الطقس للجماهير المحتشدة في الخارج، وذلك بقيامه بمجامعة الكاهنة، ~~فتبدأ المعمعة الشبقية حول المعبد دون تمييز، وعادة ما كان يصاحب تلك الممارسة لون ~~من الأناشيد الطقسية تسبق الممارسة، وهي أشكال شعرية جنسية تتم تلاوتها لتحفيز القدرات ~~الجنسية على العمل، وذلك السفر المقصود بالعهد القديم هو المعروف بسفر نشيد الأنشاد ~~الذي لسليمان، الذي لا يكن ولا يحتشم، بل يقدم النشيد الطقسي دون أي تحرج، ~~ويمكن اقتطاع نماذج من ذلك السفر في شكل حوار يدور من العشيقين الملكيين ~~يقول: # العشيقة ~~: # ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر. # لرائحة أدهانك الطيبة اسمك مهراق؛ # لذلك أحبتك العذراى. # اجذبني وراءك فنجري. # أدخلني الملك إلى حجاله. # نذكر حبك أكثر من الخمر. # العشيقة ~~: # أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، # كخيام قيدار، # كشقق سليمان، # أخبرني يا من تحبه نفسي: # أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ # العاشق ~~: # إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء فاخرجي على آثار الغنم، # وأرعي جداءك عند مساكن الرعاة. # لقد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون. # ما أجمل خديك بسموط! # العشيقة ~~: # ما دام الملك في مجلسه أفاح نار ديني رائحته. # صرة المر حبيبي لي، # بين ثديي يبيت. # العاشق ~~: # ها أنت جميلة يا حبيبتي ها أنت جميلة، # عيناك حمامتان. # العشيقة ~~: # ها أنت جميل يا حبيبي وحلو، # وسريرنا أخضر. # أنا نرجس شارون سوسنة الأدوية، # أدخلني إلى بيت الخمر، ~~«وعمله فوقي محبة». # أسندوني بأقراص الزبيب، # أنعشوني بالتفاح؛ فإني مريضة حبا. ~~«شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني». # أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول، # ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء. ~~... ~~... ~~«في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي»، # طلبته فما وجدته. # وجدني الحرس الطائف ms034 في المدينة، # فقلت: أرأيتم من تحبه نفسي؟ # فما جاوزتهم إلا قليلا حتى وجدت من تحبه نفسي، # فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي، # وحجرة من حبلت بي. # العاشق ~~: # ها أنت جميلة عيناك حمامتان من تحت نقابك، # شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد، # أسنانك كقطيع الجزائر الصادرة من الغسل، # شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو، # خدك كفلقة رمانة «تحت نقابك»، # عنقك كبرج داود المبني للأسلحة، ~~«ثدياك كخشفتي ظبية توءمين يرعيان بين السوسن، # شفتاك يا عروس تقطران شهدا ، # تحت لسانك عسل ولبن» ورائحة ثيابك كرائحة لبنان. ~~... # قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟ # قد غسلت رجلي فكيف أوسخهما؟ # حبيبي «مد يده من الكوة فأنت أحشائي عليه»، # قمت لأفتح لحبيبي. ~~... إلخ ... ~~(6) تدقيق التسمية # عادة ما يلجأ الباحثون عند تناولهم شأنا من شئون الجماعة البشرية، التي بدأنا ~~بالاصطلاح على تسميتها في العنوان ب «بني إسرائيل»، إلى استخدام أحد اصطلاحات ثلاثة، ~~هي على الترتيب حسب شيوع الاستخدام: العبرانيين، اليهود، الإسرائيليين. ولتدقيق ~~المصطلح ودلالته، نجد أن اصطلاح العبريين أو العبرانيين، يقصد به تمييز تلك ~~الجماعة، بحيث يشير الاصطلاح إليها كشعب بعينه، وبحيث تبدو كما لو كانت تتسم بسمات ~~جنسية محددة بتاريخ مترابط وواضح، ويرتبط بأرض ومواطن بعينها، له ظروفه البيئية ~~والجغرافية التي تتناغم في النهاية مع السمات التي طبعت ذلك الشعب، اجتماعيا ~~واقتصاديا وسياسيا وفكريا. وهو قصد يذهب إلى وضع الجماعة الإسرائيلية في وضع ~~يسمح بالإيحاء بدلالات، تتساوى مع الدلالات التي تفهم من استخدامنا مصطلحات مثل ~~«المصريين، البابليين، الكنعانيين، الحيثيين ... إلخ». # لكن، بينما نجد اصطلاحات اسمية مثل المصريين أو البابليين، لا مجال للخلط ~~بشأنها، ويمكن للمؤرخ وللباحث استخدامها باطمئنان، حيث تشير إلى شعب بذاته، يسكن ~~أرضا بعينها، تفاعل مع بيئته خلال مسار تطوري، انتهى إلى وسمه بسمات صريحة ~~المعالم، يبدو فيها أثر الجدل بين الإنسان وبين تاريخه وبيئته وطبيعة أرضه، وبحيث ~~انتهى ذلك الجدل إلى نشوء كيان سياسي له سماته المميزة، مما يمكن الباحث من رسم ~~صورة شبه متكاملة لتاريخ ذلك الشعب، من خلال وثائق، ومدونات، وآثار، ms035 وسجلات ~~عينيه، ومعتقدات وأساطير. مع قراءة ذلك كله مرتبطا بالظرف البيئي والتطور ~~الاجتماعي، الذي يكسب الشعب في النهاية نكهته الخاصة، وسماته المميزة. لكن استخدام ~~مصطلح عبري، للدلالة على الجماعة الإسرائيلية لا يؤدي بحال إلى أي من تلك المعاني؛ ~~بحيث يسمح بكثير من الخلط والخبط وسوء الغرض إن بحسن نية أم بقصد؛ نظرا لاتساع ~~المصطلح عن حجم المدلول، فلا يطابقه، وتتحول معه الجماعة الإسرائيلية إلى كتلة رجراجة ~~داخل المصطلح دون ثبات. ويعود ذلك إلى عيوب أساسية في تاريخ تلك الجماعة البشرية، يجد ~~معها الباحث عسرا شديدا في استخدام تعبير شعب، للدلالة على تلك الجماعة، دون ~~السقوط في خطأ علمي فادح. # كما نجد عيوبا من لون آخر في نسيج تلك ~~المجموعة البشرية، وفي المراحل التي مرت بها وظروفها، إبان تكونها التاريخي، لا ~~تسمح بإعطاء المدلول الذي يمكن الاطمئنان إليه، كما في حال التعامل مع مصطلح «مصريين» ~~أو «بابليين» على سبيل المثال. ورغم أن الباحث قد يجد أوجها للقصور في تاريخ أي من ~~تلك الشعوب، نتيجة مبالغة هنا، أو اختفاء للمدون - في حقبة بعينها - هناك فإن ~~الاستعانة بعمليات القياس والنقد والمقارنة بين النصوص المتعددة، إزاء الحدث الواحد ~~والتحليل ومحاكمة الوثائق على سياقها الداخلي والسياق التاريخي، يمكن الوصول بالمسألة ~~إلى الوجه الأقرب إلى صدق ما حدث بالفعل. إضافة إلى ما يمكن القيام به من مقارنات، ~~إزاء الحدث الواحد، بين نص يتحدث عنه في مدونات مصر، وبين نص آخر يتحدث عنه في ~~وثائق الرافدين. لكننا مع الجماعة الإسرائيلية لن نجد بين أيدينا مثل تلك المادة ~~الخام الأساسية، لنعمل فيها أدوات البحث؛ فلا وثائق، ولا آثار، ولا سجلات عينية؛ لا ~~شيء بالمرة سوى وثيقة واحدة هي الكتاب المقدس (العهد القديم). # وحتى نكون أكثر دقة، فإن تعبير «لا شيء بالمرة» لون من المجاز الصادق؛ فهناك ~~بالفعل إشارات متأخرة في وثائق متناثرة في أشلاء مبعثرة بين دول المنطقة، لكنها ~~لا تصنع تاريخا بحال، ولا تؤكد في التاريخ الإسرائيلي شيئا بالقطع اليقيني أو ~~تنفيه. أما في المراحل الأقدم والتي ms036 تعود إلى بداية ذلك التاريخ ولقرون طويلة بعده، ~~حتى ظهور تلك الإشارات المبعثرة، فالأمر معلق بالمقدس وحده. علما أن ذلك ~~التاريخ الذي لا وجود له إلا بالكتاب المقدس، وهو عمدة تاريخ إسرائيل، ويمثل ~~أخطر الأحداث التي تقيم جماعة إسرائيل التاريخ كله عليها، ويشمل أهم البنى ~~لمقدسهم وتاريخهم على الإطلاق، ومثالا لذلك علاقة الجماعة الإسرائيلية بمصر، التي ~~تتمثل في لحظة حاسمة وفاصلة وقاطعة في تاريخهم، وتحكي عبر المقدس عن هبوطهم من ~~كنعان (فلسطين) إلى مصر، زمن النبي «يوسف » عليه السلام، وخروجهم منها بعد قرون في عهد ~~النبي «موسى» عليه السلام، وسط أحداث هائلة سواء في كيفها أو في نتائجها. وما صحب ~~ذلك الهول من هلاك كامل لجيش مصر، أعظم إمبراطوريات ذلك الزمان قاطبة، مع ما لحق ~~الديار المصرية نفسها من دمار وهلاك بفعل رب إسرائيل (يهوه)، وأسهبت في شرحه ~~الرواية المقدسة. ومع ذلك فإنك لا تجد في وثائق مصر، على كثرة ما اكتشف منها حتى ~~الآن، وعلى ما في هذه الكثرة من ذكر لدقائق وتفاصيل صغيرة الشأن، كسجلات وعقود ~~البيع والشراء، أو كأوامر ثانوية للفرعون بنقل موظف أو تابع قليل الشأن، أو ~~جزاءات التقصير في العمل، أو الأمر بالسماح لقبيلة بدوية بالانتجاع على الحدود، للعمل ~~في مناجم الفيروز وحفائر سيناء ... إلخ ... فإنك لا تجد بين كل تلك التلال الآثارية ~~والشواهد المدونة أية وثائق تشير إلى بني إسرائيل، اللهم إلا إشارة وحيدة يتيمة، ~~يقول فيها الفرعون «مرنبتاح» بن الفرعون «رعمسيس الثاني»، ضمن لوحة يحكي فيها عن ~~انتصاراته «هلكت إسرائيل ولم يبق لها بذر.» # 12 # وقد جاءت تلك الإشارة عرضا، ضمن روايته عن سحقه لعدد من الشعوب؛ مثل ~~اللوبيين (الليبيين)، والكوشيين. # 13 # وحتى لو غفلت مدونات مصر عن ذكر ذلك الحدث الهائل الذي دمرت ~~فيه البلاد، وهلك الزرع والضرع والعباد، وغرق بعده الفرعون وجيشه العرمرم في خضم ~~أمواج البحر، فما بال مدونات الشعوب المعاصرة للحدث لا تذكر ما حدث للجارة ~~الكبرى؟ سواء في بلاد الشام أو الرافدين أو تركيا بلاد الحيثيين؟ # هذا كل ms037 ما جاء عن تاريخ إسرائيل الطويل العريض في الأثر المصري «هلكت إسرائيل ~~ولم يبق لها بذر!» أما بلاد الرافدين فإنها لا تعرف شيئا البتة عن التاريخ ~~القديم لتلك الجماعة التي ملأت المقدسات صخبا وضجيجا وإن وردت إشارات في الحقب ~~المتأخرة تذكر شيئا يسيرا في شذرات عن مملكة تدعى «مملكة عمري»، والتي يظن أنها ~~مملكة إسرائيل في عهد أحد ملوكها المعروف باسم «عمري»، خلال الربع الأول من الألف ~~الأولى قبل الميلاد. ثم شيئا لا يغني ولا يسمن عن انتصارات الآشوريين على سكان ~~فلسطين وسبيهم لأهلها، ومثله شيئا آخر عن انتصارات الكلدانيين على جنوب فلسطين، ~~أما قبل ذلك فلا شيء على الإطلاق يشير إلى جماعة إسرائيل، ولا للأحداث التي مرت ~~بها، والتي أسهب الكتاب المقدس في تدوينها كعادته، إلى حد الإملال، بل إن الحفريات ~~المحمومة، والهوس الأركيولوجي الذي يمارس الآن في دولة إسرائيل، لم يسفر حتى ~~تاريخه عن شيء يستحق الذكر، أو عن أمر يمكن القطع بشأن نسبته للجماعة الإسرائيلية، أو ~~حتى تصنيفه ابتسارا ضمن مرحلة بعينها من مراحل ذلك التاريخ، الذي تضخم حتى صار ~~ورما ناتئا في تاريخ البشرية. # وحتى لو غضضنا الطرف عن كل المراحل القديمة في ذلك التاريخ، حسبما أوردته ~~المقدسات الإسرائيلية، بحسبانها مراحل بداوة وعدم استقرار، لم تسمح لها ظروفها ~~بترك آثار واضحة يمكن قراءتها، وبدأنا من زمن قيام الدولة، بحسبان التاريخ عادة ما ~~يبدأ مع الاستقرار، وقيام الكيان السياسي والتدوين؛ أي لو بدأنا مع المملكة التي أقامها ~~«شاول وداود وسليمان»، رغم عدم ثبوت التدوين آنذاك (حوالي 1000ق.م) لما وجدنا لأي من ~~تلك الأسماء المضخمة قدسيا وسياسيا وعسكريا، أي ذكر في سجلات أي من دول ~~المنطقة بكاملها ودون استثناء، ذلك رغم ما قيل عن عظمة تلك المملكة واتساعها ~~وجبروتها وعظم شأنها ومنشآتها. مع ما زعم عن الهيكل والقصور والجيش العرمرم، مهما ~~دققت النظر وأعييت الذهن، فلن تجد أية إشارة، لا لمملكة عظيمة ولا لمملكة ~~وضيعة، وحتى في حفائر الدويلة الحالية، ولا أثر معماري واحد بقي يتيما كشهادة ~~واحدة ms038 على تلك المنشآت التي صدعت بها أسفار المقدسات رءوسنا، بينما نجد ما يقف ~~بلا ضجيج، بدل الشاهد ألفا، في آثار فراعين مصر الذين سفهتهم المقدسات البدوية ~~عموما، وأظهرتهم في المراتب الدنيا من تاريخ الإنسانية؛ فالمملكة التي حدثتنا عنها ~~مقدسات البدو وعن عظمتها لا شيء عنها البتة، لا في أثر على ظهر الأرض، ولا في باطن ~~الأرض، ولا حتى في الورق! اللهم إلا ورق المقدس وحده، وهو في موازين التاريخ والبحث ~~العلمي، ما لم تخترع له وحدة قياس بعد. # هذا ما كان عن القصور الأول في تاريخ جماعة بني إسرائيل، والذي جعل من الصعب تدقيق ~~الاصطلاح الصادق الدلالة عليهم؛ فمع تاريخ كهذا لن تكون واثقا عن أي شيء تتحدث ~~بالضبط، ولا يبقى لديك سوى مأثرتهم الوحيدة (العهد القديم من الكتاب المقدس) ~~لتتناول التاريخ الوارد فيه بالدرس. لكن الكتاب المقدس نفسه يضعك في حيرة عندما ~~تريد تدقيق الاصطلاح، ما بين العبريين واليهود والإسرائيليين، لكن العجيب في الأمر، ~~والمثير لدهشة الباحث وقلقه معا، هو ذلك التكامل المدهش في ذلك المأثور، الذي يندرج ~~ضمن التاريخ أكثر مما يندرج ضمن الدين؛ فيظهر بمظهر الدقة الصارمة، ويتحدث عن الجماعة ~~الإسرائيلية من البدء، نسبا لنسب، ليرتفع بهم إلى أرومتهم «النبي إبراهيم عليه ~~السلام»، ثم يصعد ليصل إلى شخصية تراثية أبعد هي «النبي نوح عليه السلام»، ثم يغالي ~~دون أن يبالي، فيرتفع بسلسلة الأنساب حتى يصلها مباشرة بشخصية تراثية أخرى هي «آدم» ~~أبو البشر، مع تفصيل لكثير من الدقائق والمنمنمات التي يقدمها كشواهد، إثباتا ~~للمصداقية، هذا علما أن كل هذا المدون الذي يضرب في عمق الزمن السحيق، لم يتم ~~تدوينه إلا في زمن متأخر جدا بما لا يقارب، قياسا على زمن الأحداث التي يرويها؛ ~~حيث لم يبدأ تدوين المقدس الإسرائيلي حسب أبعد الترجيحات، وأكثرها تأولا ~~لصالح بني إسرائيل، إلا مع بداية الألف الأولى قبل الميلاد. # وإزاء هذا التأخير في التدوين، مع التكامل الظاهري، والإصرار على التدقيق في ~~تفاصيل أحداث سحيقة في القدم، فإن أي باحث لا يملك سوى ms039 أن يرى في ذلك التاريخ ~~المقدس صنعة وانتحالا واضحين، وريبة مركزية تحيط بها كثير من الظنون، مما ~~يفقده الكثير من المصداقية لأول وهلة، وقبل وضعه على أي ميزان. هذا ناهيك عما ~~تلبس بهذا التاريخ من أساطير ومبالغات لا تخلو منها صفحة من صفحات ذلك المقدس، ~~ملتبسة بأحداث أخرى واقعية، وتتم رواية ذلك المزيج الهجين بحسبانه في مجمله أحداثا ~~تاريخية واقعية، مما يلقي مزيدا من ظلال الشكوك على الحدث نفسه، الذي يروى كواقعة ~~تاريخية. # أما ما يزيد الأمر تعقيدا، فهو أن تلك الجماعة، وحسب الكتاب المقدس ذاته، قد مرت ~~بعدة أدوار، انتقلت فيها نقلات هائلة ومتغيرة كميا وكيفيا، بحيث لا يمكنك في ~~مرحلة بعينها، الزعم أنك تتحدث دون خلط، وهو ما ألقى بظلاله على تدقيق الاصطلاح ~~المناسب الدال على تلك الجماعة البشرية؛ فاصطلاح العبريين يرتبط أساسا بلغة تلك ~~الجماعة، والمعروفة باللغة العبرية، كما يرتبط من جهة أخرى بتفسير الباحثين للاصطلاح ~~بحسبانه دالا على حدث تاريخي، هو عبور القبيلة الأولى (الإبراهيمية) للنهر، في ~~هجرتها من وطنها الأصلي إلى كنعان، ويتضارب الباحثون التوراتيون - دون الشعور بأي ~~خلل - ما بين كون هذا العبور لنهر الفرات أو لنهر الأردن؛ فالأمر مقدس، ومع ~~المقدس كل شيء جائز. وقد كانت هذه الهجرة من مدينة «أور» المزعوم بالتوراة أنها «أور ~~الكلدانيين»، والواقعة في أقصى الطرف الجنوبي الغربي لبلاد الرافدين حسبما ذهب ~~الباحثون، والتي ذهبنا نحن بها إلى منطقة «أرارات» في جبال «أرمينيا» حول هضبة أرارات ~~وغربها؛ أي المنطقة الواقعة شمالي العراق وسورية الآن، وذلك في كتابنا «النبي إبراهيم ~~والتاريخ المجهول». # ومن جانبنا فقد رأينا اصطلاح «العبريين» غير صادق الدلالة إلى حد بعيد، رغم كونه ~~أكثر الاصطلاحات استخداما في كتابات الباحثين، وموقفنا يتأسس على خطأ نراه ~~أساسيا في مستند هؤلاء؛ لأن الكلمة «عبري» لا تعود بحال إلى عبور نهر، وإعادتها ~~لعبور القبيلة الإبراهيمية للنهر، قصد بها تخريج يتماشى مع سيناريو كاتب هذا الجزء ~~بالكتاب المقدس الذي دون قصة الهجرة الإبراهيمية من «أور» إلى كنعان. بينما الأصل ~~يعود إلى أن ms040 القبيلة الإبراهيمية المعنية بهذا الاصطلاح تعود بنسبها إلى الجد المدعو ~~«عابر»، وذلك حسب شجرة الأنساب التوراتية؛ فإبراهيم هو ابن تارح (آذر في الرواية ~~الإسلامية)، ابن ناحور بن سروج بن رعو فالج بن عابر، وعابر هذا هو حفيد سام بن نوح. ~~وتعود أهمية «عابر» في هذا السلسال حسب التعليلات التوارتية، إلى أنه في زمنه وزمن ولده ~~«فالج»، قسمت الأرض حسب ألسنتها إلى شعوب وأجناس، ووزعت على خريطة المنطقة، ~~بحيث تميز العبريون في هذه القسمة عن غيرهم من الشعوب؛ لذلك لا يني الكتاب المقدس ~~يذكر الجد عابرا بشكل متواتر، قاصدا به الدلالة على الشعب الذي تناسل عن النبي ~~إبراهيم تحديدا. # ومكمن الخطأ في استخدام هذا الاصطلاح، هو أنه إلى «عابر» ذاته، تعود مجموعة أخرى من ~~الشعوب، حسب القسمة التوراتية ذاتها، هم أبناء «يقظان» أحد أبناء عابر. وأبناء يقظان هم ~~عرب جزيرة العرب وبخاصة جنوبها «قحطان»؛ لذلك فإن دلالة «عبري» حسب المقدس، تشمل بني ~~إسرائيل، كما تشمل شعوب جزيرة العرب؛ فهي دلالة أوسع وأشمل وأعم من بني إسرائيل ~~وحدهم. وكما تبين دلالتها في الكتاب المقدس، فهي تشير إلى الرعاة وأصحاب نهج ~~البداوة بشكل عام، وحيثما استعملنا التعبير «عبري»، يتبادر إلى الذهن فورا تعبير ~~«عربي» كمصطلح دال على الرعي والبداوي، ولنلحظ أنه بظاهرة الميتاتيز الفونيطيقي ~~(القلب اللساني)، يمكن أن تتبادل «عبري» و«عربي». وعلى مستوى اللسان فإنه من «عبري» ~~يكون التعبير، أو الإفصاح من «عبر» ومن «عربي» يكون الإعراب «أعرب» أي أفصح وعبر وهو ~~يحمل ذات الدلالة، ولا يفوتنا الاقتراب الحميم بين اللغتين العربية والعبرية تحديدا ~~من بين بقية فروع شجرة اللغات السامية. وفي المأثورة «إسماعيل» أبو العربان، هو أخ ~~لإسحاق أرومة بني إسرائيل، وفي التاريخ تحدثت وثائق الرافدين عن مملكة «عريبي» # 14 # بينما تحدثت وثائق مصر عن البدو باسم «عبيرو» # 15 # ولنلحظ أمرا لا يخفى مغزاه، وهو اعتماد المؤرخين الإسلاميين على ~~شجرة الأنساب التوراتية، في حال تنسيبهم لشخصيات عربية تاريخية، بحيث تعود تلك ~~الشخصيات دوما في النهاية إلى الشجرة العبرية. # وفي حال احتساب اصطلاح ms041 عريبي منسوبا إلى اللغة العبرية، فإنه من المفيد أن نعلم، أن ~~اللغة العبرية نفسها لم تكن لغة بذاتها بهذا الاسم، بل هي «شفة كنعان» (إشعيا، 19: ~~86)؛ أي لسان الكنعانيين؛ حيث اكتسبتها القبيلة الإبراهيمية بعد نزولها فلسطين؛ ~~حيث سكنت بين سكانها الكنعانيين، وتكلمت بلسانهم اكتسابا؛ وعليه، فإن استخدام ~~اصطلاح عبري سيشمل القبيلة الإبراهيمية الوافدة، والكنعانيين سكان فلسطين، وعرب ~~الجزيرة، وما أبعد ذلك عن الصحة والسلامة، ومن هنا رأينا أن اصطلاح عبري، لا يفي ~~بدقة للدلالة على بني إسرائيل بقدر ما يدل على البداوة عموما. # أما اصطلاح «يهود»، فهو لا يشير إلى جنس بعينه، أو شعب بذاته، أو مكان محدد، ~~أو لكيان سياسي بخصوصيته ونظامه، قدر ما يشير إلى تصنيف طائفي، يتأسس على العقيدة ~~والملة التي اجتمع عليها البشر، الذين شكلوا الجماعة الإسرائيلية، وتعود التسمية ~~«يهود» إلى رب هؤلاء المعبود فيما بعد العهد الموسوي باسم «يهوه»، ثم إلى أحد الأسباط ~~من أبناء يعقوب، والمدعو «يهوذا»، الذي سمي به قسم منفصل عن دولة سليمان حمل اسم ~~«مملكة يهوذا». والاصطلاح واضح القصور؛ حيث لم يظهر الإله يهوه إلا مع ظهور النبي موسى ~~عليه السلام، والنبي موسى هو أحد أحفاد سبط لاوي أو ليفي بن يعقوب المعروف بإسرائيل، ~~حوالي عام 1250ق.م، مع إسقاط كل المراحل السابقة في تاريخ تلك الجماعة. هذا ناهيك عن ~~كونه لا يفي إطلاقا بدلالته الصادقة، على الشراذم المؤتلفة اليوم في دولة إسرائيل، ~~والتي لا تجمعها لا لغة مشتركة ولا تاريخ واحد، ولا جنس، ولا موطن، ولا يجمعها شيء ~~سوى الملة والطائفة، والمبدأ العنصري الذي يقوم عليه ذلك الكيان، وإعمالا لذلك فإن ~~اصطلاح «يهود» لا يحمل دلالة صادقة على الجماعة الإسرائيلية المقصودة في الكتاب ~~المقدس. # ومن هنا، فقد ملنا إلى استخدام اصطلاح «بني إسرائيل» الذي يشير إلى الجماعة القديمة، ~~صاحبة ذلك التاريخ المقدس، رغم ما قد يلحق ذلك الاصطلاح بدوره من عيوب، وهو اصطلاح ~~يعود في منشئه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، في قصة مقدسة ومشهورة تقول إن يعقوب ~~التقى ربا يعرف ms042 بالاسم «إيل»، وكان رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وظل ربا لتلك الجماعة ~~حتى ظهور النبي موسى وربه «يهوه». وتحكي القصة النزال الجسدي بين يعقوب وإيل، وكادت ~~المصارعة تحسم لصالح يعقوب، لولا أن كشف إيل عن شخصيته الإلهية ليعقوب؛ حيث أمره ~~بتبديل اسمه من يعقوب إلى إسرائيل، وهو نحت لفظي مركب من ملصقين، بترجمة بعض ~~الباحثين تجميلا، وربما مجاملة لشعب الرب، بالترجمة «جندي الرب»، بينما صدق التسمية ~~لدينا هي «صراع-إيل» أي مصارع الرب، أو الذي صرع الرب وهزمه، ولو كان صدق التسمية هو ~~«جندي الرب» لكان الأصل العبري هو «صبت-إيل» وليس «أسر = إيل» «صرع = إيل» (انظر: ~~الكتاب المقدس، سفر 22: 32-29). # وقد ملنا إلى استخدام اصطلاح بني إسرائيل، رغم كونه لا يشمل سلف الجماعة قبل يعقوب ~~«إسحاق وإبراهيم»، لكنه على أية حال الأقرب إليهم زمانا؛ فيعقوب حفيد إبراهيم ~~مباشرة، هذا بالإضافة لكونه تابعا في العقيدة للإله «إيل»، بينما يرتبط يعقوب نفسه من ~~جهة أخرى، بالأسباط بني إسرائيل وهم بنوه، الذين جاء من نسلهم موسى عليه السلام صاحب ~~الإله الجديد «يهوه». ~~(7) أدوار التاريخ الإسرائيلي # من المتفق عليه بين الباحثين المهتمين بدراسة تاريخ الجماعة الإسرائيلية اللجوء ~~إلى تقسيم هذا التاريخ إلى مراحل أو أدوار، في محاولة لتجاوز الصعاب والعقبات التي ~~ربما تعرض لونا من الاستحالة، في حال معالجته كتاريخ متصل. وهي الصعاب الناتجة عن ~~العيوب الأساسية في مسيرة هذا التاريخ، والتي أشرنا إليها. ~~وقد اختلف تقسيم تاريخ بني إسرائيل بيد ~~المؤرخين حسب الرؤية، والمنهج، والمدرسة، والأيديولوجيا في أغلب الأحيان. وللإيجاز ~~سنعمد إلى الرؤى المطروحة والمعلومة لدى القارئ العربي، وأوسعها انتشارا: تقسيم ~~«فيليب حتي» لهذا التاريخ إلى دورين رئيسيين، يعتمدان خط الهجرات للجماعة ~~الإسرائيلية إلى فلسطين، والذي تم في هجرتين رئيسيتين، تفصل بينهما مرحلة زمانية. ~~تعود الهجرة الأولى منهما إلى القبيلة الأولى في التاريخ الإسرائيلي (القبيلة ~~الإبراهيمية)، وهي الهجرة التي هبط فيها البطرك إبراهيم وعائلته أرض فلسطين في ~~استيطان أول، أما الهجرة الثانية فكانت في الزعم المقدس مجرد عودة إلى فلسطين، ~~بعد أن اضطرت المجاعة وشظف ms043 العيش النبي «يعقوب» وأسباطه أحفاد إبراهيم عليه السلام، ~~إلى هبوط مصر طلبا للقوت. حيث لبثوا هناك زمنا عادوا بعده في هجرة ثانية إلى ~~فلسطين، لكن الهجرة هذه المرة، ضمت عددا هائلا من البشر. وتأسيسا على ذلك أقام «فيليب ~~حتي» تقسيمه لتاريخ بني إسرائيل إلى دورين مثلهما هجرتين إلى فلسطين، لكنه يؤكد أن ~~التاريخ الحقيقي لتلك الجماعة، وظهورهم في التاريخ (كشعب)، إنما يبدأ من الهجرة ~~الثانية؛ أي من خروجهم من مصر بقيادة النبي موسى عليه السلام، حوالي عام 1234-1215ق.م ~~فيما يذهب هو إليه، وأن هذا الخروج أو الهروب أو الهجرة، لم تشمل سوى قبيلة واحدة فقط ~~من جماعة إسرائيل، هي قبيلة راحيل، # 16 # نسبة إلى راحيل الزوجة الثانية ليعقوب وهي أم يوسف النبي عليه السلام وأخيه ~~بنيامين، والمقصود هنا أن القبيلة التي دخلت مصر وخرجت منها هي نسل راحيل فقط ~~دون بقية الجماعة الإسرائيلية. # وإن المؤرخ «فيليب حتي» وهو يضع ذلك اللغم، يتركه ويستمر في عرض تاريخ الجماعة، لكن ~~بعد أن يشعل فتيله الذي يشير لقارئ لبيب، لديه إلمام كاف بالتاريخ المقدس، إلى ~~تفجر وتشظي الجماعة الإسرائيلية قبل دخول مصر، وإلى احتمال أنها لم تكن يوما ~~جماعة واحدة، إنما حدث لها ائتلاف بعد الخروج بقيادة قبيلة راحيل، وأن الخروج لم ~~يشمل إلا عددا محددا من بني يعقوب (إسرائيل)؛ وعليه فلا مندوحة لعقل ناقد من ~~الاستدلال من رؤية «حتي» على أن جماعة إسرائيل لم تتكون حقيقة إلا بعد الخروج، ~~وبالتدريج لتتشكل من ائتلاف قبلي كان «أصلا متعدد العروق ومختلف المشارب»، ~~ولم يكن من بينها من هو أصيل النسب لإسرائيل سوى أبناء راحيل، وهو أمر يمكن أن يؤدي ~~بإعمال البحث المدقق إلى نتائج هائلة في محتواها، وهو ما نحاول إعمال البحث فيه ~~حاليا، في كتاب لا زال مشروعا قيد البحث بعنوان «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة». # 17 # أما عالم الساميات «سبتنيوموسكاتي» فيلجأ في ~~تقسيمه للتاريخ الإسرائيلي إلى أدوار، مستندا إلى رؤية أخرى، ترتبط بمراحل الاستيطان ~~والارتحال الإسرائيلي من مواطن مختلفة ومتباينة إلى ms044 مواطن أخرى متباعدة، يبدؤها ~~بالمأثور التوراتي حول إقامة القبيلة الأولى (الإبراهيمية) في جنوب بلاد الرافدين (وهو ~~يسلم بذلك دون مناقشة)، ثم هجرتهم من هناك إلى فلسطين. ثم يثني على الدور الثاني ~~الذي هاجر فيه يعقوب (إسرائيل) وأولاده إلى مصر حيث أقاموا فيها إلى أن انتهى بهم ~~الأمر إلى الاضطهاد، ثم الخروج من مصر إلى سيناء بقيادة موسى النبي عليه السلام. ثم ~~ينتقل إلى الدور الثالث والأخير في تقسيمه، والذي يرتبط بدخولهم أرض فلسطين في سلسلة ~~من الحملات، التي وجهت إلى جنوب فلسطين ووسطها وشمالها، حتى استيطانهم فيها، وينسب ~~تلك الأحداث إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، مشيرا إلى حفائر آثارية في جنوب ~~فلسطين، تشهد بتدمير بعض المدن حوالي ذلك الزمن، ويحتسب ذلك دليلا كافيا على حدوث ~~الهجوم الإسرائيلي على فلسطين. # 18 # وهو الأمر الذي يؤخذ على باحث في وزن موسكاتي؛ فدليله واضح التحيز ~~وبين القصور؛ لأنك لن تحفر الأرض في أي موطن في الشرق الأوسط، إلا وتجد قرى ~~وبلادا عفى عليها الزمان، بعد تدميرها على يد أقوام أخرى، ومعلوم أن منطقة الشرق ~~الأوسط كانت تموج لمدى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد بالحركات البشرية والهجرات، ومعلوم ~~أيضا أن فلسطين نالها النصيب الأكبر من اصطراع تلك الجموع البشرية الهائلة، لموقعها ~~الجغرافي المركزي في بطن المنطقة؛ وعليه فإن وجود قرى مدمرة في طبقات الحفائر ~~بفلسطين لا يشير بالشرط والقطع إلى بني إسرائيل تحديدا في الزمن الذي يشير إليه، ~~وكون فلسطين كانت طوال تاريخها معبرا لجميع الشعوب المهاجرة، وساحة لمعارك ~~الإمبراطوريات الكبرى المتصارعة دوما (مصر، أشور، بابل، الحيثيين)، كفيل وحده ~~بجعل فلسطين تنال نصيبا أوفر من الدمار المتواصل، أكثر من مواضع أخرى كثيرة في ~~الشرق القديم. # هذا بينما يذهب باحث آخر هو «أحمد سوسة» إلى تقسيم التاريخ الإسرائيلي إلى أدوار ~~ثلاثة، يعتمد ذات خط «موسكاتي»؛ أقصد نظرية المواطن التي تقاسمت حركة التبدي ~~للجماعة الإسرائيلية، لكنه يخالفه في تزمين تلك المراحل طولا أو قصرا؛ فالدور الأول ~~يبدأ بهجرة النبي إبراهيم عليه السلام، مع قبيلته، من ms045 «أور الكلدانيين» جنوبي بلاد ~~الرافدين، لكنه يمد هذا الدور زمنيا لينهيه باستقرار الإسرائيليين في مصر. حتى ~~يزعم أنه بعد هبوطهم مصر، اندمجوا كلية في البيئة المصرية، بعد قضاء ستة قرون كاملة ~~هناك (وهو تقدير خاص بأحمد سوسة). لكن مسألة الاندماج التام رأي له وجاهته، في ضوء ~~ما يعرفه التاريخ، عن قدرة مصر الفذة في امتصاص الغرباء وتمصيرهم، في أزمنة أقصر ~~بكثير من المدة المزعومة لبقاء الإسرائيليين بمصر. ثم ينتقل «سوسة» بعد ذلك إلى الدور ~~الثاني، الذي يبدؤه النبي موسى عليه السلام وجماعته ، في نزوحهم من مصر إلى فلسطين، ~~ويذهب في ذلك إلى رأي فريد؛ فيقول: إن رحلة الخروج التي أسهب في روايتها الكتاب ~~المقدس، وتعتبر حجر الزاوية في البناء التاريخي لإسرائيل بكامله، ليست سوى «حملة ~~مصرية، مؤلفة من جماعة من المصريين، وبقايا الهكسوس، يدينون بدين التوحيد، الذي ~~ورثوه عن إخناتون فرعون مصر، واضطروا تحت ضغط الوثنيين واضطهادهم إياهم إلى ~~الهروب من مصر، والتوجه إلى أرض كنعان.» # بل ويذهب «سوسة» إلى أن هؤلاء الخارجين لا ريب كانوا «يتكلمون باللغة المصرية، وبها ~~كلمهم موسى على وجه التأكيد، وقد نسبت التوراة هذه الحملة إلى بني إسرائيل؛ بغية ~~ربط هذه الجماعة بيعقوب وبإبراهيم الخليل، كما نسبت موسى إلى كهنة بني ~~لاوي بن يعقوب، في حين أن الرأي الغالب لدى الباحثين ~~في هذا العصر، هو أن موسى كان قائدا في بلاط إخناتون، يدين بدين التوحيد الذي دعا إليه ~~إخناتون. ورواية التوراة نفسها تشير إلى أن موسى تربى مصريا في بلاط فرعون، واتخذته ~~ابنة فرعون ابنا لها (خروج، 2: 10)، ثم تزوج من امرأة كوشية (زنجية) (عدد، 12: ~~10)؛ فلو كان لاوي في الوجود زمنه، لتزوج إحدى بنات عمومته. ومن الثابت لدى العلماء، أن ~~اسم موسى اسم مصري صميم، تسمى به أباطرة عصر الإمبراطورية: أحمس أو «أح موسى» ~~تحوتمس أو «تحوت موسى»، رعمسيس أو «رع موسى»، أما لغة هذه الشريعة فالأرجح عندنا أنها ~~كانت باللغة المصرية، وقد أخذت جماعة موسى ~~بالحضارة الكنعانية وتقاليدها وعاداتها، كما أخذت بلغتها الكنعانية ... أما لغتهم ms046 التي ~~صارت تسمى بالعبرية في وقت لاحق، فهي إحدى اللهجات التي اقتبسوها من الآرامية، وقد ~~تكونت بمرور أكثر من ستمائة عام على دخولهم أرض فلسطين وبها كتبت التوراة في ~~بابل بعد عهد موسى بثمانمائة عام، وبعد عدة قرون اقتبست هذه الجماعة الكثير من ~~أسس الديانة والعبادة الكنعانية، وصارت جزءا من ديانتها.» # 19 # ثم ينتقل «سوسة» إلى الدور الثالث من أدوار التاريخ الإسرائيلي، فينتقل ~~مع بني إسرائيل إلى موطن ثالث، يبدأ بسبيهم من ~~فلسطين إلى بابل على يد «نبوخذ نصر الثاني الكلداني»، وذلك حوالي عام 586-539ق.م؛ حيث ~~أقاموا في بابل إقامة أدت إلى تطور هائل في العقيدة اليهودية خلال القرون التالية، ~~كما كان لتلك الإقامة أهمية أخرى؛ فقد دونت في بلاد الرافدين - أثناء الأسر - ~~أهم فصول التوراة. ويذهب «سوسة» إلى أنه ربما كان في حوزتهم، نسخة من وصايا موسى ~~الأصلية، المكتوبة بالهيروغليفية، قدمت لهم المادة الأساسية والخام، لعملهم بالكتاب المقدس. # 20 # ثم نجد لونا آخر من تقسيم التاريخ الإسرائيلي، لا يعتمد خط الحركة المهاجرة ولا يأخذ ~~باعتباره المواطن الجغرافية للحل والترحال، إنما يربط بين أدوار التقسيم، وبين ~~تبادل الأحداث التي مرت بالجماعة الإسرائيلية، وكانت ذات أثر جوهري في حدوث ~~نقلات تاريخية، حولته تحولا كبيرا؛ بحيث أصبح ذلك بمثابة الانتقال من دور إلى ~~آخر، مع أخذه بالحسبان، شكل الحياة، أو نمطها السائد، ومدى ما دخلها من تغيرات ~~نقلتها من دور إلى دور آخر في التاريخ، وهو ما نجد نموذجا له عند «أنيس فريحه» حيث ~~يقول: «مر العبران في خمسة أدوار رئيسية: ~~(1) # دور البداوة: حيث كانوا من جملة القبائل السامية المنتشرة في شمالي ~~الجزيرة العربية، ولم يكونوا موحدين، لكنهم كانوا في طريقهم نحو ~~التوحيد، وأصبح أحد ألهتهم - يهوه - قائدهم في الحروب، الإله الأول. وكان ~~يهوه إله قبيلة قليلة العدد ضيقة الآفاق، وكان يتميز بكثير مما تتميز ~~به آلهة الصحراء؛ فقد كان إلها غيورا يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، للجيل ~~الثالث والرابع، كان صارما شديدا، حتى إنه لم يرد أن يرسم له رسم أو ms047 ~~نحت، خوفا من المنافسة، ولكن هذا الإله الصحراوي أصبح على يدي الأنبياء ~~أمثال إشعيا وعاموس وميخا، إلها عالميا يأمر بالمحبة والعدل. ~~(2) # دور التكوين القومي والسياسي: وهو طور استقرارهم في كنعان، بعد أن دخلوا ~~أسباطا وعشائر تحت إمرة شيوخهم وقضاتهم، ولم تخضع البلاد لهم برمتها، بل ~~ظلوا يكافحون فيها قرونا يحاربون، حتى دانت لهم من دان إلى بئر سبع، وكانت ~~الحضارة الكنعانية أرقى من حضارتهم، وكذلك كانت لغة الكنعانيين أرقى من ~~لغتهم، فاقتبسوا لغة البلاد واندمجوا في حضارتها وتكونت على مر ~~الأجيال قومية عبرية، ... وتأسست الملكية ... ونعموا بفترة استقرار ~~ورخاء دامت أكثر من تسعين سنة، ثم إنهم ما لبثوا أن انقسموا على ذواتهم؛ ~~قسم شمالي عاصمته بالقرب من نابلس الحديثة، وقسم جنوبي عاصمته أورشليم، وفي ~~هذه الفترة، نشأ صراع عنيف بين يهوه وبين آلهة أخرى زراعية، وقام نزاع ~~بين كهنة البعل وكهنة يهوه، واشتد الصرع بين العادات الصحراوية القبلية، ~~وبين العادات الزراعية الحضرية. ~~(3) # دور السبي: في سنة 721ق.م وقعت المملكة الشمالية إسرائيل في قبضة ~~الآشوريين، فخربوا العاصمة، وأجلوا قسما كبيرا من السكان إلى ~~العراق، وفي عام 586ق.م، وقعت المملكة الجنوبية في قبضة البابليين، ~~وخربوا العاصمة، ودكوا معالم الهيكل، وأجلوا السكان إلى ~~بابل. ~~(4) # دور الرجعة إلى موطنهم: كان رجوعهم إلى فلسطين على يد الفرس، وقد انصب ~~حماسهم في إعادة بناء الهيكل ... وفي هذه الفترة وضعت أكثر أسفار التوراة، ~~كما نعرفها حتى يومنا هذا ... وهذه الفترة كانت فترة نضوج اليهودية الرسمية ~~التقليدية. ~~(5) # دور وقوعهم تحت الهلينية: وقعت فلسطين تحت حكم الإغريق عند أواخر ~~القرن الرابع ق.م، فنشأت حرب فكرية عقائدية بين الإغريق واليهود ... وقد ~~اشتد العداء واستفحل، فنشبت بينهم حروب دامية تعرف بحروب المكابيين ... ~~وقرر أنطيوخس أبيفانس أن يمحو اليهودية من الوجود، فجرد عليهم طيطس ~~الروماني عام 70 للميلاد حملة كبيرة، كانت القاضية، فخرب الهيكل ~~وأحرقه، وتشتت اليهود في جميع أنحاء المعمورة.» # 21 ~~(8) أحداث الدخول في الطور الإيلي الإبراهيمي # تبدأ الأحداث في الأصل، بنزول إسرائيل (وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) إلى مصر، ms048 ~~بصحبة بنيه من الأسباط الأحد عشر، بعد أن استدعاهم ولده الأثير، السبط الثاني عشر (يوسف ~~عليه السلام)، والذي سبق أن بيع رقيقا في مصر، بعد مؤامرة من أشقائه لاستبعاده، كي ~~يخلو لهم وجه أبيهم، وفي مصر تقلبت به الأحوال، حتى انتهى وزيرا لخزانة ~~المصريين. # وتقول التوراة: إن بني إسرائيل قد قضوا في مصر 430 عاما، لكنها لا تحدثنا إطلاقا، ~~عما جرى لبني إسرائيل هناك طوال تلك السنين، رغم ميلها المعهود إلى التفصيل ~~والتكرار الممل، فقط تبدأ التوراة عادتها، بالشرح والتفصيل والتكرار كدأبها، مع ظهور ~~النبي موسى عليه السلام، الذي قدر له أن يقود بني إسرائيل في رحلة خروج أو هروب ~~كبرى إلى فلسطين. # ومن المشكلات العصية على أي باحث، هو محاولة ~~القطع بشأن الزمن الذي بدأ فيه ظهور القبيلة الإسرائيلية أصلا، على صفحات التاريخ، مع ~~جدهم البعيد إبراهيم، وإن كان الأقرب للقبول افتراضا، هو تواجد الجد إبراهيم عليه ~~السلام خلال القرن السابع عشر قبل الميلاد، وذلك وفق مقاربات افتراضية، تستند إلى ~~رواية توراتية، تتحدث عن مهاجمة فرعون مصري لمملكة إسرائيل بعد موت ملكها سليمان ~~مباشرة، وقد ذكرته التوراة باسم «شيشق»، ولأن تاريخ مصر المدون في آثارهم، حدثنا ~~عن فرعون باسم «شيشنق»، وأنه كان صاحب حملات على بلاد الشام وفلسطين، فقد تم لأول مرة ~~محاولة ضبط التاريخ الإسرائيلي متوافقا التاريخ المصري، «وتم التزمين الافتراضي لزمن ~~سليمان، بمطابقته مع زمن شيشنق الأول أو «شيشق» الذي عاش حوالي 1000ق.م»؛ وعليه فقد ~~وضعت خطة ترتب الأزمنة والأحداث والشخصيات التاريخية الهامة، ارتجاعيا، بدءا ~~من زمن شيشنق الأول وسليمان، وفق سياق افتراضي يصل في النهاية إلى زمن الجد إبراهيم ~~عليه السلام. # وإن الأحداث التي تتعلق بحدثي الدخول والخروج، يمكن تقسيمها بين مرحلتين أو طورين، ~~هما الطور الإيلي الإبراهيمي، وخلاله تم حدث الدخول، ثم الطور الثاني اليهوي أو ~~الموسوي وخلاله ثم حدث الخروج؛ وعليه فإن أحداث الدخول، هي تلك التي تبدأ بزمن الجد ~~إبراهيم، وتنتهي بظهور النبي موسى على الأحداث؛ حيث يبدأ بعد ذلك حدث الخروج. # ويتضح ms049 من رواية «الكتاب المقدس»، أن تلك الجماعة قد عاشت هذا الطور في حالة من ~~التبدي والارتحال الدائمين، وكان إبراهيم عليه السلام راعيا للمواشي، كذلك كان ~~أبناؤه هبوطا من إسحاق إلى يعقوب. وهو ما يتضح في قول يوسف عندما استقبل إخوته بمصر «... ~~ثم قال يوسف لإخوته ولبيت أبيه: أصعد وأخبر الفرعون وأقول له: إخوتي وبيت أبي الذين ~~في أرض كنعان جاءوا إلي، والرجال رعاة غنم؛ فإنهم كانوا أهل مواش، وقد جاءوا ~~بغنمهم وبقرهم وكل ما لهم، فيكون إذا دعاكم فرعون وقال ما صناعتكم، أن تقولوا: ~~عبيدك أهل مواش منذ صبانا إلى الآن، نحن وآباؤنا جميعا. لكي تسكنوا أرض جاسان؛ «لأن ~~كل راعي غنم رجس للمصريين»» (تكوين، 46: 31-32). # لكن ثمة إشارات غامضة في مصر ما بين يوسف وموسى، غلب عليها حكاية الاضطهاد، لكن ~~عملهم قبل ذلك أيام فرعون يوسف كان رعاية مواشي الفرعون، أو كما جاء بالكتاب المقدس ~~«فكلم فرعون يوسف قائلا: أبوك وإخوتك جاءوا إليك أرض مصر، قدامك في أفضل أرض ~~أسكن أباك وإخوتك، ليسكنوا في أرض جاسان، وإن علمت أنه يوجد بينهم ذوو قدرة، ~~فأجعلهم رؤساء مواش على التي لي» (تكوين، 47: 5-6). # هذا إضافة إلى ما يظهره السرد التوراتي لحياة إبراهيم ونسله في أرض كنعان، وأنها ~~كانت ارتحالا دائما وراء الكلأ؛ حيث تجد النغمة السائدة «ثم ارتحل إبراهيم ارتحالا ~~متواليا» (تكوين، 12: 19)، دونما استقرار؛ فلم يعرفوا سكن البيوت، بل سكنوا في خيام ~~متنقلة، وعادة ما كان الرب يظهر لإبراهيم وهو يقضي القيلولة أمام خيمته «وظهر له الرب ~~عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة، وقت حر النهار» (تكوين، 18: ~~15). # ومن الطبيعي أن يستتبع العمل بالرعي هجرات متعددة وراء الشعب، وحسب حال الطبيعة من ~~وجود أو شح؛ لذلك كان نزولهم مصر في عهد إبراهيم، وفي عهد يوسف بن يعقوب، وعادة ~~ما كان يسبق تلك الحركة المهاجرة الإشارة إلى نزول جوع بالأرض «وحدث جوع في الأرض، ~~فانحدر إبرام إلى مصر ليتغرب هناك» (تكوين، 12: 10)، «وكان الجوع على وجه كل الأرض ~~... فلما رأى يعقوب أنه ms050 يوجد قمح في مصر، قال يعقوب لبنيه: لماذا تنظرون بعضكم إلى ~~بعض؟ وقال: إني قد سمعت أنه يوجد قمح في مصر، انزلوا إلى هناك» (تكوين، 41: 56؛ 42: ~~1-2). # ويبدو من عدة شواهد أخرى، أن أهم مظاهر ثروتهم التي تمثلت في الأنعام، كانت ~~ثروات عائلية لا فردية ولا قبلية إنما كانت ملكية عائلية أسرية؛ ~~فنجد أن لوطا ابن أخي إبراهيم، له ولأسرته أملاكها ~~من المواشي، ولإبراهيم وأسرته أملاكا أخرى تخصهم. كذلك الأمر مع أبنائه، بينما كانت ~~أراضي المراعي وآبار المياه ملكية جماعية مشاعية، لكن دون ثبات أو دوام؛ فكانت ~~المراعي تتعرض للجفاف ، والآبار للنضوب، فتنتقل القبيلة مع مواشيها، كما حدث في حال ~~نزولهم إلى مصر، أو في حال استيلائهم على أرض فلسطين. ولم تكن الفروق كبيرة في ذلك ~~العهد بين ثروات أسر تلك القبيلة، ولا بين ثروات الأفراد، إلا في حالات طارئة تزيد ~~فيها الثروة لأسباب أخرى، وهو مثيل ما روته التوراة حول نزول النبي إبراهيم إلى ~~مصر، وما حدث عندما أخذ الفرعون سارة زوجته، «فصنع إلى إبراهيم خيرا بسببها، وصار له ~~غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال ... فصعد إبراهيم من مصر ... وكان إبرام ~~غنيا جدا في المواشي والفضة والذهب» (تكوين، 12: 16؛ 13: 1-2). وهو زعم سبق ~~لكثير من الكتاب تناوله وتفنيده، ولا يغنينا منه سوى دلالة غنى أصاب بعض رهط ~~إسرائيل في مصر، أما النبي إبراهيم فلا شك يراودنا في كونه نبيا جليلا، يترفع ~~ويتنزه عن مثل تلك المزاعم. # وطوال تلك السطور، نجد التوراة تؤكد وتقرر أن «إيل إله إسرائيل» (تكوين، 23: ~~20)، وقد ظل «إيل» هو الإله الذي يتردد ذكره طوال الحقبة الممتدة ما بين ~~إبراهيم وموسى؛ أي بطول سفر التكوين كاملا، عدا حالات يذكر فيها الإله الموسوي ~~(يهوه) قبل ظهور موسى، بديلا عن «إيل»، بداخل سفر التكوين. ومعلوم لدى الدارسين أن ~~ذلك لا يعني معرفة العهد الإبراهيمي للإله «يهوه»، إنما نعرف أن ذلك كان ناتج إدماج ~~روايتين داخل سفر التكوين: رواية كتبها من نعرفه اصطلاحا بالكاتب الإيلي، ~~وراويته هي الغالبة في سفر التكوين، ms051 ورواية كتبها من نعرفه اصطلاحا بالكتاب ~~اليهوي. لكن ما لا يجب أن يفوت القارئ هنا، أن الكلمة «إيل» كانت تأتي في حالات ~~كثيرة في صيغة الجمع «إللوهيم» أي الآلهة. # والإله «إيل» في رواية التوراة، هو الإله الذي يرتبط بمشروع البطاركة للاستيلاء على ~~أرض كنعان، بعد هجرتهم من موطنهم الأصلي - وللأبد إلى فلسطين. وهنا لا نستطيع مجاملة ~~الأحداث أو التاريخ؛ فقصة المشروع الإبراهيمي للاستيلاء على فلسطين قصة مقدسة ولا ~~عبرة بتاريخ إنساني لم يدونها أو يعرف شيئا عنها. وقد اعتمدت، علاقة الإله إيل ~~بالمشروع الاستيطاني على قصة توراتية مقدسة تؤكد أنه الإله الذي أخرجه من مدينة ~~«أور الكلدانيين» موطنه الأصلي البعيد، وهو الإله الذي اختار له ~~أرض كنعان ومنحه إياها ولنسله من بعده وإلى أبد ~~آبدين، وتكرر صيغة هذا الميثاق في أكثر من موضع بسفر التكوين، وقد جاءت على الترتيب ~~في عهد الجد إبراهيم كالآتي: # وقال الرب لإبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك، إلى الأرض ~~التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك، وأعظم اسمك وتكون بركة، ~~وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. ~~(تكوين، 12: 1-3) # وبعد هبوطه أرض كنعان: # ظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض. ~~(تكوين، 12: 7) # ارفع عينيك وانظر من هذا الموضع الذي أنت فيه، شمالا وجنوبا وشرقا ~~وغربا؛ لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها لنسلك للأبد، وأجعل نسلك ~~كتراب الأرض. ~~(تكوين، 13: 14-16) # في ذلك اليوم قطع الرب من إبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، ~~من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات، القينيين والقنزيين والقدمونيين ~~والحيثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين ~~والجرجاشيين واليبوسيين. ~~(تكوين، 15: 18-21) # وأقيم عهدي بيني وبينك، وبين نسلك من بعدك في أجيالهم، عهدا أبديا؛ ~~لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض ~~غربتك، أرض كنعان، ملكا أبديا، وأكون إلههم. ~~(تكوين، 17: 7-8) # والمتابع للقصة التوراتية عن الإله «إيل» والجد ~~«إبراهيم»، يجد نفسه إزاء أسرة صغيرة متواضعة، تتكون من أفراد يعدون على ~~أصابع اليد «إبراهيم وسارة وولديه إسماعيل ثم إسحاق»، وأسرة ابن ms052 أخيه لوط التي تتكون ~~فقط من زوجة وبنتين. وللتدقيق نجد الوعد قد اقتصر فقط على إبراهيم وولده إسحاق، ~~«رجل وزوجته»، جاءوا أغرابا لينزلوا أرضا غريبة (أرض غربتهم بتعبير التوراة)، فيمنحهم ~~«إيل» كل الأرض، «ليس قطعة فيها، ولا قرية، ولا حتى مدينة، إنما كل البلاد والممالك ~~الواقعة ما بين نهر مصر وبين نهر الفرات». رغم سكانها الذين عمروها من ألوف السنين، ~~وتم تعدادهم في نص الوعد «القينيين، والقنزيين والقدمونيين، والحيثيين، ~~والفرزيين، والرفائيين، والأموريين، والكنعانيين، والجرجاشيين، ~~واليبوسيين»، والواضح في رواية سفر التكوين، أن تلك الشعوب قد قطعت شوطا عظيما ~~في سلم التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وكونت عددا من الممالك المستقرة، ~~وجاء ذكر بعضها في الإصحاح الرابع عشر وغيره؛ مثل مملكة جرار، ومملكة سدوم، ومملكة ~~عمورة، ومملكة أدمة، ومملكة صبويم، ومملكة بالع، ومملكة عمون، ومملكة موآب، ومملكة ~~شاليم. وقد ورد ذكر تلك المملكة الأخيرة مع اسم ملكها «ملكي صادق» أو الملك صادق، كما ~~جاء مع مملكة جرار اسم ملكها الفلسطيني «أبيمالك». كل هذا تعج به الأرض، بينما كان ~~إبراهيم مجرد راع غريب بسيط، صاحب مواشي؛ وعليه فلا مندوحة من افتراض أن كاتب هذا ~~الجزء من التوراة، الذي كتب بعد زمن الجد إبراهيم بقرون طويلة، قد كتبه بعد أن وصل ~~الإسرائيليون لدرجة من الاقتدار تسمح لهم بهذا الطموح، فتمت ترجمة ذلك الطموح إلى ~~اللغة القدسية، بإعادة القرار بالاستيلاء على فلسطين، إلى علاقة قدسية بالرب «إيل». ~~والمسألة بذلك تصبح قدرا مقدسا وإلهيا، لا مجال للاعتراض عليه؛ بحيث تم منح ~~الأرض بأثر رجعي للسلف البعيد إبراهيم، بينما لم يكن قد أنجب أصلا. مع وعد آخر بأن ~~ذلك النسل سيكون أعظم الأمم، ومن هنا تم تزمين الرواية بزمن الجد إبراهيم لتكتسب ~~قدسية التقادم، وإعمالا للمبدأ القانوني القائل بوضع اليد المدة الطويلة المكسبة ~~للملكية، والذي يبدو أنه اليوم ليس سوى توارث عن قواعد تلك الأزمان. # وكان المقابل الذي طلبه «إيل» مقابل هذه العطية العظيمة، التي يتم فيها سلب الأرض من ~~أصحابها لصالح القبيلة المغتربة، هو أن يتم الاعتراف ms053 به إلها للقبيلة، دون الآلهة ~~الأخرى، وكان لا بد من توثيق العهد وإشهاره، ليكون التوثيق شاهدا على مر السنين ~~أمام جميع الشعوب منعا للنزاع. وكان التوثيق هو أن ~~يضع إبراهيم ونسله علامة الميثاق الشاهدة لتذكر الأحفاد، في علامة مميزة هي «الختان»، ~~وذلك نصا «هذا هو عهدي الذي تحفظون بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختتن كل ذكر ~~منكم، فتختتنون في لحكم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم» (تكوين، 17: ~~9-11). # أما الغريب في كل تلك الحكاية، أن «الإله «إيل»، الذي منح الغرباء أرض فلسطين، ~~كان إلها كنعانيا فلسطينيا أصيلا في المنطقة»، وفي النصوص يمكنك أن ترى ما يشير ~~إلى أن «إيل» كان غير معروف لإبراهيم عند هبوطه البلاد، وذلك من قبيل القول: وظهر ~~الرب لأبرام وقال: «لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحا للإله الذي ظهر له» ~~(تكوين، 12: 7)؛ فالرب هنا غفل من التعريف أو المعرفة؛ فهو رب بين أرباب. لكنه يتميز ~~عنهم بأنه هو «الذي ظهر له» لذلك قام الرب بتعريف نفسه لإبراهيم قائلا: «أنا إله بيت ~~إيل» (تكوين، 31: 13). ومعلوم أن «بيت إيل» مدينة كنعانية مقدسة منذ القدم، وقد ~~دلت الكشوف الأركيولوجية الحديثة على انتشار عبادة «إيل» على نطاق واسع بحسبانه ~~كبير الآلهة، في مناطق الشعوب السامية، في بلاد كنعان والشام جميعا، والرافدين ~~وجزيرة العرب وبخاصة جنوبها، بل إنك تلحظ ملحوظة على جانب عظيم من الأهمية سبقت ~~الإشارة إليها، وهو أنه عند هبوط إبراهيم وعائلته أرض كنعان، يهجر لغته الأصلية ~~الآرامية، إلى لغة الكنعانيين أهل البلاد، أو شفة كنعان بتعبير التوراة. # وقد ظل «إيل» مصاحبا للنسل الإبراهيمي فإليه ينسب «سمع إيل» أو «إسماعيل» ~~ابن إبراهيم الأكبر، والذي تم استبعاده من التركة لأنه ابن جارية مصرية (؟!) وكان ~~«إيل» هو الذي بشر سارة بابنها إسحاق، الذي أنجب ولدين هما «عيسو» و«يعقوب». وتم ~~استبعاد عيسو بدوره من الميراث لتبقي التركة خالصة ليعقوب، الذي كان على علاقة ~~متميزة بالإله إيل؛ فقد ظهر له عدة مرات كان أهمها وأشدها حسما، اللقاء الذي تم فيه ~~اختبار قوة ms054 يعقوب بمصارعته جسديا، وتبديل اسمه من «يعقوب إلى إسرائيل»؛ ومن ثم ~~أعاد «إيل» تأكيد الوعد الموثق بقوله ليعقوب: «أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق، ~~«والأرض التي أنت مضجع عليها أعطيها لك ولنسلك ويكون نسلك كتراب الأرض، ~~وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا»» (تكوين، 28: 13-14). وبهذا استمر الوعد ~~لإسرائيل (يعقوب) وبنيه الأسباط الاثني عشر «رءوبين، شمعون، لاوي، يهوذا، نفتالي، جاد، ~~أشير، يساكر، زبولون، بنيامين، يوسف»، الذين هبطوا مصر، وعاشوا هناك زمنا كان كفيلا ~~بنسيان «إيل»، وربما عبدوا هناك آلهة المصريين. ولما جاءهم موسى عليه السلام ~~بعبادة الإله الجديد «يهوه» من بلاد «مديان»، وأخبرهم أنه إله أجدادهم الذي كان يعبد ~~في كنعان، لم يجدوا غضاضة في قبوله على الفور، دون تمحيص أو تشكك أو حتى محاولة ~~للتأكد. # وبعد ذلك، تنقلنا التوراة نقلة أخرى، إلى أحداث أخرى، تبدأ بقصة تفضيل يعقوب ~~لولده يوسف، مما أثار حقد إخوته وموجدتهم، وبحيث لجئوا إلى مؤامرة للتخلص منه، ~~وهنا محاولة تصفية أخرى تقوم بها التوراة لصالح قبيلة «راحيل» أي قبيلة يوسف، عن ~~قبائل الأسباط الأخرى، لكنها هنا يبدو قد اصطدمت بواقع تحالف مجموعات لا مناص ~~من قبولهم واستبقائهم، خاصة أن النبي الآتي (موسى) لن يكون من سبط يوسف، إنما من ~~سبط لاوي. # وهكذا، بدأ الدخول بيوسف الجميل بن إسرائيل، صاحب الأحلام، تلك الأحلام التي أزعجت ~~إخوته بشدة، ورأى فيها يوسف إخوته «رمزا» مع والديه يسجدون له، حتى قالوا له: ~~«ألعلك تملك علينا ملكا، أم تتسلط علينا تسلطا» (تكوين، 37: 8). لكن سير ~~أحداث القصة بعد ذلك، يشير إلى أن أحلام الصبي قد تحققت بحذافيرها، وأن يوسف سيصير ~~في عليين، وأن أهله سيسجدون له فعلا، لكن في بلاد النيل، حيث تتابع الرواية سردها ~~للأحداث فتقول: ~~«وأما يوسف، فأنزل إلى مصر، واشتراه فوطيفار، خصي فرعون رئيس الشرطة، رجل ~~مصري، من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه هناك، وكان الرب مع يوسف، فكان رجلا ناجحا، ~~وكان في بيت سيده المصري ... فوجد يوسف نعمة، وخدمة فوكله على بيته، ودفع إلى يده كل ~~ما كان له ms055 ... والرب بارك بيت المصري بسبب يوسف ...» # ثم فجأة، وبلا مناسبة، تقول الرواية المقدسة: «وكان يوسف حسن الصورة، وحسن المنظر.» ~~توطئة للتعريف بنساء المصريين، فإن «امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف، وقالت ~~اضطجع معي فأبى.» واستمر يوسف يتأبى على سيدة القصر حتى كان يوم «أنه دخل البيت ~~ليعمل عمله، ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك في البيت، فأمسكته بثوبه قائلة: اضطجع ~~معي، فترك ثوبه في يدها وهرب.» فما كان من المرأة التي شبقت بالاشتهاء إلا أن نادت ~~أهل بيتها وكلمتهم قائلة: «انظروا، وقد أتى إلينا برجل عبراني ليداعبنا، دخل إلي ~~ليضطجع معي فصرخت بصوت عظيم ، وكان لما سمع أني رفعت صوتي وصرخت أنه ترك ثوبه ~~بجانبي وهرب وخرج إلى خارج» (التكوين، 39). # وبغض النظر عن الثغرات في إخراج الدراما والتي ملأتها الرواية القرآنية بأنه بدوره ~~قد «هم بها»، والتناقض ما بين خلو البيت تماما «لم يكن من أهل البيت هناك»، وبين ~~صرخة واحدة فإذا أهل الدار كلهم إلى غرفتها محضرون، فإن مآل يوسف الحتمي كان السجن. ~~وهو حكم لا شك يهون مقارنا بمواقف بني إسرائيل من قضايا مشابهة كان القضاء المبرم ~~فيها هو الإعدام، دون أي تثبت من صحة الواقعة بالبراءة أو ثبوت التهمة، فكان قرار ~~سيد الدار المصري مقابل مثيله لدى بني إسرائيل قرارا يتسم بالحيطة مشفوعة بالرحمة ~~مغلفة برغبة في التغطية على فضيحة، كان يمكن أن تفشو - وقد فشت - لو تحدث عنها ~~«يوسف» مع رفاق سجنه. # واستمر يوسف في علاقته الحميمة بالأحلام وهو رهين حبسه، ولكنه هذه المرة لم يكن ~~حالما، إنما مفسرا للأحلام، وصدق تفسيره لأحلام رفاق السجن، وتنبأ لأحدهم - وهو ~~ساقي الفرعون - أنه سيبرأ، ويتبوأ مكانه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام من رؤياه، بينما ~~تنبأ لآخرين بمصير سيئ بالإعدام، «وهو ما يشير إلى لون من» المحاكمات القضائية ~~المقننة، فتبرئ وتجازي وفق قواعد محددة، وكان ما قاله يوسف محققا في ~~الواقع. # ثم تأتي الرواية المشهورة عن حلم فرعون بالبقرات السبع العجاف، تأكل السبع السمان، ~~والسنابل الملفوحة بالريح الشرقية ms056 السنابل السمينة الممتلئة، وعندما يطلب الفرعون ~~المفسرين، يتذكر الساقي «يوسف» كأعظم مفسر للأحلام، فيخبر الفرعون، فيحضرون ~~يوسف إلى البلاط، ويتقدم يوسف بتفسيره لسيد مصر: ~~«فقال يوسف لفرعون: حلم فرعون واحد، قد أخبر الله فرعون بما هو صانع، البقرات ~~السبع هي سبع سنين، والسنابل السبع الحسنة هي سبع سنين ... هو ذا سبع سنين قادمة ~~شبعا عظيما في أرض مصر، تم تقوم بعدها سبع سنين جوعا.» # ثم يوجه يوسف النصيحة للفرعون: ~~«فالآن لينظر فرعون رجلا بصيرا وحكيما يجعله على أرض مصر في سبع سنين الشبع ... ~~ويأخذ خمس غلة الأرض ... فيجمعون جميع طعام هذه السنين الجيدة القادمة، ويخزنون ~~قمحا تحت يد فرعون ... فيكون الطعام ذخيرة للأرض لسبع سني الجوع.» # وكانت نتيجة موهبة يوسف الفريدة في تفسير الأحلام أن قدرت له تحقيق أحلامه هو بعد ~~ذلك، وهو ما سجلته رواية المقدس في قولها: ~~«فحسن الكلام في عيني فرعون، وفي عيون جميع عبيده، فقال فرعون لعبيده: هل نجد ~~مثل هذا رجلا فيه روح الله؟ ثم قال فرعون ليوسف: بعدما أعلمك الله كل هذا، ليس بصير ~~وحكيم مثلك، أنت تكون على بيتي، وعلى فمك يقبل جميع شعبي، إلا أن الكرسي أكون فيه ~~أعظم منك، ثم قال فرعون ليوسف: انظر، قد جعلتك على كل أرض مصر، وخلع فرعون خاتمه ~~من يده وجعله في يد يوسف، ... وأركبه في مركبته الثانية، ونادوا أمامه: اركعوا. وقال ~~فرعون ليوسف ... بدونك لا يرفع إنسان يده ولا رجله في كل أرض مصر، ودعا فرعون ~~يوسف صفنات فعنيح، وأعطاه بنت فوطي فارع كاهن أون زوجة ...» (تكوين، 41). # وكان تولي يوسف أمر خزانة مصر وشئونها الاقتصادية، مدعاة لدخول تغييرات جوهرية ~~على الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية المعمول بها في البلاد؛ فبعد أن كان الناس أحرارا، ~~ليس لملكهم عليهم سوى سلطان مركزية الدولة، وبعد أن كانوا يملكون أراضيهم وغلالهم ~~أحرارا فيها. «اشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون إذ باع المصريون كل واحد حقله؛ لأن ~~الجوع اشتد عليهم، فصارت الأرض لفرعون، أما الشعب فنقلهم إلى المدن من أقصى مصر إلى ms057 ~~أقصاه ... فقال يوسف للشعب: إني اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون، هو ذا لكم بذار فتزرعون ~~الأرض، ويكون عند الغلة أنكم تعطون خمسا لفرعون ... فقالوا: أحييتنا، ليتنا نجد ~~نعمة في عيني سيدي، فنكون عبيدا لفرعون، «فجعلها يوسف فرضا على أرض مصر إلى هذا ~~اليوم»» (تكوين، 48: 20-26). وكان من المفهوم كيف تحول بعد ذلك فرعون مصر أو ~~الفراعين عموما، وبعدما كان الفرعون يشهد لله، وبأن الإله هذا هو الذي يمنح العبد ~~علمه «بعدما أعلمك الله كل هذا»، فامتلك الفرعون الناس والأرض، تغيرت الأحوال، من ~~سلطان محكوم بالقواعد، إلى سلطان مطلق النفوذ، يدعي الألوهية فيما بعد، وهو أمر ~~يترتب على رواية التوراة، وإن كان التوراة، لا ينبني على حقائق التاريخ. # أما كيف تحققت أحلام الصبي بعد اليفوع، وكيف سجد له الأحد عشر كوكبا، فهو ما ~~تخبرنا به رواية المقدس، التي تؤكد أن الجوع لم يكن في مصر وحدها، والتي أمنت على ~~نفسها بالحكمة اليوسفية، إنما كان الجوع شاملا؛ فقد حل القحط بيعقوب وبنيه في ~~بداوتهم، وحل بهم الشظف في سني المجاعة السبعة «فلما رأى يعقوب أنه يوجد قمح في مصر، ~~قال يعقوب لبنيه: إني قد سمعت أنه يوجد قمح في مصر، انزلوا هناك واشتروا لنا من ~~هناك لنحيا ولا نموت، فأتى بنو إسرائيل ليشتروا بين الذين أتوا؛ لأن الجوع كان في أرض ~~كنعان» (التكوين، 42). # وبنزولهم مصر كان اللقاء مع سيد الخزانة، ثم التعارف، ثم إعلان يوسف لإخوته الذين ~~بغوا عليه صغيرا «أنا يوسف، أحي أبي بعد؟ ... أنا ~~يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر ... فالآن ليس أنتم أرسلمتوني إلى هنا، بل الله، وهو ~~جعلني أبا لفرعون وسيدا لكل بيته ومتسلطا على أرض مصر. أسرعوا وأصعدوا إلى ~~أبي، وقولوا له هكذا ابنك يوسف: قد جعلني الله سيدا لكل مصر، انزل إلي فتسكن في أرض ~~جاسان قريبا مني ... وقال فرعون ليوسف قل لإخوتك ... خذوا أباكم وبيوتكم وتعالوا إلي ~~فأعطيكم خيرات أرض مصر، وتأكلوا دسم الأرض ... ولا تحزن عيونك على أثاثكم؛ لأن خيرات ~~جميع أرض مصر لكم» (تكوين، ms058 45)، «وكانت جميع نفوس بيت يعقوب التي أتت إلى مصر ~~سبعون» فأسكن يوسف «أباه وإخوته وأعطاهم ملكا في أرض مصر، في أفضل الأرض، في أرض ~~رعمسيس، كما أمر فرعون» (تكوين، 47). # وفي مصر، أنجب يوسف من زوجته المصرية «أسنات» ولديه «منسي وإفرايم» (تكوين، 41)، ~~وبعد زمن مات يعقوب «وأمر يوسف عبيده الأطباء أن يحنطوا أباه، فحنط الأطباء ~~إسرائيل، وكمل له أربعون يوما؛ لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين وبكى عليه المصريون ~~سبعين يوما» (تكوين، 50). # وعاش يوسف مائة وعشر سنين «وقال يوسف لإخوته: أنا أموت، لكن الله سيفتقدكم ويصعدكم ~~من هذه الأرض إلى الأرض التي حلف لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، واستحلف يوسف بني إسرائيل ~~قائلا: الله سيفتقدكم، فتصعدون عظامي من هنا، ثم مات يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين، ~~فحنطوه ووضعوه في تابوت في مصر» (تكوين، 50). وبموت يوسف ينتهي الطور الإبراهيمي ~~المرتبط بالإله الأكبر «إيل». # وهنا ملحوظات سبق أن نبهنا إليها؛ لأنها أثارت بعد ذلك عددا من الإشكاليات؛ ففي ~~قصة التوراة نجد ذكرا لأسماء مصرية مثل «فوطي فارع»، وهو اسم مركب يدخل فيه اسم ~~إله الشمس المصري الأكبر «رع»، كذلك نعلم من الرواية أن «فوطي فارع» كان كاهنا لمدينة ~~«أون» كذلك يرد اسم مدينة «رعمسيس»، ومثل تلك الإشارة أضفى على رواية التوراة بعض ~~المصداقية، ويشير إلى معرفة واضحة للنص التوراتي لمصر في عهدها القديم، أو على الأقل ~~معرفة كاتب ذلك الجزء من التوراة بمصر في عصرها الذهبي. وهي الإشارات التي أدت بنا ~~في بحث بين أيدينا الآن «النبي موسى ...» مع إشارات أخرى كثيرة، إلى تأكدنا اليقين من ~~دخول بني إسرائيل إلى مصر وخروجهم منها، دون أي شك في ارتكابنا خطأ علميا بهذا ~~اليقين. # والمسألة بالطبع، ولاتخاذ ذلك الموقف، لم تكن بالبساطة التي في عجالتنا هنا؛ حيث ~~كانت الإشكاليات الشديدة التعقيد، والكثيفة الروافد والمتشابكات، وربما كان أبرزها ~~وأشدها إثارة للتضارب بين المدارس البحثية، هو أن التوراة رغم استخدامها اصطلاحات ~~وأسماء مصرية قديمة، وذكرها لعادات مصرية لم نكن على علم بها قبل كشف رموز اللغة ~~القديمة، كطقوس الدفن، ms059 وعدد أيام التحنيط، وعدد أيام ندب الميت ... إلخ، فإن التوراة ~~جاءت عند أمور هامة وخطيرة وتجاوزتها، وبشكل يفصح عن جهل تام ومطبق بها، رغم ~~أنها أكثر المسائل حدية وفصلا وقطعا في أهم نقاط التاريخ الفاصلة، وذلك مثل عدم ~~ذكرها لاسم فرعون الدخول (فرعون يوسف)، ولا اسم فرعون الخروج (فرعون موسى)، ولا سنة ~~الدخول، ولا عام الخروج، ولا أي علامات يمكن تزمينها وفك دلالاتها، رغم اهتمامها ~~بذكر ما هو أقل أهمية بالمقارنة، مثل اسم وزير الشرطة أو كاهن أون وابنته. والأمر ~~كله مرهون بما يمكن أن نصل فيه إلى رأي يمكن الإفصاح عنه عند الانتهاء من البحث في ~~كتابنا المشار إليه، أو بما يمكن أن ينتهي إليه باحث مجتهد قبلنا. ~~(9) أحداث الخروج (في الطور اليهوي الموسوي) # ينقلنا المقدس التوراتي هنا نقلة أخرى فاصلة ومتميزة تماما في مضامينها ودلالاتها ~~وتحولاتها التاريخية والعقدية، بادئا بالإشارة الهامة «بنو إسرائيل أثمروا ~~وتوالدوا ونموا كثيرا وامتلأت الأرض منهم، ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف ~~يوسف، فقال لشعبه: هو ذا إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا، هلم نحتال لهم لئلا ينموا، ~~فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا، ويحاربوننا، ويصعدون من الأرض، فجعلوا ~~عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن فيثوم ورعمسيس» ~~(خروج، 1: 1-11). # وهكذا نعلم أن فرعون يوسف قد مات، أو انتهى أمره بشكل ما، ليخلفه على العرش ~~فرعون آخر، تحول بنو إسرائيل في عهده من التكريم والسيادة، وأكل دسم الأرض، إلى ~~التسخير في طين الأرض؛ لأن الفرعون الجديد لم يكن يعرف يوسف! واستعبدهم في بناء ~~مدينتين للمخازن هما «فيثوم» و«رعمسيس». وكان واضحا أنه يحمل روحا عدائية شديدة، ~~وشكا في علاقات الإسرائيليين بأعداء البلاد، مع رغبة واضحة في الانتقام منهم، ~~لأمر غير واضح بالكتاب المقدس، حتى إنه أمر بقتل كل ذكر يولد من بينهم «إن ~~كان ابنا فاقتلاه، وإن كان بنتا فتحيا ... كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنت ~~تستحيونها» (خروج، 1: 16-22). # وفي ظل هذه الأزمة ولد «موسى» ms060 أشهر رجل في تاريخ بني إسرائيل، وهو «موسى بن عمران ~~بن قهات بن لاوي»، ولاوي هو أحد الأسباط أبناء يعقوب (إسرائيل)، وذلك يعني أن موسى هو ~~النسل الرابع ليعقوب. وقد أنجبه عمران بزواجه من عمته «يوكابد»، وأنجب منها أيضا هارون ~~أخاه الأكبر، وشقيقتها مريم (خروج، 6: 14-20). ورغم أن التوراة تؤكد لنا مسألة قتل ~~ذكور الإسرائيليين من أطفال، فإنها لم توضح لنا كيف نجا هارون من هذا المصير، وإن ~~فصلت أمر نجاة موسى؛ حيث وضعته أمه في سفط من البردي على حافة النهر، خوفا ~~عليه من القتل، وعثرت عليه ابنة فرعون، فرقت له رغم علمها أنه طفل إسرائيلي ~~وتبنته ، وأرسلته مع أمه كمرضعة له بالأجر، «ولما كبر الولد جاءت به إلى ~~ابنة فرعون، فصار لها ابنا، ودعت اسمه موسى، وقالت إني انتشلته الماء» ~~(خروج، 2: 10). # وقد تعامل «سيجموند فرويد» مع اسم «موسى» كما تعامل «جيمس هنري برستد»، وأكد أنه اسم ~~مصري، وأنه بالترجمة الدقيقة يجب نطقه صحيحا «مس»؛ ومن ثم افترضوا أنه كان يسبقه ~~اسم إله مصري، باعتبار «مس» في المصرية القديمة تعني «يلد» أو «أنجب» غرارا على ~~أسماء مثل «تحوت مس» أي الإله تحوت أنجب ولدا، و«رع مس» أي إله الشمس أنجب ولدا، ~~و«أح مس» أي إله القمر أنجب ولدا. لكن من جانبنا نرى ترجمة «موسى» بهذا الشكل ~~متسرعة وغير دقيقة، ولو دققنا النظر في رواية التوراة، سنجد القول، «ودعت اسمه ~~موسى قائلة: إني انتشلته من الماء» لا يحتاج إلى تخريجات؛ لأن «الماء» باللسان المصري ~~القديم «مو»، # 22 # وبذات اللسان نجد «سا» تعني «ابن»، # 23 # والاسم هنا ملصق من مقطعين ويفيد معناه «ابن الماء»، وهو اسم يتناسب مع ~~الموقف حيث وجدته ابنة الفرعون في سفطة على سطح الماء، ولم تجد اسما يناسبه - وهي لا ~~تعلم له نسبا - سوى تلك التسمية البليغة، وهي بدورها تسمية مصرية قحة. # ونتابع الأحداث مع رواية التوراة فتقول: ~~«وحدث في تلك الأيام، لما كبر موسى، أنه خرج ~~إلى إخوته لينظر في أثقالهم، فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا ms061 عبرانيا من أخوته، فالتفت ~~إلى هنا وهناك، ورأى أن ليس أحد، فقتل المصري وطمره في الرمل. ثم خرج في اليوم ~~الثاني، وإذا رجلان عبرانيان يتخاصمان، فقال للمذنب: لماذا تضرب صاحبك؟ فقال: من جعلك ~~رئيسا وقاضيا علينا؟ أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري؟ فخاف موسى وقال: حقا قد ~~عرف الأمر. فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يقتل موسى، فهرب موسى من وجه فرعون، وسكن ~~في أرض مديان، وجلس عند البئر، وكان لكاهن مديان بنات، فأتين واستقين وملأن ~~الأجران ليسقين غنم أبيهن، فأتى الرعاة وطردوهن، فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن، ~~فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن قال: ما بالكن أسرعتن في المجيء اليوم؟ فقلن ~~«رجل مصري أنقذنا» من أيدي الرعاة، وإنه استقى لنا أيضا، وسقى الغنم، فقال لبناته: ~~وأين هو؟ لماذا تركتن الرجل؟ ادعونه ليأكل طعاما، فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل، ~~فأعطى موسى صفورة ابنته» (خروج، 2: 16-21). # وفي مديان يأتي الحدث الأهم والجديد، في شئون العقيدة الإسرائيلية؛ «حيث يظهر لبني ~~إسرائيل إله جديد»، يلتقي بموسى في مديان وهو يرعى غنم حميه «رعوئيل» أو «يثرون»، ~~وذلك في رواية المقدس: ~~«وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حميه كاهن ~~مديان، فساق الغنم إلى ما وراء البرية، وجاء إلى جبل الله حوريب، وظهر له ملاك الرب ~~بلهيب نار من وسط عليقة، فنظروا وإذا العليقة تتوقد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق ~~... ناداه الله من وسط العليقة وقال: ... اخلع حذاءك من رجليك؛ لأن الموضع الذي أنت واقف ~~عليه أرض مقدسة. ثم قال: أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب ... إني ~~قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر ... فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من ~~تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين ~~والحيثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين ... فالآن هلم فأرسلك ~~إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر ... فقال موسى لله: ها أنا آتي إلى بني ~~إسرائيل، وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم، فإذا قالوا لي ما اسمه؟ فماذا أقول ms062 ~~لهم؟ فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه، وقال هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم. ~~وقال الله أيضا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله ~~إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى الأبد» (خروج، 3: 1-15). ~~«قل لبني إسرائيل أنا الرب، وأنا أخرجكم من تحت ~~أثقال المصريين وأنقذكم من عبوديتهم، وأخلصكم بذراع ممدودة وبأحكام عظيمة، ~~وأتخذكم لي شعبا، وأكون لكم إلها» (خروج، 6: 6-7). # وهكذا التقى موسى الإله «أهيه» أو «يهوه»، وفي موضع آخر بالمقدس يأتي اسمه «ياه». ~~انظر: (مزامير، 48). ويلاحظ أن كاتب هذا الجزء، يصر على أن هذا الإله كان إلها ~~لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، إصرارا لا يبرره إلا محاولة تثبيت أمر جديد بإلقائه في ~~القديم، ولا يلتقي مع عدم معرفة بني إسرائيل بمصر لهذا الإله أو اسمه، مع استعدادهم ~~بحكم تعاملهم في مصر مع آلهة عديدة لقبول الإله الجديد، فقط سيكون التساؤل عن اسمه ~~(؟!)، ناهيك عن كونه لا يلتقي إطلاقا ولا حتى فونيطيقيا بالإله «إيل»؛ لذلك نجد موسى ~~يتشكك في إمكان قبول بني إسرائيل لذلك الإله في قوله ليهوه: «ولكن، ها هم لا ~~يصدقونني ولا يسمعون لقولي» (خروج، 4: 1)، فيعطيه يهوه دلائل إقناع إعجازية لم ~~تظهر من قبل مع «إيل»، «فقال له الرب: ما هذه في يدك؟ فقال عصا، فقال اطرحها للأرض، ~~فطرحها إلى الأرض فصارت حية، فهرب موسى منها، ثم قال الرب لموسى: مد يدك وأمسك ~~بذنبها، فمد يده وأمسك به فصارت عصا في يده. ثم قال الرب أيضا: أدخل يدك في عبك، ~~فأدخل يده في عبه ثم أخرجها، وإذا يده برصاء مثل الثلج، ثم قال له: رد يدك إلى ~~عبك فرد يده إلى عبه ثم أخرجها من عبه وإذا هي عادت مثل جسده» (خروج، 4: 2-7)، ~~أما الفاصل في شأن يهوه كإله جديد، فيأتي في عبارة ملتوية للكاتب التوراتي تفصح ~~بجلاء في قول يهوه لموسى: «أنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل ~~شيء «وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم»» (خروج، 6: 2-3). # ويخبر يهوه ms063 كليمه أن الخطر في مصر قد زال عنه «لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا ~~يطلبون نفسك» (خروج، 4: 19)، لما احتج موسى لربه أنه لن يستطيع مجادلة الفرعون ~~الجديد، في أمر خروج بني إسرائيل من مصر، لأنه «ثقيل الفم واللسان» (خروج، 4: 10)، ~~و«أغلف الشفتين» (خروج، 6: 12)، فإنه يدعمه بأخيه هارون، ويتجه الأخوان للقاء ~~الفرعون الذي لا تحدد الرواية من هو؟ ولا اسمه. ~~«وبعد ذلك دخل موسى وهارون وقالا لفرعون: هكذا يقول الرب إله إسرائيل: أطلق شعبي ~~ليعبدوني في البرية، فقال فرعون: من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل؟ لا أعرف ~~الرب، وإسرائيل لا أطلقه، فقالا له: إله العبرانيين. فنذهب سفر ثلاثة أيام في ~~البرية ، ونذبح للرب إلهنا، لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف، فقال لهما ملك مصر: لماذا ~~يا موسى وهارون تبطلان الشعب من أعمالهم؟ اذهبا إلى أثقالكما» (خروج، 5: 1-4). # وكان رد رب موسى: ~~«الآن تنظر ما أنا فاعله بفرعون، فإنه بيد قوية يطلقهم، وبيد قوية يطردهم من ~~أرضه ... أنا أعطيهم أرض كنعان؛ أرض غربتهم التي تغربوا منها» (خروج، 6: 1-4). # والواضح هنا محاولة ربط التوراة بين الوعد القديم لإبراهيم من الإله إيل، وبين ~~قبيلة راحيل أو بني إسرائيل المقيمين بمصر والإله الجديد يهوه، ولا تخفى على لبيب ~~إشارة التوراة التأكيدية المتكررة، أن أرض فلسطين بالنسبة لبني إسرائيل هي أرض غربة ~~أرضا أصلية لهم. # ثم تتتالى الأحداث متمثلة في معجزات متتالية، تفسرها حالة الانتقال البشري من ~~التعامل مع الطبيعة كآلهة إلى آلهة مفارقة ومنفصلة عن الظواهر، ومن صيغة الأسطورة ~~إلى صيغة الدين، وحيث كان السحر هو منهج الفكر الأسطوري وأداته الفعالة للتعامل مع ~~الظواهر، وحيث إنه كان ممكنا للدين أن يبدأ من لا شيء، فقد دخل السحر في متن أدوات ~~الدين والمنهج الجديد، وذلك قبل أن يتجاوزه فيما بعد، ويحاول التخلص منه ويدينه ~~ويستنكره؛ ومن ثم استخدم الدين الطالع ذات الأدوات وذات المناهج السحرية القديمة، ~~فأمر يهوه موسى أن يطرح عصاه أمام فرعون، لإثبات أن يهوه أشد سحرا وأقوى أثرا ~~من سحرة الأساطير ومن ms064 الطبيعة، فتتحول العصا إلى ثعبان، فيستعدي فرعون مصر حكماء ~~بلاده وسحرتهم فيفعلون الأمر ذاته، لكن السحر الجديد، يتسم بقدرة سترفع الأمر من ~~مجال السحر والأسطورة، إلى مجال السحر والدين، كمرحلة انتقالية بشعائر وطقوس تضع ~~المطلوب كله بيد الرب المفارق المتجرد، لكن تثبيت البداية الجديدة، تم بذات الأسلوب ~~القديم، فابتلعت عصا موسى عصي المصريين (خروج، 7: 9-12). # ثم يلي ذلك مجموعة من الممارسات السحرية في ثوب إعجازي، يبدو صراعا بين أسلوبين ~~من الحياة، أو بين أدلوجتين مختلفتين، بل ومتنافرتين، وتتحول العصا (عصا الراعي) إلى ~~أداة فعالة في يد النهج الرعوي، لرأب صدع نفسي إزاء أهل الخصب، تلك الحالة النفسية ~~التي كثيرا ما غذتها حاجة البدو الدائمة للانتجاع على حدود البلاد المستقرة حول ~~الأنهار، طلبا للقوت، والإغارة في أحيان كثيرة على تلك الحدود، ~~لسلب المحصول بعد جمعه، بشكل دوري سجله لنا ~~التاريخ، ومن هنا يقوم يهوه بتدمير كل مظاهر الخصب والنماء، في الضربة الأولى للمصريين: # قال الرب لموسى: قل لهارون: خذ عصاك ومد يدك على مياه المصريين، وعلى ~~سواقيهم، وعلى آجامهم، وعلى كل مجتمعات مياههم لتصير دما، فيكون دم في كل ~~أرض مصر فتحول كل الماء الذي في النهر دما، ومات السمك الذي في النهر ~~وكان الدم في كل أرض مصر ... وحفر جميع المصريين حوالي النهر لأجل ماء ~~ليشربوا؛ لأنهم لم يقدروا أن يشربوا من ماء النهر. ~~(خروج، 7: 19-24) # وهكذا ينتقل الصراع إلى تدمير عصب الخصب ممثلا في النهر، وتتحول عن كونها ~~محاولة للخروج والتمرد يقودها موسى أمام فرعون، إلى عقاب جماعي يصيب كل شعب ~~مصر، النقمة هنا تتحول لكيان المجتمع كله، فتأتي الضربة الثانية من يهوه لمصر: # ثم قال الرب لموسى: قل لهارون: مد يدك بعصاك على الأنهار والسواقي ~~والآجام، وأصعد الضفادع على أرض مصر ... فصعدت الضفادع وغطت أرض ~~مصر. ~~(خروج، 8: 5-6) # ويتبعها مباشرة بالضربة الثالثة: # ثم قال الرب لموسى قل لهارون: مد عصاك واضرب تراب مصر ليصير بعوضا ~~في جميع أرض مصر. ~~(خروج، 8: 16) # كذلك تأتي الضربة الرابعة حشرية بدورها: # قال الرب ms065 لموسى: بكر في الصباح وقف أمام فرعون. إنه يخرج إلى الماء، وقل ~~له: هكذا يقول الرب: أطلق الشعب ليعبدوني فإنه إن كنت لا تطلق شعبي، ها أنا ~~أرسل عليك وعلى عبيدك وعلى شعبك وعلى بيوتك الذبان؛ فتمتلئ بيوت ~~المصريين ذبابا ولكن أميز في ذلك اليوم أرض جاسان حيث شعبي مقيم حتى لا ~~يكون هناك ذبان لكي تعلم أني أنا الرب في أرض، وأجعل فرقا بين شعبي ~~وشعبك. ~~(خروج، 8: 20-24) # ثم ينقل يهوه ضرباته من الحرب الحشرية إلى الحرب الجرثومية، بدءا من الضربة الخامسة: # فها يد الرب على مواشيك التي في الحقل، على الخيل والحمير والبقر والغنم ~~وباء ثقيلا جدا، ويميز الرب بين مواشي إسرائيل ومواشي المصريين ... ~~فماتت جميع مواشي المصريين، وأما مواشي بني إسرائيل فلم يمت منها ~~واحد. ~~(خروج، 9: 3-6) # كذلك جاءت الضربة السادسة جرثومية بيولوجية بدروها: # ثم قال الرب لموسى وهارون: خذ ملء أيديكما من رماد الأتون وليذره موسى ~~نحو السماء أمام عيني فرعون؛ ليصير غبارا على كل أرض مصر، فيصير على الناس ~~وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل أرض مصر. ~~(خروج، 9: 8-10) # وبضربته السابعة؛ يتحول يهوه نحو الطبيعة مرة أخرى ليجعل خيرها نقمة: # ثم قال الرب لموسى: مد يدك نحو المساء ليكون بردا في كل أرض مصر ... فأعطى ~~الرب رعودا وبردا، وجرت نار على الأرض، وأمطر الرب بردا على أرض مصر، فكان ~~بردا ونارا متواصلة وسط البرد. شيء عظيم جدا لم يكن مثله في كل أرض ~~مصر، منذ صارت أمة فضرب كل أرض مصر، جميع ما في الحقل من الناس والبهائم، ~~وضرب جميع عشب الحقل وكسر جميع شجر الحقل، إلا أرض جاسان حيث كان بنو ~~إسرائيل؛ فلم يكن فيها برد. ~~(خروج، 9: 22-26) # ورغم كل ذلك الدمار والهلاك، يظل الفرعون مصرا على عدم إطلاق بني إسرائيل، ويعود ~~يهوه إلى الحرب الحشرية، ليقضي تماما على بقايا أي أثر للخصب في أرض مصر؛ فبعد ~~البرد الذي قضى على الشجر ونبات الحقل، تأتي الضربة الثامنة في أمره لموسى: # مد يدك على ms066 أرض مصر لأجل الجراد، ليصعد على أرض مصر، ويأكل عشب الأرض، ~~كل ما تركه البرد، فمد موسى عصاه على أرض مصر، فجلب الرب على الأرض ~~ريحا شرقية كل ذلك النهار وكل النهار وكل الليل، ولما كان الصباح ~~حملت الريح الشرقية الجراد، فصعد الجراد على كل أرض مصر، وحل في جميع ~~تخوم مصر، شيء ثقيل جدا، لم يكن قبله جراد هكذا مثله، ولا يكون بعده كذلك ~~وغطى وجه الأرض حتى أظلمت الأرض، وأكل جميع عشب الأرض، وجميع ثمر الشجر ~~الذي تركه البرد، حتى لم يبق شيء أخضر في الشجر ولا في عشب الحقل، في كل ~~أرض مصر. ~~(خروج، 10: 12-15) # ولم يكتف يهوه بذلك مع إصرار الفرعون على موقفه، فعاد يقلب ظواهر الطبيعة بضربته التاسعة: # ثم قال الرب لموسى: مد يدك نحو السماء، ليكون ظلام على أرض مصر، حتى ~~يلمس الظلام، فمد يده نحو السماء، فكان ظلام دامس في كل أرض مصر، ثلاثة ~~أيام، لم يبصر أحد أخاه، ولا قام أحد من مكانه ثلاثة أيام، ولكن جميع بني ~~إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم. ~~(خروج، 10: 21-23) # وتبقى الضربة العاشرة، والقاضية، التي ستجبر فرعون على إطلاق شعب الرب، وقبلها ~~يقول لموسى: # ضربة واحدة أيضا بعد ذلك يطلقهم من هنا، «وعندما يطلقهم يطردكم طردا» ~~من هنا بالتمام، تكلم في مسامع الشعب أن يطلب كل رجل من صاحبه، وكل ~~امرأة من صاحبتها، أمتعة فضة وأمتعة ذهب، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون ~~المصريين. ~~(خروج، 11: 1-3) # هنا نعلم أن الإسرائيليين كانوا يقومون وسط المصريين، ولا نعلم كيف أصابت كل تلك ~~الضربات المصريين دون الإسرائيليين، لكن الأهم هنا هو إيعاز الرب لموسى بأن ~~الفرعون - مع الضربة القادمة - سيطلق بني إسرائيل؛ لذلك كان عليهم رجالا ونساء أن ~~يطلبوا من أصدقائهم (أصحابهم) المصريين، ذهبهم وفضتهم، مما يشير في جانب آخر إلى ~~مودة من المصريين للغرباء المقيمين بينهم، مما يجعل التساؤل عن ضرب شعب مصر ~~بكل تلك الضربات ومبرراتها سؤالا مشروعا، أما أن يأمن المصريون للغرباء، ~~ويعطوهم ذهبهم وفضتهم إعارة ms067 فذلك يضع أمامنا موقفهم موقفا نبيلا، ويدعو للتشكك ~~في قصة تلك الضربات جميعا من أصلها. # وتأتي الضربة العاشرة، ويهبط يهوه بنفسه ليقتل بيده كل بكر من أبناء مصر: # وقال موسى، هكذا يقول الرب: أني نحو منتصف الليل، أخرج في وسط مصر، فيموت ~~كل بكر في أرض مصر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الجارية ~~التي خلف الرحى، وكل بكر بهيمة، ويكون صراخ عظيم في كل أرض ~~مصر. ~~(خروج، 11: 4-6) # ويأمر يهوه شعبه أن يلطخ كل منهم عتبة بيته بدم الخراف، ليميزوها عن بيوت ~~المصريين، قبل وقوع ضربة قتل الأبكار، وأما السبب فهو كي: # يكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم، ~~فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب كل أرض مصر. ~~(خروج) # هنا تأكيد آخر للتغشي في السكنى للإسرائيليين بين المصريين، وأما الأهم، ~~فهو أن يهوه يعلم هنا أنه سيصاب بلوثة القتل، وأنه لن يميز في تلك الحال بين بيوت ~~جماعته وبين بيوت المصريين إلا إذا رأى دما على البيوت، تلك الدماء التي ستوعز له ~~أنه قد انتهى من أمر سكانه وقتل أبكاره، فيعبر عن تلك البيوت ولا يصيبها، وهو في حالة ~~التخبط في دماء المصريين، وفي تلك الليلة، حيث «كان صراخ عظيم في مصر؛ لأنه لم يكن ~~بيت ليس فيه ميت» (خروج، 12: 30)، تقرر خروج بني إسرائيل، دون عزاء لأصحابهم من ~~مصريين، لكنهم قبل تلك الضربة، التي مارس فيها يهوه نزوته الدموية: # فعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى، طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ~~ذهبا، وثيابا، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم، ~~«فسلبوا المصريين»، فارتحل إسرائيل من رعمسيس. ~~(خروج، 12: 35-37) # وتأتي الضربة الحادية عشرة عندما قام ملك مصر وجيشه يطارد الهاربين، حتى أدركوهم ~~عند بحر سوف، وهنا كانت المعجزة الكبرى: # ومد موسى يده على البحر فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل ~~البحر يابسة، وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء ~~سور لهم عن ms068 يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم ... فمد موسى ~~يده على البحر، فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة ... فدفع الرب ~~المصريين في وسط البحر (خروج، 14: 27). (وبعد الخروج) كان الرب يسير أمامهم ~~نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في عمود نار ليضيء لهم، ~~لكي يمشوا ليلا ونهارا. ~~(خروج، 13: 11) # وعلى قصة الخروج تلك، بكل تفاصيلها، أقام الباحث الصهيوني إيمانويل فليكوفسكي عمله ~~الهائل، الذي انتهى فيه إلى تأكيد كل الأحداث التي روتها التوراة، بكل تفاصيل ضربات ~~يهوه ومعجزاته التي صاحبت الخروج. وهو الأمر الذي ~~يرضي الجانب الإيماني ليس فقط عند اصطحاب يهوه إنما لدى المسيحيين، بل والمسلمين ~~بدورهم؛ فهو يشرح لهم عملية انشقاق البحر وتاريخيته، وما رافقه من قبل ومن بعد، من ~~أحداث كسرت قوانين الطبيعة وقواعد الكون الثابتة، لكنه «يأخذ الجميع في سلة واحدة»، ~~بعد تأسيس المقدمات العلمية للقواعد الإيمانية، إلى نتائج لا بد من التسليم بها ~~إذا كانوا متسقين مع إيمانهم ومع أنفسهم، «وهي نتائج أبعد ما تكون عن أمانينا ~~الوطنية والقومية»، وإذا كان ثمة شرخ أصيل في الذات، ما بين بعض المقررات ~~الإيمانية التي تتناول بني إسرائيل، وما بين الأماني الوطنية والقومية، فإن فليكوفسكي ~~لا يفعل شيئا سوى وضع القواعد الإيمانية على محك العلمية، ليثبت صدقها الكامل، ~~ولا يبقى لدى قارئ طيب النوايا سوى الأخذ بالكفة الراجحة إيمانيا، وهو تسليم رسم ~~له فليكوفسكي خطته ببراعة إلى محطة الوصول، بحيث يصادق الجميع من خلال عقائدهم على ~~حق إسرائيل التاريخي، في التاريخ، وفي الأرض، بل وفي صفتهم كشعب فضله الله على ~~العالمين. # أما نحن، فلا بأس عندنا في البحث عن أسس تلك الأحداث التي روتها التوراة والتي ~~اكتست بثوب الإبهار الإعجازي في التاريخ الإسرائيلي، ولا بأس لدينا، ولا علينا، إن ~~وجدنا لها تبريرا لا يصادم العقائد الثابتة، لكن دون افتئات على حقائق ذلك التاريخ ~~وعلمية المنهج، وبغرض وضع ذلك التاريخ وتلك الأحداث في حجمها الصحيح ومقامها الفعلي من ~~التاريخ. فقط نريد هنا القول: إنه بالإمكان حل إشكاليات التاريخ ms069 الإسرائيلي، ليس بنزوع ~~عنصري، إنما بغرض علمي تماما، لا يستطيع أحد أن يصادر عليه، وذلك بالتعامل مع ~~الأحدث الإعجازية في ذلك التاريخ، باعتبارها مواد قابلة للفحص، والإمساك بها، بحيث ~~يمكن ضبطها ضبطا دقيقا، يضعها في حجمها، دون إهمال بعضها لصالح بعض، أو تضخيمها ~~لتتحول إلى كتلة ضاغطة على ضميرنا الوطني وحسنا القومي، الذي ربما كان يبحث بعصبية ~~وتوتر، عن مفاضلة قد تجرح بعض المقررات الإيمانية التي لا يصح جرحها، وتصادم في ~~جانب آخر تطلعات وطنية وقومية مشروعة بدورها ولا يصح التنازل عنها، كالمفاضلة بين ~~شعب مصر القديم وتاريخه العريق وفراعنته، وبين جماعة إسرائيل التي اتسمت بالقداسة ~~وامتلكت أنبياء ومعجزات ثابتة أقرتها الأديان التالية لهم كما حظيت بعلاقة خاصة ~~بالإله، سمحت بمنحهم تلك المنح والأعطيات، أو المفاضلة بين ملوك إسرائيل وجماعتها، ~~وبين ملوك كنعان وشعبها الفلسطيني، وهي المفاضلة التي يمكن أن تؤرق الضمير الوطني، ~~أو تجرح الحس العقائدي، في حال لزوم الاختيار ما ~~بين فرعون وموسى، أو المصريين والإسرائيليين، وكذلك ما بين جالوت وداود، أو ~~الفلسطينيين والإسرائيليين. لكن ذلك كله شيء وتأجيل التعامل مع كتاب فليكوفسكي ~~شيء آخر، لا يقبل الإرجاء، وما على قارئنا إلا أن يشمر عن همته، لنتابع معا ~~تنظيره بنى إسرائيل التاريخية، وممكناتنا في التعامل معها، في باب «التضليل ~~الصهيوني». # | نقد أسفار الأنبياء # (1) من عاموس إلى هوشع # أبدا لم يحتسب اليهود ولا كتابهم المقدس أن البطاركة الأوائل «إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط» أنبياء بالمعنى المفهوم من الكلمة في الإسلام أي رسل ذوي كتب، بقدر ~~ما كانوا أسلافا لهم قدسيتهم لاتصالهم المباشر بالآلهة. وكان أول من وصف بصفة ~~نبي صاحب كتاب بهذا المفهوم في التوراة؛ هو موسى سليل سبط «ليفي» أو «لاوي» الذي ~~قاد حملة الخروج من مصر عبر سيناء باتجاه فلسطين. # وبعد موسى تواتر ظهور الأنبياء بكثافة خاصة بعد انقسام مملكة سليمان، وظهروا ~~بمظهر القدرة على تلقي وحي الرب المعروف في المقدس باسم «روح الرب»؛ وهي القدرة ~~المزعوم أنها منحتهم استطاعة التنبؤ بأحداث المستقبل وقدرة قراءة ~~المغيبات. # واصطلاح «نبييم» ms070 هو جمع كلمة «نابي» أو «نبي» العبرية من «نبا» أي خرج وارتفع ~~وظهر أو خالف القطيع، لكنها - نتيجة كثرة الأنبياء وسلوكهم - اتخذت دلالة ~~الهذيان والخبال؛ فبعضهم كان هاذيا مخبولا وبعضهم كان صادقا في تمنياته ~~التنبئية، وبعضهم كان صاحب طموحات دنيوية محض يريد تحقيقها عبر هذا ~~الهذيان النبوي، وبعضهم كان قاسيا يقرع أسماع شعبه بالقول الغليظ ويتوعده ~~بعقوبات عظيمة أو بهجوم الشعوب الأجنبية عليهم؛ تلك الشعوب التي تحولت لدى ~~الأنبياء إلى أداة وعصا عقاب وتأديب يستخدمها يهوه لتأديب شعبه المختار. ~~وعادة ما كان هؤلاء يختتمون نبوءاتهم ~~بعزاء أنه إذا سار الشعب الإسرائيلي في طريق يهوه وتاب عن خطاياه، فإن يهوه ~~سيظهر حبه لشعبه المختار من جديد. # وكان بإمكان هؤلاء الأنبياء إشعال الحروب وخلع الملوك وتنصيب من يريدون ، وكانوا من ~~رجال الدين غير النظاميين وأشبه بالدراويش اليوم؛ فلم يخضعوا لهيكل من الهياكل بل ~~يزعمون تلقي الوحي مباشرة من يهوه الذي تتملك روحه النبي فينطق بلسانه. # وعادة ما نجد بعضهم في صف الشعب يدافعون عن قضاياه ضد المؤسسة الدينية الرسمية ~~وكهانها المسيسين، وقد ظهر سلطانهم ونما منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ولم يأت ~~منتصف القرن التاسع قبل الميلاد حتى أصبحوا أهم عناصر الجماعة الإسرائيلية، بل وربما ~~قام بعضهم أحيانا باتصالات مع الدول المعادية لتقويض نظام وسلطان الداخل ~~المرفوض. # وسلك بعضهم سلوكا نافرا غريبا من باب المخالفة الواضحة كالزواج من الدواعر ~~والزانيات العلنيات، أما جميعهم فكانوا يثيرون الدهشة بالسير عراة تماما كما ~~ولدتهم أمهاتهم رمزا للتخلي عن الدنيا الفانية. ولا يفوتنا هنا التأكيد أنه كان ~~في فلسطين أنبياء آخرون من أهل البلاد من أتباع الإله الزراعي بعل، وقد ذاع صيت ~~نبي موآب المدعو بلعام بن بعور الذي ورد ذكره بالعهد القديم كمناصر للإسرائيليين ~~ضد شعبه، مما يشير إلى مكافأة كبرى من إسرائيل لذلك النبي الخائن لملته وشعبه، ~~ناهيك عن كون تلك الكثرة جعلت أنبياء إسرائيل عادة يكذبون بعضهم بعضا. # وكان لسلوك الأنبياء ما جعلهم أحيانا في نظر الطبقات المحترمة والراقية مصدر ~~نفور واحتقار، وهو ms071 ما عبر عنه «م. ريجسكي» بقوله: «إن الذين كانوا يصبحون أنبياء. ~~بالإضافة إلى سلوكهم الغريب «أثناء الشغل» عندما يهتاجون بسبب الموسيقى الوحشية لآلاتهم ~~الموسيقية، فيصلون إلى حالة النشوة ويخلعون ثيابهم ويصرخون ويقفزون ويكيلون الضربات ~~لأنفسهم، كان يستدعي لدى الناس موقفا فيه بعض الازدراء تجاههم، ولم يكن نادرا أن ~~يصبحوا مادة للسخرية؛ فسكان جبعة جيران شاول (جميع الذين عرفوه منذ أمس وما ~~قبله) حين رأوه «يتنبأ مع الأنبياء» راحوا يسألون بدهشة: «أشاول أيضا من الأنبياء ... ~~ومن هو أبوهم؟» ولم يكن معنى ذلك أبدا: كيف يتواجد رجل دنيوي وسط أناس ورعين ~~كهؤلاء، بل على العكس من ذلك: كيف وجد ابن شخص محترم مثل يس، شاب من عائلة جيدة، في ~~مجتمع رديء كهذا؟ لقد كان البعض يعتبر الأنبياء أناسا مجانين ويتخذ منهم الموقف ~~المطابق لذلك: «لماذا جاء هذا المجنون إليك؟» (ملوك ثاني، 9: 11).» # 1 # ومن أهم الأنبياء كان عاموس أول من أخذ على عاتقه مهمة تبرئة يهوه من نقض عهده مع ~~إسرائيل. وقد عاش في السنوات الأخيرة لحكم الملك الإسرائيلي يربعام بن يوآش الذي حكم من ~~793 إلى 783 قبل الميلاد، وكان عاموس من قرية تقوع الواقعة جنوبي بيت لحم في مملكة ~~يهوذا الجنوبية. # ينظر عاموس حوله فيجد الأغنياء يمرحون في بذخ وترف وذهب وخمر، وكان بإمكانهم ~~تقديم القرابين ليهوه ليرضى، بينما الفقراء في ضنك شديد ولا يملكون حق القربان لتقديمه ~~ليهوه لينظر إليهم وإلى مشاكلهم، ومن هنا يقف عاموس يعلن وحي يهوه إذ يقول: # بغضت، كرهت أعيادكم، ولست ألتذ باعتكافاتكم، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم لا ~~أرتضي، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها، أبعد عني ضجة أغانيك، ~~ونغمة ربابك لا أسمع. ~~(عاموس، 5: 21-23) # لقد بدأ الحس بالفوارق الاجتماعية يتضح ويعلو زمن عاموس الذي أعلن أن يهوه لم يعد ~~يرضى بالثيران السمينة والعزف في معبده، إنه يريد الآن العدل. والآن كيف سيتدخل يهوه؟ ~~كان عاموس لم يزل يؤمن بفكرة «الجزاء الجماعي» ومسئولية الكل عن خطأ البعض ومن هنا أعلن ~~يهوه بلسان عاموس. # قد ms072 أتت النهاية على شعبي، لا أعود أصفح بعد. ~~(عاموس، 8: 2) # إن أثرياء الشعب المختار لم يكتفوا بظلم الفقراء من بني إسرائيل، بل ذهبوا يسجدون ~~للعجول في بيت إيل وفي الجلجال وفي بئر سبع، ولهذا قرر يهوه عقاب ~~شعبه على خطاياه وجرائمه، وباسم الإله انهال عاموس ~~بالوعيد على من تخيلوا أنه بإمكانهم رشوة يهوه بالقرابين لكسب رضا الكهنة الكسالى ~~المتخمين؛ ولذلك كان عاموس أول نبي يعلن أن سبب غضب يهوه الآتي هو «خطايا أصحاب ~~الثروة» والجاه، ولذلك سيعاقب الشعب جميعه، لكن الأغنياء سيحظون بنقمة أعظم في ~~«يوم يهوه». وكان عاموس أول من قال بفكرة «يوم يهوه» الذي يحمل دلالة حساب ~~الإسرائيليين على ما قدمت أيديهم. # ويل للذين يشتهون يوم يهوه، لماذا لكم يوم يهوه؟ هو ظلام لا نور. ~~(عاموس، 5: 18) # لكن أبدا لم يصل عاموس ولا بقية الأنبياء من بعد بفكرة العدل ~~الاجتماعي إلى نهايتها المنطقية، بالدعوة إلى مقاومة الاستغلال والظلم، لسبب بسيط في ~~كل الأديان، وهو «أن تلك الدعوة تتناقض جوهريا مع صلب المشيئة الإلهية التي توزع ~~الأرزاق بمعرفتها». فقط كان عاموس غاضبا من الظلم الواقع على الفقراء من أولئك الذين يصورهم: # المضطجعون على أسرة من العاج، والمتمددون على فرشهم، والآكلون ~~خرافا من الغنم وعجولا من وسط الصيرة، الهاذرون مع صوت الرباب، المخترعون ~~لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كئوس الخمر والذين يدهنون بأفضل ~~الأدهان. ~~(عاموس، 6: 4-6) # لذلك قام عاموس يتوعد شعب إسرائيل بالسبي والأسر على يد أمة قوية، لكنه كان ~~يطمئن المخلصين أنهم سيعودون بيد يهوه من الأسر إلى فلسطين، لبناء المدن ~~الخاوية «ولن يقلعوا من بعد من أرضهم التي أعطيتهم، قال يهوه إلهك» (عاموس، 9: ~~15). # كان عاموس مشغولا بالظلم الاجتماعي أكثر من انشغاله بتحقير الآلهة الأخرى للشعوب؛ ~~فقد ثبت أن «الشعوب الأخرى قوية بما فيه الكفاية للدلالة على قوة آلهتها»؛ لذلك ظلت ~~فكرة التعددية قائمة لدية مع تفضيل يهوه عن بقية الآلهة؛ فهو مثلا يعبر عن سر ~~هزيمة شعب موآب على يد الملك الإسرائيلي عمري، بأن شعب موآب انصرف عن ربه ms073 البعل كموش ~~وأهمل وصاياه «لأن كموش غضب على شعبه!» # واتخذ عاموس من ذلك مثلا لما سيحدث مع الإسرائيليين الذين أغضبوا يهوه، فقام ~~يتنبأ بسبيهم ودمار بلادهم. لكن عاموس - مع بعض الغموض - يضع أحيانا مصائر الشعوب ~~الأخرى بيد يهوه، «في رؤية بدائية لعالمية الرب»؛ فموآب هزمت لأن ربها كموش غضب ~~عليها، ولأن يهوه شارك أيضا في عقاب موآب لأنهم عندما هزموا بلاد آدوم «أحرقوا عظام ~~ملك آدوم» (عاموس، 2: 1). وبذلك فإن عقاب يهوه سينال الشر في أي موطن حتى لو كان هذا ~~الموطن لشعب وثني، أو لشر ارتكبه شعب وثني في حق شعب وثني آخر. كما عاقب موآب ~~لحرقها ملك آدوم! # وبالفعل تتحقق نبوءات عاموس، ويهبط الآشوريون بجيوشهم على مملكة إسرائيل، ويسبون ~~أهلها وبخاصة الطبقة المترفة منهم، واحتل سرجون الثاني الآشوري إسرائيل بعد أن نهبها، ~~لكننا بقدر من التدقيق في مصادر التاريخ نكتشف «أن عاموس لم يكن بحاجة لوحي ~~يهوه لكي يدرك أن الخطر الآشوري قد بات على أبواب السامرة»، خاصة بعد اتجاه جيوش ~~تجلات بلاسر الثالث الآشوري جنوبا، وتهجيره أينما حل وفتح للنخبة من البلاد المفتوحة ~~إلى آشور. # فماذا تقول لنا وثائق علم التاريخ حول نبوءات عاموس؟ # من نصوص شلمناصر الثالث الآشوري نقرأ متون الفتوحات التي تؤكد أنه قد تلقى الجزية ~~من صور وصيدون ومن ياهو بن عمري الذي دون اسمه هكذا # Hu ~~. وبالعهد القديم نعلم أن هناك ملكا إسرائيليا ~~حكم في السامرة، بعد أن قضى على بيت سلفه آخاب بن عمري، لكن بعد أن اكتسبت المملكة ~~الشمالية إسرائيل اسم مملكة عمري في نصوص الرافدين، فقيل في نص شلمناصر الثالث «ياهو ~~بن عمري». وكان ياهو معاصرا لحزائيل ملك دمشق، واتخذ كل منهما خطا مخالفا للآخر ~~في التعامل مع الخطر الآشوري القادم؛ فبينما أعلن حزائيل تمرده واستعداده بتجييش ~~مواطنيه، لجأ ياهو إلى الدبلوماسية بإرسال الجزية وفروض الطاعة والولاء التي وجدت ~~صداها في نص منقوش بالمتحف البريطاني يمثل رجلا يقدم فروض الطاعة والولاء ~~للملك شلمناصر الثالث، وتحت الرسم كتابة تقول: «جزية ياهو بن ms074 عمري تلقيت منه فضة ~~وذهبا ...» وكذا وكذا (تعداد لأصناف الجزية وأنواعها). # وفي سفر ملوك ثاني رواية تقول: # في أيام فقح ملك إسرائيل جاء تغلث فلاسر ملك آشور وأخذ عيون وآبل معكة وينوم ~~وقادش وحاصور وجلعاد والجليل وأرض نفتالي وسباهم إلى آشور، وفتن هوشع بن أيلة ~~على فقح بن رمليا وضربه فقتله وملك عوضا عنه. ~~(ملوك ثاني، 15: 29-30) # وهي الرواية التي تتقاطع مباشرة مع النص الآشوري: # أما مناحيم فقد هبطت عليه كما العاصفة الثلجية ففر وحيدا، ثم عاد فانحنى عند ~~قدمي فأعدته إلى مكانه وفرضت عليه جزية (تعداد أصناف الجزية) وسقت الكثير من بيت ~~عمري (يقصد مملكة إسرائيل) وممتلكاتهم إلى آشور، ثم انقلبوا بعد ذلك على ملكهم «فقح»؛ ~~فأحللت بدلا عنه «هوشع» ملكا عليهم وتلقيت منه جزية (تعداد أصناف الجزية). # وفى عهد هوشع تحل النكبة الأخيرة بمملكة إسرائيل؛ فبعد تجلات بلاسر الثالث يأتي ابنه ~~شلمناصر الخامس 726-722ق.م الذي يعزو إليه محررو التوراة فتح السامرة وإجلاء سكان ~~السامرة أسرى إلى آشور، بينما تتحدث نصوص خليفته سرجون الثاني 721-705ق.م عن قيامه بفتح ~~السامرة، ويبدو أن سرجون الثاني كان قائدا للعمليات العسكرية في فلسطين، وهو من أكمل ~~خطط شلمناصر الخامس وعزاها جميعا لنفسه، فنحن نقرأ في نص مبكر لسرجون الثاني ~~يقول: # سرجون ملك آشور فاتح السامرة وكل بيت عمري (إسرائيل) # Bet-Ha-um-ri-a # الذي غنم أشدود وشيتوخي وأمسك ~~الياماني في البحر كالسمك، الذي قضى على ... إلخ. # 2 # لقد قرأ عاموس خريطة الأحداث والمقدمات وأيقن بالنتائج فقدمها كنبوءات، وكان في ~~زمنه نبي آخر يتنبأ وربما استمر يعيش بعده لفترة قليلة، وكان هذا المتنبي هو المعروف ~~بالنبي هوشع والمحتمل أنه كان يتنبأ بين عامي 750 و734ق.م، لكن بينما كان عاموس يعيش ~~في المملكة الجنوبية يهوذا، كان هوشع يعيش في المملكة الشمالية، إسرائيل. # ويبدو أن هوشع كان يعاني من مشاكل عائلية قاسية «فزوجته تخونه مع كل من يدفع، وسيرتها ~~على كل لسان، فأحال ذلك جميعه إلى إرادة يهوه الذي أمره بالزواج من امرأة زنى». # قال يهوه لهوشع اذهب خذ ms075 لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض زنت زنى تاركة يهوه، ~~فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم فحبلت وولدت له ابنا فقال له يهوه ادع اسمه يزرعيل؛ ~~لأني بعد قليل أعاقب بيت ياهو على دم يزرعيل وأبيد مملكة بيت إسرائيل. # ثم تلد الزوجة الخائنة مرة أخرى ولدا وبنتا، ومن جديد يأمر يهوه بمنحهما اسمين، ~~أسمى البنت لورحامة: «لأني لا أعود أرحم بيت إسرائيل.» والابن لوعمي أي ليس شعبي ~~«لأنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم» (هوشع، 1: 2-9). # هوشع وجد نفسه مع امرأة زانية وأبناء زنى فتماهى بأسرته مع بيت إسرائيل جميعا، ~~وبينما كانت الجيوش الآشورية تتدفق على الممالك الشمالية لإسرائيل، كان سكان إسرائيل ~~يتوقعون استمرار سير الهجوم جنوبا واكتساح الجيش الآشوري للسامرة، وكان السبب في ~~رأي هوشع هو أن إسرائيل خانت ربها يهوه وعبدت آلهة أخرى مثل زوجته جومر تماما؛ لهذا ~~تلقى هوشع أمر يهوه: # اذهب أحبب امرأة حبيبة صاحب وزانية كمحبة يهوه لبني إسرائيل وهم ملتفتون ~~إلى آلهة أخرى ... فاشتريتها لنفسي بخمسة عشر شاقل فضة. وقلت لها تقعدين ~~أياما كثيرة لا تزني ولا تكوني لرجل وأنا كذلك لك؛ لأن بني إسرائيل سيقعدون ~~أياما كثيرة بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا تماثيل وبلا أفود ~~وترافيم. ~~(هوشع، 3: 1-4) # ويتنبأ هوشع ليهوذا بالسقوط مع إسرائيل تحت النير الآشوري: # فيتعثر إسرائيل وإفرايم في إثمهما، ويتعثر يهوذا أيضا معهما. ~~(هوشع، 5: 5) # وكما تنبأ عاموس لإسرائيل تنبأ هوشع بأن يوم العقاب قد أمسى على الأبواب ولم تعد لدى ~~يهوه أي شفقة على خيانة إسرائيل، وسيتصرف مع إسرائيل تصرف الزوج مع الزوجة ~~الخائنة، ويلوم يهوه زوجته الزانية إسرائيل على لسان الزوج المكلوم فيقول: ~~«قالت: أذهب وراء محبي الذين يعطون خبزي ومائي وصوفي وكتاني وزيتي ~~وأشربتي.» # وبالنسبة ليهوه وإسرائيل كان محبو إسرائيل آلهة أخرى على رأسهم رب الخصب ~~بعل. # وهي لم تعرف أني أنا أعطيتها القمح والمسطار والزيت كثرت لها فضة وذهبا، جعلوه ~~لبعل. # ومن ثم كان الجزاء. # أعاقبها على أيام بعليم (جمع بعل (المؤلف)) التي كانت تبخر ms076 لهم وتتزين بخزائمها ~~وحليها وتذهب إلى محبيها وتنساني أنا، يقول يهوه. # والآن، لتعلم الزوجة الخائنة أنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها. ~~(هوشع، 2: 2-13) # ثم يبدأ في تقريع إسرائيل لتعبدها للعجلين اللذين يمثلان ~~يهوه، ويقول: # زنخ عجلك يا سامرة ... صنعه الصانع وليس هو إلها. إن عجل السامرة يصبح ~~كسرا. صنعوا لأنفسهم من فضتهم وذهبهم أصناما لكي ينقرضوا. ~~(هوشع، 8: 4-6) # ثم يربط هوشع بين عبادة الآلهة الغربية وبين الانحدار الأخلاقي للناس في كل ~~مكان. # حتى الكهنة كانوا ضمن هؤلاء الفجرة، أما الأثرياء فكانوا يمرضون من «سورة الخمر» ~~والكبار «كلهم حامون كالتنور وأكلوا قضاتهم». # ومثل عاموس وقف هوشع يتنبأ لإسرائيل، لكنه لم يتبين الموقف بوضوح لأن الأخبار التي ~~وصلته كانت تحمل إمكان التناقض في التنبؤ؛ فالمملكة الشمالية إسرائيل كانت ترسل ~~الجزية لدولتين قويتين، لمصر ولآشور، «وحاول هوشع المفاضلة بين الخطرين فتوقع ~~وقوع إسرائيل في الأسر المصري». # الآن يذكر إثمهم ويعاقب خطيئتهم. إنهم إلى مصر يرجعون. ~~(هوشع، 13: 8) # لكنه في موضع آخر يتوقع الهجوم من كلتا الدولتين القويتين: # يرجع إفرايم إلى مصر ويأكلون النجس في آشور. ~~(هوشع، 91: 3) # لكن عندما وضحت الأمور وأصبحت آشور على الأبواب يصلح شأن ~~نبوءته فيقول: # لا يرجع إلى مصر بل آشور. ~~(هوشع، 11: 5) # ثم يصاب بالبلبلة التامة فيقول: # فيكونون تائهين بين الأمم. ~~(هوشع، 9: 17) # لكن الملك الآشوري لا يهاجم يهوذا مع إسرائيل حسب نبوءة هوشع؛ إذ تفادت يهوذا البطش ~~الآشوري بدفع جزية كبرى للعاهل الآشوري فبقيت قائمة بعد سقوط مملكة إسرائيل؛ لذلك ~~علينا أن نعتبر المقطعين (1: 7؛ و1: 10-11) في سفره إضافة من محرر يهوذي لاحق؛ حيث ~~يتم قطع النبوءة حول إسرائيل بوعود من يهوه بإنقاذ مملكة يهوذا. # وأما بيت يهوذا فأرحمهم وأخلصهم بيهوه إلههم ولا أخلصهم بقوس وبسيف ~~وبحرب وبخيل وبفرسان. ~~(هوشع، 1: 7) # بينما كانت نبوءات هوشع الأصلية تشفق في النهاية على مملكتي إسرائيل ويهوذا لأن ~~يهوه الزوج الغيور سيصالح زوجته الخائنة (الشعب الإسرائيلي) ويلاطفها وستفهم الخائنة ~~أن سلوكها كان مشينا وستندم، وكراهية في بعل واسمه يقول الرب: # ويكون في ذلك اليوم يقول يهوه ms077 إنك تدعينني رجلي ولا تدعينني بعد بعلي، ~~وأنزع أسماء البعليم من فمها فلا تذكر أيضا اسمها. ~~(هوشع، 2: 16) # وسوف يحل الغفران على الخائنة؛ أي على شعب إسرائيل، وسوف يعود الأسرى من مصر وآشور ~~(رغم أنهم لم يسبوا إلى مصر) وبعدها تقوم مملكة السلام والخير، ويؤكد يهوه: # وأقطع لهم عهدا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبابات الأرض ~~وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض، وأجعلهم يضطجعون آمنين. ~~(هوشع، 2: 18) ~~(2) سقوط النبوءات # ثم نأتي إلى سفر إشعيا الذي يحتوي على ست وستين إصحاحا، لكن الرؤية الناقدة لهذا ~~الكتاب النبوي يمكنها أن تستبعد نصف هذا العدد أو أقل قليلا بحسبانه لا يعود أبدا ~~لإشعيا الذي عاش آخر القرن الثامن وأول القرن السابع قبل الميلاد. وإلى الإصحاحات ~~الأصلية أضيفت نصوص أخرى ليست لإشعيا خلال عدة قرون، من قبل محرري النبوءات ~~اللاحقين، لما كان يتمتع به إشعيا من شعبية في المملكة الجنوبية يهوذا، وذلك لإضافة ~~الهيبة إلى نصوصهم بإضافتها لإصحاحات كتاب إشعيا. # وفى الإصحاحين الثالث عشر والرابع عشر نجد حديثا عن تدمير الإمبراطورية الآشورية ~~(14: 25)، وعن مملكة بابل بحسبانها بهاء الممالك وزينة وفخر الكلدانيين، وعن العاهل ~~البابلي الجبار الذي يطوي الشعوب تحته طيا بالقوة المسلحة (14: 4، 96)، وكيف جعل ~~العالم كقفر وهدم مدنه ولم يطلق أسراه إلى بيوتهم (14: 17). # وإزاء قوة بابل الطالعة التي تمكنت من هزيمة الأشوريين كان لا بد أن يرتعب شعب ~~الله المختار خوف الاحتلال وخشية السبي؛ فإن يهوه يؤكد بلسان إشعيا «ها أنا ذا ~~أهيج عليهم الماديين ... وتصير بابل كتقليب الله سدوم وعمورة، لا تعمر إلى الأبد ~~ولا تسكن إلى دور فدور» (إشعيا، 13: 5؛ 17: 20). # ومرة أخرى يعطف يهوه على يهوذا وإسرائيل فيجعلهم يتسلطون على من ظلمهم (14: 1، ~~2). # وهذا الكلام إطلاقا لا يمكن نسبته لإشعيا وزمنه في آخر القرن الثامن ق.م لأسباب ~~شديدة الوضوح؛ حيث في زمن إشعيا في القرن الثامن ق.م كان الحديث عن هذه الأحداث سيبدو ~~غير مفهوم بالمرة؛ «فيهوه يهدد بابل بالويل والثبور ويصفها بأنها زينة الممالك، ~~بينما بابل في زمن إشعيا كانت فاقدة لاستقلالها ms078 مثل يهوذا وتتبع الإمبراطورية ~~الآشورية». # وحتى لو قلنا مع المؤمنين إن تلك نبوءة، وكي تكون النبوءة صادقة، كان لا بد أن ~~يتنبأ إشعيا أولا بأن بابل ستثور على آشور وتنتصر عليها ثم تتوسع وتهاجم يهوذا ~~وتسبي سكانها، لكن النبوءة لم تتطرق لذلك كله، فقط يتحدث إشعيا عن عودة المسبيين ~~كأنه كان أمرا معلوما لجميع ناس زمنه؛ ومن ثم «لا يصح احتساب الإصحاحين 13 و14 ~~من عمل إشعيا بل يجب القول إنه قد تم تحريرهما بعد قيام بابل بتدمير الإمبراطورية ~~الآشورية»، وبعدما بلغت بابل جبروتا كبيرا في عهد نبوخذ نصر الثاني، وبعدما قام ~~نبوخذ نصر بحملته على يهوذا وأسرها إلى بابل؛ أي يجب أن يكون تحرير هذين الإصحاحين ~~قد تم بعد عام 586ق.م. # ثم نقف مع تلك المفترض أنها نبوءة، أو دست على سفر إشعيا لتظهره بمظهر ~~النبوءة عما سيحدث في قابل الأيام ، لندهش من قولها إن بابل العظيمة ستسقط فريسة ~~الاحتلال الميدي، بينما الذي حدث فعلا بعد ذلك هو سقوط بابل فريسة الاحتلال الفارسي ~~زمن قورش 539ق.م وليس الميدي، وهذا يعني أن مؤلف النص «لم يكن يعرف بعد عن الانقلاب ~~الذي حصل في إيران وكيف سقط الميديون أنفسهم في إيران تحت سلطة الفرس حوالي عام ~~549ق.م». # إن ذلك يؤكد أن نبوءة الإصحاحين 13 و14 قد تمت كتابتها بين عامي 586 و549ق.م؛ ومن ~~ثم «لا يمكن أن تعودا إلى إشعيا الذي مات قبل ذلك بزمن بعيد». # وضمن التحرير المنسوب لإشعيا تصورات لما كان يأمل المحرر في حدوثه قريبا وهو ~~سقوط بابل فريسة للاحتلال من شعب آخر وعودة اليهوذيين المسبيين إلى أورشليم ~~وسيادة يهوذا على ظالميها. ومؤلف الإصحاح 21 يشير ليهوذا مسحوقة، لكنه يتنبأ بأن ~~البابليين الذين سحقوا يهوذا لهم أعداء، وهؤلاء الأعداء يتقدمون لسحق بابل، ~~ويشجعهم المؤلف باسم الإله «اصعدي يا عيلام، حاصري يا مادي» (إشعيا، 21: 2)، وهذا ~~يعني أن العيلاميين والميديين الذين يعيشون في إيران سيقومون باحتلال بابل، ويفرح ~~صاحب النبوءة ويطرب هاتفا: «سقطت سقطت بابل، وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها ms079 إلى ~~الأرض.» والطريف أن مطابقة ذلك على خط سير أحداث التاريخ يجعل ما يقوله المتنبئ هنا ~~غير حقيقي بالمرة؛ فالذين احتلوا بابل هم الفرس الذين سيطروا على كل إيران، وخرج ~~ملكهم قورش بجيوشه واحتل بابل، لكنه «أبدا لم يهدم المعابد ولم يكسر تماثيل الآلهة، بل ~~أظهر احترامه لها»، وهذا يعني أن المؤلف لم يعرف كل هذا وكان يتنبأ قبل وقوع بابل بين ~~549 و538ق.م بل ونجد ضمن الإضافات حشرا من زمن أكثر تأخرا مثل النبوءة «ويكون في ذلك ~~اليوم أن يهوه يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من آشور ومن مصر ومن فتروس ~~ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماه ومن جزائر البحر» (إشعيا، 11: 11-12)؛ «لأن هذا ~~الانتشار الواسع لليهود لم يحدث إلا بعد حملة الإسكندر الأكبر في نهاية القرن الرابع ~~قبل الميلاد». # وبالعودة إلى بدء نبوءات إشعيا يمكن القول إنه في سنة موت الملك اليهوذي عزيا عام ~~742ق.م قرر اليهوذي «إشعيا بن آموص» أن يكون نبيا وهو يرى خطر هجوم الأعداء قريبا. ~~وكان إشعيا رجلا من العلية على صلة بالكهنة وبالنخبة وبالبلاط وبالملك، إضافة إلى ~~ثقافته الرفيعة وإحاطته بالتقاليد الدينية وبالتاريخ. # وفى عام 744 أي قبل أن يتنبأ إشعيا بسنتين حدث انقلاب في بلاط آشور وجاء الملك ~~تجلات بلاسر الثالث المشهور بفتوحاته، وكي يتقيه الملك الإسرائيلي مناحيم أرسل له جزية ~~كبيرة وأصبح تابعا لآشور (ملوك ثاني، 15: 2)، واقتطع تجلات بلاسر بعض أراضي إسرائيل ~~وهجر سكانها إلى نينوى على الفرات. # وإزاء هذه القوة الكبرى الطامعة شرع ملوك الدول الصغيرة في بلاد الشام بعقد التحالفات ~~للتصدي لهذا الغازي وقد اشتركت مصر في هذه التحالفات، بل تحالف اللدودان إسرائيل ~~ودمشق. وأرسل الملك الدمشقي رصين للملك اليهوذي أحاز لينضم للتحالف فرفض، فشنت دمشق ~~وإسرائيل الحرب على أحاز اليهوذي مما اضطره إلى طلب مساعدة الآشوريين في رسالة ذليلة ~~مهينة تقول «أنا عبدك وابنك، اصعد وخلصني من يد ملك أرام ومن يد ملك إسرائيل ~~القائمين علي» (ملوك ثاني، 16: 7). # وهنا يبدأ دور إشعيا وتبدأ ms080 نبوته ونبوءاته بتحريض ملك يهوذا ضد ملك إسرائيل وأنه لا ~~يجدر بملك يهوذا أن يخشى إسرائيل الشمالية لأن يهوه قد قرر مصير مملكة إسرائيل ~~الشمالية «تخلي الأرض التي أنت خاش مليكها» (إشعيا، 7: 16) ... وأنه في خلال خمسة وستين ~~سنة سوف تنكسر إفرايم/إسرائيل حتى لا يكون شعبا (7: 98). ثم اقترح إشعيا على أحاز أن ~~يطلب من الرب يهوه علامة على ذلك (آية) فرفض أحاز، لكن يهوه يتطوع بنفسه ويعطي الآية، ~~وهو أنه لو كان ثمة طفل رضيع فإن نبوءات إشعيا ستحدث قبل أن يتمكن هذا الطفل من ~~تمييز الخير من الشر. # يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل ~~(معنى عمانوئيل: الله معنا). زبدا وعسلا يأكل، ومتى عرف أن يرفض الشر ويختار ~~الخير؛ لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى الأرض التي ~~أنت خاش من مليكها. # وعندما رأى إشعيا خوف الملك اليهوذي قام يوحي له أن ملك دمشق وملك إسرائيل سيطردان ~~من بلديهما قريبا جدا قبل أن يميز هذا الطفل الصغير. ولم ينتظر الآية بل قام ~~يصنعها بالزواج من نبية أنجبت الطفل، لكنه أطلق عليه اسما جديدا هو دمهير شلال حاش، ~~ومعناه: «أي الذي يعجل الغنيمة ويسرع النهب». وقبل أن يعرف هذا الصبي نداءه للأب والأم ~~سيسبى ملك آشور دمشق والسامرة (8: 2-4). والمعلوم لدى العارفين بالتوراة أن تعبير ~~«العذراء» في النص السالف قد ورد في الترجمة السبعينية وقد تمت ترجمة اللفظة العبرية ~~«علما» فيها بمعنى العذراء، بينما كانت في الأصل هي «بارتيتوس» التي منها «بروستيتيوت» ~~أي الداعرة وليس العذراء. وقد وقفت المسيحية بعد ذلك أمام هذا النص لتراه «نبوءة ~~بمجيء المسيح». رغم أن إشعيا لم يفكر في هذا إطلاقا وهو يطلق نبوءاته، فقط كان يتنبأ ~~بسقوط مملكتي دمشق وإسرائيل خلال ثلاث أو أربع سنوات قبل أن يبدأ طفله المولود من ~~الداعرة في التمييز. وسقطت دمشق أمام آشور بعد عامين فقط، وسقطت إسرائيل ليس بعد 65 ~~عاما بل قبل ذلك بكثير، بعد نبوءات إشعيا باثني عشر ms081 عاما فقط عندما احتلها سرجون ~~الثاني الآشوري وسبى سكانها إلى نينوى. «لقد كان الغزو متوقعا بين لحظة وأخرى، ~~ووضعه إشعيا بحسبانه نبوءة ووحيا إلهيا». # وعندما كانت إسرائيل تسقط أمام الجيوش الآشورية، هاجم الفلسطينيون والآدوميون يهوذا ~~واحتلوا بعض مدنها (أيوب، 28: 17-19) ومن هنا لجأ ملكها أحاز إلى ملك آشور، بل وأدخل ~~إلى يهوذا عبادة الآلهة الآشورية رشوة لسرجون العاهل الآشوري، مما جعل ديانة يهوه في ~~خطر، وترأس صفوف أنصار يهوه النبي إشعيا، الذي قام يحاول إيجاد تبرير لما يحدث ~~لشعب يهوه. وانتهى إلى نتيجة هي أن آشور بكل جبروتها ليست سوى أداة في يد يهوه ~~ينفذ بها إرادته لتأديب شعبه المختار وتفسخه الأخلاقي خاصة لدى النخبة العليا ~~في المجتمع اليهودي، ولأن شعبه المختار دوما يحب عبادة الآلهة الغريبة ~~والوثنية. # وإذا كان هوشع قد تصور يهوه في صورة الزوج الغيور الذي من حقه تأديب زوجته ~~الزانية، فإن إشعيا تصوره في هيئة ملك حاكم يحق له شرعا تأديب المتمردين، لكن ~~كما أن الملك لا يسمح بإبادة شعبه فكذلك يفعل يهوه ليبقى من الشعب من يتعبد له ~~ويمجد اسمه على الأرض. كان إشعيا يتوقع احتلال آشور ليهوذا ~~وعند ذلك سيغضب يهوه على آشور التي هي أداته ~~التنفيذية، وستظهر بعد ذلك بقية اليهود ليعيشوا في مملكة سلام ورخاء. كما رأى في ~~استعانة أحاز اليهوذي بالأشوريين شكا في يهوه الذي يجب الاعتماد عليه وحده، وعبر ~~إشعيا للملك أحاز عن غضبه من الاستعانة بآشور ضد دمشق وإسرائيل؛ لأن المتوقع لدى ~~أي عارف بالأشوريين أنهم لن يحفظوا عهدهم وأنهم بمجرد احتلالهم لدمشق وإسرائيل ~~سيتجهون من فورهم جنوبا نحو يهوذا، وهو بالفعل ما حدث بعد ستة عشر عاما عندما مات ~~أحاز وانتقل العرش إلى ابنه حزقيا. # وبمجرد تتويج حزقيا قام إشعيا بتدوين قصيدة مديح عصماء في الملك الجديد أملا ~~في اجتذابه لتحقيق مخططاته، وبالفعل تم تقريب إشعيا من البلاط وأصبح شديد التأثير ~~فيه حتى أصبح الملك حزقيا مناصرا غيورا ليهوه، وقام يلاحق العبادات الأخرى بعنف، ~~وفتح معبد أورشليم الذي ms082 أغلق أيام أبيه أحاز وانتصر حزب يهوه على بقية ~~الآلهة. # وفى المملكة الشمالية إسرائيل تحمس الملك هوشع وتوقف عن دفع الجزية لآشور وعقد ~~حلفا مع مصر. وهنا اجتاحت آشور السامرة بأمر سرجون الثاني عام 723ق.م، وانتهت ~~إسرائيل من الوجود. أما في الجنوب في يهوذا فقد أعلن إشعيا الموقف المطلوب وهو أنه ~~على حزقيا ملك يهوذا عدم الاشتراك في الصراع ضد آشور وعدم الدخول في أية أحلاف ويجب ألا ~~تطلب العون سوى من يهوه فقط. # وأملا في مساعدة مصر قامت مجموعة الدول الصغيرة في بر الشام بعقد الأحلاف، لكن ~~حتى لا يفعل ملك يهوذا فعلهم خلع إشعيا ملابسه ومشى في البلاد عاريا ثلاث سنين ~~يعلن أن عريه آية ضد مصر التي يعتمدون عليها؛ لأن ملك آشور سوف يغزو مصر ~~ويعريها كما يسير هو عاريا (إشعيا، 20: 2-6). # وفي ربيع 711ق.م كانت جيوش آشور قد ابتلعت الأحلاف السورية وتجنبت يهوذا هذا ~~المصير مؤقتا. وفي 705ق.م مات سرجون الثاني ومرة أخرى حاولت دول سوريا وفلسطين ~~خلع النير الآشوري بمحالفة مصر، وتوجهوا ليهوذا لتحالفهم، ومن جديد وقف ~~إشعيا ضد هذا التحالف، لكن الملك حزقيا رفض نصيحة إشعيا وأرسل لمصر بعثة ~~للتحالف ضد آشور بينما أخذ إشعيا يندد بهذا التحالف. # وفي 701ق.م اجتاح سنحاريب خليفة سرجون سوريا جميعا، وحطمها بينما كانت يهوذا قد ~~حصلت من مصر على دعم عسكري كاف جعلها تصمد أمام الحصار الآشوري. وأرسل سنحاريب ~~كبير جنده ربشاقي إلى أورشليم مع كبار الضباط يحملون رسالة لأورشليم، ووقفوا خارج ~~أسوارها يحدثون المتحصنين بالداخل وعلى الأسوار، ينادونهم بصوت عال لإسماع ~~سكان يهوذا، يتساءلون ساخرين من اعتمادهم على مصر «على هذه القصبة المرضوضة؛ على مصر ~~التي إذا توكأ عليها أحد دخلت في كفه وثقبتها؛ هكذا فرعون ملك مصر لجميع ~~المتوكلين عليه» (ملوك ثاني، 18: 19-21). # ثم يلعب الوفد الآشوري بالعواطف الدينية لشعب يهوذا وينادي مؤكدا أن الملك الآشوري ~~جاء يحتل يهوذا بأمر من يهوه نفسه: # والآن هل بدون يهوه صعدت على هذه الأرض لأخربها؟ «يهوه قال لي اصعد ms083 إلى ~~هذه الأرض وأخربها.» وخشي حكام يهوذا استماع شعب يهوذا لهذا الكلام المقنع ~~فطلبوا من الوفد الآشوري محادثتهم بالآرامية «كلم عبيدك بالآرامي لأننا ~~نفهمه ولا تكلمنا باليهودي في مسامع الشعب الذي على السور.» لكن وفد ~~سنحاريب استمر يحرض قائلا: «هل إلى سيدك وإليك أرسلني سيدي لأتكلم بهذا ~~الكلام؟ أليس إلى الرجال الجالسين على السور ليأكلوا عذرتهم ويشربوا بولهم ~~معكم؟» # ثم قام ربشاقي ينادي بصوت عظيم على شعب يهوذا يحرضهم على الثورة ضد ملكهم حزقيا ~~«اسمعوا كلام الملك العظيم ملك أشور ... لا يخدعكم حزقيا ... اعقدوا صلحا معي واخرجوا ~~إلي ... حتى آتي وآخذكم إلى أرض مثل أرضكم، فسكتوا ولم يجيبوه بكلمة لأن أمر الملك ~~كان قائلا: لا تجيبوه.» ومع الهلع أرسل الملك حزقيا يستدعى النبي إشعيا بحثا عن ~~مخرج وخلاص. ولم يكن بيد إشعيا سوى رفع الروح المعنوية لشعبه والصمود مدة أطول ~~أمام الحصار حتى يحدث أي طارئ يمكن نسبته إلى يهوه وتدخله، وطمأن الناس معلنا ~~نبوءة جديدة «كطيور مرفة هكذا يحامي يهوه رب الجنود عن أورشليم. ويسقط آشور ~~بسيف غير رجل وسيف غير إنسان» (إشعيا، 31: 4-8). # ثم نجد في كتاب إشعيا خطابا من إشعيا موجها لوفد من الملك اليهودي حزقيا ~~يقول: «هكذا تقولون لسيدكم: هكذا يقول يهوه: بسبب الكلام الذي سمعته الذي جدف علي ~~به غلمان ملك آشور. ها أنا ذا أجعل فيه روحا فيسمع خبرا ويرجع إلى أرضه وأسقطه ~~بالسيف في أرضه ... لا يدخل هذه المدينة ولا يرمي هناك سهما وفي الطريق الذي جاء فيه ~~يرجع» (إشعيا، 37: 6-7، 33-34). # والمعنى أن يهوه سيجعل سنحاريب يسمع خبرا من ~~بلاده يعود على إثره إلى بلاطه حيث يقتل هناك بالسيف، وهذا الكلام أمام العين ~~الفاحصة لا يمكن أن يكون قد صدر من إشعيا، إنما هو إضافة متأخرة؛ لأن سنحاريب عاد ~~فعلا إلى آشور ورفع الحصار عن أورشليم وسقط ضحية انقلاب في البلاط إذ قتل بيد ابنه ~~أسرحدون. «ويبدو أن مصر لم تكن بريئة من هذه الأحداث، لكن كل تلك الأحداث لم تتم ~~وتحدث ms084 إلا بعد عشرين عاما من الحوار الذي دار عند أسوار أورشليم؛ أي في عام 681ق.م ~~وبالطبع لم يكن بوسع إشعيا أن يعرف ذلك. وبالطبع لم يكن يهوه هو الذي يقف وراء ما يحدث ~~إنما كانت مصر» التي كانت تحكمها في هذا الوقت أسرة كوشية في دولة واحدة تجمع مصر ~~والسودان الشمالي، وهو ما يرد في فلتة بسفر ملوك ثاني تقول إن سنحاريب قد سمع «عن ~~ترهاقة ملك كوش قولا: قد خرج ليحاربك» (19: 8-9). وكان ترهاقة قد خرج بالفعل ~~لكن سنحاريب كان قد قرر عدم الاشتباك وفضل رفع الحصار عن أورشليم والانسحاب ~~إلى آشور، وشجعه على ذلك سر آخر لم يعلنه لنا سفر إشعيا ليجعل الفعل كله ليهوه، ~~وهو أن ملك يهوذا أرسل لسنحاريب يقول: «قد أخطأت، ارجع عني، ومهما جعلت علي ~~حملته.» فطلب سنحاريب جزية تعويضية باهظة، اضطر معها الملك اليهودي إلى إفراغ ~~خزينة الدولة والمعبد، بل وقلع الكسوة الذهبية عن أبواب معبد يهوه وأعمدته. أما ~~العهد القديم فكان يروي في موضع آخر أن حزقيا استلم رسالة تهديد من سنحاريب ونشرها ~~أمام يهوه ليقرأها بنفسه، فأرسل الإله ملاكا من عنده «فخرج ملاك يهوه وضرب من جيش ~~آشور مائة وخمسين ألفا، فلما بكروا صباحا إذا هم جميعا ميتة، فانصرف سنحاريب ملك ~~آشور وذهب راجعا وأقام في نينوى.» # ولحسن الحظ أن سنحاريب قد ترك نصوصا واضحة حول هذا الأمر تؤكد أن اشتباكا قد ~~حدث فعلا مع جيوش مصر وآشور في يهوذا، والنتائج تشير إلى هزيمة الآشوريين ~~وتراجعهم، لكن الملك الآشوري فضل أن يبدي أنه قد انتصر وأن الجزية التي أخذها من ~~حزقيا هي أسلاب ومغانم المعركة المظفرة. ويحكى أن مدينة عقرون الفلسطينية كانت ~~ضمن الحلفاء الذين تجمعوا لصد آشور، وأن الشعب فيها قبض على ملكها «بادي» لأنه عقد ~~عهدا مع آشور وخان الحلف، وسلموه إلى ملك يهوذا حزقيا الذي تحالف مع مصر بدوره، ~~فرمى بادي ملك عقرون في السجن «رماه في السجن وعامله معاملة الأعداء، ثم خاف فدعا ~~لمساعدته قوات ملك مصر ms085 وإثيوبيا التي لا تعد، فجاءوا لمساعدته، وفي سهل تقوع ~~انتظمت صفوفهم ضدي وشحذوا أسلحتهم، وبعد استخارة نبوءة الإله آشور مولاي هاجمتهم وهزمتهم.» # 3 # والواقع يؤكد عكس ذلك فالحصار رفع عن أورشليم، وعاد سنحاريب إلى بلاده فقط ~~بجزية الفداء التي دفعها حزقيا رعبا وخوفا. # ويسترسل مرسوم الملك سنحاريب يحكي ما حدث: «أما حزقيا اليهودي الذي أبى الخضوع لي ~~فقد ألقيت الحصار على 46 من مدنه الحصينة وقلاعه المسورة وعدد لا يحصى من القرى ~~حولها وأخذتها ... أما حزقيا نفسه فقد صار حبيسا في قصره الملكي في أورشليم كعصفور ~~في قفص ... لقد غمره الخوف من رهبة جلالتي، والقوات التي أتى بها إلى أورشليم لمعاونته قد ~~احتلت صفوفها إلى جواري وتركته، فأرسل إلي في نينوى عاصمة ملكي ثلاثين وزنة من ~~الذهب و800 وزنة من الفضة وأحجارا كريمة وكميات من الإثمد وقطع الصخر الأحمر ~~ومقاعد وكراسي مزينة بالعاج وجلود الفيلة وخشب الأبنوس وصناديق خشبية وكل أنواع ~~النفائس كما أرسل إلي بناته ومحظياته وموسيقييه من بنات وشبان.» # 4 # وقد ساعد في انسحاب جيوش سنحاريب تفشي وباء الطاعون في جيشه مما أجبره على ~~الانسحاب، وأتاح الفرصة لإشعيا للقول بتدخل يهوه في الأمر، وهو الأمر الذي ظهر لشعب ~~يهوذا كمعجزة سماوية فعلا، لكن بعد أن فقدت يهوذا قسما من أرضها ومن سكانها مع ~~اعتراف من حزقيا بالتبعية لآشور. # كان إشعيا قبل المحاولة الفاشلة للغزو الآشوري يتنبأ بأن يهوه سينتقم من الآشوريين، ~~ومن وجهاء يهوذا وأثريائها الذين كانوا يضطهدون بقية شعب يهوذا، وجاء الغزو الآشوري ~~ثم انسحب، «لكن يهوه لم ينتقم من الأغنياء ولم يقم العدل» في أرضه من أجل شعبه ~~المختار. # كان حديث النبوءات عن أسر في آشور وأن هناك بقية من الشعب سترجع إلى فلسطين؛ ومن ~~ثم تحول تعبير «البقية التي ترجع» والذين سوف يأكلون خيرات الأرض في «مملكة السلام ~~والحق» إلى فكرة ومفهوم عن بعث بني إسرائيل مرة أخرى على يد الملك حزقيا، لكن الواقع ~~كان نقيض التوقعات. ورغم انسحاب الجيش الآشوري فإن خطره لم يزل ms086 قائما، واستمر وجهاء ~~بني إسرائيل في تجاوزاتهم وقسرهم للفقراء، وهنا قام إشعيا يؤجل زمن مملكة الحق ~~والبقية التي ترجع إلى زمن غير محدد. وكما ينبت الفرع من ساق البلوطة المقطوعة ~~سوف تنبت إسرائيل جديدة ولكن «في آخر الأيام» (إشعيا، 2: 2)، والكلمة «آخر» في ~~اليونانية هي «إسخاتا» التي أدت لمفهوم «الإسخاتولوجي» أي آخر الأيام حيث يوم يهوه ~~الذي وضع اصطلاحه من قبل النبي عاموس. وهذا اليوم سيكون آخر يوم للعالم القديم ~~وبداية انبعاث إسرائيل وفق مثل أعلى عند الأسلاف البطاركة، سيكون الانبعاث كما كان ~~عند الأسلاف، ويصور إشعيا اللوحة الإسخاتولوجية بقوله: # ويكون في آخر الأيام أن جبل بيت يهوه يكون ثابتا في رأس الجبال ويرتفع فوق ~~التلال ويجري إليه كل الأمم، وتسير شعوب كثيرة ويقولون هلم نصعد إلى جبل ~~يهوه، إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله ... فيقضى بين ~~الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككا (أي محاريث) ورماحهم مناجل، ~~لا ترفع أمة على أمة سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد. ~~(إشعيا، 2: 2-4) # وسيتكفل بإقامة مملكة السلام والحق شخص يختاره يهوه كما اختار موسى، «سيكون هو ~~ممسوحه أو مسيحه أو رسوله»، وهذا المسيح سينقد شعب الله. المشكلة أننا لا نعلم متى ~~ظهرت فكرة المسيح المنقذ بالتدقيق؛ فربما تعود لنبي جاء بعد إشعيا وأضيف كلامه إلى ~~كتاب إشعيا، ومن الشروط التي يجب أن تنطبق على هذا المسيح أو النبي الآتي «أنه من الدم ~~الملكي، سليل سليمان وداود بن يس»، «قضيب من جذع يس»، وهذا الذي تجري في عروقه الدماء ~~الملكية «يحل عليه روح يهوه، روح الحكمة والمشورة والقوة؛ وروح المعرفة ومخافة ~~يهوه.» وسيكون حاكما بالحق على كل الأرض «يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف ~~لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه»، وستختفى كل ~~الشرور من على الأرض، حتى بين الوحوش الضارية؛ فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع ~~الجدي والعجل والشبل المسمن معا وصبي صغير يسوقها، والبقرة والدب ترعيان، تربض ~~أولادهما معا، والأسد كالبقر يأكل تبنا ويلعب الرضيع ms087 على سرب الصل (الثعبان) ~~ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان لا يسوءون ولا يفسدون في كل جبل قدسي الآن ~~الأرض تمتلئ من معرفة يهوه كما تغطي المياه البحر» (إشعيا، 11: 1، 9). ~~(3) تفشي الفساد # وفي ذات الزمن الذي كان فيه إشعيا يرسل نبوءاته كان في يهوذا نبي آخر يرسل تبشيره ~~ونبوءاته هو النبي «ميخا» الذي كان يعيش في القرية الريفية «مورشه» بعكس إشعيا ~~ابن المدينة العاصمة، وكان يرى العاصمة أورشليم مركزا لكل الشرور (ميخا، 1: ~~5؛ و3: 10)؛ لذلك تنبأ لأورشليم بالدمار التام بعكس ~~إشعيا الذي تنبأ لها أنها ستبقى «مدينة العدل القرية الآمنة» (إشعيا، 1: 26)، ويكرر ~~ميخا تقريبا نفس أقوال عاموس وهوشع وإشعيا حول الظلم الاجتماعي والدعوة إلى التطهر ~~والتوبة النصوح كي يحدث الصلح مع يهوه، لكنه أعطى صورة دقيقة وفظيعة للأثرياء في يهوذا: # يأكلون لحم شعبي ويكشطون جلدهم عنهم ويهشمون عظامهم، ويشققون كما في ~~القدر وكاللحم في وسط المقلي. ~~(ميخا، 3: 3) # يشتهون الحقول ويغتصبونها، والبيوت ويأخذونها، ويظلمون الرجل وبيته والإنسان ~~وميراثه. ~~(ميخا، 2: 2) # ثم يرسم صورة لمصدر ذلك الظلم في فساد النظام والحكومة وانتشار الرشوة والنهب في ~~كل مكان: # الرئيس طالب والقاضي بالهدية، والكبير متكلم يهوى نفسه. ~~(ميخا، 3: 11) # ورغم إصلاحات حزقيا ومطاردته للعبادات الأجنبية، فإن الشعب كان لا يزال يتعبد ~~للتماثيل والأنصاب «والسواري المقدسة (المسلات على الطريقة الفرعونية)» ~~(ميخا، 5: 12-14)؛ لهذا كان ميخا بعكس إشعيا شديد ~~التشاؤم لأن يهوه سينزل على أورشليم عاصمة يهوذا والسامرة عاصمة إسرائيل غضبه فتتحولان ~~إلى كومات من الأنقاض (ميخا، 1: 36؛ و12: 6-16). ولن يقبل القرابين والذبائح «هل ~~يسر يهوه بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت» ~~(ميخا، 6: 6، 7). لقد أمسى يهوه يطلب أمرا آخر هو «أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك ~~متواضعا مع إلهك» (ميخا، 6: 8). ولأن ميخا كان مشدوها مما يحدث من فساد في بيوت ~~الأثرياء وأهل الحكم والسلطان، فإنه «وجد الفساد أكثر مما يمكن إصلاحه؛ لذلك فالكارثة ~~قادمة لا شك فيها» بعد أن حكم يهوه على شعبه بقوله: # أسلمك للخراب، وسكانها للصغير. ~~(ميخا، 6: 16) # لكن كتاب ميخا يحوي نقيضا تاما لهذا ذا طابع إسخاتولوجي بتعزية تتحدث ms088 عن نهوض ~~شعب الله مرة أخرى لأن الله لن يسمح بفناء شعبه تماما: «والآن قد اجتمعت عليك ~~أمم كثيرة، الذين يقولون لتتدنس ولتتفرس عيوننا في صهيون، وهم لا يعرفون ~~أفكار يهوه ولا يفهمون قصده.» # إن ميخا يؤكد أن هؤلاء الأجانب الذين يرسلون جيوشهم على شعب الرب لا يعلمون أن ~~يهوه يدفعهم لذلك، بعد أن دبر لهم مكيدة كبرى وشركا عظيما. إنه جمعهم كحزم إلى ~~البيدر. # وهنا سيسمع شعب الرب أمر يهوذا وينفذ. قومي ودوسي يا بنت صهيون ... ~~فتسحقين شعوبا كثيرين وأحرم غنيمتهم ليهوه وثروتهم لسيد كل ~~الأرض. ~~(ميخا، 4: 11-13) # هناك إضافات واضحة لكتاب ميخا أضيفت بعده بزمان، كالتنبؤ بأن بنت صهيون أي ~~أورشليم سوف تسبى بسكانها إلى بابل، لكن يهوه سينقذها، رغم أن «عدو شعب الله زمن ~~ميخا كان آشور وليس بابل». مما يؤكد أن تلك إضافة حدثت لمحرر عاش زمن الأسر؛ ~~لأنه يتحدث عن إعادة بناء سور جديد لأورشليم يبنيه العائدون من أسر بابل، بعد أن ~~سبق ودمره البابليون. ويؤكد هذا الفرض أننا نجد في سفر إشعيا وميخا نصين متطابقين ~~تماما مبنى ومعنى ثانيا عن مكان إسرائيل المقبل في آخر الأيام، وهو النص الذي يقول: # ويكون في آخر الأيام أن جبل بيت يهوه يكون ثابتا في رأس الجبال ويرتفع فوق ~~التلال، تجري إليه الشعوب وتسير أمم كثيرة ويقولون: هلم نصعد إلى جبل ~~يهوه وإلى بيت يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله؛ لأنه من صهيون تخرج ~~الشريعة ومن أورشليم كلمة يهوه، فيقضي بين شعوب كثيرين، ينصف لأمم قوية ~~عدة فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، ولا ترفع أمة على أمة سيفا ولا ~~يتعلمون الحرب فيما بعد. ~~(ميخا، 4: 1-3) ~~(إشعيا، 2: 2-4) ~~«وهو ما يعني أن محرر تلك الإضافات في السفرين كان واحدا»، وأنه قد تمت إضافتها ~~مع أخبار السبي البابلي زمن السبي البابلي أو بالأحرى بعده، بعدما أعاد قورش المسبيين ~~وسمح لهم ببناء الهيكل والمدينة والسور مرة أخرى. ويبدو أن هذا المحرر قد أراد ~~التخفيف من اللهجة القاسية القاتمة في نبوءات ms089 إشعيا وميخا حول المصير الأسود للشعب ~~المختار. # ثم يتنبأ هذا المحرر المتأخر عبر كتاب ميخا قائلا: # أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك ~~يخرج الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل؛ ~~لذلك يسلمهم إلي حينما تكون قد ولدت والدة، ثم ترجع بقية إخوته إلى بني ~~إسرائيل ... ويثبتون لأنه الآن يتعظم إلى أقاصي الأرض ... ويكون هذا سلاما. ~~(ميخا، 5: 2-5) # وقد «رأت الديانة المسيحية في هذا المقطع نبوءة بمقدم السيد المسيح الذي ولد في ~~بيت لحم، بينما الأمر ببساطة كان تنبؤا بمجيء ملك من نسل داود، وداود كان مولودا ~~في بيت لحم» (صموئيل أول، 17: 12)، ولأن الفكرة الإسخاتولوجية عن المسيح لم تظهر قبل ~~القرن الثالث ق.م، فلا شك أن «محرر هذا الجزء عاش بعد بداية هذا القرن». # ويموت الملك الصالح حزقيا ملك يهوذا ويخلفه ابنه منسي في 642-687ق.م، بينما كان ~~أسرحدون قد أضحى ملكا على آشور ثم تبعه آشور بانيبال 655-671ق.م، وكان ملوك يهوذا ~~يتصرفون كتابعين لملك أشور، وأدخل العبادة الآشورية لجند السماء (عبادة الأجرام ~~السماوية) إلى هيكل أورشليم والمعابد الأخرى. # وعلى مستوى علم التاريخ كانت وثائق أسرحدون تعدد أتباعه من ملوك ومنهم «منسي # Me-na-si-i # ملك يهوذا» # 5 # ومنسي هو ابن حزقيا اليهوذي ملك أورشليم الذي دون عنه المقدس التوراتي أنه: # عمل الشر في عيني يهوه ... وعاد فبنى المرتفعات التي أبادها حزقيا أبوه ... ~~وسجد لكل جند السماء وعبدها في داري بيت يهوه. ~~(ملوك ثاني، 21: 2-5) # بل وعاد منسي إلى عبادات كنعانية قديمة كانت تشرع التقرب من الإله بذبح الأبناء ~~الذكور البكر على مذبح الإله وحرقه على محرقته استرحاما، لكن منسي كان يذبح ويتقرب ~~بالبشر ليهوه، وهو ما يشعرنا بفظاعة إحساسه بدنو نهايته على يد الأشوريين حتى إنه ~~أقام على هذا القربان الرهيب بتقديم ابنه شخصيا للنار. # ولا شك أن «منسي كان يفعل ذلك من باب استرضاء الآلهة الأخرى الأجنبية التي ربما كانت ~~أقوى من يهوه بدليل قوة جيوشها ودولتها» ... وفجأة يأتي ملك ms090 آشور ويأسر منسي، ويغفل ~~المحرر الأسباب حتى تقف فقط عند عصيان منسي الديني، لكن التاريخ هنا يفصح عن السبب ~~الحقيقي وهو تمرد وعصيان منسي بعد اتفاق تم بين دول بلاد الشام على العصيان الجماعي ~~لآشور زمن ملكها أسرحدون، مما دفع أسرحدون إلى تجريد حملات جيوشه على تلك البلاد ~~وإعادتها إلى الطاعة، وأنه جاء بملوك دويلات تلك البلاد واستخدمهم خدما في قصره ~~ومنهم بعلو ملك صور «ومنسي ملك يهوذا» وكوش جبري ملك إيدوم وموصوري ملك موآب وسلبيل ملك ~~«غزة وميتيني» ملك أشقلون. # 6 # وهو ما ردد العهد القديم صداه إذ يحكى: # ولكن منسي أضل يهوذا وسكان أورشليم ليعملوا أشر من الأمم الذين طردهم ~~الرب من أمام بني إسرائيل، وكلم الرب منسي وشعبه فلم يصغوا، فجلب عليهم رؤساء ~~الجند الذين لملك آشور، فأخذوا منسي بخزامة وقيدوه بسلاسل وذهبوا به إلى ~~بابل. ~~(أخبار أيام ثاني، 33: 9-12) # ولم تتمكن مصر هذه المرة من نجدة حليفتها الصغيرة؛ لأن مصر نفسها كانت زمن ~~أسرحدون 681-668ق.م قد وقعت فريسة الغزو الآشوري الذي اجتاحها حتى بلاد النوبة، لكن ~~لتكتب آشور بذلك بداية قصة نهايتها؛ لأنها كانت دوما بحاجة لتكثيف جيوش في مصر ~~إزاء ثورة لم تنقطع أو تهدأ في مساحات شاسعة من أرض يعرف دروبها الثوار وحدهم، ~~مما أعطى الفرصة لثورة أخرى على آشور في بلادها ذاتها. لقد كانت ثورة بابل ~~الصاعدة. # ترك الملك منسي 698-642ق.م ولده آمون 641-640ق.م على العرش، ولم يمض على حكمه عامان ~~حتى قام يوشيا 639-609ق.م ابنه بانقلاب سريع ضده استولى معه على العرش حوالي 640ق.م ~~(ملوك ثاني، 21: 20-24)، وخلال العقدين التاليين زمن وملك يوشيا أحرز يهوه ~~وكهنته انتصارات واضحة ضد العبادات الغريبة، وظهر خلالهما ثلاثة أنبياء دخلوا ~~التوراة وسجلت كتبهم فيها وهم صفينا 630ق.م وناحوم 633ق.م وإرميا 626ق.م. # وخلال ذات الفترة كانت مصر قد خلعت نير الآشوريين عن كاهلها وبدأت تستعيد ~~قوتها، وكان الانتصار المصري قد استنزف في ثورته قوى آشور، وفي عام 626 انتفضت بابل ~~أيضا ضد آشور لتقيم دولة الكلدانيين القوية، ms091 بينما كان الميديون من سكان إيران ~~يحتلون المقاطعات الشرقية لآشور، ويعقدون حلفا مع بابل الجديدة من أجل إسقاط العاصمة ~~الآشورية نينوى. وفى هذه الظروف جاءت نبوءات الأنبياء الثلاثة صفنيا وناحوم ثم ~~إرميا. # وقد وصلنا من كتاب صفنيا ثلاثة إصحاحات فقط خلاصتها: أن يهوه يهدد يهوذا ~~وأورشليم عاصمتها بالعقاب لخطايا شعب يهوذا، مما يشير إلى أن تلك النبوءة قد وضعت ~~قبل إصلاحات يوشيا لصالح يهوه؛ لأنه بعد تلك الإصلاحات نجد نبوءات أخرى لصفنيا تهدد ~~وتتوعد بدمار دول المحيط وبخاصة العاصمة الآشورية نينوى التي كان من السهل ومن قراءة ~~الأحداث التنبؤ بسقوطها الوشيك. # ومعاصرا لصفنيا كان ناحوم الذي ركز نبوءاته على نينوى فكتابه يبدأ بعنوان يقول: ~~«وحي على نينوى، سفر رؤيا ناحوم الألقوشي.» (ناحوم، 1: 1)، و«ألقوش» مدينة صغيرة من ~~مدن يهوذا يعني أنه كان من مواطني المملكة اليهوذية. بالطبع لم يقل ناحوم إن نينوى باتت ~~مهددة من تلك الشعوب المحيطة بها، ولا أنها زمنه قد بدأت تتلقى أولى ضربات ~~الحلف الميدي البابلي؛ لأن الأمر كله لا بد أن يعود إلى يهوه الذي سينتقم لشعبه من ~~آشور، فقد وجه يهوه غضبه ضد نينوى لأنه منها «خرج المفتكر على يهوه شرا» وبالطبع ~~يقصد بهذا المفتكر أو الذي ينوي الشر على يهوه «سنحاريب ملك آشور». وأعلن يهوه على ~~لسان ناحوم حكمه على آشور «لا يزرع من اسمك فيما بعد» (ناحوم، 1: 14). لقد جاء انتقام ~~يهوه على يد الحلف الميدي البابلي وهو ينادي نينوى التي أوشكت على السقوط «تنفتح ~~لأعدائك أبواب أرضك» (ناحوم، 3: 5). # لكن فرحة ناحوم الشامتة لم تستمر طويلا لأن بابل الناهضة كانت في طريقها للاستيلاء ~~على ميراث آشور في المنطقة الشرق أوسطية، بعد أن دمرت آشور في 614ق.م وتقاسم ~~الحلفاء ممتلكاتها. # ورغم أن سفر ملوك ثاني يؤكد إخلاص الملك يوشيا وغيرته الشديدة على يهوه، وأنه ~~طارد كل العبادات الأخرى وقام بمذابح هائلة ضد أتباعها وكهنتها، وأنه «... لم يكن ~~قبله ملك مثله، قد رجع إلى يهوه بكل قلبه وكل نفسه وكل قوته حسب شريعة موسى، ~~وبعده لم ms092 يقم مثله» (ملوك ثاني، 23)؛ فإن يهوه أبدى نكرانا للجميل؛ فبينما مات منسي ~~الكافر على سريره هانئا، فإن يوشيا المخلص ليهوه قد مات إبان معركته مع الفرعون ~~نخاو 606-593ق.م عندما فضل يوشيا اعتراض جيوش مصر الخارجة لإيقاف الزحف البابلي ~~على المنطقة وذلك في موقعة مجدو 609ق.م. # ومعلوم أن أسفار موسى لم تظهر إلا زمن يوشيا هذا حيث قيل إنه قد عثر عليها خبيئة ~~بالمعبد، وهي التي عرفت باسم كتاب أو سفر التثنية. والقوانين والأحكام في هذا الكتاب ~~أبدا لا تتفق مع زمن موسى لأنها تتحدث عن شعب يعيش حياة حضرية ويشتغل بالزراعة ~~وليس شعبا بدويا تائها؛ شعب يملك مدنا ونظاما سياسيا وسلطة ملكية وإدارة ~~مدنية (تثنية، 16: 18) ولديه مجمعه الكهنوتي الهرمي. # وفي سفر التثنية سقطة تؤكد أن هذا السفر قد تم جمعه أو إعادة تدوينه من أوراق قديمة ~~زمن يوشيا؛ حيث يقول في موضع منه «في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه ~~الشريعة قائلا» (تثنية، 1: 5)، والتعبير في عبر الأردن أي في الجانب الغربي من نهر ~~الأردن، وهذا يشير إلى أن الكاتب وليس موسى هو من كان يعيش في عبر الأردن، بينما ~~نعلم أن موسى مات ولم يعبر هذا النهر إلى غربه أبدا. # هذا ناهيك عن أسلوبه ومفرداته التي لا تمت بصلة إلى زمن موسى إنما هي بحق ~~لغة متطورة من مميزات القرن السابع قبل الميلاد بل ويجب افتراض أن أنبياء مثل صفنيا ~~وناحوم بل وإرميا كانوا ضمن جامعي ذلك القديم أو مؤلفي سفر الشريعة/التثنية. # وفي ذات الزمن ما بين 650 و640ق.م تقريبا ولد نبي آخر هو النبي الشهير إرميا، ~~سليل أسرة الكاهن أبيثار الذي كان رأس كهنة أورشليم زمن داود وسليمان، وكان فيما ~~يبدو ميسورا مثقفا قارئا للمقدس لأنه ينقل في كتابه نقلا حرفيا نبوءات ~~سبق وقرأناها عند عاموس وهوشع وإشعيا. ويبدأ كتابه بمدخل تصديري يقول: «كلام إرميا ~~بن حلقيا من الكهنة الذين في عناثوث في أرض بنيامين، الذي كانت كلمة الرب إليه في ~~أيام يوشيا بن آمون ملك ms093 يهوذا» (إرميا، 1: 1-2). # ثم يميز إرميا نفسه «وكيف أصبح نبيا قبل أن يولد وكيف اختاره يهوه واصطفاه ~~وهيأه للنبوة، وكيف أنه مرسل إلى شعوب العالمين وهي نغمة جديدة ستؤثر في نبي ~~آخر بعيد فيما بعد ذلك بأزمان وفى مكان بعيد.» يقول إرميا: ~~«فكانت كلمة الرب إلي قائلا: «قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من ~~الرحم قدستك، جعلتك نبيا للشعوب.» فقلت آه يا سيدي الرب إني لا أعرف أن أتكلم ~~لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب ~~وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك، يقول الرب. ~~ومد الرب يده «ولمس فمي وقال الرب لي: ها قد جعلت كلامي في فمك»، انظر: قد ~~وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني ~~وتغرس» (إرميا، 1: 4-10). # هكذا كان «من تكلم صبيا هو إرميا»، وكان إرميا مشاركا في الرعاية التمهيدية لسفر ~~الشريعة/التثنية الذي كان آنذاك قيد الإعداد، وقام يهاجم العبادات الوثنية ويطالب ~~بعدم السجود سوى ليهوه إبان كان في قريته عناثوث المنسوبة لربة الخصب الكنعانية ~~«عنات/عناث» حتى إن أهل قريته تآمروا عليه لقتله (إرميا، 11: 21) مما اضطره إلى ~~الهرب إلى أورشليم. وبقي إرميا حيا خلال زمن يوشيا ثم ابنه يهو آحاز 309ق.م، ثم ~~يهوياقيم 608-598ق.م، ويهوياكين وصدقيا 597-586ق.م، ورأى بعينيه ما أسسه ليهوه زمن ~~الملك يوشيا ينهار زمن أخلافه الذين عادوا للعبادات المتعددة والآلهة الغريبة؛ لذلك ~~لم يكل إرميا من التنديد بشعبه لغدره بيهوه وزناه مع الآلهة الغريبة التي تم ترميمها ~~من جديد، خاصة عبادات البعل وربة السماء إيزيس المصرية وعشتار البابلية، وكان يهوه ~~يغلي غيظا وكمدا وغيرة على لسان إرميا إذ يقول له: # أما ترى ماذا يعملون في مدن يهوذا وفي شوارع أورشليم؟ الأبناء يلتقطون حطبا ~~والآباء يوقدون النار والنساء يعجن العجين، ليصنعن كعكا لملكة السموات ... ~~لكي يغيظوني. ~~(إرميا، 7: 17-18) # بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا وبعدد شوارع أورشليم وضعتم مذابح ~~للخزي؛ مذابح للتبخير للبعل. ms094 ~~(إرميا، 11: 13) # كان غضب يهوذا قد تفجر على الجميع أغنياء وفقراء، لكن الأغنياء كانوا أكثر مكرا ومعصية: # مثل قفص ملآن طيورا هكذا بيوتهم ملآنة مكرا، من أجل ذلك عظموا واستغنوا، ~~سمنوا، لمعوا، أيضا تجاوزوا في أمور الشر ... أفلأجل هذه لا أعاقب؟ يقول ~~الرب، أولا تنتقم نفسي من أمة كهذه؟! ~~(إرميا، 5: 27-29) # أتسرفون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبا وتبخرون للبعل وتسيرون وراء ~~آلهة أخرى لم تعرفوها، ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي باسمي ~~عليه وتقولون أنقذنا؟! ~~(إرميا، 7: 9-10) # محرقاتكم غير مقبولة وذبائحكم لا تلذ لي. ~~(إرميا، 6: 20) # ثم يستدير إرميا يكيل الطعن لزملائه الأنبياء فكل الشر يأتي منهم بتعاونهم مع ~~الكهنة فهم: # يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد ~~عن ... شره هكذا قال يهوه رب الجنود: لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبئون ~~لكم فإنهم يجعلونكم باطلا ... يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم يهوه ... ويقولون ~~لكل من يسير في عناد قلبه لا يأتي عليكم شر. وقد سمعت ما قالته الأنبياء ~~الذين تنبئوا باسمي بالكذب ... عار أبدي وخزي أبدي. ~~(إرميا، 23: 14-40) # وبالطبع «كان بقية الأنبياء يقولون عن إرميا ذات الأقوال ويرمونه بذات الاتهامات، ~~لكنه كان يعتبر نفسه الصادق وهم الكذبة»، وبقي حوالي ثلاثين عاما يطلق نبوءاته ~~ويغامر بحياته ويعرض نفسه لأكثر من مؤامرة، حتى قال إنه قد أصبح «إنسان خصام ~~وإنسان نزاع مع كل الأرض» (15: 10)، وقد انعكست معاناته تلك في رغبة دفينة في الثأر ~~والانتقام من الجميع؛ فينادى يهوه بكل رغباته الدموية: # لا تصفح عن إثمهم ... سلم بنيهم للجوع وادفعهم ليد السيف، فتصير نساؤهم ~~ثكالى وأرامل، ويصير رجالهم قتلى الموت، وشبانهم مضروبي السيف في ~~الحرب. ~~(إرميا، 18: 18-23) # ويردد إرميا «ما سيردده بعد ذلك نبي في مكان بعيد وزمن أبعد منطقا» يتناول ~~عبادة الأصنام التي لا تستحق السجود: # لأنها شجرة يقطعونها من الوعر، صنعة يدي نجار بالقدوم، بالفضة والذهب ~~يزينونها، وبالمسامير والمطارق يشدونها فلا تتحرك، هي كاللعين في مقثاة ~~فلا تتكلم، تحمل حملا لأنها لا تمشي، لا تخافونها لأنها لا ms095 تغير ولا فيها أن ~~تصنع خيرا ... الآلهة التي لم تصنع السموات والأرض تبيد من هذه الأرض ومن تحت ~~هده السموات. # أما يهوه فهو الإله الحقيقي لأنه هو: # صانع الأرض بقوته، مؤسس المسكونة بحكمته، بفهمه بسط السموات ... مصور ~~الجميع وإسرائيل قضيب ميراثه ... # وهو أيضا إله عالمي: # لا مثل لك يا رب، عظيم أنت وعظيم اسمك في الجبروت، من لا يخافك «يا ملك ~~الشعوب» لأنه بك يليق؛ لأنه في جميع حكماء الشعوب وفي كل ممالكهم ليس ~~مثلك. ~~(إرميا، 10) # وتزداد الضغوط النفسية على إرميا وهو يجد نفسه يصرخ ولا مجيب، يكرهونه ويدبرون ~~لاغتياله مرة ويسبونه ويلعنونه مرة، فينادي شعب يهوذا الضال الذي خان آلهته بعقاب ~~قادم، فسيمنع يهوه المطر ويموت الناس جوعا، ثم يرسل جحافل شعب غريب عليهم فيقتلونهم ~~ويسبونهم إلى بلاد غريبة، لكن يهوه سيرأف بهم في النهاية إذا تابوا وندموا عما فعلوه ~~من شر (إرميا، 5: 15-19؛ و18: 6-10؛ و33: 10-12). # ومع ذلك فإن إرميا لم يكن فيما يبدو قد وصل إلى التوحيد المجرد، كل ما في الأمر ~~أنه يريد يهوه وحده سيدا، أما طقوس عبادته فكانت هي ذات طقوس الآلهة الأخرى، ولم ~~يظهر أي عداء لتقريب الضحايا والتبخير لربه؛ لأنه يرى مستقبل يهوذا التائبة يوم ~~يقوم الكهنة اللاويون بإصعاد المحرقات والتقدمات وتهيئة الذبائح ليهوه (إرميا، 33: ~~18)؛ فلم يكن ليهوه عند إرميا أية مطاليب أخرى سوى ذات المطاليب التي تطلبها الآلهة ~~الأخرى. # ويبدو أن مواقف إرميا السياسية كانت وراء ملاحقته واضطهاده؛ فكما علمنا انفصلت بابل ~~عن آشور بعد موت «أشور باني بعل» عام 626ق.م، وخلال العقدين التاليين كانت بابل ~~والميديين قد حطموا الإمبراطورية الآشورية تماما. وبدأت تطلعات بابل لميراث ~~الإمبراطورية، وكانت لمصر زمن الفرعون «نخاو» ذات الطموحات، وهو ما دفعها لمساعدة ~~حاميات آشور في شمالي سوريا أملا في الاستيلاء عليها، لكن نبوخذ نصر الكلداني أنزل ~~بها الهزيمة في قرقميش، فتراجع نخاو بجيوشه لتجميع قواه ومتابعة الصراع ضد بابل. وهو ~~ما شجع يهوذا على إيقاف دفع الجزية لآشور المتهالكة وكانت يهوذا تابعة في الوقت ms096 ~~نفسه لمصر. ويبدو أن يهو آحاز بن يوشيا أزعج الفرعون فعزله وأخذه أسيرا إلى مصر حيث ~~مات هناك، ونصب الفرعون نخاو بدلا منه يهوياقيم شقيقه ملكا على يهوذا. وفى كل ~~ممالك بلاد الشام كان يجري النزاع بين اتجاهين في السياسة الخارجية: اتجاه يميل نحو ~~مصر والآخر نحو بابل، فكان في بلاط الملك يهوياقيم حزب قوي موال لمصر، وحزب آخر ~~موال لبابل قوي شأنه بعد هزيمة الفرعون نخاو، وكان إرميا من هذا الحزب الأخير الذي ~~يرى أن الخلاص من الدمار والانقراض الشامل هو الخضوع لبابل باستسلام كامل دون مقاومة؛ ~~«لأن الهزيمة العسكرية أمام مصر قد تعني مجرد تبعية سلمية، أما الهزيمة العسكرية ~~أمام بابل فكانت تعني الدمار الشامل»؛ ومن هنا لم يكن إرميا مواليا لحزب بابل حبا ~~فيها بل رعبا منها وإشفاقا مما قد يحدث ليهوذا لو حالفت مصر وهزمت مصر أمام بابل ~~ثانية؛ فمعنى ذلك الإبادة الشاملة لشعب الرب من قبل البابليين. هذا بينما كان فريق ~~ثالث يعتقد أن يهوه لن يسمح لهؤلاء أو أولئك من وثنيين بالسيطرة على شعبه، لكن إرميا ~~كان على يقين من اجتياح بابل لبلاده، لكن يهوه في النهاية لن يسمح بفناء شعبه «وأيضا ~~في تلك الأيام يقول يهوه لا أفنيكم» (5: 18). ومثل هوشع وإشعيا يتنبأ إرميا ببعث جديد ~~لشعب إسرائيل من البقية التائبة أو الراجعة لكن في مستقبل غير محدد بشكل دقيق. ~~لكن قبل ذلك ستدمر أورشليم تماما «يكون هذا البيت وتكون هذه المدينة خربة بلا ~~ساكن»، وكان رد فعل الناس على إرميا غضبا شديدا «وكل الشعب أمسكوه قائلين تموت موتا» ~~(26: 8)، لكن البعض الآخر أنقذ إرميا من غضبة الناس، في ذات الوقت الذي لقي فيه النبي ~~أوريا بن شمعيا - الذي كان يردد ذات كلام إرميا - حتفه، «أتوا به إلى الملك ~~يهوياقيم فضربه بالسيف وطرح جثته في قبور بني الشعب» (26: 32). # وبالفعل السحري المتبع بكسر الجرار الفخارية رمزا على كسر أصحابها وفنائهم، ~~تجرأ إرميا أمام شيوخ الكهنة والشعب في وادي بن هنوم وكسر هناك إناء فخاريا وهو يقول ms097 ~~كلمة يهوه «هكذا أكسر هذا الشعب وهذه المدينة كما يكسر وعاء الفخاري»، وكان ذلك ~~مجلبة للنحس في اعتقاد الناس؛ لذلك أمر فشحور كاهن معبد أورشليم بضرب إرميا ومنعه من ~~دخول المعبد (19: 1-11؛ و20: 2). # ويبدو أن ملك يهوذا «يهوياقيم» قد اضطر في النهاية إلى إعلان خضوعه لبابل؛ لأنه قام ~~أولا بقطع اتصالاته مع مصر، ثم أرسل جزية إلى نبوخذ نصر، ثم عاد بعد ثلاث سنوات ~~يتردد محاولا العودة إلى مصر التي فقدت ثقتها به، وحتى يؤكد عودته توقف عن دفع ~~الجزية لبابل، فأمر نبوخذ نصر أتباعه الموآبيين ~~والآراميين والعمونيين بتأديبه فهاجموا بلاده. ومات يهوياقيم عام 598ق.م تاركا ~~العرش لابنه يهوياكين، في الوقت الذي وصلت فيه جيوش بابل وضربت الحصار على أورشليم ~~واستسلم يهوياكين 597ق.م، وسبى نبوخذ نصر الملك اليهوذي وبلاطه وكهنته وجيشه إلى ~~بابل، وترك سكان الريف وأقام عليهم صدقيا الابن الثالث ليوشيا ملكا منوبا من قبله ~~على يهوذا. # وإلى الأسرى في بابل أرسل إرميا رسالة باسم يهوه ينصحهم بالخضوع التام للملك البابلي ~~ولا يعولوا على عودة سريعة لأورشليم لأنه «هكذا قال يهوه، إني عند تمام سبعين سنة ~~لبابل أتعهدكم وأقيم لكم كلامي الصالح بردكم إلى هذا الموضع » (إرميا، 29: 10). ~~«إذن فلا عودة من الأسر البابلي قبل سبعين عاما». هكذا كانت نبوءة إرميا. # وتتالى الأحداث وتجتمع كلمة الشعوب الواقعة تحت النير البابلي موآب وآدوم وعمون وصور ~~وصيدا بتحريض من مصر، وأرسلوا سفراءهم إلى صدقيا ملك يهوذا لينضم للحلف. وما إن رأى ~~إرميا السفراء حتى نادى: # هكذا قال يهوه رب الجنود إله إسرائيل ... أنا صنعت الأرض والإنسان والحيوان ~~الذي على وجه الأرض ... وأعطيتها لمن حسن في عيني، والآن قد دفعت كل هذه ~~الأراضي ليد نبوخذ نصر ملك بابل عبدي ... ويكون أن الأمة التي لا تخدم نبوخذ نصر ~~ملك بابل ... إني أعاقب تلك الأمة بالسيف والجوع والوباء، يقول يهوه حتى أفنيها ~~بيده ... والأمة التي تدخل عنقها تحت نير ملك بابل وتخدمه، أجعلها تستقر في ~~أرضها، يقول يهوه، وتعملها وتسكن بها. ~~(إرميا، 27: 4-11) # لكن الحزب ms098 المعادي لبابل قدم نبيه حنانيا يقول باسم يهوه: # هكذا قال يهوه. هكذا أكسر نير نبوخذ نصر ملك بابل في سنتين من ~~الزمان. ~~(إرميا، 28: 10-11) # وبينما تضرب جيوش بابل الحصار الثاني على أورشليم «كان حنانيا يعلم أن جيوش مصر قد ~~خرجت لمعونة يهوذا» وحلفائها بقيادة الفرعون إبريس، ورفع نبوخذ نصر حصاره عن أورشليم ~~محركا جيشه باتجاه مصر فانتعشت آمال يهوذا فى الخلاص، بينما تم القبض على ~~إرميا في يهوذا بحسبانه جاسوسا لبابل وأودع السجن، لكنه كان يصر على أن يهوه قد أمر ~~بتسليم أورشليم لبابل «هذه المدينة ستدفع دفعا ليد جيش ملك بابل فيأخذها» (إرميا، ~~28: 2-3). مما دفع جنود يهوذا لمطالبة الملك بقتل إرميا الذي يضعف روح المقاومة عند ~~الناس. # ليقتل هذا الرجل؛ لأنه بذلك يضعف أيادي رجال الحرب الباقين في هذه المدينة ~~... هذا الرجل لا يطلب السلام لهذا الشعب بل الشر. ~~(إرميا، 38: 4) # وهزم البابليون جيش الفرعون إبريس الذي عاد إلى مصر، وفي عام 586ق.م اخترقت جيوش ~~بابل أورشليم وتم تهديمها بشكل شبه كامل؛ فقد أمر نبوخذ نصر بهدم أسوارها، وحرق ~~معبد يهوه، وقتل الملك صدقيا، وسبي الصناع والحرفيين وغيرهم إلى بابل وترك فقراء ~~يهوذا فقط يفلحون الأرض. كما أمر «بإكرام إرميا» وتخييره بين البقاء في يهوذا أو ~~السفر إلى بابل ففضل البقاء في يهوذا، «ومن هناك تم اختطافه إلى مصر» هو وتابعه الذي ~~كان يلازمه باروك، ورغم أن «إرميا كان قد تنبأ بأن مصر ستلاقي مصير يهوذا على يد ~~البابليين فإن نبوءته لم تتحقق»، وفي مصر مات واختفى ذكر إرميا من التاريخ. كذلك ~~أخطا إرميا في تحديد مدة أسر اليهوذيين ببابل سبعين عاما؛ لأنه حتى أولئك الذين ~~ذهبوا إلى السبي الأول «لم يلبثوا أكثر من 58 عاما»، منذ الحصار الأول 597ق.م وحتى ~~539ق.م على وجه التدقيق. # والنظرة الفاحصة لكتاب إرميا ستكشف أن هناك إصحاحات قد أضيفت إلى هذا الكتاب ليست ~~لإرميا بأية حال وهما الإصحاحان 51 و52 تكرر حرفيا ذات الإضافات التي حشيت ~~بكتاب إشعيا، وتتحدث حول هجوم الميديين على ms099 بابل (إرميا، 51: 11)، ودمار بابل ~~التي ستتحول إلى كومة من الأنقاض، وهو ذات ما رددته إصحاحات إشعيا 13 و14، بينما ~~نجد الإصحاح 52 في إرميا يردد ما جاء في الإصحاح 25 من كتاب ملوك ثاني، بل ويشهد على ~~ذلك أن تلك الإصحاحات قد أضيفت بعد ما ورد من إشارة ختامية في الإصحاح 51 (إلى هنا ~~كلام إرميا)، والمرجح «أن كاتبها كان رفيقه باروك الذي أراد إصلاح وتهذيب شأن ~~خيانة إرميا الواضحة وعمالته لبابل». ~~(4) حزقيال من كاهن إلى نبي # ولم تعمر المملكة البابلية الكلدانية طويلا؛ فقد ظهرت قوة جديدة في إيران هي قوة ~~الفرس الذين أخضعوا الميديين هناك، وتمكن قورش الفارسي من توحيد إيران جميعا تحت ~~سلطانه، وفي 539ق.م كان قد فتح بابل. لكنه «أبدا لم يحقق نبوءات إشعيا وإرميا؛ فلا هو ~~هدم معابدها ولا دمر تماثيل آلهتها ولا تركها كومة أنقاض، بل أبدى نحوها شديد ~~الاحترام»، وكانت حكمته دليلا لأخلافه الذين تمكنوا من إقامة إمبراطورية كبرى طوت ~~شرقي المتوسط تحت جناحيها حتى وادي النيل، لكن إرميا رغم موته شريدا غريبا في مصر ~~فإنه لم يعدم من يشاطره آراءه من بعد، ذلك كان «حزقيال» المنحدر من نسل الكهنة ~~الصدوقيين المقدسين، والذي ذهب إلى بابل أسيرا في صباه عام 597ق.م، وبعد أن أمضى ~~خمس سنوات في الأسر قرر أن يكون نبيا. أما كيف كان ذلك؟ فقد ظهر له يهوه ونشر ~~أمامه كتاب «وهو مكتوب من داخل ومن قفاه وكتب فيه مراث ونحيب وويل». ثم أمر يهوه ~~حزقيال أن يأكل ذلك الكتاب، وعند ذلك أصبح حزقيال نبيا (حزقيال، 3: 1-14) يتحدث بلسان ~~يهوه عن مستقبل شعبه المختار. # لم تكن هناك مصائب باقية أكثر مما حدث لشعب الرب، لكن حزقيال كان يرى مصائب أكثر ~~وأخطارا أعظم هي الخطر المحيق بديانة يهوه. وكان حزقيال شاهدا على الخيانة التي قام ~~بها شعب يهوذا لربه يهوه بعبادة آلهة أخرى (حزقيال، 8). # ونجد عنده إشارات إلى «عبادة بشر حيوانات بمعبد أورشليم تشير إلى آلهة مصرية ~~واضحة» (حزقيال، 1: 10؛ و43: 6). وكانت تلك الآلهة ms100 ذات الرءوس الحيوانية إضافة لشبيهها ~~في بابل كما في الثيران المجنحة «قيراب» أو «كروبيم» قد أصبحت فيما بعد أساسا ~~لظهور ما يعرف بالملائكة في أفق الديانة اليهودية، ويروي حزقيال كيف كان الكروبيم ~~(الثيران المجنحة) ركوبة تنقل يهوه من بابل إلى أورشليم إلى أي مكان آخر. # ويرتد حزقيال عن النقلة التقدمية التي أسسها إرميا بعالمية يهوه الذي كان يرعى ~~الآراميين والكوشيين والفلسطينيين، «يعود حزقيال إلى يهوه العنصري الذي يقف فقط ~~إلى جوار شعبه المختار»، وأنه سينتقم من الشعوب المحيطة بيهوذا من عمون إلى موآب إلى ~~آدوم إلى الفلسطينيين، لأنهم نجسوا معبد الإله بدخولهم إليه، وتشفوا في هلاك ~~يهوذا على يد نبوخذ نصر (حزقيال، 3: 25). # ويرتد حزقيال إلى طلب يهوه للقرابين والذبائح وليس للتقوى (حزقيال، 41: 22)، ويعد ~~يهوه حزقيال بأنه في مملكة إسرائيل التي سوف تبعث، سيعمل الكهنة «على المذبح ~~محرقاتكم وذبائحكم السلامية فأرضى عنكم» (حزقيال، 34: 27)، والسبب الواضح «أن حزقيال ~~كان كاهنا من سلالة الكهنة»، وكان يشغله وضع الكهنة المميز. لكن كان يشغله أيضا ~~طمأنة شعبه على مستقبله وهو أسير في بابل؛ فالله قد قال له: # فبددتهم في الأمم فنذروا في الأراضي ... أنا يهوه ... آتي وآخذكم من بين ~~الأمم وأجمعكم من جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم ... وأجعلكم تسلكون في ~~فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. ~~(حزقيال، 36) # لكن السؤال كان: هل يستحق شعب الرب كل هذا العقاب العظيم؟ وإذا هلكت يهوذا فذلك معناه ~~انتهاء عبادة يهوه، ثم لماذا هذا العقاب للجميع بينما يوجد بالشعب عباد مخلصون ليهوه؟ ~~ولماذا يعاني الأبرياء مع الخاطئين المذنبين في حق يهوه بعبادة آلهة أجنبية؟ كانت ~~إجابته ذات إجابة هوشع فإسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية كانتا مثل امرأتي زنى ~~خانتا زوجهما الشرعي يهوه مع عشاق أشوريين ومصريين وبابليين. لكن الزانية ستتوب ~~ويعدها يهوه إن تابت بالغفران (حزقيال، 16: 52-60). # ولتبرير عدل يهوه إزاء عباده المخلصين الذين يعانون مع الخونة وربما أكثر ~~معاناة من خونة يهوه، فإن حزقيال يكرر تفسيرات إرميا، ثم يضيف إضافات جديدة ~~تماما «متأثرة بالعقائد المصرية الأخروية»: # فإذا رجع الشرير عن ms101 جميع خطاياه التي فعلها وحفظ كل فرائضي ... «فحياة يحيا ~~ولا يموت». كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه ... وإذا رجع البار عن بره ~~وعمل إثما وفعل مثل كل الرجاسات التي يفعلها أفيحيا؟ كل بره الذي عمله لا ~~يذكر في خيانته ... «يموت». ~~(حزقيال، 18: 1-24) # ومن ثم يفتح حزقيال أبوابا جديدة للأمل والتوبة، ~~ضمن مدرسة الكهنة ذوي الامتيازات، وحرصا على هذه الامتيازات قاموا يقدمون وحيا ~~منسوبا لموسى يعرف باسم القانون الكهنوتي، يعكس مصالحهم وتطلعاتهم. أدرجوه تعشيقا ~~هنا وهناك في التوراة الخماسية، في مناطق متفرقة منها، حتى تجد في التوراة القديمة ~~المنسوبة لموسى فصولا كاملة مكرسة لوظائف الكهنة وطقوسهم وقرابينهم؛ لأن إسرائيل ~~المقبلة يجب أن تكون تحت سلطان الكهنة. # ومن هنا نجد ثمانية إصحاحات كاملة من كتاب حزقيال من 40 إلى 48 عبارة عن مشروع ~~كامل لبناء يوتوبيا إسرائيل المقبلة «تحت سلطان الكهنة». ويقدم حزقيال تصوراته من ~~خلال أقصوصة يقول فيها إن يهوه أخذه وطار به إلى المستقبل كي يشاهد إسرائيل الآتية ~~الباقية، ودور المعبد الضروري للكهنة وسيادتهم في المملكة المقبلة، ويضع ضمن تلك ~~التصورات كيف سيكون الكهنة في أعلى درجات السلم الاجتماعي، وهناك سوف يعلمون الشعب: # التمييز بين النجس والطاهر، وفى الخصام هم يقفون للحكم يحكمون حسب أحكامهم ~~ويحفظون شرائعي وفرائضي، في كل مواسمي يقدسون سبوتي . ~~(حزقيال، 44: 23-24) # ومعنى ذلك أن الكهنة سيحوزون أيضا السلطة القضائية بينما تقوم السلطة المدنية بدور ~~هامشي تماما، ويبدأ الحديث عن رئيس ستكون مهمته تقريب الضحايا ليهوه ورعاية المعبد ~~وممارسة الشعائر الدينية؛ لهذا سيجمع الإتاوة من الشعب لصالح المعبد وكهنته. من هنا ~~«كانت الطقوس عند حزقيال أهم كثيرا من الواجبات الأخلاقية». # ولم يعش حزقيال حتى يرى «معظم نبوءاته وهي تطيش» خاصة تلك النبوءات المحددة ~~الواضحة المباشرة؛ ففي بداية نبوءاته في بابل تنبأ «بمحاكمة الملك اليهوذي صدقيا في ~~بابل (17: 20) وهو ما لم يحدث، وتنبأ بدخول نبوخذ نصر صور (إصحاحات 26 و27) وهو ما لم ~~يحدث أيضا». # وفي بابل كان أنبياء آخرون يتنبئون بمستقبل شعب الرب لم تصلنا أسماؤهم ms102 لأنه تم ~~إدخالها في كتب أنبياء أكثر شهرة، منها تلك التي نسبت زورا إلى ~~النبي إشعيا ابتداء من الإصحاح 40 وحتى نهاية كتاب ~~إشعيا، واصطلحت مدارس نقد التوراة على تسميتها بكتابي إشعيا الثاني وإشعيا الثالث ~~كاصطلاحات فقط مجازية لا علاقة لها بإشعيا صاحب الكتاب؛ «لأنها أبدا لم تدون ~~بأحداثها زمن إشعيا إنما بعد ذلك، زمن الأسر البابلي وفي الأسر البابلي»، وبعض تلك ~~الإضافات تعود إلى زمن أكثر تأخرا من زمن الأسر البابلي. # يعلن النبي المجهول المتسلل إلى كتاب إشعيا إعلانا إلهيا هو أن يهوه قد قنع ~~بما أنزله على يهوذا من عقوبات استحقتها، وأن آثامها قد تمت مجازاتها وأنها قد قضت ~~فترة عقوبتها وآن أوان تصالحها مع ربها بعد أن انتهى من توقيع الجزاء المناسب ~~الذي ارتاحت له نفسه المكلومة من شعبه المختار. # عزوا عزوا شعبي، يقول إلهكم، طيبوا قلب أورشليم ونادوا بأن جهادها قد ~~كمل، أن إثمها قد عفي عنه، أنها قد قبلت من يد يهوه ضعفين عن كل ~~خطاياها. ~~(إشعيا، 40: 1-2) # وكان كورش يكتسح إيران يوحدها ثم يخرج بجيوشه ليخضع المدن اليونانية في آسيا ~~الصغرى، وتتتالى الأنباء عن التهيؤ الفارسي لاكتساح بابل، وهنا يقوم إشعيا المزيف ~~يتنبأ بانتصار قورش الفارسي على بابل (إشعيا، 41: 25؛ و46: 11) ويعلن النبي المجهول أن ~~يهوه قد وقع اختياره على قورش ليكون هو ممسوحه المسيح : # هكذا يقول يهوه «لمسيحه قورش» الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما وأحقاء ~~ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق ... لأجل عبدي يعقوب ~~وإسرائيل مختاري دعوتك باسمك، «لقبتك وأنت لست تعرفني». ~~(إشعيا، 4: 1-4) # وفي إضافات إشعيا الثاني تجد كلمات وصفات أبدا ليس لها مثل في بقية إشعيا ~~الأصلي، ثم كلمات لم تعرفها لغة العهد القديم إلا بعد البقاء في الأسر البابلي مدة ~~سمحت بنحت ألفاظ جديدة واصطلاحات جديدة، ودلالات جديدة لألفاظ قديمة. ويعلن ~~إشعيا الثاني عن قورش الفارسي. # هو يبني مدينتي ... ويطلق سبيي لا بثمن ولا بهدية. ~~(إشعيا، 45: 13) # ثم ينقل بالحرف من كتاب ملوك (18: 13-19) ويدونه في إشعيا (36: 39)، ناهيك عن ms103 كون ~~الإصحاحات من 36 إلى 39 «تتحدث عن النبي إشعيا بضمير الغائب، أما نبوءته بدخول ~~قورش بابل فهو أمر كان يستطيع أي شخص أن يتنبأ به»؛ لذلك قام يكتبه وينسبه إلى ~~النبي إشعيا. # ولما أفرج قورش عن المسبيين بعد سقوط بابل، لم يتحمس اليهوذيون الأسرى للعودة ~~من رفاهية بابل وخيرات الفرات، بل لقد رأى بعضهم «أن رب بابل مردوك أقوى كثيرا من ~~يهوه الذي يملك على مقاطعة فقيرة وشعب جاهل ومتخلف». إضافة إلى أنهم هناك تزاوجوا من ~~الرافديات وتاجروا وأثروا بل وأصبحوا يحملون أسماء بابلية ويسلكون بعادات ~~البابليين، ولم يجد إشعيا الثاني آذانا صاغية لدعوته بالعودة وإقامة الهيكل ~~والمدينة المقدسة، فقام ينادي بقول يهوه المكلوم: # هو ذا من أجل آثامكم قد بعتم، ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم، لماذا جئت وليس ~~إنسان؟ ناديت وليس مجيب؟ هل قصرت يدي عن الفداء وهل ليس في قدرة ~~للإنقاذ. ~~(إشعيا، 50: 1-2) # ويؤكد إشعيا الثاني لشعبه أن بابل سوف تذهب إلى السبي كما ذهبت يهوذا بل إن آلهة ~~بابل نفسها سيتم الإطاحة بها ويحملونها معهم إلى سبيهم؛ لأنها مجرد أصنام تعجز عن ~~حماية أتباعها بعكس يهوه المنقذ؛ فيقول عن بعل/بيل والرب نبو البابلي: # قد جثا بيل، انحنى نبو، صارت تماثيله على الحيوانات والبهائم ... قد انحنت، ~~جثت معا، لم تقدر أن تنجي. أنت تنجي الحمل وهي نفسها قد مضت في ~~السبي . ~~(إشعيا، 46: 1-2) # لا يعلم الحاملون خشب صنمهم والمصلون لإله لا يخلص. ~~(إشعيا، 45: 20) # أليس أنا يهوه ولا إله آخر غيري وبعدي لا يكون؟ ~~(إشعيا، 43: 10) # وأنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري. ~~(إشعيا، 44: 6) ~~«لقد سجل إشعيا الثاني مجده بدءا من تلك اللحظة عندما جعل من يهوه ربا واحدا ~~مطلقا عالميا دون منافس». ثم ينتقل في تبرئه يهوه مما حدث لشعبه نقلة أخرى، «فيهوه ~~لم يعاقب شعبه لأنه أسوأ من الشعوب الأخرى بل لأنه الأفضل»، الشعوب الأخرى تضرب في ~~ظلمات الوثنية أما الشعب المختار فقد استضاء عقله وطريقه بشريعة يهوه؛ لأنه المختار ~~ليكون «نورا للأمم» (إشعيا، 42: 6). والجهل راحة والمعرفة ms104 عذاب وهذا شأن أقوياء الروح ~~ودورهم في التاريخ؛ أن يتحملوا جهل الآخرين وذنوبهم على عاتقهم ويتعذبون بسببهم. ~~إن الشعوب الجاهلة تزدري شعب الرب وتشمت فيه وتعذبه (إشعيا، 51: 23). لكن كل هذا هو ~~الثمن النبيل المدفوع سلفا للمجد الآتي؛ لأن شعب الرب عندما يصل إلى ختام أداء ~~رسالته سوف يصبح أعظم العالمين بقرار يهوي، وستعلم الشعوب الأخرى أن شعب الرب قد ~~تعذب من أجل خلاصها، وأطاعت إسرائيل ربها بعبودية ووفاء. «وتبدأ كلمة العبودية لله ~~تظهر في أفق العقيدة اليهودية لتطلق على أحباره وأنبيائه» (عباد الله جمع عبد الله)، ~~لتؤثر بعد ذلك في الصيغ النبوية التي «سنسمع لها صدى في الزمن الآتي تردد أن ~~النبي ليس سوى عبد لله مبلغ ونذيرا»، يقول إشعيا الثاني: # أما أنت يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته ... الذي ... دعوته ~~وقلت له أنت عبدي، اخترتك ولم أرفضك ... لأني إلهك. ~~(إشعيا، 41: 8-10) # اذكر هذه يا يعقوب، يا إسرائيل فإنك أنت عبدي، قد جبلتك عبدا لي أنت ~~يا إسرائيل، لا تنس مني، قد محوت كغيم ذنوبك، وكسحابة خطاياك، ارجع إلي ~~لأني قد فديتك (يقصد الرجوع من بابل إلى أورشليم دون التأويل). ~~(إشعيا، 44: 21-22) # ثم يعلن للجهلاء من شعوب المحيط: # هذا الشعب جبلته لنفسي يحدث بتسبيحي. ~~(43: 21) # هو ذا عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا. ~~(52: 13) # ويبدو أن «إشعيا الثاني ذلك المجهول كان يعيش حياة شديدة القسوة»، تلقي بظلها ~~الغامض على الإصحاح 53 الذي يصور حياة قديس معذب يقول عنه يهوه «عبدي البار» ~~(إشعيا، 53: 11)، وأن هذا العبد المحب ليهوه كان محتقرا بين الناس وانصرف عنه ~~الجميع لشكهم في أنه يتلقى عقابا من الله على آثامه، رغم أن هذا القديس المعذب ~~في الواقع: # أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مضروبا من الله ومذلولا ~~وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحبره ~~يشفينا. ~~(إشعيا، 53: 4-5) # والسبب أن: # يهوه وضع عليه إثمنا جميعا. ~~(إشعيا، 53: 6) ~~«وغني عن الذكر أن المسيحية بعد ذلك وجدت في ذلك نبوءة بمسيحها المعذب من أجل ~~البشرية.» # وفي هذا الإصحاح ms105 نجد حديثا عن سجن القديس ~~المعذب ومحاكمته وربما إعدامه (بغموض) فهي تقول «قطع من أرض الأحياء»، لكن النبي وهو ~~ينتظر الإعدام أعلن قوله إنه قد: # جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلا تطول أيامه، ومسرة بيد يهوه تنجح. ~~(إشعيا، 53: 15) # ويعضده يهوه ويعلن: # لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء، يقسم غنيمة من أجل أنه سكب ~~للموت نفسه، وأحصى مع إثمه، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في ~~المذنبين. ~~(إشعيا، 53: 12) # وفي المستقبل الآتي مع النجار يسوع بن مريم نجده قد وجد لديه في عذابات قديسنا ~~المجهول نظرية كاملة عن «المعذب الذي جاء يحمل خطية البشر»، وليس من الضروري أن يكون ~~العذاب على ذنب بقانون النار لا تحرق مؤمنا؛ فربما يكون العذاب خاصا بالمتقين ~~بقانون المؤمن مصاب. ويمكن أن يتعذب البريء التقي بعلم الله وإرادته ليفسح المجال ~~للخاطئين كي يتوبوا، وتلك الفكرة وإن كانت فلسفة غامضة غير منطقية أو مقبولة عقلا، ~~فإنها كذلك لأنها من أسرار يهوه غير المفهومة، أسراره المحجوبة على أفهام البشر، ~~ويشرح يهوه فلسفته الجديدة الغامضة: # لأن أفكاري ليست أفكارهم، ولا طرقهم طرقي، يقول يهوه، لأنه كما علت السموات ~~عن الأرض، هكذا علت طرقي وأفكاري عن أفكاركم. ~~(إشعيا، 55: 8-9) # وهكذا تمت صياغة فكرة الرسالة الفدائية لإسرائيل من أجل البشرية؛ لأنه عبد يهوه ~~وبشيره ونذيره الذي يجب عليه أن يتحمل ويحمل شريعة الرب إلى «الجزائر ... والأمم ... ~~البعيدة» (إشعيا، 49: 1). وهكذا سجل هذا القديس لأول مرة فتحا مبينا في تاريخ ~~اليهودية التي لم تعد تقتصر على شعب بني إسرائيل؛ لأن شعب بني إسرائيل لفضله وأصالته ~~قد تم اختياره ليحمل الرسالة ويتحمل العذاب إلى الشعوب الأخرى بالدعوة لمجد ~~يهوه. # ومن أجل مجد يهوه لم يلتفت إشعيا المجهول إلى أن قورش كان من غير بني إسرائيل بالدم ~~والعنصر، ولم يهتم بكونه كان وثنيا تماما حتى مماته؛ فهو أول المهديين الذين تم ~~هداهم لخدمة يهوه، وأن يهوه بنفسه هو من مسحه مسيحا لأنه كان رسول يهوه المنتظر من ~~زمن طويل، الذي سينفذ إرادة يهوه. ويرسم إشعيا المجهول ms106 صورة فصيحة لدمار بابل ~~القريب، وأن يهوه سيسير أمام قورش ليفتح له أبواب سور بابل. # أنا أسير أمامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس، ومغاليق الحديد ~~أقصف. ~~(إشعيا، 45: 2) ~~«وقد ذهب البعض إلى أن فتح بابل قد تم عبر اتفاقات سرية مسبقة بين ~~اليهوذيين المسبيين وبين قورش، وكان اليهوذيون في بابل يعيشون كمواطنين داخل ~~المدينة.» # وبينما يذهب شعب بابل إلى المنفى حسب تلك النبوءة، فإن شعب إسرائيل سيعود إلى وطنه ~~ويصبح صاحب مجد عظيم، وأن كاس الألم ستشربه شفاه الذين عذبوا شعب الرب (51: 22-23) ~~والظالمون سيأكلون أجسادهم ويشربون دمهم كالخمر (46: 26). # وسوف تأتي كل الشعوب بجزيتها وكنوزها إلى دولة شعب الرب (45: 14)، وسيلحق ~~بالوثنيين الخزي والعار، لكن بعضهم سيؤمن بيهوه ويأتون إليه يقولون: # فيك وحد الله وليس آخر إلها. ~~(إشعيا، 14: 45) # وستقوم أورشليم عاصمة كبرى مقدسة يناديها النبي: # اخرجوا من بابل، اهربوا من أرض الكلدانيين بصوت الترنم أخبروا، نادوا ~~بهذا. ~~(إشعيا، 48: 20) ~~(5) بناء الهيكل الثاني # ولكن الشعب المقدس يتمسك بالإقامة في بابل ولا يرغب في العودة، مما كان مبررا ~~مصلحيا لعدم تصديقهم نبوءات الأنبياء عن الغد الذهبي في أورشليم. # المهم أن قورش بعد فتح بابل سنة 538ق.م بقليل، أعلن مرسومه بعودة اليهوذيين إلى ~~يهوذا، وقد ورد في كتاب عزرا: # في السنة الأولى لقورش ملك فارس، عند تمام كلام يهوه بفم إرميا، نبه يهوه ~~روح قورش ملك فارس، فأطلق نداء في كل مملكته وبالكتابة أيضا قائلا: هكذا قال ~~قورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها لي يهوه إله السماء، وهو أوصاني أن أبني ~~له بيتا في أورشليم التي في يهوذا. من منكم من كل شعبة ليكن إلهه معه ويصعد ~~إلى أورشليم التي في يهوذا، فيبني بيت يهوه إله إسرائيل، «هو الله الذي في ~~أورشليم». وكل من بقي في أحد الأماكن حيث هو متغرب، فلينجده أهل مكانه بفضة ~~وبذهب وبهائم، مع التبرع لبيت يهوه الذي في أورشليم. ~~(عزرا الأول، 1: 1-4) # لقد حل النبي المشكلة، «الفقراء يعودون، أما الذين ارتبطوا بمصالح اقتصادية في ~~بلاد الكلدانيين البابلية، فإنه يمكنهم البقاء ms107 لكن عليهم التبرع والتمويل لإعادة ~~بناء الهيكل» الذي سبق وهدمه نبوخذ نصر، بناء البيت، وبناء مدينة أورشليم وسورها ~~المهدوم. أي أنه على من يرغب في البقاء أن يتقدم بمعونة سنوية لمعبد كهنة ~~أورشليم. # وبينما نبي التوراة المجهول يتحدث عن قورش باعتباره المسيح المختار لدمار بابل، كان ~~كهنة الإله البابلي مردوك يسجلون بأوامر قورش، أن الإله مردوك رب بابل قد استدعى ~~قورش لفتحها، وذلك في المرسوم القائل على لسان مردوك، أنه: ~~«بعد أن نظر في كل البلدان ومحصها بحثا عن ملك تقي، يكون من قلبه، فليأخذ بيده. ~~نادى الملك قورش ... باسمه، وناشده السيطرة على الكون ... وأمره بالسير إلى مدينته هو ~~(مدينة مردوك) بابل، ودون معركة أو قتال سمح له بدخول بابل.» # 7 # لقد كان قورش يرعى مصالحه السياسية عبر إيمان المتدينين؛ فهو يفتح بابل ويحترم ~~آلهتها ويوقرها بعكس كل نبوءات التوراة، ويقول إنه جاء ليأخذ بابل بناء على طلب ~~كبير أربابها، كذلك فعل مع بقية آلهة الدول المفتوحة، كذلك فعل مع يهوه، ويقول في ~~مرسوم آخر: ~~«حين دخلت بابل، أخذت برعاية شئون بابل الداخلية ومقدساتها ... ففرح «مردوك» ~~المليك العظيم لأعمالي المباركة، وباركني أنا قورش الملك الذي يجله.» # 8 # وتمكن قورش من اجتذاب كهنة ديانات البلاد المفتوحة إلى جانبه، وهم من جانبهم ~~ضمنوا له ولاء رعاياهم بما لديهم من أوامر إلهية يوحى بها، ولم تفكر بابل في ~~الانتفاض عليه لا في عهده ولا في عهد ولده قمبيز. وهو قد سمح لليهوذيين بالعودة إلى ~~أورشليم ليس لأنه تلقى أوامر يهوه بذلك، ولكن لأنه كان يهيئ نفسه للاستيلاء على مصر، ~~وكان يشغله أن يكون الملك الملاصق لبوابة مصر من أتباعه هو وشعبه؛ أن يكون شعب الحدود ~~المصرية وفيا لفارس. بل ودفع قورش جزءا من مصاريف بناء الهيكل، لأنه كان يريد إخلاص ~~الكهنوت اليهوذي، مع تبعية كاملة؛ فهي عودة لكنها تحت ظل السلطان الفارسي الكامل، بل ~~إن قورش قد عين عليها واليا فارسيا من قبله، مع حاكم يهوذي محلي هو «زربابل» ~~الذي اختاره الكهنة بحسبانه ms108 «سليل البيت اليهودي الملكي، سليل داود وسليمان». # لكن عند العودة لم تعد سوى قلة من اليهوذيين الذين ضاقت بهم سبل الرزق في بابل، ~~بعد أن شكوا في وعود يهوه «لأن أقواله كذبت أكثر من مرة»؛ فهو أكثر من مرة أكد ~~أنه سيفني البابليين وبابل، لكن ما حدث كان بالعكس تماما، بل ازدهرت بابل أكثر، ~~وأضيفت إليها معابد جديدة، وإلى تجاراتها زيادات هائلة، وتحولت إلى كبرى عواصم ~~الدولة الفارسية نفسها. # وعاد البعض، ودفع البعض، وقام العائدون يبنون وينتظرون كل ليلة إطلالة المجد ~~اليهوي بالخير على شعبه المخلص، لكن لتجتاح الأرض موجة جفاف نادرة المثال، وتصاب ~~المزروعات بالدمار، حتى الأشجار المثمرة ضربتها الآفات (حجي، 1: 5-11؛ و15: 19)، ثم ~~جاء الجراد يكتسح في هجوم متكرر، مع مشاكل أخرى نتجت عن كون القائمين في يهوذا من ~~فلاحين لم يتم سبيهم، كانوا قد استولوا على أراضي المسبيين، ويرفضوا الآن إعادتها ~~مما خلق مشاكل كبرى بينهم وبين الكهنة. # وامتد تشييد معبد يهوه المتواضع جدا حوالي عشرين سنة كاملة، كانت فيها أورشليم ~~تعاني ويلات الجوع، وعاش الناس في حطام أطلال لم تبن منذ الغزو البابلي، ليبزغ ~~في التاريخ نجم نبي مجهول جديد، لم يجد أمامه سوى سفر إشعيا فدس فيه لفائفه ~~الجديدة، واصطلح على تسميته إشعيا الثالث. وكان حديثه يقع زمن بناء الهيكل والدعوة ~~إلى بناء سور أورشليم (إشعيا، 60: 10-13)، وسط النزاع بين الأتقياء وبين الكفار. ~~«والكفار عند إشعيا الثالث ليسوا الشعوب الوثنية ولكن هم اليهوذيون أنفسهم الذين قد ~~أصبحوا نصف وثنيين»، يقدمون القرابين ليهوه في أورشليم، ثم يذهبون ويرتبون ~~موائد الإلهين جاد ومنسي (إشعيا، 65: 11) ويأكلون الخنزير المحرم (66: 17). «وظهر ~~مفهوم الكافر في أفق التاريخ» ليعيد إلى يهوه غضبه ويقول إن يهوه قبل أن يعيد بناء ~~أورشليم «سيبيد أولا الكافرين، وبعدها سيكون لإسرائيل أمجاد عظمى وتبنى كأزهى ~~البلاد» (إشعيا، 61: 4). إن الأزمة عندما استحكمت ~~ذهب الحلم الغاضب إلى تكفير بني الملة، «وهو ما يردد صداه اليوم في بلاد ~~المسلمين». وبينما يعود عزرا عما كان قد أسسه إشعيا الثاني من عالمية ms109 يهوه ودعوته ~~للتبشير وفتح دينه للأخرين، يعود عزرا إلى عنصرية الشعب المختار بالدم والعنصر ~~وحده؛ لأنهم عندما عادوا من الأسر فوجئوا بمن بقي منهم هناك وقد تزوجوا من نساء ~~الشعوب المختلفة وعبدوا آلهتها، وهو ما يسجله كتاب عزرا في تقرير يقول: # لم ينفصل شعب إسرائيل والكهنة واللاويين من شعوب الأرض من رجاساتهم، من ~~الكنعانيين والحيثيين والفرزيين واليبوسيين والعمونيين والموآبيين ~~والمصريين والأموريين؛ لأنهم اتخذوا من بناتهم لأنفسهم ولبنيهم، واختلط الزرع ~~المقدس بشعوب الأرض، «وكانت يد الرؤساء والولاة في هذه الخيانة أولا». # وهنا نلمح في زمن إشعيا الثالث ومواصفاته ما يمكن له أن يحدد زمنه وقت أو أيام ~~كان كهنوت أورشليم لم يبلغ سطوته كاملة، ووقت كان يلح فقط على فروض العبادة، ~~ونستمع إليه يعضد إشعيا الثاني ويؤكد فتح باب اليهودية للشعوب الأخرى، حتى يجد ~~حلا لمشكلة الزواج الكثيف من الأجانب، وحتى يجعل أبناء تلك الزيجات يهودا، وهنا يقول ~~يهوه لأبناء الشعوب الأخرى: # فلا يتكلم ابن الغريب الذي يقترن بيهوه ليخدموه، وليحيوا اسم يهوه، ليكونوا ~~له عبيدا، كل الذين يحفظون السبت لئلا ينجسوه ويتمسكون بعهدي، آتي بهم إلى ~~جبل قدسي وأفرحهم في بيت صلاتي، وتكون ذبائحهم ومحروقاتهم مقبولة على مذبحي؛ ~~لأن بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب. ~~(إشعيا، 56: 3-28) # وأنبياء الشعوب الأخرى المؤمنون بيهوه سيعيشون في مملكة إسرائيل المزدهرة (إشعيا، 61: ~~5)، لكن خدمة معبد يهوه تظل من اختصاص اليهوذيين فقط. ويدفع إشعيا الثالث بيهوه نحو ~~تطور أرقى حين يؤكد يهوه - مع الصعوبة القائمة في بناء المعبد - أنه ليس بحاجة ~~ماسة لمعبد، والسبب: # هكذا قال يهوه: السموات كرسي، والأرض موطئ قدمي. أين البيت الذي تبنون ~~لي؟ ~~(إشعيا، 66: 1) ~~«وفي الإسلام أصبحت الأرض كلها معبدا طهورا.» وهكذا تدل مداخلات إشعيا الثالث على ~~أنه لم يكن كاهنا منتفعا من المعبد؛ لأن هناك آخر كان ينتفع لأنه كان كاهنا لذلك كان ~~يقول كلاما آخر، ويؤكد على وجوب استكمال المعبد لأن يهوه يحتاج إلى السكن في الأرض: # هكذا قال يهوه رب الجنود قائلا: هذا الشعب قال إن الوقت لم ms110 يبلغ وقت بناء ~~البيت! هل الوقت لكم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة، وهذا البيت خراب؟ ~~(حجي، 1: 42) # ووجد حجي في تباطؤ شعبه عن البناء حجة تبرر ما نزل بهم من كوارث جديدة؛ فيهوه ~~يقول لحجي: # لأجل بيتي الذي هو خراب، وأنتم راكضون كل إنسان إلى بيته، لذلك منعت ~~السموات من فوقهم الندى، ومنعت الأرض غلتها، ودعوت بالحر على الأرض ~~وعلى الجبال وعلى الحنطة وعلى المسطار وعلى الزيت، وعلى ما تنبته الأرض، ~~وعلى الناس، وعلى البهائم. ~~(حجي، 1: 96-110) # اصعدوا إلى الجبل وأتوا بخشب وابنوا البيت فأرضى عليه وأتمجد. ~~قال يهوه. ~~(حجي، 1: 8) # واستغرقت عملية البناء خمس سنوات أخرى، وكان المعبد الثاني أكثر تواضعا من ~~البيت الأول المتواضع أصلا بجوار المنشآت المعمارية لدول الجوار، وينظر حجي إلى ~~البيت الجديد حزينا قائلا بمرارة: # من الباقي فيكم الذي رأى هذا البيت في مجده الأول، وكيف تنظرونه الآن؟ أما ~~هو في عينيكم كلا شيء؟! ~~(حجي، 2: 3) # ويعلن يهوه على لسان حجي أنه سيبني البيت مع البنائين، محفزا لهم مبشرا أن ~~«زربابل» 522ق.م، سليل بيت داود وسليمان الملكي سيكون بداية البشرى لقيام دولة اليهود ~~الكبرى، ولقبه بلقب «مشتهي الأمم»، يقول يهوه: # تشددوا يا جميع شعب الأرض يقول يهوه، واعملوا فإني معكم ... لا تخافوا لأنه ~~هكذا قال يهوه رب الجنود، هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات والأرض والبحر ~~واليابسة وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهي كل الأمم فأملأ كل هذا البيت ~~مجدا. ~~(حجي، 2: 4-7) # وإلى زربابل بن شلتائيل من يسري في عروقه الدم الملكي السليماني الداوودي يتوجه ~~يهوه بالقول عبر حجي: # كلم زربابل والي يهوذا قائلا: إني أزلزل السموات والأرض، وأقلب كرسي ~~الممالك وأبيد قوة ممالك الأمم، وأقلب المركبات والراكبين فيها، ~~وينحط الخيل وراكبوها كل منها بسيف أخيه. ~~في ذلك اليوم يقول يهوه رب الجنود: آخذك يا زربابل عبدي بن شلتائيل يقول ~~يهوه، وأجعلك كخاتم لأني قد اخترتك. يقول يهوه رب الجنود. ~~(حجي، 2: 21-23) ~~(6) زربابل مسيحا # كان حجي 520ق.م، كما هو واضح، يشير إلى اضطرابات شديدة في الأمم المحيطة بمؤامرات ~~يدبرها ms111 يهوه لأجل عيون شعبه، وهو ما يلتقي فعلا مع مجموعة أحداث كانت تجري ~~حينذاك؛ فقد قتل قورش في حملة على آسيا الوسطى وتحطم جزء كبير من جيشه، وانتقل ~~العرش إلى ولده قمبيز الذي حاول تعويض تلك الهزيمة بفتح جديد، فدفع بجيوشه نحو مصر ~~وتمكن من احتلالها، ولكن ليقوم الميديون في فارس بمؤامرات عاد بموجبها قمبيز من مصر ~~لكنه مات في الطريق. وتمكن الكاهن الميدي جوماتا من الوصول بثورته إلى البلاط الفارسي ~~وتم تنصيب «برديا» ملكا، ثم قام انقلاب آخر بالبلاط الفارسي انتهى بقتل «برديا» ~~وتمكن أحد المتآمرين الميديين من الاستيلاء على عرش فارس، وهو من عرفه التاريخ ~~باسم داريوش/دارا الأول. ونتيجة هذه الخلخلة في قوة الإمبراطورية قامت عدة ثورات في ~~البلاد المفتوحة، في بابل وفارس وميديا وعيلام وآسيا الوسطى ومصر، لكن داريوش كان رجلا ~~حديديا تمكن من قمع تلك الثورات جميعا وتوطيد ملكه عند نهاية عام 519ق.م. ومن ~~جانبه احتسب حجي تلك الاضطرابات بداية النهاية للجميع حول يهوذا؛ لأنه لما كانت ~~يهوذا لا تملك مقدمات القوة لترفع رأسها وسط هذه القوى الكبرى، «فإن يهوه رأى تدمير تلك ~~القوى الكبرى سلفا لأجل مجد شعبه». وإنه قد أعد زربابل ليكون ملكا للملكة الرسولية ~~الآتية. لكن نبوءة حجي ذهبت مذهب نبوءات زملائه السابقين؛ فقد صمدت الإمبراطورية ~~الفارسية، بل وبلغت زمن داريوش الأول اقتدارا لم يسبق له مثيل، لكن إلى هذا الزمن ~~تعود نبوءات نبي آخر من الأنبياء الكهنة في معبد أورشليم هو النبي زكريا 520ق.م ~~الذي كان يرى مثل حجي أن الأحداث العاصفة التي جرت خلال السنتين الأوليين من حكم ~~داريوش دلالة أكيدة على اقتراب اليوم الأخير يوم يهوه، وحلول المملكة اليهوذية ~~الرسولية الجديدة. لكن زكريا تفاجئه الأحداث واستقرار الأمور لداريوش تماما. # ويصوغ زكريا نبوءاته في شكل دراما تخيلية تصور الأمم في هيئة وحوش قوية ذات ~~قرون، ولأول مرة لا يتكلم يهوه بنفسه، «فتظهر فكرة الملاك حامل الوحي للرسل في أفق ~~التاريخ الديني»، ويتساءل ملاك الوحي: متى سينزل يهوه رحمته بيهوذا التي ما ms112 برح يغضب ~~عليها؟ ويتراءى لزكريا فيما يشبه الحلم أو اليقظة أربعة قرون، ويشرح له الملاك حامل ~~الوحي أن تلك القرون الوحشية هي التي دمرت يهوذا، زوجان منهما مصر وبابل بالطبع وقد ~~تم تحطيم هذين القرنين على يد داريوش، ثم قام ينادي اليهوذيين المستوطنين في بابل ~~للهرب والعودة لأورشليم لأن أورشليم على أول سلم الوعد والمجد لأن ربها يناديها: ~~«ترنمي وافرحي يا بنت صهيون، لأني ها أنا ذا آتي وأسكن في وسطك.» وكي يحدث ذلك كان لا ~~بد من التطهير الرمزي، فيظهر يهوشع كاهن أورشليم الأول (رمزيا) بثياب قذرة، فيأمر ~~الملاك «برفع وزره الذي أنقض ظهره» ويأمر: «انزعوا عنه الثياب القذرة» استعدادا ~~لمجيء سليل بيت داود الملكي، الغصن من شجرة سليمان. # انظر يا يهوشع الكاهن العظيم ... لأني ها أنا ذا آتي «بعبدي الغصن» ... وأن الإله ~~سوف يزيل إثم تلك الأرض في يوم واحد. ~~(زكريا، 3) # أما الأمر الواقعي في تلك الصورة فيوعز بأن يهوشع الكاهن قد لطخ نفسه بتصرفات ~~غير لائقة، مما دفع زكريا الكاهن لشرح ذلك باعتباره آية للناس وضرب مثل، وأن الله لا ~~يرضى الهجوم على خدامه الكهنة، لكن من هو «غصن جذع داود»؟ هو الذي كان باقيا من ~~سلسال داود: «زربابل». # هكذا كلمة يهوه إلى زربابل قائلا: لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي ... إن يدي ~~زربابل قد أسستا هذا البيت فيداه تتممانه. ~~(زكريا، 4) # لكن زكريا كان كاهنا وتشغله سيادة الكهنوت على الملك المدني؛ لذلك قام بصناعة ~~الذهب المرسل من يهود بابل تاجا ملكيا، وكي تتدعم سلطة الكهنوت ألبسه للكاهن يهوشع ~~وليس زربابل، مما دفع زربابل إلى الغضب ومغادرة أورشليم والعودة إلى بابل. وقد سعد ~~الكهنة بخروج هذا المنافس بعد أن استثمر اسمه كثيرا، وتوقيا لأي نزعات تمردية أو ~~انفصالية قد يسعى لها. ويبدو أن زربابل قد ذهب إلى بابل يطلب دعم اليهوذيين المقيمين ~~هناك، لكن ليختفي بعد ذلك ذكره تماما، «ويختفي النسل الملكي ولا يظهر إلا بعد ذلك ~~خلال القرن الأول الميلادي عندما جاء يسوع الناصري ليعلن أنه البذرة ms113 الباقية من فرع ~~داود وغصن سليمان وأن في عروقه يسري الدم الملكي». # وفي النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد كان هناك نبي آخر يطلق نبوءاته ~~مؤكدا على اقتراب يوم يسود شعب يهوه بقدوم يوم يهوه؛ ذلك كان عوبيديا 450ق.م، الذي ~~قام يؤلف نبوءاته في الأيام الأخيرة للأسر البابلي، ووقف يتذكر ضعف شعب إسرائيل، ~~وكيف قامت الشعوب المجاورة بنهب يهوذا، موآب وعمون وبالذات آدوم، ليرى الآن آدوم تلقي ~~ذات العقاب؛ حيت قام أعراب الجزيرة بمهاجمتها ونهب أرضها، كان هذا دليلا على أن يهوه ~~لم ينس شعبه فعاقب أدوم، كما كان دليلا على اقتراب يوم يهوه الذي سيحاكم فيه كل ~~الشعوب التي آذت شعبه الذليل. ويعطي «العلامات المنبئة بقدوم هذا اليوم»: # دمار ونار وأعمدة دخان، تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن ~~يجيء يوم يهوه المخوف ... لكن في جبل صهيون وفي أورشليم تكون نجاة ... وتعلمون ~~أني أنا وسط إسرائيل وأني أنا يهوه إلهكم وليس غيري. ~~(عوبيديا، 2: 30-32؛ و27-29) # في تلك الأيام وفي ذلك الوقت عندما أرد سبي يهوذا وأورشليم، أجمع كل ~~الأمم وأنزلهم إلى وادي يهو شافاط وأحاكمهم هناك، على شعبي وميراثي إسرائيل ~~الذين بددوهم بين الأمم ... مصر تصير خرابا وآدوم تصير قفرا خربا من أجل ~~ظلمهم لبني يهوذا، الذين سفكوا دماء بريئة في أرضهم. ~~(عوبيديا، 3: 1، 2، 19) # وعند ذلك ستصبح يهوذا جنة الله في الأرض: # ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيرا والتلال تفيض لبنا، وجميع ينابيع ~~يهوذا تفيض ماء، ومن بيت يهوه يخرج ينبوع ويسقي وادي السنط. ~~(عوبيديا، 3: 18) # كان عوبيديا يحاول تعزية العائدين من الأسر زمن ~~جفاف وقحط لم يحدث مثله من قبل، بينما كان زميله يوئيل 400ق.م يؤكد أن هذا القحط ~~والجراد المتتالي الدوري علامة على اقتراب يوم يهوه، وفي أفق التاريخ يسجل الدين ~~اليهودي قفزة نوعية على يد يوئيل عندما يرى أن ذلك اليوم سيكون يوم الدينونة العظمى ~~لكن ليس لشعب الرب، بل للشعوب الوثنية؛ لأن شعب يهوذا لن يحتاج محاكمة فقد دفع سلفا ~~كل ديونه ms114 وتطهر من آثامه بما لقيه من عذابات وتشريد. وستنسكب روح يهوه على شعبه ~~المختار ويصبحوا جميعا أنبياء مطهرين. ومع كتاب عوبيديا الصغير ظهر كتاب ملاخي ~~النبي 450ق.م، إبان كانت يهوذا مقاطعة هزيلة ضمن الإمبراطورية الفارسية، وبعد إقصاء ~~زربابل والتحكم الكامل لكهنة يهوه في بلاد يهوذا، حيث لا نرى إطلاقا أية سلطة ~~مدنية (ملاخي، 2: 27)، وتحول الأنبياء عن الثورة للشعب الفقير إلى سند أيديولوجي ~~للكهنة. وحاول أن يجيب على سؤال الشعب للرب «أحببتكم قال يهوه وقلتم بم أحببنا؟» بأنه ~~على الأقل لم تتعرض يهوذا لهجوم العربان الذي قضى تقريبا على آدوم؛ لذلك على يهوذا أن ~~تشكر الله؛ أنها لم تدمر مثل آدوم لذلك عليها ألا تتذمر على ربها، ثم إن يهوه ~~ليس مغمض العينين؛ فشعب يهوذا لا يقرب قرابينه ليهوه في معبده إلا من مواشيه ~~المريضة ونباته المعطوب؟! # وإن قربتم الأعرج والسقيم أفليس ذلك شرا؟ قربه لواليك أفيرضى ~~عليك؟! ~~(ملاخي، 1: 12) # ثم إن شعب الرب قد فقد خوفه من يهوه: # أقوالكم اشتدت علي. قال يهوه، وقلتم ماذا قلنا عليك؟ قلتم عبادة الله ~~باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره، ولأننا نحن مطوبو المستكبرين ~~وأيضا فاعلو الشر يبنون، بل جربوا الله ونجوا. ~~(ملاخي، 3: 13-15) # لقد أتعبتم يهوه بكلامكم وقلتم بم أتعبناه؟ بقولكم كل من يفعل الشر فهو ~~صالح في عيني يهوه وهو يسر بهم، أو أين إله العدل؟ ~~(ملاخي، 2: 17) # أيسلب الإنسان الله؟ فإنكم سلبتموني فقلتم بم سلبناك؟ في العشور والتقدمة. ~~لقد لعنتم لعنا وإياي أنتم سالبون هذه الأمة كلها. هاتوا جميع العشور إلى ~~الخزنة ليكون في بيتي طعام، وجربوني بهذا. ~~(ملاخي، 3: 8-12) # أما السبب عند ملاخي في بداية انتشار الإلحاد والكفر بيهوه فهو محاولة الانفتاح على ~~الشعوب الأخرى لهدايتها لدين يهوه، وبالزيجات المختلطة مع الوثنيين. # غدر يهوذا وعمل الرجس في إسرائيل وفي أورشليم لأن يهوذا قد نجس قدس يهوه ~~وتزوج بنت إله غريب. ~~(ملاخي، 11: 2) # وكالأنبياء السابقين يتنبأ مؤلف كتاب ملاخي باقتراب يوم يهوه الذي لن تكون ~~عليه أية علامات كما قال عوبيديا، بالعكس سيأتي ms115 يوم يهوه فجأة وبغته، وحينها ~~سيرسل ملاكا من عنده يطهر يهوذا بالنار «ويصفيهم كالذهب والفضة» وبعد ذلك سيأتي ~~يهوه ليحكم بنفسه، وعندئذ يستعير ملاخي صورة «رب الشمس رع المصري بأجنحته» مناديا ~~«لكم أيها المتقون اسمي، تشرق «شمس» البر والشفاء في «أجنحتها»» (ملاخي، 4: 2)، وعند ~~ذلك ستخدم كل الشعوب يهوه رعبا منه وخوفا. ~~(7) موجات الإلحاد المقدس # وبينما عزرا ومؤيدوه ينشرون سفر الشريعة الذي تم تأليفه في بابل وينسبونه إلى ~~موسى، ويطلبون تطهير البلاد من الرجس الذي أفقدهم رعاية يهوه؛ يطلبون طرد وتطليق ~~الزوجات الأجنبيات، ويشكلون لجان الفرز والفسخ في وقت لم يعد يحتمل مثل تلك ~~الإجراءات، بعد أن جرب شعب الرب العلاقات مع الشعوب الأخرى والعيش معها والكسب من ~~تجاراتها ونعيم أربابها واختلط بالأجانب. ناهيك عن كون يهوه ظل طوال الوقت ينعى ~~على شعبه وينعب ولا يقدم له سوى الدمار والشتات، ~~كان أصحاب الاتجاهات الجديدة المتمدنة المتأثرة بالآخرين يتجرءون على إعلان ~~آرائهم بوضوح، وتمكن بعضهم من التسلل إلى المقدس ليدونوا كتبهم بداخله، ومن ~~هذه الكتب المحتجة كان كتابا راعوث ويونان. # وقد زعم مؤلف الكتاب أن القاضي صموئيل هو من ألف كتاب راعوث في الزمن السالف ~~البعيد، بينما لغة الكتاب لغة شديدة الحداثة سواء من حيث التعابير أو الأفكار التي ~~تنتسب إلى زمن إصلاحات عزرا ونحميا وربما بعد ذلك؛ فلا يمكن لباحث مدقق أن ينسب ~~سفر راعوث إلى ما قبل ذلك. # ويلقي المؤلف المجهول المحتج الذي لا شك كان متزوجا محبا لزوجة غير يهوذية ~~بقصته داخل العهد القديم، لكن ليقوم شخص آخر من الكهنة بإلقائها في رحم الزمان الغابر ~~بادئا بالقول إن ذلك قد «حدث في أيام حكم القضاة»، قبل حتى قيام مملكة شاءول وداود ~~وسليمان. # يحكي كتاب راعوث حكاية مؤثرة عن عائلة اضطرت لمغادرة بيت لحم بيهوذا نتيجة الجوع ~~والقحط إلى بلاد موآب، وهناك مات رب العائلة وترك أرملته نعمى وولدين، فتزوج ~~الولدان امرأتين موآبيتين، كان اسم إحداهما «راعوث»، وبعد فترة مات الولدان، وسمعت ~~الأرملة نعمى أن الخير قد عاد إلى يهوذا ms116 فقررت العودة إليها سعيا إلى اللحاق بأحد ~~أقاربها الموسرين في يهوذا وكان يدعى «بوعز». لكن «راعوث» لم تترك حماتها نعمى ~~إخلاصا لها ولزوجها المتوفى وتركت بلادها موآب وسافرت مع حماتها العجوز إلى ~~يهوذا، إلى بيت لحم، وأوعزت نعمى إلى راعوث بإغواء قريبها الثري بوعز. # ومعلوم أن هناك تقليدا يهوديا قدسيا يلزم زواج الأخ بزوجة أخيه الميت لينجب ~~ولدا يحمل اسم أخيه الميت فلا ينقطع ذكره، وكان هدف الأرملة العجوز إحياء اسم ابنها ~~فأوعزت لكنتها بإغواء بوعز للزواج منها لينجب طفلا يحمل اسم زوجها السابق الميت ~~ابن نعمى. وبالفعل تزوجت راعوث من بوعز وأنجبت ولدها عوبيد منسوبا إلى زوجها ~~السابق الميت. ثم ينتهي كتاب راعوث بتقرير يقول إن راعوث هذه الموآبية هي التي ~~أنجبت سلسالا انتهى إلى داود الذي أصبح ملكا على إسرائيل، لأن «عوبيد ولد يس ويس ~~ولد داود». وهكذا جعل المؤلف امرأة موآبية جدة لملك إسرائيل ليعلن رأيه للجنة ~~الفرز أنه ليس ضروريا أن تكون النساء الأجنبيات شريرات وضد يهوه، بل إنه من الممكن أن ~~يكن تقيات ويلتزمن بتقاليد يهوذا وأوامر يهوه بل وينجبن ليهوذا ملوكا عظاما. ~~وكان ذلك ردا على شريعة موسى المزعومة فى كتاب نحميا «إن عمونيا وموآبيا لا يدخل ~~في جماعة الله إلى الأبد» (نحميا، 13: 1). # أما كتاب الاحتجاج الثاني فيعود إلى بطله يونان بن أمتاي، وتم إلقاؤه في مرآة ~~الأيام الخوالي زمن الملوك يهو آحاز ويهو آش ويربعام الثاني؛ أي تمت إعادته إلى نهاية ~~القرن التاسع وبداية القرن الثامن من قبل الميلاد. ويبدأ سفر يونان بالعبارة: «وصار ~~قول يهوه إلى يونان بن أمتاي قائلا: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها ~~لأنه قد صعد شرهم أمامي.» وكان على يونان أن ينفذ أمرا يهويا بأن يذهب لأهل نينوى ~~يعلن لهم أن يهوه قد قرر تدمير مدينتهم بعد أربعين يوما. # وخاف يونان وهرب من تنفيذ أوامر يهوه فذهب إلى يافا وركب سفينة متجهة إلى ترشيش ~~بإسبانيا هربا «من وجه يهوه»، فيغضب يهوه ويرسل على البحر أعاصيره، ويلقي ms117 البحارة ~~بيونان مصدر البلوى في البحر فيهدأ البحر. «أما يهوه فأعد حوتا عظيما ليبتلع ~~يونان، فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، فصلى يونان إلى يهوه إلهه ~~من جوف الحوت وأمر يهوه الحوت فقذف يونان إلى اليابسة» (يونان، 1: 17؛ 2: 1، 10)، ~~وهو النبي الذي جاء ذكره في الإسلام باسم يونس مصرفا بالتصريف اليوناني. # وعرف يونان أنه لا مهرب له فذهب وأعلن أهل نينوى بقرار يهوه تدميرها بعد ~~أربعين يوما، فآمن أهل نينوى وصاموا لله وهجروا الإثم، وأمر ملك نينوى شعبه ~~بالتطهر خشية يهوه. # فلما رأى الله أعمالهم، أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله على ~~الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه. ~~(يونان، 3) # وشعر يونان بالمهانة والخذلان بعد أن ظهر إنذاره كاذبا، وتجرأ على يهوه لأنه ~~سيبدو في نظر الناس نبيا دجالا، حتى إنه تمنى الموت وقال ليهوه: «خذ نفسي مني لأن ~~موتي خير من حياتي، فقال يهوه: هل اغتظت بالصواب؟» # وبالطبع لا يمكن نسبة سفر يونان للتأريخ الذي وضعته له التوراة لأن لغته متأخرة، ~~ويحوى كثيرا من الكلمات الآرامية المحدثة التي دخلت العبرية زمن السيطرة ~~الفارسية. # والواضح أن المؤلف المجهول كان يحمل كتابه رسالة إلى أتباع يهوه المتعصبين مثل ~~عزرا ونحمياه 458ق.م، «وأن يهوه بإمكانه أن يكون رحيما لا غضوبا حتى مع الشعوب ~~الوثنية»، ويقدم ليهوه صورة جديدة تماما بحيث يظهر ربا للخير رحوما صبورا ~~شفوقا حتى على نينوى عاصمة الوثنية والتجبر، لقد كتب المؤلف المجهول كتابه ~~ليتحدى به كهنة أورشليم والأنبياء المتعصبين المنغلقين. # أما أكثر الكتب تحديا حتى ليهوه نفسه، ويموج بالنزوع الإلحادي الصريح فهو كتاب أو ~~سفر أيوب. والكتاب من حيث اللغة والأفكار يعود إلى مرحلة ما بعد الأسر وأبدا ليس ~~قبل القرن الخامس قبل الميلاد. # والكتاب بعد تشذيبه على يد الكهنة يحكى أن الواشي/شاطان/الشيطان أرشد يهوه إلى فكرة ~~هي أن إيمان عبده أيوب وتقواه إنما لكي يزداد ثراء وصحة ونعمة؛ فهو إيمان غير ~~خال من الغرض، وهنا يسمح يهوه للشيطان بتجربة عبده الوفي بامتحانه قياسا ~~لإيمانه، ms118 فينزل الشيطان بالعبد التقي أيوب مصائب هائلة فيخسر ثروته ويموت أبناؤه ~~ويصاب هو بالقرح في جسده. لكن الكهنة الذين تدخلوا في النص أكدوا أن أيوب كان ~~طوال الوقت راضيا وأوجز موقفه بالقول: «يهوه أعطى ويهوه أخذ فليكن اسم يهوه مباركا» ~~(أيوب، 1: 12). # لكن ذلك لم يطغ على النغمة الساخطة الواضحة لعدم عدالة يهوه مع أيوب الذي لم ~~يذنب، ويرى أيوب كل الشعب يتعذب والظلم سائد ويهوه يسمح بذلك. وهنا يأخذ ~~أصدقاء أيوب دور المدافع عن الله في مشهد درامي، بينما يأخذ أيوب دور الناقد ~~المهاجم في نقاش فلسفي، اتهم فيه أيوب مجادلية بأنهم «ملفقي الكذب» و«أطباء ~~باطلين»؛ فالإله يميت الطيب التقي كما يميت الشرير (9: 22) بل ويؤازر الأشرار ~~ويحيطهم برعايته (21: 30) والكافر يعيش حياة طويلة ثريا مطمئنا ويترك ذرية ~~كثيرة (وكان ذلك من علامات رضى يهوه). # وعلى لسان أيوب يقول هؤلاء الأشرار المنعمون «من هو القديم حتى نعبده وماذا ~~ننتفع إذا التمسناه؟» (أيوب، 21: 15)، هذا بينما الأتقياء يعانون الذل والجوع ويموتون ~~على يد الأشرار «من الوجع الناس يئنون ونفس الجرحى تستغيث والله لا ينتبه إلى ~~الظلم» (أيوب، 24: 12)، ولا يوافق أيوب على أن يهوه سينتقم من أبناء الشرير «الله يخزن ~~إثمه لبنيه؟! ليجاز نفسه» (أيوب، 21: 19-21). # هكذا نلحظ أن «كاتب سفر أيوب لم يكن يعلم بظهور العقيدة الأخروية» في أفق الديانة ~~اليهودية، ولم يكن موضوع الحياة الآخرة والثواب والعقاب ~~قد ظهر بعد، بل إن أصدقاءه الذين أخذوا دور ~~الدفاع عن يهوه لم يخطر ذلك ببالهم؛ فهم جميعا يعتقدون أن الموت هو نهاية كل شيء؛ ~~نهاية السعادة ونهاية الأحزان «أما الرجل فيموت ويبلى الإنسان، يسلم الروح، فأين هو ~~الإنسان؟ يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السموات، ولا ينتبهون من نومهم» (14: ~~10-12). # وتتعالى النغمة فإذا كان الله هو القدير وهو المقدر لكل شيء، فهو إذن مصدر كل ~~الأفعال؛ لأنه «عنده العز والفهم، له المضل والمضل» (أيوب، 2: 16) «ويعلم سلفا ما ~~سيحدث، ويعلم نتيجة امتحانه لعباده فلماذا يمتحنهم بالبلاء؟» # وينتهي الكتاب الحقيقي لأيوب بكلمات صارمة تؤكد أن ms119 أيوب كان محقا «فكف الرجال ~~الثلاثة عن مجاوبة أيوب لكونه كان بارا في عيني نفسه» (أيوب، 32: 1). لكن لتبدأ ~~مداخلات أخرى من شخص تقليدي يستكمل السفر لصالح يهوه، فيقول إن يهوه جاء بنفسه ~~ليؤازر المدافعين الثلاثة ويلقي خطبة طويلة ضد إلحاد أيوب (الإصحاحات من 38 إلى 41)، ~~وأنه ليس بحاجة لتبرير سلوكه مع عباده ولا يحق لعبد الاعتراض ~~(أيوب، 39: 32)، وهنا يعترف أيوب بهزيمة منطقه أمام ~~منطق الإله ويعلن توبته، وينتهي الكتاب بأن أيوب بعد رجوعه إلى الله وندمه عن ~~فلسفته الهرطقية كافأ أيوب بعودة ثروته وولادة أبناء جدد له وأنه أمد في عمره حتى ~~عاش 140 سنة (الإصحاح، 42)، «وهكذا انتصرت قوة يهوه الغشوم على منطق وحق ~~أيوب». # هكذا ثم تشذيب كتاب أيوب في الأعداد (27: 8-10؛ و13: 23) على يد أيوب مزيف، ~~ليعلن أن الشرير ينتظره عقاب شديد من الله رغم كل إدانة أيوب الحقيقي طوال ~~الكتاب لربه «الذي لا يميز ولا يقدر»، وهو ما يوضح أيضا أن العددين (21: ~~16؛ و21: 22) إضافات لاحقة؛ بحيث تم تقديم شكوك أيوب في عدالة يهوه كضعف ~~مؤقت اعترى أيوب المعذب لكنه تجاوز ذلك بالتوبة فغفر له يهوه. # وهناك كتاب آخر لا يقل تنديدا بيهوه ونقدا مريرا للعقيدة اليهودية هو كتاب ~~الجامعة، والجامعة لقب عبري في الأصل «كولهيت» أي المبشر أو الداعية، وقد نعت بهذا ~~النعت سليمان بن داود، وبذلك تمت نسبة الكتاب إلى سليمان في الزمن الماضي البعيد ~~وهكذا أمكن لمؤلف الكتاب الاجتراء بنسبة كلامه إلى أشهر ملوك إسرائيل القديمة ~~طرا. لكن التحليل النقدي للكتاب يثبت أنه يقع ضمن آخر أدبيات العهد القديم، ~~ولم يكتب على الإطلاق قبل القرن الثالث قبل ~~الميلاد، وأفكاره تكاد تتطابق مع أفكار كتاب أيوب؛ حتى إنه يكرر نفس المقاطع ~~حرفيا (الجامعة، 5: 14؛ وأيوب، 1: 21؛ والجامعة، 6: 3-5؛ وأيوب، 3: 11-13 ... إلخ). ~~ويعلن المؤلف موقفه صريحا يقول: # يوجد باطل يجري على الأرض، أن يوجد صديقون يصيبهم مثل عمل الأشرار، ~~ويوجد أشرار يصيبهم مثل عمل الصديقين، فقلت إن هذا أيضا باطل. ~~(جامعة، 8: 14) # وقد يكون بار يبيد في بره، وقد يكون ms120 شرير يطول في شره. ~~(جامعة، 7: 15) # وأن شر الموت يطال الجميع الصالح والطالح، بل ويصف موقف يهوه بإماتة ~~الجميع بحيث يكون الموت نهاية الطيب والخبيث، بأنه موقف من أشر ما يعمله ~~أحد تحت الشمس. # حادثة واحدة للصديق وللشرير، للصالح وللطاهر والنجس، للذابح وللذي لا ~~يذبح، كالصالح الخاطئ، الحالف كالذي يخاف الحلف، هذا أشر كل ما عمل تحت ~~الشمس! ~~(جامعة، 9: 2-3) # وكل شيء عنده باطل حتى يهوه وديانته ويردد مرارا أن الكل «باطل الأباطيل». ~~وإذا كان ذلك كذلك فلماذا السعي في الحياة ولماذا اقتناء ثروات بعدها موت، وما ~~الحكمة إذن في خلق الناس؟ ولماذا الحكمة أصلا؟ # في كثرة الحكمة كثرة الغم، والذي يزيد علما يزيد حزنا. ~~(جامعة، 1: 18) # والفكرة الساذجة بأن الميت الطيب ~~يترك ذكرى طيبة فكرة مضحكة: # لأنه ليس ذكر للحكيم ولا للجاهل إلى الأبد، كما منذ زمان كذلك الأيام ~~الآتية، الكل ينسى. ~~(جامعة، 2: 16) # لذلك: # الكلب الحي خير من الأسد الميت؛ لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما ~~الموتى فلا يعلمون شيئا وليس لهم أجر بعد لأن ذكرهم نسي. ~~(جامعة، 9: 4-5) # ويسخر ملحد كتاب الجامعة من نداء «اخش الله» (5: 7)؛ لأن الله لا يقدر الورع ~~والتقوى، ويتبع ذلك بسخرية مرة مناديا «لا تكن بارا كثيرا ولا تكن حكيما بزيادة.» ~~ثم يعلن عدم احترامه للصلوات والنذور (جامعة، 5: 1-2) لأن الله في السموات ونحن في ~~الأرض والله فيما يبدو يترفع عن الاهتمام بمتابعة سلوك كل منا (جامعة، 4: 1؛ و9: ~~24). # لكن داخل هذا الكتاب، وبين سطوره التي ينز منها التشكيك والإلحاد الحزين الناقم، ~~تتدخل يد أخرى مجهولة بدورها لتضع تأكيدات مخالفة تماما لسياق النصوص وهدفها، ~~فنجدها تقول: «سيكون خير للأتقياء ولا يكون خير للشرير» (جامعة، 8: 12-13). ويظهر ~~تأخر هذا التدخل إلى ما بعد ظهور فكرة الدينونة والحساب مأخوذة عن مصر؛ فالجامعة ~~الذي يؤكد طول الوقت على عدم العدل بالموت للجميع يقول فجأة بقلم المحرر التالي ~~إنه «سيجلب الإله جميع الناس إلى «الدينونة»» (جامعة، 11: 2). # ومن ثم كشف كتاب أيوب وكتاب الجامعة مأزق الديانة اليهودية بعد الأسر الذي ظل ~~يصر ms121 على مجازاة الإنسان في حياته حسب أفعاله، «وباتت الضرورة ماسة للاستسلام ~~للعقيدة المصرية في البعث والحساب ثم الجزاء بثواب أو عقاب»، وقد برز ذلك متجليا عند ~~نبي آخر مشهور هو النبي دانيال، الذي له علاقة مجهولة بمدينة الإسكندرية التي كانت ~~تموج بالفلسفة المصرية واليونانية، حتى نرى اليوم بالإسكندرية شارعا هاما يحمل حتى ~~اليوم اسم شارع النبي دانيال، «فهل كان صاحب كتاب دانيال مصريا من الأصل؟» المهم أن ~~الكتاب قد اضطلع بمهمة كبرى بمحاولته الإجابة على سؤال الأتقياء التعساء: هل من العدل ~~أن تظل تضحياتهم بلا ثواب؟ لقد رأى دانيال أو المؤلف أيا كان اسمه الحقيقي أنه ~~بالإمكان الحصول على المكافاة من بعد الموت، وبدأ يشرق في سماء اليهودية تعليم ~~جديد حول قيامة الموتى والثواب الأبدي. # وعند دراستنا لكتاب دانيال سنكتشف أن دانيال «شغل مناصب هامة في بلاط ملوك ~~وثنيين (؟! من؟)» لكنه حافظ على عبادة يهوه وتقواه، كما ارتكب دانيال أخطاء فادحة ~~تدلل على جهله بتاريخ قومه إن كان منهم، ورغم ذلك اجترأ الكهنة على نسبة دانيال إلى ~~الشعب اليهوذي، ثم نسبته هو وكتابه إلى القرن السادس قبل الميلاد، وأنه كان يعيش في ~~الأسر البابلي، رغم ما يفصح به الكتاب عن كونه قد كتب في القرن الثاني قبل ~~الميلاد، وليس قبل ذلك. # يحكي دانيال المزعوم عن أحداث جرت في الماضي وأحداث ستجري في المستقبل لإثبات نبوته، ~~لكنه «يكشف عن جهل وخلط فيما وصله من معلومات»؛ فأي شخص عاش في القرن السادس كان ~~يعلم أن نبوخذ نصر الكلداني البابلي قد احتل يهوذا بعد موت ملكها يهوياقيم سنة 597ق.م ~~وسبى يهوياكين بن يهوياقيم (ملوك ثاني، 24: 6، 12) لكن مؤلفنا هنا يرتكب خطأ فاضحا ~~فيؤكد أن نبوخذ نصر قد احتل أورشليم وسبى الملك يهوياقيم وليس ولده يهوياكين (دانيال، ~~1: 1)، ثم يذكر اثنين من ملوك بابل هما نبوخذ نصر وولده بيلشاصر آخر ملوك بابل ~~(دانيال، 5: 2، 11)، الذي حكم بعده داريوش المادي (دانيال، 5: 31)، لكن بيلشاصر أبدا ~~لم يكن ولدا لنبوخذ نصر، كما أن الذي حكم تاريخيا بعد نبوخذ نصر أويل ms122 مردوك ويشهد ~~بذلك سفر (ملوك ثاني، 25: 27-23؛ وإرميا، 52: 3)، ثم ~~حكم بعده ملكان وكان الثاني هو نابونيد ولم يكن من يكن من الأسرة المالكة بل مغتصب ~~للعرش، ونابونيد أنجب في النهاية بيلشاصر لكنه لم يعل كرسي العرش قط؛ لأن مملكته ~~سقطت على يد كورش الفارسي. # ويقول دانيال إنه بعد موت بيلشاصر احتل مملكته دار يوش (دانيال، 5: 30) وهو عنده «ابن ~~احشويروش من نسل الماديين» (دانيال، 9: 1)، لكن الألواح المسمارية تشهد أن قورش ~~الفارسي وليس داريوش الميدي هو من احتل بابل سنة 539ق.م. ولو كان يقصد داريوشا ~~فارسيا فقد وجد بالفعل، لكنه كان داريوش الأول ابن ويشتا سب، لكنه لم يحكم إلا بعد ~~قمبيز بن قورش. # لذلك نجد من الصعوبة بمكان تصور أن دانيال عاش في القرن السادس. خاصة أن رواية ~~دانيال للأحداث تصبح أكثر انضباطا مع حوادث التاريخ بشكل تدريجي، «كلما اقتربت ~~روايته من القرن الثاني قبل الميلاد» في عصر أنطيوخس، ذلك العصر الذي يحتاج إطلالة ~~سريعة عليه حتى نفهم كتاب دانيال. وقبل ذلك نعود إلى زمن داريوش الأول، عندما دفع ~~جيوشه نحو المدن اليونانية الغنية بتركيا حيث هزم هناك في معركة مارثون عام 490ق.م؛ ~~مما دفعه إلى تعويض ذلك بفتح زينة زمانها مصر، وكان سقوط مصر العظيمة إشارة خطر ~~كبرى لليونان وبدأت حقبة من الحروب بين فارس واليونان امتدت حوالي خمسين عاما، وفي ~~النصف الثاني من القرن الرابع ق.م انتقل المقدونيون بعد توحيد بلاد اليونان من الدفاع ~~إلى الهجوم. # وفي 330 قتل داريوش الثالث إبان هربه من الجيوش اليونانية التي احتلت بلاده نفسها ~~بقيادة الإسكندر الأكبر المقدوني، الذي أقام أكبر إمبراطورية في العالم حتى زمنه؛ فملك ~~من البحر الأيوني حتى حوض نهر السند، ومن ليبيا حتى بحر قزوين. وما كان بالإمكان ~~السيطرة على هذه الأصقاع الشاسعة؛ لذلك وبموت الإسكندر عام 323 تفجرت الإمبراطورية ~~شظايا مثلت كل شظية دولة مستقلة، ووضع قادة الإسكندر كل منهم يده على واحدة ~~منها وأعلن نفسه ملكا عليها؛ بطلميوس على مصر، وسلوقس على بلاد الشام وأنتيجونس على ~~اليونان، ms123 وكانت ضمن أملاكه في البداية من سوريا حتى الهند. «ومرة أخرى وجدت يهوذا ~~نفسها بين جارين جبارين: مصر البطلمية وسوريا السلوقية، اللذان كانا دائمي الشقاق ~~على الثمرة الفلسطينية». # في البداية وقعت فلسطين وفينيقيا وسوريا ~~الجنوبية تحت السيطرة البطلمية المصرية، لكن الملك السلوقي أنطيوخس الثالث تمكن في ~~أوائل القرن الثاني قبل الميلاد من انتزاع تلك المناطق لسوريا، وبعد موته ورث سلطاتها ~~ابنه أنطيوخس الرابع أبيفان (175-164ق.م). # وفي عهد أنطيوخس أبيفان قامت يهوذا بثورة ضد الاحتلال اليوناني وضد السلطات اليهوذية ~~المدنية والكهنوتية من ذوي العلية الذين حالفوا اليونان المحتلين، وذلك في عام ~~167ق.م تحت قيادة الإخوة «حشمون» الذين برز منهم القائد يهوذا مكابي أي المطرقة، ~~وتمكن يهوذا المكابي من طرد المحتلين وحصلت على الاستقلال ورضيت بحكم الكهنة ~~الحشمونيين. # وكانت حملة الإسكندر فاتحة حقبة تاريخية تسمى بالهلينستية في العالم القديم، ~~وانتشر تأثيرها اليوناني في أشكال المجتمع والاقتصاد والعبادات والعادات والتقاليد ~~يجترف البلاد المستعمرة من اليونان بما فيها يهوذا، وكان تأثير الثقافة اليونانية أعلى ~~على الطبقة الأعلى. # ووصل التأثر إلى حد أن مينيلاوس الكاهن الأول ليهوه في أورشليم، تبرع بالأواني ~~الذهبية المقدسة لإقامة ألعاب مقدسة للإله هرقل، وفرض أنطيوخس عبادة زيوس اليوناني، ~~واستبدل مذبح يهوه بتمثال لزيوس في 168ق.م، ومنع تقريب القرابين ليهوه وعاقب ~~الملتزمين بالسبت والأعياد والختان. وتعرض المتقون للتعذيب والموت، فهرب اليهود ~~الغاضبون إلى الصحراء وتجمعوا في فصائل بقيادة يهودا المكابي الذي رفع السلاح للنضال، ~~بينما كان هناك فريق آخر يحمل اسم الحاشيدي أي الورعين يرون أن الثورة المسلحة غير ~~مجدية لأن يهوه سيأتي بذاته لتحرير شعبه، «وكانت تلك بداية فكرة مجيء الإله من ~~السماء، التي تجلت في العقيدة المسيحية من بعد». المهم أن المكابي استقل بيهوذا ولو ~~فترة عن الاحتلال اليوناني. # وفي هذا الزمن يلمح دانيال في المقطع (11: 40-43) ملك الشمال الوقح ~~المستكبر - على حد وصفه له - أنطيوخس الرابع يتجه ~~جنوبا، فيتنبأ بأنه سوف ينهب كنوز البلاد ويحتل مصر، ولكن التاريخ كان له رأي آخر إذ ~~لم يحقق لدانيال نبوءته. # كما ms124 تنبأ دانيال لملك الشمال هذا أنه سيموت بين البحور وبين جبل بهاء القدس أي جبل ~~صهيون (دانيال، 11: 45)، ومرة أخرى يرى التاريخ رأيا آخر إذ يموت أنطيوخس الرابع في ~~طريق عودته من إيران عام 164ق.م. # إذن فكتاب دانيال لم يكتب في القرن السادس في الأسر البابلي، إنما في فلسطين في ~~القرن الثاني قبل الميلاد، «وبالتحديد ليس قبل عام 168ق.م»؛ لأن ذلك هو العام الذي ~~نصب فيه تمثال زيوس في معبد أورشليم. لكن المرجح أن دانيال انتهى من كتابته قبل ~~عام 164ق.م والسبب أن المؤلف أيا كان اسمه، دانيال أو غيره، لم يكن يعلم بموت ~~أنطيوخس الرابع بعيدا عن فلسطين فطاشت نبوءته، ومما يؤكد ذلك أن كتاب دانيال لم ترد ~~بشأنه أية إشارات بالكتاب المقدس أو غيره خلال القرون الأربعة السابقة على القرن ~~الثاني قبل الميلاد، بل كان مجهولا لمحرري تلك الفترة تماما. # وتبريرا لذلك احتاط المؤلف الأريب فقال إن دانيال بعد تدوين كتابه أمره يهوه أن ~~يخفيه إلى زمن تم تحديده بأنه «وقت النهاية»، وأن زمن ظهور هذا الكتاب - أي القرن ~~الثاني قبل الميلاد - سيكون بشارة ودليلا على أن نهاية زمن الآلام قد ~~اقتربت. # ويكشف التحليل اللغوي لكتاب دانيال أنه قد كتب باللغتين العبرية والآرامية من ~~الإصحاح 2: 4 وحتى الإصحاح 7، وهي سمة القرن الثاني قبل الميلاد وليس قبل ذلك. كذلك ~~هناك أسماء يونانية واضحة لجميع الآلات الموسيقية مثل بيسانطرين وكاتروس وسيمفونيا، ~~إضافة إلى أنه قد أورد طقوسا وأفكارا يهودية هي فقط من سمات اليهودية المتأخرة، ~~كالصلاة في ساعات محددة ثلاث مرات في اليوم، والتوجه إلى قبلة هي أورشليم (6: 10) ~~وطقوس تناول الطعام (1: 8). # إن كتاب دانيال وفق هذا التحليل يكون قد كتب بالضبط ما بين عامي 168 و164ق.م ~~إبان الاضطهاد الديني الذي أمر به أنطيوخس أبيفان، ومن هنا قسم دانيال المؤمنين ~~إلى صنفين أو إلى فريقين: المتقين الصامدين ضد الاضطهاد، و«الفاهمون من ~~الشعب» (11: 33) وهم الأرقى، ويبشر الفاهمين أنه ~~حين تأتي القيامة للأموات فإن «الفاهمين يضيئون كضياء الجلد كالكواكب إلى أبد الدهور» ~~(دانيال، 12: 3). # ويبدو ms125 أن هؤلاء الفاهمين في نظره كانوا حزب الحاشيدي، ويدعم ذلك أن مؤلف كتاب ~~دانيال انتظر تدخل يهوه ولم يشارك في ثورة المكابيين، ولم يبق وقت كثير لصمود ~~المضطهدين المحافظين على دينهم رغم التعذيب؛ فمن لحظة إزالة المذبح وإقامة التمثال ~~الرجس لزيوس مكانه لم يبق سوى وقت قصير: # من وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومائتان وتسعون ~~يوما. طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الألف والثلاثمائة والخمسة والثلاثين ~~يوما. ~~(دانيال، 12: 11-12) # وليس مفهوما وضع ميعادين مختلفين لمجيء الخلاص، لكن يبدو أنها إضافة تمديدية ~~للزمن من كاتب آخر بعد انتهاء الموعد الذي حدده دانيال ولم يأت يوم الخلاص. ~~«ولأول مرة يظهر اسم الملاك حامل الوحي؛ فهو جبريل» الذي جاء يقول لدانيال إنه من ~~لحظة الأمر بتجديد أورشليم وبنائها إلى ظهور مسيح يهوه الآتي سبعة أسابيع واثنان ~~وستون أسبوعا (دانيال، 9)، وهنا لا يفوت اللاهوت المسيحي بعد ذلك هذه الفرصة، ويقترح ~~أن دانيال كان يتنبأ بذلك بمقدم يسوع بأزمنة رمزية يجب تأويل فهمها. بينما كان دانيال ~~يتابع شارحا أن خطأ إرميا في تحديد سنوات السبي بسبعين سنة بدلا من 49 سنة ليس خطأ، ~~لأنه حسب سبعين سنة حتى مجيء المخلص ملك إسرائيل ونسل داود الذي سيمسح بالزيت ~~المقدس مسيحا ملكا. # بالحسبة الرقمية العبرية 49 سنة أسر تساوي سبع أسابيع من السنوات 7 × 7 = 49 ~~وهكذا كان إرميا يعني بالسنوات «أسابيع السنوات» أي إن الحسبة هي 49 سنة؛ هي المدة التي ~~حددها يهوه حتى يكفر شعب الرب بالآلام عن آثامه ويخرج طاهرا ومستقلا عن حكم ~~الوثنيين. # وعليه أولا يجب بدء العد من لحظة الأسر تسعا وأربعين عاما لنجده زمن زربابل آخر ~~نسل داود المعروفين في زمنه. «لقد كان دانيال يقصد المسيح زربابل وليس المسيح ~~يسوع». # وقد علمنا أنه قد تم تنصيب زيوس بدلا من يهوه في معبد أورشليم في 15 يناير ~~168ق.م، وهو ما يصوره لنا سفر ملوك ثاني قائلا: «فاشتد انفجار الشر وعظم على ~~الجماهير وامتلأ الهيكل عهرا وقصوفا، وأخذ الأمم يفسقون بالمأبونين ms126 ويضاجعون ~~النساء في الدور المقدسة، ويدخلون إليها ما لا يحل، وكان المذبح مغطى بالمحارم ~~التي نهت الشريعة عنها» (6: 3-5). ويوم تنصيب زيوس بحسابات دانيال يوافق عام ~~171ق.م. # وبهروب زربابل إلى بابل نظر دانيال إلى الكاهن عونيا الثالث ورأى فيه المسيح الجديد، ~~وهو ما دفع إلى الوشاية به من البعض وهلك، وهو ما يصوره في (9: 27) عن المسيح الشهيد ~~ومداخلة إرميا الخاطئة حول السنوات السبعين دفعت دانيال لمحاولة التبرير إذن، فقام ~~يقول إن 49 عاما في الأسر كانت الأسبوع الأول من الأسابيع السبعين، وموعد مملكة يهوه ~~ومسح الملك القدوس، «وذهب اللاهوت المسيحي بعد ذلك وراء سحر الأرقام المغلوطة ~~ليؤكد أن مقدم يسوع تم التنبؤ به سلفا قبل خمسة قرون من حدوثه عند ~~دانيال». # أما القسم السردي فيشرح ما وقع من عقوبات على شعب الرب. # وفي هذا الوقت جرت احتمالات كثيرة منها أن مصر قد تتمكن من استجماع قواها لتحطيم ~~عدوها وربما تتدخل روما الناهضة الناشطة في المنطقة، وربما تحدث متغيرات عنيفة ~~في المملكة السلوقية بسوريا؛ ومن ثم كان المطلوب من الشعب المختار أن يصبر ويطيل ~~أمد الصمود أمام اضطهاد أنطيوخس أبيفان، رغم أنه لم تحدث أية مطاردات للعقيدة ~~اليهودية في بابل حيث يزعم المؤلف أنه قد تم تأليف الكتاب هناك. # ولكن حتى يلتقي ما يحكي دانيال، مع مرسوم أبيفان بعبادة زيوس والملك أنطيوخس أبيفان ~~نفسه، فقد قام دانيال بتأليف مرسومين نسب أحدهما إلى نبوخذ نصر (الإصحاح الثالث) ~~والآخر إلى داريوش الأول (الإصحاح السادس)، بينما الحقيقة تؤكد أنه لم يوجد في ~~التاريخ إطلاقا مثل هذين المرسومين المخترعين، وأن ما تتجلى به صورة هذين ~~الإصحاحين من تصفيات وحشية للمؤمنين لم تحدث قط قبل حكم أنطيوخس أبيفان. ولم ير ~~دانيال بأسا في سرد بعض التفاصيل الملحمية كإلقاء دانيال وأصدقائه الثلاثة في النار ~~ومع ذلك رفضوا السجود للصنم، ثم كيف ألقي دانيال إلى حفرة ملأى بالأسود ~~الجائعة. # وكي يعطي مؤلف هذا الكتاب مصداقية فقد لجأ إلى كتابي عزرا ونحميا حيث قوائم ~~أسماء كاملة لمن عادوا من ms127 الأسر البابلي وانتقى منها اسم «دانيال» الوارد في عزرا، ~~8: 2. # وإذا كان اليهود قد أطلقوا على أنطيوخس أبيفان لقب المجنون، فقد عمد دانيال إلى سرد ~~روايات وأساطير تثبت أن نبوخذ نصر كان هو المجنون حتى يكون زمنه زمن تأليف ~~الكتاب، أما الحادث في القرن الثاني قبل الميلاد أن اليونان أنفسهم قد قاموا يسجعونه ~~على وزن أبيفان لقب يبيمان؛ أي المجنون، سخرية من هذا الملك «الإله الجديد». # لكن ما يحسب لدانيال المزعوم أنه أول من أدخل فكرة واضحة عن قيامة الموتى وحسابهم ~~ثم ثوابهم الأبدي، لكن لم يوصلها إلى آخرها فلن يقوم الجميع بل البعض: # كثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية ~~وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي. ~~(دانيال، 12: 2) # وهكذا وجد الحل الأمثل لتبرئة يهوه الذي سيعطي كل ذي حق حقه عند حلول ذلك اليوم ~~لكن يجب ألا نتصور أن دانيال فعل فعل المصريين بتمامه فتصور مملكة القديسين ~~الخالدة خارج الأرض؛ لأنها عند دانيال يجب أن تحدث على الأرض وبشكل واقعي في قيامة ~~جسدية، وأن كل هذا سيحدث لقيام مملكة شعب الرب في أرض فلسطين لا في جنة سماوية أو ~~تحت أرضية. ولم تبلغ هذه الفكرة تطورها الآتي إلا مع أسفار الأبوكريفا غير ~~المعتمدة في الكنيسة الأرثوذكسية، ثم بعد ذلك مع مجيء الدعوة المسيحية، ليستقيم عودها ~~وتكتمل صورتها بعد المسيحية بستة قرون في بلاد العرب مع ظهور العقيدة الإسلامية؛ حيث ~~أمكن تبرئة الإله نهائيا مما يحدث من كوارث لعباده المخلصين. # | التضليل الصهيوني (فليكوفسكي نموذجا) # (1) التأسيس # تأسيس (1) # ربما سمحت لي علاقة امتدت زمنا بالتراث القديم للمنطقة أن أجازف بالزعم: أنه ~~إذا كان النبي «موسى» - حسب المأثور التوراتي - هو المؤسس الحقيقي للديانة ~~اليهودية، والعقدة الرابطة للقبائل التي ائتلفت في كيان كونفودرالي عرف بعد ذلك ~~بشعب إسرائيل، وأنه إذا كان «شاول» و«داود» و«وسليمان» هم أصحاب الفضل في إقامة ~~أول كيان سياسي مركزي لذلك الشعب، فإن «إيمانويل سيمون فليكوفسكي» أو «عمانوئيل ~~شمعون» هو صاحب أهم وأخطر وأثرى تنظير تاريخي لما يسميه هو «القومية ms128 ~~الإسرائيلية»، في كتابه الذي اكتسب شهرة عالمية في الأوساط العلمية كافة، والموسوم ~~بعنوان «عصور في فوضى»، والذي انتهى من كتابته في شهر فبراير من عام 1952م. # 1 # وقبل قراءتي لذلك الكتاب، والتي جاءت متأخرة بل ومتأخرة جدا فيما يبدو، قضيت ~~وقتا أحاول فيه البحث لفهم سر الادعاء الإسرائيلي، بأن أسلافهم الغوابر هم ~~بناة أهرام مصر، ومعظم أعلامها الآثارية، وأنهم أصحاب الأصل الرفيع لثقافات ~~المنطقة الشامية منذ فجر التاريخ. ولما لم يهدني البحث إلى تفسير أي من تلك ~~المعاني، لم أجد سوى أن القوم قد استمرءوا زهوا تاريخيا زائفا، وأن الأمر لا ~~يزيد عن كونه مثل كثير من السذاجات والأساطير والمبالغات المسطورة بكتابهم ~~المقدس، الذي هو كتاب لتاريخهم في المقام الأول؛ حيث اكتسبت فيه أحداث التاريخ ~~وتلبست بألوان عديدة من المبالغات المغرقة في الأسطرة، واكتسبت ذلك ~~الادعاء كلون من مغامرات يشوع وشمشون وداود وسليمان. لكني عندما طالعت «عصور في ~~فوضى»، اكتشفت أن الأمر جد خطير، وأخطر بكثير من كتابات أسطورية قديمة كانت ~~تلائم بنية التفكير في عصرها، وأن احتساب دعواهم كبناة وكعمادة أساسية لحضارة ~~المنطقة في عصرها القديم مجرد سذاجة لهو موقف في منتهى السذاجة؛ لأن في ~~الأمر أمرا وللادعاء حيثيات وقرائن وشواهد ودلائل وبراهين، قام على جمعها ~~وتصنيفها بأسلوب عصرنا، وصياغتها بالمنهج العلمي الصارم، رجل من نوع نادر، ~~وباحث من طراز فذ، هو «فليكوفسكي». # ورغم الواضح للوهلة الأولى، أن «عصور في فوضى» كتاب يخدم غرضا سياسيا ~~وعنصريا من ألفه إلى يائه، فإن الأوضح كان قدرة المؤلف على البحث الدءوب الذي ~~لا يكل، وامتلاكه جلدا على التقصي المضني لا يبارى، وسعيا لا يفتر - من ~~أول كلمة خطها إلى الختام - وراء القرائن والبراهين التي تدعم فروضه وطروحاته ~~لتحويلها إلى بناء راسخ القواعد؛ مع لهاثه خلال حقبة زمنية طويلة مكتظة ~~بالأحداث والمتغيرات، وفي مساحة شاسعة من أثرى مساحات العالم القديم بالراسب ~~الثقافي الذي لم يزل فاعلا إلى اليوم. وبين متغيرات اجتماعية واقتصادية ~~وسياسية تلاحقت في كافة الاتجاهات، وتركت بصماتها على نقوش ورسوم ودلالات ms129 ~~حفرية، وكتابات ذات طرائق مختلفة باختلاف الأصول اللغوية لمواطن متباينة؛ مما ~~كان كفيلا بجعل أي باحث يقبع وسط شرك من خيوط عنكبوتية متشابكة وكثيفة، ~~يحتاج فكها وفحصها - وإعادة نظمها مرتبة - إلى صبر قدرة ووعي نفاذ، وربما ~~كان البحث مع البدء عن طرف الخيط فيها، لا يزيدها إلا تشابكا واضطرابا. وهنا ~~سر عظمة الرجل، الكامن في هذا القدر العجيب من الصبر، الذي لازمه طوال رحلته ~~مع ذلك الرتل المختل وتقديمه، في سياق قصصي لين سهل، صيغ بلون روايات التحري ~~المباحثية؛ مما جعله - في رأينا - بحق، صاحب أخطر تنظير معاصر لما يسمى ~~القومية الإسرائيلية؛ بحيث لا يتخلف درجة عن موسى أو سليمان، وذلك بعينه ما جعله ~~«النوتة» الأصلية لكل المعزوفات الصهيونية، التي لم تفعل أكثر من إعادة توزيع ~~المعزوفة حسب المقامات المطلوبة. وهذا أيضا ما جعله صاحب أخطر فكر يشكل ~~قدرا هائلا من الإقناع، حتى لدى الخصوم السياسيين، بل ولدى الخصوم المصيريين، ~~وهذا أيضا ما جعله - بعقد المقارنات - يزيد في تقزيم مؤسساتنا الفكرية، التي لم ~~تقدم على عراقتها وممكناتها عملا على ذات المستوى، وربما جاز لتلك المؤسسات ~~مراجعة مناهجها وطرائقها وأدواتها، التي أثبت هذا العمل مدى هشاشتها وهزالها ~~رغم منتجها الكمي الضخم. # ولا يجوز أن يفهم من كلامنا هنا، دعوة إلى رد من النوع ذاته، رد عنصري أو ~~قومي، فهذا أبعد ما يكون عما نريد، لكن ربما طلبنا عملا على ذات الدرجة من ~~الأصولية العلمية، وعلى ذات القدر من التمكن من أدوات العلم، والتي تمكن بها ~~«فليكوفسكي» من تطويع مادته التاريخية، لخدمة أغراض أبعد ما تكون عن العلمية؛ مع ~~رغبتنا في تسجيل ملحوظة لا بد منها في حالة المقارنة بين عمل مثل «عصور في ~~فوضى» وبين أعمال أخرى تزحم أرفف مكتباتنا، ولا حول لها ولا قوة إلا بالله ~~طبعا. وتكاد تأخذنا الريب والظنون بشأن ذلك الرتل من الزحام في المكتبة ~~العربية، والذي يفصح - بتناوله - عن عمد للطرق السهلة، والابتعاد عن مكامن ~~الإشكاليات الحقيقية في التاريخ القديم؛ لما يحتاجه تناولها من جلد وصبر ms130 ودأب. ~~ذلك في الوقت الذي نؤكد فيه أن «عصور في فوضى» لا يمكن احتسابه نتاج باحث فرد ~~هو «فليكوفسكي»؛ فلا ريب يراودنا أنه كان «المايسترو» الذي خطط وقاد ووجه ~~فريقا من المتخصصين بالمراكز الأكاديمية العالمية، والتي بدون معونتها ودعمها ~~ما كان ممكنا إخراج مثل ذلك العمل. # ولا ريب لدينا أن تلك المؤسسات قد عملت لحساب ذلك العمل، وجمعت له المادة ~~العلمية النادرة من الوثائق القديمة، وبحثت له بين قوالب الآجر وقطع الفخار ~~ونقوش المعابد، وباللغات المسمارية سومرية أو سامية، أكادية أو كنعانية أو حثية ~~أو آرامية أو عبرية، أو خطوط هيروغليفية متناثرة، تجد نصف البردية منها في ~~نيويورك، والنصف الآخر في ليننجراد، وقامت على ترجمة كل تلك الوثائق للباحث ~~الفذ؛ مع إيضاح إمكانات الاحتمال فيها، ما بين صدق نسبتها لعصرها أو لغيره، ~~عبر مقارنات للنص بالعصور من حيث شكل الأسلوب والكتابة والبلاغيات وما يحكيه من ~~أحداث، وهل يوافق ذلك العصر الفلاني أم ذلك؛ مع بيان مواضع الثغرات التي يمكن ~~للرجل أن يتسلل من خلالها لدعم توجهاته، وباختصار قدمت له جهدا كان ~~يحتاج أي باحث آخر لإتمامه، أن يعيش قرنين من الزمان على أدنى تقدير؛ مما ~~أهله في النهاية للخروج بسفره هذا، الذي يصح لأصحابه أن يضعوه بفخر في مقدمة ~~أسفارهم، ليقف منتصبا بين التوراة والتلمود والهجادا والمشناه والمدراش. وحكمنا ~~هذا، الذي نزعم فيه دعم مؤسسات أكاديمية عالمية لصاحب هذا العمل، يتأسس على ~~معرفتنا، وبحكم درايتنا، بتلك المادة الوثائقية القديمة، وعلمنا اليقيني بالحدود ~~القصوى التي يمكن أن تصل إليها قدرات باحث فرد، لإنتاج مثل ذلك العمل. # تأسيس (2) # من المستحسن هنا أن نبدأ بالإهداء الذي صدر به «فليكوفسكي» كتابه، والذي ~~يستحق التسجيل كاملا دون تدخل؛ لأنه يفصح بجلاء عن الرجل وهويته وأهدافه، ~~والروح التي كتب بها كتابه. يقول: # هذا العمل مهدى إلى أبي، وأحب أن أوضح في بضعة أسطر، من هو سيمون ~~إيمانويل فليكوفسكي؟ منذ ذلك اليوم، وهو في الثالثة عشرة من عمره، حين غادر ~~منزل والديه، وذهب سيرا على الأقدام، إلى ms131 واحد من تلك المراكز ~~المتخصصة في تدريس التلمود بروسيا، وحتى يوم وافته المنية في ديسمبر ~~1937م على أرض إسرائيل. كل ذلك العمر، مع ثروته وراحة باله وكل ما يملك، ~~كرسه لتحقيق ما كان يوما مجرد فكرة، ألا وهي إعادة بناء نهضة الشعب ~~اليهودي على أرضه القديمة. لقد أنجز الكثير لإحياء لغة الكتاب المقدس، ~~وتطوير العبرية الحديثة بإنجازه مع الدكتور ج كلوشنر كمحرر للأعمال ~~العبرية القديمة المجمعة، كما ساهم في إحياء الفكر العلمي اليهودي، بنشر ~~كتابه المخطوطة العالمية، من خلال المؤسسة التي سبق له انشاؤها، وكانت ~~تلك الأعمال بمثابة البنية التحتية، التي قامت عليها أعمدة الجامعة العبرية ~~بالقدس بعد ذلك. كما كان «من أوائل من استعادوا الأرض في النقب»، أرض ~~الأحبار، وأنشأ هناك أول مستعمرة تعاونية أطلق عليها اسم: ردحاما، وتعد ~~اليوم من أكبر المنشآت الزراعية المتطورة شمالي النقب. ولا أعرف لمن ~~أتوجه بالعرفان في إنجاز هذا العمل الفكري، في إعادة بناء التاريخ القديم، ~~إن لم أتوجه به إلى أبي سيمون. # الأمر واضح من البداية، لكنه رغم وضوحه، وإمكان اتخاذ مواقف مناسبة من جانب ~~القارئ إزاء ما سيطالع بعد الصدمة النفسية لذلك الإهداء فإن الرجل غامر وصدر ~~به الكتاب وهو واثق تماما من قدراته، ويعلم سلفا إلى أي حد يمكن أن يؤثر ~~في قارئه ويزحزحه عن موقفه، إن لم يجعله يتبنى في النهاية كل أطروحات الكتاب ~~عن قناعة، وهنا قمة خطورة الرجل والكتاب. # ولعل الغرض الأساسي للكتاب قد وضح في الإهداء، في قوله «هذا العمل الفكري في ~~إعادة بناء التاريخ القديم» وفي الفصل الأول يشرح دوافع ذلك الغرض بقوله: «لقد ~~تبنى الكثير من الدارسين رأيا خلاصته، أن إقامة الإسرائيليين بمصر ~~واستعبادهم وخروجهم ورحيلهم، مجرد تصورات دينية بحتة، وقد لقي هذا الرأي ~~تعضيدا قويا، في غياب أي دليل مباشر على وقوع تلك الأحداث في الآثار المصرية ~~القديمة، أو في المدونات البردية. وعلى العكس من ذلك تبنى آخرون وجهة نظر ~~مضادة، فحواها أنه من العسير أن يخترع شعب أساطير عن العبودية، والتي لم ms132 يكن في ~~الحسبان وقتها، أنها ستحفز وتخلق كرامة قومية؛ وعليه فلا بد من وجود أسس ~~تاريخية للقصة.» ولأن «فليكوفسكي» من أصحاب وجهة النظر الثانية، فقد كرر الحديث ~~عن دوافع الكرامة القومية لشعب إسرائيل، كما في قوله: «إن الرجوع الدائم بالذكرى ~~اليهودية لتجربة البحر، يوحي بأن القصة كلها لم تكن من نسج الخيال ... والغريب حقا ~~هو مثابرة الشعب اليهودي على التعلق بهذه القصة، جاعلا منها بدايته الحقيقية، ~~وجاعلا منها في الوقت ذاته، الحدث الأكبر في حياته وتاريخه كأمة.» # ومن ثم تصبح الكارثة التي صحبت الخروج، وانشقاق البحر، الركن الأساسي في ~~عمل «فليكوفسكي»، حتى إنه يذهب إلى أن «الخروج اليهودي من مصر - لا بد - قد حدث في ~~قمة فوران الأحداث، وأن الكارثة بالذات، ربما يمكنها البرهنة كونها كانت الحلقة ~~الرابطة للتاريخ الإسرائيلي بالتاريخ المصري، القديم.» ومن هنا يبدأ بتأسيس موطئ ~~قدم لقبائل بني إسرائيل في التاريخ، ذلك التاريخ الذي لا يعرف شيئا عنهم في ~~وثائقه، وذلك بدءا من أحداث الخروج، تلك الأحداث الأكثر أسطورية في الميثولوجيات ~~القديمة، والتي ينجو فيها شعب إسرائيل ويغرق المصريون وفرعونهم. لكن ليجعل تلك ~~الأحداث بعد عدة فصول - وسط إثارة رائعة حقا وأسلوب متميز وقرائن منتقاة - ~~من أشد الأمور قبولا واعتيادية؛ بحيث لا يجد القارئ بعدها مانعا في قبول ~~أساطير أقل إدهاشا بالكتاب المقدس، والتي سيعالجها في بقية أقسام الكتاب، ~~والتي لا ترقي إلى مستوى شق البحر إغراقا في الأسطرة، معتمدا على إثارة الدهشة ~~وبأسلوب المباغتة، التي يتحول فيها الواقع إلى منظومة أسطورية. بينما تتحول ~~أحداث الأسطورة إلى وقائع حية وفاعلة. # من تلك الحادثة «حادثة البحر» ينطلق «فليكوفسكي» ليؤسس فروضه؛ تلك الفروض ~~التي تقف بدورها كأمر نافر عسير القبول، لكنه مدهش ومثير وجديد، مع ~~مخالفته لكل ما تم التعارف عليه حتى الآن. والفرضية الأساس عنده تبدأ من كون ~~مدونات التاريخ القديم سواء في مصر أو الشام أو الرافدين أو حتى فلسطين ذاتها، ~~لا تعرف شخصا باسم «موسى» رغم أهميته القصوى في التاريخ اليهودي وفي تاريخ ~~الأديان الكبرى في ms133 الشرق الأوسط عموما ولا تعرف ملكا أسس مملكة لشعب إسرائيل ~~باسم «شاول»، ولا عظيما باسم «داود»، ولا حكيما حاز شهرة فلكية في التاريخ ~~الديني باسم «سليمان». كما لا يعلم علم التاريخ شيئا البتة عن دخول قبائل بني ~~إسرائيل إلى مصر، ولا عن خروجها ولا عن بحر ينشق ويبتلع جيوش دولة عظمى آنذاك، ~~وهو الحدث الذي كان جديرا بالتسجيل في مدونات مصر والشام والرافدين وتركيا ~~لأهميته وخطورته. بينما على الجانب الآخر نجد الكتاب المقدس في الأسفار من سفر ~~الخروج إلى سفر القضاة لا يذكر مصر إطلاقا، ولا يحكي أحداثا عنها كعادته، وهو ~~زمن امتد زهاء أربعة قرون، رغم المفترض تاريخيا أن الخروج قد حدث زمن ~~الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية، أولى أسرات الدولة الحديثة المعروفة بدولة ~~الإمبراطورية، وهو زمن كانت مصر تسيطر فيه على بلدان المتوسط الشرقية، ~~وبضمنها فلسطين. # ومن هنا يتأسس العمل كله على فرضية تذهب إلى أن ثمة خطأ وقع في تأريخ التاريخ ~~المصري القديم - وهذا رأي «فليكوفسكي» - توقف معه تاريخ مصر عند لحظة محددة مع ~~نهاية الأسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى؛ مع دخول الهكسوس إلى مصر. ولأن هؤلاء ~~الغزاة كانوا بدوا برابرة لا يحترمون الحضارة، ولا يعرفون حتى الكتابة، فقد ~~حطموا حضارة مصر، ولم يحاولوا أن يتعلموا شيئا من المصريين، لذلك لم يتم ~~تدوين شيء ذي بال طوال فترة الاحتلال. هذا بينما كان بنو إسرائيل وقت دخول ~~الهكسوس إلى مصر، في طريق الخروج لشبه جزيرة سيناء، ووقت فوران أحداث جسام لم ~~تسمح بتدوين واضح كامل لتلك الأحداث. أما كون بني إسرائيل كانوا في مصر قبل دخول ~~الهكسوس، وفي زمن أسبق سمح لهم بالتكاثر مدة طويلة في أرض النيل ، فإن ذلك ~~سيعود بنا إلى عهد بناة الأهرام في الدول القديمة. ومكمن الخطأ عند فليكوفسكي ~~يكمن في أن المؤرخين قد قاموا بوصل نهاية الأسرة الثانية عشرة آخر أسر الدولة ~~الوسطى (1788ق.م) ببداية الأسرة الثامنة عشرة أولى أسر الدولة الحديثة بعد ~~التحرر من الهكسوس (1580ق.م)، ولم يتركوا للأسر من الثالثة عشرة ms134 إلى السابعة ~~عشرة سوى مائتي عام تزيد قليلا، يتم تقسيمها على مجموعة الأسر المصرية ~~والهكسوسية خلال خمس أسر كاملة. بينما يرى «فليكوفسكي» أنه قد سقط من ذلك ~~التاريخ - بالإضافة إلى المائتي عام المفترضة - ما لا يقل عن أربعمائة عام كاملة ~~- هي زمن قضاة إسرائيل، وهي بالضبط زمن احتلال الهكسوس لمصر؛ وعليه فيجب أن تكون ~~بداية الأسرة الثامنة عشرة التي أسسها «أحمس» الذي قضى على الهكسوس، واقعة في ~~تاريخ يبعد عما حدده المؤرخون بأربعة قرون إضافية؛ أي يجب أن تكون بدايتها ~~بين 1180 و1100ق.م على وجه التحديد. # والخطورة عند «فليكوفسكي» في ذلك الخطأ، لا تكمن في اختلال تاريخ مصر، أو في ~~سقوط ذكر بني إسرائيل من التاريخ، إنما ينسحب الخطأ على عمليات التأريخ لحضارات ~~المنطقة بكاملها؛ حيث كان التاريخ المصري هو المعيار الذي قيست بالنسبة إليه عهود ~~الحضارات الأخرى وتم تزمينها وفقه. ومن هنا جاز له القول: «إن تاريخ ~~الآشوريين البابليين والفرس قد تم تشويهه وتخريبه، وتاريخ الإمبراطورية الحثية ~~(تركيا القديمة) قد اخترع بأكمله، وكذلك التاريخ اليوناني في عصره البرونزي لم ~~يوضع في موضعه الحقيقي من السياق الزمني، كما تم تشويه التاريخ السابق للإسكندر ~~الأكبر ... ومن ثم يتضح أن هناك ملوكا قد وضعوا في مواضع أحفاد أحفادهم، ~~ووصفت إمبراطوريات وهمية، بينما كانت قطع الآثار نتاج قرون أخرى، وعصور ~~تخالف ما ينسب إليه، وكان هذا هو الحال بالنسبة للإمبراطورية الحثية وفنونها، ~~وكانت كذلك أيضا، بالنسبة للشعوب الحورية ولغاتها لأنها ببساطة لم توجد أصلا.» ~~ومن هنا كانت فوضى العصور في حاجة إلى «فليكوفسكي». # تأسيس (3) # وحتى لا يبدو الرجل كمن يلقي القول جزافا، كان عليه أن يقوم بأمرين: الأمر ~~الأول هو عرض ما انتهت إليه النظريات التاريخية التقليدية بشأن الخروج، ومناقشة ~~مدى مصداقيتها؛ بحيث إذا ثبت بطلانها انتقل إلى الأمر الثاني، وهو تقديم الأدلة ~~الكافية لتأكيد فروضه، تلك التي استغرقت كتابه حتى آخر صفحة فيه. ومن هنا يبدأ ~~مناقشة التاريخ ونظريات المؤرخين، ومحاكمتها محاكمة عادلة تماما، وربما ساعده ~~على تلك المحاكمات أن حيثيات إدانة ms135 أي نظرية منها، سبق وقدمتها نظرية أخرى ~~بديلة. # ويبدأ بأقدم نظرية قدمت عن حدث الخروج، وقد وردت عند المؤرخ المصري ~~«مانيتون». وتقرن تلك النظرية بين ظهور الهكسوس وبين ظهور الإسرائيليين، كما ~~تقرن خروج الهكسوس بخروج الإسرائيليين؛ حيث سجل «مانيتون» أن الهكسوس بعد ~~طردهم من مصر اتجهوا إلى فلسطين؛ حيث أنشئوا هناك مملكة «أورشليم». وقد أخذ ~~المؤرخ اليهودي «يوسفيوس» بكلام «مانيتون». وذهب المذهب نفسه - من القدماء - ~~الأب «يوليوس الأفريقي»، الذي روى أن اليهود تمردوا في مصر بقيادة «موسى»، على ~~ملك باسم «أحمس». وحتى الآن، وبعد مضي أكثر من تسعة عشر قرنا على تلك النظرية، ~~لم يزل هناك من يأخذ بها إلى اليوم. # لكن على الجانب الآخر نجد من يرفض تلك النظرية تأسيسا على مقدمة منطقية ~~تماما، وهي «كيف يقع اليهود تحت نير العبودية في مصر إذا كانوا هم الذين حكموها ~~باسم الهكسوس»، إضافة إلى المقدمة الثانية في ذلك القياس وهي أن حكام مصر بعد ~~«أحمس» قائد التحرير، كانوا من الحكام الأقوياء الذين فرضوا هيمنتهم على شرقي ~~المتوسط بما فيه فلسطين، مما يستحيل معه أن يخرج بنو إسرائيل رغما عن إرادة مصر، ~~بل ويقومون بغزو فلسطين المفترض أنها خاضعة للحكم المصري آنذاك، بل ويتمكن ~~الإسرائيليون من إنشاء دولة في فلسطين! لذلك لجأ آخرون إلى البحث عن فترات ضعف ~~إبان حكم الأسرة الثامنة عشرة، يمكن أن تسمح بالخروج وبقيام الدولة؛ ومن ثم ~~ذهبوا إلى احتمال حدوث ذلك بعد انتكاسة «إخناتون» فرعون التوحيد. لكن ما يدحض ذلك ~~المذهب بدوره، أسانيد وثائقية تم العثور عليها بين وثائق مدينة «إخناتون» في تل ~~العمارنة، في شكل رسائل من حاكم أورشليم، يحذر فيها الفرعون من مهاجمة ~~قبائل بربرية لحدوده من عبر الأردن باسم «الخابيرو»، والتي تنطق أيضا «عابيرو»، ~~ويمكن أن تكون مسمى للعبريين اليهود؛ لذلك لا بد أن يكون الخروج قد حدث قبل ~~إخناتون بفترة كافية، وتسقط بذلك تلك النظرية بدورها. # ومن هنا ذهبت نظرية ثالثة إلى أن بني إسرائيل قد غادروا مصر زمن «أحمس»، ~~إبان طرده للعناصر ms136 الأجنبية مع الهكسوس، ووصلوا فلسطين زمن «إختاتون» باسم ~~«الخابيرو»، لكن العقبة في قبول تلك النظرية، أنها تهمل مائتي عام بين زمن ~~أحمس وزمن إخناتون، وتعني أمرا مقبولا، هو أن يكون زمن التيه الإسرائيلي في سيناء ~~قد استغرق مائتي عام بدلا من أربعين عاما قدرتها التوراة، وتعد بذاتها ~~زمنا طويلا جدا استغرقه الخارجون من مصر إلى فلسطين. # لذلك طرحت النظرية الرابعة رأيا مخالفا تماما؛ وهو أن يكون الخروج قد حدث - ~~لا بد - زمن الفرعون «مرنبتاح» بن الفرعون «رمسيس الثاني» حوالي 1220ق.م في الأسرة ~~التاسعة عشرة، بعد العثور على غطاء تابوته الذي يعدد عليه البلاد التي أخضعها، ~~وبينها عبارة تقول: «أبيدت إسرائيل ولم يبق لها بذر.» وهو أول ذكر لإسرائيل ~~في أي وثيقة مصرية على الإطلاق، مما يؤكد أن «مرنبتاح» هو فرعون الخروج، بينما ~~كان أبوه «رمسيس الثاني» هو فرعون الاضطهاد، لكن تلك النظرية بدورها تبدو غير ~~كاملة الإقناع؛ لأن نص مرنبتاح يشير لإسرائيل ضمن إشارته لدول خارج مصر، وليس ~~لقوم داخل مصر، بما يعني أن حديثه عن دولة كانت قائمة بالفعل قبل أن يشن ~~هجومه عليها. إضافة لعدم ذكر فرعون دمر إسرائيل باسم «مرنبتاح» ضمن ~~الأسماء الواردة في المأثور التوراتي لأعداء إسرائيل، كما لا يتفق ذلك مع أي ~~محاولة لتزمينه مع أحداث التوراة وزمنها، حيث لا بد أن يكون الإسرائيليون قد ~~دخلوا فلسطين بعد خروجهم من مصر، ولكن بمائة عام أي حوالي 1190ق.م، وبذلك لا يتبقى ~~لعصر القضاة سوى قرن واحد، وهو ما يخالف بشدة الزمن المفترض، والذي يحتسب ~~ثلاثة قرون كاملة على الأقل لذلك العصر، وربما أربعة، «لذلك اعتبر عصر «مرنبتاح» ~~كموعد للخروج موعدا متأخرا جدا وأكثر مما ينبغي»، ورغم ذلك تعد هذه النظرية ~~من أشيع النظريات حتى اليوم. # وبين النظريات التي حازت ذيوعا أيضا، تلك التي اعتبرت حدثي الدخول والخروج ~~مسألة اعتيادية في تاريخ مصر، باعتبار دخول البدو إلى مصر وخروجهم منها في عصور ~~متباينة، كان أمرا دوريا ومعتادا؛ لذلك كان دخول بني إسرائيل وخروجهم أمرا ~~هامشيا في اهتمامات ms137 المصريين، إلى الحد الذي لم يجدوا معه أي داع للاهتمام ~~بتسجيله. لكن ذلك لا يتفق مع إصرار التوراة على تفصيل الأحداث وهولها وشدتها، ~~ومن هنا لجأ أصحاب نظرية مشابهة إلى الاعتراف بما قالت التوراة، لكن مع النزوع إلى ~~تأويل النصوص التوراتية لتبدو مقبولة، وذلك بإلباس الأساطير التي سبقت الخروج ~~وصحبته ثوبا يظهرها كأمر اعتيادي. ومن هنا قامت تفسر الضربات التي أنزلها ~~رب موسى بالمصريين من قمل وضفادع أو بعوض وذباب باعتبارها أمورا اعتيادية تماما ~~عند المصريين، بالنظر إلى أرض مصر الشديدة الخصب، والتي تسمح بكافة أنواع ~~الحياة، بينما بدا ذلك غريبا على بدو رعاة. كذلك رياح الخماسين التي تهب من ~~الصحراء الليبية محملة بالرمال والأتربة مع ما تجلبه معها أحيانا من أسراب ~~الجراد، يمكن أن تفسر ضربة الإله اليهودي «يهوه» لمصر بالظلام والجراد. أما ~~مسألة انشقاق البحر فهي أسطورة متكررة في الميثولوجيات القديمة عند مختلف الشعوب، ~~وإذا كان لا بد من الاعتراف بانشقاق البحر وانطباقه، فلن يكون له تفسير سوى موجة ~~مد عالية ضاعفها إعصار مفاجئ. ثم تستكمل النظريات مسوغاتها بالميل ~~الإسرائيلي المعهود، والواضح في كتابهم المقدس للصياغات الإعجازية والميل ~~الشديد للخوارق، حتى إن شعلة بيد قائد الخروج، تتحول مع ميل إلى الخيال في نص ~~التوراة إلى إله يسير أمامهم في عمود دخان ونار. # وقد ذهب أحد هؤلاء، وهو «تشالزبيك» إلى أن جبل سيناء الذي عبروا إليه كان ~~بركانا، والبركان هو الظاهرة الوحيدة التي تعطي صورة عمود دخان بالنهار ونار ~~بالليل، ولأنه عادة ما تصاحب ثورات البراكين النشطة ضربات زلزالية، فإن زلزالا ~~قد سحب الماء ليلة الخروج بعيدا عن الشاطئ، ثم ارتدت المياه لتحطم كل ما ~~جاور البحر وتبتلعه، وهو ما يفسر معجزة البحر الموسوية. لكن المشكلة الكبرى ~~التي واجهت هذا التفسير ... رغم براعته ... أن منطقة سيناء لم تكن منطقة بركانية، ~~إضافة إلى أن المنطقة الواقعة ما بين البحر المتوسط وخليجي السويس والعقبة تفتقد ~~تماما ظاهرة المد الإعصاري، ناهيك عن كون «بيك» اضطر في النهاية، وفي نهاية ~~حياته، إلى الاعتراف ms138 بخطئه، وسحب نظريته. ~~(2) الوثائق والأدلة # وهكذا أصبح الميدان خاليا من نظرية تامة الصدق تفسر حدث الخروج وزمانه، ومرة ~~أخرى تبيت الحاجة ماسة إلى «فليكوفسكي»! ولا يبقى سوى أن ندخل مع الرجل إلى عالمه، ~~بادئين بقوله: «سنجد أنفسنا مضطرين للإقرار باعتراف مباشر وصريح، أن الكلمات (يقصد ~~كلمات الكتاب المقدس) تعني ما تقوله تماما، وأن مدى الكارثة كان يفوق بدرجة كبيرة ~~أية نتائج أخرى يمكن أن تنجم عن ثورة بركان. لقد ساهمت الأرض والبحر والسماء في ~~الثورة المفاجئة، البحر غمر الأرض، والحمم الساخنة تدفقت من أرض ممزقة، وقد ~~وصفت النصوص المقدسة فوضى العناصر التي انطلقت من عقالها: # ارتجت الأرض، وارتعشت أسس الجبال ... تحركت واهتزت ... دخان ونار ... ظهرت ~~أعماق المياه، وانكشفت أسس المسكونة. هو المزحزح الجبال، ولا تعلم الذي يقلبها في ~~غضبه ... هو المزعزع الأرض من مقرها فتتزلزل أعمدتها.» # لكن قبل تلك الأحداث الهائلة، وقبل حدث انفلاق البحر، فإن «النص التوراتي يصر على ~~حدوث البلاء بمصر قبل رحيل الإسرائيليين عنها، وكانت نذيرا سابقا للدمار الذي ~~سببته عناصر الطبيعة التي أفلتت من عقالها ... إن الأسئلة المنطقية التي تفرض نفسها ~~في هذا الموضع هي: هل هذه الشهادة مزيفة بأكملها؟ ... هل من الممكن ألا يكون المصريون ~~قد لاحظوا شيئا من تلك الأحداث؟ ... هل هناك أي زلزال على الإطلاق تم ذكره في السجلات ~~المصرية القديمة؟ إن التسجيلات المصرية التقليدية لا تحتوي على أي ذكر لهزة أرضية، ~~ولا تحتوي على أي أثر لكوارث، ولكننا نصر ... فقد نحصل على مفتاح هام ~~لمشكلة مستعصية، اختلف الكثيرون بشأنها واختصموا، ~~وظلت حتى الآن ما يقرب من ألفي عام دون إجابة قاطعة» وبالفعل، ولأول مرة في التاريخ، ~~يقدم لنا «فليكوفسكي» ما عثر عليه من وتائق وأدلة. ~~(2-1) الوثيقة الأولى: بردية لايدن # تحت عنوان «شاهد عيان مصري يشهد بحدوث البلاء»، وبأسلوبه المتميز، يقدم لنا ~~«فليكوفسكي» فيما يبدو أنه كشف خاص وخطير، بردية «إبيور» المعروفة ببردية لايدن، ~~وفي قالب لا يخلو من ملابسات الغموض، وضبابية الماضي السحيق، ودخان ما قبل الكشف ~~عن اللغز وغموض الأمر؛ ms139 بحيث يبدو كما لو كان يقلب البردية بين يديه، ويصفها ~~وصفا دقيقا، بادئا بالقول: «ليس من المعروف تحت أية ظروف، تم العثور على البردية ~~التي تحتوي كلمات إبيور، وطبقا لرواية أنستاسي مالكها الأول، فقد عثر عليها في ~~منف، وهو ما يشير للمنطقة المحيطة بهرم سقارة، ثم انتقلت ملكيتها في عام 1828م ~~إلى متحف لايدن بهولندا، وأدرجت بقائمة محتويات المتحف تحت رقم 344 لايدن ~~... إلخ.» وفي عجالات سريعة يشير إلى ما قدمه المتخصصون من تفسيرات بشأنها؛ ~~فهناك من اعتبرها عملا فلسفيا، وآخر لم يجد فيها سوى مجموعة أحاجي وألغاز، ~~وذهب ثالث إلى أنها نبوءة بأوقات شدة كانت مقبلة على مصر، لكن الوثيقة - ~~فيما يرى «فليكوفسكي» - تنطق بلسان مبين لشاهد عيان مصري عاصر الأحداث التي ~~سبقت الخروج بأيام أو بأسابيع، وبتطابق مبهر مع نصوص التوراة بذات الخصوص، ~~ويبدأ بأخطر النصوص دلالة، والتي تشير بوضوح إلى كارثة أصابت الأرض، ومصحوبة ~~بأصوات الطبيعة الهادرة: # 2: 8: انظروا الأرض تدور حول نفسها كما تدور عجلة صانع ~~الفخار. # 2: 11: المدن دمرت ... وصعيد مصر أصبح يبابا. # 3: 11: الكل خراب. # 4: 7: انقلب المسكن في لحظة. # 2: 4: سنوات من الضجيج ولا نهاية للضجيج. # 6: 1: آه لو تتوقف الأرض عن الضجيج وتتقطع الجلبة. # ويعقب على مدلول «الضجيج» في البردية، بأنها «الأصوات التي تصم الآذان وعادة ~~ما تصاحب الزلازل، ويبدو أن الهزات كانت متتابعة الحدوث مرة بعد أخرى، حتى ~~تحولت البلاد إلى حطام وانهار نظام الدولة فجأة، وأصبحت الحياة لا يمكن ~~احتمالها.» # ثم يدلف مباشرة إلى المقارنة بين مقاطع من البردية، وبين مقاطع من سفر ~~الخروج التوراتي، وهي تفصح بوضوح عن ضربات «يهوه» رب التوراة لأرض مصر قبل ~~الخروج مباشرة. # بلاء تحويل ماء النهر إلى دماء # الخروج، 7: 20: فتحول كل الماء الذي في النهر دما. # البردية، 2: 65: النهر دم. # الخروج، 7: 21: وكان الدم في كل أرض مصر. # البردية، 2: 65: البلاء انتشر في كل أنحاء البلاد ... الدماء في ~~كل مكان. # الخروج، 7: 24: وحفر جميع المصريين حول النهر لأجل ماء ~~ليشربوا؛ لأنهم لم يقدروا أن يشربوا من ماء النهر. # البردية، 2: 10: عاف الناس شرب الماء. # الخروج، ms140 7: 21: مات السمك الذي في النهر وأنتن النهر. # البردية، 3: 10-13: هذه مياهنا، وهذه سعادتنا، فماذا سنفعل بعد الآن؟ ~~... الكل حطام. # بلاء البرد والنار # الخروج، 9: 25: فضرب البرد في كل أرض مصر، جميع ما في الحقل من ~~الناس والبهائم، وضرب البرد جميع عشب الحقل، وكسر جميع شجر ~~الحقل. # البردية، 6: 1: لا فاكهة ولا محاصيل موجودة. # الخروج، 9: 23-24: وجرت نار على الأرض، وأمطر الرب بردا على أرض، ~~فكان بردا ونارا متواصلة وسط البرد. # البردية، 2: 10: التهمت النار البوابات والأعمدة والحوائط. والنار ~~التي أهلكت الأرض لم تنشرها أيد بشرية، لكنها سقطت من ~~السماء. # الخروج، 10: 15: لم يبق من أخضر في الشجر، ولا في عشب الحقل في ~~كل أرض مصر. # البردية، 6: 3: أحقا اختلف الحبوب في كل مكان؟ # البردية، 5: 12: أحقا ... اختفى ما كان «بالأمس» مرئيا؟ ~~«فليكوفسكي» يعقب هنا بأن «حصر زمن تدمير المحاصيل بيوم واحد، يستبعد ~~الجفاف» كسبب تقليدي لقلة المحاصيل، فقط النار والصقيع والجراد هي التي كان ~~بإمكانها ذلك. # بلاء وباء الطاعون # الخروج، 9: 3، 19: يد الرب تكون على مواشيهم التي في الحقل، على ~~الخيل والحمير والجمال والبقر والغنم ... سيفتك بها طاعون ... جميع الناس ~~والبهائم الذين يوجدون في الحقل ... ينزل عليهم البرد فيموتون. # البردية، 5: 5: كل الحيوانات قلوبها تنتحب ... والماشية تئن. # البردية، 9: 2-3: انظروا تركت الماشية شاردة ولا يوجد من ~~يجمعها، كل إنسان انشغل بنفسه. # بلاء الظلام # الخروج،10: 22: فكان ظلام دامس في كل أرض مصر ثلاثة ~~أيام. # البردية، 9: 11: لم تكن الأرض نورا. # بلاء ضربة البكر # الخروج، 12: 30: فقام فرعون ليلا هو وكل عبيده وجميع المصريين ~~وكان صراخ عظيم في مصر؛ لأنه لم يكن بيت إلا فيه ميت. # الخروج، 12: 27: الرب الذي عبر عن بيوت بني إسرائيل في مصر لما ~~ضرب المصريين وخلص بيوتنا. # الخروج، 12: 29: حدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض ~~مصر، وبكر فرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الأسير الذي في السجن، وكل ~~بهيمة. # البردية: انهار المسكن في لحظة. # البردية، 4: 3: أحقا كل أبناء الأمراء سحقت أجسادهم في ~~الحوائط؟ # البردية، 6: 12: أحقا تشرد أبناء الأمراء في الطرقات؟ # البردية، 3: 14: النواح في كل ms141 أنحاء البلاد يختلط ~~بالنحيب. ~~«فليكوفسكي» يعقب: إن موت كل هذا العدد في ليلة واحدة، وفي ذات الساعة ~~من منتصف الليل لا يمكن تفسيره بوباء كالطاعون، إنما بكارثة أرضية ضربت كل ~~أرض مصر. # تكسير آلهة المصريين # الخروج، 12: 12: وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين، أنا ~~الرب. # البردية، 3: 14: وسقطت تماثيل الآلهة مهشمة إلى أجزاء. # خروج كفن يوسف من قبره # النص من الهجادا: عندما سحقت الأرض في مصر آخر ليلة وجد الإسرائيليون ~~كفن يوسف على سطح الأرض فحملوه معهم. ~~«فليكوفسكي» يعقب: ولم تكن الأرض أكثر رحمة بجثث الموتى في قبورهم ~~فالمقابر لفظت موتاها وتمزقت الأكفان. # البردية، 4: 4: أحقا أولئك الذين كانوا محنطين في أكفانهم، صاروا ~~ملفوظين على سطح الأرض؟ # ويشرح «فليكوفسكي» أن البردية قد تضمنت تمرد السكان وفرار البؤساء ~~والمساكين المسخرين للعبودية، واختفاء الملك في ظروف غامضة ... والحقيقة ~~الثانية هنا، هي أن زلازل متتابعة صاحبتها ظواهر طبيعية أخرى، قد اجتاحت ~~أرض مصر، صاحبها أكثر من بلاء، سبب هلاك الإنسان والحيوان والنبات، ~~وأتلف كل مصادر الحياة ... ونظر المصريون إلى ذلك كله على أنه من فعل رب ~~العبيد ... وأسرع العبيد الفارون باتجاه حدود الدولة، يسبقهم نهارا عمود ~~سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في عمود نار. # الخروج، 13: 11: وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في ~~الطريق، وليلا في عمود نار ليضيء لهم، لكي يمضوا نهارا وليلا. # البردية، 7: 11: يا ويلاه، النار ارتفعت إلى الأعالي وامتد لهيبها أمام ~~أعداء البلاد. ~~... مع ما سجلته البردية 17: 1-2: «أن الفرعون قد فقد في ظروف غير عادية، ~~وأن ذلك لم يحدث من قبل قط لأي فرعون آخر.» # ثم يبرز «فليكوفسكي» حدث دخول الهكسوس البلاد البردية 3: 1: «أحقا ~~صارت الدولة خرابا كالصحراء وأصبحت الأقاليم يبابا واقتحمت البلاد ~~قبائل غريبة من وراء الحدود؟ إن الكارثة التي حولت مصر إلى دمار شامل بلا ~~قوة متماسكة تدافع عن أرضها، أغرت الغرباء، وكانت حافزا لقبائل الصحراء ~~العربية لينقضوا عليها. البردية، 15: 1 ماذا حدث؟ لقد علم الآسيويون بحال ~~البلاد.» ~~(2-2) الوثيقة الثانية: حجر العريش # وحجر العريش كتلة جرانيت سوداء، حفرت ms142 عليها نصوص هيروغليفية ورغم أهميته ~~فإنه لم يحظ باهتمام كاف، ولم يعد يذكره أحد إلا لماما، رغم احتوائه على ~~أسماء ملوك ومدن وأماكن جغرافية، وغزو غرباء للبلاد في عصر ملك يدعى «توم». ~~ونص الكتابة في رأي «فليكوفسكي» يتطابق كلية مع نص التوراة بشأن الأحداث التي ~~صحبت الخروج من البحر. ومما اقتبسه «فليكوفسكي» من تلك النصوص: «لقد مرت البلاد ~~ببلوى عظيمة، سقط الشر على أرضها، وثارت الأرض ثورة عنيفة شملت عاصمة البلاد، ~~ولم يغادر أحد القصر الملكي لمدة تسعة أيام كاملة، وأثناء هذه الأيام التسعة من ~~جيشان الأرض، كانت هناك عاصفة بلغت قوتها حدا لا يستطيع معه الإنسان ولا ~~الإله أن يرى وجوه الآخرين.» # وحجر العريش ليس - عند «فليكوفسكي» - سوى تسجيل للقصة الكاملة للبلاء العاشر، ~~الذي أنزله الرب الإسرائيلي بمصر في شكل ظلام وعواصف برية؛ فالحجر يتابع «وفي ~~خضم المحنة، وتقلبات الطبيعة الوحشية، جمع الملك جيشه وأمرهم باتباعه إلى ~~مناطق، وعدهم أنهم سيرون فيها النور من جديد (سنرى أبانا رع حر أختي في منطقة ~~باخيت المضيئة) ... وفي هدأة الليل، وتحت ستار الظلام، اقتربت جحافل الغرباء من ~~حدود مصر ثم اجتازتها، وذهب صاحب الجلالة لمحاربة أبوبي وزمرته ... وحين قاتل جلالة ~~الملك رع حرماكيس؛ حين قاتل إله الشر بالقرب من البحر في مكان الدوامة، فإن إله ~~الشر لم يتغلب على جلالته، ولكن جلالته هو الذي اندفع إلى دوامات البحر.» # وبعد شروح يعود الكاتب إلى المكان الذي انتهت إليه مسيرة الملك قبل غرقه في ~~البحر، وأنها محددة بالاسم في النص «ووصل جلالته إلى مكان يسمى بي خاروتي». ~~ثم يأتي بنص التوراة «فسعى المصريون وراءهم، وأدركهم جميع خيل مركبات فرعون ~~وفرسان جيشه، وهم نازلون عند البحر، عند فم الحيروث» (خروج، 14: 9)، ثم يوضح ~~«وبي خاروتي في المصدر المصري هي «بي حيروت» أو «فم الحيروث» في المصدر العبري. ~~إنه المكان نفسه والمطاردة نفسها ... وبعد انقضاء فترة من الزمن خرج ابن الفرعون ~~«صاحب السموجب» باحثا عن أبيه (وقد أخبره شهود العيان بكل ما حدث لرع في بات ~~نيبيس ms143 والصراع الذي خاصه الملك توم)، ويحكي النقش أن كل من رافقوا الأمير في ~~رحلته للبحث عن أبيه قد ماتوا حرقا أما الأمير نفسه صاحب السموجب، فقد أصيب ~~بحروق شديدة قبل أن يعود من رحلة البحث وهو يائس من العثور على أبيه الذي لقي ~~حتفه. ومن غبرة الصحراء في طريق يات نيبيس وصل الغزاة واحتلوا مصر (أتى أبناء ~~أبوبي المتمردون الذين كانوا يعيشون في أوشيرو ... وساروا على طريق يات نيبيس، ~~وحلوا على مصر مع حلول الظلام). لقد غزوا البلاد ليحطموها ويدمروها ~~وبمرور الوقت برد الجو في مصر وجفت الأرض، ولم يعرف ماذا حدث بعد ذلك للأمير ~~التعس، ولكن نهايته كانت بائسة بالتأكيد (لقد دمرت مصر بالإعصار فأكلتها ~~النيران، وأما العاصمة فقد احتلها الآمو) ... إن النقش الموجود على حجر العريش ~~يحدد «اسم الفرعون الذي هلك في دوامة البحر، كان توم أو تووم»، ومن المثير أن ~~اسم «بي توم» تعني مسكن أو مقر توم، و«بي توم» كانت إحدى المدينتين اللتين ~~شيدهما العبيد الإسرائيليون للفرعون الطاغية وبأمر منه، وطبقا لمانيتون فإن ~~الفرعون الذي حل غضب السماء على مصر في عهده قبل غزو الهكسوس، كان يدعى توتيماوس ~~أو تيمايوس.» ~~(2-3) الوثيقة الثالثة: بردية الأرميتاج # وهي بردية الحكيم «نفررحو» المحفوظة بمتحف الأرميتاج بليننجراد بروسيا ويرى فيها ~~«فليكوفسكي» ترديدا لذات نص بردية لايدن، وإن اختلفت في كونها نبوءة ألقاها ~~صاحبها أمام أحد الفراعين، وأهم ما يريده «فليكوفسكي» منها قولها في مقاطع: # ملء قلبي رثاء لهذه الأرض التي نبع منها الفن ... # ستهلك هذه البلاد وما عليها ولن يبقى سوى الشر. # فانية هذه البلاد. # ستحجب الشمس ولن يرى إنسان النور. # لن يبقى أحد حيا. # النهر جاف. # ستهب الرياح الجنوبية ضد الرياح الشمالية. # وتكابد الأرض بؤسا لم تعرفه. # ويحتل البلاد البدو حين يأتون من الشرق. # سينزل الآسيويون أرض مصر. # ستشرب وحوش الصحراء وحيواناتها من نهر مصر. # أرى هناك الأرض مقلوبة رأسا على عقب. # ويردف «فليكوفسكي»: «إن الرائي نفررحو يتنبأ بعد ذلك بتحرير مصر ~~على أيدي ملك مصري يولد من أم ms144 نوبية، ويسمى «أميني»، وهو الذي سيقتل الآمو ~~(البدو) بسيفه، وبعدها سوف يبني سور الحاكم حتى لا تتكرر عودة الآمو إلى مصر ... واسم ~~«أمني» يشير إلى «أمن حوتب» الأول، وهو واحد من الموك الذين حكموا مصر بعد أن تم ~~تحريرها من الهكسوس، وكان وقت بداية حروب التحرير ما زال أميرا، وكانت صوره على ~~جدران المعابد تشير إلى لون بشرته الأسود، وهو ما يتفق مع مقولة أنه سيولد لأم ~~نوبية، وقد تم تبجيله فيما تلا ذلك من عصور.» ~~(2-4) الوثيقة الرابعة: نبوءة الخزاف # وهي أثر أدبي مماثل في مضمونه للوثائق السالفة، لخزاف عاش في عهد «أمينحوتب» ~~يقول: «إن نهر النيل سيمتلئ بالمياه، «ويعود موسم الشتاء إلى موقعه الصحيح من ~~العام، وتستعيد الشمس مجراها الطبيعي».» مما يشير إلى خلل قد أصاب النظام الطبيعي ~~الكوني. ~~(2-5) الوثيقة الخامسة: مقياس سمنة ~~«لاحظ «ليبيسيوس» أن مقياس النيل عند «سمنة» الموجود منذ عصر الدولة الوسطى، ~~يظهر ارتفاعا عظيما لمستوى الماء في ذلك المكان، حيث يجري النهر فوق أرض ~~صخرية، ومقدار الارتفاع يزيد عن أعلى ارتفاع للمياه مسجل في العصر الحديث بمقدار ~~22 قدما. ونظريا فإن هبوط مستوى الماء في ذلك المكان بعد ذلك بمقدار اثنين ~~وعشرين قدما قد يعزى إلى واحد من احتمالين: فإما إلى تغير كمية المياه ~~المتدفقة من نهر النيل، أو إلى تغير في التركيب الصخري والطبقي للأرض. ولو كان ~~يحمل هذا القدر العظيم من الماء قبل الكارثة، فإن العديد من المعابد والمساكن كان ~~من المفترض أن تغطى تماما بالمياه بانتظام كل عام مع الفيضان، لكن الواضح ~~أن «التغيير المرصود عند مقياس سمنة، يدل على حدوث تغيرات ضخمة في التكوين ~~الصخري وفي طبقات الأرض بمصر، في أواخر الدولة الوسطى أو بعدها».» ~~(2-6) الوثيقة السادسة: نقش حتشبسوت # وهو نقش حجري من عهد الملكة «حتشبسوت» التي حكمت بعد جيلين أو ثلاثة من طرد ~~الهكسوس، وتقول فيه الملكة: «إن مقر ربة كيس قد تحول إلى أنقاض، وابتلعت الأرض ~~حرمها المقدس، ولعب الأطفال فوق معبدها. وقد أزلت عنه ما ms145 تراكم، وأعدت بناءه ~~... فقد كان هناك عامو في وسط الدلتا، وفي حاوار (حواريس عاصمة الهكسوس)، وكانوا هم ~~دمروا كل المباني القديمة، وحكموا البلاد غير مؤمنين بالإله رع.» ويعقب ~~«فليكوفسكي»: «إن السطور السابقة تحمل الدليل على أن تلك المعابد قد ابتلعتها ~~الأرض ... وصحيح أن الهكسوس قد دمروا المباني، لكنهم لم يدفنوها في الأرض.» وهو ~~بذلك إنما يشير إلى كارثة طبيعية ليست في رأيه شيئا آخر سوى كارثة الخروج. # وينهي الباب الأول من القسم الأول بعبارة تلخص نظريته تماما، وتقول: «لو ~~كانت كل المقارنات السابقة، والنتائج المترتبة عليها، صحيحة، فإن خروج ~~الإسرائيليين يكون قد سبق غزو الهكسوس لمصر بأسابيع أو بأيام قليلة.» ~~(3) إمبراطورية الهكسوس العربية # وربما الأمر هنا لا يشبه مجموعة الوثائق التي ~~جمعها «فليكوفسكي» للتدليل على صدق أحداث الخروج كما وردت بالكتاب المقدس، إنما هي ~~مجموعة شهادات عربية على القسم الثاني من نظريته، والذي يذهب إلى أن الهكسوس كانوا من ~~عرب شبه الجزيرة العربية؛ فهو يلتقط طرف الخيط من «مانيتون» في شذرة تقول: «البعض قالوا ~~إنهم كانوا عربا.» وهم من أطلق عليهم المصريون اسم «آمو». وكان الهكسوس من الشعوب ~~التي تشربت حتى النخاع بروح التدمير والتحطيم، وعلى قدر ما هو معروف، لم يترك ~~الهكسوس أثرا أو نصبا تذكاريا ذا قيمة تاريخية أو فنية طوال فترة حكمهم، وأن ~~هؤلاء الهكسوس ليسوا سوى التسمية المصرية لمن ذكرهم سفر الخروج باسم العمالقة، حيث ~~«أتى عماليق وقاتلوا إسرائيل عند رفيديم.» في طريق الخروج بسيناء، لذلك قال الرب لموسى: ~~«اكتب هذا تذكارا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع، فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت ~~السماء» (17: 14). # وإن هؤلاء العماليق في هجرتهم انقسموا خطين عظيمين: الأول احتل كل منطقة شرقي ~~المتوسط، بينما احتل الثاني مصر، وعند خروج بني إسرائيل من مصر وقت انهمار سيول ~~العمالقة على المنطقة، «وبسبب وجود العماليق في جنوب فلسطين، اضطر الإسرائيليون للبقاء ~~في الصحراء على مدى جيل كامل»، وبذلك يفسر «فليكوفسكي» مسألة التيه أربعين عاما ~~في سيناء. # ولتأكيد فروضه حول كون الهكسوس هم ms146 ذاتهم العمالقة، وأنهم كانوا من غرب شبه الجزيرة، ~~فإنه يؤكد أن ما حدث للطبيعة من هياج مفاجئ في مصر، قد حدث أيضا على الضفة الأخرى ~~من البحر الأحمر في جزيرة العرب. # وبصبر غريب ينقب الرجل عن كل ما يدعمه في كتب التراث الإسلامية، وما جاء فيها ~~من تاريخ جزيرة العرب في عصورها الأولى. ومعلوم أن حديث العماليق من الأحاديث ~~المتواترة في كتبنا الإخبارية بحسبان العماليق من أشهر قبائل العرب البائدة، وأنهم ~~بادوا كما جاء في مستندات «فليكوفسكي» بنصوص من «المسعودي» وصف فيها الغضب الإلهي ~~الذي حاق بهم، وكيف أرسل عليهم الله سيلا هربوا على إثره من البلاد متتبعين ~~سحبا قادتهم إلى أماكن دمارها أشد هولا. يقول المسعودي: «ودمرت مكة في ليلة ~~واحدة بضجيج يصم الآذان، وتحولت كل المنطقة إلى صحراء بلقع، وأصبحت كل الأرض من ~~الحجون إلى الصفا قفرا ... وصل العماليق إلى سوريا ومصر وامتلكوا البلاد، وكان طغاة ~~سورية وفراعنة مصر من أولئك العماليق، ... وقدم ملك العماليق الوليد بن دوما من سوريا ~~وغزا مصر وقهرها واستولى على العرش ... وغزا العماليق مصر بعد أن عبروا حدودها وبدءوا في ~~نهب البلاد، وحطموا أعمالها الفنية وخربوا كل آثارها (ويلفت فليكوفسكي نظرنا إلى ~~تشابه تعبيرات المسعودى مع نص حتشبسوت). كذلك طعم مستنداته بأسانيد من شهادة ~~الطبري «ثم مات ملك مصر، وارتقى ملك آخر عرش البلاد وكان من العماليق، كان يدعى ~~قابوس بن مصعب بن مويا بن نمير بن سلواز بن عمرو بن عماليق.» ومن شهادة أبي الفدا «كان ~~هناك فراعنة مصريون من أصل عماليقي.» ومن شهادة أبي الفرج ~~الأصبهاني «إن العماليق انتهكوا حدود الحرم فحلت ~~عليهم نقمة الله، فتركوا مكة ... وساقهم الله إلى منشئهم حيث أغرقهم بالطوفان.» # وحسب «مانيتون»، فقد أنشأ الهكسوس لهم عاصمة شرقي الدلتا باسم «حواريس »، وكان أول ~~ستة ملوك منهم يشكلون الأسرة الأولى من الفراعنة الهكسوس، وأشهر هم الملك الرابع في ~~هذه الأسرة «أبوفيس». وهنا يصدر فليكوفسكي بعض الأحكام من قبيل «وكان حكم الهكسوس ~~قاسيا، ولم تدرك قلوبهم شفقة ولا رحمة.» ms147 ثم يضيف «ولم تقتصر هيمنة الآمو الهكسوس ~~على مصر وحدها فقد وجدت جعارين وأختام رسمية في العديد من البلدان تحمل اسم الملك ~~المصري «أبوب = أبو فيس» والملك «خيان»، كما وجد اسم خيان أيضا على تمثال لأبي الهول ~~اكتشف في بغداد، وعلى غطاء آنية في «كونسوس» بجزيرة «كريت». كما وجد نقش يعود ~~للملك «أبوب» ذكر فيه، أن أبوب الملك، ست رب حواريس، قد أخضع كل البلاد تحت قدميه ... ~~ووجد بعض المؤرخين أنفسهم مجبرين على قبول حقيقة أن الهكسوس كانوا أصحاب ~~إمبراطورية كبرى، ولو لفترة محددة من الزمن ... وطبقا لمانيتون ... كان آخر ملوك ~~الفراعنة الهكسوس ملكا قويا يدعى أبوب الثاني.» # ولأن الإسرائيليين غادروا مصر وقت دخول الهكسوس، ولأنهم لقوهم في سيناء، ولأن ~~تلك النظرية لا تجد نصا توراتيا واضحا بشأنها، فإن «فليكوفسكي» يعثر على ذلك ~~النص، ويكتشف أن الإسرائيليين قد عرفوا بالفعل الكارثة الحادية عشرة التي حلت ~~بمصر ممثلة في غزو الهكسوس. والنص في سفر المزامير، ويقول: «أرسل الله عليهم ~~حمو غضبه سخطا ورجزا وضيقا، جيش ملائكة أشرار» (78: 49). ويكتشف أن تعبير «ملائكة ~~أشرار» خطأ في القراءة والترجمة؛ حيث «ملائكة» و«ملوك» تتشابهان في العبرية، ثم تأتي ~~زيادة حرف «ألف» إلى كلمة «رعاة» فتحولها إلى كلمة «أشرار»؛ ومن ثم فقد كان ~~الأصل: «أرسل الله عليهم جيش ملوك رعاة، وهو الاصطلاح المأخوذ من كلمة هكسوس.» # وتأسيسا على كل تلك القرائن، وإعمالا لتلك الشواهد الغزيرة، ينتهي «فليكوفسكي» ~~إلى «إعادة التزامن الصحيح للتاريخ، ويعيد إليه أربعمائة سنة مفقودة بين نهاية ~~الدولة الوسطى وبداية الدولة الحديثة، إضافة للمائتي عام المفترضة من قبل ~~المؤرخين لتلك الفترة الزمنية» وهو الفرض غير المقبول منطقيا. ليصبح الزمن ما بين ~~سقوط الأسرة الثانية عشرة آخر أسر الدولة القديمة، وبين الأسرة الثامنة عشرة أولى ~~أسر الدولة الحديثة ، ستة قرون كاملة؛ «ومن ثم يكون زمن التيه، ويشوع، والقضاة، ~~الذي استغرق في تاريخ إسرائيل أربعة قرون، يقع في توقيت واحد مع حكم الهكسوس العماليق ~~لمصر»، وتبقى المائتا سنة الأولى لأسر مصرية متهالكة فيها تعرف بالعصر المتوسط ms148 ~~الثاني. # ومن هنا يستمر «فليكوفسكي» في دعم فرضيته ليسوق المزيد من الأدلة على صدقها، ويقف ~~مع نص العراف «بلعام» بالتوراة، والذي يمتدح فيه إسرائيل ويقول: «يجري ماء من دلائه، ~~ويكون زرعه على مياه كثيرة، ويتسامى في ملكه على أجاج وترتفع مملكته ... ثم رأى عماليق ~~فنطق بمثله وقال: عماليق أول الشعوب وأما آخرته فإلى هلاك» (عدد، 24: 7، 20). ويستنطق ~~«فليكوفسكي» ذلك النص بما لم يخطر ببال أحد حتى اليوم؛ فعماليق أول الشعوب تشير أن ~~العمالقة كانوا أصحاب إمبراطورية عظمى، لكن آخرته ستكون الهلاك على يد بني إسرائيل، ~~و«أجاج» الملك بالنص ليس سوى «أبوب الثاني» آخر ملوك تلك الإمبراطورية؛ حيث كانت ~~العبرية القديمة تحمل تشابها يؤدي إلى اللبس بين حرفي «ج» و«ب». # ومن بردية ساليه يخرج «فليكوفسكي» بمدى الازدراء والاحتقار الذي كان يعامل به الهكسوس ~~أمراء الولايات المصرية، وكيف حكت تلك البردية عن رسالة مهينة من «أبوب الثاني» إلى ~~«سقننرع» أمير طيبة، وكيف «يظل أمير المدينة الجنوبية صامتا، ثم بكى لوقت طويل، ولم ~~يدر بم يجيب على رسالة الملك أبوفيس.» ومن ثم «قبض على الأمير المصري، «وساقه ~~رسول الملك أبوب الثاني إلى حواريس»، ونهاية البردية مفقود.» # لكن الأمير «كاموس» ابن الملك الطيبي «سقننرع» قاد أولى عمليات المقاومة «ضد الهكسوس ~~العرب، بمعاونة قوات أجنبية»، كما هو مسجل بلوح كارنارفون، كما أن قصة طرد ~~الهكسوس محفورة على جدران مقبرة الضابط «أحمس»، وكان ضابطا في جيش الملك «أحمس» الذي ~~حمل الاسم ذاته، أخي الملك «كاموس» وقد قاد الكفاح ضد الهكسوس بعد أخيه. وهنا يقول ~~«فليكوفسكي»: ««إن الأمراء المصريين المتمردين على حكم الهكسوس، لم يكونوا هم من ~~حرر مصر، لكن مقاتلين أجانب من خارج مصر» هم المحررون الحقيقيون لها؛ فالنقش ~~بمقبرة الضابط أحمس يقول: تابعت الملك سيرا على أقدامي في حين ركب عجلته الحربية، ~~في طريقه إلى خارج الولاية ... «كانوا هم» يحاصرون مدينة حواريس، أظهرت بسالة في ~~القتال مترجلا أمام سموه ... «كانوا هم يحاربون» من جهة قناة المياه في حواريس، ثم ~~نشب قتال جديد في ذلك المكان ... وشاركت ms149 في القتال مرة أخرى ... «حاربوهم» في مصر هذه ~~جنوب تلك المدينة ... ثم استطعت اقتياد أسير حي ... «استولوا هم» على حواريس «وهم ~~حاصروا» شاروهين لأربعة أعوام، ثم أخذها جلالته.» # ويتوقف «فليكوفسكي» مع أولئك الأجانب المشار إليهم بإشارة الغائب (كانوا هم) في ~~النص، ليشير إلى أنهم أصحاب الفضل الحقيقي في تحرير مصر من العرب العمالقة الهكسوس، ~~ليقرنه مباشرة بنص الكتاب المقدس؛ حيث يقول «صموئيل» آخر قضاة إسرائيل، «لشاول» ~~أول ملوك إسرائيل: «هكذا يقول رب الجنود: إني قد افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل؛ ~~حيث وقف له في الطريق عند صعوده من مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق، وأحرموا كل ماله ~~(أحرموا اصطلاح توراتي بمعنى أبيدوا، والإشارة من عندنا)، ولا تعف عنهم «بل اقتل ~~رجلا وامرأة، وطفلا ورضيعا، بقرا وغنما، حملا وحمارا» ... ثم جاء شاول إلى مدينة ~~عماليق وكمن في الوادي ... وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور التي مقابل ~~مصر وأمسك أجاج ملك عماليق حيا» (صموئيل أول، ~~15: 2-8). ويعقب: «كانت عبارة مدينة عماليق عقبة دائمة أمام دارسي التوراة؛ فقد ~~كانوا يفترضون أن العماليق ليسوا سوى قبيلة صغيرة ... والأدلة الوحيدة على موقع تلك ~~المدينة هي العلامات الطبوغرافية لموقعها؛ فالمدينة حوصرت من جهة مجرى قناة للمياه، ~~أو نهر ناخال ... ولا يوجد في كل تلك المنطقة سوى نهر وادي العريش؛ حيث تجري مياهه ~~غزيرة بالشتاء، ويجف مجراه صيفا.» # ونكتشف أن مدينة العماليق ليست سوى «حواريس»، وأن أجاج هو «أبوب»، وأن «هم» ليسوا سوى ~~بني إسرائيل بقيادة الملك «شاول»؛ ومن ثم وجد «فليكوفسكي» أن من واجبه إعلان «أن ~~هناك دينا تاريخيا يدين به الشرق الأدنى لنيله حريته، وتخليصه من نير عبودية ~~الهكسوس على يد شاول»، لكن أعماله العظيمة لم تقدر، بل حتى لم يعترف بها. لقد كان ~~سقوط حواريس وتدمير جيوش العماليق، تغييرا حاسما لمسار التاريخ، ومن جديد نهضت مصر ~~لتبني قوتها مرة أخرى، وتستعيد إشراقها بعد أن تحررت من العبودية التي دامت مئات ~~السنين، و«كان محررها واحدا من بين أحفاد اليهود الذين كانوا عبيدا بمصر».» ms150 # بل إن حصار «شاروهين» بعد ذلك حيث انسحب الهكسوس، والذي دام ثلاث سنوات لم ينته ~~على يد المصريين كما يظن علم التاريخ التقليدي، لكن على يد أحد قادة جند الملك «داود» ~~خليفة «شاول» والمعروف باسم «يوآب»، والذي تتواتر عنه أسطورة تقول إنه اخترق بمفرده ~~أسوار عاصمة العماليق، وقد كتب الضابط «أحمس»: ««لقد حاصر هو» شاروهين لمدة ثلاثة ~~أعوام ثم أخذها جلالته.» وكلمة «هو» في النص تشير بالضرورة فيما يرى فليكوفسكي إلى ~~«يؤاب». # وقبل أن يصل «فليكوفسكي» إلى إغلاق القسم الأول والأساس الصلب لنظريته لا يفوته ~~القول: «لم يستطع الإسرائيليون أبدا أن ينسوا معاناتهم في مصر، ولكنهم لم يحملوا ~~أبدا أية كراهية للمصريين، أو للشعوب الأخرى في تلك المنطقة القديمة، لكن العماليق ~~وحدهم هم الذين أصبحوا رمز الشر في نظرهم؛ ومن ثم هدفا لكراهيتهم. إن الشر الهائل ~~في ذلك الشعب ظل يتكرر حتى الملل في آداب الفكر القديم، «وكيف كانوا يمتصون دماء ~~الشعب المرهق في تيه الصحراء (يقصد بذلك الشعب المرهق اليهود)، وكيف كانوا ينصبون ~~الكمائن بكل خسة وجبن، ويستولون على الأقوات القليلة، وكيف كانت حقارتهم ووضاعتهم ~~ووحشيتهم تظهر في مهاجمتهم للضعفاء في مؤخرة القافلة، وكانوا يبترون أعضاء وأطراف ~~الجرحى ويمثلون بهم ويهرطقون ويجدفون بكفر صارخ، بقذف الأعضاء المبتورة من ~~الجرحى نحو السماء، ويسخرون من الرب ... لقد خلف الهكسوس ذات الكراهية في نفوس ~~المصريين؛ فقسوتهم البالغة، ووحشيتهم التي لا تعرف رحمة، تركت آثارا من المستحيل ~~محوها من ذاكرة الشعوب ... لقد كان قدر شاول أن يحمل مهمة تحرير إسرائيل ومصر على ~~عاتقه، ولم يذكر المصريون إسرائيل بالتقدير المناسب، وأشار إليهم المصريون ب «هو» ~~و«هم»» وفي ذلك بعض الظلم. وكانت مكافأتهم للإسرائيليين ما قام به المؤرخون المصريون ~~بجمعهم الإسرائيليين مع المخربين الهكسوس في سلة واحدة، مع أن الإسرائيليين هم ~~من طردوا الهكسوس من مصر ومن حواريس. وفي عالم الإغريق وإمبراطوريتهم لم توجد إشارة ~~واحدة إلى كراهية عنصرية لليهود، «حتى بدأت قصص المصري «مانيتون» في الانتشار ~~والذيوع، وحين عرف اليهود كسلالة منحدرة من العماليق ms151 الغزاة المتوحشين» ... وكانت ~~هناك كراهية موازية لا تقل عنها ومتأججة على الدوام من نفوس اليهود وذاكرتهم نحو ~~العماليق. إن الكراهية من الممكن أن تدوم وتمتد عبر الزمن حتى ولو لم يعد المستهدف ~~بالكره موجودا على ظهر الأرض. وكم كان يصبح عليه مقدار هذا الكره، إن لم يكن ~~«المكروهون قد ذابوا بشخصيتهم القومية من آلاف السنين في شعوب شبه الجزيرة العربية؟! ~~لقد رأى المؤرخ المصري مانيتون أن اليهود هم البذرة الخسيسة للطغاة المتوحشين، ~~وتسللت تلك الكراهية إلى كل الأجيال. «إن اللعنة التي وجهت إلى العماليق ~~تحولت لتنصب على بني إسرائيل»، ومحيت ذكرى العماليق حتى لم يعد هناك من يعرف ~~أن العماليق كانوا هم الهكسوس، واستمر الإسرائيليون يعانون أشد المعاناة بسبب تشويه ~~حقائق التاريخ، وحملوا آلام إدراجهم في سلالة العماليق، «وبدأ ذلك العقاب التاريخي حين ~~أطلق مانيتون أحكامه الخاطئة، مانيتون المصري الذي تحررت أمته من الهكسوس على يد ~~اليهود.» # ومن هنا يبدأ «فليكوفسكي» مشواره الطويل لإعادة كتابة تاريخ العالم وترتيب فوضى ~~العصور، مع الإصرار على معالجة ذلك التشويه الظالم الذي لحق بني جلداته، وإلى هنا ~~نوقفه، لنبدأ رحلتنا معه مرة أخرى من البداية. ورغم اعترافنا بقدرته العظيمة على ~~البحث، واحترامنا لجهده الهائل، ووصفنا له بأنه رجل من نوع نادر وفذ، فإن ذلك لا ~~يمنعنا من وصفه الآن بأنه أبرع رجل علم، تمكن من استخدام أدوات البحث العلمي ~~لإجراء أروع بل وأمتع عملية «تزييف وتلفيق وتزوير»، في تاريخ الدين ~~والتاريخ. ~~(4) التحدي # وعود على بدء، ومع مقدمة «عصور في فوضى»، تلك المقدمة الهادئة المغلفة داخل طرح ~~علمي لأهم الإشكاليات التي سيتناولها ذلك التنظير التاريخي للقومية الإسرائيلية، دون أن ~~تبدو أية ملامح لتلك النقمة الشديد على التاريخ الذي أهمل شأن شعب إسرائيل، ورماهم ~~بكل ما في قاموسه من اصطلاحات عدائية في كتاباته المتأخرة من بعد الميلاد - لذلك ~~استحق أن يعاد النظر فيه؛ لأنه بخطيئته كان خاطئا - يوحي كاتبنا بمدى ما أصيب به من ~~عسر ومشقة وهو يبحث في مدونات العالم القديم، وهو لا شك محق ms152 في ذلك تماما. لكن ~~الإيحاء يتوسع في دلالاته؛ حيث يصف الكاتب نفسه بأنه سيكون كرجل المباحث، الذي لا ~~يهمل في بحثه وراء الجريمة شيئا مهما بدا تافها و«حتى لو كان شعرة على عتبة نافذة». ~~لكن ما وضح عندما أن أتممنا قراءة العمل، وسعينا وراء مصادره، أن الرجل فعلا لم ~~يهمل شعرة على عتبة نافذة، ولا خطأ عفويا على حائط، ولا كومة قمامة ملقاة في ~~ركن غرفة، لكنه أهمل عن قصد مبيت وعن رغبة، عوارض خشبية تسد الطريق، وألواحا من ~~حديد لا يمكن النفاذ من خلالها. وهنا مكمن خطورة الكتاب على قارئ ذي اهتمام عام ~~بشئون التراث، لا يمتلك أدوات كافية للتعامل مع الكتاب ومؤسساته، وإمكانيات اللعب ~~بنصوص ذلك التراث لعبة تلفيقية، ذات أغراض سياسية عنصرية، مغلفة بأردية شديدة ~~الكثافة، ومخاطة بقدر عظيم من الذكاء، مادتها عقلانية ساطعة وعلم باهر؛ لذلك كان ~~الرجل فخورا بعمله إلى حد وصفه في مقدمته أنه «إنجازه الأعظم على الإطلاق»، ~~ثم لا يلبث أن يقدم تحديه للجميع سافرا: «وأنا أقدم هنا معركة كبرى ~~للتاريخيين والمؤرخين.» ورغم أن الرجل يطلب عراكا، ويقفز على الحلبة طول ~~الوقت دون أن يستقر ودون أن يلهث، مستفزا الجميع داعيا إياهم للنزال، فإننا فيما ~~نعلم، وفي حدود بلادنا على الأقل، لم نجد من قبل النزال، إنما ما بدا حتى الآن هو ~~القبول بقفازه المرمي على الوجوه، ثم يقول عن عمله «إعادة بناء التاريخ القديم ~~للعالم من جذوره.» إنه عمل «غير مسبوق بمحاولات مثيلة.» بل «إنه ليست هناك أية ~~فرضيات قوية، ولا أدلة ولا براهين، يمكنها أن تواجه أو تدحض إعادة صياغة التاريخ ~~التي أوردناها.» # لكن، وفق أي معيار يقوم بإعادة كتابة التاريخ وإعادة تزمينه، ما دام الأصل المصري ~~فاقدا السلامة؟ إنه كما عرضنا سار بنا مع وثائق وبرديات وحفائر وأحداث وكوارث، لكن ~~كان يلقي بنا كل مرة في قبضة التاريخ الإسرائيلي، حيث ينتهي إلى قياس كل شيء بمعيار ~~التاريخ اليهودي وحده، والكتاب الذي دون ذلك التاريخ، الكتاب اليهودي المقدس وحده، ~~والعقل الذي ms153 صاغه، العقل اليهودي وحده. # لكنك لا تلمس بطول كتابه نزوعا إيمانيا حقيقيا، ولا يبدو الرجل كحبر من ~~الأحبار، ولا حتى ذا ميول دينية، بل إنك تلمس رغبة الرجل في ألا يبدو رجل دين ~~تقليديا، بل يكاد يفصح أحيانا بإلحاده. لكن لأن قيام الدولة الإسرائيلية حاليا، ~~لا يجد أي دعامات من مقومات الكيانات السياسية، ولا يجمع عقدها المتنافرة سوى ~~الدين وتلك الذكريات التاريخية، كأسس للقومية الإسرائيلية، فإن «فليكوفسكي» بكتابة ~~هذا سجل أعظم نقطة في رصيد القوميات العنصرية، بقراءة موثقة، وتنظير قل أن ~~يوجد مثيل له لتاريخ إسرائيل المقدس، وبحيث تطابق ما كنا نظنه خرافة وأساطير، مع ~~وثائق أخرى رصدت ما بدا أنه حدث موضوعي واقعي، سحبت مصداقيتها على النصوص ~~التوراتية في أدق تفاصيلها، وفي منمنمات تلك التفاصيل وفسيفسائها، حتى بدا كتابا ~~لا يدخله الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وربما من باب التحدي لمن يفكر في ~~النزال، قام الرجل يروعنا بمغامراته التي صاحبت نشر كتابه الأسبق «عوالم في ~~تصادم»، ويقول: «إن مجموعة العلماء التي هاجمت عوالم في تصادم وأدانت مؤلفه، ولعدم ~~قدرتهم على إثبات أن الكتاب أو حتى جزءا منه قد جانبه الصواب، أو إن إحدى الوثائق ~~الواردة به مزيفة، فإن تلك المجموعة من العلماء انزلقت إلى موجة من التعصب الأعمى، ~~بلا أدنى أسس علمية، وحاولوا وأد الكتاب في مهده، وهو بين يدي أول ناشر، بالتهديد ~~بمقاطعة كل ما تنتجه تلك الدار من كتب ومراجع، وبلغ الأمر حدته حيث أجبروا عالما ~~وكاتبا صحفيا على الاستقالة من عملهما؛ لكونهما اتخذا موقفا موضوعيا علنيا من ~~الكتاب، مما حدا بكثير من المفكرين الأكاديميين بالجامعات، إلى السعي لقراءة ~~كتاب عوالم في تصادم سرا والاتصال بكاتبه في الخفاء.» # نحن إذن بإزاء كاتب ألجأ علماء الدنيا للتخلي عن موضوعيتهم وحيادهم ووقارهم العلمي، ~~والتحول إلى استخدام أساليب قمعية إزاءه، عندما لم يجدوا لديه تزييفا في الوثائق، ~~أما لماذا كل ذلك الهجوم الذي تعرض له كاتبنا؟ فيرجع - فيما يوعز به للقارئ - إلى ~~أن كتابه احتسب مروقا على الدين، ms154 وتجديفا على الملة اليهودية، وهو ما يتضح بقوله ~~في المقدمة: «لقد كان حراس العقيدة، وما زالوا، متحفزين دوما لمهاجمة أي جديد ~~وإدانته بأساليب رجعية، بعيدة عن الحجة الموضوعية وعن النقاش، فضلا عن تحقير صاحب ~~كل فكر جديد في أعين الرأي العام، وفي مسوح من يريدون إظهار كم هي خطأ تلك ~~الأفكار المتمردة والمنشقة عن الدين.» وهكذا فالكاتب يطمئن القارئ على أمرين: ~~الأول: أن الذين يهاجمونه رجال دين تقليديون متعفنون يترصدون لكل جديد بعقلية ~~متخلفة، وبذلك يكسب أشد القوى استنارة؛ لأن معنى ذلك اتخاذه موقفا، علميا موضوعيا ~~لا ينحاز لرأي أو عقيدة. أما الثاني، فهو أنه سيقول ما يعتبر تجديفا في عرف بني ~~ملته، وأنه قد قبل بذلك الموقف التزاما من جانبه لوجه الحق ولوجه العلم بغض النظر ~~عمن سيغضب ومن سيرضى. # وبين المقدمة والتمهيد، يعمد إلى فصل يبدو كنتوء مقصود تحت عنوان «اعتراف بالفضل»، ~~وهو ما اعتدنا كباحثين إدراجه بالمقدمات، لتقديم التقدير لمن ساهم في إنجاز البحث وقدم ~~العون للباحث. لكن «فليكوفسكي» قصد ما هو أكثر من تقديم الامتنان؛ حيث أورد مجموعة ~~أسماء لعلماء ومتخصصين في صيغة الشكر على المعاونة، لكنها ملتبسة بما يشير إلى ~~موافقتهم على عمله واقتناعهم بفروضه ونتائجه، وبشكل لحظنا فيه ما لا يبدو واضحا من ~~التواء يعسر مؤاخذاته عليه. وخرجنا بنتيجة مفادها أنه لا العلماء المذكورون وافقوا ~~وأيدوا، ولا هم - في ضوء الأسلوب الملتوي - بقادرين على الاحتجاج، ولا القارئ ~~سيلتفت إلى الخدعة المبيتة، ونضرب لذلك أمثلة لأهميتها كنموذج لأسلوبه الذي احتذاه ~~بطول كتابه: # يقول: «أشعر بامتنان أيضا للدكتور «والتر فيديون» بمعهد دراسات آسيا بنيويورك، الذي ~~لم يتوان عن مد يد العون بمعلوماته الغزيرة عن الأدب القديم، ويزيد من إحساسي بالعرفان ~~أنه لم يحاول أبدا أن يقدم نفسه بأي شكل على فرضياتي الخاصة بالكتاب. «ولقد اقتضى ~~الأمر ما يزيد على ستة أعوام، حتى اقتنع» وأقر بأن التاريخ التقليدي كما نعرفه، غير ~~مبني على أسس ثابتة.» ولا أخفي القارئ سرا، أني لم يصادفني إطلاقا عالم باسم ~~«والتر فيديون»، ms155 واحتسبت ذلك للوهلة الأولى تقصيرا ينبغي تلافيه، أما كلام فليكوفسكي ~~فيشير إلى اقتناع «د. فيديون» أخيرا برأي «فليكوفسكي» وموافقته على إعادة صياغة ~~التاريخ المبني على أسس غير ثابتة. ومع قراءة متأنية تكتشف أن «فيديون» كان لديه ~~تحفظات وأراء ترفع بها عن الإقحام في عمل «فليكوفسكي»، لكن الأهم هو أن فيديون ~~احتاج ست سنوات ليقتنع أن التاريخ القديم يقوم على «أسس غير ثابتة»، أما التعبير ~~الأصدق «غير يقينية أو قاطعة»، وهو أمر معلوم لدي جميع العارفين بذلك التاريخ، ~~ويعلمون أيضا أن ذلك ليس لعيب فيه أو خلل ينتظر «فليكوفسكي» ليصلحه، إنما هو ناتج ~~حلقات مفقودة لم تقدمها لنا الحفائر الأركيولوجية حتى الآن، والتي تقدم كل يوم ~~جديدا يملأ مثل تلك الثغرات. والقول باحتياج «فيديون» لست سنوات للاقتناع بفرضية ~~الكتاب، أسلوب فيه التواء يسمح بتسرب المعنى الآخر للذهن، لكن إن كان حقا، قد ~~احتاج «فيديون» ست سنوات ليقتنع بأمر معلوم، فربما فسر لنا ذلك أننا لم نسمع به من ~~قبل بين العلماء المتخصصين. # ثم يقول: «كما أدين أيضا للدكتور روبرت ه. فايفر، المرجع الفذ لدراسات الكتاب ~~المقدس، ومدير بعثة التاريخ القديم بجامعة بوسطن، ومحرر جريدة الكتاب المقدس، ~~ومؤلف العمل المميز عن العهد القديم (لاحظ الألقاب التي يعددها فليكوفسكي للمرجع ~~الفذ، محذرا فيما يبدو كل من لا يحمل مثلها من محاولة التعرض له)، وهو من الشخصيات ~~التي يركن إلى آرائها. إن فايفر اقترح علي أن أحاول إثبات فرضياتي على أسس من ~~الوثائق الآثارية، وهو ما أخذت به.» وهنا واضح من رؤية فايفر ما يشير إلى خلل تلك ~~الفرضيات، وعدم قناعته بما قدم كاتبنا، مع رفضه التورط بالتأييد لفليكوفسكي. # وللاختصار نصل مباشرة إلى قوله: «كما قرأ أيضا البروفيسور ج. جارستانج المنقب في ~~آثار جيركو، النسخة الأولية للقسم الأول (الذي نحن بصدده)، وأقر بأن وصف الوثائق ~~المصرية القديمة للكارثة التي صاحبت الخروج، يتطابق تماما مع وصف الكتاب المقدس، ~~مما يثبت أنهما وصفان لحدث واحد.» وهنا أرى من واجبي الإشارة إلى أن «جارستانج» هذا ~~هو صاحب ms156 كشف لجعران في «جيركو/أريحا» وأن هذا الجعران المصري عليه كتابة تشير بالقطع ~~وباليقين أن النبي موسى هو ابن الفرعونة «حتشبسوت». بينما ثبت أن تلك كانت أكبر ~~تلفيقة في تاريخ علم الآثار، وكارثة علمية حقيقية. # لكن قبل البدء في التعامل مع «فليكوفسكي»، نؤكد مرة أخرى أنه عقل من نوع نادر، ~~«ولا يصح بحال مقارنته بالمضحكات المبكيات فيما قدمه باحثونا بذات السبيل عن تاريخ ~~بني إسرائيل وعقائدهم، وهي أعمال تنضح بالعنصرية وتدعي العلمية، لكنها بجوار عمل ~~كهذا تصبح لونا من خطب أيام الجمعة، وصفحات الإنشاء القلقشندي»، الذي لا يؤثر إلا ~~منفرا، ناهيك عن سطحيته وسذاجته، وما يتركه من انطباعات أن تلك الأعمال كانت لديهم ~~اهتماما جانبيا؛ لأنه لا يصح - إيمانيا - إلا الصحيح، وأن عقائد بني إسرائيل ~~وتاريخهم لا يحتاج لأكثر من جرة قلم وينتهي الأمر # 2 # هذا بينما كرس «فليكوفسكي» عمره كله من أجل عمله هذا، فأين نحن من ~~ذاك؟ استفسار - لا شك - أشد سذاجة من أعمال باحثينا. # لقد بدأ «فليكوفسكي» من حدث الخروج، والأحداث التي صاحبت ذلك الحدث، وبنى كل عمله ~~على التأريخ لزمن الخروج، الذي استدعى بدوره إعادة النظر في تاريخ المنطقة برمتها، بعد ~~كشفه لخطأ هائل، سببه ذهاب التاريخ التقليدي إلى كون ذلك الخروج قد حدث في عصر ~~الدولة الحديثة (الإمبراطورية) بينما هو حسب إعادة الصياغة والتزمين، ينبغي الرجوع به ~~إلى العصر المتوسط الثاني، مع نهاية الأسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى. مما ~~يشير إلى أن دخول بني إسرائيل إلى مصر يجب أن يكون قد سبق ذلك الزمن بفترة مناسبة، ~~معتمدا خلال ذلك كله على قياس تلك الفترة الزمنية مقارنة بالكتاب المقدس، الذي ~~أثبت صدقا مذهلا، وتطابقا يفوق الوصف مع الوثائق التي اكتشف «فليكوفسكي» أنها تشهد ~~بأحداث الخروج . ~~(4-1) لكن ماذا عن الدخول؟ ~~«إن «فليكوفسكي» لا يتعرض لهذا الأمر بالمرة ولا مرة!» وهو الأمر الذي يضع عددا ~~من علامات الاستفهام، ودونه لا يمكن البدء في التعامل مع حدث الخروج وباقي عمل ~~«فليكوفسكي» المثير. # وحدث الدخول يبدأ من أسباط بني ms157 إسرائيل الاثني عشر، وأبيهم (يعقوب) الملقب ~~بإسرائيل، ومع بداية الإصحاح 37 من سفر التكوين، حيث يلقي الأسباط المكرمون ~~بأخيهم المميز (يوسف) في بئر، حيث تلتقطه قافلة تجار «إسماعيليين» أو ~~«مديانيين» - يتضارب الكتاب المقدس هنا - ~~وتبيعه لفوطيفار رئيس شرطة مصر. إلى أن يعلم الفرعون بقدرات يوسف على التبصير ~~وقراءة الطالع في الأحلام فيقربه منه، وبمهارة يوسفية يتمكن ابن إسرائيل ذو ~~الجمال الأخاذ من الوصول إلى كرسي وزارة خزانة مصر، ويرسل في طلب أبيه وإخوته ~~ليقيموا معه في بلاد النيل، ويستقر الرعاة في مصر، وكانت «جميع نفوس بيت يعقوب ~~التي جاءت إلى مصر سبعون» (46-37) و«سكن إسرائيل في مصر في أرض جاسان» (47-27)، ~~«ثم مات يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين فحنطوه ووضع في تابوت في مصر» (50: ~~26). # ثم يستكمل سفر الخروج قصة الدخول، فيقول: «وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ~~ونموا وكثروا كثيرا جدا، وامتلأت الأرض منهم، ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن ~~يعرف يوسف، فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا، هلم نحتال لهم ~~لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا، ويحاربوننا ويصعدون من ~~الأرض، فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي ~~مخازن فيتوم ورعمسيس» (1: 7-11). ثم يلي ذلك سرد الأحداث المعروفة مع ظهور «موسى» ~~من نسل يعقوب (إسرائيل) حتى الخروج الإعجازي، وحسب النص التوراتي اليوناني المعروف ~~بالسبتواجت (السبعيني)، فإن مدة بقاء بني إسرائيل في مصر كانت 215 سنة. أما ~~النص العبراني المازوري، فيذهب إلى أن مدة بقاء بني إسرائيل في مصر استغرقت 430 سنة ~~وتشهد على ذلك عدة نصوص توراتية، منها بالنص العبراني: «ودور ربيعي يشبوا هنا» ~~وتعني «في الجيل الرابع يرجعون إلى هنا»، وقد احتسبت كلمة «دور» بمعنى مائة سنة ~~كاملة، بدليل نص آخر يقول فيه الرب لإبراهيم، «اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا ~~في أرض ليست لهم، ويستعبدون لهم فيذلونهم أربعمائة سنة» (تكوين، 15: 13). ~~وبالاستناد إلى نص آخر واضح تماما يقول: «وأما إقامة إسرائيل التي أقاموها في ~~مصر، فكانت ms158 أربعمائة سنة وثلاثين» (خروج، 12: 40). هذا بينما يحدد لنا الإصحاح ~~السادس من سفر الخروج أسماء لأربعة أجيال فقط من نسل يعقوب عاشت في مصر إلى زمن ~~الخروج؛ فقد أنجب «لاوي» أخو يوسف وابن يعقوب «كوجات»، وأنجب كوجات «عمران» وأنجب ~~عمران «موسى» الذي قاد رحلة الخروج، ولو افترضنا أن كلا منهم قد أنجب ابنه وله من ~~العمر خمسة وعشرون عاما، فإنهم يكونون قد لبثوا في مصر حوالي مائة سنة ربما تزيد ~~قليلا، وليس أربعمائة سنة، ذلك الزمن المعمول به لدى الباحثين التوراتيين لمدة ~~بقاء الإسرائيليين بمصر، وهو رقم (أي الأربعمائة سنة) بجمعه لستمائة ساقطة ~~التاريخ عند «فليكوفسكي»، تذهب بنا إلى عصر بناة الأهرام، «ويكون بنو إسرائيل ~~اليوم، هم فعلا أحفاد بناة الأهرام، الذين استعبدوا في مصر». # هذا بينما على الجانب الآخر، يعطي لنا سفر الخروج عدد الخارجين من بني إسرائيل ~~في قوله: «فارتحل بنو إسرائيل ... نحو ستمائة ألف ماش من الرجال، عدا ~~الأولاد» (12: 37)، وبإضافة الأولاد والنساء ربما ~~ارتفع الرقم إلى أكثر من مليون، وربما ارتفع إلى مليونين إذا أخذنا بالاعتبار بقية ~~النص «وصعد معهم لفيف كثير جدا أيضا» (12: 38)، وإن كان لا يحدد جنس هؤلاء ~~اللفيف، الذين لن يكونوا بالطبع جنسا آخر غير المصريين، بما يشير إلى خروج أعداد ~~من المصريين مع الخارجين. # وهكذا فإن «فليكوفسكي» لا يتعرض بالمرة لهذه الإشكالية، التي دفعت المؤرخين ~~إلى قرن بني إسرائيل بالهكسوس بالنظر إلى عدد الخارجين الهائل، وهو ما كان مناط ~~احتجاجه ورفضه، وقد أسس هؤلاء المؤرخون رأيهم بالإضافة إلى عدد الخارجين، على ~~الزمن الذي استغرقوه بمصر وهو أربعة قرون، مع الأخذ بالحسبان أن رقم الخارجين لا ~~يتناسب بحال مع سبعين فردا دخلوا مصر وعاشوا فيها لأربعة أجيال فقط. هذا بينما ~~أهمل «فليكوفسكي» مسألة الدخول بالمرة، حتى لا يتعرض لإشكالية: كيف ينجب سبعون ~~شخصا ما يزيد عن مليون شخص خلال أربعة أجيال فقط، وهو ما كان ممكنا أن يضطره إلى ~~الأخذ بأحد احتمالين، لا بد أن يكون الكتاب المقدس بموجبه كاذبا في الاحتمال ~~الآخر. # فإما أن ms159 يأخذ بكون الخارجين نسلا لأربعة أجيال فقط، وفي هذه الحال ~~لن يزيدوا بحال عن خمسمائة شخص أو ألف أو ألفين لو بالغنا، مع ~~افتراض فحولة لا تبارى في الرجال، وخصوبة عظيمة في النساء، وهو - ~~أساسا - ما لن يلتقي مع فروضه ونتائجه؛ حيث انتهى إلى أن «شاول» ملك ~~اليهود، مع «مئات الألوف» من جنوده، هم من دمروا عاصمة الهكسوس ~~(حواريس) وحرروا مصر. # وإما أن يأخذ بالاحتمال الثاني الذي يؤيد فروضه، وهو أنهم عاشوا ~~في مصر أربعمائة سنة ليتيسر لهم إنجاب هذا العدد الهائل، لكنه «في ~~هذا الحال كان لا بد أن يقر بنظرية أنهم كانوا هم ذات عين ~~الهكسوس». # وحتى لا يقع بين شقي الرحى، فقد أهمل تماما الإشارة إلى حدث الدخول، وهو ~~الأمر الذي ربما غرب على بال القارئ وسط زحمة الإثارة وكم الإدهاش، لكنه بتعمده ~~هذا أثبت غرضية واضحة بعيدة عن روح العلم، وأول شروط العلم هو الأمانة فيما ~~نعلم، وهذا أول الغيث الفليكوفسكي، كان لا بد من الإشارة إليه، قبل البدء في مناقشة ~~فروضه وطروحاته ووثائقه وبراهينه واحدا واحدا. # ونعود الآن لكلامه «إننا سنجد أنفسنا مضطرين للإقرار وباعتراف صريح مباشر، ~~أن الكلمات - في الكتاب المقدس - تعني ما تقوله تماما.» لنجدها حسب ما أوردنا الآن ~~لا تعني ما تقول، ولا تلتقي مع أي فروض. وكان كلامه تمهيدا للاستشهاد بالنص ~~الذي أورده هكذا «ارتجت الأرض ... وارتعشت أسس الجبال ... تحركت واهتزت ... ~~دخان ونار ... فظهرت أعماق المياه، وانكشفت أسس المسكونة» (أسقط هنا الإشارة ~~إلى موضع النص بالكتاب المقدس). # هنا عمد «فليكوفسكي» مباشرة إلى النص التوراتي الذي رآه أهلا لتصوير الكارثة ~~التي صاحبت الخروج، وربما مر القارئ على النقاط الأفقية بين العبارات مرور ~~الكرام، وهي في عرف الباحثين مواضع لجمل أو فقرات تم الاستغناء عنها لعدم صلتها ~~بالموضوع ، وحتى لا تصرف ذهن القارئ عن جوهر الموضوع، وهي إحدى أدوات البحث العلمي ~~ولا اعتراض. لكن كل الاعتراض يكون عندما نعلم أن للكاتب مقاصد غير أمينة، وأنه قد ~~عمد إلى الإسقاط والحذف لأن المحذوف كان ms160 ممكنا أن يتعارض مع فروض الكاتب وما يريد ~~الوصول إليه؛ باختصار هي انتقائية وعدم أمانة واضح، وللتأكد إليك النص الأصلي ~~من الكتاب المقدس: # وفي ضيقي دعوت ربي، وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي، وصراخي ~~قدامه دخل أذنيه، «فارتجت الأرض، وارتعشت أسس الجبال»، ارتعدت ~~وارتجفت لأنه غضب، صعد دخان من أنفه ونار من فمه، أكلت جمرا، اشتعلت ~~فيه، طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه، ركب على كروب وطار، وهف على ~~أجنحة الرياح، جعل الظلمة ستره، حول مظلته ضباب المياه وظلال الغمام من ~~الشعاع قدامه عبرت سحبه، «برد وجمر ونار»، أرعد الرب من السموات ~~والعلى، أعطى صوته بردا وجمرا ونارا، أرسل سهامه فشتتهم، وبرقا ~~كثيرة فأزعجهم، «فظهرت أعماق المياه وانكشفت أسس المسكونة» من ~~زجرك يا رب، من نسمة ريح أنفك، أرسل من العلى فأخذني ... ~~(المزامير، 18: 6-16) # هذا هو النص، وقد عمدنا إلى إبراز ما انتقاه «فليكوفسكي» ببنط مميز، انظر ~~مثلا «صعد دخان من أنفه ونار من فمه»، أصبحت في النص الذي استشهد به «دخان ~~ونار» حتى تشير إلى صورة الكارثة التي صاحبت الخروج كما صورها، ولا بأس علينا ~~إن لفق الرجل في نصوص كتابه المقدس، لأن بني ملته أدرى بالنصوص الأصلية، لكن ~~البأس أن زور علينا وعلى العالمين! # واضح أن الرب «يهوه» هنا استجاب لدعوة الداعي بغضب، ولغضبه اهتزت الأرض ~~والجبال، وفي حنقه ترك عرشه السماوي وركب كروبا (الكروب نوع من الثيران ~~المجنحة، وهي بالقلب اللساني - الميتاتيز - تصبح بروكا أو براقا)، وهبط ينفث ~~غيظه دخانا من أنفه ونارا من فمه. وهي صفات اعتيادية لرب التوراة يعرفها جيدا ~~المعتاد على التعامل مع المقدس الإسرائيلي، فعادة ما يظهر الإله في صورة ~~التنانين، وهي الصورة التي دفعت الباحثين، ودفعتنا (في كتاب: منابع سفر ~~التكوين) إلى جمع الأدلة لتأكيد أنه ليس أكثر من رمز لقوى بركانية. لكن ~~فليكوفسكي الذي انتوى «أن يجد لكل كلمة بالتوراة نظيرها في الواقع وفي التاريخ» ~~وما يتبع ذلك بالضرورة من موضعة النص التوراتي وعقلنته؛ فقد قام من البداية ~~«باستبعاد كل ms161 ما يمكن أن يعطي دلالات أسطورية»، هذا ناهيك عن كون هذا النص ~~تحديدا من النصوص التي كتبت متأخرة عن كتابات أخرى بالكتاب المقدس، ويذهب ~~الباحثون إلى احتمال كتابتها إبان أسر اليهود في بابل أو ربما قبله بقليل؛ أي ~~إنها لا ترقى أصلا لعصر قائلها النبي «داود» في الألف الأولى قبل الميلاد. وحتى ~~«لو» كانت نسبتها لداود صحيحة، وحتى «لو» كانت نسبتها للألف الأولى قبل الميلاد، ~~وما قبلها بقليل صحيحة، وحتى «لو» دونت وقتها فورا «بالفرض»، وفي كل «لو» كسر ~~لحقيقة علمية، فإن النص يبعد عن زمن الخروج، وحسب تزمينه هو للعصور حوالي ستة ~~قرون كاملة، فهل يصلح للشهادة على واقعة مضى عليها ستمائة سنة قبل تدوين النص؟ ~~مع ملاحظة أن كاتبنا لم يشر بالمرة إلى كل تلك الملابسات المحيطة بالنص، وإنما ~~أورده كما لو كان شهادة شاهد عيان على الكارثة. أما الأجدر من كل هذا، ويدفعنا ~~لنصح القارئ «بإلقاء تلك الشهادة في أول صندوق قمامة يقابله»، فهو ما جاء في ~~مقدمة ذلك النص ويشرح الظروف التي قيل فيها؛ حيث يقول: «المزمور الثامن عشر ~~لإمام المغنين، لعبد الرب داود، الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد، في اليوم الذي ~~أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه، ومن يد شاول.» # ولإيضاح المقصود في تلك المقدمة التي سبقت النص، نورد قصة من أطرف القصص ~~التوراتية المقدسة؛ بإيجاز: بعد أن هزم الفلسطينيون بني إسرائيل أيام القضاة، ~~اجتمعت قبائل إسرائيل وطلبت من القاضي الكاهن «صموئيل» أن يختار لهم ملكا ~~كبقية الشعوب، يجمع صفوفهم وينظمهم ويقودهم بأسلوب الجيوش النظامية لحرب ~~الفلسطينيين، «فالآن أجعل لنا ملكا يقضي لنا كسائر الشعوب» (صموئيل أول، 8: 5). ~~فاختار لهم «شاول» كأول ملك لإسرائيل، وكان أهم صفاته التي أهلته للملك، أنه ~~كان «شاب وحسن الصورة، ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه، كتفه فما فوق كان ~~أطول من جميع الشعب» (9: 2)، ودخل «شاول» عدة حروب منها حربه مع العمالقة التي ~~اهتم بها «فليكوفسكي»، لكن شاول أبقى على الغنائم من الأطفال والبهائم، وأطلق سراح ~~زعيمهم ms162 «أجاج» بعد إذلاله وكسر شوكته، فغضب يهوه على «شاول»؛ لأن أوامر الرب كانت: ~~اذهب واضرب عماليق، وحرموا (أي «أبيدوا»، وهو اصطلاح توراتي معروف ومتواتر) كل ~~ماله، ولا تعف عنهم، بل «اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا»، بقرا وغنما، جملا ~~وحمارا» (صموئيل أول، 15: 2-3) (لاحظ أن ~~فليكوفسكي «لا يأتي أبدا على ذكر بربرية بني إسرائيل الوحشية تلك بالمرة بطول ~~كتابه، ولا يذكر شيئا عن إباداتهم للرجال والنساء والأطفال حتى البهائم»، لأي شعب ~~يوقعه سوء الحظ في أيديهم، لكنه ينعى وينعب طوال كتابه على العرب الهكسوس، ~~دونما دليل واضح على وحشية مشابهة اتسم بها الهكسوس تشابه وحشية وقسوة ~~بني إسرائيل وربهم يهوه). # المهم أن الرب يغضب على «شاول» لرحمته بملك العماليق «أجاج»، ويسلط عليه عفريتا ~~يلبسه؛ لذلك احتاج شاول إلى إقامة حفلات الزار بالطبول والزمور لتصرف عنه ~~العفاريت، وكان رجل الزار هو «داود بن يسي إمام المغنين والزمارين»، الذي دخل ~~البلاط ولمس حلاوته فطمح إلى الاستيلاء على العرش، بالتعاون مع الكاهن «صموئيل». ~~وبدأ الصراع الذي انتهى بمقتل «شاول» وتسلق «داود» سدة الحكم، ومن هنا قام ~~«داود» يغني على مزماره تلك الأنشودة، التي يقدم فيها الشكر للرب عرفانا، ~~ولا علاقة لهذه التزميرة البتة بحدث الخروج، وقد أرفق «فليكوفسكي» معها شهادات ~~أخرى، كالاستشهاد بمقاطع من سفر «أيوب» المتأخر بدوره عن الأحداث بما لا يقل عن ~~ألف عام، من قبيل «وهو المزحزح الجبال ... إلخ»، وهي عبارات تجدها في التوراة ~~بطولها، أو في أي نص ديني في أي دين آخر لتمجيد عظمة الإله، أي إله، وتصوير ~~قدراته على اللعب بأركان الطبيعة الثابتة لإثبات ألوهيته. # وهكذا يعزف «فليكوفسكي» مع داود على مزماره مرة، وينوح مع بكائيات «أيوب» على ~~حاله المتدهور وتوقعه تدخل الغضب الإلهي مرة أخرى، بنزوع غير خاف لنزع ~~النصوص من سياقها، وتفريغها من دلالاتها الأصلية، لتشهد معه على حدث الخروج ~~الأسطوري. ~~(5) مناقشه الوثائق ~~(5-1) تزييف دلالات بردية لايدن # من المعروف أن بردية لايدن «إبيور» قد نسخت من قبل شخص عاش في الأسرة ~~الثامنة عشرة أو بعدها، ms163 عن أصل يعود إلى بداية العصر المتوسط الأول بعد الدولة ~~القديمة، وقد انتهى إلى هذا الرأي - بقرائن لا تهم تفاصيلها إلا المصرولوجيين ~~(السير ألن هنري جاردنر)، ووافقه عليها بعد نشره الترجمة كاملة جمهرة العلماء. ~~والبردية على حالها الراهن تتكون من أربع عشرة صفحة، تشمل فقرات نثرية، وست ~~قصائد شعرية طويلة، وربما كان من الأفضل هنا استحضار كلام «جاردنر» نفسه حول تلك ~~البردية حيث يقول: «إن الفوضى التي ظلت قائمة بصفة مستمرة أو متقطعة حتى الأسرة ~~الحادية عشرة، إنما هي صورة لثورة حقيقية انطبعت في أعجب وأهم بردية من الأدب ~~المصري، الذي استطاع أن يبقى رغم مخاطر الأيام، «ولا ترجع هذه البردية المحفوظة في ~~مجموعة لايدن إلى ما قبل الأسرة الثامنة عشرة»، ولكن حالة البلاد التي تناولتها ~~بالوصف، لا يمكن أن تكون من وصف خيال قصاص أو راوية، ولا هي تصلح لأن توضع في ~~أي مكان من التاريخ المصري، سوى «الفترة اللاحقة لنهاية الدولة القديمة». أما ~~المقدمة فضائعة لسوء الحظ، وقد فقد معها كذلك تسجيل الظروف التي دفعت المتحدث ~~لإلقاء عظته، وهناك أول الأمر مجموعة كبيرة من الفقرات المختصرة تصور حالة ~~الدمار والغزو، التي سقطت البلاد فريسة لها نتيجة عدوان مغامرين منحطي ~~الأصول، وآسيويين يشقون طريقهم إلى الدلتا ... إنها تعكس صورة لما آلت إليه ~~الأرستقراطية المنهارة ... أما الملك الذي يهيل إبيور اللوم على رأسه من جراء ~~ضعفه وتراخيه، فربما كان من آخر فرع بين الملوك المنفيين (آخرهم هو آخر ملوك ~~الأسرة السادسة بيوبي/بيومي الثاني، والإضافة من عندنا) ومهما كان من أمر، فإنه لا ~~نزاع في أصالة بردية لايدن وصدقها، من حيث هي وصف لمصر في العهد الوسيط الأول.» # 3 # وكان حريا بأي باحث غير متخصص في المصريات وأركيولوجيتها، أن يترك الأمر ~~لأهل مكة فهم أدرى بشعابها، وربما جاز له أن يأخذ بأرجح الشهادات، ليبني بعد ذلك ~~عمله أو كشوفه، لكن «فليكوفسكي» ليس باحثا عادي؛ لذلك رفض كل ما قيل بشأن تلك ~~البردية وركن إلى احتمال ضعيف قدمه «زيته»، ومن ثم رفض ms164 نسبتها للعصر المتوسط ~~الأول، وألحقها بالعصر المتوسط الثاني؛ لأنها في هذه الحال ستوافق ما ذهب إليه. ~~بينما نحن سبق أن أقمنا عملا كاملا تأسس على إشارات ل «جاردنر ووبيت وبرستد ~~وإرمان وسليم حسن ونجيب ميخائيل وعبد العزيز صالح ... إلخ»، وهي شذرات تشير إلى تصوير ~~البردية لحال يبدو «كلون من ألوان الثورة، ثم» أقمنا عمد العمل وجمعنا له الدلائل ~~والشواهد مع ما لحقها من استنتاجات؛ بحيث أثبتنا في كتابنا «رب الثورة: أوزيريس ~~عقيدة الخلود في مصر القديمة»، # 4 # أن الظلم الذي حاق بالجماهير في عصر بناة الأهرام، والفوارق الطبقية ~~الهائلة التي اكتمل نضجها في ذلك العصر، أدت إلى ثورة شعبية عارمة، كانت هي ~~السبب في سقوط الأسرة السادسة والدولة القديمة، وأن بردية «إبيور» ليست سوى واحدة ~~من رجع الصدى الأدبي لتلك الأحداث الجسام. # وهنا أجدني مضطرا لتقديم اعتراف متواضع، مضمونه أني ما كدت أنتهي من قراءتي ~~الثالثة لكتاب عصور في فوضى حتى كان «فليكوفسكي» قد أنشب كل إمكاناته وبراعته في ~~دماغي، حتى وصلت إلى لحظة كادت تكون هي التسليم له بكل ما ذهب إليه؛ ومن ثم كان ~~لا بد أن أعيد النظر فيما سبق أن وصلت اليه في أعمالي المنشورة لي على الأقل، ~~وأن أعلن في أقرب مناسبة تراجعي الكامل عن كل ما وصلت إليه في أبحاثي من باب ~~أمانة واجبة علميا، كما كان ينبغي إذا أردت الاستمرار أن أبدأ من نقطة الصفر ~~مرة أخرى، وأعيد النظر في كل ما وصلت إليه حتى الآن في قراءتي للتراث. وهذا ~~طبعا عدا كم المعاناة التي عشتها ما بين انتماءاتي الوطنية، وبين إصراري على ~~التزام نتائج العلم الصادق - وهي ما تصورت «فليكوفسكي» قد انتهى إليها - حتى لو ~~خالفت أشد الأمور حميمية، وكان الحل هو العزوف الكامل عن البحث والدرس بشكل ~~نهائي. # ولولا محاولة أخيرة في قراءة رابعة لعصور في فوضى، تسعى للاطمئنان اليائس قبل ~~أن أنفض يدي من شئون البحث، قصدت منها مراجعة أخيرة لمكمن سقطاتي البحثية قياسا ~~على نتائج «فليكوفسكي»، لأضعها بين يدي ms165 باحث صديق أطمئن لإخلاصه ليأخذ الخطوة ~~المناسبة. أقول: لولا تلك القراءة ما كان ممكنا أن أكتب هذه الصفحات؛ فسرعان ما ~~بدأت تتتالى اكتشافاتي لمكامن الشراك والفخاخ، وبدأ التلفيق يظهر ثم تزييف الدلالات ~~آخذا بعضه برقاب بعض، تلك الشراك التي تمت صياغتها وترتيبها بحرفية عالية الجودة، ~~وبإتقان غاية في الكفاءة. # وهنا لا أجد مندوحة من إطلاع قارئي على فكرة أساسية تتعلق بذات الوثائق التي ~~استشهد بها «فليكوفسكي» من نصوص مصر القديمة، وأدت فيها تلك الوثائق - عندنا - ~~دورا يختلف تماما، وسنكتفي بتلك الفكرة الأس في عملنا «أوزيريس ...» والتي ~~استغرقتها ثلاث أسر في الدولة المصرية القديمة (الرابعة والخامسة والسادسة)، ~~وما أفرزته تلك الأحداث من بنى فكرية. مع عدد من القرائن والبراهين التي تشير ~~إلى ثورة جماهيرية شعبية حقيقية، صاحبتها حركة فكرية نشطة أفرزت للثورة تنظيرها ~~ووضعت لها أيديولوجيتها، تلك الأيديولوجيا التي تمثلت في ديانة جديدة، ورب ~~جديد، يهتم بشئون المستضعفين، ويضع أسس النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ~~الذي طمح إليه الثوار، وقد تمثلت الأدلوجة في ديانة الإله «أوزيريس»، وهو ما ~~دفعنا لجمع عدد آخر من البراهين لدعم فكرة محورية، هي حداثة ذلك الإله بالنسبة ~~للآلهة الرسمية وشبه الرسمية، وأن ظهوره وافق مقدمات تلك الثورة، مما استدعانا ~~الرجوع إلى ما تركه العصر من تراث أدبي ينطق بما حدث، وكان على رأس تلك الأدبيات ~~«بردية لايدن». # ولا يبقى الأن سوى موقفين يجب أن يثبت أحدهما صدقه الموضوعي: الأول: أن تكون ~~الأحداث التي سجلتها البردية تصويرا حقيقيا لكارثة الخروج كما رواها الكتاب ~~المقدس، والثاني: أن تكون تلك الأحداث تصويرا لثورة شعبية، واعية لأهدافها ~~الطبقية، دلت عليها - في رأينا - روح ثورية في أشعارها، متضمنة مطالب بالعدل ~~الاجتماعي، والتقريب بين الطبقات، مع بعض المحافظة التقليدية الطبيعية تماما، من ~~شاعر حكيم، أتاحت له ظروفه الاجتماعية ذلك القدر من التعليم . # وحتى لا نفعل فعل «فليكوفسكي»، فسنقدم الوثيقة كما ترجمها المتخصصون من علماء ~~المصريات عن الهيروغليفية، ولن نتدخل في النص إطلاقا، فقط سنسقط الأبيات التي ~~يعاد تكرارها نصيا، مع الاستعانة الأساسية ب ms166 «سليم حسن»، مع التدخل بالاستعانة ~~بترجمة «جاردنر» في بعض المواضع لما قد نجده غير واضح أو مفهوم لتيسيره على ~~القارئ، كذلك سنستعين بترجمة «هنري برستد» لذات الغرض في أحيان أخرى، ~~وللمدقق أن يراجع وراءنا. # يقول الحكيم «إبيور»: # حقا فإن (... تالف)، وملأى بالعصابات، ويذهب الرجل ليحرث ومعه درعه ...، وحامل ~~القوس أصبح مستعدا، والمجرمون في كل مكان. # حقا إن النيل في وقت الفيضان، ولكن لا أحد يحرث من أجله ... # حقا لقد أصبح المعوزون يمتلكون - الآن - أشياء جميلة، ومن كان يرقع نعليه ~~أصبح صاحب ثروة. # حقا إن القلب لثائر، والوباء قد أنبث في كل الأراضي، والدم صار في كل مكان، ~~ولفائف المومياوات تتكلم. ~~«حقا لقد أصبح الحزن يملأ أصحاب الأصل الرفيع، أما الفقراء فقد امتلئوا ~~سرورا»، وأضحت كل قرية تقول: دعونا نقصي العتاة من بيننا. # حقا لقد أصبحت «الأرض تدور كعجلة صانع الفخار، وصار اللص صاحب ثروة ~~...» # حقا لقد تحول النهر دما فهل يشرب الإنسان منه؟ # حقا إن (... تالف) والعمد والجدران قد التهمتهما النيران ... «حقا إن حجرة الملك ~~لا تزال باقية وتقف ثابتة ...» # حقا لقد «أصبحت التماسيح متخمة بما تقنصه بعد» أن ذهب إليها الناس عن طيب ~~خاطر ... # حقا لقد أصبح ابن الأصل التليد مجهولا، وأصبح ابن زوجته ابن خادمته ... ~~«ونزل أقوام من الخارج إلى أرض مصر ...» # حقا إن الذهب والفضة والياقوت والكرنيليان والبرونز والمرمر (... تالف). «تحلى ~~جيد الجواري، والنبيلات مشردات في الشوارع، وربات الخدور. يقلن: ليت عندنا ~~شيئا نأكله.» # حقا فإن (... تالف) أعضاء النبيلات في حالة يرثى لها إذ «يرتدين الخرق ~~الممزقة ...» ~~«حقا إن صناديق الأبانوس تتكسر وخشب سسنم الثمين يقطع لصنع الأسرة ~~...» # حقا إن «ألفنتن» و«طيبة» لا تؤديان الضرائب بسبب الحروب الداخلية ... فما ~~فائدة وجود خزانة للدولة بدون دخل؟ ... هذا ماؤنا وهذه سعادتنا ولكن ما العمل؟ ~~وكل شيء ينحدر إلى دمار. # حقا إن الأموات أصبحوا كالأحياء ... «وأصبح لا يميز بين ابن رفيع الأصل وبين من ~~لا أب له»، والجلبة لم تكن بهذه الشدة في سني الجلبة، ولا نهاية للضوضاء ~~... # حقا لقد ms167 «أصبح أولاد الأمراء يضرب بهم عرض الحائط»، وأطفال الشهوة يلقون ~~على قارعة الطريق، وأصبح الإله خنوم يئن تعبا ... # حقا هؤلاء الذين يرتدون الكتان الراقي أصبحوا يضربون، واللاتي لم يسبق أن ~~شاهدهن نور النهار قد خرجن، واللاتي كن على أسرة أزواجهن بتن ينمن على ~~مضاجع مقضة، وأصبحت السيدات يتألمن كالإماء ... # حقا لقد أصبحت الخادمات يوجهن ألسنتهن حيث شئن، وعندما تتكلم السيدات ~~فإنهن يبدين الملل ... # حقا لقد أصبح الولاة بائسين جياعا. # حقا لقد أصبح الأحمق يقول: لو عرفت أين الإله قدمت له القرابين! حقا إن ~~«قلوب الماشية تبكي والقطعان تندب حال البلاد.» ~~«حقا لقد عمت الوقاحة كل الناس.» # حقا «لقد دمر ما كان بالأمس مرئيا ...» ~~«حقا لقد أصبح القوم يأكلون الحشائش ويشربون الماء ... وأصبحت القاذورات ~~تختطف من أفواه الخنازير ... وجرد الملأ من الملابس والعطر والزيت.» # حقا لقد «ذبح الموظفون الرسميون وسلبت منهم سجلاتهم، ودمرت دفاتر ~~كاتب الضرائب، وأصبحت غلال مصر مشاعا.» ~~«حقا لقد وضعت قوانين الحكم في الساحات، وأخذ العوام يدوسونها بالأقدام في ~~الطرقات والفقراء يمزقونها في الأزقة.» ~~«حقا لقد وصل الفقير إلى مرتبة الآلهة التسع ... وازدحمت قاعات المحاكم العليا ~~بالغوغاء، وأخذ الفقراء يروحون ويجيئون في البيوت العظيمة.» # حقا لقد أصبح أولاد ولاة الأقاليم يلقون في الشوارع. ~~«انظر، إن النار قد اشتعل لهيبها عاليا ضد أعداء البلاد.» # انظر، لقد حدثت أمور لم تحدث من عهد بعيد فقد «اختطف الفقراء الملك.» ~~«انظر، إن الذي دفن كصقر يرقد الآن على نعش وما أخفاه الهرم بات خاويا ~~...» # انظر، إن الناس يظهرون العداء لليورايس (ثعبان التاج الملكي (المؤلف)) حلمي ~~الدرع، الذي جعل الأرضيين في سلام ... # انظر، إن الأرض ملأى بالعصابات ... والثاوين في المقابر ألقوا على قارعة الطريق، ~~ومن لم يكن بمقدوره الحصول على كفن أصبح يملك ثروة ... ومن لم يملك حجرة صار يمتلك ~~فناء مسورا. # انظر، إن كبار القضاة قد طردوا ليهيموا في الأرض ... # انظر، إن النبيلات يرقدن على الفراش الخشن ... ومن لم يكن ينام على مصطبة حجرية ~~بات يمتلك سريرا ... # انظر، إن الرجل الغني يمضي ms168 ليلة عطشان، ومن كان يتلقى فضلاته أصبح يمتلك ~~الجعة الفاخرة. # انظر، إن اولئك الذين كانوا يملكون الملابس الكتانية أصبحوا في خرق بالية، ومن ~~كان لا ينسج لنفسه يلبس الكتان الراقي ... # انظر، إن الذي ما كان يستطيع صنع قارب لنفسه أصبح يمتلك سفينة بينما صاحبها ~~ينظر إليها بعد أن سلبت منه ... # انظر، إن من كان يجهل الضرب على العود أصبح يملك الهارب البديع، ومن كان لا ~~يغني له أحد بات تغنيه آلهة الطرب ... # انظر، إن من كان ينام بلا امرأة لفقره أصبح يجد الأميرات. # انظر، إن الفقير أصبح يمتلك ثروة تجلب له مديح العظماء. # انظر، إن من كانوا يملكون خوي وفاضهم ... # انظر، إن الأصلع الذي لا يعرف الزيت أصبح يمتلك أواني العطور الذكية. # انظر، إن التي كانت تشاهد وجهها في الماء أصبحت تملك مرآة. # انظر، إن أبناء البلاط في ملابس ممزقة وماشيتهم منهوبة. ~~«انظر، إلى القصابين يذبحون الماشية للفقراء.» # انظر، إن «القصابين يذبحون الإوز ويقدمونه للآلهة على أنه ثيران ~~(؟!).» ~~«انظر، إن من كانوا ينامون على أسرة ينامون اليوم على الأرض، وذاك الذي كان ~~ينام في الأوساخ يتدثر في سرير.» # انظر، إن من كان لا يمتلك أتباعا أصبح صاحب عبيد، ومن كان من السادة أصبح ~~ينفذ الأوامر. إن الفقراء يستيقظون وهم لا يخشون نور النهار، «وإنها لخيام ~~صنعوها مثل المتوحشين.» ~~«انظر، أين هو ليحاسب الناس؟ ... إنه يطفئ اللهيب، يقال عنه راعي كل الناس، ولا ~~يحمل في قلبه شرا، وحينما تكون خرافه قليلة العدد، فإنه يصرف يومه في جمعها ~~إلى بعضها وقلوبها محمومة ... فأين هو اليوم؟ هل هو بالمصادفة نائم؟ إن بأسه لا يرى ~~(تلفيات شديدة).» # إن القيادة معك والفطنة وأسباب العدالة، لكنك نشرت الفوضى في البلاد مع الفتن، ~~الغوغاء يحدثون الضوضاء. بينما تتلى عليك الأكاذيب والبلاد كالقش الملتهب ... ~~ليتك تذوقت بعض هذه المصائب بنفسك ... (بعد ذلك تلفيات لا تسمح بتكوين فكرة ~~صحيحة أو جملة مفيدة). # 5 # وتأسيسا على تلك المعاني، اعتمدنا بردية لايدن كوثيقة دالة على الثورة، التي ~~بدأت عمليا وفعليا بانتشار ms169 الكفر بالآلهة الرسمية للدولة، حتى صار الرجل ~~الأحمق يقول: إذا عرفت أين الإله قدمت له القرابين، و«الأحمق» هنا تترجم أيضا ~~«المنفعل، ما هو ضد الرزانة والتصرف الكيس عموما». وبينما كان القصابون ~~مشغولين بذبح الثيران للجوعى، كانوا يقدمون للآلهة الإوز على أنه ثيران، وسخرية ~~من آلهة لا تميز في توزيع الأرزاق. ثم الأحداث التي تلت ذلك لإقصاء العتاة ~~وتدمير مباني القضاء الظالم وسجلاتها، ونهب ثروات مقابر الأغنياء والملوك، وبدا ~~أن كل شيء ينقلب رأسا على عقب؛ فالأرض «تدور حول نفسها كعجلة صانع الفخار»، ~~والشطر الثاني من البيت يشرح مباشرة «وصار اللص صاحب ثروة». وتمكن الثوار من ~~القبض على الملك الدي لم توضح البردية مصيره، وهو معلوم على أية حال، وانفلتت ~~الجماهير من عقالها لتدمر بدون تمييز حتى صار نهر النيل بلون الدم لكثرة ~~القتلى وما كانت تلتهمه التماسيح. مع إشارات نادرة ويتيمة لتسلل أغراب للدلتا؛ ~~بحيث بدا الحدث هامشيا بجوار الأحداث الأخرى الجسام، وهو التسلل الذي تم ~~القضاء عليه مع استقرار ملك أسرة أهناسيا الإقليمية إبان العصر المتوسط ~~الأول، حتى يقول أحد ملوكها «خيتي» لولده «مري كارع»: «لا تزعج نفسك بالآسيوي ~~التعس، إن هو إلا آسيوي.» ثم تابع حكام الأسرة الحادية عشرة تطهير البلاد منهم، ~~وعندما يأتي زمن الأسرة الثامنة عشرة لا نجد أي ذكر لوجود آسيوي على أرض مصر إلا ~~العمالة الرخيصة الوافدة باستمرار. وإن كان المعلوم أن ذلك التسلل قد تكرر لكن في ~~شكل غزو كبير للهكسوس جاء بعد سقوط الدولة الوسطى، ولعل إشارة «إبيور» إلى أن ~~الفقراء إبان الثورة، قد أقاموا لأنفسهم خياما في الشوارع مثل المتوحشين، ~~إشارة ساطعة تقطع بأن هؤلاء كانوا ثوارا مصريين يأتون تصرفات تشبه ~~المتوحشين، وهي الوصف المصري للبدو، أما أن تذكر البردية الإله رع والإله ~~خنوم، ولا ذكر إطلاقا للإله آمون ، فذلك في رأينا يشير إلى وجوب نسبة البردية ~~للعصر المتوسط الأول وليس إلى العصر المتوسط الثاني كما يريد فليكوفسكي؛ حيث ~~لم يكن آمون قد ظهر بعد؛ لأنه لم يظهر إلا مع الملك ms170 آمنمحات الأول في الأسرة ~~الثانية عشرة من الدولة الوسطى. # هذا ما كان عن بردية لايدن ودلالاتها، فماذا عن تلك الدلالات عند «فليكوفسكي»؟ مع ~~الانتقاء، وملء الثغرات من عنده، لا يجد المرء نفسه إلا أمام حدث كوني عظيم ~~«الأرض تدور حول نفسها، المدن دمرت، الكل خراب، سنوات الضجيج»، هذا مع المقاطع ~~التوراتية مع كل مقطع مقتطع من البردية، مع كلام من لون «إن تلك الهزات كانت ~~متتابعة الحدوث مرة بعد أخرى، حتى تحولت البلاد إلى أنقاض، وانهار نظام الدولة ~~فجأة وأصبحت الحياة لا تطاق، فيقول إبيور: آه لو تتوقف الأرض عن الضجيج، إن ~~بردية إبيور تحتوي على دلالة على حدوث كارثة أرضية مصحوبة بزلزال.» # ولا يفوت المدقق هنا أن تصدير هذه الفصول بعنوان «أرض مصر في جيشان» أو «في ~~ضجيج»، عمد واضح لتزييف الدلالات في البردية؛ حيث عمد إلى الكلمة المصرية «هرو» ~~التي تعني عددا من المعاني مثل «النهار وكل ما يتصف بالوضوح مثل الركض، الثورة، ~~أصوات الشغب والجدل والصراخ، الزمجرة، نفثات الغضب، الصراع»، ليأخذ منها فقط ~~معنى زمجرة الأرض القاصرة على جيشان الزلازل. وغني عن البيان هنا، أن أسلوب ~~المصري القديم في التدوين، له سمات خاصة، وتعبيرات خاصة، ويقصد إلى دلالات يجب ~~الاعتياد عليها مرتبطة ببلاغيات العبارة وتراكيبها، وهو اعتياد من لزوم ما يلزم ~~للفهم السليم لتلك الدلالات؛ فمثلا عندما كان المصري القديم يقول «الأرض» نفهم ~~فورا أنه يقصد مصر تحديدا دون العالم أجمع، وعندما يقول «الناس» يقصد الشعب ~~المصري وحده دون الناس، حتى إنه في البرديات المتأخرة وفي عصور الانحطاط كان ~~المصري يبدي أسفه لأن الأجانب قد أصبحوا من الناس، # 6 # لكنه يفصل عن دلالات «الأرض» و«الناس» معنى «الحكومة»، بحيث لا تدخل ~~المؤسسة السياسية ضمن تلك الدلالات، فالكلمة الدالة عليها تصبح «برعو» أي السور أو ~~البيت العظيم ، المأخوذ منها كلمة «فرعون»، والأمر هنا يشبه استخدام تعبير ~~«الباب العالي» للإشارة للسلطان أو مقر الحكم العثماني؛ لذلك فإن «إبيور» عندما ~~يتمنى أن تكف الأرض عن الضجيج، يعني تماما أمنية توقف أرض ms171 مصر عن الثورة ~~وناسها عن تدمير البلاد. # و«فليكوفسكي» الذي يريد تحقيق المطابقة التامة بين أحداث البردية وأحداث التوراة، ~~لا يعمد إلى التأويل، لكنه يركن إلى قدرته على استخدام الأدوات الفنية في الصياغة ~~والتوصيل، فيمزج كلامه بكلام التوراة بكلام البردية، ويتداخل الكل وسط شوق متأجج ~~يضع فيه القارئ الذي إن التفت إلى الأمر في البداية، فلن يستمر منتبها له وسط ~~زحمة الأحداث وتسارعها. وعندما يدرك «فليكوفسكي» التوقيت المناسب الذي يحتمل أن ~~يكون القارئ قد بات فيه مستسلما له، يدخل مباشرة بكل ثقله ليمرر ما قد لا يتفق ~~إطلاقا مع فروضه، ويربط بين ما لا يمكن توافقه بين البردية والتوراة؛ فبينما كان ~~الحديث عن الدم في النهر لضحايا الثورة، وتماسيح النيل، يصبح حديثا عن تحويل مجرى ~~النهر دما، دون الإشارة إلى ثورة أو تماسيح، ويأتي بالنص «هذه مياهنا وهذه ~~سعادتنا فماذا نفعل؟» لتشير دون أي وجه لتشابه مع نص التوراة «مات السمك الذي ~~في النهر وأنتن النهر.» ولما لا يجد بالبردية نصا واحدا يشير إلى ضربة ~~البرد لا يجد بأسا من الاستشهاد بنصوص تشير لنتائج الثورة الوخيمة، كإهمال شئون ~~الفلاحة والري من قبيل «لا فاكهة ولا محاصيل موجودة» كما يجعله أيضا دلالة على ~~ضربة الجراد الذي لا يوجد لها أي ذكر بالبردية، لكنه يجد صيدا ثمينا في النيران ~~التي أشعلها الثوار في المباني الحكومية ليطابقها مع التوراة «وجرت نار على ~~أرض مصر»، لكن الفاضح في الأمر أنه لا يزيف الدلالات فقط، بل يبلغ حد التزوير ~~التدخل في بنية النص عندما يضيف من عنده داخل علامات تنصيص تنص على ~~اقتباس نص من البردية «والنار التي أهلكت الأرض لم تنشرها أيد بشرية لكنها ~~سقطت من السماء.» # وأحيانا يحمل الألفاظ فوق طاقتها، كما في تعقيبه على نص البردية «أحقا ~~اختفى ما كان بالأمس مرئيا»، رغم أن المصري لم يزل حتى اليوم يستخدم كلمة ~~«بالأمس» للدلالة على وقائع وأحداث مرت عليها أجيال. أما انتحاب الماشية على ~~أحوال البلاد، وهو تعبير شائع في الكتابات المصرية، فيتحول بقدرة ms172 قادر ليلتقي ~~مع قول التوراة: «يد الله تكون على مواشيهم التي في الحقل، على الخيل والحمير ~~«والجمال» والبقر والغنم ... سيفتك بها طاعون.» والمثير أن مصر لم تعرف في تاريخها ~~القديم ولا نقوشه ولا ألفاظه ما يشير إلى معرفتها بالجمل، أما الأكثر إثارة ~~فهو أن فليكوفسكي قد فاته أن المصريين لم يعرفوا الحصان والعجلة التي تجرها ~~الخيل إطلاقا وبالقطع، قبل قدومهما مع الهكسوس الغزاة. وحسب نظريته هو، فإن بني ~~إسرائيل خرجوا من مصر قبل دخول الهكسوس إليها؟! # ولأن التوراة تتحدث عن ضربة البرد، ولا برد في البردية، فإن «فليكوفسكي» يتقصى ~~حتى يجد معلومة يتيمة في كتاب وضعه «أرتبانوس» عن أحداث غير معلومة المصدر، ~~نقلها عن «إيسابيوس» يحكي فيها عن صقيع وزلازل أثناء ليلة البلاء الأخير «حتى ~~إن أولئك الذين فروا من بيوتهم خوفا من الزلزال قتلهم البرد.» والمعلوم أن ~~«إيسابيوس» راوية مرتبط بروايات التوراة في كثير من تخريجاته، أما الكتاب ~~الأصلي الذي وضعه «أرتبانوس» ونقل عنه «إيسابيوس» فهو كتاب مجهول، ولم تكتشف منه ~~نسخة واحدة اليوم! # وكان معنى أن يسقط «فليكوفسكي» من اعتباراته الإشارات الكثيفة والواضحة ~~والمتكررة إلى الثورة الطاحنة، أن يلحق الشك عمله بكامله، ولأنه أذكى من ذلك، ~~فقد خصص فصلا بعنوان «البكر أو المختار» ليفرغ فيه المحتوى الثوري ودلالته، ~~ليصب في دلالات أخرى توافق التوراة. ولأنه من جانب آخر لم يجد في التوراة ذاتها ~~ما يشير إلى تلك الثورة الشعبية الطبقية، فقد جعل من فصله متاهة للقارئ بعبقرية ~~يحسد عليها، مهد له بفصل «الليلة الأخيرة»، وألحقه بملاط لاصق جيد التماسك ~~في فصل «تمرد وفرار»؛ بحيث أصبحت كل نصوص البردية التي تتحدث عما لحق ~~الأغنياء والفقراء من تحولات، وما آل إليه أبناء النبلاء من مصير بالقتل أو ~~التشرد، إنما حديث واضح عن الضربة الأخيرة في الليلة الأخيرة ؛ حيث سفك رب ~~التوراة دم المصريين في تلك الليلة، ولم يعد قانعا بقمله وذبابه وبعوضه وجراده ~~وضفادعه، فنزل تقتيلا لكل بكر في كل بيت، إنسان أو بهيمة، مع الأخذ بالحسبان ~~أن تلك الضربة ms173 لم تلحق أيا من بني إسرائيل أو مواشيهم، بعد أن ميزوا بيوتهم ~~للرب الذي هبط يتخبط كرها وفظاظة، والتاثت روحه برائحة الدماء سعارا، وذلك بأن ~~قام بنو إسرائيل يرشون دماء الحيوانات على أبواب بيوتهم كعلامات للرب الهائج، ~~كي يظن أنه قد سفك دم أهلها فيعبر عنها. # 7 # ويؤكد الرجل نظره في مقتل المختارين من مصر بنص البردية «انهار ~~المسكن في لحظة»، بحيث إن الزلزال قتل سكان المنازل الفخمة، والبيت الملكي تحديدا ~~(رغم نص البردية على سلامته)، لكن السؤال المشروع هنا هو: كيف أمكن لزلزال بهذه ~~الشدة أن ينتقي انتقاءين متميزين: الأول: أن يصيب المصريين ولا يصيب ~~الإسرائيليين (ولا يمكن في هذه الحال قبول حجة أن الإسرائيليين كانوا يسكنون ~~بعيدا عن المصريين في مصر، وإلا ما ميزوا بيوتهم بالدم، وما تيسر لنسائهم ~~استعارة ذهب المصريات الساكنات معهن ونزيلات بيوتهن لسلبه ليلة الخروج حسب نصيحة ~~موسى لهن وحسب نص التوراة). # 8 # أما الانتقاء الثاني غير المفهوم، فهو «كيف أمكن لزلزال أن ينتقي ~~أغنياء مصر ويميز أمراءها ويصيبهم دون الفقراء؟» إن الكارثة الوحيدة والوباء ~~الوحيد الذي يمكن أن يفرز هذا الفرز هو ثورة طبقية واعية، وهو ما يفسر لنا ~~بقاء المعابد الضخمة والأهرام وغيرها من آثار سبق بناؤها العصر الذي نحن بصدده، ~~ولم يشر إليه «فليكوفسكي» إزاء زلزاله العظيم. # ويلاحظ القارئ هنا كاتبنا - وهو بسبيل التغلب على العقبة الكأداء بالبردية، ~~وما تحمله من أحداث تشير إلى ثورة الجماهير المصرية ضد طغيان النبلاء والملك - ~~يروح ويجئ قبل إلقاء ما في جعبته فيقلب أكثر من حقيقة رأسا على عقب؛ فهو يحول ~~الحديث عن السجن الذي حطمه الثوار لإطلاق المعتقلين، إلى حديث آخر يقول: «لقد ~~حرك مشهد أبناء الأمراء المسحوقين على أرض الشوارع الصخرية المظلمة (لا ~~توجد في مصر شوارع صخرية بالمناسبة)، والجرحى والموتى بين الأنقاض، حرك لوعة ~~وأسى الشاهد المصري، ولم ير أحد ما حدث في أقبية السجن، تلك الأقبية التي ~~حفرت تحت الأرض وأغلقت أبوابها على السجناء (الرجل هنا يصور لنا مصر كما ~~لو ms174 كانت أوروبا العصور الوسطى)، ولم ير أحد العذاب الذي تعرضوا له حين انهارت ~~تلك الأقبية فوق رءوسهم ودفنتهم أحياء تحت الأرض»، وكل ذلك جاء فيما يرى في ~~العبارة اليتيمة، التي بحثنا عنها عبثا، وتقول «السجن حطام.» وأبدا لم ~~نجدها. # أما كفر الناس بالآلهة الرسمية وتطاولهم عليها، فهو ما يشير إلى قول التوراة ~~«وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين.» ونبش قبور الموتى الأثرياء أصبح عنده «ولم ~~تكن الأرض أكثر رحمة بجثث الموتى في قبورهم؛ فالمقابر لفظت موتاها وتمزقت ~~الأكفان.» أما الدليل فمن الهجادا التي كتبت بعد ذلك بما يصل إلى ألفي ~~عام. # كل هذا وورطة الأحداث الثورية قائمة، لكن الآن قد خفت حدتها في ذهن ~~القارئ، ويسهل عندئذ أن يسوق تخريجه الضعيف المتكلف والمبتسر، في كون ~~إصرار البردية على تعرض أبناء الأمراء والحكام فقط للقتل والتشريد، هو ~~موافقة تامة للتوراة، التي قررت قتل الرب لأبكار المصريين. والأبكار في ~~تفسيره ليست سوى أبناء النخبة والطبقة البكر المصطفاة، ولأنه لا يمكن - عقلا - ~~قبول أن يكون يهوه قد أمضى ليلته يمارس نزوته الشاذة في قتل أطفال الأغنياء، فلم ~~يبق أمام «فليكوفسكي» سوى مزج فكرة الثورة - التي يعترف بها بسرعة وبألفاظ غير ~~حاسمة - بإرادة الرب «يهوه»، وينتهي إلى أن ربه انتقم من المصريين بقتل ~~المختارين المميزين من النبلاء والمترفين. ثم يردف فورا بما يشعر القارئ ~~بمدى موضوعيته ونزاهته فيقول: «وبرغم أن البردية المهترئة «لم تحتو على أي ذكر ~~للإسرائيليين صراحة أو تلميحا، ولم تشر إلى أي من قادتهم (؟!).» فإن ثلاثا ~~من الحقائق ظهرت بوضوح تام كنتيجة للكارثة، أو مجموعة الكوارث المتتالية، وهي: ~~تمرد السكان، فرار البؤساء والمساكين المسخرين للعبودية، واختفاء الملك في ~~ظروف غامضة. وبالرغم من التطابق الوصفي للكوارث بين ما ذكرته البردية، وما ~~سردته أحداث الكتاب المقدس، فإنني إن حاولت أن أستخرج من البردية أكثر من ~~الحقائق، فقد أعرض نفسي للريب والظنون، بمحاولة استغلال الحالة السيئة التي ~~وجدت عليها البردية، لإثبات نتائج مسبقة بتضمينها ما لم تتضمنه. لكن الإشارة ~~للكارثة، والجماهير التي تمردت وفرت ليست ms175 غامضة، ومعناها واضح وليس فيها أي ~~مجال للبس أو غموض ... «وهي زلازل متتابعة» صاحبت ظواهر طبيعية أخرى اجتاحت أرض ~~مصر، «صاحبها أكثر من بلاء» سبب هلاك الإنسان والحيوان والنبات، وإتلاف كل ~~مصادر المياه.» # والرجل هنا، وهو يلبس ثوب العالم النزيه والأمين، يقوم بأكثر من تلفيق، وأكثر ~~من تزوير لدلالات الوثيقة، فإذا كان السكان قد تمردوا فهذه حقيقة، وأن يكون ~~المعتقلون قد فروا من الحبس فهي حقيقة أخرى، لكنها لا تشير بالمرة إلى فرار ~~بني إسرائيل من عبودية مصر إلى فلسطين، أما ما يسميه اختفاء الملك في ظروف ~~غامضة، فهو إشارة ذات تخابث واضح على عقل القارئ، وتذهب به فورا إلى فكرة الغرق ~~في البحر. # أما أن يطابق بين النص البردي «انظروا، إن النار قد اشتعل لهيبها عاليا ضد ~~أعداء البلاد، وترجمها هو «أمام أعداء البلاد»، وبين نص التوراة «وكان الرب يسير ~~أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في عمود نار ليضيء ~~لهم.» فهو افتئات واضح على اللفظة المصرية التي تفيد معنى «مقابل» والتي ترجمها ~~«سليم حسن» بمعنى «ضد»، والتي تحمل ضمنيا معنى أن لهيب الثورة كان إشارة للبدو ~~بتجاوز حدود مصر وهي في حالتها المتردية، وهو ما توضحه البردية دون لبس في ~~قولها - حسب ترجمته هو - «ماذا حدث؟ لقد علم الآسيويون بحال البلاد.» # وعن قول «إبيور» في النص الفليكوفسكي: «إن ذلك لم يحدث لأي فرعون آخر قط.» فهو ~~ليس إشارة لغرق جلالته إنما لخطف الفقراء لجلالته، وربما محاكمة جلالته، وربما ~~إعدام جلالته. # إننا نقرر مع التاريخ التقليدي، الذي لم يعجب «فليكوفسكي»، والذي لم يذكر بني ~~إسرائيل بالمرة إلا في نص مرنبتاح المعروف، «أن البدو الذين تسللوا إلى البلاد ~~إثر الثورة، في العصر المتوسط كانوا شيئا يختلف تماما عن غزو الهكسوس الذي دخل ~~بجحافله في العصر المتوسط الثاني»، وأن الغزو الأول كان تسللا غير ذي بال و«لا ~~تزعج به نفسك، إن هو إلا آسيوي.» وأن أصحاب الغزو الأول أطلق عليهم اللسان ~~المصري «العاموحريشع» أي البدو فوق الرمال، أما ms176 الغزو الثاني فكان باللسان المصري ~~«حقاو-خاسوت» التي نطقت عند «مانيتون» «هكسوس»، ولم يخلط التاريخ في وثائقه ~~بينهما ولا مرة واحدة. ~~(5-2) تزييف دلالات حجر العريش ~~«من سيهتم حقا بالبحث وراء رجل بهذا القدر من الاجتراء؟ أو من سيشك أصلا ~~في قرائن تركب بعضها فوق ذهن قارئ أسلم قياده لمفكر يبدو بهذا القدر من ~~النزاهة؟ وعليه من سيهتم مع الصدمة النفسية الوجدانية بالبحث والاهتمام؟ أو من سيجد ~~نفعا يرجى بمراجعة نصوص قديمة بعد الصدمة العقلية لكل ما تعارف عليه ~~التاريخ والمؤرخون؟ أو من سيجد في ذاته بواعث تدفعه للسعي وراء نص لا تجد له ~~ذكرا في أغلب المصنفات التي تناولت مصر القديمة؟ وربما كان على الباحث المصر ~~على التأكد أن يذهب بنفسه إلى متحف الإسماعيلية ليستفسر عن «حجر العريش» ومصيره، ~~وعن ترجمته الصادقة، وله وعد مني أنه سيعود بعد ذلك يائسا من كل شيء، بعد كم ~~اللامبالاة والاستهانة والاستخفاف التي سيلقاها من مؤسساتنا العتيدة.» # فما هو حجر العريش؟ # لقد حكى لنا «فليكوفسكي» قصة العثور عليه بكثير من الصدق، ثم حكى لنا القصة ~~المدونة عليه بما هو أكثر من الإفك، فحمل النص فوق ما يحتمل،وأنطقه ~~بدلالات لم يقصد إليها ولا خطرت ببال الرجل الذي قضى ينقره بالإزميل زمنا؛ ~~فالنص عند «فليكوفسكي» يحكي بلسان مبين عن بلوى عظيمة تعرضت لها مصر ~~القديمة، من عواصف، وجيشان للأرض، ودمار، مما حدا بالفرعون المدعو «توم» ~~والذي أكد كونه كان ملكا أن اسمه قد جاء مدونا على حجر العريش في خرطوش ~~ملكي، إلى جمع جيوشه، ووعد جنوده في ظل الظلام الذي حل بالبلاد، أنهم سيرون ~~النور من جديد بقوله: «سنرى أبانا رع حر أختي في منطقة باخيت المضيئة»، و«رع» ~~هو إله الشمس المصري كما هو معلوم، هذا بينما الملك قد أضمر غرضا آخر ، فقد ~~«ذهب صاحب الجلالة لمحاربة أبوبي وزمرته.» لكن النتيجة كانت وخيمة على الفرعون ~~وجنده، لأنه «حين قاتل جلالة الملك رع حرماكيس (نظرا للتضارب بين حر أختي، ~~وبين حرماكيس، يضع فليكوفسكي هنا علامة استفهام وعلامة ms177 تعجب)؛ حيث قاتل إله ~~الشر بالقرب من البحر مكان الدوامة، فإن إله الشر لم يتغلب على جلالته، «ولكن ~~جلالته هو الذي اندفع إلى دوامات البحر».» ~~«وإذا كانت المنطقة المضيئة اسمها «باخيت» فإن «فليكوفسكي» بعد صفحتين، وبعد ~~مرور كثير من الأسماء الغريبة الكفيلة بنسيان الاسم الأصلي، يعود لذات النص ~~ولكن الكلمة تصبح هذه المرة «بي خاروتي»، وذلك كي تلتقي مع كلمة «بي هحيروث» ~~العبرية، التي تشير للموقع الذي توقف فيه الإسرائيليون قبل عبور البحر ~~مباشرة والمترجمة في التوراة العربية إلى «فم الحيروث»، ولأن «باخيت» بعيدة ~~فيلولوجيا عن «بي هحيروث» فإنه يضع بينهما متوسطا مزورا لم يرد بحجر ~~العريش هو «بي-خاروتي».» # ونستمر مع «فليكوفسكي»: «خرج ابن الفرعون صاحب السمو جب ليبحث عن أبيه، وقد ~~أخبره شهود العيان بكل ما حدث لرع في بات نيبيس ... والصراع الذي خاضه الملك ~~توم.» ولا شك أن المدقق سيتوه هنا وهو يحاول معرفة اسم ذاك الذي خاض ~~الصراع وغرق في دوامات البحر، هل هو ملك باسم «رع» أم باسم «توم». لكنه ~~يعلمنا بعد ذلك أن أبناء «أبوبي» قد غزوا البلاد ليحطموها، وسلبوا ~~الابن «جب» عرشه، بينما اعتزل هو في مسكن ناء، ربما كان منفى اختياريا أو ~~إجباريا. # وبينما أهمل «فليكوفسكي» الاسم «رع» تماما كما لو كان غير موجود، فقد ركز ~~على «توم»؛ لأنه الاسم الذي سيلتقي مع الاسم الوارد في التوراة، للمدينة التي ~~استعبد الإسرائيليون في بنائها لفرعون الخروج، واسمها «فيثوم»، ويمكن نطقها ~~«فيتوم» و«بي توم»، وفي هذه الحالة يصبح معناها «منزل توم». ولا ينسى أن يربط ~~ببراعة، بين إشارة «مانيتون» المؤرخ المصري العظيم - الذي سبق أن هاجمه وسفه ~~آراءه وتاريخه لكنه احتاجه الآن - إلى فرعون الخروج باسم «توتيماوس»، ويرى أن ~~الاسم يحوي في تركيبه شقا هو «توم». # لكن أي مهتم بالتاريخ الديني لمصر القديمة، سيعرف كم كان «فليكوفسكي» ~~ملفقا؟ وكم كان بارعا؟ لأن القصة المنقوشة على حجر العريش ليست سوى ترديد ~~لأسطورة دينية قديمة، اعتقد فيها المصري منذ فجر التاريخ، وأن الأسطورة قد ~~صيغت في أسلوب ms178 التعاويذ السحرية، التي يتم ترديدها في زمن محدد، لدرء خطر ~~عظيم سيلحق بإله الشمس المصري، وبالتالي بمصر جميعا. وكان إله الشمس ذاك يحمل ~~الاسم المركب «رع أنوم» أو «آتوم رع». ومنذ استقرار الإنسان في الوادي، أدرك ~~أهمية الشمس في تجفيف التربة والمستنقعات، وفي نضوج النباتات، لذلك حظيت ~~بأهمية بلغت بالشمس سمت السيادة بين الآلهة، وبحيث أصبحت الرب الرسمي ~~للدولة. وقد ارتبطت الشمس بعناصر أخرى لازمة لحياة الإنسان والنبات، هي حسب ~~أهميتها: الهواء، والرطوبة أو الندى، والتربة أو الأرض، والسماء التي هي مقر ~~«رع آتوم». وفي واحدة من الصياغات الدينية لمدينة «أون» المقدسة، نجد إله ~~الشمس يخلق من ذاته بالاستمناء - إيغالا في توحيده وحتى لا تكون له شريكة - ~~إلها ذكرا هو «شو» إله الهواء، وإلهة أنثى هي «تفنوت» إلهة الندى أو ~~الرطوبة. ويتزوج «شو» و«تفنوت» لينجبا إله الأرض «جب» الذي يحتسب وفق تلك ~~الصياغة حفيدا لرع آتوم، وابنا ل «شو» و«تفنوت»، بينما في صياغة أخرى يأتي ~~«جب» كأب لإله الشمس «رع». # ولأن أهم وسيلة نقل للمصريين هي الإبحار في النيل، فقد تصوروا أن ~~هناك نيلا آخر في السماء، هو الذي يؤدي إلى سقوط الأمطار أحيانا. # 9 # وأن دورة الشمس اليومية تتم بإبحار «رع» في النيل السماوي، في ~~مركب أسموه «مركب الشمس»، تجوب به السماء من الشرق إلى الغرب نهارا، لتنتقل ~~إلى زورق آخر مع الغروب لتعبر به سماء سفلى أثناء الليل من الغرب إلى الشرق، ~~وهكذا دواليك. أما تلك اللحظة التي يتم فيها الانتقال فكانت أخطر اللحظات ~~إطلاقا؛ حيث كانت غالبا ما تدور حرب هائلة ودموية يظهر أثرها في لون الغسق ~~الناري وفي لون الشفق؛ فالرحلة الإلهية لم تكن تتم دوما في بهاء وسلام؛ ~~لأن هناك إلها للشر هو الأفعى الضخمة الأفعوانية «أبوفيس» وجنوده ، يكمن في ~~لحظة الظلام ليداهم زورق الشمس ويبتلع إله النور، لذلك كان يحرس الإله في ~~مركبه بحارة وجنود وحاشية، تخوض معارك شرسة ضد إله الظلام والشر «أبوفيس» # 10 # حتى لا تسمح له بابتلاع الشمس الذي يعني خراب ms179 الزرع والضرع، ~~وتحول البلاد إلى بادية جرداء، لذلك ألحق المصريون باسم «أبوفيس» العلامة ~~الهيروغليفية الدالة على الصحراء والجدب، وهي ذات العلامة المستخدمة لكل ما ~~يمت للصحراء والشر والجفاف والظلام بصلة. # ومن هنا لا بد من وجود جيوش الخير بصحبة «آتوم رع» لقهر التنين «أبوفيس» ~~وجنوده، وهو اعتقاد مرده إلى اعتقاد آخر شاع في أقطار الشرق القديم - ولم ~~يزل - وهو أن كسوف الشمس أو خسوف القمر، ناجم عن ابتلاع ثعبان ضخم أو شيطان ~~أو مجموعة من الجن للجرم السماوي. وما زال الأهلون في قرانا يخرجون بالطبول ~~والعصي والسيوف في جماعات منظمة تمثل جنود الخير تهلل وتكبر لمساعدة ~~الجرم عند ظهور حالة الخسوف، لتخويف الثعبان ليطلق الجرم السماوي. ومن هذا ~~اعتقد المصري القديم في تعرض «آتوم رع» أحيانا، بل وفي أي وقت، للالتهام ~~أثناء إبحاره في دوامات النيل السماوي؛ لذلك وضعوا تلك الترتيلة السحرية ~~المعوذة لمساعدة إله الشمس على الهروب من «أبوفيس» والإبحار السريع في مياه ~~السموات العظيمة؛ حيث لا يتمكن «أبوفيس» من اللحاق به أمام جحافل جيش الخير ~~التي تعطله دوما عن غايته الشريرة. وقد صيغت ترتيلة «فشل التنين» عدة ~~صياغات متواترة في نقوش متعددة في مواضع مختلفة بالوادي، وليس على حجر ~~العريش وحده، وتستخدم التعويذة خاصة عند الغروب حيث تختفي الشمس في الظلام ~~وتكون أكثر تعرضا للابتلاع، وربما لا تعود للظهور في اليوم التالي. وإن ~~الشمس كان دوامها النهاري يتناقص في فصل الشتاء (هو فصل الجدب) إلا لأنها كانت ~~تخوض حربا مريرة مع جيشها كل ليلة ضد الشيطان «أبوفيس»، الذي لا يستقوي إلا ~~في فصول الجدب الباردة. # ومطلع النص معنون ب «فاتحة قهر أبوفيس عدو رع وعدو الملك أون نفر ~~(اصطلاح ملكي يشير لأي فرعون بمعنى له الحياة)، له الحياة والفلاح والصحة ... ~~كتاب معرفة الخلق لرع وقهر «أبوفيس»، الكلام الذي يتلى»، ثم يبدأ المقطع الأول ~~بترديد عظمة أتوم رع باعتبار الخالق «قال إله الجميع بعد أن جاء إلى الوجود ... ~~(هنا حديث طويل عن خلقه للآلهة من أبنائه وأحفاده ومنهم «جب ms180 رب الأرض» ... ~~«أمرتهم بإبادة أعدائي بواسطة السحر» الفعال لحديثهم، وأخرجت هؤلاء الذين ~~جاءوا إلى الوجود من جسمي أن تصب عليه لعنة ... «ينتصر رع عليك ... هكذا تكون في ~~مركبك»، ستعبر السماءين في سلام ... إلخ.» # 11 # وهكذا يهمل «فليكوفسكي» اسم «رع» تماما من النص، ويفصل عنه ~~«أتوم»، ويحذف الهمزة ليصبح «توم» حتى يلتقي باسم الموضع التوراتي «بي توم». ثم ~~تصبح المعركة ضد ظلام الكسوف، معركة الفرعون «توم» مع الملك الهكسوسي «أبوب» ~~عند موضع عبور بني إسرائيل الميامين «بي حيروث». ويتحول إسراع «أتوم رع» ~~بالهرب من أبوفيس (حيث كانت مهمته الهرب دوما والحفاظ على ذاته بينما يحارب ~~جنوده عنه ليهرب) إلى الماء السماوي؛ يتحول إلى فرعون يندفع مع جيشه إلى ~~دوامات البحر (وعليه نفهم أنه غرق رغم أن القصة ليس فيها أي غرق). وبكل ~~براعة يطابق بين اسم التنين «أبوفيس» وبين اسم الملك الهكسوسي «أبوب» مع ~~استثمار عدم معرفة القارئ غير المتخصص لمعنى «خرطوش»، فيشير إلى أن وجود ~~اسم «توم» محفورا على خرطوش يشير إلى كونه كان ملكا لأنها الصيغة المصرية ~~المتبعة لكتابة أسماء الملوك. بينما المعلوم لدى أي مهتم بالمصريات أن ~~الخرطوش كان لتدوين أسماء الآلهة، في المقام الأول، ثم لتدوين أسماء الملوك ~~المؤلهين، أو الحاكمين بحق النسل الالهي في المقام الثاني؛ لذلك كان ~~طبيعيا أن ينقش سم «رع آتوم» داخل خرطوش. أما اسم حالة ما بين النور ~~والظلام شبه المضيئة بين ذهاب النهار الذي أظلم، وبين قدوم ظلمة الليل، فيتحول ~~من التسمية «باخيت» التي تدل على الخوف من الظلام وما قد يحيق برب الشمس، ولم ~~يزل يقولها المصري إلى اليوم تخويفا «بخ»، تتحول إلى «بي حيروث» ~~التوراتية. # ثم إن «فليكوفسكي» يضع علامة استفهام وعلامة تعجب من تلقيب «رع» مرة بلقب ~~«حر أختي» ومرة بلقب «حرماكيس»، وهو ما يشير إلى أنه يوحي لقارئه، أنه قد لمس ~~خطأ في النص ربما يرجع لجهل من كاتبه. لكن معنا ربما انصرف الذهن الأن إلى ~~جهل في «فليكوفسكي» ذاته. لكن الرجل حتى الآن أثبت براعة تجعلنا ms181 ننأى به عن ~~صفة الجهل، لكنها لا تنأى به عن العمد إلى التزوير؛ لأن «حر أختي» هو اسم ~~الشمس أو لقبها في حالة الشروق، أما «حرماكيس» فهو عندما تكون في حالة الغروب ~~ويمثلها حينئذ أبو الهول، واللقب الحوري لإله الشمس «رع آتوم» يشبه الشمس ~~بالحر أو «حور» الصقر. إنها تطير كالصقر، إضافة لما يحمله لفظ «حر» من معنى ~~الحرارة. # و«فليكوفسكي» وهو يقوم بهذه التلفيقة الكبرى، يعمد إلى ترجمة «نتر» ~~ومرادفاتها بالقصة إلى ملك، وهي إن صلحت للدلالتين إله وملك، فإنها تستعمل ~~عادة للإشارة للآلهة، أما «جب» إله الأرض، وحفيد «رع آتوم» فيصبح عند ~~«فليكوفسكي» الأمير الملكي الذي فقد عرشه بعد غرق أبيه بمعجزة البحر الملفوق ~~بالعصا السحرية، ولأن حجر العريش فيما يبدو كان تسجيلا لحالة هامة من حالات ~~الكسوف، فقد قام جب بالدور المطلوب منه حسب نص التعويذة والذي من أجله وجد ~~أصلا هو وأشقاؤه من آلهة؛ فخلقهم كان بغرض حماية «رع آتوم» من ~~«أبوفيس». # لكن من المهم هنا أن نسجل للعالم البارع «فليكوفسكي» سقطة لا تليق به؛ ~~فالسرد هنا جميعه يتناول «حربا خاضها الفرعون - حسبما يقول - ضد الملك ~~الهكسوسي «أبوفيس»، إذن لم تكن مطاردة ضد الإسرائيليين» - حتى لو أخذنا ~~بتزويره - وحتى يلتقي النص مع الزمن الذي حدده لدخول الهكسوس، وهو ذات الوقت ~~الذي خرج فيه بنو إسرائيل، «فلا بد أن يكون الملك الهكسوسي ليس «أبوفيس»، إنما ~~يجب أن يكون «سالاتيس» أول ملوك الهكسوس على مصر؛ لأن «أبوفيس» الأول وليس ~~الثاني أو «أبوب الأول» هو الملك الرابع من ملوك الهكسوس الفعليين على مصر، ~~وليس ملك الغزو، ولو ذهبنا إلى كونه ربما كان «أبوفيس» أو «أبوب الثاني»، فإن ~~ذلك يعني أن تلك الحرب قد حدثت في آخر عصر الهكسوس، وهو ما يبعد أربعة قرون ~~عن عصر خروج بني إسرائيل حسب تاريخه هو وتزمينه للأحداث.» # الحقيقة أن الرجل رغم براعته، ورغم أنه أمتعنا فعلا بأكبر عملية تزوير ~~وتلفيق، فإنه كبا حتى الآن لأكثر من كبوة، أما هذه فكانت سقطة شديدة. ~~(5-3) تزييف ms182 دلالات بردية الأرميتاج # اكتشف بردية الأرميتاج المصرولوجي «جولنشيف»، وقام بترجمتها ودرسها وتحقيقها ~~وتحليلها كل من «بيت وبرستد وإرمان وجن وجاردنر»، وهي محفوظة الآن بمتحف ~~«ليننجراد»، وتحوي نبوءات الكاهن المرتل «نفررحو». وتدعي البردية أنها ألقيت ~~في حضرة الفرعون «سنفرو» أحد أوائل ملوك الأسرة الرابعة من الدولة القديمة. وفي ~~رأينا أنه قد دخلها على حالتها التي وصلتنا أكثر من خدعة: الأولى في كونها تحكي ~~عن أحداث تخص عصرا، وكتبت في عصر آخر ونسبت إليه، وقد ذهبنا في كتاب «أوزيريس ~~...» «أنها كتبت في عصر الثورة في العصر المتوسط الأول في نهاية الدولة القديمة، ~~وأعطيت قيمة تقليدية - حيث القديم يكتسي القداسة والتبجيل - بنسبتها إلى عصر ~~موغل في القدم، عصر «سنفرو» قبل عصر الثورة بقرون طوال.» ~~«أما الخدعة الثانية فهي في نسبتها لعصر موغل في القدم قبل الأحداث التي ~~تروج لها بالفعل، مما يكسبها قدرة أعظم على التنبؤ.» # والخدعة الثالثة التي ربما جازت على كثير من الباحثين، فهي أنها استثمرت مرة ~~ثالثة في عصر يخالف العصرين السابقين: عصر «سنفرو» وعصر الثورة، بأن أضيف إلى ~~متنها الأصلي نصا إضافيا ألحق بآخرها، وهو النص الذي - بعد سرد أحداث الصراع ~~الاجتماعي، وتسلل الآسيويين إلى البلاد - يضيف نبوءة بملك منقذ يأتي ويخلص ~~البلاد من كبوتها، أشارت إليه باسمه المختصر «آميني». وذهب المؤرخون إلى أنه هو ~~«آمنمحات الأول» مؤسس الأسرة الثانية عشرة من الدولة الوسطى، مما حدا بهم إلى ~~تزمينها «بإثبات تاريخها في عصر ذلك الفرعون، وأنها كتبت في عهده ثم نسبت إلى ~~أيام «سنفرو»، كي تتحول إلى لون من ألوان الدعاية لآمنمحات كملك عادل منقذ»، ~~وهو ما نوافق عليه تماما. لكنا سقنا في المقابل عددا من القرائن التي تشير إلى ~~أن «الجزء الأخير الذي يتنبأ بالملك المنقذ «آميني» هو فقط الذي تصح نسبته لعصر ~~«آمنمحات»»، وأن هذا الجزء قد أضيف بالفعل أيامه أو قبل صعوده سدة العرش بزمن ~~يسير، وكان معلوما باليقين للكاتب الذي أضاف تلك النبوءة أن «آمنمحات» لا بد ~~سيصبح ملكا للبلاد. أما بقية متن الوثيقة فكان ms183 بالفعل يسبق عصر «آمنمحات» ~~بزمان، «وأن ذلك الأصل قد تم تدوينه زمن الثورة، وبالتحديد أيام فوضى العصر المتوسط ~~الأول»، وهكذا أصبحت الوثيقة تبدو بكاملها كرؤية تنبؤية بقدوم «آمنمحات». # أما السر في عدم اليقين من التأريخ الصادق لزمن الأحداث الواردة بها، أنها لم ~~تدون بالفعل على النسخة التي وصلتنا إلا في عهد الدولة الحديثة، من قبل كاتب ~~عاش في القرن 1500ق.م؛ حيث ظهرت له أهمية النص الأصلي الذي بدا موشكا على التلف، ~~فقرر نسخه والاحتفاظ به، ولما لم يجد بردية خالية عنده قام بنسخها على ظهر ~~بردية كان يستخدمها لإجراء حساباته الخاصة، وبذلك وصلتنا نبوءة «نفررحو» بالصدفة ~~البحتة، بما تحويه من غموض ومن أغلاط كثيرة حدثت نتيجة النسخ عن نص قديم ~~يختلف أسلوبه عن أسلوب عصر الناسخ. # وترجع أهمية الوثيقة لكونها - في رأينا - «دونت لأول مرة في عصر الثورة ~~بالعصر المتوسط الأول»، لكنها بعكس «إبيور» الذي ركز اهتمامه على أحداث الثورة، ~~فإنها ~~«ركزت اهتمامها على تسلل الآسيويين للبلاد»، فألقت الضوء على ما أهمله ~~«إبيور» وساقه في شذرات لا تعطي تفصيلا عن ذلك التسلل بشكل واف، وهنا يجدر ~~بنا أن نضيف أنه ليست فقط مؤخرة البردية هي التي أضيفت إليها في عهد «آمنمحات»، بل ~~إن بالمدخل شواهد واضحة على كونها بدورها تمت إضافتها في عهد «آمنمحات». # الوثيقة تبدأ بالملك «سنفرو» جالسا وسط حاشيته: «وقال لهم جلالته: يا إخوتي لقد ~~أمرت بطلبكم لتبحثوا لي ... عن أي شخص يتحدث بكلام جميل وألفاظ منتقاة، عندما ~~أسمعها أجد فيها تسلية، عندئذ سجدوا ... وقالوا ... يوجد مرتل عظيم للإلهة باست ~~يا أيها الملك، اسمه نفررحو، وهو «رجل شعبي قوي الساعد» وكاتب حاذق الأنامل ... ~~فقال جلالته: اذهبوا وأئتوني به ... فقال المرتل نفررحو: هل تريد كلماتي عما حدث ~~أو ما سيحدث يا مولاي الملك؟ فقال جلالته: لا، مما سيحدث؛ لأن الحاضر قد أتى إلى ~~الوجود يمر بنا، ثم «مد يده إلى صندوق مواد الكتابة، وأخذ قلما وقرطاسا ومدادا ~~وكتب: كتابة ما تحدث به الرائي نفررحو». ابن مقاطعة عين شمس، حينما ms184 كان يفكر ~~فيما سيحدث في الأرض، ويفكر في حالة الشرق حينما أتى الآسيويون بقوتهم» (ولنلحظ ~~أن نفررحو من عين شمس بالدلتا، مما يجعله أقرب إلى معايشة أحداث التسلل البدوي بل ~~وكان في مركز هذا التسلل في بوبسطة معبد الربة القطة باستت). ويقول نص كلام ~~«نفررحو»: # فؤادي، لطالما تألمت من أجل تلك الأرض التي نشأت فيها. # وقد أصبح الصمت نقيصة. # وثمة أمور يتحدث القوم عنها ... # وقد ولى زمان الرجل الكفء ... # فمن أين تبدأ؟ ... # لا تراع فؤادي؛ # فالأمر واضح أمامك «وعليك أن تقاومه». # لقد أصبح حكام البلاد يأتون أمورا ما كان ينبغي حدوثها، ~~«وخربت الأرض» وليس من يأسى عليها. ~~... يتحدث الجميع عن الحب ... لكن الخير اختفى. # تناقصت الأرض لكن الموظفين تزايدوا. # جفت الأرض لكن «الضرائب تضخمت». # قلت المحاصيل لكن المكيال اتسع، ~~«واقتحم القبليون أرض مصر»، # وما من مدافع ليسمع أو يجيب. # تباعد «رع» عن الناس وأصبح الكليل صاحب سلاح، ~~«وصار القوم يبجلون من كان يبجلهم ...» # لكن سيأتي ملك من الجنوب اسمه آميني، # ابن سيدة من تاستي، # طفل خن نخن، # سوف يتسلم التاج الأبيض، # ويلبس التاج الأحمر، # والناس في زمنه سيكونون سعداء، # إن ابن أحدهم (أو ابن الإنسان)، # 12 # سيخلد اسمه إلى أبد الآبدين. # 13 # أما «الذين تآمروا على الشر ودبروا الفتنة»، # فقد أخرسوا أفواههم خوفا منه، # والآسيويون سيقتلون بسيفه، # واللوبيين سيحرقون بلهيبه، ~~«والثوار سيستسلمون لنصائحه»، # والعصاة لبطشه. ~~«سيخضع المتمردون» للصل الذي على جبينه، # وسيقوم أسوار الحاكم، # حتى لا يتمكن الآسيويون من غزو مصر، # وسيستجدون الماء حسب طريقتهم المعروفة، # حتى ترده أنعامهم، # وستعود العدالة إلى مكانها، # وينفي الظلم من الأرض، # فليبتهج من سيراها، # ومن سيكون من نصيبه التعاون مع ذلك الآتي. # 14 # هذا، وكنا قد ذهبنا في كتابنا «أوزيريس ...» إلى أن تولى «آمنمحات الأول» عرش مصر، ~~يوحي أن تلك الولاية كانت قمة أغراض العمل الثوري، استنادا إلى شواهد أهمها: # أن «آمنمحات» لم يكن من سلالة ملكية، ولا حتى من أبناء النبلاء، بل ~~كان رجلا من سواد الشعب، وإن كان طيب المنبت، أثبت صلاحيات ms185 عسكرية ~~وحربية أوصلته إلى وزارة الحرب، ويعلمنا «سليم حسن» مستفيدا من ~~«جاردنر» أن تعبير «ابن أحدهم» أو «ابن الإنسان» تعبير متواتر يشير ~~إلى شخص من نسل غير ملكي أو نبيل، وإن كان ابن أسرة طيبة. # 15 # ويقول «جيمس برستد» صراحة: «إن آمنمحات قد اغتصب الملك قهرا.» # 16 # ويذهب معه آخرون إلى أنه كان وزيرا قويا في عهد ~~«منتوحتب الرابع» آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة، واستطاع - أثناء ~~وزارته - أن يركز بيديه سلطات كبيرة، يشرف إشرافا فعليا على ~~شئون الدولة، وانتهز وفاة مليكه فوثب على العرش. # 17 # هذا ناهيك عن الاتفاق شبه الكامل على أنه هو ذاته «أمنحتب ~~سحتب أب رع» رئيس الجند في عهد «منتوحتب الرابع»، وأنه استغل رياسة ~~الجند للإطاحة بمليكه والقضاء على شأفة أسرته. وقد أكد «برستد» وهو ~~مصرولوجي ثقة أنه هو ذاته «آمنمحات سحتب أب رع» صاحب آخر حملة ~~مشهورة تم تجريدها لتطهير البلاد تماما من بقايا الآسيويين، وذلك ~~قبل قيام الأسرة الثانية عشرة بزعامته بزمان يسير. # 18 # والشاهد الثاني هو أن قائد الجند «أمن محات» ينتمي باسمه الذي يعني ~~«آمن في الطبيعة» إلى إله كان مغمورا حتى ذلك الحين هو «آمن»، مما ~~يشير إلى اتباعه عقيدة تخالف عقيدة سادته، المناتحة التابعين للإله ~~«منتو» إله أرمنت، وهو أمر غريب مع وزير في حكومة فرعونية، ومنذ تولي ~~«آمنمحات» الحكم يرتفع شأن «آمن» حتى يصبح أهم الآلهة على الإطلاق حتى ~~نهاية العصور الفرعونية. # والخطير في رأينا هو أن «آمون أو آمن» كان في العقيدة الشعبية ~~هو «... روح أوزيريس» # 19 # ذلك الإله الذي احتسبناه أدلوجة الثورة. # والشاهد الثالث هو أن «آمنمحات» اعتبر في نظر رجال الفكر المصري ~~القديم - كما عند «نفررحو» - ~~المخلص المنتظر، إضافة إلى كونه الرجل الذي وجه همه إلى كسر ~~شوكة النبلاء الدين بقوا من العصور القديمة. # 20 # وقد أسسنا على ذلك تكهنا مفاده أن آمنمحات كان رجل الشعب ~~المنتظر، وربما كانت القيادات الشعبية وراء الترويج له كما في إضافة ~~النبوءة به لأشعار «نفررحو»، مع تمهيد السبيل له بكل ms186 الوسائل للوصول ~~إلى الحكم. ولعل في نص البردية ما يشير إلى حميمية العلاقة بين ~~«آمنمحات» والثوار، فإن الآسيويين سيقتلون بسيفه «واللوبييون ~~سيحرقون بلهيبه»، و«العصاة ببطشه»، لكن «الثوار سيستلمون لنصائحه». ~~وقد استطاع آمنمحات بالفعل أن يجعل من عصره أزهى عصور الدولة الوسطى، ~~ولكن «أندريه إيمار» و«جانين إبوايه» يذهبان إلى تأكيد أنه قد مال ~~آخر أيامه إلى عقد لون من المصالحة مع النبلاء الأقوياء ... الذين ~~بدءوا يستعيدون نفوذهم بعد سكون الأحوال، بحيث ارتضى السماح لهم ~~باستعادة قسط من النفوذ القديم مقابل طاعته. # 21 # وهنا عثرنا على نصوص تشير إلى مؤامرة قد دبرت في الخفاء لاغتيال الملك، وبلغت ~~حدا بعيدا حيث دخل عليه الجناة غرفة نومه، وهجموا على شخصه الملكي بالسيوف، مما ~~اضطره للدفاع عن نفسه بنفسه حتى هرع الحراس لمساعدته، وقد احتسبنا تلك المحاولة ~~قد جاءت من جانب القيادات الثورية إزاء سياسته الجديدة مع النبلاء؛ بحيث استدعى ~~تصفيته جسديا. ويدل حديث «آمنمحات» عقب محاولة اغتياله على ذلك المعنى؛ فهو يأسف ~~لخيانة حلفائه الذين وثق بهم، ويقول: # لقد أحسنت إلى اليتيم، # وأطعمت المساكين، # وتحدثت مع الوضيع كمحادثتي مع الأمير، # لكن كل من أكل خيري، # قام ضدي. # 22 # والمعنى الواضح أنه كان حليفا لطبقة محددة، يصفها باليتم والمسكنة والوضاعة، ~~مؤكدا أن هؤلاء الحلفاء هم من حاولوا اغتياله، وإن كان «برستد» يؤكد أن ~~المتآمرين كانوا من رجال حاشيته، # 23 # فإن ذلك يدعم مذهبنا؛ لأنه من الطبيعي أن تكون حاشيته متشكلة ممن ~~مهدوا له السبيل إلى العرش، ومن هنا نفهم لماذا قام بتصفيتهم جميعا بعد ~~ذلك. # كما أن في بردية «نفررحو» معاني كثيرة تؤيد ما ذهبنا إليه، ونسوقها هنا كأدلة ~~جديدة لم ندرجها بكتابنا المذكور؛ فالمعتاد أن يسبق اسم فرعون ويتبعه عدد غفير ~~من ألقاب التشريف والسيادة والتفخيم إلى حد مبالغ فيه، ويثير عجبا شديدا بين ~~الباحثين، وهو الأمر الذي تخلو منه هذه البردية تماما، وهو أمر خارج على المألوف ~~بالمرة. ناهيك عن كون الملك يخاطب حاشيته بالنداء: «إخوتي» ويتوجه بالحديث لأحد ~~رعيته بالقول: «يا صاحبي»، ms187 وبدلا من أن يأمر بإحضار الكاتب الملكي، ~~يقوم هو بهذا الدور ليسجل ما يقول واحد من ~~بين أصغر رعاياه. وهي مشاهد لا يمكنك أن تجدها قبل أو بعد تلك الوثيقة النادرة، في ~~تراث مصر القديمة. أما أن يطلب صاحب الجلالة مرتلا يؤنسه فيخبره رجاله لزيادة ~~سعادته وإدخال السرور على قلبه أن مثل ذلك الرجل موجود، وأنه ليس رجلا عاديا، ~~ويبشرونه بوصف الرجل المطلوب بالوصف «رجل شعبي قوي الساعد»! فهو أمر في غنى عن ~~التعليق. # والآن ماذا قدم لنا «فليكوفسكي» بشأن بردية الأرميتاج! # بعكس الجميع فإن كلمة «أميني» تشير عنده إلى «أمنحتب الأول» ابن الملك «أحمس» ملك ~~التحرير، ويعد «آمنحتب الأول» ثاني ملوك الأسرة الثامنة عشرة. والاسم هنا بدوره ~~ملصق من مقطعين «آمن + حتب»، ولأنه يريد من كلمة «آميني» أن تشير إلى محرر ~~مصر من الهكسوس؛ لأنها لا تلتقي مع المحرر «أحمس»، فلتلتق مع ولده، ولأن «آميني» ~~من «تاستي» بالنوبة، فلا بد أن يكون أسود اللون وهو لون «آمنحتب الأول»، لكنه أيضا ~~لون «آمنمحات» وأغلب حكام مصر من ملوك طيبة. «ميني» إذن يحتمل أن تشير «لآمنمحات» ~~حتى يتزامن التاريخ مع زمن التوراة، ولأن الفاصل بين الرجلين «آمنمحات الأول» ~~و«آمنحتب الأول» يصل إلى قرون، إلا أن أخطر ما يدحض «فليكوفسكي» تماما، هو نص ~~البردية الذي يصف «آميني» بأنه ابن أحدهم؛ أي ليس سليل بيت ملكي فهو ملك ابن ملك ~~من ذات الأسرة الحاكمة، بينما الملك «آمنحتب الأول» هو ابن الملك «أحمس» بن الملك ~~«سقننرع» ... إلخ، أما «آمنمحات» فرجل من عامة الشعب، وهكذا لا ينطبق الوصف على ~~الملك الذي اختاره «فليكوفسكي» ليتزامن مع تاريخه، وقصد به أن يطابق «آميني» مع ~~«آمنحتب الأول» ليستطيع أن يجعل من بردية الأرميتاج برمتها شهادة على أحداث الخروج ~~ودخول الهكسوس. # أما الدحض الثاني لهذا السند لإعادة كتابة التاريخ حسب التزمين الفليكوفسكي، ~~فهو ما جاء، في نص البردية: «... الآسيويون سيقتلون بسيفه ... وسيقوم أسوار الحاكم حتى ~~لا يتمكن الآسيويون من غزو مصر.» والمعلوم أن سور الحاكم الذي كان يشار إليه ms188 ~~بالتعبير «حائط الحكم التي أقيمت لصد الآسيويين والقضاء على عابري الرمال» قد ~~بنيت في عهد ملوك الأسرة الثانية عشرة # 24 # أسرة «آمنمحات» وقبل زمن «آمنحتب الأول» بستة قرون كاملة. # وبمزيد من البحث والتدقيق، نجد في وثائق الأدب المصري، وفي قصة «سنوحي» تحديدا، ~~وهي قصة أدبية مشهورة، دليلا قاطعا على أن «حائط الحاكم» قد أقيم زمن «آمنمحات ~~الأول»، أو أنه كان موجودا في آخر أيام هذا الملك، وبعد القضاء التام على أي ~~آثر ل «العامو حريشع» بمصر؛ فيحكي «سنوحي» بعد أن بلغه نبأ محاولة اغتيال الملك ~~«آمنمحات الأول»، ودون أسباب واضحة لم تزل شاغلة للمهتمين من الباحثين، ~~يشعر المحارب «سنوحي» بالذعر الشديد، ونظن السبب واضحا مع رؤيتنا التي قدمناها، ~~وموقف سنوحي يشير إلى كونه كان أحد القيادات الشعبية المتآمرة على الملك، بل وكان ~~شريكا مخططا على الأقل؛ لذلك نجد سنوحي يهرب فورا إلى آسيا بعد أن غافل حراس ~~«حائط الحاكم» أو بالنص في قوله: «وأعطيت الطريق لقدمي - وهو يشبه تعبيرنا: ~~أسلمت قدمي للريح - ولما اقتربت حائط الحاكم المقامة لرد الآسيويين والقضاء ~~على عابري الرمال، قعدت القرفصاء تحت أجمة خشبية، خشية أن يراني حراس ~~الأسوار أثناء تأديتهم لخدمتهم اليومية». # 25 # فالحائط قد أقيم إذن في عهد «آمنمحات»، وقبل «آمنحتب» بستة قرون، وبه تسقط حجة ~~«فليكوفسكي» المؤسسة على بردية «نفررحو» لإعادة صياغة تاريخ العالم، مع زيادة ~~يقين القارئ الآن، أن غزو الهكسوس كان أمرا يختلف تماما، ومتأخرا تماما، ~~بالنسبة للتسلل الآسيوي الأول في العصر المتوسط الأول، وأن غزو الهكسوس كان ~~حدثا، وغزو أولئك الذين انتهزوا فرصة الثورة للتسلل كان حدثا آخر، وهو من أطلق ~~عليهم المصريون «العاموحريشع». ~~(5-4) تزييف دلالات نبوءة الخزاف # في عملية التأريخ التي قام بها العلماء لتاريخ مصر القديمة، كان ثمة خطأ ~~بالفعل، لكنه ليس من نوع الخطأ الذي يسقط بموجبه ستة قرون كاملة من التاريخ كما ~~يريد «فليكوفسكي»، إنه خطأ لا يسقط شيئا إنما يؤدي إلى التباس في حسابات سني ~~الملوك والأسر، ومدى دقة ضبطها مع توقيت محدد في ms189 عام بذاته. وللتوضيح نقول: ~~إن الخطأ لم يكن ناتج نقص أو تشويه للمستند ~~التاريخي، لكنه كان عيبا في التقويم المصري ذاته؛ إذ إنه في زمن بالغ القدم، كان ~~المصريون قد وضعوا حساباتهم الفلكية التي بموجبها وضعوا ما نسميه اصطلاحا في علم ~~المصريات بالنسبة المدنية التي تحتوي على 360 يوما، لكن السنة الفلكية تزيد ربع ~~يوم أو مع زيادة طفيفة عن هذا الربع. لذلك فإن بدء العام الجديد في السنة الخامسة ~~من التقويم المصري كان يزيد يوما كاملا إذا قارناه بالنسبة الفلكية، وعندما ~~نسقط تلك الزيادة - كما نفعل اليوم فيما نسميه بالسنة الكبيسة - فإننا سنجد فارقا ~~في حسابات السنة المصرية القديمة، بشهر زائد كل 120 سنة عن السنة الفلكية. ومع ~~تراكم هذا الشهر كل 120 سنة يبدأ التناقص بالظهور، مع أناس يعملون في مواسم ~~للزرع ومواسم للحصاد، وهو ما عبرت عنه بردية عصر الرعامسة التي تقول: «إن ~~الشتاء يأتي في الصيف، والشهور تنعكس، والساعات تضطرب ...» ويبدو أن المصريين لم ~~يحاولوا تلافي الخطأ لما يحوطه من قدسية تحريمية تقليدية، حتى جاء «بطليموس ~~الثالث» عام 237ق.م ليصدر مرسوما بإدخال يوم إضافي للسنة، حتى يمنع أعياد مصر ~~الوطنية من المجيء في غير مناسباتها الزراعية، وحتى لا يأتي الشتاء في الصيف لكن # 26 ~~«فليكوفسكي» لا يجد مانعا من الإتيان بنص البردية «ويعود موسم الشتاء ~~إلى موقعه الصحيح من العام، وتستعيد الشمس مجراها الطبيعي» ليوحي أن الشمس كانت قد ~~خرجت عن مدارها نتيجة الخلل الكوني الذي أصاب كوكب الأرض وسبب كوارث ~~الخروج. # ثم يستمر «وتهدأ الرياح بعد أن كانت الشمس محجوبة بسبب العاصفة.» بعد أن يكون قد ~~مزج بين نص البردية المنسوبة لعصر الرعامسة بالأسرة التاسعة عشرة، وبين مرسوم كانوب ~~المكتوب بثلاث لغات منها اليونانية، والذي أمر به «بطليموس الثالث» عام 237ق.م. ~~وبعد ذلك يسرب فصلا تحت عنوان «استفسارات» يقول فيه «لا توجد معلومات قاطعة ~~عن أي غزو آسيوي «عامو» أو «آمو» حدث في العصر المتوسط الأول الذي يقع بين الدولة ~~القديمة والدولة الوسطى.» حتى لا ms190 يكون ثمة إمكان لغزو سوى غزو الهكسوس الذي ~~حدث بعد الأسرة الثانية عشرة، وهي مخالفة صريحة لكل ما تعارف عليه علم المصريات ~~بكشوف أركيولوجية واضحة غير ملتبسة. وهذا ~~التغافل عن تلك الحقيقة كان عموده العظيم الذي أسس عليه بنيان إعادة صياغة ~~التاريخ، وبحيث انتهى إلى عدم صحة أو جواز نسبة بردية لايدن وبردية الأرميتاج ~~إلى ما قبل الأسرة الثانية عشرة؛ ومن ثم تكون كل روايتهما والأحداث التي ~~وردت بهما تتفق تماما مع لحظة دخول الهكسوس ولحظة خروج الإسرائيليين، تلك ~~اللحظة التي صاحبتها كوارث فلكية نادرة، أشرف على تنظيمها، ورتب الإخلال ~~بنظام الكون خلالها، الرب «يهوه» بذاته، من أجل عيون شعبه الذي فضله على ~~العالمين! في معزوفة فليكوفسكي النادرة. # لكن الثابت تاريخيا أن مصر كانت تتعرض دوما وبشكل شبه دوري للغزوات ~~الرعوية، والتسلل إلى البلاد، وخاصة مع أي لحظة ضعف أو خلل في المركزية، وهو ~~ما تشهد به الوثائق التاريخية، نضرب منه أمثلة سريعة؛ ففي عهد «بيومي الأول» ~~بالدولة القديمة «عصر بناة الأهرام» يحكي قائد الجيوش: «وحين أراد جلالته أن يوقع ~~العقوبة على الآسيويين والساكنين على الرمال، جمع جلالته جيشا من عشرات الألوف ~~... وأرسلني جلالته على رأس ذلك الجيش ... عاد هذا الجيش في سلام ... بعد أن حمل معه ~~جيوشا كثيرة العدد كأسرى.» # 27 # وهناك تسلل آخر قوبل بردع سريع في الأسرة الحادية عشرة، أو بالأحرى في ~~بدايتها، في عهد «منتوحتب الأول» الذي سجل نصا يقول إنه «استولى على الأرض ~~كلها، وأقدم على ذبح آسيوي دجاتي.» # 28 # كما علمنا بطرد «آمنمحات» لطرد بقايا العامو حريشع عندما كان قائدا ~~على جيوش «منتوحتب الرابع»، ثم تبعه ابنه «سنوسرت الثالث» الذي طاردهم إلى مواطنهم ~~خارج الحدود المصرية، وهو ما تسجله لوحة نسمونت «ارتحل الملك بنفسه للقضاء على ~~الآسيويين ووصل إلى إقليم سكمم» وهو منطقة «ششم» السامرية الجبلية بشمال فلسطين، # 29 # وهو أمر ما كان ممكن التحقق لو كان أولئك الآسيويين هم الهكسوس ~~الذين احتلوا المنطقة كلها بما فيها فلسطين ومصر. وأما الملك «خيتي» فيسجل قبل ms191 ~~ذلك بزمان، في العصر المتوسط الأول «عامو التعساء إن سوء الطالع يحل حيث يحلون ... ~~إنهم يقومون بالمعارك منذ عهد حورس (يعني منذ فجر التاريخ)، ومع ذلك فإنهم لا ~~ينتصرون مطلقا، وهم كذلك لا يغلبون.» # 30 # ثم يوجه النصح لولده «مري كارع» قائلا: «الآسيوي التعس لا تزعج ~~نفسك به، إن هو إلا آسيوي.» # 31 # وهي بالطبع صورة لا تلتقي أبدا مع الهكسوس المحتلين أصحاب ~~الإمبراطورية. ~~(5-5) تزييف دلالات مقياس سمنة # فيما وراء الجندل الثاني في أقصى الجنوب، وفي وقت ما من التاريخ المصري القديم، ~~أرسى المصريون حدودهم الجنوبية عند قلعتين منيعتين تواجه كل منهما الأخرى على ~~القمم الصخرية على ضفتي النيل، واحدة اسمها «قمة» والأخرى اسمها «سمنة»، ومن ~~هناك نحو الجنوب، ومع بدء الصخور، تبدأ أرض «كوش» بلاد الزنج، وعلى الصخور المقام ~~عليها قلعة سمنة حفروا مقياسا لمياه النيل، ليتمكنوا من التنبؤ بالفيضان المرتفع ~~أو المنخفض، قياسا على الأثر الذي يتركه ماء الأعوام الماضية من أثر، دون حاجة ~~لفرعون حلوم، كما قصت علينا التوراة. وبناء على ملاحظة «ليبسوس» لآثار المياه ~~التي تركها على المقياس، بما يسجل ارتفاعا يزيد عن اثنين وعشرين قدما على ~~القياسات المعاصرة، يقدم «فليكوفسكي» وثيقته السادسة الدالة على الكارثة، حيث ~~يزعم أن ذلك يعني هبوطا في التكوين الصخري وطبقات الأرض في مصر آنذاك بمقدار ~~اثنين وعشرين قدما؛ لأنه لو كانت الأرض هي الثابتة، وأن التغير حدث في كمية ~~الماء المتدفق بالنيل، فذلك لا شك يعني أن عددا من المعابد والمساكن في السنوات ~~الأسبق كان من المفروض أن تغطي بالمياه بانتظام كل عام زمن الفيضان. # ولا مشاحة أن الرجل هنا يمتلك قدرة التقاط عظيمة، وصبرا على التفتيش وراء ~~كل ما يدعم مذهبه، لكنه ربما لم يلتفت إلى النتائج التي تترتب على هبوط صخور ~~المقياس، والتي لا بد أن تؤدي إلى هبوط المقياس بدوره بذات القدر؛ حيث إنه تم ~~تسجيله حفرا في شكل خطوط عرضية على خط رأسي على الجرف الصخري عند ~~«سمنة». # وحجته هنا كما هو واضح واهية تماما، ms192 ~~لكنه على أية حال يسوقها ضمن مجموعة قرائن متضافرة، بحيث لا يظهر هذا الضعف ~~إلا عند انهيار القرائن الأخرى، أما ما نعرفه نحن أبناء هذا الوادي يقينا ~~بالمعايشة والمعاينة، وفي طفولتنا قبل بناء السد العالي، أن الفيضان كان يأتي في ~~بعض المواسم مرتفعا إلى حد نتحول فيه جميعا إلى طوارئ من لون خاص بمصر، طوارئ ~~الريف المصري الذي يتحرك أبناؤه فورا، وكل يعرف دوره تماما دون تنظيم رسمي، ~~للردم حول القرى لحماية البيوت المتطرفة، التي ستتعرض - بحكم الدراية - خلال ~~أسابيع للغرق الكامل. وكان الماء يرتفع إلى حدود هائلة، ولم يكن ذلك ليبهرنا نحن ~~أبناء النيل كما أبهر الروسي/البولندي «فليكوفسكي»؛ حيث كنا معتادين - في غير فصل ~~الفيضان - على التطلع من فوق أسطح منازلنا، على الأطراف العليا البعيدة لأشرعة ~~المراكب النيلية تحتنا، وكنا معتادين أيضا - في فصل الفيضان - على الصعود إلى ~~أسطح تلك المراكب واللعب فوقها عندما ترسو عند أبواب بيوتنا، أما المساعدة في ~~حمل «قفف» الأتربة والأحجار للبالغين وهم يقيمون الردم حول البيوت المتطرفة، ~~فكانت مجالا لسعادة طفولتنا وهذرها ومرحها؛ كانت لونا من اللهو الدوري الجميل ~~الذي - لا شك - لا يعرف «فليكوفسكي» طعمه، ولا علاقته بحميمية أبناء هذا الوادي ~~وبعضهم، وبينهم وبين نيلهم الذي كأن يتجرأ عليهم إلى حد التدمير، لكنهم كانوا ~~دوما أسعد الناس به، وأشد من في الكون فرحا بجبروت فيضانه. أما أجدادنا فكانوا ~~يحكون لنا في طفولتنا عن ارتفاع أشد قسوة للماء لم نحظ نحن بمعايشته، وكان ~~يحدث قبل إقامة سد أسوان الذي يبعد عن السد العالي إلى الشمال بمقدار سبعة ~~كيلومترات. وكان الأجداد يشيرون إلى مواقع بيوتنا ويقولون: ما كان ممكنا أن ~~تقام هذه البيوت هنا قبل إقامة سد أسوان؛ حيث كان الماء يغطي هذه الأرض وقت ~~الفيضان. أما أهل بعض المناطق وخاصة في وسط الدلتا فقد أقاموا قراهم بكاملها فوق ~~ردم مرتفع، جعل لتلك القرى الآن لونا غريبا لكنه بديع، وعلى الردم أقام الأهلون ~~السلالم الحجرية التي كانت تسمح للفلاحات بحمل أواني الطهو والملابس لغسلها أمام ms193 ~~أبواب البيوت مباشرة في مياه النيل وقت فيضانه، بدلا من جهد حملها الطويل أيام ~~التحاريق الصيفية إلى مجرى النهر البعيد. ~~(5-6) تزييف دلالات نقش حتشبسوت الحجري # يسوق «فليكوفسكي» نص هذا النقش كالآتي: «إن مقر «ربة كيس» قد تحول إلى ~~أنقاض، وابتلعت الأرض حرمها المقدس، ولعب الأطفال فوق معبدها، وقد أزلت عنه ما ~~تراكم وأعدت بناءه، واستعدت ما كان أنقاضا، وأكملت ما كان قد ترك بلا بناء، ~~فقد كان هناك آمو في وسط الدلتا، وفي حواريس، وكانوا هم من دمرت قبائلهم كل المباني ~~القديمة، وقد حكموا البلاد غير مؤمنين بالإله رع.» # وعندما يورد «فليكوفسكي» ذلك النص مباشرة، بعد حديثه عن مقياس سمنة الذي يقع ~~أقصى الجنوب ودون أن يحدد أين يقع المعبد المهدم، معتمدا على أنه مكان يسمى ~~«كيس». حيث إن المعبد كان معبد «ربة كيس»، إنما يقوم بتزييف آخر يذهب بالقارئ إلى ~~مكان اسمه «كيس» قرب «سمنة» جنوبي أسوان. وهنا لا شك سيراود القارئ وهو يبني ~~تصوراته أن الهكسوس قد حكموا مصر بكاملها حتى وصلوا حدودها الجنوبية قرب «سمنة»، ~~حتى يلائم ذلك أربعة قرون حكموا فيها مصر. ولن يكون مستساغا أن يحكموا أربعة ~~قرون دون احتلال لكل شبر فيها، لكن الحقيقة أن الهكسوس لم يصلوا إلى أبعد من ~~«أشمون» الحالية في أبعد التقديرات، بل ربما لم يصلوها إطلاقا، إنما رضوا من ~~حكامها بالجزية التي ستسمح لهم بالمرور شمالا إزاء إغلاقهم للحدود الشمالية على ~~البحر المتوسط والشرقية بسيناء. كما أن التعبير «ربة كيس» فيه تلاعب واضح؛ لأنه ~~في أصله الصادق «مقر الربة كيس» وليس «مقر ربة كيس»، والنص عبارة عن نقش أمرت ~~بكتابته الملكة حتشبسوت على واجهة معبد إقليمي، يوعز لنا «فليكوفسكي» أنه كان ~~في سيناء ليتيسر له الزعم بهبوطه تحت الأرض أثناء الكارثة. رغم المعلوم أن ~~المعبد المذكور في منطقة إسطبل عنتر الحالية بمصر القديمة (أحد أحياء جنوب القاهرة ~~الحالية)، وهو الذي أطلق عليه اليونان اسم «سيبيوس أرتميدس»، ويبدو أن معبد ~~الإلهة «كيس» أهمل زمنا أتاح للرمال أن تتراكم عليه ms194 «أزلت ما تراكم عليه»، وهي ~~ظاهرة نعرفها في بلادنا. أما التعبير الوحيد الذي استند إليه صاحبنا في انخفاض ~~الأرض المتزلزلة بفعل رب التوراة وقت الكارثة، وهو تعبير مجازي واضح يشير إلى ~~تراكم الرمل على المعبد، يقول: «ابتلعت الأرض حرمها المقدس.» وليس هناك أية ~~إشارة لانخفاض الأرض وإلا أشارت «حتشبسوت» للأمر بوضوح. أما كوننا نذهب إلى عدم ~~تجاوز الهكسوس لسيناء وشرقي الدلتا، فهو واضح في قول حتشبسوت: «كان الآسيويون في ~~«حواريس في شمال البلاد»، وكانت من بينهم حشود تقوم بهدم ما سبق تشييده، كانوا ~~يحكمون بغير مشورة رع.» # 32 # ولعل القول بحشود تهدم ما سبق بناؤه لا تحتاج معها إلى الزلزال ~~الفليكوفسكي. # وقبل أن ننتقل إلى القسم الثاني من نظرية «فليكوفسكي» نجدنا بحاجة إلى الإجابة ~~عن تساؤلات مشروعة إزاء ما قدمه حتى الآن، فإذا كان بنو إسرائيل في مصر منذ ~~زمن طويل سبق نهاية الأسرة الثانية عشرة حين خرجوا ودخل الهكسوس، فهل لم يوجد في ~~مصر شخص واحد أمكنه أن يسجل لنا ولو إشارة عن بني إسرائيل باسم إسرائيل أو باسم ~~أي فرد من إعلامهم؟ وإذا كان الهكسوس قد حكموا مصر أربعة قرون متصلة فهل لم ~~يوجد بينهم من يعرف الكتابة ليسجل لنا شيئا واضحا عن إمبراطورية عربية عظمى ~~قامت على الجهل والبربرية؟ أولم يوجد مصري في عهدهم يدون لنا خلال أربعة قرون ~~شيئا عنهم؟ إن عدم وجود مثل تلك المدونات إطلاقا، # 33 # كفيل وحده بهدم كل ما ذهب إليه «فليكوفسكي»، لكن وقفتنا معه كانت ~~أمرا لازما إزاء براعته القصوى التي تحسب له، والتي كانت تكفل له أن يهمل ~~أي قارئ مثل تلك التساؤلات. ~~(6) تزوير التاريخ # أقام «فليكوفسكي» رؤيته في جنس الهكسوس وموطنهم على إشارة عابرة للمؤرخ المصري ~~«مانيتون»، والتي ساقها «مانيتون» في صيغة عدم اليقين بقوله: «والبعض قالوا: إنهم كانوا ~~عربا.» لكن «فليكوفسكي» يهمل تماما إشارة «مانيتون» التأكيدية في كون الملوك الستة ~~الأوائل من الهكسوس، أصحاب الأسرة الخامسة عشرة - فيما يزعم - كانوا فينيقيين بالتأكيد. # 34 # وهو ما أخذ به بعض ms195 المؤرخين، وإن ذهب الأكثرية إلى قدومهم من مناطق بحر ~~قزوين. # والمعلوم أيضا أن العامل الأخطر والذي ساهم بقدر فاعل في غزوهم لمصر، ليس فقط ~~حالة التفكك والفوضى التي صاحبت العصر المتوسط الثاني، بل أيضا تفوقهم العسكري ~~الذي تمثل في أمرين غاية في الدلالة: الأول هو اكتشافهم لمعدن الحديد وتصنيعه؛ بحيث ~~امتلكوا أسلحة مصنوعة من الحديد، أما الأمر الثاني فهو أنهم كانوا السابقين إلى ~~ترويض حيوان لم يكن معروفا في منطقة الشرق الأدنى أصلا هو الحصان، بل واختراع ~~العجلات التي يجرها ذلك الحصان واستخدامها في النقل، وكأداة حربية متطورة للغاية، ~~تعادل دبابات اليوم وطائراته. والثابت تاريخيا وحفريا أن منطقتنا لم تعرف الحصان ~~بالمرة قبل قدوم الهكسوس إليها، وإن جاءت إشارات إليه من نصوص الرافدين المسمارية، من ~~عهد سلالة أور الثالثة (2112-2004ق.م) باسم «أنشوكرا» أي «حمار الجبل» أو «حمار البلد ~~الأجنبي»، ولم يعرف في الرافدين إلا مع الغزو الكاسي لها # 35 # حوالي عام 1600ق.م، ولنلحظ أن غزو الهكسوس لمصر جاء حسب التاريخ المعروف ~~حوالي عام 1680ق.م. # وقد ظهر سلاح العجلات التي يجرها الحصان لأول مرة في مصر، بعد اكتسابها تلك المعرفة ~~من الهكسوس، وإبان حروب التحرير، وكان أول ظهور للحصان والعجلة الحربية في حروب ~~أحمس ضد الهكسوس مع بداية الأسرة الثامنة عشرة، وكان سلاحا ابتدائيا، بحيث إن كبير ~~ضباط الفرعون «أحمس»، والمعروف بدوره باسم «أحمس بن أبانا»، الذي عرفناه مدونا لقصة ~~حصار المصريين لحواريس عاصمة الهكسوس، كان يسير على قدميه إلى جوار عجلة الفرعون، ~~فإلى هذا الوقت كان المصريون يستخدمون السفن كوسيلة نقل رئيسية، وكترسانة عسكرية ~~متحركة، وهو ما وضح في قصة التحرير، حيث ««أبحر» المصريون لقتال الهكسوس.» ولأول مرة ~~تظهر رتبة قائد سلاح العجلات مع نهاية عصر الأسرة الثامنة عشرة، وتحديدا في عصر ~~«آمنحتب الثالث» الذي أصدر قرارا - لأول مرة - بتعيين حميه «يويا» قائدا لسلاح ~~العجلات، بلقب «وكيل الملك في سلاح العجلات». # وهذا الأمر وحده كفيل بهدم السند الأساسي لفروض «فليكوفسكي»، إضافة لفقدان الكتاب ~~المقدس صفته كمعيار تام السلامة للتزمين؛ حيث ms196 إن الكتاب المقدس يشير إلى العجلات ~~كسلاح معلوم، وكوسيلة انتقال اعتيادية عند دخول «يوسف» إلى مصر. والمفترض - حسب ~~نظرية فليكوفسكي - أن هذا الدخول قد حدث منذ زمن سبق الأسرة الثانية عشرة، وجاء ذلك ~~في عدة نصوص توراتية، مثلما جاء في تصرف الفرعون بعد إدراكه لقيمة يوسف ~~التنبؤية «وأركبه في «مركبته» الثانية، ونادوا أمامه: اركعوا، وجعله على كل أرض ~~مصر» (تكوين، 41: 43)، ثم جاء عند وصول يعقوب إلى مصر «شد يوسف «مركبته» وصعد ~~لاستقبال يعقوب أبيه» (تكوين، 46: 49)، ثم عند موت يعقوب وخروج يوسف ليدفن أباه في ~~أرض كنعان «فصعد يوسف ليدفن أباه وصعد معه «مركبات وفرسان»، فكان الجيش كثيرا ~~جدا» (تكوين، 5: 7-9)، وغير ذلك كثير من النصوص التي تؤكد وجود العجلات كشيء اعتيادي ~~في مصر عند دخول الإسرائيليين إليها، وهو بالوثائق سيكون أمرا باطلا تماما، إذا ~~احتسبناهم قد دخلوا مصر قبل الهكسوس كما ذهب «فليكوفسكي»؛ لأن العجلات لم تعرف في مصر ~~إلا مع مقدم الهكسوس إليها، بل ظلت العجلات بعد طردهم زمانا شيئا ابتدائيا، لم ~~يكتمل ليمكن أن يكون نواة لسلاح مستقل بالجيش، إلا بعد ذلك بأكثر من قرنين من ~~الزمان، وهو الفارق بين زمن «يويا» أو وكيل الملك لسلاح العجلات، وبين زمن «أحمس» ~~محرر مصر من الهكسوس ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة. # وعليه لا يمكن أن يكون الإسرائيليون قد دخلوا مصر في زمن سابق لزمن الهكسوس، بل ~~المرجح أن يكونوا، قد دخلوها زمن الهكسوس وكحلفاء لهم، وقد سبق لنا أن اجتهدنا في ~~تحديد المنطقة التي قدم منها الهكسوس إلى المنطقة، ونشرناه في كتابنا «النبي إبراهيم ~~والتاريخ المجهول»، # 36 # وسجلنا مجموعة من القرائن كافية، تشير إلى أنهم يعودون بأصولهم إلى ~~المنطقة الكاسية شمالي بلاد الشام والرافدين، في أراضي «أرمينيا» جنوب بحر قزوين، ~~وتحديدا حول بحيرة «قان» ومن هذه المنطقة قدمت موجات ذات كثافة عالية في شكل ~~موجات متتابعة، وكان أكبر هذه الهجرات وأخطرها الموجة الكاسية التي دونت أخبارها ~~نصوص الرافدين بعد أن هبط الكاسيون في غزو كاسح على دولة بابل الأولى حوالي ~~1600ق.م، ms197 وقد ذهبنا إلى أنه ضمن تلك الموجات جاءت موجة الهكسوس التي تعد جناحا من ~~أجنحة الهجرة الكاسية اتجه إلى مصر حوالي 1680ق.م. # وقد سبق أن علمنا أن «يوسفيوس» فصل كلمة هكسوس إلى مقطعين: «هك» بمعنى ملك ~~و«سوس» بمعنى راعي؛ أي ملوك الرعاة، وفي كتابنا «النبي إبراهيم ...» رفضنا ذلك التخريج؛ ~~لأن كلمة «هكسوس» إذا احتسبناها كلمة واحدة لا تتركب من شقين فسوف تكون واضحة ~~بذاتها ولا تحتاج إلى تخريجات وتقسيمات، و«برستد» يذهب إلى أن الهكسوس آراميون، # 37 # وقد رأينا - بالأدلة - أن الآراميين من أرمينيا الكاسية، ومع حذف التصريف ~~الاسمي في آخر كلمة هكسوس (حرف السين الأخير) لا تحتاج التسمية إلى إثارة إشكاليات؛ حيث ~~تصبح «الكاسو» أو «الكاسي»، وهو ما يلتقي مع مذهبنا في ~~كونهم فرعا أصليا للهكسوس، أما موسوعة تاريخ ~~العالم فتقول في حديثها عن أحداث تاريخ الرافدين عام 1600ق.م، قولها: ~~«عام 1600ق.م، غزا الكاشيون بابل ... حكموها لمدة 450 عاما، أصبح الحصان معروفا في ~~مصر وغرب آسيا.» # 38 # ومع ذلك لم تربط الموسوعة ولو بالإشارة بين الغزو الكاسي للرافدين، وبين ~~الغزو الهكسوسي لمصر، وبين الآراميين وأرمينيا. # ولعل أهم ما يبطل تقسيم كلمة هكسوس إلى مقطعين «هك»، «سوس»، أنه لا يوجد في ~~اللغة المصرية القديمة لفظة بنطق «سوس» أو ما تفيده معناها، على وجه الإطلاق، # 39 # وهو ما يبطل أيضا أي تخريج يقسم الكلمة إلى مقاطع، ولا تبقى سوى ~~«ه-كاسي-س» أي الكاسيين. لكن «فليكوفسكي» كافح كفاحا مستميتا ليجد بالكتاب ~~المقدس أي إشارة تتوافق مع معنى المقطعين «الملوك الرعاة» حسب التخريج الخاطئ، ~~وهو ما يشير إلى تكلف وتلفيق واضح العمد، فيلجأ إلى سفر المزامير المتأخر بقرون ~~طويلة عن زمن الخروج، ليجد فيه النص «قد أنزل عليهم الرب أشد غضبه وعقابه سخطا ~~وزجرا وضيقا، «جيش ملائكة أشرار»» (48: 49)، ثم يعقب متغابيا فيما يبدو «فما ~~الذي يعنيه ملائكة الشر؟» بينما هو يعلم جيدا تواتر «ملائكة الشر» بالكتاب المقدس، ~~واصطلاح ملاك الشر يشير إلى الملك الموكل من قبل «يهوه» مع جنوده لإنزال الدمار ~~بأعداء إسرائيل، وهر اصطلاح ms198 اعتيادي تماما لدى العارف بالكتاب المقدس، ثم يقوم ~~«فليكوفسكي» بتفسير الاصطلاح «ملائكة أشرار» بحيث يلتقي مع «ملوك رعاة» بقوله إن الناسخ ~~القديم للكتاب المقدس باللغة العبرية القديمة قد أضاف حرف ألف لكلمة «شرر» لتتحول عن ~~معناها الأصلي «رعاة» إلى «أشرار»، بينما الشق الأول «ملائكة» يلتقي مع كلمة «ملوك» بلا ~~فرق يذكر؛ وعليه فالأصل في المقدس القديم، كان «جيش ملوك رعاة»، وليس «جيش ملائكة ~~أشرار»، والواضح أن الرجل قد بذل جهدا لا طائل من ورائه، حيث لا تعني كلمة هكسوس ~~بالمرة «ملوك الرعاة»، لعدم وجود كلمة «سوس» بمعنى «رعاة» ولا بأي معنى أخر ولا حتى ~~بلفظها ضمن معجم ألفاظ المصرية القديمة؛ لأن الأصل في اللسان المصري كان «حقاوكاسوه» ~~والتي ببساطة - لدينا - «الحكام الكاسيين» أو «الكاشيين». # ولو كان «فليكوفسكي» قد اقتصر على تزييف دلالات النصوص لهان الخطب، لكنه - كما رأينا ~~في أكثر من موضع - عمد إلى تزييف النصوص ذاتها، ومن ذلك التزوير ما فعله مع «بردية ~~ساليه»، وهي عبارة عن تمرين مدرسي كتبه التلميذ «بيتاعور» كتدريب على النسخ، وإن نسخها ~~يعود إلى الأسرة التاسعة عشرة، بعد طرد الهكسوس بمئات السنين، والأصل المفقود. لكن ~~المصرولوجيين استخرجوا من ملابساتها أنها كانت تحكي قصة شعبية متواترة، من ألوان ~~قصص الفخر الوطني وأشعار البطولة القومية، والقصة تتناول بداية حروب التحرير، ~~وتحديدا بداية ما يمكن تسميته بالنزاع بين «سقننرع» الملك المصري الطيبي، وبين «أبوب» ~~الملك الهكسوسي، وتبدأ البردية بوصف حال الفاقة والبؤس، وكيف بعث «أبوب» رسالة تحد ل ~~«سقننرع» في طيبة مع رسول، تقول: «أخل البركة الواقعة شرقي المدينة من أفراس النهر؛ ~~لأنها تحول بيننا وبين النوم ليلا، ولأن ضوضاءها تملأ آذان سكان حواريس.» # ورغم أن «فليكوفسكي» يرى في تلك الرسالة كثيرا من الازدراء والاحتقار من قبل «أبوب» ~~للحكام المصريين الذين يحكمون في طيبة «الأقصر»، فإن آخرين ذهبوا إلى أن الرسالة ~~لونا من «جر الشكل»، والاستفزاز، وهو استفزاز لا معنى له لو كانت الأمور مستقرة ~~للهكسوس في الجنوب؛ لذلك ذهب آخرون إلى أنها نوع من الألغاز القديمة ms199 التي كان الملوك ~~يخاطبون بعضهم البعض بها، وأن الأمر يشير إلى لون من الضجيج الثوري بدأ يتعالى في ~~طيبة، وأن الأمر «أزعج» «أبوب» مما دفعه لإرسال تلك الرسالة المتحدية، التي تكاد ~~تقول: إن المشاعر الوطنية التي ظهرت في الجنوب تقض مضاجعنا وعليك أيها الحاكم ~~إخمادها فورا. # ثم يأتي «فليكوفسكي» بما يوحي أنه نص يقول: ~~«وظل أمير المدينة الجنوبية صامتا، ثم بكى لوقت طويل ولم يدر بما يجيب على رسالة ~~الملك أبوفيس.» ومن ثم «قبض على الأمير المصري، وساقه رسول الملك أبوب الثاني إلى ~~حواريس.» ونهاية البردية مفقود (والتعقيب الأخير لفليكوفسكي)، أما الغريب فعلا فهو ~~أن بردية «ساليه» تقطع عند مشاورة الملك «سقننرع» لحاشيته وجنوده بشأن الرسالة، وأن ~~الاستكمال جاء من عند فليكوفسكي في حديثه عن القبض على «سقننرع» وأخذه إلى حواريس، وهنا ~~الأمر الخطير في عمل ملفق كالذي بين أيدينا، والذي حاز شهرة عالمية لا تضارع، ~~وربما عمد «فليكوفسكي» إلى عدم ذكر ظروف كتابة البردية، حتى لا يتساءل القارئ: كيف يمكن ~~لمدرسة وطنية في ظل حكومة إمبراطورية تفاخر العالم آنذاك، أن يتناول موضوعا شعبيا ~~يحكي كيف تم إهانة ملك تاريخي يفخر به المصريون، وكيف سيق أسيرا لعاصمة الهكسوس. ~~بينما الثابت من وصف «إليوت سميث» ومن واقع الجراح التي وجدت في مومياء الملك ~~«سقننرع»، أن الرجل مات بعد ضربات نافذة بالخناجر والبلط. وكان ممكنا القول مع ~~«فليكوفسكي» إن الملك المصري أخذ إلى حواريس أسيرا، ولو بافتراء على وثيقة لم ~~تقله، وإنه أعدم هناك، لولا أن جثمانه كان محفوظا بوادي الملوك في طيبة عاصمة ~~الجنوب، والتي انطلقت منها عزمات التحرير، وهو ما يشير إلى موت الرجل في معركة ~~شرسة، وقع فيها شهيدا وسط جنوده، الذين حملوا جثمانه من ساحة المعركة إلى مرقده ~~الأخير في مقر حكمه (طيبة - الأقصر). ولن نفهم سر كل هذا التسفية من شأن قواد ~~التحرير المصريين إلا في ضوء تزمين التاريخ الفليكوفسكي، الذي يصب في النهاية كل ~~البطولة والنجدة والشهامة والمروءة في يد بني إسرائيل الكرام؛ حيث يتزامن الخروج ms200 ~~الإسرائيلي مع الدخول الهكسوسي، ويتزامن الملك الإسرائيلي «شاول» مع زمن تحرير مصر من ~~الهكسوس، الذي قام به «شاول» ورجاله بعدما ثبت له أنه إزاء جبروت إمبراطورية عربية، ~~وبنص «فليكوفسكي»: «إن الإسرائيليين كانوا هم الشعب الوحيد الذي قام وقاتل ودخل ~~حروبا وبإصرار شديد، كي يظلوا مستقلين وغير خاضعين لسيطرة العماليق ... «لقد كان ~~زمنا بطوليا لإسرائيل انفردت به دون سائر الأمم، في الوقت الذي لم تقم فيه أية ~~ثورة أو أي تمرد من أي نوع كان، لا في مصر ولا في غيرها»، ضد العماليق، في تلك ~~الإمبراطورية الواسعة، خلال القرون التي حكموا فيها تلك البلاد». # ونفهم من ذلك أن الإمبراطورية العربية المتبربرة حكمت جزيرة العرب ومصر وجزر البحر ~~المتوسط وبلاد الشام بما فيها فلسطين، تغلب على سطوتها حفنة من الآبقين الخارجين ~~من مصر هاربين؛ بحيث كانوا الشعب الوحيد في المنطقة الذي امتلك كرامة قومية دعته ~~للمحافظة على استقلاله في بقعة صغيرة بفلسطين، ضمن الإمبراطورية العربية العظمى. وهو ~~مبرر واه تماما لتفسير قيام حكم القضاة اليهود لأربعة قرون في فلسطين في ظل ~~إمبراطورية عاتية وهمجية كالتي صورها لنا «فليكوفسكي» ذاته حيث قد تم سحب زمن ~~الهكسوس ليتزامن مع عصر «شاول» مع عصر تحرير مصر؛ لأن «شاول» - في رأيه - هو الذي قاد ~~ألوف الإسرائيليين إلى حواريس، وضرب عليها الحصار وهزمها شر هزيمة، وشتت ~~العماليق الهكسوس الذين انسحبوا إلى شاروهين. وترك الأرض المحررة لأصحابها ~~المصريين (منتهى العدل! ومنتهى المروءة)، دون أن يفكر في الاستيلاء على تلك الأرض، ~~ولو من باب انتقام واجب من عبودية بني إسرائيل بمصر قرونا، ولم يحاول بقواته العظمى ~~التي هزمت أعظم الإمبراطوريات في زمانها أن يحتل مصر، كان همه الأوحد الانتقام من ~~عماليق؛ لأنهم آذوا الإسرائيليين عند الخروج، منذ أربعة قرون مضت، وظل ~~الإسرائيليون يحتفظون بذلك الحقد حتى انتقموا بتدمير حواريس وتشتيت الهكسوس العماليق. ~~هذا رغم «جيشان» الكتاب المقدس بحقد على مصر والمصريين، وكل ما كانت تملكه تلك ~~الأسفار هو استنزال اللعنات المرتجاة من رب العالمين على رءوس المصريين؛ لذلك من ms201 ~~حقنا أن نبدي الدهشة والعجب من امتلاك إسرائيل تلك القوة الهائلة التي تهزم الهكسوس ~~المحتلين أصحاب إمبراطورية الاحتلال الاستيطاني، ولا تنتقم من المصريين، في وقت ~~كانت فيه مصر أمام تلك القدرات الإسرائيلية مجرد ثمرة ناضجة تقع دون جهد يذكر في ~~يد «شاول» وجيوشه الجرارة. # ومن جهة أخرى، فإن مزاعم «فليكوفسكي» لا بد تفترض - ضمنا - أن بني إسرائيل قد قضوا ~~تماما على كل أعدائهم الصغار مقارنة بالعماليق، وهو الأمر الذي يحتاج توضيحا، لكن ~~ليس قبل أن نقف مع النص المصري الذي علم منه «فليكوفسكي» بقصة التحرير على يد «شاول»، ~~وهو المدون في مقبرة الضابط «أحمس بن أبانا»، إضافة إلى نص آخر استشهد به هو ~~حكاية العراف «بلعام» بالتوراة. # ولنبدأ بنص التوراة، الذي يحكي لونا فجا من الخرافة، عن كيف استدعى «بالاق» ملك ~~الموآبيين العراف «بلعام» المدياني، ليصب له اللعنات على بني إسرائيل ليبيدهم، ~~«فأجاب بلعام وقال لعبيد بالاق: ولو أعطاني ملء بيته فضة، ولا ذهبا، لا أقدر أن ~~أتجاوز قول الرب ... فأتى الله إلى بلعام ليلا وقال له: أتى الرجل ليدعوك فقم اذهب ~~معهم ... فقام بلعام صباحا وشد على أتانه (حماره) وانطلق مع رؤساء موآب، فحمى غضب الله ~~لأنه منطلق معهم (؟!) ووقف ملاك الرب في الطريق ليقاومه وهو راكب على أتانه وغلامه ~~معه، فأبصرت الأتان ملاك الرب واقفا في الطريق وسيفه مسلول في يده (؟) فمالت ~~الأتان عن الطريق ... فحمي غضب بلعام وضرب الأتان بالقضيب، ففتح الرب فم الأتان فقالت ~~لبلعام: ماذا صنعت بك كي تضربني؟ ... فقال بلعام للأتان: لأنك ازدريت بي، لو كان في يدي ~~سيف لكنت قتلتك الآن، ... ثم كشف الرب عن عيني بلعام فأبصر ملاك الرب واقفا في ~~الطريق وسيفه مسلول في يده، فخر ساجدا على وجهه ... إلخ» (العدد، 22: ~~19-31). # والمعتاد على قراءة ذلك الكتاب المقدس (؟!) ~~لن يجد أية غرابة في تناقض الرب إذ يأمر بلعام بالذهاب مع عبيد بالاق وعندما يفعل ~~يحمى غضب الرب عليه، ولن يعجب من حمار يتحدث مع صاحبه حديثا وديا فيعاتبه، وصاحبه ~~يلومه؛ لأن ms202 القارئ لن يجد صفحة بالكتاب تخلو من تلك العجائب، لكن المهم أن «بلعام» ~~بدلا من أن يلعن بني إسرائيل مدحهم وأعطاهم بركاته، وتنبأ بأن ملك إسرائيل سيتسامى على ~~ملك «أجاج»، وأن آخرة عماليق إلى هلاك (انظر سفر العدد، 24: 30-7). وهنا يقفز ~~«فليكوفسكي» ليمسك «أجاج» بكلتا يديه مناديا: فلتشهدوا أن هذا هو «أبوب الثاني» ملك ~~الهكسوس، ولا بد بالتالي أن يكون الهكسوس هم العماليق، وأن هلاك العماليق قد جاء على ~~يد بني إسرائيل، حسبما تنبأ بلعام، وذلك في الحملة التي قادها أول ملك لأول مملكة ~~يتم فيها توحيد شراذم إسرائيل. # ولإثبات صدق «بلعام والحمار والرب»، يكتشف «فليكوفسكي» الدليل على ما حدث في مقبرة ~~الضابط المصري «أحمس بن أبانا»، ولنقرأ كيف صاغ «فليكوفسكي» ذلك النقش الهام، الذي يقول ~~فيه الضابط: «تابعت الملك سيرا على أقدامي حين ركب عجلته الحربية في طريقه إلى خارج ~~الولاية، «وكانوا هم يحاصرون» مدينة حواريس.» والإشارة «كانوا هم» لا تعني سوى أن ~~قوما آخرين هم أصحاب الفضل الحقيقي في التحرير، ««كانوا هم» يحاربون من جهة قناة ~~المياه حواريس ... «استولوا هم» على حواريس ... «هم حاصروا» شاروهين.» الرجل بهذا الشكل ~~محق تماما، لكن عندما نقرأ النص الأصلي سنكتشف إلى أي حد بلغت بالرجل الجرأة ~~والقدرة على التزوير. # يقول الضابط «أحمس بن أبانا» في النص الصادق: «تبعت الملك على قدمي عندما كان يركب ~~عجلته الحربية. إنه حاصر مدينة حواريس.» ولنقف هنا مع أمرين: الأول زمن الفعل في النص ~~الصادق «حاصر» وزمنه في النص المزور «يحاصرون»، والذي ضبطه مع تزوير آخر، وبدلا من ~~الصيغة المصرية للفعل الماضي «إنه حاصر» تحولت «إنه» في صيغة الإشارة المفخمة ~~للغائب «الملك»» إلى «كانوا هم»، ولأن استكمال العبارة جميعا في صيغة الماضي ستصبح غير ~~ملتئمة «كانوا هم حاصر مدينة حواريس»، فكان لا بد من تزوير الكلمتين لتتحول العبارة ~~«من إنه حاصر» إلى «كانوا هم يحاصرون». # ولنقرأ النص كاملا: «تبعت الملك سيرا على قدمي عندما كان يركب عجلته الحربية. إنه ~~حاصر مدينة حواريس ، وقد أظهرت شجاعة وأنا أحارب ms203 على قدمي أمام جلالته، ثم عينت في ~~سفينة تسمى مشرق منف، وحاربت في قناة مياه بازدكو في حواريس، ثم حاربت ملتحما ~~يدا بيد واستوليت على أحد الأسرى، ولما بلغ ذلك المسامع الملكية منحني الملك ذهب ~~الشجاعة، ثم تجدد القتال مرة أخرى في ذلك المكان، وحاربت ثانية هناك يدا بيد، ~~وحصلت على أسرى آخرين، ومنحني الملك ذهب الشجاعة ثانية.» # وأثناء انشغال الملك «أحمس» في محاربة الهكسوس، حدثت قلاقل في جنوبي البلاد، على ~~بعد ما يزيد عن ألف كيلومتر عند «الكاب»، فسارع الملك مع بعض جنود، وبضمنهم الضابط ~~«أحمس»، الذي يروي تلك الواقعة أيضا، ويقول: «لقد حاربت في مصر جنوبي مدينة الكاب، ~~واستوليت على أسير حي حملته معي على صفحة الماء، ولما بلغ هذا الأمر المسامع ~~الملكية، منحني «هو» الذهب بالمعيار المزدوج.» والسؤال الآن: هل كانت «هو» المفخمة ~~هنا - بدورها - تشير إلى الإسرائيليين فهي تترجم حرفيا «منحوني»، وأنهم ذهبوا إلى ~~أسوان على بعد ما يزيد عن خمسمائة كليومتر في العمق المصري مع «أحمس» الملك للقضاء على ~~قلاقل منطقة النوبة، ومنحوا الضابط «أحمس» الأنواط الذهبية المزدوجة لشجاعته؟ # وذات الأمر يكرره في قصة انسحاب الهكسوس من حواريس إلى شاروهين بفلسطين؛ حيث ~~حاصرها الملك ثلاث سنوات حتى استسلمت ورحلوا عنها بموجب اتفاقية أبرمت بهذا ~~الخصوص، «لقد حاصر شاروهين ثلاث سنوات ثم استولى عليها، وأسرت هناك رجلا وامرأتين.» ~~لكن النص هنا لا يحمل اسم الإشارة المعتاد، بل الفعل «حاصر» فقط، مما يشير إلى الملك ~~كقائد لجيش الحصار، وهي إشارة لمفرد متضمن داخل الفعل الماضي بالتقدير، ولا يشير ~~إلى جيوش يمكن أن تكون عند «فليكوفسكي» جيوش أجداده الأفاضل، وهنا لا يجد فليكوفسكي ~~ما يناسب النص بالتوراة، فيلجأ إلى أسطورة متداولة بين بني جلدته تحكي عن القوة ~~البدنية الخارقة في أساطير منوعة عن «يوآب» قائد جند «داود» الذي خلف «شاول». ~~وضمنها أسطورة تقول إنه اخترق بمفرده أسوار مدينة عماليق؛ وعليه فإن «فليكوفسكي» ~~يعلم أن «يوآب» هو صاحب الفضل الحقيقي في هزيمة ألوف المحاربين العماليق بمفرده، وأنه ~~وفق العادة ms204 الكريمة لبني إسرائيل، قد تركها هدية لأحمس المصري، رغم أنها تقع داخل ~~أرض فلسطين ذاتها، وفي عمقها، وجزء من مملكة إسرائيل؟! # وتبقى هنا عدة مسائل، تثيرها استفسارات بدهية، إزاء كل ما قدم «فليكوفسكي»، ~~لإثبات سقوط ستة قرون كاملة من التاريخ المصري وتاريخ العالم بالتالي، وإزاء ركونه ~~الكامل إلى مصداقية مطلقة تتسم بها نصوص التوراة، وهو غرض آخر يتضمن في ثنايا الغرض ~~الأول، من أجل تحقيق عدة أهداف «أهمها إيجاد موطئ قدم لبني إسرائيل في تاريخ ~~المنطقة، وإثبات البراءة الكاملة والطهارة المطلقة لهذا الشعب من كل ما التبس ~~بتاريخه من اتهامات، مع تأكيد العلاقات الحميمة بين بني إسرائيل والمصريين إزاء العرب ~~منذ التاريخ القديم، والتي أهدرها المصريون من جانب واحد»، مع إعادة تأسيس تاريخ ~~العالم يتزامن مع الأساس المتين بالكتاب الإسرائيلي المقدس، وبحيث يكون العمل في ~~مجمله تنظيرا تاريخيا للقومية الصهيونية. # وهذه المسائل التي تنتج عن استفسارات، يمكن تحديدها في العناصر التالية: # إزاء المصداقية الكاملة التي يريد «فليكوفسكي» إثباتها لنصوص المقدس ~~الإسرائيلي، والتي عمد وهو بسبيل ذلك الإثبات إلى الانتقاء من وثائق ~~التاريخ القديم ما يراه أهلا لتحقيق غرضه، مع تزوير دلالات تلك ~~الوثائق، وإزاء حدث الخروج العظيم الذي انبنت عليه الكرامة القومية ~~الإسرائيلية، وعليه أسس «فليكوفسكي» العلم كله. أقول: إذا كان الأمر كذلك ~~فلا ريب أن الدهشة تأخذ المدقق مع استفسار بسيط تماما يتساءل: لماذا ~~لم تذكر النصوص المقدسة بالكتاب المقدس اسم ذلك الفرعون الذي سام ~~شعب الرب هذا العذاب التاريخي المتكرر دوما رغم كل تلك الدقة في ~~سرد المعجزات، ورغم خطورة الحدث وأهميته واحتسابه حجر الأساس في ~~التاريخ الإسرائيلي؟ # ثم إذا كانت الكوارث التي أنزلها «يهوه» بالمصريين ليست من باب ~~الأساطير، إنما تسجيل لوقائع حدثت بالفعل، وكان حدث انشقاق البحر هو ~~قمة تلك الأحداث الكونية، وبعدها دخل بنو إسرائيل أرض الميعاد، فإن ~~المدقق في التوراة سيجد أن هناك أحداثا أخرى تمت في فلسطين بعد ~~الخروج، تدخل في عداد المبالغات الأسطورية وتهويلاتها، وغض ~~«فليكوفسكي» الطرف عنها تماما؛ لأن الكارثة التي ms205 يتحدث عنها كانت قد ~~انتهت، فهذا مثلا «يشوع بن نون» الذي خلف «موسى» على قيادة ~~الإسرائيليين، وعند عبور نهر الأردن البعيد عن أحداث كارثة الخروج ~~مكانا وزمانا، تحدث له نفس المعجزة «ولما ارتحل الشعب من خيامهم لكي ~~يعبروا الأردن» والكهنة حاملو تابوت العهد (هو تابوت ينام فيه الرب ~~ليحملوه معهم) أمام الشعب، فعند إتيان حاملي التابوت إلى الأردن، وانغماس ~~أرجل الكهنة حاملي التابوت في ضفة المياه، والأردن ممتلئ إلى جميع ~~شطوطه كل أيام الحصاد، وقفت المياه المنحدرة من فوق وقامت ندا واحدا ~~بعيدا جدا ... والمنحدرة إلى بحر العربة بحر الملح انقطعت تماما، وعبر ~~الشعب مقابل أريحا، فوقف الكهنة حاملو تابوت عهد الرب على اليابسة في وسط ~~الأردن راسخين، وجميع إسرائيل عابرون على اليابسة، حتى انتهى جميع الشعب ~~من عبور الأردن (سفر يشوع، 3: 14-17). وبعد ذلك بخمسة قرون يأتي الرب ~~ليقابل النبي «إيليا التشبي»، «فقال أخرج وأقف على الجبل أمام الرب، وإذا ~~بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد «شقت الجبال وكسرت الصخور» أمام ~~الرب» (ملوك أول، 19: 11)، فهل كانت تلك كارثة أخرى، وخاصة أن «إيليا» قام ~~بمعجزة فلق الأردن هو بدوره «فأخذ إيليا رداءه ولفه وضرب الماء ~~فانفلق إلى هنا وهناك فعبر كلاهما في اليابس» (ملوك الثاني، 2: 8). ~~وبعدها ظل رداء «إيليا» بيد اليشع يقوم بالوظيفة التي كانت تقوم بها عصى ~~«موسى»، «فأخذ رداء إيليا الذي سقط عنه وضرب الماء وقال أين هو الرب إله ~~إيليا؟ ثم ضرب الماء أيضا فانفلق إلى هنا وهناك فعبر اليشع» (ملوك ~~الثاني، 3: 14)، ومثل تلك الروايات تغص به كل صفحات الكتاب المقدس من ~~بدئه إلى منتهاه. # أما الاستفسار الأهم، فهو إذا كان الإسرائيليون مع أول ملوكهم «شاول» ~~قد امتلكوا تلك القوة الحربية العظمى بألوف العربات ومئات الألوف من ~~الجنود المدربين، بحيث تمكنوا بها من استئصال شأفة الهكسوس العرب ~~وتحرير مصر والقضاء على الإمبراطورية العظمى، فإن ذلك يعني وجود نظام ~~إسرائيلي مركزي متماسك وقوي، بينما المطالع للكتاب المقدس لن يجد لأي ~~من الفرضين أي تحقيق بالمرة، انظر معي قارئي ms206 الكتاب المقدس حيث ~~يوزع أسباط إسرائيل وقبائلها بأسمائهم على خريطة المدن الفلسطينية حيث ~~كان لها سكانها الأصليون. ~~«وأما اليبوسيون الساكنون في أورشليم «فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم»، ~~فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى اليوم» (يشوع، 15: 63). # و«كذلك سبط إفرايم لم يستطيعوا أن يطردوا الكنعانيين» الساكنين في ~~جازر، «فسكن الكنعانيون وسط إفرايم إلى اليوم» (يشوع، 16: 10). # وكذلك أبناء منسي أخي إفرايم ««ولم يقدر بنو منسي أن يملكوا هذه المدن» ~~فعزم الكنعانيون على السكن في تلك الأرض» (يشوع، 17: 12). # كذلك سبط أشير لم يستطع الاستيلاء لا على «صيدون العظيمة»، ولا على ~~«المدينة المحصنة صورة» (يشوع، 19: 28-29). ~~«وكان الرب مع يهوذا فملك الجبل «ولكن لم يطرد سكان الوادي لأن لهم ~~مركبات من حديد»» (قضاة، 1: 19). # كذلك «زبولون لم يطرد سكان قطرون ولا سكان نهلون فسكن الكنعانيون في ~~وسطه» (قضاة، 1: 33). ~~««وحصر الأموريون بني دآن في الجبل» ... فعزم الأموريون على السكن في جبل ~~حارس في إيلون وفي شعلبيم» (قضاة، 1: 35). # والأمثلة غير ذلك كثيرة يمكن للقارئ الرجوع إليها بالكتاب المقدس. ~~وتشير بوضوح إلى أمرين هامين: الأول أن الإسرائيليين الخارجين من ~~مصر ظلوا على انقسامهم قبائل وبطونا وأفخاذا، والثاني هو أنهم رغم ~~البشاعة التي استخدموها في حروبهم ضد سكان الأرض، فإن هؤلاء ظلوا في ~~أماكنهم ولم يتمكن بنو إسرائيل رغم المجازر الهائلة التي ارتكبوها - وسنأتي ~~على ذكرها - أن يزحزحوا هؤلاء من بلادهم، فسكن الإسرائيليون ~~بينهم. # أما الفرض الثاني، وهو قيام ~~كيان متماسك، فمن الواضح أنه لم يتحقق طوال الزمن الممتد من الخروج إلى ~~زمن «شاول»، وفي رواية المقدس التوراتي تفاصيل تؤكد أن بني إسرائيل لم ~~ينعموا بالاستقرار طول ذلك الزمن الذي امتد حوالي أربعة قرون كاملة، ~~وإليك نماذج من تلك الروايات التي وردت في سفر القضاة: «فعمل بنو ~~إسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا إلههم وعبدوا البعليم والسواري، فحمي ~~غضب الرب على إسرائيل فباعهم بيد كوشان رشعتايم ملك أرام النهرين، فعبد ~~بنو إسرائيل كوشان رشعتايم ثماني سنين» (3: 7-8)، وعاد بنو إسرائيل يعملون ~~الشر في عيني الرب ... فشدد الرب ms207 عجلون ملك موآب ... وضرب إسرائيل، فعبد ~~بنو إسرائيل عجلون ملك موآب ثماني عشرة سنة (3: ~~12-14)، وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في ~~عيني الرب ... فباعهم بيد يابين ملك كنعان ... فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب لأنه ~~كان له تسعمائة مركبة من حديد، وهو ضايق بني إسرائيل بشدة عشرين سنة ~~(4: 1-3)، وعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب فدفعهم الرب ليد مديان سبع ~~سنين ... بسبب المديانيين عمل بنو إسرائيل لأنفسهم الكهوف التي في الجبال ~~... وإذا زرع إسرائيل كان يصعد المديانيون العمالقة وبنو المشرق ... ويجيئون ~~كالجراد في الكثرة وليس لهم ولجمالهم عدد، ودخلوا الأرض لكي يخربوها، ~~فذل إسرائيل جدا من قبل المديانيين، وصرخ بنو إسرائيل للرب (6: ~~1-6)، وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب، وعبدوا البعليم ~~والعشتاروت وآلهة أرام وآلهة صيدون وآلهة موآب وآلهة بني عمون وآلهة ~~الفلسطينيين، وتركوا الرب ولم يعبدوه، فحمي غضب الرب جدا على ~~إسرائيل وباعهم بيد بني الفلسطينيين ويد بني عمون فحطموا ورضضوا ~~إسرائيل ... ثماني عشرة سنة ... فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب قائلين أخطأنا إليك ~~(10: 6-10)، ثم عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب فدفعهم إلى يد ~~الفلسطينيين وانكسر إسرائيل وهربوا كل واحد إلى خيمته، وكانت الضربة ~~عظيمة جدا، وسقط من بني إسرائيل ثلاثون ألف رجل، وأخذ تابوت الله» ~~(صموئيل أول، 4: 10-11) وبعدها اجتمع الأسباط وطلبوا من الكاهن القاضي ~~«صموئيل» أن يجعل لهم ملكا فاختار «شاول»، الذي نجح في استرداد التابوت من ~~الفلسطينيين، في غزو ما أسماه الكتاب المقدس مدينة عماليق، والتي ~~افترض «فليكوفسكي» أنها كانت حواريس عاصمة إمبراطورية الهكسوس العربية، تلك ~~الإمبراطورية التي كانت تحكم على منطقة حوض المتوسط الشرقي، بينما كان ~~داخلها كل تلك الممالك وتلك الحروب، والتي لم يأت لها «فليكوفسكي» على ~~ذكر. إن معنى وجود ممالك متعددة في المنطقة، وحروب إقليمية متتالية، ~~بينها حروب شعب مثل بقية تلك الشعوب بالمنطقة والمعروف باسم العمالقة، ~~يهدم الفرض الأساسي في كتابه حول تلك المملكة العظمى المسيطرة خلال عصر ~~القضاة المليء بالأحداث. # ومسألة أخرى ما زالت تطلب المناقشة، ms208 وتتأسس على مدى مصداقية الصفات ~~البربرية التي نسبها «فليكوفسكي» للهكسوس العرب حسب فروضه، وفي هذه الحال ~~لن يكون أمامنا مقياس للفضائل ومعيار للنبل سوى الشعب المقابل؛ الشعب التقي ~~الورع الذي فدى الإنسانية جمعا، وقضى على شر الهكسوس، وظلمته الإنسانية ~~جمعاء؛ شعب إسرائيل، ولا شك أنه لا توجد شهادة للإسرائيليين أفضل من ~~كتابهم المقدس. # تقول شريعة الكتاب المقدس العطرة والسمحاء لشعبها أثناء رحلة التيه، قبل ~~دخول فلسطين: «أحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار (عدد، 31: ~~10)، اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة (عدد، 31: 17)، أحرقوا حتى ~~بنيهم وبناتهم بالنار (تثنية، 12: 31)، فضربا تضرب سكان المدينة بحد السيف ~~وتحرقها بكل ما فيها مع بهائمها ... وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك (تثنية، ~~13: 15-16) وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا ~~تستبق منها نسمة ما» (تثنية، 10: 10-16). # ولن تجد سفرا واحدا يخلو من صورة «يهوه» وهو ينفث أوامره المتكررة ~~بالحرق والذبح وتقطيع الأوصال، رجال أو نساء أو حتى الأطفال بل والبهائم ~~أيضا، وعندما كانت تحدث أي مخالفة لتلك الأوامر، حين يطمع ~~الإسرائيليون في الإبقاء على بعض النساء كسبايا، أو على المتاع والبهائم ~~كغنائم، فإن الرب كان يصب نقمته على الإسرائيليين أنفسهم. والأمثلة ~~كثيرة بالكتاب نستشهد منها بمثال واحد فقط اختصارا للأمر، «وكلم الرب موسى ~~قائلا: أنتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين ... فكلم موسى الشعب ~~قائلا: جردوا منكم رجالا للجند فيكونون على مديان ليجعلوا نقمة الرب على ~~مديان، ألفا واحدا من كل سبط من جميع أسباط إسرائيل ترسلون الحرب ... ~~فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر ... وسبى بنو إسرائيل نساء ~~مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، ~~وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار ... فخرج موسى ... ~~لاستقبالهم ... فسخط موسى ... وقال لهم موسى: «هل أبقيتم كل أنثى حية ... فالآن ~~اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة» (عدد، 31: 1-17). فلماذا تجاوز ~~«فليكوفسكي» عن هذه المدونات التي لا شك كانت مصداق كل كلمة استشهد ~~بها من قبل «واعتبرها تقول ما تعنيه فعلا؟» بينما حمل ms209 على الهكسوس تلك ~~الحملة القاسية بعد أن احتسبهم عربا من العمالقة، بينما في مصر ذاتها لا ~~توجد شهادة قديمة واحدة على قسوة الهكسوس بشكل يقترب من تلك البشاعة في ~~شرائع الحرب التوراتية؟ اللهم إلا في نص «حتشبسوت»، وما جاء في حديث ~~«مانيتون» في القرن الثالث قبل الميلاد. # هذا ما كان عن تزوير التاريخ لصالح التنظير التاريخي للقومية ~~الإسرائيلية، ويبقى أن نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ونكشف عن هوية ~~الهكسوس بوضوح وعلاقتهم بالعرب وبالمصريين وببني إسرائيل، وموقعهم ~~الصحيح من التاريخ القديم! وهذا وعد نعمل حاليا - وربما لبعض الوقت - من ~~أجل الوفاء به. # 40 # | ملحق له ضرورته # (1) الصهاينة مرة أخرى (؟!) # 1 ~~(الرد على مقال الأستاذ حازم هاشم) # كنا قد آلينا على نفسنا عدم الاستجابة لأية استفزازات، حتى لا ننشغل بمعارك وهمية ~~تصرفنا عن أبحاثنا، خاصة مع إدراكنا لحجم الشراك المنصوبة تلك الأيام، والتي نعلم ~~جيدا دقائقها وآلياتها وأهدافها. لكن ما نشره الأستاذ «حازم هاشم» في «الوفد» بتاريخ ~~7 / 11 / 1955م تحت عنوان «ما بين القمني وهذا المترجم»، ودعوته الواضحة لنا للرد على ~~الطبيب «رفعت السيد» حول ما كتبه في مقدمة ترجمته لكتاب «عصور في فوضى»، لمؤلفه الكاتب ~~الصهيوني «إيمانويل فليكوفسكي»، إضافة إلى العبث غير المحمود الذي ساقه الطبيب ~~المذكور، كل ذلك لم يترك لنا فرصة التمسك بمبدئنا؛ حيث انزلق السيد الطبيب إلى ~~منزلق شديد الوعورة، غير مدرك إلى أي منحدر ذهب؛ فطعن في أمانتنا العلمية، «وهي ~~الرصيد الوحيد الذي نملك ونتيه به اعتزازا». ومن هنا تأتي استجابتنا لدعوة الأستاذ ~~حازم هاشم، وهي الاستجابة الكفيلة بإنهاء الأمر تماما، حتى لا نترك مساحة لمزيد من ~~المهاترات، وحتى لا يطول أمر الأخذ والرد، لكن ذلك لا يعني حرمان القارئ من متعة ~~المتابعة، فسنعطيه هنا قدرا كافيا من المتعة، وبغرض العودة السريعة إلى مكاننا ~~الحقيقي بعيدا عن السجال حول أمور هي كالعهن المنفوش، ومن هنا نعتقد أن السيد الطبيب ~~بدوره سيلزم الصمت الحميد وفي ذلك كفاية وغنى. # وكان السؤال الذي تبادر إلى ذهني فور قراءتي للوفد، ms210 هو: لماذا صمت السيد الطبيب منذ ~~التقاني عام 1992م - حسبما قرر هو في مقدمة الكتاب المذكور - وحتى اليوم ليخرج الآن ~~عن صمته؟ أما لو كنت مكان أي قارئ آخر لكان السؤال هو: لماذا لم يبادر سيادته من ~~فوره إلى اتخاذ الخطوات القانونية الرادعة في مثل تلك الأحوال؟ لكن لو حاولت الإجابة ~~على سؤالي أنا، مع الأخذ بحسن الظن، لذهبت إلى احتمال أن الرجل وهو لم يبدأ بعد ~~خطواته في عالم الكتابة، قد هدته قريحته إلى أن أقرب طريق إلى الشهرة هو افتعال ~~المعارك الكبيرة، وإذا كان ذلك كذلك، فقد فعلها الرجل دون أن يرمش له جفن، بجرأة ~~متفردة ومغامرة يحسد عليها، لكن ذلك الاحتمال تراجع إزاء معطيات أخرى يمكنها أن ~~تفسر لنا سر تلك النزوة المفاجئة، لمغامرة نزقة، في منطقة خطرة عسرة ~~العبور. ~~(1-1) راوية هذا الترجمان # يحكي لنا الطبيب الترجمان في مقدمته رواية غاية في الطرافة والظرف، فيقول: إنه ~~قد التقاني عام 1992م، عندما كانت ترجمته لكتاب فليكوفسكي لم تزل بعد مخطوطة ~~بأدراج مكتبه بالمطرية بالقاهرة، لكن تلك الترجمة غير المنشورة - بمعجزة غير ~~مفهومة - طبقت شهرتها الآفاق حتى وصلتني أخبارها؛ حيث كنت أقيم بمدينة الواسطى ~~بصعيد مصر (كذا؟!)، وعندها هرعت إلى السيد الطبيب أطلب منه استعارة تلك ~~المخطوطة الأسطورية لأطلع عليها، وحسب قوله إني قد فعلت ذلك بعد ما ترامى إلى سمعي ~~عنها، وتشوقي لقراءتها، وذلك كي أستعين بها في كتاب كنت أكتبه حينذاك، هو كتاب ~~«النبي إبراهيم والتاريخ المجهول». # وهكذا وجه الرجل لنا اتهامين دفعة واحدة: الأول أننا استعنا بفليكوفسكي في ~~كتابنا «النبي إبراهيم» دون أن نشير إليه كمرجع لأنه بالفعل غير مدرج كمرجع ~~بكتاب «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»، أما الثاني فهو أننا قد أخذنا بأفكار ~~كاتب صهيوني في معالجة مسألة تتعلق بأب الأنبياء خليل الله عليه الصلاة ~~والسلام. والغريب أن الطبيب الملهم لم يكلف نفسه عناء النظر في تاريخ طباعة ~~ذلك الكتاب الذي صدر عام 1990م، واستغرق العمل فيه ثلاث سنوات قبل صدوره، وهو ما ~~يعني أن ms211 الكتاب قد صدر قبل أن ألتقي بالترجمان بسنتين كاملتين. # ونتابع مع الرجل مندبته المأساوية وهو يجأر بالشكوى قائلا: إنه أعطاني مخطوطته ~~المترجمة لكتاب فليكوفسكي، بعد أن أخذ مني وعدا بعدم نشر أي جزء منها (؟!) أي إنه ~~كان يخشى على مخطوطته سلفا ومع ذلك وثق في وعدنا الشفاهي (هكذا؟!)، لكن الرجل ~~يكتشف كم كان غرا عندما أعارنا المخطوطة؛ لأنه لم تكد تمر أسابيع حتى فوجئ بنشر ~~ترجمته في مقالات أسبوعية بصحيفة «مصر الفتاة»، وبأننا قد وضعنا اسمنا على ترجمته ~~للكتاب، وأننا كي نمرر تلك السرقة اللئيمة لجهد الرجل المسكين، أضفنا إلى تلك ~~الترجمة بعض المقبلات، مع تعليقات هنا، وحواش هناك، لذر الرماد في ~~العيون. # ويزعم الطبيب الترجمان أنه بذل جهودا مضنية لإيقاف نشر ترجمته لكتاب فليكوفسكي ~~باسمنا، وتمكن من ذلك فعلا، لكن بعد أن كنا قد نشرنا الفصل الأول كاملا، ولأني ~~رجل لا أرتدع عن الغي، فقد تماديت وأدرجت مقالات «مصر الفتاة» بكتابي «إسرائيل: ~~التوراة، التاريخ، التضليل»، وأضفت إليها بعض التوابل والمشهيات في عبارة هنا ~~وجملة هناك، لمزيد من الضحك على ذقن القارئ والمترجم، إنها إذن فضيحة بكل معنى ~~الكلمة، وظل الرجل صامتا يمضغ أوجاعه بصمت الكبراء والكاظمين الغيظ، حتى قرر ~~أن يتكلم الأمس فقط، فأي تسامح؟ وأية مروءة؟ وأي ترقع؟ لكن ماذا يفعل الرجل ~~بنفسه وهو يسوق أكاذيبه، عندما تكتشف أنه لم يجهد نفسه في صياغة الكذب ~~المرتب؛ حيث إن دراستنا التي أشار إلى نشرها ب «مصر الفتاة»، والتي نشرناها ~~نحن تحت عنوان «الرد على الأضاليل في تنظيره بني إسرائيل»، وكانت ردا على ~~الصهيوني فليكوفسكي قد نشرت خلال عام 1991م أي قبل أن يلقاني سيادته بعام ~~كامل. # يبدو أن الموضوع سينتهي عند هذا الحد، ولم أف قارئي الوعد بالمتعة المنتظرة. ~~وحتى لا تأخذ القارئ بنا ظنون عدم الوفاء، أجد من واجبي توسيع الحكاية حسب ~~الأصول. ومن هنا أقدم للسيد الطبيب مثالا للأمانة لعله يحتذي به في مستقبل ~~أيامه، فأقر هنا رغم انتهاء الأمر بهذا الشكل، أن الترجمة التي اعتمدناها في ms212 ردنا ~~على كتاب فليكوفسكي الصهيوني «عصور في فوضى»، كانت بالفعل ترجمة صاحبنا الترجمان، ~~وهذا درس آخر في جرأة الواثقين المطمئنين، أما كيف حدث ذلك؟ فهي حكاية ~~أخرى. ~~(1-2) زيارة الترجمان للصعيد # أكد الطبيب الترجمان أنه قد التقاني عام 1992م، لكن لأن للشرف رجاله، فإني ~~أصحح له المعلومة لصالحه؛ حيث إنه قد تجشم مشقة زيارتي لأول مرة في بيتي ~~بمدينة الواسطى في شتاء 1991م، كأي زائر من قرائنا الكرام. لكن زيارة الرجل كانت ~~بغرض آخر؛ حيث جاء يطلب منا رعايته كمبتدئ هاو، ومساعدته على نشر مخطوطة من ~~ترجمته أحضرها معه لأن المخطوطة تواجه عقبات شديدة في نشرها، كما طلب - إذا ~~أعجبتني - أن أكتب لها تقديما. # ووعدت الرجل خيرا، وبدأت مطالعة ترجمته لكتاب فليكوفسكي «عصور في فوضى»، ولكن ~~لأكتشف أني أمام شرك عظيم، وأن عدم تجرؤ دور النشر على نشره، له مسوغاته ~~وحيثياته؛ حيث وجدتني بإزاء عمل هائل وشديد الخطورة هزني هزا، حتى لحق ~~الهز بالثوابت العلمية، ووجدت أمامي فنا عاليا وعظيما بل ورائعا ومثيرا ~~للإعجاب، في تزوير حقائق التاريخ والعقائد، لصالح الفكر الصهيوني، كما لاحظت أن ~~العمل قد وقفت وراءه ودعمته جامعات عالمية، وأساتذة كبار في شتى صنوف ~~المعرفة، وهنا كان لا بد أن يطفر السؤال قافزا: إذا كان قد حدث لي كل الانبهار ~~- مع هول الصدمة - إزاء ذلك التكنيك الصهيوني العالي الجودة والامتياز، فماذا سيكون ~~شأن قارئ عادي دون أن يتسلح برد على ذات المستوى من الأصولية العملية ~~والاقتدار؟ بينما الكتاب يتألق تحت ستار براق من العقلانية والعلمية والصرامة ~~الظاهرة، لينقض نهشا على تاريخ مصر وتاريخ العرب، ليؤسس لإسرائيل مكانها في ~~التاريخ وفي العلم وفي العقول وفي القلوب. وكانت الدهشة أكثر عندما علمت أن ~~أول طبعة للكتاب بالإنكليزية كانت عام 1952م، ومع ذلك لم نسمع في بلادنا ولو ردا ~~واحدا على ذلك الكتاب، بل اكتشفت أن العكس هو ما قد حدث بالضبط؛ حيث استعان به ~~كتاب عرب كمصدر في كتبهم لكن غفل من الإشارة لمصدرهم وهم كتاب مفترض أنهم ~~مهمون ms213 أشرت إليهم في حينه. # هنا وجدت معركة حقيقية، وقررت فضح كل هذا الكم من التزييف التاريخي ~~وتزوير الحقائق، لكن اللياقة الريفية اللعينة دعتني إلى عدم تجاوز الترجمان ~~الطبيب، خاصة وأنه كان السبب في تعريفنا بذلك الكتاب الخطير، وعليه طلبت من السيد ~~الترجمان الحضور إلى بيتي المتواضع، وأحطته علما بقراري الرد الفوري والسريع ~~دون إبطاء على ذلك الزيف المخيف الذي تأخر الرد عليه طويلا. # وبالفعل حضر السيد الترجمان يركب سيارته المرسيدس الفاخرة، واستمع إلى جزء طويل ~~من ردودي على فليكوفسكي، بينما وجهه يتلون ويتبدل، ثم انحدر فجأة إلى حالة ~~عصبية دفاعا عن طروحات الكاتب الصهيوني، مما أشعرني أن وراء الأكمة ما وراءها؛ ~~ومن ثم كان ردي الفوري هو أني سألجأ إلى ترجمة النصوص التي سأرد عليها من ~~جانبي ومباشرة بالصحف، من النسخة الإنكليزية التي كان قد أحضرها لي لتدقيق ترجمته، ~~وسافر الرجل ليعمل تفكيره في قراري الحاسم والقاطع، لكن لتختفي من على مكتبي ~~النسخة الإنكليزية مع مغادرته (؟!) لا بأس ... يمكن الحصول عليها، لكن في ذات الليلة ~~اتصل بي السيد الترجمان ليقدم لي اقتراحا يقول: ما المانع أن أستثمر ترجمته ~~الموجودة لدي الآن ما دمت متعجلا؟ على أن أشير إليه كمترجم لنص فليكوفسكي ~~بشكل واضح ومميز مع نغمة نفعية عالية الصراحة، مفادها أن ذلك سيكون دعاية ~~لترجمته تسمح بنشرها، وإزاء تلك النفعية الواضحة، تراجعت ظنوني في طبيعة علاقة ~~الترجمان بمنظومة الكتاب، وقررنا العمل باقتراحه. # وقمت بالرد على تأسيسات فليكوفسكي التي أوردها بفصله الأول؛ حيث إن بقية الفصول ~~كانت إعادة لتوزيع المعزوفة التأسيسية حسب نوتات أخرى، وقد قلت ذلك واضحا في ~~مقالي الأول بمصر الفتاة وتم نشرها، وأنجزت ذلك الرد في عشر مقالات سلمتها ~~كاملة للأستاذ مصطفى بكري رئيس تحرير مصر الفتاة آنذاك، ونشرت على التوالي ~~كاملة دون توقف، هذا بينما يقول السيد الترجمان إن ما نشرناه كان ترجمته هو، وإننا ~~كنا نزمع الاستمرار بنشر الكتاب كاملا لولا تدخله لإيقاف نشر بقية الفصول، ~~ولعل الأستاذ مصطفى بكري يقرأ معنا الآن ليدلي بشهادته حول ms214 هذه الجزئية؛ أي إن ~~السيد الترجمان لم يتدخل ويوقف نشر بقية ترجمته المسروقة كما زعم؛ حيث لم يتسلم ~~الأستاذ بكري سوى تلك الحلقات العشر فقط وقد نشرت كاملة. ~~(1-3) حقوق الترجمان # وعملا بالأصول العلمية، واتباعا لشروط الأمانة البحثية، قمنا بتصدير الحلقة ~~الأولى بالبنط العريض برأس المقال، بإشارة واضحة إلى أن العمل الذي سنرد عليه هو ~~من ترجمة الطبيب رفعت السيد، وعدنا إلى تكرار الإشارة في الحلقة الثالثة نظرا ~~لورود اقتباسات لنصوص كثيرة من تلك الترجمة فيها، وفي ختام المقال العاشر والأخير ~~طلبت من الأستاذ مصطفى بكري تليفونيا أن يكتب بنفسه شكرا وتقديرا لتلك ~~الترجمة، وقد جاء نص ذلك التنويه في مربع بلون متميز لمزيد من الإيضاح، وكان ~~نصه: «يتقدم د. سيد القمني بالشكر إلى الزميل د. رفعت السيد الذي ترجم كتاب عصور في ~~فوضى، وبذل فيه من الجهد والعرق ما يستحق التقدير.» ~~«نص المنشور بصحيفة مصر الفتاة بتاريخ 24 / 6 / 1991م، والذي ~~يؤكد كذب وافتراء السيد الترجمان وقد تم تصويره من الصحيفة ~~مباشرة.» ~~«نص اتهامات المترجم رفعت السيد في مقدمته لترجمة كتاب «عصور ~~في فوضى» مأخوذ بالتصوير من الكتاب المذكور.» # وعندما قررنا توسعة الرد على تلك المدرسة الصهيونية، أصدرنا كتابنا «إسرائيل: ~~التوراة، التاريخ، التضليل»، وضمنه تلك الردود، وعند ورود الجزء الخاص بعرض أسس ~~نظرية فليكوفسكي التي سنرد عليها وذلك ص97، أحلنا إلى المترجم بحاشية مستقلة ~~واضحة تقول: «إيمانويل فيلكوفسكي: عصور في فوضى، عن ترجمة مخطوطة قام بها الدكتور ~~رفعت السيد.» وهو الترتيب العلمي لعناصر معلومات الكتاب حسب الأصول الأكاديمية، ~~أما ملحوظة الأستاذ حازم هاشم، أن تلك الإشارة لم تتكرر بعد ذلك عند ورود نصوص ~~نرد عليها بالكتاب، فهو الأمر الذي ما كان ممكنا؛ فالترجمة حتى ذلك الحين ~~كانت مخطوطة بلا أي معلومات نشر نحيل إليها، فلا اسم ناشر، ولا طابع، ولا ~~بلد، ولا صفحات أيضا، فكيف نحيل إلى صفحات غير منشورة؟ وللتغلب على تلك ~~العقبة وضعنا تلك الإشارة الواضحة في مستهل عرض طروحات فليكوفسكي، مع إبراز ~~الاقتباسات بعلامات التنصيص أحيانا، ms215 وبالهامش الأوسع أحيانا أخرى، وهي من ~~الأدوات الأكاديمية المعلومة في الإحالة إلى المصدر. # ولو قمنا بجمع النصوص الفليكوفسكية التي أوردناها للرد عليها، في اتصال ~~سردي متصل، لما تجاوزت العشرين صفحة، في كتاب يمهد لها، ويناقشها، ويرد ~~عليها، في مائتي صفحة كاملة، جهدنا عليها زمنا حتى أنجزناها، وهي الردود التي ~~أسماها السيد الترجمان «تعليقات وحواشي». # وأذكر أني بعدما نشرت تلك الردود التي تكشف الكتاب والدوائر التي تقف من ورائه، ~~فاجأنا السيد الطبيب بالعدد «139» من مجلة القاهرة بمقال يتلبس الزي الوطني ~~والقومي الغيور ضد فليكوفسكي، وهو ما عاد إلى عزفه في مقدمة ترجمته للكتاب التي ~~نشرت بالأمس القريب، لكن ليقدم لنا الآن، والآن بالتحديد، كتابا مليئا ~~بالمتفجرات الموجهة. بالطبع نحن لا نصادر على نشر أي كتاب من أي ~~لون، لكن يبقى ذلك السؤال الأرق الملحاح يهمس: «لماذا نشر مثل هذا العمل الآن ~~تحديدا، خاصة وأنه الكتاب الوحيد الذي ترجمه السيد الطبيب، فلماذا هذا الاختيار من ~~بين ملايين الكتب التي تحتاجها مكتبتنا العربية فعلا؟» # مرة أخرى - إذا أخذنا بسوء الظن - فسيكون ما أزعج صاحبنا الترجمان ليس موضوع ~~الترجمة، بل ردنا نحن غير المتوقع على فيلوفسكي الذي تصوره من النوع الذي لا ~~يقهر، فهل يسعد صاحبنا الطبيب القيام بدور حارس الشرف للكتاب الصهيوني؟ # أما إذا كانت الإجابة تأخذ بحسن الظن، فإن السيد الطبيب قد كسب رهان المغامرة، ~~عندما اضطرنا للرد عليه، ليشكل ردنا دعاية مجانية لسيادته، وللكتاب، وبالطبع ~~للدار الناشرة التي تجرأت على نشر هذا الكتاب أخيرا، بعدما رفضته كل دور ~~النشر الأخرى. # | حتى لا يضيع العقل مع الأرض # (1) الرد على خطاب شامير في مدريد # 1 # يعنينا هنا أن نؤكد، أن كلمة «شامير» التي ألقاها على المؤتمرين بمدريد في ~~31 / 10 / 1991م، تشكل نموذجا - لا شك - مثاليا تماما للخطاب الصهيوني عامة ~~بمنطقه ومحاوره الأساسية؛ فرغم الظروف التي ألقيت فيها كلمة إسرائيل، في ظل ضعف ~~عربي عام وشامل، مهما سار العربان متبخترين، وتحت مظلة من السيطرة الأمريكية ~~شبه الكاملة، ومع الاقتدار الإسرائيلي المتفوق على كافة ms216 المستويات، والذي لا ~~يجادل فيه إلا مكابر، فإن كلمة شامير كانت على ذات الخط، وذات الدرجة، وذات القدر، ~~الذي كان الخطاب الصهيوني يراعيه دوما، ودون أن يحيد عنه أنملة بشكل ذكي. وليس ~~جديدا أنها تلقى في ظرف عالمي يتحدث عن نظام جديد، يقول للدنيا إنه يسعى لإرساء ~~قواعد السلام والأمن والمحبة على الكوكب الأرضي، وبخاصة في أشد مناطق العالم سخونة، ~~حتى لو ثوى الجمر مؤقتا تحت رماد ظاهري، تصنعه أنظمة تابعة. كما لم يغب عن بال ~~الخطاب أنه يتحدث إلى العالم كله، وأمام كل الشبكات الإعلامية الدولية؛ فوضع بحسبانه ~~مشاعر الجماهير العريضة على تنوعها واختلاف توجهاتها، فجاءت صياغة الخطاب ~~واضعة باعتبارها أنها كما لو كانت تخاطب كل ~~فرد على حدة؛ ومن ثم فإننا نفترض أن الخطاب قد أحاط تماما بكل الأغراض المطلوبة ~~منه، واستخدم كل الممكنات من أساليب متاحة تتناسب مع المقام، وعمد إلى كل طرق ~~الإقناع وعرض قضيته كاملة تامة شاملة مانعة بهدف كسب أكبر تأييد جماهيري ممكن؛ ~~حيث إنه حاصل سلفا على تأييد النظام الجديد؛ وعليه فإننا سنتعامل مع كلمة شامير في ~~مدريد كمعبر صادق عن الخطاب الصهيوني، وسنحاول قراءة طبيعة هذا الخطاب ومكوناته ~~وأغراضه ومناهجه. # والمدقق في الخطاب يمكنه أن يلحظه وهو يتحرك على عدة محاور، تم ربطها ببعضها في ~~منظومة شديدة الجودة، تم تركيبها معا بتقنية ومهارة عالية؛ فكان المحور الأساسي ~~للحركة جيئة وذهابا، ومركز الحركة، هو التركيز على الاستجابة النفسية للمستمع، فقدم ~~افتراضه المسبق لهذه الجماهير بأنه يخاطب كل واحد منهم كشخص متحضر، بلغ من ~~الحضارة قمتها، وهذا وحده لون من تملق المستمع لكن بحيث يترك في نفسه أثرا ~~مطلوبا، هو أن الخطاب يتعامل معه بكل احترام لأنه شخص متحضر حتى لو لم يكن ~~المستمع يستحق هذا الاحترام، أو يحوز تلك الدرجة الحضارية، لكنها على أية حال الطريقة ~~المثلى لجعل المستمع يتجاوب مع كم الاحترام وكم الحضارة المفترض فيه! وهكذا فقد ~~سلم الخطاب للمستمع أنه رجل متحضر، مسالم ينفر من الحروب، يريد الرفاهة لجميع الأمم ms217 ~~وكل الشعوب بلا استثناء، يرفض التعصب بكافة أشكاله وينفر من الاضطهاد على أسس ~~عرقية أو دينية بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة. وبإيجاز فالخطاب يفترض في المتلقي ~~ليبرالية ملائكية، ومن هنا كان الكسب الأول المطلوب، على المستوى السيكولوجي، هو أن ~~يقول للمتلقي أنت متحضر، ولهذا نحن نحترمك ونثق في حكمك على ما سنقول. # أما المحور الثاني الذي ترتبط حركته بحركة المحور الأول، فهو الذي يركز على ~~الجانب الحقوقي! وهو لا شك أهم أعمدة التعامل بين المتحضرين ويتم فيه تأكيد الحقوق ~~التاريخية الثابتة لليهود في أرض فلسطين منذ آلاف السنين. وهنا يتداخل المحور الثالث ~~على نفس الميكانيك لينقل الأمر الحقوقي المسلم به حضاريا إلى اليد الإلهية ~~منتقلا بذلك إلى المحور الديني؛ فتلك الحقوق قرارات إلهية، وهبة سماوية، واختيار ~~أحكم الحاكمين الذي فضلهم على العاملين (؟!) وهو القرار الذي يؤمن به إلى جانب ~~اليهود، العالم المسيحي الغربي كله، وذلك باحتساب التوراة صاحبة ذلك القرار الحقوقي ~~القدسي بعهديه (القديم أو التوراة، والعهد الجديد أو الأناجيل) مع البصمة التأكيدية، ~~والقول التوثيقي على الناموس التوراتي بلسان المسيح ~~«ما جئت لأنقض الناموس. ما جئت لأنقض. بل جئت لأكمل.» وهنا وبسرعة يتم إدخال ~~المحورين الحقوقي والتاريخي، مع المحور الايماني الديني على ميكانيك الحركة المحورية ~~الأساسية «النفساني» لتتشابك الحلقات التي تؤدي إلى راحة ضمير المؤمن المسيحي الغربي ~~تماما والمتحضر جدا، إزاء مساهمته بالموافقة على تأمين حياة هؤلاء المؤمنين ~~لتحقيق كلمة الله الصادقة الثابتة، مع ما يفترض في المستمع المتحضر من رغبة في ~~إثبات تحضره، بتأمين كل الحقوق، لكل العقائد والديانات مهما اختلف معها. ~~(1-1) ضمير العالم # ولإحداث الأثر المطلوب من المحور الأساسي «النفساني» فقد ترك الرجل أثرا طيبا ~~فعلا، فكان رقيق الحاشية، عف اللسان، وديعا كالحملان يمد يده إلى جيرانه ~~يستجديهم الصداقة والأمان، رغم أنه الأقدر والأقوى، ولكنه من جانب آخر قام يردد ~~«أن الموضوع ليس موضوع أرض، إنه موضوع وجودنا ذاته.» فأي لون من التنازل يعني ~~دمار شعب إسرائيل المسالم (!) وإزالته من الوجود. وذلك في ضوء المقارنة التي ms218 ~~قدمها لتعداد شعب إسرائيل «4 ملايين»، مع من ~~حولهم من عتاة القتلة المتعطشين للدماء وعددهم «170 مليون عربي» مع ضالة مساحة أرض ~~إسرائيل التي تستدعي الشفقة «27 ألف كم» وسط محيط عربي شرس يبلغ «24 مليون كم» ~~والحجة على المستوى النفسي مع تغييب الحقائق الأخرى تبدو غاية في الوجاهة. يبدو ~~فيها شعب إسرائيل بطلا للخير يدافع عن وجوده وسط غابة من الشر، مما يستدعي مشاعر ~~الاشمئزاز من العرب الذين يستأسدون على الدولة الوديعة! # وقد عمد الخطاب - بذكاء - إلى استحضار مشاعر أخرى تمتزج مع مشاعر الاشمئزاز، ~~عندما ذكر أن كل عدوان عربي على إسرائيل تم دحره! لتمتزج مع المشاعر الأولى مشاعر ~~الاحتقار أيضا مع الاستهانة والاستخفاف، من شأن أجلاف البوادي، الذين يتحينون ~~فرصة لا يجيدون حتى صنعها والوصول إليها. رغم ذلك فالرجل يمد يده إلى جيرانه أمام ~~كل العالم ويشرح ما وقع على شعبه من مظالم، وذلك في قوله: «وللأسف فإن الزعماء ~~العرب الذين كنا نود مصادقتهم، رفضوا الدولة اليهودية في المنطقة، وادعوا أن ~~أرض إسرائيل هي جزء من الأرض العربية ... وانطلاقا من تحدي الشرعية الدولية، فقد ~~حاولت الدولة العربية احتلال وهدم الدولة اليهودية.» # وهكذا يختفي الفلسطينيون تماما ويصبح العرب - بلا سبب مفهوم أو واضح - يريدون ~~تدمير إسرائيل المسالمة التي تسعى لصداقتهم وحسن جيرتهم لذلك أصبحت المسألة ليست ~~مسألة أرض، إنما مسألة وجود شعب إسرائيل، وسط الحشد العربي الشرير! ومن ثم ~~عمد الخطاب مباشرة إلى الضغط على ضمير العالم بمأساة الشعب اليهودي الذي لاقى صنوف ~~الاضطهاد، وأنه قد آن الأوان كي يصحو ضمير العالم ليرد لهذا الشعب أبسط الحقوق، ~~وهي الأمن، بل ويطلب من اليهود الصفح والمغفرة (ألسنا عالما يدعي التحضر؟) ومن ~~هنا أخذ يوجه حديثه إلى كل فرد في هذا العالم الخاطئ ويقول: «لقد تمت ملاحقة ~~اليهود عبر التاريخ في كل القارات تقريبا ... وتعرض اليهود للاضطهاد والتعذيب ~~والذبح. وشهد هذا القرن خطة إبادة نفذت على أيدي النظام النازي وهذه الكارثة ~~والإبادة الجماعية المنقطعة النظير، والتي قضت على ثلث شعبنا تمت ms219 في واقع ~~الأمر، وأمكن تنفيذها لأن أحدا لم يدافع عنا؛ فقد كنا بلا وطن، ولكن هذه الكارثة ~~هي التي جعلت المجتمع الدولي يعترف بمطالبنا، القائمة على حقنا في أرض إسرائيل.» ~~وهنا نجدنا مضطرين إلى تأجيل تناول المحورين (التاريخي والديني) لنحاول أن ~~نفهم الآن: كيف أمكن للمذابح النازية ضد اليهود، أن تؤدي إلى اعتراف العالم بحق ~~إسرائيل في فلسطين، وقيام الدولة الصهيونية على أرضها؟ ونلاحظ أن الخطاب - بعد ~~تهيئة المستمع نفسيا وعاطفيا، مع إشعال جذوة الضمير الحضاري وعقدة الذنب - ~~ينتقل فورا إلى إعلان أنه رغم ظلم العالم لليهود، فليس لأحد حق الادعاء بقيام ~~دولة إسرائيل؛ لأن ضحايا اليهود أيام النازي كانوا الثمن المدفوع سلفا، فقدموا ~~أنفسهم قربانا على مذبح قيام الدولة. هذا بالطبع حق اليهود التاريخي الديني ~~المعلوم في تلك الأرض، وكل ما في الأمر أن العالم ربما نسي تلك الحقيقة بعد طول ~~اغتراب اليهود عن فلسطين وما حدث من النازي كان فقط عامل الإنعاش للضمير العالمي ~~الخاطئ. # الخطاب الصهيوني بذلك يعمد إلى لون فاضح من التزوير والتلفيق؛ فرغم أن المذنب ~~هو النازي، فهو لا يذكر أبدا أنه ليس من المقبول حضاريا وحقوقيا وإنسانيا أن ~~يدفع الفلسطينيون وزر الجريمة النازية، والمعلوم أنه في فلسطين تحديدا وعندما ~~وقع اضطهاد على اليهود كان بداية من جانب الرومان الذين دمروا الهيكل الثاني، ~~وشتتوا اليهود في بقاع الدنيا، لأسباب تاريخية معلومة. أما الاضطهاد الثاني ~~فقد جاء على يد الصليبيين عندما استولوا على القدس عام 1099م، وقاموا بحرق ~~اليهود داخل معابدهم، مما أدى إلى هروبهم الجماعي من فلسطين، وهو ما وضح في ~~سقطة لسانية بخطاب شامير عندما قال: «إن اليهود كانوا موجودين باستمرار في ~~فلسطين باستثناء فترة المملكة الصليبية ~~القصيرة.» لكنه بالطبع لم يذكر السبب، كما لم يذكر أن سبب تواجدهم بعد ذلك في ~~فلسطين كان سماح صلاح الدين لهم بالعودة بعد استعادة العرب لها من يد ~~الصليبيين. # أما إشارة الخطاب إلى أن كل شعوب العالم اضطهدت اليهود الذين عاشوا بين ~~ظهرانيهم، فهو يستحق الدهشة والتساؤل؟ ms220 لماذا تجمع شعوب مختلفة المواطن ~~متباينة المشارب والعقائد، على كراهية مواطنين مثلهم، ولكن من ملة اليهود؟! ~~هذه فزورة لا يحلها إلا السيد شامير. ~~(1-2) العلاج النفسي # واللافت للنظر هو تركيز الخطاب الصهيوني الدائم، على الجريمة الهتلرية ضد اليهود ~~ففي كل «حدوتة» وفي أي مناسبة (وبدون مناسبة) يتكرر ذكر المذبحة النازية لليهود ~~التي اكتست بطابع ديني؛ بحيث لا يذكر هتلر إلا وتذكر كراهته للدين اليهودي ~~وأتباعه، وأنه ما ذبح هؤلاء إلا لكونهم يهودا! حتى نسي العالم أن ضحايا النازية من ~~غير اليهود قد بلغوا ستين مليون إنسان، وأن الضحايا المدنيين فقط وصل عددهم إلى ~~ثلاثة ملايين بولوني، وستة ملايين سلافي، وضاع ذكرهم وسط الضجيج والصخب الصهيوني، ~~والندب والعويل على شهداء البشاعة البشرية ضد اليهود والذين اتخذ موتهم طابعا ~~قدسيا كما لو كان ضحايا هتلر من اليهود فقط! وأنهم فقط أصحاب حق في القداسة ~~وأصحاب حق في جلد ضمير الدنيا بالسياط، ووسيلة لكسب التأييد المادي والمعنوي، ~~وإذا كانت هذه الجريمة كما يقول خطاب شامير سبب صحوة الضمير العالمي لإقامة دولة ~~إسرائيل، فلا شك أن الخطاب العربي الفاشل كان وراء خمود ذات الضمير أمام إبادة ~~وتشريد الفلسطينيين! إضافة إلى العوامل الأخرى المتعددة، البعيدة عن موضوعنا ~~هذا بشأن طبيعة الخطاب الصهيوني. لكنها على أية حال توضح لنا لماذا لم تقم ~~دولة إسرائيل على أشلاء ألمانيا المنهزمة وقامت في فلسطين؟ # ثم يعمد الخطاب الصهيوني مرة أخرى إلى تشغيل المحور السيكولوجي؛ فبعد أن ~~يعدد خطايا العالم في حق شعب الرب المختار! ويضع الضمير العالمي في حالة أرق، ~~وشعور حاد بالذنب والخطيئة، فإنه يسارع متبرعا بتقديم العلاج النفسي والبلسم ~~الشافي لذلك الضمير المعذب، حتى يكون الجميع ممتنين وشاكرين؛ فيربط الخطاب بين ~~الاضطهاد النازي وبين الأشرار العرب الذين يكيدون للدولة الوليدة، ~~ليضع النازي والعرب داخل إطار واحد، فيمتزج ~~الشر العربي بالشر النازي، ويصبح العالم مسئولا تمام المسئولية إزاء الشروع في ~~الجريمة الجديدة، وأن يمنعها قبل أن تقع، وعلى الإنسانية أن تقوم بواجبها إزاء ما ~~يمكن حدوثه، وهو ما ms221 يلتقي صداه مع العقيدة المسيحية التي تقبل بفكرة الضحية، مقابل ~~الفداء والخلاص، أو بالنص الإنجيلي الذي يضع مشروعية رفع الخطيئة (بدون دم ~~وسفك دم لا تحصل مغفرة). # والضحية موجودة والحمد لله، وعلى الفلسطينيين أن يقدموا الفداء لخطايا ~~العالم، ويرفعوا الإصر عن ضميره اليقظ لأن المسيح نفسه، وهو الإله، قد تمت تضحيته ~~على الصليب من أجل راحة ضمير البشرية ورفع الخطيئة عن بني آدم فهل الفلسطينيون ~~أحسن من الله؟ # وهكذا تجد البشرية الغربية المتحضرة المعذبة، التواقة إلى التكفير عن ذنبها ~~لكن بعيدا عن جلدها خروفا يذبح بدلا منها، لتعود لتلك النفس راحتها، واتزانها ~~وتماسكها، وهو ما أجاد الخطاب الصهيوني صناعته على الدوام وباقتدار؛ ومن ثم تبرز ~~إلى جوار طبيعة الخطاب التي تستهدف الجانب النفسي مع استثمار المعاني النظرية ~~لمفهوم التحضر، التي لا بد أن تنفر من الاضطهاد بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة، ~~طبيعة أخرى تستثمر البعد الديني؛ فاليهود لم يضطهدوا إلا لأنهم يهود، ويصبح من ~~المنطقي ألا يطلبوا التعويض ممن اضطهدوهم بأرض في أوروبا لسبب ديني بسيط معلوم هو ~~أن أوروبا ليست أرض اليهود، أو كما قال موشى ديان لصحيفة لوموند في 5 / 10 / 1971م ~~«بما أننا نملك التوراة وأننا شعب التوراة فلا بد أن نملك أيضا أرض ~~التوراة.» # وتتم المغالطة الكبرى بالخلط السريع للأوراق، ولا يبقى مكان في العالم يصلح ~~لليهود ومن حق اليهود، وترضى به النفس الأوروبية المعذبة دون أن تخسر أرضا، سوى ~~الوطن اليهودي الذي سلبه الفلسطينيون. والأمر مشروع قدسيا بقرار إلهي بالكتاب ~~المقدس المصدق وتلك إرادة الله الذي لا راد لقضائه. ~~(1-3) التزوير في الخطاب # والوقوف مع الترنيمة المعذبة لليهود حول الجريمة النازية، يكشف لنا بعدا أخر ~~بالخطاب الصهيوني، وهي وقفة للتذكير بمجموعة حقائق، تساعد على حل اللغز الذي ~~طرحه السيد شامير في قوله إن المذبحة الهتلرية، كانت السبب الحقيقي وراء قيام دولة ~~إسرائيل! # ربما ما زلنا نذكر ما حدث في بغداد مع بدء الهجرة اليهودية المنظمة إلى إسرائيل، ~~بتخطيط وإشراف الصهاينة عندما تردد يهود العراق ms222 في قيد أسمائهم بكشوف الهجرة، ~~فلجأت العصابات الصهيونية المسلحة إلى إلقاء القنابل على مراكز التجمع اليهودي ~~لإشعارهم أنهم في خطر لدفعهم للهجرة إلى إسرائيل. وهو الحدث الذي تزامن مع حالات ~~أخرى شبيهة في مواقع أخرى من العالم كما تزامن مع بداية النشاط الفعلي للصهيونية ~~العالمية. وكان أخطر تلك الأساليب هو ما حدث في ألمانيا النازية في قضية «إنجمان» ~~المعروفة وما كشفت عنه د. «حنا أرندت» في كتابها «إنجمان في القدس»، وأوردت به ~~مجموعة وثائق تثبت وجود تعاون وثيق بين السلطات النازية وبين المؤسسة الصهيونية ~~في فلسطين، وأن من بنود ذلك التعاون أنه كان بإمكان أي يهودي ألماني أن ~~يهاجر إلى إسرائيل، شريطة أن يحول أمواله إلى بضائع ألمانية. وقد قدم ~~إنجمان مساحات من الأرض للصهاينة كمعسكرات تجمع لليهود ولتهجيرهم بالإكراه إلى ~~فلسطين. # أما ما حدث ليهود تلك المعسكرات فهو البشاعات التي كشفت عنها قضية كاستنر، ~~الذي باع يهود تلك المعسكرات للنازي بالتعاون مع إنجمان وهي من القضايا التي هزت ~~إسرائيل، وكشفت أن زعماء الصهاينة وقياداتهم، قاموا بتجهيز أغنياء اليهود إلى ~~فلسطين للحصول على الأموال إضافة للعناصر الفعالة كالعلماء والشباب بينما تركت ~~في المعسكرات بقية اليهود من عناصر غير مرغوب فيها، وهم من تمت إبادتهم على ~~يد النازي بعلم القيادات الصهيونية وتعاونها، لكسب العطف والتأييد العالمي، «وهو ~~ما أدى بعد ذلك وبالفعل، إلى قيام دولة إسرائيل». # وبموجب الاتفاق قام «إنجمان» بتأمين قطار خاص لحمل المهاجرين من النخبة ~~المختارة الممتازة، ورافقهم بعض النازيين إلى الحدود لضمان سلامتهم، وقد قال ~~كاستنر إن عددهم كان 1648 شخصا غادروا إلى إسرائيل مقابل 476000 تمت التضحية بهم ~~في المجزرة «وهو الأمر الذي يفسر لنا تأكيد شامير على أن تلك المجزرة، كانت ~~السبب وراء قيام إسرائيل». # قد شهد على تلك المؤامرة الكبرى أحد القلائل الذين تمكنوا من الفرار من معسكر ~~«أوشيتز»، هو «رودلف فربا» وذلك في جريدة لندن ديلي هيرالد عام 1961م، بقوله: «نعم ~~أنا يهودي، لكني أتهم قادة اليهود بأنهم أبشع ممارسي الحروب فتلك المجموعة كانت ms223 ~~على علم مسبق بما سيحدث لإخوانهم في غرف الغاز النازية، ومن بينهم ستنر ~~رئيس مجلس يهود هنغاريا، وقد استقل عدد كبير ~~من يهود هنغاريا الفقراء قطارات النقل طائعين دون مقاومة؛ لأنهم كانوا قد أخذوا ~~تطمينات من القادة الصهاينة أنهم في طريقهم إلى الحرية، بينما كانوا يساقون إلى ~~الإعدام». أما جريدة صوت الشعب الإسرائيلية فقد قالت في عام 1955م «إن كل أولئك ~~الأشخاص، الذين ذبح الألمان أقرباءهم في هنغاريا، يعلمون الآن وبوضوح، «أن قيادات ~~الصهاينة هي التي دبرت الجريمة مع النازي».» # ولما فاحت الفضيحة، وقدم كاستنر للمحاكمة في إسرائيل بضغط الرأي العام لكشف ~~الحقائق، عقبت صحيفة يديعوت أحرونوت في 1955م بقولها: «إنه إذا تم تقديم كاستنر ~~للمحاكمة فإن الدولة برمتها ستنهار، سياسيا ووطنيا نتيجة ما ستكشف عنه تلك ~~المحاكمة.» ولم يمض قليل على بدء المحاكمة حتى سقط كاستنر صريعا رميا بالرصاص ~~من مجهول، وكشف بعد ذلك أن قاتله هو أكشتاين العميل السري في جهاز ~~الموساد. # وكان السؤال: هل من المعقول أن تقدم القيادة الصهيونية هذا العدد الهائل من ~~اليهود للذبح؟ يجد إجابته أولا في قيام الدولة. وثانيا في شهادات منها شهادة ~~«موشى شوايفر» مساعد كاستنر الذي قال بهدوء: «نعم كان يهود هنغاريا عددا كبيرا ~~لكنهم للأسف لم يكونوا يتمتعون بأي أيديولوجية يهودية.» # أما قائد الهاجاناه «فايفل بولكس»، فقد التقى بإنجمان في جروبي القاهرة، وأبدى ~~رضاه التام عن سير التعاون اليهودي مع النازي كما هو مرسوم له (انظر مجموعة وثائق ~~التعاون النازي الصهيوني/كالتون، أستراليا). # لكن السؤال الأكثر منطقية هو: إذا كانت الجريمة النازية قد حدثت بالفعل، ~~فلماذا تطوع النازي وسمح للنخبة اليهودية بالهجرة؟ والسؤال وجيه لكن الوقائع تقول ~~ما يفيدنا بإجابة مقنعة؛ فلعلنا نذكر أن منظمة الأورجون اليهودية في ~~فلسطين قد قامت بإعلان الحرب رسميا ضد حكومة الانتداب البريطانية عام 1944م. ~~ونظمت نشاطات إرهابية متتالية ضد القوات البريطانية في فلسطين، وهو ما جاء في ~~سقطة أخرى بخطاب السيد شامير في مدريد في قوله: «لقد قامت الدولة اليهودية وتكونت ~~لأن الطائفة اليهودية الصغيرة ms224 بفلسطين أيام الانتداب ثارت على الاحتلال ~~الإمبريالي!» سقطة السيد شامير هنا فاضحة ففي الوقت المفترض فيه، أن اليهود يحاربون ~~الألمان، وأنهم ضحية المجازر النازية كان اليهود في فلسطين يقومون بنشاطات إرهابية ~~ضد بريطانيا (؟!) الأمر واضح تماما تؤيده العلاقات غير الخفية التي قامت بين عصابة ~~«شتيرن» اليهودية بفلسطين، وبين إيطاليا الفاشية ~~وشنت بموجبها عددا من الهجمات الإرهابية على البريطانيين بفلسطين، أما ~~مناحيم بيجن زعيم عصابة الأورجون، فقد وصل لفلسطين كجندي في الجيش البولوني ~~لمقاتلة النازية، ثم فر من الجندية ونظم عصابة لقتال البريطانيين وقتل ~~الفلسطينيين. # هكذا تمت الخطة الصهيونية على ثلاثة محاور: محور يهود أوروبا ومهمته قتال ~~النازية لكسب تأييد الحلفاء، ومحور ألمانيا للتخلص من نفايات يهودية لا تؤمن ~~باليهودية وحقوقها التاريخية ليتم بها كسب عطف العالم والضغط على ضميره، في أشد ~~الظروف العالمية توترا. ومحور ثالث كان فيه صهاينة فلسطين يقدمون للنازي ~~خدماتهم الجليلة، ويقاتلون بريطانيا لصالح دول المحور، تنفيذا للاتفاق غير ~~المعلن. # وهكذا تنكشف لنا أهم جوانب طبيعة الخطاب الصهيوني وهو التزوير الفاضح، وتهديد ~~ضمير العالم دوما بدم اليهود المسفوك لأنه إذا كان «بدون دم وسفك دم لا تحصل ~~مغفرة.» فإن ناموس الصهيونية قد أكد «بدون دم وسفك دم لا تقوم لإسرائيل ~~دولة.» ~~(1-4) الدين والعنصر # وقد كان مناط احتجاج الخطاب الصهيوني في مدريد هو أن «الزعماء العرب الذين كنا ~~نود أن نصادقهم رفضوا الدولة اليهودية في المنطقة، وادعوا أن أرض إسرائيل هي ~~جزء من الأرض العربية.» وهنا تحتشد مجموعة من المغالطات والتلفيقات؛ فالخطاب لا ~~يذكر الأرض باسمها التاريخي الصادق «فلسطين» إنما يشير إليها بوصفها «أرض إسرائيل»، ~~هو ما يستدعي مجموعة تداعيات تاريخية، مع مجموعة مداخلات تلفيقية تربط تلك ~~الأرض بشعب واحد فقط، عاش مع مجموعة شعوب أخرى على تلك الأرض على مر العصور ~~التاريخية، لكن بحيث يبدو أنه لم يكن هناك سوى شعب واحد هو الشعب ~~الإسرائيلي. # والخلط مقصود، وينطلق من خلط أساسي في مفهوم الخطاب الصهيوني وأدلوجته، ما بين ~~مفهوم العرق أو الجنس، وبين مفهوم الدين، بحيث ms225 يتداخلان ويصبح العرق دينا، والدين ~~عرقا. كما يسمح بتداخل آخر مع التراث الديني للمسيحيين بإجراء التطابق في ~~الخطاب بمهارة علاقات التطابق الدائري في علم المنطق، أو أنظمة التكافؤ الرياضية؛ ~~فالخطاب يتحدث عن رفض العرب ل «الدولة اليهودية» وادعائهم أن «أرض إسرائيل» عربية ~~فتتطابق هنا الدائرة الكلية لمفهوم «الدين اليهودي» ~~وتتكافأ مع الدائرة ~~الكلية ل «أرض فلسطين». لكن بعد حذف «فلسطين» ~~ووضع «إسرائيل» لتصبح فلسطين إسرائيل ويصبح شعبها الوحيد هو الشعب الإسرائيلي، ~~والدين الوحيد الذي تواجد فيها على مر العصور، هو الدين اليهودي وحده دون بقية ~~الأديان. # والمغالطة الثانية تتضح في إشارته إلى أن من ~~ناصبوا الدولة الإسرائيلية العداء هم «الزعماء العرب». المسألة هنا طموحات من ~~الزعامات، مع غزل رقيق للشعوب العربية فنحن أصدقاء كشعبين، وأهل وبنو عمومة. ~~المشكلة فقط في طموحات الزعماء للتوسع. # أما المغالطة الثالثة فهي إجراء المطابقة السريعة بين مفهوم الدين اليهودي وبين ~~العنصر أو الجنس الإسرائيلي، الذي عاش كقبيلة ضمن عدد كبير من الشعوب الأخرى التي ~~ذكرتها التوراة في فلسطين مثل الكنعانيين (الفلسطينيين) والحيثيين، ~~والعمونيين والأدوميين والموآبيين، والفرزيين، واليبوسيين ... إلى آخر ~~القائمة المعروفة. ثم تجرى المطابقة الدائرية مرة أخرى بين اليهودية كدين بعد ~~أن أصبحت جنسا وبين يهود اليوم المتناثرين بين جنسيات العالم على تفرقها، بحيث ~~يظهر هذا الشتات غير المؤتلف كما لو كان جنسا واحدا، وعرقا بذاته، لمجرد أنهم ~~يدينون بدين واحد هو اليهودي، بحيث تنطلي الأكذوبة الكبرى على جماهير الدنيا ~~تأسيسا على مدخل منطقي سافر التزوير، وعلى أساس ديني عقائدي ينهض على أسس ~~أسطورية خلقت تتابعا عرقيا عنصريا بالكتاب المقدس لشعب إسرائيل القديم ~~بحيث يبدو يهود اليوم كما لو كانوا ينحدرون عن الآباء التوراتيين الأوائل، ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # وربما ساهم في ابتلاع البعض لتلك الفرية خاصة المتدينين، هو انعزال أصحاب ~~الديانة اليهودية عن غيرهم في كل المواطن التي عاشوا فيها بحيث بدوا كما لو كانوا ~~محافظين تماما على نقاء البذرة الإبراهيمية منذ ألوف السنين في أصلابهم ~~الطاهرة، وهو افتراض يقوم على التسليم بلون خارق من ms226 العفاف الجنسي المنقطع ~~النظير، وهو ما لا تنطق به سيرة بنات اليهود، لا اليوم ولا حتى في العصور ~~التوراتية مند البدء ... وباعتراف الكتاب المقدس ذاته. # وبنظرة سريعة عجلى على إصحاحات الكتاب المقدس يمكنك أن تجده يموج بالصخب ~~الجنسي. ونموذجا لذلك ما جاء به مع الرجل الأول في تاريخهم، البطرك إبراهيم الذي ~~حكى الكتاب عنه: «فانحدر إبرام إلى مصر وقال لساراي ~~امرأته إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر ... ~~قولي إنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك ... فأخذت المرأة إلى بيت ~~فرعون، فصنع لإبرام خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال» ~~(سفر التكون، 21). # هكذا نجد البداية لا تبشر بخير مع هذا الادعاء بالنقاء الجنسي على مر ~~العصور. ولسنا هنا في مقام الدفاع عن نبي جليل، لكن المتابع للأسفار يجد النبي ~~«إرميا» ينوح على تفشي الزنا بين بنات مملكتي يهوذا وإسرائيل ويقول: «هل رأيت ما ~~فعلت العاصية إسرائيل، انطلقت إلى كل جبل عال وإلى كل شجرة خضراء وزنت هناك ... ~~ولم تخف الخائنة يهوذا أختها، بل مضت وزنت هي أيضا» (سفر إرميا، 3)، وصهلوا ~~كل واحد على امرأة صاحبه» (إرميا، 5)، بل إن الرب يهوه أخذ ينادي نساء شعبه ~~المختار «ارفع ذيلك على وجهك فيرى خزيك، فسقك وصهيلك، ورذالة زناك على الآكام، ~~في الحقل رأيت مكرهاتك، ويل لك أورشليم، لا تطهرين حتى متى؟» (إرميا، 13). ثم ~~ينادي مملكة يهوذا «أزنيت على اسمك وسكبت زناك على كل عابر ... وصنعت لنفسك ~~مرتفعات موشاة وزنيت عليها وصنعت لنفسك صور ذكور وزنيت بها ... وفرجت رجليك ~~لكل عابر، وأكثرت زناك وزنيت مع جيرانك بني مصر الغلاظ اللحم الذين منيهم ~~كمني الحمير وزدت في زناك لإغاظتي ... وأسلمتك لمرام مبغضاتك بنات ~~الفلسطينيين اللاتي يخجلن من طريقك الرذيلة، أعطيت كل محبيك هداياك ورشيتهم ~~ليأتوك من كل جانب للزنا بك وصار فيك عكس عادة النساء في زناك؛ إذ لم يزن ~~وراءك بل أنت تعطين أجرة ولا أجرة تعطى لك، فصرت بالعكس» (سفر حزقيال، ~~16). # وهذا قليل من كثير. وربما ms227 كل شبق بنات صهيون، الذي كان يدفعهن إلى الصهيل عند ~~الوصال (بتعبير الكتاب المقدس)، وإلى صناعة ذكور صناعية لمزيد من الإشباع، ودفع ~~الأجور للرجال، وهو الذي دفع دولة إسرائيل الحالية، إلى وضع قانون لا يعتبر الفرد ~~بموجبه يهوديا إلا إذا كانت أمه يهودية ومن ثم أصبح النسب اليهودي للأم لا للأب. ~~ولو طبقنا ذلك القانون على «داود» مؤسس المملكة التوراتية القديمة، وعلى ولده ~~«سليمان» أشهر ملوكهم فسنجد الأول حفيدا لامرأة تدعى «راعوث» لم تكن من بني ~~إسرائيل جنسا ولا تدين باليهودية بل كانت موآبية، أما سليمان فقد رزق به أبوه ~~«داود» من امرأة حيثية لا يهودية ولا إسرائيلية. وطبقا للقانون فإن كليهما ليس ~~يهوديا ولا إسرائيليا. ~~(1-5) الجانب الحقوقي # أما المغالطة الكبرى في كلمة السيد شامير فكانت في قوله إن الزعم بأن أرض ~~إسرائيل أرض عربية مجرد ادعاء فينتقل الخطاب إلى المحور التاريخي، أو ~~(الحقوقي الديني التاريخي معا)، ليقول دون أن يرف له جفن: «إننا الشعب الوحيد ~~الذي ظل على أرض إسرائيل بدون توقف لمدة أربعة آلاف عام متصلة ... ونحن الشعب ~~الوحيد الذي كانت أورشليم عاصمته، ونحن الشعب الوحيد الذي توجد أماكنه المقدسة ~~فقط في أرض إسرائيل.» ورغم ما في مقولة الأربعة آلاف سنة من مغالطة، لأننا هنا في ~~مقام قراءة طبيعة الخطاب وليس الرد بالوثائق، فإن الخطاب يريد أن يقول للجماهير ~~ببساطة: إن بني إسرائيل (متطابقا معهم يهود اليوم) كانوا أصحاب أرض فلسطين من ~~أقام العصور التاريخية. # وما دام الرجل يتحدث كمؤمن صادق الإيمان، حريص على عقيدته ومحارم دينه، صادق ~~العلاقة بتوراته إلى الحد الذي دفعه إلى ترك المؤتمرين في مدريد، ليقضي عطلة ~~السبت متهجدا مع بني جلدته، فلا مشاحة في أن اختبار صدق الخطاب بالمطابقة مع ~~الكتاب المقدس يمكن أن يضع طبيعة ذلك الخطاب على محك المصداقية من عدمها. # وبالعودة إلى الكتاب المقدس نجده يحكي لنا أن إبراهيم أرومة اليهود وأول رجل ذي ~~شأن في تاريخهم، لم يكن فلسطينيا إنما جاء فلسطين غريبا من بلد بعيد يدعى «أور ms228 ~~الكلدانيين» في رحلة استغرقت خمسة عشر عاما. وعندما وصل فلسطين مع عائلته ~~الصغيرة، يقول الكتاب المقدس: «كان الكنعانيون حينئذ في الأرض» (سفر التكوين، ~~12)، وأن إبراهيم قد هبط ضيفا على ملك مدينة جرار المدعو أبيمالك، ويصف ~~المقدس تلك الأرض بأنها «أرض الفلسطينيين» (سفر التكوين، 21)، وأن أبيمالك كان ~~«ملك الفلسطينيين» (تكوين، 26)، وعندما قتل أبناء يعقوب حفيد إبراهيم بعض ~~الفلسطينيين بعد حالة زنى مع شقيقتهم، قال لهم يعقوب المعروف باسم إسرائيل: ~~«كدرتماني بتكريهكما إياي عند «سكان الأرض الكنعانيين» ... وأنا نفر قليل» ~~(تكوين، 34)، وعليه لو سلمنا للرجل الحريص على محارم دينه ويوم سبته، بأن الآباء ~~التوراتيين الأوائل كانوا في فلسطين منذ أربعة آلاف عام، فإن مقدسه يؤكد أنهم ~~دخلوها ضيوفا قليلي العدد على أهلها الكنعانيين بل كانت فلسطين عندما وصلوها ~~ممالك ذات حضارة ونظام اجتماعي وسياسي. أما مهجر الأب الأول إبراهيم وموطنه ~~الأصلي، فقد أثبتنا أنه لا يقع ضمن المنطقة بكاملها وعلى الإطلاق، وإنما يقع في ~~جبال آرارات بأرمينيا وذلك في كتابنا «النبي ~~إبراهيم والتاريخ المجهول» وقدمنا بسبيل ذلك مجموعة من القرائن والبراهين التي ~~ستظل صادقة حتى تجد من يرد عليها ويدحضها بأدلة أقوى وقرائن تثقل كفتها، ~~وحتى الآن لم يحدث ذلك ولا نظنه بحادث في المستقبل المنظور. ~~(1-6) يهود فلسطين # وإعمالا لما قلناه فإن طبيعة الخطاب الصهيوني كما هو واضح جلي، طبيعة قبلية لا ~~ترى قبيلة غير قبيلتها، ولا تراثا مقبولا غير تراثها، ولا دينا صحيحا غير ~~دينها ولا صدقا إلا في توراتها، وكأن تراث الآخرين غير موجود لشعوب عديدة ~~عاشت في فلسطين، كان لها مقومات الشعب والعنصر والدين والحضارة والنظام الاجتماعي ~~والسياسي قبل قيام مملكة داود بأكثر من ألفي عام. # ولمجرد التذكرة، ومنعا للإطالة يكفينا ذكر أن الملك «داود» المؤسس الحقيقي ~~لدولة إسرائيل التوراتية، حوالي 1000 قبل الميلاد أقام دولته مستفيدا من توازن ~~القوى بين القوتين العظميين حينذاك «مصر والرافدين»، فكون جيشا من أهل الأرض ~~الفلسطينيين، وأقام لونا من الائتلاف ووحد القبائل في وحدة سياسية وصهر ~~الممالك الصغيرة معا، بل كان حراس ms229 «داود» أيضا من الفلسطينيين، كذلك قائد ~~جيشه، وسواء هو أو ابنه «سليمان»، «فقد أقاما الدولة على أساس تعدد القوميات. ~~المقدس شاهد بذلك»، وحتى لو أغفلنا كل ما سبق وسلمنا ولم تقم أبدا كدولة ذات ~~جنس واحد ودين واحد، والكتاب للخطاب الصهيوني بالصدق التام فإن مسألة جمع روس ~~وألمان وبلغار وأمريكان وأحباش ... إلخ من مواطنهم للإقامة في فلسطين بالحق التاريخي، ~~لمجرد أنهم يهود، يجعل الأمر مزحة بشعة ستظل وصمة، وربما بصقة في جبين هذا العصر ~~إلى ما يشاء الله؛ لأنه بمقارنة شديدة البساطة، سنجد أن الحقوق التاريخية للهنود ~~الحمر في أمريكا أوضح من ادعاءات الخطاب الصهيوني في فلسطين لأن الهنود لم يكونوا ~~أول من استوطن أمريكا منذ فجر التاريخ بل كانوا الشعب الوحيد فيها. # إن طبيعة الخطاب الصهيوني إذن، تعتمد على عدد هائل من المغالطات والتمريرات التي ~~تبدو في ظاهرها صادقة الحقوقية (مع الخلط لمفهوم العنصر بمفهوم العقيدة)، وحتى لا ~~يتيح الخطاب الفرصة لمقارنة يهود اليوم بآباء العصر التوراتي، فإنه يقفز فورا إلى ~~تأكيد «أننا الشعب الوحيد الذي ظل على أرض إسرائيل بدون توقف نحو أربعة آلاف عام»، ~~لتستمر المطابقة بين مفهوم الدين والعنصر لدعم محور الحق التاريخي؛ ليظهر الأمر ~~كما لو أن اليهود فقط هم من عاشوا في فلسطين على مر العصور أو على الأقل الجماعة ~~الأكثر عددا. لكن السائح اليهودي بنيامين الطليطلي الذي زار القدس 1170 ميلادية ~~سجل أنه لم يجد في فلسطين بكاملها سوى 1440 يهوديا! كما لم يعثر اليهودي «ناحوم ~~جيروندي» في زيارته لفلسطين عام 1257م إلا على عائلتين يهوديتين. أما الأطرف ~~فعلا فإنه حتى هذا القرن نجد الشهادة في خطاب شامير تقول: «لقد قامت الطائفة ~~اليهودية الصغيرة (ولاحظ الصغيرة) التي كانت تقيم بفلسطين تحت الانتداب بالثورة ~~على الاستعمار الإمبريالي.» ~~(1-7) شالوم # وأمام عدسات الإعلام العالمي في مدريد، لم ينس الرجل الشهم أن يبدي مروءته ~~وأسفه وأساه على الفلسطينيين، المشردين، بينما قنابله الجهنمية تدك مخيماتهم ~~في لبنان، حيث قال بكل تراحم وحنان: «إنه لا يوجد يهودي واحد ms230 في هذا الزمان، ~~يستطيع أن يكون غير مبال بمعاناة الفلسطينيين.» هذا رغم سرده لبشاعات العرب ~~مدمجة ببشاعات النازي ضد اليهود. لكنه رأى من واجبه كرجل متحضر أن يعلن ذلك الأسى ~~والحزن مع ندائه لجيرانه البرابرة حتى يظهروا كسبب فيما حدث للفلسطينيين: ~~«أظهروا استعدادكم لقبول إسرائيل. إن التخاطب أفضل بكثير من سفك الدماء ؛ ~~فالحروب لن تحل قضية في منطقتنا، لكنها تسببت في المآسي والمعاناة والقتل ~~والكراهية.» وهكذا فطبيعة الخطاب تشهد العالم: إن العرب يشردون الفلسطينيين ~~بحروبهم؛ لأنهم يريدون قتلنا لمجرد أننا متدينون. إنهم يريدون أن يقتلوا رجلا ~~يقول: ربي الله. # الخطاب مستمر كما هو واضح في التركيز على المحور النفسي والمشاعر الدينية ~~المسيحية الأوروبية التي تشهد بالحقوق التاريخية على أساس الشهادة المقدسة ~~بالتوراة، هذا بالطبع مع صورة العربي المعلومة لدى الرجل الأوروبي. # ومرة أخرى نعود للكتاب المقدس لنرى مدى المصداقية في الخطاب، وإلى أي حد ~~يتطابق مع الكتاب المقدس، ومع ما يحدث بالفعل بل بالقول، مسايرة للخطاب ~~المتدين الحريص على محارم الدين، والحريص في الوقت ذاته على إقناع عقل العالم ~~وضميره بحقوقه التاريخية. # يقول الرب «يهوه» في شريعته مفصحا عن طبيعته وهويته، التي لا تلتقي بحال مع ~~طبيعة الخطاب الصهيوني قدر ما تلتقي مع ما يحدث بالفعل: «الرب رجل حرب» (سفر ~~الخروج، 15)؛ لذلك كانت شريعة هذا المحارب السماوي تأمر عبيده الأتقياء ~~بالأسلوب الأمثل للتعامل مع شعوب المنطقة، ومن تلك الشرائع إليك المقاطع اللطيفة الآتية: ~~«أحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار» (سفر ~~العدد). ~~«اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة» (سفر العدد، 31). ~~«أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار» (سفر التثنية، 12). # أما الخطة المثلى في أوامر الرب، فهي أن يبدأ شعبه بدعوة الشعوب الأخرى إلى ~~السلام والصلح أو بالنص: ~~«حين تقترب من مدينة، استدعها للصلح. فإن أجابتك، فكل الشعب الموجود فيها يكون ~~لك للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا، فحاصرها. وإذا دفعها ~~الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم ~~وكل ما في المدينة، ms231 كلها غنيمة تغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب ~~إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا، التي ليست مدن هؤلاء الأمم هنا» ~~(تثنية، 20). # هذا عن المدن البعيدة، أما المدن القريبة: «فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد ~~السيف، وتحرقها بكل ما فيها مع بهائمها. تجمع أمتعتها إلى وسطها وتحرق بالنار ~~المدينة وكل أمتعتها» (تثنية، 13). # أما المدن الفلسطينية فلها شأن آخر، إذ يأمر يهوه قائلا: «أما مدن هؤلاء ~~الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا، فلا تستبق منها نسمة ما» (تثنية، ~~20). # ومن هنا، وبمطابقة المقدس فهو يتطابق تماما مع الفعل الصهيوني، لكنه لا يطابق ~~الخطاب بحال. لكن الفعل بمطابقة المقدس إنما يصبح فعلا مقدسا ويصبح من تلك ~~المقدسات تدمير صور وصيدا ومذابح صبرا وشاتيلا وقبية وكفر قاسم ودير ياسين، ~~ومجازر منظمة الأورجون البيجنية وسفاحي الوحدة 101 التابعة لأريل شارون؛ فالأمر ~~مقدس، لذلك هو نبيل وسام، وباسم رسالة إسرائيل التوراتية يتم التعامل مع عرب ~~اليوم، كما تم التعامل مع الكنعانيين بالأمس. فقط تغيرت لغة الخطاب أما ~~الفعل فمقدس، والمقدس خير وأبقى. ~~(1-8) العصر السعيد # ثم يختم شامير خطابه وهو يبتسم سعيدا استطلاعا للعصر السعيد الآتي، عصر الأمان ~~والسلام لكل الشعوب الذي تنبأ به إشعيا وردد شامير نبوءته وهو يقول: «فيطبعون ~~سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، ولا ترفع أمة على أمة سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما ~~بعد» (إشعيا، 2). # هذا فقط ما ذكره الرجل من كتابه المقدس، ليتطابق مع خطاب السلام، كي يبرز ~~التطابق في الخطاب مع العنصر المقدس مع الحق التاريخي، اتباعا لكتاب يأمر ~~بالسلام وينبئ بالسلام؛ فإشعيا النبي يتحدث عن اليوم الذي سيتم فيه صهر السيوف ~~لتحول إلى محاريث ومناجل، ولا تكون هناك حرب بين الأمم إنما تعاون وسلام ~~وإنتاج ورفاهية لكن في أي مقام قال إشعيا نبوءته؟ الخطاب يصمت، وهنا فقط يذكر ~~النبوءة منزوعة من سياقها، ليقدم مقدساته للعالم، وهي تدعو للسلام وبحيث ~~يكون الرجل مستمرا على الدرب ومكررا لدعوة أبطال العهد القديم من أجل ~~السلام. # ومن المستحب في هذا المقام أن ms232 نتأسى برغبة شامير في استدعاء نبوءة إشعيا فنجدها ~~تتحدث عن يوم يثبت فيه دين يهوه وحده في قمة جبل صهيون «وتجري إليه كل الأمم» ~~(إشعيا، 2)، لكن ذلك لن يكون قبل أن يحدث الآتي لبلدان المنطقة: # لسوريا: ~~«هو ذا دمشق تزال من بين المدن وتكون رجمة ردم» (إشعيا، ~~17). # لمصر: ~~«في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء ، فترتعد وترتجف من هزة يد ~~رب الجنود، وتكون أرض يهودا رعبا لمصر» (إشعيا، 17: 19). # لجزيرة العرب: ~~«بلاد العرب ... من أمام السيوف قد هربوا يفنى كل مجد قيدار ... ~~لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم» (إشعيا، 21). # للبنان: ~~«وحي من جهة صور ... ولولي يا سفن ترشيش لأنها خربت ... ولولوا ~~يا سكان الساحل ... ورب الجنود قضى به ليدنس كبرياء كل مجد ... أرضك ~~كالنيل يا بنت ترشيش ... أيتها العذراء المتهتكة بنت صيدون ... ولبنان ~~ليس كافيا للإيقاد وحيوانه ليس كافيا للمحرقة» (إشعيا، 23، ~~40). # للعراق: ~~«انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل، اجلسي على ~~الأرض بلا كرسي يا ابنة الكلدانيين لأنك لا تعودين تدعين ناعمة ~~ومترفة تنكشف عورتك وترى معاريك ... اجلسي صامتة وادخلي في الظلام ~~يا ابنة الكلدانيين لأنك لا تعودين تدعين سيدة الممالك» ~~(إشعيا، 47). # والآن، ترى هل حقق الخطاب الصهيوني القديم أغراضه، بفعل أصحاب الخطاب الصهيوني ~~الجديد؟ سؤال لا يجيب عليه إلا الزعماء العرب المؤتمرون في مدريد ... يحلمون بنبوءة ~~«إشعيا» بالعصر السعيد. ~~(2) المصريون والإسرائيليون في التوراة وفي التاريخ # 2 # من استهلاك الوقت أن نتحدث عن مصر في التاريخ، والكلام بشأنها من نوافل القول؛ فشأنها ~~معلوم وأنشر من أي حديث حتى أصبح من فساد الرأي أن يؤرخ باحث لأي علم من ~~العلوم دون الرجوع إلى أصول تلك العلوم في مصر القديمة، هذا في مجال العلوم، وفي ميدان ~~التاريخ كعلم. أما في ميدان الاعتقاد، وفي الصحائف المقدسة، فلها شأن عظيم أيضا، ~~لكن بوصفها ذلك البلد الضال أهله، الذي تأله حاكمه، فكفر، فوصم مع شعبه بأنهم من ~~المجرمين؛ لذلك استحقوا أن يكونوا من المغرقين، بقرار من «يهوه» رب التوراة، ~~وبضربة من عصا إعجازية دمرت الزرع والضرع ms233 في وادي النيل قبل أن ينطبق البحر ~~المفلوق على من بقي منهم، أليسوا مجرمين؟ # أما إسرائيل فهي عمدة المقدس وعقدته الجامعة، هي المحور منه والقلب الخافق؛ فهي ~~شعب مقدس فضله الله على العالمين. سلسلة من النجباء الأنبياء المطهرين فالأب ~~نبي ينجب نبيا، في سلسال توارث النبوة كما توارث أرض فلسطين، خير خلف عن ~~خير سلف ، فكانوا في المقدسات هم المقدمين على غيرهم من الأمم الضالة، جدهم ~~البعيد هو إبراهيم الخليل، وآباؤهم إسحاق ويعقوب الملقب بإسرائيل، وبنوه بنو إسرائيل ~~الأسباط المكرمون، ومنهم يوسف الصبي الفاتك الجمال الذي توزر على خزانة المصريين، ~~وعلم خبراء الزراعة ومهندسيها في مصر، كيف يواجهون قحط السنين، ومن بعده جاء «موسى» ~~أعظم أنبياء إسرائيل. ويغص التاريخ المقدس بعد ذلك بسيرة أولئك الهداة المطهرين ~~فهذا «شاءول» يقيم لهم دولة في فلسطين ليترك تأسيسها وتعميدها لداود الملك وولده ~~سليمان، بينما أصبح ذلك الأخير سيدا على مملكة عظمى تغنت بها كتب الدين وكتب ~~الأساطير، فتسلط على الوحوش والهوام والجن والعفاريت. وأصبحت إسرائيل في زمانه ~~أغنى الدول، حتى كانت الفضة في الشوارع مثل التراب (بتعبير التوراة)، أما في المأثور ~~الإسلامي فكان أحد أربعة ملوك تملكوا على العالم الأرضي من أقصاه إلى أقصاه. # هذا شأن إسرائيل في مأثورات الدين، لكن الغريب ~~والمشكل الحقيقي أمام هذا الرتل العقائدي والهائل، أن التاريخ كعلم، يعلم يقينا تاريخ ~~مصر بحفائره وعلمائه وأركيولوجيته بأعلامها الآثارية الشاهدة، كما انتهى ترتيب أوضاعها ~~الزمني عبر أسرات ودول، من مينا موحد القطرين مرورا ببناة الأهرام إلى التحامسة ~~ثم المناتحة فالرعامسة حتى الشناشقة والطهارقة والبطالمة، فأرض مصر تفيض بالحفائر، غنية ~~بالأحداث. لكن ذلك العلم نفسه، علم الحفائر والآثار، علم التاريخ، رغم الهوس الحفائري ~~في إسرائيل الآن، يجد الأرض ضنينة بأي معلومة ذات شأن؛ فالتاريخ كعلم لا يعرف عظيما ~~أقام لإسرائيل مملكة باسم «شاءول»، ولا يعلم بشأن محارب ذي بأس أسس لإسرائيل ~~قوميتها باسم «داود»، ولم ترد في وثائقه بالمرة أية إشارة لملك حكيم حاز شهرة ~~فلكية باسم «سليمان»، كما لم يسمع أبدا ms234 ولم يسجل في مدونات مصر ولا في مدونات ~~الدول المجاورة، خبر جيش الدولة العظمى وهو يغرق في بحر تفلقه عصا، وإطلاقا لا يدرى ~~شيئا عن صبي جميل فتن نساء مصر وأذهلهن بجماله فقطعن الأيادي وهن في الهيام ~~به ساهمات. كلا لا يعلم التاريخ من كل ذلك شيئا ولو يسيرا، وكل ما يعلمه عن إسرائيل، ~~حكايات متناثرة عن شوارد قبائل من شذاذ الآفاق باسم «الخابير، والعابيرو»، ~~وإيماءة هنا ولفتة هناك تتحدث بإهمال عن جماعة باسم إسرائيل يحتمل، ويظن، ومن ~~الجائز، وقد تكون: هي مملكة إسرائيل لكن الأسماء المعظمة المبجلة المفخمة في ~~التاريخ الديني، فلا شيء منها البتة وقطعا في التاريخ كعلم. ~~(2-1) الإسرائيليون يدخلون مصر ~~«تقول التوراة - ولا يقول التاريخ هنا شيئا - إن أول احتكاك للبدو العبرانيين ~~بمصر والمصريين كان زمن الأب إبراهيم، الذي هبط مصر مع زوجته سارة هربا من القحط ~~الذي حل بأرض كنعان، فحصل هناك على فضل عظيم وخير عميم، ثم تحدثنا التوراة ~~- ولا يحدثنا التاريخ - عن قصة الصبي الأخاذ في جماله «يوسف» ابن إسرائيل ~~(يعقوب) وقصة بيعه في مصر، وكيف أثبت مهارة إسرائيلية أوصلته إلى كرسي الوزارة، ~~ليصبح الرجل الثاني في مصر بعد الفرعون، وكيف أرسل يوسف يستدعي أهله لينعموا ~~بخير مصر كملجأ للإسرائيليين كلما قحطت بهم الحياة ولحقت بهم ~~المجاعات.» # لكن التوراة لا تخبرنا بالسبب الذي أدى إلى حنق الفرعون التالي على العرش على ~~يوسف وأهله، إلى حد تسخيره ضيوف مصر في الأعمال الشاقة، عقابا لهم على أمر مجهول، ~~ونحن نعلم أن «ماعت/العدالة/القانون الكوني» كانت تاج القانون المصري الدائم، ومن ~~هنا يظن أغلب الباحثين، أن الإسرائيليين لعبوا دورا مع الهكسوس الغزاة ضد ~~المصريين، وتعاونوا مع أعداء البلاد فحقت عليهم النقمة، وتم أسرهم مع ~~فلول الهكسوس الأسيرة بمصر. # وبدورنا نذهب مع هذا الظن، ونحتمل دخول يوسف وأهله مصر في عهد «أسيس» آخر ~~الحكام الهكسوس على مصر، وهو ما يلتقي مع الاسم «عزيز» الذي جاء في القرآن الكريم، ~~خاصة أن الآيات كانت تتحدث دوما عن حاكم مصر باسم ms235 الفرعون، عدا زمن يوسف، زمن ~~دخول الإسرائيليين إلى مصر. ناهيك عما سجلته التوراة عن سياسة يوسف في مصر ~~أثناء السنين القحط السبع؛ حيث احتكر «الميرة» جميعا في خزائنه وباعها للمصريين ~~الذي يموتون جوعا مقابل الاستيلاء على أرضهم ثم مواشيهم ثم أنفسهم هم ~~ليتحولوا إلى عبيد، لصالح الحاكم الهكسوسي. أما مشاعر المصريين تجاه هؤلاء ~~الإسرائيليين فقد تبدت بوضوح في اعتبارهم الإسرائيليين نجسا يجب اجتنابه، ~~وهو ما ورد جميعه في نصوص توراتية من قبيل: «اشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون؛ إذ ~~باع المصريون كل واحد حقله؛ لأن الجوع اشتد عليهم، فصارت الأرض لفرعون، أما ~~الشعب فنقلهم إلى المدن من أقصى حد مصر إلى أقصاه ... فقال يوسف للشعب إني اشتريتكم ~~اليوم وأرضكم لفرعون» (سفر التكوين، 47)، وفي نفس السفر كان يوسف يقول لإخوته ~~«جواسيس أنتم، لتروا عورة الأرض جئتم» (تكوين، 42)، وكان ينصحهم دوما ~~بالابتعاد عن المصريين «لأن كل راعي غنم رجس عند المصريين» (سفر التكوين، ~~46). ~~(2-2) الإسرائيليون يخرجون من مصر # هذه حكاية التوراة عن الدخول إلى مصر، ~~فماذا عن الخروج؟ تقول التوراة: إن موسى قد ولد في مصر إبان أزمة ~~الإسرائيليين بمصر، والقصة معروفة؛ فقد ربي في القصر الملكي، وتبنته ابنة ~~الفرعون وأكرمت مثواه، لكن الصبي يكبر فيقتل مصريا تعصبا لبني جلدته، فيطلبه ~~القصاص وتطارده العدالة فيهرب إلى مديان بسيناء، حيث يلتقي هناك برب سينائي يدعى ~~«يهوه» على هيئة نار في عليقة، ويحمل منه أوامر صريحة لبني إسرائيل، ليخرجوا من ~~مصر تحت قيادة موسى إلى فلسطين. وعاد موسى إلى مصر بتلك الأوامر، وبالعصا الثعبان، ~~مع وعد إلهي يقول: «الآن تنظر ما أنا فاعله بفرعون؛ فإنه بيد قوية يطلقهم، وبيد ~~قوية يطردهم من أرضه ... أنا أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم» (سفر الخروج، 6). # وتتالى الأحداث فيضرب موسى بعصاته النيل ليتحول دما، وتصير مصر خرابا، ثم يضرب ~~بعصاته ضربات متتالية، فتمتلئ مصر بالضفادع والبعوض والذباب والطاعون والجراد مع ~~برد وظلام، ثم يهبط الرب يهوه بنفسه لتحقيق الضربة الأخيرة بقتل أطفال المصريين ~~وذلك في النص «وقال موسى: هكذا ms236 يقول الرب: إني نحو منتصف الليل، أخرج في وسط ~~مصر، فيموت كل بكر في أرض مصر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر ~~الجارية التي خلف الرحى، وكل بكر بهيمة، ويكون صراخ عظيم في كل أرض مصر» (سفر ~~الخروج، 11). # وفي تلك الليلة «كان صراخ عظيم في مصر؛ لأنه لم يكن بيت ليس فيه ميت » (خروج، ~~12). ولم ينس الإسرائيليون عادتهم في الخروج من مصر بالخير الوفير، «فقد فعل ~~بنو إسرائيل بحسب قول موسى، طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهبا ~~وثيابا، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا ~~المصريين، فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس» (خروج، 12). # ثم تأتي الضربة الحقيقة لإفناء المصريين، في رواية التوراة عن قيام ملك مصر ~~وجيوشه بمطاردة الفارين بالذهب؛ حيث أدركوهم عند البحر، وهنا تحدث المعجزة ~~الكبرى «ومد موسى يده على البحر، فأجرى الرب بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل ~~البحر يابسة وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور ~~لهم عن يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم ... فمد موسى يده على ~~البحر، فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة ... فدفع الرب المصريين وسط ~~البحر» (خروج، 14). ويتوجه الخارجون من مصر إلى فلسطين ليغزوها ويحتلوها ويقيموا ~~لهم هناك دولة، تلك الدولة التي قيض لأحد ملوكها «سليمان» أن يحوز في مقدسات ~~المنطقة شهرة لا تضارع، ومع ذلك فقد قال «ه. ج. ويلز» ونقل عنه الباحثون العرب ~~مثل د. أحمد سوسة ود. أحمد شلبي قوله: «أما الوصف الذي اعتاد الباحثون ترديده عن ~~اتساع وامتداد حدود مملكة سليمان، فيعده أكثر الباحثين من قبيل المبالغات ~~التي درجت عليها دويلات تلك العصور، ~~والحقيقة «أن مملكة سليمان التي تبجحت التوراة بعظمتها كانت أشبه بمحمية ~~مصرية» مرابطة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة ... وكان سليمان ~~يريد أن يجاري الفراعنة في البذخ والظهور بما هو فوق طاقاته وإمكانياته الاقتصادية ~~... فأثقل كاهل الشعب بكثرة الضرائب ... ولما عسر على سليمان أن يحتل أرض فلسطين ~~الساحلية طلب معونة ms237 فرعون مصر، فأرسل جيشا مصريا صغيرا احتلها وسلمها له ~~مهرا لابنته.» ثم يتساءل: «كيف صور كتبة التوراة مملكة سليمان في صورة تفوق ~~الواقع بكثير؟ فسليمان لم يكن وهو في أوج مجده إلا ملكا صغيرا يحكم مدينة ~~صغيرة، وكانت دولته من الهزال وسرعة الزوال بحيث لم تنقض بضعة أعوام على ~~وفاته، حتى استولى شيشنق أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم.» ثم ~~يتابع قوله: «إن أمور مصر في عهده كانت مرتبكة فخفت هيمنتها على فلسطين وبلاد ~~الشام، وكانت أمور الدولة الآشورية مرتبكة كذلك، وقد منح هذا لسليمان شيئا من ~~الحركة والنشاط والتبسط في ممارسة السيادة. أما ما جاء عن قصة ملك سليمان ~~وحكمته التي أوردها الكتاب المقدس، فقد تعرضت لحشو وإضافات على نطاق واسع، ~~على يد كاتب متأخر شغوف بالمبالغة في وصف رخاء عصر سليمان، مولعا بتمجيد ~~حكمه ... «وقد استطاعت هذه الرواية أن تحمل العالم المسيحي بل والإسلامي على ~~الاعتقاد بأن الملك سليمان كان من أشد الملوك عظمة وأبهة، لكن الحق أنه إذا ~~قيست منشآت سليمان بمنشآت تحتمس الثالث أو رمسيس الثاني أو نبوخذ نصر، فإن منشآت ~~سليمان تبدو من التوافه الهينات»، أما مملكته فهي رهينة تتجاذبها مصر ~~وفينيقيا، وترجع أهميتها في معظم أمرها إلى ضعف مصر المؤقت.» ~~(2-3) ماذا يقول التاريخ؟ # وهكذا يتضح أن الباحثين عندما يريدون الحديث عن أحداث التوراة حديث المؤرخين، ~~يضطرون إلى المقارنات والاستنتاجات، بالنظر إلى أن تاريخ مصر، على كثرة ما ~~اكتشف منه، لا يشير إلا لماما في لمحات سريعة إلى القبائل البدوية، بينما تتحدث ~~التوراة بالتفاصيل عن مصر وملوكها ومدنها وطبائع أهلها، مما يشير إلى معرفة ~~واضحة من جانب الإسرائيليين بشئون مصر والمصريين، وهو أمر طبيعي تماما ~~حيث إن وضع إسرائيل كقبائل هامشية ما كان يشغل حيزا هاما في المدونات ~~المصرية، بينما كان المدون الإسرائيلي لا يستطيع إغفال مصر. # المهم أن أول ذكر لإسرائيل في مدونات مصر جاء في قصيدة منقوشة على لوح ~~تذكاري من الجرانيت الأسود، أقيم في معبد الملك «مرنبتاح» الجنائزي، والقصيدة ~~تتغنى ms238 ببطولات الملك وانتصاراته، حيث تقول: «الأمراء منبطحون أرضا يصرخون طالبين ~~الرحمة، ليس بين الأقواس التسعة من يرفع رأسه، لقد دمرت أرض التحنو (ليبيا)، ~~وخاتي (تركيا) هادئة، وكنعان قد استلبت بقسوة، وعسقلون تم الاستيلاء عليها، وجازر ~~قد أخذت وينو عام أصبحت كأن لم تكن، وإسرائيل أقفرت وليس لها بذر، وخوري (أرض ~~فلسطين) عدت أرملة لمصر.» # وقد وقف علماء كثر مع هذا النص واعتبروه دالا على حدث الخروج من مصر، حيث ترد ~~كلمة إسرائيل في نصوص مصر لأول مرة، واعتبروا الفرعون «مرنبتاح» هو فرعون موسى ~~والخروج، بينما ذهب آخرون إلى أن النص يتحدث عن حرب شنها مرنبتاح على عدد من ~~الشعوب خارج مصر، وأنه هاجم أراضيهم وضمنها إسرائيل. # هذا كل ما ورد من التاريخ التوراتي المهول في تاريخ مصر «إسرائيل أقفرت وليس ~~لها بذر» ويبدو أن الأمر لم يكن يستأهل الفخار به والإطالة بشأنه قياسا على ~~أعمال الفرعون الأخرى، فاكتفى بتلك الإشارة السريعة، التي قامت عليها ألوف الأبحاث ~~في جامعات العالم، مقارنة بالتوراة، ولم تزل. # أما قول «ويلز» السالف، إن إسرائيل كانت مجرد دويلة رهينة لمصر، وإنها كانت ~~تابعا متقدما في آسيا للفراعنة، فهو استنتاج يطابق أحداث التاريخ، وما ورد ~~في تاريخ مصر القديمة من وثائق، عن الحملات التأديبية التي كان يقوم بها الفراعنة ~~على بدو آسيا، في حال أي تمرد أو عصيان مع تركهم على أحوالهم ويحكمون فقط ~~بوال من قبل الفرعون غالبا ما يكون منهم، مع بعض كتائب مصرية لمنع أي ~~شغب. # ومن المعلوم أن مصر ظلت ترعى فلسطين وتزودها بالميرة أيام القحط والجفاف، كما ~~ظلت ملجأ آمنا لأهلها عند أي خطب أو غزو خارجي، وهو بالضبط ما حدث زمن هجوم ~~الملك الكلداني نبوخذ نصر على يهوذا، حيث لجأ أهلها بالألوف المؤلفة إلى مصر، ~~التي استقبلتهم بالترحاب زمن الفرعون «واح إف رع» المسمى باليونانية «أفريس ~~587-568ق.م» أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، وهو ما حكته التوراة في الإصحاح 25 ~~من سفر ملوك ثاني، وتأكد بوجود جالية يهودية تعيش بعد ذلك في ms239 جزر الفنتين جنوبي ~~أسوان بمصر. # وتحكي لنا التوراة عن معركة بين مصر وآشور وقعت في بلاد الشام، مما يشير إلى ~~خروج الجيوش المصرية للدفاع عن بلاد الشام ضد غزو آشوري، وتقول التوراة إن ملك ~~إسرائيل «يوشيا» اعترض طريق الفرعون «نخاو» ليمنعه عن نجدة سوريا فاضطر الفرعون ~~إلى قتل الملك الإسرائيلي. كما اضطر بعد ذلك لأسر ابنه «يهو آحاز» الذي تخابر مع ~~الآشوريين، وتم ترحيل الملك الإسرائيلي «يهو آحاز»، إلى مصر وهي رواية سفر الملوك ~~الثاني بالإصحاح الثالث والعشرين، ولا نجد في مدونات التاريخ المصري نظيرا ~~للرواية، لكنا نجد ما يصادق عليها؛ حيث تم العثور على لوح عليه نقش ورسم ~~وكتابة عن شخص باسم «يوده ملك» وترجمتها «ملك يهوذا»، وتعود إلى زمن الفرعون ~~«نخاو»، وهو ما جعل المؤرخين يتأكدون أنه بعينه الملك الإسرائيلي الأسير «يهو ~~آحاز». # وبينما كانت التوراة تصف مصر بأنها «جنة الرب أرض مصر» حيث الراحة والهدوء ~~والرخاء والدعة، نجد أيوب النبي يحلم بأيام مصر، «قد كنت مضطجعا الآن ساكنا، كنت ~~نمت مستريحا، مع ملوك «ومشيري الأرض، الذين بنوا أهراما لأنفسهم»» (أيوب، 3)، ~~وفى سفر الخروج نجد الإسرائيليين يعانون الجوع بسيناء فيحتجون على موسى ~~معبرين عن ندمهم لترك أسر مصر قائلين: «ليتنا «كنا بمصر جالسين إلى جوار ~~قدور اللحم».» وهي كلها الأمور التي تفسر ما استقر في نفوس الإسرائيليين ~~تجاه المصريين، متمثلا في نبوءات ترد لمصر الجميل. ~~(2-4) نبوءات التوراة لمصر # في الأزمنة الأخيرة لإسرائيل، زمن أنبياء إرميا وإشعيا، وقبل زمن تدمير الهيكل ~~على يد طيطس الروماني وتشتيتهم في بقاع العالم، وقف أنبياء إسرائيل على عتبات ~~النهاية، يتنبئون بعودة المجد السليماني وقيام دولة إسرائيل مرة أخرى، وأنها ~~حينذاك ستسود العالم، لكن قيامها كان يشترط أولا وأخيرا خرابا تاما لمصر، ~~وإذلالا لها، وهو ما يفصح عن التكوين النفسي والعقلي ومدى التشوه الذي لحق ~~بنفوس القوم تجاه مصر. # يقول إشعيا في الإصحاح التاسع عشر من سفره: «وحي من جهة مصر، هو ذا الرب ~~راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر ... يذوب قلب ms240 مصر في داخلها ... تنشف المياه من ~~البحر ويجف النهر وييبس وتنتن الأنهار ... والرياض على النيل على حافة النيل وكل ~~مزرعة على النيل تيبس وتتبدد ولا تكون ... في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء، ~~فترتعد وترتجف من هزة يد رب الجنود التي يهزها عليها، وتكون أرض يهوذا رعبا ~~لمصر.» # ثم يؤنب إشعيا بني جلدته الذين يلجئون إلى مصر وفيئها في الملمات، بقوله ~~في إصحاحه الثلاثين: «ويل للبنين المتمردين يقول الرب ... الذين يذهبون لينزلوا ~~إلى مصر للمعونة ليلتجئوا إلى حصن فرعون «ويحتمون بظل مصر»، فيصير لكم حصن ~~فرعون خجلا، والاحتماء بظل مصر عارا.» # أما النبي إرميا في الإصحاح 46، فقد وقف يعبر عن مكنون كل إسرائيلي ~~تجاه مصر في قوله: «أخبروا مصر، وأسمعوا في مجدل، وأسمعوا في نوف (منف) وفي ~~تحفنحيس، قولوا انتصب وتهيأ الآن، لأن السيف يأكل حواليك ... نادوا هناك: فرعون مصر ~~هالك ... نوف تصير خربة وتحرق فلا ساكن ... ها أنا ذا أعاقب آمون نو وفرعون مصر ~~وآلهتها والمتوكلين عليه.» # أما حزقيال النبي فلم يبخل على مصر وهو يوجه كلام الرب الإسرائيلي إلى ~~الفرعون المصري المقبل، بالإصحاح 29 حيث يقول: «ها أنا ذا المليك على أنهارك، «أجعل ~~من أرض مصر خربة مقفرة من مجدل إلى أسوان ... وأشتت المصريين وأبددهم من ~~الأرض».» ~~(3) فلسطين وإسرائيل: الخلل في التوراة أم في التاريخ؟ # حدث هذا أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عندما انقضت موجات بشرية على الساحل ~~الشرقي للبحر المتوسط، قادمة من جزر البحر الإيجي، كان أكبرها تلك التي اكتسحت ~~العاصمة الحيثية «خاتوشاش/بوغاز كوي حاليا تركيا» ودمرتها، لتتركها خرابا بلقعا ~~إلى الأبد، ثم تزحف منها جنوبا لتقضي على «قرقميش/جرابلس حاليا شمالي حلب»، لتحتل ~~بعدها «أوغاريت/رأس شمر الآن قرب اللاذقية»، ومن بعدها «أرواد»، لينحدر السيل الجارف ~~جنوبا باتجاه حدود مصر الشرقية عبر سيناء، مترافقا مع جناح بحري لمهاجمة شواطئ مصر ~~الشمالية، مصحوبا في الوقت نفسه بجناح ثالث هبط على السواحل الليبية ليهاجم حدود ~~مصر الغربية، وكان ذلك الهجوم الثلاثي أكبر كماشة عسكرية تعرضت لها مصر. # ويحكي لنا «رمسيس ms241 الثالث» أحد المحاربين العظماء في التاريخ، أنه قد تصدى بجيوش ~~مصر لهذا العدوان الثلاثي، وألحق به هزيمة مروعة، في ثلاث معارك برية وبحرية، وكان ~~ذلك عام 1180 قبل الميلاد. أما علم التاريخ فقد حاول تفسير وجود عناصر من هؤلاء ~~المهاجمين على الساحل الفلسطيني بعد ذلك، يعيشون هناك في شكل ممالك مستقرة، بأن ~~انكسار الهجوم البحري الكاسح للمنطقة ، الذي جاء من جزر البحر الإيجي وعاصمتها (كريت)، ~~قد انكسر على الحدود المصرية انكسارا شديدا، لكن الفرعون المصري المنتصر، ترك لهم ~~سواحل فلسطين ليقيموا بها، ويكونوا من رعايا الفرعون وجنوده، وفيالقه المتقدمة في ~~آسيا. # أما هيرودت أبو التاريخ، فيقول: إن هؤلاء المهاجمين هم من حملوا اسم «البلست» ~~ويضيف المؤرخون من بعد أن هيرودت اليوناني هو أول من أطلق على بلاد كنعان شرقي ~~المتوسط اسم «بلستيا» و«بالاستين»، نسبة إلى هؤلاء الغزاة «البلست» لتحمل بعد ذلك اسم ~~فلسطين. ~~(3-1) موجات الهجوم # ويعلمنا علم التاريخ من وثائقه، أن ذلك الهجوم الفلسطيني القادم من كريت ~~والجزر الإيجية، قد هجم على منطقتنا في شكل موجات متتابعة، بعد أن شكلت قبائل ~~بحر إيجه اتحادا قويا في نهاية 1300 قبل الميلاد، وأن أول تلك الموجات قد ~~اضطر مصر إلى التخلي عن مستعمراتها في سوريا وفلسطين، وأن أول الموجات قد ~~تمكنت تماما من احتلال ساحل فلسطين في زمن قياسي. # وكان أول ذكر في وثائق التاريخ لهؤلاء «البلست»، هو ذلك الذي نقرأه في وثائق ~~الفرعون «أمنحتب الثالث 1397 / 1360 قبل الميلاد»، ذلك الزمن الرخي الذي ضمت فيه ~~مصر دول الشرق القديم تحت جناحيها وتدفقت عليها الجزى، منذ زمن جده الفاتح ~~الكبير «تحتمس الثالث»، فكان عصر «أمنحتب الثالث» عصر رخاء عظيم. # وقد تلي الموجة التي وصلت زمن «أمنحتب الثالث 1397 / 1360 قبل الميلاد» ذكر ~~لموجات أخرى كان تاليا لها تلك الموجة التي وصلت زمن «رمسيس الثاني 1292 / 1225 ~~قبل الميلاد»، ويبدو أن المصريين قد أسروا منهم أعدادا كبيرة؛ حيث نجدهم بعد ~~ذلك يعملون كمرتزقة في جيوش مصر، باسم الشردانيين (نسبة إلى جزيرة ~~سردينيا). ms242 # وعلى نصب عثر عليه في «صان الحجر» بمحافظة الشرقية، نجد حكايات عن سفن البلست ~~الضخمة، ونقوشا تصورهم يلبسون خوذات ذات قرون ويحملون دروعا مستديرة، ~~ويمتشقون سيوفا طويلة ضخمة، وهو النصب الذي روى لنا كيف صد الفرعون «مرنبتاح بن ~~رمسيس الثاني» هجومهم، ليردهم عن الحدود المصرية. # أما في فلسطين ذاتها فقد نظم «البلست» أنفسهم عندما دخلوها، في هيئة ممالك ~~صغيرة مستقلة في إدارتها، منها جرار وغزة وعسقلان وأشدود وجازر وغيرها، لكن ضمن ~~اتحاد فيدرالي مركزه الرئيسي مدينة أشدود، أما قوتهم العظيمة فتكمن فيما نعلمه ~~من نصوص مصر ومن التوراة، أنهم صنعوا أدوات القتال من الحديد، وأن الحديد كان ~~عندهم مادة اعتيادية ووفيرة حتى إنهم صنعوا منه عجلاتهم المقاتلة. # وكل هذا إنما يعني ببساطة القول: إن الفلسطينيين جاءوا المنطقة كعنصر دخيل، ~~قادم من كريت وبحر إيجه، وهو أمر يشكل عمودا لأعمال بحثية كثيرة تشكل ~~الخلفية التاريخية للأحداث التي تجري في منطقتنا، منذ قيام دولة إسرائيل مرة أخرى ~~في عام 1948م. ~~(3-2) ماذا تقول التوراة؟ # إذا التاريخ قال: إن الفلسطينيين جاءوا مهاجرين من كريت إلى فلسطين، ليستقروا ~~بها زمن الفرعون «رمسيس الثالث» حوالي عام 1180 قبل الميلاد؛ أي بعد خروج بني ~~إسرائيل من مصر بحوالي خمسين عاما، ومعلوم أن كبرى المدارس البحثية قد استقر ~~رأيها على خروج الإسرائيليين من مصر زمن الفرعون «مرنبتاح ابن رمسيس الثاني» ~~حوالي عام 1229 قبل الميلاد. # ومثل ذلك التاريخ وتلك التزمينات تستتبع عددا من النتائج والدلالات؛ حيث تقول ~~التوراة: إن الإسرائيليين قد سبق لهم أن استقروا بفلسطين قبل زمن الدخول إلى مصر ~~بحوالي خمسة قرون، وهو ذلك الزمن الأسطوري الممتد من إبراهيم إلى إسحاق إلى يعقوب ~~المسمى إسرائيل، وأنه إذا كان الإسرائيلي والفلسطيني وافدين على كنعان، غريبين ~~عليها، فإن إبراهيم كان داخلها الأول حيث سكن بين أهلها الكنعانيين وتكلم ~~بلسانهم، وذلك قبل مجيء الهجرة الفلسطينية بحوالي ستة قرون كاملة. ~~«هذا كلام، لكن التوراة نفسها لها كلام آخر وقول آخر فمادا تقول التوراة؟» # أولا: # لقد جاء إبراهيم وأسرته الصغيرة ms243 إلى أرض تسميها التوراة أرض ~~كنعان، قادما من موطنه «أوركسديم»، وإن إبراهيم قد تنقل في كنعان ~~بين عدة مواضع، أهمها ذلك الموضع المعروف بمملكة «جرار» التي كان ~~يحكمها ملك اسمه «أبي مالك»، وتصف التوراة تلك المملكة بأنها ~~مملكة فلسطينية، وذلك في قولها: «وتغرب إبراهيم في «أرض ~~الفلسطينيين» أياما كثيرة» (سفر التكوين، 21). # ثانيا: # يتكرر ذكر جرار بذات التوصيف في زمن إسحاق بن إبراهيم في قول ~~التوراة «فذهب إسحاق إلى «أبيمالك ملك الفلسطينيين» إلى جرار، ~~وزرع إسحاق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مائة ضعف، فحسده ~~الفلسطينيون» (سفر التكوين، 26). # هكذا، ومع إبراهيم أول رجل مهم في التاريخ التوراتي، نجد مملكة باسم «جرار» ~~توصف بأنها فلسطينية، وهو ما يعني اعترافا من جانب التوراة، بوجود العنصر ~~الفلسطيني في فلسطين، قبل زمن الأب إبراهيم بزمن أبعد، يسمح بإقامتهم ممالك ~~مستقرة. ويصبح القول: إن «هيرودوت» أول من أطلق على أرض كنعان اسم فلسطين قولا ~~مردودا بشهادة التوراة ذاتها، أما عند خروج الإسرائيليين من مصر، فنجد نصا ~~توراتيا صريحا يسمى أرض كنعان بكاملها وليس جرار وحدها باسم فلسطين، وذلك في ~~قوله: «يسمع الشعوب فيرتعدون، تأخذ الرعدة سكان فلسطين» (سفر الخروج، 15)، وفي ~~نبوءة متأخرة للنبي اليهودي «صفنيا»، نجده يخاطب تلك الأرض بلسان اليهود قائلا: ~~««يا كنعان أرض الفلسطينيين»، إني أخربك بلا ساكن» (سفر صفنيا، 2). # هكذا اكتسبت أرض كنعان اسم أرض الفلسطينيين زمن خروج الإسرائيليين من ~~مصر، رغم أن الفلسطينيين كانوا عنصرا يقطن بساحل فلسطين ضمن عناصرها الأخرى، ~~وقد حددت التوراة مساكن الفلسطينيين كمجموعة ممالك متحدة الساحل، بترتيب ~~يصعد من الجنوب إلى وذلك في قولها: «من الشيحور الذي هو أمام مصر إلى تخم عقرون ~~شمالا «تحسب للكنعانيين، أقطاب الفلسطينيين الخمسة»: الغزي والأشدودي ~~والأشقلوني والعقروني والعويين» (يشوع، 13)، وفي قول آخر تمزج فيه التوراة بين ~~الكنعاني والفلسطيني نجد «وكانت تخوم الكنعاني من صيدون حينما تجيء نحو جرار إلى ~~غزة» (تكوين، 10)، لكن الترتيب هنا كان من صيدا في الشمال إلى غزة في ~~الجنوب. # وقد بات من المشكوك فيه عند الباحثين الآن، ms244 أن يكون الإسرائيليون الذين خرجوا من ~~مصر، لهم علاقة بذلك الرعيل الأول المسمى بالبطاركة أو الآباء «إبراهيم، إسحاق، ~~يعقوب، الأسباط»، ناهيك عن كون مسألة البطاركة برمتها - كما حكتها التوراة - تدخل ~~في عداد الأساطير عند باحثين محترمين، إضافة إلى جلة محترمة من باحثين ~~آخرين، يرون أن قصة إبراهيم والبطاركة الأوائل لون من الصياغة التي تمت متأخرة ~~بعد الخروج لربط الخارجين بتاريخ قديم، لإلقاء تاريخ إسرائيل المقدس في عمق ~~التاريخ القديم، وأن كل الأمر ربما تم بعد قيام مملكة داود في أورشليم، بتدوين ~~إسرائيل في خضم تاريخ أعرق، وأبعد في القدم، من باب إيجاد موطئ قدم ~~لإسرائيل في التاريخ القديم للمنطقة. ~~(3-3) مصداقية التوراة وخلل التاريخ # لكن تظهر هنا مشكلة كبرى، تثيرها مصداقية مدهشة للتوراة، من حيث تطابقها مع ~~نصوص التاريخ الآثارية، حيث تنسب التوراة الفلسطينيين إلى أصول من جزيرة ~~تسمى مرة «كفتور» ومرة «كريت»، وتسجل بهذا الشأن نصوصها من قبيل: «هكذا قال ~~السيد الرب: ها أنا ذا أمد يدي على «الفلسطينيين»، وأستأصل «الكريتيين»، ~~وأهلك بقية ساحل البحر» (حزقيال، 25)، و«الرب يهلك «الفلسطينيين بقية جزيرة ~~كفتور»» (إرميا، 47)، و«ويل لسكان البحر أمة الكريتيين، كلمة الرب تكون عليكم يا ~~«كنعان» أرض «الفلسطينيين»» (صفنيا، 2)، وفى تعبير واضح لا يقبل لبسا يقول: «إن ~~بعض الهجرات تمت بفعل إلهي.» يقول النص: «قول الرب: ألم أصعد إسرائيل من أرض ~~مصر، والفلسطينيين من كفتور، والآراميين من قير؟» (عاموس، 9). # وهنا المشكلة، والخلل بعينه، فإذا كانت رواية التوراة ككتاب في التاريخ قد ~~تطابقت مع المكتشفات والسجلات الآثارية في هذه المسالة، وإذا كان كلاهما قد ~~أكد قدوم الفلسطينيين من جزيرة كريت وبحر إيجه، فإن هناك خللا يتمثل في: كيف ~~نوفق بين قول التاريخ باستقرارهم على الساحل الفلسطيني في عهد الرعامسة، حوالي ~~القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبين وجودهم حسب التوراة في فلسطين قبل خروج ~~الإسرائيليين من مصر، ناهيك عن قول التوراة بوجودهم بفلسطين زمن البطاركة ~~الأوائل؟ # وبالحسابات يقول علم التاريخ: إن الفلسطينيين قد استقروا على سواحل فلسطين بعد ~~أن سمح لهم رمسيس الثالث ms245 بذلك؛ أي بعد الزمن المفترض للخروج الإسرائيلي من مصر ~~بحوالي خمسين عاما. وبحسابات التوراة نعلم أن الإسرائيليين أقاموا بمصر 430 ~~عاما حسب الرواية العبرية المازورية، ويضاف إليهم أربعون عاما زمن التيه في ~~سيناء، فيكون المجموع 520 سنة كاملة، إضافة إلى حوالي سبعين سنة افتراضية بين ~~إبراهيم وحفيده يعقوب، فيكون المجموع ستة قرون كاملة، هي الفارق بين تزمين ~~المؤرخين وبين زمن الغزو البلستي التاريخي لفلسطين، وهذا إنما يعني وجود ~~الإسرائيليين بفلسطين قبل وصول الفلسطينيين إليها بستة قرون كاملة، وهو ما ~~تقول به التوراة ذاتها، أليس ذلك خللا حقيقيا؟ # والإشكالية في محاولة إيجاد حل يتطلب أحد فرضين؛ فإما أن نتأخر بعصر ~~الرعامسة ستة قرون إلى الوراء قبل التزمين المتفق عليه حاليا بين المؤرخين، وهو ~~ما سيترتب عليه إشكاليات كبرى؛ حيث سيلحق الخلل بكل تاريخ المنطقة، الذي تم ~~تزمينه قياسا على تزمين التاريخ المصرى، وإما أن نتقدم بزمن الخروج الإسرائيلي ~~من مصر ستة قرون؛ أي يكون الخروج قد حدث عام 600 قبل الميلاد، وهو غير ممكن ~~علميا، لأنه سيتضارب تضاربا صارخا مع حقائق تاريخية ثابتة، وتفصيلات شتى لا ~~تسمح بهذا الجموح في الافتراض المستحيل. ~~(3-4) إشكالية تبحث عن حل # نعود هنا مرة أخرى لزمن البطاركة الأوائل، وقول التوراة بوجود الفلسطينيين في ~~ذلك الزمن الأسطوري، زمن إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لندقق النظر مرة أخرى، فنجدها ~~إطلاقا لا تذكر أرض كنعان إلا باسم أرض كنعان، ولا ذكر لفلسطين ولا لفلسطينيين ~~إلا عند الحديث عند مدينة واحدة بالذات هي «جرار» التي يسكنها فلسطينيون، وهو ما ~~يضعنا أمام واحد من احتمالين: فإما أن يكون الكاتب التوراتي لهذا الجزء من ~~التوراة - والذي كتب متأخرا بعد الألف الأولى قبل الميلاد - قد استقر في ذهنه اسم ~~فلسطين للدلالة على تلك الأرض فاستخدمه في غير موضعه من الزمن وأطلق اسم فلسطين ~~السائد في زمانه على أرض كانت تحمل فقط اسم كنعان في الزمن السحيق، وإما أن تكون ~~جرار تحديدا ووحدها دون غيرها كانت موئلا للفلسطينيين زمن البطاركة، وأن ~~الفلسطينيين قد سكنوها كجند ms246 مرتزقة أو جالية بموافقة الفرعون، وهو الاحتمال ~~المرجح لدينا؛ حيث نعلم من التاريخ أن حيا بكامله شمال شرقي مصر قد حمل اسم ~~«الحي الجزري» زمن الرعامسة، لسكنى الإيجيين فيه، وكانت جرار أقرب المدن ~~الفلسطينية إلى الشيحور المصري الواقع شرقي الحي الجزري تماما، وقد سمي «الجزري» ~~نسبة للجزر، وعبدت هناك آلهة غريبة تماما على مصر، تليق بالأغراب الملتحقين ~~بخدمة الفرعون. # والأسباب في وضع الاحتمالين واستبعاد أن تكون فلسطين مسكونة بجنس البلست زمن ~~البطاركة، هو كما قلنا إن التوراة كانت تصفها بأرض الكنعانيين، وأنها لم تصف أي ~~مكان فيها بالفلسطيني سوى مدينة «جرار»، هذا إضافة إلى أن الأحداث التي رافقت ~~زمن البطاركة لم يأت فيها ذكر الفلسطينيين إطلاقا في أي وثيقة تاريخية، لا ~~في مصر ولا في أي من دول المنطقة ولا بفلسطين ذاتها. علما أن ذلك الزمن لحقته ~~أحداث جسام، تمثلت في غزو الهكسوس لمصر وتذهب جلة محترمة من الباحثين إلى أن ~~دخول بني إسرائيل إلى مصر قد حدث زمن الهكسوس، وهو زمن ما كان يسمح بدخول البلست؛ ~~حيث كان الهكسوس قوة كبرى تحتل مصر ذاتها وتقهرها، مع عدم وجود أي إشارة لفلسطين ~~بهذا الاسم ولا لهجرة باسم البلست في أركيولوجيا ذلك الزمن. # لكن التوراة من جانبها تصر، زمن الخروج، على وجود الفلسطينيين في فلسطين ~~كحقيقة واقعة، والأمر هنا ليس - كما في عهد البطاركة - حديثا عن مدينة واحدة، بل ~~عن مجموعة ممالك قوية ومقتدرة للفلسطينيين بشكل لا يدع سبيلا للشك فيه، ~~بنصوص غزيرة كثيفة ومتعددة، تحدثنا عن قراهم وأسماء زعمائهم، بل وشخصيات هامة ~~من بينهم، وقواد عسكريين، وشكل أسلحتهم، وحروبهم مع الإسرائيليين عند دخول ~~الأرض، وعباداتهم، وآلهتهم، مما يشير إلى أن الفلسطينيين كانوا قد أصبحوا حقيقة ~~مسلما بها في فلسطين، حتى إنهم أعطوا أرض كنعان اسما جديدا هو أرض ~~الفلسطينيين، وأن ذلك قد حدث أثناء تواجد الإسرائيليين في مصر. ~~(3-5) محاولة حل # رغم أن آخر النظريات وأكثرها اعتمادا في الأكاديميات العالمية، تلك التي تقول ~~باضطهاد الإسرائيليين في مصر زمن الفرعون «رمسيس ms247 الثاني»، وبخروجهم من مصر في عهد ~~ولده الفرعون «مرنبتاح»، فإننا لا نعلم كيف وجد هؤلاء السبيل «مثل بروغش وبيير ~~مونتيه وغيرهم» كيف وجدوا السبيل إلى التوفيق بين ذلك، وبين الحقيقة التي تؤكد ~~مجيء الفلسطينيين واستقرارهم على الساحل الكنعاني زمن «رمسيس الثالث»؛ أي بعد ~~خروج الإسرائيليين من مصر حسب ذلك التزمين بحوالي خمسين عاما، بينما التوراة ~~التي تعد لدى هؤلاء مرجعا تاريخيا أساسيا في حسابات تزمينهم للأحداث، تقول إن ~~الخارجين قبل خروجهم كانوا يطلقون على الطريق السينائي طريق فلسطين، وعلى كنعان ~~كلها اسم الفلسطينيين، وأنهم عندما وصلوا إليها وجدوا الفلسطينيين قوة قائمة ~~في ممالك دخلوا معها حروبا طاحنة قبل أن يستقروا إلى جوارهم هناك؟ # ومن ثم لا يبقى أمامنا سوى اقتراح فرض لا ينزلق إلى الاصطدام بما استقر عليه ~~علم التاريخ في تزمينه للأحداث وللأسر الحاكمة في مصر، إنما هو فرض يرجع قليلا ~~بزمن الخروج إلى الوراء؛ فنحن نعلم أن أول الهجمات البلستية قد حدثت زمن «أمنحتب ~~الثالث» 1405-1367 قبل الميلاد، وهنا نفترض نجاح تلك الهجمة واستقرارها على الساحل ~~الفلسطيني؛ أي إننا بوضوح نستبعد الخروج زمن «مرنبتاح» 1229 قبل الميلاد، ونرجع به ~~إلى تلك الفترة الواقعة زمن خلو العرش بعد سقوط «إخناتون ابن أمنحتب الثالث» الذي ~~حكم بين 1367، 1350 قبل الميلاد، وهو الزمن المناسب للخروج؛ لأن زمن مرنبتاح كان ~~زمن قوة مصرية تسيطر على فلسطين ذاتها، أما زمن خلو العرش بعد سقوط إخناتون ~~فكان فترة ضعف تسمح بوقوع أحداث الخروج، ومهاجمة الخارجين لفلسطين التابعة لمصر، ~~لكن ليجد الخارجون أن الفلسطينيين قد استقروا هناك زمن «أمنحتب الثالث» وربما ~~قبله بقليل وأسسوا ممالكهم هناك. # وبالحسابات الافتراضية، نحن ندفع بزمن الخروج الإسرائيلي إلى الخلف إلى عام يقع ~~قبل 1350 قبل الميلاد، وبإضافة زمن التيه في سيناء وهو أربعون عاما، فإن وصول ~~الإسرائيليين إلى فلسطين يكون قد حدث حوالي عام 1310 قبل الميلاد، وبذلك نكون قد ~~أرجعنا زمن الخروج مائة وعشرين عاما إضافية عن الزمن المفترض لخروجهم زمن ~~مرنبتاح، وهو ما يعني أنهم قد دخلوا ms248 فلسطين قبل قرن من زمن الفرعون ~~مرنبتاح. # وإن فرضنا هذا سيحل عددا من المشاكل الكبرى في التاريخ غير المحلولة حتى الآن؛ ~~فسيحل أولا مشكلة وجود الفلسطينيين بفلسطين قبل الخروج الإسرائيلي من مصر، ~~وثانيا سيعيد الاعتبار إلى المؤرخ المصري «مانيتون السمنودي/القرن الثالث قبل ~~الميلاد» الذي أثبت مصداقية عالية في كثير مما أورده، ومع ذلك استبعد ما ذكره ~~عن الخروج زمن فرعون باسم «أمنوفيس» لصالح فكرة الخروج زمن مرنبتاح، استنادا إلى ~~لوح مرنبتاح الذي يقول فيه إنه هاجم قوما باسم إسرائيل ودمر بذرتهم. وهنا ~~بالتحديد يكمن الخلل في رأينا؛ حيث نحتسب أن لوح مرنبتاح كان يتحدث عن حملة تمت ~~بعد خروج الإسرائيليين واستقرارهم في فلسطين، ضمن الحملات التأديبية التي كان ~~يشنها الفراعين على مستعمراتهم، بينما «أمنوفيس» الذي ذكره مانيتو كفرعون للخروج ~~هو النطق اليوناني للاسم المصرى «أمنحتب» وكان إخناتون يحمل اسم «أمنحتب ~~الرابع». # هذا ناهيك عن كون ذلك الفرض يجعل الخارجين من مصر، ربما كانوا أتباعا ~~مباشرين لأخناتون كأول داعية للتوحيد في التاريخ، وهو ما يفسر التوحيد ~~الإسرائيلي بعد ذلك. إضافة إلى حل معضلة كأداء تقف دوما في وجه القائلين ~~بالخروج زمن مرنبتاح وتتمثل في أن التوراة قد أكدت أن الإسرائيليين عند غزوهم ~~فلسطين، قد دمروا مدينة أريحا وأحرقوها بالكامل، وقد قامت بعثة حفائر ~~بريطانية، بقيادة العالمة الأركيولوجية «ك. كينون» عام 1950م بإجراء حفائر في ~~مدينة أريحا للكشف عن أدلة تشير لتدمير أريحا، ومدى صدق الرواية التوراتية. # وقد تأكد للبعثة البريطانية أن أريحا قد دمرت بالفعل، لكن في القرن الرابع ~~عشر قبل الميلاد، وهو ما شكل معضلة لأصحاب نظرية الخروج زمن مرنبتاح؛ لأن أريحا ~~تكون بذلك قد دمرت قبل زمن مرنبتاح بقرن من الزمان، وقد اعتمدت البعثة ~~البريطانية في تزمينها لدمار أريحا، على ما عثرت عليه من جعلان وكسرات فخارية ~~تحمل أسماء ملوك مصريين، حكموا خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، هذا مع آثار ~~الحريق المدمر، وآثار التهديم الذي تعرضت له أريحا. # ونقصد من هذا كله القول: إن العودة بزمن الخروج 120 ms249 سنة إلى الخلف، إلى فترة ~~خلو العرش بعد سقوط إخناتون، يحل معضلة آثارية كبرى ومشكلة تاريخية حقيقة، ~~ويتطابق موعد دمار أريحا مع موعد دخول الإسرائيليين إليها، كما يحل مشكلة ~~مستعصية تفسر وجود الفلسطينيين بفلسطين فبل دخول الإسرائيليين إليها، ولماذا ~~حملت كنعان اسم أرض الفلسطينيين حتى في التوراة ذاتها، لكنها لم تحمل يوما اسم ~~أرض الإسرائيليين، وهو الأمر الذي لم يزل بعد قيد البحث في كتابنا: «النبي موسى ~~وآخر أيام تل العمارنة». ~~(4) تعقيب على لقاء نتانياهو بالمثقفين المصريين # ولا أقصد هنا التعقيب على الحوار أو على كل ما قال السيد نتانياهو، لكن فقط على ~~فقرة واحدة قالها في هذا اللقاء، وأوردها الأستاذ عبد الستار الطويلة في عدد روز ~~اليوسف التالي للقاء مباشرة. # يقول الأستاذ عبد الستار: «وهو - أي نتانياهو - لا يعدم حجة يقلب فيها حقائق ~~التاريخ؛ فهو يقول في براءة شديدة وهو يبرر احتلال يهوذا والسامرة، كما أصر على ~~تسمية الضفة الغربية بشكل مستمر طوال اللقاء: نحن لسنا الأمريكيين أو الفرنسيين ~~الذين ذهبوا لاحتلال فيتنام والجزائر، هؤلاء غرباء عن الأرض والشعوب هناك، ولا حق لهم ~~في ذلك، أما نحن فهذه الأرض هي أرضنا، والذي حدث أننا طردنا منها ونريد ~~استردادها.» # وكنا نظن أننا قد تجاوزنا هذا المنطق من حقبة الستينيات لكن السيد نتانياهو بالتزامه ~~العقدي الواضح والمعلن قد أعادنا مرة أخرى إلى تلك المنطقة من التاريخ بمنطق يدعي ~~الحقوق المؤسسة على التاريخ. # لن أكرر هنا القول المأثور: إن كان ذلك كذلك، وكان لا بد من إعادة الأراضي ~~المسلوبة عبر التاريخ إلى أصحابها، فعلى العالم المتقدم الذي يأخذ بهذا المبدأ أن يعيد ~~القارة الأمريكية إلى الهنود الحمر. # ولن أكرر هنا أن الحقوق الدينية لا تعطي حقوقا في الأرض، وإلا كان للمسلم الأفغاني ~~والصيني والإندونيسي حقوق في أراضي الحجاز، وهو ما لم يدعه مسلم عاقل أو ~~رشيد. # ولن أكرر ما سبق وقلته في أعمالي المنشورة عن كون إسرائيلي اليوم أمرا يختلف ~~تماما عن بني إسرائيل التوراتيين، وإلا كان على السيد نتانياهو أن يقدم ms250 لنا أهم ~~وثيقة تؤكد تلك الحقوق، وأنه وفق منطقه هو عليه أن يقدم لنا شهادة إثبات نسب ~~تعود به رأسا للنبي يعقوب المعروف بإسرائيل. # نعم نحن نعلم أن في الأزمنة الخوالي كانت هناك العقود المكتوبة بين أفراد مجتمعات ~~الأمم المتحضرة لتؤكد الحقوق، أما القانون كما في مصر القديمة فقد كان للدنيا ~~مثلا، ولكنا نعلم من توراة السيد نتانياهو أن أولئك الذين ينتسب إليهم لم يكونوا ممن ~~يفكون الخط؛ لذلك عمل يعقوب مع خاله الآرامي رجمة حجارة لتكون علامة شاهدة على ~~عقدهما أسماها «يجر سهدوثا»، وأعطى ابراهيم سبع نعاج لأبيمالك ملك جرار الفلسطيني وزرع ~~شجرة أثل عند بئر سبع «لذلك سميت كذلك؛ أي إن بئر سبع سميت بهذا الاسم نسبة للنعاج ~~السبع والقسم) كي تكون شاهدة على عقده مع أبيمالك حول ملكية أحد الآبار - وليس شيئا ~~كالنيل مثلا - أو بالنص التوراتي «وأقام إبراهيم سبع نعاج من الغنم وحدها، فقال ~~أبيمالك لإبراهيم: ما هي هذه السبع نعاج التي أقمتها وحدها؟ فقال إنك سبع نعاج تأخذ من ~~يدي لكي تكون لي شهادة بأني حفرت هذا البئر؛ لذلك دعا ذلك الموضع بئر سبع لأنهما حلفا ~~كلاهما هناك، فقطعا ميثاقا بئر سبع ... وغرس إبراهيم أثلا في بئر سبع» (سفر التكوين، ~~21: 28-31). # وهو ذات الأمر الذي تكرر مرة أخرى مع أبيمالك الفلسطيني لكن البطل هذه المرة لم ~~يكن إبراهيم بل ابنه إسحاق، وكان النزاع حول البئر التي سميت بئر سبع أي بئر ~~القسم/القسم الذي أقسموه على عهد غير مكتوب فهي تعني الرقم سبعة كما تعني أيضا القسم ~~أو الحلف (انظر: سفر التكوين، 26: 22-23). # مجرد بئر كانت البداية، وحولها تناقضت رواية التوراة مما يشير إلى بطلان القصة ~~بكاملها من أول سرد لها بكتاب ينعت بالمقدس. # نعم نحن نعلم أنهم لم يكونوا من بين الشعوب التي تعرف الكتابة حينذاك، حتى إن على ذمة ~~التوراة بين إبراهيم وبين الله ليأخذ العهد الأعظم وهو المزعوم قد حدث على ذمة التوراة ~~بين إبراهيم وبين الله ليأخذ أرض فلسطين من الله، كان ms251 بموجب عقد موثق مختوم بخاتم ~~واضح، وكان أي ختم؟ وأي توثيق؟ كما تقول التوراة: «وقال الله لإبراهيم وأما أنت فتحفظ ~~عهدي أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم، هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من ~~بعدك، يختتن منكم كل ذكر في لحم غرلتكم (أي في القضيب الذكري) فيكون علامة عهد بيني ~~وبينكم» (التكوين، 17: 9-11). # وبالطبع ليست تلك هي الوثيقة التي نطلبها من السيد نتانياهو ليؤكد الحقوق التاريخية ~~التي يدعيها؛ فلا هو يستطيع إبراز تلك الوثيقة للإعلام العالمي، ولا أي محكمة يمكنها ~~أن تأخذ بهذه الوثيقة المعتمدة بختم الطهارة (بالطبع هي غير الطهارة الثورية). ناهيك عن ~~أنه إذ كان هذا الختم وتلك الوثيقة إعلانا عن امتلاك بئر سبع (البئر فقط وليس ~~المدينة) فلا شك أن المطالبين بحق الملكية وما يملكون من صكوك إثبات لن تكفيهم آبار ~~الدنيا (لعلماء النفس رأي في تلك القصة وهي عندهم تعبير عن الفعل الجنسي، فالقضيب ~~معروف والبئر رمز الفرج). # والغريب في أمر نتانياهو أنه يؤكد حقوقه اليوم في فلسطين اعتمادا على حقوق الآباء ~~الأولين وإقامتهم في فلسطين، رغم أن توراة السيد نتانياهو تؤكد وتعيد وتزيد أن أرومة ~~العبريين إبراهيم ذاته كان غريبا على أرض فلسطين، وهو الأمر الذي ظل يكرره أخلافه من ~~بعده، مما جعل كلام السيد نتانياهو غريبا غرابتهم على فلسطين. انظر معي يا سيد ~~نتانياهو توراتك إذ تقول بلسان إبراهيم وأخلافه: ~~(1) ~~«فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان» (تكوين، 11: ~~31). # أي إن القبيلة الإبراهيمية جاءت إلى فلسطين وافدة من أرض أخرى وبلاد ~~أخرى، وقد أثبتنا في كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول» أن أور ~~الكلدانيين هذه تقع في بلاد أرمينيا الحالية ولا علاقة لها ~~بالمنطقة. ~~(2) # وقال الرب لإبراهيم: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض ~~التي أريك» (تكوين، 12: 1). ~~(3) ~~«أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها» ~~(تكوين، 15: 7). ~~(4) ~~«لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك ~~كل أرض كنعان» (تكوين، 17: 7-8). # ولعل ms252 القارئ لاحظ - كما لا شك يعلم السيد نتانياهو يقينا - أن التأكيد على غربة تلك ~~القبيلة عن أرض كنعان تكاد تتكرر في كل إصحاح، نكتفي منها بتلك الأمثلة لأن إحصاءها ~~يحتاج صفحات طويلة من الملل. # هكذا جاء السيد نتانياهو بافتراء واضح على التاريخ بل على توراته ذاتها التي يعض ~~عليها بالنواجذ. لقد وصل أسلافه قادمين من بلاد بعيدة غرباء على أرض كنعان. الرجل ~~ذكي ومذاكر توراة بشكل جيد، سيرد علينا نعم كان أهل الأرض كنعانيين وهم شعب سامي ~~لا يمكن لأحدنا أن يدعيه لنفسه دون الآخر؛ لأن كلينا سامي. لكن لديك أيها السيد في ~~توراتك ذاتها ما يشير بوضوح إلى أن الفلسطينيين قد سكنوا تلك الأرض قبل مجيء أجدادك ~~إليها من أرمينيا أو من حيث ألقت، ولم يكن فقط سكانها الكنعانيون. لقد وصل إبراهيم ~~وكانت تلك البلاد لا تسمى بلاد الكنعانيين رغم سكن الكنعانيين فيها، لكنها كانت ~~تسمى أرض الفلسطينيين ... هكذا بوضوح فصيح تسميها التوراة أيها السيد المؤمن، ~~وقد ورد ذلك في قصة طريفة لا تستحي التوراة من ذكرها فلا حياء في الدين، والتوراة ~~كما تعلمون أيها السيد لا تعرف الحياء. # كان إبراهيم جدك البعيد حسبما تزعم، وإن كنا في شك عظيم في ذلك لو ناقشناك، لكنا ~~على يقين في عدم نسبتك إليه دون أن نناقشك؛ كان جدك هذا قد نزل مصر يستجدي القوت، ~~بعد مجاعة حلت ببلاد فلسطين، ونستمع معا إلى تراتيل التوراة إذ تقول: «وحدث جوع في ~~الأرض فانحدر إبرام إلى مصر ليتغرب هناك لأن الجوع في الأرض كان شديدا. وحدث لما ~~قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر فيكون إذا ~~راك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك، قولي إنك أختي ليكون لي خير ~~بسببك وتحيا نفسي من أجلك» (تكوين، 12: 10-13). # ثم نفهم من بقية الراوية أن ادعاء سارة الأخوة لإبراهيم لم يكن اتقاء إبراهيم ~~للقتل، إنما لسبب آخر ترويه التوراة تذكرة للعالمين إذ تقول: «فحدث لما دخل إبرام إلى ms253 ~~مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى ~~فرعون. «فأخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى إبرام خيرا بسببها وصار له غنم وبقر ~~وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال». فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة ~~إبرام، فدعا فرعون إبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ ~~لماذا قلت هي أختي «حتى أخذتها لي لتكون زوجتي». والآن هو ذا امرأتك خذها واذهب، فأوصى ~~عليه فرعون رجالا فشيعوه وامرأته وكل ما كان له » (تكوين، 12: 10-20). # سنفهم الآن المراد والمقصود عندما نعلم أن ذات الأمر قد تم تدبيره للملك الفلسطيني ~~أبيمالك، فنقرأ: «وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب وسكن بين قادش وشور وتغرب في ~~جرار وقال إبراهيم عن سارة امرأته هي أختي، فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة» (تكوين، ~~20: 1-2)، وكانت النتيجة فأخذ أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاها لإبراهيم ~~ورد إليه سارة امرأته وقال أبيمالك هو ذا أرضي قدامك اسكن فيما حسن في عينيك وقال ~~لسارة: «إني قد أعطيت أخيك ألفا من الفضة»» (تكوين، 20: 14-16). وتكررت القصة ~~ذاتها مع ولده إسحاق بحذافيرها لكن لنسمع هنا القول: «فذهب إسحاق إلى «أبيمالك ملك ~~الفلسطينيين» إلى جرار» (تكوين، 26: 2). التوراة هنا تنتهي إلى تعريف أبيمالك بأنه ~~ملك الفلسطينيين. لقد كان الفلسطينيون قد استقروا في الأرض وأقاموا فيها ممالك أدت ~~بالنبي صفنيا إلى مناداتها في سفره «يا كنعان يا أرض الفلسطينيين» (صفنيا، 2). حيث ~~هناك زعم تروجه جامعات العالم يقول: إن الفلسطينيين - أو كما ذكرهم التاريخ ~~(البلست) - قد قدموا من كريت إلى فلسطين؛ فحتى لو كان ذلك هو الحادث تاريخيا فإن ~~التوراة تقول بمجيء أرومة العبريين إلى بلاد كنعان وقد عرفت باسم أرض ~~الفلسطينيين. «لقد كان البلست قد أقاموا في فلسطين زمنا كافيا قبل ذلك ليمنحها اسم ~~الفلسطينيين». # ومع منظومة أخلاقية كتلك المنظومة التي حدثتنا عنها التوراة لا يكون هناك مجال ~~للقول بنقاء الجنس الإسرائيلي مع هذه البداية التي لا تبشر بخير، ناهيك عن كون هذه ms254 ~~النقاء الجنسي ظلما لطبيعة الإنسان؛ فمن المستحيل أن تقنعنا بنقاء هذا السلسال خلال ~~ألوف السنين، وأن البذرة الإسرائيلية ظلت تتناقل في أرحام الطاهرات حتى وصلت يهود ~~اليوم؛ لأنه من جانب آخر هناك مغالطة تتم بموجبها المطابقة بين مفهوم الدين اليهودي ~~وبين العنصر أو الجنس الإسرائيلي، بحيث يبدو وفق تلك المغالطة أن يهودي الفلاشا الزنجي ~~ويهودي روسيا الأحمر ويهودي المنطقة السامي ويهودي أمريكا المهجن، هم جميعا يعودون ~~بالنسب إلى جدهم يعقوب إسرائيل. # فنحن كبشر لا نستطيع التسليم بلون خارق من العفاف الجنسي المنقطع النظير عند بنات ~~يهود، حتى تحمل البذرة الإسرائيلية خالصة، ولن نضرب هنا أمثلة ضربناها كثيرا في ~~أعمالنا المنشورة عما يموج به الكتاب المقدس من صخب جنسي وصهيل شبقي لبنات صهيون ~~على الشباب الفتي لأم غير إسرائيلية (انظر مثلا سفر إرميا، 30: 50، 13؛ وحزقيال، 16 ~~... إلخ)؛ ولهذا السبب تحديدا وضعت دولة إسرائيل قانونا لا يعتبر الفرد بموجبه ~~يهوديا إلا إذا كانت أمة يهودية. # لكن المشكلة أننا إذا طبقنا هذا المبدأ على مؤسس دولة إسرائيل الملك داود، ثم على ~~أشهر ملوكهم الملك سليمان، فسنجد الأول حفيد راعوث، ولم تكن لا إسرائيلية جنسا ولا ~~يهودية دينا إنما كانت موآبية أما سليمان فقد رزق به أبوه من امرأة حيثية لا ~~يهودية ولا إسرائيلية. وطبقا للقانون وإعمالا لبنوده فإن كليهما لم يكن يهوديا ~~ولا إسرائيليا، وتكون المؤسسة الكبرى من البدء دولة فلسطينية تم سلبها لصالح ~~يهوذا. # يبدو هكذا أنه لم تصبح لدى السيد نتانياهو أية وثيقة تعطيه حقوقا في الأرض، حتى ~~أساطيره لا تسعفه، وبالطبع لن نقبل منه الوثيقة التأسيسية فلدينا منها الأقوى والأكبر ~~والأكثر عددا ونفيرا. ~~(5) الإسلام والقضية الإسرائيلية ~~«اتبعوني أجعلكم أنسابا، والذي نفس محمد بيده لتملكن كنوز كسرى وقيصر.» # كان ذلك نداء النبي # صلى الله عليه وسلم # يجلجل في مكة يعد من يتبع صاحبة بكنوز عظمى وفتوحات ~~أعظم، وقد ظل هذا النداء يتكرر حتى بعد قيام دولة الرسول النبوية الصغيرة في يثرب، خاصة ~~في المناطق الصعبة وهو ما حدث في غزوة الخندق والمدينة ms255 محاصرة بالأحزاب قد يدخلونها ~~على أهلها بين فينة وأخرى، وساعتها أعلن الرسول وعده للمؤمنين أن الله قد فتح عليه ~~بلاد الفرس وبلاد الروم، وهو ما دعا مسلما أنصاريا هو «معتب بن قشير» ليعقب في ~~المساحة الواقعة بين الوعد وبين واقع الحال، فيقول: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز ~~كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!» والرد كما هو واضح رد ~~ساخر ينعى هما حاضرا لا ينبئ بمثل ذلك الوعد العظيم. لكن خط سير التاريخ كان مع ~~صاحب الدعوة وأمله الكبير. # كانت مصر وساحل أفريقيا مع فلسطين وبلاد الشام جميعا تقع حينئذ تحت ظل عرش قيصر ~~الروم، بينما كانت العراق وما والاها شرقا تقع تحت مظلة كسرى الفرس، وكل الدلائل تشير ~~إلى فراغ سياسي واضح ناتج بالضرورة عن انهيار قوى الإمبراطوريتين بعد حروب دامت ~~وطالت، ولا بد أن تملا هذا الفراغ قوة جديدة. # وقد وعى عرب الجزيرة الدرس وقرءوه بإمعان وأدركوا دورهم التاريخي المنتظر، فكانت دعوة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وكان الوعي النافذ لرجل من سادة الملأ القرشي عظيم، هو الشيخ «عتبة بن ~~ربيعة» الذي كللت السنوات رأسه بالحكمة فقرأ خطوات التاريخ المقبلة قراءة واضحة ~~بوعي ضفره موقعه القيادي في دار الندوة، فقام يحدد موقف الملأ القرشي من محمد ~~ودعوته بندائه: «يا معشر قريش أطيعوني وخلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وما هو فيه ~~فاعتزلوه؛ فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد ~~كفيتموه بغيركم، وإن ظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس ~~به.» # وهنا يطفر السؤال: هل كان معلوما لدى صاحب الدعوة، وفى خطة الوحي أن بلاد الحضارات ~~الشرق أوسطية القديمة، مثل مصر والشام والعراق، ستقع ضمن حدود الدولة الإسلامية ~~الإمبراطورية المنتظرة؟ وأنها ستتحول تماما لتصبح دولا عربية تتبنى العروبة لغة ~~وثقافة وقومية بل وربما عنصرا؟ # المشكلة أننا لو سلمنا بذلك لوقعنا في مأزق حرج بين ما يطلبه الإيمان وما تطلبه ~~همومنا الوطنية والقومية اليوم؛ فنحن اليوم ms256 في أزمة حضارية طاحنة تستدعي تمسكا ~~شديدا بالهوية مقابل الآخر الغاصب المتفوق، والهوية في مصر مصرية تضرب بجذورها ~~آلافا من السنين في أزمنة غوابر، والهوية في العراق عراقية تضرب بحضاراتها المتعددة ~~من كلديا إلى بابل وأشور وآكد في عمق الماضي فحازت العراقة لاسمها، وبلاد الشام بدورها ~~لا يقل وجودها الحضاري القديم عن شأن جيرانها، ثم يجمع هؤلاء جميعا رابطة العروبة التي ~~تحققت خلال قرون بعد الغزو العربي لها. لكن مكمن المشكلة أن اعتزازك بذلك القديم ~~العريق الذي يحفظ لك التماسك النفسي والروحي ويضمن لك عدم فقد الذاكرة التاريخية، ~~سيتصادم فورا مع موقف الوحي القرآني الذي كرم بني إسرائيل تكريما مقارنا طوال ~~الوقت بأصحاب تلك الحضارات مع تسفيه هذه الحضارات لصالح التاريخ الإسرائيلي؛ لأنه يعتمد ~~في موقفه على الإيمان والكفر وحدهما، وكانت تلك الحضارات حضارات كافرة برب الشعب ~~الإسرائيلي؛ لذلك يغرق فرعون مصر وقومه المجرمون في لجج بحر ينشق بالعصا الحية؛ لأنه ~~كفر برب موسى وهارون الإسرائيليين، وينهار برج بابل فوق نمرود وقومه لأنه جادل الحق ~~الذي جاء به الخليل إبراهيم أرومة العبريين، ويموت جوليات الفلسطيني قتيلا وهو ~~يدافع عن أرضه ضد الاستيطان الإسرائيلي لبلاده بقيادة الملك داود؛ لأن جوليات كان ~~بدوره كافرا. ومن هنا تطرأ الأسئلة الملحة والمشروعة إيمانيا ووطنيا وقوميا، ~~والتي تفرضها متغيرات واقع الأحوال منذ جاءت هذه المواقف وحيا مع بدء دعوة النبي # صلى الله عليه وسلم # وحتى الآن، أسئلة تبحث عن السواء النفسي والاتساق مع الذات ومع الإيمان ومع ~~منطق الأحداث. تبغي التمدد في هويتها الحضارية القديمة العريقة احتماء وتماسكا، ~~وتريد في الوقت ذاته احترام المقدس وقراره حتى تطمئن إلى ما وقر في القلب حتى ~~يصدقه العقل ويطابقه العمل. وحتى يمكن ذلك سنحاول قراءة حركة التاريخ على ~~مستويين: الحركة الأولى إبان تواتر الوحي في مكة والمدينة حتى وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم # وتوقف الوحي، والحركة الثانية منذ توقف الوحي، وحتى الآن. ~~(5-1) وقائع الحركة الأولى # وعلى محور الحركة الأولى نطالع الدعوة الناشئة في مكة وهي في ms257 بدئها تبحث عن ~~ملاذ وحلفاء وأتباع، وتمثل هذا البحث في سعي صاحب الدعوة إلى كسب الولاء لدعوته، ~~بعرض نفسه على شتى القبائل وعلى المستوى الاستراتيجي كان أهم نقطتين يجب التركيز ~~على حلف أحدهما يتمثل في مدينتين تقع كلتاهما على الخط التجاري الدولي الذي يمسك ~~بعنان تجارة عالم ذلك الزمان. المدينة الأولى هي الطائف التي تقع على عصب طريق ~~الشتاء التجاري إلى اليمن، والثانية هي يثرب الواقع عند عنق طريق الإيلاف الصيفي ~~إلى الشام. # وبحكم المصالح التجارية المشتركة التي تربط أهل الطائف بالأرستقراطية التجارية ~~المكية رفضت الطائف عرض التحالف مع الدعوة الجديدة، وبالمنطق نفسه - منطق ~~المصالح - قبلت يثرب حلف صاحب الدعوة. بعد أن دفعها إلى ذلك أمران: # الأول: # أن قريشا قد أسقطت يثرب من حسابات مكاسبها التجارية نتيجة لضعف ~~يثرب الشديد بعد مجموعة الحروب الأهلية التي دارت بين بطونها ~~وأحلافها، حتى لم يعد بإمكانها القيام بفعل مناسب على طريق ~~الإيلاف الشامي للضغط على قريش، حتى تنال نصيبها من تلك المكاسب ~~التجارية الهائلة. وقد رأت يثرب أن التحالف مع صاحب الدعوة هو ~~الفرصة المثالية للوقوف ندا لمكة التجارية. بل وتشكيل تهديد ~~حقيقي تمثل في قمته في قطع الطريق التجاري تحت قيادة زعيم ~~قرشي من قريش ذاتها، قريش مكة التي سبق وأهملت يثرب من معادلتها ~~الاقتصادية. # أما الأمر الثاني: # الذي دفع يثرب إلى هذا التحالف أو ساعد عليه بالأحرى، هو خئولة ~~النبي وآل هاشم في بني النجار من الخزرج اليثاربة، تلك الرابطة ~~القرابية التي دعت الأخوال في يثرب إلى استقبال ابن رحمهم الهاشمي، ~~وفتح مدينتهم له لتكون نواة الدولة وعاصمتها المقبلة. ولا يغيب ~~علينا دور الإيمان العظيم لأهل يثرب بالدعوة الجديدة، وهو الإيمان ~~الذي هيأهم له معاشرتهم لفكرة التوحيد الإلهي عبر أهلها من يهود ~~يثرب، لكن ذلك تحديدا كان سببا في جعل يثرب مدينة إشكالية لوجود ~~العنصر اليهودي بها، مما استدعى - في التعامل معها - تكتيكا من ~~نوع خاص، أراد الله به إعطاء الدرس الموضوعي للمؤمنين. # من نافلة القول التأكيد أن يهود يثرب إنما ms258 كانوا عربا بكل معنى الكلمة، فقط ~~كانوا يدينون باليهودية. ومثلهم مثل بقية يهود الشتات كانوا ينتظرون نبيا من بني ~~إسرائيل، يعيد لإسرائيل مجدها ويقيم لها دولتها الغابرة التى أنشأها داود وولده ~~سليمان، وعلى أن يكون هذا الآتي من نسل تلك الشجرة وحين ظهوره سيتم مسحه بالزيت ~~المقدس «مسيحا» ليقيم عمد دولته ويعيد بناء الهيكل الذي دمره طيطس الروماني ~~عام 70 ميلادية. # وقبل ذلك بزمان عانت الدولة السليمانية من قوة جيرانها؛ فقد وجه الفرعون شيشنق ~~لها أولى الضربات زمن رحبعام بن سليمان، ثم تبعه الآشوريون الذين قضوا على النصف ~~الشمالي من دولة إسرائيل، لينهي الأمر نبوخذ نصر البابلي باحتلاله نصفها الجنوبي ~~وسبي أهلها. وهنا لم يبق أمام أنبياء شعب الرب سوى استمطار اللعنات على أعداء ~~إسرائيل المتمثلين في حضارات المنطقة القديمة، والتنبؤ بانتقام سيقوم به ~~المسيح الممسوح الآتي بعد أن يقيم دولة إسرائيل على أنقاض دول المحيط المعادي ~~لها. ومن هنا كثرت نبوءات الكتاب المقدس بنبي آخر الزمان الآتي من سجف ~~الغيب. # وعندما ظهر النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # في مكة، أرسل إعلانه يدوي بين فيافي الجزيرة ~~ليصل من يهمهم الأمر، يؤكد أنه نبوءة موسى وبشرى عيسى وأنه أحمد النبي المنتظر. ~~وتم دعم ذلك بقصة الذبح التي كاد يتعرض لها أبوه عبد الله لتتناغم مع قصة الذبح ~~التي كاد يتعرض لها إسماعيل ابن إبراهيم، حيث كان الذبح علامة على التواصل مع ~~السماء. وقد تم تعويض ذلك الذبح في اليهودية بذبح شاة أو بذبح جزئي للطفل بجراحة ~~الختان، التي أكدت التوراة أنها بصمة العقد الذي تم بين إبراهيم ونسله وبين ~~الله. وبموجب هذا الختان/الختن/الختم تم توثيق العقد والوعد بوراثة النسل ~~الإبراهيمي الإسرائيلي للأرض ما بين نهر مصر إلى نهر الفرات. # ولكن لأن شرط النبوة التوراتية أن تكون في بني إسرائيل، ولأن النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # ليس من بني إسرائيل، فقد أمكن إيجاد الصلة مع الوعد بإرجاعه سلفا ليس إلى يعقوب ~~المسمى بإسرائيل، لكن إلى الأب الخليل صاحب الوعد والعقد ms259 الأول، إلى إبراهيم ~~نفسه؛ وحيث إن إسماعيل كان أول من اختتن قبل شقيقه إسحاق، أمكن القول بإمكان مجيء ~~نبي آخر الزمان من الفرع الإسماعيلي، دون اقتصاره على الفرع الإسرائيلي من نسل ~~إبراهيم. وهكذا تم ربط صاحب الدعوة بالمشروع الإسرائيلي، ليكون محقق الوعد لكن ~~عبر النسل الإسماعيلي. # وهو الأمر الذي وعاه مؤرخونا الإسلاميون الأوائل وعبروا عنه بهذا ~~المعنى. # لا زلنا على محور الحركة الأولى التي حددت ~~علاقة النص المقدس بواقع الأحداث التي أصبحت تاريخا، إبان تواتر الوحي في مكة ~~وقبل الهجرة إلى يثرب، في دفعات متتالية من الآي القرآني الكريم للتأثير في يهود ~~يثرب توطئة لهم لقبول دعوة النبي، بل وقبوله هو نفسه في يثرب؛ فجاءت آيات الكتاب ~~الكريم تتحدث عن مكانة بني إسرائيل في التاريخ السياسي والديني للمنطقة، وكيف ~~فضلهم الله على العالمين، مع تأكيد أن محمدا إنما هو استمرار للنبوات المتوارثة ~~في البيت الإبراهيمي، مع تكرار لقصص أولئك الأنبياء منذ نوح وإبراهيم عبورا على ~~إسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وانتهاء بداود وسليمان وعيسى، باعتبارهم كانوا توطئة ~~لخاتم النبوات. ومن جانبها كانت الأحاديث تؤكد أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # كان غرة بيضاء ~~في جبين آدم تناقلتها أصلاب الأنبياء والطاهرين التي شخصت بميلاده. # ومن هنا جاءت الآيات تترى تؤكد ليهود يثرب الذين يترقبون: # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~(المائدة: 44)، # إني رسول الله إليكم مصدقا ~~لما بين يدي من التوراة ~~(الصف: 6). مع احترام واضح ~~حتى للتفاصيل التوراتية الصغيرة وتوقيرها والإشارة إليها في الآيات. كذكر شعيرة ~~اليهود المقدسة التي كانوا يحملون بموجبها تابوتا يعتقدون أن ربهم يرقد بداخله، ~~وجاء ذكر هذا التابوت في الآيات: # إن آية ملكه أن ~~يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~(البقرة: ~~248)، أو مثل كتابة الله للتوراة (بإصبعه فيما تقول التوراة) على ألواح الشريعة: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء ~~موعظة ~~(الأعراف: 145). ثم تلا ذلك الموقف العملي للنبي عند حلوله ~~كريما على يثرب لتستنير به وتحمل اسم مدينة الرسول المنورة؛ فقد استقبل مع أتباعه ~~قبلة اليهود في الصلاة ms260 بل وصام معهم يوم كيبور/الغفران/«يوم غرق المصريين» وخروج ~~بني إسرائيل من مصر، ثم عقد الصحيفة مع يهود يثرب للتعاون والدفاع المشترك، مع ~~كفالة تامة لحرية الاعتقاد. وإعلان عدم التناقض العقدي بين ديانة يهود وبين ~~ما جاء به محمد، وهو ما تنطق به آيات كثيرة من قبيل: # وهو ~~الحق مصدقا لما معهم ~~(البقرة: 91)، # وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم ~~(البقرة: 139). وكان ذلك بالنسبة ليهود يثرب لونا من ~~ممكنات مستقبلية تحول مركز الجزيرة وقلبها ~~عن مكة إلى يثرب، وما سيعود نتيجة ذلك من منافع عظيمة ، لكنهم أبدا لم يروا ~~محمدا النبي هو المسيح الإسرائيلي المنتظر، بينما كانت خطوات النبي تلك تسجل ~~على الجانب الآخر تباعدا مؤقتا عن أهل مكة في إنذار واضح لقريش كي تغير ~~موقفها. # وبمرور الوقت لم يبق وداد الود على حاله؛ فقد استمر يهود يثرب يهودا دون ~~اندماج كامل يضمن لدولة المدينة تماسكها، ثم تأتي غزوة بدر الكبرى لتضع بيد ~~المسلمين القوة المادية سلاحا ومالا، وتمنحهم الثقة النفسية والقوة المعنوية، ~~وهكذا أذن فجر الأيام البدرية بمغرب مرحلة آن لها أن تغرب. وأخذت آيات القرآن تترى ~~تحمل روح سياسة جديدة، تنسخ ما قد سلف من حرية اعتقاد تم السماح بها في ظرفها، ~~آتية بجديد يوطئ لخلاص يثرب الكامل لدولة الإسلام؛ لأن الدين قد أصبح عند الله ~~فقط هو الإسلام: # إن الدين عند الله ~~الإسلام ~~(آل عمران: 19)، # ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~(آل عمران: ~~85). # وأخذت الجفوة في الاتساع لتتحول إلى عداء جهير صحبته معارك طاحنة انتهت ~~بخروج يهود من يثرب نهائيا، مع إيضاح جديد تحيطنا به الآيات علما في قولها: # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ~~(النساء: 46)، # وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~(البقرة: ~~75)، ناهيك عن تقرير القرآن أن القائلين بأن الله ثالث ثلاثة قد كفروا، قد ~~صحبته معلومة لم تكن معلومة بالتوراة، وهي أن يهود تقول عن الله الذي لم يلد ولم ~~يولد أنه قد أنجب عزيرا ابن الله. # هكذا كانت حسابات ms261 الجدل المتفاعل بين صدق الواقع وبين الوحي الصادق الذي طابق ~~الواقع وتحرك معه في درس عظيم من البرمجة والتخطيط، بدأ على أمر وانتهى إلى ~~أمر، وقفت بعده دولة الرسول موحدة شامخة بعد الخلاص من المنكر الإيماني الحي ~~لدعوة الرسول (يهود يثرب). # لكن ما علاقة كل هذا بسؤالنا التأسيسي عن أزمة مؤرقة بين ما يمليه الاعتقاد ~~وبين همومنا القومية والوطنية؟ الإجابة رغم وضوحها فإنها سيبين فيها الخيط الأسود ~~من الخيط الأبيض مع قراءة المحور الثاني للحركة التي تبدأ من وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم # وتوقف الوحي حتى الآن. ~~(5-2) وقائع الحركة الثانية # عملا بخطة الرسول # صلى الله عليه وسلم # التي استنها بنفسه قبل رحيله إلى عالم البقاء، قامت ~~الخلافة من بعده بحروب الفتوحات الكبرى التي انتهت بإدخال دول غير عربية تحت ~~مظلة الدولة الناشطة، بل وتم استعراب سكان البلدان المفتوحة لغة وثقافة وعقيدة ~~ومنهج حياة، فكان أن دخلت في ضفائر العروبة بلدان ذات حضارات عريقة، كان لها ~~مواقف عدائية مع اليهود الغوابر، وفي الوقت نفسه تتلو في مقدسها مواقف تشين ~~جذورها الحضارية وتقتلعهم منها، عبر الإيمان بكفر أصحاب تلك الحضارات من أجداد ~~كانوا لنا عنوان الفخار، ومع وجوب الإيمان بصدق الآخر الإسرائيلي وتبجيله إزاء ~~الوطني العريق. خاصة مع مرور زمان تمكن فيه يهود العالم من إقامة مجد داود ~~وسليمان في أورشليم مرة أخرى باقتطاع أرض عربية من أهلها لصالح شعب الرب والدولة ~~الموعودة بالكتاب المقدس. # لقد كان الموقف قبل انجلائه في بدر، يسعى لتأكيد العلاقة مع التوراة وأصحابها، ~~بسرد القصص التوراتية في آيات قرآنية تؤكد تصديق نبوة النبي ليهود يثرب، وضمن تلك ~~القصص تم تكفير حضارة مصر ممثلة في قوم فرعون الذين أجرموا في حق بني إسرائيل ~~فغرقوا عقابا واستحقاقا، كما انتصرت الآيات للملك دواد الإسرائيلي وهو يقتل ~~جالوت الفلسطيني ويقيم على أنقاض الفلسطينيين دولة إسرائيل، ثم تم الوقوف من ~~حضارة العراق القديم ذات الموقف لأن ملكها النمرود جادل إبراهيم أرومة العبريين ~~في أمر ربه فاستحق هو وآله دمار برج ms262 بابل والعذاب. # السؤال الملحاح لا يتحرج ولا يتراجع عن الاجتراء الحر يتساءل: ألا يكفر هذا ~~الموقف فينا نصف هويتنا إن لم يكن معظمها، ويكفر الأسلاف والتاريخ، ويقطع مع ~~الماضي، ويفقدنا الذاكرة الوطنية؟ وإذا كانت خطة الوحي قد استدعت، مصالحة يهود ~~وكل ما ارتبط بها من آيات، فإن الحكمة الإلهية لصالح الموقف الجديد المعادي لليهود، ~~لم تدخل ضمن خطة النسخ بقية البنود المرافقة لقصص مثل قصص فرعون وجالوت ونمرود، ~~آيات ناسخة أو حتى رافضة أو حتى مراجعة لهذا الرتل من الإسرائيليات، أفلا يشرخ ذلك ~~في الذات القومية تجاه الآخر المعادي المتفوق المحتل؟ # فكيف نحل هذه الإشكالية دون أن نستهين بأي عنصر في ديننا الحنيف الجليل، ودون أن ~~نفقد تواصلنا مع أصولنا الحضارية القديمة العريقة الأصيلة التي تشكل ~~هويتنا؟ # لا أتصور حلا يليق بجلال الوحي وتوقيره سوى إعادة قراءته غير منزوع من سياقه، ~~مرتبطا بواقعه وأحداثه لنعلم حكمة السبب، حتى لا يتصادم الإيمان مع العزة الوطنية ~~بأسلافنا العظماء، ولا يتضارب الوطني مع القومي، ولا يتناقض القومي مع ~~الإيماني. # وهذا النوع من القراءة هو وحده الكفيل الآن برفع الالتباس في علاقة الإيماني ~~بالقومي أو ما يمكن تسميته فك اشتباك. ومن جانب آخر يحقق مصلحة ضرورية هي ~~رفع الانتهازية والاستخدام النفعي للدين ونصوصه حسب مصالح ذوي النفوذ؛ فنحارب ~~إسرائيل بآيات ونصالحها بآيات، ونبني الاشتراكية بآيات ونفتح المجتمع الحر على ~~السوق بآيات، وكي يظل النص القرآني في مكانه اللائق من ثقافتنا دون مصادمات تفرز ~~الأسئلة الصعبة، وربما نكون قد أصبنا، وربما نكون قد أخطأنا، لكنا نحاول لوجه الوطن ~~ما نبغي سوى الفهم وهو مطلب إنساني طبيعي. ~~(6) حول خطاب الحق الديني في القدس # 3 # هناك حقيقة لا يجادل فيها عربي (على الأقل)، وهي أن إسرائيل استعمار إحلالي يقوم ~~بإحلال اليهود محل الفلسطينيين. ومن هنا يجب مقارنته باليانكي وهو يغزو الشرق والغرب ~~الأمريكي ويبيد هنوده الحمر، ومن بقي منهم كان من باب الحفاظ على فصيلة من الانقراض، ~~لكن ما لا تفوت ملاحظته أن الهنود الحمر كانوا عبر ms263 السنين في أمريكا، ولم تقم أمريكا ~~كدولة ثم دولة عظمى إلا بعد هجرة الرجل الأبيض إليها محملا بالناتج الحضاري المادي ~~والمعنوي لزمنه. فحمل معه الثورة العلمية والمنهج الحر في التفكير والممارسة. أما ما ~~تجب ملاحظته بشدة فهو أنه مع هذه المقارنة يجب أن نقارن أنفسنا بالهنود الحمر، وأن ~~نترقب مصيرا مشابها إن بقينا عند ثوابتنا الكبرى المرفوعة أعلاما. وقد سبق واحتل ~~العرب أرض الأندلس احتلالا استيطانيا، وهو أخف وطأة من الإحلالي. لكن مع رفع الأعلام ~~الثوابت أجهض المشروع العلمي الرشدي وذهب ابن رشد إلى أوروبا فحاز ما يناسبه من تقدير ~~وحاز العرب أيضا موقفهم من الحريات، فخرجوا من الأندلس. بينما أصبحت أمريكا قوة عظمى ~~وإسرائيل قوة كبرى. من الحقائق أيضا أننا خضنا معاركنا دفاعا عن حقوقنا، وهي حقوق ~~وليست أوهاما دينية كما تفعل إسرائيل، وليست كما يحولها البعض إلى المستوى الديني ~~فتصبح أوهاما. ولأن الحق مع العرب فقد رفضوا قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة ~~فلسطينية والأخرى إسرائيلية، وقرروا إعلان الحرب. # اللوحة التاريخية تقول إنه رغم أننا أصحاب حق، فقد تمت هزيمتنا هزيمة نكراء ... لماذا؟ ~~معرفة الأسباب تكمن في الإجابة على سؤال آخر أهم: هل كان العقل حاضرا إبان سعينا ~~وراء حقوقنا؟ نقول العقل مجردا الآن وليس ما يستتبعه من حريات ومناهج تفكير علمية ~~وفكر نقدي بلا تحريمات ... إلخ، فقط نسأل: هل كان العقل كتفكير مجرد حاضرا؟ # قبل ذلك كان المستوطنون اليهود قد بلغ عددهم في فلسطين حوالي ستمائة ألف نسمة، ما بين ~~رجل وامرأة وطفل. جاءوا من أصقاع شتى ليتعرفوا على أرض فلسطين، وسط قسوة خطوات ~~الاستقرار المعيشي الأول في المهجر. ومع ذلك كان في قدرتهم أن يجيشوا لهذه الحرب ~~67000 مقاتل، سبق وتدرب معظمهم تدريبا عالي الكفاءة في الحرب العالمية الثانية، ~~ويحملون معهم الفكر المدني إلى جوار القدرة القتالية. واندرجوا جميعا رغم تمايزاتهم ~~المتباعدة الطازجة تحت قيادة عسكرية واحدة. وإبان المعركة أسسوا مجتمعهم المدني ~~بتأسيس أول برلمان ديمقراطي في أرضهم الجديدة. # فماذا كان على الجانب العربي؟ # تعداد العرب ms264 والحمد لله كان خمسين مليون نسمة، وقد دخل الحرب من الدول العربية ~~والحمد لله سبع دول عربية هي الأكبر. لكنهم والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ~~لم يتمكنوا من حشد أكثر من واحد وعشرين ألف مقاتل (؟) معظمهم من الأميين ~~(!)، ومع أسلحة أقل عددا وكفاءة مما بيد الجانب ~~الآخر. # وكالعادة التاريخية التي هي فيما يبدو من الثوابت الأعلام بدورها، لم يتنازل الإباء ~~والشمم العربي لقائد واحد يقود جيوشهم، فذلك عار وشنار، وأسفر الأمر عن خمس قيادات ~~عربية متناحرة، رغم أنهم دخلوا الحرب متعنصرين بالعنصر العربي الواحد ، ومتشحين ~~بالإسلام وأعلنوها حربا مقدسة (وهنا المشكلة المستعصية لأن العرب ليسوا كلهم من دين ~~واحد)، فإذا كان الحال كذلك، وكانوا يعرفون ممكنات الطرفين جيدا، فلا شك (حسب المنهج) ~~أنهم تصوروا حدوث معجزات كمجيء الملأ السماوي، أو ظهور الطير الأبابيل، وهو الأمر ~~الذي لم يزل منهجا سائدا في شعار يتكرر حتى اليوم: إذا كانت أمريكا معهم فالله معنا ~~(؟!) وهناك من لا يفهم كيف يكون الله مع قوم لا ينتجون ولا يبدعون ولا يكتشفون ولا ~~يخترعون، فقط يبسملون ويحوقلون؟ # النتيجة الواضحة أن طرفا يملك أرضه منذ قرون طويلة ولم يستطع أن يصنع خلاصة، وأن ~~طرفا آخر جاء يريد أرضا ومعه خلاصة. # وكان غياب العقل عندنا، والحريات بمعناها الصادق والكامل (وليس السياسي فقط)، وعدم ~~إجراء حسابات المكسب والخسارة والهزيمة والنصر، العامل الأساسي الذي أدى إلى قيام ~~دولة إسرائيل، بينما لم تقم الدولة الفلسطينية التي نص عليها قرار التقسيم، بل وكان ~~دخول العرب المعركة دافعا لاستيلاء إسرائيل على أرض خارج خطوط التقسيم، وإهدار دماء ~~المواطنين العرب الأبرياء من سبعة أقطار فقط للطنطنة والشنشنة، والمنافسات العربية ~~العربية، وإكراما لذكرى عنتر بن شداد، بلا مقابل؛ لأن المواطن في بلادنا هو بين لكن ~~الدماء كانت بلا ثمن، آخر الأمور التي يتم النظر بشأنها. # وأفضت حرب 48 إلى سلسلة انقلابات انتهت باستيلاء العسكر المحلي على الحكم. تحت ~~قيادات لا نشك أبدا في إخلاصها وطهارة أيديها ووطنيتها الصادقة، بالضبط كما لا أشك ms265 ~~أنا أن السيدة والدتي تتمتع بتلك الصفات بشكل مبهر ومحترم، لكن هذه الصفات بالتأكيد لا ~~تكفي لتسليمها رئاسة الجمهورية. # إلا أن بعض القادة من هؤلاء تتمتع أيضا بالكاريزما، والقدرة على حشد الجماهير ~~وتعبئتها، وأمكنهم عسكرة المجتمع بكامله، وأقنعونا أن إسرائيل دويلة يمكن لمصر وحدها ~~ركلها في أيام. لكن يبدوا أن تلك الصفات بدورها لم تكن كافية؛ لأن النتيجة كانت كابوسا ~~مرعبا مروعا بهزيمة 1967م، التي انتصرت فيها الديمقراطية الإسرائيلية انتصارها ~~الأعظم، وأضافت إلى أراضيها أضعاف مساحتها، وهزمت فيها الفاشية العربية هزيمة ~~شنعاء. # كل هذا واضح بالطبع، ومع ذلك لا زال مثقفونا ينتظرون إلى اليوم: القائد قلب الأسد؛ ~~إي والله «قلب الأسد»، بعد أن تأكد الدكتور مصطفى محمود أكرمه الله (أهرام 9/16 /2000م) ~~بتفسيره لآيات قرآنية أن «قلب الأسد» على وصول، وهو قادم آت، لكن لأن الله هو الذي ~~سيختاره؛ فالدكتور مصطفى لا يعلم متى سيأتي ولا كيف؟ إذن انتظروا يا عرب مجيء «قلب ~~الأسد المختار» بالعناية الإلهية، واطمئنوا يا سادة فالدكتور يجزم بصحة ما وصل إليه، ~~ولا بأس أثناء فترة الانتظار تلك أن تبكوا أحيانا على أطفال الفلسطينيين، لكن على ~~العقل العربي يجب أن تندبوا. وكي تندبوا بحرقة أحيطكم علما أني بينما أقول لكم قولي ~~هذا، يتأهب حزب التحرير الإسلامي إلى إعلان الخلافة من «قرقيزيا؟ ...» # حكاية قرقيزيا «هم يضحك» والحاج مصطفى «هم يبكي». # الذي لم نره أبدا أنه كلما تصارعت دولتان إحداهما ديمقراطية، والأخرى أي شيء آخر، ~~كان النصر حليف الديمقراطية؛ فلا نصر بدون تقدم ولا تقدم بدون ديمقراطية حقيقية. ~~والديمقراطية بالمناسبة ليست الشورى بأي حال، وليست مجرد صندوق انتخابات نزيه فهو ~~وحده كارثة كاملة؛ الديمقراطية هي التفكير العلمي في شئون الحياة، ويستلزم بالضرورة كي ~~يولد، مقرطة المجتمع كله من التعليم إلى الإعلام والسلوك الحضاري واحترام العمل ~~والإنتاج واحترام كامل للقانون المدني من جميع الأفراد مهما كانوا متباينين؛ هي ~~أيضا دستور ديمقراطي بالأساس؛ هي حرية النقد الكاملة؛ هي حرية انتقال المعلومات؛ هي ~~حرية التعبير والرأي والاعتقاد، مرجعية الجميع في ظلها ms266 هي العقل العلمي وليس الطاعة. هي ~~كل لا انفصام فيه؛ لذلك لا تزدهر في مجتمعات الرأي الواحد والثوابت الأعلام، حيث يسود ~~الجهل والتخلف. ~~••• # لقد كره العرب عدوهم بعمق، والكراهية إزاء الكراهية مشاعر مشروعة، لكن الطرف الآخر ~~مارس الكراهية وأعمل العقل والعلم والديمقراطية، أعمل العقل ليعرف عن أعدائه ما ~~يريد، عبر مراكز بحثية ومؤسسات علمية أهلية ورسمية وجامعية، ليقدم أبحاثه الدقيقة ~~والمفصلة، حتى عن أحوالنا النفسية والعاطفية، إلى وسائل إعلامه وتعليمه وجيشه بالطبع، ~~ليتم تفعيلها لا وضعه على الأرفف. ليعرفوا كيف يفكر عدوهم وما هي ردود أفعاله وما هي ~~سماته الشخصية والنفسية . أما الكراهية عندنا فقد أججها خطاب أوحد يمجد الزعيم ~~الأوحد والأمة الواحدة، ويعلن دوما عن ممكناته العسكرية كأكبر قوة ضاربة في الشرق ~~الأوسط، دون أن يقدم للناس أية معرفة حقيقية بإسرائيل السياسة والاقتصاد والتفكير ~~والمنهج والمجتمع. لأن ذلك سيستدعي بالضرورة مقارنات فاضحة لمؤسساتنا الحاكمة ولمجمل ~~مناهجه. وكان ناتج عدم المعرفة الذي نرتاح إليه من باب الكسل العقلي التاريخي المرتبط ~~بحول منهجي بالضرورة، كل هذا كان لا بد أن يفضي بشكل طبيعي إلى كارثة 1967م، التي لا ~~زالت توابعها الاهتزازية فاعلة حتى اليوم. # ومع هذه المعركة أدرك العالم مدى تخلف العرب الحضاري والثقافي، بل ومدى كذبهم على ~~أنفسهم وعلى الجماهير وعلى العالمين، عندما كانت وسائل إعلامنا تصدر البيانات ~~العسكرية المظفرة تتوالى، بانتصاراتنا الساحقة، وساعتها أعلن أحمد سعيد مذيع صوت ~~العرب الأشهر أننا سنصلي الجمعة غدا في تل أبيب. وكان بعضنا يتعجل السفر ليشرب ~~القهوة هناك قبل أن تبرد، وقبل أن يبرد نهر الدم المنتظر، مع نصيب كل منا في بنات ~~صهيون في أحاديث المصاطب المشيخية. بخطاب كان طوال الوقت غرائزيا يستحث الرغبات في ~~الدم والمكاسب الدونية. بخطاب فقط وليس أفعال. في الوقت الذي كان فيه العالم يشاهد في ~~تلفزته عمليات التطهير التي تقوم بها إسرائيل للأراضي الهائلة التي استولت عليها، وجنود ~~إسرائيل يشربون قهوتهم الساخنة على الضفة الشرقية للقناة. # لم يأسف المحللون علينا حتى من الدول التي كنا نعتبرها صديقة، ms267 وقالوا لا يأسف أحد ~~على هتلر إلا أمثاله، وقال بعضهم إن العرب ليسوا فقط متخلفين بل مرضى عصابيين ~~أيضا. وقال آخرون إن العرب في مرتبة تطورية أدنى من البشرية، في مرحلة تجاوزتها ~~الإنسانية على سلم التطور. مجرد كائنات عدوانية لا تعقل وتحتاج إلى قوة ~~تلجمهم. # ولم يستطع العرب تدارك هزائمهم الكونية الكامنة أصلا في المنهج وليس في العمل ~~العسكري، حتى جاءت حرب 1973م ببعض الأمل على المستوى القتالي، لكن ليأتي الإرهاب ~~المسلح الدموي في الجزائر ومصر، ثم يخرج صدام من مغامراته مع إيران إلى أم ~~المعارك، ثم تظهر طالبان محسوبة على العرب فقط ؛ لأنها مسلمة لتعطي العلم بقية مساحيق ~~التشويه ولتثبت للعالم أن الصورة التي قدمتها الصهيونية للدنيا عن العرب، لها أصولها ~~في سجل العرب. # بعض مفكرينا القوميين أكدوا لنا قديما ولا زالوا يؤكدون أن إسرائيل ستسقط ~~بفعل عوامل ذاتية داخلية، بعد فشلنا القومي الذريع في إسقاطها، وألبسوا الأوهام ثياب ~~التنبؤ العلمي؛ فهي مزيج متباين المشارب لبشر مختلفين في نسق اجتماعي شديد ~~التعدد؛ نظرا لاعتقادنا (منذ الخلافة الأموية والعباسية والشركسية والديلمية ~~والسلجوقية والعثمانية والهاب والداب يحمل راية الإسلام)، أن الوحدة الاندماجية ~~الكاملة في أمة واحدة متجانسة بالكامل هو القوة والنصر: الفرض الجبري للتوحد على ~~التباينات العرقية والمذهبية والدينية والقطرية، بتفكير لا يعير التفاتا لحقوق ~~البشر ولا الأقليات بحسبانهم مواطنين، ولا لمعنى الحريات. فقط الأمة الواحدة القوية هي ~~الهدف ولو على حساب الإنسان. لكنها أيضا القوة المجردة بالمعنى العسكري بأرض السودان ~~وأموال البترول وثقل مصر السكاني، هي القوة بمقاييس تجاوزها للزمن، وبفهم عشرة قرون ~~مضت؛ فقاموس التقدم اليوم ليس فيه معنى لتعبير الثقل السكاني مثلا ولا لكل ~~شعاراتنا. # هذا بينما أدرك المشروع الصهيوني مبكرا أن التنوع في ظل مناخ حريات تعددي هو ~~الغنى والثروة والقوة، وكان نموذجه الواضح هو الولايات المتحدة الأمريكية، التي يجتمع ~~فيها أكثر من ألف ديانة وعنصر. أما عندنا فإن التنوع والتمايز وحق الاختلاف في ~~المذهب والدين والرأي في حرية متناغمة مرفوض ومجرم، إما لأنه يهدف لشق الصف ms268 ~~الوطني، أو أنه شعوبية يدعو لها عملاء الاستعمار، وربما خيانة وطنية وتخابر مع الأعداء ~~... يجوز! # العالم وقف أيضا يشاهد إسرائيل تحت الحصار العربي سياسيا واقتصاديا، وهي تزيد ~~معدلاتها التنموية سنويا بشكل مذهل، حتى بلغ دخل الفرد السنوي 15000 دولار سنويا، ~~وهو ما يعني أن ستين مليون مصري ينتجون 45 مليار دولار في السنة وأن خمسة ملايين ~~إسرائيلي ينتجون 75 مليار دولار في السنة. # إن هذا النموذج يفسر لنا وحدتنا وغربتنا ونحن أصحاب الحق بين العوالم نبحث عن ~~مساند ومؤيد؛ فهو نموذج أصاب العالم بلوثة الإعجاب حتى تحول أصدقاؤنا التاريخيون إلى ~~أصدقاء لإسرائيل، من دول أفريقيا وآسيا التي حضرت مؤتمر باندونج الأشهر، إلى الهند ~~والصين وتركيا وإندونيسيا وماليزيا ... # النموذج الإسرائيلي أبهر العالم، لكنه أثار عند الأمريكان الوله والصبابة، بل ~~والشعور بالمسئولية تجاهه. ليس فقط لأنه كما يعلنون واحة الديمقراطية وسط محيط من ~~الفاشية، ولكن لأنه أيضا يعطي الأمريكي العلاج النفسي الناجع لأوجاع ضميره المثقل ~~بدماء الهنود الحمر. وفي هذه المرحلة الرجراجة لحقوق الإنسان وهي في أزمة النضوج ~~الختامي، أوجعت الأمريكان أثام الماضي، فجاءت إسرائيل لهم بالبلسم الشافي. فحضرت ~~أمريكا كلها مؤتمرات ومحاضرات وتحقيقات وأفلاما وثائقية، كان نجمها اليمين الإسرائيلي ~~واللوبي الصهيوني في أمريكا، لتأكيد أنه لا خطيئة ولا هم يحزنون؛ فالعرب والهنود ~~مجرد كائنات، كائنات غير مسالمة بل ضارة كالعقارب والثعابين التي كان المستوطنون ~~الأوائل يجدونها في أمريكا وإسرائيل قبل أن يعملوا فيها أدوات الحضارة؛ هم كائنات ~~متخلفة وغبية كالهنود الحمر تماما، وكلاهما لا يستحق شفقة أو رثاء. وهو كله ما ~~يفسر لنا الوقفة الأمريكية الكاملة ضد الحقوق العربية؛ فالأمور عندهم ليست حقوقا، ~~بل هي استحقاقات الإنسان الحر المنتج؛ وعليه يجب أن نفهم خطاب السياسة الأمريكية ~~ولوم مادلين أولبرايت للطفل الفلسطيني الضحية؛ لأنه يرمي الدبابة الإسرائيلية ... ~~بحجر! # وختمها صدام بأم المعارك الكارثة، وكان مذاقها حنظلا ونتائجها رصيدا مرا يضاف ~~إلى هزائمنا وتخلفنا وفاشيتنا. ومع ذلك لم يستخدم العرب عقلهم في هذا الدرس الذي ~~مر عليه عشر سنين كان يمكن فيها أن ms269 نعمل الكثير ... لكننا لم نفعل. وتعالوا نحاول أن ~~نفهم بمثال بسيط ماذا كان يمكن أن نستفيد. # نحن نعلم حسب القواعد الإيمانية أن الله قد أكرم بني آدم فكان أرقى المخلوقات جميعا. ~~وجعل له عينين ولسانا وشفتين، وعقلا يميز به ليرتقي أكثر. لكن في الحقبة الزمنية ~~حدثت تطورات عظيمة ارتقت بالإنسان إلى منطقة احترام قيمة الإنسان لذاته وليس لأن تلك ~~القيمة ممنوحة له من قوة خارجية، فأصبح مقدسا بحكم القانون والدستور المدني في ~~بلادهم. ورغم أن القدسية عندنا قد منحت للإنسان من الله فلم يحترم الإنسان في ~~بلادنا أحد، ولم يجعل هذا الإيمان من مواطنينا مواطنين كرماء في أوطانهم؛ فالكرامة هي ~~فعل المواطنة المدني الناضج، الكرامة ليست نصا ...! المهم أن ظهور قيمة الإنسان لذاته ~~تبعها ضرورة الحفاظ على حياته التي هي أثمن من كل شيء بحق المواطنة في وطن منتج لكن ~~التاريخ مر خارج حدودنا؛ هكذا كان الأمريكي يفكر وهو مقبل على أم المعارك: حياة ~~المواطن أثمن من كل شيء، بينما كان صدام يحشد لأول مرة في تاريخ العرب أعظم آلة ~~عسكرية (حصلوا عليها ... لم ينتجوها)، ويحشد من بني الإنسان ذي العينين واللسان ~~والشفتين أكثر من مليون إنسان ومع أول طلعة للطائرات الغربية انتهت أم المعارك على ~~نسق الخامس من يونيو، بعدما ضربت الطائرات مراكز الاتصالات العراقية وتركت حشود بني ~~الإنسان ذي العينين على جبهات القتال عمياء ... صماء ... بعد أن فقدت اتصالها ~~بقيادتها. لا تعرف ما المفروض أن تفعل، إزاء رعب آخر غير رعب المعركة نابع من ~~تخوف ضباط الجبهة من اتخاذ قرارات قد لا تعجب الرفيق القائد المهيب الركن ... ~~إلخ. # في ذات اللحظات كانت قطع من الحديد الضخم تعبر أجواء العراق (كروز وأخواته)، تعلو ~~فوق بناء عال وتمر فهو ليس المطلوب، وتنحرف عن شجرة تعترضها، لتنفجر فقط عند هدفها ~~المحدد. لقد قرر الإنسان الراقي أن يحمي إنسانه الراقي ومواطنه المنتج؛ لأن قيمة ~~الإنسان أثمن من كل مال؛ لذلك أرسل بدلا منه قطع الحديد التي تكلفت المليارات، بعد ~~أن وضع لها ms270 العينين ومنحها الذكاء والفهم، وكان الدافع لاختراعها أصلا هو الحرص على ~~قيمة الإنسان، فهلا تساءلنا في بلادنا عن قيمة الإنسان؟ وعن الإنسان في بلادهم، وعن ~~الإنسان في إسرائيل التي لا تهدأ حتى تحصل على مواطنيها الموتى لتكرمهم؛ فهو إنسان ~~كريم في حياته كريم في مماته؛ فهو الصانع المنتج الحر، هو الأمة في واحد. هذا بينما ~~المهيب الركن يحتفل بعيد ميلاده ودماء مواطنيه لم تجف بعد، فالمواطن يمكن تعويضه ~~دوما، أما العرش فصعب؟! ثم كيف بالزعيم الملهم إذا أزعج نفسه لا قدر الله ~~وتكدر لمصاب شعبه؟ # كذلك يمكن تعويض محمد الدرة ورفاقه من أطفال وصبايا وشباب وشيوخ الانتفاضة، هم في ~~نظرنا أدوات رجم تثبت أننا صامدون أمام العدو المتغطرس من باب الراحة النفسية. ليسوا ~~أبدا قيمة عظمى في ذاتهم يمكن استثمارها لنبني بهم مستقبلا أفضل حين نقرر ~~احترام الإنسان لذاته، وأن نفتح عليه أبواب العلم ونوافذ الحرية. # لقد درسنا الإسرائيليون درسا عميقا وعرفوا كيف نفكر وما هي ردود أفعالنا، ومن ~~هنا دفع اليمين بشارون بالتحديد وبالذات لزيارة المسجد الأقصى مستغلا قانون حماية ~~الوزراء، في حراسة ألف جندي، أو أربعة آلاف في رواية أخرى، والله أعلم ... بعد أن ~~تمكن الفلسطينيون من الوصول مع الإسرائيليين إلى بحث قضايا اللاجئين والحدود ~~والمستوطنات، وقبلها مبدأ قيام دولة فلسطينية، مع اعتراف إسرائيلي مواز بها، ~~وتراجع إسرائيل عن استخدام تعبير «يهوذا والسامرة»، مع الانسحاب على مراحل، إلى ~~التفاصيل الدقيقة بشأن الحدود وتوزيع المياه وغيرها. وهو ما ألهب اليمين الإسرائيلي ~~الذي يرى منافعه مع الغرب المتقدم، ولا يرى أية ميزة في سلام أو علاقات مع العرب، ~~من حزب شاس إلى ليفي إلى المفدال. ومع بدء باراك المحادثات بعد فوزه الديمقراطي من أجل ~~السلام أو الأمن، قدم اليمين السلفي عدة مشاريع لحجب الثقة عن حكومته حتى انتهت بلا ~~أغلبية برلمانية. لقد أنجز اليمين الإسرائيلي خطته بزيارة شارون للمسجد وترك الباقي ~~للعرب يتكفلون به. وعندما حدث رد الفعل العربي، وقف عالم العرب والإسلام عند ~~المسجد الأقصى يزأر (يزأر فقط)، بينما ms271 لجأ باراك للقمع العنيف إنقاذا لحكومته كما فعل ~~سلفه بيريز في قانا فسقط، ويبدو أن باراك سيلحق به ليطل علينا شارون القبيح، ~~وساعتها نكون قد جلبنا لأنفسنا النكسة الكبرى. # يا سادة إن لم يكن التغيير في بلادنا ممكنا الآن من أجل إنسان كريم في وطن عزيز ~~ومن ثم قوة وتقدم، فلا يمكن ترك الفلسطينيين يذبحون بلا ثمن. ومن هذا الفهم لا ~~بد من العمل العاقل الرشيد والدءوب باستخدام الديمقراطية الإسرائيلية في الداخل لتأتي ~~لنا بأنصار السلام على رأس الحكومة. إلى أن نتمكن من إقامة حلمنا في مجتمعاتنا المدنية ~~على المدى البعيد. وحتى يحدث ذلك فقضية فلسطين قائمة والانتفاضة تستنزف دماء أبناء ~~فلسطين ومن هنا لا مناص من العودة بشكل منظم ومدروس إلى طاولة المفاوضات، لنمارس ~~المعادلة الموجعة المضطرة؛ فيجب ألا تتوقف الانتفاضة وبمعنى آخر يجب ضبط إيقاع ~~الانتفاضة وفق الاجندة الفلسطينية للمباحثات، وأن يتم توزيع الأدوار بين الفصائل ~~والسلطة بذكاء وحصافة، حتى يكون لكل نقطة دم ثمنها المناسب. # لا مفر يا سادة من العودة إلى طاولة المفاوضات حتى لا نترك القرار لإسرائيل وحدها ~~تنفذه حسب مشيتها ولو كره المسلمون. مفاوضات تستند إلى قوة الشارع الفلسطيني وإرادته ~~وتصميمه الذي لا يجب أن يخمد أبدا، قبل الاستناد إلى شرعية دولية لا نملك قوة ~~تفعيلها. # أما الدعوة إلى الحرب فقد أجاب عليها الرئيس مبارك بصدق ووضوح كاشف وأمانة ~~وشفافية تامة، وهي جرأة لزعيم وقائد يعرف معنى الحرب الآن وفي ضوء الظرف المحلي ~~والدولي. رؤية تفتح باب الأمل في الاعتراف العربي بالأخطاء ومراجعة الأمراض الدفينة ~~في مناهجنا، قبل التفكير في البناء السليم، فما بالكم بالحرب؟! ~~(7) أدلتنا التاريخية # كتب الدكتور «عز الدين عناية» في صحيفة القدس العربي (12 / 10 / 2000م) يقول: «إذا ~~حضرت الأيديولوجيا وغاب الإنسان، تجد النواة الأولى التي ينبني عليها التاريخ - الفرد ~~الإنسان - أكثر الأشياء دونية وترزيلا عندنا، مع أكثر ممارسات التفنن في اغتيالها، مما ~~حول الإنسان إلى منسي. لذلك فالشيء الوحيد الذي يتخلف عندنا هو التقدم، حتى أصبح ~~المجتمع العربي بمقتضى ذلك، ms272 يحتل أدنى درجات التردي. ليس بفعل قصور حضاري ذاتي، بل ~~نتاج تأهيل خاطئ مورس عليه، مضاد لكافة أشكال النماء والتقدم ... من كذب الذات على ~~نفسها، إلى كذبها على الآخرين، والتي تقف فيها ال... نحن ... عارية سافرة أمام التاريخ. ~~طارحة السؤال الثقيل على نفسها، سؤال ضياع الكينونة ولفظ التاريخ لها.» # وتصديقا لكلام الدكتور عناية، ومصداقا له، نحاول أن نبحث عبثا عن الإنسان في ~~الخطاب العربي السائد الآن، مع انتفاضة التحرير المسماة انتفاضة الأقصى، فلا تجد ~~الإنسان أبدا قدر ما تجد نهاية طرف الخيط للخطاب القديم في تاريخنا التليد سنحاول هنا ~~اختيار أكثر الأقلام وسطية في صحفنا، لاكتشاف بنية التفكير إزاء عدو غاشم واحتلال ~~أغشم. # بعد أن يقدم لنا الأستاذ «صلاح الدين حافظ» في الأهرام (6 / 9 / 2000م) أدلته على ~~حقوقنا التاريخية الدينية في القدس وفلسطين، يثني بالقول: «إن الحكم اليهودي للقدس خلال ~~الثلاثة آلاف عام الأخيرة لم يستمر سوى 600 عام متقطعة. بينما أسطورة الهيكل المقدس ~~... كانت قد انتهت منذ ألفي عام، وتحديدا منذ عام 70 ميلادية، عندما هدم جنود ~~الإمبراطور الروماني هيرودس ما كان اليهود يعتقدون أنه الهيكل. ولكنهم ظلوا معلقين ~~بالأسطورة التلمودية فجعلوا من الحائط الغربي للمسجد الأقصى - حائط الدراق - أثرا ~~باقيا من آخر آثار الهيكل، أسموه حائط المبكى. وادعوا أن أساسات الهيكل تقع تحت ~~المسجد الأقصى.» # وبغض النظر عن خطأ الأستاذ صلاح حافظ في تسمية الشخصية التاريخية التي قامت بتدمير ~~الهيكل (والمرجح أنه لون من السهو المباح)؛ حيث كان مدمر الهيكل هو القائد ~~الروماني طيطس، أما هيرودس فشخصية تاريخية أخرى حكمت في فلسطين منوبة من الرومان ~~زمن المسيح عليه السلام فإن هناك أسئلة أكثر شرعية تطرح نفسها إزاء هذا الخطاب، ومن ~~بينها: هل تعود مشروعية امتلاك الأرض إلى مدة حكم طائفة بعينها أو عرق من عروق سكان ~~الأرض أو من خارجها؟ وما موقف مصر التي لم يحكمها مصري واحد لأكثر من ألفي عام؟ أم ~~إنه يجب نسبة الأرض لشعبها وناسها الذين منحوها عرقهم ودمائهم وجعلوها أرضا منتجة ~~بغض ms273 النظر عن الطائفة أو العنصر، حاكما أو محكوما أم دخيلا؟ # وإذا وصفنا المعبد الذي أقامه الملك سليمان المعروف بالهيكل بأنه أسطورة انتهت منذ ~~عام 70 ميلادية، فالمعلوم أيضا أن وصف «أسطورة»، يصف به طرف طائفي يؤمن به طرفا ~~طائفيا آخر من معتقدات وأحداث تخرج عن نواميس الطبيعة وقوانين العقل السليم بينما ~~تكون في نظر المؤمنين بها معجزات. فإذا كان حديثنا عن حقوق دينية لنا هناك بسبب حادثة ~~الإسراء والمعراج، وهي حدث يخرج بالتمام عن كل قوانين الطبيعة والعقل لأنه محل إيمان ~~فقط أفلا يحق لهم أن يصفوا معتقداتنا بالأساطير؟ ونقف نهتف لبعضنا: أساطير، خرافات، ~~هاتوا الأرض! # وقد يتساءل يهودي ساذج: إذا كان هيكل سليمان وهو المعبد الذي بناه لله أسطورة ~~فلماذا تؤمنون به كنبي؟ بل وتؤمنون بحكايات تفوق ما ورد عنه بالكتاب المقدس، من حيث ~~كسرها لكل قواعد العقل وقوانين الكون؟ # نكتب نحن لا نلتفت إلى أن الإيمان مسألة قلبية، وليس أداة من أدوات الصراع اليوم؛ ~~لأنه لم تخترع بعد أجهزة لقياس كمية الإيمان ووزنه ومساحته ومصداقيته وما يدعيه ~~كل مؤمن من حقوق؛ فالحقوق أمور عينية ووثائق ومدونات، وبعضها يصبح لا لزوم له ~~(حتى لو كان بالحق حقا) أمام تغير المفاهيم بدوران الأزمان وتغير القواعد ~~الحقوقية، وأحيانا لا يصبح لحديث الحقوق هذا أية قيمة أمام فلسفة القوة ~~والضعف. # مع ذلك يتقدم الأستاذ محمد سلماوي في أهرام (23 / 10 / 2000م) - مع كامل احترامي ~~لشخصه - ليمد العرب والمسلمين بالدليل المادي على حقوقهم الدينية في القدس، والدليل منذ ~~زمن الدعوة الإسلامية، حيث كان الأستاذ سلماوي ~~يدلل على أن تعبير (حائط المبكى) تسمية تهويدية للحائط الذي يحمل اسم (حائط البراق)، ~~أو كما قال بالنص: «لأنه المكان الذي حط فيه البراق الذي حمل النبي # صلى الله عليه وسلم # ليلة ~~الإسراء والمعراج، «والذي تولى فيه جبريل ربط البراق في الحلقة الحديدية التي ما زالت ~~قائمة في السور»، أو هكذا كانت حتى يونيو 1967م.» # هاكم إذن الدليل الملموس والتاريخي الديني على حقوقنا في القدس ... حديدة؟! ... دليلنا ~~على ms274 حقنا الديني بالمحسوس الملموس موجود إذن يؤكد هذا الحق، حلقة من الحديد في الجدار ~~الخارجي للمسجد الذي هو جزء من السور الهائل الغربي للحرم. ويتوجس الأستاذ سلماوي ~~شرا من مكائد اليهود، الذين ربما كانوا يعلمون سر الحديدة، وربما قاموا بإزالتها بعد ~~1967م، لمحو الأثر الواضح الفصيح البين لرحلة الإسراء والمعراج، تلك الرحلة التي ~~تعطي المسلمين حقا قدسيا في المسجد الأقصى. # إنه الخلط بين الحق الوطني في أرض محتلة بالاغتصاب وبالقوة المسلحة، وبين الدين، ~~الذي يؤدي إلى خلط آخر بين المسلمين المنتشرين في الدنيا بحسبانهم أصحاب هذا ~~الحق (وهو أمر غير حقيقي وإلا كان للمسلم الصيني حقه في أرض الحجاز)، وبين ~~الفلسطينيين الذين هم أصحاب هذه الأرض مسجدا أم كنيسة أم هيكلا أم معبدا بوذيا؟ ~~إنها أرض يوجد بشأنها وثائق ملكية ووثائق وقفية مدونة ومسجلة ومشهرة ~~ومعلومة، وبلغة حقوقية تفهمها قوانين العالم اليوم. لكننا نأخذها بأيدينا من الملف ~~الحقوقي الصادق لنلقي بها في رحم عميق عقيم. # وبفرض أن الحديدة لا زالت موجودة، ولم يلتفت الإسرائيليون لكلام الأستاذ سلماوي ~~ليزيلوها بسرعة، وغفلوا عن خطورة تأثيرها على قرارات مجلس الأمن والرأي العام ~~العالمي، فماذا الذي يعنيه هذا الأمر برمته في النهاية؟ # هذا مع عدم الالتفات إلى يهودي آخر من النوع الخبيث قد يلقي علينا السؤال: ولماذا ~~ربط جبريل البراق في الحلقة الحديدية؟ هل خشي أن يبرطع فارا أثناء تواجده مع ضيفه ~~في السماء؟ وهل كانت تلك الحديدة وهذا السور مخصصا للبراق وحده منذ بناء السور ~~(بالمناسبة باني السور هم العثمانيون)، وحتى يأتي جبريل ليربطه في هذه الحديدة لمرة ~~واحدة في التاريخ، ليختفي ذكر هذا الكائن بعد ذلك من كتبنا التراثية جملة وتفصيلا ~~على كمها الهائل وثرائها الهائل وتفاصيلها الجمة؟ حتى تبقى الحديدة لنا دليلا ~~عبر الأزمان؟ أم إنها كانت مربطا للبراق في رحلات أخرى لم نعلم منها سوى رحلة ~~الإسراء؟ أم إنها كانت مربطا عموميا؟ # من وجهة علماء الأركيولوجيا، أبدا لن يجدوا ~~في الحديدة - إن وجدوها - ما يشير إلى الحدث الجليل ولا إلى ms275 تاريخه؛ فهي مجرد حديدة، ~~قد تخص أي شخص في أي زمن؛ لأن قيمة الأثر التاريخي عند هؤلاء العلماء لاحتسابه دليلا، ~~تبدأ من التدوين وتنتهي بالسمات التي تنسب الأثر إلى عصره إذا كان خاليا من التدوين. ~~كالفرق بين التشكيل الفني للفخار الذي ساد في عصر البرونز وبين التشكيل الذي اتسم به ~~في العصر الهليني ... وربما سلم لنا الإسرائيليون الحديدة دون حرب ولا حتى مفاوضات ~~(عايزين حديدتكم؟ ... خذوها). # هذا بينما يورد الأستاذ سلماوي بذات الموضوع، تقرير اللجنة البرلمانية البريطانية ~~إبان الانتداب، للتحقيق في ملكية الحائط الغربي من سور الأقصى، إبان النزاع الذي ~~نشأ بين المسلمين واليهود حوله. يقول التقرير (ولننصت بدقة إلى لغة التقرير): ~~«للمسلمين وحدهم الحق العيني فيه، لكونه يؤلف جزءا لا يتجزأ من ساحة الحرم ~~الشريف التي هي أملاك الوقف. وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام ~~الحائط، وأمام المنطقة المعروفة بحارة المغاربة باعتباره موقوفا.» # هنا لغة وثائق حقوقية، بعد رجوع اللجنة البرلمانية البريطانية للوثائق والمحفوظات ~~والخرائط والتوقيعات والتصديقات، لكنها بدورها تضمنت خطأ فادحا، عندما قالت: إن ~~الحائط ملك للمسلمين هكذا على التعميم؛ فهذه بدورها لغة طائفية تسمح بتمييع الحقوق ~~وسيولتها، ولا تعطي الحق لأصحابه بلغة قاطعة إنما تمنحه لملاك هلاميين، وربما ~~لو قالت لمسلمي فلسطين لكان أوقع (لكنه أيضا ليس أحق). # فالحائط والسور وكل ما هو داخل السور المحيط بالحرم مثله مثل أي قطعة أرض ~~فلسطينية أخرى خربة كانت أو عامرة؛ فهو في المقام الأول وفي أي مقام، وفوق وتحت وقبل ~~وبعد كل المقامات، هو أرض فلسطينية. بهذا الخطاب نجد للأرض أصحابا لهم كامل الحقوق، ~~أما التعبير «ملك المسلمين» فإنه يحيل الحق إلى مشاع هائل لا محدد، فتصبح ~~حقا ضائعا تشبه الدعوة لجعل القدس ملكا لله حتى لا يتصارع حولها المؤمنون من كل ~~دين؟ فإذا كان ذلك كذلك، وتلك لغة الحقوق، فلماذا لا تتركون المسجد لله يدافع عنه، ~~وتفعلون فعل عبد المطلب بن هاشم صادق اليقين وهو يقول لأبرهة الحبشي «رد علي ~~إبلي فللبيت رب يحميه»؟! # إن تديين القضية ms276 بالقول إن للقدس وضعا خاصا بسبب قدسيتها الإسلامية، يعطي للطرف ~~الآخر ذات الحق والمبرر بجعلها ذات وضع خاص بسبب قدسيتها اليهودية. خاصة وأن هذا ~~الآخر لديه حقوق أوضح من وجهة نظر عالم اليوم؛ فمقدسنا ولشديد الأسف لا يفهمه أحدا ~~سوانا. أما عندما يتحدث اليهود رطانة الدين فإن هذا العالم يسمع ويفهم ويتفهم، خاصة ~~مع النجاح الذي حققه التواجد اليهودي على خريطة الإعلام العالمي، واجتهاده الذي يفضح ~~قصور الإعلام العربي ويخزيه ... هذا إضافة لما هو أهم وأخطر بكثير (؟). # إن خطاب الحق الديني المرفوع الآن في مظاهرات الشارع العربي، بتوجيه أحمق من وسائل ~~التثقيف، من التلفاز، إلى الصحافة، إلى كافة المنابر الإعلامية، ينسى أمرا شديد ~~الأهمية وهو في دروشته الدينية وخطاباته المسجوعة البلاغية. وهو أنه في الوقت الذي كان ~~يقوم فيه الإسرائيليون من المهاجرين الأوائل بمذابحهم الرهيبة في فلسطين (من مذبحة ~~بلدة الشيخ إلى قرية سعسع إلى أبي كبير إلى دير ياسين إلى أبي شوشة إلى اللد إلى عيليون ~~إلى دير الأسد إلى قبية إلى كفر قاسم إلى خان يونس) ... هرب الفلسطينيون العزل أمام ~~الرعب ونهر الدم. لكن هناك آخرون أصروا على البقاء، فقدوا الأحبة لكنهم استماتوا ~~هناك يعضون على الأرض. هم عرب الداخل الذين يسميهم الأعلام «عرب إسرائيل»، الذين ~~يشكلون لإسرائيل مشكلة مزمنة متفاقمة. وبين تلك القلة الباقية حوالي ربع مليون ~~مسيحي فلسطيني، فقدوا من هاجر ومن تشتت ومن استشهد مع إخوانهم المسلمين إبان ~~المجازر الصهيونية؛ لأن القنبلة الإسرائيلية عندما كانت تنطلق من المدفع أو الدبابة ~~لم تكن تميز بين المسلم الفلسطيني والمسيحي الفلسطيني. ترى أين نضع المسيحيين ~~الآن من أهل فلسطين أو من العرب عموما على خريطة خطابنا الإسلامي الديني الحقوقي في ~~القدس؟ وهم من سجل قبل ذلك مواقف وطنية شجاعة، من المطران كابوتش إلى بابا الكنيسة ~~المصرية صاحب الموقف المعلن الواضح. لقد اختار المسيحيون الوطن، رغم أن مقدسهم ~~الإنجيلي يلزمهم تقديس كتاب اليهود (العهد القديم)، حتى إنهما يجمعان في كتاب ~~واحد هو المقرر المسيحي المقدس. ولأن المسيح قال «ما ms277 جئت لأنقض الناموس، بل جئت ~~لأكمل.» وهذا الناموس هو ناموس الحق الديني اليهودي في فلسطين يوما بيوم وسردا ~~لملوكهم ملكا ملكا عبر أسفار الملوك وحتى مجيء المسيح الذي وصف في الأناجيل بأنه ~~«ملك اليهود» (متى، 2: 2)، و«ملك إسرائيل» (يوحنا، 1: 49)؛ فقد وقف المسيحيون العرب ~~موقفا حداثيا مدنيا من قضية الوطن رغم أن الكتاب المقدس لا يعطي اليهود فلسطين ~~وحدها بل «من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» بالنص. # وها نحن نرفع في وجوههم خطابنا الطائفي العنتري الذي يتجاهل وجودهم تماما، ليشعروا ~~أنهم غرباء في وطنهم مرتين، مرة بالاحتلال البغيض، ومرة باستلابهم التاريخي من قبل ~~إخوانهم المسلمين على أرض فلسطين. # هو الخطاب الذي وقف صريحا واضحا لا يكن ولا يحتشم ولا يخزى عند الملتحين من ~~مسلمي الداخل الفلسطيني، الذين أصروا على بناء مسجد شهاب الدين في حوم أرض مسيحية ~~مقدسة منذ زمن المسيح هي كنيسة المهد؛ لنستعدي العالم المسيحي كله ضدنا، ولأننا ~~حسب المثل الشعبي المصري (لم يقدر على الحمار فانهار ضربا على البردعة). ودون أن ~~نتساءل عن موقفنا لو أراد المسيحيون العرب (من باب التجاوز والمحبة كما قال الخطاب ~~اللئيم في أزمة كنيسة المهد) أن يقيموا كنيسة في مكة أو في المدينة؟ اللطيف في الأمر ~~وغير المدهش أبدا أن إسرائيل أعطت للمسلمين حق الترخيص ببناء المسجد بينما تحرمهم ~~من تراخيص بناء بيوت للمأوى (؟). # أما بقية العالم، فهو إن اعتاش على الدين كل ساعات حياته مثلنا وتراجع عن ~~الحداثة، فإنه سيعطيها كاملة خالصة ليهود على أي مساحة بين نهر مصر وبين نهر الفرات، ~~وبضمير مرتاح؛ لأن معظم العالم القوي الآن يدين بالمسيحية التي تدين أيضا بالعهد ~~القديم مقدس يهود، ناهيك عن انتشار المسيحية الصهيونية وتوغلها الآن في الغرب ~~المسيحي. ~~(8) وخطاب مولانا أيضا # ليس بيني وبين شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي إلا كل المودة والاحترام بل ~~والإجلال من جانبي لشخصه ولمواقفه من قضايا الوطن، بحسبانه بين أكثر من جلس في هذا ~~المكان الرفيع استنارة. لكن ذلك كله لا يمنعني من نقد خطابه ms278 عندما لا يكون في إطار ~~المصالح التي نرجوها، وهو خطاب خرج فيه مولانا عما يعلم إلى ما لا يعلم. # كتب الإمام الأكبر مقالا مطولا في (أهرام 2 / 11 / 2000م) ليجيب عن السؤال الذي ~~جعله عنوانا لمقالة «هل المسجد الأقصى تحته هيكل سليمان عليه السلام؟» والهدف منه كما ~~قال فضيلته دحض «لأقوال لا أساس لها من الدين القويم ولا من العقل السليم ولا المنطق ~~القويم». # أول الملاحظات أن خطاب مولانا لا يصلح لسوانا، وأن مسألة الدين القويم هذه سيخالفه ~~فيها مليارات البشر من مختلف الملل والنحل؛ ومن ثم فإن بناء استنتاجات حول حقوقنا ~~المبنية على مصادرها في الدين القويم من وجهة نظرنا، لن تقنع أحدا سوانا، ونحن مسلمون ~~ومؤمنون سلفا. # هو ذات الخطاب الذي يقوم بتديين القضية، خطاب ذاتي يرى أنه يستند إلى الدين القويم ~~بين أديان البشر، يملك الحقيقة الكاملة والنهائية والمطلقة، التي تفرض نفسها على جميع ~~الناس بقدراتها الذاتية. وإن خالفونا حولها فإن علينا فرضها عليهم اتباعا لأوامر ~~الدين القويم، حيث قال خاتم المرسلين # صلى الله عليه وسلم ~~: «بعثت لأقاتل الناس حتى يشهدوا ~~ألا إله إلا الله ...» لكن سيصبح كلامنا هكذا بدون قوة تدعمه وتحققه مجرد كلام، وتقف ~~حقيقتنا عارية من إمكانات القبول والتحقق. # ثم يقول فضيلته: إن الثابت في الحديث الشريف أن المسجد الحرام بمكة هو أول بيت وضع في ~~الأرض، وأن الثاني هو الأقصى، وجاء بعده بأربعين عاما ... شكرا! ... # وماذا بعد؟ # نتابع، نستعجل المنطق والنتائج القويمة، لنقرأ قوله: «وقد أجمع المحققون من أهل العلم ~~على أن المؤسس والمنشئ للمسجد الأقصى، هو يعقوب عليه السلام ... وهو نبي بن نبي بن نبي ... ~~وإذا كان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع قواعد البيت الحرام الذي بمكة، فإنه من ~~المعقول أن يكون حفيده يعقوب هو الذي أسس وأنشأ بأمر ربه الأقصى، وأن تكون المدة ~~الزمنية بين الجد وهو إبراهيم عليه السلام وبين حفيده عليه السلام هي أربعين سنة ... ~~ويعقوب عليه السلام أطلق عليه القرآن الكريم أيضا اسم إسرائيل.» # هنا يقف العقل ms279 دهشا يتساءل لأنه بالأساس «عقل» لا يهضم أي شيء بمجرد الإلقام، ولا ~~يتزحزح يريد مقصد مولانا ب «المحققين من أهل العلم الذين أجمعوا» أولا، حتى نهتم ~~بما أجمعوا عليه ثانيا. خاصة وهو خطاب يتناسل أو يتناسخ ذاتيا ومن داخله فقط؛ ~~فالمقدمة حديث للنبي والاستنتاجات المعقولة المبنية عليه مصادرات إسلامية ~~بدورها. # إذا كان يقصد ب «المحققين من أهل العلم الذين أجمعوا» المؤلفين الإسلاميين ~~أو حتى رواة السير والأخبار، فلا بأس. لكن ذلك لن يغير شيئا في أي شيء؛ فهو لا ~~يقنع سوانا كما اتفقنا، ونحن بحمد الله ونعمته مسلمون، بل إن الإسلام هو أشد الأمور ~~وضوحا في بلادنا، من مناهج التعليم إلى الإعلام، إلى ألوف المآذن إلى الميكرفونات ~~المتجاورة، إلى سلوك الناس اليومي ، إلى مصطلحاتهم وتعبيراتهم، إلى مواقفهم، إلى فهمهم ~~للأشياء وللدنيا ... إلى آخره. # إذن هل قصد بهم أهل التوراة مثلا؟ إنهم أبدا لا يقرون مولانا على ما قال، بل يؤكد ~~مقدسهم أن في فلسطين كان هناك عدد من بيوت الآلهة المعبودة من بيت إيل إلى بيت لحم ~~إلى بيت يراه إلى بيت شماس إلى بيت البعل، حتى جاء الغزو الإسرائيلي لها، وأسس أحد ~~ملوكهم «سليمان» معبد الرب اليهودي «يهوه» الذي يعرف في التاريخ باسم الهيكل. وأنهم ~~قبل ذلك لم يكن لهم بيوت مقدسة هناك وإلا أصروا على تأكيدها إمعانا في إثبات حقهم ~~في عمق التاريخ، «لكن مولانا يجد لهم هذا العمق نيابة عنهم زمن يعقوب قبل سليمان ~~بست قرون». المهم حسب التوراة (العهد القديم) كان الهيكل أول معبد أو هيكل أو مسجد ~~يسجدون فيه في فلسطين، بعد أن تحولوا عن البداوة إلى الاستقرار في فلسطين. وخلال ~~تجوالهم الطويل كانوا يحملون الرب معهم في تابوت يرقد فيه، وعندما استقروا بنوا ~~الهيكل ووضعوا فيه تابوتهم. وقد وردت إشارة للتابوت في القرآن الكريم في قوله تعالى: # إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه ~~سكينة من ربكم ~~(البقرة: 248). # والمعلوم في أسفار الكتاب المقدس أن أول ملك لهم في فلسطين هو شاءول، وتبعه داود ~~المؤسس ms280 للدولة ثم ولده سليمان الذي أصبح أشهر ملوك الروايات المقدسة. # والكتاب المقدس يعترف صراحة أنهم قد أخذوا أرض فلسطين اغتصابا باحتلال استيطاني، ~~ولديهم مبررهم العقائدي، فالأمر ببساطة «أن الرب قال لهم خذوها» ... فأخذوها. وما دام قد ~~منحها لهم فقد سمح لهم بالقتل المحاذر حسب الشريعة بما تكتظ به التوراة من أخبار حروبهم ~~الطويلة مع أصحاب الأرض الكنعانيين في الداخل والفلسطينيين على الساحل. وهو منطق ~~أول من يجب عليهم تفهمه هم المسلمون؛ لأنهم أيضا قد فتحوا البلاد بأمر الله ~~ليخرجوها من الظلمات إلى النور ويضموها إلى تبعيتهم أيضا وأخذوها واستوطنوها وأسلموها ~~... إلخ. # وهنا لا بد أن يطفر السؤال المستغرب يطرح نفسه ببراءة: هل علينا مثلا أن نرتاح لقيام ~~مملكة إسرائيلية على أرض مغتصبة إذا آمنا أن داود وسليمان كانوا مسلمين؟ ولا نرتاح ~~لهذا الاغتصاب إذا كانوا إسرائيليين؟ أو يمكن التساؤل بذات المعنى لكن على الوجه ~~الآخر للعملة: هل لو كان الذين ارتكبوا المجازر في فلسطين مسلمين (أتراكا أو ~~إيرانيين أو أفخازيين أو أفغانا مثلا) كان من الممكن ألا تهتز ضمائرنا ~~لمجازرهم؟ أو هل كان الحزن العربي سيهبط إلى مستويات أقل مما هي عليه الآن؟ # لقد كان موسى قائدا لليهود في الخروج إلى فلسطين، وأكمل يشوع ما بدأه موسى، حتى ~~تمكنوا من إقامة مملكة يهودية حكمها سليمان، واستخدم اليهود إبانها - حسب التوراة - ~~وسائل قتل أشد بشاعة مما نراه اليوم، المجازر التي ~~تحتاج للقلب البارد والقاسي؛ فاليوم هناك منطق ~~حقوقي عالمي يضمن بعض الحماية الإنسانية، وليس الإبادة كما تقرؤها من أوامر الرب ~~بالكتاب المقدس في نصوص تحتشد بها بالذات أسفار الخروج والتثنية ويشوع، ولنا بهذا ~~الشأن دراسات مطولة منشورة. # وقبل دخولهم مصر وخروجهم منها، كانوا قد جاءوا فلسطين أغرابا على أهلها، وهو ما ~~تردده التوراة ببساطة. الإيمان بأن دينهم قويم أيضا وما أمر به الرب هو الحق كله، ~~لقد منحهم أرض فلسطين وهم أغراب عليها. وهو ما تردده التوراة في أكثر من موضع نضرب ~~منها مثلا واحدا فقط بين مئات الإشارات، وهو قول ms281 الرب لخليله إبراهيم: «وأقيم عهدي ~~بيني وبينك وبين نسلك من بعدك وأعطي لك ولنسلك من بعدك «أرض غربتك أرض كنعان» ~~ملكا أبديا وأكون إلههم» (سفر التكوين، 7: 7-8). # هل يرى أصحاب خطاب الحق الديني أين يكمن لهم فخ التاريخ الديني؟ # إن مشكلتنا لم تعد أبناء فلسطين المشردين في العالم أو المحاصرين بالقتل ~~والتدمير، لأننا رحنا ندافع عن مسجد له رب يحميه، ولم تحركنا الأرض فهي محتلة منذ ~~67 وقبلها منذ 48، أما انتفاضة التحرير فقد حولناها إلى انتفاضة الأقصى. المسجد ~~أصبح هو الموضوع والشاغل؛ لذلك أصبح همنا أن نثبت للعالم أن الهيكل مجرد خرافة ~~كما أراد الأستاذ صلاح حافظ، أو أن نثبت أن بانيه ليس سليمان إنما بانيه هو يعقوب ... ~~ما الفرق يا سادة بين يعقوب وسليمان؟ أليس يعقوب هو من حمل اسم إسرائيل وأصبح أبناؤه ~~من بعده بني إسرائيل الموعودين بأرض غربتهم في القصص التوراتي معضدا بالقصص ~~الإسلامي؟ ثم نفهم بعد ذلك أننا أصحاب الحق الديني؟ ... كيف؟! سيصبح حقنا محصورا في ~~ليلة واحدة من التاريخ هي ليلة الإسراء والمعراج التي لا يؤمن بها سوانا، بل ربما لحظة ~~في تلك الليلة حيث عاد الرسول عليه الصلاة والسلام منها ليجد فراشه بعد دافئا. # هل ترون أيها الناس إلى أين تذهبون بخطاب الحق الديني؟ هل تدرون أنه مهما قلتم عمن ~~أقام المكان المقدس إن كان آدم أو يعقوب أو سليمان، فإن من أقامه لو سألت أي رجل ~~في شوارع الدنيا أو طفل لأجابك بأن بانيه هو سليمان. # وتقول كتبنا الإخبارية إن الخليفة عمر بن الخطاب عند فتح فلسطين رفض أن يصلي في ~~كنيسة القيامة حتى لا يحولها المسلمون من بعده إلى جامع، لكنه صلى عمدا فوق الصخرة ~~وأمر ببناء مسجد عليها أتمه عبد الملك بن مروان من بعده، وكان الخليفة عمر قد منع ~~أي يهودي من دخول المدينة ... وهذا هو بالتحديد ما يأخذه الباحثون الإسرائيليون من ~~تراثنا ويعرضونه على العالمين. # يا سادة يا كرام، إن حائط المبكى كان - أو حائط البراق إن شئتم أو ms282 الأقصى أو بقايا ~~الهيكل كما تقول يهود - وسواء كان هيكل سليمان خيالا أو حقيقة موجودة في التوراة ~~وكتبنا التراثية جميعا، وسواء كان هذا الخيال أو الحقيقة تحت المسجد الأقصى أو تحت ~~مسجد القبة أو في موضع خال بساحة الحرم أو خارج الأسوار، فهو ما دام يقع في فلسطين ~~فهو أرض فلسطينية، كما أن مكة أرض سعودية، وكما أن قم أرض إيرانية، وكما أن النجف ~~أرض عراقية. هي أرض فلسطينية تم احتلالها بالقوة المسلحة قوة واقتدارا، ولا حق ~~ليهود فيها إلا قلبيا، كما لا حق لمسلم غير فلسطيني فيها إلا قلبيا، واختصار ~~القضية جميعا في القدس وتحويلها إلى فضاء الدين ضياع لكل الحقوق؛ لأن حقوق اليهود ~~بمنطق الدين أوضح في نظر العالم المسيحي من أي حقوق ندعيها، والأطرف أنها أكثر ~~وضوحا في خطابنا الديني وفي مأثورنا الإسلامي بالجملة. # إذن ... ولا زلنا نتساءل ... # هل قصد فضيلته ب «المحققين من أهل العلم الذين أجمعوا» مدارس نقد الكتاب المقدس ~~المنتشرة في العالم، بحسبان محققيها من أهل العلم، هم أشهر وأعلم من سلك هذا ~~الدرب؟ وأصبح لها كراسي أستاذية في جامعات العالم المتقدم، دون غضاضة، ولا محاكمات ~~تكفير وخروج عن المعلوم من الدين بالضرورة، وليس عندهم مجمع كمجمعنا الأزهري ليصادر ~~الفكر ويجرم الرأي ويحرم الكلمة، رغم أن هذه المدارس تستخدم المنهج العلمي بمنتهى ~~الصرامة مع الكتاب المقدس دون أن تجامل أو تحذر. وقد أحال معظمها حكايا الكتاب ~~المقدس إلى فضاء الخرافة. # هنا لن نجد بالطبع مقصد مولانا ب «المحققين من أهل العلم الذين أجمعوا»؛ لأنهم إن ~~أجمعوا أو لم يجمعوا فهو فكر مستنكر من أصحاب خطاب الحق الديني المسلمين قبل ~~اليهود، بل إن بين هؤلاء الأساتذة المحققين نقاد المقدس في الجامعات العالمية ~~عددا لا يستهان به من اليهود أنفسهم؛ فقد تحرك التاريخ بالإنسان في العالم المتقدم ~~في الشمال، وتركنا في زمن غير زمانهم رغم أننا نعيش على كوكب واحد. وبينما نردد ~~مقولات العزلة والخوف على الهوية من الغزو الثقافي، تحولنا إلى «جيتو» مغلق يتحدث ~~إلى ms283 نفسه، وبينما انفتح الجيتو اليهودي على العلم والحداثة والعالم، وبينما نحكم نحن ~~الأقفال على الأدمغة خشية الفيروسات القادمة من البلاد المتقدمة، تحركت الدنيا ~~إلى فضاء معرفي ومنهجي جعل الهوة بين زماننا وزمانهم سحيقة. # إذن فهل قصد مولانا المؤرخين بالمعنى العلمي والدقيق للكلمة؟ لكن في علم التاريخ ~~كعلم لن نجد مبتغانا بالمرة؛ لأنه حسب قواعده الدقيقة وما بيده من معرفة هائلة ~~أكثرها مدته به منطقة الشرق الأوسط، لن نجد لديه وثيقة تاريخية واحدة ولا ~~مدونا على حجر أو على خشب، ولا في حفائره الأركيولوجية (رغم الهوس الحفري ~~الأركيولوجي الإسرائيلي بهذا الشأن)، لا شيء عن قصة يعقوب، ولا داود ولا سليمان ولا ~~أبيهم الأبعد إبراهيم. ورغم الإسهاب الشديد الذي لحق بملك سليمان وحديث مأثورنا ~~الإسلامي عن خضوع الأرض كلها لحكمه من الطيور إلى الوحوش إلى الإنس والجن والعفاريت ~~والحشرات، فإن التاريخ المدون بوثائقه لا يعرف عن هذه الأمور شيئا البتة بينما ~~تجد لأجدادنا الملعونين بالمقدس بدل الصرح الشاهد آلافا، هذه لغة العلم لكنك لو ~~صرحت بها في مواجهة الإسرائيليين «سيواجهك المسلمون نيابة عنهم» وتصبح من ~~المارقين، وسيحاكمك الأزاهرة كما سبق وحاكموا صاحب هذا القلم أمام محاكم الدولة؛ ~~لأنه قام يرد على الصهاينة بمنطق العلم وحده. # أترون إلى أين وصل الالتباس؟ يبدو أننا بداية نحتاج إلى فض اشتباك بين ~~المقدسين اليهودي والإسلامي، وحتى نفعل ذلك، أو لا نفعل، فإن علماء إسرائيل يدركون ~~حقيقة علم التاريخ وأنهم لا يملكون دليلا ماديا واحدا على مزاعمهم؛ لذلك ~~يسحبوننا إلى المنطقة التي يكسبون فيها بالنقاط وبالقاضية، منطقة الحقوق الدينية ~~والتاريخية التي هي أوضح عند العالم من حقوقنا. وحتى يتم إفراغ القضية من محتواها ~~الحقيقي؛ الناس، والإنسان، صاحب الأرض المطرود من بيته وأرضه وناسه، ينفخ يديه في هذا ~~البرد القارص، برد انصراف الدفء الإنساني من حوله، حتى ممن يتصورهم أهله وأصحاب ~~قضيته، إلى الدفاع عما يقولون إنه من أملاك الله، والله غالب. # | مصادر استشهادات البحث # الكتاب المقدس. # القرآن الكريم. ~~(1) # سوسة (د. أحمد): «العرب واليهود في التاريخ»، دار العربي ms284 للإعلان والطباعة ~~والنشر، دمشق، د.ت. ~~(2) # شلبي (د. أحمد): «مقارنة الأديان، اليهودية»، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ~~1983م. ~~(3) # إرمان (أدولف): «ديانة مصر القديمة»، ترجمة محمد عبد المنعم أبو بكر، ود. محمد ~~أنور شكري، نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، د.ت. ~~(4) # اسبينوزا: «رسالة في اللاهوت والسياسة»، ترجمة د. حسن حنفي، دار الطليعة، بيروت، ~~ط2، 1981م. ~~(5) # ذكري (أنطون): «مفتاح اللغة المصرية القديمة وأنواع وأهم إشاراته»، د.ت. ~~(6) # فريحة (د. أنيس): «دراسات في التاريخ»، دار النهار، بيروت، 1980م. ~~(7) # إيمار وإبوايه: «الشرق واليونان القديم»، ترجمة فريد داغر، وفؤاد أبو ريحان، دار ~~عويدات، بيروت، د.ت. ~~(8) # باقر (طه): «الوجيز في تاريخ حضارة الرافدين»، دار الشئون الثقافية العامة ~~بغداد، 1986م. ~~(9) # برستد (جيمس هنري): «كتاب تاريخ مصر منذ أقدم العصور إلى الفتح الفارسي»، ترجمة ~~د. حسن كمال ، وزارة المعارف المصرية، ط1، القاهرة، 1929م. ~~(10) # بريتشارد (جيمس): «نصوص الشرق الأدنى القديم المتعلقة بالعهد القديم»، ترجمة ~~وتعليق د. عبد الحميد زايد، هيئة الآثار المصرية، القديمة، القاهرة، 1987م. ~~(11) # جاردنر (آلن هنري): «مصر الفراعنة»، ترجمة د. نجيب ميخائيل، الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1987م. ~~(12) # حتي (فيليب): «خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى»، الدار المتحدة، القاهرة، ~~1990م. ~~(13) # روبنسون (تيودور): «إسرائيل في ضوء التاريخ»، ترجمة عبد الحميد يونس، المجلد ~~الثاني من تاريخ العالم، النهضة المصرية، القاهرة، د.ت. ~~(14) # ريجسكي (م): «أنبياء التوراة والنبوءات التوراتية»، ترجمة آحو يوسف، دار ~~الينابيع، دمشق، 1993م. ~~(15) # السواح (فراس): «الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم»، دار علاء الدين، دمشق، ~~ط2، 1983م. ~~(16) # الشهرستاني: «الملل والنحل»، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر مصطفى البابي الحلبي، ~~القاهرة، 1961م. ~~(17) # صالح (د. عبد العزيز): «الشرق الأدنى القديم»، الهيئة العامة لشئون المطابع ~~الأميرية، القاهرة، 1972م. ~~(18) # طعيمة (د. صابر): «التاريخ اليهودي العام»، دار الجيل، بيروت، ط2، 1983م. ~~(19) # علي (د. جواد): «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، المجمع العلمي العراقي، ~~بغداد، د.ت. ~~(20) # علي (د. فؤاد حسنين): «التوراة الهيروغليفية»، دار الكاتب العربي، القاهرة، ~~د.ت. ~~(21) # عوض (د. لويس): «مقدمة في فقه اللغة العربية»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~القاهرة، 1980م. ~~(22) # الفرح (محمد حسين): «الحضارات العربية الكبرى في ms285 العصور القديمة»، مجلة المنابر، ~~بيروت، الأعداد من 32: 40. ~~(23) # فليكوفسكي (إيمانويل): «عصور في فوضى»، ترجمة رفعت السيد، دار سينا، الطبعة ~~الأولى، القاهرة. ~~(24) # القمني (سيد محمود): «الأسطورة والتراث»، دار سينا، القاهرة، 1992م. ~~(25) # القمني (سيد محمود): «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»، دار سينا، القاهرة، ~~1990م. ~~(26) # القمني (سيد محمود): «أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة»، دار الفكر، ~~القاهرة، 1988م. ~~(27) # لانجر (وليم)، مع سبعة عشر عالما: «موسوعة تاريخ العالم»، ترجمة د. مصطفى زيادة ~~وسبعة مترجمين، دار النهضة المصرية، د.ت. ~~(28) # ماكلستر (راس): «الأقوام الجدد»، ترجمة عبد الحميد يونس، مجلدات تاريخ العالم، ~~مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، د.ت، المجلد الثاني. ~~(29) # موسكاتي (سبتينو): «الحضارات السامية القديمة»، ترجمة، د. السيد يعقوب بكر، دار ~~الكاتب العربي للطباعة، القاهرة، 1957م. ~~(30) # موسى (محمد العزب): «أول ثورة على الإقطاع»، دار الهلال، القاهرة، 1966م. ~~(31) # هومل (فرتز): «التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية»، ضمن كتاب التاريخ العربي ~~القديم بإشراف «نيلسن»، ترجمة د. فؤاد حسنين علي، د.ت. ~~(32) # ولسن (جون): ضمن كتاب «ما قبل الفلسفة»، بمشاركة آخرين، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، ~~مكتبة دار الحياة، بغداد، د.ت. ms286