######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.NabiIbrahim.Hindawi13961474 #META# Tags: history #META# ID: 13961474 #META# Title: النبي إبراهيم والتاريخ المجهول #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # النبي إبراهيم والتاريخ المجهول‏ # تأسيس (1)‏ # تأسيس (2)‏ # الهجرة إلى فلسطين‏ # المبالغات والتلفيقات‏ ~~«أور» المشكلة؟‏ # إبراهيم في مصر‏ # الرحيل جنوبا‏ # العمالقة‏ # فراعنة اليمن‏ # مكة اليمنية‏ # وعند لوط الخبر اليقين‏ # مصادر البحث‏ # إهداء‏ # النبي إبراهيم والتاريخ المجهول‏ # تأسيس (1)‏ # تأسيس (2)‏ # الهجرة إلى فلسطين‏ # المبالغات والتلفيقات‏ ~~«أور» المشكلة؟‏ # إبراهيم في مصر‏ # الرحيل جنوبا‏ # العمالقة‏ # فراعنة اليمن‏ # مكة اليمنية‏ # وعند لوط الخبر اليقين‏ # مصادر البحث‏ # | النبي إبراهيم والتاريخ المجهول # | النبي إبراهيم والتاريخ المجهول # تأليف # سيد القمني # | إهداء # كي تعرف - في زمانها - أننا قد أحدثنا الثقب في جدار الظلمة. # كي تعرف أننا أعطينا العمر لنمرر إلى جيلها خيط النور. # كي لا تشك أنه لم يكن في زماننا رجال! # لها أهدي هذا الكتاب. # ابنتي الرضيعة، نفرتي. # سيد القمني # وجئت آخر الأمر إلى الأقصر، أو بعبارة أصح، إلى مدينة الآثار، إلى الكرنك، وفيها ~~تبدت لي عظمة الفراعنة بأكملها، وشاهدت كل ما تصوره الناس وما أخرجوه في أكبر ~~صورة. وما من شعب قديم أو حديث - غير قدماء المصريين - قد صور لنفسه فن ~~العمارة بهذا السمو، وهذه العظمة، وهذه الفخامة. # لقد كانوا يفكرون كما يفكر الجبابرة الذين تبلغ قامة الواحد منهم مائة ~~قدم. # شامبليون # في 1828م # | النبي إبراهيم والتاريخ المجهول # دراسة تحاول: # كشف التاريخ المزيف في علاقة النبي إبراهيم بفلسطين. # إضاءة المعتم في علاقة النبي إبراهيم بالمصريين. # الوصول إلى الموطن الحقيقي للنبي إبراهيم، وخط السير الصادق لارتحالاته في ~~المنطقة. # | تأسيس (1) # لا مراء أن شخصية النبي إبراهيم عليه السلام، تعد واحدة من أهم الشخصيات في ~~التاريخ الديني؛ فقد بلغ هذا النبي منزلة لا نزاع حولها في الأديان الكبرى الثلاثة، ~~التي أفرزتها المواطن السامية شرقي المتوسط؛ اليهودية والمسيحية والإسلام، وتوطئة للبحث ~~وراء ارتحالات النبي إبراهيم عليه السلام، والتي أدت - حسبما يخبرنا به التاريخ الديني - ~~إلى نشوء علاقات بينه وبين أهل المنطقة، وما تبع ذلك بالضرورة من تفاعل جدلي في ~~الفكر والثقافة والمعتقدات، نهيئ السبيل برؤية مكثفة وموجزة، لوضع النبي إبراهيم في ~~الديانات الثلاث. # فهو عند العبريين: # أهم الآباء الأوائل للشعب العبري، وهو ms001 أب لسلسلة من الأبناء كانوا ~~جميعا ذوي علاقة حميمة بالإله، وأنه يعود بموطنه إلى مدينة «أور ~~الكلدانيين» على شاطئ نهر الفرات، وأنه قد هاجر من موطنه «أور # UR ~~» في العراق القديم، على رأس قبيلته يبغي ~~الذهاب إلى أرض كنعان، المفترض أنها أرض فلسطين الحالية، وأنه في كنعان ~~التقى بربه، وهو الرب المعروف في التوراة بالاسم «إيل» أو «إل» - وإليه ~~تنسب الأسماء مثل جبرائيل وميكائيل وإسرائيل وإسماعيل ... إلخ - ويفترض ~~الباحثون أنه أصل لفظ الجلالة في اللغة العربية «إله - ألله». # وتذهب التوراة إلى أن الرب «إيل» قد اتخذ من النبي إبراهيم خليلا ~~«خل - إيل» ومن ثم أقطعه ونسله من بعده أرض كنعان خالصة لهم، أو بنص ~~التوراة: # وقال الرب لإبرام: ارفع عينيك وانظر إلى الموضع الذي أنت فيه، ~~شمالا وجنوبا وشرقا وغربا؛ لأن جميع الأرض التي أنت ترى، لك ~~أعطيها، ولنسلك إلى الأبد. # سفر التكوين 13: 14، 15 # ونص آخر يقول: # وأعطي لك ولنسلك من بعدك «أرض غربتك»، كل أرض كنعان، ملكا ~~أبديا، وأكون إلههم. # سفر التكوين 16: 8 # والواضح في هذه النصوص - ومثلها كثير في التوراة المتاحة الآن - أن ~~النبي قد جاء أرض كنعان غريبا عنها «أرض غربتك» بقصد استيطانها، وعندما ~~وصلها، منحها له رب التوراة «إيل». # ومع متابعة النص التوراتي، نجد «إيل» يوسع على خليله، ويزيد من مساحة ~~الأرض المقطعة للنسل الإبراهيمي، وفق ميثاق وضعت فيه حدود الأرض، ونصه: # وفي ذلك اليوم، قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي ~~هذه الأرض، من نهر مصر، إلى النهر الكبير نهر الفرات. # تكوين 15: 18 # وتم توثيق هذا العهد حسب الرواية العبرية بين «إيل» و«إبراهيم» ~~بعلامة شاهدة، وخاتم لا يمحى # 1 # أصبح فيما بعد منسكا وفريضة على كل يهودي، هو الختان، وقد ~~جاء ذلك في النص القائل: # وقال الله لإبراهيم: أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم، يختتن ~~كل منكم، كل ذكر، فتختتنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد ~~بيني وبينكم، فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا. # تكوين 16: 9-13 # وبموجب هذه المجموعة من الحيثيات، فإن التوراة قد ms002 وضعت للقبيلة ~~العبرية عدة قواعد: أهمها أن النبي إبراهيم هو أب العبريين جميعا، وأنهم ~~تحدروا من صلبه خلفا عن سلف، وأنه تمكن بصداقته للرب «إيل» أن ~~يضمن لهم أرضا خاصة، لم تكن أرضهم أصلا، إنما وفدوا عليها، وأن الشاهد ~~على صدق ما حدث هو بصمة الختان، التي وثقت العقد، حتى أمست هذه ~~العلامة البدنية مصدر اعتزاز لكل يهودي، وبحيث عدوها نيشان شرف ~~يتميزون به على العالمين. # وهو عند المسيحيين: # لا يقل رتبة عنه عند اليهود؛ لأن إنجيل «متى» يقرر أن إبراهيم هو ~~الجد الأعلى ليسوع المسيح، ومتى يصف إنجيله من البداية: أنه «كتاب ~~ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم متى 1: 1». ولوجه الحق فإن ما يستعصي ~~على الفهم هنا هو: كيف يتفق أن يكون المسيح من نسل إبراهيم، مع جوهر ~~الاعتقاد المسيحي وأساسه الأول. والمعلوم أن المسيحية تعتبر يسوع المسيح ~~إلها ليس له أب بشري، وإذا حاولنا التملص باحتساب هذه الأبوة ~~الإبراهيمية للمسيح، إنما تأتي عن طريق أمه «مريم»، فإن الإنجيلي «متى» ~~لا يترك لنا هذه الفرصة، فيؤكد الأبوة الإبراهيمية ليسوع المسيح عن ~~طريق آخر، ويرصد لذلك سلسلة من نسب الأبناء والأحفاد، تمتد من إبراهيم - ~~مرورا بداود وسليمان - حتى تصل إلى «يوسف النجار» الذي يصفه بأنه «رجل ~~مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح». # 2 # وتأسيسا على ذلك فإن إبراهيم هنا سيكون أيضا أبا لكل المسيحيين؛ لأن ~~المسيحيين، حسب العقيدة المسيحية، إنما هم جميعا أبناء ليسوع المسيح، ~~وذلك عن طريق الإيمان به، وبموته على الصليب، وبقيامته، وبأن لاهوته لم ~~يفارق ناسوته ولا لحظة واحدة # 3 # ومن هنا كان نداؤهم الجهير: «أبانا الذي في السماوات»، وعليه ~~فإن جميع المسيحيين أبناء لإبراهيم عبر الإيمان بحفيده يسوع. # ومن ثم تصدق المسيحية بالروايات التوراتية حول خروج النبي إبراهيم من ~~«أور الكلدانيين» إلى أرض فلسطين الكنعانية، فيقول سفر أعمال الرسل ~~الإنجيلي: «ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم قبلما سكن حاران، وقال له: اخرج ~~من أرضك ومن عشيرتك، وهلم إلى الأرض التي أريك، فخرج من أرض ms003 الكلدانيين ~~وسكن في حاران، ومن هناك نقله بعدما مات أبوه إلى هذه الأرض، التي أنتم ~~ساكنون فيها» (7: 2-4). # وهو عند المسلمين: # خليل الله النبي الكريم، أب الأنبياء جميعا، فقد انحدر من صلبه سلسلة ~~من الأبناء والأحفاد، وأحفاد الأحفاد، يحملون بذرة النبوة، ومن ثم كانوا ~~سلسلة من الأنبياء، وهو ما تشير إليه الآيات القرآنية دون لبس، وذلك في ~~قوله تعالي: # وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب ~~(العنكبوت: 27)، وهو في الآيات خليل ~~الله # واتخذ الله إبراهيم خليلا ~~(النساء: 125)، أما الأهم من ذلك كله، فإنه كان غريبا على بلاد العرب. # 4 # ومع ذلك فقد نالت هذه البلاد من نسله نصيبا، بعد أن زارهم ~~وترك فيهم ولده إسماعيل، ثم عاد إلى زيارته في بلاد العرب الحجازية بعد ~~يفوعه، حيث قاما بإعادة بناء البيت الإلهي «الكعبة» في مكة الحجازية، ~~والذي كان مقدسا لدى عرب الجاهلية قبل الإسلام، وقد أوضحت الآيات ذلك ~~بقولها: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~من البيت وإسماعيل ~~(البقرة: 127)، لكن ربما كان ~~أخطر ما قرره القرآن الكريم بشأن النبي الخليل، هو أنه المؤسس الأول لملة ~~الإسلام، وإعلانه السافر والمتحدي: # ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما وما كان من المشركين ~~(آل عمران: ~~67). # وبذلك قطع القرآن الكريم بشأن النبي إبراهيم، وقصته في القرآن الكريم معروفة، لا تحتاج ~~إلى مزيد شرح أو تفصيل، إلا أن الأمر فيه إشكالية دعت إلى بحثنا هذا «وربما إشكاليات»؛ ~~فالتوراة تصر من جهتها على الصمت المطبق إزاء ما أعلنه القرآن الكريم حول علاقة النبي ~~إبراهيم ببلاد العرب الحجازية، فلم يرد لهذا الأمر أي ذكر في التوراة المتاحة بين الأيدي ~~اليوم، وهو بحد ذاته مدعاة للتقصي إزاء ما ورد في الإسلام عن علاقات حميمة وأساسية ~~وجذرية للنبي إبراهيم بجزيرة العرب وديانة الإسلام، خاصة مع علمنا أن التوراة قد ~~انتهت كتابتها قبل تسعة قرون من الميلاد في بعض أسفارها، في أبعد تقدير وقبل قرن واحد من ~~الميلاد، في أقرب تقدير لأسفار أخرى؛ بمعنى أنها قد حازت في معارف الإنسان قصب السبق، ms004 مما ~~يدعو للوقوف مع مسألة هبوط النبي إبراهيم عليه السلام بلاد الحجاز، وجهل التوراة بهذا ~~الأمر، بغرض الوصول إلى المصداقية، حسب مقررات المنهج العلمي، وما تتطلبه شروط هذا المنهج ~~الصارمة من قرائن وأدلة، لدعم الرؤية الصادقة. ومن هنا سنضطر إلى التأني مع قصة التوراة عن ~~الخليل، وبحثها بحياد العلم، علها تكشف لنا في الأمر أمرا، وهذا بحد ذاته سبيل وعر، ~~وعروج محفوف بالمحاذير والصعوبات، وربما كان قطع القرآن الكريم في الأمر مدعاة للتساؤل ~~حول جدوى مثل هذا البحث أصلا! # لكن وجه الإشكال لا يقتصر على عدم إشارة التوراة لزيارة النبي الخليل إلى البلاد ~~الحجازية، فهناك تفاصيل أخرى عديدة، وردت في القرآن الكريم ولم ترد في التوراة. وأمثلة لها ~~قصة تكسير النبي إبراهيم لأصنام قومه، أو مثل قصة إلقائه في النار، أو مثل خلافه مع أبيه ~~حول صادق العقيدة، أو مثل حواره مع الملك المذكور في التراث الإسلامي باسم «نمروذ». وفي ~~المقابل نجد تفاصيل هائلة بالتوراة لم ترد بالقرآن الكريم، ولا يفوتنا هنا أن نذكر: أن القس ~~المبشر «د. ف. ب. ماير» لم يجد حرجا في الاستفادة من الروايات الإسلامية، رغم عدم ورودها ~~في التوراة، فيقول عن النبي إبراهيم: «وإذا صحت الروايات التي تقال عنه، وهي بلا شك تستند ~~إلى شيء من الصحة، إن لم تكن كلها صحيحة، تبين لنا أنه منذ البداية كان يتصف بأخلاق غير ~~عادية، وتتضمن هذه الروايات أن إبراهيم لما كان شابا، قاوم - بعنف - تيار الشر الذي جرف ~~إلى لججه كل البلاد، بل غمر بيت أبيه أيضا (لاحظ أن ذلك الكلام لم يرد به أي نص ~~توراتي، والإشارة من عندنا)، ثم إنه أشهر في وجه تلك الممارسات الشريرة سلاح الهزء ~~والسخرية، ثم إنه كان كلما رأى تمثالا حطمه، وكان يأبى أن يجثو للنار، وهذه الروايات لا ~~تستند إلى أية إشارة في الكتاب المقدس، على أنه من الناحية الأخرى لا توجد فيه أية إشارة تنفيها.» # 5 # | تأسيس (2) # لكن يظل التساؤل: وما الداعي لبحثنا هذا؟ ومن ثم نرصد مزيدا ms005 من الدواعي والدوافع، ~~فرغم الاختلافات بين التوراة «المسلم بها من جانب المسيحيين كمقدس» وبين الإسلام؛ فإننا ~~نجد الأديان الثلاثة «اليهودية والمسيحية والإسلام» في جانب، وعلم التاريخ في جانب آخر؛ ~~حيث نجد هذا العلم لا يعلم من وثائقه الأركيولوجية والآثارية شيئا البتة عن النبي ~~إبراهيم، ورغم اتفاق القصة التوراتية مع قصص الإخباريين المسلمين حول موطن النبي ~~إبراهيم الأصلي، والتي تقول: إنه هاجر من موطنه الأصلي في بلاد الرافدين إلى فلسطين، وأنه ~~زار مصر زيارة مهمة وخطيرة، و«كانت هذه الزيارة لمصر أساسا للثروة الطائلة التي تمتعت ~~بها ذريته فيما بعد» فيما يقول المستر «ماير»، فإنه لم يعثر حتى الآن على أي دليل ~~آثاري، سواء كان كتابة أو نقشا، أو حتى نقش يقبل التفسير، أو في نصوص تقبل - حتى - ~~التأويل يمكن أن يشير إلى النبي وقصته سواء في آثار وادي النيل، أو آثار وادي الرافدين، ~~على كثرة ما اكتشف فيهما من تفاصيل ووثائق. # وهذا بدوره سبب كاف لدعم دوافع باحث مهتم، كي يضع المسألة كلها قيد البحث، خاصة ~~أن عدم معرفة علم التاريخ بهذا النبي رغم حضوره الكثيف في الديانات الثلاث، قد أدى ~~ببعض الباحثين إلى حسبانه شخصية أسطورية، لا تمت لعلم التاريخ بصلة، حتى إن هذا البعض ~~قد احتسب جميع قصص البطاركة القدامى مجرد قصص خرافية لا ظل لها من حقيقة، وقام منهم من ~~يدلل على أن أسماء هؤلاء إنما كانت أسماء لشخصيات إلهية في عبادات قديمة، وأن أساطيرها ~~كانت متداولة قبل التوراة في القصص الأسطوري لبلاد كنعان، وأن العبريين عندما جاءوا أرضهم ~~وورثوها، ورثوا معها تراثها، فوجد هذا التراث طريقه إلى التدوين في التوراة، كقصص لأنبياء ~~بني إسرائيل. بينما يشير آخرون بخصوص النبي إبراهيم إلى أسطورة باسم «براما» كانت واسعة ~~الانتشار قبل ظهور العبريين، وعرفت في بلاد إيران والهند وما حولها، وأنها أصل عقيدة ~~«براهما» الهندية، وأن العبريين بدورهم قد تبنوا هذه الأسطورة وحولوها إلى شخصية ~~إنسانية، واحتسبوا «براما» جدهم البعيد، تأسيسا على منهج التدين القديم، القائم على ~~تقديس الأسلاف. # 1 ms006 # وكان عدم وجود الدلائل التاريخية مدعاة لأن يقول باحث مثل «فلهلم رودلف»: إن حفاوة ~~القرآن الكريم بالنبي الخليل ترجع إلى محاولة النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # تألف قلوب يهود ~~يثرب مع القوة الإسلامية الطالعة. وعندما فشلت المحاولة، أخذه من الجميع عنوة واقتدارا، ~~وزعم أنه جده البعيد، وجد جميع العرب المسلمين ومؤسس العقيدة الإسلامية. # 2 # ولعلنا لم نزل بعد نذكر تلك الضجة الكبرى التي ثارت حول ما كتب عميد الأدب ~~العربي «طه حسين»، ويشبه إلى حد بعيد ما ذهب إليه «فلهلم رودلف» حيث يقول: «للتوراة أن ~~تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضا، لكن ورود هذين الاسمين في ~~التوراة، لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، ونحن مضطرون إلى أن نرى «في هذه القصة نوعا ~~من الحيلة، في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن ~~والتوراة من جهة أخرى» ...» # 3 # والآن: هل لم يزل ثمة مدعاة للتساؤل حول جدوى بحثنا هذا؟ ... ولعل التساؤل حول الجدوى، ~~تلحقه اعتبارات تقلل من قيمة البحث ونتائجه، تأسيسا على عدم وجود أية مصادر تاريخية ~~تشير إلى إبراهيم، سواء في مصر أو الرافدين، ومن ثم ستكون أية محاولات هي مجرد تخمينات ~~وافتراضات تنتهي بدعم أولئك أو هؤلاء. حقيقة نحن مضطرون هنا إلى الاعتراف بعدم وجود الأدلة ~~المباشرة، مما سيلجئنا إلى استخدام كل ما يخدم بحثنا من مناهج، والتعامل مع النصوص ~~بأسلوب التحري والمباحثية؛ لتجميع ما يلزم من قرائن، يمكن إذا تجمعت أن تكتسب ثقل الأدلة ~~التي يمكن أن تدلنا على الطريق القويم والنتائج الأقرب إلى الصدق. # وهنا ستجدنا مضطرين إلى اللجوء للتوراة الحالية «ولا مفر» وكتب التراث الإسلامية، ~~إضافة بالطبع إلى القرآن الكريم والحديث الشريف. وإن لجوءنا للتوراة قد يلقى الاعتراض من ~~بعض المهتمين، لكن لذلك أسبابه ووجاهته التي ستتضح في حينه. علما أن التوراة - بعكس ~~القرآن الكريم تماما - فهي كتاب في التاريخ في المقام الأول، وكتاب في الدين في المقام ~~الثاني (مع ملاحظة أن هذا التاريخ قد تمت صياغته وفق أهداف أصحابه ms007 وخططهم)، حتى إن ~~التاريخ يشكل - دون مبالغة - أكثر من ثمانين بالمائة من مجموع صفحات العهد القديم ~~المكتظ بالأسفار، وتزيد صفحاته على ألف وثلاثمائة صفحة. أما بالنسبة لكتب الأخبار ~~الإسلامية، فقد لجأت لذات التوراة الموجودة بين الأيدي اليوم، واستقت منها تفاصيل هائلة ~~كما وكيفا، بحيث أصبحت هذه التفاصيل مرجعا إسلاميا للمسلمين، لورودها في أمهات الكتب ~~الإسلامية وتشكل كما هائلا داخل هذه الكتب. # وقد أدرك زعيم طبقة كتاب الأخبار والسير «الحافظ ابن كثير الدمشقي» حساسية الأمر، ومع ~~ذلك اعتمد كثيرا من الأخبار التوراتية، لذلك نجده يبدأ مقدمة مؤلفه الموسوعي «البداية ~~والنهاية» بتقديم مبررات الاعتماد على الإسرائيليات، فيقول: ~~«ولسنا ننقل من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله، مما لا يخالف كتاب الله ~~وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم # وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو ~~تسمية لمبهم ورد به شرعنا، مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به، لا ~~على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه.» # ثم يدلي «ابن كثير» بسنده الشرعي للأخذ من التوراة، حتى لا يقع عليه لوم أو تثريب، ~~فيورد حديث النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ~~وحدثوا عني ولا تكذبوا، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار.» # ثم يعقب على الحديث بالقول: ~~«فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عليها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ~~يكذبها، ويجوز روايتها للاعتبار، وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا.» # 4 # وهكذا يعي «ابن كثير» حجم المعارضة التي قد يلقاها من المسلمين نتيجة لجوئه إلى ~~الإسرائيليات، فيقرر - بداية - للجميع أنه لن ينقل منها إلا ما وافق الشرع، ولم يخالف ~~الكتاب والسنة، ثم يصف ما حشا به مؤلفه الهائل من إسرائيليات، بأنها - نعم - وردت في ~~التوراة، لكن لم يصدر بشأنها حكم إسلامي بالصدق أو الكذب، ولعل «ابن كثير» كان ~~واضحا تمام الوضوح، وصريحا كل الصراحة، وهو يورد الأسباب التي دعته للأخذ ~~بالإسرائيليات، وهي أولا: أنه ms008 قد جاء في الإسلام أمور مختصرة تحتاج لمزيد شرح وتفصيل ~~«مما فيه بسط لمختصر عندنا»، وثانيا: إعطاء الأسماء والإيضاحات لأمور وردت في الشرع ~~الإسلامي، لكنها غير مفهومة «تسمية لمبهم ورد به شرعنا»، أما لماذا كانت مبهمة وغير مفهومة ~~في الإسلام؟ فهو ما يجيب عنه بالقول: لأنه «لا فائدة في تعيينها لنا»! # وهنا نقف مندهشين من أمر هذا الكاتب الجليل، فإذا كان القصد من شرعنا في اختصاره ~~وإبهامه أنه لا فائدة من تعيينه لنا، وكانت تلك قاعدة، فلماذا إذن تجاوزها ابن كثير ~~الدمشقي وصحبه، ومن ضرب في دربه من الإخباريين المسلمين وهم كثير؟! الأمر إذن ليس ~~بقاعدة دائمة الحضور، ولا ريب أنه بعد مرور ستة قرون منذ زمن النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # وحتى ~~عصر ابن كثير، كانت كفيلة بظهور إشكاليات لم توجد زمن النبوة، ومن هنا احتاجت طبيعة ~~المجتمع الجديد إلى تفصيل المختصر وبسط المبهم، ولا ينسى الحافظ ابن كثير أن يشير بحذر ~~واضح إلى أن التفاصيل المأخوذة من التوراة إنما جاءت «على سبيل التحلي بها لا على سبيل ~~الاحتياج إليها»، بينما الواضح أنه قد أورد مقدما أسباب هذا «الاحتياج إليه» وظروفه، ~~خاصة أنه لجأ إلى حجة أخرى غير مجرد التجمل والتحلي، فيقول: إنه لجأ إلى إسرائيليات ~~مسكوت عنها في الإسلام، ولم يصدر بشأنها قرار واضح المعالم، لذلك وجبت روايتها ~~«للاعتبار» والاعتبار يعني الفائدة الحكمية منها، وأخذ العبرة والعظة، إضافة إلى ما يحمله ~~تعبير «الاعتبار» من معنى عدم الإهمال والتغاضي عنه، والإقلال من شأنه. # وإذا كان عصر ابن كثير بعد ستة قرون من النبوة قد اضطره إلى اللجوء للتوراة، فإن ~~عصرنا بعد أكثر من أربعة عشر قرنا «قد أصبح يحتاج إعادة نظر في الأمر برمته»، وبخاصة ~~في إسرائيليات التراث الإسلامي، التي كانت توراتية الأصل، وأصبحت منذ عهد الإخباريين ~~المسلمين تراثا إسلاميا بحتا. # وإعمالا لكل ذلك، فإن لجوءنا للتوراة، لبحث الإشكاليات المثارة في بحثنا هذا حول ~~النبي إبراهيم عليه السلام، والتي ربما كانت التوراة ذاتها سبب إثارتها الأساسي، ليس ~~ابتداعا ms009 من جانبنا لجديد، لكن الرجوع من جانبنا للتوراة، لن يكون لمجرد التحلي بها، ~~فهي في بحثنا هذا طرف جدلي يسبب إثارة المشكلة، ويشارك في حلها ولو مضطرا، مع ~~الاستعانة بكتب التراث الإسلامية، التي لم تكن بالطبع مجرد تابع أمين للتوراة، إنما ~~خالفت هنا، وقالت كلمتها هناك، كما أنه قد ورد عند الإخباريين المسلمين ما نزعم أنه ليس ~~مجرد أساطير الأولين، ومخاريق الأقدمين، بل فيه للباحث المدقق إشارات واضحة إلى سبل ~~عدة، يمكن لو استقرأها واستشرفها أن تهدي إلى إضاءات وكشوف، شرط الالتزام بصرامة شروط ~~المنهج العلمي، وما تفرضه من وجوب محاكمة النصوص محاكمة عادلة؛ ليتمكن في النهاية من ~~استصفاء ما يتفق ومنطق الحدث، وزمانه ومكانه وظروفه. # ولا نزعم هنا قدرة حل جميع الإشكاليات المطروحة، إنما سنحاول فقط. وربما أثرنا أثناء ~~البحث إشكاليات جديدة، لكن بحثنا هذا على أية حال، هو توجيه - في المقام الأول - إلى باب ~~حان ولوجه، ووجب أن يقوم له فرسانه من الباحثين، وهم لا شك كثيرون. وربما قبل ذلك ~~نبهونا إلى أننا قد أصبنا هنا، أو أخطأنا هناك، وربما وافقنا البعض، وربما خالفنا ~~الكثيرون، لكن الذي لا خلاف حوله، أنه في ساحة البحث العلمي متسع للجميع. # | الهجرة إلى فلسطين # عبر خمس وعشرين آية، من الإصحاح الحادي عشر بسفر التكوين، تثبت التوراة نسب النبي ~~إبراهيم عليه السلام وتصعد به عبر أسلافه حتى تصله بسام بن نوح، مع تفصيل وشرح يتعلق ~~بعمر هذا الفرد أو ذاك، من شجرة العائلة يمكن اقتضابها جميعا في القول: إن النبي إبراهيم ~~هو: «إبرام بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام بن ~~نوح.» (تكوين 11: 10-26). # وأول ذكر للنبي إبراهيم عليه السلام في التوراة يأتي في سياق حديثها عن هجرة قادها ~~أبوه «تارح بن ناحور» مع أفراد عائلته، من موطنهم الأصلي، فتقول: # وأخذ تارح إبرام ابنه، ولوطا بن هاران ابن ابنه، وساراي كنته، امرأة إبرام ~~ابنه، فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض ms010 كنعان، فأتوا إلى حاران ~~وأقاموا هناك، ومات تارح في حاران. # تكوين 11: 31-33 # ويفهم من هذه الرواية : # أن قائد هذه القبيلة المرتحلة، كان هو «تارح» أبو النبي إبراهيم، وأن زوجة النبي ~~إبراهيم كانت تدعى «ساراي» وأنه كان له أخ يدعى «هاران» لم يكن مع المرتحلين، إنما كان ~~ولده «لوط» هو رفيق ترحال عمه إبراهيم، وهو ما دفع المفسرين للقول: إن «هاران» قد مات في ~~«أور» وهو ما يقول به «ماير». # ويذهب في قوله - مخالفا النص - إلى أن إبرام كان هو قائد الرحلة، وليس الأب «تارح» ~~فيزعم أن إبرام «أخذ أباه تارح، فخرجوا من أور الكلدانيين، ونحن لا ندري كيف ارتضى تارح أن ~~يترك وطنه العزيز، ومقابر موتاه، حيث رقد هاران ابنه، واضح على الأقل أنه لم يكن جادا ~~في السير، ولا كانت البواعث التي دفعته للمسير صافية، ولهذا كانت مرافقته لإبراهيم ~~سببا في تعطيل مسيره ...»، # 1 # ولما لم يكن في التوراة أية إشارة تدفع إلى مثل هذه الاستنتاجات، فمن الواضح ~~هنا أن «ماير» قد تأثر بالروايات الإسلامية حول مخالفة الابن لأبيه في العقيدة، وهو ما لا ~~يمكن الخروج به من التوراة إطلاقا، حتى ولو من باب التأويل. # إن هؤلاء المرتحلين قد خرجوا من مكان أسمته التوراة «أور الكلدانيين»، دون أن توضح ~~سببا عقديا، أو حتى خلافا فقهيا، أو سياسيا لخروجهم من هذا المكان الحضاري العريق. ~~فقط تذكر التوراة أن هدف المرتحلين كان أرض كنعان - المفترض أنها فلسطين الحالية - والتي ~~تواتر وصفها في التوراة بأنها «أرض اللبن والعسل»؛ مما يشير إلى أن هدف الرحلة كان ~~الوصول إلى أرض أكثر خيرا وفيئا. ولعل أول خلاف نلحظه بين هذه الرواية التوراتية وبين ~~الرواية القرآنية، هو أن القرآن الكريم يذكر أبا إبراهيم بالاسم «آزر»، فالآيات تقول: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة ~~(الأنعام: 74)، والخلاف هنا ليس فقط حول الاسم «تارح/آزر»، إنما هو ~~خلاف عقدي أيضا، حيث تفهمنا الآيات أن الابن كان يخالف الأب في معتقده، وأن هذا ~~الأب كان يعبد نوعا من التماثيل ms011 الإلهية، وهو ما لم تشر إليه التوراة بالمرة، بل ولم ~~تشعرنا أنه كان ثمة خلاف بين الأب والابن من أي نوع. وكل ما توحي به أسفار تلك الحقبة، أن ~~الابن إنما كان على سنة الأب والعشيرة يسير، وأن الأب كان القائد والموجه. وإذا لجأنا إلى ~~كتب التراث الإسلامية نستنطقها القول حول هذا الخلاف، نجدها تؤكد أن أبا إبراهيم كان ~~مقربا من الطاغية، الملك الكافر نمروذ، وأن هذا الأب كان صانعا للتماثيل الإلهية، ~~بارعا في فنها، مما أدي إلى خلاف شديد بين الابن الذي يرفض عبادة التماثيل وما تمثله، ~~وبين الأب الذي يعتقد فيها، ويتقوت من صناعتها وترتقي مراتبه الاجتماعية بقربها. أما ~~الخلاف الثاني المتعلق باسم أبي إبراهيم، فإن معظم التراثيين يسيرون خلف رواية التوراة ~~سيرا دقيقا، ويتابعونها متابعة عجيبة في غالب أمرها، حتى لا تكاد تجد خلافا إلا في ~~الروايات التي انفرد بها القرآن الكريم دون التوراة، فعلى سبيل المثال يؤكد «ابن حبيب» في ~~محبره: أن تارح هو آزر دون أية مناقشة أو اعتراض. # 2 # وابن حبيب إنما يسير في هذا الشأن على درب سلكه أصحابه من أهل التراث، فابن ~~كثير بدوره يكاد يطابق الكثير من دقائق التوراة، وإن اختلفت بعض «الحروف» بين يديه، ~~كنتيجة لما تتمتع به اللغات السامية من تبادل الحروف ذات المخارج الواحدة في النطق، إضافة ~~لعدم وجود التشكيل والتنقيط في الكتابات القديمة، مع ظاهرة القلب اللساني (كما في زوج ~~وجوز مثلا)، وفي قصة ابن كثير عن النبي إبراهيم شجرة نسب تطابق تماما شجرة النسب ~~الإبراهيمية في التوراة، مع الاختلافات الحرفية المشار إلى بعض أسبابها، فيقول: إن ~~إبراهيم هو ابن تسارخ (تارح في التوراة) بن ناحور بن ساروغ (سروج في التوراة) بن راعو (رعو ~~في التوراة) بن شالح بن أرفخشد (أرفكشاد في التوراة) بن سام بن نوح. # لكن ابن كثير يرسل قوله الواعي الحذر «وهذا نص أهل الكتاب»؛ ليلقي بالمسئولية على أصحاب ~~التوراة، متخلصا من تبعاتها بمهارة هادئة، وفي الآن ذاته يثبت تحليه بالأمانة. # 3 # ولا تفوت ms012 «ابن كثير» مسألة «آزر» و«تارح»، فيتناولها - بذات الحذر - ويحيلها إلى «ابن ~~جرير» محملا إياه خطل الرأي من صحته، فيقول: «وقال «ابن جرير»: الصواب أن اسمه آزر، ~~ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب، والآخر علم». # 4 # وفي معنى كلمة «آزر» ذهب «البيضاوي» إلى أنها اسم وصفي، بمعنى: القوي أو العضد ~~أو المعين، أما الاسم العلمي فهو «تارح». # 5 # ولنذكر أن في اللغات السامية: «عازر» و«عزير» تساوي «آزر» وتفيد النصرة ~~والتقوية، وقد عرفت السامية استبدال العين بالهمزة وبالعكس، ووضح ذلك في الآية القرآنية ~~... فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~(الأعراف: 157)، وعليه فإن الروايات الإسلامية لم تحاول بحث أمر «آزر» و«تارح» أبعد من ~~ذلك، وعمدت إلى الأسلوب التوفيقي بين ما جاء في القرآن وما جاء في التوراة، رغم عدم ~~اضطرارها شرعا لذلك، مما يشير إلى رغبة عجيبة في الالتقاء مع التوراة والتوافق معها وعدم ~~ردها، رغم أن الشرع قد أعطاهم هذا الحق في الرفض، وهو أمر يمكن أن نرى فيه وجهين؛ فهو ~~من جهة دلالة طيبة على علمية هؤلاء الإخباريين من حيث عدم رفض الرأي الآخر لمجرد ~~المخالفة العقدية، لكنه من جهة أخرى يشير إلى رغبة محمومة في الالتقاء مع التوراة، «تضع ~~علامات استفهام حول مبرراتها»! # أما المسألة الأخرى التي تتفق فيها الروايات الإسلامية مع روايات التوراة، فهي القول ~~بخروج النبي إبراهيم عليه السلام من بلاد الرافدين يقصد أرض كنعان، وعلمنا أن التوراة قد ~~حددت مركز انطلاق هذه الرحلة في مدينة «أور الكلدانيين» بالذات. # وإذا بحثنا عن مدينة باسم «أور # UR ~~» في الخريطة التاريخية ~~للمنطقة، وتنتسب في ذات الوقت إلى دولة الكلدانيين، سنجدها على الشاطئ الغربي لنهر الفرات، ~~في أقصى جنوب الوادي الخصيب، ولكن تخصيص «أور» بأنها «أور الكلدانيين» لا يعني للعارف ~~بالتاريخ أنها وجدت فقط في عصر الدولة الكلدانية، التي قامت ما بين عامي 625 و538 قبل ~~الميلاد، فهي مدينة عريقة عراقة العراق، وتعد من أشهر حواضر هذا الإقليم الحضاري الكبير، ~~بينما الكلدانيون لا يحسبون إلا على الهامش الأخير لهذه الحضارة الكبرى، ms013 فهم أصحاب دولة ~~بابل الحديثة، التي سبقتها دول كبرى وعظمى، بدأت منذ منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، على ~~يد السومريين # 6 # وكانت «أور» آنذاك دولة مدينة مستقلة # 7 # ذات شأن ومكانة، وظلت «أور» على مكانتها مع الدول التي تتابعت في المنطقة بعد ~~السومريين، وظلت مدينة إدارية ودينية رفيعة الشأن، إبان حكم الأكاديين # 8 # وإبان العصر السومري الثاني # 9 # وإبان حكم دولة بابل الأولى # 10 # وظلت صامدة أيام الاحتلال الجوتي # 11 # والكاسي # 12 # واستمرت على ازدهارها حتى قيام الدولة الكلدانية # 13 # آخر ممالك العراق المستقل في ذاك الزمان، فعاشت «أور» كمدينة كبرى، ذات دور ~~فاعل، ما يزيد على ثلاثة آلاف عام متتالية، دون انحسار تام أو انكسار حاد، يذهب بها في ~~طوايا القرى والقرون الخوالي. # وإن اتفاق الرواة المسلمين مع التوراة، حول العراق القديم كموطن أول للنبي إبراهيم، يظهر ~~في قول الثعلبي النيسابوري: «لقد اختلف العلماء في الموضع الذي ولد فيه، فقال بعضهم: كان ~~مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد بناحية يقال لها ~~كوثا، وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء في حدود كسكر، وقال بعضهم: كان مولده بحران لكن أبوه ~~نقله إلى أرض بابل، وقال عامة أهل السلف من أهل العلم: ولد إبراهيم عليه السلام زمن نمروذ ~~بن كنعان.» # 14 # وهكذا نجد «الثعلبي» لم يخرج عن حدود بلاد العراق ~~القديم، أو القسم الجنوبي من وادي الرافدين بالتحديد، وهو القسم الذي كانت «أور» مدينته ~~الرائدة، والمواضع التي ذكرها «السوس، الأهواز، السواد، كوثا، الوركاء، كسكر» إنما تقع حول ~~«أور» القديمة، لكنه يشير إلى موطن آخر، هو لوجه الحق ملحوظة مهمة، سنجد أنها ذات قيمة لا ~~تنكر في حينه، فيقول: «وقال بعضهم: كان مولده بحران»، ثم يستدرك «لكن أبوه نقله إلى أرض ~~بابل.» # هذا عما جاء عند «الثعلبي»، أما زعيم طبقة كتاب ~~السير والأخبار «ابن كثير»، فإنه يحسم المسألة بقوله: «إن أرضه التي ولد فيها هي أرض ~~الكلدايين، يعنون أرض بابل، وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير ms014 والتواريخ والأخبار، فقد ~~انطلق تارخ (تارح في التوراة، ولنلحظ أن ابن كثير قد غير هنا من تسارخ إلى تارخ) بابنه ~~إبراهيم وامرأته سارة، وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج من أور الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين، ~~فنزلوا حاران، فمات تارح له مئتان وخمسون سنة، وهذا يدل على أنه لم يولد بحران، إنما مولده ~~بأرض الكلدانيين.» # 15 ~~(ولنلحظ في رواية ابن كثير هنا أن الأب كان هو قائد الرحلة، وهو ما قررته ~~التوراة، وأن الابن خرج في الرحلة مع الأب، ولم يكن على خلاف معه طوال هذه السفرة ~~الطويلة.) # ومرة أخرى، نجد التراثيين المسلمين في شك من الأمر، فيشيرون إلى احتمال «حاران» كموطن ~~أول ومهد ميلاد للنبي إبراهيم عليه السلام، وهي كما قلنا إشارة لها أهميتها التي ستتضح بعد ~~قليل، وحتى تتضح الصورة أمام قارئنا، فإن «أور» تقع - كما أشرنا - في أقصى الطرف الجنوبي ~~للرافدين على حدود جزيرة العرب، بينما تقع «كنعان» إلى الغرب منها مباشرة، يفصلهما الجزء ~~الجنوبي من بادية الشام، فهي منها قاب قوسين أو أدنى، أما «حاران» فتقع في أقصى شمال ~~المنطقة وخارج حدودها، وبالتحديد داخل المنطقة التركية الأرمينية القديمة. # وإن وجود «حاران» هنا يشكل معضلة للباحث في ~~التوراة، فهي تظهر كما لو كانت موطنا للقبيلة الإبراهيمية، أو هي موطنه الأصيل، إضافة إلى ~~«أور» فالتوراة تقول: إنه بعد تحرك الأب «تارح» بعشيرته من «أور» لم يذهب مباشرة إلى ~~كنعان - هدف الرحلة - رغم قربها منه، حيث تقع إلى الغرب مباشرة، إنما أخذ يضرب شمالا ~~مسافات بعيدة، في رحلة كبرى: # فأتوا حاران وأقاموا هناك، ومات تارح في حاران، وقال الرب لإبرام: اذهب من «أرضك ~~وعشيرتك ومن بيت أبيك» إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك وأعظم اسمك، ~~وتكون بركة. فأخذ إبرام ساراي امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي ~~اقتنيا، والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. # تكوين 11: 31؛ 12: 1-5 # لاحظ هنا أن التوراة تشير إلى «حاران» بأنها: «أرضك وعشيرتك وبيت أبيك»، ثم هناك إشارات ~~أخرى متعددة تشير ms015 إلى مواطن أخرى للنبي إبراهيم، فبعد أن يترك «حاران» ويستوطن «كنعان» ~~غريبا، وينجب ولده الثاني «إسحاق»، تقول التوراة: # وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام، وبارك الرب إبراهيم في كل شيء. وقال إبراهيم ~~لعبده كبير بيته: ... ضع يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرب ~~إله السماء وإله الأرض، ألا تأخذ زوجة لابني من ~~بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم، بل إلى «أرضي وعشيرتي» تذهب وتأخذ زوجة ~~لابني إسحاق. # تكوين 24: 1-4 # أما أين أرض العشيرة الإبراهيمية، التي اتجه إليها العبد ليأتي بزوجة لإسحاق؟ فهو ما ~~يوضحه استطراد التوراة: # إن العبد ذهب إلى أرام النهرين: إلى مدينة ناحور. # تكوين 24: 10 # وناحور هو جد إبراهيم، هو أبو تارح أبو إبراهيم، أي إن أرام النهرين هي موطن الأجداد ~~والعشيرة! # ثم نجد إشارات لمواطن أخرى، فهذا إسحاق يسير على سنة أبيه، مصرا على نقاء الدم العبري، ~~وعدم تدنيسه بدم آخر، لذلك فإن إسحاق: # دعا يعقوب «ابنه» وباركه وأوصاه، وقال له: لا تأخذ زوجة من بنات الكنعانيين، قم ~~واذهب إلى «فدان أرام» ... وخذ لنفسك زوجة من هناك ... فخرج يعقوب ... وذهب إلى ~~«حاران»! # تكوين 27: 1، 2، 7، 10 # والملحوظة الجديرة بالبيان هنا، هي أن «أرام النهرين، وفدان أرام، وحاران» كلها مناطق تقع ~~شمالي بلاد الشام، وشمال غربي العراق، فما للتوراة إذن و«أور الكلدانيين» في أقصى الجنوب؟ ~~ويبدو أن هذه الإشكالية قد واجهت مؤرخينا الأوائل، وتركتهم بين الشك واليقين، أو بين ~~«أور» و«حاران» كموطن للقبيلة الإبراهيمية ومهد أول، فقال الثعلبي محاولا الحل: «وقال ~~بعضهم: كان مولده بحران، لكن أبوه نقله إلى بابل». أما ابن كثير فأكد أنه من مواليد «أور» ~~الكلدانية الرافدية، بدليل أن أباه مات في «حاران» بعد الرحيل إليها، ويعقب بالقول: «وهذا ~~يدل على أنه لم يولد بحران، إنما كان مولده بأرض الكلدانيين!» أما المستر «ماير»، # 16 # فقد بلبلته إشارة التوراة، إلى أن عبد إبراهيم لما ذهب يأتي بزوجة ~~لإسحاق، توجه إلى «أرام النهرين مدينة ناحور»، فهذا الجد البعيد «ناحور» لا يقيم في «أور ~~الكلدانيين»، إنما في «أرام النهرين»، قرب «حاران» في أقصى ms016 الشمال، وخلاصا من البلبلة حل ~~«ماير» الإشكال بجرة قلم، وقال: # يظهر أن ناحور كان قد سبق ... إلى حاران، إذ إننا نجد ذريته لاتزال موجودة فيها ~~فيما بعد. # 17 # ويحيلنا إلى دلائل هذا التواجد بالتوراة في سفر التكوين (11: 29؛ 22: 20-23؛ 24: 10-27، ~~43). # أما الباحثون المحدثون في علوم التوراة، فيبدو أنهم قد أهملوا مسألة «حاران»، وتوقفوا ~~عند «أور» يبحثون ويفحصون، ومن ثم أعلن الأستاذ «دي ~~فو # DE-VAUX ~~» أن إبراهيم قد هاجر من «أور» ما بين عامي (1900-1850ق.م) مؤسسا ~~إعلانه على زعم أن سبب الهجرة هو النزاع الذي قام في جنوبي الرافدين حينذاك، بين دولتي ~~«إيسن» و«لارسا» # 18 # مما أدى إلى هجرات متتابعة من المنطقة؛ هربا من أوار الحرب، وقد دعم «دي ~~فو» مذهبه بنقوش تم العثور عليها في المنطقة، منقوشة على ألواح بابلية، جاء بها ~~الكلمتان: «أبام رام» و«آباراما» واحتسبهما صيغتين لاسم النبي «إبراهيم»، أو «إبرام». # 19 # والغريب في أمر الأستاذ «دي فو» أنه يعلم يقينا الموعد المقبول لزمن النبي إبراهيم، وحدده ~~هو نفسه بين عامي 1900-1850ق.م أو بالتقريب حوالي 1700ق.م عند غالب الباحثين، ولا شك أنه ~~يعلم يقينا أن دولتي إيسن ولارسا غير دولة الكلدانيين، وأنهما قد سبقتا دولة الكلدان ~~بحوالي ألف عام، وهو زمن - في عرف التاريخ - غير هين أو قليل فكيف اتفق له ذلك؟ كيف جاز ~~أن يعثر على «أبام راما» على نقش بابلي، فيعلن فورا: هنا ولد إبراهيم! كما لو كان «إبرام» ~~هو الوحيد بين الساميين الذي انفرد باسم «إبرام»، في منطقة تموج بضجيج الشعوب السامية ~~وتفور! # أما الباحث في التوراة الأستاذ «فيلبي»، فقد وقف بدوره عند «أور» لا يتجاوزها أنملة، لا ~~يرفع عينيه عنها، وانتهى من بحثه إلى قراءة نقوش بابلية، تحكي عن ملك حكم في جنوب ~~الرافدين، قامت ضده حركة انقلابية أقصته عن البلاد، وكان اسمه «يثع إيل # YATHI-IL ~~» وقد استنتج «فيلبي» أن هذا الملك هو النبي ~~إبراهيم، استنادا لترجمة العلامة # DOUGHTY # لاسم «يثع إيل» ~~بمعنى «خليل الله» والصفة «خليل الله» هي صفة إبراهيم في التوراة. # 20 # ومرة ms017 أخرى نجد في حديث الأستاذ «فيلبي» غرابة حديث الأستاذ «دي فو»، فلا شك أنه يعلم ~~أن الاسم «يثع إيل» كان اسما متواترا بين الساميين عموما وبين عرب الجنوب خصوصا. وقد ~~بحثنا فعثرنا على أسماء لعدد من الملوك في قوائم العربية الجنوبية بهذا الاسم، فهناك ثلاثة ~~ملوك حكموا بهذا الاسم في الجيل الأول من مكاربة سبأ، # 21 # واثنان آخران في باقي الأجيال الخمسة من ملوك سبأ، وغيرهم كثير، فهل كانوا ~~جميعا خلانا للإله وأنبياء له؟ وإذا كانوا جميعا كذلك فمن منهم كان هو النبي إبراهيم ~~على وجه القصد والتحديد؟ حقيقة إن سند الأستاذ «فيلبي» هنا سند غير تام الإقناع بدوره. ~~وكان الاسم «يثع» منتشرا في بلاد العرب الجنوبية، وكان أحد أسماء الإله القمر، كما كان ~~ينطق أيضا: «يشع»، «يشوع»، وفي هذا الحال كان يعني المخلص. وقد تخلف في اسم «يشوع بن ~~نون» وبتبادل حرف «ش» مع حرف «س» ينطق أيضا «يسوع»، الذي تخلف في اسم المسيح، وبالقلب ~~تنطق «يسوع» نطقا صحيحا تماما «عيسى». # 22 # وهكذا لا نرى المسألة قد حلها «الثعلبي» أو «ابن كثير» رغم اجتهادهما، ورؤيتهما ~~الاحتمالية لموطن إبراهيم عليه السلام بين «حاران» وبين «أور»، ولا حلها القس «ماير» ~~بتخلصه السريع الفكه، ولا حلها الدارسون المحدثون في علوم التوراة، وضربنا منهم ~~مثلا بالأستاذين «دي فو» و«فيلبي». وعليه فتبقى الإشكالية تطلب حلا، ممثله في التساؤل: ~~هل كان موطن النبي إبراهيم عليه السلام هو: «أور الكلدانيين»، أم «حاران»، أم «أرام ~~النهرين» أم «فدان أرام»؟ وهل كان في أقصى جنوب العراق على الحدود العربية؟ أم في أقصى ~~الشمال داخل الحدود الأرمينية؟ # | المبالغات والتلفيقات # تأتينا في القرآن الكريم مزيد من الأخبار عن النبي إبراهيم عليه السلام، لم تعرفها ~~التوراة بالمرة، لعل أهمها أن إبراهيم عليه السلام كان موحدا، بينما كان أبوه عابدا ~~للأوثان صانعا لها. هذا إضافة إلى قصة تكسير إبراهيم عليه السلام لأصنام قومه، وما ~~ترتب على ذلك من حدث إلقائه في النار، ونجاته منها بأمر الله بلطف منه. وما دار بينه ~~وبين ms018 «نمروذ» من جدل حول صحيح العقيدة مع شروح أخرى كثيرة، وإضافات أكثر جاءت بكتب ~~التراث الإسلامية، بعضها ترديد للقصص القرآني، وبعضها ما أنزل الله به من سلطان، ويعد ~~من قبيل الشغف بالمبالغات. وأكثرها لم يرد له في التوراة ذكر، وبعضها الآخر نوع من ~~الإسرائيليات الواضحة التي أخذها الإخباريون المسلمون دون تحقيق أو تدقيق، لذلك رأينا ~~التوقف هنا للتعرف على الصورة التي خططها هؤلاء للنبي إبراهيم عليه السلام، وهي ~~تتعلق في رأي أصحابها، بالفترة التي قضاها الخليل في موطنه الأول قبل هجرته إلى أرض ~~كنعان. # تقول هذه الروايات: إنه ما إن استقرت البذرة الإبراهيمية المباركة في بطن أم إبراهيم ~~عليه السلام، حتى لاحظ القوم أن الأصنام قد نكست رءوسها (؟!)، وظهر وقتها نجم في ~~السماء له طرفان # 1 # وأن الدارس للأساطير وتاريخ الأديان يمكنه أن يلحظ، دون جهد، أن مثل هذه ~~الإضافات المبالغة، تلحق بقصص الأبطال الأسطوريين لدى الشعوب القديمة وبشكل متواتر، حيث كان ~~لابد أن تسبق ميلاد البطل إشارات ونبوءات، من نوع الخوارق الطبيعية للإعلام بمقدمه، ~~فمثلا إله فارس القديم «ميثهرا» صحب مولده نجمة بذيل عظيم، كذلك «نيرون الروماني»، كذلك ~~«زرادشت» المزعوم أنه نبي فارس، كذلك قاد شعاع هذه النجمة المجوس إلى حيث ولد «يسوع المسيح» ~~حسب رواية الأناجيل ... إلخ. # وعندما ولد النبي إبراهيم عليه السلام كان يحكم بلاد الرافدين الطاغية «نمروذ الجبار بن ~~كنعان» الذي ادعى الألوهية. هذا ما ترويه كتبنا التراثية، وقد بحثنا عن اسم «نمروذ» في ~~قوائم ملوك العراق القديم، فلم نظفر بنتيجة وطاشت جهودنا، غير أننا لحظنا وجود منطقة ~~آثارية يطلق عليها هذا الاسم «نمروذ»، ومن الواضح أن هذا الاسم قد أطلق في بداية العصور ~~الإسلامية تأثرا بهذه الروايات، ومن المعلوم أن هناك أسماء كثيرة وغفيرة قد أطلقت على ~~مواضع مختلفة في كثير من البلدان نتيجة لمثل هذه الروايات، وفقدت أسماءها القديمة، أو ~~أصبحت الأسماء القديمة علامات تاريخية في كتب المؤرخين والآثاريين المتخصصين فقط، وكثير ~~من مواطن فلسطين والشام والعراق قد أعيدت صياغة أسماء المواضع فيها أكثر ms019 من مرة، وكان ~~للتسميات التوراتية بالتحديد نصيب الأسد في هذه المعمعة التلفيقة. # وتستمر الروايات فتقول: إن «نمروذ» قد غالى في طغيانه، وأخذ يجبر الناس على عبادته. وذات ~~يوم ذهب إليه كبير كهانه وعرافيه؛ ليعلمه بأنه قد آن أوان ميلاد شخص جليل، وأنه على ~~يدي هذا الشخص سينتهي شأن النمروذ، فما كان من هذا الملك الطاغي إلا أن أمر بتقتيل جميع ~~الذكور الذين ولدوا في هذا العام، ولنلحظ مرة أخرى أن البطل في القصص القديم عادة ما كان ~~يتعرض لمحنة القتل والموت، وحتى يكون بطلا فإنه لابد أن يجوز المحنة ويقضي على الطاغية، ~~الذي يمثل دور الشر في الأسطورة، إضافة إلى العنصر الدرامي الثالث وهو النبوءة، التي عادة ~~ما يمثلها كاهن شرير لديه قدرات خرافية على رأسها معرفة الغيب، ومن ثم يحاول الملك ~~الشرير أن يبطل مفعول النبوءة السحري بالتحايل على القدر، أو محاولة التغلب عليه، لكن ~~القدر بالمرصاد، ولابد أن ينتصر الخير على الشر، فينجو الطفل من المذبحة لتكتمل فصول ~~الملحمة القدرية. والدارس للأساطير القديمة يلحظ بوضوح سيادة فكرة القدر في القصص ~~الميثوبي، فهذا «سرجون الأول» ملك أكاد يتعرض للمحنة، فتلقي به أمه في صندوق من القش ~~في مياه النهر. # 2 # وهذا «تموز» إله الخصب البابلي الأصل يتعرض لمحنة الموت لكنه ينتصر عليها، # 3 # وهذا «أوديب» اليوناني يتعرض لذات الأمر ولذات النبوءة في فصول درامية، تكشف ~~عن فشل أية محاولة للتملص من نبوءة قتل الملك «لايوس» على يديه # 4 # وهذا النبي «موسى» يلقى في الماء لكنه يقضي في النهاية على الطاغية، وتتحقق ~~النبوءة القدرية. وهذا «يسوع» تهرب به أمه إلى مصر؛ حتى لا يقتل في محنة ذبح الأطفال التي ~~أمر بها الطاغية «هيرود»، # 5 # وهذا «أدونيس» الفينيقي يجوز ذات التجربة، # 6 # وهذا «أتيس» الفريجي يتغلب أيضا على تجربة الموت ... # 7 # إلخ. ومن الجدير بالذكر أن القرآن الكريم لم يورد مثل هذا الحدث في قصة ~~النبي إبراهيم، إضافة إلى أن البحوث التاريخية في العراق القديم لم تثبت أن ملوك العراق ~~لجئوا ms020 إلى تأليه أنفسهم إلا في حالات نادرة، كما في حالة الملك «جوديا» في العصر السومري ~~الثاني، وهو عصر غير عصر الكلدانيين المزعوم - توراتيا - عصرا للنبي إبراهيم، وهو أمر ~~يضاف لتساؤلنا حول مصداقية «أور الكلدانيين» كمنطلق للرحلة الإبراهيمية، وموطن أول ~~له! # وتتابع روايات التراث الإسلامية، فتقول: إن النبوءة كانت محققة في حمل أم النبي إبراهيم ~~عليه السلام به، ولما أتاها المخاض توجهت إلى مغارة في الجبل حيث وضعت وليدها هناك ~~وتركته تحت رحمة الأقدار وعادت إلى قريتها، ولكن الحنين اشتد بها إلى وليدها ولم تنقض من ~~الأيام ثلاثة، وعادت تهرع إلى باب المغارة حيث تركته، وهناك «وجدت الوحوش والطيور حاشدة ~~عند باب المغارة، فأشفقت على إبراهيم، وخشيت أن يكون قد أصابه سوء، أو يكون قد هلك، فلما ~~دخلت عليه ألفته سليما آمنا يجلس على فراش من سندس، مدهونا مكحولا ... وقد لاحظت أنه ~~يمص أصابعه، وأن لبنا يحرج من أصبع، وعسلا يخرج من الآخر، وماء يخرج من الثالث.» # 8 # وهكذا حاولت أمه أن تنقذه من الموت على يد «نمروذ»، لتتركه ثلاثة أيام كاملة في مغارة ~~بالجبل معرضا لموت محقق، لكن حتى تبرز المبالغات دور القدر ورعايته للبطل، تجده أمه محاطا ~~بالوحوش ترعاه، ويخرج له الغذاء من أصابعه، إضافة إلى الرعاية التجميلية كالدهن والكحل. وهو ~~أيضا ما لم يرد به نص قرآني أو توراتي، ولا يمكن تفسيره إلا في ضوء خصائص الأسطورة والقصص ~~الشعبي، (وللتذكرة فقد ورد ذلك النص في كتاب قدم له الشيخ مخلوف مفتي الديار المصرية ~~الأسبق!) ويستكمل النيسابوري القصة فيقول: «وكان اليوم يمر على إبراهيم عليه السلام ~~كالشهر، والشهر كالسنة، فلم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر يوما، حتى ~~جاء إلى أبيه آزر فأخبره أنه ابنه.» # 9 # ولم يمض إبراهيم عليه السلام إلا قليلا مترددا بين عبادات قومه، الثالوث الكوكبي ~~المقدس لدى الشعوب القديمة (القمر الأب، والشمس الأم، وكوكب الزهرة الابن) حتى انتهى إلى ~~الوحدانية، ومن ثم بدأ يسخر من قومه وأربابهم، التي عدها تماثيل لا تنفع ms021 ولا تضر، ثم ~~انتهز يوم خروج قومه من المدينة في عيد لهم، وادعى السقم كي يبقى في المدينة لغرض أضمره، ~~وما إن خرج الناس حتى توجه من فوره - والمدينة خالية - إلى ساحة الأصنام، يحمل فأسا، ~~فحطمها وجعلها جذاذا إلا كبيرا لهم علق الفأس برقبته لتناط به المسئولية. ~~وتقول الآيات: # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم ~~لعلهم إليه يرجعون ~~(الأنبياء: 58)، وعندما عاد القوم، وأصابهم ~~مصاب أربابهم بالهلع والغضب، توجهت أصابع الاتهام فورا إلى إبراهيم؛ لأنه هو الذي كان ~~يعيبها ويستصغر شأنها، فأجابهم بسخرية: إن الذي كسرها هو كبير الآلهة، وفي الحديث عن محمد # صلى الله عليه وسلم # قوله الذي يورده الثعلبي مدعما: «إن إبراهيم عليه السلام، لم يكذب إلا ~~ثلاث كذبات، كلها في الله تعالي؛ قوله: إني سقيم، وقوله: بل ~~فعله كبيرهم هذا، «وقوله: للملك الذي عرض لسارة: إنها أختي».» # 10 # وهنا ثارت عوارم القوم، واتخذوا قرارا بحرق الساخر المتحدي # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * ~~وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ~~(الأنبياء: 68-70)، ~~ويشرح الثعلبي بعض دقائق الموقف حينذاك بقوله: «فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه ملك ~~المياه، فقال: إن أردت إخماد النار فإن خزائن المياه والأمطار بيدي، وأتاه خازن الريح ~~فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم عليه السلام: لا حاجة لي بكم.» # 11 # وقال «الضحاك»: «يروى أن جبريل كان معه يمسح العرق عن وجهه، لم يصبه منها (أي: من ~~النار) شيء غيره، وقال السدي: كان معه أيضا ملك الظل»، # 12 # وفي رواية مسلم (أخرجه النسائي وابن ماجه، ورواه أحمد)، أن إبراهيم لما ألقي ~~به في النار، جعلت كل الدواب تطفئ النار عنه إلا الوزغ، فإنه كان ينفخها عليه؛ لذلك ~~أمر النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # بقتل الأوزاغ! # 13 # وفي رواية إضافية: أن إبراهيم عليه السلام لما خرج من النار سليما معافى، ~~حدث أن نمروذ جلس على عرشه، فإذا العرش يهتز من تحته اهتزازا عنيفا، وإذا صوت يرتفع ~~قائلا: ms022 يا ويح الكافر بإله إبراهيم، يا ويح الكافر بإله إبراهيم، وأن الطيور والوحوش ~~كانت تهتف: يا ويح الكافر بإله إبراهيم، # 14 # ورغم هذه البينة الخارقة، لم يؤمن الكافر بإله إبراهيم، ولم يقنعه منطق الطير ~~والوحش! إنما طغى وتجبر، ودخل مع إبراهيم عليه السلام في مناظرة جدلية حول العقيدة ~~الجديدة. # ويحكي القرآن الكريم هذه المناظرة في قوله تعالي: # ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ~~إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال ~~إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين ~~(البقرة: 258). ويعقب «السدي» بالقول: «إن هذه المناظرة كانت ~~بين النمروذ وإبراهيم يوم خرج من النار»، # 15 # وهنا يضيف ابن كثير: إن الله اختتم هذه المجادلة التي لا طائل من ورائها بعد ~~أن ظل نمروذ على جحوده، بأن «أرسل ... عليهم ذبابا من البعوض، بحيث لم يروا عين الشمس، ~~وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاما بالية، ودخلت واحدة منها في ~~منخر الملك، فمكثت في منخره أربعمائة سنة (؟!) عذبه الله بها، فكان رأسه يضرب بالمراذب ~~هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله عز وجل.» # 16 # وإذا لم يعجب العقل لأربعمائة سنة عمر الإنسان، وعذابا، أفلا يعجب من بعوضة تعيش أربعة ~~قرون، تستمتع بمشهيات المنخار النمروذي؟ # أما ما تلا ذلك عند الإخباريين فهو خروج إبراهيم # صلى الله عليه وسلم # بقومه من «أور الكلدانيين» إلى ~~كنعان، بعد أن أخربها البعوض على أهلها، لكن العقل يظل واقفا يتساءل ولا يتزحزح: ~~لماذا تترك العائلة الإبراهيمية «أور» ذلك الموطن عريق الحضارة؟ والعقل يقف كذلك بالطبع؛ ~~لأنه لم يقنع بهلاك «أور» بالذباب والبعوض، لأن «أور» ظلت قائمة بعد عهد النبي إبراهيم بما ~~يزيد على اثني عشر قرنا آخر، وللعقل في ذلك حق مشروع وشرعي حيث لم يرد لهذه التفاصيل ~~إشارات في القران الكريم، إضافة إلى الإشكال الحقيقي والأساسي المتمثل في تخصيص «أور ~~الكلدانيين» موطنا للعشيرة الإبراهيمية، فالدولة الكلدانية ms023 قامت بين عامي 625-538ق.م، ~~بينما النبي إبراهيم عليه السلام يعود إلى زمن أقدم من هذا الزمان، فقد عاش فيما يذهب ~~الباحثون حوالي 1700ق.م # 17 # فيفصل بين زمنه وزمن الكلدانيين ألف عام تقريبا، وليس بين الملوك الكلدانيين ~~نمارذة، ولا في «أور» نمارذة، ولا في تاريخ الملوك الرافدين نمروذ واحد، وهو مما يدعو إلى ~~التشكك في المصدر الأول ومصداقيته، أقصد التوراة ، وكل من تبع هذا المصدر في دربه وزعمه ~~أن موطن النبي إبراهيم عليه السلام هو «أور الكلدانيين» حتى لو كان من سلك هذا الدرب ~~أعلام مثل المستر «فيلبي»، والمسيو «دي فو». # لكن قبل طرح رؤيتنا في حل مشكلة الموطن الأصلي للعشيرة الإبراهيمية، نجدنا وقد اضطرنا ~~للوقوف مع «أور» أمور تنتج لزوما وتتأسس على ما ورد في كتب الأخبار الإسلامية، وهي وإن ~~كانت خارج دائرة اهتمام هذا البحث، إلا أن لها أهميتها العامة، ولا يصح التغافل عنها ~~عندما تفرض نفسها. # وأول ما يلفت النظر في روايات الإخباريين، هو اسم الطاغية الذي ادعى الألوهية، أقصد ~~«نمروذ بن كنعان»، وقد سبق وأشرنا إلى أنه لم يرد في قوائم ملوك العراق القديم، أما الأهم ~~فهو كونه «ابن كنعان». والإخباريون المسلمون هنا أكثر مجاملة للعبريين من التوراة، التي ~~قسمت شعوب الأرض عبر نسل النبي نوح بعد الطوفان، فقالت: إنه أنجب «سام» الذي جاء من نسله ~~الشعب العبري، و«حام» وأبناء حام هم: «كوش» الذي أنسل الأحباش وسمر البشرة عموما، ~~و«مصرايم» الذي أنجب المصريين، و«كنعان» الذي أنجب الكنعانيين، ثم تقول: «وكوش ولد نمروذ ~~الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض، وكان ابتداء مملكته بابل وأورك وأكد وكلنة في أرض ~~شنعار» تكوين 10: 6-10. # والمعلوم أن التوراة تصب لعنتها فوق رءوس أبناء حام عموما، من مصريين وكنعانيين ~~(فلسطينيين)، لكنها عادة تخص «كنعان» باللعنة باعتبار الكنعانيين هم سكان فلسطين الأصليون، ~~والمطلوب إبادتهم لصالح النسل العبراني من أبناء سام. ومن هنا نعرف سر البركات التي تواتر ~~استنزالها بالتوراة على رءوس النسل السامي، لكنها هنا تقول: إن نمروذ الجبار هو من أبناء ~~كوش، ويبدو ms024 أن الإخباريين المسلمين لكثرة الاعتياد على سب كنعان، رأوا من جانبهم أن يكون ~~نمروذ الكافر الجبار ابنا لكنعان بالمرة، طالما قد تم اختياره كمصب لكل اللعنات، دون ~~إدراك حقيقي لما يترتب على ذلك من فهم في ذهن المسلم العربي! # وهكذا يكون عدو النبي إبراهيم اللدود هو ابن كنعان، وكفى بذلك مبررا للاستيلاء على أرض ~~كنعان من قبل العبريين، ولا ملامة. بل إنهم بذلك ضامنون لتعاطف كل المؤمنين مع النبي ~~إبراهيم، ضد مدعي الألوهية ابن كنعان الكافر ابن الكافر! أو التعاطف مع النسل العبراني ~~ضد أهل البلاد، والعجيب أن يكون ابن كنعان ملكا في العراق، ويهجر النبي بلاده ليلجأ إلى ~~بلاد أبيه كنعان في فلسطين! # أما أصل اللعنة وسرها التوراتي، فيرد في قصتها التي تقول: إنه بعد هبوط النبي نوح ~~وأبنائه من الفلك. # ابتدأ نوح يكون فلاحا، وغرس كرما وشرب من الخمر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام ~~عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا، فأخذ سام ويافت الرداء ووضعاه على أكتافهما ~~ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة ~~أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير، فقال: ملعون ~~كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدا ~~لهم. # تكوين 9: 20-26 # وسار الإخباريون المسلمون وراء التوراة هنا أيضا (عالجنا ذلك بالتفصيل في بحث سبق نشره)، # 18 # واستنزلوا اللعنات صبا على رأس كنعان بن حام، رغم أن الآثم في القصة (إذا كان ~~فيها إثم) هو حام الأب، وليس كنعان الابن! # أما الأمر الثاني الذي يتأسس على ما أوردته التوراة، وأخذ به الإخباريون المسلمون، فهو ما ~~نضرب له مثلين: الأول من أصحاب الديانة المسيحية التي تأخذ بالتوراة الحالية كمقدس ~~مسلم بصدقه، وهو القس المبشر العالمي «ماير». # والثاني من الباحثين المسلمين المحدثين «د. صابر طعيمة»، حيث كان إبراز المثالية النبوية ~~ممثلة في النبي إبراهيم، تعني في المقابل الحط من شأن أهل العراق القديم بحسبانهم من أهل ~~«أور الكلدانيين». # يقول «ماير»: «كان أولاد حام قد ms025 أغرقوا في العبادة الوثنية ... وسرعان ما اقترنت عبادتهم ~~بمظاهر الدعارة والفجور، وفي وسط بني حام قامت عشيرته (يقصد عشيرة النبي إبراهيم) من بني ~~سام، واستقرت في المراعي الغنية خارج مدينة أور تحت قيادة رئيسها تارح، ولأن أفراد ~~هذه العشيرة كانوا من الرعاة، فلم تأخذ ألبابهم تلك المدينة ذات الأسوار العالية، بكل ما ~~فيها من مظاهر وأمجاد المدنية ... «إن حياتهم الدينية كانت أنقى من حياة أولئك القوم» الذين ~~سكنوا في وسطهم. على أنه للأسف الشديد، سرعان ما دبت «جرثومة الفساد» وسط هذه العشيرة ~~بسبب مجاورتها لبني حام، يا لها من مسئولية خطيرة على أولاد الله الأتقياء، إذا ارتضوا أن ~~يعيشوا في «الأوساط النجسة الشريرة» ... # 19 # إلخ.» # هذا كل ما رآه «ماير» في حضارة الرافدين القديم: عبادات وثنية، جرثومة فساد، أوساط نجسة ~~شريرة ... إلخ، وهي بالطبع رؤية من خلال العدسات التوراتية. # فماذا يقول «د. طعيمة»؟ ~~«حوالي عام 1800ق.م كانت مجموعة من الرعاة والمنتسبة تاريخيا لبعض هذه الأفواج، التي ~~هاجرت من الصحراء إلى منطقة الهلال الخصيب، قد استطاعت أن تنتشر في العراق وتستقر لتؤلف ~~دولة يذكرها التاريخ باسم الكلدانيين، وهناك من وسط الطبقات الدنيا، في قلب «هذا الشعب ~~الوثني المتخلف» نشأ النبي إبراهيم عليه السلام.» # 20 # وهنا أيضا، نجد «د. طعيمة» لا يذهب أبعد من «أور» ودولة الكلدانيين رغم المفارقة ~~الزمنية، ثم لا يرى في حضارة العراق وشعبها (واصطلاح العراقة لغة مأخوذ من عراق) سوى أنه ~~شعب وثني ومتخلف! لاحظ مرة أخرى (ومتخلف)! وللتوراة هنا - كما هو واضح - دورها الخطير ~~وأثرها العجيب، والتي لم يترك كاتبوها فرصة للطعن فيمن اصطلحوا على تسميتهم «بني حام» إلا ~~وانتهزوها، بل قد تجد اللعنات أحيانا بدون مناسبة وفي غير سياقها، وهو أمر لا يحتاج جهدا ~~في كشفه، فإضافة إلى أن أرض كنعان كانت الغرض والمشتهى، فإن العراق ومصر قد جعلوا من ~~الدويلة الإسرائيلية زمنا طويلا كرة يتقاذفانها، ولم ينس هؤلاء أبدا أن الفرعون ~~«مرنبتاح» ومن بعده الفرعون «شيشنق» قد سحقا هذه الدولة، ثم جاء العراقيون القدامى ~~الآشوريون ms026 أولا، ثم «نبوخذ نصر» الكلداني، ليجهزوا على ما تبقى منها، ولم يكن بيدهم سوى ~~صب اللعنات على رءوس العراقيين والمصريين. # أما اتفاق «ماير» و«طعيمة» على وثنية الشعب العراقي آنذاك وهو اتفاق مؤمنين، فربما كان ~~مقبولا للتعددية في العبادة، لكن ما لا يجب إغفاله أن الشعب العبري نفسه كان معددا، ~~وعبد كثيرا من الآلهة في آن واحد. ولعل أغرب الحقائق في بابه أن الإله الذي عرف في ~~التوراة خلال الحقبة الإبراهيمية، وطوال سفر التكوين، والمعروف بالاسم «إيل» أو «إل» كان ~~إلها معبودا لدى جميع الساميين، وفي كنعان، وبخاصة في العراق القديم! كما كان الاسم ~~«إيل» يستخدم كعلم عام دال على أي إله من آلهة الرافدين القدامى، وفي التوراة نجد ~~الاصطلاح الإلهي في سفر التكوين هو «إللوهيم» وهو الجمع العبري للمفرد «إل»، ويعني ببساطة ~~«الآلهة»! # | «أور» المشكلة؟ # الحل! # ومرة أخرى نجمل المشكلة في موجز يحددها ويوضحها: # التوراة تقول: # إن الركب الإبراهيمي المهاجر قد خرج من «أور الكلدانيين» على الشاطئ الجنوبي ~~لنهر الفرات، يقصد أرض كنعان الفلسطينية، مما يشير إلى أن الجزء الجنوبي من ~~العراق القديم كان هو موطن النبي إبراهيم. # والمفروض أن كنعان هي فلسطين الحالية، وهي بذلك تقع إلى الغرب من «أور»، ~~تفصلهما مسافة من بادية الشام الأردنية. # لكن الركب - دونما سبب واضح - يتحول شمالا، ويستمر يضرب مسافات وبلدانا ~~ومواطن، ويتجاوزها جميعا دون توقف، حتى يصل إلى ما تسميه التوراة «حاران»، ~~وقد حدد الباحثون في التوراة موضع «حاران» المقصودة في أقصى الشمال، داخل ~~الحدود الأرمينية التركية القديمة. وهنا لا مندوحة عن التساؤل: لماذا التحول ~~من الطريق المباشر والقصير إلى كنعان، وتجشم مصاعب مضاعفة عدة أضعاف للوصول ~~إليها عن طريق حاران؟ ناهيك عن أن هذه الرحلة التي ما كانت تستغرق على ظهور ~~الحيوانات أكثر من عشرين يوما مع التلكؤ ~~الشديد، قد استغرقت عن طريق حاران خمسة عشر عاما، أو أن هذه المدة - بالتدقيق ~~التوراتي - هي الزمن الذي انصرم، ما بين خروج الركب من «أور» إلى أن وصل ~~«كنعان»! # والأهم أن «حاران» تبدو ms027 في رواية التوراة، كما لو كانت محطة ترانزيت معروفة، ~~على الطريق من «أور» و«كنعان»، بينما الحقيقة أنها تقع إلى الشمال، بعيدا ~~عن الطريق بمسافات شاسعة. # ثم ماذا تقصد التوراة بهذا الإرباك؟ الذي تضاعفه بالإشارة إلى مواطن أخرى للعشيرة ~~الإبراهيمية، فتقول: إن إبراهيم بعد استقراره في كنعان طلب من رئيس عبيده أن يأتيه بزوجة ~~لولده إسحاق، من بين أهل موطنه وعشيرته، فما كان من العبد إلا أن ذهب من فوره إلى «مدينة ~~ناحور» (تكوين 24)، وناحور جد إبراهيم، ونفاجأ أن «مدينة ناحور» لا هي «أور»، ولا هي ~~«حاران»، إنما هي «أرام النهرين»! وإحباطا للباحث، فإن التوراة تقص علينا رواية أخرى، ~~فقد سار إسحاق على الوفاء الإبراهيمي للأهل والعشيرة، إضافة للحفاظ على نقاء الدم العبري، ~~لذلك أمر ابنه يعقوب بمغادرة كنعان، ليأتي لنفسه بزوجة من بلاد الأجداد، أو كما تقول ~~التوراة: «فدعا إسحاق يعقوب وباركه وأوصاه، وقال له: لا تأخذ زوجة من بنات الكنعانيين قم ~~واذهب إلى «فدان أرام»، وخذ لنفسك زوجة من هناك، وإن يعقوب سمع لكلام أبيه وأمه، وذهب إلى ~~فدان أرام، فخرج يعقوب من بئر سبع وذهب إلى «حاران» (تكوين 27: 1، 2، 7، 10). فهل ثمة إرباك ~~أكثر من ذلك؟ # إسحاق يأمر يعقوب بالذهاب إلى موطن الأجداد للحصول على زوجة، والمفروض أن هذا الموطن هو ~~«أور الكلدانيين»، لكن هذا الموطن يصبح في حديث إسحاق «فدان أرام»، ويسمع الابن المطيع ~~نصيحة الوالدين طلبا للرضى، وإخلاصا للعرقية، وحفاظا على نقاء الدم العبري، فتؤكد ~~التوراة أنه «ذهب إلى فدان أرام»، لكن وبذات الإصحاح تؤكد أيضا أنه «خرج ... من بئر سبع وذهب ~~إلى حاران»، هذا إضافة للموطن الذي ذهب إليه عبد إبراهيم من قبل للحصول على زوجة لإسحاق، ~~وهو «أرام النهرين بلد الجد ناحور» ونجد أنفسنا مع التوراة في متاهة من الدروب، كل منها ~~يؤدي إلى موطن محتمل للقبيلة الإبراهيمية: «أور الكلدانيين» و«حاران» و«أرام النهرين» ~~و«فدان أرام». # والغريب في أمر التوراة أنها بعد أن ذكرت «أور الكلدانيين» كمنطلق للهجرة، «نسيتها ~~تماما»، بينما استمرت تضرب على تأكيد الأصل الحاراني ms028 مرة، والآرامي مرة أخرى. أما الجملة ~~التي لم تمل تأكيدها فهي: أن إبراهيم كان «آراميا تائها» (التثنية 26: 5). # وقد ظلت مسألة «حاراني» و«أرامي» تؤرقني فترة من الوقت، اضطررت أثناءها إلى التوقف عن ~~الكتابة في هذا البحث، وانهمكت في استكمال خطة بحث آخر حول رحلة الخروج الموسوية من مصر، ~~وكانت أهم عقبات البحث في الخروج تحديد كم هائل من مسميات المواضع والقبائل والشعوب ~~بشكل دقيق، ومن هذه الشعوب الشعب الذي ذكرته التوراة باسم «الحيثيين»، وذهبت وراء المصادر ~~أجمع المادة العلمية اللازمة عن الحيثيين، حيث اكتشفت حل مسألة «حاراني»، «أرامي» وعدت مع ~~الكشف لاستكمال بحثنا هذا. # والحيثيون شعب قديم عاش في أواسط بلاد الترك القديمة، وقد تمكن من إقامة دولة كبيرة شمالي ~~بلاد الشام، بعد أن تمكن من القضاء على دولة كانت قائمة في المنطقة كانت تعرف باسم دولة ~~«الحوريين» وحمل شعبها اسم الشعب الحوري، أما الأرض نفسها التي قامت فيها الدولة الحيثية ~~الطالعة، فكانت تعرف باسم بلاد الحور # 1 # ومن هنا أدركت بداهة الأمر وبساطة الحل. # فإذا كانت الدويلات الآرامية قد تناثرت بطول الحزام الشمالي الذي عرف ببلاد الحور، فإن ~~ذلك يفسر لنا إصرار التوراة على القول بالأصل الحوري والآرامي معا للقبيلة الإبراهيمية، ~~وعليه لا أعتقد أني أجافي الصواب إذا افترضت أن حاران التوراتية، لم يقصد بها مدينة محددة ~~بعينها (تلك التي تقع شمالي بلاد الشام داخل الحدود الأرمينية، التركية القديمة)، قدر ما ~~قصد بها في التوراة منطقة واسعة شاسعة، تضم مجموعة الدويلات الآرامية (أرام صوبة، آرام ~~النهرين، أرام معكة، فدان آرام، آرام بيت رحوب ... إلخ). تلك الدويلات التي ضمتها بلاد الحور، ~~أو الحوريون. # وإن هذا الفرض يفسر لنا بوضوح كاشف ومضيء قول التوراة: إن يعقوب خرج يقصد «فدان ~~آرام» ليأتي لنفسه بزوجة، فذهب إلى «حاران»، ولا يبقى هناك تضارب، فقد ذهب يعقوب إلى مدينة ~~«فدان آرام» الواقعة في بلاد «حاران» أو بلاد «الحور». كما يفسر لنا هذا الفرض بوضوح لا ~~يقبل جدلا قول التوراة: إن أرام النهرين «هي مدينة ناحور» (تكوين ms029 24: 10)، وناحور جد ~~إبراهيم عليه السلام، ولا يفوت المهتم بالألسنية والحفر اللغوي، علامة مهمة في الاسم ~~«ناحور» تؤيد فرضنا وتدعمه، فناحور صاحب مدينة آرام النهرين، أو القاطن بها، ينطق أيضا ~~«ناحار»، مثل «هارون»، و«هاران»، وبالقلب المعروف في اللسان السامي، يقلب إلى «ناحار» إلى ~~«حاران»! # وهكذا فقد تصورنا بهذا الفرض أننا قد وجدنا حل التضارب بين «أرامي »، «حاراني» كأصل ~~للعشيرة الإبراهيمية، لكن يبقى الإشكال قائما ببقاء مشكلة «أور الكلدانيين» التي سببت ~~لنا إرباكا شديدا، وظلت غير متفقة مع باقي سياق الرواية التوراتية من وجهتين: # الوجهة الأولى: # أنها تختلف مكانيا مع حاران أو بلاد الحور، حيث تقع «أور» في أقصى ~~الجنوب، وتقع بلاد الحور في أقصى الشمال. # الوجهة الثانية: # أنها تختلف زمانيا، حيث لم تقم دولة الكلدان إلا بعد أن انقضى زمان ~~النبي إبراهيم عليه السلام، بحوالي ألف عام أو يزيد. # ومن المعلوم للباحثين أن اللفظة «أور # UR ~~» تدل على معنى ~~المدينة بوجه عام، فإضافة إلى «أور» الرافدية التي نسبتها التوراة للكلدانيين، واكتشف ~~تاريخها العريق حديثا، في أطلال مغير قرب مصب الفرات في الخليج العربي، هناك «أور» أخرى ~~متعددة، فلدينا «أورشليم» أو مدينة السلام، المدينة المقدسة عاصمة دولة يهوذا، ~~و«أوركومينوس» باليونان، و«أوروك» بالعراق أيضا، و«أور-آرتو» على جبال أرمينيا قرب بحيرة ~~«فان» والمعروفة باسم «أرارات» وغيرها كثير. # والتوراة تقول: إن كارثة الطوفان قد أدت إلى انتقال قوم من موضع الكارثة بسفينة كبيرة، ~~إلى جبال «آرارات» حيث ألقت السفينة مراسيها، ومما يؤكد أن «آرارات» المذكورة في التوراة ~~تقع في أرمينيا، ما ذكره المؤرخ «هروشيوش» أو «أورسيوس» المولود حوالي 375م، وسجل فيه ~~ذكريات الأمم الخوالي، وأكد أن السفينة النوحية قد ألقت مراسيها على «الجبل الذي بأرمانية». # 2 # وفي الوقت ذاته تؤكد التوراة: أن إبراهيم من نسل «أرفكشد بن سام ابن نوح»، مما أثار لدينا ~~التساؤل: هل قصدت التوراة ب «أور» مدينة أخرى تحمل ذات الاسم، ربما كانت تقع في منطقة ~~الدويلات الآرامية «بلاد الحور»، قرب «أور» التي ألقت السفينة النوحية مراسيها قربها، أو ~~هي «أور-آرتو» ذاتها؟ ms030 # ومن هنا كان شكنا في الترجمة العربية للتوراة العبرية، وعدنا نبحث مدى مصداقية هذه ~~الترجمة، وتحول الشك يقينا، عندما تأكد أنه ليس في الأصل العبري أية «أور كلدانيين»، ~~إنما كانت هناك «أور كسديم» # 3 # وهي ما لا يمكن ترجمتها بحال إلى «أور الكلدانيين»، ويجب أن تظل كما هي ~~«أوركسديم» ونبحث عن معناها الصادق، وهو ما يلتقي تماما مع فرضنا الذي ذهبنا إليه، وإلى ~~قارئي عناصر هذا اللقاء الحميم، وربما المذهل! # أولا: # لنقف قليلا مع الاسم «أرفكشد بن سام بن نوح» جد النبي إبراهيم، الذي ~~وضع بين يدي وصلات الأمر المبعثر، فإذا كانت الفاء تختلط بالباء، وتتبادل ~~معها في اللسان القديم «وحتى اليوم»، وإذا كان حرف «ش» يتبادل مع حرف «س» ~~في اللغات السامية وكثير من اللغات الأخرى، فإن الاسم «أرفكشد» ينطق أيضا ~~- نطقا صحيحا تماما - «أربكسد». # والمنطقة الواقعة جغرافيا بين جبال أرارات الأرمينية، وبين بلاد الحور ~~كانت تعرف باسم «آرابخيتيس»، وتعرف حاليا باسم «البك»، وبعلمنا أن لسان ~~هذه المنطقة هندوأوروبي، فإنه بحذف التصريف الاسمي «الياء والسين الأخيرة» ~~في كلمة «آرابخيتيس» تصبح «أرابخسد»، وبتبادل حرف «ك» مع حرف «خ» في ~~اللسانين السامي والهندوأوروبي، فإنه يسوغ لنا القول دون تردد: إن ~~«أرابخسد» هي ذات التسمية «أربكسد» وعينها. # ثانيا: # مع ما نعرفه عن الخاصية التوراتية، في تسمية البلدان بأسماء الأبطال، فإن ~~اسم المنطقة «أربكسد» يلتقي تماما مع بطل من أبطال التوراة، هو «أربكسد» ~~أو «أرفخشد» بن سام بن نوح، جد النبي إبراهيم، # 4 # ولا نعتقد أننا مخطئون إن احتسبنا منطقة «ربكسد» هي المعنية في ~~التوراة ب «أور الكلدانيين»، التي هي في الأصل العبري «أوركسديم»، و«كسديم» ~~جمع عبري للمفرد «كسد»، فهي «أوركسد» أو «أوربكسد» أو «أربكسد». # ثالثا: # إن أهم ما يؤيد هذا الحفر اللغوي، هو التسمية التي أطلقها أهل الرافدين ~~القديم على سكان تلك المناطق الشمالية، وكانوا يشكلون خطرا داهما على ~~البلاد، وقد غزوا بلاد الرافدين فعلا، ودمروا بابل واحتلوها زمنا، ~~وأسسوا ما يعرف باسم دولة بابل الثالثة. هؤلاء هم من تشير إليهم النصوص ms031 ~~الرافدية القديمة باسم «الكاسيين» أو ال «كاسي» ولو جمعنا المفرد «كاسي» ~~باللسان العبري، فإنه يصبح «كسديم»! فهل ترانا قد عثرنا على دليل ~~مبين؟ # رابعا: # إن في التوراة ذاتها ما يؤكد مذهبنا في موطن النبي إبراهيم الأصلي، ~~فالنبي إبراهيم كما هو معلوم يعود بأرومته إلى جده البعيد «سام بن نوح» ~~وكان لسام أخوان هما «حام » و«يافث». وتحكي التوراة - كما أسلفنا - أن نوح ~~لعن النسل الكنعاني من أبناء حام، وبارك سام ونسله بالقول: «مبارك الرب إله ~~سام، ليفتح الله ليافث، فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم» (تكوين ~~9: 18-27). # وحسب التقسيم التوراتي للأجناس (التكوين 10) فإن سام هو أبو كل بني ~~عابر وبني آرام وبني أرفكشاد. والعجيب أن كاتب هذا الجزء من التوراة، كانت ~~لديه معلومة تقول: إن يافث ونسله كانوا يساكنون سام ونسله «ليفتح الله ~~ليافث فيسكن في مساكن سام»، وحسب التقسيم التوراتي للأجناس، فإن يافث هو ~~أبو الترك والصقالبة القدماء، وهم ليسوا شيئا آخر سوى سكان بلاد الحور ~~الأرمينية وما جاورها، أفلا يعني ذلك أن مساكن سام التي سكنها يافث، كانت ~~في المنطقة التي حددناها وعيناها كموطن أول للعشيرة الإبراهيمية؟! # خامسا: # إن «ماير» يشير إلى معلومة قديمة متوارثة، تعطينا خاتما توثيقيا على ~~ما ارتأيناه، فيقول: «كان الرأي السائد قديما أن مدينة أور تقع أعالي ما ~~بين النهرين، ولكن الاكتشافات الحديثة أثبتت أنها تقع في الجنوب في أطلال ~~مغير، بالقرب من مصب نهر الفرات في الخليج الفارسي.» # 5 # وهكذا فإن «ماير» يلقي بمعلومة قديمة متوارثة من وراء ظهره، تقول: إن «أور» تقع أعالي ما ~~بين النهرين، وهو ما حددناه، بلاد الحور الأرمينية. لكن «ماير» لم يلتفت إلى أن ~~الاكتشافات الحديثة كشفت فقط عن مدينة تسمى «أور» تحت أطلال مغير العراقية، لكنها لم ~~تكشف عن أصول العشيرة الإبراهيمية هناك، وتم هذا الربط من جانب الباحثين التوراتيين، فربطوا ~~«أور الكلدانيين» - وهي كما علمنا ترجمة خاطئة - وبين أور المكتشفة في جنوب العراق، وقد ~~علمنا أنها «أوركسديم» أو «أور الكاسيين» في منطقة «أرابخيتيس» الحورية، وهي ms032 على ما يبدو ~~كانت معلومة شفاهية قديمة، مجهولة المصدر والزمان، ظلت تتواتر شفاهة، ولكن رفضها ~~الباحثون بعد الكشف عن «أور» العراقية. # وتأسيسا على كل ما أوردناه، وإعمالا لمجموعة القرائن التي توصلنا إليها، فإنه لم يعد ~~هناك أي مبرر للبحث عن حاران تجاور أور الكلدانيين أو أور العراقية، كما حاولت الخريطة ~~المرفقة بالتوراة أن تفعل، ولا يعد مرور النبي إبراهيم عليه السلام بمنطقة حاران في أقصى ~~الشمال داخل الحدود التركية الحالية مثيرا للتساؤل أو الاستغراب؛ لأنه في هذه الحال لم ~~ينطلق من «أور الكلدانيين» في الجنوب، متجها إلى «حاران» في أقصى الشمال، ليعود مرة أخرى ~~جنوبا نحو كنعان، إنما ستتسق الأمور - وفق طرحنا - وتنضبط، فيغادر النبي منطقة «أربكسد» ~~المعروفة حاليا باسم «إلبك» جنوب غربي أرمينيا، ويتجه إلى بلاد الحور أو «حاران»، وتصبح ~~حاران بذلك محطة ترانزيت منطقية تماما في الطريق إلى كنعان، كما يصبح مفهوما إشارة ~~التوراة المترجمة لكافة اللغات، ومنها العربية «عن الأصل العبري» أنه خرج منها، دون سبب ~~واحد تبرر به ذلك، ورغم إشاراتها المتعددة والمتكررة التي تؤكد آرامية النبي ~~إبراهيم. # وهكذا يتضح أن العشيرة الإبراهيمية وافدة على المنطقة من جنوب أرمينيا، وقد وصفت التوراة ~~إبراهيم عليه السلام بأنه رجل آرامي، وأقر التراث الإسلامي أنه ليس من أبناء الجنس ~~العربي، وأن لسانه لم يكن عربيا، وقال ابن هشام في السيرة: إن لسانه كان سريانيا (لسان ~~شمالي بلاد الشام)، ولكنه عندما عبر نهر الأردن إلى كنعان حول الله لسانه إلى اللغة العبرانية. # 6 # وربما يكون تفسير هذه الهجرة في حديث المسعودي عن حدثان الطبيعة، وقوله: «ولما ~~قبض ساروغ قام من بعده ناحور بن ساروغ، مقتديا بمن سلف من آبائه «وحدث رجف وزلازل» لم ~~تعهد فيما سلف الأيام قبله، وكانت في أيامه حروب وتحزيب أحزاب»، # 7 # و«ساروغ» هو «سروج» في التوراة، أبو ناحور، جد إبراهيم النبي. المعنى هنا أن ~~ثمة ضغطا قد حدث دفع شعوب هذه المنطقة الحورية للخروج في موجات متتابعة من الهجرات، وربما ~~تمثل هذا الضغط في كارثة طبيعية ms033 أو مجموعة كوارث متتابعة تفسر الهجرات المتتابعة التي هبطت ~~على المنطقة، منهم النبي إبراهيم أو قبيلته، الكاسيين، الهكسوس ... إلخ. وقد أضفت الملحوظة ~~المطولة التالية التي بين القوسين الكبيرين، بعد مطالعتي لخبر جاء بصحيفة الأهرام القاهرية ~~بتاريخ 13 / 12 / 89، وذلك أثناء مراجعتي لطباعة البروفة الأولى للكتاب، والخبر تحت عنوان ~~«نظرية علمية جديدة تقول: «ثورات البراكين ابتلعت بعض الحضارات القديمة » طبقا لنظرية جديدة ~~توصل إليها العالم البريطاني الدكتور مايكل بايلي، فإنه من المرجح أن تكون عدة حضارات ~~في أنحاء العالم قد تعرضت للدمار بسبب الثورات البركانية التي دمرت - فيما دمرت - جزيرة ~~ثيرا في بحر إيجا (لاحظ هنا أنه قد حدثت أيضا هجرات كاسحة من بحر إيجة لسواحل البحر ~~المتوسط الشرقية قرب نفس الزمان. والملحوظة من عندنا)، وطبقا لما تقوله النظرية الجديدة؛ ~~فإن السلالة الحاكمة الصينية في ذلك الوقت كانت من بين ضحايا هذه الثورات البركانية، وقد ~~أسس الدكتور بايلي نظريته على نتائج دراسة لعينات من خشب البلوط القديمة يرجع عهدها إلى ~~وقت الثورة البركانية التي دمرت جزيرة ثيرا «في القرن السابع عشر قبل الميلاد» (لاحظ أنه ~~الوقت الذي ظهرت فيه القبيلة الإبراهيمية 1700ق.م، والإشارة من عندنا) حيث لاحظ الدكتور ~~بايلي أن معدل نمو أشجار البلوط في ذلك الوقت كان بطيئا بسبب ضعف ضوء الشمس، والبرودة ~~الزائدة التي نتجت عن تصاعد كميات كبيرة من الغبار إلى الغلاف الجوي بعد الانفجار البركاني. ~~وفي معهد التكنولوجيا في باسادينا بولاية كاليفورنيا الأمريكية توصل عالم من أصل صيني، ~~ويدعى «كيفين بانج» إلى نتائج تدعم نظرية بايلي، فقد أجرى بانج أبحاثه مستخدما الكمبيوتر. ~~وتوصل إلى أن النشاط البركاني كان سببا في إنهاء السلالة الحاكمة «شانج» أثناء العصر ~~البرونزي، وحدث خسوف للشمس وفيضانات وأوبئة ...» ونعود الآن لصلب موضوعنا. # إذا كانت التوراة قد وصفت النبي إبراهيم عليه السلام بأنه رجل آرامي، فقد انتهينا إلى أنه ~~رجل «حوري» أيضا، ولم يزل اللسان الشامي يحتفظ إلى الآن بهذا المعنى، فرجل الدين أو الكاهن ~~هو «الخوري»، والخاء تختلط بالحاء دون ضير، مما يشير ms034 إلى أن الاشتغال بأمور الدين كان يغلب ~~على أهله العنصر الحوري، لذلك كان جليا في التوراة أبوة إبراهيم عليه السلام للأنبياء، ~~ولا يغيب عن الخاطر أنه في المنطقة الحدودية بين المنطقة الكاسية الهندوأوروبية والمنطقة ~~العراقية والكنعانية وهي سامية، كان سهلا أن يتبادل حرف «ح» مع حرف «أ» أو مع الهمزة، ومن ~~هنا كان ممكنا أيضا أن تنطق حور الواقعة في المنطقة الكاسية أو «حور الكاسيين» بالنطق ~~«أور-كاسيين»، والتي يجب نطقها عبريا «أور-كسديم»! # وقد تبدو النتائج التي وصلنا إليها مخالفة لما تعارف عليه جمهور الباحثين، وخاصة أن ~~كثيرا من البحوث قد أثبتت تطابق ميثولوجيا التوراة مع ما كشف عنه من تراث رافدي، مما يشير ~~إلى أن أصل العبريين يعود فعلا إلى العراق، بل إن هذا التطابق في المأثور كان من أهم أسباب ~~تأكيد «أور» العراقية كموطن أول للعشيرة الإبراهيمية. وفسر التطابق بين المأثورين بأن ~~العبريين قد أخذوا معهم التراث الرافدي ليسجل بعد ذلك كعقائد في التوراة، بل إن كاتب هذه ~~الدراسة مر عليه وقت كان يأخذ بهذه النظرية في بعض بحوثه المنشورة، لكننا الآن نرى أن ~~تطابق المأثور التوراتي مع التراث الرافدي القديم، لا يعني بالضرورة أن أهل التوراة كانوا ~~من أهل العراق، إنما نجد للأمر أسبابا أخرى لعل أهمها أن أهل الرافدين من بابليين ~~وآشوريين عندما حطموا المملكتين العبرانيتين: يهوذا والسامرة، بعد عصر إبراهيم عليه السلام ~~بأكثر من ألف عام، واستاقوا اليهود أسرى ليعيشوا على ضفاف دجلة والفرات في عبق التاريخ ~~العريق، تعرف العبريون الأسرى هناك على المأثور الرافدي وتمثلوه بعد طول مقام، هو ذات الأثر ~~الذي تركه التراث المصري والكنعاني في التوراة، واصطنع العبريون لأنفسهم تراثا تم ~~استخلاصه من تراث المنطقة التي كانت تموج بظواهر التحضر وما يلزم عنه ويفرزه. ولعل أهم ~~دعم لهذا الرأي هو إجماع الباحثين في التوراة - تقريبا - على أن الأسفار الخمسة الأولى ~~الكتاب المقدس (وهي التي يطلق عليها تحديدا اسم التوراة، وهي الأسفار التي أجريت عليها ~~دراسات ومقارنات شتى مع المأثور الرافدي، والتي حوت معظم ms035 ما يتصل بالتراث العراقي) لم ~~تكتب قبل عام 400ق.م، هذا ونعلم أن: الأسر الآشوري لليهود قد بدأ عام 722ق.م، أي إن ~~الأسفار التوراتية التي تطابق المأثور العراقي قد كتبت بأثر لا جدال فيه لهذا المأثور فهل ~~لم يزل ثمة نقاش؟ # ولا تفوتنا الإشارة إلى أمر بالغ الأهمية لأمرنا هنا، وكثيرا ما أثار عجب الباحثين ~~ودهشتهم، وهو أن طوائف تعيش اليوم في جنوب روسيا تتكلم اللغة الآرامية القديمة # 8 # المحسوبة من اللغات السامية، ومع بحثنا يزول هذا العجب؛ لأن من هذه المنطقة ~~قدم أصحاب اللسان الآرامي في القديم، ويحمل اسمها «أرمينيا» معنى الآرامية. # وآخر أدلتنا على الأصل الخوري أو الحوري أو الآرامي للقبائل الإبراهيمية، وأنها كانت ~~عناصر وافدة على المنطقة، يضطرنا إلى وقفة سريعة عجلى مع النبي موسى التوراتي وإلهه ~~«يهوه» المنطوق عبريا «جاهوفاه، بتعطيش الجيم وبفاء مثلثة التنقيط» وقد قصدنا التعبير ~~«موسى التوراتي» قصدا، لتمييزه عن النبي موسى عليه السلام كما يعرفه المسلمون. # ومن المعلوم أن موسى التوراتي قد نشأ في كنف فرعون مصر وربا في بلاطه، لكنه تورط في ~~جريمة قتل، قتل فيها مصريا انتصارا لواحد من بني جلدته، فهرب من البلاد خوف القصاص ونزل ~~البلاد الموسومة في التوراة بالاسم «مديان»، وقد حددها أهل التوراة في سيناء مع امتداد إلى ~~الشرق شمالي جزيرة العرب، وسار الآخرون خلفهم وتم تسجيلها على الخرائط على هذا الأساس، لكن ~~مع البحث والتقصي فإننا لا نجد في نصوص مصر القديمة ما يشير إلى بلاد في سيناء، أو على ~~الحدود الشرقية لمصر تعرف باسم «مديان»، والمفترض أن مصر تعرف حدودها جيدا. نعم هذه النصوص ~~تتحدث عن بلاد باسم «ميتان» أو بالقلب «متيان»، لكن هذه البلاد تقع في أقصى حدود ~~الإمبراطورية المصرية شمالا، وليست على الحدود السينائية، بمعنى أن «متيان» هذه تقع وفق ~~النصوص المصرية فوق الحزام الشمالي لبلاد الشام الخاضعة آنذاك للحكم المصري. # ومن هنا ذهب بي الظن إلى أن «ميتان» أو «ميتاني» التي ذكرتها النصوص المصرية، ربما ~~كانت هي «مديان» في قصة موسى التوراتي، ms036 خاصة إذا ما تذكرنا أن اللسان المصري الرقيق كان ~~يقلب حرف «د» إلى «ت»، فلماذا لا تكون «ميتان» باللسان المصري هي «مديان» باللسان ~~العبري؟ # وربما يعضد ذلك أن مصر آنذاك كانت قد طوت تحت جناحها الأيمن كل بلاد الشام حتى الفرات ~~شرقا، أما آخر حدودها الشمالية فكان هو بلاد «ميتان» والتي كانت عثرة على الحدود ~~الشمالية، فكانت تبدي الخضوع لمصر وتصطنع لها الود، لكنها كثيرا ما لعبت دورا رديئا في ~~مساعدة الثورات الإقليمية، التي كانت تنشب هناك، وما كان ممكنا لهارب من العدالة أن يظل ~~داخل أي أرض مصرية، ومن ثم كان الهروب المناسب هو إلى بلاد ميتان أو مديان، أما أهم ما ~~في هذه الجزئية فهو أن بلاد مديان هذه إنما كانت جزءا من بلاد الحور، وضمن الحزام الشمالي ~~الذي سبق وجاء منه أجداد موسى التوراتي في زعمنا. # وتقول التوراة في قصة الخلق: إن أصل البشرية خرج من مكان على الأرض يدعى جنة عدن، وأن ~~من هذا المكان تنبع أنهار أربعة هي: دجلة والفرات وفيشون وجيحون، وأن من النسل الذي عاش في ~~جنة عدن، جاء بنو عابر الشعب المختار، أو بالنص التوراتي: # وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ... وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة. ومن هناك ~~ينقسم فيصير أربعة رءوس، اسم الواحد فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، ~~وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع، واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط ~~بجميع أرض كوش، واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي آشور والنهر الرابع ~~الفرات. # تكوين 2: 8-14 # وبالبحث فإنك لا يمكنك العثور في المنطقة على موضع تنبع منه أنهار أربعة، سوى قمم ~~أرمينيا، وهو ما افترضناه موطنا أصليا للعشيرة الإبراهيمية، ومن هذه القمم ينبع نهرا ~~دجلة والفرات، ويستديران غربا فجنوبا إلى أن يصبا في الخليج ~~العربي، ومن ذات القمم ينبع نهرا «كورا» و«أراكس» ~~ليصبا في بحر قزوين، ولعل قصة التوراة في حديثها عن خروج أبي البشر من جنة عدن، إنما ~~كانت تردد قصة خروج ms037 آبائهم هم من منطقة منابع الأنهار الأربعة، لتستوطن جنوبا، لأسباب ما ~~زالت تحتاج بحثا وتقصيا جلدا، وربما كان المأثور الذي ذكره المسعودي عن الرجف والزلازل ~~وتحزيب الأحزاب، مؤشرا للطريق الواجب اتباعه. # ولعل موسى التوراتي، عندما فر إلى تلك البلاد استعاد هناك أطياف الجدود والجلدة، وتعرف ~~على إلهه «جاهوفاه» وعاد يخبر أهله في مصر بأن «جاهوفاه» يطلب خروجهم من مصر، إلى أرض تصفها ~~التوراة دوما بالقول: «أرض اللبن والعسل» و«جنة الرب». وعليه فإن موسى كان يقصد تماما ~~بلاد أرابخيتيس «الحورية»، ولم يزل مأثورنا الشعبي يتحدث عن الحوريات ونساء الحور، وأما ~~الجنة ففيها أجمل النساء «الحوريات»! وفي الأحاديث النبوية عن مسلم عن أبي هريرة، قال: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة.» وقال كعب: نهر دجلة نهر بالجنة، # 9 # ولا ننسى أن كعبا من أصل عبراني يهودي، وفي الحديث أنها جميعا تنبع من الجنة ~~من تحت عرش الرحمن، وأن من أنهار الجنة في سورة محمد، نهر لبن، ونهر العسل، والتوراة تقول ~~عن الأرض الموعودة «أرض اللبن والعسل»! # أما أسطع البراهين على أن رحلة الخروج من مصر بقيادة موسى التوراتي، كانت تبتغي بلاد ~~الحور، فهو قول «جاهوفاه» لموسى التوراتي، أنه سيرسل على أهالي تلك البلاد «قواته الجوية» ~~مقدما، لتمهيد الأرض أمام المشاة العبرانية، أو نصيا: # وأرسل أمامك الزنابير، فتطرد الحيثيين والكنعانيين والفرزيين والحويين. # خروج: 34: 11 # ثم لا يلبث جاهوفاه - زيادة في الاطمئنان - أن ينزل بنفسه لقيادة المعترك له، ويقول: # فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة ~~تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين والحيثيين والفرزيين والحويين. # خروج: 3: 8 # والبرهان هنا على صدق أطروحاتنا أن جاهوفاه سيطرد من الطريق: الأموريين والكنعانيين، وهم ~~تاريخيا شعوب انتشرت في الطريق بين مصر وبلاد الحور. لكن إذا كانت فلسطين هي الغرض، فما ~~بال رب التوراة يريد طرد الحيثيين منها؟ ولا حيثيين بفلسطين! إنما ما يعلمه التاريخ هو وجود ~~دولة باسم دولة الحيثيين، كانت تقع إلى الشمال ms038 والغرب من «ميتان»، أو ما افترضناها «مديان»، ~~وهي بهذا التحديد إنما تقع تحديدا داخل بلاد الحور! # ثم من هم الحويون؟ بالبحث لا تجد أبدا شعبا في المنطقة عرف بهذا الاسم، إنما يوجد ~~الحوريون، ومن المعلوم أن بعض اللهجات كانت تسقط حرف الراء، ولم يزل منتشرا في بعض اللغات ~~بشكل حاد، وينتشر فرادى فيما يعرف بلثغ اللسان، وكان قديما وحديثا من خصائص شعوب بعينها، ~~وربما لا نجانب الصواب كثيرا، إن افترضنا هؤلاء «الحويين» هم «الحوريون». # وهكذا، فإننا بإزاء بلاد يريدها موسى التوراتي، ليست هي فلسطين إنما تقع إلى أقصى ~~الشمال، وليست فلسطين، وأهلها الكنعانيون ليسوا سوى عقبة في الطريق، سيمطرها جاهوفاه ~~بالزنابير، والفرزيون أمرهم مجهول، «وربما أهلكتهم القوات الجوية»! لكن موسى التوراتي ~~يموت قبل تحقيق المراد، ولا يدخل الأرض التي خرج إليها وعاش يحلم بها (أرض الأجداد، بلاد ~~الحور وجنة اللبن والعسل)، ويترك لأتباعه استكمال المهمة، لكن كان واضحا أن همم الأتباع ~~قد قصرت عن كل المبتغى، وتوقفت عند حدود فلسطين. # أما آخر قرينة لدينا على مقدم القبيلة الإبراهيمية من جنوب أرمينيا، حيث المنطقة الحورية ~~أو الكاسية أو «أوركسديم»، فهو مستمد من كتب التراث الإسلامية، التي تحدثنا عن أخبار عرب ~~الجزيرة وأصولهم الأولى. فيقول ابن هشام: «إن العرب كلها من ولد إسماعيل وقحطان.» # 10 # ومعروف أن إسماعيل هو ابن النبي إبراهيم، ومعروف أيضا هذا الإصرار الغريب في ~~كتب التراث على تقسيم العرب إلى إسماعيلية وقحطانية، ومعروف كذلك أن القحطانيين هم من سكان ~~جنوب الجزيرة أصلا، وهم الذين انتشروا في الجزيرة باسم العرب العاربة، أي الراسخة في ~~العروبية، أما العرب الإسماعيلية فهم العرب العدنانية وهم العرب المستعربة، أي لم يكونوا ~~عربا إنما اكتسبوا العروبية، وسكنوا شمال الجزيرة وامتدادها مع بادية الشام نحو الشمال، ~~على الخط القادم من الموطن الذي افترضناه موطنا أول للعشيرة الإبراهيمية. # ولنلحظ أن العرب الإسماعيلية قد أطلق عليهم: العرب العدنانية! فهل يشير ذلك إلى ذكرى في ~~التراث عن أصل هؤلاء، وقصد منها التعريف بموطنهم «عدن» أو ما أطلقت عليه ms039 التوراة «جنة عدن»؟ ~~حيث الأنهار الأربعة، ربما. وربما كان هبوط بعض هؤلاء وتوغلهم جنوبا في جزيرة العرب، هو ~~الذي أعطي مدينة «عدن» اليمنية اسمها الحالي، تيمنا بعدن الأصلية في الشمال حيث جنة ~~الحور الكاسية. # ربما! # وإذا كنا قد ذهبنا إلى أن العدنانيين ليسوا عربا أصلاء، وإنما قدموا من «أور الكاسيين»، ~~أو أنهم إحدى القبائل الكاسية، فإننا نجد كتب التراث لم تزل تحفظ بين طياتها قولا ~~رائع الدلالة والتوافق والتناغم مع مذهبنا، فتقول السيرة الحلبية: «وولد عدنان يقال لهم: ~~«قيس»، وولد قحطان يقال لهم: يمن.» # 11 # ولعلنا لسنا بحاجة إلى إيضاح أن «كاسي» هي «قيسي»، وإذا كنا قد زعمنا أن القبيلة ~~العدنانية (النسل الإبراهيمي) قد وفدت ضمن مجموعة من الهجرات المتدفقة على شكل موجات ~~متلاحقة من المنطقة الكاسية، وقلنا: إن من أكبر هذه الهجرات وأخطرها، الكاسيين الذين ~~هبطوا في غزو بربري كاسح على دولة بابل الأولى حوالي عام 1600ق.م، فإننا نزعم أيضا أن ~~ضمن تلك الموجات المتبربرة، جاءت موجة الهكسوس لتحتل مصر حوالي عام 1680ق.م، والهكسوس هو ~~الاصطلاح الذي أطلقه أصحاب البلاد على الغزاة، وقد ترجمه المؤرخ المصري «مانيثون # MMANITHON # 300ق.م» بمعنى الملوك الرعاة، وقد فصل ~~«جيمس هنري برستد # J. H. BREASTED ~~» كلمة هكسوس استنادا ~~إلى «يوسفيوس» بحسبانها تتركب من ملصقين، الأول «هك» ملك، والثاني «سوس» بمعنى «راعي»، # 12 # ولنلحظ أن كلمة «يسوس» تعني «يرعى»، ويؤكد لنا برستد أن كلمة «هكسوس» لفظ دارج ~~في اللغة الآرامية، # 13 # و(اللغة الآرامية بالذات وبالتحديد، إذن لك الشكر يا برستد!)، كما لا ننسى أن ~~الآرامية والعربية حسب التصنيف اللغوي من اللغات السامية، كذلك العبرية وأداة التعريف في ~~هذه المناطق كانت حرف «ه» في بداية اللفظ المعرف، وعليه فالكلمة «هكسوس» بعد حذف التصريف ~~الأسمى (حرف السين الأخير)، تصبح «الكاسو» أو «الكاسي»، هذا إضافة إلى أن أشيع الاتجاهات ~~حول الموطن الأصلي للهكسوس هو براري غرب آسيا، وهو اتجاه يشمل منطقة «أرارات» في ~~«أرمينيا»! # أما المثير حقا، فهو أن هذه المنطقة (مصر وشرقي المتوسط وجزيرة العرب) لم تعرف ms040 الخيول، ~~إلا مع هبوط المتبربرين الشماليين عليها، وقد لفت نظري وأنا أتابع موسوعة تاريخ العالم، في ~~حديثها عن أحداث تاريخ الرافدين عام 1600ق.م، قولها: «عام 1600ق.م، غزا الكاشيون بابل ... ~~حكموها لمدة 450 عاما، أصبح الحصان معروفا في مصر وغرب آسيا»، # 14 # ومع ذلك لم تربط الموسوعة ولو بالإشارة بين الغزو الكاسي للرافدين، وبين غزو ~~الهكسوس لمصر، وبين الآراميين وأرمينيا! ولعل ذلك كله يتضح غرضه، عندما نربطه بما جاء ~~عن أنس في قوله: «إن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن شيء أحب إليه بعد النساء من «الخيل».» وما ~~جاء في كتب الأخبار: «أن إسماعيل عليه السلام أول من ركب الخيل وكانت وحوشا، أي ومن ثم قيل ~~لها العراب ... وقد قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «اركبوا الخيل، فإنها ميراث أبيكم إسماعيل».» # 15 # وهو لا شك نوع من ترديد الذاكرة للأيام السوالف، وربط الذكريات القديمة بين ~~هبوط الموجات الشمالية جنوبا، وظهور العرب العدنانية، والحصان. # | إبراهيم في مصر # مع التوراة، نتابع الرحلة الإبراهيمية، بعد أن استقر «إبرام» هونا في «حاران»، فتقول ~~إن الرب «إيل» قد التقى بخليله وقال له: # اذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك، إلى الأرض التي أريك فأجعلك أمة عظيمة، ~~وأباركك، وأعظم اسمك. فذهب إبرام كما قال له الرب، وذهب معه لوط وكان إبرام ابن خمس ~~وسبعين سنة لما خرج من حاران، فأخذ إبرام ساراي امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل ~~مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض ~~كنعان، فأتوا إلى أرض كنعان، وظهر الرب لإبرام، وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى ~~هناك مذبحا للرب الذي ظهر له، ونقل هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل، ثم ارتحل إبرام ~~ارتحالا متواليا نحو الجنوب، وحدث جوع في الأرض، فانحدر إبرام إلى مصر ليتغرب ~~هناك؛ لأن الجوع في الأرض كان شديدا، وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي ~~امرأته: إني قد علمت أنك امرأة «حسنة المنظر»، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: ~~هذه امرأته، فيقتلونني ويستبقونك. ms041 قولي: إنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من ~~أجلك، فحدث لما دخل إبرام بها إلى مصر، أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا، ~~ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون «فصنع لإبرام ~~خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال»، فضرب الله فرعون ~~وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة إبرام، فدعا فرعون إبرام وقال له: ما هذا الذي ~~صنعت بي ؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت هي أختي حتى أخذتها لتكون ~~زوجتي؟ # تكوين 12: 1-19 # ويعقب «محمد حسني عبد الحميد» في كتابه الذي قدمه الشيخ مخلوف مفتي مصر الأسبق، على قول ~~إبراهيم لسارة: قولي إنك أختي، بقوله: ««كانا أخوين فعلا، وكان ذلك قبل تشريع تحريم الأخت ~~على أخيها»، وذهب البعض وراء هذا المذهب وزاد عليه قوله: لا حاجة إلى تأويل كلام إبراهيم، ~~بأن المقصود أنها أخته في الدين؛ لأن هذا الاعتقاد لم يدع إليه إلا اعتقاد المؤولين، إن ~~هذه الشريعة التي كان عليها إبراهيم، كانت كشريعة موسى عليه السلام (دينا)، كالأخت والعمة، ~~وقيل في تأييد ذلك: «إن موسى بن عمران كان متزوجا من عمته»، كما ورد في إصحاح 26 من ~~سفر العدد.» # 1 # وفي سفر التكوين معنى صريح يشير إلى ذلك، في قول إبراهيم: إن سارة هي أخته غير الشقيقة، ~~«وبالحقيقة هي أيضا أختي ابنة أبي، غير أنها ليست ابنة أمي فصارت لي زوجة» (تكوين 20: ~~12). # وما يمكن أن تؤدي إليه هذه الرواية من فهم دفع الباحث الإسلامي «د. صابر طعيمة» إلى ~~التعقيب مستنكرا أن التوراة تعني بذلك ودون مواربة، أن «الفرعون المصري قد أخذ المرأة ~~وتزوجها، أو عاشرها واستمتع بها»، كما تعني أن النبي إبراهيم «تنزه نبي عن ذلك، جبان: ~~يقتلونني ويستبقونك، بل إن في النص بعد ذلك معنى يجرد إبراهيم من رجولته فضلا عن إبائه ~~وعظمته كنبي رسول، هذا المعنى هو أنه كان ديوثا على أهله يعيش على ريعهم، وينعم بثمن ~~امرأته «فصنع إلى إبرام خيرا بسببها». # 2 # ولأن التوراة ms042 مقدس لدى المؤمن به على حاله المتاح، فإن «ماير» يسلم بالرواية، ويستخلص ~~منها العبر والعظات، ورغم أنه في سلسلة كتبه كثيرا ما تحامل على المصريين بحكم اللعنات ~~التوراتية التي دأبت عليها التوراة، وصبتها على بني حام، ورغم أنه كثيرا ما أشار لمصر ~~كرمز للدنيا وزينتها مقابل طهارة الإيمان ونقائه، فإنه يحاول ~~في كتابه عن النبي إبراهيم تبرير نزول القبيلة ~~الإبراهيمية مصر، وبخاصة الأنبياء منهم فيقول: «مرت ظروف في تاريخ «شعب الله»، رأينا الله ~~نفسه يأمر عبيده بالالتجاء إلى مصر «مؤقتا»، فعندما كان يعقوب مترددا في الذهاب إلى ~~مصر، وعامل الخوف من تكرار أخطاء الماضي، قال له الرب: أنا إله أبيك، لا تخف من النزول إلى ~~مصر؛ لأني أجعلك أمة عظيمة هناك، أنا أنزل معك إلى مصر» (تكوين 46: 3، 4). # وفي العهد الجديد «الأناجيل» نجد ملاك الرب يظهر ليوسف «رجل مريم أم المسيح» في حلم ~~ويقول له: «قم وخذ الصبي وأمه واذهب إلى مصر» (متى 2: 13). # واضح هنا أن مصر كانت ملجأ لطالب الحمى، لكن النبي يعقوب حفيد النبي إبراهيم كان يخشى ~~نزولها، خوفا من تكرار أخطاء الماضي فماذا يقصد «ماير» بأخطاء الماضي تحديدا؟ ... تتضح ~~الإجابة في استطراده: «على أن إبراهيم لم يتلق رسالة صريحة من الله بنزول مصر، بل تصرف ~~بمجرد تفكيره الشخصي، يا لها من غلطة شنيعة، ألم يكن خيرا لإبراهيم أن يلقي بكل ~~المسئولية على الله؟ ... عندما فقد إبراهيم إيمانه ونزل مصر، فقد أيضا شجاعته وأقنع زوجته ~~أن تقول عن نفسها إنها أخته، فإنه كان قد سمع عن «فساد أخلاق المصريين»، وخشي أن يقتلوه ~~ليتمكنوا من أخذ سارة التي كانت على شيء عظيم من الجمال رغم تقدمها في السن، «وقد ضلل ~~هذا الكلام المصريين فعلا»، لأن سارة أخذت إلى بيت فرعون. كان هذا الموقف الذي وقفه ~~إبراهيم دليلا على ضعفه «وجبنه»، ولم يستطع أن يجد له مبررا يدافع به عن نفسه، وكانت ~~غلطة شنيعة من شخص عاش بالإيمان كل تلك المدة الماضية، وكادت «هذه الغلطة تعرض النسل ~~الموعود للخطر».» # وهكذا سلم ms043 «ماير» عن إيمان بالرواية دون مناقشة، وأخذ منها العظة بحسبان ما حدث للنبي ~~كان أمرا مقصودا ليكون درسا للمؤمنين وعبرة، فيستمر يقول: «وعندما أخذ فرعون سارة، صنع ~~إلى إبرام خيرا جزيلا بسببها، وهذا ما قد يفعله لعالم أحيانا لمن يستسلمون له» (يقصد ~~بالعالم مصر) ... وعندما يترك الابن الضال بيت أبيه، يخسر كل ما يعطي الحياة قيمة حقيقية، ~~«وينحط إلى مستوى الخنازير»، ولو شعر في بداءة الأمر بنشوة السرور الوقتي، للحصول على ~~الشهوة المشتهاة . إن سقطة إبراهيم في مصر تعطينا صورة عن طبيعته الأصيلة، التي لم تكن نبيلة ~~بأي حال من الأحوال، فإبراهيم بطبيعته الأصيلة «لم يكن يسمو كثيرا عن سائر بني المشرق» ~~الذين لا يترددون عن الكذب لكسب خير أو دفع ضر ... إن إلهنا لا يشترط توافر الاخلاق النبيلة ~~حتى يتم أجل أعماله، فهو قادر على أن يخلق من الحجارة أولادا لإبراهيم. نحن بالطبيعة لا ~~شيء، بل نحن نجسون فاسدون، الله لا يسمح أن ينبذنا ~~لمجرد خطيئة واحدة، فبالرغم من سقوط النفس المتكرر وتقصيراتها المتعددة يتابع نعمته ~~فيها، حتى يحررها مما علق بها من شرور، حذر الرب فرعون بصوته الإلهي، وأمسكه أن يسيء ~~إلى عبده، ففرعون كان لابد أن ينتقم لنفسه من ذلك الشخص الغريب الذي «كذب عليه وخدعه»، ~~حتى إن فرعون لم يستطع أن يمد يده إليه، بل لم يجسر أن يسترد الهدايا التي خلعها ~~عليه كصداق لسارة. «كانت هذه الزيارة لمصر أساسا للثروة الطائلة التي تمتعت بها ذريته ~~فيما بعد»، ولكن الواقع أن الله سمح به لكي يزيد عبده الأمين التصاقا به، ولكي يفصله عن ~~مصدر الشر الذي لصق به طويلا، كم نحن مدينون بالشكر للكتاب المقدس، الذي لم يتردد عن ~~ذكر «خطايا أقدس القديسين، ولا شك أن هذا دليل على صحة الكتاب».» # حقيقة إن كلام «ماير» هنا يحتاج وقفة تأملية قصيرة عسانا نستعبر من عبره، فمصر رمز ~~الحياة الدنيا، ومع ذلك كانت حمى الأنبياء وملجأهم، وبأوامر صريحة من الرب بذلك، أما ~~خطأ إبراهيم عند «ماير» أنه نزلها ms044 دون تفويض بذلك بل بهواه الشخصي. أما همه وشغله الشاغل ~~فهو أن النبي إبراهيم كاد بذلك يعرض النسل العبري للخطر بدخول بذرة غير عبرية في سلساله، ~~وحتى يكيل للمصريين مزيدا من الشتائم، لم يتورع عن شتم النبي ذاته، ولا بأس لديه من ~~استخلاص صفات النبي من التوراة، ويصل إلى أنه «لم يكن يسمو كثيرا عن سائر بني المشرق»، ~~وتعبير سائر بني المشرق درج في التوراة للدلالة على العرب من أهل البادية، إضافة لما يحمله ~~من معنى لدي «ماير» بحسبانه من أهل الغرب، أما أن يذكر الكتاب المقدس هذه الرواية دون ~~تحرج، فهو دليل قاطع على صدقه؛ لذلك «كم نحن مدينون بالشكر للكتاب المقدس!» # ورغم أن الوقوف مع «ماير» هنا قد يبعدنا قليلا عن صلب موضوعنا، إلا أنه لا يصح أيضا ~~المرور على مثل هذا الحديث دونما وضع الأمور في نصابها الصحيح، ولسنا هنا في موقف الدفاع ~~عن إبراهيم عليه السلام فهو نبي رغم كل شيء، وأن الذين كتبوا التوراة هم حفدته الذين ~~أصروا على الزعم الدائم بنقاوة الدم العبري. ومع ذلك فإن أول الكتابات أهمية في ~~التوراة تتعرض منذ البداية لأول خطر تعرض له نقاء هذا الدم مع أول رجل ذي شأن في ~~تاريخهم، ولا شك أن العقل لا يستسيغ إطلاقا وجود نوع من الطهارة المطلقة لشعب كامل خلال ~~قرون طويلة، بحيث تظل بذرته نقية تماما «خاصة مع هذه البداية التي لا تبشر بخير». # ولأن عددا من الباحثين سبق وناقشوا هذا الأمر عن النبي إبراهيم باستفاضة، فسنقتصر على ما ~~لم يناقشوه، ولم يخطر ببالهم أن يردوه، وهو ما يتعلق في القصة بالمصريين ويبدو أنها لم ~~تشغل الباحثين في كثير أو قليل بحسبانهم المصريين القدماء خاصة مع ذكر فرعون، كفارا ~~ملاعين، رغم أن الواضح في التوراة أن الفساد لم يكن في المصريين، ونحن هنا لا نرد أو ~~نواجه طعنا، لكنا فقط نحاول رؤية الحقائق التي لم يرها الأغلبية رغم شدة وضوحها، فالتوراة ~~تقول: إن النبي أوعز لزوجته أن تنكر زوجيته لها ms045 وتدعي أنه أخوها. لماذا؟ تجيب التوراة ~~بالحديث منسوبا للنبي: «ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك!» ورغم أن سارة قد ~~تجاوزت من عمرها السبعين، فإن الكاتب التوراتي يصر على أنها كانت «حسنة جدا»! ومن هنا ~~أخذها فرعون ليضمها إلى حريمه. لكن بعد أن أمهرها لدى أخيها بصداق جزيل. يقول المستر ~~«ماير»: إنه كان أساس الثروة الطائلة التي تمتع بها العبريون بعد ذلك واشتهروا بها، فأي ~~كرم هذا؟ وأي صداق ذاك؟ # الفرعون إذن لم يختطف المرأة أو يغتصبها، إنما تزوجها من أخيها، وعندما علم ~~بجلية الأمر ورغم خديعته لم يحاول إيذاء الزوج وهو الملك المطلق. إنما النص قال له: ~~ما هذا الذي صنعت بي؟ ولا يمكن أن نفهم من العبارة سوى معنى واحد هو: «أي عار ألحقته بي ~~يا رجل عندما زوجتني زوجتك؟!» «أكرر» النص يقول بوضوح: «ما هذا الذي صنعت بي، لماذا لم ~~تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت هي أختك، أخذتها لتكون زوجتي؟» # وكان رد الفرعون حسب الرواية التوراتية أن رد سارة إلى زوجها معززة مكرمة، ولم ~~يبقها عنده لحظة بعد علمه بجلي الأمر، وزيادة في الكرم والسماحة ترك صداقها لأخيها ~~ولم يستعده. ومع ذلك فإن هذا عند «ماير» من فساد أخلاق المصريين! ووصف النبي بأنه انحط ~~إلى مستواهم (خنازير)، ولم يرتفع النبي عنده عن مستوى «بني المشرق»، لكن كل ذلك عند «المستر ~~ماير» كان درسا مقصودا من الله للمؤمنين، حتى لا يكونوا كالمصريين، ثم ينصح الشبيبة ~~المؤمنة بالابتعاد عمن «سيعملون على إضعاف مستوى الحياة الروحية، ويجرون غيرهم إلى طريق ~~العالم، ويقترحون خططا لم تخطر لنا على بال، «ويجروننا إلى مصر».» # 3 # متناسيا أن المسيح ذاته، وهو فيما يعتقد «ماير» ربه وإلهه، لم يجد في كونه ~~بأكمله وبأفلاكه وعوالمه ملاذا وحماية سوى مصر! # أما الغريب حقا في شأن الكاتب التوراتي، فهو تكراره لذات المعاني في حديثه عن زيارة ~~النبي «إبراهيم» لملكة «جرار» التي كان يحكمها الملك «أبيمالك»، فيقول النص التوراتي: # وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي، فأرسل أبيمالك ms046 ملك جرار وأخذ سارة، فأخذ ~~أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاها لإبراهيم. # تكوين 20: 2، 14 # ثم أقطعه الملك أرضا في بلاده: # هو ذا أرضي قدامك، اسكن في ما حسن في عينيك. # تكوين 20: 15 # ثم إن أبيمالك ملك جرار الفلسطينية، والمفترض أنها على حدود شبه جزيرة ~~سيناء الشرقية، قال لسارة: # إني أعطيت أخاك ألفا من الفضة. # تكوين 20: 16 # وهنا يطرح السؤال نفسه: «كيف حصل اليهود على أرض فلسطين القديمة؟» # ونعود للمستر «ماير» صاحب الشهرة الواسعة لنرى رأيه، فنجده يقول : «إن ما توحيه إلينا ~~الكلمات الواردة في «سفر التكوين 20: 13» تدل على «معاهدة شريرة» عقدها إبراهيم مع سارة، ~~فإنه إذ كان يتحدث إلى ملك الفلسطينيين، انسابت من بين شفتيه كلمات تكشف لنا سر «سقوطه في ~~تلك الخطيئة»، عندما دخل أرض الموعد في بداية الأمر، وعندما نزل إلى مصر تحت ضغط المجاعة، ~~وعندما تكرر سقوطه هذه المرة، في هذه الآية نراه يقول: وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي أني ~~قلت لها: هو ذا معروفك الذي تصنعين إلي في كل مكان نأتي إليه، قولي عني: هو أخي! «لقد ~~دل تصرفه على منتهي الجبن، فقد ارتضى أن يعرض طهارة النسل الموعود للخطر» (لاحظ المشكلة ~~عند ماير ليس فيما يقرأ، إنما ما يشغل باله، ويؤرق نفسه هو طهارة الدم العبري ونقاؤه)، ~~كان الأمر مخلا بالشرف جدا، أن يسمح لنفسه بأن تجوز سارة محنة كهذه، وسط هذه القبائل ~~الهمجية (لاحظ أنه يرى الفلسطينيين هم الهمج!) ... ومع مزيد الأسف «كان مستوى إبراهيم ~~الأخلاقي في هذا الموقف أحط من مستواهم»، حتى إن أبيمالك نفسه «عندما اكتشف أن سارة زوجة ~~إبراهيم» استطاع أن يوبخه قائلا: «جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة» (تكوين 20: ~~9). ولا شك أن الصورة التي ارتسمت في عقل أبيمالك من ~~جهة إبراهيم وإلهه كانت كافية لفشل أية محاولة من جانب إبراهيم، ليكسب بها أبيمالك للإيمان ~~اليهودي، وإنني أتخيله يقول: إني أفضل أن أبقى كما أنا بعدما رأيته في زعيم اليهود، إنه ~~لأمر يمزق الأحشاء حسرة وألما وحزنا، أن نرى ms047 أحد الوثنيين يعير رجلا من أكبر أولاد ~~الله بالكذب، «ومن تصرف أبيمالك نحكم بأنه أكثر نبلا من إبراهيم».» # وكعادته فإن «ماير» يأخذ في استنتاج العظات من تلك الصراحة التي تدلل عنده على ~~صدق الكتاب المقدس، فيقول: «إن معاملة الله لإبراهيم بإزاء هذه الخطية تملأ قلوبنا ثقة ~~وشجاعة، إنه لم يتخل عنه ولم ينبذه، وعندما أشرف هو وامرأته على حافة الخطر نتيجة ~~خطيته، أقبل إليهما صديقهما القدير؛ لينجيهما من الخطر المحدق بهما، ثم إنه وبخ من ~~أجله ملوكا (سفر الأيام الأول 16: 21)، وأخبر أبيمالك أنه كان محكوما عليه بالموت، وأمره ~~أن يلتمس الصلاة، من نفس الشخص الذي خدعه، والذي «رغم كل سقطاته كان لا يزال نبيا، له ~~قوة من الله».» # 4 # وبذلك نكون قد وصلنا إلى إجابة عن السؤال المطروح آنفا، ونكون قد عرفنا ابتداء الأسلوب ~~الذي اتبعه اليهود للحصول على الثروة من مصر والأرض من فلسطين، في قصة التوراة ~~الميمونة. # والغريب أنهم بعد تمكنهم من الأرض ومن القوة نقرأ استطراد التوراة، فتقول إنه بعد ~~استقرار النبي في «جرار»، أتاه أبيمالك مع قائد جيشه لغرض يوضحه «ماير»، بقوله: «وطلب ~~منه معاهدة لا يلتزمان بها وحدهما، بل ويلتزم بها أيضا كل ذريتهما، قائلا: احلف ~~بالله ها هنا أنك لا تغدر بي ولا بنسلي وذريتي، وقبل المصادقة النهائية على هذه ~~المعاهدة «بسط إبراهيم أمرا، مازال إلى الآن مصدر نزاع شديد في الشرق»، فإن رعاة أبيمالك ~~كانوا قد اغتصبوا البئر التي حفرها عبيد إبراهيم (لاحظ أن ماير يعتبر استخدام الفلسطينيين ~~لبئر في أرضهم اغتصابا!)، أما الملك أبيمالك فقد أنكر علمه بكل ما حصل، وفي هذه ~~المعاهدة، وضعت عبارة تتعلق بهذه البئر، لكي تكون هذه العبارة معلومة للأجيال القادمة! ... ~~لم تكن مواد الكتابة معروفة بعد، ولذا فقد كانت السبع نعاج التي أعطاها إبراهيم لأبيمالك ~~هي العلامة الظاهرة الدائمة «على أن البئر ملك لإبراهيم»، وهكذا إذا قطع العهد بجوار البئر ~~اقترن اسمها باسم المعاهدة إلى الأبد، فقد دعيت بئر سبع أي بئر القسم، أو بئر سبع إشارة ms048 إلى ~~السبع نعاج الهدايا، التي اقترنت بهذه المعاهدة، ولزيادة تثبيت المعاهدة غرس إبراهيم شجرة ~~أثل كي تكون بخضرتها الدائمة تذكارا للمعاهدة.» # 5 # ماذا يريد «ماير» أن يقول هنا؟ وماذا فهم من التوراة كمؤمن مبشر؟ وماذا ينشر في كتبه ~~العديدة بين المؤمنين؟ # إن أهل فلسطين أصبحوا يخشون ضيوفهم، أو بتعبير «ماير» يخشون غدرهم، لماذا؟ «ماير» لا ~~يوضح، والتوراة لا توضح وتمادى الخوف من الضيوف حتى وصل الأمر بالملك الفلسطيني وقائد ~~جيشه أن يذهبا للنبي برجاء أن يقبل معاهدة سلام أصبحت «إلى الآن مصدر نزاع شديد في ~~الشرق»، يقصد بالطبع النزاع العربي-الإسرائيلي. وسبب المعاهدة أن الرعاة الفلسطينيين استقوا ~~من بئر حفرها العبرانيون، فخاف الملك ووزير دفاعه حتى أنكر علمه بالأمر، وهو أمر يوضح ~~محاولة التنصل من تبعات أنكى وأشد غير واضحة في الرواية، ومن هنا أراد إبراهيم «أو أراد ~~الكاتب التوراتي على الأصح» وضع معاهدة أبدية لكل الأجيال القادمة، ولأن الكتابة - في زعم ~~ماير - لم تكن قد اكتشفت بعد، فكان لابد من علامات بدلا من الوثيقة المكتوبة، فأعطى ~~إبراهيم سبع نعاج لأبيمالك، وكلمة «سبع» تعني أيضا القسم أو اليمين، وذلك لتمليكه البئر ~~وما حولها، لذلك سميت البئر الشاهدة على المعاهدة «بئر سبع»، ثم إشهارا للمعاهدة وتوثيقا، ~~غرس إبراهيم شجرة أثل دائمة الخضرة حتى يعلم الأخلاف بما اتفق عليه الأسلاف، ويبدو أن ~~المستر «ماير» وهو يصر على أبدية العهد ووثنية شعب فلسطين وسوء أخلاق بني المشرق، نسي أنه ~~كتب بيده وفي ذات الكتاب، وهو يتحدث في البداية عن هبوط النبي أرض كنعان أول مرة قادما من ~~«أور» القول: «كان الكنعانيون حينئذ في الأرض، كان هنالك القواد العظماء، مثل ممرا وأشكول، ~~والمدن الحصينة مثل سدوم وساليم وحبرون، وكل عناصر المدنية المزدهرة؛ فضلا عن ذلك فإن ~~الكنعانيين لم يكونوا قبائل مرتحلة، بل كانوا قد تأصلوا وتأسسوا في الأرض، بنوا المدن ~~وحرثوا الأرض وسكوا العملة، وعرفوا القراءة والكتابة وأجروا الحق والعدل في القضاء، وفي كل ~~يوم كانت تزداد قوتهم وعظمتهم، لذلك لم يكن معقولا أن يستأصلهم ms049 من الأرض نسل راع ~~بسيط، ليس له أولاد حتى ذلك الوقت.» # 6 # لكن «ماير» رغم ذلك عرف الحكمة التي انتصر بها الراعي البسيط، وطرد بموجبها ~~الكنعانيين من الأرض، ألا وهي الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، فقد قال الله لإبراهيم: ~~«قم وامش في الأرض طولها وعرضها (تكوين 13: 17)؛ لذلك يستنتج «ماير» الموعظة الحسنة: الله ~~يأمرنا أن نقبل منه عطاياه، لا شك أن هذا معناه أن الله أراد أن يشعر إبراهيم بأن الأرض قد ~~أصبحت ملكا له.» # 7 # وبات واضحا أن العبرانيين قد تمكنوا في الأرض وليس في بئر فقط، وهو ما يوضحه قول ~~التوراة في الأسفار التالية: «ألست أنت إلهنا الذي طردت سكان هذه الأرض، وأعطيتها لنسل ~~إبراهيم خليلك إلى الأبد؟» (سفر أيام ثاني 20: 7)، أما المستر «ماير» فكان لم يزل مستمرا ~~في أدائه التبشيري للمؤمنين وهو يقول: «كانت جرار قاعدة لمملكة أبيمالك، استأصل شعبها سكان ~~الأرض، وهم الذين أطلق عليهم العبرانيون فيما بعد «اسم الفلسطينيين المرعب».» # 8 # | الرحيل جنوبا # وخرج النبي إبراهيم عليه السلام من مصر. # وتتابع التوراة روايتها عن رحلات الخليل، فتقول: # صعد إبرام من مصر وامرأته، وكل ما كان له، ولوط معه «إلى الجنوب»، وكان إبرام ~~غنيا جدا في المواشي والفضة والذهب، وسار في رحلاته من الجنوب إلى بيت إيل، إلى ~~المكان الذي كانت خيمته فيه في البداءة. # تكوين 13: 1-3 # ولنتذكر قول التوراة: «أراميا تائها كان أبي» (تثنية 26: 5)، فهو ما لا يجب أن ينساه ~~اليهودي عن جده إبراهيم: «أراميا تائها» كان أبي! والمتأمل في سيرة النبي إبراهيم ~~التوراتية يستشعر مدى صدق هذا الوصف وحال النبي، فمن الواضح في إصحاحات التكوين، أنه لم ~~يستقر زمنا في مكان واحد، وكلما أناخ في موطن بنى مذبحا لربه، أو بالتعبير المتواتر في ~~التوراة «فبنى هناك مذبحا، ودعا باسم الرب». # وعلى الطرف الآخر نجد كتب التراث الإسلامية تصر من جهتها على علاقة وطيدة للنبي ~~إبراهيم بجزيرة العرب، وأنه جد النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # عبر إسماعيل، وأن إبراهيم وولده ~~إسماعيل من بناة الكعبة الحجازية البيت ms050 الإلهي الذي قدسه العرب قبل الإسلام بزمان، وهو ~~مما يثير أمامنا الإشكال من جديد حول الأصل الآرامي للنبي إبراهيم بعد أن أغلقناه، حيث ~~سنجد احتمالا آخر للآرامية في الجزيرة العربية، ورغم أن التوراة لم تأت بذكر واضح ~~لرحلة قام بها إبراهيم لجزيرة العرب، ورغم أن التراث الإسلامي لم يحاول نسبة الأصل ~~الإبراهيمي لجزيرة العرب إنما عده وافدا وزائرا، فإن الإشكالية تظهر فيما تمدنا به ~~وثائق التاريخ العربي، حيث نجد تقسيما - لا شك لم يأت من فراغ - للعرب إلى: عرب عاربة ~~بائدة، وعرب مستعربة باقية، وكان أشهر العرب البائدة أهل «أرم»، حتى صار اسمهم علما على ~~العرب البائدة فعرفوا بالأرمان. # وقد ذكر «حمزة الأصفهاني» في تاريخه: أن العرب ~~العاربة عشرة: عاد وثمود وطسم وجديس و«عماليق» وعبيل وأميم ووبار ورهط وجاسم وقحطان، فكانت ~~هذه الفرق تؤرخ بسني إرم، إلى أن بادت كلها الواحدة إثر الأخرى، وبقي منهم بقايا يسيرة، ~~وكانوا يسمون الأرمان، # 1 # وقد فسر المسعودي سبب إطلاق التسمية «أرمان» على مجمل العرب البائدة في ~~قوله: «إنما سموا بذلك لأن عادا لما هلكت قيل لبقاياها إرم، فلما هلكت ثمود قيل لبقايا ~~إرم أرمان»، # 2 # وقد احتسبنا العرب البائدة من العرب العاربة، أو أن العاربة بعض البائدة ~~استنادا لابن خلدون الذي استخدم كليهما بمعنى واحد، فقال: «إن العرب العاربة شعوب ~~كثيرة، وهم: عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل و«عبد ضخم»، وجرهم وحضرموت وحصور والسلفات، ~~وسمي هذا الجيل العرب العاربة، بمعنى الرسوخ في العروبية، أو بمعنى الفاعلة للعروبية ~~والمبتدعة لها، بما كانت أول أجيالها، وقد تسمى البائدة أيضا الهالكة.» # 3 # والإصرار الواضح في رحيل النبي نحو الجنوب يحيلنا معه باستمرار إلى جزيرة العرب جنوبا، ~~فالتوراة تكرر دائما التعبير: # ثم ارتحل إبرام ارتحالا متواليا «نحو الجنوب». # تكوين 12: 19 # فصعد إبرام من مصر ... «إلى الجنوب». # تكوين 13: 1 # وانتقل إبرام من هناك إلى «أرض الجنوب»، وسكن بين قادش وشور، وتغرب في ~~جرار. # تكوين 20: 1 # وقد حاول الباحثون تفسير اللفظة «ه-نجب» في الأصل ~~العبري، بأنها تعني «النقب»؛ أي: ms051 صحراء النقب جنوب فلسطين (والهاء أداة التعريف العبرية)، ~~وتأسيسا على أن كنعان التوراتية هي فلسطين، لكن «ه-نجب» تعني أيضا مع استخدام ظاهرة القلب «الجنوب»، # 4 # وهو ما أخذت به الترجمة العربية كما في النصوص السابق إيرادها، فترجمت «ه-نجب» ~~بمعنى الجنوب، والجنوب بالنسبة للنبي إبراهيم - وهو خارج من مصر، وبعد أن مر بمملكة «جرار» ~~جوار غزة حسب خرائط التوراة - ليس شيئا آخر سوى جزيرة العرب. # وإذا كانت التوراة قد أوضحت أن إبرام لما خرج من مصر اتجه إلى الجنوب، فإنها تستمر ~~بسرعة خاطفة، لتقول: «وسار في رحلاته من الجنوب إلى بيت إيل، إلى المكان الذي كانت خيمته ~~فيه في البداءة.» مما يشير إلى فجوة كبرى وسط الرواية، فهي بسرعة تقول إنه عاد من الجنوب، ~~ولا تعلمنا لماذا خرج من مصر واتجه جنوبا من الأصل، ولأي هدف كان نزوله جنوبا، ولا ~~الأحداث التي جرت له هناك، ولا المدة التي قضاها في هذا الجنوب كما هي عادة التوراة التي ~~عهدناها مفصلة إلى حد الإملال، كما لو كان هذا الجزء من الرواية قد اقتطع اقتطاعا، ~~فيعود النبي فجأة من الجنوب إلى الشمال حيث بيت إيل، المكان الذي كانت خيمته فيه في ~~البداءة. # وهنا يبدو أن إصرار الإخباريين المسلمين على علاقة إبراهيم بجزيرة العرب اكتسب ~~مسوغاته، بل أصبح واضحا أن العلاقة يمكن أن تملأ فراغا وفجوة كبرى بالرواية التوراتية، ~~لهذا وجب أن نقف هنيهة مع ما أورده الرواة المسلمون عن زيارة الخليل لجزيرة العرب، ~~والتي ترتبط بميلاد إسماعيل من المصرية هاجر. # وإذا كان الهبوط جنوبا يرتبط بإسماعيل، فربما لو توقفنا مع قصة التوراة عن ميلاد إسماعيل ~~وجدنا شيئا أكثر وضوحا عن مسألة هبوطه جنوبا، تقول التوراة: # وأما ساراي امرأة إبرام فلم تلد له، وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر، فقالت ~~ساراي لإبرام: هو ذا الرب أمسكني عن الولادة، ادخل على جاريتي لعلي أرزق منها ~~بنين، فسمع إبرام لقول ساراي ... فدخل على هاجر فحبلت، ولما رأت أنها حبلت صغرت ~~مولاتها في عينيها، فأذلتها ساراي فهربت من ms052 وجهها، فوجدها ملاك الرب على عين ~~الماء في البرية، على العين التي في طريق شور، وقال: يا هاجر جارية ساراي ... ~~ارجعي إلى مولاتك، واخضعي تحت يديها. وقال لها ملاك الرب: تكثيرا أكثر نسلك فلا ~~يعد من الكثرة، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابنا وتدعين اسمه ~~إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك وأنه يكون إنسانا وحشيا، يده على كل واحد ~~ويد كل واحد عليه. # تكوين 16: 1-12 # أما لماذا استعجل إبراهيم تحقيق الوعد بالنسل الموعود، وخشي مزيدا من الشيخوخة فدخل ~~بهاجر؟ فهو ما يعقب عليه «ماير» وهو يتحدث عن سارة: «لماذا لا يتبع زوجها عادة أهل زمانه ~~«السخيفة»، ويتزوج تلك الجارية المصرية، التي إما أن يكونا قد اشترياها من أحد الأسواق ~~المصرية، أو أهديت إليهما من فرعون مع باقي الهدايا التي خلعها عليهما، وضعف إيمانه في ~~قدرة الله بأنه قادر أن يحقق وعده بطرق أخرى غير الطرق الطبيعية؟ كل هذا دفعها لتقديم ~~اقتراحها، لعل هذا الهاتف قد خطر على باله في أوقات ضعفه، كان يحمل في طياته علامات ~~الشك في قدرة القدير؛ لأنه كان يتضمن التعجيل في تحقيق وعد الله وبلا تردد، ودون الرجوع ~~إلى الله. قبل إبراهيم هذا العرض، وإذا أصبحت هاجر سيدة موقرة في المحلة، احتقرت سيدتها ~~العاقر.» ثم كعادة المستر ماير الذي لا يجد فرصة للطعن على المصريين إلا وانتهزها، فيستطرد ~~بالقول: «نحن لا نندهش من تصرفات هاجر إزاء سيدتها إذ عيرتها بوقاحة، فماذا يمكن أن ينتظر ~~من جارية كهذه «وضيعة الأصل».» # 5 # ونتابع القصة التوراتية التي تستطرد: # ولما كان إبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لإبرام، وتكلم الله معه قائلا: ~~أما أنا فهذا عهدي معك، وتكون أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك ~~أمما، وقال الله لإبراهيم: ساراي امرأتك لا تدع اسمها ساراي، بل اسمها سارة، ~~وأباركها وأعطيك أيضا ابنا منها، سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه إسحاق. ~~وأقيم عهدي معه أبديا لنسله من بعده، وأجعله أمة كبيرة. وأما إسماعيل فقد سمعت ms053 ~~لك فيه، ها أنا أباركه، وأجعله أمة كبيرة ... «ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك ~~سارة» ... وظهر الرب له عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، ~~فرفع عينيه ونظر، وإذا «ثلاثة رجال» واقفين لديه، فأسرع إبراهيم إلى الخيمة، وقال ~~لسارة: أسرعي بثلاث كيلات دقيقا سميدا، اعجني واصنعي خبز ملة، ثم ركض إبراهيم إلى ~~البقر وأخذ عجلا رخصا وحيدا وأعطاه الغلام، فأسرع يعمله، ثم أخذ زبدا ولبنا ~~والعجل الذي عمله، ووضعها قدامهم، وإذ كان واقفا لديهم تحت الشجرة «أكلوا»، ~~وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي في الخيمة، فقال: إني أرجع إليك نحو زمان ~~الحيواة، ويكون لسارة امرأتك ابن ... «فضحكت» سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألد ~~وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ~~ابنه، ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح، فقالت لإبراهيم: ~~اطرد هذه الجارية وابنها؛ لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، فبكر ~~إبراهيم صباحا، وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر، واضعا إياهما على كتفيها ~~والولد وصرفهما، فمضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة، طرحت ~~الولد تحت إحدى الأشجار، ورفعت صوتها وبكت، فسمع الله لصوت الغلام وفتح الله ~~عينيها، فأبصرت بئر ماء، فذهبت وملأت القربة وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام ~~فكبر وسكن في البرية، وحدث من بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال له: يا ~~إبراهيم، فقال: ها أنا ذا، فقال: خذ ابنك «وحيدك» الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض ~~المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك، فلما أتيا إلى الموضع الذي ~~قال له الله، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه، ووضعه على ~~المذبح فوق الحطب، ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه، فناداه ملاك الرب من ~~السماء، وقال: إبراهيم، إبراهيم، فقال: ها أنا ذا. فقال: لا تمد يدك إلى الغلام، ~~ولا تفعل به شيئا؛ لأني ms054 قد علمت الآن أنك خائف من الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني، ~~فرفع إبراهيم عينيه ونظر، وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم ~~وأخذ الكبش وأصعده محرقة، عوضا عن ابنه، فدعا إبراهيم اسم ذلك المكان يهوه يرأه، ~~حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى. # تكوين 16، 17، 18، 21، 22 # وهنا يحاول الداعية «ماير» أن يوعز لقارئيه بأن إنجاب إسماعيل من هاجر، كان عصيانا ~~لأمر الله، وبالطبع ما يترتب على هذا المعنى من لفظ العقل الإيماني للنسل الإسماعيلي، ~~ويضع غرضه في صيغة تساؤل يقول: «هل كان هناك ارتياح خفي لذلك التدبير، أن يدخل ~~إبراهيم على هاجر ليرزق منها نسلا؟ الذي حقق غاية محبوبة على الأقل، «ولو أن الله لم ~~يكن راضيا عنه»، هل كان يخشى أنه دعي ليقدم إسحاق ذبيحة، وجد ذلك أمرا هينا، إذ ~~يستطيع أن يستعيض عنه بإسماعيل كوارث له؟» وهكذا فالمبشر «ماير» يريد القول أن النبي علم ~~بمسألة التضحية مسبقا، فأراد التحايل على القدر الإلهي بإنجاب طفل من هاجر ليكون بديلا، ~~بمعنى أن يضحي بابن الجارية؛ ليحيى ابن الحرة. والعجيب أن تجد مثل هذا المنطق لدى كاتب ~~تترجم كتبه وتباع في مختلف الأنحاء، والعجب إنما في عدم اقتناعه الابتدائي بشأن إسماعيل، ~~ثم إسقاط هذا الشعور على تفسير يجعل النبي يخدع هذه المرة ربه نفسه، بمحاولة تنفيذ القدر ~~والهرب منه في آن معا، فينجب إسماعيل للذبح وإسحاق للوراثة، والقرار أو النية بذلك قد ~~عقدت مسبقا قبل أن ينجب إبراهيم أيا منهما، وعليه فإن النبي جهز ابن الجارية للذبح ~~فداء لابن الحرة، وهو منطق وفهم يمجه عرف أدنى الشعوب إلى الهمجية، فما بالنا والأمر ~~مع النبي، ثم وما بالنا وصاحب المنطق والافتراض مبشر وداعية من بين أكثر المبشرين ~~انتشارا وأطولهم باعا؟! # وإن مثل هذه المعاني تصبح واضحة عندما يبدأ المستر «ماير» في استخلاص العبر من القصة، وأن ~~العظة هنا أنه يجب على المؤمن انتظار التوقيت الإلهي دون استعجال، ولا نفعل مثل إبراهيم ~~عندما استعجل الوعد بالولد # 6 # فأغضب ربه، وكان ms055 محالا أن يرث الأرض الموعودة - في رأي التوراة ورأى ~~المستر «ماير» - ولد يسري في عروقه دم مصري، فنقاء الدم العبري شرط أساسي وأول، لذلك يقول ~~المستر «ماير»: «تسللت غيمة صغيرة قاتمة وسودت نفس سارة، فإن عينها الحاسدة أبصرت ~~إسماعيل يمزح، وقد كان إلى عهد قريب هو الوارث الوحيد لكل المحلة، وتحت ستار الهزل ~~والمزاح هزأ بإسحاق بطريقة كشفت عن مرارة نفسه، التي لم يكن من السهل أن يخبئها، ~~وهذا حرك كل غيرة سارة الكامنة في نفسها، التي لم تطق إخفاءها، لماذا وهي السيدة وهي ~~ربة البيت وهي «أم الوارث الشرعي»، تحتمل الإهانات من عبد؛ لذلك قالت لإبراهيم بتهكم: ~~اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، على أنه لا يزال هناك ~~معنى أعمق، «أن هاجر الجارية تمثل روح العبودية»، وروح التمسك بحرفية الناموس وطقوسه، الذي ~~يحاول أن يربح هذه الحياة. ترمز هاجر إلى عهد جبل سيناء في بلاد العرب، «أما سارة الحرة ~~فإنها ترمز إلى عهد جبل النعمة المجانية»، وأبناؤها هم أبناء الإيمان والرعاء والمحبة، أيها ~~القارئ العزيز ... «ثق في المسيح واقبل خلاصه، واطرد الجارية وابنها»، عش حياة الحرية ~~والسعادة كإسحاق «ولا تعش حياة إسماعيل».» # 7 # أما أي قارئ متعقل فإنه سيلمس مباشرة وضوح التوراة إلى حد السذاجة في محاولة سحب البساط ~~من تحت النسل الإسماعيلي؛ لتكون أرض كنعان خالصة لبني إسرائيل أحفاد إسحاق أخي إسماعيل، ~~بمبررات مثل: غيرة النساء، وصراع الميراث والبنوة للأمة، أم للحرة، وخضوع الرب التوراتي ~~ونبيه لمثل هذه الترهات. # وهكذا لم يورد كاتب هذا الجزء من التوراة أية إشارة لجزيرة العرب. وفي ذات الوقت تعمد ~~إهدار وضع إسماعيل لكونه ليس خالص العبرية، وشابت دمه المصرية، لكن ما لا يفوت باحثا ~~مدققا، أن هذه الأحداث جميعا قد تتالت بعد خروج النبي إبراهيم من مصر على طريق غزة ~~(طريق جرار)، وأنه عندما خرج من مصر حسب الرواية التوراتية يمم نحو الجنوب، ولا جنوب في ~~هذه الحال إلا جزيرة العرب، هذا إضافة إلى أن ms056 إبراهيم قد بدل اسمه من «إبرام» إلى ~~«إبراهيم»، وبدل اسم زوجته من «ساراي» إلى «سارة» مما يشير إلى سكنى إبراهيم وزوجته بعض ~~الوقت بين قوم لحنوا في اسمه واسم زوجته، فتغير نطقه في لسانهم من إبرام إلى إبراهيم، ~~ومن ساراي إلى سارة. # هذا ناهيك عن قصة تضحية الأرض وفداء الدم، الذي اعتاد رب التوراة طلبه مقابل أعطياته، ~~وعطاؤه هنا هو أرض كنعان، والعجيب في أمر التوراة إشارتها إلى أن الابن المضحى به كان هو ~~إسحاق، والتوراة بذلك تخالف شرعتها التي استنتها هي في التضحية بالبكر، ثم زيادة في ~~تأكيد إسحاق للتضحية، فإنها لم تر بأسا في تكرار أن إسحاق هو وحيد إبرام، وهكذا ألغت ~~إسماعيل من التاريخ العبراني (ولوجه الحق فإننا من جانبنا نرى التوراة حسنا قد فعلت)، ~~وواضح أن التوراة قد استبعدت إسماعيل؛ لأن دمه ليس عبرانيا خالصا، لأنه قد شابه الدم ~~المصري، وهو كما تعلمنا الكتب الإخبارية، ذلك الدم الذي ساد العرب بعد ذلك الزمن ~~بزمان. # وعليه فإن اليهود قد استنكفوا أن يكون المذبوح إسماعيل؛ لأنه سيكون أضحية معابة الدم، ~~وعليه فلابد أن المذبوح كان إسحاق، حتى لو خالف ذلك شرعة التضحية بالبكر، وحتى لو أنكر ~~إسماعيل تماما وأصبح إسحاق بكر إبراهيم ووحيده. # وقد ذكر القرآن الكريم قصة الذبح، لكنه لم يذكر الذبيح بالاسم، وإن كان التراث الإسلامي ~~يعرف النبي محمدا # صلى الله عليه وسلم # بابن الذبيحين، والمقصود بالذبيحين: أبوه عبد الله، الذي كاد ~~يكون ضحية للإله هبل، إيفاء لنذر جده القريب عبد المطلب، وإسماعيل جده البعيد الذي كاد ~~يكون ضحية للإله «إيل»، والذي انتسب إليه إسماعيل باسمه «سمع-إيل»! # ومن الواضح أن قضية الذبيح قد شغلت المسلمين الأوائل فيما يبدو لنا من قول الثعلبي ~~النيسابوري: «واختلف علماء السلف من عامة المسلمين، في الذي أمر إبراهيم عليه السلام بذبحه ~~من بنيه، بعد إجماع أهل الكتاب على أنه كان إسحاق عليه السلام، فقال قوم: هو إسحاق. وذهب ~~إليه من الصحابة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب، ms057 ومن التابعين وأتباعهم: ~~كعب الأحبار (ولنلحظ أن كعبا كان يهوديا، تأسلم). وقال الآخرون: هو إسماعيل. وإلى هذا ~~القول ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد. وكان الشعبي يردد: «رأيت ~~قرني الكبش منوطين بالكعبة».» # 8 # أما ابن كثير فيعقب بالقول: «الظاهر من القرآن ... أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه ذكر قصة ~~الذبيح، ثم قال بعده: # وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين ~~(الصافات: 112). ومن جعله حالا فقد تكلف، ومستنده أن إسحاق ~~إنما هو إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولاسيما ها هنا قطعا لا محيد عنه، فإن عندهم أن ~~الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة من المعربة: بكره إسحاق، فلفظة إسحاق ها ~~هنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لأنه ليس الوحيد، ولا «البكر» ذاك إسماعيل.» # 9 # ورغم متابعة ابن كثير لكثير من التفاصيل التوراتية، فإن له كثيرا من المواقف العلمية ~~المحمودة، ولديه في هذا الأمر تحليل جميل، وضح أولا في رؤيته للنص التوراتي، بحيث نكتفي ~~بحذف إسحاق، ليستقيم الأمر إسماعيليا، منطقا وشرعا، ثم وضح ثانيا في شرحه لقصة مولد ~~إسماعيل، وهو يكاد يطابق عبارات التوراة ذاتها، لكنك تجد أيضا ابن كثير يقف محللا ~~ناقدا عالما. ولنقرأ معا قوله: «فلما حملت هاجر، ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها، ~~فغارت منها سارة، فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلي بها ما شئت، فخافت هاجر ~~فهربت ونزلت عند عين هناك (دون تعيين لمكان هذه العين بالتحديد)، فقال لها ملك من ~~الملائكة: لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت به خيرا. وأمرها بالرجوع، ~~وبشرها أنها ستلد ابنا، وتسميه إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل ويد الكل به ~~(لاحظ أن ابن كثير أصلح من شأن النص التوراتي القائل يد الكل عليه إلى يد الكل به)، ويملك ~~جميع بلاد إخوته، فشكر الله عز وجل على ذلك، «وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده ~~«محمد»»، فإنه الذي سادت به العرب، وملكت جميع البلاد شرقا وغربا»، # 10 # وحتى لا ننسى، وحتى نتذكر، فالنبي محمد # صلى الله عليه وسلم ms058 # الذي سادت به العرب وحقق نبوءة ~~«لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات»، هو بالدم من جهة الأم ~~مصري، فهو حفيد «هاجر» حسبما وضع النسابة المسلمون. # وهكذا وجدت الرواية التوراتية لها ترديدا في كتب الأخبار الإسلامية، وقد رددت هذه الكتب ~~قصة ترك إبراهيم لهاجر وولدها في فلاة أو برية، وحددت الآيات القرآنية موضعها ~~بالقول: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع عند بيتك المحرم ~~(إبراهيم: 37). ويعقب المسعودي ~~بالقول: فأجاب الله دعوته فأنس وحشتهم «بجرهم والعماليق»، # 11 # بعد أن فجر الله بئر زمزم تحت خد وليدها وهو يبكي عطشا، مما جذب الطير ~~الذي هدى بدوره جرهم والعماليق إلى المكان، كما يؤكد المعنى نفسه الثعلبي في قوله: «فذهب ~~بهما إبراهيم حتى قدم مكة، وهي إذ ذاك عضاة وسلم وسمر، وبحواليها خارج مكة أناس يقال ~~لهم «العماليق»، وموضع البيت يومئذ ربوة حمراء.» # 12 # وقد ذكر المسعودي أن إسماعيل قد صاهر القبيلتين، وتزوج «عملاقة وجرهمية»، # 13 # وهو الأمر الذي يستدعينا مرة أخرى العودة إلى ما جاء في التاريخ العربي عن ~~العرب العاربة البائدة، نستوضحه أمر جرهم والعماليق. # | العمالقة # سعيا وراء خط سير رحلات النبي إبراهيم، بعد ارتحاله من مصر، والتي فيما يبدو كانت ~~الرحلة التي ذكرها الإخباريون المسلمون إلى جزيرة العرب، وبينما التوراة لا تشير إلى أية ~~علاقة لإبراهيم بجزيرة العرب، فقد أمسكنا بطرف خيط توراتي، يؤكد في عدة مواضع من ~~الكتاب المقدس، أن النبي إبراهيم عندما خرج من مصر توجه نحو الجنوب، لكن دون أن تعطينا ~~التوراة أية تحديدات أو مسميات للمواضع التي مر بها النبي أو استقر فيها في هذا الجنوب. ~~فقط تعلمنا أن هناك قد دب الخلاف داخل أسرة النبي الصغيرة، مما دعاه إلى صرف هاجر ووليدها ~~عن بيته، وبعد عدة نقلات نعلم أن هذا الوليد «إسماعيل» قد أصبح شابا، يمرح وراء الصيد في ~~برية دعتها التوراة «برية فاران». هذا ويذهب الإخباريون المسلمون إلى أن هاجر وولدها، قد ~~سارا يضربان في برية قاحلة، أصابتهما ms059 بعطش قاتل، وبينما الطفل النبي يبكي ضرب جبريل ~~الأرض بقدمه ففجرها الله عينا، تلك التي أصحبت بئرا مقدسة لدى عرب الجاهلية والإسلام! ~~وإن كانت التوراة تشير إلى الأمر بصيغة أخرى فتقول: «وفتح الله عينها فأبصرت بئر ماء»، ~~وقد لا يكون ثمة خلاف بين الروايتين، وربما كانت الرواية الإسلامية تسير على ضرب قديم من ~~التوراة، مع أخذنا بالحسبان أن العين في العبرية كما هي في العربية تعني نبع الماء، وحاسة ~~البصر، وربما كان الأصل القديم يقول: إن الله قد أنبع لهاجر عين الماء فأبصرتها، كتعبير ~~أقرب للمفهوم التراثي عن التعبير «وفتح الله عينها فأبصرت ... إلخ ». # وإذا كان هذا المكان في التوراة هو «برية فاران» فهو في القرآن الكريم «واد» وأن هذا ~~الوادي «غير ذي زرع»، وأن في هذا الوادي كان يقوم بيت مقدس للعبادة، وأن صفة القدسية ~~نعلمها من الاصطلاح الذي أطلقته عليه الآيات، فهو بيت «محرم» أو بنص الآيات: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ~~(إبراهيم: 37). # وهنا لابد أن نربط هذه الآية بآية أخرى تحدد لنا اسم الموضع بهذا الوادي، فتقول: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا وهدى للعالمين ~~(آل عمران: 96). وسبق وعرفنا من ~~الإخباريين المسلمين أنه في الجوار كانت هناك قبيلتان من العرب العاربة، أو من بقايا ~~العاربة البائدة هما «جرهم» و«عماليق»، مع إشارات تؤكد أنه لم يكن هناك بيت قائم بالفعل في ~~المنطقة. فالثعلبي يقول: إن أرض مكة كانت تنبت أنواعا من الشجر «سلم، سمر، عضاة» «وكان ~~موضع البيت ربوة حمراء»، # 1 # هذا بينما يؤكد ابن هشام في السيرة أن الكعبة لم تكن موجودة حتى وقت متأخر من ~~عمر إسماعيل، بدليل قوله: «وكان الحجر قبل بناء البيت زربا لغنم إسماعيل»، # 2 # بل إن القرآن الكريم أكد هذا المعنى بدوره، فقال: إنه بعد أن شب إسماعيل ~~وافاه أبوه إبراهيم، وأنهما أقاما قواعد البيت، وذلك في الآيات: # وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~(البقرة: ~~127). # وهنا تبدو عدة مسائل بحاجة إلى الإيضاح، ms060 فالنبي يهبط جنوبا إلى جزيرة العرب، ويترك ~~ولده إسماعيل وأمه هاجر عند «بيت محرم»، ومع ذلك فهناك آيات أخرى نفهم منها أن البيت المحرم ~~لم يكن قائما بالفعل، إنما أقامه النبي إبراهيم وابنه إسماعيل، ولذلك رواية طويلة معروفة ~~في كتب التراث، ثم نفهم من آية ثالثة أن هذا البيت يعد أقدم بيوت العبادة، وأنه كان ~~قائما فعلا في موضع أسمته الآيات «بكة»، بينما نعلم أن ذلك البيت هو المقام بموضع «مكة» ~~من أرض الحجاز، فلماذا الاختلاف في التسمية هنا إذا كان المقصود هو ذات نفس البيت، وفي ذات ~~نفس المكان، والمفسرون يذهبون إلى أنه مجرد اختلاف لهجوي، لكن إذا كان الموضع هو ذات الموضع ~~والسكان هم ذاتهم، فلماذا الاختلاف اللهجوي؟ وتبقى المسألة الأكثر إثارة للاستفهام، وهو أنه ~~لا يمكن فهم كيف كان البيت قائما بالفعل، عندما ترك النبي ولده إلى جواره، وكيف قاما بعد ~~ذلك ببنائه؟ ويذهب المفسرون هنا إلى القول إنه كان قائما من زمن بعيد لكنه تهدم حتى جاء ~~النبيان فأقاما قواعده، مما يشير إلى أن قواعده كانت موجودة من الأصل، لكن كيف يمكن ~~قبول ذلك في ضوء الآية # ربنا إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم # مما يشير بوضوح إلى ~~بيت قائم بالفعل؟ # حقيقة، الأمر لم يزل بحاجة إلى توضيح وإضاءة. # ثم هناك مسألة جرهم والعماليق أنسباء النبي إسماعيل، وتذكر بعض الروايات أنهم شاركوا في ~~بناء البيت ... وهم من العرب العاربة. # ربما كانت إجابة التساؤلات في متابعة العرب العاربة، فلنمسك بطرف هذا الخيط ونتتبعه. ~~قال حمزة الأصفهاني: إن العرب العاربة هي: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وعماليق، وعبيل، وأميم، ~~ووبار، ورهط، وجاسم، وقحطان، بادت ومن بقي منهم أطلق عليهم اسم الأرمان. وقال ابن خلدون: ~~إنهم عاد، وثمود، وطسم، وجديس، ثم لا يذكر عماليق، إنما يذكر «عبد ضخم وجرهم» إضافة إلى ~~عبيل، وأميم، وحصور، وحضرموت، والسلفات. # ومع بعض الجهد، يمكن العثور على إشارات إلى أسماء قبائل، وإلى مواضع في جزيرة العرب، ~~تشير بوضوح إلى تلك ms061 البائدات، مما يعني أن الأمر ليس برمته من أساطير الأولين، فهذه ~~«العبيلة» شرقي الجزيرة قرب الإمارات العربية المتحدة الحالية، تشير إلى «عبيل» وإلى ~~الشرق منها على الساحل تجد «حصور» - بعد القلب - في ميناء «صوحار» بعمان، وهذه «ثمود» في ~~أقصى الجنوب، في القسم الشمالي من اليمن الجنوبي باسمها البائد لم تتغير، وتلك «بئر طميس» ~~قرب ثمود، تشير إشارة واضحة بعد القلب إلى «طسم»، أما «وبار» فتتناثر باسم «الوبرة»، ~~و«الوفرة» في مناطق متعددة من الجزيرة، كذلك «أميم» لم تزل علما على قبائل «أميم» ~~الحالية، و«حضرموت» لم تزل شاهدا صامدا في الجنوب، أما «عاد» فأمرها أتى في بحثنا، ~~وسنوضحه تفصيلا، لكن «السلفات» فأعتقد - وربما أخطأت وربما أصبت - إنها بالقلب ~~«فلسات»، وهي بهذا النطق تصبح حفرية لغوية عظيمة الأهمية بقيت علاماتها في قبيلة «طي» التي ~~كانت تعبد ربها على جبل «أجا» باسم «الفلس». وبنسبة الفلس إلى طي، فإنه سيكون «فلس طي» أو ~~«فلسطي»، ولا أظنني أبعد في هذا التخريج كثيرا، عن حسبان هؤلاء هم «الفلستي» أو «الفلسطي» ~~القدماء، أصلا لمن عرفناهم بعد ذلك هجرة وصلت إلى ساحل البحر المتوسط الشرقي باسم ~~«الفلستيين» أو «الفلسطينيين»؛ ليعطوا أرض كنعان اسم فلسطين. ومن الجدير بالذكر أن الباحثين ~~يزعمون أن الفلستيين أقوام جاءت كنعان قادمة من بحر إيجة، أو من جزيرة كريت، # 3 # وهو أمر غير مقطوع بشأنه ويشوبه شك كبير، ومن الأوفق اللجوء إلى تخريجنا ~~هذا - ولو مؤقتا - حتى يتم القطع في الأمر، بحسبانه يتسق مع خط سير الهجرات التي وفدت ~~إلى شرقي المتوسط، وهي في زعم ذات الباحثين قادمة من جزيرة العرب، عدا الفلستيين، لا نعلم ~~لماذا؟ اللهم إلا غرض مشبوه هو استبعاد الفلسطينيين من العناصر القاطنة بالمنطقة من ~~الساميين، وحسبانهم غرباء على فلسطين لتسويغ اعتبار فلسطين سامية من الفرع ~~العبراني. # ولم يبق لدينا سوى «العماليق» الذين ذكرهم حمزة الأصفهاني، ولم يذكرهم ابن خلدون، وذكر ~~بدلا منهم «عبد ضخم وجرهم»، وهو ما لم يورده الأصفهاني، مما يشير إلى خلاف أتصوره، في بحثي ~~بداية الاتفاق وبداية الإجابة ms062 عما طرحناه من تساؤلات. # والعملاق كما نعلم، هو ضخم البناء، وتحكي لنا كتب التراث روايات كثيرة، تطابق هذا المعنى ~~وتشير إليه، وكيف كان الواحد منهم يحمل الصخرة فيرميها على الجيش فيسحقه، ويفسر ~~«النيسابورى» الآيات القرآنية حول عاد: # أتبنون بكل ريع ~~آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ~~* وإذا بطشتم بطشتم جبارين ~~(الشعراء: ~~128-130) بقوله: ~~«وذلك أن هؤلاء القوم، كانوا في هيئات النخل طولا، وكانوا في اتصال الأعمار بحسب ذلك ~~من القدر»، # 4 # بينما يفسر الثعلبي الآيات: # واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة ~~(الأعراف: 69)، بقوله: «أي عظما وطولا وقوة وشدة، وقال أبو حمزة اليماني: كان طول ~~الواحد منهم سبعين ذراعا، وقال ابن عباس: ثمانين ذراعا، وقال: كان أطولهم مائة ذراع، ~~وأقصرهم ستين ذراعا، وقال وهب: كان رأس أحدهم كالقبة العظيمة، وكانت عين الرجل منهم تفرخ ~~فيها السباع، وكذلك مناخرهم»، # 5 # ومثل هذه التفاسير - كما هو واضح - تدخل في عداد المبالغات والتهويلات التي ~~لحقت بهؤلاء القوم، لأسباب مجهولة، على الباحث المدقق أن يحاول كشف اللثام عنها. # وبالعودة إلى منطق البدوي، الذي عاش حياة متفرقة في قبائل متنازعة متصارعة، ولم تجتمع ~~كلمته في وحدة سياسية واحدة إلا نادرا، وحين حدوثها كانت تحدث بين أهل المدر، وليس بين أهل ~~الوبر، مما جعل هذا البدوي عاجزا عن القيام بالأعمال الكبرى، والمشاريع الضخمة التي ~~تحتاج إلى تكاتف قوى المجتمع الموحد، المنتظم في سلك المركزية لوحدة سياسية كبرى، وفي ~~وقت كان جيرانه الذين انتظموا في وحدات إدارية مركزية كبرى قد تمكنوا من تنظيم العمل ~~وتوجيهه إلى إقامة المشاريع الضخمة. # ومن هنا كان هذا البدوي المرتحل يرى في الأعمال المعمارية الهائلة، التي أقامها جيرانه في ~~مصر والعراق أعمالا إعجازية وعجيبة، وبقي فهمه لها في المأثور العربي عن عجائب الدنيا ~~السبع، ولم يكن - وهو في تفرقه القبلي - يتصور أن بإمكان البشر العاديين، إقامة شيء ~~كالأهرام أو معابد الكرنك؛ خاصة أن هذه المعابد ذات أبهاء ضخمة وتقوم على أعمدة شاهقة، ~~وأسقف بالغة العلو، مما دفعه ms063 إلى تصور أنها قد أنشئت أصلا لتناسب حجم وقامات بناتها، ~~وهم بذلك ذوو قامات هائلة وأجسام عظيمة الجرم، وأن هذه المعماريات كي تقام فإنها احتاجت - ~~لاريب - إلى قوة عضلية لا تتيسر إلا لهؤلاء الضخام الطوال، ومن ثم فلاشك أنهم كانوا ~~«عمالقة»! # لكن حديث التراث العربي، هو عن عمالقة عاشوا في جزيرة العرب ثم بادوا، وهو ما يخالف ~~تفسيرنا، وهنا نتذكر أن العمالقة عند الأصفهاني تستبدل عند ابن خلدون، بالاسم: عبد ضخم، ~~وهو ما يشير إلى المعنى ذاته: العملقة، مما يدفعنا إلى الظن أن ابن خلدون قد قصد بعبد ~~ضخم ذات مقصد الأصفهاني بالعمالقة، وهنا ننقل القارئ خطوة أخرى على سبيلنا، فنذكره أن ~~الأصفهاني قد قرن بالعمالقة الاسم «جرهم» أبو الجراهمة، ثم نلقي بأسطع الأضواء على الكشف ~~المأمول، والمتمثل في اسم مصر القديمة بلسانها «مجر» # 6 # الذي جاء منه بمرور الزمان الاسم «مصر». # وكثيرا ما حدثت في وادي النيل حدثان كبرى، تليق بكبر المجتمع وتتفق مع حجمه وأشكاله ~~الاجتماعية، لعل أهمها الصراع الذي نشأ بين كهان مدينة «منف» المقدسة وكهان مدينة «عين ~~شمس»، وانتهت بانتصار كهنة عين شمس واستيلاء كهنتها على عرش البلاد، مع نهاية الأسرة ~~الرابعة الحاكمة في الدولة القديمة، والذي تبعه بالضرورة فرار كهنة منف وأتباع الدين ~~المنفي في هجرة كبرى، ربما اتجهت إلى جزيرة العرب، إضافة إلى ما يعلمه التاريخ عن هجرات ~~مثيلة، اتجهت إلى شرقي المتوسط وعبر بعضها البحر إلى ميسينا وكريت، وربما لم تكن ~~هجرات بالمعنى الدقيق للكلمة، إنما نوع من الهرب الكبير. وبالنسبة لجزيرة العرب، فقد ~~وجدنا من القرائن ما يشير إلى وجود مصري واضح فيها، أيا كان سببه، سواء كان نوعا من ~~الهجرة أو نوعا من الجاليات الكبيرة، أو الحاميات المتقدمة، أو وجود بدأ عسكريا ~~وانتهى باستقرار دائم، والأمر متروك للمهتمين من الباحثين، في ضوء ما سنقدمه من شواهد ~~يشير إلى أن جرهم إنما كانت تشير إلى أهل «مجر»، مع تذكرنا أن الأصفهاني قد قرن جرهم ~~بالعمالقة، وهو ما يدعونا إلى افتراض أن الجراهمة ms064 هم ذاتهم العمالقة. # وأول شواهدنا وأهمها لدعم فرضنا هذا، الذي نسوقه على مهل وحذر، هو ما وجدناه عند ~~المؤرخ القس «أورسيوس 375م»، حيث يقول عن النبي إبراهيم: «وولد له إسماعيل من جاريته «هاجر ~~العملاقة»، وتزوج إسماعيل امرأة «من العماليق» فولدت له اثني عشر ولدا.» # 7 # والمفترض، أن «أورسيوس» رجل دين ذو شأن غير هين، ويعلم تماما صحيح ما بين يديه من آي ~~الكتاب المقدس، ولا يفوتنا أنه قد كلف بكتابة هذا التاريخ بتكليف من أخطر أساطين رجال ~~الدين في زمانه «القديس أوغسطين»، وما كان ممكنا أن يتم هذا التكليف وفي ذلك العصر ~~بالتحديد، إلا بعد تمحيص تام في شخص المؤرخ المنوط به هذه المسئولية الكبرى، وبعد ثبوت ~~الثقة في علمه وفقهه، وتبحره في التوراة، هذا بينما التوراة على الطرف الآخر تؤكد بوضوح: أن ~~هاجر كانت جارية «مصرية»، كما تنص في حديثها عن إسماعيل: «أنه سكن في برية فاران، وأخذت له ~~أمه زوجة من «أرض مصر»» (تكوين 21: 21). # إذن «أورسيوس» يؤكد أن هاجر أم النبي إسماعيل «عملاقة»، وأن إسماعيل بدوره قد تزوج من ~~«عملاقة»، والتوراة تؤكد أن هاجر «مصرية» وزوجة إسماعيل «مصرية»، وهنا نردف فورا ما جاء ~~عند المسعودي في قوله: «تفرق العماليق بعد أن أقحط الشحر واليمن، ويمم عضهم نحو تهامة، ~~وأشرفوا على الوادي الذي تقيم فيه هاجر وولدها قرب الماء، فتزوج إسماعيل منهم، ثم تركها ~~وتزوج جرهمية.» # 8 # ولو دققنا النظر في حديث المسعودي، عن زواج إسماعيل من عملاقة ثم من جرهمية، سنجده ~~يتضارب مع ما جاء في التراث الإسلامي عن قصة بناء الكعبة، وأنها بنيت خمس مرات منذ بدء تاريخها، # 9 # وأن من بناتها العمالقة والجراهمة، وكلاهما أنسباء إسماعيل، # 10 # مما يعني أن العمالقة والجراهمة كانا متعاصرين، وهكذا لا يكون مستساغا أن ~~تنهدم الكعبة وتبنى مرتين في جيل واحد، ولا يبقى منطقيا سوى افتراض أن يكون الجراهمة ~~هم ذات العمالقة، وأنهم عاصروا النبيين إبراهيم وولده إسماعيل، وشاركوهما بناء البيت ~~الإلهي، ومما يعضد هذا المنطق، ما يبدو لنا التباسا حدث ms065 عند «ابن سيد الناس» في تاريخه، ~~فقال: إن البيت قد بني أيام جرهم مرة «أو مرتين». وترك الأمر مفتوحا للاحتمال والترجيح، # 11 # أما صاحب السيرة الحلبية الذي وقع في ذات الحيرة، فقد أجاز لنفسه تأكيد أمر ~~واضح هو «أن العمالقة بنته ولابد». # 12 # وإذا كان «أورسيوس» يقول دون أن يخشى اعتراضا: إن هاجر كانت عملاقة، وأن ولدها إسماعيل ~~قد تزوج عملاقة، وقام المسعودي يجمع من الموروث القديم ما يؤكد أن إسماعيل قد تزوج عملاقة ~~وجرهمية، إضافة إلى ما وجدناه عند ابن هشام وهو يجمع من المأثورات العربية السالفة ما ~~يوطئ به للسيرة النبوية فيقول: «إن إسماعيل نبي مرسل أرسله الله «إلى أخواله من جرهم، وإلى العماليق».» # 13 # ثم إصراره بعد ذلك على أن أخوال إسماعيل من الجراهمة، في قوله: «وبنو إسماعيل ~~أخوالهم من جرهم»، # 14 # وقوله في موضع آخر: «ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة ~~البيت، والحكام لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم وقرابتهم»؛ # 15 # فإن الأمر كله يفضي إلى أن أم إسماعيل (هاجر) المعروف أنها مصرية الأصل، هي ~~أيضا «جرهمية»، وهي عند «أورسيوس» عملاقة، ويصادق جميعه على صدق فرضنا أن كلمة «جرهم» ~~مأخوذة من الأصل «مجر» الذي يعني «مصر»، ولا يكون هناك مندوحة من التسليم - في ضوء ما ~~جمعناه من شواهد - بأن الجراهمة هم العمالقة هم المصريون، وأن العملقة كانت من صفة المصريين ~~أو الجراهمة، لتفسر عظمتهم في الإنشاء والإعمار، وعليه تكون هاجر أم إسماعيل، وكذلك زوجته ~~من العمالقة الجراهمة المصريين، ولعل اسم «هاجر» يشير إلى معنى المصرية، فالهاء أداة ~~التعريف في العربية الشمالية وفي العبرية، «وجر» أو «مجر» هي مصر، وربما أسقط حرف الميم ~~بالتخفيف مع مرور الزمن. ومن هنا نفهم أيضا لماذا لم يعترض أحد على «أورسيوس» من أهل زمانه ~~وأولهم أستاذه «أوغسطين». فلا ريب أن الأمر حينذاك لم يكن مثيرا للاعتراض، وهو بالطبع لن ~~يكون كذلك، إلا إذا كان لدى أهل زمانه مأثور هو من المسلمات والمعروف، ومن نوافل المعلوم ~~الذي ms066 اكتسب قدسية التقادم، يشير إلى ما وصلنا إليه، وهو أن «العمالقة مصريون»، ومن هنا ~~أيضا نفهم لماذا ظل العبريون طوال حوالي ألف عام من تاريخهم يعبدون ربهم في خيمة، أو ~~جعلوا من هذه الخيمة بيتا له ومسكنا أسموها «خيمة الاجتماع»، ولم يكن ذلك إلا لأنهم أهل ~~بداوة وتنقل، بينما تمكن فرعهم الإسماعيلي المتصل بالجراهمة العمالقة أن يقيم للرب ~~بناء معماريا بدلا من الخيمة البدوية في زمن مبكر، «ومن يعرف البناء في مجتمع ~~خيموي؟» # وقد سبق لنا في مقال نقدي لمنهج «د. سيد كريم»، ومعالجته لموضوع بعنوان «قدماء ~~المصريين وبناء الكعبة»، # 16 # أن أشرنا إلى أنه رغم انتقادنا لمنهجه بقسوة، فنحن نتفق معه في نقطة هامة حول ~~القول بهجرة مصرية من «منف» إلى جزيرة العرب، لذلك وجب التنويه أن «د. كريم» أفاد أن الاسم ~~«جرهم» يعني «مهاجري مصر»، وذلك مما يلتقي مع مذهبنا، وكنا نتمنى أن يكون المصدر الذي ~~اعتمده بين أيدينا، لنرفقه بالهوامش زيادة في الفائدة لكنه لم يشر إلى مصادره، وقد أفاد ~~أيضا أن الاسم «مناف» في جزيرة العرب مأخوذ من كلمة «منف» المصرية، وهو قول يمكننا أن ~~نكسبه صلابة وقوة إذا ربطناه بمذهبنا هنا، لأن المناف لغة من القوة والنيف، أي الزيادة في ~~الحجم، فالكلمة بذلك تشير إلى معنى العملقة، كما تلتقي «عبد مناف» مع تعبير ابن خلدون «عبد ~~ضخم»! # أما أكثر المدهشات في أمر «المسعودي» عند الباحثين، وربما اعتبروها من سقطاته وغضوا الطرف ~~عنها، بينما هي لدينا أكثر مقولاته اتساقا مع طبيعة الأمور، وتحتاج إمعان النظر فيها، هي ~~قوله في إشارة خاطفة: «وقيل إن هؤلاء العمالقة بعض فراعنة مصر.» # 17 # فما أقوى ذاكرة الأجيال التي حفظت تلك الحقيقة عبر سنين طويلة، وما أبلغه من ~~دليل على طرحنا، وشكرا للمسعودي! لكن المشكلة - الظاهرية - أمامنا الآن يثيرها المسعودي ~~نفسه، وذلك في قوله: إن العمالقة قد جاءوا الحجاز مهاجرين من اليمن بعد أن أقحط، وحطوا ~~رحلهم إلى جوار هاجر وولدها وصاهروهما، وهذا يعني أن العمالقة أو الجراهمة من اليمن وليسوا ms067 ~~من مصر، خاصة مع قول آخر له عن إسماعيل، وهو أن الله قد «أرسله إلى العماليق من قبائل ~~اليمن»، وهو مما يضع أمام أطروحتنا اعتراضا ابتدائيا، هو لوجه الحق مؤيد قوي لنا، كما ~~سنرى. # والمسعودي لا يقف منفردا في القول: إن العمالقة قدموا إلى الحجاز من اليمن، بل هو واحد ~~في لفيف من الإخباريين المسلمين، الذين يجمعون على حسبان أن كافة الهجرات سواء إلى ~~الحجاز، أو إلى العربية الشمالية، أو إلى الشام، أو إلى الرافدين، قدمت أصلا من بلاد ~~اليمن، وهو ما يحيلنا مرة أخرى إلى إصرار التوراة وتأكيدها المستمر: «وارتحل إبرام ارتحالا ~~متواليا نحو الجنوب». أما تراثنا، رغم ما حوى من تهويلات ومبالغات لايني يفاجئنا بثرائه، ~~وحفظه لذاكرة الأجيال ، فيقول الثعلبي: «ثم نبأ الله إسماعيل «فبعثه إلى العماليق وقبائل اليمن».» # 18 # وقد علمنا أن الترجمة العربية للتوراة، تترجم اتجاه النبي المستمر نحو «ه-نجب» بأنه ~~ارتحال دائم نحو الجنوب، وهنا تضيء اللغة المنطقة أمامنا، فلكلمة الجنوب مرادف آخر في ~~العبرية هو «يمن»، # 19 # أما اصطلاحات اللغة العربية الجغرافية، فتشير إلى الشمال بكلمة «الجدي» وإلى ~~الجنوب بذات الكلمة العبرية «يمن»، # 20 # فالكلمة «يمن» تعني الجنوب، والجنوب كان هدف النبي المرتحل جنوبا أو يمنا، ~~إلى «بلاد اليمن»، كما أن «يمن» ظلت دلالة العقيدة الصادقة، فمن كلمة «اليمن» تأتي كلمة ~~«اليمين» و«أهل اليمين»، والقسم الصادق «يمين». وفي الروض الأنف يضع السهيلي تخريجا يقول: ~~إن اليمن سميت يمنا لوقوعها عن يمين الكعبة، # 21 # واللغة تنسب بذلك اليمين إلى اليمن؛ لأن أهل اليمين هم أهل الإيمان، والكلمة ~~«إيمان» والكلمة «يمن» من جذر واحد، وكذلك «المؤمنين» مشتقة من الجذر ذاته. # ولا مفر هنا من تذكر أشهر الآلهة المصرية القديمة «آمين» أو «أمون» وكان إله الدولة ~~الرسمي، وظل معبودا بهذا الاسم ما يزيد على ألفي عام، ويعني اسمه في المصرية القديمة ~~«الواحد الخفي» # 22 # عن الإدراك، ثم نتذكر أن الألف أو الهمزة تقلب ياء في الساميات، فيصبح «آمين» ~~هو «يمين»، ويصبح «آمن» هو «يمن». أما المذهل حقا ms068 فهو ما نجده في كتب التراث مصدقا ~~لمذهبنا، فتقول السيرة الحلبية في حديثها عن مأثور قديم، يقول: إن أول من سكن اليمن، من ~~يدعى يعرب بن قحطان، «ويعرب هذا قيل له: أيمن، وسمي اليمن يمنا بنزوله فيه»، # 23 # وكان من السهل أن تقلب «آمن» أو «آمين» إلى «أيمن»، ولا تختم الصلوات في أي ~~ديانة شرقية حتى اليوم، دون التأمين عليها باسم الواحد الخفي «آمين». # حقيقة إن كل ذلك هو مؤشرات إلى التصور الأوفق لاتجاه العمالقة الجراهمة بني منف، سواء ~~في هجرة، أو في شكل حاميات عسكرية متقدمة، وهو بالطبع لن يكون إلى بلقع الحجاز الأجرد، ~~وهم من اعتادوا الخصب في بلادهم، إضافة للمزية الاستراتيجية لبلاد اليمن، وتحكمها في عنق ~~البحر الأحمر عند المندب، واتصالها الجنوبي بامتداد مصر في أثيوبيا والصومال. ومن هنا نتصور ~~أن تواجدهم كان في المناطق الخصبة، وأخصب بلاد العرب تلك التي خصتها الكتابات الكلاسيكية ~~بوصف «بلاد العرب السعيدة»، وما انتشر فيها من علوم الري وفنونه، والسيطرة على المياه ~~ومجاريها، وهو ما تعبر عنه بصدق وضاء كلمة «يمن» التي تعني الجنوب وتعني بلاد اليمن، ~~وبضم الياء تصبح «يمن»، واليمن لغة هو السعد. # وعند انتهائنا من هذا الجزء من الدراسة، صادفنا ما يصادق على اجتهادنا، في كون الجراهمة ~~هم العمالقة هم المصريون، حيث وجدنا السهيلي يشير إلى عقائد بعض أهل الجاهلية فيقول: «وكان ~~من خرافاتها في الجاهلية، أن جرهما ابن لملك أهبط من السماء لذنب أصابه فغضب عليه من ~~أجله، كما أهبط هاروت وماروت، ثم ألقيت فيه الشهوة، فتزوج امرأة فولدت له جرهما.» # 24 # والمقصود هنا هو أن «جرهم» من نسل ملاك وإنسية، والعجيب أن ذلك يلتقي تماما مع رواية ~~جاءت في التوراة، تقول: «وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، أن أبناء ~~الله رأوا بنات الناس أنهن حسناوات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا، كان في الأرض ~~طغاة في تلك الأيام وبعد ذلك أيضا؛ «إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا، ms069 ~~هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم»» (تكوين 6: 1-4). # وبالربط بين الروايتين نفهم أن الجراهمة هم نسل عجيب لآباء سماويين ونساء أرضيات، أو ~~ثمرة الزواج بين أبناء الله وبنات الأرض، وأن هذا النسل عرف بالطغيان والجبروت، وأن هؤلاء ~~الجبابرة كانوا «منذ الدهر ذوي اسم»، أي معروفين منذ بداية الأزمنة. # ولا نرى في تلك الروايات سوى تصديق لتفسيرنا، فقد ذهب العقل حينذاك إلى احتساب هؤلاء ~~جبابرة أو عمالقة، مع ملاحظة تشابه التعبير التوراتي «جبابرة» مع التعبير العربي «جراهمة»، ~~إضافة إلى إشارة مهمة وخطيرة، فالمعلوم أن المصريين القدماء قد اعتقدوا أن الملك هو ابن ~~الإله وممثله على الأرض، وكانت هذه صفة متواترة، معلومة عنهم، # 25 # ومن ثم كان ممكنا أن يتصور أهل الجزيرة ضيوفهم في أبهتهم وعبادتهم ~~نماذج إلهية، عضدها الاعتقاد المصري، وذلك يفسر لنا أيضا لماذا اعتبر جراهمة الجزيرة، ~~أو جبابرتها أو عمالقتها من نسل مصري؟ ولماذا احتسبوا عمالقة؟ ولا يفوتنا الاعتقاد العربي ~~في كون جرهم أهبط تلك البلاد لذنب أصابه، مما يشير إلى لجوء عظماء للمنطقة هربا من ~~مطاردة في الأرض الأم، إضافة إلى قول التوراة عن أن الناس بدءوا يكثرون في الأرض، ~~مما يشير إلى توافد أعداد غفيرة إلى المنطقة، وأن هذا التوافد المهاجر كان لأناس يعرفهم ~~الجميع ويعلمهم الدهر، فهم «الذين منذ الدهر ذوو اسم». # | فراعنة اليمن # وإذا كنا قد اتفقنا مبدئيا، ولو بصفة مؤقتة، أن النبي إبراهيم عندما غادر مصر، ~~ترافقه زوجته سارة وهاجر المصرية، وابن أخيه لوط، قد اتجهوا جنوبا إلى جزيرة العرب، فأول ~~ما تصف التوراة وجهتهم تقول: إنها إلى أرض «كجنة الرب كأرض مصر» (تكوين 13)، والتعبير يحمل ~~معنى التشابه البيئي، وربما تشابه المسمى أيضا، وهو ما لا يتطابق مع أرض الحجاز، الوادي ~~غير ذي زرع. # وهنا نقف مع الحافظ ابن كثير لنجده يتابع النص الظاهري للتوراة، فيقول: «ثم إن ~~الخليل عليه السلام، رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها، ~~ومعه أنعام ومال جزيل»، # 1 # ويلحظ ابن كثير ms070 أنه قد أورد في حديثه كلمة، ربما كانت غريبة على مسامع قارئه هي ~~«التيمن»، فيستدرك موضحا: «التيمن تعني أرض بيت المقدس»، # 2 # وهو بذلك إنما يتابع التوراة، ويعني ببيت المقدس «بيت إيل الفلسطيني»، ولكن لأن ~~للحقيقة أقدامها الثابتة، فقد نفذت في رواية ابن كثير، تلك الحقيقة التي - لا شك - تواترت ~~محفوظة في ذاكرة الأجيال، حتى وصلته شفاهة أو مدونة، أقصد بتلك الحقيقة اسم تلك الأرض ~~التي توجه إليها النبي عندما غادر مصر، التي ذكرها ابن كثير باسم «التيمن»، والمدقق ~~لا يجد التيمن في فلسطين، وإنما يجدها ترجمة للمعنى الوارد في التوراة أن النبي عندما ~~خرج من مصر «توجه جنوبا»، فالمسعودي وهو يلبس ثوب أستاذ الجغرافيا، ويشرح لنا تضاريس الأرض ~~وحدود البلدان والبحار، نجده يستخدم مصطلحين للدلالة على الجنوب، الأول هو «يمن» أما ~~الثاني فهو «تيمن»، # 3 # ثم نلجأ للمتخصصين في أركيولوجيا اليمن نستقرئهم عسانا نجد المبتغى، فنجد ~~«فرتزهومل» يحدثنا عن الموضع «يمنت» على الشاطئ الغني بالبخور جنوب حضرموت القديم، # 4 # و«يمنت» بالقلب هي «تيمن»! # كما لا يغيب عن الفطن أن الكلمة «تيمن» والكلمة «يمن» تشتركان في جذر واحد في حال كون ~~«تيمن» اسما، أما في حالة حسبانها فعلا (مع تشكيل حركات حروفهما بالفتح)، فستكون فعلا ~~ماضيا يعني اتجه إلى اليمن، ارتحل جنوبا، وتيمن بالشيء سعد به واستبشر وبلاد اليمن ~~هي بلاد العرب السعيدة، أو بلاد السعد. # ثم تقول التوراة: «وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب، وسكن بين قادش وشور» (تكوين ~~20: 1)، وتكرر التوراة الإشارة إلى الموضع «شور» عدة مرات، كموضع أو مدينة شهيرة في تلك ~~البلاد الجنوبية التي ارتحل إليها إبراهيم (انظر كمثال: تكوين 16: 7؛ وأيضا 25: 18؛ وأيضا ~~20: 1)، ولأن الباحثين لم يعيروا مسألة الخروج من مصر إلى الجنوب اهتماما، فقد أخذوا ~~بالقول التوراتي، وحسبوا وجهته إلى «بيت إيل» الفلسطيني، ومن ثم افترضوا أن المقصود من ~~«شور» هو بلاد آشور الرافدية شمال شرقي فلسطين، وكانت تتمركز آنذاك في الجزء الشمالي من ~~بلاد الرافدين. # ومما يشكك لدينا في كون «شور» قصد بها دولة «آشور» ms071 الرافدية، فهو قول التوراة في موضع آخر ~~«شور التي أمام مصر» (تكوين 25: 18)، بينما بلاد آشور لا تقع في الطريق إلى مصر، ولا ~~أمامها ولا خلفها، ثم إن التوراة في مواضع أخرى كانت تتحدث عن بلاد آشور بالكلمة ~~«آشور» وعن أهلها ب «الآشوريين»، وليس «شور»، ومن ثم تساءلت: لماذا لا تكون شور حسب ~~أطروحاتي موضعا باليمن، وتكون بذلك من خير القرائن على صدق فروضي؟ وبالفعل أخذت أبحث عن ~~«شور» في بلاد اليمن، وجمعت المعلومات الجغرافية القديمة وإحداثيات الأماكن، ووزعتها على ~~خريطة اليمن، مؤسسا ذلك على فرض أن المصريين الذين تواجدوا في جزيرة العرب (الجراهمة ~~العمالقة بني منف) قد سكنوا اليمن أول أمرهم، وسبق أن أشرنا للمسلمات الموروثة التي ~~سجلها المسعودي وابن هشام في كون العمالقة من بلاد اليمن، وأن على هذا الفرض تتأسس ~~فروض جزئية أهمها أن هؤلاء العمالقة كانوا سببا في إطلاق اسم مصر على منطقة سكناهم في ~~بلاد اليمن السعيد، لكن جهودي ضاعت هباء وأنا أرهق النظر والجهد في خريطة تلو أخرى، ~~وكدت أصرف النظر عن هذا الأمر حتى جاءني الدليل، وأنا أقلب في صفحات موسوعة «د. جواد ~~علي» وهو يؤرخ لدولة قتبان اليمنية القديمة، ويقول: إن أهم المدن القديمة فيها وأكثرها ~~شهرة، كانت مدينة «شور». # 5 # وعليه يصح ممكنا تدعيم الموقف بمزيد من الأدلة التي أخذت تتتالى وتفرض ~~وجودها. # ومن ثم عدنا إلى تاريخ «أورسيوس» للعالم، وبخاصة للجزء الذي يتحدث فيه عن جغرافية ~~العالم القديم وحدود البلدان، فوقفنا على أمر غاية في الأهمية، فبعد أن يذكر أورسيوس حدود ~~ما يطلق عليه اسم «مصر الأدنى» يبدأ الحديث عما يسميه «مصر الأقصى»، وقد ذهب الباحثون ~~بما فيهم محقق تاريخ أورسيوس نفسه «د. عبد الرحمن بدوي» إلى أن مقصد أورسيوس بمصر الأدنى ~~هو منطقة الدلتا والوجه البحري من مصر، أو ما اصطلح على تسميته بمصر السفلى، وأن مقصده بمصر ~~الأقصى هو الجنوب المصري أو صعيد مصر، أو ما اصطلح على تسميته «مصر العليا». # ولكن لو تابعنا أورسيوس سنجده يقول: «وأما مصر ms072 الأقصى فإنها بلد ممتد إلى «ناحية المشرق»، ~~وحده في الجوف هو خليج العرب، وفي القبلة البحر المحيط، وفي الغرب مبتدأ من مصر الأدنى ~~وفي الشرق بحر القلزم.» # 6 # وما يجب التنبيه إليه هنا، هو أن أورسيوس يتحدث عن مصر الأقصى، بالنسبة الإحداثية لمصر ~~الأدنى، فيقول: إنها بلد ممتدة إلى ناحية المشرق، وعليه فلا يمكن أن يكون الصعيد هو ~~المقصود؛ لأنه يقع جنوب مصر وليس شرقها، والمشرق بالنسبة لمصر ليس شيئا آخر سوى جزيرة ~~العرب، ثم إنه يضع أول حدود مصر الأقصى وأعلمها «خليج العرب»، وخليج العرب ليس حدا من ~~حدود مصر عليا أو سفلى، صعيدا أو دلتا، ثم إنه يضع الحد القبلي «القبلة» أو الجنوبي ~~«البحر المحيط». وجنوب مصر هو عمق أفريقيا وليس في جنوبها بحار، فما بالنا والحد «بحر ~~محيط»؟! أما جزيرة العرب، فحدها القبلي أو الجنوبي هو فعلا بحر محيط، وهو الذي نعرفه ~~بمصطلحات اليوم باسم «المحيط الهندي». # وفي موضع آخر يتحدث «أورسيوس» عن الزمان الذي مات فيه يعقوب النبي حفيد إبراهيم النبي، ~~فيقول: «وفي ذلك الزمان مات شرايس أمير مصر، الذي زعموا أنه صار من الأوثان»! # 7 # وأول عجب هنا أن «أورسيوس» أو غيره من المؤرخين قد اصطلحوا في حال حديثهم ~~عن ملوك مصر الكبرى سيدة بلاد الشرق القديم، باسم «الفراعنة»، ولم يذكر التاريخ حالة واحدة ~~أشارت لملك مصري بغير اصطلاح فرعون، وعندما خرج القرآن الكريم على مألوفة في نعت ملك مصر ~~بفرعون، وأطلق على ملك مصر زمن النبي يوسف اسم «العزيز»، كان ذلك مدعاة للشك في هوية الجالس ~~على عرش مصر آنذاك، وذهبت طائفة محترمة من الباحثين - لهذا السبب - إلى حسبان حكام مصر في ~~ذلك العهد لم يكونوا مصريين، بينما ذهب بعضهم إلى افتراض أن يوسف وأهله دخلوا مصر وقت ~~احتلالها من الهكسوس، لذلك أطلق القرآن الكريم على الملك المصري في عهد يوسف اسم أو لقب ~~«العزيز»، فما بال «أورسيوس» يتحدث عن «شرايس أمير مصر»؟ أما مصر نفسها فلم تعرف نصوصها ~~كلمة أمير، إلا للدلالة على ms073 ولاتها المنوبين عنها في ولاية البلدان التابعة لها، ونواب ~~الفرعون على الأمصار الخاضعة للإمبراطورية، إضافة إلى أننا قد بحثنا في قوائم ملوك مصر، ~~وعلى مختلف القراءات، فلم نجد ملكا حكم مصر باسم «شرايس»، أو «شرا» بعد حذف التصريف الاسمي ~~«الياء والسين»، لكن ما نعرفه يقينا أن بلاد اليمن قد عبدت معبودا باسم «ذي الشرى»، وأنه ~~قد انتشرت عبادته من اليمن إلى مختلف بقاع الجزيرة، حتى زمن الدعوة الإسلامية، واحتفظ بأصله ~~اليمني محفوظا في اللازمة «ذي»، على غرار «ذي يزن، ذي نواس» ... إلخ، # 8 # ولدينا افتراض إضافي هو أن المصريين القاطنين بلاد اليمن، ربما تمثلوا الأم ~~الكبرى مصر في معبود «ذي الشري»؛ لأن «ذو شريت» كان اسما من أسماء مصر وبالتحديد ~~الهضبتين. # نحن هنا إذن مع «مصر الأقصى» مع مصر أخرى غير التي نعرفها، مصر تقع في طريقها مدينة ~~«شور»، وأنشر حدودها خليج العرب وبحر محيط، وعبدت «ذي الشري» إضافة إلى حدها الغربي وهو مصر ~~الأدنى، والذي لا شك قصد به «أورسيوس» مصر الكبرى التي نعرفها التي امتدت يدها ~~الإمبراطورية؛ لتطوي حدود بلدان ذلك الزمان، فطوت السودان، ونالت من الحبشة، ووصلت حملاتها ~~إلى بلاد «بونت» الصومال، وفرضت على ملكتها الحماية المصرية، لذلك يكون طبيعيا تماما أن ~~تكون حدود مصر الجنوبية، فيما وصل أورسيوس من علوم القدماء، تقع إلى الغرب من مصر الأقصى، ~~أو ما افترضناه بلاد اليمن، ولا يفصلهما سوى مضيق باب المندب الذي لم يمنع الاتصال بين ~~البلدين طوال عصورهما (الحبشة واليمن)، لذلك كان تعبير أورسيوس الذي يغرب على بال أهل ~~زماننا، لكنه كان مفهوما تماما لأهل زمانه، «وفي الغرب مبتدأ من مصر الأدنى»! # ومن أهم ألغاز التاريخ الكبرى، والأحجية التي حيرت ذوي الحجا، ولم تزل تلك القبور الهرمية ~~والهضبية الهائلة في «عمان»، وفي واحة «يبرين»، وفي «ساحل الحسا»، وفي جزيرة «البحرين»، ~~وبلغ عددها في جزيرة البحرين وحدها حوالي 15000 قبر (وذلك حسب تقدير الآثاري إبراهيم ~~معاوية)، أو حوالي 172093 (وذلك حسب تقدير الآثاري لارسن)، تضم ما يزيد على 516279 ms074 قبرا ~~إفراديا. # واللغز هنا يكمن في أن هذا العدد الهائل من القبور، لا يتناسب مع عدد سكان البحرين، الذي ~~لم يزد وقت ازدهارها على 9618 نسمة في أعلى التقديرات. لذلك كان أهم افتراضات حل اللغز، أن ~~تلك القبور قد أعدت كمكان للدفن المقدس، لسكان وادي الرافدين، لكن أخطر اعتراض يواجه هذا ~~الفرض هو أنه لم يعثر في النصوص الرافدية ذاتها حتى الآن، على ما يشير إلى اعتقاد الرافديين ~~القدماء، في حياة سعيدة في عالم خالد من بعد الموت، بل إنهم لم يعتقدوا في البعث أصلا، حتى ~~نتصورهم يعيرون الموت كل هذا الاهتمام ببناء مقابر هضبية، ومصاطب هرمية هائلة. # ويزيد الأمر بعدا عن الإقناع، هو أن تلك المقابر قد بنيت خارج حدود الرافدين، مما ~~يدفع إلى التساؤل عن وجاهة السبب الذي يدفع لكل هذا العناء، في نقل رفات الموتى من بقاع ~~شتى في الرافدين ليدفنوا على سواحل الخليج العربي وعلى مبعدة أكثر من ثلاثمائة ميل أو ~~يزيد! ومن هنا ظلت هذه القبور التي تنوف على نصف مليون قبر، وتعد أكبر مقبرة في الشرق ~~القديم، لغزا غير قابل للحل، مما دفع آخر من بحث هذا الأمر (كارلوفسكي)، إلى أن يرفع صوته ~~متسائلا مستنكرا: «إنها ظاهرة تتطلب تفسيرا، إلا أن الجميع قد تجاهلوا ذلك.» # 9 # والحقيقة أن طرحنا لم يتركنا في موضع واحد مع المتجاهلين، ووفق خطنا المنهجي لا نرى في ~~الأمر ألغازا ولا أحاجي تطلب تفسيرا؛ لأن الشعب الوحيد في الشرق القديم الذي اهتم بتسخير ~~جميع أنشطته الدنيوية من أجل حياته الأخروية، واعتقد جازما في عالم سعيد آخر، هو الشعب ~~المصري بلا منازع، وهو الشعب الذي تميز بكثافة سكانية هائلة، تسمح أن تكون هجرة القليل منه ~~كما كبيرا، قياسا على جيران من الأمم، ناهياك عن أن هؤلاء المهاجرين كانوا يشملون العدد ~~الأكبر من العارفين بأصول الدين. # وعند بحثي عن كل ما يهم موضوعي في الكتب التي تناولت تاريخ اليمن، وجدت عند المؤرخ اليمني ~~«أحمد حسين شرف الدين» معلومة خطيرة؛ إذ يجزم بيقين ms075 أن الأمة التي عاشت هناك أو آنذاك كانت ~~لا تقل عن أربعين مليون نسمة، # 10 # وهو ما لا يمكن تصوره إذا قصرنا النظر على مجموعة البدو الخيمويين المستقرين ~~هناك، لكن يمكن قبوله في ضوء ما سبق وطرحناه. # وعندما كنت على وشك إغلاق هذا الجزء من الدراسة، فاجأني دليل مهم وخطير، يصادق تماما ~~على أطروحاتنا، ولوجه الحق إننا لم نتوقع مثل هذه القرينة المبينة في الظروف الراهنة على ~~الأقل، وقد جاءنا الدليل في شكل خبر بالنشرة الإخبارية للصحافة بالتلفاز المصري، والتي تذاع ~~حوالي الحادية عشرة صباحا يوم 22 / 2 / 1988م، ويقول الخبر: إنه قد اكتشف في مقابر جزيرة ~~البحرين عدد من الجعارين الفرعونية، إضافة إلى تمثالين صغيرين لأبي الهول المصري، وقد تأكدت ~~مصرية هذه القطع النادرة من الكتابة الهيروغليفية المنقوشة أسفل التماثيل، وفي ذات اليوم ~~بحثت في الصحف المصرية عن مزيد، فوجدت الخبر ينزوي في ركن صغير من الصفحة الأخيرة بصحيفة ~~الأهرام، ويقول: «أبو الهول صغير، اكتشافه في البحرين: عثر في البحرين على نماذج صغيرة ~~لتمثال أبي الهول، وقد نقشت أسفله بعض الكتابات الهيروغليفية في أحد مدافن قرية سادة شمالي ~~البحرين، وصرح عبد العزيز صويلح مراقب الآثار بإدارة السياحة والآثار بدولة البحرين، بأنه ~~قد عثر على تمثال أبي الهول الصغير الذي يعتقد أنه يستخدم كنوع من الأختام، وذلك ضمن مدفن ~~خاص بامرأة.» # إلى هنا ينتهي الخبر الصغير عن أبي الهول الصغير، الذي انزوى في الصحيفة، ربما عن استهانة ~~بشأنه، لكن غاية ما نرجوه في ضوء ما قدمناه من شواهد في هذا البحث أن يعيد الباحثون إليه ~~قيمته وقدره، ولربما أفرد لأبي الهول الصغير بعد ذلك صفحات، تليق بدلالات سفره الطويل إلى ~~الساحل الشرقي لجزيرة العرب منذ ألوف السنين، ثم نجد أكثر من رواية إخبارية تشير إلى وقوع ~~بعض الناس على مقابر آثارية، أيام الجاهلية والإسلام يمكن بالتدقيق فيها، أن تجد العين ~~الفاحصة أكثر من علامة مصرية قديمة، رغم ما شاب هذه الروايات من مزاعم تلفيقية ومبالغات، ~~وتخريجات ناتجة عن عدم إمكان ms076 التفسير الصادق، فاتجهت إلى تفاسير مزعومة تلتئم وواقع الفكر ~~هناك وحينذاك، فيقول برهان الدين الحلبي في السيرة: إنه «في زمن عمر بن الخطاب، فتحت ~~تستر المدينة المعروفة، فوجدوا تابوتا، أو في لفظ سريرا، عليه دانيال عليه السلام، ~~ووجدوا طول أنفه شبرا، وقيل ذراعا، ووجدوا عند رأسه مصحفا، فيه ما يحدث إلى يوم القيامة.» # 11 # ومعلوم أن العرب لم يعتادوا الدفن في غرف أو أقبية، كما لم يعتادوا دفن موتاهم في ~~توابيت، أو وضعهم على أسرة، والمواصفات الواردة في الرواية تطابق إلى حد مثير، أسلوب قدماء ~~المصريين في دفن موتاهم، إضافة إلى ما أسماه النص مصحفا أو كتابا، وهي عادة مصرية بحتة، ~~وهو المعروف باسم «كتاب الموتى»، وكان يوضع في قبور الموتى بلا استثناء، ليهدي الميت في ~~آخرته سواء السبيل. أما القول إن المقبرة المكتشفة في تستر المدينة كانت لدانيال النبي أو ~~غيره؛ فإنه من قبيل التخريجات لتفسير ما ليس له تفسير. فواضح أن المقبرة كانت فخمة إلى حد ~~احتاج معه المفسرون إلى شخصية تتناسب وعظمتها، ولم يكن العهد آنذاك يرى من هم أعظم من ~~الأنبياء، كما لم يكن ممكنا الزعم بأنها مقبرة نبي معلوم الشأن، لما في ذلك من حساسية ~~تشوبها القدسية والتابو، ومن هنا لم يكن ثمة بأس من اختيار نبي توراتي مثل دانيال، لا تزعج ~~المسلمين مسألة دفنه سواء على سرير أو في تابوت، في كثير أو قليل. # وثمة رواية أخرى أكثر إفصاحا عن المصرية، واضح أنها تتحدث عن كشف لمقبرة من نوع خاص. ~~فيروي السهيلي، حديث عبد الله بن جدعان، وهو شخصية حظيت بالأهمية، حتى سجلها كتاب ~~التراث المسلمون بعد زمان، لما حالفه من حظ الثراء المفاجئ والغنى الذي لم يبلغه غيره، ~~فيقول: «وكان ابن جدعان في بدء أمره صعلوكا ترب اليدين، نفاه أبوه وحلف ألا يؤويه ~~أبدا، فخرج في شعاب مكة حائرا بائرا يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل فظن ~~فيه حية، فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم ير ms077 شيئا فدخل فيه، فإذا ثعبان ~~عظيم له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان فأفرج له، فانساب عنه مستديرا بدارة ~~عندها بيت، فخطا خطوة أخرى فصفر به الثعبان وأقبل عليه كالسهم، فأفرج عنه، فانساب عنه قدما ~~لا ينظر إليه، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيده، فإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان، ~~فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث على سرر طوال لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند ~~رءوسهم لوح فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال «من ملوك جرهم»، وإذا في وسط البيت كوم عظيم من ~~الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد، فأخذ منه ما أخذ، ثم علم الشق بعلامة وأغلق ~~بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم، ~~فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف.» # 12 # ولعله واضح أن كلتا الروايتين تبالغ في أحجام المومياوات المكتشفة ؛ فأنف المزعوم أنه ~~دانيال من شبر إلى ذراع، والجثث التي عثر عليها ابن جدعان لم ير مثلها هولا وعظما، وهو ~~أمر يعكس الظن الصادق من جانبنا في أصل أصحاب هذه المقابر، وأنهم ربما كانوا عمالقة، لذلك ~~كان السهيلي سهلا في فهمه، فأضاف دون حرج عن هذه المومياوات قوله: «وإذا هم رجال من ملوك ~~جرهم»، وهو ما يصادق على زعمنا أن العمالقة هم الجراهمة هم المصريون، كما لا يحتاج لبيان ~~قصة الثعبان، الإله المصري «مجر-ست» الثعبان، حامي التيجان والتميمة المقدسة، وحامي المقابر ~~الملكية، وكانت توضع له نماذج في مقابر العظماء من الذهب الخالص، ويطعم بالأحجار الكريمة، ~~هذا إضافة إلى اكتشاف ابن جدعان أنه مصنوع، رغم الإخراج الفني للرواية الذي يزعم له حركة ~~وهجوما ... إلخ، إضافة إلى أن لوح الفضة عند الرأس والقدمين يسجل الابتهالات من أجل ~~الميت، هو طقس مصري قديم، واضح المصرية. وإذا كنا قد ~~وقعنا إبان بحثنا على مثل هذه النوادر، في كتب الأخبار الإسلامية فلا ريب أن الذي لم ~~يصادفنا أكثر، كما لا شك أن مثل هذه النوادر والكشوف لم تكن كل الكشوف ms078 الحقيقية، إنما فقط ~~ما وجد منها طريقه إلى التسجيل، إضافة إلى حسبان أنها كشوف تمت بالصدفة البحتة، مما يشير ~~إلى عدد لا شك كبير من القبور التي تناثرت على صفحة الجزيرة تعلن عن أصحابها. # أما الأمر العظيم لأمرنا هذا، ذاك الذي أدهش أهل التاريخ، ولأن المدهشات في التاريخ ~~كثيرة، فقد اكتفوا بإبداء الدهشة ووضعوا أمامه علامات التعجب، وسجلوا حوله استفهامات تطلب ~~إجابات لم تأت أبدا، ثم غلفوه بعناية وحفظوه في سلة مهملات التاريخ، وأرشفوه ضد ~~مجهول! # وهو ما يوجزه الباحث العراقي، والمؤرخ الكبير «طه باقر» يلخص فيه أمر هذا المدهش، ~~واتجاهات أصحاب الرأي فيه، في كتاب من أضخم كتبه وسمه باسم «الوجيز» يقول فيه: إن نصوص ~~الحضارة الرافدية، كانت تتحدث عن بلاد ذات علاقات مستمرة مع بلاد الرافدين القديمة، أهمها ~~«قطران» ترافق ذكرهما في النصوص المسمارية، مما يشير إلى تجاورهما، وهما: قطر «مكان» بكسر ~~الميم، وقطر «ملوخا»، ويوضح أن الباحثين قد اتخذوا قرارا باعتبار «مكان» هي منطقة «عمان» ~~الحالية بجزيرة العرب، وقد أشارت النصوص المسمارية إلى واحد من ملوك القطر «مكان» باسم ~~«مانيئيم»، وأنه كان معاصرا لفترة حكم الملك الرافدي «نرام سين»، أما القطر الثاني «ملوخا» ~~فقد عينه الباحثون بالحبشة الحالية. # 13 # أما ذلك المدهش الذي ظل بلا إجابة، فيأتي في تساؤل «طه باقر»: «ومع أن الاسم مكان كان ~~يطلق على منطقة عمان في العصور القديمة، إلا أن الاسم نفسه صار يطلق في العصور المتأخرة من ~~تاريخ العراق القديم على بلاد مصر، الأمر الذي يثير ~~تساؤلا محيرا، هو: هل كان المقصود من قطر مكان وملكه مانيئيم في عهد نرام سين بلاد مصر؟!» # 14 # ولا يغيب عن القارئ أن عمان أرض يمنية، ولم تزل تحسب كذلك، كما لا يغيب عنه ~~أيضا أن الأستاذ باقر، قد اكتفى بطرح السؤال وإبداء العجب، وتجاوز الأمر بعد ذلك إلى سرد ~~باقي تفاصيل تاريخ العراق القديم. # وعند المسعودي رواية يتحدث فيها عما يسميه بحر الزنج، فيقول: «وقد ركبت أنا هذا البحر من ~~مدينة سنجار، وهي قصبة ms079 بلاد عمان، مع جماعة من نواخذة السيرافيين، وهم أرباب المراكب، وذلك ~~بميكان وهي محلة سيراف»، # 15 ~~(لاحظ أن الكلمة سيراف تعني ثعبان، والسيرافيون إذن هم أصحاب الثعابين، ولا ~~ننسى الطقس المصري في وضع نموذج مصنوع للحية على الرأس كتميمة للحماية). # إذن فالمسعودي كان يعرف في بلاد اليمن موضعا باسم «ميكان»، واستخدم الرافديون القدماء ~~اسم «مكان» للدلالة على بلاد يمنية وعلى أرض مصرية في الوقت ذاته، مما شكل إزعاجا ~~للباحثين، لا نرى له محلا بعد أطروحاتنا وما قدمناه من قرائن، تفترض أن اليمن حازت اسم ~~مصر بأهلها من مصريين، كما أن الاسم «مانيئيم» الذي أشير إليه في النصوص المسمارية كملك ~~لبلاد «مكان»، في ضوء التحليل اللغوي يمكننا أن نرى فيه شاهدا على فرضنا، فهو بالقلب يصبح ~~«يمنيم»، والكلمة يمنيم في اللغات السامية العراقية، وفي العبرية، هي جمع للمفرد ~~«يمني». # أما الذي يجب أن نذكره الآن فهو أن أداة التعريف اليمنية، كانت «ن» تلحق بآخر الكلمة، ~~وعليه فإن «مكان» إنما هي «مكا»، وهو ما يجعلنا نفهم بوضوح حديث النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # الذي ~~كان فيما يبدو واضح المرامي لدى المسلمين الأوائل، وهو يقول # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما هنا يمن وما هنا ~~شام، «فمكة من اليمن».» # 16 # وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أتاكم أهل اليمن، وهم أرق أفئدة وألين قلوبا، «الإيمان ~~يمان»، والحكمة يمانية»، # 17 # وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أنا يمان والحجر الأسود يمان، والدين يمان»، # 18 # وفي الحديث أيضا: أن أول من أجاب إبراهيم حين أذن بالحج هم «أهل اليمن»، # 19 # وروى البخاري أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال: «الإيمان ها هنا، «وأشار بيده إلى اليمن».» # 20 # وقبل أن نستطرد في الحديث عن، «مكة اليمنية» بعد الدليل النقلي عن محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: أن مكة ~~من اليمن، لا بأس من ذكر بعض التداعيات، فالصفة «أم القرى» صفة مكة، وتعني أم البلاد أي أم ~~الدنيا، والنعت «أم الدنيا» يستدعي مصر حتى لو لم تذكر بالاسم، وفي دراسة ms080 الباحث «نجيب ~~البهبيتي» لملحمة جلجامش الرافدية يذهب إلى أن الملحمة من أصل يمني، وهذا لا يعني موضوعنا، ~~لكنه في معرض هذه الدراسة مر مرور الكرام، على معلومة تعنينا تماما، وهي أن الباحثين قد ~~وصلوا إلى أمر شبه مؤكد، يؤكد «أن أقرب اللغات القديمة إلى لغة المصريين القدماء، هي ~~اللغة اليمنية القديمة»! # 21 # أما نحن فقد لحظنا شبها كبيرا بين طريقة تخطيط الخط اليمني المسند، وبين خطوط الكتابة ~~السينائية، (في عام 1905م عثر فلندر بتري في مناجم النحاس المصرية، بوادي معرار غربي سيناء، ~~بين السويس ورأس محمد، على رسوم بدائية وأحد عشر نقشا في أبجدية جديدة، خليط بين ~~الهيروغليفية وإشارات أخرى أجنبية)، وقد عقب المؤرخ والآثاري «ديتلف نيلسن» على هذه ~~الكتابة بقوله: «إنها تشير إلى الأصل المصري للأبجدية، أو الأبجدية الأم، وترجع إلى ~~1800-1500ق.م وهي الحلقة المفقودة في تطور الأبجدية»، # 22 # بينما عقب الآثاري «فرتز هومل» بالقول: «إن هذه الكتابة تؤكد العلاقة بين ~~الأبجدية السامية والمصرية ، لأنه من المستبعد أن توجد أبجديتان مرتين في العالم القديم، ~~ومستقلتان عن بعضهما، وتستخدمان الحروف الصامتة وإشارات الهمز.» # 23 # وهذا يعني لدينا أن الاتصال الذي حدث بين المصريين والساميين، وراء هذا التطور في ~~الأبجدية، التي انتقلت إلى مسند اليمن بعد ذلك، (وفي ضوء هذه الملحوظات قد نرجو أن يجد ~~بحثنا هذا طريقه إلى اقتناع باحث مهتم بالكتابة القديمة، حيث تفوق دراسة هذه النصوص - ~~دراسة دقيقة - قدراتنا، فلكل أربابه والعارفون بدقائقه ومنمنماته). # وملحوظة أخرى مهمة في هذا المجال، هي أنه قد عثر مؤخرا على منطقة أثرية شمالي شبه ~~الجزيرة العربية، ثبت أن دولة معان اليمنية، قد أقامتها في هذه المنطقة كمستعمرة متقدمة، ~~ومحطة ترانزيت تجارية، باسم «معان مصران» والترجمة الدقيقة لاسم هذه المستعمرة هي: معان ~~المصرية! # أما ما لفت النظر فهو عدم إمكان وجود تفسير مقبول لهندسة ري متقدمة إلى حد كبير ~~ومتميز في اليمن القديم دون سوابق وتمهيدات، وما كان ممكنا أن تنشأ دون خبرات طويلة سابقة، ~~لا تتوافر إلا لدى سكان مناطق نهرية من ms081 الأصل، وهو ما يمكن وضعه كقرينة مع سابق أدلتنا على ~~سكنى المصريين بلاد اليمن. # | مكة اليمنية # في النقوش المكتشفة حتى الآن، في آثار الجنوب العربي، ورد اسم غريب «أكثر من ألف مرة»، ~~وكان واضحا أنه علم على إله معبود، زعم الباحثون في آثار اليمن أنه اسم لمعبود سبئي، كما ~~زعموا أنه كان إله القمر، ويعد أشهر معبودات اليمن طرا، وقد اجتهد هؤلاء في فهم الاسم ما ~~بين اللامع والثاقب هذا هو الإله الذي سجلته النقوش باسم «المقة». # 1 # لكن على الجانب الآخر، يكشف لنا القرآن الكريم أن سبأ قد عبدت الشمس، وجاء ذلك في قول ~~الهدهد لسليمان، وهو ينقل له خبر ملكة سبأ: # وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله ~~(النمل: 24). والمعلوم عن عبادة الشمس ~~أنها تسود في المناطق النهرية والبلدان الزراعية، لما تقوم به الشمس من دور أساسي في حياة ~~النبات ونضوج المحصول، لذلك عبدها السومريون باسم «أوتوا # AUTU ~~»، وعبدها البابليون وهم شعب سامي بالاسم ~~«شمس # SHAMASH ~~»، والمصريون عبدوا الشمس باسم ~~«رع # RA ~~»، و«آمون ~~رع # RA-AMON ~~»، و«آتوم رع # RA-ATUM ~~». وفي كل الحالات ~~كان هو رب الدولة والعرش، أما القمر فكان في العادة معبود الصحراء والبدو، لما له من أهمية ~~في ليلها الموحش، ومن ثم فإن إشارة القرآن الكريم لعبادة دولة سبأ اليمنية للشمس، إشارة ~~واضحة لارتباط هؤلاء أيضا بالفلاحة والزرع، ويقول السهيلي: «وسبأ اسمه «عبد شمس وكان أول ~~من تتوج» من ملوك العرب.» # 2 # ورغم أن الأمر ليس بقاعدة دائمة، ولا يمنع عبادة كلا الجرمين في أرض واحدة، فإن إشارة ~~القرآن الكريم لعبادة الشمس في دولة سبأ، إنما تعني أنه كان الإله المعتبر لديهم عن بقية ~~الآلهة، ومن ثم دفعتنا إشارة القرآن الكريم إلى مزيد من البحث وراء جذور سبأ، وكانت ~~المفاجأة العظيمة أن يعلمنا الآثاري «فرتز هومل» أن هناك إشارات لا مجال للخلاف حولها، تؤكد ~~قدوم السبئيين إلى بلاد اليمن، نازحين من مكان ما في الشمال. أما المفاجأة الثانية، فهي أن ~~دولة سبأ بوجه خاص قد تميزت بكثرة ms082 الملكات من النساء، وهو أمر إن كان غريبا تماما على ~~الطبع البدوي، فإنه بشواهد التاريخ وطبيعة المجتمع، لم يكن غريبا على المصريين! فأثار ~~الرافدين تذكر في نصوص «بتجلتجسلر الرابع» ملكة من سبأ باسم «سمس»، كذلك أشارت نصوص ~~الرافدين إلى ملكة سبئية باسم «زبيبي»، كذلك أشارت نصوص العاهل الرافدي «أسر حدون» إلى ملكة ~~سبئية دون أن يشار إليها بالاسم، وأخرى ذكرتها نصوص «سنحريب» ومن أسماء ملكات سبأ اللاتي ~~أنشأن علاقات مع حكومات الرافدين، الملكة «يثعي» والأميرة «تبوءة» أيام حكم الملك الرافدي ~~«أسر حدون». # 3 # ولكن كان لعبادة القمر أيضا دورها لدى سكان اليمن وكل بادية العرب، فقد عبده القتبانيون ~~والحميريون بالاسم «عم» وعم القبيلة سيدها، وعبده الحضارمة باسم «سين» و«ياسين»، وعبده ~~المعانيون بالاسم «ود» وعبده السبئيون كما سبق وأشرنا، حسبما يذهب المؤرخون باسم «المقة»، ~~وإن كان لدينا تصور خاص يذهب إلى أن عبادة «المقة» تمثل نوعا من التطور في العبادة، ~~ومبعثنا إلى ذلك هو أن كل أنواع الآلهة التي ذكرها الإخباريون المسلمون عن عبادات العرب قبل ~~الإسلام ذكرت شتى أنواع الآلهة بأسمائها عدا «المقة»، رغم أنه كان أشهر هذه الآلهة، ولم يكد ~~يخلو نقش من اسمه، ومع ذلك وجدت جميع الآلهة طريقها للتدوين في كتب الأخبار بينما لم يرد ~~اسم المقة بالمرة، وهو ما أثار حيرة الباحثين ودهشتهم ولم يزل! ومن هنا وقفنا مع «المقة» ~~ذلك الاسم الغريب، نحاول الفهم. # ووجه الغرابة في نظرنا يكمن في أمرين: الأمر الأول، ويتعلق بحرفي «ال» في أول كلمة ~~«المقة»، ونحن نعلم أن أداة التعريف في العربية الشمالية كانت هي «ه» في أول الكلمة، مثل ~~«هبعل» أي الإله «هبل»، ثم أهملت العين بالتخفيف، لينطق بعد ذلك «هبل» كبير أصنام الكعبة ~~زمن البعثة الإسلامية، أما في العربية الجنوبية، فكانت أداة التعريف هي حرف «ن» يلحق بآخر ~~الكلمة، مثل قولهم: «رحمنن» أي «الرحمن»، ومن ثم كان تساؤلنا: ما هي دلالة الألف واللام في ~~اسم «المقة»؟! # أما وجه الغرابة الثاني، فيتعلق بحرف التاء الأخير في «المقة»، وحرف التاء ms083 مضافا أو ~~لاحقا بآخر الكلمة، سواء عربية شمالية أو جنوبية، فكان غرضه التأنيث، بينما تفهمنا النصوص، ~~التي راجعناها أكثر من مرة عند «جلازر» و«هوميل» و«نيلسن» و«كانالكيس» وغيرهم، أن المقة إله ~~ذكر، ومن ثم كان تساؤلنا الثاني عن الحكمة من إضافة «تاء» التأنيث لاسم علم، يدل على معبود ~~ذكر! # وقد سبق لنا أن عالجنا هذه الجزئية في بحث مستقل، نشرته الكرمل «عدد 26 تصدر في ~~نيقوسيا»، وبدأنا بالمشكلة الأولى «الألف واللام - إل»، ووجدنا حلها في عدة إشارات، نذكر ~~منها إشارة «موسكاتي» إلى شخصية إلهية، وصفها بأنها غامضة، تحمل اسم «إل»، # 4 # وقد سبق وأشرنا إلى معبود عبراني يحمل ذات الاسم «إل»، وكان قبل ذلك علما ~~إلهيا معروفا في بلاد الرافدين والشام القديم، وإشارات أخرى أكد فيها «نولدكه» وآخرون، ~~وكذلك «د. جواد علي» أن «إل» كان إلها معروفا في عبادات الشعوب السامية القديمة بلا استثناء، # 5 # إلا أن هؤلاء لم يوضحوا لنا دلالته بشكل صريح، كذلك أكد «ديتلف نيلسون» أن ~~معبودا باسم «إل » كان معروفا في كل بقاع جزيرة العرب (ونيلسن من أبرز أركيولوجيى الجزيرة ~~وبخاصة الجنوب العربي)، ويرى أنه كان اسما ذا دلالة عامة، فيقال: «إل كذا»، ويتبع «إل» ~~باسم الإله المقصود، ويضيف «نيلسن» أن «إل» ورد كعلم لإله خاص في النقوش السبئية والقتبانية، # 6 # ورغم أهمية هذا الأمر فإن نيلسن لم يوضح لنا أي إله خاص تسمى بالاسم ~~«إل» وعلى أية منطقة من الطبيعة، أو على أية ظاهرة طبيعية كانت دلالته، هذا وقد أفادنا ~~«ريكمانز» أن «إل» قد جاء في النقوش السبئية، يحمل اللقبين «فخر» بمعنى العظيم، و«تعلى» ~~بمعنى تعالى، # 7 # أما هوبر فقد أثمرت أبحاثه ونشاطه، الكشف عن «إل» في النقوش الثمودية بالصيغة «إله-ن»، # 8 # وباعتبار حرف «ن» الأخير هو أداة التعريف، فإن المعنى واللفظ سيكون «الإله» أو ~~«الله». # وتأسيسا على هذه المعاني يمكننا الزعم أن حرفي «أ» و«ل» في أول المقة، إنما تعني الله أو ~~الإله، وبذلك تتركب كلمة «المقة» من مقطعين أو ملصقين، وهي خاصية في اللغات ms084 السامية، فتعني ~~الإله أو الرب «مقة»، ونتذكر مرة أخرى أن الإخباريين المسلمين، كان واضحا أنهم لا يعلمون ~~شيئا عن «الرب مقة» سيد أرباب الجنوب. # وتبقى الإشكالية الثانية، وهي «تاء» التأنيث في «المقة»، وأتصور حلها يمكن استخلاصه من نص ~~قتباني، يشير إلى الذبائح المقدسة بقوله: «مختن ملكن بمكي»، # 9 # وتأخذ الباحثة «منقوش» بترجمته إلى «المذبح الملكي بالموضع مكي»، وعليه فالنص ~~يشير إلى موضع للذبح المقدس وتقديم القرابين، وأن هذا الموضع يقع في منطقة تحمل الاسم «مكي» ~~مع ملاحظة تعبير النص الأصلي «مختن» فهو يعني مقر «الختان»، والختان كما هو معلوم كان شرعة ~~مقدسة، تمارس في أيام محددة في أماكن مقدسة، لدى الشعب المصري بوجه خاص، ولم تزل تمارس في ~~مقامات الأولياء وموالدهم حتى اليوم، إضافة إلى أن المختن تعني أيضا المذبح. # وهنا يثور التساؤل الحذر: إذا كان المعبد المقدس للإله حيث تتم عملية الختان، أو تقديم ~~الأضاحي، يقع في منطقة «مكي»، فهل هناك علاقة بين اسم الإله الغامض «المقة» أو «الرب مقة»، ~~وبين «مكي» في النص: مختن ملكن بمكي؟ # هناك مشكلة ظاهرية يمكن أن تواجه هذا الاقتراح، وهي أن النص قتباني، وقتبان كانت تعبد ~~الإله القمر باسم «عم» وليس باسم «المقة»، إلا أن هذه المشكلة الظاهرية يمكن أن تساعد على ~~الحل، ولنطرح تصورنا لهذا الحل في الخطوات التالية: ~~(1) # ورد عند ابن طيفور المصري، وعند القيرواني، أن بعض أهل اليمن كانوا يقلبون ~~القاف كافا، كما يفعل أهل فلسطين اليوم، وكثير من المناطق الأخرى، وفي اليمن ~~ذاتها، ومن هنا لا نستبعد العلاقة بين «مكي» و«مقة». ~~(2) # إن إشارة النص القتباني إلى المذبح الملكي بكونه في الموضع «مكي» مع ما ~~عرفناه عن تقديسهم للإله «إل» وتلقيبهم له باللقبين «فخر» و«تعلى»، والصيغة ~~التي يعتبرها «هوبر» لقيته، أقصد «إله-ن» أي «الله» وتشير إلى «إل»، ومع ما ~~علمناه عن «إل» كعلم ذي دلالة خاصة على إله خاص لدى القتبانيين والسبئيين ~~معا - فيما زعم نيلسن - ومع ما افترضناه حول كون «الألف» و«اللام» في أول ~~«المقة» إنما هي «إل» أي ms085 إله أو رب، مع هذه المجموعة من الإشارات، نجدنا شبه ~~مضطرين إلى استنتاج أن معبد «إل» على الأرض، سواء كان قتبانيا أم سبئيا، ~~إنما كان يشار إليه بالاسم كان يشار إليه بالاسم «مكي»، ويقدس معبده ومحيطه ~~كحرم خاص له. ~~(3) # ومن هنا نقترح أن يكون اسم «المقة» ليس خاصا بإله خاص، إنما يعني «إل مقة» ~~أو «إله مكي». وهنا ننتقل خطوة أخرى فنحتسب ترجمة النقش «المقة» إلى «الرب ~~مقة» ترجمة غير دقيقة، ويجب أن تكون «إله مكي» أي إله المعبد المسمى «مكي»، ~~وبذلك لا يعد لفظ «المقة» اسم علم يطلق على إله القمر السبئي - كما زعم ~~الباحثون - إنما يصبح مع هذا الاجتهاد بمعنى «رب البيت» أو «بيت الرب»، ويعضد ~~ذلك أنه فيما يبدو كانت كلمة «مك» أو «بك» تعني البيت، أو ربما البيت المقدس في ~~اللسان السامي، ومثال لذلك معبد «بعلبك» في لبنان، والكلمة «بعل-بك» تعني بيت ~~البعل، وكان البعل إلها كنعانيا فينيقيا في تلك المناطق كإله للخصب ~~والخضرة والنماء وربا للمياه والغيث، وعليه يمكن اعتبار «إل مقة» هي «بيت ~~الرب» أو «رب البيت»، وعادة ما تواتر في تاريخ العبادات القديمة إطلاق اسم «بيت ~~الرب أو رب البيت» على محيطه ومدينته بالكامل، وهو ما حدث في حالة «بعلبك»، ~~وحدث أيضا في اليمن حيث وجدنا - كما سبق وفصلنا - نصوص نرام سين تتحدث عن ~~«مكان» بكسر الميم، كبلد يمني ذي علاقات خاصة ببلاد الرافدين القديم، وحيث أشار ~~المسعودي لوجودها في عهده، وقال إنه ركب السفينة من «ميكان» وبحذف أداة التعريف ~~اليمنية «ن» تصبح «ميكا» أو «مكا» بكسر الميم، وهو ما يوعز لنا بالنطق الأصدق ~~للنص القتباني «مختن ملكن بمكي» ليصبح «مختن ملكن بميكا أو بمكا». ~~(4) # ويدعم هذه الاستنتاجات، ما جاء في النصوص السبئية تصف الرب المعبود بأنه «ذوي سموي»، # 10 # وتعني صاحب السماء أو رب السماء، وإذا أخذنا بافتراض العلماء أن ~~«المقة» فيما زعموا كان إلها للقمر، فسيكون «ذوي سموي» هو «إل» أو «إله-ن» ~~بالذات والتحديد، أي «الله»، أما «المقة» أو «مكة» فلم ms086 يكن اسما إلهيا، إنما ~~هو حرم هذا الإله على الأرض، أي يصبح «إل» هو «ذوي سموي» رب السماء، رب البيت ~~المقدس المكرس لعبادته على الأرض. ~~(5) # ويذكر «ديتلف نيلسن» أنه قد عثر على كلمات احتسبها أسماء إلهية، أو ألقابا ~~للمقة في النصوص السبئية، أهمها هنا اللفظ «رحمنن» أي الرحمن، واللفظ «حريمن» ~~لكنه يترجم «حريمن» بمعنى «محرم» أو «القديس»، # 11 # لكن وفق ما طرحناه نجد هذه الترجمة غير دقيقة، إنما تستقيم تماما ~~عندما نترجمها «الحرم» أو «القدس» بمعنى الحرم الإلهي أو القدس الإلهي، وهي ~~تلتقي تماما مع احتسابنا «المقة» إشارة للبيت الإلهي الذي يصح وصفه هنا ~~بكلمة «الحرم» بينما هذه الكلمة «حرم» لا تعني شيئا إذا وصفنا بها ربا، ~~وعليه تصبح «تاء» التأنيث في آخر «المقة» أمرا مفهوما، إذا احتسبنا اللفظة ~~دلالة على موضع أو بلد مقدس باسم «مقة» أو «مكة»، وإعمالا لكل ما سلف نصل ~~إلى نتائج هي: # إن «مقة» أو «مكي» أو «ميكان» أو «مكا» لفظ قصد به الإشارة إلى ~~موضع الحرم الإلهي على الأرض، وليس اسما لإله، وهو ما يفسر لنا ~~سبب عدم ورود اسم «المقة» عند الإخباريين المسلمين، بين ما ذكروه ~~من معبودات الجزيرة قبل الإسلام. # إن لفظة «المقة» إنما تعني رب البيت أو على الأرجح «بيت الرب» ~~على غرار «بعلبك» بيت البعل. # إن رب البيت هو «إل» هو «ذوي سموي» أو رب السماء، هو «إله-ن» أو ~~«الله»، أما أهم ألقاب المعبود في اليمن فهي ما ترجمه الآثاريون ~~إلى # Monimos ~~، وإلى # Azizos # مونيموس # 12 # أو ما يعني ببساطة «العزيز» و«المنعم»، إضافة إلى لقب ~~«الرحمن»، ولقب «الحكيم». # 13 # ومن المعروف أنه بعد انهيار مركز «اليمن السعيد» التجاري، ودمار سد مأرب الشهير، نزحت ~~قبائل اليمن نحو الشمال، لتستقر في أنحاء متفرقة من بلاد العرب. وتعلمنا كتب الأخبار أن ~~أكبر هذه القبائل كانت «خزاعة»، وأن هذه القبيلة قد استقرت في المنطقة التي أصبح التاريخ ~~يعرفها باسم «مكة» في الحجاز، # 14 # ومن الطبيعي أن تحمل هذه القبائل معها معتقداتها، ومعبوداتها، وطقوسها الدينية، ms087 ~~وعلى رأس الجميع «رب البيت» وذكري «بيت الله»، ذلك الاصطلاح الذي يفسر لنا: لماذا ذكرت ~~الأخبار معبودات الجزيرة ومعبودات اليمن بوجه خاص، دون ذكر «المقة»؟ والحقيقة المبنية على ~~ما أسلفنا أنه ذكر فعلا فهو «رب البيت» أو «بيت الرب». # وقد لاحظت الباحثة «ثريا منقوش» التشابه بين: ما اعتقدت أنه إله قمري لسبأ باسم «المقة» ~~وبين «مكة» الحجازية، وربطت بين الاثنين في ضوء ما جاء عند ابن طيفور المصري والقيرواني عن ~~بعض أهل اليمن، ولكونهم ينطقون القاف كافا، وما جاء على لسان النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # عن الفقه ~~اليماني والحكمة اليمانية، لتصل إلى أن أهل اليمن هم أصل التوحيد في الجزيرة العربية، ~~وأتصور أنه بعدما أسلفت من جهد، في التعامل مع الاسم «المقة» يمكن أن تكون ملاحظة الباحثة ~~حول التشابه بين «المقة» و«مكة» قد تدعمت بشكل كاف. # وفي الروايات الإسلامية، أن منطقة الحجاز كانت صحراء بلقعا، حتى انفجر زمزم تحت خد ~~إسماعيل طفلا، فكان أول من جاء واستقر بجوار البئر، ركب من اليمن، # 15 # إضافة إلى ما جاء عن «عمرو بن لحي الخزاعي» عند الإخباريين المسلمين باعتباره ~~أول حاجب للبيت، وفي ذلك إشارة واضحة إلى «بداية حجابة البيت مع الخزاعيين القادمين من ~~اليمن»، خاصة إذا علمنا أن هذه الحجابة الأولى للبيت لا تبعد زمانيا عن تاريخ دمار سد ~~مأرب، وتشتت القبائل اليمنية، بأكثر من نصف قرن، # 16 # مع رواية إخبارية أخرى، تحكي عن «تبع الثاني» أحد ملوك اليمن، الذي قدم البيت ~~الإلهي الحجازي، وطاف به وقام ينحر للناس ويطعمهم، ثم كسا البيت بالبرود اليمنية، «وجعل له مفتاحا # 17 # ذاك المفتاح الذي استلمه الخزاعيون»، وأصبح فيما بعد محل صراع ونزاع، وانتهى به ~~إلى يد «قصي بن كلاب» الذي ألف القبائل «وقرشهم تقريشا، ومنها: قريش»، ضد خزاعة وأخرجهم من ~~مكة الحجازية، وانتزع منهم البيت. وسواء حدثت قصة «تبع الثاني» أو لم تحدث، فهي تعبير عن ~~ترجيع الذاكرة لصدى أحداث نشأة البيت وظروفه، وعلاقته بأهل اليمن، حتى جعلت مفتاحه بيد ~~قبيلة خزاعة ms088 اليمنية، أما الباحثة منقوش، فقد أكدت - على ذمتها - أن كثيرا من عبادات ~~الحج للبيت الحجازي كانت على غرار التقاليد اليمنية القديمة في تأدية فروض العبادة والحج ~~للإله «المقة»، # 18 # والملفت للنظر أن «تبع» الملك اليمني، الذي سلم خزاعة مفتاح البيت وكهانته، ~~يستدعي إلى الذهن اسم الملكة السبئية التي ذكرتها نقوش الملك الرافدي «آسر حدون»، أقصد ~~الاسم «تبوءة» والغريب في بابه أن الاسم «تبع» في الترجمة الرافدية يصح تماما أن ينطق ~~«تبوءة» أو «تبوءا». وهذا بدوره يستدعي اسم الشهر الخامس من السنة المصرية القديمة تبوة أو ~~«طوبة» ومن المعتاد تسمية الأفراد وبخاصة الملوك بأسماء الشهور، مثل «تموز، أغسطس»، وقد نجد ~~العكس مثل «رجب، شعبان، رمضان، خميس، جمعة ... إلخ»، أما الأكثر إضاءة هنا هو أنك يمكنك ~~العثور على أسماء القبائل العربية في أصول لسانية بالمعاجم العربية، وأن تجد لهذه الأسماء ~~دلالاتها في أسماء الشهور والأيام، أو في أشياء الطبيعة وظواهرها مثل «حجر، كلب، سهيل، نجم ~~... إلخ»، أو حتى في فعل مثل «قريش من التقريش أي التأليف والجمع»، أما خزاعة فواضح أنه لم ~~يجد لها اللسانيون أصلا واضحا، فوضعوا لها تخريجا غريبا، هو أنها سميت كذلك لتخزعها أي ~~تأخرها وانقطاعها، والواضح أنه تخريج متكلف، فهل سميت خزاعة بالاسم خزاعة قبل ~~انقطاعها؟ # وإذا ما لجأنا إلى اللغة المصرية القديمة، سنجد الكلمة «خو، تكتب هيروغليفيا على هيئة ~~ذراع يحمل مدقا» تعني: حمى أو صان أو حرس، # 19 # والكلمة «سا، تكتب هيروغليفيا على هيئة ذكر البط» وتعني: ابن، # 20 # لكن إذا أخذناها مكتوبة على شكل مقعد، وتنطق في هذه الحالة «س» فقط، فإنها تعني الكرسي، # 21 # أما الكلمة «عا، وتكتب هيروغليفيا في شكل وتد الخيمة» فتعني: الكبير أو العظيم، # 22 # وعليه تعنى الكلمة «خزاعة» أو «خوساعا»: حراس ~~الابن الكبير، «بمعنى ابن الإله أو الملك» أي الحرس الملكي، أو تعني: حراس الكرسي الكبير، ~~وتفيد المعنى ذاته أي حراس العرش، وهو ما يلتقي إلى حد كبير مع مذهبنا وأطروحاتنا. # والملاحظ أن الروايات الإخبارية، التي جمعت راسب العصور العتيقة، ms089 وسوالف أحداثها، تكاد ~~تجمع على أن البيت الإلهي القديم، قد تعرض لحدث تدميري، يتفق على أنه بفعل سيول من الماء ~~أتت عليه، فهذا السهيلي يصف الحدث بأنه سيل هائل صدع بنيان الكعبة، # 23 # وهو بذلك إنما يتبع ابن هشام وابن اسحق، # 24 # أما أصرح المعقبين على الحدث فهو «برهان الدين الحلبي» الذي أكد أن البيت قد ~~غرق بفعل طوفان نوح، # 25 # وأن سر تسميته بالبيت العتيق، يرجع إلى أنه أعتق من سيطرة الجبابرة الذين كانوا بمكة، # 26 ~~- إذن هم الجراهمة العمالقة! - كذلك «ابن سيد الناس» يتفق مع الغالبية على ~~القول بتصدع البيت بفعل سيل هائل، # 27 # وكلها إشارات ترجع الصدى لذكريات العهود الخوالي عن سيل العرم ودمار مأرب الذي ~~أدى لانهيار السد وحدوث طوفانات المياه، والتي ربما حدثت إثر هزة أرضية أو تفجر بركان قريب، ~~وما تلا ذلك من هجرة القبائل اليمنية بعقائدها شمالا. # لكن ما يثير العجب، فإنه رغم اتفاق الرواة على الدمار بسيل أو طوفان، فهم يتفقون على أمر ~~مخالف تماما، يقول: إن البيت الإلهي المكي، سمي العتيق لأنه أعتق من الغرق بالطوفان ~~النوحي، وهو تضارب نجد له مثيلا آخر حول ما جاء عن الكعبة اليمانية من ذكريات، وأنه كان ~~يقال عنها: «الكعبة اليمانية والشآمية، ويعنون بالشاآمية البيت الحرام»، # 28 # وهو النص الذي أدى إلى خلف واضح بينهم في التفسير والتبرير، بينما الواضح ~~لدينا أن القول يشير إلى ذكريات صادقة لبيت قدسه يمنيون، وقوم جاءوا من بوادي الشام، بيت ~~بني في اليمن، ثم بني بعد ذلك في مكة بيت يجمع بين معبود يمني قح كان اسمه «الرحمن»، ومعبود ~~شمالي باسم «إل» أو «الله»، وهو ما عالجته بعد ذلك الآيات القرآنية بقولها # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى ~~(الإسراء: 110). # أما صفة «العتيق» إذا أخذناها بمعنى العتق من الغرق، فستتضارب مع إجماع الرواة على انهيار ~~البيت بالسيل، لكن لن يكون هناك أي تضارب إذا ما أخذناها كإشارة للبيت القديم، فالعتيق تعني ~~القديم، فهي صفة ms090 تلزم البيت دوما، مما يشير إلى أنها كانت تستخدم للتأكيد والتذكير بأمر ~~بيت قديم أو عتيق، هو ذاك الذي زعمناه كان في اليمن السعيد، عندما كان سعيدا! # | وعند لوط الخبر اليقين # إذن: لنوجز ما انتهينا إليه: # ارتحل النبي إبراهيم عليه السلام من مدينة «أور» الأرمينية في بلاد الحور، قاصدا أرض ~~كنعان، وبعد الاستقرار هونا في كنعان الفلسطينية، يتوجه بدفع القحط إلى مصر الخير، لينهل ~~منها ما شاء، ويرتبط ببعض أهلها صهرا، ثم لا يلبث أن يخرج من أرض النيل ميمما نحو ~~الجنوب إلى بلاد اليمن، حيث امتداد مصر بمهاجريها العظام، أو بفيالقها المتقدمة في ~~حامياتها هناك. وتغفل أقلام كتبة التوراة الأمر، وتقفز فوقه فتقول: إنه عاد من الجنوب إلى ~~«بيت إيل» في فلسطين دون تفصيل أو توضيح، مخالفة العهد بها مسهبة ومفصلة ومكررة إلى حد ~~الإملال، لكن كان للحقيقة أقدامها الثابتة وومضاتها الباهرة، التي ظهرت لنا عدة مرات، ~~وأفلتت في السرد التوراتي، لكن في غير مواضعها الأصلية. # ومن جهة أخرى أفادنا التراثيون المسلمون أنه في غابر الأزمان، حدثت في اليمن كوارث ~~وحدثان، دفعت من استطاع النجاة نحو الشمال، ليتناثروا في بقاع الجزيرة والشام والعراق، وكان ~~أنشر هؤلاء شأنا العمالقة، والذين زعمنا أنهم الجراهمة أو المنفيون، أو من افترضناهم ~~مصريين سكنوا اليمن مصرا، ومن أخلافهم كانت خزاعة أو «خو-سا-عا» ليستقروا في بادية الحجاز، ~~ويساعدوا هناك في بناء البيت الإلهي، # 1 # ويقيموا قواعده في مكة الحجازية، على غرار البيت الذي أقامه أجدادهم من قبل في ~~«مكا» اليمنية ل «رب البيت»، لكن بعد أن ترك إبراهيم النبي # صلى الله عليه وسلم # بينهم، ولدهم المشترك ~~«إسماعيل» الذي سار على سنة أبيه، فاختارهم من دون الناس أصفياء وأصهارا، وعاد النبي الأب ~~مرة أخرى إلى الشمال حيث بيت إيل الفلسطيني محققا قول التوراة: «أراميا تائها كان ~~أبي». # وفي نقوش سبأ نص يعني أمرنا هنا، يتحدث عن أول قاض من قضاة سبأ القبليين، # 2 # وفي هذا النقش يقول ذلك القاضي، واسمه «سمه-على»: «إنه قدم البخور والمر إلى ms091 ~~«المقة»، باسمه ونيابة عن قبيلته التي قادها في الفيافي والقفار.» # 3 # وقد سبق وذهبنا إلى أن «المقة» لا تعني ربا محددا بهذا الاسم، كما ذهب ~~الباحثون، إنما اعتبرناه يعني «رب البيت»، وقدمنا حججنا على ذلك في حينه، وعليه ~~نتساءل: # هل كان هذا القاضي، «سمه-على» هو النبي إسماعيل، أو «سمعلي» هو النبي إسماعيل؟ التطابق في ~~الاسم لا يحمل لبسا، ونظام الحكم أوانها حسب إشارة التوراة كان قبليا، والظروف متشابهة، ~~لكن لا يمكننا الإجابة بأكثر من «ربما»! # هذا، ونظن أن أمر الكارثة الكبرى التي حدثت في الجنوب العربي، ودفعت سكانه شمالا، قد ~~ورد في التوراة، لكن في غير المواضع الصحيحة لتسلسل الأحداث، ونعتقد أننا لو تمكنا من ~~إثبات ذلك، نكون قد دعمنا أطروحاتنا السابقة دعما جيدا، وسيكون هذا الإثبات دليلا على ما ~~زعمناه حلقة مفقودة في التوراة، وافترضناه رحلة إبراهيمية من مصر إلى اليمن، وعودة منها، ~~أغفلت الأقلام التوراتية تفصيلها ونظن سبيلنا إلى الإثبات إنما يكمن في قصة التوراة عن دمار ~~مدينتي «سدوم» و«عمورة». التوراة تتحدث عن هاتين المدينتين كقريتين خاطئتين، دمرتهما الآلهة ~~لكنها تضع المدينتين على خريطة فلسطين، وحتى لا يكون هناك مجال للتأكد من ذلك بالبحث ~~الآثاري عنهما هناك، فإن التوراة تزعم أن «سدوم» و«عمورة» قد دفنتا تحت البحر الفلسطيني ~~الميت، ومن هنا نتوقف مع رواية التوراة رويدا لارتباط هذه القصة بما زعمناه إثباتا ~~لأطروحاتنا، إضافة إلى أن هذه الرواية لا تخلو من طرافة وعجب! # تقول الرواية التوراتية: إن النبي إبراهيم قد أبدى لابن أخيه لوط رغبته في الانفصال عنه، ~~فأخذ لوط متاعه وغلمانه «واتجه شرقا»، ليسكن سدوم المجاورة لعمورة، علما أن أهلها كانوا ~~يرتكبون من الإثم أفحشه، فيأتون الرجال من دون النساء شهوة، ووصفتهم التوراة بأنهم كانوا ~~«أشرار وخطاة لدى الرب جدا» (تكوين 13: 13). # وما إن يحط «لوط» رحله بين القوم، حتى تقرر آلهة التوراة القضاء على هذا الشعب الآثم ~~وإفناءه بتمامه، شيوخه وغلمانه وأطفاله ونساءه، إضافة بالطبع إلى الآثمين من الشبان ~~القادرين على مثل هذه المعصية، لكن هذه الآلهة ms092 كانت تريد - في الوقت ذاته - إنقاذ لوط، وأهل ~~بيته وهم ثلاث من الإناث: زوجته وابنتاه. # ولتنفيذ القرار، ينزل ثلاثة من الأرباب من السماء، ويتوجهون أولا إلى النبي العم إبراهيم ~~عليه السلام؛ لإعلامه بالقرار أو كما يقول النص: # وظهر له الرب عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة، وقت حر النهار، فرفع ~~عينيه ونظر، «وإذا ثلاثة رجال» واقفين لديه ... (وبعد أن يصنع لهم إبراهيم # صلى الله عليه وسلم # طعاما يأتون عليه جميعا) ... وإذا كان هو واقفا «لديهم» تحت الشجرة أكلوا، ثم «قام ~~الرجال» من هناك وتطلعوا نحو سدوم، وكان إبراهيم «ماشيا معهم» ليشيعهم، فقال الرب: ~~هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ ... وقال الرب: إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، ~~وخطيتهم قد عظمت حدا، وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم، «وأما إبراهيم فكان ~~لم يزل قائما أمام الرب». # تكوين 18 # ونفهم من رواية التوراة، أن هؤلاء الآلهة الثلاثة، قد ذهب اثنان منهم إلى سدوم بينما بقى ~~كبيرهم مع النبي إبراهيم. وتستطرد لتقول: «وكان لوط جالسا في باب سدوم، فلما رآهما لوط قام ~~لاستقبالهما، وسجد بوجهه إلى الأرض، وقال: يا سيدي: ميلا إلى بيت عبدكما» (تكوين 19: 1، ~~2). # وكما اعتدنا مع قارئنا في هذا البحث، الإطلال على ما عن للقس العالمي «ماير»، وكيف يرى ~~الأمور؟ والذي وصفه «القمص داود» المترجم بأنه «رجل عظيم»، وأنه بهذه الترجمة يرغب في إشراك ~~المؤمنين معه في الاستمتاع بروحانيات «ماير»، حتى يستمتعوا مثله، يعقب «ماير» على القصة ~~التوراتية هنا بالقول: «زار أولئك الضيوف الثلاثة خيمة إبراهيم، ولا شك أن أحدهم كانت ~~تبدو عليه علائم العظمة والرهبة والجلال، أما الثالث الذي كان هو المتكلم الوحيد أثناء ~~الضيافة فإن عظمته قد تجلت، ووقف إبراهيم يخدم الضيوف كخادم، بينما كانوا يتناولون الطعام ~~تحت الشجرة، وفي المساء دخل المدينة «سدوم» اثنان منهم فقط، وأين كان الثالث؟ لقد تخلف عنهم ~~ليكمل حديثه مع إبراهيم خليله!» # ثم لا يلبث «ماير» أن يشن حملة ضارية على «لوط» ذاته، فيقول: إنه ما خرج مع عمه ms093 العظيم ~~إلا ابتغاء تحسين مركزه المالي بزيارة مصر، وأمثاله يضعفون مستوى حياتنا الروحية، ويجرون ~~غيرهم إلى طريق العالم والدنيا، ويجروننا إلى مصر (يرمز صاحبنا الفقيه هنا إلى الفساد ~~الدنيوي بمصر كدأبه)، ثم يستنتج «ماير» أن فشل النبي إبراهيم (هو الذي يزعم ذلك!) في مصر، ~~وخطيته هناك، إنما ترجع إلى تأثير لوط السيئ عليه، بدليل أن اختياره كان منصبا على شهوة ~~الجسد، فذهب إلى سدوم رغم علمه بخطاياها، ثم يعقب المبشر الفاضل بالقول: «ولا شك أن أواخر ~~أيام هذا الرجل الشقي كانت تعسة، إذ جرد من كل شيء، ووقف وجها لوجه أمام نتيجة خطيته المشينة»، # 4 # ولا جدال هنا أن الأب «ماير» مؤمن تماما بما جاء في التوراة، ومتسق مع إيمانه ~~بهذا الكتاب، ولم يخرج عما تقوله للمؤمنين بها من أقوال مقدسة! # ونتابع رواية التوراة فتقول: إنه ما إن رأى أهل القرية تلك الوجوه الجديدة تتهادى في ~~قريتهم نحو بيت لوط، حتى انحدروا سيلا ينهمر على البيت، وحاصروه، ونادوا يطالبون ~~بالمشاركة، أو كما يقول النص: # وقبلما اضطجعا، أحاط بالبيت رجال المدينة، رجال سدوم من الحدث إلى الشيخ، كل ~~الشعب من أقصاها إلى أقصاها، فنادوا لوطا وقالوا له: أين الرجلان اللذان دخلا ~~إليك؟ أخرجهما إلينا لنعرفهم (تستخدم التوراة لفظ يعرف بمعنى ينزو)، فخرج إليهم لوط ~~عند الباب، وأغلق الباب وراءه، وقال: ... هو ذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا (وهو وضع ~~طبيعي في ضوء العلاقة غير الطبيعية في المجتمع السدومي)، أخرجهما إليكم، فافعلوا ~~بهما كما يحسن في عيونكم. # تكوين 19: 4-8 # وهكذا تريد التوراة أن تفهمنا أن الرجل الكريم، أراد أن يحافظ على قانون الضيافة المقدس، ~~بالتضحية بقانون أقدس منه، هو قانون المحافظة على العرض، ثم تزيد الأمر نكاية بقولها ما ~~يفيد أن «لوط» كاد يدفع ثمن عناده، وبدا لأهل المدينة كما لو كان يسخر منهم بمنحهم ~~الصبيتين، فهو يعلم أنهم لا يمارسون الأمر ككل الناس والحيوان من منافذه الطبيعية، إنما هم ~~بأسلوبهم عن سائر الأحياء يتميزون، فأنذروه هو أيضا، بالقول: «الآن نفعل بك ms094 شرا أكثر ~~منهما» (تكوين 19: 9)، لولا تدخل الإلهين الضيفين، اللذين ضربا الجماهير - المضطرمة بالشهوة ~~- بالعمى، وأخرجا لوطا مع زوجته وابنتيه من المدينة، فاتجهوا إلى مدينة خارج دائرة الدمار ~~المقرر، هي «صوغر»: «وإذا أشرقت الشمس على الأرض، دخل لوط إلى صوغر فأمطر الرب على سدوم ~~وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من السماء فقلب تلك المدينة، وكل الدائرة وجميع سكان ~~المدن ونبات الأرض، ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح» (تكوين 19: 23-27). # أما القرآن الكريم فيسرد سيرة «لوط» باعتباره نبيا، وتحدثنا الآيات فتقول: إنه كان ~~مرسلا لهداية الفاسدين: # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~مسرفون * وما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين ~~(الأعراف: 80-84). # ثم يتنزه القرآن الكريم بالإله عن الكثرة والتعدد، ويجل به عن النزول بذاته إلى الأرض ~~للقيام بما يريد، فيقول: إنه إنما أرسل من ينوب عنه من ملائكة لتدمير القرى الخاطئة، لكن ~~بعد أن تلبس هؤلاء هيئات البشر، وذهبوا من فورهم إلى بيت لوط، مما أصابه بضيق شديد، لأنه ~~يعلم ما سيحدث إزاء حسنهم الملائكي في مباءة الفجور: # ولما جاءت ~~رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب ~~(هود: 77)، وعقب ابن كثير على هذا الكلم بقوله: «قال المفسرون: لما ~~فصلت الملائكة من عند إبراهيم، جبريل وميكائيل وإسرافيل، أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم، في صورة ~~شبان حسان، اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة الحجة عليهم، فاستضافوا لوطا عليه ~~السلام، وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرا من الناس، ~~وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا، وقال: هذا يوم عصيب»، # 5 ~~(ولا يفوت لبيبا أن ابن كثير استبدل هنا الآلهة التوراتية الثلاثة، بثلاثة من ~~الملائكة)، وتتابع الآيات الكريمة، تصف حال أهل المدينة، عند دخول الملائكة ms095 الحسان بيت لوط، ~~فتقول: # وجاء أهل المدينة يستبشرون * ~~قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ~~ولا تخزون * قالوا أولم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين * ~~لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ~~(الحجر: 67-72)، # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ~~(القمر: 37)، ويفسر ابن كثير بالقول: «وذكروا أن جبريل عليه السلام، خرج فضرب وجوههم خفقة ~~بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل: إنها غارت بالكلية»، # 6 # أما الآيات فتتابع القول: # فأخذتهم الصيحة ~~مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل ~~(الحجر: 73-74)، ويختم ابن كثير الرواية ~~بإضافة «وذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر.» # 7 # والآن: ما علاقة كل هذا بموضوعنا؟ # لإيضاح المقصد، نحيل القارئ إلى خريطة جنوب الجزيرة، حيث يجد في اليمن الحالية مع ~~التدقيق قرية «الصوعر» قرب «موكل»، جنوب «هكر» بخمسة عشر كيلومترا على وجه التحديد، ولو ~~اتجهنا على الخريطة شرقا، ولنذكر تأكيد التوراة أن لوطا عندما هجر عمه اتجه شرقا، ~~سنجد هناك قرية تدعى «ثمود» على الأطراف الشمالية لليمن الجنوبي الحالي، وقد ورد في القرآن ~~الكريم أن ثمود كانت قرية عامرة، دمرها الله لكفرها بالنبوات. وقد ورد في كتب التراث - كما ~~سلف - أن اسم «ثمود» يدل على واحد من شعوب العرب البائدة، ولما كنا نعلم أن حرف «ث» يتبادل ~~مع حرف «س»، فإن «ثمود» تكون «سمود»، ومع خاصية القلب، تكون «سمود» هي ذات عين ~~«سدوم»! # ولا يغيب على فطن أن الإخباريين المسلمين، قد ذكروا واحدا من أكبر معبودات ثمود، كان ~~يدعى «صمود»، # 8 # والحرف «ص» يتبادل مع «س»، فهو «سمود». فهل لم يزل ثمة شك كبير، في أن «ثمود» ~~اليمنية، هي «سدوم التوراتية»؟ ~~[من الطريف، وأثناء مراجعة البروفة الأولى للكتاب، أن طالعنا التلفاز المصري يوم ~~21/ 4/ 1990م برسالة عمان، وكان أول أخبارها - لذلك لا شك هو أهمها - يوم العثور على امرأة ~~لوط، بعد أن تحولت إلى عمود ملحي وطالعنا بصورة لصخرة تعرضت لعوامل «تعرية»، وهو أمر طبيعي ~~إذن! وبدا المذيع في غاية الجذل والسعادة لهذه اللقية التي عثروا ms096 عليها بالأردن وشقوا من ~~أجلها الطرق السياحية، ونترك للقارئ تحديد حجم علامات التعجب والاستفهام، لكن يبقى استفهام ~~بسيط تماما: من يهتم بزيارة المقدسات اللوطية؟ وما الرأي الآن في ضوء بحثنا هذا؟] # وكما ترافق ذكر «عمورة» مع «سدوم» في التوراة، فقد ترافق ذكر قرية أخرى مع «ثمود» في ~~القرآن، هي # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * ~~إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد ~~، فهل تشير «عاد» هنا إلى «عمورة»؟ وهل يمكننا أن ننزعها بدورها من ~~تحت البحر الميت الفلسطيني، لنضعها على خريطة اليمن؟ # إن أول ما يدعم هذا الطرح، ما جاء عند «ياقوت» في معجمه وأن منازل عاد كانت بالأحقاف، # 9 # والأحقاف كما هو معلوم بأرض اليمن، كما جاء عند «ابن قتيبة» في كتاب المعارف ~~القول: «وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، بالدو والدهناء وعالج ويبرين ووبار إلى عمان وحضرموت»، # 10 # وكلها ضمن بلاد اليمن تحسب. # ويقدم لنا «الطبري» وصفا للكارثة، مستفيدا من روايات الجاهليين المتوارثة، فيقول: إن ~~الكارثة جاءت على شكل سحابة سوداء هائلة، صحبها نداء السماء للخاطئين: «اخترتم رمادا ~~رمدا، لا تبقي من عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا .» # 11 # ولعل من الواضح أنه ليس ثمة تفسير لهذه المشهدية المفجعة إلا ثورة بركانية، ~~نشرت سحابها الأسود القاتل رمادا رمدا، حتى إن الريح كانت - كما يقول الطبري - تدخل تحت ~~الواحد منهم، فتحمله ثم ترمي به فتدق عنقه. # 12 # وينقل «نعمة الله الجزائري» عن أبي جعفر قوله: ~~«الريح العقيم تخرج من تحت الأرضين السبع»، # 13 # وهل يخرج من تحت الأرض بهذا التصوير سوى البراكين؟ أما «ابن كثير»، فيقول عن ~~هلاك ثمود: «جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفلهم»، # 14 # وهل الصيحة إلا صوت دوي الانفجار؟ وهل الرجفة الشديدة من أسفلهم إلا تزلزل ~~الأرض المصاحب للثورة البركانية؟ ثم إن القرآن يخبر كيف دمر الله الشعب اللوطي، فيقول # وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان ~~عاقبة المجرمين ~~(الأعراف: 84). وتوضح لنا طبيعة هذا المطر آيات أخرى ~~تقول: ms097 # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ~~(الحجر: 74). والتعبير «حجارة من سجيل» أصدق وصف لحجارة نارية منصهرة! # أما أكثر ما يدعم رأينا هنا، فهو ما عثرنا عليه عند المسعودي، وهو يتحدث عن غرائب الأرض، ~~فيذكر أمرا كان لم يزل يحدث حتى عصره في بلاد اليمن، فيحكي عن «أطمة وادي برهوت، وهي نحو ~~بلاد سبأ وحضرموت من بلاد الشحر، وذلك بين بلاد اليمن، وبلاد عمان وصوتها يسمع كالرعد من ~~أميال كثيرة، تقذف من قعرها بجمر كالجبال، وقطع من الصخور سود، حتى يرتفع ذلك في الهواء، ~~ويدرك حسا من أميال كثيرة، ثم ينعكس سيلا فيهوي إلى قعرها وحولها، والجمر الذي يظهر منها ~~حجارة قد احمرت، وقد أحالها «إلى سواد» حرارة النار.» # 15 # ثم هناك روايات متواترة عند العرب، عن نيران قديمة كانت تخرج من الأرض، مثل نار الحرتين، ~~التي قيل في وصفها: «وكان يخرج منها عنق فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، لا تمر بشيء إلا أحرقته»، # 16 # وروايات أخرى عن نبي عربي من أنبياء الفترة، ما بين المسيح ومحمد # صلى الله عليه وسلم # اسمه ~~«خالد بن سنان»، تقول: «هو الذي أطفأ النار التي خرجت بالبادية، كان يرى ضوءها من مسافة ~~ثماني ليال، وربما كان يخرج منها العنق فيذهب في الأرض، فلا يجد شيئا إلا أكله، فأمر الله ~~تعالى خالد بن سنان بإطفائها.» # 17 # والواضح في كل هذه الروايات مواصفات لا تتطابق إلا مع الثورات البركانية، ولا مراء أن ~~الدلالة الجيولوجية تأتينا من الأحجار البركانية السوداء، المنتشرة بتلك البقاع، إلى اليوم، ~~وفي أجزاء أخرى من جزيرة العرب ويطلقون عليها اسم «الحرات» من «الحرارة»، وفي سيرة «ابن سيد ~~الناس»: «أن الحرة هي الأرض ذات الحجارة السوداء»، # 18 # وقد ظلت أحجار تلك الحرات عند عرب الجاهلية، أحجارا مقدسة لزمن طويل، تصوروها ~~أثر السلف الصالح الفلاني، ووضعوها في مزاراتهم، وحجوا إليها تبركا، ويبدو أن المنطقة ظلت ~~موردا لا ينفد لمثل تلك الأحجار، التي كانت تستجلب لتوضع في المحاريب المقدسة، واستمر ذلك ~~بعد الإسلام وحتى اليوم، ويوجد منها ms098 في مصر كثير، يتناثر بالعشرات في أضرحة الأولياء، على ~~أنها في الخيال الشعبي «أثر النبي» بينما حقيقتها المفزعة والمروعة، أنها كانت خطو الهاربين ~~من الدمار البركاني فوق الصخر الطري، إنها فعلا آثار أسلاف، لكن من العرب البائدة، ذلك ~~التعبير الذي أطلقه المؤرخون العرب والمسلمون، ومن قبلهم الجاهليون، على أمم لم يعد لها ~~وجود، لكنهم كانوا متأكدين أنها قد وجدت في سالف الأزمان، فأسموها «العرب البائدة»، فما ~~أبلغه تعبيرا عما حدث! # ولو أردنا التحديد الدقيق للموقع الذي عاش فيه شعب عاد، فإنه من الأفضل الرجوع إلى المصدر ~~الأقرب لمعايشة هذا التراث، فيقول: # ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد ~~(الفجر: 6-8)، والمعنى أن «عاد» قد عرفت ~~كاسم لمدينة، وأن هذه المدينة قد حملت اسما هو «إرم» الذي يبدو لنا ناتجا عن تواجد النسل ~~الإسماعيلي في المنطقة، موروثا عن الأب الآرامي «إبراهيم»، ووصفت بأنها «ذات العماد» تلك ~~الصفة التي ستضع يدنا على الموضع الصحيح فيما نرجو. # وقد أشار الجغرافي «بطليموس» إلى موقع مدينة في العربية الجنوبية القديمة، باسم «أرماو»، # 19 # وإلى اليوم لم يزل قائما في مدينة مأرب اليمنية - وهي الآن منطقة آثارية - ~~أطلال معبد قديم بني من الصخر يعرف باسم معبد «أوام» ونستفيد هنا من تأريخ «أحمد شرف الدين» ~~لليمن قوله: «إن أوام كان اسما لقبيلة سكنت اليمن.» # 20 # وبعد لأي وجهد تمكنت من التقاط سر المسألة في معبد مجاور يقع غربي معبد «أوام»، ~~ويعرف حاليا باسم «العمايد»، واللفظ «عمايد» عربي قديم، أطلق على هذا المعبد في العصر ~~الجاهلي، لأن المعبد كان يقوم على أعمدة صخرية، لم يزل قائما منها حتى اليوم خمسة أعمدة، ~~وكان العمود حسب ترجمة النصوص اليمنية القديمة يسمى «أوام»، ومن ثم تترابط المسألة وتتسق، ~~إذا ما اعتبرنا معبد «أوام» هو معبد «أرام» القديمة، ولنلحظ أن قراءة النقوش المسندة لم تزل ~~تحمل لبسا وأخطاء عديدة في قراءتها، ولم يقر أي من الآثاريين بمصداقية قراءته التامة، ومن ~~ثم نفترض أن معبد ms099 «أوام» هو معبد «أرام»، أو «إرم» التي تسمى الآن «العمايد»، وعليه تصبح ~~«إرم» هي مدينة شعب «عاد». أما العمايد فتفسر لنا الوصف القرآني لعاد، بأنها «ذات ~~العماد». # ولا بأس هنا من الإشارة إلى أنه في بلاد اليونان، قبل العصر الكلاسيكي، كانت عبادة الإله ~~«هرمس # Hermes ~~» تقترن بتوقير أحجار مقدسة تدعى ~~«هيرما» أو «إرما» وهي مشتقة من كلمة # Erma # التي كانت تعني ~~«صخرة» أو «عمود» مما يستدعي «العمايد» اليمنية، و«المسلات» المصرية، والاسم هيرمس نفسه ~~يعني: العمود أو الصخرة، وفي اللغة العربية «الإرم» يعني الصخر. # 21 # وهذه اللغة ذاتها هي التي أطلقت بلسانها على الأبنية الصخرية في الجيزة المصرية ~~اسم «أهرام» جمع «هرم»، و«هرم» لا تبعد كثيرا عن «إرم»، بل إن العربية تستبدل «الهاء» ~~و«الهمزة أو الألف» فتقول: «أريق» الماء، و«هريق» الماء فالهرم أيضا إرم. # أما اليونان فكانوا أكثر شعوب حوض المتوسط، تأثرا بالمصريين، وبالعبادات المصرية، وقد ~~اقترنت عبادة «هرمس» بعبادة «آمين» المصري، وهنا لا مندوحة من الوقوف مع الحكمة القرآنية، ~~التي استدعت ربط المصريين أصحاب الأهرام والمسلات، بعاد ذات الإرم والعماد، وقول الآيات: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ~~ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * ~~وفرعون ذي الأوتاد ~~(الفجر: 6-10). ولنلحظ: الذين جابوا الصخر ~~بالواد، وذي الأوتاد أو الأعمدة. # وإذا كانت القرية المرافقة لسدوم بالتوراة تسمى «عمورة» فإن حرفي العين والهمزة يتبادلان، ~~فتصبح «عمورة» «أمورة»، وبالقلب تنطق «أرموه» أو «أرماو» وفي ذلك تذكرة ببلدة «أرماو» التي ~~ذكرها بطليموس أو «إرم» التي ذكرها القرآن الكريم. # أما آخر شواهدنا على علاقة النبي إبراهيم باليمن، فهو تسمية القرآن الكريم لأبيه باسم ~~«آزر»، وقد علمنا مخالفة التوراة ذلك، بالقول إنه إبراهيم بن تارح، وتفيدنا أبحاث الآثاري ~~«كانالكيس» أحد أهم الأركيولوجيين، في آثاريات اليمن القديم، أن أهم الأسر التي قامت ~~بالوظيفة الدينية، وذكرتها النقوش هناك أسرة تحمل اسم «حذفر»، ونظن «حذفر» هي الأصل في ~~«آزر»، وربما سقط حرف «ف» بالتخفيف بمرور الزمن، كما نجد عنده أيضا أن كبار ms100 رجال الدين ~~كانوا يحملون لقب «ذو خليل». # 22 # وإذا كان «كانالكيس» لم يلحظ العلاقة بين هذه الأسماء وبين النبي إبراهيم، ~~بحسبانه جميع قصص التوراة تدور في فلسطين، فلسنا هنا بحاجة للتذكير بصفة النبي إبراهيم عليه ~~السلام في التوراة وفي القرآن «الخليل»، مما يشير إلى علاقة النبي إبراهيم بالوظيفة الدينية ~~الأساسية في اليمن القديم. # ثم نجد في نصوص يمنية أخرى عبادة الإله باسم «ها-رحيم»، وقد ورد في النصوص السبئية بشكل ~~متواتر، كما ورد أيضا باسم «الرحمن»، # 23 # وفي ذات النصوص تأكد العثور على اصطلاح «حنيف» عدة مرات، # 24 # كما أصبح معروفا أن عبدة رحمن اليمن كانوا يعرفون باسم الحنفاء، وسبق لنا في ~~كتابنا «الحزب الهاشمي» أن ذهبنا إلى حسبانهم أصل المبدأ الذي انتشر في جزيرة العرب قبل ~~الإسلام بزمن قصير، والمعروف بالحنيفية، مستفيدين في ذلك من كتابات مهمة وموثوقة. # 25 # وإعمالا لكل ذلك يمكننا القول إن «عاد» ورفيقتها «ثمود» أو «عمورة»، ورفيقتها «سدوم» ~~كانتا في جنوب جزيرة العرب، موطنا سكنه «لوط» الذي كان رفيق عمله المرتحل دوما، والجواب ~~دوما، والذي وصفته التوراة بالقول: «أراميا تائها كان أبي»، النبي إبراهيم عليه السلام، ~~وهو ما يضع آخر ما بيدنا من لبنات في دعم أطروحاتنا حول وجهة النبي إبراهيم بعد خروجه من ~~مصر وقفزت التوراة فوقه، لكن تفاصيله تساقطت على صفحاتها، ونزلت في غير مواضعها الصحيحة من ~~السياق، لكن علاماتنا الشاهدة التي جمعناها، خلال ثلاث سنوات انصرمت مذ بدأنا التفرغ الكامل ~~لبحثنا هذا، تلاصقت واتسقت بما لا سبيل إلى نقضه إلا بنسق مماثل يحمل أدلة ناقضة، على ~~نفس القدر من الدلالة والشهادة. # وهنا قد يجابه أطروحاتنا في هذا القسم الأخير من الدراسة رد حاسم يقول: إننا قد خلطنا ~~الأمور، فحسبنا لوطا نبيا لعاد وثمود، بينما القصة القرآنية تشير إلى أن الله قد أرسل ~~إلى «عاد» نبيا عربيا هو «هود»، وأرسل إلى «ثمود» نبيا عربيا آخر هو «صالح»، ولما ~~كذبوا الرسل أهلكوا عبرة للمكذبين، لكننا نحيل هذا الرد إلى كتبنا التراثية التي تؤكد أن ~~هذه ms101 المدن قد أهلكت مرتين، وأن هناك عادا أولى وعادا ثانية، وأوثقهم في ذلك زعيم طبقة ~~كتاب الأخبار والسير «الحافظ ابن كثير الدمشقي» الذي أكد أن عادا الأولى كانت قبل الخليل ~~إبراهيم، أما عاد الثانية فقد أهلكوا بسحابة نارية «وهو ما زعمناه ثورة بركانية»؛ بينما ~~أهلكت عاد الأولى بريح صرصر عاتية، # 26 # إضافة إلى إجماع الإخباريين على أن «هودا» قد أرسل إلى عاد الأولى. # 27 # وقد يردنا آخر بما ذهب إليه البعض: أن ثمود تقع شمالي الجزيرة بينما عاد تقع جنوبها، لكن ~~الرد مردود سلفا لأسباب؛ أهمها: أن ثمود لم تزل علما حتى اليوم، في الجنوب اليمني، وإلى ~~الجوار منها موضع آخر لم يزل يحمل إلى اليوم اسم «قبر هود»، وقد روى أمير المؤمنين علي، ~~أنه ذكر صفة قبر هود في بلاد اليمن، # 28 # ثم إن الآيات الكريمة المتفرقة بالقرآن، كانت تربط أينما وردت بين عاد وثمود، ~~مما يشير إلى وحدة الرقعة الجغرافية، وقد أكد القرآن الكريم أن منازل عاد كانت باليمن في ~~قوله: # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف ~~(الأحقاف: 21)، ولا أحقاف إلا باليمن. # وآخر ما يمكننا قوله في موضوعنا هذا: هو أن متابعة خط السير الحقيقي لرحلات النبي إبراهيم ~~قد أضاء لنا مناطق قاتمة في التاريخ، وبعضها كان في ظلام دامس نحسبه مقصودا، ونترك كشف ~~القصد لجهد آخر، وربما لباحث آخر له مقاصد أخرى. أما نحن، فلوجه الحق قصدنا السبيل، ~~واجتهدنا قدر ما نملك من قدرة، حتى وقفت حدود الجهد عند هذا الحد، وربما تمكنا من ~~استجماع الاستطاعات مرة أخرى لجهد يكمل، أو ربما لجهد ينقض، لا نعلم؛ فالحقيقة مطلب لا يطلب ~~الثبات تعنتا، وإنما تمكنا، فإذا دالت الشواهد ودل جديد، فلا مفر من التجديد. # الخريطة رقم 1: خط سير الرحلة الإبراهيمية عند الباحثين. # الانطلاق من «أور الكلدانيين» جنوب الفرات. # الاتجاه شمالا بحذاء الفرات وربما بالإبحار فيه إلى حاران في أقصى ~~الشمال. # العودة إلى الجنوب الغربي بغرض استيطان كنعان (فلسطين). # الهبوط من فلسطين إلى مصر. # العودة من مصر إلى ms102 فلسطين. # الخريطة رقم 2: السير وفق فروضنا. # الانطلاق من «أور آرتو» جنوب أرمينيا في المنطقة الكاسية. # الهبوط إلى الجنوب متخللا بلاد الحور. # الاستمرار جنوبا إلى فلسطين. # الهبوط من فلسطين إلى مصر. # الخروج من مصر إلى جزيرة العرب، حيث مصر الأقصى أو اليمن. # الخريطة رقم 3: الخريطة المرفقة بالتوراة. # لاحظ أن راسم الخريطة قد حيرته مسألة «شور»! التي في طريق مصر، فتخير للاسم ~~موضعا مناسبا، وضعه على مدخل سيناء! # لاحظ أنه جعل حاران هي حوران؛ لتقع على الطريق المباشر والمختصر بين أور ~~الكلدانيين وبين كنعان حلا للمشكلة! # الخريطة رقم 4: العرب البائدة. # | مصادر البحث # (1) # القرآن الكريم. ~~(2) # الكتاب المقدس. ~~(3) # الموسوعة العربية الميسرة. ~~(4) # موسوعة تاريخ العالم: تأليف مجموعة علماء بإشراف وليم لانجر، ترجمها مجموعة ~~أساتذة بإشراف د. مصطفى زيادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، د.ت. ~~(5) # الموسوعة الأثرية العالمية: تأليف مجموعة علماء بإشراف ليونارد كوتريل (48 ~~عالما)، ترجمة د. محمد عبد القادر ود. زكي إسكندر، الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، القاهرة، 1977م. ~~(6) # الأصفهاني (حمزة): تاريخ سني الملوك بيروت، 1961م. ~~(7) # ابن حبيب (أبو جعفر): المحبر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د.ت. ~~(8) # ابن خلدون: طبعة بولاق، 1284ه. ~~(9) # ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، تحقيق لجنة ~~التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1980م. ~~(10) # ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق مجموعة أساتذة، دار الكتب العلمية، بيروت ، ~~ط4، 1988م. ~~(11) # ابن قتيبة: كتاب المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، دار المعارف، القاهرة، ط2، ~~1969م. ~~(12) # ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق طه عبد الرءوف، شركة الطباعة الفنية، ~~القاهرة، 1974م. ~~(13) # أورسيوس (بول): تاريخ العالم، الترجمة العربية القديمة في منتصف القرن الرابع ~~الهجري، حققها وقدم لها د. عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ~~بيروت، ط1، 1982م. ~~(14) # باقر (طه): الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، دار الشئون الثقافية ~~العامة، وزارة الثقافة والإعلام العراقية، بغداد، 1986م. ~~(15) # برستد (جيمسن هنري): كتاب تاريخ مصر منذ أقدم العصور إلى الفتح الفارسي، ~~ترجمة، د. حسن كمال، وزارة المعارف المصرية، القاهرة، ط1، 1929م. ~~(16) # البهبيتي (نجيب): المعلقة العربية الأولى عند جذور التاريخ، دار الثقافة، ~~الدار ms103 البيضاء، المغرب، ط1، 1981م. ~~(17) # الثعلبي (أبو إسحاق): قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس، المكتبة الثقافية، ~~بيروت، د.ت. ~~(18) # جاردنر (السير ألن): مصر الفراعنة، ترجمة د. نجيب ميخائيل، الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1987م. ~~(19) # جرني (أ. ر): الحيثيون، ترجمة د. محمد عبد القادر، سلسلة الألف كتاب، ~~القاهرة، 1973م. ~~(20) # الجزائري (نعمة الله): النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين، مؤسسة ~~الأعلمي، بيروت، ط8، 1978م. ~~(21) # حسين (د. طه): في الشعر الجاهلي، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1926م. ~~(22) # الحلبي (برهان الدين): السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، إنسان العيون، ~~دار المعرفة، بيروت، د.ت. ~~(23) # الحموي (ياقوت): معجم البلدان. ~~(24) # الحوت (محمود سليم): في طريق الميثولوجيا عند العرب، دار النهار، بيروت، ط2، ~~1979م. ~~(25) # ذكري (أنطوان): مفتاح اللغة المصرية القديمة، دار الشروق، القاهرة، ~~د.ت. ~~(26) # الرازي (الفخر): تاريخ مدينة صنعاء، تحقيق سهيل زكار، دمشق، 1975م. ~~(27) # رايفشتال (اليزابيث): طيبة في عهد أمنحوتب الثالث، ترجمة إبراهيم رزق، مكتبة ~~لبنان، بيروت، 1967م. ~~(28) # رودلف (فلهلم): صلة القرآن باليهودية والمسيحية، ترجمة عصام الدين حفني ناصف، ~~دار الطليعة، بيروت، ط2، 1984م. ~~(29) # السهيلي (أبو القاسم): الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، ضبط ~~وتعليق طه عبد الرءوف، بيروت، د.ت. ~~(30) # سوفوكليس: الملك أوديب، ترجمة أمين سلامة، دار الفكر العربي، القاهرة، ~~د.ت. ~~(31) # شرف الدين (أحمد حسين): تاريخ اليمن الثقافي، مطبعة الكيلاني الصغير، ~~القاهرة، 1967م. ~~(32) # الشوك (علي): اهتمامات ميثولوجية واستطرادات لغوية، الكرمل، مؤسسة بيسان، ~~نيقوسيا، 26. ~~(33) # صالح (عبد العزيز): الشرق الأدنى القديم، الهيئة العامة لشئون المطابع ~~الأميرية، القاهرة ، 1967م. ~~(34) # صليبي (د. كمال): التوراة جاءت من جزيرة العرب، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة ~~الأبحاث العلمية، بيروت، ط2. ~~(35) # طعيمة (د. صابر): التاريخ اليهودي العام، دار الجيل، بيروت، ط2، ~~1983م. ~~(36) # عبد الحميد (محمد حسني): أبو الأنبياء إبراهيم الخليل، تقديم الشيخ حسين ~~مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق، دار سعد، القاهرة، ط1، د.ت. ~~(37) # علي (د. جواد): المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين ~~بيروت، ط2، 1978م. ~~(38) # الفقي (محمد): قصص الأنبياء والمرسلين، أحداثها وعبرها، تقديم شيخ الأزهر ~~عبد الحليم محمود، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1979م. ~~(39) # القرطبي (شمس ms104 الدين): التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، تحقيق حجازي ~~والسقا، المكتبة العلمية، بيروت. ~~(40) # القمني (سيد محمود): القمر الأب أو الضلع الأكبر في الثالوث، الكرمل، مؤسسة ~~بيسان، نيقوسيا، قبرص، 26. ~~(41) # القمني (سيد محمود): إلهة الجنس أو الزهرة، آفاق عربية، بغداد، مارس، ~~1982م. ~~(42) # القمني (سيد محمود): البعد الأسطوري للشيطان في التراث الشرقي، فكر للدراسات ~~والأبحاث، القاهرة، 10. ~~(43) # القمني (سيد محمود): هل بنى الفراعنة الكعبة؟ تصحيح مغالطات، مجلة القاهرة، ~~عدد 81، 1988م. ~~(44) # القمني (سيد محمود): أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة، دار فكر القاهرة، ~~1988م. ~~(45) # القمني (سيد محمود): الحج، مجلة الكويت، الإعلام الكويتية، عدد 12، ~~1981م. ~~(46) # القمي (الصدوق): علل الشرائع، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، ~~1966م. ~~(47) # كارلوفسكي (س. لامبرج): دلمون مدخل إلى الخلود، ترجمة مصطفى كامل اللحام، ~~مجلة الثقافة العالمية، الكويت، مارس، 1983م. ~~(48) # كانالكيس (رودو): التاريخ العربي القديم، ترجمة فؤاد حسنين، النهضة المصرية، ~~القاهرة، 1958م. ~~(49) # كريم (د. سيد): قدماء المصريين وبناء الكعبة، مجلة الهلال عدد فبراير ~~1982م. ~~(50) # لسنر (د. ايفار): الماضي الحي: ترجمة شاكر إبراهيم سعيد، الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب، القاهرة 1981م. ~~(51) # ماير (د. ف. ب): حياة النبي إبراهيم وطاعة الإيمان، ترجمة القس مرقس داود، ~~مكتبة المحبة، القاهرة، ط1، 1980م. ~~(52) # المسعودي (أبو الحسن): مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محيي الدين ~~عبد الحميد، المكتبة الإسلامية بيروت، د.ت. ~~(53) # منقوش (ثريا): التوحيد يمان، دار الطليعة، بيروت، 1977م. ~~(54) # موسكاتي (سبتينو): الحضارات السامية القديمة، ترجمة د. يعقوب السيد بكر، دار ~~الكتاب العربي، القاهرة، 1957م. ~~(55) # ناصف (عصام حفني): اليهودية بين الأسطورة والحقيقة، دار المروج، بيروت، ~~1985م. ~~(56) # نبهان (د. عبد الله): هوامش على كتاب ياقوت (معجم البلدان)، في المختار من ~~التراث العربي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1983م. ~~(57) # نيلسن (ديتلف): تاريخ العلم ونظرة حول المادة، في كتاب التاريخ العربي ~~القديم، ترجمة د. فؤاد حسنين، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958م. ~~(58) # نيلسن (ديتلف): الديانة العربية القديمة، في كتاب التاريخ العربي القديم، ~~ترجمة د. فؤاد حسنين مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958م. ~~(59) # هومل (فرتز): التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية، في كتاب التاريخ العربي ~~القديم ترجمة د. فؤاد ms105 حسنين، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958م. ~~(60) # De Vaux (R.), Les Patriarches Hebreus et L’Histoire Revue ~~Bibique, 72 (1925). ~~(61) # Noldeke, Semitic Languages, Encyclopaedia Britanica 2the d, ~~1911, vol 24, coll 617-630. ~~(62) Philpy (H. B), The Background of lslam Being a Sketch of ~~Arabian pre Islamic Times, Alexandria. 1974. ~~(63) # Rykmans (Cyanzague), Les noms propres Sudsemitiques, ~~Lavain, 1934. ms106