######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.NabiMusaWaTallCamarna01.Hindawi69795368 #META# Tags: history #META# ID: 69795368 #META# Title: النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة (الجزء الأول): موسوعة تاريخية جغرافية إثنية دينية #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # توطئة‏ # تمهيد تاريخي مع إعادة ترتيب جغرافية الخروج‏ # الباب الأول: شعب التوراة‏ # 1 - التوراة وربها وشعبها‏ # 2 - «كل إسرائيل» أو مملكة إسرائيل الموحدة‏ # الباب الثاني: مصر والتوراة‏ # 1 - قبل زمن الخروج‏ # 2 - النظريات التاريخية للخروج‏ # 3 - جغرافية الخروج‏ # 4 - الأخطاء الكبرى في النظريات المطروحة‏ # الباب الثالث: نظرية المؤلف لضبط جغرافية الخروج وتاريخها‏ # 1 - رعمسيس تلك المدينة اللغز!‏ # 2 - قناة سيزوستريس وهندسة المكان‏ # 3 - إحداثيات مواضع الخروج‏ # الإهداء‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # توطئة‏ # تمهيد تاريخي مع إعادة ترتيب جغرافية الخروج‏ # الباب الأول: شعب التوراة‏ # 1 - التوراة وربها وشعبها‏ # 2 - «كل إسرائيل» أو مملكة إسرائيل الموحدة‏ # الباب الثاني: مصر والتوراة‏ # 1 - قبل زمن الخروج‏ # 2 - النظريات التاريخية للخروج‏ # 3 - جغرافية الخروج‏ # 4 - الأخطاء الكبرى في النظريات المطروحة‏ # الباب الثالث: نظرية المؤلف لضبط جغرافية الخروج وتاريخها‏ # 1 - رعمسيس تلك المدينة اللغز!‏ # 2 - قناة سيزوستريس وهندسة المكان‏ # 3 - إحداثيات مواضع الخروج‏ # | النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة (الجزء الأول) # | النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة (الجزء الأول) # | موسوعة تاريخية جغرافية إثنية دينية # تأليف # سيد القمني # | الإهداء # على أوتار الحشا بين الجوانح والضلوع، تسكنينني يا حبيبتي، ذبت فيك حبا ~~ووجدا، فأعطيتك عمري كله مهرا، وسكبت في أحشائك عصارة عقلي كلمات، أستزرعها في ~~رحمك أجنة؛ كي تلدي للدنيا ابن العهد الآتي، وقربت إليك نفسي أضحية يا ~~معشوقتي، يا أم الدنيا حقا وصدقا. # فلك يا مصر السلام وعليك السلام ... يوم تتفتح أزاهيرك مواليد ... صبايا يعرفن كيف ~~يتكلمن لغة الحرية، وصبية يصوغون معجم مفردات النهار ... ويهزون معا جذوع المسلات ~~لتساقط على صفحة الزمن علما وعدلا وحضارة ومدنية. # سيد القمني # | مقدمة الطبعة الثانية # في هذه الطبعة الثانية من كتاب «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة»، سيجد القارئ ~~تعديلات واسعة بالكتاب؛ فقد حذفنا أبوابا اكتشفنا أنها تثقل كاهل القارئ بمادة ~~علمية كثيفة، ليست بذات تأثير جوهري على العمل نفسه وأهدافه، فاستبعدنا مثلا من ~~الجزء الأول بابا كبيرا هو «التاريخ النبوي»، خاصة ms001 أنه كان شديد الجفاف والثقل، كذلك ~~حذفنا جميع الملاحق المتعلقة بتاريخ مصر القديمة؛ لتخصصها الشديد، والمتخصصون أدرى بها ~~وليسوا بحاجة إليها، أما القارئ غير المتخصص فهي بالنسبة له غير ذات جدوى ~~كبيرة. # ثم قمنا بإعادة ترتيب الكتاب مرة أخرى، فدمجنا الجزء الرابع بالجزء الأول، مع ~~تصويبات جديدة شتى متناثرة بالكتاب، نتج معظمها عن أخطاء الطابع في الطبعة الأولى، ~~وبعضها ارتكبها المؤلف، خاصة ما كان يتعلق بإجراء عمليات حسابية لتزمين فترات معينة ~~من التاريخ، كذلك أعدنا تغيير مواضع الأشكال والخرائط؛ ليكون تناولها أكثر يسرا، مع ~~إدخال أشكال ولوحات جديدة من مواقع الأحداث، تدعم النظرية المطروحة في هذا ~~الكتاب. # وكان لأخطاء الطابع دور في التباسات في عدة مواضع، خاصة مع تشابه الأسماء ~~وتقاربها، سواء كانت أعلاما أو مواضع جغرافية؛ ولما كان البحث يعتمد التدقيق الشديد ~~في هذه الأسماء، فإن خطأ واحدا كان كفيلا بضياع القارئ، وسط الحشد المعلوماتي ~~الكثيف، وضياع الهدف والقصد، بل وربما جهد صفحات بكاملها. وكان يكفي أن يدون الطابع ~~على خريطة شرقي الدلتا مثلا موضعا باسم هيروبوليس، فيكتبه الطابع هليوبوليس (لأنها ~~الأشهر والمعتادة)، حتى يضيع القارئ، والمعنى والقصد جميعا؛ لأن هليوبوليس مكان وحكاية ~~وتاريخ، يختلف تماما عن هيروبوليس، وهي مكان آخر وحكاية أخرى وتاريخ آخر، أو أن ~~يكرر تسجيل اسم مقبرة حويا (حيث لوحات للفرعون إخناتون هامة، ولها دور هام في ~~بحثنا) باسم مقبرة يويا، رغم أن مقبرة يويا غرفة صخرية، لم يدون بها شيء، لا لشيء ~~إلا لأنه كان من محبي المصريات، وسمع أو قرأ كثيرا عن يويا فقرر تصويب الاسم، بقرار ~~من عنده وأجره وثوابه على الله. # ونظرا لأن المؤلف هو واضع الخرائط بالكتاب، مستعينا بالخرائط المساحية القديمة، في ~~مشقة لا يعرفها إلا من جربها، وليست خرائط منقولة عن مصادر أخرى، فإن الطابع ~~بالطبعة الأولى، لم يراع الدقة في وضع العلامات والأعلام في أماكنها، مما كان بدوره ~~مدعاة لخلط في الفهم. والمدهش أن بعض الناقلين عنا، أو بالأحرى السارقين تصوروا أن ~~هذه خرائط متفق عليها، وموجودة في ms002 مصادر ما، فأخذوها أو سرقوها على علاتها في ~~استسهال مضحك، غير مدركين أن إعادة رسم الحدود أو فروع الأنهار القديمة، ووضع ~~المواضع القديمة في أماكنها على الخرائط، قد استدعى سفرا شاقا وتدقيقا وقياسا، ~~ورجوعا إلى مراجع شتى ومصادر متضاربة، حتى إن دار المساحة المصرية أكلت من عرقي ~~وشربت، إضافة إلى أسفار مضنية بفيافي سيناء ووادي عربة الأردني؛ لذلك فإن الخريطة ~~الواحدة تكمن وراءها معاناة حقيقية وجهد جهيد، وليست مجرد خريطة مأخوذة من مصدر ~~متفق عليه، بل وضعها المؤلف ورسمها ووضع عليها الأعلام القديمة، بعد أسفار إلى بلاد ~~وبراري وأصقاع، وعمليات تدقيق أخذت من عمره عمرا. وكان تشتت المواضع الجغرافية في ~~النصوص القديمة، مع تدخل الميول الإنسانية والأغراض السياسية والدينية في عملية ~~التدوين، مع اتساع مساحة البحث الجغرافية والتاريخية، مدعاة دائما للسقوط في شراك ~~وفخاخ؛ لذلك كان تدقيق المواضع الجغرافية، وإعادة ضبطها ضرورة لضبط التاريخ وخط سير ~~الحملات، وحدود الدول والعلاقات الدولية وخط سير الهجرات، وهذا كله كان الخلفية التي ~~كان يجب ضبطها لتنطق بما لم تنطق به من قبل عملنا هذا، كذلك كانت تلك الأسفار تثمر ~~دائما ثروة عظيمة من الأدلة والقرائن على صدق أطروحة الكتاب، قمت بتسجيلها بالتصوير ~~الفوتوغرافي قبل اكتشاف المنظومة الرقمية واختراع الكمبيوتر، لتنطق بصدق أطروحتي، وهي ~~أسفار بدأت بشرقي الدلتا المصرية عبورا على سيناء مرتين، ثم وادي عربة جنوب الأردن ~~ثم العراق في أقصى شماله، مع المعاناة التي لا بد أن يلقاها باحث مستقل في بلادنا، ~~ليتلقفه الأمن من كل موطئ قدم؛ ليشرح عمله لرجل مخابرات أو أمن، هو أجهل أهل الأرض ~~طرا وقاطبة، وفي بلاد هي أشد بلاد العالم بعدا عن العلم، وأكثرها قمعا ~~وديكتاتورية، ويكفيني حتى اليوم أن أذكر سفري إلى العراق تحت حكم صدام، إبان الحصار ~~الدولي، ليقشعر بدني مما عانيت هناك من أجل هذا الكتاب، كذلك المخابرات الأردنية على ~~الحدود العراقية الأردنية، وحجم الإهانة الإنسانية التي لقيتها هناك، والصغار أمام ~~صغار الأقزام من عسكر المخابرات، الذين هم علينا أسود وفي الوغى صياصي ms003 دجاج، بلا حول ~~ولا قوة، مع العسكرية العمياء فهم صم بكم غلاظ شداد، ولا يكادون يفقهون قولا، رغم ~~أني كنت لا أحمل قنابل، بل مجرد أدوية وأقلام وأوراق وكتب، وخرائط وكاميرات وبعض ~~الملابس الضرورية ... ودمتم. # وقد تعرض هذا الكتاب لسوء الحظ مرتين: الأولى بعد جمع المادة العلمية اللازمة، ~~وقبل بدء الكتابة، عندما وقع المؤلف صريع القلب، وتم إجراء جراحة له في كليفلاند ~~بولاية أوهايو بأمريكا. والمرة الثانية عند طباعة الكتاب، عندما اضطر المؤلف لإجراء ~~جراحة دقيقة بجذع المخ، سامح الله الدكتور أحمد حلقة، فمن يومها وأنا في معاناة دائمة ~~لا تتوقف، وقمت بمراجعة بروفات الطابع بالمستشفى، وأنا بين الوعي والغيبوبة، ففات علي ~~الكثير من أخطاء، احتاجت التصويب في هذه الطبعة الثانية. وهنا لا أدعي مطلقا أن هذه ~~الطبعة، ستكون خلوا من أخطاء محتملة، في تزمينات التأريخ أو الأخطاء الطباعية، إنما ~~ما أقول هو أن هذا أقصى جهدي في ظرفي الصحي الحالي، وإذا وجدت بعض الأخطاء الطباعية، ~~فلن تفوت على القارئ الفطن، أو حتى لو وجدت أخطاء في متن الموضوع، فإن هناك من النقاد ~~المحترمين من يمكنه، أن يصلح الشأن والتصويب دوما. # وبمناسبة النقد والنقاد، فقد تعرض لهذا الكتاب طرفان، كان أعلاهما صوتا هو من عمد ~~إلى التشويه والافتراء والدس والوقيعة، ولا أدعي أني أعلم لماذا؟ وقد زعم بعض هؤلاء ~~أن كتابي يؤسس لإسرائيل في تاريخ مصر، وأيضا لا أعرف كيف؟ فالكتاب بين يدي القارئ، لا ~~علاقة له بكل المفاهيم الأيديولوجية، والمواقف المسبقة بالمرة، ولا يسعى لغير العلم ~~وحده، ولا يعمل بغير قواعد البحث العلمي وحده، حتى إن بعضهم وهو يعرض اتهاماته ضد ~~الكتاب، وضع في ثنايا عرضه لوحات مصرية مدمجة بالرؤى الإسرائيلية، مثل لوحة لرمسيس ~~الثاني، وعليها نجمة داود أو الشمعدان (لا أذكر)؛ ليوعز إلى القارئ أنها لوحة في ~~كتابي، لاتخاذ موقف نفسي مسبق منه، رغم أنه خلو منها، ورغم أني لم أعرف هذه اللوحات ~~المزيفة، إلا في مقالات الأستاذ الناقد، ورغم أني لا أرى في كتابي أن رمسيس الثاني، ms004 ~~هو فرعون الاضطهاد أو الخروج، كما ترى بعض المدارس البحثية الإسرائيلية وغيرها من ~~المدارس، بل ذهبت مذهبا مغايرا بالمرة. والكتاب بطبعتيه الأولى والثانية بين يدي ~~القارئ، ليرى إلى أي منحدر، وإلى أي تسفل خبيث، وصل مناخنا الثقافي منذ صحوتهم ~~الإسلامية، التي حولتهم إلى أشرار حقيقيين، عن عمد واختيار إرادي وواع. # وعلى نفس الخط أخذ أحد أساتذة التاريخ المصري القديم على عاتقه، شن حملة على الكتاب ~~متهما إياه أنه يشوه تاريخ مصر، ووقف إلى جواره بعض محبي المصريات، انطلاقا من ~~تقدسيهم الفرعون إخناتون، بحسبانه أول الموحدين في التاريخ، وأن كتابي يكشف أنه لم ~~يكن كذلك حقا، وأن على إخناتون مآخذ أخلاقية كثيرة، بمقاييسنا الأخلاقية اليوم، ~~وأنه ارتكب في سبيل دروشته الدينية وتعصبه وتطرفه، أول لون من الاضطهاد الديني ~~الواسع النطاق في مصر، التي عاشت زمنها السابق له في حرية دينية شبه مطلقة، وأن تلك ~~الحرية على مستوى الضمير والفكر، كانت السبب وراء إبداعاتها العبقرية، رغم مركزيتها ~~الصارمة على مستوى الإدارة، فكان إخناتون أول متعصب طائفي قوي في تاريخ مصر، قضى على ~~التعددية العقدية والحريات، لصالح ربه آتون وحده، مما أدى إلى تردي أحوال ~~إمبراطوريته، وعودة مصر إلى الانكماش داخل حدودها، نتيجة قراراته اللاهوتية وفاشيته ~~الطائفية. # لكن الكثير من محبي المصريات في بلادنا، يعاملون إخناتون بذوق إسلامي، بحسبان ~~التوحيد أرقى القمم العقدية، التي يريدون كسبها لمصر قبل الآخرين، وأنها كانت سباقة ~~في كل شأن وأمر، حتى في فكرة التوحيد العزيزة إسلاميا، ومن ثم يكون أي كشف موضوعي ~~بشأن إخناتون، هو إهانة لمصر وتشويها لتاريخها، يصب في مصلحة العدو الصهيوني ~~الإمبريالي الإسرائيلي الأمريكي الطاغوتي ... إلخ (؟!). # ويجمع بين الموقفين أن أحدهما اتهامي، يشكك في الولاء للوطن وتاريخه، والآخر ~~شتام تخويني وطنيا ودينيا، يعتمد على استثارة الغرائز الدينية والعنصرية؛ ولأن ~~كتابي ليس فيه ما يدعم أيا من الموقفين، فلم أجد سببا موضوعيا لكل تلك الهجمة ~~الشرسة سوى السبب النفسي؛ لأنه رغم أن الوصايا التوراتية كانت توصي: لا تشته امرأة ~~جارك ولا بيته ولا حقله ولا ms005 حماره. فإنها لم تلتفت إلى أن هناك من يشتهي الملكات ~~والقدرات والجهد، وهو مما لا يمكن اكتسابه إلا بالكد والعنت والمشقة والتفاني، وأخذ ~~النفس بالشدة والقسوة، وهم لا يريدون أن يبذلوا جهدا مماثلا، ومع العجز تبدأ ~~الكراهية، ومع الكراهية تبدأ حملات التشويه، وليس بيدي سبب آخر، أبرر به تلك ~~المواقف غير هذا. # أما الصوت الذي لم يجد سبيله إلى السماع، بعد أن ضاع بين صخب تلك الأصوات، فهو الصوت ~~الموضوعي المحترم، الذي أعطى الكتاب حقه إيجابا أو سلبا، ولأصحاب هذا الصوت أسجل ~~خالص تقديري وامتناني واحترامي، سواء من اتفق معي أو من اختلف. # ومن المفيد هنا إشراك القارئ معنا في بعض الملحوظات الهامة، أولها أنه إذا كان كتابنا ~~هذا كتابا في فلسفة التاريخ وتاريخ الاجتماع الديني، فإن معتمده ومرجعه هو معطيات علم ~~التاريخ عند أهل الاختصاص، وإليهم المرجع وعليهم المعتمد، لكن تلك المعطيات كما سيرى ~~قارئنا، تعاني من خلل شديد يعتورها باستمرار، فلن تجد اتفاقا واضحا بين الأسماء ~~والأعلام من مؤرخين وآثاريين، على تزمين أثر بعينه ولا على تفسيره، أو حتى ضبط قراءته ~~فونيطيقيا، كما ستجد هذا التضارب واسعا، عندما يتعلق الأمر بتاريخ قيام دولة قديمة ~~وانهيارها، وتزمينات هذا القيام والانهيار، وسني حكم الملوك والمواقع العسكرية. وإلى ~~جوار تلك المصادر المصدر الثاني لبحثنا، هو العهد القديم من الكتاب المقدس، الذي يعاني ~~بدوره كثيرا من المغالاة والأسطرة والتضارب بين المحررين في أحيان كثيرة، مما احتاج ~~على المستويين إعادة ترتيب وجهد وصبر وجلد ومشقة، وهي في حد ذاتها كانت طموحا ~~مستحيلا في بداية البحث، لكننا أصررنا عليه، وحملت فيها عن القارئ عبئا عظيما، لكنني ~~أشركت القارئ معي في ذلك ليلمس بنفسه وعثاء الطريق، ويشاركني عملية التحري والمباحثية، ~~ووضع التوقعات بناء على الشواهد والمعطيات، إزاء الحدث أو النص التاريخي، ليجمع معي ~~القارئ الإشارات والدلائل والقرائن، من الأبسط إلى الأعقد ومن الأهون إلى الأشق، ليكشف ~~معي بالتدريج خيوط الحل، التي تنكشف جميعا في الجزء الثالث والأخير من العمل، وتفصح ~~الرموز عن محتواها الصريح، وكيف ms006 يمكن لكلمات الماضي، أن تتحاور معا، وأن تتحاور معنا ~~اليوم، أو أن تفرز مقارنة اللفظة المصرية القديمة بلفظة عربية معجمية، عن سياق طويل ~~عريض من الروابط والمعاني والنتائج، زمنا ومكانا وبيئة، لنعيش معها زمانها، فنرى ~~الجغرافيا ومناهج التفكير وطرق المواصلات والهجرات، نعيشه كما كان زمن الحدث ... قدر ~~الإمكان. # لذلك السبب سيبدو لقارئنا، أني أورد نصوصا كثيرة وكثيفة، ربما يظنها بعيدة عن ~~الموضوع، وصعبة التذكر، لكنه مطالب معي بهذا الجهد القليل؛ لأن لكل كلمة دورها الذي ~~تؤديه في هذا العمل، وعليه أن يتابع بدقة تلك النصوص، وقد عمدت إلى كتابة بعض الكلمات ~~بالبنط الأسود، زيادة في التأكيد على دورها ودلالتها ودعمها للبحث، وللتنبيه ليتم ~~تذكرها فهما لما هو آت بعدها. # ومع مثل هذه المساحة الجغرافية الشاسعة والتاريخية، وما لحقها من أحداث وهجرات ~~وأشكال مجتمعية، كان من المستحيل اتخاذ منهج تاريخي خطي واحد، يبدأ من نقطة ~~لينتهي إلى نقطة نهائية، ومن هنا اتخذ بحثنا شكل شبكة عنكبوتية، لها مركزها وطرقها ~~ووصلاتها في حركة ذاهبة آيبة بين المركز والوسط والأطراف، عبورا على متشابكات في ~~الطريق بينهما تتوازى وتتقاطع، وهو المنهج الذي فرضه موضوع البحث، وراعينا فيه تقديم ~~الجرعات المعلوماتية على التدرج، فلا تسبق معلومة أخرى إلا بحسب مكانها في السياق، ~~بحيث تتكامل الشبكة في النهاية، وهو منهج استنباط رياضي بالأساس يحدد المشكلة، ويضع ~~لها فروض الحل، ثم يلجأ إلى العمل الافتراضي، إذا تطلب ذلك، ثم البرهان بالوثائق ~~والبيانات؛ لذلك يحتاج بعض الصبر من القارئ، بعد أن عبدنا له الطريق، ولم نضع له ~~معلومة قبل الأخرى، حتى لا يفاجأ بما لم يكن يعلم، وكان ذلك بالنسبة للمؤلف هو العسر ~~ذاته، وقطعة من عذاب المشقة، في تباديل وتوافيق انتقل فيها موضوع قبل الآخر، ونقلت ~~فيه معلومة من فصل إلى آخر؛ مما اضطر المؤلف إلى كتابة الفصل الواحد أكثر من مرة، ~~وإعادة كتابة الكتاب كله أكثر من مرة. # ويجدر هنا التنويه بأن هناك مصادر أساسية، إضافة إلى المصادر التاريخية والآثارية ~~والكتاب المقدس، اعتمدناها مصادر أساسية في ms007 كثير من فصوله، مثل كتاب «آلهة مصر ~~العربية»، للعالم الليبي علي فهمي خشيم، رغم اختلافنا الجوهري مع أطروحته الشاملة لهذا ~~الكتاب وغيره، بل اختلافنا التام معه، لكن جهده الذي استفدنا منه يستحق الإشارة هنا، ~~والإشادة به كمصدر ثري لهذا العمل، هذا إضافة إلى أعمال إيمانويل فيلكوفسكي، وأعمال ~~أحمد عثمان وسيجموند فرويد. # ولا يفوتني أن أشكر صديقي الدكتور محمد سميح عيد الذي عكف على مراجعة هذه الطبعة، ~~وقام بتصويب كثير من حسابات التزمين الواردة بالطبعة الأولى، كذلك كان له ملحوظاته ~~المفيدة، التي سجلتها له في الهامش في مكانها من هذا البحث. # سيد القمني # مدينة العاشر، في 5 / 10 / 2010م، مصر # | مقدمة الطبعة الأولى # هذا العمل الذي بين يديك الآن، هو خلاصة جهد استمر عشر سنوات أو يزيد، بدأ العمل فيه ~~عام 1987م، وتوقف أكثر من مرة، لكن مجموع تلك الوقفات لم يزد بحال عن مدة سنتين ~~أنجزت خلالها كتاب حروب دولة الرسول، وكتاب إسرائيل، وكتاب رب الزمان، ولم يستغرق أي ~~من هذه الأعمال سوى بضعة شهور، كنت أعود بعدها إلى موسى مرة أخرى، بعد أن تتراكم مادة ~~علمية جديدة، تدفعنا إلى البدء من البداية مرة أخرى، مرات كانت تصل بنا الفروض إلى ~~طرق مغلقة، فنعود نضع فرضا جديدا، لنلهث وراء ما يدعمه شهورا لنكتشف مرة أخرى، ~~أننا دخلنا متاهة، فنعود نضع علامات على الطريق المحتمل، لكن لنكتشف خللا جديدا، وفي ~~كل مرة كان رجال علم التاريخ وراء تلك المشقة التي كادت تصبح مكابدة لا تنتهي. وما أكثر ~~تناقضات أهل التاريخ، التي تصل أحيانا إلى حد التضارب الكامل إزاء الموضوع الواحد، ومن ~~ثم يصبح من الرعونة بمكان، إقامة أي بناء علمي على أسس تاريخية، دون فحص دقيق ~~ومراجعة تامة لتلك الأسس، وضبطها ضبطا كاملا، وإلا وصل الباحث إلى نتائج شديدة ~~الضلال والبطلان؛ لأن أسس التاريخ نفسه كعلم وهي مادته، يختلف بشأنها أصحاب هذا العلم، ~~بحيث لا يمكنك القطع في أي لحظة مع علم التاريخ، أن ما تقرؤه حقيقة وقعت في الزمن ~~المنسوبة ms008 إليه أم بناء افتراضي؟ وما هي مساحة الصدق التاريخي فيه، وما هي المساحة التي ~~سمح المؤرخ بها لنفسه بالتدخل في الوقائع وإعادة بنائها تصوريا؟ ناهيك عن بعض ~~المؤرخين ذوي الأسماء الكبيرة - كما سنرى في بحثنا - قد قاموا بتفسير النص التاريخي على ~~هوى البناء الذي يريدون، بل وصل ببعضهم حد التساهل - وهي كلمة سهلة - إلى حد أنه لم ~~يجد بأسا في إبدال لفظة بلفظة أخرى، تناسب مراده في النص التاريخي الأصلي. # أضرب لك مثلا بسيطا للتوضيح، رأى أحد المؤرخين بحساباته أن الإسرائيليين، كانوا ~~موجودين في مصر زمن رعمسيس الثاني، ووجد نصا من زمن رمسيس الثاني يتحدث عن العابيرو، ~~الذين ينقلون الأحجار لبناء «معبد الشمس الذي توجهت إليه عناية شمس البلاد رمسيس ~~الثاني»، هنا وببساطة يقوم السيد المؤرخ بترجمة العابيرو إلى «الإسرائيليين»، رغم أن ~~الخلاف حول: من هم العابيرو؟ وهل هم العبريون؟ بل وهل العبريون هم فعلا بنو إسرائيل؟ ~~مشاكل لم تحل بعد، وتتضارب بشأنها مدارس المؤرخين شتى. # ومع ذلك وضع الرجل نظريته في خروج الإسرائيليين من مصر على مثل تلك الفروض المختلف ~~عليها. # مثال آخر: يختلف أصحاب علم المصريات الكبار، حول تعيين موضع مدينة كبرى أنشأها ~~الفرعون، عاشق المعمار رعمسيس الثاني باسمه «رعمسيس»، وتعود أهمية هذه المدينة، لكونها ~~المدينة التي ذكرتها التوراة كمدينة للاضطهاد الإسرائيلي في مصر، عندما تم تسخيرهم في ~~بنائها، وكلما تم العثور في حفائر مصرية على أثر باسم رعمسيس الثاني، قام أصحابه ~~يهللون: لقد وجدنا مدينة رعمسيس المفقودة؟! الكارثة تبدأ عندما تحاول أن تعتمد مصادر ~~التاريخ لبحثك في ميدانك الجديد، فمن الطبيعي أن تكون ضمن المطاليب المعرفية، لقارئ ~~كتاب بعنوان النبي موسى، معارف من قبيل: أين تم استعباد الإسرائيليين بمصر؟ هنا يقف ~~عالم عظيم مثل «السير آلن هنري جاردنر»، ليقول لك: إن مدينة رعمسيس هي الفرما الآن على ~~البحر المتوسط شرقي بورسعيد الحالية. ليردف عالم حجة في المصريات هو «بيير مونتييه» ~~ليقول لك: إن مدينة رعمسيس هي «صان الحجر» الآن جنوبي بحيرة المنزلة. لكن ليقف عالم ~~المصريات «محمود ms009 حمزة»، معلنا كشفه لآثار كبرى لرعمسيس الثاني، في مدينة قنتير قرب ~~فاقوس بالشرقية، وأن هنا تقع مدينة رعمسيس، ويذهب رابع إلى تل رطابة بوادي طميلات، ~~وخامس إلى مدينة المسخوطة، وسادس إلى صفط الحنة، وسابع ... # هذا بشأن مدينة واحدة فقط اسمها رعمسيس (!) وأين تقع؟ فهل بعد ذلك يصر باحث ليس ~~فقط على العثور على مدينة رعمسيس، بل وعلى تحديد مواضع المدن التي ذكرتها التوراة ~~مجاورة لها؟ نعم لقد أصررنا وأظننا نجحنا، لكن بعد إعادة قراءة شاملة لتاريخ مصر في ~~علاقاتها بجيرانها، «أعادت تنظيم التاريخ مرة أخرى، وفق نظرية جديدة» هي التي يقوم ~~عليها هذا العمل جميعه، واعتبرناها عمودا تأسيسيا ننطلق منه لبحث موضوع النبي موسى ~~على أرض تاريخية أقرب إلى واقع أحداث زمانها، ولحظة وصلنا إلى أسس نظريتنا، لم نفعل ~~بعد ذلك شيئا، سوى سحب طرف الخيط، الذي أصبح مستقيما سهلا، بعد أن كان شرنقة من ~~الخيوط المتشابكة، وقد استغرق هذا التأسيس الجزء الثاني بكامله، لكنه التأسيس الخراساني ~~للعمل كله. # وكان هذا التأسيس بهدف إعادة ترتيب للمادة التاريخية المتضاربة، وإعادة صياغتها من ~~جديد، وفق كشوف جديدة تماما. # لذلك أعتبر من جانبي شخصيا، أن التأسيس هو المعبر الصادق والحقيقي، على مدى ما ~~بذل في هذا الكتاب من جهد. # والنموذج الصارخ بصدد تضارب علم التاريخ، أنك ستجد بشأن الهكسوس الذين احتلوا مصر ~~القديمة في نهاية الدولة الوسطى رأيين أبدا لا يلتقيان، فهناك فريق يأتي بهم من ~~جزيرة العرب (السعودية الحالية واليمن)، وفريق آخر يأتي بهم من البراري والسهوب ~~الآسيوية الوسطى، وهو ما يعني مفارقة كبرى؛ لأن سكان جزيرة العرب ساميون وسكان براري ~~آسيا عند قزوين وأرارات من الجنس الهندوآري، وهو أيضا ما يعني أنه لم يتم حتى الآن ~~الاتفاق حول جنس الهكسوس، والمشكلة تظهر عندما تريد تحقيق حدث يتعلق ببني إسرائيل، زمن ~~الهكسوس، هنا لن تتمكن من بناء بحثي سليم، إلا بعد تحديد هوية العنصر الهكسوسي، لما ~~بين الشعبين الهكسوسي والإسرائيلي من وشائج اتصال، كان أول من أشار إليها المؤرخ ~~الكلاسيكي يوسفيوس فلافيوس. ms010 # أو أن تبحث عن موقع دولة كبيرة، كانت على علاقة وثيقة بمصر القديمة، زمن الأحداث ~~التي سنتناولها هي بلاد ميتاني، فتكتشف أنه قد تم وضع هذه الدولة في المساحة الواقعة ~~بين الفرات والخابور، بأعالي الفرات شمالي الشام وشرقي تركيا (افتراضا)، لكن لتكتشف أن ~~هذا المكان كانت تشغله في ذات الفترة الزمنية دولة الآشوريين؟! وتعود تدقق فتكتشف أن ~~ذلك الموضع الجغرافي، الذي تم تحديده لبلاد ميتاني، ليس فيه أية أدلة قاطعة أو حتى ~~مقبولة، لوضع تلك الدولة هناك! نعم إلى هذا الحد يصل التساهل بعلماء التاريخ ~~القديم. # أو تبحث وراء العنصر الآرامي الذي قطن براري الشام وبواديه شرقي مصر، لكن لتكتشف أنه ~~كان عنصرا أصيلا في البلاد، التي أطلق عليها المصريون القدماء بلاد بونت أرض الإله ~~المقدسة، وبينما انتهى معظم المؤرخين إلى وضع بلاد بونت على الساحل الأفريقي الشرقي عند ~~الصومال، تجد إشارات ونصوصا أخرى هامة وكثيرة لا يمكن تفسيرها، بوضع بلاد بونت عند ~~الصومال، وإلا نكون قد أهملنا دلائل وإشارات أخرى، تذهب بنا إلى مواضع جغرافية ~~مخالفة تماما، لما استقر عليه رأي هؤلاء المؤرخين. # وهي المشكلة التي عشت معها فترة، عندما كنت أبحث وراء العنصرين الهكسوسي ~~والإسرائيلي، لأنتهي من البحث الذي طال بما فاق كل توقعاتي، إلى رؤية جديدة ومخالفة ~~تماما، تدخل في باب الكشوف المدعمة بالبراهين والقرائن بنصوص آثارية ولوحات ~~أركيولوجية، وهي الرؤية التي أصبحت العمود الأساسي لعملي هذا، حيث أمكننا العثور على ~~أطراف خيوط مبعثرة، التأمت جميعا في موطن واحد، تجمعت فيه عناصر التاريخ والجغرافيا ~~معا. # أو نقرأ في نصوص الرافدين عن بلاد باسم «موصري»، ونبحث وراء علماء التاريخ فيقولون ~~لك: إنها إما تقع في أعالي الرافدين في الموضع نفسه، الذي تم تحديده لبلاد ميتاني (!!) ~~أو في منطقة العقبة وشرقي سيناء، هكذا! ولك أن تختار أو تحتار بين موقعين متباعدين ~~تماما لبلاد «موصري»، وهو الشأن الذي ستعيش فيه معي في تفاصيل من المتعة المعرفية ~~الحقة، فالتاريخ رغم كل ما يعتوره، هو مساحة مغامرة علمية، لها ذائقة من نوع ms011 شديد ~~الخصوصية، في المتعة الذهنية والتفرد. # أو أن تبحث وراء جنس أطلقت عليه التوراة الجنس الكوشي (أي الزنجي)، والمعلوم أن موطنه ~~أفريقيا السوداء، لكن لتجد التوراة تحدثنا عن كوشيين يهاجمون فلسطين من الجنوب زمن ~~المملكة اليهوذية، فيضع المؤرخون تفسيراتهم فيما لا يزيد عن سطرين عند كل منهم، البعض ~~يرفض روايات التوراة تماما بهذا الخصوص، فكيف يهاجم الأفارقة الزنوج فلسطين طوال ~~الوقت، كما لو كانوا جيرانهم؟ بعض آخر فسر ذلك بأن المقصود هم المصريون؛ لأنهم من ~~أبناء حام، ومن أبناء حام كان كوش أبو الزنج الكوشيين، وذلك حسب شجرة الأنساب ~~التوراتية، لكن يبقى السؤال البسيط الساذج: إن التوراة طوال الوقت تتحدث عن المصريين ~~باسمهم، فلماذا أسمتهم هنا باسم الكوشيين؟! لذلك لا يقنع فريق ثالث بهذه النتائج، ويرى ~~أن المقصود بالكوشيين هم المصريون فعلا، لكن في زمن حكم الأسرة السوداء الكوشية، وهي ~~من الأسر الأخيرة لمصر القديمة، وهنا يبرز فريق رابع ليقول: ليس المقصود بالكوشيين في ~~التوراة دائما هو العنصر الزنجي؛ لأنه ربما كان يشير إلى العنصر الكشي أو الكاسي، الذي ~~احتل بلاد الرافدين قادما من السهوب الآرية الشمالية، في ذات الزمن الذي احتل فيه ~~الهكسوس مصر، ومرة أخرى لك أن تختار، ومع كل اختيار لا يمكنك أن تتأكد من سلامة ~~مقدماتك، لتمضي في استنباطاتك وأنت مطمئن، وكل هذه الحالات التي نشير إليها كانت عاملا ~~مشتركا، في موضوع الإسرائيليين وعلاقتهم بمصر، وهنا لا بد أن ينال موضوعك حجما من ~~التضارب، وتصل بك النتائج إلى درجة من التناقض، تتناسب مع اختياراتك من مجموع ~~المتناقضات التاريخية، ويبقى لديك سؤال لم يجبك عليه أهل التاريخ: وعلى أي الأسس يتم ~~الاختيار، وفي هذه الحال يطرح السؤال نفسه: وهل بذلك نبني علما؟ # ثم إليك ما هو أنكى وأشد، في مثال فصيح واضح، حول موعد خروج بني إسرائيل من مصر، ~~وحتى لا نطيل عليك هنا، سنضرب لك مثالا برأي مدرسة واحدة فقط، هي التي سادت واستقرت ~~نهائيا، في زعم علماء التاريخ حول مسألة الخروج، وهي المدرسة التي تعتمد ms012 على ذكر كلمة ~~إسرائيل في لوح مرنبتاح ابن رمسيس الثاني لأول مرة، وربما لآخر مرة في التاريخ المصري، ~~ليقولوا إن الإسرائيليين قد سيموا السخرة والعذاب زمن رمسيس الثاني، وخرجوا من مصر زمن ~~ولده مرنبتاح، الذي حكم حوالي 1224-1214ق.م. خلال الأسرة التاسعة عشرة. # المشكلة تظهر عندما نبدأ في رصد وجود الإسرائيليين في فلسطين، ولما كانت التوراة تطلق ~~عليهم أحيانا اسم العبريين، فإن التضارب يبدأ صارخا عندما يعرضون لنا، محتويات مكتبة ~~تل العمارنة عاصمة الفرعون إخناتون، وأغلبها كان رسائل قادمة من ولاة مصر على أراضي ~~الإمبراطورية المصرية في الشام، والتي دونت صرخات استغاثة من هؤلاء الولاة بالفرعون، ~~لحماية أراضي مصر في بلاد الشام، من هجوم شعب جاء اسمه على مختلف التنغيمات «العابيرو، ~~الخابيرو، الهبرو، الهابيري، الخابيري، خبر، الأبيري، العابيري الهبيرو ... إلخ.» فإذا ~~كان الإسرائيليون هم العبيرو (العبريين)، وأنهم خرجوا من مصر زمن مرنبتاح 1224-1214ق.م. ~~وقد حددت رسائل العمارنة تاريخ ذلك الهجوم العبري على فلسطين، بزمن أمنحتب الثالث ~~1405-1367ق.م. وولده إخناتون 1367-1350ق.م. أي كانوا يهاجمون حدود فلسطين في زمن أمنحتب ~~الثالث، وقبل أن يخرجوا من مصر زمن مرنبتاح 1224-1214ق.م. أي قبل الموعد المقرر ~~تاريخيا لخروجهم بحوالي 170 عاما بالتمام والكمال؟ # ونحن نعلم أن القائد الإسرائيلي للخروج بعد موسى المعروف باسم يشوع، أول ما هاجم في ~~فلسطين «غربي الأردن» عندما عبر نهر الأردن، وهاجم مدينة أريحا ودمرها تدميرا شاملا، ~~لكن البحث الأركيولوجي قد أثبت أن أريحا، قد تم تدميرها فعلا، لكن قبل الزمن المحدد في ~~هذه النظرية للخروج بما يزيد عن 150 عاما! # لحل الإشكال لجأ المؤرخون بكل رصانة إلى استبعاد، أن يكون العابيرو هم العبريين ~~التوراتيين، إنما هو اسم مشابه، حملته فئات من شذاذ البدو وقطاع الطرق، ولا يجب ~~ربط تلك الإشارات التاريخية عن العابيرو، بمسألة بني إسرائيل والخروج، وهي النظرية ~~المعتمدة أكاديميا في أقسام التاريخ القديم بجامعات العالم حتى اليوم. # نموذج آخر وما أكثرها النماذج في علم التاريخ! نوضحه بالقول إننا لو حتى أخذنا برأي ~~مدارس أخرى، توارت بعد ظهور واستتباب الأمر ms013 لنظرية الخروج زمن مرنبتاح؛ سنجدها تضع ~~الخروج في مساحة تتأرجح بين ثلاثة قرون كاملة، تبدأ بزمن الفرعونة حتشبسوت ~~1490-1468ق.م. وتنتهي بزمن مرنبتاح 1224-1214ق.م. # ومشكلة أخرى تظهر عندما تبدأ في علاج علاقة الإسرائيليين بالفلسطينيين، فعلم التاريخ ~~الرصين يؤكد لنا أن شعبا جديدا باسم البلست أو البلستي، جاء بسفنه البحرية المسلحة من ~~الجزر اليونانية يهاجم مصر، زمن رمسيس الثالث 1182-1151ق.م. لكننا نجد هذا الشعب في ذات ~~الزمن، يقيم على سواحل فلسطين! والحل ببساطة عند أهل التاريخ، أنه بعد أن هزمهم رمسيس ~~الثالث سمح لهم بالإقامة على سواحل كنعان، التي كانت تابعة لمصر حينذاك، ومن ثم أعطوها ~~اسمهم فأصبحت فلسطين؟! هكذا بكل يسر وسهولة تم حل المشكلة! لكن الصارخ في المسألة أن ~~الإسرائيليين - حسب الكتاب المقدس - عندما خرجوا من مصر كان الفلسطينيون مستقرين في ~~ممالك كبرى، وهذا قبل أن يصلوها زمن رمسيس الثالث (؟!) بحسبان الخروج قد تم زمن ~~مرنبتاح ابن رمسيس الثاني، أو ربما قبله في مدارس أخرى؟ # والأكثر إدهاشا أن نجد التوراة نفسها، تأتي بالقبيلة العبرية في تاريخها القديم من ~~«أور الكلدانيين» - قبل دخول مصر والخروج منها بزمان - إلى أرض كنعان كقبيلة هامشية ~~غريبة على البلاد، وتصف التوراة هذه البلاد بأنها «أرض الفلسطينيين» قبل وصول ~~الفلسطينيين إليها، زمن رمسيس الثالث بحوالي خمسة قرون كاملة حسبما يقرر أهل ~~التاريخ؟! # المصيبة هنا أن «كل هذه المتضاربات الصارخة، التي ضربناها مثلا كانت خلال الفترة ~~الزمنية، وفي المساحة الجغرافية التي يعالجها كتابنا هذا». ومن هنا كان لا بد من إعادة ~~قراءة ذلك الرتل المختل مرة أخرى، قراءة تضبط أحداثه وفق منهج علمي صارم ودقيق، ~~وإذا وجد القارئ بعض التضارب أحيانا في المادة التاريخية، فله أن يستميح لي العذر، ~~وأنني قد حملت عنه عبء إعادة الترتيب والضبط، ويبقى كتابي هذا شاهدا على مدى تساهل أهل ~~التاريخ، ومدى قيمة ما يتم تدريسه في جامعاتنا، بل وفي جامعات العالم دون الشعور بأي ~~خلل. # هذا ما كان عن المصدر الأول لهذا العمل، أما المصدر الثاني والذي لا يقل أهمية ~~وخطورة، ms014 فهو الكتاب المقدس # Bibel # العهد القديم، ~~المصطلح على تسميته بالتوراة (تجاوزا)؛ لأن التوراة لا تشكل فيه غير الأسفار الخمسة ~~الأولى فقط، وبعضهم يضيف إليها السفر السادس «يشوع»، وهنا سنستخدم الكلمات الثلاث على ~~التبادل: العهد القديم/التوراة/الكتاب المقدس، في هذا العمل، للدلالة على ذلك الكتاب ~~الهائل والضخم، وهو إضافة إلى كونه كان كتابا مقدسا لدين بعينه، فإنه أيضا عمل ~~أدبي رائع لأساليب تعبير ذلك الزمان، إضافة إلى - وهنا الأهم - «أنه كتاب في التاريخ ~~في المقام الأول»، وكتابنا هذا يثبت لك مدى صدق هذا التقرير «أن العهد القديم كتاب في ~~التاريخ»، بل إن هذا الكتاب عندما تعاملنا معه، ألقى أضواء على مناطق كانت شديدة ~~الظلمة في تاريخ المنطقة القديم، وملأ فراغات وثقوبا في علم التاريخ، لكن المشكلة أنك ~~عند التعامل مع هذا المصدر، ستواجه متاعب أخرى ومن نوع آخر، فليس هناك أولا إجماع ~~على قيمة التوراة كوثيقة تاريخية؛ لما شابها على أيدي المحررين من نزوات ومبالغات وحشو ~~وإضافات وأساطير تغشت كل أسفارها، بحيث أصبح علينا أن نثبت مدى الصدق ومدى الباطل ~~ومواضعهما في التوراة عند المعالجة، كي نطمئن إلى ما بقي بأيدينا من هذا المأثور ~~الهائل، يمكن أن يكون واقعة تاريخية، فالوثيقة التوراتية تحمل بصمات التاريخ، يمتد ~~بزمن كتابتها الذي استغرق حوالي 1500 سنة متصلة، تعرضت أثناءها للمعالجة وإعادة ~~التحرير عدة مرات من محررين أغلبهم مجهول، لكنها من جانب آخر تشكل حقلا رائعا ~~وثريا، لمن يريد إعمال المنهج العلمي للخروج منها، بما يمكن تسميته حقائق ~~تاريخية. # لذلك مهدنا لعملنا بالجزء الأول المعنون ب «تمهيد تاريخي»، بعرض أهم أدوات وأساليب ~~التعامل مع هذا المأثور، بحيث يمكننا بعد العرض النقدي، تقديم شهاداته كشهادات ~~تاريخية، ونحن أكثر اطمئنانا لتلك الشهادات، لكن ضمن ذلك المأثور تقع مجموعة من ~~الأساطير، احتاجت منا تضفير تفسيرها وفض دلالاتها، ومعرفة الغرض من وراء دسها وسط ~~السرد التاريخي ضمن مجموع العمل، ومحاولة فهم ما حدث بعيدا عن منطق الأسطورة والمعجزة، ~~فحاولنا العثور على إجابات واضحة لمسألة العصا الثعبانية، وفلق البحر، والعليقة ~~المشتعلة ms015 بنار لا تحرق، هذا إضافة إلى أسئلة أخرى تأسيسية، حاولنا الإجابة عليها وهي: ~~لماذا يتمسك اليهود بلحظتين تاريخيتين أساسيتين، كلتاهما تتعلق بمصر تحديدا؛ لحظة ~~العهد مع الله بالختان، والختان شرعة مصرية أساسا، ولحظة عبور البحر من مصر إلى ~~سيناء، وهو ما يجرنا إلى مناقشة كل لحظة تماس في علاقة الشعب الإسرائيلي بمصر، منذ نزول ~~إبراهيم إليها ومن بعده يوسف والأسباط، حتى ميلاد موسى وخروجهم منها، حسبما وردنا من ~~روايات التوراة، أما الأهم فهو أين كان العرب من كل تلك الأحداث؟ # أما «موسى» فهو المبحث الأول والغرض النهائي، ويشكل البحث وراءه الجزء الثالث والجزء ~~الرابع في هذا العمل، لكن ما يجب هنا التأكيد عليه وإعلانه واضحا، أنه رغم وجود بعض ~~أوجه الشبه في تفاصيل قصة موسى بين التوراة والقرآن، فإن أوجه الخلاف بدورها كبيرة، ~~سواء في الرؤية العامة لمفهوم الألوهية أو النبوة، مع خلافات أساسية حول بعض التفاصيل ~~والدقائق، وهو ما يجعل من موسى التوراتي شخصا آخر، يختلف اختلافا بينا وحادا عن ~~موسى القرآني، ومن هنا نقول بل ونعلن أن بحثنا هذا، يتناول شخص النبي موسى كما ورد ~~بالتوراة وبقية العهد القديم فقط، «ولا علاقة لبحثنا بشخص النبي الجليل موسى الكليم ~~عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام»، لا من بعيد ولا من قريب، وإذا وجد القارئ متناثرات ~~نادرة عن النبي موسى كما هو في الإسلام، فإن ذلك قد جاء على سبيل الاستضاءة ليس إلا، ~~ولا يعني أننا نتحدث عن موسى كما هو في الإسلام. # | توطئة # لعل هذا التنويه جدير بذكاء قارئنا، الذي لا ريب يعلم ما تعرضنا له مؤخرا، من إرهاب ~~فكري ومصادرة لكتابنا رب الزمان، والذي صحبته رحلة قاسية بين أروقة المباحث المصرية ~~ونيابة أمن الدولة، والقضاء ورهاب قفص الاتهام، واحتمالات الاعتقال أو القتل. ورغم أن ~~العقبى كانت لنا بعد معركة فكرية، أصررنا فيها على عدم التراجع عن كلمة قلناها، لا ~~بالتصريح ولا بالتلميح ولا بالتأويل، فإن المناخ السائد في مصر الآن، الذي يشبه من ~~جوانب كثيرة «طالبان الأفغانية»، يفرض علينا ms016 ذلك التنويه وهذا التنبيه الواضح الفصيح، ~~أكرر لا علاقة البتة بين دراستنا هنا حول موسى التوراتي، وبين النبي موسى كما جاء في ~~الإسلام، بل قصدنا بالعمد قصدا قصر الدراسة على موسى التوراتي، بفرض أنه كان شخصا ~~حقيقيا تاريخيا وليس مجرد أسطورة، «لنرى إلى أين يمكن أن يصل بنا البحث، حسب معطيات ~~التوراة وعلوم التاريخ». # ومن الجدير بالذكر أنه أثناء بحثنا في النبي موسى، قد اكتشفنا الإجابة على بعض ~~التساؤلات، التي سبق وطرحناها في كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»، وكنا قد ~~طرحنا بعض الحلول العجلى في كتاب النبي إبراهيم، ثبت لنا الآن أنا كنا فيها مخطئين، وهو ~~كتاب مضى عليه أكثر من ثلاثين عاما، وصل بعدها الكاتب إلى النضوج الراشد، خاصة ما ~~تعلق منها بكتاب «إبراهيم» بتفسير التواجد الثقافي المصري القديم في جزيرة العرب، وهو ~~ما ألجأنا في كتاب النبي إبراهيم، إلى افتراض هجرة مصرية إلى جزيرة العرب، تركت هذه ~~المؤثرات، لكنا الآن نذهب مذهبا آخر في تفسير ذلك، ستفصح عنه صفحات هذا ~~الكتاب. # وقد عمدنا إلى تقسيم هذا العمل في طبعته الأولى إلى أربع وحدات، ثم إدماج الجزء ~~الرابع في الجزء الأول في هذه الطبعة، التي بين يديك ليصبح ثلاث وحدات (أجزاء) هي ~~كالتالي: ~~(1) # تمهيد تاريخي مع إعادة ترتيب جغرافية الخروج. ~~(2) # إعادة ترتيب أحداث التاريخ. ~~(3) # آخر أيام تل العمارنة. # وفي الوحدة الأولى المقسمة إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، حاولنا الإجابة على ~~استفسارات مفترضة، حول عدة موضوعات بحاجة إلى إيضاح أولي، مثل طبيعة الإله ~~التوراتي، ومدى اتفاقه أو اختلافه عن مفهوم الألوهية عند الشعوب الأخرى في زمانه، وكان ~~طبيعيا أن نعرج على الوعاء القدسي للمفاهيم التوراتية: الكتاب المقدس، وبالتحديد ~~العهد القديم منه، فعرضنا أقسام العهد القديم كما هي بكتابها، ومصادر ذلك الكتاب حسبما ~~انتهت إليه المدارس البحثية، ولم يفتنا أن نحاول تتبع الطرق التي استخدمت في تدوين تلك ~~الوثيقة الشديدة الأهمية، وبأي لغة كتبت، مع البحث عن مساحات الصدق التاريخي في العهد ~~القديم، وما رواه من أحداث، بالمطابقة مع الكشوف التاريخية ms017 والأركيولوجية. # ثم كان لا بد من تعريف واضح للقبيلة صاحبة التوراة، والمعرفة بالقبيلة الإسرائيلية، ~~مع إطلالة سريعة على الفترة التي تواجد الإسرائيليون فيها بمصر وخروجهم منها، بحسبانها ~~النقطة المفصلية في تاريخ القبيلة الإسرائيلية. # وعند هذه النقطة المركزية وقفنا هنيهة، نستمع لأهم النظريات المطروحة في مسألة دخول ~~بني إسرائيل مصر، ثم خروجهم منها، وموعده الزمني وخطوات رحلة الخروج عبر مواضع جغرافية ~~ذكرتها التوراة، لم تعد اليوم مواضع دقيقة لتغير أسماء المواضع الجغرافية عبر الزمن، ~~بل وتغير الجغرافيا نفسها بتحولات فروع نهر النيل، خلال هذا الزمن الطويل؛ مما أدى ~~إلى خلف كبير بين الباحثين، حول خط سير الخروج، وهو الأمر الذي استدعانا لطرح رؤية ~~جديدة تدقيقية، حول مواضع خط سير الخروج الإسرائيلي من مصر، وبتحديد مواضع إقامة ~~الإسرائيليين في مصر، ومواضع خط الخروج نختتم الوحدة الأولى من هذا العمل ... # أما الوحدة الثانية، والتي نزعم أنها العمود الفقري للعمل جميعه، فهي ما اعتدنا عمله ~~في أعمالنا السابقة تحت عنوان «تأسيس» بديلا عن المقدمة، «لكن التأسيس هنا يعادل في ~~حجمه وفي كيفه بقية الكتاب جميعا». حيث نظننا قد تمكنا في هذا التأسيس من اكتشاف طرف ~~الخيط في شرنقة معقدة، من الألغاز التاريخية غير المحلولة، أو التي سبق حل بعضها ~~بحلول متعجلة ومتسرعة، أدت إلى تراكمات من الأخطاء، تحولت بمرور الوقت إلى لون من ~~الحقائق الثابتة، خاصة عند المؤرخين التقليديين، وعندما نشرنا الفصول الأربعة الأولى ~~من الباب الأول في هذا التأسيس، ثارت زوبعة حادة، تزعم الطرف المقابل أو المعارض ~~فيها أحد أساتذة التاريخ بجامعة الإسكندرية، دون أن ينتظر قراءة بقية العمل ~~كاملا. # على أية حال نحن لا نزعم إلا المحاولة، ولا يذهب بنا الظن حد تصور، أننا قد وضعنا ~~النظرية النهائية التامة الصدق، فلا شك بقدر ما سيجد قارئنا من جهد بين تلال وطرق ~~كالمتاهات، من المادة العلمية الهائلة في كمها وفي كيفها وفي تناقضاتها، بقدر ما سيجد ~~من أخطاء ارتكبناها، لكن كل ما نرجوه أن تكون أقل وزنا من المحاولات الناجحة. # وقد عمدنا في ms018 هذا التأسيس إلى أسلوب جديد إلى حد ما، قياسا على أعمالنا السابقة، ~~بحيث تركنا مساحة أوسع للقارئ ليشاركنا التقاط مكامن الأخطاء بين شراك معقدة ، ~~وليشاركنا أيضا متعة البحث والاستقصاء، ومتعة الفرح بالكشف العلمي، إذا جاز لنا وصف ما ~~وصلنا إليه بالكشف. # وعلى هذا الذي أسميته كشفا، أعدت قراءة علاقة القبيلة الإسرائيلية بمصر، على كافة ~~الأصعدة والمستويات الممكنة، ثم علاقتها ببقية شعوب المنطقة، مع إعادة قراءة قصتي دخول ~~بني إسرائيل مصر وخروجهم منها، لتفضي بنا تلك القراءة إلى نتائج هي بقدر جدتها بقدر ~~خطورتها، وقد ضفرنا تلك القراءة مع ما وصلنا إليه في التأسيس، وذلك في الوحدة الثالثة ~~«النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة»، التي ركزت همها البحثي في اكتشاف الحقائق الغائبة ~~وراء النصوص المعلنة في علاقة الفرعون إخناتون بشخصيتين أخريين هما: موسى نبي ~~اليهودية، وأوديب الملك اليوناني صاحب الملحمة المشهورة في المسرح اليوناني. # ولأننا تعرضنا بطول الوحدات الثلاث إلى تفاصيل صغيرة، حاولنا معها ضبط بعض التفاصيل ~~الدقيقة، كالكشف عن اسم فرعون يوسف وزمنه، واسم فرعون موسى وزمنه، فكان لا بد من ~~استكمال سلسلة الحلول الصغيرة، لنستكمل تضفير المشهد الأكبر للوحة الأساسية لكتابنا، ~~ونقصد النظرية التي وضعناها في التأسيس لقراءة الموسوية والإخناتونية، على أرض تاريخية ~~أقرب إلى الصحة والسلامة. # ولأن الكتاب بين يديك، وفيه تفاصيل بها كفاية وغنى عن أي مقدمات تفصيلية، فسنكتفي ~~هنا بمحاولة التوطئة تلك، لنترك القارئ أمام العمل مباشرة، لكنا نستميح قارئنا عفوا ~~ونحن نكرر: «نرجو أن نكون قد ارتكبنا أقل قدر ممكن من الأخطاء، وأكبر قدر ممكن من ~~الكشوف الصادقة، وهي الكشوف التي أزعم أني - أبدا - لم أكن مسبوقا إليها.» # | تمهيد تاريخي مع إعادة ترتيب جغرافية الخروج # الباب الأول # | شعب التوراة # الفصل الأول # | التوراة وربها وشعبها # قيضت مجموعة من ظروف تاريخ الاجتماع الديني، ذكرا عظيما واستمرارا مدهشا - ~~عبر المأثور الديني - لواحدة من القبائل الهامشية القديمة هي القبيلة الإسرائيلية، ~~التي جاءت إلى منطقتنا من مكان بعيد، لم يزل تحديده بشكل دقيق مثار خلاف بين ~~الباحثين والمؤرخين، رغم أن ms019 تلك القبيلة في حقيقة أمرها لم تكن بهذا الذكر العظيم ~~في مراجع التاريخ كعلم. # وقد دانت هذه القبيلة بدين يعرف باسم الديانة اليهودية، التي تنسب إما للسبط ~~يهوذا أحد الأسباط الاثني عشر، أبناء يعقوب في أساطير الآباء البطاركة الأولين، وهو ~~الرأي المرجح، وإما لرب اليهودية المعروف في التوراة باسم يهوه أو جاهوفاه أو ياه ~~أو ياي أو إهيه أو يهيه، على مختلف التنغيمات الواردة بالكتاب المقدس، وهو الذي - ~~حسبما تقول التوراة - قد ظهر لموسى في تجل سحري على هيئة لهيب مضيء، ينبعث من ~~شجيرة نباتية (عليقة) لا تحترق باللهيب. # ورغم ارتفاع شأن الإله يهوه في أفق الديانة اليهودية في طورها المتأخر، فإنه لم ~~يكن كذلك في البدء أبدا؛ لأن عقائد القبيلة أو القبائل المنعوتة باسم إسرائيل، ~~حسبما وصلتنا في كتابها المقدس (العهد القديم)، تتضمن رواسب لأشكال بدائية من ~~عبادات الحيوانات كالسوائم النافعة مثل الثور والخروف، أو الضارية الصحراوية كالذئب ~~والضبع، إلى عبادة قوى الطبيعة كالشمس والقمر والمطر والأنهار والبراكين، إضافة إلى ~~عبادة الأسلاف الغوابر. # كذلك عبد هؤلاء أرباب المنطقة وخاصة آلهة الخصب الكنعانية «البعول» (جمع بعل أي ~~سيد أو رب)، وقد تميز من بين تلك البعول البعل الرافدي «تموز»، والبعل الكنعاني ~~«بعل مولك» (أي السيد الملك)، والبعل الفينيقي «أدونيس» واسمه بحذف التصريف الاسمي ~~في آخر الكلمة «يس» هو «أدون»، هو اسم يعني السيد أو الرب أيضا. # وأيضا عبدوا كبير الأرباب السامية وشيخها ورئيس مجمعها «إيل» الذي تنتسب إليه ~~أسماء شهيرة بالكتاب المقدس مثل «عزرا -إيل، وميكا-إيل، وجبرا-إيل، وإسماع-إيل ... ~~إلخ»، وهو الذي اشتق منه اسم الجلالة «إيلاه» أو «الإله»، الذي أصبح في العربية ~~«الله». # كما عبدوا ربات الخصب والزرع والخضرة مثل «عشتروت» الرافدية، و«عشيرة» الفينيقية، ~~و«عناة» الكنعانية، وكلهن زوجات لأرباب الخصب البعول، وكان الثور عادة هو الرمز ~~الأعظم تجليا، والمشترك الواضح بين تلك البعول؛ لما يتميز به من فحولة جنسية ~~تقارن بخصب الطبيعة وعطائها. # كذلك عبدوا عبادات مصرية واضحة، مثل «اليواريس» الحية المصرية حامية الملكية ~~والتاج، ومراكب الشمس التي تحمل رب ms020 الشمس «رع» في جولته السماوية من الشرق إلى ~~الغرب. # ونماذج لهذه العبادات نقرأ بالعهد القديم «فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب ~~التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وائتوني بها ... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره ~~بالإزميل وصنعه عجلا مسبوكا، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض ~~مصر» (خروج، 32: 2-5). # وفي سفر العدد (25: 1-3) نجدهم يعبدون بعل فغور في بلاد مديان، وفي سفر القضاة ~~(2: 11-17) يعبدون مع البعل، الأنثى السماوية المخصبة عشتروت ربة الجنس والخصب، وقد ~~عبد أعظم ملوكهم طرا «شلما» المعروف عربيا باسم «سليمان» عددا من الآلهة «فذهب ~~سليمان وراء عشتروت إلهة الصيدونيين وملكولم رجس العمونيين ... وبنى سليمان مرتفعة ~~لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون» (ملوك أول، ~~11: 1-8). # وبعد موت سليمان سار الملك يربعام على ذات الدرب: «وعمل عجلي ذهب وقال لهم: هو ذا ~~آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر» (ملوك أول، 12: 28)، ويحيطنا سفر ملوك ~~ثاني (18: 4) أن الحية نحشتان (أي الحنش) ظلت تعبد منذ صنعها لهم موسى في سيناء، ~~وحتى زمن الملك يوشيا، وذات السفر يؤكد أنهم قد عبدوا رع رب الشمس المصري؛ لأنهم ~~كانوا يسجدون لمركبه السماوي (عبادة مراكب الشمس). # ويحدثنا سفر «ملوك ثاني» عن الملك حزقيا بن أحاز، الذي كان متعصبا لعبادة يهوه، ~~وكيف أنه «هو أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي ~~عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها (أي يقربون لها ~~القرابين [المؤلف])» (ملوك ثاني، 18: 4). # وقد عبد البطاركة الأوائل من إبراهيم إلى إسحاق إلى يعقوب حتى زمن موسى، الإله ~~السامي المعروف بكبير الآلهة «إيل»، لكن إلى جواره كانت عبادة الأصنام شيئا ~~اعتياديا معلوما بالتوراة، فهذه راحيل زوجة يعقوب تسرق أصنام أبيها المنزلية ~~اعتزازا بها، عندما غادرت موطنها حاران إلى فلسطين بصحبة زوجها يعقوب (تكوين، 31: ~~34)، وقد بقيت هذه الآلهة مع غيرها في بيت يعقوب على ما يفهم من الإصحاح (35: 1-2) ~~من سفر التكوين، كذلك نجد ذات الأصنام المنزلية موجودة بشكل اعتيادي ms021 في بيت الملك ~~«داود بن يس»، بعد قرون طويلة باسم «الترافيم»، وهو ما يوضحه لنا سفر صموئيل أول ~~(19: 12-13)، بل يبدو أن الرب يهوه نفسه وهو في عزه، عند مطلع القرن السادس قبل ~~الميلاد، لم يكن متفردا، فهناك جالية يهودية عاشت في ألفنتين عند أسوان بمصر، ~~وحافظت على مأثور «اختفى في التوراة ولم يذكر، فكانت تعبد إلى جوار يهوه زوجته ~~عناة يهوه»، ومعلوم أن اسم عناة كان لربة الخصب الكنعانية، وهو اسم زوجات البعول ~~بشكل اعتيادي. # 1 # والإله يهوه نفسه في التوراة وبلسانه هو لم يدع لحظة، أنه رب البشر أجمعين ~~بمفرده، بل كان نقيض ذلك تماما، فهو يعترف ببساطة بوجود آلهة أخرى أبدى غيرته ~~منها، ووجد أن من حقه على الشعب الذي اختاره أن يميزه عن هذه الآلهة ويعبده دونها؛ ~~لذلك كانت الوصية الأولى بين الوصايا العشر «لا يكن لك آلهة أخرى أمامي» (خروج، ~~20: 3) لذلك - ومثل جميع القبائل - عظمت القبيلة الإسرائيلية ربها يهوه، وعبرت ~~التوراة عن انزعاجها من عبادة الإسرائيليين لآلهة أخرى لقبائل أخرى، فالمزمور ~~(86: 8) ينادي مؤكدا: «لا مثل لك بين الآلهة يا رب.» ويقول المزمور (135: 5): ~~«عرفت أن الرب عظيم، وربنا فوق جميع الآلهة.» أما أمر يهوه لموسى وأتباعه فكان: «لا ~~تسجد لإله آخر؛ لأن الرب اسمه غيور، إله غيور هو» (خروج، 34: 14). # وكان الشرك بمعنى عبادة آلهة عديدة واضحا في أفق تلك العقيدة منذ بدئها حتى ~~نهاية تدوين الكتاب المقدس اليهودي، ففي أسفاره الأولى المبكرة نجده يقول صراحة: ~~«آباؤكم ... عبدوا آلهة أخرى» (يشوع، 24: 2)، والآباء هم البطاركة من إبراهيم حتى ~~موسى. # ولم يقتصر ذلك على زمن إيل والبطاركة الأوائل، بل يبدو أنه كان سمة زمن يهوه منذ ~~موسى، فترنيمة الخروج تتساءل: «من مثلك بين الآلهة يا رب؟» (خروج، 15: 11)، و«الآن ~~علمت أن يهوه أعظم من جميع الآلهة» (خروج، 18: 11)، وحتى الأزمنة المتأخرة المفترض ~~أن يهوه قد تفرد فيها بالعبادة وحده، نسمع النبي إرميا ينادي شعبه صارخا فيه ~~منددا: «بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا» (إرميا، 11: 13). # وخلال ذلك السير التطوري الطويل كان كهنة ms022 يهوه وأنبياؤه، يكافحون طوال الوقت ~~العبادات الغريبة الأخرى، وحاولوا - خاصة في الأسفار الأخيرة - تمييز يهوه بحسبانه ~~ربا عالميا، ومع التطور أمكن لهم إدماج جميع الرموز المعبودة في التاريخ ~~اليهودي في رب واحد هو يهوه، الذي صار ربا واحدا لكن تتجلى فيه قدرات آلهة ~~أخرى قديمة، فهو رب البرق والرعد والأعاصير مثل «بعل» الكنعاني، وهو الذي ينزل ~~السخط والعذاب والجوع والجفاف مثل «سيت» المصري، وهو رب الرحمة رغم ذلك مثل ~~«أوزيريس» المصري، وهو أيضا رب البراكين والزلازل المدمرة مثل «تيفون» رب الشر ~~والوباء اليوناني، وهو الذي قتل الحية الشريرة المعروفة في مصر باسم «أبو فيس» عدو ~~رع إله الشمس، والمعروفة في بلاد الشام باسم «لوياثان الحية المتعددة الرءوس»، ~~ومثلما كان رع رب الدولة المصري وأتباعه، ينتصرون على أبو فيس الشرير الظلامي كل ~~يوم، لتعود الشمس ساطعة في اليوم التالي، وكما كان البعل الكنعاني ينتصر على ~~لوياثان، فإن ذات المهمة قد نسبت إلى يهوه، فنجد وصفا مرعبا للوياثان في الكتاب ~~اليهودي المقدس يقول: «من يفتح مصراعي فمه، دائرة أسنانه مرعبة، عطاسه يبعث نورا ~~وعيناه كهدب الصبح، من فيه تخرج مصابيح، شرار نار يتطاير منه، من منخريه يخرج دخان، ~~كأنه من قدر منفوخ أو من مرجل، نفسه يشعل حجرا ...» (أيوب، 41: 14-20)، وهذا ~~التنين الثعباني قد قتله يهوه في النص «أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رءوس التنانين ~~على المياه، أنت رضضت رءوس لوياثان» (المزمور، 74). # وهو الأمر الذي سجلته لنا ألواح أوغاريت المكتشفة على الساحل السوري (رأس شمرا ~~الآن) قبل التوراة بأزمان، فنقرأ في ملحمة البعل: «في ذلك الوقت ستقتل لوياثان ~~الحية الهاربة، وتضع نهاية للحية الملتوية شالياط ذات الرءوس السبع.» # 2 # وقد كررت هذا النص التوراة في قولها نصيا: «في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه ~~القاسي العظيم الشديد لوياثان الحية المتحوية» (إشعيا، 27: 1). # وأدمجت جميع الآلهة ووظائفها في شخص يهوه، بعضها كان يمثل الخير، وبعضها الآخر ~~يمثل الشر، وتم دمجها في يهوه فحاز الدورين معا، فهو رب الخير والخصب، وهو رب الشر ~~والجفاف، «أنت فجرت ms023 عينا وسيلا، أنت أيبست أنهارا دائمة الجريان، لك النهار ولك ~~الليل أيضا» (المزمور، 74: 15). # لذلك - وبالضرورة - احتسب أن الخير والشر ينبعان كلاهما من يهوه الواحد بذات ~~الدرجة دون تناقض، لكن ذلك أدى إلى مشكلة مستعصية، ظلت بعد ذلك أرقا دائما ~~للأنبياء والكهنة. # وتتمثل المشكلة في أن الديانة اليهودية على غير المعتاد في جميع الديانات، اختار ~~فيها الرب شعبه إسرائيل من دون الناس ليتأله عليه، وبالمقابل ينقذهم من ظلم ~~المصريين، بينما المعتاد أن تختار الشعوب آلهتها، أي أنه خص تلك القبيلة دون ~~العالمين بذاته وعبادته وفضلها على العالمين، ومع ذلك فإن هذا الرب الذي جمع صفات ~~آلهة الخير مع آلهة الشر، لم يكن ينزل الشر فقط بالآخرين الأغيار غير اليهود، بل ~~باليهود أنفسهم بشكل يكاد يكون أكثر من الآخرين. لقد كانت مهمته بعد دمج الآلهة في ~~شخصه إنزال الشرور بالأعداء، فما باله ينزل نقمته على شعبه الذي اختاره واصطفاه ~~وفضله على العالمين؟ وتفاقمت المشكلة بعد انقسام مملكة سليمان، وظهور قوى جبارة ~~أخرى في الشرق كالآشوريين والبابليين إضافة إلى المصريين، وهم من جعلوا المملكتين ~~الإسرائيليتين كرة يتقاذفونها فيما بينهم، إضافة إلى سنوات القحط والمجاعة ~~المتواترة، ناهيك عن أولئك اليهود الذين أخذوا بالإثراء على حساب إخوانهم الآخرين ~~بجشع لا يرحم، وهنا ظهرت المفارقة ما بين الإيمان بإله حليف للشعب، ظهر أصلا ~~لإنقاذ هذا الشعب وحمايته، وبين ما بات يعانيه هذا الشعب من آلام وخطوب، لا شك أن ~~الذي ينزلها يهوه نفسه بعد عمليات الإدماج الألوهي، فكيف يجوز احتساب هؤلاء شعبا ~~مختارا؟ أم كان مختارا للعذاب؟ # لقد كان ضروريا من أجل توحيد صفات يهوه الجمع بين السمتين القومية والشمولية، ~~ليصبح يهوه كلي الجبروت، وتمتد سلطته لتشمل الشعوب جميعا، لكن إسرائيل يظل شعبه ~~المختار والمحبوب، وهو ما لا يمكنه تفسير ما لحق به من هزائم أمام الوثنيين الذين ~~لا يؤمنون بيهوه؟ # إن هذا التناقض كان قد ساقه من قبل الفيلسوف اليوناني أبيقور 341-218ق.م. حين ~~تساءل: إذا كان الإله كلي الجبروت وكلي الخير، فلماذا يوجد الشر في ms024 العالم؟ إما ~~أن الإله يريد القضاء على الشر ولكنه لا يستطيع، وفي هذه الحالة يكون عاجزا ولا ~~يستحق صفته الكلية، وإما أنه يستطيع ولا يريد وفي هذه الحال يكون شريرا وشيطانا، ~~يتلذذ بتعذيب عباده، وإما أنه لا يستطيع ولا يريد، وهذا أمر لا يتناسب مع إله، ~~وإما أنه يريد ويستطيع ويبقى السؤال: فمن أين الشر إذن؟ # 3 # أما المشكلة الثانية التي اعترضت طريق اليهودية، وترتبط بالمشكلة الأولى تماما، ~~فهي غياب فكرة البعث والحساب، ثم المصير الأبدي إلى ثواب أو عقاب دائمين، عن أفق ~~التفكير الإسرائيلي، مثلهم في ذلك مثل بقية محيطهم من الشعوب السامية، يعتقدون أن ~~المصير بعد الموت هو الهبوط إلى مملكة تقع تحت الأرض، هي مملكة شيول المظلمة دوما ~~المخيفة، حيث يعيش الموتى على شكل هوام شبحية، وضعها أسوأ من الحياة ومن العدم، ~~الكل فيها سواء، الصالح مثل الطالح. # وبينما عالجت جارتهم الكبرى مصر هذه المشكلة مبكرا، فقررت وجود عالم آخر بعد ~~بعث جسدي، فيه ثواب وعقاب عن العمل في الحياة الدنيا، حتى يمكن الاعتراف بعدل ~~الإله، ويأخذ الشرير عقابه وينال الخير ثوابه، فإن الديانة الإسرائيلية ظلت منذ ~~فجرها وحتى القرن الثاني قبل الميلاد تعتقد أن الثواب والعقاب دنيويان، فالصالح من ~~عباد يهوه ينال حياة أطول وخيرا ماديا (وهو بالطبع الكلام المنطقي)، بعكس ~~الشرير المنحرف دينيا، فهو يموت مبكرا بقرار إلهي، ولا ينال خيرا في دنياه، ~~يهوه بالأمراض والسقم والفقر والخيبة، ثم يموت حزينا كميدا. اليهودية كانت تثق في ~~يهوه، وترفض وهم العزاء الأخروي زمنا طويلا، لكن يهوه أبدا لم يأبه لهم، ~~فالوثنيون أعزاء كرام بين العالمين، والإسرائيليون يكابدون، وبين اليهود أنفسهم ~~يعيش الشرير وأصحاب المال عيشة رغدا، ويتمتع بالصحة والعافية، بينما يموت المؤمن ~~بيهوه المخلص له فقيرا مريضا، بعد أن ذهبت تضرعاته هباء، وهو الأمر الذي أدى إلى ~~نزعات شك وإلحاد، بدأت تنتشر بين هؤلاء، نجدها واضحة جلية في أسفار، مثل سفر ~~الجامعة وسفر أيوب بالكتاب المقدس ذاته. # ونتيجة انتشار الموجة الإلحادية، قام الأنبياء يحاولون تبرير يهوه ms025 وتبرئته، ~~بإلقاء اللوم في كل محنة على الشعب الإسرائيلي، لأن بعضه ولو كان أفرادا قلائل، ~~لم يستقيموا في عبادة الرب، وخانوه مع آلهة أخرى أو شعوب أخرى، وتتالت الخطوب ~~تأخذ بعضها برقاب بعض، حتى العصر الهللينستي الذي أطلق عليه عصر الآلام، عشية مجيء ~~القرن الأول الميلادي بقرنين، فقامت اليهودية تأخذ بالعقيدة الأخروية المصرية ~~كأبرز تبرير للإله، حيث سيمكن تحقيق العدل وتعديل الموازين لكن فيما بعد، عندما ~~يأتي «يوم يهوه»، وينال المخلصون ثوابا أبديا، ويذهب الآخرون إلى العار الأبدي، ~~وبذلك يتحقق ليهوه ما كان ناقصا، وهو العدل الذي لم يحدث في دنيانا الفانية ولا ~~مرة واحدة. # هنا يجب ألا نغفل أن هذا التطور الجديد وإن حدث في فلسطين، فإن فلسطين إبان ذلك ~~كانت تموج بالأفكار المصرية، كما كانت تموج بها مختلف بقاع المتوسط الشرقي، ومن ~~هناك، وعبر الديانة اليهودية قدر للعقيدة الأخروية لتبرير الإله، أن تجد طريقها إلى ~~المأثور السامي، فتصبح من بعد ركنا ركينا في ديانات شرقي المتوسط الكبرى، حتى ~~إنها أدت إلى تطور الديانة اليهودية، إلى ما يعرف بالديانة المسيحية، وأصبح الموتى ~~من المؤمنين بألوهية يسوع، يقومون من الموت للجنة، بعد أن كانوا قبله يذهبون إلى ~~الهاوية، ثم جاءت عقيدة مصر الأخروية به بعد ذلك، كأحد الأسس الإيمانية في قانون ~~الإيمان الإسلامي: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه «واليوم الآخر» والقدر خيره ~~وشره. # لكن هذا المأثور المصري القديم جدا، لم تتقبله اليهودية إلا متأخرا جدا، وهي ~~تلفظ آخر بقاياها مع آخر أنبيائها، لينتظر اليهود بعد ذلك وحتى اليوم (يوم يهوه)، ~~الذي يسودون فيه الدنيا، وبينما تدفع العقيدة المصرية الأخروية بالدماء إلى شرايين ~~اليهودية، يبدأ الصراع بين القديم التقليدي الرافض للبدعة المصرية، وبين الجديد ~~الذي وجدها ضرورة استمرار حتمية، لينتصر الجديد، فيأخذ العقيدة برمتها مع ربها ~~«أوزيريس»، الإله الطيب رب النور والخصب والخير، الذي يموت شهيدا من أجل رعاياه، ~~ويقوم في اليوم الثالث لموته في قيامة مجيدة، ليمنح من يؤمن بموته وقيامته حياة ~~خالدة في عالمه الآتي، وتنادي الأناجيل هاوية ms026 عالم الموتى التحت أرضي تقول: أين ~~شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاويه؟ الموتى الآن يقومون، يصعدون ولا ينزلون، ويستبدل ~~أوزيريس بيسوع الإسرائيلي، وتظهر في أفق الدنيا ديانة جديدة، هي اليسوعية أو ~~المسيحية أو النصرانية نسبة إلى مدينة «ناصرة» في الجليل - شمال فلسطين - حيث كانت ~~تقيم العذراء «مريم»، حيث حملت بالمسيح، ثم وضعت حملها في «بيت لحم» باليهودية ~~جنوبا. تنتصر الدماء الجديدة التي ضخت في شرايين اليهودية على القديم، ويتجدد ~~القديم بجديد كان قديما مصريا، ويقوى أمرها ويستتب، عندما تعتنق الإمبراطورية ~~الرومانية المسيحية دينا رسميا سنة 391م، تفرضه على رعاياها فرضا. # لكن كي تتم تبرئة الإله نهائيا مما يحدث لعبيده الخلص من نوازل، كان لا بد من ~~العثور على مصدر للشر، وهنا تعود الإنسانية إلى فجر قديم، عندما كانت العقائد ~~القديمة تقول بإلهين أحدهما للخير والآخر للشر، أوزيريس وسيت في مصر، وبعل وموت في ~~كنعان، وأهورمزدا وإهريمان في إيران، وإنليل وتهامة في العراق، وبعل وموت في الشام، ~~ووقع اختيار التيار الإسرائيلي الجديد (المسيحية) على شخصية عابرة وردت بالتوراة ~~باعتبارها من بني الله ليكون سببا للشرور، وبنو الله في التوراة عنصر هجين ناتج ~~عن زواج الله ببنات الناس، وذلك الابن هو الذي يحمل اسما عبريا ترجمته: الغريم ~~أو الواشي، واسمه «شاطان» ونكتبها في العربية «شيطان». # وكان يتوجب على شاطان أحيانا (في الأسفار المتأخرة من العهد القديم)، أن يقوم ~~بتجريب الناس في إيمانهم بتكليف من يهوه، فيضرب المخلصين مثل أيوب العبد الصالح ~~بالمرض والفقر بعد صحة وغنى، اختبارا لإيمانه، والواضح أنها كانت إحدى محاولات ~~تبرير وتبرئة الإله، باعتبار ما يحدث من نوازل هو ابتلاء من الله واختبار ~~لأحبائه. # وكان أول ظهور لهذا الابن المتميز «شاطان» في سفر أيوب، وأيوب هو أبرز المحبين ~~لله وأبرز المصابين في الله، وجاء التبرير في هذا السفر في حكاية هي الأولى من ~~نوعها حينذاك، وتقول الحكاية: «وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب، ~~وجاء الشيطان أيضا في وسطهم [في الأصل العبري المازوري شاطان]، فقال ms027 الرب للشيطان: ~~من أين جئت؟ فأجاب الشيطان الرب وقال: من الجولان في الأرض والتمشي فيها، فقال ~~الرب للشيطان: هل جعلت قلبك على عبدي أيوب لأنه ليس في الأرض مثله رجل كامل ومستقيم ~~يتقي الله ويحيد عن الشر، فأجاب الشيطان الرب وقال: هل مجانا يتقي أيوب الله؟ أليس ~~أنك سيجت حوله وحول بيته، وحول كل ماله من كل ناحية، وباركت أعمال يديه فانتشرت ~~مواشيه في الأرض، ولكن ابسط يدك الآن ومس كل ماله، فإنه في وجهك يجدف عليك، فقال ~~الرب للشيطان: هو ذا كل ماله في يدك ... ثم خرج الشيطان من أمام وجه الرب» (أيوب، 1: ~~6-12)، وذهب شاطان وضرب أيوب بالمرض والفقر. # وهكذا وجد الاتجاه الجديد بغيته في التراث الإسرائيلي نموذجا للإله الشرير ~~القديم، ومن ثم أصبحت كل الشرور في المسيحية الناهضة تنسب إلى واحد من أبناء ~~يهوه هو الشيطان الواشي أو الغريم، وفي الإسلام وجد له مكانا وركنا ركينا، ~~«وتحولت الواشي إلى الوسواس الذي يوشوش أو يوسوس للناس» ويشككهم فيما يعتقدون، ~~أما المسيحية فقد وجدت خلاصها وخلاص البشر في تنزيه الله عن الشر؛ لأنه فقط رب ~~محبة، أما الشر فهو من شاطان أو الشيطان الملعون إبليس، الذي جاء حسب التوراة «من ~~الجولان والتمشي في الأرض»، وهو الكلام الذي لا معنى له، وستكشف عن معناه صفحات ~~هذا الكتاب، عندما نعلم من هو الرب المشاء الجواب، الذي كان ربا لمشائين جوابين ~~وكان ربا للشر. # وقبل أن نصل إلى هذه المرحلة نجد العهد القديم، عبر المحررين الذين دونوه، وهم ~~غالبا من الكهنة والأنبياء المتعددين، يحاولون دوما تجريم الابتعاد عن طريق يهوه، ~~ويعدون ذلك انحرافا عن صحيح العقيدة وخيانة للرب تستحق عقابه الشديد، لكن يهوه ~~أبدا لم يحتج يوما على رب البطاركة الأوائل، رب سفر التكوين المعروف باسم إيل، بل ~~حاول التخفي وراءه، والإيعاز أنه كان هو ذات إيل ونفسه. # لقد كان إيل هو رب زمن البطاركة الأوائل من إبراهيم حتى موسى، لكن موسى الذي عاش ~~مع الإسرائيليين في مصر، وتكررت زيارته إلى سيناء، ms028 خرج على شعبه بإله جديد هو ~~يهوه، زعم أنه قد التقاه في سيناء، في هيئة شجرة ضوئية، لكن يهوه رغم حربه الضروس ~~ضد الآلهة الأخرى، لم يكن بإمكانه أن يتنكر لرب البطاركة، ومن ثم كانت كذبته على ~~موسى: # هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله ~~يعقوب، أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى الأبد. (خروج، 3: 15) # أنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق بأني الإله القادر على كل شيء، «وأما باسمي ~~يهوه فلم أعرف عندهم». (خروج، 6: 2-3) # والصفة «الإله القادر على كل شيء» و«الله العلي مالك السماوات والأرض»، كانت ~~صفات معلومة للرب السامي الكنعاني «إيل»، وكان ملك أورشليم الكنعاني «ملكي صادق» ~~أو الملك صادق، كاهنا لهذا الإله، وسبق له أن بارك إبراهيم الوافد الغريب ضيفا ~~على بلاد كنعان، وقد باركه باعتباره أن ملكي صادق ممثل لإيل ونائب عنه وكاهن له، ~~وقال له: «مبارك إيرام من الله العلي مالك السماوات والأرض» (تكوين، 14: ~~19). # وهنا يصح التساؤل من الباحثين المدققين، إذا كان حقا يهوه إلها معروفا في ~~فلسطين قبل الخروج من مصر، وإذا كان هو ذات عين إيل، فلماذا سميت المدينة المقدسة ~~«بيت إيل» ولم تسم «بيت يهوه»؟ ثم لماذا يتخذ سفر التكوين من إيل إليها، بينما ~~تتحدث بقية الأسفار عن يهوه دون أي اعتبار أو وزن للإله إيل، الذي ملأ سفر التكوين ~~بحضوره الكثيف؟ هذا مع ملاحظة أن أول ظهور للإله يهوه كان في لقائه بموسى في سيناء ~~المصرية وليس في فلسطين، لا بد إذن أن هناك تغيرا جوهريا قد حدث، وأن سفر ~~التكوين تحديدا كان نتاجا لثقافة قديمة في فلسطين، قبل مجيء إبراهيم إليها من ~~أور الكلدانيين، وعليه تكون بقية الأسفار التالية هي نتاج ثقافة أخرى لشعب يعبد ~~يهوه ولا يعرف إيل، وأنه قد تم ضم السفر الفلسطيني القديم للتوراة صاحب «إيل»، ~~لإثبات علاقة نسب بالدم بين أتباع الإلهين، إله شعب فلسطين «إيل»، وإله شعب جديد ~~«يهوه السيناوي»، وجاء مع الخروج من مصر بدين جديد إلى فلسطين. # 4 # ويدعم أصحاب هذا الرأي ms029 مذهبهم «بانقطاع التاريخ التوراتي عند البطرك يوسف، وتوقف ~~هذا التاريخ تماما لمدة أربعة قرون قضاها هؤلاء في مصر» حسب زعم التوراة، ويطرحون ~~السؤال: لماذا سمح محررو التوراة بهذه القفزة في عرض تاريخهم؟ الإجابة لا شك هي ~~أنهم عبدوا آلهة مصرية؛ مما يشكل لهم عارا تاريخيا، وهو ما جاء في سفر يشوع ~~«انزعوا الآلهة التي عبدها آباؤكم في عبر النهر وفي مصر» (يشوع، 26)، والمعنى هو ~~أن سلالة البطاركة دخلت مصر مع ربها إيل، لكن لتعيش هناك أربعة قرون، وفجأة يخرج ~~قوم من مصر إلى فلسطين، بثقافة جديدة ورب جديد «يهوه السيناوي» مع موسى، ويزعمون ~~أنهم أخلاف أولئك البطاركة الأسلاف، لكن الواضح أن هذه كانت ثقافة وتلك كانت أخرى ~~جديدة تماما؛ «مما يشكك في هوية الجماعة الخارجة من مصر، ومدى انتسابها لهؤلاء ~~البطاركة، وهو ما يطرح السؤال حول هذه الهوية من جديد»! # ومما يؤكد هذا المذهب ووجهة النظر تلك، هو أنه بعد مجيء الخارجين من مصر إلى ~~فلسطين، أن نجد خلافا جذريا بين أبناء الشعب اليهودي، يكاد يقسمه إلى عنصرين ~~بشريين متمايزين، «قسم يحمل اسم يهوذا»، وقد قرر هؤلاء اليهوذيون استيطان جنوب ~~فلسطين على الحدود السينائية، واتخذوا من أورشليم عاصمة لهم، «والآخر يحمل اسم ~~إسرائيل» استقر في المناطق الشمالية من فلسطين، واتخذ من مدينة السامرة عاصمة ~~له. # وعندما قامت مملكة إسرائيل الموحدة زمن شاءول، ثم داود فسليمان، انقسمت فور موت ~~سليمان إلى إسرائيل شمالا ويهوذا جنوبا، ويبدأ سفر صموئيل الثاني بالتمييز بين ~~إسرائيل (وتحوي الاسم الفلسطيني الإلهي إيل في تركيبها) وبين يهوذا المنتسبة إلى ~~«يهوه»، وهو التميز الذي يستمر ويتضح، ويتأكد عبر الأسفار اللاحقة، وبعد أن كان ~~المحرر يستعمل تعبير «كل إسرائيل» للدلالة على القبائل المنتسبة للأسباط الاثني ~~عشر، بما فيها يهوذا، فإنه يبدأ في سفر صموئيل الثاني بالحديث عن إسرائيل ويهوذا، ~~حيث تبدو يهوذا الجنوبية شيئا وإسرائيل الشمالية شيئا آخر. # وتلخص موسوعة تاريخ العالم علاقة هذا الشعب بالإله يهوه، فتقول: «أصبح يهوه إلها ~~لإسرائيل عن طريق موسى، بعد التخلص من الأسر ms030 المصري، وكان يهوه في الأصل إلها ~~لجبل مقدس (سيناء أو حوريب)، ثم قاد يهوه - باعتباره إلها قوميا - الإسرائيليين ~~إلى كنعان، وبعد أن أخذ صفات البعول، واستولى على معابدها أصبح إله كنعان بجانب ~~كونه إله إسرائيل، وبإعلانه إلها دوليا للعدل مهد عاموس 750ق.م. الطريق ~~للاعتراف، بأن يهوه هو الإله الواحد في الوجود في إشعيا (40: 8) حوالي 550ق.م. ~~وبالجمع بين هذا اللاهوت النبوي وطقوس العبادة في المعابد التي اقترحها حزقيال في ~~ذلك الوقت نتج دين جديد هو اليهودية.» # وعلينا أن نلاحظ أن عائلة الملك داود التي تعود إلى سبط يهوذا، هي التي حكمت في ~~دولة يهوذا الجنوبية كأسرة واحدة وسلالة واحدة لملوك يهوذا وحدهم، بينما كانت ~~إسرائيل الشمالية قد تناوبت على عرشها تسع أسر مختلفة من القبائل الإسرائيلية في ~~الشمال خلال أكثر من مائتي عام بقليل، ورغم أن المملكتين قد عبدتا يهوه بعد سيادته ~~الأولى على مملكة «كل إسرائيل»، فإن عبادة يهوه كانت في يهوذا أقوى منها في إسرائيل ~~بشكل واضح، وقد اتهمت التوراة الدولة الشمالية إسرائيل بعبادة الآلهة الغريبة، ~~ولحقت هذه التهمة جميع ملوكها، وأدانت نشاطهم الديني، لكنها لم تتهم من ملوك يهوذا ~~بهذه التهمة سوى ثمانية ملوك، لكن كان فيها ملوك أخر مخلصون ليهوه، فبفضل الملوك ~~اليهوذيين آسا وويهو شافاط ويهورام وحزقيا ويوشيا تجددت اليهودية وانتعشت. # ومع ما تعرضت له تلك القبائل من مفارقات تاريخية قاسية، فقد انغلقت على نفسها ~~في حالة نرجسة قبلية، تماهت فيها الجماعة مع الرب يهوه وعبدت يهوه أو عبدت نفسها ~~لا فرق، وقدمت نفسها للعالم كأفضل الأمم، ودينها كأشرف الأديان، وتحولت الجماعة ~~المندمجة بربها إلى بطل قومي، نقل الإحباط من داخل الجماعة إلى خارجها المعادي ~~المخالف، لتحافظ على انسجامها وعلى وحدتها الداخلية، وهو الأمر الذي يتكرر دوما مع ~~الجماعات، التي تتعرض لخطر الضياع من صفحة التاريخ. ~~(1) أقسام العهد القديم # العهد القديم (الكتاب اليهودي المقدس) هو مجموعة كتب وليس كتابا واحدا، ~~يطلق عليها الأسفار جمع سفر أو كتاب، وتسمى في مجموعها التوراة، وهي تسمية ~~مجازية تطلق على ms031 كل الكتاب؛ لأن التوراة تقتصر على الكتب الخمس الأولى، من ~~مجموع كتب يشملها هذا الكتاب يصل عددها إلى تسعة وثلاثين سفرا، وقد اتفق على ~~تقسيم هذه الكتب إلى أربعة أقسام هي على الترتيب: # القسم الأول # ويعرف باسم التوراة أو كتب موسى الخمسة أو البنتاتك Pentateque ~~، والكلمة توراة مأخوذة من ~~الكلمة المصرية القديمة توروت أي شريعة، لكنها في العبرية استخدمت بدلالة ~~تعني التعليم، ونطقها العبري «تورة» من الفعل «شورة» (رأى - رأه بالعبرية)، ~~على وزن أفعل، وتعني حرفيا الترئية أو الرقية، وتتضمن معنى العودة للشورى ~~الإلهية، وتشمل التوراة خمسة كتب أو أسفار هي: # التكوين # Cenesis ~~: # ويحكي تاريخ العالم من لحظة البدء بخلق الرب للسماوات ~~والأرض ثم آدم ونسله، ثم تسير التوراة مع ذلك النسل في ~~عمليات غربلة واستبعاد، حتى تستبقي شعب التوراة في ~~المصفاة، وذلك عندما تصل إلى أولاد يعقوب المعروف باسم ~~إسرائيل، وهم اثنا عشر ولدا أو سبطا، والكلمة سبط مأخوذة ~~من الكلمة المصرية القديمة «سبيت» أي إقليم أو فرع، ومعنى ~~الأسباط الفروع التي انقسم إليها بيت يعقوب، ونسبة للكلمة ~~يطلق المصريون على الحبار ذي الأيدي أو الفروع المتعددة ~~«السبيط»، أي متعدد الأرجل أو الأفرع، ويطلق على عرجون ~~النخل «سباطة» ... إلخ، والغريب أن الاسم العلمي للسبيط هو ~~بذات النطق تقريبا # Cephalo ~~poda ~~(سيفالو بودا) ويعني الرأس ~~قدميات. # وينتهي سفر التكوين باستقرار فروع يعقوب أو الأسباط في ~~مصر، ضيوفا عليها إبان مجاعة حلت بالمنطقة بكاملها، لكن ~~مصر كانت بمأمن منها، ويرجح بعض نقاد التوراة أن يكون ~~قد تم تأليف كتاب التكوين، أو جمعه من المأثور القديم ~~لفلسطين والمنطقة حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، أي بعد ~~موت موسى بحوالي خمسة قرون كاملة. # ويظهر محررو التوراة في كتاب التكوين بحسبانهم جامعي ~~تراث، أكثر من كونهم مؤرخين لواقع حقيقي، وفي التكوين تم ~~حشد قصص عديدة مختلفة المنشأ والأصل إلى جوار بعضها، مع ~~ربطها ربطا غير محكم بتاريخ إسرائيل؛ مما أبقى على ~~استقلال شبه واضح لكل قصة على حدة، مع تناقض بين الأحداث ~~يسمح للباحث أن ms032 يفرز ويصنف، ويظهر أن المحررين كانوا يعون ~~هذا التناقض فيما يدونون من أحداث، لكنهم أبقوا عليها من ~~باب التقديس، وربما برغبة تسجيل أكبر حشد من التنويعات، ~~التي مرت بها القصة الواحدة، مع مهمة أساسية أخذها ~~المحررون على عاتقهم، وهي تنظيم تلك التركة من الأساطير ~~والأحداث والتقاليد والحكي الفولكلوري، في سياق من شأنه ~~أن يخلق لإسرائيل تاريخا كشعب موحد من البداية، فكان ~~هاجس الأصول - فيما يقول فراس السواح - يسيطر طول الوقت ~~على مجموع أسفار التوراة الخمسة، ثم تعداه إلى بقية ~~الأسفار المعروفة بالأسفار التاريخية. # الخروج # Exodus ~~: # ويتعرض هذا الكتاب للأحداث، التي مرت بها القبيلة ~~الإسرائيلية في مصر، في سطور لا تفصح عن أحداث، يفترض ~~أنها استمرت ثلاثين سنة وأربعمائة، بصمت مريب لا يلتئم. ~~وأسلوب هذا القسم الذي يميل للإطناب والتفصيل والتكرار إلى ~~حد الإملال، وتركز بقية السفر على أحداث الأيام الأخيرة ~~للخروج من مصر، لإبراز قدرات يهوه السحرية وضرباته ~~للمصريين ضربات مدمرة، انتهت بخروج الإسرائيليين من مصر ~~تحت قيادة موسى، أحد أحفاد سبط لاوي أو ليفي شقيق يوسف ~~والأسباط، في رحلة هروب أو خروج كبرى تتم حكايتها هنا ~~بتدقيق وتفصيل شديدين، تشير إلى جغرافيا شرقي دلتا مصر ~~وسيناء، بمزيد من التدقيق لأسماء مواضع الحل والترحال، ~~للخارجين عبر سيناء نحو فلسطين، ويحوي هذا السفر بعض أحكام ~~الشريعة اليهودية في العبادات والمعاملات والعقوبات. ~~ويرجح الباحثون أن يكون قد تم تأليفه زمن تأليف كتاب ~~سفر التكوين. # اللاويون أو ~~الليفيون # Leviticus ~~: # نسبة إلى ليفي # Levi # أحد ~~الأسباط، ويشير إلى نسل ليفي هذا، وهم من اختارهم موسى من ~~عائلته اللاوية أو الليفية ليكونوا كهانا ليهوه حفظا ~~لمسئولية العلاقة بالله داخل أسرته، وقد شغل هذا السفر ~~في معظمه بشئون العبادة وطقوسها خاصة ما تعلق منها بطريقة ~~تقديم الأضاحي والقرابين إلى الإله. # العدد # Numbers ~~: # واهتم بإحصائيات عديدة عن إسرائيل، كعدد القبائل وعدد ~~أفراد الجيش وكم الأموال، وأي شأن كان يمكن أن يخضع ~~لعملية الإحصاء؛ لذلك سمي العدد أو الإحصاء. # التثنية # Deuteronomy ~~: # وقد شغل هذا السفر بأحكام الشريعة اليهودية ms033 في الحرب ~~والسياسة والاقتصاد والعبادات والمعاملات والعقوبات، وسمي ~~تثنية لأنه ثنى أو أعاد ذكر التعاليم، المفترض أن موسى ~~تلقاها من ربه إبان رحلة الخروج عبر سيناء، لكن نقاد ~~التوراة لهم رأي آخر، فهم يجمعون على أن هذا السفر لم ~~يتم تأليفه إطلاقا قبل أواخر القرن السابع قبل الميلاد، ~~أي بعد زمن موسى بحوالي سبعة قرون كاملة، وبعد مملكة ~~سليمان بثلاثة قرون، وأن ذلك قد تم إبان وجود اليهود في ~~المنفى البابلي على الرافدين. # القسم الثاني # ويعرف بالأسفار الخارجية وعددها اثنا عشر كتابا، قامت بعرض تاريخ بني ~~إسرائيل منذ دخولهم أرض فلسطين قادمين من مصر، ويشمل أسفار: # يشوع # Josue ~~: # ويشوع هو ربيب موسى وخليفته على قيادة بني إسرائيل إلى ~~فلسطين بعد موت موسى. # القضاة # Judges ~~: # وهم الذين تولوا أمور الحكم على بني إسرائيل بشكل قبلي، ~~حيث كان الحاكم هو من يقضي في الخصومات بين الناس بشكل ~~مباشر في اجتماعات دورية تعقد لهذا السبب. # راعوث # Ruth ~~: # وهو اسم جدة الملك داود من جهة أبيه، ويحكي قصة لا علاقة ~~لها بالسياق التاريخي. # صموئيل الأول وصموئيل الثاني (كتابان أو سفران): # وصموئيل هو آخر قضاة إسرائيل قبل التحول عن نظام حكم ~~القضاة القبلي إلى الحكم الملكي المركزي وقيام ~~المملكة. # أعمال الملوك أول وثان (كتابان): # ويحكيان تاريخ ملوك القبائل الإسرائيلية بدءا من أول ~~ملوكهم المؤسس شاءول مرورا بداود وولده سليمان، ثم انقسام ~~المملكة إلى يهوذا في الجنوب وإسرائيل في الشمال، وسيرة ~~ملوك المملكتين في علاقتهما بالرب وببعضهما وبالدول ~~المجاورة. # أخبار الأيام أول وثان (كتابان): # ويعرضان على الترتيب شجرة النسب من آدم إلى يعقوب، ~~ويكرران ما سبق عرضه في سفر التكوين، ثم يكرران عرض تاريخ ~~الملك داود وولده سليمان، ثم يعرضان لتاريخ اليهود السياسي ~~بعد سليمان. # عزرا # Esdras ~~: # وينسب هذا الكتاب إلى كاهن إسرائيلي باسم «عزرا بن ~~سرايا»، على رأس الموجة الثالثة العائدة من اليهود ~~المنفيين في بابل إلى فلسطين حوالي منتصف القرن الخامس قبل ~~الميلاد ... وإليه تنسب محاولة تجديد الديانة وإيقاد جذوة ~~القومية الإسرائيلية، وقد أشرف ms034 على تجديد الهيكل، وإليه ~~تنسب كثير من كتب العهد القديم في رأي نقاد التوراة. وقد ~~بلغ عزرا منزلة عظيمة عند بني إسرائيل، ويخبرنا القرآن أن ~~الإسرائيليين قد قدسوه حتى قالوا: عزير ابن الله، رغم أننا ~~لم نجد - في العقائد اليهودية ذاتها - ما يشير إلى مثل هذا ~~الاعتقاد. # نحميا # Nehemie ~~: # وهو أحد وجهاء بني إسرائيل، تمكن مع عزرا من إقناع ~~الملك الفارسي قورش بعد فتح الفرس لبابل، بالسماح ~~للإسرائيليين بالعودة إلى فلسطين، وبناء الهيكل من ~~جديد. # إستير # Esther ~~: # وهو سفر صغير يشتمل على تسعة أبواب أو إصحاحات، ويروي ~~قصة الإسرائيلية الجميلة إستير، التي تمكنت من إغواء ~~أخشويريش ملك الفرس فتزوجها، وتمكنت بوجودها في البلاط من ~~إحباط مؤامرات وزيره الكبير هامان ضد بني جلدتها، ثم دبرت ~~مع عمها الكاهن مردخاي مكيدة قضت على هامان وأتباعه، حتى ~~سمح لهم الملك الفارسي بالولوغ في دم هامان وفريقه كيف ~~شاءوا، وقام الإسرائيليون بذبح الآلاف من قوم هامان ~~ونسائهم وأطفالهم، وحتى اليوم يحتفل اليهود بذكرى تلك ~~المذبحة في عيد البوريم أو عيد إستير في مارس من كل ~~عام. # القسم الثالث # ويعرف بمجموعة كتب الأناشيد أو الأسفار الشعرية، ويشتمل على أسفار في ~~صيغ أناشيد وتراتيل ومواعظ دينية مصوغة شعرا، ويشمل خمسة كتب أو أسفار، ~~هي على الترتيب: # أيوب. # المزامير. # سفر أمثال سليمان. # سفر الجامعة وينسب بدوره لسليمان. # نشيد الإنشاد وهو بدوره ينسب إلى سليمان، ويسمى نشيد الإنشاد ~~الذي لسليمان. # القسم الرابع # وهو مجموعة أسفار النبييم أو الأنبياء، ويحوي سبعة وعشرين كتابا، تعرض ~~لتاريخ أنبياء إسرائيل بعد موسى، وهي على الترتيب: # إشعيا. # إرميا. # مراثي إرميا. # حزقيال. # دانيال. # هوشع. # يوئيل. # عاموس. # عوبيديا. # يونان. # ميخا. # ناحوم. # حبقوق. # صفنيا. # حجي. # زكريا. # ملاخي. # ويرجح علماء مدارس نقد التوراة، أن معظم تلك الكتب النبوية قد تم تأليفها ~~إبان النصف الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد، بينما يعود بعضها إلى ~~أوائل القرن السادس قبل الميلاد، ويمكن نسبة بقيتها إلى القرن الرابع قبل ~~الميلاد، ويمتد تدوينها حتى القرن الثاني قبل الميلاد. # وهكذا تشكل العهد القديم ms035 بالحفظ الشفاهي زمنا يصعب تقديره، وربما ~~استغرق تدوينه 700 سنة، ويحكي لتاريخ امتد أكثر من 1500 سنة قبل الميلاد، ~~تعرض أثناءها للمعالجة والتحرير عدة مرات من محررين أغلبهم مجهول، ومع مرور ~~الزمن والتغيرات التي لحقت ديانة إسرائيل، وأخذت توطد سيادة يهوه بشكل ~~واضح، أتاح ذلك الفرصة لأنصار يهوه وكهنته، استخدام المأثور التاريخي ~~لقبائل إسرائيل وغيرها من شعوب المنطقة، من أجل خدمة وتأكيد عبادة يهوه، ~~ومن ثم تعرضت نصوص المقدس التوراتي لتحويرات كانت تتناسب مع روح المذهب ~~الديني المنتصر، لكن هؤلاء - ولحسن حظ الباحثين اليوم - كانوا أتقياء إلى ~~حد عدم الاجتراء على تصحيح النصوص القديمة أو جعلها ملائمة، وعادة ما كانوا ~~يكتفون بحشر مقدمات وخواتيم ضمن نص السرد الأصلي للحوادث التاريخية، ~~وأحيانا كانوا يضيفون على السرد الفعلي، وقائع لم تكن موجودة في النص ~~الأصلي؛ وهو ما يلقي على الباحث اليوم مزيدا من المشقة في غربلة الأصيل ~~مما لحقه من إضافات، خاصة أن المحرر عادة ما كان يستقي موضوعاته من ~~الفلكلور السائد، أو كان يخترعها اختراعا. ثم تواجه الباحث مشاكل أخرى ~~لها أسبابها القديمة، فمثلا كان المحررون لا يتركون فواصل بين مداخلات ~~مؤلفين عدة، بقصد توفير الورق الثمين، وهو ما جعل النساخ المتأخرين ~~ينسبون مداخلات نبي إلى نبي آخر، وأثناء ذلك لم يكن يرى المحرر أي تحرج ~~من حشر مقاطع تناسب وجهة نظره، مع مداخلة نبي قديم عاش في زمن ~~سابق. # ولسوف نشرك القارئ معنا في معرفة أكثر بهذا الكتاب في فصول قادمة، وكيف ~~يمكن قراءة هذا التل المختل، والخروج من الأخيولة الأدبية والأسطورة ~~الإعجازية بالأحداث التاريخية، وكشف المستور التاريخي الكامن وراء السرد ~~الأسطوري، خاصة إذا علمنا أن التوراة «هي أحد المفاتيح الهامة، لفهم خط سير ~~التاريخ الديني ثم السياسي في منطقة الشرق القديم». وإبان ذلك علينا مراعاة ~~أننا نتعامل مع نصوص تنتمي لضروب أدبية مختلفة، وتحوي قوانين ومشاهد ~~طقسية وخرافات وأساطير وقصصا، وتاريخا ينتمي لفئات اجتماعية متباينة، ~~مضافا إلى كل ذلك تعليقات المحررين ونزواتهم. ~~(2) مصادر العهد القديم # أما على مستوى الدرس ms036 العلمي النقدي للكتاب المقدس، فقد تم وضع تقسيم آخر ~~يعتمد المصادر الأساسية لخطوط سير الوثائق المقدسة، وقد انتهى التطور الأخير ~~لمدرسة يوليوس فلهاوزن الألمانية 1844-1918م، إلى الكشف عن أربعة وثائق مختلفة ~~عن بعضها وشديدة التباين، يتكون منها العهد القديم، هي على الترتيب: # أولا: المصدر اليهودي # Jahwist # ويرمز له اختصارا بالرمز # J ~~، وقد أخذت ~~التسمية من اسم الإله يهوه # Jahowa ~~؛ لأنه ~~الاسم الإلهي الغالب على الاستعمال في هذا المصدر، ويرجع زمن تأليفه إلى ~~حوالي عام 850ق.م. في المملكة الجنوبية يهوذا، وقد ركز هذا المصدر على ~~الوعد الذي أعطاه الله للبطاركة من إبراهيم إلى موسى، والتركيز على هذا ~~المصدر لون من إضفاء الشرعية التاريخية والدينية على الائتلاف، الذي أنشأه ~~داود في فلسطين لدولته، بوضعه هو وأسلافه في خضم تاريخ أقدم، لجعل مملكة ~~داود عهدا مع الرب، يمتد شرعا إلى عهد الرب إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، ~~ويمنح وحدة القبائل المعروفة بالأسباط وجودا تاريخيا قديما، بقصد وضع ~~أساس قومي تاريخي متين للدولة التي وحدت القبائل، حتى إنه يبالغ ويصعد ~~بتاريخ تلك القومية التاريخية، عبر سلسلة الأنساب إلى آدم زمن الخلق ~~الأول. # ثانيا: المصدر الإلوهيمي # Elohist # ويرمز لهذا المصدر اختصارا بالرمز # E ~~، ~~نسبة إلى الاسم الإلهي الغالب في ذلك المصدر، وهو «إيل # EL ~~» أي الإله، واللوهيم أي الآلهة، ويرجع زمن تأليفه ~~إلى حوالي 770ق.م. في المملكة الشمالية إسرائيل، التي تحوي في اسمها الشق ~~«إيل/اسم الإله»، وبعد ذلك تم إدماج المصدرين: اليهوي # J # والإلوهيمي # E # في مجموعة واحدة يرمز لها بالرمز # E J # وذلك حوالي 650ق.م. وقد عني هذا ~~المصدر باستكمال النقص الحادث في المصدرين اليهوي والكهنوتي، وسيرد الحديث ~~عن المصدر الكهنوتي. # ثالثا: مصدر التثنية # Deuternomy # ويرمز له اختصارا بالرمز # D ~~، ويعني ~~بالإغريقية القانون الثاني، وهو مصدر منفصل تماما عن بقية المصادر، ~~ويتمثل في الكتاب أو السفر، الذي يحمل اسم التثنية أو تثنية الاشتراع، ~~وقد تم تأليفه خلال القرن السابع قبل الميلاد، في أورشليم عاصمة المملكة ~~الجنوبية يهوذا، وتزعم الرواية الملحقة به أنه كيف يتم إخفاء ms037 هذا المصدر ~~منذ زمن «موسى» في جدران هيكل «سليمان» بالرغم من الفترة الزمنية الكبيرة ~~الفاصلة بينهما؟ وأنه تم الكشف عنه أثناء عمليات ترميم المعبد عام 622ق.م. ~~أثناء حكم الملك اليهوذي الورع يوشيا # Josias ~~(انظر ملوك ثاني، 22: 3-10 و22: 3-25)، حيث عثر ~~المرممون في وجود حلقيا شيخ الأحبار أو كبير الكهنة على كتاب الشريعة ~~وأحضره للملك، وقد ترك الحدث أثره الشديد على الملك الورع، فقام يحرم كل ~~الطقوس الوثنية، ويمنع كل العبادات عدا عبادة يهوه، وقصر العبادة على معبد ~~أورشليم وحده، دون بقية معابد الآلهة الأخرى، لكن الملاحظة الواضحة هو تعرض ~~ذلك المصدر لكثير من الحشو والإضافات، من عناصر ثقافية لا علاقة لها ~~بالبيئة البدوية الصحراوية، والمفترض أنها البيئة التي عاشها الخارجون من ~~مصر إلى سيناء، حتى نهاية زمن القضاة، لكن قراءة هذا المصدر تبين بجلاء ~~أن المحررين كانوا ينتمون إلى ثقافة دولة متماسكة يحكمها ملك، ويعنى هذا ~~السفر بالشريعة، وبوضع شرائع الحرب والأوامر الإلهية المباشرة ~~لأتباعه. # رابعا: المصدر الكهنوتي Priestly # ويرمز لهذا المصدر اختصارا بالحرف P ~~، ~~وهو تجميع كهنوتي يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ويركز على شعائر ~~العبادة والطقوس، ويعود إلى التركيز على العهد بين الله وبين نوح، ثم مع ~~إبراهيم ثم مع موسى ثم مع داود، ويقوم جوهره على وجوب إخلاص الشعب اليهودي ~~للعهد حتى يستحق الخلاص، ويتم الوفاء بالعهد من قبل الله إذا أخلص الشعب، ~~ووفى لربه، وذلك بالتزام عباده بالشريعة بدقة، وشريطة أن يتمسكوا ~~بلحظتين تاريخيتين جوهريتين في تاريخهم: الأولى هي لحظة العهد القديم ~~بين الله وبينهم ممثلين في جدهم إبراهيم، وهو الوعد الذي منحهم الله بموجبه ~~أرض فلسطين، مقابل أن يختتن جميع الذكور في قضبانهم، ومعلوم أن أرض فلسطين ~~إبان ذلك كانت خاضعة للحكم المصري، «وكان المصريون هم الشعب الذي ابتدع ~~الختان منذ بداية التاريخ»، في وقت كان فيه المصريون هم السادة في فلسطين ~~زمن الإمبراطورية وكانوا مختتنين، ويبدو أن ذلك الأمر قد أمسى راسخا، حتى ~~وجد الإسرائيليون أنفسهم بحاجة للختان، كدلالة على السيادة في ms038 الأرض، ~~والسيادة امتلاك وحكم كالمصريين. ويؤكد هذا المعنى اللحظة الثانية في ~~تاريخهم، التي يجب أن يتمسكوا بها تماما، وهي لحظة خروجهم من مصر، لحظة ~~المعجزة الكبرى وانشقاق البحر، «تأكيدا على مصر والانتماء إليها بأي شكل»؛ ~~لذلك فإن العزف على معجزة فلق البحر والخروج من مصر، يكاد يكون ترنيمة ~~أساسية متكررة دائمة، يومية لدى اليهودي الورع، وتتكرر في كل أسفار أو ~~كتب العهد القديم المقدس بلا استثناء . ~~(انظر الشكل رقم # 1-1 ~~.) # شكل 1-1: الختان المصري. # ويرجع زمن ذلك المصدر إلى عهد «عزرا»، وقد تم إدماج هذا المصدر مع ~~المصدرين اليهوي والإلوهيمي، حوالي نهاية القرن الخامس قبل ~~الميلاد. # وقد قامت مدرسة فلهاوزن بعمل شديد الجرأة، عندما قررت عكس الترتيب ~~التقليدي لأسفار التوراة، بناء على ما وصلت إليه من نتائج النقد والمقارنة ~~والتحليل، بحيث أصبح الترتيب يعاد على النحو التالي: # العهد القديم من الكتاب المقدس ~~(1) # أسفار الأنبياء. ~~(2) # الأسفار التاريخية. ~~(3) # أسفار موسى الخمسة + سفر يشوع = التوراة. # ثم أضيفت إليها الأسفار بعد ذلك بترتيب منهجي، حسب مادتها المشتركة ~~وموضوعها، وليس حسب الترتيب الزمني لتأليفها. ~~(3) طرق تدوين العهد القديم # من كتاب اليهود المقدس ذاته، يمكن للباحث العثور على الطرق والأدوات ~~والوسائل، التي استخدمها محررو التوراة لتدوين مؤلفاتهم، فنحن مثلا نجد في سفر ~~إرميا (36: 2)، حديثا عن التدوين على أدراج، والدرج هو اللفيفة وجمعها لفائف، ~~وتتم الكتابة عليها من اليمين إلى الشمال، وقد أكد لنا هذا سفر حزقيال (2: 9 ~~و3: 1) وسفر زكريا (5: 1-2) وسفر المزامير (40: 8)، وهي أسفار تشرح طريقة ~~الكتابة، وقد استخدمت للكتابة على الأدراج أداتين: الأولى يذكرها المزمور (45: ~~2) وهي قلم الإردواز، والثانية هي الأحبار، أي السوائل الملونة ألوانا كثيفة ~~ثابتة، وقد ذكر لنا ذلك كتاب إرميا (36: 18). # وعلى حد ما نعلمه تاريخيا فإن «الأدراج اختراع مصري بحت»، وكانت تصنع من ~~البردي، وإلى جوارها كانت الكتابة على الرق (الجلود)، وقد ظلت تلك المخطوطات ~~على هيئة اللفائف/الأدراج حتى القرن الثالث قبل الميلاد، حيث بدأت تأخذ شكل ~~الكتب مع الاستمرار في العمل بنظام اللفائف، ولم يزل حتى اليوم يعمل بنظام ~~اللفيفة ms039 أو الدرج في الأشكال الطقسية، التي تمارس في المعابد اليهودية من باب ~~تحنيط التاريخ، ونجد ذلك مستعملا خاصة مع أسفار التوراة الخمسة مع سفر أستير ~~نظرا لمناسبته الخاصة. ~~(انظر شكل رقم # 1-2 ~~.) # شكل 1-2: لفيفة توراتية. # لكن ما يبدو للمدقق في قراءة التوراة، أن هناك أسلوبا في التدوين، قد اتبع ~~قبل القلم والحبر والدرج، هو النقش على الحجر الصلب، لكن أبدا لم نعثر على ~~نموذج توراتي منه حتى الآن، «وهو الأسلوب المعروف في مصر على جدران المعابد ~~وهرم وتيس، وكثير من الألواح الهامة وعلى المسلات»، حيث كان يتم تدوين الحدث ~~المطلوب حفظه على الحجر الصلد بالنقش بالإزميل، وفي التوراة نجد أول شخصية ~~توراتية تكتب باستخدام هذا الأسلوب، هو النبي موسى أو بالأحرى رب موسى حسب ~~الكتاب المقدس، وتم استخدام هذا اللون من الكتابة في كتابة ألواح الشريعة، ~~منقوشة على الحجر في كتابين أو لوحين كبيرين. # وتزعم التوراة أن الله هو من كتبها بنفسه وبإصبعه، ثم سلمها لموسى، وقد ~~وردت قصة كتابة الشريعة متناثرة في التوراة، وقد جمعناها ورتبناها من جديد ~~لتنطق بالآتي: # وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل وكن هناك، فأعطيك «لوحي ~~الحجارة» والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم، ودخل موسى في وسط ~~السحاب وصعد إلى الجبل، وكان موسى في الجبل أربعين نهارا وأربعين ~~ليلة (خروج، 24: 12، 13، 18). # ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء، «لوحي شريعة ~~مكتوبين بإصبع الله» (خروج، 31: 18). # فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده، «لوحان ~~مكتوبان» على جانبيهما، من هنا وهناك كانا مكتوبين، «واللوحان ~~هما صنعة الله»، والكتابة كتابة الله «منقوشة» على اللوحين ... وكان ~~عندما اقترب إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص، فحمي غضب موسى وطرح ~~اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل (خروج، 32: 15، 16، ~~19). # ثم قال الرب لموسى: انحت لك «لوحين من حجر» مثل الأولين، وبكر ~~موسى في الصباح وصعد إلى جبل سيناء كما أمره الرب، وأخذ من يديه ~~لوحي الحجر (خروج، 34: 1-4). # وقد جاء في الأثر الإسلامي في حديث للنبي محمد # صلى ms040 الله عليه وسلم ~~: إن الله ~~تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، # 5 # كذلك جاء في الآيات القرآنية: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء ~~موعظة ~~(الأعراف: 144). # هذا إضافة إلى أن ذات الأسلوب قد اتبع مرة أخرى بعد ذلك، وذلك في كتابة ~~أسفار الشريعة بيد اليهود بأمر من موسى، وبذات الطريقة، وهو ما يتضح في قوله ~~لهم: # فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك، تقيم لنفسك ~~«حجارة كبيرة » تشيدها بالشيد، وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس ... ~~«نقشا» جيدا. (تثنية، 27: 2، 3، 8) ~~(4) اللغة التي دون بها العهد القديم # على غلاف الكتاب المقدس نجد لافتة تنبه وتقول: «الكتاب المقدس: أي كتب العهد ~~القديم، والعهد الجديد (الجديد هو الأناجيل)، وقد ترجم من اللغات الأصلية وهي: ~~اللغة العبرانية واللغة الكلدانية واللغة اليونانية.» # أولا «العبرانية هي اللغة الكنعانية مكتوبة بالخط الآرامي المربع»، ويعترف ~~الكتاب اليهودي المقدس صراحة بذلك في سفر إشعيا (19: 18) بأن العبرية هي «شفة ~~كنعان»، وهناك لغات أخرى استخدمت في الكتابة، لم تشر إليها اللافتة ~~المذكورة، فنحن نعلم الآن أن بعض الأجزاء قد كتبت بالآرامية، وأخرى كتبت بالخط ~~المربع (هو خط آشوري أصلا) بعد السبي البابلي، ومعلوم أن عزرا صاحب معظم ~~أجزاء العهد القديم، قد استخدم تلك اللغة، في تدوين كتبه أو أسفاره. # لكن بعض الترتيب المنهجي والمنطقي، لا بد أن يؤدي إلى افتراض أن أول ألوان ~~الكتابة، الذي استخدمه محررو التوراة وأول لغة «كانت هي المصرية»، فنحن نجد ~~جميع البطاركة قبل النزول إلى مصر لا يعرفون الكتابة، ويقيمون الأدلة على ~~العهود والمواثيق بين الناس، ليس بأوراق أو نقوش، بل بقسم مثل القسم الذي ~~أقسمه إبراهيم وأبيمالك عند بئر سبع، وحيث تم ذبح سبع نعاج علامة أو وثيقة ~~للعهد، أطلق بموجبهما الاسم على المدينة «بئر سبع»، كذلك عهد يعقوب مع خاله ~~لابان الأرامي، الذي تم بعمل رجمة أحجار تشهد بالعهد وبنوده، أو العهد ~~الإبراهيمي مع الله وختمه بوثيقة الختان بعد أن بلغ غيتا من عمره، كتوقيع منه ~~ووثيقة لعدم معرفتهم ms041 بالكتابة، «ثم فجأة تظهر الكتابة عند هؤلاء بالنقش على ~~الحجر، مع خروجهم من مصر» تحت قيادة موسى، المعروف في الكتاب المقدس أنه عاش في ~~قصر الفرعون، و«تعلم بكل حكمة المصريين» على حد تعبير الكتاب المقدس، بل ربما ~~يجب أن نذهب بالفرض بعيدا، فنقول إن اللغة المزعوم أن موسى قد خاطب بها ربه في ~~سيناء «يجب أن تكون اللغة المصرية القديمة» تحديدا، فهي لغة موسى في بلاط ~~الفراعين، علما أن موسى لم تطأ قدمه أرض فلسطين صاحبة شفة كنعان (العبرية)، ~~ومات وهو بعيد عن تلك الأرض، ناهيك عن كون كلمة توراة نفسها، كما قلنا مصرية قح ~~فهي # Torah # في العبرية، أي التعاليم من المصرية # Toroth # أو شوراه أي الشريعة. # 6 # ترجمات العهد القديم # من المعروف أن ترجمة هذا الأثر الهائل إلى العربية عن لغته الأصلية وهي ~~النسخة المتداولة الآن، قد تمت فيما هو محقق عام 1865م، أما الترجمة ~~الإنجليزية فقد تمت في عهد الملك جيمس عام 1611م، وكلتا الترجمتين قد تمت ~~عن الأصل العبري، المعروف بالنص المازوري المدون في القرن العاشر ~~الميلادي، عن مجموعة نسخ مجهولة الآن، ومجهول تاريخها أيضا، لكن ذلك لا ~~يعني أن نصا عبريا أو نصوصا لم تكن موجودة قبل ذلك، وإنما كل ما يعنيه ~~هو أن هذه الأصول قد فقدت، والنسخة المازورية الأقدم الموجودة الآن، تعود ~~إلى عام 895 ميلادية، وتم الكشف عنها «في كنيزة المعبد اليهودي في ~~القاهرة». # وكان النص المازوري في النسخ السابقة للقرن العاشر الميلادي، غير مصحوب ~~بالإشارات والحركات والنقاط فوق الحروف، فكانت جميعا ساكنة الكتابة، وعند ~~تدوين الأصل البعيد للنص المازوري، تم اقتباس حركات النظام البابلي في ~~الكتابة، واستخدم في تحريك أحرف النسخة المازورية. # وهناك نص آخر دون باللغة اليونانية القديمة، ويعرف باسم النص ~~السبعيني، وقد تمت كتابته على يد اثنين وسبعين فقيها يهوديا، بأمر من ~~ملك مصر آنذاك بطلميوس فيلادلفوس أي «المحب لأخيه» (285-247ق.م.)، وتزيد عن ~~النسخة المازورية بأربعة عشر كتابا أو سفرا جديدا، وهي أسفار غير ~~موجودة بالطبع في النسخة العربية؛ ms042 لأن النسخة العربية مأخوذة عن المازورية ~~وليس عن السبعينية، وتلك الأسفار هي: ~~«سفر طوبيا»: وهو وصف لسيرة أسير إسرائيلي في الأسر الآشوري ~~بمدينة نينوى في القرن السابع قبل الميلاد. ~~«سفر الحكمة لسليمان»: ويشمل أمثلة حكمية وعظات ضد ~~الوثنية. ~~«أسفار المكابيين»: وعددها اثنان، تتحدث عن المكابيين الذين ~~تمكنوا من الاستقلال بفلسطين، وحكمها حكما وطنيا زمن ~~السلوقيين في القرن الثاني قبل الميلاد، وقد جاء اسمهم من ~~الشعار الذي كانوا يتنادون به عند القتال وهو «مي كا مو ~~خابجييم يهوفا» أي «من مثلك بين الآلهة يا يهوه»، فأخذ من كل ~~كلمة حرف (م كا ب ي) شكلت الاسم «مكابي». ~~«سفر يهوديت»: ويروي قصة أرملة يهوية غنية وتقية، ساعدت ~~اليهود في الانتصار على الآشوريين في إحدى المعارك. ~~«سفر الكهنوت»، ويدعى أيضا: سفر الحكمة ليسوع بن سيراخ، وهو ~~مجموعة أمثال على غرار سفر أمثال سليمان. ~~«سفر تسبيحة الفتية الثلاثة»: وهي تسابيح يقال إن أصدقاء ~~دانيال الثلاثة كانوا يرنموها، وهم ملقون في أتون مشتعل ~~بالنار، فكانت عليهم بردا وسلاما، وقد «نسبت تلك الحادثة في ~~الإسلام للنبي إبراهيم»، وهو ما لم تقل به التوراة. ~~«سفر سوزان»: أو سوسنة العفيفة، وهي قصة تمجيد من النبي ~~دانيال لقاض، دحض وشاية ضد سوسنة العفيفة. # هذا إضافة إلى ثلاثة أسفار منسوبة لعزرا، وإصحاحات تمت زيادتها على ~~الأصل المازوري في أسفار إستير ودانيال. والمعلوم أن الكنيسة بمعظم مذاهبها ~~لم تتخل عن النص اليوناني السبعيني إلى النص العبري المازوري، إلا بعد ~~القرن العاشر الميلادي، حيث أصبح النص المازوري هو النسخة المعتمدة للعهد ~~القديم، ورغم ذلك ما زالت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والكنيسة الروسية ~~وكنائس شرق أوروبا، تستعمل النص السبعيني اليوناني. ~~(5) مساحة الصدق التاريخي في العهد القديم # لا يخلو كتاب أو سفر من أسفار العهد القديم، من خرافات وأساطير واضحة ~~ملتبسة بأحداث وقعت بالفعل، مع تدخل دائم من المحرر التوراتي لتفسير الأحداث، ~~وربطها بإرادة يهوه ومشيئته. والقاسم المشترك دوما هو الأيديولوجيا الدينية، ~~التي ترجع كل شيء وتفسر كل شيء، بما يخدم قضية شعب الله المختار، ms043 حتى لو تم ~~تزييف بعض الحقائق التاريخية لصالح الهدف القومي، إضافة إلى شغف شديد من ~~المحررين بالمبالغات الأسطورية، التي تكسر قواعد الطبيعة وخط سيرها لصالح الشعب ~~المختار، بل نجد تلك الأساطير والمبالغات، قد أصبحت في اليهودية ومن بعدها في ~~المسيحية وتراث الإسلام، موضوع تصديق وإيمان باعتبارها حقائق حدثت بلا ~~شك. # ونظرا لحجم الكتاب وما حواه من تأريخ وعقائد وأساطير وسير بشر وملوك، مندمجة ~~جميعا في صياغة، كان همها الدائم والأول هو يهوه وشعبه، فقد تعددت مدارس نقد ~~التوراة وتتالت كشوفها، بحيث أصبح بالإمكان نخل وغربلة هذا المأثور الهائل؛ ~~لاستخلاص حقائق الأحداث التاريخية، التي يمكن أن تكون محلا للبحث ومعينا ~~للباحثين، فهناك نصوص يمكنها أن تحمل اسم الوثيقة التاريخية، وبإمكانها أن تملأ ~~لنا فراغا في بعض مناطق التاريخ كعلم، والتي فقدنا وثائقها التاريخية ~~الأصلية. # والمشكلة التي تواجه الباحث أنه حتى النص، الذي يمكن احتسابه نصا تاريخيا ~~بالعهد القديم، ويتحدث عن واقعة تاريخية بعينها، قد دخله حشو وإضافات وحذف ~~وتفسير، خرج به من فضاء التاريخية إلى الهوام في الأسطورية، وبقيت من الحقائق ~~ظلال باهتة، تحتاج من الباحث إلى مشقة عظيمة، في تدقيق مصداقيتها ~~التاريخية. # والمعلوم مثلا أن العهد القديم، يحوي روايات تثبت معرفة مدهشة من المحرر ~~التوراتي، بأحداث تاريخية قديمة بائدة، كانت مخفية عنا ولم نعلم بأمرها، ~~إلا بعد كشف مناطقها الآثارية وفك رموز لغاتها، وهي أمور حديثة جدا قياسا ~~على ما سبق وساقه العهد القديم، وذلك مثل معرفة ذلك الأثر التوراتي، بأسماء ~~مدن مصرية قديمة، أهال عليها الزمن النسيان، حتى وإن ورد بعضها عند المؤرخين ~~اليونان، ولم نكتشفها ونتعرف على أسمائها بشكل واضح، إلا حديثا بعد فك رموز ~~اللغة الهيروغليفية، كأسماء مدن مثل نوف/منف، ورعمسيس/رمسيس، وتحفنيس/تفنه أو ~~دفنه، وأون/عين شمس ... إلخ، وكأسماء فراعنة مثل شيشق/شيشنق، ونخاو، كذلك اسم ~~فوطي فارع كاهن مدينة أون: بادي بارع، وإله الشمس رع، ومركبات فرعون، ومراكب ~~الشمس. # هذا إضافة إلى معرفة دقيقة بأحوال مصر القديمة، وعقائدها مع طقوس كطرق دفن ~~الموتى والتحنيط ومواعيد الدفن، كذلك الأساليب ms044 المعمارية في البناء والكتابة ~~والتوابيت، وكلها أمور لم نعلم دقائقها إلا بعد فك رموز الهيروغليفية، وما كشفت ~~عنه الحفائر الحديثة، هذا ناهيك عن أسماء المواضع الجغرافية - مثلا - في رحلة ~~الخروج من شرقي الدلتا المصرية عبر سيناء وحتى فلسطين، وهي مواضع تحتمل ثقة ~~شديدة فيها؛ لأن لا علاقة لها بأية أهداف أيديولوجية ولا أساطير قومية؛ لأنها ~~كانت مجرد مواضع جغرافية معلومة للجميع أوانها، حفظت لنا التوراة أسماءها ~~وإحداثيات بعضها الجغرافية، قبل أن تتغير مسمياتها عبر الزمان. # شكل 1-3: نموذج من الكتابة الهيروغليفية. # ورغم ذلك فإن أبرز وأهم النتائج الأولى، التي خرجت بها مدارس نقد التوراة، أن ~~نسبة الكتب الخمسة الأولى لموسى، وأنه صاحبها أو كاتبها بوحي من الله، قد ~~أصبحت نسبة باطلة تماما، ولا ظل لها من الحقيقة، وبسبيل ذلك تم تقديم عدد من ~~الأمثلة الشاهدة، إليك بعضا منها: # هناك عبارات تتعلق بموسى، لا يمكن أن تكون قد صدرت عنه، وذلك مثل ~~«وأما الرجل موسى فكان حليما جدا، أكثر من جميع الناس، الذين ~~على وجه الأرض» (عدد، 12: 3)، فهنا كاتب أو محرر يتحدث عن موسى، ~~وليس موسى من يتحدث عن نفسه. # هناك خبر خاص بموت موسى يقول: «فمات هناك موسى عبد الله في أرض ~~موآب حسب قول الله، ودفنه في الجواء في أرض موآب» (تثنية، 34: 5)، ~~ومن المستحيل بالطبع أن يكتب موسى عن نفسه قصة موته بعد أن مات، بل ~~تحدد في القصة الموضع الذي دفن فيه. # نحن نعلم أن موسى قد مات، ولم تطأ قدماه أرض فلسطين، ومع ذلك تجد ~~في التوراة المنسوبة إليه، أسماء مواضع جغرافية موجودة في عمق ~~فلسطين، هذا إضافة إلى أن أكثر أسماء تلك المواضع، لم تكن قد وضعت ~~بعد زمن موسى، بل تمت تسميتها بعد ظروف ومستجدات، حدثت بعد موت ~~موسى بقرون، وذلك مثل ورود اسم مدينة دان في التكوين، 14: 14؛ ~~والتثنية، 34: 1، ومجموعة قرى يائير في العدد، 32: 41؛ والتثنية، ~~3: 14، وهي القرى التي لم تظهر أصلا إلى الوجود، إلا في عصر ~~القضاة (انظر قضاة، 10: 14). # ونجد في سفر التكوين عبارات تتحدث ms045 عن يعقوب (إسرائيل) وزمنه، ~~وتقول إن ذلك قد حدث «قبل أن يملك ملك من بني إسرائيل» (تكوين، 36: ~~31؛ العدد، 24: 7)، وهي جملة لا يكتبها إلا شخص عاصر العهد ~~الملكي، وعرف بقيام المملكة، وهي بذلك لا يمكن أن تكون قد كتبت ~~قبل العهد الملكي لإسرائيل. # ونجد أيضا تعبيرا متواترا هو «حتى اليوم»، يلحق بحكايات بعض ~~الأحداث، كالقول إنه تمت تسمية مدينة كذا زمن كذا، وظل هذا اسمها ~~«حتى اليوم»، أي حتى لحظة التدوين، وبالتدقيق تكتشف أن كل الأحداث ~~والتسميات، التي لحقها هذا التعبير، قد تمت بعد موسى بقرون، ~~والأمثلة على ذلك كثيرة وحاشدة، ونموذجا لها ارجع إلى (تكوين، 35: ~~20 و47: 26 و48: 15؛ خروج، 10: 6؛ وعدد، 22: 30؛ تثنية 2: 22 و10: ~~8 و11: 4). # وهناك تعبير بالتوراة يقول: «ولم يظهر نبي مثل موسى» (تثنية، ~~34: 10)، وهو ما يعني معرفة المحرر بظهور أنبياء من بعد موسى، ~~علما أن الأنبياء لم يبدأ تواجدهم الفعلي إلا بعد عهد صموئيل، ومع ~~قيام المملكة. # أما أهم ما ينفي نسبة التوراة لموسى، فهو أنها أبدا لم تكن ~~موضعا واحدا متكاملا دفعة واحدة، ويؤكد ذلك التكرار في قصة ~~الخلق، الذي يشير إلى اختلاف المحررين، وهو تكرار يحوي اختلافات ~~جوهرية، تشير إلى أكثر من محرر، لم يلتقوا معا، ليصفوا ما ~~بينهم من خلافات. # فالعهد القديم مجموعة جمة من التآليف، التي اشترك في وضعها محررون كثيرون، ~~اختلفوا فيما بينهم، وهذه المجموعة من التآليف، تعنى بمسائل دينية ودنيوية ~~وسياسية وأدبية وتاريخية، وقد أبدت الكنيسة الكاثوليكية تفهما، لما انتهت إليه ~~مدارس نقد الكتاب المقدس، وسجلت اعترافها بذلك، في مقدمة الطبعة الكاثوليكية ~~للكتاب المقدس، الصادرة في عام 1960م في نص يقول: «ما من عالم كاثوليكي في ~~عصرنا، يعتقد أن موسى ذاته قد كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على ~~وضع النص؛ لأن ذلك النص قد كتبه عديدون بعده؛ لذلك يجب القول: إن ازديادا ~~تدريجيا قد حدث، وسببته مناسبات العصور التالية، الاجتماعية ~~والدينية.» # ولهذا كله؛ ولأن العهد القديم سيستخدم في هذا العمل كوثيقة تاريخية أساسية، ~~مثلها مثل بقية وثائق ms046 علم التاريخ، وهي الوثائق التي بدورها قد دخلها الحشو ~~والتزييف والأساطير والأغراض، كما في كل نصوص الحضارات القديمة بل والحديثة؛ ~~لهذا سنسلك بقارئنا في يم هذا المأثور التوراتي ومأثورات حضارات المنطقة، برؤية ~~التحري وعيون المباحثية قبل الوثوق، الذي سيكون بدوره دوما محتملا. # الفصل الثاني # | «كل إسرائيل» أو مملكة إسرائيل الموحدة # يزعم الكتاب المقدس (العهد القديم) أن إبراهيم أرومة العبريين، قد جاء إلى أرض ~~كنعان/فلسطين، قادما من موطن أطلقت عليه مرة «أور الكلدانيين» ومرة «بلاد حاران»، # 1 # ليسكن جنوبي أرض فلسطين (النقب)، التي أطلقت عليه المأثورات اليهودية ~~الكلاسيكية «أرض الأحبار»، أي أرض الأجداد الآباء البطاركة الأوائل إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط. # ويحكي المقدس التوراتي أنه قد حلت ببلاد كنعان سنوات عجاف «وجوع شديد في ~~الأرض»، وكعادة البدو على حدود مصر، لجأ إبراهيم مع زوجته سارة إلى وادي النيل ~~المصري، درءا للموت جوعا، وحصل من ملكها على خير جزيل وثروة عظيمة، بعد أن ~~زوج الفرعون سارة زوجته، بعد أن زعم أنها شقيقته وليست زوجته، وعاد بها بعد أن ~~ردها إليه الفرعون مرة أخرى، إلى أرض الأحبار. # وكرة أخرى تعود كرة الجفاف والجوع، لتعم المنطقة بأسرها زمن الأسباط، لكن مصر ~~تنجو من الجوع بحكمة يوسفية، حيث تمكن ذلك البدوي المتجول حفيد إبراهيم بعد أن بيع ~~عبدا في مصر، أن يصل إلى أعلى المناصب بدهاء إسرائيلي متميز، وأن يفيض بحكمته ~~على مصر وشعبها، بتخزين الحبوب للأعوام العجاف، وتنجو مصر وتفيء بخيرها على روادها ~~من جيران جوعى. # لكن الظروف في مصر تتغير فجأة بالكلية، ويأتي طاقم قيادي جديد إلى سدة الحكم، ~~ويتنكر السادة الجدد للأفضال الإسرائيلية، ويستعبدون بني إسرائيل في أعمال المعمار ~~والإنشاء بقسوة. # وبعد مرور «430 عاما» فيما تزعم التوراة العبرية المازورية، أو «215 عاما» كما ~~تزعم التوراة السبعونية، خرجت سلالة الأسباط من مصر، تحت قيادة شخصية جبارة هي ~~شخصية موسى، أول أنبياء بني إسرائيل، بعد أن دمر الرب يهوه مصر تماما، وتركها ~~خرابا يبابا، وعبر الخارجون البحر المنشق بمعجزة العصا الثعبانية، إلى براري ~~سيناء ms047 في طريقهم إلى فلسطين مرة أخرى. # ويقضي الخارجون سنتين ارتحالا، حتى يحلوا في مدينة في أقصى شرقي سيناء على ~~حدود النقب، باسم «قادش برنيع» أو «قادش عين مشفاط»، ويقضوا هناك ثمانية وثلاثين ~~عاما، حتى تمكنوا من غزو فلسطين من شرقها عبر نهر الأردن عند أريحا شمالي البحر ~~الميت، وبذلك يكون قد انقضى منذ خروجهم من مصر إلى غزو أريحا حوالي أربعين عاما، ~~تعرف اصطلاحا باسم سنوات التيه. # وعاش الخارجون على هامش الحياة الكنعانية في فلسطين، تحت حكم القضاة القبلي، حيث ~~كان القاضي هو شيخ القبيلة. ويزعم المقدس أن زمن القضاة قد استمر حوالي أربعة قرون ~~أخرى، حتى قامت للإسرائيليين أول مملكة في فلسطين، تلك التي أسسها شاءول بعد أن ~~اختاره للعرش الكاهن القاضي صموئيل، بضغط من أفراد الشعب الذين طالبوا بالتحول عن ~~نظام القضاة البدوي إلى النظام الملكي المركزي، أو كما قالوا لصموئيل في التوراة: ~~«اجعل لنا ملكا يقضي لنا كسائر الشعوب» (صموئيل أول، 8: 5)، ليحكم شاءول على ~~إسرائيل جميعا أو على إسرائيل ويهوذا معا (كل إسرائيل). # ويظهر شاب وسيم طموح باسم داود، يتمكن بعصابة من شذاذ الآفاق وبمجموعة من ~~الحيل السياسية والمؤامرات المدروسة، يتمكن من إنهاء حكم أسرة شاءول ويقفز على ~~العرش، وبعدها يصبح داود هو المؤسس الحقيقي لدولة إسرائيل الموحدة، بعد أن تم تفسير ~~تلك الأحداث السياسية وفق رؤى دينية، حيث ستفسر الملكية بعد ذلك باحتسابها عهدا ~~بين يهوه وبين داود وسلالته وأولاده، يمتد إلى العهد القديم مع البطاركة ~~الأوائل. # وتوطدت سلطة داود المركزية، ثم من بعده سلطة ولده سليمان، الذي تمكن من تحجيم دور ~~الكهنة ونفوذ الأنبياء الكثر، حتى إن داود بدأ يعين الكهنة بنفسه (انظر صموئيل ~~الثاني، 8: 17 و20: 25-26)، ويؤدي بنفسه الوظائف الكهنوتية ليجمع بيديه السلطة ~~الزمنية والسلطة الدينية في ديكتاتورية متكاملة، ورغم أن تقديم المحرقات أو ~~الذبائح أو القرابين للإله، كانت قاصرة على الكهنة اللاويين بأوامر الرب يهوه في ~~شرائع موسى، وكان العقاب صارما لمن يفعل ذلك من غير اللاويين وينتهي بالموت، وهو ~~السيناريو الذي ms048 تم بموجبه تصفية بيت شاءول؛ لأنه أقدم بنفسه على كسر احتكار الكهنة، ~~وتقديم القرابين بنفسه، لكن لأن للقوة منطقها فقد تمكن داود من أن يجمع السلطتين ~~في يده، دون أن يخشى أحدا ولا حتى الرب يهوه نفسه، «وأصعد محرقات أمام يهوه وذبائح ~~سلامة، ولما انتهى داود من إصعاد المحرقات وذبائح السلامة بارك الشعب باسم يهوه رب ~~الجنود» (صموئيل الثاني، 6: 17-18). # وعندما جاء ولده سليمان جازف أكثر، حتى إنه عندما اختلف مع الكاهن الأكبر أبيثار ~~«طرد ... أبيثار عن أن يكون كاهنا ليهوه.» أي أنه استبعد الكاهن الأكبر ليهوه، والذي ~~كان زمن داود كاهنا أول لتابوت العهد في معبد يهوه المركزي، لكن كتابع لداود الملك ~~(انظر ملوك أول، 2: 26-27)، وهو ما دفع بالكهنة إلى تدبير مؤامرة كبرى ضد سليمان، ~~تزعمها النبي أخيا الشيلوني (أي أخيا الذي من قرية شيلوه)، بمشاركة أحد المقربين ~~من الملك ويدعى يربعام. ويدين المحرر التوراتي يربعام، وكيف تجرأ ورفع يده على ~~الملك (ملوك أول، 11: 26)، وتتضح المؤامرة من النص القائل: # وكان في ذلك الزمان لما خرج يربعام من أورشليم، أنه لاقاه أخيا الشيلوني ~~النبي في الطريق، وهو لابس رداء جديدا وهما وحدهما في الحقل، فقبض أخيا ~~على الرداء الجديد الذي عليه، ومزقه اثنتي عشرة قطعة، وقال ليربعام خذ ~~لنفسك عشر قطع؛ لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل: «ها أنا ذا أفرق المملكة ~~من يد سليمان وأعطيك عشرة أسباط، ويكون له سبط واحد.» (ملوك أول، 11: ~~29-32) # والنص هنا يصبح واضحا، عندما نعلم أن يربعام هذا قد قام بثورة ضد رحبعام بن ~~سليمان بعد موت سليمان، واستقل بعشرة أسباط «عرفت في التاريخ باسم الأسباط ~~الإسرائيلية»، وأقام مملكة شمالية عرفت باسم «إسرائيل»، وترك الجنوبية لرحبعام بن ~~سليمان، وهي التي «عرفت بمملكة يهوذا الجنوبية»، وتفككت دولة إسرائيل المتحدة أو كل ~~إسرائيل إلى دولتين، غالبا ما كانتا بعد ذلك متعاديتين. # ولما كانت تلك مصيبة كبرى قد حلت بالمملكة، وكان يجب الاعتراف بها، ولما كان ~~يهوه ربا محبا لشعبه، يرجو له الخير؛ ولأن ما حدث ms049 لا بد كان قد حدث بإرادة ~~يهوه؛ ولأن ما حدث كان شرا مستطيرا؛ لذلك لجأ المحرر التوراتي لتبرئة يهوه، ~~وإلقاء اللوم على شعبه، ولو سألنا يهوه لماذا فرقت مملكتك وشعبك؟ فإنه يرد ويقول: # لأنهم تركوني وسجدوا لعشتروت إلهة الصيدونيين ولكموش إله الموآبيين، ~~ولملكولم إله بني عمون. (ملوك أول، 11: 33) # وعلينا هنا أن نلاحظ أمرا له أهميته، وهو أن أمهات ملوك بني إسرائيل كن غير ~~إسرائيليات، فداود يعود إلى جدة موآبية باسم «راعوث»، وأبشالوم ابن داود من أم ~~«جشورية» اسمها معكة، وسليمان ابن بتشبع «الحيثية»، ورحبعام بن سليمان من أم ~~«عمونية» (انظر صموئيل الثاني ، 3: 2؛ وملوك أول، 14: 21). # وملحوظة ثانية مهمة وهي أن الإسرائيليين، عندما قرروا إنشاء مملكة والتحول إلى ~~المركزية، لم يكن لديهم مراسم تتويج معلومة، «ومن هنا أخذو مراسم التتويج عن مصر ~~القديمة، وهو دهن المسحة أو المسح بالزيت»، ومن هذه المراسيم ظهرت أهم الأفكار ~~الإسرائيلية؛ لأن منشأ كلمة «شيحا» العبرية، يعود إلى طقس المسح بالزيت المقدس، ~~تتويجا للملك على العرش، أو رسم منصب الكاهن الأكبر. وتمثل الطقس التتويجي بصب ~~الزيت، أو مسحه بالإصبع على رأس الممسوح أو جبهته، وبعد ذلك يتحول إلى شخص مقدس لا ~~يمس، آمرا ناهيا باسم الإله (انظر صموئيل الأول، 26: 9)، «وبعد مسح الملك يصبح ~~مسيحا مقدسا» (؟!). # شكل 2-1: المسحة المصرية المقدسة بالدهن أو الزيت المقدس. # وحتى تقوم الدولة المركزية، وتتوحد مجموع القبائل المتناثرة، أرجع المحرر ~~التوراتي ذلك التوحد إلى الزمن القديم، فاخترع قرابات دم بين الآباء البطاركة ~~الأوائل، أسلاف تلك القبائل، وألقى بوحدة إسرائيل في مرآة التاريخ القديم إلى وحدة ~~عنصر ودم قرابية تأسيسية، رغم أننا سنعلم مما سيظهره هذا البحث، أنهم «كانوا قبائل ~~ضمن مجموعات قبلية عديدة، لا ترتبط برابطة الدم، قدر ما ارتبطت بروابط المصالح ~~المشتركة». # ورغم أن سيرة داود بالكتاب المقدس، تشير إلى شخص نفعي داهية، يضحي بأي كم من ~~الدماء لتحقيق مآربه، ويعقد التحالفات حتى مع أعداء شعبه، وكثيرا ما أظهر ورعا ~~زائفا، بينما كان يسعى لتحقيق مصالح دنيوية بحتة، فإن المحرر اللاهوتي اللاحق ms050 ~~رفع داود إلى موضع المختار من يهوه شخصيا، ووضعه في مصاف القديسين؛ «لأن يهوه ~~قد غفر له كل خطاياه وآثامه، والسبب أنه كان شديد الملاحة عظيم السمت جميل ~~الطلعة.» # وفنان أيضا ينشد المزامير على آلات الطرب، «وكان أشقر مع حلاوة العينين وحسن ~~المنظر ... يحسن الضرب بالعود» (صموئيل أول، 16: 12، 17). # وبشأن داود يقول «روجيه جارودي» في كتابه الذي كتبه بعد إشهار إسلامه، وترجمه له ~~الداعية الإسلامي عبد الصبور شاهين: # حينئذ بدأ الصعود الرهيب لداود، الذي جعل من إسرائيل قوة سياسية. كان ~~داود في بداية أمره حامل سلاح لشاول (صموئيل أول، 16: 21)، ثم أبعده شاول ~~لأنه كان يغار من انتصاراته ضد الفلسطينيين (28: 8)، بل حاول قتله (18: 11 ~~و19: 10)، فهرب داود في جبال الضفة الغربية لنهر الأردن، حيث كون ~~«عصابة» مسلحة قوية للغزو (25: 13)، كما كان يفعل الخابيرو قديما، «وعمل ~~داود مع مرتزقته في خدمة الفلسطينيين» الذين كانوا في حرب عنيفة ضد ~~إسرائيل ... ولم يكن الأمر في هذه الغارات أمر تحريم أو إبادة مقدسة، أمر بها ~~يهوه الرب، كما كانت الحال على عهد يشوع، إنما كانت مجرد «عمليات سطو مسلح ~~دنيوية محضة وسياسية» قامت بها المملكة التي سوف يشيدها داود، لا مع الفرق ~~المجندة من الأسباط، بل مع جنده المحترفين من كل جنس. ولما كان داود قد ~~تزوج من ميكال ابنة شاول، فقد كان صهرا للملك القديم (18: 22-27)، وهو ما ~~جعله خليفته الشرعي، عند ذلك تدخل الفلسطينيون للمرة الأخيرة فهزمهم داود، ~~لا بواسطة جيش الأسباط بل بالمرتزقة. (صموئيل الثاني، 5 : 12) # 2 # ويزعم المقدس أن داود تمكن في سنوات قلائل، من إقامة دولة كبرى، أخضعت بلاد ~~جيرانها مثل آدوم وموآب وعمون، بل وأجبر الأراميين في دمشق على دفع الجزية، وأخذ ~~أورشليم من اليبوسيين واتخذها عاصمة لملكه، وجعل ليهوه مقرا واضحا، بنقل التابوت ~~المتجول، الذي ينام فيه يهوه، من حالة البداوة المرتحلة إلى حالة الاستقرار المدني ~~في مدينة، ثم تقديسها لنزول الإله بها، وأعطى أورشليم قدسية لتصبح رمزا لوحدة ~~إسرائيل، رغم أن هذه القدسية كان يحوزها قبل ذلك جبل ms051 حوريب المقدس بسيناء، حيث كان ~~يتجلى الرب المدمدم المزمجر العاصف الناري لموسى، وحيث صنع التابوت، وحيث التقى ~~موسى بربه، وحيث تلقى موسى ألواح الشريعة، وحيث كان هناك مقر الإله وعلامات ~~قوته في سيناء المصرية. # وقد تزامن تشكيل المملكة الإسرائيلية الموحدة في فلسطين مع فجر القرن العاشر قبل ~~الميلاد، ومع بداية تمركز الأراميين في ممالك ببلاد الشام، ورغم أن البحوث ~~الأركيولوجية لم تفدنا إطلاقا بمثل هذا التوسع للدولة الإسرائيلية، فهو مما يوعز ~~بشدة أن حكاية إخضاع داود للشعوب الأخرى، لم تكن سوى مبالغات من المحرر التوراتي، ~~صاغها في حبكة ملحمية، حيث لا دليل تاريخي، ولا آثاري يؤكدها أو حتى يشير إليها ~~مجرد إشارة، لا في نصوص آثار فلسطين ذاتها، ولا في أي أثر من آثار حضارات المحيط ~~بالمنطقة جميعا. # لكن ذلك لا يعني شطب القصة برمتها، وعدم اعتماد تاريخيتها، لأن أول تقاطع بين ~~التوراة وبين التاريخ، كعلم نجده في حديث التوراة عن ملك حكم في دمشق باسم «بن حدد ~~بن طبريمون الأرامي»، إبان حرب بين مملكتي يهوذا وإسرائيل، وهو ما جاء في ~~النص: # وأخذ آسا (ملك يهوذا المملكة الجنوبية) جميع الفضة والذهب الباقية في ~~خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك، ودفعها ليد عبيده وأرسلهم الملك آسا إلى ~~«بنهدد بن طبريمون بن حزيون، ملك أرام الساكن في دمشق» قائلا: إن بيني ~~وبينك وبين أبي وأبيك عهدا، هو ذا قد أرسلت لك هدية من فضة وذهب، فتعال ~~انقض عهدك مع بعثا ملك إسرائيل فيصعد عني. فسمع بنهدد للملك آسا وأرسل ~~رؤساء الجيوش التي له على مدن إسرائيل، وضرب عيون ودان وآبل بيت معكة وكل ~~كنروت مع كل أرض نفتالي. (ملوك أول، 15: 18-20) # وفي التاريخ كعلم تعطينا الوثائق اسم ملك أرامي هو «بن حدد الأول»، وقد عثر قرب ~~مدينة حلب على نصب بازلتي نذره هذا الملك باسمه «بن حدد بن طبريمون بن حزيون» ملك ~~أرام دمشق للإله ملقارت، ويرجع تاريخ النصب إلى حوالي عام 860ق.م. # وعليه نقش يقول: «النصب الذي أقامه بن حدد بن ms052 طبريمون بن حزيون ملك أرام لسيده ~~ملكارت الذي نذر له فسمع قوله.» ويحفظ هذا النصب الآن بمتحف حلب بسوريا، # 3 # والمنطق التاريخي أيضا يجب أن يفترض وجود معارك تنافسية حول المصالح ~~والسيادات بين دولتين، تنشآن في زمن واحد حيث يعود تاريخ نصب بن حدد إلى السنوات ~~الأخيرة من حكم آسا. ويصدق هنا المحرر التوراتي ويثبت أن التوراة ليس كتابا ~~للتلاوة الدينية والعظة الحكمية فقط، إنما هو أيضا مصدر تاريخي هام ووثيقة ~~عالية القيمة، رغم ما يشوبها طوال الوقت من تدخلات المحرر، بما لديه من أوهام ~~وأخيله وعواطف، وطموحات قادته إلى تمجيد ملوك إسرائيل تمجيدا عظيما، يتناقض مع ~~معلومات أخرى بذات المواضع بالكتاب المقدس، تشير إلى ضعف شديد ووهن كان سمة لتلك ~~المملكة وملوكها، كذلك لا يعرف علم التاريخ عظيما باسم داود فتح ممالك وهزم ~~شعوبا، ولا ملكا كونيا وحكيما حاز شهرة فلكية باسم سليمان، وكثيرا ما حير ~~هذا الأمر العلماء والباحثين فلا آثار مصر ولا العراق ولا تركيا ولا الشام ولا ~~فلسطين ذاتها، تنطق ببنت شفة في هذا الأمر، بينما تقرر رواية سفري صموئيل الأول ~~والثاني وسفر الملوك الأول، أن داود قد أقام إمبراطورية تمتد من النيل إلى الفرات، ~~وعليها قامت أحلام إسرائيلية كبرى في قرننا هذا، تطلب عودة الإمبراطورية الكبرى، ~~بحسبانها أمرا ربانيا وقرارا إلهيا، وتقول رواية هذه الأسفار إن تلك ~~الإمبراطورية الكبرى قد ورثها سليمان عن أبيه داود بعد موته، لكن رغم الهوس ~~الأركيولوجي في دولة إسرائيل اليوم، والذي دفع إلى نبش الأرض في كل موضع محتمل ~~للعثور على ما يؤيد هذه الرواية، فإن كل ذلك لم يفض إلى العثور على أي أثر مباشر ~~أو حتى غير مباشر، يشير إلى إمبراطورية داود وولده سليمان. # وكل ما يمكن قوله - بفرض وجود شخص اسمه داود - أنه ربما كان واحدا من الملوك ~~الصغار تمكن من رئاسة تحالف القبائل الإسرائيلية، التي كانت تسكن فلسطين آنذاك، ~~وفقط في مناطق الهضاب؛ لأن المسح الأثري لم يكشف أي وجود لبني إسرائيل لا على ~~الساحل الفلسطيني ms053 ولا شمالي فلسطين عند الجليل، ولا في صحراء النقب جنوبا، فقط ~~ربما امتد هذا التواجد بالمواقع الجبلية الوسطى الممتدة من دان (تل القاضي الآن ~~شمالا) حتى بئر سبع جنوبا. # وقد تمكن أحمد عثمان بحق من اكتشاف مميز، حيث قام بعقد مقارنات، انتهى منها إلى ~~أن محرري العهد القديم في بابل إبان القرن السادس قبل الميلاد، قد علموا بقصة ~~الفرعون الفاتح العظيم تحتمس الثالث، التي كانت تتواتر حتى ذلك الزمن بحسبانه بطلا ~~تاريخيا كبيرا، وأنه أقام إمبراطورية كبرى تمتد من النيل إلى الفرات، ولا زالت ~~قصة فتوحاته كأكبر فتوحات، تمت في العالم القديم حتى زمانه، مدونة على جدران معبد ~~الأقصر. ويرى عثمان أن الإسرائيليين قد بهرتهم تلك البطولات والأمجاد، ولما كانوا ~~طوال الوقت يعلنون ارتباطهم الوثيق بمصر، فلم يجدوا بأسا في «استعارة تلك القصة ~~البطولية من المأثور المصري، وإدخالها كما هي دون تعديلات واسعة في وسط قصتهم ~~الرئيسية عن داود». # والمتابع للقصة بالعهد القديم يجد أن داود كان معه، جيشا مكونا فقط من 600 مسلح ~~من رجال العصابات المرتزقة، وأنه دخل بهم معارك مع بني جلدته الإسرائيليين ومع ~~الفلسطينيين، ثم فجأة تجد تفاصيل معركة كبرى، وتتحول العصابة المأجورة إلى جيش ~~عظيم، يخوض معارك عظمى عند قلاع محصنة متعددة في بلاد الشام، ويرى عثمان أن سفر ~~صموئيل الثاني تحديدا يحتوي على إصحاحين هما رقم 8 ورقم 10 «مقتبسان بالكامل من ~~قصة حروب تحتمس الثالث الفاتح الأعظم»، كذلك يرى أن الإصحاح الخامس يحوي جزءا آخر ~~من القصة المصرية، وهو المتعلق باستيلاء داود على مدينة القدس، التي كانت ترديدا ~~لدخول تحتمس الثالث المظفر أورشليم. # 4 # ولو حذفنا من قصة داود المستعار المصري، لاقتصرت الرواية على صراع داود مع شاول، ~~ثم مع ابنه، ثم مع شبع بكري من قبيلة بنيامين، وكان صراعا على العرش وليس أكثر من ~~ذلك، فكان داود بهذا الرأي مشغولا طوال الوقت، بخلافات العائلة والثوار الذين ~~ثاروا عليه. # هذا ناهيك عن كون ظروف بني إسرائيل، حسبما وردتنا بالعهد القديم، تتناقض تناقضا ~~شديدا ms054 مع مسألة الإمبراطورية والتوسع والفتوحات، فهم يظهرون في حالة دائمة من ~~الدفاع عن وجودهم إزاء الفلسطينيين، وهي حالة تتناقض مع استعارات، كتلك التي تقول ~~إن داود ضرب حدد عزر، وذهب يرد سلطته عند نهر الفرات، بينما «لا نجد قبل كورش ~~الفارسي، أي ذكر لأي ملك من ملوك العالم القديم، تمكن من مد حدوده ما بين النيل ~~والفرات، سوى تحتمس الثالث». # 5 # ويرى عثمان أن محرري التوراة، قد اختاروا قصة تحتمس الثالث، لنسبتها إلى داود ~~لأسباب أهمها: أولا أن تحتمس الثالث كان أول من أقام إمبراطورية تشمل العالم ~~القديم المعروف في زمانه، وثانيا أن اسمه «تحوت-موسى» يتطابق في شقه الأول «تحوت» ~~مع اسم «داود»، وفي رأينا يجب نطق «تحوت» الإله المصري «ضحوت» أو «ضحوض» وهو ~~الأقرب، ويتطابق مع اسم «داود» تماما والحاء تسقط بالتخفيف والإهمال، وسنقدم في ~~الفصول المقبلة الكثير عن هذا الإله، وثالثا، أن تحتمس الثالث هو الفرعون، الذي ~~دخل إبراهيم في زمنه إلى مصر، وهو الذي تزوج من سارة، # 6 ~~«وهنا نختلف مع عثمان، ونتباعد تماما عن بقية ما يقوله حتى ~~النهاية.» # ونترك عثمان يستمر في سرد رؤيته لنعود إلى بدايته، حيث يجد ثلاثة إصحاحات خارج ~~سياق الرواية، وضمنها ما ورد في الإصحاح الخامس عن استيلاء داود على أورشليم، ويقول ~~هذا الإصحاح: «ذهب الملك ورجاله إلى أورشليم سكان الأرض، وأخذ داود حصن صهيون، هي ~~مدينة داود.» وعاش داود في الحصن وزاد من تدعيمه، وبدلا من القتال المستمر بينه ~~وبين الفلسطينيين، نجد فجأة قصة حروب عظيمة، خاضها داود ضد تحالف أعظم، ضم ملوك ~~كنعان وبلاد الشام، ويقوم داود هنا بدور البطل المغوار المهاجم، الذي يغزو كل ~~الممالك الواقعة بين النيل والفرات، وتقول النصوص المقحمة على حكاية داود الأصلية، ~~إن مركز اللقاء الحربي قد حدث عند مدينة ربة (بالعربية: ربطة/الرباط [المؤلف])، ~~وكانت عاصمة بلاد عمون الواقعة شرقي نهر الأردن، ويحتمل أنها عمان الأردن الحالية، ~~وتحكي القصة أن ملك هذه المدينة توقع مهاجمة داود له، فقام بجمع ملوك دويلات بلاد ~~فلسطين والشام ms055 تحت قيادة هدد أو حدد عزر ملك واحدة من الممالك الآرامية، وتجمعت ~~جيوش الأحلاف عند ربة بني عمون، وقسمت نفسها قسمين: واحد داخل أسوار المدينة ~~والآخر خارج المدينة على الأرض المكشوفة بالجوار منها، وفعل داود ذات الأمر، فقسم ~~جيشه قسمين، وعند الالتحام العسكري هربت جيوش التحالف المتجمعة في الأرض المكشوفة، ~~وأسرعت مع ملوكها بدخول المدينة المحصنة، وأغلقوا الأبواب؛ مما اضطر داود لفرض ~~الحصار عليها، وترك جيوشه تحاصر مدينة ربة، وعاد إلى أورشليم ينتظر استسلامها، ~~وبالفعل تمكنت جيوشه من فتح مدينة ربة، فجمع داود كل الشعب وذهب إلى ربة وحاربها ~~وأخذها وأخذ تاج ملكهم عن رأسه، ووزنه وزنة من الذهب مع حجر كريم، وكان على رأس ~~داود، وأخرج غنيمة المدينة كثيرة جدا (صموئيل ثاني، 12: 29، 30). # 7 # ورغم الهزيمة التي مني بها التحالف، نجد حدد عزر ملك صوبة الآرامية موجودا، ~~وينظم التمرد ضد داود؛ مما يشير إلى وجوب استنتاج أنه هرب بجلده من الهزيمة عند ربة ~~عمون، لكن داود يتمكن مرة أخرى من هزيمته، عندما سار إلى شمال سورية، حين ذهب ~~«ليرد سلطته عند نهر الفرات.» ونصب داود تذكارا (أقام لوحة/نصبا تذكاريا) عند ~~نهر الفرات، يخلد بها انتصاراته الكبرى، وبعد هذا النصر المؤزر، استسلمت لداود كل ~~ممالك التحالف السوري الكنعاني، وأصبحوا من أتباعه «ولما رأى جميع الملوك عبيد هدد ~~عزر، أنهم انكسروا أمام إسرائيل، صالحوا إسرائيل واستعبدوا لهم.» ومن ثم قام داود ~~ينشر حامياته العسكرية في سورية وكنعان، ليضمن سيطرته عليها، ولضمان تدفق الجزية في مواعيدها. # 8 # ويرى عثمان أن كل ذلك السرد البطولي، لا علاقة له بداود الإسرائيلي بل ~~بتحتمس/تحوت/ضحوت المصري، ويحكي: «وكان الملك أحمس قد بدأ حكم الأسرة 18 في مصر عام ~~1575ق.م. عندما طرد ملوك «الهكسوس الكنعانيين» من مصر (مسألة أن الهكسوس كنعانيون ~~بهذا القطع، نخالف فيها عثمان كما سيظهر من السير في بحثنا هذا [المؤلف]) ... وجاء ~~آمنحتب الأول فخرج إلى كنعان وجنوب سورية في مطاردة لفلول الهكسوس ... ولم يكن ~~لآمنحتب الأول ولد فزوج ابنته إلى القائد العسكري تحتمس (الأول ms056 [المؤلف])، وتمكن ~~هذا الملك - مع أن حكمه لم يتجاوز 18 سنة - من الوصول بجيشه إلى جنوب الأناضول عبر ~~الفرات، وهناك أقام لوحة سجل عليها أخبار انتصاراته، وكان لتحتمس ابن من زوجة ~~أخرى غير زوجته الملكية، أراد أن يخلفه على العرش، فزوجه حتشبسوت ابنته الوريثة، ~~لكن تحتمس الثاني (أي هذا الابن [المؤلف]) لم يكن مقاتلا مثل أبيه، فهو لم يقم بأي ~~معركة حربية طوال عقدين من الزمان، جلس فيهما على عرش مصر، وواجه تحتمس الثاني ~~المشكلة التي واجهها الأب من قبل، فهو لم ينجب ابنا من الوريثة حتشبسوت، وكان له ~~ابن وحيد من محظية اسمها إيزيس، أراد أن يجعله وليا للعهد، ومع أن حتشبسوت ~~أنجبت له بنتا، إلا أنها لم توافق على زواجها من ابن المحظية، فحرمته من حق خلافة ~~أبيه عن هذا الطريق (كان حق العرش في مصر القديمة، لمن يتزوج الأميرة الوريثة ~~[المؤلف]). # وبسبب عدم وجود ولي عهد شرعي في البلاد، قام الكهنة في يوم احتفال العيد بحمل ~~تمثال آمون في تابوت، وطافوا به حول قاعة الأعمدة الكبيرة بالكرنك، وتحرك التابوت ~~وجاء عند ابن الملك - وكان ما زال طفلا لا يتجاوز الخامسة من عمره، وقد التحق ~~بالمعبد للدراسة - وقاده الكهنة وأوقفوه عند قدس الأقداس في المكان المخصص للملوك، ~~وكان ذلك تعبيرا عن أنه أصبح ابنا لآمون بالتبني، فضار له الحق بالتالي في ~~خلافة أبيه في العرش، من دون حاجة إلى الزواج من الوريثة، وخلف الطفل أباه على ~~العرش باسم نفرو رع تحتمس الثالث، ومع ذلك وبسبب صغر سنه، أصبحت حتشبسوت زوجة أبيه ~~وصية عليه، وسرعان ما أعلنت نفسها ملكة إلى جانبه، وطوال حياة حتشبسوت التي استمرت ~~22 عاما بعد وفاة زوجها، ظل تحتمس الثالث بعيدا عن السلطة. ~~... وعندما تولى تحتمس الثالث الحكم بعد أبيه، كان قد مر حوالي أربعين عاما خلال ~~حكم أبيه وزوجة أبيه، لم يشن الجيش المصري أي حملات عسكرية، وكان ملك قادش الواقعة ~~في منتصف الطريق بين دمشق وحمص في شمالي سورية، قد تزعم تحالفا من ms057 ملوك سورية ~~وكنعان في حركة تمرد على السلطة المصرية.» # 9 # ويقف عثمان يرصد مقارنا فيرى القصتين، تتفقان على مواجهة الملك لتحالف من ملوك ~~كنعان وأرام، بقيادة ملك أرامي عند مدينة محصنة، وفي كلتا القصتين نجد جيوش ~~التحالف مقسمة إلى قسمين، أحدهما داخل المدينة والآخر خارجها، وكذلك فعل الملك ~~فقسم جيشه قسمين، وفي كلتا القصتين تهزم جيوش الملك المتحالفين، الذين يهرعون إلى ~~داخل أسوار المدينة، وأن الملك بطل القصة في القصتين، قد حاصر المدينة وأقام في ~~مدينة أخرى، ثم ذهب ليتسلم المدينة بعد استسلامها، وفي كلتا القصتين نجد ملك ~~التحالف المهزوم، يهرب ويعود إلى مملكته، ويجمع شتات المتحالفين المتمردين مرة ~~أخرى، لكن ليسير إليهم بطل القصة ويهزمهم، ثم يسترجع سلطته عند الفرات، ويقيم على ~~الفرات نصبا تذكاريا، ويعلن كل الملوك ولاءهم ويدفعوا الجزية، ويقيم الملك البطل ~~حاميات في كل مكان، إعلانا عن نفوذه أينما كان. # 10 # وبعدها يعرج عثمان على القصة الأصلية، حيث دونت هناك في جنوب الوادي المصري، على ~~جدران معبد الأقصر بعاصمة الإمبراطورية الكبرى ليحكي لنا: «وخرج تحتمس الثالث بجيشه ~~من مدينة زارو الحربية عند القنطرة شرق، وسار في طريق حورس بشمال سينا متجها إلى ~~كنعان، ووصل الملك إلى مدينة غزة، وكانت ما تزال خاضعة للنفوذ المصري، وهناك احتفل ~~بعيد جلوسه الثالث والعشرين، وكانت المعلومات التي وصلت القيادة المصرية، تفيد بأن ~~ملك قادش جمع عددا كبيرا من ملوك سورية وكنعان، عند مدينة مجدو بوسط كنعان، وكانت ~~أكبر مدينة محصنة، فسار تحتمس الثالث بجيشه على سلسلة جبلية وعرة محاذية للبحر، ~~وكانت هناك ثلاثة طرق تؤدي لهذه المدينة، طريق ينتهي غربي مجدو والثاني يؤدي إلى ~~جنوبها الشرقي، بينما الثالث كان طريقا أشد وعورة «مع ضيق شديد»، لكن تحتمس ~~الثالث قرر ركوب الصعب، فسلك الطريق الثالث رغم خطورته؛ لأنه الطريق الذي كان لا بد ~~سيستبعد الأعداء مجيئه منه، وكانوا قد قسموا جيوشهم قسمين، واحد داخل المدينة ~~والآخر خارجها يقف عند نهاية الطريق الممهد ينتظرون مجيئه. # واختبأ تحتمس الثالث يومين في الجبال، حتى ms058 يسمح لجيشه «بعبور المضيق»، وقسم جيشه ~~إلى وحدتين، كان هو نفسه على رأسهما، فوق عربته الحربية المطهمة بالذهب، وخرج ~~عليهم من عند المضيق مباغتا؛ ليجدوه في القلب من صفوفهم، وكان لظهور المصريين ~~المفاجئ أثره، فارتبك جيش الأحلاف، وأخذوا يولون الأدبار تاركين الخيول والعجلات ~~والسلاح، فانهمك أفراد الجيش المصري في الغنيمة، دون متابعة العدو واحتلال المدينة؛ ~~مما أعطى الفرصة للأحلاف للتحصن داخل أسوار مجدو وإغلاق أبوابها، واضطر تحتمس ~~الثالث إلى فرض الحصار على المدينة، بينما تمكن ملك قادش الزعيم من الهرب، وذهب ~~تحتمس الثالث ينتظر تسليم مجدو في مدينة أخرى، فتحت له أبوابها دون قتال، وبعد ~~سبعة أشهر استسلمت مجدو، وخرج أمراء التحالف يحملون الهدايا لتحتمس طالبين السلام، ~~وسلموا كل أسلحتهم ومركباتهم، وعند حضور تحتمس لاستلام المدينة وقف أمامه 350 ~~ملكا، يعلنون خضوعهم لسلطان مصر. # وعاد الفرعون المنتصر إلى عاصمته المصرية في طيبة، بينما كان ملك قادش يعيد تجميع ~~الأحلاف مرة أخرى، فخرج إليه تحتمس الثالث بعد سبع سنوات، ليستعيد نفوذه الذي سبق ~~وأقامه جده عند نهر الفرات، وسقطت قادش وعبر تحتمس الثالث الفرات، «وأقام بجوار نصب ~~جده التذكاري نصبا جديدا، يسجل أخبار انتصاراته»، وبذلك يكون تحتمس الثالث هو ~~الشخص الذي تنطبق عليه عبارة العهد القديم، جملة وتفصيلا وكلمة كلمة، وهي التي ~~تقول عن داود إنه: «ذهب ليرد سلطته عند الفرات، ونصب تذكارا هناك.» # 11 # ولا يبقى سوى اختلافات طفيفة بين القصة التوراتية وبين القصة المصرية، وهي ما ~~يبرره عثمان بقوله: «أما استخدام كتبة العهد القديم لأسماء أخرى مثل «ربة» بدلا من ~~«مجدو»، و«صوبة» بدلا من (قادش)، فهذا شيء متوقع منهم لمحاولة إخفاء الأصل ~~الحقيقي للقصة، فمدينة ربة هي عمان الحالية عاصمة الأردن، ولم تكن سوى قرية صغيرة ~~غير محصنة في عصر داود، «أما صوبة فلم يتم العثور على موقع بهذا الاسم، في أي من ~~المصادر التاريخية القديمة»، ومجدو (تل المتسلم حاليا حسبما يرى بعض الباحثين)، ~~التي كانت أهم المدن الحربية في كنعان، موجودة داخل الإمبراطورية، التي يقول سفر ~~أخبار الملوك ms059 الأول، إن داود أورثها لسليمان، وجاءت نتيجة الحفريات الحديثة لتنكر ~~كل ما نسبه كتبة العهد القديم لداود من انتصارات مزعومة. ومع أنه تم العثور على ما ~~يؤكد دمار المدن، التي تقول القصة بدمارها على يد داود، إلا أن تاريخ هذا الدمار ~~ثبت أنه يرجع إلى عصر تحتمس الثالث في النصف الأول من القرن 15ق.م. وليس إلى عصر ~~داود بعد ذلك بخمسة قرون.» # 12 # ولنا هنا ملحوظة، وهي أن المعلومات التي خالفت بها التوراة القصة المصرية، ربما ~~لم تكن مخالفة، لو نظرنا إليها من وجهة نظر أخرى، ستأتي في حينها في ثنايا عملنا ~~هذا، «حيث سنفترض لمملكة صوبة مكانا آخر تقع فيه، ووفق هذا الفرض سنكتشف أن مجدو ~~كانت تقع في الجوار منها فعلا، وأن قادش في النصوص المصرية كانت تقع بدورها في ~~الجوار من صوبة، كما أشارت النصوص التوراتية.» # ويتابع عثمان مقارناته فيقرأ بالعهد القديم، أن داود بعدما صار ملكا على كل ~~إسرائيل (يهوذا وإسرائيل)، قام بالاستيلاء على مدينة أورشليم «ذهب الملك ورجاله إلى ~~أورشليم إلى اليبوسيين سكان الأرض، وأخذ داود حصن صهيون وهي مدينة داود.» وتعبير ~~الملك ورجاله لا يشير إلى جيوش جرارة، تفتح البلاد وتهزم الملوك، إنما يشير إلى ~~عصابة تتكون بحد أقصى من 600 مقاتل، وقد اعتمد داود خطة ذكية لدخول مدينة ~~أورشليم المحصنة، فقد كانت المدينة تقوم على هضبة مرتفعة، وكانت تحصل على المياه ~~من نبع في أسفل الوادي بأسفل المدينة، عبر ممر محفور تحت أسوار المدينة يصل إلى ~~عين الماء، وكان يمكن الحصول على الماء أثناء الحصار بهذا الشكل، دون أن يخرجوا من ~~المدينة المرتفعة، وكان داود يعرف هذا الأمر، فأعلن أنه سيكافئ الرجل الذي يمكنه أن ~~يتسلق البئر إلى داخل المدينة، ويفتح أبوابها، بتعيينه رئيسا على رجاله. وهكذا ~~تمكن داود من الاستيلاء على أورشليم، لكن عثمان يعقب بأنه قد «عجز الأثريون عن ~~العثور على بقايا تدعم هذه الرواية.» # 13 # لكن في واقع الأمر أن عثمان لا يعرف أنه قد تم العثور على ذلك الموقع ms060 ~~جميعه، وبتفاصيله الدقيقة مع الأثر الأركيولوجي المدون، الذي يحكي قصة حفر النفق ~~بين المدينة العالية، وبين مصدر المياه البعيد المنخفض. # معروف أن أورشليم التي كانت تعرف بمدينة اليبوسيين، نسبة إلى قبيلة يبوس التي ~~سكنتها، واتخذتها مدينة منيعة وقلعة حصينة، كانت تقع بكاملها إلى الجنوب من ~~أورشليم الحالية، على سلسلة تلال القدس الشرقية، «وقد تطابقت جغرافية المدينة ~~وطبوغرافيتها المكتشفة، مع عرض العهد القديم بشأنها»، فقد بنيت المدينة على الجزء ~~الجنوبي من السلسلة الشرقية، وبني الهيكل على الجزء الأوسط منها، أما الجزء الشمالي ~~فلم يكن ضمن المدينة القديمة، ويقع حاليا ضمن مدينة القدس، وتحيط بأورشليم التلال ~~من جوانب ثلاثة، كما هو واقع وكما هو وارد في «مزامير، 125: 2»، فإلى الشمال الشرقي ~~يقع جبل المشهد أو جبل المشارف، ويسمى أيضا جبل سكوبس، وإلى الشرق يقع جبل ~~الزيتون، وفي الجنوب جبل المكبر. # وأما الوديان فيقع وادي قدرون شرق أورشليم بين المدينة وبين جبل الزيتون، وكان ~~يسمى وادي يهو شافاط أيضا (يوئيل، 3: 12)، ويسميه العرب الآن وادي الست مريم، وفي ~~الغرب بين سلسلة التلال الشرقية والغربية، يقطع المسافة وادي تيبريون، ويسميه العرب ~~اليوم «الوادي» فقط، وإلى الغرب من التلال الغربية يقع وادي هنوم، الذي يسميه العرب ~~الآن وادي الربابة. # وقد أثبتت التنقيبات أن المدينة تعود إلى مطلع الألف الثالث قبل الميلاد زمن عصر ~~البرونز الأول، ويبدو أنها كانت مدينة صغيرة بدون أسوار، ومع مطلع الألف الثاني ~~قبل الميلاد، تظهر دلالات انقطاع حضاري وسكني، يبدو أنه قد حدث إبان الموجة ~~الهكسوسية، التي احتلت مصر حوالي ذلك الزمان. ومع مطلع عصر البرونز الوسيط يلاحظ ~~انتعاشا جديدا، وتظهر المدينة اليبوسية، التي تم العثور على سورها وتزمين بنائه ~~بحوالي عام 1800ق.م. «وهي الفترة التي ظهر فيها لأول مرة اسم أورشليم في نصوص مصر.» # 14 # وكان موضع المدينة محاصرا بنبع جيحون في وادي قدرون، وكان المصدر الرئيسي لمياه ~~الشرب، ومن ثم تم بناء السور قرب النبع لحمايته أثناء الحصار، لكنه من جانب آخر ~~بني بحيث لا يهبط نحو الوادي، فيكشف المدينة والمدافعين ms061 عنها، ومن هنا «تم حفر نفق ~~تحت الأرض بين المدينة والنبع، يمر أسفل السور وتم الكشف عنه»، وهو قناة سلوام ~~المذكورة في الرواية التوراتية، والتي نفذ منها القائد يوآب ومجموعته، لاقتحام ~~المدينة بطلب الملك داود، كما في سفر صموئيل الثاني (5: 8) وأخبار أيام أول (11: 6، ~~7). # ومن أهم أعمال الملك اليهوذي حزقيا الباقية للآن، هو سحبه مياه نبع جيحون، إلى ~~قناة تمر تحت مدينة أورشليم، حتى وادي تبريون لتصب في بركة سلوام في موقع محصن، ~~لمنع الآشوريين من السيطرة على مصدر المياه الوحيد، الذي يغذي المدينة بالمياه، ~~«وحزقيا هذا سد مخرج مياه جيحون الأعلى، وأجراها تحت الأرض إلى الجهة الغربية من ~~مدينة داود، وأفلح حزقيا في كل عمله» (أخبار أيام ثاني، 22: 3، 4، 30)، ولم تزل ~~بركة سلوام موجودة وتعرف اليوم باسم بركة سلوان، ويعرف نبع جيحون باسم نبع العذراء، ~~وقد اكتشف المنقب وارن # Warren # القناة في 1867م، ~~ونظفها المنقب باركر Parker # في 1911م، وتابع ~~العمل بها بعثة الأركيولوجية كاثلين كينيون 1961-1967م، ويتطابق مجرى القناة ~~المكتشفة الآن مع وصف سفر أخبار الأيام الثاني. # 15 # وقد تم العثور على نقش حجري، يصف اللحظة الأولى لانتهاء حفر القناة اليبوسية تحت ~~المدينة، وكيف التقى فريقا الحفر القادم كل منهما من الاتجاه المعاكس، ويقول ~~النقش: «بينما النحاتون يرفعون فأس الحفر كل تجاه رفيقه، وبينما بقي ثلاث أذرع ~~للنحت، سمع صوت رجل ينادي أخاه؛ لأنه وجد ثقبا في الصخر من ناحية اليمين، وفي يوم ~~انتقابه ضرب النحاتون رجل أمام رجل، وفأس على فأس، وسالت المياه من النبع إلى ~~البركة، مسافة مائتين وألف ذراع ومائة ذراع، وكانت قمة الجبل فوق رأس النحاتين.» # 16 # ولأن أحمد عثمان فيما يبدو، لم يتابع تلك الكشوف، فقد أنكر قصة أولئك الجنود، ~~الذين دخلوا المدينة عبر النفق والقناة، واحتسب أورشليم هي المدينة التي استراح ~~فيها الملك الفاتح داود أو تحتمس الثالث سبعة أشهر، كانت هي مدة حصار ربة كما في ~~قصة داود، أو حصار مجدو كما في قصة تحتمس، وأنها كانت مدينة صديقة للفاتح، فتحت له ~~أبوابها ms062 دون قتال ورحبت به؛ لذلك أطلق عليها منذ ذلك الحين اسم مدينة السلام أو أورشليم. # 17 # هذا رغم أنه كان بإمكان عثمان المتابعة، وافتراض أن قصة دخول المدينة عبر النبع ~~والقناة، قد حدثت بأمر من تحتمس الثالث، وليس داود، خاصة وأن أورشليم لم تكتسب ~~اسمها زمن تحتمس الثالث، كما يذهب عثمان، إنما أبعد من ذلك بكثير، وقد سبقت إشارتنا ~~إلى أن أول ظهور لهذا الاسم، كان في النصوص المصرية حوالي 1800ق.م. «أي قبل زمن ~~تحتمس الثالث بحوالي أربعة قرون كاملة»، ورغم ذلك يصر عثمان ويتابع القول، إن «هذه ~~المدينة التي انفردت بإعلان السلام مع الملك المصري في تلك المعركة، أصبح السلام ~~جزءا من اسمها منذ ذلك التاريخ، فهي صارت معروفة على أنها مدينة السلام أو ~~أورشليم، والمدينة التي يسميها العرب قدس أو بيت المقدس، لم تعرف في أي من المصادر ~~القديمة باسم أورشليم، إلا بعد عصر تحتمس الثالث.» # 18 # ويرى عثمان أن تحتمس الثالث، لم يذكر في قائمة المدن الكنعانية، التي أخضعها ~~مدينة باسم أورشليم؛ لذلك افترض أنها تلك التي جاءت في نصوصه باسم قادش، الذي هو ~~اسم القدس الحالية، هذا «بينما سنفترض نحن لقادش افتراضا آخر سيأتي في ~~حينه». # وكما قدم عثمان قراءته الجديدة لأهم السجلات المقدسة، حول المؤسس الحقيقي لدولة ~~إسرائيل الموحدة أو كل إسرائيل المعروف باسم داود، وأبان عن ميل شديد من المحرر ~~التوراتي، إلى نسبة الأعمال العظيمة لبني إسرائيل، كما حدث مع تحتمس الثالث وداود، ~~فإنه يعرج على مبالغات المحرر التوراتي بشأن مملكة سليمان الأسطورية، ليكشف لنا ~~أنها لم تكن سوى تسجيل لصدى أيام حكم الفرعون المصري آمنحتب الثالث، هارون رشيد ~~العالم القديم، لكنه يقول لنا هذه المرة، إن هناك مصادر أساسية لتلك المقارنة، ثم ~~لا يذكرها لنا، فهو يؤكد أنه قد «لاحظ كثير من المؤرخين الشبه الشديد بين قصة ~~سليمان كما وردت في سفر الملوك الأول، وتفاصيل حياة آمنحتب الثالث تاسع ملوك الأسرة ~~18 المصرية، والذي حكم لمدة 39 عاما عند بداية القرن الرابع عشر ms063 قبل الميلاد.» # 19 # وعن هؤلاء المؤرخين الذين «لاحظوا» يأخذ عثمان ثم يحكي، «كان آمنحتب الثالث يسيطر ~~على معظم أرجاء العالم المعروف في زمانه، وعندما توفي والده تحتمس الرابع، كانت ~~الأمور استقرت للملك الصغير، الذي تولى الحكم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. ~~وعمد آمنحتب الثالث إلى الزواج من أميرات ممالك الإمبراطورية، وتبادل الهدايا مع ~~الملوك خصوصا الذهب، الذي كانت مصر تحصل عليه بكثرة من مناجم أفريقيا. وفي العام ~~العاشر لحكمه «تزوج آمنحتب، الأميرة جيلوخيبة ابنة شورتانا ملك ميتاني بشمال ما بين ~~النهرين»، وجاءت العروس إلى مصر في موكب كبير، ومعها 317 امرأة من الوصيفات ~~للانضمام إلى حريم الملك.» ~~«... وعاد آمنحتب فتزوج أميرة أخرى من مياني وأميرتين من بابل، وأميرة من سوريا ~~إلى جانب زوجاته المصريات.» # 20 # ثم يتابع: «عندما جلس آمنحتب الثالث على عرش مصر، كان الثراء قد وصل درجة لم يصل ~~إليها من قبل، ولا وصل إليها في أي عصر لاحق، واستطاع الملك الذي ساد السلام في ~~عصره، أن يستخدم هذا الثراء في البناء، سواء في مصر أو في بلاد سورية وكنعان، فشيد ~~المعابد والقصور والمدن المحصنة، وكان لوجود عدد كبير من أسرى الحرب في ذلك الزمان ~~أثر فعال.» # 21 # ثم يعقد المقارنات مع قصة العهد القديم، التي تتحدث عن ثروة سليمان، التي كانت ~~تأتيه من الممالك الخاضعة له «وكان وزن الذهب الذي أتى سليمان في سنة واحدة ستمائة ~~وستين وزنة ذهب.» وكانت فترة حكم سليمان فترة سلام، فلم يقم بأي حروب طوال سني حكمه ~~الأربعين؛ لذلك استعمل تلك الثروات في المعمار والإنشاء، كبناء قصر الملك وبناء ~~المعبد والهيكل، استخدم فيه جيشا من البنائين، جمعه من بين الشعوب التي خضعت له، ~~كما امتلأ قصره بالغيد الحسان من زوجات وجوار، وصل عددهم إلى ما يربو على الألف ~~امرأة، ويلاحظ عثمان أن «كل النسوة لم يكن بينهن ولو واحدة فقط من بني إسرائيل»! # 22 # ثم يقول: «وبينما لم يتم العثور على أية بقايا لكل هذه الإنشاءات، ترجع إلى القرن ~~العاشر ms064 ق.م. الذي عاش فيه سليمان، نجد الأدلة كلها تؤكد أن هذه الأعمال نفسها تمت ~~من أربعة قرون، قبل ذلك في عهد آمنحتب الثالث. والبعثة الأمريكية التي قامت بالكشف ~~عن القصر الذي بناه آمنحتب الثالث غرب الأقصر، أكدت أنه كان مكونا من البيوت ~~نفسها، التي ورد ذكرها في قصة سليمان، وما زال خشب الأرز اللبناني قائما هناك.» # 23 ~~... وإن هذه الإمبراطورية الإسرائيلية الوهمية، اختفت تماما كالسراب في ~~قصص العهد القديم نفسه، «بمجرد أن وارى التراب جثة سليمان، فلا قصور ولا حصون ولا ~~جيش جرارا، ولا سفن تجوب البحر إلى أوفير، ولا خشب من صور، ولا جزية من أرام سورية ~~أو من موآب وآدوم في الجنوب»، وعادت القصة إلى الصورة الأصلية لقبائل بني إسرائيل ~~المنتشرة على سفوح الهضاب الفلسطينية، في حالة مستمرة من الدفاع عن النفس أمام ~~قوى كانت دائما أكبر منها بكثير.» # 24 # والمعلوم أنه بعد موت سليمان، انقسمت المملكة إلى يهوذا في الجنوب، وإسرائيل في ~~الشمال، بينما قام الفرعون شيشنق المصري، بمهاجمة مملكة يهوذا، ولم تسجل نصوصه ~~شيئا عن مملكة قوية في فلسطين، ولم يذكر شخصا باسم سليمان ولا بالإشارة، بينما ~~كان العهد القديم يشير إلى مملكة وصل نفوذها إلى الفرات، وطبقت شهرة ملكها سليمان ~~الآفاق، ومن ثم يعقب فراس السواح بالقول: «فإما أن التاريخ قد أحبك مؤامرة صمت ~~مقصودة، وإما أن هذه المملكة الموحدة لم يقم لها قائمة، إلا في خيال المحرر ~~التوراتي؛ فلم يتم العثور على بنية واحدة من بناها، وعلم الآثار كما تقول السيدة ~~كينون، لا يستطيع تقديم أية فكرة عن مدينة العصر الذهبي وثرائها، وقصور سليمان التي ~~بناها له ولزوجاته.» # 25 # ويتابع: «وفي قصة زواج الملك سليمان من ابنة الفرعون، يقع المحرر في تناقض يظهر ~~الطابع الخيالي لنفوذ سليمان الداخلي والخارجي، فقد صعد فرعون مصر المجهول الاسم ~~على فلسطين وأخذ مدينة جازر، وهذه لا تبعد عن أورشليم أكثر من بضع عشرات من ~~الكيلومترات. وهكذا نعرف مدى النفوذ الفعلي للملك سليمان، الذي وصلت سلطته إلى ~~الفرات، وكان ms065 عاجزا عن ضم مدينة كنعانية قوية، لا تبعد إلا رمية حجر من عاصمته.» # 26 # ثم يتساءل السواح: «وإذا كانت سلطة داود قد وصلت الفرات، فلماذا لم يصطدم ~~بالآشوريين؟ ولماذا خلا الخبر التوراتي من أي ذكر لهم ولتواجدهم في عبر النهر؟ ~~ولماذا لم يرد ذكر لداود في الوثائق الأرامية، التي اكتشفت في عواصم ومدن ممالك ~~أرام عبر النهر؟ ... هذا المحرر لم يكن يقصد إلى تقديم نص تاريخي موثق عن حرب ~~داود، بل إلى تزيين سيرة هذا الملك الملحمي بأخبار حروب، جمعها من الذاكرة القبلية للمنطقة.» # 27 # أما «زياد منى» فيقول بشأن ما جاء عن سليمان وملكه وحكمته في العهد القديم: «إن ~~المحرر اتخذ موقفا منحازا لسليمان بن داود، ولا يمل من كيل المدح له، لكن ~~المتابعة الدقيقة لعهد سليمان التوراة، تبين أنه «كان أبعد ما يكون عن الحكمة، ~~فولعه غير العادي بالنساء، جعله يستحق صفة زير نساء من الطراز الأول»، أما ضعف ~~مقاومته لكافة أنواع البذخ والترف ومتع الحياة الدنيا، فجعله أبعد ما يكون عن ~~الحكمة، وأقرب للولد العاق، الذي أضاع الثروة التي قضى الأب عمره في جمعها. ~~فالتوراة تسجل في سفر ملوك أول (9: 10-13) بصريح العبارة أن سليمان اضطر للتنازل عن ~~بعض أقاليم مملكته، وإجراء تعديلات حدودية، لرد بعض الديون التي استحقت عليه من ~~قبل بعض الممالك المجاورة، كما أن اهتمامه وبطانته ببذخ الحياة، هي التي أدت بلا شك ~~إلى تراخي جيشه، التي عبر عنه بفقدان بعض أقاليم مملكة داود سفر ملوك أول (14: ~~11-22)، فأية حكمة هذه التي تؤدي إلى انهيار المملكة فور موت ملكها؟! إن انقسام ~~مملكة داود إلى إسرائيل ويهوذا بعد وفاة سليمان، كانت النتيجة الحتمية لسياسة ~~الأخير «التي يمكن نعتها بأي صفة باستثناء الحكمة»، أما الأحاديث التوراتية ~~المطولة عن إنجازات عهده، فلا يمكن أخذها جديا لأنها تدخل ضمن التراث الأدبي ~~الشعري العام، هذا عدا أنها لا تنقل لنا أي عمل مادي محدد، وفيما يتعلق بمسألة ~~الهيكل فمن الضروري الإشارة إلى أن «علماء التوراة - كثيرا في الخفية وقليلا ms066 ~~علنا - لا يقبلون الادعاء بأن سليمان التوراة قام ببناء أي معبد»، بل إنهم مقتنعون ~~بأن الهيكل لم يكن أكثر من قاعة أو غرفة في القصر الملكي. إن سياسة سليمان التي ~~قامت على استعباد الشعوب الأخرى المقيمة بالمملكة، واستثنائها من المشاركة في ~~السلطة شكلت القاعدة الوحيدة لموقف المحرر الإيجابي تجاهه، وهذا هو منبع مديح ~~الكهنة لسليمان وعهده، كما أن سليمان على عكس أبيه داود شارك المحرر الكهنوتي في ~~وجهة نظره القائمة على حصر إسرائيل في مجموعة معينة، وعمل على تطبيق ذلك نصا وروحا.» # 28 # شكل 2-2: خريطة لمواقع الأحداث القديمة حسبما رأى المؤرخون. ~~(انظر أيضا شكل رقم # 2-3 ~~.) # شكل 2-3: خريطة لموقع الأحداث بالأقمار الصناعية. # الباب الثاني # | مصر والتوراة # الفصل الأول # | قبل زمن الخروج # علاقة القبيلة الإسرائيلية ببلاد مصر، علاقة وطيدة تلمسها بطول الكتاب المقدس ~~(العهد القديم) وعرضه، هناك مصر دوما وباستمرار، ويحكي المقدس التوراتي أن أول ~~علاقة للقبيلة العبرية بمصر، قد حدثت في زمن أول البطاركة وأبيهم، ذلك الذي عرفه ~~التاريخ باسم أبي الكثرة أو أبي الرهام أو إبراهيم، كناية عن وصف الكتاب المقدس ~~لنسله الآتي، بأنه سيكون في الكثرة العددية كرمال الصحراء ومياه البحر، رغم أنه لم ~~ينجب إلا بعد أن بلغ من عمره عتيا. # ولنبدأ الحكاية التوراتية من البداية ... # يأتي البطرك إبراهيم إلى فلسطين غريبا من بلاد بعيدة، يقول المقدس مرة إنها أور ~~الكلدانيين، ومرة إنها بلاد حاران داخل الحدود التركية الآن شمالي بلاد الشام ~~الأقصى، وقد انتهينا في كتابنا النبي إبراهيم والتاريخ المجهول إلى قدومه من منطقة ~~أرمينيا الحالية، وأن وصف التوراة لسلف القبيلة الإسرائيلية بأنه كان أراميا ~~«أراميا تائها كان أبي.» كان يعني بلاد أرمينيا الحالية تحديدا. # وعند وصول إبراهيم إلى فلسطين، كان يعيش إلى جوار أهلها الكنعانيين أقوام أخر، ~~منهم الفلسطينيون القادمون من جزر البحر المتوسط، والحيثيون القادمون من تركيا، مع ~~عدد آخر من العروق البشرية دونتها التوراة بتكرار مفصل. # ومن البداية تظهر مصر في تاريخ التوراة، فتحكي التوراة أنه قد حدثت في فلسطين ~~مواسم ms067 من الجفاف، دفعت بإبراهيم لنزول مصر هربا من المجاعة. والغريب أن إبراهيم في ~~تلك الرحلة يتمكن من الاقتراب من القصر الملكي المصري، عن طريق ملاحة زوجته سارة ~~وجمالها، ثم يخرج من مصر بأموال جزيلة، أهداها له الفرعون. «لكن المقدس لا يعلمنا ~~بمن كان هذا الفرعون؟ ولا باسمه؟ ولا في أي مدينة كان يعيش؟ ولا السر وراء اهتمامه ~~بهذا الراعي البسيط؟ سوى حكاية سارة غير المقبولة بذوقنا القيمي اليوم، وإن كان ~~المفسرون يرون تلك الروايات، دلالة صدق الكتاب المقدس بسرده سقطات الآباء ~~القيمية.» # ويعود إبراهيم إلى فلسطين ثريا موسرا، يعيش جنوبها ينتقل بين مدائن الجنوب أو ~~النقب، يعيش حياة البداوة في الخيام مع سوائمه، التي ترعى وتتحرك ويتحرك معها وراء ~~الكلأ. # وينجب إبراهيم من سريته المصرية هاجر ولده إسماعيل، لكن السياسة الأيديولوجية ~~التأسيسية للكتاب المقدس، تستبعد إسماعيل من التركة المقدسة؛ لأن إبراهيم قد أنجب ~~بعده ولدا حرا من زوجته سارة هو إسحاق، وينجب إسحاق: عيسو ويعقوب، ومرة أخرى ~~تتم التصفية والغربلة، فيستبعد عيسو السلف البعيد للشعب الآدومي، ليبقى يعقوب وحده ~~في المصفاة، ويحمل يعقوب اسم إسرائيل في شبابه، وينجب اثنى عشر ولدا أو سبطا، ومع ~~الأسباط يعود ذكر مصر مرة أخرى، فقد حنق الأسباط المكرمون على أخيهم الحلوم الصغير ~~يوسف، لما تميز به عند أبيه يعقوب من حظوة، ومن هنا يتآمرون على الصغير المليح، ~~ويلقونه في بئر جافة، فتلتقطه قافلة تجار، وتبيعه في مصر ... وفي مصر يشتريه «فوطي ~~فار» رئيس الجند أو «... رئيس الشرط»، وهو اسم مصري قح «بادي بارع» أي «من يعطيه ~~رع»، و«رع» هو رب الشمس المصري ورب الدولة. # ويرتفع شأن يوسف في مصر زمن مجاعة، نجت منها مصر بالحكمة اليوسفية، ويرتقي سدة ~~الوزارة العظمى آنذاك، وهي وزارة الخزانة أو المالية، وكان توليه شئون مصر ~~الاقتصادية، مدعاة لدخول متغيرات جوهرية، على أنظمة مصر الاقتصادية، ومن ثم ~~الاجتماعية، فبعد أن كان الناس يعيشون أحرارا يملكون أرضهم، ويتعبدون لمن شاءوا ~~بين مئات الآلهة، ليس لملكهم عليهم سوى سلطان مركزية الدولة ومصالحها، ms068 يقول المقدس: # اشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون، إذ باع المصريون كل واحد حقله؛ لأن الجوع ~~اشتد عليهم، فصارت الأرض لفرعون. فقال يوسف للشعب: إني اشتريتكم اليوم ~~وأرضكم لفرعون، فقالوا أحييتنا ليتنا نجد نعمة في عيني سيدي، فنكون عبيدا ~~لفرعون، فجعلها يوسف فرضا على أرض مصر إلى هذا اليوم. (تكوين، 47: ~~20-26) # ويستدعي يوسف أهله ليقيموا معه في مصر «وسكن إسرائيل في أرض مصر في أرض جاسان ~~وتملكوا فيها وأثمروا وكثروا جدا» (تكوين، 47: 27). # وهذه أسماء بني إسرائيل الذين جاءوا إلى مصر، مع يعقوب جاء كل إنسان ~~وبيته، رأوبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون وبنيامين ودان ونفتالي ~~وأشير، وكانت جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسا، ولكن يوسف كان ~~في مصر، ومات يوسف وكل إخواته وجميع ذلك الجيل، وأما بنو إسرائيل فأثمروا ~~وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرا جدا، امتلأت الأرض منهم، «ثم قام ملك جديد ~~على مصر، لم يكن يعرف يوسف » فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم ~~منا، هل نحتال لهم لئلا ينموا، فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى ~~أعدائنا، ويحاربوننا ويصعدون من الأرض، فجعلوا عليهم رؤساء تسخير، لكي ~~يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن: فيثوم ورعمسيس. (خروج، 1: ~~1-11) # وكثيرا ما أثار دهشة الباحثين تعبير التوراة أن السبعين شخصا الذين دخلوا مصر ~~قد صاروا أكثر عددا من المصرين أنفسهم، ويعطي سفر التكوين صورة هائلة لعدد هؤلاء ~~عندما خرجوا من مصر تحت قيادة موسى «فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت نحو ~~ستمائة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد» (خروج، 12: 37). وبحسبة بسيطة تضع الأولاد ~~والنساء في التعداد سنجد الخارجين لا يقلون بحال عن المليونين من البشر، هذا ناهيك ~~عن زيادة أخرى على هذا لرقم، لأنه «صعد معهم لفيف كثير أيضا.» ولا نعلم من هم ~~هؤلاء اللفيف (سيأتي الحديث عنهم في موضعه من هذا الكتاب)، لكنهم على أية حال كانوا ~~زيادة عددية أخرى. # ويطرح السؤال نفسه: كم قضى هؤلاء من الزمن في مصر، حتى يبلغوا هذا العدد الهائل؟ ~~وتأتينا الإجابة: ms069 «وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر، فكانت أربعمائة ~~وثلاثين سنة» (خروج، 12: 40)، لكن الأغرب والأكثر تناقضا في هذه الرواية، أن ~~الإسرائيليين منذ دخولهم أسباطا زمن شقيقهم يوسف إلى زمن خروجهم، لم يستغرقوا سوى ~~أربعة أجيال فقط، حيث تروي التوراة أن لاوي شقيق يوسف أنجب قهات، وأن قهات قد أنجب ~~عمران، وأن عمران قد أنجب موسى، الذي خرج بهم من مصر (خروج، 6: 14-20) «فقط، ~~وهكذا؟! أربعة أجيال عاشت أربعة قرون وثلث القرن، بل وأنجب هؤلاء الأربعة الملايين ~~من البشر!!» لكن في موضع آخر نجد المقدس، يحيطنا علما أن فترة إقامتهم في مصر، لم ~~تتجاوز حياة جيل واحد، وهو لم يصرح بذلك، لكنه ما يفهم مما سجله، ففي سنوات يوسف ~~الأخيرة يشهد يوسف ولادة أولاد أحفاده «وأولاد ماكير بن منسي [ابن يوسف] أيضا ~~ولدوا على ركبتي يوسف» (تكوين، 50: 23) ثم نرى أولاد ماكير أبناء حفيد يوسف (لأن ~~ماكير بن منسي بن يوسف) يخرجون مع موسى من مصر إلى فلسطين (يشوع، 13: 3 و17: 1)، ~~وهو ما يعني أن المدة الفاصلة بين دخول مصر والخروج منها، لم تتجاوز حوالي المائة ~~عام؛ لأن الذين ولدوا في مصر في حياة يوسف، هم من خرجوا من مصر مع موسى، وهم من ~~دخلوا فلسطين مع يشوع خليفة موسى. # وما أكثر المدهشات بالكتاب المقدس، لكن أكثرها إدهاشا ما تعلق منها بقصة موسى، ~~الذي قاد بني إسرائيل في رحلة خروج كبرى عبر سيناء إلى فلسطين، فقد هرب هؤلاء من ~~تسخير وعبودية مصر، «ومعهم مواش وأغنام كثيرة» (خروج، 12: 38)، الأمر الذي يتناقض ~~والأوضاع المعلومة للعبيد. # والفرعون حسب التوراة قد خشي من الكثرة العددية للمستعبدين لديه، وسخرهم في بناء ~~مدينتيه الكبيرتين؛ فيثوم أو بالمصرية بي توم، أي مقر الإله آتوم، ورعمسيس/مدينة ~~رمسيس؛ لذلك أمر الفرعون بقتل من يولد لبني إسرائيل من الذكور «كل ابن يولد تطرحونه ~~في النهر، لكن كل بنت تستحيونها» (خروج، 1: 22). وفي هذا الظرف العصيب ... # ذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي، فحبلت المرأة وولدت ابنا، ولما رأته ~~أنه حسن خبأته ms070 ثلاثة أشهر، ولما لم يمكنها أن تخبئه بعد، أخذت له سفطا من ~~البردي وطلته بالحمر والزفت، ووضعت الولد فيه ووضعته بين الحلفاء على حافة ~~النهر، ووقفت أخته من بعيد لتعرف ماذا يفعل به؟ فنزلت ابنة فرعون إلى ~~النهر لتغتسل، وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر، فرأت السفط بين ~~الحلفاء فأرسلت أمتها وأخذته، ولما فتحته رأت الولد وإذا هو صبي يبكي ~~فرقت له وقالت: هذا من أولاد العبرانيين، فقالت اخته لابنة فرعون هل أذهب ~~وأدعو لك امرأة مرضعة من العبرانيات لترضع لك الولد؟ فقالت لها ابنة فرعون: ~~اذهبي. فذهبت الفتاة ودعت أم الولد، فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي بهذا ~~الولد وأرضعيه لي، وأنا أعطيك أجرتك، فأخذت المرأة الولد وأرضعته، ولما كبر ~~الولد جاءت به إلى ابنة الفرعون فصار لها ابنا، ودعت اسمه موسى وقالت: ~~إني انتشلته من الماء. (خروج، 2: 1-10) # لكن موسى حسب رواية التوراة بعدما يفع واجتاز مرحلة الصبا إلى الرجولة لم ينس ~~أصله رغم أنه قد أصبح أحد نبلاء البلاط، فقتل مصريا انتصارا لإسرائيلي، فطلبه ~~القصاص القانوني، فهرب من مصر إلى مكان تصفه التوراة بأنه: «أرض مديان» (خروج، 2: ~~15) ويبدو أنها كانت أرضا صحراوية؛ لأن موسى عندما ذهب هناك «جلس عند البئر» ~~(خروج، 2: 15) ويبدو أنها كانت قرب مخرج مصر، حيث لا تفاصيل بالتوراة، عن رحلة ~~طويلة لموسى؛ مما يعني أن المديانيين كانوا ينتشرون في سيناء، حتى حدود مصر الشرقية ~~مع سيناء. # والتقى موسى ببعض غيد مديان عند البئر، فاستقى لهن بشهامة، فذهبن وأخبرن أباهن ~~«فقلن رجل مصري أنقذنا من أيدي الرعاة، وأنه استقى لنا» (خروج، 2: 19)، ولحسن حظ ~~موسى كان أبوهن كبيرا من وجهاء مديان، فهو «رعوئيل» أو «يثرون» سيد وكبير كهنة ~~مديان، وتنتهي أحداث هذا الجزء بالحدث السعيد، ويتزوج موسى من صفورة بنت يثرون، ~~وينجب منها ولدين هما جرشوم وألعازر. # واشتغل موسى برعي غنم حميه يثرون، وبينما هو مع أغنامه عند سفوح الجبل المقدس ~~المعروف بجبل الله أو جبل حوريب «جبل الله حوريب» (خروج، 3: 1) من عبارة «هو الرب» ~~العبرية، رأى ms071 ظاهرة عجيبة، نبات مضيء؟ نبات يبدو مشتعلا بالنار لكنه لا يحترق؟ ~~واقترب موسى المشدوه بالمشهد، لكن ليكتشف أن ذلك الضوء ضوء إلهي مصحوب بصوت ~~يناديه: «لا تقترب إلى ههنا، اخلع حذاءك من رجليك؛ لأن الموضع الذي أنت واقف عليه ~~أرض مقدسة» (خروج، 3: 5). # ويتعارف الاثنان، ويقدم هذا الإله نفسه لموسى هكذا: «أنا إله أبيك، إله إبراهيم ~~وإله إسحاق وإله يعقوب، رأيت مذلة شعبي الذي في مصر؛ فنزلت لأنقذهم من أيدي ~~المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة» (خروج، 3: 6-8). # ويبدو أن «موسى كان يجهل اسم «إيل»، رب البطاركة» الأوائل المفترض أنهم أسلافه؛ ~~لذلك سأل الإله عن اسمه وصدق إجابته فورا، في حوار سأل فيه موسى ربه «فإذا قالوا ~~لي ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى: أهيه الذي «أهيه ... يهوه» إله آبائكم ~~... هذا اسمي إلى الأبد» (خروج، 3: 13-15). # وكانت خطة يهوه هي إخراج بني إسرائيل من مصر إلى فلسطين، بترتيبات إلهية مدعومة ~~بالمعجزات ، فأعطى موسى آيات سحرية كالعصا الثعبانية وإضاءة يده، إذا أدخلها في ~~جيبه أو «عبه» بتعبير التوراة، وكانت الخطة هي إيهام الفرعون أن الإسرائيليين ~~بحاجة إلى إقامة احتفال ديني خاص بهم، يذبحون فيه حيوانا مقدسا عند المصريين؛ ~~لذلك فهم بحاجة إلى الابتعاد عن مساكن المصريين «نمضي ثلاثة أيام في البرية ونذبح ~~للرب إلهنا» (خروج، 3: 18)، وبعد ابتعاد مسيرة ثلاثة أيام في الصحراء يكونون قد ~~أصبحوا بعيدين بمسافة كافية، ويمكنهم الاستمرار في الهرب وهم آمنون من اللحوق بهم، ~~لكن كان عليهم أيضا بأمر يهوه أن يستعيروا حلي المصريات ومصوغاتهن الذهبية زينة ~~للعيد، ثم يفرون بها، أو كما أمر يهوه موسى قائلا: «وأعطي نعمة لهذا الشعب في عيون ~~المصريين، فيكون حينما تمضون لا تمضون فارغين، بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن ~~نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابا، وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون ~~المصريين» (خروج، 3: 21، 22)، لكن موسى كانت لديه حجة أخرى جعلته مترددا في تنفيذ ~~أوامر يهوه، وهو أنه «ثقيل الفم واللسان»، فجعل له يهوه من أخيه هارون ms072 ناطقا بما ~~يريد ومبلغا. ~~«وقال الرب لموسى في مديان: اذهب ارجع إلى مصر؛ لأنه قد مات جميع القوم الذين ~~كانوا يطلبون نفسك» (خروج، 4: 19)، وبموت الفرعون، الذي كان يطلب القصاص من موسى ~~لقتله المصري، بات موسى آمنا في العودة إلى مصر، وذهب موسى وهارون فور العودة إلى ~~قصر الفرعون، يطلبون منه السماح بارتحال بالمستعبدين في أعمال المعمار، إلى البوادي ~~الشرقية ليذبحوا لإلههم، فرفض الفرعون، لكن يهوه أعلن لشعبه: «أنا الرب، وأنا ~~أخرجكم من تحت أثقال المصريين، وأنقذكم من عبوديتهم، وأخلصكم بذراع ممدودة ~~وبأحكام عظيمة وأتخذكم لي شعبا وأكون لكم إلها» (خروج، 6: 6-7)، وهكذا اختار ~~يهوه شعبا خاصا له ليتأله عليه، وحمل هذا الشعب من يومها لقب «الشعب ~~المختار». # ويبدأ يهوه ألاعيبه ليثبت أنه أشد سحرا من السحرة المصريين، وأنه أقوى من فرعون ~~الذي كان أقوى ملوك العالم، وكان الانتصار عليه انتصارا عالميا بل وكونيا، ~~فقام يهوه يركز غضبه على عصب الحياة والاقتصاد والزراعة المصري، فيقوم بضرب نهر ~~النيل ليتحول إلى دم، ليضطر المصريون إلى الحياة كالبدو والرعاة بحفر الآبار للشرب، ~~كي لا يموتوا عطشا (خروج، 7: 19-24)، وينشر الضفادع في بلاد النيل (خروج، 8: 5، ~~6)، ثم البعوض (خروج، 8: 16)، ثم الذباب (خروج، 8: 20-24) ثم ينشر الوباء بين البشر ~~والسوائم (خروج، 9: 3-6)، مع دمامل وبثور (خروج، 9: 8-10)، ثم يسلط ظواهر الطبيعة ~~الرديئة على الوادي الغني ليفقره، كالبرد الثلجي والنار والرعود (خروج، 9: 22-26)، ~~ويلحق بها الجراد ليقضي على البقية الباقية من خيرها (خروج، 10: 12-15)، ثم ينزل ~~بالبلاد جميعها ظلاما دامسا وقت النهار (خروج، 10: 21-23)، حتى تأتي ضربة يهوه ~~العاشرة وهي قتل الصبية المصريين من الأبكار، وكذلك أبكار السوائم أيضا: # وقال موسى: هكذا يقول الرب: إني نحو منتصف الليل أخرج في وسط مصر، فيموت ~~كل بكر في أرض مصر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي ~~خلف الرحا، وكل بكر بهيمة، ويكون صراخ عظيم في كل أرض مصر، من بكر الفرعون ~~الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحا، وكل بكر بهيمة، ويكون ~~صراخ ms073 عظيم في كل أرض مصر. (خروج، 11: 4-6) # وإبان ذلك جميعه، تصر دراما الفزع والرعب التوراتي، على تأكيد أن المصريين ~~وحدهم، هم من عانى تلك الضربات، بينما كان الإسرائيليون يسكنون أرض جاسان في مصر، ~~ولم تصبهم ولا أرض جاسان التي سكنوها أي من شرور يهوه الكونية تلك، لكن يبدو أن ~~المحرر التوراتي لم ينتبه، وهو يؤكد تلك العناية والرعاية، من يهوه لشعبه المختار، ~~أنه قد جعل من جاسان حيث يقيم شعبه، مقرا للبلاط الملكي الذي استحق كل هذا الدمار ~~والغضب اليهوي، والذي لا شك لم يلحقه بدوره هذا الدمار، لوجوده في مقاطعة جاسان، ~~التي لم تصب بأي أذى، ولكن ذلك لم يكن شاغلا للمحرر، فهو متأكد من وجود جاسان ~~بعيدا عن الضربات، وهو ما أصر المحرر على تأكيده مع كل ضربة يهوية، انظره يقول مثلا: # أنا أرسل عليك وعلى عبيدك وعلى شعبك وعلى بيوتك الذبان، فتمتلئ بيوت ~~المصريين ذبانا وأيضا الأرض التي هم عليها، «ولكن أميز في ذلك اليوم أرض ~~جاسان حيث شعبي مقيم حتى لا يكون هناك ذبان». (خروج، 8: 21، 22) # فماتت جميع مواشي المصريين «وأما مواشي بني إسرائيل فلم يمت منها واحد». ~~(خروج، 9: 6) # فأعطى الرب رعودا وبردا وجرت نار على الأرض ... «إلا أرض جاسان حيث كان ~~بنو إسرائيل، فلم يكن فيها برد». (خروج، 9: 23-26) # ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء، ليكون ظلام على أرض مصر ... «لكن ~~جميع بني إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم». (خروج، 10: 21-23) # ثم يختتم يهوه وعصاته الثعبانية تلك المغامرات المدمرة واللذات الشاذة بإغراق ~~المصريين جميعا مع فرعونهم وجيوشهم في لجج البحر المفلوق بالعصا السحرية الثعبانية ~~(خروج، 14). # لكن وسط كل هذا الصخب الأسطوري والضجيج السحري، يضع المحرر شروحات جغرافية ~~بينية، لخط سير الخروج، تلتقي إلى حد مدهش مع أوضاع الجغرافيا في شرقي الدلتا ~~المصرية المتصل بالصحاري السينائية، فهناك كان بداية طريق حورس الحربي الكبير ~~المؤدي إلى فلسطين، والمسمى أيضا طريق فلسطين، لكن يهوه ينحرف بشعبه عن هذا الطريق ~~الأسهل، لتحاشي قتال متوقع، ويأمر أتباعه بالاتجاه نحو ms074 بحر باسم بحر سوف، ومن ~~مدينة باسم «سكوت» - وردت بذات الاسم بالوثائق المصرية القديمة أيضا - يتحركون نحو ~~بادية باسم إيثام في طرف الصحراء، ومن هناك ينزلون على بحر سوف بين ثلاثة إحداثيات ~~جغرافية هي: مجدل، وبعل صفون، وفم الحيروث، وعند نقطة فم الحيروث تفلق العصا الحية ~~البحر، ليعبر الإسرائيليون بينما يغرق الفرعون وجنده عند مطاردتهم للإسرائيليين، إذ ~~ينطبق عليهم البحر المفلوق (خروج، 13: 20، 18؛ 14: 2). # والغريب أن الخارجين لم يكتفوا باصطحاب أنعامهم الوافرة، بل حملوا معهم من مصر ~~ذهبا هائل الوفرة، لم يجد له المحرر التوراتي سوى تكرار تفسير يقول: «وفعل بنو ~~إسرائيل بحسب قول موسى، طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهبا وثيابا، وأعطى ~~الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم، فسلبوا المصريين، فارتحل بنو ~~إسرائيل من رعمسيس» (خروج، 12: 35-37). # وهكذا يخرج بنو إسرائيل من مصر تحت قيادة موسى في خط سير جغرافي شديد التدقيق ~~(بالتوراة)، يتجهون معه نحو جبل الله حوريب المقدس في عمق سيناء، ويستغرق رحيلهم ~~سنتين كاملتين، حتى يحطوا في قادش في أقصى شرقي سيناء ، ليعيشوا هناك ثمانية ~~وثلاثين عاما كاملة، ومن قادش تبدأ رحلة غزوهم لفلسطين بعبور الأردن، من شرقيه ~~عند جبل نبو إلى غربيه عند أريحا، رغم أن قادش كانت تقع في النقب جنوبي فلسطين، ~~دون أي عوائق أو موانع جغرافية مع فلسطين شمالها، لذلك يظل السؤال ينتظر إجابة: ~~لماذا اجتاز الإسرائيليون مانعين هامين؟ الأول هو مانع سيادي حيث اجتازوا دولة ~~آدوم مشرقين، ثم التفافهم من الشرق إلى الغرب بعبور مانع جغرافي هو نهر الأردن، ~~لماذا كل هذه الالتفافة وفلسطين على مسيرة يوم أو يومين شمالي قادش؟ # الفصل الثاني # | النظريات التاريخية للخروج # (1) نظرية أن الإسرائيليين هم الهكسوس # تعد أقدم نظرية طرحت بشأن خروج بني إسرائيل من مصر، تلك التي تربط بينهم ~~وبين الهكسوس، الذين ورد ذكرهم في الوثائق المصرية كمحتلين أجانب للبلاد، ~~وتعتبرهم مع بني إسرائيل شيئا واحدا، وكان صاحبها هو المؤرخ اليهودي «فلافيوس ~~يوسفيوس» (37-100م)، الذي حصل على تكريم الإمبراطور الروماني «فيسبيان»، وقام ~~بتأليف كتب ms075 ثلاثة، هي على الترتيب: «العاديات اليهودية»، ويتناول فيه تاريخ ~~بني إسرائيل، ثم «الحروب اليهودية»، ويعالج فيه ثورات القبائل الإسرائيلية ~~بفلسطين ضد الحكم الروماني، أما الثالث - وهو الأهم لموضوعنا - فهو الكتاب الذي ~~وضع فيه نظريته، حول خروج بني إسرائيل من مصر، وهو الكتاب المعروف بعنوان «ضد ~~آبيون»، وقد ألفه ردا على «آبيون النحوي السكندري» المصري، الذي كان يبغض ~~الجنس الإسرائيلي، ويكن للإسرائيليين كراهية شديدة ومقتا عظيما، ودون ~~عنهم رواية تقول: إنهم كانوا نوعا من الأجناس القذرة الدنسة بين بني البشر، ~~وإنهم عاشوا في مصر عبيدا، دون أن يتعلموا من أهلها قواعد النظافة والتطهر، ~~فأصابتهم علل القذارة، مثل البرص والقراع وما يشوب الجلد من قرح، فلما خشي ~~المصريون تفشي الوباء بينهم «طردوهم من بلادهم» وقادهم في رحلة خروجهم من مصر ~~إلى فلسطين عبر سيناء، ذلك الشخص المدعو «موسى». # وقد رد «يوسفيوس» اليهودي على «آبيون النحوي» المصري في كتابه: «الرد على ~~آبيون»، ليؤكد أن هؤلاء الأنجاس الدنسين، لم يكونوا سوى الهكسوس، الذين دخلوا ~~مصر بلد آبيون المصري غزاة فاتحين، حكموها كملوك ولم يعيشوا فيها كعبيد، ولم ~~يكونوا أنجاسا ولا ملاعين، وقد دعم «يوسفيوس» رده هذا بكلام المؤرخ المصري ~~«مانيتون السمنودي»، وكان «مانيتو» كاهنا مصريا، عاش زمن الملك «بطلميوس ~~الثاني» ملك مصر، الذي حكم حوالي عام 283-246ق.م. ودون تاريخ بلاده باللغة ~~اليونانية، بتكليف من ذلك الملك، ليقدم للإغريق صورة عن تاريخ مصر. # وقد تمكن «مانيتو» بجهد وحذق، وبمعرفته بلغة بلاده وباللغة الإغريقية، أن ~~يتابع بمهارة نقوش مصر القديمة ومدوناتها الحجرية والبردية، التي كانت قائمة ~~حتى زمانه، وأن يجمع منها تاريخا متكاملا لوطنه، هذا إضافة إلى سبعة كتب ~~أخرى، جاءنا منها فقط بعض أسمائها، ومنها «تون فيزيكون أبيتومه» وخصصه للاهوت ~~المصري والقصص الديني في التكوين والخلق، وكتاب «في صنع بخور المعابد»، وكتاب ~~في التقويم المصري والتقسيم الزمني بعنوان «كتاب الشعرى اليمانية سيتوس»، إلا ~~أن الكتاب الذي حاز الشهرة، ونقل عنه المؤرخ اليهودي «يوسفيوس»، ويعد عمله ~~الرئيس، هو كتاب تاريخ مصر «إيجبته ياكا»، وهو مصنف في ms076 مجلدات ثلاثة، يغطي ~~المجلد الأول منها تاريخ الأسرات المصرية الحاكمة الأولى، من الملك «مينا» موحد ~~القطرين حتى الأسرة الحادية عشرة، ويتناول المجلد الثاني المساحة الزمنية ~~الممتدة ما بين الأسرة الحادية عشرة وبين الأسرة العشرين، ثم يتابع معالجة بقية ~~الأسرات في المجلد الثالث، الذي ينتهي عند حكم آخر ملك مصري وطني، وهو الذي ~~أسماه «نيكتا نيبوس». # وقد ألف «مانيتو» كتابه «إيجبته ياكا» باللغة اليونانية، لكن لسوء الحظ لم ~~تصلنا منه أية نسخة، سوى تلك الشذرات التي نقلها عنه «يوسفيوس» في كتابه «الرد ~~على آبيون»، إضافة إلى ما نقله آخرون مثل «يوليوس الأفريقي/أفريكانوس» (ت ~~220م)، و«سنكلوس» (ت 800م) في كتابه «تاريخ العالم من الخليقة حتى ~~دقلديانوس». # ومن الجدير بالتنويه هنا، أن خبر نجاسة الجنس الإسرائيلي وإصابته بأوبئة عدم ~~النظافة، لم يكن بدعا من «آبيون» المصري، حيث نجد بعد ذلك حوالي عام 900م، ~~ترجمة عربية لكتاب قديم ألفه كاهن كنسي هو «هروشيوش» أو «أورسيوس» باسم ~~«تاريخ العالم»، بتكليف من القديس المسيحي «أوغسطين» شخصيا، يقول فيه ~~«هروشيوش» نقلا عن مؤرخ قديم باسم «قرناليس »: # قال قرناليس: اتفقت دواوين أصحاب الأمر، على أنه أصابت القبط ~~(المقصود هنا المصريين [المؤلف]) جوائح أفسدت أبدانهم، وشوهت ~~أجسامهم، وأن ملكهم بخوريم # Boccorim # رأى أن يعالج ذلك «بنفي من ظهرت عليه الجائحة» فتجمعت من المنفيين ~~جماعات، كان على رأسهم رجل يدعى موسى، حضهم على أن يتخلوا عن ~~الاستنصار بالأوثان، ويتبرءوا من عبادتها، ويفوضوا أمرهم لرب السماء ~~لينصرهم ويشفيهم من دائهم. # 1 # والواضح في تأريخ «هروشيوش»، أنه لا يرى الإسرائيليين جنسا يتميز بذاته، قدر ~~ما يحتسبهم «صنفا من المصريين» أصابهم وباء معد، فنفاهم أهلوهم خارج ~~البلاد، تحسبا من انتشار المرض بين بقية المصريين. # وفي رده على «آبيون»، يؤكد لنا «يوسفيوس» أنه سينقل عن «مانيتو» المصري بكل ~~أمانة، حتى إنه سينقل ذات الكلمات بالحرف، وهو بصدد ذلك يروي الراوية التالية: ~~«توتيمايوس» في عهده، لسبب لا أعرفه، حلت بنا ضربة الإله، وفجأة، ~~تقدم في ثقة بالنصر، غزاة من إقليم الشرق، من جنس غامض، إلى ms077 أرضنا، ~~واستطاعوا بالقوة أن يتملكوها بسهولة، دون أن يضربوا ضربة ~~واحدة. # ولما تغلبوا على حكام الأرض، أحرقوا مدننا بغير رحمة، وقوضوا أرض ~~معابد الآلهة، وعاملوا المواطنين بعدوان قاس، فذبحوا بعضهم، وساقوا ~~زوجات آخرين وأطفالهم إلى العبودية، وأخيرا عينوا واحدا منهم ملكا ~~يدعى «سالاتيس»، وكان مقره ممفيس، ففرض الضرائب على مصر العليا ~~والسفلى، وكان يخلف وراءه حاميات في الأماكن الهامة. # وفي المقاطعة السيتورية، وجد مدينة ذات موقع طيب «تقع على الضفة ~~الشرقية من الفرع البوباستي للنيل» وكانت تسمى «أفاريس»، تبعا للتراث ~~الديني المصري، فأعاد بناء هذا المكان، وحصنه بأسوار ضخمة، ومات ~~سالاتيس بعد أن حكم تسعة عشر عاما. # وخلفه ملك آخر يدعى «بنون»، حكم أربعة وأربعين عاما، تلاه بعدها ~~«أباخنان» الذي حكم ستة وثلاثين عاما وسبعة شهور، ثم «أبوفيس» الذي ~~حكم واحدا وستين عاما، ومن بعده «ياناس» مدى خمسين سنة وشهرا ~~واحدا، وأخيرا جاء «أسيس» الذي حكم تسعة وأربعين عاما ~~وشهرين. # وهؤلاء الملوك الستة، هم أول من حكم منهم، وكانوا يعملون جاهدين أكثر ~~فأكثر لاستئصال العنصر المصري، وكان جنسهم عادة يسمى الهكسوس ، أي ~~الملوك الرعاة؛ لأن هيك في اللغة المقدسة: ملك، وسوس في اللغة الدارجة: راعي. # 2 # هذا؛ وقد نقل «يوليوس الأفريقي» بدوره عن «مانيتو»، أسماء لستة حكام من ~~الهكسوس، قال: «إنهم حكام الأسرة الخامسة عشرة»، وأضاف أنهم «فينيقيون»، وإن ~~أوردهم بنطق مختلف قليلا عما أورده «يوسفيوس»، وبالمقارنة يصبحون كالتالي: # الأول: # عند يوسفيوس - «سيتلاتيس» # Sutchlatis # وقد حكم تسعة عشر عاما، ويبدو أن تلك الأسماء القديمة كانت ~~غير واضحة تماما أو دقيقة لزمن هؤلاء المؤرخين؛ لذلك أسماه ~~يوليوس الأفريقي «سيتيس» وأعطاه ذات المدة الزمنية للحكم، وكما ~~هو واضح فالاسم هو «الستي»، نسبة إلى الإله سيت المصري رب ~~الصحاري # Sutch/set ~~، ونظرا ~~لوجود أسماء هكسوسية أخرى في الآثار المصرية، تكتشف على ~~التتابع، فقد تمت مطابقة واحد من هؤلاء جاء ذكره في قائمة منف، ~~وتمت قراءة اسمه «شارك» أو «شالك» أو «شليك»، بالملك ~~«سيتلاتيس» أو «سيتيس»، ويحتمل أنه هو ذات الاسم الوارد ~~بالآثار المصرية «مي ms078 إيب رع شيشتي». # 3 # الثاني: # دونه يوسفيوس بالنطق بنون # Benon # ويرجح المؤرخون أنه ذاته الذي ورد في بردية تورين بلفظ ~~بنيم، ويحتمل أيضا أنه هو من جاء اسمه على بعض الآثار مكتوبا ~~«سكا»، وبالنظر إلى الكلمة الهيروغليفية لاسمه، وتتضمن صورة ~~لرجل يدفع محراثا؛ ولأن الكلمة «سكا» في الساميات وضمتها ~~العربية، تعني سلاح المحراث، فربما كان يعني «الحارث»، كما ~~سنرى في داخل هذا البحث أن «سكا» هي «إسحاق»، وهو اسم سامي ~~معلوم، وقد وردت سكا في الآثار هكذا ~~، ~~وقد ذكره يوليوس الأفريقي أيضا باسم بنون وبذات مدة ~~الحكم. # الثالث: # كتبه يوسفيوس: «أبا خنان» أو أبخناس # Ibikhnas ~~، وربما كانت تعني «أبا الغنم» من ~~«خنم» المصري، فنحن نجد إلها مصريا قديما باسم «خروف»، ~~ويرسم خروفا ويكتب «خنوم» و«خنوف»، هو الذي كان يشكل ~~البشر من صلصال كالفخار في العقائد المصرية القديمة، ويرجح ~~المصرولوجيون، أن يكون هو الوارد في الآثار المصرية باسم «نب ~~خبش رع ~~» ~~والمعروف بلقب «أبوفيس الأول ~~»، ~~وأعطاه يوسفيوس مدة حكم تصل إلى ستة وثلاثين عاما، وأطلق عليه ~~يوليوس الأفريقي اسم «بخنان»، مع مدة حكم مضاعفة، فقد حكم مدة ~~واحد وستين عاما. # والمعلوم أن «أبوفيس» هو الاسم المصري للحية الثعبانية ~~الأفعى الضخمة «الأفعوان»، وهو في الأساطير المصرية إله شرير، ~~يقوم الإله رع بقتله وينطق اختصارا أبيبي، وهو المقابل المصري ~~لذات الأفعى في المأثورات السامية، التي وردت باسم لوياثان، ~~وقد وجدت مدونة في آثار مدينة أوغاريث على الساحل السوري، وقد ~~تكفل بقتلها الإله بعل الكنعاني/الفينيقي، كما وردت في ~~التوراة، وتكفل بقتلها رب التوراة يهوه. # الرابع: # عند يوسفيوس يحمل اللقب مباشرة «أبوفيس # Ibuphis # وهو أبوفيس الثاني/أبيبي» وقد أعطاه ~~يوسفيوس مدة حكم واحد وستين عاما، ومن المحتمل أن يكون هو ~~عاقنن رع # أي «الحمار الشجاع»، # 4 # وسنعرف فيما بعد أن الهكسوس قد عبدوا الرب ~~الشيطاني سيت، وأنه ضمن تمثلاته التجلي في هيئة الحمار الأحمر ~~اللون، ومن هنا أطلق عليه يوليوس الأفريقي اسم «ساتان/ستان»، ~~وجعل مدة حكمه خمسين عاما، ومن جانبنا نرى أن «ستان» هو ~~«شيطان» في ms079 العربية، كما سنرى داخل هذا العمل. # الخامس: # عند يوسفيوس هو: يان-س # Jaynas ~~/جون، ويحتمل أنه المذكور في الآثار ~~باسم «خيان» # Khayan ~~، وقد حكم ~~عند يوسفيوس خمسين عاما، وقد تأكد أنه الذي حمل اللقب المصري ~~«سازوسر إن رع»/ابن رع، بعد أن عثر السير آرثر إيفانز سنة ~~1901م بقصر كونسوس في كريت، على غطاء مرمري يحمل الاسم ~~«سازوسر إن رع» مع «خيان»، في خرطوش واحد، # 5 # كذلك عثر على ذات الأسماء على صدر أبي هول صغير ~~جيء به من بغداد. # 6 # وفي المأثور التاريخي العربي حديث عن ملك حكم مصر باسم ~~«الريان»، وهو ما يلتقي مع الاسم «إيان» أو «يان-س»، وكان ~~الريان في المأثور العربي من ملوك العرب، الذين حكموا مصر باسم ~~العمالقة، وهو أمر سنتعرض له فيما بعد بالتفصيل. # وهكذا فإن خيان أو يان بالتأكيد كان هو سازوسر إن رع # إلا أن يوليوس ~~الأفريقي أطلق عليه اسم أرخليس، وأعطاه مدة حكم تصل إلى تسعة ~~وأربعين عاما. # السادس: # يكتبه يوسفيوس أسيس، وأعطاه مدة حكم واحدا وستين عاما، ~~وربما كان هو المذكور في الآثار باسم «عاوسر رع»، وهو اسم مصري ~~انتقل إلى الساميين في المسميات «عازر» و«عزرا» و«عزير»، ناهيك ~~عن كون اسمه «أسيس» هو «عزيز»، وقد دونت الآثار المصرية اسمه ~~عاوسررع هكذا ~~، ~~لكنا نعلم من يوليوس الأفريقي أنه قد حمل اللقب أبوفيس، ويصبح ~~بذلك أبوفيس الثالث، وقد أعطاه يوليوس ذات مدة الحكم، ويعتبر ~~آخر حكام الهكسوس الستة، ويحتمل أنه الوارد بلقب خمودي أو ~~حمودي في بردية تورين. # 7 # ويمكن تلخيص ذلك في الجدول التالي: # م # اسم الملك عند يوسفيوس # مدة حكمه # اسم الملك عند يوليوس الأفريقي # مدة حكمه # الاسم كما ورد في الهيروغليفية المصرية # تخريج الاسم [للمؤلف] # 1 # سالاتيس = «شالاد» # 19 # سايتيس = «سيت» # 19 # مي إيب رع شيشي، ربما هو شليك = أو شارك # الستي # 2 # بنون = «بيبون» # 44 # بنون # 44 # بنيم سكا # سكا = إسحاق = الحارث # 3 # أباخنان = «أبو فيس الأول» # 36 # بخنان # 61 # نب خبش رع أبو فيس # أبو الغنم # 4 # أبو فيس ms080 الثاني # 61 # ستان # 50 # ابيبي أبو فيس عاقنن رع # الشيطان # 5 # يان-س # 50 # أرخليس # 49 # خيان = سازوسر إن رع # الريان # 6 # أسيس = «أبو فيس الثالث» # 61 # أبو فيس # 61 # عاوسر رع = خمودي # عزيز = حمودي # لكن المربك في الأمر هو وجود أسماء أخرى في الآثار للهكسوس، غير تلك التي تمت ~~مطابقتها مع لائحة الملوك الستة لمانيتو، وتلك الأسماء يحمل بعضها لقب «حقا ~~خاسوت»، أي الهكسوس بالنطق المصري، منهم واحد باسم سمقن وآخر باسم «عنات» هر، ~~وأسماء أخرى تحمل لقب «الإله الطيب» وردت على جعارين، وهم حوالي ثمانية ينتهي ~~اسم كل منهم باسم إله الشمس المصري رع، ومجموعة أخرى تحمل لقب «ابن الشمس»، مثل ~~ابن الشمس «يعقوب» هر، وابن الشمس «عامو»، وابن الشمس قار، ولا حل سوى القول إن ~~هؤلاء جميعا شيوخ قبائل (والتوراة تشير لشيوخ القبائل باعتبارهم ملوكا)، ~~وأنهم كانوا من الشيوخ البارزين في الطاقم الهكسوسي المتميز، فحازوا مكانة ~~تركت بموجبها أثرها فيما وصلنا من آثار؛ وهو الأمر الذي انتهى إليه جاردنر في ~~تفسير هذا اللغز، وأوضحه (محمد بيومي مهران) في قوله عن الأسماء الهكسوسية ~~الواردة في بردية تورين بقوله: «إن الحصر الإحصائي للبردية، يضم ملوكا كثيرين ~~كانوا موجودين معا في وقت واحد، ومن المحتمل أنهم كانوا في أنحاء متباعدة من ~~البلاد، وينظر إليهم كمجرد رؤساء لقبائل آسيوية مختلفة وعديدة، متجمعين تحت ~~لواء ملك الهكسوس الكبير.» # 8 # المهم أن «يوسفيوس» يتابع روايته عن الهكسوس، نقلا عن «مانيتو»، فيقول: إن ~~الحال قد استمر كذلك حتى قام الفرعون المصري «تثموزيس» # Tethmosis # بالتمرد عليهم، وطردهم من بلاده في حرب هائلة، # 9 # حيث لم يكن حكام الهكسوس قد تمكنوا من القضاء على الحكم المصري ~~الوطني، المتحصن طوال الوقت في طيبة جنوبي مصر؛ أولئك الذين خاضوا حربا طويلة ~~ضد الهكسوس، وبعد أن استمر الاحتلال خمسمائة عام وإحدى عشرة سنة، تمكن ~~«تثموزيس» من طرد المحتلين، فانسحبوا إلى سوريا (يقصد بسوريا كل بلاد الشام ~~شرقي المتوسط [المؤلف])، حيث أسسوا هناك المدينة المعروفة باسم أورشليم. # 10 # ولما كان «مانيتو» ms081 قد زعم أن البعض اعتبر الهكسوس عربا، وأن البعض الآخر ~~رآهم فينيقيين، فقد رأى «يوسفيوس» من جانبه أن خروجهم من مصر إلى يهوذا تحديدا ~~وتأسيسهم أورشليم بالذات، وصفتهم كعرب «بدو ساميين»، وكفينيقيين، شواهد قاطعة ~~على أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم دخلوا مصر ملوكا ولم يدخلوها عبيدا ~~أبدا. # ويستمر «يوسفيوس» ناقلا عن «مانيتو»: أن الهكسوس تركوا منهم بقايا لم ~~يستطيعوا الفرار، فوقعوا أسرى بيد المصريين، حيث سيموا العذاب الطويل، وفرضت ~~عليهم السخرة انتقاما منهم، «وبعد أن قضى أولئك الذين أرسلوا للعمل في ~~المحاجر، زمنا طويلا في تلك الحياة البائسة، طلبوا من الملك أن يخصص لهم ~~مدينة أفاريس # Avaris ~~- وكانت قد خوت على ~~عروشها، بعد أن تركها الرعاة الهكسوس - لتكون لهم مسكنا ووقاء، فاستجاب ~~للرغبة وحققها لهم، والواقع أن هذه المدينة كانت مدينة الإله # Typho # تيفون/ست، وفقا للديانة القديمة، ~~ولكن لما دخلوها وجدوا المكان صالحا لإشعال الثورة، فأقاموا على أنفسهم من بين ~~كهنة هليوبوليس (أون/عين شمس) حاكما عليهم، وأعطوه العهد أن يطيعوه في كل شيء، ~~وكان أول ما فعله أن سن لهم هذه الشريعة، التي بموجبها حرم عليهم أن يعبدوا ~~آلهة المصريين، وأن يمسكوا عن عبادة أي حيوان من تلك الحيوانات المقدسة، التي ~~يعظمها المصريون أيما تعظيم، بل أمرهم أن يقتلوها ويدمروها جميعا، كذلك نهاهم ~~أن ينضموا إلى أحد غير رابطتهم. # وبعد أن وضع أمثال هذه الشرائع - والكثير من غيرها - المعادية في أغلبها ~~لعادات المصريين، أمرهم أن يستخدموا ما يملكون من سواعد كثيرة، لبناء سور حول ~~المدينة، وأن يعدوا أنفسهم لقتال الملك أمينوفيس # Amenophis ~~(آمنحتب # Amenhotep ~~)، أما هو نفسه فقد أنشأ صداقات «مع الكهنة الآخرين، ومن ~~كانوا قد أفسدوهم»، وأرسل السفراء إلى الرعاة/الهكسوس، الذين كان تثموزيس # Tethmosis # قد طردهم من البلاد إلى أورشليم، ~~وعن طريق السفراء أبلغهم بأحواله وبأحوال أولئك الآخرين، الذين عوملوا بكل تلك ~~الشناعة، وطلب إليهم أن تجتمع كلمتهم، على أن يخفوا لمساعدته في حربه ضد مصر، ~~كذلك وعدهم بأنه سيبادر إلى إعادتهم إلى مدينتهم ودولتهم القديمة أفاريس، وبأنه ms082 ~~«سيمون جموعهم بالغذاء الوفير»، وبأنه «سيحميهم» ويقاتل من أجلهم، كلما دعت ~~الحاجة إلى ذلك، «وأن في ميسوره أن يخضع البلاد لسلطانهم». # وقد اغتبط هؤلاء الرعاة بهذه الرسالة أيما اغتباط، وخفوا جميعا على وجه ~~السرعة، وكان عددهم 200000 رجل، وبلغوا أفاريس في وقت قصير، ولما بلغ أمينوفيس ~~ملك مصر نبأ غزوهم، اضطرب اضطرابا عظيما، وتذكر ما كان قد أخبره به آمنحتب بن ~~بابيس (آمنحتب بن حابو [المؤلف])، وبدأ يجمع حشود المصريين ويتشاور مع قادتهم، ~~وأرسل في طلب «الحيوانات المقدسة» ليأتوا بها إليه، ولا سيما الحيوانات التي ~~كانت معبودات رئيسية في معابدهم، وأصدر أمرا خاصا وواضحا للكهنة، أن يخفوا ~~أوثان آلهتهم بعناية تامة، كذلك «أرسل ولده سيتوس # Sethos ~~، وكان يسمى أيضا رمسيس # Ramses # من أبيه هورامبيس # Rhempes # إلى صديق من أصدقائه، وكان الغلام لا يزال في ~~الخامسة من عمره». # وبعد هذا سار مع بقية المصريين، وكانوا 300000 رجل من أعند المقاتلين، ~~لمواجهة العدو، الذي التقى بهم في المعركة، غير أنه لم يشترك في المعركة مع ~~رجاله، «فقد كان يعتقد أن الحرب عمل ضد الآلهة»، ولذا عاد أدراجه ووصل إلى ~~منف # Memphis ~~، حيث أخذ أبيس (العجل ~~المعبود) وغيره من الحيوانات المقدسة، التي كان قد طلب إحضارها له، وسار لفوره ~~إلى إثيوبيا # Ethiopia ~~، ومعه كل جيشه وحشود ~~المصريين، فقد كان ملك إثيوبيا تحت ولايته، فاستقبله ورعى كل من كان معه من ~~الحشود، بينما قدمت تلك البلاد كل الغذاء الكافي لرجاله، كذلك خصص مدنا وقرى ~~لهذا المنفى، الذي كتب له أن يكون في بدايته، «خلال تلك السنوات الثلاث عشرة ~~التي قضى بها القدر»، كذلك كرس معسكر الجيش الإثيوبي، ليتولى حراسة الملك ~~أمينوفيس عند حدود مصر. # هذه كانت حال الأمور في إثيوبيا، أما «شعب أورشليم» فعندما نزلوا مع ~~«المصريين الفاسدين»، عاملوا الرجال بوحشية بالغة، جعلت كل من رأى قهرهم ~~للبلاد المذكورة، وما ارتكبوه من فظائع بشعة، يستنكر فظائعهم أشد الاستنكار، ~~فهم لم يكتفوا بإحراق المدن والقرى، بل استمرءوا خطيئة تدنيس الأحرام وتحطيم ~~الأوثان، وأشعلوا النيران في ms083 التماثيل المقدسة، واستخدموها في شي الحيوانات ~~المقدسة، وأرغموا الكهنة والأنبياء على أن يكونوا الجلادين، الذين يذبحون تلك ~~الحيوانات، كذلك قيل إن الكاهن الذي وضع سياستهم وشرائعهم، كان بالمولد من ~~هليوبوليس، وكان اسمه «أوزرسيف # Osarsiph ~~» ~~(المأخوذ من اسم إله هليوبوليس أوزيريس # Osiris ~~). # وبعد هذا عاد أمينوفيس من إثيوبيا بجيش عظيم، وكذلك ابنه هورامبيس بجيش ~~آخر، واشتركا معا في قتال الرعاة والناس الفاسدين، وهزموهم وفتكوا بعدد عظيم ~~منهم، وطاردوهم حتى سوريا.» # 11 # وهنا وجد «يوسفيوس» الدليل الأقوى في مجموعة أحداث، تتشابه في بعضها مع قصة ~~التوراة عن الخروج، أما الأقوى والحاسم في الأمر، فهو «أوزرسيف» الذي رأى فيه ~~«يوسفيوس» شخص موسى نفسه، ومن ثم انتشرت تلك القصة عن «يوسفيوس» في العالمين ~~الإغريقي والروماني، وظلت زمنا طويلا يمتد قرونا، التفسير شبه التاريخي، شبه ~~الموثق، لقصة الخروج، المؤسسة على المزج بين الهكسوس وبين بني إسرائيل ومن ثم ~~«كان ذلك كافيا لتفسير عدم ذكر المصريين في نصوصهم لبني إسرائيل، ودخولهم أو ~~خروجهم من مصر؛ لأن مصر قد عرفتهم بالفعل، وعرفت أنهم دخلوها وأنهم خرجوا منها، ~~ولكن باسم الهكسوس». # وهنا يضيف «يوسفيوس» إلى تلك الرواية خبرا غريبا يجب أخذه بحذر، وذلك في ~~كتابه «العاديات اليهودية»، نوجزه في قوله: عندما كان موسى في مصر حدثت حرب بين ~~مصر وإثيوبيا، واشترك موسى في المعركة كضابط بالجيش المصري ، ووصل الإثيوبيون ~~حتى تخوم منف، لكن موسى ببراعته حاربهم مع رجاله، ودحرهم حتى عادوا ديارهم، ~~وحاصر مدينتهم، وهناك من على الأسوار، رأته بنت ملك إثيوبيا، فدخل حبه إلى ~~قلبها، فأرسلت تخطبه لنفسها، وهنا ساومها موسى على الحب مقابل استسلام ~~مدينتها. # ثم يؤكد يوسفيوس رغبة الآلهة المصرية في التحالف بين المصريين والإسرائيليين ~~بقوله: «فلما وصل الغزاة الإثيوبيون إلى أبواب منف، لجأ المصريون لاستشارة ~~الآلهة، طلبا للنبوءة واستلهام الوحي، وإذا النصيحة تأتي من الإله أن اتخذوا ~~من اليهودي حليفا.» # 12 # وهي الرواية التي قصد منها الالتقاء بما ورد في التوراة، حول زواج ~~موسى من امرأة كوشية/زنجية سوداء، وجاءت الإشارة إليها في حكاية التوراة ms084 ~~السريعة المختصرة المبتسرة «وتكلمت مريم وهارون على موسى، بسبب المرأة الكوشية، ~~التي اتخذها؛ لأنه كان قد اتخذ امرأة «كوشية»، فقالا: هل كلم الرب موسى وحده، ~~ألم يكلمنا نحن أيضا» (عدد، 12: 1-2). # لقد حاول يوسفيوس أن يجد تعليلا، لزواج موسى من سوداء زنجية كوشية في ~~سيناء، فقال بحرب بين مصر وإثيوبيا، حيث الكوش الزنوج، والتي تقع جنوبي مصر، ~~انتهت بزواجه من بنت ملك كوش، وهو ما يتناقض تناقضا صارخا مع بقية روايته، ~~التي تتحدث عن صداقة أمينوفيس/آمنحتب لملك إثيوبيا ولجوئه إلى بلاده، إبان حربه ~~مع الغزوة الهكسوسية الثانية، التي تحالفت مع الثائر الكاهن أوزرسيف. # والواضح أن المحرر قد استخدم كلمة إثيوبيا مرتين، للدلالة على العنصر الأسود ~~وليس على المكان؛ لأننا سنرى في هذا البحث أن إثيوبيا التي لجأ إليها الفرعون ~~جنوبي مصر أمر، وإثيوبيا التي كانت في حالة عداء مع الفرعون آنذاك أمر آخر ~~وموضع آخر، موضع ضم عددا من الأجناس من بينها الزنج (الكوشيون)، ناهيك عن ~~كوننا نعلم أن موسى تزوج صفورة بنت يثرون، أو رعوئيل كاهن مديان بسيناء، «ولا ~~شك لدينا أنها هي ذاتها التي وصفت بكونها زنجية كوشية، وهو ما سيتأكد مع السير ~~في بحثنا هذا قدما». # وهكذا يمكن تفصيل المكونات الرئيسية لنظرية مانيتون، حسب رواية يوسفيوس في ~~عناصر هامة أبرزها: # أن فرعون مصر زمن غزو الهكسوس لمصر كان باسم «توثيما يوس»، وهو ~~ما يغطي لنا صمت الوثائق المصرية عن الحديث، بشأن اسم الفرعون ~~المصري زمن غزو الهكسوس، ولو مؤقتا. # أن الهكسوس كانوا هم ذات عين الإسرائيليين، وأنهم ربما كانوا ~~عربا أو فينيقيين. # أنهم أقاموا عاصمة عسكرية في مدينة باسم ~~أفاريس/أواريس/حواريس/حويرة على مختلف الألسن القديمة/هوارة ~~بالعربية/حاوعرة بالمصرية القديمة. # أنهم عبدوا هناك الإله المصري رب الصحاري وسيد الشر «سيت» بالنطق ~~المصري، أو «سوتخ» أو «سوتتش» بالنطق الهكسوسي، وهو من أطلق عليه ~~اليونان اسم «تيفون» رب الأوبئة والدمار. # أن فرعون باسم «تثموزيس» كما نقل يوسفيوس، أو «آموس» كما كتبه ~~يوليوس الأفريقي، قد حاربهم وطردهم من مصر، فانسحبوا منها إلى ~~فلسطين، ms085 وأقاموا في إقليم يهوذا الجنوبي، وأسسوا هناك مدينة ~~أورشليم. # بقي من الهكسوس في مصر أسرى بعدد غفير، واستخدمهم المصريون في ~~الأعمال الشاقة، وفي زمن آمنوفيس/آمنحتب (دون تحديد أي أمنحتب هو ~~بين المناحتة)، التمسوا فيه بعض الرحمة، فطلبوا منه أن يمنحهم ~~لسكناهم مدينة الهكسوس القديمة أفاريس، فمنحهم المدينة ليسكنوها، ~~وهناك لحق بهم كاهن مصري من كهنة عين شمس يدعى أوزرسيف، الذي ربما ~~كان هو موسى ذاته، وقد استولى على قيادة أمرهم، ووضع لهم شرائع ~~جديدة، تخالف كل شرائع المصريين. # أن هناك «غزوة هكسوسية ثانية»، حدثت زمن نفس الملك المصري ~~آمنحتب/آمنوفيس، جاءت من خارج الحدود الشرقية، متحالفة مع ثورة ~~أسرى أفاريس وزعيمها أوزرسيف في الداخل، «وعادة لا يأخذ المؤرخون ~~المحدثون قصة الغزوة الهكسوسية الثانية، التي أشار إليها يوسفيوس ~~نقلا عن مانيتون مأخذ الجد أو حتى الاعتبار». # أن فرعون مصر آنذاك آمنوفيس/آمنحتب، كان له ولد، والغريب أن ~~الرواية هنا شديدة الالتباس والغموض، فهذا الولد مرة اسمه «سيتوس»، ~~ومرة أخرى «رمسيس»، ومرة ثالثة «هورامبيس». ~~«أن هذا الصبي الملكي قد استبعد من مصر وهو طفل صغير»، حرصا ~~على حياته عند أصدقاء أوفياء للملك، وكان عمره حينذاك لم يتجاوز ~~بعد «الخمس سنوات». # أنه كان في حواريس مع بقايا الهكسوس الأسرى «عنصر مصري منفي ~~بدوره» لأسباب غير معلومة ، ووجود هؤلاء في مدينة العبيد الأسرى مع ~~زعيمهم أوزرسيف لم يزل لغزا محيرا غير محلول. # أن الرعاة قد هزموا للمرة الثانية، وتم طرد الحملة الهكسوسية ~~الثانية إلى فلسطين أمام دفاعات الجيوش المصرية التي قادها ~~آمنحتب/آمنوفيس، وولده ذو الأسماء الثلاثة، بعد أن يفع ونضج وأصبح ~~قائدا عسكريا مظفرا، والمفترض أنه آنئذ كان يبلغ من العمر ~~ثمانية عشر عاما، حيث استبعد وله من العمر خمس سنوات، وعاد بعد ~~ثلاثة عشر عاما حسب رواية يوسيفيوس ليحارب مع أبيه ضد ~~الغزاة. # زمن الغزو الهكسوسي لمصر # من المعلوم أن الوثائق المكتشفة في تاريخ مصر القديمة، لم تمدنا حتى الآن ~~بتحديد دقيق لزمن غزو الهكسوس مصر، ولا من هم الهكسوس ولا جنسهم، ويقول ~~لنا «محمد ms086 بيومي مهران»: «ولقد اختلف المؤرخون القدامى منهم والمحدثون، في ~~تقدير مدة حكم الهكسوس في مصر، فهناك من وصل بها إلى أكثر من تسعة قرون، ~~بينما نزل بها آخرون إلى قرن واحد.» # 13 # وكل ما نعلمه عن محاولات المصرولوجيين تزمين وقت غزو الهكسوس لمصر، أنها ~~قد اتفقت على مجيء الهكسوس بعد سقوط الأسرة الثانية عشرة آخر أسر الدولة ~~الوسطى حوالي عام 1788ق.م. وأن الاحتلال قد استغرق خمس أسر حاكمة هي: 13، ~~14، 15، 16، 17، حتى مجيء فراعنة التحرير من الأسرة السابعة عشر وأشهرهم ~~«أحمس» آخر ملوك الأسرة 17، ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة، حوالي عام ~~1575-1550ق.م. والتي تعد الأسرة الأولى في سلسلة أسر الدولة الحديثة ~~(الإمبراطورية). # ولما كان سقوط الأسرة الثانية عشرة، قد حدث حوالي 1788ق.م. فقد اعتبر ذلك ~~هو التاريخ المرجح للغزو الهكسوسي لمصر، وبذلك يكون مجموع سنوات حكم ~~الهكسوس لمصر، إضافة للأسر المصرية الحاكمة التي لم تقع تحت النير ~~الهكسوسي، أو التي ظلت تحكم تحت سيطرتهم، لا تتجاوز 238 سنة، وإن كان ~~التقدير الدقيق في ترجيح المصرولوجي «جاردنر»، لا يتجاوز «215 سنة». # 14 # وتشمل هذه المدة خمس أسر كاملة، وهو التقدير الذي يخالف بشدة الزمن الذي ~~رصده «مانيتو» لذات المدة، وقدره بحوالي 1770 سنة، منها 511 سنة للحكم ~~الهكسوسي، و1259 سنة لأسر مصرية، تقع جميعا بين نهاية الأسرة الثانية ~~عشرة، وبداية الأسرة الثامنة عشرة. # والمشكل في الأمر هنا، أن المؤرخين - أنفسهم - الذين رصدوا زمنا قدره ~~238 سنة لمجموع الأسر الخمس، يعترفون بعسر قبول ذلك، حيث الزمن قصير جدا ~~بالنسبة لعدد الأسر، التي تراكمت إبانها في الحكم، ولما لم يجدوا حلا ~~لهذه المشكلة، نظرا لاعتمادهم في ذلك التقدير على معطيات آثارية، ~~ومتشابكات ومتزامنات لا تسمح بغير 238 سنة للأسر الخمس، فقد لجئوا لحل ~~المعضل، بما ذهبت إليه - كمثال موجز - موسوعة تاريخ العالم، مستندة إلى ~~«مانيتو» مرة أخرى، بالقول إن مصر انقسمت أقاليم في ذلك الزمان، «وتعاصرت ~~الأسر المختلفة في الحكم على تلك الأقاليم»، فحكمت الأسرة المصرية الثالثة ~~عشرة في طيبة متحصنة هناك، بعيدا عن يد البطش ms087 الهكسوسي، وفي ذات الوقت ~~تعاصرت معها أسرة مصرية، حكمت في سخا بوسط الدلتا، كانت خاضعة تماما ~~للهكسوس، هي الأسرة الرابعة عشرة، أما الأسرتان الخامسة عشرة والسادسة ~~عشرة، فكانت أسرا هكسوسية خالصة، حكمت خلال ذات الزمن والمدة المرصودة، ~~ثم قامت الأسرة السابعة عشرة في طيبة، بعد سقوط أسرتها الملكية عند الغزو، ~~وهي الثالثة عشرة، وهي الأسرة التي قاد ملوكها الأماجد، حملات التحرير ضد ~~الهكسوس. وبطرد الهكسوس على يد أحمس أحد رجال تلك الأسرة العسكريين، تأسست ~~معه وبداية به، الأسرة الثامنة عشرة، أولى أسرات الدولة المصرية الحديثة، ~~دولة الإمبراطورية. # أما «جاردنر» فوضع حلا لمشكلة الحجم الزمني الضئيل، لمجموع الأسر التي ~~أخبرنا التاريخ بها، فافترض بداية أن هناك امتدادا للدولة الوسطى، خلال ~~أسرتين مصريتين حكمتا لمدة 107 سنوات، هما الأسرة الثالثة عشرة الضعيفة، ~~والأسرة الرابعة عشرة التي استغرقها حكم الفرعون القوي «نفر حوتب» ~~، الذي حاول ترميم ضعف ~~الأسرة السابقة، وبنهاية «نفر حوتب» جاءت غزوة الهكسوس، التي شكلت الأسرة ~~الخامسة عشرة، التي دام حكمها في رأي «جاردنر» ما لا يزيد عن 108 سنوات، ~~وحكم خلالها الملوك الستة الذين أشار إليهم «مانيتو»، لكن «جاردنر» اعتبر ~~«مانيتو» مضللا في قوله إنهم أول الملوك الهكسوس الأقوياء؛ حيث اعتبرهم ~~«جاردنر» هم كل من حكم مصر من ملوك الهكسوس، وقد استند «جاردنر» في ذلك، ~~إلى ما جاء في بردية تورين ، التي ذكرت ستة ملوك هكسوس حكموا مصر لمدة 108 ~~سنوات. # ثم قام «جاردنر» بإلغاء أسرتين هما السادسة عشرة والسابعة عشرة دفعة ~~واحدة، واعبر وجودهما خطأ من «مانيتو»، # 15 # ومن ثم أعاد ترتيب الأوضاع كالآتي: # الأسرة 13، 14 # أسر مصرية صميمة # الأسرة 15 # أسرة هكسوسية # الأسرة 16، 17 # غير موجودة أصلا # وعليه لن يكون هناك سوى ثلاث أسر فقط وليس خمس، تقع في الفترة ما بين ~~سقوط الدولة الوسطى وبين قيام الدولة الحديثة، وقد عمد «جاردنر» وهو بسبيل ~~إثبات خطأ «مانيتو» إلى مقارنة تاريخية، بتأريخ عالم رصين هو «إدوارد ~~ماير»، الذي انتهى بعد دراسته للتأريخ بحسب النجم سايروس/الشعرى اليمانية، ~~حيث جرى تزمين ms088 المصريين لتأريخهم بحسابات ظهوره واختفائه، وقال «ماير» أن ~~أبعد نقطة يمكن الوصول إليها في تزمين بداية أول أسرة مصرية حاكمة، لا تبعد ~~عن عام 3200ق.م. # ومن المعلوم أن هناك ثلاثة جداول أخرى للملوك، تم اكتشافها وترجمتها، ~~تحصر لنا ملوك مصر عبر الأسرات الحاكمة، وهي: جدول أبيدوس المنقوش على ~~جدران المعبد الكبير بالعرابة المدفونة (أبيدوس)، وجدول سقارة الذي عثر ~~عليه «وبدي جونيري» عام 1861م، في مقبرة رئيس عمال منف، وجدول الكرنك ~~المنقوش بمعبد طيبة، وقد اشتركت الجداول الثلاثة في الاتفاق على عدم تسجيل ~~عدد من الملوك، اعتبرهم المصريون غير شرعيين، وهو ما جرى على ملوك الهكسوس ~~من الأسرة الخامسة عشرة حتى السابعة عشرة، «كما لوحظ استبعاد الجداول ~~الثلاثة لملوك أسرة العمارنة بدورها، والتي تمثل «آمنحتب الرابع» المعروف ~~باسم «إخناتون»، وخلفائه المباشرين من أعضاء أسرته». # 16 # وقد علل المصرولوجيون ذلك بمروق إخناتون الديني، بحيث اعتبرت فترة حكمه ~~لا تقل سوءا وكراهية عن فترة حكم الهكسوس، لكن السؤال هنا الذي يقف بلا ~~إجابة: إذا كان ذلك جائزا بحق «إخناتون» نفسه، فكيف يجوز بحق أخلافه الذين ~~عادوا إلى عبادة آمون، وانتقلوا من «أخت آتون» بالعمارنة إلى «طيبة» مرة ~~أخرى، وهم الفراعنة سمنخ كارع وتوت عنخ آمون وآي؟ إن المسألة بحاجة إلى ~~تفسير أكثر إقناعا من ذلك، المهم أن سقوط أسرة العمارنة من تلك الجداول، ~~أدى بالمؤرخين قبل اكتشاف تل العمارنة ومعرفة تلك الأسرة، إلى الوقوع في ~~أخطاء شديدة، «حيث كانت هناك فجوة تاريخية هامة بل وخطيرة غير معلومة ~~لديهم بالمرة». # وعملا بقاعدة إهمال المصريين تدوين ملوك بعينهم، مع سني حكمهم، نجد ~~جدولي الكرنك وأبيدوس - كمثال - لا يوردان إطلاقا أي ذكر لحكام الأسرة 13، ~~14، 15، رغم أن جدول الكرنك ذكر ملوكا من الأسرة الحادية عشرة لا يستحقون ~~ذكرا، وسجل أسلاف الملك «أحمس» في الأسرة 17، وهم غير مهمين بالمرة، كذلك ~~سجل جدول أبيدوس ملوكا لا قيمة لهم إطلاقا من حكام الأسرة الثامنة عشرة، ~~وإذا أخذنا بقاعدة الإهمال في التدوين؛ لأن الملوك في تلك الحال غير شرعيين ~~أو أجانب، ms089 «فينبغي في تلك الحال اعتبار حكام الأسر 13، 14، 15 حكاما غير ~~شرعيين، ويجب أن نستنتج أنهم لا بد كانوا هكسوسا». # وهكذا كانت الخدعة المبيتة في التاريخ المصري، والتي تأكدت لنا في محاولة ~~الفهم: لماذا اعتبر «مانيتو» أن «هورامبيس» الذي يجب - بمطابقة الأسماء - ~~أن يكون هو الفرعون «حور محب» آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وأول ملوك ~~الأسرة التاسعة عشرة؟ وجاء بعد انتهاء حكم أسرة العمارنة، يجب أن يكون ~~«هورامبيس» هذا ابنا مباشرا للفرعون «آمنحتب»؟ والإجابة هي أن الفرعون ~~السابق مباشرة لحور محب، بعد حذف ملوك العمارنة الأربعة الذين لم تدونهم ~~جداول الملوك المصرية هو «آمنحتب الثالث»، ومن ثم احتسب «مانيتو» أن ~~«هورامبيس» أو «حور محب» ابنا ل «آمنحتب الثالث»، بينما تقف بين آمنحتب ~~الثالث وبين حور محب، أسرة حاكمة كاملة هي أسرة تل العمارنة. # المهم أن ذلك كله يشير إلى قدر كبير من الصدق التاريخي في تاريخ ~~«مانيتو»، لكنه لا يعني من جانب آخر التسليم بكل تاريخه؛ لوقوعه في خلط ~~كبير أحيانا، لبعد الشقة الزمنية بينه وبين زمن الأحداث التي أرخ لها، ~~لكن حتى ذلك الخلط كان يحمل خيوطا من حقائق وأحداث، لكنها التبست عليه ~~فتبدل فيها الأبطال كما تبدلت المواضع، وهو ما سنلمسه مع السير في خطوات ~~بحثنا هذا. # وعليه فقد وضع «مانيتو» لحكم الهكسوس زمنا يصل إلى 511 سنة، وهو رقم ~~مبالغ فيه بعض الشيء، هذا بينما وضع مصرولوجي مثل «جاردنر» زمنا يقع ما ~~بين 215 سنة و108 سنوات، اعتمادا على بردية تورين، وهو بالمقابل زمن هزيل ~~تماما بالنسبة لعدد الأسر ولضخامة الحدث، وما احتواه من أمور جسام، ~~«وعليه فلا مناص من محاولة تحديد مدة زمنية، تتأرجح بين المدتين ~~المرصودتين»، وهو الأمر الذي لا يفصل بشأنه، إلا تحديد زمن الفرعون الذي ~~حدث الغزو إبان اعتلائه العرش، والذي ذكره «مانيتو» باسم «توثيمايوس»، أو ~~بحذف التصريف الاسمي اليوناني «توتيماوي»، وهو ما لم يجد المصرولوجيون ~~بشأنه أي أثر حتى الآن، ثم تحديد زمن فرعون التحرير الذي ذكره «يوسفيوس»، ~~نقلا عن مانيتو بالقراءة «تثموزيس»، ms090 بينما قرأه «يوليوس الأفريقي» بالرسم ~~«آموس»، وقرأه يوسابيوس نقلا أيضا عن «مانيتو» باسم «آموزس»، واتفقت ~~آراؤهم جميعا، أنه حكم في طيبة خمسة وعشرين عاما. # ومن الجدير بالذكر الإشارة لاتجاه هام، يرى الهكسوس قد كونوا إمبراطورية ~~كبرى، مستندين إلى العثور على اسم الملك الهكسوسي «خيان»، والمحتمل أنه ابا ~~خنان/أبا الغنم «حنا» الهكسوسي الثالث، منقوشا على عدد من الجعول، وعلى ~~غطاء مرمري عثر عليه «إيفانز» في كونسوس بكريت. و«خيان» هو الاسم الذي ~~يلتقي مع «يان» أو «ياناس» في جدول «مانيتو»، ووجدت له آثار في سوريا ~~وفلسطين وبغداد، وبين الآثار كان تمثال لأبي هول صغير، عثر عليه في بغداد ~~عليه النقش: «خيان الإله الطيب سوسرن رع»، # 17 # والمهم أن هذه الآثار الهكسوسية المتناثرة في مساحة واسعة، ما ~~بين الأناضول شمالا ومصر جنوبا، والعراق شرا وكريت غربا، أدت إلى ~~استنتاج «أن الهكسوس قد أقاموا إمبراطورية كبرى، تشمل كل تلك المنطقة»، وهو ~~الرأي الذي لا يلقى قبولا واسعا بين المهتمين، وهناك أعلام مثل «جاردنر» ~~يرفضون قبول تلك النظرية تماما. # 18 # وتأتينا أول النصوص المصرية حول حرب التحرير، في نص «قصة الملك أبو فيس ~~وسقننرع»، والتي تحكي لنا بداية المقاومة الوطنية، في عهد ملك من ملوك ~~الأسرة السابعة عشرة، المتحصنة في طيبة جنوبي البلاد، ويدعى سقنن رع تاعا ~~، ~~وكان معاصرا لملك هكسوسي يدعى «أبو فيس»، وكان الملك الهكسوسي يحكم من ~~مقر عاصمته العسكرية «أفاريس» أو «أواريس» أو «حواريس» شمال البلاد. # وبمطابقته مع اللوحة السداسية لملوك الهكسوس يكون ترتيبه السادس بينهم، ~~ويكون هو أبو فيس الثالث حيث سبقه إلى حمل لقب أبو فيس اثنان من الملوك ~~الهكسوس. # وتلك القصة التي تروي ذلك الصراع من أجل طرد الغزاة، دونت بعد عصرها ~~بزمان، في عهد الملك «مرنبتاح بن رمسيس الثاني» في الأسرة التاسعة عشرة، ~~ويبدو عليها أنها كانت تمرينا مدرسيا، وصلنا به أخطاء عديدة نتيجة جهل ~~التلميذ، الذي نقلها عن أصل لا نعرفه الآن، وبها تكرار لبعض الجمل وبعض ~~الأحداث، وغموض في نواح كثيرة، نشأ عن تهشم بعض أجزائها، ms091 وتقول الفقرة ~~الأولى منها: # حدث أن أرض مصر كانت في جائحة شنعاء، ولم يكن للبلاد حاكم يعد ~~ملكا في هذا الوقت، وقد حدث أن الفرعون سقنن رع كان حاكما على ~~المدينة الجنوبية، لكن «الجائحة الشنعاء كانت في بلد العامو»، وكان ~~الأمير أبو فيس في أواريس، وكانت كل البلاد خاضعة له، وكذلك كل ~~حاصلاتها بأكملها، كذلك كل طيبات تميرا (مصر)، وقد اتخذ الملك أبو ~~فيس الإله ستخ ربا له، ولم يعبد أي إله آخر في البلاد سوى ستخ، ~~وقد بنى معبدا ليكون حصنا خالدا بجانب قصر أبو فيس، وقد كان ~~يستيقظ كل يوم ليقرب الذبائح اليومية للإله ستخ، وكان موظفو جلالته ~~(أي الفرعون سقنن رع) يحملون الأكاليل من الزهر، كما كان يفعل ~~تماما في معبد رع حر أختي # 19 ~~(علينا هنا ملاحظة أن قرابين سوتخ كانت ذبائح وأن ~~قرابين الرب المصري كانت أكاليل من الزهور). # ويتوالى سرد القصة، فتروي أن حاكم الهكسوس، أراد التحرش بملك المملكة ~~الجنوبية «طيبة/الأقصر»، فأرسل له زاعما أن أفراس النهر الموجودة في ~~بحيرات طيبة، تصدر في الليل ضجيجا يمنعه من النوم ويقلق راحته، وللأسف فإن ~~ما تلا ذلك من أحداث، ينقطع عنا بسبب التشوه الذي لحق بالوثيقة، وكل ما ~~أمكن استنتاجه أن حربا قد بدأت بين الطرفين، وأن الملك المصري الوطني ~~سقننرع قد وقع صريعا، وهو ما تم استنتاجه من فحص مومياء الملك، التي ~~تقلصت تقلصا شديدا، وهو ما يشير إلى آلام فظيعة عانى منها سقننرع، هو ~~في سكرات موته، وظهر بالمومياء جروح غائرة في الرأس والعنق، من المرجح أنها ~~ضربات بلط، ولم يكن الملك قد تجاوز عامه الثلاثين بعد، حسب تقديرات ~~الأطباء الذين فحصوا المومياء. # 20 # ويستنتج «محمد بيومي مهران» من ذلك نتيجة يلخصها في قوله: «إن سقنن رع قد ~~قتل في ساحة الوغي، وإن المصريين تمكنوا من حمل الجثمان وتحنيطه، وذلك دليل ~~على سيطرة الجيش المصري على أرض المعركة.» # 21 # وفي عام 1954م اكتشف الأركيولوجست المصري «محمد حماد» بالأقصر، ~~لوحة كبيرة تروى بإفاضة الجهود الحربية ms092 التي قادها «كامس» ~~، ~~خليفة سقننرع ضد ملك الهكسوس أبو فيس أو «أبوبي»، الذي حمل هذه المرة لقبه ~~المصري «عا أو سر رع خمودي»، وهو الكشف الذي دعم شبيها له، سبق أن كشفت ~~عنه حفائر «اللورد كارنارفون» بحوالي خمسين عاما، وكان لوحة هيراطيقية ~~تروي مراحل الصراع الأولى، وكانت بدورها نسخة نقلها كاتبها عن نص تاريخي ~~أصيل أقيم بالمعبد، وهو التعدد الذي يشير لأصالة الرواية التي تروى: # السنة الثالثة، حور الظاهر على عرشه، وصاحب الإلهتين، حور ~~الذهبي، الذي يجعل الأرضين مسرورتين، ملك الوجه القبلي والوجه ~~البحري، واز خبر رع ابن الشمس، كامس، معطى الحياة مثل رع أبد ~~الأبدين، محبوب آمون رع سيد الكرنك، الملك القوي في ربوع طيبة، ~~كامس معطى الحياة مخلدا، كان ملكا محسنا، وقد جعله رع ملكا ~~حقيقيا، وسلمه القوة بالحق المبين، وقد تكلم جلالته إلى مجلس ~~كبار الدولة، الذين كانوا في حاشيته قائلا: إلى أي مدى أدرك كنه ~~قوتي هذه؟ عندما أرى «حاكما جالسا في أواريس وآخر بلاد كوش»، ~~وأنا أجلس مشتركا مع رجل من العامو وزنجي، وكل رجل منهما مسئول عن ~~جزئه من مصر هذه، «وذلك الذي يقاسمني الأرض لن أجعله يمر في ماء ~~مصر حتى منف»، تأمل إنه يسيطر على الأشمونيين، ولا يرتاح رجل ~~لصيرورته عبدا «للستيو»، إني سأصارعه وأبقر بطنه، وإن رغبتي هي ~~تحرير مصر والقضاء على الآسيويين ... وعندئذ قال عظماء مجلسه: تأمل، ~~لقد تقدم الآسيويون حتى وصلوا القوصية، وقد أخرجوا ألسنتهم لنا حتى ~~آخرها، إننا في طمأنينة نملك نصيبنا من مصر وألفنتين، والقوم ~~يحرثون لنا أحسن أرضهم، وماشيتنا ترعى في مستنقعات الدلتا البردي، ~~والشعير يدرس لخنازيرنا، ومواشينا لم تغتصب، بسبب ذلك، «وهو ... ~~ويستولي على أرض العامو، ونحن نمتلك مصر»، ولكن كل من يأتي إلى ~~أرض ليناهضنا سنناهضه ... # وكانوا قد أغضبوا قلب جلالته (بقولهم هذا): أما عن مجلسكم هذا، ~~فإن هؤلاء العامو الذين ... تأملوا إني «سأحارب العامو»، وإن النصر ~~سيأتي، وإذا ... بالبكاء، فإن الأرض قاطبة سترحب بي، بوصفي الحاكم ~~القوي داخل طيبة، كامس حامي مصر. # ولقد ms093 أقلعت منحدرا في النيل بوصفي محاربا، لأهزم العامو بأمر ~~آمون صادق النصيحة، وقد كان جيشي شجاعا يسير أمامي، كأنه عاصفة ~~من نار، وكان جنود المازوي في مقدمة معاقلنا، ليتجسسوا على مواقع ~~«الستيو»، وليدمروا مواقعهم شرقا وغربا، ومعهم طعامهم وأدمهم، ~~وقد كان جيشي المكتظ بالمؤن في كل مكان. # وقد أرسلت جيشا من المازوي، في حين أني قد أمضيت يومي ... لأحبس ... ~~تيتي بن بيوبي داخل نفروسي، وكنت لا أريد السماح له بالهرب، ثم ~~جعلت «العامو الذين اعتدوا على مصر» يولون الأدبار، وقد كان مثله ~~كمثل رجل ... قوة العامو، وأمضيت الليل في سفينتي وقلبي فرح، وعندما ~~أضاء النهار، انقضضت عليه كالصقر، وعندما جاء وقت تعطير الفم، كنت ~~قد هزمته وخربت أسواره، ذبحت قومه وجعلت زوجته تنزل إلى شاطئ ~~النهر، وكان رجال جيشي كالأسود، عندما ينقضون على الفريسة، ومعهم ~~العبيد والقطعان والأدم والشهد، فقسموا غنائمهم وقلوبهم فرحة، وكان ~~إقليم نفروسي على وشك السقوط، ولم يكن بالأمر العظيم أن تحبس زوجة ~~... وكان برشاق غير موجود عندما وصلت، وهربت خيولهم من الداخل والحامية. # 22 # وهنا يتهشم النص الهيراطيقي، فنكمله بما جاء في لوحة الأقصر التي تقول ~~على لسان «كامس»، وهو ينادي عدوه «أبوب/أبوفيس»، الذي لا شك كان في عاصمة ~~الهكسوس «حواريس»: # إن قلبك معطل أيها الآسيوي الوضيع، الذي اعتاد أن يقول: أنا ~~سيد، وليس لي هناك ند من خمون وبي حتحور حتى أفاريس. # 23 # ويبدو أن كامس لم يتمكن من تحرير أفاريس/حواريس، فتتحدث خاتمة اللوح عن ~~عودة كامس، منتصرا إلى عاصمته، حيث جن الناس به فرحا، ومع ذلك لم يكن هو ~~القاهر النهائي للهكسوس، حيث ادخر هذا العمل المجيد لخليفته وشقيقه أحمس # الذي ~~يلتقي باسمه مع آموس «عند يوليوس الأفريقي»، ومع «آموزس عند يوسابيوس»، ومع ~~بعض التحريف عند «يوسفيوس: تثموزيس»، وهو الفرعون الذي مجدته الأجيال ~~اللاحقة، باعتباره محرر مصر من الهكسوس، ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة ~~الماجدة. # وقد علمنا بأمر أحمس وانتصاراته من مقبرة في الكاب في أقصى جنوبي مصر، ~~تخص واحدا من ضباط جيشه، يحمل ذات ms094 اسم الفرعون، هو الضابط «أحمس بن ~~أبانا»، الذي حكى في نقوش مقبرته، كيف أبحر مع سيده الملك أحمس شمالا، ~~لمهاجمة الآسيويين (العامو/الستيو)، ليتابعوا حصار قلعة الهكسوس في حواريس، ~~وكيف انسحب العامو عبر سيناء، حتى شاروهين جنوبي غربي فلسطين، وهناك استمر ~~أحمس يحاصرهم لمدة ثلاث سنوات على التوالي، إلى أن استسلموا مرة أخرى، وتم ~~إجلاؤهم عن المنطقة نهائيا، # 24 # وإن كان خبر إجلائهم عن جنوبي فلسطين من وجهة نظرنا محل شك ~~كبير، ويبدو أنهم ظلوا هناك، وفي مناطق متفرقة بشبه جزيرة سيناء، يتمتعون ~~ببعض قوتهم، التي كانت تحتاج من الفراعين إلى تجريد الحملات بين حقبة ~~وأخرى لتأديبهم. ومما يدل أيضا على وجودهم القوي، ما جاء في تاريخ تحتمس ~~الثالث، بعد قرن من تلك الأحداث، حيث وجد «زيته» في مقدمة تاريخ تحتمس ~~الثالث، إشارة لوجود هكسوس في قلعة شاروهين نفسها، وقد ترجم زيته تلك ~~الفقرة كالآتي: # السنة الثانية والعشرون، الشهر الرابع من فصل الشتاء، اليوم ~~الخامس والعشرون، مر جلالته بقلعة ثارو في أول قلعة مظفرة، ليطرد ~~الذين هاجموا حدود مصر بشجاعة ونصر وقوة وفوز. # وقد مرت مدة طويلة من السنين كان فيها الآسيويون يحكمون البلاد ~~اغتصابا، والكل يخدمون أمام ... وقد اتفق في أزمان أخرى أن ~~الحامية، التي كانت هناك كانت في مدينة شاروهين، «وهم الآن من يرذ ~~إلى نهاية الأرض، في استعداد للثورة على جلالته». # 25 # الواضح خلال التاريخ أن سيناء ظلت مرتعا، للبدو الخارجين على السلطان ~~المصري المركزي طوال الوقت، وأنهم كانوا من القوة بحيث جعلوا من سيناء شبه ~~مملكة لهم، أو مجموعة ممالك، وأن السيادة الحكومية المصرية عليها، كانت ~~دوما في مد وجزر، وكثيرا ما دون التاريخ اعتداءهم على حدود الدلتا ~~الشرقية، كما يشهد بذلك النص السالف، وكان الفراعين دوما بحاجة إلى تقوية ~~حدود مصر الشرقية، لهذه الأسباب تحديدا، حتى أقاموا أثرا مشهورا في ~~تاريخ مصر القديمة، هو المتفق على تسميته ب «سور الأمير الذي يصد ~~الآسيويين»، على حدود الدلتا الشرقية مع سيناء. # 26 # وأحيانا كان تمردهم يصل إلى درجة ms095 الهجوم، على المدن المصرية العامرة ~~شرقي الدلتا، كما حدث في عهد الملك ستي الأول من حكمه 1302ق.م. عندما ~~هاجموا مدينة بي توم أو فيثوم؛ مما اضطره إلى تجريد حملة تأديب كبرى، # 27 # وعند حملته على الشام اصطدم مرة أخرى عند رفح، بجماعات الشاسو # 28 # أو بدو سيناء، ولم يتمكن من دخول فلسطين، إلا بعد أن أحرز ~~نصرا شديدا عليهم. # المهم أنه إذا كانت الوثائق، قد أفادت باسم فرعون التحرير «أحمس»، فإنها ~~لم تفدنا حتى الآن باسم فرعون مصر وقت الغزو، باستثناء ما ورد عند مانيتو ~~عن فرعون باسم «توثيمايوس» أو «توثيمايو»، بعد حذف التصريف الاسمي ~~اليوناني، وقد لجأ المتأولون المتعجلون إلى تصحيفه بالقراءة إلى ~~«تحتمس»، لكن ذلك لم يحل الإشكال، فلدينا بين الفراعين أكثر من تحتمس، ~~ومانيتو لم يحدد لنا من هو ال «تحتمس» المقصود بين الفراعين؟ ثم إن ما يفصل ~~في الأمر، أن الملوك التحامسة لم يحكم أحدهم قط قبل الأسرة الثامنة عشرة، ~~أي أنهم حكموا بعد طرد الهكسوس من مصر، وليس قبل ذلك، وأولهم «تحتمس ~~الأول»، الملك الثالث في ترتيب ملوك الأسرة الثامنة عشرة، بعد أحمس وآمنحتب ~~الأول. # إلا أن الباحث «غطاس الخشبة» نبهني إلى أمر هام بالفعل، حيث إنه تابع ~~قراءة جداول بردية تورين للملوك، المرفقة بكتاب «جاردنر»: مصر الفراعنة، ~~وطابق اسم «توتيماوي» مع الاسم المذكور في العمود السادس تحت رقم 24، # 29 # إلا ان الأرجح بالفعل أن يكون هو الفرعون الذي ورد بذات ~~البردية في العمود رقم 7 تحت رقم 5، باسم «سعنخ رع أن سوا دج/تو»، الذي حكم ~~ثلاث سنوات وشهرين، وهو الاسم الذي ينقح إلى اسم مشهور دون سبب واضح لتلك ~~الشهرة، هو «سخم رع سوا دج/توي»، واشتهر باسم «سبك حتب الثالث» # ولا سبيل لتفسير تلك الشهرة إلا بحدث كبير مثل حدث غزو الهكسوس. # ولما كان حرف «ت» ينطق - في تلك الحال - «دج»، مع تعطيش الجيم، كما في ~~نطق اسم مدينة «أبيدوس» بذات الطريقة «آبدجو» بدلا من «أبيدو» المعتادة، ~~فإنه يمكننا أن ننطق اسم الفرعون نطقا ms096 يوافق زمن مانيتو بتخفيف «دج» إلى ~~«ت»؛ ليقرأ: «سخم رع/سوا/ت/تو وي»، وهو الاسم الذي يحوي كل المكونات ~~الفونيطيقية للاسم، الذي أورد مانيتو «توتيماوي» ويقع ترتيبه في سلسلة ~~الملوك - بعد سقوط الأسرة الثانية عشرة - الثامن والعشرين، وهو بذلك أحد ~~ملوك الأسرة الثالثة عشرة، التي حدث الغزو إبانها بالفعل، وهو ما يعني وجود ~~أسرة بهذا الرقم فعلا في طيبة، ولا يصح أن نذهب مع من ينصحون بإلغائها، ~~لصالح عمليات التزمين السالف الإشارة إليها. # والمطالع لقائمة سني الملوك الذين حكموا بعد الأسرة الثانية عشرة، سيلحظ ~~فورا أن هذا العدد من الملوك، قد حكم مددا قصيرة جدا، حيث إن الملك ~~منهم لم يحكم أكثر من شهور، وبعضهم لم يحكم سوى أيام، وأطول مدة حكمها ملك ~~من بينهم لا تتجاوز سنواتها أصابع اليد الواحدة، كما في حالة «توتيماوي/سبك ~~حتب الثالث»، وحالة أخرى وحيدة نادرة، استمر فيها أحدهم ثلاثا وعشرين ~~سنة، وهو الأمر الذي يشير إلى قصر عمر قياسي للأسرة الثالثة عشرة، وصراع ~~هائل على السلطة، أدى إلى تفكك نظام الدولة وانهيار البلاد، إلى الحد ~~الذي سمح بدخول الهكسوس إليها، لكن في ضوء تضارب التزمين لا يمكن بحال أن ~~ندقق بشكل قاطع الزمن الذي دخل فيه الهكسوس مصر، على الأقل في هذه ~~المرحلة من البحث، وإن كان العلماء قد حددوه بعام 1788ق.م. أو نحو ذلك، وهو ~~العام الذي حددوه لسقوط الأسرة الثانية عشرة. # أما الدليل الأوفى على صدق «مانيتو»، فهو إشارته لاتخاذ الهكسوس عاصمة ~~في شمالي مصر باسم «أواريس/أفاريس/حواريس»، واتخاذهم إلها رئيسيا باسم ~~«تيفون»، وهي أمور لا جدال بشأن صحتها، حيث حدثتنا الوثائق المصرية ~~المكتشفة عن مدينة الهكسوس باسم «حواريس»، وقد وردت باسمها هذا عدة مرات في ~~وثائق التحرير، وطبقا لما نقله «يوسفيوس» عن «مانيتو»، فإن حواريس كانت ~~تقع في مقاطعة باسم «المقاطعة الستروية»، وتبعا لما بين أيدينا الآن من ~~تصنيف لمقاطعات مصر القديمة، لم نعثر بينها على مقاطعة بهذا ~~الاسم. # وقد ظلت نظرية «مانيتو» - التي أخذ بها المؤرخون القدامى، مسيطرة وسائدة، ~~إلى ما يزيد عن ms097 سبعة عشر قرنا على التوالي، والتي تؤكد - بتفسير «يوسفيوس» ~~- أن بني إسرائيل، هم ذات عين الهكسوس، وأن طردهم قد تم على يد فرعون باسم ~~«أحمس»، وأن بعضهم بقي أسيرا في مصر، ثم أشعلوا نار ثورة ضد فرعون باسم ~~«آمنحتب»، ومن علوم المصريات، وحسب جدول الملوك، نعلم أن هناك أربعة ملوك ~~حكموا بهذا الاسم خلال الأسرة الثامنة عشرة المصرية، أولى أسر الدولة ~~الحديثة، دولة الإمبراطورية، وقد تم ترتيب ملوك تلك الأسرة، وفق قوائم ~~الملوك القديمة (أبيدوس، الكرنك، بردية ليدن ... إلخ)، مع الاستعانة بالكشوف ~~الحديثة في علوم المصريات لآثار مصر، لملء الفراغات التي أسقطتها تلك ~~الجداول، بحيث جاءت كالتالي: # اسم الفرعون # بالهيروغليفية # التاريخ الافتراضي لسني حكمه ~~ق.م. # أحمس # 1575-1550 # آمنحتب الأول # 1550-1528 # تحتمس الأول # 1528-1510 # تحتمس الثاني # 1510-1490 # حاتشبسوت # 1490-1468 # بينهما فترة حكم مشتركه # تحتمس الثالث # 1490-1436 # آمنحتب الثاني # 1436-1413 # تحتمس الرابع # 1413-1405 # آمنحتب الثالث # 1405-1367 # آمنحتب الرابع/إخناتون # أسرة العمارنة ساقطة من الجداول المصرية ~~القديمة # 1367-1350 # سمنخ كارع # 1350-1347 # توت عنخ آمون # 1347-1339 # آي # 1339-1335 # حور محب # 1335-1308 # لكن علوم المصريات الحديثة، رغم أخذها - بعد تأكدها - بما ذكره «مانيتو» ~~عن أحمس كفرعون للتحرير، فإنها لم تطمئن إزاء المعطيات الآثارية المكتشفة، ~~إلى فكرة أن الأسرى الإسرائيليين قد خرجوا بعد ذلك زمن فرعون باسم ~~«آمنحتب»، ومن هنا طرحت عدة نظريات تحاول تزمين خروج بني إسرائيل من مصر، ~~وإذا أخذنا عينات منها على الترتيب الزمني، سنجد: منهم من ذهب إلى خروجهم ~~زمن الفرعونة «حتشبسوت»، ومنهم من أرجأ ذلك لزمن شريكها في العرش وخليفتها ~~الفاتح المظفر «تحتمس الثالث»، بينما ذهب آخرون إلى تأخير ذلك الزمن إلى ~~أيام «آمنحتب الثالث» أو «الرابع/إخناتون»، باعتباره ما ذكره «مانيتو» عن ~~صفات الفرعون المحب للسلم واسمه آمنوفيس، واحتسابه هو فرعون التسخير ~~والاستعباد، وأن الخروج تم في عهد ابنه «هورامبيس» أو «رمسيس» كما قال ~~«مانيتو»، والذي سيتأرجح ما بين كونه إخناتون «آمنحتب الرابع» وبين كونه ~~«حور محب»، لكن ذلك الفرض جاء قبل أن تلقي علوم المصريات الأركيولوجية ~~الضوء على كثير من المجهول، ms098 واكتشفت أنه لا «رمسيس» ولا «حور محب» كانا ~~أبدا أبناء لآمنحتب، بل إنهما قد أتيا بعد ذلك بفترة، وفي أسرة أخرى هي ~~الأسرة التاسعة عشرة، ثم أخيرا تأتي آخر النظريات وأكثرها شيوعا ورسوخا ~~الآن، وهي التي تقول باستعبادهم زمن الفرعون «رمسيس ~~الثاني» (1290-1224ق.م.) أشهر ملوك الأسرة التاسعة عشرة وأجلهم شأنا، ~~وخروجهم زمن ولده «مرنبتاح» (1224-1214ق.م.). ~~(2) نظريات الخروج المتراوحة بين زمن «حتشبسوت» وبين زمن «مرنبتاح» # والنظرية الأولى هي القائلة بخروج بني إسرائيل من مصر زمن الفرعونة «حتشبسوت» ~~و«تحتمس الثالث»، الذي شاركها في الحكم فترة من الوقت، ثم أزاحها عن العرش ~~وانفرد به، وقاد جيوش مصر ليقيم أكبر إمبراطوريات ذلك الزمان. ويمثل تلك ~~النظرية أصدق تمثيل الأستاذ «جارستانج» عضو بعثة مارستن # Martson # التابعة لجامعة ليفربول، للتنقيب في فلسطين، وقد ملأ ~~«جارستانج» الدنيا صخبا وضجيجا بما زعمه عن كشف آركيولوجي حاسم في الأمر ~~جميعه، حيث عثر على جعران في مقابر أريحا الملكية، عليه إشارات فسرها كأدلة ~~قاطعة، تثبت أن «موسى» قد أنجبته الفرعونة «حتشبسوت» عام 1527ق.م. بالتحقيق، ~~عندما كانت أميرة، وقبل أن تتربع على عرش مصر، أي خلال حكم الفرعون «تحتمس ~~الأول» أو «تحتمس الثاني»، وأن «موسى» قد تربى في بلاطها وبين حاشيتها بعد ذلك، ~~ثم فر من مصر عندما نجح الانقلاب الذي قام به «تحتمس الثالث»، ثم عاد ليقود ~~الخروج أثناء حكم «تحتمس الثالث» عام 1447ق.م. وأن بني إسرائيل وصلوا أريحا ~~وفتحوا فلسطين، بعد سبعة وأربعين عاما من خروجهم من مصر، أي عام 1400ق.م. على ~~وجه التحديد. # وكما ظهرت ضجة «جارستانج» فجأة، خفتت فجأة، وانتهى «جارستانج» إلى الصمت ~~التام، ولم يعد أحد يتحدث عن جعرانه الأعجوبة، ويبدو أن المصرولوجيين لم ~~يقتنعوا تماما بتأويلاته لنقوش جعران أريحا، ربما لسقوطه في أخطاء هامة تبرر ~~ذلك الخفوت، فالتلاشي، لكشف بهذه الخطورة. # وممن ذهبوا إلى تزمين الخروج بأيام حكم الفرعونة «حتشبسوت» الباحث ~~«هانز جيدك # H. Jedic ~~» الذي أكد هذا ~~المعنى، وحاول إيجاد تبرير معقول للقناعة بغرق الفرعونة وجيوشها، رغم عدم وجود ~~أي وثيقة تاريخية في كل ms099 مدونات حوض المتوسط، تشير إلى غرق أي جيش أو أي فرعون، ~~فأرجع الأمر إلى انفجار بركان جزيرة تيرا # Tira # المعروفة الآن بجزيرة سانتورين # Santorin ~~، ~~الواقعة شمالي جزيرة كريت بحوالي سبعين كيلومترا، حيث زعم أنه قد تصادف خروج ~~الإسرائيليين عقب الانفجار، ولحظة وصولهم إلى بحيرة المنزلة؛ لكي يسلكوا الطريق ~~الساحلي إلى أرض كنعان، وفي اللحظة التي كانت فيها جيوش «حتشبسوت» تدخل ~~المنطقة، و«موسى» وأتباعه على ربوة عالية بعد مرورهم من جنوبي البحيرة، وصلت ~~موجة المد الهائلة التي سببها البركان، فأدى إلى غرق المصريين، و«جيدك» بذلك ~~يفترض أن بحر سوف الذي عبره الإسرائيليون، لم يكن بحرا بالمعنى المفهوم، بل ~~موضعا بساحل بحيرة المنزلة الجنوبي شمال الدلتا، ويكون المد الذي أغرق ~~المصريين قادما من البحر الأبيض المتوسط. # ويبدو لنا أن من ذهبوا إلى تزمين الخروج بعهد الفرعونة «حتشبسوت»، قد ازدادت ~~قناعتهم بمذهبهم، استنادا إلى النقوش التي خطت زمن حتشبسوت بحروف هجائية ~~في صورة بدائية، عند موضع جبل الشريعة (سانت كاثرين وموسى بسيناء)، وورد فيها ~~أكثر من مرة الاسم «منشه # Manassah ~~»، الذي دفع ~~إلى الظن بأنه اسم «موسى» نفسه، هذا مع الاعتقاد الراسخ أن جبل سانت كاترين ~~بسيناء، كان هو الجبل الذي توجه إليه الخارجون من مصر، إلا أنه لوجه الحق، أن ~~حل رموز تلك النقوش غير محقق، إضافة إلى أن الصفات التي وردت في تلك ~~المخربشات عن المدعو «منشه»، تخالف إلى حد بعيد ما ورد بشأن «موسى» في ~~التوراة، فمنشه هذا كان عاملا مصريا في المحاجر هناك، يعبد آلهة مصرية ~~كثيرة، وكان فيما يبدو مقربا في زمن سابق من الفرعونة حتشبسوت. # 30 # وربما انبنت قناعة «جارستانج» و«هانزجيدك» على ذلك النص المصري عن «حتشبسوت»، ~~والذي وجد منقوشا على واجهة أحد معابدها، في منطقة إسطبل عنتر بضاحية مصر ~~القديمة الآن، وهو معبد إقليمي، أطلق عليه اليونانيين اسم «سبيوس أرتميدس»، ~~ويحمل علامات شديدة الدلالة، يمكن تأويلها مع قصة الخروج، وهو نص مدهش بالفعل، ~~يقول النص: # أصغ إلي، إن جميع الناس من البدو هم على ترحالهم، وإني ms100 لم آخذ في ~~اعتباري أعمالهم الشاذة، ولم تشغل خاطري، فإني لم أنس أن أشيد «وأصلح ~~ما قد دمروه وأتلفوه» من قبل، وكان من بينهم حشود تقوم بهدم ما سبق ~~تشييده، «كانوا يحكمون» بغير مشورة رع، ولم يحدث أن تم التصرف طبقا ~~للأمر الإلهي، حتى عصر جلالتي. # وحكم جلالتي الآن ثابت بقوة رع؛ لأنه قد سبقت النبوءة بمولدي، بأني ~~سأكون من الملوك القادرين المنتصرين؛ ولذلك جئت كالحية النارية ~~الملتهبة ضد أعدائي، «ولما سمحت لأولئك الذين أغضبوا الآلهة بالخروج، ~~فكأن الأرض ابتلعت آثار أقدامهم»، وهذه إرادة أبي الآلهة، التي رتبت ~~ذلك في حينه، وهم لا يوافقون على إلحاق الضرر بمن جاء بإرادة الإله ~~آمون، وإني أتمتع بقوة احتمال حين تسطع عليه أشعة الشمس النورانية، ~~«فوجود جلالتي ولقبي شرعي وقانوني»، والإله حورس الصقر هو الذي يحميني ~~بجناحيه، وينشر اسمي الملكي إلى أبد الآبدين. # 31 # الواضح لدينا هنا أن «حتشبسوت» تريد تأكيد شرعية ملكها بإرادة الإله «آمون»، ~~وهناك نصوص عديدة حاولت فيها تأكيد تلك الشرعية، مع دليل آخر يدعم ذلك الشك، ~~حيث اصطنعت قصة تقول إنها ابنة مباشرة للإله آمون بالجماع الجسدي مع والدتها، ~~وهو الأمر الذي تكرر مع أكثر من فرعون، وهو ما يقول بشأنه «عبد العزيز صالح»: ~~«وعادة ما ازداد تمسح هؤلاء بالدين وكرامات آمون، كلما أحس أحدهم بشبهة يمكن ~~أن تمس شرعية ولايته للعرش، حيث يسارع إلى تأكيد بنوته المباشرة له، نتيجة ~~تقمصه روح أبيه حين أنجبه، وعبرت عن هذه الادعاءات أربع روايات للفراعنة: ~~حتشبسوت، وتحتمس الثالث، وتحتمس الرابع، وآمنحوتب الثالث.» # 32 # ويشير كل من «دريتون» و«فاندييه» إلى: «إن فكرة تدخل الإله تدخلا مباشرا في ~~إنسان الملك الجالس على العرش، كانت شائعة في الأسرة الثامنة عشرة، إذ تمثل ~~النقوش في معبد الدير البحري عن حتشبسوت، ومعبد الأقصر عن آمنحتب الثالث، ~~ومراحل الاقتران الإلهي؛ أي اجتماع آمون مع الملكة الوالدة، بعد أن يتخذ مظهر ~~الملك الوالد.» # 33 # أما الجزء الخاص بالبدو في ذلك النص، فقد جاء عرضا لإثبات اقتدارها ~~وسلطانها، ولم يكن ms101 مقصودا لذاته، ويبدو لنا لونا من الادعاءات الكثيرة ~~المتكررة في حوليات الفراعنة غير الشرعيين أو الضعاف، فيدعي أحدهم أنه أسقط ~~حضارة دولة معادية قبل زمنه بمئات السنين، أو يزعم أنه باني المعبد الفلاني ~~وليس له، أو يكتفي بمحو اسم الفرعون صاحب الأثر العظيم ويضع عليه اسمه، وهي ~~أمور معتادة ومعلومة مع دارس التاريخ المصري القديم، والنص هنا يتحدث عن بدو ~~كانوا يحكمون مصر، لا عن عبيد بمصر، إنه إشارة للهكسوس الحكام، وليس ~~للإسرائيليين المستعبدين، مما يشير إلى أنها أرادت أن تنسب لنفسها تحرير مصر من ~~الهكسوس، الذين حكموا مصر بالنص، وهدموا معابد الآلهة وحكموا بغير مشورة الإله ~~رع، النص هنا لا يمكن تفسيره إطلاقا بأنه يتحدث عن بني إسرائيل، فلا التوراة ~~ادعت أنهم حكموا مصر، ولا مصر دونت ذلك، النص يتحدث إذن عن الهكسوس تحديدا في ~~فخر، لفرعونة مشكوك في شرعية حكمها. # أما الجملة: «ولما سمحت لأولئك الذين أغضبوا الآلهة بالخروج، فكأن الأرض ~~ابتلعت أقدامهم.» فيبدو أنها تشير إلى اغتصابها عمل الفرعون «أحمس»، الذي سمح ~~للهكسوس بالخروج من حواريس بعد حصار طويل ومفاوضات، ليتجهوا إلى شاروهين، أما ~~الباحث «غطاس الخشبة» فيبدو أنه لم يلتفت إلى مسألة حكمهم لمصر وهدمهم ~~لمعابدها، ووقف فقط عند تلك الجملة، ليستنتج أنهم بنو إسرائيل. # وقد رتب الباحث نتائج عمله وأجملها في قوله: «إن الهكسوس طردوا من قلعة ~~«حواريس» سنة 1568ق.م. في السنة الخامسة لحكم «أحمس الأول»، وظل يطاردهم حتى ~~دخلوا فلسطين، وأن «موسى النبي» ولد سنة 1548ق.م. في أول حكم الملك «آمنحتب ~~الأول »، وانتشل من السفط تحت رقابة أخته مريم بنت عمران، وأن خروج بني إسرائيل ~~كان في نهاية حكم «حتشبسوت» عام 1468ق.م. بقيادة موسى، حيث كان له من العمر ~~ثمانون عاما، والأشبه إن صح هذا، أنها ماتت غرقا عندما لاحقتهم مع الجيش في ~~أطراف بحيرة المنزلة، أو أنها حمت بسبب ذلك، ودفنها تحتمس الثالث سرا، ~~لاغتصابها الملك منه، ويبين من ذلك أن تاريخ طرد الهكسوس من مصر سنة 1568ق.م. ~~كان سابقا لخروج بني إسرائيل ms102 من مصر سنة 1468ق.م. بمائة سنة، الذين كانت ~~متاعبهم قد بدأت في مصر منذ ذلك الحين، عقب طرد الهكسوس.» # 34 ~~«معلومة هامة»: تم اكتشاف أو التأكد من مومياء الملكة حتشبسوت العام 2008م ... ~~وأعلن زاهي حواس عن ذلك. # والواضح أن «الخشبة» قد حاول باجتهاد أن يوفق في بحثه، بين رواية التوراة ~~وبين رؤيته وتزميناته هو الاجتهادية لوقائع التاريخ، وفي ذلك لا مثلبة عليه؛ ~~لأننا لا نملك مصدرا آخر يتعلق بتفاصيل الخروج الإسرائيلي سوى التوراة، ولا ~~مناص من أخذه كمصدر أساسي، عند بحث أي شأن من شئون الخروج الإسرائيلي من ~~مصر. # إلا أن تحديد زمن الخروج الإسرائيلي من مصر، بزمن الفرعونة حتشبسوت، سيتضارب ~~تماما مع تقارير التوراة التي اعتمدها هو نفسه واعتمدها غيره، كما نعتمدها ~~نحن، حيث قررت التوراة أن الإسرائيليين قد عاشوا في مصر 430 عاما، وحيث إن ~~الأستاذ الباحث قرر بحساباته، أنهم دخلوا في عهد الملك الهكسوسي الثالث، الذي ~~ذكره «مانيتو» باسم «أبخنان»، فإنه بحسبة بسيطة، سنجدهم قد دخلوا مصر بعد 63 ~~عاما من غزو الهكسوس، ولما كان غزو الهكسوس لمصر قد تم حوالي 1788ق.م. فإن ذلك ~~سيعني دخول بني إسرائيل مصر حوالي 1725ق.م. ولما كان باحثنا يقول بخروج بني ~~إسرائيل زمن «حتشبسوت» التي توفيت عام 1480ق.م. فمعنى ذلك أن الإسرائيليين لم ~~يقضوا في مصر أكثر من 245 عاما. # ثم إننا لو احتسبنا النص المعتمد صادقا تماما، فهو يشير لحكام غزاة وليس ~~لعبيد إسرائيليين، مما يعني أن مستنده الأساسي، لا يعطي التفسير الذي يذهب إليه ~~هو نفسه، وإن كان ذلك لا يقلل من جهده المحمود. # والنظرية الثانية هي نظرية الخروج زمن الفرعون تحتمس الثالث # وممن اقتربوا بتزمين الخروج من زمن الفرعونة «حتشبسوت»، من ذهب إلى أن ~~الخروج قد حدث زمن الفرعون «تحتمس الثالث» شريكها في الحكم، وخليفتها ~~المباشر، وقد قال بهذا الرأي عدد من الباحثين، نأخذ منهم نموذجا الدكتور ~~«أحمد سوسة»، في كتاب واسع الانتشار بين قراء العربية، معنون باسم ~~«العرب واليهود في التاريخ»، وفيه قام سوسة اليهودي العراقي، الذي ms103 أسلم ~~بمزج النظرية التي أسسها «جارستانج» بآرائه الخاصة، التي توصل إليها بشأن ~~جنس هؤلاء الخارجين من مصر، وهو ما يستحق المعالجة، فقط بسبب الانتشار ~~الواسع للكتاب المذكور، وليس لأي سبب علمي، وحيث اعتمد «سوسة» على تأسيس ~~يعتمد اسم الفرعون المذكور عند «مانيتو» كفرعون للخروج، وقرأه «يوسفيوس» ~~بالاسم «تثموزيس»، ليصحفه «سوسة» إلى «تحتمس» وليس «أحمس»، مهملا قراءة ~~«يوسابيوس» وقراءة «يوليوس الأفريقي»، اللتين كانتا بإمكانهما تصويب ذلك ~~التصحيف مقدما، فهو عندهما «آموزيس» أو «آموس» أي «أحمس». # يقول الدكتور «سوسة»: إن جماعة يعقوب/بني إسرائيل، قد دخلت مصر في القرن ~~السابع عشر قبل الميلاد، لحوقا بالهكسوس الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك، ~~وأن تلك الجماعة عاشت هناك حوالي خمسة قرون، آخذا بذلك بتقدير «مانيتو» ~~حول زمن وجود الهكسوس في مصر، وبزيادة من سبعين إلى مائة عام عن تقدير ~~التوراة، لمدة بقاء بني إسرائيل في مصر، ودليله على دخولهم زمن الهكسوس، ما ~~عثر عليه من آثار الهكسوس في مصر، من أسماء ذكرها هي: «يوسف إيل» أو «يعقوب إيل». # 35 # وقد أخطأ الرجل بداية في ذكر الأسماء، فما تم العثور عليه تدقيقا هو ~~الاسم «يعقوب هر»، وقد ترجمها المؤرخ «فيليب حتي»: «ليحم هور إله الجبل»، ~~واعتبرها إشارة قاطعة ليعقوب، المعروف في التاريخ الديني باسم إسرائيل، # 36 # بينما نرى من جانبنا أن صدق الترجمة هي «ربوة يعقوب»، وليس ~~«ليحم هور إله الجبل»، ومعلوم فعلا أن المفردة «هور» تعني في العبرية ~~«الجبل»، لكن التوراة كانت تشير إلى العشيرة أو القبيلة أو النسل بكلمة ~~«ربوة»، التي تشبه عدد النسل بتراكم الرمال ليصنع ربوة كالجبل ، وتتكرر هذه ~~المعاني في التوراة، كما في القول: «وأجعل نسلك كتراب الأرض» (تكوين، 13: ~~16) «وباركوا رفقة وقالوا لها: أنت أختنا، صيري ألوف «ربوات»، وليرث نسلك ~~باب مبغضيه» (تكوين، 24 : 60)، ومن ثم فالمقصود بيعقوب هور هو جبل يعقوب ~~أو ربوة يعقوب أي «قبيلة يعقوب» أو نسل يعقوب، المهم أن «سوسة» يستمر ~~متابعا فيقول: إن النتيجة الحتمية، لبقاء سبعين شخصا مع نسلهم في مصر مدة ~~خمسة قرون متصلة، أن ms104 ينصهروا بالكامل ثقافيا وعرقيا في الشعب المصري، ~~وقول سوسة هذا مقبول تماما وبالفعل، ويستند قبوله لدينا إلى ما لاحظناه من ~~إشارات عند «مانيتو» وفي «التوراة»، عن لفيف مع الخارجين، ليسوا من ~~الإسرائيليين، وهو ما وجدناه عند «مانيتو» في حديثه، عمن أثاروا الشغب في ~~حواريس ووصفهم ب «المصريين الفاسدين»، وهو لا شك مأثور قديم معلوم، ظل ~~يتواتر حتى وصل «مانيتو»، وهو المأثور الذي كان يعلم أن هؤلاء كانوا ~~مصريين، لكنهم فاسدون، وهو الوصف الذي كان المصري القديم يطلقه على ~~«المارقين بالمعنى الديني، أو على الخونة بالمعنى الوطني»، أما التوراة فقد ~~وجدناها تقول لحظة الخروج من مصر: # فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت نحو ستمائة ألف ماش من ~~الرجال، عدا الأولاد، وصعد معهم «لفيف كثير» أيضا. (خروج، 12: 37، ~~38) # وإذا كان النص هنا لم يوضح جنس هذا اللفيف، فإن البحث وراء الأمر في ~~الكتاب المقدس، يكشف لنا عن جنس هذا اللفيف، في حديث لموسى أمام شعبه في ~~قادش، وهو ما لم يذكره سوسة، حيث وقف يخطب فيهم ويردد على مسامعهم وصايا ~~الرب، ومن بين تلك الوصايا الوصية التي تقول: # لا تكره مصريا لأنك كنت نزيلا في أرضه، والأولاد الذين يولدون ~~لهم في الجيل الثالث، يدخلون منهم في جماعة الرب. (تثنية، 23: ~~7) # وهو ما يعني وجود مصريين بين الخارجين. المهم يقول «سوسة»: إنه قد بقي ~~بعد تحرير مصر من الهكسوس شراذم أسرى، لا يمكن تصنيفهم جنسيا، كما لا ~~يمكن القول إن هؤلاء الباقين هم تحديدا بنو إسرائيل فقط، ويرى «سوسة» أن ~~هؤلاء قد أخذوا بديانة التوحيد الآتونية، التي تدعو إلى عبادة إله واحد ~~باسم «آتون»، والتي دعا إليها الفرعون «آمنحتب الرابع/إخناتون»، وقد أدى ~~سقوط «إخناتون» وانهيار ديانته إلى اضطهاد تلك الجماعة، فحاصرهم «تثموزيس» ~~كما قال «مانيتو» في مدينتهم «حواريس»، وقد احتسب «سوسة» أن «تثموزيس» هو ~~«تحتمس الثالث» (1501-1447ق.م.) الفاتح المصري المظفر، وهنا أول سقطاته ~~الشديدة، وخبطه، وسوء تقديره؛ لأنه بمقارنة بسيطة مدققة في قوائم الملوك ~~المصرية، كان يمكنه أن يعلم أن «تحتمس الثالث» سابق لإخناتون ms105 بحوالي ثمانين ~~عاما، وليس بعده، وأن هناك ثلاثة فراعنة تقع مدة حكمهم في المرحلة الفاصلة ~~بين تحتمس الثالث وبين إخناتون على الترتيب: «آمنحتب الثاني» (1436-1413)، ~~و«تحتمس الرابع» (1413-1405)، و«آمنحتب الثالث» (1405-1367). # ويستمر «سوسة» في عرض نظريته، فيقول: إنه لما فشل «تحتمس الثالث» في ~~التغلب على هؤلاء المتحصنين في حواريس، هذا رغم ما نعلمه عن «تحتمس الثالث» ~~كصاحب أعظم وأنجح حملات عسكرية في الشرق القديم، على وجه الإطلاق، ووصلت ~~حملاته إلى سبع عشرة حملة (14 حملة [المؤلف])، وصل بها إلى عمق شمال سوريا ~~(«رتنو العليا» أعلى نهر الفرات [المؤلف])، المهم أن «تحتمس الثالث» لما ~~فشل في ذلك الحصار - فيما يرى سوسة - لجأ إلى مصالحتهم، على أن يخرجوا مع ~~ممتلكاتهم وأنعامهم من مصر. # ثم يؤكد لنا الدكتور «سوسة» أن هذا الخروج كان حملة مصرية بحت على ~~فلسطين، والقول بمصريتهم يدعمه اقتباسه مما ذهب إليه «غوستاف لوبون»، حول ~~وجود عدد كبير من العبيد المصريين الفارين من سادتهم، إضافة إلى بقايا ~~الهكسوس الذين أخذوا بعقيدة التوحيد الآتونية مع هؤلاء المصريين، والجميع ~~عند «سوسة» كانوا يتكلمون المصرية القديمة، ويرى أن «موسى» نفسه - كما ذهب ~~كثيرون - مصري مائة بالمائة، وهو ما سبق وأكده «مانيتو» عن «أوزرسيف»، ~~وبدليل قول بنات كاهن مديان لأبيهن، بعد أن سقى لهن موسى الغنم: «فقلن رجل ~~مصري أنقذنا من أيدي الرعاة، وأنه استقى لنا أيضا وسقى الغنم» (خروج، 2: ~~19). # ثم يستند «سوسة» إلى أكثر التآريخ عمومية وفضفاضة، فيعمد لتأكيد مصرية ~~موسى، من تاريخ الحضارة لول ديورانت، حيث يقول: إن «موسى» كان اسما ~~مصريا، وإنه اختصار للاسم «أحموس»، وإن «موسى » المصري هذا ذهب إلى العبيد ~~المصريين وبقايا الهكسوس الموجودين بمدينة «حواريس»، وقام بتعليمهم قواعد ~~النظافة المتبعة عند الكهنة المصريين، باعتباره كان كاهنا مصريا كما ~~أفاد «مانيتو»، وذلك لاتقاء شر وباء البرص الذي تفشى بينهم، وكان «موسى» من ~~أتباع «إخناتون» ومن المخالفين للوثنية المصرية، وقد قال «مانيتو»: إن ~~«أوزرسيف» كان كاهنا مصريا خالف ديانة المصريين، وفي المأثور الديني أن ~~ابنة فرعون أقامت عليه أساتذة من ms106 الكهنة المصريين، ليفقهوه في علوم ~~المصريين، هذا إضافة إلى ما جاء عند العلامة «ويج»، # 37 # لينتهي إلى أن «موسى» لا علاقة له بإله اليهود «يهوه»، إنما ~~كان موسى من أتباع «إخناتون» وإلهه «آتون»، وأن نسبة «يهوه» لموسى لون من ~~التزوير التوراتي، كذلك استند «سوسة» إلى آراء «سيجموند فرويد» بهذا الشأن، ~~والتي سنفصلها بعد قليل تفصيلا وافيا، وأهم ما فيها أن تلك الفرقة ~~الفارة من مصر، قد أخذت بعادة الختان، وهي عادة مصرية قح، أخذتها عنهم ~~الشعوب الأخرى، ولم يكن تقرير التوراة لتلك العادة على بني إسرائيل من ~~بعد، إلا «لأن الخارجين كانوا مصريين» بالأساس، كما أخذ بملاحظة فرويد ~~للقب الإلهي التوراتي «آدون»، ومطابقته لاسم إله التوحيد الإخناتوني ~~«آتون». # وإعمالا لكل تلك المقدمات، ينتهي «سوسة» «إلى أن الخروج كان مصريا ~~خالصا»، وأنه كان حملة كأي حملة مصرية معتادة على فلسطين، وكل الفارق ~~بين تلك الحملات جميعا، وتلك الحملة بالذات، هو أن حملة «موسى» كانت ~~منشقة عن الدولة المركزية الأم، ولا تتمتع بالتنظيم العسكري المألوف، ولا ~~بإسناد الدولة، كما لم تكن ضمن أهدافها مصلحة الدولة المصرية، إنما كانت ~~فرارا من اضطهاد المجتمع المصري الوثني. # وعليه، «فإن جماعة الخارجين كانت غريبة على أرض كنعان؛ مصرية، لا صلة لها ~~ببني إسرائيل الذين اختلطوا بالهكسوس عند دخولهم مصر، وذابت بذرتهم وضاعت ~~تماما مع طرد الهكسوس من مصر، فقامت التوراة مع هذا الضياع بتنسيب الجماعة ~~المختلطة الخارجة من مصر، إلى جماعة بني إسرائيل ويعقوب». # ومن هنا يستمر «سوسة» في سرد تصوره للأحداث، فيقول: إن الخارجين بقوا في ~~سيناء أربعين سنة، هي المعروفة تقليديا بسنوات التيه، لكنه عند «سوسة» لم ~~يكن تيها، بل انتظارا وترقبا مقصودا داخل سيناء، وهو كلام معقول، لكنه ~~يحدد لذلك أسبابا كان أهمها أنه لم تكن لديهم آنذاك القوة الكافية لطرد ~~سكان فلسطين والحلول محلهم، ثم يزيد في إيراد الأسباب فيقع في مجموعة ~~أخطاء، من قبيل أنهم بسيناء أمنوا شر الآشوريين، ولو أجرى مراجعة تاريخية ~~بسيطة، لعلم أن الآشوريين كانوا واقعين آنذاك تحت ms107 الاحتلال الكاسي، والسبب ~~الآخر عنده أنهم بسيناء، كانوا بمأمن من الآراميين، رغم أن الآراميين ~~آنذاك لم يبلغوا بعد قوة تمكنهم من المغامرة، إضافة إلى حكمة أخرى هي أن ~~أرض كنعان، كانت حينذاك ساحة لمعارك بين رمسيس الثاني والحيثيين، والخطأ ~~هنا فادح حقا؛ فهناك فارق عظيم بين زمن «تحتمس الثالث» (1490-1436ق.م.) ~~وبين زمن «رمسيس الثاني» (1290-1224ق.م.) يتجاوز تلك الأربعين عاما ~~المفترضة للتيه، بمائتي عام إضافية، أي إن الفارق بين الزمنين كان 240 ~~عاما كاملة، هكذا؟! ... # المهم أنه يقول بتجنب «موسى» التوغل في فلسطين، تلك السنين الأربعين ~~(لم يحاول بالطبع إجراء أي حسابات، ليعلم أن ما ذهب إليه قد جعل سنوات ~~التيه 240 سنة)، وبعدها تمكن الخارجون من الدخول إليها بقيادة «يشوع» بعد ~~موت موسى، بالعبور من شرقي الأردن إلى غربه في عمق فلسطين، وقد تم ذلك دون ~~مشاكل؛ لأن مصر كانت عاجزة عن التدخل في شئون فلسطين، ومد يد العون لملوك ~~كنعان، وهو بدوره خطأ هائل وتناقض عظيم، فلو أخذنا أخطاءه بحسبانها ~~صادقة، واحتسبنا الخروج قد حدث زمن «تحتمس الثالث»، وأن التيه قد حدث زمن ~~«رمسيس الثاني»، فإنه في كلا العهدين كانت مصر في أوج اقتدارها وعزتها. # 38 ~~(3) نظرية الخروج زمن خلو العرش بعد سقوط إخناتون # ويمثل هذه النظرية العالم النفسي الأشهر «سيجموند فرويد»، وهي تأخذ ثقلها ~~العلمي، ليس من وثائق التاريخ، بقدر ما تأخذه من تطبيق «فرويد» للتحليل النفسي ~~على القبيلة الإسرائيلية الخارجة من مصر، ومحاولته حل بعض الغوامض في تاريخهم ~~بمنهجه الفريد والممتع، وهو يسلم برواية التوراة عن الدخول إلى مصر والخروج ~~منها، ولا يناقش التفاصيل إلا فيما لا يبدو متسقا مع المنطق؛ لذلك فإن ~~نظريته هي محاولة للتفسير أكثر منها محاولة لبحث علمي تاريخي جغرافي ~~مقارن، لكنه توصل أثناءها إلى بعض الفروض لتحديد زمن الخروج، وما حدث في شبه ~~جزيرة سيناء في سنوات التيه، وأثر ذلك على تطور المفاهيم الدينية لبني ~~إسرائيل. # وقد لاحظ «فرويد» أن قصة إلقاء «موسى» في اليم، قصة متواترة في مأثورات ~~الحضارات القديمة بالمنطقة، ms108 وفي أساطير الرافدين وبلاد اليونان القديمة وغيرها، ~~حول أبطال الأساطير، ومن هنا رصد لنا أهم العلامات البارزة التي تشكل العناصر ~~الأساسية، لقصة إلقاء البطل الأسطوري في اليم، أو استبعاده عن بيت أبيه وأهله ~~بأي أسلوب آخر، ليربى بين قوم غرباء، ليلفت نظرنا إلى أن الأسطورة ~~التقليدية تقول بعدة عناصر، أولها استبعاد البطل وهو طفل عن أسرته أو وطنه، ~~وثانيها إنقاذ البطل الطفل المستبعد، بواسطة الرعاة أو أناس بسطاء عموما أو ~~حتى حيوانات، فترضعه أنثى الحيوان المنقذ أو المرأة البسيطة، وحين يشب عن ~~الطوق يعثر على أهله بعد مغامرات عديدة، وعادة ما تقول الأسطورة النمطية ~~بانتقام الشاب اليافع من أبيه الذي فرط فيه، وبعدها يحظى بالشهرة ~~والمجد. # لكن المشكلة في قصة النبي «موسى»، هو أنها تختلف عن الأسطورة النمطية، إلى حد ~~السير بعكس الاتجاه التقليدي للأسطورة النمطية المعلومة، «فالأسرة التي تتخلص ~~منه وضيعة جدا وليست أسرة نبيلة»، فموسى سليل لاويين ضمن بني إسرائيل ~~المستعبدين بمصر، «وتنقذه أسرة من البيت الملكي» المصري، وتقوم الأميرة على ~~رعايته، وهو عكس للأسطورة التقليدية، التي تقول بإنقاذ الطفل المستبعد، من بيت ~~نبيل على أيدي أسرة وضيعة، ليشب في البراري أو الغابات، وقد كان اختلاف ~~أسطورة موسى عن الأسطورة النمطية التقليدية، مثيرا دائما لدهشة الباحثين في ~~الميثولوجيا، والمفترض في تفسير الأسطورة النمطية، أن تكون الأسرة النبيلة التي ~~ولد بها الطفل هي الواقعية، والأسرة الوضيعة هي الوهمية، التي اصطنعتها ~~الأسطورة، لتجعل نجاة البطل ميلادا غير عادي أو مألوف، ليكتسب البطولة أو ~~الملوكية أو القدسية، أي إن الأسطورة النمطية تحوي أسرتين: الحقيقية فيها هي ~~الأسرة النبيلة أو الملكية، أما الأسرة الوضيعة فهي الأسرة الخيالية ~~المتوهمة. لكن حتى هنا نجد قصة «موسى» تقلب الوضع، فتقول إنه ولد بأسرة ~~وضيعة، ونما ونشأ في أسرة نبيلة؛ لذلك وحسب قواعد الأسطورة النمطية، لم يجد ~~«فرويد» مفرا من احتساب «الأسرة التي تخلصت من الطفل «الأسرة الإسرائيلية»، ~~هي الأسرة الوهمية، بينما كانت الأسرة الحقيقية هي التي ربته في البيت ~~الملكي، ومن ثم لا بد أن ms109 يكون «موسى» مصريا بالفعل، جنسا ونشأة وتربية ~~وثقافة»، من أصل مصري نبيل، لكن حتى تحقق الأسطورة التوراتية أغراضها التي ~~صيغت من أجلها، تجعل هذا المصري يهوديا. # 39 # وقد لاحظ «فرويد» أدلة هامة على صدق نظريته في مصرية «موسى»، حيث قال: إن ~~هذا المصري الذي وهب اليهود دينهم الجديد، قد أرسى بينهم عادة الختان، والمعلوم ~~أنها عادة مصرية صميمة، كان أول من ابتدعها في الشرق هم المصريون، # 40 # وكان الشعب المصري فريدا بين الشعوب. أما الأكثر فهو أن الديانة ~~اليهودية، كانت تجهل العالم الآخر والحياة بعد الموت، بالرغم من التلازم بين ~~عقيدة التوحيد وعقيدة العالم الآخر الخالد، وهو الأمر الذي قاد «فرويد» إلى أن ~~ذلك النفي للبعث في ديانة توحيدية، يجب أن تأخذ بالعقيدة الأخروية، يعطينا ~~إشارات لكشف الأمر، فالمصريون يؤمنون طوال تاريخهم تماما بالعقيدة الأخروية، ~~ولكن يوجد زمن قصير جدا ومحدد في مصر، نفى الآخرة ورفض الاعتقاد بالعالم ~~الآخر، ويجب أن يكون هو زمن الخروج حيث ترك تأثيره بنفي الآخرة عند ~~الإسرائيليين الخارجين، وهو ما يحدد لنا زمن الخروج، ونحن نعلم «أن الفرعون ~~الذي نفى الآخرة من عقيدته، ولا يوجد غيره فعل ذلك، هو «آمنحتب الرابع/إخناتون» ~~(1367-1350ق.م.)» الذي دعا لعبادة إله واحد هو «آتون»، وألغى كل العبادات ~~الأخرى، وأغلق بالقهر معابد الآلهة المتعددة، وفي نضاله ضد الخرافات الوثنية، ~~كان لا بد أن يصطدم بأعمق العقائد في نفوس المصريين، التي يمثلها الإله ~~«أوزيريس/أوزير»، إله الموتى والعالم الآخر وقاضي الحساب أمام الموازين، وفي ~~سبيل التوحيد «ضحى «إخناتون» بأوزير وبعالمه الآخر»، ورفض فكرة البعث من بعد ~~الموت برمتها، حتى لا تستدعي إلها يشارك «آتون» وحدانيته، وهي أعز الفكر ~~للمصري القديم، والتي كانت وراء الغليان بالثورة ضد الفرعون فيما بعد، تحت ~~قيادة كهنة آمون رع. # ويبقى لغز المفارقة بين أسطورة استبعاد موسى طفلا، وبين استبعاد الطفل البطل ~~في الأسطورة النمطية، وهو الأمر الذي وجد «فرويد» حله في وضع «موسى» زمن ~~«إخناتون»، وأنه كان بينهما صلة من نوع ما، حيث «ربما كان موسى أحد أعضاء ms110 ~~الأسرة الملكية الحاكمة في تل العمارنة» مدينة إخناتون، وربما كان عظيم الطموح ~~قوي التصميم، وبحكم مركزه السيادي كفرد في العائلة المالكة، فقد كان يحلم ~~بقيادة تلك الإمبراطورية المصرية الواسعة، التي تسيطر على معظم الشرق الأوسط ~~القديم ذات يوم آت، ومن ثم قام يؤيد الديانة التي دعا إليها سيده الملك بشدة، ~~واعتنقها بتفان، لكن بموت إخناتون وارتداد مصر إلى آلهتها التقليدية، كان على ~~ذلك النبيل الملكي «موسى»، أن يتنازل عن أحد أمرين عزيزين عليه: فإما أن ~~يتنازل عن عقيدته، ليأمن شر كهنة آمون ويعيش أميرا في القصر بعد الارتداد، ~~وبذلك لن يحقق شيئا بسبب تاريخه وعلاقته بالفرعون إخناتون، والتي لا شك ستكون ~~لعنة دائمة تجعله يعيش في القصر - إن عاش فيه - مراقبا منبوذا، وإما أن يرفض ~~مصر المرتدة عن عقيدة التوحيد، ويتمسك هو بهذه العقيدة وبحلمه القيادي معها، ~~ومن ثم يرى فرويد أن الأمير المصري موسى ذا الأصل الملكي اتخذ قراره التاريخي، ~~فأضاع وطنه وتمسك بآماله وطموحاته، بالتخطيط لتأسيس إمبراطورية جديدة، يعطيها ~~ديانة آتون التي رفضتها مصر، كان يريد أن يقف ببطولة نادرة في وجه القدر، ~~باحثا عن تعويض عما أصابه بانهيار ديانة التوحيد الإخناتونية في مصر. # وربما كان «موسى» آنذاك حاكما أميريا للإقليم الحدودي، الذي ذكرته التوراة ~~باسم «جاسان»، كمسكن لبني إسرائيل وقت سقوط إخناتون، حيث استقرت بعض القبائل ~~السامية منذ أيام الهكسوس، وهناك قرر موسى اختيار شعبه الذي سيعطيه عقيدته ~~وطموحاته، لقد اختار أولئك العبيد. # وهكذا قاد الأمير المصري «موسى»، عبيد جاسان الساميين خارجا بهم من مصر، في ~~فترة خلو العرش بعد موت «إخناتون»، حيث لم تكن هناك سلطة مركزية لتضع العصا ~~بين عجلاته، وهو ما يعني رفض «فرويد» لقصة مطاردة المصريين للخارجين، التي ~~ذكرتها التوراة؛ لذلك لا بد أن يكون الخروج قد حدث بين عامي 1358 و1350ق.م. في ~~الفترة الواقعة بين نهاية «إخناتون» وبين اعتلاء «حور محب» العرش وتوطيده سلطان ~~الدولة، وهو زمن حكم الملك الصبي سمنكارع، ثم الصبي توت عنخ آمون، ثم آي بقية ~~أسرة العمارنة الضعيفة، ms111 ولم يكن أمام هؤلاء الخارجين هدف ممكن سوى فلسطين، حيث ~~العشائر السامية، التي تمت بصلات قرابة جنسية للبدو الخارجين من مصر. # 41 # أما أبلغ دليل على مصرية «موسى»، فهو إشارة التوراة لثقل لسانه؛ مما اضطره ~~للاستعانة بهارون، «الذي تزعم الأسطورة التوراتية أنه كان أخاه»، وهو ما يعني ~~أن «موسى» كان يتكلم لغة غير أولئك البدو الساميين، الذين كانوا يقطنون «جاسان» ~~تحت إمرته كحاكم إقليمي، ومن ثم كان اتصاله بهم بحاجة إلى مترجم، وهو ما يعني ~~«أن «موسى» كان مصريا، لا يعرف لغة هؤلاء العبيد، الذين كانوا يتكلمون ~~العبرية». # وكان «فرويد» يعلم الخلاف الخطر في أطروحته، بين «موسى» الذي يقدمه لنا ~~كمصري مهيب، يهب بدو «جاسان» ديانة صارمة قوية، تحرم تماما جميع طقوس ~~السحر والشعوذة، وبين «موسى» التوراتي، الذي يجعل من تمثال الثعبان إلها ~~للشفاء، لكنه ذاته هو التفسير للتناقض بين الإله «آتون» السمح الراقي الرءوف، ~~وبين «يهوه» إله التوراة الذي يسكن جبلا كالشياطين، قاسيا، ناريا، لا يرحم، # 42 # ومن ثم يجب علينا أن «نفترض مرحلة كان فيها المصري «موسى» بكل ~~جلاله، مستمرا حتى اختفى بالموت في سيناء، ثم تستأنف التوراة قصتها بموسى ~~آخر وهمي، يمد حياة «موسى» المصري الأصلي، وتنسب إليه كل الخرافات ~~التوراتية، وقسوة البدو وربهم الشيطاني». # وقد استند «فرويد» في ذلك إلى استنتاجات «سيلين» في كتابه «موسى وأهميته في ~~تاريخ بني إسرائيل اليهودي»، وأهمها أن سفر «يشوع» ينبئ عن نهاية مفجعة ~~لموسى، أثناء تمرد قام به الشعب البدوي العنيد المشاكس، وأن الدين الذي أسسه تم ~~هجره والنكوص عنه فورا، # 43 ~~(وهو الأمر الذي حدث لإخناتون من قبل)، ومن ثم يتمسك «فرويد» بكشف ~~«سيلين»: «أن ديانة «موسى» المصري الهادئ الدافئة، قد تم هجرها بعد اغتياله»، ~~ثم انضم الخارجون من مصر، إلى قبائل أخرى نسيبة في قادش بسيناء، «حيث اعتنق ~~الخارجون ديانة أقاربهم القوادش؛ ديانة يهوه»، وهناك تم الانصهار والامتزاج بين ~~الشعبين، الذي أنتج شعب إسرائيل، ويرى أن ذلك قد تم بتأثير أنسباء «موسى»، ~~المديانيين القاطنين في تلك المنطقة، وبعد ms112 فترة امتدت أربعين عاما، عندما ~~استشعروا بأنفسهم قوة كافية، شرعوا في غزو فلسطين. # وهذا إنما يعني «أن «موسى» الحقيقي الخارج من مصر، سليل الملوكية والنبالة، ~~لم يسمع قط باسم «يهوه» ولم يصل قادش، بل قتل قبل ذلك التحول»، أما «موسى» ~~الثاني الخيالي الذي يعبد «يهوه»، ويجهل كل شيء عن «آتون»، فهو الاختراع ~~التوراتي الذي التبس بعقائد «مديان»، ونسب لشخص «موسى»، الذي تمت نسبته لبني ~~إسرائيل، «وهنا تظهر الأسرة الوهمية الخيالية في الأسطورة لأول مرة، أما في ~~الأصل فلم تكن هناك أبدا أسرة إسرائيلية، نبت فيها موسى» كما تقول ~~الأسطورة. # لكن ذلك الخلاف الأصلي بين عنصرين متحدين، أحدهما عاش في مصر، وتأثر بها، ~~والثاني كان في بداوة واضحة، أدى إلى انفصال العنصرين، عندما انقسمت مملكة ~~سليمان بموته إلى مملكتين: إسرائيل في الشمال، ويهوذا في الجنوب. ولأن الجنوب ~~هو الملاصق لمصر، فإن فرويد يقول: «نؤكد أن من بقي مقيما في البلاد ~~(الفلسطينية) كان موجودا في الشمال، وأن من رجع من مصر استقر في الجنوب.» # 44 # أي إن هناك أسباطا لم يدخلوا مصر إطلاقا، كانوا يسكنون شمالي فلسطين، وظلوا ~~هناك طوال تلك الأحداث، وأسباطا دخلوا مصر وخرجوا منها، وهم الذين عاشوا جنوبي ~~فلسطين، وزمن الملك سليمان تم توحيد أسباط الجنوب وأسباط الشمال في مملكة ~~واحدة، أطلقت عليها التوراة «كل إسرائيل»، لكنهم ما لبثوا بموت سليمان أن ~~انقسموا مرة أخرى، عندما عاد الشمال لينشق عن الجنوب، في مملكة عرفت باسم ~~مملكة إسرائيل، بينما حمل الجنوب اسم مملكة يهوذا. # ولأن شخصا مثل ذلك النبيل المصري، كان لا بد أن ترافقه حاشية، فقد رأى ~~«فرويد» أن تلك الحاشية كانت مصرية، والتي لا شك كان أفرادها أشد المخلصين ~~لديانة «آتون»، وهي من شكلت بعد ذلك من عرفتهم التوراة باسم «اللاويين»، ~~الذين جعلهم «موسى» المصري الحقيقي كهنة ديانته، واستمروا في عملهم بعد مقتله؛ ~~لذلك «فإن اللاويين لم يكونوا من بني إسرائيل، بل كانوا حاشية مصرية لمصري ~~عظيم»، وبمرور الزمن لن نجد أسماء مصرية في التوراة، إلا بين اللاويين، ms113 وقد ظل ~~هؤلاء على وفائهم لذكرى قائدهم، وحافظوا على ميراثه، ولكنهم مع الاندماج في ~~البدو الآخرين بالتمازج الذي حدث، كانوا أقلية، لكنها أقلية فاعلة؛ لأنهم كانوا ~~الأكثر علما وتحضرا، «وقد صمم هؤلاء المصريون على التمسك بمصر، فظلوا ~~يركزون على قصة الخروج من مصر، للتذكير بالأصل المصري، كما ظلوا يتمسكون بشخص ~~«موسى» المصري الحقيقي، وبعادة الختان المصرية»، بينما على الجانب الآخر، كان ~~الباقون يخترعون «موسى»، الوهمي السيناوي المدياني القادشي، لكنهم لم يتمكنوا ~~من التخلي عن عادة الختان، لكن حتى ينزعوا عنها أصلها المصري، قاموا ينسبونها ~~للآباء الأوائل من زمن البطرك إبراهيم، فجعلوه يختتن في التسعين من عمره! في ~~علامة ميلودرامية رمزية، على تأخر دخول الختان إلى بني إسرائيل. # وهناك علامات يسوقها «فرويد»، تشير إلى تلك الأحداث الافتراضية، «فالكتاب ~~المقدس يميل باستمرار لنفي أن «يهوه» كان إلها أجنبيا»، وهو أمر غريب، فهل ~~كان ثمة شك في ذلك؟ إن «يهوه» يدون بيد أنبيائه مزاعمه بالتوراة، ويؤكد أنه ~~كان إله البطاركة القدامى «إبراهيم» و«إسحاق» و«يعقوب»، رغم المعلوم أنهم كانوا ~~يعبدون إلها ساميا كنعانيا باسم «إيل». # ثم علامة أخرى تتمثل في أمر عجيب إلى حد بعيد، فالشعوب جميعا تختار ~~آلهتها، «لكن إله التوراة هو الوحيد الذي يختار شعبا بعينه ليتأله عليه». إن ~~تلك الواقعة الفريدة في التاريخ الديني، تشير إلى ما حدث، فموسى قد اختار هؤلاء ~~ومنحهم ديانته، وجعلهم بذلك شعبه، وهو ما يفسر الاصطلاح المتواتر «الشعب ~~المختار»؟ # مع علامات أخرى تشير إلى ما حدث، «فقصة ردة الشعب وعبادته العجل الذهبي، ~~توضح خلافا حادا، أدى إلى قتل «موسى»، وارتداد الشعب عن ديانة «آتون»، كما ~~نجد في حادثة تحطيم «موسى» لألواح الشريعة، رمزا آخر لنهاية ديانته»، وليس كما ~~فسرتها التوراة بسذاجة شديدة، فقالت: إن «موسى» كسر الألواح نتيجة لغضبه، وهي ~~المكتوبة بيد الله نفسه، ظل يكتب فيها أربعين يوما على الحجرين! (خروج، 32). # 45 # وجاء وقت ندم فيه أولئك الهمج على قتل قائدهم، وسعوا إلى نسيان جريمتهم، ولا ~~شك أن ذلك تم أثناء اجتماع «قادش»، الذي عقد ms114 بين كافة الأطراف، ولا جدال أنه تم ~~حوالي عام 1215ق.م. حسبما يرى فرويد، # 46 # وفي تسوية «قادش» تحزب اللاويون لسيدهم القتيل، وفي العصور التالية ~~انصهر اللاويون المصريون في الشعب؛ ولأنهم الكهنة، فقد حافظوا على المدون ~~القديم المقدس، ونقحوه في الاتجاه المناسب بمرور الزمن، على أيدي مجموعة ~~أنبياء، عادوا للتبشير بالموسوية المصرية التوحيدية القديمة. # 47 # ويفترض «فرويد» أن «موسى» الأمير المصري زمن «إخناتون»، كان يحمل اسما من ~~الأسماء المركبة، وتحمل في شقها الثاني اللفظ «موسى»، وليكن افتراضا «تحوت ~~موسى = تحتمس»، لكنه كان بعكس قريبة الملك إخناتون - العكوف الخيال - رجلا ذا ~~عزم، ولعل عزمه هذا هو الذي جعله يفرض شرائع أشد صرامة من إخناتون، وهو الأمر ~~الذي لم يتحمله البدو الهمج؛ مما أدى إلى ثورتهم عليه بعد ذلك وقتلوه في سيناء، # 48 # ثم انصهروا بعد ذلك في قبائل أخرى نسيبة، كانت تقطن سيناء، وفي ~~قادش اعتنقوا - بتأثير المديانيين - ديانة إله البراكين السينائي «يهوه»، # 49 # وإن كان «فرويد» يبدي شكا شديدا في أن يكون اسم «إسرائيل» ~~خاصا بأي من تلك القبائل، بقدر ما كان اسما لشعب من الشعوب، التي اندمجوا ~~فيها بعد دخولهم إلى فلسطين، حيث كان يعبد هناك كبير الأرباب السامي «إيل»، ~~الذي ينسب إليه اسم إسرائيل. # 50 # والمسألة السيكولوجية في كل تلك الأحداث الافتراضية، التي قدمها «فرويد»، دون ~~أن تستند إلى وقائع تاريخية مدروسة دراسة ضافية، هي تلك التي يلخصها في عقدة ~~«أوديب»، التي يقتل الابن فيها أباه، وهنا يقول: «نظرا لأنه لم يعد هناك مجال ~~ليحتل الحقد المميت على الأب، مكانه في إطار الدين الموسوي، فقد كان رد الفعل ~~الجامح الوحيد، الذي يمكن أن يعلن عن نفسه، هو الشعور بالذنب، الذي ما وني ~~الأنبياء يغذونه ويؤججون جذوته، والذي سرعان ما أمسى جزءا لا يتجزأ من النظام ~~الديني، كان له أيضا دافع سطحي؛ فقد مر الشعب بأوقات عصيبة، ولم تأخذ الآمال ~~التي كان قد علقها على الله طريقها السريع إلى التنفيذ، وبات من الصعب على ~~الشعب، أن يثابر على إيمانه بأنه ms115 الشعب المختار، وحتى لا يتخلى عن هذه السعادة، ~~كان لا بد أن يأتي شعور بالذنب، ووعي بالخطيئة التي اقترفت، لتبرئة ساحة الإله ~~في الوقت المناسب، وبالفعل إن الرب لم يعاقب الشعب، إلا لأنه انتهك حرمة شريعته.» # 51 # إن الشعب قد عوقب لأنه قتل أباه موسى وهجر ديانته؛ لذلك كانت ~~العودة إلى المأثور المصري - مع الشعور بالذنب - بعد ذلك بقرون، هي مما صنع من ~~عقيدة هذا الشعب فيما بعد نموذجا للتوحيد. # والمشكلة الكبرى في نظرية «فرويد» هنا، أنها بالكامل مجرد فروض وتصورات، لم ~~يحاول أن يعثر لها على أي سند وثائقي حقيقي، أو يجمع لها من القرائن ~~الموضوعية ما يدعمها، رغم أنها تتسم بروح القبول والاتساق، بحيث لا يصح ~~استبعادها كلية، بل إننا نرى أنه لو أنهك «فرويد» نفسه، بالبحث في الجانب ~~التاريخي، لقدم لنا دعما فريدا لنظريته، لكنه كان لا بد سيقوم ببعض ~~التعديلات فيها، وهو ما سنقوم به، وسيشغل جزءا كبيرا من بحثنا هذا. ~~(4) نظريات الخروج زمن مرنبتاح بن رمسيس الثاني # تعد نظرية الخروج، التي تقول: إن اضطهاد الإسرائيليين في مصر، قد حدث زمن ~~الفرعون عاشق المعمار «رعمسيس الثاني»، وإنه هو من استعبدهم في أعماله ~~الإنشائية الواسعة، وإن الخروج قد حدث زمن ولده «مرنبتاح»؛ من أشهر النظريات ~~القائمة اليوم، وأحوزها للثقة بين المصرولوجيين، كذلك بين علماء التوراتيات، ~~وقد اتفقت معظم الآراء اليوم حولها، وسلم بها كبراؤهم أمثال: «ألبرايت» ~~و«نافيل» و«بتري» و«سايس» و«بروجش» و«بيير مونتييه» إلخ، وهم الكبار الأعلام في ~~علوم المصريات. # وفي تسليم «نافيل» يقول: «إني لا أزال مسلما بوجهة النظر التي أدلى بها ~~ليبسيوس، عن موضوع خروج بني إسرائيل، وهي التي يقتفيها معظم الأثريين: أن مضطهد ~~اليهود هو رعمسيس الثاني، الذي كان حكمه الطويل، بداية انحلال الإمبراطورية ~~المصرية، وأن الفرعون الذي ينسب إليه خروج بني إسرائيل، هو مرنبتاح». # 52 # أما «سايس» فيقول: «إن الآثار المصرية تحصر هذه الحادثة، في حكم الفرعون ~~مرنبتاح، بورقة أنستاسي السادسة، وتشمل خطابا من كاتب الملك مرنبتاح جاء فيه: # إن بعض بدو إيتام، قد ms116 سمح لهم على حسب التعليمات التي لديه، أن ~~يجتازوا حصن إقليم سكوت، ليتاح لهم رعي ماشيتهم بالقرب من بلدة بتوم، ~~في ضياع الفرعون العظيم.» # 53 ~~(يجدر هنا التنويه - بعد مراجعة ما قال سايس - أن الكلمة «إيتام» في تلك ~~الترجمة، هي في الأصل النصي آدوم، وأن الكلمة «بدو» هي في النص الأصلي شاسو، ~~فهي في الأصل: «إن بعض شاسو آدوم».) # ولما كان هذا الخطاب مؤرخا بالسنة الثامنة من حكم «مرنبتاح»، فإن الأمر ~~يعني أن هؤلاء البدو كانوا خارج حدود مصر حينذاك، و«سايس» يراهم هم عين ~~الإسرائيليين، ومن ثم يفترض أنهم خرجوا من مصر قبل التاريخ، وعادوا يتطفلون ~~القوت مرة أخرى، # 54 # أما «أولبرايت» فيجزم بحدوث الخروج زمن «رعمسيس الثاني» نفسه، ~~فيقول: إن لوح «مرنبتاح» المسمى بلوح إسرائيل، مؤرخ بعام 1229ق.م. ويقول فيه ~~مرنبتاح إنه ضرب إسرائيل، فيعني ذلك أنهم خرجوا قبل تدوين اللوح، ومن ثم يحدد ~~لخروج الإسرائيليين من مصر عام 1290ق.م. وأنهم احتلوا فلسطين عام ~~1260ق.م. # وهكذا، يظل لوح «مرنبتاح» فيصلا وقاسما مشتركا بين المصرولوجيين، في تحديد ~~زمن خروج الإسرائيليين من مصر، ويميل أغلبهم إلى أن الحدث قد وقع في النصف ~~الثاني من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولما كان «رعمسيس الثاني» فرعونا ~~قويا مقتدرا، بلغت مصر في زمنه شأوا بعيدا في قوتها، فإن مسألة الخروج ~~في زمانه لا بد سيشوبها شك كبير، خاصة مع إفادة الكتاب المقدس التي ربطت ~~بمصر، والتي تقول: ~~«وحدث في تلك الأيام أن ملك مصر مات» (خروج، 3)، ومن ثم كان الاستنتاج أن ~~«موسى» عاد إلى مصر من مهربه المدياني، بعد موت «رعمسيس الثاني»، الذي يجب أن ~~يكون في تلك الحال هو فرعون الاضطهاد، ولما كانت مصر قد تعرضت في عهد ولده ~~«مرنبتاح»، لعدة هجمات متتابعة، جاءت متزامنة، فهاجمها الليبيون (التحنو) من ~~الغرب، وهاجمتها شعوب البحر من الشمال والشرق، فإن انتصارات مرنبتاح استنزفت ~~قوى مصر، لم تستطع معه استعادة عافيتها، إلا بعد ذلك بزمان، وأثناء فترة الضعف ~~تلك تحديدا، استغل بنو إسرائيل الفرصة، وانتزعوا حريتهم من ms117 العبودية، وهربوا ~~خارج البلاد. # الفصل الثالث # | جغرافية الخروج # (1) رأي «دي بوا-إيميه» # حتى الزمن الذي أخرج فيه «دي بوا إيميه» نظريته، ضمن كتاب «وصف مصر»، كانت ~~نظرية «يوسفيوس» ومعاصريه، هي النظرية السائدة في الأوساط العلمية والكهنوتية، ~~وهي النظرية التي تقول: إن الإسرائيليين هم ذات عين الهكسوس، ومن ثم قام «دي ~~بوا إيميه» بتفسير بعض الغوامض، وإضافة بعض المسائل الجوهرية، حيث اعتبر ~~«الهكسوس والإسرائيليين فصيلين مختلفين، وإن كانا من أصل عرقي واحد، وربما ~~تجمعهما ثقافة مشتركة، لكن الإسرائيليين وصلوا مصر متأخرين عن الهكسوس، حيث ~~لحقوا بهم، وعاشوا في كنفهم.» # وبداية وقف «دي بوا إيميه» مع الإشارات المذكورة لدى المؤرخين، عن إصابة ~~الإسرائيليين - في مصر - بوباء مرض جلدي تفشى بينهم، وأن ذلك المرض كان سبب ~~طردهم من مصر، منعا لانتشاره بين المصريين، ليقول إن انتشار وباء البرص أو ~~الجذام، كان عادة ما ينتشر بين البدو، لجهلهم بمبادئ النظافة والتطهر مع ندرة ~~الماء، وطول عشرتهم للحيوان، مع جهلهم بفروض النظافة، التي جعلتها الديانة ~~المصرية، واحدة من طقوس الإيمان الملزم للعبادة، ومن ثم أطلق المصريون على مرض ~~البرص «مرض الرعاة»، كما أطلقوا على الرعاة أنفسهم لقب «الأنجاس»، وكانوا ~~يشيرون لغزاة بلادهم من الهكسوس بلقب المجذومين والأنجاس. # وقد «لحظنا من جانبنا» في روايات التوراة، نصوصا وحكايات تشير لانتشار مرض ~~جلدي بالفعل بين الإسرائيليين، والمدقق في تلك الروايات سيجد مبررا قويا ~~لانتشار تلك الفكرة في كتب المؤرخين القدامى، وأول تلك الإشارات توضح لنا مدى ~~تقزز المصريين من ذلك الجنس ونفورهم الشديد منه، وهو ما نجده في قصة «يوسف» ~~عندما جاءه إخوته إلى مصر، يمتارون الحنطة زمن المجاعة، فقام بإعداد وليمة ~~ضيافة لهم، ويشرح النص ذلك الموقف بقوله: # وقال: قدموا طعاما، فقدموا له وحده، ولهم وحدهم، وللمصريين ~~الآكلين عنده وحدهم؛ لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع ~~العبرانيين «لأنه رجس عند المصريين». (تكوين، 43: 31-32) # وعندما عاد إخوة يوسف إلى مصر مع أبيهم، ليستقروا فيها مع يوسف، نبههم يوسف ~~إلى أمر هام، يجب أن يضعوه باعتبارهم، وذلك في ms118 قوله لهم: # فيكون إذا دعاكم فرعون وقال: ما صناعتكم؟ أن تقولوا: عبيدك «أهل ~~مواش»، منذ صبانا وإلى الآن، نحن وآباؤنا جميعا، لكي تسكنوا في أرض ~~«جاسان»؛ لأن كل راعي غنم «رجس» للمصريين. (تكوين، 46: 33- 34) # ومع المزيد من التدقيق، يمكنك أن تجد إشارات واضحة، في مناطق متقطعة من ~~التوراة، تشير إلى وباء المرض الجلدي، البرص المصحوب بالقرح وبياض الجلد، ~~ولمعانه وظهور نتوءات فيه وبثور، وهو ما تظهره التوراة بداية، كما لو كان ~~معجزة خاصة بموسى في النص. # ثم قال له الرب أيضا: أدخل يدك في عبك، فأدخل يده في عبه ثم ~~أخرجها، وإذا يده «برصاء» مثل الثلج. (خروج، 4: 6) # وأحيانا كان يظهر الوباء، كما لو كان عقابا من رب إسرائيل، على آثام ~~بعينها، وهو ما نجده في رواية تقول: # وتكلمت مريم وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية التي اتخذها؛ لأنه ~~كان قد اتخذ امرأة كوشية ... فحمي غضب الرب عليها ومضى، فلما ارتفعت ~~السحابة على الخيمة، «إذا مريم برصاء كالثلج» فالتفت هارون إلى مريم، ~~وإذا هي برصاء. (عدد، 12: 1، 9، 10) # بينما هناك نصوص أخرى، تحدثنا عن الأمر كوباء، متفش بين الإسرائيليين، ~~فبعد ابتلاع الأرض لقورح (قارون إسلاميا) وجماعته، تقول التوراة: # فتذمر كل جماعة بني إسرائيل في الغد على موسى وهارون قائلين: أنتما ~~قتلتما شعب الرب ... فكلم الرب موسى قائلا: اطلعا من وسط هذه الجماعة، ~~فإني أفنيهم بلحظة، فخرا على وجهيهما، ثم قال موسى لهارون: خذ ~~المجمرة واجعل فيها نارا على المذبح، وضع بخورا، واذهب بها مسرعا ~~إلى الجماعة، وكفر بها عنهم؛ لأن السخط قد خرج من قبل الرب، «قد ابتدأ ~~الوباء»؛ فأخذ هارون كما قال موسى، وركض إلى وسط الجماعة، «وإذا الوباء ~~قد ابتدأ في الشعب»، فوضع البخور وكفر عن الشعب، ووقف بين الموتى ~~والأحياء فامتنع الوباء، «فكان الذين ماتوا بالوباء أربعة عشر ألفا ~~وسبعمائة». (عدد، 16: 41-49) # وهناك نص آخر يحدثنا عن حرب بين الإسرائيليين، وبين أنسبائهم المديانيين، ~~وخالف فيها الإسرائيليون تعاليم الحرب، التي تأمر بالإبادة التامة والشاملة ~~للعدو، حتى الحيوان والنبات والأطفال والنساء، باصطلاح «حرم» ms119 أي «إبادة تامة»، ~~ولما خالف بنو إسرائيل ذلك، واهتموا بسبي الغنائم بدلا من حرمها، غضب عليهم ~~الرب وضربهم بالوباء مرة أخرى، وهو ما يقول نصه: # وكلم الرب موسى قائلا: «انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين ... ~~فتجندوا على مديان كما أمر الرب، وقتلوا كل ذكر ... وسبى بنو إسرائيل ~~نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم، وجميع مواشيهم، وكل ~~أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار؛ فسخط موسى ~~على وكلاء الجيش، وقال موسى: هل أبقيتم كل أنثى حية؟ ... خيانة للرب ... ~~فكان الوباء في جماعة الرب، فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل ~~امرأة». (عدد، 31: 1، 7، 9، 10، 14، 15، 16، 17) # أما تهديدات الرب لشعبه باستمرار، لردعه عن العصيان، فكانت: # يلصق بك الرب «الوباء» حتى يبيدك (تثنية، 28: 21). # يضربك الرب «بقرحة مصر، وبالبواسير، والجرب والحكة، حتى لا ~~تستطيع الشفاء» (تثنية، 28: 37). # يضربك الرب «بقرح خبيث» على الركبتين وعلى الساقين، حتى لا ~~تستطيع الشفاء، من أسفل قدميك إلى قمة رأسك. (تثنية، 28: ~~35) # وفي مواضع أخرى نجد الوباء الجلدي إصابة جماعية، لا علاقة لها بغضب يهوه أو ~~رضاه، فيغص سفر اللاويين بدءا من الإصحاح الثالث عشر، بالتعليمات التي يجب ~~اتباعها مع المصابين بأمراض الجلد، والتي تصنف ضمن الجذام أو البرص، ومن ~~أمثلتها فقط وليس حصرا: # إذا كان إنسان في جلد جسده ناتئ أو قوباء أو لمعة، تصير في جلد جسده ~~ضربة «برص» ... في الضربة شعر قد ابيض، ومنظر الضربة أعمق من جلد جسده، ~~فهي ضربة برص، فمتى رآه الكاهن يحكم بنجاسته ... إنها برص. (لاويين، 13: ~~2، 8، 3) # ويظل السفر يحدد الأعراض وأساليب عزل المرضى، ومعاملة البيوت والخيام ~~المنكوبة، بعرض واف تفصيلي يثير التقزز، حتى نهاية الإصحاح الخامس عشر من سفر ~~اللاويين، بطول ثلاثة إصحاحات كاملة ، رغم وعد الرب لشعبه إن آمن به وخرج مع ~~موسى من مصر وأطاعه، وعدا يظهر في قول الرب: «وأزيل «المرض» من بينكم» (خروج، ~~23: 25). # ومثل هذا السرد الطويل، يبرر قول «آبيون» النحوي السكندري، إنهم «طردوا من ~~مصر طردا، ولم يهربوا، ولم تطاردهم جيوش مصر، وذلك خشية تفشي الوباء» في ~~البلاد، وهو ما وجدناه ms120 في التوراة، يصادق على قول آبيون تصديقا، واضحا لا ~~التباس فيه، إذ يقول: «فقال الرب لموسى: الآن تنظر ما أنا فاعله بفرعون، فإنه ~~بيد قوية يطلقهم، وبيد قوية يطردهم من أرضه» (خروج، 6: 1). # ونعود إلى «دي بوا إيميه» # يستند «دي بوا إيميه» إلى الروايات المنقولة عن «مانيتو» فيقول: إنه بعد ~~غزو الهكسوس لمصر، واحتلالهم لمنف، لاذ ملوك مصر الشرعيون بصعيد مصر، ~~وكونوا هناك دولة مستقلة، ثم قام أحدهم وهو ما ينقل اسمه عن القدماء في ~~صيغة «أليسفرا جموتوفيس»، بتجريد جيوشه على منف بمساعدة الإثيوبيين ~~والمصريين الثائرين، وأحرز انتصارات هائلة على الهكسوس العرب؟! واضطرهم ~~إلى التقهقر شمالا حتى تحصنوا في مدينة حواريس. # ونظن من جانبنا أن «أليسفرا جمو توفيس»، هذا ليس سوى «كامس»، من «جامس» ~~أو «جوميس»، وهو المعروف في المدونات كأول ملك مظفر حارب الهكسوس، وسجل ~~عليهم انتصارات، ويؤيد ذلك أن الرواية التي بين أيدينا هنا، تقول إن أخاه ~~هو الفرعون الذي ذكره يوسفيوس باسم تثموزيس، والذي ذكره يوسابيوس ويوليوس ~~الأفريقي باسم «أحمس»، حيث كشفت علوم المصريات بعد ذلك، أن أحمس كان ابنا ~~لكامس هذا مع الإشارة إلى كونه الفرعون الذي حاصر حواريس، ولما طال الحصار ~~وافق على خروجهم مع أملاكهم إلى بلاد الشام، ولما خرج هؤلاء من مصر، تحاشوا ~~عبور بادية الشام خشية بأس الآشوريين، فدخلوا فلسطين من جنوبها، واستقروا ~~في جبال اليهودية «يهوذا»، حيث أسسوا هناك مدينة أورشليم، وهو خط سير يخالف ~~بالمرة خط السير الذي رصدته التوراة للخروج الإسرائيلي من مصر إلى سيناء ~~إلى شرقي الأردن، ثم العبور إلى أريحا من الشرق إلى الغرب، عبر نهر ~~الأردن. ~~«ويتابع دي بوا إيميه رسم السيناريو الذي ارتآه، فيتابع القول إن ~~الإسرائيليين قد واصلوا البقاء في مصر، وجرت عليهم أقدار المهزومين»، ~~وانسحبت عليهم كراهية المصريين للرعاة المحتلين، وأخذ المصريون يشيرون ~~إليهم بالأنجاس والمجذومين، لكنهم عاشوا في مصر، يتمتعون على تخومها ~~الشرقية بقدر من الحرية، حتى عصر الملك «آمنحتب»، دون تحديد ترتيبه بين ~~الملوك المناتحة، وهو والد الملك الشهير «سيزوستريس»، ودفع كهان ms121 مصر ملكهم ~~«آمنحتب» إلى التقرب للآلهة باضطهاد الرعاة، فجمعهم ودفع بهم إلى الأعمال ~~المعمارية الشاقة. # وبعد فترة دفعت بعض المخاوف الأسطورية والمتطيرة الملك «آمنحتب»، ليسمح ~~لهؤلاء المستعبدين بالانسحاب إلى أرض جاسان، وهناك اختاروا لهم رئيسا ~~مصريا «كان من كهنة هليوبوليس يدعى «أوزرسيف»، وكان قد نفي معهم مع عدد ~~من الكهنة المصريين ومصريين آخرين، بسبب معتقداتهم الدينية، المخالفة ~~لعقائد البلاد، كما تبعهم عدد آخر من المصريين الفارين من الاضطهاد» أو ~~يخشون وقوع اضطهادات جديدة، لاعتناقهم ذات العقائد المخالفة، وقد أعطى ~~«أوزرسيف» لهذه الألوف من المصريين المنشقين، وللرعاة الإسرائيليين ~~«ديانة خاصة، كانت بالضرورة خليطا من ديانتي الشعبين»، ثم أمرهم ~~«أوزرسيف» بألا يتزوجوا إلا من داخل جماعتهم الجديدة، لكي يحول دون أي ~~انحراف أو تصالح مع المصريين، كما أباح لأتباعه أكل الحيوانات التي كانت ~~مقدسة عند المصريين، كما أمرهم بتدمير ما يستطيعون من آلهة مصر. # وكانت النتيجة حنقا شديدا من المصريين، والرد بقهر أشد، كان لا بد معه ~~أن يبحث هؤلاء لأنفسهم عن موطن جديد، ويذهب «دي بوا إيميه» إلى أنه «في ~~تلك الفترة» نشأت مستعمرات جديدة في بلاد اليونان، وأن مؤسسيها كانوا ~~فريقا من هؤلاء الهاربين من مصر، وأن «موسى» قد ولد في عهد «آمنحتب» هذا، ~~وأن أول الاضطهادات تمت في عهد هذا الفرعون. # وكان للخوف من فرعون، والرغبة في الانتقام «دافعا لأوزرسيف ليطلب من ~~هكسوس أورشليم العودة، ليزخفوا معا لفتح مصر»، فاستجابوا له وحملوا على ~~مصر، «ولم يكن ثمة ضرب من ضروب القسوة لم يرتكبوه، كما يقول مانيتون، ولم ~~يكتفوا بإحراق المدن والكفور وتحطيم صور الآلهة، إنما قتلوا حتى الحيوانات ~~المقدسة، وأرغموا الكهنة المصريين والعرافين أن يكونوا هم ذابحيها ، ثم ~~أطلقوهم بعد ذلك عراة كما ولدتهم أمهاتهم.» # وانسحب «آمنحتب» إلى ما وراء الشلالات جنوبا، وثبت هناك مدعوما من ~~الإثيوبيين، لمدة ثلاثة عشر عاما يناوئ الرعاة، وفي النهاية تمكن من ~~الهجوم وهزيمة «أوزرسيف»، ومطاردته مع رجاله حتى سوريا. # ولا جدال عند «دي بوا إيميه» أن «أوزرسيف» هذا هو ذاته «موسى»، لكنه ~~يفترض ms122 أن جبال اليهودية بفلسطين، كان قد تم احتلالها من قبائل أخرى، أثناء ~~تواجد الجميع في حملتهم على مصر، وذلك لتفسير الحروب التي خاضها ~~الإسرائيليون الخارجون من مصر، ضد هذه القبائل لدخول فلسطين. # لكن مرة أخرى يقع عدد كبير من الرعاة في الأسر المصري، بعد أن هزمهم ~~«آمنحتب»، لتفرض عليهم أقسى درجات العبودية، وكان أكثرهم من القبائل ~~الإسرائيلية، وقد ظلوا كذلك حتى عهد الفرعون الشهير «سيزوستريس»، ومن ~~جانبنا (المؤلف) نوضح أن اسم «سيزوستريس» كعلم على فرعون مصري مشهور، ~~نجهل أول من أطلقه من اليونانيين على فرعون مصري، إعجابا بشخصه وبأعماله ~~وبزمانه، لكن اليونانيين من بعده، أكدوا أن المقصود بهذا الاسم فرعون ~~قوي حاز شهرة عظيمة، لجئوا إلى بلاده، وعملوا مرتزقة في جيشه؛ لثراء مصر ~~في زمانه. ويميل الباحثون اليوم إلى احتسابه الفرعون «رعمسيس الثاني»، أعظم ~~فراعنة الأسرة التاسعة عشرة، وصاحب أعظم وأكثف الأعمال الإنشائية، وصاحب ~~بطولات عسكرية كبرى، حدثت إبان صراعه مع دول الشرق القديم، ويذهب ~~الباحثون إلى أن لقب «سيزوستريس» ربما كان ناتجا عن أحد الألقاب الكثيرة ~~لرعمسيس الثاني، ومنها «مرى آمن أوسر ماعة رع»، و«سنب أن رع» و«ميامو رع ~~ميسو»، الذي ميزه عن بقية الرعامسة، فقيل عنه «رعمسيس ميامون»، و«سيزو ~~أزيس»، ثم هناك لقب آخر هو «سماره تبن رع»، ومعناه القوي الذي اختاره «رع»، # 1 # ومن هذا اللقب أطلق على مدينته المشهورة بشمال الدلتا اسم ~~مدينة «سمارة»، إضافة إلى الاسم «بي رعمسه» أو «رعمسيس»، ومن ألقابه الأخرى ~~«سيسي رع»؛ لذلك أطلق على ذات المدينة اسم «سمارة سيسي»، أي القوية التي ~~لرعمسيس. # وقد اهتم «هيرودوت» في تاريخه بالفرعون سيزوستريس المظنون عند المؤرخين ~~المحدثين أنه رعمسيس الثاني ، وركز على الأعمدة التي كان يقيمها تسجيلا ~~لانتصاراته في البلاد المفتوحة، وكان ينقش عليها اسمه ووطنه وكيف أخضع ذلك ~~المكان لسطوته، وهي الأعمدة التي يسميها المصرولوجيون: أنصاب النصر، وأحجار ~~الحدود، لتبين إلى أي مدى وصلت حدود الملك. # ويشير «هيرودوت» إلى أن فتوحاته وصلت أقصى جنوب البحر الإريتري (الأحمر) ~~جنوبا، ثم يعقب بالقول: «ومع أن ms123 أغلب الأعمدة التي أقامها ملك مصر ~~سيزوستريس في الأقطار اختفت، ولم يبق منها شيء بعد، إلا أني لحظت بنفسي ~~أن بعضها ما زال موجودا بفلسطين السورية، وعليها النقوش التي تحدثت عنها.» # 2 # وتلك الأعمدة لا بد أن تذكرنا بوصف القرآن الكريم لفرعون موسى ~~بأنه # وفرعون ذي الأوتاد ~~. # ولأن «سيزوستريس» عرفه اليونان بشدة البأس، فقد رأى «دي بوا إيميه» # 3 # أنه من الصعب أن ننسب إلى عهده الكوارث التي لحقت بمصر في حديث ~~التوراة، ومن هنا يرى أن تلك الأحداث التي انتهت بالخروج، يجب نسبتها لعهد ~~ولده الذي أسماه «هيرودت» باسم «فيرون»، وأطلق عليه «ديودور» اسم ~~«سيزوستريس الثاني»، ولا شك عند «دي بوا إيميه» أن «فيرون» لم يرث فضائل ~~أبيه ومواهبه، حيث يصوره التاريخ أميرا ضعيفا متطيرا يؤمن بالخرافات، ~~مع ما حدث في عهده من فيضان النيل إلى حد التدمير، مع ما صحب ذلك من عواصف ~~وأعاصير وسيول؛ مما أقنعه بأن ذلك غضب إلهي؛ وهو ما أدى به إلى إطلاق ~~الأسرى من مصر. # وبالمراجعة وراء «دي بوا إيميه» رجعنا إلى «هيرودت»، فوجدنا «فيرون» عنده ~~مذكورا باسم «فيروس» ولا بأس فهما واحدا بحذف ال «ن»، وإضافة التصريف ~~الإسمي اليوناني المعتاد، لكن المثير في المسألة أن «فيرون» هنا، ستنطق ~~أيضا نطقا مصريا وعبرانيا صحيحا باللفظ «فرعون»، ويبدو أنه يعود ~~بدوره إلى أحد الألقاب المصرية الخاصة بهذا الفرعون، وأنه اسم خاص تماما ~~بفرد بعينه، وهو ما يبدو لنا الأصل في انسحاب اللقب على بقية حكام مصر ~~«الفراعنة»، لكن إذا كان هذا الفرض صحيحا، فإنه كان هناك فرعون واحد باسم ~~«فرعون»، وأنه يبدأ من لحظة تاريخية أولى، كانت مع بني إسرائيل زمن ~~الخروج ، ويعاضد ذلك تماما الفهم الديني المتواتر عن الفرعون زمن موسى، كما ~~لو كان لمصر طوال تاريخها فرعون واحد، هو ذاك الذي غرق في بحر سوف، والأمر ~~بهذا الشكل يستدعي إعادة النظر في التخريج القائل إن كلمة «فرعون» مأخوذة ~~من كلمة «برعو» المصرية القديمة، والتي تعني السور العظيم، أو ربما تعود ~~التسمية للسببين ms124 معا. # ومن ثم، فقد احتسب «دي بوا إيميه» أن «سيزوستريس» المظنون الآن أنه ~~«رعمسيس الثاني» ابن للفرعون «آمنحتب»، سيرا مع «مانيتو» بإسقاط أسرة ~~العمارنة، لكن المهم أنه رتب الأمر حتى إنه كشف عن نظرية الخروج زمن ~~«مرنبتاح»، الذي هو عنده «فيرون»، قبل فك رموز الهيروغليفية، ومعرفة كشوف ~~أركيولوجية أدت إليها، وأهم تلك الكشوف ذلك اللوح الذي تركه لنا «مرنبتاح ~~ابن رعمسيس الثاني»، وذكر فيه للمرة الأولى والوحيدة واليتيمة اسم إسرائيل، ~~في تاريخ مصر طولا وعرضا، وقد جاء الاسم في ذلك اللوح ضمن انتصاراته على ~~عدد من الشعوب، واللوح لون من اللوحات التذكارية، مصنوع من الجرانيت ~~الأسود، ويعرف الآن في المتحف المصري بلوح إسرائيل، وكان قد أقيم أصلا في ~~معبده الجنائزي، ثم نقل إلى المتحف المصري حيث يحفظ الآن، كما أقيم له مثيل ~~في الكرنك، وجدت منه قطعة هناك، أما الفقرة التي تعني موضوعا هنا في ذلك ~~اللوح، فهي تلك التي تقول: # يقول الرؤساء وهم منطرحون أرضا: # السلام # ولم يعد واحد من بين قبائل البدو «التسعة أفواس» # يرفع رأسه، # والتحنو قد خربت، # وبلاد خاتي أصبحت مسالمة، # وكنعان أسرت مع كل خبيث، # وأزيلت عسقلان، # وجازر قبض عليها، # وينو عام أصبحت لا شيء، ~~«وإسرائيل» خربت وليس لها بذر، # وخارو أصبحت أرملة لمصر. # 4 # وتبعا لهذا اللوح، بعد الكشف عنه، أعاد الباحثون النظر في ~~كل ما انتهوا إليه قبلا، وتم رفض فكرة أن بني إسرائيل هم الهكسوس، حيث تم ~~طرد الهكسوس من مصر زمن أحمس حوالي 1575-1550ق.م. وهو آخر زمن الأسرة ~~السابعة عشرة وبداية الأسرة الثامنة عشرة، وهو تاريخ يسبق زمن «مرنبتاح» ~~1225-1215ق.م. بما يزيد على ثلاثة قرون كاملة، ومن ثم ذهب بعض الباحثين ~~إلى القول: إن بني إسرائيل هم بقايا أسرى هكسوس، تخلفوا في مصر طوال تلك ~~السنين، حتى خرجوا زمن «مرنبتاح»، وبعضهم ذهب بحدث الدخول مذاهب شتى، لكن ~~الأغلبية اتجهوا إلى القول: إن «رعمسيس الثاني» كان هو فرعون الاضطهاد، وأن ~~ابنه «مرنبتاح» هو فرعون الخروج. # ويبدو أن «مانيتو» هو الواضع الحقيقي لأصول ms125 تلك النظرية، حيث قال: إن ~~ثورة أسرى مدينة حواريس بقيادة الكاهن المصري «أوزرسيف»، قد حدثت زمن الملك ~~«آمنحتب»، الذي طاردهم مع ولده الذي حمل عند «مانيتو» أسماء ثلاثة متضاربة ~~هي: «هورامبيس/سيتوس/رمسيس»، في قول غامض وملتبس يقول: إن ابن «آمنحتب» ~~كان اسمه: «سيتوس»، وكان يسمى أيضا «رمسيس» من أبيه «هورامبيس». # وقد اتضح لنا أن «مانيتو» كان معذورا تماما في ذلك اللبس، فالرجل قد ~~اعتمد على المدونات المصرية القديمة، التي كانت موجودة حتى زمانه، وقد ~~علمنا مما بقي من قوائم ملكية، إسقاطها جميعا لفترة أسرة العمارنة، وهي ~~فترة حكم الملك «آمنحتب الرابع/إخناتون» وأتباعه الثلاثة المباشرين، وعدم ~~ذكرهم أو الإشارة إليهم، وعندما تم الكشف عنهم بعد ذلك، سواء في حفائر تل ~~العمارنة، أو في مقبرة توت عنخ آمون، كان الأمر كشفا مدويا، أعيد بموجبه ~~إعادة ترتيب قوائم الملوك، وإدخال أسرة العمارنة في دائرة الضوء لأول مرة، ~~ليتم إدراجها مباشرة بعد حكم الملك «آمنحتب الثالث»، في الفراغ بينه وبين ~~حور محب أو «هورامبيس». # ومعلوم أن الباحثين قد برروا إسقاط المدونات المصرية لأسرة العمارنة، ~~بالهرطقة الدينية التي قادها «إخناتون»، وهاجم بموجبها كل آلهة البلاد، ~~وطاردها لصالح عقيدته في إلهه الأوحد «آتون»، مع تعصبه الشديد ومطاردته ~~للآلهة الأخرى، مع فرض عقيدته بالقهر، ومن ثم اعتبره المصريون مارقا ~~دنسا، هو وأسرته لا يصح ذكرهم، ووصمة عار يجب تناسيها ومحوها تماما من ~~ذاكرة التاريخ، بالضبط كما فعلوا مع فترة الاحتلال الهكسوسي، التي أسقطت ~~تماما ولم تدخل في المدون التاريخي المصري القديم، وظلت دوما فجوة نحاول ~~ملأها بالنتف التي يمكن العثور عليها، من آثار الهكسوس أنفسهم، أو من ~~أصحاب التواريخ القديمة مثل «مانيتو»، أو من بردية تشكل حالة خاصة مثل ~~بردية تورين، ومن ثم أسقطت من قوائم مصر أسرة العمارنة كاملة، «فكانت ~~القوائم الملكية تقفز مباشرة من زمن «آمنحتب الثالث»، منهية به الأسرة ~~الثامنة عشرة، إلى «حور محب» مؤسس الأسرة التاسعة عشر، الذي قضى تماما على ~~بقايا عبادة «آتون» الهرطقية». # ولما كان اسم «حور محب» باللسان اليوناني هو «هورامبيس»، ms126 فقد سجلها ~~«مانيتو» كذلك، معتبرا إياه ابنا لآمنحتب، وأبا لمشاهير الأسرة التاسعة ~~عشرة «رعمسيس الأول، ستي الأول، رعمسيس الثاني، مرنبتاح ... إلخ». # وعليه فلا جدال أن «آمنحتب» المقصود عند «مانيتو» هو «آمنحتب الثالث» ~~قطعا وتحديدا، ولم يكن أمام «مانيتو» سوى احتساب «هوارمبيس/حور محب» ~~و«رمسيس الأول» و«سيتوس/ستي الأول» و«رمسيس، رعمسيس الثاني» أبناء مباشرين ~~للملك «آمنحتب الثالث»، أو أسماء متعددة لابن واحد لذلك الفرعون، لكنه ~~أبدى حيرته لنا في قوله إن «سيتوس» هو «رمسيس» من أبيه «هورامبيس»، بحيث ~~بدا متشككا ما بين وجوب نسبة «رعمسيس» إلى «آمنحتب الثالث» آخر الأسرة ~~الثامنة عشرة، وبين وجوب نسبته إلى «حور محب» مؤسس الأسرة التاسعة ~~عشرة. # ومن بعد، وبمرور الوقت، تدعمت نظرية «مانيتو» لكن المؤرخين استبعدوا ~~معركة «آمنحتب الثالث» مع ثورة عبيد حواريس التي قادها «أوزرسيف»، ووقفوا ~~مع من بقي منهم أسرى زمن «رعمسيس»، المفترض عند «مانيتو» ولدا لآمنحتب ~~الثالث، ليعتبروه فرعون الاضطهاد، ويحددوا ولده «مرنبتاح» فرعونا للخروج، ~~ومن المفيد هنا بشأن اللبس الحادث عند «مانيتو»، أن نذكر باللوحة التي ~~شاهدناها بالكرنك للفرعون «آمنحتب الثالث»، وإلى جواره ابنه طفلا، مع ~~تدوين اسم هذا الطفل «حور محب»! # فقد لاحظنا إبان زيارتنا للكرنك، أنه قد صورت على الواجهة الخارجية ~~الجنوبية بقاعة الأعمدة بالصرح البحري، رحلة لمركب الإله «آمون» ومعه الملك ~~«آمنحتب الثالث»، واقفا داخل المركب مرتين، وبصحبته شخص تمت إزالة صورته ~~لكن عملية الإزالة تركت الأثر السابق واضحا، ولا شك أن الصورة كانت تمثل ~~ابن «آمنحتب الثالث»، ومحل الصورة تم تدوين اسم «حور محب»، ولما كنا نعلم ~~أن ابن «آمنحتب الثالث» هو «آمنحتب الرابع/إخناتون»، بالقطع واليقين، فلا ~~جدال أن لوحة مثل تلك، كانت كفيلة بإقناع «مانيتو» أن «هرمبيس، حور محب»، ~~ابن مباشر لآمنحتب الثالث، دون أن يضع بحسبانه - بالطبع - الخدعة المتمثلة ~~في إهدار المصريين لأسرة العمارنة بكاملها، والتي تشمل الفراعنة: «إخناتون» ~~وخلفائه على الحكم «سمنخ كارع» و«توت عنخ آمون» و«آي». # ولأن رواية مانيتو تقول بفتنة شخص اسمه أوزرسيف زمن فرعون باسم ~~أمنوفيس/آمنحتب، فقد قام «دي بوا إيميه» بمزج ما ms127 وصله من تآريخ الكلاسيك ~~القدماء برواية التوراة، ليضع سيناريو للأحداث مصدقا بالتوراة، وأن موسى ~~قد ولد بين الإسرائيليين المستعبدين في مصر، وألقت به أمه في اليم زمن ~~الفرعون آمنحتب، ليجرفه التيار إلى قصر الفرعون، فتنقذه ابنة الفرعون وتحسن ~~إليه، وتتبناه وتأمر بتعليمه كل حكمة المصريين وعلومهم، فنشأ موسى نشأة ~~مصرية كاملة، لكن يبدو أن تلك التي تبنته قد ماتت ففقد الحماية، ثم في ~~لحظة غضب قتل مصريا، فطارده القصاص القانوني المصري، فهرب إلى عرب مديان ~~بسيناء، الذين تناثروا في شبه الجزيرة، وتمركز معظمهم عند خليج العقبة، ~~وهناك عند جبل حوريب المقدس، جبل الإله حسب نص التوراة، واصل التأمل ليضع ~~خطة كبرى لمشروع عظيم، وعندما علم بموت الفرعون آمنحتب، قرر العودة إلى ~~مصر، وذهب يدعو بني جلدته الإسرائيليين المستعبدين هناك، للهروب من تلك ~~العبودية إلى آفاق الحرية، وبسبيل ذلك ابتدع للفرعون قصة مختلقة، وهي أنه ~~مع شعبه لديهم مناسبة دينية سنوية، يذبحون فيها حيوانا مقدسا لدى ~~المصريين؛ لذلك وحتى لا يستفزوا إيمان المصريين، فإنهم يحتاجون إلى مغادرة ~~المدينة إلى الصحراء، لمدة ثلاثة أيام، يقيمون فيها احتفاليتهم ثم يعودون. ~~بينما كان موسى يضمر الهروب بشعبه، كان يريد مجرد الخروج الآمن من المطاردة ~~بتلك الحجة، وأن الأيام الثلاثة كفيلة، بقطع مسافة تجعل اللحاق بهم صعبا، ~~عندما يكتشف المصريون الخدعة، لكن الفرعون «فيرون ابن سيزوستريس» رفض ذلك، ~~في الوقت الذي تصادف فيه حدوث بعض الكوارث الطبيعية في مصر، فتطير ~~الفرعون شرا، وتصوره غضبا إلهيا، بسبب عدم إطلاقه الإسرائيليين، ~~وليس كما ذهب آخرون إلى أنه رمسيس الثاني؛ فدعا موسى وهارون وأعطاهما ~~تصريحا بالخروج، # 5 # أو بحسب النص التوراتي: # فدعا (أي فيرون ابن سيزوستريس، ولاحظ أن دي بوا إيميه يرى آمنحتب ~~هو سيزوستريس) «فدعا موسى وهارون ليلا وقال: قوموا «اخرجوا» من ~~بين شعبي، أنتما وبنو إسرائيل جميعا، اذهبوا واعبدوا الرب كما ~~تكلمتم، خذوا غنمكم أيضا وبقركم كما تكلمتم واذهبوا». (خروج، 12: ~~31، 32) # ومن «رعمسيس» مدينة الاستعباد، قادهم موسى في رحلة طويلة نحو فلسطين، ~~عبر البوادي السينائية الكبرى، وكانت ms128 أول محطة استراحة بعد الخروج من ~~رعمسيس باتجاه فلسطين، تلك تذكرها التوراة باسم «سكوت»، أو بنص التوراة: # فارتحل بنو إسرائيل من «رعمسيس إلى سكوت»، نحو ستمائة ألف ماش ~~من الرجال عدا الأولاد، وصعد معهم لفيف كثير أيضا، «مع غنم وبقر ~~ومواشي وافرة جدا». (خروج، 12: 37-38) # وبعد ذلك ارتحلوا عبر عدة محطات، حتى لحظة العبور الإعجازي من البحر، ~~فيما ترويه التوراة قائلة: # وارتحلوا من «سكوت» ... ونزلوا في طرف البرية ... وكلم الرب موسى ~~قائلا: كلم بني إسرائيل «أن يرجعوا وينزلوا أمام فم الحيروث، بين ~~مجدل والبحر أمام بعل صفون» ... ومد موسى يده على البحر، فأجرى الرب ~~البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل الرب البحر يابسة، وانشق ~~الماء، فدخل بنو إسرائيل وسط البحر، وتبعهم المصريون ... فقال الرب ~~لموسى: مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين، فدفع الرب ~~المصريين في وسط البحر، «ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف، ~~وخرجوا إلى برية شور». (خروج، 13: 2 و14: 21، 1، 22، 26، 27 و15: ~~22) # ويرى دي بوا إيميه أن أرض جاسان بمدينتيها فيثوم ورعمسيس، تقع في ~~النهاية الشرقية لوادي طميلات، ويسمى أيضا وادي السدير، الممتد من الدلتا ~~نحو الشرق، حتى بحيرة التمساح ثم البحيرات المرة، وأن المدينة التي خرجوا ~~منها تقع قرب السبع أبيار على رأس بحيرة التمساح في موقع تل المسخوطة ~~الحالي، واسمها أيضا «الخشبي» و«أبو خشيب» و«أبو كيشيد»، وأنهم ساروا من ~~هناك عدة محطات، حتى عبروا البحر من عند منطقة تقع إلى الجنوب من المسخوطة، ~~بجوار مدينة السويس الآن على رأس «خليج السويس، الذي كان يعرف بالخليج ~~العربي» حتى زمن دي بوا إيميه. ويرسم لنا سيناريو الأحداث ، فيقول إن الركب ~~كان متجها في البداية نحو الطريق المباشر إلى فلسطين، وهو الطريق الذي ~~نعلم اليوم أنه كان باسم طريق حورس الحربي، والذي يسير بمحاذاة البحر ~~الأبيض المتوسط، لكنه خشي المرور بهذا الطريق، فيقترب من فلسطين، ويتعرض ~~لهجوم مباشر من سكانها؛ لذلك سار برجاله جنوبا ليخفي - أيضا - عن ~~المصريين نيتهم في الهرب، وليوهمهم أنه يبحث في الصحاري عن ms129 مكان بعيد ~~للاحتفال الديني، فقام يقودهم بالتفافة طويلة نحو بلاد أنسبائه سكان ~~مديان في سيناء. # يقع الطرف الشمالي للبحر الأحمر (يقصد خليج السويس) على بعد ستة أو سبعة ~~آلاف متر إلى الشمال من مدينة السويس، وفيما وراء ذلك ثمة حوض ينتهي بعد ~~حوالي ستين ألف متر إلى الشمال من هذه المدينة، ويبلغ أقصى اتساع لهذا ~~الحوض 12 : 15 ألف متر، ويضيق كثيرا عند الجنوب، «هذا الحوض يدل على أن ~~البحر كان يغمره فيما مضى»، فهناك يعثر المرء على طبقات الملح البحري، تتخذ ~~في بعض المناطق شكل القباب. وعلى عمق أربعة أو خمسة أمتار، مياها نتعرف ~~فيها على نفس مذاق مياه البحر، وفي مناطق أخرى نجد الأرض موحلة، ونعثر هنا ~~وهناك على مستنقعات من مياه مالحة. والأرض في هذا الحوض تغطيها القواقع، ~~وتنخفض عن سطح البحر إلى حد كبير (بالحاشية: يبلغ الفرق في أماكن عديدة ~~من 12 : 15 مترا)، وعلى الرغم من ذلك لا يفصلها عن البحر، سوى كتلة من ~~الرمال، يبلغ عرضها من أربعة إلى خمسة آلاف متر. ونلمح فوق التلال المحيطة ~~به (أي بالحوض)، خطا يتكون من مخلفات نباتات بحرية، تشبه تمام الشبه ذلك ~~الأثر، الذي تتركه البحار فوق الشواطئ، لكن ما يلفت النظر بشكل كبير، هو ~~أن هذا الخط يوجد على نفس مستوى المد العالي للخليج العربي # 6 ~~(أي خليج السويس [المؤلف]) ... بوضوح نحن هنا بصدد أرض كانت ~~تغطيها فيما مضى مياه البحر، وأن ترعة القدماء تلك التي يتحدث عنها هيرودت ~~وبليني واسترابون ... إلخ (يقصد القناة المعروفة باسم قناة سيزوستريس التي ~~كانت تصل النيل بخليج السويس [المؤلف])، كانت تنتهي عند الطرف الشمالي ~~للحوض، الذي انتهيت لتوي من تحديده # 7 ~~(أي إن ترعة سيزوستريس كانت لا تصل لقمة خليج السويس الحالي ~~عند مدينة السويس/القلزم قديما [المؤلف])، إنما كانت تأتي بماء النيل من ~~شرقي الدلتا، لتصل حتى تل المسخوطة قرب الإسماعيلية الآن، حيث كانت نهاية ~~رأس خليج السويس/الخليج العربي في ذلك الزمان، قبل أن ينسحب بالتدريج ~~جنوبا عبر السنوات، ليتوقف ms130 عند السويس الآن. # وكي يزيد دي بوا إيميه في تدعيم نظريته العبقرية، يعمد إلى ما جاء عند ~~بليني بالفصل 27 من الكتاب السادس، إذ يقول عن القناة التي نهض بإتمامها ~~سيزوستريس، لتربط النيل بالخليج العربي على البحر الأحمر، كانت تبلغ حوالي ~~62 ميلا (93كم)، وفي تاريخ هيرودت الكتاب الثاني الفصل 58، أن هذه القناة ~~كانت تتفرع من الفرع البوباسطي للنيل جنوب بوباسطة بقليل (بوباسطة من أحياء ~~الزقازيق الآن)، وذلك في المنطقة التي يصنع فيها ذلك الفرع كوعا يتجه نحو ~~الشرق متفرعا من فرع دمياط الحالي، لكنا لو قسنا الآن المسافة من هذه ~~النقطة، حتى رأس خليج السويس الحالي، سنجدها 135كم وليس 93، بينما المسافة ~~ما بين بوبسطة عبر وادي طميلات، حتى مدينة السبع أبيار على بحيرة التمساح، ~~تساوي 90كم كما ذكر بليني. # 8 # شكل 3-1: تصور لما ذهب إليه دي بوا إيميه في امتداد خليج السويس ~~ليضم البحيرات المرة. # وحتى يحدد لنا موضع الخروج بدقة، يضع دي بوا إيميه تصورا لجغرافية ~~المنطقة زمن الخروج، فيرى أن الخليج العربي/السويس الآن، كان يمتد زمن ~~الخروج ليلتحم بالبحيرات المرة، وبحيرة التمساح حيث السبع أبيار، مدللا ~~على ذلك بعدد وافر من القرائن المفترضة، وأهمها ما جاء في عرضه ~~التالي: # وفي الجزء الشرقي من وادي طميلات، نجد أنقاضا عظيمة تخلفت عن الأزمان ~~الفرعونية، عند موقع «بلدة أبو كيشيد» (وهي الآن أبو خشب أو الخشبي أو تل ~~المسخوطة إلى الشرق من أبي صوير بثلاثة كيلومترات [المؤلف]). ويعتقد دي بوا ~~إيميه أن رعمسيس أوبيتوم التي ذكرتها التوراة المازورية، هي «ذات ~~هيروبوليس» التي ذكرتها التوراة السبعينية، هي ذاتها مدينة المسخوطة ~~الحالية، التي لا شك عنده كانت تقع عند رأس الخليج العربي (السويس)، عندما ~~يملأ حوض البحيرات الحالي، ويتصل بالبحيرات المرة وبحيرة التمساح في خليج ~~واحد، وأن تلك القمة هي بحيرة التمساح الآن، وأن اليونان كانوا يطلقون على ~~البحر الأحمر اسم البحر الإريتري، وعلى خليج السويس الخليج العربي مرة، ~~«والخليج الهيروبوليتي مرة، نسبة إلي هيروبوليس التي هي رعمسيس أوبيتوم، ~~وهو ما ms131 يدعم وجودها على قمة الخليج». # 9 # ويتأرجح دي بوا إيميه حول كون هيروبوليس كانت هي رعمسيس أو بيتوم، ~~ويذكرنا أن المؤرخين والجغرافيين الكلاسيكيين ذكروا مدينة باسم Patumos # وهي لا شك عند دي بوا إيميه هي ~~بيتوم، هي هيروبوليس، هي المسخوطة أو الخشبي حاليا، حيث ذكر هيرودت أن ~~«القناة التي كانت تحمل مياه النيل للخليج العربي، كانت تقع عليها مدينة ~~باسم باتوموس». # ولمزيد من التدقيق يقول دي بوا إيميه «ولقد قمنا بتنقيبات عديدة في حوض ~~القلزم (يقصد المساحة الممتدة من خليج السويس الآن حتى بحيرة التمساح ~~شمالا)، دون أن نعثر على أقل شقفة طمي، في حين وجدنا هذا الطمي في شكل ~~طبقات أفقية في وادي السبع أبيار.» # 10 # وإذا كان حوض القلزم الممتد من السويس حتى البحيرات المرة ليس ~~به سوى آثار مياه البحر المالح، وأن وادي السبع أبيار (طميلات) يمتلئ بطمي ~~النيل، فمعنى ذلك أن خليج السويس كان يمتد حتى بحيرة التمساح، وأن قناة ~~سيزوستريس كانت لا تصل إلى السويس الحالية، إنما إلى المسخوطة هيروبوليس ~~التي قد تكون هي بيثوم أو رعمسيس التوراتيتين عند بحيرة التمساح ~~الحالية. # ويؤكد ذلك رفيقه من علماء الحملة الفرنسية المسيو دي فيليه # Divilliers ~~، الذي أكدت دراساته أن الماء ~~كان يصل حتى زمن الحملة، منحدرا من النيل بشكل طبيعي زمن الفيضان، حتى ~~يصل إلى ألسنة كراش عند بحيرة التمساح، وعند البلاح إلى الشمال منها. # 11 # ولاحظ دي بوا إيميه أن مد البحر الأحمر في الخليج العربي، يعلو في منسوبه ~~عن منسوب مياه النيل، التي كانت تصل هناك كما جمع من معلومات؛ # 12 # لهذا رجع إلى بليني يستعيد نصه الذي يشرح الجغرافيا، قادما من ~~عند خليج العقبة، متجها نحو مصر قائلا: # بعد خليج إيلانتيتك # Aelantique ~~(أي خليج إيلات/العقبة الآن [المؤلف]) نجد خليجا آخر يطلق عليه ~~العرب اسم إيوانت # Eaant ~~، هناك ~~توجد مدينة الأبطال (يقصد هيروبوليس بحسبان الاسم هيرو يعني البطل، ~~وبوليس تعني مدينة [المؤلف])، كما توجد هناك ... مدينة قمبيز (كبريت ~~حاليا) التي كان ينقل إليها مرضى الجيش، ms132 تأتي بعد ذلك أمة ~~العمالقة # Tyres # ثم ميناء ~~دانيون # Daneon ~~، التي أريد أن ~~تبدأ منها حتى الدلتا ترعة ملاحية، يبلغ طولها 62 ألف قدم، هي ~~المسافة بين النيل والبحر الأحمر، وكان «أول من فكر في هذا المشروع ~~سيزوستريس ملك مصر، ثم داريوس ملك الفرس، وبعد ذلك بطلميوس ~~الثاني»، الذي أمر بحفر ترعة تصل إلى البحيرات المرة، يبلغ عرضها ~~100 قدم وعمقها 30 قدما، في حين يبلغ طولها 37500 قدم، لكن ~~بطلميوس لم يتم مشروعه، خشية غرق المنطقة؛ «إذ وجد أن مستوى البحر ~~الأحمر يعلو بمقدار ثلاثة أذرع عن مستوى سطح أرض مصر». # وإن كان ثمة تفسيرات مخالفة عند الآخرين، حيث يرى هؤلاء أن ~~بطلميوس قد خشي أن يتلف البحر مياه النهر، إذا صب الأول مياهه في ~~النيل، وهي المياه الوحيدة القابلة للشرب ... وتؤدي هذه الطرق ~~المختلفة إلى مدينة أرسينوية (أرسينوية هي السويس الحالية ~~[المؤلف])، والتي أطلق عليها اسم أخته، وهذا الحاكم هو أول من أخضع # Troglodiytiques # أي «سكان الكهوف» # 13 ~~(سيأتي حديث طويل يفسر لنا حكاية سكان الكهوف في ~~موضعه من هذا الكتاب). # ويلخص دي بوا إيميه تلك النتائج التأسيسة في قوله: # أما عن مدينة هيروبوليس ولعلها هي نفسها مدينة أفاريس (حواريس ~~عاصمة الهكسوس بمصر [المؤلف])، فإنني مصر على أن أضعها في نفس ~~المكان الذي تشغله اليوم أبو كيشيد (المسخوطة). # ثم يعقب في الحاشية قائلا: # أوضحت في مذكراتي عن الحدود القديمة للبحر الأحمر، رأي البعض ممن ~~يرجحون أن تكون هيروبوليس هي التي تشير إليها التوراة باسم ~~بيثوم Pithom ~~، والراجح أن ~~المدينة التي أسماها العبرانيون باسم بيتوم، كانت هي تلك التي أطلق ~~عليها الإغريق اسم باتوموس Patoumos ~~، وأطلق عليها الرومان اسم توم # Thoum ~~... وهذه الاعتبارات المختلفة ~~تفسر بطريقة بالغة اليسر، لماذا كانت تلتمس هيروبوليس في روايات ~~الأقدمين على الدوام، في المنطقة التي كان ينتهي إليها الخليج ~~العربي باتجاه مصر. # 14 # ويسير دي بوا إيميه مع الخارجين، حيث يتجهون شمالا بعد تجاوز رأس الخليج ~~العربي القديم عند بحيرة التمساح، حيث أول محطة ms133 ذكرتها التوراة باسم ~~(سكوت)، وسكوت عنده هي من الكلمة العبرية سيخوت، أي المخيمات أو العشش، ومن ~~هناك يعود موسى خشية الحرب مع الفلسطينيين، فيتجه برجاله جنوبا بحذاء ~~الشاطئ الغربي للخليج العربي، حيث يستريحون في محطة إيتام، ويرى أنها ~~حاليا بير السويس، ومن بير السويس يرتدون غربا، حيث كانت تمتد مياه ~~الخليج نحو المنطقة، التي أسمتها التوراة فم الحيروث، ويرى أنها تبعد عن ~~بير السويس غربا بثلاثة فراسخ، وأنها حصن عجرود الحالي بجبل عجرود، ويطابق ~~فونيطيقيا بين فم الحيروث أو بالعبرية «ه حيروث» وبين «ع-جروت» أو «عجرود» ~~ليراهما موضعا واحدا. # ويرسم لنا دي بوا إيميه جغرافية منطقة العجرود بدقة العالم الحصيف، فيرى ~~هناك كتلة رمال جنوب شرقي العجرود، يسعى وراءها فيجدها تتصل بشكل متقطع ~~بخليج السويس، مع وجود خواص عند تلك التقطعات، يشير إلى وجود ماء قديم ~~كثيف، ثم إنها منخفضة عن مستوى الماء بالخليج، وهنا يرى أنها كانت بحيرة ~~تقع في طرف لسان الخليج من شماله الغربي. # ولما كان موسى قد تربى بحكمة المصريين وعلومهم، فلا شك أنه كان يعرف ~~ممكنات العبور من هذه النقطة، سيرا على الأقدام إلى الضفة الأخرى، «وكان ~~المد يأتي فيغطي البحيرة فيصلها بالخليج، ثم ينحسر فتصبح بحيرة منفصلة عن ~~الخليج». ووقت وصول الفرعون وجيشه كان المد يغطي البحيرة؛ مما جعل الجيش ~~المصري ينشد الراحة بعد المطاردة المجهدة، وهو يجد الخارجين أمامه مرتعبين ~~محاصرين وراءهم البحر وأمامهم الجيش، ولم يخطر ببالهم أي خشية لافتلات ~~الخارجين، بينما كان موسى يستفيد من دوامات الرمال والغبار والضباب، ليبدأ ~~التحرك مستغلا أول ساعات الجزر، فيتبعه خائضا برجاله في البحيرة الجافة، ~~وعندما لاحظ المصريون متأخرين، مؤخرة الإسرائيليين وهي تنسحب نحو الشرق، ~~كان المد التالي قد بدأ في العودة، ووسط حماس المطاردة ومسابقة للمد الآتي، ~~دخل المصريون في المد بسرعة، يريدون تجاوز ارتفاعه بالوصول إلى الشاطئ وراء ~~الإسرائيليين، مما قلل من إمكانية بلوغ الشاطئ في الوقت المناسب، وأدى ~~لتراجع الجيش وغرق بعضه وانفلات الخارجين، ويطابق دي بوا إيميه نظريته ~~المتماسكة بقول التوراة: ms134 «فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، ~~والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم» (خروج، 14: 22)، «ويراها مجازا تمت ~~صياغته في رواية إعجازية، تعبر عن حالة جغرافية طبيعية، لا علاقة لها ~~بالمعجزات، فقد عبروا عند مخاضة جانبها بحيرة وجانبها الآخر خليج ~~السويس/العربي وقت الجزر، فكانوا يبدون محصورين في مساحة ضيقة، كما لو ~~كانوا بين بحرين أو داخل بحر مفلوق». # لكن علينا أن نلاحظ أن نيبور # Niebuhr # الرحالة، ولوكليرك # Leclerc # قد سبقا دي بوا ~~إيميه إلى تحديد رأس خليج السويس بالتحديد موقعا للعبور، ولكن عن طريق ~~آخر وبمنهج مختلف. # المهم يستكمل دي بوا إيميه مشهديه الخروج، ويعرج على بعض الظواهر ~~الإعجازية، ليجد لها تفسيرا عقليا مقبولا، ومنها ما جاء في رواية ~~التوراة يقول: # وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، ~~وليلا في عمود نار ليضيء لهم، لكي يمشوا نهارا وليلا. (خروج 13: ~~21) # وقدم تفسيره بأنه لا بد كان هناك بركان يقع في جبل الله حوريب المقدس ~~بسيناء (كاترين وموسى الآن)، وقرأ هذا التفسير على المجمع العلمي الفرنسي ~~الذي انعقد بالقاهرة في 16 من برميير من العام التاسع للحملة الفرنسية، ~~ودلل على وجهة نظره بما يستخدمه البحارة الآن في مدينة الطور بالخليج ~~العربي من أحجار لحفظ التوازن، وأن هذه الأحجار هي خفاف بركاني، ولا شك ~~مجلوبة من الجبل المقدس، لكن الرجل تراجع عن هذا الرأي بعد التقرير الذي ~~قدمه عالمان آخران بالحملة، قاما بدراسة جبلي كاترين وموسى، هما السيد ~~كوتل # Coutelle # وروزيير # Roziere ~~، وأكدا أنه لا وجود هناك لأي ~~أحجار بركنية، وأن الجبال هناك جميعا جرانيتية تماما. # وأسقط في يد عالمنا الجليل، لكنه كان يصر على العقلنة، فقام يقدم ~~للآية التوراتية تفسيرا جديدا بعد سقوط نظرية البركان، فقال: إن هذا ~~الإله السحابي الناري، ليس سوى الشعلة النارية الضخمة، التي يحملها البدو ~~إبان سيرهم جماعات في الصحاري ليلا ونهارا، حتى لا يفقد المرتحلون ~~بعضهم، بدليل أن التوراة تؤكد أن دليلهم في الصحراء، كان شخصا يعرف دروب ~~المنطقة ومن أهلها، هو ms135 حوباب المدياني شقيق صفورة زوجة موسى، نظير جعل من ~~المال جعله له موسى، والآية تقول: «وقال موسى لحوباب بن رعوئيل المدياني ~~حمو موسى: إننا راحلون إلى المكان الذي قال الرب أعطيكم إياه، اذهب معنا ~~فنحن نحسن إليك ... بنفس الإحسان الذي يحسن الرب إلينا نحسن نحن إليك» (عدد ~~10 : 29-32)، ولو كان الرب هو الذي يسير أمامهم، فما حاجته لاستئجار نسيبه ~~ليدله على الطريق في دروب البوادي السينائية؟ # ويعرج دي بوا إيميه على قصة المن والسلوى، ويفسر قوله: إن السلوى هو طائر ~~السمان، الذي يتساقط بكثرة في سيناء، نتيجة الإنهاك في رحلته الفصلية، وقد ~~حدثنا ديودور الصقلي عن مصريين منفيين في عهد أكتيزانيس في صحراء برزخ ~~السويس، كانوا يغتذون من الطيور المهاجرة، التي يسهل اصطيادها بعد سقوطها ~~مجهدة، أما المن فما برح يجمع من شحر وفير في شكل كرات من الصمغ العسلي ~~في المناطق المحيطة بجبل سيناء، أما النار التي كانت تزحف على خيام ~~الإسرائيليين في ذلك الجبل وتحرقهم، فكان ممكنا تفسيرها بالبركان الذي ~~نفاه السيدان كوتل وروزيير، لكن نتيجة بحثهما دفعت دي بوا إيميه لتفسير ~~آخر، قال فيه إن تلك النار كانت نارا انفجارية مصنعة، هي التي عرفها ~~اليونان بعد ذلك باسم النار اليونانية، وبالتأكيد عرفها المصريون قبلهم، ~~كأسلوب حربي متطور، ولا شك أن موسى تعلمها من وجوده بالقصر، حين كان ~~يتعلم كل حكمة المصريين. # وتبقى من تلك الخوارق الأصوات الهائلة، التي كانت تصدر من الجبل ~~المقدس، التي لن تكون بركانا بل أصوات رعد، ملأت الإسرائيليين البدائيين ~~رعبا، وهم يعيشون طفولة عقلية اسمها الإيمان. # 15 # رأي هنري بروجش # يعد هنري بروجش # Henirich Brugsch # من ~~أبرز المصرولوجيين، الذين أولوا اهتماما خاصا لمسألة علاقة ~~الإسرائيليين بمصر، وهو من أنصار المدرسة التي توقت الاستعباد بزمن ~~رمسيس الثاني، والخروج بزمن ولده مرنبتاح، وقد قدم بروجش ما وصل إليه من ~~محاولات تدقيق، لموضع مدينة الاستعباد رعمسيس، ونقطة عبور البحر، وما هو ~~هذا البحر؟ في شكل محاضرة ألقاها بحفل المدارس المجانية بالقاهرة عام ~~1879م، قدم فيها ms136 نتائج بحوثه في نقوش وبرديات مصر القديمة وفي التوراة، ~~ورسم فيها تصوره لخريطة الخروج. # يشرح بروجش أن مدينة رعمسيس كانت في المصرية القديمة «بي رعمسيس»، ~~و«فيثوم» هي «بي آتوم» أي بيت آتوم ومدينته، ثم يعمد إلى إيراد موجز سريع ~~لقصيدة ألقاها شاعر مصري قديم، أمام جلالة الفرعون في حفل افتتاح مدينة ~~رعمسيس. ومن جانبنا قمنا بمقارنة ذلك الموجز مع الأصول النصية، فاكتشفنا ~~أن بروجش في محاضرته هذه قدم مزيجا مختصرا من برديات ثلاث، ورأينا من ~~جانبنا العودة للنصوص الثلاثة الأصلية، بادئين القصيدة الأولى المعروفة ~~بالقصيدة الصغرى في مديح رعمسيس: # يا ابن رع محبوب آمون، # أنت السفينة الرئيسية، # والعصا التي تهشم، # والسيف الذي يذبح الشعوب الأجنبية، # وحربة اليد. # إنه نزل من السماء وولد في عين شمس، # وكتب له النصر في كل أرض، # ما كان أجمل يوم حضورك! # وما كان أجمل صوتك عندما تكلمت! ~~«حينما بنيت مدينة رعمسيس محبوب آمون، # فهي بداية كل أرض أجنبية ونهاية مصر»، # هي المدينة ذات الشرفات الجميلة، # والقاعات التي تخطف الأبصار # باللازورد والزمرد، # والمكان الذي تستعرض فيه فرسانك، # وتجند رجالك، ~~«وحيث ترسو سفينتك حينما يحضرون لك الجزية، # الثناء عليك حينما يأتي عبيدك المختارون من بدو آسيا»، # وهم رجال وجوههم كاسرة # وأصابعهم محرقة، # يتقدمون حينما يرون الأمير واقفا ومقاتلا، # لا قدرة للجبال على الوقوف أمامه، # وهي تخاف بطشه. # يا ابن رع محبوب آمون، # ستبقى ما بقيت الأبدية، # وستبقى الأبدية ما بقيت، # وستمكث على عرش والدك رع حور أختي. # 16 # والبردية الثانية ليست قصيدة، إنما تقرير في شكل رسالة مرسلة من كاتب من ~~كتاب البلاط، هو «بينبس» إلى رئيس قلم كتاب القصر «آمنموبي» يقول له ~~فيها: # إن الكاتب بينبس # يرحب بسيده الكاتب آمنموبي # في حياة وفلاح وصحة، # وقد حرر هذا ليكون سيدي على علم به. # ترحيب ثان بسيدي # لقد وصلت إلى «مدينة بيت رعمسيس» محبوب آمون، # ووجدتها في غاية الازدهار! # هي عرش جميل منقطع النظير، على طراز طيبة، # وإن رع هو الذي أسسها بنفسه، # فهي مقام تلذ فيه الحياة، ms137 # حقولها مملوءة بكل ما طاب # ولديها مؤن وذخيرة كل يوم، # بركها تزخر بالسمك، # وبحيراتها بالطيور، # حقولها يانعة بالبقل، # وشواطئها محملة بالبلح، ~~«ومخازنها» مفعمة بالشعير والقمح، # فيها الثوم والكرات للطعام، # وخس ال (ثقب في النص) جنينة، # وفيها الرمان والتفاح والزيتون والتين من البساتين، # وخمر كنكمة اللذيذ الذي يفوق الشهد حلاوة، # وفيها «سمك وز الأحمر من قناة» (ثقب) # وسمك بتن «من بحيرة» (ثقب) ~~«وسيهور» تنتج الملح، # ويستخرج من «بحيرة هر» النطرون، ~~«وسفنها تروح وتجيء إلى الميناء»، # وفيها المؤن والذخيرة كل يوم، # وينشرح الإنسان بالمقام فيها، # ولا أحد يقول: ليت كذا، # والصغير فيها مثل العظيم # تعال، وتعالى نحتفل بأعيادها السماوية، # وأوائل فصولها السنوية، ~~«إن مستنقعات زوف تنتج لها البردي»، ~~«وسيهور» تمدها باليراع، # وغرائس العنب تأتي إليها من البساتين، # وتيجان الأزهار من الكروم، # وتجلب إليها الطيور من الماء البارد، ~~«والبحر» فيه سمك بج وسمك أد، ~~«والمستنقعات» تهدي إليها (ثقب) # وشباب عظيمة الانتصارات (لقب مدينة رعمسيس [المؤلف]) يلبسون حلل ~~العيد كل يوم، # ورءوسهم مضمخة بزيت زكي الرائحة، # في الشعر المرجل حديثا، # ويقفون بجوار أبوابهم وأيديهم مثقلة بالزهور، # وبالنبات الأخضر من بيت «حتحور»، # وبالكتان من «بحيرة حر»، # في اليوم الذي يدخل فيه رعمسيس # هو منتو (منتو إله مصري [المؤلف]) في كلتا الأرضين صبيحة عيد ~~كيهك (شهر مصري [المؤلف]) # عندئذ يدلي كل إنسان بملتمسه، # ونسيم عظيمة الانتصارات حلو، # وشرابها تبى مثل الفاكهة شاو، # وشرابها خيو طعمه كطعم الفاكهة إنو، # فهو يفوق الشهد حلاوة، # وجعة كدى ترد «من الميناء» (بلاد كدى «بالشام» [المؤلف]) # والنبيذ والكروم والروائح العطرة # يؤتى بها من مياه سيجبين، # وتيجان الأزهار من (ثقب) جنينة، # أما مغنيات عظيمة الانتصارات ذوات الصوت العذب # فقد تعلمن الغناء في منف. # اسكن هناك سعيدا وامش مرحا ولا تغادرها، # يا وسر مارع المختار من آمون، # يا منتو في الأرض، # يا رعمسيس محبوب آمون # أنت أيها الإله. # 17 # ثم نأتي إلى النص الثالث، وهو «قصيدة في مدح مدينة رعمسيس، تعرف بالقصيدة ~~الكبرى»، لنستمع إلى الشاعر يقول: # لقد بنى جلالته لنفسه «قلعة» تسمى: ms138 # عظيمة الانتصارات. # وهي «واقعة بين فلسطين ومصر»، # وهي ملأى بالذخيرة والأرزاق، # وهي مثل أرمنت (مدينة بصعيد مصر [المؤلف]) وخلودها كخلود ~~منف. # فالشمس تشرق في أفقها وتغرب فيها، # وجميع الناس يهجرون مدنهم ويسكنون في ربوعها، # حيها الغربي معبد آمون، # والجنوبي معبد الإله «سوتخ»، # والإلهة عشتار في شرقها، # والإله «بوتو» في الجهة الشمالية منها، # والحصن الذي في وسطها مثل أفق السماء. # ورعمسيس محبوب آمون إله، # ومنتو في الأرضين رسول، # وشمس الأمراء وزير له وفرح لمصر، # ومحبوب آتوم محافظ تذهب الدنيا إلى سكنه. # ورئيس «بلاد الخيتا» (تركيا الآن [المؤلف]) الأعظم يكتب إلى ملك بلاد ~~كدى: # تجهز لنسرع إلى مصر حتى يمكننا القول: إرادة الإله تنفذ، # وحتى يمكننا أن نتكلم كلاما جميلا أمام رعمسيس؛ ~~«إنه يعطي نفس الحياة من يريد»، # وكل بلد يحيا حسب رغبته، # وبلاد الخيتا تعيش حسب إرادته فقط. # وإذا لم يتسلم الإله (يقصد رمسيس [المؤلف]) قربانه منها # فإنها لا ترى مطر السماء. # وذلك في استطاعة وسر مارع (أي رمسيس) # الثور الذي يحب الشجاعة؛ # الإله الطيب مثل منتو المظفر # الذي ولد من رع، # طفل ثور هليوبوليس # الذي يقف في ساحة القتال ويحارب بشجاعة، # مثل الواحد القوي في سفينة السماء حاكم الأبدية. # وهو الذي كان ملكا وهو في البيضة (أي وهو في رحم أمه) # مثل جلالة الإله حور، # وقد استولى على الأرض بانتصاره، # وأخضع الأرض بخططه. # والشعوب التسعة وطئها بأقدامه. # وكل الشعوب الأجنبية تساق بهداياها، ~~«وجميع الممالك تسعى إليه على الطريق الوحيد»، # ليس له خصم، # وأمراء البلاد الأجنبية لا قوة لهم، # يصيحون كالماعز الوحشية ذعرا منه. # إنه يدخل بينهم كابن نوت؛ # فيسقطون أمامه خوفا من نفسه الناري. # اللوبيون يتساقطون لذبحه إياهم، # والناس يسقطون بنصل سيفه. # وقد منح قوته إلى الأبد، # وإرادته تحيط بالجبال. # آه يا رعمسيس محبوب آمون رب القوة، # يا من يحمي جنوده، # أنت يا ابن آمون أيها الجسور، # أيها الثور القوي الذي يثني المتحالفين ضده، # ويقف ثابتا على عربته الحربية مثل رب طيبة؛ # قوته تقهر كل الممالك الأجنبية، # ويخترق الأراضي باحثا ms139 عن مهاجميه، # ونداؤه الحربي للموقعة يؤثر في قلوب من يخافون وجهه. # هو الحاكم الطيب اليقظ الممتاز النصيحة، # هو الذي «يضع اسمه في كل الأراضي» # بوصفه الفرد الشجاع. # نعم يا ملك الأرضين وربهما مثل جلالة الإله حور، # إن أمراء الأرض قد أصبحوا في وجل منك، ~~... ~~... # وجنوده الشردانا (من جزيرة سردينيا بالمتوسط) الذين حملتهم إلى ~~بلادك بقوتك؛ # يأسرون لك رجال الصحاري. # ما أجمل ذهابك إلى طيبة، # وعربتك الحربية مثقلة بالأيدي، # ورؤساء القبائل يمشون أمامك مكبلين، # وستقودهم إلى والدك المبجل آمون ثور أمه! # يا قصر سيسي الذي تكرر فيه الأعياد، # يا عرش تنن إنك تضيء مثل (ثقب) # كآتوم، # كمصباح والدك رع. # 18 # هذه نصوص البرديات الثلاث التي دمجها بروجش موجزة، ليأخذ ~~عناصرها الأساسية لبحثه، وأهمها أن مدينة رعمسيس «كانت ميناء عظيما، تقع ~~على بحر»، وكانت مقر علية القوم، حيث قصور وضيافة الملوك الأجانب، ومليئة ~~بالخيرات، «وتقع بين مصر وفلسطين، وإنها آخر كل أرض مصرية، وبداية كل أرض ~~فلسطينية، وإنها الطريق الوحيد بينهما»، وهو ما يعني وقوعها على أطراف ~~الدتا الشرقية، «وأنها تتصل بقناة تمدها بالمياه العذبة»، وفي محيطها ~~مجموعة بحيرات ومستنقعات. # ويتطابق وصف التوراة للمدينة، بحسبانها ميناء يقع على بحر سوف، مع ~~النصوص المصرية التي أكدت من جانبها أنها كانت ميناء دوليا، وهي النتائج ~~التي وصل لها المؤرخون من دراسة النصوص المصرية، التي تتعلق برمسيس وتم ~~إيجازها في القول: «من خلال وصف مدينة بر رمسيس يمكننا أن نستنتج «أن تلك ~~العاصمة كانت تقع على أحد فروع النيل، وأن ثغرها كان يستقبل أسطول البلاد ~~التجاري والحربي»، يرسو فيه ويبحر منه عند قيامه بالغزوات الحربية أو ~~البعثات التجارية.» # 19 # ويرى بروجش أن بناء مدينة بهذه المواصفات، لا شك قد احتاج إلى عمالة ~~ضخمة، وهو ما يراه بروجش شرحا يوافق ما ذكرته التوراة، عن استعباد بني ~~إسرائيل في بناء مدينتي فيثوم ورعمسيس. # ثم ينتقل بروجش إلى نتائج حفائر المصرولوجيست مارييت في خرائب مدينة صان ~~الحجر، في أقصى شمال شرقي الدلتا قرب بحيرة المنزلة، حيث عثر مارييت ms140 على ~~تمثالين للملك رعمسيس الثاني عليهما نقوش، تؤكد أنه قد بنى مدينة باسمه، ~~ويرى أن تلك المدينة هي صان الحجر، وأنها هي المعروفة لدى اليونانيين باسم ~~«تانيس». # وقد حظيت صان الحجر بعدة حفائر على يد المصرولوجيست الشهير بيير مونتييه، ~~ومن بعده على يد البعثة الفرنسية برئاسة جان بويوت من معهد آثار جامعة ~~باريس، وقد تمكن مونتييه من اكتشاف مجموعة مقابر مشيدة في صان الحجر من ~~أحجار الجرانيت، كما تم التعرف على مقبرتين ملكيتين للملك بشنس الأول ~~والملك شيشنق من الأسرة الليبية التي حكمت مصر، وهي الأسرة الثانية ~~والعشرون. # ويرى بروجش أن «صان الحجر هي ذات مدينة تانيس، هي ذات مدينة صوعن» ~~المذكورة بالتوراة، ثم يلجأ إلى نقش على جدار هيكل الكرنك عن مدينة رعمسيس، ~~يرجع إلى زمن ستي الأول أبو رعمسيس الثاني، حيث يمكن رؤية «جانبي المدينة ~~مرفوعين على شاطئ ومتصلين بقنطرة»، مع رسوم توضيحية زيادة في الشرح، حيث ~~نرى على جهة من القنطرة تمساحا ونباتات نيلية نهرية، ليعرفنا الفنان أن ~~المدينة تقع على أحد فروع النيل، وعلى الجهة الأخرى رسم الفنان أسماكا ~~بحرية، ليعلمنا أنها تقع من الجانب الآخر على بحر مالح، ويرى بروجش أن تلك ~~المدينة، قد اكتسبت أهميتها الخاصة، لوقوعها على طرف بداية الطريق الكبير ~~الموصل لفلسطين، ويقول إنه بجوار هذا الطريق كانت توجد بئر، ذكرها الرومان ~~باسم مجدولان، ويراه بروجش هو مجدل المذكور بالتوراة عند موقع الخروج من ~~البحر «أمام فم الحيروث بين «مجدل» والبحر أمام بعل صفون» (خروج، ~~14). # ويعتقد بروجش جازما أن مدينة رعمسيس هي صوعن، هي صان الحجر هي تانيس ~~الشهيرة في التاريخ، وأنها كانت عاصمة مديرية من مديريات شرقي الدلتا أو ~~عاصمتها جميعا، «وأن اليونان أطلقوا عليها اسم «تراموس تانيسيس»». ويرى أن ~~جغرافيتها تجعل جزءا كبيرا منها يقع على الشاطئ الشرقي لفرع نيلي، ~~وغربها يقع على بحيرة المنزلة، بينما تتماس حدودها الجنوبية مع إقليم ~~آخر من مديريات شرقي الدلتا، هو المعروف باسم «توكو» أو «توكوت»، وهو الذي ~~أشارت إليه التوراة باسم «سكوت»، وأن ms141 المؤرخين اليونان أسموا هذا الإقليم ~~باسم «سيتوزيدس»، ويؤكد أن الآثار المكتشفة أسمت هذا الإقليم باسم بي توم، ~~وهو المذكور في التوراة باسم فيثوم. # ثم يدعم نظريته في أن رعمسيس هي صان الحجر، برسالة محررة على بردية ~~بمتحف ليدن من كاتب حكومي يدعى كويسرا/كويس رع إلى رئيسه بيكوبتاح زمن ~~رمسيس الثاني يقول فيها محررها كويسرا: # وقد أطعت الأمر الذي أصدره سيدي فأعطيت قمحا للعسكر ~~«والإسرائيليين»، الذين ينقلون الأحجار إلى حصن رمسيس العظيم، تحت ~~ملاحظة إفمان رئيس الضباط، وأعطيتهم القمح كل شهر طبقا للأمر ~~الصادر إلي. # ومن ثم يستنتج بروجش أن «عاصمتي الإقليمين: إقليم صان الحجر وعاصمته ~~رعمسيس أو تانيس، وإقليم سكوت وعاصمته بي توم أو فيثوم، كانا يتصلان ~~ببعضهما عند جنوبي بحيرة المنزلة»، وأن هناك أقيمت حصون ظل بعضها موجودا ~~حتى بعد مرور عشرة قرون إلى زمن اليونان بمصر، حيث نسب المؤرخون اليونان ~~بناء حصن مجدولان للفرعون الشهير سيزوستريس، الذي يرى بروجش أنه رمسيس ~~الثاني تحديدا، وقد تأكد من وجود ذلك الحصن «مجدل»، من وثيقة تعود لزمن ~~مرنبتاح ابن رمسيس الثاني، وكان يحمل اسم حصن مرنبتاح، والرسالة محررة على ~~بردية بالمتحف البريطاني، ويقول نصها: # كن مسرور الخاطر يا سيدي، فإن «قبائل بدو آدوم» قد مروا بحرية ~~تامة من «حصن الفرعون مرنبتاح»، الذي في «إقليم سوكوت» بالقرب من ~~برك «مدينة بيثوم»، التابعة للملك مرنبتاح الموجودة في أرض سوكوت، ~~وقد صرف لهم ولدوابهم الزاد، الذي هو أرزاق فرعون شمس ~~العالم. # ويعود بروجش إلى اسم المقاطعة التي سكنها الإسرائيليون بمصر، وجاءت باسم ~~جاسان في التوراة، محاولا العثور عليه على خريطة الدلتا الحالية، فيقول ~~إنه الإقليم الذي أطلق عليه اليونان اسم الإقليم العربي، ويسمى اليوم ~~الصهرجية (بحثنا من جانبنا فلم نجد أية صهرجية، لكن ربما كان بروجش يقصد ~~صهرجت الكبرى وصهرجت الصغرى إلى الجنوب من الموضع الذي يتحدث عنه وليس عند ~~صان، وصهرجت الكبرى قرية تابعة لمركز كفر شكر بالقليوبية، وصهرجت الصغرى ~~قرية تابعة لمركز ميت غمر بالدقهلية، والاثنتان تقعان على الرياح التوفيقي، ~~ولا تزيد ms142 المسافة بينهما على 15كم [المؤلف])، وكانت عاصمة هذا الإقليم تلك ~~المدينة التي أسماها اليونان «فاقوسة»، «وهي الآن صفط الحنة بجوار الزقازيق ~~وبسطة»، وقد تم العثور على آثار في صفط الحنة، تشير إلى أنها كانت في إقليم ~~مصري قديم اسمه «جوسيم»، ويرى أن المؤرخين قد خلطوا بين اسم «جوسيم» أو ~~فاقوسة الموجودة في صهرجت، وبين اسم مدينة رعمسيس التي هي عنده صان الحجر، ~~أما جوسيم فقد صارت فاقوسة بعد ذلك، بإضافة حرف «فا» أو «با» أو «بي» ~~المصرية المعتادة لأسماء البلدان مثل «بي رعمسيس» ومثل «بي» التي أضيفت إلى ~~توم فأصبحت «فيثوم»، وعليه أصبحت جوسيم «فاجوسيم» التي أصبحت «فاقوسه» التي ~~هي جاسان التوراتية. # ويرى بروجش أن القوم الذين ذكرتهم المدونات المصرية باسم الخالو وكانوا ~~يستقرون هناك، هم بعض الساميين الفينيقيين الذين سكنوا جاسان كجالية ~~أجنبية، وأنهم وراء إطلاق التسميات السامية على مواضع تلك المناطق المصرية؛ ~~لأن مجدل كلمة عبرية تعني حصنا أو قلعة، وسكوت كلمة عبرية تعني المخيم أو ~~العشش أو المظلات، وصان هي التي كتبتها التوراة صوعن. # ويسير بروجش مع الخارجين من مدينة رعمسيس، فيتبع الطريق الفرعوني الكبير ~~(طريق حورس الحربي)، المحاذي للبحر الأبيض المتوسط، وأنه قد خرج معهم لفيف ~~كثير حسب التوراة، وهم عنده الفينيقيون/الخالوا، وأنهم استراحوا في أول ~~محطة هي سكوت في إقليم بي توم، ومن هناك اتجهوا شرقا نحو الصحراء أسمتها ~~التوراة إيتام، لكنهم عادوا لتجنب الطريق الكبير المعروف، ليس لأنهم كانوا ~~يخشون حربا كما قالت التوراة؛ إنما لأن موسى كان يعلم بمعاهدة السلام ~~التاريخية، التي ربطت مصر بمملكة الحيثيين زمن رمسيس الثاني، والتي تنص على ~~إعادة الرعايا الهاربين من إحدى المملكتين إلى الأخرى. # ومن جانبنا رأينا إيراد ذلك البند من بنود الاتفاقية # المعروف أن حربا طاحنة قد جرت بين مصر وتركيا، قادها رمسيس الثاني ضد ~~حاتوشيليش الثالث ملك خيتا (بلاد الحيثيين)، لوقف اعتدائه على أملاك مصر في ~~آسيا، وكان ذلك في السنة الحادية والعشرين من حكم رمسيس الثاني، وانتهت ~~المعارك بمعاهدة سلام هي الأولى من نوعها، ms143 دونت بنودها على لوح فضي، ~~وضع عند قدمي الإله رع، وتم العثور عليه بمصر، بينما حمل الوفد الحيثي ~~النسخة المدونة بالحيثية على لوح فضي، وتم وضعها عند قدمي إله العاصفة ~~الحيثي تيشوب، وقد عثر عليها بدورها. ~~«وتقول فقرة بالمعاهدة في نصها الحيثي»: # هذه كلمات رعمسيس الثاني ملك أرض مصر العظيم قاهر جميع البلدان، ~~ابن منمورا (اسم العرش لأبيه ستي الأول)، الملك العظيم، ملك مصر ~~القاهر. قالها إلى حاتوشيليش الملك العظيم، ملك بلاد الحيثيين، ~~الشجاع ابن مورشيليش الملك العظيم ملك بلاد حاتي، بالنسبة لنا ~~فإننا إخوة والسلام بيننا قد عقد، وسيكون خيرا من الأخوة. ~~«أما البند الذي يقصده «بروجش» فقد جاء مدونا بالوثيقة ~~المصرية يقول»: # إذا هرب نبيل من بلاد الحيثيين، وجاء إلى رعمسيس العظيم إلى بلاد ~~مصر، كي يدخل في خدماته، سواء كان رجلا أم مدينة (المقصود شعب أو ~~قبيلة كبيرة [المؤلف])، فإن ملك مصر سيلقي القبض عليهم، ويرجعهم ~~إلى ملك الحيثيين، وإذا هرب نبيل من رعمسيس ملك أرض مصر وأتى إلى ~~بلاد الحيثيين، فإن حاتوشيليش ملك بلاد الحيثيين سيلقي القبض عليه، ~~ويرجعه إلى رعمسيس الملك العظيم ملك مصر، أخيه. # 20 # وعليه فإن بروجش يرى أن موسى كان على علم ببنود تبادل المارقين الواردة ~~بتلك المعاهدة الدولية؛ لذلك فضل سلوك السبل غير المطروقة في سيناء، فعاد ~~برجاله إلى مجدولان، ويرى أنها كانت تقع بين «الفرما/بيلوز» وبين سيله قرب ~~القنطرة، «أما بحر سوف الذي عبروه فلا بد أن يكون سهل الطينة» جنوبي خليج ~~الطينة وشرقي بحيرة المنزلة، فتبعهم المصريون لكن ليغرقهم مد البحيرة ~~العالي. # ويستشهد بروجش على صدق نظريته بخطورة المد في تلك المنطقة، ومفاجآته ~~الكارثية لأكثر من مرة معلومة بالتاريخ، منها المرة التي ذكرها سترابون ~~عندما ساح في مصر خلال القرن الأول قبل الميلاد، وقال فيها: # وقد حدث في مدة إقامتي بالإسكندرية مد وجزر عظيمان، في مدينة بي ~~لوز قرب جبل كاسيوس، فأغرق الماء تلك الجبال، حتى صار الجبل كأنه ~~جزيرة، وكانت السفن تجري على الطريق المجاور (يقصد الطريق الموازي ms144 ~~للبحر المتوسط على اليابسة [المؤلف]) الذي كان يمتد إلى فلسطين حيث ~~غطاه الماء. # ويستشهد بشهادة أخرى من ديودور الصقلي في معرض حديثه عن حملة ارتكزكثيس ~~ملك الفرس على مصر، عندما وقع في شراك تلك المنطقة الجهنمية مع رجاله، ~~عندما وصل زحفه إلى البركة التي تجاور سهل الطينة حيث منطقة المهالك، وهناك ~~فقد جانبا كبيرا من جيشه في هذا المكان بالتحديد. # 21 ~~(2) رأي بيير مونتييه # ومن بين النظريات الهامة التي اهتمت بحدث الخروج الإسرائيلي، وعلاقة التوراة ~~بمصر القديمة، نظرية المصرولوجيست بيير مونتييه، التي طرحها في كتابه مصر ~~والتوراة، وتعد بدورها من النظريات المشهورة، والمعتبرة بين الباحثين، ولم تزل ~~صامدة حتى الآن، ونوجز لها هنا ملخصا سريعا، يبدأ مع دخول يعقوب وأبنائه إلى ~~مصر زمن ولاية يوسف الخزانة المصرية، حسب رواية التوراة، وأنهم سكنوا أرض جاسان ~~التي يجب أن تتموضع شرقي الدلتا، لاعتبارات ساقها مونتييه، أبرزها «أن يوسف ~~حسب التوراة، قد عاش في عاصمة البلاد قرب الفرعون»، وأن يوسف عندما علم بوصول ~~أبيه حدود مصر، أسرع فركب عربته العسكرية، وتوجه للقاء أهله، ثم عاد ليخبر ~~الفرعون، وأن ذلك «حسب التوراة السبعونية قد استغرق يوما واحدا»، ثم نعلم أن ~~يوسف استسمح الفرعون لإسكان أهله بأرض جاسان، ومن المحال أن تكون جاسان في طيبة ~~جنوبا أو حتى في منف؛ لأن الراكب منها إلى حدود الدلتا الشرقية يحتاج أسبوعا ~~أو يزيد مع عدم التوقف للوصول، وليس يوما واحدا. # هذا بالإضافة إلى إفادات ماسبيرو عن المواصلات في مصر القديمة، التي كانت ~~تعتمد على الإبحار في النيل وقنواته العديدة؛ لذلك كان لا بد أن تستخدم العجلات ~~في مناطق، تسمح بها على الأطراف بعيدا عن الأنهار والقنوات، وهو شرقي الدلتا ~~حيث الصحاري الممتدة المتصلة بسيناء، وعليه لا بد أن تقع جاسان هناك. # ويرى مونتييه أن جاسان كانت المقاطعة الهكسوسية، التي كانت تقع فيها عاصمتهم ~~المصرية حواريس، ولا يشك مونتييه أنها هي مدينة صان الحجر الحالية، ويؤكد ~~لمونتييه أن يعقوب وأولاده دخلوا مصر زمن الهكسوس، أنها كانت الفترة الزمنية ms145 ~~الوحيدة التي تسمح بذلك، حيث كانت عاصمة الهكسوس تقع شمال البلاد المصرية قرب ~~الحدود السينائية؛ ولأن عاصمة مصر قد عادت بعد التحرير إلى مقرها القديم العريق ~~في طيبة (الأقصر) بأقصى الجنوب. # ثم يسير مونتييه مع الخارجين ليدقق موقع العبور البحري الإعجازي ويعقلنه، ~~فيراهم ينطلقون من حواريس أو رعمسيس اللتين هما عنده مدينة واحدة هي حاليا ~~صان الحجر، ليسيروا بمحاذاة شاطئ بحيرة المنزلة، يريدون الطريق الحربي الكبير ~~المعروف بطريق حورس الممتد على ساحل المتوسط نحو فلسطين، لكنهم يخشون الاصطدام ~~بالتحصينات المصرية القوية على الحدود، وهو الذي أطلقت عليه التوراة خطأ «خشية ~~حرب مع الفلسطينيين»؛ لأن فلسطين كانت بعيدة تماما، وهو ما اضطر موسى ورجاله ~~إلى تغيير خط سيرهم من الاتجاه شرقا إلى الاتجاه جنوبا. # وللعثور على النقطة المفصلية وهي عبور البحر، يقف مع المحطة التي ذكرتها ~~التوراة باسم بعل صافون، حيث عبروا عند إحداثيات حددتها التوراة بأنها «أمام فم ~~الحيروث بين مجدل والبحر أمام بعل صفون»، فيرى أن «بعل صفون» كانت فيما يبدو ~~معبدا للإله الكنعاني، الذي يحمل ذلك الاسم، وتعني «رب الشمال»، ويعلمنا أن ~~اليونان كانوا يدمجون «بين بعل صفون وبين الرب اليوناني زيوس كاسيوس»، وقد لاحظ ~~أن اليونان قد أطلقوا اسم زيوس كاسيوس في زمنهم بأرض مصر على منطقة الكسارون ~~الحالية بجوار الفرما/بي لوز على شاطئ البحر المتوسط بسيناء، وبذلك تكون هذه ~~النقطة هي بعل صافون المذكورة بالتوراة، وأن المعبد لا شك كان يقوم هناك، على ~~الشريط الساحلي الممتد أقصى شمال سيناء محاذيا للمتوسط. # شكل 3-2: خريطة خط الخروج حسب مونتييه. # ويصر مونتييه على متابعة التوراة، ويصدق قصة غرق أكبر جيش في العالم آنذاك ~~إبان مطاردة الخارجين، ويجد لها تبريرات جغرافية حيث تقع بحيرة ~~«البردويل/سيربونيس» على الشاطئ السينائي، على البحر المتوسط في بقعة منخفضة ~~عن سطح البحر عدة أمتار، وعادة ما تجف مياهها ويمكن عبورها دون خطر، لكن ذلك ~~لم يمنع أحيانا من مفاجآت مهلكة للعابرين نتيجة للهبوب المفاجئ وغير ~~المتوقع، لعواصف شمالية قادمة من البحر المتوسط، وعادة ما ms146 ذكر المؤرخون ~~أحداثا مأساوية حدثت للعابرين على الشريط الضيق بين البحر والبحيرة، أو خلال ~~البحيرة إبان جفافها. # ويرسم مونتييه صورة تأملية للحدث الأكبر، فنشاهد معه الإسرائيليين يسيرون في ~~طابور طويل على الشريط الضيق بين البحر والبحيرة، متجهين إلى الطرف الآخر ~~نحو العريش، في الوقت الذي بدأت فيه مطاردة الجيش المصري للإسرائيليين، وفضل ~~المصريون عبور البحيرة إبان جفافها، ليقطعوا الطريق على الخارجين، لكنهم ما إن ~~وصلوا وسط وعمق هذا الدن الهائل، حتى هبت الأعاصير العاتية قادمة من المتوسط، ~~بأمواج هائلة ملأت البحيرات الفارغة وأغرقت من فيها، وكان عرض البحيرة حوالي ~~عشرين كيلومترا وطولها سبعين كيلومترا، مما لم يعط الفرصة لمن في وسطها ~~بالوصول إلى أحد شواطئها، فلاقى المصريون جميعا حتفهم. # 22 # ويذهب مونتييه مع النظرية التي تقول بالاستعباد زمن رمسيس الثاني والخروج زمن ~~مرنبتاح، وإزاء إشكالية وجوب وجود بركان في طريق الخروج، يفسر أحداث سيناء، مع ~~عدم وجود أثر لأية براكين بسيناء، حسب تقرير علماء الحملة الفرنسية كوتل ~~وروزيير، ومع إصرار مونتييه على تفسير الأحداث التي روتها التوراة بضرورة وجود ~~بركان، فقد ذهب بالخارجين بعد خروجهم من مضيق الشريط الساحلي شمال البردويل، ~~نحو العقبة داخل الأراضي الشمالية للسعودية الآن، ليتمكن من العثور على بركان ~~حيث كانت المنطقة هناك بركانية بالفعل حتى زمن قريب. ~~[انظر أيضا شكل رقم # 3-3 ~~.] # شكل 3-3: خط الخروج حسب بيير مونتييه من الشريط اليابس الضيق شمالي ~~بحيرة البردويل/صورة بالأقمار الصناعية للشريط اليابس، يمتد من ~~الغرب إلى الشرق، فاصلا ما بين البحر المتوسط وبحيرة ~~البردويل. ~~(3) رأي علي بك شافعي # وتعد هذه النظرية من النظريات المحترمة الجديرة بالاهتمام وبالاعتبار، في ~~محاولة رسم سيناريو لخط سير الخروج من رعمسيس إلى سيناء، بعبور البحر الإعجازي، ~~مع عقلنة ذلك العبور بعيدا عن أسطورة العصا الثعبانية، ومبدئيا يأخذ شافعي ~~بدوره بنظرية الخروج زمن مرنبتاح، ثم يسلم بكشوف محمود حمزة في حفائر مدينة ~~قنتير الواقعة شمالي مدينة فاقوس، ويعتبر قنتير هي رعمسيس بشكل قاطع. # ويستند إلى ما وصل إليه جوتييه حول مدينة رعمسيس، باعتبارها ms147 «كانت المقر ~~الصيفي لملوك الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين»، تحاشيا لرد نظريته بأن مقر ~~الملك كان طيبة في الجنوب، ويروي لنا قصة عن راهبة تدعى (إيثيريا)، تركت لنا ~~حكاية أدائها لفريضة الحج إلى الأماكن المقدسة في فلسطين عبر مصر، وأن رحلتها ~~بدأت من جاليا نربونيس # Gallia Narbunis ~~، ~~ودونت خط سيرها حوالي عام 533-540 ميلادية، وهي مودعة الآن في مكتبة أرزو، ~~ومن خط سير تلك الرحلة يحاول شافعي أن يتعرف على مواقع الإسرائيليين بمصر ومن ~~أين خرجوا؟ # تقول الراهبة إيثيريا إن بلدة «رعمسيس، تقع على مبعدة أربعة أميال من مدينة ~~كانت تعرف في زمنها باسم أرابيا»، ويرجع شافعي إلى المصور الجغرافي الذي وضعه ~~الأمير عمر طوسون، نقلا عن وصف جورج القبرصي الذي عاش في القرن السابع ~~الميلادي، فيكتشف أن «رعمسيس» كما جاءت في قائمة المقاطعات المحفوظة بأكسفورد ~~«هي فاقوسة، لكنه لا يرى فاقوسة هي صفط الحنة»، كما هو متفق عليه لدى المؤرخين ~~الكلاسيك، «بل هي مدينة فاقوس الآن جنوبي قنتير بحوالي عشرة كيلومترات»، وهي ~~إلى الشمال الغربي من سفط الحنة/فاقوسة، وعلى نفس البعد من فاقوس توجد آثار تل ~~الضبعة ومعبد أمنمحات الأول على يمين ويسار ترعة الديدمون. ويرى علي بك الشافعي ~~أن تلك الخرائب هي امتداد للخرائب الشاسعة، التي حدثتنا عنها الراهبة إيثيريا ~~في قصة حجها. # تقول إيثيريا إنها عبرت «من بلدة أرابيا إلى مدينة رعمسيس لمسافة أربعة ~~أميال» خلال حقول حتى وصلت رعمسيس، وكانت بدورها حقول دون أية مبان، لكن ~~المنطقة كانت مفروشة بأحجار وآثار مبان متهدمة، فقط شاهدت أثرا كان باقيا ~~حتى زمانها لتمثالين ضخمين، ربما كان لأحد الفراعين، لكن الناس كانوا يزعمون ~~زمن إيثريا من سكان المنطقة، أنهما للأخوين موسى وهارون؛ مما يعبر عن ذكريات ~~قديمة لعلاقة موسى وهارون بهذا المكان، تواترت حتى وصلتهم، وتؤكد صلة ~~الإسرائيليين بهذه المنطقة من مصر، وعليه فلا بد - عند شافعي - أن تكون رعمسيس ~~هي قنتير، التي كشف آثارها محمود حمزة. # ومع رحلة الخروج يسير شافعي باحثا عن موضع، يمكن أن يكون هو استراحة ms148 المحطة ~~الأولى للخارجين المذكور في التوراة باسم «سكوت»، فيبحث في المناطق المجاورة ~~لقنتير، ويرى أن الموضع المناسب لمدينة سكوت هو الصالحية الحالية، التي تبعد ~~حوالي عشرين كيلومترا إلى الشرق من قنتير باتجاه سيناء، وهي مسافة مناسبة ~~للرحلة تستوجب الراحة بعدها، لكن معنى ذلك أن يعبر الخارجون عددا من قنوات ~~النيل بين قنتير والصالحية، وهو ما لم تذكره التوراة، ولتبرير ذلك يقول إن وقت ~~خروجهم كان النيل في أدنى منسوب له، حيث تتحول كثير من القنوات إلى حياض جافة، ~~ومن ثم لم يكن هناك داع لكي تذكر التوراة عبور مناطق جافة. ومن جانب آخر عمد ~~شافعي إلى الصالحية بحسبانها سكوت المذكورة بالتوراة، اعتمادا على ورقة ~~أنستاسي، التي تعود إلى الأسرة التاسعة عشرة، وتصف سكوت بأنها متاخمة للحدود، ~~ويسكنها أجانب، وبها قلعة باسم «ختم» سكوت، يحتمل أنها مجدل التوراة، بينما كان ~~الرعامسة يسكنون على بعد خمسة وعشرين كيلومترا شمال غربي سكوت/الصالحية بمدينة ~~قنتير (في مدينة رعمسيس). # ومع شافعي نسير على خط السير بحذاء الشاطئ الأيمن لفرع النيل الشرقي، لنجده ~~يعتمد وثيقة أخرى من أوراق أنستاسي، وهي وثيقة تتحدث عن مطاردة عبيد هاربين ~~تقول الوثيقة: # وبعد، فقد أرسلت من بلاط القصر الملكي وراء هذين العبدين، في اليوم ~~التاسع عشر من الشهر الثالث من فصل الصيف وقت المساء، ولما وصلت حصن ~~سكوت في اليوم العشرين من الشهر الثالث، علمت أن أخبار الجنوب تقول: ~~فرا ذاهبين ... اليوم ... من الشهر الثالث من فصل الصيف، ولما وصلت ~~القلعة أخبرت أن السائس قد حضر من الصحراء، وأعلن أنهما تخطيا الحدود ~~شمالي حصن مجدول سيتي. # ولما لم يكن هناك قصور ملكية - برأي شافعي - في هذه المنطقة سوى في قنتير، ~~فإن «سكوت يجب ألا تبعد سوى مسيرة يوم واحد، حسب الوثيقة المذكورة (من اليوم ~~التاسع عشر إلى اليوم العشرين من الشهر الثالث) عن قنتير باتجاه سيناء». # أما الطريق الذي سلكوه على وجه التدقيق، فهو الممتد وراء مدينة تحنفيس ~~القديمة، المعروفة الآن باسم دفنة (تل دفنة) ثم الفرما (بي لوز) إلى ms149 الشمال ~~الشرقي منها، وكان هناك فرع نيلي يأخذ ماءه من عند دفنة ليصل إلى تل أبو سيفا، ~~ويفترض شافعي أن هذا التل هو محل القلعة التي حدثتنا عنها النصوص المصرية ~~كثيرا، وحددت مكانها أقصى الحدود الشرقية للدلتا، وأسمتها سيلة أو ثارو أو ~~زالوا أو شور. وفي هذه الحال يجب أن تقع مجدل شرقي سيلة على أول الطريق نحو ~~فلسطين، وكان فرع النيل الذي ينتهي إلى سيلة/أبو سيفا هو ما ذكرته النصوص ~~المصرية باسم ماء حور أو بالمصرية القديمة سي حور، أما الفرع الأصلي الذي يتفرع ~~منه سي حور، فكان يسمى ماء رع أو سي رع. # ولتفسير العبور من عند «فم الحيروث» يقول علي شافعي: إن حور كان الإله المحلي ~~لمدينة سيلة/ثارو/أبو سيفا الواقعة بين بحيرة البلاح وبحيرة المنزلة، وكان ~~الملح يستخرج من جنوب شرقي بحيرة المنزلة، حيث كان يصب الفرع النيلي دون منفذ ~~على البحر، فازدادت ملوحة الماء في هذه المنطقة، وهذا هو الملح الذي يتحدث عنه ~~الكاتب بينبس في تقريره لسيده آمنموبي؛ وهو الموضع الذي رسمه علي شافعي على ~~خريطته مع التعقيب: «يمكن ملؤه بالماء إذا احتاج الأمر.» وهو المكان أو المصب ~~لماء حور، وتترجمه اليونانية «فم حور»، وهو بالضبط يساوي فونيطيقيا فم ~~الحيروث المذكور بالتوراة، كموضع لعبور البحر الإعجازي. # والبحر الذي عبروه ذكرته التوراة باسم بحر سوف، «وكلمة سوف كلمة عبرية تعني ~~البوص»، وهو نبات ينمو في الماء الضحل ومصبات الترع والمصارف العذبة ~~والمختلطة بالماء المالح. وقد ذكر الكاتب بينبس أن رعمسيس كانت تأخذ حاجتها من ~~البوص من ماء حور، الذي لا بد أن يكون هو بحيرة ماء حور، وأن تلك المنطقة ~~بالتحديد هي بحر سوف. # ويبحث عن موقع مجدل، ويستند إلى وثيقة مذكرات أنتونين التي وضعته في مكان ما ~~بين سيرابيوم عند رأس البحيرات المرة وبين الفرما/بيلوز إلى الشمال منها، وإلى ~~المصرولوجيست بتري الذي احتسب تل الحير الحالي جنوبي الفرما هو مجدل التوراة، ~~كما أن العرب قد بنوا في تل الحير قلعة، لا شك أنها كانت تجديدا ms150 لمجدل ~~المذكورة بالتوراة. # ويبقى موضع بعل صافون المقابل لموقع العبور من فم الحيروث على شاطئ بحر سوف، ~~فيستعين علي شافعي بما كتبه الأثري نويل جيرون عن ورقتين اكتشفتا في سقارة عام ~~1940م، واحدة ديموطيقية والأخرى فينيقية، وأكدت إشارات الورقة الديموطيقية ~~أنها معاصرة للفينيقية، وأنهما كتبتا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، ومضمون ~~الورقة الديموطيقية تضرعات من شخص للإله «بعل صافون وكل آلهة دافني» أي تل ~~دفنة، مما يعني أن بعل صافون كان الإله الرئيسي في تل دفنه، وقد عقب جيرون ~~بالقول: إذا قبلنا اعتبار مجدل هي تل الحير، فإن بعل صافون يجب أن يكون هو إله ~~هذه المنطقة الرئيسي. # شكل 3-4: خريطة الخروج عند علي شافعي كما رسمها بيده. # ويخلص علي بك شافعي إلى وضع خريطة لتفاصيل مواضع الخروج، فموسى يجد نفسه هو ~~وأتباعه في مأزق شديد الوعورة، فبحيرة البوص عن يمينه «بحر سوف»، وحصن مجدل ~~أمامه بالحامية المصرية القوية، تسد عليه الطريق إلى فلسطين، بينما تحصره من ~~اليسار مستنقعات نهاية الفرع البيلوزي للنيل، وخلفه الفرعون على رأس الجيش ~~المصري، وفي هذه اللحظة الحاسمة تقول التوراة، إن الله أرسل ريحا شرقية قوية ~~جففت بحر سوف. ويقول شافعي إن تلك الظاهرة تتكرر هناك حتى الآن، حيث لم يزل ~~منسوب ماء بحيرتي المنزلة والبرلس، وهما من البحيرات الكبرى يتأثر تماما ~~بالرياح، حتى إن الماء يغطي الطريق من بلطيم حتى برج البرلس، عندما تهب الرياح ~~الغربية، بينما يجف تماما عندما تهب الرياح الشرقية، لكن الذي لا ريب فيه عند ~~شافعي، أنه لم يغرق أحد، لا الفرعون ولا جنوده؛ لأنه لا يمكن تصور الغرق في ماء ~~ضحضاح، لا يزيد ارتفاعه مهما ارتفع عن قدمين. # 23 # شكل 3-5: خريطة للخروج توزعها الكنيسة الأرثوذكسية المصرية. # شكل 3-6: خريطة كنسية أخرى للخروج. # شكل 3-7: وتصور آخر مرفق بالكتاب المقدس أعاد المؤلف رسمه بمزيد من ~~الوضوح، وعلامات الاستفهام بالخريطة دلالة شك وليست من عندنا ~~وإنما وضعت بأصل الخريطة. # الفصل الرابع # | الأخطاء الكبرى في النظريات المطروحة # أولا: # في عام 1989م ms151 تم اكتشاف مجموعة مقابر تضم أربع عشرة مومياء ~~مصرية، كان من بينها لحسن الحظ مومياء الملك مرنبتاح بن رمسيس ~~الثاني، وكان العثور عليها شاهدا ودليلا على أن الرجل لم يختف ~~في لجج البحر المفلوق غرقا، وزيادة في الاحتياط تم افتراض أنه ~~غرق بالفعل، لكن البحر قذف بجثته إلى الشاطئ، أو أن أتباعه قد ~~حملوه ميتا إلى الشاطئ نظرا لقدسيته، حيث حنطوه بعد ذلك ودفنوه؛ ~~ولهذا الاحتمال تحديدا تمت إحالة المومياء إلى الأطباء المتخصصين، ~~وخضعت لبحوث طبية دقيقة، إلا أن كل البحوث أسفرت عن نتيجة ~~واحدة، وهي «أن الفرعون مرنبتاح قد مات ميتة طبيعية، بعد أن ~~عمر طويلا، ولم يعثر إطلاقا على أثر لمياه البحر أو أملاحه ~~أو أي من خواصه بالمومياء» كما لم يعثر على أي إشارة بالمومياء ~~يمكن تأويلها لصالح فكرة الغرق بأي ماء عذب أو مالح. # ثانيا: # بالنسبة لنظرية دي بوا إيميه ومطابقته لبحر سوف التوراتي بخليج ~~السويس، وأن العبور تم من عند العجرود قرب السويس الآن، يعتورها ~~بعض الخلل الواضح؛ لأن كلمة سوف تعني القصب، وهو ما يشير إلى ماء ~~تنمو فيه نباتات القصب (البوص وليس قصب السكر)، وهو أمر لا يتحقق ~~إلا إذا كان هذا الماء مالحا، ويستقبل ماء عذبا من مصدر نهري ~~دائم أو متقطع بما فيه من طمي، أي أن يكون ماء مالحا يصب فيه مصرف ~~يحمل مياها عذبة، وحسب نظرية دي بوا إيميه فإن حوض القلزم الممتد ~~من السويس إلى بحيرة التمساح، لم تظهر فيه أية آثار نيلية، مما لا ~~يسمح بتسمية منطقة العبور عند العجرود والسويس ببحر سوف، «فهو ~~إطلاقا في هذه الحال لا يعرف القصب». # وعلى المستوى الجيولوجي فقد مد دي إيميه خليج السويس/العربي، ~~ليتصل بالبحيرات المرة وبحيرة التمساح، ليضع عند رأسه هيروبوليس ~~التي رآها رعمسيس علما على مدينة المسخوطة، لكن جيولوجيا الأرض ~~المصرية، رغم أنها تعترف بأن ذلك كان واقعا حقيقيا، فإنها تردف ~~أن الانفصال بين الخليج والبحيرات قد تم في أقرب التقديرات فيما ~~قبل بدايات عصر البلايستوسين الأول، قبل ms152 زمن الخروج بأزمان، وقبل ~~أن تعرف الأرض دولا وحضارات وممالك. # ثم إنه إذا كانت هيروبوليس هي تل المسخوطة/أبوكيشيد الخشبي قرب ~~الإسماعيلية الآن، مع شبه إجماع الآن على أن تلك المسخوطة هي ~~سيخوت التوراتية، التي تعني المخيم أو العشش أو الحظائر بالعبرية، ~~والمدونة بالنسخة العربية سكوت، فسيكون هناك تضارب واضح يتم ~~التعامي عنه بين هذا المعنى وبين النص التوراتي: ~~«فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت» نحو ستمائة ألف ~~ماش من الرجال عدا الأولاد. (خروج، 12: 37) # وهو ما يعني أن رعمسيس مدينة، وأن سكوت مدينة أخرى، وسكوت تبدو ~~طوال الوقت محطة أولى على طريق الخروج؛ مما يعني أنها لا بد تقع ~~في طريق الخارج من الدلتا إلى الصحراء السينائية، أي يجب أن تقع ~~إلى الشرق أو إلى الشمال الشرقي من رعمسيس وبيتوم معا، ناهيك عن ~~كون الاسم: تل المسخوطة اسما حديثا لا يشير إلى سكوت القديمة، ~~وقد أطلقه الأهالي المسلمون على تل المسخوطة؛ لما بها من تماثيل ~~يعتقد العامة أنها كانت لأشخاص حقيقيين سخطهم الله أحجارا، ويسقط ~~بهذا التخريج القائل إن محطة الخارجين الأولى سكوت هي المسخوطة؛ ~~لأن التطابق اللفظي وحده لا يكفي، بل ويتعارض مع حقائق ~~الجغرافيا. # هذا إضافة إلى إشكالية أخرى تواجه نظرية دي بوا إيميه بشدة، فلو ~~افترضنا أن هناك هبوطا قد حدث بمرور الزمن في مستوى المياه منذ ~~زمن الخروج، مع ارتفاع في اليابس الموجود الآن بين بحيرة التمساح ~~وبين البحيرات المرة وخليج السويس، وهو هبوط شديد بدليل تلك ~~المساحة الكبرى، التي تركها الخليج انسحابه جنوبا، فلا بد أن يكون ~~هناك هبوط آخر قد حدث على التوازي في مناطق بحرية مجاورة، حسب ~~نظرية الأواني المستطرقة، لكن ما نعلمه يقينا أن العكس هو ما قد ~~حدث، والدليل يستمد من سواحل البحر الأبيض المتوسط القريبة، حيث ~~ارتفع الماء وغطى مساحات كانت يابسة، بل وعامرة بالمباني وبالبشر، ~~وهو ما نقرؤه في جغرافية جمال حمدان، حيث كان يشرح جغرافية الساحل ~~الشمالي لمصر، بعيدا عن مشاغل موضوعنا، فيقول: ~~«تعرض النطاق الساحلي الشمالي من ms153 الدلتا خلال العصور التاريخية ~~إلى حركة هبوط وانخفاض بالنسبة لسطح البحر المتوسط، أدت إلى غرق ~~وضياع مناطق كثيرة منه، والحركة لا شك فيها علميا، والأدلة ~~المادية والوثائقية والشهادات والشواهد وفيرة، مثلما هي يقينية ~~ودامغة، لكن أسبابها وتفسيرها هي موضع الخلاف؛ فهل البحر هو الذي ~~ارتفع؟ أم اليابس هو الذي انخفض؟ «المهم في الأمر أن البحر نفسه لم ~~ينخفض إطلاقا»، إنما احتمال ارتفاعه هو الوارد، والثبات في مستواه ~~هو المقبول، حيث يجمع الأكثرية على «هبوط الساحل الشمالي؛ مما أدى ~~إلى غرقه تحت البحر، وتحت البحر ترقد الآن المقابر الرومانية ~~الشهيرة بكوم الشقافة # Catacombs ~~، ~~وكذلك المقابر البطلمية الغارقة بالشاطبي، وأيضا أرصفة ميناء ~~الإسكندرية القديم، وما تناثر بينها تحت الماء من تماثيل مهشمة، ~~والطبقة الرومانية عموما تقع تحت سطح المدينة الحالي بنحو سبعة ~~أمتار، هذا إضافة إلى غرق جزيرة أنتيرودس # Antirhodes # التي كانت تتوسط الميناء الشرقي ~~القديم، إضافة إلى ثلاث مدن كلاسيكية غارقة تحت الخليج هي: هيرا ~~كليوم ومنوتيس # Menuthis # وكانوب، ~~وفي قاع بحيرة البرلس بقايا وآثار متناثرة، تمثل أرضا هابطة تشير ~~لغزو البحر للبحيرة. وبحيرة المنزلة تعتبر أكبر متحف مائي لبقايا ~~وأطلال القرى والمدن القديمة الغارقة» تحت البحر، والتي طغى عليها ~~البحر وأغرقها بحسابات المؤرخ المقريزي سنة 535م، وعلى أساس رواية ~~المخزومي عن نشأة بحيرات الدلتا في 961 ميلادية، بواسطة طغيان مياه ~~البحر، وينتهي بوتزر إلى أن هذه العملية كانت جزءا من ارتفاع ~~مستوى سطح البحر منذ القرن الثاني الميلادي.» # 1 # ومثل هذه الشواهد تدحض للأسف الشديد إحدى النظريات العبقرية بشأن ~~الخروج، ألا وهي نظرية دي بوا إيميه، كما أنها من جانب آخر تدحض ~~النظريات التي وضعت مدينة رعمسيس كميناء عظيم تصله سفن العالم ~~القديم عند موضع صان الحجر اليوم؛ لأن صان الآن تقع على مسافة من ~~بحيرة المنزلة، ومعنى أن المنزلة ازداد اتساعها ازديادا عظيما ~~خلال القرون الماضية، هو أن صان الحجر كانت على مسافة أكثر بعدا ~~من بحيرة المنزلة، بحيث لا يمكن احتسابها ميناء على الإطلاق، ناهيك ~~عن أمر آخر ms154 يجب أن نعلمه، يستبعد أي إمكانية لوضع ميناء دولي على ~~بحيرة المنزلة، ونستقيه مرة أخرى من جغرافية جمال حمدان، فهو ~~يحدثنا عن بحيرات مصر شمالي الدلتا وشرقها، فيقول: «إن الضحالة ~~البالغة قاسم مشترك أعظم، فعمقها جميعا يتراوح حول المتر أو ~~أقل، وبها مساحات شاسعة يزيد عمقها عن عدة سنتيمترات، إلى درجة أن ~~الرياح القوية كثيرا ما تدفع مياهها وترفعها رفعا، بل وأحيانا ~~ترفع مستوى المصارف التي تفرغ فيها، وأن الرياح القوية هذه إذا ~~استمرت تجفف مئات الأفدنة فيها أحيانا لبضعة أيام، وتهلك أثناءها ~~بالطبع ملايين الأسماك.» # 2 # ثالثا: # لاحظنا عند بروجش أنه قد عمد لدعم نظريته إلى تلفيقات، لا تليق ~~بعالم جليل مثله، فإذا لم نعتبر إيجازه للنصوص المصرية الثلاثة ~~بشأن رمسيس في نص واحد موجز تلفيقا، فإن التلفيق الأكيد كان في ~~النص الذي ساقه في شكل رسالة محررة، من الكاتب كويسرا إلى رئيسه ~~بيكو بتاح حيث أوردها كالآتي: «وقد أطعت الأمر الذي أصدره سيدي ~~فأعطيت قمحا للعسكر «والإسرائيليين» الذين ينقلون الأحجار ... إلخ.» ~~وقد تم هنا إبدال كلمة خطيرة عن النص الأصلي، حيث أبدل كلمة ~~«والعابيرو» بكلمة «والإسرائيليين»، محتسبا ببساطة أن هؤلاء هم ~~أولئك (وهو الأمر الذي سنفصل الحديث بشأنه في موضعه من بحثنا هذا)، ~~كما أن النص الذي أورده عن رسالة بردية المتحف البريطاني: # كن مسرور الخاطر يا سيدي، فإن قبائل بدو آدوم قد مروا ~~بحرية تامة من حصن الفرعون مرنبتاح. # تم فيه إبدال الكلمة الأصلية «شاسو آدوم» ب «بدو آدوم»، فالنص ~~الأصلي حسب جاردنر هو: # انتهينا من السماح لقبائل الشاسو الآدومية بتخطي قلعة ~~مرنبتاح، التي في زيكو حتى بحيرات بيتوم مرنبتاح التي في ~~زيكو، ليظلوا هم وقطعانهم أحياء بفضل إحسان فرعون. # 3 ~~(عقب هنا جاردنر بالقول إن بي توم هنا ربما كانت فيثوم التوراة، ~~لكنه فضل وضعها في وادي طميلات.) # ومما يدحض نظرية بروجش أيضا أنه اعتمد نصوصا بالتوراة، وأغفل ~~أخرى عامدا؛ لأنها ضد نظريته، فحدد بحر سوف التوراتي بموضع خليج ~~الطينة الآن بين الفرما وبين بحيرة المنزلة ms155 على شاطئ المتوسط، لكن ~~ذلك يتضارب تضاربا صارخا مع بقية قصة التوراة؛ لأن التوراة تستمر ~~فتقول إنه بعد عبور البحر من عند فم الحيروث، «خرجوا من بحر سوف» ~~إلى بادية/برية باسم «شور»، ومن شور ساروا لمدة ثلاثة أيام حتى ~~وصلوا إلى موضع باسم مارة (الخروج، 15: 22-23) ثم ارتحلوا من محطة ~~مارة إلى موضع باسم إيليم (خروج، 15: 27)، ومن إيليم ارتحلوا ~~«لينزلوا مرة أخرى على بحر سوف» (عدد، 33: 10)، وهنا تظهر ~~المفارقة الكبرى، فلو كان المقصود ببحر سوف خليج الطينة عند ~~المنزلة، فمعنى ذلك أن الخارجين من مصر، قد داروا بقسم كبير في ~~عمق سيناء عبر خمسة مواضع، استغرقت أكثر من ثلاثة أشهر، ثم قفزوا ~~فجأة من إيليم دون المرور بأية مواقع، ليعودوا فجأة إلى خليج ~~الطينة عند بحيرة المنزلة مرة أخرى، باحتسابه بحر سوف، هذا إضافة ~~إلى موضع تكرر التوراة ذكره، يقع عند المواقع الأخيرة في رحلة ~~الخروج ميناء باسم «عصيون جابر»، وذلك بعد رحيل استغرق من الزمن ~~سنتين عبر سيناء، وتصف هذا الموضع بأنه ميناء يقع بجوار أيلة ~~(إيلات الآن على العقبة)، ثم تصفه في مواضع أخرى بأنه يقع على بحر ~~سوف، انظر مثلا المراحل الأخيرة في رحلة الخروج تحكي: # ثم ارتحلوا من عبرونة ونزلوا في عصيون جابر، ثم ارتحلوا ~~من عصيون جابر ونزلوا في برية صين وهي قادش. (عدد، 33: ~~35-36) # فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في «سعير» على طريق ~~«العربة» على «أيلة» وعلى «عصيون جابر»، ثم تحولنا ومررنا ~~في طريق برية موآب. (تثنية، 2: 8) # وبعد قيام مملكة إسرائيل الموحدة وزمن حكم الملك ~~سليمان يحكي الكتاب المقدس: # وعمل الملك سليمان سفنا في «عصيون جابر» التي بجانب ~~أيلة على شاطئ بحر سوف في أرض آدوم. (ملوك أول، 9: ~~26) # وهكذا تكشف لنا رواية التوراة في مجملها دون انتقاءات حسب رغبة ~~الباحث، أن الخارجين كانوا طوال الرحلة لمدة سنتين بالقرب دوما من ~~ساحل بحر سوف؛ مما ينفي بالقطع أن يكون بحر سوف هو خليج الطينة أو ~~بحيرة المنزلة؛ لذلك نجد تقليدا إنجيليا قديما لا نعرف ms156 صاحبه ~~أو كيف وصل إلينا يقول: إن بحر سوف هو البحر الأحمر بذراعيه خليج ~~السويس وخليج العقبة، فكان البحر الأحمر بحسبانه بحر سوف موروثا ~~يتواتر في فلسطين زمن المسيح، وكان المحرر التوراتي لديه وثائق ~~جغرافية، تؤكد أنهم داروا بحذاء سواحل البحر الأحمر السينائية من ~~ضلعه الأيسر (خليج السويس أو الخليج العربي)، مع الاتجاه جنوبا ~~نحوب رأس المثلث السينائي، ثم صعودا إلى الشمال مع ضلعه الأيمن ~~(خليج العقبة)، حتى عصيون جابر بجوار إيلات. «إن ذلك المأثور ~~التوراتي يتفق تماما وخط السير الوارد بأسفار الخروج والعدد ~~بالتوراة، ويدحض تماما أية نظرية تبتعد ببحر سوف عن البحر الأحمر ~~بذارعيه: السويس والعقبة». # وقد لاحظ «غطاس الخشبة» تلك المشكلة، لكنه تابع الرأي القائل بأن ~~مدينة الاضطهاد رعمسيس، كانت هي صان الحجر مرة، ثم ناقض ذلك وقال ~~إنها كانت الفرما الحالية، لكن ما يشغلنا في أمره، أنه اتفق مع ~~بروجش وغيره، ممن قالوا إن بحر سوف ليس البحر الأحمر، إنما هو ~~بحيرة المنزلة، وما لاحظه الخشبة هو أن خط سير الخروج كما هو ~~بالتوراة، كان يعود بين كل عدة مواقع بالرحلة إلى شاطئ بحر سوف ~~مرة أخرى، ومن هنا قام الباحث بوضع عدد من الخرائط، تبين أن ~~الخروج تم على مراحل، كان يقوم فيها كل مرة بالقفز بالخارجين فجأة، ~~من أقصى جنوب سيناء إلى بحيرة المنزلة مرة أخرى، بحسبانها بحر ~~سوف، كلما مر الخارجون على هذا البحر، دون المرور بأية مواقع، كما ~~لو كانوا قد طاروا ليعودوا إلى المنزلة، في كل مرة يعودون فيها إلى ~~موضع على شاطئ بحر سوف، ودون أية مبررات عقلية أو موضوعية واضحة ~~لهذا الطيران غير المقبول أبدا، ناهيك عن كونه كان يعود بالخارجين ~~في كل دورة إلى قبضة الجيش المصري مرة إثر أخرى دون مبررات. # ومن الجدير بالذكر أنه رغم أن الباحث الخشبة، قد اعتمد نظرية ~~بروجش في كون بحر سوف هو بحيرة المنزلة، فقد استبعد رأيه في تزمين ~~الخروج، ورفض القول بالخروج زمن مرنبتاح بن رعمسيس الثاني، وأخذ ~~بدلا منه ms157 برأي آخر هو رأي (جارستانج)، رغم أنه لم يشر إلى هذا ~~العالم كمصدر لرأيه، ورأي جارستانج هو أن الخروج قد حدث زمن ~~الفرعونة حتشبسوت، والرد السهل والبسيط على ذلك، خاصة أن الخشبة ~~يقر فكرة مطاردة الفرعونة للخارجين وغرقها في خليج الطينة عند ~~المنزلة، هو أن خروج الإسرائيليين سواء من صان الحجر أو من الفرما، ~~كان بأقصى الشمال الشرقي في زمن حتشبسوت، بينما كان مقر حكمها ~~وإقامتها في طيبة بأقصى الجنوب على مبعدة حوالي 1000كم، وهو ما ~~يعني أن الفرعونة قد تحركت فورا للحاق بالخارجين، لتلحق بهم بعد ~~خروجهم من رعمسيس إلى خليج الطينة كالبرق، بينما كانت تحتاج للوصول ~~من العاصمة طيبة حتى خليج الطينة إلى أسبوع على الأقل، بينما ~~التوراة تؤكد لنا أنهم بعد الخروج كانوا داخل سيناء عند إيليم بعد ~~ثلاثة أيام من خروجهم، حيث لحقت بهم جيوش الفرعونة عند فم الحيروث. ~~الأمر هنا شديد الاضطراب ومفكك إلى حد بعيد، ولا يصمد للنقد ~~وإعمال المنطق، لكنا لا ننكر على الرجل جهده لهذا كان محل ~~اهتمامنا. # أما بيير مونتييه فقد أخطأ مرتين: الأولى باحتساب صان الحجر هي ~~رعمسيس التوراتية، والثانية عندما أخذ من التوراة المقدمات حول ~~مواضع سكنى الإسرائيليين بمصر ومواضع الخروج، ثم قرر بعد ذلك ~~مخالفة التوراة تماما في بقية تفاصيل مواضع خط سير الخروج، ~~فأسقطها جميعا ليصل من المنفذ الشرقي لبحيرة البردويل، إلى أقرب ~~موضع بركاني شرقي خليج العقبة. # هذا ناهيك عن أن كل من ذهب ببحر سوف شمالا إلى البحيرات المتصلة ~~بالبحر الأبيض المتوسط، سواء بحيرة المنزلة كما عند بروجش، أو ~~بحيرة البردويل كما عند مونتييه، قد أغفلوا أمرا هاما، هو أن ~~«المحرر التوراتي كان يعلم جيدا، أن هناك فرقا بين بحر سوف وبين ~~البحر المتوسط وبحيراته»؛ لأنه كان دوما يتحدث عن بحر سوف البعيد ~~عن أرض فلسطين، وعن بحر آخر يتكرر ذكره ملاصقا لفلسطين، ويقع ~~غربها تماما، يطلق عليه في أكثر من موضع البحر الكبير، وهو البحر ~~المتوسط الآن. # وقد تم تحديد حدود الأرض الموعودة بفلسطين، ms158 في عدة مواضع بالكتاب ~~المقدس، كان حدها الغربي دوما هو البحر الكبير، ولم يخلط المحررون ~~ولا مرة واحدة، بين البحر الكبير (المتوسط) وبين بحر سوف. # رابعا: # إن الاعتماد على الحفائر المصرية وحدها في البحث عن مدينة رعمسيس ~~غالبا ما أدى إلى نتائج مضللة، فكلما عثر أحدهم في الدلتا على ~~آثار باسم رمسيس الثاني وقف ينادي: هنا رعمسيس مدينة الاضطهاد، وهو ~~الأمر الذي من أجله حدث أول إجماع حول صان الحجر بحسبانها رعمسيس، ~~حيث عثر هناك على نقش يقول: «آمون صاحب بر رعمسيس مرى آمون ذو ~~الانتصارات العظيمة.» وقد احتسب ذلك دليلا كافيا على أن صان، ~~كانت هي رعمسيس التوراتية، وذهب هذا المذهب مع الإجماع، رجل في ثقل ~~جاردنر، الذي انتهى إلى أن صان هي التي ذكرتها النصوص باسم حواريس ~~كعاصمة للهكسوس، وأن رعمسيس الثاني جاء بعد زمن، فجددها وأطلق ~~عليها اسمه، ثم حملت بعد ذلك ولمدة طويلة اسم تانيس، وأنها هي ~~التي أطلقت عليها التوراة اسم صوعن، ثم عرفت مؤخرا باسم صان ~~الحجر، وقد وافقه على ذلك مصرولوجست آخر محترم هو يونكر، لكن ما لا ~~يفوتنا هو أن ذلك النص الذي عثر عليه في صان الحجر «آمون صاحب بر ~~رمسيس» و«مرى آمون ذو الانتصارات العظيمة»، قد أصبح الآن غير ذي ~~موضوع، بعد اكتشاف أنه نص متكرر على آثار رمسيس الثاني في أكثر ~~من موضع بمصر، # 4 # وما يجب الانتباه إليه هنا وجود خطأ آخر شديد الوضوح، ~~هو احتساب مدينة صان الحجر هي تانيس المذكورة في المصادر ~~التاريخية؛ لأن تانيس هذه بدورها اختلف بشأن موضعها أشد الاختلاف، ~~وليس من المقبول علميا إلقاء القول هكذا سهلا: «تنيس هي صان ~~الحجر»، مع إغفال احتمالات أخرى لموقع تنيس، لعل أشهرها ما جمعه ~~محمد رمزي في معجمه الجغرافي للبلدان المصرية، عن تاريخ مدينة ~~تنيس، حتى أمكنه القول: # تنيس # Tinnis # من المدن ~~المصرية القديمة التي اندثرت، تكلم عنها ياقوت في معجمه، ~~فقال إن تنيس «جزيرة في بر مصر» قريبة من البر «ما بين ~~الفرما ودمياط»، وبها ms159 تعمل الثياب الملونة والفرش ~~الأبوقلمون، وبحيراتها التي هي عليها، مقدار إقلاع يوم في ~~عرض نصف يوم، ويكون ماؤها أكثر أيام السنة ملحا، لدخول ~~ماء بحر الروم (البحر المتوسط) إليه عند هبوب ريح الشمال، ~~فإذا انصرف نيل مصر في دخول الشتاء، وكثر هبوب الريح ~~الغربية، خلت البحيرة وخلا سيف البحر المالح مقدار بريدين، ~~حتى يجاوز مدينة الفرما، فحينئذ يخزنون الماء في حباحب، ~~أي صهاريج لهم، ويعدونه لشربهم مدة السنة، ولما فتحت مصر ~~سنة 20ه، كانت تنيس حينئذ أخصاصا من قصب، وكانت تعرف ~~بذات الأخصاص إلى صدر بني أمية، ثم إن أهلها بنوا بها ~~قصورا، ولم تزل كذلك إلى أيام بني العباس، فبنى سورها ~~ودخلها أحمد بن طولون في سنة 269ه، فبنى بها عدة صهاريج ~~وحوانيت في السوق كثيرة، تعرف بصهاريج الأمير، وأما صفتها ~~«فهي جزيرة في وسط بحيرة مفردة عن البحر الأعظم»، يحيط ~~البحر بهذه البحيرة من كل جهة، فإذا تكاملت زيادة النيل ~~غلبت حلاوته على ماء البحر فصارت البحيرة حلوة، فحينئذ ~~يدخر أهل تنيس المياه في صهاريجهم ومصانعهم لسنتهم، وكان ~~لأهل الفرما قنوات تحت الأرض تسوق إليهم الماء إذا خلت ~~البحيرة، وبعضهم سمى تنيس باسم تونة، في حين أن تونة من ~~أعمالها، وبالبحث تبين لي أن الجزيرة التي كانت بها مدينة ~~تنيس، لا تزال موجودة إلى اليوم ببحيرة المنزلة، ومعروفة ~~بجزيرة تنيس، وبها بقايا من الطوب الأحمر المتخلف من ~~مبانيها القديمة. # 5 # ومن جانبنا قمنا بالبحث وسافرنا وراء تنيس، ووجدناها جزيرة ~~صغيرة عبارة عن تلال من مدينة مدمرة، وتقع بين الفرما ودمياط ~~شمالي البحيرة، ويعرفها الصيادون هناك باسم كوم تنيس، ثم وقعنا عند ~~جمال حمدان على حديث فاصل في مسألة تنيس يقول: # إن تنيس وحدها بحجمها الضخم وثرائها المعماري، وصناعاتها ~~العظيمة من أفخر المنسوجات والأسلحة والصلب، وتجارتها ~~الواسعة مع العراق بالذات، هي التي كانت تقارن بدمياط ~~وشطا، ولقد كانت تنيس تقوم على «جزيرة كبيرة المساحة»، ~~ويتم الوصول إليها عن طريق قناة تسمى بحر الروم تنتهي إلى ~~الصالحية، وربما كانت جزءا ms160 من الفرع التانيسي، ولكن حتى ~~وقت متأخر كالقرن العاشر الميلادي، ظلت تنيس عامرة ~~بالآثار العظيمة من المساجد والكنائس والحمامات بالمئات ~~والعشرات، وحتى بعد قرن آخر في القرن 11م، ذهل الرحالة ~~ناصري خسرو لضخامتها ورخائها، حيث وجد بها كما ذكر 10000 ~~محل تجاري و1000 سفينة في مينائها، بينما بلغ عدد سكانها ~~الذكور وحدهم 50000 تقريبا، وعلى الجملة كانت من أجمل ~~مدائن مصر، والأكثر إثارة أن هذه الجزيرة لم تكن تزرع ~~شيئا، واعتمدت في كل غذائها وتموينها على التجارة، كانت ~~تعيش على الصهاريج في مياه الشرب، فأثناء الفيضان كانت ~~مياه النيل تكتسح المياه المالحة المحيطة بها، فتملأ ~~الصهاريج الباطنية الشاسعة، حيث تخزن العام كله، ولقد ظلت ~~جزيرة تنيس تقاوم غزو مياه البحر، لكنها عجزت عن أن تواجه ~~منفردة غزاة البحر؛ إذ أصبحت معرضة لخطر غارات القراصنة ~~والصليبيين من صقلية وفلسطين، فأمر صلاح الدين الأيوبي ~~بإخلائها في نهاية القرن 12م، وفي أوائل القرن 13م هدم ~~الكامل حصونها وسورها وسواها بالأرض، وتركها مجرد كومة ~~من الحطام، لتظل بعدها جزيرة مهجورة خربة، تعرف الآن بكوم ~~تنيس أو تل تنيس. # 6 # وهو ذات ما قاله «إبراهيم محمد كامل»: «تل تنيس يقع حاليا في ~~بحيرة المنزلة، «التي لم تكن قائمة خلال العصر الفرعوني»؛ إذ تكونت ~~البحيرة تدريجيا على أثر عوامل طبيعية، سببت هبوط الأرض في تلك ~~الجهة، وبقايا التل تشكل جزيرة وسط المياه ذات معالم أثرية واضحة ~~للعين المجردة. والتل هو بقايا مدينة تنيس المشهورة، التي لم يحاول ~~الأثريون إزاحة الستار عن ماضيها المجيد. ولا شك أن المدينة ~~القديمة تنيس كانت قائمة في العصور الفرعونية، وأنها كانت تقع على ~~مصب الفرع التنيسي.» # 7 ~~«وهذا بحد ذاته رد كاف على من يزعمون أن بحيرة المنزلة كانت ~~هي بحر سوف التوراتي؛ لأن البحيرة لم تكن قد وجدت بعد ~~حينذاك». # ثم نجد عالم مصريات حجة هو نافيل، يرفض تماما أن تكون صان الحجر هي حواريس ~~الهكسوسية، وقدم على ذلك برهانا قاطعا، بعد أن وجد كلا من البلدين مذكورا ~~بمفرده في ms161 قائمة آمنموبي، وهو ما لا يقبل معه احتسابهما مدينة واحدة. # 8 # ثم اشتد نافيل في المخالفة، وذهب إلى أن رعمسيس التوراتية، هي التي كان يطلق ~~عليها اليونان اسم فاقوسة، التي هي برأيه سفط الحنة الآن، والسبب أيضا آثار ~~لرمسيس، حيث تم العثور هناك على قطعتين من الجرانيت الأسود باسم رمسيس الثاني، مع ~~قطعتين أخريين من البازلت باسمه، ومن هنا «رأى نافيل أن سفط الحنة هي رعمسيس ~~التوراة»، وأنها كانت عاصمة المقاطعة العشرين من مقاطعات الدلتا، التي عرفها ~~اليونان باسم المقاطعة العربية «أرابيا». # هذا علما أن جاردنر قبل أن يذهب برعمسيس إلى صان الحجر، كان يؤكد أن رعمسيس هي بيلوز/الفرما. # 9 # أما بتري وهو حجة مصريات معلوم، فقد خالف هؤلاء وأولئك، معتمدا أيضا على آثار ~~لرمسيس الثاني، تم العثور عليها في موضع مخالف تماما، فقال إن رعمسيس هي «تل ~~رطابة حاليا في النصف الشرقي من وادي طميلات غربي تل المسخوطة»، حيث عثر هناك على ~~معبد لرعمسيس الثاني، ثم على أثره يصوره وهو يضرب أسيرا آسيويا أمام الإله ~~آتوم، وأثر ثالث على هيئة تمثال جرانيتي أحمر لرمسيس الثاني والإله آتوم، عليه ~~عبارة تقول: «عظيم الاحترام عظيم الروعة في البلدان، وعلى البلدان الأجنبية ~~البعيدة، ملك مصر العليا والسفلى رعمسيس ابن الشمس معطي الحياة، الذي أوقع مذبحة ~~في أرض الشاسو، ونهب تلالهم وقتلهم، قد بنى مدينة باسمه للأبد.» وقد اعتبر فلندر ~~بتري العبارة الأخيرة دليلا قاطعا على وقوع مدينة رعمسيس في موقع تل رطابة ~~الحالية، خاصة أنه قد عثر بها على غرف عديدة استخدمت كمخازن، والتوراة تشير إلى ~~أن الإسرائيليين قد استعبدوا في بناء مدينتي مخازن هما فيثوم ورعمسيس. # 10 # وكلما زادت مساحة الكشوف الأركيولوجية، زادت الخلافات وازداد الالتباس، فقد عثر ~~المنقب محمود حمزة على دور سكنية في حفائر قام بها في قنتير شمالي الزقازيق، ~~وتبعد حوالي 17كم إلى الجنوب من صان، وتقع فوق تل أثري تآكل بمرور الزمن، وأصبح ~~في مستوى الأرض الزراعية، ووجد في حفائره آثارا من الأسرة الثانية عشرة والأسرة ~~التاسعة ms162 والعشرين، كما عثر على أطلال لقصر يخص الملك ستي الأول ، أما الأهم فكان ~~عثوره على لوحة دون عليها «الإله الطيب الأسد ضد السوريين الإله الطيب حبيب ~~سوتخ»، وهي إشارة واضحة للإله سيت، الذي كان يعبده الهكسوس في حواريس، وعبده ~~رعمسيس الثاني في مدينته رعمسيس. # وبين الدور السكنية عثر محمود حمزة على آثار كثيرة باسم رعمسيس الثاني وموظفي ~~عهده، دونت بكتابات هيراطيقية على كسرات فخار كثير، تتضمن أيضا اسم رعمسيس. # 11 # ونظرا لأهمية هذا الكشف تحديدا، نستمع إلى محمود حمزة نفسه، يعقب على حفرياته ~~في قنتير فيقول: ~~«إن سيتي الأول كان أول من أقام فيها قصرا، ليجعله مكانا لراحته بعد عودته من ~~حروبه في آسيا، ولما جاء عهد رعمسيس الثاني، رأى أنه تسهيلا للقبض بيد من حديد ~~على ممتلكاته في آسيا، وتخليص البلاد من غارات الساميين المتتالية، أن يترك مقره في ~~طيبة، ويجعله في الدلتا على مقربة من فلسطين، ليقمع أي ثورة في مهدها؛ لذلك يعد من ~~الأمور الهامة في حكم رعمسيس الثاني، انتخاب موضع قنتير ليكون مقره الملكي في ~~الدلتا. والواقع أننا وجدنا في الحقول والبيوت، عوارض أبواب وعتب، نقش عليها اسمه، ~~هذا بالإضافة إلى مئات القراميد والزهريات المصنوعة من الخزف، والأشكال التي كانت ~~تؤلف جزءا هاما في تزيين القصر وزخرفته، على أن وجود مئات القوالب من الفخار ~~المطلي باسم سيتي الأول، ورعمسيس الثاني، ومرنبتاح الأول، وسيتي الثاني، ورعمسيس ~~الثالث، ورعمسيس السابع، ورعمسيس العاشر، لبرهان على أن هؤلاء الفراعنة، كانوا ~~يقطنون هذا القصر، الذي كان يحلى بمنتجات مصنع خاص به (مهمته تزويد القصر بالعناية ~~المعمارية والفنية بشكل دائم)، وذلك ليكونوا على اتصال بأملاكهم الآسيوية. كذلك ~~كان في قنتير معابد للآلهة آمون وبتاح وست ... وتحمل كثير من قوالب الفخار المطلي، ~~الذي عثر عليه في قنتير باسم رعمسيس الثاني، مصحوبا باللقب «با نتر» أي روح الإله، ~~وأخرى تحمل طغراء # 12 # الملك مصحوبا بالنعتين: شمس الأمراء وحاكم الحكام. فإذا كانت قنتير ~~هي رعمسيس، فإنه لا بد من البحث عن حواريس في مكان آخر.» ms163 # 13 # ومن ثم اعتمد المهندس علي بك شافعي اكتشافات محمود حمزة، وسلم بأن قنتير هي ~~رعمسيس، وأن فاقوس الحالية (وليس فاقوسة/سفط الحنة) هي فيثوم، ويرسم خريطة الخروج ~~اعتمادا على دليل سفر حج الراهبة إيثيريا، لكنه يتغافل تماما عن المسافة التي ~~ذكرتها تلك الراهبة بين فيثوم ورعمسيس؛ «لأن المسافة بين فاقوس وقنتير تصل إلى ~~حوالي ضعف المسافة، التي ذكرتها إيثيريا بين فيثوم ورعمسيس». # وحتى لا نغمط دي بوا إيميه حقه، فإن الكشوف الأركيولوجية الحديثة، يمكنها دعم ~~وجهة نظره بعد رحيله بزمن، في أن موقع تل المسخوطة كان هو مدينة رعمسيس، فقد جاء من ~~بعده فرديناند دليسبس، ليعثر أثناء حفر قناة السويس في موقع المسخوطة على عدد من ~~التماثيل والنصب، وأشكال لأبي هول صغير تعود إلى عهد رمسيس الثاني، وهي محفوظة الآن ~~في متحف الإسماعيلية، كذلك تم العثور على ثالوث من الجرانيت الوردي لرعمسيس ~~الثاني، جالسا بين الإلهين حورأختي وخبري، ولوحة أخرى من ذات المادة لرعمسيس ~~الثاني، يقدم تمثال ماعت للإله حور أختي، ثم محراب من الجرانيت الأحمر لرعمسيس ~~الثاني، وهو يحتفل بعيده الثلاثيني «حب سد»، وتمثالا لابي الهول من الجرانيت ~~الأسود، من الدولة الوسطى سبق واغتصبه لنفسه أحد ملوك الهكسوس، ثم جاء رعمسيس ~~الثاني فاغتصبه لنفسه ثانية ودون عليه اسمه، كما عثر على صقر يحمل طغراء الملك ~~رعمسيس الثاني من الجرانيت الأسود. # والأهم أنه تم العثور على آثار واضحة، لسور ضخم من اللبن حول معبد كبير، وقد ~~جاء في رواية التوراة: «فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف، ومرروا حياتهم ~~بعبودية قاسية في الطين واللبن» (خروج، 1: 13-14)، وحديث «الطوب اللبن» متكرر في ~~سفر الخروج، كما في الإصحاح خمسة مثلا، وهو ما يرجح بدوره أن تكون المسخوطة هي ~~رعمسيس التوراتية. # وهكذا كانت شخصية رعمسيس الثاني النرجسية المتضخمة، وعشقه للمعمار وانتشار هذا ~~المعمار في مناطق واسعة، مدعاة لتعدد الاحتمالات حول موضع مدينة رعمسيس التوراتية، ~~كلما وجد المنقبون اسم رعمسيس في موضع من المواضع؛ ومن ثم «نؤكد مرة أخرى أن ~~الآثار وحدها، ليست بالقطع كافية وحدها، ms164 للفصل في مسألة أين تقع مدينة رعمسيس ~~التوراتية؟!» وهو ما فعلته النظريات السوالف جميعا، وكان نقطة ضعفها الأساسية، حيث ~~اعتمدت على الآثار والحفائر وحدها. # ومن أجل وضع تصور واضح أقرب إلى القبول، حول تلك المواضع التوراتية، والاتفاق مع ~~ما لدينا من مصادر ومادة علمية هائلة، رغم تنافرها وتضاربها، علينا أن نعيد ~~ترتيب ما بيدنا الآن من أوراق. # أولا: # أقام الهكسوس في مصر عاصمة لهم هناك، على الحدود الشرقية للدلتا، ~~باسم يمكن نطقه متعددا بين لسان مصري وسامي ويوناني دون خلاف، هو ~~«حوت وعرت، حوارة، هوارة، حواريس، أواريس - أفاريس، حويرة، حويلة»، ~~وإن تلك المدينة كانت مقرا عسكريا ودينيا، وكان الإله ~~المعتبر فيها هو إله الشر المصري سيت، أو كما نطقه الهكسوس «سوتخ» ~~بتصريفه اسميا، وإنها بالتأكيد تقع إلى الشرق من الفرع البوباستي ~~للنيل، حسبما جاءنا في مقبرة الضابط المصري أحمس بن أبانا، الذي ~~حكى لنا قصة معارك التحرير، التي قادها الفرعون أحمس بن ~~سقننرع. # شيد الفرعون رعمسيس الثاني مدينة باسمه، أو أعاد ~~بناءها حيث كانت قائمة قبله، ويحتمل أن تكون هي ذات ~~مدينة الهكسوس حوايس أو لا تكون، وإلى القرب منها حسب ~~خط سير رحلة الراهبة إيثيريا بحوالي 4 أميال، أي حوالي ~~ستة كيلومترات ونصف، تقع مدينة أخرى باسم فيثوم أو بي ~~توم أو باتوموس. # إلى الشرق من هاتين المدينتين تقع محطة أولى على ~~طريق الخروج باسم سكوت، المظنون أنها الآن الخشبي أو ~~أبوكيشيد المعروفة باسم تل المسخوطة، وأن المسخوطة ~~كانت تلك التي جاءنا ذكرها عند اليونان باسم ~~هيروبوليس، أو بترجمة البعض لها «مدينة الأبطال» إلى ~~القرب من الخليج العربي/القلزم/السويس الآن. # ثانيا: # اختلفت آراء الباحثين في تحديد موقع مدينة رعمسيس وجارتها فيثوم ~~كالآتي: # افترض دي بوا إيميه أن رمسيس أو ربما بيتوم، هي التي ~~ذكرها اليونان باسم هيروبوليس، وأنها تل المسخوطة ~~الآن، وأنها كانت ميناء دوليا على قمة الخليج ~~العربي، المعروف الآن بخليج السويس، وأن الخليج كان ~~يمتد في ذلك الزمن ليملأ كل حوض القلزم، ويلتحم ~~بالبحيرات المرة وببحيرة التمساح. # افترض ms165 آخرون مثل بروجش وجاردنر أن مدينة رعمسيس هي ~~ذات عين المدينة المذكورة بالوثائق التاريخية باسم ~~تانيس، وأنها هي هي صان الحجر حاليا، وذهب معهما ذات ~~المذهب بيير مونتييه، إلا أن يونكر رفض توحيد حواريس - ~~الهكسوسية - بتانيس، بعد أن وجد كلا منهما مذكورا ~~بمفرده في قائمة آمنموبي. # رأى بتري أن رعمسيس هي تل رطابة الحالية بوادي ~~طميلات، دون تقديم بحث واضح وحقيقي. # رأى محمود حمزة أن رعمسيس هي قنتير الحالية، مع رفضه ~~أن تكون هي حواريس الهكسوسية، وقد تابعه على ذلك علي ~~بك شافعي، الذي رسم وفقا لاكتشاف حمزة خطا لسير ~~الخروج الإسرائيلي من مصر. # اعتمد نافيل على كشوف أثرية بدوره، ليقول إن رعمسيس ~~هي سفط الحنة الحالية، وكان اليونان يسمونها فقوسة، ~~وكانت عاصمة المقاطعة التي عرفها اليونان بالمقاطعة ~~العربية، لغلبة العنصر السامي بين سكانها، ورفض بدوره ~~أن تكون هي حواريس الهكسوسية. # ثالثا: # إن لمدينة رعمسيس عدة مواصفات أمكن تحديدها من التوراة، من ~~اللوحة المنقوشة على جدار الكرنك، ومن رسالة أحد الكتبة إلى سيده ~~كاتب البلاط، ومن قصيدتين في مديح مدينة رعمسيس، تعرفان باسم ~~القصيدة الصغرى والقصيدة الكبرى، ومن هذه المصادر يمكن تجميع أهم ~~الصفات والشروط للمدينة، التي نبحث عنها في موقع يجمع «مواصفات من ~~الصعب أن تجتمع لمدينة على خريطة مصر»، وهذه المواصفات ~~كالتالي: # نحن بحاجة إلى «موضع تتوافر فيه آثار مصرية قديمة، ~~تشير إلى المدينة باسم رعمسيس بشكل واضح»، وهذا شرط أول، ~~وقد أخذ به الباحثون المصرولوجيون كشرط وحيد وليس أولا؛ ~~مما أدى إلى تضارب شديد في تحديد موضعها مع تعدد المواضع، ~~التي عثر فيها على اسم رعمسيس في آثاره الهائلة عددا ~~وتفرقا. ~~«يجب أن يقع هذا الموضع في أقصى شرقي الدلتا على الحدود ~~مع البراري المتصلة بسيناء»، بحيث يكون حسب قصائد مديح ~~رعمسيس، «آخر كل أرض مصرية وبداية كل أرض أجنبية» أو ~~فلسطينية. # إن تلك المدينة «عند طرف الطريق الوحيد المؤدي إلى خارج ~~مصر شرقا»، رغم تعدد الطرق إلى الشرق، وهو الأمر الذي ~~يزيد في الالتباس؟! # أن يسمح ms166 الموضع بقيام «ميناء دولي» يستقبل سفنا بحرية، ~~تفد إليه بجزية بلدان العالم المعروف آنذاك، سواء تلك ~~القادمة من آسيا، أو القادمة من أفريقيا، أي ميناء يقع على ~~البحرين الأبيض والأحمر في ذات الوقت، وهو المستحيل عينه، ~~فكانت تأتي إليه جزية بلاد كدى (تركيا)، وجزية السواحل ~~الأفريقية مباشرة إلى مدينة الميناء رعمسيس!! # أن يكون في الجوار موضع أو «قناة ماء بالتحديد، تحمل اسم ~~شيحور» حسبما جاء في التوراة، أو باسم سيهور حسبما جاء ~~بقصائد مديح رعمسيس المصرية. ~~«أن تطل كميناء على الساحل الغربي لبحر يحمل اسم سوف»، ~~وأن يتناسب هذا البحر في ظروفه مع اسم سوف أي «بحر البوص»، ~~فيجب أن يكون ضحلا، وأن يستقبل ماء عذبا من قناة ~~نيلية، وتلك الضحالة ستتضارب مع القول بميناء يستقبل سفنا ~~كبرى، وهي بذاتها مشكلة مستعصية. ~~«ربما كانت رعمسيس هي حواريس الهكسوسية»، وإذا لم تكن ~~فيجب البحث عن موضع مناسب لمدينة حواريس لقطع الشك ~~باليقين. # في جوار رعمسيس وعلى حوالي بعد أربعة أميال، منها حسب ~~الراهبة إيثيريا، يجب أن تقع «مدينة أخرى باسم فيثوم» أو ~~بيتوم، ويجب أن نعثر هناك على آثار مصرية تؤكد ذلك، سواء ~~بشكل مباشر أو غير مباشر. # أن تقع رعمسيس وفيثوم في محيط إقليم واحد، يعرف حسب ~~المؤرخين اليونان باسم «الإقليم العربي»، وفي التوراة باسم ~~«جاسان». # أن نجد ما يشير إلى أن إحدى المدينتين رعمسيس أو فيثوم، ~~كانت «تحمل اسم صوعن» الوارد بالتوراة. # أن يقع «إلى الشرق» من موقعنا هذا موضع يحمل اسم «سكوت ~~يبعد بمسافة سفر يوم واحد، بالعربة التي تجرها الجياد»، ~~حسبما علمنا من التوراة السبعونية، عن سفر يوسف من القصر ~~الملكي إلى الحدود لاستقبال أهله، كما كانت سكوت محطة ~~الراحة الأولى في طريق الخارجين، كذلك من خبر الموظف ~~المطالب بمطاردة عبدين هاربين من القصر الملكي، واستغرق ~~بدوره سفر يوم واحد، وهذه وثيقة مصرية توافق ما قالته ~~التوراة السبعونية، أي يجب وقوع سكوت قرب طرف الطريق ~~للخارج من رعمسيس نحو الحدود، وأنها أول ما يقابل الداخل ~~من سيناء ms167 إلى مصر نحو رعمسيس، «مع وجوب وجود آثار مصرية» ~~تشهد بذلك. # أن يقع موضعنا الذي نبحث عنه غربي بحر سوف، بينما «يقع ~~شرق هذا البحر صحراء/برية باسم شور»، حيث إن الخارجين قد ~~خرجوا من البحر المفلوق (سوف) إلى برية باسم شور، حسب ~~الأسطورة التوراتية. # إلى الشرق من موضعنا هذا بمسافة سفر يوم كامل، تقع ~~مجموعة إحداثيات جغرافية على الساحل الغربي لبحر سوف، هي ~~«مجدل وبعل صافون وفم الحيروث»، حيث تم فلق البحر في ~~الأسطورة التوراتية، بينما يقع إلى شرق هذا البحر الموضع ~~شور. ~~... «وهكذا فنحن نبحث تقريبا عن المستحيل». # الباب الثالث # | نظرية المؤلف لضبط جغرافية الخروج وتاريخها # الفصل الأول # | رعمسيس تلك المدينة اللغز! # نختصر الموقف من علاقة الهكسوس بالإسرائيليين، بكوننا نحتسب افتراضنا أن بني إسرائيل ~~قد دخلوا مصر في زمن الهكسوس كفصيل قبلي نسيب، وهو الفرض الذي سنقيم ~~الدليل عليه بطول هذا الكتاب. # كان آخر ملوك الهكسوس على مصر، هو الملك أسيس الملقب بلقب أبوفيس الثالث، وذلك ~~حسبما ورد عند يوسفيوس نقلا عن المصري مانيتو، وهو ما طابق قائمة الملوك المعروفة ~~باسم بردية تورين، وهو الملك الأخير من الحكام الأجانب، وقلنا إنه قد بدأت الثورة ~~ضده من طيبة، بقيادة الملك سقننرع وولديه كامس ثم أحمس، وحسب القصة التوراتية تمكن ~~يوسف ببراعة إسرائيلية من الوصول إلى الحظوة الملكية، فصار وزيرا لخزانة الهكسوس ~~في مصر، ثم تمكنت الثورة المصرية من الإطاحة بالاحتلال، ليقلب الزمان لبني إسرائيل ~~وجها مخالفا، تمثله بصدق - وتطابق على صدقنا أسفار - التوراة إذ تقول: ~~«ثم قام ملك جديد على مصر، لم يكن يعرف يوسف» ... فجعلوا عليهم رؤساء ~~تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن: «فيثوم، ~~ورعمسيس». (خروج، 1: 8-11) # النص يقول إن ملكا جديدا قد قام على حكم مصر، وهو أمر طبيعي، وربما يعني موت ~~الملك السابق أسيس الهكسوسي، ومجيء ملك جديد، لكن النص هنا يحمل دلالات أخرى؛ ~~لأنه لو كان الأمر قد سار على الوتيرة المنطقية للأحداث، لكان ضروريا أن يعرف ~~الملك الجديد، الذي نشأ بالبلاط وعاينه وارتقى ms168 فيه المناصب، من هو يوسف ومن هم ~~أهله؟ خاصة أن يوسف كان يشغل أحد أهم المناصب الكبرى في الدولة، لكن النص يقول إن ~~هذا الملك الجديد، لم يكن صاحب علاقة مباشرة بيوسف، أي إنه جاء من خارج البلاط ~~الحاكم المعروف ليوسف حينذاك، ليس هذا فقط، بل جاء وهو يحمل ليوسف وأهله ضغينة ~~شديدة وكراهية عظيمة حتى إنه استعبدهم قصدا نكاية وسخرهم في بناء مدينتين ~~للمخازن: الأولى باسم فيثوم والثانية باسم رعمسيس. # لقد قالت التوراة ذلك قبل اكتشاف حجر رشيد، وفك رموز اللغة الهيروغليفية بقرون ~~بعيدة، لكنا قد أصبحنا نعرف الآن من علوم المصريات مصداقية تلك التسميات؛ لأن فيثوم ~~هي «بر-آتوم» أو بالنطق الملتبس بالسامي «بي-توم» بإسقاط حرف الراء المعترض ~~والثقيل، و«بر» أو «بي» أو «في» تعني المقر أو البيت أو المعبد أو المسكن أو الفم، ~~أو المصب أو أول الطريق أو نهايته، فهي دلالة مكانية على الإطلاق، فهي بهذا المعنى ~~تصبح «مقر آتوم»، وآتوم هو الإله المصري المعلوم الشأن، هكذا أخبرنا أصحاب علم ~~المصريات عن مدينة «فيثوم» أو «بي توم»، أما «رعمسيس» فهي لا شك تلك التي كشف عنها ~~علم المصريات الحديث، في المدونات المصرية التي تذكرها باسم «بر رعمسيس» أو «بي ~~رعمسيس» أو «بي رعمسة»، حذف «ي س» وهو التصريف اليوناني المعلوم للأسماء، و«رع مس ~~يس» هو اسم لسلسلة من الفراعين حكموا مصر، بدءا من الأسرة التاسعة عشرة باسم ~~سلالة الرعامسة، وبإسقاط حرف «ع» بالتخفيف، يصبح الاسم هو «رمسيس» المتداول حتى ~~الآن، كمسمى بين المصريين المسيحيين بالذات، وإن أكد لنا المصرولوجيون أن مدينة ~~رعمسيس يجب أن تنتسب تحديدا للفرعون العظيم المحارب وعاشق المعمار، الذي لم يترك ~~مقاطعة في مصر، إلا وترك فيهما آثارا باسمه والمعروف باسم «رمسيس الثاني»، وهو ~~والد الفرعون مرنبتاح صاحب لوح إسرائيل المشهور، وبسبب ذلك اللوح تم استنتاج أن ~~رمسيس الثاني، كان هو فرعون الاضطهاد الذي سخر الإسرائيليين الأسرى بمصر، في أعماله ~~الإنشائية الكبرى، أما ولده مرنبتاح فكان هو فرعون الخروج الإسرائيلي من مصر زمن ~~النبي ms169 موسى. # لكن إذا كان باني المدينة ومنشئها لأول مرة هو رعمسيس الثاني، فإن ذلك سيتضارب مع ~~رواية التوراة حول استقرار يوسف وإخوته في مدينة رعمسيس، قبل زمن رعمسيس الثاني ~~بزمان، منذ استقر فيها يوسف وإخوته قبل أربعة أجيال من زمن الخروج الموسوي، حسبما ~~تقول التوراة أي قبل زمن رمسيس الثاني ب 430 سنة حسب التوراة المازورية، أو 215 سنة ~~حسب التوراة السبعونية، وهي المشكلة التي واجهت أحمد عثمان فحاول حلها بالقول: إن ~~تسمية المدينة باسم رعمسيس، لا تعود إلى رعمسيس الثاني، إنما إلى رعمسيس آخر، خاصة ~~أن عثمان يرفض النظرية، التي تربط بين الاستعباد الإسرائيلي وبين رمسيس الثاني؛ ~~لذلك يلجأ إلى الضابط رعمسيس الذي أصبح فيما بعد رعمسيس الأول، وكان قد تولى ~~مناصبه زمن العمارنة، ثم حكم بعد سقوط أسرة العمارنة، وبعد انتهاء حكم حور محب مؤسس ~~الأسرة 19، لكنه في رأينا كان حلا شديد التعسف والتكلف؛ لأنه من الصعب تصور ~~مدينة مصرية كبرى، تنسب في نشأتها واسمها إلى ضابط صغير، لم يكن متوقعا ماذا ~~سيكون مستقبله حين نشأتها، ومن ثم نتصور من جانبنا، أن ما حدث هو أن المحرر ~~التوراتي، قد ذكر المدينة بالاسم الذي كان قد استقر، وأصبح مشاعا معلوما زمن ~~تدوينه ذلك النص، وهو ما ذهب إليه باحث رصين مثل فراس السواح، إذ يقول: «في ~~الحقيقة إن أرض رعمسيس ومدينة رعمسيس، مما ورد ذكره في سفر الخروج، مسألة لا يمكن ~~الاعتماد عليها في تحديد زمن الخروج؛ لأن المحرر التوراتي قد استخدم اسم أرض ~~رعمسيس، في الإشارة إلى منطقة الدلتا منذ أيام يوسف، أي قبل بناء مدينة رعمسيس ~~بحوالي خمسمائة عام (أي قبل زمن رمسيس الثاني، بفرض أنه هو باني المدينة [المؤلف])، ~~وهذا يعني أن المحرر التوراتي الذي كان يكتب سفر الخروج في فترة متأخرة من الألف ~~الأول قبل الميلاد، قد استخدم الاسم الذي يعرفه لمنطقة الدلتا، بصرف النظر عن ~~ارتباط هذا الاسم بفترة تاريخية معينة.» # 1 # وبهذا المعنى أجرى «روبنسون» أبحاثه، وانتهى إلى القول: «لعل ذكر بيثوم Pithom ms170 # ورعمسيس، «تفسير متأخر من كتاب القصة»، وأن ~~القصة في صورتها الأصلية لم تسم هذه المدن.» # 2 # وبالفعل فإنك تجد تسمية رعمسيس لموضع سكنى الإسرائيليين بمصر، يبدأ مبكرا جدا ~~وليس متأخرا مع الاضطهاد وظهور موسى، فقد كانت المدينة موجودة زمن يوسف، وزمن ~~الدخول إلى مصر، وإذا كنا من جانبنا نؤكد أنه دخل زمن الهكسوس، فهو ما يعني أنه دخل ~~عاصمة الهكسوس المصرية حواريس، قبل أن يحكم مصر أي فرعون باسم رمسيس، لكن المحرر ~~المتأخر عندما كتب القصة، كتب اسم المدينة المتداول «رعمسيس»، وهو الاسم الذي كان ~~متداولا حتى عهده، وهو ما يعني أن رعمسيس هي ذات عين حواريس الهكسوسية، والنص ~~المقصود هو الذي يقول: # فأسكن يوسف أباه وإخوته، وأعطاهم ملكا في أرض مصر، في أفضل أرض مصر، في ~~أرض رعمسيس، كما أمر فرعون. (تكوين، 47: 11) # هذا عن الترجمة العربية عن النص العبري المازوري، أما النص السبعوني اليوناني، ~~فيورد ذات الكلام مطابقا مع اختلاف وحيد لكنه تأسيسي، في كلمة واحدة هي اسم ~~المدينة، التي سكنها الإسرائيليون في مصر، فبدلا من «رعمسيس» تأتي التسمية ~~اليونانية «هيروبوليس»، والتي تترجم عادة ترجمة اعتباطية بمعنى «مدينة الأبطال»، ~~فهل كانت مدينة حواريس الهكسوسية، هي بالتحديد التي حملت بعد ذلك اسم مدينة رعمسيس، ~~أطلق عليها اليونانيون اسم هيروبوليس؟ أم أن هذه غير تلك غير الثالثة؟ هذا لغز أول ~~حول التسمية، ناهيك بعد ذلك عن تحديد الموضع الجغرافي التدقيقي، وفيه من الفروض ~~والأقوال ما لم يلتق أبدا مع بعضه البعض. # والتوراة تضع مدينة رعمسيس، وجارتها مدينة فيثوم أو بي توم، كمدن رئيسية ضمن ~~مقاطعة كبيرة، تسميها جاسان (أو باللسان العربي: غسان) فتقول: # وسكن إسرائيل في أرض مصر في أرض «جاسان»، وتملكوا فيها وأثمروا وكثروا ~~جدا. (تكوين، 47: 27) # ثم لتزيدنا التوراة التباسا تعطينا اسما آخر للمدينة، التي سكنها الإسرائيليون ~~بمصر هو كما في النصوص: # قدام آبائهم صنع أعجوبة في أرض مصر، بلاد صوعن، شق البحر فعبرهم ونصب ~~المياه كند ... جعل في مصر آياته وعجائبه في بلاد صوعن. (مزامير، 78: 12، 13، ~~43) # ونبدأ بالسؤال الملحاح الذي ms171 لم يجد حتى الآن إجابة قاطعة بين مبعثرات التاريخ ~~القديم وشظاياه: أين تقع المدينة التي اتخذها الهكسوس مركزا عسكريا وإداريا في ~~مصر، وجاءنا ذكرها عند المؤرخ المصري «مانيتون ق 3ق.م.» باسم «حواريس» أو «أواريس»، ~~أو «حواعرة» أو «هوارة» بالنطق المصري، علما أنها كانت تقع في مقاطعة مصرية ~~باسم «سترويت»؟ وهو ما نقله عن «مانيتو» مؤرخو العصر الكلاسيكي أمثال يوسفيوس ويوليوس ~~الأفريقي وغيرهم. # إن البحث عن مقاطعة الإله سيت، التي تمركز فيها الهكسوس «سترويت» في جدول ~~المقاطعات المصرية، التي دونها المصريون القدامى بأنفسهم، وعلى تغير أسمائها عبر ~~الزمن، أمر غير مجد، فقد سعينا وراء تلك الجداول، ولم نجد أي ذكر لمقاطعة باسم ~~«سترويت». # وللحل افترضنا احتمالين: الأول أن تكون جداول المقاطعات المصرية قد ذكرتها باسم ~~آخر، والاحتمال الثاني يرتبط بالأول، إذ يحيل الاسم «سترويت» فورا إلى الإله ~~«سيت»، ومن ثم يحتمل أن يكون «مانيتو» قد نحت لها اسما منسوبا إلى ربها المعبود ~~«سيت»، فأسماها «سيترويت» نسبة إليه، بمعنى المقاطعة «الستية». # وحتى الآن، ورغم ما بذل من جهود، لم يوفق علماء المصريات إلى اتفاق واضح حول ~~موضع «حواريس»، وهو في أصله المصري «حواره»، مع إضافة التصريف الاسمي «يس»، وهو ~~التلوين اليوناني الذي لحق إله المقاطعة «سيت»، فحمل الاسم اليوناني «تيفون»، لما ~~يجع بين الإلهين: المصري واليوناني من صفات الشر والجدب والأفعال الرديئة الحمراء، ~~ويتضح ذلك الدأب اليوناني في إطلاق أسماء يونانية على جميع المدن والآلهة المصرية ~~الأخرى. # وتعتقد جلة محترمة من الباحثين، أن مدينة الهكسوس «حواريس» أو «حاوعرة»، هي ~~ذات المدينة التي عرفت بعد ذلك باسم «تانيس»، إلا أن المشكل يظل قائما إذ لم يتم ~~اتفاق الرأي حول موقع «تانيس» ذاتها؟ ولم يتم الاتفاق حول موضعها بشكل قاطع، وإن ~~كان من المتفق عليه وجوب البحث عنها على حدود الدلتا الشرقية مع سيناء، استنادا ~~إلى كون الإسرائيليين، وهم ساميون، قد عاشوا في تلك المناطق، وربما كانوا على ~~علاقة بالهكسوس، وقد رجحنا أن تكون تانيس هي القابعة تحت تل تنيس شمالي بحيرة ~~المنزلة، وقد ms172 أطلقت التوراة على المدينة التي عاش فيها الإسرائيليون اسم «صوعن» ~~(سفر العدد، 13: 22) ولأن «صوعن» تعتبر عند بعض الباحثين هي ذات عين «تانيس»، فقد ~~انتهوا بالقياس إلى أنها هي ذات «حواعرة/حواريس»، وإن كان هذا التأكيد برمته فيما ~~يرى «جاردنر» # 3 # لم يزل موضع جدل شديد حول مصداقيته، التي لم تزل قائمة على افتراضات ~~وتخمينات، وأنها تتوقف أساسا على اليقين بأن بني إسرائيل عاشوا في «حاوعرة» ~~الهكسوسية، وأن «حاوعرة» هي «تانيس» حقا، وأنها المدينة المعروفة في التاريخ ~~والمذكورة في التوراة باسم «رعمسيس»، ومعنى «حاوعرة» في المصرية القديمة هو المدينة ~~المتطرفة أو الواقعة على الحدود، وأسماها اليونانيون «أفاريس»، الذي حرف إلى ~~«أوراس» و«أواريس» و«هواريس» و«هوارة» و«حواريس»، وعادة ما تسمى بها مدن البدو ~~المتطرفة في مصر حتى اليوم، كما لو كانت بقية من مأثور قديم، فيطلق المصريون على ~~مدن الحواف الصحراوية اسم «الهوارة». # وسبق وأفادنا «مانيتو» أن حواريس كانت «تقع على الضفة الشرقية للفرع النيلي ~~الدلتاوي المعروف باسم البوباسطي»، نسبة لتفرعه من جوار مدينة «بوباسطة» التي تقع ~~على ساحله الغربي، والتي تعرف اليوم باسم «تل بسطة»، وكانت مقرا لتقديس الآلهة ~~القطة «باستت»، (علما بأن هذا الفرع قد ضمر الآن، وحلت محله ترع ومصارف، مثله ~~مثل الكثير من الفروع الكبرى الأخرى للنيل، والتي بلغ عددها أيام هيرودت سبعة فروع ~~كبرى في الدلتا، وحدثنا عنها في تاريخه، ولم يبق منها سوى فرعين رئيسيين هما ~~دمياط ورشيد)، ونفس القول حول وقوع حواريس على الفرع البوباسطي للنيل، يأتي في قصة ~~«أحمس ابن أبانا»، لتؤكده ولا تدع مجالا للشك في ذلك، وهناك تيار قوي بين العلماء ~~كما سبق وأشرنا، يذهب إلى أن مدينة «حواريس» هي بالضبط مدينة «صان الحجر» الحالية، ~~استنادا إلى شواهد أهمها الشاهد الأركيولوجي، المعروف بلوح الأربعمائة سنة، الذي ~~عثر عليه بين مجموعة كبيرة من الأنقاض في صان الحجر، التي تشير إلى مدينة مصرية ~~كبرى، كانت تقوم في هذا المكان. # ويذكر نص اللوح الأربعمائي أميرا باسم «رعمسيس»، يقوم على احتفال كبير سمي ~~الاحتفال الأربعمائي، فتم الربط بين ms173 «رعمسيس» هذا و«رعمسيس الثاني» من ناحية، وبينه ~~وبين اللوح الأربعمائي من ناحية أخرى، وأخيرا بين اللوح الأربعمائي وبين عبادة ~~الإله «ست» في تلك المدينة، حيث معلوم أن «رعمسيس» وفراعنة الأسرة التاسعة عشرة، قد ~~قدسوا «ست» الإله الذي سبق وقدسه الهكسوس في مدينتهم، حتى إن والد الفرعون ~~«رعمسيس الثاني» انتسب باسمه إلى الإله «ست» وتسمى باسم «ستي» أي «الستي»، ومن ثم ~~كان الاستنتاج أن «رعمسيس الثاني» قد أقام مدينة باسمه، في ذلك الموضع الذي كان ~~يعبد فيه «ست»، وأن عبادة «ست» قد تكرست - حسبما جاء باللوح الأربعمائي - في ذلك ~~المكان منذ أربعمائة عام سبقت «رعمسيس»، وعلى تلك الارتباطات تم الافتراض عند ~~جاردنر لمدة حكم الهكسوس لمصر ب 108 سنوات، مع إضافة سني الملوك الذين حكموا مصر ~~بعد الهكسوس حتى زمن «رمسيس الثاني»، لتكمل الأربعمائة سنة، ومسألة داية تكريس ~~«ست»، كإله لمدينة باسم حواريس لدى الهكسوس واردة في تاريخ «مانيتو»، وأكدته «قصة ~~الملك أبوفيس وسقننرع»، وقد برهن المصرولوجست «يونكر» على أن «ست»، كان الإله ~~المحلي لبلدة باسم «سترت # STRT ~~»، وأنها سميت ~~«سيترويت # Sethroite ~~» في العهد الإغريقي، والتي ~~ذكرها «مانيتو» كمقاطعة مصرية سكنها الهكسوس، وأكد «يونكر» أنها لا بد تقع في شمال ~~شرقي الدلتا، # 4 # لكن أين بالتحديد؟ لا يجيبنا «يونكر»، المهم أن علماء المصريات وضعوا ~~استنتاجا يقول: إن مدينة الهكسوس «حواريس»، هي ذاتها التي أعاد «رعمسيس الثاني» ~~بناءها بعد ذلك بأربعمائة سنة، وأنها حملت اسم «رعمسيس»، وبعد ذلك أطلق عليها ~~اليونان اسمها المشهور تانيس، وهي ذاتها التي أطلقت عليها التوراة اسم «صوعن» واسم ~~«رعمسيس»، وقالت: إنها المدينة التي اضطهد الإسرائيليون في بنائها، وهي التي تحمل ~~اليوم اسم «صان الحجر»، # 5 # حيث عثر هناك على اللوح الأربعمائي، الذي يقول فيه «رعمسيس»، عندما كان ~~أميرا وقبل تنصيبه فرعونا: # السنة الأربعمائة من الشهر الرابع في فصل الصيف، في اليوم الرابع من حكم ~~ملك الوجهين البحري والقبلي ست # Sotch ~~(المقصود تكريس عبادة الإله سيت)، عظيم القوة ابن الشمس نبتي المحبوب من رع ~~حور أختي، الذي سيبقى ms174 مخلدا، حضر الأمير الوراثي المشرف على العاصمة، ~~والوزير، والمشرف على البلاد الأجنبية، والمشرف على حصن شارو، ورئيس ~~المازوري، والكاتب الملكي، والمشرف على الخيالة، ومدير عيد كبش منديس، ~~والكاهن الأول للإله ست، والمرتل للإلهة بوتو فاتحة الأرضين، والمشرف على ~~كهنة الإلهة ستير. # لقد حضر الأمير الوراثي رعمسيس المرحوم، الذي وضعته ربة البيت المغنية ~~تيا المرحومة، ليقول: الحمد لك يا ست بن نوت، يا صاحب القوة العظيمة في ~~سفينة الملايين، الذي طرح الثعبان المعادي لرع أرضنا، والذي على رأس سفينة ~~رع، ومن صوته العظيم في الحرب، ليتك تمنحني حياة جميلة، لأجل أن أخدمك، ~~ولأجل أن أبقى في حظوتك. # 6 # ولنلحظ أن ذلك اللوح الأربعمائي، وحتى تدوينه ونصبه في مكانه، لم يكن يتحدث عن ~~«رعمسيس الثاني» بوصفه فرعونا، إنما بوصفه أميرا وارثا يحمل تلك الألقاب ~~العديدة؛ لذلك ذهب الأستاذ «زيته» إلى الظن أن ذلك العيد الأربعمائي قد حدث في عهد ~~الملك «حور محب» حوالي عام 1335-1308ق.م. والذي يفصله عن الملك «رعمسيس الثاني» ~~ملكان هما: «رعمسيس الأول» و«ستي»، وربما كان «رعمسيس الثاني» إبان حكم حور محب ~~أميرا وقائدا عسكريا مهما، قبل أن يتولى سدة الحكم بعد ذلك. # 7 # أما أول ذكر لمدينة «رعمسيس» باسم «بر رعمسيس»، فقد ورد في السنة الثانية لحكم ~~«رعمسيس الثاني» حوالي عام 1300ق.م. في نصب «أبيدوس»، الذي تعرض لأعمال «رعمسيس ~~الثاني»، وإكماله معبد والده «سيتي الأول» في معبد «أوزيريس» بمدينته المقدسة ~~«أبيدوس»، وقد وصف نصب أبيدوس رحلة بحرية قام بها «رعمسيس الثاني»، حتى وصل إلى ~~مدينة «بر رعمسيس»، # 8 # وقد استنتج الباحثون من ذلك ما يؤيد رأي «زيته»، «وهو أن المدينة كانت ~~موجودة وقتذاك، وأنها شيدت في عهد سابق، وأن «رعمسيس الثاني» أضاف إليها ~~وجددها». # ويبدو أن أصحاب هذا الاتجاه الذي يرى أن «رعمسيس الثاني»، قد استكمل تشييد ~~المدينة وأطلق عليها اسمه، وكانت تقوم على أنقاض «حواريس» الهكسوسية القديمة، وأنها ~~هي ذات «تانيس» المذكورة بعد ذلك في المدونات، وأنها ذات المدينة المذكورة باسم ~~«صوعن» في التوراة (انظر: متكررات منها مثلا ms175 ما جاء في الأعداد 12، 13 من المزمور ~~78، في قوله: «قدام آبائهم صنع أعجوبة، في أرض مصر بلاد صوعن، شق البحر، فعبرهم، ~~ونصب المياه كسد.») وأنها جميعا هي ذات «صان الحجر» الحالية، إضافة لما تشير إليه ~~تلك الأسماء من علاقة لسانية، تجيز ذلك الاستنتاج ما بين «صوعن» و«صان». # وعليه فإن وجود المدينة «رعسميس» كما جاء عند «مانيتو»، وأنها كانت مدينة الهكسوس ~~«حواريس»، معلومة صحيحة مائة بالمئة، دعمتها نصوص التحرير المكتشفة، وإن كان ~~مكانها غير محدد باليقين حتى الآن، كذلك المعلومة الثانية حول المعبود الأول ~~للهكسوس «ست» أيضا صادقة مائة بالمائة، وهو ما يضيف باستمرار رصيدا مستمرا ~~لمصداقية «مانيتو» المصري السمنودي. المهم الآن أن حواريس لم يزل مختلفا عليها ~~وعلى موقعها أشد الاختلاف، وإن ذهبت جلة محترمة من علماء المصريات إلى أن «حواريس» ~~هذه، هي ذات المدينة التي حولها رمسيس الثاني فيما بعد إلى مدينة عامرة، وأعاد ~~بناءها حتى كانت أزهى مدن الزمان، وأطلق عليها اسمه «رعمسيس» ... إلا أن ما يحبط أي ~~باحث هنا، أن مدينة «رعمسيس» نفسها، والتي ذكرتها التوراة باعتبارها مدينة الاضطهاد ~~الإسرائيلي في مصر، لم يتم الاتفاق على موقعها حتى اليوم بشكل قاطع، ونعيد اختصار ~~مجمل الاتجاهات التي تتفق جميعا على الذهاب بها إلى شرقي الدلتا، على الحدود ~~السينائية، وتناثرت الاقتراحات على خريطة محافظة الشرقية الحالية أو حدودها الشرقية ~~مع سيناء، فقد ذهب «دي بوا إيميه» العالم المصاحب للحملة الفرنسية، إلى أن مدينة ~~«رعمسيس» كانت تقع قرب مدينة «السبع أبيار» الواقعة على الساحل الغربي لبحيرة ~~التمساح، وموضعها الآن تل المسخوطة قرب مدينة الإسماعيلية، أما «جاردنر» فقد ذهب ~~إلى أنها «بي لوز» أو «بيلوزيوم»، المعروفة الآن بالفرما أو بالوظة إلى الشرق من ~~بورسعيد، لكنه تراجع عن «بي لوز» واقترح مدينة «صان الحجر» الحالية على شاطئ بحيرة ~~المنزلة الجنوبي، وذلك بعد أن ذهبت مجموعة متميزة من المصرولوجيين إلى موضعتها ~~هناك، ومن هؤلاء «يونكر» و«بروجش» و«بيير مونيتيه»، هذا بينما ذهب آخرون إلى وضعها ~~على الخط الواصل بين شرقي الدلتا وبين البحيرات المرة ms176 وبحيرة التمساح، في الوادي ~~المعروف الآن بوادي طميلات، ومن هؤلاء «نافيل» الذي اقترح «صفط الحنة» غرب هذا ~~الوادي موقعا لرعمسيس، دون وضع نظرية أو خط سير واضح، وبعضهم ذهب بها شرقا على ~~ذات الخط، فاقترح «تل رطابة» مثل «بتريي»، وأوغل آخرون شرقا فاقترحوا «تل ~~المسخوطة»، كما عند دي بوا إيميه، أما آخر الاقتراحات وهو السائد الآن، فهو ما جاء ~~بعد كشف أثري كبير قام به «محمود حمزة»، واقترح معه أن تكون رعمسيس هي «قنتير» ~~الحالية إلى الشمال من فاقوس شرقي الدلتا. # والمعنى أننا لو أخذنا بأن «حواريس» هي ذات مدينة «رعمسيس»، فإن علينا الاتفاق ~~على موضع واحدة منهما أولا، وحول الاسم «حواريس» فهو من الأصل «حوارة أو هوارة»، ~~ويفيدنا «جاردنر» بأن معناه الإدارة المدنية للدولة، وإذا أخذنا بالنظرية القائلة ~~إن الهكسوس قد كونوا إمبراطورية، فلنا أن نفترض وجود أكثر من مركز إداري لهم في ~~المنطقة المحيطة بشرقي المتوسط، وهو ما يقود إلى افتراض وجود أكثر من «حوارة»، وهو ~~المفتاح الذي سيدلنا الآن على الموضع، الذي تكرر كثيرا في التوراة باسم «حويلة»، ~~وما نقصده أنه لا خلاف على أن حواريس التي ذكرتها النصوص المصرية القديمة، كانت ~~مركزا للإدارة الهكسوسية في مصر، وأنها كانت على الطرف الشرقي للدلتا، الذي هو ~~الطرف الغربي لسيناء، وإن لم يتمكن الباحثون من تدقيق موضعها هناك. # وكثيرا ما ربطت التوراة بين مدينة في جنوبي فلسطين (حبرون/الخليل)، وبين حواريس ~~المصرية، والتوراة تذكر حواريس باسمين يردان على التبادل، الأول والقديم هو «صوعن»، ~~والثاني الأحدث هو مدينة «رعمسيس»، وتشير في تواتر متعدد في مناطق متفرقة، إلى أن ~~«صوعن» قد بنيت بعد «حبرون» بسبع سنين، يبدو لنا كما سيأتي التفصيل بشأنه فيما ~~بعد، أنها الفارق الزمني بين استيلاء الهكسوس تماما على حبرون/تاريخ احتلالهم ~~مصر، وإقامتهم في صوعن/رعمسيس/حواريس. # الواضح لدينا على المستوى اللساني وحده (الآن)، أن «حويلة» التي تكررت في الكتاب ~~المقدس، أنها بالتبادل بين حرف اللام والراء، باعتبارها حروف سقف حلقية، فإن ~~«حويلة» ستكون «حويرة»، وهي المسمى الذي يلتقي تماما مع ms177 اسم عاصمة الهكسوس ~~«حواريس»، بعد حذف التصريف الاسمي فتصبح «حواره »، وهي التي أطلق عليها المصريون ~~«حواعرة»، وفي المعركة التي قادها أول ملك إسرائيلي، الملك «شاول» ضد العماليق ~~العناقين في شبه جزيرة سيناء، يؤكد لنا الكتاب المقدس نتيجة المعركة بقوله: «وضرب ~~شاول عماليق من حويلة، حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر» (صموئيل أول، 15: 7) وهذه ~~النتيجة تعني أن شاول بضربه مدينة العماليق، امتد تأثير تلك الضربة على العمالقة، ~~بطول المنطقة الممتدة من «حويلة» إلى «شور» التي أمام مصر، وحتى الآن لم يتم تحديد ~~أين تقع «حويلة» التوراتية على الإطلاق، إنما ذهب الجميع إلى تحديد «شور»، بأنها ~~على الساحل الشرقي لبحر الخروج «سوف» مباشرة، حتى تكون أمام مصر للقادم من فلسطين ~~أو سيناء عموما، استنادا إلى مجموعة إحداثيات أعطتها لنا التوراة، حيث يتكرر ذكر ~~«شور» مرات متعددة، وأول الإحداثيات وأوضحها تأتي في أسطورة حدث عبور البحر بالعصا ~~المعجزة، حيث نجد أول موضع ينزل به الإسرائيليون، بعد عبور البحر من الدلتا المصرية ~~إلى سيناء، هو برية باسم شور «ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف، وخرجوا إلى برية ~~شور» (خروج، 15: 22)، مما يعني أنها على الساحل الشرقي مباشرة لهذا البحر، بينما ~~تقع المدن المصرية العامرة غربي هذا البحر، وكله شرق الدلتا، والمواضع المصرية على ~~الساحل الغربي لهذا البحر كان أهمها «صوعن» أو «رعمسيس»، مدينة الفرعون التي يزعم ~~الإسرائيليون أنهم اضطهدوا في بنائها، وعبروا من جوارها البحر في أسطورة العصا ~~الحية، ويبدو أن هناك طريقا كان يبدأ من الموضع شور حتى يصل إلى شرقي سيناء نحو ~~فلسطين، أطلقت عليه العبرية «درك شور»، وجاء في الترجمة العربية «طريق شور، تكوين، ~~16: 17» «ولا زلنا نرتب أوراقنا فمهلا». # الفصل الثاني # | قناة سيزوستريس وهندسة المكان # هناك معلومات مؤكدة أن الفراعنة قد وصلوا النيل بخليج السويس على البحر الأحمر، ~~وينسب المؤرخون اليونان تلك القناة للفرعون الشهير سيزوستريس، المظنون أنه ربما كان ~~رمسيس الثاني، لكن يبدو لي وحسب فروضي، ومما جمعت من الأخبار غير الكاملة التي ~~وصلتنا، أن شأن القناة أقدم من ms178 ذلك بكثير، وأنها ربما تعود إلى زمن ما يسمى بالفترة ~~الوسطى الأولى، الواقعة بين نهاية الأسرة السادسة في الدولة القديمة وبين قيام ~~الأسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى، حيث استغرقت تلك الفترة خمس أسرات كان من ~~بينها أسرة قوية، اتخذت من مدينة إهناسيا بمصر الوسطى عاصمة لها، وقد تلقب ~~ملوكها باللقب «خيتي» أو «أخيتوي»، لنستمع هنا إلى «جون ويلسن» يحدثنا عن أسرة ~~الملوك الإهناسيين، نسبة إلى إهناسيا المعروفة يونانيا باسم «هيرا كوبوليس» ~~فيقول: «لقد كان العدو الذي يخشاه الإهناسيون هم الآسيويين حملة القوس - رغم رنة ~~الاحتقار في حديث الملك الإهناسي - ذلك لأن طبيعة بلادهم القاسية وما يلاقونه فيها ~~من متاعب، تدفعهم إلى السطو على الدلتا، ويصفهم خيتي بقوله: انظر إلى الآسيوي ~~اللعين، إن الأمور سيئة في البلاد التي يعيش فيها، فهم في حزن من أجل المياه، ~~وبلادهم من الصعب الوصول إليها «بسبب كثرة الأشجار، والطرق هناك وعرة بسبب الجبال»، ~~ومن ثم فإن الآسيوي لا يقطن في مكان واحد، وساقاه خلقتا للتجول.» # 1 # ثم ينبه ولده في مجموعة نصوص، عرفت بالعنوان «نصائح خيتي إلى ولده مري كارع»، ~~أن يكون مستعدا لكل الاحتمالات، إزاء هؤلاء الآسيويين الذين يربضون على حدود ~~الدلتا الشرقية، ينتهزون أي فرصة ضعف تبدو هناك، ومن هنا يقول «أحمد فخري» إن خيتي ~~قام ينبه ولده إلى أن يكون مستعدا للبدو دوما، فمن خاف الحرب استعد لها؛ ~~ولذلك يوجه اهتمامه إلى «منطقة البحيرات المرة» لحماية مصر من خطر البدو، وينصحه ~~بتحصين جزء منها، ثم تعمير الجزء الآخر «وإمداده بالماء»، # 2 # ويعود ليؤكد على ولده: «إذا قامت بلادك في الجنوب بثورة، فإن الأجانب ~~في الشمال سيحاربونك؛ فعليك أن تقيم مدنا في الشمال.» بقصد إيجاد مجتمع مصري ~~مدني على الحدود يصد أي اعتداءات. # 3 # ويقول «إبراهيم كامل» إن ملوك إهناسيا الملقبين باللقب أخيتوي أو خيتي «قد قاموا ~~بتحصين الحدود الشرقية، «وإغلاق الوديان الصغيرة، إما بغمرها بالمياه عن طريق تحويل ~~قنوات النيل إليها»، أو بتأسيس المدن المحصنة عليها.» # 4 # وإذا كان ذلك صحيحا، ms179 فإنه يفسر لنا الإشارات القديمة الغامضة، عن وجود قناة ~~النيل-البحر الأحمر زمن الدولة الوسطى بعد زمن إهناسيا وأخيتوي، وتلك ملاحظة ~~«إبراهيم كامل» إذ يقول: «إن البحوث الجيولوجية وما كتبه المؤرخون القدامى من ~~الإغريق والرومان، نقلا عن المصريين أنفسهم، تدل كلها على أن تلك القناة كانت ~~موجودة خلال عصر الدولة الوسطى.» # 5 # كذلك نجد «مانيتو» قد وضع في قائمته للملوك ملكا باسم «سيزوستريس» ~~الذي سميت القناة نسبة إليه في الترتيب رقم 3 لحكام الأسرة الثانية عشرة أول أسر ~~الدولة الوسطى، # 6 # مما يدحض الاتفاق غير المفهوم حول كون سيزوستريس هو رعمسيس الثاني. ~~ويمد «إبراهيم كامل» الخيط على استقامته، «فيرى أن وجود القناة في هذا الزمن ~~القديم، يفسر لنا عودة رحلة حتشبسوت من بونت عبر النيل، من الشمال مباشرة بالسفن ~~التي أقلعت بها من القصير جنوب مصر على البحر الأحمر» ويقول: «يبدو واضحا من واقع ~~دراستنا لمناظر ونصوص رحلة بونت، التي أرسلتها الملكة حتشبسوت إلى تلك البلاد، أن ~~السفن المصرية لدى عودتها من الرحلة، محملة بمحاصيل بلاد بونت، كانت تصل إلى قرب ~~مدينة منف، حيث بدء القناة، ثم تبحر في النيل مصعدة حتى مدينة طيبة، عاصمة البلاد ~~في ذلك الوقت.» # 7 # ويؤكد هذا المعنى، أنه قد تم العثور في تل رطابة بوادي طميلات إلى الغرب من تل ~~المسخوطة، على «أثر يرجع إلى الملك خيتي» من الأسرة الحادية عشرة من الفترة الوسطى ~~الأولى، وهنا يتساءل المؤرخون: «ولكننا لا ندري إن كان هذا الأثر مؤكدا قد نقل إلى ~~البلد، أم أن «تاريخها (أي تاريخ تل رطابة) يرجع لعصر سابق لعصر رعمسيس الثاني»، ~~وإن كان هذا غير مؤكد.» # 8 # وفي أكثر من موضع في كتاب الموتى، نستمع إلى إشارات حول ما يسمى بالبحيرة ~~«المزدوجة» المقدسة في أكثر من موضع، # 9 # وفي اللوحة الرابعة من الفصل السابع عشر، بذات الكتاب نشاهد «كهنة ~~مصريين يقومون بواسطة الحيات بمعجزة فلق بحيرة ما». ~~(انظر شكل رقم # 2-1 ~~.) # شكل 2-1: معجزة شق ماء البحر بالعصا الحية بواسطة كاهنات مصريات. # ربما ms180 تلك البحيرة المزدوجة تحديدا، والتي نعتقد من جانبنا أنها بحيرة التمساح ~~تحديدا، وأن قناة سيزوستريس المشهورة كانت تصب هناك. # للتيقن من هذا الفرض، نبحث فنعثر على خبر من زمن آمنحتب الثالث، آخر يفيدنا علما ~~أن كهنة آمون عندما رفضوا أن تقوم زوجته الملكة تي بجولتها الطقوسية، كملكة أولى ~~رئيسية بالبحيرة المقدسة؛ لأنها غير مصرية الأصل، قرر آمنحتب الثالث الذي توله ~~بزوجته حبا، الاستمرار في سلسلة صداماته مع الكهنة، بإنشاء بحيرة كبرى لهذا ~~الغرض وصلتنا أطوالها؛ فعرضها يصل إلى 1200 قدم أي حوالي ثلاثة كيلومترات، ويصل ~~طولها إلى 6400 قدم أي حوالي ثمانية عشر كيلومترا. # 10 # شكل 2-2: معجزة شق ماء عذب ربه تماسيح نيلية. # وبالبحث في مصر عن بحيرة موجودة الآن تحمل هذه المواصفات، لم نعثر سوى على بحيرة ~~التمساح، وسنرى أن البحيرة بالفعل بحيرة مزدوجة، يصل بين شقيها الشرقي والغربي ~~مضيق ضحل صغير، فلم تزل حدودها الحالية شاهدة على وضعها قبل حفر قنال السويس، ~~ويبدو أن القسم الغربي الأصغر كان البحيرة التي تم حفرها للملكة تي، حيث تأتي ~~أطوالها في النص الملكي بعرض 700 ذراع أي حوالي نصف كيلومتر، وطولها 3700 ذراع أي ~~حوالي ثلاثة كيلومترات، عن طريق وصله بالقناة النيلية بعد أن طمت هذه القناة بعد ~~زمن خيتي، وكانت المنطقة بحكم طبيعتها الجيولوجية المرئية منخفضا طبيعيا، لم ~~يحتج جهدا عظيما لإزالة ما تراكم بينه وبين البحر من سدود ملحية، لتترك مياه ~~النيل تنساب لتملأ منخفض التمساح، وأنه سرعان ما تسربت المياه عبر هذا المضيق إلى ~~المناطق الواطئة إلى الشرق منها، مع فيضانات متتالية لتشكل بحيرة أخرى أطول منها ~~وأعرض، لتظهر لنا بحيرة التمساح بحيرة مزدوجة قولا وفعلا. # شكل 2-3: بحيرة الملكة تي/التمساح. # ويبدو لنا أو ضع بحيرة تي في ذلك المكان، يتفق تماما مع منطق أن تي من تلك ~~المناطق البدوية الشرقية - كما سنثبت ذلك في أبواب لاحقة - فهي حسب بحثنا هذا ~~بشواهد وأدلة غفيرة وكثيفة من أصل مدياني سيناوي، ويدعم ذلك أن النص الخاص ~~بإنشاء البحيرة يقول: ms181 «إن جلالته قد أمر بعمل بحيرة الملكة تي «عند مسقط رأسها» ~~جاروخا # Djarkha ~~»، و«إن جلالته أقام احتفال ~~«هدم السدود» في السادس عشر من الشهر المذكور، ثم أبحر في رعاية الله في مركبه ~~الرسمي آتون المتألق.» # 11 # والقول بهدم السدود يعني أنه قد تم توسيع القناة القديمة والقناة ~~المؤدية لها، وعند الوصول إلى نقطة الالتقاء بينهما أقيم سد يمنع المياه عن السقوط ~~في حفائر البحيرة، انتظارا لحضور جلالة الملك ليفتتحها بنفسه، وأنه قد تم هدم هذا ~~السد يوم افتتاح البحيرة بحضور الفرعون ومليكته العظمى، ونستمع من عبد المنعم أبو ~~بكر للحدث كما دونه المصري القديم يقول: # العام الحادي عشر الشهر الثالث من الفصل الأول، اليوم الأول من حكم الملك ~~آمنحوتب له الحياة وزوجته الكبرى زوجته الكبرى تي لها الحياة. # إن جلالة الملك قد أمر بحفر بركة لزوجته الملكة الكبرى تي في مدينة زارو ~~خع، على أن يكون طولها 3700 ذراع وعرضها 700 ذراع، وقد احتفل الملك بافتتاح ~~البركة في الشهر الثالث من الفصل الأول، وفي اليوم السادس عشر أبحر فوق ~~سطحها على الزورق الملكي بهاء آتون. # 12 # ولدى المؤرخين العرب تختلط الحقائق بالأخيلة، وتختلط الأماكن ببعضها على حد تعقيب ~~جمال حمدان، وهو يحدثنا عن ياقوت في حديثه عن مدينة تنيس، يقول: «إن التي أسستها ~~وسمتها باسمها هي دلوكة ملكة مصر الفرعونية القديمة، بعد حادثة خروج موسى وكانت ~~هي التي «قادت إليها مياه النيل»، بينما كانت منطقة المدينة أرضا صلبة كلها.» # 13 # وقد علمنا أن تنيس كانت داخل بحيرة المنزلة، وبالتالي لم تكن أرضا صلبة ومحيطها ~~كله زراعي لا صحراوي، إنما الأرض الصلبة كانت عند بحيرة التمساح، والمهم في الخبر ~~أنه يتحدث عن «قناة تخص فرعونة»، وهو ما يلتقي مع خبر بحيرة تي، ناهيك عن كون اسم ~~دلوكة لا يلتقي مع اسم تنيس، بينما ياقوت يؤكد أنها دلوكة هي التي أسست المدينة ~~وأسمتها باسمها، لكن علينا أن نلحظ بشدة التطابق الفونيطيقي بين اسم دلوكة أو ~~تاروكا، وبين الاسم الذي أعطانا إياه نص ms182 آمنحتب الثالث لمكان البحيرة «زارو خا»، أو ~~«زارو كا»، أما المدهش حقا أن ياقوت يقول إن مدينة دلوكة أو زاروكة في زمنه كانت ~~تسمى ذات الأخصاص، أي العشش أو الحظائر أو المظلات ، وهو اسم لا تجده إطلاقا في ~~سيرة مدينة تنيس، إنما هو المعنى العبري لكلمة سكوت، المحطة الأخيرة للخارجين من ~~مصر قبل شق البحر؛ لأن سكوت تعني الحظائر أو العشش أو الأخصاص، ثم إننا نعلم أن ~~جميع الحملات العسكرية المصرية، تتحدث عن خروجها من آخر مدينة مصرية نحو سيناء، ~~والشام تقع على الحدود المصرية الشرقية، وجاء اسم هذه المدينة على مختلف القراءات ~~«سيلة، زل، شور، ثارو، زارو، شارو»، والواضح أن الشق الأول من اسم مدينة بحيرة ~~التمساح «زارو-خع»، يلتقي تماما مع اسم «زارو» أو «سيلا» المشهور للقلعة الحدودية ~~الكبرى، منطلق الحملات المصرية على آسيا. # وقد ترك هذا الوادي (وادي طميلات) بمدنه ذكريات عظمى في مخزون الذكريات العربي عن ~~المدائن القديمة الكبرى بالمنطقة، مأثورا يتحدث عن قصور عظيمة عرفها العرب في ~~ترحالهم لقربهم منها، ومعلوم أن وادي طميلات عرف بهذا الاسم حديثا، لكنه كان يعرف ~~قديما باسم وادي «الساتير أو السدير»، والساتير عرفه اليونان باعتباره وحشا ~~إلهيا شريرا، يلقي بنا اسمه مع الإله المصري للشر «سيت»، «فهو وادي سيت وهو ما ~~يمكنه تفسير الاسم سيترويت، كاسم لتلك المقاطعة المتصلة بالبوادي السينائية دون ~~بقية البلاد المصرية»، وقد ذكره باسم السدير معجم البلدان لياقوت الحموي ومعجم محمد رمزي. # 14 # وفي وادي السدير قامت مدائن فيثوم ورعمسيس، وفيها قصر الفرعون الذي عرفه العرب ~~باسم قصر السدير، وتغنوا به شعرا كما جاء عند عدي بن زيد يقول: # وتبين رب «الخورنق» إذ # أشرف يوما وللهدى تفكير # سره حاله وكثرة ما يملك ~~«والبحر معرضا والسدير» # 15 # ولا يحتاج إلى تنبيه ربطه بين «بحر مستعرض»، الذي نراه قناة سيزوستريس (الذي يسير ~~عرضا بين الغرب والشرق، بعكس كل مجاري الدلتا التي تسير من الجنوب إلى الشمال)، ~~وبين الوادي المسمى بالسدير، حيث يجري هذا البحر، أما الخورنق فلا شك ms183 لدينا أنه ~~الكرنك، وقد اشتهرت قصر الكرنك الشتوي وقصر السدير الصيفي لفراعنة مصر، حتى صارا ~~مضرب الأمثال كما في الأبيات القائلة: # ولقد دخلت على الفتا # ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر # فل في الدمقس وفي الحرير # وأحبها وتحبني # ويحب ناقتها بعيري # وإذا شربت فإنني # رب «الخورنق والسدير» # وإذا صحوت فإنني # رب الشويهة والبعير # نعم نحن نقول إن تلك القناة التي كانت بعكس كل فروع الدلتا، تسير عرضا هي ~~المقصودة في شعر عدي بن زيد «بالبحر المعرض»، وسنعلم بعد قليل لماذا اعتبرت ~~«بحرا» رغم أنها قناة. # ومع الاتفاق بين المؤرخين الذين قلما يتفقون على كون المسخوطة هي التي عرفها ~~اليونان باسم هيروبوليس، فإننا - وفق كل ما بيدنا الآن - من معطيات، يمكننا أن ~~نجازف ونقول إن مدينة الهكسوس الكبرى بمصر، والتي حملت اسم حواريس وأواريس وهوارة، ~~قد قامت في تل المسخوطة تحديدا، وأنها هي التي حملت بعد ذلك اسم رعمسيس، فالكلمة ~~بوليس اليونانية تعني مدينة، أما الشق الأول من اسم المدينة وهو «هيرو» أو «إيرو»، ~~ولا تعني «هيرو» الأبطال، إنما هي مدينة الهكسوس «حيرو»، ومع تصريفها اسميا تصبح ~~حيرويس أو حواريس، وبكتابتها يونانيا تصبح حيروبوليس، أو هيروبوليس، ويحدثنا ~~«الدكتور محمد سيد غلاب» بما وصله من معلومات عن مدينة هيروبوليس فيقول: إن هذه ~~المدينة قد «نمت إلى مدينة تجارية في عهد بطلميوس الثاني، كما كانت مدينة دينية ~~إلى جانب مكانتها كمدينة تجارية ومركز دفاعي وميناء نهري وبحري، «فقد كانت منطلق ~~السفن الملكية الحربية» والتجارية نحو البحر الأحمر، «وقد عرفت في عهد الرومان باسم ~~مدينة إيروبوليس # Eropolis # أو إيرو، وكانت مركزا ~~تجاريا وحربيا» شيد على قناة النيل/البحر الأحمر، وقد ظلت قناة النيل/البحر ~~الأحمر هذه مهملة بعد ذلك - الترتيب الزمني للأحداث مرتبك - حتى ولي الملك نيخاو من ~~ملوك الأسرة السادسة والعشرين 609-594ق.م. وحاول إعادة حفر القناة، ولكنه لم يتم ~~مشروعه هذا رغم اهتمامه بقوة مصر البحرية، ثم حفر دارا بن قمبيز الفارسي الذي فتح ~~مصر في القرن الخامس ق.م. ترعة على غرار ترعة ms184 الفراعنة القديمة، وكانت هذه القناة ~~تخترق وادي الطميلات (السدير)، وتتبع مجرى ترعة الإسماعيلية الحالية، وقد أمكن تتبع ~~مجرى هذه القناة، بما وضعه دارا من شواخص حجرية تخليدا لذكرى هذا المشروع، الذي ~~كان يرمي من ورائه إلى تنشيط تجارة مصر مع بلاد فارس عبر البحر الأحمر.» # 16 # ويقول إبراهيم نصحي: «إذا كان من الجائز أن يكون قد سبق دارا إلى حفر قناة وادي ~~الطميلات، «أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة أو حتشبسوت»، فإن النصوص التي تتحدث ~~صراحة عن هذه القناة مدونة على اللوحات الفارسية، ولوحة بطلميوس الثاني، فقد أقام ~~دارا على مجرى القناة ثلاث لوحات في تل المسخوطة وسيرابيوم وكبريته، وأقام «خلفه ~~الفارسي» أجزركسيس لوحة رابعة عند الكوبري شمالي مدينة السويس بستة كيلومترات، وقد ~~لوحظ أن كل لوحة تبعد عن الأخرى بحوالي 25 كيلومترا، وأن المسافة بين تل المسخوطة ~~ومخرج القناة من النيل عند تل بسطة، تبلغ ضعف هذه المسافة؛ ولذلك إما أن تكون قد ~~أقيمت لوحة خامسة (في المنتصف) بمنطقة التل الكبير على الحافة الجنوبية للهضبة ~~الصحراوية، لكن هذه اللوحة لم تكتشف بعد، وإما أن يكون نخاو هو الذي أعاد حفر ~~القناة من تل بسطة حتى تل المسخوطة، ويكون دارا وأجزركسيس قد أعاد حفر الباقي، من ~~تل المسخوطة حتى رأس خليج السويس.» # 17 # شكل 2-4 # شكل 2-5: خريطة بطلميوس لفروع الدلتا حسب تفسير بول، ومن جانبنا نرى أن ~~الفرع العرضي مقصود به قناة سيزوستريس لمخالفتها خط سير بقية ~~الأفرع، وهي البحر المعرض أو المستعرض في الروايات والأشعار ~~العربية. # ويضيف «غلاب» القول: «ويتحدث مؤلف كتاب تاريخ الفرنجة # Histoire des frances # 576م، عن «طريق مائي يصل بين ذراع البحر الأحمر ~~والمستنقعات والبحيرة المرة والتمساح، وقناة تصل هذا كله بالنيل»، فهل معنى هذا أن ~~القناة كانت موجودة حتى القرن السادس الميلادي؟ على كل حال فقد كانت مدينة «إيرو» ~~(يقصد هيروبوليس) موجودة في القرن الرابع، كا لو كانت كليزما (السويس الآن) قائمة ~~أيضا حتى الفتح العربي لمصر، وكان البحر الأحمر معروفا عند العرب باسم القلزم، ms185 ~~وهو تحريف لكليزما اليونانية، ويبدو أن قناة النيل/البحر الأحمر ضؤل شأنها بعد ~~القرن الثاني الميلادي، وكانت تتعرض لسفي الرمال، ولم يكن خليج وادي طميلات، يمتلئ ~~بالماء إلا أوقات الفيضان، ولكن بعض البرك والمستنقعات تخلفت عنها، فكانت تطهر من ~~الرمال حينا وتترك حينا آخر، وقد استطاع العرب بعد فتح مصر مباشرة، الاستدلال على ~~مكانها بسهولة؛ فأعيد حفرها باسم خليج أمير المؤمنين، وتم حفرها عام 34 للهجرة، ولم ~~ينقطع سيل ماء النيل عند البحر الأحمر إلا سنة 150ه/767م، في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور.» # 18 # وهذا يعني «أن القناة قديمة العهد، بدأ ذكرها منذ عهد خيتي في زمن الفترة الأولى، ~~وظل حتى الزمن العربي في عصره العباسي، وأنها قد ربطت بحيرة التمساح بالبحيرات ~~المرة بالخليج العربي (خليج السويس/البحر الأحمر)، دون الاحتياج لعصور جيولوجية ~~ودون مد خليج السويس خارج حدوده (كما افترض دي بوا إيميه) وهو ما ربط البحيرات ~~جميعا بالخليج، لتشكل خطا واحدا هو امتداد للبحر الأحمر، وأصبحت جديرة جميعا ~~باسم «بحر سوف»، الذي تصب فيه مياه النيل قادمة عبر القناة». # ولقد ذهب «دي بوا إيميه» إلى حل لغز مدينة رعمسيس، عندما جعلها المدينة التي ~~عرفها اليونان باسم «هيروبوليس»، ووضعها على رأس الخليج العربي/السويس، الذي أسموه ~~حينا الخليج العربي، وحينا الخليج الهيروبوليتي؛ مما أدى إلى استنتاجه أن ~~«هيروبوليس» تقع عند قمته وأعطته اسمها؛ لذلك مد الخليج وعبر به الحوض جميعه، ليعبر ~~به البحيرات المرة ويصله ببحيرة التمساح، وهناك عند منطقة السبع أبيار (الإسماعيلية ~~الحالية) أو إلى الغرب منها، حيث تقع تل المسخوطة، وضع دي بوا إيميه مدينة رعمسيس، ~~وقد استند دي بوا إيميه في وصلة خليج السويس ببحيرة التمساح عبورا على البحيرات ~~المرة إلى عدة شواهد هامة فعلا، فكما أوردنا سلفا أنه عثر في الحوض الرملي ما ~~بين خليج السويس والبحيرات المرة على طبقات من الملح البحري، تصل في كثافتها إلى ~~درجة أنها أخذت شكل قباب من الملح، وبالحفر في مواضع مختلفة من ذلك الحوض الطويل، ~~كان الماء يوجد دوما على عمق ms186 ما بين أربعة وخمسة أمتار فقط، وله ذات مذاق مياه ~~البحر، وإنك في ارتحالك بطول ذلك الحوض المستطيل، ستصادفك مناطق كثيرة موحلة مع ~~مستنقعات ملحية متناثرة، ناهيك عن كون الحوض نفسه ينخفض عن سطح البحر بحوالي خمسة ~~عشر مترا. وقد عثر «دي بوا إيميه» إبان بحثه الميداني في هذا الحوض على قواقع ~~بحرية ومخلفات لنباتات بحرية، تنتشر على خط طولي يسير على مستوى خط واحد من ~~خليج السويس/العربي إلى البحيرات المرة، ثم من البحيرات المرة إلى بحيرة التمساح، ~~حيث يتوقف هناك. وتأسيسا على هذا أقدم «دي بوا إيميه» على فرضيته، فقام يوصل أو ~~يمد أو يدمج الخليج العربي/الهيربوليتي/السويس بالبحيرات حتى التمساح، حيث احتسبه ~~كان يصل إلى هناك زمن الخروج، لتقع تل المسخوطة هيروبوليس على قمة ضفته الغربية، # 19 # ومع هذا الفرض لا بد من افتراض آخر، هو أن الخليج عند هذه القمة كان ~~فسيحا متسعا، كي يمكنه أن يغطي عرضا ستة عشر كيلومترا كاملة، هي المسافة بين ~~الشاطئ الغربي لبحيرة التمساح وبين تل المسخوطة، إلى الغرب منها «بستة عشر ~~كيلومترا». # ولتأكيد وجهة نظره يذهب دي بوا إيميه في وصلة الخليج ببحيرة التمساح، إلى القصص ~~القديم المتواتر عن قناة كانت تربط النيل بالخليج، وعرفناها باسم قناة سيزوستريس، ~~ويقول إن مدينة القلزم القديمة المظنون أنها السويس القديمة لو كانت كذلك فعلا، أي ~~لو كانت تقع قديما محل السويس الحالية، فكان لا بد أن تمر القناة منطلقة من النيل، ~~لتعبر وادي طميلات الدير إلى بحيرة التمساح، لتخرج منها جنوبا لتعبر البحيرات ~~المرة، حتى تصل رأس الخليج عند السويس الحالية، لتصب في الخليج، لكن ذلك ليس صحيحا ~~بالمرة؛ لأن دي بوا إيميه لم يجد أي أثر لطمي النيل في حوض القلزم جميعه، أو حتى ~~أية بقعة قريبة من بحيراته: التمساح والمرة الكبرى والمرة الصغرى. ولم يسفر البحث ~~عن وجود أي طمي، وكل ما وجده آثار للبحر وليس للنهر، ويستنتج دي بوا إيميه من ذلك ~~أن البحر كان يمتد بخليجه العريض حتى بحيرة التمساح، وأن ms187 القناة القادمة من النيل ~~من الغرب، كانت تصب في بحيرة التمساح، وعليه فقد كانت ميناء القلزم تقع على الشاطئ ~~الغربي لبحيرة التمساح، التي كانت بهذا الشكل هي قمة الخليج، ولم تكن القناة تصب ~~عند السويس الحالية، إنما في بحيرة التمساح، التي هي في رأيه مع البحيرات المرة ~~كانت جزءا من خليج السويس، انفصل عنه بعد ذلك بعوامل جيولوجية. # وقد استشهد «دي بوا إيميه» على مذهبه بوصف «لوبير # Le pepere ~~» لمياه الفيضان، وهي تندفع نحو الشرق قادمة من الدلتا، ~~خارجة بشكل طبيعي من النيل، لتجري بكميات كبرى واندفاع؛ مما يشير إلى انحدار ~~سريع للأرض على خط المجرى، وقد أكد شيوخ البدو في تلك المنطقة (عند السبع أبيار) ~~للمسيو «ديفيليه»، أن الماء كان يستمر في تدفقه حتى يصل إلى موضع يتجمع عنده، ~~أطلق عليه البدو اسما على مسمى، هو «رأس المية» قرب بحيرة التمساح، وهذا يعني أن ~~مياه النيل وقت الفيضان كانت تندفع بشكل تلقائي طبيعي، في منحدر يخترق وادي ~~طميلات/السدير، لتصب في نقطة قرب بحيرة التمساح، وهو الأمر الذي يؤكد أخبار ~~القدماء، عن وجود قناة تربط خليج السويس بالنيل، وربما كانت المسافة من النيل حتى ~~هذه النقطة، التي تقف عندها مياه النيل، هي التي أشار إليها الدكتور غلاب من هنيهة، ~~أن من حفرها هو الفرعون نخاو أو على الأصح هو من أعاد حفره، ثم جاء «دارا» الفارسي ~~واستكمل حفر الجزء الباقي حتى السويس، وبخصوص تلك القناة يقول «هيرودت»: «وأنجب ~~بسماتيك ولدا هو نيخوس (نخاو) الذي حكم مصر، وهو أول من شرع في حفر القناة التي ~~تؤدي إلى بحر أروتري (بحر أروتري هو الإريتري أي الأحمر، وقوله إن أول من حفرها هو ~~نخاو، يعني أن هذا ما وصله وليس بالضرورة صادقا [المؤلف])، والتي حفرها من بعده ~~دارا الفارسي، وطول القناة يساوي مدى إبحار أربعة أيام، وقد حفرت عريضة «حتى إن ~~سفينتين من ذوات الثلاث صفوف من المجاديف، تعبرانها جنبا إلى جنب (لاحظ هذه صفات ~~سفن بحرية ضخمة وليست نيلية [المؤلف])، ويؤتى إليها ms188 بالماء من النيل منصرفا من ~~مكان فوق مدينة بوابسطيس بوبسطة (ضمن مدينة الزقازيق حاليا [المؤلف]) بقليل، ~~بالقرب من المدينة العربية باتوموس»، وتنتهي إلى بحر أروتري، ثم تسير في منحدرات ~~متجهة من الجبل نحو الجنوب، حتى تبلغ الخليج العربي. وقد هلك من المصريين أثناء ~~عملهم فيها في عهد نيخوس مائة وعشرون ألف عامل.» # 20 # وهنا يقف دي بوا إيميه مستندا إلى هيرودت، ليقول إن تلك القناة الكبرى كانت تخرج ~~من جنوب تل بسطة، وهذا يعني خروجها من الفرع المعروف بالفرع البوباستي، القادم من ~~الزقازيق لتصل مباشرة إلى الخليج العربي، الذي يمتد عنده حتى بحيرة التمساح؛ لذلك ~~رفض دي بوا إيميه الطول الذي أعطاه لنا هيرودت للقناة وهو تسعون ميلا؛ لأنه يصل ~~بها للسويس الحالية، ويأخذ برأي بلليني Pelline # الذي قال إن طولها كان 62 ميلا فقط؛ لأن 62 ميلا كانت أقرب للمسافة بين بسطة ~~وبحيرة التمساح. # 21 # المشكلة هنا كما سبق وأشرنا، أن مد الخليج حتى بحيرة التمساح، كما يريد «دي بوا ~~إيميه» إن كان حقيقة، فقد كان أمرا قديما قدم عصره الجيولوجي، ويؤكد لنا رفضنا ~~لاحتساب الخليج كان يمتد بحجمه الهائل هذا حتى التمساح، أن الدراسات الحديثة بعد دي ~~بوا إيميه بزمان، أعادت دراسة حوض القلزم، فوجدت تحت آثار البحر بأعماق أبعد، ~~طبقات طمي نيلي وافرة، لا تشير إلى قناة صناعية كانت تربط النيل بالخليج، إنما ~~إلى فرع نيلي حقيقي قديم، كان يعبر الحوض جميعه ليصب عند السويس الحالية، ~~وفي ذلك يقول جمال حمدان إنه كان ضمن أفرع النيل «فرع ناقص أو متدهور نوعا، كان ~~يخرج قبل الفرع البيلوزي، ويتجه شرقا ليتصل بالبحيرات، ليخترقها جنوبا نحو ~~البحر الأحمر عند كليسما/السويس، ويبدو أن هذا الفرع كان يسير بوضوح في وادي ~~طميلات الحالي.» # 22 # ثم يزيدنا إيضاحا بشأن هذا الفرع النيلي القلزمي، ضمن حديثه عن انقراض ~~فروع الدلتا القديمة، حتى لم يبق منها سوى فرعي دمياط ورشيد، فيقول حمدان: «يبدو ~~أن الانقراض قد بدأ من الشرق، حيث «الفرع الواهي الضعيف الطميلاتي القلزمي»، ms189 وبعده ~~أتى دور البيلوزي أقصاهم شرقا، الذي ذكره الجميع إلا جورج القبرصي، مما يوحي أنه ~~كان قد اختفى قبل القرن السابع الميلادي على الأقل، ويلي بعد هذا غربا التانيسي فالمنديسي.» # 23 # لكن العمق الذي تم فيه العثور على طمي ذلك الفرع القلزمي القديم، يشير إلى أنه ~~كان في عصور قديمة، لكن آثاره هي التي أوعزت للفراعنة بشق القناة على ذات خطه ~~القديم. # هنا تواجه نظرية دي بوا إيميه مشكلة كبرى، تسقطها تماما رغم عبقريتها؛ لأن وجود ~~فرع نيلي قديم، يعني أن حوض القلزم كان كما حوضنا، وليس امتدادا للخليج، وأنه ~~كما هو لأزمان بعيدة، وأن انفصال البحيرات هو أقدم من زمن ذلك الفرع النيلي ~~المنقرض، ويعود إلى حقب موغلة في القدم، بدليل أن النيل هو الذي كان يسير في حوض ~~القلزم وترك آثاره هناك، «ولم يكن الخليج ممتدا حتى التمساح، لكن هنا يبقى اللغز ~~الكبير، فمن أين جاءت آثار البحر المالح، لتترك آثارها في الطبقات العليا الحديثة ~~لحوض القلزم؟» # ثم يأتي هيرودت ليزيد الأمر اضطرابا، بقوله إن في المنطقة مناط الحديث، كان يوجد ~~أقصر طريق بين البحر الأحمر وبين البحر الأبيض، وأن هذا الطريق (موضع قناة السويس ~~حاليا)، هو الحد الفاصل بين البلاد المصرية والبلاد الفلسطينية (كانت سيناء ~~تعد عند المؤرخين اليونان فلسطينية لسكناها بالبدو؛ ولذلك أسموا خليج السويس ~~بالخليج العربي)، فيقول نصا: «وهناك يوجد أقصر طريق وأصغر، للذهاب من البحر ~~الشمالي إلى البحر الجنوبي، وهذا نفسه يسمى بحر أروتري، من جبل كاسيوس والحد الفاصل ~~بين مصر وسوريا.» لكن المثير للبلبلة في كلام هيرودت، وهو يتحدث عن خط جبل كاسيوس ~~(الكسارون الآن عند الفرما) يقول: «إن القناة هناك تصبح أكثر تعرجا؟ وهكذا فالقناة ~~هنا تتجه شمالا نحو الفرما، وليس جنوبا نحو السويس، وهي عند الفرما أو قربها تصبح ~~أكثر تعرجا!». # ولمزيد من الاضطراب بشأن قناة سيزوستريس، ما جاء عند دي بوا إيميه وهو يتحدث عن ~~الفراعنة في آخر عهودهم زمن البطالمة، عندما أراد أحد البطالمة إعادة حفر القناة، ~~بعد أن ms190 عدت عليها الأيام والإهمال وسفي الرمال فطمرتها، فيقول: «بطلميوس حاول ~~إعادة المشروع، لكن مهندسيه أكدوا أن «مستوى سطح البحر الأحمر، يرتفع بمقدار ثلاثة ~~أذرع عن سطح مصر»، فخشى غرق المنطقة، أو أن يتلف ماء البحر مياه النهر، فأمر بإيقاف ~~العمل بعد أن وصل إلى العيون (يقصد البحيرات [المؤلف]) المرة.» # 24 # والآن لنتوقف لنلتقط الأنفاس وسط هذا الرتل المختل، نحاول أن نحدد ما لدينا من ~~معلومات عن قناة سيزوستريس: ~~(1) # أن هناك «قناة عرضية»، كانت تربط فرعا شرقيا لدلتا النيل بخليج ~~السويس، عبورا على البحيرات الواقعة بينهما. لكن من عند البحيرات ~~جنوبا وحتى خليج السويس العربي، ينعدم وجود تلك القناة، لعدم وجود أي ~~أثر حديث لطمي النيل في حوض القلزم جميعه، والأثر القديم للطمي يشير ~~إلى أن النيل كان له في العصور الجيولوجية القديمة، فرع قديم متدهور ~~يسير في حوض القلزم حتى السويس، وهو ما يعني تراجع البحر عن حوض القلزم ~~والبحيرات قبل ذلك بأزمان، ليسمح للنهر وطميه بالتواجد في هذا الحوض، ~~وتبقى مشكلة من أين أتت الآثار الباقية لمياه البحر المالح (الأحدث) ~~بحوض القلزم؟ ~~(2) # زمن الحملة الفرنسية على مصر، لم تكن قناة سيزوستريس موجودة عمليا، ~~لكن زمن الفيضان كانت مياه النيل تجري شرقا بشكل طبيعي تماما ~~مندفعة مخترقة وادي طميلات، حتى تصب عند رأس المية قرب المسخوطة ~~وبحيرة التمساح؛ مما يشير إلى وجود فرع نيلي قديم تجري محله تلك ~~المياه. ~~(3) # أن إشارة هيرودت لاتساع القناة، بحيث تستوعب «عابرتين متجاورتين»، ~~من السفن البحرية ذوات الثلاثة صفوف من المجاديف، تشير إلى أن القناة ~~لم تكن مجرد ترعة صغيرة، إنما جهزت لاستقبال السفن العابرة للبحار؛ ~~مما يتعارض مع القول إنها كانت فرعا ضعيفا واهنا. ~~(4) # أن أحد البطالمة أراد إعادة حفر القناة، فأكد له مهندسوه أن مستوى ~~البحر الأحمر أعلى بمقدار ثلاثة أذرع، وهو ما وجدناه حقيقة إبان ~~ارتحالتنا وراء مواقع الأحداث؛ إذ ينخفض هذا «الحوض حوالي خمسة عشر ~~مترا» عن سطح البحر، وأمر بطلميوس بإيقاف المشروع، بعدما تبين له ~~الخطر عندما وصل بالحفر إلى ms191 البحيرات المرة؛ «مما يشكك في كل ما ~~سبق». # والآن ما قيمة كل تلك المعلومات؟ وماذا لدينا لينتج جديدا بعد النماذج التي ~~طرحناها لعلماء أجلاء، من أجل تحديد موقع مدينتي رعمسيس وفيثوم الواقعتين في ~~مقاطعة جاسان؟ # لقد تأكد لنا من المؤرخين والجغرافيين الكلاسيك، وجود فرعين شرقيين منقرضين ~~للنيل، كان الأول وهو البيلوزي ينطلق من جنوبي تل البسطة أي من الفرع البوباستي، ~~ويتجه نحو الشمال الشرقي ليصب عند بيلوزيوم/الفرما، والثاني ينطلق من موضع ما ~~بالقرب من بسطة بدوره، ليتجه شرقا عبر وادي طميلات، ليلتقي ببحيرة التمساح، ويتصل ~~بعد ذلك بالبحيرات المرة، ثم يهبط إلى رأس خليج السويس، وعرفه المؤرخون الكلاسيك ~~باسم قناة سيزوستريس. وقد وصلتنا خرائط أولية رفعت عليها القناتان كما في خريطة ~~استرابون وخريطة هيرودت (حسب تفسير بول)، في زمن كان فيه النيل لم يزل يحتفظ بسبعة ~~أفرع بالدلتا، وقبل أن تنقرض جميعا وتتحول إلى ترع ومصارف، بحيث لم يبق منها ~~الآن سوى فرعي دمياط ورشيد. # وحتى زمن الحملة الفرنسية، نسمع «لوبير» أحد علماء الحملة، يؤكد أنه حتى زمانه - ~~فقط منذ قرنين من الزمان - كان الفيضان يدفع بكميات هائلة من الماء شرقا، حتى ~~قرب المسخوطة غربي بحيرة التمساح على حدود سيناء الغربية، وذلك يعني أنه مع انقراض ~~فروع الدلتا القديمة، «فإن الماء كان يعرف طريقه الشرقي العتيق حتى زمن الحملة ~~الفرنسية»، ويتفق ذلك مع تقرير عالم الحملة المسيو ديفليه عن رأس المية، عند موضع ~~ألسنة كراش قرب بحيرة التمساح، كمصب للمياه المتدفقة من النيل نحو الشرق. # كما أن ذات الخرائط القديمة تؤكد وجود قناة، تربط بين الفرع البوبسطي وبين خليج ~~السويس، وقال هيرودت حسبما وصله إنها حفرت زمن نخاو، ولكنا ذهبنا إلى أنها حفرت قبل ~~ذلك بزمان، ربما من أيام خيتي في العصر المتوسط الأول، لكن بالتأكيد منذ زمن آمنحتب ~~الثالث وزوجته تي، لكن هيرودت يقول إن بطلميوس لما حاول حفرها من جديد، حذره ~~مهندسوه لانخفاض سطح مصر هناك عن مستوى سطح البحر، ويكون السؤال البدهي: «إذا كانت ~~الأرض هناك منخفضة ms192 عن سطح البحر وهو الثابت فعلا، فكيف أمكن حفر القناة زمن نخاو ~~ومن قبله آمنحتب الثالث، ثم زمن سيزوستريس ومن قبله زمن خيتي أو أخيتوي قبل الدولة ~~الوسطى وقبل الجميع؟» لم نجد حلا سوى افتراض أن قناة سيزوستريس، لم يكن الغرض ~~منها إيصال الماء العذب إلى منطقة القلزم والبحيرات، كهدف أول لمثل هذا العمل، ~~بدليل أنها بالفعل لم تصل بمائها العذب إلى هناك، حيث لم يعثر على طمي النيل في حوض ~~القلزم، وعوضا عنه وجدنا آثارا بحرية، وعليه «لا حل سوى افتراض أن غرض القناة كان ~~غرضا تجاريا عسكريا في المقام الأول»، فلم يشغل الفرعون الماء العذب أو ~~المالح، إنما شغله إقامة الخط التجاري البحري، وخط حماية خندقي بالمياه، هو ما ~~نعتقد أنه المعروف في التاريخ المصري القديم، باسم سور الأمير (الحاكم) الذي يصد ~~الآسيويين. لقد تم حفر القناة ليس لتحمل مياه النيل من عند مصبها عند بحيرة التمساح ~~إلى الخليج، بل العكس هو المقصود، أي «لتحمل مياه البحر الأحمر المنحدرة في ~~القناة»، بعد إزالة الحاجز الرملي الكبير، لتندفع باتجاه البحيرات عبر حوض القلزم، ~~ثم نحو الوادي المنخفض طميلات، حتى تتوقف عند أكثر المناطق موازنة على اليابس مع ~~سطح البحر، وهناك - عند منطقة التوازن - تلتقي المياه الحلوة القادمة من القناة من ~~الغرب، من مخرجها عند الفرع البوبسطي. # ولأن الماء المالح كان لا بد سيختلط بالحلو، ويغلب أحدهما الآخر حسب قوته ~~وتدفقه، فقد لاحظ الدكتور «نصحي» ذلك، وقال لمحة سريعة في جملة واحدة: إن «حوض ~~البحيرات المرة كان بمثابة حوض موازنة، بين المياه القادمة من النيل، وبين المياه ~~القادمة من البحر الأحمر.» # 25 # وإن كان تحديده لمكان الموازنة برأينا غير موفق ولا دقيق. # ولما كان اليابس حسب جميع التقارير أدنى ارتفاعا من سطح البحر، خاصة إذا ما ~~اخترقت القناة أوطأ مناطق الدلتا الشرقية في وادي طميلات العميق؛ لذلك «نفضل افتراض ~~حوض الموازنة في وادي طميلات، أو بالأحرى في نقطة ما شرقيه تقع في مكان ما يحتاج ~~إلى تحديد، عند موضع التقاء ms193 القناة القادمة من الجنوب بماء البحر المالح، مع الفرع ~~النيلي العذب القادم من الغرب؛ لأن الطرف الشرقي من وادي طميلات أكثر انخفاضا من ~~حوض القلزم نفسه، وهو بدوره كان منخفضا عن سطح البحر أصلا». # ومن ثم نرسم تصورا أن فرع القناة الجاري عبر وادي طميلات، كان هو منطقة التوازن ~~بين لحظات مد، تندفع معها المياه المالحة، ثم تعود مع الجزر ليندفع ماء النيل العذب ~~يطاردها مرة أخرى، ويترك لنا آثاره طميا واضحا بطول وادي طميلات، «ويحول سواحل ~~القناة إلى مناطق غنية بأحراش البوص»، حيث توافر الماء العذب مع المالح مع ضحالة ~~قياسا على حال البحر نفسه، ومن هنا نعتقد سبب إطلاق التوراة اسم بحر البوص على ~~البحر الأحمر جميعه، باعتبار هذا الفرع أو تلك القناة كانت تحتسب جزءا من خليج ~~السويس؛ لأنها امتداد صناعي له، وهو ما لمحه «إبراهيم نصحي» إذ يقول: «إن القدماء ~~كانوا يعتبرون البحيرات المرة امتدادا للبحر الأحمر؛ ولهذا فإن بلينوس كان يدعو ~~خليج السويس بأجمعه الخليج الهيروبوليني نسبة إلى هيروبوليس»، # 26 # بينما هيروبوليس كانت تقع في شرقي وادي طميلات غربي الإسماعيلية ~~الحالية وبحيرة التمساح، وليست عند خليج السويس. # إذن، وبهذا المعنى لدينا هنا قناتان وليس قناة واحدة، قناة ماء عذب مخرجها من ~~الفرع البيلوزي، تنحدر بمائها طبيعيا عبر وادي طميلات، حتى تصل إلى نقطة قرب ~~بحيرة التمساح، ربما تكون المسخوطة، وأن اسم التمساح يشير إلى أن هذه القناة كانت ~~تحوي ماء عذبا لا مالحا، فالتماسيح المصرية لا تعيش إلا في الماء العذب النيلي ~~في مصر، وربما جرت تسميتها بهذا الاسم تمييزا لها عن البحيرات المالحة، التي لا ~~تعيش فيها التماسيح، وأطلق عليها اسم البحيرات المرة، فالماء المر عند المصري حتى ~~اليوم يعني الماء المالح، هذا علما أن دي بوا إيميه لم يشر لا من بعيد ولا من ~~قريب، إلى نتائج بحثه عن آثار البحر المالح ما بين البحيرات المرة وبحيرة التمساح؛ ~~مما يعني أن المسافة بين البحيرات المرة وبحيرة التمساح شمالا، كانت تخلو من آثار ~~البحر ms194 التي أشار إلى انتشارها بطول حوض القلزم، وهذا أيضا يعني أن القناة التي ~~تم شقها من عند السويس الحالية، وتم وصلها بالبحيرات المرة، لتنحرف بعدها غربا ~~نحو النقطة، التي يتوقف عندها صعود الماء المالح في منطقة توازن حاملة معها ماء ~~البحر، لم تكمل خطها المستقيم نحو الشمال حيث بحيرة التمساح، وخلو المسافة ما بين ~~بحيرة التمساح والبحيرات المرة من آثار البحر يؤكد ذلك، وهو ما يعني أن القناة قد ~~انحرفت بعد البحيرات المرة غربا، بمياهها المالحة القادمة من الخليج، لتلتقي ~~بالمياه العذبة القادمة من النيل (ويبدو أنه قد تم مد قناة الماء العذب من بحيرة ~~التمساح، لتلتقي بالفرع البيلوزي مرة أخرى قرب شرقي مدينة القنطرة، لتصبح القنطرة ~~غربها وتل أبو سيفا بشرقها، وكان لا بد هناك من إنشاء قناطر للعبور نحو أبو سيفا ~~وسيناء، تركت أثرها في اسم البلدة «القنطرة»، وهي فيما نعتقد تلك القناة الضائعة، ~~التي كانت تعرف تاريخيا باسم قناة الجفار)، ومعنى هذا أن «الفرعون ومهندسيه قد ~~قاموا بحفر القناة من السويس إلى البحيرات المرة، ثم حفروا من غربي البحيرات المرة ~~منحرفين بها نحو الغرب، لتلتقي بفرع الماء النيلي الطبيعي القادم من الزقازيق عند ~~نقطة بعينها، وهي تلك النقطة التي أصبحت مركز التوازن، أو ملتقى البحرين أو مجمع ~~البحرين، وأن عند هذه النقطة أنشأ الفرعون مدينته العبقرية، لتكون ميناء عالميا ~~تلتقي عنده السفن القادمة ببضائع أفريقيا والجنوب الآسيوي عبر البحر الأحمر، عبورا ~~بالقناة المالحة على البحيرات المرة ثم غربا إلى المسخوطة، بالسفن القادمة من عالم ~~البحر المتوسط عبر الفرما، فقناة الجفار حتى التمساح فمدينة الفرعون، التي حملت بعد ~~ذلك اسم رعمسيس، والتي وصفت بأنها بوابة مصر الوحيدة، وهو التعبير الذي يجد صداه في ~~تخريجنا هنا وحده دون غيره؛ إذ تصبح جميع الطرق إلى مصر بهذا الشكل محاطة بخندق ~~مائي عظيم، ولا يبقى سوى منفذ واحد بري، يصل إلى تلك المدينة، هو المسافة ~~المثلثة بين البحيرات المرة وبحيرات التمساح، وأن هذا المنفذ لا بد ينتهي نحو ~~المدينة، التي يلتقي ms195 عندها طرفا الماء في زاوية حادة (حسب ما هو مبين بالشكل رقم # 2-6 ~~)، لتجعل مدينة رعمسيس بوابة مصر الوحيدة». # شكل 2-6: تصورنا لموضع رعمسيس في إقليم جاسان حيث استعبد الإسرائيليون ~~(المسخوطة = رعمسيس). # شكل 2-7: شق تفصيلي. # شكل 2-8: تفصيل أوضح. # وهذا التخريج الذي نسوقه يلتقي بشدة مع خرائط جغرافيي ومؤرخي العصر الكلاسيكي، ~~وخاصة مع أخبار هيرودت وخريطة بطلميوس واسترابون وتفسير بول لخريطة استرابون، الذي ~~يأخذ من الفرع البوبسطي/التانيسي «فرعين»، يتجه أحدهما نحو الشمال الشرقي حتى يصب ~~عند بيلوز/الفرما، ويتجه الآخر نحو البحيرات المرة والتمساح البحر الأحمر. # وهيرودت من جانبه يخرج الفرعين جنوبي تل بسطة/الزقازيق بقليل، ويضع المدينة ~~الثانية من مدن الاضطهاد (فيثوم/بي توم/باتوموس)، عند نقطة مقوسة في انحناءة قناة ~~سيزوستريس من الشرق نحو الجنوب. # وذلك يفسر لنا أيضا التضارب بين هيرودت وبليني، حول طول قناة كان مظنونا أنها ~~واحدة، فقال هيرودت إنها كانت تسعين ميلا، وقال بليني إن طولها كان ستين ميلا، ~~«بينما كان بليني يتحدث عن طول القناة العذبة من الزقازيق إلى المسخوطة، وهيرودت ~~يتحدث عنها بشكل طولي من الفرما إلى السويس، كما هو حال قناة السويس ~~اليوم». # لقد حفر الفرعون أخيتوي ثم آمنحتب الثالث قناته البحرية، وهو يعلم ماذا يفعل ~~بالضبط، لقد كان يعرف جيدا عن انخفاض حوض القلزم، وبعض من سطح وادي طميلات عن سطح ~~البحر، ومع ذلك أمر بإزاحة أكوام الرمال العظيمة من أمام خليج السويس، لينحدر الماء ~~في الحوض المنخفض، حاملا معه الماء المالح دافعا البحر خارج حدوده، ليظل في طريقه ~~حتى يتوقف عن الصعود عند نقطة، يلتقي فيها بالفرع العذب القادم من النيل، ليبني ~~الفرعون في نقطة اللقاء مدينته العبقرية وزهرة مدائن العالم القديم، التي أصبحت ~~بهذا الشكل مركزا وسطيا رئيسيا، بين فرعين يشكلان سورا حاميا لمصر، ثم إنها ~~بذلك أصبحت ميناء فريدا من نوعه في تاريخ الدنيا، فهي بذلك ميناء للبحرين الأبيض ~~والأحمر في عمق الأراضي المصرية داخل اليابس، وليست ميناء على بحر، هي الميناء ~~الوحيد عبر التاريخ كله داخل عمق اليابس، تصلها ms196 السفن القادمة ببضائع الهند ~~وأفريقيا من البحر الأحمر عبر القناة المالحة، وتصلها السفن القادمة من بلاد الشام ~~وتركيا وجزر المتوسط عبر الفرع قناة الجفار، ويشرف الفرعون منها على ممتلكاته في ~~آسيا من أقرب نقطة ممكنة، لتتحول المنطقة إلى منطقة جذب تجاري عظيم وعالمي. وهكذا ~~فقط يكون المستحيل قد أصبح ممكنا! لميناء داخل اليابسة ويستقبل سفن عالم الشمال ~~وعالم الجنوب. # وفي الوقت نفسه تقع المدينة العبقرية عند منطلق الخطوط الرئيسية للمواصلات مع ~~آسيا، فعندها يبدأ الخط المتجه شمالا فشرقا المحاذي للبحر المتوسط، المعروف بطريق ~~حورس الحربي الكبير، ثم طريق متلا وطريق الجدي اللذان يخترقان وسط سيناء نحو الشرق ~~ونحو الجنوب، بينما المنطلق للجميع من عند نقطة انطلاق واحدة لا يوجد غيرها، عند ~~المدينة الميناء، وتصدق قصيدة مدح رعمسيس الكبرى ثم الصغرى، وهي تصف المدينة بأنها ~~تقع على بداية «الطريق الوحيد نحو آسيا، وأنها بمفردها كمدينة حد فاصل بين ~~الأراضي المصرية والأراضي الفلسطينية». # ثم إن الفرعون المصري قد ضمن بذلك سيطرته التامة أيضا على بلاده من الداخل لمنع ~~أي عمليات هروب، فمدينته العبقرية تقع على المجرى النهري الرئيسي، لقد كان الموقع ~~فريدا يليق بمن هندسه. # وحسب هذا التصور، فإن ذلك التخطيط الاستراتيجي العسكري الإداري الفني الفذ، قد ~~حجز مصر تماما عن سيناء بقناة سيزوستريس المتصلة بالخليج العربي (السويس)، بالبحر ~~الأحمر جنوبا وقناة الجفار والفرع البيلوزي المتصلة بالبحر الأبيض المتوسط شمالا، ~~ولم يترك مكانا مفتوحا للقادم من سيناء إلى مصر، سوى تلك المساحة الصغيرة، ولا بد ~~في هذه الحال للداخل إلى مصر من المرور على قلاعها الواقفة بين القناتين عند مدينة ~~رعمسيس، كي يتمكن من دخول مصر، وأصبح الماء حائلا دون الدخول أو الهروب، إلا عبر ~~تلك المساحة الضيقة الواقعة تحت رقابة الجيش الكاملة، والأكثر يسرا في مدينة ~~المدائن وميناء الموانئ اللغز المعجز «رعمسيس». # وأصبحت مساحة وادي طميلات المحصورة بين بحيرة التمساح والبحيرة المرة شرقا، ~~وحتى نقطة التقاء الماءين عند رعمسيس غربا، مساحة خاصة جدا كادت تكون سينائية ~~تماما وخارج مصر؛ لذلك يصبح ms197 مفهوما لماذا أسماها اليونان المقاطعة العربية ~~والفلسطينية لاتصالها المباشر ببوادي سيناء السامية. # وتحكي لنا التوراة حكاية خروج بني إسرائيل من مصر تحت قيادة «موسى»، وتفصل أسماء ~~المواضع بتفصيل يقول: # فارتحل بنو إسرائيل من «رعمسيس» إلى «سكوت» نحو ستمائة ألف ماش من ~~الرجال عدا الأولاد، وصعد معهم لفيف كثير أيضا مع غنم وبقر «ومواش ~~وافرة جدا». وكان لما أطلق فرعون الشعب «أن الله لم يهدهم في طريق أرض ~~الفلسطينيين مع أنها قريبة» لأن الله قال: لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا ~~ويرجعوا إلى مصر، «فأدار الله الشعب في طريق برية بحر سوف»، وارتحلوا من ~~«سكوت» ونزلوا في إيثام في طرف البرية. وكلم الرب موسى قائلا: كلم بني ~~إسرائيل أن «يرجعوا»، وينزلوا أمام «فم الحيروث بين مجدل والبحر أمام بعل ~~صفون»، مقابلة تنزلون عند البحر ... فلما أخبر ملك مصر أن الشعب قد هرب، تغير ~~قلب فرعون وعبيده على الشعب، فقالوا ماذا فعلنا حتى أطلقنا إسرائيل من ~~خدمتنا، فشد مركبته وأخذ قومه معه، وأخذ ستمائة مركبة منتخبة وسائر مركبات ~~مصر، وجنودا مركبية على جميعها، وشدد الرب قلب فرعون ملك مصر، حتى سعى ~~وراء بني إسرائيل، وأدركوهم جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه، وهم ~~«نازلون عند البحر عند فم الحيروث أمام بعل صفون». ومد موسى يده على ~~البحر، فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة ~~وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سور لهم ~~عن يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون، فمد موسى يده على البحر، فرجع ~~البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة، والمصريون هاربون إلى لقائه، فدفع ~~الرب المصريين في وسط البحر. ثم ارتحل موسى بإسرائيل من «بحر سوف، وخرجوا ~~إلى برية شور». (خروج، 12: 37، 38؛ 13: 17، 18، 20؛ 14: 1، 5، 6، 7، 8، 9، ~~21، 22، 23، 27؛ 15: 22) # فماذا لدينا هنا من مواضع جغرافية على خط السير الهلامي هذا؟ # الفرض التأسيسي أن مدينة رعمسيس تقع على حدود الدلتا الشرقية مع البراري ~~السينائية، بين البحر المتوسط شمالا، وخليج السويس أو القلزم أو العربي من البحر ~~الأحمر جنوبا. # والنص يقول إنهم ms198 ارتحلوا من رعمسيس إلى موضع آخر، يحمل اسم سكوت، وأن الموقع ~~سكوت كان أول محطة على طريق يحمل اسم طريق أرض الفلسطينيين، وأن «طريق أرض ~~الفلسطينيين» كان قريبا من الموقع سكوت، أي إنهم اتجهوا نحو بداية طريق معلوم، ~~يعبر سيناء ليفضي إلى أرض فلسطين، وهو طريق حورس الحربي السائر بحذاء شاطئ المتوسط، ~~لكن النص يقول إن الرب بعد أن تركهم يمضون هذه المسافة إلى سكوت نحو الطريق الدولي، ~~خشي من تعرض شعبه لمعركة وحرب؛ مما يعني أن هذا الطريق يقف عليه قوم مسلحون، ~~يمكنهم أن يجعلوا الشعب يندم على خروجه من مصر، أو بالأحرى أن موسى قد شاهد علامات ~~وجود تلك القوة العسكرية الحدودية، فأمر رجاله بالعودة مرة أخرى، وهو ما يفهم من ~~التعبير: «فأدار الله الشعب في طريق بحر سوف.» وكانت تلك العودة نحو صحراء تحمل اسم ~~برية بحر سوف، وهو ما يفيد أن تلك البادية تحمل اسم بحر داخل محيطها الجغرافي، هو ~~بحر سوف، وهكذا عادوا من سكوت أول محطات الطريق الدولي نحو فلسطين، ونزلوا إلى ~~موضع باسم إيثام في هذه البادية (برية بحر سوف)، ومن هناك رجعوا مرة أخرى، ونزلوا ~~في موضع تتعدد إحداثياته الجغرافية، حتى تكاد التوراة تضع له حدوده الأربعة، فالحد ~~الأول الواضح هو البحر، وفي المقابل الآخر للبحر «مجدل» أي القلعة، وعليه فقد كان ~~الإسرائيليون لحظة الخروج بين القلعة والبحر، وأمامهم يقع موضع باسم «بعل صفون»، ~~وهو اسم إله، مما يشير إلى معبد أو تمثال لهذا الإله في ذلك الموضع، أما الموضع ~~الذي نزلوا فيه على بحر سوف، فكان يحمل اسم «فم الحيروث»، التي هي في أصلها العبري ~~بي ه حيروت، ومن بي ه حيروت عبروا البحر المفلوق بالعصا الثعبانية، ليخرجوا إلى ~~صحراء باسم برية شور، تقع إلى الشرق من بحر سوف. # نحن إذن بعد أن حددنا موضع رعمسيس بالمسخوطة حاليا أو الخشبي، ولا زلنا نجمع ~~لها الأدلة، بحاجة إلى تحديد عدد من المواضع الجغرافية هي: ~~«فيثوم»: رفيقة رعمسيس في التوراة، حيث استعبد بنو ms199 إسرائيل في بناء ~~المدينتين. ~~«سكوت»: الواقعة على أول الطريق الدولي وإيثام الموجود في برية بحر ~~سوف. ~~«فم الحيروث»: بين مجدل والبحر أمام بعل صفون. ~~«بحر سوف»: الذي تقع على شاطئه الغربي الإحداثيات السابقة. ~~«برية شور»: على الشاطئ الشرقي من بحر سوف. ~~(1) هندسة المكان # المفترض حسب رواية التوراة، أن تقع مدينة الاضطهاد «رعمسيس» قرب بحر سوف، ~~وعلى جانب هذا البحر من جهة الغرب، وعليه يتم الاستنتاج أن الخارجين خرجوا من ~~رعمسيس، ولم يتجهوا شرقا نحو البحر مباشرة، الذي لا نجد له مقابلا له في تلك ~~المنطقة، سوى بحيرة التمساح، إنما اتجهوا شمالا نحو الطريق الدولي (طريق حورس) ~~الحربي المتجه نحو فلسطين، ونزلوا محطة سكوت، ثم عادوا منها جنوبا مرة أخرى ~~نحو بحيرة التمساح، بعد أن خشوا حربا، ليحدث العبور من مدينة رعمسيس التي ~~خرجوا منها في البداية، وهو ما يعني افتراض وجود رعمسيس قرب بحيرة التمساح، وهو ~~ما سبق وذهب إليه دي بوا إيميه عبقري الحملة الفرنسية الفذ، عندما اعتبر تل ~~المسخوطة هي مدينة رعمسيس، وهو الأمر الذي عثرنا له على كثير من القرائن ~~والشواهد والمؤيدات، فقد عثر ليبسيوس في موقع تل المسخوطة عام 1860م، على ~~تماثيل لرمسيس الثاني مع الإلهين رع وآتوم، كما عثر على آثار سور عظيم يحيط ~~بالبلدة، كما عثر على تماثيل لأبي الهول من الجرانيت الأسود، تحمل اسم رمسيس ~~الثاني، كذلك عثر نافيل هناك عام 1884م على حجرات مخازن مصنوعة من اللبن؛ لذلك ~~ذهب كلاهما إلى موضعة مدينة رعمسيس في موضع المسخوطة/الخشبي الآن بوادي طميلات ~~غربي بحيرة التمساح، # 27 # لكن دون أن يقدم أحدهما أو يكابد ما كابدناه هنا، لقد وضعوها ~~فروضا سريعة في شكل فكرة فلاشية، تنبني على وجود آثار مصرية لرعمسيس الثاني ~~وليس أبعد من ذلك. # وهنا نعثر بعد لأي على واحدة من أخطر الشوارد لكنها الشواهد، المتمثلة في ~~الإله الذي أفصحت عنه آثار المسخوطة، الذي ورد مكتوبا «وع نب هوو»، الذي يعني ~~«الرب الوحيد هوو»، # 28 # وهو ما يصادق على كل ما قلنا حتى ms200 الآن؛ لأن «هوو» ببساطة هو ~~«يهوه»، هذا ناهيك عن دليل قاطع، حيث لا يكتب النصب السبعوني للتوراة اسم ~~مدينة الاضطهاد بالاسم رعمسيس، إنما بالاسم هيروبوليس، والمعلوم أن اسم ~~«هيروبوليس» في العصر اليوناني كان الاسم الذي أطلقه الإغريق على تل المسخوطة ~~الحالية، فقد ذكر استرابون أن هيروبوليس تقع قرب ميناء أرسينوي على خليج العرب، ~~وقد أكد أميلينو في جغرافيته أن هيروبوليس هي المسخوطة. # 29 # لكن يبقى المأخذ على هذا الفرض؛ لأن تل المسخوطة لا تقع على بحيرة التمساح، ~~إذا افترضنا أن بحيرة التمساح هي بحر سوف، إنما تبعد عنها إلى الغرب، بمسافة ~~تصل إلى ستة عشر كيلومترا. # خاصة أننا سبق ورفضنا نظريات، تجعل بحر سوف مجرد بحيرة مثل بحيرة المنزلة ~~عند بروجش، أو بحيرة البلاح عند علي شافعي، أو بحيرة البردويل عند بيير ~~مونتييه، وأصررنا على خليج السويس بالبحر الأحمر، فهل ثمة حل؟ # لقد حللنا ذلك عندما قلنا إن الماء العذب كان يتدفق تلقائيا حتى يصل ~~المسخوطة، وإن ما فعله آمنحتب الثالث، أنه أعاد الحفر من فرع النيل البوباستي، ~~الذي سبقه إليه أخيتوي، للمسافة بين المسخوطة وبين بحيرة التمساح (16كم)، ~~لإقامة بحيرة لمليكته تي، وحفر من جنوب البحيرات المرة إلى خليج السويس، ليأتي ~~بالماء المالح القادم من البحر إلى البحيرات المرة، بإزالة التلال الملحية أمام ~~ماء الخليج ليس أكثر، ليندفع الماء للبحيرات المرة، ومن البحيرات المرة تم حفر ~~مسافة ستة عشر كيلومترا غربا، ليلتقي ماء البحر بماء النيل في نقطة، لتقام ~~هناك مدينة رعمسيس، في موضع بحاجة بالضرورة إلى قناطر للعبور، ولا ننسى لوحة ~~الكرنك، التي رسمت لنا مدينة رعمسيس، في هيئة قناطر تطل على نهر وبحر ~~معا. # ويظل علينا مع كل تلك المجازفات أن نحدد: أين تقع رفيقة رعمسيس التي دونت ~~التوراة اسمها فيثوم؟ # وهنا نقف مع أميلينو الذي اعتمد على خط سير أنطونين الروماني، وقد وضع ~~أنطونين مدينة فيثوم (بي توم أو باتوموس بالنطق اليوناني)، على بعد 24 ميلا ~~غربي هيروبوليس/المسخوطة غربا، ومن ثم استند أميلينو إلى ذلك، وانتهى ms201 إلى أن ~~بي توم هي التل الكبير الآن، فحدد موقع فيثوم بأنه التل الكبير، # 30 # وهو ما نخالفه فيه بشدة، كما سيأتي بيانه. # وفي رسالة الكاتب بينبس لسيده أمنموبي، يقول عن مدينة رعمسيس: # لقد وصلت إلى مدينة بيت رعمسيس. # محبوب آمون ... # لديها مؤن وذخيرة كل يوم. # بركها تزخر بالسمك و«بحيراتها» بالطيور ~~... # وشواطئها محملة بالبلح ~~... # وهي تناطح السماء في «ارتفاعها» ~~... # وفيها سمك وز الأحمر من «قناة» (تلف بالوثيقة) ~~... # وسمك بتن من «بحيرة» (تلف بالوثيقة) ~~... # ويستخرج من «بحيرة حور» النطرون ~~... # وسفنها تروح وتجيء إلى «الميناء» ~~... # إن «مستنقعات» زوف تنبت لها البردي ~~«وسيحور» تمدها باليراع ~~«والبحر» فيه سمك بج وسمك أد. # وإشارة الكاتب بينبس إلى سمك وز الأحمر، من عند مدينة رعمسيس، ~~إشارة لسمك ليس نيليا على الإطلاق؛ لأن النيل في مصر لا يعرف أي لون للأسماك ~~سوى الرمادي، التي تظهر في نادر أنواعه الخضرة القاتمة والصفرة فيما هو أشد ~~ندرة. وعليه لا بد أن يكون سمك وز المستخرج من مياه مدينة رعمسيس سمكا ~~بحريا، والأكثر التقاء معنا إشارة التقرير، أن «هذا السمك الأحمر البحري لا ~~يعيش في بحر، إنما في قناة» فقدنا اسمها بتلف الوثيقة، ومعنى ذلك أنه يتحدث عن ~~سمك يعيش في القناة القادمة بمياه البحر الأحمر، حتى المسخوطة حيث منطقة ~~التوازن، أما «سيحور» فهي الفرع البيلوزي (قناة الجفار) أو «الشيحور» بالتوراة، ~~الذي وصفته التوراة بأنه «الشيحور الذي هو أمام مصر» (يشوع، 13: 2). وعن ماء ~~حور أو سي حور أو الشيحور، حدثنا النبي الإسرائيلي إرميا، وهو يندد بشعبه الذي ~~يلجأ بسوائمه إلى مياه مصر، يناديه قائلا: «والآن مالك وطريق مصر لشرب مياه ~~شيحور» (إرميا، 2: 18). # ولا حل سوى أن تكون بحيرة حور، هي التي نعرفها اليوم باسم بحيرة البلاح، أما ~~مستنقعات زوف التي كانت تمد مدينة رعمسيس بالبردي، فيمكن أن تكون هي بحيرة ~~التمساح. # ثم بهذا التصور الذي طرحناه وحده، تنطبق لوحة الكرنك وتتطابق بالكامل مع ~~الموضع الذي حددناه، حيث وضعت مدينة رعمسيس على ماءين: أحدهما مالح بتصوير ~~الأسماك البحرية، والآخر عذب بتصوير ms202 بيئة نهرية نيلية. # وفي التوراة يتكرر ذكر مدينة مصرية باسم «نو آمون»، كما في سفر «ناحوم، 3: ~~8-10»، وتذكر في مواضع أخرى باسم «آمون نو» كما في «إرميا، 46: 25»، وأحيانا ~~تذكر فقط باسم «نو»، كما في «حزقيال، 30». وقد ذهب الباحثون إلى أن المقصود بها ~~طيبة (الأقصر الحالية)، لورود اسم آمون وهو سيد طيبة ورب الدولة، في اسمها ~~المركب «نو آمون». # لكننا نعلم أن أحد الألقاب المتكررة لرعمسيس - الذي منح المدينة اسمه - الذي ~~عادة ما يلازم اسمه هو «رعمسيس ميامون»، ونظن مدينة «نو آمون» هي «ميامون» ~~لاختلاط النوم بالميم، إشارة لمدينة رعمسيس العبقرية كما حددنا موضعها، ويدعمنا ~~في ذلك المواصفات التي قدمتها التوراة لمدينة «نو آمون» أو كما نظن «ميامون»، ~~حيث تطابق المواصفات التوراتية خريطتنا لرعمسيس تطابقا تاما، انظر معي ~~التوراة تقول مخاطبة أورشليم، تصغيرا إزاء مدينة عظيمة أخرى، تقع في مصر ~~اسمها «نو آمون»: # هل أنت «يا أورشليم» أفضل من نو آمون؟ «الجالسة بين الأنهار، حولها ~~المياه حصن ومن البحر سور لها». (ناحوم، 3: 8-9) # ومثل هذا الوصف إطلاقا لا يطابق «طيبة/الأقصر»، فالبحر ليس سورا لها، فهي ~~بعيدة تماما عن أي بحر بالمطلق، وليس هناك أنهار بل نهر واحد هو شريان النيل ~~القادم من أفريقيا، أما تلك الجالسة «بين الأنهار والبحر سور لها والمياه ~~حصون»، فلا شك لدينا أنها مدينة رعمسيس/المسخوطة، حسب نظريتنا أو ~~جغرافيتنا. # الفصل الثالث # | إحداثيات مواضع الخروج # (1) فيثوم # فيثوم العبرية هي في المصرية القديمة بي - توم، أي مقر الإله آتوم، ورد ذكرها ~~عند المؤرخين الكلاسيك مصرفة اسميا بالاسم باتوموس، وقد وضعها هيرودت على ~~القناة الواصلة بين الفرع البوبسطي للنيل وبين بحيرة التمساح، والتي تمتد حتى ~~الخليج، وأطلق المؤرخون الكلاسيك على مدينة بيتوم «أرابيا» أي المدينة العربية، ~~نسبة إلى غلبة العنصر الآسيوي البدوي على سكانها حتى العصر اليوناني. # ولدينا الآن وثيقتان شديدتا التنافر، كل منهما تعطي تقريرا عن موضع فيثوم ~~بالنسبة لرعمسيس: الأولى هي خط سير الحاجة إيثريا، التي تقول إن المدينة ~~العربية «أرابيا»، تبعد عن رعمسيس مسافة أربعة أميال فقط، ms203 والثانية خط السير ~~الروماني «أنطونين»، ويعطينا مسافة أربعة وعشرين ميلا كاملة، وعليه سنقوم ~~بتحقيق كلتا المسافتين، لنرى إلى أين تلقي بنا تقديراتهما، ونبدأ بخط السير ~~الروماني «أنطونين». # وباعتماد لوحات دارا التي وضعت على مسافات متساوية كل منها 25كم، يمكننا أن ~~نقوم ببعض الحسابات مع أنطونين (وليس مع أميلينو الذي ذهب إلى أن بيتوم حسب ~~أنطونين هي التل الكبير ولا نعلم كيف). # شكل 3-1: لوحات دارا. # إن المسافة إذن بين تل المسخوطة وبين تل بسطة/الزقازيق حاليا خمسون ~~كيلومترا، لو طرحنا منها 24 ميلا أي 37 كيلومترا ستكون المسافة بين الموضع ~~الذي نبحث عنه (فيثوم) وبين تل بسطة/الزقازيق حوالي 13 كيلومترا، ولو بحثنا ~~شرقي الزقازيق على خط وادي طميلات بعد ثلاثة عشر كيلومترا سنجد قريتين ~~متجاورتين يفصل بينهما كيلومتر واحد، إحداهما باسم «سفط الحنة» والأخرى باسم ~~الصوة، وعندما وصلنا إلى ذلك، «ومضينا نبحث وراء سفط الحنة والصوة، كانت ~~النتائج مبهرة حقا». # وخط السير الروماني للإمبراطور أنطونين، إذ يشرح يقول إن المسافة 24 ميلا ~~بين هيروبوليس (رعمسيس/المسخوطة) وبين بي توم، يحدد أكثر فيقول إن نقطة انتهاء ~~ال 24 ميلا، تقع عند «بيتوم أو باتوموس التي تسمى ثو»، # 1 # ذلك الاسم الغريب الذي لم يزل موضع خلاف حاد بين المؤرخين، دون ~~تحديد جغرافي واضح، و«ثو» برأينا تؤدي إلى «ثوم» أو بي توم، وقد أكد سليم ~~حسن أن بلدة «ثو» أو «سو» أو «صو» موضع مجهول تماما حتى الآن، وكل ما نعلمه ~~عنه أنه كان عاصمة لمقاطعة باسم «حقا عنز». # 2 # ولو ترجمنا حقا عنز عن الهيروغليفية فسيكون «حكم السمكة، باعتبار ~~السمكة هي عنز»، وحقا هي الحكم، ولو ترجمناها بافتراض الأثر السامي من البدو، ~~وهي منطقة سامية تسمى العربية، فإن الترجمة ستكون: مقر حكم العنزيين أو الرعاة ~~أو أصحاب العنز، وهو المرجح لدينا وسيتأكد في الأبواب المقبلة، عندما نعلم أن ~~العنزيين هم من الساميين، أما معنى كلمة «صو» نفسها في المصرية القديمة، فهو ~~المكان المحصور أو المضيق، # 3 # وسنرى عندما تكتمل فرضياتنا ونرسم خريطتنا، كم ms204 يصدق اسم «صو» على ~~موقعها الجغرافي. # ثم إن «سو» أو «صو» أو «ثو» تحمل معنى آخر، يلائمنا تماما ويدعم أطروحاتنا؛ ~~لأنها كما تعني المضيق فهي أيضا تعني في المصرية القديمة اسم الإشارة للغائب ~~المذكر «هو»، وهو ما يحيل مبنى ومعنى إلى رب التوراة «يهو»، الذي لا يلفظ ~~اسمه ويكنى عنه باسم الإشارة «هو»، # 4 # وبفعل الكينونة (يكون أو الكائن). # ثم معنى ثالثا يشير إلى ترافق وتجاور وتلاصق بين مدينتين هما «صو» ~~و«بيتوم»؛ لأن كلمة «صو» تعني أيضا «يمشي بقربه»، رفقة، تجاور؛ فهي المجاورة ~~أو الرفيقة، # 5 # ولا يزال المصري حتى اليوم يستخدم كلمة «سوا» تعبيرا عن الرفقة ~~والتلازم. # وقديما جازف جوتييه - فيما يبدو تخمينا - مجازفة نراها صادقة حقا، فقال ~~في قاموسه أن «صو» هو الاسم الديني لمدينة Per ~~Atoum ~~«بر آتوم»، المذكورة في الوثائق المصرية، وأن اسمها ~~المدني كان فيثوم Phithom # المدون بالتوراة، ~~وأن اسمها الرومي هو Patoumos ~~. بعد كل هذا ~~الكلام الجميل، يحدد موضعها عند التل الكبير، ولكن لدينا الآن وبيدنا مع ~~التدقيق قرية «الصوة»، # 6 # الملاصقة لسفط الحنة على مرمى ميل واحد منها، ثم نتذكر أن هناك ~~اسما لمدينة ورد بالتورة هو «صوعن»، لم كن نعلم بالقطع هل كان يطلق على قسم من ~~مدينة رعمسيس، أم على قسم من مدينة فيثوم، والآن لا شك قد أصبحنا نعلم، «فالصوة ~~هي صوعن أما فيثوم فيجب أن تكون سفط الحنة»، ونتذكر هنا نافيل عندما ألقاها ~~إلقاء، وقال إن مدينة رعمسيس هي سفط الحنة، لكن على أية حال لم تكن سفط الحنة ~~هي رعمسيس حسبما وصلنا إليه، إنما سفط الحنة هي ~~بيتوم/فيثوم/باتوموس/أرابيا/المدينة العربية المعروفة عند اليونان باسم فاكوسة ~~(وليس فاقوس الحالية)، وهناك تم العثور على قطعتين من الجرانيت الأسود باسم ~~رعمسيس الثاني، إضافة إلى قطعتين أخريين باسمه من البازلت، أما المدهش فهو أن ~~يحتفظ اللسان المصري حتى الآن بذكريات الماضي، فلم يزل المصرف القائم محل ~~الترعة القديمة من النيل إلى بسطة يحمل اسم مصرف «الفيوم»! ولا علاقة له ~~بالفيوم الحالية، ولا يوجد ms205 في الجوار أي مكان باسم الفيوم، ومن ثم فلا ريب أنه ~~من البقايا اللغوية الحاملة لمدينة «فيثوم». # ويرى جوتييه أن اسم كلمة «سفط» في سفط الحنة، مشتقة من اسم الإله «سوبد» - ~~بقلب الباء فاء - المعروف باسم رب الشرق المصري القديم، # 7 # ويرجح أن اسمها المصري القديم كان «برسوبد»، ويبدو أن هذا التخريج ~~لدى جوتييه وآخرين، قد اعتمد على نقوش وجدت على ناووس في سفط الحنة وضمنها «بيت ~~سب»، رغم أن ترجمة «بيت سب» بأنها «بيت سوبت» فيه تكلف شديد؛ لأن ترجمتها ~~المباشرة كما هي «بيت سب» تعني «بيت الجميزة». هكذا فسروا «سفط» وبقيت «الحنة»! ~~هنا قيل إنه كان للبلدة اسما آخر هو «سختيو حنو» أي حقل الحنا، وهكذا تكون سفط ~~الحنا قد أخذت اسمها من اسمين قديمين، سفط من اسم الإله «سوبد» في كلمة «بيت ~~سب»، والحنا من «حنو» في كلمة «سختيو حنو»! # 8 # وما دمنا غير موافقين على هذا التخريج فماذا لدينا؟ سنعيد كلمة سفط مباشرة ~~إلى «سبيت» أو «سبت»، التي تعني إقليم أو فرع أو مقاطعة، وليس إلى الإله سوبد، ~~مع ملاحظة أن قرى تملأ كل بر مصر الآن، يبدأ اسمها بكلمة سفط، ولا يمكننا بحال ~~أن نتصور أن مئات القرى في عمق مصر، كانت تعبد الإله سوبد رب المشرق إلها ~~رئيسيا لها تأخذ منه اسمها، وهو إله مغمور الشأن بين آلهة مصر، لكن الأرجح أن ~~تكون كل تلك القرى وتحمل اسم سفط شقا في اسمها، بمعنى إقليم كذا، وعليه فاسم ~~سفط الحنة هو إقليم الحنة، لكن الحنة لدينا ليست نبات الحنة أو غيط الحنة ~~أبدا، إنما هي «حنت» الكلمة المصرية القديمة التي تعني: «الفاصلة»، وكانت تطلق ~~على المواضع المفصلية، مثلا كما في مقاطعة شرقي النيل/حلوان الآن، كان اسمها ~~حنت أي الفاصلة بين القطرين القبلي والبحري، # 9 # وجاء ذكرها في قائمة سنوسرت بهذا المعنى، # 10 # وعليه يصبح أصل «سفط الحنة هو سبت حنت أي المقاطعة الفاصلة»، وهو ~~ما يصادق تماما على موقعها كما نرى على خريطتنا. # ويصادق على ms206 كلامنا هنا أن ستي الأول، عندما قام بحملته على الشاسو (بدو ~~سيناء)، بدأها من المدينة الواقعة على «القناة الفاصلة» # 11 ~~، وهي القناة الفاصلة التي عرفناها باسم قناة سيزوستريس، التي كانت ~~ذلك الزمان تبدأ من جنوبي تل بسطة، على هيئة كوع ينحني خارجا شرقا من الفرع ~~البوبسطي، ثم تضرب شرقا مخترقة وادي طميلات حتى تصل بحيرة التمساح. # وتتدافع الدلائل بين أيدينا عندما يطالعنا معجم البلدان، بأن سفط الحنة قرية ~~في جوف مصر قرب بلبيس، ويفيدنا المشترك لياقوت بأنها هي سفط «ترابية أو طرابية ~~أو طرابيته»، # 12 # وهكذا يمسي أمر سفط الحنة شديد الوضوح. لقد أطلق اليونان على مدينة ~~فيثوم القديمة (باتوموس) اسم «أرابيا/العربية»، وأضاف لها اللسان المصري كلمة ~~«أرض» المصرية «ت/طأ»، فأصبحت «طأ/أرابيا» هي ترابية أو طرابية في معاجم ~~البلدان العربية، أما اسم «فاكوسة» فلا شك أنه كان اسم المقاطعة، وكانت ~~المقاطعة التي عاش الإسرائيليون في مدنها باسم جاسان، ولو أضفنا إليها «بي» أي ~~«موضع أو بيت» كالعادة المصرية، فستصبح بي جاسان أو بالأحرى فاقوسان أو ~~فاكوسة. # شكل 3-2: قطاع أوضح لموضع الأحداث حسب رؤيتنا وتخريجنا. # هذا ما كان عن مطابقتنا لخط السير الروماني (أنطونين)، 24 ميلا بين ~~هيروبوليس/المسخوطة وبين باتوموس/فيثوم، وأدى بنا إلى «الصوة وسفط الحنة كموقع ~~لفيثوم»، أما لو أخذنا بما جاء عند الحاجة إيثيريا، بأن المسافة بين رعمسيس ~~وأرابيا فيثوم أربعة أميال فقط، وإذ كنا قد سلمنا بأن رعمسيس هي المسخوطة فإن ~~على مسافة # أميال، إلى الغرب منها تقع تل رطابة بكل آثارها الفنية ~~بدورها بالمخازن والتماثيل الرعمسية، ناهيك عن كون «تل رطابة» يمكن أن يكون ~~تحريفا لسانيا للاسم «طرابيته»، الذي أطلقه العرب على أرابيا فيثوم، لكنا ~~نميل بشدة إلى خط سير أنطونين، كإمبراطور يحوز الثقة بما لديه من جهاز هندسي ~~عسكري متكامل، وربما سقط من مدون إيثريا رقم المدونات اليونانية التي تشير ~~إلى الرقم «2» اللاحق برقم «24 ميلا»، فأدى إلى فوضى هائلة في تحديد موقع ~~المدينة العربية، وإذا أردنا الفرض الذي يذهب إلى تل رطابة، فالمسافة بين ms207 ~~المسخوطة ورطابة، تزيد عن أربعة أميال بقليل، وفي هذه الحالة ربما كان رقم ~~أنطونين الأصلي «4»، وأضيفت إليه «2» بالخطأ، أو لوجود حرف لغوي يليه فسر على ~~أنه «2» فأصبحت «24»، هذا إذا احتسبنا فيثوم هي رطابة الحالية. # وبهذا التصور نكون قد احتسبنا أن مدينة بيثوم التوراتية هي باتوموس عند ~~هيرودت، ويدعم ذلك قوله العابر: «ويوجد في «بلاد العرب» مكان يقع باتجاه مدينة ~~«بوتو»، وقد ذهبت إلى هذا المكان أثناء بحثي عن الحيات ذات الأجنحة.» # 13 # ولأن علم المصريات لا يعرف سوى مدينة مصرية واحدة باسم بوتو، تقع ~~شرقي فرع رشيد الحالي عند مدينة سايس غربي الدلتا، بعيدا عن موقعنا هنا شرقي ~~الدلتا، فقد عقب «أحمد بدوي» على قول «هيرودت»: «الغالب أن بوتو هنا مدينة ~~أخرى، ربما كان مكانها بالقرب من البحيرات المرة.» # 14 # والتي يجب أن تكون في هذه الحال هي بي ثوم أو فيثوم. # وإذا صدقت تصوراتنا جميعا أو بعضها، مع خرائطنا التي خرجناها، والخرائط التي ~~وصلتنا عن القدماء، فلا بد أن منطقة محيط الزقازيق الحالية ووادي طليمات ~~بمدائنه الرائدة فيثوم ورعمسيس، قد تحولت تقريبا إلى جزيرة بين فرعي المياه، ~~وهي الرواية التي يصادق عليها خبر من هيرودت، يقول عن تل بسطة: «ويقع نطاق ~~معبدها المقدس هكذا كله «ما عدا المدخل»: عبارة عن «جزيرة» إذ تمتد «قناتان»، ~~لا تتصلان ببعضهما، إذ تصل كل منهما إلى مدخل المعبد، ثم تندفع إحداهما حوله ~~من جانب، والثانية من جانب آخر، ويبلغ عرض كل من القناتين ثلاثين مترا.» # 15 # شكل 3-3: خروج بني إسرائيل من مصر حسب نظريتنا. # وقد لفت نظرنا مأثور كان معلوما لدى تجار عرب الحجاز عشية الإسلام، وكانوا ~~قد أصبحوا تجار العالم في القرن السادس الميلادي، وورثوا البتراء بكل صنوف ~~تجارتها العالمية، وتاجروا مع مصر وعرفوا مدينتها العبقرية، وعايشوا ~~الإسرائيليين وعرفوا مأثورهم عن مدينة الاضطهاد المصرية، وسار بينهم حديث عن ~~بحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان، أي لا يبغي أحدهما أو يطغى على الآخر، ~~وأن أحدهما ماء مالح والآخر ماء عذب، ليسجل القرآن ms208 الكريم ذلك المأثور العربي ~~بقوله: # مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان ~~. ~~(الرحمن: 29-30) # وفي موضع آخر يصف ذات المكان بإشارته لفعل إلهي معجز ~~عبقري بقوله: # وهو الذي مرج البحرين هذا ~~عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما ~~برزخا وحجرا محجورا ~~. (الفرقان: 53) # وقد ذهب المفسرون في تفسير هذه الآيات مذاهب شتى، فمنهم من قال إن البحرين ~~هما خليج السويس وخليج العقبة، أما البرزخ فهو مثلث شبه جزيرة سيناء، لكن ذلك ~~التفسير لا يطابق القول بلونين متمايزين من الماء. ومنهم من قال إن البرزخ هو ~~مصب نهري دجلة والفرات، وهما المقصودان بالبحرين، حيث يسير الماء العذب في ~~البحر مسافة، يمكن شرب الماء العذب منها داخل البحر، وقد استند هؤلاء لكلمة ~~فرات، رغم أنها في اللغة تعني الماء العذب على إطلاقه، ولا تخص نهر الفرات ~~العراقي بالتخصيص وبالذات. # أما نحن فنعتقد أننا قد عثرنا على الموقع الصحيح لبحرين متمايزين بينهما ~~برزخ، «وقد اقترب من موقعنا ابن الكندي فيما وصله من مأثور، والذي قال عن مدينة ~~الفرما/بيلوز: «وبها مجمع البحرين وهو البرزخ الذي ذكره الله عز وجل، فقال: مرج ~~البحرين يلتقيان.» # 16 # كذلك كان ابن إياس يعلم أن البحرين المتمايزين عذبا وملحا ~~يصلان البحر الأحمر، أو كما كان يعرف زمنه ببحر الصين، والبحر الأبيض الذي كان ~~يعرف باسم بحر الروم»، استمع إليه يقول في الجزء الأول من كتاب النجوم الزاهرة ~~وكلماته الباهرة، التي تؤكد كل ما قلنا: # إن مجمع البحرين يقع في مصر في «منطقة وسطى»، بين بحر الروم (البحر ~~الأبيض [المؤلف]) وبحر الصين (البحر الأحمر [المؤلف])، والحاجز بينهما ~~مسيرة «ليلة واحدة». # 17 # ومن جانبه احتفظ المأثور الإسلامي بذكريات، تربط بين ملتقى البحرين عند ~~مدينة رعمسيس، وبين النبي موسى الذي ذهب إلى موضع ملتقى البحرين، ولا نعرف ~~لموسى أية علاقة بالعراق والفرات، لكن علاقته بمصر هي الفصل، ليلتقي هناك بالحي ~~الغائب المعروف باسم الخضر عند مجمع البحرين. # ثم يجب فهم ما ورد متكررا بالنصوص المصرية في أزمنة مختلفة عن «سور الأمير ~~أو سور الحاكم ms209 الذي يصد الآسيويين» في ضوء ما طرحناه، فهو لم يكن سورا حجريا ~~بطول المسافة بين البحر الأبيض والبحر الأحمر، إنما كان فقط مجموعة قلاع بين ~~بحيرة التمساح وبحيرة البلاح، بينما شكلت القناتان عائقا مائيا ضد أي محاولة ~~دخول، وكان يكفي نثر بعض القلاع، وهنا وهناك للمراقبة، كي تكون حدود مصر آمنة ~~بما يكفي؛ ومن ثم كان لا بد على الداخل إلى مصر، أن ينتهي اضطراريا إلى مدينة ~~رعمسيس أولا، حيث الطريق الوحيد الفاصل بين كل أرض مصرية وكل أرض ~~فلسطينية. # أما عند الفاصل البري بين بحيرة التمساح والبحيرات المرة، فلا بد أنه قد ~~تواجد أكبر معقل عسكري مصري. # ونلتفت هنا بعناية إلى الخبر الذي وردنا من زمن الفرعون مرنبتاح، عن قلعة ~~باسم «ختم سكوت»، وورد في معجم جوتييه ذكر لقلعة كبرى، حملت في زمانه اسم ~~قمور # Kemour ~~، كانت تقع شرقي القصاصين، أي ~~ملاصقة لمكان المسخوطة الآن، التي تقع على بعد 3كم من القصاصين، ولدينا تسجيل ~~كامل لخط رحلة عسكرية، تلك التي قام بها سيتي الأول، لتأديب حلف القبائل ~~السينائية المتمردة؛ ولأننا سنستقي خطوات سير الحملة من جاردنر، فسنهمل ~~تفسيراته ونستبقي الأصل. يقول النقش إن سيتي خرج بحملته، من عند موقع تم تصويره ~~محصنا، له ضفتان/قنطرتان على قناتين، اسمه «الفاصلة» (لأنه يفصل مصر عن ~~الصحراء)، ويتألف هذا الموقع من مبان في الشمال والجنوب، وله «بابان أحدهما في ~~الشرق وآخر في الغرب»، ويؤدي الباب الشرقي إلى قنطرة فوق قناة. # وكان أول محط نزل به ستي للاستراحة، عند قلعة مستطيلة تقع على بركة مستطيلة ~~الشكل، والاستطالة من الشمال إلى الجنوب، وهي في رأينا قلعة ~~المسخوطة/هيروبوليس، أما البحيرة التي تجاورها في اللوحة فهي بحيرة التمساح ~~المستطيلة من الشمال إلى الجنوب، وقد دون النص اسم تلك القلعة «عرين الأسد» ~~كناية عن الفرعون. # ثم بعد ذلك وعلى الترتيب مع المسير شرقا، نجد قلعة أخرى تقع على ذات ~~البحيرة، التي تقع عليها قلعة عرين الأسد، أي حسب تفسيرنا على بحيرة التمساح، ~~أي إنها تجاور المسخوطة، وهو ما ms210 يعني في رأينا وقوعها إلى الشرق من المسخوطة ~~مباشرة، وحملت هذه القلعة في النقش اسم «مجدل ماعت» أي قلعة العدل. # 18 # ويدعم ذلك التفسير أن رعمسيس الأول، كان يحمل وهو وزير في عهد الفرعون حور ~~محب، عدة ألقاب تحيل إلى الموضع الذي نقف عنده الآن، فهو: # حارس الحدود الشرقية ومقره قلعة «ثارو». # رئيس «قلعة مصبات النيل». # رسول الملك إلى البلاد الأجنبية. # المشرف على «قلعة العدل». # 19 # وللمزيد نقرأ في أدب الدولة الوسطى؛ لنقف مع القصة الشهيرة باسم «سنوحي»، ~~ويتحدث فيها بطلها «سنوحي» عن هربه من مصر، إثر مؤامرة دبرت في القصر، بقصد ~~اغتيال الملك «أمنمحات الأول»، الذي نجا من المؤامرة، فقرر سنوحي الهرب فورا ~~خارج البلاد؛ مما يشير إلى أنه ربما كان متواطئا. يقول سنوحي: # ثم أسلمت الطريق إلى قدمي متجها نحو الشمال، ووصلت أخيرا إلى جدار ~~الأمير (الحاكم)، الذي كان قد أقيم لصد الآسيويين والقضاء على سكان ~~الصحراء، وقد خبأت نفسي في خميلة، خوفا من أن يراني الحارس، الذي كان ~~رابضا فوق الجدار ليل نهار. # 20 # فهل لم يجد سنوحي للهرب سوى مكان تقف عليه الحراسة؟ وأمامه كل بوادي سيناء ~~المفتوحة على الدلتا الشرقية؟ نظريتنا وما طرحناه يجيب على السؤال؛ لأنه لم يكن ~~هناك سوى طريق واحد ومدينة واحدة يمكن الخروج منها. وتقول القصيدة الكبرى في ~~مدح رعمسيس: «وجميع الممالك تسعى إليك على الطريق الوحيد.» ~~«وهنا أقول لأهل الأركيولوجيا وعلوم المصريات، احفروا المسخوطة وستجدون هناك ~~بقية آثار مدينة رعمسيس كاملة، وتحت رعمسيس ستجدون مدينة الهكسوس «حواريس»، ~~واحفروا الصوة وسفط الحنة أو تل رطابة، وستجدون هناك مدينة «فيثوم»، أو هكذا ~~أرجو حسبما وصلت إليه نتائج هذا البحث، القائم على النظر العقلي في وثائق ~~التاريخ، وفق منطق رياضي بحت، وتكون جهودكم مشكورة». ~~(2) سكوت # هي أول محطة للخارجين من مدينة رعمسيس، وتقع على بداية الطريق الدولي المذكور ~~في التوراة، باسم طريق أرض الفلسطينيين، ونحن نعلم من الوثائق المصرية أن ~~الطريق الدولي الحربي الكبير إلى فلسطين، كان يعرف باسم طريق حورس الكبير، وكان ms211 ~~يبدأ من عند مدينة محصنة بالقلاع الضخمة، كانت تعرف باسم زارو أو ثاروا أو ~~سيلا أو شور، وقد تم تحديد سيلا إلى الشرق من مدينة القنطرة الحالية بثلاثة ~~كيلومترات، عند موضع يعرف الآن باسم تل أبو سيفا أو أبو صيفا، # 21 # فإذا افترضنا أن هذا الطريق هو ذات الطريق، الذي قرر الخارجون ~~اتخاذه في البداية للاتجاه نحو فلسطين، فلا بد في هذه الحالة أن تكون القنطرة ~~غربي أبو صيفا مباشرة، هي التي أشارت إليها التوراة بالاسم سكوت، وهو خط السير ~~المنطقي نحو فلسطين، لكن عند وصولهم واكتشافهم حجم وضخامة الاستعدادات ~~العسكرية، على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشرق من قلعة سيلة، قرروا العودة مرة ~~أخرى جنوبا باتجاه ما أسمته التوراة بحر سوف، وفي هذه الحالة سيكونون باتجاه ~~بحيرة التمساح، أو على التدقيق مقابل الخانق اليابس الممتد بطولها، وأنهم نزلوا ~~بعد عودتهم من سكوت جنوبا في موضع يدعى إيثام. وفي النصوص المصرية نقرأ عن ~~قلعة زمن الفرعون مرنبتاح، تحمل اسم «ختم سكوت»، وأنها تقع قرب بحيرة تحمل اسم ~~«بي توم مرنبتاح»، وأن في محيطها تقع مدينة اسمها «أتوما»، حيث يسكن البدو، # 22 # التي أرى أنها هي إيثام الواردة بالتوراة. # وقد وردت بالقوائم المصرية مدينة، تحمل اسما يطابق الاسم التوراتي سكوت، ~~بالصياغة تيكوت وتكو، بحسبانها مدينة لمقاطعة من مقاطعات الوجه البحري، وورد ~~ذكرها في بردية أنستاسي من الأسرة 19 «بحسبانها تقع على الحدود، ويسكنها أقوام ~~من الأجانب». # 23 # وفي تل المسخوطة الواقع في وادي طميلات غربي بحيرة التمساح، تم العثور على ~~لوحة لبطلميوس الثاني، محفوظة الآن بالمتحف المصري عليها النص التالي: ~~... وفي الشهر الثالث من العام السادس من حكم جلالته (أي حوالي ~~280ق.م.) «حفروا قناة» لإدخال السرور على قلب أبيهم آتوم الإله العظيم، ~~«والإله الحي سكوت»، وبقصد إحضار إلهة مديرية خنت يابت. # 24 # ويلتقي هنا اسم الإله سكوت بالموضع سكوت، والنص يفيد بوقوع معبد الإله سكوت ~~في مديرية خنت يابت، وبالبحث نجد ما يؤيد وضعنا لسكوت التوراتية عند القنطرة ~~غربي قلعة سيلا/أبو صيفا، ms212 إذ نعلم أن عاصمة مقاطعة خنت يابت هذه، كانت هي قلعة ~~سيلا ذاتها. # 25 # وقد أوضح العالم روجيه من جانبه أن ثارو/سيلا كانت عاصمة لمقاطعة ~~خنت يابت، وأنها كانت من أكبر القلاع التي تحمي المدخل الشرقي الرئيسي لمصر. # 26 # كما وجدنا عند جوتييه أن سكوت (بالعبرية سوخيت وتعني مظلات أو عشش)، هي ~~بالمصرية تيكو أو تكوت، وأن لها في المصرية القديمة معنيين: الأول هو مدينة ~~الحقل، أما الثاني وهو ما يطابق حال المدينة حسب رؤيتنا ؛ لأنه يعني «باب الشرق». # 27 ~~(3) فم الحيروت # لحل تلك الإشكاليات جميعا حلا سهلا، ولاحتمالات سكنى الإسرائيليين بمصر ~~في أقصى الشمال، عند صان الحجر أو قنتير، واحتمالات أخرى بسكنهم في وادي ~~طميلات، والاحتمالان يستتبعان الخروج عبر طريق حورس الحربي المنطلق من صان ~~الحجر، محاذيا للبحر المتوسط، أو الخروج عبر وادي طميلات إلى ممر متلا أو ممر ~~الجدي الممتدين إلى وسط سيناء، فقد تم طرح حل سريع وسهل، أصبح اليوم كما لو ~~كان ليس له بديل، يقول بدفعتين للخروج، أي إن الإسرائيليين خرجوا على مرتين: ~~الأولى من صان الحجر أو ربما قنتير، والدفعة الثانية من وادي طميلات عند ~~المسخوطة، لكن نظريتنا لم تبق مساحة للطروحات المجازفة المستسهلة، ~~فالإسرائيليون حسب خريطتنا قد خرجوا من فيثوم/الصوة/سفط الحنة، ليمروا بعد ذلك ~~على رعمسيس (المسخوطة/الآن: الخشبي)، ليأخذوا بقيتهم من هناك نحو الشمال إلى ~~القنطرة غرب «سكوت»، لينيخوا هناك يتدبرون أمرهم، فيقررون التوجه نحو بداية خط ~~الطرق الدولية المؤدية إلى فلسطين، لكن ليكتشف الخارجون أن قلاع مصر في ~~سيلة/شور (القنطرة شرق)، كانت قد أخذت عدتها كاملة، وتحاشيا للحرب حسب نص ~~التوراة: # إن الله لم يهدهم في «طريق أرض الفلسطينيين» مع أنها قريبة؛ لأن الله ~~قال: لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا ويرجعوا إلى مصر، فأدارهم الله في ~~طريق برية بحر سوف. (خروج، 13: 17، 18) # وإذا أخذنا باحتمالات الطرد، وأنهم لم يخرجوا عنوة وعتوا، رغم إرادة ~~المصريين كما تحب التوراة أن تصور الحدث لإبراز قدرات يهوه، إنما خرجوا مطرودين ~~حسبما فلتت منها الحقائق في مواضع ms213 أخرى، فقد عادوا وهبطوا جنوبا نحو بحيرة ~~التمساح، يتسللون تسلل الهاربين من المنطقة المعتادة، لفرار العبيد والآبقين ~~والمحكومين بالأحكام، بين شقي البحيرة الضحلة إبان قدوم الرياح، التي ترفع ~~الماء الضحضاح، فيتحولون عن الطريق الرئيسي بتبرير التدخل الإلهي، فأدارهم الله ~~في طريق بحر سوف، أي جنوبا نحو بحيرة التمساح؛ لأنه كان طبيعيا أن تعتبر ~~بحيرة التمساح امتدادا لبحر سوف، لاتصالها به عبر قناة سيزوستريس، ونستمع ~~التوراة تحكي تلك اللحظة التاريخية، التي قام عليها كل تاريخ إسرائيل فتقول: # وكلم الرب موسى قائلا: كلم بني إسرائيل أن «يرجعوا» وينزلوا أمام ~~«فم الحيروت» بين «مجدل والبحر» أمام «بعل صافون»، مقابلة تنزلون عند ~~البحر. (خروج، 14: 2) # وعند فم الحيروت أو بي ه حيروت بالعبرية، تتم المعجزة الكبرى، فيقول المقدس ~~التوراتي إن العصا الحية اللاعبة بسحرها قد فلقت بحر سوف، وعبر الخارجون بعيدا ~~عن الطرق المطروقة المعروفة. # والآن هل بيدنا ما يمكننا من تحقيق إحداثيات هذه المواضع الأربعة: # فم الحيروث: # أو بي ه حيروت. # مجدل: # أي القلعة. # البحر: # وهو بحر القصب سوف. # بعل صافون: # وهو معبد للإله بعل السامي الأصل. # لقد سبق وعلمنا أن هذه المنطقة، كانت مركزا كبيرا لعبادة الإله بعل ~~صافون/سيت وكل آلهة دافيناي (ارجع إلى نظرية علي بك شافعي)، ومعلوم أن التمساح ~~كان من أبرز الرموز المصرية للإله الشرير «سيت بعل»، فقد عرفنا أن هذا المعبد ~~كان في القنطرة غرب، حيث قلعة سكوت، حيث كانت تقع قلعة أخرى هي قلع العدل ~~«مجدل ماعت»، التي هي في رأينا مجدل التوراة، أما فم الحيروت فهو ما ترجمته ~~«مدخل الحيروت»، وإذا كنا قد اتفقنا على أن مدينة رعمسيس هي هيروبوليس، وأن ~~هيروبوليس (الاسم الروماني لمدينة الهكسوس)، هي مدينة الهكسوس التي عرفها ~~اليونان باسم «حواريس»، فإن اسمها المصري كان «حوت وعرت»، وهو ما يتطابق ~~تطابقا مدهشا مع الكلمة التوراتية «حيروت»، فقد عبروا تماما وبكل دقة، من ~~المنطقة التي يمكن للآبقين والخارجين على القانون استخدامها، وأعطوها اسما يدل ~~على معناها الجغرافي، فهي المدخل غير المطروق المؤدي إلى «حيروت» أو ms214 «حوت وعرت» ~~أو «حواريس»، عبر بحيرة التمساح. # وبحيرة التمساح كان يمكن عبورها يبسا، فتصبح كبحر عن يمين وعن يسار، حتى ~~يتم العبور من الخانق الواقع في أقصى جنوبها الشرقي، مع أول بادرة ريح شديدة، ~~وهو ما قالته التوراة كسبب لجفاف البحر المفلوق، أما ما أضافته التوراة عن ~~المطاردة، وغرق جيش أكبر دولة معروفة آنذاك، فهو الأمر الذي ليس عليه دليل ~~واحد في أي وثيقة من وثائق دول المنطقة، بل ولا أي إشارة يمكن تأويلها أو حتى ~~وضعها موضع الاحتمال الظني. # لقد خرج موسى التوراتي مخرج المجرمين والعبيد الفارين، مطرودين لا ~~مطاردين. # وهناك احتمال آخر يعطينا تخريجا ثانيا، يعضدنا في تفسيرنا بي ه حيروت، ~~فأمام بحيرة التمساح كان يقع جبل يحمل اسم جبل الخير، وهو بالمصرية القديمة ~~حينوتا خيرتا، # 28 # وهو ما يلتقي مع بي ه حيروت التوراتية، ناهيك عن كوننا قد دققنا ~~القول إن المسخوطة هي هيروبوليس أي هيرو/إيرو/حيرو/وكلها تحيل إلى أواريس أو ~~حواريس الهكسوسية، التي دونتها التوراة حويلة المصرية، ويدعم ذلك التفسير ما ~~جاء عند بليني، يصف خريطة المنطقة، فيقول: إن الخليج العربي/السويس كان العرب ~~يسمونه خليج # Eaant # إيان، وهو ما نظنه قد حمل ~~اسم الملك الهكسوسي خيان الوارد في الكتابات العربية، بحسبانه فرعونا من ~~العماليق باسم الريان، ويقول ابن كثير عن هذا الفرعون العماليقي: «هو الريان بن ~~الوليد بن ثروان بن أراشة بن «فاران» بن عمرو بن «عملاق» بن لاوذ بن سام بن نوح.» # 29 # ويستمر بليني ليقول: وهناك توجد مدينتان هامتان: الأولى هي مدينة ~~«هيروبوليس»، ومدينة قمبيز (كبريت حاليا)، ثم يقول ما نصه وهو يتجه غربا ~~«وتأتي بعد ذلك أمة «العمالقة» # Tyres ~~.» # 30 # وغني عن الذكر أنه في تلك المنطقة، التي عرفها اليونان باسم المقاطعة ~~العربية، تم اكتشاف (دونته هنا أثناء كتابة هذا الفصل [المؤلف])، وردت أخباره ~~بصحيفة الأخبار القاهرية بتاريخ 10/ 11/ 94 بالصفحة الأولى، تحت عنوان: «العثور ~~على 50 مقبرة من عصر الهكسوس، حقائق علمية عن الخروج الأول لليهود»، وتحت هذا ~~العنوان يأتي الخبر يقول: «تم اكتشاف ms215 جبانة أثرية ترجع إلى عصر الهكسوس، في ~~منطقة تل الكوع بوادي الطميلات بالإسماعيلية، تم العثور على 50 مقبرة حتى الآن ~~بحالتها كاملة، وتضم الأثاث الجنائزي وعددا كبيرا من الأواني الفخارية ~~والأدوات والجعارين، كما عثر على دفنات لحيوانات يرجح أنها الحصان الذي أدخله ~~الهكسوس لمصر لأول مرة، يستكمل الاكتشاف الجديد حلقة مهمة في التاريخ لوقوعه ~~في وادي طميلات، والمشهور بخط سير الخروج الأول لليهود من مصر ... صرح الدكتور ~~عبد الحليم نور الدين الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار «أن هذا الاكتشاف يثير ~~تساؤلات علمية مهمة، لوجوده في موقع لم يكن معروفا من قبل، أي علاقة بوجود ~~الهكسوس في مصر».» لكن حسب بحثنا هذا نكون قد سبقنا هذا الكشف، إلى معرفة ذلك ~~الموقع واتصاله عبر سيناء بمواقع الهكسوس الكبرى، ووضعنا للكشف أسسه التاريخية ~~والجغرافية، وهو ما ستتضح تفاصيله الكاملة التامة المانعة والخرسانية في الجزء ~~الثاني من هذا العمل. # وبهذا التصور لخريطة الخروج، لا بد أن تكون هناك قلعة قرب موقع التسلل عبر ~~بحيرة التمساح، تستحق الاسم العبري مجدل، وفي هذه المساحة التي حددناها تؤكد ~~الورقتان الديموطيقية والفينيقية، اللتان اكتشفهما نويل جيرون أن في هذا المحيط ~~الجغرافي الضيق، كان يوجد معبد للإله بعل صافون/سيت رب الهكسوس المقدم، فالورقة ~~تحوي تضرعات للإله «بعل صفون وكل آلهة دافني»، ودافني هي دفنة الحالية التي ~~أسمتها التوراة تحفنح، أو بالتصريف الاسمي تحفنحيس، المنشأة على اسم ملكة ~~مصرية، ودافني تقع في مركز وسط بين القنطرة وبين بحيرة التمساح إلى الغرب ~~قليلا. # والتوراة تردد أن عبور البحر الإعجازي، قد تم «أمام فم الحيروت بين مجدل ~~والبحر، أمام بعل صفون» (خروج، 14: 1). # أما المنطقة التي خرجوا إليها فتقع إلى الشرق من جنوبي بحيرة التمساح، ~~ليتجهوا نحو جنوبي سيناء، ولا شك أن اسم تلك المنطقة «برية شور»، يعود إلى اسم ~~القلعة المصرية الكبرى سيلا/زارو/شارو/شور، التي منحت اسمها بشهرتها للبوادي ~~الممتدة من البحر المتوسط شمالا، إلى خليج السويس جنوبا، إلى الشرق من سور ~~الأمير العظيم، الذي يصد الآسيويين وعابري الرمال. # شكل 3-4: خروج بني ms216 إسرائيل من مصر حسب نظريتنا. # شكل 3-5: صورة بالأقمار الصناعية لقناة السويس الحالية. # شكل 3-6: موقع مدينة رمسيس حسب تخريجنا. # شكل 3-7: تفصيل أوضح. # شكل 3-8: قطاع تفصيلي لموضع الخروج حسب نظريتنا. # شكل 3-9: موضع الخروج حسب تخريجنا. # أما الآن فسنعرض لخط سير بني إسرائيل الخارجين من مصر عبر سيناء، بعد عبورهم ~~البحر المفلوق «سوف» بالعصا المعجزة، لتدقيق المواضع التي مروا بها في محطات ~~حل وترحال. ~~(4) الخروج عبر سيناء # ويمكن لغير المهتم بهذه التفاصيل التجاوز عنها، والاطلاع على خرائط هذا ~~الفصل، ليتابع خط سير الخروج عبر سيناء، وهو على الترتيب سار خط السير كالآتي: # الخروج من بحر سوف مباشرة إلى صحراء برية شور (خروج، 15: 22)، ~~وهو اسم الساحل الشرقي للبحر المفلوق، ويؤدي إلى بداية الطريق ~~السينائي، ومعلوم أن «إيل» أو كبير الأرباب السامي الذي حل محله ~~يهوه السينائي، كان يلقب باللقب «ه-شور» أي الثور، وقريب منه في ~~المصرية القديمة «ه-تور» أي بقرة السماء، أو البقرة العالية أو ~~السامية، وتقابل هذه الكلمة في الآرامية # Tor ~~، وفي الأكادية والعبرية # Shor ~~، وفي الأوغاريتية الحورية ~~و ت ر، وفي الحبشية سور، وفي اللاتينية # Taurus ~~، وفي اليونانية # Touros ~~، وفي اللتوانية # Tauras ~~، المهم في كل هذا ما ~~يقوله علي الشوك: «والعلاقة واضحة بين كلمة ثور والفعل ثار ... ~~وتقابل ثار العربية شاور العبرية وتعني: يثب، يقفز، يقوى، وهناك ~~كلمة سار العربية بمعنى مشى، وتقابلها شور العبرية وتعني: يدور، ~~يسافر، ويمكن ذكر كلمة السور أيضا ومثلها شور العبرية، وتفيد ~~المعنى نفسه.» # 31 # وهنا نتذكر أن آخر مدينة شرقية في مصر كانت تحمل اسم ~~«ثارو» في المدونات المصرية، وأنها كانت مخرج جميع حملات مصر على ~~آسيا، وأنها كانت أول الطريق نحو سيناء، وأنها كانت قلعة ذات ~~أسوار عظيمة، وأنها والأهم تنطق في العبرية «شور»، لقد كانت ثارو ~~أو سيلة هي أول مدائن الخروج بعد عبور البحر المفلوق. # تحرك الركب بعد ذلك في سيناء، مسيرة استغرقت ثلاثة أيام جنوبا، ~~بلغوا بعدها موضعا باسم مارة «فجاءوا إلى مارة، ولم يقدروا أن ~~يشربوا ms217 ماء من مارة؛ لأنه مر؛ لذلك دعي اسمها مارة، فتذمر الشعب ~~على موسى قائلين: ماذا نشرب؟ فصرخ إلى الرب، فأراه شجرة فطرحها في ~~الماء فصار عذبا» (خروج، 15: 23-25) وبعد رحلتنا المعذبة الشاقة ~~وراء مواضع الخروج، أمكننا افتراض أن الموضع مارة هو موضع البير ~~المرة الآن أو جبل مر، وتقع داخل سيناء إلى الشرق من مدينة السويس ~~الحالية. # ومن المناسب هنا أن نعلم أن تلك المعجزة التوراتية، أمر اعتيادي ~~تماما يمارسه الأهلون هناك حتى الآن، فمعلوم أن بعض الآبار في ~~الصحراء، تحتوي على كبريتات الكالسيوم، التي تجعل الماء مر المذاق، ~~وأنه إذا أضيف لتلك المياه حمض الإكساليك، تعادل التركيب واختفت ~~المرارة، ولم يزل بدو سيناء حتى اليوم يستخدمون أغصان شجرة اسمها ~~«ألواح»، تحتوي على حمض الإكساليك لإزالة مرارة الآبار، بحكم ~~التجربة المكتسبة خلال الأجيال. # ارتحلوا من مارة إلى منطقة اسمها إيليم، وصفتها التوراة بأنها ~~غنية بالنخل وبالعيون (خروج، 15: 27)، وهو المكان الذي يمكن ~~احتسابه منطقة عيون موسى الحالية جنوب شرقي السويس. # ارتحلوا من إيليم ونزلوا على ساحل بحر سوف، وهو ما يعني أنهم ~~كانوا يلتزمون الطريق المحاذي لشرقي خليج العرب/السويس. # عادوا من ساحل بحر سوف إلى عمق الصحاري السينائية مرة أخرى، ~~ليعمقوا بالداخل إلى منطقة باسم برية سين (خروج، 16: 1)، المحتمل ~~أنها المعروفة الآن باسم جبل سن البشر، وهناك يعاني الخارجون من ~~الجوع، رغم ما نعلمه من وجود السوائم معهم، ونفسره بأوامر بعدم ~~أكل اللحم، تحت قيادة رجل عاش في قصور مصر، ويعمل في الغالب ~~بمحرماتها؛ لذلك كان اعتراض الخارجين على موسى وهارون يقول: «ليتنا ~~متنا بيد الرب في مصر، إذ كنا جالسين عن قدور اللحم نأكل خبزا ~~للشبع، فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر؛ لكي تميتا كل هذا الجمهور ~~بالجوع» (خروج، 16: 3) وهنا تأتي معجزة جديدة، تستمر مدة طويلة، ~~تتمثل في طعام المن وطيور السلوى، التي قدمنا بشأنها التفسير، ~~ونضيف هنا ما اكتشفه بودينسها يمر عام 1927م في سيناء، لصنف من ~~الأثل يفرز في الربيع سائلا حلو المذاق، سرعان ما يجف ويتحول ~~إلى كرات ms218 بيضاء، تشبه حبات البرد فور تعرضه للهواء، وإذا حرق ~~يعطي تبخيرا طيب الرائحة، وحتى اليوم ينطلق بدو سيناء مع بداية ~~الربيع في جماعات كبيرة لجمع تلك الكرات، وبإمكان الشخص الواحد أن ~~يجمع حوالي كيلوجرام ونصف في اليوم، وهي كمية كافية لتغذية فرد ~~ليوم واحد أو يومين، ويبدو أن موسى كان يعرف القيمة الغذائية ~~لهذا المن. # 32 # أما السلوى فسوف نعرفه في الأبواب المقبلة بحسبانه ~~طائر السمان/الزقزاق. # ارتحلوا من برية سين إلى موضع باسم دفقه (عدد، 31: 12)، والتي ~~نحققها بموضع «عين الفوقية» الآن، إلى الجنوب من جبل سين البشر، ~~ومن هناك ارتحلوا إلى موضع باسم الوش (عدد، 31: 13)، لم نتمكن من ~~تحقيقه، وإن كنا نظنه موقع سرابيط الخادم الآن. # ارتحلوا من الوش إلى رفيديم (عدد، 31: 14)، وقد عثرنا إبان سعينا ~~في رحلتنا التنقيبية على ثلاثة مواضع باسم رفيه، فهناك على التجاور ~~وادي رفية وجبل رفية وبئر رفية وجمعها العبري «رفيديم»، وتقع هذه ~~الرفيات أو بالجمع العبري رفيديم في صحراء الطور، إلى الجنوب ~~الشرقي من وادي مكتب، ووادي فيران، وهناك تحدث مشكلة عدم وجود ~~الماء مرة أخرى، فنجد أعجوبة أخرى لم تزل إلى الآن من الأمور ~~الاعتيادية، فيضرب موسى الأرض بعصاه، فتنبجس بالمياه عيونا (خروج، ~~17: 1)، وبدو سيناء حتى اليوم يمارسون ذلك أيضا؛ لأنهم يعلمون أن ~~مياه الأمطار تتجمع عند سفوح الجبال، تحت شريط رملي متماسك، وهو ~~التماسك الذي ينشأ من رطوبة الماء تحت الرمل، ويكفي في هذه الحال ~~طرقه بأداة صلبة لتنبجس المياه من تحته. # وعند رفيديم تأتي جماعات تسكن سيناء، يسميهم الكتاب المقدس باسم ~~العماليق أو العناقين على التبادل المتكرر، العمالقة لتدخل معركة ~~مع الخارجين ينسحب العمالقة بعدها. # يرتحلون من رفيديم إلى برية سيناء (خروج، 19: 1)، ليجدوا جبل ~~سيناء يرتجف بالزلزلة والدخان والنار (خروج، 19: 18)، ويبدو أن ~~المصريين كانوا قد أقاموا هناك تمثالا عظيما من الفيروز (الحجر ~~الأزرق الصافي، وهو من أحجار سيناء المشهورة)، ربما كان للإله حور ~~أو للإله سيت؛ لأن نص التوراة يحدثنا عن كون موسى أخذ معه سبعين من ~~شيوخ إسرائيل، وصعد بهم ms219 الجبل ليشاهدوا رب البركان، ربهم؛ لأن جبل ~~سيناء هو جبل الله حوريب المقدس، وتقول التوراة: «ثم صعد موسى ~~وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأوا إله إسرائيل، ~~تحت رجليه شبه صنعه من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في ~~النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل، فرأوا الله» ~~(خروج، 24: 9-11). # وفي موقع برية سيناء/جبل الله حوريب/كاترين وموسى الآن، يصعد ~~موسى الجبل وسط ضباب البركان، ليأتي بألواح الشريعة المكتوبة بإصبع ~~الله، ويغيب هناك أربعين ليلة يزوغ أثناءها الخارجون عن ربهم ، ~~ويعبدون العجل الذهبي الذي صنعه هارون، ويرقصون حوله عراة، فيغضب ~~موسى ويكسر الألواح، ويضربهم يهوه بالموت في تبعيرة ومسه وقبروت ~~هتأوت، على مسيرة ثلاثة أيام من الجبل (عدد، 10: 33)، وفي ذات ~~الموقع يأتي الأمر الإلهي، بصناعة التابوت الذي سينزل الرب ليسكن ~~فيه، ويحملونه معهم في ارتحالاتهم. ونظننا قد تمكننا من تحقيق موضع ~~قبروت هتأوت، أي المقابر بموقع بئر الرقبة وجبل البرقة الآن، إلى ~~الشمال الشرقي من جبل كاترين على الجانب الأيسر لخليج ~~العقبة. # بعد ذلك يصل المرتحلون إلى محطة باسم حضيروت (عدد، 11: 35)، وهناك تتذمر مريم ~~شقيقة موسى وهارون، وتحمل غاضبة هي وهارون على موسى، اعتراضا على زواجه من ~~امرأة كوشية زنجية، وهو ما أغضب يهوه على مريم، فأصابها بعدوى البرص (عدد، ~~12: 1-9)، وقد أمكننا تحقيق حضيروت بموضع الحضيرة الآن شمالي جبل البرقة وجنوبي ~~وادي وتير الحالي. # يمرون بعد ذلك بعدد من المواقع، أمكننا تدقيق بعضها، ولم نتمكن من تحقيق ~~أغلبها، وهي على الترتيب: رثمه (عدد، 33: 18)، ثم رمون فارص (عدد، 33: 19)، ثم ~~لبنة (عدد، 33: 20)، ثم رسة (عدد، 33: 24)، ثم قهيلاتة (عدد، 33: 22) وربما ~~كانت هي وادي القهلت أو القلت الآن بين إيلات والثمد، ثم جبل شافر (عدد، 33: ~~23)، ثم حرادة (عدد، 33: 24)، ثم مقهيلوت (عدد، 33: 5)، ثم تاحت (عدد، 33: 26)، ~~ثم تارح (عدد، 33: 27)، ثم مثقة (عدد، 33: 28)، ثم حشمونة (عدد، 33: 29)، ثم ~~مسيروت (عدد، 33: 30)، ثم بني يعقان، ثم حور الجد جاد (عدد، 33: 32). # والواضح أن كل تلك المراحل من خط السير كانت تقع على الساحل الغربي ~~لخليج العقبة؛ لأنها تنتهي عند ms220 قمة خليج العقبة في موضع باسم «يطبات» ~~(عدد، 33: 33)، ويوجد بهذا الاسم عدد من المواقع هناك، مثل طوبية وطابا ~~ويطبات، والأغلب أن المقصود بها طوبية إلى الجنوب من قمة الخليج ببضعة ~~أميال؛ لأنهم بعد ذلك يمرون بموقع عبرونة (عدد، 33: 34)، ثم ميناء ~~عصيون جابر، الذي تذكره التوراة باعتباره يقع على بحر سوف، على قمة ~~خليج العقبة بجوار أيلة (إيلات)، الميناء المعروف على خليج العقبة ~~(عدد، 33: 35؛ تثنية 2: 1). # شكل 3-10: الغزو: العبور من جنوبي دولة آدوم إلى ما بين دولتي موآب ~~وعمون لغزو غربي النهر، مع حملات مكثفة على طول الساحل الشرقي ~~لنهر الأردن حتى جبل الشيخ (حرمون بالتوراة). # ويبدو أنهم كانوا في مبدأ الأمر يريدون الوصول إلى نقطة حصينة، تسمح بإيواء ~~هذا العدد الغفير جنوبي فلسطين، حتى يقروا قرارهم بدخول فلسطين من جنوبها أم ~~من شرقها، وكانت تلك المنطقة المختارة هي قادش برنيع/عين مشفاط عدد 33 / 36، ~~التي تم تحقيقها والاتفاق عليها بين مدارس نقد التوراة بعين قديس الحالية، عند ~~برية صين وبرية فاران، اللتين حققناهما ببرية تسين وبرية باران الحاليتين، ومن ~~قادش بعد ثمانية وثلاثين عاما، تخللتها صراعات واتفاقات بين أهل مديان وبين ~~الخارجين، قرروا عبور بلاد آدوم من عند العقبة وعصيون جابر، دون الدخول في أية ~~صراعات أو معارك مع أهل آدوم؛ مما يشير إلى التحالف القرابي بين الجميع، ومن ~~هناك يعبرون بلاد موآب ثم عمون إلى جبل نبو شرقي الأردن مقابل أريحا، حيث تزعم ~~التوراة موت موسى هناك (عدد، 33: 47)، وكان هارون قد مات قبله ودفن في جبل هور ~~(عدد، 14: 22)، الذي يحمل أيضا اسم جبل موسير (تثنية، 10: 6)، وبعدها يقودهم ~~يشوع عابرا نهر الأردن من شرقيه إلى غربه، لفتح فلسطين بادئا بأريحا. # وهنا تحكي لنا التوراة عن معجزة جديدة، بطلها هذه المرة يشوع بن نون خليفة ~~موسى، فقد كانت أريحا قلعة حصينة، يحيط بها سور قوي منيع، يقف عقبة كئودا ~~إزاء أي طامع، وهنا تروي التوراة أن يشوع قام بعملين معجزين: الأول عند عبور ~~نهر الأردن، والثاني عند اقتحام أريحا. # والمعجزة الأولى هي ms221 تكرار لمعجزة فلق البحر الموسوية، فقد أمر يشوع باختيار ~~اثنى عشر رجلا، يمثلون الأسباط ليحملوا تابوت العهد على أكتافهم، ويخوضوا به ~~في ماء الأردن، وعندما فعلوا ذلك توقفت المياه المنحدرة من فوق، وقامت ندا ~~واحدا بعيدا جدا عن آدام المدينة التي إلى جانب صرتان، والمنحدرة إلى بحر ~~العربة (البحر الميت) بحر الملح، انقطعت تماما وعبر الشعب مقابل أريحا (يشوع، ~~3: 16-17). # ولو افترضنا أن ذلك قد حدث، فإن تفسيره شديد السهولة واليسر، وقائم ويحدث ~~ويتكرر حتى الآن، دون حاجة لمعجزات؛ لأن مدينة آدام التي يشير إليها النص هي ~~داميح الحالية، على بعد خمسة وعشرين كيلومترا إلى الشمال من أريحا، وهي التي ~~تضع بيدنا مفتاح التفسير؛ لأن معنى ذلك أن يشوع لم يعبر مباشرة برجاله من أمام ~~أريحا، إنما اختار هذه النقطة البعيدة، بمسافة خمسة وعشرين كيلومترا إلى ~~الشمال ليعبر منها النهر، والسبب أنه عند داميح/آدام يضيق مجرى الأردن بين ~~جدارين من الأرض، ويغلب على تركيب الجدارين الجير مع الطين الهش، وهناك ودوما ~~تحدث انهيارات مفاجئة مع أي قلقلة أو اهتزازات أرضية، وكان آخر الأحداث من ~~هذا النوع عام 1927م، عندما توقف ماء الأردن وانقطع عند هذه النقطة لمدة أربع ~~وعشرين ساعة كاملة نتيجة انهيارا جرف داميح، # 33 # وكثيرا ما عجبنا لماذا أمر يشوع رجاله جميعا، حسب رواية التوراة ~~- بالاصطفاف في هذه النقطة، مع دق الأرض بالأقدام دقات عسكرية شديدة، كانت ~~كافية لزلزلة الجرف، وانقطاع ماء النهر وحدوث المعجزة. # أما المعجزة الثانية فكانت حول حصون أريحا، عندما أمر يشوع رجاله قائلا: ~~«تدورون دائرة المدينة سبع مرات، والكهنة يضربون بالأبواق، ويكون عند امتداد ~~قرن الهتاف، عند استماعكم صوت البوق، أن جميع الشعب يهتف هتافا عظيما فيسقط ~~سور المدينة مكانه» (يشوع 6: 4-5). # وإن المرء ليسأل نفسه في دهشة عن الحكمة، في دوران جيش هائل حول مدينة ~~محصنة مطمئنة سبع مرات، والكهنة ينفخون الأبواق، والجيش يهتف بصوت عال قوي، ~~وعلاقة هذا كله بسقوط السور المفاجئ، اللهم إلا إذا كان هذا كله لإلهاء حراس ~~الأسوار، وإلقاء ms222 الرعب والذعر بين سكان أريحا، مع التغطية على عمل عسكري ~~حقيقي، يتم تحت ستار من الهرج والمرج والأصوات المفزعة، في خفاء الغبار الذي ~~يثيره دوران المهاجمين حول القلعة. # ونحن نعلم من نقوش الرافدين القديم، أن الآشوريين قد ابتدعوا أسلوبا فريدا ~~لتفجير الأسوار الحصينة، قبل اكتشاف النار اليونانية/البارود، فكان المهاجمون ~~يشغلون المدافعين بالأصوات والحركات، التي لا تعني شيئا، بينما يتسلل بعض ~~الفدائيين، ويحفرون حفرا طويلة عميقة تحت الأسوار، يضعون فيها جذوع أشجار ~~سريعة الاشتعال، تتفسخ وتفرقع عند إضرام النيران فيها فتنهار الأسوار، # 34 # وهكذا فتح الخارجون أريحا ، كان فتحها بحاجة إلى معرفة أساليب ~~الحرب في زمنهم، أكثر مما كانت بحاجة إلى معجزات. # الباب الأول: ألغاز تاريخية‏ # 1 - لغز بلاد بونت‏ # 2 - سالع/البتراء ... ونظرية جديدة‏ # 3 - حملة تحتمس الثالث على بلاد الفينيق‏ # 4 - لغز بلاد موصرى (؟!)‏ # الباب الثاني: أحلاف سيناء‏ # 1 - العمالقة‏ # 2 - سر الملكة السوداء‏ # 3 - الرب الأحمر‏ # 4 - معان المصرية‏ # 5 - أين تقع حويلة التوراتية‏ # 6 - بعل صفون: لغز آخر!‏ # 7 - لغز أرام النحاسية‏ # الباب الثالث: من الألغاز إلى الحلول‏ # 1 - العامو أو العموريون: اسم الأحلاف الجامع‏ # 2 - الشاسو والكاشو والحاثو‏ # 3 - عاد وثمود‏ # 4 - إسحاق و«الإله الضحاك»‏ # 5 - تجليات الرب السينائي‏ # 6 - لغز البلست‏ # 7 - حل لغز الخابيرو‏ # 8 - إسرائيل ويهوذا العبري أو إسرائيل والهكسوسي الخبري‏ # 9 - قاطعو الرقاب‏ # الباب الأول: ألغاز تاريخية‏ # 1 - لغز بلاد بونت‏ # 2 - سالع/البتراء ... ونظرية جديدة‏ # 3 - حملة تحتمس الثالث على بلاد الفينيق‏ # 4 - لغز بلاد موصرى (؟!)‏ # الباب الثاني: أحلاف سيناء‏ # 1 - العمالقة‏ # 2 - سر الملكة السوداء‏ # 3 - الرب الأحمر‏ # 4 - معان المصرية‏ # 5 - أين تقع حويلة التوراتية‏ # 6 - بعل صفون: لغز آخر!‏ # 7 - لغز أرام النحاسية‏ # الباب الثالث: من الألغاز إلى الحلول‏ # 1 - العامو أو العموريون: اسم الأحلاف الجامع‏ # 2 - الشاسو والكاشو والحاثو‏ # 3 - عاد وثمود‏ # 4 - إسحاق و«الإله الضحاك»‏ # 5 - تجليات الرب السينائي‏ # 6 - لغز البلست‏ # 7 - حل لغز الخابيرو‏ # 8 - إسرائيل ويهوذا العبري أو إسرائيل والهكسوسي الخبري‏ # 9 - قاطعو الرقاب‏ # | النبي ms223 موسى وآخر أيام تل العمارنة (الجزء الثاني) # | النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة (الجزء الثاني) # | موسوعة تاريخية جغرافية إثنية دينية # تأليف # سيد القمني # الباب الأول # | ألغاز تاريخية # الفصل الأول # | لغز بلاد بونت # يتكرر ذكر بلاد «بونت» # أو «أرض الإله» في النصوص المصرية ~~القديمة بشكل متواتر، كما في نصوص أمنمحات الأول # مؤسس الأسرة الثانية عشرة بالدولة الوسطى، الذي حكم حوالي 2000-1970ق.م. حيث يذكر أنه ~~أرسل ثلاثة آلاف جندي برئاسة القائد «حنو»؛ لإحضار المر (البخور) من بلاد بونت، وإحضار ~~«الأحجار» من هناك. # 1 # وبالنظر إلى الحرف المرسوم الأول في هيئة ثلاث هضاب، فقد احتسب معظم ~~المؤرخين بلاد بونت بلادا أجنبية، حيث اعتيد الإشارة لبلاد الأجانب بجبل مثلث القمم. ~~لكن نظرية هذا الكتاب تقوم على أن الحرف هنا يقصد الإشارة لمنطقة جبلية فقط، ولا ~~تعني أنها كانت بلادا أجنبية بالنسبة لمصر. # وقد تكرر إرسال البعثات إلى بلاد بونت، في عهد «أمنحمات الثاني # 1938-1903ق.م.»، حيث أكدت لوحة نصر تخصه «أن جلالة الفرعون قد قام بتوطيد سلطانه، في ~~أرض الإله في بونت». # 2 # كما وصلت إلينا قصائد غزلية مصرية قديمة، منها قصيدة رائعة في ستة ~~مقاطع، تتضمن مجموعة من بلاغيات التشبيه الجمالية، تليق بمفاهيم الجمال في ذلك ~~الزمان، حيث نجد الحبيب يشبه حبيبته بجواد الفرعون، الذي تم اختياره من بين ألف ~~حصان أصيل، كما يشبهها بالطيور المهاجرة إلى مصر، قادمة من بلاد «بونت». # 3 # لذلك سجل الفرعون المقاتل «رمسيس الثالث» # الذي حكم حوالي 1182-1151ق.م. خلال الأسرة العشرين، أنه قد أرسل سفنه في حملة بحرية ~~وبرية إلى أرض الإله، المعروفة لدى المصريين باسم بلاد «بونت»، لإحضار المر لمحرقات الإله. # 4 # أما أشهر الرحلات المصرية إلى بلاد «بونت/أرض الإله»، على الإطلاق، فقد كانت البعثة ~~المصرية السلمية إلى «بونت»، زمن الفرعونة «حتشبسوت»، # التي حكمت حوالي ~~1490-1468ق.م. خلال الأسرة الثامنة عشرة من الدولة الحديثة، المعروفة بدولة ~~الإمبراطورية. وهي الرحلة التي سجلت تفاصيلها على جدران معبد روعة الروائع، المقام ~~بالدير البحري بالأقصر، والذي أمرت الفرعونة ببنائه خصيصا؛ لتسجل عليه تقريرين ms224 ~~بأهم حدثين في حياة الفرعونة. وكان الحدث الأول هو اصطفاء الإله «آمون»، رب الدولة ~~المركزية المصرية لها؛ لتكون حاكما مطلقا للبلاد. أما الحدث الثاني فكان بعثتها ~~السلمية إلى أرض الإله، بلاد «بونت». # وقد تم تدوين أمر تلك الرحلة الكبرى بكثير من التفاصيل الدقيقة، مما سمح ~~للمؤرخين بوضع مجموعة فروض؛ لتحديد «أين تقع بلاد بونت» في ضوء تلك التفصيلات. ومع ذلك ~~فقد جاءت هذه الفروض شديدة التباعد عميقة التنافر، فهناك من افترض أنها تقع في ~~قارة أفريقيا؛ استنادا إلى ما جاء ذكره مكتوبا، أو مرسوما بالنقش عن منتجات بلاد ~~«بونت»، خاصة بعض الحيوانات المستقدمة من بونت، والتي توجد بإفريقية وحدها. ولما ~~كانت الرحلة قد خرجت من العاصمة طيبة/مدينة الأقصر، واتجهت إلى «قفط» إلى الشمال منها ~~مباشرة، ومنها أخذت طريقها بريا عبر الصحراء الشرقية، حتى ميناء القصير على ساحل ~~البحر الأحمر. ومن هناك انطلقت السفن إلى بلاد «بونت». فقد ذهب الفرض إلى أن الرحلة ~~قد أبحرت من ميناء القصير في البحر الأحمر جنوبا، إلى بلاد الصومال ملتزمة الساحل ~~الإفريقي، أو ربما إلى بلاد أثيوبيا. وهو ما سنرى نموذجه عند المصرولوجيست «جاردنر» ~~وآخرين. # وقد ارتسم هذا الفريق الخطوط الرئيسية التي وضعها المصرولوجست «ماريت # Mariette ~~»، صاحب الفضل الأول في كشف لوحات بونت على ~~جدران معبد «روعة الروائع» بالدير البحري عام 1877م، حيث أكد «ماريت» أن الرسوم ~~جميعا تشير إلى أن بلاد بونت تقع على الساحل الأفريقي الشرقي شمالي الصومال. وقد ~~اعتمد في ذلك على تحليل نقوش رحلة حتشبسوت، من حيث شكل المساكن، وصفات الملكة التي ~~تشير ملامحها إلى عنصرها الإفريقي، وتحليها بخلاخيل المعدن أسفل السيقان. وهي عادة ~~أفريقية مستمرة حتى الآن، إضافة إلى علامة لا تجعل بونت خارج أفريقيا على الإطلاق، ~~وهي وجود حيوان «الزراف» ضمن المنتجات التي أحضرتها البعثة من بلاد بونت. و«الزراف» ~~حيوان أفريقي قح، مع أشجار البخور، وهي أشجار تنمو على ساحل الصومال حتى الآن. # 5 # ورغم تركز معظم الفروض على الساحل الإفريقي الشرقي؛ فقد أعمق بعضها داخل القارة، مثل ~~«هيرتسوج ms225 # Herzog ~~»، الذي أكد وقوع بونت في المنطقة ~~الحدودية الواقعة بين السودان والحبشة الآن، وبين النيلين الأزرق والأبيض، وأن رحلة ~~حتشبسوت وصلت هناك بالإبحار في النيل، وليس بالإبحار في البحر الأحمر. # 6 # وقد رد عليه «كيتشن # Kitchen ~~» مؤكدا أن ~~بونت هي المنطقة الممتدة من بور سودان حتى شمالي أريتريا، على الساحل الصومالي. # 7 # وحول ذات الجهات، ذهب «كرال # Krall ~~»، الذي ~~وضع بونت في المنطقة الممتدة من سواكن وحتى مصوع، باعتبارها مناطق منتجة للصمغ ~~العربي، وهو ما كان يستخدم كبخور مثل المر. # 8 # وضمن هذا الفريق يأتي عبد المنعم عبد الحليم الذي لا تعود أهميته إلا ~~لصراخه المتواصل ضد كتابي هذا، وهو مدرس بجامعة الإسكندرية، ويرى أن بونت بلا جدال هي ~~الساحل الصومالي تحديدا. # 9 # ولم يزل الخلاف قائما حول النخيل المرسوم في لوحات حتشبسوت؛ هل كان نخيل أشجار ~~الدوم كما ذهب هيرتسوج وكتشن، أم هو نخيل البلح كما يعتقد «عبد المنعم عبد الحليم» في ~~رسالتيه الماجستير والدكتوراه؟ # وقد أضاف لرصيد الذاهبين ببلاد بونت إلى الصومال، أن التقرير المصري صور لنا ~~أربعين نوعا من الأسماك والكائنات البحرية، بينها خمس سمكات، واضح أنها نهرية وليست ~~بحرية. وهو ما يشير إلى أن الميناء البونتي، الذي رست فيه سفن حتشبسوت، كان يقع عند ~~مصب نهر صغير. وفي الصومال نجد لدينا نهرا كان يعرف باسم نهر الفيل، ويعرف الآن ~~باسم نهر جلوين. # 10 # واتجهت فرضيات أخرى إلى أن أرض الإله «بونت»، كانت تقع على الساحل الغربي لجزيرة ~~العرب في منطقة جبال عسير، كما نجد عند «الصليبي» و«زياد منى»، مع اتجاهات أخرى نزعت ~~إلى الفانتازي، كالقول إن تلك الرحلة كانت نحو الأمريكتين، وأن المصريين هم من اكتشف ~~أمريكا قبل الجميع، وأنها هي التي دونت في مدونات مصر القديمة باسم بلاد بونت. ~~وبسبيل ذلك تم إجراء مقارنات لبعض المفردات المصرية بلغات الهنود الحمر، وموروث ~~حضارات المايا والأنكا. # 11 # هذا بينما افترض آخرون أن بلاد بونت المذكورة في الوثائق المصرية هي ذات بلاد ~~«أوفير» التي جاء ذكرها بالكتاب المقدس، ms226 وكانت محلا لبعثات متشابهة أرسلها الملك ~~الإسرائيلي سليمان بن داود أشهر ملوك إسرائيل الموحدة. إلا أن «أوفير» نفسها وجدت في ~~تحديد موضعها تضاربا في الفروض، أشد اتساعا من التضارب حول موضع بلاد بونت. ولم ~~تزل حتى اليوم بلدا مجهولا بدورها. # ولحل الإشكال تم اللجوء إلى حل وسطي أو تلفيقي، يلخص الأمر في إنهاء يائس للإشكال، ~~يقول: إن المصريين قد استخدموا اسم بونت بمعنيين؛ الأول: معنى عام يشير إلى أي موقع ~~جغرافي يزرع اللبان/المر/البخور. ومعنى خاص قصدوا به سواحل إفريقيا من الصومال ~~جنوبا حتى السودان شمالا. # ورغم أن حل لغز بلاد بونت يمكن أن يؤدي إلى حلول تسلسلية لمجموعة من المتشابكات ~~التاريخية الملغزة، كما يمكن أن يفصح عن تدقيقات هامة لتحديد ملامح العالم القديم، ~~مع فرز واضح للأجناس والهجرات، فقد ظلت جميع الفروض ناقصة التمام والإقناع، وظلت ~~أرض الإله بونت لغزا يبحث عن حل. # وعلى متون صروح معبد روعة الروائع بالدير البحري، نقش الفنان المصري القديم صورا ~~وكتابات جدارية، تصف أهم حدثين في حياة الفرعونة حتشبسوت. الحدث الأول: هو قصة ~~ميلادها الإلهي من أبيها الإله آمون نفسه، إضافة إلى الحدث الثاني، والأهم تاريخيا، ~~وهو مجموعة جداريات بونت التي تصف رحلتها إلى أرض الإله. # وتصور اللوحات الرائعة طريق الرحلة البري من ~~«قفط» حتى «القصير»، مع رسوم للسفن البحرية الضخمة المجهزة بصفوف المجاديف أدوارا، ~~مما يشير إلى كونها سفنا بحرية بل محيطية. وخلفها تظهر لوحة بلاد بونت، في هيئة ~~تلال كثيرة جميلة تزينها النباتات. ثم نشاهد ثلاثة أجناس من البشر بخلاف المصريين، ~~يحددهم لنا «عبد المنعم عبد الحليم» نفسه، فيقول: «إن سكانها خليط من عدة سلالات: ~~(أ) السلالة التي تنتمي إليها الطبقة الحاكمة، أي: البونتيون أنفسهم، ويشبهون المصريين. ~~(ب) السلالة الزنجية. (ج) سلالة ثالثة، لعلها المسماة إرم، وهي قريبة الشبه بالبونتيين.» # 12 # هذا إضافة إلى تصوير اللوحة لمجموعة متنوعة من الحيوانات منها القردة، مع ~~صور واضحة لجلود فهود أو نمور، وكثير من الأشجار والنباتات، التي تشبه إلى حد بعيد ~~نباتات الساحل اليمني. # وقد ms227 عادت البعثة بكثير من تلك الأشجار بجذورها، وهو ما يعني أن هناك أشجارا بعينها ~~قد استجلبت من بلاد بونت؛ لتستزرع في أرض مصر، مع كميات من خشب الأبنوس والعاج، ~~إضافة إلى معادن تتضح فيها الفضة، ومعدن آخر ربما كان ذهبا، مع أحجار كريمة. ويحيطنا ~~«فليكوفسكي» علما بأن الفنان المصري، وهو ينقش بإزميله اسم بونت في مواضع متعددة، لم ~~يضع فوق الاسم تلك العلامة الهيروغليفية، التي كان المصريون القدماء يضعونها فوق ~~أسماء البلاد الأجنبية. # 13 # مما أوعز بشدة إلى أن المصريين القدماء كانوا يرون أن هناك رباطا من ~~نوع ما بين بلاد بونت وبين مصر، وأنها ربما كانت تابعة لمصر، أو أن المصريين كانوا ~~يعتقدون أنها جزء من مصر، ناهيك عن تقديسها بحسبانها أرض الإله. لكن النصوص المصرية ~~لم تسم لنا هذا الإله، أو تقدم له أي تعريف ولا مرة واحدة. # وفي الجزء الأسفل من جداريات بونت في معبد روعة الروائع، يمكنك أن تشاهد مرسى ~~بحريا، رسمت تحته الأسماك في المياه للتوضيح. وعلى يمين المرسى يقف الملك البونتي، ~~الذي دون بالاسم «بارح» أو «فارح» أو «فرح» أو «باروخ» مع اللقب «عظيم عظماء إرم». ~~أما الملكة فكانت ضخمة الجثة، ورسمها الفنان بواقعية شديدة، أراد بها أن يبرز ما ~~يكتب باعتباره تقريرا تسجيليا. # ويصف لنا المصرولوجيست الأشهر «السير آلن هنري جاردنر» معبد روعة الروائع بقوله: «إن ~~المعبد الجنازي لحتشبسوت في الدير البحري، يقع داخل نصف دائرة من القمم العالية، وهو ~~يدين بكثير من وحيه إلى أثر منتوحتب الأول الأكثر بساطة، والواقع على الخط نفسه ~~جنوبا. ولم يبق سوى آثار الممر الصاعد في رفق إلى الأسوار التي يؤدي مدخلها إلى بهو ~~واسع، يرى فيه الزائر في مواجهته رواقا بالأعمدة فوق رواق بالأعمدة، لكنها تصعد من ~~المنحدر الرئيسي إلى المستوى العلوي. ويكشف صف من أعمدة الحجر الجيري بشمال البهو عن ~~جمال المبنى، قبل أن يحوله الزمن والتدمير البشري إلى حالته الراهنة. ومع ذلك فليس في ~~مصر اليوم عمارة في مثل هذا السمو يمكن رؤيتها. أما ms228 الرواق التالي إلى أعلى ففيه منظر ~~أكثر تشويقا. فعلى الجانب الجنوبي منه مثلت الرحلة إلى بونت، في السنة التاسعة لحكم ~~حتشبسوت. كما مثل على الجانب الشمالي حمل أم الملكة بها عن طريق معجزة ثم ولادتها. ~~وتصور المجموعة السابقة من الصور سفن الملكة حتشبسوت وهي تبدو في هذه المرحلة، كملكة ~~تصل إلى هدفها عند باب المندب» (ملاحظة للمؤلف: ليس في اللوحات أية إشارات أو كتابات ~~توعز إلى باب المندب، وكانت تلك إضافة من جاردنر لاعتقاده أن الرحلة قد اتجهت جنوبا ~~عبر البحر الأحمر إلى الصومال، التي يعتقدها جاردنر ذات بلاد بونت). ويتابع جاردنر ~~وصفه: «ثم يتقدم رئيس ملتح وزوجته المشوهة تشويها فظيعا. وهناك عدد من الرؤساء أقل ~~أهمية، يخرون على وجوههم أمام شعار الملكة يتحدثون. إنهم يلتسمون السلام من ~~جلالتها بقولهم: المجد لك يا فرعون مصر، أيتها الشمس الملكية التي تضيء كقرص الشمس. ~~ويعيش الأهلون وسط أشجار النخيل، وفي أكواخ ذات قباب مستديرة، يمكن الوصول إلى ~~أبوابها عن طريق سلالم نقالة. وقد أقام الرسول المصري خيمته في ناحية قريبة، ثم قدم ~~الهدايا من الجعة والنبيذ واللحوم والفواكه كأمر حتشبسوت. لكن الواضح أن جيوشها أفادت ~~أكثر من عملية التبادل، فهناك صور متقنة لكل الأشياء الثمينة، التي حملت من هناك إلى ~~السفن. ومن بين هذه المنتجات: أشجار المر والأبنوس، ثم العاج، والذهب، والقرود، وجلود ~~الفهود. ويرى الأسطول في الصف العلوي من اللوحة، وهو يبدأ طريق العودة إلى الوطن، وقد ~~تجاهل الرسام أمر الانتقال من الصحراء إلى النيل.» # 14 # والواضح تماما أن حتشبسوت كانت ترى في تلك الرحلة أهم إنجازاتها على الإطلاق، وهو ~~الأمر الذي تشي به ببساطة ووضوح روايتها المدونة، ناهيك عن تكريسها كل هذا البناء ~~الهائل؛ لتسجل عليه ذلك التقرير عن بعثة بونت. كما تتضح الأهمية في أن الفرعونة قد ~~أولت عظيم اهتمامها إلى الجانب المعرفي العلمي، فأرفقت برحلتها خبراء يقومون بدور ~~الصحفيين الذين كتبوا بالفعل ريبورتاجا مصورا علميا دقيقا رائعا، وصفوا فيه أرض ~~الإله وصفا طبيعيا وبيئيا، وراعوا الجغرافية البشرية لبيان ms229 الأجناس التي تسكن تلك ~~البلاد. كما أولوا عنايتهم لبيان عادات وتقاليد أهلها، مع دراسة علمية ممتعة لمختلف ~~أنواع الأسماك والحيوانات البحرية، إضافة إلى مسح تفصيلي لمنتجات بلاد بونت، من أخشاب ~~ثمينة وجلد الفهد، وسبائك الذهب والفضة، مع أحمال البخور والعطور والتوابل، والأعشاب ~~التي ربما كانت للكيمياء العلاجية. ولم ينس التقرير أن يوضح أهمية أشجار بلاد بونت، ~~التي دفعت البعثة المصرية إلى الإتيان بها بجذورها إلى مصر، مما يعني أنها أشجار لا ~~تنمو في مصر، وأنها نوع خاص ببلاد بونت. حتى التفاصيل الصغيرة لم تفت عين الصحفي ~~المدققة، مثل إحضار البعثة لكحل العيون (الإثمد)، مع تصوير واضح لأنواع الحيوانات ~~المستجلبة من هناك. فترى كلابا أشبه بالكلاب السلوقية الموجودة اليوم، مع القردة التي ~~تعلقت بصواري السفن، لتضيف إلى اللوحة بهجة تستدعي الابتسامة، مع الزراف وتنويعات ~~أخرى، قصد بها أن يكون التقرير مشوقا، إلى جانب كونه مستوفيا. # وقد سجلت الموسوعة الأثرية العالمية، تحت مادة «بونت» الآتي: PUNT ~~: بلاد تقع جنوبي بلاد مصر. كان الوصول ~~إليها عن طريق البحر الأحمر. وقد صور الناس يعيشون في بيوت تشبه خلايا النحل، ~~وصورت الملكة التي كانت تحكمهم بدينة جدا. ومن بونت كان يأتي الذهب والبخور، ~~ومختلف أنواع السلع لأغراض دينية. وموقع بونت غير مؤكد، لكن حسبما يتضح من ~~منتجاتها، لا بد أنها كانت تقع في مكان ما بالقرب من الصومال. # أما «حتشبسوت» نفسها؛ فقد سجلت: # لقد منحتهم الذهب، # فتلقيت منهم الذهب الأخضر، # من بلاد الآمو، # وأشجارا يانعة من المر بأعداد كبيرة، # من عجائب أرض بونت. # ولم يحدث ذلك من قبل في عهد أي إله، # منذ خلق العالم. # لقد أحضرت إحدى وثلاثين شجرة، # من خشب البخور، # لم يعرف لها مثيل منذ فجر الخليقة. # 15 # وهنا ملاحظة لا تفوت مدققا، نضعها في الاعتبار حتى يأتي حين ~~معالجتها. وتتمثل في السؤال: ما معنى أن تهدي الملكة ذهبا لتتلقى ذهبا، في رحلة قصد ~~منها تبادل منتجات مع منتجات بونت؟ فهل كان ذهب بونت يختلف عن ذهب مصر؟ يبدو ذلك؛ لأن ~~النص ms230 قد ميز ذهب «بونت» بأنه ذهب أخضر. فماذا كانت تعني بالذهب الأخضر؟ أما الملحوظة ~~الثانية التي ننبه إلى وجوب تذكرها، فهي القول: إن هذا الذهب من بلاد الآمو. والآمو ~~أو العامو هي الكلمة التي استخدمها المصريون القدماء؛ للدلالة على بدو آسيا الساميين ~~عموما، وعلى الهكسوس - خصوصا - الذين سبق واحتلوا بلادهم في نهاية الدولة الوسطى. ~~وقد طردوا منها زمن «أحمس» مؤسس الأسرة الثامنة عشرة، وحكم حوالي 1575-1550ق.م. أي ~~قبل زمن حتشبسوت بحوالي ستين عاما، أو تزيد قليلا. # ولا يصح أن نتغافل عن عبارتها «منذ فجر الخليقة» وتكرارها. وهو ما يؤكد على أهمية تلك ~~الرحلة للملكة، ولتقديرها الأمور. أما الغريب حقا فكان مسألة تجاهل الفنان لطريق ~~العودة من البحر الأحمر، من ميناء القصير حتى قفط على النيل شمالي الأقصر، في رحلة ~~عودة برية عبر الصحراء الشرقية، الممتدة ما بين البحر الأحمر وبين النيل. فعاد بالسفن ~~فورا من «بونت» إلى الأقصر عبر النيل، دون المرور بالطريق البري، رغم أنه فصل ذلك ~~بوضوح في رحلة الذهاب. فهل تجاهل الفنان الدقيق الدءوب الفاحص المدقق الطريق ~~البري، أم أنه كان لم يزل يقدم لنا تقريرا دقيقا وعلميا وحقيقيا؟ وإذا كان كذلك ~~فإن لغز «بونت» يكون قد ازداد تعقيدا. فكيف وصلت السفن إلى طيبة/الأقصر، دون المرور ~~بالطريق البري من ساحل البحر الأحمر إلى النيل في الوادي؟ # ونظرا لأن التحف التي جلبتها «حتشبسوت» من بلاد «بونت»، تتشابه إلى حد بعيد مع ~~التحف التي ذكرها الكتاب المقدس، والتي أحضرتها بعثة الملك الإسرائيلي «سليمان» إلى ~~بلاد باسم «أوفير»، فقد ذهب الباحثون إلى احتساب «بونت» هي ذات بلاد «أوفير» المجهولة. ~~وتحت مادة «أوفير» بموسوعة تاريخ العالم، نقرأ تلك الفقرة الموجزة: # أوفير # OPHIR ~~: موقع أوفير التوراتية التي كان ~~الملك سليمان يحصل منها على سفن محملة بالذهب والأحجار الكريمة (سفر ملوك ~~أول، 10: 11) موضع اختلاف كبير دون الوصول إلى حل مقبول. والتخمينات تمتد ~~من الساحل العربي، حتى سيلان أو ساحل مالا بار. # هذا بينما سجل «زينون كاسيدوفسكي» إشكالية ~~«بونت/أوفير» في قوله: «لا يزال الباحثون ms231 حتى الآن يختلفون. بعضهم يقول: إن أوفير ~~التوراتية هي الهند. وبعضهم الآخر يعتقد أنها الجزيرة العربية. وفريق ثالث يؤكد أنها ~~مدغشقر. أما المستشرق الأمريكي أولبرايت فيعتقد أنها الصومال. بينما يلفت فريق آخر من ~~العلماء الانتباه إلى اللوحات الجدارية، التي اكتشفت في معابد طيبة؛ حيث وجدوا هناك ~~رسما لملكة سوداء من بلاد تدعى «بونت»، ويفيد النص المثبت أسفل اللوحة أن السفن ~~المصرية كانت تحمل من تلك البلاد الذهب والفضة، والأخشاب السوداء والحمراء، وجلد ~~النمر، والسعادين (القردة) الحية، والعبيد السود. وقد أدى ذلك إلى نشوء افتراض ~~مؤداه: أن بونت هي أوفير التوراتية.» # 16 # إلا أن المشكلة الحقيقية والمستعصية أمام كل تلك الفروض، هي تكرار القول في النصوص ~~المصرية: «حينما أوجه وجهي إلى مشرق الشمس، فإني أولي وجهي إلى بلاد بونت.» # 17 # وهو ما دفع باحثين آخرين إلى افتراض مواضع أخرى لبلاد بونت، تتفق وهذه ~~الإشارة. وذلك مثل د. عاطف عوض ، الذي افترض لبلاد بونت بلاد الساحل العماني الحالي، حتى ~~إن سلطنة عمان رأت في نظريته أمرا يستحق الاحتفاء به. فتم تحديد زمن افتراضي لوصول ~~سفن الفرعونة إلى عمان. أقيم بهذه المناسبة احتفال كرنفالي شعبي تمثيلي، يصور وصول ~~البعثة المصرية إلى بلاد عمان. وما زالت هذه النظرية قائمة هناك، كأمر مفروغ من صحته. ~~هذا بينما ذهب د. رمضان عبده علي إلى وقوع بونت في بلاد اليمن. وقد اعتبرت صحيفة ~~الأهرام القاهرية ذلك كشفا جديدا يستحق التسجيل والإعلان (وهو ما فضلنا نقله من ~~الصحيفة بالتصوير كما في الشكل رقم 36). وإن تكرار الإشارة إلى وقوع بونت جهة مشرق ~~الشمس بالنسبة لمصر، أمر لا يجعل بونت تقع أبدا جنوبي مصر. فهي بهذا المعنى يجب أن ~~تقع في منطقة ما شمالي بلاد الحجاز الحالية، أو في سيناء، أو شرقي سيناء. وهو ~~الأمر الذي يؤكده تقرير مسئول حكومي اسمه «خنوم حتب»، عاش خلال الأسرة السادسة ~~الفرعونية يقول إنه قد زار بيبلوس (جبيل الآن جنوبي بيروت بلبنان) وبونت، إحدى عشرة ~~مرة، وذلك بصحبة سيده «خوي» مرة، وبصحبة سيده «تتي» ms232 مرة أخرى. # 18 # وهو الأمر الذي ما كان ممكنا حدوثه في حياة فرد واحد في ذلك الزمان، لو ~~كانت بونت هي الصومال أو اليمن أو الهند، ناهيك عما يوحي به التقرير أن زيارة بيبلوس ~~وبونت كانت تتم في رحلة واحدة، مما يعني وجوب وقوع بونت على الطريق ما بين مصر وبين ~~بيبلوس بلبنان. وهكذا تكتمل دائرة الالتباس، ويستغلق اللغز تماما، إلى حد عدم إمكان ~~تصور واضح يحل مشكلة موقع بلاد بونت. ~~(لوحات تتعلق بالملكة حتشبسوت ورحلتها السلمية إلى بلاد بونت.) ~~(انظر الأشكال رقم «32، 33، 34، 35».) # شكل رقم «32»: رأس حتشبسوت - أسرة 18 - المتحف المصري. # شكل رقم «33»: الدير البحري/معبد حتشبسوت. # شكل رقم «34»: ملك وملكة بونت في لوحات حتشبسوت. # شكل رقم «35»: حاملو الهدايا من أهل بونت (شعب إرم). # شكل رقم «36»: الأهرام 27 / 2 / 1997م. # ولغز بلاد الحور # والألغاز غير المحلولة في التاريخ كثيرة ~~وحاشدة، ونموذجا لتلك الألغاز (لغز بلاد الحور)، وبلاد الحور تلك التي يخبرنا علم ~~التاريخ أنه قد قامت فيها دولة باسم الدولة الحورية، عاصرت زمن الأسرة الثامنة ~~عشرة الفرعونية. وجاء اسم هذه الدولة في نصوص مصر تحت اسم «دولة ميتان» أو ~~«ميتاني»، وأنه في «ميتاني» قد سكن الشعب الحوري. وكان لتلك الدولة تسمية أخرى ترد ~~في النصوص، على التبادل مع تسمية «ميتاني» هي التسمية: «نهارين». ولنطالع ما سجلته ~~موسوعة تاريخ العالم عن بلاد «ميتاني»، تحت مادة «ميتاني»: # أعالي ما بين النهرين «ميتاني»: ربما كان موطن الحوريين في بلاد ~~«النايري»، وهو الاسم الذي أطلقه الآشوريون على الإقليم الواقع إلى الشمال ~~والشرق من بحيرة «فان». تحرك الحوريون من هناك جنوبا في أوائل القرن ~~السابع عشر ق.م. إلى شرق آشور وغربها، وأسسوا عددا من الإمارات اتحدت ~~بعد ذلك تحت حكم ملوك «ميتاني». امتدت مملكة «ميتاني» من قرقميش على الفرات ~~حتى قرب نهر دجلة الأعلى، مشتملة على وديان البلخ والخابور ومقاطعة ~~نصيبين. وفي شرقي دجلة تشتمل أيضا على منطقة «أرابخا/كركوك الحالية»، ~~التي كانت قبل ذلك مملكة حورية منفصلة. وليس من المعروف إذا كانت قد شملت ~~إربيل أيضا. ms233 انتشر الحوريون كذلك في أجزاء من آسيا الصغرى، وسورية ~~وفلسطين، دون أن ينظموا ممالك دائمة. ثبت وجودهم حوالي منتصف الألف الثاني ~~في بوغاز كوي عاصمة الحيثيين (الأناضول)، وفي رأس شمرا (أوغاريت على الساحل ~~السوري قرب اللاذقية)، وفي أورشليم وطناخ، وفي بلاد آدم (الحور). وربما ~~اشتملت جموع من الهكسوس على فئات من الحوريين. # موقع بلاد الحوريين إذن غير مؤكد «ربما كان ~~موطن الحوريين في بلاد النايري إلى الشمال والشرق من بحيرة فان»، «وليس من المعروف» ~~إن كان قد شمل مساحات بعينها من الأراضي. لكن دلائل وجودهم تتناثر في «أجزاء من ~~آسيا الصغرى وسورية وفلسطين»، و«في بوغاز كوي، وفي رأس شمرا، وفي أورشليم، وفي بلاد ~~آدم». وقد وصفت الموسوعة بلاد «آدم» تحديدا بأنها بلاد «الحور». ثم «ربما اشتملت ~~جموع من الهكسوس على فئات من الحوريين». إذن ليس هناك شعب في المنطقة أثبت وجوده ~~على تلك المساحة الواسعة. وفي الوقت ذاته ليس من المؤكد، بل وليس من المعروف عنه ~~أشياء كثيرة. و«ربما» التي تتكرر لتؤكد عجزا واضحا عن تحديد موطن واضح لدولة ~~واضحة، اسمها دولة «الحوريين» الميتانية، وهو الموقف من بلاد «بونت» وبلاد «أوفير». ~~ويضيف المؤرخ العراقي «طه باقر»، متحدثا عن بلاد «ميتاني» باسمها الذي يرد معها ~~على التبادل بلاد «نهارين»، فيقول: «من الدويلات الآرامية آرام النهرين، ويعني اسم ~~هذه الدولة: آرام ما بين النهرين، أي الفرات والخابور. وورد ذكرها في المصادر ~~المسمارية باسم «نهارينا». ويبدو أنها اختفت من الوجود في حدود القرن التاسع ق.م. ~~عندما قضى الآشوريون على جميع الدويلات الآرامية تقريبا في تلك المنطقة. # 19 # ويؤكد لنا ذلك المؤرخ الرصين أن في تلك المنطقة الآرامية عاش ذلك الشعب ~~المعروف بالشعب الحوري، وذلك استنادا إلى نص الملك الآشوري «شلمناصر الأول»، الذي ~~حكم في العصر الآشوري الوسيط حوالي 1274-1245ق.م. والنص يتحدث عن حملات ذلك الملك ~~العسكرية إلى بلاد «أرمينيا» وأرارات، في أقصى شمال العراق، داخل حدود «أرمينيا» ~~الحالية شرقي تركيا، وأنه في طريقه إلى هناك قد غزا موطن الحوريين، الذي لا بد ~~أن ms234 يقع في تلك الحال في طريقه إلى «أرمينيا»، ما بين النهرين الأعلى، وأنه قد ورد ~~ذكر إحدى القبائل الآرامية الكبرى هناك، باسم «أحلامو» أو «أخلامو»، ومعناها الأحلاف. # 20 # أما المصرولوجست «جاردنر»، فيؤكد ذات المذهب، فيقول: «إن الحوريين قد جاءوا إلى ~~منطقتنا قادمين من عند إقليم «بحر قزوين»، وإنهم هم الذين مهدوا الطريق للحيثيين، ~~الذين وفدوا بعدهم إلى منطقتنا قادمين من الأناضول في نهاية عام 1600ق.م. وأن سقوط ~~دولة الحوريين «ميتان» كان على يد الملك الحيثي «شوبيللوليوماش». والمعلوم أن دولة ~~ذلك الملك، قد قامت في تركيا الحالية.» # 21 # ويذهب الأركيولوجست «جارستانج» ذات المذهب، بحثا عن الموطن الأصلي للحوريين، ~~فيؤكد أنهم قدموا إلى منطقتنا من أرمينيا كموطن أول لهجرتهم، وأنهم قد انحدروا من ~~هناك إلى الفرات الأعلى بينه وبين الخابور؛ ليؤسسوا مملكة ميتاني، التي ورد ~~ذكرها في نصوص مصر والرافدين، وهي مملكة آرية. ولا تنتمي في رأيه إلى مجموعة ~~الشعوب السامية المتاخمة لها، وأن تلك المملكة قد سقطت فريسة للغزو الحيثي، ~~عندما تخلت مصر عن مساعدتها، زمن الفرعون «آمنحتب الرابع/إخناتون»، لتنتهي دولة ~~«ميتاني» من التاريخ وإلى الأبد. # 22 # وقد خرج «جاردنر» من قراءته لوثائق مصر ~~القديمة، بأن «ميتاني» منذ بداية ظهورها كدولة، قد وقعت تحت الهيمنة المصرية، حيث ~~ترافق ظهورها مع خروج مصر خارج حدودها، وتأسيسها للإمبراطورية المصرية، وحيث ~~أرادت مصر بتلك الهيمنة إيقاف زحف الحيثيين، الذين بدءوا يهاجمون بلاد الشام ~~الواقعة تحت النفوذ المصري، وذلك بغرض تأمين الحدود الشمالية للولايات المصرية في ~~الشام. لكن الحيثيين تمكنوا زمن الفرعون «إخناتون» من القضاء على الدولة الميتانية، ~~وتوسيع حدودهم جنوبا في بلاد الشام، على حساب الإمبراطورية المصرية، التي بدأت ~~تخسر بعض نفوذها هناك، نتيجة لانغماس الفرعون «إخناتون» في فلسفته الدينية، ~~وإهماله للشئون العسكرية والسياسة الخارجية. # 23 # ونعود لموسوعة تاريخ العالم نتابع سردها ~~الرصين والموضوعي، الذي يسوق المعلومة غير المؤكدة في صيغة الاحتمال والظن، لنستمع ~~إليها وهي تقول: «تعرف اللغة الحورية معرفة غير تامة من خطاب دوشراتا ملك ~~الميتانيين، إلى آمنحتب الثالث الملك المصري والد ms235 إخناتون، ومن بضع نصوص من مكتبة ~~بوغاز كوي (عاصمة الحيثيين شمالي الأناضول)، ومن بضع كلمات ذكرت هنا وهناك على ~~اللوحات المسمارية، التي وجدت في نوزي وبالقرب من كركوك. وربما كانت هذه اللغة ~~قريبة من اللغة الفانية والعيلامية، غير أنه لا يمكن إدماجها في أية فصيلة لغوية ~~معروفة. أما صلات الجنس الحوري بأجناس أخرى، فهي غير معروفة. والأسرات الملكية ~~والأمراء الميتانيون من أصل هندوآري؛ إذ كانوا يحلفون بآلهة هندوآرية؛ مثل أندرا ~~وميترا وفارونا وناستيا. وكان أعظم عمل للحوريين، أو على الأصح لقادتهم من ~~الهندوآريين، هو إدخال العربة ذات العجلتين التي تجرها الخيل إلى مصر وغرب آسيا، ~~حيث أصبحت معروفة. وربما كانت النحوت الغائرة المعروفة بالحيثية، التي اكتشفت في ~~شمال سوريا: قرقميش، سنجرلي، تل أحمر، وفي أعالي ما بين النهرين: تل حلف، والتي ~~يرجع تاريخها من منتصف الألف الثاني إلى القرن التاسع ق.م. ربما كانت هذه النحوت ~~حورية في أسلوبها إن لم تكن في أصلها، كما يتضح من مقارنتها بالأختام الحورية. أما ~~أهم آلهة الحورين فهي: تيشوب إله الزوابع، هيبات إلهة الشمس، ولا يعرف عن آلهة ~~أخرى عديدة سوى أسمائها.» وتتابع الموسوعة القول: «إن عاصمة مملكة «ميتاني» قد حملت ~~اسم «واشوكاني»، وأنه في زمن الملك الميتاني أرتاتاما حوالي 1440ق.م. زمن الفرعونة ~~حتشبسوت، سادت علاقات ودية مع مصر، وأنه قد ازدادت عرى الصداقة مع مصر زمن الملك ~~الميتاني التالي «شورتانا» حوالي 1430ق.م. حيث تزوج الفرعون المصري «آمنحتب ~~الثالث» # ابنة ~~«شورتانا»، وكانت تحمل اسم «جيلوخيبا». لكن لتتحول العلاقات إلى حالة عداء واضحة ~~زمن الملك الميتاني «توعي»، ثم يخلفه «دوشراتا» ليعيد التحالف مع «آمنحتب الثالث» ~~ملك مصر. ولا يطول الأمر حتى يلهو «إخناتون» ابن «آمنحتب الثالث» بفلسفته الدينية، ~~ويترك حليفته «ميتاني» تسقط فريسة الغزو الآشوري، زمن «شلمناصر الأول» حوالي ~~1275ق.م. ليزيلها تماما من على صفحات التاريخ. # أي هذه التزمينات لسقوط دولة «ميتاني/نهارين» نصدق؟! هل سقطت على يد الآشوريين في ~~القرن التاسع/900ق.م. قبل الميلاد، كما أفادنا طه باقر المؤرخ والعراقي الرصين ~~المعروف، والمعتبر بين طبقات المؤرخين ms236 المحدثين؟ أم أنها سقطت على يد الآشوريين ~~بالفعل، لكن زمن شلمناصر الأول الآشوري حوالي 1275ق.م. كما قررت موسوعة تاريخ ~~العالم، التي شارك فيها جلة من المتخصصين كما ينبغي أن يكون التخصص؟ أم أنها لم ~~تسقط على يد الآشوريين، بل على يد سكان تركيا القدماء المعروفين «بالحيثيين»، ~~زمن الفرعون المصري إخناتون، أي حوالي 1340ق.م. فيما يؤكده المؤرخ الشهير ~~جارستانج؟ أم أنها سقطت على يد الملك الحيثي شوبيللو ليوماش حوالي 1390ق.م. فيما ~~يصر عليه جاردنر المؤرخ العالي الذكر؟! وهكذا يصبح بيدنا أربعة تزمينات بينها ~~فروق زمنية فادحة، لدينا «900ق.م.، و1275ق.م.، و1340ق.م.، و1390ق.م.»! وهذا فقط ما ~~وقع بأيدينا ناهيك عما لم يصلنا. # وحتى الآن نجد كل ما جاءنا عن «ميتاني»، جاء مدونا في عدد من السجلات، ولم ~~يعثر على تلك السجلات أبدا في الموقع الذي حدده المؤرخون لها بين الفرات ~~والخابور في الفرات الأعلى. وكل معلوماتنا عن «ميتاني» قد جاءت من تلك السجلات التي ~~عثر عليها في مصر، أو آشور، أو أوغاريت، أو العاصمة الحيثية بشمال تركيا، دونما ~~أثر أركيولوجي حقيقي في موطنها، الذي تم التواضع عليه. ذلك الموطن الدولة الذي ~~تم تحديده في ضوء السجلات غير الميتانية، وفق فروض معقدة تم فيها تتبع خط ~~سير الحملات المصرية نحو «ميتاني»، وعبورا على أية مواضع؟ مع دراسة الإشارات التي ~~وردت في الرسائل الميتانية إلى فراعنة مصر، ولم يعثر أبدا على الخطابات المماثلة ~~في موقع أعالي النهرين، مع دراسات مطولة معقدة، انتهت إلى فرض يضع تلك المملكة ~~في الرافدين الأعلى، مع حيرة غير خافية حول ذلك الانتشار والتشظي الواسع ~~للشعب الحوري، بطول المنطقة وعرضها في الأناضول، وفي جميع بوادي الشام، وفي داخل ~~فلسطين. وأما الأشد أهمية فهو التواجد الذي أشار إليه الجميع، وأهمله الجميع، في ~~بلاد باسم آدم حملت أيضا اسم بلاد الحور، وهو الأمر الذي نراه أمرا. # شكل رقم «37»: مساكن بلاد بونت كما صورتها لوحات حتشبسوت. # شكل رقم «38»: الموضع المفترض لبلاد «ميتاني» بأعالي الرافدين. ~~الأسهم تشير إلى هجرات قادمة من وسط آسيا. # آدم أم ms237 آدوم؟ ~~«اللغة الكارية» وردت إليها إشارات عدة في المصادر القديمة. وربما كانت أقدم ~~تلك الإشارات إشارة «استرابون» المؤرخ الكلاسيكي اليوناني إلى اللغة الكارية، ~~بوصفها لغة لمن يسميهم «سكان الكهوف». كذلك وردت إشارات بالكتاب المقدس إلى قوم ~~يسكنون الكهوف، لكن على مستوى التاريخ كعلم، ظلت اللغة الكارية لغة مجهولة ~~لشعب مجهول، يسكن كهوفا مجهولة في بلاد مجهولة. # ومع علوم التاريخ الحديثة التي فكت رموز كثير من اللغات القديمة، يعود ~~الحديث عن اللغة الكارية إلى الظهور، بعد أن تم إسقاطها من حسابات البحث العلمي ~~منذ زمن بعيد. فقد بدأت نصوص الحضارات القديمة تفصح عن إشارات إلى اللغة ~~الكارية، فنجد النصوص الأكادية بالرافدين تحدثنا عن لغة باسم «اللغة الحورية»، ~~التي يتحدث بها شعب يعيش في بلاد تحمل اسم أصحاب تلك اللغة، أي الشعب الخوري ~~الذي يعيش في بلاد الخور. ووردت تلك البلاد باسم «بلاد الخور»، كذلك وردت إشارات ~~متكررة في النصوص المصرية القديمة إلى لغة باسم «لغة خارو». وعند فك رموز ~~الهيروغليفية الحيثية بتركيا القديمة، وجدت إشارات عديدة إلى اللغة الحورية، بل ~~وتم العثور على ألواح مكتوبة بتلك اللغة. وهو الكشف الذي ترافق مع اكتشاف ~~سجلات تل العمارنة بمصر، لنجد بالعمارنة رسالة تتكون من ستمائة سطر، مكتوبة ~~بتلك اللغة، موجهة من ملك باسم «دوشراتا» يحكم في بلاد باسم «ميتاني». والرسالة ~~موجهة إلى الفرعون آمنحتب الثالث. وهو الأمر الذي أدى إلى إلقاء اللغتين أو ~~بالأحرى اللغة الوحدة (الحورية/الخورية) في رحم اللغة الكارية؛ إذ سنكتشف بعد قليل ~~أنها جميعا ليست سوى لغة واحدة، والربط بينها وبين البلاد التي ذكرت في تلك ~~الرسائل باسم بلاد ميتاني، واعتبار سكان تلك البلاد هم أصحاب تلك اللغة. ومرة أخرى ~~يعود الاعتبار إلى كلام استرابون والكتاب المقدس، حول اللغة الكارية لغة سكان ~~الكهوف. ذلك الكلام الذي جاء في شكل ومضات سريعة، تشير إلى شعب يسكن الكهوف ~~ويتكلم الكارية، واحتسب لوقت طويل من خيالات استرابون، ومبالغات المحرر ~~التوراتي. # وبمرور الوقت تزايد الكشف عن تواجد تلك ~~اللغة وانتشارها، في ألواح عثر عليها ms238 في تل تعنك، وفي وادي جرزيل بفلسطين. ثم ~~كانت المفاجأة، وهي أن تلك اللغة لم تكن مجرد لغة بدائية مجهولة لشعب مجهول. حيث ~~تم العثور على الأقل على مدينة واحدة من مدن شرقي المتوسط، كان أهلها خليطا ~~من عدة أجناس، ويتحدثون عدة لغات بينها اللغة الحورية، بل وضح أنهم كانوا ~~يستخدمونها في المكاتبات الرسمية. وكانت تلك المدينة هي «أوغاريت» على الساحل ~~السوري قرب اللاذقية، وتحمل الآن اسم «تل شمرا». ثم كان من بين الإشارات التي وردت ~~في أوغاريت، على ساحل المتوسط الشرقي وتل العمارنة بمصر، إشارة أخرى تقول: إن ~~البلاد التي سكنها الشعب الحوري الذي تكلم اللغة الحورية، كانت تعرف أيضا باسم ~~بلاد «آدم»، والتي أطلقت عليها نصوص تل العمارنة اسم بلاد «ميتاني»، وأيضا ~~«نهارين». وهو الاسم الذي اعتادته المصادر الآشورية في الإشارة إلى بلاد ~~الحور. # ووفق الإشارات التي وردت عن بلاد «ميتاني» في نصوص أكاد ومصر وبلاد الحيثيين، ~~وتفسير تلك الإشارات لدى المؤرخين، فقد انتهى هؤلاء إلى وجوب وقوعها بين الفرات ~~والخابور بالفرات الأعلى. ورغم ذلك فإنه أبدا لم يعثر هناك حتى الآن على دلائل ~~واضحة، تشير إلى دولة بذلك الاسم «بلاد ميتاني» أو «بلاد آدم». وليست هناك أية كهوف ~~سكنية تشير إلى أصحابها. فقط عثرنا على مخلفات مدينة تدعى «نوزي»، ربما كانت بعض ~~سجلاتها باللغة الحورية، أو على التدقيق كما ذكرت موسوعة تاريخ العالم «بضع كلمات»، ~~وتلك الكلمات البضع أبدا لم تتحدث عن نفسها، باعتبار أن اللغة المدونة بها هي ~~لغة نوزي، كما لم تفصح لنا عن اسم شعبها، أو دولتها أو هويتها. # وهكذا تم وضع اللغة الحورية وشعبها الحوري شعب آدم الميتاني ساكن الكهوف، في ~~ملف صغير يؤكد أن بلاد الميتاني تقع أعالي الفرات. وربما كانوا هم، احتمالا، ~~أولئك الذين حملوا اسم بلاد آدم الحورية، وتكلموا اللغة الحورية، لكن الملف وضع ~~مرة أخرى بين عدد من الملفات المسجلة، تحت عنوان «غير مؤكد وأقرب ~~للمجهول». # وهنا نمسك من كل ذلك الشتات بطرف خيط، يتمثل في واحد من الأسماء ms239 المتعددة ~~لذلك الشعب، الاسم الذي فضل أن يطلقه على نفسه، «شعب آدم»، الذي ورد له مثيل ~~بالكتاب المقدس لكن باسم «آدوم». وسنحاول الآن تحديد موقع «آدوم التوراتي» ~~الجغرافي؛ للتأكد من مدى التقائه من عدمه، مع شعب آدم الحوري الميتاني (التاريخي). ~~وهذا التحديد سيعتمد بالضرورة على ما جاء بالكتاب المقدس عن الشعب الذي سكن بلاد ~~آدوم، إضافة إلى ما يمكن أن نعثر عليه في نصوص المنطقة إن وجدنا. ثم علينا محاولة ~~التأكد والتيقن إن كان شعب «آدوم» التوراتي فعلا هو المذكور في المدونات ~~التاريخية باسم «آدم/الحور/الميتاني/نهارين»؟ وفي حال الوصول إلى إجابة، سنحاول ~~تقديم القرائن والأدلة الممكنة. # يمكن التعرف على موضع بلاد «آدوم»، التي جاء ذكرها بالكتاب المقدس من عدة مواضع ~~ومتكررات بهذا الكتاب، أبرزها النص الذي يحدثنا عن حدود دولة إسرائيل جغرافيا، ~~وكيف تتماس حدودها الجنوبية مع دولة تجاورها من جنوبها. ويصف موقع تلك الدولة ~~بقوله: # تخم آدوم: # 24 # برية صين نحو الجنوب، أقصى التيمن. # أقصى بحر الملح من اللسان المتوجه نحو الجنوب. ~~(يشوع، 15: 1-2) # وهو ما يعني أن الحدود الجنوبية للدولة اليهوذية - حسب سياق النص الذي ورد ~~به الاقتباس - كانت على خط حدودي مع بلاد تسمى آدوم، وأن على تلك التخوم ~~(الحدود) تقع برية باسم برية «صين». ومن جانبنا جهدنا بحثا على تلك الحدود في ~~خريطة المنطقة الحالية، حتى وجدنا برية تحمل اليوم اسم برية «تسين»، دون تغيير ~~لساني يذكر عن برية «صين»، وتقع في ذات الموضع الذي حددته التوراة لبرية صين. ~~ثم إن هذه التخوم تقع عند أقصى بحر الملح جنوبا. و«بحر الملح» هو الاسم التوراتي ~~للبحر الميت، وإن تخوم «حدود» آدوم هذه تبدأ عندما ينتهي لسان البحر الميت ~~الممتد جنوبا. # وتقول التوراة: إن سكان تلك المنطقة سموا آدوميين؛ لأسباب صاغتها التوراة على ~~طريقتها. وأهم تلك الأسباب: أن جد الآدوميين البعيد كان يدعى آدوم، وأن آدوم هذا ~~كان شقيقا توءما ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم المعروف باسم إسرائيل. لقد كان ~~المحرر التوراتي يعلم أن هناك لونا من القرابة القبلية، ms240 بين سكان بلاد آدوم، وبين ~~الشعب الإسرائيلي، فجعل الآباء الأسطوريين للشعبين أشقاء، بل وتوائم. # ومع استمرار القراءة نفهم أن آدوم لم يكن الاسم الأصلي الأصيل لجد الآدوميين؛ ~~لأنه كان يحمل اسما أولا هو «عيسو»، ثم بعد زمن وبعد أن كبر وأصبح شابا يافعا، ~~اكتسب اسم «آدوم». ومرة أخرى تشرح لنا التوراة على طريقتها لماذا حمل عيسو عندما ~~يفع شابا اسم «آدوم»؟ لتفسر لنا صفة أخرى لهذا الشعب الآدومي، تضيف لمعلوماتنا ~~عنه مزيدا من الرصيد. وفي هذا التفسير يقدم لنا الكتاب المقدس قصة، تتضمن ~~معلومة كان يعرفها المحرر التوراتي عن يقين، تحكي أن عيسو كان ذات يوم جائعا، ~~فلجأ لأخيه التوءم يعقوب ليطعمه، وكان يعقوب قد طبخ عدسا. ويقول النص في ذلك: # فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر؛ لأني قد أعييت؛ لذلك دعي اسمه ~~آدوم. فباع بكوريته ليعقوب، فأعطى يعقوب عيسو خبزا، وطبيخ عدس. ~~(تكوين ، 25: 30-34) # النص يقول: إن عيسو عندما أكل العدس «الأحمر»، حمل بعدها اسم آدوم. فماذا يعني ~~هذا الكلام الساذج؟ يمكننا أن نجد مزيدا من التوضيح في نص آخر، يحكي لنا قصة ~~ميلاد السلفين الأسطوريين للشعبين الإسرائيلي والآدومي، حيث يقول عن رفقة زوجة ~~إسحاق، وحملها للتوءمين: # فلما أكملت أيامها لتلد؛ إذا في بطنها توءمان. فخرج الأول أحمر كله ~~كفروة شعر، فدعوا اسمه عيسو. وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو، ~~فدعي اسمه يعقوب. ~~(تكوين، 25: 24-26) # مرة أخرى تفسر لنا القصة ذلك الأمر الذي كان يعرفه المحرر التوراتي، وهو أن ~~الشعب الآدومي كان «شعبا أحمر» كما هي عادة التوراة في وضع معان لأسماء الأعلام، ~~مثل بنيامين أي: ابن اليمين. ويعقوب سمي كذلك؛ لأنه كان يمسك بعقب أخيه التوءم ~~عيسو عند ولادته. كذلك سمي عيسو بهذا الاسم؛ لأن اسم عيسو يعني الأحمر، واسمه ~~الثاني آدوم يعني أيضا الأحمر. وكان الترميز إلى اللون الأحمر في الاسم عيسو «فروة ~~شعر»، والترميز إلى اللون الأحمر في الاسم آدوم «طبيخ عدس». أما معنى كلمة «آدوم» ~~في اللغتين العبرية والعربية، فهو الصخر أو ms241 التراب «الأحمر». والمقصود هو اللون ~~الأشقر الضارب إلى حمرة، أو الأحمر الضارب إلى غبرة. وهو الأمر الذي يرجح ~~استنتاجات المؤرخين أن الشعب الميتاني - حسب موسوعة تاريخ العالم - من الجنس ~~الهندوآري. وعادة ما يحمل هذا الجنس صفة الشقرة الضاربة إلى حمرة. وهذا أول القطر ~~في محاولة التيقن من تطابق القصة التاريخية، عن شعب آدوم الحوري الميتاني ~~التاريخي، مع الشعب الذي ذكره الكتاب المقدس باسم شعب آدوم. # ومع محاولة البحث عن تطابق، نحاول أيضا تدقيق الموقع الجغرافي لبلاد آدوم التي ~~سكنها الشعب الحوري صاحب اللغة الحورية الكارية. نمسك بتلابيب «آدم» التي رأيناها ~~ذات «آدوم»، لنطالع خريطة المكان الذي حدثنا عنه الكتاب المقدس جنوبي البحر ~~الميت. فنجده امتدادا طوليا على الجهتين الأصليتين الشمال والجنوب، يسير مع ~~امتداد «جبال الشراة أو السراة»، التي تطلق عليها التوراة اسم جبال «سعير»، التي ~~يوازيها من الغرب واد عظيم، يمتد بنفس الطول يسمى «وادي عربة ». # لكن المصادر التاريخية وصفت شعب ~~«آدم/التاريخي» بأنه شعب «حوري»، فهل نجد أية إشارة بالكتاب المقدس تشير إلى أن شعب ~~«آدوم/التوراتي»، بدوره كان يحمل تلك الصفة «حوري»؟ هنا تقفز بين أيدينا نصوص ~~واضحة، ونحن نقلب دفتي المقدس تقول: # وفي سعير سكن قبلا «الحوريون»، فطردهم بنو عيسو، وأبادوهم من قدامهم، ~~وسكنوا مكانهم. ~~(تثنية، 2: 12) # ها قد بدأت الأمور تنجلي بين أيدينا. ولدينا الآن قرينة جديدة، تتمثل في أن شعب ~~«آدم» المزعوم أنه سكن أعالي الفرات، كان يحمل الصفة «حوري»، وهي ذات الصفة التي ~~أكد المقدس على أنها كانت صفة شعب «آدوم»، الواقع على امتداد جبال السراة (سعير)، ~~ووادي عربة جنوبي البحر الميت. # لكن النص هنا حاول القول إن «آدوم» أناس و«الحور» أناس أخر. لكن الحدث حدث في ~~ذات المكان، حيث أباد الآدوميون (بنو عيسو) الحوريين واستوطنوا بلادهم. ونظن أن ذلك ~~يعود إلى سبب تأسيسي. فلما كان الحوريون أشقاء للإسرائيليين، وكان معلوما أنهم ~~هندوآريون وليسوا ساميين. وحتى لا تلحق الهندوآرية بإسرائيل؛ فقد تمت الصياغة بهذا ~~الشكل، لكنها لم تلحق باستنتاجنا أي خلل؛ فنحن ما زلنا في ذات ms242 المكان الذي حددته ~~التوراة. وما يشغلنا الآن هو أن ذلك الموضع كان سكنا لشعب الحور الذي نعتقد الآن، ~~أنه ذات شعب آدوم (وهو ما سنقدم عليه قرائن كافية). شعب آدوم الذي سكن جبال ~~عسير/السراة ووادي عربة ذلك الوادي الذي كان سببا في إطلاق اسم العرب أولا على ~~سكان آدم وسيناء وبعض بوادي الشام القريبة. ولم يتم تعميم اسم عرب على سكان ~~المحيط الأوسع في بوادي الشام وجزيرة العرب، إلا بعد ذلك بزمن طويل. فظل العرب هم ~~سكان عرابة/عربة ومحطيها في النصوص الرافدية، التي بدأت ذكرهم حوالي 8ق.م. أو قبله ~~بقليل، حتى زمن المؤرخين الكلاسيك قبل القرن الميلادي الأول، الذين أخذوا يتحدثون ~~عن عرب جزيرة العرب المعروفة الآن. وهو أمر سيأتي تفصيل بيانه في مكانه من هذا ~~العمل. # ونعود نمسك بأول القرائن الدالة والشاهدة «آدم = آدوم = بلاد الحور»، نحاول ~~العثور على مزيد من التحديد الدقيق خاصة الجغرافي. وليس في أيدينا عن البلاد الذي ~~ذكرها علم التاريخ باسم «آدوم» سوى شذرات يسيرة تماما، إضافة إلى ما ورد عنها ~~بالكتاب المقدس. وإن نصا بالمقدس أو نصين كما أوردنا، لا يؤكدان شيئا ولا ~~ينفيان شيئا، إزاء قضية كبرى كتلك التي بين أيدينا، نحاول فيها تحديد موضع مخالف ~~تماما لما تعارف عليه رجال التاريخ، كموطن ومستقر للشعب الحوري الميتاني في ~~منطقة المتوسط الشرقي، الذي أسكنوه أعالي الفرات، دونما دلائل وبيئات حاسمة واضحة ~~كافية مؤكدة، أو حتى شبه مؤكدة. # وعليه نعود للوثيقة التاريخية الكبرى ~~المتاحة، الكتاب المقدس، ننقب فيها بحثا عن مزيد من التأكيد، على أن بلاد «آدم» ~~التاريخية في موقع «بلاد آدوم» التوراتية، وأن ذلك الموقع يتموضع في المساحة ~~الواقعة بطول وادي عربة شرقي سيناء. ونقرأ قصة عن يعقوب بن إسحاق، الذي سبق وذهب ~~في رحلة طويلة إلى الشمال السوري، ثم عاد يريد دخول فلسطين مع أنعامه وعبيده، ~~بالعبور من جنوبي البحر الميت. لكن هذا العبور كان يعني اختراق منطقة شعب أخيه ~~عيسو/آدوم. وهنا نجد يعقوب يضطر إلى دفع رسوم عبور عالية؛ ليتمكن من العبور ms243 عبر ~~آدوم، إلى النقب جنوبي فلسطين. وهو ما نفهمه من النص: # وأرسل يعقوب رسلا قدامه إلى عيسو أخيه، إلى أرض سعير بلاد آدوم. وأخذ ~~مما أتى بيده هدية لعيسو أخيه، مائتي عنزة وعشرين تيسا ومائتي نعجة، ~~وعشرين كبشا، وثلاثين ناقة مرضعة، وأولادها. ~~(تكوين، 32: 3، 13، 14) # ومثل تلك الهدية أو ضريبة العبور، تعني أنه كان مع يعقوب مثلها عشر مرات على ~~الأقل، لو افترضنا أنه دفع العشر ضريبة العبور المتوافق عليها في الزمن القديم. وهو ~~ما يفسر لنا عدم تمكنه من عبور نهر الأردن مباشرة إلى فلسطين، واضطراره ~~للدوران من جنوب البحر الميت، بما معه من سوائم؛ لأن عددها سيصل على الأقل إلى ~~ألفي عنزة ومائتي تيس وألفي نعجة، ومائتي كبش وثلاثمائة ناقة وأولادها، وعبوره ~~بذلك كله على بلاد آدوم، التي وضح موضعها الجغرافي هنا كحاجز كبير يفصل شرقي ~~المنطقة في البوادي الشامية شمالي جزيرة العرب، عن غربيها شبه جزيرة سيناء، ~~بحيث لم يكن بإمكان يعقوب أن يجد أي منفذ للعبور، مما يعني أن سيطرة آدوم قد ~~امتدت من جنوبي البحر الميت حتى خليج العقبة، لتغلق المنطقة تماما على أي ~~عبور، وأن تلك البلاد كانت قبائل أو عصابات تقطع الطريق، أو دولة قوية مقتدرة تأخذ ~~رسومها ممن يعبرون أرضها، أو تستولي على ممتلكاتهم. # وهكذا كان المحرر التوراتي يعرف بصلة قوية بين القبائل الآدومية والقبائل ~~الإسرائيلية. وكان يعلم بالتحديد وبالقطع وباليقين، الموضع الدقيق لبلاد آدوم ~~ومساحة سيطرتها، وأن آدوم قد سكنوا جبال سراة سعير، ووادي عربة جميعا، «فسكن عيسو ~~في جبل سعير وعيسو هو آدوم (تكوين، 36: 8)». أما بلاد سعير نفسها فقد اكتسبت ~~اسمها، حسب التخريج التوراتي، من اسم ساكنيها الأوائل «بنو سعير الحوري» (تكوين، ~~36: 20). # ما زلنا ندعم موقعنا الجغرافي لبلاد «آدم ~~الحورية التاريخية» في بلاد «آدوم الحورية التوراتية» لمزيد من اليقين. ونعمد إلى ~~الكتاب المقدس لنؤكد أن محرري التوراة كانوا يعلمون يقينا معلومة معروفة لديهم، ~~بشكل واضح تماما لا تقبل الالتباس، يعودون إليها كل مرة دون خطأ واحد، مما يشير ~~إلى أنهم بين الأساطير ms244 والترميزات كان لديهم طوال الوقت، خريطة واضحة تتأكد دوما. ~~ونموذجا لذلك حكاية جاءت ضمن حكايا التوراة عن خروج بني إسرائيل من مصر عبورا ~~على سيناء، في عدد هائل من البشر تحت قيادة النبي موسى. وتقول الرواية إن النبي ~~موسى بعد أن وصل مع أتباعه حدود فلسطين الجنوبية، كان بالإمكان أن يتعرض من ~~سكانها لرد فعل عسكري قوي، ففضل مفاجأتها بعبور الأردن من شرقيه إلى غربيه، ~~والهبوط الصاعق على أريحا. لكن ذلك كان يعني أولا عبور وادي عربة وجبال سعير؛ كي ~~يصبح في الموضع المطلوب حسب خطته. وبالفعل تم العبور وفق التخطيط المعد له، ولم ~~يخبرنا المقدس إن كان موسى قد دفع رسوم عبور أم لا. لكن الصورة التي تحكيها ~~التوراة تصور ذلك العبور تسللا هادئا ساكنا مرتعبا، رافقته أوامر إلهية ~~بعدم التحرش أبدا بسكان بلاد آدوم، وهو ما جاء في شكل أوامر من يهوه إلى نبيه ~~موسى، قائلا: # أوص الشعب قائلا: أنتم الآن مارون بتحكم إخوتكم بني عيسو الساكنين في ~~سعير، فيخافون منكم فاحترزوا جدا. لا تهجموا عليهم؛ لأني لا أعطيكم ~~أرضهم ولا وطأة قدم؛ لأني لعيسو أعطيت جبل سعير ميراثا. فعبرنا عن ~~إخواننا بني عيسو الساكنين في سعير على طريق العربة (أي وادي عربة ~~[المؤلف]) وعلى أيلة (حاليا ميناء إيلات [المؤلف]) وعلى عصيون جابر (في ~~الجوار الغربي منه [المؤلف]). ثم تحولنا ومررنا في طريق برية موآب. ~~(تثنية، 2: 8، 5، 4) # مرة أخرى يسجل المحرر التوراتي، بشديد الدقة، ذكرياته عن بلاد آدوم، فهي بلاد ~~عيسو الساكنين في سعير، وأن بلادهم تقع في جبال تعرف باسمهم، فهي جبال سعير ~~ووادي عربة. ومن موانيها المشهورة: ميناء أيلة، وكلها تقع في المساحة الواقعة بين ~~البحر الميت وخليج العقبة. ويؤكد هذه الموضعة الجغرافية أن النص يقول إنه بعبور ~~وادي عربة وجبل سعير من غربه إلى شرقه، يصلون إلى طريق برية موآب. وموآب دولة ~~تاريخية معلومة تقع إلى الشرق من البحر الميت في قسمه الجنوبي، أي تلاصق بلاد ~~آدوم المفترضة في هذا الموضع من الشرق، والشمال الشرقي، وهو ms245 الأمر الذي يفيد بمدى ~~وضوح الجغرافيا ودقتها عند المحرر التوراتي. # والآن هل نجد في وثائق التاريخ كعلم ما يؤيد ما ذهبنا إليه؟ وهل ثمة إشارة إلى ~~بلاد «آدم» كما نقصدها نحن «آدوم سعير»، في أي مدونات أو وثائق في علم التاريخ؟ وهل ~~نجد في هذه الوثائق أية إفادات، تدعم الموقع الجغرافي الذي حددته التوراة ~~لبلاد آدوم؟ # نظن أننا عثرنا على أول تلك الإشارات، وأننا أول من عثر عليها في أكثر من وثيقة ~~حقيقية، أولها ملحمة «كارت ملك صيدون». وتروي تلك الملحمة قصة حملة عسكرية كبرى، ~~يقوم بها (كارت ملك صيدا على الساحل الجنوبي)، على بلاد حددت الملحمة موقعها إلى ~~الجنوب من بلاد صيدا، وليس إلى الشمال منها بين الفرات والخابور. وكان هدف الحملة ~~بلدا يحمل اسم «آدوم الكبرى». # 25 # وهو الاصطلاح الذي لا يشير لآدوم كمجرد دولة جنوبية، إنما دولة تستحق ~~أن توصف بأنها كبرى. # وتحكي الملحمة، بالأسلوب الرمزي الغنائي ~~الملحمي، قصة تحرك جيوش عظيمة من صيدا، تحت قيادة ملكها الذي حمل اسم كارت، ~~ليتزوج ابنة ملك آدوم. فيما يبدو أنه كان فرضا لاتحاد بالقوة، حيث كان الزواج هو ~~عقد الوحدة والأحلاف بين الأسر الملكية. ولا ~~يفوتنا التنبيه إلى أن اسم «كارت» نفسه يلتقي مع اللغة «الكارية»، ومع اسم مدينة ~~«أوغاريت» التي عثر فيها على تلك الملحمة. فهي مدينة «أو كارت»، وورد اسمها في ~~سجلات العمارنة، بإسقاط الراء المعترضة «أوكات». فالاسم كارت يعني إذن: الكاري، أو ~~الحوري. # ومع البحث نمسك بوثيقة أخرى، تؤكد صدق ما نفترضه هنا، فنقرأ عن حملة قام بها ~~الفرعون «رمسيس الثالث»، اتجهت إلى بلاد يسكنها شعب يسمى بالسعيريين، وجاء النص ~~على لسان الفرعون وهو يقول: # لقد قضيت على «السعيريين» من قبائل «شاسو». # 26 # ونحن نعلم أن السعيريين تعني سكان جبال سعير، لكن النص هنا لا يحدد لنا مكانا. ~~فقط يقول: «السعيريين من قبائل شاسو». والكلمة «شاسو» كانت تعبيرا مصريا شائعا، ~~يشير إلى بدو شبه جزيرة سيناء، مع اصطلاحات أخرى مثل «عامو» و«ستيو»، التي تطلق ~~على الآسيويين ms246 عموما، وعلى الهكسوس خصوصا. # لكن، ألم يكن المصريون القدماء يعلمون ما عرفناه في بحثنا هنا، وهو أن شاسو ~~(سعير) هم الآدوميون؟ وإذا كانوا قد عرفوا ذلك، فهل يمكننا أن نجد نصا مصريا ~~قديما يفيد ذلك؟ نعم هناك نص آخر عثرنا عليه، وقد جاء في تقرير رسمي لموظف من ~~عهد الفرعون مرنبتاح # من الأسرة التاسعة عشرة، حوالي 1224-1214ق.م. يقول فيه: # انتهينا من السماح لقبائل «الشاسو الآدومية» بتخطي قلعة مرنبتاح التي في ~~زيكو، ليظلوا هم وقطعانهم أحياء بفضل إحسان فرعون. # 27 # هكذا وصف النص قبائل الشاسو بأنهم من الآدوميين. والنص الأسبق يتحدث عن الشاسو ~~بوصفهم من جبال سعير. وهكذا أصبح لدينا قرائن كافية على معرفة المصري القديم أن ~~الشاسو هم الآدوميون الذين يسكنون جبال سعير، مما يدعم ~~رؤيتنا التي تموضع مركز دولة «آدم» الحورية ~~الرئيسي في بلاد آدوم، في وادي عربة وسراة سعير؛ لأنها هي فقط التي تحمل اسم ~~«سعير»، وليس أي مكان آخر. ولكنا نطمح إلى المزيد من القرائن التي يمكن أن ترقى ~~بفرضنا، من مستوى الفرض المحتمل إلى مستوى النظرية، التي تحمل أدلة كافية على ~~صدقها. # وبسبيل ذلك نتذكر النص التوراتي السالف إيراده. ويحدثنا عن ميناء باسم «عصيون ~~جابر»، يقع إلى الجوار من ميناء يدعى «إيله»، وأن كلا الميناءين يقع في بلاد ~~آدوم، حيث عبر موسى برجاله. وإن ما يؤكد لنا أن كلا من المينائين كان يقع على ~~خليج العقبة، وأن «إيلات» الحالية هي بالفعل ميناء يقع بجوار إيلات. والعقبة ~~الحالية هو أن محرري التوراة كانوا يطلقون على البحر الأحمر اسم بحر «سوف»، ~~والشديد الدلالة هنا هو أن محرري التوراة رغم اختلافهم مشربا وزمنا بتعدد ~~الأسفار، فإن الجغرافيا كانت واضحة لديهم؛ لأنها معالم مستقرة وثابتة. وليس هناك ~~أية حاجة واضحة للعب بها لصالح أسطورة الشعب المختار، كما هو دأب الكتاب المقدس. ~~فيقول لنا سفر ملوك أول: «وعمل الملك سليمان سفنا في عصيون جابر، التي بجانب أيلة ~~في أرض آدوم» (ملوك أول، 9: 26). والنص هنا يشير إلى اتساع ملك سليمان - حقيقة أو ms247 ~~مبالغة من المحرر التوراتي - على حساب دولة آدوم، حتى إنه اتخذ من الميناء الآدومي ~~«عصيون جابر» ميناء له على البحر الأحمر. # وللمزيد نبحث عن أسماء مواضع وردت في التاريخ ضمن بلاد آدم، وعن أسماء مواضع ~~وردت في الكتاب المقدس، تقع ضمن بلاد آدوم، لنحاول مطابقتها معا، ومع واقع ~~الجغرافيا. لذلك نسير مع الأسفار شوطا بعيدا، إلى ما بعد قيام مملكة إسرائيل ~~الموحدة زمن شاول وداود وسليمان، وانقسامها بموت سليمان إلى إسرائيل في الشمال ~~ويهوذا في الجنوب، لنستمع إلى حديث عن حرب وقعت بين المملكة الجنوبية يهوذا، زمن ~~ملكها المعروف باسم «أمصيا بن يوآش»، وبين مملكة آدوم. يقول ذلك الحديث: «هو (أي ~~أمصيا [المؤلف]) قتل من «آدوم» في وادي الملح عشرة آلاف وأخذ «سالع» بالحرب» (ملوك ~~ثاني 14: 7). والمعنى أن الملك الإسرائيلي أمصيا احتل بلاد آدوم بمجازر، واستولى ~~على عاصمتها سالع. و«سالع» كلمة عبرية كنعانية تعني «الصخرة»، وظلت سالع تعرف بهذا ~~الاسم حتى زمن اليونان الذين أطلقوا عليها اسما جديدا. لكنه يحمل ذات المعنى الذي ~~كان يحمله اسم سالع، فأسموها «بترا» أي الصخرة باليونانية. واستمر ذلك الاسم بعد ~~ذلك زمن الرومان، وحتى الأزمنة الحديثة والمعاصرة، فهي لم تزل تحمل اسم البتراء. ثم ~~نعلم أنه في زمن الرومان كانت بترا هي عاصمة البلاد الواقعة بين البحر الميت وخليج ~~العقبة. وهكذا تكون سالع التي ذكرتها التوراة تقع في الموقع ذاته. وهو ما يؤكد لنا ~~طول الوقت أين تقع بلاد آدوم، التي افترضنا أنها بلاد آدم الحورية (ميتاني) ~~التاريخية، التي موضعها المؤرخون بالفرات الأعلى بين الفرات والخابور. # ويستمر بحثنا على دأبه؛ لتأكيد موقع بلاد ~~آدوم، بين العقبة والبحر الميت، فنجد سفر إشعيا يقول: «وحي من جهة «دومة» صرخ إلي ~~صارخ (من سعير)» (إشعيا، 21: 11). # وعندما كانت التوراة تغضب على شعب؛ لأنه عادى شعب الرب، فإنها كانت تستنزل عليه ~~اللعنات المرتجاة في قابل الأيام. وهو ما حدث في مراحل متأخرة من التاريخ ~~الإسرائيلي، حيث قلبت الأيام العلاقات، وتحولت القرابات والود إلى معارك دموية. ~~ويبدو أن بلاد آدوم ms248 كانت صلبة في صراعها مع الإسرائيليين، إلى الحد الذي دفع إشعيا ~~ليجأر بنبوءاته تستنزل على الدمار الإلهي على آدوم: # هوذا على آدوم ينزل، وعلى شعب حرمته للدينونة للرب ذبيحة في بصرة، ~~وذبحا عظيما في أرض آدوم، وتتحول أنهارها زفتا وترابها كبريتا، وتصير ~~أرضها زفتا مشتعلا ليلا ونهارا لا تنطفئ. ~~(إشعيا، 34: 5-10) # كما هو واضح، إشعيا الأريب يلحظ الأرض البركانية في المنطقة، فيتنبأ بأن فناء ~~آدوم سيكون بالزفت المشتعل والكبريت. وطوال الوقت نجد آدوم بلادا لا تقع عند ~~الفرات الأعلى. فالنص يذكر من مدن آدوم مدينة باسم «بصرة». وليس في أعالي الرافدين ~~أي «بصرة»، لكنا نجد حتى الآن بصرى شمالي البتراء في سراة سعير. ثم لا يفوت ~~المدقق أن نص إشعيا يشير إلى أن بلاد آدوم كان بها حتى زمنه أنهار تسقيها، تلك ~~التي يتنبأ أن مياهها ستتحول إلى كبريت. # ومثل النص السالف نجد نصا آخر، يقول بلسان الرب في نبوءة النبي الإسرائيلي حزقيال: # وأمد يدي على آدوم، وأقطع منها الإنسان والحيوان، وأصيرها خرابا من ~~التيمن إلى ددان، وأجعل نقمتي في آدوم بيد شعبي إسرائيل. ~~(حزقيال، 25: 13، 14) # ويضيف النص هنا إلى معلوماتنا الجغرافية، كي ~~نرسم خريطة واضحة لبلاد آدوم، فيقول: إن من مدن بلاد آدوم إضافة إلى «بصرى» ~~مدينتين أخريين، هما «التيمن» و«ددان». وتقع «التيمن» في شرقي جبال سعير شمالي ~~جزيرة العرب. كذلك «ددان» هو الاسم الثابت تاريخيا لبلدة العلا الحالية شمالي ~~السعودية، مما يشير إلى توسع جغرافي نحو الشرق يتبع دولة آدوم، قد يصل بنا إلى ~~تيماء ومدينة العلا، وجميعها كما نرى لا تقع في الرافدين الأعلى. فليس هناك أي موضع ~~باسم «التيمن» ولا باسم «ددان». # وفي الروايات التاريخية نلمس صلات وطيدة بين مصر وبين بلاد آدم الحورية. فنسمع ~~من علم التاريخ عن زيجات تمت بين البلاط المصري وبلاط بلاد آدم الميتاني. وهي ذات ~~الصلات التي نلمسها في روايات الكتاب المقدس عن علاقة آدوم بمصر، وذلك في رواية ~~يرويها محرر الكتاب المقدس حول الصراع الذي دار بين ملك الدولة الإسرائيلية ~~الموحدة: ms249 سليمان، وبين جيرانه الآدوميين. فيروي لنا أن الملك داود ومن بعده سليمان ~~قاما بحروب احتلا بها بلاد آدوم، فهرب رجال القصر الآدومي الحاكم بولي العهد ~~الصغير إلى مصر. وكان اسمه «هداد» أو «حداد». ويقول النص: # إن هدد هرب هو ورجال آدوميون من عبيد أبيه معه ليأتوا إلى مصر، وكان هدد ~~غلاما صغيرا. وقاموا من مديان وأتوا إلى فاران، وأخذوا معهم رجالا من ~~فاران إلى مصر إلى فرعون مصر. فأعطاه بيتا، وعين له طعاما وأعطاه أرضا. ~~فوجد هدد نعمة في عيني فرعون جدا وزوجه أخت امرأته، أخت تحفنيس الملكة. ~~فولدت له أخت تحفنيس جنوبث ابنه، وفطمته تحفنيس في وسط بيت فرعون. وكان ~~جنوبث في بيت فرعون بين بني فرعون. ~~(ملوك أول، 11: 17-20) # وتلك الرواية تشي بأكثر من سر؛ فهناك صلة حارة بين ملوك آدوم وبين الفراعنة. ~~وهي الصلة الحارة التي حدثتنا عنها وثائق تل العمارنة، بين الفراعنة وبين ~~الميتانيين في بلاد آدم الحوري. لكن الملحوظة الهامة هي أن التقليد المصري كان ~~يسمح للمصري بالزواج من أجنبية، لكنه لم يكن يحق للمصرية إطلاقا أن تتزوج من غير ~~مصري، فما بالنا والنص هنا يقول إن المصرية التي تزوجت الأجنبي الآدومي كانت أميرة ~~من البيت المالك، بما لها من قداسة دينية وقانونية. إنه أمر لا يجب أن يمر بسرعة ~~نضيفه إلى رصيدنا نحو الكشف المأمول، حيث لم يصلنا من علم التاريخ في الوثائق ~~المصرية، أن هناك أميرة مصرية تزوجت أجنبيا سوى في حالة «ميتاني» فقط. وهو ما ~~تؤكد التوراة أنه قد حدث مع ملك آدوم. أفلا يعني ذلك أن «ميتاني» هي ذات عين ~~آدوم؟ # وربما حدث مرة أخرى في حالة زواج سليمان من بنت الفرعون، الذي لم تذكر ~~التوراة اسمه. وربما كان هذا الفرعون هو شيشنق؛ لأن شيشنق هجم على دولة سليمان بعد ~~موت سليمان مباشرة، على أن نقبل رواية التوراة عن هذا الزواج، بتحوط وتحرز، وربما ~~بشك عظيم، فقد تكون كاذبة تماما. أو ربما نصدقها إذا نظرنا إلى زمن شيشنق كبداية ~~لانحطاط القوة ms250 المصرية الصلفة، ناهيك عن كون هذا الزمن زمن حكم الشناشقة لم يكن ~~زمن حكم مصري؛ لأن الشناشقة وشيشنق هذا لم يكونوا مصريين بل ليبيون؛ لأن شيشنق ~~الأول هو مؤسس لأسرة ليبية حكمت عرش مصر. ومن هنا يمكن أن نفهم عدم حرصهم على ~~التقاليد المصرية المقدسة. # ونعاود البحث وراء وثائق التاريخ، نبحث عما يؤيدنا، فنجد نصا يمكن أن يعطينا ~~دليلا جديدا، هو نص آمنحتب الثاني # 1436-1413ق.م. يسوقه لنا جاردنر مع تعقيباته قائلا: «نفهم من النص أن الفرعون ~~المصري كان في مجلس شراب، فانطلق لسانه بالاحتقار لأعدائه الأجانب، بمن فيهم العجوز ~~رباح وقوم نخسى الذين لا جدوى منهم، وأنه بعد أن عاد جلالته من رتنو العليا، وبعد ~~أن قهر أولئك الذين لم يستشعر حبهم له، وبعد أن مد حدود مصر في حملة النصر الأولى ~~له، عاد جلالته فرح القلب إلى أبيه آمون، ووضعهم مقلوبين على مقدم سفينة جلالته ~~التي كان اسمها: عا خبرع مثبت الأرضين. وقد علق ستة من هؤلاء الأعداء على واجهة سور ~~طيبة، أما السابع فقد أرسل بسفينة إلى النوبة. وهناك علق على جدار سور نبتة ليكون ~~عبرة. ونخسى لا تبعد كثيرا عن قادش على نهر الأورنت، وهي الحملة نفسها التي جاء ~~ذكرها على تمثال لأمنمحات عثر عليه في مدامود، يشير فيه أنه شهد جرأة وإقدام مولاه ~~آمنحتب الثاني، حيث غزا ثلاثين مدينة في ناحية نخسى. ونلتقي بفقرة تصف تدمير مكان ~~يدعى «شمس آدوم»، لا يبعد أكثر من مسيرة يوم عن قطنا. وهي مدينة هامة على بعد أحد ~~عشر ميلا إلى شمال شرقي حمص.» # 28 # وحتى يمكن فهم النص الذي قدمه جاردنر مصحوبا بوجهة نظره الشخصية، فإن بلاد رتنو ~~العليا اصطلاح مصري يشير إلى بلاد سورية ولبنان الحالية. بينما كان يعبر عن فلسطين ~~ومحيطها الجنوبي باسم رتنو السفلى. ويبدو لنا أن الاسم «رتنو» من «ردن»، ومنه ~~الكلمة «أردن». وهكذا يكون هناك أردن أعلى يقصد به نهر العاصي، الذي يحمل اسم ~~«أورنت»، ويلتقي تماما مع كلمة «أردن» بظاهرة القلب، # 29 # ويكون ms251 هناك رتنو سفلى يقصد به نهر الأردن الحالي ومحيطه. # وحول قراءة أسماء الأعلام في اللغات القديمة، يبدي الباحثون قلقهم «من صعوبات ~~البحث في التاريخ القديم عموما؛ إذ إن كتابة الأسماء القديمة لا تخضع لأية قواعد ~~متعارف عليها. فإذا أخذنا أسماء باللغات التي لها قرابة عائلية مع اللغة العربية، ~~مثل: الأوغاريتية والآرامية والعبرية والأكادية وغيرها، نجد اختلافا في تهجئة ~~أسماء العلم، قد يؤدي إلى فوضى في هوية الأسماء الشخصية وأسماء الأماكن.» # 30 # ونعود إلى قصة حملة آمنحتب الثاني، الذي اضطر عند عودته من بلاد رتنو إلى تدمير ~~موضع باسم «شمس آدوم». وليس في المناطق الشمالية بين الفرات والخابور، أي آدوم. ~~وليس هناك موضع باسم شمس آدوم. فقط لدينا آدوم التي نتحدث عنها، الواقعة في البلاد ~~في البلاد الصخرية، في محيط جبال سراة ووادي عربة. ومن هنا يجب استبعاد ملاحظة ~~جاردنر التوضيحية، التي ليست بالنص المصري، والتي تقول : إن شمس آدوم تبعد عن ~~«قطنا/حمص» مسيرة يوم. ويجب في ظل ما جمعناه حتى الآن، أن نفهم أن حملة آمنحتب ~~الثاني عند عودتها إلى مصر، هبطت إلى بلاد سعير الحوري في حملة تأديبية، اضطر ~~معها إلى تدمير شمس آدوم، أو عاصمة آدوم. ويدعمنا في ذلك التفسير أنه قد ترافق في ~~النص مع اسم شمس آدوم، اسم لموضع آخر باسم قادش. فبماذا تفيدنا قادش هنا؟ # إن الدارس للجغرافيا القديمة للمنطقة، سيكتشف أنه كان هناك أكثر من «قادش». ~~فالكلمة تعني الحرم والمقدس والقدس والقديس (قديش بالعبرية). فهناك واحدة من تلك ~~القوادش في الشمال السوري على نهر العاصي، ثم هناك أخرى في الجليل الفلسطيني تعرف ~~في التوراة باسم قادش نفتالي، ثم لدينا أهم القوادش قادش أورشليم التي استقر ~~اسمها في العربية «القدس». ثم نعلم من التوراة بوجود قادش أخرى تقع في سيناء وجنوبي ~~فلسطين، وردت معرفة مرتين: مرة باسم «قادش برنيع»، ومرة أخرى باسم «قادش عين ~~مشفاط». وورد ذكر قادش سيناء هذه أكثر من مرة في قصة البطرك إبراهيم، وفي قصة ~~الخروج الإسرائيلي من مصر، حيث كانت ms252 محطة كبرى للخارجين من مصر عند آخر حدود سيناء ~~الشرقية. وقد استقروا فيها ثمانية وثلاثين عاما بعد رحيل في سيناء استمر سنتين، ~~وهو ما جعل رحلة التيه تستغرق أربعين عاما. # ووفق الإحداثيات المعطاة لنا بالتوراة حول قادش سيناء، فإنها لا بد أن تكون قد ~~قامت على الحدود الغربية لبلاد آدوم الجنوبية لبلاد فلسطين الشرقية لشبه جزيرة ~~سيناء. ونظنها هي بالتحديد المقصودة قادش الواردة في نص آمنحتب الثاني؛ لترافقها مع ~~شمس آدوم. # شكل رقم «39»: خريطة تبين موقع بلاد آدوم. # وللتبسيط السريع نقتطع بعض الإحداثيات التي أعطانا إياها الكتاب المقدس، وتتعلق ~~بالموضع «قادش» لتأكيد ارتباطها بشمس آدوم، وبلاد آدوم فيما نزعم. # في قصة ميلاد إسماعيل بن إبراهيم يتم طرده هو وأمه هاجر، فيذهبان ليستوطنا في ~~بادية تحمل اسم «برية فاران» (تكوين، 21: 21). وفي موضع آخر بالتوراة نجد قادش ~~سيناء تقع في محيط بريتين، الأولى باسم «برية فاران» (عدد ، 3: 26). والثانية باسم ~~«برية صين» (عدد، 20: 1). وبالبحث علمنا أن برية فاران هي برية «باران» الحالية. ~~التي تقع على حدود سيناء الشرقية، وتتاخم من الغرب بلاد آدوم الحورية. وإلى الشمال ~~من «باران» عند لسان البحر الميت الجنوبي غربا، نجد برية باسم «برية تسين»، وهي ما ~~يطابق «صين» التوراتية. وقد أكد الإصحاح العشرون من سفر العدد أن قادش، كانت تقع ~~في طرف تخوم آدوم الغربية، وبذلك تقع جنوبي فلسطين. ويؤكد ذلك بشكل آخر سفر يشوع، ~~ضمن المدن الواقعة على الحدود الجنوبية لفلسطين: # وكانت المدن القصوى التي لسبط يهوذا إلى تخم آدوم جنوبا: قبصئيل، وعيدر، ~~وياجور وقينة، وديمونة، وعدعدة، وقادش، وحاصور، ويثنان. ~~(يشوع، 15: 21، 22، 23) # وفي تحديده لأرض يهوذا بفلسطين، أوضح الكتاب المقدس أن حدودها الجنوبية «جانب ~~الجنوب يمينا، من تامارا إلى مياه مريبوت قادش النهر إلى البحر ~~الكبير» (حزقيال، 47: 19). # 31 # بل إن المسافة بين قادش النهر هذه وبين جبال سعير بآدوم، قد تم تحديدها ~~في قول المقدس: «أحد عشر يوما من حوريب على طريق جبل سعير إلى قادش برنيع» (تثنية، ~~1: 2). # وإعمالا لهذه المعطيات الإحداثية تم تحديد قادش سيناء عند الأركيولوجي ms253 ~~«ترامبول»، بموضع «عين قديس» الآن شرقي سيناء. وكان معنى أن يسكنها عدد هائل من ~~البشر الخارجين من مصر تحت قيادة موسى لمدة ثمان وثلاثين سنة، أنها كانت عامرة ~~ومؤهلة طبيعيا بكميات من المياه؛ لإيواء هذا العدد من البشر. وتتكرر إشارة الكتاب ~~المقدس مرة أخرى إلى أنهار بالمنطقة، كانت تجري في هذه المنطقة زمن الأحداث، فهي ~~«قادش النهر» (حزقيال: 47). # وهكذا نرى أن قادش سيناء هي المقصودة في حملة آمنحتب الثاني، حيث يقول بعد تدميره ~~شمس آدوم إنه «عاد» إلى قادش فقدموا له الولاء، وعاد إلى مصر بعدد كبير من الأسرى ~~يصل إلى 15070 من النجاسو. # 32 # ولا نعرف الآن - ومؤقتا - ماذا تعني كلمة النجاسو، مع ملحوظة لها ~~أهميتها وردت في نص الجملة، وإن كانت غير مقروءة بوضوح تشير إلى «العابيرو»، وهي ~~الكلمة التي كانت تفسر كلما وردت بأنها تعني العبرانيين. # 33 # وفوق كل ما سلف، فإنك تلمس في قراءتك للمقدس التوراتي إشارات واضحة، إلى أن شعب ~~آدوم لم يكن شعبا عاديا في المنطقة، بل كان شعبا من الكبار الأذكياء الحكماء، ~~وهي صفات تشير إلى كيان هام بالمنطقة، يردد عنه الكتاب المقدس الذكريات بلسان الرب ~~الإسرائيلي مهددا: # ألا أبيد في ذلك اليوم - يقول الرب - الحكماء من آدوم، والفهم من جبل عيسو؟ ~~فيرتاع أبطالك ياتيمان؛ لكي ينقرض كل واحد من جبل عيسو بالقتل، من أجل ظلمك ~~لأخيك يعقوب، يغشاك الخزي وتنقرض للأبد. ~~(عوبيديا، 1: 8، 10، 9) # الفصل الثاني # | سالع/البتراء ... ونظرية جديدة # كانت مدينة البتراء الواقعة تقريبا في منتصف المسافة ما بين البحر الميت وبين خليج ~~العقبة، آخر عاصمة لآخر دولة كبرى قامت في تلك البلاد، تلك الدولة التي عرفت باسم دولة ~~الأنباط. وجاءنا ذكر البتراء مع الشعب الذي عاش في تلك المنطقة، زمن الإمبراطورية ~~الرومانية باسم شعب الأنباط. وهي مدينة لا مثيل لها ولا شبيه في العالم أجمع، وتقع على ~~بعد ستين ميلا شمالي العقبة، على تقاطع خط طول 35,26 شرقا مع خط عرض 30,20 شمالا، ~~إلى الغرب مباشرة من معان. وهي معان التاريخية التي كانت ms254 محطة ترانزيت كبرى باسم «معان ~~مصران» أي معان المصرية. وترتفع البتراء بحوالي 2700 قدم عن سطح البحر، وتحيط بها ~~سلسلتان من المرتفعات، يفصل بينهما مقدار ميل. # وتقع مدينة البتراء وسط مجموعة جبال هضبية، بعضها أقماع صخرية هائلة، يغلب على صخرها ~~اللون الأحمر، الموشى بكل ألوان قوس قزح، مع الدرجات اللونية الانتقالية بين الألوان ~~الفصيحة. # وتبعد البتراء عن عمان العاصمة الأردنية بحوالي 262كم إلى الجنوب منها. وتحدها من ~~الشمال قرية وادي موسى ذات الينابيع الشهيرة بمياهها المعدنية المتميزة، والتي كانت لا ~~شك أشد تدفقا من الآن في القرون البعيدة الخوالي. وإلى الغرب من «البتراء»، وعلى ~~الحدود مع شبه جزيرة سيناء، يقع وادي عربة بجماله الجليل. وفيه يقع الجبل المعروف باسم ~~هارون، والذي يقول الكتاب المقدس إن اسمه كان أيضا «جبل موسير»، وتزعم أنه حمل اسم ~~«هارون»؛ لأن هارون مات ودفن فيه. لكن رواية المقدس ذاته تقول: إنه كان يحمل اسم جبل ~~هارون، قبل أن يعرفه هارون شقيق موسى. أما إلى جنوبي البتراء، فيقع وادي صبرة وجبل ~~تمناع، الذي تكتبه التوراة جبل «تمنه»، حيث توجد هناك بقايا مناجم النحاس، وأفران قديمة ~~لتصنيعه. وقد سيقت بشأن تلك المناجم والأفران فروض كثيرة، لتحديد زمن إقامتها هناك، ~~فنسبها البعض إلى المصريين، وهناك من نسبها إلى الملك الإسرائيلي سليمان. أما شمال ~~البتراء فهو الامتداد الطبيعي لوادي موسى والبيضا. # وعند زيارتك للبتراء ستكتشف أنك أمام موقع من أشد المواقع المحصنة تحصينا طبيعيا ~~في العالم. في جبالها تتناثر «الكهوف» التي تكشف كل يوم عن آثار تركها لنا أهلوها. لكن ~~ما يعلمه التاريخ الآن عنها بثقة لا يبعد أكثر من القرن الثالث قبل الميلاد، حيث قامت ~~في تلك البوادي مع اتصالها ببادية الشام، دولة كبرى وسعت حدودها جنوبا، حتى بلغت ~~وادي القرى شمالي جزيرة العرب، وشمالا حتى دمشق، وغربا كل سيناء حتى السويس بمصر. ~~ووصلت إلى مجدها القصي في القرن الأول الميلادي، فأصبحت في زمنها دولة تجارية كبرى في ~~العالم آنذاك، وساعدها مركزها الاستراتيجي جغرافيا على الإمساك بعنان تجارة ms255 العالم ~~حينها. فما كان ممكنا أن تمر تجارة عبر أي خط من خطوط الجهات الأصلية للعالم القديم، ~~دون المرور على دولة الأنباط. وقد أمسى واضحا أن توسع تلك الدولة حتى دمشق شمالا، كان ~~القصد منه الإحاطة بمساحة الخطوط التجارية جميعا، بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ~~فتحكمت تماما في طرق التجارة، ووقفت تضغط بمكوسها وجباتها الجمركية الباهظة على ~~عصب حياة الدول المحيطة بها جميعا، فاكتسبت عداءها جميعا. # وكانت منتجات العالم القديم من بخور وعطور ومواد طبية ومنسوجات وحرائر، تجد طريقها ~~أولا - عند العبور - إلى مخازن مدينة البتراء. ومن ثم وجدت روما أن دولة الأنباط قد ~~توسعت على حسابها أكثر مما ينبغي، وحققت ثراء فاحشا قد يغريها بمزيد من الأطماع ~~التوسعية. فدخلت صراعا مريرا مع البتراء، ووقفت فيه البتراء ندا شديد المراس. ولم ~~يجد الرومان من سبيل سوى خطة طويلة النفس، بدأت بإيجاد طرق أخرى فرعية بديلة لطرق ~~التجارة التي تمر ببلاد الأنباط لضربها اقتصاديا. وما إن بدأت بوادر الضعف تظهر على ~~دولة التجار، حتى حان وقت الضربة القاضية، فوجهت روما نحوها حملتها الكبرى، لتحتلها عام ~~106 ميلادية، وتحولها إلى ولاية رومانية تابعة، ثم عاملتها بإهمال شديد نكاية في ~~مقاومتها السالفة. ولم يأت القرن السابع الميلادي، حتى كان آخر ضوء خافت للبتراء يضيع ~~باهتا في الألوان البارزة لأفق التاريخ. وضاعت معالمها من ذاكرة الإنسانية تماما، ~~وظلت في عزلتها الصخرية، حتى أعاد اكتشافها وتذكير العالم بها، الرحالة السويسري ~~«بوركها ردت». # وإلى الشمال الغربي من عاصمة الأنباط تقع برية «باران» (التي نراها تلك المذكورة في ~~الكتاب المقدس باسم «فاران»). وهي البرية التي تقول الأسطورة: إن هاجر محظية إبراهيم، ~~قد أخذت إليها ولدها إسماعيل، بعدما طردها سيدها إبراهيم هي وولدها بأوامر من زوجته ~~سارة، بدوافع الغيرة والصراع على الميراث، حسبما جاء بالمقدس التوراتي. ونعلم من سلسال ~~النسب التوراتي أن «إسماعيل»، نشأ وربي يافعا في برية «باران/فاران»، وتزوج من ~~العماليق، مما يعني أن العماليق كانوا من سكان تلك المواضع، وأنجب أولادا كان أشهرهم ~~ذلك الذي حمل ms256 في التوراة الاسم «نبايوت». وهو بلا شك ذلك الذي ذكره التأريخ الإسلامي ~~باسم «نابت» ابن اسماعيل. وهنا لا بد أن تبرق في الذهن علاقة نابت الذي سكن غربي ~~البتراء في فاران، والشعب الذي جاءنا ذكره قاطنا للمنطقة ذاتها، باسم «الأنباط» جمع ~~«نابط» أو «نابت»، بالبلاد التي أطلق عليها المصريون اسم «بنط» أو بنت. بالطبع لن ~~تكفينا هنا المطابقات الفونيطيقية وحدها ولا تسعفنا. فقط أردنا التمهيد لغرضنا مؤقتا ~~بهذه الإشارة: هل كانت بلاد بونت هي المملكة الآدومية القديمة، وأنها نفس المكان الذي ~~قامت من بعدها بزمان، مملكة الأنباط المعاصرة للزمن الروماني؟ # وكي تدخل مدينة الصخر، فعليك في حال قدومك من الشمال، أن تمر عبر ممر طبيعي شديد ~~الضيق، ينتهي بك مباشرة إلى قلب العاصمة، يطلق عليه سكان المنطقة الآن اسم «السيق». ~~ويبدو أن الاسم تلوين لهجوي على كلمة الشق، فهو بالفعل شق - يثير الرهبة العظيمة - في ~~جبل هائل. ويبلغ عرض السيق في أغلب المناطق مترين، ويتسع في بعضها إلى عشرة أمتار ~~تقريبا. أما بعض مناطقه فربما لا يمكنك أن تدور فيها بحصانك. # ويعتمد الأهلون هناك الآن في معاشهم على السياحة، وأهمها تأجير الخيول للسائحين لعبور ~~السيق. وهو العبور الذي يستغرق حوالي نصف ساعة رهابية، بين حائطين جبليين عظيمين يكادان ~~ينطبقان، ويكادان يخفيان ضوء النهار في ذلك الشق الأخدودي، الذي ترتفع حوائطه الجبلية ~~حوالي مائة متر أو يزيد، حسب تقديراتي الشخصية. # وبعبور السيق تخرج إلى ضوء النهار الفسيح الفصيح مرة أخرى، لتجد في مواجهتك مباشرة ~~ذلك الأثر الهائل الذي يخطف بصرك وعقلك وقلبك معا، ذلك الجمال الأخاذ في تفرده ~~المبهر إلى حد الصدمة. ويطلق عليه أهالي المنطقة اسم الخزنة أو خزنة فرعون. وهو حفر ~~عظيم ونحت هائل في صخور الجبل المواجه لمخرج السيق، يشهد لبناته بالعظمة القادرة، ويعد ~~من بين أروع آثار الدنيا، وأعجب فنون النحت في تاريخ العالم، في صخر ملون يقع في النفس ~~موقع الجليل، لا تملك معه النفس، من الرهبة، سوى أن تسري برجفتها في الجسد تواضعا ~~أمامه. # وعند ms257 دخولك الخزنة ستجد نفسك في غرفة كبرى، مساحتها حوالي أربعين قدما مربعا، غير ~~مزخرفة، تفضي بالداخل إلى غرف كثيرة صغيرة، منها غرفتان كثيفتا الزخرف. وعندما يهدأ ~~روعك وتبدأ في متابعة دليلك، ستذهب معه إلى مدرج المسرح الكبير، الذي نحت بدوره في ~~الصخر نحتا. كل شيء هنا منحوت في الصخر، حتى مقاعد المتفرجين الأربعة آلاف قد حفرت ~~على هيئة مدرجات في الصخر، مكونة من ثلاثة وثلاثين صفا من المقاعد المنحوتة. كذلك ~~ضريح الجرة، وهو حفر عميق في الصخر، صنع من المكان قاعة شبه مربعة، يبلغ طول الضلع فيها ~~حوالي عشرين مترا. ولا تملك سوى الانبهار بكم العروق الملونة في الصخر والحجر، الأبيض ~~والأسود والأحمر والأخضر، وما بينهما من درجات لونية. أحجار ليست ككل الأحجار، فهي ~~إعجاز فني، لكنه من فنون الطبيعة البكر. # وبعد المسرح بمسافة قصيرة تصل إلى وادي بترا، وكله معالم آثارية نحتت على الجانبين. ~~فعلى يمينك جدار الخبتة الكثيف، وعلى يسارك سلسلة جبل العطوف. وهناك ممر رملي يستدير ~~حول العطوف متجها نحو الغرب، حتى يصل إلى بداية الشارع المسقوف. وهناك منحدران: الأول ~~يستمر قدما حتى يصل إلى مسافة أبعد نحو الشمال الشرقي، حيث يوقفك في مواجهة قصر «بنت ~~فرعون» أو قصر «البنت»، كما يسميه السكان الآن هناك. وكان فيما يبدو قصر الحكم ومركز ~~الإدارة، أو أن تختار المنحدر الثاني عن يمينك، فيصل بك إلى ما يسمى القبور الملكية. ~~وعند الاقتراب من الشارع المسقوف، لا بد أنك ستصاب بدهشة بالغة، عندما تجد بقايا ~~نافورة عامة كبرى، تقع عند ملتقى وادي موسى بوادي متاهة، وهو الأمر الذي يشير إلى وفرة ~~عظيمة في الماء في ذلك الزمان، وهو ما يعني أيضا وفرة أعظم زمن الدولة الآدومية ~~القديمة. # وبالعودة إلى الطريق الرئيسي الذي ينفتح على الجبال المحيطة بالمدينة، ستجد مساحة ~~واسعة كانت فيما يبدو سوق المدينة في عصور ازدهارها. وينتهي ميدان السوق بشارع تم ~~تمهيده بالصخر وتزيينه بقوس نصر، وعلى يساره يقع قصر ال «بنت» الذي يرتفع سامقا عشرين ~~مترا أو يزيد. أما ms258 الأكثر دلالة فهو أن أهل المنطقة يطلقون عليه تبادليا مع اسمه ~~«قصر البنت» اسما آخر هو «قصر الفرعون» ثم اسما ثالثا هو «قصر بنت فرعون». لكن ~~الصيغة المتواترة عند سكان المنطقة هي فقط «قصر البنت»، ولا يفسر علاقة فرعون وابنته ~~بهذا الموضع، في الذاكرة والموروث الشفاهي حتى اليوم، سوى الروايات القديمة عن زواج ~~الملك الآدومي بشقيقة الملكة المصرية تحنفيس. # وإضافة إلى ظاهرة النحت تترافق ظاهرة إقامة المباني عالية فوق أعمدة منحوتة من ~~الصخر. ونموذجا لها قصر البنت هذا، كذلك المبنى المسمى بالدير، وعدد آخر من البيوت ~~المقامة فوق أعمدة، لا تفسير لرفعها هذا عن الأرض، سوى تعرض تلك الأراضي في بعض فترات ~~العام إلى الغمر بمياه السيول المتدفقة من الوديان إلى البتراء، وأن هذه الأعمدة ~~الحجرية كانت التطور الطبيعي للبيوت الكوخية، المرفوعة على أعمدة خشبية زمن دولة آدوم ~~القديمة. # وقد بني قصر «بنت» على مرتفع عظيم من الحجر الملون، مزخرف من الداخل بالجص، ويقف ~~على منصة عالية من أفاريز الأعمدة. ومن هنا يمكنك أن ترى، غير بعيد منك، صخرة الحيس ~~المسماة بالقلعة، والتي لم يتبق من آثار فوقها سوى كسر فخار وبعض الخرائب. وعلى ~~الجانب الشرقي لصخرة الحيس يمكنك الاستمتاع بزيارة معبد قوس قزح، الذي يطابق مسماه ~~واقعه، فهو قطعة فريدة من الجمال اللوني المتمازج. # وفي الجوار قمة شاهقة منيعة، تسمى الآن أم ~~البيارة، اكتشفت عليها كسر خزفية قديمة من زمن الآدوميين، وبقايا قلعة آدومية. وقد ذهب ~~البعض إلى أن أم البيارة، كانت هي عاصمة بلاد آدوم الواردة في التوراة باسم «سالع». ~~وترتفع أم البيارة من زاويتها الشمالية الغربية، نحو 3772 قدما فوق سطح البحر، ومن هنا ~~يمكنك أن تعد حولك على مدى بصرك، ثلاثة عشر مبنى تطل جميعا على العاصمة. ومن حواليك ~~فوق صخرة الحيس ستجد أحواضا ضخمة عميقة، كانت فيما يبدو مخازن للمياه زمن مجد البتراء. ~~ويمكنك ببعض الجهد أن تصل إلى القنوات التي حفرت في الصخر لتجري المياه من ~~خلالها. # ويعد المبنى الذي يطلق عليه الآن اسم ms259 الدير، ~~أضخم آثار مملكة الأنباط. ويقع على قمة جبل (إنهم شعب يسكن دوما المرتفعات والعليات)، ~~ويرتفع هذا الجبل حوالي نصف كيلو متر، تصلك به من السفح سلالم صخرية تم نحتها في ذلك ~~الجبل تدرجا نحو القمة. أما الدير نفسه فترتفع مبانيه حوالي خمسة وأربعين مترا، ولا ~~تقل واجهته بحال عن سبعين متر طولا، وهي الواجهة التي تقف بدورها على أعمدة تعلوها ~~التيجان، ومن فوقها الشرفات المنحوتة تذكرنا بنموذج الدير البحري، الذي أقامته حتشبسوت ~~بعد بعثتها إلى بلاد بونت. ~~(انظر الشكل رقم «40».) # شكل رقم «40»: الدير البحري. # أما بقايا آثار الحياة القديمة، التي كانت تضج ~~بها عاصمة الأنباط، فتظهر واضحة في القنوات الجافة المحفورة صناعيا في الصخور، وتمتد ~~حتى وادي موسى، عندما كانت مياه العيون في عنفوان تدفقها تروي جنة البتراء. وحتى الآن ~~تتناثر في المنطقة شجيرات برية، تكاد تكون خاصة بهذه المنطقة، وزهور برية تضفي على ~~المكان مزيدا من الجلال، وحتى الآن لا تزال قرية وادي موسى، تزرع على مياه الينابيع، ~~التي أخذت في الخفوت بعد مرور عشرات القرون، القمح والشعير والبقوليات، مع مزارع كروم ~~ورمان وتفاح و«تين». # ورغم أن زمن الأنباط كان آخر أضواء المنطقة، مما يشير إلى ذبول مماثل قد حدث على ~~الترافق للينابيع المتدفقة هناك، فإن «ديودور الصقلي» قد سجل في القرن الأول ~~الميلادي، أن الأنباط كانوا أغنى أهل زمانهم، وأن ثروتهم الرئيسية جاءتهم من التجارة ~~التي كانوا يحملونها من الجنوب إلى الشمال، وإلى بلاد مصر والشام وإمبراطورية الروم، ~~وأنهم كانوا يتجارون بكل شيء يقع تحت أيديهم، حتى الزفت والقار الطافح على سطح البحر ~~الميت، كانوا يحملونه إلى مصر، باعتباره من مواد التحنيط الرئيسية. # وهنا يتساءل المؤرخون: «كيف تأتى لهم أن يصبحوا أمة زراعية، تعنى بأدق طرق الري ~~ووسائله؟ ومتى أحرزوا تللك القدرة على الفن المعماري؟ ومتى قيض لهم أن يتفوقوا في فن ~~النحت؟ ومن أين ومتى اقتبسوا ذلك النظام الإداري الدقيق، وتلك الديمقراطية الفذة؟ أسئلة ~~كثيرة لا نملك إجابة لها سوى أنها امتداد لحضارة سابقة سامقة، عرفت ms260 فنون الزراعة ~~وأتقنتها. ولكن الحقيقة تقف أمامنا ساطعة، وهي أننا إزاء تطور خطير جريء. ويشهد استرابو ~~أن بلادهم كانت غنية بالفواكه، وأن مدينتهم نفسها كانت تشتمل على حدائق. حتى ليقول ~~استرابو: إنهم جد شغوفين بالاحتياز والملك. وأصبحت بترا ملتقى الناس من شتى الأمم، ~~وأصبحت قاعات المحاكم فيها تغوص بالغرباء.» # 1 # وإذا كان الدلفين من الآلهة الهامة المعبودة في ذلك المكان الصخري، حسب التماثيل ~~الكثيرة التي وجدت هناك للحوت من نوع الدلفين، فهو يشير إلى علاقة واضحة بالبحر، وأن ~~النشاط التجاري هناك لم يقتصر على الرحلات البرية وحدها. # أما الأشد إبهارا، فهو أن تجول عيناك في الجبال حولك، لتطالع تلك الأبنية المقامة ~~على الأعمدة، والتي تتوازى مع فوهات الكهوف التي حفروها في الجبال حفرا، على مدرجات ~~الصخور. وهي الكهوف التي لا شك كانت مساكن لا قبورا كما يقال الآن. مساكن فريدة تتناثر ~~في صفحات واجهة الجبال في الأعالي، كما لو كانت أعشاشا للنحل لمن يراها من بعيد، يصلون ~~إليها بمدرجات صخرية، ثم سلالم خشبية. بينما تنتشر الدرجات الصخرية المؤدية إليها في ~~منحنيات السفوح لتصلك بأعاليها. لكنك دوما، وفي أي موقع، بحاجة إلى سلم خشبي ~~نقال، يضعك في مواجهة فتحة غائرة لكهف من كهوف بيوت الصخر. # والآن يمكننا القول: إن كل هذا العرض لم يكن فقط لمجرد التعرف على المنطقة، التي سبق ~~وقامت فيها حضارة آدوم القديمة، وعاصمتها «سالع»، بل بغرض أشمل من ذلك وأكبر؛ حيث تقوم ~~فرضيتنا الأساسية في هذا الجزء من العمل، على أن بلاد بونت التي جاء ذكرها متكررا في ~~النصوص المصرية. وما جاء بشأن تفاصيلها الدقيقة في لوحات حتشبسوت بالدير البحري، والتي ~~عرفت باسم «أرض الإله»، وكانت بلادا تستحق تجريد الحملات عليها بين حين وآخر، كما ~~تستحق الزيارات الودية للتبادل التجاري في أحيان أخرى، وباعتبارها مع ذلك بلادا ذات ~~صلات حميمة بمصر، للحد الذي لم يرسم فيه المخصص الهيروغليفي للبلاد الأجنبية، عند ورود ~~اسم بونت في المدونات المصرية. إن بونت هذه إطلاقا لم تكن تقع في إفريقيا، ولا ms261 على ~~سواحل عمان، ولا في اليمن، ولا على سواحل عسير بجزيرة العرب الغربية، ولا هي فلسطين زمن ~~سليمان كما ذهب «فليكوفسكي»، حيث ارتحل «فليكوفسكي» ذات الرحلة بالحملة من مصر إلى ~~العقبة. لكن كي تزور حتشبسوت الملك سليمان الإسرائيلي في أورشليم بحسبانها هي ملكة سبأ ~~فيما يزعم، ولا هي في بلاد الهند أو أمريكا، إنما هي على وجه التحديد حسبما جمعنا من ~~مادة علمية هائلة كما وكيفا، وما حشدنا من قرائن وبراهين وأدلة ستتتالى في مواضعها ~~من هذا العمل، هي تلك البلاد التي ذكرتها نصوص مصر باسم آخر هو بلاد «ميتاني». وحسب ~~نظريتنا لا تقع «ميتان» بعاصمتها الكبرى في أعالي الرافدين بين الخابور والفرات. إنما ~~تقع تماما في المساحة التي ذكرها الكتاب المقدس باسم آدوم، على الحدود الشرقية لسيناء، ~~حيث عاش الشعب الحوري الغامض، بلغته الغامضة، وتاريخه الغامض، ذلك الشعب الموصوف بأنه ~~شعب أحمر. وفي هذه الحال يكون الميناء الذي استقبل سفن حتشبسوت في بلاد بونت، هو أحد ~~الموانئ القديمة الواقعة على رأس خليج العقبة. # وإذا كانت عاصمة تلك البلاد زمن الآدوميين القديم، قد حملت اسم «سالع»، فإننا نجد ~~لهذا الاسم مطابقا مدهشا في نصوص حتشبسوت التي تحدثت عن مدينة كبرى في بلاد بونت ~~تحمل اسم «أوزالت» # 2 # أو «أوسالعت»، الذي يتطابق مع اسم سالع تماما. وهي المدينة التي حملت اسم ~~البتراء مع آخر ضوء باهت لها زمن الأنباط. والحقيقة أن كليهما (سالع، والبتراء) يعنيان ~~معنى واحدا يدل على طبيعة المكان ومناعته، فالمعنى هو كما سلف «الصخرة». # وفي قاموس الكتاب المقدس نقرأ تحت مادة «سالع»: # اسم عبراني معناه: «صخرة»، وهي أمنع موقع في أرض آدوم، كان يهرع إليها ~~الآدوميون كقلعة حصينة لا تقهر وقت الحصار الحربي؛ لأنها تقع على قمة جبل. وقد ~~أقام سكانها في الأعالي في شقوق الصخر في القرن الرابع قبل الميلاد انتقلت بترا ~~من الآدوميين إلى العرب النبطيين، الذين جعلوها أفضل البقاع الزراعية، بفضل ~~نظام الري الرائع وخزانات المياه، فعمروا الصحراء، كما استخدموا أفضل الأساليب ~~الحربية المعروفة وقتئذ، ms262 وأدخلوا عليها التحسينات. وكانت بلادهم مركز التجارة ~~القادمة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وكانت الأسرة الحاكمة تضم عددا من ~~الملوك باسم الحارث. وقد ورد ذكرهم في: (2 كورنثوس 11: 32). # انتهت مملكة النبطيين سنة 105 بعد المسيح، عندما هاجمها الإمبراطور الروماني ~~تراجان، وصارت مدينة الصحراء العربية الجميلة مقاطعة رومانية. وقد كشف مكانها ~~المستكشف والرائد المشهور بركهاردت عام 1812م، بعد أن أخربت في عام 629م، فتمت ~~فيها نبوءة إرميا (49: 16، 17). ويزور سالع اليوم سياح كثيرون، ويمكن الوصول ~~إليها من جهة الشرق عن طريق جسر اسمه السيق، ويبلغ طوله ميلا واحدا. وهو ~~محاط من جميع نواحيه بصخور ذات ألوان طبيعية رائعة، تختلف من فعل الماء. ~~ويسمى هذا الجسر أيضا بوادي موسى. ويزعم الأعراب الساكنون هناك، أنه تخلف ~~عندما ضرب موسى الصخر بعصاه. ويخترق الوادي طولا نهر صغير اسمه عين موسى. ~~وجدران الوادي من صخور رملية منضدة بألوان قرمزية ونيلية وصفراء وأرجوانية، ~~واسم قلعة سالع اليوم: أم البيارة. # والتعبير «أم البيارة» يشير مرة أخرى إلى تلك الأزمنة الخوالي، عندما كانت العيون ~~المتدفقة بأنهارها تروي جنات آدوم؛ لأن البيارة هي البقعة الخصيبة، فما بالنا وهي «أم ~~البيارة»؟ وبالكتاب المقدس سفر باسم «عوبيديا» كرس نفسه، وقصرها على صب اللعنات على ~~بلاد آدوم. تقول بعض مقاطعه: # رؤيا عوبيديا: هكذا قال السيد الرب عن آدوم: إني قد جعلتك صغيرا بين الأمم. ~~أنت محتقر جدا، تكبر قلبك قد خدعك أيها الساكن في محاجئ الصخر، رفعه مقعده ~~القائل في قلبه: من يحدرني إلى الأرض؟ إن كنت ترتفع كالنسر، وإن كان عشك ~~موضوعا بين النجوم، فمن هناك أحدرك، يقول الرب. ~~(عوبيديا: 1-4) # أما أن ذلك الموضع الفريد، كان من بين أغنى المواضع الخصيبة المزروعة بالمنطقة، فهو ~~ما يمكن استنتاجه من قصة لوط بالتوراة، وهو يرحل بأهل بيته وممتلكاته، ميمما إلى ~~المنطقة الواقعة شمالي آدوم المعروفة بدائرة الأردن، عند جنوبي البحر الميت، ليقيم ~~هناك، شارحا سبب هذا الاختيار في قول النص: ~~... فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن، أن جميعها سقى الرب قبلما أخرب ms263 سدوم ~~وعمورة، كجنة الرب كأرض مصر، حين تجيء إلى صوغر. ~~(تكوين، 13: 10) # ولم تزل صوغر حتى الآن قائمة باسمها القديم ~~التاريخي جنوبي البحر الميت في بلاد آدوم. أما قول التوراة إنها كانت جنة قبل أن يخربها ~~الإله، فهو ما يستدعي ذكريات قديمة دونها المؤرخ «أورسيوس/هروشيوش» في قوله: # وقد وصف الفلاسفة في كتبهم بلدا كان يقع في أفنية العرب، يدعى في ذلك ~~الزمان «بنطابلس» سكنه قوم من بني كنعان، أحرقته نار نزلت عليه من السماء. # 3 # والتعبير «بنطابلس» تعبير يوناني يعني المدن الخمس أو الخماسية، لكنه أيضا «بنط - ~~بوليس» الذي يعني أيضا «بلاد بونت». وسنرى أن تلك المنطقة قد اشتملت دوما على بلاد ~~سميت بالأرقام، فأصحابها كان لهم اهتمام خاص بالأرقام؛ لأنهم تجار، مثل مدينة «أربع» ~~وهي حبرون (الخليل حاليا)، ومثل مدينة السبعة أو «بير سبع» ... إلخ. والمعلوم أن ~~المنطقة الخماسية كانت هي بلاد آدوم تحديدا؛ لاشتمالها على خمس مدن ممالك متحالفة، ~~سيأتي تفصيل ذكرها في حينه. # ومثلما كانت بلاد بونت لغزا غير محلول، فإن اسمها نفسه لم يجد حلا، ولم يزل يحير ~~العلماء حتى الآن. وهل كان اسما له معنى؟ وهنا نسوق اجتهادات افتراضية، ربما تكون ~~مصيبة وربما تكون خاطئة، فربما كانت تعني ما تعنيه في اليونانية «البلاد الخماسية». ثم ~~هناك افتراضات أخرى نؤجلها لموضعها من البحث، ونطرح الثاني، وهو أن بونت مؤنث «بون»، ~~والبون هو الحجر القمعي المخروطي. وهو ما تجده في تسمية الحجر الهرمي المقدس في مصر ~~القديمة المسمى «بن - بن»، كما لو كان تيمنا بأرض مقدسة تأخذ هذا الشكل المخروطي ~~(جبال موسى وكاترين كلها أقماع مخروطية)، وعادة ما كانت قمة المسلة ترمز إلى ذلك الحجر. ~~والمقصود أن «بونت» تحمل بذلك شرحا لمعنى وصورة جغرافية صادقة لجبال البتراء الحورية، ~~أي إن «بونت» بدورها ربما - وإلى حد مقبول - كانت تعني الصخرة، واسمها يلتقي مع ~~الأنباط، أي سكان الصخر أو الصخريين، وهم من قلنا إنهم ينتسبون باسمهم إلى نابت أو ~~«نبت» ابن إسماعيل بن إبراهيم، واسمه بالقبل «بنت». وإذا كانت البتراء ms264 هي بلاد بونت كما ~~نزعم، فإن ذلك يفسر لنا الحكمة في رحلة حتشبسوت إلى بونت، ومن قبلها فيالق القائد ~~العسكري «حنو»، وكلاهما كانا أهم ما سعى لجلبه من هناك إضافة إلى البخور، أحجار بلاد ~~بونت. وما كان ممكنا إدراك الحكمة في بعثة تسافر عبر المياه وعبر اليابس؛ لتحضر ~~أحجارا، لولا أن أحجار البتراء تحديدا ليست ككل الأحجار؛ لأنها كانت إعجازا طبيعيا ~~فنيا حقيقيا. # لكن التفسير المعتاد لبيوت بلاد بونت في لوحات حتشبسوت، يقول: إن تلك البيوت أكواخ ~~من القش، بنيت فوق أعمدة، وتناثرت في وسط غابات أشجار اللبان. ولأنها أكواخ فقد تطابقت ~~لدى الباحثين مع الأكواخ الأفريقية بالصومال. وحتى لو افترضنا أنها أكواخ، فربما كانت ~~تصويرا لمساكن أحد موانئ العقبة الذي نظنه عصيون جابر الميناء القديم. فلم يزل الأهلون ~~في هذه المناطق يبنون بيوتهم (ويسمونها: عشش) فوق أربعة أعمدة من فلوق النخل غالبا، ~~ويصعدون إليها بالسلم النقال الذي يتم رفعه ليلا؛ تحاشيا لضواري الصحراء وواغشها، وهو ~~الموجود أيضا في محيط نويبع وطوبية والترابين الآن. وربما كان ذلك النوع من السكن هو ~~الأصل الآدومي القديم لبيوت الأعمدة الحجرة في حضارة الأنباط، من بعد أن نضيف توضيحا ~~شارحا للوحات بيوت بلاد بونت في جداريات حتشبسوت، يمكن أن يحيلها إلى البتراء نفسها. ~~وإن عناصر اللوحات جمعت بين الميناء والعاصمة، حيث نجد في اللوحات متكررات مع اسم ~~الزعيم البونتي، للمخصص الهيروغليفي لعلامة الجبال يتكرر عدة مرات. ومن هنا نفترض أن ~~الجبال كانت هي خلفية اللوحات التي نقشت عليها بقية التفاصيل. # ولعل تلك الصورة القديمة لبيوت بونت في لوحات حتشبسوت، هي الأصل القديم الابتدائي ~~للنماذج الفنية الراقية، التي تطورت بعد ذلك حتى بلغت غايتها زمن الأنباط، بتأثير ~~الفنون المصرية والرومانية، لتدخل على الأعمدة القديمة الزخرفة والتيجان. وبالمقارنة ~~بين مشهد مثل مشهد الخزنة في البتراء، وبين مشهد لبيت بونتي في لوحات حتشبسوت، يكشف ~~لنا أن بيوت بونت كانت الخطوط الرئيسية الأولى القديمة لمساكن الآدوميين الحور، والتي ~~ظلت فكرتها قائمة حتى زمن الرومان في النحوت الحالية هناك. ms265 # ومن جانبه يفيدنا علم النبات أن اللبان يحتاج في زراعته إلى مواضع جبلية مرتفعة، بحيث ~~يحيطه مناخ ملبد بالسحب والغيوم، مع جفاف نسبي، وهي جميعا الأمور التي تجد نموذجها ~~المثالي في البتراء ومحيطها. وقد اختلف الباحثون حول نوع البخور المستقدم من بونت إلى ~~مصر؛ لذلك سنستخدم كلمة اللبان بشكل عام كلما وردت الإشارة إلى بخور بونت. ويكون ~~تحديدنا بلاد آدوم بأنها هي ذات بلاد بونت، حلا لمشاكل كثيرة غير محلولة، فالآن ~~يمكننا أن نفهم لماذا لم يضع المصريون علامة البلاد الأجنبية على بلاد بونت؛ لأنها كانت ~~آخر الحدود المصرية الشرقية. ثم نفهم لماذا سمح الفرعون بتزويج أميرة من البيت المصري ~~المالك (لملك آدومي اللاجئ إلى مصر)، رغم أن القانون المصري كان لا يسمح بزواج المصرية ~~من أجنبي. فقد كان الملك الآدومي في عرف الاستراتيجية المصرية مصريا يحكم في مقاطعة ~~مصرية. ثم نفهم أيضا لماذا سجل الفنان المصري رحلة الذهاب أولا عبر الصحراء الشرقية ~~المصرية من قفط إلى القصير على البحر الأحمر، ثم سجل الرحلة البحرية من ميناء القصير ~~إلى بلاد بونت، ثم عودته بالرحلة مباشرة بالسفن إلى (طيبة/الأقصر) عاصمة الإمبراطورية ~~المصرية. وقد كان هذا مثار حيرة الباحثين طويلا. أولئك الباحثون الذين ذهبوا بالرحلة ~~عبر البحر الأحمر جنوبا، إلى الصومال وأريتريا واليمن، حيث كان لا بد عند العودة بمر ~~البحر الأحمر، ثم النزول في ميناء القصير مرة أخرى، ثم اتخاذ الطريق البري عبر الصحراء ~~إلى النيل عند بلدة قفط شمالي طيبة مباشرة، وهو ما لم يسجله الفنان المصري. وهنا قيل إن ~~الفنان قد أغفل ذكر الطريق البري في العودة، وهو الأمر غير المقنع إطلاقا مع ذلك ~~التقرير الدقيق الشامل. وظل التساؤل: كيف عادت السفن مباشرة بالنيل إلى طيبة دون المرور ~~بطريق بري؟ وهو ما سبق إلى اكتشافه فليكوفسكي. لكنه قال إن الرحلة كانت لزيارة الملكة ~~حتشبسوت لمملكة سليمان اليهودية. وهو أيضا الأمر الذي دعا الباحث «هيرتزوج # Hrzog ~~» إلى القول إن الرحلة كانت إلى الصومال، ~~بالإبحار في النيل نفسه إلى السودان وليس ms266 عبر البحر الأحمر. المهم أن تجاهل الفنان ~~العودة بطريق البر بعد الوصول إلى ميناء القصير على البحر الأحمر ظل لغزا يبحث عن حل. ~~لكن في ضوء احتسابنا لبلاد آدوم بكونها بلاد بونت لن تكون هناك أية مشاكل في العودة ~~بالسفن مباشرة إلى طيبة. فهذه السفن سبق وبنيت في ميناء القصير على البحر الأحمر لرحلة ~~الذهاب البحرية، وانطلقت من القصير إلى بلاد آدوم عند خليج العقبة، ثم عادت بالالتفاف ~~حول مثلث شبه جزيرة سيناء لتدخل خليج السويس. وتستلم أول أطراف النيل الشرقية عبر ~~القناة الفرعونية المشهورة باسم قناة سيزوستريس، التي كانت تربط السويس بالفرع ~~البوبابسطي للنيل، وهو الأمر الذي ناقشناه تفصيلا؛ للتأكيد على وجود قناة سيزوستريس في ~~ذلك الزمن، وأن الفنان المصري لم يتجاهل أمر العودة البرية، بل كان يقدم تقريرا ~~مفصلا وافيا ودقيقا. # ويمكننا الآن أن نفهم السر وراء ذلك التنوع الهائل في المنتجات، التي جاءت بها بعثة ~~حتشبسوت من بلاد بونت؛ فبلاد يقوم اقتصادها على التجارة العالمية، كان هو الممكن الوحيد ~~لتفسير كل هذا التنوع المتضارب، من أشجار لبان البخور المختلفة الأنواع، والأشجار ~~العطرية كالصندل إلى التوابل الهندية، والعطور اليمنية إلى العاج الأفريقي إلى القردة ~~الجبلية، إلى جلود الفهود إلى الزراف إلى الجنس الأحمر من الناس. نحن الآن مع الكاريين ~~الذين كانوا حتى الآن شعبا مجهولا على أرفف مكتبة التاريخ تحت عنوان مجهول. ~~(معالم البتراء.) ~~(انظر الأشكال رقم «41-52».) # شكل رقم «41»: السيق من الداخل. # شكل رقم «42»: بانوراما الخزنة. # شكل رقم «43»: الخزنة صورة للواجهة. # شكل رقم «44»: مساكن آدوم الكهفية. # شكل رقم «45»: صورة عن بعد للمساكن الكهفية. # شكل رقم «46»: صورة عن قرب للمساكن الكهفية. # شكل رقم «47»: المسرح من عهد تراجان. # شكل رقم «48»: قاعة المحكمة. # شكل رقم «49»: قبر القصر. # شكل رقم «50»: بقايا قصر البنت. # شكل رقم «51»: الجمال اللوني بأحجار البتراء. # شكل رقم «52»: أحجار البتراء أحجار كريمة. # شكل رقم «53»: جغرافية حقل الأحداث (من وضع المؤلف وتخريجه). # شكل رقم «54»: خط سير رحلة حتشبسوت السلمية إلى بلاد بونت، حسب ~~نظريتنا. # شكل رقم «55»: مخطط البتراء. # شكل ms267 رقم «56»: نخيل بنت في لوحات حتشبسوت. # شكل رقم «57»: نخيل الدوم في العقبة حتى اليوم، يقارن بنخيل بونت في ~~الشكل المجاور، مع ملاحظة تطابق اسم نخيل الدوم مع بلاد آدوم. ويبدو ~~أنه أخذ اسمه منها. # شكل رقم «58»: الكلب سلوقي الأصل للفصيلة السلوقية. والصورة عن وادي ~~رم، وهو ما سجلته رسوم لوحات حتشبسوت. # شكل رقم «59»: البلسم من أشجار التين (الفيكس). # شكل رقم «60»: صمغ شجر البطم النبطي، من أغلى سوائل التبخير ~~وأجودها. # شكل رقم «61»: صمغ «بخور» شجر نبطي لشجرة باقية من الأشجار ~~المهددة بالانقراض. # شكل رقم «62»: شجرة بلسم البحر الميت. # الفصل الثالث # | حملة تحتمس الثالث على بلاد الفينيق # طائر الفينيق PHOENIX # في القصيدة الغزلية السالفة الإشارة إليها، يشبه الحبيب حبيبته بجواد الملك، الذي ~~تم اختياره من بين ألف حصان أصيل، كما يشبهها بالطيور المهاجرة من بلاد «بونت». ~~فأي طيور تلك التي عرفها المصري القديم تأتي مصر مهاجرة قادمة من بلاد ~~«بونت»؟ # يقول المؤرخ اليوناني «هيرودوت» وهو يتحدث عن مصر: # فأما عقوبة الموت فلا مفر منها لمن يقتل أبا منجل أو باشقا، سواء ~~ارتكب القتل عمدا أو دون عمد. وهناك طائر آخر مقدس يسمى «الفوينكس»، لم ~~أره إلا مصورا؛ إذ إنه يزور البلاد فيما ندر، يزورها كل خمسمائة عام على ~~حد قول أهل هليوبوليس (عين شمس). بعض ريش جناحيه ذهبي وبعضه أحمر. وهو قريب ~~الشبه جدا من النسر في هيئته وحجمه. ويروون أن هذا الطائر يغادر بلاد ~~العرب، حاملا أباه إلى معبد الشمس ليدفنه بهذا المعبد. # 1 # وهنا نقف في هذا القص الأسطوري مع اسم الطائر القادم من بلاد العرب، بلغة هيرودوت ~~اليونانية «فونكس». وبحذف التصريف الاسمي يصبح الاسم السليم «فون». ومع اختلاط ~~الفاء بالباء بين اللهجات واللغات، فكلاهما حرف شفاتي، فيجب قراءته في أصله الصادق: ~~طائر «بون». ويؤكد ذلك الذي نسوقه أن المصري القديم قد دونه منطوقا باسم طائر ~~«ب. ن. و # B. N. W ~~»، فهو الطائر البوني. وهنا ~~يضيف هيرودوت: «يقطع هذا الطائر المسافة كلها من بلاد العرب إلى مصر، طائلا حاملا ms268 ~~أباه داخل قالب من المر». # 2 # وبلاد العرب ليست في أفريقيا إنما في وادي عربة وسيناء. والمر كما ~~نعلم هو صنف من اللبان. إن رموز الأسطورة تفصح عن معارف زمنها ومعانيها. # والطائر البوني لم يكن طائرا عاديا، بل طائرا مقدسا، طائرا إلهيا؛ فقد ~~خلق نفسه بنفسه من رماد شجرة تحترق، جاء اسمها باليونانية شجرة البيرسيا المقدسة. ~~والاسم يشير إلى معنى الكلمة؛ لأن بيرسيا تعني الفارسية، وهي شجرة التين. ويقول ~~معجم أوكسفورد: «البيرسيا شجرة مقدسة في مصر وفي فارس.» # وهنا نتذكر أن الجنس الحوري سكن بلاد آدوم، وكان من الجنس الآري أي الفارسي الأصل ~~(وسط آسيا عموما آريون). ثم نقرأ بلوتارك؛ إذ يقول: «من بين جميع نبات مصر تقدس ~~شجرة البيرسيا على وجه خاص للإلهة إيزيس؛ لأن ثمرتها تشبه القلب وورقتها اللسان»؟ # 3 # والبيرسيا أو الفيرسيا أو الفارسية أو التين نبات سيناوي مشهور. وأقسم ~~به القرآن وربطه بطور سيناء وقصة موسى، # والتين ~~والزيتون * وطور سينين ~~. ولو أراد استرابون ~~بها شجرة الجميز، لقال ذلك بوضوح، حيث ذهب البعض إلى أن البيرسيا هي شجرة الجميز، ~~حيث يقول استرابون في موضع آخر مفرقا بين الشجرتين: «والسيكامينوس شجرة الجميز، ~~تخرج الثمار المسماة سيكومورس؛ لأنها تشبه السيكوم/التين.» # 4 # ثم نستدعي هنا ما كتبه «سليم حسن»؛ إذ يقول في معرض سرده لقصة بعثة حتشبسوت إلى ~~بلاد بونت إنها أحضرت من أرض الإله أشجارا بجذورها، وأعادت استزراعها أمام معبد ~~روعة الروائع بالدير البحري. والتي يقول الجميع إنها أشجار الكندر أو اللبان، هكذا ~~دون أي تدقيق. يقول سليم حسن المدقق الفاحص: «وتدل الكشوف الحديثة على أن الأشجار ~~العطرية، التي أتي بها من بلاد بونت، قد غرست فعلا في حفر نقرت في الصخر أمام ~~المعبد، وملئت بالطين الخصيب. وقد عثر على هذه الحفر الحفارون المحدثون في الردهة ~~التي أمام المعبد. وقد وجدوا أن بعضها كان لا يزال محفوظا فيه جذوع الأشجار ~~الجافة، غير أن هذه الأشجار ظهر أنها أشجار بيرسيا.» # 5 # ومن هنا نفهم أن بعثة حتشبسوت قد جاءت بأشجار ms269 التين المقدسة؛ لأن علماء الحملة لا ~~شك كانوا يعلمون باستحالة نمو الكندر أو اللبان الدكر (المر)، على أنواعه في طيبة؛ ~~حيث معبد روعة الروائع. وفي هذا تحديدا علامة واضحة على أن بلاد بونت إطلاقا لم ~~تكن الصومال، كما يصر بعض أساتذة التاريخ المصري القديم، حيث تنمو أشجار ~~(الكندر/اللبان/المر)، بل لم تكن في أفريقيا جميعا. # والكلمة «فونيكس» تنسب الطائر إلى موطنه، فهو الفوني أو البوني كما أسلفنا، ~~منسوبا إلى تلك البلاد الموصوفة بكونها «بلاد العرب»، وأن تلك البلاد العربية هي ~~موطن مقدس، يأتي منه طائر مقدس. # والنصوص المصرية القديمة تشير دوما إلى بلاد بونت بأنها أرض الإله. ومعلوم ~~أيضا أن الكلمة المصرية القديمة المدونة بالشكل «ب. ن. و»، كانت تطلق عموما على ~~فصائل الطير المعروف في مصر الآن باسم «أبي قردان»، وعلى جميع أقاربه من ذات ~~الفصيلة على مختلف الألوان والأحجام. فمنه الكبير الضخم الذي يزور مصر في هجرات ~~فصلية، يتواجد فيها قرب الشهرين، وهو في حجم النسر الضخم فعلا. وينقل معجم ~~أوكسفورد ذات الأسطورة فيقول: «هو في الأسطورة طائر فريد من نوعه، يحرق نفسه بعد ~~أن يحيا خمسة أو ستة قرون في صحراء العرب، ثم ينتفض من الرماد بشباب متجدد، ليعيش ~~دورة أخرى من الزمان. وقد جاء اسمه من اليونانية PHOENIX ~~، التي تعني: فينيقي وأرجواني. ~~والأرجوان هو اللون الأحمر وهو ما يطير بنا إلى بلاد الصخر الأحمر وأصحابها الحمر، ~~بلاد آدوم أو الصخر الأحمر، بلاد الصخر سالع، البتراء، بونت. أما العربية فقد أطلقت ~~على هذا الطائر اسم «العنقاء» (المصريون أطلقوا عليه أيضا: عنقت). والصفة PHOINOS # بوني، كلمة يونانية تعني «الأحمر». ~~ويذهب «إيفارلسنر» إلى أن الاسم قد أطلق فيما يبدو على أناس ذوي بشرة حمراء. # 6 # والمعروف أن تلك البلاد جميعا حتى الساحل اللبناني، كان يطلق على ~~شمالها بلاد فينيقيا، وعلى جنوبها بلاد كنعان. والجذر «ك ن ع» بدوره يحمل معنيين: ~~الوديان أو الأرض المنخفضة، واللون الأحمر الأرجواني. # 7 # وعن أصول الجنس الكنعاني، يروي لنا «هيرودوت» في الفقرة الأولى ~~من الكتاب ms270 الأول: # إن هؤلاء القوم جاءوا من سواحل بحر أريترية (الأحمر [المؤلف]) إلى شاطئ ~~بحرنا. سافروا في البحر مدة طويلة، وحالما استقروا في البلاد التي اتخذوها ~~موطنا لهم الآن، طفقوا يتاجرون بالبضائع المصرية والآشورية، بأن ينقلوها ~~إلى عدة أماكن منها. # وفي الفقرة التاسعة والثمانين من الكتاب السابع، يعود «هيرودوت» ~~إلى الفينيقيين فيقول: # والفينيقيون كانوا يسكنون سواحل بحر أريترية (الأحمر [المؤلف])، كما ~~يقولون هم أنفسهم، وعندما اجتازوا من هناك إلى سواحل سوريا قطنوها. وهذا ~~القسم من سورية مع كل البلاد التي تمتد إلى تخوم مصر، «يسمى ~~فلسطين». # وبحر «أريترية» زمن هيرودوت كان اسما يطلق على البحر «الأحمر» الآن (لاحظ الأحمر ~~مرة أخرى). والمدهش أن كلمة أريترية نفسها كلمة يونانية تعني «الحمراء!»؛ لذلك حمل ~~البحر الأريتري بعد ذلك اسم البحر الأحمر. أما صنعة هؤلاء الحمر المهاجرين من ~~الأحمر، فكانت التجارة العالمية. وقد عثر في بيروت على قطعة نقد هللينية، تؤكد أن ~~الجنس الفينيقي هو ذات عين الجنس الكنعاني. فعلى أحد وجهيها توصف مدينة بيروت، ~~بأنها تقع في كنعان، باللغة الفينيقية. وعلى وجهها الآخر توصف مدينة بيروت في أنها ~~تقع في فينيقيا. # 8 # ولو حاولنا هنا العثور على مؤيد، فإن الحفر اللغوي يجعلنا نعثر على ~~مشابه شديد الشبه لتلك القطعة الهللينية من النقد. فالكلمة «فينيكيان/فينيقي» هي ~~بالضبط «بني كنعان»؛ لاختلاط الفاء الأولى في فينيقي، بالباء في كلمة «بني». ومعلوم ~~أن النصوص المصرية كانت تسميها «باكنعان». # 9 # وعليه فهي: # با # ك ن ع ا ن ~~«با كنعان» بالمصرية # ب ن ي # ك ن ع ا ن ~~«بني كنعان» بالسامية # ف ن ي # ك ي ا ن ~~«فينيقيان» باليونانية # أما الكتاب المقدس فكان ما ~~زال يصر على تذكيرنا بصفة الأحمر، فيقول: «من ذا الآتي من آدوم بثياب حمر؟» ~~(إشعيا، 63: 1)، بينما كانت النبية «دبورة» ترنم أنشودتها: # يا رب بخروجك من سعير، # بصعودك من صحراء آدوم، # الأرض ارتعدت. ~~(قضاة، 5: 4) # فالرب هنا في صحراء آدوم، إنها صحراء مقدسة، إنها أرض الإله؟ إله ~~عرفه المصريون كإله للمصريين، ثم عبده الإسرائيليون ms271 من بعد. ويحمل ذلك المكان ~~المقدس اسم سعير، والسعير هو اللهب الأحمر. أما الاسم آدوم نفسه فهو ما يعني الصخر ~~الأحمر. أما الحمرة واللون الأحمر فهو لون اللهيب. # والعنقاء أو الطائر البوني أو البونتي، ينتفض حيا من لهيب شجرة تحترق. وقد لاحظ ~~العلماء أن طير الغراب وطيور النحام والبشروش تلجأ إلى دخان ما تجده من بقايا ~~نيران؛ لتفرش أجنحتها للدخان، لطرد الطفيليات والحشرات منها. وتكفي هذه اللوحة في ~~نظر البدائي؛ ليبني عليها أسطورة مثل العنقاء، التي تنتفض حية بريشها من بين ~~النيران. وقد ذهب المصرولوجي «بدج» إلى أن شجرة البيرسيا يقصد بها شجرة ضخمة، ~~تعرف في الإنجليزية باسم # SYCAMOR TREE ~~(الجميزة)، ~~وهو شجر معمر يعيش قرونا. ولا شك أن «بدج» هنا قد أخطأ المراد، فهي شجرة التين ~~تحديدا البيرسيا. ويرى «بدج» أن مقابلها الهيروغليفي هو «ن ع ر - ت» أو «ناره»، ~~الذي نطق في القبطية # NIR # وفي اليونانية # NERION ~~. والغريب أن ذات الشجرة تسمى في العربية ~~«ناريون»، والجذر لجميعها من «نور» و«نار». وقد أطلق المؤرخون على بلاد «ميتاني» ~~المزعوم أنها تقع في أعالي الفرات : بلاد «النايري». وهو الاسم الذي أطلقه الآشوريون ~~على ذات الدولة التي ذكرتها نصوص مصر باسم «ميتاني» أو «نهارين» أو «نارين» أي بلاد ~~شجر النايري، بإسقاط الهاء بالتخفيف أو تحويلها إلى ألف، كما في هريق الماء وأريق الماء. # 10 # ويبدو أنه كانت هناك شجرة مقدسة في بلاد «بونت»، تعيش عليها طيور مقدسة، وأن هذه ~~الشجرة كانت تسمى الشجرة الحمراء أو النارية. ولا شك لدينا أن «ن ه ر ن» أو «ن - ح ~~ر ن» المصرية تتصل في الجذر مع كلمة حوري وحوريين. والحوري أيضا هو الأحمر. أما ~~أشجار الحور فهي الشجرة المعروفة بزهورها الحمراء القرمزية. ويقول المؤرخ «أحمد ~~بدوي»: «إن طائر الفونيكس PHOENIX # هو العنقاء ~~بالعربية. أما اسمه المصري فهو # BNW # من الفعل المصري # WBN ~~، بمعنى أشرق ولمع، فهو البراق أو اللماع؟ ~~لذلك يتصل بالحجر الهرمي # BNBN ~~، الذي يرمز به للتل ~~العتيق الذي برز بدوره من الماء ms272 الأزلي نون. والطائر يتلألأ فوقه فيملأ «نوره» ~~الكون، ويكون صوته أول دوي في الوجود. وكان كهنة هليوبوليس ينتظرون عودة ذلك الطائر ~~في شوق.» # 11 # وتقول القصص التوراتية: إن النبي موسى عندما هرب من مصر، بعدما قتل مصريا ~~ظلما، ذهب إلى بلاد تدعى مديان، وتزوج هناك من صفورة ابنة كاهن مديان المدعو ~~باسمين: «رعوئيل/يثرون». والقصص الإسلامي يسمي ذلك الكاهن «شعيب» ويعتبره نبيا. ~~وتقول تلك القصص إنهم كانوا يعبدون شجرة مقدسة سميت «الأيكة»، وأطلقت على السكان ~~هناك اسم «شعب الأيكة»، وتقول إن الله قد أهلك شعب الأيكة؛ لأنهم كانوا تجارا ~~جشعين يطففون في الموازين، كما كانوا قطاع طرق وقراصنة محترفين. # ونعود إلى الطائر البوني الذي يسمي ~~المصريون نوعه الصغير الآن بأبي قردان، لنجد أحد تنويعاته في ذلك الطائر المعروف ~~باسم الفلمنجو. وهو طائر طويل العنق فيه ريشات سوداء، ويغلب عليه اللون الأحمر ~~القرمزي، واسمه الإنجليزي # FLAMINGO # أي الملتهب ~~«بحمرة»، من # FLAME # أي لهب، وهو الفصيلة المعروفة ~~باسم البشروش أو النحام. ويكنى عنه عند العرب «بأبي لهب»، وهو تحديدا الذي لم يزل ~~يزور مصر للآن في هجرته الفصلية. # ويساعد الحفر اللغوي هنا على إلقاء الضوء على موطن هذا الطائر الجغرافي بالنسبة ~~لمصر. فالكلمة الكنعانية التي تعني «أحمر» تكتب «شرق»، أي إن الكلمة الكنعانية ~~«شرق» تعني أحمر. وفي العربية: شرق الشيء شرقا فهو شرق، أي اشتدت حمرته بدم، ~~ومقلوبها بالميتانيز: قشر. والأقشر هو شديد الحمرة. وفي لسان العرب لابن منظور ~~نقرأ: «الشرق طائر، وجمعه شروق. والشرقراق طائر يكون في أرض الحرم في منابت النخيل ~~بقدر الهدهد (وكثيرا ما يترافق طائر بهذا الشبه مع وصول هجرة البشروش إلى ~~مصر حتى اليوم [المؤلف]) مرقط بحمرة.» ومادة شرق ~~والنحام في مادة نحم النحام طائر أحمر على خلقة الإوز، يقال له بالفارسية سرخ آوى، ~~وآوى كلمة فارسية تعني طائر. أما سرخ فهي «الأحمر». ولنا أن نلحظ أن سرخ أيضا تشير ~~إلى معنى الشرق. # هو إذن بالنسبة لمصر: الطائر الشرقي الأحمر. وبلاد «بونت» أو آدوم أو البتراء تقع ~~إلى ms273 الشرق من مصر. أما ترنيمة المصري فكانت: «عندما أوجه وجهي نحو الشرق، فإني أولي ~~وجهي إلى بلاد «بونت»، أرض الإله.» # حملة تحتمس الثالث # يقول سليم حسن المؤرخ والمصرولوجست: «إن الرأي السائد الآن، هو أن تحتمس الأول # قد ~~أعقبه على عرش مصر ابنه تحتمس الثاني ~~، ~~الذي تزوج من أخته من أبيه المسماة «حتشبسوت». وبعد وفاته خلفه ابنه تحتمس ~~الثالث، الذي رزقه من زوجة ثانوية تدعى إيزيس. وقد أصبح ملك مصر رسميا، وهو لا ~~يزال طفلا لم يبلغ الحلم بعد، وقد نصبت حتشبسوت، وعندما قبض على مقاليد الأمور ~~أخذ ينكل بأعدائه، وهم أولئك الذين كانوا في ركاب حتشبسوت أو عاملين في بلاطها، ثم ~~أخذ بعد ذلك في القضاء على كل آثارها بصورة مروعة، يشهد بشناعتها وعنفها ما أحدثه ~~من التدمير والتهشيم في الدير البحري.» # 12 # ويتابع «سليم حسن» تحت عنوان: «تحتمس الثالث يعلن الحرب على بقايا الهكسوس في ~~آسيا» قوله: «إن بقايا الهكسوس بعد طردهم من مصر، انتشروا في البراري الشرقية ~~للمتوسط». ولما تولت حتشبسوت اتخذوا - على ما يظهر - من هذا الحادث ذريعة لإعلان ~~الثورة، ليتحرروا من ربقة الاستعمار المصري. وقد أعلنت سوريا كلها العصيان على مصر، ~~حتى أصبح لزاما على الفتى الجسور أن يقابل حلفا قويا ~~مؤلفا من قبائل آسيا. والولايات التي وطدت ~~العزم على خلع النير المصري، الذي أثقل على عاتقهم به تحتمس الأول، وسلفاه من قبله، ~~منذ خمسين سنة مضت، كان كل أولئك قد ألفوا حلفا بقيادة ملك قادش، وهي بلدة على ~~نهر الأورنت (نهر العاصي حاليا)، على مسيرة مائة ميل تقريبا شمالي دمشق وسوريا ~~وقتئذ لم تكن مملكة واحدة متحدة الكلمة بطبيعتها، بل كانت مقسمة ولايات صغيرة، ~~يحكم كلا منها أمير أو ملك، وأغناها ملك قادش. وقد أفلح ملكها مؤقتا في أن ~~يضم الولايات الأخرى تحت قيادته. # وتعد موقعة مجدو التي قابل فيها تحتمس الثالث جيوش الحلف السوري، بإمرة حاكم ~~قادش، أول معركة حربية في تاريخ العالم القديم، قد بقي عنها تفصيلات تذكر. ويرجع ~~الفضل في ذلك إلى ms274 اليوميات التي خلفها تحتمس على أحد جدران معبد الكرنك، وقد سار ~~بجيشه من قلعة سيلة، وهي القنطرة الحالية، في اليوم الخامس والعشرين من الشهر ~~الرابع، في فصل الشتاء في السنة الثانية والعشرين من حكمه. وهذا التاريخ حسب قول ~~«نلسن» يوافق 19 إبريل سنة 1479ق.م. مخترقا الصحراء التي تقع على الحدود الشرقية ~~لسيناء، والحدود الجنوبية لفلسطين. فوصل غزة بعد مسيرة عشرة أيام، قطع فيها نحو ~~مائة وخمسة وعشرين ميلا، ولم يمكث تحتمس في غزة إلا سواد ليلة. وفي الصباح المبكر ~~سار على رأس جيشه ميمما شطر يحم (يحتمل أن تكون يما الحالية)، وتقع على مسافة ~~ثمانين ميلا من غزة.» # ونطالع الآن معا ما دونه المؤرخ المصري ~~على جدار الكرنك، فنسمعه يطرق بإزميله القصة التالية: «السنة الثالثة والعشرون، ~~الشهر الأول من فصل الصيف، اليوم السادس عشر في بلدة يحم. لقد أمر جلالته أن يعقد ~~مجلس حربي ليتشاور فيه مع رجال جيشه قائلا: إن ذلكم العدو الخاسئ صاحب قادش، قد ~~جاء بجيشه ونصب خيامه فيها، وهو مقيم بها في تلك الآونة، وقد ضم إليه كل أمراء ~~الأقاليم الذين كانوا يدينون بخضوعهم لمصر حتى نهر الفرات، ومعه السوريون وقوم قود، ~~بخيلهم وجنودهم وعشيرتهم، وأنه يقول حسبما وصل إلى مسامعنا: سأقف هنا لمحاربة ~~جلالته في بلدة مجدو. فحدثوني بما يدور بخلدكم في هذا الخطب. فأجابوا جلالته ~~قائلين: كيف يتسنى للمرء أن يسير في هذا المضيق؟ وقد وصلتنا الأخبار بأن العدو على ~~تمام الاستعداد هناك في خارج المدينة، وأن عددهم قد أمسى هائلا، وهل يكون السير ~~مستطاعا إلا إذا سار الجواد إثر الجواد، والجندي إثر الجندي أيضا؟ وهلا ستكون ~~مقدمة الجيش - بهذه الطريقة - في ساحة القتال، في حين أن المؤخرة لا تزال واقفة هنا ~~في عارونا عاجزة عن محاربة العدو؟ على أنه يوجد طريقان أخريان: واحدة ما تؤدي إلى ~~«تاعناخ/أو طناخ». والأخرى تقع في الجهة الشمالية من بلدة زفتى مؤدية إلى شمال ~~مجدو، وبذلك لا نضطر إلى سلوك هذا المضيق الوعر.» # 13 # وهكذا فضل القواد أحد ms275 الطريقين: الطريق المؤدي إلى «تاعناخ»، والطريق الواقع ~~شمال «زفتى»، ويؤدي إلى شمال بلدة «مجدو». واستبعدوا في الوقت نفسه الطريق الثالث؛ ~~لأنه كان طريقا شديد الضيق، محصورا بحيث لا يستطيع الجيش عبوره إلا إذا سار ~~الحصان خلف الحصان، والجندي خلف الجندي. وهو ما قد يؤدي إلى كارثة عسكرية، حيث ~~سيظهر جيش مصر لأعدائه فرادى، بينما بقية الجيش ستكون قد تكومت عند الطرف ~~الخلفي للطريق في عارونا، تنتظر دورها في عبور ذلك المضيق. # وهنا نستكمل المشهد من الراوي المصري على جدار الكرنك، لنستمع إلى الفرعون الشاب ~~وهو يقول: ~~«إني ما دمت حيا، وما دام الإله رع ~~يحبني، وما دام والدي الإله آمون يرعاني، وما دام نفس الحياة ينعشني بالحياة ~~والقوة؛ فلن أسلك إلا هذه الطريق المؤدية إلى عارونا/هارونه. وليذهب منكم من يشاء ~~في إحدى هاتين الطريقتين الأخريين اللتين تحدثتم عنهما، وليتبعني منكم من يريد أن ~~يسلك الطريق التي سيتخذها جلالتي؛ لأن الأعداء الذين يمقتهم رع سيقولون: هل سلك ~~جلالته طريقا آخر؛ لأنه خاف بأسنا وبطشنا؟ وعندئذ أجابوا جلالته قائلين: ليت ~~الإله آمون والدك رب تيجان الأرض ومساكن الكرنك، يرعى شعبك ويتعهده! تأمل: إننا ~~سنكون في ركاب جلالتك حيثما توجهت؛ لأنه من واجب الخادم أن يتبع سيده دائما. ~~وعندئذ أمر جلالته بإصدار منشور لكل الجيش جاء فيه: إن سيدكم المظفر سيكون في ~~طليعتكم لاقتحام ذلك المسلك الوعر الضيق. تأملوا: لقد أقسم جلالته يمينا قائلا: ~~لن أسمح لجيشي المظفر أن يشق طريقه إلا في هذا المكان؛ لأن جلالته عزم على أن يتقدم ~~طليعة جيشه بنفسه. وقد وزعت التعليمات على كل جندي بالأمر بالزحف، على أن يكون ~~الجواد في إثر الجواد، في حين أن جلالته كان يسير في مقدمة جيشه. # وفي السنة الثالثة والعشرين من الشهر الأول من فصل الصيف، اليوم التاسع عشر، ~~استيقظ الفرعون في السرادق الملكي، الذي كان قد ضرب له في «بلدة عارونا» ثم سار ~~جلالته في رعاية الإله آمون رب تيجان الأرضين ليفتح الطريق أمامه. وكان الإله آمون ~~يشد ساعد جلالته. ms276 وزحف جلالته على رأس جيشه المنظم فرقا، ولم يجد للعدو أثرا، بل ~~كان قد عسكر بجناحه الأيسر عند بلدة «تاعناخ»، في الوقت الذي كان جناحه الأيمن قد ~~ضرب خيامه، في المنحنى الجنوبي من وادي قنا. # وقد نادى جلالته: أن سيروا في هذا الطريق. فالتقى بالعدو فكسره، وولى العدو ~~الخاسئ الأدبار. فيا أيها الجند مجدوا المليك، وتغنوا بشجاعة جلالته؛ لأن ساعده أشد ~~بأسا من أي ملك. وقد كانت مؤخرة جيش جلالته المظفر لا تزال في بلدة عارونا، في حين ~~كانت مقدمته قد برزت في وادي مجرى قنا، حتى ملئوا فم هذا الوادي. # وبعد ذلك انطلق جلالته في عربته المصنوعة من الذهب النضار، مدججا بدرعه وزرده ~~مثل الإله حور القوي الساعد رب البأس، ومثل الإله منتو إله طيبة، وكذلك كان والده ~~آمون يشد ساعده. وكان جناح جيش جلالته الأيسر يقف على ربوة جنوبي قنا. أما الجناح ~~الأيمن فكان معسكرا في الشمال الغربي من مجدو. وكان جلالته في وسطها يحميه الإله ~~آمون في حومة الوغى، وكانت قوة بأس الإله ست تدب في أعضائه، ففاز جلالته فوزا ~~مبينا، وهو على رأس جيشه. وقد رأى الأعداء جلالته والنصر حليفه؛ لذلك ولوا الأدبار ~~نحو مجدو، بوجوه يغمرها الذعر، تاركين خيلهم وعرباتهم المصنوعة من الذهب والفضة، ~~وتسلقوا أسوار هذه المدينة باستعمال ملابسهم؛ لأن أهل المدينة قد أغلقوا أبوابها. ~~لكنهم دلوا ملابسهم ليجروهم بها إلى داخل المدينة. ولو أن جنود جلالته لم يتهالكوا ~~على نهب متاع العدو، لكان في استطاعتهم الاستيلاء على مجدو وقتئذ، عندما كان عدو ~~قادش الخاسئ وعدو هذه المدينة يجرون متسلقين الأسوار ليدخلوا المدينة هربا؛ لأن ~~الخوف من جلالته كان قد سرى في أجسادهم، وضعفت أسلحتهم؛ لأن الثعبان الذي على جبينه ~~قد طغى عليهم وهزمهم. واستولى جلالته على خيلهم وعرباتهم المصنوعة من الذهب والفضة، ~~غنيمة سهلة. أما صفوف جنودهم فكانوا قد طرحوا أرضا مثل السمك في حبائل شبكة جيش ~~جلالته المنتصر. وقد أخذ كل الجيش بأسباب الفرح، مقدما الثناء لآمون لما وهبه من ~~نصر لابنه ms277 في هذا اليوم، وكذلك قدموا الشكر لجلالته مادحين انتصاره، ثم أحضروا ~~الغنيمة التي استولوا عليها.» # 14 # وينهي الكاتب المصري نقشه بقصة حصار مجدو التي انتهت بسقوطها ثم عودة الملوك ~~المتآمرين إلى بلادهم خاضعين، ونوابا عن فرعون في حكم بلادهم. # 15 # عندما قفزت الفكرة إلى ذهني، أخذت أبحث عن ~~مؤيدات فروضي، فأعدت قراءة ذلك المدون الجداري «لتحتمس الثالث» عدة مرات، مما ~~أوقفني على عدة أمور؛ فربما تحيل الحملة جميعا إلى شرقي سيناء، حيث بلاد آدوم ~~الحورية. وقام افتراضي على أن دويلات بلاد الشام وممالكه الصغيرة، التي تنوف على ~~الثلاثمائة مملكة، قد تحالفت جميعا للقيام بحملة على مصر، شبيهة بحملة الهكسوس، ~~أو أنهم تحالفوا بعدما رنا إلى علمهم ما ينتويه «تحتمس الثالث» فقرروا استباقه. ~~وانتقوا أشد المواقع تحصينا طبيعيا للقاء الجيوش المصرية على حدود مصر الشرقية. ~~وهو ما يعني وفق هذا التصور الجامح أن المعركة لم تقع عند مجدو (تل المتسلم ~~حاليا) شمال غربي فلسطين، إنما وقعت في محيط البتراء عاصمة وشمس آدوم، وأن ما حدث ~~كان محاولة من تحتمس الثالث لإجبار تلك الدويلات على الخضوع صاغرة، مع رفضه لأسلوب ~~حتشبسوت السلمي الذي اتبعته برحلتها إلى بونت، والذي أدى إلى تمرد ملوك تلك ~~الدويلات، بعدما لمسوه من تراخي القبضة المصرية زمن حتشبسوت. # وربما وجدت وجهة نظري هنا مؤيدا قويا من ~~المصرولوجي «زيته»، الذي وجد في مقدمة تاريخ تحتمس الثالث المهشم ما يعتبره ~~إشارة إلى استقرار حامية هكسوسية، بعد طردهم من مصر في شاروحين جنوبي فلسطين. ~~وترجمة الأستاذ زيته لهذه الفقرة جاءت كالتالي: # السنة الثانية والعشرون، الشهر الرابع من فصل الشتاء، اليوم الخامس ~~والعشرون. مر جلالته بقلعة ثارو أول قلعة مظفرة، ليطرد الذين هاجموا حدود ~~مصر، بشجاعة ونصر وقوة وفوز. وقد مرت مدة طويلة من السنين كان فيها ~~الآسيويون يحكمون البلاد اغتصابا، والكل يخدمون أمام ... (المكان تالف) وقد ~~... (تالف) في أزمان أخرى ... (تالف) أن الحامية التي كانت هناك كانت في مدينة ~~(شاروحين)، وهم الآن من يرد حتى نهاية الأرض، في استعداد للثورة على ms278 جلالته. # 16 # وقد دفعنا إلى هذا الافتراض دفعا عدد من ~~العناصر، أهمها ما سبق وحددناه كموقع لقادش سيناء غربي البتراء، على تخوم دولة ~~آدوم مباشرة، في الموضع الذي قدر المكتشف «رولاند» عام 1842م، أنه عين قديس الوارد ~~في التوراة باسم «قادش برنيع» «وقادش عين مشفاط»، وأيده فيه بعد حوالي أربعين ~~عاما المكتشف «ترامبول». وعين قديس هو المقابل العربي رسما ومعنى للاسم قادش. ~~وقد علمنا أن زعيم الأحلاف المعادية لمصر كان ملكا على قادش، التي تم افتراض أنها ~~تلك الواقعة على نهر العاص بسوريا. أما من جانبنا فقد فضلنا للموضع المقصود في ~~حملة تحتمس الثالث قادش سيناء أو «عين قديس» الحالية. # أما القرينة الثانية فتتضح في إجابة مجلس أركان حرب الفرعون، حول طرحه الاستشاري ~~للطريق الواجب اتباعه للهبوط على العدو. وحيث تخير الفرعون ذلك الطريق الذي يختبر ~~القوة والبأس، الطريق الخطر الضيق، الموصوف بأن عبوره سيكون فردا فردا. وهو ما ~~يعني ضرورة وجود شخص قوي أو مجموعة أشخاص فدائيين، يخرجون من الممر الضيق لمصاولة ~~العدو وتحجيم هجمته، حتى يسمح بخروج بقية الجند فرادى للمشاركة في المعركة. ويفيد ~~النص بأن الفرعون نفسه هو من أخذ على عاتقه تلك المهمة بمساعدة قواده الذين قرروا ~~اتباعه حتى لو خاض بهم لجاج الموت. والأمر الثالث، أنه إذا كانت «مجدو» قد طوبقت ~~تاريخيا مع تل المتسلم الحالية شمالي فلسطين، فإنه لم يتم العثور هناك حتى تاريخ ~~كتابة هذه السطور على مثل ذلك الطريق، الذي وصفته نقوش النصر المدونة على جدران ~~الأقصر. فقط يمكن أن يكون السيق المؤدي إلى ساحة البتراء العظمى، هو الطريق الأوحد ~~النموذجي المطابق للرواية المصرية. # هذا ناهيك عن تطابق أسماء بعض المواضع، وتطابق مواقعها في محيط بلاد آدوم، ومع ~~أسماء تلك المواقع التي سجلها تقرير تحتمس الثالث لوقعة مجدو. فإضافة إلى قادش، ~~هناك «عارونا» (هارونه) وهو الاسم الذي يلتقي تماما مع جبل «هارون» الموجود الآن ~~إلى الغرب مباشرة من البتراء، ويقع في منطقة وسطى بينهما وبين «قادش» (عين قديس). ~~كذلك يلتقي وادي «قنا» ms279 مع الموقع الذي حددته التوراة للحدود الجنوبية لفلسطين، ضمن ~~عدد من المواقع هي آخر البلاد الجنوبية لسبط يهوذا، وذلك باسم «قينة»، في النص: # وكانت المدن القصوى لسبط يهوذا إلى تخم آدوم جنوبا: قبصئيل وعيدر وياجور ~~وقينة وديمونة وعدعدة وقادش وحاصور ويثنان. ~~(يشوع، 15: 23، 22، 21) # كما ورد لدى المؤرخ «اسطفانس» البيزنطي، لدى حديثه عن الحملة الثانية التي قام ~~بها «أنطيوخس الثاني عشر» ضد العرب الأنباط، حوالي 88ق.م. زمن الملك النبطي «رب إيل ~~الأول ابن حارثة الثاني»، حديثا عن انتصار الأنباط على جيوش الرومان، حيث تم قتل ~~«أنطيوخس» وفر جيشه إلى قانا، التي لم يتعرف الدارسون على موقعها حتى الآن، وهلك ~~معظمهم جوعا. # 17 # كما يلتقي وادي قنا مع ذكريات تاريخية دونها المقدس عن المديانيين، الذين ~~سكنوا في محيط المنطقة حول خليج العقبة، حيث كان المديانيون يدعون أيضا بالقينيين. ~~والقيني هو صانع المعادن أو السباك صانع السبائك، فهو الحداد أو السباك أو النحاس. ~~ويضيف إلى صدق ذلك مزيدا من الدعم، مناجم ومشاغل تصنيع النحاس التي عثر عليها ~~جنوبي البتراء، عند جبل تمناع المذكور في التوراة باسم «تمنة». ولم تزل هناك علامات ~~اسمية شاهدة على تواجد القينيين بهذا المحيط الجغرافي حتى اليوم . ففي جنوب سيناء ~~وعلى خليج العقبة نجد مدينة «قنى». أما وادي قنا فينطلق من عند جبال كاترين ~~تقريبا، ليصب في خليج العقبة قرب مدينة «قنى». # وتبقى المشكلة التي تقف في وجه هذه القرينة - لتأييد فرضنا - لا تتزحزح، وبدون ~~حلها تسقط هذه القرينة تماما. والمشكلة تتحدد في اسم «مجدو» المدينة التي تجمعت ~~عندها الأحلاف السورية. فهل حدث خطأ ما من الكاتب المصري؟ أو من الآثاري الذي قرأ ~~النصوص، فقرأ مدينة الأحلاف باسم «مجدو»، بينما كان يجب قراءتها على نحو آخر؟ هذا ~~وقد عقب «فليكوفسكي» على استغاثات نائب الفرعون «آمنحتب الثالث»، على مجدو الواردة ~~في رسائل تل العمارنة بقوله: «إن الاختلاف البسيط في هجاء الأسماء يعود ليس فقط إلى ~~أسماء الأشخاص وحدها، إنما أيضا لأسماء الأماكن الجغرافية، التي كانت تنطق بطرق ~~عديدة مختلفة. وعلى سبيل ms280 المثال: فإن بريديا - وفي إحدى الرسائل كتب اسمه بحيث يقرأ ~~بريدي - أعلن للفرعون أنه يحمي مكيدا أو يدافع عنها، وفي مرة أخرى ذكر أنه يدافع عن ~~ماجيدا، وهناك أمثلة كثيرة أخرى في الرسائل.» # 18 # في هذه النقطة ربما كان مفيدا العودة إلى نص لرمسيس الثالث، حيث سجلت النقوش أنه ~~قاد حملة تجارية إلى بلاد «بونت» أرض الإله المقدسة؛ لاستجلاب منتجاتها التجارية، ~~بالمبادلة مع المنتجات المصرية. وتذكر النصوص أنه قد أبحر من، أو إلى مكان يقع قرب ~~بحر أو نهر، وأن هذا المكان يحمل اسم «موقيدع» أو «موقيده». وقد ذهب المؤرخون به ~~مذاهب شتى، وصلت في فروضها إلى الخليج العربي ونهر الفرات. كما تذكر نصوص الفرعون ~~«رمسيس الثالث» أنه عندما وصل هناك، أرسل رسله إلى «إقليم «عتيقة # ATIKE ~~» للحصول على النحاس». # 19 # والكشوف الحديثة قد قدمت لنا اكتشافها لمناجم ومصانع النحاس عند جبل ~~(تمناع/تمنة) في بلاد آدوم، ومن ثم لا بد أن «موقيده» تقع في ذات الجوار. فهل كان ~~يجب أن تقرأ كلمة «مجدو» في نصوص «تحتمس الثالث» بالرسم «موقيدة»؟ وهي ما يتطبق ~~فونيطيقيا مع «مجدو»، ويتطابق جغرافيا مع بلاد آدوم الحورية؟ # مجرد احتمالات لا نصر على احتسابها أحد قرائن دعم فروضنا، إنما نسوقها كقرينة ~~تحتمل الخطأ الشديد، لكنها أيضا ربما تحتمل الصدق. # أما ما لا يجب أن ننساه فهو قول «تحتمس الثالث» مبررا إصراره على حصار «مجدو» ~~حتى سقوطها: «إن الاستيلاء عليها يساوي الاستيلاء على ألف مدينة.» # 20 # وهو الإصرار الذي أراد به الفخار، لمعرفة عالم ذلك الزمان لمعنى كلامه ~~الذي يجب أن نستعيده في صورة سردها لنا قاموس الكتاب المقدس، وهو يقول: «سالع اسم ~~عبراني معناه صخرة، وهي أمنع موقع في أرض آدوم، كان يهرع إليها الآدوميون كقلعة ~~حصينة لا تقهر، وقت الحصار الخارجي؛ لأنها تقع على قمة جبل.» # 21 # ولكن مع احتمال الخطأ في تفسيرنا لحملة «تحتمس الثالث» على مجدو، ومع ما بذلنا ~~فيها من جهد، نروح عن النفس بتذكر كلام الإله أمون للملكة حتشبسوت، المدون على ~~جدران ms281 معبد روعة الروائع؛ إذ يقول لها: # سأجعل جنودك تطأ «بنت» لأني أقودهم بحرا وبرا، وجاعلهم يخترقون مضايق ~~عالية لا يمكن اختراقها. وقد جعلناهم يصلون إلى خمائل البخور وأرض الإله. # 22 # ويزيد في الاطمئنان أن نعلم أن فرض «تل المتسلم»، كموضع مفترض لمدينة مجدو، ~~إطلاقا لم تقم عليه البيئة الأركيولوجية، حتى قال كمال الصليبي: «إن مجدو ~~التوراتية لم يعثر عليها إطلاقا في فلسطين بهذا الاسم.» # 23 ~~(انظر أشكال شارحة وتوضيحية رقم «63، 64».) # شكل رقم «63»: البنو/طائر الفينيق، كما صوره المصري القديم على ~~بردية آني بالمتحف المصري. # شكل رقم «64»: العنقاء/الفينكس/من معبد الأسد ~~المجنح/البتراء. # الخريطة رقم «65»: البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء بالقمر ~~الصناعي. # شكل رقم «66»: شرقي المتوسط زمن الأحداث. # شكل رقم «67»: الفرعون تحتمس الثالث. # شكل رقم «68»: طائر الفينيق، وكاهن متبتل. # شكل رقم «69»: العنقاء تخرج من بيضتها، تصوير فني معاصر. # شكل رقم «70»: خط العرض 30 والذي يمر بمنطقة الهرم، ومع نفس ~~اتجاه وجه أبو الهول، والخط كذلك يمر بوادي عربة ومنطقة آدوم، حيث ~~خط أرض الإله. # الفصل الرابع # | لغز بلاد موصرى (؟!) # في منطقة شرقي المتوسط في بوادي الشام والهلال الخصيب، تناثرت جماعات عرقية باسم ~~الحوريين، في شكل مدن ودول. وقد أكد لنا علم التاريخ أن هؤلاء الحوريين قد عرفوا باسم ~~شعب آدم، وأنهم أقاموا لأنفسهم دولة قوية مركزية باسم دولة «ميتاني» وباسم نهارين، وأن ~~الموضع المحتمل لدولة نهارين الميتانية، دولة شعب آدم الحورية، يقع بين الفرات والخابور ~~في أعالي الفرات. # وقد خالفنا ذلك التحديد الجغرافي لدولة الحوريين المركزية، وأكدنا من جانبنا أن ~~«ميتان» وفي المأثور التوراتي أبدا لم تقم بين الفرات والخابور، إنما قامت في الأرض ~~التي جاء اسمها التاريخي «مديان» و«مدين» كما في المأثور الإسلامي العربي، وأنها تموضعت ~~في شبه جزيرة سيناء وسيناء الشرقية، حيث البلاد التي ذكرها لنا الكتاب المقدس باسم ~~آدوم، وأن ميتان هي بالقلب اللغوي مديان، وأنها فيما نرى قد تمركزت في محيط جبال ~~السراة/سعير، ووادي عربة. وقد ذهب فرضنا إلى أن تلك البلاد التي تأخذ هضابها شكل ~~الأقماع، وقد أعطت لعاصمتها ms282 اسما من صفتها الجغرافية، فسميت بالصخرة. فهي «سالع» ~~بالعبرية وتعني الصخرة، وهي «بترا» زمن اليونان ثم الرومان، وتعني أيضا الصخرة. وقد ~~ذهبنا إلى ما هو أبعد من ذلك، فاحتسبنا بلاد مديان الحورية هي تلك البلاد، التي كانت ~~تذكرها النصوص المصرية بأنها «أرض الإله/بونت»، وأن اسم بونت بدوره كان يعني الصخرة حسب ~~تخريجنا. وإليها ينسب حجر «بن بن» المقدس في مصر، كما يعني الحمراء أيضا؛ لأن البوني ~~هو الفوني أو الفينيقي التي تعني بدورها «أحمر»، كما يعني البلاد الخماسية. # وهنا نتابع البحث عما يمكن أن يدعم فرضنا. ويضيف إلى رصيد ما قدمنا من شواهد وقرائن، ~~وبين رتل أكوام المادة العلمية التي جمعناها لعملنا هذا خلال السنوات السوالف، وجدنا في ~~نص الفرعون مرنبتاح (لوح الانتصارات) أو (لوح إسرائيل)، ما يدعم فرضنا، فاللوح يذكر ~~بلسان الفرعون أنه قد احتل بلادا باسم بلاد الحور، ووضعها تحت السيطرة المصرية، أو ~~بنصه جعلها «أرملة لتوميري» (توميري هي مصر). وبمتابعة النص يمكنك أن تجد ما وجدناه، ~~وأن تفهم من النص ما فهمناه. وهو أن بلاد الحور الواردة في لوح مرنبتاح، هي بالضبط بلاد ~~الحوريين التي حددناها في شرقي سيناء حيث مديان/آدوم، وأن بلاد الحور تقع عند وادي ~~عربة، وفي محيط خليج العقبة. # لدينا هنا إذن قرينة جديدة على صدق فروضنا، تتمثل في قصيدة طويلة يعدد فيها الفرعون ~~مرنبتاح بن رمسيس الثاني الذي حكم 1224-1214ق.م. انتصاراته، كما يعدد أهم الشعوب التي ~~انتصر عليها والبلاد التي أخضعها، ويعنينا من تلك القصيدة المطولة فقراتها الختامية ~~التي يقول فيها الفرعون: # يقول الملوك وهم ينطرحون أرضا: السلام. ولم يعد أحد من الأقواس التسعة يرفع ~~رأسه (الأقواس التسعة تعني بلاد البدو [المؤلف]) والتحنو (ليبيا [المؤلف]) قد ~~خربت، وبلاد خاتي (دولة الحيثيين بالأناضول [المؤلف]) أصبحت مسالمة. # وكنعان (القسم الشرقي من فلسطين [المؤلف]) قد أسرت مع كل خبيث. وأزيلت ~~عسقلان، وجازر (مدينة فلسطينية قرب الساحل [المؤلف]) قبض عليها، وينوعام أو ~~(ينو آم وهي مدينة مجهولة [المؤلف]) أصبحت لا شيء، وإسرائيل خربت وليس لها بذر، ~~وحور ms283 أصبحت أرملة لتوميري. # الملك المظفر يعدد هنا الشعوب التي أخضعها. ملوك جميع البلاد يسجدون على الأرض ~~يطلبون السلام من جلالته، وجميع البدو المحيطين بمصر لم يعد بإمكانهم أن يرفعوا رءوسهم، ~~فقد تم دحر الليبيين الذين هاجموا مصر. وهو ما نعلمه من نصوص أخرى لذات الزمن والأحداث. ~~ثم ينتقل النص بعد ذلك جغرافيا نحو الشرق إلى دول شرقي المتوسط، بادئا ببلاد ~~(خاتي/دولة الحيثيين) بتركيا القديمة في أقصى الشمال، ويؤكد أن الحيثيين قد أصبحوا ~~مسالمين. ونحن نعلم أن ذلك حدث بعد موقعة قادش الكبرى على نهر العاصي، التي خاضها أبوه ~~رمسيس الثاني ضد الحيثيين، وانتهت بترسيم حدود الولايات بين المصريين والحيثيين، في ~~معاهدة صلح عثر على نسختيها المصرية والحيثية. وقد عثر على النسختين كاملتين موثقتين في ~~مصر وفي حاتوس عاصمة الحيثيين القديمة المعروفة موضعها الآن باسم بوغاز كوي. # ثم نلاحظ أن خط حملة النصر يهبط بنا من تركيا جنوبا نحو كنعان، ثم يتخذ الفرعون طريق ~~الساحل وهو لم يزل ييمم جنوبا، فيدمر على التوالي مدينة عسقلان ثم جازر إلى الجنوب ~~منها، ثم ينحدر شرقا ليهزم إسرائيل ومدنها، ويستمر في مسيره نحو الجنوب حتى يصل إلى ~~مدينة باسم «ينوام». وقد عدت ينوام مدينة مجهولة طوال الوقت؛ لأنهم كانوا يبحثون عنها ~~شمالا، بينما نظن من جانبنا أنها مدينة كانت معلومة في ذلك الزمان، وأنها كانت تقع ~~أقصى جنوبي فلسطين بالنقب على الحدود السينائية، حسب قراءتنا لخط سير حملة مرنبتاح ~~وتفسيره. ونظننا قد عثرنا عليها مع تحديد موقعها في نص بالكتاب المقدس، يعدد أسماء ~~المدن المنتشرة جنوبي دولة يهوذا المتاخمة بحدودها الجنوبية لحدود سيناء وآدوم، فيقول: ~~إن تلك المدن هي: # ينوم وبيت تفوح وأفيقة وحمطة وقرية أربع وهي حبرون وصيعور. تسع مدن مع ~~ضياعها. ~~(يشوع، 15: 54، 53) # لقد كان تفسير خط سير الحملة يذهب بها إلى فلطسين الشمالية وبلاد الشام، ومع سيره ~~المستمر يصل إلى بلاد باسم «حور» و«خارو»، تم افتراض أنها بلاد الحوريين الميتانية، ~~المزعوم أنها تقع بين الفرات والخابور، حيث يفترض أن تقع «ينو عام»، ms284 ثم تمت إعادة ~~النظر مرة أخرى حيث تضارب ذلك مع خط السير الواضح بلوح مرنبتاح، ومع معطيات أخرى أسقطت ~~ذلك الاتجاه الشمالي، وأخذت بخط السير من الشمال نحو الجنوب. وحينئذ أصبحت بلاد حور ~~مشكلة تم الانتهاء منها بالقول: إن المصريين منذ زمن مرنبتاح والأسرة التاسعة عشرة، ~~صاروا يطلقون على بلاد فلسطين اسم بلاد حور أو خارو أو حوري (؟!)، وهي آخر خط حملة ~~الانتصارات ليعود إلى مصر بعدها. هذا بينما يوضح فرضنا التأسيسي أن بلادا تقع جنوبي ~~فلسطين، وجنوبي مدينة ينوم التي تقع جنوبي يهوذا، تحمل اسم بلاد مديان وآدوم، هي البلاد ~~الحورية المقصودة في نص مرنبتاح. وإن فرضنا يجعل تفسير لوح مرنبتاح مستقيما ومقبولا ~~في حال بدئه من الشمال واتجاهه جنوبا، ليتناغم لوح مرنبتاح مع منظومتنا تناغما ~~واضحا، ويتحول إلى دليل وقرينة تضاف إلى رصيدنا؛ لأن البلاد الواقعة جنوبا بعد ينوم ~~ستكون خارج دائرة فلسطين، وليس بعدها جنوبا سوى بلاد آدوم/آدوم الحورية. ولم يزل ~~الوادي الواقع جنوبي وادي موسى عند البتراء، يحمل حتى اليوم اسم وادي حور. ويقول ~~الفرعون في نهاية نصه حيث وصل نهاية حملته: «وحور أصبحت أرملة لتوميري.» # وهنا نتذكر شكل مساكن بلاد بونت الكهفية، ثم كهوف سالع البتراء المحفورة في الصخر، في ~~تلك البلاد الحمراء، ثم نقف مع كلمة «حور» نبحث عنها في العبرية القاموسية، فنجدها ~~تبلغنا شديد تأييدها لفروضنا، حيث تحمل الكلمة معنيين: الأول هو «أحمر». أما الثاني فهو ~~«كهف»، فيما يسجل قاموس الكتاب المقدس. وهكذا حفظت لنا اللغة تحديدا واضحا للمكان، بل ~~وصفة هذا المكان القديمة، فهم الجنس الأحمر الذي سكن الكهوف في بلاد آدوم. # ثم ندفع الآن بقرينة أخرى أكثر وضوحا وأشد قوة، تشهد على مدى توفيقنا فيما ذهبنا ~~إليه، نأخذها بدورها من التاريخ المصري القديم، من زمن الفرعون شيشنق من الأسرة الثانية ~~والعشرين، الذي حكم حوالي 945-924ق.م. ومعه نستعيد ذكريات تعيد أمجاد الفراعين ~~العسكرية؛ فقد قام شيشنق الأول بحملة كبرى على دويلات شرقي المتوسط، وضمن جدوله الكبير ~~... بالكرنك نجد ضالتنا؛ إذ يبدأ مقدمة ms285 الجدول بغارته الكبرى، التي شنها على ما أسماه ~~الإقليم الآدومي.» # 1 # وهي المقدمة التي تقول إنه في الآن ذاته قد أخضع جيوش ميتاني، وهو الأمر ~~الذي يعني أن الفرعون كان يتحدث، عن غارة بعينها على موضع واحد، اعتبره الموضع الأجدر ~~بالتسجيل في مقدمة جدوله الكبير، وأن هذا الموضع كان «الإقليم الآدومي»، وأن هذا ~~الإقليم تعرف جيوشه باسم «جيوش ميتاني». # 2 # وبعد ذلك يتابع حملاته نحو الشمال. # لكن المؤرخين لهذه المنطقة من العالم، وحسب تقديراتهم لتآريخ وتزمينات قيام وانهيار ~~دول المنطقة، قد أكدوا أن بلاد «ميتاني» التي كانت تقع - في زعمهم - كمملكة بالفرات ~~الأعلى، وقد بلغت قمة ازدهارها إبان القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وأن تلك المملكة قد ~~زالت تماما من الوجود خلال القرن الرابع عشر في أحد التخمينات، أو أن شلمناصر الأول ~~الآشوري أزالها حوالي عام 1275ق.م. أو اختفت على يد الآشوريين في ق 9ق.م. حسبما يفيدنا ~~طه باقر. # 3 # وهكذا نجدنا إزاء لغز غريب، فمعنى ذلك أن شيشنق كان يتحدث عن غارة على ~~بلاد، زالت قبل زمنه بحوالي خمسة قرون كاملة، أو ثلاثة قرون أو بقرن واحد (لاحظ مدى ~~التضارب). # وكان الحل السهل والبسيط هو القول بأن شيشنق الأول، كان يفاخر كل هذا الفخر بضرب جيوش ~~«ميتاني»، فخرا كاذبا من باب تضخيم حجم آلته العسكرية ومجده الملكي؛ حيث إن مملكة ~~الميتاني حسب وضعها بين الفرات والخابور زمن شيشنق، قد زالت من الوجود، وحلت محلها ~~الدولة الآشورية بالقطع واليقين. والمظنون لديهم أن الآشوريين قد ضموها إلى مملكتهم ~~الكبرى قبل زمن شيشنق بقرون، أو أن الحيثيين هم من قضوا عليها في قول آخر. ويلخص لنا ~~«فراس السواح» ما جاء بشأن «ميتاني» وشيشنق لدى المؤرخين في قوله: «نعترف بوجود نص واحد ~~غامض هو سجل حملة الفرعون شيشنق الأول 945-942ق.م. ومعظمها (يقصد معظم البلاد التي ذكر ~~أنه استولى عليها [المؤلف])، لم يمكن التعرف عليه إلا بشكل تقريبي. يضاف إلى ذلك تناقض ~~معلومات النص مع بعض الحقائق التاريخية؛ فمملكة «ميتاني» التي كان يتباهى الفرعون ms286 ~~بإخضاعها، لم تكن قائمة في زمنه.» # 4 # وهكذا يوقفنا هذا التفسير دهشين من أمر فرعون عظيم وفاتح كبير، يفاخر أهل زمانه أنه ~~قد أخضع دولة زالت قبل زمانه بزمان كان كفيلا بنسيان «ميتاني» واسمها زمن شيشنق. ولا ~~شك أن أهل زمانه إما كانوا لا يعرفون ما هي «ميتاني» أو كانوا يعرفونها، ويعلمون يقينا ~~أنها زالت من صفحة التاريخ منذ قرون. أما الأغرب فهو أن يفاخر الفرعون كاذبا، وهو ~~منتصر انتصارا عظيما أعاد لمصر أمجاد فتوحات التحامسة والرعامسة. لكن لن تكون هناك ~~أية غرابة لو كان فرضنا المؤسس لهذا العمل صحيحا، ذلك الفرض الذي يقول إن بلاد ~~«ميتاني» لم تقع دولتها المركزية على الفرات الأعلى، الذي نعرف أنه كان ذلك الوقت ~~بلادا آشورية بلا منازع، وتحت سيطرة آشور من فجر مطلعها، إنما كانت هي بالتحديد بلاد ~~مديان الحورية الآدومية الواقعة في سيناء الشرقية ووادي عربة وسراة سعير، وأنها هي بلاد ~~بونت (الصخرة/سالع/البتراء)، التي ظلت قائمة حتى زمن الرومان. ولم يكن شيشنق يفاخر ~~كاذبا، بل هاجم بلادا كانت قائمة بالفعل في زمانه، هي بلاد آدوم نهارين، كما ذكر ~~اسمها في مقدمة جدوله الكبير بالكرنك. # أليست تلك بقرينة مبينة؟ لكنا نعلم أننا نقول كلاما جديدا وشديد المخالفة، ولكل ~~جديد دهشة، وما أكثر التقليديين الذين سيرفضون أمرنا هنا! لهذا يستحق فرضنا مزيدا من ~~البحث عن قرائن وبراهين تدعم خراسانته. وإعمالا لذلك نتابع التنقيب في مدونات المنطقة ~~القديمة؛ لنقرأ بين ما عثرنا عليه نصوصا للملك الآشوري «تجلاتبليزر الأول»، فنجد بينها ~~نصا يحدثنا عن فتوحات واسعة، قادها ذلك العاهل الكبير، حتى وصل إلى بلاد «نهارينا» ~~وفتح إقليما باسم «مصرى» في ذات النص، وأنه في إقليم «مصري» هذا دحر القبائل الآرامية؟! # 5 # ومع الوضع المزعوم لبلاد «ميتاني» (نهارين أو نهارينا بالفرات الأعلى)، كان لا بد أن ~~يقف المؤرخون جميعا يتساءلون ذلك السؤال الغريب المستغرب، عن بلاد «مصرى» التي تقع ~~بالفرات الأعلى. وهو ذات السؤال العجيب المستعجب الذي أورده المؤرخ طه باقر، وهو يقرأ ~~لنا نصوص الملك الآشوري ms287 «تجلاتبليزر الأولى»، بينما كان الباحث فراس السواح يلخص لنا ما ~~انتهى إليه علماء التاريخ بشأن إقليم مصري أو موصرى بقوله: «إن موصرى هي مملكة مجهولة ~~حتى الآن.» # 6 # وهكذا كان لاقتران إقليم «مصرى» مع بلاد «نهارينا» بفتوحات في الرافدين الأعلى، مدعاة ~~لافتراض إقليم «مصرى» إقليما ميتانيا، أي أحد الأقاليم التابعة لبلاد «ميتاني» ~~نهارينا، الواقعة زعما بين الفرات والخابور، لكنه الآن مجهول تماما مثله مثل ~~«ميتاني»، ولا توجد عليه قرينة أركيولوجية واحدة. لكن إطلاقا لم يكن إقليم ~~«مصرى/موصرى» هذا وهما، ولا قراءة ملتبسة ننتظر صلاح الحال لنطقها الصحيح؛ لأنه تكرر ~~في نصوص رافدية أخرى، حدثتنا مرات عديدة وفي إشارات متباينة عن إقليم مصرى، ونتيجة ~~التباين في الإشارات التي أحدثت التباسات في تحديده الجغرافي، فمرة يمكن تفسير النصوص ~~بأنه يقع في منطقة ما جنوبا، ومرة شمالا. # وإعمالا لهذا اقترح الباحثون أحد موضعين لا ثالث لهما لإقليم مصرى، وما أبعدهما عن ~~بعضهما: الموضع الأول في الفرات الأعلى، حيث الموضع المزعوم لبلاد (ميتاني/نهارينا). ~~أما الموضع الثاني وهو الذي يعنينا بشدة، فهو احتمال وقوع إقليم مصرى - حسب قراءات أخرى ~~لنصوص أخرى - في المنطقة المحيطة بخليج العقبة وبعض شبه جزيرة سيناء ، ربما نصفها الشرقي ~~كاملا يقسمها وادي العريش العظيم. # وإطلاقا لا يصح احتساب أن إقليم مصرى هذا، كان يعني مصر الدولة العظمى آنذاك؛ لسبب ~~بسيط، وهو: أن نصوص العمارنة المصرية قد حدثتنا بدورها عن ذات الإقليم «مصرى» في صيغ ~~متعددة، وإشارات تضعه في مكان ما شرقي مصر. وتراوحت تنغيمات نطقه ما بين: مصرى، ~~موصرى، موصر، مسري، مصر، مصارى، مشرى. # 7 # والمعلوم تاريخيا والمؤكد يقينا أن المصريين أنفسهم لم يعرفوا بلادهم في ذلك ~~الزمان باسم مصر، بعد أن ثبت أن تسمية مصر النيل باسم مصر تسمية متأخرة، فقد أطلق ~~المصريون على بلادهم عدة أسماء، ليس من بينها اسم مصر. ومن تلك الأسماء المعلومة الآن ~~بشكل يقيني الاسم «كيمت # KEM-T ~~» أي الأرض السوداء # BLAC LAND ~~؛ ليقابلوا بها ما هو عكس واديهم ~~الخصيب من صحراوات وجبال وقفار وبراري، أسموها ms288 دوشراتا أو «د. ش. رت»، التي تترجم إلى ~~الأرض الحمراء # RED-LAND ~~؛ أي الصحارى. # ومن الأسماء الأخرى التي أحب المصريون إطلاقها على بلادهم: الاسم المعروف توميري أو ~~«تء. م ر ى # TA. MERE ~~»، ونطقها الإغريق تيموريس؛ ~~أي: أرض الحقل والفلاحة والحرث، أو الارض الخصيبة. وفي تاريخ مانيتون # MANITHON # المصري، الذي عاش في القرن الثالث قبل ~~الميلاد، نجد لمصر أسماء ثلاثة هي: آيريا # AERIA # ومسترايا # MESTRAIA # وباللاتينية آيجبتون # AIGYBTON ~~. والمعروف أن الاسم الأخير كان أكثرها ~~انتشارا، وأصبح الكلمة الدالة على مصر في كل اللغات ذات الأصول اللاتينية، وهو فيما ~~يذهب جلة من الباحثين تحريف للاسم المصري الأصلي للكلمة وهو «حت. ك ء. ب ت ح»، أي بيت ~~عز بتاح، أو بيت مجد الإله بتاح، وهو إله منف منذ أقدم العصور. إلا أن بعض المجتهدين ~~رأى أن اسم «ايجبت» مأخوذ من كلمة «قبط»، التي أطلقها العرب على بلاد مصر، وأن السبب في ~~إطلاق العرب على مصر هذا الاسم، هو أن عرب الجزيرة كانوا يعبرون من جزيرتهم البحر ~~الأحمر إلى مصر، فينزلون أول ما ينزلون عند مدينة عامرة هي «قفط». ومعلوم أن حرفي «ف» ~~و«ب» يتبادلان؛ لذلك تنطق «قبط» أيضا. لكنا هنا نضع احتمالا ثالثا يذهب إلى مدينة ~~«جباتا » الواقعة عند خليج العقبة في بلاد آدوم القديمة، كمعبر أول على الطريق السينائي ~~الذي يصب عند دلتا النيل، فتكون جباتا أول مدينة في طريق مصر السينائي، ويحتمل أنه قد ~~اشتق منها «قبط» ثم «إيجبت» بحسبان عبور عرب الجزيرة للبحر الأحمر؛ للوصول إلى قفط في ~~عمق الصعيد المصري، أمرا مستبعدا في ذلك الزمان. # ثم أخيرا اشتهر من أسماء مصر الاسم «نيلوس # NELOS ~~»، ~~الذي أطلقه على نهرها لأول مرة الكاتب اليوناني الملحمي «هزيود» في القرن الثامن قبل ~~الميلاد. وتعود الكلمة إلى الأصل # NEL # بعد حذف التصريف ~~الاسمي، والكلمة # NEL # تعود بدورها إلى الكلمة # NEHL ~~، التي هي في الساميات نهر # NEHR # ينطق فيها حرف الراء لاما «نهر ~~← # نهل» ثم أسقطت الهاء بالتخفيف فأصبحت ~~«نيل # NEL ~~»، وأضيف إليها التصريف ms289 الاسمي اليوناني؛ ~~لتنطق «نيلوس # NELOS ~~»، وهكذا فإن اسم النيل هو اسم سامي ~~الأصل من الكلمة «نهر»، أعيد تصديره عبر اليونان فأصبح نيل، ليدل زمنا على مصر، ~~ليقتصر بعد ذلك على نهرها العظيم. وقارئ الكتاب المقدس سيجده إطلاقا لا يذكر نهر مصر ~~باسم النيل إلا في أسفاره المتأخرة الخاتمة التي دونت بعد هزيود اليوناني، لكنه كان ~~طوال أسفاره السابقة يطلق على نيل مصر فقط لفظة «النهر» غفلا من أي تسمية ~~مميزة. # لكن لدينا رأي آخر يقول إن الاسم المتأخر الذي أطلق على مصر: «مصر» رغم وضوح تنغيمه ~~السامي، إلا أنه يعود بدوره إلى أصل مصري من اللفظ الهيروغليفي «مجر»، الذي يعني الحصن ~~أو السور العظيم، أو الحد الفاصل بين دولتين أي الحدود الدولية. # 8 # وهنا نعود إلى الإقليم «مصرى/موصرى» نطرح الحل البسيط والسهل: إذا كان المؤرخون قد ~~وضعوا لإقليم مصري احتمالين جغرافيين، أحدهما يقع في بلاد آدوم وسيناء، وإذا كانت ~~الكلمة المصرية «مجر» تعني الحدود الدولية، فلا شك أن «مجر» أو «مصرى» لم تكن تعني ~~مصر بلاد النيل، إنما تعني منطقة حدود مصر الدولية، أي إنها كانت بلاد آدوم بالتحديد ~~والتدقيق المبين، ويكون العاهل الآشوري «تجلاتبليزر الأول» قد هاجم بلاد آدوم، عندما ~~قال إنه هاجم بلاد موصرى. ولأنه كان يتحدث عن إقليم موصرى ، ضمن هجوم أشمل على بلاد ~~نهارينا، فإن بلاد نهارينا المقصودة لن تكون بالفرات الأعلى إنما بلاد آدوم. وتصبح ~~الألفاظ الواردة بنصوص تل العمارنة بمصر عن «مشرى، مصر، موصرى، مسرى ... إلخ» تشير إلى ~~حدود مصر الدولية عند بلاد آدوم التي حملت اسم «مصر»، قبل أن تحمله مصر المعروفة الآن. ~~فهي الحد الفاصل بين مصر وبين بادية الشام والبوادي العربية، وهي سور عظيم فعلا؛ لأنها ~~سلسلة جبال منيعة طبيعيا. وهو الأمر الذي يفسر لنا لماذا لم يضع المصريون على لفظة ~~بلاد بونت العلامة الهيروغليفية الدالة على البلاد الأجنبية. وفيما سلف عرضنا فرضنا في ~~أن بلاد بونت هي الاسم المصري الأشهر لبلاد آدوم المديانية، وهو ما يوعز أن المصريين ~~كانوا يعتبرون ms290 بلاد «آدوم/بونت» حدا شرقيا فاصلا للحدود المصرية مع البلاد ~~الأجنبية. # وهناك تفاسير أخرى لاسم بونت تناسب هذا المقام أوردها «عبد المنعم عبد الحليم»، لكن ~~دون أن يقصد مقصدنا، فهي ربما تكون الباب، وهو ما يشير إلى الحدود الدولية، بدوره في ~~معنى الباب أو الحد الدولي. وفسرها آخرون بأنها تعني الحصن، # 9 # وهو ما لا يخرج بدوره عن المعنى الذي طرحناه، فالحصون تكون عادة على ~~الحدود. # وإن كان التاريخ يشي دوما باستقلال واضح لتلك البلاد، عن الوطن الأم في فترات ~~تاريخية متعددة، وأن وجهة نظر المصريين لم تفرض على بلاد آدوم الأمر الواقع بالتبعية، ~~وهو ما كان يستدعي حملات تأديب مصرية متتابعة، يتم تجريدها على سيناء وآدوم، كلما ~~ارتكبت آدوم ما يعتبره الفرعون بحاجة للتأديب والتهذيب. وعليه فإن لفظة مصر بدأ ~~إطلاقها على بلاد آدوم جميعا من جانب سكان المتوسط الشرقي ولسانهم السامي، الذي غلب ~~على المنطقة بعد ذلك، بينما ظل لفظ «قبط» ثابتا في اللسان اللاتيني «إيجبت». # وتضيف اللغة مزيدا من القرائن لنظريتنا التأسيسية؛ لأن الكلمة «مجر» المصرية القديمة ~~المنطوقة في اللسان السامي «مصر»، على اختلاف تنغيماته «مشر، مشارى، مصر، مسرى، مصرى، ~~موسير ... إلخ»، تعني دوما في الساميات معنى واحدا هو: «الحمراء». ونتذكر ما سلف بيانه ~~أن بلاد آدوم وصفت بأنها بلاد حمراء، وأن عيسو آدوم سمي كذلك؛ لأنه كان أحمر اللون، ~~حسبما ورد بالكتاب المقدس. لقد كانت مصر هي بلاد سيناء، في امتدادها حتى آدوم، في زمن ~~كانت فيه مصر المعروفة تحمل أسماء أخرى معلومة هي: كيمت، توميري، آيريا، مسترايا، ~~نيلوس، ولم تكن حمراء بل سوداء. # وإن كنا اليوم لا نجد في بلاد آدوم علما يحمل اسم مصر، فقد حملت واحدة من مدنها ~~اسم «جباتا» ومنه «قبط»، ثم إن الكتاب المقدس يورد لنا اسما قديما علما في بلاد ~~آدوم؛ إذ يحكي قصة موت هارون شقيق موسى ودفنه على حدود آدوم السينائية، يقول النص: # مات هارون ودفن في جبل موسير. ~~(تثنية، 10: 6) # و«موسير» تلوين لهجوي آخر لاسم مصر. أما أن يطلق ms291 الرافديون على بلاد «ميتاني» اسم ~~بلاد النايري أو نهارينا. ويطلق المصريون عليها اسم «ن ه ر ي ~~ن # NHRN ~~»، ويعطون الفرد من الشعب الحوري صفة «ن ه ر ~~ي # NHRY ~~»، نسبة إلى «ن ه ر ي ن» بمعنى «رجل من بلاد ن ه ر»، والتي خففت فيها ~~الهاء في النطق الآشوري، فلفظت «ن ي ر ي/نايري». فهو ما أدى إلى التباسات وغموض في ~~أبحاث الباحثين، خاصة أن اللفظ يشير إلى نهر أكدوا أنه الفرات الأعلى. فإننا من جانبنا ~~نرى اللفظ يشير إلى نهر آخر - إذا كان يعني النهر فعلا - وهو ما عثرنا عليه في تعبير ~~التوراة عن قادش سيناء على حدود آدوم الغربية: «قادش النهر». وهو التعبير الذي يتطابق ~~معناه مع جغرافية وادي العريش، الذي يتحول في الشتاء إلى نهر عاصف جبار أطلقت عليه ~~التوراة اسم «نهر مصر» (تكوين، 15: 18). وأكدت أنه كان في محيط هذا النهر كان يعيش ~~الحدادون النحاسون، أو كما أسمتهم التوراة القينيين في (سفر التكوين، 15: 19). ثم يلتقي ~~الاسم نايري من جانب آخر إضافة للنهر مع النار. ومعلوم أن بلاد آدوم التي حملت اسم ~~سعير كانت بلادا للسعير والنار، حيث تفصح الأرض هناك عن نشاط بركاني عظيم قد خمد الآن. ~~ولا ننسى الحمراء صفة تلك البلاد، وشجرة النايري الحمراء التي اشتهروا بها، حتى أسمتهم ~~العربية «شعب الأيكة»، أو شعب الشجرة. # ميتاني ومدياني # حتى زمن ظهور الدعوة الإسلامية في بلاد الحجاز، كان محيط خليج العقبة جميعا يحمل ~~اسم بلاد مديان أو مدين. ويقول «ابن هشام» في السيرة النبوية: إن النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # قد أرسل مولاه زيد بن حارثة في سرية مقاتلة مفاجئة على بلاد باسم ~~مدين فيما ~~نصه: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث زيدا بن حارثة نحو مدين، فأصاب سبيا من أهالي ~~«ميناء» وهي السواحل، وفيها جماع من الناس.» # 10 # ورغم أن التوراة قد اصطلحت على تسمية تلك ~~المنطقة ببلاد «عيسو/آدوم»، إلا أن هناك إشارات أخرى عديدة بها، تؤكد أنها قد عرفت ~~ذات ms292 الموضع باسم بلاد مديان، نسبة إلى قبيلة كبرى قطنت هناك بهذا الاسم. فنجد في ~~(سفر إرميا، 25: 20) أن بلاد مديان تقع بين مصر وفلسطين (أي شبه جزيرة سيناء). وفي ~~ذات السفر يذكر النبي إرميا بلاد مديان، بحسبانها تقع في طريق المسافر من مصر إلى ~~بابل، بل وبموضعها في بلاد آدوم (إرميا، 46: 1). وهو الموضع الذي افترضناه موضعا ~~لبلاد بونت، التي عرفت في سجلات المنطقة التاريخية باسم بلاد «ميتاني/نهارين، ~~الحور». وهو ما يجد له صدى بالكتاب المقدس، الذي أكد لنا أن سكان النصف الشرقي ~~لسيناء، قد حمل بعضهم اسم المديانيين؛ ولذلك كانت تطلق على تلك البلاد مجموعة ~~مسميات على التبادل: مديان نسبة لقبائل مديان/ سعير نسبة لجبال سراة سعير/ وهي ~~الحدود التي سميت موصرى/ آدوم نسبة للآدوميين الأوائل/ بلاد الحور، وهو الاسم ~~الثاني للآدوميين/ سالع بالعبرية أي الصخرة، وهو اسم العاصمة/ بترا اليونانية، ~~ويعني الصخرة أيضا/ بونت أي الخماسية باليونانية. # ولمزيد من تدقيق موقع مديان فيما ورد بالكتاب المقدس، نقرأ قصة صراع الملك ~~الإسرائيلي سليمان ومن قبله أبيه داود مع دولة آدوم الجنوبية. وهو الصراع الذي أدى ~~إلى فرار الوريث الملكي الآدومي، بعد هزيمة بلاده إلى مصر. وفي مصر عاش عيشة ~~الأمراء في البلاط الملكي، بل وتزوج أميرة فرعونية، ثم ساعده بعد ذلك الفرعون في ~~استعادة عرشه. وتقول القصة: # وأقام الرب خصما لسليمان هدد الآدومي، كان من نسل الملك في آدوم. وحدث ~~لما كان داود في آدوم عند صعود يوآب رئيس الجيش لدفن القتلى، وضرب كل ذكر ~~في آدوم؛ لأن يوآب وكل إسرائيل أقاموا هناك ستة أشهر، حتى أفنوا كل ذكر في ~~آدوم. إن هدد هرب هو ورجال آدوميون من عبيد أبيه معه؛ ليأتوا مصر. وكان هدد ~~غلاما صغيرا، وقاموا من مديان وأتوا إلى فاران. وأخذوا معهم رجالا من ~~فاران، وأتوا إلى مصر إلى فرعون ملك مصر، فأعطاه بيتا وعين له طعاما ~~وأعطاه أرضا. فوجد هدد نعمة في عيني فرعون جدا وزوجه أخت امرأته، أخت ~~تحفنيس الملكة، فولدت له أخت تحفنيس جنوبث ابنه، ms293 وفطمته تحفنيس في وسط بيت ~~فرعون. وكان جنوبث في بيت فرعون بين بني فرعون. فسمع هدد في مصر بأن داود ~~قد اضطجع مع آبائه (أي مات [المؤلف])، وبأن يوآب رئيس الجيش قد مات، فقال ~~هدد لفرعون: أطلقني إلى أرضي. ~~(ملوك أول، 11: 14-21) # وهذا إنما يعني أن منطلق الرحلة كان من مديان «وقاموا من مديان»، وأن مملكة هدد ~~الآدومي كانت هي مملكة مديان. وخط هروب الوريث الآدومي يحدد لنا بدقة أين تقع ~~مديان، فالنص يقول: «وقاموا من مديان وأتوا إلى فاران». وبالبحث سبق ووجدنا برية ~~باسم «باران» قائمة باسمها حتى الآن، تقع إلى الغرب مباشرة من بلاد آدوم، التي ~~حددنا موقعها بين خليج العقبة والبحر الميت. و«باران» بالضبط هي «فاران»، فحرف ~~الباء والفاء يتبادلان. ثم إن «باران» أو «فاران» محطة واضحة على خريطة سيناء، ~~للمتجه غربا من آدوم نحو مصر. وإذا كان هدد الملك الآدومي قد أخذ معه رجالا من ~~فاران كأتباع له، فهو ما يعني أن سلطان آدوم كان يصل تقريبا إلى «نهر مصر» وادي ~~العريش الآن. إن النص يؤكد بلا لبس أن بلاد آدوم هي التي حملت أيضا الاسم ~~التاريخ مديان اسم كبرى القبائل الآدومية. # ثم لمزيد من التأكيد نتابع البحث في نصوص الكتاب المقدس، فنقرأ قصة هروب النبي ~~موسى من مصر، بعد قتله المصري ظلما وعتوا إلى بلاد باسم مديان، وأنه عاش هناك ~~زمنا هاربا من قوانين العدل المصرية، وتزوج هناك من صفورة بنت كاهن مديان، الذي ~~كان يحمل اسمين يردان في المقدس التوراتي على التبادل هما: رعوئيل، ويثرون. ويحدد ~~لنا المؤرخ «فيليب حتى» الموقع الجغرافي لتلك البلاد التي فر إليها موسى بأنها: # مدين التي تضم جنوبي سيناء، والأرض الواقعة إلى الشرق منها. واتخذ موسى ~~لنفسه امرأة غريبة، وهي ابنة كاهن مدين، وأبوها مؤمن بديانة يهوه، فتعلم ~~منه موسى أسرار العبادة الجديدة. # 11 # ومن جانبهم يفترض المؤرخون الإسلاميون أن ~~«يثرون» هذا هو الذي ورد في القرآن باسم شعيب صاحب شعب الأيكة. والأيكة هي الشجرة ~~الضخمة المعمرة أو الغابة، ms294 والأيك هو «العيك» بتبادل الهمزة مع العين في ~~«الساميات». وهو ما يذكرنا بأتيكا أو عتيقة، التي وردت في نصوص مصر بحسبانها موقعا ~~في بلاد آدوم، كما أسلفنا. # ويقول أصحاب قصص الأنبياء عن مدين: # مدين: قيل اسم البلد. وقيل إنه اسم القبيلة؛ بسبب أنهم أولاد مدين ابن ~~إبراهيم. وشعيب قد اختلف في نسبه، وكان أهل مدين قوما عربا يسكنون ~~مدينتهم مدين القريبة من أرض معان من أطراف الشام (لنتذكر أنها معان مصران ~~أو معان المصرية على التخوم الشرقية الجنوبية لآدوم [المؤلف]) وكانوا بعدهم ~~بمدة قريبة. وكانوا كفارا يقطعون السبيل، ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة، ~~وهي شكرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملة، ~~يبخسون المكيال ويطففون فيها. # 12 # وكلام المأثور الإسلامي هنا عن المكيال والميزان، يعبر بوضوح عن صدق فروضنا، ~~التي قلنا فيها إن سكان تلك المنطقة كانوا من طبقة من التجار العسكريين، تمركزوا ~~على عصب طريق قوافل تجارة العالم، في هذه المنطقة الحساسة من العالم المعروف ~~آنذاك. # ويقص علينا الكتاب المقدس في «سفر الخروج»، ~~أن النبي موسى عندما خرج من مصر مع أتباعه، ميمما نحو فلسطين عبر سيناء، اتجه من ~~فوره إلى بلاد مديان، التي سبق وعاش فيها، عندما هرب من جريمة قتله المصري، وارتبط ~~بأهلها بأواصر النسب والسنين، حيث التقى هناك بحماه «يثرون/رعوئيل»، واتخذ من شقيق ~~زوجته حباب المدياني دليلا له في دروب سيناء الشرقية. إلا أن هذا الود لم يبق على ~~حاله الصافي، فلم تلبث التناقضات أن ظهرت بين الفريقين؛ فريق موسى وأتباعه الخارجين ~~من مصر، وفريق المديانيين، لتتصاعد تلك التناقضات إلى صراع دموي، انتهى بأمر ~~إلهي جاء في النص التوراتي يقول: # وكلم الرب موسى قائلا: انتقم نقمة لبني إسرائيل من مديان، فتجندوا على ~~مديان كما أمرهم الرب، واقتلوا كل ذكر، وملوك مديان اقتلوهم ~~فوق قتلاهم: آوى وراقم وصور وحور ورابع، ~~خمسة ملوك مديان، وأحرقوا جميع مدنهم ومساكنهم وجميع حصونهم بالنار وأتوا ~~إلى المحلة إلى عربات موآب. ~~(عدد، 31: 12، 10، 8، 7، 2، 1) # النص هنا يعطينا مزيدا من التأكيد لموقع ms295 بلاد مديان، حيث دارت الموقعة العسكرية ~~بين الإسرائيليين والمديانيين، فهو إلى الجوار من «عربات موآب» أي الجزء القريب من ~~دولة موآب من وادي عربة. كما يوضح لنا أن منطقة آدوم المديانية كانت تتقاسمها خمسة ~~ممالك متحدة (بنط بوليس = البلد الخماسية)، وبين أسماء ملوك تلك الممالك، يحتفظ لنا ~~المقدس باسم الملك المدياني «حور»، الذي لم يزل اسمه علما هناك حتى اليوم على وادي ~~حور، في محيط البتراء الجنوبي. وفي موضع آخر بالكتاب المقدس، نجد حديثا عن ~~إبراهيم الخليل وابن أخيه لوط، وحديث عن خمس مدائن كبرى تقع في بلاد آدوم، جاءت ~~أسماؤها على الترتيب، بأسماء ملوكها، في زمن أقدم من زمن موسى كالآتي: # با - رع ملك سدوم، وبر - شاع ملك عمورة، وشن - آب ملك آدمة، وشم - إير ~~ملك صبوييم، وملك بالع التي هي صوغر. ~~(تكوين، 14: 2) # وواضح في تلك الأسماء النغمات المصرية «با - رع»، والنغمات السامية العربية «شم ~~- إير» الذي هو «شمر». وما زالت قبائل عربية كبيرة تحمل هذا الاسم حتى الآن في تلك ~~المناطق تحديدا (الشمريين)، إضافة إلى العموريين أو الأموريين (ولدينا في التوراة ~~مدينة عمورة في بلاد آدوم) والآدوميين أدمة بالتوراة. وبمقارنتنا للوديان المنزرعة ~~التي تتخلل المنطقة الصخرية لبلاد آدوم، والتي تصلح لقيام دول مدن بها، سنجدها الآن ~~وديانا خمسة تلتقي مع المدن الخمس، التي أوردها الكتاب المقدس. وهي بأسمائها ~~الحالية: وادي موسى، ووادي جلواخ، ووادي الصدر، ووادي المقر، ووادي الزرابة، وهي ~~بالتحديد المبين كل وديان المنطقة دون زيادة أو نقصان، وديان خمسة تطابق مدنا ~~خمسة، وهي التي أطلق عليها المؤرخون القدامى مثل هروشيوش «بونتابوليس» (بنط - ~~بوليس) أي البلاد الخماسية. # ولمزيد من التعرف على مديان ومدى مطابقتها لبلاد آدوم، نقرأ في موقع آخر ~~بالكتاب المقدس زمن القضاة ما بين الخروج وبين قيام مملكة داود، عن استمرار ~~الصراع بين الإسرائيليين والمديانيين، وأن الكفة ~~مالت لصالح المديانيين، حتى أخضعوا الإسرائيليين سبع سنوات، وهو ما يعبر عنه نص ~~المقدس بقوله: # وعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، فدفعهم الرب ليد مديان سبع سنين، ms296 ~~فاعتزت يد مديان على إسرائيل، بسبب المديانيين عمل بنو إسرائيل لأنفسهم ~~الكهوف التي في الجبال، والمغاوير والحصون. وإذا زرع إسرائيل كان يصعد ~~المديانيون والعمالقة وبنو المشرق، يصعدون عليهم وينزلون عليهم، ويتلفون ~~غلة الأرض إلى مجيئك إلى غزة، ولا يتركون لإسرائيل قوت الحياة، ولا غنما ~~ولا بقرا ولا حميرا؛ لأنهم كانوا يصعدون بمواشيهم وخيامهم، ويجيئون ~~كالجراد في الكثرة، وليس لهم ولجمالهم عدد، ودخلوا الأرض لكي ~~يخربوها. # ويفهم من النص أن المديانيين كانوا يشكلون حلفا قويا مع العمالقة، والعمالقة ~~شعب مجهول إلى حد بعيد. لكن شجرة الأنساب التوراتية تعيد العمالقة إلى أب أسطوري ~~بعيد اسمه «عماليق»، وتقول: إن عماليق هذا من نسب آدومي، فهو حفيد عيسو آدوم، الجد ~~الأسطوري البعيد لشعب آدوم» (انظر: سفر التكوين، 36: 12). وهو ما يفسر لنا وجود ~~العماليق في بلاد آدوم. # وفي التوراة نصوص عديدة يفهم منها أن ~~العمالقة أو العماليق كانوا ينتشرون في سيناء وآدوم، والنقب، والمناطق الجنوبية من ~~فلسطين. أما بنو المشرق فهو اصطلاح معلوم بالكتاب المقدس، يشير إلى القبائل ~~الآرامية. والنص السالف يشير إلى كثرة عددية هائلة في جيوش هذا الحلف «كالجراد في ~~الكثرة»، لكنه يشير إلى أن المديانيين قد دفعوا الإسرائيليين لحفر الكهوف التي في ~~الجبال. وهو كلام ملتبس؛ إذ يبدو لنا أن كاتب هذا الجزء من التوراة، كان قد عرف ~~مساكن بونت آدوم الكهفية المحفورة في الصخور، ورأى عظمتها وعاينها، فنسب فعلها إلى ~~الإسرائيليين. وهو دأب توراتي يعلمه المعتاد على التعامل مع الكتاب المقدس، حيث ~~يحاول المحرر التوراتي دوما أن ينسب الأعمال الكبرى لبني إسرائيل. # ومن إشارات أخرى بالكتاب المقدس، نفهم أن ~~هؤلاء المديانيين قد عرفهم الناس كصناع مهرة للمعادن، فهم قينيون حسبما أطلق ~~عليهم المقدس، أي حدادون. وكان الحداد في ذلك الزمن هو مؤسسة المصانع الحربية. ~~ويقول لنا قاموس الكتاب المقدس تحت مادة قيني: # قينيون: اسم سامي معناه حداد، والقين باللغة العربية معناه الحداد، وبنو ~~القين قبيلة من قبائل العرب والنسبة إليها قيني. ومن (سفر التكوين، 15: 19) ~~نرى أن القينيين كانوا أمة مجاورة للقدمونيين ms297 والقنزيين الساكنين في آدوم، ~~وقد تطلع بلعام من مرتفعات بعل موآب، فرأى القينين وشبه موضعهم بالعش في ~~صخرة (سفر العدد 22: 41 و24: 21، 22) ليكن مسكنك متينا، وعشك موضوعا في ~~صخرة. # وهنا نتذكر أن بيوت بلاد بونت قد صورت كأعشاش النحل في الصخور، وأنها ذات عين ~~مساكن الحوريين في بلاد آدوم. وسفر القضاة يقدم لنا تقريرا واضحا، يؤكد أن ~~القينيين هم ذات المديانيين، وأن القيني صفة للمدياني، وذلك في قوله: وبنو القيني ~~حمو موسى (قضاة، 1: 16)، ونحن نعلم أن حمى موسى «يثرون/رعوئيل»، كان ~~مديانيا. # وللمزيد من التأكد من القينيين، وأنهم كانوا ذات عين المديانيين حلفاء العمالقة ~~وبني المشرق، نرحل إلى زمن أول ملوك إسرائيل المعروف باسم شاول، عندما قام بحملة ~~عسكرية على عاصمة العماليق. وطلب من القينيين أن يفكوا حلفهم مع العمالقة؛ كي لا ~~يبيدهم معهم، وأن يهجروا مواطنهم التي سكنوها معهم، أو بالنص: # اذهبوا وحيدوا وانزلوا من وسط العمالقة؛ لئلا أهلككم معهم، وأنتم قد ~~فعلتم معروفا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر، فحاد القيني من وسط ~~عماليق. ~~(سفر صموئيل أول، 15: 6) # وهو ما يعني أن القيني كان هو المدياني حليف العمالقة وبني المشرق. وعلى مستوى ~~علم التاريخ يحيطنا المؤرخ سليم حسن علما بقوله: «نعلم من الفخار الذي جمعه جلويك ~~من مناجم النحاس في عرابة أنه كانت تقوم هناك أعمال عظيمة في عصر الحديد المبكر، ~~بيد أنه لا يمكن تحديد تاريخ بعينه لذلك. ولما كان إقليم مدين الواقع في الجنوب ~~والجنوب الشرقي في العقبة أغنى بكثير في النحاس؛ فإنه لا يبعد أن يكون أهل موسى قد ~~بدءوا تثميرها، وبخاصة أنه كان بالقرب منهم عملاء ممتازون. ولشراء هذا المعدن، ~~وأعني بذلك «مصر» وكنعان وكانت عشيرة مدين فضلا عن ذلك تنعت بلفظة القينيين أي النحاسين.» # 13 # ومن جانبه يحيطنا الكتاب المقدس علما أن القيني هو ذلك الصانع الضارب ~~على آلات الحديد والنحاس بتعبير (سفر التكوين، 4: 22). وكان «نيلسون جلويك» الذي ~~أشار إليه سليم حسن من هنيهة، قد اكتشف عام 1937م منجم نحاس هائلا محفورا في ms298 ~~الصخر في جنوبي وادي عربة، لكنه ذهب إلى أنه كان منجما للملك سليمان. كما اكتشف ~~جلويك في وقت سابق أنقاض ميناء بلاد آدوم على خليج العقبة، واحتسبه ميناء عصيون ~~جابر الوارد بالتوراة، كميناء لآدوم على خليج العقبة، وذلك تحت طبقة من الرماد على ~~مساحة واسعة من الأرض محاطة بسور حصين، وبداخلها مجموعات ضخمة من أفران صهر النحاس. # 14 # ومن جانب آخر عثر علماء الدولة الإسرائيلية أثناء وقوع سيناء المصرية تحت ~~الاحتلال بعد هزيمة 1967م، على بقايا ميناء في جزيرة فرعون المصرية المقابلة لميناء ~~إيلات. فذهبوا إلى أن هناك كان موقع ميناء عصيون جابر، الذي استخدمه الملك سليمان ~~قاعدة لأسطوله إبان توسعه على حساب آدوم. # وبعد تحرير سيناء توجهت بعثة من المجلس الأعلى للآثار المصرية؛ للتحقق من صدق ~~ما وصل إليه علماء إسرائيل، حيث عثروا على تحصينات حربية ترجع إلى عهد صلاح الدين ~~الأيوبي. كما عثروا على فرن يستخدم في إسالة المعادن بغرض التصنيع الحربي، مبني ~~من الطوب الحراري، إضافة إلى بعض أبراج المراقبة وخزانات المياه، وأبراج حمام زاجل ~~كانت تستخدم في عمليات الاتصال العسكري والمراسلة. وعندئذ صرح المشرف على البعثة ~~المصرية، أن أهمية كشف تلك المنشآت التي تعود لزمن صلاح الدين الأيوبي، تكمن في ~~دحضه لمزاعم الآثاريين الإسرائيليين. وكان الإسرائيليون قد عثروا على بقايا معدن ~~الحديد المنصهر . ولما كان عصر الحديد في المنطقة قد تم تزمين بدايته بحوالي عام ~~1000ق.م. فقد تم ربط المكتشفات بزمن سليمان الذي حكم حوالي ذلك الزمن. لكن رئيس ~~البعثة المصرية نفى أن يكون لهذا الحديد علاقة بزمن سليمان، إنما يعود إلى فترة حكم ~~الأيوبيين. # شكل رقم «71»: قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون. ~~(انظر شكل رقم «71».) # وقد عقب على الأمر الباحث أحمد عثمان بقوله: «إن رئيس البعثة ~~المصرية وجد أن أفضل الطرق لدحض المزاعم الإسرائيلية، بخصوص تبعية عصيون جابر للملك ~~سليمان، أن ينفي وجود هذا الميناء كليا، خلال ثلاثين قرنا من الزمان، ويرجع ~~نشأته إلى عصر صلاح الدين الأيوبي في الأزمنة الحديثة. وقد أظهرت الحفريات الأثرية ~~التي ms299 تمت في أواخر الستينات (يقصد الحفريات الإسرائيلية) أن أقوام سيناء المديانية ~~المصرية كانت أول من قام ببناء هذا الميناء، في العصور القديمة في جزيرة فرعون ~~الواقعة في خليج العقبة، على بعد 12كم جنوبي ميناء إيلات الحالي، قبل زمن سليمان في ~~القرن العاشر ق.م. بخمسة قرون. بل تبين وجود علاقة قوية بين جزيرة فرعون وميناء ~~عصيون جابر، وبين مواقع المناجم في وادي عربة الممتد جنوب فلسطين إلى البحر الميت. ~~وعند وادي «متانية/تمنا» على بعد عشرين كيلو مترا شمال إيلات، عثر الأثريون على ~~بقايا أدوات صهر النحاس وتشكيله، ترجع إلى عهد الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة ~~... وتم الكشف عن معبد وسط تلك المناجم لمعبودة سيناء حات حور.» # 15 # وإذا كنا من جانبنا نزعم أن بلاد بونت التي أوفدت إليها الفرعونة حتشبسوت بعثتها ~~هي ذات بلاد آدوم عند العقبة، فإننا لم نجد في نصوص حتشبسوت أي ذكر لا للحديد ولا ~~للنحاس في منتجات بونت. لكن ما لا يصح التغافل عنه ذلك النص الذي تقول فيه ~~الفرعونة: «لقد منحتهم الذهب، فتلقيت منهم الذهب الأخضر من بلاد الأمو». وإذا أخذنا ~~العبارة بظاهرها، فلن يكون مفهوما أن تهدي الفرعونة ذهبا لتتلقى ذهبا، خاصة وأن ~~مصر كانت غنية بالذهب، الذي يأتي من مناجم النوبة بوفرة عظيمة؛ إلا أن الكلمة ~~الإلحاقية التوضيحية بالنص «الذهب الأخضر »، تعطينا معنى يطابق النحاس والحديد ~~مطابقة مدهشة، فكلاهما يأخذ اللون الأخضر مع التأكسد، وأن يقال عن تلك المعادن ~~إنها نوع من الذهب. فلكون الحديد ثم النحاس الممزوج بالقصدير الذي يعطي سبيكة ~~البرونز، كان فاتحة عصر جديد في أساليب الحروب وأسلحتها، فكان أثمن من الذهب في ذلك ~~الزمن. # أما الإشارة في نصوص حتشبسوت إلى أن تلك البلاد، التي كانت تصنع هذا الذهب الأخضر ~~في بلاد بونت هي بلاد الآمو؛ فهو باب آخر يفتحه النص أمام بحثنا هنا؛ لأن كلمة آمو ~~أو عامو هي الاصطلاح المصري المعلوم الذي أطلقه المصريون على غزاة بلادهم باسم ~~الهكسوس، الذين احتلوا مصر في زمن سابق حوالي 1788-1575ق.م. وهو الأمر ms300 الذي ~~سنتم معالجته تفصيلا مع السير في العمل بهذا البحث. لكن ما نوضحه هنا في إشارة ~~سريعة، هو أن بلاد بونت وفق هذا المعنى التي هي بلاد العامو كانت موطنا للهكسوس. ~~وإذا كان الهكسوس العامو حسب نص حتشبسوت هم سكان بلاد بونت، فمن المستحيل أن تقع ~~بونت في الصومال أو أثيوبيا أو سواحل اليمن، إنما يجب أن تقع في الشرق من حيث جاء ~~الهكسوس. هذا ناهيك عن كون كثير من المدارس، يرجح أن يكون الهكسوس من شعب قديم ~~عرف باسم العمالقة. وهنا نتذكر فورا نص الكتاب المقدس السالف الذي أحاطنا علما، ~~في قصة حملة الملك الإسرائيلي شاول على العمالقة، بأن المديانيين أو القينيين كانوا ~~يعيشون مع العمالقة بذات المواضع الجغرافية. # وكما سلف في النص المذكور يأمر النبي موسى بقتل ملوك مديان وبينهم ملك باسم ~~«رابع»، وفي موضع آخر بالكتاب المقدس نعلم أن اسم «رابع» هذا اسم كنعاني يعني ~~العدد أربعة، وذكر في مواضع أخرى باسم «أربع» صريحة، مع وصفه بأنه كان أعظم ملوك ~~العماليق. وهنا نتساءل: هل كان رابح ملك بلاد بونت في لوحات حتشبسوت هو رابع هذا؟ ~~كان رابع فيما يبدو اسما متواترا لملوك مديان منذ بارح أو رباح أو رابح في نصوص ~~حتشبسوت، وأنه كان أيضا بارح أو رابح في زمن آمنحتب الثاني، ~~الذي كان يحلو له - كما أسلفنا - التحدث ~~باحتقار عن رابح وقوم نخسى! والمقدس التوراتي يذكر للعماليق اسما آخر يأتي على ~~التبادل مع «عمالقة»، هو الاسم «عناقين» و«بني عناق». وقد سميت مدينة الخليل باسم ~~كنعاني هو «أربع» زعيم العمالقة، قبل أن يتغير اسمها إلى حبرون ثم إلى الخليل انظر: ~~(سفر يشوع، 14: 15، و15: 13). وهو ما يؤكد صدق تحديدنا للمواطن التي اخترناها ~~للمديانايين والعمالقة. # وقد سبق وأشرنا إلى أن لوحات بونت في معبد الدير البحري، قد أشارت إلى اسمين ~~لموضعين أو لمدينتين، يعطيان رؤيتنا هنا مزيدا من الدعم والتأييد. الاسم الأول هو ~~«أو سالعت» أو «أوزلت». ويذهب الباحث عبد المنعم عبد الحليم إلى موضعتها عند ميناء ~~«زيلع» الحالي ms301 بجنوبي الصومال، حسب رأيه في وقوع بنط على شواطئ الصومال بأفريقيا. # 16 # بينما نجد «أو سالعت» من وجهة نظرنا تحيل فورا إلى اسم «سالع» عاصمة ~~آدوم، وليس إلى «زيلع» على ساحل الصومال. # أما الاسم الثاني فهو يبدو كما لو كان وصفا للمكان الذي التقى فيه مصريو بعثة ~~حتشبسوت بالبونتيين، بميناء علي سواحل بلاد بونت، والصيغة كما جاءت هي «حرجسوى واج ~~ور»، وتعني أن المقابلة قد تمت على شاطئ البحر. وهو برأينا تسمية لواقع حال المكان، ~~كعادة المصريين والشعوب القديمة عموما في التسمية على واقع الحال وشكل البيئة. ~~ونعتقد أن «على شاطئ البحر» هو اسم المدينة لوصفها بكونها ميناء، فهي باختصار تعني ~~«الميناء»، التي تلتقي مع ذات التسمية التي أطلقها المأثور الإسلامي في غزوة زيد بن ~~حارثة، زمن الدعوة الإسلامية على بلاد مدين، على المكان الواقع عند العقبة باسم ~~«ميناء»، في النص السالف «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث زيدا بن حارثة نحو مدين ... ~~فأصبا سبيا من أهالي ميناء»، لقد كانت كلمة ميناء المعنى الذي أصبح اسما من كلمة ~~«حرجسوي واج ور»، للميناء الذي استقبل سفن الفرعونة حتشبسوت باسم «ميناء». # ونميل هنا بشدة إلى الاعتقاد أن جزيرة فرعون، هي بالتحديد ذلك الميناء القديم ~~«حرجسوي واج ور»، رغم أنها كجزيرة تبعد الآن عن يابس خليج العقبة باثني عشر كيلو ~~مترا، وهو الأمر الذي يمكننا تفسيره بربطه بما جاء عند جمال حمدان، في قوله ~~بارتفاع مياه البحر في أكثر من منطقة، وأنه قد أدى إلى انفصال مماثل في مدن الساحل ~~المصري الشمالي، وأغرق كثيرا من المدائن الرائعة، كما في آثار كوم الشقافة، ~~وأصبح مكان الفنار القديم على الشاطئ، يقبع الآن ~~بعيدا داخل البحر، كما طغت مياه البحر على دلتا النيل، وأدت إلى توسعة البحيرات ~~الشمالية، مثل بحيرة المنزلة والبرلس وغيرهما، وقد أورد جمال حمدان شهادات قديمة ~~حفظت الحدث، كما جاء في رواية المخزومي عن نشأة بحيرات الدلتا بواسطة طغيان البحر، ~~وكان ذلك عام 961 ميلادية، # 17 # ونظنه ذات الأمر الذي قضى ms302 على آثار عصيون جابر القديمة، التي لا يزال ~~البحث جاريا عنها حتى اليوم، مع احتمالات أنها ربما تكون إيلات وربما تكون العقبة، ~~فالاسم «حرجسوي واج ور»، يتطابق تماما مع محاولة نطق اللسان العبري للاسم المصري ~~«حرجسوي واج ور»، ممثلا في النطق العبري «عصيون جابر». # ويشير جمال حمدان إلى تطابق حديث المخزومي، مع ما جاء عند جرا سبان الأب، عن ~~ارتفاع مستوى سطح البحر منذ القرن الثاني للميلاد، ودلل على ذلك بالأطلال والبقايا ~~الغارقة، التي وجدها في بحيرة البرلس. # 18 # ويبدو أن ذات الحدث الكوني هو الذي أدى إلى ضياع مدينة تنيس العظيمة، ~~واختفائها من على صفحة التاريخ، فيقول المسعودي والمقريزي من بعده إن المنزلة كانت ~~جزءا من نطاق بري عظيم، لا يضارع أو يناظر في مصر، ظل كذلك إلى ما قبل الفتح ~~الإسلامي لمصر، ونقرأ في مروج الذهب: «إن تنيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها استواء ~~وطيبة، وكانت نخلا وشجرا ومزارع، وكانت فيها مجاري ماء على ارتفاع من الأرض، ولم ~~ير الناس بلدا أحسن من هذه الأرض، ولا أحسن اتصالا من جناتها وكرمها، ولم يكن ~~بمصر كورة يقال إنها تشبهها إلا الفيوم ... لكن البحر اخترق خط التلال الرملية، التي ~~كانت تعمل كمتاريس طبيعة، وسنة بعد أخرى زحفت مياهه وتوغلت، إلى أن اكتسحت كل ~~الأراضي المنخفضة الوطيئة ببلدانها وقراها، تاركة فقط عدة «جزر عالية» بما فيه ~~الكفاية لتنجو من الخراب.» # 19 # وربما نبالغ لو استعنا بالمسعودي في رواية أخرى تبدو خيالية، لكنها ترصد لنا ~~مناطق قد غطاها البحر، ولم تكن كذلك فهو يقول: «وكان فيما بين العريش وقبرس طريق ~~مسلوكة إلى قبرس، تسلكه الدواب يبسا، ولم يكن فيما بين العريش وجزيرة قبرس إلا مخاضة.» # 20 # ويبدو أن ذلك قد ترافق مع ارتفاع تدريجي عبر القرون لدرجة الحرارة عما كان ~~معتادا، مما أدى إلى ذوبان الجليد القطبي الذي أدى بدوره إلى ارتفاع مستوى ~~البحار، حيث وجدنا ما يدعم ذلك عند هروشيوش المؤرخ لتاريخ العالم، إذ يقول: «وفي ~~ذلك الزمان ذكر الفلاسفة ms303 في كتبهم، أن الشمس خرجت عن طريقها في أيام القبط، حتى ~~جاوزت حد الإحراق في جميع الدنيا، وكادت أرض الحبشة لا يبقى بها إنسان ولا بهيمة، ~~وقد اعتل بذلك بعض كتاب المجوس الجاحدين لقدرة الله، بأن أنزلوا ذلك من قبل ~~الكوكب الأحمر»، # 21 # والكوكب الأحمر هو كوكب الزهرة عند العرب. # ومن ثم لا شك أنه قد ضاعت بهذا الفعل الطبيعي معالم كثيرة، كان يمكن أن توفر ~~كثيرا من العناء لحل ألغاز التاريخ، وضمن ذلك لا شك مساكن ومزارع وحياة كاملة، ~~لم يبق منها إلا آثار صهر النحاس في جزيرة فرعون، وبعض المباني التي تشير إلى ضجيج ~~قديم كان يملأ المكان. أما باقي تلك المساكن كالأكواخ التي تقوم على أعمدة، فلا ~~زالت تتناثر في سيناء بمحيط الترابين ونويبع ومواضع أخرى. أكواخ تحملها قوائم يصعد ~~إليها الأهلون هناك بسلالم خشبية، وهو ما يلقي بنا في مرآة زمان بعثة حتشبسوت إلى ~~بلاد بونت، فلم يزل أهل تلك المناطق يستخدمون الأسلوب القديم في بناء المساكن كما ~~هو، وبذات الأسلوب البنائي البدائي. # وهكذا فإن «بلاد بونت/بلاد الصخر» قد عاش فيها شعب يسمى الشعب الحوري، منسوبا ~~إلى جد أسطوري باسم سعير الحوري، حتى جاء الآدوميون «أبناء عيسو/آدوم» فاقتحموا ~~المكان واستوطنوه. وفي ذات المكان استوطن فرعا قبليا من فروعهم، هو الفرع ~~المدياني الذي اشتغل بالحدادة والنحاسة فسمي القيني. وفي ذات المكان وعلى امتداد ~~نحو الشمال الفلسطيني، استوطن بطن نسيب آخر هو الفرع العماليقي أو العناقي، وامتدت ~~المساحة التي شغلتها تلك الممالك أو البطون القبلية المتحالفة، من جبال سراة سعير ~~(موصرى) ووادي عربة حتى عمق سيناء غربا، ربما إلى وادي العريش، مع جزء واسع من ~~بادية شمال جزيرة العرب شرقا، وجنوبا على الساحل الشرقي لخليج العقبة، وإلى الشرق ~~منه، حيث مدن ددان «العلا» ومدائن صالح وتيماء ... (المدن التجارية الواقعة على خط ~~التجارة من الجنوب للشمال، والتي يبدو أنها ذكرت في النصوص المصرية القديمة باسم ~~بونت)، وجمع الحلف والمكان بين ثلاثة عناصر بشرية متمايزة بوضوح: «العنصر الحامي ~~الزنجي الأسود، ms304 والعنصر الأحمر الذي نظنه هندوآرى، والعنصر القادم من جنوب جزيرة ~~العرب، ويمكن الاصطلاح على تسميته هنا (الجنوب جزيري)». # وقد رأت التوراة من جانبها أن تجد علاقة بين تلك القبائل الممالك، فوضعت لها شجرة ~~أنساب جعلت فيها اسم القبيلة اسما لسلفها البعيد، وقالت إن بين هؤلاء الأسلاف كانت ~~روابط دم وعلاقات رحم. ومن هؤلاء الأسلاف الأسطوريين السلف الأول لشعوب المنطقة ~~«نوح»، الذي أنجب أبناء ثلاثة هم: «سام أبو الساميين، وحام أبو الحاميين أو ~~الكوشيين الزنج، ويافث أبو الهندوآريين»، وأنه من حام جاء أخلاف هم المصري والكوشي ~~أشقاء، والكوشي هو الزنجي، وأنجب الكوشي سبأ وحويلة وددان. أما الابن الآخر لنوح ~~وكان يحمل اسم سام، فقد أنجب أرام أبو «يقطان/قحطان» وحضرموت وأوفير، ومن نسله جاء ~~البطريرك إبراهيم الخليل، وأنجب إبراهيم عددا من الأولاد منهم إسماعيل، ومن أبناء ~~إسماعيل كان نبايوت «نابت» وقيدار ودوما وتيما، «وكان لإسماعيل أخ يعنينا اسمه هو ~~«مديان»، ثم كان له شقيق آخر هو إسحاق الذي أنجب «عيسو/آدوم»، و«يعقوب/إسرائيل»، ~~ومن عيسو جاء نسل الإخوة تيمان ورعوئيل وعماليق». # ولأن المقدس التوراتي قد رأى أن الكوشي/الزنجي شقيق المصري، فلا شك أنه كان يردد ~~ذكريات ذلك الترابط، مع ربط آخر للمصري بأهل سبأ وددان وحويلة. وقد سبق وعلمنا أن ~~ددان هو الاسم القديم لمدينة العلا الحالية شمالي السعودية، ودادان أو ديدون أو ~~دودون اسم أشهر آلهة النوبة المصرية، # 22 # وسبأ تروي حولها أساطير كثيرة سنتناولها لاحقا، أما حويلة فقد انتهينا ~~في الجزء الأول من هذا العمل، إلى أنها هي حواريس، عاصمة الهكسوس المصرية التي ~~أصبحت فيما بعد رعمسيس. # المهم أن ذكريات الكتاب المقدس لديها علم بصلة قديمة قوية، بين منطقة سيناء ~~وآدوم وشمالي الجزيرة وبين بلاد مصر النيل، وهو ما يلتقي مع اعتبار المصريين لتلك ~~المنطقة كحد شرقي مصري لبلادهم. كما أن تلك الذكريات كانت تعلم أن هناك صلة وثيقة ~~بين عيسو (آدوم الحوري) وبين المدياني، فجعل المحرر التوراتي عيسو ينجب رعوئيل، ~~الذي عرفناه حمى للنبي موسى، ونعلم أنه كان مديانيا قينيا، كما ms305 تجد الابن ~~الثاني لعيسو المسمى تيمان، ذات صلة وثيقة لغويا وجغرافيا بكلمة ميتان أو ~~ميديان! كما ربطت شجرة الأنساب التوراتية تلك بين عيسو/آدوم وبين العمالقة، فجعلت ~~جد العمالقة «عمليق» حفيدا لعيسو/آدوم، ثم أعادت تلك القرابات جميعا إلى إسماعيل ~~بن إبراهيم تارة، وإلى إبراهيم نفسه تارة أخرى، في محاولة لتفسير التحالف السياسي ~~بين مجموع تلك الممالك الصغيرة بأعدادها الكبيرة معا؛ ربما لأن لغتهم كانت ~~متقاربة، وربما لأن ثقافتهم توحدت بحلفهم، ناهيك عن التطابق المدهش بين ذكريات ~~المحرر التوراتي، وبين نصوص الفرعونة حتشبسوت عن بلاد بونت؛ إذ كان العنصر الزنجي ~~في لوحات حتشبسوت مدعاة طوال الوقت عند المؤرخ التقليدي للذهاب بموقع بلاد بونت إلى ~~أفريقيا، وذكريات التوراة تقول إن الكوشي (الزنجي) كان شقيقا للمصري. لكن نفس ~~الذكريات كانت تقول كلاما شديد الغرابة، وهو أن أبناء كوش كانوا يعيشون في منطقة ~~شرقي مصر وليس جنوبها، وشرقي مصر في سيناء وآدوم، في آسيا وليس في إفريقيا، وأن ~~واحدا من أبناء كوش (الزنجي) نحن على يقين من موضعه الجغرافي، وهو ددان (العلا ~~حاليا) جنوب شرقي آدوم. وسيتضح لنا فيما بعد مدى مصداقية ذلك القول التوراتي ~~العجيب، بشأن وضع الكوشي الزنجي في آدوم ومحيطها وليس في أفريقيا. # وابتداء يمكن القول بهذا الشأن: إن العلاقات التجارية بين آدوم وبين اليمن ~~والساحل الإفريقي الملاصق عبر مضيق المندب، قد استدعت اختلاطا للعناصر، وانتقالا ~~وهجرات، الأمر الذي سمح بوجود العنصر الزنجي في بلاد بونت (آدوم)، أما الذي نعتز ~~بالكشف عنه، فهو أن البلاد التي كانت النصوص المصرية تطلق عليها اسم ميتان (ن ح ر ~~ن) أو بلاد الحوريين، هي ذات بلاد مديان (آدم، النايري، أو النهرية، أو النارية، أو ~~ذات النهارين)، هي ذات بلاد موصرى (مديان) الواقعة في وادي عربة وجبال سراة سعير في ~~حضن الصخور، وأن العاصمة كانت هي الصخرة الكبرى (آدوم الكبرى، شمس آدوم، بونت، ~~سالع، البتراء)، وكلها تعني معنى واحدا هو الصخرة. # وقد سبق وعلمنا أن علماء المصريات قد عثروا ضمن ما عثروا عليه من آثار مكتوبة، ms306 ~~تعود إلى دولة «ميتاني» (المزعوم أنها تقع أعالي الفرات) على خطاب ضمن مكتبة تل ~~العمارنة بمصر، مرسل من قبل الملك الميتاني «دوشراتا» إلى صديقه الفرعون «آمنحتب ~~الثالث»، ومع اسم «دوشراتا» هذا نقف هنيهة. # لو افترضنا وجوب البحث عن معنى كلمة دوشراتا في المصرية القديمة فسيكون - كما سلف ~~بيانه - أرض الصحراء، أو الجبال أو الصخور. فهذا الاسم كان الاصطلاح الذي يطلقه ~~المصريون على الصحارى «دشرت»، وكذلك على اللون الأحمر الأمغر، وهو لون صحارى سيناء ~~وآدوم. ولو افترضنا وجوب البحث عن معنى الاسم في الساميات، فيجب قراءة الكلمة «ذو ~~الشرى» الذي ربما كان معناه «صاحب السراة»، ونحن قد وضعنا الملك ومملكته في جبال ~~سراة سعير. وليس في الموضع المزعوم لميتاني بأعالي الرافدين، فهل نجد في بلاد آدوم ~~أي دليل أو أية إفادة بشأن هذا الملك واسمه؟ إن ما نعلمه يقينا أنه «من بين أبرز ~~آلهة آدوم، كان إلها يحمل اسم «ذو الشرى»، ظل يعبد هناك حتى ظهور الإسلام»، وفي ~~الحديث عن نبي الإسلام # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تقوم الساعة حتى تصطك أليات عذارى دوس على ذي الشرى.» # 23 # ولمزيد من المعرفة بشأن ذي الشرى أو دوشراتا، نجد حكاية لدى المؤرخ «هيروشيوش» ~~عن الزمن الذي مات فيه «إسرائيل» (يعقوب) تقول: «وفي ذلك الزمن مات «شرايس أمير ~~مصر»، الذي زعموا أنه صار من الأوثان»، # 24 # وهو ما يشير إلى ملك باسم شرايس، حكم مصر، وبعد موته تحول إلى إله ~~معبود، لكنا أبدا لم نجد في قوائم ملوك مصر جميعا فرعونا حكمها باسم «شرايس». ~~ولما كان هرشيوش قد كتب تاريخه باليونانية، فعلينا هنا أن نحذف التصريف الاسمي ~~اليوناني فيصبح «شرى»، أما أين تقع مصر هذه التي كان أميرها يدعى «شرى»، وتم ~~تقديسه وعبادته بعد موته، فهو ما يأتي واضحا في حديث هروشيوش: # وأما «مصر الأقصى» فإنه بلد ممتد إلى ناحية المشرق، وحده في الجوف ~~(الجنوب [المؤلف]) خليج العرب (يقصد خليج السويس [المؤلف]) وفي القبلة ~~(الشمال [المؤلف]) البحر المحيط، وفي الغرب مبتدأ من مصر الأدنى ms307 ... وفيه من ~~الأجناس «ثمانية وعشرون جنسا». # 25 # إنها إذن شبه جزيرة سيناء في امتدادها من خليج السويس «خليج العرب» نحو المشرق، ~~وقد سبق وعلمنا كيف أن صفة خليج العرب، قد أصبحت تطلق على خليج «السويس»، منذ زمن ~~سابق على المؤرخين الكلاسيك. ومصر الأقصى عند هروشيوش تبدأ في غربها من مصر الأدنى ~~«السفلي/الدلتا»، وهو الموقع الذي يتطابق مع تفسيرات المؤرخين للموطن مصرى، الذي ~~ورد في الكتابات الرافدية وكتابات العمارنة، وقلنا إنه هو سيناء وآدوم وجزء من ~~شمالي جزيرة العرب. # والطريف أن ملوك تلك العهود في منطقة الشرق الأوسط، كانوا يعلمون أن تلك المنطقة ~~رغم استقلالها النسبي، كانت تابعة لسلطان الفراعين، فنجد رسائل ملوك بابل وآشور ~~بمكتبة العمارنة بمصر، تخاطب الفرعون عندما تتعرض قوافلهم التجارية في آدوم ~~بقولهم: «إن قومك قد تعرضوا لقوافلنا ونهبوها.» # 26 # وإذا كانت منطقة وادي عربة هي الأصل الأول ~~والأصيل للعرب والعربية، وإن أصول اللغة العربية وخطها قد أطلقت من عند أنباط وادي ~~عربة، فإن ما يجب ألا يفوتنا هو أن علوم اللغات قد توصلت الآن إلى حقيقة مبهرة، ~~تؤكد تبعية تلك البلاد لمصر حتى في ثقافتها؛ إذ أمسى معلوما أن «اللغة المصرية ~~القديمة كانت أصلا مؤسسا في اللغات السامية وبخاصة العبرية والعربية، بعد أن تم ~~تحقيق أكثر من ثلاثة آلاف كلمة مشتركة بين الهيروغليفية وبين العربية القاموسية ~~مبنى ومعنى، وإن هذا العدد بذاته يعد لغة كاملة بالنسبة لذلك الزمان، # 27 # وهو الأمر الذي سيثبته نشاطنا الباحث بين اللسانين بطول هذا ~~الكتاب. # أما القاطع في علاقة مديان (آدوم الحورية) بالوطن الأم مصر، فهو ما جاء في رواية ~~المصرولوجيست «نافيل» عن الأساطير المصرية، التي تتناول أصول العنصر المصري، وتؤكد ~~أن المصريين قد جاءوا من بلاد النوبة السوداء إلى مصر، وأنهم انتشروا من هناك حتى ~~وصلوا «إلى مناطق بعيدة شرقي الفرع البيلوزي للنيل». والمناطق البعيدة شرقي الفرع ~~البيلوزي ليست شيئا سوى سيناء وآدوم؛ لأن الفرع البيلوزي كان آخر فروع الدلتا ~~شرقا في التحامها مع البوادي السينائية. وتختم الأسطورة سطورها بقولها ms308 إن المصريين ~~كانوا يعبدون من زمن سحيق الإله الصقر حور أو حورس، «وقد أقام رجال حورس (الحوريين ~~[المؤلف]) هناك، وكانوا يسمون الحدادين.» # 28 # أليست تلك بقرينة شديدة الوضوح والدلالة على صدق كل ما وصلنا إليه حتى ~~الآن؟ # ومن المفيد هنا أن نستمع إلى الدكتور عبد ~~المنعم عبد الحليم، وهو يسلم بمسلمة منتهية، رغم تناقضه في أبحاثه مع الحقائق، وهي ~~أن «الإله حور والإله مين والإلهة حتحور، هي مجموعة آلهة ترتبط ببلاد بونت». ورغم ~~أنه من أتباع المدرسة التقليدية التي تذهب ببلاد بونت إلى الصومال، إلا أنه في ~~الوقت ذاته يعيد تلك الآلهة إلى أصول عراقية رافدية قديمة (؟!) وأنها قدمت من ~~الرافدين لتعبد في مصر، منذ زمن مبكر «عبر الطرق الصحراوية الشرقية»، ونحن نعلم ~~أن حتحور ظلت طوال تاريخ مصر القديمة ربة سيناء العظمى، ثم يقول: «إن خط انتقال هذه ~~المؤثرات كان يمر عبر مناطق أفريقية وآسيوية، وعلى هذا فمن المرجح أن انتقال هذه ~~المؤثرات إلى مصر قد تم بواسطة شعب «أو جماعات، كانت تسكن مناطق متوسطة بين مصر ~~والعراق»، وتقوم بدور الوسيط في الاتصالات بين الطرفين، وربما كان هذا الشعب أو ~~الجماعات نوعا من «الوسطاء التجاريين»، ولعلهم كانوا الوسطاء الذين يشتغلون بتجارة ~~البخور الرائجة على السواحل الإفريقية والآسيوية للبحر الأحمر منذ العصور المبكرة، ~~كما يشير إلى ذلك نص من عصر حتشبسوت فيما بعد. # لكن لأن الدكتور عبد الحليم يرى أن بلاد بونت لا بد أن تقع على الساحل الصومالي ~~حيث الكندر أو لبان الدكر، الذي يزعم أنه هو الذي استجلبته بعثة حتشبسوت من ~~الصومال، وأعادت استزراعه أمام ساحة معبدها بالدير البحري، وليس ما ثبت الآن أنه ~~شجر برسيا (التين)، فقد استطرد يقول: دون أن يشعر بأي تناقض «وربما كان الوسطاء من ~~سكان الساحل الإفريقي للبحر الأحمر «بونت»، هم الذين نقلوها مباشرة إلى مصر حيث ~~استقرت في مراكز عبادة الآلهة التي ارتبطت ببونت»، # 29 # هكذا (؟!)، لقد قام الصوماليون بالسفر من سواحل إفريقيا الشرقية إلى ~~العراق، وعادوا عبر البوادي الشرقية لمصر بهذه ms309 الآلهة، هذا ما يقوله عبد الحليم ~~(؟!). # وبالنسبة للتأثير العراقي فإنه سيتضح في الفصول القادمة، أما أن يكون الإله حور ~~قادما من بلاد «الحوريين»، الذين حددنا موضعهم في بلاد آدوم، فهي قرينة أخرى نضعها ~~ضمن رصيدنا الذي تكاثف، وتحول إلى دلائل وبراهين. # وإذا كانت الكلمة «كيميت» في المصرية القديمة تعني مصر، فإنها تعني أيضا: «حامي، ~~أسود، زنجي، أبنوس»، # 30 # وهو خشب أسود نادر. وفي تاريخ هيرودوت معلومة حول الأثيوبيين تعنينا ~~هنا، فهو يقول إنهم كانوا «يسمون المعمرين»، وإن أثيوبيا كانت مصدرا لرجال يتفوقون ~~على بقية الجنس البشري «بارتفاع قاماتهم»، # 31 # وهو ما يطابق صفات نعلمها في شعب سكن بلاد آدوم، أطلقت عليه العربية ~~والعبرية اسم العماليق (العناقين)، وهو موضوع آخر يحتاج إلى جهد آخر. ~~(انظر تمثال الإله: ذي الشرى من البتراء: شكل رقم «72».) # شكل رقم «72»: تمثال نبطي للمعبود القديم ذي الشرى. # شكل رقم «73»: نموذج للمناجم القديمة العديدة في آدوم، فوهة منجم ~~قديم بوادي فنان. # الباب الثاني # | أحلاف سيناء # الفصل الأول # | العمالقة # يفيدنا المؤرخ «هروشيوش» أن المنطقة السينائية الواقعة بين ذراعي البحر الأحمر، أو ~~كما أسماه اليونان البحر الأريتري، أو بحر «سوف» كما أسمته التوراة، مع امتداد هذه ~~البوادي السينائية شرقا إلى شمالي الحجاز، قد سكنها ثمانية وعشرون جنسا، وهي في رأينا ~~بطون وأفخاذ وفروع وأسباط لعدد من الأجناس البشرية الرئيسية، ساعدت ظروف تاريخية على ~~التقائها في هذه المساحة من العالم القديم. وهو الأمر الذي سيتم بحثه تفصيلا في مواضعه ~~من هذا البحث. لكنا حتى الآن قد أمسكنا على الأقل بشعبين منهم، يجمعان بين عدة أسماء ~~نطقته ألسن مختلفة، للدلالة على المكان أحيانا، وللدلالة على الشعب نفسه حينا، ~~وللدلالة على صنعة هذا الشعب طورا، أو صفاته الجسدية طورا آخر، ذلك الشعب الذي حمل ~~اسم «الشعب الحوري» (الآدومي، الأحمر، والشعب المدياني، القيني) الذي يعيش في سراة سعير ~~حول وادي عربة. # والشعب المدياني واحد من أوائل الشعوب، تلك التي سكنت تلك المواضع القديمة، وذكره ~~الكتاب المقدس تفصيلا، وهو ما نقابله أول ما نقابله في ms310 قصة السبط يوسف وإخوته الأحد ~~عشر أبناء البطرك يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وتحكي الأقصوصة أن الأسباط المكرمين قد ~~أرادوا التخلص من أخيهم المتميز فتاك الجمال يوسف، فأخذوه بحجة قضاء يوم مرح في البراري ~~وقد أضمروا له السوء، وتخلصوا منه بأن ألقوه في بئر، وهنا تقول التوراة: # جلسوا ليأكلوا طعاما فرفعوا عيونهم ونظروا، وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة من ~~جلعاد، وجمالهم حاملة كثيراء وبلسانا ولادنا، ذاهبين لينزلوا بها إلى مصر. فقال ~~يهوذا لإخوته: ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه؟ تعالوا فنبيعه ~~للإسماعيليين، ولا تكن أيدينا عليه؛ لأنه أخونا ولحمنا، فسمع له إخوته. واجتاز ~~رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر. ~~(تكوين، 37: 25، 28) # النص واضح وبسيط ومباشر، فالإخوة الكرام من أسباط النبوة، فكروا في التخلص من أخيهم ~~الحالم الحلوم المختال بنفسه، مع تحقيق فوائد إضافية ببيعه لقافلة من قبائل التجار ~~الإسماعيليين، لكن فجأة يختلط الأمر بالنص، فيخبرنا أن قافلة من القبائل المديانية، ~~شاهدت يوسف بالبئر الجاف فسحبوه منه، لكن ليعود الكتاب المقدس، ويقول: # إن إخوته باعوا يوسف للإسماعيليين، فأتوا بيوسف إلى مصر. ~~(تكوين، 37: 28) # ثم لمزيد من إرباك المؤمن والباحث معا وتعميقا للالتباس، تعود قصة التوراة إلى ~~المديانيين فتقول: # وأما المديانيون؛ فباعوه في مصر لفوطيفار رئيس الشرط. ~~(تكوين، 37: 36) # وتكرر التوراة ذهابها ومجيئها بين الإسماعيليين والمديانيين، لتعود فتقول: # وأما يوسف فأنزل به إلى مصر، واشتراه فوطيفار، خصي فرعون رئيس الشرط، رجل ~~مصري من يد «الإسماعيليين». ~~(تكوين، 39: 1) # فهل كان الكاتب التوراتي يحمل هذا الكم من الإرباك والارتباك في نص واحد صغير ~~بالكتاب المقدس؟ الواضح لنا أن المحرر التوراتي لم يكن يشعر بأي تناقض، وهو يروي تلك ~~الرواية؛ لأنه كان يعلم أن الإسماعيليين هم ذاتهم المديانيون، خاصة إذا تذكرنا أن ~~البرية التي سكنت فيها هاجر مع ولدها إسماعيل في قصة طرد إبراهيم لهما، كانت تحمل اسم ~~برية فاران، والتي حددنا نحن موقعها بشرقي سيناء عند وادي باران، إلى الغرب مباشرة من ~~البتراء حيث سكن المديانيون. أما الصفة اللاصقة بالإسماعيلي والمدياني فكانت التجارة، ~~وضمنها تجارة العبيد، ms311 بحسبان بيعهم يوسف في مصر. # ولمزيد من التأكيد من صحة زعمنا أن المدياني كان هو ذات عين الإسماعيلي، وأن محرر ~~التوراة كان يعلم ذلك يقينا، نتصفح الكتاب المقدس على أناة، لنجد كثيرا من الشواهد ~~الواضحة التي تؤيد زعمنا هذا، ففي الحروب التي حدثت زمن قضاة إسرائيل، وقفت إسرائيل ~~ضد مديان في معركة شرسة، كان قائد الإسرائيليين فيها يحمل اسم جدعون، وهنا يقول الكتاب المقدس: # فقام جدعون وقتل زبح وصلمناع، وأخذ «الأهلة» التي في أعناق جمالهم. وقال ~~رجال إسرائيليون لجدعون: تسلط علينا أنت وابنك وابن ابنك لأنك خلصتنا من يد ~~مديان ... فقال لهم جدعون: أطلب منكم طلبة، أن تعطوني كل واحد أقراط غنيمته؛ لأنه ~~كان لهم أقراط من ذهب لأنهم إسماعيليون. ~~(قضاة، 8: 24، 22، 21) # النص هنا يعطينا كثيرا من المعلومات التاريخية القديمة، التي حفظتها لنا ذاكرة ~~المحررين التوراتيين، فنفهم أن القبائل الإسماعيلية كان رجالها يتزينون بأقراط ذهبية، ~~مصنوعة على هيئة الهلال، ويزينون جمالهم بها، وهو ما يشير إلى اليسار المادي كما يشير ~~إلى قدسية الهلال. ومعلوم أن الهلال كان دوما كبير أرباب البوادي والبراري، ولم تزل ~~الأهلة (جمع هلال) الذهبية في بلادنا، هي الزينة المستحبة لدى نساء العربان المتبدين ~~على حافة الوادي. وكان شرط جدعون كي يستمر في قيادة الإسرائيليين ضد المديانيين، أن ~~يأخذ مكافأته ونصيبه من الغنيمة، ذلك الذهب المصنوع في شكل أهلة. ثم يوضح النص أن لبس ~~الأهلة كان خاصية إسماعيلية؛ فلماذا يلبسه المديانيون؟ هو ما يجيب عليه النص بوضوح ~~كاشف: «لأنهم إسماعيليون». مرة أخرى نؤكد أن المحرر التوراتي كان يعلم أن كليهما كان ~~واحدا، أو أن المدياني كان بطنا إسماعيليا، وأنهم كانوا معا يتوطنون ذات المنطقة ~~في جبال سراة سعير ووادي عربة. # وعادة ما يلمح الكتاب المقدس إلى حلف كبير، كان يربط بين مجموعة القبائل التي ~~استوطنت جنوبي فلسطين في العربة. وأهم تلك التلميحات المتكررة ما جاء يربط بين ~~المديانيين أو الإسماعيليين، وبين قبائل عاشت في ذات الموطن حملت اسم العمالقة. وقد ذكر ~~العمالقة كجنس باعتبارهم نسلا لآدوم (عيسو الحوري)، ms312 فهم آدوميون حوريون بدورهم، وأنهم ~~كثرة عددية هائلة كالرمل الذي على شاطئ البحر أو كالجراد، وأن جمالهم لا عدد لها ولا ~~تحصى. وقد أورد المقدس تكوين هذا الحلف أكثر من مرة، بحسبانه يتكون من المديانيين ~~والعمالقة وبني المشرق. و«بنو المشرق» هو الاصطلاح التوراتي الذي يأتي على التبادل مع ~~اصطلاح «الآرامي»، والآرامي نسبة إلى آرام وإرم، والإرم هو في اللغات السامية كومة من ~~الأحجار المرتفعة، أو هرم، أو هضبة، أو جبل، أو صخرة. وبالطبع يعنينا هنا معنى الصخرة ~~التي نحيلها فورا إلى سالع (البتراء، الصخرة، بونت). # وهنا فقط يمكن أن نلمس امتدادا لهؤلاء في عدد من الممالك المتناثرة بالفرات الأعلى، ~~حيث أنشأ الآراميون في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد عددا من الممالك هناك، يغلب على ~~ظني أنها مما أوعز للمؤرخين بوضع بلاد آدم في ميتاني بأعالي الفرات، لعل أشهرها مملكة ~~بيت جباري التي سميت أيضا «سمعل» و«مملكة بيت أديني»، # 1 # ومملكة بيت أديني هي مملكة بيت آدون أو عدن أو آتن على مختلف التنغميات، ~~وأديني تعني سيدي أو ربي، أما «سمعل» فكما هو واضح تحيل إلى الاسم «إسماعيل»، وإسماعيل ~~حسب تقسيم الأجناس على الشجرة التوراتية فرع إبراهيمي، شقيق للفرع الإسرائيلي. # والمدهش حقا أنه ما إن يظهر الآراميون «على صفحة التاريخ، حتى يبدأ ذكر القبائل ~~الإسرائيلية على الترافق، مع ذكر لقبائل تحمل اسم العابيرو(الخابيرو ، الأبيرو، العبري)» ~~في نصوص المنطقة، والأكثر انسجاما هو إصرار الكتاب المقدس على تذكير الآباء التوراتيين ~~بأصلهم الجنسي، فيشير دوما إلى ذلك الجنس أو الأب البعيد، والجد السالف بقوله: # آراميا تائها كان أبي. ~~(تثنية، 26: 5) # والمقدس يسفر عن صلات نسب وقربى وأصل واحد بين البيت الإسرائيلي، عبر الفرع الآدومي ~~وبين البيت الإسماعيلي، وأن تلك الصلات الحميمة تمثلت في زيجات متبادلة كما حدث في ~~زواج عيسو آدوم من بنت إسماعيل: # فذهب عيسو إلى إسماعيل، وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم أخت نبايوت زوجة له ~~على نسائه. ~~(تكوين، 28: 9) # كما تزوج موسى وهو إسرائيلي من مديانية، هي صفورة بنت رعوئيل (يثرون) وهو مدياني، ms313 ~~ورغم ذلك فقد بدأت العداوات بين الإسرائيليين والمديانيين مبكرا، كذلك حدث صراع اشتد ~~أوراه زمن قيام مملكة بني إسرائيل في فلسطين، فدخل الإسرائيليون غمار حروب عدة مع ~~أسلافهم الآراميين، الذي انتشروا في المنطقة جميعا، وأسسوا عددا من الممالك في سوريا ~~على تخوم إسرائيل الشمالية، وكانوا دوما شوكة في حلق الإسرائيليين. وفيما يبدو أن عداء ~~الأقارب الإسرائيليين والأراميين كان عريقا، فماذا يقول علم التاريخ عن ~~الآراميين؟ # يمثل الآراميون واحدة من بين آخر الموجات ~~المهاجرة، التي تدفقت على منطقة بلاد الشام، ويميل بعض المؤرخين إلى تزمين ظهورهم في ~~التاريخ لأول مرة بحوالي عام 1100ق.م.، # 2 # وبعضهم يبعد بالآراميين إلى الوراء قليلا، فيحدد ظهورهم بما بين عامي 1400 و1200ق.م. # 3 # لكن ليس قبل ذلك إطلاقا، ويبدو أن أصل الآراميين ظل مثار تخمينات عديدة، ~~ولم يستقر علم التاريخ على المنطلق الأصلي والوطن الأول لهم، فهم يظهرون فجأة كعنصر ~~جديد في المنطقة، يتدفقون على بوادي الشام ويزيحون منها الأموريين والحيثيين في وادي ~~العاصي ويحتلونه جميعه، ثم يستوطنون الفرات الأعلى، ويقيمون عددا من الممالك، في ~~المواضع المفترض زعما أنها كانت من قبل ذلك مملكة «ميتاني» الحورية في أعالي الفرات. ~~على أنهم أخفقوا في إقامة وحدة سياسية تجمع شتات ممالكهم الصغيرة، ورغم إخفاقهم السياسي ~~فقد انتشر تراثهم اللغوي والثقافي لينتشر في المنطقة، وتصبح لغتهم لغة رئيسية ولغة ~~للحوار الدبلوماسي بين دول المنطقة ، وقد حدث ذلك فيما يقول المؤرخون بعد أن أخذوا ~~الحروف الهجائية الفينيقية، وعن الآراميين أخذ الإسرائيليون خطهم المربع في القرن ~~السادس قبل الميلاد، # 4 # وتحيطنا المراجع العراقية القديمة علما أن أشهر القبائل الآرامية الأولى، ~~التي ظهرت في المنطقة قد دونت باسم «قبائل الأخلامو» التي تترجم إلى «الأحلاف»، وكان ~~ذكرهم قد جاء في مدونات حداد نيراري الأول الآشوري عام 1300ق.م. حيث سجلت نصوصه أن ~~والده قد حارب قبائل الأخلامو. # 5 # ومن الممالك التي أسسها الآراميون في بلاد ~~الشام، وتذكرها لنا موسوعة تاريخ العالم ممالك: قرقميش وأرباد وحلب وإنطاكية وقادش ~~العاصي وحماه وتدمر ودمشق، وترى الموسوعة أن ms314 هجرتهم التي أدت إلى ظهورهم المفاجئ هذا، ~~ربما كان «نتيجة لطرد الهكسوس من مصر حوالي 1580ق.م.»، # 6 # وهو ظن يفترض ضمنا أنهم كانوا غزاة مصر الهكسوس. # وهكذا، ورغم اتفاق المؤرخين على عام 1400ق.م. كأبعد زمن يمكن تحديده لظهور الآراميين ~~في المنطقة، فإن هناك ما يشير إلى تواجدهم فيها منذ زمن أبعد مما تواضع عليه المؤرخون، ~~فتقول الموسوعة ذاتها: «إن «نرام سين» شن حملات عسكرية على أرام»، وتعقب الموسوعة ~~«والإشارة إلى أرام في نقوش نرام سين تدعو إلى الحيرة.» # 7 # أما المؤرخ العراقي طه باقر فيستند إلى رأي يحل المشكلة حلا سهلا فهو يقول: «من ~~المستبعد أن يكون الموضع الوارد بهيئة أرامي # ARAMI # وأسماء بعض الأعلام مثل أرامو # ARAMU # في نصوص العصر ~~الأكدي وسلالة أور الثالثة، لها صلة بالآراميين بالنظر إلى قدم العهد؛ ولذلك فيرجح أن ~~يكون ذلك مجرد تشابه لفظي، ولا يعرف بالتأكيد معنى كلمة آرامي هنا.» # 8 # هذا ما كان من شأن الآراميين، فهم شعب مجهول الموطن والأصل، «اسمهم يعني الصخرة» أو ~~بالأحرى الصخريين، ظهروا فجأة في انتشار سريع وكثيف في بلاد الشام «بعد طرد الهكسوس من ~~مصر»، لكن هناك نصوص ربما تشير إلى وجودهم قبل ذلك، أربكت المؤرخين، حتى إن تلك النصوص ~~تعود إلى حوالي 2450-2350ق.م. أي قبل أبعد زمن مفترض لوجود الآراميين بالمنطقة بأكثر من ~~ألف عام إلى الوراء، «ثم إن نصوص حتشبسوت قد حدثتنا عن عنصر قائد سيادي في بلاد بونت، ~~وأسمته «إرم» منذ ذلك الزمن القديم؟!» # هذا ما علمناه «أن الآراميين كانوا أصلا لعدد ~~من الشعوب، فكان منهم الأب إبراهيم وبالتبعية الإسماعيليون المديانيون والآدميون ~~والإسرائيليون»، فماذا عن العمالقة؟ وأين استوطنوا؟ التوراة تدخل العمالقة في ذات ~~البطون النسبية، فهم نسل عمليق حفيد عيسو/آدوم. وهم بهذا المعنى كانوا عضوا ضمن أعضاء ~~حلف الأخلامو أو الأحلاف، فأين عاش العمالقة؟ سؤال تأتي عليه إجابة أولى: أنهم قد ~~استوطنوا بلاد آدوم لا شك، بحسبانهم أحفاد الجد الأسطوري البعيد عيسو آدوم. لكن التوراة ~~تعطينا إفادات أخرى، حيث نجدهم ينتشرون في شبه ms315 جزيرة سيناء، حيث التقى بهم الإسرائيليون ~~عند خروجهم من مصر في منطقة باسم رفيديم، قرب الجبل المقدس جبل الله حوريب/ جبل موسى ~~وكاترين الآن، وأنه قد دارت بينهم موقعة حربية يشرحها نص الكتاب المقدس؛ إذ يقول: # وأتى عماليق وحارب إسرائيل في رفيديم ... فقال الرب لموسى: اكتب هذا تذكارا في ~~الكتاب، وضعه تحت مسامع يشوع، فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء ... وقال: ~~إن اليد على كرسي الرب، للرب حرب مع عماليق من دور إلى دور (أي من جيل إلى ~~جيل [المؤلف]). ~~(خروج، 17: 16، 14، 8) # كما نجدهم - حسب ذات المقدس - في مدينة حبرون (الخليل الحالية) جنوبي فلسطين في ~~التحامها مع امتداد سيناء الشرقي. وتبدو حبرون في القصص التوراتي أحد المعاقل الكبرى ~~للعمالقة، ويحيطنا قاموس الكتاب المقدس علما بشأن حبرون، فيقول تحت مادة «حبرون»: ~~«حبرون» اسم عبري معناه: عصبة، صحبة، ~~رباط، اتحاد ... مدينة في أرض يهوذا الجبلية (يشوع، 15: 48، 54)، ودعيت أصلا ~~مدينة أربع ... (تكوين، 23: 2؛ ويشوع، 20: 7) ... وقد بنيت سبع سنين قبل صوعن في ~~مصر (عدد، 13: 22)، وكانت موجودة من وقت مبكر في أيام إبراهيم الذي سكن بعض ~~الزمن في جوارها تحت بلوطات، أو بطمات ممرا (تكوين، 3: 18؛ 35: 27)، وماتت سارة ~~هناك فاشترى إبراهيم مغارة المكفيلة لتكون قبرا، وقد اشتراها من الحيثيين ~~الذين كانوا يملكون المدينة حينئذ (تكوين، 23: 2-20) ... وزارها جواسيس موسى، ~~ووجدوا العناقين ساكنين فيها (عدد، 13: 22)، وكان ملكها هوهام، أحد أربعة ملوك ~~تحالفوا مع أدوني صادق ضد يشوع ... وعندما احتل الآدوميون جنوب يهوذا، وقعت حبرون ~~ضمن أماكن أخرى في أيديهم ... وحبرون الآن هي مدينة الخليل ... وحبرون واقعة في ~~الوادي وعلى منحدر وتعلو 3040 قدما فوق سطح البحر، وعلى بعد ثلاثة عشر ميلا ~~إلى الجنوب الغربي من أورشليم. # كما انتشر العمالقة الذين يحلمون أيضا اسم بني عناق أو العناقين في النقب، الذي تشير ~~إليه التوراة باسم الجنوب، وهو ما جاء على لسان جواسيس موسى قائلين: # رأينا بني عناق هناك العمالقة، ساكنون في أرض الجنوب ... هناك الجبابرة من بني ~~عناق من الجبابرة. ~~(عدد، 13: 33، 29، 28) # وعند موقع من المواقع المتطرفة في رحلة ms316 الخروج على الخط الشرقي لشبه جزيرة سيناء، ~~جاءنا اسمه في التوراة «حرمة»، دارت معركة كبرى بين الإسرائيليين وبين العمالقة، وهو ~~الموضع الذي كان أصلا، فيما يبدو، باسم حمرة أو الحمراء: # فنزل العمالقة والكنعانيون الساكنون في ~~ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم إلى حرمة. ~~(عدد، 14: 45) # وموقع حرمة هنا تم تحديده بإحداثيات، تؤكد أنه ~~قرب جبال سعير، فيما بين قادش سيناء (عين قديس حاليا)، وبين عصيون جابر على خليج ~~العقبة، وأنه كان على الحد الغربي لبلاد آدوم بالتدقيق والتحديد. وربما كان في الموقع ~~المعروف الآن باسم وادي حور. ثم لدينا نص آخر يحدد بدقة موقع معركة حرمة على لسان موسى، ~~وهو يخطب في شعبه: # فكلمتكم ولم تسمعوا، بل عصيتم قول الرب، وطغيتم وصعدتم إلى الجبل، فخرج ~~الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم، وطردوكم كما يفعل النحل، وكسروكم في ~~سعير إلى حرمة، فرجعتم ... وقعدتم في قادش أياما كثيرة. ~~(تثنية، 1: 43، 46، 45، 44) # والمعلوم أن هذه الرواية كانت تتحدث عن محاولة اختراق الركب الخارج من مصر مع موسى ~~لبلاد آدوم، متحركا من مستقره السينائي قادش. # ثم نفهم من المقدس أن العمالقة كانوا ينتشرون داخل فلسطين ذاتها، حيث يقول سفر ~~التثنية لشعب إسرائيل، عند عبوره الأردن إلى فلسطين: # اسمع يا إسرائيل: أنت اليوم عابر الأردن؛ لكي تدخل وتمتلك شعوبا أكبر وأعظم ~~منك، ومدنا عظيمة ومحصنة إلى السماء، قوما عظاما وطوالا، بني عناق الذين ~~عرفتهم وسمعت. من يقف في وجه بني عناق؟ فاعلم اليوم أن الرب إلهك هو العابر ~~أمامك نارا آكله، وهو يبيدهم ويذلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعا. ~~(تثنية، 9: 1-3) # وكانت وصية الرب لإسرائيل شعبه: # اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند ~~خروجك من مصر، كيف لاقاك في الطريق، وقطع من مؤخرك كل المستضعفين وراءك، وأنت ~~كليل متعب، ولم يخف الله. فمتى أراحك الرب إلهك من جميع أعدائك حولك، في الأرض ~~التي يعطيك الرب إلهك نصيبا لكي تمتلكها، تمحو ذكر عماليق من تحت السماء، لا ~~تنسى. ~~(تثنية، 25: 17-19) # وقد حرص يشوع الذي قاد رحلة الخروج بعد موت موسى على ms317 تعميق العداء للعماليق العناقين، ~~وهو ما يقوله النص: # وجاء يشوع في ذلك الوقت، وقرض العناقين من الجبل؛ من حبرون، ومن دبير، ومن ~~عناب، ومن جميع جبل يهوذا. ~~(يشوع، 11: 21) # وقد سبق وأشرنا إلى أن حبرون التي تعني «الحلف»، ~~كانت مقر الملك الأعظم للعمالقة، وكان يدعى أربع وسميت باسمه، وكانت قبل ذلك تدعى ~~ممرا، وهو ما دونه نص التوراة: # واسم حبرون قبلا قرية أربع، الرجل الأعظم في العناقيين. ~~(يشوع، 14: 15) # وهكذا يبدو واضحا أن العماليق كانوا البطن الأقوى ~~بين بطون الأحلاف أو الأخلامو، وكانوا ينتشرون انتشارا واسعا في سيناء وسعير وفلسطين ~~الجنوبية؛ لذلك نجدهم بحاجة لمزيد من البحث وراءهم؛ لتحديد هويتهم، ودورهم في الأحداث ~~بشكل أكثر تفصيلا. # ويفيدنا الكتاب المقدس أن الإسرائيليين بعد خروجهم من مصر، وغزوهم لبلاد كنعان ~~الفلسطينية، عاشوا حوالي أربعة قرون في ظل نظام بدوي ابتدائي، يعرف بنظام القضاة، حيث ~~يحتكمون في شئونهم إلى قاض أعلى، عادة ما يكون هو الكاهن في الوقت ذاته، ويمثل شئون ~~التقديس والسلطة العليا في المجتمع. # وبعدها تحولوا إلى النظام الملكي، وكان أول ملوكهم الذي حمل اسم شاءول أو شاول، الذي ~~قضى حياة نشطة حافلة بالأحداث، وأهم هذه الأحداث صدامه مع العماليق في معركة كبرى، ~~حدثت فيما يقول الكتاب المقدس بأمر من «يهوه» الرب نفسه، وهو ما يرويه الكتاب المقدس ~~في قوله: # هكذا يقول رب الجنود: إني افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل، حين وقف له في ~~الطريق، عند صعوده من مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا (أي: أبيدوا) كل ما ~~له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا ~~وحمارا، فاستحضر شاول الشعب وعده في طلايم، مائتي ألف راجل، وعشرة آلاف رجل ~~من يهوذا، ثم جاء شاول إلى مدينة عماليق، وكمن في الوادي، وقال شاول للقينيين: ~~اذهبوا وحيدوا وانزلوا من وسط العمالقة؛ لئلا أهلككم معهم، وأنتم قد فعلتم ~~معروفا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر، فحاد القيني من وسط عماليق، ~~وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور ms318 التي مقابل مصر. ~~(صموئيل أول، 15: 2-7) # ورغم أنه لم يتم تحديد موضع حويلة، إلا أن المظنون أنها كانت تقع على أطراف سيناء ~~الشرقية، وهو ما يعني أن شاول خاض معركة كبرى في مدينة العمالقة المجهولة بدورها، ~~انتهت بضعفهم تماما، وكانوا حسب النص ينتشرون من حويلة حتى حدود الدلتا، حيث «شور التي ~~مقابل مصر». ويبدو أن هذا الضعف الذي أصاب العماليق قد سمح لسبط إسرائيلي، كان يسكن ~~جنوبي فلسطين هو سبط شمعون، لكي يغزو العماليق في مركزهم الرئيسي، الذي هو جبل سعير في ~~النص التالي: # ومنهم من بني شمعون ذهب إلى جبل سعير خمسمائة رجل، وضربوا بقية المنفلتين من ~~عماليق، وسكنوا هناك إلى هذا اليوم. ~~(أخبار أيام أول، 4: 42، 43) # وإذا كان العماليق قد سكنوا في المساحة الواقعة من حويلة حتى شور على حدود دلتا مصر ~~الشرقية، حسب المتكررات التوراتية، فهو ذات الأمر الذي تقوله التوراة عن الإسماعيليين: # وهذه سنو حياة إسماعيل، مائة وسبع وثلاثون سنة، وأسلم روحه ومات وانضم إلى ~~قومه، وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر. ~~(تكوين، 25: 17، 18) # ويحيطنا المقدس التوراتي علما أن ذلك المكان الذي عاش فيه العماليق كان موضعا ~~مقدسا، أو أشبه ما يكون بأرض إله، وذلك في نص مغرق في الأسطورة والبدائية الفكرية، ~~يحدثنا عن فجر الخليقة وسكن الأرض بالشعوب، فيقول: # وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات: أن أبناء الله رأوا ~~بنات الناس أنهم حسناوات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ... كان في ~~الأرض طغاة في تلك الأيام، وبعد ذلك أيضا؛ إذ دخل بنو الله على بنات الله، ~~وولدن لهم أولادا، هؤلاء هم الجبابرة، الذين منذ الدهر ذووا اسم. ~~(تكوين، 6: 1، 2، 4) # ولما كنا نعلم أن التوراة تستخدم ثلاث مترادفات على التبادل؛ للدلالة على شعب واحد ~~هي: العمالقة، العناقين، الجبابرة؛ فإن المعنى أن أناس ذلك الزمان قد اعتقدوا أن ~~العمالقة صنف من الناس نصف إلهي ونصف إنساني. أما الموسوعة العربية الميسرة تحت مادة ~~«عمالقة»، تشير بإيجاز إلى وجهة النظر التي تتبناها الكتابات العربية بشأن ms319 العمالقة، ~~فتقول: # عمالقة: قدماء العرب، خاصة شمالي الحجاز، مما يلي شبه جزيرة سيناء، فتحوا مصر ~~باسم الشاسو، ويسميهم اليونان هيكسوس، وأصل ~~لفظة العمالقة مجهول، والغالب أنه منحوت من اسم قبيلة عربية، كانت مواطنها ~~بجهات العقبة أو شمالها. كان البابليون يطلقون عليها اسم «ماليق» أو «مالوق»، ~~وأضاف اليهود إليها لفظ «عم» بمعنى شعب، فقالوا: «عم ماليق» أو «عم مالوق»، ~~فقال العرب: «عماليق» أو «عمالقة»، ثم أطلقوه على طائفة كبيرة من العرب ~~القدماء. # كان العمالقة على علاقة بالكنعانيين والآموريين والإسرائيليين، وعلى الرغم ~~من أن علم الإثنولوجيا اليهودي يجعلهم فرعا من الآدوميين، ويربطهم بقبيلة ~~إفرايم، فإنه يصورهم باعتبارهم أعداء للإسرائيليين، نهب العمالقة الشعب ~~اليهودي في أثناء هروبه من مصر، واندمجوا بينه وهاجموه، ولكنه انتصر عليهم ~~بزعامة يشوع، وكان العمالقة جزءا من الجيش الذي جرده أجلون (صحها: عجلون ~~[المؤلف]) ملك موآب لمضايقة إسرائيل. # 9 # وفي لسان العرب: # العمليق: الجور والظلم. وعملق ماؤهم: قل، والعملاق: الطويل، والجمع: ~~عماليق، وعمالقة. والعمالقة من عاد، وهم بنو عملاق. قال الأزهري: عملاق: أبو ~~العمالقة، وهم الجبابرة الذين بالشام على عهد موسى عليه السلام. قال ابن ~~الأثير: العمالقة: الجبابرة الذين كانوا بالشام، من بقية قوم عام. قال: ويقال ~~لمن يخدع الناس ويخلبهم: عملاق. قال الجوهري: العماليق والعمالقة: قوم من ولد ~~عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، وهم أمم تفرقوا في البلاد. # وفي المرادف التبادلي لكلمة عمالقة بالتوراة، «عناقين»، نبحث في لسان العرب، فيطالعنا ~~تحت مادة «عنق»: # العنق: طول العنق وغلظه، والأنثى عنقاء. وهضبة معنقة وعنقاء: مرتفعة ~~طويلة. والأعناق الرؤساء. والعنق: الجماعة الكثيرة من الناس. وجاء القوم عنقا ~~عنقا، أي طوائف. قال الأزهري: إذا جاءوا فرقا، كل جماعة منهم عنق. ويقال: جاء ~~القوم عنقا عنقا، أي رسلا رسلا، وقطعا قطعا. وقيل: الأعناق: الرؤساء ~~الكبار. والمعنق: ما صلب وارتفع من الأرض وحوله سهل. وقال الأزهري: العناق: ~~الأنثى من أولاد المعزى إذا أتت عليها سنة. # والعناق: شيء من دواب الأرض كالفهد، وقيل: عناق الأرض: دويبة أصغر من الفهد ~~طويلة الظهر، ms320 تصيد كل شيء حتى الطير. قال الأزهري: عناق الأرض: دابة فوق الكلب ~~الصيني، يصيد كما يصيد الفهد، ويأكل اللحم وهو من السباع. يقال: إنه ليس شيء من ~~الدواب يؤبر أي يخفي أثره إذا عدا غيره، وغير الأرنب، وجمعه عنوق، والفرس ~~تسمية سياه كوش. قال: وقد رأيته بالبادية وهو أسود الرأس أبيض سائره. والعنقاء ~~طائر ضخم ليس بالعقاب، وقيل: العنقاء المغرب: كلمة لا أصل لها، يقال إنها طائر ~~عظيم لا ترى إلا في الدهور. وقيل: سميت عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق. ~~قال ابن الكلبي: كان لأهل الرس نبي يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل ~~يقال له دمخ، مصعده في السماء ميل، فكان ينتابه طائرة كأعظم ما يكون، لها عنق ~~طويل من أحسن الطير، فيها من كل لون، وكانت تقع منقضة، فكانت تنقض على الطير ~~فتأكلها، فجاعت وانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغربا؛ لأنها تغرب بكل ما ~~أخذته. فشكوا ذلك إلى نبيهم فدعا عليها، فسلط الله عليها آفة فهلكت، فضربتها ~~العرب مثلا في أشعارها. ويقال: ألوت به العنقاء المغرب، وطارت به العنقاء ~~والعقاب، وقيل: طائر لم يبق في أيدي الناس من صفتها غير اسمها، والعنقاء اسم ~~ملك. والأعنق: فحل من خيل العرب معروف، إليه تنسب بنات أعنق من الخيل. # أما مختصر كتاب البلدان للهمداني فيقول: # كانت منازل العماليق في موضع صنعاء اليوم (وهو ما يذكرنا بقول التاريخ ~~الفينيقي بقدومهم من بحر أريتريا). # ثم خرجوا فنزلوا مكة، ولحقت منهم طائفة بالشام ومصر، وتفرقت طائفة في جزيرة ~~العرب والعراق، ويقال إن فراعنة مصر كانوا من العماليق. # 10 # ومع المرادف التبادلي لكلمة عمالقة «عناقين» من «عنق» و«عنك»، نستقرئ المتشابهات ~~بلسان العرب، فيخبرنا واضحا فصيحا، يقول تحت مادة «عنك» باستبدال القاف كافا: # عنك: وعناك بالنون: الرمل، والعانك الأحمر، يقال دم عانك، وعرق عانك: إذا كان ~~في لونه صفرة. والعانك من الرمل في لونه حمرة. والعيك الشجرة المتلف، لغة في ~~الأيك، واحدته عيكة. # وتنويعات على ذات المادة «علك» تحتها، يقول لسان ms321 العرب: «والعلك ضرب من صمغ الشجر ~~كاللبان»، و«علق» وفيها يقول: # علق: العلوق ماء الفحل؛ لأن الإبل إذا علقت وعقدت على الماء انقلبت ألوانها ~~حمراء، والعلقى: شجرة تدوم خضرتها في القيظ، ولها أفنان طوال، والعوالق: الغول، ~~وقيل الكلبة الحريصة. # وقولهم «طويل العوالق»؛ أي: طويل الذنب. والعليق نبات معروف يتعلق بالشجر ~~ويلتوي عليه. وزعموا أنها الشجرة التي أنس موسى عندها النار. وقيل العلق ~~القامة، والمعلاق اللسان البليغ. والعلق: الدم، وهو ما اشتدت حمرته. # والغريب في بابه، بل والمدهش، أن نجد مقابل «عنق» العربية كلمة «عنخ» في المصرية ~~القديمة، وترسم هيرغليفيا بالعلامة الدالة على مفتاح الحياة، تعني أيضا إكليلا من ~~الزهور، وعادة ما كان المصريون يضعون الأكاليل حول العنق، كما كانوا يعلقون بالرقبة ~~«العنخ» نفسه مفتاح الحياة، وهو على هيئة الصليب. وهنا يحكي لنا الأركيولوجست «شيفمان» ~~الباحث في أركيولوجيا أوغاريت (رأس شمراء قرب اللاذقية على الساحل السوري): «تبين ~~المواد الأركيولوجية، التي وجدت في أوغاريت، أنه كان يعيش على تخوم الألف الثالث، ~~الثانية قبل الميلاد، وفي القرن الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، شعب أطلق عليه في ~~الأدبيات التاريخية «ذوو الأطواق»، أما الأصل الذي انحدر منه هذا الشعب فغير معروف، ~~وبظهوره يرتبط عصر ازدهار تصنيع البرونز، وظهور ضروب جديدة من الأسلحة، رماح ذات نهايات ~~مسكوبة، الخنجر الثلاثي ذو القبضة، وفئوس ذات شفرة لها ثقبان، ويرتبط بهذا الشعب ~~التمثالان الفضيان ذوا الطوقين الذهبيين، للإله ~~والإلهة اللذين وجدوا إلى الغرب من معبد بعل في أص محاط بالحجارة، ويلفت النظر ~~«شكل الصليب» الموجود على صدر الإله والإلهة، فهو يحمل طابعا مقدسا واضحا، لم يتسن ~~فك رموزه حتى الآن.» # 11 # لكن الخط السليم لسير التاريخ لا يني يدعمنا بالشرح والتفصيل، فيعيد الأمور إلى ~~نصابها والأطواق إلى مكانها، فيعلمنا إحسان عباس، وهو يتحدث عن البتراء، أن الإله ~~الآدومي «ذو الشرى»، كان ذا علامة مميزة واضحة تخصه، وهي أنه «كثيرا ما يظهر هذا الإله ~~لابسا أطواقا». # 12 # ومعنا تلتقي كلمة «عنخ» المصرية مع كلمة عنق العربية، وبني عناق العمالقة أو ms322 ~~العناقين، ومؤنثها المصري القديم هو «عنخت»، وتشير في مدلول آخر «إلى أنثى الماعز»، ~~وهو ذات المعنى الذي يورده لسان العرب عن الأزهري، وهو يقول: «العناق: الأنثى من أولاد ~~المعزى.» و«عنخت» إلهة مصرية هي زوجة الإله المترجم عن الهيروغليفية إلى الأحرف ~~اللاتينية «خنوم»، الإله الكبش صانع البشر من صلصال كالفخار، والواجب نطقها نطقا ~~صحيحا تماما الإله (خنوف/خروف/«غنم»). والكلمة «غنم» دالة على الخراف والماعز كليهما، ~~ونحن نعلم من قواعد الهيروغليفية أن هناك إبدالا جائزا بين الخاء والزاي، فتصبح عنخ ~~هي عنز، كما يتم ذات الإبدال بين الخاء والقاف، فتصبح عنخ هي ~~عنق. # 13 # شكل رقم «74»: خنوم/خروف/خنوف/المعبود المصري بتاج الألوهية. # شكل رقم «75»: حتى اليوم خاروف (قائد قطيع) توضع على رأسه زينة لدى ~~بدو البتراء، ذكرى بتاج خنوف المصري. # ومن جانبه يحيطنا إريك هورننج علما أن الإلهة المصرية عنقت # Anukis ~~، أو عنقة، كانت تعبد في مصر في هيئة بشرية؛ تلبس تاجا من ~~الريش، والريش على الرءوس في نقوش مصر القديمة يشير إلى البدو الرعاة، ويزيدنا علما ~~أنها كونت ثالوثا في جزيرة الفنتين هو «عنقت # Anukis ~~+ ~~خنوم أو خنوف أو الخروف # Khnum ~~+ سيت # Satis ~~»، والمعلوم أن الفنتين كانت مقر جالية يهودية، ~~عاشت هناك ردحا طويلا من الزمان كما سيأتي بيانه، أما الأكثر دلالة فهو أن الحيوان ~~الرمزي هذه الإلهة عنقة، أو عنقت # Anukis # العنقاء، فكان ~~العنز أو المعز. # 14 # ومما هو جدير بالذكر أن # Aegyptus # اليونانية التي تطلق ~~على مصر # Egypt ~~، المأخوذة من جباتا الواقعة في بلاد ~~آدوم على حدود سيناء الشرقية كما أسلفنا الاجتهاد، تعني أيضا في اليونانية «عنز ~~متسلق». ويرى الباحثون أن مادة عنز من الأصل «عز»، العنز في الأوغاريتية عز والأكادية # Azzatu # وبالسريانية عيزا وبالعبرية عز، ومن هذا ~~الفعل جاء معنى العزة والقوة، # 15 # ومنها أيضا العزيز. # ويقول «علي الشوك» عن المواضع التي حددناها لمجيء هجرات الأحلاف نحو سيناء وآدوم: ~~إنها كانت مواطن العنز، فالعنز أبدا لم يكن حيوانا منتشرا في بقاع الأرض، فقد «أظهرت ~~الحفريات الآثارية أن موطن الماعز، هو جنوب ms323 غربي آسيا، وبالتحديد غربي إيران وشمال ~~العراق وجنوب تركيا. والماعز كان معروفا في البيضا جنوبي البحر الميت، والماعز مع ~~الخراف أو بدونها، تم رعيها بمراحل تدريجية عبر سيناء، التي لم تكن صحراء قاحلة ~~بالتأكيد كما هي عليه الآن، بل ليست تلك الصحراء التي يتصورها البعض.» # 16 # وقد استخدم المصريون للدلالة على بدو آسيا ثلاثة أسماء على التبادل هي: «ستيو»، ~~واتفق على أنها تعني الآسيويين، وهذا فيما نرى خطأ شائع؛ لأن الأصل في نسبتهم ~~- حسبما نرى - إلى رب البوادي والصحارى الإله «سيت»، رمز الشر في مصر القديمة، وتعني ~~ستيو أيضا الجنوبيين بالنسبة لمصر، وربما في عصور لاحقة بعد الدولة القديمة، أخذت ~~كلمة ستيو منحاها للدلالة على عبادة الإله سيت، فصبغت البدو الشرقيين باسمه فأصبحوا ~~السيتين/ستيو، وهو ما يعني أن آسيا اكتسبت اسمها من المصطلح المصري الدال على أتباع ~~الإله سيت. # والاسم الثاني الذي أطلق على بدو آسيا، وهو «شاسو»، فيعني الدائب الحركة دون توقف ~~«خلقت قدماه للارتحال/حسب نصائح مري كارع»، فهي تشير عندنا إلى البدو الرحل، وعادة ما ~~كانت تطلق «شاسو» على بدو سيناء تحديدا. وأخيرا لدينا «عامو» أو «آمو» وكانت الأكثر ~~استخداما للدلالة على غزاة مصر المعروفين بالهكسوس، والكلمة المصرية «ع م و» جمع ~~بالواو لكلمة «عم»، وفي لسان العرب: # العرب تقول للرجل إذا سود: قد عمم، وكانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة ~~حمراء. والعميم: الطويل من الرجال والنبات، ومنه حديث الرؤيا: فأتينا على روضة ~~معتمة أي وافية النبات طويلة، وكل ما اجتمع وكثر فهو عميم. ويقال: اعتم ~~النبت اعتماما إذا التف وطال. ونخلة عميمة: طويلة. والعمم: عظم الخلق في الناس ~~وغيرهم، فالعمى العام والقصرى الخاص. وعمعم الرجل إذا كثر جيشه بعد قلة. والعم ~~الجماعة، والعماعم الجماعات المتفرقون. # وعم في الثلاثي عنم هي: # العنم: أغصان تنبت في سوق العضاه، رطبة لا تشبه سائر أغصانها، حمر اللون، ~~وقيل: هو ضرب من الشجر له نور أحمر، تشبه به الأصابع المخضوبة. قال ابن ~~الأعرابي: العنم الشجر الأحمر، والعنمي الحسن الوجه المشرب بحمرة. وقال ms324 بعضهم: ~~العندم دم الغزال بلحاء الأرطى، يطحنان جميعا حتى ينعقدا، فتختضب به ~~الجواري. # ومن تلك المعطيات نجد العمالقة يحملون لقب الجبابرة، وأنهم كانوا طغاة وهو ما يعني ~~أنهم كانوا حكاما، والمحتمل وفق معطيات الموسوعة العربية الميسرة، أن يكونوا من عرفهم ~~اليونان باسم الهكسوس غزاة مصر، وأنهم كانوا يسكنون العقبة وشمالها، وربما كانوا من ~~العرب القدماء، وهم فرع من الآدوميين، أما لسان العرب فيقول إنهم من قوم عاد، وينتسبون ~~إلى الشخص الأسطوري المعروف باسم إرم ابن سام، الأمر الذي يذكرنا بآيات القرآن عن عاد # إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد ~~. # وإذا أخذنا بالاسم المرادف «عناقين» جمع عناق، فهو أيضا يحمل معنى العملقة، فالهضبة ~~المعنقة هي المرتفعة الطويلة، ويحمل أيضا معلومة حفظها لنا اللسان في كلمة الأعناق ~~وهي: الأعناق أي الرؤساء، إضافة إلى كون الكلمة تحمل معنى الكثرة الشديدة، مما يشير إلى ~~كونهم كانوا شعبا غفير العدد، ناهيك عن كونهم كانوا طوائف، أي مجموعة بشرية، متحدة ~~أحيانا متحالفة أحيانا أخرى، وهو ما يذكرنا بالتعبير الآشوري «أخلامو» أو أحلاف، ~~وأنهم كانوا أصحاب «ماعز»، وفي بلادهم كان يعيش حيوان مفترس في هيئة الكلب الطويل ~~الشبيه بالسلوقي، وتحكى عنهم أساطير؛ فكان يعيش في بلادهم طائر ضخم باسم العنقاء، الذي ~~سبق وعرفناه باسم الفوينيكس أو الطائر البونتي، وتكرر الأسطورة العربية الأسطورتين ~~المصرية واليونانية، فهو يظهر كل دهر وبعد زمان بعيد من ظهوره الأول «طائر عظيم لا يرى ~~إلا في الدهور»، ونسب العرب إلى العناقين الجياد العنقاء، أي الفحول الأصيلة منها، ثم ~~إن منهم كان بعض فراعين مصر، وعلم التاريخ يؤكد لنا أن مصر لم تعرف الخيول طوال تاريخها ~~إلا مع غزو الهكسوس، فالآثار المصرية والنصوص القديمة قبل الغزو الهكسوسي، تخلو تماما ~~من أي ذكر للحصان أو العربة، كما لم توجد أي دفنة لحصان واحد، أو حتى لعظام من حصان في ~~أي من المقابر أو الدفنات أو الطبقات الأركيولوجية قبل الغزو الهكسوسي. كذلك تخلو ~~النقوش والرسوم المصرية قبل الغزو الهكسوسي خلوا تاما من صورة ms325 الحصان، رغم أن ~~المصريين قد سجلوا ورسموا صورا لكل حيوانات البيئة المصرية وطيورها ونباتها ~~بشكل إحصائي دقيق، وهو ما يعني أن المصري حتى غزو ~~الهكسوس كان يجهل تماما، أن هناك كائنا من هذا النوع يوجد في العالم. # 17 # ومن جانب آخر إذا أخذنا بالتسمية المصرية لغزاة بلادهم الهكسوس «عامو»، فيظهر أن لهم ~~علاقة وطيدة باللون الأحمر، وأنهم كانوا قوما عظام الطول، ضخام الجسد. ويفرق لسان ~~العرب بين التسمية المصرية رجل من العامو «رجل عمي»، أي مبتدي صحراوي بدائي، وبين أهل ~~المدر والحضر والخصب، الذين هم سكان القصور «رجل قصري». ويعود اللسان لتذكيرنا أن «عم» ~~هو الجماعة المتشظية، وباسمهم هناك شجرة حمراء لها نور أحمر، وهي شجرة طويلة عظيمة، ~~تستحق اسم «الأيكة». # وهنا نستمع إلى «جاردنر» وهو يحدثنا عن حجر القاهرة المعروف باسم «حجر باليرمو»، وفيه ~~إشارة إلى ما حدث في عهد الملك الثاني من ملوك الأسرة الأولى التأسيسية، وفي هذا الزمن ~~المبكر زمن الملك المدعو «جر»، إشارة إلى ضرب الملك لمناطق «ستية». # 18 # ثم بعده نقرأ عن ملك باسم «عنخاب»، أنه قد ضرب شعب «الأيونتيو» أو «عنتيو»، والعنتيو ~~هو البخور الأبيض في اللسان المصري القديم، ويعني أيضا عند جاردنر وعبد العزيز صالح ~~«أصحاب العمد»، ومع تعقيب يقول: «وهذا اصطلاح مبهم ربما يشير إلى شعوب قطنت شمال شرقي ~~الدلتا، أو بدو الصحراء الشرقية وسيناء وما وراءهما»، # 19 # هذا بينما كان عبد المنعم عبد الحليم لم يزل يصر على أن شعب العنتيو/أي ~~اللبان الدكر هم سكان الصومال؟! ~~(انظر أعمدة البتراء (إرم ذات العماد؟!) الشكل رقم «76، 77».) # شكل رقم «76»: مسلات أو أعمدة البتراء. # شكل رقم «77»: أنشأها أصحاب العمد. # ويضيف نجيب ميخائيل على ذات النصوص شارحا من هم العنتيو أصحاب العمد ~~بقوله: «وقد أطلق عليهم سترابو اسم سكان الكهوف، الذين كانوا يعيشون على النهب والسلب ~~والتجارة في قوافل تقطع صحراء العرب»، # 20 # لقد كان العنتيو هم العماليق ضمن سكان بلاد آدوم ومحيطها، أصحاب البخور، أم ~~يا ترى عنتيو أو أنيتو هي مقلوب «تينو/تين»، تلك الثمرة ms326 المقدسة التي أتت بها بعثة ~~حتشبسوت، لتستزرعها أمام معبدها «شجرة البيرسيا المقدسة»؟ ربما! وتشترك «عنتيو» في ~~جذرها الثلاثي مع «عتي» و«عاتي» و«عتو» من القوة والشدة والعملقة. وهنا نقف نستمع إلى ~~ديودور الصقلي يروي قائلا: «بعد أن جعل الملوك في الإسكندرية طريق البحر ميسرة لإبحار ~~تجارتهم، لم يكتف هؤلاء العرب بمهاجمة من تحطمت بهم سفنهم، بل أنزلوا إلى الماء سفن ~~قرصنة تطارد التجار والمسافرين، محاكين بتلك الأعمال الوحشية الجامحة للطائوريين من أهل بنطس.» # 21 # وهو ما يعني أن عرب وادي عرابة يشبهون في ~~لصوصيتهم سكان بلاد بنطس شرقي البحر الأسود بأرمينيا. لقد أدرك ديودور التشابه لكنه لم ~~يدرك أن من سكان عرابة جنسا قادما من أرمينيا من منطقة بنطس «بنط»، حيث كان يقوم ~~ميناء بونت على البحر الأسود ولم يزل، وإن هؤلاء المهاجرين قد منحوا موطنهم الجديد في ~~عرابة اسم موطنهم القديم «بونت». # ثم يدخل هيرودوت ليعطينا دعما قويا لنظريتنا، فيقول عن حدود مصر الشرقية، حيث ~~المواطن التي عرفها هيرودف ورفاقه من مؤرخين بأنها البلاد العربية. # وتضيق مصر ابتداء من مدينة هيروبوليس جنوبا، فعلى أحد جانبيها تمتد سلسلة ~~الجبال العربية (الهضبة الشرقية الآن [المؤلف]) من الشمال إلى الجنوب ... ويستمر ~~امتدادها حتى البحر المسمى بحر إروتري (هنا يشرح د. أحمد بدوي في الهامش أن بحر ~~إروتري هو البحر الأحمر، وبالتحديد الخليج العربي منه، وهو خليج السويس ~~حاليا)، وهنا توجد مقالع الأحجار (وقد وجدت بالفعل هناك مقالع الأحجار، ~~وبخاصة الفيروز [المؤلف]) ... وأقصى اتساع مسيرة شهرين ... وحدودها الشرقية تنتج البخور. # 22 ~~(هيرودوت، 77-78) # إن هيرودوت هنا يحدثنا عن المسافة بين الخليج العربي (السويس) وبين خليج العقبة عبر ~~سيناء، حيث الوصول عبر سيناء يستغرق مسيرة شهرين، وهناك عند خليج العقبة، أو الحدود ~~الشرقية لمصر، منطقة تنتج البخور أو بتعبيره «وحدودها الشرقية تنتج البخور»، ولأنه يريد ~~بالضبط المسافة بين السويس والعقبة، يستمر شارحا اتجاها آخر من خليج السويس، «أو خليج ~~العرب» نحو الجنوب في عمق البحر الأحمر المتجه نحو المندب فيقول: # ويوجد في بلاد العرب غير ms327 بعيد عن مصر، خليج يوغل في الداخل من البحر، الذي ~~يسمى ببحر أروتري، وهو خليج طويل وضيق جدا كما سأوضح، إذا بدأ المسافر من جوف ~~الخليج وضرب في عرض البحر، فإنه يستغرق في عبوره طولا أربعين يوما مع استخدام ~~المجاديف. # هنا لا يقول هيرودوت إن المسافة مسيرة، إنما إبحار بالمجاديف يستغرق أربعين يوما، ثم ~~يحدثنا عن عبور الخليج العربي عرضا في أوسع أجزائه بقوله: «في حين أن اجتيازه عرضا في ~~أوسع أجزائه يستغرق إبحار نصف يوم، وبه يحدث مد وجذر كل يوم.» # ولمزيد من تحديد المكان الذي يتحدث عنه يقول: «فمناطق الساحل العربية مأهولة بالسوريين»، # 23 # وكلمة السوريين للتعبير عن البدو الآسيويين لدى هيرودوت. # لقد عمدنا إلى تفصيل رواية هيرودوت، حتى لا يكون هناك أي لبس بين الإبحار من خليج ~~السويس جنوبا، وبين الاتجاه من خليج السويس شرقا بالسير البري، وهناك، كما قال في ~~أقصى الحدود الشرقية، سنجد الخليج الثاني (العقبة)، حيث أكد هيرودوت أن البلاد كانت ~~هناك «تنتج البخور» أو العنتى. ~~(انظر مفتاح الحياة المصري «العنخ» ولوحة لبدو ساميين من مصر القديمة.) ~~(الشكل رقم «78، 79».) # شكل رقم «78»: مفتاح الحياة المصري «عنخ». # شكل رقم «79»: بدو ساميون في لوحات مصرية من العصر الإهناسي يزورون ~~مصر، بصحبتهم العنز والحمار من ضريح «خنوم حتب». الشخصان في مقدمة ~~الصورة العلوية مصري. # شكل رقم (80): عندما أوجه وجهي نحو الشرق، فإني أولي وجهي إلى بلاد ~~«بونت» أرض الإله. # شكل رقم «81»: سيت، تفصيل علوي. # شكل رقم «82»: لم نتمكن من العثور على لوحة الإله المدياني يلبس ~~أطواقا، لكن لدينا الإله ست المصري يلبس أطواقا، ويطابق بذلك ذي ~~الشرا أو «شرا»، وتشترك «شرا» في جذرها مع فعل ال «شر» صفة ست. # شكل رقم «83»: رسوم العنز القديم في صخور ثمودية في سيق الخزعلي ~~بوادي «رم». # شكل رقم «84»: ماعز، عنز بري، سيناء ووادي عربة. # شكل رقم «85»: عنز مدجن. # الفصل الثاني # | سر الملكة السوداء # على جداريات معبد روعة الروائع بالدير البحري بالأقصر، نقش الفنان المصري ضمن تقريره ~~الدقيق رسما لملكة بلاد بونت: سوداء ms328 شديدة الامتلاء، ومعها عنصر بشري يبدو أنه ينتمي ~~إلى ذات جنس الملكة: أسود تبدو في ملامحه إفريقية واضحة، كذلك العنصر الأحمر المشار ~~إليه باسم إرم مع عنصر ثالث يشبه المصريين، وتتضح عليه السمات السامية. # ويحدثنا الكتاب المقدس زمن حكم الملك سليمان، المؤسس الحقيقي لمملكة بني إسرائيل في ~~فلسطين، عن زيارة ملكة لم يذكر لنا الكتاب المقدس اسمها، وعرفها فقط بأنها «ملكة سبأ»، ~~في رواية أراد بها الكاتب التوراتي الإشادة بعظمة الملك سليمان، الذي يزعم ذلك المقدس ~~أن حكمته وشهرته قد طبقت الآفاق، وأن ملوك الارض قد سعوا إليه يطلبون مودته، ومع ذلك لا ~~نسمع أية رواية في ذلك المقدس عن زيارة ملكية، حدثت لبلاد سليمان سوى زيارة «ملكة ~~سبأ»، وتقول الرواية: # وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب، فأتت لتمتحنه بمسائل، فأتت إلى ~~أورشليم بموكب عظيم جدا، بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة ~~كريمة، وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها ... وأعطت الملك مائة وعشرين ~~وزنه ذهبا، وأطيابا كثيرة جدا وحجارة كريمة، لم يأت بعد ذلك مثل ذلك الطيب ~~في الكثرة، الذي أعطته ملكة سبأ للملك سليمان، فعمل سليمان خشب الصندل ~~درابزينا لبيت الرب، وبيت الملك، وأعوادا وربابا للمغنين، لم يأت ولم ير ~~مثل خشب الصندل ذلك إلى اليوم. ~~(ملوك أول، 10: 12، 10، 2، 1) # ولنلحظ أن خشب الصندل لا يأتي إلا من جنوب شرقي آسيا وجنوب الهند (وخاصة مع القول: ~~أنه لم يعرف مثل هذا الخشب من قبل)، وفي سفر أيوب، ذلك العبراني الذي كان يعيش على حدود ~~فلسطين الجنوبية في جوار آدوم، نجد ذكرا متكررا لشعب باسم سبأ والسبئيين، ومثال ذلك: # نظرت قوافل تيماء، سيارة سبأ رجوها. ~~(أيوب، 6: 19) # وتيماء في الجوار الشرقي لبلاد آدوم، لكن النص قد يفهم منه خاصة من كلمة «سيارة سبأ» ~~بلاد اليمن، حسبما اعتدنا من معلومات متواترة، تحدثنا عن كون ملكة سبأ عاشت في اليمن، ~~خاصة أنهم في هذا النص التوراتي يظهرون جماعات تاريخية متحركة (سيارة)، وهو ما يذهب بنا ~~فورا إلى اليمن، مع ما نعلمه ms329 من التاريخ المتواتر عن مملكة سبأ اليمنية، لكن المشكلة ~~هنا أن الكتاب المقدس لم يذكر لنا إطلاقا أن ملكة سبأ كانت ملكة يمنية، أما اللغز فهو ~~أن إشارات الكتاب المقدس يفهم منها تارة أن سبأ كانت بلادا بعيدة عن فلسطين، وتارة ~~أخرى لا يمكن أن نفهم إلا أن السبئيين كانوا جيرانا مباشرين، بل وملاصقين لجنوب مملكة ~~سليمان في فلسطين، فهناك نص يشير إلى أن السبئيين من ديار بعيدة، ويمثل ذلك في القول: # وأبيع بنيكم وبناتكم بيد بني يهوذا، ليبيعوهم للسبئيين، لأمة بعيدة، لأن الرب ~~قد تكلم. ~~(يوئيل، 3: 8) # بينما هناك نصوص أخرى تؤدي معنى مخالفا تماما، كما في رواية أيوب الذي يحكي كيف هبط ~~عليه مهاجمون استولوا على ثروته، ويقول: # البقر كانت تحرث، والأتن ترعى بجانبها، فسقط عليها السبئيون وأخذوها، وضربوا ~~الغلمان بحد السيف. ~~(أيوب، 1: 14، 15) # وتعبير «سقط» هنا يشير إلى قرب شديد لموقع السبئيين من فلسطين الجنوبية، ويدعمه أن ~~الكتاب القدس كان يربط دوما بين عدد من الشعوب، يعتبرها من نسب واحد وجنس واحد، ~~ونموذجا لذلك قوله: # وبنو حام: كوش ومصرايم وفوط وكنعان، وبنو كوش سبأ وحويلة وسبتة ورعمة وسبتكا، ~~وبنو رعمة شبا وددان. ~~(تكوين، 10: 6، 7) # ويتكرر ذات النسب في موضع آخر يقول: # وبنو كوش: سبأ وحويلة وسبتا ورعما وسبتكا، وبنو رعمة شبا وددان. ~~(أخبار أيام أول، 1: 9) # ولنلحظ هنا أولا ذلك الربط بين المصريين ~~والسبئيين، فالمصري «مصرايم» حامي من بني حام، و«كوش» ويقصد به الجنس الزنجي، وهو أيضا ~~حامي من بني حام، فهما إذن شقيقان، ومن أبناء «كوش» بنو رعمة، ومن أبناء رعمة «شبا» ~~الذي يأتي مقترنا باسم «ددان»، ويتكرر ذلك الاقتران مما يشير إلى تجاور جغرافي، ~~و«ددان» هي «العلا» شرقي «آدوم» الآن. # ويكرر الكتاب المقدس ربطه المستمر بين الجنس ~~الزنجي «الكوشي» وبين السبئيين، فعدا كونه قد اعتبر سبأ ابنا من أبناء كوش، فقد كان ~~الكوشي والسبئي حليفين، كما في النص: # هكذا قال الرب: تعب مصر وتجارة كوش والسبئيون ذوو القامة، إليك يعبرون ولك ~~يكونون، خلفك يمشون، بالقيود يمرون، لك يسجدون، إليك ms330 يتضرعون قائلين: فيك وحدك ~~الله وليس آخر إله. ~~(إشعيا، 45: 14) # ولمزيد من التحديد وراء اتساق ذلك المبعثر، نقرأ بالكتاب المقدس: # بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا، ~~تحمل ذهبا ولبانا وتبشر بتسابيح الرب. ~~(إشعيا، 60: 6) # فهذه جمال مديان بلاد التجار الآدومية، تحمل ~~منتجات نعرف نوعها ومصادرها، منها: الذهب واللبان (البخور)، وربما يكون المقصود أن تجار ~~مديان يأتون بمنتجات سبأ من بلادها البعيدة، أو أن يكون المقصود أن مواطن مديان هي ذات ~~مواطن سبأ (؟!). # وحتى لا يتصور القارئ أن بنا جموحا، لا يستند إلى مقومات تدعمه لمزيد من تأييد ~~مذهبنا، في موطن التجار الميتانيين أصحاب بلاد نهرين الحورية، فإننا لا بد أن نقر بصدق ~~ما وصلنا إليه من كشوف في بلاد اليمن، أكدت قيام مملكة كبرى باسم سبأ في تلك البلاد ~~حوالي عام 900ق.م. وأن تلك الكشوف تملأ المنطقة ولا ينكرها عاقل، ومن ثم سنحاول الإمساك ~~بطرف الخيط للوصول إلى الغرض من أقصر السبل، فنبدأ بقول العالم الأركيولوجي في حضارات ~~الجنوب العربي «فرتزهومل»: «إن الأماكن التي عثر فيها على آثار عربية جنوبية خارج ~~حدودها، وجدت في أقصى الشمال الغربي، أي بلاد مدين القديمة»، # 1 # أي إنه قد عثر على آثار عربية جنوبية في بلاد مدين القديمة بشرقي سيناء ~~حول العقبة، بعيدة عن بلاد العرب الجنوبية، أصحاب تلك الآثار بمسافات شاسعة من الصحارى ~~الكبرى، ومن ثم يطرح «هومل» سؤالا غريبا مستغربا يستريب في أي المكانين كان هو ~~الموطن الأصلي للحضارات التي اصطلح على تسميتها حضارات الجنوب العربي؟! وكانت تلك ~~الحضارات تتمثل في أربع ممالك هي: قتبان وحضرموت ومعان وسبأ، ثم يخص سبأ بالذكر، ~~فيتساءل عن حضارتها التي قامت في بلد اليمن ويقول: «هل هذه الحضارة قد بلغت هذه الدرجة ~~من النمو والاكتمال في البلاد ذاتها، أو أنها جاءت إلى البلاد من الخارج كاملة ناضجة؟». # 2 # ثم يجيب على السؤال الذي طرحه باكتشاف جديد تماما، وهو أن الشعب الذي ظهر في بلاد ~~العرب الجنوبية حوالي عام 800ق.م. أو 900ق.م. كان يعيش في منطقة أخرى قبل ms331 ذلك بأزمان، ~~وأنه كان له في تلك الفترة تاريخ هام، وأن تلك المنطقة الأخرى كانت بداية التاريخ ~~الحقيقي للسبئيين، وأن هذا الوطن الأول أو الخارجي كان يقع في شمالي بلاد العرب. # ثم استنتج «هومل» أنهم عاشوا في الإقليم العربي الشمالي، الذي كان يطلق عليه ~~الآشوريون: بلاد «عريبي»، وأن لدينا معلومات أخرى عن ذلك الإقليم، من المأثور الآشوري، ~~فالكتابات الآشورية تذكر هذا الإقليم، مع عدد من الملكات على التوالي، منهن الملكة ~~زبيبي ملكة بلاد عريبي، ومنهن الملكة سمسي حوالي 738ق.م. وذكر لملكة أخرى باسم يتعي ~~أيام الملك سنحاريب الآشوري، وملكة رابعة زمن الملك آسر حدون الآشوري باسم ~~«تبوءه». # وهنا ننقل عن «هومل» نصيا قوله: # ورد مرة لفظ سبأ في نقش معيني، وكان هذا النص يشير إلى أن هذا اللفظ يدل على ~~قبيلة بدوية، كانت تسطو على الطريق التجاري، الممتد بين بلاد العرب الجنوبية، ~~وبين معان الواقعة في شمال بلاد العرب، وكانت تسطو أيضا على القوافل المعينية ~~القادمة إلى مصر، ثم نقرأ القصة التي تحدثنا عن زيارة ملكة سبأ لسليمان، فهذه ~~القصة لا يمكن فهمها جيدا إلا إذا قدرنا أن السبئيين كانوا يقطنون في شمال ~~بلاد العرب، وليس الإنسان في حاجة هنا إلى تأويل، ونستطيع أن نعتقد أن هناك ~~نواة تاريخية لهذه القصة، كذلك مما يؤيد وجود وطن للسبئيين أصلي في شمال بلاد ~~العرب، وورد لفظ سبأ مصحوبا بلفظ ددان في العهد القديم. كذلك من العبارات التي ~~تذكر وطن السبئيين في شمال بلاد العرب، ما جاء في النقوش السبئية ذاتها، حيث ~~نجد سبأ ويهبليج، وكذلك سبأ وبيشان، وما إليها، ولا نجد لفظ سبأ مستقلا؛ وذلك ~~لأن يهبليج هي دقلة في بلاد الجوف في شمال بلاد العرب، وبيشان هو وادي الدواسر. # 3 # وهكذا وجد هومل إشارات أركيولوجية ونصوصية قديمة، استنتج منها أن السبئيين كانوا خارج ~~بلاد اليمن، في شمالي بلاد العرب، قبل أن يهبطوا جنوبا إلى اليمن، ليبدءوا هناك حضارة ~~جديدة حوالي عام 900ق.م. وأن موطنهم الشمالي الأول هذا، هو المكان الذي أطلقت ms332 عليهم ~~نصوص الرافدين «بلاد عريبي» أي «العربية» أو «العربة»، وأن تلك المملكة اشتهرت بحكم ~~النساء لها، ومنهن ملكات شهيرات، وهو الأمر الذي يلتقي مع ما ورد بالكتاب المقدس، عن ~~ملكة سبأ التي زارت سليمان، على أن «فرتز هومل» أبدا لم يحدد لنا مساحة بعينها أو موقع ~~معلوم بعينه، أو تسمية أخرى قديمة لتلك الأرض التي قامت فيها مملكة سبأ الأولى، ولا ~~حدود تلك الأرض. # لكن في نص آخر لعالم آخر متخصص في جنوب الجزيرة، لا يقل شأنا هو «رينيه ديسو»، ~~نفهم أن هناك قبائل عاشت شمال بلاد العرب، جاءت إليها من الجنوب اليمني، وهو ما يقوله ~~نصا: «ومن المحقق أن السكان الذين أقاموا في اللجة ببادية الشام في قرية باسم نجران، ~~قد أتوا من جنوب الجزيرة العربية؛ لأن اسم هذه القرية يذكرنا باسم المدينة المشهورة في ~~جزيرة العرب، أما قرية بوريكة # Bourke # التي توجد أيضا ~~في اللجة، فقد كان الرومان يطلقون عليها اسم # βορελα ~~θξα∂αυ # أي بوريكة السبئيين». # 4 # وهذا يعني أن السبئيين جاءوا من الجنوب إلى الشمال من زمن بعيد، وأقاموا لهم ممالك ~~في الشمال إذا أخذنا بالقولين، ثم جدت أحداث اضطرتهم إلى العودة مرة أخرى إلى ~~مواطنهم الأولى في اليمن، حوالي عام 900ق.م. # ثم تستوقفنا لفظة «بوريكه» أو «بوليكة» لنجد لها صدى في لسان العرب؛ إذ يقول تحت مادة أيك: # في التهذيب: في قوله تعالى: # كذب أصحاب ~~الأيكة المرسلين ~~، وقرئ أصحاب ليكة، وجاء التفسير أن اسم ~~مدينتهم كان ليكة. # ولو صرفنا الاسم «بو - ليكة» بإضافة # US ~~، فستصبح ~~«بوليكيس» أو «بلقيس »، ذلك الاسم الذي تواتر في المأثور الإخباري العربي بحسبانه اسم ~~ملكة سبأ زمن الملك سليمان. # وهنا نقف مع «هومل» نتأمل: # البلاد باسم بلاد عريبي، والوادي الممتد بين العقبة والبحر الميت منذ وصلنا اسمه ~~مدونا، يحمل اسم وادي عربة، ويقع في شمالي غربي جزيرة العرب، وهومل يقول: إن بلاد ~~عريبي لا شك تقع شمالي جزيرة العرب. # فهل نجازف ونقول: إن الموقع الذي اخترناه للأحداث منذ بداية هذا البحث، هو ms333 الموقع ~~الذي كان لا بد أن يبحث عنه هومل؛ حتى يجد بلاد عريبي، حيث قامت سبأ الشمالية بعيدا ~~عن اليمن؟ ثم نرجح مع المرجحين الآن أن الملكة العربية، التي ذكرتها أخبار العرب ~~وأشعارهم وأساطيرهم باسم الزباء، ليست زنوبيا ملكة تدمر زمن الرومان، خاصة أن هومل نفسه ~~يقول إنه جاءنا اسم لملكة من ملكات بلاد عريبي باسم زبيبي في نصوص رافدية حوالي عام ~~738ق.م. وهو تاريخ قريب من تاريخ قيام دولة سبأ اليمنية من بعده، وربما كان هناك خطأ ~~بسيط في الحسابات التاريخية، فإذا كان ذلك كذلك، فإن الملكة زبيبي كانت ضمن الخط الأخير ~~لملكات سبأ الشمالية، وربما كان اسم زبيبي اسما متواترا في مسميات ملكات سبأ ~~الشمالية، ويبدو أن واحدة من سلسلة الملكات «الزباء»، قد اكتسبت شهرة لأسباب لم تزل ~~مجهولة لدينا، فذكرتها أساطير العرب وأخبارهم. # ولنلاحظ أن اسم «الزباء» أو «زباء» العربي، يتطابق لسانيا مع اسم المملكة والشعب ~~المعروف باسم «سبأ»، وهو الأمر الذي يعني أن المجد الذي حققته الملكة الزباء، جعل ~~الإشارة بعد ذلك إلى بلادها باسمها وإلى شعبها منسوبا إليها، بلاد الزباء أو بلاد ~~الملكة سبأ. # وربما كانت «زباء» التي قيل إنها من ملكات سبأ، كانت هي ملكة سبأ التي زارت سليمان، ~~وأغفل الكتاب المقدس ذكر اسمها دون سبب واضح، اللهم إلا إذا كانت الترجمة قد حولتها من ~~«الملكة زباء» إلى «ملكة سبأ»، وهو الفرض الذي يجد تأييده في فراسة «فليكوفسكي»، الذي ~~قضى شطرا من عمره يدرس التلمود، ليخرج ضمن ما خرج به بالقول: «إن الراي الواضح في ~~التلمود كله، أن سبأ في تسمية ملكة سبأ، ليست تسمية جغرافية تعود إلى مكان معين، بل ~~إنه اسم شخص، حتى المخطوطات العديدة عن جنوب شبه الجزيرة العربية، أغفلت أي ذكر لملكة ~~سبأ هذه، عدا الكثيرين من الرحالة والباحثين، الذي قلبوا كل حجر في جنوب شبه الجزيرة، ~~بأمل العثور على أي دليل، ولكن بلا أدنى أي نجاح يذكر في الكشف عن هذا اللغز.» # 5 # أما أصحاب الأخبار العرب، فقد رووا ms334 نتفا عارضة عن الزباء، فهي عند ابن قتيبة ابنة ~~ملك الجزيرة، وأنها قتلت زوجها جذيمة الأبرش. # 6 # وإن ذهبت الأغلبية منهم إلى أن الزباء من العمالقة، ويلخصه القول إن: «العمالقة من ~~ملوك حمير كانوا بالشام، ومنهم الزباء قاتلة جذيمة الأبرش الملك الأزدي، وهم من ولد ~~عمليق بن السميدع بن الصوار بن عبد شمس، والعماليق من ولد عملاق بن لاوذ بن سام، منهم ~~الفراعنة ملوك مصر.» # 7 # أما المؤرخ «ابن العبري» فيقدم لنا تعريفا بالملكة، التي زارت سليمان بقوله: «وأتته ~~ملكة التيمن، وقدمت له مائة وعشرين قنطارا من الذهب، وطيبا وجواهر ثمينة»، # 8 # والتيمن ليس اليمن إنما هو واحدة من كور بلاد آدوم، وقبل «الملكة سبأ» ~~ومملكة سبأ، نجد ذكرا لحضارة جنوبية تجارية كبرى باسم معين، وأنها أقامت لها محطات ~~تجارية كبرى، وأنها قامت في الجنوب، وامتدت حتى حدود الجزيرة الشمالية عند معان ~~المصرية، والظن أن معان المصرية اكتسبت اسمها من كونها أصلا محطة معينية، ثم نعتت ~~بموضعها في جوار مصر الأقصى «آدوم وسيناء»، فسميت معان المصرية «معان مصران»، أما النص ~~المعيني أو المعاني الذي جاء به «هومل» من بلاد اليمن، واكتفى بترجمته، دون أن يخبرنا ~~بدلالته، فهو القائل: إن القوافل التجارية المعينية كانت تذهب بتجارتها إلى غزة ومصر ~~(بالنص) وذلك: # عبر نهران وآدوم؟! # إن وصول التجارة المعينية إلى مصر المعروفة، كان يمر أولا مخترقا منطقة تحمل اسم ~~نهران، وما زلنا نذكر نهارين/ميتاني/مديان، ثم منطقة آدوم في الجوار، وفي النقش رقم ~~«535» الذي جاء به من الزمن الأركيولوجي «هليفي»، نجد حديثا يترجم بلا معنى بدوره، ~~يتكلم عن علاقات تجارية لمعين اليمنية مع مصر وآشور، وأن الطريق التجاري كان يمر: # عبر نهران. # التي يترجمها: # أرض النهر. # ويضيف: لا بد أنها غزة (؟!) ثم لا يعطينا تفسير لماذا غزة؟! أما الأغرب فإنه ضمن ~~نقوش «هليفي»، وبالتحديد في النقش رقم «501»، نجد في بلاد مدين عند العقبة ملكا ~~معينيا، والمفترض أن معين باليمن (؟!)، وأن هذا الملك يحمل اسم «وقهي إيل نبط»، # 9 # وهو ما يذكرنا باسم تلك ms335 البلاد الذي افترضناه بلاد «بونت»، التي عرفت بعد ~~ذلك باسم «النبط» أو «الأنباط»، ثم نجد المؤرخين المسلمين من الإخباريين القدامى، ~~يذكرون لنا «يثرون» كاهن مديان نسيب موسى باسم «شعيب»، وأن «شعيب النبي من حمير». # 10 # أليست تلك بقرائن مبينة؟ وأن زمان المعينيين كان يعرف بلاد «آدوم/مدين» بأنها «نهرن» ~~أو «أرض النهر»، وأن العلاقات بين الشمال والجنوب وصلت حد الالتحام، حتى حكم بلاد ~~«مديان/آدوم» ملك معيني؟ وعاش فيها «شعيب» الحميري، وشعيب مدياني كما نعلم، مما يعني ~~أن بعض سكان مدين كانوا من اليمن، ونتذكر أن هيرودوت جاء بالكنعانيين الفينيقيين من ~~جنوب البحر الأحمر. # ومما يثري رصيدنا هنا ذلك النص الآشوري، الذي وردنا من زمن الملك «سنحاريب»، ويذكر ~~فيه الجزية التي دفعها له ملك سبأ «كرب إيلو»، وهي الجزية التي تتكون من منتجات العطور ~~والأحجار، كانت تليق ببناء مطعم بالذهب والفضة والأحجار النادرة، فقد كانت لبيت الإله ~~أكيتو في بلاد آشور، أو كما يقول النص مؤكدا على أن الأحجار، تلك الأحجار التي لا شك ~~لم تكن ككل الأحجار، لكنها أحجار تليق ببلاد آدوم: # عند وضع الأساس لبيت أكيتو، قدمت الهدية التي أمر ملك سبأ بإحضارها، وهي ~~عبارة عن أحجار كريمة وروائح وأحجار، ومن هذه الهدية وضعت أنا الأحجار ~~والروائح في بيت أكيتو ... فضة وذهبا، وحجر أوكنو، وحجر ساندو، وحجر خلالو، ~~وحجر مشجر، وحجر أورس، وحجر أودشش، وسكبت ماء النهر. # 11 # ويعنينا هنا أن نورد مقطعا من المؤرخ اليمني محمد عبد القادر بافقيه، يشير فيه إلى ~~أن الدكتور فرتز هومل يقول: # إن الفترة السابقة لتاريخ سبأ الحقيقي، بدأت خارج اليمن، ويرجح أن هذا الوطن ~~الخارجي كان في الأصل شمال بلاد العرب، ومثل هذا سبق أن أوصى به سترابو، حين ~~ربط بين الأنباط والسبئيين؛ لكونهم أول من سكن العربية السعيدة، وتمشيا مع هذا ~~الرأي اقترح الأستاذ و. ف. ألبرايت، تاريخا لهجرتهم من الشمال إلى الجنوب ~~اليمني حوالي 1200ق.م. ذاهبا في نفس الوقت إلى أن هجرتهم تلك، تأتي بعد هجرة ~~القبائل الأخرى «معين وحضرموت وقتبان»، ms336 والتي حدثت في تقديره حوالي 1500ق.م. ~~ولكننا لا نستطيع أن نقطع برأي في هذه القضية الشائكة، التي يكتنفها الظلام من ~~كل جانب. # وقد ورد اسم سبأ بكثير من التفخيم في الكتابات الكلاسيكية ومنهم بليني، ~~بأنهم أشهر من عرف من قبائل البلاد العربية، وأفرد لهم سترابو فقرة مطولة ~~نقلا عن أرتميدوس، وصف فيها بلادهم، وذكر فيها أنهم شعب كبير التعداد، وأن ~~بلادهم شديدة الخصوبة، تنبت المر واللبان، وأنواعا أخرى من الأعشاب الذكية ~~الرائحة، وزعم أن لها أفاعي حمراء داكنة، طول الواحدة منها شبر، تقفز إلى خصر ~~الإنسان، وأنها إذا لدغت فإن لدغتها غير قابلة للشفاء. # 12 # أما الكتاب المقدس؛ فكان يذكر على الدوام الكوشيين بالترافق مع السبئيين، والكوشيون ~~هم الجنس الزنجي الأسود، أما الغريب حقا ويلتقي مع أطروحتنا التقاء مدهشا، فهو أن ~~سفر التكوين بالكتاب المقدس يجعل الكوشي أخا للمصري وللكنعاني. لقد كان الكوشي أو ~~السبئي يعيش على الحدود المصرية في بلاد آدوم، وعلى حدود فلسطين «بلاد كنعان» الجنوبية، ~~وقد وجدت لغة الكتاب المقدس تعبيرها عن تلك العلاقة الجغرافية، بقولها إن الكوشي أخو ~~المصري والكنعاني ساكن فلسطين، خاصة إذا لم ننس أن على تلك الحدود كانت تقع مصر ~~الأقصى، حسبما أخبرنا هروشيوش، ويصبح مفهوما لنا نص التوراة، الذي كان شديد الغموض يقول: # بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا. ~~(إشعيا، 60: 6) # وهل التواصل الغريب بين الجنوب والشمال لجزيرة العرب، يمكن ملاحظته في تشابه أسماء ~~الأعلام؟ وما يعنينا منها ذلك الاسم الذي تم العثور عليه في حفائر بابل، وذلك في قبر ~~لعربي جنوبي يمني، كان يدعى «هنتشر بن عيسو »، # 13 # وعيسو كما عرفنا هو «آدوم الحوري» في الشمال. # وفي نصوص تجلات بلاسر الثالث الآشوري، نقع على جدول بالجزية التي وصلت عاصمته، ~~والبلاد التي أرسلتها وأسماء ملوكها، وفي آخر ذلك الجدول نقرأ بترتيب جغرافي الجزى ~~التي وصلته من ملوك متجاورين كالآتي: # سابينو بعل ملك بيت عمون، وسلمانو ملك موآب، وميتني ملك عسقلان، وأحاز ملك ~~يهوذا، وكوش ماليكو ملك أيدوم، وملك غزة. # 14 # وكلها في ms337 ذات الموقع؛ لأن عمون وموآب تلاصقان شرقي البحر الميت وعسقلان على الساحل ~~الفلسطيني، ويهوذا جنوبي فلسطين ملاصقة لآدوم، ثم آدوم الممتدة من البحر الميت إلى خليج ~~العقبة، وملكها اسمه الأسود أو الزنجي «كوش»، وغزة على المتوسط في ذات الجوار. # وفي زمن آسر حادون ابن سمحاريب الآشوري 680-669ق.م. تجري حرب مع عدد من الملوك منهم ~~«كوس جبري ملك إيدوم». # 15 # ولعله من الواضح هنا أن بعض ملوك آدوم، حتى هذا الزمن المتأخر كانوا يحملون صفة ~~«كوش»، وفي النص الأول يمكن أن نرى فيه صيغة «الملك الكوشي»، وفي الثاني صيغة من معنى ~~جبار وجبروت «كوش جبري»، فهو الكوشي الجبار، أو جبري الكوشي. # والنصان يرددان نظريتنا المتواضعة بكل فصاحة بشأن العمالقة، فقد قلنا إن من ألقابهم ~~الجبابرة، وعم لاق أو عملاك، وهنا يأتي كوشي الزنجي مرة بكونه «ماليكو»، وهي بزيادة عم ~~تصبح «عملاقي»، ثم مرة بكونه «جبري» أو جبار. # والكتاب المقدس، وهو يسجل قرابات الشعوب وأصولها، يجعل الكوشي أخا للمصري، يسكن إلى ~~جواره، ونسل ذلك الكوشي الذي سميت بأسمائهم مواضع جغرافية، يمكنك أن تجده جميعا في ~~حدود سيناء الشرقية، مثل سبأ وددان وحويلة حسب شجرة الأنساب التوراتية، وأنهم كانوا ~~أبناء عمومة للكنعانيين بمدنهم الواردة بأسماء أشخاص كأبناء لكنعان بن حام، مثل صيدون ~~(صيدا) ويبوس (أورشليم)، والأموريين الذين عاشوا في بلاد الشام ... إلخ. # ويفرق الكتاب المقدس بين جنسين من الشعوب، هما الجنس السامي والجنس الحامي، لكنه ~~يجعلهما أخوين، ثم يذهب بنسل سام جميعه، مع خلط شديد إلى فلسطين وجنوبها، وإلى جنوب ~~جزيرة العرب في الوقت ذاته، وكل هؤلاء الساميين عنده إخوة لأب واحد أو فروع لجنس ~~واحد، فمن نسل سام جاء عابر، الذي أنجب يقطان (قحطان)، ومنه جاء حضرموت ودقله وأوفير ~~وشبا، وكلها أسماء لمواضع تقع جنوبي الجزيرة، # 16 # ومن عابر أيضا جاء إبراهيم ونسله الإسرائيلي والآدومي والإسماعيلي، وكلها ~~أسماء لمواضع تقع شمال غربي الجزيرة على الحدود السينائية. # ومع تذكرنا لما ورد في تاريخ «هيرودوت»، عن قدوم العنصر الفينيقي الكنعاني من البحر ~~الأريتري، إلى ms338 المواضع التي استقر فيها على سواحل المتوسط الشرقية، نجد أنفسنا في حيرة ~~والتباس، لا يحله إلا افتراض أن المملكة التجارية التي قامت في بلاد آدوم، كانت على ~~تواصل مع منابع تجارتها في الجنوب اليمني والإفريقي طوال الوقت، الأمر الذي أدى إلى ~~هجرات وتداخل بين شعوب المنطقة، وكان طبيعيا تماما أن نجد العنصر الزنجي الأسود، ~~حيث العاج والذهب والقردة وجلد الفهود، أحد العناصر الأساسية للشعوب التي وصلت بلاد ~~آدوم شمالا عند العقبة واستوطنتها، وربما من ذلك العنصر كانت «الملكة زباء» أو الملكة ~~«سبأ». ولا يفوتنا الإشارة هنا أنه لا يوجد مسمى لتلك الملكة بالاسم الشائع «بلقيس» ~~داخل المقدس التوراتي أو القرآني، إنما ورد هذا الاسم في روايات شارحة لحقت بالنصوص ~~المقدسة، أما الثابت فهو أن «حبشتان» بلغة الجنوب العربي، وتعني «الأحباش»، كانوا ~~يسكنون حسبما ذكر «أورانيوس» على شاطئ البخور، # 17 # وأن أول ملك لسبأ اليمنية حسبما يخبرنا به نقش «جلازر» رقم «1447»، كان ~~يحمل اسم «سمو هو عليا» أو «شوموهو عليا» كما كتبه هومل، # 18 # ويترجمه المؤرخ فؤاد حسنين «سمه علي» الذي يتحدث عن نفس النقش، ويقول: «إن ~~سمه علي يتحدث فيه عن تقديمه البخور والمر إلى الإله السبئي القومي المقه، باسمه ونيابه ~~عن قبيلته التي قادها في الفيافي والقفار إلى الأرض السعيدة، التي تفيض لبنا وعسلا.» # 19 # وهنا يجب ألا يفوتنا أن «سمه علي» هو بالنطق الصحيح دون أية تجاوزات لغوية، يمكن نطقه ~~«سماعيل» أو«إسماعيل». ويستمر فؤاد حسنين ليذهب أبعد من «هومل»، فيرى أن كل حضارات ~~الجنوب، قتبان ومعين وحضرموت وسبأ، إنما قدمت إلى الجنوب مع أهلها، في هجرة قادمة من ~~الشمال، وذلك في قوله: «إن هجرة القبائل السينية - التي تمتاز باستخدام السين في صيغة ~~السببية وضمير الغائب، وهي القتبانية والمعينية والحضرمية - من الشمال إلى مواطنها ~~التاريخية قبل عام 1500ق.م. أما هجرة القبائل الهائية، وتمتاز لهجتها باستخدام الهاء في ~~صيغة السببية وضمير الغائب، وهي السبئية، من الشمال قبل عام 1200ق.م. ...» # 20 # وعليه فإذا تحدثنا عن سبأ، فإنه يمكن نطقها «هبا» أو ms339 سبا فكلاهما صحيح، وكانت «هبات»، ~~كما سبق وأسلفنا، إلهة ميتانية معبودة، واعتبر المؤرخون أن مقر عبادتهما كان بالرافدين ~~الأعلى، حيث بلاد ميتاني المزعومة، و«هبات» هي مؤنث «هبا» أو «سبا»، وإلى «هبا» هذا ~~انتسبت الأميرة الميتانية «جيلوهبا»، التي يكتبها البعض «جيلوخيبا» والبعض «جيلوهيبا» ~~والبعض «يلوكابا»، وهي التي تزوجها الملك المصري «آمنحتب الثالث» عاقدا بها صداقته ~~الحميمة، مع سكان البلاد التي عرفت باسم ميتان، التي تصورها المؤرخون واقعة في ~~الرافدين الأعلى باسم «ميتاني»، ولا ننسى أن زوجة عمران العبراني والد النبي «موسى» وأم ~~هذا النبي، كان اسمها «يوكابد» أو «يوكابا» حسبما جاء بالتوراة. # وقد لاحظ «لويس عوض» أن حرف السين يتم تبادله مع حرف «ه» ما بين اللغتين السامية ~~والحامية، فالعربي يقول مثلا: سأذهب، سأعمل. والمصري يقولها نفسها: هأذهب، هأعمل. # 21 # وهنا يفيدنا «فرتز هومل» أن سكان سبأ في الجنوب العربي مع انتشارهم الواسع، كانوا ~~ينقسمون إلى طبقات حسب وظائفهم، ومن هذه الطوائف تلك الطائفة التي حملت اسم «ا. د. و. ~~م. ت»، # 22 # فهل كانت «أدومت» طائفة وظيفية كما قال؟ أم أنها يجب أن تحيلنا إلى بلاد ~~«آدوم»؟ والأكثر غرابة أنه قد وجد لقب «قين»، ينتشر في بلاد سبأ الجنوبية، واعتبره ~~أيضا لقبا لطائفة وظيفية (؟!) # 23 # ونحن نعلم مما سبق أن القيني هو المدياني، صانع الحديد والنحاس، كما يضيف ~~لقبا آخر يعتبره لقب الشيوخ الكهنوتيين، هو «خليل»، # 24 # ويقول إنه اقتصر على أحد أفخاذ سبأ، و«خليل» هو لقب البطرق «إبراهيم» كما ~~نعلم، خاصة وأنه يقول: إن ذلك الفخذ كان من أسرة قرأ اسمها في النقوش «حذفر»، # 25 # وهو في رأينا ما يلتقي مع الاسم «آذر» أبي إبراهيم كما ورد بالقرآن ~~الكريم. # وبدون أن يقيم «هومل» أية علاقة مما نجازف نحن به هنا، أراد التأكيد على تواصل الجنوب ~~بالشمال، عند مدين تحديدا زمن الدولة المعينية، فقال: «وفي تلك البلاد ظهر موسى ~~واحتضنته بلاد مدين المعينية.» # 26 # وبين قوائم الملوك المكاربة لسبأ، ممن حكموا باليمن من حوالي 815ق.م. حتى 510ق.م. نقف ~~مع أسماء ms340 لا يصح إغفالها، وهي أسماء مركبة، من قبيل أسماء الملوك «أنمارم يهو أمين» ~~و«نشمي كرب يهو أمين» و«كرب إيل وتريهونعم»، # 27 # ولنا هنا أن نرتاح لاستنتاج «هومل»، وهو يقول إن الاسم «يهو» الوارد في ~~تركيب تلك الأسماء، يشير إلى الإله الإسرائيلي «يهوه»، ونحن نعلم أن يهوه كان إلها ~~سينائيا مديانيا قابله موسى في عليقة مشتعلة بسيناء، أما الطريف حقا، فهو أن بين ~~الأسماء التي عددها لنا «ديتلف نيلسن» لآلهة الجنوب اليمني، يطالعنا منتصبا ذلك الإله ~~الذي تكرره ذكره في النصوص باسم «ذو شرى». # 28 # وهكذا يمكننا أن نستنتج أن السبئيين قد هاجروا ~~إلى الشمال عند آدوم في زمن قديم، ثم عادوا جنوبا حوالي عام 900ق.م. إلى مواطنهم ~~الأصلية، ولم يأتوا اليمن مهاجرين من أصول جنسية بعيدة، إنما كانوا فيها وعادوا إليها، ~~وقد ترافق تاريخ قيام دولتهم في الجنوب قبل ظهور مملكة سليمان في فلسطين، مما يعني أنهم ~~كانوا موجودين في بلاد آدوم، منذ زمن طويل قبل قيام مملكة سليمان، وأنهم كانوا ~~متواجدين في آدوم زمن الأحداث الكبرى، التي ترويها التوراة عند دخول بني إسرائيل إلى ~~مصر وخروجهم منها، وأنهم كانوا يعبدون إله مديان «يهوه»، الذي اكتشفه موسى في نبات مضيء ~~في بلاد مديان السينائية، وكذلك الإله ذو الشرى. أما أسباب ذلك الرحيل جنوبا للسبئيين، ~~فيجد صداه في تل المعارك التي دارت بين الأقارب في شرقي سيناء، مع التفكك الذي أصاب ~~الأحلاف، عند خروج الهكسوس ثم الإسرائيليين من مصر، وازداد أواره عند قيام مملكة ~~إسرائيل على يد منشئها الأول شاول، الذي تركها لداود وولده سليمان، وفي زمن شاول نقرأ ~~بالكتاب المقدس: # وقال صموئيل لشاول: إياي أرسل الرب لمسحك ملكا على شعبه إسرائيل، والآن ~~فاسمع صوت كلام الرب، هكذا يقول رب الجنود: إني قد افتقدت ما عمل عماليق ~~بإسرائيل، حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق، ~~وحرموا كل ماله، ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا ~~وغنما، جملا وحمارا، فاستحضر شاول الشعب وعده ms341 في طلايم مائتي ألف رجل، وعشرة ~~آلاف رجل من يهوذا، ثم جاء شاول إلى مدينة عماليق وكمن في الوادي، وقال شاول ~~للقينيين: اذهبوا حيدوا، وانزلوا من وسط العمالقة، لئلا أهلككم معهم، وأنتم قد ~~فعلتم معروفا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر، فحاد القيني من وسط ~~عماليق، وضرب شاول عماليق من حويلة، حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر. ~~(صموئيل أول، 15: 1-7) # وإذا كان الكتاب المقدس قد وصف العمالقة، بأنهم جبابرة طوال القامة، فإنه هو نفسه يصف ~~السبئيين بقوله: «السبئيون ذوو القامة» (إشعيا، 45: 14)، كما أن قاموس الكتاب المقدس ~~يقول لنا تحت مادة سبئيون: «أهل سبأ وهم المذكورون في سفر (أيوب، 1: 5) وهم شعب طويل ~~القامة، وكانوا يغيرون على البلاد، ويسلبون ساكنيها كما فعلوا مع أيوب، وهم يتنقلون من ~~بلد إلى بلد (أيوب، 6: 19)، وكانوا يتاجرون في ~~العبيد (يوئيل، 3: 8). ويعتقد دلمان أنهم فرع من ~~الكوشيين، وكانوا أهل حضارة، ويشتغلون بالتجارة، فتاجروا في الذهب والعطور، ولم تقتصر ~~تجارتهم على حاصلاتهم المحلية، بل امتدت إلى حاصلات الهند والحبشة، وانتشر أهل سبأ في ~~الأراضي، حتى وصلوا إلى شمال غربي بلاد العرب، ووصلوا إلى شمال الصحراء مع النبطيين، ~~كما امتزجوا بالقبائل الأخرى عن طريق الزواج والارتباطات السياسية، وكان من تأثير ذلك ~~أن اختلطت سلاسل أنسابهم». ويضيف تحت مادة «شبا» أنهم كانوا مشهورين بأنهم تجار ذهب ~~وتوابل وأحجار كريمة، وهم أيضا تجار رقيق (يوئيل، 3: 8)، ورغم أن الكتاب المقدس لم يقل ~~أبدا بمملكة سبئية شمالية جوار فلسطين، فإن قاموس الكتاب المقدس قد لاحظ أن السبئيين ~~كانوا «حراس صحراء» (أيوب، 1: 15 و6: 19)، وأيوب كان يعيش جنوبي فلسطين في النقب، على ~~حدود بلاد آدوم، مما يعني أن السبئيين كانوا في ذات الجوار. # وفي الحديث النبوي أن رسول الله محمد # صلى الله عليه وسلم # قد سأل عن سبأ، فأجابه رجل من نسابة ~~العرب بقوله إنه كان رجلا «أولد عشرا، تيامن منهم ستة (أي سكنوا اليمن [المؤلف])، هم ~~حمير وكندة وهمدان ومذحج والأشاعر وأنمار، وتشاءم منهم أربعة (أي سكنوا الشام ~~[المؤلف])، هم ms342 جذام ولخم وعاملة والأزد.» # 29 # وهنا لا تفوت العين المدققة أن النبي موسى كان قد تزوج «صفورة» بنت الكاهن المدياني ~~«يثرون» أو «رعوئيل»، ولا نعلم عنها أكثر من ذلك، حتى يفاجئنا الكتاب المقدس، دون أي ~~تفسير، أن تلك الزوجة كانت سوداء زنجية «كوشية»، وهو ما يعني أن المديانيين كانوا جنسا ~~أسود، وهو ما تفيدنا به قصة الخلاف بين الأشقاء هارون ومريم في جانب، وموسى في جانب ~~آخر: # وتكلمت مريم وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية التي اتخذها؛ لأنه كان قد ~~اتخذ امرأة كوشية. ~~(عدد، 12: 1) # ويبقى السؤال: هل عرفت نصوص مصر سكانا قطنوا شرقي سيناء باسم سبأ؟ الحقيقة أننا لم ~~نعثر على ذلك الاسم دالا على شعب ما، لكنا وجدنا الاسم بذات الرسم مكتوبا «س ب ء» ~~، فتقول ~~نصوص الأهرام: «إن الأفعى في السماء «س ب ء»، «ح و ر» على الأرض»، # 30 # فماذا تعني «سبأحور»؟ # يمكن الاستنتاج أن سبأحور إشارة إلى «سبأ»، التي عاشت في وادي حور في بلاد آدوم ~~الحورية، على أن النص هنا يتحدث عن ثعبان باسم «سبأ»، يعبد في عين شمس كتعويذة ضمن ~~الحيوانات الضارة وأعداء الأرباب، وألحقت عبادته بمقابر الموتى، واعتبر أحد تجليات ~~أوزيريس إله الموتى، وهو عين الأمر الذي يحيطنا به علما «بدج» في معجمه؛ حيث يقول إن ~~«س. ب # SP ~~»، تعني دودة كما تعني أفعى، و«س ب ء» ~~الإله الأفعى رئيس الأرواح السبعة، التي تحرس أوزيريس، و«س ب ء - و ر» اسم الإله و«س ب ~~ء - ح ر» معبود قبيح الوجه، ويمكن أن نلمس في الاسم «س ب ء - و ر» تشابها يكاد يصل حد ~~التطابق مع اسم زوجة موسى المديانية «صفورة». # س ب ء # و ر # س ف # و ر ه # وإذا رجعنا إلى العربية وجدناه في صيغة «سف»، وإن كان لسان العرب قد خصصها في مادة ~~سفف بنوع من الحيات في قوله: ~~«السف حية تطير في الهواء»، وأنشد الليث: # وحتى لو ان السف ذا الريش عضني # لما ضرني من فيه ناب ولا ms343 ثعر # و«الثعر» هو السم، أما «صفورة» زوجة موسى؛ فقد كتبتها اللغة العربية «صفية»، التي يجب ~~أن تقارن مع «سف»، والغريب في بابه أن هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد أثناء حديثه ~~عن بلاد العرب وبخورها العطري، يقول في الكتاب الثالث فقرة (107-113): «وهم لكي يجمعوا ~~اللبان يحرقون تحت أشجاره نوعا من الصمغ، يدعى ستيراكس # Styrax # أي الميعة؛ لكي يطردوا أسرابا كثيرة من الحيات الطائرة ~~المختلفة الأنواع، التي تحرس أشجار اللبان، فتتجه تلك الحيات بمجموعها شطر مصر.» # 31 # وفي تاريخ هيرودوت يسجل عن زيارته لشرقي دلتا مصر على الحدود السينائية، أن هناك تبدأ ~~بلاد العرب، ثم يردف: «ويوجد في بلاد العرب مكان يقع تقريبا تجاه مدينة بوطو، وقد ذهبت ~~إلى هذا المكان في أثناء بحثي عن الحيات ذات الأجنحة، ولما وصلت رأيت كميات تفوق الوصف ~~من عظام الحيات ومن أعمدتها الفقرية.» ثم يشرح لنا شكل ذلك المكان بقوله: «وهو عبارة عن ~~ممر ضيق بين الجبال، ينتهي بسهل فسيح، ذلك السهل يتاخم حدود مصر، ويقال إن الحيات ~~ذات الأجنحة تطير عند بدء الربيع من بلاد العرب إلى مصر، وأن أبا منجل يتصدى للقائها ~~عند مدخل هذا الممر، ولا يسمح لها بدخول مصر، بل يهلكها ... أما الحيات ذات الأجنحة؛ ~~فتشبه في شكلها حيات الماء، أجنحتها بغير ريش، تشبه على وجه التقريب أجنحة الخفافيش.» # 32 # لقد كانت الحية المعروفة باسم «سفا» أو «سبأ»، ~~أحد أنواع الحيات الطائرة، وهو النوع الذي يطير كالسهم ليرشق بجسد فريسته، ويفلطح جلد ~~بطنه ليتحول إلى ما يشبه الأجنحة التي تساعد على الطيران. وكان محل تواجدها بلاد العرب ~~عند واد ضيق بين جبال، يفضي إلى واد فسيح، وأن في هذا المكان مدينة تدعى «بوطو»، التي ~~عرفناها في الجزء الأول من هذا العمل مدينة «بو تو» أو «بي توم» أو «فيثوم» شرقي الدلتا ~~المصرية. # ثم نتابع هيرودوت؛ إذ يقول: إنه كان هناك طائر من نوع أبي منجل، يتصدى للحيات الطائرة ~~السبئية على حدود مصر، ليمنعها من الدخول، وأبو منجل طائر يقع ms344 ضمن فصيلة طيور، سبق ~~وعرفناها باسم طائر الفينيق، أو الطائر البوني أو البونتي. # ويسوق لنا «بلوتارك» معلومة، كانت تتواتر عند شعوب زمانه وما قبل زمانه، عن طائر عدو ~~للحيات القاتلة، وأنه قد تم تقديسه لهذا السبب تحديدا، في أكثر من موطن وفي أكثر من ~~بلد، يقول بلوتارك: «إن الطائر أبو منجل هو الذي يقضي على الزواحف الخطيرة.» # 33 # لهذا «يكرم أهل تساليا اللقلق؛ لأن هذا الطائر يظهر عندما تخرج الأرض من ~~جوفها أسرابا من الثعابين، فيبيدها عن بكرة أبيها، ومن أجل ذلك سنوا قانونا يحكم على ~~كل من يقتل لقلقا بالنفي من البلاد.» بينما سبق المصريون إلى سن قانون بقتل من يقتل ~~طائر أبي قردان «بنو». # 34 # وتأكيدا لرأينا في العلاقة الوطيدة الرابطة بين موطن طائر الفونيكس وبين البونتيين/ ~~الفينيقيين/الكنعانيين/شرقي مصر، نقرأ عند «عبد المنعم عبد الحليم» قوله عن نفسه أنه قد ~~«بدأ بدراسة النشاط البونتي وعلاقته بمصر، وناقش الآراء التي تربط الفينيقيين ~~والبونتيين، وتنسبهما إلى مناطق البحر الأحمر، وأنه درس الأسماء المصرية والإغريقية ~~للبونتيين والفينيقيين واشتقاقاتها ومعانيها، وخاصة المعاني المختلفة للاسم الإغريقي Phoenix # والاسم المصري «بنو»، والمسميات الأخرى ~~التي تشير إلى اللون الأحمر، أو تشير إلى المناطق الصحراوية، وقد لاحظ الباحث (أي عبد ~~المنعم بعد الحليم) أن الاسم «بنو»، وهو الاسم المصري للطائر الخرافي المسمى في ~~الإغريقية Phoenix ~~، يطلق على المقاطعات المصرية الواقعة ~~شرقي النيل، التي تنتهي عندها الطرق الصحراوية القادمة من البحر الأحمر والصحراء ~~الشرقية، وبمقارنة هذا الاسم بالكلمة المصرية «وبن» بمعنى يشرق، رجح الباحث (أي عبد ~~المنعم عبد الحليم) أن المصريين ربما أطلقوا الاسم «بنو»، أو اسما مشتقا منه، على ~~الجماعات التي كانت تفد إلى مصر من المناطق الشرقية ومنهم البونتيين، وأنهم ربما أطلقوا ~~هذا الاسم على سائر المناطق الواقعة إلى الشرق من مصر ومن بينها بلاد العرب، وأن هذا ~~الاسم قد تحول في العصر البطلمي إلى كلمة تعني «رجلا من بلاد البخور»، وأن هذه ~~التسمية ربما كانت الأصل في الرواية، التي رددها هيرودوت بشأن العلاقة بين ms345 طائر الفنكس، ~~وهو طائر البنو في المصرية، وبين بلاد العرب.» # 35 # ولكن لأن «عبد المنعم عبد الحليم» من أنصار ~~النظرية التي تضع بونت على الساحل الصومالي، فإنه أبدا لم ينتبه إلى كل الشواهد ~~المتراكمة المتزاحمة، التي أوردها بقلمه في هذا النص الصغير، والتي لو دقق النظر فيها ~~لذهبت به إلى اكتشاف بلاد بونت في بلاد العرب في وادي عربة. وحيث كان اصطلاح العرب ~~آنذاك قاصرا على وادي عربة وسيناء وبعض شمالي الجزيرة الحالية فقط. المهم أنه يتابع ~~فيقول: «وبالنسبة للتشابه الملفت للنظر بين نشاط البونتيين ونشاط الفينيقيين في البحر ~~الأحمر، والآراء التي تعتبر الفينيقيين أحفادا أو حلفاء للبونتيين، وكذلك الروايات ~~الكلاسيكية التي تنسب الفينيقيين إلى البحر الأريتري، الذي كان يشمل البحر الأحمر مثل ~~رواية هيرودوت، فإن الباحث (أي: عبد المنعم عبد الحليم) يرى أن الشواهد الكثيرة ترجح ~~ذلك، لكن نتيجة عدم وجود أدلة حاسمة حتى الآن على هذه الصلة، فإنه من الممكن افتراض أن ~~الفينيقيين بوصفهم إحدى الجماعات التي خرجت مع الهجرة الكنعانية من شبه الجزيرة ~~العربية، عندما لاحظوا أوجها كثيرة للتشابه بينهم وبين البونتيين، الذين يرجعون في ~~أصولهم البعيدة إلى الجزيرة العربية أيضا، فربما دفعتهم حاستهم التجارية إلى الاستفادة ~~من ذلك التشابه، فنسبوا أنفسهم إلى البحر الأريتري كما جاء في رواية هيرودوت، حتى ~~يكتسبوا حقوقا في استغلال تجارته الرائجة إزاء الشعوب الأخرى، التي كانت تنافسهم في ~~هذا الاستغلال.» # 36 # وهكذا، وبسبيل تمسكه برأيه، يلقي عبد الحليم في المهملات كل ما لاحظه من تشابه بين ~~البونتي والفينيقي، ويضع تخريجا لطيفا سريعا على عادة مؤرخينا، يقول إن الفينيقيين ~~أرادوا الشهرة التجارية، فنسبوا أنفسهم إلى التجار القدماء المشهورين بالبونتيين؟ هكذا ~~بكل بساطة؟! هذا بينما نرى نحن بعد كل ما قدمنا، ومع كل المقبل في بحثنا هذا، أن ~~الفينيقيين الذين ظهروا متأخرين على الساحل السوري اللبناني، هم أحفاد البونتيين الذين ~~سكنوا وادي عربة، وكانوا ضمن الهكسوس الذين شتتهم ملوك التحرير المصريون، وذهبت بطون ~~أخرى جنوبا مثل سبأ، وأنهم أبدا لم يظهروا على الساحل ms346 السوري، إلا بعد طرد الهكسوس من ~~مصر، وما أجراه ملوك التحرير من عمليات قمع منظم على بلاد التجار في وادي عربة، وأدى ~~إلى تفكك وضح للأحلاف أو «الأخلامو»، فذهب بعضهم جنوبا نحو اليمن، وبضعهم شمالا نحو ~~الساحل السوري. # ونعود للكاتب التوراتي، وطيد الصلة بالمنطقة الآدومية السينائية، لنجده يحدثنا عن ~~ذكريات شعوب المنطقة القديمة، حول الكثير من دواب سيناء والنقب وآدوم فيقول: # وحي من جهة بهائم الجنوب: # في أرض شديدة وضيقة، منها اللبؤة والأسد، الأفعى والثعبان السام الطيار، ~~يحملون على أكتاف الحمير ثروتهم، وعلى أسنمة الجمال كنوزهم، إلى شعب لا ينفع، ~~فإن مصر تعين باطلا وعبثا؛ لذلك دعوتها رهب الجلوس. ~~(إشعيا، 30: 6، 7) # لقد كانت تلك الأحداث تجري في بلاد آدم وبلاد الحيات، التي عرفها المصري القديم باسم ~~حيات سبأ، حيث تقع البلاد التي حددناها باعتبارها تلك التي عرفها المصريون باسم بونت، ~~أرض الإله والعطور والبخور والتين والمواد العلاجية، وكان محررو التوراة يعلمون بصلة ~~قوية بين تلك البلاد ومصر، وأن مصر تعينهم وتساعدهم، فهل يا ترى قد عرف العرب بلادهم ~~القديمة آدوم باسم: بونت؟ على اختلاف نطقها؟ فهي تنطق عند جاردنر عن الهيروغليفية ~~«بويني» وعند إرمان «بونة»؟ مثلا. # يقول ابن منظور في لسان العرب تحت مادة بون: # البون موضع. قال الجوهري: ألبان ضرب من الشجر، واحدتها بانة، وشعب بوان من ~~أطيب بقاع الأرض وأحسن أماكنها، وإياه عنى أبو الطيب المتنبي بقوله: # يقول بشعب بوان حصاني # أعن هذا يسار إلى الطعان؟ # أبوكم آدم سن المعاصي # وعلمكم مفارقة الجنان # والبونة هي البنت الصغيرة. # وشجر البان اسمه باللاتينية # Tamarisk Orientals # أي ~~الطرفاء الشرقية، ويؤخذ من حبه دهن طيب الرائحة، ومن أسمائه العربية البر واليسار ~~والشوع والسياع. # 37 # ويقول لسان العرب تحت مادة «بين»، ومادة «لبن»: # غراب البين هو الأحمر المنقار والرجلين، والبائن: المفرط طولا، الذي بعد عن ~~قد الرجال الطوال، ونخلة بائنة: فاتت كبائسها الكوافير، وامتدت عراجينها ~~وطالت. قال الجوهري: أبين اسم رجل ينسب إليه عدن، يقال: رجل أبين، والبان شجر ~~يسمو ويطول في استواء، مثل ms347 نبات الأثل، وورقه أيضا هدب كهدب الأثل، وليس لخشبه ~~صلابة، شديد الخضرة، وينبت في الهضب، وثمرته تشبه قرون اللوبياء؛ إلا أن خضرتها ~~شديدة، ولها حب، ومن ذلك الحب يستخرج دهن اللبان، وفي التهذيب: البانة شجرة لها ~~ثمرة تربرب بأفاوية الطيب، ثم يعتصر دهنها طيبا، وجمعها ألبان، ولاستواء نبتها ~~ونبات أفنانها بها وطولها ونعمتها، شبه الشعراء الجارية الناعمة ذات الشطاط ~~بها، فقيل كأنها بانة، وكأنها غصن بان، ولبيني اسم ابنة إبليس، واسم ابنة ~~لقيس. # وهكذا احتفظ اللسان العربي بأصل كلمة «لبان»، منسوبة إلى بوان أو بونت، تلك الشجرة ~~العملاقة ذات الأهداب التي لا تنبت إلا في الهضاب؛ ولأن «اللبان» هو ذات عين «المر»، ~~نجد لسان العرب يقول تحت مادة «مرر»: # المرمر هو الرخام، وأبو مرة كنية إبليس. قال المدائني: بلغنا أن أول من كتب ~~بالعربية مرامر بن مروة من أهل الحيرة. وقال سمرة بن جندب: نظرت في كتاب ~~العربية فإذا هو قد مر بالأنبار، قبل أن يمر بالحيرة، ويقال: سئل المهاجرون: من ~~أين تعلمتم الخط، فقالوا: من الحيرة. # والحيرة - كما هو معلوم - هي الإمارة التي قامت قبل الإسلام إلى الشرق من ذلك المكان، ~~الذي قامت فيه من قبل دولة الأنباط في بلاد بونت، ونحن نعلم وكما سيأتي بيانه، أن اللغة ~~العربية والخط العربي قد تطورا أصلا عن الخط النبطي، وهو ما يتفق مع ذكريات اللسان ~~العربي عن «مرامر»، الذي من الحيرة أول من كتب. ولا يفوتنا أنه من بلاد المر أو اللبان ~~يأتي اسم الحجر الجميل المعروف بالرخام، لكن تحت اسم المرمر، منسوبا إلى بلاد المر، ~~بلاد شجر اللبان الضخم الكثيف، بلاد الأيك، التي يشرح لسان العرب بشأنها، فيقول تحت ~~مادة «أيك»: # الأيكة: الشجر الكثيف الملتف. وقيل: الأيكة جماعة الآراك، على أن الأصل: ~~الأيكة، فألقيت الهمزة فقيل اليكة، ثم حذفت الألف، فقيل: ليكه. قال الجوهري: ~~من قرأ: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، فهي الغيضة، ومن قرأ ليكه؛ فهي اسم ~~القرية. # وفي العبرية مجموعة الأشجار هي أيلون # Ailon ~~، وعادة ~~ما تخص البلوط، ومن ms348 البلوط تستخرج مواد عطرية علاجية، أهمها زيت التربنتين، وهو أحد ~~أشهر العلاجات القديمة. ومعلوم أن البلوط كان أهم أشجار منطقة النقب في محيط آدوم، ~~ويقول علي الشوك بصدد تلك الأشجار (إيلون): «وإيلون اسم مدينة فلسطينية قديما، واسم ~~رجل أيضا، وهناك مدينة إيلات على خليج العقبة الشرقي، وهي مدينة آدومية، يعتقد أن ~~اسمها مشتق من أيلون وتعني: أشجار، أيكة، وقد سماها بطلميوس إيلانا، كما سماها يوسفيوس ~~المؤرخ اليهودي إيلانه، واسمها عند العرب آيلة.» # 38 # فهلا يثبت لنا ذلك أن الموضع الذي اخترناه، كان يغص بغابات من أنواع مواد ~~التبخير لبانا وبلسانا ومرا، إضافة إلى أشجار التين/البيرسيا؟ # ومع الزمن الطويل الذي قضيناه في بحثنا، كنا نعثر طوال الوقت على علامات مضيئة ~~وكاشفة، مثل تلك التي وردت في العقائد الأوغاريتية (رأس شمرا قرب اللاذقية) عن اعتقاد ~~في إلهة عظمى مبجلة هي الشجرة العالمية المقدسة، بيد أن الباحث «شيفمان» يعتبر عقيدة ~~الشجرة العالمية أصلا لجميع العبادات، التي انتشرت في حوض المتوسط الشرقي، وكانت تقام ~~لها طقوس عبادة عند الأشجار، التي تنبت على الجبال العالية، وسميت مقار تلك العبادة ~~«المرتفعات» و«العليات» المقدسة، # 39 # وقد مارس الإسرائيليون هذه العبادة، وأشار إليها الكتاب المقدس مئات ~~المرات، كما لا تفوتنا المتكررات الدائمة في بلاد الرافدين، التي تشير إلى شجرة عالمية ~~مقدسة، وهو ذات الاعتقاد الذي نجده في عقائد مصر القديمة. # هنا لا بد من تلامس سريع مع موسى وربه (نار العليقة)، وقديما لاحظ الفيلسوف ~~اليوناني «أرسطو»، أن بعض جذوع النبات تصدر ضوءا، # 40 # أما شجر المانجروف وشجر اللبان، فكان كثيرا ما يجذب مخلوقات متألقة تعرف ~~باسم # Luminescen ~~، أشهرها الخنافس/الحباحب المعروفة باسم # fireflies # أي الفراشات النارية، وعلى التخصيص ~~إناثها المعروفة باسم Photoris # أي الوهاجة، ومثل تلك ~~الكائنات المضيئة المتعددة، نشأ بخصوصها علم خاص باسم علم # Luminosity # أي علم السطوع، بينما الظاهرة نفسها ~~أصبحت معروفة تماما لعلماء الطبيعة تحت اسم «ظاهرة ~~التألق الحيوي # Bioluminescence ~~»، وتحيط إناث الخنافس أو الأيك بهالة ضوئية، هي إشارات ~~لجذب الذكور إلى الشجرة. # ويشرح البروفيسور «جون ms349 بوك»، من المعهد الأمريكي القومي للصحة، ميكانيزم الضوء الحيوي ~~الذي تصدره مثل تلك الكائنات، بأن الجزيء يندفع إلى مستوى طاقة أعلى، وغير مستقرة في ~~آن واحد، وعندما يعود إلى وضعه الطبيعي يصدر فوتونا أي جسيما ضوئيا، وأن ذلك يحدث ~~بوسائل كيميائية وفيزيائية معقدة، ليس هنا مجال تفصيلها لشدة تخصصها. وقد أطلق العلماء ~~على الجزيء الكيميائي الذي يقوم بهذا الدور اسم # Luciferin # أي حامل الضوء، وعندما يتحد اللوسفرين مع ~~الأوكسجين، بوجود إنزيم يعرف باسم لوسيفريز # Luciferase # وجزيئات أخرى تختلف تبعا للنوع المشمول، ينتج عن الاتحاد ~~جزئ يحمل طاقة أعلى تكفي لإصدار الضوء. # 41 # وهنا نقف دهشين من قدرة اللغة على حمل كل هذه المعاني، وكل تلك الذكريات القديمة؛ لأن ~~لوسيفر # Lucifer # حامل الضياء، كان لقب الملاك الذي ~~عصى الله، وكان يسمى لوسيفر لقربه من الله، إلى الحد الذي كان يعكس ضياء الله على وجهه، ~~وهو الذي تحول بعد الغضب الإلهي عليه لعصيانه، إلى شيطان باسم إبليس. # 42 # وهنا لا بد أن تتداعى مضامين لسان العرب، وهو يتحدث عن أيك اللبان أو المر، إذ يقول: ~~«ولبيني اسم ابنة إبليس»، ثم يقول عن اللبان باسم المر: «وأبو مرة هو كنية إبليس»، أما ~~الحباحب الضوئية فكانت تحيل أيكة اللبان إلى شجرة مضيئة متوجهة، كما لو كانت تشتعل، ~~ولو لم تمسسها نار، وهو الأمر الذي كان كفيلا لدى إنسان تلك العصور الخوالي، بإحاطتها ~~بالأساطير والتبجيل والعبادة، ناهيك عن كون عصارتها تستخدم في أجل الشئون، فكانت تحرق ~~ليتصاعد دخانها العطري إلى أنوف الآلهة، فقد كانت بخور المعابد وهياكل الآلهة. ولم يزل ~~تبخيرها حتى اليوم يطرد الأرواح الشريرة، ويفتح أبواب الرزق في المعتقدات الشعبية، أما ~~الأهم فهو أنها كانت المادة العلاجية الطبية الأولى في ذلك الزمان، وعندما نربط بين شجر ~~اللبان «الأيك» وبين الحيات التي تعيش في غياضه ، تلوح فورا صورة الكيمياء العلاجية ~~«الصيدلة»، ورمزها الذي يتمثل في حية تلتف حول كأس الدواء. # أما الخنفساء السوداء الأنثى المضيئة، فتعرف باسم «الملكة السوداء» لأنها تفعل فعل ~~أنثى العنكبوت، ms350 فتبدأ في التهام الذكر وهو منهمك في تلقيحها، ثم تأتي عليه بعد أن ينهي ~~مهمته، وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه. # ويبدو أن تلك البلاد الآدومية التي تموج وتزخر بثراء هائل للشعوب والسلع كانت مصدرا ~~لأشياء مضيئة متنوعة، وربما كان ذلك هو السر وراء الانبهار بها وتقديسها كأرض للآلهة، ~~ناهيك عن جمال طبيعتها المبهر، ويضيء ذلك أمامنا نصا في تقرير بعثة حتشبسوت إلى بلاد ~~بونت، كان مستعصيا على الفهم تماما، وهو النص الذي يقول: إن حتشبسوت قد استوردت من ~~هناك مادة اسمها «السام»، وأن تلك المادة تضيء بنفسها كما لو كانت نوعا من الفوسفور، ~~وأن الملكة قد دهنت أو رصعت جسدها جميعه بتلك المادة، فأضاءت، والنص هو: # وكانت جلالتها تعمل بيديها، فوضعت أحسن العطور على أعضائها، حتى إن عبيرها ~~كان كالأنفاس القدسية، وانتشر شذاها حتى اختلط بشذى أرض بونت، وكان جسمها ~~مرصعا بالسام، يسطع كالنجوم في قبة السماء، على مرأى من كل الأرض. # 43 # ويتكرر ذكر مادة «السام» في متون مصرية أخرى كما في النص «وأن كل الأواني التي أعدت ~~لها، كانت من السام والذهب وكل حجر ثمين»، # 44 # ولم يلتفت سادتنا المؤرخون إلى نص آخر، يأتي بمادة السام من بلاد سوريا، ~~وليس من بلاد الصومال (والمقصود بسوريا كل الشرق السامي بدءا من سيناء)، وهو الذي يعدد ~~أشكال الجزية القادمة من سوريا، وأهمها مادة «السام». # 45 # أما شعر المتنبي الذي أورده لسان العرب، فيبدو لنا أنه كان يدور حول بلاد بونت في ~~مغرب أيامها، فالأبيات تقول: # يقول: بشعب «بوان» حصاني # أعن هذا يسار إلى الطعان # أبوكم آدم سن «المعاصي» # وعلمكم «مفارقة الجنان» # فالرجل هنا يستحضر ذكريات قوم أصحاب خيول، عاشوا ~~في مضيق أو شعب باسم «بوان»، ارتكبوا المعصية، فكتب عليهم مفارقة بلادهم التي كانت ~~جنات، وهي عين الذكريات التي تجد صداها في القرآن الكريم بعد ذلك، حيث يقول واضحا ~~فصيحا بليغا، مسجلا تلك الذكريات الخوالي، التي تلتقي التقاء مدهشا، وتنضبط مع ما ~~قدمناه في عملنا هذا: # لقد كان لسبإ في ms351 مسكنهم آية جنتان ~~عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له ~~بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم ~~بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء ~~من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا ~~وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا ~~بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ~~وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما ~~آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ~~وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم ~~كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ~~(سبأ: ~~15-20). # ولا شك أن السؤال الذي بات يلح الآن: أي إله تقصد النصوص المصرية القديمة، عندما كانت ~~تصف بلاد بونت بأنها أرض الإله؟ ولماذا لم تسم تلك النصوص ذلك الإله باسمه الواضح؟ ~~وما علاقته بالشيطان إبليس ذلك المتكرر دوما والمصاحب دوما لبلاد الأيك؟ # إذا كانت فروضنا حتى الآن صحيحة، وإذا كانت بلاد بونت هي بلاد آدوم، الواقعة شرقي مصر ~~على امتداد الحد الشرقي لسيناء ما بين البحر الميت شمالا وخليج العقبة جنوبا، حيث ~~البوادي والجبال الشاهقة، والصخور الملونة، وأشجار الأيك المضيئة، والثعابين الطائرة، ~~وطائر الفينيق. فعلينا إذن العودة إلى نصوص مصر القديمة، نستنطقها سر إله اعتقد فيه ~~المصريون القدماء، وكان على علاقة بشرقي مصر وبالصحارى، وبالجبال وباللون الأحمر رمز ~~الشر المستطير. ~~(لوحات من البتراء كشواهد وأدلة على نظريتنا، وأشكال أخرى داعمة لنا.) ~~(انظر الأشكال رقم «86-96».) # شكل رقم «86»: دير كاترين (صورة من الفضاء). # شكل رقم «87»: أحجار بلاد بونت أو بلاد آدوم، من البتراء، توضح ~~قيمتها وندرتها وبهاءها اللوني، وتستحق التصنيف إلى حجر أوكنو وحجر ~~ساندو وحجر خلالو وحجر مشجر وحجر أوراس ... إلخ. # شكل رقم «88»: التداخلات اللونية من كل لون في أحجار آدوم. # شكل رقم «89»: هكذا أحجار البتراء. # شكل رقم «90»: من كل ألوان الطيف (أحجار بلاد الكهوف). # شكل رقم «91»: بين كل هذا البهاء سكن الآدوميون. # شكل رقم «92»: الكهوف بكل الألوان. # شكل رقم «93»: التصور المصري للحيات الطائرة. # شكل رقم «94»: صمغ/بخور البطم في وادي عربة. # شكل ms352 رقم «95»: الشجرة الإلهية المقدسة في مصر القديمة، وهي كما هو ~~واضح شجرة تين. # شكل رقم «96»: الربة الشجرة مرسومة على عمود في غرفة الدفن بمقبرة ~~تحتمس الثالث، وهي تقدم ثديها للملك المتوفى، ونقرأ العلامة ~~الهيروغليفية من خبر رع اسم العرش لتحتمس الثالث. # شكل رقم «97»: وديان سيناء. # شكل رقم «98»: وادي فيران، من وديان سيناء. # شكل رقم «99»: تمثال عثر عليه في المعبد اللحياني، العلا. # شكل رقم «100»: تمثال للمقارنة، الكاهن الأعلى الأسرة الخامسة، مصر ~~القديمة. # شكل رقم «101»: شجر البان (البلسم) لم تزل حتى الآن على شاطئ البحر ~~الميت. # شكل رقم «102»: ثمرة شجر البان تشبه قرون اللوبيا، ولها حب يستخرج ~~منه دهن اللبان، ويعتق دهنها طيبا، من وادي موسى. # شكل رقم «103»: عصارة شجر البلسم للعلاج والتبخير، من وادي ~~عربة. # شكل رقم «104»: صمغ/بخور البطم في وادي عربة. # الفصل الثالث # | الرب الأحمر # نحن نبحث إذن عن إله بلاد بونت الذي قدسه المصريون، وحتى نصل إلى ذلك لا بد من هذا ~~السرد الذي سيلقي بنا في النهاية بحرم ذلك الإله. # في مصر القديمة أسطورة من أشهر وأهم الأساطير العالمية في التاريخ الديني، هي تلك ~~المعروفة بأسطورة «أوزير/أوزيريس» رب الزرع والخضرة والخصب والنماء والخير والضياء، ~~الذي يمثل أرض النيل الخصيبة، ويرمز للخير في الأسطورة، وحتى يتم تفسير دورة فصلي الخصب ~~والجدب، الصيف والشتاء، قالت الأسطورة: إنه كان لأوزير أخ شرير اسمه «سيت»، وإن هذا ~~الشرير كان يغار من حب الناس لأخيه الطيب، حتى دفعه شره إلى مؤامرة انتهت بقتل «أوزير»، ~~وتمزيق جسده قطعا دفنت في مواطن متفرقة من أرض مصر، لكن لتعلن الأسطورة من بعد عن ~~قيامة الحياة الخصيبة من الأرض بعد انتهاء فصل الجدب، ذلك الفصل الذي حدث بموت أوزير رب ~~الزرع على يد أخيه الشرير، رمز الشر والموت والفقر والجوع والصحراء. # ومن هنا كان موت رب الخير موتا مؤقتا؛ لأن الخير وإن تراجع أو اختفى فهو قائم كائن ~~عائد؛ لأنه مثلما تدفن الحبوب في أرض موات، فإنها تعود إلى الحياة بالقيام من الموت في ~~حياة جديدة زاهية ms353 خضراء، كذلك الشهيد «أوزير» قام من بين الأموات جسدا حيا في ~~قيامة مجيدة، بعد موته بأيام ثلاثة، مما استدعى في مصر عيدا سنويا كرنفاليا ~~احتفالا بتلك العودة، وهو العيد الذي ترسمت خطاه طقوسا من بعد العقيدة المسيحية في ~~احتفالها الكرنفالي بعيد القيامة المجيد. # ومن ثم كان احتفال المصريين بقيامة أوزير فرحا رسميا وشعبيا، يعبر عن الإيمان ~~بعودة الخير رغم الشرور، والقيامة من الموت رغم أنف رب الموت الشرير سيت، فتعم الفرحة ~~البلاد يوم المنقلب الربيعي للشمس، إيذانا بعودة الحياة الخضراء إلى الأرض، ومن هنا ~~جاء اعتقاد المصريين أنهم من الموت سيقومون كما قام «أوزير»، وأنهم من بعد الموت لن ~~يذهبوا إلى فناء، لكن إلى حياة متجددة تحت الأرض، حيث يعيشون هناك تحت رعاية رب الخير ~~«أوزير». # ومن هنا أمسى الإله «سيت» رمزا لكل ما هو قبيح سيئ شرير، ورمزا للجدب والفناء ~~والموت، رمزا للصحارى والجفاف، وفي الوقت ذاته فإن سيت هو الإله الوحيد في الأسطورة، ~~الذي يتسم بغموض شديد، فطورا نفهم أنه كان إلها لجنوب مصر «العليا»، قبل اندماج ~~مصر شمالا وجنوبا في دولة مركزية متحدة، وكان المصريون يطلقون على جنوب مصر «ط ء. س ~~ت ي» أي الأرض «ط ء» الستية «س ت ي»، نسبة إلى الإله «سيت»، وطورا آخر نجده إلها ~~للصحارى، وبخاصة الصحراء الشرقية السينائية؛ إذ يبدو هنا ربا للبدو والقفار، وقد تم ~~تعليل ذلك بحسبان الإله «سيت» ربا لكل ما هو قاحل وغير خصيب، وكان جنوب مصر يحوز أقل ~~المساحات الزراعية بالنسبة إلى الشمال المصري، وكانت تلك المساحات لا تقارن بأراضي ~~الوجه البحري والدلتا الخصيبة ولم تزل، نتيجة لضيق وادي النيل جنوبا، واقتراب الهضبتين ~~الصحراويتين الشرقية والغربية من بعضهما، إلى الحد الذي لا يسمح بزراعة سوى شريط ضيق ~~على ضفتي النهر، ولا يسمح بأي توسع زراعي كما في الشمال . # ويقول المصرلوجست «ياروسلاف»: «أما الرمز الحيواني للمعبود سيت # Setekh # فكان يمثل حيوانا يشبه الحمار، ويبدو أن المصريين الأوائل حوروا ~~ذلك الرمز من الدولة القديمة على الأقل، إلى ms354 شكل حيواني غريب، أقرب إلى كلب رابض، ~~بعنق طويل وآذان مربعة، ومقدمة وجه طويلة مقوسة وذيل قائم. ولم يكن من المستغرب أن ~~فشلت جهود علماء المصريات في تمييز أصله.» # 1 # ويلخص لنا الباحث «سامي سعيد» أمر الإله «سيت» في قوله: «الإله ستخ أو سيت أو سيثوس، ~~هو أخو الإله أوزيريس والإلهة إيزيس، وطابقه اليونانيون مع الإله اليوناني تيفون، ~~واعتقد المصريون أن الخنزير والحمار وفرس الماء وغزلان المها في الصحراء، هي حيوانات ~~ستخ، وقد صوروه بشكل رشيق فهو بجسم إنسان ورأس كلب سلوقي، وذيل ملتو وأذنين طويلتين، ~~وجعلوا اللون الأحمر خاصا به، وقرنوه بالعاصفة والعنف والشر، وجعلوه قاتل أخيه ~~أوزيريس، والذي انتقم له حورس فأخصى ستخ، واعتقدوا أنه طعن الوحش أبوفيس برمحه؛ لتخليص ~~الشمس من شره، وطابقه الهكسوس في خلال مدة احتلالهم مصر، مع الإله السامي بعل، وكان ~~رمسيس الثاني من أنصاره.» # 2 # أما العالم الكبير «علي فهمي خشيم»؛ فقد أوضح موقف العلماء من سيت في قوله: «إن ~~المصريين القدماء، قد مثلوا سيت بحيوان حارت البرية فيه، وداخ علماء المصريات في رمز ~~سيت الحيواني، فقال جاردنر: هو حيوان لعله نوع من الخنازير، وقال شورتر: هو حيوان غير ~~محقق النوع قد يماثل الكلب بشكل ما، ذو فرطوسة طويلة وأذنين منتصبتين، وقد يشبه ~~الخنزير. واحتار بدج، حتى قال: إنه يشبه الجمل، أو لعله حيوان انقرض لكثرة ما صيد؛ ~~لكونه رمز سيت المكروه، فقضى عليه قضاء مبرما، أما لوركر؛ فعنده أنه كلب أو وعل أو ~~لعله حمار، ثم جعله حيوانا يدعى أرفاك. وجعله مرة أخرى يشبه حيوانا يسمى الأوكابي. ~~فكأن المصريين تخيلوا حيوانا غير موجود أصلا؛ للدلالة على الشيطان.» # 3 # وللمزيد حول الإله «سيت»، نستمع للمصرولوجست «سليم حسن» وهو يقول: «لقد برهن الأستاذ ~~يونكر # JANKER # على أن الإله سيت، كان الإله المحلي ~~لبلدة سيترت # STRT ~~، وهي ستيرويت # SETHROITE # في العهد الإغريقي، الواقعة في الشمال الشرقي من الدلتا، كما ~~يعتقد يونكر، وأن سيت كان هو المعبود المحلي للبقعة، التي أقام فيها الهكسوس تحصينات ~~عاصمتهم العظيمة، ms355 التي اتخذوها بمثابة نقطة الاتصال بين أجزاء دولتهم الضخمة. وهي التي ~~كانت تضم بين جوانبها مصر وفلسطين وسوريا، وأن الهكسوس على ما يظهر كانوا خليطا من ~~أجناس متباينة. ونعلم أن كلا من الإلهين بعل وتشوب قد وحدا بالإله سيت.» # 4 # ويؤكد ذات المعاني «محمد بيومي مهران» وهو يقول: «حين أراد الهكسوس إقامة ديانة رسمية ~~على طراز الديانة المصرية، اختاروا معبودا ذا مظهر غريب، لا يشير إلى أي حيوان موجود، ~~ترجع عبادته في شرقي الدلتا إلى أقدم العصور. وربما بدأت هناك في مكان يقال له سزرت ~~منذ أيام الأسرة الرابعة. أما ترجمة الهكسوس لمنطوق الكلمة ست التي تكتب بالبابلية ~~وكأنما تنطق سوتخ، فكانت من غير شك آسيوية في مظهرها». # 5 # ويضيف هيس تأكيده أن مظهر سيت كان واضحا في جعران هكسوسي على هيئة آسيوية ~~بلا لبس. # 6 # وأدلة ذلك رداؤه ورأسه التي تجعله مشابها للإله بعل السامي، وتشوب ~~الحيثي. # إلا أن المشكلة التي واجهت الجميع لتضيف مزيدا من الغموض على الإله «سيت»، هي أن ~~مقاطعة «سيترويت» المنسوبة إلى سيت أو «الستية»، والتي يعتقد أنها كانت مقر عاصمة زمن ~~الهكسوس، لم يتم التعرف على موقعها حتى تاريخنا هذا. كل ما في الأمر أنها لا بد كانت ~~على الأطراف الشرقية للدلتا، في اتصالها مع الصحراء السينائية. # وفي مؤلف آخر يضيف «سليم حسن»: «وكان سيت في عهد الرعامسة، أو بعبارة أخرى: في عهد ~~الدولة الحديثة، يعتبر إله الحرب والقوة. وقد تبددت بمضي الزمن شهرته السيئة ~~الماضية، وكان كذلك يعتبر إله البلاد الأجنبية؛ ولذلك أوصت الإلهة نيت بأن يزوج من ~~الإلهتين الساميتين: عنات وعشتار، وهما إلهتان آسيويتان. ونرى في آخر الأمر أن رع إله ~~الشمس، رغب في أن يتخذه ابنا، يعيش معه، ويكون إله الرعد في السماء. وفي ذلك ما يشير ~~إلى أن رع قد انحاز إلى جانب سيت في النهاية، حتى بعد أن غلب على أمره؛ لأنه كان عدو ~~أوزيريس، الذي كانت له السيادة والكلمة العليا في ذلك الوقت. وبذلك أصبح سيت يسكن مع ms356 رع ~~في السماء، وتركا العالم السفلي لأوزير، يحكم فيه كيف شاء.» # 7 # ويكون المعنى أن سيت كان إلها لعالم الموت السفلي التحت أرضي، ثم تركه ~~وصعد؛ ليعيش مع الإله الأكبر «رع» في السماء. # شكل رقم «105»: سيث. # وهكذا فنحن هنا مع إله شديد الالتباس، بدأ إلها للموت، ثم صعد إلى السماء تاركا ~~مملكة الموت لأوزيريس، الذي أصبح إلها للحساب من بعد الموت. وبدأت تجليات سيت المصورة ~~في هيئة الحمار، ثم دخلت عليه تعديلات جعلته أشبه بالكلب، لكنه ليس بكلب؛ لأن رسومه ~~التي وصلتنا في النقوش صورته في هيئة حيوانية غير معروفة لدينا الآن، مما أدى إلى ~~حيرة واضحة في تحديد أمره لدى علماء المصريات، فانقسموا حوله شتى. ورآه اليونانيون ~~صورة من إلههم «تيفون» أو «طيفون» الوحش الأسطوري الضخم، الذي حدثنا عنه المؤرخ ~~«بلوتارك» فقال: إن تيفون قد تمرد على كبير آلهة اليونان «زيوس»، ودخل معه في صراع ~~انتهى بأن هزمه زيوس ودفنه تحت جبل أتنا بصقلية. وجاءت الأسطورة بذلك؛ لتفسر سر دمدمات ~~بركان جبل أتنا وانفجاراته، التي لم تكن سوى صوت الإله تيفون الحبيس الغاضب. # 8 # وكان تيفون ربا للرعد والأعاصير والزلازل والكسوف والخسوف، وكل مظاهر ~~الاضطراب في الطبيعة، وكل مسببات الموت والهلاك. # 9 # ونستمر في البحث وراء «سيت»، لنقرأ ما كتبه «عبد المجيد عابدين» شارحا: «إن المصريين ~~قد كرهوا الأرض الحمراء أي الصحراء، واعتبروا سيت رمزا لها، وتصوروا فيه القسوة ~~والغلظة، وأن له صيحات منكرة هي الرعد، وهو الذي يهز الأرض بالزلازل، وتصدر عنه أعمال ~~كريهة حمراء، وله بشرة ذات لون أحمر أمغر.» # ويواصل «عابدين» قائلا: # ولم يقف المصريون عند تصوره كسبب للجدب والفناء والعواصف، بل عدوه حاميا ~~للأعداء ووليا للقبائل الآسيوية. وفي بعض جوانب الأسطورة القديمة نجده خصما ~~للشمس، وممثلا للظلام، وشيطانا بين الآلهة. ثم انتهى الأمر بإخراجه من بين ~~المعبودات المصرية، فبطلت عبادته ومحي اسمه وصورته أنى وجد. ولما وقف ~~الإغريق الأقدمون على قصته ، قرنوه بإله الشر عندهم: تيفون، العدو الخرافي لزيوس. # 10 # ولما كانت صورته الأولى هي ms357 صورة الحمار، فيبدو أن المصريين قد رأوا بينهما صفات ~~مشتركة، كالشهوة وغلظ الحس وفجاجة الصوت وحمرة اللون. وكان اللون الأحمر هو الشائع لهذا ~~الحيوان في بلاد الشرق القديم، وقلما عرف أهلها الحمير السود أو البيض. # ولفظ «حمار» في الساميات، له صلة اشتقاق باللون الأحمر. ويقال في لغة العرب: الجأب: ~~الحمار الغليظ، والجأب أيضا: المغرة أو الطين الأحمر. ومن هنا كره المصريون كل ذوي ~~البشرة الغراء أو الحمراء من الناس، ولم يحبوا الاختلاط بهم. وأفادنا «بلوتارك» أن ~~المصريين كانوا يحاولون تهدئة شره واستدرار عطفه بتقديم الضحايا. وتارة أخرى كانوا ~~يسبونه في احتفالات بعينها، ويضطهدون ذوي البشرة الحمراء، ويدهورون حمارا من قمة جبل، ~~وهو ما كان يفعله أهل قفط. أما أهل بوزيريس ولوكوبوليس فكانوا يحرمون استخدام البوق؛ ~~لأنه يصدر صوتا شبهها بصوت الحمار، ومن ثم اعتقدوا أن الحمار حيوان دنس. أما قرابينه ~~فكانت من العجول المغر، الحمراء في صفرة، بشرط ألا توجد أي شية بها، أي يجب أن تكون ~~مغراء أو صفراء فاقعا لونها تسر الناظرين. # 11 # وقد عثر الأركيولوجست إتيين دريتون على دفنات للحمير المعبودة في مدينة إنشاص. # 12 # وإنشاص كلمة من أصل هيروغليفي هو «عا إن شاسو»؛ أي مكان عبادة الشاسو ~~للحمار، والشاسو هم بدو سيناء. ولم يزل الفلاح المصري حتى اليوم يزجر حماره بنداء ~~يطابق «عا إن شاسو» فهو «حا - شي». و«عا» أو «حا» = «الحمار»، و«شي» من «شاسو» في فعل ~~الأمر «إمشي» أي: إمشي يا حمار. والشاسو في المصرية القديمة هم المشاءون أو الجوابون ~~دوما أو البدو. # وفي اشتقاقات اللسان العربي، نجد الصحراء في أصله لفظا يدل على الصحرة، والصحرة هي ~~الحمرة التي تضرب إلى غبرة. فيقال: رجل أصحر وامرأة صحراء في لونها. والأصحر الذي في ~~رأسه شقرة. وأصحر النبات أخذت فيه حمرة ليست بخالصة، ثم هاج فاصفر. ويقال: حمار أصحر ~~اللون، والصحير هو النهيق هو صوت الحمير. وقد فعلت اللغة العربية فعل المصرية، فقسمت ~~الناس إلى جنسين: الجنس الأحمر والجنس الأسود، واشتقت اسم الصحراء من الصحرة أي اللون ms358 ~~الأشقر. وأطلقت لفظ السواد على الخضرة والعمران. فالسواد جماعة من الشجر والنخل، وفي ~~حديث النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: «بعثت إلى الأحمر والأسود من الناس.» # ويقول العالم الكوفي «ثعلب»: «إن العرب لا تقول رجل أبيض من بياض اللون؛ لأن الأبيض ~~هو الطاهر النقي من العيوب، فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا: أحمر.» وكما ارتبطت ~~الحمرة في المصرية القديمة بالجفاف والفناء، كذلك كانت في العربية، أي إن من أراد الحسن ~~صبر على أشياء يكرهها. وسمي الرجل الذي عقر ناقة صالح، فأهلك الله فعله ثمود: «أحمر ~~ثمود». وضرب المثل بشؤمه فقيل: أشأم من أحمر ثمود. وسجلت الروايات العربية في أساطيرها ~~ما جاء ذكره عند الجاحظ في قوله: ومن لا علم عنده، يروي أن إبليس قد دخل جوف الحمار ~~مرة. وذلك أن نوحا لما دخل السفينة، تمنع الحمار بعسره ونكده، وكان إبليس قد أخذ ~~بذيله. وقال آخرون: بل كان في جوفه. فلما قال نوح للحمار: ادخل يا ملعون، دخل الحمار ~~ودخل إبليس معه؛ إذ كان في جوفه. ومنها ما روي في شرح هذه الأمثال: «أكفر من حمار»، ~~«تركه جوف حمار»، «أخرب من جوف حمار»، «أخلى من جوف حمار».» # 13 # أما الطريف حقا فهو أن صحارى شرقي مصر، تقع جميعها في محيط البحر الأحمر، الذي حمل ~~ذات المعنى في اسمه اليوناني «البحر الأريتري»، نسبة إلى أريتريا. وأريتريا اسم له ~~معنى، فهي الحمراء. أما الشعب الذي سكن جنوبي الجزيرة، على ساحل البحر الأحمر، وأقام ~~هناك حضارات متعددة امتدت شمالا حتى وادي عربة، على تنوع دوله؛ فقد أطلقت عليه ~~الكتابات التأريخية العربية اسما عاما شاملا هو: حضارة حمير. أما أهلها فكانوا ~~الحميريين. # ونعود نسعى وراء أخبار الإله «سيت»، فنجده يكتب مصريا «س. ~~ت # SET ~~»، ثم يكتب زمن الهكسوس مع تصريفه اسميا، فيأتي هكذا: # SETESH # و # SUTEKH ~~، ~~وذلك في وقت أصبح فيه سيدا لجميع الأرباب، بحكم سيادة أتباعه الحكام الهكسوس. # وبعد طرد الهكسوس من مصر، زمن الأسرة الثامنة عشرة المصرية، احتفظ الإله سيت بمكانته. ~~وعندما جاءت ms359 الأسرة التاسعة عشرة، وهي أسرة محاربة، تم تكريس «سيت» كإله من الآلهة ~~الكبرى، بحسبانه إله حرب ودمار. ويبدو أن «سيت» كان في البداية إلها محبوبا ضمن آلهة ~~مصر القديمة، حتى نشب الخلاف بينه وبين «أوزير» في الأسطورة المعروفة. فتحول «سيت» إلى ~~رمز لكل قوى الشر ضد قوى الخير، وإلها للظلام والنار والطوفان والريح الحارق العقيم ~~وللصحارى ولليل المخيف وسيدا لعالم الشرور جميعا، إلها أحمر ملتهبا، ينفث دخانه ~~الناري وينشر الموت في كل مكان. أما الواضح لدينا هو أن كل تلك الصفات قد لحقته بعد غزو ~~الهكسوس لمصر، وتكريسهم للإله «سيت» كإله رسمي لحكومتهم، فاقترن بهم في نظر المصريين، ~~ولحقته كراهيتهم للهكسوس، فأصبح رمزا لكل ما هو شرير وضار. # وقد لاحظ «علي فهمي خشيم» أن تلك الرحلة التطورية التي مر بها الإله «سيت»، تطابق ما ~~وصلنا عن أسطورة الشيطان الذي كان ملاكا ثم صار راعيا للشرور. ويقول: إن ذات الواقعة ~~نجدها في جميع الديانات، وتتحدث عن التحول من النورانية إلى النارية. ولنتذكر هنا لقب ~~إبليس في لسان العرب «أبو مرة»، وأنه يرتبط بشجرة اللبان/المر، لنجد أشهر ألقاب «سيت» ~~في مصر القديمة هو «مر # MR ~~»، وتعني الملعون حسب ترجمة ~~معجم بدج، # 14 # أما مقابلة اليوناني «تيفون»؛ فترجع إليه كلمات مثل # Typhoid # أي الحمى المعوية (التيفود) المحرقة. ولو ~~رجعنا إلى اللسان العربي لوجدنا لطيفون معاني عديدة في مادة «طوف»، أهمها: المرض ~~المهلك، الحمى، الإغراق، الموت. # وفي المصرية القديمة نجد من أسماء «سيت» الاسم «جب». وفي القرآن يتردد اسم غريب ليدلل ~~على الشيطان، وهو ما يرد باسم «الجبت والطاغوت». # وفي القرآن عدد من الآيات تتعلق بالطوف (ولا ننسى طيفون) كما في النماذج: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع ~~(الأعراف: 133). # فطاف عليها طائف من ربك وهم ~~نائمون ~~(القلم: 19). # والآية الأولى تحديدا تحدثنا عن قدرات رب إسرائيل زمن موسى النبي، وتذكر بما قاله ~~سفر الخروج بالكتاب المقدس، حول قرار الرب تأديب المصريين بضربات متلاحقة، فأرسل على ~~مصر الجراد والقمل والضفادع. لكن قصة التوراة لم تقل أبدا ms360 إنه أرسل عليهم الطوفان، لكن ~~في المقابل نجد تفسير الطوفان في تأكيد التوراة أن الرب قد قرر قتل كل بكر من أبكار ~~المصريين ليلة الخروج الإسرائيلي من مصر، بيد ما سمي في التوراة باسم «المهلك». وعلى ~~هذا النحو يلتقي الطوفان كما في الآيات، أو طيفون، مع المهلك التوراتي الذي طاف على ~~أبكار المصريين وهم نائمون. ثم تأتي الآية: # إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~(الأعراف: 201)، ليطلب منا «خشيم» ملاحظة ربط الآية بين «طائف» وبين «الشيطان». و«طائف» ~~تأتي من مادة: طيف، وخيال، وشبح. # 15 # وكما أسلفنا فقد ذهب «بدج» في حديثه عن «سيت»، إلى أنه كان رب الجنوب المصري. والجنوب ~~بالمصرية القديمة هو «س و ت # SUT ~~»، ومنها في رأيه جاء ~~اسم الإله «سيت»، وفي الهيروغليفية تسمى بلاد «الكوشيين» بلاد السوت أو بلاد السود ~~جنوبي مصر عند النوبة: «ط ء. س ت ى # TA-STY ~~» أي أرض ~~الجنوب. ويسمى أهلها «س ت ي و» أي الجنوبيون. وهو ما نراه أصلا لكلمة السود واللون ~~الأسود، والجنوب هو البلاد الحارة، وللحر في اللغة العربية تسميات من الجذر الثنائي ~~«شط» هي: «ست» شاط، شوط، شيط، شياط، شواط، يشوط، تشويطا، شوظ، شواظ. # 16 # وفي القرآن: # يرسل عليكما شواظ من نار ~~ونحاس فلا تنتصران ~~(الرحمن: 35). # وفي معجم فولكنر نجد معاني «س و ت # SWT ~~» المصرية: ~~قوة الريح # Force of Wind ~~. # 17 # وهنا نجد المقابل العربي سوط: # فصب عليهم ~~ربك سوط عذاب ~~(الفجر: 13). وفي ~~آيات أخرى كان سوط العذاب هو ريح عظيم تخرج من تحت الأرض. ومقلوبها سطو وسطوة، وهو ما ~~يفيد السلطان والقوة والملك. أما المدهش فهو أن كلمة «س و ~~ت # SWT ~~» «س ت ت # STT ~~»، فتعني ملك وملكي، ~~وفي السبئية فإن «و ص ت # WST ~~» تعني حرق، وإحراق. أما في ~~المصرية فتتعدد كلمة «س ت» فهي: # س ت ي # STI # أوقد النار، أشعل، ~~شيط. # س ت ى # STY # حدق، برق، نظر بحرارة أو ~~غيظ. # س ت ء # STA # حرارة، شياط، شوظ. # س ms361 ت ء ت # STAT # مصباح، موقد نار، سطح . # 18 # أما كلمة شيطان، فهي في لسان العرب: «الشيطان حية له عرف، والشاطن الخبيث.» وهي من ~~شاط أي احترق. ومنها جاءت عبارة «استشاط غضبا»، ومادة شيط تقلب شوط، منها مشتقات تدور ~~جميعا حول النار والحرق، والهلاك وسفك الدماء والذبح، وأمراض الحمى وغبار الصحارى. ~~وتعود جميعا إلى الجذر الثنائي «شط»، الذي هو ببساطة «شيت أو سيت»، الإله المصري ~~الشرير نصير الهكسوس وربهم المبرز. # ويفصل لنا «خشيم» الأمر فيقول: إن اسم سيت يكتب في الهيروغليفية محددا بصورة إوزة، ~~ويقرأ ذلك الرمز أي الإوزة # ST # و # ZT # و # ZA # وتعني ~~«ابن»، وتدخل تلك الصورة باعتبارها محددا في كلمات مثل «ح ت ~~م # HTM ~~»، وتقابلها في العربية «حطم»، وفي كلمة «س ~~ن ح م # SNHM ~~» أي جراد، وهو ما يؤكد صلتها بمعنى الدمار والهلاك، وحسب التصور ~~العربي فقد خرج إبليس من بيضة. والمدهش أن الخط المصري الهيروغليفي، عندما تطور نحو ~~مزيد من التجريد إلى خط هيراطيقي، اختزل صورة الإوزة في جسدها البيضاوي فقط، دون بقية ~~الأطراف. وهو ما نجده في دلالة المصرية # ZA # التي تعادلها ~~في العربية «زأأ»، وفيها معاني الخوف والغرق، وهي مقلوب «أزز» ومنه الأزيز، الغليان، ~~الالتهاب، الرعد، الهياج. وهي صفات سيت التي تلتقي مع الشيطان في القرآن حيث تقول ~~الآيات: # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم ~~(مريم: 83). # ومن الثنائي «ست» نجد في اللسان الثلاثي «سنت»، مادة دون تحتها: «أسنت فهو مسنت إذا ~~أجدب. ويقال: تسنت فلان كريمة آل فلان إذا تزوجها سنة القحط ... والسنتة والمسنتة: الأرض ~~التي لم يصبها مطر فلم تنبت ... ورجل سنوت: سيئ الخلق». وفي مادة الثلاثي «شأت»: «شأت ~~شئيت استشت وتشتت إذا انتشر ... وقيل يجمع ناسا ليسوا من قبيلة واحدة ... والشت هو ~~المتفرق.» وفي مادة الثلاثي «شرت»: «شرت، الشرنتي طائر.» وفي مادة الثلاثي «شيت»: ~~«الشيتان من الجراد.» وكلها تشمل معاني تشير إلى قبائل متفرقة من أماكن صحراوية مجدبة، ~~قد تعاقدت وتحالفت في مكان واحد، مع معاني الشر والهلاك ms362 في نفس الآن.» # 19 # تحول إذن إله الشر المصري «سيت» عن رمز الحمار إلى رمز تصويري محير، فقيل إنه ربما ~~كان ذئبا أو كلبا، وربما غير موجود الآن، بعدما انقرض لكثرة ما صاده المصريون القدماء ~~كراهية له باعتباره رمزا للشر؛ ولأنهم اعتقدوا أنه كان رب الموت بذاته، وهو بذلك ~~يختلف عن أوزير إله الموتى في العالم الآخر؛ لأن «سيت» بدأ أشبه بما نعرفه اليوم عن ~~ملاك الموت، فأوزير رب حياة؛ لأنه يحيي الموتى ويحاسبهم على أعمالهم، أما «سيت» فكان ~~ملك الموتى وراعي المرض والهلاك. وقد جعل المصريون للموت عددا من الرموز الحيوانية، ~~كلها من فصيلة ابن آوى، الذي كان ينتشر في مصر القديمة ولم يزل. وهو حيوان معروف ~~باغتذائه على الجثث والجيف، فهو من الحيوانات المعروفة بالحيوانات الرمامة، فهو لا ~~يأنف الموت، ويسير في جماعات يقودها زعيم يتشمم المواضع، لينادي رفاقه لدى شعوره ~~برائحة الموت؛ ولأنه كان ينبش القبور بحثا عن غذائه الجديد، فكان طبيعيا أن يتكاثر ~~في الجبانات، ليلحظه المصريون هناك دوما، فيحتسبونه رب الموت ذاته. # وقد أطلق المصريون على ابن آوى ملك الموت اسم «أنوبيس» الذي يلحد الموتى، وتم تصويره ~~في جسد آدمي برأس ابن آوى، وأحيانا بشكل ابن آوى الحيواني كاملا. وبالرجوع إلى كتاب ~~مفتاح اللغة المصرية القديمة، وجدنا أن الياء والسين في اسم «أنوبيس» تصريفا اسميا ~~يونانيا، أما اسمه المصري فهو «أنبو»، # 20 # الذي ربما كان يحمل في طيات حروفه تعبير ال «بوني» نسبة إلى «بونت»، ومثله ~~كان رب الجبانات الملقب بفاتح الطريق «و ب و ا ت»، وينطق أيضا «و ف و ت»، وهو ما ~~يعادل في العربية كلمة «وفاة» أي موت. وهو من فصيل الذئاب بدوره. والمعلوم أو الشائع أن ~~مصر لم تعرف الذئاب الكبيرة، لكن مرحت في أحراشها وحقولها وبواديها، كل أنواع الذئاب ~~الصغيرة من فصيلة ابن آوى، ومنها كان الفصيل الذي دون المصري القديم اسمه «آش» أيضا، ~~ويحيطنا فهمي خشيم علما أن آش # ASH # كان يقرن عادة ~~بالإله سيت، وكان آش أحد ms363 رموز الموت، وارتبط بالصحراء والجدب مثل سيت، ويعلمنا إريك ~~هورنونج علما أن آش كان يرسم عادة برأس الحيوان الخاص بالإله سيت، # 21 # ويعد آش ربا للرماد وبقايا النيران، ونظنه رماد البخور تحديدا، الذي كان ~~يحرق للموتى عند المقابر وفي المعابد والتبخير البيتي، لطرد إله الموت الشرير. # ويقول ابن منظور في لسان العرب: إن الآس هو بقية الرماد في الأثافي. بينما يحيطنا ~~المصرولوجست بدج علما أن سيت كان نوعا من الذئاب، انقرض لكثرة ما صاده المصريون. وعند ~~ابن منظور ثروة أخرى، فهو يقول: إن الأوس هو الذئب ومصغره أويس، وكذلك آس هو القبر. ~~وفي الإنجليزية آش # ASH # تعني رمادا، # 22 # كما تعني أيضا: قبرا، شجرة دائمة الخضرة هي النورية أو «ناريون»، # 23 # أو كما عرفناها نحن في نظريتنا المطروحة بهذا البحث، بأنها شجرة نهارين: ~~أيكة مديان. والجميل في شأن حفظ اللغة لمحتواها عبر الأزمان، أن نجد الآس أيضا اسما ~~لشجرة؟! شجرة الآس التي يعالج بزيتها، وربما اشتقت منها كلمة النتاسي أو النطاسي في ~~الساميات، وفي العربية أي الطبيب المداوي (نطاسي = نيتر + آسي = إله معالج (طبيب)، أي ~~الرب الشافي)، وفيما بعد أصبحت الطبيب الروحاني، أو النبي الذي يصلح علل النفوس، ثم ~~أصبحت تطلق على الطبيب الماهر، ويبدو أن لها علاقة بالكلمة السومرية التي تطلق على ~~الطبيب وهي # A-ZU ~~، ولكن معناها الحرفي هي: خبير بالزيت ~~(كانت الزيوت مواد علاجية)، وتعني أيضا نبي، والزيت المقصود هو زيت النباتات العطرية ~~والطبية. # وفي دراسته للموسيقى يقول الباحث «علي الشوك»: «إن أقدم رمز استعمله السومريون ~~للدلالة على الموسيقى هو رأس ابن آوى ... واسم هذا الحيوان - ابن آوى - واحد في كل اللغات ~~السامية، فهو في العبرية إى وهي ترخيم لكلمة إوى من الجذر آوى، وكلمة عوى الآرامية تعني ~~يعوي ويصرخ، ويقال بالعربية: ما سمعت إلا وعوعة الذئاب ووأوأة الكلاب، ووأوأ هي عوى، ~~ووهو وهوه في صوته: ردده حزنا وجزعا، والمناحة بالعبرية يقال لها: أوى، وهي تذكرنا ~~بصوت ابن آوى أيضا، ويعتقد أن هذا الحيوان سمي كذلك من صراخه ms364 في الليل الذي يشبه عويل ~~أو صراخ طفل الإنسان، وإذا علمنا أن موسيقى وادي الرافدين القديمة والحديثة مغرقة في ~~نكهتها الحزينة ... أدركنا لماذا استعار السومريون رأس ابن آوى لهذا الفن.» # 24 # وهنا لا يفوت لبيب أن ابن آوى ذلك الفصيل الذئبي، كان يصدر صوتا هو ال «وهوه»، وهو ~~ما يستدعي على الفور اسم الرب الإسرائيلي «يهوه»، ثم نستحضر بقوة ما سبق وأوردناه عن ~~لسان ابن منظور تحت مادة «عناق»، إبان حديثنا عن العناقين العمالقة حيث يقول: ~~«والعناق: شيء من دواب الأرض كالفهد، وقيل عناق الأرض: دويبة أصغر من الفهد ~~طويلة الظهر، تصيد كل شيء حتى الطير. قال الأزهري: عناق الأرض دابة فوق الكلب ~~الصيني، يصيد كما يصيد الفهد ويأكل اللحم.» # لقد كان «سيت» رب الشر المصري، الذي أصبح رب الهكسوس الأعظم، يصور في هيئة حيوان من ~~فصيلة الذئاب، لكن شكله حير العلماء طويلا، ولم يتح للعلماء التعرف عليه بين حيوانات ~~البيئة المصرية المعروفة، ولا نظنه إلا العناق البونتي الآدومي، الذي عاش في الصحارى ~~الشرقية وسيناء وبلاد آدوم، ويبدو أنه كان أكثر انتشارا في آدوم البلاد الحمراء ~~النارية، يعيش في أحراش المر وأيك اللبان، وكان ربا للصحارى كما كان ربا للهكسوس، ~~وهو ما جاء مرسوما في نقوش رحلة حتشبسوت إلى بلاد بونت، على جداريات معبد روعة الروائع ~~بالدير البحري. لكن قيل في تفسيرها أنها كانت كلابا سلوقية؛ لأنها أطول فصائل الكلاب ~~عنقا فهي كلاب معنقة، وكان لذلك الإله علاقة بالموت والموتى والدمار والهلاك والنار ~~الجهنمية ورماد البخور، كما كان له علاقة بالإله الذي التقى بموسى في شجرة نارية لا ~~تحترق ببلاد مديان/آدوم، المعروف باسم «يهوه». # وأتذكر هنا إبان تلمذتي صغيرا في مسقط رأسي مدينة الواسطى من أعمال محافظة بني سويف ~~أول محافظات صعيد مصر - وكان ذلك حوالي عام 1961م ولي من العمر أربعة عشر عاما - أن ~~شاعت في البلدة قصة عن حيوان مفترس نزل البلدة من مكان مجهول، وأنه يهاجم الإنسان كما ~~يهاجم الحيوان، وسريع سرعة مذهلة. وكانت تلك شهادة الشباب ms365 الذين وجدوا في مطاردة الوحش ~~متعة ومغامرة، تكسر رتابة البلدة الريفية ومللها، وأجمعوا على رؤيته مرات عدة، كما ~~أجمعوا على أنه يقفز قفزات هائلة سريعة متتابعة، يختفي بها على الفور عن الأنظار، وبالغ ~~بعضهم، فقال: إنه يطير، ثم هذى بعضهم، فأقسم أنه قد رأى له أجنحة، فقد رآه يقفز طائرا ~~وراء حمامة ليقتنصها. ولا أعلم لماذا أطلق الناس عليه حينذاك اسم «السلعوة». كما أذكر ~~أن صحيفة الأخبار القاهرية قد نزلت البلدة ممثلة في اثنين من الصحافيين، وسجلت الحدث ~~وسعت مع المطاردات، لكن لم يظفروا بشيء سوى الحالات التي كانت تظهر بين يوم وآخر، ~~لأناس هاجمتهم السلعوة، وكانت البلدة جميعا تبيت ساهرة الجفون، بعد أن تغلق أبوابها ~~قبل مغرب الشمس، ولا يدور في شوارعها إلا رجال البوليس وطلاب المغامرة والقنص، ولم ~~تطمئن البلدة ويهدأ روعها، إلا بعد أن تم وضع السم في تيس مذبوح، وترك في الشوارع، ~~وبعدها تم العثور على حيوان ميت قيل إنه السلعوة، وأثبت طبيب البلدة البيطري، والذي لم ~~يعد يحمل من علم الجامعة غير الذكرى، أنه نوع غريب من الذئاب طويلة العنق، وانتهى ~~الأمر ونامت البلدة، ومر الحدث بليدا على علمائنا الطيبين. # وقد عدت إلى الإضافة لهذا الفصل مجددا، بعد أن طالعتنا مجلة روز اليوسف القاهرية ~~إبان كتابتي لهذا الفصل من العمل، بتحقيق صحفي جديد تحت عنوان: «الوحش المجهول الذي ~~يهدد الصعايدة.»، وقد كتب الموضوع تحت عناوين أساسية ذات دلالة وإيحاءات فهي: # أرجله الخلفية أطول، وقفزته عشرة أمتار، ويتمتع بصفات الثعلب ~~والكلب. # الفيضان ودق الطرق وتفجيرات الجبال دفعته للهروب للقرى. # ظهر في الستينات في طرة والمقطم. # ومن التحقيق نقتطع بعض الفقرات، التي تعين على تحديد مواصفات «السلعوة»، كما في قوله: ~~«يظل هذا الحيوان الغريب مهددا لعدد هائل من المواطنين، فرض عليهم حظر التجول الإرادي ~~ليلا؛ خشية التعرض لهجوم من سلعوة، والتفسير القاهري للاسم الغريب هو أن هذا الاسم ~~أطلق على الحيوانات الشرسة البرية منذ الستينات في ~~منطقة جبال المقطم وطرة، بعد ظهورها وتعديها على الأطفال والمواطنين في ms366 تلك المناطق، ~~التي كانت تضم معسكرات للجيش هجرت، فانتشرت هذه الحيوانات ولم يستطع أحد اصطيادها أو ~~السيطرة عليه، واستمرت الظاهرة وقتها أكثر من أربعة أشهر، ثم اختفت بعدها نهائيا ~~...» # ثم في موضع آخر يقول التحقيق: «المفاجأة العلمية الثانية بعد العودة إلى قنا كانت ~~على لسان الدكتور، مدير عام الحياة البرية في مصر، الذي قال إنه لا يستطيع أن يحدد اسم ~~هذا الحيوان أو فصيلته إلا بعد دراسة شاملة له. وقال: إن هذه النتائج سوف تظهر عقب ~~عودة البعثة من قنا.» # وفي موضع ثالث نقرأ: «تسبب السلعوة في مقتل أربعة أشخاص هم ... (يسميهم) فضلا عن ~~إصابة 26 شخصا بجروح وأمراض خطيرة، وتكمن المشكلة في أن البعض أصيب منذ أكثر من 40 ~~يوما وما زال في حالة خطرة، ولم تستطع الأمصال المضادة لسعار الكلب شفاءه من مرضه، ~~بالإضافة إلى نفوق 28 رأسا من الماشية نتيجة إصابتها بهجوم الحيوان المفترس عليها، بل ~~إن كلاب الحراسة التي كانت تحمي الحقول، قتل عدد كبير منها بهجوم من هذا الحيوان ~~المخيف، الذي أطلق عليه الأهالي اسم سلعوة.» # ويقابل الصحفي أهالي القرية بعد مقتل واحد من تلك السلعوات، ويستمع من بينهم لأحد ~~كبار السن يقول: «إن اسم السلعوة يعود لاسم فرعوني قديم، تخيله المصريون القدماء كشيء ~~لا يطيقه الإنسان، ولا يستطيع أن يتغلب عليه، ثم صار لقبا يخيف أي شخص، دون أن يدري ~~أية معلومة عن صاحبه، ورآه الحاج ويقول عنه: بعد صيده وجدت شكله يختلف عن الكلب وعن ~~الذئب، فهو حيوان ساقاه الخلفيتان أعلى وأطول من الأماميتين، سريع في قفزاته، لا يستطيع ~~أحد اللحاق به.» # 25 # ونستعيد ما قال ابن منظور عن عناق الأرض، الذي يصيد كل شيء حتى الطير، لنتابع ~~الاستماع إليه يقول: ~~«إنه ليس شيئا من الدواب يؤبر - أي يخفي أثره - إذا عدا، غيره وغير ~~الأرنب.» # وفي ضوء تلك المعلومات ألا يكون محتملا أن السلعوة هي البقية النادرة لذلك الحيوان ~~القديم عناق/سيت؟ ثم نتذكر أن عاصمة بلاد آدوم كان اسمها سالع، ونتساءل في دهشة: ms367 هل اسم ~~السلعوة هذا بقية مأثورة لذكريات غامضة، كانت تنسب هذا الحيوان لموطنه الأشهر ~~سالع/سالعوة/سلعوة؟ # وعن معبودات مصر القديمة يحدثنا فرانسوا دوماس عن بعض الآلهة غير محدودة المعالم، ~~منها مثلان: «نون» المحيط الأزلي الأول الذي كان موجودا قبل خلق العالم، و«ماعت» ربة ~~العدالة والصدق وكل المعاني الرفيعة. و«سيا» الذي هو مجرد تصور عقلي، أي هو رب الأفكار؛ ~~لذلك هو فكرة بدوره، واسمه يعني التصور الذهني المطلق والمجرد للإله. ثم يعبر دوماس ~~عبر كتابه المحتشد بمئات الآلهة في سطر واحد على إله كان يحمل اسم «هو # Hou ~~»، # 26 # وهو ما يستدعي على الفور «هبا» زوج «هبات» أو «هفا» أو «هوى». كذلك جاء ذكر ~~هذا الإله باسم «هو» عند ياروسلاف، # 27 # بنفس الإشارة السريعة التي توعز بعدم وجود معلومات كافية عنه. # ويشرح إريك هورنونج عن «هو» قائلا إنه: «تجسيد للنطق الخلاق الذي دعا به الإله ~~الخالق كل الأشياء إلى الوجود، وهو أحد القوى الخلاقة الثلاثة مع حكا # Hike # وسيا # Sia # التي تصاحب ~~إله الشمس دائما، والإله «هو» ليس له عبادة في المعبد»، # 28 # وهو الأمر الغريب والمدهش إذا علمنا أن «يهوه» رب الإسرائيليين، كان الإله ~~الوحيد، على تعدد أديان المنطقة، الذي كان إلها بريا ليس له معبد، ولم يقم له المعبد ~~بعد ذلك إلا على يد الملك داود ثم سليمان، لأسباب سياسية لتدعيم المركزية ~~الحاكمة. # ومعنى أن يكون «هو» عند المصري القديم إلها يرمز إلى النطق الذي دعا به الإله الخالق ~~الأشياء للوجود، فهو ما يستدعي فكرة الخلق بالكلمة «كن - فيكون»، فالإله «هو» ينطق مثل ~~ما فعل الكينونة # TO BE ~~، وسنرى كيف أن الإله العبري يهوه ~~كان بدوره فعل كينونة «يكون». # وفي نصوص مصر القديمة نجد حكاية بعنوان قصة الرياح الأربع، عبر فيها المصري عن اسم ~~أحد آلهته، نظنه الإله «هو» تحديدا، بنقش كريش وعصافير تطير، تؤدي كلها المؤدى الصوتي ~~ي ه و ى # IAUEE ~~، وتم تصوير الحرف الأخير من تلك ~~الكتابة التصويرية في شكل مروحتين من ريش، متعارضتي الاتجاه تعبيرا عن ms368 شهيق ذلك الإله ~~وزفيره للهواء. # 29 # وأسماء الإله التوراتية تعطينا تنغيمات مختلفة، كعزف متعدد على نوتة أصلية، فهو ياو، ~~ياهوه، ياه، إهيه، يهوه، جاهوفاه، يهوى، ويعطيك النغم صوت الريح، خاصة لو أخذنا بنصح ~~«لودز» في صحة نطق الاسم، فهو ينبهنا إلى وجوب نطق الاسم جاهوفاه بفتح ثم مد فسجول طويل، # 30 # ويرى «شتاده # STADE ~~» أن معنى الاسم هو ~~المسقط، أي الذي يسقط البروق على الأعداء؛ لأن هوى بمعنى سقط، # 31 # بينما يذهب «فلهاوزن # Wallhaesen ~~» إلى أن ~~الاسم «يهوه» من هوى العربية بمعنى الهواء فمعناه يهب، أي إنه كان إلها للريح والعاصفة، # 32 # وهو ما نراه يتصل بعبادة القمر البدوية كما سنرى. # ومعلوم في الدراسات الميثولوجية أن القمر كان في نظر الأقدمين معبودا، وكان معلوما ~~أيضا أنه جرم كبير كالشمس، لكنه غير مستقر الأحوال، فسلوكه «هوائي». وحتى اليوم نقول ~~عن الشخص المتقلب أنه هوائي. # ومع قيام الدولة الأكادية السامية في الرافدين القديم، يبرز بين الآلهة السومرية ~~القديمة الإله «إنليل»، واسمه مركب من ملصقين «آن = سيد أورب» + «ليل = الليل أو ~~الهواء»، وقد اعتبر رب الليل وانتمى الناس إليه بالعبودية حتى زمن الدعوة الإسلامية، ~~كما يأتينا في اسم «عبد ياليل»، # 33 # ولم يزل المطرب الشعبي في بلادنا، يغني لهذا الرب بمواله: يا ليل يا عين، ~~وعين هنا هي عين الليل، القمر. أما أهم صفات «إنليل» التي وصلتنا؛ فهي أنه كان رب الريح ~~والعاصفة. ولما كان الأقدمون يرسمون للكواكب والنجوم خرائط تخيلية، تحددها لتسهل ~~مقاربتها؛ ولأن التجريد الخطي لم يكن قد نضج بعد، فقد جعلوا خرائط الفلك على أشكال ~~الحيوانات، وكان حظ القمر من تلك الخرائط رمز الحيوانات ذات القرون؛ لأن القرنين يشبهان ~~الهلال، فقاموا يرسمون تحت الهلال رمزه الأرضي: الثور والتيس والخروف. لكن الصورة التي ~~حازت الانتشار كانت صورة الثور؛ لأنه على الجانب الآخر كان يمثل قوة الخصوبة في ~~الطبيعة، لفحولة الثور الجنسية. وهنا ما علينا سوى أن نتبع نصح «لودز» في نطق يهوه ~~«جاهوفاه»، بفتح فسجول طويل لنستمع لأنفسنا نخور خوار ثور ms369 فصيح. إنه بدوره صوت الريح، ~~ولا ننسى أن من معاني كلمة سوت # Swt # إحدى مشتقات سيت في ~~معجم فولكنر 215: معنى قوة الريح. وكثيرا ما قيل في الأساطير الإسلامية القديمة، أن ~~الريح الإعصاري يخرج من منخار ثور أسطوري (متكررات: انظر ذلك قصص الأنبياء للثعلبي ~~النيسابوري مثلا). # لكن المدهش حقا - وسر الدهشة سينجلي بعد قليل - أن نجد المصري القديم يدون لنا عن ~~ذلك الإله المذكور في هيئة مراوح من ريش تزفر الهواء، تنبيها يقول: «إنه الإله الذي ~~يحرم النطق باسمه.» # 34 # وهو ما ترك صداه في الأساطير الدينية حول اسم الإله العظيم أو اسم الإله ~~الخفي، وهو الاسم الذي إذا عرفه شخص تقي أو محظوظ، يمكنه أن يكتسب قدرات الفعل الإلهي، ~~ويكسر به قوانين الطبيعة ويفعل المعجزات، وقد شرح المصريون، وبعدهم علماء المصريات، ~~السر في تحريم النطق باسم هذا الإله، والمتمثل في كونه ليس كائنا بل هو نطق. هو الكلمة ~~الخالقة، هو فعل وليس كيانا ماديا؛ لذلك استخدمت في التعبير عنه حركات الريح ~~(المراوح والريش)، زيادة في تجريده عن المحسوس. وهو ما يلتقي مع الاسم «هفا» أو «هوا» ~~زوج ربة الشمس «هبات» في بلاد الحوريين المديانية، وإليه انتسبت باسمها الأميرة ~~الميتانية، التي تزوجها آمنحتب الثالث، وعرفت باسم «جيلوخيبا» أو «إيلوهوا»، وترجمتها ~~«الإله الهواء»، وهي الإلهة التي عبدت في مصر باسم «هيبات». # ولو أمكننا الاطمئنان الكامل لكلام «برستد»، حيث لم نجد هذا الكلام إلا عنده، لأمكن ~~القول أن «هوا» أو «هفا» هو نطق لاسم نفس الإله «يهوه»؛ لأنهما كانا يعبدان في ذات ~~المكان وذات الزمان، فهو يقول: إن أهل مديان قبل موسى، كانوا يدينون بديانة إله وثني ~~باسم «يهوه»، # 35 # وهذا كله إنما يلتقي مع صفة عناق الآدومي شديد السرعة كالريح، وبقيت عنه ~~ذكريات جاءت في لسان العرب، وهو يقول: # إنه ليس شيئا من الدواب يؤبر - أي يخفي أثره - إذا عدا، غيره وغير الأرنب، ~~وجمعه عنوق، والفرس تسميه: سيا كوش. # ثم نجد لدينا قطعة أدبية كهنوتية مصرية، تعود إلى زمن من الأسرة التاسعة ms370 عشرة ربما ~~من زمن رمسيس الثاني، معنونة بعنوان شديد الدلالة هو «الإله واسم قوته الخفي»، تروي كيف ~~كان للإله عدد من القوى، ولكل قوة اسم مقدس معبود، وبين تلك الأسماء كان ذلك الاسم، ~~الذي لا يعرفه أحد وهو سر قوته العظمى. # 36 ~~(الإلهة هيبات: انظر الشكل رقم «106».) # شكل رقم «106»: الإلهة هيبات المصرية. # هذا بينما على الجانب الآخر نجد «موسكاتي» يقول: «كان إله إسرائيل يظهر ~~وسط السحاب، ويبدي قوته في البرق والعاصفة.» # 37 # وكان «سيجموند فرويد» يؤكد: «أن الإله يهوه هو الذي أهداه موسى المدياني ~~شعبا جديدا لم يكن كائنا أعلى، بل كان إلها محليا محدودا وشرسا، عنيفا ودمويا.» # 38 # إن فرويد كان مثل «جيمس برستد» يعتقد جازما أن يهوه كان إلها مديانيا ~~سيناويا آدوميا. أما الذي يجب إبرازه هنا أن المصري القديم، كان دائما يتحدث عن ~~أرض الإله أي بلاد بونت، لكنه أبدا لم يذكر لنا اسم هذا الإله ولا مرة واحدة، ونفهم ~~الآن السبب الواضح؛ لأن هذا الإله كان فعلا، لم يكن اسما وليس له اسم، إنه فقط «هو» ~~يشار إليه بالغائب؛ لحرمة النطق باسمه. # ويشرح «كمال الصليبي» معنى اسم الإله الإسرائيلي «يهوه» فيقول: «يهوه: قد تعتبر هذه ~~الكلمة بالعبرية على أنها الاسم الذي تطلقه التوراة على الله ... وهو اسم لا يلفظ في ~~القراءة إجلالا، بل يكنى عنه بكلمة الرب، وهكذا يترجم إلى العبرية. ويعتبر علماء اللغة ~~أن يهوه هي صيغة مضارع لفعل هيه بمعنى كان، والمضارع من هذا الفعل هو عادة يهيه، كلمة ~~يهوه إذن قد تعني: الرب وقد تعني: يكون.» # 39 # وللباحث نفسه كتاب آخر يعقب فيه على نص التوراة، الذي يحكي عن لقاء موسى لربه في نبات ~~مضيء بسيناء «فناداه الرب يهوه من وسط العليقة، وعرفه بنفسه قائلا: ء هيه ءشر ءهيه، أي ~~أكون الذي أكون، أو بمعنى آخر: أنا من أنا، وطلب منه أن يسميه باسم أهيه أي أكون. ~~والاسم هذا من الناحية اللغوية هو اشتقاق من هيه، بمعنى: كان، أو بأي معنى آخر. والجذر ms371 ~~نفسه يرد أيضا في العبرية التوراتية بشكل يهوه، والواضح على كل حال أن الاسم ءهوه هو ~~ذاته اسم الرب يهوه.» # 40 # بينما الترجمة العربية للتوراة الصادرة عن الكنيسة الكاثوليكية، تسجل نص خطاب الرب ~~لموسى هكذا: «أنا هو الكائن، قل لبني إسرائيل الكائن أرسلني إليكم.» ويعقب «أنيس فريحة » ~~على ذلك بقوله: «إن كلمة يهوه هي اسم الإله، وهو فعل مضارع من هوى.» # 41 # وفي مصر القديمة إله للهواء أو للهوى معلوم مشهور، هو المعروف باسم «شو # SHU ~~»، الذي يحمل قبة السماء، ويقول لنا «فهمي خشيم» أن ~~المقابل العربي لهذا الاسم بالجذر الثاني ينطق «هو» أو «هواء»، رب الهواء ويرسم بشكل ~~ريشة. وقد صور المصري القديم ذلك الإله برجل على رأسه ريشة، ومجموعة من الريش للدلالة ~~على الهواء. ونحن نعلم أن الريشة كانت علامة الملوكية عند البدو، الذين يضعون الريش على ~~رءوسهم علامة السيادة، # 42 # تيمنا برب الهواء والمالكين باسمه ورمزه «الريش». # وهكذا فإن الإله «سيت» كان في نظر المصريين راعيا للموت وربا له، وكان له عدد من ~~التجليات فارتبط بنوعين من الحيوان: الحمار؛ لأن لونه أحمر، وبالحيوان البونتي الآدومي ~~«عناق». وربما ارتبط بكائنات مصاحبة عاشت في المنطقة، وكانت من علاماتها الدالة، مثل ~~«حية السف الطائرة»، كما ارتبط بطائر صياد للحيات، هو طائر الفينيق، وكان عند المصريين ~~ربا لذوي البشرة السوداء أو الكوشيين؛ لذلك رأوه ربا للجنس الأسود الزنجي، الذي كان ~~يعيش جنوب الوادي، وكان يطلق على تلك المنطقة الجغرافية اسم بلاد كوش، كما كان إلها ~~للجنس الأسود «الكوشيين»، الذي عاش على حدود مصر الشرقية في سيناء وآدوم. # والكتاب المقدس يروي لنا في سفر الخروج رواية شديدة الدلالة؛ إذ يقول إن يهوه رب ~~إسرائيل بعد أن ضرب مصر بكثير من الضربات المهلكة، وجعلها بلادا قحطا قفرا، كتحويل ~~مياه النيل إلى دم نتن، وإرسال الريح المحملة بالبرد والنار على البلاد، مما قضى على ~~الزرع والناس والحيوان، وتسليطه الحشرات كالجراد على المزارع، والأوبئة التيفودية ~~الفتاكة على الحيوان والإنسان. قرر في الليلة الأخيرة قبل خروج ms372 بني إسرائيل من مصر في ~~الصباح، قتل كل بكر في مصر سواء كان إنسانا أو حيوانا، ونستمع معا لهذا المقطع ~~التوراتي، الذي يوعز بأن ذلك القتل كان عنيفا صاحبته إسالة دماء هؤلاء الأطفال، كما ~~لو كان قد تم تمزيقهم إربا، يقول هذا المقطع: # فدعا موسى جميع شيوخ إسرائيل وقال لهم : اسحبوا وخذوا لكم غنما بحسب عشائركم ~~واذبحوا للفصح، وخذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم، الذي في الطست ومسوا العتبة ~~العليا والقائمتين بالدم الذي في الطست. وأنتم لا يخرج أحد منكم من باب بيته ~~حتى الصباح، فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا ~~والقائمتين يعبر الرب عن الباب، ولا يدع (المهلك) يدخل بيوتكم ليضرب ... فحدث في ~~نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه إلى ~~بكر الأسير الذي في السجن وكل بكر بهيمة. فقام فرعون ليلا هو وكل عبيده وجميع ~~المصريين، وكان صراخ عظيم في أرض مصر؛ لأنه لم يكن بيت ليس فيه ميت. ~~(خروج، 12: 29، 23، 22، 21) # لقد كان المحرر التوراتي يعلم بالتباس الإله يهوه بكائن اسمه «المهلك» أي المفترس، ~~وحاول الفصل بينهما لكنه لم يتمكن من ذلك تماما فظهرا كائنا واحدا، وهو ما يذكرنا ~~بالإله «سيت» المصري رب الموت، المعروف لدى الإغريق باسم «طيفون» سيد عالم الأوبئة ~~والدمار، الذي زعمناه «عناق» وفضلنا وصفه بعناق البونتي؛ لتبقى عنه ذكريات حفرية انتقلت ~~عبر الأجيال حتى زمن دعوة الإسلام، ليعبر عنها القرآن في قوله: # فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ~~(القلم: 19)، ~~ومن المدهش أن يفلت من المحرر التوراتي تصور واضح لهيئة ذلك المهلك الإلهي اليهوي طيفون ~~الطائف، فيتابع سرد كيف أهلك المهلك أبكار المصريين في قوله: # وقال موسى: هكذا يقول الرب: إني نحو منتصف الليل أخرج في وسط مصر، فيموت كل ~~بكر في أرض مصر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف ~~الرحى وكل بكر بهيمة. ويكون صراخ عظيم في كل أرض مصر لم يكن مثله ولا يكون ms373 ~~مثله أيضا، ولكن جميع بني إسرائيل لا يسنن كلب لسانه إليهم لا إلى الناس ولا ~~إلى البهائم، لكي تعلموا أن الرب يميز بين المصريين وإسرائيل. ~~(خروج، 11: 4-7) # إذن فالمهلك التوراتي من الفصيلة الكلبية، ونحن نعلم أن أحد سلالة يهوذا بن يعقوب، قد ~~حمل اسم تلك الفصيلة، فهو «كالب بن يفنة» أبو قبيلة الكلبيين، ويحيطنا علي الشوك علما ~~في عبارة سريعة غير مشغولة بموضوعنا، لكنها تعني لنا الكثير، تقول: «إن الكالبيين هم ~~الآدميون حلفاء اليهود.» # 43 # وفي نص مصري ورد لأول مرة في نصوص ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد فيما يسمى ~~نصوص اللعنات، التي كانت تكتب على جرار فخارية تسجل أسماء أعداء مصر وبلادهم ~~وحكامهم، ثم يتم تحطيمها في طقس سحري تماثلي يفترض فيه أن الشبيه ينتج الشبيه، لجلب ~~الأذى على أصحاب تلك الأسماء، والنص الذي نقصده يعدد ملوكا وبلادا، نقف مع اسم أحدهم ~~دهشين، لكن مطمئنين به إلى فروضنا، إذ يذكر النص اسم ملك لبلاد تشغلنا فيقول: # وإيدوم حاكم إي عناق وجميع بطانته # ويقرب آمو حاكم أورشليم وجميع بطانته. # ويستمر سجل الأعداء المطلوب إنزال اللعنة عليهم بالطقس السحري، فيذكر ~~إثنى عشر ملكا ببلادهم، # 44 # إلا أن الملحوظة الهامة على نص اللعنة المذكور هنا، أنه قد حدثت فيه حالة ~~تبادل ما بين اسم الملك واسم البلاد الآدومية، فحمل الملك اسم «إيدوم» أو «آدوم» وكان ~~يحكم في «إي - عناق»، والكلمة «إي» كلمة سومرية هندوآرية، ورثتها الساميات عن السومرية، ~~وترد على التبادل مع كلمة «بيت # BIT ~~»، التي تحمل ذات ~~الرسم والمعنى في اللغة العربية، فبلاد آدوم كانت «بيت عناق» ومقره. ~~(انظر أشكال أنوبيس المصري والسالعوة رقم «107، 108، 109، 110».) # شكل رقم «107»: أنوبيس/المتحف المصري، لاحظ مدى اشتراكه في هيئته ~~الجالسة وأذنيه المرتفعتين مع الإله سيت، ولاحظ الطوق الذهبي حول ~~العنق. # شكل رقم «108»: بروفيل أنوبيس رب الموت في مصر القديمة. # شكل رقم «109»: أنوبيس ابن آوى يلحد الموتى في مقبرة سبتاح. التعويذة ~~رقم 151 من كتاب الموتى. # شكل رقم «110»: أحدث عثور وقتل لحيوان السلعوة بأسوان (مصر في ms374 شهر ~~إبريل 2010م). # شكل رقم «111»: رب الشر سيت يلبس تاج القطرين. # شكل رقم «112»: سيت تفصيل علوي. # شكل رقم «113»: سيت يلبس أطواقا؟! مدياني؟! # شكل رقم «114»: السلعوة في الأخبار القاهرية بتاريخ 6 / 4 / 1997م، ~~لاحظ الآذان وقارن مع سيت، والوجه الأقرب إلى الحمار. # شكل رقم «115»: أخبار السلعوة «أو المنسوبة إلى سالع» في صحيفة ~~الأخبار القاهرية بتاريخ 7 / 4 / 1997م. # الفصل الرابع # | معان المصرية # تقيم التوراة في شجرة أنسابها وتقسيمها للأجناس، علاقات قرابة ونسب ما بين الجنس ~~العربي والجنس العبري، فتجعلهم من أصل واحد، وتعيدهم دوما إلى سلف واحد مشترك. ~~وأدرجوا تحت هذا السلف المشترك: العبريين، والعرب الشمالية والجنوبية، بإرجاعهم جميعا ~~إلى أب بعيد واحد هو «عابر». والواضح على المستوى اللساني بالقلب اللغوي «الميتاتيز» ~~أن عبري مقلوبها عربي. # ومن هنا يمكن الظن أن هذا المزج يعود إلى ذكريات تاريخية، إلى زمن هجرات وتحالفات ~~وحروب وتداخلات، حدثت بين مجموعة شعوب في المنطقة. وأصرت التوراة من جانبها على ربطها ~~جميعا بصلات قرابية؛ لتميز من بينهم شعبها المختار «إسرائيل». ومن جهتنا نعتبر ذلك ~~ترديدا لكشفنا للمملكة التجارية الكبرى، التي قامت في بلاد آدوم، بين حلفاء من أجناس ~~مختلفة وألسن متباينة. واقتضت مصلحتها إقامة كونفودرالية، شكلت لونا من قومية المصالح، ~~التي اقتضت تنظيرا قبليا، قام المقدس برتقها ببعضها باعتبارها بطونا وأفخاذا ~~لأصل واحد، امتد من حدود الدلتا الشرقية المتصلة بسيناء حتى الرافدين والخليج الفارسي ~~شرقا. ومن الشمال السوري والرافدي حتى اليمن جنوبا، إضافة إلى جزر المتوسط ~~الشرقية. # وغني عن البيان أن ما حدث في آدوم قد وجد صداه ~~في عود تاريخي يكاد يطابق ما حدث في بلاد آدوم بعد ذلك بقرون طوال، عندما قامت مكة في ~~بلاد الحجاز بدور الوسيط التجاري لعالم الإمبراطوريات، حين توفرت لها الظروف القديمة، ~~والتي أهلتها لتقود القبائل المتفرقة نحو دولة قبائل كونفودرالية اتحادية، لتكرر ذات ما ~~حدث في بلاد آدوم. فحين استوت لها أسباب القوة تحولت عن قبض عشور التجارة، إلى التجارة ~~بأموالها الخاصة، ثم إلى توحد الشركاء في منظومة واحدة، ثم ms375 احتلال دول المحيط احتلالا ~~مباشرا واستيطانيا، هاجرت فيه القبائل العربية لتسكن البلاد المفتوحة، وتحكمها حكما ~~مباشرا في ولايات. بالضبط كما حدث زمن الهكسوس وتكوينهم إمبراطورية تجارية كبرى، توزعت ~~فيها الولايات على القبائل الكبرى داخل الحلف الواحد. حتى إن مكة قد ضمت مدن الخط ~~التجاري القديم القادم من اليمن حتى مصب ذلك الخط في دول المتوسط الشرقي، كما ضمت في ~~عضويتها أجناسا متعددة، يأتينا ذكرها في صحابة نبي الإسلام أنفسهم، ما بين الزنجي ~~الكوشي بلال، وبين الهندوآري الرومي صهيب، وما بين الفارسي سلمان. # شكل رقم «116»: حقل الأحداث زمن إمبراطورية الهكسوس حسب تخريجات ~~المؤلف. # وفي المأثور العربي ترديد متكرر ومتواتر، لأمر كان يحتفظ به قدامى العرب من ذكريات ~~الأزمنة الخوالي، وهو أن جزيرة العرب كان يعيش فيها من فجرها جنس أطلقوا عليه العرب ~~العاربة، أي العرب الأصيلة الراسخة في العروبية، والمتجذرة فيها من فجرها القديم. وهم ~~من حظوا بلقب العرب القحطانية، وهم المفترض أن يكونوا سلسلة من الأخلاف لشخصية وردت في ~~شجرة الأنساب التوراتية باسم «يقطان». وتقول لنا المصادر الإخبارية العربية إنه قد وفد ~~على جزيرة العرب من بوابتها الشمالية جنس آخر وافد، هبط إليها هبوطا غير منطقي لأسباب ~~مجهولة. هجر مناطق الخصب في بلاد حوض المتوسط الشرقي لينزل إلى صحارى شمالي جزيرة العرب ~~ومنطقة الحجاز، وكانت أشبه بهجرة استيطانية حمل أصحابها اسم العرب المستعربة، أي العرب ~~غير الأصلاء أو الدخلاء، الذين اكتسبوا العروبية ولم يكونوا من أبنائها. وقد اصطلح على ~~تسميتهم العرب العدنانية نسبة إلى سلف بعيد باسم عدنان، وهنا يخالف النسابة العرب شجرة ~~الأنساب التوراتية، حيث لا نجد «عدنان» هذا في تلك الشجرة التوراتية. لكن أخبار العرب ~~تلتقي مع أخبار العبر في اسم آخر، أطلقه المؤرخون العرب على العرب العدنانية، فهم ~~إسماعيلية يعودون إلى إسماعيل ابن الخليل إبراهيم، والإسماعيلية هو الاسم الذي فضلته ~~التوراة للعرب الشمالية المستعربة العدنانية. # وهكذا نفهم أن هناك ارتباطا، يشير إليه كلا المأثورين العربي والعبري، بين عرب ~~الحجاز وبين الجنس الإسرائيلي عبر الخط الإسماعيلي، وأن الفرع ms376 الإسماعيلي أو العدناني ~~للعرب قد هاجر من مواطنه في الفترة الهكسوسية حول بلاد آدوم والنقب ومحيطها، ليهبط بلاد ~~نجد والحجاز؛ نتيجة ربما لخلافات قبلية أو تناقضات مصلحية حدثت داخل البطن الإبراهيمي ~~حسب رواية التوراة، التي وافقتها الرواية الإسلامية، في ترميزات أسطورية لوقائع قديمة ~~وأحداث تغيب عنا الآن تفاصيلها الدقيقة. ومن ثم انفصل الفرع الإسماعيلي وترك الفرع ~~الإسرائيلي في فلسطين. # شكل رقم «117»: شجرة الأنساب التوراتية حسب الكتاب المقدس (من وضع ~~المؤلف). # ورغم أن التوراة من جانبها لم تذكر أية معلومات واضحة، عن هبوط الفرع الإسماعيلي إلى ~~بلاد الحجاز، فإنها أكدت عروبة هذا الفرع عندما دونت ذكرياتها التاريخية عن سكنى ~~الإسماعيليين لبلاد آدوم ووادي عربة، وأن «عيسو/آدوم» كان من أنسباء الإسماعيليين ~~لزواجه من محلة بنت إسماعيل شقيقة «نبايوت/نابت» ابن إسماعيل. ويقول لنا «المسعودي»: ~~«وإن إسماعيل بن إبراهيم إنما تكلم العربية حين نشأ في العماليق ... ولا خلاف أيضا أن ~~إبراهيم لم يكن عربيا ولا إسحاق ابنه، وأن ابنه إسماعيل أول من نطق بالعربية.» # 1 # والمأثور العربي يجعل أول من تولى أمر الكعبة المكية هو «نابت» ابن إسماعيل ونسله من ~~بعده، ليربط بين العقيدة الدينية في مكة وبين أصولها الواردة من الشمال مع نابت بن ~~إسماعيل، مع العرب الشمالية العدنانية المستعربة. والتوراة من جانبها تحيطنا علما بأن ~~البطرك إبراهيم كان أرومة كل من الإسرائيليين والإسماعيليين، الذين اعتبرهم التأريخ ~~الإسلامي عربا مستعربة. وهنا يجب أن نتذكر أن على خط الممالك الأخير في غسق الممالك ~~الآدومية، كانت مملكة الأنباط التي تحيل إلى الاسم «نابت» إحالة قوية، مع دعم آخر لتلك ~~الإحالة، إذ تحيطنا علوم اللغات القديمة، معرفة بأن الخط العربي هو تطوير للخط النبطي، ~~الذي تطور بدوره عن الخط الآرامي، وهي جميعا الإشارات التي تشير إلى أن العرب ~~المستعربة العدنانية الإسماعيلية الحجازية، يعودون بأصولهم التاريخية إلى محيط بلاد ~~آدوم وسيناء وجنوبي فلسطين، وأنهم قد هبطوا جنوبا ليشكلوا هناك فرعا عربيا جديدا ~~باسم المستعربة، نتيجة لأسباب لم تزل حتى الآن ضمن أرشيف التاريخ أسبابا ~~مجهولة. # شكل رقم ms377 «118»: العرب القحطانية، شجرة كهلان شقيق حمير بن ~~سبأ. # ويبدو أن منطقة آدوم القديمة ومحيطها، وضمن ذلك المحيط جزيرة سيناء جميعا، بل ~~والبراري الملاصقة لدلتا النيل الشرقية، بما فيها من مدن مصرية، قد سكنتها أجناس عرفت ~~بأنها «عربية»، وأن اسم عرابة الذي كان يخص الوادي الممتد من البحر الميت إلى العقبة، ~~قد اتسع ليشمل كل تلك المساحة، ويضم معها مناطق الحجر وشمالي الحجاز، ومن هنا نفهم ~~لماذا أطلق المؤرخون الكلاسيكيون مع مطلع العصر الإغريقي على إقليم شرقي الدلتا المصري ~~اسم «الإقليم العربي»، كما أطلقوا على خليج السويس من البحر الأحمر «الخليج العربي من ~~البحر الأريتري»، حتى إن عاصمة ذلك الإقليم الدلتاوي المصري أسماها اليونان «المدينة ~~العربية باتومي»، أو باسم «بوتو» كما وردت عند المؤرخ اليوناني الأشهر «هيرودوت». ويؤكد ~~هذا المعنى ليصبح حقيقة تاريخية، ما ذكرته التوراة عن استعباد الإسرائيليين في مصر في ~~بناء مدينتين: واحدة باسم رعمسيس والثانية التي تعنينا هنا باسم فيثوم، التي تمت ~~إعادتها لنطقها المصري لدى المصرولوجيين باسم «بر - ثوم» التي حرفت «بي - توم» التي هي ~~«باتومي» عند هيرودوت، ومعناها في المصرية القديمة: «مقر الإله أتوم أو مسكنه». هذا ~~إضافة إلى أن هذا الإقليم جميعا أسمته التوراة «إقليم جاسان» أو «غسان» «جاشان» أو ~~«جشم»، وهو ما يستدعي «الطاسة النذرية» التي عثر عليها بوادي طميلات في ذلك الإقليم ~~شرقي الدلتا، مهداة للآلهة من الملك الآدومي «جشم بن قينو». ثم يستدعي قبيلة «غسان» ~~التي ظهرت بعد ذلك بزمن أيام الرومان، لتقيم دولة في ذات المكان عند خليج العقبة، مرددة ~~في اسمها اسم «جسان» أو «جاسان»، ذلك المكان الذي كان يقع شرقي مصر على حدود الدلتا ~~الشرقية، وقالت التوراة إنه كان موطنا سكنه الإسرائيليون عند دخولهم مصر، ومنه خرجوا ~~إلى بوادي سيناء. ويبدو أن هذا الاسم قد حفر لنفسه طريقا عبر التاريخ، وامتد لتحمله ~~قبائل سكنت في مناطق آدوم القديمة، مكان «جشم بن قينو» لتقيم دولة الغساسنة زمن ~~الرومان، ولاحظ «جاسان = جشم = غسان». # ورغم أن المؤرخ «رينيه ديسو» لم يذهب إطلاقا ms378 إلى ما ذهبنا إليه نحن حتى الآن، فإنه ~~يلقي بقول عابر يلتقي تماما مع ما وصلنا إليه؛ إذ يقول: «إن النبطيين كانوا يتكلمون ~~الآرامية ... وأقاموا في جنوب فلسطين، حيث كانت مدينة سالع Petra # هي العاصمة، ثم أصبحوا مهيمنين على الطرق التجارية.» # 2 # شكل رقم «119»: شجرة أنساب العرب العدنانية. # هذا بينما كان «إحسان عباس» يعبر عن دهشته، وهو يؤرخ لمدينة البتراء زمن الأنباط ~~بقوله: «بين الأنباط وأهل اليمن عنصر هام مشترك، وهو طرق تخزين المياه وأساليب الري ~~والمهارة الزراعية بعامة»، ثم يحاول البحث عن الأسباب وراء ذلك الاستقرار الحضاري في ~~المنطقة الآدومية فيستطرد: «إن السؤال عن السبب الذي حداهم لسكنى تلك المنطقة ... نفترض ~~أن حاجة قطعانهم إلى المرعى والماء، هدتهم إلى ذلك المكان، ورويدا رويدا وجدوا في ~~الاستقرار وفي طبيعة المكان نفسه، حماية لأنفسهم وقطعانهم، ثم اكتشفوا بعد ذلك صلاحية ~~المكان للتجارة ولاستقبال السلع من جهات مختلفة. وتفتحت عيونهم على بريق الثراء، وحين ~~أحرزوا كل ذلك لم يطلبوا عن ذلك المكان تحولا، ثم إنهم لما بدءوا هم أنفسهم يتاجرون، ~~ولم يعودوا إلى نقله لمتاجر غيرهم مقابل أجر معلوم، اكتشفوا حاجتهم الماسة إلى الكتابة ~~... فكتبوا بالآرامية ... لكن العربية الشمالية لم تكن يومئذ لغة مكتوبة، أعني لم تكن قد ~~اشتقت لها أبجدية محددة الرموز، إذ يكاد الباحثون يتفقون على أن الحرف العربي اشتق من ~~الحرب النبطي ... وبدءوا يكتبون العربية بحروف آرامية.» # 3 # والمعلوم أن أهم أعمدة تلك التجارة كانت المواد العطرية، وعمودها مواد التبخير من ~~الزيوت واللبان بأنواعه؛ لذلك تساءل المؤرخون طويلا عن السر العجيب وراء رواج مادة ~~اللبان، وكل تلك الأهمية التي تحملها للعالم القديم، ومن ثم نرى أنه إضافة إلى السبب ~~الواضح في قدسيتها؛ لأهميتها التعبدية للتبخير للأرباب، يمكن الركون إلى سبب أكثر ~~وضوحا وراء غلاء تلك المادة والطلب العالمي عليها، كمادة من المواد الثمينة. وهو أن ~~علم الطب في مراحله الابتدائية، وفي كافة المدونات الطبية وعلوم الصيدلة القديمة، قد ~~اعتمد اعتمادا كليا على عنصر أساسي مشترك، هو اللبان/المر/العلك، باعتباره المشترك ms379 ~~في أي تركيب علاجي، وبخاصة للجروح، وهي الحدث الدائم في حياة الإنسان أيام شظف عيشه ~~القديم، حيث كان الجرح قاتلا لصاحبه إذا تلوث، واستمر في النزف، فكان عزله باللبان بعد ~~معالجته الكيميائية مع التسخين، مانعا للتلوث والنزف، وقد استمر هذا العلاج حتى زمن ~~متأخر حتى أيام المسيح، وحتى اليوم نجد في الطب الشعبي مادة اللبان/العلك/العيك/مادة ~~أساسية لعلاج الأمراض الصدرية والمعوية وأمراض الدم، فيشرب مغليا مع إضافات نوعية ~~حسب نوع المرض، فهو مادة أساس حاملة لبقية صيدلية ذلك الزمان، وهنا نقرأ لسان العرب ~~يحدثنا تحت مادة نبط: # النبط: جمع أنباط، ونبط الماء نبط، والنبط ما يتحلب من الجبل كأنه عرق يخرج ~~من أعراض الصخر. وشاة نبطاء: بيضاء الشاكلة محورة، فإذا كانت بيضاء فهي نبطاء ~~بسواد، وإذا كانت سوداء فهي نبطاء ببياض. وفي حديث ابن عباس: نحن معاشر قريش من ~~النبط من أهل كوثي وربا (لاحظ أن كوثي بجنوبي العراق [المؤلف])، وقيل إن ~~إبراهيم الخليل ولد بها، وكان النبط سكانها. وعلك الأنباط هو الكامان المذاب ~~يجعل لزوقا للجروح. # ويوضح العالم الجليل «فهمي خشيم»: أن علك الأنباط ربما كان هو ما نسميه اليوم الصمغ ~~العربي، أما اسمه الكامان، فهو أصلا من المصرية «ق م إي ~~ت # qmiyt ~~» أي صمغ، ومن «ق م إي # qmiy ~~» وهو ~~سائل من مواد الصمغ، و«ق م إي. ت. ن ت. ع ن ت ~~ى # qmiy. t. nt. anty ~~» أي صمغ شجرة المر، و«ق ء م ~~إي # qamiy ~~» أي نبات زيتي و«ق م إي # qamiy ~~» أي ~~دهان. وهو في معجم المصرولوجست «بدج» نوع من اللزوق، وجذره «ق م أو ج م» الذي أخذته ~~اليونانية بالكاف «كومي # Kommi ~~» وكذلك اللاتينية # qummi ~~. ومن هنا نعلم لماذا كان المطاط في الفرنسية ~~القديمة هو # gomme ~~، وفي الإنجليزية ~~« # gum ~~= صمغ = علك = مطاط»، وقد أبدلت # q # و # g # من العربية ~~«ك»، فهي في العربية من المصرية «كم»، ومنها جاء اسم الكامان علك الأنباط. ولا يفوتنا ~~التأكيد على أن اللبان أو الكامان «ع. ن. ت. ي» ms380 في المصرية، جاء هنا غير منسوب لا ~~للصومال في أفريقيا ولا لليمن ولا للهند، إنما للأنباط، لبلاد آدوم. وهي الوراثة ~~اللغوية لواقع أحداث بعيد، يؤكد على الرباط بين اللبان والأنباط، ويؤكد ما نقوله من ~~بداية هذا العمل حتى الآن. ولا نستطيع هنا أن نمنع الذهن من تداعياته، وهو يتذكر ~~المملكة التي قامت جنوبي مصر حوالي 1600ق.م. واستمرت حتى 308ق.م. وحملت اسم مملكة ~~«نباتا # Nabata ~~»، والتساؤل الملحاح يقفز طوال الوقت ~~عن علاقة الجنس الأسود، باسم نابت ونبايوت ونباتا ونبط وبلاد بونط، خاصة أن مملكة ~~نباتا قامت في منطقة النوبة، التي كانت تكتب وتنطق بفتح التاء الأخيرة/الهاء، «نوبت» ~~التي حملت أيضا الاسم المصري «ا ء ح س # iahs ~~»، واسما ~~ثالثا «ك ش ت # kst ~~» أي كاسي، واسما رابعا ~~«إك ش # iks ~~» أي كوشي، # 4 # وهي ذات المملكة التي كانت تنتظر رسالة من ملك الهكسوس الأخير «أبو فيس» أو ~~«أسيس»، يأمر فيها ملك كوش بالهجوم على طيبة من الجنوب، بينما يهاجمها الهكسوس من ~~الشمال، ويناديه في رسالته بلقب «ولدي»، ومعلوم أن الجند المصرية قد قبضت على هذا ~~الرسول، عندما كان قادما من حواريس عاصمة الهكسوس بالدلتا الشرقية، متجها نحو الجنوب ~~عبر الصحراء، ومع بداية الألف الأخير قبل الميلاد نجد الجنوب اليمني، قد بدأ يفصح عن ~~حضارة تمثلها أربع ممالك، هي معان وسبأ وقتبان وحضرموت، التي لفتها جميعا الصبغة ~~الحميرية، وورثتها جميعا بعد ذلك دولة حملت اسم حمير. # وعن المرحلة المتعددة الممالك في بلاد اليمن، ذهبت مدارس إلى اعتبارها بالفعل ممالك ~~متعددة، لكن ليست متجاورة زمانيا؛ لأن تجاورهم جميعا في تلك المساحة الضئيلة كممالك ~~مستقلة، أمر يصعب قبوله تماما، لكن في ضوء فروضنا وما نطرحه يمكن قبول تزامن تلك ~~الممالك، مع التحالف، خاصة أن منها ما وجدنا له امتدادا شماليا أصيلا وأولا، مثل ~~معان، ومثل سبأ التي هبطت من الشمال إلى اليمن، ومن هنا نميل إلى رأي المدارس التي تقول ~~بتزامن تلك الممالك، ونراها معبرة عن ذلك الحلف العظيم، وهنا ننقل عن مظفر نادوثي ms381 قوله: ~~«إن العلماء الذين يرون أن المعنيين والسبئيين كانوا يعاصرون بعضهم بعضا، يبنون هذه ~~النظرية على نقش معيني، هو (جلاسر رقم 1155، وهاليفي رقم 535)، الذي يقول إن المعينيين ~~كانوا يتبادلون تجارة الكندر/اللبان الذكر، مع الآشوريين عبر نهرين، وقد أدى ذلك إلى ~~قيام حرب بين المادهي ومصر ... وفرتز هومل يرى أن لفظة # Madhi # تقوم مقام المديانيين # Midiantes # أو المانتي # Manti ~~؛ لأن ~~بدو سيناء كانوا يعرفون بهذا الاسم.» # 5 # ولنا أن نرى نحن من جهتنا في لفظ «مانتي» تحريفا للفظ «مديان»، حيث هو اللفظ الذي ~~يلتقي مع الكلمة التي تكررت في نصوص مصر القديمة «مونتيو»، على النسبة إلى مانتي ~~«ميتان/مديان» أو «مونت/بونت». # وإذا كنا قد انتهينا إلى أن مملكة الهكسوس قد مثل السادة الحاكمين فيها، سادة من ~~قبائل أو أجناس متحالفة في منطقة آدوم، التي كانت تابعة لمصر من بدايتها باعتبارها حد ~~مصر الشرقي، وأن شأنها قد تضخم إلى حد التسلط على الوطن الأم، وأن في بلاد آدوم ومحيطها ~~كانت معان المصرية ومديان؛ فإن «بلليني» يقول في خطاب شارد «إن المعينيين كما يتضح من ~~اسمهم يرجعون إلى ملينوس ملك كريت.» # 6 # وبلليني هنا يريد إرجاع أصل ذلك الشعب الشرقي إلى أصول يونانية، وهو لن ~~يقول بذلك إلا إذا كان ذلك الشعب جديرا بالانتساب إلى أصول حضارية راقية؛ ولذلك فمعان ~~تعود عنده إلى الحضارة المينوية الكريتية، وأنهم من نسل الملك الأسطوري مينوس، وهكذا ~~قلب الرجل الأوضاع، لكن ليعطينا معلومة تؤكد أن الإمبراطورية الهكسوسية، قد حملت ~~شعوبا من مواضعها، ونقلتها بين أفلاك إمبراطوريتها، لتفكيك عراها القبلية لتكون أسهل ~~انقيادا. وهي سياسة معلومة قديمة مارستها إمبراطوريات العالم القديم لتهجين شعوبها، ~~وتذويبها في بعضها وتقليم أظافر الشعوب القوية. ومن ثم فإن كريت المينونة يمكن أن تعود ~~إلى أجناس أخرى، خاصة أن تلك الحضارة نفسها قد دونت عن نفسها، أن حضارتها وأصولها تعود ~~إلى ملك أسطوري يدعى مينوس، قد جاءها مهاجرا من بلاد الشرق، من مصر تحديدا، ويعتقد ~~البعض أنه ربما كان هو الملك مينا مؤسس الأسرات المصرية، ms382 والدولة المركزية ~~الموحدة. # ويقول «صمويل لانج» في كتابه أصل البشر: «ومن بين النقوش التي عرفت ما يدل على أن ~~سلطة بعض الملوك المعينيين، لم تكن تقتصر على مقر ملكهم الأصلي في الجنوب، لكنها كانت ~~تمتد إلى كل البلاد العربية وإلى حدود مصر وسوريا.» # 7 # وقد كشفت التنقيبات الأركيولوجية في جنوب جزيرة العرب عن لوحة نذرية، جاءت ترجمتها ~~عند «نادوثي»، في حالة من الخلط مع ترجمة تالية إلى العربية، زادت الأمر سوءا، مما ~~أجهدنا وقتا لتحقيق هذا النص المهم على أصوله. لوحة شكر مقدمة إلى الإله «عستر»، الذي ~~ساعد مقدميها على العودة إلى بلادهم مرة أخرى سالمين، وهم يصفون أنفسهم بأنهم رعية ~~الملك المعيني «أبي ياداياتي # Abi-Yada-yathi ~~» أو أبي ~~عاطي في ترجمات أخرى. أما الغريب أن هؤلاء العائدين يقررون أنهم قدموا، من حيث كانوا ~~يعيشون حكاما على بلاد باسم «شور ونهرين». # 8 # ولأول وهلة يمكن للمطالع أن يتصور قدومهم من بلاد «آشور»، ويغفل عن أنها جاءت بدون ~~همز «شور»، وربما يذهب به ذلك إلى آشور المملكة الكبرى، التي تموضعت بين النهرين دجلة ~~والفرات. لكن قراءة أخرى وفق ما قلناه حتى الآن، يجب أن تذهب بنا إلى بلاد آدوم/نهرين، ~~حيث عرفنا أن «شور» كانت الحد الشرقي لمصر، حيث تموضعت عاصمة الهكسوس، خاصة أنه في ذات ~~اللوحة نجد إشارة إلى مدينة «غزة»، وإلى حرب نشبت بين المادهي # Madhi # التي ترجمها فرتز هومل «مديان» وبين المصريين. إن هذه اللوحة ~~في رأينا تسجيل فصيح بطرد الهكسوس من مصر، وعودة بعض عناصر الهكسوس إلى مواطنهم ~~التاريخية، وندعم ذلك فورا بما ذكره بللييني الذي عاش حوالي 799ق.م. أي في زمن قريب من ~~الأحداث، حيث قال: «إن السبئيين كانوا سادة ما بين الخليج الفارسي والبحر الأحمر.» # 9 # وقد ظل كلام بلليني لونا من المبالغة، وتعرض لسوء الفهم لزمن طويل، لكن مع بحثنا ~~هذا يتضح أن الرجل كان يسجل حقائق تاريخية بالفعل. # ونتذكر الآن النص الذي سقناه عن حملة «زيد بن حارثة» زمن النبي محمد إلى بلاد مديان ~~على ms383 العقبة، وأن كتب السيرة قد ذكرتها باسم «أهالي ميناء» أيضا، وهو ما حيرنا بعض ~~الوقت، لكن بالرجوع إلى النصوص اليونانية التاريخية نمسك بمفاتيح الفهم، حيث كانت ~~«معين» تكتب # Minai ~~، وهو كما هو واضح تلوين لهجوي لقبائل ~~تهمل العين، بالضبط كما كتبها اليونان «ميناي» أو بالعربية «ميناء». # وفي دائرة المعارف البريطانية كتب فرتز هومل، ~~عما جاء في النقوش البابلية بصدد بلاد تحمل اسم «مجان # Magan ~~»، ويحكمها ملك باسم «مانيئوم». # 10 # كذلك عقب المصرولوجست بدج على أرض مجان، بكونها تحديدا مناجم حجر الديوريت ~~الفاخر في سيناء. # ولما كانت العربية في لهجاتها كأي لغة سامية بلهجاتها، تخلط بين أو تستبدل الحرفين ~~«ج» و«ي» مثل «جاهوفاه = يهوه»، وبين القبائل العربية اليوم بالجزيرة قبائل تقول ~~«سجادة»، بينما تنطقها القبائل الشرقية «سيادة»، ومثلها فإن «مجان» في نطق، تصبح «ميان» ~~في نطق آخر، التي هي عندنا معان/معين/مينا/ميناء. # أما اسم الملك مانيئوم أو «ماني أوم»، فيجب أن يكون «معاني أوم»، والأوم هو العمود ~~وجمعه أوام، وهو الاسم القديم لبلدة يمنية قديمة تحوي آثارا عديدة، أهمها الأعمدة ~~أصبحت تحمل اليوم اسم «العمايد»، # 11 # وكل ما حدث هو استخدام مفردة جديدة تدل على ذات المعنى القديم، وعليه فإن ~~«معاني أوم» ليس اسما للملك، بقدر ما هو وصف له أو لقب فهو «عمود معان»، والعمود كما ~~علمنا أحد صفات العمالقة ودلالة الملوكية، كما استنتجنا من لسان العرب في الفصول ~~السالفة. # ومما يؤكد رأينا في كون الساميين قد عرفوا سيناء وحدودها الشرقية باسم مصر، بينما مصر ~~كانت تحمل اسما آخر «كيميت/توميري»، وأن الاسم السامي لبلاد النيل هو الذي ساد وانتشر، ~~حتى أصبح دالا على مصر الوادي جميعا «باسم مصر»، إن ذلك قد أدى إلى التباسات في ~~تفسير أحداث التاريخ. ونموذجا له ما جاء عند المصرولوجت «سايس»، وعقب عليه المؤرخ ~~المصري «عبد العزيز صالح» بقوله: «وهناك رأي غريب وبعيد عن المنطق الزمني والمنطق ~~التاريخي، اعتمد على ما سجله نارام سين عن أحداث عصره، وروى فيه أنه قبض بنفسه على ~~«مانو دانو» ملك «مجان»، ms384 وفسرت طائفة من المؤرخين ذلك بأنه قبض على الفرعون مينا مؤسس ~~الأسرات وأول ملوك مصر.» # 12 # وهكذا نجد نظريتنا تعيد الأمور إلى صحيحها ونصابها، حيث كانت «مجان» هي «معان/معين» ~~شرقي سيناء وبلاد آدوم، وأنها كانت تعني آنذاك «مصر»، بلاد «موصرى». وعليه فإن الملك ~~الرافدي «نرام سين» يكون قد هزم «مانو دانو» ملك مصر الآدومية، وليس مصر «كيميت/ ~~توميري» المعروفة في وادي النيل. # وما يؤكد ذلك بشدة أن الكلمة «مجان» تعود إلى ~~الجذر السومري # MA # بمعنى الماء وبمعنى الميناء وأرض ~~السفن، وهو ما يشير إلى شهرة أهل «مجان» في ركوب البحر، وتشهد عليه تماثيل الدلفين ~~المنتشرة في فنون الأنباط، وقد دعم تلك الترجمة نص من أيام الملك «دونجي» ملك «أور» ~~الرافدية حوالي 2450ق.م. يتحدث فيه عن صناع السفن في بلاد مجان. إنه يتحدث هنا عن بلاد ~~بونت القديمة/آدوم في وادي عربة قبل زمن الأنباط الرومي. # أما الأشد إضاءة، فهو أن تصف النصوص السومرية بلاد «مجان» بأنها: جبل النحاس وأرض ~~الدولريت وبلاد الماعز، # 13 # وكلها تحيل إلى بلاد آدوم المديانية، حيث مناجم ومصانع النحاس، والأحجار ~~المتميزة عن أحجار الدنيا، وماعز الهكسوس الذي شرحنا بشأنه طويلا، وهو الماعز الذي ~~تنتسب إليه قبائل عربية، كالقبيلة التي لم تزل تحمل اسم عنزة إلى اليوم، والنسبة إليها ~~«عنزي»، ونجد أفراد قبيلة قديمة باسم معزة تعمل مرتزقة في جيش الرعامسة مع أفراد من ~~بلاد النايري، وهو ما نجده في قول حماد: # وفي عهد الرعامسة الأول نجد أن الفرقة كانت مكونة من 1900 مجند مصري، ~~يعاونهم 3100 من المساعدين المتطوعين، وهؤلاء كانوا من الآسيويين من ~~النيارين # Nearin ~~، وأصيل اسمهم مشتق من ~~اللفظة السامية نار # Naar # أي شباب، وكذلك بدو ~~من بدو الصحراء. ومن النوبيين من قبيلة ميزا # Meza # معزة، ويرى حماد أنهم نوبيون لأنهم سود (ونحن نراهم ~~كوشيي آدوم [المؤلف])، وكانوا يشكلون فرقة الشرطة منذ أقدم العصور ... والجنود ~~المساعدون أو المتطوعون مثل الميزاي # Mizay ~~، ~~فكانوا تحت قيادة ضباط من شعوبهم. # 14 # لقد كانوا المعزيين أو العنزيين، وكانوا في ms385 آدوم وليس في الصومال في أفريقيا. # الفصل الخامس # | أين تقع حويلة التوراتية # والسؤال الأول هنا: ولماذا البحث وراء أسماء توراتية مثل حويلة؟ ما الغرض من تحديد ~~موضعها الجغرافي؟ # الإجابة تتمثل في عنصرين أساسيين؛ الأول هو أن تحديد مكان حويلة سيساعد في تأكيد ~~مذهبنا حول المواضع التي عاش فيها الإسماعيليون المديانيون وحلفاؤهم؛ لأنها دوما ترد ~~كإحداثية جغرافية يضعها المحرر التوراتي، كإحدى العلامات لمواطن معيشة هؤلاء. # أما العنصر الثاني فهو أن هناك التباسا شديدا حول موضع حويلة التوراتية، أدى لكم ~~غفير من الأخطاء في استنتاجات زملائنا من باحثين . وقد وجدنا في محاولة التحديد تلك ~~فائدة بحد ذاتها، يمكنها أن تقدم للباحثين تحديدا دقيقا يؤدي إلى نتائج بحثية ~~دقيقة. # هذا إضافة إلى اعتقادنا أن هناك أكثر من مدينة حملت هذا الاسم، أدت إلى تلك ~~الالتباسات، وأن أهم هذه الحويلات ثلاث حويلات: الأولى في أقصى شمال فلسطين، وأعطت ~~اسمها لبحيرة الحويلة. والثانية هي المتواترة في الكتاب المقدس، وهي مدينة عماليقية على ~~حدود فلسطين الجنوبية بشبه جزيرة سيناء كما سنرى. ومدينة أخرى هي الأهم، وهي تلك التي ~~عرفناها عاصمة للهكسوس في مصر باسم حواريس بالتبادل بين اللام والراء «حويلة = حويرة»، ~~ويموضعها المؤرخون في مكان ما غير متفق عليه شرقي الدلتا المصرية. # ونبدأ بالسؤال الملحاح الذي لم يجد حتى الآن إجابة قاطعة بين مبعثرات التاريخ القديم ~~وشظاياه: أين تقع المدينة التي اتخذها الهكسوس مركزا ~~عسكريا وإداريا في مصر؟ وجاءنا ذكرها عبر المؤرخ ~~المصري «مانيتون ق 3ق.م.» باسم «حواريس» أو «أواريس» بالنطق اليوناني، أو «حواعرة» أو ~~«هوارة» بالنطق المصري. وهو السؤال الذي أجبنا عليه في الجزء الأول، وعلمنا أن حويلة هي ~~حوير هي حواعرة هي أواريس، هي أفاريس، تل المسخوطة أو الخشبي الآن، والتي أعطاها رمسيس ~~الثاني اسمه، واستعبد في بنائها الإسرائيليون فيما يزعم المقدس التوراتي. # وكثيرا ما ربطت التوراة بين مدينة الهكسوس الكبرى في جنوبي فلسطين (حبرون/الخليل)، ~~وبين حواريس المصرية. والتوراة تذكر حواريس باسمين يردان على التبادل، الأول والقديم هو ~~«صوعن»، والثاني الأحدث هو مدينة «رعمسيس». ms386 وتشير في تواتر متعدد، وفي مناطق متفرقة ~~بالتوراة، إلى أن «صوعن» قد بنيت بعد «حبرون» بسبع سنين. ويبدو أنها الفارق الزمني بين ~~استيلاء الهكسوس تماما على حبرون/الخليل/جنوبي فلسطين عند ~~تحولهم من دولة تجارية إلى دولة توسعية إمبراطورية، وبين دخولهم مصر وإقامتهم في ~~صوعن/رعمسيس/حواريس. لكن الإضافة هنا أنه كان هناك حواريس أصلية أقرب إلى المركز ~~الرئيسي للهكسوس، نظنه هو ذات المركز الذي جاء اسمه في التوراة باسم «حويلة». # الواضح لدينا على المستوى اللساني وحده «الآن»، أن «حويلة» التي تكررت في الكتاب ~~المقدس ، أنها بالتبادل بين حرف اللام والراء باعتبارها حروف سقف حلقية، فإن «حويلة» ~~ستكون «حويرة»، وبهذا يصبح معناها «الحورية». وهي المسمى التي يلتقي تماما مع اسم ~~عاصمة الهكسوس «حواريس»، بعد حذف التصريف الاسمي فتصبح «حوار». وفي المعركة التي قادها ~~أول ملك إسرائيلي، الملك «شاول» ضد العماليق العناقين، يؤكد لنا الكتاب المقدس نتيجة ~~المعركة بقوله: «وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر (صموئيل ~~أول، 15: 7)». وهذه النتيجة تعني أن شاول بضربه مدينة العماليق امتد تأثير تلك الضربة ~~على العمالقة، بطول المنطقة الممتدة من «حويلة» إلى «شور» التي أمام مصر. وحتى الآن لم ~~يتم تحديد أين تقع «حويلة» التوراتية على الإطلاق، إنما ذهب الجميع إلى تحديد «شور» ~~بأنها على حدود الدلتا الشرقية مباشرة، حتى تكون أمام مصر، استنادا إلى مجموعة ~~إحداثيات أعطتها لنا التوراة، حيث يتكرر ذكر «شور» مرات متعددة. وأول الإحداثيات ~~وأوضحها تأتي في حدث عبور البحر بالعصا المعجزة، حديث نجد، أول موضع ~~ينزل به الإسرائيليون بعد عبور البحر من الدلتا ~~المصرية إلى سيناء، هو برية باسم شور: «ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف، وخرجوا إلى ~~برية شور» (خروج، 15: 22)، مما يعني أنها على الحدود مباشرة مع المدن المصرية العامرة ~~في شرق الدلتا، والتي كان أهمها «صوعن» أو «رعمسيس» مدينة الفرعون التي يزعم ~~الإسرائيليون أنهم اضطهدوا في بنائها، وعبروا من جوارها البحر في قصة العصا الحية. ~~ويبدو أن هناك طريقا كان يبدأ من الموضع شور حتى يصل ms387 إلى شرقي سيناء نحو فلسطين، أطلقت ~~عليه العبرية «درك شور»، وجاء في الترجمة العربية «طريق شور» (تكوين، 16: 17)، ومن ~~المتكررات التي تذكر الوضع «شور» بالتوراة ذلك النص الذي يحدد موطن سكنى الإسماعيليين، ~~ويضعه في ذات الموضع الذي سبق للتوراة وحددته موطنا لسكنى العمالقة، والذي ذكرناه من ~~هنيهة في نص الملك شاول، والنص الجديد هنا لسكنى الإسماعيليين، يؤكدان أنهم قد «سكنوا ~~من حويلة إلى شور التي أمام مصر» (تكوين، 25: 18)، وهو ما يضيف قرينة جديدة إلى ما سبق ~~وذهبنا إليه في كون الإسماعيليين عمالقة ، أو أنهما بطنان لقبيلة واحدة. ثم لدينا إشارة ~~أخرى تتحدث عن المواطن التي أقام بها البطرك إبراهيم إبان ارتحالاته بالمنطقة، والإشارة ~~تقول: إنه قد «سكن بين قادش (عين قديس [المؤلف]) وشور، وتغرب في جرار» (تكوين، 20: ~~1). # وإذا كان قد تم تحديد «قادش» بأنها «عين قديس» في أقصى الطرف الشرقي بسيناء على ~~الحدود الآدومية الغربية، وأنه إذا كانت شور في أقصى الطرف الغربي لسيناء على حدودها مع ~~شرقي الدلتا المصرية، فإنه يجب البحث عن «حويلة» التوراتية بجوار قادش سيناء في أقصى ~~الطرف الشرقي لسيناء، وبالتحديد عند طرف الطريق القديم الذي أسمته التوراة «درك شور»، ~~واكتسب اسمه من وقوع «شور» على طرفه الغربي. وبذلك تكون المسافة الواقعة بين «حويلة» ~~شرقي سيناء و«شور» غربي سيناء، هي المسافة الكبرى التي سكنها العماليق والإسماعيليون، ~~وتكون «مدينة عماليق» التي ضربها شاول بعد حصارها، هي ذات عين «حواريس» أو «حويلة» ~~التوراتية، وليست حويلة/حواريس الموجودة شرقي الدلتا المصرية باسم رمسيس. وفي هذه ~~الحالة يجب البحث عن حويلة التوراتية في مكان ما شرقي سيناء في جوار قادش (عين قديس)، ~~وعلى حدود آدوم الغربية وحدود فلسطين الجنوبية. # وحتى يمكن الوصول إلى تحديد دقيق، يلاحظ أن الإسماعيليين رغم انتشارهم في سيناء ~~جميعا، من حويلة التي نبحث عنها شرقا حتى شور غربا، ~~فإن أول استقرار إسماعيلي ألمحت إليه التوراة، كان ~~في ترميزها القصصي الذي أكد أن هاجر وابنها إسماعيل بعد طردهما من بيت إبراهيم، هبطا ~~من فلسطين جنوبا ليسكنا في برية فاران ms388 (تكوين: 21)، التي افترضناها باران الحالية، أي ~~قرب قادش؛ وذلك لأن هناك نصا توراتيا آخر يحدد لنا موقع «قادش»، بأنها تقع بدورها ~~في برية فاران (عدد، 13: 26)، وأن في محيط برية فاران برية أخرى، دعتها التوراة برية ~~صين. فالتوراة تقول إن قادش رغم وقوعها في محيط برية فاران، فإنها تقع في محيط برية ~~أخرى باسم «صين» (وذلك في عدد، 20: 1)، وقد اتفقنا على أن برية «صين» هي «تسين» الحالية ~~في الجوار ذاته إلى الشمال قليلا من «باران». # أما ما يؤكد لنا صدق تلك الإحداثيات، وأن موطن سكنى إسماعيل وأمه كان في برية ~~«فاران» و«صين»، قرب «قادش» على حدود سيناء الشرقية التي هي حدود آدوم الغربية، وأن هذه ~~المنطقة كانت الطرف الشرقي أودرك «شور»، يؤكد كل ذلك قول التوراة إن ملاك الرب قابل ~~«هاجر»، وأن ذلك اللقاء قد تم في موضع تحدده التوراة بقولها: «فوجدها ملاك الرب على ~~العين التي في طريق شور» (تكوين، 16: 6، 7). أما «قادش» نفسها فقد حددت التوراة موضعها ~~بقولها: «قادش على تخوم آدوم» (عدد: 20). وبذلك تقع قادش سيناء أيضا جنوبي فلسطين أو ~~مملكة إسرائيل القديمة، وهو ما جاء في نص توراتي يرسم الحدود الجنوبية لأرض تلك ~~المملكة. «وجانب الجنوب يمينا من ثامارا إلى مياه مريبوت قادش النهر إلى البحر الكبير» ~~(حزقيال: 47). # الآن أمكننا حصر منطقة أضيق للبحث فيها عن «حويلة»، فأي موضع في هذا الصقع الممتد من ~~غربي آدوم إلى جنوبي فلسطين، يحتمل أن يكون هو موقع حويلة التوراتية، تلك التي حارت ~~فيها الأفهام؟ # بالبحث لا يمكنك أن تجد موضعا يحمل في سماته اللسانية اسم حويلة أو حويرة أو حواريس، ~~ويقع في تلك المساحة أو تحديدا، على الطرف الشرقي لطريق قديم في سيناء يربط شرقها ~~بغربها، سوى مدينة العريش الحالية، التي تلتقي التقاء مدهشا مع المعطيات التي لدينا، ~~على المستوى اللساني، وعلى مستوى الإحداثيات الجغرافية. # وفي هذه الحال، يجب أن تكون مقاطعة سترويت المنسوبة إلى الإله «سيت» أي «الستية»، ~~وكما علمنا غير موجودة بالمرة في الجداول المصرية لمقاطعات مصر القديمة، هي ms389 منطقة نفوذ ~~إله الصحارى، هو شبه جزيرة سيناء المتصلة بالدلتا المصرية الشرقية. # وإعمالا لذلك سبق ووضحنا حلنا الافتراضي، وهي أن تكون شبه جزيرة سيناء هي التي عرفت ~~في أعمال المؤرخين الكلاسيكيين، باسم مقاطعة «سيترويت» نسبة للإله «سيت»، وهنا علينا أن ~~نلحظ أن «سيترويت» هي المقلوب اللساني للكلمة المصرية «دوسريت» أو «دوشريت»، الدالة على ~~الصحارى الشاسعة. # وقد أفادتنا المصادر المتخصصة في الساميات، أن «سيناء» قد حملت اسم «سيناء»، نسبة ~~إلى إله القمر المنطوق باللسان السامي «سين» أو «زين»، وأنه كان ينطق مختصرا «سي» ~~بإمالة السين إمالة طويلة، و«سي» وحدها دلالة اسمية على السائمة من الحيوانات ذات ~~القرون، ومنها جاءت كلمة «ساة» أو «شاة». وقد اقترنت السوائم المقرنة بإله القمر خاصة ~~في حالة الهلال، بعد أن قرن الإنسان القديم بين قرني السوائم وبين قرني الهلال، ~~فاعتبر القمر ثورا أو تيسا أو خروفا سماويا، وسنعلم لاحقا كيف اقترن الإله ست ~~بالإله القمر رب الصحارى والبداوة والبوادي، وهو ما يرجح أن يكون اسم «سين للقمر»، جاء ~~أصلا من المفرد. «س» في «سيت»، مضافا إليه أداة التعريف السامية الجنوبية «ن»، التي ~~كانت تلحق بآخر الكلمة للتعريف، كما في «رحمن» التي كتبتها نصوص المستند اليمني «رحمن - ~~ن»، ويبدو لنا أن «ن» لحقت أولا بالثنائي «ست»، فأصبحت «ستن» التي ستصبح بعد ذلك ~~الشيطان كما سلف، وكما سيأتي بيانه، وهي صفات الإله «سيت» المصري، إلا أن ما يهمنا هنا ~~هو أن سيناء اسم منسوبة للإله المصري «سيت» في إحدى تجلياته وتمثلاته، وهو هنا التجلي ~~القمري لقربه من حال سيناء البدوي، تصبح «سيناء» أو «سيترويت» كليهما وعلى اختلاف ~~نطقهما منسوبة إلى الإله «سيت» المصري. # وهنا نتذكر ما جاء في حديث التلمود عن الشيطان، وأنه كان يطلع بين قرني ثور، والثور ~~هنا هو قمر هلالي لتجلي سيت ... والثور في السامية القديمة وبخاصة البابلية كان ينطق ~~«شيد» وهي ببساطة «سيت». أما التوراة فقد جاءت بكلمة «شيد» بمعنى عفريت، والعوام حتى ~~اليوم يقولون عن العفاريت «الأسياد»، وهي تسمية تشير إلى أصحاب «سيت»، ms390 باعتبارهم أصحاب ~~سيادة/هكسوس كما سلف البيان، والكلمة «سيت» نفسها تنطق أيضا «سيد»، وتحمل معنى ~~السيادة. أما الرب التوراتي زمن النبي إبراهيم فقد جاء في التوراة العربية باسم «الرب ~~القدير»، وتلك ترجمة عن الأصل العبري المازوري لذات الكلمة بالعبرية «إيل شداي». وهي ~~كلمة تتركب من ملصقين: الأول «إيل» أي رب، والثاني «شداي»، وشداي تحيلنا إلى «سيت» مرة ~~أخرى «سيت/ شيت/شيتاي/شيد/شيداي». وقد أشرنا في كتابنا «قصة الخلق» إلى علاقة واضحة ~~بين «شداي» هذا وبين «الشذى » أو الريح، وكلها تلتقي مع ما جمعناه من معطيات حتى الآن ~~بشأن ذلك الإله، وتتناغم معنا تناغما بينا واضحا. # أما المصريون فقد كانوا يتقربون إلى الإله «سيت»؛ اتقاء لشريته الصحراوية بتقديم ~~القرابين إليه من الثيران والأبقار الحمراء أو المغراء، التي لاشية فيها، ولو وجدوا فيه ~~شعرة واحدة من لون مخالف لعدوه غير صالح للقربان، الأمر الذي يربطه بالبلاد الحمراء ~~في آدوم، فكان قربان سيت ثورا أو بقرة «شيد» صفراء فاقعا لونها. # 1 # ولم يزل الفلاح المصري يخاطب السوائم ويحثها على السير والحرث باسمها القديم، والجذر ~~اللغوي الأصيل «سي»، مع إمالته إمالة طويلة منطوقة «شي». ويتبادل مع لفظ الحث هذا لفظ ~~آخر خصص فقط للحمير هو «حا»، وقد علمنا أن بداية ست في الرسوم التخطيطية كانت تصوره ~~حمارا. والمبهر هنا أن «حا» هو اسم القمر في حالة الهلال باللسان المصري القديم، # 2 # وقد انتسب للإله القمر «حا» فراعنة مرموقون مثل الذي ننطقه اعتباطيا ~~«أحمس»، بينما يجب نطقه صحيحا «حا - مس» أي ابن القمر، وهو بالترجمة الدقيقة «حا أعطي ~~ابنا»؛ ولأنه كان قائد تحرير مصر من الهكسوس، وكان عسكريا مظفرا، فيبدو أنه قد ترك ~~أثره اسما واضحا في اللسان العربي «الحماسة». # ولأن المصادر التاريخية تضن علينا بأية إضافات يمكن التعامل معها بشأن أواريس ~~الهكسوسية، التي قامت داخل الحدود المصرية في الدلتا الشرقية، فسنعمد الآن - وإلى حين ~~فقط - إلى حواريس أخرى، هي حويلة التوراتية التي حددنا موضعها بالعريش شرقي سيناء، ~~بحسبانها «حواريس» متقدمة، للإشراف على أرجاء الإمبراطورية الهكسوسية، وفي بلاد ms391 الشام ~~وجزر المتوسط ومصر نفسها. أما الأهم فهو قربها من المركز الرئيسي لانطلاق الهكسوس، الذي ~~انعقدت عنده أحلافهم في آدوم. # وهنا نفتح قاموس الكتاب المقدس في مادة «حويلة»، فيطالعنا بوجوب قراءتها بفتح الحاء، ~~فهي «حويلة»، وهو ما يلتقي مع فتح الحاء في «حواريس»، ثم يقول بأن يؤكد كل ما وصلنا ~~إليه حتى الآن: # حويلة: اسم سامي معناه رملية ... هو اسم لرجل من بني كوش (تكوين، 10: 7)، واسم ~~لرجل من بني يقطان (تكوين، 10: 29)، واسم ~~لمقاطعة من بلاد العرب يسكن بعضها الكوشيون، ويسكن البعض الآخر اليقطانيون، ~~وهم شعب سامي، (تكوين، 10: 7 و29؛ وأخبار أيام أول، 1: 9 و23). والصلة بين ~~حويلة وحضرموت وأماكن أخرى، تشير إلى موقعها في وسط البلاد العربية، أو في ~~جنوبها وفي حويلة نهر فيشون، والمنطقة غنية بالذهب والمقل، وهو صمغ عطري طبي، ~~والأحجار الكريمة (تكوين، 2: 12، 11). ويفضل البعض أن يحققها بمنطقة خولان، في ~~القسم الغربي من بلاد العرب شمالي اليمن، ولا يعرف إلى أي حد كانت تمتد ~~الحويلة شمالا، ومن قصة محاربة شاول مع العمالقة، قد نستنتج أن قسما من ~~الصحراء العربية، يمتد عدة مئات من الأميال شمال اليمامة، ويحمل اسم حويلة ~~(صموئيل أول، 7: 15؛ وتكوين، 25: 18). # إذن ووفق ما ساقه لنا قاموس الكتاب المقدس، الذي اشترك في إعداده جلة محترمة من ~~علماء الكتاب المقدس، فإن كلمة «حويلة» تعني «الرمل»، فحويلة تقع في منطقة صحراوية، ~~وكذلك العريش، وعلى عادة المقدس التوراتي في تصنيف المواضع والأجناس، منسوبة إلى أشخاص ~~قدامى أسطوريين، آباء لأقوام وشعوب، فإنه يقول: إن حويلة كان اسما لرجل (كوشي)، أي ~~من الجنس الأسود الزنجي، وقد قلنا إن هناك عنصرا زنجيا قد سكن المنطقة، ورفض ~~المؤرخون، بل ولم يتصوروا وجود عنصر زنجي في هذه المنطقة، رغم ما جاء في المدونات ~~التاريخية الكلاسيكية والكتاب المقدس، وأسقطها الباحثون دوما من حساباتهم؛ لذلك نحن ~~أول المفسرين بلا منازع ينازعنا، ثم إن الاسم كان في الوقت ذاته اسما لرجل من نسل ~~«عابر» العبري هو «يقطان»، وبالعربية هو قحطان. ونحن نعلم أن قحطان جنوب جزيري سكن ~~الجنوب ms392 اليمني، لكنه وفق نظريتنا جاء من الجنوب إلى الشمال، يرتحل إلى آدوم تاجرا ~~ومقاتلا. ثم إن القاموس المقدس يضيف لحويلة معنى ثالثا، فهو اسم لمقاطعة يسكنها العرب ~~والزنوج، ويصفها بأنها عربية. ونحن نعلم مما أوردناه أن المؤرخين الكلاسيكيين قد أطلقوا ~~على المنطقة جميعا من آدوم حتى الدلتا الشرقية اسم العربية، أو المقاطعة العربية. أما ~~الأشد فصاحة لأمرنا هنا، فهو القول أن تلك المقاطعة كانت تنتج المر/البخور/اللبان/الصمغ ~~العربي العطري، ولكن لأن القاموس وأصحابه لم يصلوا إلى ما وصلنا إليه حتى الآن في ~~بحثنا؛ فقد ذهبوا يضعون حويلة في شبيهها اللساني «خولان» غربي جزيرة العرب عند اليمن. ~~ويكون شاول الملك بذلك قد قام بأكبر حملة في التاريخ، حملة أسطورية اكتسح بها فيافي ~~الجزيرة من فلسطين حتى اليمن، ويأتينا الخلل الجغرافي الشديد وفق هذا الرأي، فأين ~~خولان من شور التي أمام مصر؟ المهم أن القاموس يستمر فيؤكد لنا مذهبنا، فحويلة بها ~~الأحجار الكريمة والذهب. # ونستفيد هنا من الجليل علي فهمي خشيم الذي يبحث في شأن آخر بعيد عن شأننا هنا؛ إذ ~~يتحدث عن «حواريس» الهكسوسية بمصر، فيقول إن المقابل السبئي لها هو في مادة «ح و ر»، ~~وتفيد معنيين نقيضين، فهي بمعنى ذهب، وبمعنى قعد واستقر (أليست تلك حال أولئك موضوع ~~بحثنا حتى الآن، بل وألا تنطبق إلا عليهم؟) # ولنلحظ أن ذهب هنا بمعنى المشي دوما، وهو ما يذكرنا بتفسيرنا للكلمة المصرية التي ~~كانت تشير إليهم «الشاسو». ويقارن خشيم «ح و ر» بالآية القرآنية # ظن أن لن يحور ~~(الانشقاق: 14)، أي لن يعود. وبالأثيوبية ~~حورا # Hora # أي يذهب، والأصل فيها من التردد ~~والدوران، أي الحيرة. وهنا يجب علينا التذكير بالنص التوراتي «آراميا تائها كان ~~أبي»، ما معنى الاستقرار، فقد جاء من «حور» بمعنى أحاط وشمل، إذ تبنى المدينة فتحاط ~~بسور يحورها، وهو ما يلتقي مع الأسوار ذات النمط الخاص جدا، الذي كانت تبنى به مدن ~~الهكسوس. والتي يشابهها تماما وبشكل مذهل، ذلك الخط العسكري الذي أقامته إسرائيل بعد ~~الهزيمة العربية على قنال السويس، والذي ms393 عرف باسم «خط بارلييف». ويمكن قرن كلمة «ح و ~~ر» بكلمة «حارة» و«ح ي ط» أو «حائط»، ومثلا لها المصرية «ح ت، و ع ر، ت # HT. WR.T ~~» عاصمة إقليم «إم ن. ~~ت # MN.T ~~»، ومعناها حائط أو قلعة إقليم منت، وتقترن باليوانية ثيولوجيا أو ~~أرين أو أفارين، أي أوارين المقدسة. # 3 # ومن ثم فالاسم حواريس يضم عددا من المعاني، فهي مدينة كبرى مقدسة مسورة، سكانها من ~~البدو المرتحلين الذين استقروا مؤقتا، أو استقروا ثم عادوا فتشتتوا، زيادة على كونها ~~مركزا رئاسيا إداريا. # وفي سفر التكوين نص يرد فيه ذكر الموضع «حويلة»، يقول: # وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله، وأنبت الرب ~~الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، ~~وشجرة معرفة الخير والشر، وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم ~~فيصيران أربعة رءوس، اسم الواحد فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، ~~وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع، واسم النهر الثاني جيحون، وهو ~~المحيط بجميع أرض كوش، واسم النهر الثالث حداقل، وهو الجاري شرقي آشور، والنهر ~~الرابع الفرات. ~~(تكوين، 2: 7-14) # الأسطورة هنا تحكي عن خلق آدم ووضعه في جنة باسم عدن، وهذه الجنة تقع على هذه الأرض. ~~ونظرا لأن العلم بجغرافية الأرض لم يكن قد اتسع بعد، فقد رددت الأسطورة تصورا ~~متواترا لدى الشعوب القديمة، يعتقد أن الأنهار جميعا تنبع من منبع واحد على اختلاف ~~مواضعها، وأن ذلك المنبع لا شك عند مقر الآلهة؛ نظرا لتشابه الظواهر النهرية وكائناتها ~~على اختلاف مواضعها. وضمن تلك التصورات ذلك التصور الذي وضعه سكان منطقة الشرق الأوسط، ~~وتبنته التوراة، فتقول إنه في تلك الجنة سكن آدم أو آدوم أبو البشرية، وفي هذه الجنة ~~نهر أول هو منبع وأساس، تتفرع منه الأنهار الكبرى الأربعة، وأول تلك الأربعة نهر باسم ~~فيشون، وهو المحيط بجميع أرض حويلة. ووفق ما طرحناه، فإن هذا النهر سيكون هو نهر وادي ~~العريش، وقد اعتادت ms394 التوراة على تسميته «نهر مصر». خاصة إذا ربطنا ذلك بما سبق وقلناه، ~~إن سيناء وآدوم هي التي كانت تحمل مصر، قبل أن تنسحب التسمية على مصر المعروفة الآن، ~~وأنها كانت تسمى على التنغيم مصري وموسري ومصري وموسير ومشري، وكان هذا النهر هو آخر ~~الحدود الغربية الجنوبية لدولة إسرائيل الموحدة القديمة حسب زعم التوراة، وأبزر النصوص ~~التوراتية لتحديد تلك الحدود، ما جاء في الوعد لإبراهيم بالنص القائل: «لنسلك أعطي هذه ~~الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (تكوين، 15: 18). # كما تم تحديد وادي مصر هذا أو نهر مصر، مع تحديد التوراة لآخر النقاط الحدودية ~~الجنوبية - لسبط يهوذا - مع مصر، في النص «أشدود وقراها وضياعها إلى وادي مصر والبحر ~~الكبير وتخومه» (يقصد البحر الأبيض [المؤلف]) (يشوع، 15: 47). # وفي عبقرية المكان الجغرافي المصري، يقول لنا «جمال حمدان»: «وادي العريش ليس فقط ~~أكبر الأودية الصحراوية طولا وتشعبا ومساحة في حوض سيناء وحدها، لكنه أكبر ما في مصر ~~كلها ... كان يسمى منذ أقدم العصور نهر مصر، ولعله المقصود بنهر مصر في التوراة ... ورغم ~~أنه جاف معظم السنة؛ فهو سيلي بالشتاء. أما في موسم فيضانه فيكاد يبدو نهرا جليل ~~القدر عظيم الخطر، يزحف كالسيل مقتلعا المباني والمزارع.» # 4 # أما النهر الثاني فهو المحيط بأرض كوش (الجنس الأسود) واسمح جيحون، حسب رؤيتنا هنا هو ~~ذلك الذي يحمل اليوم اسم النيل، حيث كان في جنوب مصر دولة تابعة لمصر باسم بلاد كوش، ~~وكان يحكمها وال من قبل الفرعون منوبا عنه بلقب «ابن الفرعون في بلاد كوش». أما النهر ~~الثالث «حداقل» الذي اتفقت عليه الترجمات بكونه نهر «دجلة» أحد الرافدين؛ لأن النص ~~التوراتي يضعه شرقي دولة آشور الرافدية القديمة؛ لذلك فإن النهر الرابع منطقيا يجب أن ~~يكون «الفرات». # وفي المأثور الإسلامي يأتينا نفس التصور مع تحريف بسيط في بعض الأسماء، كما في ~~الحديث عن أبي هريرة عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «فجرت أربعة أنهار من الجنة؛ الفرات والنيل ~~وسيحان وجيحان.» # 5 # أما الكتاب المقدس فيصر على تأكيد معنى ms395 الجنة، فكان نموذجه وهو يصف منطقة ~~وادي عربة بأنها «كجنة الرب كأرض مصر» (تكوين، 13: 10). # ثم تأتينا القرينة المبينة، وتتمثل فيما رواه ~~سترابو # STRABO # عن قرار الإمبراطور الروماني عام ~~25ق.م. بإرساله حملة رومانية إلى جزيرة العرب للاستيلاء على محطات التجارة الكبرى ~~وموانيها، وكلف بذلك إيليوس جالوس # AELIUS GALLUS # قائدا للحملة، انطلاقا من العقبة مستعينا بملك الأنباط العربي (أبو دعس الثاني # OBODAS II ~~)، لكن الملك النبطي ضلل الحملة ~~وساقها إلى عمق الصحارى، حيث تاه الجنود وماتوا عطشا. إلا أن روما لم تخرج صفر اليدين، ~~فاستولت على ميناء عربي شمالي «كانت التجارة الآتية إليه تنقل من هناك برا في القوافل ~~إلى البتراء»، وهو ميناء غير محقق المكان الآن عند الباحثين، أما اسمه حسبما جاء بلسان ~~سكان المنطقة، ودونته المراجع الرومانية فكان «حوارة». # 6 # وكما لدينا «حويلة» التي تقع عند قادش سيناء، التي قلنا إنها العريش، فإن هناك حويلة ~~أخرى باسم «حواريس»، وهي التي انتهينا إلى أنها رعمسيس الواقعة شرقي الدلتا المصرية، ~~وحويلة ثالثة عند البحيرة التي حملت اسمها شمالي فلسطين «الحولة». ومعلوم أن هناك أكثر ~~من موضع في التاريخ التوراتي، والتاريخ القديم عموما حمل اسما واحدا مثل قادش، ومثل ~~دان، ومثل حاصور، فهناك أكثر من دان وأكثر من حاصور، لكن يبدو لنا أن «حويلة» سيناء ~~التي حققناها بموضع العريش الآن، هي ذات المدينة التي ذكرتها التوراة باسم آخر هو ~~«حصرون» و«حاصور» التي تقع جنوبي فلسطين. فالنص يعدد لنا مدن يهوذا الحدودية الجنوبية ~~مع بلاد آدوم في قوله: # هذا نصيب سبط يهوذا حسب عشائرهم، وكانت المدن القصوى التي لسبط بني يهوذا إلى ~~تخم آدوم جنوبا: قبصئيل وعيدر وياجور وقينة وديمونة وعدعدة وقادش وحاصور ~~ويثنان، وزيف وطالم وبعلوت، وحاصور وحدته وقريوت، وحصرون هي حاصور. ~~(يشوع، 15: 20-25) # وفي هذا النص تختفي حويلة من تعداد المدن، ~~لتظهر بدلا منها حاصور، ويقول قاموس الكتاب المقدس تحت مادة «حاصور»: إن حاصور كانت ~~تتبعها قرية باسم «حاصور وحدته» بالجوار، وإن «حاصور» كانت مقاطعة في الصحراء العربية. ~~ويدل على أنها كانت ms396 مدينة عظيمة ذات شأن، أنها كانت محل طمع العاهل البابلي نبوخذ نصر، ~~الذي هاجمها ونهبها (انظر سفر إرميا، 49: 28-33)، ثم يضيف القاموس نصيا: «ويذكر ~~بيروسوس أن نبوخذ نصر قد هز العربية، وربما يكون الاسم اسم مجموعة.» # في الوقت الذي دون فيه هذا الكلام، كان الجنس العربي قد أخذ بالتحدد في جزيرته ~~ونطاقها الشمالي، أما البلاد التي عدت عربية في كتابات المؤرخين الكلاسيك، فهي آدوم ~~ومحيطها من شمالي الجزيرة إضافة إلى سيناء. أما البليغ هنا فهو المعلومة التي تواترت ~~حتى وصلت محرري الكتاب المقدس، ليسجلوا في قاموسهم إن «العربية» ربما يكون اسما ~~لمجموعة، أي لحلف بين مجموعات بشرية، وهو الأمر الذي انتهينا من تقريره بقرائن وأدلة ~~وافية. # وزيادة في البلاغ المبين يقول الكتاب المقدس، ~~الذي اهتم بشئون تسميات المواضع، فقد أفرد لمدينة حاصور التي نظنها اسما ثانيا لمدينة ~~حويلة، تقريرا يعطيها شأنا خاصا يقول: # حاصور كانت قبلا رأس جميع الممالك. ~~(يشوع، 11: 13) # وهو ما يفيد أن حاصور كانت مدينة رئيسية بين ممالك المنطقة الآدومية في النقب، وهكذا ~~كان أيضا شأن حواريس عاصمة الهكسوس الأحلاف في شرقي دلتا مصر. وحاصور في حال الاستبدال ~~السهل بين الحاء والعين تصبح ببساطة «عريش». وإذا كنا نعلم أن كلمة «عريش» بالعربية ~~تعني الحظيرة، فإن الكتاب المقدس القاموسي يعلمنا تحت مادة حاصور بمعناها، قائلا تحت ~~مادة حاصور: «حاصور: اسم عبري معناه حظيرة.» # الفصل السادس # | بعل صفون: لغز آخر! # في القصة التوراتية لخروج بني إسرائيل من مصر، نجد إشارات إلى موضع حدودي مصري باسم ~~«بعل صافون» يقع على الحدود الشرقية للدلتا المصرية مع البحر الذي عبره الإسرائيليون في ~~أسطورة شق البحر. ومن المفترض حسب القصة أن تكون تلك الحدود حدودا صحراوية ملاصقة ~~لمناطق الخصب الدلتاوية. ويقول الكتاب المقدس إن ذلك الخروج أو عبور البحر، قد تم عند ~~نقطة اسمها «فم الحيروث»، وهي بالعبرية «بي - ه حيروت» أي «فم الحيروت»، والمقدس ~~التوراتي يفيدنا بموضع كان يقع إلى الجوار من فم الحيروت مباشرة، يحمل ذلك الاسم ~~الغريب على اللسان المصري «بعل ms397 صافون». # فما هو بعل صافون؟ # بالبحث وراء بعل صافون وجدناه اسما يرد في الملاحم التي عثر عليها بمكتبة أوغاريت ~~«تل شمرا اللاذقية الآن بسوريا»، بحسبانه اسما لإله من أشهر الآلهة الكنعانية، فكيف ~~أصبح علما على موضع جغرافي بالبلاد المصرية؟ # ونحن نعلم من الملاحم الدينية للبلاد الشامية، أن البعل تعني السيد عموما أو الرب، ~~وعادة ما تشير إلى رب بعينه، ارتبطت به تلك الصفة «بعل»، بحيث إذا وردت وحدها دون ~~ذكره، نعرف أنها تشير إليه. هو رب الحرب والسلام والخصب والدمار والأوبئة معا، الإله ~~«هدد» أو «هد» بتشديد حرف الدال، وينطق أيضا «حد» و«حدو» و«حداد» و«أد» و«أدد» ~~وأيضا «ود»، وكلها اختلافات لهجوية باختلاف ألسنة قبائل المنطقة، لكنه دوما كان بعل ~~صافون، وصافون هنا صيغة نسبة لمكان جغرافي، حيث يقع معبد أو هيكل ذلك الإله، فهو «رب ~~صافون» أو إله الموضع صافون. # وتحيطنا ملحمتان على الأقل من الملاحم الأوغاريتية علما بشأن السيد البعل «بعل ~~صافون» هما: ملحمة البعل، وملحمة كارت ملك صيدون، والملحمة الأولى (ملحمة البعل) تحكي ~~لنا قصة هذا الإله، فهو رب الصاعقة والمطر والحرب والوباء، وقد ترك عابدوه لنا نقوشا ~~له، يمسك بصاعقة ذات ثلاثة شعب، تشبه المذراة أو الشوكة، في شكل أداة حرب حديدية. مما ~~يشير إلى أنه ربما كان أيضا ربا لصناعة الحديد والمسبوكات المعدنية، وهو ما يطابق ~~اسمه «حداد» أي صانع الحديد أو الفيتي. وهذا الاجتهاد من جانبنا لا يتعارض مع ما ~~استنتجه الباحثون، من كونه رب خصب لشعوب متبدية تستوطن الجبال والبراري، وتعتمد على ~~المطر وبرقه ورعده في زراعتها، لكن مثل هذا الإله في بلد مثل مصر سيغدو إله نقمة وليس ~~رحمة، فهي تعتمد بالكامل في ريها على نيلها الهادئ اللطيف المنضبط، وشهور المطر فيها هي ~~شهور الشتاء، والشتاء في مصر فصل جدب ومرض للبنات وموت للخضرة؛ لذلك عادة ما قرن حداد ~~أو هدد البعل عند المصريين برب الصحارى الشرير «سيت»، قاتل أخيه أوزويريس رب الخصب ~~والزرع، وهو تناقض بين حالين طبيعيين في المنطقة، أدى إلى ms398 تناقض مماثل في تصور الآلهة ~~ووظائفها. وهكذا فالبعل في الأسطورة السامية إله خصب يحمل اسم حداد، أما صافون فهو ~~المكان الذي ورد بالأسطورة كمقر لهيكل البعل وكمسكن له، وللبحث عن الموضع الشامي للإله ~~صافون، نرجع إلى ملحمة البعل نقتطع منها المقاطع التالية: # رفعت «شمش» صوتها تقول: اسمع يا «عشتر» «ثور إيل» أبوك # يميل إلى «يم»، # يؤثر «القاضي نهر». # إذا سمعت «إيل» # يغضب، يزيل عرشك، يحطم صولجانك. # أجاب «عشتر»: # لا هيكل لي كما لسائر الآلهة، لا قصر لي كما لسائر أبناء القدس. ~~*** # لكن «إيل» ثبت سلطان «يم » قائلا: لا زوجة لك يا «عشتر» أنت قاصر لا تصلح للملك، ~~ونادى «إيل» «كاسروخاسس» وقال له: هيا ابن هيكلا ل «يم»، هيا ابن قصرا ل «القاضي ~~نهر». # أرسل «يم» رسلا إلى «إيل» أبي السنين قائلا لهم: # اذهبوا إلى مقام «إيل» عند نبع النهرين قرب أفقا، أما «إيل» تسجدون، تقولون ... (تلف ~~بالنص). ~~*** ~~«البعل» لا هيكل له كما لأبناء «أشيرة» ربة البحر. # هيا سيري يا «عناة» إلى «أشيرة» ربة البحر، توسلي إلى خالقة الآلهة أن تذهب إلى «إيل» ~~تستعطفه، فيسمح ببناء هيكل لي. ~~*** # ها «كاسروخاسس» قد هيأ كيره أخذ الملاقط بيده، ها هو يعد الفضة، يرقق ألواح ~~الذهب. ~~*** # أسرج مهرا ياغلام. # ضع سرجا غنيا بالحلي يا «قادش»، # سر بنا إلى مقام «إيل» عند نبع النهرين بالقرب من أفقا. # سار «قادش» أمام المهر. # أضاء لها الطريق كوكب # بلغت حمى «إيل»، دخلت هيكل أبي السنين، أمامه انحنت، # وسجدت بإجلال. # رفع «إيل» بصره، ورأى «أشيرة» ... وأجاب: # ليكن له بيت أيها الإله «إيل»، # فيرسل المطر في حينه. # تمطر السماء زيتا، وتسيل الأودية عسلا عندما يرسل صوته # رعدا وضياءه برقا. # فليكن للبعل بيت كما لسائر الآلهة. # سيكون لك بيت كما لإخوتك. # هيكل كما لسائر بنات «أشيرة». # ادع البنائين إلى بيتك. # الجبال ستخرج لك أجود فضتها والتلال خير ذهبها. # أسرع يا «كاسر» في بناء الهيكل، ستبنيه في أعالي جبل صافون، بالفضة والذهب سترفع ~~بنيانه، جاء الحطابون بأرز لبنان اتجهوا نحو سريون. # الأرز ms399 أجمله في سريون، أجوده في لبنان. ~~*** # ها إنني قد بنيت بيتي من فضة. # من ذهب خالص شيدته. # راح البعل يطوف البلاد، # ضم إلى ملكه ستين مدينة، بل ضم إليه ثمانين، تسعين ... # اسمع يا «جفنة» يا رسولي الأمين # اسمع يا «حقلة» يا رسولي الأمين # قبل طلوع الفجر تتوجهان إلى طور غزى وشور ماجي الجبلين # المحيطين بأقصى الشمال ... (تلف بالنص) ~~*** # الآن وقد قتلت الحية الملتوية # الحية المعلونة ذات الرءوس السبعة ... لواياثان # صعد البعل إلى مسكنه في أعالي جبل صافون، # على قمة جبل الشمال، # في جبل «إيل» سكناي. # في جبل الله سكناي. # 1 # تذكر ملحمة البعل كما رأينا ~~عددا من الأسماء، يمكن الاستعانة بها لتحديد المواقع الجغرافية للملحمة الأسطورية، ~~ونظرا للحديث عن جبل صافون بوصفه في ترجمة النص الملحمي جبل الشمال، فقد افترض ~~الباحثون أن يكون هو الجبل الأقرع الآن في أقصى الشمال السوري؛ خاصة أن التسمية «جبل ~~صافون» أو «سابون» أو «جبل سابان» - ولا خلاف - كانت تأتي في الأساطير الأوغارينية على ~~التبادل مع التسمية «جبل أقرع». # ويوجز لنا «شيفمان» ما وصل إليه الباحثون بشأن التحديد الجغرافي لموضع جبل صافون، ~~وأسماء صافون المتشابهة لدى شعوب مختلفة فيقول: «وإلى الجنوب من المسير الأدنى لنهر ~~العاصي يتموضع جبل القصير الذي يتراوح ارتفاعه بين 470-490 مترا، وتتصل معه من جهة ~~الغرب قمة جبل سابانو/صافون في التوراة، وخازي في اللغة الأكادية، وكاسي عند اليونان ~~والرومان، وهو ما نسميه اليوم جبل أقرع.» # 2 # ثم يحدثنا «شيفمان» عن أوليمب الآلهة الأوغاريتية، فيشير إلى مكان مماثل ~~للبلاد التي فيها جنة عدن التوراتية، «أما المكان الذي اختاره بعلو الجبار لسكناه؛ فهو ~~جبل سابانو، وهو جبل موجود فعلا فهو جبل الأقرع حاليا، ويقع على مسافة قريبة من ~~أوغاريت ... لكن في نص آخر يوجد بعلو في جبل سابانو الذي في السموات.» # 3 # ووفق منظومة بحثنا هذا سيجد قارئنا في فصوله السالفة واللاحقة، ما يؤكد أن التسمية ~~الأكادية «خازي» واليونانية «كاسي» هي هي التسمية التوراتية والمصرية «كوشي». وفي بلاد ~~الرافدين والشام الأعلى كان اسم ms400 الكاسيين علما على القبائل التي غزت بلاد بابل ضمن ~~الموجة الهكسوسية التي احتلت مصر حوالي ذات الزمان تقريبا، وهم لدينا عين الكوشيين، ~~حيث أكدنا ونؤكد أن الكوشيين/الزنج كانوا عنصرا ضمن عناصر الهكسوس، ومن العناصر ~~المتقدمة في بلاد آدوم/بونت/مديان، وأنهم كانوا رفاق العنصر السبئي أو هم ذاته، ~~واقترنوا في وادي عربة وجبال سراة سعير مع العنصر الآري الهابط من الشمال، وبذلك يكون ~~جبل صافون/خازي/كاسي هو الجبل الكوشي أيضا، جبل الإله البعل حداد/هدد/ود. # وفي الملحمة وردت أسماء آلهة منها الإله «يم» ويعني البحر، والإله «القاضي نهر» ويكتب ~~«أور - دان» أي قاضي المدينة «دان من يدين»، أو قاضي النهر والنهر القاضي، # 4 # ويبدو أن النهر كان موضعا لاختبار الخاطئين بجريمة الزنا بشكل خاص، ~~باعتبار النهر هو سائل الخصب الذي يروي الأرض فتنبت، كسائل الخصب البشري الذي يروي ~~الفرج فيلد، ويقول «جيمس فريزر» إن القضاء النهري كان ينتشر انتشارا واسعا لدى الشعوب ~~القديمة. وكان يمارس وظيفته بوضع الطفل المشكوك في شرعيته في سفط وتركه للنهر وقتا ~~محددا، فإن نجا كان طفلا شرعيا، وإن غرق كان نغلا، # 5 # لكن هذا القاضي نهر بالملحمة يشير إلى نهر بعينه، أصبح يحمل اسم القاضي ~~«دان» من «يدين»، و«أدان» هو نهر «أوردان» أو «الأردن»، ونهر الأردن كما نعلم في الجنوب ~~وليس في الشمال كما تحدد الملحمة مواضع أحداثها. إضافة إلى علامات أخرى تشككنا في ذلك ~~الشمال، فالعبارة «أبناء القدس» في الملحمة يجب إعادتها إلى أصلها «أبناء قادش». ونعتقد ~~أن قادش سيناء أو عين قديس الآن الملاصقة لبلاد آدوم هي قادش المقصودة. خاصة أنها جاءت ~~مرتبطة في الملحمة بموضع آخر هو «طور غزى»، والطور هو أي جبل مزروع، وقد تم تمييزه ~~بنسبته إلى مدينة غزة، ثم إنه يقع بالقرب من موضع «شور - ماجي»، الذي يحمل في تركيبه ~~شقا معلوما هو «شور»، الحد الشرقي للدلتا مع سيناء، أو كما تقول التوراة متكررات حول ~~شور التي أمام مصر. # أما الإشارة إلى أن ذلك الجبل بأنه جبل إيل وجبل الله، فهو ما يذكرنا ms401 بالوصف التوراتي ~~الدائم لجبل سيناء، بأنه جبل الله حوريب كما في النص: # وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حمية كاهن مديان فساق الغنم إلى ما وراء ~~البرية وجاء إلى جبل الله حوريب. ~~(خروج، 3: 1) # ثم يذكرنا «جبل الله حوبيب» أيضا بالوصف ~~المصري لبلاد بونت - التي زعمنا أنها بلاد آدوم - بأنها أرض الإله، و«حوريب» أو «هوريب» ~~ببساطة هي «هو الرب». # والآن ليلحظ معنا قارئنا أن الأسطورة الملحمية قد أوردت أبياتا، تشير إلى إله باسم ~~«كاسروخاسي»، وأن هذا الإله مهمته صناعة المعادن. فهو ينفخ الكير ويعد الملاقط ويطرق ~~الفضة، ويرقق ألواح الذهب لصناعة عرش الإله بعل صافون، وإن كان شيفمان يفضل ترجمة اسم ~~«كاسروخاسيس» إلى «كوثروخاسيس»، وحرف الواو هو حرف إلحاق فهو كاسر أو كوثر: الكاسي، ~~وأصلها الأوغاريتي جاء هكذا # KTR-W-HSS ~~، لكن من جانبنا ~~نذهب إلى وجوب ترجمته وقراءته سوكار أو شوكار الكاسي. فنحن نعلم أن سوكار أوسوكاريس هو ~~الإله الصقري رب مدينة منف المصرية، الذي أعطى اسمه لها فأصبحت سكارة أو سقارة، وأنه ~~رمز الإله المصري أوزيريس. ويدعمنا في هذا المذهب ما جاء عن «كوثروخاسيس» عند «شيفمان»، ~~حيث يقول: «هو الإله الحرفي ومقره في خيكوبتا/ممفيس ... ونشاطه الأساسي يتركز في صناعة ~~السلاح.» والواضح أن خيكوبتا هي «ايجبت/مصر» في اللسان الأوغاريتي، وهو ما يفيدنا به «شيفمان»، # 6 # إذ يقول: إن كوثر الكاسي كان يعيش في منف في اعتقاد أهل أوغاريت، ويفيدنا ~~إريك هور نونج علما في حديثه عن آلهة مصر القديمة أن سوكر # Sokar # كان: «إله الحرفية والموتى وعبد في منف.» # 7 # شكل رقم «120»: موقع كاسيوس. # وهكذا، كما مزج الهكسوس بين الإله سبت والإله بعل حداد، أخذوا أيضا إله سقارة/منف، ~~المنسوبة إلى ربها سوكر، ثم نسبوه للكوشيين، فأصبح كوثر الكاسي، لكنه في ملحمة البعل ~~أصبح تابعا لسيت أو للبعل بعكس القصة المصرية. # شكل رقم «121»: نصب من رأس شمرا يمثل الإله الأوغاريتي بعل هداد مع ~~الرمح/الصاعقة/ودبوس القتال/متحف اللوفر/باريس (لاحظ أنه يلبس تاجا ~~عاليا له قرنان، مع شرائط تتدلى خلف رأسه) حيث سنقارن هذا التاج فيما ms402 ~~بعد بتاج آخر أكثر أهمية، لشخصية تاريخية عظمى. # وما لا يفوت عين فاحصة إشارة الملحمة، إلى أن بعل ما إن تمكن من بناء مركز سيادي له ~~رمزا للسيادة الهكسوسية، فإنه قام بضم مئات المدن إلى ملكه؛ تعبيرا عما فعله الهكسوس ~~لإقامة إمبراطوريتهم. # وإذا كنا قد قلنا إن المركز الرئيسي، الذي تجمعت فيه عزمات الهكسوس كان هو بلاد آدوم، ~~التي زعمنا أنها ذات بلاد بونت في النصوص المصرية؛ فإننا نجد في الكشوف الأوغاريتية ~~دعما واضحا لما قلنا، حيث نجد البعل في الملاحم الأوغاريتية ينجب ولدا مقدسا يحمل ~~اسما فصيحا، هو «الإله بونت» على ساحل المتوسط الشامي وليس في الصومال. # 8 # وأن «بونت» أنجب الإله «صيدون» الاسم المعلوم للمدينة الرائدة على الساحل ~~المعروفة باسم صيدا. وتاريخ ديانات المنطقة يفيدنا بأن أسماء المدن أسماء معبودات تعود ~~إلى آلهة أسطورية أسستها، ولعل أشهرها عبادة مدينة «بيت إيل» في فلسطين؛ فقد عبد ~~الآراميون والإسرائيليون إلها باسم «بيت إيل»، # 9 # كما عبدوا إيل نفسه رب المدينة، مما يشير إلى تقديس لبعض المواضع، ورفعها ~~إلى رتبة القداسة، وتتم عبادتها كآلهة. وهو ما يفسر تقديس المصريين لبلاد بونت، ووصفها ~~بأنها أرض الإله. وفي «تدمر» كان يكنى عن اسم الإله «بونت»، ولا يلفظ اسمه ويشار إليه ~~بأنه «ذلك الذي اسمه ممجد إلى الأبد»، # 10 # وهو تقليد مصري بالأساس؛ حيث كان المصريون لا يذكرون الإله أوزيريس باسمه ~~بل بالإشارة إليه، ولا يبيحون نطق اسمه إجلالا له، كذلك الإله سيت كانوا لا يذكرون ~~اسمه؛ دفعا لشريته ولحضوره السحري، وحتى اليوم يشير المصري إلى الشخص الشرير ب ~~«المخفي»، و«اللي ما يتسماش»، ويكني عن المرض والموت بالقول: «الشر بره وبعيد»، إبعادا ~~لحضوره بعملية إقصاء لفظي سحري، وهو الأمر الذي تكرر بعد ذلك في العقيدة اليهودية، ~~التي كانت تشير لربها بفعل الكينونة «يكون» أو الإشارة بضمير الغائب المذكر «هو» أو ~~«يهوه». أما الأشد دلالة هنا؛ فهو أن نعثر في أوغاريت على الإله باسم «المهلك». # 11 # وهو ما يذكرنا بالمهلك الإلهي الإسرائيلي لأبكار مصر ليلة ms403 الخروج، ثم ~~يستدعي ذلك وصف التوراة لربها بذات صفات الإله طيفون/سيت رب الأوبئة؛ إذ تقول: «قدامه ~~ذهب الوباء وعند رجليه خرجت الحمى» (حبقوق، 3: 5)، ويبدو لنا أن المهلك هذا كان البعل ~~حداد على التحديد، حيث تنسب إليه نصوص رافدية ذات الوظائف، التي مارسها المهلك يهوه ~~التوراتي في مصر، من تدمير للزرع والخضرة وكل مظاهر الخصب. وهو ما نقرؤه في نصوص الملك ~~الآشوري «أدد نيراري الأول/ق 13ق.م.» يستدعي قدرات أدد على أعدائه قائلا: # ليقهره أدد «حداد/هدد» بشؤبوب مدمر، ولتستمر في أرضه الفيضانات والعاصفة ~~والتشوش والاضطراب، والحاجة والعوز والجفاف والجوع، وليأت على أرضه مثل ~~الطوفان، جاعلا منها خرائب وأنقاضا، وليخرب أدد أرضه بالبرق المدمر، وليسلط ~~عليه الجوع. # 12 # وكما كان بعل حداد يوصف بأنه إله رعد وريح وبرق وصاعقة، ووصف في الملاحم الأوغاريتية ~~باللغة الحورية الكارية بأنه «راكب السحب»، وأنه «يعطي رعده ويرسل ضياءه إلى الأرض بروقا»؛ # 13 # فإن يهوه العبري يوصف في الكتاب المقدس بأنه «الجاعل السحب مركبته، الماشي ~~على أجنحة الريح» (مزامير، 3: 104). # شكل رقم «122»: تيشوب من تل برسيب 1000ق.م. متحف حلب، نموذج بعلي ~~حيثي (لاحظ الأساور على العضد وذات حركة بعل يحمل الصاعقة بيد، ودبوس ~~القتال باليد الأخرى مع التاج العالي والقرنين والشرائط.) # ويقول لنا المهتمون بالمصريات القديمة، إنه في عصر الدولة الحديثة المعروفة بدولة ~~الإمبراطورية، انتشرت في مصر عبادات سامية الأصل. فمثلا تم تكريس الحي الشرقي من مدينة ~~رعمسيس للإلهة السامية عشتروت، حسبما علمنا من قصيدة تصف تلك المدينة (سبق ذكرها بالجزء ~~الأول)، كما شيد للبعل عدة معابد. وكان رمسيس الثاني عابدا متبتلا للإلهة السامية ~~«عناة»، زوجة البعل ولقبها بعلات. وكذلك أنشأ معبدا للإلهة «أشيرة». أما «بعلات صافون» ~~زوجة «بعل صافون» فقد حازت على شعبية واسعة، ووصلت من حدود الدلتا لتعبد في منف، إلى ~~جوار آلهتها المصرية العريقة. # 14 # شكل رقم «123»: تمثال من البرونز والفضة والذهب للإله بعل هداد، وجد ~~في رأس شمرا/أوغاريت. # وهنا نستمع إلى عالم المصريات «ياروسلاف» وهو يقول: «إن المصريين قد رأوا في الآلهة ~~المشابهة ذات الطابع ms404 الحربي أو القتالي (وهي صفات بعل وزوجته عناة [المؤلف]) في فلسطين ~~وسوريا إلههم ست ... وهناك رواية أعطيت فيها الأرض السوداء أي مصر إلى حورس، بينما أعطيت ~~الأرض الحمراء أي البلاد الأجنبية إلى ست ... وفي عصر الدولة الحديثة تعرفوا على عدد ~~عظيم من آلهة وإلهات المدن المسماة بعل # Ba’al ~~- سيد في ~~اللغة السامية - وبعلات # Ba’ala # أي سيدة. ومن المناطق ~~التي أخضعت جلب العديد من الأسرى إلى مصر، ~~واستقروا بها كرقيق. وأتبع ذلك التدفق الاختياري للمهاجرين والصناع والجنود. جلبوا معهم ~~جميعا عبادات آلهتهم المحلية ... ولقد أضحى ضربا من المودة عند المصريين تقليد النمط ~~الآسيوي في العادات؛ فالكلمات السامية تطرقت إلى اللغة المصرية، ومع هذه الكلمات عقائد ~~الآلهة الأجنبية للوافدين الجدد، من بعل وبعلاتوميكال # MIKAL # ورشب # RESHEP # أو إرشوب # ERSHOP # وعبادة الإلهات عشتار # ASTARTE # وعناة # ANAT # و قادش # KADESH # وكسرت # KESRET # وأخريات. وفي رأس الشمراء - أوغاريت - بسوريا كرست لوحة من ميمي # MIMI # إلى بعل ~~زيفون # BA’AL ZEPHON # أو بعل الشمال. ولقد كان ~~مركز عبادة الآلهة السورية في مصر هي منطقة منف؛ ففي الأسرة الثامنة عشرة كان حي من ~~المدينة يسمى حي الحيثيين، وربما كان ذلك الحي هو الذي ذكره هيرودوت فيما بعد تحت اسم ~~معسكر التيرانيين # CAMP OF THE TYRIANS ~~، باعتبار ~~أنه مستقر أو مقر الإلهة إفروديت الأجنبية أي عشتار غير المصرية. وهناك بردية مصرية ~~تعدد أسماء بعلات وقادش وعنات وبعل وزيفون. ويبدو أن رمسيس الثاني كان متعبدا متحمسا ~~لعناة، فضلا عن أنه أطلق اسم عناة على فرسه، وكذلك أطلق على ابنته المفضلة اسم ~~بنت عناة # BINT-ANAT ~~، وكان رمسيس الثاني ~~محبوب حورون # BE LOVEED OF HAURON ~~، وهو إله سامي ~~نعلم القليل جدا عنه، حتى في موطنه الأصلي بآسيا.» # 15 # ومن جانبه يحيطنا «شيفمان» علما أنه «كانت عبادة الإله الكنعاني الآموري بعل صفون، ~~وهو الأوغاريتي بعلو الجبار، منتشرة في مصر في منتصف الألف الأول قبل الميلاد. وهذا ما ~~تؤكده التوراة (تكوين، 14: 2-9؛ والعدد، 33: 7)، والبردي الفينيقي الذي وصلنا من مصر. ~~ويعود تاريخه إلى القرن السادس ms405 قبل الميلاد.» # 16 # ثم يضيف «وإلى زمن متأخر أكثر - بداية حكم الأسرة التاسعة عشرة أي بداية ~~من القرن الثالث عشر قبل الميلاد - يعود الرسم النافر للكاتب المصري «مايمي» (سبق ذكره ~~عند ياروسلاف باسم ميمي [المؤلف])، الذي وجد مشوها جدا في معبد بعلو. وكان مايمي هذا ~~رئيس الخزانة لدى الملك المصري، ولعب في أوغاريت دور ممثل الإدارة المصرية. وتحوي ~~الكتابة التي ترافق النصب إياه إهداء إلى الإله المحلي، الأرجح إلى بعلو ... لقد نفذ هذا ~~الرسم الكاتب في وضعية المصلي رافعا يديه، أمام إله واقف يرتدي قلنسوة عالية فوق رأسه ~~... أما صورة الإله؛ فهي تقابل الرسم المصري للإله السوري سيت بعلو.» # 17 # وهنا يجب ألا ننسى مسألة الحي الحيثي في منف، حيث ستكشف لنا الفصول المقبلة أنه كان ~~بقايا لجالية هكسوسية، وأن نتذكر قلنسوة من يسمى «مايمي أو ميمي» العالية، فلها دور ~~شارح لغوامض ستأتي في مكانها من هذا البحث. أما دمج ~~شيفمان للإلهين سيت وبعل معا في التعبير «سيت بعلو»، فهو ما يعني أن المصريين ~~والسوريين قد تكونت لدى كليهما فكرة واحدة عن إله واحد، أسماه السوريون بعلا وأسماه ~~المصريون ست، وبينما رأى فيه السوريون ربا للخصب، فقد ركز المصريون على جوانبه ~~السلبية كرب للحرب والدمار، وسعيا وراء التيقن من هذا الدمج بين سيت وحداد بعل ~~صافون، نقرأ المعاهدة التي تمت بين المصريين والحيثيين زمن رعمسيس الثاني، لنجد ~~الابتهالات تقدم إلى «سيت السماء» و«سيت حاتي»، أي سيت بلاد الحيثيين أي بعل الحيثي، ~~وإلى «سيت حلب» أي إلى بعل حلب، مع طائفة ألقاب تتفق مع ألقاب الحيثيين لرب ~~العاصفة. # ثم نجد ذات الدمج في قصيدة تخلد انتصار الفرعون رمسيس الثاني في موقعة قادشن؛ إذ نجد ~~بيتا من الشعر يقول: # يهتف أعداء الفرعون # ليس إنسانا هذا الذي بيننا # بل هو سيت عظيم القوة # أو بعل بذاته. # 18 # والغريب أن الحيثيين الذين عاشوا في بلاد تركيا القديمة، كانوا قريبين ~~في تصورهم لرب العاصفة تيشوب/بعل/ست من تصورات المصريين؛ فمعظم النصب الحيثية تصور إله ~~العاصفة بمظاهر ms406 قتالية متسلحا بهراوة أو فأس راكبا عربة حربية، وقليلا ما تشير إلى ~~أية صفات إخصابية. # 19 # وهو ما يعني لدينا تأثرا أكثر من جانب الحيثيين بالتصورات المصرية، رغم ~~هذا البعد الشاسع جغرافيا، وهو ما سيجد مبرراته في الفصول القادمة التي تتحدث عن ~~الحيثيين تفصيلا. # ومعلوم أن أكمل القصص التي وصلتنا عن إله الشر المصري سيت، قد جاءت ضمن رواية ~~بلوتارك اليوناني لأسطورة أوزيريس رب الخير، وصراعه مع سيت رب الشر. وبعد مقتل أوزيريس ~~على يد ست، يستمر الصراع يقوده حور أو حورس ابن ~~أوزيريس، انتقاما لأبيه من عمه الشرير سيت، لينتهي الصراع بهزيمة سيت الشرير على يد ~~حور، يقول بلوتارك: # وبعد أن هزمه حورس ... هرب ست من المعركة راكبا على حمار، واستغرقت رحلته سبعة ~~أيام على ظهر الحمار ... فكان لاستعمال ست للحمار ولغباء الحمير ولونهم الأحمر، ~~أن انتسب الحمير إلى تيفون (تيفون الاسم اليوناني للإله سيت [المؤلف]) وكان ذلك ~~سببا في كره المصريين لهم في عقيدتهم؛ لذلك لقبوا أوخوس أقسى ملوك الفرس ~~وأشرهم (هو أرتكسيركسيس الثالث [المؤلف])، لتعسفه وشدة ظلمه بالحمار، فكان رده ~~على المصريين: إن هذا الحمار سيحتفل بأكل عجلكم. أما القائلون بأن رحلة ست في ~~هربه كانت سبعة أيام على ظهر حمار ونجاته، وأنه أصبح أبا لهيروسوليموس # HIEROSOLYMOS # ويودابوس # JUDAEOS ~~، فهؤلاء كانوا يريدون أن يدخلوا ~~التقاليد الإسرائيلية في الخرافة المصرية ... فالواقع إذن أن المصريين بعد أن ~~عرفوا بني إسرائيل ... ألحقوهم بأبناء من أب هو ست إله الشر والشيطان، الإله ~~العدو في عقيدتهم ... وأصبح بنو إسرائيل في مصر أولادا للإله ست، الذي يسميه ~~اليونانيون تيفون. # أي إنهم ينحدرون من أصل شرير. جعل منه المصريون رمزا لكل الحيوانات ~~والنباتات الضارة والبحر المالح والحوادث المفجعة ... وهيروسوليموس وياهو دايوس ~~هما آباء العبرانيين اليهود. # 20 # وهكذا ردد بلوتارك ما يؤيد ما قلناه حول أحد صور التجلي للإله سيت في ~~هيئة الحمار واللون الأحمر، وكان اللون الأحمر رمزا على الجدب، كما كان علامة على بلاد ~~آدوم وسيناء وسكانهما، ونسبة الإسرائيليين إلى ذلك الإله تشير ms407 إلى لون من القرابة ~~تربطهم بقبائل آدوم، وسبق لنا أن شرحناها وأكدناها. ولعله من الواضح هذا أن هيروسوليموس ~~هي «أورشليم»، وأن «ياهودايوس» هي اليهودية أو يهوذا، مما يؤدي إلى التباس الإسرائيلي ~~بالهكسوسي، وهو ما يتأكد دوما بشكل مستمر منذ بداية هذا البحث، فنجد الإسرائيليين هنا ~~أبناء للشرير ست الذي سبق واختاره الهكسوس ربا خاصا لهم إبان احتلالهم لمصر. # هنا يفيدنا شيفمان المتخصص في أركيولوجيا أوغاريت أن بعلو الجبار الذي هو حداد/هدد ~~وهو زوج الإلهة «هبات» # 21 # ربة العاصفة التي تهب، والتي سبق وأشرنا إليها كربة في بلاد آدوم من الاسم ~~«هفا» أي «هوا» أو الهواء في صيغة المؤنث «هبات»، وكانت تعبد في مصر باسم «هيبات»، ثم ~~نعلم من جانب آخر أن الإله الحيثي «تيشوب» كانت له زوجة تحمل ذات الاسم «هبات» أو «حبات»، # 22 # وتيشوب هو رب العاصفة بدوره، هو البعل. وفي وثيقة معاهدة الصلح المصرية ~~الحيثية نجد الابتهال إلى «ست حلب» و«هبا حلب»، # 23 # و«هبا» هنا مذكر «هبات»، وست حلب هو بعل حلب، مما يعني أن ست/تيشوب/بعل ~~حداد طيفون/رب العاصفة أو «الهوا» هو «هبا» زوج «هبات» أو «هوا» زوج «هوات»، وعلى ذات ~~التنغيم يأتينا اسم الرب الإسرائيلي «يهوه»، الذي فسره فلهاوزن بأنه يعني «يهب» من هبوب ~~الهواء والريح؛ إضافة للتفسير الآخر أنه من فعل الكينونة «يكون». # أما اسم ذلك الإله الأشهر حداد أو هداد أو هدد، فنجده اسما لأحد أبناء إسماعيل ~~(الكتاب المقدس، سفر أخبار الأيام الأول، 1: 30)، ثم الأكثر إدهاشا والتقاء مع ~~كشوفنا، أن نجد اسم ذلك الإله قد تسمى به ملوك بلاد آدوم تيمنا، ولدينا منهم على الأقل ~~ثلاثة: الأول هو هداد بن بداد (تكوين، 26: 35)، والثاني هو هداد الذي عاصر زمن جدعون ~~الإسرائيلي (تكوين، 26: 29)، وأما الثالث فهو هدد وريث العرش الآدومي الذي هرب إلى مصر ~~وتزوج أخت الملكة تحفنيس، عندما احتل الملك الإسرائيلي سليمان بلاده، في قصة سبق ~~وأسلفناها (انظر سفر ملوك أول، 11: 14). # شكل رقم «124»: تمثال مصري للإله سيت في هيئة البعل وحركته برأس ~~خنوم/خنوف. # وملمح آخر يؤكد ms408 التطابق بين يهوه وبين رب العاصفة، فنحن نجد وصفا اعتياديا للإله ~~في التوراة، بأنه رب الجنود/ إيل صبأوت في العبرية (سفر الخروج، 15: 3؛ وصموئيل أول، ~~17: 45) مع وصف آخر يقول: «الرب رجل حرب»، وهي صفات البعل حداد/سيت/تيشوب/هفا، لكنا ~~نعثر على ما يكاد يكون تطابقا نصيا في نص جاء بمكتبة أوغاريت عن الإله رشب، وهو ~~بدوره تسمية بعلية لرب العاصفة، ويقول النص حسب ترجمة شيفمان: «إله الحرب صاحب السهام ~~راشابو الجنود.» # 24 # ولا معنى لهذا الكلام إلا إذا كان حرف الشين زيادة في اسم الإله المحارب ~~«راشابو»، تم إهمالها في النطق بعد ذلك ليصبح النص تماما توراتيا؛ لأنه سيصبح «إله ~~الحرب صاحب السهام رب الجنود ». # وحول اسم رب البحار الإله «يم» أو «يمو»، وهو أحد أبطال ملحمة البعل الأوغاريتية، ~~يعقب شيفمان بالقول: «إن يمو سمي أيضا يافو، الذي يقارنه بعضهم باسم الإله البيروتي ~~يفو والتوراتي يهو.» # 25 # وفي بحثه عن خط سير رحلة الخروج الإسرائيلي من مصر، يقول «بيير مونتييه» إن اسم ~~الموقع الوارد في التوراة باسم بعل صافون بمصر، كان يقع عند قمة جبل مونس كاسيوس، على ~~شاطئ المتوسط إلى الشرق من الفرما، وهي تسمية إغريقية للجبل، تحمل اسم إله يوناني، أدمج ~~بالإله بعل صافون هو كاسيوس ومعناه «الكاسي»، وأن موضع بعل صافون يقع تحديدا عند قمة ~~ساحل بحيرة البردويل الآن بشبه جزيرة سيناء. # 26 # الفصل السابع # | لغز أرام النحاسية # لكنا حتى الآن لم نجب إجابة دقيقة على السؤال: من هم شعب إرم الوارد في لوحات ~~حتشبسوت، كاسم لشعب كان يعيش في بلاد بونت؟ إن محاولة الإجابة على هذا السؤال بحد ~~ذاتها، ستعطينا دليلا آخر وداعما آخر لكل دقائق وتفاصيل بلاد بونت، التي لم تصبح ~~الآن بلادا غامضة، بل نظن أننا قد تمكنا من رسم لوحة كبيرة واضحة التفاصيل والدقائق، ~~جمعناها من شوارد شتى لنؤكد بها صحة نظريتنا، التي ستزداد مع البحث عن شعب إرم استقامة ~~وثباتا ورسوخا. # وإبان ذلك سيتأكد لنا أن العرب قد عاشوا بهذا الاسم (عرب) في محيط سيناء ms409 وشمالي ~~الحجاز في أزمنتهم الغابرة، قبل ظهور مملكة أحفادهم الأنباط في البتراء بأزمان، وأنه من ~~تلك المنطقة هبط أولئك الذين أعطوا شبه الجزيرة اسمها «العربية»، وهو ما ستفصح عنه أكثر ~~الفصول المقبلة، كما سنرى اللغة العربية وهي تولد أيضا هناك، لتأخذ خط تطورها الخطي مع ~~«شعب إرم» ثم الأنباط من بعد. # أما الذي سيضيف إلى رصيدنا في البحث وراء شعب إرم البونتي، فهو مزيد من التوضيح ~~والإضاءة لوجود شعب زنجي في هذه المنطقة من العالم، ذلك الشعب الذي كان ظهوره في لوحات ~~حتشبسوت، مدعاة للمدارس التقليدية لوضع بلاد بونت على الساحل الصومالي. # ونعود إلى «الأخلامو» أو «الأحلاف»، وهو الاصطلاح الذي أطلقه سكان الرافدين على ذلك ~~الشعب المعروف بالشعب الآرامي، وقد ذهب المؤرخون إلى أن الأراميين قد ظهروا في بوادي ~~الشام حوالي 1100ق.م. وبعضهم أعمق في التاريخ قرنا آخر، فقالوا بظهورهم حوالي 1200ق.م. ~~ومن تهور قال بظهورهم حوالي 1400ق.م. لكن ليس قبل ذلك مطلقا. وقد علمنا ببداية ~~تواجدهم من بقايا المدن التي أنشئوها، وأعادها الباحثون إلى تلك التآريخ، والتي انتشرت ~~في بلاد الشام حتى أقصاه الشمالي. ومنها ممالك أصبحنا نعرف أسمائها مثل: مملكة بيت ~~جباري أو سمعل وبيت أديني وقرقميش وأرباد، وأنطاكية وحلب وقادش العاصي وحماة وتدمر ~~ودمشق. هذا إضافة لمدن أخرى ذكرها المقدس التوراتي، ولم تفصح الأرض بعد عن آثارها، مثل ~~فدان آرام معكة وأرام نهرين وأرام صوبه، والأخيرتان تأتيان عادة على التبادل، مما يشير ~~إلى احتمال أنهما كانتا مملكة واحدة. # ويقول لنا المؤرخون: إنهم عند ظهورهم في المنطقة، أزاحوا منها جنسا عريقا قديما، ~~كان يستوطن تلك الأماكن منذ الألف الثالث قبل الميلاد. وهو الجنس الذي عرف التاريخ ~~أصحابه باسم الأموريين، وبعد أن أزاحوا الأموريين استوطنوا أماكنهم في وادي العاصي ~~والفرات الأعلى، رغم أن الأراميين ظلوا ممالك صغيرة متشظية، وأخفقوا في إقامة أي وحدة ~~بينهم فيما يذهب المؤرخون، والأغرب أن التراث اللغوي والثقافي الآرامي الوافد الجديد، ~~قد ساد المنطقة (كيف؟ لا يقولون لنا؟!) بل وتجاوز الأمر ذلك إلى أن لغتهم ms410 أصبحت فجأة ~~ودون إنذار هي اللغة السائدة في المنطقة، بل ونجدها دون مقدمات هي لغة التخاطب ~~الدبلوماسي بين عواصم الدول الكبرى في المنطقة، ذات الحضارات العريقة السامقة، مثل مصر ~~وآشور وبابل وبلاد تركيا الحيثية ودول المدن في فلسطين والشام (كيف؟ أيضا لا يقولون ~~لنا أية إجابة، وعلينا أن نستسلم ونسلم فقط: هذا ما أمكن معرفته، وفقط هذا ما قد ~~حدث؟!) # ونستمر نتابع أهل التاريخ، فيقولون لنا إن اللغة الآرامية، تطورت عنها لغات أخرى في ~~خطوط فرعية أهمها الكنعانية (رغم أن الكنعانية وفق حساباتهم هي الأقدم لتزمينهم وصول ~~الكنعانيين فلسطين في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد) والنبطية، وأن الآرامية ربما ~~سبقت وربما لحقت اللغة الكارية الحورية، فبينهما تشابه أصيل يشير إلى وحدة قديمة، وعن ~~الآراميين أخذ الإسرائيليون خطهم المربع، أما النبطية فقد تطورت حتى أصبحت خط اللغة ~~العربية، التي نعرفها في خط شمالي الجزيرة ولغة قريش وخطها بعد ذلك. # وتلخص لنا موسوعة تاريخ العالم أمر اللغة الآرامية وأصحابها الآراميين في قولها: # أصبح الآراميون هم التجار الدوليين في العالم، منذ القرن العاشر حتى القرن ~~الرابع ق.م. وأصبحت لغتهم هي اللغة الدولية في غرب آسيا ... ومعظم الآداب الدينية ~~اليهودية والمسيحية «السريانية» مكتوبة باللغة الآرامية. # ومن جانب آخر نقف نستمع للباحث «فليكوفسكي» يقول: «إن العلماء قدروا أن وصول ~~الحوريين للمنطقة، كان فجرا لحضارة جديدة، وأنهم كانوا قوة هائلة ومنتشرة انتشارا ~~واسعا، ما بين أرمينيا حتى جنوبي فلسطين والمتوسط، وشرقا حتى فارس.» ثم يعقب يائسا: ~~«واللغة الحورية تبدو كلغة بلا شعب، فلا هي سامية ولا هي هندوآرية.» # 1 # أما نحن فقد قلنا وأعدنا وزدنا حول الاندماج الجنوب جزيري مع الحامي مع ~~الكوشي مع الهندوآري في وادي عربة، والذي لا ريب قد أنتج هذه اللغة التي حيرت الأفهام، ~~لغة الحوريين الكارية، اللغة الأم للساميات فيما نريد تأكيده. # إلا أن الموسوعة تلمح من طرف خفي وحذر، إلى أن ظهورهم المفاجئ جاء نتيجة طرد الهكسوس ~~من مصر سنة 1580ق.م. لكنها تلتوي ولا تقول صراحة ولو بصيغة الاحتمال والظن: ms411 إن ~~الآراميين الذين ظهروا في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد في بوادي الشام، ~~ربما كانوا من الهكسوس الذين طردوا من مصر، إنها متشككة فتسوق قولا، يحتمل الالتباس ~~المقصود نتيجة عدم اليقين. # لكن الكل يغمض عينيه تماما عما جاء في نصوص سرجون الأكدي حوالي 2450-2350ق.م. من ~~إشارات واضحة لآرام، والتي لم تكن الإشارات الوحيدة اليتيمة حتى يمكن التغاضي عنها، بل ~~تكررت مثل هذه الإشارات، لكن لأن التاريخ علم مهيب رزين لا يعرف المجازفات، فقد عقب ~~المؤرخ العراقي المرموق «طه باقر» يقول: «من المستبعد أن يكون للموضع الوارد بهيئة ~~أرامي # ARAMI ~~، وأسماء بعض الأعلام على هيئة ~~أرامو # ARAMU ~~، صلة بالآراميين، بالنظر إلى قدم ~~العهد؛ لذلك يرجح أن يكون ذلك مجرد تشابه لفظي، ولا يعرف على وجه التأكيد معنى الكلمة ~~أرامي، على أنه قيل في أرام وإرم - ولعل الكلمة الواردة في القرآن (يقصد إرم ذات العماد ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد [المؤلف]) لها صلة بالآراميين - أنها تعني النجد أو الهضبة.» # 2 # ورغم أن معنى النجد أو الهضبة يدخل في معنى الصخرة، ورغم أن معنى إرم في ~~الآرامية هو الصخرة على وجه التدقيق، فإن «باقر» لم يلمح حتى إليه، ربما لأنه رآه بلا ~~معنى (فماذا تعني الصخرة؟!) لأنه لم يكن يعلم ما كشفناه عن علاقة الآراميين بالبتراء، ~~لكن قارئي يرى الآن أي معنى معناه؟ # ومثل «باقر» عقبت موسوعة تاريخ العالم على ورود إشارات للآراميين في ذلك العهد البعيد ~~القدم بقولها: # حوالي 2450-2350 قاد سرجون ملك أكاد، ونارام سين، حملات حربية إلى شمال ~~سورية، والإشارة إلى أرام في نقوش هذين الملكين تدعو إلى الحيرة. # أما حسب منظومتنا التي ننسجها هنا يكون مفهوما أن تتحدث نصوص سرجون ونرام سين عن ~~الآراميين قبل الألف الثاني للميلاد؛ لأنهم إذا كانوا هم الهكسوس كما ألمحت الموسوعة، ~~فلا شك أنهم لم يسقطوا على مصر من السماء، إنما كانوا موجودين بالمنطقة قبل دخولهم مصر، ~~وأنهم قضوا فترة زمنية كافية تسمح لهم بتكوين قوة مقتدرة، تمكنهم من احتلال كبرى ms412 دول ~~المنطقة. # وفي نص بسفر صموئيل حكاية تعني ما نحاول قوله هنا وإيضاحه بل وإثباته، والنص حكاية ~~عن الأسلاب التي غنمها الملك الإسرائيلي داود، بعد أن هاجم جميع الدول التي تجاوره من ~~الشرق ومن الجنوب، يقول النص: # وهذه أيضا قدسها الملك داود للرب من الفضة والذهب الذي قدسه، من جميع الشعوب ~~الذين أخضعهم؛ من أرام ومن مؤاب ومن بني عمون ومن الفلسطينيين ومن ~~عماليق. ~~(صموئيل الثاني، 8: 11، 12) # وعجبنا هنا من عدم ذكر آدوم في نص يعدد بالحصر جيران مملكة داوود من الشرق والجنوب، ~~وعدنا نقلب صفحات المقدس نبحث عن تعليل، فوجدنا ذات الإشارة تتكرر بعد ذلك في سفر أخبار ~~الأيام الأول، بل بذات الكلمات لم يتغير غير كلمة واحدة ، لم يلتفت الكاتب إلى اختلافها ~~عن النص الأول، بحسبان أنه كان يعلمهما كلمة واحدة ومعنى واحدا وإن اختلفتا، والنص يقول: # هذه أيضا قدسها الملك داود للرب مع الفضة والذهب الذي أخذه من كل الأمم، من ~~آدوم ومن مؤاب ومن بني عمون ومن الفلسطينيين ومن عماليق. ~~(أخبار الأيام الأول، 18: 11) # وهنا جاءت آدوم بديلا عن أرام، بل وفي ذات مكانها من النص، مع عدم تغيير يذكر فيما ~~عدا ذلك، ولمزيد من التأكيد نستنطق المحرر التوراتي: هل كان يعلم أن أرام بالفعل هي ~~آدوم، أو حتى إن الآدومي هو بطن من البطون الآرامية، ومرات ومرات كدأبنا طوال بحثنا ~~نقلب أسفار الكتاب المقدس، فنعثر على نصين آخرين حدث معهما ذات ما حدث مع النصين ~~السالفين. محرر كتب هذا ومحرر كتب ذاك، لكنهما كانا يتفقان على أن ما اختلف بينهما من ~~أسماء، ليس إلا أسماء لشعب واحد، يقول النص الأول: # ونصب داود تذكارا عند رجوعه من ضربه ثمانية عشر ألفا من أرام في وادي ~~الملح، وجعل في آدوم محافظين، ووضع محافظين في آدوم كلها، وكان جميع الآدوميين ~~عبيدا لداود. ~~(صموئيل الثاني، 8: 13، 14) # أما النص الثاني الذي دونه محرر أخبار الأيام، فيغير فقط كلمة واحدة هي «آرام» ~~الواردة في أول النص، ويستبدلها بكلمة آدوم، انظر: # ضرب من آدوم في ms413 وادي الملح ثمانية عشر ألفا، وجعل في آدوم محافظين، فصار ~~جميع الآدوميين عبيدا لداود. ~~(أخبار أيام أول، 18: 12، 13) # واضح إذن أن التوراة تتحدث عن أرام باعتبارها آدوم، ولمزيد من حسن الطالع لنا، أن ~~التوراة تذكر الموضع الجغرافي لأرام في النص الأول، فهي تقع في وادي الملح، الذي يقع ~~جنوبي بحر الملح «البحر الميت» حيث تقوم دولة آدوم. # هل يمكن أن نجد المزيد لتدعيم معمارنا هذا؟ # في الكتاب المقدس نص آخر لا يحمل لبسا، يؤدي إلى المعنى الذي نقوله هنا، والنص ~~يؤكد أن ميناء «أيلة» الآدومي على العقبة كان ميناء أراميا، والنص يحكي عن تعاصر الملك ~~اليهوذي «أحاز» مع الملك «رصين» ملك آرام دون تحديد أي أرام يقصدها، بين مدن كثيرة ~~عددها لنا عند حديثه عن أرام فيما سبق، كقوله أرام معكة وأرام بيت رحوب وأرام صوبا ~~وفدان أرام ... إلخ. يبدو لنا أنه قصد بالفعل أرام بعينها لا تحتاج تحديدا، يكفي أن يقال ~~بشأنها أرام، أرام مركزية لا تحتاج توضيحا، ثم يحكي النص أن رصين هذا قد تحالف مع ~~مملكة إسرائيل الشمالية، مع ملكها فقح بن رمليا، ضد أحاز ملك يهوذا، فالنص يقول: # كان أحاز ابن عشرين سنة حين ملك، وملك ستة عشرة سنة في أورشليم، ولم يعمل ~~المستقيم في عيني الرب ... حينئذ صعد رصين ملك أرام وفقح بن رمليا ملك إسرائيل ~~إلى أورشليم للمحاربة، فحاصروا أحاز ولم يقدروا أن يغلبوه، في ذلك الوقت أرجع ~~رصين ملك أرام أيلة للأراميين وطرد اليهود من أيلة. ~~(ملوك ثاني، 16: 2، 6، 5) # رصين ملك أرام غير المحددة ولا المعرفة، استرجع مدينة أيلة - الواقعة على خليج العقبة ~~الآن باسم إيلات - من يد مملكة يهوذا الجنوبية، حيث يبدو أن إيلة خضعت ليهوذا منذ زمن ~~سليمان، لكنه هنا لم يسترجعها لآدوم بل للآراميين، الواقع أن رصين كان ملكا آدوميا ~~تتبعه ميناء أيلة، التي كانت مستلبة من بلاده منذ زمن، فتمكن من استعادتها لآدوم أو ~~أرام، النص كما هو واضح لا يرى هنا أي فرق بين الآدوميين والآراميين. # لكنا هنا ندفع بالأمر ms414 دفعة أخرى، فنتابع أرام هذه المعلومة والمعروفة ولا تحتاج ~~تعريفا، تلك التي وردت في مواضع أخرى بالكتاب المقدس باسم «أرام صوبا»، التي لم يتم ~~التعرف في علم التاريخ على مكانها حتى الآن، رغم علمنا باسمها من مصادر أخرى غير الكتاب ~~المقدس. فيفيدنا «طه باقر» - مشكورا - أنها لا بد واقعة في الأنحاء الجنوبية من بلاد ~~الشام، وقد خرج بهذه النتيجة من دراسة النصوص الرافدية القديمة، التي تحدثت عن أرام ~~صوبة، لكن أقصى جنوب وصل إليه هو البقاع جنوبي زحلة بلبنان، فموضعها هناك. # 3 # معقبا بالقول: «والمرجح أن مدينة صوبا هي المذكورة في المصادر الكلاسيكية الرومانية ~~باسم خلسيس.» # 4 # وبهذا الشأن يقول الباحث الفارس «فراس السواح»: «فيما يتعلق بمملكة صوبا، احتار ~~الباحثون بشأن موقعها وحدودها، وخرجوا باستنتاجات واهية، من شأنها خلق صورة مضخمة عن ~~هذه المملكة، والباحث هاليفي يقول: إن صوبة هي تحريف لكلمة صهوبة، التي تعني بريق الذهب ~~أو النحاس ... ومن المرجح أن صوبة كانت تشمل الأراضي الممتدة إلى الشمال الغربي من دمشق ... ~~وقد سار بقية الباحثين على منوال هليفي، ويقول واين بيتار في كتابه «دمشق في العصور ~~القديمة» ما يلي: في أيام داود كانت مملكة صوبة أقوى وأهم دولة في وسط وجنوب سوريا، ~~وخصما عنيدا للمملكة الإسرائيلية الجديدة. أما عن موقع هذه الدولة وحدودها، فإن معظم ~~الباحثين يضعونها اليوم في البقاع الشمالي، مع امتدادات نحو الشرق تصل إلى سهول حمص ~~وتتجاوزها حتى البادية.» # ويتابع السواح: «لقد ورد اسم صوبة لأول مرة في سفر صموئيل الأول، الذي يذكر أن الملك ~~شاول قد ضرب ملوك صوبة، وحارب جميع أعدائه حواليه، موآب وعمون وآدوم وملوك صوبة ~~والفلسطينيين (صموئيل أول، 14: 47)، وهذا يعني أن صوبة منطقة جغرافية، وليست مملكة، وأن ~~الملوك المذكورين هنا ليسوا سوى مشايخ قبائل، نظرا للإشارة إليهم بصيغة الجمع، ولكننا ~~في عصر داود نجد صوبة، فجأة وبعد عدة سنوات، عبارة عن مملكة يحكمها ملك واحد اسمه حدد ~~عزر.» # ثم يضيف: «ولم تتوفر لدينا من منطقة البقاع الشمالي حتى الآن أية لقى أثرية، ms415 يمكن ~~أن تشير إلى وجود هذه المملكة أو عاصمتها.» # ويستمر مشيرا إلى ما جاء في الكتاب المقدس في عبارة مبهمة وملتبسة تقول: «فجاء أرام ~~دمشق لنجدة هدد عزر»، ويعقب عليها بالقول: «ويستنتج المؤرخون من هذه الإشارة أن مدينة ~~دمشق كانت في ذلك الوقت تابعة لهدد عزر ملك صوبة»، «وفي المعركة مع أرام صوبه يقول ~~النص: إن «هدد عزر قد أبرز أرام الذي في عبر النهر، فأتوا إلى حيلام وأمامهم سوبك رئيس ~~جيش هدد عزر، ويبني المؤرخون على هذا الخبر أن ملك صوبة كانت له سلطة غير مباشرة على ~~الدويلات الآرامية القائمة عند الفرات.» # 5 # الأمر بهذا الشكل لا يلتقي أبدا مع مملكة تقع في البقاع الشمالي، إنما يلتقي مع بلاد ~~آدوم التقاء واضحا؛ لأن «خلسيس» التي أطلقها المؤرخون اليونان على مملكة صوبا هي ~~«كلسيس»، التي أطلقها المؤرخون اليونان على مملكة صوبا، تلتقي مع بلاد آدوم التقاء ~~واضحا؛ لأن «خلسيس» هي «كلسيس» و«كلسيس» تعني «النحاس». والكلمة صوبة نفسها هي صهوبة ~~هي بريق النحاس، كما أفادنا السواح منذ قليل، وهو ما يستدعي مناجم نحاس تمنة في آدوم. ~~أما صوبة فلا نشك أنها بقايا باهتة من المملكة الآودمية الكبرى، في حالة نزعها الأخير ~~بين المد والجزر، وإن «صوبا» ليست سوى تنويع لهجوي للكلمة «سبأ»، فأرام صوبا هي «أرام ~~سبأ» على التخصيص. وإذا كانت النصوص التوراتية قد أطلقت على الجنس الأسود اسم «كوش»، ~~فإن النصوص المصرية أطلقت عليه ذات الاسم مع اسم آخر هو «نحاسي»، وكان الحد الذي أقامه ~~سنوسرت الثالث لمنع سكان الجنوب المصري السود الكوشيين من عبور الحدود المصرية ~~الجنوبية، قد ذكر كالتالي: «الحد الجنوبي الذي أقيم في العام الثامن ... لمنع أي «نحاسي» ~~من المرور شمالا.» # 6 # أما الذي يلتقي معنا هنا، وما أكثر ما التقانا، فهو أن نجد لقب «نحاسي» في ~~بردية تورين، لقبا لأسرة من الأسرات الهكسوسية إبان الاحتلال «النحاسيون». # 7 # ثم لا يغيب عنا معبد روعة الروائع طوال الوقت، فتستوقفنا في تقريره عبارة تؤكد أن ~~رئيس بعثة حتشبسوت إلى ms416 بلاد بونت حمل لقبا أو اسما أو صفة هي «نحاسي»؟! ... لقد أرسلت ~~حتشبسوت في رئاسة بعثتها ترجمانا من ذات الجنس، يعرف لغة البلاد التي ارتحل ~~إليها. # أما البليغ فهو التعقيب الهيروغليفي المكتوب أمام رسوم الصف الأول في لوحات حتشبسوت، ~~وفي الصف الأول في بلاد بونت يقف الملك، ويقول الشرح المكتوب: «عظيم عظماء إرم». # 8 # ثم لا يدهشنا أبدا قول جيمس العابر، الذي لا يعبر علينا دون تدقيق، وهو يقول: «لما ~~أصبحت مصر تحت حكم الهكسوس لم يبق لها قوة في النوبة، وانتهزت بعض القبائل المغيرة ~~الفرصة وتسربت إلى النوبة، وكانت تجمع بين الجنس الحامي والجنس الزنجي ... واستطاعت تلك ~~القبائل أن تكون دولة مستقلة عاصمتها بوهن ... وعقدوا حلفا مع الهكسوس ... ويعزز هذا ~~التقارب رسالة الملك الهسكوسي أبوفيس إلى الملك الكوشي جنوبا، حيث يبدأ رسالته بلفظة: ولدي.» # 9 # وإذا كانت الكلمة «ن ح س و # NEHSU ~~»، تعني الزنوج ~~السود، فإن جذرها «نحس» والنحاس في العربية بفتح النون هو: ضرب من الصفر والآنية شديدة ~~الحمرة، وهو بضم النون دخان أسود لا لهب فيه، ومنها نحش في العبرية، وهي حنش أي ثعبان ~~في العربية! ... لقد جمعت لنا كلمة واحدة في اللغة، حفريات معاني قديمة عن الجنسين الأسود ~~والأحمر من الناس، وثعبان شجر البخور. # والإله المصري القديم «أبيب»، وينطق بالتصريف اليوناني «أبو فيس»، تسمى باسمه بعض ~~ملوك الهكسوس القادمين من بلاد التين والبخور، وكان المصريون يرسمون أبيب في صورة حية ~~متلوية، تحمل في كل طية من جسمها مدية ماضية، وتصوروها تكمن لإله الشمس مع شياطينها عند ~~المغيب، وقد وصفت النصوص المصرية تلك الشياطين التابعة للحية بأنها «شياطين سوداء وحمراء». # 10 # وهو إشارة واضحة لسكان آدوم من الجنسين الأسود والأحمر، كذلك نجد كلمة ~~«النوبة» التي أطلقها المصريون على بلاد كوش الجنوبية تحمل عددا من المعاني، من الجذر ~~«ن ب»، فهو في المصرية القديمة يدل على عدد من المعاني: كل ما ارتفع من الأرض وهو صفة ~~بلاد آدوم، كما يعني أيضا الذهب، واللهب الأحمر، وفي العربية تتبادل ms417 اللام والذال ~~المعجمة، التي تنطق في ذهب «دهب» لتصبح لهب. # وفي العربية تلتقي نحاس ونحاسي، والنحس والنحاس أصلا في المصرية القديمة، هو العبد ~~الأسود «الزنجي/الكوشي»، ثم تطورت لتصبح النخاس الدالة على تاجر العبيد. # وتعود العين لتجول في مدون «تجلات بليزر الأول»، ملك آشور الذي سبق وأوردناه، ويتحدث ~~فيه عن غزوه لإقليم باسم مصري، الذي عرفناه إقليم أدوم وسيناء، لنقرأ المدون مدققين ~~فنجده يقول: إنه قد «دحر هناك القبائل الآرامية.» # 11 # ثم نقلب مرة أخرى ما سبق وسجلناه للفرعون «آمنحتب الثاني»، وتدميره لشمس آدوم، وعودته ~~من تلك الحملة بعدد 15070 من الأسرة النجاسو، # 12 # وقد اعتبرت كلمة النجاسو ذات دلالة غير معلومة لنا الآن، على شعب مجهول، ~~أو طائفة بعينها لا نعلمها، فهل يمكن الآن القول إننا نعلم من هم النجاسو، في ضوء غزوة ~~أخرى لذات الموضع الذي عاش فيه النحاسو؟ ثم يورد لنا طه باقر أهم المنتجات التي وصلت ~~الملك الآشوري (آشور ناصر بال الثاني 883-859ق.م.)، بعد أن اكتسح البلاد الآرامية ~~والآمورية، حتى وصل «البحر العظيم بحر الأموريين»، وهو إما البحر الأبيض أو البحر ~~الأحمر، وقد عددت سجلات هذا العاهل الآشوري أهم السلع التي وصلته من ذلك المكان ~~كالتالي: # تضمنت الجزية الذهب والفضة والقصدير والنحاس وأنسجة الكتان ... وقردة صغيرة ~~وكبيرة، والعاج والأخشاب النفيسة مثل الأبنوس والبقس ... إضافة إلى ذلك الحيوانات ~~الوحشية ... والنباتات الغريبة ... # 13 # ولا تعقيب لدينا هنا سوى سؤال: أليست تلك ذات صادرات بلاد بونت في لوحات حتشبسوت؟ لا ~~يني تقرير بعثة حتشبسوت يضيء المنطقة أمامنا، وتنفك ألغازها مع ترميزاته في خطو ~~بحثنا، فنعرف شعبا من بين شعبين مجهولين، وشعوب أخرى، كانوا يعيشون في بلاد بونت، ~~أحدهما أحمر والآخر أسود، لنسمع سليم حسن يردد فقرة من تقرير علماء حملة حتشبسوت في نقش ~~يقول: # السياحة إلى الوطن والوصول بسلام، إن السياحة إلى طيبة قد قام بها بقلب فرح ~~جنود رب الأرضيين، ورؤساء هذه الأرض بونت، وقد أحضروا معهم أشياء لم يحضرها من ~~قبل أي ملك. # ثم يقرأ سليم حسن أسماء ms418 الشعوب هناك ليقول لنا تعقيبا على الرسوم: # ويلي هذا مشاهدة رئيس أرام ورئيس نميو، وهما قبيلتان غير معروفتين من بلاد بونت. # 14 # لكنا نعتقد أننا قد أصبحنا نعرف القبيلة الحمراء الآدومية التي تعود إلى أصول ~~آرامية، وكانت تعرف باسمها «أرام» منذ زمن قديم؛ بدليل وروده في سجلات رحلة حتشبسوت إلى ~~بلاد بونت الآدومية الآرامية. كذلك أصبحنا نعرف شعب «نميو»، فالواو جمع ومفردها «ن. م. ~~ى»، وهي بالقلب ي. م. ن، فشعب «نميو» هو القادم إلى بلاد آدوم/بونت من جنوبي الجزيرة، ~~نميو/اليمن. # ولمزيد من التأكد حول كون مملكة سبأ في آدوم هي المملكة، التي جاءت إليها إشارات ~~التوراة باسم مملكة صوبة، نتابع المؤرخين وهم يحصون الدويلات الآرامية، التي تأسست على ~~أطراف كنعان/فلسطين في القول: «إن الدويلات الآرامية التي تأسست على أطراف كنعان ... هي ~~موآب والعمونيين وآدوم وملوك صوبة.» # 15 # وتأتي صوبة هنا ملحقة بآدوم على التجاور مع موآب وعمون، الواقعتين شرقي ~~البحر الميت ونهر الأردن، ونعلم من مصدر آخر أن تلك الإمارات الآرامية الجنوبية، قد ~~تحالفت مع إمارات شمالية مثل مملكتي صور وصيدا، لمواجهة هجوم آشوري محتمل، وضد عميل ~~الآشوريين في المنطقة، وهو ملك دويلة يهوذا، وأن هذا التحالف قد ضم «سمس ملكة العرب ... ~~وآدوم انضمت للتحالف، وبقيت يهوذا وحدها غير راغبة في الانضمام.» المهم هنا ألا تفوتنا ~~الإشارة إلى «سمس» ملكة العرب، لنربطها بأصول العرب جميعا التي تعود إلى النابتيين أو ~~الأنباط، سكان وادي عربة الذي غطى باسمه مساحات شاسعة للجنس، الذي حمل بعد ذلك اسم العرب. # 16 # ويسوق «فهمي خشمي» رأيا للأستاذ «عبد الحق فاضل»، ويصفه بأنه «رأي لطيف» حول كلمة ~~عربي وكلمة أرمي، وأنهما كلمة واحدة سواء في الدلالة التي تشير إلى بلاد صخرية، وفي ~~اللفظ حيث يمكن تبادل العين في «عربي» والهمزة في «أرمي»، كذلك الباء والميم من جهة ~~أخرى، وهو ما يعني أن كلمة «عربي» كانت في فجرها تنطق «أرمي»، وباختصار فالعربي هو ~~الأرمي، ويضرب لذلك مثالا بتبادل الباء والميم في كلمة «مكة»، التي أوردها القرآن ms419 ~~بلفظها هذا، ثم أوردها أيضا «بكة». # 17 # ثم يحدثنا «مراد كامل» و«محمد البكري» عن أول ظهور عربي صريح لمملكة عربية في تدمر، ~~التي تقع إلى الشمال الشرقي من بلاد آدوم، ونعتبرها من جانبنا الامتداد الطبيعي للمملكة ~~التجارية الآدومية، فيقول: # ظهرت تدمر بهذا الاسم في بداية الألف الثاني ق.م. وكان أهلها في البداية من ~~الكنعانيين، ثم سكنها جماعة من البدو من أشراف الأراميين، ... تمر بها طرق ~~التجارة ... وقد قضى أورليان على استقلالها عام 273م في عهد زنوبية زوجة أذينة ... ~~خلف التدمريون العديد من الآثار منها معبد بعل، ووجدت في هذا المعبد أشكال ~~لنساء محجبات ... وكانت اللغة المستخدمة في تدمر هي الآرامية، أما القرارات ~~العامة فدونت باليونانية والآرامية ... أما عن مملكة النبط فقد شملت الرقعة التي ~~شغلتها بعض الممالك، التي ظهرت قديما منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهي ~~آدوم وموآب وعمون وجلعاد، وكانت هذه كلها كنعانية وآرامية، وأول ظهور الأنباط ~~كان في القرن السادس ق.م. كقبائل بدوية عربية، وكان ملوكهم بني الحارث، وأكثر ~~أسماء الأعلام الواردة في نقوشهم عربية، مثل حارثة ومالك ومليكة وجذيمة وكليب ~~ووائل ومغير وقصي وعدي وعميرة ويعمر وكعب ومغن وسعد ومسعود ووهب الله وتيم الله.» # 18 # ونستكمل من مصدر آخر يقول: «واتخذوا البتراء عاصمة لهم ... وتدخلت ~~روما في شئون هذه الدولة حتى قضى عليها عام 106م القائد الروماني كورلينوس ~~بالما نائب تراجان في سوريا ... واستخدم الأنباط اللغة الآرامية، وفي منتصف القرن ~~الأول ق.م. أصبح للأنباط خط مميز ذو شكل معروف، حتى إن الأحرف العربية أخذت من ~~الحروف النبطية، ومن الآلهة التي عبدها الأنباط ذو الشرى واللات ومناة والعزى ~~وهبل واتراجاتيس وعبادة الأفعى. # 19 # ويتابع العبقري الفذ اللمعة «علي فهمي خشيم» دراسته المتميزة في المقارنة اللغوية بين ~~الهيروغليفية والعربية، لتصلنا منه الكلمة المصرية القديمة «إ ~~أب # IAB ~~» وتعني الشرق، كما تعني اليسار؛ لأن المصري كان يوجه وجهه عند ~~تحديد الاتجاهات الأصلية إلى منبع النيل مصدر الحياة (الجنوب)، ومن ثم فإلى اليسار يكون ~~الشرق وإلى اليمين يكون الغرب، ويرى ms420 أن الهمزة الأولى من إأب مبدلة من العين، وذلك مثل ~~«ك أب = كعب، إن ق = عنق، ج م أ = جمع»، وهو ما أحاطنا به إمبير # EMPER ~~، ثم إن العربية أيضا تبدل العين همزة كما في أربان وعربان ~~«اللسان مادة أرب». أما الهمزة الثانية فهي مبدلة من الراء، فالأستاذ إمبير يقدم لنا ~~معجما لمفردات طويلة أبدلت فيها الهمزة المصرية براء عربية، وذلك مثل: ب أ ك = برك، ~~ش أ ع = شرع، ح أ م = حرم، وأ ح = ورخ (القمر)، ع أ ب = عرب، ومن ثم فإن إ = ع، أ = ر ~~ومعنا باء أصيلة، وهو ما يعني أن إ أب # IAB ~~= عرب، وهي ~~كلمة تفيد الشرق. # 20 # وهذا يعني من وجهة نظرنا الإشارة إلى وادي عربة تحديدا الذي يقع شرقي مصر، ~~أما التوراة فاعتادت إطلاق تسمية «بني المشرق» على العرب. # وهنا ننبه بوضوح أن كلمة عرب، التي كانت تعني عند المصري القديم الشرق، لا تؤدي ~~المعنى الذي نفهمه منها اليوم عن الجنس والقومية؛ لأن الحس القومي لم يبرز عند قبائل ~~الجزيرة إلا عشية ظهور الإسلام، أما قبل ذلك فكان فيما يؤكده لنا «جواد علي» هو: ~~البداوة والقفر والجفاف، ويستمر قائلا: «بمعنى البداوة والأعرابية إذن وردت لفظة العرب ~~في اللغة العبرية ولغات سامية أخرى، مثلما هو الحال في سفر إشعيا وسفر إرميا من العهد ~~القديم، وقد وجد الباحثون أول نص ذكر فيه العرب، هو نص آشوري من أيام شلمنا صر الثالث ~~أو الثاني ملك آشور، والمقصود باللفظة إمارة أو مشيخة يتزعمها رجل بلقب ملك اسمه ~~«جنديبو .../جندب ...». واختلف العلماء في قراءة الاسم الثاني لهذا الملك، وكان واضحا أنه ~~لقب له هذا ما بين # ARIBI, ARBI, URBI, ARABU, ARIBU # التي تعني بوضوح الكلمة «العربي». # وقد وردت في الكتابات البابلية كلمة ماتوأربي # MATU-A-RABI # أي أرض العرب، وفي نقش برستون لدار الأكبر بالإخمينية جاءت ~~لفظة أربايا «عربية # ARABAYA ~~»، كذلك جاءت في العيلامية، ~~وفي المواقع الأرامة كان هناك موضع باسم بيت ~~عرباية # BETH ARABAYA ~~، وأول مرة ورد ms421 فيها ذكر العرب لدى الكتاب اليونانيين كانت عند ~~إسخليوس 525-456ق.م. ثم هيرودوت 484-425ق.م. # وكان معنى البداوة هو المقصود عند الحديث عن العرب ... ويذكر استرابون أن كلمة ~~أرمبي # EREMBI # تعني عربا عند البعض، ولعلها تحريف ~~لكلمة # ARABI ~~. # 21 # أما نحن فنتساءل: هل كانت كلمة أرمبي تحريفا لكلمة عربي، أم أنها كانت حفرية لغوية ~~تعيش حتى زمن استرابون منذ كان العربي أرمي أو أرامي؟ لكن ما لا يفوت فطن أنه إلى الشرق ~~من بلاد آدوم، قامت بعد تلك الأحداث إمارة عربية استمدت اسمها من التاريخ القديم هي ~~مملكة «الحيرة» الحورية، وفي موسوعة تاريخ العالم نجد محاولة لحصر الممالك الآرامية في ~~أعالي الرافدين، فتذكر لنا: بيت معكة وبيت أدين أو أديني (أي بيت عدن [المؤلف])، وجوزان ~~(تل حلف الآن) وجرجوم (مرعش حاليا)، وسامعل التي كانت تحمل قبل ذلك اسما هو: ياودي، ~~ثم أعيد تسميتها باسم سمعل أو بيت جباري نسبة لمنشئها، وتقول الموسوعة إن مكانها الحالي ~~هو سنجرلي، وكان من ملوكها حيان بن جبار وشاءول أو ساولم، ونلاحظ أن مواضع تلك الممالك ~~جميعا تقع في محيط المنطقة المزعومة، كمكان موضعوا فيه بلاد ميتاني الحورية ~~المركزية. # الملاحظة الأولى أن اسم حيان بن جبار الذي ملك على مملكة سامعل أو ياودي، يحيل إحالة ~~قوية إلى أشهر ملوك إمبراطورية الهكسوس الذي عرفناه باسم «خيان». # الأمر الثاني والهام والغريب، أن الكتاب المقدس رغم زيادته وتكراره وتعديده للدويلات ~~الآرامية، بحيث ذكر دولا لم يتم الكشف عنها إلى الآن، فإنه لم يعرف مدنا آرامية كشفت ~~عنها الآثار. نعم ذكر بعض المدن التي كشفت عنها الآثار مثل بيت أديني أو بيت عدن كما في ~~قوله: «وأقطع الساكن في بقعة آون وماسك القضيب من بيت عدن وينفي شعب أرام إلى قير» ~~(عاموس، 1: 4، 5)، لكنه لم يذكر مدينة شديدة الأهمية، جاء ذكرها في المصادر الرافدية ~~باسم «سمعل»، وهي ذاتها التي ذكرت على التبادل مع اسم آخر هو «ياودي»، وأن من ملوكها ~~كان «شاءول» الذي يرد على التبادل مع «ساولم»؛ فهل حقا لم تعرف ms422 التوراة مملكة سامعل ~~أو ياودي وملكها شاءول أو ساولم؟ # إن ما يبدو لنا أن مملكة سامعل هذه قد قصد بها جماعة بشرية بعينها، لكن هذه الجماعة ~~لم تعش أبدا في شمالي الرافدين عند سنجرلي، إنما جنوبا في دولة أرام صوبا أو أرام ~~سبأ الآدومية، وأنها كانت تمتد لتتصل بمملكة أخرى تقع إلى الشمال منها، جاء اسمها ~~ياودي مشيرا بوضوح إلى اسم اليهودية أي مملكة يهوذا، خاصة أن تلك المملكة قد جاء ~~ذكرها مصحوبا باسم شاءول وساولم، وهما في رأينا اسمان يستقل كل منهما عن الآخر؛ ~~فالأول هو شاول أول ملك لمملكة إسرائيل الموحدة، أما الثاني فهو أشهر ملوك تلك المملكة ~~ساولم/سليمان. وإن الخلط الذي حدث بين اليهودية وسامعل، أو الإسرائيليين والإسماعيليين ~~له تبريره التاريخي فيما أسلفنا، وفيما سيأتي ناصعا في حينه وفي موضعه من هذا ~~البحث. # وتشير المادة التاريخية المكتشفة في المدونات الرافدية إلى إقليم وصف بأنه آرامي، ~~وأنه كان يحمل اسم لاق، وأنه كان تابعا لمملكة بيت عدن، # 22 # وهو ما يستدعي اسم العمالقة واحتمالا آخر للتسمية، فبإضافة «عم» بمعنى شعب ~~أو أبناء إلى «لاق» تصبح «عملاق». # هكذا يمكن استنتاج أن الآراميين هم الشعب الذي حمل صفة الجنس الأحمر في بلاد آدوم، ~~بكافة بطونه المذكورة آنفا، فكان هو الأم الجامعة، وهو الشعب الذي ظهر في نقوش رحلة ~~حتشبسوت إلى بلاد بونت، إلى جوار جنس آخر يختلف عنه تماما، جنسا زنجيا نحاسيا، ~~وموطنه معلوم بالمستودع الأفريقي على الساحل الأفريقي المقابل لليمن، والذي وصل آدوم ~~بصحبة القادمين من جنوب الجزيرة إلى الشمال، في شكل مستعمرات تجارية استقرت شمال غربي ~~جزيرة العرب. # وكان طبيعيا أن تتزاوج الثقافات كما تزاوجت الأجناس، فتظهر اللغة الحورية التي ظلت ~~مشكلة ولغزا بلا حل، في أصلها، وأصحابها، وأنها لغة تحمل سمات مشتركة بين السامية ~~والهندوآرية والحامية، وهي الإشكاليات التي انسحبت على جنس الهكسوس، وانقسام علم ~~التاريخ حوله إلى رأيين يرفض كل منهما التنازل الآخر. الأول يقول إن أصلهم سامي من ~~جزيرة العرب، والثاني يرى أن أصلهم هندوآري ms423 بلا جدال، وكل لديه حججه وبراهينه. أما ~~المشكل حقا الذي ظل مستعصيا على الفهم ناهيك عن الحل، فهو إشارات الكتاب المقدس إلى ~~وجود الجنس الزنجي الكوشي بكثافة ضخمة في مناطق جنوبي إسرائيل بالنقب وسيناء وآدوم. ~~كذلك أشارت إليه الكتابات التاريخية الإغريقية الكلاسيكية باعتباره من سكان شرقي ~~المتوسط، وقالت إن # Kissians # يسكنون شرقي المتوسط، وتعني ~~الكوشيين، ثم جاء بطلميوس المؤرخ ليؤكد من جانبه أن # Kossaeans # كانوا يتموضعون في تلك المنطقة، وتم ~~إهمال تلك الإشارات لاستحالتها التاريخية. لقد كان وجود الأفارقة بكثافة كجنس يسكن ~~مواضع ما شرقي المتوسط مشكلة إما مهملة أو لغزا يطلب حلا. # ومثال للحلول المتسرعة والسهلة ذلك الحل الذي اعتمد على أن الكتابات التاريخية ~~والدينية، التي كانت تتحدث عن منطقة شرقي سيناء وجنوب فلسطين، كانت تبدأ الحديث عن ~~العمالقة لتنتهي إلى الكوشيين، فاعتبرت العمالقة هم الكوشيين، لكن ذلك الربط السريع وقف ~~حائرا ما بين الأصل السامي والأصل الهندوآري، بذلك رأت تلك الحلول العجلى أن هناك ~~عمالقة كاسيين أو كاشيين جاءوا من الشمال الأسيوي، من عند أعالي الرافدين، وأن هناك ~~عمالقة كوشيين زنوجا جنوبيين، ذاك هندوآري وهذا سامي، وذلك كما في قول «غطاس الخشبة»: ~~«والأصل في الجبابرة: العمالقة من الناس ... طائفتان: العمالقة الكوشيون وكانوا يقطنون ~~أعالي دجلة والفرات بين النهرين، وهم من نسل نمرود ابن كوش بن حام بن نوح، وهؤلاء كان ~~البابليون القدماء يسمونهم ماليق، ثم تفرقوا في أنحاء العراق وجزيرة العرب، ثم العمالقة ~~السوريون من نسل عوص بن أرام بن سام بن نوح، وهؤلاء هم الأخص عند العرب باسم العماليق، ~~وكانوا يقطنون أرض قادش جنوب فلسطين.» # 23 # وفي هيرودوت خبر يذكر حادثة إرسال قمبيز الفارسي رسلا إلى أثيوبيا، وعودة هؤلاء ~~الرسل بالوصف التالي للشعب الأثيوبي: # إن الأثيوبيين الذين ذهب إليهم أولئك السفراء، أطول الناس في العالم كله ~~وأكثرهم أناقة، كما أنهم يختلفون عن سائر البشر في عاداتهم خصوصا الطريقة التي ~~يختارون بها ملوكهم، فهم يبحثون عن أطول رجل بين جميع المواطنين، على شرط أن ~~تتناسب قوته مع طوله، ms424 ثم يعينونه ملكا يحكم عليهم.» # 24 # والغريب أن ذلك المبدأ ذاته هو ما عملت به مملكة إسرائيل الموحدة ~~من بعد، انظر مثلا تولية أول ملك إسرائيل باسم «شاول»، وسر اختياره ملكا ~~«شاول شاب وحسن، ولم يكن في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوق كان أطول من ~~كل الشعب». ~~(صموئيل أول، 9: 2) # أما أن نجد في الآثار الهكسوسية مفردات لغوية حامية، ومفردات من أصول هندوآرية، ~~ومفردات سامية، ثم أسماء أعلام من تلك اللغات المتباعدة، فكان بدوره مشكلة مؤرقة مستمرة ~~غير محلولة؛ لذلك رأى فريق أن الهكسوس جاءوا من براري آسيا استنادا إلى الهندوآرية، ~~وأن محطتهم الأولى كانت حول محيط بحر قزوين، ومن هناك انحدروا جنوبا على الشرق الأوسط، ~~أما الفريق الآخر فيراهم عربا أقحاحا قدموا من هجرة كبرى من جزيرة العرب، حتى أصبح ~~الساميون أنفسهم كعرق وكلغة محل تضارب شديد، فتأتي بهم جلة محترمة من المؤرخين، من ~~المستودع الصحراوي الكبير في جزيرة العرب، بينما تأتي بهم جماعة أخرى من المؤرخين، لا ~~تقل احتراما من بلاد أرمينيا حول بحر قزوين. # وإعمالا لذلك نجد لدينا مذهبا يرى شبه جزيرة العرب مهدا أولا لكل الشعوب السامية، ~~ويمثله شبرنجر # Sprenger # وشرادر # Schrader ~~، # 25 # والعلامة كيتاني # Coetani # الذي يرى أن كل ~~حضارات الهلال الخصيب من العراق إلى الشام الكبير إلى ساحل المتوسط الشرقي حضارات ~~سامية، حدثت نتيجة نزوح الفائض من بدو جزيرة العرب إلى الشام، ويؤيد كيتاني في مذهبه ~~العلامة موسكاتي. وبعض أصحاب هذا المذهب يفترض أن جزيرة العرب كانت في زمن موغل في ~~القدم أكثر خصوبة ثم أصابها الجفاف، مما أدى إلى هجرة سكانها إلى وديان الأنهار والسهول ~~الشمالية في الشام والعراق، إلا أن موسكاتي نفسه يرفض مثل تلك التعقيدات التي ليس عليها ~~شواهد علمية، بل إن تلك الشواهد تؤكد أنه إذا كانت مثل هذه التغيرات الطبيعية الكبرى قد ~~حدثت، فكانت قبل فجر التاريخ بقرون طويلة، وربما تعود إلى أبعد من عشرين ألف عام قبل ~~الميلاد. وتأسيسا عليه فإن مثل تلك الافتراضات خاطئة تماما، ms425 بمقاييس الأنثروبولوجيا ~~الطبيعية والجغرافيا الجنسية. # 26 # وعلى الخط الآخر النقيض تماما نجد اتجاها آخر، يأتي بالجنس السامي من أرمينيا ~~بالاستناد إلى ترميزات الكتاب المقدس، الذي يعيد الأصول البشرية السامية إلى ~~أرفكشاد # Arpachsad ~~(تكوين، 10: 22-24)، وهو اللقب ~~التاريخي لبلدة # Arrapachitis # المسماة اليوم البك # Albak # بأرمينيا الحالية، مع ترميزات أخرى تشير بالكتاب ~~المقدس إلى بداية الأصول البشرية من نوح، والترميزة هنا تقول إن السفينة النوحية قد رست ~~على جبل باسم أرارات، وما زال هذا الجبل بنفس الاسم يقع بأرمينيا عند بحيرة فان ~~بالمحيط الجنوبي لبحر قزوين ... وهو ما يعني مجيء السامي والهندوآري من موطن واحد، هو ~~بلاد أرمينيا القديمة. # 27 # وقد انسحب ذلك التناقض حول الأصول على الشعب الآرامي، فرغم الأصل الاسمي الواضح ~~للآراميين، حيث أرم = أرب التي تحيل إلى «أرب - خيتيس» أو أرابخيتيس في أرمينيا، وحيث ~~عثر هناك على كتابات باللغة الآرامية القديمة، وحيث لم تزل توجد جماعات هناك تتكلم ~~الآرامية القديمة حتى اليوم، ناهيك عن اسم أرمينيا نفسه كشاهد على موطن الآراميين، ~~فإننا نجد عالما حجة مثل كريلنج يلتبس عليه الاختلاط الجنسي الناتج حسب نظريتنا عن ~~التقاء شعوب آدوم في أحلاف أو أخلامو، وما نتج عنه من اختلاط ثقافات ولغات، فيؤكد سامية ~~الشعب الآرامي حتى إنه يعيدهم إلى بلاد نجد بجزيرة العرب، ويأخذ من المدونات التاريخية ~~اسمهم القبلي الذي اشتهروا به وهو سوتي، وهو ما رأيناه ليس دلالة مكانية جغرافية، إنما ~~نسبة للإله «سيت» المصري. # 28 # أما «دي بنسومير # Du Pont-Sommer ~~» فيرى أنه ~~ليس هناك أي دليل وثائقي حقيقي، يقطع بموطن الآراميين الأصلي. # 29 # والمعلوم أن منطقة فلسطين ومحيطها عموما ومنطقة آدوم بشكل خاص وبلاد الشام بشكل ~~أعم، قد تعايشت فيها أجناس عديدة ولغات مختلفة، لم تنصهر معا إلا بعد مرور وقت كاف، ~~وانتهينا إلى القول بسيادة اللغة الكارية بسيادة الآرامية المتطورة، وهو الأمر الذي ~~كثيرا ما حدث في التاريخ، وقد نبه لويس عوض إلى مثل ذلك بقوله: «إنه في الشعوب ~~المستقرة تتعايش اللغات داخل القومية الواحدة، وتتعايش الأجناس والسلالات ms426 داخل القومية ~~الواحدة، بل وتتعايش الأديان داخل القومية الواحدة.» # 30 # والقومية الواحدة في حال نضوجها تصاحبها دولة مركزية واحدة، وهو بالضبط ما نظنه قد ~~حدث في آدوم ومدينتها الرائدة (الصخرة)، وأنها لم تكن فقط مجرد دولة مركزية، بل كانت ~~مركزا رئيسيا لإمبراطورية عظمى، امتدت من المحيط الهندي جنوبا حتى تركيا شمالا، ~~ومن العراق شرقا حتى حدود مصر الليبية غربا، وشملت ضمن ما شملت جزر البحر المتوسط، ~~وهي الإمبراطورية التي أطلق المصريون على زعمائها اسم الهكسوس، وكما يفسر لنا كيف خضعت ~~مصر لسيادتهم، فهم لم يكووا شراذم بدوية كما يصورهم علم التاريخ، بقدر ما كانوا قوة لها ~~مركزها التأسيسي الجغرافي، لقد كانوا إمبراطورية تجارية كبرى، تليق باحتلال بلد عظيم ~~كمصر. # ووفق هذا الطرح يمكن تفسير السر في التضارب الهائل في إثنيات سكان فلسطين وآدوم ~~وسيناء وتعدد أعراقهم ولغاتهم، ذلك التضارب الذي نعلمه من وثائق علم التاريخ ومن الكتاب ~~المقدس معا، وهو التضارب الذي لحق بمحاولة البحث عن الأصول الآرامية، فالآراميين عند ~~البعض قادمون من الشمال الأرميني ، وعند البعض الآخر أنهم جاءوا من جزيرة العرب، لكن ما ~~نعلمه الآن بعدما قدمنا وأعدنا وزدنا، أن المنطقة قد حوت عددا من الأجناس، أبرزه ~~الأسود الزنجي القادم عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بادئا بالتواصل مع سكان جنوب ~~الجزيرة «سبأ»، ثم ممتدا معهم حتى معان المصرية، ليلتقي في وادي عربة بالآري القادم ~~من الشمال الآرامي ممثلا في الآراميين الهندوآريين، لتقوى المملكة التجارية ويستفحل ~~شأنها في حلف الأخلامو، وتنضم إليها ممالك المنطقة تكسبا، أو تخضع لها بالقوة، ليصلوا ~~أوج قوتهم في جيوش هائلة في أحلاف تكتسح المنطقة وتقيم فيها إمبراطورية كبرى، حتى وصل ~~الائتلاف حدا تعلم معه أنه قد تم تنصيب أحد مشايخ أو ملوك تلك الأحلاف، حاكما على ~~بلاد بابل يعرف باسم «نمرود»، وأن نمرود هذا كان كوشيا زنجيا أسود. # 31 # لقد بدأت آدوم مركزا لتجمع شراذم من الشمال ومن الجنوب طلبا للرزق التجاري، عبر ~~تواصل المركز مع محطات الأطراف، في المساحة الشاسعة الواقعة ما ms427 بين أرارات شمالا ~~واليمن جنوبا، لتتوحد في النهاية في بلاد آدوم، وتشكل تيارا جارفا، يضم تحت جناحيه ~~المنطقة جميعا في الإمبراطورية التي أسمى المصريون أصحابها بالهكسوس. # وإن ترتيبنا للأحداث على هذا النحو يفسر لنا سر الاعتقاد الطريف، لكنه الراسخ لدى ~~الأحباش الزنوج اليوم، فهم يعتقدون جازمين، وهو اعتقاد يدخل في عداد الإيمان الديني، ~~أنهم أبناء لرجل أبيض هو منليك، ومنليك هو ابن الملك الإسرائيلي سليمان، نتيجة علاقة ~~جسدية له مع ملكة سبأ، وقد كانت تلك القصة تدخل في عداد الأساطير، لعدم إمكان هذا ~~التواصل أصلا، حيث كان معقتدا أن سبأ قامت فقط في الجنوب اليمني، ثم تم رفض تحقيق ~~القصة تماما؛ لأنه ما العلاقة بين فلسطين والإسرائيليين وبين الجنس الحبشي الأسود؟ لكن ~~في ضوء ما قدمنا تصبح القصة مفهومة، فلا يفرق الأحباش بين أصولهم البعيدة وبين سبأ في ~~الجوار عبر المندب. كانا حلفا متوحدا قطن شمالا عند العقبة بجوار مملكة سليمان، ~~وهناك كان بالإمكان حدوث لقاء أو تحالف تاريخي، تم الترميز له بعلاقة سليمان بالملكة ~~«سبأ ». وتقول القصة الحبشية أن منليك هذا، قد أصبح السلف البعيد لسلسلة من الأباطرة ~~الأكابر، حكموا إمبراطورية كبرى، ثم تضاءل ملكهم مع الأيام حتى اقتصر على بلاد الحبشة، ~~وأنه من هذا النسل العظيم كان الإمبراطور هيلاسلاسي آخر أباطرة الحبشة، الذي لقب نفسه ~~بلقب ينسبه إلى جنسه الأبيض البعيد، فحمل لقب «أسد يهوذا». لقد حملت القصة في ترميزها ~~أصولا كشفنا عنها في تزاوج النحسي الكوشي والقحطاني أو اليقطاني اليمني الجنوب جزيري ~~مع الشعب الهندوآري القادم من أرمينيا، وتقيم الشعوب الثلاث مع التهجين المصري الحامي ~~في بلاد صخرة الشرق الإمبراطوري في آدوم، ليترك اجتماعها بصمته في التوراة، وهي تؤكد أن ~~أجناس البشر الأوائل كانوا ثلاثا: «حام وسام ويافث»، وأنهم كانوا يجتمعون في مكان ~~واحد تفرقوا منه بعد ذلك على سطح البسيطة. # ومن جانبها كانت التوراة تؤكد طوال الوقت على الأصل الآرامي للقبيلة الإبراهيمية، ~~ممثلة في آبائها الأوائل الأباعد، وتردد: «آراميا تائها كان أبي»، لكنها وضعت في ~~مصهر ms428 التاريخ الجنسين العربي والعبري، فأعادت كليهما إلى أب واحد هو عابر، حتى حملت ~~الأسماء ذلك التلازم على الوجهين بالتبادل الميتانيزي؛ لأن عبري بالقلب هي عربي، وبذلك ~~وضعتهما في بوتقة واحدة، كان سببه ومكانه الدولة المركزية الكبرى في بلاد آدوم، ~~الملتقى التجاري والجغرافي للجهات الأصلية الأربع. # ثم تأتي الكشوف الأركيولوجية لتؤكد صلة الشعب الإسرائيلي الإبراهيمي العبري بالقبائل ~~الآرامية، في النصوص التي اكتشفت في مدينة ماري الآرامية القديمة، فيقول لنا ~~كاسيدوفسكي: «إن أسماء المدن المذكورة في النصوص تلك: ناحور، تارحي، ساروج، تاليكي، ~~تتشابه مع أسماء أقارب إبراهيم، زد على ذلك أن هذه النصوص تتحدث عن قبائل أبام رام، ~~ويعقوب إربل، وعن قبيلة تدعى بنيامين ... ومما لا ريب فيه أن إبراهيم نفسه وحفيده يعقوب ~~وأصغر أبناء هذا الأخير بنيامين، لهم علاقة مباشرة بأسماء هذه القبائل.» # 32 # وفي زمن أحدث، حدثت هجرات يهوذية إلى مصر، إبان الحروب التي خاضتها دولة يهوذا مع ~~جيرانها، وأقام المهاجرون لأنفسهم جيتو خاصا في ألفنتين عند أسوان بجنوبي مصر، وهنا ~~يعقب باحث مهتم على الوثائق التي تركتها الجالية اليهودية في جنوبي مصر بقوله: # من العسير معرفة الآرامي من اليهوذي، فبعض الأشخاص اعتبروا أنفسهم تارة ~~آراميين وتارة أخرى يهوذيين، وخاصة في البرديات المدونة في عصر مبكر، ومن ~~هؤلاء محيسة بن يدينة، فقد ذكر في بعض البرديات أنه آرامي من أسوان، وفي برديات ~~أخرى أنه يهوذي من ألفنتين (ألفنتين جزيرة بأسوان [المؤلف])، كذلك مسلم بن ~~زكور، ذكر في بعض البرديات أنه آرامي من أسوان، وفي برديات أخرى أنه يهوذي من ~~ألفنتين، وأيضا عنتي بن حجي بن مسلم، ذكر في إحدى الوثائق أنه آرامي من ~~ألفنتين، وفي وثيقة أخرى أنه يهوذي. # 33 # وهنا نستعيد أبيات المتنبي عن «شعب بوان» مرة أخرى وهي تقول: # يقول بشعب بوان حصاني # أعن هذا يسار إلى الطعان # أبوكم آدم سن المعاصي # وعلمكم مفارقة الجنان # وقد قيل في تفسير تلك الأبيات، أنه كان يصف موضعا في بلاد فارس، باسم «شعب بوان»، ~~ونحن نعلم أن بلاد بوان أو بونت/آدوم، ms429 قد جمعت في دولتها ~~الهندوآري فارسي الأصل مع الكوشي الزنجي المنبت مع ~~الجنوب جزيري. ثم لنتذكر المناسبة الخاصة التي قال فيها المتنبي شعره هذا؛ فقد غضب من ~~سيف الدولة الحمداني عندما أهمل قدره، فتركه مغاضبا، وذهب إلى مصر يمتدح حاكمها آنذاك ~~كافور الإخشيدي، لكنه لقي هناك ما هو أسوأ، فخرج من مصر عائدا إلى الشام مصالحا سيف ~~الدولة ومغاضبا لكافور، وألقى بين يدي سيف الدولة تلك القصيدة التي يذكر فيها موضعا ~~مر عليه في رحلته من مصر إلى الشام، موضعا تلتقي فيه بقايا ألسن قديمة متعددة مختلفة، ~~وبقايا أجناس متباعدة، تعبر عنها أبيات أخرى بالقصيدة تقول: # مغاني الشعب طيبا في المغاني # بمنزلة الربيع من الزمان # ولكن الفتى العربي فيها # غريب الوجه واليد واللسان # ملاعب جنة لو سار فيها # سليمان لسار بترجمان # وألقى الشرق منها في ثيابي # دنانيرا تفر من البنان # وقصد بالدنانير التي تفر من البنان، ضوء الشمس المتسلل داخل أيك شعب بوان، ليطبع على ~~ثيابه ما يشبه الدنانير، لكنها تفر من اليد، وهو ما دفع سيف الدولة ليقول له مع عطائه ~~إعجابا بشعره: «والله لأقرنها في يدك؛ يقصد الدنانير.» # 34 # إن ما يمكن فهمه من هذا أن شعب بوان حتى زمن المتنبي كان جنة، كان لم يزل أيكا ~~وغيضا، وكان يحمل اسمه القديم بوان أو بونت، وكان ما زال يجمع بقايا الأخلامو الذين لو ~~سار فيهم سليمان، على قدرته الأسطورية في فهم اللغات، ومحادثة كل الكائنات، لاحتاج هناك ~~إلى ترجمان، هذا إذا لم نكن قد أخطأنا في تحديد موقع شعب «بوان». وعلى أية حال فهو ~~قرينة واحدة، ضمن مئات من القرائن التي قدمناها، فإن فرت من بين أيدينا فرار ~~الدنانير، فلا أسف عليها ولا تثريب علينا. ~~(انظر مقر الجالية اليهودية الآرامية في أسوان بمصر الشكل رقم «125».) # شكل رقم «125»: في الجوار من هذا المعبد (معبد إيزيس) بجزيرة فيلة ~~(الفنتين بأسوان) عاشت الجالية اليهودية الآرامية. # الباب الثالث # | من الألغاز إلى الحلول # الفصل الأول # | العامو أو العموريون: اسم الأحلاف الجامع # في حديث ms430 ملتبس يقول لنا المؤرخون: «لقد بينت الدراسات اللغوية للنصوص المسمارية التي ~~اكتشفت في أرشيف ملك ماري، أن منشأ اليهود قريب من الأموريين، ففي الزمن الغابر اندفعت ~~من منطقة الخليج العربي باتجاه الشمال موجة عارمة من القبائل الأمورية المهاجرة؛ حيث ~~طردت السومريين وشغلت منطقة ما بين النهرين كلها تقريبا. ولقد أقام الأموريون على ~~أطلال الدولة الصغيرة التي أخضعوها دولهم البعيدة التي ما لبثت أن توحدت كلها في ~~دولة كبرى واحدة، كان حمورابي أعظم ملوكها، وفي زمن متأخر غزت بلاد الرافدين في ~~الشمال قبائل غير سامية الأصل. واضطرت القبائل المطرودة أمامها أن تنزع إلى الجنوب ~~الغربي (أي باتجاه فلسطين وآدوم [المؤلف]) وأثناء هذه الهجرة الجديدة استوطن الآراميون ~~سورية، وسكن الموآبيون والعمونيون والآدوميون في جنوب وشرق أرض غزة، وبعد فترة جاءت إلى ~~هنا قبيلة الإبراهيميين. # 1 # ثم نجد تقاربا في زمن ظهور الكنعاني والأموري وتنطق أيضا عموري، في القول التاريخي ~~«إن الكنعانيين والأموريين الذين ينتسبون إلى ربهم أمورو قد هاجروا من شبه جزيرة العرب ~~إلى الشام عام 2500ق.م. واستقر الكنعانيون في الساحل ، بينما استقر الأموريون في الداخل.» # 2 # ولما كانت الدراسات اللغوية تفيدنا بأن الرافدي ~~وبخاصة الآشوري، كان ينطق حرف «ع» أقرب إلى الهندوآرية «أ»، فإن الإله «أمورو» هو في ~~السامية الغربية «عمورو» أو «حمورو»، أي الحمار، والأحمر. وإليه كإله انتسب الملك ~~البابلي باسمه «حمورو - أبي» أي «الحمار أبي» أو «الأحمر أبي»، فلا فرق. # والأهم هنا ذلك الاتجاه الذي ينزع إلى تنسيب الإسرائيلي للعنصر الأموري أو العموري أو ~~الحموري. ويبدو أن حرف «م» قد أهملت بالتخفيف في «حموري» لتصبح «حوري»، وظلت الكلمة ~~حوري تحمل معنى كلمة حموري، فهما بمعنى واحد هو الأحمر والحمار (وربما كانت لكلمة حوري ~~علاقة بكلمة حوذي أي سائس الحمير/ الإشارة من المراجع الدكتور سميح عيد)، وقد ورد في ~~رسائل تل العمارنة إشارات إلى جنوبي بلاد الشام «فلسطين» باسم # KHAKHNI # وهي ما تعني الصبغ الأحمر القرمزي بدورها، ~~ثم وردت في ذات الرسائل الإشارات إلى القسم الشمالي من بلاد سوريا باسم ms431 بلاد «آمورو». # 3 # ومن جانب آخر نعرف في مختلف الكتابات التاريخية، والكتابات المقدسة التوراتية أن ~~منطقة الشمال السوري كانت بالتأكيد بلادا آرامية، ومع ذلك تشير إليها الكتابات المصرية ~~باسم «آمورو»، أي أنها كانت بلادا أمورية أيضا. # ولا نندهش أبدا عندما نجد التاريخ ينقسم برجاله على نفسه، فبعد أن قال لنا بعضهم منذ ~~قليل إن الأموريين قد قدموا من جزيرة العرب، فإن البعض الآخر يقول: «إنهم قد وصلوا ~~حوالي 2600ق.م. مما وراء القوقاز، كما تدل على ذلك أواني الخزف ذات الطابع الجديد، ~~والتي عثر عليها في خربة كرك (بالرافدين [المؤلف]) ... وكانت أقوى موجات هذه الغزوات هي ~~موجة الأموريين ... وعلى الرغم من أن الملك شوسن # SHU SIN # 2048-2039ق.م. كان قد بنى خط دفاع عن بلاد، فإن إحدى الرسائل الموجهة إلى خلفه ~~إبي سين # IBBI-SIN # 2039-2015، تعلمنا أن الأموريين ~~= مارتو # MAR-TU # بقضهم وقضيضهم قد اخترقوا البلاد ~~واستولوا على قلاعها الكبرى واحدة تلو الأخرى، إن نصوص هذا العصر تترجم هذا الرعب الذي ~~ساد المنطقة أمام أناس لم يكونوا يعرفون زراعة القمح ولا المنازل ولا المدن، وتصف لنا ~~أسطورة زواج أمورو - الإله الذي سمي باسمه الأموريون - الذي ينبش الأرض بحثا عن الكمأ ~~في سفوح الجبال، ولا يعرف كيف يثني ركبتيه، ولا يملك ~~بيتا طيلة حياته ولا يدفن بعد موته، ولم يكن الذعر بأقل من ذلك على الطرف الآخر من ~~الهلال الخصيب، ففي مصر شيد الفرعون أمنمحات الأول 1991-1962ق.م. خطا من القلاع ~~الحصينة، هو حائط الأمير الذي يصد (أو حائط الحاكم كما ورد في مصادر أخرى).» # ويحيطنا هؤلاء علما أن كلمة «أموري» تعني عند أهل الرافدين عدة معان منها «الغرب»، ~~فالأموريون بالنسبة للعراقيين هم أهل الغرب. # 4 # وهنا نسمع «كوبر» يحدثنا فيقول: إن تلك القبائل الأمورية اشتهرت في رسائل مدينة ماري ~~باسم # SUTIUM ~~، التي ترجمناها من جانبنا السيتيين نسبة ~~إلى الإله سيت، وأنهم عنصر سامي غربي بالنسبة لأهل العراق الساميين الشرقيين، وأن هؤلاء ~~السيتيين قد عبدوا آلهة أهمها: رب الحنطة، داجون ويشكر، أو كما قرأناه نحن ms432 إله الحرف ~~المصري «سوكر» أو «شوكاريس» إله موتى مدينة منف، كما عبدوا إلها باسم «سومو»، والمحتمل ~~لدينا أنه يشير إلى السلف البعيد المعبود «سام»، كما عبدوا الإله البعل باسمه «حداد». # 5 # أما مدينة ماري؛ فقد جاء في رسائلها ما يفيد أن هناك معارك طاحنة كانت تدور بين ملك ~~حلب، وبين قوم ذكرهم باسم «بني يمين»، # 6 # ولا يفوتنا هنا التنبيه إلى أن «بني يمين» اسم يلتقي تماما مع اسم السبط ~~الإسرائيلي «بنيامين». # و«بني يمين» تعني في التوراة، كما تعني بالضبط في نصوص ماري: سكان الجنوب، والجنوب هو ~~النقب، وكلمة جنوب تستخدم في الكتاب المقدس للدلالة على النقب تحديدا، حيث كان المركز ~~الرئاسي للأخلامو/الأحلاف حسب فروضنا، ويرى الباحث «غطاس الخشبة» أن الأموري والحموري ~~لفظ واحد متعدد المعاني، ومن تلك المعاني «الشديد»، # 7 # والشدة هي العملقة والقوة والجبروت، وكان الإله الإسرائيلي زمن البطرك ~~إبراهيم يحمل لقب «إيل شداي»، أي الإله شداي، وبتخفيف حرف «د» في شداي يصبح «إيل - ~~ستاي» أي الإله ستاي، أو كما ذهبنا نحن: الإله ست. # أما السور الذي بناه «شو - سين» لصد الهجوم الأموري فقد سمي «مورق تدنم»، أي السور ~~الذي يصد الأموريين، وكان طوله 26 بيزو أي في حدود 275كم، لصد سكان بوادي الشام وسمي ~~سكانها الغربيين أو الأموريين، # 8 # هذا في الوقت ذاته الذي كان المصريون يقيمون على حدودهم الشرقية عند بوادي ~~الدلتا، سورا مماثلا باسم «سور الأمير الذي يصد الآسيويين وعابري الرمال». # هذا من جانب، ومن جانب آخر نجد الكتاب المقدس يحدثنا عن الأموريين، باعتبارهم قوما ~~ينتشرون في فلسطين غربي نهر الأردن وشرقيه في بوادي الشام، بل في آدوم وفي سيناء، وفي ~~إشارات كثيرة ومتعددة، نقتطع بعضها هنا، يصف الكتاب المقدس بلاد فلسطين جميعا كأرض ~~موعودة لبني إسرائيل، يقول الرب لشعبه: # وأنا أصعدتكم من أرض مصر، وسرت بكم في البرية أربعين سنة، لترثوا أرض ~~الأموري. ~~(عاموس، 2: 10) # ثم يفيدنا أن جبال سينا وآدوم وفلسطين كانت جبالا أمورية، وذلك في قوله على لسان ~~موسى، وهو يخاطب شعبه في ms433 قادش سيناء: # ثم ارتحلنا من حوريب (اسم للجبل المقدس في شبه جزيرة سيناء [المؤلف])، وسلكنا ~~كل ذلك القفر العظيم المخوف، الذي رأيتم في طريق جبل الأموريين كما أمرنا الرب ~~وجئنا إلى قادش برنيع. ~~(تثنية، 1: 19) # وقد سبق وعلمنا أن قادش برنيع تقع أقصى شرقي سيناء على حدود آدوم (عين قديس حاليا)، ~~وها هو المقدس يعود ليصف جبال تلك المنطقة السينائية بأنها «جبل الأموريين». وسنجد ~~الكتاب المقدس يصر على ذلك في عدد آخر من النصوص، كما في حديثه عن العبور على جبال ~~آدوم، فوردت مرة باسم جبال آدوم كما أسلفنا في نصوص ~~توراتية عديدة، وذات الجبال تأتي هنا مرة أخرى باسم جبال الأموريين، انظر معي إلى موسى ~~يقول لشعبه: # الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلا: كفاكم قعودا في هذا الجبل، تحولوا ~~وارتحلوا وادخلوا جبل الأموريين، وكل ما يليه من العربة (أي وادي عربة ~~[المؤلف]). ~~(تثنية، 1: 6) # هذا عدا نصوص عديدة تشير إلى جبال آدوم وفلسطين باعتبارها مسكنا للأموريين، وعادة ما ~~ذكرت حديثها حول سكن الأموريين الجبال كما في النص: # جميع ملوك الأموريين الساكنين في الجبل. ~~(يشوع، 10: 6) # ولتحديد موضع ذلك الجبل الذي يسكنه الأموريون نقرأ عن تمرد الإسرائيليين على قائدهم ~~موسى في سيناء بعد الخروج من مصر، وكيف وقف يقول لهم موسى في قادش سيناء: # وقلتم: الرب بسبب بغضه لنا قد أخرجنا من أرض مصر، ليدفعنا إلى أيدي الأموريين ~~لكي يهلكنا. إلى أين نحن صاعدون؟ قد أذاب إخواننا قلوبنا قائلين: شعب أعظم ~~وأطول منا، مدن عظيمة محصنة إلى السماء، وأيضا رأينا بني عناق هناك. ~~(تثنية، 1: 27، 28) # النص كما هو واضح - مع النصوص السابقة - يفصح عن الأموريين كشعب يسكن جبال جنوبي ~~فلسطين، وأنه شعب طويل القامة عظيمها، ومدنه محصنة ترتفع نحو السماء، وأن في هذا الجبل ~~يسكن بنو عناق العناقين العمالقة. # ويتكرر النص الذي يحكي عن الموقعة ذاتها في موضع آخر من التوراة، لكنه يستبدل ~~العمالقة باسم آخر؛ إذ يقول موسى وهو يتذكر ويذكر شعبه عند استقرارهم ~~الطويل في محطة قادش سيناء، على تخوم آدوم، محددا ms434 ~~موقع الموقعة على حدود جبال سعير الآدومية: # فكلمتكم ولم تسمعوا، بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم الجبل، فخرج الأموريون ~~الساكنون في ذلك الجبل للقائكم، وطردوكم كما يفعل النحل، وكسروكم في سعير إلى ~~حرمة، فرجعتم ... وقعدتم في قادش أياما كثيرة كالأيام التي قعدتم فيها. ~~(تثنية، 1: 43-46) # وفي زمن الفرعون المصري ستي الأول، نشاهد ضمن المنحوتات البارزة في معبد الكرنك (في ~~طيبة/الأقصر حاليا)، مشهدا يصور حصاره لمدينة قادش العاصي، ويشير إليها باسم البلاد ~~الأمورية حيث دون تحت النقش نصا يقول: «صعود الفرعون لتدمير قادش وبلاد أمورو»، وقد ~~تم العثور هناك على حجر تذكاري للفرعون سيتي يؤكد صدق المدون الطيبي. # 9 # وسيرا على خطنا نعود إلى لغة العرب، نستنطق لسانها ما حواه من ذكريات الماضي ~~وحفائر المعاني الدارس منها والباقي، حول شأن بلاد آدوم الحورية الكوشية الآرامية ~~الأمورية (أو العمورية أو بني عمرو) السوداء الحمراء البيضاء، بلاد المعز والخيل، ~~ومدينتها الثانية حويلة العريشة، ومدينتها الأولى المنبسطة في سهل تحرسه أعلام سعير ~~باسم الصخرة، بأيكها المضيء وثعابينها الطائرة وطيورها العنقاء ووحشها المعبود عناق ~~البونتي، الذي انتسب إليه عمالقتها بالنسب والبنوة، فنجد في لسان العرب، ونحن نبحث عن ~~الحوريين تحت مادة حرر: # الحرة: هي التي أعلاها سود وأسفلها بيض، والحر: حية. وزعموا أنه الأبيض من ~~الحيات. والحر: طائر. وحر: زجر للمعز. # وتحت مادة حور نقرأ: # الحور: أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، والحور: شدة سواد المقلة في شدة ~~بياضها. وقال كراع: الحور أن يكون البياض محدقا بالسواد. والأحوري: الأبيض ~~الناعم. والحور: الأديم المصبوغ بحمرة. وقال الجوهري: الحور جلود حمر. والحائر ~~المكان المطمئن يجتمع فيه الماء، فيتحير فلا يخرج منه. وتحيرت الأرض بالماء: ~~إذا امتلأت. وطريق مستحير يأخذ في عرضه مسافة لا يدري أين منفذه. والحارة: كل ~~محلة دنت منازلهم فهم أهل حارة. والحير بالفتح: شبه الحظيرة. # هكذا تحمل كلمة «حور» في طيات حفرياتها الدلالية ذكريات أيام أوائل، ونحن نعلم أن ~~العربية تطورت عن النبطية التي تطورت بدورها عن الآرامية، وأنها جميعا تداخلت مع لغات ~~المنطقة ms435 وبخاصة المصرية؛ لذلك نجد مادة حور تعطينا الأحمر أو الأبيض مع الأسود دوما، ~~ثم الحور هو الأديم، والأديم هو تراب الأرض الأحمر، ومنها جاء اسم بلاد آدوم، والحائر ~~هو مكان البحيرات الناتجة عن عيون، ونلاحظ أن بحر وبحيرة ذات علاقة واضحة بالحر ~~وبالحور، ثم الحير هو الحظيرة أو العشيش أو العريش. # ووراء آدوم موطن الأحلاف الذين توافقوا واتفقوا ~~ما بين زنجي وأحمر وأسمر عند شجر الأيك في جبل عظيم هو سعير بجواره واد عظيم هو عربة، ~~موطن الآرامي والعموري أو بني عمرو، نتابع البحث في لجج وثراء اللسان العربي، فيفصح تحت ~~مادة أدم: # الأدمة: القرابة، وقيل الأدمة: الخلط، وقيل: الموافقة، والأدم: الألفة ~~والاتفاق. قال الكسائي: يؤدم بينكما؛ يعني: أن تكون بينهما المحبة والاتفاق. ~~والأديم: الأحمر. وأديم النهار: بياضه. والأدمة: السمرة. قال ابن سيده: الأدمة ~~في الإبل لون مشرب سوادا وبياضا. والأدمة في الإبل: البياض مع سواد المقلتين، ~~قال: وهي في الناس السمرة الشديدة. والآدم من الظباء: بيض تعلوهن حدد فيهن ~~غبرة. فإن كانت خالصة البياض؛ فهي الأرام. والأدمة هو الأبيض والأسود المقلتين. ~~والإدمان شجرة. الإيدامة: الأرض الصلبة. قال ساعدة بن جؤية: # كأن بني عمرو يراد بدارهم # بنعمان راع في أديمة معزب # يقول: كأنهم في امتناعهم على من أرادهم، في جبل، وإن كانوا في السهل. # شكل رقم «126»: خريطة فلسطين وفق التقسيم التوراتي. # وهكذا أصبحت أدوم تاريخا يشتق منه معاني اختلاط ~~الناس ببعضهم، وموافقتهم واتفاقهم وقرابتهم، وأن الأديم يعني الأحمر والأبيض والأسود، ~~لكنا نرتكز على اللسان وهو يمنحنا تأكيده أن البيض بين هؤلاء كانوا الآراميين لقوله: ~~«فإن كانت خالصة البياض فهي الأرام»، وهو ما سنحاول التيقن منه لاحقا. أما بنو عمرو ~~العموريون؛ فقوم أشد منعة من بقية الناس؛ لأنهم يسكنون في سهل يمتنع بالجبال. # ووراء الأموري نبحث في اللسان تحت مادة أمر فيقول: # الأمر معروف، نقيض النهي. والأمير: ذو الأمر، والأمير: الآمر. قال أبو عبيدة ~~في قوله «مهرة مأمورة»: أنها كثيرة النتاج والنسل. يقولون: أمر الله المهرة؛ ~~أي: كثر ولدها وأمر القوم ms436 أي كثروا. والأمر: الصغير من الحملان. والأنثى إمره، ~~وقيل: هما الصغيران من أولاد المعز. قال ثعلب: رجل إمر قال يشبه بالجدي، والأمر ~~الحجارة واحدتها أمرة. والأمر بالتحريك: جمع أمرة، وهي العلم. والأمرة: ~~الرابية. قال ابن شميل: الأمرة مثل المنارة فوق الجبل، عريض مثل البيت وأعظم، ~~طوله في السماء أربعون قامة، صنعت على عهد عاد وإرم. والتامورة عريشة الأسد، ~~وقيل أصل هذه الكلمة سريانية. # وهكذا ورثت لغة العرب اقتران السيادة بالأموريين، والتي احتسبناها سيادة هكسوسية في ~~إمبراطورية عظمى، وأن من معاني الأموري كثرة النسل، وأنه له علاقة بالماعز والجدي، ~~وأنها تعني الحجارة، ولمزيد من الإيضاح يذكر العرب أثرا فوق علم (جبل) عريض كالبيت، ~~يرتفع في السماء أربعين قامة (فهل يكون ذلك مطابقا لأم البيارة في البتراء؟)، وأن ذلك ~~الأثر صنع منذ عهد عاد وإرم، ثم يكرر أن من معانيها العريش، وأن أصل الكلمة سريانية، ~~أي آرامية. # ولأن الأموري هو العموري، نقرأ تحت مادة «عمر»: # عمري الشجرة القديمة: وقيل: هو العبري من السدر، والميم بدل، قال الأصمعي: ~~العمري والعبري من السدر القديم. يقال للسدر العظيم النابت على الأنهار: عمري ~~وعبري على التعاقب. والعمار والعمارة كل شيء على الرأس من عمامة أو قلنسوة أو ~~تاج، والعمار الآس. وقيل: كل ريحان عمار. والعمارة: القبلية والعشيرة. ~~والعوامر: الحيات. والعومرة: الاختلاط. ~~واليعمور: الجدي. والعمر: ضرب من النخيل هو السحوق الطويل. وأم عمرو وأم عامر ~~هي: الضبع. يقال للضبع أم عامر، كأن ولدها عامر. # وهكذا يصل ثراء ما تحفظه مورثات جينات اللغة حدا، احتوت معه أسماء بطون القرابات، ~~فالعموري هو العمري؛ ولأن الميم تختلط بالباء فهو العبري «والعبريون - حسب التوراة - هم ~~قبيلة إسرائيل»، وأن لهؤلاء العموريين ميزة التاج أو السيادة والقلنسوة. وسنرى فيما بعد ~~أهمية تلك القلنسوة الأمورية، ثم إن لهم علاقة بالآس، ولعلنا لم ننس بعد الآس والإله ~~آش، ثم إن من معاني الاسم «عموري» اختلاط الناس ببعضهم أحلافا، وأن لهم علاقة بالجدي ~~والماعز، وبالعملقة لأن العمر نخل طويل، وأم عمرو هي الضبع، وهو ما يستدعي ms437 عناق البونتي ~~ذا الوجه الضبعي، وأن العموريين ينتسبون إليه كأنهم أولاده، فالعموريون يعبدون ربا ~~أشبه بالضباع تسموا باسمه. # وللمزيد يفيدنا «ابن قتيبة» بقوله عن سلف قبيلة سبأ المعروف باسم سبأ، وعرفناه نحن ~~أنثى اسمها الزباء أو الملكة سبأ، فيقول: «واسم سبأ عامر». # 10 # وفي مادة ضبع يقول لسان العرب: # ضبعت أسرعت، وفرس ضابع شديد الجري، والضبع الجور، وفلان يضبع أي يجور. ~~والضبع: ضرب من السباع أنثى. وفي قصة إبراهيم عليه السلام وشفاعته في أبيه، ~~فيمسخه الله ضبعانا أمدر، والضبعان ذكر الضباع. وجار الضبع المطر ~~الشديد. # ولنلحظ هنا عبارة «شديد الجري»؛ لأنها ترتبط بفصل آت عن الشاسو، أما الأهم فهو أن ~~يظهر لنا إبراهيم الآرامي العبري، من نسل رجل مسخ ضبعا فهو ابن الضبع، أو هو من نسل ~~عناق البونتي. # ولنتأمل الآن صورة الإله ست التي رسمها المصري القديم، ولا ننسى أن عم تعني قوم، ~~وبالنسبة إلى عناق يصبح المنتسب إليه ابن عناق أو عناقيا، وقد عرفنا أن العناقيين هم ~~العمالقة. # وفي التوراة نجد الجبل الذي عبره الخارجون من مصر تحت قيادة موسى يسمى جبل الأموريين، ~~وفي مواضع أخرى بالتوراة يسمى هو ذاته جبل العمالقة، ففي رحلة الخروج يقف موسى في قادش ~~بسيناء يخطب في رجاله قائلا: # ثم ارتحلنا من حوريب، وسلكنا كل ذلك القفر العظيم المخوف، الذي رأيتم في طريق ~~جبل الأموريين ... وقلتم الرب بسبب بغضه لنا أخرجنا من أرض مصر، ليدفعنا إلى أيدي ~~الأموريين ليهلكنا. ~~(تثنية، 1: 19، 27) # وفي قاموس الكتاب المقدس تحت مادة عمالقة نقرأ: # وكان العماليق يتجولون من مكان لآخر، وكان مجال تجولهم وسيعا، من حدود مصر ~~إلى شمال العربية إلى بادية فلسطين (صموئيل أول، 15: 7 و27: 8) ... وآخر ذكر لهم ~~كان أيام حزقيا الذي طارد دخولهم من جبل سعير (أخبار أيام أول، 4: 43). # وتحت مادة جبل العمالقة يقول القاموس: # جبل العمالقة كان من نصيب إفرايم، وقد حمل اسمه نسبة إلى العمالقة الذين ~~سكنوه (قضاة 5: 12، 15). # لكن عنصرا من بينهم وصف بالعملقة، لا شك أنه كان القادم من إفريقيا السوداء، أو ~~هجينا ms438 منهم ومن أهل جنوب الجزيرة. # لقد كانت بلاد آدوم كما قلنا وأكدنا وزدنا وأعدنا، موئلا لجماعات وعناصر جنسية ~~متباعدة، فكان فيها الكوشي العملاق الزنجي، ثم كان فيها الحامي المصري القادم بالضرورة ~~عبر سيناء في صلات دائمة، ثم كان فيها الآرامي القادم من شمال الرافدين وبلاد أرمينيا ~~عند أرارات، وهو الشعب الذي أولد بني إسرائيل من بعد، ثم ذلك القادم من جنوبي الجزيرة ~~الحميري، والذي ربما اختص باسم العامو أو العموريين العمالقة، قبل أن يصبح اسما عاما ~~يطلق على جماعة الأحلاف. ~~(انظر الشجرة الربة الإلهية في مصر القديمة، الشكل رقم «95، 96».) # ملحق # إبان مراجعة بروفات الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وكانت بروفة هذا الفصل بين ~~يدي أضفت هذه الفقرات، بعد أن طالعت بصحيفة الأهرام القاهرية بتاريخ 1997/11/12م ~~الخبر التالي، وقد رأيت أن أضعه كما هو «بالتصوير»: # شكل رقم «127»: والخبر إذ يؤكد ما قلنا حتى الآن، فإن القول ~~بمجيء الإسرائيليين الآراميين من أرمينيا، قد سبق ووصلنا إليه في ~~كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول» المنشور في طبعته الأولى ~~بتاريخ 1990م عن دار سيناء بالقاهرة، قبل أن تكتشفه تلك الدراسة ~~الفرنسية بسبع سنين. # الفصل الثاني # | الشاسو والكاشو والحاثو # في مواضع متعددة من النصوص المصرية القديمة، نجد اصطلاحات متعددة للدلالة على البدو ~~الشرقيين الآسيويين، منها «ستتيو» الوارد في لوح كارنارفون، و«مونتيو - ستت» الواردتين ~~في نقش أحمس بن أبانا، # 1 # وعرفنا أن الاسم هنا منسوب إلى الإله «ست»، وباختلاط الحرفين الشفهيين ~~الباء والميم؛ فإن «مونتيو» هي «بونتيو» أي البونتيون، إضافة إلى اصطلاحات أشيع ~~استخداما هي «شاسو» و«عامو»، وبالنسبة للاحتلال الذي عانت منه مصر في نهاية الدولة ~~الوسطى، فقد أطلق المصريون على أصحابه اسما مكروها هو الطاعون، بينما وصلنا اسمهم في ~~وثائق متأخرة زمن يوسفيوس والمؤرخين اليونان الكلاسيك بالصيغة «هكسوس». # وهنا يقول لنا المؤرخ والمصرولوجست المصري الحجة سليم حسن: # عندما يطرح السؤال: من هم الهكسوس؟ فإنه لا يسعنا إلا الاعتراف بالجهل التام! # 2 # ورغم هذا التواضع العلمي الراقي الصريح الواضح المباشر، فإن ذلك لم يمنع الباحثين من ~~وضع ms439 افتراضات حول أصل محتلي مصر، في محاولات متعددة لكنها متضاربة للبحث عن منطلقهم ~~المكاني وأصلهم العرقي، فهناك من ذهب إلى أنهم من الجنس السامي، لكن أصحاب هذا المذهب ~~اختلفوا حول أي نوع من الساميين كانوا؟ فقال بعضهم: إنهم كانوا بابليين، وذهب آخرون إلى ~~أنهم كانوا كنعانيين، بينما أكد فريق ثالث أنهم جاءوا من عمق بوادي جزيرة العرب. # 3 # وعلى الجانب الآخر وقف باحثون لا يقلون علما وقدرا، يؤكدون أنهم أبدا لم يأتوا من ~~فلسطين ولا العراق ولا جزيرة العرب؛ لأن المنبع البشري الذي تدفقوا منه على الشرق ~~القديم، كان المستودع الكبير المعروف في عصر الهجرات الكبرى في محيط بحر قزوين وبحر ~~الأورال، والبحر الأسود وبحيرة فان، وجبال أرارات، وهو الجبل الذي زعمت التوراة أنه كان ~~مرسى السفينة النوحية، في ترميزة أسطورية حفظتها الذاكرة الإنسانية، لتشير إلى المنبع ~~الأصيل لتلك الهجرات، # 4 # وهو أيضا الذي يعرف علم التاريخ أنه كان موطنا لقبائل متبربرة أسماها ~~«سكيث». ولنتذكر من الآن وبشدة هؤلاء ال «سكيث»؛ لأن لهم في الفصول المقبلة دورا ~~عظيما. # وكان تعبير «العامو» كما يقول «خشيم» هو الأكثر شيوعا في الكتابات المصرية، للدلالة ~~على غزاة بلادهم، وقد وردت «ع أم و # A M U ~~» في صورة ~~«ع م و # A M W ~~» ومفردها «ع ~~م # A M ~~»، لتشير إلى سكان شرقي وادي النيل حيث الهضبة المتصلة مباشرة بصحراء ~~سيناء، وترجمها معجم فولكنر إلى «آسيوي» و«رجل آسيوي» وجمعها «ساميون # SEMITES ~~» ومؤنثها «ع ء م ت، أي امرأة آسيوية.» # وفي معجم بدج نجد الكلمة تعني: رعاة، بدوا رحلا، ويترجم «ع ء م ي ت # AMYT ~~» إلى امرأة آسيوية، والعميت هو العبيط بخلط ~~الميم بالباء، والعبيط في لسان العرب هو العملاق القوي قوة عمياء؛ لذلك نجد ~~«ع ء م # AM ~~» تعني «حيوان أو سائمة أو بهيمة». وفي ~~معاني «عامو» نجد اللغة تحمل في جيناتها إشارة إلى الجهة الأصلية التي وفدوا منها على ~~مصر؛ لأن « أ م و # AMW ~~» تعني أيضا إلهة الفجر، وهو ما ~~يشير ms440 إلى الشرق حيث تشرق شمس الفجر. ويرى أمبير أن إبدالا قد حدث بين الراء والهمزة ~~وبين الباء والميم، بين المصرية والسامية في كلمتي «ع ء ~~م # AM ~~» و«عرب»، وتفيد معنى البداوة والارتحال والمشي مطلقا، ولا تدل على ~~جنس بعينه. # 5 # وعند بروغش أن كلمة هكسوس كانت التسمية الشعبية لكلمة العامو (زمن البطالمة ~~[المؤلف])، وأنهم كانوا آدوميين، # 6 # لكن دون أن يتكرم بروغش بأي جهد واضح يؤكد به هذا الرأي السليم فعلا، فقط ~~رأى أنهم آدوميون استنادا لنص مصري واحد لا علاقة له بالأمر برمته، ثم أصدر قراره. ~~وحتى قوله هذا قول غير دقيق؛ لأنهم وإن كانوا يعودون بمركزهم الرئيسي إلى بلاد آدوم، ~~فإنهم كانوا أخلاطا من البشر، كانوا أخلامو أو أحلافا. # ويذهب فهمي خشيم إلى أن الهمزة في «ع ء م» مزيدة، والأصل هو «ع م»، وضرب المثل لذلك ~~أمثلة عديدة منها: «و ء ح ت = واحة، ح ء ت = حيط، خ ء ب ء س = قبس، خ ء ر = خار (صوت ~~الثور)، س ء ب = صب»، وقد احتج لذلك بأن الهمزة العربية نفسها قد تهمز ما لا يهمز عادة، ~~وقد تفعل العكس فتحذف الهمزة، فنقول عن البئر «بير» والفأس «فاس» والذئب «ذيب». ~~وإعمالا لذلك فإن «ع ء م» هي في العربية «عم»، و «عم» إذا ثلثت دلت على العملقة والقوة، ~~فنجد «عمت» أي قسر، و«العمثل» هو الضخم الثقيل، و«العميثل» الضخم الشديد العريض، و«عمد» ~~طال منها العماد والعمود، و«اليعملة» الناقة الفارهة القوية، و«العامل» هو الوالي أو ~~الحاكم. # وفي معجم بدج نجد الكلمة المصرية «إ ء م ت # I A M T ~~» ~~تعني النخلة، وجاء في الحديث النبوي «أكرموا عمتكم النخلة.» # 7 # ونتذكر قول ابن منظور في لسان العرب: عم إذا طول، وعم إذا طال، والعم شقيق ~~الأب وأصله المساند القوي، والعمامة ما يوضع على الرأس، وهي تيجان العرب، وتؤدي إلى ~~طول لابسها، وكل ما اجتمع وكثر فهو عميم، والعمم عظم الخلقة. فالجذر عم والثلاثي عمم ~~ورباعيه عملق، ومنه العملاق الطويل ms441 والجمع عماليق وعمالق، والعمالقة عند ابن منظور من ~~عاد وهم بنو عملاق. قال الأزهري: عملاق أبو العمالقة، وهم الجبابرة الذين كانوا بالشام ~~على عهد موسى عليه السلام. # ومن العامة يأتي معنى الكثرة الوافرة، ومفردها بصيغة النسبة عامي وتجمع عوام، ومن ~~عامي تطورت الدلالة إلى معنى الجهل وعدم المعرفة، ومنها أمي الذي يجهل القراءة والكتابة ~~في مواجهة الخاصة. وهنا نتذكر أن فترة حكم الهكسوس في مصر كانت مظلمة تماما من حيث ~~المدونات، فلم يتركوا شيئا مدونا بلغتهم، وما وجدناه كتبه لهم المصريون باللغة ~~المصرية، وهو نادر ندرة شديدة إلى جوار ما هو معتاد في مصر القديمة. ولم نعلم بمدونات ~~حقيقية إلا بعد خروجهم من مصر، وانتشار اللغة الآرامية كلغة للمراسلات الدولية، بعد أن ~~أخذت الآرامية الطريقة الرافدية في الكتابة بالمسمار على الطين، هو الخط البابلي، ~~وكتبته بالكارية أو الحورية. # أما «عم» فهي تعني في لغة جزيرة العرب «أبناء» أو «شعب»، وهي كذلك في الكنعانية، وهي ~~ذاتها «ع م» أي أناس، وينتهي فهمي خشيم إلى أن كلمة «ع م» تؤدي إلى «الأميين»، كاسم علم ~~بمعنى الأقوياء الجبابرة العماليق من الجذر «أم» و«أمم»، وهو ذات لجذر «عم» و«عمم» وفيه ~~معنى الكثرة الغالبة. # 8 # وفي الجزء الأول من هذا العمل سبق وأشرنا إلى أن المؤرخ اليهودي «يوسفيوس فلافيوس» ~~الذي نقل عن المؤرخ المصري «مانيتو»، قد كرس من وقته زمنا؛ ليثبت أن الهكسوس كانوا هم ~~ذات الإسرائيليين، وضمن شواهده ترجمته لكلمة «هيك - سوس» بحسبانها تعني «الأسرى - ~~الرعاة»؛ لأن بني إسرائيل قد تم أسرهم بمصر بعد ثورة المصريين على حكمهم، إلا أن «وادل» ~~يحيطنا هنا علما: أن يوسفيوس قد تلاعب بكلمة هكسوس التي تتركب من ملصقين: المقطع الأول ~~فيها «هيك»، وقد قرأه يوسفيوس وكتبه «ح أ ق # haq ~~» التي ~~تعني: يقبض على، يأسر، أسر، بينما كتابتها وقراءتها الصحيحة هي «ح ق # hq ~~» وتعني معنى نقيضا تماما، فهي: من الفعل الماضي حكم، وجه، ~~قاد، تسلط، ويفيدنا «مارسيل كوهين» أن تلك الكلمة هي بالضبط الكلمة العربية حق. وهي ms442 # Legalite # أي شرعية الحكم. أما المقطع الثاني الذي ~~جاء في صورة # SôS ~~، فيعني عند «مانيتو المصري»: «راع» أو ~~«رعاة»، ورأى «وادل» أنها من القبطية # Shôs # أي راع، ~~وأنها من الأصل «ش أس و» أي بدو. وهنا اختلف «بدج» مع الجميع وأكد أن معنى «سوس» هو: ~~المشي، السعي، السفر، ومنها البدو الرحل. ويدعم ذلك «إمبير # Ember ~~» إذ يقابل الكلمة المصرية بالإثيوبية # Sosawa # أسرع في المشي، هرول، وبالعبرية # SIS # التي تعني «حصان»، وهي جميعا المعاني التي ~~تفيد المشي والحركة الثابتة دون استقرار، وفي معجم المصرية «س س ~~م # SSM ~~» وتعني زوجا من الخيل، ومنها في معجم بدج كلمة «س س م ت # SSMT ~~» أي فرس. # ويعقب هنا فهمي خشيم بقوله: «وعلى هذا الأساس ترجمت هكسوس إلى الملوك الرعاة ... لكننا ~~عرفنا أن الجذر س س يعني الحصان، ومن المسلم به تاريخيا أن وادي النيل لم يعرف أهله ~~استخدام الحصان قبل هجرة الهكسوس إليه.» # ومما هو جدير بالذكر هنا أن مدينة الهكسوس «حواريس» التي هي في الأصل المصري «حوارة» ~~أو «هوارة»، لم تزل تطلق على كثير من المدن الصحراوية المتطرفة المتاخمة للصحراء، ~~فنجد الهوارة في صعيد مصر وفي الفيوم والحدود الشرقية، كذلك تحمله قبائل من أصول عربية ~~تمصرت. # وينقل ابن خلدون عن الصولي البكري أن قبائل الهوارة تنتسب إلى «حمير بن سبأ»، ويزعمون ~~الانتساب إلى قبائل كندة ، وبالتحديد إلى قبيلة «السكاسك»، وهو ما يلتقي مع كلام الصولي ~~البكري حول أصولهم الحميرية السبئية؛ لأن لسان العرب يقول: # سكسك بن أشرس من أقيال اليمن، والسكاسك والسكاسكة حي من اليمن، أبوهم ذلك ~~الرجل، والسكاسك أبو قبيلة من اليمن، وهو السكاسك بن وائلة بن حمير بن سبأ، ~~والنسبة إليهم سكسكي. # ومن جانبه، ينسبهم ابن خلدون إلى «هوار بن أوريغ بن حمير بن سبأ»، وعليه يرى فهمي ~~خشيم أن الكلمة سكاسك ربما كانت تحريفا للكلمة اليونانية هكسوس، التي كانت بدورها ~~تحريفا للكلمة المصرية «ح ق. س س». # 9 # وعن أصل بربر أفريقيا يقول ابن خلدون: «إنهم من أبناء إبراهيم ms443 وأوزاع اليمن»، والخلط ~~هنا واضح بين جنسين متباعدين: جنس إبراهيم الآرامي الشمالي وجنس الجنوب اليمني، ثم ~~يقول: «فلما وصلوا إلى مصر منعهم ملوك مصر من النزول، فعبروا النيل وانتشروا في البلاد، ~~وهم من ولد النعمان بن حمير بن سبأ.» ثم في إشارة فصيحة يقول: إنهم «تلاقوا بالشام ~~واستجاشهم أفريقش لفتح أفريقية.» # فالهكسوس في الذكريات العربية ينتسبون من جانب إلى عرق شمالي يعود إلى إبراهيم ~~الآرامي، وعرق جنوبي يعود إلى سبأ وإلى حمير الحموري أو العموري أو الأموري، وأن هؤلاء ~~الجنوبيين من قبائل يمنية كانت تحمل اسم السكاسك، وهو فيما نرى يفسر لنا اسم أحد مواضع ~~تكثف الوجود الهكسوسي في مصر؛ فهو لم يزل يحمل في طياته اسم السكاسك؛ لأنه حتى الآن ~~(الزقازيق) عاصمة محافظة الشرقية. # 10 # ويدعم ذلك التفسير ما جاء في أزمنة سوالف على دبوس قتال الفرعون المعروف ~~بالملك العقرب، حيث وردت إشارات إلى صراع خاضه العقرب مع البدو، وقد أطلق عليهم اسم ~~«قوم الزقزاق/ السكاسك». و«الزقزاق» اسم لطائر تم تصويره بأعلى دبوس الملك العقرب، وقد ~~وردت قصص مصرية قديمة عن ذلك الطائر، باعتبار أنه كان غذاء لبحارة مصريين ضلوا الطريق ~~ونفد طعامهم، فعاشوا على الاغتذاء بهذا الطائر المهاجر الذي كان يحط في طريقهم، # 11 # وهو ما سنعرفه بعد ذلك في التوراة باسم السلوى، ونعرفه اليوم في مصر باسم ~~السمان، وطعمه شبيه بطعم الحمام ، وهو ما عرفناه في بحثنا باسم السقساق أو الزقزاق. وهو ~~طائر مهاجر تعد شبه جزيرة سيناء محطته الكبرى في رحلته الفصلية الكبرى، ولم يزل حتى ~~الآن يصدر إلى الوطن الأم بعدما يفيض عن حاجة السكان في سيناء. # شكل رقم «128»: مجموعة من طيور الزقزاق معلقة على رأس دبوس قتال ~~الملك العقرب، وهو المعروف بطائر السمان اليوم. # شكل رقم «129»: طائر الزقزاق يأكل المن العسلي (المن ~~والسلوى؟!). # وفي لسان العرب نبحث عن السكاسك في مادة «سكك»، فنجده يعطينا مضامين تطابق كل ما ~~علمناه حتى الآن عن الهكسوس، بحسبانهم كانوا يعيشون في بلاد أيك تين وبخور وغياض ملتفة، ~~وكانوا ms444 أصحاب صناعة الحديد والنحاس؛ لذلك لقبوا بالقينيين، وأهم حديد كان السيف وسكة ~~المحراث، ولاحظ «سكة» وأيضا «سك» من ضرب المعدن وصنعه، كما نقول: سك النقود وصانعه هو ~~السكاك، وتسهيلا للنطق هو سكاسك للفصل بين كافين ثقيلين، وأنهم كانوا تجار الطيوب ~~والبخور، يقول ابن منظور في اللسان: ~~... استك النبت أي التف. ~~... السك تضبيب الباب أو الخشب بالحديد. ويروى السكي بالكسر. وقيل: هو المسمار. وسكة الحراث حديدة الفدان. والسكاكة من الرجال هو المستبد. والسك ضرب من ~~الطيب. # ومدينة الزقازيق تقع ضمن مقاطعات شرقي الدلتا على تخوم الصحراء السينائية مباشرة، وقد ~~سبق وكشفنا في الجزء الأول عن اسم مدينة الاضطهاد وموضع خروج الإسرائيليين قرب ~~الزقازيق. # المهم أن لدينا الآن مزيدا لتدعيم ما قلناه حول السكاسك والزقازيق، فقد جاء في ~~الآثار المصرية أنه بين مقاطعات الدلتا الشرقية، كان يوجد إقليم باسم «عنزتي # Anzti ~~»، نسبة إلى إله قديم بذات الاسم، وهو من الجذر ~~«ع ن ز # Anz ~~»، وهي كلمة ~~تعني عند «بدج» في معجمه: ملك، قوي، مضيء، شديد، ~~ثابت، مشرق، قادم من الشرق. وكلها كلمات تحيل إلى الملوكية القادمة من الشرق، والثنائي ~~من الكلمة «ع ز # AZ ~~»، وتعني: الكون في حالة طيبة، ولو ~~زدناها «ت ي # Ti ~~» فإن معناها يصبح الحامي أو المانع أي Protector «Azti» ~~، وهي المطابق المصري للكلمة ~~العربية بذات الصوت والمعنى «عز». # 12 # وفي مادة «عزز» يقول اللسان معاني أهمها: «العزيز، الممتنع الذي لا يغلبه شيء، القوي ~~الغالب، الشدة، الرفعة»، وبزيادة «م» تصبح «معز»، «والمعز هو الشدة، أما العنز فهي أنثى ~~المعز، والعزيز من أسماء الله، وعنزة اسم قبيلة عربية.» وفي الحديث القدسي يقسم الإله ~~في الإسلام «وعزتي وجلالي»، ثم نتذكر ما قلناه عن الحموري والأموري الذي يعني «الشديد»، ~~وأن اسم إله البطرك إبراهيم كان «إيل شداي»، وأن كلمة «حر» زجر للمعز، وأن العناق هو ~~الأنثى من أولاد المعز، وأن عنخ المصرية هي عنز العربية، وأن عنخت زوجة الإله خنوم ~~المصري صانع البشر من صلصال الفخار، الذي هو خنوف أو ~~خروف وهو ms445 من الغنم، وكلها معان تشير إلى بدو رحل رعاة عنز، شاسو، لا يستقرون أبدا، ~~أما مسكنهم فهو ما نحتسبه موصوفا في لسان العرب تحت مادة شسأ: # شسأ: مكان شئس: الخشن من الحجارة. الشس والشسوس: الأرض الصلبة الغليظة ~~اليابسة التي كأنها حجر واحد. # يكاد ابن منظور يقول كل ما يحمل اسم عاصمة آدوم/ الصخرة من معان كشفنا عنها، أما ~~الشاسو؛ فهي برأينا أصل كلمة سوس في المركب «هيك - سوس»، وسوس هي شاس أو شاسو في كشكشة ~~الكاف في سكاسك، وتعني البدو الرحل من أصحاب المعز من قبائل السكاسك السبئية ~~العمورية أو الحميرية، والقبائل الآرامية الإبراهيمية، أما «هيك»؛ فهي كما سبق القول ~~تعني «حق» أو الحكم بالحق الشرعي، وتشير إلى الملك؛ لذلك فالكلمة هيكسوس تعني لدينا ~~الحكام الشاسو أو الحكام البدو، أو بشكل أكثر تدقيقا شيوخ القبائل البدوية. # وإبان رصده لسلسلة أنساب اليمن، يحيطنا ابن قتيبة علما بأن «سبأ» لقب؛ لأن اسم الشخص ~~الحقيقي كان «عامر». # 13 # وعامر يمكننا أن ننسب إليه ببساطة العامريين أو العموريين، وهو ما يدعم ~~رؤيتنا في قدوم العموريين/الأموريين السبئيين من الجنوب. ويضيف ابن قتيبة أن سبأ قد ~~أنجب «حمير» أو الأحمر، وأن من أحفاد حمير كان «بنو القين» # 14 # أي أبناء القيني، أي «الحدادين/السباكين/السكاكين/السكاسك/النحاسين». وضمن ~~هذا النسب عند ابن قتيبة يأتي شخص باسم سعد هزيم، كان عبدا حبشيا زنجيا احتضن عامر ~~فنسب إليه، وهو ما يشير إلى ما قلنا عن احتضان شعب لآخر، زنجي، وجنوب جزيري عموري ~~(نقصد المعروف بجنوب الجزيرة الآن)، أو التوحد معه في خلف «جنوب جزيري + زنجي». # وقد انفرد الزنجي بحديث لدى ابن قتيبة له لدينا ~~دلالة، فهو شقيق أفريقيش الذي فتح مصر وأفريقيا، وبه سميت أفريقيا، وهذا الزنجي هو ~~المعروف باسم «العبد أبرهة»، وكلمة العبد في الكتابات العربية تساوي كلمة الكوشي في ~~التوراة، والعبد أو الكوشي أو الزنجي أبرهة غير أبرهة المعروف في التاريخ الإسلامي ~~بغزوة الفيل؛ لأن ذلك الأخير متأخر عن الأول بقرون طوال. وهذا الزنجي الكوشي العبد ~~أبرهة قد حاز عند ms446 ابن قتيبة لقب «ذو الأذعار، وسمي بذلك؛ لأنه كان غزا بلاد النسنناس، ~~فذعر الناس منه؛ فسمي ذو الأذعار». وبلاد النسناس هي بلاد القردة، ولعلنا لم نزل نذكر ~~بلاد البابون في بونت بلوحات حتشبسوت، ثم ملك بعده حداد بن شرحبيل بن عمرو بن الرانش، ~~وهو أبو بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام». # 15 # ومن نسل حمير جاء السكاسك بن وائلة، ثم من السكاسك جاء «قيدار»، فيما قدر ~~ابن قتيبة. # 16 # وقيدار جماعة عربية سكنت بدورها وادي عربة في أزمنة متأخرة، ثم من قيدار ~~جاء غسان أو جاسان أبو الغساسنة، الذين سكنوا ذات المنطقة. # 17 # وهكذا كان بين الهكسوس عناصر وأجناس، خلطت بينهم أقدار التاريخ وشطحات الحراك ~~الإنساني المهاجر، وتركت اسما دالا عليهم؛ فهم «الأحلاف» أو «الأخلامو»، والأكثر ~~دلالة أنهم أطلقوا على أنفسهم اسما يشر إلى تحالفهم، وذلك إبان احتلالهم مصر، فقد أطلق ~~مشايخ أو ملوك الهكسوس على أنفسهم اسم «الملوك الإخوة»؛ # 18 # مما يشير إلى أكثر من ملك يحكم في نفس الوقت، وهو ما يؤكد ما قلناه حتى ~~الآن عن إمبراطورية واسعة، يحكم كل إقليم منها ملكا معينا مختارا من قبل مجلس أحلاف ~~الملوك الإخوة. # والآن ننتقل نقلة أخرى لمزيد من تضفير ~~استنتاجاتنا، فنحن نعلم أن «الكشكشة» في اللسان العربي، تعني أن هناك عربا ينطقون ~~الكاف «تش» أو «ش». ولو افترضنا أن ذلك قد حدث للكلمة «شاسو»، فأصلها سيكون «كاسو» أو ~~«كاشو»، وهو ما يطابق اسم الهكسوس، فسيكون «هيك كاسو» بدلا من «هيك شاسو»، أو بالأحرى ~~«هيكاسو» أو «هيكاسي»، وهو ما يفتح أمامنا بابا آخر لمعرفة أصل الهكسوس، وهو الباب ~~الذي سيصادق تماما على ما وصلنا إليه حتى الآن، أما هذا الفرض فسيظهر الآن صحيحا ~~تماما. # يقول «سليم حسن»: # عدت كل من هجرة الهكسوس وهجرة الكاسيين مشهدين من هجرة عظيمة جدا، وفدت ~~إلى الشرق الأدنى في باكورة الألف الثاني قبل الميلاد. وأول ظهور معروف ~~للكاسيين في بابل كان في خلال حكم الملك حمورابي 1947-1905ق.م. والظاهر أنهم ~~كانوا في هذه الفترة سكانا مسالمين ms447 في هذه البلاد، وعلى إثر موت حمورابي ~~انتقل عرش الملك لابنه سامسو إيلونا، الذي صد في السنة التاسعة من حكمه غارات ~~الكاسيين، الذين انقضوا عليه من الجبال. وعلى إثر غارة الخيتا على بابل، أضحت ~~البلاد تحت سيطرة الأسرة الكاسية 1749ق.م. # 19 # وتقول الموسوعة الأثرية العالمية: # الكاشيون # Kassite # ترجع أهمية هذه القبيلة ~~بخاصة إلى الدور الذي لعبته في تاريخ بابل، ويعتقد أن الكاشيين هم الكوشيون # Kossaeans ~~، الذين ذكرهم بطليموس المؤرخ، ~~والكيشيون # Kissianas # الذين ذكرهم الكتاب ~~الإغريقي الأقدم منه، وقد ذكرت السجلات أنهم هاجموا بلاد بابل في عام 1780ق.م. ~~استولوا عليها وأسسوا فيها أسرة حاكمة استمرت أكثر من 570 عاما. ومن المحتمل ~~أن الكاشيين أدخلوا الحصان حيوانهم المقدس في بلاد الرافدين. # 20 # ويتحدث «كارلتون كون» عن استعمال الأسلحة البرونزية والعجلات التي تجرها الخيول ~~فيقول: # واستخدمتها أقوام غازية هاجمت البلاد (يقصد الشام) من مكان ما في الشمال في ~~نحو 1700ق.م. وفي هذا الوقت غزا الهكسوس مصر وتولوا حكمها ... وغزا الكشيون وهم ~~من الشعوب المتكلمة بلغة هندو أوروبية أرض العراق. # 21 # ويضيف «إيفار لسنر»: # ولم يلبث تتابع الملوك البابليين أن توقف عندما سيطر عليها الكاشيون # Kassires ~~، وهم شعب بربري من أصل غير سامي ~~بعد موت حمورابي، وتوالى منهم على السلطة في عاصمة الفرات ستة وثلاثون ملكا ~~بلغت مدة حكمهم 577 عاما. # 22 # أما التدقيق فمع المؤرخ العراقي الرصين «طه باقر»، وهو يخبرنا عن هؤلاء الكاسيين أو ~~الكاشيين، الذين هاجموا بلاده واحتلوها، وفي الوقت ذاته - أو قريب منه - احتل الهكسوس ~~مصر، حيث يقول: # انتهى حكم سلالة بابل الثانية الأولى على إثر غزو الحيثيين بلاد بابل في حدود ~~1594ق.م. وجاء الكشيون إلى بابل، وأقاموا سلالة حاكمة في البلاد عرفت باسم ~~سلالة بابل الثالثة، التي دام حكمها زهاء أربعة قرون 1595-1162ق.م. واسم هؤلاء ~~القوم الجدد من الكلمة البابلية كشو التي لا يعلم أصل اشتقاقها بالضبط. أما ~~موطنهم الذي نزحوا منه؛ فيرجح أنه كان في مكان ما من الأجزاء الوسطى من جبال ~~زاجروس الفاصلة بين العراق وإيران. والمرجح ms448 أن يكونوا هم القبائل الجبلية الذين ~~ورد ذكرهم في المصادر الكلاسيكية باسم كوساي # Kossaioi ~~. لم يخلفوا لنا من بعد حكمهم في العراق شيئا مدونا ~~بلغتهم، بل إنهم اتخذوا اللغة البابلية. ولما برزوا في التاريخ بصفتهم قوة ~~عسكرية في عهد سلالة بابل الأولى، اتجهوا في توسعهم - لعله بسبب ضغط أقوام أخرى ~~إلى وادي الرافدين، ولكن خلفاء حمورابي ولاسيما سمسو إيلونا وأبي يشوخ استطاعوا ~~أن يصدوهم، فاتجهوا عبر نهر ديالي ودجلة إلى الجهات الشمالية الغربية، وتمركزوا ~~في منطقة الفرات الأوسط، أي في منطقة خانة القديمة. وأخيرا حانت الفرصة ~~المواتية على إثر غزو الحيثيين لبابل، وهناك مشكلة تاريخية تعترض المؤرخ عن بدء ~~الحكم الكشي في العراق، وعلاقتهم بالحيثين الذين غزوا بابل، فأولا أن بداية ~~حكمهم لا تنطبق مع نهاية سلالة بابل الأولى؛ ولذلك فينبغي أن يكون الملوك ~~السبعة الأوائل من السلالة الكشية، ابتداء من كنداش المعاصر لملك بابل سمسو ~~إيلونا، قد حكموا خارج بلاد بابل، وأن السلالة الكشية بدأ حكمها في بلاد بابل؛ ~~ابتداء من الملك الكشي المسمى آكوم الثاني/آكوم كا كريمه # Agum kakrime ~~، وأن هذا الملك هو الذي انتهز فرصة الغزو ~~الحثي، فزحف على بابل في حدود 1595ق.م. لكن ماذا كانت علاقة هذا الملك الكشي ~~بالملك الحثي مورشيليس؟ ... هل تحالف مع الملك الحثي، فكانت حملة عسكرية مشتركة ~~على بابل؟ لعل التساؤل أقرب إلى الواقع التاريخي؛ لأنه يفسر لنا سبب انسحاب ~~الحيثيين من بابل. إن الملوك الكشيين حكموا مملكة واحدة، من أقصى الجنوب إلى ~~حدود بلاد آشور في الشمال ... وكان الكشيون أقلية حاكمة بالمقارنة مع الأغلبية من ~~سكان البلاد. وأهم ما يميز العهد الكشي الطويل الأمد قلة ما وقع من أثنائه في ~~اصطدامات حربية مهمة، سواء كان ذلك مع الآشوريين المجاورين أم مع دولة الشرق ~~الأدنى المعاصرة، مثل دولة «ميتاني» في شمالي ما بين النهرين أم مع الدولة ~~المصرية. اتخذ الملوك الأوائل من السلالة الكشية مدينة بابل عاصمة لحكمهم، ~~لكنهم أسسوا في منتصف عهدهم تقريبا مدينة جديدة ضخمة، أطلق عليها اسم دور ~~كوريكالزو، ms449 وتعرف بقاياها الآن باسم عقر قوف على بعد نحو 20 ميلا غرب مركز ~~بغداد. ويشير اسم هذه المدينة الذي يعني حصن أو مدينة كوريكالزو إلى أن مؤسسها ~~أحد ثلاثة ملوك سموا باسم كاريكالزو، شيدت في زمن قديم من العصر الكشي، يرجع ~~إلى ما بين القرن الخامس عشر والرابع عشر ق.م. والملك كوريكالزو الثاني يرجح أن ~~يكون هو الذي شيد برج المدينة «الزقورة». وبرج المدينة بقي من ارتفاعه الآن ~~زهاء ستة وخمسن مترا (تعرفه الأساطير الدينية باسم برج بابل حيث بلبلت الألسن ~~[المؤلف]). وقد تميزت جدران العهد الكشي بالضخامة المفرطة، فجدران قصر عقرقوف ~~وجدران معابدها بلغ معدل سمكها ثلاثة أمتار، مشيدة باللبن الكبير الحجم. والاسم ~~الجغرافي الجديد الذي أطلقوه على بابل هو كار دنياش؛ أي بلاد أو قطر دنياش وهو ~~اسم أحد آلهتهم (ودونياش بدون التصرف الاسمي هو دون أو تون أو أدون ~~[المؤلف]). # ويرى جمهور المؤرخين أن الكشيين هم الذين أدخلوا استعمال الخيل في بلاد وادي ~~الرافدين، الأمر الذي أحدث تبدلات جوهرية في أساليب الحرب والقتال وسرعة ~~المواصلات. وما قبل العهد الكشي لم تكن الخيول شائعة الاستعمال في العراق. جاء ~~ذكرها في النصوص المسمارية، ولا سيما في عهد سلالة أور الثالثة 2112-2004ق.م. ~~وقد دعيت في هذه النصوص # Anshu-Kar-Ra # أي حمار ~~الجبل أو حمار البلد الأجنبي، ويرادف ذلك في اللغة الأكادية سيسو # Sisu ~~. الكشيون استبدلوا طريقة التأريخ بالحوادث ~~المشهورة المتبعة في العصور السابقة للعصر الكشي، بطريقة أسهل في تأريخ ~~الحوادث وتقويمها هي التأريخ بسنى الملوك، فصاروا يؤرخون من السنة الأولى التي ~~تعقب تتويج الملك الجديد. وشاع في العهد الكشي استعمال ما يسمى بأحجار الحدود، ~~واسمها باللغة الأكدية كودورو # Kudurru # وانتشرت ~~في العصر الكشي اللغة البابلية بخطها المسماري؛ بحيث اتخذت من هذه اللغة لغة ~~للمراسلات الدولية الدبلوماسية بين ملوك الشرق الأدنى وحكامه، كما تدل على ذلك ~~رسائل تل العمارنة الخاصة بفراعنة مصر في القرن الرابع عشر ق.م. حيث كان ~~الفراعنة في أوج قوتهم واتساع ملكهم، فلا يمكن تفسير اتخاذ اللغة البابلية من ms450 ~~جانبهم بتسلط أو نفوذ من الملوك الكشيين، وانتشر مع استعمال اللغة البابلية أدب ~~وحضارة وادي الرافدين، وترجمت جملة قطع أدبية مشهورة مثل ملحمة جلجامش إلى ~~اللغة الحثية والحورية. # 23 # وهنا يجدر التنبيه أن الأستاذ طه باقر، أكد أن تلك المكاتبات البابلية كانت فعلا ~~بالخط المسماري، لكنها كانت باللغة الكارية أو الحورية حقا وصدقا. # ثم يقول لنا علم التاريخ إن هناك خطأ قديما تم إصلاحه في مؤلفات المؤرخين، حيث كان ~~يطلق على ممالك بلاد الشام اسم الممالك الحثية الحديثة، لكن مع مزيد من الكشوف تأكد ~~أنها كانت ممالك آرامية، تأثرت بشدة في فنونها بالتقاليد الفنية الحثية. # 24 # إذن الهكاشي أو الكشيون أو الكاشيون أو الكاسيون أو الكاشو، قبائل متبربرة هبطت على ~~العراق القديم، وقضت على أسرة بابل الأولى، وحكموا البلاد 433 عاما، وليس معلوما لدى ~~المؤرخين معنى اسمهم أو أصله. لكن المؤكد لديهم أنهم كانوا هجرة هندو آرية، وأنهم لم ~~يدونوا شيئا بلغتهم الأصلية، واتخذوا من لغة بابل المكتوبة لغة لهم، وكان غزوهم بابل ~~بعد غارة حيثية مفاجئة قدمت من الأناضول، قام بها الملك الحيثي «مورشيليش»، الذي هاجم ~~البلاد وأسقط أسرتها الحاكمة، ليتركها للكوشيين أو الكاسيين دون أسباب مفهومة أو واضحة. ~~أما الأكثر غرابة فهو أن بدء الحكم الكاشي لا ينطبق مع نهاية سلالة بابل الأولى، التي ~~أسقطها «مورشيليس» الحيثي، مما أدى إلى استنتاج أن هناك سبعة ملوك كشيين حكموا في مكان ~~ما خارج الرافدين قبل أن يحتلوه. والجديد هنا أن الملوك الكاشيين قد حكموا القطر جميعه ~~موحدا، بينما كانوا أقلية حاكمة، ولم يتصادموا في معارك واضحة مع جيرانهم في منطقة ~~المتوسط الشرقي، بل كانوا على وئام معهم، وإن أحد ملوكهم المعروف باسم «كوريكالزو ~~الثاني» هو الذي شيد الزقورة أو البرج المشهور في بابل، وبقي منه بعد أن تهدم حوالي ~~ستين مترا، وقد أطلقوا على بلاد الرافدين اسم «كار دويناش» أي قطر «دونياش»، وهو اسم ~~إله لهم. ومن المرجح أنهم هم من جاءوا بآلة عسكرية جديدة على المنطقة، هي العربة ~~العسكرية ms451 التي تجرها الخيول، حتى إن الخيول لم تكن معروفة في المنطقة قبل ذلك، وكان ~~الأكاديون في الرافدين يتحدثون عن رؤيتهم للكائن المعروف بالحصان، بحسبانه كائنا ~~خاصا ببلاد أجنبية اسمه «سيسو»، وأسموه # Anshu Kar Ra # أي الحمار الجبلي، كما ابتدعوا تقويما جديدا يعتمد على التأريخ بسنى حكم الملوك، وأن ~~الكاسيين أو الكاشيين قد أخذوا الخط المسماري واللغة البابلية وطوروها واستخدموها. ~~ولأسباب غير معلومة أصبحت تلك اللغة لغة عالمية. ويرفض «طه باقر» وجلة المؤرخين أن ~~يكون ذلك بسبب قوة وتسلط أو نفوذ للكاشيين خارج الرافدين، وأن هناك آدابا بابلية ~~مكتوبة بالخط المسماري، قد وجدت خارج الرافدين (كما في تل العمارنة بمصر)، ولكن باللغة ~~الحورية. # وهنا عدة مسائل بحاجة إلى توضيح وحلول، تتمثل في تساؤلات بسيطة لكنها إشكالية في ~~التاريخ أهمها: # من هم «الكاشيون/الكاسيون/الهكاشيون» الذين احتلوا الرافدين ما يزيد على ~~أربعة قرون؟ # ما هي علاقتهم بالحيثيين والملك الحيثي مورشيليش؟ وما هو السر الذي دفع ~~الملك الحيثي لفتح بابل، وتركها ببساطة للحكام الكاشيين الذين أصبحوا قلة ~~حاكمة في بلاد الرافدين. # لماذا لم يدونوا شيئا بخطهم وأخذوا الخط واللغة البابلية وطوروهما، ~~وكتبوا بهما اللغة الحورية؟ فهل لم يكن لهم خط أصلا ولم يعرفوا ~~الكتابة؟ # كيف نفسر الفجوة الزمنية بين ما دونته المراجع الكوشية عن بدء حكمهم، ~~والفارق الزمني بين هذه البداية وبين نهاية حكم الأسرة البابلية الأولى؟ ~~وإذا كان الملوك السبعة الأول قد حكموا خارج البلاد؛ فأين كان حكمهم ~~هذا؟ # معلوم أن بلاد بابل لم تقم دولة مركزية مستقرة متماسكة، للقطر جميعه إلا ~~في حالات نادرة وقصيرة، لكن زمن الكاشيين كان القطر كله وحدة مركزية واحدة، ~~فكيف نفسر ذلك؟ # ومعلوم أن العراق القديم كان دوما مفتوحا على جيرانه في معارك هجومية ~~أو دفاعية طوال الوقت، وهو مال لم يحدث زمن الحكم الكاشي، لماذا؟ # نعلم من المأثور الديني الإسرائيلي والإسلامي، أن باني برج بابل هو ~~المعروف باسم نمروذ بن كوش، ونعلم من التاريخ أن بانيه هو كوريكا لزو ~~الثاني، فهل كانا شخصا واحدا؟ # من أين جاء ms452 الكاشيون بحمار الجبل «سيسو» أو الحصان؟ # وسبق وافترضنا أن الشاسو المذكورين في المدونات المصرية، هم الكاشو أو الكوشيون الذين ~~تموضعوا في بلاد آدوم، فهل ثمة علاقة بين هؤلاء الكاشو أو الكاشيين وبين محتلي بلاد ~~الرافدين، باسم الكاسو أو الكاشو أو الكاشيين؟ # مجموعة من التساؤلات لا إجابة واضحة عليها، إلا بمزيد من البحث وراء تلك الهجرات ~~التي غمرت المنطقة، نضيف إليها الآن مزيدا من التساؤلات الإشكالية التي تتمثل في ~~العنصر الحليف للعنصر الكوشي، أقصد: الحيثيين، وهو ما سيزيد من البلبلة، لكنه واسطة ~~العقد لحل كثير من الإشكاليات. # في الوعد المعروف بالكتاب المقدس، الذي قطعه الرب على نفسه لخليله إبراهيم يقول النص: # في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من ~~نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات: القينيين والقنزيين والقدموينين والحيثين ~~والفرزيين، والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين. ~~(تكوين، 15: 18-21) # من بين الشعوب والقبائل التي يعددها المقدس التوراتي، لسكان المنطقة الممنوحة ~~لإبراهيم ونسله، نجد ذلك الاسم (الحيثيين)، ثم تتواتر النصوص المقدسة لتؤكد أن العنصر ~~الحيثي كان عنصرا قائما ومستقرا في أرض فلسطين، بل كانوا ملاكا للأراضي، لكنهم في ~~الوقت نفسه يظهرون كما لو كانوا عنصرا غير أصيل بالمنطقة؛ لأن أرض فلسطين كانت تخصص ~~بكونها أرض كنعان تحديدا. # والملاحظة المهمة بشأن الحيثيين، في النصوص التوراتية، هو الهيئة السيادية التي ~~يتخذها الحيثيون هناك، التي أوجبت على البطرك إبراهيم السجود لأشخاص عاديين من بينهم، ~~وهو يطلب منهم شراء مغارة بفلسطين، ليدفن فيها جسد زوجته سارة، والنص يقول: # وماتت سارة في قرية أربع التي هي حبرون في أرض كنعان ... وقام إبراهيم ... وكلم ~~بني حث قائلا: أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي ~~.... # فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض لبني حث ... وبعد ذلك دفن إبراهيم سارة في مغارة ~~حقل المكفيلة، أمام ممرا التي هي حبرون في أرض كنعان، فوجب الحقل والمغارة التي ~~فيه لإبراهيم ملك قبر من عند بني حث. ~~(تكوين، 23: 20، 19، 7، 4، 3، 2) # والواضح في التوراة من البدء أنها تنسب أرض فلسطين ms453 إلى الكنعانيين دوما، وإلى ~~الأموريين أحيانا، لكنها تجعل الحيثيين عنصرا أصيلا فيها، فشجرة الأنساب التوراتية ~~تجعل الحيثيين أبناء كنعان بن سام بن نوح، فتنسب لكنعان بن سام ابنا اسمه «حثا» ~~(تكوين،10: 15)، مع إشارة أخرى تجعل أورشليم رمزيا بنت سفاح لأم حيثية من رجل ~~أموري. # قال السيد الرب لأورشليم: مخرجك ومولدك من أرض كنعان أبوك أموري وأمك ~~حيثية. ~~(حزقيال، 16: 3) # وقد قصد النص إيضاح أن أورشليم رمز الشعب الإسرائيلي نفسه، هجين من شعبين متباعدين: ~~الأب أموري وعرفناه حموري عموري قادما من جنوب الجزيرة والأم حيثية. # وظل الحيثيون يتواجدون كعنصر هام وبارز في فلسطين، حسبما جاء بالكتاب المقدس، إلى ~~زمن يبعد إلى ما بعد ملك سليمان، وكان أبرز قواد جيش داود من العنصر الحيثي «أوريا ~~الحيثي مثلا»، كما تزوج ولده سليمان من نساء حيثيات (ملوك أول، 11: 1)، والأموريون كما ~~قلنا كانوا عنصرا جنوب جزيري قادما برفقة الكوشيين، بينما الحيثيون من أصول شمالية ~~هندوآرية فصيحة. # وقد سبق وأوردنا نصا يوزع عناصر سكان فلسطين على خريطتها (سفر العدد، 13: 27-32)، ~~ويجعل الحيثيين من سكان جبال فلسطين، ولدينا هنا نص آخر يجعلهم يشغلون جميع المساحة ~~الشمالية الواقعة بين جبال لبنان ونهر الفرات، وجبال لبنان في التوراة كان اسما يطلق ~~على جبال فلسطين، بدءا من الكرمل وصولا إلى جبال لبنان الشمالية، والنص يقول ليشوع ~~خليفة موسى بلسان الرب: # قم واعبر هذا الأردن أنت وكل الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم ... من ~~البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحيثيين، وإلى البحر ~~نحو مغرب الشمس يكون تخمكم. ~~(يشوع، 1: 2، 4) # وهذا إنما يعني احتلال الحيثيين لجبال فلسطين، التي تعد امتدادا جنوبيا طبيعيا ~~لجبال لبنان، وإننا كلما اتجهنا شمالا اتسعت الرقعة التي يشغلونها بالمنطقة، نحو نهر ~~الفرات ونحو البحر المتوسط. لكن المثير للاضطراب والدهشة معا، أننا نجد نصوصا أخرى لا ~~تشير إلى الحيثيين باعتبارهم يعيشون فقط خارج فلسطين، بل إن لهم ممالك ودولا، وهو ما ~~نجد التوراة تقوله في أزمنة تالية أحدث، حول استيراد سليمان للخيل من مصر، والتجارة ms454 ~~بها مع «ملوك الحيثيين وملوك آرام» (أخبار الأيام الثاني، 1: 17)، وهو الأمر الذي يتكرر ~~في نص آخر يقول: «وكان مخرج الخيل التي لسليمان من مصر ... وكانت المركبة تصعد وتخرج من ~~مصر بستمائة شاقل من الفضة، والفرس بمائة وخمسين، وهكذا لجميع ملوك الحيثيين وملوك ~~آرام» (ملوك أول، 10: 29)، ثم بعد زمن سليمان أيام ملوك مملكة اليهود المنقسمة إلى ~~إسرائيل شمالا ويهوذا جنوبا، نجد نصا يؤكد ذات المعنى، جاء في معرض الحديث عن حرب ~~جرت بين الملك الآرامي بنهدد وبين مملكة إسرائيل الشمالية، عندما فر الجيش الآرامي من ~~المعركة هاربا، لما سمع جنوده ضجيجا هائلا لسلاح وعربات وخيول، وقال أفراده بعضهم ~~لبعض: «ها هو ذا ملك إسرائيل؛ فقد استأجر ضدنا ملوك الحيثيين، وملوك المصريين ... فقاموا ~~وهربوا في غبش الليل» (ملوك ثاني، 7: 6، 7). # الحيثيون بهذا الشكل مشكلة، فهم ملوك على دولة ~~تقع خارج فلسطين، بل وملوك أقوياء يثيرون الفزع، وهو لغز كبير لا يمكن فهمه، في ضوء ~~احتساب التوراة في أسفار أخرى، أن العنصر الحيثي عنصر يعيش في فلسطين الكنعانية، ~~ويتناثر في أنحاء أخرى حولها. # هذا ما كان عن نصوص المقدس التوراتي، أما علم التاريخ فيروي لنا رواية أخرى مبهرة، ~~لكنها للأسف ستزيد الأمر غموضا واضطرابا وإلغازا، فقد جاء في نصوص مصر القديمة، ما ~~يشير إلى علاقات وطيدة لملوك مصر مع ملوك دولة، تسمى «خيتا» التي ترجمت أيضا إلى ~~الحيثيين، وهناك أيضا نصوص مشهورة لمعاهدة سلام جرت بين الفرعون «رمسيس الثاني» وبين ~~الملك الحيثي «حاتوشيليش» بعد معركة قادش الشهيرة. وقبل ذلك بسنوات، في الأسرة الثامنة ~~عشرة، تقدم الفاتح الأعظم في تاريخ الشرق القديم «تحتمس الثالث» 1490-1436ق.م. شمالا ~~متجاوزا سوريا، ليعبر الفرات الأعلى في هضبة الأناضول خلال القرن الخامس عشر قبل ~~الميلاد، ليضرب قوما جاء اسمهم في مدوناته «أهل خيتا». # وقبل ذلك بقرون، حوالي عام 2200ق.م. حارب «نرام سين» رابع ملوك أسرة أكد # Akkad # الرافدية، حلفا مكونا نم سبع عشرة ملكا، ~~بينهم ملك باسم بامبا # Bamba ~~، وصفته نصوص الرافدين بأنه ~~ملك حاتي، وضمن الحلف ملك آخر، لكنه ms455 آموري اسمه «حوار ~~واس # Huwruwas ~~»، وهو الاسم الذي يعبر لدينا عن أصل حوري واضح. وبعد ذلك بما يزيد ~~على ألف عام، أي حوالي 1100ق.م. نجد في نصوص الملك الآشوري تجلاتيبليزر الأول، أن سوريا ~~الشمالية العليا تظهر باسم خاتي، وأن عاصمتها زمن تجلاتيبليزر كانت مدينة قرقميش داخل ~~الحدود التركية الحالية، وهي ذات العاصمة التي اجتاحها قبل ذلك تحتمس الثالث زمن ~~فتوحاته الكبرى. # 25 # واضح إذن أن المادة المتجمعة لدينا حول العنصر ~~الحيثي تتفجر بالتناقضات الحادة، فالكتاب المقدس يظهر الحيثيين كعنصر كنعاني يسكن ~~فلسطين مرة، ومرة أخرى يظهرهم كقوة كبرى لها ملوك أقوياء خارج فلسطين. وعلم التاريخ ~~يوضح لنا أنهم كانوا سكان الأناضول التركي ولا علاقة لهم بفلسطين، بل يجب استبعاد هذه ~~العلاقة تماما؛ لأن الوثائق الحيثية المكتشفة حتى الآن، لم نجد بها ما يشير إلى هبوط ~~الجيوش الحيثية جنوبا، في أوج عظمة المجد الحيثي، لأبعد من دمشق جنوبا، ولا نجد إشارة ~~واحدة لدخولهم فلسطين إطلاقا. وحتى المنطقة التي خضعت للحيثيين من بلاد الشام، فكانت ~~على حساب التوسع الحيثي الحدودي الجنوبي، واقتصرت على المنطقة الواقعة شمالي قادش على ~~نهر العاصي. ويقول المؤرخون إنه بعد انهيار دولة الحيثيين وتفككها إلى دويلات، لم نجد ~~بين تلك الدويلات الحيثية دويلة واحدة تقع إلى جنوب حماة السورية، وقد شكلت مملكة دمشق ~~الآرامية الناهضة حينذاك، حاجزا بين الدويلات الحيثية شمالها وبين فلسطين جنوبها، حتى ~~صرح «جرني» أهم باحث في تاريخ الحيثيين بقنوط بالغ: ~~«إن وجود الحيثيين في فلسطين قبل غزو إسرائيل لها (يقصد قبل خروجهم من مصر ~~وغزوهم فلسطين [المؤلف]) يثير مشكلة عجيبة. وتجمع المعلومات المتزايدة عن أهل ~~حاتي لم يوضحها، وإنما جعلها أكثر تعقيدا.» # 26 # ومن هنا أخذ «جرني» - حلا للمشكلة - بالفرض الذي قدمه زميله «فورر»، واعتبره جرني ~~حلا بارعا؛ إذ يرجع «فورر» إلى سكان الأناضول قبل الحيثيين والمصطلح على تسميتهم ~~«بروتوحيثيين» أحيانا و«الحاثيين # Hattians ~~» أحيانا ~~أخرى، وأن لغتهم التي تكلموها أطلق عليها الحيثيون من بعدهم اسم لغة خاثيلي أو ~~حاتيلي # Hattili ~~، وينطلق «فورر» من ذلك ms456 إلى افتراض ~~أن تلك اللغة كانت في وقت ما وسيلة تخاطب في منطقة واسعة جدا شملت فلسطين، وربما كان ~~يقصد ما أشرنا إليه حول اللغة الكارية الحورية، وأن الحيثيين الذين رحل بعضهم من ~~الأناضول جنوبا وسكنوا فلسطين زمن الخروج حسبما نفهم من التوراة، إنما كانوا بروتو ~~حيثيين يتكلمون اللغة الخاتيلية، وأدت ظروف لا نعلمها لاستمرار بقائهم في فلسطين، ~~فأسماهم المأثور التوراتي باسم لغتهم، وهي اللغة التي استخدمها الحيثيون، فأصبحوا بذلك ~~حيثيين يسكنون فلسطين في التاريخ التوراتي. # 27 ~~(لاحظ هذا نموذج حل المشاكل السريع لدى المؤرخين المتخصصين). # وتدلنا رسائل تل العمارنة المصرية المحفوظة في مدينة إخناتون، على أن العالم في ذلك ~~الوقت حوالي «1370ق.م. زمن آمنحتب الثالث وولده إخناتون»، كانت تتقاسمه أربع دول كبرى ~~هي: «مصر» التي امتدت سيطرتها إلى فلسطين وسوريا، و«بابل» التي حملت في ذلك الزمن اسم ~~كاردونياش، و«ميتاني» المملكة الحورية الخورية التي تواضع المؤرخون على وضعها على حوض ~~الفرات الأعلى بين الفرات والخابور، وكانت تحكمها طبقة أرستقراطية من أصل هندوأوروبي، ~~ثم المملكة «الحيثية» في بلاد الأناضول. # وقد ظل أمر مملكة الأناضول الحيثية مجهولا، فقط كنا نعرف أن هناك شعبا اسمه الشعب ~~الحيثي يعيش بفلسطين، وذلك من الكتاب المقدس، حتى تم اكتشاف رسائل تل العمارنة عام ~~1887م، وتحوي رسائل دبلوماسية وإدارية واردة إلى الملك آمنحتب الثالث وولده إخناتون، ~~وتغطي الفترة ما بين 1370 و1348ق.م. ورسائل كتبها ولاة مصر في سوريا وفلسطين، وقد جاءت ~~في تلك الرسائل إشارات متعددة لملك على دولة اسمها «حاتي»، وإلى تحركات جيوش حاتي. كما ~~تم العثور على خطاب كتبه الملك الحيثي «شوبيلو ليوماش»، يهنئ فيه «إخناتون» لتوليه ~~العرش، لكن شوبيلو ليوماش ظل ملكا مجهولا لدولة مجهولة حتى عام 1872م، حين تمكن ~~«وليم رايت» من نقل خمسة أحجار كانت ضمن أحجار منازل مبنية في حماة السورية وفي حلب، ~~بعد أن اكتشف عليها هيروغليفية شبيهة بالمصرية، لكنها ليست مصرية، فأطلق عليها اسم الخط ~~الحاماتي # Hamathit # نسبة إلى حماة؛ حيث عثر على ~~الأحجار. ولم يمض غير بضع سنوات ms457 حتى تم اكتشاف نقش صخري عظيم، على ترعة إفريز # Ivriz # في جبال طوروس مدون بالخط الحاماتي، وهو ما ~~وجه الاهتمام إلى آثار وأطلال ونقوش كانت مهملة، وتقع عند بوغاز كوي # Boghaz Koy # والجاهويوك # Alaja Huyuk # عند منحنى نهر الهاليس # Halys # المعروف الآن باسم «قيصل يرموق» في شمال تركيا ~~الحالية. # لفتت أنظار الباحثين بوابة حجرية كبرى، يقف على ~~جانبيها تمثالان لأبي الهول، فبدأت حفائر المتحف البريطاني عام 1879م لتكشف عن كثير من ~~النقوش الهيروغليفية الحاماتية، حتى تمكن «هوجو ~~فنكلر # Hugo Winckler ~~» من الحصول على تصريح بالحفر سنة 1906م في بوغاز كوي ليكتشف ~~كشفه الهائل، حيث عثر على حوالي 10000 لوح مسماري مكتوبة بلغة غامضة، تشبه ما عثر عليه ~~في مكتبة رسائل تل العمارنة. # وبالبحث الدءوب أعلن أن تلك الثروة الهائلة، ~~ترجع إلى عاصمة لمملكة عظمى كان مقر عاصمتها، حيث عثر على تلك الألواح، أي في بوغاز ~~كوي التي اكتشف أنها عاصمة تلك المملكة - وكانت تحمل اسم خاتوشاش # Hattusas # أو «حاتوسا»، وأن تلك المملكة كانت تعرف في زمانها بمملكة ~~الحيثيين، وأنها استخدمت في الكتابة خطها الهيروغليفي. أما العجيب فهو أن الألواح ~~الهائلة العدد، فقد تم التأكد أنها كتبت بخط آخر، وباللغة الحورية التي كتبت بها ألواح ~~العمارنة في مصر. وكان المؤرخون يعلمون أن هناك دولة مجهولة، دفعت الجزية للملك رمسيس ~~الثاني كانت تحمل اسم «خيتا العظمى»، لكنهم افترضوا لها موقعا في بلاد سوريا إلى جوار ~~«ميتاني» المزعومة، حتى أعاد ذلك الاكتشاف العظيم الأمور إلى نصابها، ثم تتالت ~~الاكتشافات المبهرة في العاصمة «خاتوشاش» الواقعة على مبعده مائة ميل شرقي أنقرة ~~الحالية. ولما كان قد وضح أن الحيثيين يصرفون الأسماء بحرف «ش # SH ~~» و«تش # CH ~~» تلحق بنهاية الاسم، فإن ~~اسم العاصمة دون تصريف يصبح «خاتوشا» أو «حاتوسا»، وهو اسم يحمل في طياته اسم ~~الحيثيين. # ومن الرسوم والنقوش وبقايا جماجم هؤلاء القوم، أمكن تكوين فكرة واضحة عن سماتهم ~~الجسدية، فهم قوم مكتنزون، عظام أوجههم بارزة، أنوفهم طويلة قليلا وأشبه بمنقار ~~الببغاء، ذقونهم قصيرة. # واكتشف أنه ms458 في ذات المكان وقبل ظهور الحيثيين أو مجيئهم من مكان ما في الشرق، كان ~~يعيش قوم يتحدثون لغة باسم الحاتيلية ويطلقون على أنفسهم عبارات: رجال حاتي، نساء حاتي، ~~أبناء حاتي، ويرى «إيفارلسنر» أنه من هنا جاء اسم الحيثيين، الذي أطلق على الأقوام ~~الجديدة التي احتلت الأناضول، وتركت لنا هذا التراث العظيم. ويرى «مورتمارت» و«زومر» أن ~~ثقافة الحيثيين جميعا تعود إلى أبناء حاتي الأصليين، مما يشير إلى أن الحيثيين حين ~~وفدوا على الأناضول كانوا بلا ثقافة محددة تقريبا، فأخذوا بثقافة البلاد التي احتلوها. ~~وقد أكد ذلك «بيتل» الذي عاش سنوات في خاتوشا يبحث، ليكتشف أن الحيثيين الذين سيطروا ~~هناك كانوا متخلفين ثقافيا عن السكان الأصليين، وبعد ذلك اكتسبوا حضارة الحاتيين وتشربوها. # 28 # ويحيطنا «وليم كون» بخبر شديد الأهمية لعملنا هذا، فيقول: إن الحيثيين كانوا أول أمة ~~عرفت خام الحديد واستخرجته وصنعته، وأنهم كانوا يتكلمون لغة هندوآرية. ويبدو أن معرفة ~~تعدين هذا المعدن، كانت كشفا خاصا بهم عرفوه من قبل في وطنهم الأصلي الذي هاجروا منه ~~بوسط آسيا. أما السمة الأخرى التي لا تفوتنا، فهي أن الخيل لم يظهر في المنطقة الشرق ~~أوسطية، وكذلك العربة التي يجرها الخيل، قبل ظهور الحيثيين فيها. ويبدو لنا أن إشارات ~~أهل الرافدين إلى حمار البلد الأجنبي أنشوكرا # Ansha-Kar-Ra ~~، كانت نتيجة مشاهداتهم له في بلاد جيرانهم الجدد في شمالهم ~~التركي. وقد ثبت أنهم أقدم أمة عرفت الحديد وتصنيعه، من رسالة وجهها الملك الحيثي ~~حتوشيليش إلى ملك من أصدقائه، يعتذر له عن تلبية طلبه؛ لأن موسم إنتاج الحديد ذلك ~~العام كان رديئا، مع وعد بإرسال المطلوب إلى أخيه الملك، حالما ينتهي الصناع من ذلك. # 29 # وفي الموسوعة الأثرية العالمية نجد تحت مادة عصر ~~الحديد # Iron Age ~~، إشارة إلى خطاب وصل الفرعون رمسيس الثاني من الملك الحيثي، ~~يقول إنه قد أرسل إليه خنجرا حديديا يليق بالملك، وتشير الموسوعة إلى أن الحديد وصل ~~بلاد اليونان قادما من منطقة تقع في محيط بحيرة فان وبحيرة قزوين، وأنه حول ذلك الوقت ~~عرفت ms459 المملكة الحورية المجاورة للحيثيين صناعة الحديد منهم (الموسوعة تذهب مع الفرض ~~المعتاد في وضع المملكة الحورية «ميتاني» بأعالي الرافدين بين الفرات والخابور، بجوار ~~الحيثيين جنوبا منهم مباشرة)، وأن من منتجات الحديد الميتاني ذلك الخنجر المحلى بالذهب ~~والأحجار الكريمة، الذي تم العثور عليه في مقبرة «توت عنخ آمون». # 30 # وقد عبد الحيثيون إلها يظهر في هيئة رب جنود، في نقش يؤكد معرفتهم المبكرة للعجلة ~~والحديد، فهو يركب عجلة قتال ممسكا ببلطة حديدية في يد، وبالصاعقة في يد أخرى يركض ~~بها على قمم الجبال، # 31 # فهو إله رعد وبرق مثل البعل، ويرمز له بدوره بالثور، ثم تنسب له الأساطير ~~الحيثية أنه هو الذي قتل التنين المتعدد الرءوس المعروف باسم لواياثان، # 32 # وهو ذات الفعل التأسيسي الذي قام به الإله في الديانة الكنعانية، عندما قتل ~~تنينا بنفس الصفات وبذات الاسم، في ملحمة البعل التي عثر عليها في أوغاريت/رأس شمرا، ~~ثم كرر الإله يهوه ذات البطولة بقتلة لواياثان الحية المتعددة الرءوس بالكتاب المقدس ~~(للمزيد ارجع لكتابنا: الأسطورة والتراث). # ومع دراسة الوثائق الحيثية أمكن معرفة أنهم كانوا يحبون الرجوع إلى أصل ملكي مع أول ~~ملك لهم باسم لابارناس # Labarnas ~~؛ لذلك يبدأ المؤرخون ~~به تاريخ الحيثيين، ويقولون إنه في عهد خليفته خاتوشيليس الأول # Hattusilisi ~~، تم نقل العاصمة من مدينة باسم كوسارا إلى خاتوشا أو ~~حاتوسا (بوغاز كوي)، وبعده بدأت المملكة تتسع، وتخرج جيوش مملكة حيثي من خلف الحواجز ~~الجبلية في طوروس نحو الجنوب، اصطدمت بداية بمملكة يمخد # Yamhad # الغنية، وكانت عاصمتها حلب # Aleppo # الحالية، وذكرها الحيثيون باسم خالاب # Khalap ~~، وفي عهد الملك الحيثي مورشليش قام الحيثيون بغزوة على مملكة ~~بابل، وأسقطوا دولة بابل الثانية، حيث نجد في آثارها نصا يؤكد تلك الغزوة يقول: «إلى ~~شمشو ديتانا زحف رجال حاتي، وزحفوا إلى بلاد أكد.» وقد ربط ذلك الحدث بين ثبت التاريخ ~~البابلي وثبت التاريخ الحيثي، # 33 # وبدأ تأريخ الحيثيين من ذلك العام أي حوالي عام 1594ق.م. لكن الغريب الذي ~~يشكل لغزا غير مفهوم، هو انسحاب الحيثيين من ms460 بابل بعد فتحها، ليتركوها فريسة لغزاة ~~عرفهم التاريخ الرافدي باسم الكاسيين، فاحتلوا بابل عام 1595م في إثر الغارة الحيثية ~~مباشرة، وسيطروا عليها أربعة قرون متصلة، حتى عام 1162ق.م. # 34 # ولمزيد من الدهشة لا يأتي عام 1400ق.م. حتى نجد الثقافة الحورية واضحة ~~تماما من بلاد الأناضول شمالا حتى العقبة جنوبا عند آدوم. # 35 # وفي عهد متأخر زمن الملك الحيثي «تود خالياش الرابع» ثم «آرندوانداس الرابع»، تظهر ~~في غربي الأناضول قوة جديدة حول الجزر اليونانية «الفريجيون»، في موجة هجرة كاسحة نحو ~~الشرق والأناضول، قادمة من جزر بحر إيجة وكريت وسردينيا، وتهاجم مصر في نفس الوقت لكنها ~~تنكسر هناك، # 36 # ولا تستطيع الدخول وتتالى الضربات على الدول الحيثية، بينما في ذات الزمن ~~تقص علينا سجلات «رمسيس الثالث»، كيف أن الجزر اليونانية اضطربت، وكيف غزت تلك الجزر ~~الأناضول وهرب الحيثيون وشعوب أخرى إلى الجنوب السوري، ليصبح الفريجيون سادة الأناضول ~~بعد الحيثيين، لتنتهي الدولة الحديثة، وتبقى ثقافتها في المقاطعات الجنوبية السورية ~~ضياء غسق باهت، استمر حوالي خمسة قرون. بينما استمرت وثائق آشور تشير لسوريا وطوروس ~~باسم بلاد حاتي، التي سقطت بعد ذلك بزمان في قبضة الآشوريين، لينتهي ذكر الحيثيين ~~وثقافتهم من التاريخ، وينسى عالم الإنسان ذلك الشعب وتلك الإمبراطورية، ويظل ذكرهم في ~~الكتاب المقدس حكاية أسطورية لا معنى لها. واحتسبوا في أحيان أخرى مجرد قبائل كأي ~~قبائل، كانت تعيش في منطقة فلسطين وجنوبها، وعندما توغل الرحالة الإغريق بعد ذلك في ~~بقاع تركيا، وجدوا هناك مقاطعات آشورية فحسب، لا وجود لاسم حاتي والحيثيين، # 37 # وظل ذكرهم في الكتاب المقدس يثير سؤالا محيرا لزمن طويل: من هم ~~الحيثيون؟ وحتى بعد اكتشاف دولة الحيثيين ووثائقها، ظل وجود الحيثيين بفلسطين مشكلة ~~تستعصي على الحل، حيث لم يقدم لنا التاريخ كعلم ما، يفيد بأن الحيثيين قد دخلوا فلسطين ~~أو ضموها لإمبراطوريتهم يوما ، ولم يبق مفهوما بالكتاب المقدس، تلك النصوص التي وردت ~~في سفر ملوك ثاني (7: 6) وأخبار أيام الثاني (1: 17)، وتتحدث عن ملوك الحيثيين وحيث إن ~~زمن ملوك إسرائيل يقع بعد عام ms461 1000ق.م. فهو ما يعني أن المقدس التوراتي كان يحدثنا عن ~~مماليك حيثية، بينما لم تكن هذه المماليك موجودة حينذاك، وهي الإشارة التي رآها عالم ~~الحيثيات «جرني»، تتحدث عن مقاطعات سورية ظلت حيثية الثقافة واللغة، بعد سقوط دولة ~~الحيثيين بخمسة قرون تقريبا، وقتما كانت الوثائق الآشورية تشير لتلك المقاطعات السورية ~~الشمالية باسم «حاتي»، # 38 # وهو بدوره ما لا يفسر وجود الحيثيين داخل فلسطين كعنصر ضمن عناصر الشعوب ~~المقيمة فيها. # وإضافة لمشكلة وجود الحيثيين كعنصر مستوطن أصيل بفلسطين، فإن هناك أمرا آخر يشكل ~~لغزا، فحيث سجلت المصادر الحيثية أن دولتها القديمة التي أسسها «لابرناس» كانت دولة ~~إمبراطورية، ولا نجد شيئا واضحا في مدونات المنطقة الأخرى، عن توسع الحيثيين فيما عدا ~~وصوله سوريا، وإسقاط الملك الحيثي مورشيليش لدولة بابل الثانية، ثم انسحابه دون سبب ~~واحد واضح، ليتركها طواعية لغزو آخر مجهول الشأن يستولي عليها، جاء ذكر أصحابه باسم ~~العنصر الكاسي أو الكوشي، هذا ناهيك عما ذكرته النصوص الحيثية، أن جزيرة ألاشيا/قبرص ~~كانت تابعة للحيثيين، وهو ما يراه «جرني» أمرا غير مفهوم؛ لأننا لو صدقناه فذلك يعني ~~خروج الحيثيين من وراء جبال آسيا الصغرى، # 39 # ومعنى ذلك أنهم قد بدءوا تكوين إمبراطورية لم تزل التفاصيل بشأنها مجهولة ~~تماما. # هنا يمكن العثور على طرف الخيط في شبكة الخيوط المعقدة، التي أدت إلى تضارب شديد في ~~تحديد الأصل الجنسي للهكسوس، وهو ما سيساعد بعد قليل في تفسير وجود المفردات والصياغات ~~الهندو الآرية إلى جوار السامية فيما تركه الهكسوس من آثار قليلة، كما يمكن أن يساعد ~~في حل مشكلة الموطن الأصلي للهكسوس، والتي تأرجحت بدورها بين جنوبي جزيرة العرب وبين ~~محيط قزوين في أرمينيا، ثم تفسير مذهب بعض المؤرخين القائل بأصول إفريقية للساميين، ~~استنادا لمقاربات لغوية مقنعة. فكما قلنا ذهب فريق كبير إلى أن جزيرة العرب كانت ~~أصلا منشأ الساميين ، ثم خالفهم فريقان: الأول يقول بمجيء الساميين من بلاد أرمينيا، ~~والثاني فريق يتوارى في الظل، ذهب إلى أن الوطن الأصلي للساميين هو شمال شرقي أفريقيا ~~(سيناء)، حيث ms462 عثر على أدلة لغوية بالكتابة المعروفة بالسينائية، وأن تلك الكتابة تجمع ~~سمات سامية مع سمات مصرية قديمة في اللفظ وفي المعنى، وأن تشابه السامية مع المصرية ~~بعد ذلك يمتد إلى اللغة القبطية ولغات البربر والكوشيين والصومال وأثيوبيا. كما أن ~~العنصرين السامي والحامي يتشابهان في الصفات الجسدية، خاصة إذا ما نظرنا إلى جنوبي ~~بلاد العرب وبلاد أثيوبيا، حيث لم تكن الحبشة منفصلة عن اليمن، وكانتا تحسبان دولة ~~واحدة رغم مضيق المندب بينهما، وأطلق اليونان عليهما معا اسما واحدا هو «أثيوبيا». # 40 # أما الحيرة الناتجة عن الحلف الهكسوسي العظيم؛ فقد تجلت في قول صموئيل لانج: «من ~~الأمور التي يحوم حولها قدر كبير من الشك معرفة أصل هؤلاء الغزاة الذين عرفوا بالهكسوس ~~أو ملوك الرعاة، وقد كانوا يتألفون على الأرجح من قبائل بدوية من الكنعانيين والعرب ~~وعناصر سامية أخرى، لكن يبدو أن الحيثيين الطورانيين، كانوا على صلة بهم، وأن قادتهم ~~(أي قادة الحلف الهكسوسي [المؤلف]) كانوا من الطورانيين «سكان الأناضول [المؤلف]»، إذا ~~حكمنا بما نشاهد من صور وتماثيل ملكين من آخر أسرة من الهكسوس، كشفهما حديثا نافيل # Naville # في بوباسطة، وتدل دلالة قاطعة على أنها ~~طورانية الملامح بل أصيلة.» # 41 # وهي الحيرة ذاتها التي تضاعفت بعد كشف مدينة أوغاريت في رأس شمرا بجوار اللاذقية، ~~«فقد كشفت الألواح أن شعب أوغاريت الصغير هذا، قد تمازج فيه أكثر من شعب وعنصر؛ فقد ~~كانت فيه في وقت واحد قبائل وجماعات أكادية وحيثية ومينوية ومصرية وعمورية، لكن ~~الجماعة الأكثر عددا كانت جماعة الحوريين.» # 42 # ويقول الأركيولوجي «شيفمان»: «وكان التخاطب في أوغاريت يتم بلغتين محليتين ~~هما: السامية التي يسميها علم الساميات المعاصر بالأوغاريتية وبالحورية. أما اللغة ~~الثانية فهي الأكادية التي اقتبست عن بلاد الرافدين، وقامت بدور الوسيط العام كوسيلة ~~للتخاطب المكتوب بين الدولة الأوغاريتية وبقية الدول، وبين الجماعات الإثنية، وكذلك ~~كانت لغة الشئون العملية والمراسلات .» ثم يعود إلى اللغة الحورية ليقول: «كانت اللغة ~~الحورية نسيبة اللغة الأوغاريتية وعدد آخر من لغات شمال القفقاس المعاصر.» # 43 # وهكذا بعد أن ms463 أكد لنا شيفمان أن الحورية لغة سامية، يعود ليقول إنها نسيبة لغة شمال ~~القفقاس، وهي لغة هندو آرية (؟!)، دون أن يشعر بأي اختلال (؟!) # وما يعضد أمرنا من وثائق أوغاريت (تل شمرا الآن على الساحل السوري)، ذلك النص الذي ~~يشير إلى خضوع المدينة مكرهة لمحتل غريب الشأن، هو مزيج من الكوشيين والحوريين ~~والحيثيين والقبارصة، وأنهم ينتمون إلى مدينة جامعية واحدة، والنص يتحدث عن قربان ~~يتقدم به شعب أوغاريت للإله. والنص يقول: # ويقدمون ضحية حمارا ويغني ابن أوغاريت الأغاني، ويزينون أطراف الجدران في ~~أوغاريت، ويتزين «بامعان» ويتزين «عروماتو» ويتزين ... (تلف بالنص) ويتزين ~~«نقمد». # وقبائل الحوريين # وقبائل الحيثيين # وقبائل الآلاشين ~~(آلاشيا هي قبرص [المؤلف]) # والقبائل المكروهة، القبائل التي نهبتكم، القبائل التي أذلتكم. # قبائل المدينة المتسلطة # ها نحن نقدم قربانا ونذبح ذبيحة، فليعلو هذا الحمار إلى قبيلة أبناء «إيلو». # 44 ~~(أبناء إيلو أي أبناء الله [المؤلف]) # ثم نتابع السعي وراء كل ما يؤيدنا، فنجد وثائق مدينة دولة «إيبلا»، التي تعود ~~بتاريخها إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، تحدثنا عن مجتمع باسم ديتانو بالكتابة ~~«ديدانو»، ويقول «شيفمان»: إن هذا الاسم أطلقه أهل إيبلا على جبال باسم «آمور». ويلحظ ~~شيفمان أن اسم ديدانو يتطابق مع اسم ددان شرقي آدوم، وأن اسم جبال آمور ويتطابق مع اسم ~~جبال الأموريين، لكنه لا يرى وجوب مخالفة الرأي السائد فيقول: «ويبدو أن تطابق هذا ~~الاسم مع اسم أحد مجتمعات شمال شبه جزيرة العرب ... مجرد مصادفة؟! # 45 # هكذا (؟!) # ثم يقف «شيفمان» مع اصطلاح «رباتي # RP. THT ~~»، الذي ~~يرد بكثرة في الألواح الأوغاريتية، وهو ذات اصطلاح «رفائي» و«رفائيين»، الذي يرد بكثرة ~~في التوراة للإشارة إلى الشعب الطويل العملاق، ويكتشف شيفمان في نصوص أوغاريت أن ~~الرباتيين قد اتحدوا مع شعب ديدانو، وشكلوا جماعة واحدة ينتمي إليها جميع أهل منطقة ~~«ددان» جنوب شرقي آدوم، وأن هذا الاتحاد جاء تفصيله وتعداد أعضائه في سفر التكوين (15: ~~19-21)، وقد رجعنا من جانبنا نبحث وراء هذا النص، الذي أشار إليه «شيفمان»، فوجدناه ~~فعلا يعدد أطراف ذلك الحلف كالآتي: ms464 # القينيين والقنزيين والقدمونيين والحيثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين ~~والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين. # ثم يضيف شيفمان أن الرباتين وصفوا في وثائق أوغاريت بأنهم «شعب عظيم كثير العدد طويل ~~القامة»، وهو ذات وصف التوراة للعمالقة بالنص كما سلف إيراده. # 46 # أما الأشد تلاقيا مع فروضنا فهو التصور الأوغاريتي عن الرباتيين، ~~باعتبارهم جنسا متميزا هجينا ينتمي من جانب لجنس البشر، لكنه من جانب آخر ينتمي إلى ~~عنصر الآلهة. # 47 # وهو ما يذكرنا بالأسطورة التوراتية عن الجبابرة، الذين كانوا نسلا مميزا ~~من أبناء الله وبنات الناس، الذين اصطلح التاريخ على تسميتهم بالعمالقة. # ومن الطيب فعلا ثراء تاريخنا العربي، الذي سجل ذكريات تاريخية قديمة عن انتشار ~~العماليق في المنطقة، والمناطق التي حكموها، وأن بني حام (المصريين) قد طردوهم من تلك ~~المناطق، وقد تم ذلك التسجيل مع بعض الالتباسات، التي عادة ما شابت الكتابات التاريخية ~~العربية، ونموذجا لذلك ما جاء عند ابن قتيبة الدينوري في كتاب المعارف؛ إذ يقول: # وكان من بينهم العرب العمالقة، الذين كانوا يتألفون من قبائل مختلفة، والذين ~~انتشروا في بلاد متعددة، ومن بينهم ملوك مصر وبابل. # وما جاء عند ابن خلدون عالم الاجتماع العربي في كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر»؛ ~~إذ يقول: # إن عادا والعمالقة حكموا العراق، ويقال إنه لما طردهم أبناء حام هاجروا من ~~بابل إلى بلاد العرب. # 48 # وما جاء عند اليعقوبي وهو شرح أن ملك العمالقة على مصر كان طارئا عليها، وحدث ~~لأسباب آنية حينذاك، فيقول: # ولما اتخذ المصريون النساء ملكات عليهم، طمع العمالقة ملوك سوريا (سوريا هنا ~~تعني بر الشام جميعا [المؤلف]) في غزو مصر، ومن ثم عاث الوليد بن دومة فيها ~~فسادا، وأجبر المصريين على الاعتراف به ملكا عليهم، وقد حكم مصر مدة طويلة، ~~وخلفه بعد موته ملك آخر من العمالقة هو ريان بن الوليد الذي عاصر يوسف. # وهو ما يعني أن دخول بني إسرائيل مصر زمن يوسف، قد حدث بينما كانت مصر واقعة تحت ~~احتلال العماليق بمدة طويلة. # وهنا يورد لنا ابن خلدون سببا آخر لاحتلال العمالقة مصر؛ ms465 لأنه لم يقتنع بسوء حكم ~~النساء، فيقول: # وقد طلب بعض الملوك القبط في مصر المعونة من أحد ملوك العمالقة في عصرهم، ~~فاستجاب لرغبته لكنه احتل مصر لنفسه. # هذا بينما يؤكد ياقوت الحموي: # إن فراعنة مصر كانوا من العمالقة، وكذلك كان فرعون إبراهيم وفرعون يوسف ~~وفرعون موسى. # 49 # وفي كتب الأنساب نجد أن: # العمالقة من ملوك حمير كانوا بالشام، منهم الزباء قاتلة جذيمة الأبرش، ~~والعماليق من ولد عملق بن لاوذ بن سام، منهم الفراعنة ملوك مصر ... والعنقاء ~~«العناقين = العماليق»، لقب ثعلبة بن عمرو بن عامر الأزدي. # 50 # ومن المدهش حقا أن يطلق المؤرخون العرب، على أول ملك هكسوسي لمصر هو فاتحها اسم ~~«شداد»، وهو الأكثر تداولا في الكتابات العربية، كأول ملك عماليقي على مصر، وليس ~~الوليد بن دوما، وهو ما يلتقي تماما مع اسم أول ملك هكسوسي، حدثنا عنه مانيتون المؤرخ ~~المصري، وكذلك بردية تورين باسم «شلات»، أو مع التصريف اليوناني «شلاتيس» أو «شلاد»، ~~وهو ما لا يلتقي معه مبنى فقط، بل في المعنى أيضا، فكلمة شداد تعني القوي الشديد، ~~وكذلك تعني ذات المعنى كلمة # Sallat # في اللغات السامية، ~~ومنها «شلات»، ومنها أيضا سلطنة وسلطان وسلطة. # شكل رقم «130»: بلاد الحيثيين/الأناضول/تركيا اليوم. # ويلخص لنا «جارستانج» أمر الحيثيين، فنراهم ~~مجموعة أجناس وأحلاف، وذلك في قوله إن «القبائل الحيثية كانت تتكلم بما لا يقل عن ست ~~لغات مختلفة، إلا أنه يتضح بعد إلى أي حد يدل اختلاف طرق الكلام ولغات هذه القبائل، على ~~وجود تباين حقيقي بين أجناس الناطقين بها. وقد أظهرتها الرسوم المصرية المتأخرة على ~~أربع أو خمس سلالات (هل ما زلنا نذكر المدينة الخماسية والحلف الخماسي؟) من الفصائل ~~التي حاربت فرعون، بل إن آسيا الصغرى (تركيا [المؤلف]) ما برحت حتى اليوم آهلة بأقوام ~~غير متجانسة، منها الجركس والأرمن والأكراد واليونان يحتفظون بجنسياتهن، ويتكلمون لغتهم ~~الخاصة. وكانوا يجنحون أول ما ظهروا إلى الاندماج في حلف سياسي يؤلف بينهم. # شكل رقم «131»: الفينيق الرفائي/الرفاعي/صاحب العصي الحيات يبارك ~~الملك الفرعون. # وخضعوا بصفة عامة لسلطان قبيلة خيتي»، ms466 # 51 # لكن جارستانج يذهب مع الجميع إلى موضعة «ميتاني» في أعالي الرافدين بجوار ~~الجانب الشرقي للحيثيين، فيقول: إن الملك الحيثي سبليوليوماس «استغل اتفاقه مع الحريين ~~فأخذ يرسم خططه على نطاق عسكري أوسع أفقا، فها هو ذا يعبر الفرات عند منابعه العليا، ~~ولعل ذلك كان عند ملطية، فيجتاح أرض عيسووه المقابلة، التي كانت لا تزال تعترف بنفوذ ~~دوشراتا على ما يظهر، فأذل أهلها وأمن بإذلالهم على سلامة هذا الطريق البالغ الأهمية، ~~وأنجز استعداداته فعبر الفرات بكامل قوته، ثم انتهى به الزحف إلى مشارفواشوكاني # Wassukkanni # عاصمة الميتانيين نفسها، وهي التي يظن ~~أنها كانت واقعة عند منابع نهر الخابور.» # 52 # أما نحن فلا نرى في ذلك إلا مزيدا من الدعم لنظريتنا، فأرض عيسووه التي أشارت إليها ~~نصوص سبليوليوماس الملك الحيثي، باعتبارها بلادا يحكمها دوشراتا، وأن فيها عاصمة ~~الميتانيين، ولا تقع عند منابع نهر الخابور، فليس هناك أي «عيسووه» بعد بحث وتقص ~~دقيق، استغرق وحده من بحثنا وجهدنا زمنا، إنما تقع بين البحر الميت وخليج العقبة في ~~بلاد مديان الآدومية في بلاد عيسو/آدوم. أما الطريق البالغ الأهمية فهو طريق التجارة ~~العالمي الذي كانت تمسك بعنقه بونت/سالع البتراء. # وهكذا نعرف كيف حدث التوحد قياسا على هذا النموذج المتأخر، فهو توحيد ثان قاده ملوك ~~الحيثيين، أما الأول فقد حدث بنفس الطريقة النموذج، فهبط الحيثيون واستولوا على عنق ~~الطريق التجاري، وضموا تحت جناحهم تلك العناصر والشعوب، وقادوها لفتح دول الجوار ~~الكبرى، فيما عرفه البابليون بالكاسيين، وعرفه المصريون بالهكسوس. وهناك، إلى الشرق من ~~تركيا على البحر الأسود، يقع الميناء المعروف حتى الآن باسم بونت من حيث هجرتهم الأولى، ~~ثم منح الحيثيون سلسلة الجبال الكبرى شمالي الهلال الخصيب أسماء جبال بونتس ربونت ~~بدورها، ومن هناك هبطوا جنوبا مبكرين، ربما قبل أن تصل بقية الهجرات الكثيفة بأزمان، ~~ليمنحوا منطقة العقبة ووادي عربة أسماء بلادهم القديمة، وهو الأمر الذي يعضد نظريتنا في ~~تحديد هذه المنطقة القديمة بحسبانها هي بلاد بونت التاريخية، وجاء الاسم «بونت» مع ~~الحيثيين الوافدين من بلاد بونت عند ms467 البحر الأسود إلى شرقي سيناء/آدوم، وهو الفرع ~~الهندوآري في الحلف التجاري العظيم. # أما أتباع مدرسة جارستانج ورفاقه، فما زالوا يبحثون عن عاصمة بلاد الميتاني عند نهر ~~الخابور في الفرات الأعلى. # أما نحن فقد علمنا أن المصريين قد عرفوا محتلي بلادهم (الهكسوس) باسم الشاسو، وأن ~~الشاسو مزيج هجين من الكوشيين (الكاشو) الزنوج والسبئيين القادمين من الجنوب، وعلى ~~رأسهم قادة من العموريين، ومن الحاثو (الحيثيين) الحوريين القادمين من الشمال، وهم قادة ~~الجنس الهندوآري، وبين هذا وذاك تناثرت البطون والأفخاذ الشمالية والجنوبية، عمورية ~~جنوبية عملاقة وآرامية شمالية حمراء، وكثير من العناصر المزيج، شكلوا ما يزيد على ~~ثمانية وعشرين جنسا، فيما أخبر المؤرخ «هورشيوش»، ليتمركزوا في بلاد آدوم، ويتوحدوا في ~~خمس ممالك، تحت قيادة قوية تعمل بشكل بدائي من الديموقراطية، مركزها سالع البتراء، ثم ~~ينطلقون منها لتكوين إمبراطورية تشمل المحيط جميعه، وهو الأمر الذي سيزداد تأكيدا ~~ووضوحا في الصفحات التالية من هذا العمل. # الفصل الثالث # | عاد وثمود # يفهم من المادة التي قدمها لنا «سليم حسن» أن مدونات الملوك الحيثيين، قد ورد بها ذكر ~~الحوريين مرات عديدة، كما جاء في ذات المدونات حديثا عن الخابيرو. ويقول «سليم حسن»: ~~إن تلك المدونات تفصح عن علاقات قوية ومتينة، بين أولئك الذين حملوا في تلك المدونات ~~اسم «الحوريين»، وبين أولئك الذين حملوا اسم «الخابيرو»، وهكذا يبدو سليم حسن ميالا ~~إلى ربط الخابيرو بالحوريين، أو التأكيد على أن المدونات الحيثية هي التي ترى ذلك، ومع ~~ذلك يؤكد سليم حسن من جانبه، أن الخابيرو كانوا من العنصر السامي، بينما الحوريون من ~~عنصر مخالف تماما هو الهندوآري. # 1 # وفي موضع آخر، وفي إشارة عابرة، يبدي ذلك المؤرخ الكبير دهشته من الانتشار الواسع ~~للمواد الحورية، بطول حوض المتوسط الشرقي وعرضه، دون سبب واضح، خاصة أنه ينظر إليهم ~~كبقية المؤرخين، بوصفهم شعبا منكور الشأن ينزوي على استحياء بين شعوب المنطقة. ويجد أن ~~فنون الفخار الحوري تتطابق في كل المنطقة، فهي في فلسطين كما في أعالي الرافدين، كما في ~~مصر كما في قبرص، يضاف ms468 إلى ذلك أن مصر بداية من عهد الدولة الحديثة، قد أخذت تشير إلى ~~فلسطين باسم بلاد حور/حوري، مما يفيد بغلبة هذا العنصر على منطقة شرقي المتوسط، # 2 # بل وصل مد الآثار الحورية حتى وجدناه ضمن آثار الحيثيين بشمالي الأناضول. # 3 # إن ذلك جميعه يؤكد نظريتنا حول الإمبراطورية، التي قامت بذرتها في بلاد آدوم، ثم ~~توسعت لتضم المنطقة جميعا، فيما عرفه التاريخ باسم إمبراطورية الهكسوس ... ونستعيد ~~المشاهد الأولى لدخول الهكسوس مصر في حديث «كاسيدوفسكي»، وهو يؤرخ قائلا: # في حوالي 1780ق.م. اجتاحت بلاد مصر أحداث ثورية عاصفة هزتها هزا عنيفا ... ~~واهتزت القوة المصرية بشدة عانت فيها مصر من انهيار سياسي حقيقي، حلت بالبلاد ~~كارثة رهيبة، فقد اندفعت من الشرق جحافل لا حصر لها من الجنود الأغراب، واجتاحت ~~مصر كسيل جارف، وكان هؤلاء الجنود يركبون عجلات سريعة، تجرها الخيول ويحملون ~~سيوفا طويلة، ويلبسون دروعا من حديد. # 4 # ويضيف «سليم حسن» أن معدن البرونز المصنوع من سبيكة خليط من القصدير والنحاس، والذي ~~ظهر في مصر مع الهكسوس، كان معروفا في الأناضول منذ عام 2500ق.م. وأن ذلك يعد في علم ~~التاريخ من الحقائق الثابتة. مع ملاحظات عدة أخرى، تؤكد أن الهكسوس قد أتقنوا في ~~موطنهم الأصلي فن صناعة المعادن القوية بشكل لم تعرفه مصر من قبل. # 5 # ويجد المؤرخون تبريرا معقولا لسقوط مصر بحجمها المعلوم أمام ما كان مظنونا أنه ~~شراذم بدوية، بكون هؤلاء كانوا - فيما تقول جوليا سامسون - «يتسلحون بأسلحة صنعت من ~~الحديد، وهذه النوعية من التسليح لم تكن معروفة بعد في مصر. هذا إضافة إلى الصلافة ~~والشراسة التي طبع عليها الهكسوس، من طول الحياة البدائية التي قضوها في الصحراء.» # 6 # وعن الحوريين تقول موسوعة تاريخ العالم: إنه «كان أعظم عمل للحوريين، هو إدخال العربة ~~ذات العجلتين التي تجرها الخيل إلى مصر وغربي آسيا، حيث أصبحت معروفة بعد عام 1600ق.م. ~~عثر الباحثون في سجلات بوغاز كوي (عاصمة الحيثيين [المؤلف]) على كتاب في تدريب الخيول، ~~كتبه أحد الحوريين المعروف باسم كيوكولي، ويحتوي الكتاب على كثير ms469 من التعبيرات الفنية ~~الهندية.» # والمعلوم من علم التاريخ أنه «لم يظهر الحصان في مصر حتى عصر الهكسوس، عندما أدخل من ~~آسيا لجر العربات أصلا.» # 7 # ويؤكد «بتري» أن الحصان قد ذكر في لوح كارنافون باسم «حترو»، وهي كلمة ~~حورية أصلا وليست مصرية، تنبهنا إلى الأصل الحوري للحصان. # 8 # وعن الحصان يحدثنا تشيلد: «إن الحصان له علاقة أصيلة بالأقوام الآرية، والظاهر أنه ~~يمكن اقتفاء أثر الكلمة المصرية والسامية الدالة على لفظ الحصان إلى اللغة الآرية، وهي ~~«أسوا» من السنسكريتية (آسفا). ومن الواضح أن الكلمة المصرية «سسمت # Ssmt ~~» مشتقة من اسم الجمع العبري «سوسيم»، وكلمة سسمت لا تمثل إلا ~~الحروف الساكنة للاسم، وحرف التاء فيها للتأنيث. وعلى أية حال، فإن وجود وسيط سامي في ~~نقل الكلمة إلى المصرية، يجعلنا نظن بعض الشيء أن الجنس الآري يحتمل أنه اختلط بعنصر ~~سامي من بين الهكسوس. ولدينا كلمة أخرى هي مرين، ومعناها خيال وسائق عربة، والظاهر أنها ~~تنتسب إلى الكلمة الميتانية مارينا، وهذه الكلمة الأخيرة قرئت بالكلمة السنسكريتية ~~ماريا، ومعناها الرجل الفتي الشاب.» # 9 # هكذا تجمع الدلائل إلى درجة القطع واليقين، على أن الهكسوس هم أول من أدخل إلى منطقة ~~شرقي المتوسط، فن صناعة المعادن الثقيلة كالحديد، وأن معدن البرونز تحديدا كان معروفا ~~في بلاد الحيثيين بالأناضول منذ وقت مبكر. ولعلنا نتذكر الآن رسالة الملك الحيثي ~~حتوشيليش الثالث، لملك صديق يعتذر عن الوفاء بطلباته؛ لأن موسم الحديد كان رديئا. # 10 # ثم نلمس علاقات قوية بين الكوشيين الذين احتلوا بابل (الكاسيين) وبين ~~الحيثيين، وصلت حد التضامن الكامل. فتضرب جيوش حيثي بلاد بابل لتتركها فريسة سهلة ~~للكوشيين، مع علاقة أخرى طوال الوقت تجمع الحيثيين بالحوريين. # وإن نسبة الخيل والعربة العسكرية والحديد إلى الحوريين مرة، وإلى الحيثيين مرة أخرى، ~~لا يشكل سوى مشكلة ظاهرية؛ لأن الحوريين الذين ظهروا في فلسطين وآدوم، يعودون بأصولهم ~~إلى هجرة قدمت من منطقة أرمينيا ومحيط بحر قزوين، بينما تموضع الحيثيون إلى الغرب منهم ~~مباشرة في الأناضول، وهناك رواية تاريخية تقول إن الحوريين قد ms470 سبق لهم التموضع في ~~الأناضول، حتى ظهر الحيثيون وأزاحوهم من هناك ودفعوهم جنوبا، لكن الواضح ويجب استنتاجه ~~دون جهد، هو أن هناك حلفا قد قام بين كليهما، وأن كلا الشعبين: الحوري والحيثي قد ~~تسربا جنوبا عبر نسيج هذا الحلف وخيوطه الرابطة، بحيث نجدهم بالكتاب المقدس كشعبين من ~~شعوب فلسطين وبلاد آدوم. # وهكذا يظهر بالتدريج أن منطقة آدوم التجارية، قد استوعبت في شريط ضيق لكنه طويل ~~وهائل، كل هذا التداخل التدريجي لشعوب هندوآرية (آرامية) قادمة في بلاد أرمينيا، عنصره ~~آري (فارسي)، ومكوناته حوري وحيثي، في حلف امتد على الخط التجاري العالمي القادم من ~~أعلى بوادي الشام عند الرافدين الأعلى، ممتدا عبر بوادي الشام وبلاد آدوم، مستمرا ~~في امتداده عبر بلاد الحجر والخط التجاري الحجازي الواصل إلى اليمن، ليلتقي في وادي ~~عربة وجبال سعير حلفاء الشمال الآراميين بحلفاء الجنوب من شعوب (عمورية)، قادمة من ~~الجزيرة العربية بصحبة العنصر الزنجي، الذي عبر المندب إلى الجزيرة ببضائعه ~~الإفريقية. # وحتى يتضح سر هذا التضارب علينا الآن العودة إلى مشكلة أصل الساميين، فقد نشأ القول ~~بأن هناك أصلا واحدا للمتكلمين باللغات الأكادية (بابلية وآشورية)، وبالكنعانية ~~والعبرية والفينيقية والآرامية والحبشية والنبطية والعربية، بحساب المشتركات اللغوية ~~التي تجمع بين لغات هذه الشعوب. فجذور الأفعال فيها جميعا ثلاثية، وتتطابق فيها جميعا ~~الألفاظ الدالة على القرابة والعلاقات الاجتماعية. وهو ما يشير إلى مشترك أول جمع ~~بينهم جميعا في تنظيم المعاملات وبخاصة التجارية، وهو ما أدى جميعه بالعالم النمساوي ~~لودفيج شلوتسر عام 1781م، إلى إعلان عام أن الشعوب التي تتكلم هذه اللغات، تنحدر من ~~أصل واحد أطلق عليها اصطلاح الساميين، وأنهم لا شك بهذا المعنى قد جاءوا من أصل وطني ~~قديم واحد هو وطن الساميين الأم. # لكن ما حدث هو أن الباحثين تضاربوا تضاربا هائلا، عند محاولة تحديد هذا الوطن الأم ~~الأصلي للعنصر السامي، الذي انتشر في حوض المتوسط الشرقي بدءا من شرقي الدلتا المصرية ~~وسيناء وآدوم وفلسطين وبوادي الشام، وصولا إلى تركيا في أقصى الشمال واليمن في أقصى ~~الجنوب، فذهب ms471 فريق كبير إلى أنهم قدموا من جزيرة العرب في هجرات كبرى، ويمثل هذا ~~الفريق الجانب الأعظم من العلماء الذين اهتموا بتلك المشكلة. ومنهم دي جوييه # De Goege # وشرادر # Shradar # وونكلر # Wincklr # وتيلي # Tiele # وماير # Mayer # وروبرتسون سميث # Robertson Smith # ولانج # Samuel Lang # وسايس # Wright Sayce # وروجرز # R. W. Rogers ~~. # وخلاصة ما توصل إليه أصحاب هذا الرأي، هو أن ~~شبه جزيرة العرب لم تكن منطقة صحراوية جافة في كل عصورها القديمة؛ فقد تعرضت لهطول ~~أمطار غزيرة طوال عصر البلايستوسين (آخر العصور الجيولوجية)، شأنها في ذلك شأن بقية ~~المناطق المدارية، ونتيجة ذلك غطتها الغابات والنباتات التي تسكنها المجموعات البشرية. ~~وانتهى عصر البلايستوسين بأمطاره حوالي سنة 10000ق.م. وبدأ الجفاف يزحف على المنطقة ~~لتحل الصحراء محل الغابات، إلا حيث نحتت الأنهار لها مجرى كنهر النيل ودجلة ~~والفرات. # نتيجة لذلك بدأت تتضاءل إمكانيات الحياة، واضطر ~~الناس إلى النزوح منها كلما زحف الجفاف والإجداب، وهو ما أدى إلى موجات متتالية من ~~الهجرات من شبه الجزيرة إلى المناطق الخصبة على تخومها، وكانت آخر تلك الهجرات تلك التي ~~جاءت مع الفتوح الإسلامية في القرن السابع الميلادي، وقد حملت هذه الهجرات لغتها معها، ~~وهو ما أدى إلى تعدد في الشعوب السامية وتقارب في اللغة، سواء في الألفاظ أو في ~~التراكيب أو في التصريف. # وقد رتب أصحاب هذا الرأي هذه الهجرات، استنادا إلى ما استنتجوه من شواهد تاريخية، ~~على النحو التالي: # الأكديون وقد استقروا في وادي الرافدين في الألف الثالث والرابع قبل ~~الميلاد. # الكنعانيون بما فيهم الفينيقيون والأموريون، وقد استقروا في المنطقة السورية ~~ووادي الرافدين خلال الألفين الثالثة والثانية قبل الميلاد. # الآراميون وقد استقروا في كل مناطق الهلال الخصيب، والعبرانيون الذين استقروا ~~في المنطقة السورية في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد. # الأنباط وبعض القبائل العربية الجاهلية، وقد استقروا في منطقة الهلال الخصيب ~~بين القرن الثاني والقرن السادس قبل الميلاد. # العرب المسلمون وقد استقروا في منطقة الهلال الخصيب وشمال إفريقيا منذ القرن ~~السابع الميلادي. # ويدعم هؤلاء نظريتهم بالقواقع الحجرية ms472 التي عثر عليها في شبه الجزيرة، وهي لا تعيش ~~إلا في الماء، وبقايا عظام متحجرة وأدوات حجرية، تشير إلى وجود الماء والحياة فيما قبل ~~التاريخ، إضافة إلى عدد من الوديان الجافة الآن، مثل وادي الدواسر ووادي الرمة ووادي ~~السرحان التي يحتمل أنها كانت أنهارا عظيمة، هذا مع حيوانات وأشجار كانت معروفة في ~~جزيرة العرب أيام الكتاب الكلاسيك يونانا ورومانا 500ق.م.-500ب.م. أو الكتاب العرب. ~~وقد اندثر بعضها الآن مما يشير لاستمرار زيادة الجفاف والتصحر. # لكن أصحاب النظرية اختلفوا حول أي موطن في الجزيرة الواسعة كالقارة، كان يعيش ~~الساميون؟ بعضهم رأى أنه من اليمن، وأنه من الخط المسند اشتقت سائر الخطوط التي كتبت ~~بها الشعوب السامية. وبعضهم رأى ذلك الموطن هو شرقي الجزيرة على ساحل الخليج، أما البعض ~~الثالث فرأى أن موطن الساميين هو حافة شبه الجزيرة الشمالية الغربية، وهو ما يعني محيط ~~بلاد آدوم وسيناء. # 11 # أما الفريق الآخر من علماء الأجناس فقد نحى منحى مخالفا، ويعتمد أصحابه على أدلة ~~لغوية تربط ما بين السامية وبين الأحباش، للقول أن الجنس السامي جاء من أفريقيا الشرقية ~~عبر باب المندب والبحر الأحمر، وأن أفريقيا هي أصل الساميين والحاميين معا، الساميون ~~عبروا مضيق باب المندب إلى جزيرة العرب، والحاميون عبروا شمالا نحو مصر ثم عبورا ~~لسيناء إلى آسيا. # 12 # أما الفريق الثالث؛ فيذهب بعيدا تماما ليأتي بالجنس السامي من أرمينيا، والقادم ~~أصلا من هضبة آسيا الوسطى، الوطن الأصلي للجمل، وقد جاء الجمل من هناك مع الساميين ~~المهاجرين من جنوبي شرقي وجنوب بحر قزوين مرورا بإيران. # 13 # وقد رأى الباحثون المحدثون أن افتراض فكرة موطن أصلي واحد، ليس ضروريا لتفسير ~~التشابه والتقارب بين اللغات؛ فليس ضروريا أن تنتمي الشعوب التي تتقارب لغاتها إلى ~~عنصر واحد ووطن واحد؛ لأن هناك احتكاكا دائما بين الشعوب خاصة في تلك المنطقة ~~المتوسطة من العالم، وهي منطقة مفتوحة طوال تاريخها، كما أن الاختلاط وتشابك المصالح ~~غالبا ما يؤدي إلى ازدواج لغوي. # 14 # ولأننا نعتقد أن ظهور الشعوب السامية لم يكن ms473 كما صورت النظريات الدينية ~~تنحدر من أسلاف يعودون إلى أب واحد، تفرقت منه البشرية إلى زنجي حامي وأسمر سامي ~~وأحمر يافثي، بل نعتقد أن ما حدث هو العكس تماما، وهو الموافق لروح العلم، حيث تلاقت ~~أجناس متفرقة وتلاقحت في مساحة جغرافية أفرزت عنصرا جديدا، وأن ذلك تكرر في جهات ~~متفرقة من العالم، وبين الشعوب التي ظهرت نتيجة التلاقح الجنسي، كان ذلك الشعب السامي ~~الشمالي، الذي حمل في جيناته أصولا حامية زنجية ومصرية مع أصول هندوآرية، وحملت لغته ~~أصول لغات تلك الشعوب، وأن ذلك قد حدث في سيناء وآدوم وبوادي الشام. ويبدو أن هذا ~~التلاقي والتلاقح قد بدأ مبكر جدا، وأقصى ما يمكن قوله هنا أن عنصرا زنجيا، كان ~~عبوره المندب بالمنتجات الأفريقية، امتدادا طبيعيا للطريق التجاري الكبير، ليصبح ~~عضوا بعد ذلك في الحلف الهكسوسي العظيم، عندما يلتقي في بلاد آدوم بالعنصر الهندوآري ~~القادم من براري آسيا. وهو ما يفسر لنا كيف كان باني زقورة بابل، ملكا حكم في بابل ~~باسم نمرود، ونمرود في المأثور التوراتي والتاريخ الإسلامي، زنجي أسود من أبناء كوش. ~~أما الوثائق التاريخية فتدون لنا اسم باني البرج، حاملا فيه حامية زنجية واضحة؛ فهو ~~«كاريكالزو»، وكان ضمن سلسلة حكام تأكد تاريخيا أنهم كانوا أقلية حاكمة على بلاد بابل ~~وفدت غازية. # ثم تفسر لنا تلك الرؤية انتشار العنصر الحوري الآرامي بطول المنطقة من الفرات الأعلى ~~من أرابخا في الشمال، حتى المملكة الحورية في آدوم، كما يفسر لنا انتشار العنصر الحيثي ~~في فلسطين، يحمل فيها سمات سيادية واضحة، كما يظهر من قصة شراء إبراهيم مغارة المكفيلة ~~منهم وسجوده لهم. ولا يفوت فطنا أن اسم المملكة الشمالية «أرابخا»، بلسان هندوآري ~~ينطق عربيا دون التباس (العربية)، ثم إن المنطقة التي هبط منها العنصر الهندوآري ~~تسمى الآن «البك»، لكن اسمها التاريخي كان «آراب - ~~خيتيس # Arrapa-chitis ~~»، # 15 # وهي كلمة تحمل تصريفا اسميا حاتيليا حوريا، يشبه ما نراه في نطق اسم ~~الإله سيت باسم سيتتش أو سوتخ، فالكلمة أرابخيتيس هي «أراب» أو «عرب»! # وقد نسبت ms474 التوراة الشعب العبري إلى جد بعيد ~~باسم «أرفكشد» أو «أربكسد»، وأعادت موطن هذا الجد إلى منطقة أرارات بأرمينيا، بحسبانه ~~من أحفاد نوح حيث رست السفينة الأسطورية، وفي سلسلة أنسابها تؤكد التوراة أن هذا المكان ~~مرموز له باسم «أربكسد» أو «أراب خيتيس»، هو أصل لسلسلة من الأنساب العبرية والعربية ~~في نفس الآن (ولنلحظ أن عربي هي عبرى بالميتانيز). ويحيطنا «آرثركيت # Sir Arther Keith ~~» أستاذ علم الأجناس - وفق المنهج ~~الأنثروبولوجي - أنه قد «ظلت القوقاز وميديا (شمالي فارس [المؤلف]) وعامة منطقة بحر ~~قزوين حتى العصور التاريخية القريبة نسبيا 1000-500ق.م. مجتمعات رعاة في المقام ~~الأول، رغم معرفتها بالزراعة.» وقد أسفرت حفائر «ليونارد وولي # Leonard Woolley ~~» و«لانجدون # Langdon ~~» ~~و«دي مورجان # De Morgan ~~» عن نتائج أساسية، هي أن ~~الرعاة وليس الفلاحين هم من نزلوا من بحر قزوين في كل اتجاه بالمنطقة، لامتلاكهم وسائل ~~النقل السريع كالخيل والجمال، لأسباب ديموغرافية كالانفجارات السكانية أو بسبب كوارث ~~طبيعية كالجفاف، أو بسبب السيول كما سجلتها التوراة رمزيا في قصة الطوفان.» # 16 # أما المؤكد عند «آرثركيت» فهو أن الجنس العربي المعروف الآن، كان من أصول ~~قوقازية تتكلم السامية، مما يعني اختلاطا شديدا بين السامي والآري في العنصر الجنسي ~~وفي اللغة. وهو ما يمكنك ملاحظته في مأثور التوراة وذكريات المحررين عن الجنس الآري، ~~مرموزا له بيافث بن نوح والجنس السامي مرموزا له بسام بن نوح، فتقول: «ليفتح الله ~~ليافث فيسكن في مساكن سام.» (تكوين، 9: 27) لكن ما يجب التنبيه عليه هنا هو أن هؤلاء ~~الذين هبطوا من الشمال الأرميني إلى بلاد آدوم، قد حملوا من أصل مواطنهم إشارات لتسمية ~~تلك الأصول «آرامية»، ومنهم من كان أولئك القائلون «آراميا تائها كان أبي» (بني ~~إسرائيل)، ومنهم من كان سكان وادي عربة، الذين أعطوا للعرب اسمهم، وهنا يفيدنا زياد منى ~~بأن المراجع العربية القديمة، تعيد اسم العرب إلى نشأتهم في وادي عربة فنسبوا إلى بلادهم. # 17 # وذات المعنى يؤكده مظفر نادوثي؛ إذ يقول عن اسم العرب وأصله البعيد: «نعرف ~~أن هذه الكلمة أطلقت بادئ ذي بدء ms475 على شمال جزيرة العرب، وليس على جنوبها. ويبدو أن ما ~~ذهب إليه الجغرافيون من أن أول اسم سميت به بلاد العرب هو عرابة صحيح، وقد أصاب هذا ~~الاسم التحريف على مر الزمن، فأصبح بلاد العرب، وتبع ذلك أن سمي الشعب باسم العرب، ~~نسبة إلى بلادهم، وتعني كلمة عرابة في كل اللغات السامية صحراء. ومعنى هذا اللفظ في ~~العبرية حقل أو غابة.» # 18 # وهو ما يصادق على ما قلنا، ويشهد على أن بلاد الغابة أو الأيكة، كانت وسط ~~الصحارى الصخرية في بلاد وادي عربة. # ولما كنا قد قلنا إن تجمع الأحلاف كان في وادي عربة، وأن الحصان والعجلة قد جاءا إلى ~~المنطقة مع الهكسوس، فإن ذلك يفسر لنا لماذا تسمى العجلة حتى اليوم عربة، ولماذا يسميها ~~المصريون عربية، وهنا نستمع لزياد منى يؤكد أن اصطلاح عرب واصطلاح عبر (عربي/عبري)، ~~بمعنى واحد هو البدو المرتحلون دوما، # 19 # أو كما قاله المصريون القدماء «شاسو»، وأسموا الحيوان القادم معهم «ساسو» ~~أي الحصان. وهكذا أعطى سكان عرابة لجنس العرب اسمه، بينما سكان جزيرة العرب أنفسهم، ~~كانوا لا ينظرون لسكان عرابة على أنهم أصلاء، بدليل أنهم أصروا على توضيح ذلك، وتسجيله ~~بالتفريق بين عرب أصلاء سكنوا جنوبي الجزيرة هم العرب العاربة، أي الراسخة في العروبية ~~بتعبير ابن خلدون، وبين عرب دخلاء اكتسبوا العروبية اكتسابا عندما سكنوا بين العرب، ~~واستحقوا اسم العرب المستعربة، أي التي استعربت ولم تكن كذلك، ومقصود ذلك هو عروبة ~~مكانية، عروبة الجزيرة، مقصود يرى الجزيرة موطنا للجنس العربي على امتداد تاريخه، ولم ~~تكن كذلك أبدا كما هو واضح حتى الآن. # ويقول المأثور التاريخي العربي إن العرب المستعربة، أي القادمين من عرابة، كانوا ~~يتكلمون السريانية المتفرعة عن الآرامية الأرمينية، وفي الزمن الذي لم يكن العرب بلغتهم ~~كعنصر مميز قد ظهر في جزيرة العرب، كانت إشارات المؤرخين الكلاسيك عن العرب تشير فقط ~~إلى وادي عربة، ثم اتسع المدلول بالتدريج ليشمل عرب سيناء والشام، ولم يتسع بمفهوم ~~المكان الجغرافي العربي، ليشمل جزيرة العرب المعروفة الآن إلا ms476 زمن الرومان. # 20 # ولكن قبل ذلك، عندما لم يكن عرب آرام/أرمينيا قد توراوا تاريخيا من ~~أرمينيا، نقرأ عن إسخيليوس المسرحي اليوناني في مسرحية Promethees # السطر 420 عبارة شديدة الدلالة، تؤكد أن ~~معنى كلمة عرب أطلق في مبدأ الأمر، على أهل البراري والخيول في براري أسيا (آرمينيا) ~~قبل أن يمنحه مهاجروها لوادي عربة. ولنقرأ هذه العبارة البليغة تقول: «زهرة شباب # Arabia # يحمون بأسلحتهم الحصن المنيع على حدود القوقاز.» # 21 # وهنا نقرأ ما ورد عن عبيدة بن شرية أن أحد أبناء سام بن نوح، أنجب ولدين ~~أحدهما، هو إرم الذي ينتسب العرب المستعربة إلى بنيه. # 22 # ومن جانبه يحيطنا فراس السواح نقلا عن طومسون قوله: «أما عن جزيرة العرب ~~فيبدو أن اللغة العربية السامية، قد جاءتها عن طريق فلسطين وسوريا الجنوبية، في أواخر ~~عصر البرونز المبكر وأوائل عصر البرونز الوسيط، أي حوالي عام 2000ق.م.» # 23 # أما التاريخ العربي نفسه فقد أعطى لسكان جزيرة العرب، قبل أن تكون عربية وقبل أن ~~تتكلم العربية، اسم القحطانيين؛ نسبة لجد بعيد هو قحطان باليمن، أما العرب الشمالية ~~مع انفتاح الجزيرة الواسع، دون حدود جغرافية مانعة حتى الأناضول، فقد حملوا اسم العرب ~~العدنانية نسبة إلى جد باسم عدنان، يبدو أنه ترميز لأصولهم غير الجزيرية العائدة إلى ~~أصول أسطورية توراتية، في مكان أول لهم على الأرض، كان منطلق البشرية باسم جنة عدن. # 24 # وهكذا تفسر لنا نظرية الحلف التجاري الكبير كثيرا من الغوامض والألغاز، مثل إصرار ~~التوراة طوال الوقت على وجود عنصر زنجي كوشي في محيط جنوبي فلسطين، دون منطق واضح كاشف ~~يبرر هذا التواجد هناك. فالكوشيون هم في التوراة الأحباش الزنوج سكان أفريقيا السوداء ~~تحديدا، لكنهم في التوراة يظهرون جنوبي فلسطين، كشعب له جيوشه. وقد ذهب مرجليوث لتفسير ~~نص التوراة، الذي يقول إن الفلسطينيين والعرب الذين بقرب الكوشيين، قد هاجموا جنوبي ~~مملكة يهوذا، بأن المقصود بالعرب هنا عرب اليمن، الذين بجوار الحبشة عبر مضيق باب ~~المندب (؟!) ... هكذا ... بينما ذهب موسيل # Musil # إلى أن ~~المقصود هم عرب سيناء، ms477 الذين بجوار المصريين باعتبار المصريين حاميين من أبناء حام، ~~الذي أنجب مصرايم وكوش، فهم المقصودون بالكوشيين. # 25 # أما نحن فتفسيرنا هو هذا الكتاب جميعه. # كذلك تفسر لنا ذلك نظرية الحلف التجاري حكم الكوشيين لبابل، وأنهم لم يدخلوا في معارك ~~مع جيرانهم كعادة سكان الرافدين المفتوحة على محيطها، مما كان يخلق دوما توترا ~~عسكريا لحماية الحدود، وكان حكم الكاسيين أو الكوشيين في الرافدين على اتصال حميم ~~ودائم مع الجيران بالمنطقة، مما يشير إلى أن زمن حكمهم لبابل كان هو ذات حكم الحلف ~~لبقية المنطقة، كان هو ذات زمن الإمبراطورية، بعد أن بلغ الأحلاف من القوة ما يسمح لهم ~~بالخروج عن الشريط التجاري الطويل لاحتلال دول المحيط شرقا وغربا. # وكذلك تفسر نظريتنا انتشار التعدين في أقصى جنوبي آدوم، بينما أصوله الابتداعية كانت ~~في أقصى الشمال الحيثي، كما يفسر لنا مجيء الخيل والعربة العسكرية مع أسماء سامية ~~وأسماء هندوآرية، حيرت الباحثين الذين اعتبروا جزيرة العرب مهد الشعوب السامية، ~~والإشكال أن طبيعة جزيرة العرب لا يمكن أن تكون مهدا للحصان؛ لأن الحصان والعربة فرز ~~لا يصلح لفيافي الرمال، بقدر ما هو فرز مسطحات صخرية وجبلية صلبة، كما في الشمال الحيثي ~~الحوري وكما في بلاد آدوم الصخرية، حتى إن أهل الرافدين أطلقوا عليه اسم «آنشوكرا» أي ~~حمار الجبل، ولم يطلقوا عليه حمار الصحراء. # ثم يفسر لنا الحلف ذلك التوافق العجيب، الذي أفرز في النهاية لغة آرامية مشتقة من ~~البابلية، مكتوبة بالمسمارية كلغة عامية في المنطقة ولغة مكاتبات رسمية، فقد كانت لغة ~~الأخلاف التي تم التوافق عليها بينهم، فبدأت بابلية ثم تطورت إلى كارية/حورية، عرفت بعد ~~ذلك بالآرامية. أما الأعجب الذي أصبح مفسرا الآن وفق عملنا هذا، فهو الرصد الذي قام به ~~لويس عوض، ليكتشف أن اللغة العربية في كثير من مفرادتها وتراكيبها، تعود إلى أصول ~~هندوآرية. أما الأكثر عبقرية فهو أن تكشف لنا علوم اللغات كشوفا حديثة تؤكد ما قلناه، ~~فالجنوب الحميري أو الجنوب الجزيري الذي تدفق محتضنا زنج أفريقيا نحو الشمال بصحبة ~~تجارته، كان ms478 عنصرا له لغة تختلف تماما عن اللغة العربية، التي جاءت مع عنصر وافد هبط ~~جزيرة العرب من آدوم. وقبلها كان مجيئه إلى آدوم من أرمينيا، وهم العرب المعروفة باسم ~~المستعربة القيسية العدنانية . والباحثون يؤكدون لنا الآن «أن اللغة الحميرية شيء واللغة ~~العربية شيء آخر، وأن الحميرية أقرب إلى الحبشية القديمة منها إلى العربية.» # 26 # ثم نعلم إلى أي حد تأثرت أطراف المنطقة بحدث الهكسوس، عندما نكتشف مدى العلائق ~~والمشتركات التي حدثت، بين اللغة المصرية القديمة وبين اللغات السامية وبخاصة العربية، ~~فذات الباحثين يقولون: «إن اللغة المصرية القديمة كانت تشترك مع اللغات السامية في ~~العديد من التركيبات الجوهرية، وإن كان بها بعض التشابه أيضا مع لغات أفريقية، مثل ~~الصومالية في الشرق والبربرية في الشمال، فالمصرية تشترك مع السامية في خاصتها ~~الأساسية، التي تجعل كلماتها تستخدم مصدرا واحدا غالبا ما يتكون من ثلاثة أحرف، كما ~~تشتمل على كلمات مشتركة عديدة ... وتحتوي اللغة المصرية القديمة على أصوات اللغات ~~السامية الأساسية، مثل الحاء والعين والضاد، لكنها لا تعرف حروف الثاء والذال والظاء ~~مثلها في هذا مثل العامية المصرية الحالية.» # 27 # ومن ثم تتأكد لنا علاقة اللغة المصرية القديمة باللغة العربية (القاموسية)، التي ظهرت ~~واضحة طوال عملنا هذا، ويتم تفسير وجود ألفاظ مصرية أحصاها بعض الباحثين ب 3000 مفردة ~~مصرية قديمة دخلت إلى العربية، ناهيك عن الألفاظ الهندوآرية الموجودة بالعربية، وكذلك ~~المفردات التي تعود إلى لغات ساحل إفريقيا القادمة مع العنصر الزنجي. # وعليه فإن اللغة العربية الحالية لم تكن لغة جزيرة العرب؛ لأن تلك الجزيرة كانت لها ~~لغاتها التي عرفناها بخط المسند بالجنوب اليمني، هي غير العربية الشمالية التي جاءت ~~جزيرة العرب، مع العرب العدنانية المستعربة المتأثرة إلى حد بعيد بالمصرية القديمة، ~~حتى تكاد تكون في 60٪ منها لغة مصرية قديمة. وإن العرب العدنانية هم من منح جزيرة العرب ~~صفة العرب، أما قبل ذلك وإن أردنا لغة الجزيرة حقا، قبل أن تأتيها عربية الشمال ~~(مصرية + هندوآرية + اللغة الجغرافية القادمة مع الزنوج)، فإن تلك اللغة القديمة ~~للجزيرة ms479 كانت لغة اليمن أو لغات اليمن أو اللغة الجنوب جزيرية، أما العربية الشمالية ~~القاموسية فالظل المصري يغطي أكثر من نصفها، حتى إننا لو بحثنا اليوم عن اللغة المصرية ~~القديمة، فسنجدها تغطي العالم «العربي»، أما لو بحثنا عن اللغة القديمة لسكان الجزيرة، ~~فهي تلك التي كانت في الجنوب اليمني، وانقرضت وأصبحت من مهام علماء الحفائر ~~والأركيولوجيا. # كذلك تحل فرضية الحلف الإمبراطوري لغز وصول الحيثيين إلى «ألاشيا/قبرص»؛ لأنها ببساطة ~~كانت تابعة ضمن مجموعة جزر المتوسط للإمبراطورية الهكسوسية. وفي ذات الجزر عثر على آثار ~~للملك الهكسوسي خيان ملك مصر آنذاك، الذي يبدو أن زمن حكمه كان زمن أكبر توسع قوي ~~للأحلاف الهكسوس، فيقول «سليم حسن»: «كان الملك خيان الذي جاء ذكره في قائمة مانيتون ~~وعلى الآثار، أعظم ملوك الهكسوس الذين حكموا مصر، وقد ورد اسمه في قائمة مانيتو، على ما ~~يظهر باسم يناس # Jannas ~~، وآثاره منتشرة في جهات ~~مختلفة، وقد عثر على جعارين عدة وأختام باسمه، ومنها نعلم أنه كان يحمل الألقاب ~~التالية: حاكم البلاد الأجنبية خيان، الإله الطيب خيان، الإله الطيب سوسرن رع، حاكم ~~المجندين خيان، ابن الشمس سوسرن رع، ابن الشمس خيان ... وأهم ظاهرة في حكم خيان، هي وجود ~~آثار له خارج القطر المصري في جهات نائية بعيدة جدا، لدرجة أن بعض المؤرخين ظن أن ~~مملكته قد مدت أطرافها إلى تلك البقاع؛ فقد وجدت له آثار في سوريا وفلسطين من جهة، وفي ~~بغداد وكريت من جهة أخرى. أما عن وجود جعارين باسم هذا الملك في سوريا وفلسطين فلا ~~غرابة فيها؛ لأننا نرى أن هذين القطرين كانا ضمن البلاد، التي يسيطر عليها الهكسوس أيام ~~عظمة مجدهم.» # 28 # وفي كريت كشف الأثري إيفانز في أثناء الحفر بقصر كونسوس على غطاء آنية ~~مرمرية باسم خيان. # 29 # ثم لعلنا نذكر أن المصريين قد بنوا حائط الأمير/أو حائط الحاكم الذي يصد الآسيويين ~~وعابري الرمال، في الوقت ذاته الذي بنى البابليون سورا عظيما مماثلا باسم «مورق ~~تدنم»، أي الحائط الذي يصد الأموريين، مما يشير إلى تزامن في ms480 انتشار الوافد الجديد ~~بقوة. # والمؤرخ اليهودي «يوسفيوس» لم يعلم أن الإسرائيليين بطن آرامي صغير، وظنهم ذات عين ~~الهكسوس الذين حكموا مصر، وقال إنهم بقوا في مصر مدة زمنية تصل إلى 450 عاما، والجميل ~~في هذا الشأن أنها ذات المدة التي أقرها علم التاريخ لحكم العنصر الكاسي/الكوشي لبلاد ~~بابل (؟!) # ويحكي لنا الكتاب المقدس عن زواج البطرك إبراهيم بعد موت زوجته سارة من امرأة في ~~النقب في محيط آدوم بقوله: «وعاد إبراهيم وأخذ زوجة اسمها قطورة» (تكوين، 25: 1) وأنجب ~~منها شعب مديان، ترميزا لعلاقات واضحة بالمديانيين. # ثم يحكي لنا أيضا عن هروب موسى من مصر بعد قتله المصري وزواجه من صفورة المديانية ~~بنت كاهن مديان رعوئيل/يثرون. # ثم يأتي المؤرخ ابن العبري فيلخص لنا الحدثين في عبارات كانت غير مفهومة بالمرة حتى ~~تاريخه، لكنها تصبح واضحة في بحثنا هذا، جمع فيها ابن العبري ذكرات ذلك التاريخ ~~المتناثرة، ليقول في نص شديد الأهمية لنا رغم أنه كان من المهملات تماما: # فهرب موسى إلى أرض العرب، وتزوج صافورا الزنجية ابنة يثرون بن رعويل المدياني ~~ابن ددان بن يقش بن إبراهيم من زوجته قطورا التركية. # 30 # هل أصبحت شهادة ابن العبري إذن ليست من تهريفات القدماء كما توصف عادة؟ ونحن نعلم أن ~~الأرض التي هرب إليها موسى كانت بلاد مديان/آدوم في سيناء الشرقية عند وادي عروبة، وهي ~~ما يسميها ابن العبري «أرض العرب»، مصادقا على كل ما قلنا، وفي هذه الأرض العربية ~~اجتمع ابراهيم العبري الآرامي مع الدداني مع المدياني مع - وهناك كان الغريب غير ~~المفهوم - الزنج والأتراك، وهكذا لا يصح أن نندهش لاسم ددان بشمالي جزيرة العرب، وهو ~~اسم إله مصري لبلاد النوبة وما والاها من جنوب وهي بلاد الزنج، ولا لمعرفة أن كلمة تركي ~~في العربية تعني الجوال أو المشاء أو غير المستقر أبدا، هو «الشاسو». # وهكذا عرف المصريون محتلي بلادهم وبلاد بابل باسم الشاسو وهم الكاشو أو الكاشين، ~~وكان هؤلاء الهكسوس عناصر خليط من شعوب متعددة، تضافرت بطونه في ثلاثة أعراق واضحة، ~~استظلت جميعا ms481 بالثقافة واللغة المصرية: هي «النحسي الزنجي الكوشي الكاسي»، و«العموري ~~السبئي القادم من جنوب الجزيرة» و«الهندوآري الأرميني وتفاصيله في العبري والحوري ~~والحيثي، القادم من براري محيط بحر قزوين»، اجتمعت في دولتها المؤسسية التجارية ببلاد ~~آدوم، وانطلقت عزماتها من بونت سالع البتراء عاصمتها الكبرى، وحملوا في بابل اسم ~~الكاسيين، وحملوا في مصر اسم الهكسوس الذي ترجم إلى الحكام الرعاة ومرة إلى الملوك ~~الرعاة، ومرة إلى الرعاة الأسرى ومرة إلى شيوخ البدو، وفي رأينا أن أصدق ترجمة هي ~~الحكام الشاسو أو الكاشو من «حق = حاكم بالحق الإلهي = ملك» + «شاسو = كاشو = كوشي» ~~فهم الملوك الكوشيون. ولما كانت كاشو وشاسو تعني المتحرك دوما إشارة للبدو، فهو ما ~~يؤدي إلى ترجمتها «شيوخ القبائل البدوية». # وتشير المدونات القديمة وتفاسير المؤرخين، أنه كان في ذلك الحكم الهكسوسي طبقتان: ~~طبقة دنيا من الجند المرتزقة من عناصر وقبائل شتى، وطبقة عليا هي الحاكم الفعلي ~~المسيطر، وكانوا في معظمهم من العنصر الهندوآري، ويؤكد لنا «جاردنر» أن اصطلاح حق شاسو ~~أو حق كاشو، أو كما دونه «حيق خاسه» يعني رئيس البلد الجبلية، وأن الاصطلاح يشير فقط ~~إلى الحكام وحدهم، وليس كما ظن يوسفيوس أنه يشير إلى الهكسوس جميعا. # 31 # هذا بينما اختلط في نسيج الطبقة الدنيا الزنجي بالجنوب جزيري ~~بالهندوآري. # ويؤكد ذات المعنى «زينون كاسيدوفسكي» في قوله: «إن الهكسوس أنفسهم لم يشكلوا سوى فئة ~~قليلة العدد كانت على رأس المقاتلين، أما الجمهرة الرئيسية من هؤلاء فقد تألفت من شذاذ ~~الآفاق الذين كانوا يقطنون الصحارى والمغامرين والمتشردين. وقد أظهرت التنقيبات الأثرية ~~في مدينة أريحا، أن الهكسوس شغلوا هذه المدينة القديمة لوقت ما. وهكذا يجوز لنا أن ~~نفترض أن مستعبدي مصر، كانوا يسيطرون على فلسطين أيضا. ويتوقع أن تكون عشيرة يعقوب قد ~~جاءت مصر مع زحف الهكسوس أو بعد أن أقاموا سيطرتهم فيها. وقد استقبل يعقوب ومن معه ~~استقبالا طيبا في مصر؛ لأنهم كانوا أقرباء المحتلين. ومن جهة أخرى ليس من الصعب أن ~~نتوقع أن الفراعنة الهكسوس لم يثقوا بالمصريين، وكانوا يثقون بأنسبائهم الآسيويين ms482 الذين ~~يجمعهم معا المنشأ واللغة.» # 32 # وعليه نفهم تقسيم السيادة بين بقية عناصر سادة الإمبراطورية، فبينما تركت بابل ~~للسيادة الكوشية، وضعت مصر تحت سيادة النخبة الحيثية، التي ربما كانت الجنس القائد ~~للإمبراطورية. # ويؤكد ما ذهب إليه كاسيدوفسكي، أن التوراة تكشف عن علاقة حميمة بين سكان المنطقة ~~السامية، وبين قيادة الهكسوس التي احتسبناها حيثية، حيث تقول التوراة بترميزها عن ~~عيسو/آدوم: «ولما كان عيسو ابن أربعين سنة اتخذ زوجة، يهوديت ابنة بيري الحيثي وبسمة ~~ابنة إيلون الحثي» (تكوين، 26: 34). ثم تتأكد علاقة الحثي بالإسرائيلي، فتفصح عنها ~~الزوجة الأولى لعيسو/آدوم، وكان اسمها «يهوديت»؛ فهي حيثية تنتسب باسمها إلى رب إسرائيل ~~يهوه. # وعلى ذكر مدينة أريحا يمكننا أن نأخذها، كنموذج نموذج واحد فقط، يدلنا على عدد ~~القبائل المتعددة التي توحدت في أخلامو الهكسوس، فيقول الكتاب المقدس عن المساحة، التي ~~أعطاها الرب بني إسرائيل بعد وفاة موسى، وذلك في حديثه ليشوع: # من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض ~~الحيثيين. ~~(يشوع، 1: 4) # ثم يعدد لنا سكان أريحا على أصولهم، فيقول: # أصحاب أريحا: الأموريون والفرزيون والكنعانيون والحيثيون والجرجاشيون ~~والحويون واليبوسيون. ~~(يشوع، 24: 11) # أما أقرب مصرولوجيست إلى ما قلناه حتى الآن، فهو مارييت # Mariette # الذي قال عبارة عابرة لم يكررها، أو يستفيض فيها في صدفة ~~عبقرية: # إن قبائل الهكسوس كانوا أخلاطا من العرب وأهل الشام، وأكثرهم من الكنعانيين ~~كما ذكر مانيتون، وكانت أكبر قبيلة حاكمة عليهم تسمى بالقلم الهرمسي خيتا، وفي ~~التوراة هم الحيثيون، وفي التواريخ العربية العمالقة. # 33 # ولا يغرب على عين فاحصة أن تلحظ منقار الببغاء الأنفي، أو الأنف الببغائي المقوس ~~القادم من الشمال الأرميني الحوري الحيثي، في سمات العنصر الإسرائيلي وفي الآدوميين ~~وعرب الحجاز الشمالي المستعرب حتى الآن. وكان هبوط هذا الأنف إلى الحجاز في رأينا قد ~~جاء بعد تشتيت قوة الهكسوس على يد أحمس وملوك مصر الذين خلفوه، فتشرذمت قواهم ليهبط ~~بعضها الحجاز، ويبقى بعضهم في البلاد الحيثية والبابلية متماسكا، ليستمروا هناك زمنا ~~أطول وصل إلى ما يزيد على أربعة قرون. ويدعم رؤيتنا ms483 ~~حديث التاريخ عن عدم توافق بداية الحكم الكوشي في الرافدين مع نهاية الأسرة البابلية ~~الأولى، واحتمال أن يكون الحكام الكاسيين السبعة الأوائل قد حكموا خارج بلاد بابل؛ لأن ~~ذلك يلتقي مع ستة ملوك هكسوس حكموا مصر خلال 108 سنة على التوالي، فيما يقول لنا علم ~~المصريات الحديث. ويبدو أن الهكسوس قد نقلوا عاصمة الإمبراطورية إلى مصر إبان احتلالها ~~وقبل طردهم منها. ويزيدنا دعما أنه بعد التحرير تأتينا من مصر أخبار: أن آمنحتب الثاني ~~واجه عصيانا في بلاد الشام، وكان رؤساء ذلك العصيان يحملون أسماء حورية. # 34 # لقد كان الهكسوس الحوريون ما زالوا حتى زمن آمنحتب الثاني سادة في الهلال ~~الخصيب، بعد سقوط سيادتهم على مصر بعد ثورة أحمس. # وتحمل العجلة التي تجرها الخيل القادمة من براري قزوين، لتتمركز ردحا في وادي عربة ~~تسمى «عربة»، أو في اللسان المصري الحديث (عربية)، بدلالة لا تحمل لبسا فيما وصلنا ~~إليه من نتائج، حول مركز تجمع قوى الهكسوس مركزيا في وادي عربة، حيث من هناك هبط ~~جنوبا فرع آرامي أرميني، هو الفرع الإسماعيلي ليسكن الحجاز ويستعرب، كما ظن المؤرخون ~~العرب أنه استعرب، بينما هو منح الجزيرة عربيته ولغته العربية، التي تقبع في ثناياها ~~اللغة المصرية القديمة فصيحة. بينما كانت ذكريات المنطقة تتواتر في مدونات التأريخ ~~العربية، فيقول برهان الدين الحلبي راوي السيرة: «إن إسماعيل عليه السلام أول من ركب ~~الخيل. وقد قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: اركبوا الخيل؛ فإنها ميراث أبيكم إسماعيل.» # 35 # وهنا ينبه «لويس عوض» في قراءته لتاريخ الهكسوس، إلى أن اصطلاح «حق - كاش» الذي يقرؤه ~~«حكا خاز # Heqa-Khase ~~» يرتبط فونيطقيا باسم ~~الحجاز بجزيرة العرب، ويرى أن «الهكسوس لم يأتوا إلى مصر من الحجاز ومن شبه جزيرة ~~العرب، وإنما استقروا فيها بعد طردهم من مصر، أما المنبع البشري الذي تدفقوا منه على ~~الشرق القديم، ثم عبرو إلى مصر سواء على مرحلة واحدة أو دفعة واحدة، فهو حول بحر ~~قزوين. وربما كان هذا المنبع ذاته مجرد محطة وسطى، استقروا فيها زمنا منذ ms484 هجرتهم من ~~وسط آسيا، شأن كافة القبائل التي كانت تسمى آرية وطورانية وسامية. والهكسوس إذن ليسوا ~~بني إسرائيل، إنما بنو إسرائيل على الأرجح قبائل دخلت كنفهم، ثم طردت من مصر بعد رحيل ~~الهكسوس بقرون. ولعل بني إسرائيل هم العمو # Ammou ~~، التي ~~كثيرا ما يرد ذكرها مع الخازو # Khasou # أو الهكسوس في ~~النقوش المصرية القديمة، وكانت متمركزة معهم في شرق الدلتا بصفة أساسية.» # 36 # ورغم بعض الخلط عند الدكتور عوض، فإن التقاطه تطابق الهكسوس مع اسم الحجاز، وأن ~~الحجاز قد اكتسب اسمه من الشراذم المطرودة من مصر، وهبوط بعضهم إلى شمالي الجزيرة، هي ~~لقطة شديدة الإضاءة والتميز. ثم نتذكر فرع «سمعل» أو «إسماعيل» الآرامي ومملكة بيت عدن ~~أو أدنى أو آدون أو عدن، والإله الذي كان ينتشر شرقي المتوسط باسم عدن أو أدن أو ~~أدونيس، ويعني الرب أو السيد مرادف البعل. ونجد الإسرائيلي ينادي ربه بالتوراة: أدوناي ~~أي يا سيدي، ولم تزل أدون بمعنى سيد في العبرية من الأصل عدن، أو السيد الرب الذي تنسب ~~إليه قصة جنة عدن، التي تتحدث عن ذكريات عالم سعيد عاش فيه الأسلاف تحت رعاية ذلك ~~السيد، قبل أن يغضب عليهم فيشتتهم من جنته الرباعية الأنهار، وهي الجنة التي لو دققنا ~~في مواصفاتها الجغرافية بالتوراة، لأعطتنا مساحة الإمبراطورية الهكسوسية من دجلة ~~والفرات إلى نهر النيل بالضبط وبكامل الموضوع. # وربما كان سيجموند فرويد محقا، وهو يربط الاسم الإلهي آدون باسم الإله، الذي تبناه ~~أخناتون وعرف باسم «آتون»، والذي يلتقي مع اسم بلاد «آدوم»، قياسا على استخدام التوراة ~~كما في عمران وعمرام. كما تلتقي مع الذكريات الأسطورية للإنسان الأول في جنة السيد الرب ~~المعروف باسم «آدم»، وهي تسمية الجنوب اليمني لسكان بلاد آدوم، كما أسلفنا التوضيح، ومن ~~ثم كانت بلاد آدوم هي بلاد آدون أو بلاد آتون أو بلاد عدن أو جنات عدن. وكانت تقع شرقي ~~مصر حيث تشرق منها الشمس على مصر كل يوم؛ لذلك استحقت أن ينعتها المصريون باسم أرض ~~الإله؛ لأن «آتون» في المصرية القديمة ms485 كانت تعني قرص الشمس، وتنسب تلك الأرض أيضا ~~للإله ست، الذي يمنع أبوفيس في الأسطورة المصرية من ابتلاع الشمس فهي سيترويت، المقاطعة ~~المصرية غير الموجودة في جدول المقاطعات المصرية، فهي مصرية شبه مستقلة، كذلك لم يتم ~~تدوينها بتلك الجداول. # وبين سكان تلك البلاد الآدومية أو الآتونية أو العدنانية، كان العنصر القادم من بلاد ~~أرابخيتيس أو بلاد «عرب»، الذين هبطوا وسكنوا الحجاز مستعربين، وفق رأي يرى جزيرة العرب ~~هي موطن العرب، وأن من دخلها واستوطنها استعرب. لكن ما نراه قد حدث هو العكس، حيث منح ~~هؤلاء اسمهم أولا لوادي عربة، ثم منحوه لجزيرة العرب عندما استوطنوها. ومن هنا احتسب ~~الرأي العربي في كتاباته التاريخية، أن العرب الأقحاح هم عرب الجنوب، أما عرب الشمال ~~الوافدة فهي ليست من أصول عربية إنما استعربت. رغم أن امتداد الجزيرة مستمر، من بحر ~~العرب والمحيط الهندي جنوبا، حتى بلاد الأناضول شمالا دون عوائق جغرافية، حتى إن ~~اصطلاح جزيرة العرب جغرافيا، يدل على المنطقة من المحيط الهندي حتى جبال زاجروس ~~شمالا حتى اليوم. # وقام النسابة العرب ينسبون المستعربة إلى جد أسطوري بعيد، باسم عدنان على وزن فعلان ~~من «عدن»، والكلمة عدن معرفة بلسان الجنوب، بأداة تعريف هي «ن» تلحق بآخر الكلمة، كما ~~في «رحمن» و«رحمنن»، فالكلمة عدن في أصلها غير المعروف هي «عد» و«أد» و«حد»، والإله ~~حداد هو أدد أيضا، ويمكن أيضا ببساطة أن تكون «ود» دون خلل، ونحن نذكر الإله البعل ~~حداد أو هداد أو أد، كما لا شك نعرف الإله «ود» الذي عبد في بلاد آدوم وجزيرة العرب، ~~على نطاق واسع حتى ظهور الإسلام، حيث ذكره القرآن ضمن أرباب العرب، وهو ذات الإله ~~البعل حدد أو عد أو عدن. # وهو ما يستدعي آيات القرآن الكريم، التي كانت تحدثنا عن مدينة كبرى، اشتهر أمرها في ~~العصور الخوالي، في دولة مركزية كبرى أطلقت عليها الآيات اسم «عاد إرم ذات العماد». ~~ويؤيدنا تماما هنا أن «عاد» عند ابن قتيبة الدينوري، هو اسم علم لأب قبلي، يعطينا اسمه ~~موافقا ms486 لكل ما قلناه، فهو عنده «عاد بن عوص بن إرم»، فعاد هنا قبيلة من نسل عيسو، ~~وعيسو من نسل إرم، وإرم تلقي بنا في عمق التاريخ مع الآراميين القادمين من أرمينيا، ومع ~~الإرم بمعنى الصخرة والصخرة عاصمة آدوم. # وبشأن عاد والعماد نقرأ لسان العرب، فيطالعنا تحت مادة «عدد»: # العد هو الكثرة. عادهم الشيء: تساهموه بينهم فساواهم. والعدائد: الشراكة. ~~ويعني ابن الأعرابي بالشراكة جمع شريك، أن يقتسموها. والعديد الذي يعد من أهلك ~~وليس معهم (لاحظ هذا وضع بلاد آدوم الستروي بالنسبة لمصر، فهي من أهلها، ليست ~~معها [المؤلف]) والعد ماء الأرض الغزير. وعدان: الشباب والملك. ومعد أبو العرب ~~وهو معد بن عدنان. # ثم نستطلعه كلمة العماد، فتأتينا في مادة عمد في قوله: # العماد الأبنية الرفيعة. وفي قوله تعالى: إرم ذات العماد قيل معناه أي ذات ~~الطول. ورجل طويل العماد إذا كان معمدا أي طويلا. وعميد القوم وعمودهم: ~~سيدهم. والعمود: القضيب الحديد. والمعمد: العمد والعمدان. والعمداني: الشاب ~~الممتلئ شبابا. وقيل: هو الضخم الطويل. # والرباعي منه عمرد، والعمرود والعمرد: الطويل، يقال: ذئب عمرد. ويقال العمرد: ~~الشرس السيئ الخلق. والعمرد: الذئب الخبيث. والعمرد: السير السريع ~~الشديد. # والثلاثي منه عود: وعاد قبيلة وهم قوم هود. قال الليث: وعاد الأولى هم عاد بن ~~عاديا بن سام بن نوح الذين أهلكهم الله. أما عاد الأخيرة فهم بنو تميم ينزلون ~~رمال عالج، عصوا الله فمسخوا نسناسا. والعيدية ضرب من الغنم، والعيدانة النخلة ~~الطويلة، والعيدانة شجرة صلبة قديمة. # وهي جميعا المعاني التي جمعت فأوعت قصة أولئك الذين تحالفوا، ولم يكونوا على قرابات ~~أصيلة، مع صورة واضحة للمكان وللبشر. وما يلفت النظر تكرار صفة الشباب الممتلئ شبابا ~~لدى العاديين، وهي ما يلتقي مع تلك الصفة فيهم، والتي سجلها عنهم التاريخ، عندما قال إن ~~قواد الخيول الآرامية يسمون ماريانو أو مرين. # 37 # لذلك نعود إلى اللسان نقرأ تحت مادة مرن: # مرن: لين في صلابة. قال ابن بري: صوابه معك بالكاف، يقال رجل معك أي مماطل ~~(نتذكر هنا أرام معكة الآرامية، وصفة ms487 تجار شعب ~~الأيكة المماطل [المؤلف]). ومرنه عليه ~~فتمرن: دربه فتدرب. والمرن الأديم الملين المدلوك (نتذكر أن الأديم هو التراب ~~الأحمر صفة بلاد آدوم [المؤلف]). والمارن: الأنف، وقيل طرفه، وقيل المارن: ما ~~لان من الأنف منحدرا عن العظم، وفضل عن القصبة . وبنو مرينا: هم قوم من الحيرة، ~~وليس مرينا بكلمة عربية. # ويقترن الحديث في الآيات عن إرم ذات العماد وقومها عاد، بالحديث عن الذين جابوا الصخر ~~بالواد، والذين «جابوا» أي الذين حفروا، ففي لسان العرب «جاب = حفر» في صخر الوادي، وهو ~~ما يحيل إلى بلاد آدوم، وربما أحالت إحالة قوية إلى الجوبان أي الارتحال، وهو ما ~~يذكرنا بقول التوراة: «آراميا تائها كان أبي»، لكن الغريب هنا أن تقترن قصة عاد إرم ~~في الآيات بفرعون الطاغية، وهو ما انتهى بكارثة قضت على قوم عاد أو العاديين أو «عدن». ~~وهو ما يستدعي ما جاء في تاريخ هروشيوش، عن النار التي أحرقت بنط بوليس أو بلاد بونت أو ~~البلاد الخماسية؛ لأن «بنت» أيضا تعني باليونانية رقم خمسة، ومنها جاءت تسمية التوراة ~~بالأسفار الخمسة «بنتاتك Pentateuch ~~»، ثم نجد تفسير ~~معنى بونت/الخماسية في الكتاب المقدس، الذي يفيدنا أن مدائن بلاد آدوم في وادي عربة، ~~كانت خمس ممالك هي سدوم وعمورة وأدومة وصبوييم وبالع، وتحمل بالع أحيانا اسما آخر هو ~~صوغر (سفر التكوين، 14: 8)، وتقع صوغر باسمها هذا حتى الآن جنوبي البحر الميت، وتطل ~~عليه مباشرة، وهي الآن «صغر». # ونستعيد الاسم الذي أطلقه الكاسيون على بلاد بابل عندما احتلوها، فهو «كاردونياش»، أي ~~قطر «كار» الإله «دون» مع التصريف الاسمي «ياش»، وبدون هذا التصريف تصبح «دون» أو آدون، ~~أو عدن أو أدن أو آتون أو «دان»، أي الإله السيد القاضي. # وإذا كان معنى «عد» في اللسان، هو كثرة يتساهمون في شركة يتقاسمونها، فقد كان معناها ~~أيضا الشباب والملك والسيادة، ومن الكلمة جاء اسم معد بن عدنان أبو العرب. وكلها من ~~الأصل الثنائي «عد»، مما يحيل إحالة قوية إلى أن الاسم «عدن» هو من الأصل «عد» بعد حذف ~~أداة التعريف ms488 الجنوبية «ن». وعليه فقبائل عاد هي قبائل عد أو الإله عد، أو ود، أو آدون، ~~أو عدن. القرآن الكريم إذن يقرن عادا بإرم فتكون عاد إرما، أو «أدإرم». وذكر ~~الجغرافيون الإغريق هذا الشعب تحت اسم «أدرميتاي»، وقد ظن البعض أن تلك الكلمة ~~اليونانية # Adramitae # تعني حضرموت، ~~وهو التباس وخطأ واضح، حيث إن حضرموت كانت تكتب ~~باليونانية # Chataramotitae ~~، وهي غير أدراميتاي التي ~~تتركب من مقاطع هي على الترتيب: # Ad # عاد # Ram # إرم # Tae # شعب أو قبيلة ~~= قبيلة عاد إرم # وفي إشارة عابرة لا تحمل كل ما قدمنا من جهد، يقول المؤرخ الفرنسي سدل # Sadles # على محمل الظن والصدفة في كتابه «تاريخ بلاد ~~العرب»: # إن عادا قد امتلكت مصر وبابل سنة 2000ق.م. وقد عرفوا حينئذ بالهكسوس. # 38 # ثم نلحظ أن كلمة «عاد» في العبرية تعني: مرتفع، وشهير، وهو ذات معنى كلمة إرم وكلمة ~~سام في العربية، فهي الصخرة والتل المرتفع الشهير، وقد وصف الجغرافيون اليونانية موضع ~~سكنى هؤلاء، فقالوا إنه كان على خليج العقبة، وأطلقوا عليهم اختصارا اسم # Oaditae # أي العاديين، وبعدهم جاء بطليموس ليقول في ~~زمانه (أي بعد عودتهم جنوبا نحو اليمين) أن العاديين قد أصبحوا سكان بلاد اليمن. # 39 # وإعمالا لكل ذلك؛ فقد وفد إلى وادي عربة القادمون من آراب خيتيس وهم آريون، مع ~~القادمين من الجزيرة التي عرفت بعد ذلك بجزيرة العرب. وفي وادي عربة يلتقون بالكوشيين ~~القادمين من ساحل أفريقيا الشرقي. ويفيدنا سميث أن أول ما ذكر اسم العرب ذكر منسوبا ~~إلى وادي عربة، وسكان هذا الوادي المعروف باسم عرابة، وهي الكلمة التي تحمل معنى صحراء ~~في كل اللغات السامية، إلا في العبرية فمعناها غابة. # 40 # وهو ما يعني أن العبريين كانوا يعرفون أنها أيكة. وبهبوط شراذم من هذا ~~النسيج إلى جزيرة العرب، أعطى الجزيرة اسمها فانقسم أهلها إلى أصيل ووافد: عرب قحطانية ~~وعرب عدنانية مستعربة، أو عرب يمنية وعرب قيسية والقيسية هي المستعربة، وقيل فيهم قيسية ~~نسبة إلى جد بعيد باسم قيس، وخلال التاريخ بطوله نجد تنافسا ms489 شديدا داخل جزيرة ~~العرب، وصراعات طويلة بين اليمني والقيسي يمتد حتى اليوم، فالكلمة يمن تعني الجهة ~~الجغرافية الجنوبية، وقيس تعني شمال. ولا شك أننا لم ننس أن هؤلاء القيسيين الشماليين، ~~كانوا يحملون في منظومة الأخلامو اسم الكاسيين أو القيسيين الذين احتلوا بلاد ~~بابل. # وهنا أسجل إضافة هامة؛ فقد زارني في بيتي بالهرم يوم الخميس 7 / 3 / 1996م العالم ~~الجليل الأستاذ المبرز، علي فهمي خشيم إبان زيارته لمصر، وهو رجل قد تخصص ببراعة تستحق ~~الإكبار في كثير من اللغات القديمة، وبخاصة المصرية القديمة. وقد اعتمد كتابنا هنا ~~كثيرا من تخريجاته المبهرة، وتحادثنا طويلا وجرنا الحديث إلى ما أكتبه الآن بين يدي ~~قارئي، وجاء ذكر لغز الملكة بلقيس. ذلك الاسم المتواتر في كتب التراث باعتباره اسم ~~الملكة التي زارت سليمان. رغم أنه لم يذكر أبدا لا بالكتاب المقدس ولا بالقرآن الكريم. ~~وطرح الدكتور خشيم في هذا اللقاء الذي أعتز به فهما جديدا لاسم بلقيس، فاقترح أن يكون ~~كلمة مركبة من ملصقين: الأول هو بعلة أي سيدة أو ربة أو ملكة. والملصق الثاني هو قيس ~~فهي بعلة قيس، وبالتخفيف سقطت العين لتصبح لقيس. وهو التخريج الذي يلتقي بشدة مع كل ما ~~وصلنا إليه في تناغم مدهش رائع. # وهكذا كان سقوط كثير من المعلومات التاريخية في مصر، إبان الفترة غير الكتابية زمن ~~إمبراطورية الهكسوس، قبل أن يأخذوا الخط البابلي ويطوروه إلى الآرامية، الذي تطور بعد ~~ذلك إلى نبطية، مدعاة لألغاز كبرى في التاريخ، يمثلها تأريخ «إحسان عباس» في كتابه عن ~~الأنباط، سكان جبل سعير السراة ووادي عربة؛ إذ يقول: # مع أن الأنباط عاشوا على المشارف الشمالية من الحجاز، فليس لهم أي ذكر في ~~مصادرنا العربية، عرف العرب من يدعون النبط بأنهم أهل سواد العراق، أو السكان ~~الأصليون في الشام والعراق. وعرفوا بأنهم حاذقون في الزراعة وعمارة الأرضين، ~~وفي استنباط المياه واستخراج المعادن، وأن لهم لغة خاصة بهم هي النبطية، أي ~~الآرامية والسريانية، وكل هذه الخصائص التي ذكرت تنطبق على أنباط بترا. ولعل ~~العرب عرفوها ms490 باسم آخر. إن عرب الجنوب أنفسهم الحريصين على التدوين، لم يذكروا ~~اسم النبط في رقمهم المنقوشة، مع أن الأنباط كانوا على الدوام يعاملونهم ~~تجاريا. نعم عرف العرب الجنوبيون ن. ب. ط لقبا لشخص، ون. ب. ط/ك. ر. ب علما ~~على آخر، أو ن. ب. ط. م اسما لعلم أيضا، ولكنهم لم يعرفوا قوما بهذا الاسم، ~~مما قد يرجح الافتراض بأن يكون أنباط بترا، قد عرفوا باسم آخر ترجيحا قويا. ~~ومن الباحثين من ربط بينها وبين لفظة نبايوت. ومنهم من قرنها بلفظة النبياتيين ~~والنبأيتي، التي وردت في مدونات تجلاتبلاسر الثالث، وفي مدونات أسر حادون، ومن ~~بعد لدى آشور بانيبال. ويبدو أن اللفظة كانت تشير إلى قبيلة آرامية، كانت تعيش ~~في القرن الثامن ق.م. ويقرن بالأنباط عادة شعبان هما: الإيدوميون أو الآدوميون ~~وبنو قيدار، وقد كانت بلاد الآيدوميين منطقة يمثل حدها الشرقي - على وجه ~~التقريب - خطا ما أصبح يسمى طريق الحج من دمشق إلى مكة، وربما كان وادي ~~العريش هو حدها الغربي، أما جنوبا فقد كانت المنطقة تمتد حتى رأس خليج العقبة، ~~ويقف حدها الشمالي عند النهير المعروف اليوم بوادي الإحسي، وهو يجري إلى الشمال ~~الغربي مخترقا غور الصافية/الصافي، ويصب في الطرف الجنوبي من البحر الميت. # 41 # وهنا علينا أن نقدم اجتهادا واضحا، يفسر السر وراء ذلك التحول الكبير لمنطقة بلاد ~~آدوم، ونشوء ذلك الخط التجاري العظيم في المنطقة، وأننا نعتقد أن ذلك قد حدث تحديدا مع ~~هبوط العنصر الآرامي الحيثي الحوري القادم من الشمال، والذي جاء معه بثلاثة أعمدة كانت ~~أساس ذلك التحول نحو إمبراطورية تجارية مركزية. العمود الأول منها هو الجمل ذلك الحيوان ~~الذي حل مشكلة النقل التجاري من أطراف المحيط الهندي جنوبا حتى تركيا شمالا، حيث لم ~~تعرف بلاد الشرق المتوسطية الجمل إطلاقا قبل ظهور الهكسوس في المنطقة، وكان مجيء الجمل ~~إيذانا بنقل تجاري أسهل وأقل مخاطرة من الإبحار في البحر الأحمر. ذلك البحر المليء ~~بنتوآته الصخرية وشعابه المرجانية مع سفن بدائية، وكان مجيء الجمل عوضا حميدا عن تلك ms491 ~~المخاطر، فالجمل الواحد يمكنه حمل أربعة قناطير (أي ما يقرب من حمولة سفينة كاملة ~~حينذاك) يقطع بها ستين ميلا في اليوم في الصحراء (وبذلك يكون أسرع من أي سفينة بحرية)، ~~زد على ذلك أنه بإمكانه أن يسافر عشرين يوما بدون ماء في درجات حرارة عالية (وهو غير ~~متوفر بالسفن البحرية)، ثم يمكنه أن يسافر أكثر من ذلك، إذا أعطي شيئا من الكلأ ~~الأخضر، ويمكنه أن يواصل السفر لخمسة أيام أخرى بدون كلأ أو ماء قبل أن يموت. # 42 # وعليه فقد صدق التعبير «الجمل سفينة الصحراء»، الذي لا شك لم يأت من فراغ بل من ~~مقارنته بالسفن فعلا وقولا، فأنشأ خطا تجاريا آمنا عبر الصحراء، أدى إلى اجتذاب ~~التجارة إلى مركزها الرئيسي في سالع البتراء. وكان لا بد أن يجذب هذا النشاط التجاري ~~العالمي مجاميع وصنوفا من البشر، سيطرت عليها القوة الأكبر «الحيثيون»، الذين تحولوا ~~بالطريق التجاري إلى إمبراطورية كبرى. # أما العمود الثاني فهو الحصان، الذي ارتبط بالعمود الثالث وهو المعدن القوي من ~~البرونز، أو الحديد الأكثر تطورا من البرونز، حيث أصبح بالإمكان صناعة عجلات قتالية ~~حديدية قوية، وخفيفة في الوقت نفسه تعمل بالبرامق (مثل عجلات الدراجة الهوائية الآن)، ~~وتحتمل الصعاب، لتشكل مع الحصان والسيف الحديدي تحولا هائلا في عالم تسليح ذلك ~~الزمان. والمتفق عليه أن الحديد جاء تحديدا مع الحيثيين الذين تدفقوا في البداية ~~كعناصر متاجرة، وكجند لحماية القوافل، وشركاء في التجارة، ثم بعد ذلك في المكان. ويبدو ~~أنهم قد أقاموا معامل التعدين في جبال تمناع عند العقبة. وبعضهم حمل اسم القيني أي ~~الحداد. وبعد فترة وجدوا في أنفسهم من القوة ما يمكنهم من السيطرة الفعلية على المنطقة ~~حولهم، في وقت كانت المنطقة نفسها مهيئة لذلك، فمصر تمر بصراعات داخلية وثورات مزقتها ~~تمزيقا وهيأتها للغزو المرتقب، بعد أن كانت القوة الكبرى في المنطقة التي عليها العول ~~والمعتمد من بقية دول حوض المتوسط الشرقي. # وهنا نستمع إلى عبد المنعم أبو بكر يربط بين الميتانيين الحوريين (بعضهم بالفرات ~~الأعلى كالعادة/وهم مديانيون سيناويون ms492 في رأينا)، وبين الحيثين والهكسوس جميعا دفعة ~~واحدة فيقول: «تعرض العالم القديم منذ القرن العشرين قبل الميلاد لهجرات متعددة قامت ~~بها قبائل جبلية غير متمدنة تسكن المناطق الوسطى من آسيا، وتعرف في التاريخ باسم ~~القبائل الهندو أوروبية ... كانت فلول منهم عرفها التاريخ باسم القبائل الكاشية، قد وصلت ~~إلى أوسط العراق، وهاجمت مدينة بابل بعد موت حمورابي بثماني سنوات، فقضت على الأسرة ~~الملكية، وتولت فئة منهم الحكم في بابل لفترة من الزمن، كما نزل البعض الآخر إلى ~~المناطق الشمالية من العراق، واستقروا في وادي الفرات الأعلى، وكونوا هناك دولة ~~الميتاني التي امتدت حتى قاربت حدود الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، وهؤلاء من عرفهم ~~التاريخ تحت اسم الحوريين، وهناك القبائل التي استمرت في هجرتها نحو الغرب، ووصلت آسيا ~~الصغرى (تركيا)، واستقرت فيها وظهرت في التاريخ باسم الحيثيين، ومنها أخيرا تلك الفلول ~~التي استمرت في هجرتها البطيئة نحو الجنوب، ووصلت إلى مناطق سوريا فلسطين. وبعد أن ~~استقرت فيها بعض الوقت وامتزجت بأهلها، عاودت التحرك نحو مصر التي كانت تعاني من التفكك ~~والاحتلال في عصر الأسرة الثالثة عشرة، فدخلت الدلتا حوالي عام 1788ق.م. واستقرت فيها، ~~ومدت سلطانها على البلاد حتى أسيوط جنوبا، وعرفهم التاريخ باسم الهكسوس.» # 43 # ومن التلاقح الذي حدث بين الجنس الجنوب جزيري وبين الجنس الزنجي الكوشي الحامي، وبين ~~الجنس الهندوآري، ظهر على صفحة التاريخ جنس أحدث نسبيا هو الجنس السامي في بلاد ~~سيناء/آدوم وبوادي الشام، وما زلنا نذكر النظريات الثلاث حول أصل الجنس السامي، ومن ~~بينها النظرية التي تعيده إلى شمال شرقي أفريقيا في التقائه مع آسيا عبر سيناء، وهو ~~كلام بعض المؤرخين قد ألقوه، كان قد تم القاؤه إلقاءا، رغم صحته الشديدة التي برهنت ~~عليه نظريتنا حتى الآن. # وقد حدثنا القرآن عن قوم «عاد»، وأنهم كانوا يسكنون الأحقاف ببلاد اليمن، لكن ~~المؤرخين الكلاسيكيين حدثونا عن زياراتهم لدراسة البلاد القابعة عند خليج العقبة، وأن ~~اسمها كان «عاد» لكنهم لم يحدثونا عن سكنى عاد لليمن، وفي آيات أخرى من القرآن الكريم ~~نجد موطنهم ms493 ليس في الجنوب، إنما في الشمال بالقسم الشمالي الغربي للجزيرة عند العقبة، ~~وسط غابة من الكتابات الثمودية، التي تنتشر في تلك المنطقة بآلاف النماذج، وهو الأمر ~~الذي أدى إلى القول بعادين يمثلان مرحلتين زمنيتين في مكانين مختلفين لقوم عاد، فهناك ~~عاد الأولى التي كانت في أحقاف اليمن، وأرسل الله لهم رسولا هو النبي «هود»، ثم عاد ~~الثانية التي أقامت عند العقبة، وقد أشار القرآن الكريم لمساكن عاد، لكن ليس في اليمن، ~~إنما حول خليج العقبة، فتحدث عن آثارهم الباقية في مساكن منحوتة بالجبال. # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم ~~اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين * فكذبوه فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * ~~وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ~~.... ~~(العنكبوت: 35-38) # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ... واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ~~تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا ~~. ~~(الأعراف: 73، 74) # وظل ذكر قوم عاد حتى وقت متأخر، فهم يظهرون في خرائط الجغرافي المصري اليوناني ~~بطليموس كلاوديوس Ptolmaios Claudios # 121-151ق.م. ~~المعروف عند العرب ب «القلوذي»، تحت اسم # Oaditae # العاديون عند العقبة بالتحديد. # وقد أوجز «لطفي عبد الوهاب» ما جاء بالقرآن بوجودين في مكانين متباعدين لعاد، على ~~مرحلتين زمنيتين هي عاد الأولى وعاد الثانية بقوله: «أما عن وجود مكانين مختلفين لعاد ~~الأولى والثانية، فتفسير ذلك هو الهجرات التي عرفها عرب الجنوب إلى شمالي شبه الجزيرة. ~~إن هجرات قد تمت من الجنوب إلى الشمال بشكل أو بآخر، وإن بعض هذه الهجرات اتخذ شكل ~~مستوطنات أقامها التجار أو الحكام الجنوبيون في شمال شبه الجزيرة لمحطات تجارية ~~لقوافلهم في البداية، لكن هذه المستوطنات لم تلبث أن تحولت إلى كيانات قائمة بذاتها ... ~~وقد كان بعض هذه المستوطنات يتخذ اسم القوم أو البلد الذي جاء منها لمستوطنين في ~~البداية ...» # 44 # وتذكر عاد وثمود في القرآن الكريم متلازمتين بشكل متكرر ومتواتر، وهو ما يشير إلى ~~تجاور مكاني، ويتحدث عن أرض الثموديين باعتبارها جنات وعيونا وزروعا ونخيلا (147، ~~148 الشعراء)، وإذا ms494 كنا لم نتأكد من موضع عاد الأولى، فإن الواضح رفقتها وملازمتها ~~المكانية والزمانية لثمود، التي نحن على يقين من موضعها في شمال غربي الجزيرة؛ لما ~~تركوه من مخربشات كدليل أركيولوجي تام الوضوح، ولدينا إضافة لذلك قش آشوري منذ حكم ~~الملك سرجون يظهرهم يقطنون شمال الجزيرة في القرن الثامن ق.م. كذلك نجدهم في كتابات ~~بلينوس أواسط القرن الأول الميلادي، وأنهم ما زالوا موجودين هناك تحت اسم ثموادي # Tamudaei ~~، وفي النصف الأول من القرن الميلادي الثاني ~~نجد بطليموس القلوذي يرسمهم على خريطته شرقي العقبة باسم # Thamydeni ~~، على التعامد مع قوم عاد الذين وضعهم ~~القلوذي إلى الشمال منهم على الخط التجاري العالمي، وظل الثموديون في مواضعهم حتى كتب ~~عنهم يوسابيوس # Eusebois # حوالي 260-340ق.م. وظلوا ~~مذكورين حتى تاريخ بروكبيوس Prokopios # المؤرخ الروماني ~~الذي توفي في 565ق.م. # 45 # لكن الباحثين يتضاربون جميعا حول تزمين سيادة القبائل التي سادت وحكمت وأعطت اسمها ~~لحضارات متأخرة في الغسق الأخير لأضواء منطقة العقبة، فيشيرون إلى سيادة قبائل توصف ~~بأنها قبائل عربية باسم قيدار، وقيدار هو اسم الابن الثاني لإسماعيل بن إبراهيم في ~~خريطة الأجناس التوراتية، وقبائل باسم الأنباط وتنتسب إلى نابت بن إسماعيل الابن الأول ~~والأكبر، إلا أننا نعتقد من جانبنا بتعاصر قبائل ثمود مع زمن قيام الحلف الكبير، وأنها ~~كانت في مواطنها بمنطقة الحجر المعروفة بمدائن صالح الآن، نسبة إلى نبي حدثنا عنه ~~القرآن باسم صالح، وأنه ضمن تلك القبائل كانت قبائل قيدار أيضا. فعلى امتداد بلاد آدوم ~~الجنوبي وعلى الخط التجاري العالمي قرب ساحل البحر الأحمر الشرقي، قامت محطة كبرى ~~للتجارة في منطقة الحجر قطنتها قبائل ثمود، التي يزعم المؤرخون أنها ظهرت متأخرة إلى ~~حد بعيد عن زمن الأحداث، التي نحكي عنها زمن الهكسوس/الأخلامو، فيعيدونهم في أبعد ~~تزمين إلى ق 9ق.م. ثم يقولون لنا إنه مع ثمود ظهرت قبائل عربية باسم قيدار، التي نراها ~~من جانبنا ذات قبائل ثمود، كما نعتقد أنه في ذات الزمن أيضا كان الأنباط النابتيون. كل ~~ما في الأمر أنه بعد سقوط الحلف، ms495 وتشتته بعد ضربه من قبل المصريين في ثورة التحرير، ~~التي طردت الهكسوس، ثم طاردت فلله في آسيا في حملات متتالية. وبعد فشل عدة محاولات ~~جدية لإعادته فقد توالى أخلاف القبائل ذلك الحلف بعد ذلك - أو من بقي منهم بعيدا عن ~~الشتات - على زعامة المنطقة، فظهر حكم الثموديين والقيداريين والأنباط ... إلخ. لكن ذلك ~~لم يكن أول ظهور لهم، بل كانوا قائمين وموجودين طوال الوقت منذ زمن الأخلامو، وحتى آخر ~~دولتهم التي ظهرت في المنطقة «اللحيانيين» و«الغساسنة» و«الصفائيين»، لينتهي بهم خط ~~تاريخ تلك البلاد إلى ظلام السكون، حتى جاء الرحالة بوركهاردت ليعيد اكتشاف بلاد آدوم ~~مرة أخرى. # وأول القرائن الواضحة التي تؤكد أن ثمود التي سكنت بلاد الحجر، كانت امتدادا للحلف ~~الكبير على الطريق التجاري في زمنه البعيد، أن المشاهد لمنطقة مدائن صالح/الحجر، سيجد ~~نفسه أمام نسخة أخرى من البتراء، من حيث النحت في الصخر، والسكن في الكهوف الصخرية، ~~التي تشبه أعشاش النحل، ناهيك عن كون الحجر كان في محيط السيطرة المباشرة ~~لسالع/بونت/البتراء. وتقع الحجر ضمن دائرة مدن كانت من أعمال العاصمة الكبرى، فمعها مدن ~~سبقت الإشارة إليها كامتداد للعاصمة، ففي محيطها الشرقي مباشرة نجد تيماء، ثم دومة ~~الجندل التي حملت في أسمائها «تيماء، دومة»، ترديدا لاسم البلاد الأم آدوم، وكذلك وادي ~~القرى. # وبسبيل التأكد من صدق ما نعتقد نستمع إلى المؤرخ الدءوب مظفر نادوثي يقول: «إن ~~للإسماعيليين تسمية أخرى هي الهاجريين، وقد أشير إليهم في العهد القديم بهذا الاسم. وقد ~~أشارت التوراة إلى عشيرتين من الإسماعيليين في قولها: قطعان قيدار وخراف نبايوت. وهناك ~~قبيلة أخرى أشير إليها باسم ماعون، وهي التي أطلق عليها العرب اسم معين.» # 46 # الإشارات هنا واضحة، فالقيداريون يعاصرون النابتيين الأنباط يعاصرون معين أو معان، ~~ومن جانبها أشارت التوراة بما يفصح عن تحالف تلك المنطقة، مرموزا لها بأسماء أشخاص ~~ربطتهم التوراة بصلة قرابة الدم، فالتوراة تؤكد في خريطة الأجناس أن «تيما» أو «تيماء»، ~~بدوره كان ابنا لإسماعيل (تكوين، 25: 15؛ وسفر أيام الأول، 1: 29-30)، والمبهر أنها ~~ذكرته بالترافق مع سبأ ms496 التي تأكدنا من وجودها شمالا بذات المنطقة (سفر أيوب، 6: 19؛ ~~وحزقيال، 27: 21-22)، ثم بالترافق مع مدينة العلا/ددان (سفر إشعيا، 21: 13، 14؛ وإرميا، ~~25: 23)، ويلخص حزقيال تلك العلاقات لهذه المدن بدولة يهوذا، بقوله: # ددان تاجرتك بطنافس للركوب، العرب وكل رؤساء قيدار هم تجار يدك، بالخرفان ~~والكباش والأعتدة. في هذه كانوا تجارك، شبا ورعمة هم تجارك، بأفخر أنواع الطيب ~~وبكل حجر كريم وبالذهب أقاموا أسواقك. ~~(حزقيال، 20: 22) # أما إشعيا فكان يتنبأ بضرب إسرائيل لقوم يأتي ذكرهم في قوله: # وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا ~~قوافل الددانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب ~~بخبزه، فإنهم من قدام السيوف قد هربوا، يفنى كل مجد قيدار؛ لأن الرب إله ~~إسرائيل قد تكلم. ~~(إشعيا، 21: 13-17) # واضح أن شمال الجزيرة الآن قد أخذ يكتسب اسم بلاد العرب، وأن التوراة تتحدث هنا في ~~زمن متأخر، بعد هبوط العرب المستعربة الشمالية العدنانية الإسماعيلية إلى الجزيرة ~~ليمنحوها اسمها «جزيرة العرب». ويتواتر في ذلك الزمن ظهور اسم العرب لوصف سكان الجزء ~~الشمالي من الجزيرة، ونجد في نقوش الملك الآشوري «شلمناصر الثالث 858-824ق.م.» ذكرا ~~لانتصاره على تحالف ملوك أرام ضده، ويطابق شلمناصر بنقوشه ما وصلنا إليه بوضوح كاشف ~~ومضيء، فهو يعدد لنا أعضاء هذا الحلف الآرامي، لنجد منهم «جنديبو» الموصوف في نقوش ~~شلمناصر بالعربي، وجماعة توصف بأنها عربية بدورها باسم «أدوماتو» وهي «آدوم» ~~بوضوح. # ثم نجد في نقوش الملك الآشوري «آشور بانيبال 626ق.م.» تعدادا لحلف عربي يعدد ~~أعضاءه، فيقول إنه مكون من قبائل هي: السبئي والتمئي والثمودي والعاديد والمارسمانو ~~والنبط وقيدار، الذين هم: سبأ، تيماء، ثمود، عاد، مارسمانو، (لم نعرف المقصود بمارسمانو ~~بالتحديد)، الأنباط، القيداريون. # ونفهم من نصوص آشوربانيبال أن هؤلاء الأحلاف كانوا تجارا، وأن تجارتهم كانت في ~~التعدين الذي برعوا فيه: الذهب والقصدير والحديد، والملابس المصبوغة باللون الأرجواني ~~الأحمر، والطيوب من بخور مر ولبان، والعاج، بل وتاجروا في حيوانات لا يمكن أن يجمعها ~~سوى مركز تجاري كبير ممتد حتى جنوب البحر الأحمر عند المندب، فمن تلك ms497 الحيوانات كان ~~الفيل، وهو حيوان إفريقي أو هندي، ولكن نصوص آشوربانيبال تؤكد وجوده في آدوم، ثم تاجروا ~~بحيوانات أصبحت من حيوانات المنطقة بعد مجيئها من الشمال الأرميني، واستيطانها في بلاد ~~العرب الأولى «آدوم وسيناء». ومن هذه الحيوانات الجمال والخيول، فهل نستغرب بعد ذلك ~~وجود الزراف في واردات بلاد بونت مع بعثة حتشبسوت؟ # والزائر لمدينة العلا/ددان سيجد نفسه أمام نقوش وكتابات ددانية ومعينية وثمودية ~~ونبطية معا، # 47 # مما يشير إلى تعاصر وتعاضد وتحالف، أما مدينة الحجر فتكتظ بألوف الكتابات ~~الثمودية المتناثرة على الصخور، ويسميها المؤرخون مخربشات لقيمتها التاريخية المحدودة، ~~فهي فقط تحوي أسماء أفراد وأدعية للآلهة وحسابات تجارية وعوائد. وقد عثر بالحجر على ~~أختام تجارية على شكل أسطوانات ومربعات ودوائر. وتكاد تلك الأختام خاصة تلك التي عثر ~~عليها في ددان/العلا، أن تكون نسخة أخرى من الأختام الرافدية القديمة، مما يشير إلى أن ~~تلك المنطقة الجغرافية كانت رقعة واحدة في زمن مضى. # 48 # وفي محيط الحجر/مدائن صالح يقع عدد من المستوطنات، أهمها القرية التي اشتهرت بكهوفها ~~المنحوتة بالجبال، وبآثار كثيرة وفخار أعادها المكتشفون إلى الحضارة المعينية، وأعادوا ~~بعضها الآخر إلى زمن سيطرة الأنباط، # 49 # وبدراسة مخربشات تبوك والعلا ومدائن صالح وتيماء ووادي السرحان وحائل وجبل ~~رقم الثمودية، تم اتفاق العلماء مؤخرا على أنها تعود إلى زمن موغل في القدم، يصل إلى ~~الألف الثالث قبل الميلاد. ومن آثار تيماء قصر زلوم المعروف بالأبلق الذي اشتهر في ~~أساطير العرب باسم قصر السموأل. # 50 # والسموأل بالعبرية شموئيل وصموئيل، والثلاثة يتجمعون عند الاسم العربي ~~لصاحب ذلك القصر، الذي لا شك حكم منه يوما وهو اسم «إسماعيل»، ويظهر لنا عند العرب اسم ~~غريب هو «الرقيم»، ظهر قبلهم عند المؤرخ اليهودي يوسفيوس، وقد رجح الباحثون أنه التسمية ~~العربية لمدينة البتراء أو لمدينة الحجر أو لكليهما. وأورد إحسان عباس رأيا يقول: إن ~~الرقيم هي المدينة التي وردت في المصادر الصينية باسم «لي - قن» من «ري - قم»، مما يشير ~~إلى مساحة التوسع في التواصل التجاري العالمي، الذي لا يمكن القيام ms498 به إلا لإمبراطورية ~~قوية كبرى، ثم ورد اسم الرقيم في رسالة سريانية تحدثت عن زلزال دمر الرقيم، ونحن نعلم ~~أن هناك زلزالا قد دمر البتراء عام 363م. # 51 # وهو ما يذكرنا بهروشيوش المؤرخ، الذي قال إن بلاد بونت أو الدولة الخماسية ~~المدن أو الخماسية الحلف «بنط بوليس»، الواقعة بين العقبة والبحر الميت حسب تحديده، قد ~~نزلت عليها نار من السماء فدمرتها . وأشهر تلك المدن التي تم تدميرها سدوم وعموره. ~~والمعلوم أن المنطقة تقع على خط زلزالي ساخن، فوق امتداد الأخدود الإفريقي العظيم. وقد ~~ذكر القرآن الكريم بدوره دمارا أصاب عادا وثمود، التي هي في رأينا ذات سدوم وعمورة؛ ~~لأن سدوم هي بالقلب سمود أو ثمود، ويبقى أن تكون عاد هي عمورة، ولا ننسى أن العاديين أو ~~أهل عاد كانوا من العموريين، التي تنتسب إليهم عمورة أو ينتسبون إليها، ويؤكد هذا ~~المعنى أن ترتيب المدن الخمسة يبدأ من الجنوب إلى الشمال بمدينة سدوم ثم مدينة عمورة، ~~وتصبح سدوم بهذا التخريج هي ثمود/مدائن صالح، وتليها شمالا عمورة (عاد/إرم ذات ~~العماد/بونت/سالع/الصخرة/البتراء). # ومن القبائل الإسماعيلية المشهورة كان النابتيون أو الأنباط المنتسبون رمزيا إلى ~~الابن الأكبر لإسماعيل «نابت أو نبايوت»، ثم القيداريون نسبة إلى الابن الثاني ~~لإسماعيل «قيدار». وفي المقدس التوراتي ذكر لملك عربي باسم جشم (سفر نحميا 2: 19)، ~~الذي يبدو صيغة من «جاسم». وقد تطابق هذا الاسم مع اسم عثر عليه في نقش على طاسة في ~~تل المسخوطة بوادي طميلات قرب الإسماعيلية بمصر، في أقصى شرقي الدلتا على الحدود ~~السينائية، ويقول النقش المكتوب بالآرامية: «نذر إلى هاب - إيلات من قينو بن جشم ملك قيدار». # 52 # مما يعني أن جشم الوارد في سفر نحميا كان ملكا على قيدار. أما قينو فهي ~~القيني/الحداد، وما يؤكد لنا أن القيداريين كانوا من سكان سالع/البتراء ما جاء في سفر ~~إشعيا يقول: # لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من ~~رءوس الجبال، ليهتفوا. ~~(إشعيا، 42: 11) # ويدعم لنا أن القيداريين هؤلاء كانوا من سكان الجنوب، الذي هاجر شمالا للتجارة ms499 بصحبة ~~معين وسبأ وزنج أثيوبيا، في رحلة عمورية عماليقية تدريجية، استوطنت حتى استفحلت وتضخمت ~~في حلف كبير، هو أن قاموس الكتاب المقدس يقول لنا تحت مادة قيدار: إنه اسم سامي يعني ~~الصفة اللونية «الأسود» أو «الزنجي». # لقد كانت قيدار من ثمود من العموريين القادمين من الجنوب، لكن الكتاب المقدس أصر على ~~أنها من الجنس الآرامي القادم من أرمينيا، فنسبتهم بالبنوة إلى إسماعيل بن البطرق ~~إبراهيم الآرامي لتأكيد معنى الحلف، حيث يرى الباحثون - دون أن يذهبوا مذهبنا لا في كله ~~ولا في تفاصيله الدقيقة - إنه «في وقت لم يكن فيه سكان شبه الجزيرة قد عرفوا التكتل ~~حول أيديولوجيات سياسية، كان التصور الوارد هو التكتل حول العصبية، التي تقوم على أساس ~~من رابطة العرق أو رابطة الدم، والانتماء إلى أصل واحد سواء كان حقيقيا أو موهوما.» # 53 # وهنا يتأكد ظننا في تعاصر الجميع زمن الحلف الكبير من «فراس السواح»، الذي يستنتج من ~~المادة التاريخية: «أن الأنباط لم يكونوا سوى فريق قيداري أقام في سالع بصفة دائمة، ~~وتحول اسمها إلى بتراء فيما بعد. واسم بتراء باليونانية يعني الصخر، وكذلك اسم سالع بالكنعانية.» # 54 # أما امتداد مدينة الصخر الجنوبي، فقد حمل ذات المعنى في مدينة مدائن صالح، ~~التي كانت تحمل اسم الصخر في اسمها (الحجر). بل إن إحسان عباس يقول: «وتحولت المنشأة ~~النبطية في مدائن صالح الحجر إلى مدينة كبيرة، وتكاد القبور المنحوتة في الصخر هناك ~~تضاهي الآثار المنحوتة في الصخور في بترا نفسها.» # 55 # ثم يتساءل: «هل يمكن أن نوحد بين بني قيدار وأصحاب الحجر الذين ذكرهم ~~القرآن الكريم؟ يصح هذا لو استطعنا أن نثبت أن بني قيدار هم أنفسهم ثمود، الذين ورد ~~ذكرهم في القرآن. وهنا يجب أن نعرف أن اسم عاقر ناقة صالح كان اسمه لدى المفسرين قدار.» # 56 # ولمتابعة مطلب «إحسان عباس» عدنا إلى التاريخ العربي، نقرأ عند ابن ~~قتيبة قوله: # إن الله بعث صالحا إلى قومه، وكان رجلا أحمر إلى البياض. وهو صالح بن عبيد ~~بن عابر بن إرم. ms500 وكانت منازل قومه بالحجر، وعاقر الناقة هو أحمر ثمود الذي يضرب ~~به المثل في الشؤم، واسمه قدار بن سالف، وكان أحمر أشقر، وكان صالح رجلا ~~تاجرا. # واضح هنا التداخل الذي حدث عند الحجر بين الجنسين الأسود والأحمر، ولو في ذكريات ذلك ~~الماضي البعيد، فقيدار في الرواية العربية يصبح هو الأحمر كذلك صالح، ويذهب ابن قتيبة ~~بهم إلى الموطن الشمالي الآرامي عبر نسبتهم لأرام. # ثم يستمر شارحا: # تزوج إسماعيل بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، فولدت لإسماعيل اثني عشر بطنا، منهم ~~قيدار ونبت. وكان نبت بكر إسماعيل، وعاش إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة، ~~ودفن في الحجر، وفيه دفنت أمه هاجر. # 57 # وقد ورد في نقش بمدينة بترا بخط وسط بين الآرامي والنبطي، يتكلم عن ضرورة إكمال ~~النقوش في غرفة العبادة عند بداية السيق، مع اسم لرجل وصف بالصلاح والورع اسمه «أصلح»، ~~وأن أصلح هذا ربما كان كاهنا كبيرا أو حاكما؛ لأنه طلب تكريس تلك الغرفة للإله ذي الشرى. # 58 # وهو الأمر الذي ظل ذكريات بعيدة تتماوج في تداخل مع روايات أخرى عن ذكريات ~~أخرى، حتى وصلنا صالح في القرآن الكريم نبيا مرسلا إلى ثمود. فإذا كانت الآيات تردد ~~ذكريات عن أصلح الموجود بنقش بترا بداخل السيق، فستكون بترا مسكنا لثمود، وليس فقط ~~مدينة الحجر، مما يشير إلى تداخل واضح بين مختلف فئات الحلف. # لكن القرآن الكريم يؤخر ظهور الثموديين إلى ما بعد انتهاء زمن عاد، فيقول: # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا ~~. ~~(الأعراف: 74) # والقرآن الكريم يختلط فيه الوعظ والترهيب، والترغيب بالأمثلة من ذكريات تاريخية تمت ~~قراءتها على طريقة القرآن الكريم المعتادة بهذا الشأن، فيقول إن «عاد إرم» قد عصت ربها، ~~فأرسل الله إليها نبيا باسم «هود». وما يؤكد فرضنا في أن عاد كانت البتراء أو مدينة ~~في محيط آدوم، بل إنها آدومية الزمن وليست جنوبية يمنية، أن ابن قتيبة يذكر لنا نسب ~~«هود» مرفوعا إلى «عيسو آدوم»، فيقول: # هو هود بن ms501 عبد الله بن رباح بن حارث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. ~~وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الرمل وبلادهم أخصب البلاد. # لكن أهل عاد الآدوميين/الآداميين لا يؤمنون بما جاء به هود، فيغضب عليهم ربهم فيدمرهم ~~فيرثهم الثموديون، أي إن ثمود هي امتداد في زمن تال لعاد الآرامية. وأفسد الثموديون ~~بدورهم في الأرض، فأرسل لهم ربهم النبي صالحا، وكأسلافهم كذب الثموديون صالح فدمرهم ~~الله بدورهم. # ويشرح المسعودي بشأن الآراميين/الأرمان بقوله، موجزا تاريخا رأيناه قد حدث في هذا ~~المكان: # وقيل إن الأرمان إنما سموا بذلك؛ لأن عادا لما هلكت قيل: ثمود إرم. فلما ~~هلكت ثمود قيل لبقايا إرم أرمان، وهم النبطيون الأرمانيون. # وكانت بلاد الكلدانيين العراق وديار ربيعة وديار مضر والشام وبلاد العرب ~~اليوم، وبرها ومدرها، اليمن وتهامة، والحجاز واليمامة والعروض والبحرين والشحر ~~وحضرموت وعمان، وبرها الذي يلي العراق، وبرها الذي يلي الشام. كانت جميعا ~~مملكة واحدة يملكها ملك واحد، ولسانها واحد سرياني (آرامي [المؤلف]). # 59 # وحول عناصر من ذلك الحلف يشرح الكتاب المقدس، كيف جاء الرب بكل شعب من موطنه في قوله: # ألستم لي كبني الكوشيين يا بني إسرائيل؟ يقول الرب: ألم أصعد إسرائيل من أرض ~~مصر والفلسطينيين من كفتور والآراميين من قير. ~~(عاموس، 9: 8) # ويحتمل أن تكون قير الأصلية تلك محطة بعيدة من محطات هجرة الآراميين الشمالية، وربما ~~كانت الأصل في اسم منطقة قرقيزيا. # 60 # والنبي محمد كتب لبني جعال بن ربيعة الجذاميين، الذين سكنوا العقبة زمن الدعوة ~~الإسلامية يقول لهم فيه: «إن لهم إرما لا يحلها أحد غيرهم لغلبهم عليهم، ولا يحاقهم ~~أحد، فمن حاقهم فلا حق له.» لقد كان العرب حتى زمن الدعوة الإسلامية، يعرفون بلاد ~~العقبة بكونها آرامية. # أما الذي يتأكد طوال الوقت، فهو وجود الجنس الكوشي الزنجي بالمنطقة، بينما كانت نصوص ~~التوراة التي تذكر الكوشيين بجوار دولة يهوذا وإسرائيل، تصنع ارتباكا حادا لدى ~~المؤرخين. يقول الكتاب المقدس مثلا: # وأهاج الرب على يهورام (ملك يهوذا [المؤلف]) روح الفلسطينيين والعرب بجانب ~~الكوشيين، فصعدوا إلى ms502 يهوذا وافتتحوها، وسلبوا كل الأموال الموجودة في بيت ~~الملك مع بنيه ونسائه أيضا. ~~(أخبار أيام ثاني، 21: 16-17) # لقد ظل تعبير «العرب الذين بجانب الكوشيين» ~~لغزا غير محلول، يتمثل في سؤال: كيف يكون الزنوج بجوار العرب، وكان الظن هو التجاور ~~على البحر الأحمر، فالعربي شرقية والزنجي غربية، لكن اللغز ظل لغزا؛ لأن النص ونصوصا ~~أخرى كثيرة، تضعهم جنوبي دولة يهوذا مباشرة، وهنا نقف مع فراس السواح، وهو يحدثنا عن ~~أحدث الكشوف، فيما يتعلق بتصنيف اللغات إلى سامية وحامية، وأن العلماء لم يعودوا يركزون ~~على ما يسمى باللغة السامية الأصلية، ثم يقول: «يقوم العلماء الآن بتلمس خيط يربط بين ~~اللغات السامية باللغة المصرية وبقية لغات شمال أفريقيا، وهم يرون أن الأقرب إلى الواقع ~~هو وجود لغة أفروسامية، تفرعت فيما بعد إلى سامية وإفريقية عند نقطة معينة من التاريخ.» # 61 # ومن هؤلاء العالم الألماني P. Behrens # والروسي # Diakonoff ~~. # أليس هذا بكلام يلتقي التقاء عبقريا مع ما وصلنا إليه، حول التقاء العناصر ~~التأسيسية في بلاد آدوم، وما نتج عنه بعد ذلك على مستوى اللغات والأجناس؟ أما الأكثر ~~إلماعا وإشراقا، فهو أن نعلم أن تلك النقطة المعينة في التاريخ، التي افترضها ~~الألماني بهرنس والروسي دياكونوف، كانت هي زمن قيام إمبراطورية الهكسوس الذي ظل منطقة ~~مظلمة في التاريخ حتى كتابة بحثنا هذا، بل وإن مكانها كان ذات المكان الذي حددناه في ~~بلاد مديان الآدومية العربية في شبه جزيرة سيناء تحديدا وتدقيقا. فقد عثر الآثاري ~~البريطاني فلاندر بتري عام 1905م عند سرابيط الخادم بسيناء على كتابات منقوشة على ~~الصخور، أصبحت تعرف الآن علميا باسم الكتابات البروتو سيناتيك، قرب مناجم النحاس ~~والفيروز. وقد تبين أن البروتو سيناتيك أقدم كتابة تستخدم الأبجدية في التاريخ حتى ~~الآن، وقد وجد بتري اكتشافه هذا على بقايا أثرية تم بناؤها زمن الفاتح العظيم تحتمس ~~الثالث خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر. وبعد اكتشاف بتري تم العثور على المزيد ~~من كتابات البروتوسيناتيك، بعد أن عثرت بعثة فنلندية عام 1929م على نماذج جديدة، ~~واتبعتها ms503 بعثة جامعة هارفارد الأمريكية؛ لتكتشف ذات الكتابات في مواضع أخرى، حتى بلغ ما ~~تم العثور عليه حتى الآن خمسة وعشرين نصا. # 62 # تتحدث عن أعمال استخراج حجر الفيروز من جنوبي سيناء، وتقديم قرابين «تسمى ~~هنا طاعة» إلى بعلات حات حور، وبعلات لقب سامي هو السيدة مؤنث بعل/السيد أو الرب، بينما ~~حتحتور إلهة مصرية معلومة الشأن، مما يشير إلى تمازج مصري سامي في تلك المنطقة، استمر ~~منذ تمازج الإلهين سيت وبعل، وهي تقع إلى الغرب مباشرة من جبال كاثرين، التي اتجه إليها ~~موسى برجاله عند الخروج من مصر كموقع مقدس. وقد أخبرنا الكتاب المقدس أن تلك المنطقة ~~كانت أراضي مديانية، وقد أكدنا من جانبنا أن المدياني هو الإسماعيلي، وتأتينا من ~~كتابات «أو مخربشات» سيناء # Sinaite Inscriptions ~~، ~~نصوص تؤكد مذهبنا، فنجد نصا يقول: # شمعا ما رب عبدم. # ومعناه إسماعيل صبي رئيس العاملين. # 63 # أو إسماعيل «شمعاما» عبد «عبدم» السيد «رب». # فالكتبة هنا يحملون ثقافة مصرية سامية مشتركة، وكتبوها بذات اللغة التي عثر عليها في ~~نصوص تل العمارنة (الكارية)، بأبجدية سينائية هي الأصل الأصيل للأبجدية، الفينيقية ~~التي ظهرت بعد ذلك، وانتقلت إلى بلاد اليونان ثم العالم. ويعتبر الباحثان نيلسون وسيث ~~أن اللغة الثمودية المنتشرة بطول ساحل البحر الأحمر الشرقي هي تطوير بسيط للبرتوسيناتيك # 64 # كما استطاع وينت أن يثبت انقسام الثمودية إلى أشكال مختلفة، تمثل مراحل ~~تطورها خلال مدة زمنية طويلة. # 65 # وهو ما يعني عراقة ثمود وقدمها منذ أيام الحلف الكبير. # كذلك تم العثور على كتابات سينائية في موقع ~~الكنتلة، على الطريق الذي يصل طابا على خليج العقبة برفح على البحر المتوسط، على بعد ~~خمسة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية، وكذلك في عين القديرات بالقرب منه. والمعتقد أن ~~هذه الكتابات قد نقشها الخارجون من مصر برفقة موسى في رحلة الخروج. وقد قال ~~الإسرائيليون: إن تلك الكتابات عبرية، لكن الحقيقة أن العبرية نفسها هي لغو وخط كنعاني ~~كتب بحروف آرامية. ولم يحدث أن عرف وكتب إلا بعد القرن العاشر قبل الميلاد، أي بعد ~~أربعة ms504 قرون تقريبا على حدث الخروج؛ لذلك لا تخرج تلك الكتابات بدورها عن ~~البروتوسيناتيك، التي يبدو أنها كانت أصلا للعبرية المكتوبة بالآرامية، بعد أن أصبحت ~~الآرامية الوسيلة الأمثل والأيسر للكتابة. وهو ما يعني أن الخط الآرامي نفسه قد تطور عن ~~البروتوستاتيك، التي هي في رأينا الكتابة أو الخط الحوري الكاري، خاصة بعد ثبوت تطابقه ~~مع الكتابات الحورية في مكتبة العمارنة. ويعتبر أولبرايت أن البروتوسيناتيك هي الأصل ~~الأصيل للكتابات الأبجدية بعد ذلك وصولا إلى اللغة العربية التي ظهرت في سيناء. # 66 # وعندما قامت دولة الفرس حوالي 600ق.م. اتخذت من الآرامية لغة رسمية لها، ~~مما يشير إلى مدى حميمية القرابة بين تلك الكتابة الأم للأبجدية وبين الهندوآريين. أما ~~العربية فقد تطورت عن النبطية المكتوبة بالحرف الآرامي في سيناء وآدوم. ومع ذلك لم يزل ~~علماء اللغة المهتمون بهذا الأمر، لا يلتفتون إلى العوامل الموضوعية التي أدت لظهور ~~الكارية بالخط السينائي، ولم يزل قولهم: «منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد ظهرت لغة ~~سامية مشتركة بين شعوب ممالك الهلال الخصيب ومصر. لم تكن هي لغة الكلام لأي من شعوب ~~هذه المنطقة، وإنما استخدمت في الكتابات الأدبية فقط.» # 67 ~~«وأنها تطورت وأصبحت تمثل لغة أدبية خاصة، تختلف عن لغة كلام الأكاديين ~~والكنعانيين والمصريين، فهي لغة أدبية خاصة لا يستخدمها أي قوم في الكلام.» # 68 # ومع ذلك فإن «العربية الفصحى قد جاءت نتيجة لتطور هذه اللغة المكتوبة، ~~وأنها كانت خليطا من لهجات القبائل العربية.» # 69 # بينما نحن قد كشفنا عن التقاء وحلف ولغة كهوف اسمها الكارية أو الحورية، ~~تعددت ما بين ددانية وثمودية ونبطية وآرامية وعبرية، لكنها جميعا كانت تعزف على نوتات ~~متشابهة متقاربة، انصهرت معا جميعا بعد ذلك في اللغتين العبرية والعربية، وأن نوتتها ~~الأصلية كانت مزيجا من المصرية. # وهكذا امتدت المساحة المركزية لدولة التجار من البتراء إلى الحجر جنوبا، وتيماء ~~شرقا وتبوك، والبدع جنوب غربي تبوك، حيث تجد هناك مغاير وكهوفا أطلق عليها الناس بحكم ~~ذكريات العصور الخوالي «مغاير شعيب». وأطلقوا على بئر هناك اسم بئر ms505 موسى ترديدا ~~لذكريات تاريخية مختلطة. ويقول صاحب معجم البلدان أنه في جبال السراة/سعير تقع ~~البلقاء، التي حدثت فيها أسطورة أصحاب الكهف، والتي ترد في القرآن الكريم مقرونة ~~بالرقيم، وأن العماليق قد نزلوا البلقاء وكانوا ملوكها. # 70 # وتغطي الكتابات الثمودية آثار تيماء التي تقع على خط 38,30 طولا و27,40 عرضا، ~~وتتميز تيماء بتربة حمراء، وتؤكد البحوث الجيولوجية أنها كانت مغمورة بالمياه إلى زمن ~~قريب جدا، لدرجة أن أخبار ذلك الماء جاء في أخبار عرب الجاهلية الأخيرة. # 71 # أما مدينة الحجر نفسها؛ فتقع على خط 37.45 طولا و26.46 عرضا، وقال فيها القرآن ~~الكريم: # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ~~* وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~(الحجر: 80-84). # والزائر للمنطقة يمكنه ببعض المشقة الوصول إلى تلك البيوت الصخرية، لكنه لن يجد سوى ~~غرف مربعة أو مستطيلة، تحوي عظاما بشرية، وبها أرفف حجرية على عدة طبقات، تطابق ~~مثيلاتها في البتراء، وفي تدمر التي كانت بدورها امتدادا طبيعيا للطريق التجاري، ~~وبالضرورة للحلف العظيم. وهناك يمكنك أن ترى تماثيل لعناق البونتي فوق أحد الكهوف، ذهبت ~~فيه الآراء إلى أنه حيوان ربما كان لبؤة صغيرة، لكن ذيله المعقوف مثل ذيل الكلب، يشير ~~لحيوان غريب مجهول، وعلى كهف آخر ستشاهد تماثيل أبي الهول المصري، وعلى كهف ثالث ~~يمكنك مشاهدة طائر الفينيق ناشرا جناحيه. # أما الأفصح والأبين والأكثر إعلانا عن هوية المكان، فأنك تجد هناك بناء يحمل الاسم ~~الذي أطلق على مثيله الضخم في البتراء، اسمه قصر ال «بنت». هذا بينما يكرر لنا القرآن ~~الكريم ذكريات العرب عن القرون الخوالي، أيام كانت تلك المنطقة من الجنات الوارفة في ~~قوله: # كذبت ثمود المرسلين * إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم ~~رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين * أتتركون في ما هاهنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل ~~طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا ~~فارهين * فاتقوا الله ms506 وأطيعون ~~(الشعراء: ~~141-150). # ويؤكد لنا الإخباريون العرب أن العرب المستعربة من أبناء إسماعيل، هم من قالت الآيات ~~بشأنهم: # ولقد كذب أصحاب الحجر ~~المرسلين ~~(الحجر: 80). ويقول آخرون: «كانت ثمود تقيم في جنوب شبه ~~الجزيرة العربية، ولكنها انتقلت إلى شمال غرب الجزيرة العربية في غرب خليج العقبة. وجاء ~~في الأعلام لخير الدين الزركلي: أن ثمود بن عابر بن إرم من بني سام بن نوح. كانت إقامته ~~في بابل ورحل عنها بعشيرته إلى الحجر. ثم انتشروا بين الشام والحجاز، وفيها من أعجب ~~الآثار بيوت منقورة في الصخور.» # 72 # ويضيف «حمود القثامي» جامعا أخبار الأولين بقوله: «واختلف في أصل ثمود؛ ~~فقيل: هم من بقايا عاد؛ لأن القرآن الكريم ذكرهم مرادفين لعاد، وقيل إنهم من العمالقة ~~الذين شيدوا لهم مملكة في مدين والبتراء ووادي موسى، ولكنهم في الثابت كانوا بعد قوم ~~نوح وعاد. قال تعالى: # ألم يأتهم نبأ الذين من ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات ~~(التوبة: 70). وتعتبر مدائن صالح من أهم وأغنى ~~المناطق آثارا في جزيرة العرب.» # 73 # ثم يتساءل مع المتسائلين من أصحاب الدراسات الأركيولوجية في المنطقة ~~قائلا: «لا يزال واضعو الدراسات العلمية حول نقوش الثموديين في حيرة من أمرهم، وما ~~زالوا يتناقضون فيما بينهم. فالنقوش الثمودية تطالعنا في المنطقة الواقعة على امتداد ~~الجزء الغربي من شبه الجزيرة العربية، من جوار مدينة البتراء حتى اليمن، لكن هذه ~~المنطقة أوسع بكثير من المنطقة التي يسكنها الثموديون، كما هو في كتب التاريخ العربي.» # 74 # وعلى الامتداد نفسه من البتراء قرب العقبة نصل إلى واد لم يزل يحمل الاسم الآرامي ~~«رم»، وقد وصفه لورانس بقوله: «صخوره الشاهقة كأنها بنايات ضخمة عملاقة، تقع على جانبي ~~شارع طويل، تبدو القمم العالية التي تكتنفها الضخمة، وكأنها ~~الأعشاش (ولا بد أن نتذكر هنا قباب مساكن بونت التي ~~تظهر كالأعشاش [المؤلف])، يشاهد الزائر اللوحات الصخرية، المتناثرة في مختلف الأماكن من ~~وادي رم، مكتوبا عليها باللغة الثمودية: إنه من روائع جمال الطبيعة العذراء، وبقعة لا ~~مثيل لها في ms507 بقاع العالم، فمن خلال الأشكال والألوان يحس الإنسان أنه في أجمل بقعة من العالم.» # 75 # ثم يتساءل «قثامي» حول هذا الانتشار الهائل للمخربشات الثمودية من البتراء حتى اليمن، ~~بينما المفترض أن ثمود قد سكنت فقط منطقة الحجر بقوله: «إذن من هم مؤلفو الثلاثة عشر ~~ألفا أو الأربعة عشر ألفا من النقوش الثمودية، التي باتت الآن معروفة لنا، بالإضافة ~~إلى الألفي نقش، التي وجدت في شمال شبه الجزيرة العربية، والتي اكتشفها بييرفان دن ~~براندان ... يقول بعضهم: «إن تلك النقوش تعود إلى أصحاب القوافل، التي كانت تعبر الصحراء، ~~حاملة التجارة عبر الطرق الصحراوية، ومن الغريب أن يكون بعض هذه النقوش من صنع أصحاب ~~القوافل أنفسهم، والأغرب من ذلك أن حقيقة وجود أعداد كبيرة من هذه النقوش في قمم الجبال ~~العالية، حيث يصعب على أصحاب القوافل الوصول إليها.» # 76 # إن مثل تلك النقوش فيما نرى كانت بحاجة إلى وقت وزمن وارتباط بها، لقد كانت ~~لأناس يقيمون هناك في محطات دائمة على الخط التجاري للإمبراطورية التجارية. # وإذا كنا قد عثرنا هناك على التأكيد الواضح - في اسم قصر البنت - على ما ذهبنا إليه ~~حتى الآن، وعثرنا على عناق البونتي والطائر البوني، فإننا نجد أيضا الرفائيين/ ~~الرباتيين، في اسم معبد الروافة النبطي «والفاء تنطق أيضا باء» الواقع إلى الغرب من ~~تبوك على خط طول 36,5 طولا و27,45 عرضا. وقد ذكره ديودورس الصقلي باعتباره مكانا ~~مقدسا لقبيلة عربية، وذكره أيضا الدكتور جواد علي، ووجد على حجر هناك نقوشا يونانية ~~قصيرة، تذكر أن البناء يعود إلى # Hierontouto ~~، وأنه قد ~~بني في أرض الرباتيين أو كما كتبها النص راباتي # Rabathai ~~، وهو ما يدفع إلى اعتبار اسم الروافة الحالي من الأصل رفائي ~~ورباتي. # ويذهب المفسرون المسلمون إلى أن الآيات # واسألهم عن ~~القرية التي كانت حاضرة البحر ~~(الأعراف: 163)، و # فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(البقرة: 65)، ~~إنما تعني مدينة إيلات/أيلة أو ربما العقبة، ولكنها ~~في رأينا ميناء عصيون جابر التوراتي، الذي تحول إلى جزيرة فرعون بجوار ميناء أيلة. ~~ويحكي القرآن ذكريات العربان ms508 عمن أبادتهم الحدثان، فيربط بين الحوت/الدلفين، الذي ~~تتناثر تماثيله في المنطقة، وبين المدينة والبحر وبين الشعب الإسرائيلي وشرائعه، فيقول: # واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون * وإذ قالت أمة ~~منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما ~~كانوا يفسقون * فلما عتوا عن ما نهوا عنه ~~قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(الأعراف: 163-166). ولا يبقى ~~سوى أن تكون حاضرة البحر، تلك التي هي استقبلت سفائن الفرعونة حتشبسوت «عصيون جابر»؛ ~~لأن اسمها المصري بذات النطق فهو «حرج سوى واي ور». # ويتابع «حمود القثامي» ليقول عن شعب مدين: «وقد بقيت آثارهم حتى الآن، وهي عبارة عن ~~بيوت نحتت داخل الحجر، أي إن البيوت حفرت حفرا داخل الصخور، فتكونت بيوت من الصخور، ~~وداخل هذه البيوت غرف فصلت تفصيلا دقيقا، بطريقة فنية تشير إلى المستوى الحضاري ~~والفني، الذي كان عليه هؤلاء الأقوام. ويظهر من مقابرهم أنهم طوال القامة.» # 77 # ويسجل عن قائد سلاح الحدود في منطقة مقنا على خليج العقبة، وصفه لها في ~~قوله: «إن مقنا منطقة أثرية عظيمة، فقد عثر على كثير من الجماجم الغريبة الشكل في ~~طولها، بحيث تدل على أنها لقوم عماليق في الحقيقة؛ لأن الجماجم أكبر بكثير من جماجم ~~الناس العاديين.» # 78 # ولنتذكر من الآن هذه الجماجم الطويلة، فسيكون لها شأن عظيم في حل غوامض ~~تاريخية منغلقة، ستأتي في مواضعها من أجزاء بحثنا هذا. # وعلى صلاية الملك نعرمر مؤسس الأسرة الأولى المصرية، نجد أول ذكر لأول معارك مع البدو ~~الساميين، وهو رأي يخالف ما استقر عليه التفسير لهذه ~~الصلاية ونقوشها، بكونها إشارات لتوحيد نارمر ~~للقطرين المصريين الشمالي والجنوبي، أما حسب قراءتنا نحن للنقوش، فسنجد على أحد وجهي ~~الصلاية الملك يقبض على بدوي من رأسه ويضربه بدبوس قتال، ms509 وفي كلا القطرين المصريين ليس ~~هناك بدو بالشكل الآسيوي المرسوم بالصلاية، ونلاحظ أن الملك الجليل كان يقف حافيا، ولا ~~يتركنا الفنان نتوهم أن المصري القديم لم يعرف النعال، فقد نقش خلف الملك صورة لواحد ~~من أتباع الملك، يحمل نعلي الملك بشكل واضح، فهل كانت هناك قاعدة ضرورية تلزم صاحب ~~الجلالة بخلع نعليه؛ لأنه يقف بأرض أو بواد مقدس مثلا، أو بأرض إله؟ # وعلى الوجه الآخر نشهد نقشا لحيوانين يوصفان في كتابات المؤرخين بأنهما كائنات ~~أسطورية خرافية، فالرأس أقرب إلى اللبوءة، والعنق شديد الطول كما لو كان الفنان قد بالغ ~~في إطالة الرقبة لتأكيد تعريفنا بهذا العناق، ويمسك برقبتي العناقين رجلان من أتباع ~~الملك، رمزا لانتصاره على تلك البلاد وسيطرته عليها، ممثلة في سيطرته وترويضه لأشهر ~~أعلامها (التفسير التقليدي لعلماء التاريخ يرى الصلاية والوحشين، رمزا لتوحيد نعرمر ~~لوجهي مصر العليا والسفلي). # أما ذيل الحيوان فكان معقوفا، وهو الشكل الذي يطابق مشهدا لذات الحيوان، عثر عليه ~~فوق الكهوف الثمودية، وقال الباحثون في وصفه: «ربما كان لبؤة صغيرة، لكن ذيله المعقوف ~~مثل ذيل الكلب.» # ويدعم تفسيرنا أو قراءتنا هذه لصلاية نعرمر، أن على رأس الصلاية نقش الفنان نقشا ~~آخر، ليؤكد به الموطن الذي ذهبت إليه جيوش نعرمر، فصور طائر الزقزاق بشكل واضح لا لبس ~~فيه، وهو طائر غير موجود في القطرين، وعلى الجانبين رأس الإلهة حتحور، وهي ربة سيناء ~~الشهيرة عند المصريين. # أما أن يلبس تاج الوجه القبلي على أحد وجهي الصلاية، ويلبس تاج القطرين على الوجه ~~الآخر، هو المؤدي لتفسير اللوحة بتخليد توحيد القطرين المصريين، فإنه ليس كافيا وليس ~~بقدر الشواهد التي سقناها، فليس في مصر بدو يضربهم الفرعون، وربة الصلاية هي حتحور ~~السيناوية، ناهيك عن كون لبس الفرعون تاج الوجه القبلي، تأكيدا على قدسية وأهمية الوجه ~~القبلي مقر الفراعين، وتأكيد اعتزاز الفرعون بهذا التاج، والوجه القبلي هو الوجه الذي ~~تمكن من ضم الوجه الآخر (البحري)، فكان لبس الفرعون تاج الجنوب هو تأكيدا لسيادة هذا ~~الجنوب، ولبسه تاج القطرين على الوجه الآخر، ms510 يعني ~~تأكيد السيادة عليهما معا، ولا يحمل النقش عدا ذلك أي دلالات يمكن الذهاب بها، إلى ~~فكرة أن الصلاية هي تخليد توحيد القطرين. # ونتذكر الآن أن كثيرا من المؤرخين ذهب لأسباب وجيهة، أن الملكة المصرية «تي» أم ~~الفرعون إخناتون، كانت من بلاد ميتاني التي يفترض أنها كانت تقع في أعالي الرافدين، ~~والتي افترضناها مديان في سيناء ووادي عربة ومحيط خليج العقبة جميعا، ولو تطلعنا إلى ~~إخناتون سنجده شخصا عملاقا، يحمل رأسا غريبا، فهو رأس مستطيل وكبير، وهو ما أورثه ~~أيضا لبناته في النقوش التي تركتها فنون العمارنة، وهو الشأن الذي ستطول بنا متعته ~~الكشفية في الجزء الأخير من هذا العمل. ~~(انظر الشكل رقم «132، 133».) # شكل رقم «132»: الثموديون: مدائن صالح/الحفر في الصخر # ينحتون من الجبال بيوتا ~~(قرآن ~~كريم). # شكل رقم «133»: الثموديون: المساكن الكهفية القديمة بخرائب ددان ~~«مدائن العلا حاليا». # شكل رقم «134»: صورة من خريطة بطلميوس الأصلية. # شكل رقم «135»: مناطق العاديين والثموديين. # شكل رقم «136»: جزيرة العرب/طرق القوافل التجارية. # شكل رقم «137»: نقش ثمودي تيماني من جبل غنيم (شمال غربي شبه ~~الجزيرة) بالتيمن. # شكل رقم «138»: منظر عام لضريح أو بيت منحوت في الصخر في خربة العلا ~~(لاحظ المشهد كأعشاش النحل). # شكل رقم «139»: صلاية نارمر الوجه الأول. # شكل رقم «140»: ربة سيناء حتحتور أعلى الصلاية وتحتها سفينة تشير إلى ~~وسيلة الوصول، وبجوارها طائر الزقزاق يشير إلى شعب الأرض المقصود ~~التعبير عنها. # شكل رقم «141»: حامل نعلي الملك، بينما الملك يسير حافيا. # شكل رقم «142»: صلاية نارمر الوجه الثاني الملك حافيا على آسيوي ~~ويضربه بدبوس القتال، وخلفه حامل الحذاء الملكي، مع ملاحظة أن الأسير ~~ليس مصريا بالمرة! # شكل رقم «143»: أعداء الملك يهربون وخلفهم رمز موطنهم (كهف) لاحظ أن ~~أشكالهم سامية لا مصرية. # الفصل الرابع # | إسحاق و«الإله الضحاك» # إبان بحثنا بدت لنا بعض الغوامض التي يمكن بحلها أن تلتقي نتائجها مع ما قلنا ~~حتى الآن وتؤكده؛ ناهيك عن كون هذا الحل يفسر لنا علاقة بني إسرائيل بالهكسوس ~~بتوضيح أكثر إضاءة وإدهاشا. كما أن بعض الغوامض التي سنتناولها ستعطينا مزيدا من ~~الأدلة ms511 على مدى تغلغل العقائد المصرية في العقائد الإسرائيلية من بعد، مع غرض رئيسي من ~~هذه المباحثات يهدف إلى ربط كل ما وصلنا إليه بما هو آت، خاصة ما تعلق بعلاقة النبي ~~موسى والخروج الإسرائيلي من مصر، بكل هذا الرتل من تلول معلوماتية، جهدنا وراءها زمنا ~~طويلا حتى الآن. # وبين أبرز هذه الألغاز المطلوب حلها، هو ما ترويه لنا التوراة حول البطرك إبراهيم، ~~الذي شاخ هو وزوجته سارة، لكن إرادة الله كانت أن ينجبا ولدا يكون أبا لنسل كثير، ~~ذلك النسل الذي سيأتي من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ويعقوب هو الذي أسماه الله ~~إسرائيل، ونسله هم «بنو إسرائيل». # ولتحقيق الخطة الإلهية ذهب الرب ليقابل إبراهيم، ويشكو له مما وصل إليه شعب يعيش في ~~مدينتين من المدن الخمس (بنط بوليس) لبلاد آدوم من تدن خلقي، إذ يأتون الرجال دون ~~النساء شهوة، ويتعشقون الصبية المرد، وينفرون من الغيد الحسان. وإبان الحوار الذي دار ~~بين الرب وخليله، حول رغبة الرب في القضاء المبرم على مدينتي عاد وثمود أو عمورة وسدوم ~~الآدوميتين، يخبر الرب خليله بقرار الميلاد العجيب لإسحاق بن إبراهيم: حين يقول الرب ~~لإبراهيم: # أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي داخل الخيمة، فقال: إني أرجع لك نحو زمان ~~الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة ~~في باب الخيمة وهو وراءه، وكان إبراهيم ~~وسارة شيخين متقدمين في الأيام، وقد انقطع أن يكون لسارة عادة (حيض [المؤلف]) ~~كالنساء، فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي تنعم؟ وسيدي قد شاخ؟ ~~(أي إبراهيم [المؤلف])، فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة قائلة: أفبالحقيقة ~~ألد وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان ~~الحياة، ويكون لسارة ابن، فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك لأنها خافت، فقال: لا! بل ~~ضحكت. ~~(تكوين، 18: 9-15) # ومع استمرار القراءة يخبرنا الكتاب المقدس أن سارة قد ولدت في ~~شيخوختها طفلا: # ودعا إبراهيم ابنه المولود له الذي ولدته له سارة: إسحاق. وكان إبراهيم ابن ~~مائة سنة حين ولد ms512 له إسحاق ابنه، وقالت سارة: قد صنع إلي الله ضحكا، كل من ~~يسمع يضحك لي. ~~(تكوين، 21: 3-6) # وهنا ننقل السمع إلى مصادر أخرى، فننصت إلى روايات المسلمين من أصحاب السير والأخبار ~~وقصص الرسل والأنبياء، يحيطوننا علما نافعا يقول: # قال السدي: قالت سارة لجبريل عليه السلام (استبلدت الرواية الإسلامية الإله ~~بجبريل [المؤلف]) لما بشرها بالولد على حالة الكبر: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده ~~عودا يابسا، فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر. وقال مجاهد وعكرمة: فضحكت أي ~~حاضت في الوقت. وتقول العرب: ضحكت الأرنب على الصفا إذا حاضت. وقال السدي وابن ~~يسار وغيرهما من أهل الأخبار: فحملت سارة بإسحاق. # 1 # والعارف بالتوراة لا شك يعلم دأبها على ربط أسماء المواليد (خاصة في العصر البطريركي ~~من إبراهيم إلى موسى)، بأسماء مواضع جغرافية ومدن، أو أن يحمل اسم المولود دلالة على ~~حدث هام أو نادر قد حدث إبان ولادته أو ما أشبه، فيعقوب سمي يعقوب؛ لأنه ولد ممسكا ~~بعقب شقيقه التوءم عيسو، وسمي يعقوب عندما كبر باسم إسرائيل؛ لأنه صارع الله (إيل)، ~~وعيسو حمل اسما ثانيا بدوره هو آدوم؛ لأن لون عيسو وشعره كان بلون الأدمة، أي لون ~~الأرض الحمراء، أي لون الدم أو الشقرة. وفي الأدمة شق تركيبي موروث هو «دم». وبنيامين ~~بن يعقوب سمي كذلك؛ لأنه ابن اليمين أي الجنوب، فكان الناس يتوجهون لمشرق الشمس لتحديد ~~الجهات الأصلية، فيكون الجنوب إلى يمينهم. # ورواية التوراة هنا تحاول أن تبلغنا بسر تسمية إسحاق ومعنى هذا الاسم، لكن على سرعة ~~وعجل يتسم بالغموض، فيأتي أهل الأخبار من مؤرخي الإسلام؛ ليجلوا لنا المعنى ويوضحوه. ~~فقد كانت سارة عجوزا قد انقطع حيضها، فلما أراد الله لها الحبل ضحكت؛ أي حاضت على ~~الفور، تهيئة لقبول أعضائها لممارسة عملية الحمل والولادة. # فالضحك هو ضحك الفم والأسنان، لكنه أيضا ضحك الفرج أي انفتاحه، فالفم والفرج ينفتح ~~كلاهما عند فعل الضحك أو الحيض. ولأمر معلوم لدى دارسي الأساطير القديمة لا بد أن يحيل ~~هذا الإله إلى أرباب الخصب والخضرة؛ فقد كانت آلهة ms513 الخصب القديمة هي المسئولة عن نمو ~~المحصول وعن الري، أي عن ولادة الأرض، وعن خصب الحيوان وزيادة نسله كذلك الإنسان. وتحفظ ~~لنا القصة الإسلامية رمز ذلك الإله المخصب في العود اليابس، الذي تحول في القصة إلى ~~عود أخضر، كلون من الإعلان الواضح عن الفعل المطلوب، وهو ممارسة خصبية تؤدي إلى ميلاد ~~إسحاق، الذي ارتبط اسمه بالخصب والضحك ودم الحيض. # وكان معلوما في تلك الأيام الغوابر أن الدم هو المكون الأساسي والمادة الخام للحياة ~~وخصبها لتكوين الجنين؛ إذ لاحظ الإنسان الابتدائي اختفاء دم الحيض مع الحمل، فربط بين ~~اختفاء الدم والولادة، واعتبر احتباس دم الحيض؛ لأنه يشكل ويبني الجنين، واعتبر الدم ~~معامل الحياة المشترك لكل شيء؛ لذلك كان اختفاؤه النهائي يعني توقف الخصب، وامتناع ~~المرأة عن منح الحياة والولادة. # وفي الفصول السابقة سبق وحددنا إلها يعد أهم آلهة الأقوام السامية، ومنهم الهكسوس ~~والإسرائيليون الذين تمركزوا شرقي الدلتا المصرية، هو سيت المصري المتحد ببعل رب الخصب ~~السامي. وقد شهدنا له عدة تجليات، كما في الحية وطائر الفينيق وفي حيوان عناق البونتي، ~~وهنا يكشف الإله عن تجل جديد، سيرتبط وشيكا بعد فقرات بإسحاق. # وتقول لنا الأساطير المصرية: إنه من راس سيت - والرأس محل الحكمة والعقل - انبثق ~~الإله تحوت، الذي ينبغي أن ينطق سليما (ضحوت # Tcheuti ~~) ~~إله مدينة الأشمونين عاصمة الإقليم الثامن بمصر الوسطى. ويبدو أنه كان إلها حديثا ~~بالإقليم؛ لأنه اندمج هناك عند ظهوره برب قديم للإقليم يحمل اسم «ح ض - و ر»، وكان ~~«حضور» يمثل في رمزين: الأول طائر البلشون/الفينيق # IBIS # أبي قردان، والثاني هو قرد البابون، لكن هذه الآلهة ~~نفسها رغم صعيديتها؛ فهي ذات منشأ دلتاوي. # 2 # وما يعنينا هنا هو أن أهم رموز وتجليات الإله «ض ح - و ت» كان القمر، فهو رب القمر، ~~لكنه أيضا كان ربا شمسيا؛ لذلك لقبه المصريون القدماء بلقب «سيد الزمان وحاصي ~~السنين»، كذلك كان حامي الكتاب والمفكرين، باعتباره مخترع الكتابة في الأساطير. وقد ~~ربط اليونان بينه وبين معبودهم «هرمس # Hermes ~~» أو ~~«إرمس» الذي يعود ms514 للإسم «إرم» أي الإرمي، واعتبروا ضحوت هو الصورة المصرية للإله هرمس ~~الأرمي، وقد صور المصريون ضحوت إما في صورة رجل برأس أبي قردان (الأيبس)، أو بصورة أبي ~~قردان الكاملة، أو بصورة قرد يضع فوق رأسه قرص القمر في حالة الهلال، يضم بداخله صورة ~~قرص الشمس، مما يؤكد قمرية ضحوت وشمسيته معا. # شكل رقم «144»: ضحوت الضحاك إله شمسي قمري يحمل الهلال والشمس فوق ~~رأسه مع طائر الأبيس أو الفينيق. # وكما اعتدنا في عملنا هنا، نعود إلى لسان العرب نبحث عما تركه الزمان متضمنا داخل ~~معاني المفردات، فنجد الجذر «ضحا» في العربية، هو من طلوع الشمس وارتفاع النهار ، لكن ~~الكلمة تقال أيضا عن القمر وطلوعه؛ إذ يقول العرب: ليلة ضحياء وإضحيانة أي ليلة مقمرة ~~لا غيم فيها، كما سميت الضحية كذلك؛ لأنها تذبح عند الضحى. وفي القرآن الكريم آيات ~~تقسم بظواهر الكون ومنها: # والضحى * والليل ~~إذا سجى ~~، حيث قرنت الآيات بين الليل والضحى، مما يشير إلى أن الضحى ~~المقصود هنا هو القمر، وبالقلب تصبح «وضح» والثنائي منها «و ض» و«وضأ». و«الوضح» في لغة ~~العرب هو بياض القمر كما هو بياض الصبح. # 3 # وللمزيد من أجل جمع معان تزيدنا إيضاحا ووضوحا، نجد قرد البابون على وجه التحديد ~~هو الرمز المصري القديم للإله ضحوت، دون بقية أنواع الفصيلة القردية. ويسمى في ~~الإنجليزية الوسيطة # Babewin # والفرنسية القديمة # Babuin # من اللاتينية الوسيطة # Babewynus ~~، لكن المعجم هنا يقدم لنا تقريرا حول ~~الكلمة موجزا يقول: وأصل هذه الكلمة مجهول. هنا يذهب الباحث علي خشيم ببراعة نادرة ~~إلى أن تلك الكلمة لها أصل واضح في العربية، فهي مأخوذة من مأمون/ميمون. ويدعم هذا ~~التخريج أن مونتجومري وات يقول: إن معنى # Baboon # هو سعيد ~~أو محظوظ # Lucky ~~. الميمون في العربية هو المبارك أو ~~المحظوظ. وفي العربية نجد الشق الأول من اسم الإله القردي بابون القمري «ضحوت» هو «ض ~~ح»، وهو مقلوب الشق الأول من الإله الذي اندمج معه «ح ض. و ر»، والشق «ح ض» هو بلا خلاف ~~«ح ظ» والحظ ms515 يعني السعد واليمن، ثم إن العربية تسمي قرد البابون «سعدان» من السعد، ~~وميمونا من اليمن التي تلتقي مع بلاد اليمن بلاد السعد، أو كما سميت «العربية ~~السعيدة». ولم تزل بلاد اليمن إلى يومنا موئلا للقرد أو سعدان البابون، الذي ينتشر ~~فيها انتشارا واسعا، كما لم يزل ينتشر من مواطن ثقيف بالطائف حتى اليمن ~~جنوبا. # والاصطلاح العلمي الذي يطلق على هذا القرد كتبته اللاتينية: # Cyno-Cephauls Hamedryas ~~، وعلى الفور تلحظ أن ~~المقطع الأول # Cyno # في اليونانية # Kuno # أي كلب، ثم المقطع الثاني من الكلمة # Cephalus # وتعني رأسا، لتصبح الكلمة جميعا تعني: ~~القرد الكلبي الرأس، وهي الصفة التي تطابق تماما قرد البابون، فرأسه أقرب إلى رأس ~~الكلب ، أو ربما الضبع. # ويزداد ترابط هذا المعبود الكلبي الرأس بالكلب، عندما نتذكر ملحوظة استرابون عند ~~زياراته لمصر؛ إذ لاحظ أن في مدينة مصرية اسمها اليوناني كينوبوليس، أي مدينة الكلب، ~~كانت تتم عبادة الإله أنوبيس رب الموتى الكلبي، وأنه كانت تقام هناك مأدبة مقدسة ~~للكلاب، كما لاحظ أن أهل بابليون (منطقة جنوب شرقي القاهرة [المؤلف])، في زمانه كانوا ~~يعظمون الكيبوس وهو القينوقفالس # Cyno-Cephalus ~~/القرد ~~الكلبي الرأس. # 4 # والطريف أن نجد قرد البابون/ ضحوت رب الحكمة، يرتبط تماما بمعبود البوادي السامية ~~«ست»، فهو قد خرج من رأسه، ثم نستمع إلى بلوتارك يقول: «ويسمى توفون «الاسم اليوناني ~~لرب الشر المصري سيت» سيت بابون # Bebon # وسمو # Smu # وفوق ذلك يسمون الحديد عظم توفون كما ذكر مانيتون.» # 5 # وهكذا فإن الإله المتعدد الأسماء «سيت/تيفون/بعل حداد/بعل صافون»، يأخذ لقب «سيت ~~بابون»، أي سيت القرد البابوني، وكان له لقب آخر هو «سموه» علامة على السيادة والسلطان. ~~أما الأكثر إضاءة فهو ربط هذا المعبود في عبارة بلوتارك العابرة بموطنه في بلاد مديان، ~~حيث كان القينيون صناع الحديد، الذي هو في الأسطورة ~~عظام سيت/تيفون. والطريف أن نصوص مصر القديمة كانت تشير إلى الطوائف السامية من ~~الخابيرو/العبيرو بالكلاب، # 6 # أما العابيرو فكان يصفون أنفسهم بها، وهو ما يرجح أنها كانت صفة مستحبة ~~تيمنا بالمعبود، # 7 # لكننا ms516 نجد اسم الإله المصري القردي ح ض. و ~~ر # Hd. Wr # لقبا أكثر منه اسما، وهو ما يفضي إلى ما نقصده مع الإله الضحاك، ~~فالكلمة ح ض. و ر تترجم على التدقيق بالأبيض العظيم «ح ض = أبيض + و ر = عظيم»، فهل ~~يمكن أن يسعفنا لسان العرب في فهم سر تلك التسمية الغريبة تماما؟ إن مادة «حضأ» تقول: ~~«حضأت النار التهبت، وحضأت النار سعرتها، وحضو النار تحريك جمرها»، وهو ما يشير إلى ~~طبيعة البابون الشرسة الحادة، خلافا لبقية الفصيلة القردية كالشمبانزي والنسناس مثلا. # 8 # والكلمة «ح ض» أي الأبيض تطابق العربية «ح ي ض» «حيض» دون التباس، لكنها بالقلب تصبح ~~«ض ح» لتشكل الشق الأول من اسم ضحوت، والثلاثي من الثنائي ض ح هو ضحك، أما ضحوت نفسها ~~فهي كلمة واحدة متكاملة، هي ضحوك، أو هي الضحاك، وتحت مادة «ضحك» نقرأ في لسان العرب: # ضحك: الضحك معروف. ضحك يضحك ضحكا. وفي الحديث يبعث الله السحاب فيضحك أحسن ~~الضحك. وضحكت الأرض: إذا أخرجت نباتها وزهرها. والضاحكة كل سنة من مقدم الأضراس ~~مما يند عند الضحك. والضاحكة السن التي بين الأنياب والأضراس وهي أربع ضواحك. ~~والضواحك الأسنان التي تظهر عند التبسم. والضحك الثغر الأبيض. والضحك الثلج، ~~والضحك أيضا طلح النخل حين ينشق، وقال ثعلب: هو ما في جوف الطلحة. وضحكت ~~النخلة وأضحكت أخرجت الضحك. وضحكت المرأة إذا حاضت، وبه فسر بعضهم قوله تعالى: # فضحكت فبشرناها بإسحاق ~~، ~~وأنشد تأبط شرا: # تضحك الضبع لقتلى هذيل # وترى الذئب بها يستهل # قال أبو العباس: تضحك هنا تكشر، وذلك أن ~~الذئب ينازعها على القتيل، فتكشر في وجهه وعيدا. قال ابن سيدة: وضحكت الأرنب ~~إذا حاضت، قال: # وضحك الأرنب فوق الصفا # كمثل دم الجوف يوم اللقا # يعني الحيض فيما زعم بعضهم. وقال ابن الأعرابي في قول تأبط شرا: تضحك الضبع ~~لقتلى هذيل؛ أي إن الضبع إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم طمثت. وقد أضحكها ~~«أي أطمثها الدم»، وقال الكميت: # وأضحكت الضباع سيوف سعد # لقتلى ما دفن ولا ودينا ms517 # أراد الشاعر أنها تكشر لأكل اللحوم. وقيل: معناه أنها تستبشر بالقتلى إذا ~~أكلتهم فيهر بعضها على بعض، فجعل هريرها ضحكا، وقيل: أراد أنها تسر بهم، فجعل ~~السرور ضحكا. # وقال الأخطل فيه بمعنى الحيض: # تضحك الضبع من دماء سليم # إذ رأتها على الحداب تمور # والضحوك من الطرق: ما وضح واستبان. والضاحك: حجر أبيض يبدو في الجبل، ~~والضحوك: الطريق الواسع. ويقال: إن القرد يضحك إذ صوت. والضحاك بن عدنان، زعم ~~ابن دأب المدني أنه هو الذي ملك الأرض. # وعليه فإن الضحك هو الجلاء والوضوح والبيان، وظهور الثنايا من الفرح واتساع الطريق، ~~وله علاقة وطيدة بخصب الأرض والزرع والحيوان كالأرنب والضبع، وكذلك بخصوبة الإنسان، ~~والقرد يضحك إذا كشر عن أنيابه هياجا أو سرورا، ولقب القرد في مصر القديمة «ح ض»، ~~وتعني الحضاء أو البسام، وتضاف لها «ور = كبير»، فيصبح: الضحاك الكبير. وهو بالضبط ما ~~تعنيه عبارة «الأبيض الكبير»؛ لأن الضحك يكشف عن بياض الأسنان ويبين عنها، واتساع ~~الطريق يشير إلى اتساع أعضاء المرأة عند الحيض. # ونموذجا لذلك كمثال آخر نجد ضمن آلهة مصر القديمة، إله السمك «سمك» أو «سبك» وهو ~~التمساح، ونجد اليوم قرية من أعمال المنوفية لم تزل تحمل اسمه؛ فهي «سبك الضحاك»، مما ~~يشير إلى أنه قد حمل صفة الضحاك؛ لأن التمساح يفتح فمه ساعات طويلة؛ ليفصح عن أسنانه ~~البيضاء. # وهكذا نجد نظريتنا تتدعم بجديد، يؤكد صحة ما وصلنا إليه في الفصول السابقة، فاللغة ~~العربية أكثر ما خصت الضبع بالضحك وبالحيض، ولعلنا لم نزل نذكر عناق البونتي الشبيه ~~بالضباع، وكيف قرنه لسان العرب بتصويت القرد «ضحوت»، وضحوت هو البابون ذو الرأس الضبعي، ~~كما لو كان قردا قد مسخ ضبعا أو العكس، ناهيك عن الشبه الواضح للقرد بالإنسان. وهو ما ~~انعكس في اعتقاد عن مسخ آخر هو مسخ البشر إلى قردة. ونتذكر أيضا طائر الفينيق آكل ~~الحيات القادم من بلاد العنز العربية؛ لأن الأبيس أبا قردان المصري يسمى في الأقطار ~~العربية «أبو حنش، أبو منجل، حارس، عنز»، واللاتينية تسميه # Ibis ~~religiosa # أو ms518 # Sacred Ibis # أي أبيس ~~المقدس. وهذه الفصيلة بالتحديد من نوع طيور أبي منجل «أي أبي قردان»، قد أطلقت عليه ~~المصرية القديمة الاسم «ه ب # H B ~~»، وأخذتها اليونانية ~~وصرفتها اسميا، فاسمه «ه ب ي س» أو «أبيس»، وهنا لا بد أن نتذكر أيضا إله الريح ~~«هبا» وزوجته «هيبات». وأبو منجل طائر يسابق الريح، ولونه أبيض واضح، و«هب» تعني ما ~~يعنيه اسم ضحوت (البياض)؛ لأن من كلمة هب تأتي كلمة «هبهب»، والهبهبة هي البياض والصفاء ~~والبيان، ويقال في لسان العرب: هب النجم إذا طلع (ه ب)، وهي على النسبة # Hby ~~. والطريف أن المصري لا يسمي صوت الكلب نباحا، ~~ولم يزل حتى اليوم يربط «هب» بالفصيلة الكلبية، مبقيا على الصيغة المصرية القديمة، ~~فهو يطلق على نباح الكلاب «هبهبة» الكلاب. # هكذا يمكننا أن نفهم السر وراء اعتبار المصري للقرد البابون وطائر أبي قردان معا، ~~رغم تباعدهما النوعي بين الأحياء، رمزين للإله ضحوت. # شكل رقم «145»: الأبيس ضحوت/هبني/أبو قردان/الفينيق. # شكل رقم «146»: ضحوت من تل العمارنة زمن إخناتون، وأمامه الكاتب جالس ~~القرفصاء؛ تعبيرا عن كونه رب الحكمة والكتابة/المتحف المصري. # ولمزيد من الفهم سنجد أن الكلمة المصرية القديمة # HBY ~~، قد أدت إلى «ه ب ن ~~ي # Hbny ~~» و«ه ب ي ن # Hbyn ~~» كما عند بدج، ~~ونقلتها اليونانية إلى لغتها في الاسم أبينوس أو هبينوس # Ebenos # أي أبنوس، وهو الخشب الأسود الصلب. وبهذا الشكل يكون بالمسألة ~~خلل؛ لأن الأبنوس أسود بينما أصل الكلمة المصرية يعني الأبيض الناصع. هنا يقول معجم ~~أوكسفورد: إن الكلمة الإنجليزية # ebony # تعني أبنوس. لكن ~~المعجم يستمر شارحا، فيقول: إنها ربما كانت تحريفا للكلمة # Evory # أي عاج، والعاج/سن الفيل، ناصع البياض، لكن ~~هذا بالتحديد يشكل دليلا على نظريتنا، نضيفه إلى رصيد أدلتنا، إذ يتضح مجيء النقيضين ~~من مركز تصدير واحد، مع الأبيض والأسود من الناس، فحملت اللغة السامية وهي تتطور هناك ~~في بلاد آدوم جينات وراثية، تشير إلى المنابت والأصول. لقد اشتقت اليونانية كلمة # Ebenos # الدالة على الخشب الأسود، من الكلمة المصرية # Hbny # طائر ضحوت ms519 أبي قردان شقيق زميله البونتي «ب ن ~~و»، رمز الشروق والضياء القادم من أرض الإله في الشرق، كما سبق وحدثنا المصري ~~القديم. # وللطرافة ولمزيد من التأكيد، نجد الكلمة العبرية سن الفيل هي «شن ه بين # Shen habbin ~~»، أي العاج الأبيض الناصع، لكن «ه بين» ~~وحدها تعني أبنوس. لقد حملت الكلمات أيضا تداخلات عناصر وأجناس الأحلاف الأخلامو ما ~~بين البيض والسود. # وطائر «هبني» يسميه المصريون اليوم «أبو قردان»، وهي التسمية التي جمعت بين اسم ضحوت ~~ورمزية القرد مع طائر الأيبس، فهي من مقطعين: «أبو = ه ب ~~ى # hby ~~+ المقطع الثاني وهو تفعيل لكلمة قرد/قردان»، بل إن اسم قردان يعود ~~بدوره إلى المصرية القديمة الواضحة باللفظ والفوناتيك؛ لأن المصري القديم كان يطلق على ~~جميع أنواع القردة الاسم «ق. ن. د». # وقد ورد بلسان العرب كما قلنا من هنيهة أن الضحاك أيضا هو اسم لشخص محدد هو الضحاك ~~بن عدنان، وعدنان هو أبو العرب الشمالية المستعربة، ثم ساق اللسان زعما يقول: إن ~~الضحاك هذا هو الذي ملك على الأرض جميعا، وكان مقر حكمه في بابل، محتفظا في الذكرى ~~بإمبراطورية كبرى، كان لعرب الشمال «وادي عربة» نصيب فيها. # وهناك أسطورة فارسية معروفة حدثتنا عن ملك باسم الضحاك، حكم من عاصمته في الرافدين ~~القديم، وكانت الرافدين تحسب فارسية حتى الفتح الإسلامي العربي لها، فيروي لنا الفردوسي ~~في رائعته المعروفة بالشاهنامه أن الكتاب الزرادشتي المقدس قد ذكر الضحاك باسم «إس - ت ~~- حاك» أو «إزي - د - ه ا ك ه»، وكتب الأخبار الإسلامية تقول: إن الضحاك كان ملكا من ~~ملوك النبط، لكنه كان كلدانيا حكم في بلاد الكلدانيين/الرافدين القديمة (؟!) والأنباط ~~كما عرفنا هم السلالة الأخيرة في التطور نحو الجنس العربي واللغة العربية؟! قبل ظهور ~~العرب الصرحاء والعربية الصريحة، وأنهم سكنوا بلاد العرب أو وادي عربة في آدوم. والطبري ~~يرى أن النمرود الزنجي كان منوبا على حكم الرافدين من قبل ملك العالم الضحاك، وأن ~~الأصل الوطني للضحاك هو بلاد اليمن، وأنه هجرها واستقر في بيت المقدس/أورشليم، تلك التي ms520 ~~قال لنا يوسفيوس إنها المدينة التي بناها، واستقر فيها الهكسوس بعد طردهم من ~~مصر. # وهنا نقتطع من «مظفر نادوثي» فقرة شاردة، لم يقصد بها شيئا محددا، لكنها تعني لنا ~~هنا الشيء الكثير، فهو يقول: # يؤكد الفرس أن العرب كانوا حكام العراق وبابل الأقدمين، وأنه بعد جامشيد # Gumshid # الذي كان معاصرا لسام بن نوح، احتل ~~دهاق # Dahak # العربي هذه البلاد، ويؤكد ~~العرب أنفسهم ذلك؛ إذ يقول الطبري المؤرخ العربي المشهور: يدعي أهل اليمن أن ~~الملك دهاق بن علوان ينتمي إليهم، كما يقال أيضا إن الدهاق هو النمرود، الذي ~~ولد في عهده سيدنا إبراهيم، وأنه هو الذي أمر بإحراقه، وقد وصف الفردوسي أكبر ~~الثقات من المؤرخين الفارسيين مملكة الدهاق، التي استمرت ألف سنة في شاهنامته. # 9 # ثم يضيف: # ويرى المؤرخ الألماني الشهير دنكر # Duncher ~~، ~~أن كلمة كوش # Cuch # المستعملة في سفر التكوين، ~~تشمل جميع الأمم التي عاشت في الأراضي الجنوبية كالأثيوبيين والنوبيين. أما ~~قبائل جنوب العرب فيقصد بهم سلالة كوش الذين أسسوا بابل، والذين استقروا على ~~الخليج الفارسي أيضا. # 10 # وبغض النظر عن تزمين حكم الكوشيين أو الكاشيين، الذين أسسوا بابل بألف عام، ممثلة ~~ترميزا في شخصية الضحاك، لترمز إلى رب بعينه لجمهرة حاكمة بذاتها. فإن هناك تزمينا ~~آخر ينقله «نادوثي» عن المؤرخ البابلي «بيرسوس # Brushes ~~»، الذي عاش في بابل سنة 400ق.م. وأرخ لبلاده، وتسربت من كتبه ~~المفقودة إلى المؤرخين الكلاسيك واليهود، وما ينقله نادوثي يعنينا منه فقرة يقول فيها ~~بيروسوس: # كان عدد ملوك بابل العرب تسعة، بلغت مدة حكمهم نحوا من 225 عاما. # 11 # ومدة 225 سنة سنكتشف في الفصول المقبلة، أنها كانت الزمن الذي أمكننا تدقيقه لوجود ~~الهكسوس في مصر، على سدة حكم مصر بدورها (كما سلف وكما سيأتي مزيد يؤيده). # ونعود للشهنامه لنجدها تحوك أسطورة حول الضحاك، تقول: إنه نبتت في كتفه حيتان، لا ~~تهدآن إلا بالاغتذاء على أمخاخ البشر، فكان رمزه الثعبان، أو كان قرينا لثعبان أسطوري معبود. # 12 # ومن جهتهم يصر المؤرخون العرب القدامى، على أن الضحاك ms521 كان ملكا على بلاد الرافدين ~~القديم، لكنه كان يمنيا، فما أبعد الشقة، وما أقربها في ضوء حدوث ذلك زمن إمبراطورية ~~كبرى من حلفاء كبار! لذلك يعقب المسعودي بقوله: «إن اليمانية من العرب تدعي الضحاك ~~(أي تنسبه لليمن [المؤلف])، وتزعم أنه من الأزد. وقد ذهب كثير من ذوي المعرفة بأخبار ~~الأمم السالفة وملوكها، إلى أن الضحاك كان من أول أوائل ملوك الكلدانيين النبط.» # 13 # ونعود للشهنامة التي تخبرنا أن ملك الضحاك، قد سقط على يد رمز الخير في الأسطورة ~~«إفريدون»، الذي اعتقل الضحاك وسجنه في مغارة مظلمة، في شعب يقع بين جبلين متناطحين، ~~يضيق ما بينهما حتى يرى في النهار الشامس كالليل الدامس. # وإفريدون في الشهامة هو أول طبيب، فقد أنزلت إليه عشرة آلاف من الأعشاب الشافية، كانت ~~تلتف في غيضة حول شجرة هوم البيضاء. # 14 # والأبيض هو اللبان، واللبن واللبان من جذر لغوي واحد، يشير إلى الإبانة ~~والوضح والجلاء؛ لذلك يكون منطقيا أن من هزم الثعبان طبيب؛ لأن المرض عادة ما كان ~~يعزى لسم الثعبان ونفثاته، لكن منها أيضا تؤخذ العقاقير العلاجية، ولم يزل رمز الدواء ~~ثعبانا ينفث سمه في كأس. والمدهش أن الشهنامة تقول إن إفريدون رزق بحفيد أسماه ~~مناجهر، ومعناه عندما تترجمه من الفارسية إلى العربية، يلتقي تماما مع المعاني المصرية ~~القديمة فهو «الأبيض الضاحك». وحتى تكتمل اللوحة نقرأ المراجع الإخبارية العربية، ~~فتفيدنا خبرا نافعا هو: إن هذا الأبيض الضاحك أو «الضحاك»، كان حفيدا لإسحاق بن ~~إبراهيم، إسحاق دون غيره، وبالذات؛ فلماذا لا يكون هو إسحاق بالتحديد (؟!) إذن بذلك ~~نكون قد حققنا اسم إسحاق بحسبانه هو ذات عين اسم الضحاك معنى ومبنى، بل وفيما تضمنته ~~جينات اللغة الحاملة للصفات الوراثية عبر تطورها التاريخي الطويل. # وننتقل نقلة أخرى، فنربط بين اسم إسحاق بالضحك، وبالضحاك الذي ملك على الأرض جميعا، ~~(وهو ما يعبر عن سيادته على إمبراطورية كبرى) وبخصب الأرض والحيض والنبت والولادة، ~~وبين اسم الملك الهكسوسي الذي حكم على إمبراطورية عظمى مترامية الأطراف، وهو ما انتهينا ~~إليه في الفصول ms522 السابقة، الملك الهكسوسي الثاني على مصر، والذي جاءنا اسمه عند مانيتون ~~(بنون # Benon ~~)، ونقله عنه يوليوس الإغريقي ويوسفيوس ~~(بيبون)، وهو ما لا بد أن يذكرنا بميمون/البابون، وأن الملك بنون جاء اسمه في بردية ~~تورين باسم «بنيم»، ووصلنا اسمه على الآثار المصرية بالرسم «سكا»، والسكة هي حديدة ~~المحراث. والسكة عادة ما ترمز للقضيب الذكوري، ويكنى بها عن القضيب؛ لأنها تشق تربة ~~الأرض كما يشق القضيب الفرج فيدمى. فالسكة هي التي تجعل الأرض تحيض وتلد، تجعلها تضحك، ~~فسكا هو صانع الحيض أو صانع الضحك، هو الضحاك. ويدعمنا بشدة هنا أن الكتابة ~~الهيروغليفية التصويرية، تكتب أول حروف اسم سكا من اليمين، حرفا على هيئة رجل يمسك ~~محراثا ~~، وبإهمال الحاء ~~المخففة في اسم إسحاق/سحق يصبح سك، وهنا فورا نتذكر عنصرا هسكوسيا في مصر، كان يحمل ~~اسم «السكاسك»، ومنه فيما نرى جاء اسم مدينة الزقازيق. ثم علينا ألا ننسى أن حكام ~~الهكسوس كانوا بالأصل في الأغلب عبدة للقمر، ومع هبوطهم مناطق الخصب عبدوا الشمس ~~أيضا، وتسمى ملوكهم في مصر بأسماء تنتسب إلى رب الشمس المصري القديم «رع»، لقد كان ~~سكا شمسيا وقمريا في ذات الوقت كما هو «ضحوت». # وهذا بالطبع لا يعني أن إسحاق المقصود، هو إسحاق التوراة بن إبراهيم تحديدا، وكل ما ~~نعنيه أن جميعهم كانوا ذوي قرابات وأسماء متقاربة، وأن الحاكم الهكسوسي ~~«البابون/ميمون/سكا/الضحاك» كان ملكا هكسوسيا، حكم في إمبراطورية كبرى، وربما كان ~~هو أصل الأساطير العربية، عن عظيم من اليمن باسم الضحاك، الذي جمع صفة الشكل الآدمي مع ~~الضبع عناق البونتي. # ونقف نعجب من اللغة المصرية القديمة، وهي تطلق على قرد البابون الأسود القاتم اسم ~~الأبيض الكبير، وما في معناها الضحاك العظيم، وأن يقال في العاج الناصع البياض أبنوس ~~وهو شديد السواد، وأن تكنى العربية عن الصفة المعيبة بعكسها، فتقول عن الأعمى «أبو ~~بصير» و«الشواف» وعن الكسيح «أبو سريع». وإذا تصورنا فعلا أن الملك النمرود ربما هو ~~الضحاك، فهي الصفة العكسية لعلمنا لماذا حمل هذا الاسم؛ لأن كتبنا التراثية تصوره ~~زنجيا شديد القبح ms523 حتى شبهته بالقرود. (وكانت آدوم موئلا لقردة البابون ~~بكثرة). # ولا يفوتنا التنبيه إلى أن لسان العرب نسب الضحاك إلى عدنان، فقال الضحاك بن عدنان، ~~وعدنان هو أبو العرب المستعربة، ثم هذا كله يفسر بقايا ذكريات ربطت بين الجنس ~~الإسرائيلي وبين جنس القردة، وتواتر ذلك عبر الأزمنة، حتى جاء عنهم في القرآن: # فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين ~~(البقرة: 65) # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين ~~(الأعراف: 166) # من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم ~~القردة ~~(المائدة: 60) # وفي موضع آخر بالشاهنامه رواية أسطورية تتحدث عن العنقاء، التي كانت - في الرواية ~~المصرية - تسافر من بلاد العرب حاملة أبيها إلى منف، لكن الشاهنامه هنا تحدثنا عن شخص ~~باسم «سام»، أنجب ولدا شعره أبيض (مما يذكرنا بعيسو آدوم في الرواية التوراتية)، ~~فألقاه أبوه على جبل العنقاء، فقامت العنقاء بتربية الطفل بين صغارها، ثم حملته بعد أن ~~شب صبيا إلى أبيه، ليصير ملكا من بعده، وأعطته ريشا من جناحها يمكنه أن يستدعيها ~~بحرق ريشة منه إذا حزبه أمر. # 15 # والرواية هنا قريبة مما روي عن رحيل الفينيق لأداء رسالة مشابهة. ~~والترميز يربط بين موطن العنقاء وموطن الوليد الأحمر، وبين كليهما وبين مصر، في رمز ~~واضح يشير إلى أن ابن العنقاء بالتبني، ابن الفينيق، ابن الأيبس، ابن ضحوت، ابن القرد، ~~الضحاك، قد صار ملكا عظيما. # وقد أصبح الآن لدينا عدد من التجليات لرب سيناء وآدوم، ومنها ذلك القرد القمري ضحوت، ~~الذي حمل وجه سيت عناق البونتي، ونلاحظ أن البابون في نقوش رحلة حتشبسوت إلى بونت، كان ~~يتربع على صواري السفن، والشق «بي» و«بو» المصرية القديمة تعني «فم»، فهو «بي - بون» أو ~~الفم البونتي. وهو الفم المعلوم الأمر للمصري القديم؛ لأنه فم عناق البونتي. ومن هنا لا ~~يكون أصل كلمة بابون مجهولا، إنما كان معلوما في مصر وآدوم، ولم يزل ملاعبو القرود ~~المتسولون في مصر حتى الآن، يقفون في المناطق الشعبية يلاعبون قردتهم بالنداء: «العب يا ~~ميمون.» # وقد سبق وقدمنا محاولة تفسير لاسم بلاد بونت ms524 عند المصريين القدماء، فقلنا إنه الحجر، ~~استنادا إلى اسم الحجر الهرمي بن بن، وأنه البلاد الخماسية. وهنا اقتراح آخر لتفسير ~~اسم بونت، فربما جاء منسوبا إلى الفم البوني (البابون). ثم نعلم أن مشروب القهوة/البن ~~كان منتوجا من جنوبي الجزيرة/يمنيا. ولا شك أنه قد وجد طريقة مع التجار إلى بلاد ~~آدوم، التي كانت تصدره كمادة عطرية ومادة علاجية، ويدخل البن في معظم التركيبات ~~العلاجية الشعبية، ولم يزل يستخدم في قرى مصر كمجلط للدم وحابس للنزيف. وربما حمل هذا ~~النبات اسم البن؛ لعلاقته بالفم البوني/البابون، وربما كان قرد البابون وراء اسم بونت، ~~خاصة إذا علمنا أن الكلمة اللاتينية، التي تدل على البن هي «كوفي» و«كافي»، وهي اختصار ~~بالأحرف الأولى لاسم البابون # Ceno-Cephalus ~~، ثم إنها ~~بالضبط «قهوة» العربية لتبادل الفاء مع الواو؛ فالقهوة هي الكوفي هي القهفة/الكهفة، فهل ~~ثمة علاقة بين هذا الاسم وبين الكهف والكهوف مساكن آدوم القديمة؟ ومن قهوة لدينا مدينة ~~«قها» في مصر. والعجيب أن تدهشك اللغة بقدرتها على حمل كل تلك الذكريات؛ لأن قها كانت ~~أحد أهم مقار عبادة الإله الضحاك ضحوت. والأغرب أن تبقى الذكريات بشكل لا واعي، ويحفظ ~~العامة اليوم مأثورا عن علاقة «قها» بفعل الضحك، فيطلقون على البلدة من باب التفكه ~~«بلد النصف ضحكة»، باحتساب الضحكة الكاملة هي قهاقها. # والدارس للأساطير يعلم أن رب القمر كان على علاقة وطيدة بالمرأة، حتى عدته بعض ~~الأساطير إلهة أنثى، وذلك لتناغم تقلب أوجهه مع إيقاعات المرأة البيولوجية في دورتها ~~الشهرية الحيضية، وكان ربا للهواء والريح، وهو ما يستدعي «هوا» رب الريح و«يهوه» ~~كأرباب خصوبة، وهو ما يفسر لنا الضحك باعتباره حيضا؛ لأن الضحاك الكبير ضحوت، كان هو ~~القمر قرين الحيض الأنثوي. ومع حيض نقرأ تحت مادة حضض باللسان: # حضض: الحض ضرب من الحث في السير. وهو عقار مكي ومنه هندي، وهو عصارة شجر ~~معروف. وقال ابن دريد: الحضض صمغ من نحو الصنوبر والمر. وأحمر حضي: شديد ~~الحرمة، قال ابن خالويه: يقال حاضت ونفست ودرست وطمثت وضحكت وكادت وأكبرت ~~وصامت، ms525 قال المبرد: سمي الحيض حيضا من قولهم حاض السيل إذا فاض. وقيل: الحيض ~~الدم نفسه. # وهكذا أجملت اللفظة معانيها فأوعبتها، فالحيض الذي هو فعل الضحك، الذي يسببه الضحاك ~~الكبير القمر، رب الخصب والطريق الوسيع، فهو يفتح الأرض لتنجب، ويفتح فرج الأنثى فتحيض ~~وتلد، ويفتح شجرة المر فتنتج لبانها، واللبان والصمغ والمر كلها تسيل، كالحيض من جرح في ~~الشجرة ينفلق تلقائيا. وبين معاني حاضت: درست، والدرس هو استخدام السكة في شق الأرض. ~~وكان الفرعون الهكسوسي الثاني على مصر يحمل اسم سكا، وللتأكيد تم تدوين نفسه اسمه برمز ~~فلاح يحرث الأرض بسكته. # وفي القصص الإسلامي حكايات عن النبي موسى لم تعرفها التوراة على الإطلاق، ويبدو أنها ~~كانت مأثورا تاريخيا شفاهيا، لم يجد طريقه إلى التدوين بالكتاب المقدس، استمر ~~متواترا حتى زمن الدعوة الإسلامية، حيث أعلمنا به القرآن الكريم والأحاديث النبوية ~~الشريفة. ومن نماذج تلك الحكايا قصة التقاء موسى، في موضع يسمى مفرق البحرين، بشخصية ~~تراثية باسم الخضر، الذي صورته الآيات بحسبانه حكيما عظيما يعلم الغيب، كما أضافت ~~إليه الشروح صفات تفسر اسمه بشكل يشير إلى أنه كان في الأصل ربا للخضرة والزرع؛ فقد ~~كان إذا جلس على فروة بيضاء اخضرت، وأن الأرض تخضر تحت قدميه بالنبات عند مسيره، ~~وأنه حي غائب، حي خالد في هذه الحياة الدنيا، لكنه مختف عنا، فقط يظهر كل حين ~~لتحقيق غرض قدسي محدد كلقائه بموسى. # ونحن نعلم أن أوزيريس المصري كان ربا للخضرة والزرع والنيل، وربا أيضا للحكمة، ~~يمكنه اتخاذ هيئة ضحوت الضحاك رب الحكمة في أي وقت. كما نعلم أنه قد مات شهيدا، لكنه ~~قام حيا من بين الأموات في اليوم الثالث، يوم القيامة المجيدة، ونعلم أنه خالد في ~~هذه الدنيا؛ لأنه يحكم في عالمه التحت أرضي، لكنه كان على استعداد للعودة إلى الأرض ~~دوما، لتخصيبها بمائه المخصب ولإنقاذ المصريين من الخطوب. # ويبدو الخضر في الروايات الإسلامية ربا أيضا للسمك، فهو يركب على ظهر حوت، وكان ~~الحوت دليل موسى إليه ليلقاه، وكان أوزيريس بدوره حوتا أو ms526 ربا للسمك وكل كائن مائي ~~حي، كذلك كان ذو الشرى المعبود الآدومي، الذي كان يصوره في هيئة رجل نصفه الأعلى إنسان ~~ونصفه الأسفل سمكة، كذلك داجون الذي عبد في فلسطين في عسقلان، والغريب أن جميع هذه ~~الآلهة كانت أربابا أيضا للحنطة رمز الشبع والخير والخصب، حتى داجون نفسه من اسم ~~الحنطة «دجن». # وكان بإمكان أوزير كرب للحكمة، أن يتحد بالإله ضحوت الضحاك إسحاق، الذي هو المختص ~~بالحكمة، وساعتها سيحمل اسمه الثاني حضور، والحضور ظهور النبت هو الخضور هو الخضرة هو ~~الخضر. # لكن المصريين من جانبهم رأوا في الحاكم الهكسوسي الأعظم رأيا آخر، فقد أطلقوا عليه ~~اسم الشيطان «أبوفيس» الحية، والكتاب المقدس وكتب الأخبار الإسلامية، ترى الشيطان ~~متجسدا في الحية. ولو رجعنا إلى يوليوس الإفريقي سنجده يقول لنا إن الملك الهكسوسي ~~الملقب بلقب «أبوفيس» هذا كان يحمل اسم «ستان» أو الشيطان، بينما يوسفيوس يسجل لنا اسمه ~~«سكا»، والسكة تعني الحارث. ولو فتحنا لسان العرب لطالعنا بذات المعاني؛ لأن الحارث اسم ~~من أسماء الشيطان! ومن أسماء أبي قردان في البلدان العربية، كما سبقت الإشارة «أبو حنش، ~~أبو منجل، حارس، عنز». وفي الأساطير المصرية أن ضحوت خرج من رأس ست، الذي يمثل الشيطان ~~أو هو ذاته. # الفصل الخامس # | تجليات الرب السينائي # عند خروج الإسرائيليين من مصر بقيادة موسى عبر سيناء، تم تكريس هارون وأبنائه ونسله ~~كهنة للإله «يهوه»، وهارون وموسى هما أبناء السبط لاوي بن يعقوب؛ لذلك أصبح الكهنة ~~جميعا فيما بعد من اللاويين نسل هارون، أو الليفيين. وهنا يحيطنا «زينون كاسيدوفسكي» ~~علما، يوضح لنا احتمال أن يكون اللاويون كهنة مديانيين من منطقة قادش سيناء، ونظنهم من ~~جانبنا مصريين من سكان براري الدلتا الشرقية وحدود سيناء الغربية، أو هم نصف مصريين نصف ~~ساميين. # ولما كنا نعلم من قصة التوراة أن موسى قد عاد إلى مصر من بلاد مديان بالعصا الحية، ~~وأنه قد صاهر كاهن مديان بسيناء (رعوئيل/يثرون)، فإنه يمكن فهم «كاسيدوفسكي»؛ إذ يقول: ~~«يرى بعض العلماء أن اللاويين لم يكونوا قبيلة من قبائل ms527 إسرائيل، بل هم فئة الكهنة في ~~قادش، حيث أكدت الكتابات العربية التي اكتشفت في منطقة العول، التي تقع إلى الشرق من ~~المنطقة التي كانت تسمى أرض مديان، أن كاهنات الإله «ود» كن يحملن لقب «لو»، بينما ~~حمل كهنته لقب لوي. ويزعم هؤلاء أن اللاوي اشتق منه. وثمة وجهة نظر أخرى في هذه ~~المسألة، تفترض أن لقب لاوي قريب من الكلمة اليهودية القديمة «لوي»، التي تعني أفعى. ~~ولن ننسى هنا أن المقطع لوي هو جزء من الكلمة، التي تشكل لقب الوحش الأسطوري لوياثان.» # 1 # ولوياثان وحش أسطوري في هيئة حية ضخمة هائلة، ظهر من قبل بذات الاسم كأفعوان (من ~~أفعى) زاحف، متعدد الرءوس في الأساطير الأوغاريتية، باعتباره كائنا مفزعا شريرا ~~يقتله الإله الأعظم. وقد سمي هذا الوحش في الأساطير المصرية «أبو فيس». ذات الاسم الذي ~~لقبوا به ثلاثة من ملوك الهكسوس الستة، (وقد قال الكتاب المقدس بدوره: إن الإله يهوه، ~~تغلب على الحية المتحوية لوياثان وقتلها) وفي مصر حتى الآن تقديس لشيخ يعده العامة من ~~أولياء الله الصالحين أخضع الثعابين لمشيئته، وله أتباع يقومون حتى اليوم باستخراج ~~الثعابين من المنازل نظير أجر، ويدعون بدورهم الولاية المقدسة، وكان ذلك الولي هو ~~المعروف باسم الشيخ الرفاعي، وأتباعه الرفاعية أو الرفاعيون، وهو ما يستدعي على الفور ~~الرفائي والرفائيين العمالقة. وللرفاعي بحي مصر القديمة مسجد هائل فخيم قائم حتى ~~اليوم. # ونتابع «كاسيدوفسكي» وهو يقول: «زد على ذلك أن أسماء اللاويين غالبا ما كانت تحمل في ~~أصولها معنى أفعى، ومن هنا يستنتج أصحاب هذه الفرضية أن اللاويين كانوا يعبدون الأفعى ~~في مصر، ولم يشاءوا ترك عبادتهم تلك، كما بينت الاكتشافات الأثرية أن عبادة الأفعى، ~~استمرت قائمة في فلسطين عدة قرون أخرى. ومن هنا يغدو مفهوما لماذا أقام موسى الأفعى ~~النحاسية وسط المعسكر. ولم ينج من اتهام أتباع يهوه له، من أنه لطخ نقاء اليهودية ~~بسماحه بإقامة عبادة إله الأفعى.» # 2 # وكاسيدوفسكي يشير هنا إلى النص التوراتي: «فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على ~~الراية» (عدد، 21: 9)، وما ms528 حدث بعد ذلك إبان حكم الملك اليهوذي الورع «حزقيا بن أحاز»، ~~الذي قرر مع التطور الكبير الذي لحق الديانة اليهودية مع مرور الزمن، استبعاد كل ~~العبادات والتجليات الإلهية؛ للإبقاء على وحدانية يهوه. وجاء بشأن ذلك نص بالكتاب ~~المقدس يقول: إن الملك حزقيا «عمل المستقيم في عيني الرب، هو أزال المرتفعات وكسر ~~التماثيل وقطع السواري، وسحق حية النحاس التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى ~~تلك الأيام يوقدون لها، ودعوها نحشتان» (ملوك ثاني، 18: 3، ~~4)، ونحشتان مقلوب حنش والحنش هو الثعبان. # والمعلوم أن الإله «ود» كان إلها عربيا عريقا، وأنه عبد في بلاد آدوم على تتالي ~~السيادات عليها، كما عبد في بلاد الحجر والمحيط الشمالي للجزيرة جميعا، وفي بلاد ~~الحجاز بعد ذلك. وجاء ذكره في القرآن الكريم كمعبود جاهلي، وظل «ود» ربا جليل القدر ~~حتى ظهور دين الإسلام، الذي صفى الآلهة جميعا عدا رب الإسلام «الله»، إلا أن الله ~~حاز لنفسه أسماء الآلهة السابقة في العربية، فهو الله من إيل، وهو القدوس من الإله ~~اليمني عستر الملقب «قدست»، وهو الرحمن من «رحمنن» اليمني وهو الرحيم من «ه-رحيم» عند ~~عرب الشمال، وهو الودود من «ود» ... إلخ. # ولو أضفنا لازمة التعريف الشمالية «الهاء في أول الكلمة» إلى ود، لصارت «هود» اسم ~~النبي الذي أرسله الله إلى عاد في القص العربي الجاهلي وفي القص الإسلامي، كما يفصح ~~اسم هود عن العلاقات الخفية بين الإسرائيليين وبقية الأخلامو ومعهم العرب، فهو «يهود»، ~~كما يشير الاسم هود إلى أصل كلمة «يهوذا». # وبالإمكان هنا أن نسوق تخريجا يعتمد على لغة قبائل الأحلاف؛ فأداة التعريف اليمنية ~~كانت «ن» تلحق بآخر الكلمة، بينما كانت «ه» أداة التعريف الشمالية تسبق المراد تعريفه، ~~فاسم الرحمن وهو إله يمني كان يكتب باليمنية «رحمنن»، وتكتبه العرب الشمالية «ه رحيم» ~~عند الأنباط، والأمر ذاته حدث مع الإله «ود» وحرف «د» في «ود» مدغم من حرفين بالتشديد، ~~فهو بالأصل «ودد» الذي هو «أدد» و«حدد» أو البعل حداد. وتعريف «ود» شماليا يجعل ~~الكلمة «هود» أو «يهود». أما تعريفه ms529 جنوبيا فيجعله «ودن» الذي هو آدون لقب البعل ~~بمعنى السيد. # وهنا ينبه «كاسيدوفسكي» إلى مسألة بقاء الإسرائيليين في مصر زمنا كان كفيلا بتشربهم ~~ثقافة المصريين ومقدساتهم، حيث يقول: «أخذوا يتمثلون الثقافة المصرية رويدا رويدا. بل ~~وتشير معطيات موثوقة أنهم اعترفوا بعبادة آلهة المصريين ومارسوها، فقد قال يشوع بن نون ~~مؤنبا الإسرائيليين: انزعوا الآلهة التي عبدها آباؤكم في عبر النهر وفي مصر (يشوع 24: 14). # 3 # ويستمر «كاسيدوفسكي» شارحا: «يظهر التأثير المصري بكل وضوح في وصف التوراة للثياب ~~التي يريتديها الكاهن أثناء تأديته لفروض العبادة؛ فهي عبارة عن نسخة طبق الأصل تقريبا ~~عن الثياب التي كان يرتديها كهنة هليوبوليس (أون/عين شمس شمال شرق القاهرة الحالية، ~~وعاصمة الدولة الفرعونية القديمة [المؤلف]). ولم يكن ثمة فارق بين كهنة الإسرائيليين ~~وكهنة المصريين، سوى أن هؤلاء الآخرين كانوا حليقي الرءوس والوجه. بينما أطلق الأولون ~~شعر رأسهم ولحاهم. لقد اقتبس موسى عن المصريين أيضا تابوت العهد والأسفاط (الكروبيم ~~بالتوراة [المؤلف])، التي كانت تظل بأجنحتها شكلين لروحين حاميتين. إن الكروبيين ~~اللذين زينا التابوت هما من منشأ مصري أيضا. ولقد اقتبست القبائل البدوية عن ~~الإسرائيليين تابوت العهد، وحرم المعبد يحمل خيمة مقدسة صغيرة، وما زالت آثار هذا ~~التقليد المصري القديم قائمة حتى اليوم عند قبيلة الروالة، التي تنتقل في الصحراء ~~السورية، حاملة على أحد الجمال سفطا خاصا، يسمى المركب أو تابوت إسماعيل، الذي يعد ~~ما يشبه الذخر المقدس للقبيلة.» # 4 # شكل رقم «147»: تصور فني لقصة التوراة عن حية موسى على ~~الراية. # شكل رقم «148»: المؤلف ومعه صديقته تحت نصب حديدي يمثل حية موسى ~~على جبل الجلجال شرقي أريحا. # ومثل بقية الشعوب القديمة قدس الإسرائيليون العجل/الثور؛ لما له من قوة وفحولة جنسية ~~خصيبة. ومعلوم أن قدسية الثور كانت شاملة ومنتشرة بين جميع الشعوب القديمة، حتى صنع ~~الملوك تيجانهم تعلوها القرون، وهو ما لحق بيعقوب إسرائيل نفسه، حيث يحيطنا شيفمان ~~علما أن هناك صيغتين وردتا في التوراة عن يعقوب (في ~~سفر التكوين: 49؛ وفي المزمور: 132)، تمت ترجمتها إلى عزيز إسرائيل وعزيز يعقوب، بينما ~~هما ms530 في الأصل العبري المازوري ثور إسرائيل وثور يعقوب. # 5 # بل إن هناك نصا صريحا واضحا يشير إلى اعتقاد إسرائيل (المملكة الشمالية) منذ فجر ~~انقسام مملكة سليمان، إلى يهوذا في الجنوب وإسرائيل في الشمال، أن يهوه بالفعل هو الذي ~~أخرجهم من مصر، لكنه ليس سوى الثور نفسه؛ فقد أمر الملك يربعام مؤسس إسرائيل الشمالية ~~بعمل عجلين من ذهب «... وعمل عجلي الذهب، وقال لهم هوذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من ~~أرض مصر. ووضع واحدا في بيت إيل، وجعل الآخر في دان» (ملوك أول، 12: 28-29). # وعندما أخذت الديانة الإسرائيلية خطها التطوري ~~اللاحق للتفرد بيهوه وحده، نسمع نبيا من مملكة يهوذا، اسمه هوشع يصب نقمته على أشقائه ~~في مملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة، وعلى سبط إفرايم الابن الثاني ليوسف؛ وذلك بسبب ~~عبادتهم عجول أون. وعجول أون هي عجول عين شمس المصرية، وعجل عين شمس المعروف كان ~~المعروف باسم العجل أبيس.كذلك نعى هوشع على إسرائيل عبادتها لشوامخ أون، والشوامخ هي ~~المسلات التي تطلق عليها التوراة اسما آخر على التبادل هو السواري (هوشع، 10: 5، 8) ~~جمع سارية. # وفي قصة لقاء موسى بربه ليأتي بألواح الشريعة إبان رحلة الخروج، يحيطنا «كاسيدوفسكي» ~~علما أن النص التوراتي القائل، أن موسى غطى وجهه بقطعة قماش؛ لأن وجهه كان يلمع أو يشع ~~من لقاء الله، كان في أصله المازوري أن موسى بعد لقاء الرب ظهر له فوق رأسه قرنان. # 6 # وإعمالا للنص الأصلي صور الفنان مايكل أنجلو، تمثال موسى بقرنين. ولا بأس هنا أن ~~نجمع اللمعان المضيء مع القرنين، إذا تذكرنا أن الفرعونة حتشبسوت قد استوردت من بلاد ~~بونت مادة دهنت بها جسدها، فأضاءت أمام شعبها، وهي ذات البلاد التي جرت فيها أحداث ~~الخروج بمديان وآدوم سيناء. ويؤكد لنا «كاسيدوفسكي» أن الكهنة المصريين كانوا يغطون ~~وجوههم أثناء إقامة الاحتفالات الدينية والمراسم؛ لأنها كانت تضيء «أما القرون فهي راسب ~~من رواسب عبادة الثور المصري أبيس. وهذا ما تدل عليه حادثة العجل الذهبي، فبقيت القرون ~~رمزا للقداسة.» # 7 # كذلك ظل البعل وهو ثور بدوره، هو ms531 جدي «تيسا» إلها جليل الشأن لدى شعوب شرقي المتوسط ~~وضمنها بنو إسرائيل. ويمكنك أن تجد بالكتاب المقدس شهادات واضحة بذلك، من أمثلتها ~~عبادتهم عجل بعل فغور (تثنية، 32: 17-16؛ وعدد، 25: 1-3)، وعبادتهم البعل وعشتروت ~~(قضاة، 2: 13)، وعبادتهم البعليم جمع بعل (قضاة، 3: 5-8)، كما مارسوا طقس الجنس الجماعي ~~وراء بعل بريث (قضاة، 8: 33؛ 10: 6)، ومارسوا هذا الزنا المقدس في باب خيمة الاجتماع ~~(صموئيل أول، 2: 22)، كذلك ذكر هذا المقدس أن سليمان سجد لكل آلهة المنطقة (ملوك أول، ~~11: 1-8)، كما عبدوا عددا من العجول الذهبية، وقاموا بالجنس الجماعي على المرتفعات، ~~وقدموا الأطفال أضاحي للآلهة (ملوك أول، 13: 2؛ 14: 23؛ 16: 31-33؛ وملوك ثاني، 16: 3، ~~4؛ 21: 2، 6؛ وأخبار أيام ثاني، 21: 11، 33؛ وملوك ثاني، 23: 11؛ وأخبار أيام ثاني، 34: ~~2-5)، كذلك سجدوا لبعل مولك عند توفه (ملوك ثاني، 23: 10)، أما مركب الشمس المصرية التي ~~كان يعتقد أن رع يركبها في رحلته السماوية، فقد كانت محل عبادة دائمة في المملكتين ~~معا إسرائيل ويهوذا، حتى وصل الأمر بالنبي إرميا، وهو يرهص بتوحيد يهوه، إلى التنديد ~~بشعبه صارخا فيه: «بعدد مدنك صارت آلهتك يا إسرائيل» (إرميا: 11-13). # حتى إن يهوه نفسه الذي اكتشفه موسى في أيكة مديان المضيئة لم يكن إلها واحدا، بل ~~مدمجا لعدد من الآلهة، حيث يقول لنا «كمال الصليبي»: «هناك ثلاثة مقاطع مختلفة في ~~التوراة، تذكر اسم موسى مع تعريف لشخصه بأنه: ء يش ه - ء لهيم، وفي الترجمة العربية ~~وسائر الترجمات: رجل الله (المزمور، 90: 1؛ وعزرا، 3: 2؛ وأخبار أيام أول، 23: 14)، ولو ~~كانت العبارة بالعبرية هنا: ء يش لهيم، لصحت ترجمتها على أنها تعني رجل الله؛ لأن اسم ~~الله بالعبرية هو: ء لهيم. ويلفظ: إلوهيم. لكن العبارة العبرية هي في الواقع ه ء لهيم ~~بالتعريف، وليس: ء لهيم بدون تعريف، وه ء لهيم بالعبرية ليست هي اسم الله، بل لفظة ~~عادية تعني الآلهة، جمع إله أي آلهة مع سابقة التعريف. # 8 # ولعل أهم تجليات الإله يهوه وأبرزها إضافة إلى الثعبان، هو التجلي الناري، وقد سبق ~~وألمحنا إلى خنفساء المانجروف، كظاهرة يمكنها تفسير مشهد عليقة تلتهب ولا تحترق. ~~والطريف أنه يمكنك أن تجد ms532 في سيناء أكثر من ظاهرة للنباتات الضوئية. وقد حاول بعض ~~الباحثين تفسير مشهد عليقة تلتهب ولا تحترق، بالظاهرة المعروفة بهالات القديسين، «وهي ~~هالات ضوئية ترى محيطة برءوس القديسين في المصورات القديمة، وتطابق ما يشاع بين ~~البسطاء عن أنوار تشع من وجوه الأنبياء والأولياء ذوي الكرامات، وهي الظاهرة التي ~~فسرها علم الفيزياء بعد اكتشافه للكهرباء الجوية، ~~التي تأخذ أحيانا شكل كهرباء إستاتيكية مستقرة، وعادة ما تظهر فوق قمم الجبال والمناطق ~~الخلوية الرطبة، وهي الأماكن التي اعتاد الزهاد والنساك ارتيادها للتعبد والاختلاء، ~~كذلك الأفاقون والهاربون من العدالة، وهم أيضا ممن لوحظت معهم تلك الظاهرة، وكانت ~~رؤيتها كفيلة بإبهار العامة.» # 9 # ومن جانبنا لا نجد ذلك معبرا بوضوح عن ظاهرة العليقة الموسوية، فنحن نظن موسى ~~التوراتي قد رأى بالفعل لهبا بشكل من الأشكال، أو ضوءا نباتيا، وليس شرطا أخذ ~~الأسطورة بحرفيتها أو بتفاصيلها الدقيقة ، على محمل الجد الصارم، حيث حاول الباحثون ~~العثور على تفسير للظاهرة في سيناء نفسها، فوجدوا هناك نباتا لم يزل يسمى عليقة موسى ~~من قبل سكان المنطقة الحاليين. واكتشف أن لهذا النبات خصائص فريدة، فهو يرسل خيوطا من ~~الزيت في الأثير، تتوهج بسهولة تحت أشعة الشمس، وحملوا معهم إلى بولونيا نموذجا منه، ~~وزرعوه في محمية «سكوروتيت». وفي عام 1960م خرجت الصحف بنبأ مثير يقول: إن عليقة موسى ~~المحاطة بالرعاية في المحمية، قد اشتعلت بنار ذات لون أحمر، وكان اليوم حارا وقائظا. # 10 # ومن ثم تم الربط بين اشتداد الحرارة والرطوبة معا، وهو ما يحدث في أيام ~~محددة في ذلك الجنوب السينائي، وبين توهج ذلك النبات بالضوء، لكن أحدا في بولونيا لم ~~يزعم أنه رأى يهوه، أو سمعه يتكلم من خلال النبتة المتوهجة! # وظاهرة رابعة في سيناء أيضا، يمكنها بدورها تفسير مشهد عليقة نارية لا تحترق، ~~صادفتنا إبان مشاهدتنا للتلفاز المصري، على قناته الأولى في برنامج عالم الحيوان، وكانت ~~تفسيرا سهلا وبسيطا، حيث كان يعرض البرنامج الذي أعده سعيد محمود وعلق عليه، وأذيع ~~خلال شهر يناير 1993م، ألوانا من الأشجار والنباتات ms533 الفطرية، التي تتعايش معها بكتريا ~~تؤدي بالتفاعل الكيميائي، إلى صدور شحنات ضوئية منتظمة نابضة تصدر عن النبات. وقدم ~~البرنامج ألوانا من تلك النباتات في البحر الأحمر وفي شبه جزيرة سيناء. وبالطبع لم يكن ~~البرنامج يتحدث عن عليقة موسى، لكنه كان يتحدث عن ~~الشوكيات، وفطر المشروم السينائي الذي يضيء بالخلايا البكتيرية، كما قدم أيضا عددا من ~~تلك الظاهرات تحدث في نباتات مائية في عمق البحر الأحمر وخليج السويس والعقبة، أما ~~الحالات التي عرضها البرنامج فكانت مدهشة حقا، حيث كان النبات يبدو بالفعل متوهجا ~~تماما كما لو كان يشتعل بالنار، ولو لم تمسسه نار. # ومن ثم فلدينا في شبه الجزيرة السيناوي، أكثر من ظاهرة يمكنها تفسير ما شاهده موسى، ~~في تلك الصحراء الحافلة بالعجائب، فلو كانت الرؤية بالنهار يمكن أن تفسرها العليقة ~~الزيتية، وإن كانت ليلا يمكن أن تفسرها خنافس المانجروف أو المشروم المضيء. # ونبات المشروم تحديدا يمكنه أن يستدعي معاني كثيرة، فالإله يهوه يبدو في أحد ~~تجلياته كقضيب ذكري، ولا ننسى أن القضيب مصدر الخصب وعلامة القوة، فالبطاركة الأوائل ~~كان يمسك أحدهم بالقضيب، ويقسم به في مواضع متعددة بالتوراة، ومثالا لذلك «وقال ~~إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على ما كان له: ضع يدك تحت فخذي، فأستحلفك بالرب إله ~~السماء وإله الأرض، أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين» (تكوين، 24: 2-3). ~~ويتكرر القسم بالقضيب في عدة مواضع أخرى، منها على سبيل المثال ما جاء في طلب يعقوب ~~لولده يوسف إبان وجودهم في مصر، ألا يدفنه في بلاد مصر، بل يذهب بجثمانه إلى أرض كنعان ~~ليدفنه هناك، وهو الطلب الذي لم يطمئن إلى تنفيذه وتهدأ نفسه، إلا بعد أيمان مغلظة من ~~يوسف في عبارة التوراة على لسان يعقوب: «ضع يدك تحت فخذي، واصنع معي معروفا معي ~~وأمانة، لا تدفني في مصر» (تكوين، 47: 29). # ولا ننسى مسألة ختان القضيب كشرعة إسرائيلية، وفريضة إجبارية محتومة على كل يهودي، ~~ورغم علمنا من قوانين الفراعين وما تركوه من رسوم لإجراء عملية الختان بسكاكين الصوان، ~~تؤكد أنهم اعتبروا ms534 الختان ميزة خاصة تعاليا على بقية الشعوب، فإن الإسرائيليين أخذوا ~~بهذه الشرعة المصرية، بل واحتسبوها علامة العهد بين الرب وبينهم، الرب يعطيهم فلسطين، ~~وهم يعطونه غلفات قضبانهم بالاختتان. وكلما نظر الرجل إلى قضيبه بعد قص غرلته عنه، ~~يتذكر عهده وميثاقه مع الرب: # وقال الله لإبراهيم: وأما أنت فتحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا ~~هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك، يختتن منكم كل ذكر ~~فتختتنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم. فيكون عهدي في لحمكم ~~عهدا أبديا. ~~(تكوين، 17: 9، 13، 11، 10) # ولا يفوت لبيب هيئة المشروم، فهو يتخذ شكل قضيب نموذجي الاختتان، وبهذا الخصوص يعرب ~~شفيق مقار عن رأيه في ديانة يهوه فيقول: «هي نابعة من ديانات صحراوية من ديانات الخصب، ~~انصبت على تقديس نوع من الفطر واسمه العلمي هو «أمانيتا موسكاريا»، كان أتباع تلك ~~الديانة يرون فيه تجسيدا لإلههم القومي، وهو إله قضيبي. ويؤمنون بأن تعاطيه يمكنهم من ~~الاتصال اتصالا مباشرا بمعبودهم، ويتيح لهم مشاركته أسراره السماوية. والمعروف أن ~~لذلك الفطر تاجا يشبه قمة القضيب في حالة انتصابه، ويحتوي على عقار يسبب الهلوسة لمن ~~يتعاطاه، ويشيع في كيانه بلهنية وشعورا بالحيوية والجزل، يصحبه اندفاع لطاقة جسدية ~~عارمة، ويعقبه فترات من الانحطاط الجسدي الحاد. ونفهم الأهمية القصوى التي علقها هذا ~~المعبود القضيبي، حسبما يرويه الكهنة من مبدأ الأمر على مسألة الختان؛ فالختان هو الذي ~~يجعل القضيب، عندما ينتصب مماثلا لنبات الفطر المقدس، الذي رأى عبدة ذلك الإله أن ~~معبودهم يتجسد فيه.» # 11 # ومن الطريف أن اسم القضيب الذكري في العامية المصرية حتى اليوم هو «الحمامة»، وسر ~~الطرافة أنه قد تم العثور في أورغايت، على قطعة فنية نحاسية تعود إلى حوالي سنة ~~160ق.م. تحمل اسم رب التوراة # IA-HU ~~، وبتدقيق النظر ~~ستكتشف أن الاسم مركب من مقطعين « # IA # أي رفيع أو سامي ~~الشأن» و« # HU # أي الحمامة»، # 12 # فهو رب الحمامة أو رب القضيب. # ويعلق علي الشوك على تلك القطعة النحاسية بقوله عن إياهو: «وكان يدعى يومئذ ms535 إيلات ~~إياهو ... وكان إله الحدادة عند القينيين! ويظن أنه كان عشيق بعلت (أي البعلة [المؤلف]). ~~واسم إياهو يرجع إلى حقب أبعد بكثير، فهو قد ظهر في مصر في عهد الأسرة السادسة، أي ~~في النصف الثاني من الألف الثالث ق.م. لقبا للإله سيت # Set # أو سوتخ # Sutech ~~، وكان إله ~~الرعاة. وقد ظهر في سفر التكوين باسم شيث بن نوح.» # والأفعى المقدسة رمز يهوه «الأفعوان»، تتخذ في الأساطير اليونانية، صورة حمامة تلقح ~~الكون فيلد الحياة. ويضع علي الشوك تخريجا للأصل الاشتقاقي لكلمة حمامة، يقول إنه غير ~~متأكد من صحته، رغم أنه شديد الصحة، فهو عنده من مادة حم أي صار أسود؛ لأن حم في ~~المصرية القديمة = أسود، أفلا يحيل كل هذا إلى القينيين في مديان الحدادين وربهم حداد، ~~الحاميين، الكوشيين، الزنوج. # والأفعوان هو باليونانية # Ophis # ومنها أبوفيس كذلك هو # Ophion ~~، وله اسم آخر في ذات اللغة هو بيثون Python ~~، وفي اللغة الحورية الأوغاريتية اسمه ب ث ن ~~أي الحية. وبقلب الباء فاء تصبح فتن، والفتن بالعبرية تعني حية. وبثن بالعربية هو ~~الناعم الطري؛ لذلك نجد الاسم «بثينة» أي الناعمة. لكن يبدو أن تلك النعومة، اشتقت من ~~ملمس البيثون الحية الناعمة، لكنها الشريرة القاتلة؛ لذلك جاءت كلمة فتن في العربية ~~وفاتن، لتدل على شديد الجمال الفاتن الأخاذ، لكنه الشرير القاتل، ومنها الفتنة التي هي ~~أشد من القتل. # ومن بيثون يأتينا اسم PAN ~~/بان رب الرعاة أو رب الماعز ~~عند الإغريق، فقد كانت هذه صورته المفضلة (التيس)، وكان في الوقت ذاته هو رب القضيب ورب ~~الجماع، ثم المقابل لكلمة «بان» في العربية، هي كلمة فن/بن، والفن في العربية هو عملية ~~إخصاب الحمار لأنثاه، ويقال: فن الحمار بأتنه أي نكحها؛ لذلك يسمى الفنان. # وقد لاحظ جون الليجرو أن اسم البعل نفسه مأخوذ من اسم سومري هو # BA-AL # وهو ما يعني المثقب أو القضيب، واختلاط الباء ~~بالفاء يؤدي بكلمة «بال» السومرية إلى فالوس Phallus # اللاتينية، وهي اسم القضيب الذكري في حالة الانتصاب، ولنلحظ أيضا أن الشق ms536 الأول من ~~الكلمة # BA # هو في العربية القدرة الجنسية المسماة «باه»، ~~وكان المصري القديم يتصور القضيب وهو مخرج روح الرجل، وكانت الروح في المصرية القديمة ~~تحمل اسم ال «با». وكانت ترسم وهي تخرج من القضيب في شكل الحمامة، والحمامة هي اسم ~~القضيب المتداول في مصر حتى الآن، لم تزل ذكريات القضيب المضيء (فطر أو عيش الغراب ~~السينائي)، تتمثل في المصابيح الزيتية القروية باسم الفانوس/الفالوس. # وفي أساطير الشعوب القديمة جميعا تمثلت الروح في الريح، الرياح؛ ربما لأن التنفس ~~(النفس) أي الريح هو الذي يمد الكائنات بالحياة. وفي الكتاب المقدس: «بنسمة الله يبيدون ~~وبريح أنفه يفنون» (أيوب، 9: 4). ويتواتر ذكر عبارة «روح ~~الرب» (ملوك أول، 12: 18). أو كما في «بريح أنفك ~~تراكمت المياه» (خروج)، وتشترك مع الريح والروح كلمة الرائحة، التي عادة ما تعبر عن ~~الرائحة العطرية، وتشترك معها في الدلالة لفظ شذى، التي أحالت لدينا من قبل إلى «شرى» ~~أو ذوي الشرى، الذي ارتبط بالخصب بدوره، فولد تحت نخلة في بلاد آدوم في أسطورته. ~~والنخلة باليونانية هي Phoenix # فويينكس، وهو ذات الاسم ~~الذي كان يطلق على العنقاء الطائر المسافر من بلاد العرب إلى مصر، وإلى العناقين ~~العمالقة، الذين سنجد بينهم - بعد فصول - قاطعي الأعناق أو الرقاب أو قاطعي الرءوس، أو ~~الخناقين. والمبهر أن الكلمة فوينكس تعني أيضا في اليونانية «الخناق أو قاطع الرقبة»! ~~وهنا الحالة الثالثة التي نطلب من القارئ تذكرها؛ لأن لها دورا آتيا في حل كثير من ~~الألغاز في بحثنا هذا. # وكان القدماء يتصورون الريح الإعصاري، في هيئة عمود ثعباني كبير عظيم متلو يلتهم كل ~~شيء، وهي صورة الإعصار. ومن هنا جاء اسم الأفعى الأفعوانية، التي أصبحت في اليونانية ~~أوفيس/أوفيون، لكنهم يطلقون عليها أيضا الاسم بيثون. ومن الكلمات «بثن» و«فتن» يأتينا ~~اسم «بان» رب الماعز اليوناني. وفي الأساطير اليونانية نجد مملكة الرياح تتكون من أربعة ~~آلهة بعدد الجهات الأصلية، وأمهم جميعا هي البقرة «يهو» أو «أيوس»، وكذلك فإن انفجارات ~~البركان المتتالية مع كل دمدمة تعطي بغبارها السحابي الهائل شكل الانفجار النووي، ms537 تعطي ~~بالضبط مشهد المشروم، مشهد القضيب لكنه العظيم المهول، الذي يقذف بمواد الخصب، لكن ~~بقدرة ربانية تزلزل الجبال وتنشف المياه وتشق الأرض. واللافا البركانية بالملاحظة ~~المستمرة، أعطت إنسان العصور الخوالي فرصة اكتشاف أنها سر خصب الأرض. # وعليه نقف الآن مليا مع مشهدية كبرى نارية قضيبية بركانية لرب التوراة «يهوه»، وهو ~~يتجلى تجليا لا يمكن بحال إلا احتسابه بركانا كامل المواصفات. # وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب، ليهديهم في الطريق، وليلا ~~في عمود نار ليضيء، لكي يمشوا نهارا وليلا (خروج، 13: 21). # سحابة الرب كانت على المسكن نهارا، وكانت فيها نار ليلا، أمام عيون كل ~~بيت إسرائيل (خروج، 40: 48). # وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح، أنه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل ~~على الجبل، وصوت بوق شديد جدا، فارتعد كل الشعب الذي في المحلة، وأخرج ~~موسى الشعب لملاقاة الله، فوقفوا في أسفل الجبل، وكان جبل سيناء كله يدخن، ~~من أجل أن الرب قد نزل عليه بالنار، وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل ~~الجبل جدا. ونزل الرب على جبل سيناء، إلى رأس الجبل (خروج، 19: 16، 17، ~~18، 20). # وكان الشعب كأنهم يشتكون شرا في أذني الرب، وسمع الرب فحمي غضبه، ~~فاشتعلت فيهم نار الرب وأحرقت طرف المحلة، فصرخ الشعب إلى موسى، فصلى إلى ~~الرب، فخمدت النار، فدعي اسم ذلك الموضع تبعيرة؛ لأن نار الرب اشتعلت فيهم ~~(عدد، 11: 1-3). # عندما تمرد قورح - قارون إسلاميا - على موسى: «انشقت الأرض التي تحتهم، ~~وفتحت الأرض فاها، وابتلعتهم وبيوتهم، وكل ما كان لقورح من كل أموال، ~~فنزلوا هم وكل ما كان لهم من أحياء إلى الهاوية، وانطبقت عليهم الأرض، ~~فبادوا من بين الجماعة، وكل إسرائيل الذين حولهم هربوا من صوتهم؛ لأنهم ~~قالوا: لعل الأرض تبتلعنا، وخرجت نار من عند الرب، وأكلت المائتين وخمسين ~~رجلا، الذين قربوا البخور (عدد، 16: 31-35). # فتقدمتم ووقفتم في أسفل الجبل، والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء، ~~بظلام وسحاب وضباب (تثنية، 4: 11). # الرب إلهك هو نار آكلة، إله غيور (تثنية، 4: 24). # إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله، ليس آخر ms538 سواه، من السماء أسمعك ~~صوته لينذرك، وعلى الأرض أراك ناره العظيمة، وسمعت كلامه من وسط النار ~~(تثنية، 4: 35، 36). # هذه الكلمات كلم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط النار والسحاب ~~والضباب وصوت عظيم. فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام، والجبل يشتعل بالنار ~~قلتم: هو ذا الرب إلهنا قد أرانا مجده وعظمته، وسمعنا صوته من وسط النار، ~~هذا اليوم قد رأينا أن الله يكلم الإنسان ويحيا، أما الآن فلماذا نموت؟ لأن ~~هذه النار العظيمة تأكلنا (تثنية، 5: 22، 24، 25). # فاعلم اليوم أن الرب إلهك، هو العابر أمامك، نار آكلة (تثنية، 9: ~~3). # وكان منظر مجد الرب، كنار آكلة على رأس الجبل، أمام عيون بني إسرائيل ~~(خروج، 24: 17). # فانصرفت ونزلت من الجبل، والجبل يشتعل بالنار (تثنية، 9: 15). # اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعده (مزمور، 2: 11). # يمطر على الأشرار فخاخا نارا وكبريتا وريح السموم (مزمور، 11: ~~6). # فارتجت الأرض وارتعشت أسس الجبال، ارتعدت وارتجت لأنه غضب، صعد دخان من ~~أنفه ونار من فمه، أكلت جمرا، اشتعلت منه. عبرت سحبه برد وجمر نار، أرعد ~~الرب من السماوات، والعلي أعطى صوته بردا وجمر نار (مزمور، 18: 13، 12، 7، ~~8). # صوت الرب يقدح لهب نار، صوت الرب يزلزل البرية، يزلزل الرب برية قادش ~~(مزمور، 29: 7، 8). # نارا قدامه تأكل، وحوله عاصف جدا (مزمور، 50: 3). # السحاب والضباب حوله، العدل والحق قاعدة كرسيه، قدامه تذهب نار وتحرق ~~أعداءه، حوله أضاءت بروقه المسكونة، رأت الأرض وارتعدت (مزمور، 97: ~~2-4). # الصانع ملائكته رياحا، وخدامه نارا ملتهبة (مزمور، 104: 4). # بسط سحابا سجفا، ونارا لتضيء الليل (مزمور، 105: 39). # يا رب طأطئ سماواتك وانزل المس الجبال فتدخن، أبرق بروقا وبددهم، أرسل ~~سهامك وأزعجهم (مزمور، 144: 5، 6). # من حضرتك تتزلزل الجبال، كما تشعل النار الهشيم، وتجعل النار المياه ~~تغلي، لتعرف أعداءك باسمك، لترتعد الأمم من حضرتك (إشعيا، 64: 1، ~~2). # على جبل الله المقدس كنت، بين حجارة النار تمشيت (حزقيال، 28: ~~14). # غيظه ينسكب كالنار، والصخور تنهدم منه (ناحوم 1: 6). # والآن، هل من الممكن أن يفهم من تلك النصوص شيء، سوى أنها تصوير بليغ لبركان حقيقي؟ ~~إن البركان هو الظاهرة الوحيدة التي إذا طالعناها من بعد، أخذت شكل عمود النار ليلا، ~~وشكل عمود ms539 السحاب نهارا عندما تظهر الشمس، وتطغى بضوئها على ضوء النار المتلظية داخله. ~~هو الظاهرة الوحيدة التي يصاحبها أصوات القصف كالرعد والبرق، مع السحاب الثقيل المصحوب ~~بالأدخنة الصاعدة كالأتون. وهو الظاهرة الوحيدة التي تؤدي لارتجاف محيطها، وهو الظاهرة ~~الوحيدة التي يمكن رؤيتها عن بعد بأمان تام، لكنها تصبح خطرا محققا، إن زحفت ~~مصهوراتها إلى أماكن السكنى، كما حدث في إحراقها طرف محلة الإسرائيليين بسيناء. وهو ~~الظاهرة التي تصاحبها الزلازل ورجف الأرض، وانشقاقها ~~وابتلاعها لما فوقها، كما حدث مع «قورح/قارون إسلاميا» وجماعته. وهو الظاهرة التي ~~تظهر نيرانها في رءوس الجبال وقممها، وهو الظاهرة التي تصحبها رياح كبريتية سامة (رياح ~~السموم)، مع تفاعلات غازية في شكل أبخرة قاتلة. وهو الظاهرة الوحيدة التي بإمكانها إن ~~صبت في البحر أو النهر أن تجعله يغلي ويفور ويتبخر. إنه الوصف الدقيق تماما لإله ~~ناري، إنه الوصف الأكثر دقة لبركان في حالة توتر في شبه جزيرة سيناء. لكن المحبط ~~تماما هو تأكيدات الباحثين الجيولوجيين، أن سيناء لم تكن يوما (في العصور التاريخية) ~~مسرحا لأي ظواهر بركانية من أي نوع. وكان ذلك التأكيد مدعاة لارتباك طويل، عانيناه ~~أثناء مشاق هذا العمل، أدى - مع القناعة بوجود ظاهرة بركانية - إلى افتراضات بعيدة؛ ~~للبحث عن مواضع بركانية محتملة، كانت كل مرة تتضارب مع ما جمعناه من مادة علمية. وهذه ~~المادة جميعا لا بد أن تؤدي بالخارجين إلى جبل كاثرين في جنوب المثلث السينائي، وكانت ~~النتيجة مزيدا من جهد ضائع، ووقت ثمين ذهب هباء مع كل فرض، يسقط مع الاختبار قياسا ~~على المادة العلمية المجموعة. وعشنا متاهة كبرى كنا نخرج منها كل مرة صفر ~~اليدين. # ولم يعد أمامنا بإزاء كل المعطيات، سوى الإصرار على أن جبلي موسى وكاثرين كانا ~~بركانيين فعلا، ومن ثم كانت رحلتنا القاسية في ظروف أقسى، مع ظروف صحية أشد قسوة، ~~إلى المكان، لكنها كانت كافية للقناعة أن الجبلين، كانا إضافة لجبل الطور غربا، جبالا ~~بركانية بالفعل، حيث كانت نتوءات الخفاف البركاني، تتناثر بطول المنطقة وعرضها، ولكن ~~بكميات صغيرة متباعدة؛ ms540 لأن قولنا هنا لن يكون كافيا للفصل في الأمر، فقد عدنا ندقق ~~النظر في جغرافية «جمال حمدان»، لنجده يدعمنا ببساطة الصدق العلمي، الذي لا يحتاج معه ~~جدلا، فيصف كتلة جبل الطور بأنها «كتلة نارية»، وإن غلب عليها الجرانيت، لكن ما ~~يجاورها من مجموعة جبال كاثرين وموسى وأم شومر والثبت، وأبو مسعود وسربال ومدسوس، التي ~~تنتشر كغابة صنبورية من الأقماع المخروطية، تنتشر بها جميعا الطفوح البركانية الواضحة ~~في كل مكان.» ثم يقول بإصرار: «إن هذه المنطقة تحديدا قد تعرضت لاضطرابات تكتونية ~~عنيفة مزقتها تمزيقا وملأتها بالانكسارات التي لا حصر لها.» # 13 # أما «شطا» فقد لاحظ من جانبه، أن مجموعة «من الحمامات وتشمل صخور الحمامات هي عبارة ~~عن رواسب قديمة وصخور بركانية.» # 14 # وقام «عمار» يؤيده مؤكدا أن «النصف الجنوبي من سيناء، هو منطقة جبال ~~نارية مرتفعة، تقطعها الوديان العميقة. لكن هذه الكتلة النارية، لا تصل إلى ساحل خليجي ~~السويس والعقبة.» # 15 # ومن ثم لا يبقى سوى القول: إن إعلان السيدين كوتل وروزيير علماء الحملة الفرنسية: إن ~~سيناء لم تعرف البراكين، والذي سلم به الباحثون وأكدوه من بعدهم دون تدقيق، وكان وراء ~~نفي فكرة البركان السينائي واحتساب المنطقة بالكامل صخورا جرانيتية، إما ناتج خدعة ~~الانتشار الجرانيتي، دون ملاحظة دقيقة لذلك الطفح المتناثر، وإما أن الرجلين قد قاما ~~بخدعة غير لائقة تماما، دحضا لفكرة أن يكون إله التوراة مجرد بركان، تعصبا لفكرة ~~دينية حمقاء. وهناك عدة أسباب محتملة لاختفاء كثير من الطفوح البركانية، فيحتمل أن تكون ~~الرمال قد أهالت عليها بمرور السنين تلولا عظيمة من الكثبان، خاصة على الطفوح الكبرى. ~~ولم يبق سوى الخفاف المتناثر هنا وهناك. ثم هناك هواية دينية معهودة في جميع الأحجار ~~المقدسة للتبرك بها، كذلك استخدمت تلك الطفوح المقلوعة في مراكب الصيادين، فقد لاحظ دي ~~بوا إيميه العالم المرافق للحملة الفرنسية، أن تلك المراكب جميعا تعلق في مقدمة ~~السفينة كتلا من الخفاف البركاني لحفظ التوازن، وهي سفن خليج السويس وبالتحديد ميناء ~~الطور. أما أسمنت العالم القديم؛ فكان يتأتى بقلع ms541 الخفاف البركاني، وطحنه بمسحوق الحجر ~~الجيري، فيتحول هذا المزيد عند ابتلاله بالماء إلى أسمنت حقيقي، وعن البناء بهذا ~~الأسمنت حدثنا محمد العزب موسى يقول: «عندما يمتزج الخفاف البركاني بالحجر الجيري، ينتج ~~نوعا من الأسمنت القوي، وهذا ما حدث في ثيرا، وبالتحديد في جزيرة ثيراسيا التي أخذت ~~منها في ستينيات القرن الماضي كميات ضحمة من الأسمنت لبناء قناة السويس ومدينة بورسعيد.» # 16 # وما أكثر البناء في مصر القديمة! زد على ذلك استخدامه في ردم سواحل خليج ~~السويس المستمر لحمايتها، أدى هذا كله لا شك إلى تعرية الطبقة الجرانيتية من غطائها ~~(الخفاف الناري) في مواضع كثيرة، لكنه ترك لنا بعضها يتناثر هناك، ليشهد أن رب التوراة ~~النار الآكلة كان هناك، وأنه كان بركانا. ومن الطرافة ألا ننسى حجر الخفاف الذي كان ~~يملأ كل بيت في مصر؛ لتنعيم كعوب نساء مصر القديمة، تلك العادة التي استمرت ألوف السنين ~~وحتى اليوم، وكانت سيناء موردة هذه الأداة التجميلية للوطن الأم. # ومع هذا كله تظل جيولوجيا سيناء تحمل شكا كبيرا في وجود أية براكين نشطة زمن ~~الخروج، وأن الإشارات البركانية، بها سواء ما لاحظته بنفسي، أو ما ورد عند جمال حمدان، ~~تعود إلى أزمنة جيولوجية بعيدة. هنا يبقى بيدنا اقتراح آخر، وهو أن يكون الإله ~~البركاني كان في البلاد الآدومية شرقي العقبة، وأن موسى التوراتي قد التقاه هناك، وتربى ~~هناك حيث ثقافة عبادة البراكين، وعاد بها وعلم بها أتباعه، حتى وصلت كاتب التوراة، الذي ~~كانت تعز عليه سيناء حيث جبل الشريعة، وحيث أكثر الجبال رهبة وجلالا في جبل كاترين ~~وجبل موسى. فاختار سيناء ليضع فيها ربه البركاني، واستبعد آدوم لأنها كانت ملكا لآدوم ~~عيسو، حسب الأسطورة التوراتية ولنسله، وأن التوراة أو ربها قد أعطى بلاد آدوم لنسل ~~عيسو، كما أعطى الإسرائيليين ما بين الفرات والنهر الكبير نهر مصر بسيناء، وهي من ~~الحالات النادرة التي يمنح فيها رب التوراة في تلك العهود، أرضا يعتبرها أرضه لغير بني ~~إسرائيل، مما يشير إلى توحد ألوهي واضح، خاصة أن هذه ms542 العطية للآدوميين أخذت شكلا ~~مقدسا. انظر رب موسى عند هروبهم من مصر إلى فلسطين، ينصحهم بألا يعتبروا أرض آدوم ~~ضمن الأراضي الممنوحة للإسرائيليين، ويقول لموسى «أوص الشعب قائلا: أنتم الآن مارون ~~بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم فاحترزوا جدا، ولا تهجموا عليهم ~~لأني لا أعطيكم أرضهم ولا وطأة قدم؛ لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثا» (تثنية، 2: ~~4، 5). # 17 # والآن لا شك أننا ما زلنا نذكر «سيت»، وأنه كان رب «سترويت» سيناء، وأن «سيت» الذي هو ~~«تيفون» في الأساطير اليونانية، يعيش تحت بركان عظيم، وأن انفجارات البركان ليست شيئا ~~سوى دمدمات «سيت/تيفون» ونفثات غضبه الملتهب، وقد حاول مؤلفو التوراة الإيعاز طوال ~~الوقت، بأن «يهوه» رب موسى كان إلها خاصا جدا، لم يظهر لأحد قبل موسى، ولم يكن ~~إلها لشعب من الشعوب سوى القبيلة الإسرائيلية. لكن الواضح حتى الآن أنه لم يكن سوى ~~«سيت/تيفون/بعل/هفا» رب سيناء المصرية، وإله صحارى مصر القديمة، رب الشرور والأوبئة، ~~وهو ما تصف به التوراة ربها «قدامه ذهب الوباء، وعند رجليه خرجت الحمى (حبقوق، 3: ~~5).» # وقد سبق وافترضنا أن هذا البركان القضيبي، كان تجسيدا لرب الأرض المصري الذكر «جب»، ~~الذي كان يقذف بمخصباته إلى السماء الأنثى، ويجب أن ننطق «جب» بتعطيش الجيم، وفي هذه ~~الحالة يكون الإله المصري القديم الذكر، قد ترك اسمه في التسمية الشعبية للعضو الذكري ~~«زب»، فاللسان العربي جميعه على اختلاف لهجاته يطلق على القضيب لفظ «أير»، والمصري هو ~~الوحيد الذي يسميه «زب - بكسر الزاي» و«زبر - بكسر الزاي». # وعلى تنغيم اسم الكائن «يهوه» جاءت أسماؤه في المقدسة التوراتية، فهو مرة «يهوه» ومرة ~~«إهيه» ومرة «ياه»؛ فموسى يسأل رب العليقة: «فإذا قالوا لي: ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟ ~~فقال الله لموسى إهيه الذي إهيه، وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: إهيه أرسلني إليكم، ~~وقال الله لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آباكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله ~~يعقوب، أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى الأبد (خروج، 3: 13-15).» # لكن يبدو أن الكاتب التوراتي، كان يعلم يقينا ms543 أن يهوه هذا رب جديد، يدخل أفق ~~العبادة الإسرائيلية؛ لذلك سجل «ثم كلم الله موسى، وقال له: أنا الرب، وأنا ظهرت ~~لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، بأني الإله القادر على كل شيء، وأما باسمي يهوه فلم أعرف ~~عندهم» (خروج، 6: 2، 3). ثم يأتي إشعيا، فيعطينا التنغيم الثالث في قوله: «هو ذا الله ~~خلاصي، فأطمئن ولا أرتعب؛ لأن ياه يهوه قوتي وترنيمتي، وقد صار لي خلاصا» (إشعيا، 12: ~~2). وهو ما رددته المزامير قائلة: «غنوا لله رنموا لاسمه، أعدوا طريقا للراكب في ~~القفار باسمه ياه واهتفوا أمامه» (مزامير، 48: 4). # وفي المقدس التوراتي إشارات واضحة إلى أن هذا الإله كان إله «دوشريت» الاسم المصري ~~للصحارى والجبال، ومقلوبها «شترويت/سيناء»، فهو رب القفار، «وأما عبيد ملك أرام فقالوا ~~له: إن آلهتهم (يقصد آلهة إسرائيل [المؤلف]) آلهة جبال؛ لذلك قووا علينا، ولكن إذا ~~حاربنا في السهل، فإننا نقوى عليهم» (ملوك أول، 20: 23). # وبالنسبة للترجمة العربية: «الإله القادر على كل شيء»، فإنها في الأصل العبري «إيل ~~شداي» و«إيل» كما علمنا : الله. أما شداي فترجمت بمعنى الشدة أو القوة، وترجمناها نحن ~~في كتابنا قصة الخلق بالشذى، أي الريح والهواء، وهو ما يلتقي مع صفات الرب السيناوي ~~الريح والعاصفة، ثم نتذكر هنا أن أول الحكام الهكسوس، الذي لا شك بلغ رتبة التقديس، ~~لعمله المجيد، كان اسمه شالاتيس (شالات/شالاد). ولما كانت المصرية القديمة لا تعرف حرف ~~«اللام»، فإن شلات يصبح شت أو شد، الإله الشديد «شدا» أو «شداي»، ويعضد هذا الفهم أن ~~المؤرخين العرب، أطلقوا على فاتح مصر من العماليق اسم «شداد»، وتعني أيضا القوي الشديد ~~«القادر على كل شيء!» # ومن المفيد أن نعلم أن شداد وشالاد اسم الملك الهكسوسي الأول على مصر ترجع إلى أصل ~~مصري، فيقول إريك هورنونج إن الإله «شد # Shed # هو المنقذ ~~ومساعد البشرية في أوقات الحاجة والشدة، وبصفته إلها شابا؛ فهو قريب من حور في خصائصه.» # 18 # وربما كان هو ذات الإله «شري» رب سراة سعير. # ويتبع «شلاتيس» في ترتيب الملوك الهكسوس الستة الملك «بنون»، الذي حمل أيضا لقب سكا/ ~~إسحاق/الضحاك. وفي ms544 العربية «سكا» هي حديدة الفدان أي المحراث الحديدي، الذي يشق الأرض ~~كالعضو الذكري، فتضحك بمواليدها النباتية. # ويقول إحسان عباس: إن العلماء يذهبون إلى أن «ذا الشرى لم يكن إلها عربيا؛ لأن ~~العرب في الشمال الغربي من الجزيرة، كانت تسيطر عليهم العبادة القمرية، بينما ذو الشرى ~~إله شمسي.» # 19 # وهو ما يرجح ترجيحنا أنه كان المصري «شد # Shed ~~». # وعلى ذات تنغيم اسم يهوه، جاءنا قبل زمن الخروج في مكتشفات كنعان سنة 1931م، على قطع ~~من بقايا عصر البرونز، تنغيم آخر لإله بالرسم «ياه» و«ياهو»، وفي ألواح أوغاريت كان ~~كبير الأرباب إيل، يؤكد للجميع «أن اسم ابني ياو». # 20 # ويؤكد لنا موسكاتي أن الآراميين قد عبدوا «يهوه»، حيث وجد اسمه داخلا في تركيب أسماء ~~أعلام آرامية ومواضع آرامية عديدة، مثل «يهورام» ابن الملك «توعي» ملك حماة. # 21 # ويقول «عصام حفني ناصف»: «وكانوا يكتبون اسم يهوه بالأحرف الأربعة ي ه و ه # J. H. V. H ~~، دون أن يدعم بأحرف العلة، أي دون أن يضبط ~~بعلامات الشكل ؛ لخلو اللغة العربية منها إذ ذاك، ومن ثم كان من الممكن أن يقرأ الاسم ~~يهوه أو ياهو. ثم جعلوا يستخدمون بدلا من لفظ الجلالة كلمة أدوناي أو أدونا أي ربي. ~~وركب اليهود آخر الأمر لكلمة يهوه، أحرف العلة التي بكلمة أدون # Edona ~~، فأصبح الاسم يكتب على وزنها # Je Ho ~~Vah # وينطق # Jahweh # يهوه.» # 22 # ويدقق «سهيل ديب» في أمر ذلك الاسم الغريب، فيعود إلى العبرية في التوراة، يقرأ «فقال ~~الله لموسى: أهيه آشر أهيه، وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه أرسلني إليكم (خروج، ~~3: 13). وفي النص العربي الكاثوليكي تترجم: أنا هو الكائن، وقال: كذا قل لبني إسرائيل، ~~الكائن أرسلني إليكم». ثم تترجم النسخة العربية البروتستانتية: إهيه الذي إهيه، ~~المعروفة، وفي الترجمة الإنجليزية المعروفة بترجمة الملك جيمس # King James Version # 1611 ~~، نجدها # I AM THAT ~~IAM ~~، وهو ما يعني أنا الذي أنا، أنا أرسلني إليكم، فهل كان الرب ~~يعرفه باسمه أنه أنا أم هو؟ ناهيك عن قوله: أنا ms545 الذي تجليت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~إلها قادرا على كل شيء، والإله القادر على كل شيء هي بالأصل «إيل شداي»، فماذا كان ~~يجب أن يقول موسى لشعبه: أهيه أم يهوه أم شداي؟ # وفي المزمور 110 من النص الكاثوليكي يبتدي النص هكذا: قال الرب لسيدي: اجلس عن يميني، ~~ولو رجعنا للنص العبري، سنجد قال يهوه لأدوناي. إذن كان هناك رب باسم يهوه، ورب باسم ~~أدوناي؛ لذلك لم تبعد الترجمة العربية البروتوستانتية، وهي تترجم النص العبري إلى: «قال ~~الرب لربي» (مزمور، 110). # وإزاء كل ذلك الرتل من أسماء الإله باسم: إيل، إلى يهوه، إلى إهية، إلى ياه، إلى أنا، ~~إلى الكائن، إلى هو، إلى شداي، إلى آدون، يتساءل سهيل ديب سؤالا هاما ومفصليا: ~~«كيف يمكن أن ينسى شعب بكامله اسم ربه؟». # 23 # ويجيب «كمال الصليبي» عن السؤال قائلا: «إن الكلمة التي تدل على الإله الواحد في ~~العبرية هي ءلهيم، التي هي جمع المذكر من ءله أو إله، وهكذا يصح القول إن ما أصبح ~~معترفا به من قبل بني إسرائيل بأنه إله، كان في الأصل تجمعا للآلهة أو آلهة قبلية متعددة.» # 24 # ولا مراء أن إجابة الصليبي إجابة دقيقة تماما؛ إذ كان لا بد من محاولات للتوحيد ~~الأيديولوجي لآلهة الأخلامو، مع إصرار على تغطية أسماء الآلهة التأسيسية القديمة، ومعها ~~اختفى اسم عناق البونتي وظهر المهلك، وغام المهلك بدمجه بملاك الرب يهوه، وتلاشى ~~الثعبان «لو»، لكن ليظهر في التوراة كطرف في صراع مع يهوه، لكن باحتسابه أفعى تنين ~~عظيم اسمه «لوياثان». واختفت المسلات وراء اسم السواري والشوامخ، وغاب الثور وراء ترجمة ~~العزيز، واستتر ضحوت الضحاك وراء شخص إسحاق. # أما أدونيس الفينيقي؛ فظل آدون لقبا للربوبية والسيادة. واختفت الأيكة لتحل محلها كل ~~شجرة خضراء: # هل رأيت ما فعلت العاصية إسرائيل؟ انطلقت إلى كل جبل عال، وإلى كل شجرة ~~خضراء وزنت هناك. ~~(إرميا، 3: 6) # خطية يهوذا، مذابحهم وسواريهم عند أشجار خضر على آكام مرتفعة. ~~(إرميا، 17: 1، 2) # ونتذكر أن الآراميين تسمية تنسب إلى الإرم والهرم، وهي الأحجار والجبال، وكلمة هرم ~~تحمل ms546 ذات المعنى، فالأهرام هي الأحجار أو الجبال. ومن الطريف الذي يعضد تخريجنا في تصور ~~الأقدمين للجبل، بحسبانه قضيبا ذكريا عظيما، أن المفردة «جبل» التي ترد في الترجمة ~~العربية للتوراة، هي في الأصل العبري تكتب وتنطق عير، وهي المفردة التي تترجم أيضا إلى ~~جبل من الأصل السومري «ء و ر و # ERU # وء يرى # ERI ~~» وهو ما يحمل ذات المعنى في المعاجم العربية. # 25 # ومعلوم أيضا أن الكلمة «عير» و«إير» هي الاسم الفصيح للقضيب الذكري، ويعود ~~تصحيح الترجمة هنا إلى الباحث زياد منى، حيث رأى أن كلمة عير تعني جبلا وليس بلدا، ~~وهو ذاته صاحب اجتهاد يقول: «أنا مقتنع بأن بلاد ~~السراة - الأصح ء ل سر ء ه - هي نفسها ط ء نتر أي بلاد الله الوارد ذكرها في النقوش المصرية.» # 26 # أي إنه يرى أن بلاد بونت/أرض الإله «ط ء نتر» تقع في جبال السراة، لكنه يذهب إلى ~~السراة الجنوبية امتداد جبال السراة نحو اليمن، حيث يعتقد مع كمال الصليبي أن هناك كانت ~~بلاد التوراة، ثم تختل المسألة بين يديه، فيرى أن اسم بونت ربما كان فلت، أي بلاد الموت ~~أي حضرموت (؟!)، # 27 # ولكن ما يعنينا هو المادة التي جمعها الرجل في جهد مشكور، لكنه ذهب ~~بتفسيرها جنوبا بتأثير نظرية كمال الصليبي. # شكل رقم «149»: الإله الأرض «زبر» أو جب أو «زب» يلقح ربة السماء ~~«نوت» بمقذوفاته المنوية بفالوسه المنتصب «كما في التصور المصري ~~القديم». # الفصل السادس # | لغز البلست # فجأة يظهر في فلسطين، وعلى ساحل المتوسط تحديدا، جنس غريب جديد على المنطقة، أطلقت ~~عليه النصوص المصرية اسم «البلست»، وهو الجنس الذي عرف باسم «شعوب البحر». وبشأن هؤلاء ~~يقول لنا المدون التاريخي: إنه «في سنة حكم رمسيس الثالث، سنة 1191ق.م. تقدم الملك لصد ~~هجمات شعوب البحر على مصر، فقد أخبرنا أن هذه الشعوب، بعد أن قهروا الحيثيين وكركميش ~~وقود وألاشيا وكلكيليا وأرزاوا، دخلوا سوريا مع نسائهم وأطفالهم بجموع غفيرة، شبهت ~~كثرتها بالجراد، راكبين على عجلاتهم التي تجرها الأبقار. وقد حشدت قواتها في ms547 بلاد عمورو ~~«سورية»، وشكلت حلفا من شعوبها المختلفة مثل البلست والتكر، والاثنان يضعان على ~~قبعاتهم الريش، ويستعملون الدروع المدورة، والشاكروشا والدانونا والواشاشا، وقد قدموا ~~من البر والبحر ... وقد حدثت معركة قرب أحد فروع النيل، ويظهر أن شعوب البحر لم تكن تتوقع ~~مثل هذه القوة المصرية المدافعة، فدمرت سفن المهاجمين، وغرقت بما تحمل من رجال وأموال، ~~في وقت أمطرت به سفن شعوب البحر من الشاطئ المصري، بوابل من سهام الجيش المصري الواقف ~~على طول الشاطئ ومعهم الملك.» # 1 # وقد سجل «رمسيس الثالث» لنا تلك المعركة الكبرى فنسمعه يقول: # شكلت البلاد الأجنبية مؤامرة في جزائرهم، وتفرقت البلاد وذعرت مرة واحدة من ~~جراء هجومهم، ولم تستطع أية قوة أن تقف في وجوههم أو تقاومهم، ~~ولقد بدءوا بخاتي (تركيا أو الأناضول ~~[المؤلف]) وقود وكركميش (جنوبي الأناضول [المؤلف])، وأرزاوا وألاشيا (قبرص)، ~~وأقاموا معسكرا في عمورو، وعزلوا أهلها وأرضها، وكأنما لم يكونوا، وجاءوا ~~واللهب معد لهم متجهين إلى مصر. وكان حلفهم مكونا من البلشت والزكارة ~~والشكلش والدانو والوشش، ووضعوا أيديهم على الأراضي إلى مدار الأرض جميعا، ~~وقلوبهم مطمئنة واثقة قائلين: لقد نجحت خطتنا، ولكن قلب هذا الإله (المصري ~~[المؤلف]) سيد الآلهة ، كان مستعدا لاصطيادهم كالطيور. لقد دعمت حدودي عند ~~زاهي (سوريا)، وجهزت أمامهم الأمراء المحليين وقواد الحاميات والماريانو، وأمرت ~~بأن تعد فوهات النهر كحائط، والقوارب، وجهزتها جميعا وزودتها من قبل ومن بعد، ~~بشجعان المحاربين الذين يحملون أسلحتهم، وبالمشاة من خيرة رجال مصر، حتى أصبحوا ~~كالأسود تزأر فوق الجبال، ... وجهزت العربات بالمحاربين الأكفاء، وكل الضباط ~~الممتازين، وكانت خيولها تنبض كل أعضائها، معدة لسحق البلاد الأجنبية تحت ~~حوافرها. أما بالنسبة لأولئك الذين وصلوا إلى حدودي، فإن بذرتهم لم تكن فيهم، ~~وقلوبهم وأرواحهم قضي عليها إلى الأبد، أولئك الذين تقدموا من ناحية البحر. ~~كان اللهب أمامهم عند فوهة النهر، وكان سياج من الحراب يحيط بهم. # 2 # لكن بعض الباحثين يميل إلى الأخذ بمذهب آخر، ويقول بموجة أبكر قليلا من البلست، ~~هاجمت مصر زمن الملك مرنبتاح، وأن ما قاله مرنبتاح ms548 عن صد هجوم التحنو الليبيين، كان ~~صدا لهجوم ليبي بلستي مشترك، ويلخص تلك الرؤية تأريخا يقول: إنه «في أواخر القرن ~~الثالث عشر ق.م. تحرك طوفان بشري كبير من جزائر البحر الإيجي، وأخذ يهاجم مصر بعنف على ~~نية احتلالها، لكن مرنبتاح تصدى لهذه الهجمة، وردها عن حدود مصر. ولكن طوفانا أكبر ~~وأزخم، سرعان ما راح يتفجر من جديد في أوائل القرن الثاني عشر، يوم انقضت شعوب البحر ~~على الأناضول، ودمرت العاصمة الحيثية خاتوشاش/حاتوسا إلى الأبد، ثم تابعت هذه الشعوب ~~زحفها متجهة صوب الجنوب، لتدمر كركميش (جرابلس ~~الحالية إلى الشمال من حلب [المؤلف])، وأوغاريت (رأس شمرا قرب اللاذقية [المؤلف]) ~~وأرواد، لتصل أخيرا إلى الحدود المصرية، بعدما هيمنت على الساحل الفلسطيني. والأخطر من ~~ذلك، أن هذا الهجوم على مصر من جهتها الشرقية، قد صاحبه هجوم آخر من جهة البحر، وهجوم ~~ثالث من جهة ليبيا، ولكن رمسيس الثالث آخر محارب عظيم في مصر الفرعونية، قد راح يتصدى ~~لهذا الهجوم الثلاثي، ليدحره في معركتين، إحداهما بحرية، وأخراها برية، وذلك زهاء عام ~~1180ق.م. أو بعد ذلك بقليل، وسمح الفرعون المنتصر لبعض هذه الشعوب المهزومة بالاستيطان ~~على ساحل فلسطين، ربما تكون درعا لمصر يقيها من أي هجوم جديد، فاستقر شعب البلست الذي ~~جاء من جزيرة كريت بين يافا وغزة، كما استقر شعب بحري آخر يسمى التكر إلى الجنوب من جبل ~~الكرمل، وهو الجبل الذي صار فاصلة، تحجز بين الفينيقيين والقادمين الجدد؛ ولهذا ما عاد ~~الساحل الفلسطيني إلى الجنوب من الكرمل يدخل في فينيقيا بعد ذلك التاريخ، وصار اسمه ~~فلستيا، نسبة إلى البلست، ثم انتشر هذا الاسم وشمل القطر كله، وحل البلست في خمس مدن ~~كنعانية هي: غزة وعسقلان وعقرون وأشدود وجت، ونظم البلست مدنهم الجديدة على هيئة ممالك ~~مستقلة في إدارتها وحكومتها، إلا أن هذا الاتحاد، ربما كان مركزه في مدينة أشدود.» # 3 # وهكذا ظهر الفلسطينيون 1180ق.م. على مسرح تاريخ المنطقة، وهكذا استقروا في أرض كنعان، ~~ليمنحوها اسمها حتى اليوم. ومن جانبه فقد أشار الكتاب المقدس طوال ms549 الوقت، إلى ~~الفلسطينيين الذين يسكنون الساحل، وكانوا عقبة كأداء إزاء الاستيطان الإسرائيلي ~~لفلسطين، وظلوا دوما أعداء مصيريين للجنس الإسرائيلي، ومنافسا قويا كثيرا ما ألحق ~~الهزائم بالجيوش الإسرائيلية. وموسوعة تاريخ العالم تفيدنا بأن «لفظ فلسطين مشتق من اسم ~~البلست، الفلستين، وكان هيرودوت أول من استعمله، أما الاسم العبري للأرض الواقعة غربي ~~الأردن فهو كنعان.» # وقد اختلف المؤرخون حول موطن البلست الأصلي، فذهب بعضهم إلى أنهم قدموا من جنوب شرقي ~~الأناضول، بينما اقترح آخرون مثل هول وبرن أنهم جاءوا من جنوبي آسيا الصغرى، وذهب فريق ~~ثالث إلى افتراض أصول إليرية للبلست، لكن الإجماع كان حول جنسهم الهندوأوروبي، # 4 # وأنهم كانوا يختلفون كلية عن سكان المنطقة القدامى فيها، حيث كانت التوراة ~~تشير إليهم بأنهم الغلف أي غير المختونين، وكانت معظم شعوب المنطقة في ذلك الوقت، قد ~~أخذت عن مصر عادة الختان (سفر القضاة، 14: 3 و15: 18؛ ~~وسفر صموئيل الأول، 14: 6 و17: 26، 36 و31: 4؛ وسفر صموئيل الثاني، 1: 20؛ وسفر أخبار ~~الأيام الأول، 10: 4)، وأن إلههم القومي كان «داجون» من «دجن أي الحنطة»، وكان أيضا ~~إلها للسمك، وكان له مقام في غزة وأشدود، حسبما ورد في سفر القضاة (16: 21-23)، وفي ~~سفر صموئيل الأول (5: 1، 2). أما الأهم فهو أن البلست كانوا يستخدمون الأسلحة الحديدية ~~على نحو شديد الوفرة، بينما كان السائد في الشرق آنذاك استعمال الأسلحة البرونزية، ثم ~~الحديدية لكونها نوعا نادرا من السلاح، ووصلت وفرة الحديد لديهم، إلى حد أنهم صنعوا ~~منه عجلاتهم الحربية، التي كان يجرها البقر وليس الخيل، مما كان له أثر كبير في ~~انتصاراتهم، وفضلا عن ذلك كانوا بحارة ممتازين وقراصنة موهوبين. # 5 # ولمزيد من تحصيل مادة تفيد بشأن ~~البلست/الفلسطينيين، نستمع إلى «زينون كاسيدوفسكي» يسجل شارحا: «في الألف الثاني قبل ~~الميلاد، عاش في قبرص شعب أسس حضارة متأنقة رفيعة المستوى، وأنشأ دولة تجارية جبارة في ~~حوض بحر إيجة. وفي الحقبة نفسها استوطنت بيلوبونيز قبائل لا نعرف منشأتها ولغتها، ولكن ~~الآخيين المدججين بالدروع البرونزية قهروها وأخضوعها لهم، وأقام الآخيون قلاعا حجرية ~~في ميكيني وتيرينف وغيرها من بقاع ms550 بيلوبونيز. ويخبرنا المؤرخ الإغريقي فوكيديد أن ~~الآخيين مارسوا أعمال القرصنة، وبنوا أسطولا جبارا غدا منافسا خطرا لكريت. وابتداء ~~من القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أخذ الآخيون بزعامة الأتريديين الذين ينتسب إليهم ~~أجاممنون، يزيحون الكريتيين من ممتلكاتهم الاستعمارية في بحر إيجة وسواحل آسيا الصغرى، ~~وفي عام 1400ق.م. احتلوا كريت نفسها، وقضوا على حضارتها المينوية الراقية (سميت ~~بالمينوية نسبة إلى الملك الآسطوري مينوس [المؤلف])، وفي عام 1180 قبل الميلاد حولوا ~~طروادة إلى كومة من الأنقاض، بعد حصار دام عشر سنوات. غير أنهم لم يستمتعوا طويلا ~~بثمار انتصاراتهم؛ فقد اندفعت من أعماق أوروبا قبائل بربرية أخرى هي قبائل الداريين، ~~وأخضعت بيلوبونيز وكريت وجزر إيجة وسواحل آسيا الصغرى. وتحت ضغط تلك القبائل، حدثت في ~~رحاب بحر إيجة واحدة من تلك الثورات الإثنية، التي أيقظت الهجرات البشرية العظمى، فقد ~~أرغم سكان البلقان وإيليريا وجزر بحر إيجة، الذين طردوا من أرضهم، أن يندفعوا أمواجا ~~متتابعة باتجاه الجنوب، بحثا عن أرض يستوطنونها، فعبروا الأناضول وآسيا الصغرى وسوريا ~~وكنعان، وصولا إلى دلتا النيل، حيث هزمهم الفرعون مرنبتاح شر هزيمة، وأرغمهم على ~~التراجع. ولكن أخطر الهجمات التي شنتها الشعوب الإغريقية على مصر، وقعت عام 1191ق.م. ~~حيث اندفعت على امتداد الساحل السوري الكنعاني، قطعان من المحاربين مع عائلاتهم ~~وأرزاقهم، ترافقهم في البحر كثرة من السفن الشراعية، فقضوا على الإمبراطورية الحثية إلى ~~الأبد، وجعلوا من عاصمتها خاتوشاش، الواقعة على نهر هاليس كومة من الرماد والخراب، ثم ~~اندفعوا إلى كيليلكيا، فنهبوها مع قطعان الخيل الأصيلة، التي اشتهرت بها على امتداد ~~القرون، أما المدن الفينيقية جبيل وصيدا وصور، فقد استسلمت لهم، وتفادت بذلك الخراب ~~والدمار، وعبر المستعمرون أرض كنعان، واجتاحوا شمال مصر ونهبوه، فحشد رمسيس الثالث ~~قواه كلها لصد تلك الهجمة، واستطاع أن يسحق المعتدين في البر والبحر، وهكذا صدت أخطر ~~هجمة استعمارية، تعرضت لها مصر خلال تاريخها الطويل كله. ولم يبق لدى رمسيس الثالث ما ~~يكفي من قوة لطرد الخصم من كنعان وسوريا، فاستوطن البلست الناجون من سيوف المصريين، ~~الساحل الجنوبي من ms551 أرض كنعان. ونعلم من الكتابة التي وجدت على جدران المعابد، أن ~~المصريين قد أطلقوا على أولئك المستعمرين اسم شعوب البحر، وتشغل مكانة خاصة بينها موجات ~~قبائل دونوي وآخاي. ومن المرجح أن يكون الدانيون والآخيون، الذين نعرفهم في التاريخ ~~الإغريقي القديم، يختفون خلف هذين الاسمين. وبالرغم من توفر هذه المعطيات كلها، فلم ~~يتفق العلماء حتى الآن على تحديد الهوية الإثنية لتلك القبائل. لقد شكل الفلسطينيون ~~جماعة إثنية خاصة بين شعوب البحر. وإذا صدقنا التوراة فإن جزيرة كريت، تكون هي الوطن ~~الأصلي للفلسطينيين؛ إذ ينتسب الفلسطينيون حسب التوراة، إلى القبائل الآخية التي أخضعت ~~كريت، ثم جاء الآريون وطردوهم من الجزيرة، وكانت بعض الأسماء الفلسطينية ذات منشأ ~~إيليري، وكانت توجد في إيليريا مدينة تدعى فيليستي، وبما أن هجرة الشعوب الدارية بدأت ~~من هناك بالذات، فلا يستبعد أن يكون الفلسطينيون قد سكنوا إيليريا قبل الإغريق، ثم ~~طردتهم من هناك موجة ما من موجات المستعمرين، واكتشفت بين أنقاض أوغاريت مدافن ذات ~~طابع إيجي وقبرصي وميكيني. كذلك الفخاريات التي التي وجدت بين أنقاض المدن الفلسطينية ~~الخمس في أرض كنعان، غلب عليها الطابع الميكيني.» # 6 # هذا ما قاله لنا علم التاريخ. لقد جاء البلست إلى المنطقة في هجوم كاسح على دفعتين: ~~الأولى زمن الفرعون مرنبتاح 1224-1214ق.م. لكن الهجمة انكسرت على أسنة رماح الجيش ~~المصري، ثم تلتها موجة أخرى زمن الفرعون رمسيس الثالث 1182-1151ق.م. الذي صد العدوان، ~~لكن قواه أنهكت؛ مما جعله يسمح لهم باحتلال الساحل الكنعاني. # والقول طوال الوقت بأن مصر هي التي سمحت للفلسطينيين، باحتلال الفلسطينيين للساحل ~~الكنعاني؛ سواء لأن قوة مصر كانت قد أنهكت عن المتابعة والاستمرار لطردهم كلية، أو لأن ~~المصريين تركوهم هناك كحراس حدود، بعد أن هزموهم وأخضعوهم لتبعية مصر، وسمحوا لهم ~~باستيطان ساحل فلسطين، حتى ذابوا بعد ذلك في أجناس وحضارة المنطقة نهائيا، # 7 # هو محاولة لتفسير ظهور الفلسطينيين على الساحل الفلسطيني، رغم أن فلسطين ~~كانت تابعة للإمبراطورية المصرية حينذاك. # حتى الآن لا تبدو هناك أية إشكالية أو ألغاز، لكن اللغز يبدأ ms552 عندما ننتقل من قراءة ~~التاريخ كعلم، إلى قراءة التوراة كتاريخ، ففي زمن الخروج الإسرائيلي من مصر باتجاه ~~فلسطين، تحت قيادة النبي موسى، نجد الكتاب المقدس يشرح موقف سكان فلسطين، من ذلك الهجوم ~~الإسرائيلي القادم من مصر، فيقول: # يسمع الشعوب فيرتعدون، تأخذ الرعدة سكان فلسطين، حينئذ يندهش أمراء آدوم، ~~أقوياء موآب تأخذهم الرجفة، يذوب جميع سكان كنعان. ~~(خروج، 15: 14، 15) # وهكذا نجد أرض كنعان قد حملت اسم «فلسطين»، زمن الخروج من مصر، مما يعني أن ~~الفلسطينيين كانوا قد استقروا هناك قبل الخروج بزمن يسمح بتعميم اسمهم على أرض كنعان، ~~وهو المتكرر الذي نقرؤه في سفر يشوع مشيرا إلى المدن الفلسطينية الخمس على ساحل كنعان، ~~حيث يقول: # من الشيحور الذي هو أمام مصر إلى تخم عقرون شمالا تحسب للكنعانيين أقطاب ~~الفلسطينيين الخمسة: الغزى والأشدودي والأشكلوني والحتي والعقروني. ~~(يشوع، 13: 3) # وعندما استقر الإسرائيليون في أرض كنعان، ولم يتمكنوا أبدا من القضاء على ~~الفلسطينيين، بل عاشوا إلى جوارهم وظلوا طوال الوقت في حروب معهم، وهو ما اعتبره ~~الكتاب المقدس امتحانا من الرب لشعبه حيث يقول: # فهؤلاء هم الأمم التي تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل، أقطاب الفلسطينيين ~~الخمسة، وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحويين. ~~(قضاة، 3: 1-3) # وعن أصل هؤلاء الفلسطينيين يشير الكتاب المقدس إلى جزيرة كريت، باعتبارها موطنا ~~أصيلا هاجروا منه إلى الساحل الكنعاني. وقد أطلقت التوراة على جزيرة كريت اسم كفتور ~~على التبادل مع اسم كريت، وهو ما نجده في متفرقات الأسفار في نماذج منها: # الرب يهلك الفلسطينيين بقية جزيرة كفتور. ~~(إرميا، 47: 4) # ألستم لي كبني الكوشيين يا بني إسرائيل؟ يقول الرب، ألم أصعد إسرائيل من أرض ~~مصر، والفلسطينيين من كفتور والآراميين من قير؟ (ربما كانت قير هي قيرقيزيا ~~الآن [المؤلف]). ~~(عاموس، 9: 7) # أما كيف سكن الفلسطينيون في فلسطين؛ فهو ما يوضحه نص التوراة: # والعويون الساكنون في القرى إلى غزة، أبادهم الكفتوريون الذين خرجوا من كفتور ~~وسكنوا مكانهم. ~~(تثنية، 2: 23) # ثم نفهم أن «كفتور» هي «كريت» من شراذم نصوص أخرى مبعثرة، نجمعها لنسمعها توضح: # هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا أمد ms553 يدي على الفلسطينيين، وأستأصل الكريتيين، ~~وأهلك بقية ساحل البحر. ~~(حزقيال، 25: 16) # ويل لسكان ساحل البحر أمة الكريتيين، كلمة الرب عليكم يا كنعان أرض ~~الفلسطينيين، إني أخربك بلا ساكن ويكون ساحل البحر مرعى بآبار للرعاة، وحظائر ~~للغنم، ويكون الساحل لبقية بيت يهوذا. ~~(صفنيا، 2: 5، 6، 7) # وفي حديث لغلام مصري - تابع لرجل عماليقي - مع داود يحدثه عن غزوة عماليقية على جنوب ~~فلسطين، يقول: # فإننا قد غزونا على جنوبي الكريتيين وعلى ما ليهوذا. ~~(صموئيل أول، 30: 14) # ومن الجدير بالذكر أن السجلات المصرية قد سجلت مجيء «رؤساء بلاد الكفيتو # Keftiu # وجزر البحر» ليقدموا لرمسيس الثالث الخضوع. # 8 # والآن تبدأ المشكلة بالظهور، وهي المشكلة التي تجعلك تقف مشدوها، من مدى تساهل أهل ~~التاريخ، في حل الإشكاليات الكبرى أحيانا، وإغماض العين عنها أحيانا أخرى، حتى تظهر ~~حفائر جديدة تحسم الأمر. ووجه الإشكال هنا هو أن خروج الإسرائيليين من مصر، يحتمل أن ~~يكون قد حدث في أي زمن خلال الأسرة الثامنة عشرة التي تبدأ بأحمس 1575-1550ق.م. بطل ~~التحرير، لكنها لا يمكن بأي حال أن تكون بعد زمن مرنبتاح 1224-1214ق.م. لحسابات دقيقة ~~قدمنا بعضها، وسيأتي بعضها الآخر في مكانه من هذا البحث. وهذا يعني أننا حتى لو أخذنا ~~بآخر التوقعات الافتراضية وأكثرها تأخرا في الزمن، لخروج الإسرائيليين من مصر أي زمن ~~الفرعون مرنبتاح. فإن معنى ذلك أنهم قد خرجوا، بينما الفلسطينيون لم يستقروا بعد في ~~فلسطين، حيث إن هذا الاستقرار لم يحدث حسب قرار المؤرخين قبل زمن رمسيس الثالث ~~1182-1151ق.م. الذي يأتي بعد زمن مرنبتاح بحوالي ثلاثين عاما، ولو افترضنا أن ~~الفلسطينيين قد استقروا هناك زمن مرنبتاح، فإن هذا الاستقرار ما كان يسمح لهم بكل تلك ~~القوة خلال ثلاثين عاما، وما كان ممكنا أن يمنح كنعان جميعا اسم فلسطين، ناهيك عن ~~كون استقرارهم في فلسطين زمن مرنبتاح، يعني صلحا قد حدث بين مصر وبينهم، أقطعتهم مصر ~~بموجبه الساحل الفلسطيني، وهو الأمر الذي سيتضارب مع الهجوم البلستي الكبير على مصر، ~~والذي حدث بعد ذلك زمن الفرعون رمسيس الثالث قادما من البحر الإيجي. # أما ms554 ما يحسم الأمر، فهو أنه زمن البطرك إبراهيم نفسه، حوالي 1700ق.م. قبل الخروج ~~بخمسة قرون كاملة - بحسابات التوراة العبرية - نجد الكتاب المقدس يحدثنا عن وجود ~~فلسطيني في المنطقة الكنعانية الساحلية، وهو ما يستفاد من رواية ذلك المقدس عن زيارة ~~قام بها البطرك إبراهيم وزوجته سارة إلى مصر، وأنه عند خروجه منها عرج على مملكة باسم ~~جرار، لينزل ضيفا على ملكها، وهو ما يأتي به النص، يقول: # وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب (النقب [المؤلف])، وسكن بين قادش وشور ~~وتغرب في جرار، وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي، فأرسل أبيمالك ملك جرار ~~وأخذ سارة. ~~(تكوين، 20: 1-2) # وقد ظل ذلك الملك «أبيمالك» ملكا أيام إسحاق بن إبراهيم، حيث حدثت مجاعة فذهب إسحاق، ~~لينزل ضيفا على أبيمالك ملك جرار، في قصة توراتية تقول لنا إن أبيمالك هذا كان ملكا ~~على فلسطين. # وكان في الأرض جوع، غير الجوع الأول، الذي كان أيام إبراهيم، فذهب إسحاق إلى ~~أبيمالك ملك الفلسطينين إلى جرار. فأقام إسحاق في جرار، وزرع إسحاق في تلك ~~الأرض، فأصاب في تلك السنة مائة ضعف، وباركه الرب فتعاظم الرجل، وكان يتزايد في ~~التعاظم حتى صار عظيما جدا، فكان له مواش من الغنم ومواش من البقر وعبيد ~~كثيرون، فحسده الفلسطينيون. ~~(تكوين، 26: 14، 13، 12، 6، 1) # وهو الأمر الذي يعني أن الفلسطينيين، كانوا موجودين بالمنطقة زمن إبراهيم، ولكنهم لم ~~يكونوا عنصرا واضح القوة، كبقية العناصر التي غلب عليها زمن إبراهيم، كالعنصر الحيثي ~~سيد الأرض ومالكها، حيث رأينا كيف سجد البطرك إبراهيم للحيثيين ليشتري منهم قبرا ~~لسارة. كما لا نجد إشارات لممالك الفلسطينيين الخمسة إلا زمن الخروج، وهو ما يعني ~~وجودا ابتدائيا للفلسطينيين، ممثلا في مدينة مملكة واحدة على الأقل، باسم مملكة ~~جرار زمن إبراهيم. ولم تكن الممالك الفلسطينية الخمس قد ظهرت على ساحل فلسطين بعد فيما ~~يبدو. # وفي بحث سابق أدرجناه بكتابنا «رب الزمان»، حاولنا حل المشكلة بالاستناد إلى ما جاء ~~من ذكر للبلست، في مدونات رسائل تل العمارنة، # 9 # والتي استند إليها آخرون للقول بفرض غير ms555 مؤيد، أن أولى هجمات البلست، قد ~~حدثت زمن الملك آمنحتب الثالث 1379-1360ق.م. التي كانت توجه إليه وإلى ولده إخناتون تلك الرسائل. # 10 # وقد قلت في حينها باحتمال استقرار البلست في فلسطين زمن آمنحتب الثالث، ~~استنادا إلى ما ورد عنهم في سجلات تل العمارنة، في محاولة لتفسير وجودهم هناك قبل ~~الزمن التاريخي المفترض، لهجوم شعب الجزر الإيجية ~~على المنطقة، والذي تأتي أجلى صوره وأوضحها زمن رمسيس الثالث. لكنا بتنا الآن مقتنعين ~~برأي آخر، يمكنه أن يحل المشكلة حلا نموذجيا، ويعطينا التوقيت الصحيح لزمن ظهور ~~الفلسطينيين على الساحل الفلسطيني، زمن البطرك إبراهيم في مملكة جرار، وربما قبله بزمن، ~~وهو المقبول كما سنرى الآن. ثم تكاثفهم بعد ذلك في ممالك خمسة على ساحل المتوسط الشرقي، ~~زمن الخروج من مصر بعد إبراهيم بحوالي أربعة قرون أو خمسة، حسب حسابات التوراة ~~العبرية/المازورية، التي قالت إن الإسرائيليين قد عاشوا في مصر 430 سنة، إضافة إلى عمر ~~إسحاق ثم عمر إبراهيم. # أما لو أخذنا بحسابات التوراة السبعونية، التي قالت إن بني إسرائيل عاشوا في مصر 225 ~~سنة فقط، وليس 430 سنة كما قالت التوراة المازورية، ثم إضافة عمر إبراهيم وولده إسحاق، ~~يكون الفارق بين زمن إبراهيم وزمن الخروج حوالي 300 سنة، بفرض أن الخروج قد حدث في أحدث ~~التوقعات، زمن الفرعون مرنبتاح 1224-1214ق.م. وعليه فسيكون الفلسطينيون قد حلوا على ~~الساحل الفلسطيني، قبل زمن مرنبتاح بحوالي 300 سنة، أي حوالي سنة 1524 قبل الميلاد. وهي ~~ضمن السنوات الأخيرة في حكم الهكسوس لمصر قبل طردهم منها، والذي بدأ في أوسع الترجيحات ~~عام 1788ق.م. واستمر حتى 1575ق.م. وإذا كان زمن إبراهيم قد عاصر مدينة مملكة فلسطينية ~~لها ملك، ومؤسسة حاكمة بالمنطقة اسمها جرار، فإن هذا يعني وجوب الرجوع بموعد وصول ~~الفلسطينيين، قبل عام 1550ق.م. بعدة سنوات، تسمح بقيام هؤلاء الجدد بتأسيس نظام سياسي، ~~ولتكن تلك المدة افتراضا قرنا آخر من الزمان. وبذلك يجب أن يكون الفلسطينيون قد ~~تواجدوا في فلسطين حوالي عام 1650ق.م. إبان حكم الهكسوس لمصر وللمنطقة جميعا، بل ms556 إبان ~~أوج قوة إمبراطورية الهكسوس، فكيف حدث ذلك؟ وكيف أمكن للفلسطينيين القيام بهذا الغزو ~~الاستيطاني لفلسطين، إبان وقوع فلسطين بل وجزر المتوسط التي جاءوا منها، تحت حماية دولة ~~الهكسوس الإمبراطورية الكبرى؟ # هنا نتذكر عادة حكام دول المنطقة القديمة، عندما كانت تتوسع فتحتل بلاد شعوب أخرى، ~~كان المصريون يأتون من البلاد المفتوحة بنخبة أهلها إلى مصر، ويربى أمراؤها في مصر ~~على طاعة الفرعون وعلى الثقافة المصرية، وهو ذات ما كان يفعله الآشوريون، وأشهره ما ~~فعلوه مع مملكة إسرائيل الشمالية، عندما نقلوا عشرة أسباط إلى ~~بلاد آشور. وهو ما فعله البابليون مع مملكة يهوذا، ~~وهو ما ظل فعلا حتى زمن صدام حسين بالعراق، الذي نقل إثنيات بكاملها من مواضع إلى ~~أخرى، وهو بالضبط ما نراه قد فعلته إمبراطورية الهكسوس، التي زادت على ذلك بنقلها ~~شعوبا بكاملها، من مواطنها إلى أوطان أخرى. فنقلت سكان الجزر الإيجية المتوسطية إلى ~~ساحل فلسطين. لكن هذا النقل عادة ما يكون لأهداف ومصالح، فينقل الشباب ليعملوا في ~~جيوش المحتل ويصبحوا من عناصره. والصناع المتميزون وبخاصة الحدادين مصانع ذلك الزمان ~~الحربية؛ ولذلك نفهم سر الظهور الفلسطيني القوي على الساحل، فقد ظهروا فجأة أقوياء، ~~ومسلحين تسليحا حديديا متميزا. وهذا النقل بالضبط ما كان يفعله أباطرة مثل تحتمس ~~الثالث، ونبوخذ نصر الكلداني وآشور ناصر بال الآشوري، وغيرهم من الأمثلة - في التاريخ - ~~كثير. # وبالإضافة لنماذج حوادث التهجير الإجباري للشعوب، التي وردت بالكتاب المقدس، فإن نصوص ~~التاريخ الأركيولوجية تؤكد هذا المعنى، فمثلا يقول سرجون الثاني الآشوري في نصوصه، ~~التي دونها تسجيلا لحدث فتحه السامرة، عاصمة المملكة اليهودية الشمالية إسرائيل عام ~~721ق.م.: # لقد حاصرت السامرة وفتحتها وجلوت 27290 من سكانها، وجهزت من بينهم فصيلة ~~بخمسين عربة ضممتها إلى فيلقي الملكي. أما المدينة فقد أعدت بناءها بأفضل مما ~~كانت، وأسكنت فيها شعوبا من المناطق الأخرى التي قهرتها، ثم أقمت عليهم ضابطا ~~من لدني حاكما عليهم، وفرضت عليه جزية الآشوريين. # 11 # وهو الأمر الذي طابقه الكتاب المقدس إذ يقول: # في السنة التاسعة لهوشع أخذ ملك آشور ms557 السامرة، وسبى إسرائيل إلى آشور، ~~وأسكنهم في خليج وخابور نهر جوزان وفي مدن مادي. ~~(ملوك ثاني، 17: 6) # ويستمر المقدس التوراتي شارحا: # وأتى ملك آشور بقوم من مدن بابل وكوت وعوا وحماة وسفراويم، وأسكنهم في مدن ~~السامرة عوضا عن بني إسرائيل، فامتلكوا السامرة وسكنوا في مدنها. ~~(ملوك ثاني، 17: 24) # ويعقب «فراس السواح» بالقول: «ولم تطبق سياسة التهجير هذه على أهل السامرة فحسب، بل ~~شملت شعوبا عديدة منها شعب مملكة حماة ومملكة قرقميش.» # 12 # وهو ما يؤكده نص ذات الملك وهو يقول: «أما أهل المدينة ممن ثاروا معه، فقد ~~سقتهم أسرى إلى آشور ... ثم أحللت في كركميش سكانا من آشور.» # 13 # وهكذا فيما نعتقد وبنفس الأسلوب كان انتقال البلست من كفتور إلى كنعان، وهو الأمر ~~الذي ما كان ممكنا تفسيره تفسيرا مقنعا قبل بحثنا هذا عن إمبراطورية الهكسوس الكبرى، ~~وسيتبع ذلك باليقين عدة نتائج ترتبط بالأحداث ارتباطا مزيجا؛ لأن معنى ذلك أن إبراهيم ~~قد زار مصر زمن الحكم الهكسوسي؛ لأنه خرج من مصر إلى وجود فلسطيني في مملكة جرار، وكان ~~تواجد الفلسطينيين في جرار ملازما لوجود الهكسوس في مصر، وسيكون يوسف وأسرة يعقوب ~~جميعا قد دخلت مصر زمن الهكسوس، وهو ما يفسر لنا كيف أمكن لراع بدوي مثل إبراهيم، أن ~~يحصل على جارية مصرية (هاجر)، بينما المصريون يرون البدوي رجسا ونجسا يجب اجتنابه. ~~وهو ما أكدته التوراة ذاتها، عندما حكت عن الوليمة التي أقامها يوسف، وهو وزير لخزانة ~~فرعون لإخوته، عندما التقاهم بعد بعاد طويل، فتقول: # وقال قدموا طعاما، فقدموا له وحده، ولهم وحدهم وللمصريين الآكلين عنده ~~وحدهم؛ لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين؛ لأنه رجس عند ~~المصريين. ~~(تكوين، 43: 31، 32) # وعندما عرض يوسف إخوته على الفرعون، منحهم مكانا يسكنون فيه، بعيدا عن مساكن ~~المصريين، أو بنص التوراة: # لكي تسكنوا في أرض جاسان؛ لأن كل راعي غنم رجس للمصريين. ~~(تكوين، 46: 34) # والعجيب أيضا أن يطلب يوسف من أشقائه، وهو يقدمهم إلى الفرعون أن يقروا بصفاتهم ~~كرعاة، ويعلنوها: # ثم قال يوسف لإخوته ولبيت أبيه: أصعد ms558 وأخبر الفرعون، وأقول له إخوتي وبيت أبي ~~الذين في أرض كنعان جاءوا إلي. والرجال رعاة غنم، فإنهم كانوا أهل مواش وقد ~~جاءوا بغنمهم وبقرهم وكل ما لهم، فيكون إذا دعاكم فرعون وقال ما صناعتكم؟ أن ~~تقولوا: عبيدك أهل مواش. ~~(تكوين، 46: 31-34) # ويعقب الباحث مظفر نادوثي على إصرار يوسف، على إعلان بدوية ورعوية أهله للفرعون، مع ~~علمه بكراهية المصريين الشديدة للبدو والرعاة، يحمل دلالة علاقة ما بين ملوك مصر في ذلك ~~العهد وبين العبرانيين. # 14 # وتتناقض قصة حصول إبراهيم على جارية مصرية، مع أمثلة واضحة للقانون المصري بهذا ~~الشأن، ومنها تلك الحادثة الطريفة، التي يرويها لنا كل من سيل وشتيندورف، وهما يقرران: # كانت العلاقات بين مصر والدولتين الكبيرتين، في دجلة والفرات وآشور وبابل، ~~قائمة على أسس متشابهة، كما يبدو ذلك من سلسلة أخرى من الألواح المسمارية، ~~التي عثر عليها في العمارنة. وكان تبادل الرسائل نشيطا بصفة خاصة مع ملكي ~~بابل كادشمان إنليل وبورنا بورياش (لاحظ أفريقية في تلك الأسماء [المؤلف]). ~~ولكن الرسائل التي في حوزتنا من هذين الحاكمين، مصاغة بلهجة أكثر قوة وإحساسا ~~بالذات من تلك الصادرة من بلاط ميتاني. وتدل على أن ملوك هذه الإمبراطورية ~~العظيمة القوية، كانوا يعتبرون أنفسهم أكفاء على الأقل للفرعون. فمثلا لم يجرؤ ~~أحد حكام ميتاني أن يطلب يد أميرة مصرية، وكان الأمر على عكس ذلك مع البابليين. ~~فعندما طلب آمنحتب الثالث ابنة كاد شمان إنليل ليضمها إلى حريمه، أعطيت له ~~بدون تردد، ولكنه في نفس الوقت ووجه بطلب مقابل بأن يرسل أميرة مصرية إلى ~~بابل، وقد رفض هذا الاقتراح غير المعقول باعتباره منافيا لكل التقاليد. ولكن ~~كادشمان إنليل رد على أخيه ردا منطقيا متماسكا في خطاب آخر: إنك يا أخي ~~كتبت لي بأنك لن تسمح لابنتك بالزواج مني قائلا: إنه لم يحدث أن أعطيت ابنة ~~ملك مصري لأحد من قبل! دعني أسألك لماذا؟ إنك أنت الملك ومشيئتك نافذة، فإذا ~~كنت راغبا في إرسالها، فمن ذا الذي يعترض؟ ثم يمضي بسذاجة قائلا: إنه سوف ~~يقتنع بأية ms559 امرأة جميلة أخرى؛ إذ يمكنه أن يدعي أنها ابنة الملك، ولن يجرؤ أحد ~~على تكذيبه، لكن إذا كنت من حيث المبدأ، ترفض أن ترسل لي أحدا على الإطلاق، ~~فأنت لا تأخذ الأخوة والصداقة بعين الاعتبار. # 15 # وحتى إبان سقوط القوى المصرية وانحطاطها، ظل المصري يحافظ على هذا التقليد المقدس، ~~فيخبرنا هيرودوت أنه عندما ألح الملك الفارسي قمبيز ملك العالم آنذاك، في طلب الزواج من ~~ابنة الفرعون، زمن تدهور مصر الحضاري والسياسي والعسكري، اختار الفرعون لملك العالم ~~فتاة من خادمات البلاط، وأرسلها لقمبيز على أنها ابنته، وعندما اكتشف قمبيز ذلك اتخذها ~~ذريعة لغزو مصر. # 16 # وفق هذا كله لا يمكن تصور أن فرعونا مصريا، يمنح راعيا بدويا (إبراهيم) جارية ~~مصرية، وهو أشد عناصر البشر نجاسة في القانون المصري. إن الحل الأوحد هو أن يكون ~~إبراهيم، قد دخل مصر على ذوي قرابته وحلفه، لقد كان الحاكم على مصر زمن إبراهيم ~~هكسوسيا ولم يكن أبدا مصريا. # والتوراة تقول إن إبراهيم أنجب من هاجر المصرية ولده البكر إسماعيل، ثم إن إسماعيل ~~نفسه سار على درب أبيه فتزوج مصرية «وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر» (تكوين، 21: ~~21). # لكن لأن التاريخ مساربه وتواصلاته عبر ذكريات عادة ما تكون غائمة أو منزوية، فإن ~~الحدث يجد له منفذا كما عند المؤرخ هروشيوش، الذي قام يردد ذكريات القرون الغوابر، ~~ويخالف التوراة مخالفة شديدة حسب الفهم السائد، بينما يتفق معها أشد الاتفاق حسب رؤيتنا ~~لأحداث ذلك الزمان، فهو يقول عن إبراهيم: # وولد له إسماعيل من جاريته العملاقة، وتزوج إسماعيل امرأة من العماليق، ~~فولدت له اثني عشر ولدا. # 17 # وحيث نعلم أن إسماعيل هو ابن هاجر، فمعنى ذلك أن هاجر لم تكن مصرية إنما «عملاقة»، ~~وأن زواج البدو العبران من أرض مصر، لم يكن من مصريات، بل من عملاقات هكسوسيات. وهو ~~الأمر الذي وجد منفذه ليصل إلى مؤرخينا الإخباريين القدامى ليدونوه بدورهم، فيحكي ~~المسعودي: # تفرق العماليق بعد أن أقحط الشحر واليمن، فتزوج إسماعيل منهم. # 18 # كذلك كان يعلم ذات الخبر راوي ms560 السيرة ابن هشام، الذي أكد أن العماليق وليس المصريين، ~~كانوا أخوال إسماعيل، وذلك في قوله: # إن إسماعيل نبي مرسل، أرسله الله إلى أخواله من جرهم والعماليق. # 19 # وهو المعنى الذي دونه الثعلبي يقول: # ثم نبأ الله إسماعيل، فبعثه إلى العماليق وقبائل اليمن. # 20 # وهو الخبر الذي يجمع الكثير لتأييدنا؛ فالعماليق في مصر وسيناء، وكان ~~إسماعيل مبعوثا إليهم وإلى قبائل اليمن. لقد كانت بذلك قبائل اليمن في ذات الجوار (حيث ~~مملكة سبأ كما سبق البحث) بسيناء وآدوم وكذلك بمصر ضمن العماليق أو الهكسوس. إن نظريتنا ~~تلتقي مع أحداث كان يتم التعامل معها، بحسبانها أوهام أهل السير والأخبار، بل إنها ~~تفسر نظريتنا وتضعها في تناغم واضح مع سياقها التاريخي. # وهكذا فإن الهجمة التي حدثت في زمن مرنبتاح، وتلاها هجوم أعظم زمن رمسيس الثالث، لم ~~تكن هجمة الفلسطينيين من كريت، التي احتلوا بموجبها ساحل فلسطين، إنما مجموعات خرجت من ~~الجزر اليونانية، حملت أسماء شعوب عديدة كالشاكروشا والثكر والدانونا والواشاشا ~~والبلست، وهم الذين عرفهم التاريخ باسم الشعوب الآخية، وهي الهجمة الكبرى التي أسقطت ~~الحضارة الحيثية وأزالتها من التاريخ. وكان الخلط يتم دوما بين حركة الآخيين الكبرى ~~وبين وجود البلست على الساحل الفلسطيني، بدمج مبتسر ومتكلف لإيجاد تفسير لظهور ~~الكريتيين البلست على ساحل فلسطين، في زمن كانت فيه مصر قد أصبحت إمبراطورية قوية، لن ~~تسمح بهذا الاستقرار لمهزومين - كما يقولون - في أراض تابعة لها . بينما التوراة قد ~~أكدت وجودهم هناك قبل تحديد المؤرخين بثلاثة قرون على الأقل. وكان هذا الاستيطان المبكر ~~للفلسطينيين أمرا غامضا، لم يأت بشأنه مدون واضح يحدد موعد بدئه؛ لأنه ببساطة حدث ~~زمن الهكسوس الذي لم يترك لنا شيئا مدونا يعول عليه، وهو الزمن الذي أسدل عليه ~~المصريون ستارا من النسيان، فلم يدونوا عنه وقرروا نسيانه ولم يعودوا يذكرونه كأنه لم ~~يكن. # وفي تلك الأثناء، وفي فترة الظلام الهكسوسي نعتقد وفق ما طرحناه، أنه قد حدث الحدث، ~~وتم نقل الكريتيين إلى الساحل الفلسطيني ليفاجئونا - عندما يرتفع الستار مرة أخرى، ~~ويبدأ التدوين بعد ms561 طرد الهكسوس من مصر - نفاجأ بوجود الفلسطينيين هناك قبل أي تواجد ~~للعبريين، أو من ذكرهم التاريخ باسم بني إسرائيل، وهم الشعب الغريب تماما عن المنطقة، ~~جاءها وافدا مستوطنا، وهذا أمر آخر يحتاج إلى جهد آخر ومبحث جديد. # الفصل السابع # | حل لغز الخابيرو # حول زمن خروج الإسرائيليين من مصر، سيقت عدة نظريات وفروض، كان أولها تلك النظرية ~~العتيقة، وتعد أول النظريات التي وضعت بهذا الشأن، وهي نظرية المؤرخ اليهودي يوسفيوس، ~~والتي اعتمد فيها على تاريخ مانيتون المصري 282ق.م. وقد زعم يوسفيوس في نظريته أن بني ~~إسرائيل كانوا هم حكام مصر باسم الهكسوس، إلا أن هذه النظرية لم تعد تلقى اليوم قبولا ~~عند علماء التاريخ أو عند علماء نقد التوراة، حيث تواترت حديثا نظريات علمية جديدة، ~~بدأت بالظهور تباعا، بعد فك رموز الهيروغليفية المصرية، وما تبعها من كشوف ~~أركيولوجية متتابعة. ووضعت فروض تزمن هذا الخروج في مساحة تقع ما بين ثلاثة قرون أو ~~أقل، تقع ما بين زمن الفرعونة حتشبسوت 1490-1460ق.م. وزمن الفرعون مرنبتاح حوالي ~~1224-1214ق.م. لكن ليس قبل ولا بعد، إنما تدور جميعا بين فراعين حكموا بين هذين ~~المدتين 1490-1214ق.م. # وقد ذهبت مدرسة جارستانج إلى القول بأن الخروج قد حدث زمن الفرعونة حتشبسوت، وذهب ~~آخرون إلى تزمينه بزمن الفرعون الفاتح تحتمس الثالث 1490-1436ق.م. بينما أرجأه آخرون ~~إلى زمن الفرعون مرنبتاح 1224-1214ق.م. ويعد هذا الرأي الأخير هو الرأي السائد والمستقر ~~الآن ، ويستمد قوته من اعتماده على وثيقة أركيولوجية واضحة، تتمثل في لوح مرنبتاح الذي ~~ذكر اسم إسرائيل لأول مرة ولآخر مرة، فيما اكتشف من آثار مصرية حتى الآن. ويقول فيه ~~الفرعون إنه قد أباد إسرائيل ولم يبق لهذا بذر أي نسل أو أثر. ولأن فترة حكم هذا ~~الفرعون لم تتجاوز عشر سنوات، تسمح بكل الأحداث التي رواها سفر الخروج بالتوراة، فقد ~~افترض أصحاب تلك النظرية أن الأحداث الكبرى المروية بالتوراة، وما رافقها من اضطهاد ~~الإسرائيليين في مدينتين باسم «رعمسيس» و«فيثوم»، إنما تعود إلى زمن أبيه رمسيس الثاني ~~1290-1224ق.م. بحيث يصبح رمسيس الثاني ms562 فرعون الاضطهاد، وصاحب مدينة الاضطهاد التي حملت ~~اسمه. أما الخروج فيكون قد حدث زمن ولده مرنبتاح صاحب لوح إسرائيل المشهور. # وكان علم التاريخ قد استقر على أن العبرانيين قد سجلوا اسمهم في التاريخ ووثائقه، بعد ~~أن ورد اسمهم في التاريخ ووثائقه بصيغ مختلفة، للدلالة على أناس بعينهم في كل مدونات ~~منطقة المتوسط الشرقي، على اختلاف التنغيم ما بين: عابيرو، خابيرو، خابيري، حابيري، ~~حبراي، هبر، عفر، عفرم، حبري، خبري. لكن تزمين الخروج بزمن مرنبتاح كان يعني لهؤلاء ~~المؤرخين خسارة كبرى، اضطروا معها للتنازل عن كون تلك الأسماء المتعددة تشير إلى عبريي ~~التوراة الإسرائيليين؛ لأن تاريخ تدوين هذه الأسماء للعابيرو لن يلتقي زمنيا مع زمن ~~مرنبتاح والذين خرجوا من مصر. ولمعرفة السبب وراء ذلك نحن بحاجة إلى بعض ~~التفصيل. # كان أول ظهور للصفة «عبري»، عندما استخدمها سفر التكوين بالكتاب المقدس لوصف البطرك ~~إبراهيم. ثم وردت كلمة «عبرانيون» لوصف الإسرائيليين الذين كانوا يعيشون بمصر، ثم وصفوا ~~بذات الصفة بعد خروجهم من مصر ودخولهم فلسطين. إلا أن الملاحظ أن تلك الصفة كانت تستخدم ~~عند ورودها لتمييزهم جنسيا عن أصحاب الأرض وأهلها، وهو ما حدث في قصة يوسف عند نزوله ~~مصر لتمييز الإسرائيليين عن المصريين، وكذلك تكرار ذات الأمر في قصة موسى بمصر، ثم في ~~قصة أول ملك إسرائيلي (شاول) لتمييز الإسرائيليين عن سكان فلسطين. ثم اختفت صفة عبري ~~مدة طويلة، لتظهر بعد ذلك في سفر صموئيل أول وفي سفر يونان. # وقد تواترت الكشوف الأركيولوجية بأخبارها عن ال «خا - في رو»، في النصوص المسمارية ~~الكاشية أو الكوشية أو الكاسية بالرافدين، وال «ع ف ر م» في نصوص أوغاريت/رأس شمرا، وال ~~«خ ا ب ي ر و» في رسائل تل العمارنة بمصر، وال «ع ف ر» في نصوص مصرية أخرى، و«خ ب ي ر ~~و» في نصوص نوزي بأعالي الفرات، ضمن مملكة ميتاني المزعوم وقوعها هناك، ففي المدونات ~~هناك تكرار اسم «خ ب ي ر و»، بينما لم يشر المدون نفسه إلى هويته، ولا إلى «ميتاني» ms563 ~~ولا إلى نوزي نفسها. # 1 # وفي الفترة ما بين نهاية القرن الخامس عشر ومنتصف القرن الرابع عشر ق.م. أفادت رسائل ~~العمارنة القادمة من ملوك كنعان ومحيطها، أن جمعات باسم «الخابيرو» و«الساجاز» تهدد ~~العديد من الممالك الفلسطينية سواء في الشمال أو الجنوب. # 2 # وإذا كان الخابيرو قد كانوا باسمهم المتواتر في وثائق المنطقة جميعا، هم ~~اللقية العظيمة للمؤرخين، على اعتبار أنها إشارة إلى العبريين، فقد اضطروا للتنازل عن ~~هذه اللقية إزاء الاتفاق، على أن الخروج قد حدث زمن مرنبتاح الذي يأتي بعد زمن العمارنة ~~بزمان؛ لأنه لن يكون مفهوما كيف خرجوا، وكانوا يهاجمون فلسطين زمن العمارنة الأسبق؟ ~~أما الساجاز؛ فهي كلمة تعني القتلة، ويوصفون بأنهم «قاطعوا الرقاب أو الأعناق» أو ~~«قاطعوا الرءوس»، وقد ظلوا مجهولين تماما، كما ظلت كلمة «ساجاز» مجرد صفة، أطلقت على ~~بعض الهكسوس لوحشيتهم! # وللمزيد بشأن الخابيرو والساجاز نقرأ: «تفيد العديد من النقوش القديمة المؤرخة، ~~ابتداء من الألف الثاني قبل الميلاد، بوجود مجموعات من اللصوص وقطاع الطرق والمرتزقة في ~~المشرق العربي، كانت تعيش على هامش المجتمع، وقد عرفت هذه المجتمعات في النقوش ~~السومرية، العائدة للفترة الواقعة بين الأعوام 2050-1930 و930-1697ق.م. باسم «س ء ج ء ~~ز» ومن أهل الاختصاص من يرى أن الاسم السومري «س ء. ج ء ز»، مشتق من المفردة الأكادية ~~«شجج ء شو» بمعنى شجه/تلة، كما قرئ الاسم أحيانا «خبب ء تو» بمعنى لصوص وبدو رحل. ~~وبمقارنة قوائم الآلهة الحثية وقائمة الضرائب الأوغاريتية اقتنع أهل الاختصاص، بأن ~~المجموعات التي عرفت بالاسم السومري «س ء. ج ء ز» هي نفسها المشار إليها بالاسم الأكادي ~~خفيرو «خء. في. رو» و«خء. ءب. بي ري» وهناك اتجاه يرى أن الاسم خبيرو مشتق من المفردة ~~خبر، بمعنى يربط أو يوصل، أو من المفردة «عبر» بما يعني أن المقصود «حبريم» أي ~~المتحالفون، أو «خبريم» بمعنى البدو المتنقلين، ويرى اتجاه آخر أن المعنى الصحيح للاسم ~~عفر هو «مغبرين»، وانطلاقا من حقيقة أن البدو أي العرب في حالة ترحل مستمرة، فقد ~~أول ممثلو ms564 هذا الاتجاه المعنى ليشير إلى بدو رحل. ومن الجدير بالذكر أنه تمت قراءة ~~الاسم بصيغته الأخيرة في نصوص مملكة ماري العائدة للنصف الأول من الألف الثاني قبل ~~الميلاد، والتي فهم منها أن المقصود بذلك مرتزقة أو عصابات تعيش من نهب المدن. ويعود ~~الخفيرو للظهور من جديد في نصوص عديدة تعود إلى مملكة الألاخ، حيث يسجل النص المؤرخ في ~~القرن الثامن عشر قبل الميلاد، توقيعهم لاتفاقية سلام مع حكام تلك المملكة، بما يظهر ~~أنهم شكلوا حينئذ قوة عسكرية هامة ومستقلة. كما يعود الخفيرو للظهور من جديد في نصوص ~~هذه المملكة ذاتها، والعائدة للقرن الخامس عشر قبل الميلاد. وهذه المرة يظهرون كقوة ~~عسكرية متمركزة في المدن، حيث عرف أن بعضا منهم كان ينتمي إلى طبقة الكهنة، ويتم مدحهم ~~في نص ثالث لاستضافتهم الملك المعزول إدرمي. # أما النصوص العائدة للقرن الخامس عشر قبل الميلاد، التي عثر عليها في مدينة نوزي ~~الواقعة في القطر العراقي، فتظهر أن الخفيرو وضعوا أنفسهم كأشخاص أو مجموعات بتصرف ~~الدولة كمرتزقة وخدم، بينما تثبت وثائق أخرى أنهم كانوا رقيقا وظفوا في الخدمة ~~المنزلية (نتذكر هنا ما حدث ليوسف وعمله الأول كخادم منزل في بيت رئيس الجند المصري ~~فوطيفار [المؤلف]). # وتعود هذه المجموعات للظهور من جديد في رسائل تل العمارنة، العائدة للنصف الأول من ~~القرن الرابع عشر ق.م. بصيغة «سء. ج ء ز». # ويرى أهل الاختصاص أن تلك الوثائق تظهر تشكيلهم من أمراء وسكان مدن، أي إنهم أصبحوا ~~من أهل الحواضر. وكما تبين تلك الرسائل أن تلك المجموعات، والتي رأى فيها أهل الاختصاص ~~نفس خفيرو النصوص الأكادية، أنهم لم يكونوا متمردين فحسب، وإنما وظفوا أيضا كمحاربين ~~مرتزقة، مما جعل كاتبي الرسائل ينعتونهم بصفة: كلب، وكلاب ضالة. أما النقوش الحيثية ~~فتشير إلى «س ء. ج ء ز»، كمجموعة طبقية صنفت ما بين النبلاء والعامة. # كما عثر على إشارة لعفروم في النصوص الأوغاريتية، فهم أن المقصود بها جماعات مستقرة ~~المسكن تدفع الضرائب، وأن رئيسهم الموصوف برب عفروم كان يتمتع بموقع محدد في ms565 إدارة ~~المملكة. وتسجل النقوش المصرية العائدة للفترة الواقعة بين القرنين السادس عشر والثاني ~~عشر ق.م. وجود جماعة متشابهة من السكان المحليين في فلسطين، أطلق عليها اسم «عفرو» ~~كجماعة من الرقيق والعمال الأسرى. وقد سجل الأثر المسمى نقش آمنوفيس (لوح ~~مرنبتاح/إسرائيل [المؤلف])، أخذ ذلك الملك المصري مجموعات من ال «عفر. و» كأسرى وأحضرهم ~~إلى مصر، وهو ما يعني وجودهم في فلسطين وليس في مصر، زمن غزوة مرنبتاح (لوح إسرائيل). # 3 # ولفترة من الزمن تم الاعتقاد أن هذه الاصطلاحات على مختلف تنغيماتها، تشير إلى ~~العبريين بمعنى الإسرائيليين تحديدا كمجموعة قبلية عرفت في التوراة باسم «عبريم»، ~~وهو الاسم الذي تكرر بالكتاب المقدس 34 مرة. وإنه في عرف تلك المدرسة التي تربط بين ~~خابيرو التاريخ وبين عبريي الكتاب المقدس، اسم يشير إلى مجموعة جنسية إثنية محددة، ~~انتسبت حسب قول الكتاب المقدس إلى جد بعيد باسم عابر. خاصة أن التوراة تصف أرومة ~~الإسرائيليين إبراهيم الخليل بأنه «ءبرم ه عبري»، أو إبرام العبري في (سفر التكوين، 14: ~~13)، لكن الطريف أن النسخة السبعونية من التوراة، قد سجلت مصطلح عبري 28 مرة فقط بفارق ~~ست مرات عن النسخة المازورية؛ لأنه في تلك المرات الست كان يفهم أن عبريم تعني عبديم أي ~~عبيد، أو تعني مجرد بدو أو مارة أو عابرين.» # 4 # ويقول «إيفارلسنر»: «إن اليهود شعب سامي شأنهم شأن البابليين والفينيقيين والعرب، ~~عاشوا في فلسطين في الأزمنة الغابرة، كما أنهم في الأصل بدو يعرفون بالعبرانيين.» ~~ويعقب على كلامه مترجم كتابه إلى العربية فيقول: «ظن بعض الباحثين ومنهم مؤلف هذا ~~الكتاب (أي: إيفار لسنر) أن الاسم «عبر» هو نفسه الذي وجد منقوشا في لوحات تل ~~العمارنة ... وفي الكتابة المسمارية بلفظ حابيري أو خابيري. وقد تكررت هذه التسمية في بعض ~~كتابات الكشيين المسمارية البابلية في العراق، وفي نقوش حيثية عثر عليها في بوغاز كوي ~~بتركيا، كما وردت في بعض نقوش أمورية في حفائر نوزي بشمال العراق، لكن المحققين من ~~العلماء يرفضون ارتباط كلمة عبري بالاسم حابيري.» # 5 # وللمزيد من التفاصيل نقرأ ms566 النص ~~«No 190-EA» # من رسائل ~~تل العمارنة، وهو عبارة عن رسالة من حاكم أورشليم إلى سيده آمنحتب الثالث، أو ربما إلى ~~ولده آمنحتب الرابع إختانون، يقول فيها: # إلى الملك مولاي، # هكذا يقول خادموك عبد خيبا (عبد هفا): # انظر إلى ما فعله ملك إيلو # Milki Lu # وشوارداتا # Shuwardata # بأراضي الملك مولاي؟ # لقد فعلوا بقوات من جازر # Gezer # ومن جت # Geth # ومن كيلة # Keilah # وأخذوا أراضي روبوتو # Rubutu ~~، وأراضي الملك سلمت إلى ~~شعب العابيرو، حتى بلدة في أراضي أورشليم من أملاك سيدي اسمها بيت لحم # Bit-Lahm # قد أعطيت إلى كيله. # فليصغ مليكي لخادمة عبد خيبا، ويرسل قوات تعيد الأراضي الملكية لخادمة عبد خيبا، ~~ويرسل قوات تعيد الأراضي الملكية إلى الملك. # وإذا لم تصل القوات. # فإن أراضي الملك ستغدو للعابيرو. # 6 # ومن جانبه يؤكد لنا «أحمد سوسة» أنه قد تم العثور حتى الآن على ست رسائل استغاثة ~~موجهة إلى فرعون العمارنة، موجهة إليه من «عبد خيبا» واليه على أورشليم. # 7 # ونعلم بعد ذلك أن هؤلاء العابيرو ظلوا يهاجمون أملاك مصر في فلسطين مدة ~~طويلة، حيث تم العثور في موقع «بيت شان» على نصب تذكاري تركه سيتي الأول 1309-1291ق.م. ~~ورغم ما لحق به من تلف شديد؛ فإنه أمكن الإفادة منه بحدث هام، هو أن الفرعون قد صد ~~هناك هجمات للعابيرو قادمة إلى فلسطين عبر نهر الأردن. # 8 # وفي نص من مدينة «الالاخ» بشمالي الرافدين نجد ملكا باسم «إبرم»، يعقد اتفاقا مع ~~الخبيرو ليكونوا جنودا في جيشه (لاحظ أن إبرم هي إبرام هي إبراهيم)، وفي نصوص نوزي ~~جدولة للمرتبات والملابس، التي كانت تصرفها مملكة نوزي للخبيرو، وفي منشور رسمي للملك ~~الحيثي حتوسيل الثالث إعلان عن رفض المملكة الحيثية، لاستقبال الخبيرو الهاربين من أوغاريت. # 9 # ثم يحيطنا «ماكلستر» علما أن تهديد أملاك مصر في الشام كان على يد عصابات آرامية، ~~عرفت في رسائل العمارنة باسم «السوتو والخبيرو»، ويفترض أن قوة ما ضاغطة دفعت أمامها ~~الخبيرو والبولساتي (البلست/الفلسطينيين) من بلادهم الأصلية، ليتجهوا نحو بلاد فلسطين ~~وبوادي الشام، ms567 ثم يشرح موضحا مشكلة الخابيرو ~~والعبريين قائلا: # وبعيد أن يكون هذان الفريقان من الغزاة، واسمهما يكاد يكون واحدا (يقصد ~~الخابيرو والعبرانيين) منفصلين أحدهما عن الآخر تمام الانفصال. وإذا لم يكونا ~~منفصلين فإن قصة الخبيرو، وعلى قدر ما تستخلص من رسائل تل العمارنة، تضاعف ما ~~يوجه إلى قصة الخروج الواردة بالكتاب المقدس من نقد. فيجب أن نستنتج من الرسائل ~~أن استعمار الخابيرو فلسطين، استمر بدون مقاومة تذكر (على عكس رواية الكتاب ~~المقدس [المؤلف])، وأن الكنعانيين اضطروا آخر الأمر إلى قبولهم جيرانا ثقلاء ~~لا مفر من جيرتهم. فإذا كان الأمر كذلك، وإذا قلنا إن العبرانيين من نسل هؤلاء ~~الخبيرو، فماذا يكون رأينا في قصة الخروج من مصر (يقصد الخروج زمن مرنبتاح)؟ # 10 # ماكلستر بذلك مثل آخرين يصر على أن العبرانيين بالكتاب المقدس، هم ذات الخبيرو بنصوص ~~أركيولوجيا المنطقة. # لكنه سيواجه بذلك مشكلة. # فإذا كان العبرانيون هم الخابيرو، فكيف كانوا يهاجمون أملاك مصر في فلسطين زمن ~~العمارنة (آمنحتب الثالث 1405-1367ق.م.، وولده إخناتون 1367-1350ق.م.)، كما ثبت من ~~رسائل الاستغاثة المرسلة من حكام فلسطين إلى ملوك العمارنة؟ وهو وقت يفترض أنهم كانوا ~~ما زالوا يقيمون فيه بمصر، حسب تزمين الخروج بزمن مرنبتاح؟! ولم يكونوا قد خرجوا من مصر ~~بعد إلى فلسطين، حيث إن زمن مرنبتاح يقع بعد ذلك التاريخ بما يزيد عن قرنين. # هنا لا يفارق ماكلستر ما استقر عليه ضميره العلمي، وقرر أن الخطأ بذلك لن يكون في ~~علم التاريخ ووثائقه، وما وصل إليه العلماء بتحديد زمن مرنبتاح لحدث الخروج، إنما علينا ~~بالبحث عن الخطأ في القصة التوراتية ذاتها وتزميناتها وربما تسمياتها، وما روته من ~~أحداث حول الخروج. # لكن ما فات ماكلستر أن هؤلاء المؤرخين أنفسهم، الذين اعتمدوا على وثيقة لوح مرنبتاح، ~~لتزمين الخروج إبان حكمه على مصر، قد بنوا حكمهم هذا على عنصر توراتي إلى جوار ~~العنصر الأركيولوجي، بحيث تطابق تزمين التوراة للخروج مع تزمين علماء الآثار والباحثين، ~~وتمت وفق ذلك حسابات تستند إلى التوراة كالآتي: # تقول التوراة: «وأما إقامة بني إسرائيل التي ms568 أقاموها في مصر؛ فكانت أربعمائة وثلاثين ~~سنة»، وذلك منذ دخول يعقوب وأبنائه الأسباط مصر، حتى خروج موسى وأتباعه من مدينة ~~رعمسيس. يضاف إليها التواريخ التي وردت في سفر التكوين، بخصوص يوسف تحديدا بعد أن دخل ~~مصر حيث قضى في السجن عامين، وانقضت سبع سنوات من الخير، وسنتان من سنين القحط قبل وصول ~~يعقوب وأولاده إلى السبط يوسف في مصر. وبذلك تكون المدة من دخول يوسف السجن إلى خروج ~~موسى 441 سنة. فإذا أضفنا 441 سنة إلى أوائل حكم مرنبتاح، فسيؤدي بنا ذلك إلى زمن دخول ~~الهكسوس مصر، أو بعد غزو الهكسوس بحوالي 15 سنة. وإذا طرحنا 441 عاما من زمن دخول ~~الهكسوس مصر، فسيفضي بنا ذلك إلى زمن مرنبتاح، وهكذا تمت مطابقة تزمينات التوراة مع ~~تزمينات التاريخ، لكن ظلت المشكلة قائمة: كيف كان العبريون يقومون بغزو فلسطين زمن ~~آمنحتب الثالث والرابع، بينما لم يكونوا قد غادروا مصر فعلا زمن مرنبتاح، الذي يقع ~~تاريخيا بعد غزوهم فلسطين بحوالي قرنين من الزمان؟ # على أية حال علينا الآن أن نتابع ما وصلنا من علم التاريخ، بشأن الخابيرو حتى نكون ~~على بينة واضحة، أو نجد ما يفصح عن حل ذلك اللغز المحير. # لقد تأكد تاريخيا أنه في فترة قصيرة أيام حكم العمارنة تحولت «ميتاني» عن ولائها ~~لمصر، وأخذ ملكها عبدى شراتا «عبد شري» و«شري» هو الإله الذي أوضحنا أمره في مديان وليس ~~في «ميتاني» المزعومة أعالي الرافدين، ومن بعده ولده «عزيرو»، بالتوسع على حساب أملاك ~~مصر في فلسطين والشام، وأنهم من أجل ذلك قد دخلوا في تحالف مع الخابيرو، وقاموا بغزو ~~أراض في فلسطين، # 11 # وهو ما يلخصه لنا عالما المصريات «شتيندورف» و«سييل» في قولهما: # وإلى الجنوب من فلسطين لم يكن الموقف أفضل من ذلك، فهذه المنطقة أيضا لم ~~ينقصها الأمراء الشغوفون بانتهاز فرصة الضعف المصري، لنيل استقلالهم أو توسيع ~~ممتلكاتهم الخاصة، ووجدوا حلفاء جاهزين في الخابيرو والبدو، الذين يعرفون باسم ~~سوتي # Suti ~~، أما الملحقات الموالية ومنها ~~أورشليم، فقد حاولوا عبثا الحصول على مساعدة ms569 البلاط المصري، وأخذوا يتوسلون ~~إلى الملك من أجل «العناية بأراضيه، كل أراضي الملك قد انفصلت. الخابيرو ينهبون ~~كل أراضي الملك، إذا لم تأت القوات هذه السنة بالذات، فإن كل أراضي الملك سوف ~~تضيع.» ولم تصل التعزيزات المطلوبة مطلقا، واستطاع الخابيرو اجتياح كل ممتلكات ~~الملك بدون عائق، وحل اليوم الذي «ضاعت فيه كل منطقة الفرعون». # 12 # هذا وبينما يعرض لنا جاردنر غارة آمنحتب الثاني 1436-1413ق.م. على فلسطين، يؤكد على ~~إشارة وردت لقبائل باسم عابيرو، متحالفة مع أعداء لمصر باسم شاسو والحوريين، ثم يعقب ~~شارحا للفظة عابيرو: «وقد نوقش هذا المصطلح كثيرا ... فمنذ سنوت قليلة مضت كان هناك من ~~يؤكد أن هؤلاء الأقوام هم أنفسهم العبرانيون في التوراة، لكن هذا الرأي لا يتقبله اليوم ~~سوى قلة من العلماء. إن الخابيرو الذين جاء ذكرهم في ألواح العمارنة، يبدو أنه اصطلاح ~~شامل، أطلق على المنبوذين أو العصابات التي لا تنتسب إلى أية مجموعة جنسية محددة.» # 13 # وهكذا، وبكل بساطة تم حل مشكلة العابيرو، وإذا كان وجودهم على حدود فلسطين زمن آمنحتب ~~الثالث وولده إخناتون سيسبب أرقا ومشكلة، في حال احتسابهم هم ذات الإسرائيليين الذين ~~خرجوا من مصر، فليكن الحل: إن هؤلاء ليسوا هم أولئك؟ وأن المسألة مجرد تشابه أسماء؟! ~~فإن سألنا: من هم إذن الخابيرو تحديدا إذا لم يكونوا هم العبريين أو الإسرائيليين؟ فإن ~~الإجابة السهلة: هم مجرد شوارد قبائل وشذاذ آفاق، وعصابات لا تنتسب لعنصر بشري معروف. ~~ويصبح الأمر كما لو أن عبريي التوراة شعب ذو عنصر بشري معروف، أما الخابيرو فليسوا ~~كذلك، وإنهم ليسوا عبريي التوراة؟! # لكن ذلك الأمر فيه نظر؛ لأنه إذا كان الكتاب المقدس، قد أوعز بأن الإسرائيليين نسل ~~عبراني وكلاهما واحد، فإنه في مواضع أخرى يهمس بنتيجة مخالفة تماما لمن ينقب فيه، وهي ~~أن العبريين ضموا مجموعة قبائل وشعوب متنافرة كانت تنتقل في بداوتها شرقي المتوسط، ومن ~~ثم نراهم من جانبنا عنصرا من عناصر الحلف الهكسوسي القديم، بينما الكتاب المقدس من ~~جانبه تحول بفكرة الحلف إلى بديل قرابي، فوضع ms570 سلسلة نسب تجمع مجاميع بشرية متنافرة في ~~جماعة واحدة وجنس مميز، كما لو كان شعبا واحدا من الأزل. # ورغم أن سفر التكوين يضع شخصية أساسية باسم عابر، سلفا لكل بني عابر أو العبريين، ~~ويضع ضمن العبريين شعبا من جنوبي جزيرة العرب هم اليقطانيون أو القحطانيون، الذين ~~أصبحوا يعرفون بعرب الجنوب العاربة، أي الأصلاء في العروبة، فإنه في المقاطع «10: ~~21-29» لا يصف يقطان/قحطان وأبناءه بأنهم عبريون. ولو كان عابر هذا ساميا حقا هو ~~ونسله من بعده، لكان وصفه «عابر السامي» نسبة إلى جده سام، حسب الشجرة التوراتية. وليس ~~كما وصفه بنسبته إلى أحفاده وتعريفه بأنه «أبو كل بني عابر، وهناك حوالي 25 قبيلة أو ~~شعبا، احتسبتها التوراة من بني عابر، ولم توصف واحدة منها ولو مرة واحدة بأنها ~~عبرية.» ونتذكر هنا تأكيد هروشيوش أن بلاد آدوم، كان يعيش فيها نحو ثمانية وعشرون ~~جنسا، ومن هنا يستنتج زياد منى «أن النصوص التي تشير إلى جد أعلى باسم عابر، هي إضافات ~~لاحقة من المحرر التوراتي.» # 14 # ثم يجمع «منى» معاني كلمة «عبر» من مصادر اللسان العربي لينتهي إلى أنها تعني ~~الارتحال مطلقا، فهي «القطع من مكان لآخر، الإبل القوية على السير، الجريء على ~~الأسفار القوي عليها، الكثير من كل شيء، وغلب على الجماعة من الناس، السحائب تسير سيرا ~~شديدا» ويعقب: «إن هذه المصطلحات أو المفردات تحمل مضمون الحركة في معانيها»، # 15 # وهو ما يلتقي تماما مع ما انتهينا إليه من معاني الاصطلاح المصري القديم ~~«شاسو» الذي يعني الارتحال مطلقا. # ويقرن منى بين العبري والغبري ليجمع من المعاجم ما أفاد به علم التاريخ عن أسلوب حياة ~~وعمل الخابيرو، فيقول: «تفيد المراجع المتخصصة أن بني غبراء، هم الغرباء الصعاليق ~~المحاويج الفقراء.» # 16 # الأمر الذي ينجلي عن تعبير التوراة «تائه» في النص «آراميا تائها كان ~~أبي»، كما ينجلي عن تكرار قول إبراهيم، في كل محطة كان ينزلها بعد ارتحال، أنها أرض ~~«غربته»، وحتى اليوم نجد في لسان عرب الخليج والجزيرة، «العبري» هو المسافر العابر غير ~~المقيم، ms571 و«العبرية» هم المسافرون. # ثم يعقب منى بالقول: # 17 ~~«إن النصوص التي تحوي قوائم الأجداد مشكلة من عدة روايات متباينة المحتوى، ~~أدمجت ببعضها البعض بهدف نقل الانطباع بوحدة الرواية، وبوحدة أصول شعب التوراة.» ثم ~~يطابق «منى» بين الصفات التي عرفها علم التاريخ عن هذه الجماعة كشذاذ آفاق، يعيشون على ~~السلب والنهب والحركة الدائبة، وبين ما جاء في التوراة من تصوير لحياة الأسباط في وصف ~~جماعة داود، بأنها تتكون «من كل رجل متضايق وكل مديون وكل رجل مر النفس». # 18 # ومن هنا ينتهي «منى» إلى أن الكتاب المقدس، قد وظف المصطلح «عبري» للدلالة على تحالف ~~إعرابي قبلي، وأن محرري الكتاب المقدس لم يعرفوا معنى المفردة، فتمثلوها في شخص باسم ~~عابر، أدخلوه في قوائم الآباء الأولين. والحقيقة أنه ليس هناك مجموعة جنسية إثنية ~~متميزة باسم العبريين. # 19 # أما سليم حسن؛ فيوضح باختصار أنه «كان أول ظهور للخابيرو في التاريخ في ميسوبوتاميا ~~(الرافدين القديم [المؤلف])، حوالي نهاية الألف الثالث ق.م. وقد كان لهم اتصال وثيق ~~بالحورانيين ... وفي حين أن غالبية الخابيرو ساميون، فإنهم كانوا في العادة على اتصال ~~مباشر بالعنصر الحوراني (وهو عنصر هندوآري عند سليم حسن [المؤلف]) المنتسب إلى الهكسوس. # 20 # وحول هذا الاختلاط الجنسي الغريب بين السامي والهندوآري عند الهكسوس، يشرح «شتيندورف» ~~بقوله: «من المحتمل أن الهكسوس لم يكونوا شعبا واحدا متجانسا. أما العنصر الغالب ~~فيهم فكان ساميا لا شك، وأضيفت إليه عناصر أخرى ربما منها الحوريون، وهم أقوام ~~قديمة كانت تسكن شمال بلاد الرافدين «(يقصد موضع «ميتاني» المزعوم في الرافدين الأعلى [المؤلف]). # 21 # وعن مواجهة آمنحتب الثاني للشاسو والحوريين والخابيرو السالفة الإشارة إليها، نسمع ~~لباحث يقول: ~~«وعند وفاة تحتمس الثالث ورثه ابنه آمنحوتب الثاني المشهور بقوته الجسمية الخارقة، ~~وخلال حكمه 1436-1413ق.م. قام بحملتين على بلاد الشام، شن الأولى منهما على أواسط سورية ~~الحالية، حيث دمر وقتل وأسر. وإثر عودته لمصر أخذ بعض أمراء فلسطين، يدربون بعض ~~الكنعانيين الشاسو والعابيرو، ويستعدون للثورة على الفرعون، بعدما تحالفوا مع الحوريين ~~المنتشرين حول نهر الخابور ms572 (لاحظ أن الباحث هنا كبقية المؤرخين، يذهب بموضع الحوريين ~~إلى «ميتاني» المزعومة بين الفرات والخابور شمالا [المؤلف])، فعاد آمنحتب الثاني إلى ~~الشام ووصل إلى بحيرة طبرية، واستولى على مجموعة من المدن الفلسطينية.» # ثم يتابع «وتراخت قبضة المصريين على الشام، إبان انشغال إخناتون بثورته على الوثنية ~~والشرك، فأخذ الحيثيون من عاصمتهم خاتوشا الواقعة في الأناضول إلى الشرق من نهر ~~الهاليس، يحرضون عبدي شراتا، وهو ملك أموري «ميتاني» من الطرف الشمالي لسورية (نكرر هنا ~~نفس الملاحظة السابقة [المؤلف]) على الثورة ضد النفوذ المصري الآخذ بالتراخي في بلاد ~~الشام. وأخذ عبدي شراتا هذا يزحف ويحاصر المدن في حوض نهر العاصي وسواحل سوريا، ولا ~~سيما حماة وأرواد. وبالمقابل تشكل في بلاد الشام حلف موال للفرعون، بزعامة رب عدي ملك ~~جبيل. ويتألف من بيروت وصيدا وصور وعكا فضلا عن جبيل ... وحين شاخ عبدي شراتا أو مات، ~~ورثه ابنة عزيرو الشاب الداهية الطموح. زحف عزيرو جنوبا بعدما تحالف مع الحيثيين، ~~وكذلك مع قبائل الخابيرو أو العابيرو، التي تحترف القتال كمرتزقة؛ إذ هي تحارب لكل من ~~يدفع لها، فوصل إلى جبيل التي آثر ملكها رب عدي الموالي لمصر، أن يموت على أن يخون سيدة ~~الفرعون.» # وهنا علينا أن نلاحظ النغمة التي استقرت لحل مشكلة الخابيرو، فأصبحوا في كتابات ~~الباحثين مجرد مرتزقة يعملون لمن يدفع. # ونتابع الباحث وهو يردف قائلا: «وتوالت الرسائل من ملوك الشام على آمنحتب الثالث ~~وعلى ابنة إخناتون، تطلب النجدة من مصر ضد قوات عبدي شراتا وابنه عزيرو. وهذه ضمن رسائل ~~تل العمارنة المشهورة، التي اكتشف منها زهاء 377 رسالة . ومن دهاء عزيرو أنه قد أخذ ~~يراسل الفرعون هو الآخر، وأقسم له بأغلظ الأيمان أنه وحده المخلص للملك، وأن جميع ~~الأمراء الذين شكوه إلى مولاه، ليسوا إلا كذابين وغير مخلصين للعاهل المصري. لكن عزيرو ~~زحف جنوبا (هنا يفترض الباحث أن عزيرو ملك على «ميتاني» المتموضعة زعما شمالا بين ~~الفرات والخابور [المؤلف])، وأنه قام يزحف من هناك نحو الجنوب، بعدما ضم إليه ملك قادش ~~(يفترض الباحث ms573 هنا أن قادش المقصودة هي فادش نهر العاصي، وليس قادش سيناء [المؤلف])، ~~فوصل إلى شمال فلسطين وضمه إلى دويلته. وفجأة تواجهك رسالة من رسائل العمارنة، مفادها ~~أن الخابيرو قد احتلوا شكيم قرب نابلس الحالية، وأنهم ضربوا الحصار على القدس، وأن حاكم ~~القدس عبد خيبا (عبد هفا) كاتب الرسالة، يستنجد بمولاه الفرعون إخناتون. ولا يعرف أحد ~~كيف وصل الخابيرو إلى شكيم ثم القدس، هل عبروا مرج بني عامر واحتلوا شكيم عام 1360ق.م. ~~أم أنهم زحفوا من الجهة الشرقية لنهر الأردن، والتفوا على المصريين من الجنوب؟ وأرسلت ~~مصر القائد حور محب وخاض معركتين، على الأرجح أنهما كانتا صغيرتين ومخففتين.» # 22 # وهكذا نجد الخابيرو قد دخلوا فلسطين بالفعل، لكن المحبط في محاولة الفهم أن نجدهم ما ~~زالوا بمصر زمن رمسيس الثاني 1290-1224ق.م. فهناك رسالة من الكاتب «كويسر»، موجهة إلى ~~الموظف «بكنبتاح» تحمل أمرا يقول: ~~«أعط الجنود قوتهم، وأعط أيضا العبيرو الذين ينقلون الحجارة لبناء الملك رع موسى.» ~~ورسالة ثانية من «كينا» إلى «كجناهو» يقول فيها: «أطعت ما أمرني به سيدي قائلا: أعط ~~الجنود أرزاقهم والعبيرو أيضا، الذين ينقلون الحجارة لهيكل الشمس، الذي انصرفت إليه ~~عناية رع موسى (رعمسيس).» # 23 # وفي نصوص أوغاريت نجد ملحمة «كارت ملك صيدون» الهبيرو حراسا للملك، ويوصفون في # Cis-Ktu, 1.5 ~~، بأنهم قوة عظيمة وجبارة، وأن الشريحة ~~العليا منهم حملت لقب الجبابرة. # 24 # وبين هؤلاء الحراس الذين يسمون «ناس الملك» نجد شرائح متعددة تحمل ألقابا متعددة، ~~مثل «ماريانو» و«ماجاروخلي» و«سانانو» و«عشيرو». و«عشيرو» في رأينا هي «أشيرو»، التي ~~يمكن أن تشير إلى السبط «أشير»، أحد الأسباط الاثني عشر. وقد أقيمت في أوغاريت أحياء ~~خاصة للخابيرو مثل «خالابو» و«أبيريما». ومن جانب آخر يوضح اللوح PruIV, 17. 238 # أنه كانت توجد في بلاد الحيثيين ~~منطقة مخصصة لسكنى فئة «الأبيرو». # 25 # والآن نرتب ما بيدنا من أوراق حول مشكلة الخابيرو. # أولا: # الظهور الفصيح للخابيرو في نصوص المنطقة، كان في رسائل تل العمارنة ~~القادمة من فلسطين، تستنجد بالملك آمنحتب الثالث وبولده آمنحتب ~~الرابع/إخناتون. وتطلب قوات مصرية ms574 لصد هجوم الخابيرو على الممالك ~~الفلسطينية التابعة للإمبراطورية المصرية حينذاك. فإذا كان الخابيرو هم ~~العبريين الإسرائيليين؛ فإن ذلك - كما أسلفنا - سيحدث مفارقة لا ~~تلتئم مع أهم نظريات الخروج، وهي النظرية السائدة التي تقول بخروجهم ~~زمن مرنبتاح؛ لأن ذلك يعني أن العبريين - إذا كانوا هم الخابيرو - قد ~~خرجوا من مصر قبل زمن آمنحتب الثالث بحوالي أربعين سنة أو يزيد قليلا. ~~وهي المدة التي حددها المقدس التوراتي لبقاء الإسرائيليين في سيناء، ~~بعد خروجهم من مصر وقبل غزوهم فلسطين، والمعنى هو: كيف نفسر وجودهم زمن ~~آمنحتب الثالث أو الرابع في تشكيل هجومي على فلسطين قبل خروجهم زمن ~~مرنبتاح بحوالي 170 عاما أو يزيد؟ # ولو اعتمدنا النظرية التي تقول بخروجهم زمن حتشبسوت، فسنجد أيضا ~~خطأ صارخا؛ لأن معنى ذلك أن يستغرق العبريون ما يزيد على 120 سنة من ~~خروجهم من مصر، وحتى نجدهم يهاجمون مدن فلسطين زمن آمنحتب الثالث. وهو ~~زمن طويل جدا للسفر بين مصر وإسرائيل، بينما كان تحديد التوراة لذلك ~~الزمن بأربعين عاما في التيه، يعد زمنا طويلا جدا في نظر ~~الباحثين، حتى رفضه بعضهم تماما، واعتبروه تلوينا أسطوريا. # ثانيا: # حسب قصة التوراة أن موسى قد مات على أبواب فلسطين في جبل نبو شرقي ~~الأردن، وقام تلميذه يشوع بن نون بقيادة جحافل الغزاة، وعبر الأردن من ~~الشرق إلى الغرب، وقام بتدمير شامل لمدينة أريحا حتى سواها بالأرض، ~~وتركها كوما خرابا. وبالفعل أثبتت حفائر الأركيولوجية كاثلين كانيون، ~~التي قامت بدراسة طبقات الأرض تحت أريحا، أن أريحا قد تم تدميرها ~~مرتين: المرة الأولى عند طرد الهكسوس من مصر، على يد الفراعنة، ~~باعتبارها كانت أحد مراكز الهكسوس الحصينة. أما المرة الثانية فالمفترض ~~أن الدمار قد حدث فيها بفعل يشوع ورجاله الخارجين من مصر؛ فإن البحث ~~الدقيق أثبت أنه قد حدث قبل زمن مربنتاح بحوالي قرن ونصف القرن من ~~الزمان أو يزيد. # 26 # وهو ما يضيف مزيدا من الإلغاز والغموض، على قصة الخروج ~~الإسرائيلي من مصر وعلى لغز الخابيرو. فإذا كان الخروج قد حدث زمن ~~مرنبتاح، ms575 فلا بد أن يكون دمار أريحا قد حدث بعد زمنه بحوالي أربعين ~~عاما هي زمن التيه، لكن ما أكده البحث الأركيولوجي أن ذلك الدمار قد ~~حدث قبل زمن مرنبتاح بأكثر من قرن ونصف، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى ~~زمن الخابيرو، الذين كانوا يهاجمون فلسطين زمن آمنحتب الثالث وولده ~~إخناتون، وهو ما عبر عنه كاسيدوفسكي بإيجاز بليغ يقول: # إذا كانت القبائل اليهودية القديمة العبرية هي المقصودة ~~بالخابيرو؛ فإن رسائل العمارنة تعطينا برهانا على أنها دخلت ~~أرض كنعان، قبل وصول الإسرائيليين إليها من مصر بحوالي قرن ~~ونصف القرن. # 27 # وهنا بدأت محاولات التوفيق، أو على الأصح ~~التلفيق. # جاردنر مثلا وآخرون ساروا مساره، يقولون إن الخابيرو مجرد شذاذ آفاق، لا علاقة لهم ~~بالعبريين أو بني إسرائيل، أما وادل # Wadle # فله رأي ~~آخر في كتابه # Israel and Babylon ~~، يقول: إن دخول ~~القبائل الغازية إلى فلسطين من سيناء وبوادي الشام، كان أمرا مألوفا طوال التاريخ. ثم ~~يفترض أن الخابيرو كانوا مثل تلك القبائل الغازية، لكنهم ليسوا هم العبريين تحديدا، ~~لكن ما حدث أن أحدهما قد احتضن الآخر!» # 28 # هكذا! # أما الأركيولوجيست «كاثلين كانيون»؛ فقد اعتمدت على مناقشات «دي فو # Devau ~~»، حول وجود طريقين محتملتين للخارجين من مصر تحت ~~قيادة موسى، الأول يسير بحذاء المتوسط على الساحل السينائي الشمالي، والثاني يهبط لعمق ~~سيناء ويعبر آدوم من جنوبها إلى فلسطين من شرقها. ومن هنا تقدم كانيون حلها لمشكلة وجود ~~الخابيرو على حدود فلسطين، وفي نفس الوقت لم يكن حدث الخروج قد وقع بعد، أن هناك خروجين ~~للإسرائيليين من مصر قد حدثا: الأول اتخذ طريق الساحل (طريق حورس الحربي بحذاء البحر ~~المتوسط)، ودخل فلسطين من جنوبها الملاصق للحدود السينائية، والثاني اتخذ طريقه عبر ~~آدوم والتف من شرقي الأردن، وعبر نهر الأردن إلى فلسطين من شرقه إلى غربي ~~الأردن. # والآن وبعد العمر الذي قضيناه وراء محاولات حل ألغاز التاريخ، هل بالإمكان العثور على ~~حل لا يجيز لباحث آخر أن يصفه بأنه تلفيقي؟ للوصول إلى الحل المرتجى علينا أولا ms576 أن ~~نقف مع إشارات ضرورية تمهيدية. # لا يفوت لبيب ذكر ملك باسم إبرام، يعقد اتفاقا مع الخابيرو؛ ليكونوا جنودا في جيشه. ~~وكما ألمحنا هو اسم إبراهيم بالتوراة، وإن كنا لا نعني أنهما نفس الشخص، إنما أقصى ما ~~نقصده أن الاسم إبرام التوراتي كان منتشرا بين الخابيرو، مما يدعم فكرة أنهم كانوا هم ~~ذات العبريين الذين ينتمي إليهم البطرك التوراتي إبرام/إبراهيم. ومن الصعب تصور أن ~~شعبين يحمل كل منهما نفس الاسم، ودخل كل منهما مصر، وخرج كل منهما من مصر، وأن كليهما ~~كان يهاجم فلسطين، دون أن نشك شكا قويا في القول، أنهما كانا شعبين منفصلين! # ثم نلحظ بشدة أن الحلف الذي ذكرته رسائل تل العمارنة، بين الخابيرو والسوتي وأنها ~~وصفتهم بالعصابات الآرامية، ونتذكر أن السوتي تعني الستيين نسبة إلى ست، وهو ما يدعم ما ~~قلناه حتى الآن، ويضع العبريين في مكانهم الجغرافي الذي حددناه، ومكانهم الزماني الذي ~~نوشك الآن على تحديده. # وقد علمنا منذ هنيهات أن ملوك «ميتاني» بأعالي الرافدين، حسبما يذهب المؤرخون الذين ~~تحالفوا مع الخابيرو، كان بينهم الملك عبدي شراتا أو «عبد الشرى»، بينما سبق وتأكد لنا ~~أن الشرى هو رب الشراه أو السراه/عسير ببلاد آدوم، مما يعني وجوب قراءة تلك النصوص ~~منسوبة إلى جغرافية آدوم، وليس إلى جغرافية الرافدين الأعلى. ~~وتقول تلك النصوص إنهم أخذوا بالتوسع على حساب ~~الإمبراطورية المصرية في فلسطين والشام. وهنا علينا أن نتذكر أن موسى عندما خرج من مصر ~~مع أتباعه، لم يتخذ طريق حورس الحربي السريع على ساحل المتوسط نحو فلسطين، إنما انحدر ~~جنوبا في رحلة شاقة طويلة ليس لها مبرر سوى نظريتنا، حيث يمكنه ذلك الطريق من اللحوق ~~بحلفائه في بلاد مديان، أنسبائه وأهل زوجته صفورة. # والحصافة تجعلنا نقف مع إشارة آمنحتب الثاني إلى مهاجمة أعداء مصر الذين حدد أسماءهم: ~~شاسو، حوريين، عبيرو، نتذكر أن خروج الهكسوس من مصر إلى مواقعهم القديمة حول آدوم، حدث ~~بعد تفكك حلف الهكسوس على يد أبطال التحرير المصريين، لكن ليتجدد هذا الحلف جزئيا ~~مرة أخرى ms577 لمهاجمة البلاد الفلسطينية، عبر تحالف جديد للقبائل وصل إلى تحالف عزيرو ~~المدياني مع الحيثيين في أقصى الشمال. أما اسم عزيرو نفسه؛ فليس اسما حوريا ~~هندوآريا يمكن إرجاعه إلى المملكة الميتانية الآرية المزعومة شمالي الرافدين، بقدر ما ~~هو اسم سامي قح يليق بمديان، وتليق به آدوم، والعربان به أليق. # وقد مر بنا باحث مجتهد يعجب بشأن «ميتاني»، التي أصبحت تحمل اسما آخر هو أمورو ~~(نسبة إلى أموريين؟!) لأن الأموريين حسب التاريخ التقليدي لا علاقة لهم بالميتانيين، ثم ~~يعجب ثانيا من كيف وصل حلفاؤهم الخابيرو إلى شكيم ثم القدس؟ ويتساءل: هل عبروا مرج بني ~~عامر واحتلوا شكيم؟ أم أنهم زحفوا من الجهة الشرقية لنهر الأردن، والتفوا على المصريين ~~من الجنوب؟ إن السؤال برأينا هو الخطأ؛ لأن صاحبه يأتي بالخبيرو من الفرات الأعلى ~~والخابور، حيث موضع «ميتاني» المزعوم؛ لذلك يستعصي الحل ويصبح لغزا، لكنه يصبح سهلا ~~مفهوما تماما لو جاء بهم من آدوم. وهنا نستمع إلى زياد منى الذي ذهب إلى اليمن وعسير ~~يموضع هناك بلاد إسرائيل، لكن ليعود معنا في عبارة عابرة إلى الموضع الذي حددناه، لكل ~~تلك الأحداث في بلاده شراة سعير عند العقبة ووادي عربة حيث الشرى في بلاد آدوم، فيقول ~~عن قبائل لم تزل موجودة حتى اليوم، في لمحة خاطفة تحكي أن «قبيلة عبرة من الشرى من ~~زهران بن كعب ومقرهم بلاد السراة، وبنو عريب من قبائل حمير التي عرفتها في مؤلفي آنف ~~الذكر، بأنها هي آدوم التوراتية.» # 29 # واضح إذن أننا مع الرأي القديم الذي عفا عليه الزمن وأهمله الباحثون تماما، نحن مع ~~كون العبريين التوراتيين هم ذات عين الخابيرو والتاريخيين، وأنه كان اسما عاما على ~~البدو الرعاة المتنقلين قطاع الطرق المرتزقة النهابين. لكن ذلك يعني ضمن ما سيعني أن ~~الخابيرو لم يخرجوا أبدا زمن الفرعون مرنبتاح، بل خرجوا قبل زمن العمارنة؛ لأنهم في ~~زمن العمارنة قد وصلوا بالفعل إلى مهاجمة فلسطين. وبدأت رسائل الاستغاثة تتواتر من حكام ~~فلسطين إلى العمارنة، وهو ما يعني أنهم قد خرجوا قبل ms578 زمن العمارنة بزمان. أما الأكثر ~~إدهاشا لنا قبل القارئ، هو توصلنا إلى أن الخابيرو التاريخيين الذين هم عبريو التوراة، ~~ليسوا إطلاقا بني إسرائيل على التدقيق، إنما كان بنو إسرائيل بطنا حليفا ضمن ~~الأخلامو لا أكثر، وهو ما سنحاول إقامة الدليل عليه الآن. # بإجراء الحسابات الزمنية المقارنة بين التوراة وبين تزمينات التاريخ المصري، لا يمكن ~~الذهاب بحدث الدخول الإسرائيلي إلى مصر أبعد من زمن الهكسوس، كما لا يمكن أيضا التقدم ~~به بعد زمن مرنبتاح. وقد تم ذلك التحديد بناء على توافق واضح بين زمن الملك سليمان ~~وابنه رحبعام ملوك الدولة الإسرائيلية الموحدة، وزمن الفرعون الذي جاء ذكره بالكتاب ~~المقدس «شيشق»، الذي قاد حملة كبرى على مملكة إسرائيل الموحدة في العام الخامس لحكم ~~رحبعام بن سليمان. وهو الاسم الذي يطابق في التاريخ المصري القديم اسم الفرعون «شيشنق» ~~أول ملوك الأسرة الثانية والعشرين، الذي حكم حوالي 945-924ق.م. إذ يقول الكتاب المقدس: # وفي السنة الخامسة للملك رحبعام، صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم، وأخذ خزائن ~~بيت الرب وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء وجميع أتراس الذهب التي عملها ~~سليمان. ~~(ملوك أول، 14: 25، 26) # وهذا الحدث الذي حكته لنا التوراة قد تأكد، بما جاء في حوليات الفرعون شيشنق، التي ~~سجلت له جدولا بالمدن التي انتصر عليها في بر الشام وإسرائيل. ولما كان الكتاب المقدس ~~يؤكد أن الإسرائيليين، قد قضوا ما بين زمن خروجهم من مصر إلى آخر زمن بناء الهيكل زمن ~~سليمان، حوالي ما ينوف على أربعة قرون، تحت حكم القضاة القبلي قبل قيام مملكة إسرائيل ~~الموحدة، التي حكم عليها شاول ليتبعه داود ثم ولده ~~سليمان. # فالكتاب المقدس يقول: # وكان في سنة الأربعمائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في السنة ~~الرابعة لملك سليمان على إسرائيل في شهر زيو وهو الشهر الثاني، أنه بنى البيت ~~للرب. ~~(ملوك أول، 6: 1) # وفق هذه الحسابات - ومع بعض التجاوزات - يجب أن تقع افتراضات الخروج، في الفترة ~~الزمنية الواقعة بين تحتمس الثالث 1501-1447ق.م. مرورا بمشاهير الأسرة الثامنة عشرة: ~~آمنحتب الثالث 1405-1367ق.م. وولده ms579 إخناتون 1367-1350ق.م. وربما حتى زمن رمسيس الثاني ~~1292-1225ق.م. وولده مرنبتاح 1225-1215ق.م. # ولما كان الكتاب المقدس قد حدد مدة بقاء الإسرائيليين في مصر بزمن يصل إلى 430 عاما، ~~فيجب أن يكون زمن الدخول إلى مصر قد حدث قبل الخروج ب 430 عاما، مما يعني أنه لو تحدد ~~لخروجهم زمن أيام حكم أي فرعون من الأسرة الثامنة عشرة، فيجب علينا للعثور على زمن ~~الدخول، أن نتعمق في التاريخ قبلها بما يزيد على أربعة قرون كاملة. # ولو اعتمدت حساباتنا على معطيات المقدس تلك، فيجب أن يكون الإسرائيليون قد دخلوا مصر ~~حوالي 1855ق.م. أي زمن الدولة الوسطى، وبالتحديد بعد حكم الفرعون سنوسرت الثاني ~~1906-1887ق.م. قبل دخول الهكسوس مصر بحوالي قرنين وربع القرن من الزمان. وهو ما أخذ به ~~باحثون مثل إيمانويل فليكوفسكي في كتابه «عصور في فوضى». ولو أخذنا بتقديرات التوراة ~~الزمنية، وذهبنا مع أبعد الافتراضات البحثية لزمن الخروج - لكنه أضعفها - بالعودة إلى ~~أيام الفرعونة حتشبسوت 1490-1480ق.م. فإن الدخول يكون قد حدث حوالي 1950ق.م. وهو زمن ~~سنوسرت الأول الذي حكم في الدولة الوسطى حوالي 1980-1935ق.م. ولو أخذنا بتزمين الخروج ~~زمن مرنبتاح بن رمسيس الثاني في الأسرة التاسعة عشرة، فسيكون الدخول قد حدث كما أسلفنا ~~حوالي 1224 + 430 = 1654ق.م. بعد احتلال الهكسوس لمصر بعقد أو عقدين من الزمان، أو ~~يكون بنو إسرائيل هم ذات عين الهكسوس، وهو ما قاله المؤرخ الإغريقي يوسفينوس، وهو القول ~~الذي يستبعده المؤرخون، بعد الكشوف التي تراكمت، لتفتح الباب لفروض أخرى بعيدة عن فرض ~~يوسفيوس. وبشأن ذلك يلخص روبنسون موقف علم التاريخ من رأي يوسفيوس، فيقول روبنسون: «يرى ~~يوسفيوس أن قصة الخروج هي الرواية العبرية لحوادث الهكسوس، وأخذ البعض برأيه أحيانا ، ~~بيد أن اختلاف التواريخ يبلغ من الكثرة حدا لا يجوز معه أن نقول بأن هذه الحادثة هي ~~عين تلك؛ لأن مائتي سنة على الأقل قد انقضت بين إجلاء الهكسوس وبين فتح العبريين فلسطين.» # 30 # إلا أن وجه الإشكال الحقيقي في كل هذا، أن تزمينات التوراة نفسها يشوبها شك كبير، ~~سواء ms580 في تقدير الزمن ما بين الخروج وحتى قيام الدولة السليمانية وهو 480 سنة، أو زمن ~~البقاء في مصر وهو 430 سنة. أما مأساة أي باحث هنا فإن كليهما ضرورة أساسية لتحديد زمن ~~الدخول والخروج، وليس لدينا أية مصادر أخرى بديلة غير التوراة بهذا الشأن. # وقد تكررت شهادات التوراة التزمينية بهذا الصدد، فهناك نص يتحدث فيه الرب مع صديقه ~~إبراهيم، يقول له فيه: # اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا في أرض ليست لهم، ويستعبدون لهم فيذلونهم ~~أربعمائة سنة. ~~(تكوين، 15: 13) # والتعبير في النسخة العبرية «ودور ربيعى يشبوا هنا»، يعني أنهم في الجيل الرابع ~~يرجعون إلى هنا، وهو ما يطابقه قول آخر بالتوراة، وهو أن بني إسرائيل عندما دخلوا مصر ~~تناسلوا هناك لأربعة أجيال فقط، ثم خرجوا من مصر، فهي ترصد سلالة النبي موسى لتعيده إلى ~~جده السبط لاوي شقيق السبط يوسف؛ إذ أنجب لاوي قهات، وأنجب قهات عمران، وأنجب عمران ~~موسى، وموسى خرج بالإسرائيليين من مصر (؟!)، ويبدو أن حسبة سنوات بقائهم بمصر، قد تمت ~~وفق قائمة أعمار هؤلاء الأشخاص الواردة بالتوراة، حيث قالت إن لاوي عاش 137 سنة، وقهات ~~133 سنة، وعمران/عمرام/عمران عاش 137 سنة (خروج، 6: 16-20)، وموسى عاش 120 سنة، فيكون ~~المجموع 527 سنة. وبخصم المدة التي قضاها لاوي في فلسطين قبل نزوله مصر على أخيه يوسف ~~وهي 57 سنة، ثم إضافة المدة التي عاشها موسى بعد الخروج وهي أربعون سنة؛ إذ خرج وعمره ~~ثمانون سنة (خروج، 7: 7)، يصبح المجموع 97 سنة، تطرح من 527 سنة، فتكون النتيجة 430 ~~سنة، وهو الزمن الذي حددته التوراة المازونية لوجود الإسرائيليين بمصر. # وحتى لو أخذنا جدلا بتلك الأعمار الأسطورية البعيدة عن أي واقع حقيقي، فسيكون معنى ~~ذلك أن كل واحد من هذه الأجيال قد أنجب ابنه في آخر يوم من حياته، وهي بحد ذاتها ~~استحالة أخرى مضحكة وتلفيق واضح. أما الأزمة الكبرى هنا فستكون في محاولة الإجابة على ~~السؤال: كيف أمكن لهذه الأجيال الأربعة فقط، أن تنجب ذلك العدد الهائل من الخارجين، ~~والذي حددته التوراة ms581 في قولها: # فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت نحو ستمائة ألف ماش من الرجال عدا ~~الأولاد. ~~(خروج، 12: 37) # وإذا أضفنا إلى ذلك الرقم الهائل عدد الأولاد والنساء بافتراض امرأة وطفلين لكل رجل، ~~فسيصل الرقم إلى المليونين والنصف مليون مع التحفظ والتواضع في حساب عدد أفراد الأسر ~~الخارجة من مصر، وهو رقم خيالي إلى حد بعيد، وربما لا يتطابق إلا مع فكرة يوسفيوس ~~أنهم كانوا ذات عين الهكسوس، تلك الفكرة التي استبعدها علم التاريخ الحديث ~~تماما. # وهكذا تضعنا التوراة وسط أحبولة من المتاهات، ناهيك عن الشرك الأعظم، فحيث تقول ~~النسخة المازورية العبرية إن بقاءهم في مصر كان لمدة 430 عاما، فإن النسخة السبعونية ~~اليونانية «سبتواجت» تقول في ذات الموضع من ذات السفر، إنهم بقوا هناك 215 سنة فقط؛ أي ~~نصف المدة بالضبط، لتجعل اللغز يستعصي تماما ويستغلق؟! فهل ثمة حل؟ علينا هنا إعادة ~~ترتيب المعطيات التي يمكن أن تساعدنا على إمساك مفاتيح الحل، لتحديد موعد دخول بني ~~إسرائيل مصر أولا، وفي زمن أي فرعون تحديدا؟ # أولا: # يصعب كما قلنا آنفا تصور فرعون مصري يهدي راعيا بدويا مثل ~~إبراهيم جارية مصرية، وانتهينا إلى أن إبراهيم قد دخل مصر ضيفا على ~~أحلافه أو ذوي قرابته، خاصة أنه بعدما خرج من مصر نزل في طريقه إلى ~~فلسطين ضيفا على المملكة الفلسطينية جرار. وقد علمنا أن هذا التواجد ~~الفلسطيني المبكر قد حدث بفعل تهجير إمبراطورية الهكسوس للشعوب التي ~~كانت تخضع لها، ومن هنا نرجح أن يكون إبراهيم قد دخل مصر زمن حكم ~~الهكسوس. وبحسابات الأجيال بينه وبين يوسف عبر إسحاق ثم يعقوب، يمكن ~~ترجيح أن يكون إبراهيم قد دخل مصر زائرا زمن ملك الهكسوس بنون، ~~المعروف باسم سكا أو إسحاق أو الضحاك كما استنتجنا، أو ربما زمن الملك ~~التالي له مباشرة «أبوفيس الأول/أبخنان/أبو الغنم» في أبعد ~~تقدير. # ثانيا: # أن يوسف عندما دخل مصر كان سلاح العجلات التي تجرها الخيل معروفا ~~هناك، أو على الأقل في القصر الحاكم ومحيطه. ونحن نعلم الآن يقينا أن ~~ذلك السلاح ms582 والخيل نفسها، لم تعرفهما مصر إلا مع مجيء الهكسوس إليها، ~~مما يعني أن يوسف قد دخل مصر زمن الهكسوس، أو بعد زمنهم حيث تكاثرت ~~العجلات والخيل في مصر زمن الدولة الحديثة الفرعونية. وفي التوراة نصوص ~~كثيرة تؤكد وجود العجلات في مصر زمن يوسف منها مثلا: # فقال فرعون ليوسف: خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ~~ونسائكم واحملوا أباكم وتعالوا، ولا تحزن عيونكم على أثاثكم؛ ~~لأن خيرات جميع أرض مصر لكم. ففعل بنو إسرائيل هكذا، وأعطاهم ~~يوسف عجلات بحسب أمر فرعون. فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض ~~كنعان إلى يعقوب أبيهم، وأبصر العجلات التي أرسلها يوسف ~~لتحمله. ~~(تكوين، 45: 17، 19، 21، 25، 27) # ثالثا: # أن يوسف تم تعيينه على خزانة المصريين بأمر فرعون الحاكم، وأنه قام ~~إبان سنوات القحط بشراء الأراضي المصرية من أهلها لصالح الفرعون، كذلك ~~شراء حيوانات المنزل والحقل، كذلك اشترى يوسف المصريين أنفسهم ليحولهم ~~إلى عبيد للفرعون، مما يعني نظاما جديدا تماما مخالفا للنظام ~~السابق، وظل معمولا بهذا النظام الجديد فترة طويلة بعد طرد الهكسوس من ~~مصر حتى تم الغاؤه، ونسب اليونان هذا الإلغاء إلى الفرعون المعروف عند ~~اليونان باسم سيزوستريس، وأعاد توزيع الأراضي على الفلاحين، أي إن ~~الحدث جميعه يجب أن يقع إبان زمن حكم الهكسوس لمصر أو بعده. # رابعا: # أن يوسف عندما استدعى أباه وإخوته وبقية أهل بيته إلى مصر، أخذ عربته ~~الحربية وأسرع لاستقبالهم على الحدود، وأن ذلك السفر من مقر إقامة يوسف ~~بالقصر الحاكم إلى الحدود المصرية مع سيناء، قد استغرق يوما واحدا. ~~وهو الأمر الذي يحدد لنا موقع العاصمة المصرية آنذاك؛ إذ لا بد أن تقع ~~في تلك الحال على الأطراف الشرقية للدلتا في محيط محافظة الشرقية ~~الحالية، في نقطة ما قرب مدينة الزقازيق؛ لأننا نعلم أن عاصمة مصر زمن ~~الدولة القديمة كانت منف، ثم انتقلت جنوبا إلى طيبة/الأقصر/واست/زمن ~~الدولة الوسطى، في أقصى جنوب مصر. ولم تتحول العاصمة إلى الشمال إلا مع ~~غزو الهكسوس الذين سكنوا مدينة حواريس، على الحدود الشرقية للدلتا ~~المصرية، حتى يمكنهم إحكام الاتصال مع ms583 بقية الإمبراطورية بالتواجد قرب ~~خطوط المواصلات الدولية. وقد انتقلت العاصمة فور طرد الهكسوس، لتعود ~~إلى طيبة «الأقصر» مرة أخرى، ولم تقم مدن كبرى في الشمال بعد ذلك إلا ~~ابتداء من زمن الرعامسة، وكانت المدينة التي أنشئوها باسم رعمسيس قد ~~بنيت على تلول أطلال مدينة حواريس الهكسوسية، فقط كمقر صيفي لملوك ~~الأسرة التاسعة عشر وليس كعاصمة. ولما كان من المستحيل زمنيا دخول ~~يوسف وأهله زمن الرعامسة، فلا بد في هذه الحال أن يكون قد دخل مصر زمن ~~الهكسوس؛ لأنه الزمن الوحيد الذي يتيح وجود القصر الحاكم على مسافة ~~يوم من الحدود السينائية، وفي زمن كانت مصر قد عرفت فيه العجلات التي ~~تجرها الخيول. # خامسا: # في الذكريات العربية القديمة التي أورد القرآن طرفا منها، نجد ~~الآيات تتحدث دوما عن ملك مصر باسم الفرعون، إلا زمن يوسف وحده فقط. ~~فهي تتحدث عن حاكم مصر بلفظ الملك، وتختفي تماما كلمة فرعون في قصة ~~يوسف القرآنية، وتظهر إلى جوار شخصية الملك شخصية أخرى باسم العزيز، ~~وهي تسمية سامية كما هو واضح، وأنه هو الذي اشترى يوسف. مما يشير إلى ~~أن رئيس الشرطة (العزيز) كان ساميا وليس مصريا، رغم أن التوراة ~~تذكره باسم مصري واضح هو «فوطي فارع»، وربما تسمى رئيس الشرطة ~~الهكسوسي باسم مصري على عادة سادته الهكسوس، حيث حمل حكام الهكسوس ~~ألقابا ملكية مصرية. إلا أن اللافت للنظر هنا تطابق اسم «عزيز» مع اسم ~~حاكم الهكسوس الأخير «أسيس»، مما يشير إلى بعض الخلط، وأن الأصل الصحيح ~~ربما كان يشير في الصيغة السامية للملك نفسه باسم العزيز. وهو ما يتفق ~~إلى حد التكامل مع رواية الكتاب المقدس، حيث نفهم من تلك القصة أن هناك ~~تغيرا هائلا قد حدث في الهيئة المصرية الحاكمة آخر أيام يوسف، وأن ~~هذا التغيير جاء بحكومة لا تعرف يوسف ولا أهله، كما نفهم أن يوسف ~~وأهله قد تحولوا، من سادة مترفين ورؤساء مقربين من القصر الحاكم، إلى ~~أسرى وعبيد، كما في النص: # ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف ms584 يوسف، فقال لشعبه هوذا ~~بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا، هلم نحتال لهم لئلا ينموا، ~~فيكون إذا حدثت حرب، أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ~~ويصعدون من الأرض، فجعلوا عليهم رؤساء تسخير؛ لكي يذلوهم ~~بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن فيثوم ورعمسيس. ~~(خروج، 1: 8-11) # وهو الأمر الذي يشير إلى متغير عظيم، يفسر الأحداث التي سردتها ~~التوراة وهي تفسره بدورها، حيث يمكن أن نفهم أن الحكام الجدد لم يكونوا ~~من سكان المنطقة الشمالية، التي سكنها الملوك وأتباعهم الإسرائيليون في ~~شرقي الدلتا، بحيث إنه لم يكن بإمكانهم معرفة قيمة يوسف وأهله. بل على ~~العكس تماما، كانوا يحملون لهم ضغينة شديدة، إلى حد أنهم كانوا يشكون ~~في ولائهم إلى حد توقع تحالفهم مع أعداء البلاد. كما أن هؤلاء الملوك ~~الجدد كانوا حريصين على عدم ترك هؤلاء الضيوف الثقلاء يغادرون مصر، مما ~~يعني أنهم قد أصبحوا أسرى. وكانت البلاد بحاجة إلى الخدمات الرخيصة ~~لمثل هؤلاء العبيد في بناء مدن جديدة، منها مدينة رعمسيس بالتحديد التي ~~انتهينا إلى أنها في الأصل، كانت مقرا للهكسوس باسم حواريس، مما يعني ~~أنه قد تم تدميرها في حرب التحرير، وأصبحت بحاجة للإصلاح والبناء من ~~جديد. إن ما حدث في تلك اللحظة التاريخية التي تسوقها التوراة على ~~عجالة، يشير إلى آخر زمن لآخر ملك هكسوسي، وإلى قيام حرب التحرير وطرد ~~الهكسوس من مصر، وأسر بعضهم ومن لحق بهم للقيام بأعمال البناء الشاقة، ~~وهو الأمر الذي لا شك يقع زمن فرعون التحرير الملك المظفر ~~«أحمس». # سادسا: # بينما نفهم من القصة التوراتية أن يوسف، قد عاش في القصر الملكي ~~الواقع بمنطقة باسم جاسان شرقي الدلتا، وأن أهله قد اشتغلوا في مراعي ~~الملك المصري وضياعه، نجد الأمر يختلف تماما زمن الحفيد موسى. وإليك ~~النصوص التي توضح هذا الأمر، يقول النص حاكيا لحظة وصول أهل يوسف إلى ~~مصر: # ثم جاءوا إلى أرض جاسان، فشد يوسف مركبته وصعد لاستقبال ~~إسرائيل أبيه، إلى جاسان. ولما ظهر له وقع على عنقه، وبكى على ~~عنقه زمانا. ثم قال يوسف لإخوته ms585 ولبيت أبيه: أصعد وأخبر ~~فرعون، وأقول له: إخوتي وبيت أبي الذين في أرض كنعان قد جاءوا ~~إلي، والرجال رعاة غنم، فإنهم كانوا أهل مواشي، وقد جاءوا ~~بغنمهم وبقرهم وكل ما لهم، فيكون إذا دعاكم فرعون وقال: ما ~~صناعتكم؟ أن تقولوا: عبيدك أهل مواشي منذ صبانا إلى الآن، نحن ~~وآباؤنا جميعا، لكي تسكنوا في أرض جاسان؛ لأن كل راعي غنم رجس ~~للمصريين. فأتى يوسف وأخبر فرعون وقال: أبي وإخوتي وغنمهم ~~وبقرهم وكل ما لهم، جاءوا من أرض كنعان وهوذا هم في أرض جاسان، ~~وأخذوا من جملة إخوته خمسة وأوقفهم أمام الفرعون، فقال فرعون ~~لإخوته: ما صناعتكم؟ فقالوا لفرعون: عبيدك رعاة غنم وآباؤنا ~~جميعا، وقالوا لفرعون: جئنا لنتغرب في الأرض، إذ ليس لغنم ~~عبيدك مرعى؛ لأن الجوع شديد في أرض كنعان، فالآن ليسكن عبيدك ~~في أرض جاسان، فكلم فرعون يوسف قائلا: أبوك وإخوتك جاءوا ~~إليك، أرض مصر قدامك، في أفضل الأرض أسكن أباك وإخوتك، ليسكنوا ~~في أرض جاسان، وإن علمت أنه يوجد بينهم ذوو قدرة، فاجعلهم ~~رؤساء مواشي على التي لي. فأسكن يوسف أباه وإخوته، وأعطاهم ~~ملكا في أرض مصر في أفضل الأرض، في أرض رعمسيس كما أمر ~~فرعون. ~~(تكوين، 46: 28-29، 31-34، 47: 1-6، ~~11) # إن كاتب هذا النص، كان يعلم أن مقر القصر الحاكم يقع في أرض جاسان، وأن المدينة ~~الإدارية للحكم هي التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم مدينة «رعمسيس»، أما اللافت للنظر ~~فهو إصرار يوسف على تنبيه أهله أن يخبروا الفرعون أنهم رعاة غنم، والغنم والماعز معا ~~يطلق عليها «عنز» و«معز». إن هذا الإصرار لا شك يحمل معنى يجعل أصحاب هذا المعز، محل ~~اطمئنان وثقة الفرعون إن علم به، وأنه إذا علم بذلك فسيسكنهم بقربه وهو ما حدث بالفعل، ~~حيث أقطعهم أرضا يملكونها في مقاطعة جاسان، بل وجعلهم المسئولين عن رعاية ما يملك هو ~~من «عنز». ثم ما لا يجب أن يفوت العين الفاحصة هنا، أن جاسان هذه كان لا يسكنها مصريون ~~حينذاك، إنما عنصر آخر يكرهه المصريون، عنصر بدوي عنزي؛ ms586 فقد أكدوا للفرعون أنهم أهل ~~عنز، «لكي تسكنوا أرض جاسان؛ لأن كل راعي غنم رجس عند المصريين»، وهو ما يشير إلى ~~تباعد واضح في مواضع السكنى بين الرعاة الأنجاس وبين المصريين من أهل البلاد، كما يشير ~~أيضا إلى أن أرض جاسان جميعا كانت موئلا للرعاة، حتى تصلح لسكنى الملك وقومه ويوسف ~~وقومه دون المصريين. لقد كان الملك بدوره من الرعاة. أما المبهر فهو أن تكون جاسان، وهي ~~مسكن البدو المكروهين من المصريين مقرا للقصر الحاكم، وأن يصر يوسف على تنبيه أهله ~~البدو إبراز صناعتهم (الرعي)؛ كي يتمكنوا من السكن قرب قصر الفرعون. # ويبدو أيضا أن المصريين كانوا لا يأتون إلى جاسان إلا زوارا، سفراء، أو علماء ~~تجاريين، لا نعلم، لكنه ما يتضح من نص آخر عندما حان موعد اشتراك إخوة يوسف في مأدبة ~~طعام أقيمت للضيوف، حيث يقول النص: # وقال «يوسف»: قدموا طعاما، فقدموا له وحده، ولهم (إخوته) وحدهم، وللمصريين ~~الآكلين عنده وحدهم؛ لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين؛ ~~لأنه رجس عند المصريين. ~~(تكوين، 43: 31، 32) # أما زمن «موسى» بعد يوسف بثلاثة أجيال، فإننا بالتدقيق نستطيع أن نفهم أن الوضع ما ~~زال كما هو، فالإسرائيليون يعيشون في «رعمسيس»، ولم تزل جاسان منطقة معزولة بأهل العنز ~~عن المصريين أهل الزرع، اللهم إلا زوارا مصريين من هنا أو هناك، مشرفين وإداريين أو ~~جنودا يشرفون على أعمال البناء، لكننا نلحظ في الوقت ذاته أن رعمسيس في جاسان لم تعد ~~مقرا للقصر الحاكم في زمن موسى، وهو ما يتضح في أسطورة الضربات التي وجهها إله ~~الإسرائيليين يهوه إلى بلاد مصر، فكانت تصيب المصريين وتصيب البلاط المالك ولا تصيب ~~الإسرائيليين، مما يعني أن مقر البلاط قد أصبح حينذاك بعيدا عن جاسان، حيث يعيش ~~الإسرائيليون ليتعرض هو للضربات، بينما لا يتعرض لها الإسرائيليون، وهو ما تفصح به نصوص ~~تقول: # ثم قال الرب لموسى: بكر في الصباح وقف أمام فرعون، إنه يخرج إلى الماء، وقل ~~له هكذا: يقول الرب أطلق شعبي ليعبدوني، فإنه إن كنت لا ms587 تطلق شعبي، ها أنا أرسل ~~عليك وعلى عبيدك وعلى شعبك وعلى بيوتك الذبان، فتمتلئ بيوت المصريين ذبانا، ~~وأيضا الأرض التي هم عليها، ولكن أميز في ذلك اليوم أرض جاسان حيث شعبي مقيم، ~~حتى لا يكون هناك ذبان، لكي تعلم أني أنا ~~الرب في الأرض، وأجعل فرقا بين شعبي وشعبك. غدا تكون هذه الآية، ففعل الرب ~~هكذا، فدخلت ذبان كثيرة إلى بيوت فرعون وبيوت عبيده وفي كل أرض مصر، خربت الأرض ~~من الذبان. ~~(خروج، 8: 20-24) # ونموذجا آخر في ضربة البرد والنار: # ثم قال الرب لموسى: مد يدك نحو السماء ليكون برد، في كل أرض مصر، على الناس ~~وعلى البهائم وعلى كل عشب الحقل في أرض مصر، فمد موسى عصاه نحو السماء فأعطى ~~الرب رعودا وبردا، وجرت نار على الأرض، وأمطر الرب بردا على أرض مصر، فكان ~~برد ونار متواصلة في وسط البرد، شيء عظيم جدا لم يكن مثله في كل أرض مصر منذ ~~صارت أمه، فضرب البرد في كل أرض مصر، جميع ما في الحقل من الناس والبهائم، وضرب ~~البرد جميع عشب الحقل، وكسر جميع شجر الحقل، إلا أرض جاسان، حيث كان بنو ~~إسرائيل، فلم يكن فيها برد. ~~(خروج، 9: 22-26) # كذلك في ضربة الظلام: # ثم قال الرب لموسى: مد يدك نحو السماء ليكون ظلام على أرض مصر، حتى يلمس ~~الظلام، فمد موسى يده نحو السماء، فكان ظلام دامس في كل أرض مصر ثلاثة أيام، لم ~~يبصر أحد أخاه ولا قام أحد من مكانه ثلاثة أيام، ولكن جميع بني إسرائيل كان لهم ~~نور في مساكنهم. ~~(خروج، 10: 21-23) # وهذا بالطبع لا يعني وقوع تلك الضربات التوراتية الإعجازية، وجل ما يعنيه أن الكاتب ~~التوراتي والذاكرة الحافظة، كانت تعلم أن البلاط المصري قد انتقل من رعمسيس جاسان إلى ~~العمق المصري. # وإعمالا لكل هذا، فإن إشارات التوراة التي تؤكد أن يوسف قد دخل هو وآله إلى مصر، ~~وسكنوا رعمسيس بأرض جاسان إلى جوار قصر الفرعون، فإن ذات الإشارات تؤكد أن هذا الوضع قد ~~تغير آخر أيام ms588 يوسف، وما تلاه من سنين حتى زمن موسى، حيث انتقل القصر المالك ليكون وسط ~~المصريين، وبعيدا عن الإسرائيليين، وتحيق به الضربات التي كان ينزلها رب إسرائيل ~~بالمصريين، بينما لا تصيب إلا الإسرائيليين. مما يعني أن كاتب تلك الأسطورة، كان يعلم ~~أن القصر الملكي حينذاك، قد كان في عمق الأراضي المصرية، بعيدا عن جاسان التي لم ~~تلحقها تلك الضربات. إن الأمر يشي بكل وضوح أن يوسف وآله قد دخلوا مصر على سادتها آنذاك ~~من الهكسوس، وكان ذلك تحديدا زمن آخر ملك هكسوسي هو أسيس، وهو ما يلتقي بلقبه القرآني ~~العزيز، الملقب مصريا باللقب أبوفيس أي الحية التنين، وكانت عاصمته حواريس عند ~~الشرقية في أرض جاسان أو غسان. وبمجرد أن ينتهي عصر أسيس، حتى يظهر لنا في التوراة ~~ملوك، بل وحكومة بل واتجاه عام جديد تماما، يتحول معه يوسف وأهله من أصحاب ضياع ~~ورئاسة مكرمين، إلى عبيد في الأعمال الشاقة مسخرين. وتنتقل العاصمة مع هذا التحول ~~بعيدا إلى طيبة جنوب مصر مرة أخرى. # لكن يبقى أمر لا يصح المرور عليه هكذا، دون وقفة تحاول فهم تفصيلات ما حدث، وهو قصة ~~السنوات السبع العجاف. ومعلوم يقينا أن النيل أبدا لا يسير على الوتيرة، التي صورتها ~~القصة التوراتية، فهو لا يستمر سنوات سبعا دون فيضان أبدا، لكننا نعلم يقينا أن قصة ~~السنوات العجاف، كانت تنتشر في البلاد الفلسطينية والشامية عموما، حيث كان بالإمكان ~~حدوث متغيرات مناخية، تؤدي إلى ندرة الأمطار لسنوات متتابعة. أما النيل فلم يحدث أن ~~جاء منخفضا إلى حد المجاعة، لعدد من السنوات المتتالية المحددة بالرقم المقدس عند ~~الساميين «سبعة». # هنا نستعين بالتمرين المدرسي للتلميذ المصري الصغير بيتاعور أو بنتاأور، الذي كان ~~يدبج موضوعا في التعبير الإنشائي، عن أول فرعون قادة ثورة التحرير ضد الهكسوس، وهو ~~الفرعون «سقنن رع»، زمن آخر حكام الهكسوس أسيس الملقب «أبوفيس»، ونتذكر كلماته وهو ~~يقول: # حدث أن أرض مصر كانت في جانحة شنعاء، ولم يكن للبلاد حاكم يعد ملكا في هذا ~~الوقت، وقد حدث أن الفرعون سقنن ms589 رع، كان حاكما على المدينة الجنوبية (طيبة ~~[المؤلف])، لكن الجائحة الشنعاء كانت في بلد العامو (حواريس [المؤلف])، # 31 # فماذا يعني بالجائحة الشنعاء؟ ليس لدينا أي خبر عنها سوى تلك العبارة، لكن التاريخ ~~المقدس يمكنه أن يفسر لنا تلك الجائحة الشنعاء، التي حدثت في منطقة العامو/الهكسوس. فلا ~~شك أنها كانت تعني ذلك الجفاف الذي سمي «سنوات سبع عجاف». لكن التلميذ وهو يكتب موضوعه ~~الاختباري، كان حريصا على الحصول على درجات متميزة؛ لذلك لم تفته بعض دقائق الموقف، ~~فأكد أن تلك الجائحة كانت في بلد العامو «حواريس»، حيث يحكم أبوفيس، بينما لم تنل من ~~المصريين المتحصنين عند طيبة بقيادة سقنن رع شيئا. فكيف نفسر جفافا في الشمال وخصبا ~~رغيدا في الجنوب؟ # هنا نعيد قراءة رسالة الملك أسيس الملقب بلقب «أبوفيس الثالث»، يستفز فيها الفرعون ~~المصري ملك طيبة «سقنن رع تاعا»، ويقول له: «إن الملك أبوفيس يطلب منك أن تأمر فرس ~~النهر ليهجر بحيرته، التي تقع في ينبوع المدينة الجاري؛ لأنه لا يسمح للنوم أن يغشى ~~عينيه ليلا ولا نهارا؛ لأن صياحه يطن في أذنيه باستمرار.» # 32 # ولطالما ظلت تلك الرسالة تحتمل عددا من التفاسير، التي تجمع على أنها لون من ~~الألغاز، التي كانت عادة يتبادلها ملوك العالم القديم، وتحمل دلالات أعمق من الظاهر، ~~فما هي رمزية أفراس النهر هنا وضجيجها؟! قيل هو ضجيج السلاح والعسكر والتهيؤ للثورة على ~~الهكسوس، وهو ما لم يرض الملك الهكسوسي، فأرسل بتلك الرسالة المنذرة، لكن علام ترمز ~~البحيرة؟ وليس في طيبة بحيرات! هناك النيل، فمتى نشأت تلك البحيرة؟ والرسالة تقول إن ~~البحيرة تقع في ينبوع المدينة، وهناك نيل لا ينابيع؛ فالحديث إذن عن بحيرة تكونت بفعل ~~النيل، فكيف كان ذلك؟ ويدعم مثل تلك التخريجات ما جاء بعد ذلك في النص، الذي يحكي عن ~~الملك سقنن رع، بعد أن قرأ رسالة أبو فيس: «هنا صمت أمير المدينة الجنوبية، ولم يستطع ~~أن يجيب على رسالة الملك أبوفيس، وقد تعجب كيف عرف أبوفيس عن البحيرة، التي في ينبوع ~~المدينة الجاري؟» ms590 يعقب هنا محمد حماد فيقول: «يظهر أن فرس النهر الذي في البحيرة، التي ~~في ينبوع المدينة الجاري، ترمز إلى خطة بحرية، يدبرها الملك المصري لمقاومة الهكسوس، ~~مما أزعج ملكهم، أو أن ملك الهكسوس أبوفيس، قد فطن إلى محاولة أمير الجنوب مماطلته ~~للاستعداد؛ لذلك فقد باغته بالهجوم عليه بجيشه.» # 33 # وانتهت هذه المعركة بمقتل سقنن رع المصري، لكنها كانت فاتحة حروب التحرير ~~المصرية ضد الهكسوس، التي سيتكملها أبناؤه من بعد: كامس وأحمس، ويبقى التساؤل: ما هي ~~تلك الخطة البحرية، خطة يستخدم فيها الماء في الحرب، وتنشأ عنه بحيرة لم تكن موجودة قبل ~~ذلك، وأن تلك الخطة كانت محاطة بالتكتم والسرية، وهو ما يشير إليه تساؤل سقننر ع: كيف ~~عرف ملك الهكسوس بوجودها؟ # نظننا وجدنا الإجابة في أكثر من حادثة في تاريخ مصر القديمة، تشير إلى استخدام النيل ~~كوسيلة في إلحاق الخسائر بالخصوم، فإبان العصر المتوسط الأول، وانقسام مصر لأقاليم، ~~حكم على إقليم مصر الوسطى «أهناسيا» الفرعون «خيتي»، الذي عمل على إعادة توحيد مصر مرة ~~أخرى، وإبان ذلك حدثت عدة حروب طاحنة لإعادة الدلتا لمصر الموحدة، وضمن تلك الحروب كانت ~~معركته ضد مدينة (إتريب/بنها الحالية)، ولدينا نص بأمر موجه من الملك خيتي بهذا الشأن، ~~يقول: # أقم سدا ضد نصف البلاد، واغمر النصف الثاني بالمياه، بما في ذلك مدينة ~~أتريب. # ويعقب سليم حسن هنا قائلا إن: «هذه الجملة مع إيجازها لها أهمية استثنائية؛ إذ تبرهن ~~لنا أن كل المدن في الدلتا، كانت تتوقف حياتها على النيل.» ثم يشرح بأن مدينة إهناسيا ~~حاضرة الملك خيتي، قد أقامت ضد أتريب سدا في النيل لإخضاعها، «وهذا السد طبعا يكون ~~في عرض النهر، لأجل وقف الملاحة، ولإجبار المدينة المناهضة على التسليم والخضوع.» وذلك ~~يفسر لنا النص الفرعوني الذي يصف الفرعون بأنه: «يمنع المدن من أن تثور؛ لأنه سيد ~~النيل، وأنه بإرادته يمكنه أن يأتي بالنيل، أو لا يأتي إلى مدن الدلتا.» # 34 # ثم نجد هيرودوت يحكي لنا عن ذلك الأسلوب في تحويل مجرى نهر النيل، في زمن ms591 فرعون آخر ~~لكن لأسباب أخرى، فيقول: # قال لي الكهنة: إن أول ملوك مصر مينا، وإنه هو الذي أقام الجسر، الذي يقي ~~مدينة ممفيس خطر فيضان النيل؛ فقد كان قبل عهده يفيض على طول سلسلة من التلال ~~الرملية، التي تحد مصر من ناحية ليبيا، فصنع سدا وسط النيل، عند المنحنى الذي ~~يكونه النهر جنوبي ممفيس بحوالي مائة فورلنج. وبذا جفف مجراه القديم، وفي نفس ~~الوقت حفر له طريقا جديدا، في منتصف المسافة بين صفي التلال. # 35 # إن الخطة البحرية التي أنشأت بحيرة جديدة في الجنوب، وأقض صوت الثوار فيها مضجع ~~الملك الهكسوسي، فشبههم بأفراس النهر لطول عملهم في الماء، كانت بالضبط تحويل مجرى نهر ~~النيل. ويأتينا التفسير من الفرعون كامس ثاني فراعنة التحرير، وهو يعبر عن سخطه من ~~المحتلين ويقول: # إلى أي مدى أدرك كنه قوتي هذه؟ عندما أرى حاكما جالسا في أواريس وآخر في ~~بلاد كوش، وأنا أجلس مشتركا مع رجل من العامو وزنجي، وكل رجل منهما مسئول عن ~~جزئه من مصر هذه؟ إن ذلك الذي يقاسمني الأرض، لن أجعله يمر في ماء مصر حتى منف؟ # 36 ~~«كامس» هنا يضيء أمامنا تفسيرا موضوعيا تماما للسنوات العجاف في الشمال. لقد كان ~~هو نموذج «مينا» في قصة «هيرودوت»، أو أنه كرر ما فعله سلفه العظيم، ليمنع الهكسوس حتى ~~من استخدام السفن النيلية، وأنها لن تتمكن من الوصول من حواريس في شرق الدلتا إلى منف ~~«لن أجعله يمر في ماء مصر حتى منف.» لقد سد الفرعون نيل مصر من الجنوب، وكان منع الماء ~~جائحة شنعاء متعددة الوجوه، فهو إذا كان سيؤدي إلى مجاعة في الشمال، فإنه سيعوق هبوط ~~سفن الهكسوس العسكرية جنوبا، وكان أحدث استخدام مصري للنيل في العمل العسكري في حملة ~~الملك لويس الصليبية، حيث تمت هزيمته وأسره في المنصورة . # ولأن مسألة «سبع سنوات عجاف» كانت غير مقبولة مع وجود النيل العظيم، فقد جرت محاولات ~~عدة لتفسير ذلك الأمر، وآخر ما سمعته في الإذاعة العربية من راديو لندن # B.B.C # يوم الجمعة 9 ms592 / 2 / 1996م في برنامج دنيا ~~العلوم، عندما أجرت مقدمة البرنامج حوارا مع العالم «كولن همفرس» البروفيسور بجامعة ~~كمبردج، لتسمع اكتشافه لتفسير قصة السنوات العجاف، حيث أكد أن النيل لا يتوقف أبدا سبع ~~سنين، ثم رأى أن المجاعة قد شملت بلادا أخرى مثل كنعان، بدليل رحيل أبناء يعقوب إلى ~~مصر للحصول على الطعام قادمين من كنعان؛ لذلك قدم تفسيره لتلك المجاعات بانفجار بركان ~~سانتوريني بجزيرة ثيرا في المتوسط، وهو انفجار عظيم أدى إلى انتشار المطر الحامضي الذي ~~يحمل حمض الكبريت، مما أوقف الأشجار عن النمو في مساحة كبرى وصلت إلى أمريكا، حيث ~~ارتفعت اللافا 36كم في الجو، وكان بذلك كارثة عالمية، بدليل رحيل أبناء يعقوب إلى مصر ~~للحصول على طعام، وإن دراسة كولن همفرس ترجح دوام تأثير البركان الذي حدث في المتوسط ~~لمدة تصل إلى سبعة سنوات، وأنه قد تم تحديد أثره بدراسة حلقات أشجار البلوط. # وقبل همفرس كان «سبيريدون مارينا توس» ينقب في ميناء قريب من ميناء كونسوس، فاكتشف ~~حفرة مليئة بالخفاف البركاني، كما اكتشف دلائل على أن أمواجا عاتية طغت على الموقع، ~~واكتسحت في تراجعها أشياء ضخمة من أماكنها الأصلية. وأعرب مارينا توس عن اعتقاده بأن ~~انهيار كريت لم يكن بسبب غزاة أتوها من الخارج كما يعتقد معظم المؤرخين، إنما إلى ~~كارثة طبيعية عنيفة حلت بالجزيرة. وأشار إلى احتمال أن يكون مصدر هذا الخراب، هو ~~الجزيرة البركانية الصغيرة المسماة ثيرا، والتي تبعد 75 ميلا شمال كريت. وكانت ثيرا في ~~الماضي مستديرة الشكل يبلغ محيطها حوالي أحد عشر ميلا. أما حاليا فهي ممزقة إلى ثلاث ~~قطع تلمحها من الجو كيف كانت واحدة مستديرة. ويتوسط الجزر الثلاث قبة سوداء تعلوها فوهة ~~بركان. ويقول محمد العزب موسى في حديثه عن غرائب العالم القديم: إن هذا البركان كان ~~أقوى انفجار بركاني عرفه العالم. وكي نعلم مدى ضخامة الحدث، فإنه يقارنه بحدث مشابه ~~لبركان من ذات النوع والمواصفات، هو بركان كراتوكا الذي وقع وتم تسجيل تفاصيله سنة ~~1883م. وضمن تلك التسجيلات أن غباره تساقط ms593 في دائرة نصف قطرها 800 ميل، وسمع صوت ~~انفجاره في جزيرة رود ريجويز على بعد 3000 ميل، وارتفعت سحبه مسافة 50 ميلا، وحطمت ~~الموجة الصوتية لانفجاره الجدران المعمارية لمسافة 100 ميل، ورفع البحر في موجة مد ~~(تسونامي) دمرت 300 مدينة وقتلت 40000 شخص تحت الموج الذي اجتاح مدنهم. وقد وصل هذا ~~المد إلى مسافة تبعد حوالي 7000 ميل، وظل الناس لعدة شهور في مختلف أنحاء العالم يرون ~~الشمس تشرق خضراء ثم تتحول إلى زرقاء، ثم تغرب مصحوبة بوهج شديد يستمر فترة، وكذلك ~~استمر شأن القمر لعدة شهور، نتيجة العالق من الغبار البركاني في الفضاء. # 37 # وبدراسة «همفرس» أمكن تحديد زمن البركان الذي حدث في جزيرة أثيرا حوالي عام 1628ق.م. ~~وامتد أثره سبع سنوات، أي إنه انتهى حوالي عام 1621ق.م. وبالحسابات ستجد أن تقديرات ~~البروفيسور «همفرس» ستلقي بنا إلى آخر أيام الهكسوس في مصر. وهو ما يعني أن شمال مصر في ~~ذلك الحين (الدلتا)، قد أصابها من ذلك البركان نصيب عظيم، أدى إلى كارثة زراعية كبرى. ~~فإذا كان ما قاله «همفرس» قد حدث بالفعل، فإن «سقنن رع» قد استثمر ذلك استثمارا عظيما ~~بتحويل مجرى النهر، لتصبح الجائحة «شنعاء» بالفعل. أما أن يقوم المصريون جنوبا بسد ~~مجرى النيل وتحويله، فكان أمرا لا يمكن إخفاؤه، وقد شعر به الهكسوس، وعرف «أسيس/عزيز» ~~بما يحدث، ذلك الحدث الذي جاء ترميزا في أسطورة حلم البقرات والسنابل السبع، لقد عرف ~~ما يحدث جنوبا، وأراد معالجة الأمر بمحاولة تخزين الحبوب للسنوات العجاف ~~المقبلة. # هذا ما كان عن محاولتنا تزمين الدخول الإسرائيلي إلى مصر بزمن الهكسوس، أو بالأحرى ~~زمن آخر ملوك الهكسوس عليها الملك «أسيس» ... فماذا عن الخروج؟ # لو أخذنا بالتقديرات الحسابية التي قام بها فريق البحث الإنجليزي بقيادة البروفيسور ~~كولن همفرس، والذي انتهى إلى توقيت بداية السنوات العجاف السبع بحوالي عام 1628ق.م. مما ~~يعني أن نهايتها كانت حوالي عام 1621ق.م . وهو زمن قريب جدا من بداية حكم أحمس فرعون ~~التحرير، ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة والدولة الحديثة دولة الإمبراطورية، ms594 حيث حكم حوالي ~~1580ق.م. بفارق أربعين عاما فقط عن تقديرات هفمرس لسنوات العجف، مما يشير حسب خطتنا ~~إلى أن تلك السنوات كانت آخر سنى الهكسوس بمصر، وربما كانت أربعون عاما رقما كبيرا ~~بعض الشيء؛ فالحسابات لن تكون بمنتهى الدقة. وربما كان الفارق أقل من ذلك، وهو الزمن ~~الذي استغرقته حرب التحرير. مرة أخرى، لو أخذنا بذلك التقدير 1621ق.م. لبداية حرب ~~التحرير حسب فروضنا، وأن الأمور استقرت بطرد الهكسوس ونهاية الأسرة السابعة عشرة وبداية ~~حكم الأسرة الثامنة عشرة المستقرة - خلال عشر سنوات مثلا - أي حوالي عام 1611ق.م. ~~وكفرض تجريبي لمحاولة تزمين خروج بني إسرائيل من مصر، الذين تم أسرهم في مصر بعد طرد ~~الهكسوس، سنقوم بطرح 430 سنة، وهو الزمن الذي حددته التوراة المازورية العبرية العربية ~~لبقاء بني إسرائيل بمصر، من 1611ق.م. فتعطينا زمن 1181ق.م. وهو زمن حكم رمسيس الثالث ~~الذي حكم 1198-1167ق.م. # وهي كما يرى قارئنا نتيجة خاطئة تماما، حيث كان الإسرائيليون حينذاك بفلسطين مستقرين ~~فيها فعلا، إضافة إلى أنه لن يبقى لقيام مملكة سليمان سوى حوالي مائتي عام فقط، وهو ما ~~يخالف تقرير التوراة حول الزمن الذي انصرم ما بين الخروج وبين بناء سليمان للهيكل، وهو ~~480 سنة كاملة، ولو حسبنا تلك المدة خصما من عام 1181ق.م. فسيكون الهيكل قد بني حوالي ~~عام 700ق.م. وهو ما يخالف الزمن المفترض لحكم سليمان مخالفة شديدة، حيث اتفق على أنه ~~كان زمن حكم الفرعون شيشنق الأول الذي حكم 945-924ق.م. # ولو افترضنا أن هناك خطأ في تزمين التوراة المازورية، وأخذنا بتزمين التوراة ~~السبعونية لمدة بقاء بني إسرائيل بمصر، وهو 215 عاما، وأعدنا الحسابات مرة أخرى بطرح ~~215 عاما من 1611ق.م. فسيعطينا عام 1396ق.م. وهو زمن حكم الفرعون آمنحتب الثالث الذي ~~حكم 1405-1367ق.م. # ونتذكر الآن ما سجله يوسفيوس نقلا عن العبقري المصري «مانيتو»، الذي حدد لنا زمن ~~الخروج أيام فرعون باسم آمنوفيس/آمنحتب، دون أن يحدد لنا أي آمنحتب، خاصة أننا نعلم أن ~~ابن آمنحتب الثالث المعروف باسم إخناتون، كان يحمل اسم آمنحتب الرابع، وتتطابق ms595 معه إلى ~~حد مدهش صفات فرعون الخروج أمنوفيس، آمنحتب التي دونها لنا «يوسفيوس» نقلا عن ~~«مانيتو»؛ فهو رجل لا يحب الحرب ويعتبرها عملا ضد الآلهة. وكانت تلك بالضبط جزءا ~~أساسيا في العقيدة الآتونية الجديدة التي جاء بها «إخناتون»، وقد رفض الاستجابة ~~لرسائل الاستغاثة، التي تأتيه من ولاته في أملاك مصر بآسيا، إعمالا لذلك المبدأ، حتى ~~أضاع الإمبراطورية التي بناها أجداده. وإذا وضح الآن ميلنا إلى تزمين المؤرخ المصري ~~الفذ «مانيتو» لخروج الإسرائيليين من مصر، فسوف تواجهنا هنا عدة عقبات، لعل أهمها تزمين ~~التوراة المازورية للبقاء في مصر بمدة زمنية، هي الضعف بالضبط للمدة التي رصدتها ~~السبعونية، حيث قالت: إن البقاء بمصر استمر 430 عاما، بينما أكدت السبعونية من جانبها ~~أن هذا البقاء لم يزد عن 215 عاما، ومن ثم يحق للقارئ هنا أن يذهب بظنونه فينا ~~مذهبا بعيدا يسلبنا العلمية، وهو يرانا ننتقي رأيا ونستبعد آخر دون إبداء أسباب ~~واضحة لذلك، لكن الطريف في أمرنا هنا أننا إطلاقا لن نستبعد رأيا، بل سنأخذ بكلا ~~التزمينين المازوري والسبعوني رغم تضاربهما، حيث هذا التضارب فيما كشفنا، كان تسجيلا ~~حقيقيا لواقع قد حدث فعلا. # لقد كان الزمن الذي ساقته التوراة المازورية مثار انتقادات كثيرة من جانب، ومحاولات ~~تلفيق توفيقية من جانب آخر، حيث لا يمكن تصور أن يستغرق أربعة أجيال من الإسرائيليين ~~في مصر هذا الزمن الطويل، ناهيك عن أن كل منهم يكون قد أنجب ولده في اليوم الأخير من ~~حياته، الطويلة جدا؛ قياسا على الأعمار المفترضة لبني الإنسان. ثم إننا لو أخذنا ~~بهذا التزمين جدلا مع غض النظر عن عدد الأجيال، وافترضنا أن زمن الخروج كان آخر أيام ~~حكم إخناتون/آمنحتب الرابع في تل العمارنة، أو بعد سقوطه بحوالي عشر سنوات 1340ق.م. ثم ~~أضفنا 430 عاما، وهو تزمين التوراة المازورية لبقاء الإسرائيليين بمصر؛ فسيكون زمن ~~الدخول هو عام 1770ق.م. لكن المفاجأة هنا في كون هذا التاريخ كان تاريخ دخول جافل ~~الهكسوس إلى بلاد مصر القديمة واحتلالها، بالتحديد والتدقيق المبين دون فارق أو خطأ ms596 ولو ~~بنسبة واحدة، فموسوعة تاريخ العالم (ج1، ص48) تبدأ تاريخ احتلال الهكسوس لمصر ~~1788-1550ق.م. وتطلق عليه عصر الاغتصاب. # هنا بالضبط ما نقصده. لقد جمعت التوراة المازورية زمن بقاء الهكسوس بمصر، وهو بهذه ~~الحسابات 215 سنة، مضافا إليه استمرار القبائل الإسرائيلية بمصر، الذين لحقوا بهم آخر ~~أيام حكمهم 215 عاما أخرى؛ ليكون مجموع السنوات 430 عاما. أما التوراة السبعونية، فقد ~~استبعدت سني بقاء الهكسوس بمصر 215 سنة، وسجلت فقط زمن بقاء بني إسرائيل هناك 215 سنة، ~~لكن يبقى التساؤل: لماذا دونت المازورية وسجلت مدة بقاء الهكسوس بمصر، مضافة إلى سني ~~الإسرائيليين فيها؟ هل كان الكاتب على رأي يوسفيوس يرى أن الإسرائيليين هم ذات الهكسوس، ~~أم أن هناك أسبابا أخرى خفية تحتاج جهدا آخر للكشف عنها؟ # هذا ما سنحاول الإجابة عليه الآن. # الفصل الثامن # | إسرائيل ويهوذا العبري أو إسرائيل والهكسوسي الخبري # انتهت الدراسات النقدية للتوراة، إلى اكتشاف تأسيسي يعيد فكرة النقاء الجنسي العرقي ~~إلى أصولها، حيث يتضح لنا أن كل تلك الصلات القرابية لأبطال العهد القديم، إنما كان ~~لونا من الأحلاف بين نماذج بشرية مختلفة، بل وأحيانا متضاربة ومتصارعة. ويضرب لنا ~~الباحث المجتهد بفراسة «فراس السواح» نماذج من الأمثلة التي توضح أكذوبة الأصل الواحد ~~المتصل، ومنها ما جاء من ذكر للإسماعيليين والمديانيين في قصة يوسف، حيث لا يتناسب هذا ~~الذكر إطلاقا مع سلسلة الأنساب، التي رسمها سفر التكوين لإبراهيم وأولاده، حيث المفروض ~~أن الإسماعيليين هم أبناء إسماعيل بن إبراهيم من هاجر المصرية، وأن المديانيين هم أولاد ~~مديان ابن إبراهيم من زوجته قطورة. فإذا أخذنا الزمن الفاصل بين عصر إسماعيل ومديان ~~وإسحاق أبناء إبراهيم وبين عصر يعقوب ويوسف، لاكتشفنا أنه من المحال أن يكون الولدان ~~الثلاثة قد تشكلوا في شعوب تملأ سيناء وآدوم ضجيجا، فقط خلال الفترة التي جرت خلالها ~~أحداث قصة يوسف في مصر. # 1 # إن الأيديولوجيا العرقية حاولت هنا رسم خط نسب رئيسيا، يربط تحالف الأسباط الاثني ~~عشر بتحالفات أخرى، تأخذ باعتبارها خطوط نسب فرعية، تنشئ اتصالا قرابيا حتى مع ~~الشعوب ms597 المجاورة والمحيطة، التي احتك بها الإسرائيليون، وهي المحاولة التي تؤكد وجهة ~~نظرنا في ذلك الحلف الكبير، الذي أشرنا إليه دوما، وقام في مركز رئيسي ببلاد آدوم ~~ومحيطها. # وتقول الأركيولوجية «كاثلين. م. كنيون» أهم من نقب الأرض الفلسطينية، سعيا وراء ~~التاريخ الإسرائيلي القديم في فلسطين: «إن الذي قام بتحرير سفر التكوين في القرن العاشر ~~ق.م. حاول أن يجمع في قصة واحدة الحكايات الشائعة بين القبائل والمجموعات، التي اجتمعت ~~فيما بعد لتكون شعب إسرائيل، وكثير من المتخصصين يتفقون على أنها قبائل متفرقة. ومن ~~الأرجح أن تكون إحداها قبيلة إبراهيم «وولده» إسحاق، أما قبيلة يعقوب «المنسوبة لإسحاق» ~~فقبيلة أخرى، وقد تم فيما بعد إيجاد صلة قرابة بينهما، ولعل عائلة إبراهيم هي من أعالي ~~النهرين، بينما عائلة يعقوب من شرقي الأردن ... ومن المرجح أنه لا توجد علاقة بين قصة ~~الآباء وقصة الخروج # Exodus ~~، والانقطاع بين سفر التكوين ~~وسفر الخروج تام.» # 2 # ويقول «تيودور. ه. روبنسون»، وهو متخصص آخر: «من الواضح أن شعب إسرائيل الذي يتحدث ~~التاريخ عنه، يشمل عشائر كثيرة لم تطأ أقدامها أرض مصر مطلقا، بل إن الإصحاح الثامن ~~والثلاثين من سفر التكوين، قد يفهم منه أن يهوذا استقر في الجزء الجنوبي من كنعان، وأن ~~قبيلة أشير كانت قد أقامت في ديارها التي استقرت فيها عند ولادة موسى ... ودخلت بطون من ~~هذه القبائل في طاعة المصريين، بيد أنهم في فترة من الفترات بين عامي 1500 و1200ق.م. ~~فروا من مصر وعلى رأسهم موسى. وكان موسى قبل ذلك قد عقد صلات بقبائل البدو، ووفق إلى ~~جمع كلمة بعضها في شعب واحد، متوسلا إلى ذلك بدين جديد، آمن به جميع الأحلاف عند ~~الجيل المقدس الذي كان موسى يتردد عليه.» # 3 # وكلام «روبنسون» هنا بحاجة إلى بعض التوضيح، فهو يقول إن شعب إسرائيل لم يكن أبدا ~~قبيلة واحدة متوحدة جنسيا وثقافيا، بل كان يشمل عددا من القبائل، ومن بين هذه ~~القبائل كانت قبيلة «يهوذا»، أحد الأسباط فيما بعد، قد استقرت في جنوبي فلسطين، أي في ~~محيط النقب ms598 وآدوم، وذلك في الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون مستعبدين بمصر، وقد استنتج ~~من ذلك أن قبيلة يهوذا لم تدخل مصر أبدا، وهنا فقط نخالفه في استنتاجه هذا؛ لأننا نزعم ~~أن يهوذا قد دخل مصر فعلا، وأن تلك القبيلة الكبرى «يهوذا» قد خرجت من مصر، وتركت في ~~مصر بقية القبائل التي لحقت بها، فيما نعرفه برحلة الخروج، وشكلت فيما بعد جزءا من شعب ~~إسرائيل. أما قبيلة سبط أشير، فهي فيما يبدو بالفعل لم تدخل مصر، إنما كانت تستقر في ~~مواضعها التاريخية القديمة، على ساحل المتوسط الشرقي في حول صيدون القديمة/صيدا ~~الحالية، حيث نجدها هناك تخوض معارك ضد مملكة أوغاريت كما سيأتي بيانه، ثم يستمر ~~«روبنسون» ليوضح أن الحلف الكبير قد بدأ نواته موسى النبي عند الجبل المقدس في سيناء، ~~حيث كان موسى قد هرب إلى هناك، قبل أن يخرج بشعبه من مصر، وسبق له أن أسس تحالفات واضحة ~~من القبائل التي تعيش في محيط مديان، وبالخروج أمكنه صهر هؤلاء الأحلاف في شعب واحد، ~~تقوم هويته على أيديولوجيا اعتقادية واحدة موحدة. # ثم يتابع «روبنسون»، ليقول بعد ذلك إن الملك «داود» قد استكمل مهمة موسى بتوحيد ~~العناصر القبلية المتعارضة في فلسطين، حتى أمكنه أن يقيم دولة، تجمع «العناصر المتعددة ~~التي توحدت في الظاهر، واكتسبت ما يشبه القومية المشتركة». # 4 # ومن ثم أمكن لعالم النفس الأشهر «سيجموند فرويد» أن يقول: «إننا أضفنا إلى ثنائيات ~~التاريخ اليهودي المعروفة، شعبين ينصهران ليؤلفا أمة، مملكتين تتفرعان من انقسام هذه ~~الأمة، إله يحمل اسمين في مصادر التوراة، وأضفنا إلى هذه الثنائيات ثنائيتين أخريين، ~~لتأسيس ديانتين جديدتين، تدحر ثانيهما أولاهما في البداية، ولكن الأولى لا تتأخر في ~~انتزاع لواء النصر من جديد.» # 5 # ومع «فرويد» نقف مرة أخرى للتوضيح، فهو يقول: إن تاريخ الإسرائيليين، هو تاريخ ~~تحالفات وانفضاض لتلك التحالفات، إلا أن التحالف الأمثل كان بين سبط يهوذا، وأسباط ~~إسرائيل الأخرى؛ لذلك نجد إلهين لشعبين، إلها ساد وبرز إبان زمن البطاركة الأوائل من ~~إبراهيم حتى موسى، هو الإله المعروف ms599 باسم «إيل»، ثم إله آخر جديد يظهر مع موسى باسم ~~«يهوه»، ويهوه إله يهوذا وإيل إله إسرائيل، كما هو واضح في المسميات ذاتها، وتتمكن ~~ديانة يهوذا الطارئة، الجديدة، الثانية، غير الأصلية، من دحر ديانة إيل الأولى. # ومزيد من التوضيح يقدمه لنا «كمال الصليبي» في عملين من أعماله، في العمل الأول يقول: ~~«إن بني إسرائيل مثلهم مثل سائر الشعوب التاريخية، لم يكونوا شعبا واحدا في الأصل، بل ~~مجموعة من قبائل مختلفة تم توحيدها على مراحل، عن طريق الالتفاف والتحالف، لسبب أو ~~لآخر، ومن بني إسرائيل قبائل كانت في الأصل عبرانية، انظر مثلا سفر التثنية (15: 12) ~~وتتكلم الكنعانية، ومنهم قبائل كانت في الأصل آرامية، انظر سفر التثنية (26: 5). وقد ~~كان لعبادة الإله يهوه دور أساسي في توحيد هذه القبائل المختلفة أصلا؛ إذ إن هذا ~~التوحيد كان يترافق في كل مرحلة من مراحله، مع تحول قبائل جديدة عن عباداتها الأصلية ~~المتنوعة إلى عبادة يهوه، مع الإبقاء على بعض التقاليد المتعلقة بعباداتها السابقة، من ~~أساطير وخرافات وعادات وغير ذلك. وكانت عبادة يهوه في الأصل واحدة من عبادات كثيرة ~~منتشرة. وما إن تم توحيد بني إسرائيل، حتى بدأت عبادة يهوه تتحول على أيدي أنبيائهم من ~~عبادة وتثنية تعترف بتعدد الآلهة، إلى ديانة توحيدية أصبح فيها يهوه هو الإله الأعلى، ~~ثم الله الواحد، بالعبرية ءلهيم، وبالإضافة إلى العنصرين العبراني والآرامي، اللذين ~~تشكل منهما شعب إسرائيل، كانت هناك على ما يظهر عناصر أخرى، أخذت تندمج على مراحل مع ~~هذا الشعب. إن كلا من هذه العناصر كانت ينتسب إلى جد أعلى. وكان اختلاف التقاليد ~~بين قبائل شعب إسرائيل، سواء من ناحية الانتساب العرقي، أو من ناحية تنوع المعتقدات ~~والممارسات الطقسية، ما بقي يهدد وحدة الشعب، وهي الوحدة التي كان للكهنوت الإسرائيلي ~~بعد قيام مملكة إسرائيل، اهتمام خاص في المحافظة عليها.» # 6 # وفي العمل الثاني يقول «الصليبي»: «كان بنو إسرائيل في زمانهم في هذه الأرض، يمثلون ~~ائتلافا قبليا بين مجموعة من الأسباط، اجتمعت حوله عبادة إله واحد اسمه يهوه، وهو ~~بالنسبة ms600 إليهم الرب، بالعبرية: آدون. والأسباط هذه من أصول مختلفة، ومنها سبط لاوي ~~الذي كان منهم وحدهم الكهنة، وما لبث الكهنوت بين اللاويين أن انحصر في بيت واحد منهم ~~هو بيت هارون، من آل عمران. والاسم في شكله التوراتي: عمرم، أما بقية الأسباط فكانوا ~~أحد عشر في العدد، ومن هذه عشرة كانت تعرف أصلا على ما يبدو باسم إسرائيل، وتنتسب إلى ~~الشعب العبري أو العبراني، واسم اللغة العبرية أو العبرانية مشتق من اسم هذا الشعب، ~~الذي كان يتكلم بها، ويلاحظ هنا أن بني إسرائيل حسب العرف التوراتي، لم يكونوا وحدهم ~~العبرانيين، بل من هؤلاء أجداد عرب الجوب وعرب الشمال في الجزيرة. وكان أبرز أسباط ~~إسرائيل العشرة الناطقة أصلا بالعبرية: بنيامين. والاسم بالعبرية: بن يمين، أي ابن ~~الجنوب، أو ابن اليمن. وفي التوراة مقاطع تشير إلى بني بنيامين على أنهم: يمنيم، أي ~~جنوبيون أو يمانيون، وفي ذلك ما يدل على أن قدومهم كان أصلا من بلاد اليمن، أما السبط ~~الحادي عشر فكان سبط يهوذا، بالعبرية: يهوده، والسبط هذا من أصل آرامي. لكن بني يهوذا ~~تحولوا من الإرمية إلى العبرية، بعد دخولهم في الائتلاف الإسرائيلي.» # 7 # وهكذا فإن «زينون كاسيدوفسكي» يعقب على انقسام مملكة سليمان بعد موته، إلى إسرائيل في ~~الشمال، ويهوذا في الجنوب بالقول: «إن فكرة الوحدة العرقية التي فرضها موسى على ~~الإسرائيليين، ثم تبناها يشوع بن نون بعده، لم تصمد أمام امتحان الزمن، فقد كان التنظيم ~~القبلي القائم لدى الساميين القدماء، على أواصر قربى الدم، أقوى من أن يتراجع، ليخلي ~~المكان لعلاقات أخرى، نشأت في ظل الظروف التي خلقتها حياة الاستقرار. لقد كان لكل ~~قبيلة تقاليدها الخاصة بها، بل كانت تتكلم لهجة مختلفة، وبعد موت ابن نون سرعان ما ~~استيقظت الجروحات والنزاعات والخرافات القديمة والتيارات الانفصالية. وقد ساعد على ذلك ~~واقع مؤداه: أنه بعد انهيار التعاون البدائي وتعمق النزاعات الطبقية، تحول الشيوخ الذين ~~كان قد جرى انتخابهم إلى أرستقراطية وراثية، فأطلق رئيس القبيلة على نفسه لقب أمير أو ~~قائد، ووصف نفسه ms601 بصفات مثل: جبار، نبيل، وأخذت تلك الفئات المتميزة تتنازع فيما بينها، ~~الأمر الذي أدى إلى تفسخ وحدة الإسرائيليين وانهيارها، بل ووصل الأمر إلى حد اندلاع ~~الحروب الأهلية فيما بينهم، وهكذا بدأ عهد الفوضى السياسية. ومما زاد في خطر انقسام ~~الإسرائيليين إلى اثنتي عشرة قبيلة متعادية، هو أن يشوع بن نون لم يغتصب كنعان كلها. ~~وما كتاب القضاة من حيث الجوهر سوى مجموعة من الروايات والأساطير، التي تحكي معاناة ~~القبائل الإسرائيلية، التي عانت من نير العبودية سنوات طويلة، ثم قامت تقاتل في سبيل حريتها.» # 8 # وعلى مثل تلك التقارير التي قدمها لنا الخبراء، ساغ لروجيه جارودي أن يقيم استنتاجاته ~~التي يلخص فيها «دي فو» ما حدث ليقول: «يؤكد الأب دوفو أن شعب إسرائيل لم يتكون إلا بعد ~~استقراره في كنعان أن كل قبيلة من الأسباط كان لها سابقة وجودها التاريخي الخاص، قبل أن ~~تكون اتحادا متينا. فبعد أن استقروا في فلسطين، نمت لديهم فكرة أن لإسرائيل تاريخا ~~مشتركا قبل استقرارها.» # 9 # ثم يتابع: «إن الرب يهوه الذي قادها، سوف يفرض نفسه على جميع الأسباط الأخرى، إن توقف ~~التفسخ بهذا التدخل التاريخي باسم وحي الرب، سوف يصبح عقد الإيمان الأساسي لجميع ~~الأسباط. وهذا هو بلا شك مغزى اجتماع شكيم الذي تحدث عنه (سفر يشوع، 24: 1-28)، حيث ~~تحقق أول اتحاد بين الأسباط، فإن يشوع بعد أن ذكر لهم الإحسان العام، الذي صنعه يهوه ~~لهم، وهو أنه أصعدهم من مصر بيت العبودية، يوجه إلى جميع الأسباط بما فيهم أولئك، الذين ~~لم يعيشوا التجربة الحاسمة، تجربة الخروج، سؤالا قاطعا: اختاروا لأنفسكم اليوم من ~~تعبدون؟ يهوه رب الخروج أو إله كنعان (24: 15). ولقد اختارت الأسباط جميعا الرب يهوه. ~~إن البحث التاريخي - كما قال فون راد - قد بين أن إسرائيل هو اسم هذا الاتحاد ~~الكونفودرالي المقدس بين الأسباط.» # 10 # وعلى مثل تلك المعطيات يقدم لنا «جارودي» مدعاة للشك حتى في عدد تلك القبائل ~~المتحالفة، والتي قيل إنها اثنا عشر سبطا، فيقول: «إن انحصار الأسباط في اثنتي عشرة ~~قبيلة، ms602 لم يكن له أي واقع تاريخي، فلقد استتبع العدد اثنا عشر حينئذ فكرة الكمال؛ إذ ~~نجد في النصوص اثني عشر سبطا لإسرائيل، كما نجد اثني عشر سبطا إسماعيليا (التكوين، ~~25: 13-16)، واثني عشر سبطا آراميا (التكوين، 22: 20-24)، واثني عشر سبطا آدوميا ~~(التكوين، 36: 10-14)، وتتغير قائمة الاثني عشر سبطا لإسرائيل، لكن الرقم اثني عشر ~~يبقى. فعندما انقطع سبط ليفي، أكمل النقص بمضاعفة سبط يوسف في إفرايم ومنسى، على حين ~~نجد أن سبط جاد يحل محل سبط ليفي (العدد: 26).» # 11 # ونحن نعلم من دراسة الأساطير أن الرقم 12 كان رقما مقدسا، يدل في اعتقاد ~~شعوب المنطقة القديمة في اثني عشر إلاها، هي علامات الزودياك الاثني عشر السماوية ~~المعروفة، مثله في التقديس مثل الرقم سبعة المتكرر في تلك العقائد، بحسبانه دالا على ~~سبعة آلهة سماوية، هي الأجرام الكوكبية السيارة في المجموعة الشمسية، التي كانت ~~معلومة بالرصد الفلكي الابتدائي آنذاك.» # 12 ~~(عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل، النيران الكبيران: الشمس والقمر ~~[المؤلف]). # ونتابع رصد ذلك التكوين الهجين فيما لاحظه «شفيق مقار»؛ إذ يقول: «في حكاية يوسف ~~نلاحظ إصرار الرواة على تكرار لفظة العبراني: # قد جاء إلينا برجل عبراني يداعبنا. # دخل إلي العبد العبراني الذي جئت به إلينا ليداعبنا. # لأني قد سرقت من أرض العبرانيين. # وكان هنا غلام عبراني عبدا لرئيس الشرطة. # وهذا إلحاح لافت للنظر، فلفظة العبراني لم ترد في العهد القديم كله إلا سبع عشرة ~~مرة، ومن تلك المرات السبع عشرة، حشدت اللفظة أربع مرات متتالية، على مدى إصحاح واحد من ~~إصحاحات سفر التكوين. وهذا يتفق تماما مع الغرض من إبراز حكاية يوسف مع فرعون، وهو جعل ~~يوسف المعبر الأخير بين الحقيقة الآرامية لإبراهام وإسحاق ويعقوب ويوسف، وكل أبناء ~~يعقوب وسلالته، وبين إسرائيل، التي دقت في حكايات التوراة دقا متواصلا لتعني اليهود، ~~والمشاهد في حكاية يوسف أنه بعد هذا التركيز على لفظة عبراني، بدأ التركيز على إسرائيل، ~~ابتداء من: فأتى بنو إسرائيل ليشتروا بين الذين أتوا؛ لأن الجوع كان شديدا في أرض ~~كنعان» (تكوين، 42: 5). # 13 ms603 # وسواء كان «مقار» هنا يقصد مع بعض اللبس أو لم يقصد، فهو يضع إصبعه ضاغطا على ~~التكوين الإسرائيلي اللزج، ليتفسخ عائدا لأصوله في ثلاثة أشكال، أولاها الآرامية جنس ~~إبراهيم والبطاركة حتى يوسف، الذي دخل مصر زمن السيطرة الهكسوسية المكونة من ~~أحلامو/أحلاف، أبرزها العنصر الآدومي الآرامي التأسيسي، ليبدأ تمييزا جديدا وملحاحا ~~للفصل العنصري، وتأكيد هوية خاصة هي العبرانية، التي يجب أن ينتسب لها «يوسف»، وليس ~~الآرامية، ثم مع موسى يبدأ تأكيدا آخر جديدا على توصيف عنصري جديد هو ~~الإسرائيلية. # وفي قصة دخول بني إسرائيل إلى مصر، تقول التوراة: «فدخل يهوذا وإخوته إلى بيت يوسف ~~(تكوين، 144: 14)، وهو ما يعني أن يهوذا قد دخل مصر مع أشقائه، لا بل والصيغة تشير إلى ~~أنه كان قائد هذا الدخول، وحتى الآن والكلام مقبول، لكن غير المقبول أن يكون يهوذا قد ~~دخل، ويوسف وزير لخزانة المصريين، وذلك لأسباب من داخل المقدس التوراتي ذاته، حيث تم ~~تخصيص الإصحاح (38) لشرح أمر عجيب الشأن، يبين أن يهوذا كان منفصلا عن إخوته، وتبدأ ~~القصة هكذا: «يهوذا نزل من عند إخوته» (التكوين، 38: 1)، وذلك قبل دخولهم مصر على يوسف، ~~وأنه تحالف مع رجل كنعاني من عدلام اسمه حيرة، وتزوج بنت كنعاني اسمه شوع، وأنجب منها ~~عير وأونان وشيلة، وكبر أولاده فزوج عير من بنت اسمها تامارا، لكن عير كان شريرا ~~فقتله يهوه، فطلب يهوذا من ابنه الثاني أونان أن يتزوج تمارا، لتنجب أولادا ينسبون ~~إلى أخيه الميت عير، على العادة الكنعانية. لكن أونان بدوره ارتكب ما أغضب يهوه فقتله، ~~وهنا طلب يهوذا من تامارا، أن تذهب لأهلها وتنتظر الولد الأصغر شيلة، حتى يكبر ~~ليتزوجها، لكنها تنكرت في زي عاهرة (لبست حجابا)، ودخل بها يهوذا وحملت منه بولدين ~~هما: فارص وزارح. وكل تلك الأحداث تجري، بينما بقية الأسباط قد نزلوا مصر على يوسف؛ ~~لأنه من غير المقبول أن يفترق يهوذا عن إخوته، وتحدث له كل تلك الأحداث على مر زمن ~~طويل، ليدخل في الوقت ذاته برفقة إخوته إلى مصر! وهي النتيجة التي يصل ms604 إليها «كمال ~~الصليبي» في قوله: «مما يعني أن افتراقه عن إخوته كان سابقا لهذا النزوح.» # 14 # لكن الصليبي يستمر في استنتاجه، ليقول إن ما حدث في الإصحاح 38 من سفر التكوين يشير ~~إلى أن «يهوذا» قد أخرته رحلته الكنعانية تلك عن نزول مصر مع إخوته، لكنه لحق بهم بعد ~~ذلك. وإن لحوق يهوذا بإخوته جاء متأخرا جدا، وحدث في آخر أيامهم بمصر زمن موسى (نلحظ ~~أن صليبي له نظرية لا تعترف بدخولهم مصر الإمبراطورية، إنما هي أحداث كانت تجري في ~~بلاد عسير بجزيرة العرب، وهو ما لا يعني بحثنا هنا). ويستند الصليبي في ذلك إلى نصوص ~~توراتية فيقول: «إن موسى تمنى على الرب يهوه قبيل وفاته، أن يأتي بقبيلة يهوذا ~~المستقلة عن سائر قبائل إسرائيل، فيجمعها بهم، وذلك بالكلام الآتي: «اسمع يا يهوه صوت ~~يهوذا وأت به إلى قومه، بيديه يقاتل لنفسه، فكن عونا له على أضداده.» فلماذا هذه ~~التناقضات في أسفار التوراة في حديثها عن يهوذا؟ السر طبعا هو أن بني يهوذا، لم يكونوا ~~في الواقع من بني إسرائيل العبرانيين، بل إن بني يهوذا كانوا من بني يعقوب الآراميين»، ~~لكن لحوق «يهوذا» بإخوته عند «الصليبي» لم يتم في مصر، إنما بعد الخروج ووصول الخارجيين ~~إلى المشارف الجنوبية لبلاد كنعان، حيث التقى هناك الخارجون «بنو إسرائيل مع بني يعقوب ~~الآراميين من بني يهوذا ولفيفهم، فاتحدوا معهم تحت قيادة موسى قبيل وفاته، وكانت هذه ~~بداية الشعب التاريخي المعروف بشعب إسرائيل.» # 15 ~~«وهكذا التقى بنو إسرائيل ولفيفهم من العبرانيين، لأول مرة في تاريخهم مع بني يعقوب ~~الآراميين، الذين كانوا يتكلمون العبرية أي الكنعانية والآرامية في آن ... فتمت الوحدة ~~بين الشعبين برعاية موسى وبركة يهوه، وعندما تمكن موسى لأول مرة في حياته، من مخاطبة ~~جميع إسرائيل: كل يسرءل (سفر التثنية: 18)، وليس بني إسرائيل العبرانيين وحدهم.» # 16 # وحتى يمكن ترتيب هذا الصخب المتنافر، يمكن إيجاز القول باتفاق الباحثين، على كون ~~الشعب التوراتي أيا كان مسماه، لم يكن أبدا شعبا بالمعنى المفهوم، ينتمي إلى عنصر ms605 ~~إثني واضح بعينه، بقدر ما كان تجمعا وتحالفا قبليا، تشكل من مجموعة قبائل. وهنا ~~يبدأ اختلاف الباحثين وتضاربهم، عندما تبدأ محاولة تحديد ألوان هذه القبائل وانتماءاتها ~~الإثنية، فكاثلين كانيون ترى أنهم هجين من قبيلتين: الأولى هي قبيلة إبراهيم وإسحاق، ~~وهم عندها من أعالي النهرين، والثانية هي قبيلة يعقوب، وتراها من شرقي الأردن. بينما ~~لخص فرويد موقفه بالكشف عن شعبين اندمجا معها، لكن تشير معبوداتهما إلى أصولهما الأولى ~~قبل الاندماج، فكان هناك شعب يتبع إلها باسم إيل، وشعب آخر يتبع إلها باسم يهوه، ~~وبمرور الزمن أدت الأحداث إلى سيطرة وسيادة اليهوية وانكماش وتلاشي الإيلية. أما كمال ~~الصليبي فقد تحدث عن قبائل مختلفة في هذا الائتلاف، تعود إلى عناصر عدة: عنصر إسرائيلي ~~ويراه هو المعروف أيضا بالعبراني، لكنه عنده ليسوا أبناء يعقوب، وأن نسبتهم إلى يعقوب، ~~واحتساب أن يعقوب كان اسمه إسرائيل، هو محاولة مقحمة من المحرر التوراتي، لجعل ~~الإسرائيليين أبناء ليعقوب في أسطورة صراعه مع الرب. ثم عنصر ثان هو يهوذا، ويراه هو ~~صاحب الأصل الآرامي، وهؤلاء هم بالفعل أبناء يعقوب، ثم عناصر أخرى مختلفة كقبيلة ليفي ~~أولاي، التي امتهنت الكهانة، وقبيلة بنيامين التي يشير اسمها إلى أصولها اليمنية. هذا ~~بينما ذهب «دوفو» إلى أن كل قبيلة من الأسباط الاثني عشر، كان لها سابق وجودها التاريخي ~~الخاص. أما شفيق مقار فيرى أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا آراميين، ومنهم يوسف الذي ~~يبدأ عنده تأكيد وصف العبرانية، حيث سيصبح يوسف معبرا نحو توصيف جديد هو ~~الإسرائيلية. # وفي ظل تلك المعطيات يمكن أن نفهم كيف نجد في الآثار المصرية اسما ضمن نقوش الهكسوس، ~~هو يعقوب هار وأيضا يعقوب بعل. # 17 # والذي جاء كاسم ثان للملك بنون، وهو الثاني في ترتيب ملوك الهكسوس بعد ~~سالاتيس. وجاءنا في الصيغة «مرو سر رع، ياكب بعل أو يعقوب حر». ومعلوم أن بنون يعقوب ~~هذا كان من حكام الهكسوس الكبار، إنه جلس على عرش مصر طبقا لبردية تورين، أكثر من ~~ثماني سنوات أو ثماني عشرة سنة. # 18 # كذلك أفادنا ms606 باهور لبيب بوجود أسماء أفراد هكسوس مثل «يعقوب إيل» و«نحامين». # 19 # وقد ورد اسم ثالث لبنون هذا برسم «سكا»، ومن جانبنا رأيناه بالضبط الاسم «الضحاك» ~~«إسحق»، الذي حيكت حوله وحول إمبراطوريته أساطير شتى، مما يشير إلى شهرة الرجل وقيمته ~~في زمنه. والأمر بذلك يعني أن بنون كان يحمل اسم يعقوب واسم إسحاق معا، كحقيقة ~~تاريخية تحولت إلى أسطورة توراتية، وأصبح الشخص الواحد شخصين، وانتسب إليهما ~~الإسرائيليون وعدوهما سلفين بعيدين، من جيل البطاركة الآباء الأوائل. # بينما إطلاقا لم يصل الظن بالتوراة رغم مبالغاتها إلى حد القول إن شعبها كان ~~حاكما على مصر. وهو ما يعني أن المحرر التوراتي قد نسب بني إسرائيل الذين دخلوا إلى ~~مصر إلى شخص قوي ملكي من ملوك الهكسوس، بسبيل ذلك تم اختيار يعقوب ليخترع المحرر ~~التوراتي قصة صراع حدثت بينه وبين الإله، منحه بعدها الإله اسم إسرائيل، وذلك للقول إن ~~سلف الإسرائيليين هو الملك الهكسوسي يعقوب، لهدف أبعد هو التغطية على الأصول ~~المتباعدة، وتأكيد الأصل الواحد لتلك القبائل. # وإذا كان اسم إسرائيل مركبا من ملصقين «يسر - ءل»، الثاني فيهما هو «ءل» أو «إيل» ~~ويعني الإله؛ فإن الملصق الأولى «يسر»، تفسره التوراة بأنه مشتق من الفعل «سره» أي ~~يجاهد؛ لذلك ترجمت كلمة إسرائيل بأنها «مجاهد الرب» أو «جندي الرب». ويلاحظ زياد منى ~~أن هذه المفردة «يسر»، لم ترد في التوراة مرة أخرى إلا في (سفر هوشع، 13: 3-4)، وتؤكد ~~المراجع المختصة أن معنى «يسر» غير واضح؛ لأنه من فعل ممات. وقد جاء الاسم في لوح ~~مرنبتاح بالصيغة «ي. س. ر. ي. ر # Y. si. r. r ~~». # 20 # وبسبيل تفسير الكلمة وردت اجتهادات أخرى، فهناك من يرى أن «ءل» ليست مفعولا به في ~~الكلمة إنما فاعل، وبذلك يكون المعنى «إيل حارب» أو «إيل عارك» فهو صراع إيل. ويذهب ~~آخرون إلى أن جذر الاسم في المفردة الإيجية الإغريقية، إسر # ISER # بمعنى مقدس؛ أي إيل المقدس. وهناك من ذهب إلى أن الاسم مختزل من ~~الصيغة «ء يش راحيل» أي «رجل من ms607 قبيلة راحيل»، مع اجتهاد يستحق الوقوف معه. يقول إن اسم ~~إسرائيل هو اختصار للعبارة «يه سعير هوءيل» و«يه» هي «يهوه». وعليه يصبح المعنى «إله ~~سعير هو يهوه». # 21 # ولأن اسم إسرائيل لم يأت إطلاقا مسبوقا بأداة التعريف؛ فهو ما يعني ~~لزياد منى أن الاسم اسم جغرافي «يسرءل هو السراة - ء ل سرءه». ولأن منى يذهب مع نظرية ~~صليبي إلى جنوب غربي جزيرة العرب، كموطن لإسرائيل الشعب والدولة في جبال السراة، فقد ~~قال: إن هذا المكان الجغرافي (إسرائيل) يقع في جبال السراة، ولكن في امتدادها الجنوبي ~~نحو الحجاز واليمن. بينما من جانبنا قد اتجهنا شمالا مع امتداد جبال السراة حتى البحر ~~الميت الشرقي وادي عربة، وقلنا إنها هي التي حملت في العبرية اسم «سعير»، وينتهي «منى» ~~إلى أن المقصود من كلمة إسرائيل هو «الأرض المكرمة من الله». # 22 # وهو ما يستدعي مباشرة وصف المصري القديم لبلاد بونت الآدومية «حسبما ~~نظريتنا» بأنها «أرض الإله»، ثم يرى منى أن الأسباط اكتسبت اسم إسرائيل بعد أن خرجت ~~واستقرت في منطقة السراة. # 23 # وحملوا اسم بني إسرائيل نسبة إلى جبال السراة، فهم أبناء السراة. # 24 # أما اسم يعقوب الذي نسبوا أنفسهم إليه، باعتبار أنه أب لعنصر بشري هو العنصر ~~الإسرائيلي، فيبدو لزياد منى أنه كان اسم أحد آلهة المعبد الوثني للأسباط، بينما هذا ~~يعني لدينا أن الإسرائيليين قد عبدوا الفرعون الهكسوسي بنون/يعقوب/سكا/إسحاق في إحدى ~~مراحلهم كإله. ثم مع التطور والنضوج تم اعتباره سلف القبيلة، وهي عادة معلومة عند ~~القبائل القديمة، حيث عادة ما يكون سلفها البعيد هو ربها، وكمال الصليبي يعيد اسم يعقوب ~~إلى العقبة، وهو برأينا رأي سديد تماما، لكن لأنه يريده جنوبا عند سراة اليمن وعسير، ~~يفسره تأويلا حسب المعنى بأنه مسالك الجبال هناك، حيث لم يجد هناك مكانا باسم العقبة. # 25 # رغم وجود العقبة عند جبال سراة سعير على رأس خليج العقبة، باسمها دون حاجة ~~لأي تأويل. # وعليه فإن كلا الاسمين (إسرائيل ويعقوب)، يعودان عند مدرسة الصليبي باسم إسرائيل إلى ~~الانتساب إلى ms608 إله العقبة أو إله السراة، التي تقع حسب مذهبنا في بلاد آدوم/بونت/أرض ~~الإله أو الأرض المقدسة. # المهم في كل هذا أنه يمكن دون جهد كبير، أن نلحظ وجود خطين رئيسيين مع خطوط أخرى ~~فرعية، في الروافد المكونة للكنفودرالية الإسرائيلية، فهناك جماعة محددة باسم يهوذا ~~وجماعة باسم إسرائيل، وكلاهما ينتسب مرة إلى العبريين وأخرى إلى الآراميين، وأن أحدهما ~~دخل مصر والآخر لحق به، لكنه التقى بالطرف الآخر للحلف في بلاد مديان. لكن الخلاف ~~البسيط لكنه الكبير العميق هنا، هو: أننا نرى ما حدث قد حدث بالعكس تماما، فقد دخل ~~فريق يهوذا الآرامي مصر أولا، ثم لحق به فريق إسرائيل في أرض مصر ذاتها، وذلك في آخر ~~أيام الفريق اليهوذي بمصر. نحن نقصد بوضوح وبدون مواربة أن «يهوذا» كان الاصطلاح ~~التوراتي، الذي يشير إلى محتلي مصر باسم الهكسوس، وأن إسرائيل فريق نسيب وبطن حليف لحق ~~بهم آخر أيامهم في مصر، أيام حكم «أسيس/العزيز/أبوفيس». أما تمني «موسى» أن يلحق بهم ~~«يهوذا» في مصر، فتلك قصة أخرى، حيث بقي الإسرائيليون بعد طرد الهكسوس من مصر، تحت ~~العبودية في ظل الحكم الوطني المصري، ما ينوف على قرنين من الزمان، ونحن نعلم من ~~«يوسفيوس» نقلا عن «مانيتو» أن قائد الهاربين «أوزرسيف»، أرسل يستدعي البدو الرعاة من ~~أورشليم، المطرودين من مصر منذ قرنين، إبان ثورته للخروج من مصر، ووعدهم أنه سيعيدهم ~~لحكم مصر، وهو ما يعني لنا تفسير استدعاء موسى ليهوذا، كان استدعاء للهكسوس كرة أخرى، ~~لكن ما حدث هذه المرة هو هزيمتهم جميعا، وطردهم من البلاد، وهو الأمر الذي سيأتي ~~تفصيله في موضعه من هذا العمل، مدعوما بشواهد وقرائن محترمة. # ولعلنا نذكر أن يهوذا كان فرعا يقيم في جنوبي فلسطين والنقب، وهو موضع سكنى الهكسوس ~~الذي حددناه، ثم إننا لم ننس بعدما أكده «يوسفيوس»، نقلا عن «مانيتون»، أن الهكسوس ~~عندما خرجوا من مصر، أسسوا مدينة أورشليم بفلسطين، ثم ظلت أورشليم مدينة يهوذية طوال ~~عصورها بعد ذلك. وهنا نلمح المحرر التوراتي وهو يصر على التمسك بأن احتلال ms609 أورشليم، قد ~~تم من جانب الحلف جميعه المسمى «كل إسرائيل»، تفلت منه الحقيقة التي تؤكد لنا نظريتنا: ~~أن الهسكوس هم الفريق اليهوذي، هم من احتل أورشليم أولا، وهذه الحقيقة المنفلتة يسجلها ~~النص: «وحارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوها بحد السيف، وأشعلوا المدينة بالنار» ~~(قضاة، 1: 8). بنو يهوذا وحدهم دون بقية الأسباط من أخذ أورشليم إذن. # وبعد قيام دولة داود وسليمان، ثم انقسام المملكة قسمين، ظلت أورشليم عاصمة المملكة ~~الجنوبية يهوذا، بينما أصبحت السامرة عاصمة المملكة الشمالية. لقد أجمع التاريخ ~~الإسرائيلي على إخفاء علاقته بالبرابرة الهكسوس. # لكن المؤرخ اليهودي يوسفيوس سبق الجميع وأكد ذلك في تاريخه، قاصدا الارتقاء ببني ~~جلدته عن كونهم كانوا أنجاسا ملاعين، عملوا في السخرة والعبودية ببلاد النيل، لكن ~~ليعطينا أحد المفاتيح لنافذة تطل على ذلك الحلف الهكسوسي القديم، الذي كان الإسرائيليون ~~أحد أطرافه. وهو الأمر الذي يفسر لنا استعباد هؤلاء في مصر بعد تحريرها من الغزاة. وبعد ~~أن اندمج الشعبان الهكسوسي والإسرائيلي في اتحاد كونفودرالي، وبعد الخروج من مصر، كانت ~~المحاولات الدائبة من المحرر التوراتي لنسيان الأصل الهكسوسي للعنصر الحليف والتغطية ~~عليه، فقام يضعه في سلسلة أنساب إسرائيل باسم يهوذا، وابتدع قصة الإخوة الاثني عشر ~~ترميزا للأحلاف، ولكن يهوذا بمفرده قد شكل سبطا هائلا، فكان هو في كفة وبقية الأسباط ~~جميعا في كفة أخرى. ولا تعادله؛ لأنه ظل المسيطر دائما. # ومرة أخرى عاد الخارجون بعد الخروج للتحالف مع أخلامو مديان الآراميين، لكن الضربة ~~المصرية ومطاردتها للفلول المطرودة من مصر، أدت إلى انفصال عرى هذا الاتحاد إلى فصائله ~~الأولى، وهو ما تعبر عنه حالة العداء الذي استحكم في السنوات التالية بين حلف إسرائيل ~~مديان في جانب، وبين العماليق في جانب آخر، وبعد مرحلة يزداد التفكك، لنجد صراعا ~~دمويا بين حلف إسرائيل وحلف مديان. # ويبدو أن الإسرائيليين قد باعوا في مصر رفاق الحلف الهكسوسي للثورة الوطنية، وأن ذلك ~~وإن عافاهم من الإبادة؛ فإنه لم يعفهم من العبودية. وكانت مسألة اللعب على طرفي ~~الصراع أمرا متكررا لدى الإسرائيليين، تلمسه بطول تاريخهم ms610 المدون بالكتاب المقدس، سبق ~~وأفضنا شرحه في الجزء الأول من هذا العمل، وإن كان العداء بين أطراف الحلف خاصة إسرائيل ~~والعماليق ، بحاجة إلى تبرير معقول وقوي، وهو ما سنرصده تفصيلا في الفصول المقبلة من ~~هذا البحث. # ولأن التاريخ عادة ما يكتب على مقعد المنتصر والأقوى والمتسلط، فقد فاحت التوراة ~~دوما بانحياز محرريها الواضح للعنصر اليهوذي، إزاء بقية الأسباط، حتى لو كانوا مختاري ~~يهوه وأحبابه، ولم يزل هناك مزمور محبب في التلاوات يسجل غلبة «يهوذا» في النهاية على ~~الأحلامو أو الأحلاف، وكيف انحاز الرب يهوه إلى يهوذا وحده دون بقية الأسباط ~~المتحالفين، حتى إنه استبعد من رعايته بيت يوسف نفسه وأخيه، الذين كانوا في البداية هم ~~الأقرب إليه والأكثر اصطفاء. # يقول هذا المزمور التاريخي فصيحا بليغا، يدون لنا ما وصلنا إليه وما أغفله ~~التاريخ: # فاستيقظ الرب كنائم جبار معيط من الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء وجعلهم ~~عارا أبديا، ورفض خيمة يوسف، ولم يختر سبط إفرايم، بل اختار سبط يهوذا في ~~جبل صهيون الذي أحبه. ~~(المزامير، 78: 65-68) # ومن هنا طغت اليهوذية حتى أصبحت علما على بقية الفصائل المتحالفة ليحملوا جميعا لقب ~~«يهود»، وتصبح أيديولوجيتهم العقدية هي «اليهودية». أما الأمر الذي يجب التركيز عليه، ~~فأن يهوذا ويهود ويهودية تنتسب جميعا إلى رب التجليات المتعددة في المشروم البركاني، ~~وفي خنافس شجرة الأيكة وعناق، أطول الفصيلة الكلبية عنقا، ضبع آدوم، وفي الطائر ~~البوني، وفي القمر رب الهواء «هفا» أو «هوا» أو «يهوه». # لقد هرب موسى من مصر إلى مديان، ليدين هناك بعبادة «يهوه» ويعود ليخرج برجاله من مصر ~~إلى مديان تحديدا ليلتقي بحلفائه في سيناء، لكن لتسيطر اليهوذية الهكسوسية المديانية ~~من بعد، ويسود بها ربها «الكائن» الذي لا يصح النطق باسمه، بل ينادي فقط بالكائن أو ~~«يهوه». # والواضح تاريخيا ومن الآثار، ومن الكتاب المقدس ذاته: أن دخول «يهوذا» مرة أخرى إلى ~~فلسطين، عند طرده من مصر هسكوسيا شريدا، أو عند خروج الإسرائيليين من مصر لحوقا ~~بيهوذا، مما دعم هذا الحلف الشرس، فإن كليهما لم يستطع ms611 أبدا طوال قرون عديدة، أن ~~يكون المسيطر الأول في فلسطين، بعد استعادة مصر قوتها، واشتداد قبضتها على أراضيها ~~الآسيوية، ومن ثم تراوحت الأحوال بين السكون وبين الحرب الدموية، بين هؤلاء وبين سكان ~~فلسطين من فروع أخرى طوال الوقت، ولم تكتب لهم السيادة إلا مع قيام مملكة داود المتحدة ~~هناك، وحتى بعد ذلك كان هناك شك كبير في أن سيطرة ذلك الجنس، كانت مطلقة كما تحب أن ~~توعز التوراة. # ومن كتاب «اللآلئ» الذي عثر عليه في أوغاريت/تل شمرا الآن على الساحل السوري للمتوسط، ~~مدونا بقلم «إيلي ميلكو» كاهن أوغاريت الأكبر، ورئيس مقدمي القرابين والمطهرين، نجد ~~حكايات عديدة، تشير إلى أنه في ذات الوقت الذي حكم فيه «آمنحتب الثالث» وولده «إخناتون» ~~في مصر، وهو ذات الوقت الذي كانت تهاجم فيه قبائل العابيرو/الخابيرو بلاد فلسطين، هو ~~ذات الوقت الذي سجل فيه «إيلي ميلكو» دمار أوغاريت، على يد فصائل أجناس همجية يشار ~~إليها مرة باسم الخابيرو، ومرة باسم اليوديم (اليهود [المؤلف])، # 26 # إننا الآن مع فك شفرة الخيط الأخير في طلسم الخابيرو، لقد كان الخابيرو ~~فعلا وصدقا هم العابيرو العبريين، هم الفرع اليهوذي الهكسوسي، الذي طرد من مصر على ~~يد بطل التحرير أحمس حوالي عام 1580ق.م. وبعد مرور حوالي قرنين من الزمان تقريبا، ~~كانوا يحاولون استعادة السيطرة على أملاك مصر في فلسطين، ليأتينا ذكرهم في وثائق ~~المنطقة، ووثائق العمارنة ورسائلها التي تجأر بطلب المعونة ضد الخابيرو. في الوقت الذي ~~كان فيه العنصر الإسرائيلي الأسير لا يزال بمصر، على استعداد للخروج واللحوق ببقية ~~فصائل الأحلامو، التي شتتها وفرقها فراعنة مصر الأشاوس. وبذلك نكون قد عثرنا على تفسير ~~كيف كان الخابيرو ما زالوا عبيدا بمصر، بينما كانوا في الوقت ذاته - زمن العمارنة - ~~يهاجمون أراضي مصر في فلسطين. لقد كان الخابيرو في نصوص العمارنة هم اليهوذيين ~~الهكسوس. # ويتأكد صدق فهمنا هنا بما ورد بالكتاب المقدس، من فلتات كانت تفرق بوضوح في أكثر من ~~موضع من أسفاره، بين الإسرائيليين من جهة وبين العبريين من جهة أخرى، رغم نظريته ms612 ~~الشاملة في كونهما إثنية واحدة. فهو يقول في سفر صموئيل أول: «والعبرانيون الذين كانوا ~~مع الفلسطينيين منذ أمس وما قبله، الذين صعدوا معهم إلى المحلة من حواليهم، صاروا هم ~~أيضا مع إسرائيل الذين مع شاول ويوناثان» (14: 21). وهو ما يعني أن المحرر كان يعلم أن ~~العبرانيين غير الإسرائيليين. # ومن جانب آخر تحرم شريعة التوراة استعباد الإسرائيليين، لكنها لا تحرم استعباد ~~العبري (انظر سفر اللاويين، 25: 39؛ وسفر الخروج، 21: 12؛ وسفر التثنية، 15: 12؛ وسفر ~~إرميا، 3: 9-4)، كذلك تبين الإصحاحات 13: 3، و6: 7 من سفر صموئيل أول تباينا واضحا ~~لدى المحرر التوراتي، وتمييزا بين بني إسرائيل وبين العبريين. # وهكذا نرى أنه مع تأخر الإسرائيليين في الخروج، ثم لحوقهم باليهوذيين الهكسوس في ~~زمان تال، قام محررو التوراة باحتساب اصطلاح العبري أي حلف البدو، دالا على إثنية ~~بعينها، نسبوا إليه إثنية أخرى هي الإسرائيلية، رغم أنهم بدروهم كانوا قبائل وشراذم ~~متحالفة. فأخذت التوراة تؤكد وتزيد وتردد، أن يوسف كان عبرانيا، أي بلغتنا أو حسب ~~نظريتنا، أنه كان هكسوسيا خابيريا، كما كان الجد الذي انتسبوا إليه يعقوب/إسحاق ~~الضحاك. ومن هنا أصبح الهكسوس أرومة أولى هي يهوذا العبري، الذي تم إدراجه ضمن الأسباط ~~بالقول، أنه كان الأخ الأكبر بين أبناء إسرائيل، ليصبح اليهوذيون الهكسوس الخابيرو ~~إسرائيليين، ويصبح الإسرائيليون خبيرو هكسوسيين. ومن ثم فإن هناك نتيجة أخرى تترتب على ~~هذا، حيث سيكون هناك خروجان قد تما من مصر: الخروج الأول هو خروج الهكسوس اليهوذيين، ~~ثم تلاه الخروج الثاني وهو الخروج الإسرائيلي، وكلاهما بدوي، كان اليهوذي فيه يحمل ~~النعت عبري أو خابيري، ثم تم تعميم صفة العبري بعد ذلك لتشمل إسرائيل. # ويبدو أن هذا المعنى كان يداعب الأركيولوجست «كاثلين كانيون» لكنها أبدا لم تصل إلى ~~كون الخبيرو في نصوص العمارنة، كانوا هم فصيل يهوذا الهكسوسي وأنهم غير الإسرائيليين، ~~فهي تقول: «إن قصة الخروج في حد ذاتها قصة مركبة، ففي وجهها الأول يبدو الهروب، الذي ~~ينظر إليه المصريون بمثابة اختفاء مزعج ومتعب، لمصدر مفيد من مصادر عمل السخرة، وفي ~~وجهها الثاني يبدو كأنه طرد لعبيد ms613 متمردين أو أجانب متسللين. ومن هنا يمكن القول بأنه ~~توجد قصتان على الأقل للخروج، مندمجتان في قصة واحدة ... وبالنظر إلى وصف طريق الخروج ، ~~تقول مناقشات الأب دو فو # De Vau # إن هناك طريقين ~~منفصلين لهذا الخروج، وهو أمر أكثر إقناعا. أحد هذه الطرق يمر بحافة الزاوية الجنوبية ~~الشرقية للبحر المتوسط، ومن ثم تدخل الجزء الجنوبي من فلسطين. ومن هنا تكونت قبائل ~~يهوذا الجنوبية (وهو ما نراه الخروج الهكسوسي اليهوذي، الذي اتخذ طريق ساحل المتوسط ~~ودخل فلسطين من جنوبها، واحتل أورشليم [المؤلف]). أما الطريق الثاني الذي سار عليه موسى ~~وهو شخصية تاريخية، فينحرف بدرجة كبيرة نحو الجنوب، إلى أطراف شبه جزيرة سيناء (وهو ما ~~نراه الخروج الإسرائيلي، الذي اتجه إلى بلاد مديان، في عمق سيناء الجنوبي والشرقي ~~[المؤلف]) ... وهناك موقع آخر محتمل للجبل المقدس هو خليج العقبة.» # 27 # وتتابع كانيون تصورها لخروجين احتسبتهما كليهما لبني إسرائيل بالذات، فتقول: «أكد ~~معظم الباحثين المحدثين النظرية القائمة على دخولين منفصلين لفلسطين من الجنوب ومن ~~الشرق، ففيما يتعلق بالدخول من الجهة الجنوبية، لا توجد شواهد أثرية مؤكدة، لكن في ~~نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد (وهو زمن سقوط إخناتون [المؤلف]) تعرضت المدن ~~الفلسطينية لتدمير شامل.» # 28 # ويتأكد صدق تخريجنا هذا عندما نتذكر ما سبق وأوردناه حول حملة الفرعون سيتي الأول على ~~فلسطين، والتي كان غرضها صد هجمات العابيرو القادمين عبر نهر الأردن من الشرق إلى فلسطين. # 29 # وكان اسم العابيرو قد لحق الجميع يهوذيا وإسرائيليا، وبحسبة بسيطة ~~سنكتشف مدى وجاهة نظريتنا في تحديد زمن الخروج الإسرائيلي من مصر ومدى دقتها، وهو ذات ~~زمن الهجمة الهكسوسية الثانية على مصر زمن أمنوفيس/آمنحتب، الذي أشار إليه يوسفيوس ~~نقلا عن مانيتو، والذي احتملنا أن يكون هو زمن آمنحتب الرابع/إخناتون، من مجموع ~~مواصفات قدمها يوسفيوس تطابق إخناتون. فقد انتهى حكم إخناتون/آمنحتب الرابع عام ~~1350ق.م. وبعدها نؤكد مباشرة خروج الإسرائيليين من مصر، وبعدها مباشرة تأتينا أخبار ~~حملة الملك سيتي لصد هجوم العابيرو، والقادمين من شرقي الأردن إلى غربه بفلسطين عام ~~1309ق.م. ms614 وبالحساب السهل نكتشف أن فرق زمن الخروج الذي افترضناه مع آخر أيام إخناتون، ~~من زمن حملة سيتي، هو زمن وصولهم شرقي الأردن لعبوره، هو بالضبط الزمن الذي قضاه ~~الإسرائيليون في سيناء؛ لأن الفارق هو بالضبط أربعون عاما، تلك المعروفة باسم سنوات ~~التيه. # وفي كتاب اللآلئ الأثري الذي كتبه كاهن أوغاريت «ميلكو» - والذي أثار ضجة عالمية بعد ~~أن تم العثور عليه كاملا - حتى أسماه البعض: التوراة الكنعانية - يوضح في ثناياه أن ~~سبطا مثل أشير لم يدخل مصر إطلاقا، فقط ربما كان حليفا أصيلا ضمن الأحلامو، الذين ~~كانوا يحاولون استعادة قوتهم، بعد ضربة مصر القوية التي هشمت الحلف، فنجد إشارات عديدة ~~في اللآلئ إلى «الأشيرتم»، وهي صيغة جمع لكلمة «أشير»، اسم أحد الأسباط. # ورغم ما لحق نصوص الكاهن «ميلكو» من تلف، فإن فيها الكثير مما يمكن قراءته، مثل ذلك ~~النص الذي جاء في اللوحة # IIAB # يقول: # ولكنهم ضاعفوا الخلاف هؤلاء الأشيرتم، فخذ شباكا وأنت تنحني ... انشقاق رؤساء ~~اليوديم ... فيما قاسة إيل ... وأبناء إيليم سوف يدمرون أتباع أيل .... # ها هي النار منذ يومين تلتهم، وكل شيء وقع في العار، والأشياء القبيحة في ~~القصور ... يذبح الأبقار حتى المواشي الصغيرة، يرجم الثيران وتحت تأثير اللعنات ~~تهلك العجول ... وأنا أوافق على أن نخبر بأني أنشر الدمار في الأردن، إلى أحزانك ~~سوف لا تدير وجهها قرتوهة # Qurst Uhe ~~(قرية ~~يهو؟ [المؤلف])، وكما أعلنت سينهار عرشها وستكون المغارة مسكنها، سوف أدمر ~~ميراثها وستفنى ... ذل الليبنت # YABNT ~~. # 30 # وفي اللوحة # IAB # كعلامة حداد ينثر على رأسه الرماد، الفلسطيني أمسك به حتى جعله يسقط، فاختبأ ~~هربا من حصارهم ... لا تعط وجهك إلى العدو القاسي، عندما يتقرر جر العدو رئيس ~~اليوديم حتى حلبا، لاحتلال رهايتم وسحق بيت الأحرار، اقبل أن يحكموا الأردن. # 31 # وفي اللوحة # VAB # عندما يتقدم العبريون، حدد حدودا للعبريين، لتكن قيلة # Queilah # للعبرانيين، وشمشيراي وأعالي الصحراء # Shensheray # لدغي # Ladoghy # وأشيرة # Asherat # من عاي. # Ai # حتى قادش # Quadesh ~~، ونحو مصائبك سوف لا تدير وجهها مصر القاسية. # إنهم باللعنات دمروا ms615 كفتور # Kaphtor ~~، حجبوا ~~مساكنها بقوى سماوية، وأرض ميراثها، بمساعدة ألف إبليس مقاتل كالجيش، أسقطوها ~~تحت الأقدام، وبسرعة جعلوها تنحني مثقلة بالشقاء. # 32 # ومثل كل النصوص القديمة، تبدو نصوص الكاهن ميلكو ملتبسة وصعبة الفهم، مع عدم اكتمال ~~الجمل بسبب التلف والفقد، وميلكو الذي نعرفه كان يعمل في بلاط آمنحتب الرابع/إخناتون ~~بالعمارنة بمصر على وجه التحديد، قبل أن يعود إلى بلاده أوغاريت. إلا أنه يمكن تكوين ~~فكرة عامة من تلك النصوص تشير إلى حروب طاحنة، يقف سبط «أشير» كعنصر واضح فيها، ~~ويحالفه عنصر آخر وهو «يوديم»، أي اليهود اليهوذيون، وليس في كل نصوص «ميلكو» إشارة ~~واحدة إلى قبائل إسرائيل، مما يعني أنها لم تكن قد ظهرت بعد في المنطقة حتى زمن كتابة ~~ذلك النص، ولم تشارك في تلك المعارك في البلاد الواقعة على الساحل الشرقي للمتوسط، وهو ~~ما يعني أن القبائل الإسرائيلية كانت حتى ذلك الوقت لم تخرج بعد من مصر، وأن من خرجوا ~~وأثاروا المعارك في المنطقة هم اليوديم/اليهوذيون/الهكسوس. # ويؤيد تفسيرنا هذا أنه في تقسيم الأرض على الأسباط فيما بعد، كان سبط أشير أقرب ~~الفروع مكانيا إلى أوغاريت، مما يشير إلى استقراره في المناطق التي استولى عليها قبل ~~الخروج الإسرائيلي، حيث كان عنصرا هكسوسيا أو حليفا تابعا، وكان يستقر هناك من زمن ~~طويل. # ثم ملحوظة أخرى تشير إلى معارك خاضها رئيس اليهوذيين ضد الفلسطينيين، مما يشير إلى ~~التواجد اليهوذي والتواجد الفلسطيني المستقر على الساحل زمن العمارنة، وهو المؤكد ~~تاريخيا، حسبما أوردنا في فصل لغز البلست. ثم يحدثنا النص: «إنهم باللعنات دمروا ~~كفتور» ولم يقل الكفتوريين حتى لا ينصرف ذهننا إلى الفلسطينيين البلست على الساحل ~~الكنعاني. لقد خص الجزيرة «كفتور» بالذكر، وكانت تطلق عموما على جزر البحر المتوسط في ~~نصوص العمارنة. إن النص يشير إلى تدمير اليهوذيين الهكسوس لبلاد كفتور بمساعدة ألف ~~إبليس، وسبق وعلمنا من هم الأباليس أتباع ست تيفون. وبالطبع لا يمكن تصور أن تدمير ~~كفتور كان عند احتلالها، فهذا زمن يبعد إلى الوراء حوالي قرنين من الزمان، لكنه حدث ms616 عند ~~طردهم من مصر، حيث نجد في سجلات فراعنة التحرير نصوصا، تشير إلى أن فراعنة التحرير ~~كانوا على اتصال واضح بقيادة الجزر، وأن الثورة التي حدثت في مصر ضد الهكسوس، قد ~~واكبتها ثورة أخرى حدثت في كريت ضد الاحتلال الهكسوسي، حيث نجد لوحا دونه أحمس ~~بالكرنك، لتخليد أعماله وأعمال والدته الجليلة القدر «إياح حوتب»، التي قادت الجند بعد ~~موت زوجها سقنن رع، حيث شب ولداها كامس وأحمس لمتابعة نضال الأب الشهيد. وفي ذلك اللوح ~~نجد إشارات واضحة لاتصالات بين قادة التحرير في مصر وبقية الثوار في بقاع الإمبراطورية ~~الهكسوسية، الذين ثاروا بتحريض وبقيادة مصر، خاصة تلك المراسلات مع أهل بحر إيجة، ~~الذين كانوا منذ زمن مبكر أتباعا وحلفاء مخلصين لمصر وملوكها. # وفي زمن التحرير سجل اللوح المذكور أن سكان بحر إيجة، قد أطلقوا على المرأة الحديدية ~~«إياح حوتب»، لقب سيدة جزر البحر الأبيض «حايونبوت». ويوضح محمد حماد معنى هذا الاسم: ~~حايونبوت بقوله إنه: «جزيرة كريت وما حولها من جزر؛ إذ إن هذه الجزر تعاونت مع المصريين ~~في كسر شوكة الهكسوس في المنطقة كلها.» ثم يعقب على عبارات أخرى باللوح بقوله: «ويمكن ~~أن نرى كذلك في هذه الكلمات ما يشير إلى أن هذه الملكة، قد قامت كذلك بنشاط ملموس خارج ~~البلاد»، «ولا يستبعد أن يكون أهل الجزر أنفسهم هم الذين خلعوا على تلك البطلة ذلك ~~اللقب مخلصين؛ لإعجابهم بها، فهم لا شك قد كرهوا حكم الهكسوس، وضاقوا به كما ضاق به ~~المصريون. ثم إنهم وجدوا في مصر أقوى معين لهم على الخلاص. ولا شك أن هذه العلاقة ~~القوية، التي نشأت بين مصر وكريت كانت لها أهمية خاصة، ظهرت في الثقافة وفي الصناعة ~~والصلات، التي تبودلت بين أهل البلدين منذ أقدم العصور.» # 33 # أما التعبير «انشقاق رؤساء اليوديم»، فيوضح أن تلك الثورات التي اندلعت بتدبير حكام ~~طيبة من فراعنة التحرير، في المناطق التي كانت تابعة لمصر من البدء، قد أدى إلى خلافات ~~واضحة بين رؤساء الحلف الهكسوسي، أدت إلى انشقاقهم وتفسخ حلفهم. ms617 والإشارات مثل رجم ~~الثيران وذبحها، تردد صدى ما نجده بعد ذلك في الشريعة التوراتية، التي كانت تأمر بإبادة ~~المدن بشرا وحيوانا وعمرانا، وهي ذات الفعال التي سجلها المصريون عن محتلي بلادهم ~~الهكسوس. # ولا يفوت الفاحص هنا الأسماء التي وردت بتلك النصوص لمواضع جغرافية، فدمار الأردن ~~يترافق مع أولئك الذين يسكنون المغارات، الذين أذلوا أوغاريت، وقد ترجمت «ذل الليبنت»، ~~بينما قراءتها الصحيحة. كما وردت بالنص # YABNT ~~، والياء ~~تستبدل بالهاء أداة التعريف السامية الشمالية، إنها «ه - بونت» فهي ذل البونتيين أو ~~المذلة لهم، أما قرتوهه # QUARTUHA # فهي «قيراتو». وقد ~~جاءت بالنص واقعة في محيط الأردن وبلاد بونت، ونعتقد أنها الآن «قريات» إلى الشمال ~~الشرقي من عاصمة آدوم (البتراء)، أو القرية قرب الحجر على ساحل البحر الأحمر الشرقي ~~جنوبي آدوم، وتقع في محيط منطقة تحمل ذات التنغيم، فهي تقع في وادي القرى. # أما «مفيد عرنوق» فيلخص لنا رأيا سائرا، ألقاه المؤرخون إلقاء يقول: إنه «في فلسطين ~~اختلطت شعوب سامية، بشعوب منحدرة من المناطق الجبلية الشمالية. وهذه الشعوب - وبنوع ~~خاص الأناضولية القديمة - غير سامية، ألفت فيما بعد الشعب الحثي # HITTIES ~~، الذي خلف في فلسطين طابعا مميزا بالنسبة ~~لبقية الأعراف، وهو الأنف المعقوف، الذي كان من المعتقد أنه من المميزات السامية وبنوع ~~خاص اليهود، بينما هو كما نرى اليوم يعود إلى السلالة الأناضولية، فهو إذن غير سامي ~~انتقل إلى الساميين عن طريق التمازج السلالي.» # 34 # أما الأركيولوجي والعالم اللغوي في الأوغاريتيات البروفيسور «ميدكو»، فيقدم لنا ~~التباسات وخلطا تاريخيا اعتدناه في متابعتنا لتاريخ المنطقة، وفي وسطها إضاءات ~~برقية حقيقية، تبدو كحدس سريع تأكد لنا يقينه بعد كل ما قلناه. ويقدم لنا هذا المزيج ~~المتنافر في قوله: «من هم العبرانيون؟ ومن أين أتوا؟ جوابا على هذه الأسئلة التي طالما ~~اكتنفتها المتناقضات، يمكننا اليوم إعطاء جواب عنها، فكان دخولهم إلى فلسطين في زمن تل ~~العمارنة، أي حوالي 1400ق.م. ويصح أن يكونوا من قبائل الخبيرو، التي كانت تقاتل آنئذ ~~الكنعانيين. أما تقاليد العبرانيين فقريبة في ذلك العهد، من تقاليد ms618 الحيثيين وشعوب بين ~~النهرين. ومن المرجح أنهم كانوا يتكلمون لغة قريبة من اللغة الحوية، # Hevien ~~، كتابتها هيروغليفية استخدمها الحيثيون ~~الأوائل. ولما كان إلههم يدعى يه أو يهوه، فثمة صلات لغوية وعرقية، كانت تربطهم ~~بالحيثيين والحويين الساكنين في البلاد. إذن الافتراض هو أن العبرانيين يؤلفون بقايا ~~الحيثيين، الذين اجتاحوا مملكة بابل بتاريخ 1900، ونحن نلاحظ أن التوراة تعتبر دوما ~~الحيثيين والحويين على صلات طيبة.» # 35 # وهكذا حل «ميدكو» المشكلة في تلك السطور ببساطة ساذجة لم تحل شيئا، بينما ~~استغرقت منا نحن الصفحات السوالف وما سيليها، وأكلت من عمرنا ~~أحلى سنواته! # ويصبح الخابيرو في زعمنا اسما عاما على الأحلاف الهكسوس اليهوذيين، بينما يشكل ~~الإسرائيليون في تلك الأحلاف واحدا فقط من عناصرها. وإذا كان الخابيرو أو العابيرو هم ~~أحلاف آدوم وبوادي الشام، فهو الأمر الذي يفسر للباحثين ذلك التضارب الشديد في الآراء ~~حول أصل العابيرو. وهو ما يفصح عنه قول فراس السواح: «نلاحظ كل من أسماء زعماء العابيرو ~~في رسائل تل العمارنة أن بعضهم من أصل سامي مثل ملكيلو (ملك - إيلو)، وبعضهم الآخر من ~~أصل هندوأوروبي مثل شوارداتا ولابايو، وهذا يدل على الأصول المختلفة لجماعات العابيرو، ~~وعدم انتمائها إلى منشأ إثني عرقي واحد.» # 36 # وملاحظات فراس السواح على أسماء زعماء العابيرو هي ذات ملاحظاته على ~~الهكسوس، فهو يقول في موضع آخر: «ورغم أن معظم أسماء الملوك الهكسوسية سامية، ~~إلا أننا نعثر بينها على أسماء غير سامية أيضا، ~~الأمر الذي يدل على وجود عناصر مختلطة في التركيب الإثني العرقي لهذه الجماعات، وربما ~~كانت هذه العناصر غير السامية قد جاءت من أصل حوري، وأن الطبقة العسكرية الحاكمة ~~للجماعات الحورية كانت من أصل هندوأوربي.» # 37 # وهو أمر انتهى المؤرخون إلى إقراره كما جاء عند «بيومي مهران» يقول: «إن ~~الهكسوس أنفسهم كانوا خليطا من أجناس مختلفة ما بين آرية وسامية.» # 38 # لذلك ينتهي السواح إلى القول: «إن هؤلاء الخابيرو لم يكونوا جماعة عرقية ~~متميزة، بل أخلاطا من أجناس شتى، ولا تساعدنا أسماء الأعلام الدالة على أفراد منهم ~~في ms619 نصوص ماري وغيرها من ممالك البرونز الوسيط، على تبين لغة واحدة تجمع بينهم. كما أن ~~هذه النصوص لا تساعدنا على تحديد نمط حياة موحد لهذه الجماعات.» # 39 # ويذكر السواح تفصيلة تشغلنا وتغنينا، وتؤكد نظريتنا في تحالف عنصر جنوب جزيري وزنجي، ~~مع عنصر هندوآري قادم من الشمال، في المركز التجاري العالمي الوسيط؛ إذ يقول: «وتشير ~~هذه النصوص إلى جماعتين رئيسيتين في الخابيرو هما: بنو يامينا أو أهل الجنوب، وبنو شمأل ~~أي أهل الشمال.» # 40 # إن الخابيرو أو يهوذا أو الهكسوس كانوا يتشكلون من موجتين مهاجرتين، موجة مختلطة ~~زنجية - جنوب جزيرية قادمة من جنوب الجزيرة، قبل أن تتكلم العربية المعروفة، ويمثلهم ~~اصطلاح بنيامين/بنويمينا، التي تعني أبناء الجنوب؛ لأن الكلمة يمن في العبرية تعني ~~الجنوب، كما تعني بلاد اليمن «ساكن الجزيرة كان يحدد الاتجاهات الأصلية، بالتوجه نحو ~~شروق الشمس، فتصبح بلاد اليمن عن يمينه والشام عن شماله». أما الهجرة الثانية فهي ~~هندوآرية قادمة من الشمال الأرميني، والتركي، هم بنو شمأل أو بنو الشمال أو بنو شمأعيل ~~(إسماعيل). # وقد ذكرت بداية ملحمة قراتو الأوغاريتية، أن # HBR # العابيرو فئة عظيمة جبارة، وأن قادتهم كانوا يعرفون بلقب # Try # الجبابرة أو العمالقة. # 41 # وتتتالى الأحداث ويخرج الإسرائيليون من مصر بقيادة ~~موسى، ولا يأخذون الطريق المباشر إلى فلسطين من شمالي سيناء، والمحاذي لساحل المتوسط ~~لدخول فلسطين من حدودها الجنوبية المفتوحة على سيناء، فإنهم بدلا من ذلك يدورون داخل ~~سيناء دورانا طويلا مع ساحل ذراعي البحر الأحمر. وعللنا ذلك بأنهم اتجهوا قاصدين إلى ~~حلفائهم التاريخيين في مديان، ودخلوا فلسطين من شرقها بعبور نهر الأردن إلى غربه، ~~ليظلوا أربعة قرون يعيشون في هيئة ائتلاف قبلي (نظام القضاة)، حتى تمكن أحد أفراد ~~الفصيل الإسرائيلي المعروف باسم «شاءول» من قبيلة بنيامين، أن يقيم المملكة، لكن ليلتف ~~عليها العنصر اليهوذي بقيادة «داود»، الذي كان من يهوذا حوالي 1012-972ق.م. ويتم قتل ~~«إيشبوشت» ابن شاول، ليستولي داود واليهوذيون على الحكم. # وكان إيشبوشت بن شاول ابن أربعين سنة، حين ملك على إسرائيل، وملك سنتين، أما ~~بيت ms620 يهوذا فاتبعوا داود. ~~(صموئيل ثاني، 2: 10) # وفي عهد سليمان بن داود حوالي 972-932ق.م. يدون المقدس عن الاتحاد بين العنصرين ~~اليهوذي والإسرائيلي: # وكان يهوذا وإسرائيل كثيرين كالرمل الذي على البحر في الكثرة. ~~(ملوك أول، 4: 20) # وسكن يهوذا وإسرائيل آمنين. ~~(ملوك أول، 4: 25) # لكن مع موت سليمان يقرر الفرع الإسرائيلي الاستقلال، وفي حوالي عام 932ق.م. تنفصل ~~القبائل ، ويؤكد لنا المقدس أن ذلك النزوع للانفصال، كان قائما من زمن داود، فيقول: # فعصى إسرائيل على بيت داود إلى هذا اليوم، ولما سمع جميع إسرائيل بأن يربعام ~~قد رجع، أرسلوا فدعوه إلى الجماعة، وملكوه على جميع إسرائيل، ولم يتبع بيت داود ~~إلا سبط يهوذا وحده، ولما جاء رحبعام (ابن سليمان [المؤلف]) إلى أورشليم، جمع ~~كل بيت يهوذا وسبط بنيامين. ~~(ملوك أول، 12: 19-21) # وهكذا فإن «يربعام» الإسرائيلي، كان قد عصى على ~~سليمان اليهوذي وثار عليه، ثم هرب إلى بلاد مصر لاجئا سياسيا، وعاد بعد موت داود، ~~ليملك على الإسرائيليين في مملكة منفصلة باسم إسرائيل وعاصمتها السامرة، بينما حكم ~~«رحبعام بن سليمان» المملكة الجنوبية، باسم مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم. وعلينا أن ~~نتذكر هنا أن الفرعون «شيشنق»، قد هاجم مملكة رحبعام بن سليمان، بعد تولي رحبعام بخمس ~~سنوات، مما يشير إلى أنه كان لا يزال يدعم يربعام الإسرائيلي في انفصاله عن يهوذا، حيث ~~نجد مملكة إسرائيل تقوم في الشمال بعد غزوة شيشنق لفلسطين. أما ما يجب أن نلحظه هنا فهو ~~أن النصوص التوراتية، عندما تتحدث عن الشعبين متحدين، تستخدم اصطلاح كل إسرائيل أو جميع ~~إسرائيل ويهوذا، كما في قول المقدس التوراتي عن سنى حكم الملك داود: # وفي أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة على جميع إسرائيل ويهوذا. ~~(صموئيل ثاني، 5: 5) # وعندما كانت نصوص التوراة تود الإشارة، إلى واحدة من قبائل التحالف الإسرائيلي مثل ~~بنيامين؛ فإنها كانت تستخدم اصطلاح سبط، أي فرع إسرائيلي، لكنها حين كانت تريد الحديث ~~عن إسرائيل، بكل أسباطها وحدها دون يهوذا، فقد كانت تستخدم اصطلاح «بيت إسرائيل» لتميزه ~~عن «بيت يهوذا»، مما يشير إلى انفصال واضح بين قبائل يهوذا وبين ms621 قبائل إسرائيل، فأبناء ~~إسرائيل أسباط، أما يهوذا فليس سبطا، إنما هو بيت مستقل عن بيت إسرائيل، ثم تجمع ~~التوراة كل بيت إسرائيل في يعقوب، وكل فصائل الهكسوس في يهوذا، كما في قولها: # بل أخرج من يعقوب نسلا، ومن يهوذا وارثا لجبالي، فيرثها مختاري. ~~(إشعيا، 65: 9) # في تلك الأيام يذهب بيت يهوذا مع بيت إسرائيل ويأتيان معا. ~~(إرميا، 3: 18) # أما الإشارة الفصيحة البليغة، فهي في تقرير الرب ~~نفسه، أنه حاول لصق البيتين معا قدر استطاعته لكنه فشل، انظره يقول: # ألصقت بنفسي كل بيت إسرائيل وكل بيت يهوذا، يقول الرب، ليكونوا لي شعبا ~~واسما وفخرا ومجدا لكنهم لم يسمعوا. ~~(إرميا، 13: 11) # وتنقسم المملكة وينفك الحلف، ويظل الأنبياء يحلمون بحلم الأحلامو مرة أخرى، وأن ~~المملكة ستقوم في أيام مقبلة، يرددون الأماني قائلين: # ها أيام تأتي، يقول الرب، وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك، وينجح ويجري حقا ~~وعدلا في الأرض، في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمنا. ~~(إرميا، 23: 5، 6) # أما زكريا فقد بح صوته وهو ينادي الشتات: # يا بيت يهوذا ويا بيت إسرائيل. ~~(زكريا، 8: 13) # لكن الإشارة الهامة هنا للغاية، والتي تشير إلى أن لحظة خروج إسرائيل من مصر، كان ~~يهوذا مستقرا في مقدسه أورشليم، تهرب منه مياه فلسطين وجبالها، في كناية عن خشيتها ~~بأس يهوذا، في صيغة توراتية تقول: # عند خروج إسرائيل من مصر، وبيت يعقوب من شعب أعجم. # كان يهوذا في مقدسه وإسرائيل في محل سلطانه (سيناء [المؤلف])، البحر رآه ~~فهرب. الأردن رجع إلى الخلف، الجبال قفزت مثل الكباش، والآكام مثل حملان ~~الغنم. ~~(مزامير، 114: 1-4) # وبينما يهوذا أو كما نزعم: الخابيري الهكسوسي قد استقر في جبل صهيون بأورشليم، ~~وإسرائيل لم يخرج بعد من مصر، قال الرب عن يهوذا: # أساسه في الجبال المقدسة، الرب أحب أبواب صهيون (ومقرها مملكة يهوذا ~~[المؤلف])، أكثر من جميع مساكن يعقوب. ~~(مزامير، 87: 1، 2) # لقد وضح أن الأقوى دوما كان يهوذا، وهو من دونت أغلب أسفار التوراة في حجره، ومن على ~~كرسي سلطته، فساد ربه يهوه بسيادته، بينما تراجع إيل رب إسرائيل، الذي كان يشغل ms622 كل سفر ~~التكوين. # أما جبل «صهيون» الذي استبدلته المملكة بجبل سيناء المقدس، وجبل «صافون» الأقرع في ~~الشمال السوري، حيث عبادة بعل حداد، وأطلقت اسمه على جبال أورشليم عاصمة يهوذا، فإنه لم ~~يستطع إخفاء أصله؛ لأن «صهيون» لغة ليست شيئا آخر غير «صاهيون» أو «صافون»، باختلاط ~~الياء، وكذلك الواو مع الفاء كما في «لاوي» و «ليفي». # هذا بينما ترد إشارات غامضة إلى عنصر يسمى «الحوى»، كان في طريق الخارجين من مصر، ~~وينطق أيضا «الهوى» وهو واضح النسبة إلى يهوه، لكن تم إخفاءه بعناية في طوايا ~~الأحداث، وهو ببساطة اسم يدل على الجنس اليهوذي الهكسوسي، الذي انتشر شذرا مدرا في ~~سيناء وبوادي الشام، بعد طرد الهكسوس من مصر بعد، واستعادة مصر لسلطانها على أملاكها ~~الآسيوية. # وتلك الإشارات السريعة إلى «الحوى/الهوى»، تفصح عن نفسها وتصبح شديدة الوضوح، بعدما ~~قلنا وشرحنا، وينجلي السر عن ذلك الشعب الغامض، الذي حير الكتاب والباحثين زمانا، فهم ~~الشعب الذي اتحد مع الإسرائيليين بقيادة يشوع بن نون، في نص شارد وسط أحداث، لا تعطي ~~فرصة التأمل للكشف، ومن نماذج ذلك: # الحويون صالحوا يشوع. ~~(يشوع: 9) # لم تكن مدينة صالحت بني إسرائيل إلا الحويين. ~~(يشوع، 11: 19) # أما من هؤلاء الحويين/الهويين، فهو ما يفصح عنه نص ~~يتحدث عن تاريخ قديم لعلاقة يعقوب بهم، عندما حل ضيفا عليهم يعيش في حماهم، ويشير إلى ~~اسم ملك على هؤلاء الهويين في قول التوراة: # حمور الحوي رئيس الأرض. ~~(تكوين، 34: 1-3) # لقد كان ذلك الملك الهوي الحوي يعتز ويفخر باسم إلهه، فيتسمى باسمه «حمور» مثل بقية ~~الملوك الحميريين، ومثله كان حمورابي في بابل من قبل يعتز باسمه «الحمار أبي». # أما «زينون كاسيدوفسكي»؛ فيعقب على كل تلك الأحداث، بعد انفصال المملكة إلى عنصريها ~~المتمايزين، بقوله: «وعلى ضوء هذه الحقائق يغدو الوضع في كنعان واضحا، سكنت القسم ~~الشمالي منه القبائل اليهودية القديمة، التي لم تكن في مصر في أي يوم من الأيام، ولم ~~تغادره منذ زمن غابر (لأنه لم يعرف ما عرفنا في بحثنا هنا [المؤلف])، وكانت قد تمثلت ~~حضارة ms623 الكنعانيين وعبدت آلهتهم، بينما استوطن القسم الجنوبي من أرض كنعان الإسرائيليون ~~الذين جاءوا من مصر.» # 42 # وهكذا خلط «كاسيدوفسكي» حابلها بنابلها، فالرجل مثله مثل كل من كتب في هذا الأمر، لمن ~~يكن يعلم ما علمنا، وهو أن يهوذا ليس شيئا آخر غير الحلف الهكسوسي الأخلامو قاطن ~~الجنوب، ومن ثم رأى أن القبائل اليهودية لم تدخل مصر إطلاقا، بل دخلها العنصر ~~الإسرائيلي وحده؛ ولأن جنوبي فلسطين هو الملاصق لمصر، فقد استنتج كاسيوفسكي بسرعة البرق ~~الاستنتاجية التي لحظناها عند الباحثين، خاصة الأركيولوجين، الذين نتمنى عليهم أن ~~ينهمكوا في سبر أغوار الأرض وفك طلاسم الكتابات القديمة، ويتركوا لفلاسفة التاريخ مهمة ~~التحليل والتركيب والربط والاستنتاج، استنتج «كاسيدوفسكي» أن سكان الجنوب هم من خرج من ~~مصر، ليقلب بذلك التاريخ رأسا على عقب، ويقلب الجغرافيا عقبا على رأس. مستندا إلى ~~شاهد آخر، هو أن قبائل المملكة الشمالية عبدوا آلهة ~~الخصب الكنعانية، بينما ظلت المملكة الجنوبية على عبادة يهوه، هذا بينما التفسير الواضح ~~لدينا، هو أن اليهوذي الهكسوسي قد خرج من مصر مطرودا بثورة تحرير، إلى مواضعه ~~التاريخية جنوبي فلسطين. واستمر الفراعنة على التوالي في ضرب هذا الحلف في مواقعه ~~التاريخية، بغرض تشتت الحلف، فوجوده خطر دائم على الحدود المصرية. وبعد ضرب الحلف ~~وتمزقه، ذهب بعضه جنوبا إلى جزيرة العرب، ومنه من ذهب إلى بوادي الشام الشمالية وأسس ~~الممالك الآرامية، ومنه من تشتت في الجزر اليونانية، ومنه من استقر في مواضعه التاريخية ~~في بلاد آدوم ومحيطها، ليخرج الإسرائيليون بعد ذلك من مصر، ويعيدوا التحالف مع الأحلاف، ~~في محاولة استعادة صيغة الأحلامو. ويدخل الإسرائيليون إلى فلسطين من شرق الأردن إلى ~~أريحا، ولا يهبطون جنوبها لأن جنوبها كان موطنا لليهوذيين الهكسوس، إنما يستوطنون ~~الجزء الشمالي الذي حمل تاريخيا اسم إسرائيل، مما يشير إلى أن هذا الجنوب كان مملكة ~~قائمة عصية، وظل الجنوب يحمل اسم يهوذا، وتتحد المملكة زمن «شاول» الإسرائيلي، لكن ~~لتخرج سدة العرش من بيت إسرائيل الشمالي بعد ذلك إلى بيت يهوذا الجنوبي، فيستولي «داود» ~~اليهوذي على المملكة، ms624 ويحكم بعده ولده «سليمان»، ثم يعود البيتان للانفصال زمن (رحبعام ~~ابن سليمان/اليهوذي)، بدعم عسكري مباشر من فرعون مصر ليربعام الإسرائيلي، إمعانا في ~~تقسيم الحلف الخطر. # وكان طبيعيا أن يتعبد الإسرائيليون الخارجون من مصر لآلهة الخصب والنماء، بينما يظل ~~اليهوذيون كما كانوا في مواطنهم الأولى، وكما كانوا في مصر، وكما ظلوا بعد طردهم منها ، ~~يتعبدون لآلهة الصحارى دوشريت «سيت/عناق/هفا/يهوه» البونتي السيناوي. # وإذا كان فرع يهوذا هو الهكسوس كما نقول نحن، فذلك يفسر لنا نصا توراتيا ظل غير ~~مفهوم زمنا طويلا، ورد في سفر ملوك ثاني، يتحدث عن زمن الملك يربعام بن يوآش، أحد ~~ملوك إسرائيل الشمالية بعد انفصالها بزمن، ويحكي ذلك السفر أن يربعام هذا، دخل معارك مع ~~جيرانه الشماليين وكانوا آراميين خلصا، وأنه انتصر في تلك المعارك، وأنه «استرجع إلى ~~إسرائيل دمشق وحماة التي ليهوذا (ملوك ثاني، 14: 28). # وقد وقف الباحثون إزاء هذا النص يضربون الأخماس في الأسداس؛ لأن دمشق وحماة لم تكن ~~يوما تابعة لمملكة يهوذا، بل كانت تفصلها عن يهوذا دولة إسرائيل شقيقتها المنفصلة ~~اللدود. فكيف استرجع ملك من دولة إسرائيل الشمالية ~~إلى دولته إسرائيل دمشق وحماة، اللتين كانتا تتبعان دولة يهوذا الجنوبية؟! كما لو كان ~~بطلا تاريخيا، أعاد الأمور إلى نصابها القديم الذي لم يكن حقيقة إطلاقا. # إن المحرر التوراتي كان يعلم أن سبط يهوذا هو ذاته الهكسوس، وأنه ضمن مملكة الهكسوس ~~الكبرى كانت دمشق وحماة، ورغم أن واقعة استرجاع يربعام للمدينتين لم تحدث إطلاقا، فإن ~~النص ينفتح على ذكريات كان مطلوبا نسيانها، لكنها تقفز بين آن وآخر لتعطينا مفاتيح ~~الألغاز. # وهكذا نكتشف أن التوراة السبعونية كانت تسجل فقط زمن دخول أسباط إسرائيل وخروجهم، ~~لتؤكد أنهم بقوا في مصر فقط 215 عاما، بينما كانت التوراة المازورية العبرية اليهوذية ~~الخابيرية الهكسوسية، تسجل زمنا آخر للبقاء في مصر، بدأت به من لحظة دخول الأحلاف ~~الكبار إلى مصر، فهذا هو تاريخها مع مصر، وهو التاريخ الذي أنهته ليس بطرد الهكسوس ~~اليهوذيين من مصر، إنما ضمت إليه زمن بقاء حلفائها الإسرائيليين في ms625 مصر، وأنهته مع ~~الخروج الإسرائيلي، فسجلت زمن بقاء الهكسوس في مصر، من لحظة دخولهم حتى طردهم على يد ~~أحمس، وهو الزمن الذي يجب أن يبدأ حول عام 1786ق.م. وينتهي بولاية أحمس فرعون التحرير ~~حوالي 1575ق.م. وهو الزمن الذي يساوي 211 سنة، بفارق 4 سنوات فقط، وهو ما يمكن تجاوزه ~~في علم التاريخ، ثم أضافت التوراة المازورية الزمن الذي استغرقه بقاء الإسرائيليين في ~~مصر، من لحظة دخولهم زمن أسيس، آخر فرعون هكسوسي، إلى زمن خروجهم بعد سقوط إخناتون، وهو ~~الذي يساوي بدوره وعلى وجه الدقة 215 عاما، وجمعت كليهما في زمن واحد هو 430 ~~عاما. # لكن يبقى أمام ما قدمناه هنا لحل مشكلة الخابيرو عقبة شديدة الوطأة، يمكنها نقض كل ما ~~قلناه وتشتته أدراج الرياح. وهي التي تتمثل في النص الذي سلفت الإشارة إليه، في بداية ~~الحديث عن الخابيرو والذي يعود إلى زمن رمسيس الثاني، وهو النص الذي يتحدث عن وجود ~~الخابيرو في مصر، وأنهم كانوا يعملون في نقل الأحجار للمعبد، الذي يبنيه في رسالة ~~الكاتب «كوسيرا» إلى رئيسه «بيكوبتاح»، التي يقول فيها: # وقد أطعت الأمر الذي أصدره سيدي، فأعطيت قمحا للعكسر والعابيرو، الذين ~~ينقلون الأحجار إلى حصن رمسيس العظيم، تحت ملاحظة إفمان رئيس الضباط، وأعطيتهم ~~القمح كل شهر، طبقا للأمر الصادر إلي. # فهل ترانا قد ذهبنا في الطريق الخطأ مذهبا بعيدا؟ هنا كان لا بد من مراجعة الأمر ~~كله، على الأحداث التوراتية التي يجب - وفق نظريتي - أن تتزامن مع أيام حكم أسرة ~~العمارنة، إذا كان فرضنا لزمن الخروج صحيحا، حيث قلنا إنه قد تم طرد الهكسوس العابيرو ~~من مصر، على يد ملك التحرير أحمس عام 1575ق.م. بعد أن بقوا بها مائتين وخمسة عشر عاما، ~~وتم أسر الإسرائيليين ليبقوا بعد هذا التاريخ مائتين وخمسة عشر عاما أخرى، أي إنهم ~~بذلك يكونون قد خرجوا زمن إخناتون، الذي حكم ما بين 1367-1350ق.م. والخروج يكون قد حدث ~~بعد سقوطه عن العرش بعشر سنوات، أي يكونون قد خرجوا حوالي 1340ق.م. # ويحكي الكتاب المقدس أن الخارجين ms626 قد استغرقوا في الرحلة من مصر إلى فلسطين أربعين ~~سنة، ثم عاشوا تحت الحكم القبلي المعروف بحكم القضاة، وكانوا على الترتيب (أي ~~القضاة): # عنثئيل بن قناز، وأهود بن حيرا، ثم القاضية المشهورة دبورة، ودبورة كلمة عبرية تعني ~~النحل، وهي التي تعنينا هنا، حيث عثرنا معها على حل المشكلة المطروحة، كعقبة في طريق ~~الحل الذي طرحناه . # هنا يحكي لنا الكتاب المقدس في الإصحاح الرابع في سفر القضاة، أن الملك «يابين» ~~الكنعاني، أذل الإسرائيليين في فلسطين، وكان مقر ملكه في مدينة حاصور. أما قائد جيشه ~~فكان اسمه «سيسرا»، وكان «سيسرا» يسكن في مدينة «حروشة الأمم». # ويشرح لنا قاموس الكتاب المقدس معنى اسم «حروشة الأمم»، تحت مادة «حروشة» بأنها تجمع ~~سكني لأجناس من أمم مختلفة، وأنها الآن هي عند أصحاب هذا القاموس، هي تل عمار على بعد ~~16 ميلا إلى الشمال الغربي من مجدو بفلسطين. # والغريب أن الكتاب المقدس يقرر أمرا شديد الغرابة، فيؤكد أن قائد الجيوش هذا المعروف ~~باسم «سيسرا»، كان لديه قوة ضاربة هائلة، تتكون من تسعمائة مركبة سريعة من الحديد. وهو ~~أمر لا يمكن على الإطلاق تصوره، مع ملك إقليمي لمدينة إقليمية بفلسطين، فهذا جيش يليق ~~بإمبراطورية من إمبراطوريات ذلك الزمان. # ونتابع رواية الكتاب المقدس، فتقول إن القاضية النبية الإسرائيلية دبورة، كانت تعيش ~~في مكان يدعى جبل «تابور»، أو «دبور»، وأنها دعت الإسرائيليين لمقاومة «سيسرا» وجنده ~~عند قادش. # وبغض النظر عما لحق القصة من تهويلات أسطورية، فإن الحدث يمكن فهمه في ضوء قصة الحملة ~~الثالثة للملك رمسيس الثاني على فلسطين، حوالي عام 1295ق.م. ضمن حملات كانت موجهة دوما ~~نحو قادش الجليل ومحيطها، ويحكي لنا التاريخ: # وفي السنة التالية، وصل رعمسيس شمالي فلسطين، حيث حاصر شاتونا، ثم دابور التي ~~كانت تقع في النهاية الجنوبية لمملكة عمورو، وبذلك يكون موقعها في غربي الجليل، ~~وفي قلعة دابور هذه، سحب الحيثيون ملك العموريين السابق، الذي خلعوه ينبت شينا، ~~ويبدو من النص أن الحيثيين قد استولوا على دابور السورية، وهي أقصى مدينة في ~~الجنوب يصلها ms627 الحيثيون إلى حد الآن، وعندها دارت موقعة مهمة، الأمر الذي حدا ~~برمسيس الثاني إلى التقدم واختراق بلاد نهرينا/دولة «ميتاني»، واستولى على رتنو ~~السفلى/شمالي سورية، وأرواد وبلاد كفتيو. وفي هذا الوقت أو بعده بقليل قام ~~رمسيس بغزو بلاد موآب، وآدوم. # 43 # هكذا تعلمنا نصوص معارك رمسيس الثاني بمعركة كبرى ضد فلسطين، وضد غزاتها الحيثيين ~~القادمين من الشمال، وأن هناك موقعة قد حدثت عند منطقة باسم دابور تقع غربي الجليل، وهو ~~الموقع الذي حدده قاموس الكتاب المقدس لحروشة الأمم وجبل دابور. # وبعد أن هزم رمسيس الثاني سكان تلك البلاد وقام بتأديبهم، ورد الحيثيين وأوقف خطرهم ~~مؤقتا، عاد إلى مدينته «بي/رعمسيس» بعدد غفير من الأسرى. # تمت هزيمة الآسيويين، جميعا أتوا صاغرين، ينحنون أمامه في قصره في بي رمسيس ~~ميري آمون. # 44 # لقد كان هؤلاء الأسرى هم العبيرو، الذين جاء ذكرهم بعد ذلك، يحملون الأحجار لبناء ~~الملك رمسيس الثاني. أما الحاسم في الأمر؛ فهو أن اسم ذلك المحارب، الذي كانت لديه تلك ~~المدرعات الهائلة، والذي سجله المقدس التوراتي بحسبانه قائد جيوش كنعانيا، بخطأ فادح ~~لا نعلم سره الآن، كان يحمل اسم «سيسرا»، وهو اللقب المتكرر المحبب للملك رمسيس الثاني. ~~لقد كان ذلك اللقب هو «سي سي رع». # 45 # وهكذا يمكن تفسير وجود عابيرو في مصر، يعملون في خدمة رمسيس الثاني، بعد ~~طردهم من مصر بسنوات طويلة. لقد جاء بهم رمسيس أسرى من حملته التي وصلت إلى ~~«دابور». # الفصل التاسع # | قاطعو الرقاب # معلوم أن اصطلاح «سامي» أو «ساميين»، تسمية قد وضعها على أساس توراتي «شلتوتزر» سنة ~~1781م، وانتشرت من بعده بعد أن قسم أجناس البشر حسب التوراة إلى: ساميين وحاميين ~~ويافثيين؛ نسبة إلى أبناء نوح: سام وحام ويافث. وأصحاب هذا التقسيم يذهبون إلى أن سام ~~قد أنجب العبريين والعرب، الذين يسكنون بوادي الجزيرة والشام وسيناء، وأن حاما قد أنجب ~~المصريين والزنج الكوشيين الساكنين أفريقيا. وللعجب تمت إضافة الكنعانيين الشاميين، إلى ~~بني حام في شجرة الأنساب التوراتية، رغم أنهم ليسوا أفارقة بل من سكان فلسطين الآسيوية، ms628 ~~لكن يبدو أن التوراة كانت تدون ذلك بما لديها من ذكريات، زمن كانت فيه بلاد كنعان تتبع ~~مصر سياسيا، فاحتسبت الكنعانيين مصريين. هذا بينما أنجب يافث الهندوآريين وضمنهم ~~الترك والصقالبة واليونان وأوروبا. وقد عني علماء الساميات باصطلاح اللغة السامية، ~~مجموعة لغات شقيقة هي: العبرية والفينيقية والآرامية والبابلية والآشورية، والعربية ~~والحبشية الجعزية والأمهرية. # وقد سبق وعرضنا للفريق الذي يعيد أصول الساميين إلى جزيرة العرب، عندما كانت جنات ~~وارفة تزخر بالأنهار. وعلمنا أن مشكلة هذه النظرية التي تجعلها مستعصية القبول، هو أنها ~~تعود بنا إلى أحداث وقعت إبان نهاية العصر الجليدي الأخير، لتفسر لنا بها حضارات في ~~أطراف شبه الجزيرة الشمالية في الألف الثالث والثاني قبل الميلاد. # بينما علمنا أن هناك فريقا آخر يذهب إلى الاتجاه المعاكس تماما، فيأتي بالساميين مع ~~الهندوآريين من بلاد أرمينيا القديمة، دون تبرير واضح للخلاف اللغوي والجنسي، لشعبين ~~ينطلقان من مكان واحد في اتجاه هجرة واحد، ليستقروا في مكان واحد، ويستمد هذا الرأي ~~رؤيته من سفر التكوين التوراتي، الذي ينسب الشعوب السامية إلى أرفكشاد # Arpachsad ~~، أو أربكسد بن سام بن نوح (تكوين، 10: 22-24 ~~و11: 12). # حيث لوحظ أن هذا الاسم هو بالضبط الاسم التاريخي لمنطقة «أرابكست»، أو آرابا - خيتيس # Arrapa Chitis # التي تسمى الآن «البك»، # 1 # ولعله من الواضح أن الكلمة هي أيضا عرابة خيتيس، ولو أخذنا بهذا الشكل ~~اكتسب الاسم معنى واضحا، هو العرب الحيثية أو الكاسية أو العرب الكاسيين أو القيسيين، ~~ويكون هؤلاء حسب نظريتنا، هم من منحوا وادي # Arrapa # عند ~~العقبة اسمه عندما جاءوه مهاجرين. والتوراة تشرح لنا أن هناك قوما قد تعرضوا لكارثة ~~طبيعية، مرموزا لها بأسطورة «طوفان نوح»، اضطروا معها إلى الهجرة على فلك أسطوري من ~~مكان ما في الشرق، معبرة بذلك الترميز عن وطن أول بعيد، هو برأينا براري أواسط آسيا ~~شمالي الهند، ثم تقول الأسطورة ترميزا للهجرة الأولى: إن السفينة ألقت مراسيها عند ~~المحطة الأولى لأولئك المهاجرين على جبال أرارات، الموجودة الآن بذات الاسم قرب بحيرة ~~فان، في بلاد أرمينا إلى ms629 الشمال من العراق في محيط بحر قزوين، ومن هناك انطلقت أجيال ~~جديدة من البشرية، تفرقت أجناسا في أنحاء العالم الشرق أوسطي المعروف آنذاك، والتوراة ~~تؤكد: # واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم # السابع عشر من الشهر على جبال أراراط. ~~(تكوين، 8: 4) # وهنا يلفت «جودي» نظرنا إلى أن الساميين، ليس لديهم اسم مشترك للجبل، لكن لديهم اسم ~~مشترك للنهر، ويستنتج من ذلك أنهم كانوا في الأصل أهل زرع، يعيشون معا قرب الأنهار في ~~مناطق ليست جبلية أو صحراوية، # 2 # وهو يريد بذلك تأكيد الأصل التوراتي الأراراتي الأرميني للساميين، كما هو ~~في الوقت ذاته أصل الهندوآريين. # لكن الدكتور لويس عوض من جهته، لا يعير اهتماما لحديث جويدي، عن الأصول الزراعية ~~للساميين القادمين من أرمينيا. ولأن الساميين عموما كانوا من البدو الرعاة، فقد قام ~~يوجز أبحاثا كثيرة لذوي التخصص، تدعم ذلك الرأي فيقول: «ظلت القوقاز وميديا (شمالي ~~إيران [المؤلف])، وعامة منطقة بحر قزوين، حتى العصور التاريخية الحديثة نسبيا ~~1000-500ق.م. مجتمعات رعاة في المقام الأول، رغم معرفتها بالزراعة ورغم الاستقرار ~~الزراعي في أحواض أنهار الهند، كما نستخلص في كتب إيران المقدسة، ولا سيما الأفستا # Aveasta # والجاثا والأوبانيشاد # upanishads ~~، حيث نشم رائحة أبقار الرعي وجيادها وأعشابها الغالبة في ~~كل سفر من أسفارها.» # 3 # ولأننا نعتقد - كما وضح - بهجرة قادمة من أرمينيا، هي الهجرة الآرامية، لكنا نراها ~~محض هندوآرية؛ ولأننا نراها هجرة لقوم من البدو وليسوا زراعيين، فقد ذهبنا نبحث عن ~~تفسير لقوم رعاة رحل، عاشوا في مناطق زراعية خصبة، فعثرنا عند المؤرخين الكلاسيك ~~على ذات المشكلة تواجههم وتؤرقهم، فقد لفتت نظرهم ظاهرة شعوب مرتحلة، تسلك مسلك النظام ~~البدوي الرعوي، رغم معيشتها حول أنهار ومناطق خصيبة، فساقوا لتفسير ذلك ألوانا طريفة ~~من الافتراضات، مثلما جاء عند «يفستافي» محدثا عن قبائل تعيش في مناطق الأنهار حول بحر ~~قزوين، تحمل اسم سكيث أو سكاث أو سكيذ، فالاسم غير منضبط على لفظ ونطق واحد صارم في ~~الكتابات القديمة، لكنه يدور حول ذات التنغيم، فيقول «يفستافي»: # يروى أن سكيث كانوا في ms630 السابق يأكلون الخبز، ويزرعون الأرض ويعيشون في ~~المنازل ويملكون المدن، إلا أنهم بعد الهزيمة التي ألحقها بهم الفراكيون، بدلوا ~~نمط حياتهم، وأقسموا قسما لا رجعة فيه، ألا يقوموا أبدا ببناء المنازل، ولا ~~بزراعة الأرض ولا تشييد المدن، ولا امتلاك الأشياء الثمينة. إنما جعلوا من ~~عرباتهم مأوى لهم، ومن الحيوانات طعاما لهم ومن اللبن مشربا لهم، وألا ~~يمتلكوا من القطيع سوى ذلك القدر، الذي يسمح لهم باصطحابه من بلد إلى آخر، منذ ~~ذلك الحين تحولوا من مزارعين إلى رحل. # 4 # ولكن مع متابعة البحث يمكننا العثور على تفسير علمي لهذا الأمر، ويتحدث عن تحول شعوب ~~زراعية إلى بدوية مرتحلة، في أكثر من منطقة بالعالم القديم، خلال العصر البرونزي القديم ~~الرابع، ثم بعد ذلك خلال العصر البرونزي الوسيط الأول، ويشرح ذلك «توماس طومسون» بقوله: ~~«حوالي 2400-2350ق.م. انتهت فجأة المرحلة القليلة الأمطار، التي سادت العصر النحاسي ~~البرونزي القديم، وتلتها فترة جفاف ارتفعت فيها درجات الحرارة تدريجيا، ودامت حتى ~~1950ق.م. تقريبا، فقصرت فصول الشتاء وطالت فصول الصيف الحارة، وانخفض منسوب المياه، ~~وقلت الأمطار، وفي مصر أدت عدم كفاية فيضانات النيل إلى انهيار زراعي بحجم كارثي، ~~وهجرت مواقع عديدة في العصر البرونزي القديم، مع وجود مؤشرات إلى عدم القدرة على زراعة ~~الأشجار المثمرة، والتركيز على زراعة الحبوب والرعي.» ولأن طومسون ركز حديثه على منطقة ~~شرقي المتوسط، فنحن نتخذها نموذجا ومقياسا، لما حدث في براري آسيا ثم محيط قزوين، فهو ~~يقول: «على أطراف المناطق الزراعية، وخاصة في منطقة السهوب السورية، ظهر تزايد في الرعي ~~مع زراعة بعض الحبوب. وتشير وثائق مسمارية عديدة من وادي الرافدين، إلى تحول تدريجي في ~~هذه المنطقة. ويبدو أن أطراف المناطق الزراعية في المرتفعات لا سيما في يهوذا، قد تخلت ~~عن الزراعة المستقرة/كما يبدو أن مثل ذلك قد حصل أيضا، على طول الساحل الجنوبي ~~للمتوسط، وفي بئر سبع وحوض عراد. وتحولت معظم منحدرات النقب الأوسط/خلال العصر البرونزي ~~القديم الرابع والبرونزي الوسيط الأول، إلى الرعي الموسمي مع بعض الزراعة المستقرة، مما ~~يشير إلى ms631 انهيار جزئي كبير، أرغم المستوطنين على هجر المنحدرات، والتركيز على زراعة ~~الحبوب والرعي.» # ثم يشرح «طومسون» فترات الانتقال بين العصور في تقسيمها إلى ثلاث فترات، هي كالتالي: ~~«(1) الفترة الواقعة بين العصر الحجري الحديث والغزوني أو النحاسي المتأخر ~~5000-3500ق.م. (2) فترة العصر البرونزي القديم الرابع والبرونزي الوسيط الأول، من نهاية ~~البرونزي القديم إلى بداية العصر البرونزي الوسيط حوالي 2400-1950ق.م. (3) الانتقال من ~~العصر البرونزي الأخير الثاني، إلى العصر الحديدي في القرن الثالث عشر إلى القرن العاشر.» # 5 # وهكذا تفسر لنا هذه القراءة كيف تحولت مناطق كثيرة من المعمور على خطوط المدارين، مما ~~دعى إلى مجيء بدو رعاة من مناطق خصيبة، والذين زعمناهم آراميين هندوآريين، وهم لا شك ~~فصيل من تلك القبائل المتبدية الهائلة، المعروفة باسم سكيث أو سكاث، ناهيك عن كون ~~تزايد الرعي المفاجئ في محيط بادية الشام وفلسطين، يدعم قولنا في زيادة عدد الرعاة في ~~المنطقة بمجيء المهاجرين والرعاة إليها. # ويعلن لويس عوض إيمانه بنظرية الكتاب المقدس، التي تأتي بالساميين مع الهندوآريين ~~اليافتيين من محيط قزوين في قوله: «والمخزن البشري العظيم الذي خرج منه عديد من أقوام ~~منطقة الشرق الأوسط القديم، منذ الألف الثالث ق.م. كان المنطقة المحيطة ببحر قزوين من ~~ميديا عبر جبال القوقاز حتى البحر الأسود. وقد دلت الأبحاث التاريخية والأثرية على أن ~~حضارة سومر # Sumer # في جنوب العراق - وهي أقدم حضارة ~~معروفة في بلاد الرافدين - وأن اللغة السومرية هي لغة ميدية سيكيذية # Medo-Scythis ~~، وهذا يشير إلى موجات بشرية خرجت في أوائل الألف ~~الثالث ق.م. من مراعي ميديا # Medea # في شمال إيران ~~المتاخم لبحر قزوين، ومن مراعي سيكيذيا # Scythia # في ~~القوقاز، ومن مراعي سيميريا # Cimmeria # حول البحر ~~الأسود. واستقرت هذه الموجات في بلاد ما بين النهرين، وأعطتها لغتها الهندوأوروبية، ~~وربما أعطتها اسم سومر من اسم سيمريا. وعند كونتو # Conteneau # أن النموذج البشري السومي، كان سائدا أيضا بين البروتوحيثيين Proto-Hittites # في آسيا الصغرى (يفترض العلماء ~~أن عنصر البروثوحيثيين قد سبق الحيثيين في الأناضول [المؤلف])، والحوريين # Hurrians # في شمال آشور وغربها، وبين ms632 عامة السكان من ~~القوقاز حتى عيلام # Elam # شرقي الخليج الفارسي. وهو ~~يصنفهم أنثروبولوجيا بأنهم لا هندوأوروبيون ولا ساميون، وإنما من النموذج الأرمنويد # Armenoid ~~»، # 6 # أي النموذج الشبيه بالأرمني.» وهو النموذج الذي قررنا نحن من جهتنا أنه ~~الآرامي الأرميني. # وهكذا يشرح لنا «لويس عوض» أن أقوام مراعي مناطق ميديا شمالي إيران وسكيذيا في ~~القوقاز، قد هبطوا منطقتنا في هجرات متتابعة، كان أولها هجرة السومريين الذين أسسوا ~~الحضارة السومرية الهندوآرية في الرافدين القديم، قبل ظهور الساميين الذين تسللوا هناك ~~وامتلكوا البلاد، وأسسوا الدولة الأكادية الواضحة السامية. وإن بين أعضاء هذه الهجرة ~~المبكرة كان سكان الأناضول القبل حيثيين. وقد احتسب العلماء هؤلاء البروتوحيثيين كانوا ~~سكان الأناضول بذات الاسم، لكن من حضارة سابقة على الحيثيين في فرضية غير ذات معنى، ~~بعد أن ثبت لنا الآن أن الحيثيين كانوا فصيلا من الإسكيثيين كذلك البروتوحيثيين كذلك ~~الحوريين، الذين رأيناهم ينحدرون جنوبا ليسكنوا وادي عربة في آدوم الحورية وفي محيطها ~~ببوادي الشام وسيناء. # ويتابع «لويس عوض» شروحاته قائلا: «من الثابت أن القبائل الآسية/الآسيانتك # Asianiques # المنحدرة إلى الهلال الخصيب من القوقاز، ~~وما حول بحر قزوين والبحر الأسود، ومن منطقة الأناضول ومن هضبة إيران، أيا كان منبعها ~~وأيا كان تكوينها الأنثروبولوجي، كانت تتكلم لغة ميدية سكيذية، وهي إحدى فروع ~~المجموعة الهندوأوروبية، وربما تكون موجات منها قد نزلت في شبه الجزيرة، كما نزلت موجات ~~منها في الهلال الخصيب. وفي هذه الحالة ليس هناك ما يمنع أن تكون الشعوب الملقبة ~~بالسامية سواء في الهلال الخصيب أو في شبه الجزيرة، هي في حقيقتها موجات متعاقبة من ~~عصور متعاقبة، ومن مواقع متباينة من هذه المجموعة الآسية.» # 7 # ثم يلقي «عوض» بالأهم فيقول: «فبنو إسرائيل إذن منذ خروجهم من مهد إبراهيم في العراق ~~نحو 1800ق.م. حتى عودتهم من مصر إلى فلسطين، ينتمون لغويا وسلاليا إلى مجموعة ~~الأقوام القوقازية، التي أخذت تتدفق على منطقة الشرق القديم منذ بداية الألف الثالث ~~ق.م. على أقل تقدير، وعرفت بدايتها التاريخية بحضارة سومر.» # 8 # وهنا نعود إلى كتابنا «النبي ms633 إبراهيم والتاريخ المجهول»، نقتطع منه فقرات شديدة ~~التواصل مع ما يقول عوض هنا؛ حيث كنا نبحث عن مدينة «أور الكلدانيين»، التي أشارت إليها ~~التوراة كموطن أول للقبيلة الإبراهيمية، التي هاجرت من هناك إلى حاران في داخل الحدود ~~التركية الحالية، لتعود هابطة لتستقر في أرض كنعان/فلسطين، أو كما تقول التوراة: إن ~~إبرام/إبراهيم كان ابن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن شالح بن أرفكشاد بن سام ~~بن نوح، وأن هجرة هذه القبيلة حدثت كالتالي : # وأخذ تارح إبرام ابنه، ولوطا بن هاران ابن ابنه، وساراي كنته امرأة إبرام ~~ابنه، فخرجوا جميعا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا إلى حاران ~~وأقاموا هناك، ومات تارح في حاران. ~~(تكوين، 11: 32، 31) # وعلى الشاطئ الغربي للفرات في أقصى جنوب الوادي عند رأس الخليج العربي، تم الكشف عن ~~مدينة باسم «أور»، لكن علم التاريخ لا يخصصها بأنها «أور الكلدانيين» الذين حكموا ~~العراق ما بين 625 و538ق.م. فقط؛ لأن «أور» كانت مدينة شديدة العراقة قبل زمن ~~الكلدانيين بأزمنة طويلة؛ ولأنها كانت حاضرة ذات شأن، أسسها السومريون الهندو آريون، ~~وكانت موجودة في موضعها هذا تتقلب عليها الدول منذ منتصف الألف الرابع قبل ~~الميلاد. # وإذا كانت الهجرة من «أور» التاريخية هذه، إلى كنعان في الغرب منها عبر بادية الشام، ~~لا تحتاج إلى أكثر من أسبوع سفر بدواب كسولة. فإن رحلة القبيلة الإبراهيمية لم تتجه ~~فورا إلى كنعان، بل ضربت شمالا من مدينة أور في أقصى جنوب الوادي، حتى وصلت حاران ~~داخل الحدود التركية، لتقيم هناك زمانا ترحل بعده إلى كنعان، لتصلها بعد مضي خمسة عشر ~~عاما من خروجها من أور. # ثم تظهر لنا حاران بعد ذلك في التوراة، كما لو كانت هي الموطن الأول للقبيلة ~~الإبراهيمية وليس أور، وحول حاران تقول التوراة: # فأتوا حاران وأقاموا هناك، ومات تارح في حاران. وقال الرب لإبرام: اذهب من ~~أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم ~~اسمك وتكون بركة، فأخذ إبرام ساري امرأته ولوطا ابن ms634 أخيه، وكل مقتنياتهما التي ~~اقتنيا، والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. ~~(تكوين، 11: 31، 32 و12: 1، 5، 2) # والملاحظة هنا أن التوراة باتت تشير إلى حاران باعتبارها أرض عشيرة إبراهيم، رغم ~~قولها قبل ذلك بمدينة «أور»، كموطن أول لتلك العشيرة. وهو ما دفعنا دفعا إلى محاولة ~~للبحث عن الموطن الأول للعشيرة الإبراهيمية، ووضعها موضع البحث للتفسير والفهم، ~~وتيسيرا للأمر نجمل المشكلة في موجز سريع يحدد سماتها بوضوح. # التوراة تقول إن الركب الإبراهيمي المهاجر، قد خرج من أور الكلدانيين على الشاطئ ~~الجنوبي الأقصى لنهر الفرات، قاصدا أرض كنعان الفلسطينية، وهو ما يعني أن الموطن ~~الأصلي للعشيرة الإبراهيمية كان جنوبي العراق، وتقع مباشرة إلى الشرق من كنعان، تفصلهما ~~بادية الشام، لكن الركب - دونما سبب واضح - يتحول شمالا ويستمر يضرب مسافات وبلدانا ~~ومواطن، ويتجاوزها جميعا حتى يصل إلى حاران داخل الحدود التركية الآن. وهنا لا مندوحة ~~من التساؤل: لماذا التحول عن الطريق القصير المباشر إلى كنعان، وتجشم مصاعب مضاعفة ~~للوصول إليها عن طريق حاران. والأهم أن حاران تبدو في رواية التوراة، كما لو كانت محطة ~~ترانزيت، معروفة على الطريق من أور إلى كنعان، رغم وقوعها في أقصى الشمال بعيدا عن ~~الطريق بمسافات شاسعة. والغريب في أمر التوراة أنها بعد أن ذكرت «أور الكلدانيين» ~~نسيتها تماما، واستمرت تضرب وتكرر وتزيد على الأصل الآرامي الحاراني، ولم تمل تأكيد ~~أن إبراهيم كان «آراميا تائها (تثنية، 26: 5).» # وهنا افترضت من جانبي أن حاران التوراتية، لم يقصد بها مدينة محددة بعينها، قدر ما ~~قصدت بها التوراة موطن الهجرات الأول للحوريين، ذلك الموطن الذي يضم عددا من الدويلات ~~الآرامية، كانت التوراة على صلة بها طوال الوقت، وربطت التوراة إبرام وأسرته بها. وهو ~~الأمر الذي يشير إلى المحطة الكبرى القديمة للحوريين القادمين من براري الهند وإيران، ~~ليستقروا هونا في محيط بحر قزوين وأرارات. وهنا كان لا بد أن نتساءل حول «أور» ~~الجنوبية، ومدى صدق احتسابها موطنا أول للقبيلة الإبراهيمية؟ وبعدها ذهبنا نبحث في ~~مساحة بحر قزوين عن أور أخرى، يمكن أن ms635 تكون هي ذلك الموطن؛ لأن «أور» الواقعة جنوبي ~~العراق تختلف مكانيا مع معطيات التاريخ حول الهجرة الهندوآرية، كما أننا لو احتسبناها ~~فقط «أور الكلدانيين» فإن ذلك سيضعها بعيدا تماما عن زمن النبي إبراهيم، حيث لم تقم ~~دولة الكلدانيين إلا بعد زمن النبي إبراهيم بحوالي ألف عام أو يزيد. # والمعلوم أن «أور» كلمة تدل على القرية أو المدينة بشكل عام، وهي # UR # الجذر الثنائي للكلمة الثلاثية (كور # KUR ~~)، والكور والكورة الحي أو القرية أو المدينة، أو ما ~~نسميه في الدارجة المصرية «الكفر ». فمدينة قرطاجة الفينيقية على الساحل الإفريقي - ~~مثلا - مركبة من ملصقين: الأول «كورة» أي قرية، والثاني «طاجه» أو بنطقها الأصلي ~~«حداشه» أي الحديثة أو الجديدة، فهي كور حداشة. وبتبادل حروف «واو» مع حرف «في # V ~~»، تصبح كور هي كفر، والكفر هو القرية. # ولذلك نجد أكثر من «أور» إضافة إلى «أور - الكلدانيين»، فهناك «أور - شليم» أي مدينة ~~السلام، و«أور - كومينوس» باليونان و«أور - أوك» بالعراق القديم، ثم مدينة الأرض أو ~~«أور - آرتو» على جبال أرمينيا المعروفة الآن بجبال أرارات قرب بحيرة «فان». # والتوراة من جانبها ترمز للهجرات الكبرى من أواسط البراري الآسيوية إلى محطتهم الكبرى ~~بأرمينيا بقصة الطوفان، التي قالت بانتقال قوم من موضع أصابته كارثة بواسطة سفينة ~~ضخمة، إلى جبال أرارات حيث ألقت السفينة مراسيها، وأنه مما يؤكد أن «أرارات» المذكورة ~~بالتوراة، هي ذات أرارات الواقعة في أرمينيا، ما جاء عند المؤرخ «هروشيوش»؛ إذ يقول: إن ~~السفينة النوحية قد ألقت مراسيها «على الجبل الذي بأرمانية». # 9 # وفي الوقت ذاته تؤكد التوراة أن إبراهيم من نسل «أرفكشد أو أربكسد بن سام بن نوح». ~~ووجدنا في اسم «أرفكشد» ما يضع أيدينا على وصلات الأمر المبعثر، حين تساءلنا: هل قصدت ~~التوراة بمدينة «أور» مدينة أخرى غير أور الكلدانيين؟ ربما كانت تقع في موطن الحوريين ~~القديم بأرمينيا المعروف باسم «أراب - خيتيس»، التي تلتقي بعد حذف التصريف الاسمي ~~«الياء والسين» مع أرفكشد، وتصبح هي بالضبط «أربكسد» أو «أربخسد»؟ وهلا يعني ذلك إمكان ~~أن تكون «أور» المذكورة ms636 في التوراة باسم «أور الكلدانيين»، هي ذاتها مدينة الأرض «أور - ~~آرتو»؟ لا نعتقدنا مخطئين إن احتسبنا منطقة أربكسد الكاسية هي المعنية في التوراة بأور ~~الكلدانيين، وأنها المقصودة ب «أور كسديم»، وهو الاسم الوارد في التوراة المازورية ~~العبرية، فهي تقول: «أوركسديم» # 10 # ولا تقول: «أور الكلدانيين» الواردة في الترجمة العربية. أما «أرابخيتيس» ~~فهي مركبة بدورها من ملصقين «آرابه - خاسي» أو «أراب - كاسي» أو العرب الكاسيين أو ~~العرب القيسية. وإذا كان هؤلاء من قبائل سكيث أو سكاس، فهو بدوره ما يذكرنا بالسكاسك ~~ذلك العنصر الواضح في فيالق الهكسوس بمصر. ولو قدرنا أن الكلمة كانت تنطق مصريا ~~«أراب - سا - كاس»، فهي ما تعني بالضبط العرب أبناء الكاسيين؛ لأن «سا» تعني «ابن» كما ~~تعني الإضافة، فهم العرب الكاسيون، والكلمة عرب هنا تعني البدو فقط. # وهكذا لا يعود رحيل العشيرة الإبراهيمية من أور إلى كنعان عبر حاران، أمرا مثيرا ~~للاستغراب والعجب؛ لأنها في هذه الحال لن تأتي من أور على الخليج العربي، إنما من أقصى ~~الشمال حول قزوين، من مدينة الأرض، أو من أورارتو أو «أرارات» في جبال أرمينيا، متجهة ~~غربا نحو حاران القديمة، التي تصبح بذلك محطة منطقية تماما على الطريق، ثم تشد ~~القبيلة رحالها مع التدفق الآرامي نحو بوادي الشام، خلال النصف الأول من الألف الثاني ~~قبل الميلاد، ويبدو أنه خلال استقرارهم في محطتهم الأولى في محيط أرارات، أنشئوا أول ~~مديناتهم المستقرة متمثلة في الدولة الحيثية، ثم في مجموعة الدويلات الآرامية التي ~~تناثرت على الحزام الحوري شمالي سوريا والعراق الغربي الشمالي. # وقد سبق وعلمنا أن الكلمة «أراب» و«عرابة»، تدل في إطلاقها على البداوة بشكل عام، ~~كما أن الحيثيين يلفظ اسمهم على مختلف التخريجات خيتي وحيتي وكاثي، مما يشير إلى أصولهم ~~الجنسية السكوثية أو السكاثية، أو الكاسية أو القيسية القادمة من البراري الآسيوية. ~~وضمن هجرة هؤلاء السكاث أو السكاس أو الكاسيين، جاءت العشيرة الإبراهيمية، لتوجز ~~التوراة الألف الثالث قبل الميلاد أو قبل ذلك من براري آسيا إلى محيط أرارات، ثم رمزت ~~للهجرة الثانية من ms637 أرارات ومحيط قزوين إلى بوادي الشام بقصة الرحلة الإبراهيمية. ومن ~~جهته أكد التراث الإسلامي أن إبراهيم لم يكن عربيا بمفهوم اليوم، ولم يكن من الجنس ~~العربي المقصود في جزيرته؛ لأن لسانه كان سريانيا من الفرع الآرامي، لكنه عندما عبر ~~نهر الأردن فيما يروي ابن هشام في سيرته، حول الله لسانه إلى اللغة العبرية، # 11 # بينما اكتسب فرع من نسله العروبية بعد ذلك ممثلا في رمز إسماعيل أبي العرب ~~المستعربة. # ولمزيد من التأكد سعينا حتى سمعنا «ماكلستر»، يؤكد لنا بخبرته في اللغات القديمة ~~والأجناس، أن لغة بلاد «ميتاني» التي يزعمها المؤرخون بين الخابور والفرات، كانت فرعا ~~هندوآريا لا شك فيه إطلاقا، كذلك بنفس اليقين كانت بلاد الحيثيين في الأناضول، تتكلم ~~بدورها لغة هندوآرية، بل عبد كلاهما ذات الأرباب بذات الأسماء. # 12 # وهكذا فإن «لويس عوض» ينهج مع ذات المدرسة، التي تأتي بالهندوآري ومعه السامي من تلك ~~المواطن، يأتي بكليهما من موطن واحد على اختلافهما الجذري دون مبرر واضح واحد. فأكد ~~أن موجة الهجرة الهندوآرية أو كما يسميها بالهندوأوروبية، قد جاءت في غزوتين: الأولى هي ~~غزوة الكاسيين # Kassites # التي احتلت الرافدين، وغزوة ~~الحوريين الميتانيين التي أنشأت لها دولة، مزعوما أنها بين الفرات والخابور. أما ~~الموجة التي صاحبتها فهي موجة سامية قادمة من ذات المواطن، وتمثلت بدورها في فصيلين: ~~العموريين أو الأموريين # Amorites # والآراميين # Aramaeans ~~، ويأتي على ذلك بشهادات يرى أوثقها آرثر ~~كيت، الذي يصف العرب بأنهم أقوام قوقازية تتكلم لغة سامية. # 13 # ثم يعلن عوض نظريته بقوله: «وقد انتهيت من أبحاثي في فقه اللغة العربية، إلى أن اللغة ~~العربية هي أحد فروع الشجرة، التي خرجت منها اللغات الهندوأوروبية»، # 14 # وكي يثبت «عوض» نظريته تلك، قدم لها بدراسة تاريخية أنثروبولوجية لا ~~تتناسب إطلاقا في عجالتها وتبسطها، مع عمله الكبير وقيمة النظرية التي يطرحها. وهي ~~النظرية التي يمكنها أن تجد في عملنا هذا تأسيسها التاريخي الأنثروبولوجي المناسب، رغم ~~الاختلاف البيني بين ما يقول وبين ما نقول؛ لأننا لا نرى العنصر المعروف بالسامي ~~الشمالي الذي ms638 ظهر في بوادي الشام، كان قادما من بلاد أرمينيا خالصا، بل نراه عنصرا ~~مولدا من عناصر تلاقت وتلاقحت فيها العنصر الحامي ممثلا في الكوشيين العمالقة والجنوب ~~جزيري أو العموري أو الأموري، وكذلك في المصريين الحاميين ولغتهم، وبين العنصر الآرامي ~~الكاسي أو السكيثي الحيثي القادم من الشمال الهندوآري، وأن ذلك اللقاء قد بدأ مبكرا ~~قبل الألف الثالثة قبل الميلاد في بواكير التواصل الأولى، والتي تبعتها هجرات متعددة ~~منوعة من بعد، وهو ما يمكن أن يكون قد حدث إبان قيام الدويلات السومرية الهندوآرية في ~~العراق الجنوبي القديم، وهو أيضا ما تثبته خبرة العراق حيث ظهر الساميون هناك بعد ذلك ~~ممثلين في الدولة الأكادية، لكن ليتمثل الأكاديون الثقافة السومرية وعقائدها، وطريقة ~~كتابتها ممزوجة بلغة جديدة وثقافة جديدة سميت سامية، وهي تحوي في تراكيبها ومفرداتها ~~وعقائدها تراثا هندوآريا كاملا. # نحن نعني أن السامية الشمالية المعروفة في لغاتها المتعددة، إنما كانت ناتج تلاقح ~~الحامي والهندوآري أو اليافثي مع الجنوب جزيري القديم القادم من اليمن. أما التفاصيل ~~الدقيقة والمقارنات اللغوية التي يمكن إقامتها على تأسيسنا هذا، فهي مهمة أخرى نتركها ~~لمن يستطع بحثها من علماء متخصصين، قد تجد اجتهادتنا طريقها إلى قناعاتهم. # وكي يدعم «لويس عوض» نظريته في هندوأوربية اللغة العربية في أصولها، قام بجمع ما يؤيد ~~رأيه، وضمن ذلك إثباته حداثة العرب قياسا على الأمم القديمة، وهي برأينا حداثة ضرورية ~~ناتجة عن حداثة العنصر السامي الشمالي جميعه كما زعمنا، ومن هنا يشير «عوض» إلى أن أبعد ~~المصادر التي تشير للعرب كعنصر متميز عن غيره من الأجناس، لا تبعد عن بداية الألف ~~الأول قبل الميلاد: وهنا ينبه قائلا: «إن العرب حين يتحدثون عن منشئهم، يقسمون أنفسهم ~~إلى ولد عدنان وهم عرب الشمال، وولد قحطان وهم عرب الجنوب. وهناك فكرة متوارثة أن نسل ~~يعرب بن قحطان أصفى عروبة من نسل عدنان؛ ولذا جاء تبويب العرب إلى عرب عاربة وهم أهل ~~الجنوب، وعرب مستعربة وهم أهل الشمال. ومن العلماء من يؤيد هذه النظرية، بما تتضمنه من ~~اعتراف بأن ms639 عرب الشمال من أجناس كانت غير عربية ثم استعربت، أو أنهم مولدون من العرب ~~وغير العرب. وعلى كل فإن عرب الشمال المستعربة، ينسبون أنفسهم إلى إسماعيل بن إبراهيم ~~الخليل، عن طريق عدنان ومضر، وفي روايات أنهم من عدنان ومضر دون ذكر لإسماعيل بن ~~إبراهيم. وانتساب عرب الشمال إلى إسماعيل يجعلهم أبناء عمومة بني إسرائيل، أو بتعبير ~~أدق أنصاف إخوة، أي إخوة غير أشقاء، فالجد الأعلى للطرفين هو إبراهيم أبو إسحاق وجد ~~يعقوب إسرائيل من جهة، وأبو إسماعيل وجد عدنان من جهة أخرى. وربما كان براهما # Brahma # هو الإبيونيم # Eponym # 15 # القومي لموجة هندية إيرانية، استقرت في أور عبر لوريستان # Luristan # في إيران، ثم هاجرت إلى حران في عهد ~~الكاسيين # Kassites # نحو 1800ق.م. لتعيش في ظل ~~الأرستقراطية العسكرية، التي نزلت على حران من القوقاز # Caucasus # أو سيكذيا # Scythia # وخرج ~~منها الإشكينازي # Ashkinazi ~~». # 16 # ولا يفوت «عوض» اللماح الإشارة إلى كون «الوثائق الآشورية التي ترجع إلى أواخر القرن ~~التاسع ق.م. أي قبيل 824ق.م. تشير إلى ملكات العرب، وهم قبائل مؤتلفة من البدو الرحل من ~~شمال شبه الجزيرة العربية، جعلت بعض العلماء يستدلون من هذه الإشارة إلى ملكات العرب، ~~ومن شيوع أسماء القبائل المؤنثة مثل: أمية، ربيعة، كندة، مرة ... إلخ أن القبائل العربية ~~عرفت في مرحلة من تاريخها نظم المجتمع ~~الأمومي # Matriarchal society ~~، حيث المرأة هي رأس القبيلة.» # 17 # أما نحن فقد انتهينا إلى القول بمملكة، تسمى مملكة عريبي أو عرابة أو سبأ، كانت تقطن ~~محيط العقبة، وأن سكانها كانوا أصحاب تجارة وطيوب وعز أو عنز أو معز، وأن بينهم كانت ~~الملكة سبأ أو الزباء، وأنهم كانوا رفاعيين أو رباتيين من أصحاب الثعابين، وأنهم كانوا ~~عمالقة. # وقد عرج عوض بلمحة مضيئة - لكنها أيضا مثل الفلاش السريع - على الهكسوس وعلاقتهم ~~ببني إسرائيل، فراجع ما قدمه يوسفيوس نقلا عن مانيتو، ليخرج أجملها في قوله: «وواضح من ~~كل هذا الكلام أن فرعون موسى، الذي ذهب مانيتون أو يوسفيوس على لسان مانيتون، إلى أن ~~فتنة بني إسرائيل ms640 قد حدثت في عهده، هو آمنحتب الرابع الشهير بإخناتون نبي التوحيد ~~والسلام في العالم القديم، فهو وحده الذي اشتهر باعتراض الضمير على الحروب، وقد ناصبته ~~طبية العداء؛ لدعوته التوحيدية من ناحية، ولتفريطه في ردع أعداء مصر من ناحية أخرى.» # 18 # وقد استند «عوض» في تزمين الخروج بزمن إخناتون، تأسيسا على ما ورد عند ~~يوسفيوس: أنه رفض مشاركة رجاله في معركة ضد الهكسوس؛ «فقد كان يعتقد أن الحرب عمل ضد الآلهة.» # 19 # ولما كان معلوما أن الهكسوس قد تم طردهم قبل زمن إخناتون، بما يزيد على قرنين من ~~الزمان زمن الفرعون أحمس، فقد كان الرأي هو أن بني إسرائيل كانوا بقايا أسيرة ، بقيت حتى ~~زمن إخناتون حيث تم حدث الخروج. وعليه يستنتج عوض «أنه إذا صحت رواية مانيتون فإن بني ~~إسرائيل كانوا بمثابة طابور خامس لغزوة هكسوسية ثانية متأخرة في الدولة الحديثة باءت ~~بالفشل، وانتهت بكارثة لهم ولبني إسرائيل. ومع ذلك؛ فكل هذا لا يتفق في التاريخ مع ~~الرأي السائد، القائل بأن خروج بني إسرائيل كان في عهد مرنبتاح». # ومن هنا يضع «عوض» نظرية سريعة للتفسير، أخذها عن بيير مونتيه - فيقول: «ومعنى هذا أن ~~دخول بني إسرائيل مصر كان نحو 1650ق.م. كما يبدو أنهم أقاموا بها (إبان حكم الهكسوس ~~[المؤلف])، كما تقيم الجاليات الأجنبية في ظل الحكم الأجنبي في أي بلد مفتوح، وأنهم لم ~~يرحلوا عن مصر مع الهكسوس المطرودين 1575ق.م. بل ظلوا في البلاد نصف متمصرين ومتمركزين ~~أساسا في شرق الدلتا، حيث كانت أفاريس عاصمة الهكسوس القديمة، بحجة أنهم غرباء يزاولون ~~شئون معاشهم، ولا صلة تربطهم بالغزاة الهكسوس، وفيها أقامو أكثر من قرنين ضيوفا أراذل، ~~حتى بعد أن أقام رمسيس الثاني مدينته بي ~~رمسيس Pi-Ramses # على أنقاض مدينة أفاريس، إلى أن طردهم مرنبتاح جملة من أرض مصر ~~ما بين 1223 أو 1215ق.م. بحسب تقديرات بيير موانتييه.» # 20 # ثم بلمحاته العبقرية يتساءل «عوض»: «إن الحقائق التاريخية تقول إن الهكسوس بعد خروجهم ~~من مصر، قد اختفوا جملة من مسرح التاريخ، وهذا الاختفاء ms641 ممكن سياسيا لكنه غير ممكن ~~بشريا، فمهما كان الهكسوس بعد خروجهم من مصر في حالة من التمزق والإعياء، فلا بد أن ~~نفترض أن هذه الحشود البشرية، التي أتيح لها أن تخضع المصريين أكثر من قرن ونصف، لا ~~بد أن تكون قد استقرت في مكان آخر خال، تنشئ فيه محلاتها ومضاربها، أو مكان آخر ~~مأهول تختلط فيه مع السكان الأصليين.» # 21 # وهكذا يبدأ عوض في العثور على أصول عربية في الهندوأوربية، في قصة أنثروبولوجية تذهب ~~إلى أن الهكسوس كانوا عنصرا هندوآريا، خرج من مصر لكن ليحط رحله في مكان آخر، يعلن ~~عنه في نص عبقري يقول: «نشتبه أن الحجاز جملة كان المنطقة التي لجأ إليها الحكا - خازو # Heqa Khasou ~~، أو الهكسوس بعد طردهم من مصر، ~~وتعايشوا مع سكانها الأصليين، الذين عرفوا الهكسوس الوافدين باسمهم المصري القديم. ~~وانتهى الأمر بأن جرى الاسم على المنطقة كلها، وفقد معناه الأصلي، وصار اسم علم ~~جغرافيا فحسب.» # 22 # ولا شك أن ما قلناه حتى الآن، يذهب إلى أن بعض عناصر الهكسوس، وبينهم السكان ~~الآراميون الذين خرجوا من مصر، قد ذهبوا جنوبا نحو شمالي جزيرة العرب ليمنحوها اسم ~~السكاث، لكن بعد تحول حرف «س» في النطق المصري إلى «ح»، لتصبح الكلمة حسب القواعد التي ~~وضعها عوض نفسه «حكاث» أو «حجاز»، قياسا على «سآكل/حاكل المصرية، أو سأذهب/ها ~~أذهب». # وفي لقطات مضيئة سريعة قافزة فلاشية، يعقد «عوض» المقارنات اللغوية كما في قوله: «إن ~~ملك الهكسوس خمودي # Khamoudi ~~، الذي ورد في بردية تورين ~~فيه جميع العناصر الفونيطيقية في اسم ثمود»، # 23 # وهو القول الذي يعضد ما ذهبنا إليه، حول قدم ثمود في مناطقها الحضارية، ~~وأنها كانت تقع ضمن دائرة حلف الأخلامو الكبير، الذي قوي شأنه ليتوسع على حساب دول ~~المحيط، ويحتلها وضمنها مصر نفسها. # ونتابع لقطات عوض؛ إذ يقول: «نحن نقف أمام اسم مثل الصالحية في مصر بالقرب من السويس ~~(في الحقيقة هي شمال شرق الدلتا، وتتبع محافظة الشرقية الآن، وينسبها البعض للملك ~~الصالح أيوب [المؤلف])، واسم مداين صالح في ms642 شمال الحجاز، واسم صالح وشالح ومتوشالح ~~(أسماء عربية وتوراتية [المؤلف]) وربما صلاح، لا يسعنا إلا أن نشتبه في أنه صيغة من اسم ~~شيليك # Shelek # الهكسوسي، ومن حقنا أن نستنتج مبدئيا أن ~~مداين صالح، كانت إحدى المحلات أو المدن التي أنشأها الهكسوس بعد طردهم من مصر.» # 24 # أما نحن فقد قلنا إن مداين صالح كانت قبل الخروج من مصر، بل قبل الدخول إليها، عضوا ~~في حلف الأخلامو ومدينة تابعة للعاصمة الأم سالع/البتراء/بونت في وادي عربة ببلاد ~~آدوم. # ومن تلك النماذج الفلاشية نموذج آخر يقول فيه: «وفي تقديري أن اسم عمران ومشتقاته له ~~علاقة باسم العمو # Ammou # أو العمرو # Amrou ~~، وهي القبائل التي احتلت دلتا مصر أو شرقيها مع الهكسوس وفي ~~زمنهم ، فنصوص مصر تحدثنا دائما عن كفاح مصر ضد الخازو والعمو بعد الفتح الهكسوسي، ~~والصلة بين الخازو والعمو غير واضحة عند المؤرخين.» # 25 # ويصل من هذا كله إلى نتيجة مفادها «إن الهكسوس إذن لم يأتوا إلى مصر من الحجاز ومن ~~شبه جزيرة العرب، إنما استقروا فيها بعد طردهم من مصر. أما المنبع البشري الذي تدفقوا ~~منه على الشرق القديم ثم عبروا إلى مصر، سواء على مراحل أو دفعة واحدة، فهو بحسب تقدير ~~الكثير من علماء الآثار والتاريخ القديم، نفس المستودع البشري المعروف في عصر الهجرات ~~العظيمة حول بحر قزوين. وربما كان هذا المنبع ذاته مجرد محطة وسطى استقروا فيها زمنا ~~منذ هجرتهم من أواسط آسيا، شأن كافة القبائل التي تسمى آرية طورانية وسامية، والهكسوس ~~إذن ليسوا بني إسرائيل، وإنما بنو إسرائيل كانوا على الأرجح قبائل دخلت مصر تحت جناح ~~الهكسوس وعاشت في كنفهم، ثم طردت من مصر بعد رحيل الهكسوس بقرون، أو ربما طردت معهم ~~أيام أحمس، ثم استجدت العودة أيام تحتمس الثالث. ولعل بني إسرائيل هم قبائل العمو # Ammou ~~، التي كثيرا ما يرد ذكرها مع الخازو # khasou # أو الهكسوس في النقوش المصرية القديمة، وكانت ~~متمركزة معهم في شرق الدلتا بصفة أساسية، مع جيوب هنا وهناك أكثرها في مصر الوسطى.» # 26 ms643 # وإعمالا لكل هذه المعطيات، ينتهي عوض إلى أنه «مهما افترضنا للعرب وجودا في ~~المنطقة، فهو لن يتجاوز بضعة قرون، ترجع بهم إلى 1000ق.م. أو 1200ق.م. فلو كان لهم وجود ~~معروف باسمهم المعروف، أيام الصراع العظيم بين المصريين الحيثيين 1555-1270ق.م. أو بين ~~المصريين والميتانيين # Mitanni # 1450-1362ق.م. في العراق ~~(يذهب عوض مذهب من يضعون الميتاني بين الفرات والخابور [المؤلف])، أو بين المصريين وبني ~~إسرائيل 1223-1215ق.م. أو بين المصريين والهكسوس أي بين 1720 أو 1567ق.م. لورود ذكرهم ~~في النقوش القديمة في أية منطقة من مناطق الشرق القديم. وعلى هذا فإنه يتعين علينا أن ~~نفترض أن وجودهم في شبه الجزيرة لاحق لعام 1000ق.م. أو قبل ذلك بقليل. ولن نستطيع أن ~~نفسر ظاهرة تكون اللغة العربية من عناصر مشتركة مع اللغات الهندوآرية، إلا إذا افترضنا ~~أن التكوين السكاني لشبه الجزيرة، لم يكن فيضانا سكانيا من داخل شبه الجزيرة إلى ~~خارجها أو حوافيها المحيطة بها، ولكن كان فيضانا سكانيا من خارج شبه الجزيرة إلى داخلها.» # 27 # وهكذا أسس «لويس عوض» تاريخيا وأنثروبولوجيا لقوله: إن اللغة العربية من أصول ~~هندوآرية، من حيث هبطت جموع الهكسوس من محيط بحر قزوين إلى المنطقة، ثم خرجت مطرودة من ~~مصر مطاردة من قبل المصريين، فهبطت الحجاز وأعطته اسمها ولغتها التي أصبحت العربية ~~الشمالية، أم العربية الفصحى الآن. لكن ذلك كان وجها واحدا للحقيقة، لا يفسر لنا ~~تداخل آخر لأسماء أعلام ومفردات وتراكيب لغوية، ليست من الهندوآرية في شيء، وكانت من ~~العلامات الهكسوسية البارزة الباقية. هنا نظن أن نظريتنا هي الأفق للتفسير، والتي قلنا ~~فيها بمجيء هجرات تدريجية متتابعة من الكوشيين، من شرقي أفريقيا والجنوب اليمني على ~~الخط التجاري البري الصحراوي، هي هجرة العمالقة والعموريين التي جاءت من جنوب الجزيرة، ~~ويمكن تسميتها تجاوزا «السامية الجنوبية»، وسبق وأطلقنا عليها الجنوب جزيرية لتلتقي ~~هناك بالعناصر الهندوآرية القادمة من أرمينيا، استقرت في شمالي الجزيرة وآدوم وسيناء، ~~لتهبط عليها عناصر هندوآرية، حورية وسكيثية حيثية، لتستقر معها في مديان، وتشكل لها ~~قيادة عسكرية تتوسع على حساب دول ms644 المحيط، حتى تتمكن من إقامة إمبراطورية الهكسوس، وكان ~~أهم إفرازات هذا اللقاء من فجره، ظهور جنس جديد ولغة جديدة هجينة، هي اللغة السامية ~~الشمالية، متشكلة من عناصر جنوب جزيرية تأسيسية، وعناصر حامية زنجية ومصرية وعناصر ~~هندوآرية. # على مستوى العربية والهندوآرية قدم لويس عوض جهدا رائعا وعظيما، لا تنكره المنكرات ~~والمصادرات ضد كتابه لسقطة هنا وزلة هناك، حيث إن الرجل قد أثبت نظريته ببراعة، وهي ~~أحد مؤيداتنا هنا، لا تغني الإشارة إليها عن قراءتها في كتابه الرائع. ومن جانبنا ثبت ~~بطول كتابنا هذا بوضوح مدى الالتقاء والتداخل بين المصرية القديمة وبين العربية، أو ما ~~بقي لنا من تطور العربية الشمالية، ممثلة في قمة نضجها في لغة قريش، التي أصبحت اللغة ~~العربية الفصيحة الصحيحة. وعندما كنا نقدم قراءتنا عثرنا على أكثر من شهادة من التاريخ ~~العربي الإسلامي، على وجود عنصر عربي سامي ممثلا في شهادات ذلك التاريخ بحكم عماليق ~~الجزيرة لمصر، لكنا أبدا لم نجد مثل تلك الشهادات الفصيحة، على الجانب الآخر عند ~~القائلين بهندوآرية الهكسوس، أو بعضا منهم على الأقل، فهل بالإمكان العثور على مثل تلك ~~الشهادات، التي تؤكد أن عناصر هندوآرية قد دخلت مصر واحتلتها وحكمتها؟ بل وحكمت أيضا ~~بقية مدينات الشرق الأوسط القديم كالرافدين والشام وجزر المتوسط الشرقية ضمن إمبراطورية ~~كبرى؟ حيث وضح لنا وجود العنصر الآري، كعنصر قائد متقدم بين فيالق الهكسوس كما سبق ~~شرحه. # نقف هنا مع القبائل التي جاء ذكرها باسم سكيث، لنعتبرها من وجهة نظرنا القبائل الأم ~~للهجرات الهندوآرية، أو أنها الاسم الشامل الذي كان يطلق على تلك القبائل المهاجرة من ~~براري آسيا، ومنها كان الحوريون والحيثيون الذين أصبحوا فيما بعد عنصرا مؤسسيا في ~~المملكة الآدومية التجارية، ومن ثم في الإمبراطورية الهكسوسية، حيث كان الإسكيث أو ~~السكاث كما أسماهم اليونان، أو الكاسيون كما أسماهم الرافديون، أو الهكسوس كما أسماهم ~~المصريون، قبائل متبدية هائلة العدد لا تعرف الاستقرار، تنتشر طول الوقت في براري آسيا ~~الوسطى من شمالي الهند إلى أرمينيا. # وبحسبان حرفي «ح» و«ك» حلقيين يتبادلان، ms645 فإن الحيثيين هو لفظ آخر للسكيثيين حيث ~~تتبادل «س» و«ح»، وهكذا يمكن أن نعتبر المصادر الحيثية مصادر سكيثية كنقطة مفصلية، ~~نبدأ بحثنا منها، فهل ورد أي نص تاريخي في المدونات الحيثية، يشير إلى أحداث قديمة، ~~احتل بموجبها الحيثيون مصر؟ # هناك نص ضئيل القيمة تماما لدى المؤرخين والباحثين، لم يعره أحد التفاتا، نتيجة ~~عدم الربط إطلاقا بين الحيثيين والسكيثيين والهكسوس، وهو ما نجد له ترجمة عند عالم ~~الحيثيات «جرني»؛ إذ يقول أولا مقررا حقيقة واضحة هي أن: «الحيثيين من الأقوام ~~الهندوأوروبية التي لعبت دورا مهما في تاريخ الشرق الأوسط القديم، لكنا مع ذلك نجهل ~~الكثير عنهم.» # 28 # أما النص المقصود فهو ذلك الذي يقول: # عندما حمل إله جو حاتي (يقصد إله الهواء الحيثي تيشوب [المؤلف]) رجال ~~كوروستوما إلى بلاد مصر. وقيدهم إله جو حاتي بمعاهدة إلى أهل حاتي، وجعلهم ~~يقسمون على رعايتها (يقول جرني معقبا: إن ذلك عائد على المصريين، أي إن إله ~~الجو الحيثي فرض عهده، على المصريين بقسم الولاء للحيثيين الذين من كوروستومار ~~[المؤلف]). # وبذلك أصبح شعب حاتي وشعب مصر مقيدين بقسم لإله جو حاتي، ونكث شعب مصر بعد ~~ذلك بالعهد، وباتوا يحنثون بقسمهم بالإله؛ لذلك أرسل أبي مشاة وفرسانا، وغزوا ~~حدود مصر وبلاد أمكا، ثم أرسلهم مرة ثانية فغزوا مرة ثانية. # شكل رقم «150»: ألبسة الرأس عند الإسكيث، لاحظ الاستطالة. # ويشرح هنا «جرني» أن كوروستوما هي القطاع الشمالي الشرقي من الأناضول، أي بالضبط في ~~المساحة التي نتحدث عنها كمنطلق أخير للهجرة الهندوآرية، ما بين قزوين والبحر الأسود في ~~أرمينيا وأرارات، لكن جرني يرى ذلك النص غير مفهوم لو أخذنا بظاهره، وأن هؤلاء قد ~~احتلوا مصر، ويفسر بأن ذلك كان غير ممكنا، ولم تتحدث عنه أية نصوص مصرية؛ لذلك لا ~~تفسير له إلا وجود الحيثيين بفلسطين بعد ذلك في التاريخ التوراتي، وهو ما يعني أن النص ~~لم يقصد مصر بلاد النيل، إنما قصد فلسطين التي كانت تابعة آنذاك لمصر سياسيا، وأنها ~~هي حدود مصر.» # 29 # لكن قراءة النص تفيد أن ms646 الملك الحيثي، يتحدث عن غزو تم من جانب بلاده لبلاد مصر، ~~وأن ذلك قد تم زمن أجداده، حيث أقسم المصريون وأقسم الحيثيون على الارتباط بعهد نكث ~~به المصريون، فعادوا زمن أبيه فغزوا مصر ثانية، وهو الأمر الذي يلتقي مع تاريخ مانيتون ~~عبر يوسفيوس، وأكد عليه لويس عوض، حيث علمنا أن هناك غزوتين للهكسوس، غزوة أولى كبرى تم ~~طردها على يد أحمس، ثم غزوة هكسوسية متأخرة حدثت زمن فتنة بني إسرائيل، وقائدهم أوزرسيف ~~الذي أرسل يطلب مددا هكسوسيا عند ثورته، فدخل الهكسوس مصر مرة أخرى، لكن لتتم ~~هزيمتهم هزيمة نهائية وأخيرة على الحدود المصرية. # لكن ألا نكون بذلك كمن يصنع من مادة قليلة ضئيلة، بناء طويلا عريضا يقوم على ~~أساس هش، على إشارة يتيمة وردت في نص ضمن نصوص حيثية كثيرة أخرى؟ # هنا كان لا بد من المثابرة والدأب والمشقة، سعيا وراء ما يمكن العثور عليه من قرائن، ~~وهي ما وجدناه في حديث المؤرخين الكلاسيك، عن شعوب اسكيث أو سكاث؛ لأن «هيبوقراط» في ~~كتابه: «حول الماء والهواء والأقاليم»، وهو كتاب في الطبيعيات، محدثا عن الشعوب التي ~~عاشت في المنطقة الفاصلة بين أوروبا وآسيا، أي عند أرارات وقزوين تحديدا، يقول: # أولا سأتحدث عن طوال الرءوس؛ لأنه ليس هناك شعب آخر على الإطلاق له مثل تلك ~~الجماجم. وقد ساهمت مجموعة من العادات إلى تلك الاستطالة في الرءوس، ثم أسهمت ~~الطبيعة بعد ذلك بدورها في دعم تلك العادات، وقد أتت تلك العادات من اعتقاد تلك ~~الشعوب، أن طويل الرأس نوع مميز من البشر، فعند ولادة الطفل، وطالما كانت عظام ~~الرأس لينة لم تتصلب بعد، يجبرون الرأس على الاستطالة بلفائف، الأمر الذي يشوه ~~الشكل الطبيعي للرأس فتزداد استطالتها. وفي البداية كانوا يفعلون ذلك خضوعا ~~لعادات موروثة، لتأتي رءوسهم بهذا الشكل بفعل قسري. لكن مع الوقت أصبحت الرأس ~~تأتي طويلة بحكم الميلاد الوراثي، أما الآن فقد اختفى طول الرأس بسبب اختلاطهم ~~بالزواج من شعوب أخرى، وهذا رأيي فيما يتعلق بهذه الظاهرة. # 30 # ولأن الحيثيين فيما زعمنا ms647 قبائل إسكيثية، فقد كان طبيعيا وغير مفاجئ أن نقرأ عند ~~«جرني» في كتابه «الحيثيون» قوله: # من الحفريات بفحص الجماجم التي وجدت في عدة مواضع بالأناضول، وجد أن معظم السكان ~~كانوا طوال الرءوس، وذلك خلال الألف الثالث قبل الميلاد، على مزيج قليل بالأنواع ~~القصيرة العريضة الرءوس. # 31 # هذا وقد عثرنا عند مكسيلاك القرياندي على نص مؤيد يقول: «وقد عاش شعب من ذوي الرءوس ~~الطويلة خلف البخاريين.» # 32 # ولعلنا لم نزل نذكر ما قلناه في باب عاد وثمود، ونقلنا منه وصفا عينيا لمقابر ~~منطقة مقنا على الساحل الشرقي لخليج العقبة، وفي محيط بلاد الحجر وآدوم، حيث يقول ~~الشاهد: عثر على كثير من الجماجم الغريبة الشكل في طولها. والجماجم أكبر بكثير من ~~جماجم الناس العاديين. # 33 # ثم نجد عند جرني إشارات لاسم منطقة عاش فيها الحيثيون وردت في الأساطير اليونانية، ~~مرتبطة باسم ملك حقيقي من ملوك الحيثيين، إلا أن اليونان إطلاقا لم يعرفوا الدولة ~~الحيثية في كتاباتهم، فقط كانوا يشيرون إلى الاسكيث، مما يعني حسب نظريتنا أنهم قد ~~عرفوا الحيثيين ولكن باسم سكيث، وتقول إشارة جرني: # وأخيرا فلدينا القصة الخرافية التي حفظها استفانوس البيزنطي، وهي أن مدينة ~~ساميليا في كاريا قد أسسها شخص يدعى موتيلوس، الذي استقبل هيلين وباريس في ~~رحلتهما، من إسبرطة إلى طروادة على ما يظن، ويبدو أننا نجد هنا ما يذكرنا ~~بالمعاهدة الإقطاعية التاريخية بين مووتاليس وألاكساندوس. # 34 # استفانوس هنا يحدثنا عن مدينة أسسها ملك، يدعى موتيلوس أو مووتاليس في كاريا، وأنه ~~استقبل الأشخاص الأسطوريين هيلين وباريس، القادمين من إسبرطة إلى طروادة. وقد تم الكشف ~~عن طروادة في أقصى غرب الأناضول، مما يعني أن مووتاليس كان ملكا على الأناضول. ونحن ~~نعلم بوجود ملك بهذا الاسم متكررا في قوائم ملوك الحيثيين، وهو دليل آخر قوي على رأينا ~~أن الحيثيين كانوا هم المعروفين باسم الإسكيث عند اليونان. كما نعلم من عالم الأجناس ~~واللغات «ماكلستر»، أن بلاد كاريا هذه حيث حكم مووتاليس، على خريطة رسمها لبلاد ~~الحيثيين بالأناضول، كانت تقع على ساحل المتوسط ms648 المحاذي لبلاد اليونان في جنوب غربي شبه ~~جزيرة الأناضول، مما يقطع بأن اليونان قد عرفوا الحيثيين، خاصة أن الحيثيين قد أقاموا ~~دولتهم وعاصمتهم في بلاد الأناضول الملاصقة لبلاد اليونان، وكانت امتدادا معلوما لها. ~~لذلك يكون غريبا تماما ألا يعرف اليونان شيئا عن الحيثيين، اللهم إلا إذا كانوا ~~يعرفونهم كما نقول باسم الإسكيثيين. وكان عدم ذكرهم لديهم يكمن في كونهم أطلقوا عليهم ~~اسمهم الأصلي «سكيث»، ذلك الاسم الذي تكرر كثيرا في قصص طويلة، كتبها اليونانيون عن ~~شعب السكيث أو السكاث. وهو ما يؤكد ما قلناه بهذا الصدد، إن الحيثيين من قبائل السكيث ~~أو هم قبائل سكيثية، ثم نتذكر كيف استبعد المؤرخون الإشارات القديمة إلى الآراميين زمن ~~الملك الأكدي نرام سين، واحتسبوها مجرد تشابه في الأسماء؛ لأنهم رفضوا وجود الآراميين ~~في المنطقة في ذلك الزمن المبكر، لكن لما كنا قد احتسبنا الآراميين والحيثيين عناصر ~~إسكيثية هندوآرية، فإن ذلك يفسر لنا قولا آخر جاء عند العاهل البابلي نرام سين، يقول ~~فيه أنه حارب حلفا مكونا من سبعة عشر ملكا، بينهم الملك الحيثي بامبا، مما يقطع ~~بوجود الحيثيين في ذات الزمن الذي ينكره المؤرخون، ويقولون إن الأناضول كان يسكنه شعب ~~سابق للحيثيين، أعطوه اسم البروتوحيثيين. وقد ورد ما يشير إلى أن أعضاء هذا الحلف كانوا ~~جميعا يسمون «هوارواس»، الذي هو ببساطة بعد حذف التصريف «هوارو» أو الحوريين؛ لأنه من ~~المستحيل أن يكون هوارواس اسما للملوك الأحلاف السبعة عشر، فهي صفة لا اسم. ومن النصوص ~~نكتشف صفات مشتركة بين الهكسوس والحيثيين، وأهمها نقل الشعوب المهزومة من مواطنها، ~~وتسخير الشعوب المفتوحة في جيش الإمبراطورية، وهو ما نجد له نموذجا في قول الملك ~~الحيثي المنتصر على بلاد أرازوا؛ إذ يقول: # وهكذا قهرت بلاد أرازوا، ونقلت جزءا من السكان إلى خاتوشاش (العاصمة الحيثية ~~[المؤلف])، أما الجزء الأخير فقد أخضعته مكانه، وفرضت عليه المساهمة بفرق من الجند.» # 35 # وإذا كنا قد اكتشفنا أن هناك عنصرا حوريا، سكن مديان باسم القينيين أي الحدادين، ~~فإن علم التاريخ يعلمنا أن الحيثيين كانوا ms649 هم مفجري صناعة الحديد وتعدينه، حيث سبق ~~وقرأنا رسالة الملك الحيثي خاتوشيليش، إلى ملك صديق يعاصره، يقول له فيها: # أما عن الحديد الجيد الذي كتبت لي عنه، فالحديد الجيد غير متوفر في بيت الختم ~~في كيز وواتانا. وقد كتبت إليك أن هذا الوقت غير صالح لإنتاج الحديد. إنهم ~~سينتجون حديدا جيدا لكنهم حتى الآن لم ينتهوا، وعندما ينتهون سأرسله إليك، ~~أما اليوم فأنا مرسل إليك خنجرا من حديد. # 36 # ما زلنا نحاول التأكيد على أن الحيثيين كالحوريين تماما، عنصرا إسكيثيا ~~هندوآريا، أو أنهم كانوا هم ذاتهم، كان العنصر الحيثي ضمن الفئات القائدة لجحافل ~~الهكسوس الهائلة، التي تم تجنيدها من مختلف الشعوب المفتوحة، فنقف مع «إيفار لسنر» يصف ~~الشعب الحيثي فيقول: # ويعتبر الحيثيون شعبا غريبا، أما غرابته فمردها إلى أننا لا نعرف عنه حتى ~~الآن سوى القليل، فضلا عن الخلاف الكبير بينه وبين سائر الشعوب القديمة التي ~~عرفناها. وتكشف نقوشهم البارزة عن أنهم أناس قصار القامة مكتنزون، عظامهم بارزة ~~وجبهاتهم منحدرة. أما أنوفهم فطويلة ومقوسة قليلا، أشبه بمنقار الببغاء ~~وذقونهم قصيرة. # 37 # وهو الوصف الذي يلتقي مع وصف قديم أكثر تفصيلا، قدمه اليوناني هيبوقراط لشعب سكيث؛ ~~إذ يقول: # نتيجة للمناخ تميز الإسكيث بأنهم ممتلئون ومكتنزون، إلى حد عدم إمكان تمييز ~~الأعضاء عن بعضها، فالأعضاء رخوة بدون عضلات، والجزء الأسفل من البطن به قدر ~~عال من المائية والرطوبة. وبفضل هذا الامتلاء يختفي الشعر عن الجسد ويصبحون متشابهين. # 38 # ولا بأس هنا إن راجعنا لوحة بلاد بونت، نتفحص ملكة أرض الإله مرة أخرى، التي تبدو ~~لنا مولدة من عنصر زنجي جنوبي أعطى جلدها لونه، وعنصر حيثي إسكيثي شمالي، تتداخل معه ~~أعضاء الجسد المترهلة، حتى لا يمكن تمييزها فكانت تحمل صفات كليهما معا، أما المؤكد ~~والناصع الذي لا بد أنه كان، فهو ما نقرؤه عند هيبوقراط مؤكدا: # كانت القبيلة الإسكيثية تتميز بالشعر الأحمر الأمغر بسبب المناخ. # 39 # وهو اللون الذي رأيناه واضحا في بلاد آدوم الحمراء، وصفة ذكرتها التوراة لعيسو/آدوم. ~~ويبدو أن الإسكيث عندما ms650 هبطوا جنوبا على مختلف قبائلهم، وتعدد عشائرهم ولغاتهم ~~الهندوآرية، قد أعطوا لمواطنهم الجديدة في بلاد آدوم، أسماء مناطق قديمة عزيزة في ~~مواطنهم الأصلية، فإذا كنا قد وصلنا إلى أن بلاد آدوم، كانت عند المصريين باسم بلاد ~~بونت، فهو ما يؤكده، ويؤكد كل رحلتنا البحثية، أن نجد ذات الاسم هو الذي كان ولم يزل ~~يطلق، على منطقة شرقي البحر الأسود الذي جاء منه السكيث، ممثلا في مدينة بونت وإقليم ~~بونت، حتى إن البحر الأسود يحمل في تلك المنطقة اسم بحر بونت. أما الجبال الفاصلة هناك ~~مع الجنوب فهي جبال بنطس، أو بنط بحذف التصريف الاسمي «س». ثم إن الإسكيث قد عبدوا ~~ربا، عثر له على نموذج في أدغال قريبة هناك، وأنه كان هناك على جبل يحمل اسما ~~شديد الدلالة، فقد كان ذلك الجبل في تلك البلاد البعيدة ، دخل العمق التركي يحمل اسم ~~الجبل الأقرع، الذي تكرر اسمه بعد ذلك في منطقة حوض المتوسط الشرقي، فنجد الجبل الأقرع ~~في سوريا الآن كان مسكن الإله البعل، كذلك نجد الجبل الأقرع في بلاد آدوم، وكان دوما ~~يحمل اسم جبل كاسيوس أو الكاسي، وهو ما نجده في جبال قاسيون، كما نجده في منطقة ~~الكسارون الآن شمالي سيناء الغربية على ساحل المتوسط، وظل يحمل اسم «كاسيوس» حتى زمن ~~الغزو العربي، ويعني الكاسي أو السكيثي، دالا على أصله وأصل أصحابه، الذين تركوا اسمه ~~أينما ذهبوا. # شكل رقم «151»: هجرة قاطعي الرقاب. # والآن نأتي إلى منطقة مفصلية في البحث، عن إشارات واضحة في كتابات هندوآرية، تشير ~~إلى غزو هندوآري حدث لبلاد مصر، يمكن أن يفسر لنا وجود العنصر الهندوآري، قائدا لجموع ~~الهكسوس، فنقرأ عند «ديودور الصقلي»، وهو يحدثنا عن قبائل شعب سكيث أو سكاث: # بفضل جسارتهم وقواتهم المحاربة احتلوا مناطق واسعة، وأضفوا على قبائلهم مجدا ~~وسيطرة كبيرة. في البداية عاشوا على نهر الأراكس (نهر يصب في بحر قزوين ~~[المؤلف]). وفي الماضي البعيد تحت قيادة ملك محارب، يتميز بقدرات عظيمة، ~~أقاموا لأنفسهم عرشا على الجبال امتد حتى القوقاز. وفي الأرض ms651 المنخفضة امتدت ~~أراضيهم حتى البحر المحيط. وتميزوا بالشجاعة والمواهب الاستراتيجية، وأخضعوا ~~بلادا شاسعة بعد نهر تانيس، وحتى بلاد الفيريجيين (آسيا الصغرى [المؤلف])، ~~وبعثوا بعثات عسكرية انتشرت في جميع الأراضي، وأخضعوها حتى وصلوا نهر النيل ~~المصري، وسخروا العديد من القبائل التي تعيش بين هذه الحدود، ونشروا سيطرتهم ~~حتى المحيط الشرقي. # واستوطن هؤلاء الملوك ومعهم القبائل التي أخضعوها بلادا كثيرة، وأهم هذه ~~الحركات الاستيطانية حركتان: الأولى من آشور إلى بلاد بافلاجونيا وبونت، ~~والثانية من ميديا إلى نهر تانيس. # 40 # إذن امتدت الأراضي التي استولى عليها الإسكيث، بل وسخروا أهلها في العسكريتاريا ~~السكيثية، بل واستوطنوا تلك الأراضي، حتى البحر المحيط أو الكبير وهو التعبير ~~الكلاسيكي، الدال على البحر الأبيض المتوسط، وكانت حركة الاستيطان الأولى في البلاد ~~الممتدة شمالا عند أرمينيا من بافلاجونيا إلى بونت على البحر الأسود، إلى بلاد آشور أي ~~العراق الشمالي، ثم كانت الحركة الثانية من ميديا إلى نهر تانيس، ولا نظن المقصود ~~بميديا هنا ميديا الأصلية بشمالي إيران، إنما ميديا (ميديان)، لسببين ~~جوهريين، الأول: ما جاء في تعقيب الباحث الروسي ~~المتخصص، الذي ترجم نص ديودور إلى الروسية، حيث عقب بأن الإحداثيات المعطاة عند ~~ديودور الصقلي لا تشير إلى ميديا فارس، لكنها تشير إلى موطن آخر مجهول. وهذا المجهول ~~برأينا هو بلاد مديان في سيناء ووادي عربة وشمالي الجزيرة. والسبب الثاني هو ذلك النهر ~~الذي يرد احتلال مناطقه في الترتيب، بعد ميديا. وجاء ذكره باسم «تانيس»؛ لأن تانيس اسم ~~الفرع النيلي قبل الأخير للدلتا شرقا، فهو أول فروع الدلتا القديمة المتلاحمة مع ~~البوادي السينائية، وكانت مدينة تنيس أول محطة عامرة كبرى بعد بلاد مديان، عند الاتجاه ~~الشرقي إلى الغرب دخولا إلى مصر في الغرب، وعلى رأسه عند المنزلة كانت تقع المدينة، ~~التي منحته اسمه مدينة «تانيس»، هذا بالطبع مع عدم إغفال قول ديودور الأول، أنهم أخضعوا ~~جميع البلدان، حتى وصلوا نهر النيل المصري. # ثم يوضح لنا «ديودور الصقلي» من أين جاءت فكرة النساء الأمازونيات في الأساطير ~~اليونانية، وهن نساء محاربات يظهرن ms652 كثيرا في الأساطير الملحمية المسرحية اليونانية، ~~مصحوبات بجوقة من النساء يسمين الفينيقيات، فيقول: # ملكت على السكيث امرأة تتميز بالقوة، وعند هذا الشعب تتدرب المرأة على الحرب ~~مثل الرجل، ولا تقل عنه شجاعة، وعديد من مآثرهن العظيمة صنعتها نساء عظيمات (لا ~~بأس أن نتذكر هنا ملكات بلاد عريبي [المؤلف])، وعلى هذا النحو تأسست قبيلة ~~الأمازونيات، التي تميزت بالشجاعة التي مكنتها من احتلال دول كثيرة، كانت تشكل ~~جزءا كبيرا من آسيا وأيضا من أوروبا. وأحرقوا الثدي الأيمن للأطفال الإناث، ~~حتى لا يعيقهم عند الحرب عند وصولهن سن البلوغ. وهذه الملكة أخضعت كل جيرانها ~~حتى وصلت إلى نهر تانيس، واستحوذت على الجزء الأكبر من آسيا، ونشرت سيطرتها في سوريا. # 41 # ولو كان نهر تانيس كما ذهب بعض الباحثين، ربما كان نهر الدنيبر في عمق الشمال ~~الآسيوي، لما ذكر معه في نص ديودور السابق، ولما قيل هنا مترافقا مع سيطرة السكيث ~~الأمازونيات على بلاد سوريا. وحتى الآن لم يتم تقديم تفسير مرض، لمعنى كلمة ~~الأمازونيات رغم شهرتهن لدى اليونان. لكن وفق ما جمعناه حتى الآن لن نكون مجازفين، إذا ~~قرأناه على أصوله عمزونيات أو عنزيات ذوات العنز والماعز؛ حيث نعلم أن حرف «م» يتبادل ~~مع حرف «ن» كما في عن وعم، ولو طالعنا ما أمكن جمعه من لوحات الفن السكيثي، لوجدناه ~~جميعا لا يكاد يخلو في لوحة واحدة منه من صورة العنز، حتى تلك الآثار التي وجدناها في ~~محيط بحر قزوين. # ولمزيد من التأكيد على أن العنصر الهندوآري، الذي تواجد مع الهكسوس في مصر، يعود ~~بأصوله الجنسية إلى شعوب السكيت، نقرأ فليكوفسكي؛ إذ يؤمن أن الهكسوس العمالقة كانوا ~~بالتحديد ساميين من جزيرة العرب، لكنه يعجب أشد العجب من بربرية وهمجية وقسوة الهكسوس ~~في مصر فيقول: # كان الغزاة العماليق قادمين من شبه الجزيرة ... ومثل العماليق بأجسام الجرحى ~~والمساجين، وقطعوا أطرافهم، وكانوا على درجة كبيرة من القسوة والفظاظة في ~~نواح كثيرة، بما يعجز عنه الوصف. وخطفوا الأطفال والنساء، وأحرقوا المدن ~~ودمروا الآثار والأعمال الفنية، وجردوا مصر ms653 من ثرواتها وكنوزها. وكانوا يبترون ~~أعضاء وأطراف الجرحى ويمثلون بهم، ويهرطقون ويجدفون بكفر صارخ بقذف الأعضاء ~~المبتورة من الجرحى نحو السماء، ويسخرون من الرب. # 42 # كلا لم ير فليكوفسكي في هذه الفظاظة القاسية سوى هرطقة وكفر؛ لأنه لم يكن يعلم بعد ~~ما علمنا وفق خطتنا الحميدة، حيث نجد تلك القسوة دليلا آخر على وجود عنصر آري سكيثي في ~~الهكسوس، وذلك عندما نقرأ عنها عند مؤرخي اليونان، فنكتشف أن تلك القسوة لم تكن مجرد ~~قسوة، إنما إضافة لذلك كانت طقسا دينيا تعبديا، لدى شعب سكيث بالذات وبالتحديد، ~~ولم تكن غاية في حد ذاتها، كانت قربانا للملك وللإله، فيقول هيرودوت عن شعب السكيث: # في كل عام يضيفون إلى مرتفع 150 حمولة من حزم أعواد الخشب الجاف. وفوقه ~~كانوا يغرسون العقناق # Akunak ~~(يقول المترجم ~~إنه ربما كان سيفا حديديا) يمثل الإله، ويقدمون لهذا العقناق كل عام كافة ~~أنواع القرابين. في أسفل هذا المرتفع يقومون بالآتي: يقطعون الكتف الأيمن من ~~موتى العدو بالذراع، ويقذفون بها في الهواء. # 43 # وفي نصوص مصر القديمة، نجد السجاز الهكسوس يوصفون بوصف يأتي كما لو كان معنى لكلمة ~~سجاز، فهم قاطعو الرءوس أو قاطعو الرقاب، ومن جانبنا؛ فقد عثرنا على تفسير للكلمة، وهو ~~بذاته دليل آخر على مدى نجاح فروضنا، فنقرأ هيرودوت يحكي عن قبائل سكيث قائلا: # حين كان السكيثي يقتل لأول مرة، كان لا بد أن يشرب من دم عدوه، ويسلخ جلد ~~الرأس بقطع دائرة حول الأذنين، ويسلخها عن الجمجمة، ويقدمها للملك. ثم كانوا ~~ينشرون الجمجمة أسفل الحاجبين ثم ينظفونها، وإذا كان الشخص فقيرا كساها ~~بالجلد، وإن كان ثريا كساها بالذهب، ثم يستخدمونها في الشراب. # 44 # وقد سبق وعلمنا أن هناك تفسيرات تاريخية قديمة، سيقت خلال القرن الرابع والثالث قبل ~~الميلاد، لخروج بني إسرائيل من مصر، كان من بينها القول بأن الإسرائيليين لم يكونوا ~~يأخذون بقواعد النظافة عند المصريين، ومع طول عشرتهم للحيوانات، أصيبوا بأوبئة جلدية ~~حادة، اضطر معها المصريون إلى طردهم من البلاد؛ خشية تفشي الداء في ms654 مصر، وربما وصلنا ~~من جانبنا إلى تفسير لسر انتشار ذلك الوباء، بين الهكسوس في عادات شعب السكيث، وهو ما ~~يمكن فهمه من نص هيرودوت القائل: # يأخذ السكيث بذور نبات يشبه نبات التيل (نرى من جانبنا أنه أحد مواد البخور ~~[المؤلف])، ويزحفون تحت غطاء، ويلقون بالبذور على أحجار سبق تسخينها إلى درجة ~~الاحمرار، فتحدث دخانا كثيفا، ويستمتع السكيث بهذا الحمام من البخار، فهو ~~لديهم بديل عن الاغتسال، فهم لا يغسلون أجسادهم بالمياه أبدا. # 45 # لقد كان الإسكيث يعتقدون أن مواد التبخير كانت أطهر للجسد من الماء، وهو أمر لا ~~يعتقده إلا من كان إنتاج مواد التبخير لديه أمرا أساسيا وتأسيسيا، ومصدرا ~~اقتصاديا عظيما يستحق هذا التقديس. ولمزيد من التعضيد في كون إسكيث كانوا هم أصحاب ~~الماعز بين الهكسوس، نستمع إلى المؤرخ الكلاسيكي يفستافي «يوسابيوس [المؤلف]»، يحكي لنا ~~عن بعض قبائل سكيث في مواطنهم الأصلية، فيقول : # والتيباريون الذين يسمون تيباريين، أي أصحاب الماعز، يعيشون في المناطق حتى ~~أرمينيا الصغرى. وخلفهم يعيش الكاليبيون الذين استوطنوا أرضا قفرا وقاسية، ~~وكانوا بارعين في معالجة الحديد الخام، وهم شعب بونتي. # 46 # ويبدو لنا أن اسم الكاليبيين ونسبته إلى كالب، قد ترك بصمته واضحة فيما بعد في اسم ~~أحد تلامذة موسى (كالب بن يفنا)، وأصبح شخصا لا يقل أهمية عن يشوع بن نون بعد موت ~~موسى. ثم تند ذكريات هنا وهناك في كتابات الكلاسيك، عن علاقات للمصريين بذلك الشعب ~~المعروف باسم السكيث، تأتي في عبارات سريعة غامضة، لكنها تفصح مع كل ما جمعنا وتصبح ~~شديدة الوضوح، ومن نماذج ذلك ما جاء عند بومبي تروج يقول: # وسيطرت السكاث على آسيا ثلاث مرات، أما هم فلم يمسسهم أحد ولم ينتصر عليهم ~~أحد، وكان أول من أعلن الحرب ضد السكاث هو الملك المصري ثيزوسيس # 47 ~~(يقصد الفرعون المشهور لدى اليونان باسم سيزوستريس ~~[المؤلف]). # وفي رسالة من السكيث أو السجاز قاطعي الرقاب إلى الإسكندر المقدوني، نقرأ القول بعد ~~حكايات طويلة عن ماض عريق. # وهكذا انتصرنا على الملك السوري وملك الفرس وميديا ms655 (يعقب المترجم الروسي ~~المتخصص، بأن ميديا هذه ليست ميديا فارس، إنما هو بلد مجهول [المؤلف])، وأصبح ~~الطريق مفتوحا أمامنا حتى مصر نفسها. # 48 # نظننا الآن نقف على أرض صلبة، بعد أن عثرنا على جميع أصول المحتل الهكسوسي، وبخاصة ~~ذلك العنصر الغامض الهندوآري، الذي أثبت وجوده دون دلائل كافية، ولا قرائن تشير إلى ~~أسماء قبائله ومواطنها، والذي ثبت أنه من قبائل سكيث، وهو الأمر الذي جهدنا عليه طويلا ~~لتأكيد نظريتنا في اتحاد العناصر المتلاقحة في بلاد آدوم ومديان في سيناء وآدوم وبوادي ~~الشام، لينجبوا شعبا هجينا مولدا، ويفرزوا لغته السامية الشمالية، وكان بين هؤلاء ~~الشعب العبري الإسرائيلي، المرموز له دوما بأورشليم، حيث يضيء أمامنا نص الكتاب ~~المقدس، كاشفا العنصرين العموري الأموري الجنوبي الحيثي الآرامي السكيثي الشمالي، ~~فيقول: # هكذا قال السيد الرب لأورشليم: مخرجك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري، وأمك ~~حيثية. ~~(حزقيال، 16: 3) # ليكرر مناديا بلسان حزقيال النبي: # أنت وأخت أخواتك اللواتي كرهن أزواجهن وأبناءهن، أمكن حيثية وأبوكن ~~أموري. ~~(حزقيال، 16: 45) # أما النظرية التي كانت تتوارى في الظل طوال الوقت، حول أصل الأقوام السامية وموطنها ~~الأول الجغرافي، فهي تلك التي تقول إن بوادي الشام كانت المهد الأول للأقوام السامية، ~~وبالذات بلاد عرابة، وقد أكد كونتو أن بوادي الشام كانت محطة استراحة طويلة، في هجرة ~~الأقوام السامية من موطن أخرى أصلية. # 49 # هكذا انتهينا من سكيث، بينما ما زال علم التاريخ التقليدي، يبحث عن من هم السجاز، ~~لينتهي من حل اللغز إلى ذات الحل، الذي لجأ إليه في مشكلة الخابيرو، وهو أنهم مجرد شذاذ ~~آفاق، لا يرتبطون بعنصر معلوم ارتباطا واضحا، وهو ما يعبر عنه قول المصرلوجست ~~(آلدريد): # وكانت هناك فئة تبدو لنا - أكثر غموضا هي فئة الساجاز كما ذكرت على الألواح ~~المسمارية، وهم مطابقون للخابيرو، الذين أطلقت عليهم النصوص المصرية اسم ~~العابيرو. وكان يندرج تحت هذا الاسم كل العمال غير المدربين، وكل العبيد من ~~أسرى الحروب، ويبدو أن هذه الفئة كانت من أصول عرقية مختلفة، ولغاتهم أيضا ~~مختلفة، يتجولون في فلسطين وسوريا، يعيشون ms656 على السلب والنهب أو الخدمة كمرتزقة. # 50 # ساجاز أو سكيث أو الحيثيون هم إذن العنصر الهندوآري الآرامي، الذي هبط من الشمال ~~ليسكن بلاد مديان بلاد الأيك وأشجار العطور، مع الزنوج الأفارقة ومع العموريين القادمين ~~من جنوب الجزيرة، حتى إن كلمة شجرة العربية هي الأصل الذي تعود إليه كلمة # SAGARIS # اليونانية، وهو نوع من السلاح كان يستخدمه ~~الإسكيثيون، وتسميته سكيثية وليست يونانية، أما الرومان فيطلقون اسم سكاريا على السيف ~~القصير العريض، ومن الشجرة في العربية الشواجر، والشواجر في لسان العرب هي سيوف الحديد. # 51 # ويحيطنا «آرثر كيستلر» علما أن كلمة «سا - جاز» مركبة من شقين، يعني شقها الثاني ~~«جاز»، فعل بمعنى يتجول في اللغة التركية، # 52 # أي البدوي أو التائه أو الهائم على وجهه. وفي العربية «اجتاز» انتقل من ~~موضع لآخر، وعرب اليوم بجزيرة العرب والخليج، ما زالوا يطلقون على العابر المتنقل أو ~~المسافر اسمه: العبري ... و... التركي. إنها بقايا التاريخ في اللسان حتى اليوم. ms657