######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.QissatKhalq.Hindawi73626284 #META# Tags: history #META# ID: 73626284 #META# Title: قصة الخلق: منابع سفر التكوين #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مفتتح‏ # الباب الأول: سفر التكوين السومري‏ # المجتمع‏ # الآلهة‏ # التكوين الكوني‏ # التكوين الكائني‏ # الخطيئة والسقوط‏ # العالم التحت أرضي‏ # الباب الثاني: سفر التكوين البابلي‏ # دور الملك في التكوين‏ # الدم روح الإنسان‏ # عالم آدم‏ # الباب الثالث: سفر التكوين التوراتي‏ # تاريخ اليهود في التوراة‏ # الآلهة التوراتية‏ # سفر التكوين التوراتي‏ # المصادر العربية والمراجع (المترجمة)‏ # الكتب الموسوعية‏ # المصادر الأجنبية‏ # الإهداء‏ # مفتتح‏ # الباب الأول: سفر التكوين السومري‏ # المجتمع‏ # الآلهة‏ # التكوين الكوني‏ # التكوين الكائني‏ # الخطيئة والسقوط‏ # العالم التحت أرضي‏ # الباب الثاني: سفر التكوين البابلي‏ # دور الملك في التكوين‏ # الدم روح الإنسان‏ # عالم آدم‏ # الباب الثالث: سفر التكوين التوراتي‏ # تاريخ اليهود في التوراة‏ # الآلهة التوراتية‏ # سفر التكوين التوراتي‏ # المصادر العربية والمراجع (المترجمة)‏ # الكتب الموسوعية‏ # المصادر الأجنبية‏ # | قصة الخلق # | قصة الخلق # | منابع سفر التكوين # تأليف # سيد القمني # | الإهداء # لذكرى أبي. # | مفتتح # سفر التكوين هو قصة البداية، # أو هو سفر الحكاية الأولى ... # أو هو رواية المجتمع الإنساني مذ كان تجمعا، في البدء وكيف كان؟ إلى أن بلغت الرواية ~~اكتمال نضجها مع قمة تطور السلطة في المجتمع الإنساني. وعندما يحدث التطور الجديد الآتي، ~~فلن يكون ثمة حاجة للرواية، التي رفعت من زمن بعيد لعالم مفارق، كمرآة للواقع ~~الأرضي. # فعندما كان المجتمع في الابتداء مشاعا، كانت أرباب السماء في متعة الشيوع تمرح، وعندما ~~تحول المجتمع الأرضي إلى مشتركات ترأسها مجامع ديمقراطية بدائية، أصبح للآلهة ذات ~~المجامع، لكن لتقرر للبشر على الأرض المصائر، وعندما تم تقسيم العمل على الأرض، تحول ~~مجتمع السماء إلى آلهة شغيلة، وآلهة للتفكير والتدبير. # وعندما تمكن الإنسان من الابتكار وصنع جديد، لم يكن من قبل كائنا، تمكنت آلهة السماء ~~من الخلق والتكوين، وعندما تمركزت السلطة على الأرض في يد ملك على رأس دولة مركزية، وأصبحت ~~كلمة الملك نافذة لا تقبل الإرجاء، قيل إنه في البدء كانت الكلمة. رغم أنه في البدء كان ~~المشاع، والفعل بلا كلام، فلم يكن ثمة لغة بعد. # وما كتابنا هذا إلا شرح لذاك. # وما كشوفنا فيه إلا ناتج قراءة غير مقلوبة لأوضاع مقلوبة، ورؤية غير ms01 معتادة لرؤى ~~معتادة، وربط للأرض بالسماء، وتسجيل لأثر الإنسان القدسي ووحيه الصاعد على معراج حركة ~~المجتمع البشري. # وإذا وجد قارئنا في تلك المقدمة العجلى لغزا، فما عليه إلا أن يشمر عن همته ~~ليتابع معنا الحل في صفحات الكتاب. # سيد محمود القمني # الباب الأول # | سفر التكوين السومري # | تأسيس # يبدو أن بداية الألف الثالثة قبل الميلاد، كانت بداية لأهم أحداث المجتمع الإنساني، ~~وأبعدها أثرا، في منطقة الشرق الأدنى بوجه خاص؛ تلك الأحداث التي تركت لنا تراثا ~~ضخما، سجلته المدونات، حين بدأ اكتشاف الكتابة، حوالي ذلك الزمان، أو بعده ~~بقليل. # فحوالي سنة 2900ق.م. كانت مصر قد تحولت من مجموعة مشتركات إقليمية، إلى دولة ~~مركزية موحدة، بينما كان الشعب السومري، قد قضى حوالي خمسة قرون قبل ذلك، يلملم ~~ذاته في جنوبي وادي الرافدين الخصيب، حتى تمكن من تكوين مجموعة مشتركات مدينية، على ~~هيئة مدن مستقلة، يشكل كل منها دولة قائمة بذاتها مع محاولات جادة للتوحيد، لم ~~يكتب لها النجاح الأكيد، ومن ثم لم تقدر لها الاستمرارية. وإن استطاعت هذه المدن - ~~إلى حد بعيد - أن تترك لنا تراثا حضاريا ثريا، يزخر بالقصص والملاحم والأدب ~~الديني، يفسر نشأة الوجود كونيا وكائنيا. # وحوالي نفس الزمان، أو بعده بقليل، تدفقت على وادي الرافدين موجات بشرية مهاجرة، ~~كانت ضمن بحر زاخر من دفقات شعوب مرتحلة، انتشرت بسرعة قياسية على صفحة بادية ~~الشام، وكل بلدان الهلال الخصيب (الرافدين، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن) إضافة إلى ~~بادية الشام، واصطلح على تسمية هذه الهجرات «هجرات الشعوب السامية». وقد زعم كثير من ~~الباحثين أن مصدرها جزيرة العرب، وبالتحديد جنوب الجزيرة، وإن كانت هناك اتجاهات بحثية ~~أخرى لها وجاهتها، قدرت أماكن أخرى كمصدر لهذه الموجات البشرية المتدفقة على ~~شرقي المتوسط، تقصد أماكن الخصب والنماء. # ويلخص «حسن إبراهيم حسن» مختلف اتجاهات الباحثين حول مصدر هذه الهجرات، التي بدأت ~~في الألف الثالثة قبل الميلاد فيما يزعمون، أو هو بالتحديد يلخص أهم الآراء في أصل ~~الشعوب السامية، فيقول: ~~«وقد اختلف المؤرخون في موطن الساميين الأصلي، أهم من بلاد ms02 العرب؟ أم رحلوا ~~إليها من أفريقيا (أصلا!) أم رحلوا إليها من بلاد الجزيرة؟ فيقول أصحاب التوراة: إن ~~مهد الإنسان فيما بين النهرين (الرافدين)، ومنه تفرقوا في الأرض فاشتق من ~~الساميين: الآشوريون والبابليون في العراق، والآراميون في الشام والفينيقيون على شواطئ ~~سوريا، والعبرانيون في فلسطين، والعرب في جزيرة العرب، والأثيوبيون في الحبشة. ~~ومرجعهم في إثبات ذلك إلى التوراة. ولا يقول هذا من علماء العصر إلا قليلون. ويرى بعض ~~المستشرقين أن مهد الساميين في أفريقيا. ونظرا لقرب بلاد الحبشة من بلاد العرب ~~إقليما ولغة، قالوا: إن مهد الساميين الحبشة. ويرى بعض آخرون أن مهد الساميين ~~جزيرة العرب، ومنها تفرقوا في الأرض كما تفرقوا في صدر الإسلام. وذهبت طائفة أخرى ~~إلى أن الساميين من جنوبي الفرات، ولكل من هؤلاء أدلة جغرافية أو اقتصادية ~~أو جنسية أو لغوية. ويرى بعض المستشرقين أيضا، أن مهد الساميين في بادية الشام إلى ~~نجد. ولم يقطع العلماء في أصل مهد الساميين برأي حتى الآن.» # 1 # المهم أن هؤلاء النازحين لم يضيعوا وقتا طويلا، حتى استطاعوا أن يقيموا لهم ~~دولا في المنطقة، وتأتينا أهم هذه الشعوب التي أسست هذه الدول، ما بين ~~الأكاديين # AKADI # الذين تمكنوا من التسلل ~~البطيء إلى بلاد سومر الرافدية، ثم استولوا عليها ووحدوا مدنها في دولة مركزية، ~~بقيادة زعيمهم «سرجون الأول # SHARRUKEN-I ~~» حوالي عام ~~2450ق.م. وبين الكنعانيين # KANANI # الذين تفرقوا في ~~الأرض الشامية حوالي 2500ق.م. حيث أسسوا مجموعة حضارات متناثرة، حملت أسماء بطون ~~كنعانية، هي فيما تزعم التوراة: المؤابيون، والآدوميون، والعمونيون، والعموريون؛ وقد ~~استطاع البطن العموري أو الأموري في وقت لاحق أن يخلف الدولة السومرية الحديثة التي ~~خلفت الأكاديين في الرافدين، وأن يؤسس الدولة البابلية. بينما ظهرت على ساحل ~~المتوسط جماعات أخرى، سلكت سبيل تفوقها بالسيطرة الملاحية على البحر، في وقت ~~متأخر من الألف الثاني قبل الميلاد، ويرجح أنهم كانوا خليطا من أجناس مختلفة، وإن ~~غلب عليهم العنصر السامي الكنعاني، وهم من عرفهم التاريخ باسم الفينيقيين. # ويزعم المؤرخون، أنه قد تلت هذه الموجة الأولى من ms03 الهجرات - في وقت متأخر نسبيا ~~- موجة أخرى كبرى، حوالي منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، هي هجرة الآراميين، الذين ~~استقروا أول أمرهم في بادية الشام، ثم أخذوا بمنافسة بني جلدتهم الساميين على ~~أراضي الخصب، سواء في الرافدين أو الشام، ردحا طويلا من الزمان، فكانوا عامل اتصال ~~وتواصل، بين ساميي الرافدين وساميي الشام. ويرجح أنهم تكونوا من عدة بطون من أصل ~~واحد، باعدت بينهم الأزمان والكثرة العددية. ويزعم بعض المؤرخين أنه كان منهم الشعب ~~العبري، الذي ظهر على صفحة التاريخ حوالي بداية القرن الثالث من الألف الثانية قبل ~~الميلاد، بعد أن دخل مصر وخرج منها بقيادة النبي «موسى» حوالي عام 1234ق.م. بقصد ~~الاستقرار في أراضي الكنعانيين (أرض فلسطين الحالية)، وتمكنوا حوالي 1000ق.م. أن ~~يقيموا لهم دولة، كان أشهر ملوكها شاءول ثم داود فسليمان، بينما ظلت بقية البطون ~~الآرامية غير ذات شأن، حتى استطاع بعضهم أن يثبتوا وجودهم مع اضمحلال الدول الكبرى في ~~الرافدين فقاموا بغزو ناجح لجنوب الرافدين، أسسوا على إثره الدولة الكلدانية حوالي ~~عام 625-538ق.م. # وهكذا كانت المنطقة مسرحا رحبا لهذه الدفقات البشرية، التي تكسرت موجاتها على ~~بعضها في الهلال الخصيب، مما جعلها ميدانا لحروب مستمرة بين هؤلاء المهاجرين وبين من ~~سبقهم وبين من لحقهم، مما أدى إلى تبادل الفكر والثقافة، لكنه أدى أيضا إلى عدم ~~استقرار دول هذه المنطقة مددا طويلة، بعكس مصر، التي توحدت أراضيها مبكرا، ~~وظلت دولة واحدة متماسكة طوال عصور تاريخها الطويل، عدا بعض الانتكاسات الطارئة، وهي ~~انتكاسات لا تقاس بعمرها الحضاري، حتى إن الزمن الذي استغرقه مجموع هذه النكسات، يكاد ~~يعادل الزمن الذي استغرقته أي من دول الهلال الخصيب متماسكة. # ورغم أن الباحثين يقطعون بأن الشعب السومري الذي ظهر جنوبي الرافدين، قبل ~~الهجرات السامية بحوالي خمسة قرون، أي حوالي 3500ق.م. ليس من أصول سامية ورغم أن أصله ~~لم يزل محاطا بالغموض، فإن هؤلاء الباحثين قد تعارفوا على ابتداء العصور ~~التاريخية شرقي المتوسط بالشعب السومري، بعد أن احتسبوهم الأصل والدافع الأول للحضارة ~~العريقة التي قامت في بلاد ms04 الرافدين، وكانت في رأيهم المنبع الذي استقى منه الساميون ~~الغزاة حضارتهم وفكرهم ودينهم، حتى إن كثيرا من هؤلاء الباحثين قد اعتبروا الحضارة ~~السومرية، ذات تأثير مباشر وغير مباشر في ديانات شعوب شرقي المتوسط حتى العصور الهلينية، # 2 # بل ويذهب هؤلاء إلى الزعم أن أهم المآثر الدينية السومرية، تعد حتى ~~اليوم أهم الأعمدة، لأهم المآثر الدينية الحالية في منطقتنا، ناهيك عن لغتهم ~~وطريقتهم التي ابتكروها والمعروفة بالكتابة المسمارية التي ظلت طوال العصور التالية ~~لهم، حتى بعد زوالهم من تاريخ الدنيا، هي طريقة الكتابة المتبعة، والتي أخذها عنهم ~~الغزاة من المهاجرين الساميين، ليسجلوا بها مآثرهم الحضارية، مما ساعد على انتشار ~~أصرح للمآثر السومرية بين الشعوب السامية أما الساميون الذين تسيدوا المنطقة بعد ~~غروب النجم السومري، فكانوا جميعا من أصل واحد، وجنس واحد، بجملة عادات وتقاليد ~~واحدة، مما سهل حمل الأفكار والمعتقدات فكانت اللغة السامية وسيلة اتصال جيدة (رغم ~~تشعبها إلى لغات متعددة عبر تباعد اللهجات بتباعد الأمكنة والأزمنة)، بينما ظلت ~~طريقة الكتابة المسمارية وسيلة توصيل دائمة الجودة. # وسعيا وراء ذوي التخصص، ولو مؤقتا، ونظرا لما لدينا من تحفظات سنطرحها في ~~حينها، فسنبدأ عملنا للكشف عن منابع سفر التكوين، بدراسة ما رآه الباحثون تراثا ~~أعرق وأقدم في المنطقة، أقصد المنابع السومرية. # | المجتمع # حاول الباحثون باستمرار - وهم في أغلبهم غربيون - أن يلقوا في روعنا أن أي ~~محاولات لاستطلاع أمر الرافدين قبل السومريين، هي محاولات عقيمة لن تصل أبدا إلى ~~يقين؛ لأنه رغم أن الإنسان استوطن جنوبي وادي الرافدين قبل ما يزيد على خمسة آلاف عام ~~من الميلاد بزمان طويل، # 1 # فإننا لا نعرف إلا القليل النادر عن هؤلاء السكان، لعدم وجود مدونات ~~خطية، فلم تكن الكتابة اختراعا معروفا بعد، وكل ما نعلمه أنه كان هناك مستوطنون في ~~المنطقة قبل السومريين، كان أشهرهم ما أطلق عليه اصطلاحا «عصر العبيد»، نسبة إلى ~~المكان الذي عثر فيه على آثارهم ويسمى الآن تل عبيد، وانتهى أمرهم بالانقراض مع ~~الفيضان العاتي لدجلة والفرات المعروف في الملاحم الدينية بالطوفان. # ورغم ms05 أن هؤلاء الباحثين يندفعون في أغلبهم إلى اعتبار هذه الفترة السابقة على ~~السومريين، فترة حضارة سومرية أيضا، فإن باحثا شهيرا في الأثريات السومرية هو ~~«صموئيل نوح كريمر»، يذهب إلى أن حضارة السومريين إنما كانت ناتج تلاقح واضح بين شعب ~~العبيد، المرجح عند «كريمر» أنه سامي الأصل، وبين الشعب السومري الذين هم في رأيه ~~الوافدون الأغراب عن المنطقة، ثم يعقب بقوله: إنه ~~«نتيجة للإخصاب المتبادل، ظهرت إلى الوجود أول مدنية راقية نسبيا في بلاد سومر.» # 2 # هذا مع أخذنا بالحسبان تأكيد «لويد # Loide ~~» أن السومريين لم يصلوا إلى جنوب الرافدين، إلا حوالي منتصف ~~الألف الرابعة قبل الميلاد. # 3 # لكننا - رغم إشارات باحث مثل كريمر - سنظل الآن مع الرأي الغالب، فنبدأ دراستنا ~~مع السومريين، بحسبانهم لدى الباحثين في مجملهم بداية وأصل الحضارة في شرق ~~المتوسط. # ومع بداية الألف الثالثة قبل الميلاد، يمكننا أن نرسم صورة غير دقيقة المعالم ~~تماما للمجتمع السومري، الذي شكل حضارة زراعية في هذه المنطقة النهرية الخصبة، في ~~شكل مشتركات قروية، في البداية. ولم تكن التجارة والنقود متطورتين بشكل واضح - ~~فيما يخبرنا به شيسنو، # 4 # أما الملكية فقد أخذت شكل الحيازة الفردية ضمن المجموع، المالك الحقيقي، ~~بحيث إن ما كان يخص الفرد، إنما كان ضمن المشترك بوصفه عضوا متحدا به، # 5 # بل ويعلمنا «فرانكفورت # Frankfort ~~» أن كل ~~شيء كان ملكية جماعية، حتى أدوات الفلاحة والبهائم. # 6 # ومع مرور الزمن، في بيئة طبيعية متقلبة لا تعرف الاستقرار، وإزاء العواصف غير ~~المتوقعة، والفيضانات المفاجئة ارتبط هؤلاء بقوى غير منظورة، ربطوها بظواهر الطبيعة، ~~وتمثلوها فيها، وعبدوها رغبة ورهبة، واستشعروا إزاءها التبعية التامة، لكن ~~يبدو أن ذلك لم يكن بحد ذاته كافيا لجلب النفع من الطبيعة، ~~أو على الأقل لدرء غضبها وكوارثها؛ ومن هنا احتاجت ~~الأمور إلى تكاتف القوى البشرية مع القوى الإلهية، عن طريق وسيط بشري، يتسم ~~بمواصفات رأوها آنذاك علامات لصلة جيدة بالآلهة، فكان هذا الوسيط هو الوساطة ~~الناجعة مع الآلهة، فكان ذلك هو الشكل الرئاسي البدائي لإدارة شئون الجماعة، بقصد ms06 تقليل ~~أخطار الطبيعة وجلب نفعها، عن طريق إدارة شئون العمل البشري الفعلي المتكاتف ، في ~~تنظيم أمور الري والزراعة، والتخفيف من نتائج الكوارث وتنظيم القدرات في مواجهتها، وفي ~~الوقت نفسه يتم ذلك بعلاقة الوسيط مع الآلهة، التي توحي له بأفضل السبل لتوقي ~~أخطار كانت هي اليد الفاعلة فيها! # ومن ثم تقاربت الجماعات لتشكل مجتمعا متحدا إزاء الطبيعة، وتخضع لهيئة ~~إدارية من المتصلين بالآلهة، لتمثيل المشترك أمامها. وقد كون هؤلاء فئة متميزة ~~وجهازا متراتبا، يعلوه شخص كفء، كحاكم مفوض من قبل المشترك، ومسئول أول أمام ~~أعضاء المشترك وأمام الآلهة في آن واحد. # ويبدو أن الأمر قد بدأ بنوع من التفويض المؤقت لفرد «أصبح يختار له معاونين فيما ~~بعد» من قبل أفراد المشترك جميعا، والذين كانوا يشكلون مجتمعا ديمقراطيا ~~بدائيا، يمكن تصوره على هيئة مجلس عام. ويؤكد لنا «هنري فرانكفورت # H. Frankfort ~~» أنه عندما ظهرت الكتابة، وجدنا إشارات لمجلسين ~~هما: المجلس العام ومجلس الكبار، # 7 # ومن ثم تفرغ هذا الفرد ومعاونوه من العمل البدائي، وركزوا جهودهم ~~الذهنية في التعامل مع الآلهة وقدراتها الطبيعية، بمحاولة قراءة هذه القدرات الظاهرة ~~والتنبؤ المستطاع بفعلها المستقبلي للمحافظة على نظم الري، وتلافي أو مواجهة مشاكل ~~قد تنتج عن تقلب المزاج الإلهي في الطبيعة، أو لمواجهة حروب طارئة مع مشتركات ~~مجاورة تحتاج إلى نشاط سريع وحاسم. # ومع استمرار الطوارئ، تحولت الحاجة لهذه الإدارة من حاجة مؤقتة طارئة إلى حاجة ~~دائمة مستمرة، مما أدى إلى ديمومة سلطة الوسيط ومعاونيه فتحول بالتدريج إلى كاهن ~~وحاكم كبير، كما تحول المشترك القروي بذلك إلى مشترك معبدي، يضم مجموعة مشتركات ~~قروية، لتظهر إلى الوجود دولة المدينة، التي تخضع ~~كليا لإله المدينة الأعظم، وبالتالي لنائبه ووسيطه الأرضي، حتى عد هذا الإله ~~سيدا إقطاعيا متغيبا (لبعض شئونه)، لكنه كان يثبت حضوره باستمرار بما يطلبه ~~من إنتاج أعضاء المشترك المعبدي، من قرابين ونذور وتضحيات وهبات، أدى تراكمها إلى ~~زيادة قدرات الكاهن الحاكم الوسيط، وبدأ يتحول بما يملك من مواد متراكمة وأحيانا ~~نادرة إلى ملك مطلق النفود. # وبمرور ms07 الزمن، أخذ الملك يتفرغ للعمل الإداري والسياسي، لمواجهة المشتركات الأخرى ~~التي تحولت بدورها إلى ممالك، تاركا مهمة الاتصال بالآلهة لأتباع فوضهم عنه لهذا ~~الغرض، ليصبحوا وسطاء يعقدون معها المحالفات، ويتلقون توجيهاتها ويسكنون ~~ثائرتها، ويبلغونها برغبات عبادها. ومن هنا بدأت تظهر ثلاث طبقات متمايزة، هي ~~الطبقة الإدارية أو البيروقراطية ممثلة في الجهاز الإداري الحكومي وعلى رأسه الملك ~~وحاشيته ومعاونوه ورجال جيشه؛ وطبقة الكهنة، وباقي جماهير الشعب التي تشكل الطبقة ~~الثالثة في الدولة. # وقد وجد الكهنة بالذات سبيلا سريعا للإثراء، من خلال إمساكهم بعنان المزاج الإلهي ~~إن رضا أو غضبا، مما أدى أحيانا إلى اصطدام الكهنة بالملك، مما كان يضطر ~~الملك إلى خلع الإله المزعج، وإعلان نفسه إلها، بانقلاب سلمي يمسك بزمام الكهنة، ~~وحينها كان نظام حكم المدينة يتحول إلى الشكل الاستبدادي المطلق. # لكن يبدو أن جدل التطور قد توقف بالسومريين عند حدود المدينة، فتحددت ملامح ~~حضارتهم بحدود الدولة المدينية، ومن ثم اتسمت هذه الحضارة بخاصية المدن ~~المستقلة، التي لم تعرف الوحدة الشاملة، إلا على يد الغزاة الساميين الذين أقاموا ~~الدولة الأكادية، إلا أن نظام المدن المستقلة السومري، لم يوقف عملية التطور ~~الداخلي لكل مدينة على حدة، فاستمرت عملية النمو الحضاري لكل مدينة تسير في طريقها ~~قدما، مع تبادل الفكر والثقافة وأهم المآثر الدينية، وكافة الأساليب الحضارية ~~المتيسرة لها، فيما بينها، وهو ما يعقب عليه «عبد العزيز صالح» بقوله: # وهكذا قطع السومريون أكثر من خمسة قرون من بداية عصر الأسرات العراقي، غابت ~~فيها الوحدة السياسية الكاملة عن آفاقهم، وذلك على الرغم من أن أهلها في ~~مجموعهم، كانوا يحسون تلقائيا بوحدة جنسهم، ويحسون بتقارب مذاهبهم ~~الدينية التي شجعتهم على أن يتمثلوا أربابهم في بعض آخر، وتخيلوا صفات ~~بعضها لبعض آخر. # 8 # ثم يحاول «نجيب ميخائيل» تعليل عدم قيام وحدة سياسية سومرية مركزية كبرى، وهو ~~الأمر الذي أنجزته مصر مبكرا بقوله: # إن الحياة في وادي الرافدين، كانت تختلف اختلافا بينا عنها في وادي ~~النيل؛ فوادي الرافدين أقل دفعا للوحدة السياسية، ومن ثم كانت هناك ms08 الدول ~~المدن التي تأخر توحيدها، وإن لم يقم ذلك حائلا دون تطورها. والعراق ~~القديم كان مفتوحا، بينما كانت مصر مغلقة؛ أسهم وجود الصحراء على جانبي ~~واديها في صيانة كيانها ورد كثير من الهجمات حتى استطاعت أن تغلق في كثير ~~من الأحيان أبوابها، دون الطامحين فيها. أما مجاورات العراق القديم، فأراض ~~خصبة، استطاعت أن تأوي إليها شعوب تهددها، وتعرض أراضيها للعدوان، الذي ~~كان يؤثر على ركب الحضارة، فيعطله أو ينال منه. # 9 # ومع ذلك فيبدو أن السومريين قد استشعروا نوعا من الوحدة القومية بينهم رغم الفرقة ~~السياسية، وهو ما يمكن أخذه من تأكيد الآثاريين: # إنه ليس هناك شك بأن السومريين كانوا يعتبرون أنفسهم من صنف الشعب المختار. ~~في أسطورة آنكي ونظام العالم، التي تعالج موضوع خلق آنكي للذاتيات الطبيعية ~~والحضارية والعمليات الضرورية للمجتمع المتمدن وتنظيمها، نجده يبارك بلاد ~~سومر بكلمات رفيعة، تكشف أن السومريين يعتقدون بأنفسهم كمجتمع، أو بالأحرى ~~مجتمع مميز ومقدس، متصل بالآلهة اتصالا أقوى من اتصال بقية البشر بها، ~~بشكل عام. # 10 # بل إنه رغم اعتراف المهتمين بالحضارة السومرية، أن السومريين مجموعة غريبة على ~~المنطقة، فإنهم يزعمونهم أصحاب ثقافة قدر لها السيادة على جميع أجزاء الشرق ~~الأدنى، فيقول «كريمر # Kramer ~~»: «وتتجلى هذه السيادة ~~الثقافية في عدة اتجاهات: ~~(1) # أن السومريين هم الذين طوروا، ومن المحتمل أنهم قد ابتكروا، طريقة ~~الكتابة المسمارية، التي اقتبستها جميع شعوب الشرق الأدنى على وجه ~~التقريب. ~~(2) # طور السومريون المفاهيم الدينية والروحية، كما أدمجوا مجموعة الآلهة ~~المختلفة على نحو رائع، فكان لهذا الدمج أثره العميق على شعوب الشرق ~~الأدنى، وبضمنهم العبرانيون والإغريق، إضافة إلى نفاذ الشيء الكثير من ~~هذه المفاهيم الروحية والدينية إلى عالمنا المتمدن، عن طريق الأديان السماوية.» # 11 # ويكمن ذلك عند «كريمر # Kramer ~~» في أنه قد «طور ~~السومريون خلال الألف الثالث قبل الميلاد، أفكارا دينية ومفاهيم روحية، تركت في ~~العالم الحديث أثرا لا يمكن محوه، خاصة ما وصل منها عن طريق الديانات: اليهودية ~~والمسيحية والإسلام؛ فعلى المستوى العقلي، استنبط المفكرون والحكماء السومريون، ~~كنتيجة لتأملاتهم في ms09 أصل الكون وطبيعته وطريقة عمله، نظرية كونية، وأخرى لاهوتية، ~~كانتا تنطويان على إيمان راسخ وقوي بحيث إنهما أصبحتا العقيدة والمبدأ الأساسيين، في ~~أغلب أقطار الشرق الأدنى القديم. وعلى المستوى العملي والوظيفي، طور الكهنة ورجال ~~الدين السومريون مجموعة من الطقوس والشعائر والاحتفالات، الغنية بالألوان والتنوع، ~~التي كانت تؤدى لغرض إرضاء الآلهة وتهدئتهم، بالإضافة إلى ما فيها من إشباع عاطفي، ~~لحب الإنسان للمهرجانات والمشاهد الضخمة.» # 12 # | الآلهة # وأهم ما يمكن احتسابه للفكر الديني السومري في رأينا، أنه استطاع مبكرا أن يفصل ~~بين الآلهة وبين أشكالها الطوطمية، فغلب على نقوش الآلهة الهيئة الإنسانية، بينما ~~احتفظت الذاكرة بالأصل الطوطمي كرمز ينقش قابعا إلى جوار الإله، أو يحمله الإله ~~بين يديه، أو يرسم على ثوبه، بعكس المصريين الذين لم يتحرروا تماما من الأصول ~~الطوطمية للآلهة، فجسموا الإله في الشكل الآدمي مع الاحتفاظ بالرأس الحيواني الأصلي. ~~ويبدو لنا ذلك ناتجا عن الفارق الطبوغرافي بين المنطقتين، حيث كانت مصر مغلقة ~~الحدود، متجانسة التكوين جنسيا وفكريا إلى حد بعيد، بينما كانت الرافدين بلادا ~~مفتوحة، تلاحقت فيها أجناس وثقافات متعددة، أدت في أحيان كثيرة إلى نوع من ~~التجريد المطرد، أدى إلى سلخ الآلهة من جذورها البدائية، وهى ظاهرة نلحظها أيضا ~~في تطويرهم الكتابة إلى نوع من الخط المجرد، ابتعد بسرعة عن أصله التصويري، بينما ~~ظل الأصل التصويري في الكتابة غالبا فترة طويلة على الكتابات الهيروغليفية في مصر، ~~ولم يتحرر المصريون منه بشكل واضح إلا بعد احتكاكهم بالشعوب الأخرى، وبعد غزوات ~~متعددة لأراضيهم في نهاية الإمبراطورية المصرية، وسقوط الدولة الحديثة، مما أدى ~~بالهيروغليفية إلى التحرر من التصوير والتحول إلى التخطيط لتتطور إلى «هيراطيقية، ~~ديموطيقية، قبطية». ولا شك لدينا أن هذا الميل إلى التجريد، قد صار خاصية لشعوب ~~شرقي المتوسط الأدنى عموما، لتشابه الظروف البيئية، وكان دافعا فيما بعد إلى ظهور ~~الفلسفة اليونانية، التي هي امتداد طبيعي لفكر المنطقة وتعد في المقام الأول فكرا ~~«أيونيا» مشرقيا، ومن خلال التفوق الفينيقي التجاري والبحري وما نتج عنه من ~~احتكاك اجتماعي، في الألف الأولى ms10 قبل الميلاد. # ومع ذلك فقد استمرت التعددية المفرطة هي سمة الديانة السومرية، حتى أمسى للفأس ~~إله، ولقالب الآجر إله، وللمسمار إله، ولكل فرد إله خاص به يحميه وفق طموحاته ~~الشخصية، يحابى فيه نزعاته وطموحاته وميوله، إضافة إلى افتراض رب أو ربة لكل ~~ظاهرة طبيعية، كبر شأنها أو صغر، كما افترضوا لأربابهم صورا بشرية ضخمة، وحياة ~~تماثل حياة البشر، تزاوجوا فيها وتناسلوا وتحابوا وتخاصموا وتقاتلوا، لكنها كانت ~~حياة سرمدية، ذات قدرات مطلقة. # أما عندما يكون وجود هذه الآلهة ضروريا في ذاتيات الكون الموكلة بها، فإنها كانت ~~تعيش في «جبل السماء والأرض» # 1 # وإني أتصور ذلك نوعا من الفصل بين آلهة عاملة (شغيلة) مرتبطة ~~باستمرار بالظواهر الطبيعية مطردة الحدوث، ودائمة التأثير المباشر في حياة الإنسان ~~السومري، وبين آلهة متفرغة للعمل الذهني النظري وللإدارة في جبل السماء والأرض، ~~ويحتمل أنها كانت الآلهة الكبرى. والظن عندي أن ذلك راجع إلى ظهور الكهنة ~~المفوضين للإدارة في المشتركات الأولى، التي تحولت إلى مشتركات قروية ثم معبدية، ~~مما طبع شكل المجتمع الإلهي، بما وصلت إليه أحوال المجتمع السومري اقتصاديا ~~وسياسيا؛ وكما تفرغ الكهان من العمل البدني للإدارة، فقد تفرغ مجموعة من ~~الآلهة وتحرروا من العمل الملاصق لعمل الطبيعة الدائم، وهو ما تدل عليه أسماء هذه ~~الآلهة، الذين شكلوا مجاميع إلهية أشهرها: # مجمع الآلهة مقررة المصائر، وعددهم سبعة. # مجمع الآلهة العظام، وعددهم خمسون إلها. # 2 # وفوق هذه الآلهة جميعا، كانت عناصر الكون الكبرى، ذات التواجد الدائم الثابت ~~(السماء، الأرض، الهواء، الماء)، آلهة لها خصوصيتها المتميزة باستمرار التواجد ~~المنظور، إزاء الآلهة الأخرى متغيرة الأحوال، التي لا تتسم بديمومة التواجد. ونذهب ~~إلى أن ملاحظة السومري المستمرة لجدل التأثير المتبادل بين الظواهر الأربع ~~الثابتة، في إنتاج الحياة، وضرورة استمرار هذا الجدل لضمان استمرار الحياة، كما لو كانت ~~مهمتها الإشراف على هده الاستمرارية وتتابعها؛ أقول: إن هذه الملاحظات قد سوغت ~~للسومري المتأمل، الاعتقاد أن هذه الظواهر الأربع إنما هي أربع من الآلهة، تكاتفت ~~معا لتقوم بخلق بقية كائنات الوجود، ومن ثم أطلق ms11 عليها «الآلهة الخالقة»، وهي: # آن # AN # الإله السماء. # كي # KI # أو «جي» # GI # الإلهة الأرض زوجة إله السماء. # آنليل # AN-LIL # الإله الهواء ابن إلهي ~~السماء والأرض. # أنكي # AN-KI # الإله الماء . # ويرجح «كريمر» أن تكون هذه الآلهة الأربع هي الأعضاء الكبرى في مجتمع السبع ~~المقررة المصائر، ويكون بقية هذا المجمع إذن هم الآلهة: # نانا # NANA # الإله القمر. # أوتو # UTO # الإله الشمس وهو ابن الإله ~~القمر. # إينانا # ENANA # إلهة كوكب الزهرة. # 3 # وإن كان موسكاتي يجعل من هذه الثلاث الأخيرة أسرة إلهية مثلثة تضم: الأب القمر ~~والأم الزهرة والابن الشمس. # 4 # وهكذا تكون مجمع الآلهة السبع مقررة المصائر، من أسرتين ثالوثيتين كل ~~منهما يشتمل على ثالوث (أب وأم وابن)، فشكلا معا ستة من الآلهة، بينما ظل سابعهم ~~«آنكي - الماء» حالة شاذة وسط هذا المجمع، باعتباره ليس عضوا في أي من الأسرتين ~~الثالوثيتين، وإن كان يكمل الأسرة الأولى لتصبح أربعا من الآلهة الخالقة، وهو أمر ~~حيرنا من البداية، لكنها حيرة أثمرت عن كشف هام، يعد واحدا من أعمدة هذا القسم ~~من بحثنا. # وحتى نتمكن من الوصول بقارئنا إلى الكشف المأمول، نقف أولا مع الآلهة الأربع ~~وقفة تفصيلية بعض الشيء، نستقي أخبارها من المصادر، فتطالعنا بأن: ~~(1) ~~«آن # AN ~~»: هو إله ذكر، وهو إله السماء، ~~والكلمة «آن» تعني أيضا السماء المنظورة ذاتها، وكانت في رؤيتهم سقفا ~~يعلوهم، ثم أصبحت «آن» بالتدريج علما ورمزا على الألوهية عموما، ~~فعادلت - بمعنى من المعاني - اسما للجلالة، تدل على ألوهية أي ~~مسمى إلهي، وبذلك حملت معنى السيادة والرفعة والسمو، لذلك كان «آن» ~~سيد الآلهة جميعا، باعتباره في نظرهم كان الأب الأول لكل الآلهة وسيد ~~الآلهة السبع المقررة المصائر. # 5 # ويقول «كريمر»: إن الأسباب التي أدت إلى تسيد «آن» مجموعة الآلهة ~~السومرية، أسباب غير معروفة. # 6 # لكننا نتصور وببساطة أن رؤية الرافدي القديم للسماء بفسحتها ~~واتساعها، وتعدد الألوان والأحداث والظواهر فيها مع ضخامة هذه الظواهر، ~~وجسامة هذه الأحداث، ومطرها الذي يشكل للأرض مني الحياة، ثم إحاطة ~~السماء للأرض في الأفق، وتغطيتها ms12 من جميع جوانبها؛ كل ذلك كان كفيلا ~~بتصورها بما يلائم عظمة اتساعها ورحابتها وتعدد الإمكانات فيها، ~~مقابل ضيق المساحات المرئية أمامه بشكل مباشر على الأرض، التي مهما ~~بلغت مظاهرها هولا وغرابة، فإنها لم ترق أبدا في نظره إلى درجة ~~ظواهر السماء، مع أخذنا بالحسبان عدم التماس المباشر بينه وبين ~~السماء، مما جعلها مجهولا دائما يقع في نفسه موقع الجليل، بما له من ~~هيبة ورغبة واحترام وتقديس، فكان أن تصور السماء أعظم الآلهة، وأبا ~~أولا دائم الاقتدار، بتواصل وديمومة مستمرة، يخصب الأم الكبرى ~~«كي # KI ~~» الأرض، وهو يحتضنها ليلقي في ~~أحشائها بدفقات ماء الحياة. ومن هنا ظلت السماء «آن»، وظل الإله «آن» ~~يقع في الوهم الإنساني - حتى اليوم - موقعه القديم، فنتحدث عن الإله ~~مجازا فنقول: السماء، أو نتصوره قابعا على عرش في بيت إلهي في ~~السماء، أو ننفعل فنقسم أغلظ الأيمان بحق السماء! ولا يبقى عن «آن» ~~الآن، سوى ترجيحنا أن يكون هو نموذج الأب الأول في مشترك العشيرة ~~البدائي. ~~(2) ~~«كي # KI # أو جي # GI ~~»: وهي إلهة أنثى هي الأرض تعددت أسماؤها وشخصها ~~واحد، فهي كزوجة للسماء الذكر «آن # AN ~~» ~~تسمى «أنتوم # AN-TUM ~~» # 7 # مؤنث الكلمة «آن # AN ~~» وهي أيضا «نينماه أو ~~نينا ماه # NIN-MAH ~~»، # 8 # والاسم «نينماه» يشير إلى مدلول هذه المعبودة في الذهن ~~السومري، فهو مركب من ملصقين: «نن # NIN ~~» بمعنى السيدة أو العظمى، أو السيدة العظمى. ولا ~~زلنا ننادي الأم، والأم الكبرى (الجدة) باللفظ «نينا»، والملصق الثاني ~~«ماه # MAH ~~» أي الأم، وتصبح الترجمة: ~~السيدة الأم، أو الأم العظمى أو الأم الكبرى، كما عرفت «كي» أيضا باسم ~~«نينتو # NINTO ~~» # 9 # وهو اسم يحمل أيضا معنى الأمومة، لأن «نن = السيدة + تو = ~~تلد» أي السيدة التي تلد، أو السيدة الوالدة، أو إيجازا: الوالدة. كما ~~سميت أيضا «أرش # ARSH ~~» بمعنى أرض، كما ~~حازت على الألقاب «مامي # MAMY ~~» ~~و«ماما # MAMA ~~» و«ما # MAH ~~»، # 10 # وكلها تحوي «ميم» الأمومة. # وقد شكلت «كي» مع «آن» فكرة ابتدائية عن نشأة الحياة على الأرض أو ما ~~يمكن اعتباره ms13 سفرا بدئيا للتكوين، صادقا صدق بدائيته، مطابقا ~~لراسب خبرات الإنسان، وملاحظاته، عن دور مطر السماء أو مني «آن» ~~وفعله في الأم الأرض لتنتج الحياة، لكن هذا السفر يقف عند هذا الحد ~~عندما يبدأ الخيال الإنساني يتدخل في صناعة الفكرة، ليأخذ التكوين خطا ~~آخر أكثر تعقيدا من بساطة الحقيقة. ~~(3) ~~«آنليل # ANLIL ~~»: وهو إله ذكر، هو إله ~~الهواء وهو الضلع الثالث، في ثالوث: الأب فيه آن والأم كي والابن آنليل. ~~وعنه يقول «جان بوتيرو»: ~~«آنليل يعني باللغة السومرية، سيد الريح والعاصفة ومجال عمل آنليل هو ~~الأرض، فهو الذي يسير البشر ... وقد لقب السيد.» # 11 # ولنلحظ أن الاسم «آنليل» مركب من «آن» = سيد أو إله أو ~~رب + «ليل» وهي مادة ما بين السماء والأرض من هواء ورياح وسحب، ويقول ~~«نجيب ميخائيل»: إن كلمة آن ليل تعني أصلا سيد الريح والروح، وهو لم ~~يأخذ لقب سيد الأرض إلا فيما بعد ... ومعبده هو «بيت الجبل # E-KUR ~~»، # 12 # ويقول «عبد الحميد زايد»: «إن آنليل هو سيد ما بين السماء ~~والأرض، فهو إله الهواء وما يتعلق به، كما لقب أيضا بأبي الآلهة ... ~~كما يقود آنليل الآلهة إلى الحرب، فهو يمثل القوة والبطش، فكان آن يرأس ~~الاجتماعات في مجمع الآلهة، وكانت وظيفة آنليل تنفيذ أحكام هذا المجمع، فآن ~~وآنليل هما العنصران الرئيسيان، وكانت وظيفة آنليل تنفيذ أحكام هذا المجمع، ~~فآن وآنليل هما العنصران الرئيسيان في الدولة، هما السلطة التشريعية ~~والتنفيذية، وقد عهد إلى آنليل بالمحافظة على ألواح القدر.» # 13 # ومن ألقابه سيد جميع البلدان، أبو جميع الآلهة، مقرر ~~المصائر، الذي لا رجعة لقراراته، الذي يمتلك ألواح القدر الذي فصل أباه ~~السماء عن أمه الأرض، خالق الفأس أداة العمل، الجبل العظيم. هذا وكان ~~مقر عبادته في مدينة نفر، وكان هنالك تقليد سنوي، تذهب فيه بقية آلهة ~~المدن لطلب الرحمة والبركة من آنليل لحكام مدن هذه الآلهة، وهو الإله ~~الوحيد الذي اغتصب أنثاه ننليل، فأنجبت منه القمر نانا.» # 14 # مع ملاحظة هامة هي أن رمزه التصويري كان ذات رمز إله ms14 ~~السماء آن. # ويقول «كريمر» إنه «... يوجد في أقدم التصانيف السومرية المنشورة عدد ~~كبير من القطع الأدبية التي نطلق عليها اسم المراثي، نرى فيها الإله ~~«آنليل» يقوم بذلك العمل البغيض، وهو القيام بإحداث الدمار وتنفيذ الكوارث ~~والبلايا، التي كانت تأمر بها الآلهة لسبب من الأسباب، وهذا هو السبب في ~~وصم آنليل بأنه إله شرس مدمر في كتابات الباحثين القدماء في الشئون ~~السومرية، ولكن الحقيقة هي أننا لو حللنا التراتيل والأساطير لا سيما ~~ما نشر منها منذ عام 1930م، لألفينا الإله آنليل وقد مجدوه بصفته ~~إلها رحيما، يتحلى بالحنو الأبوي، ويعنى بسلامة جميع البشر وخيرهم.» # 15 # وبالاجتهاد يمكننا فهم هذا التضارب في شخصية آنليل ويمكننا تفسير ~~استطاعته إزاحة أبيه «آن» ليتحول إلى رمز مسلوب السلطان، وهو أمر شائع ~~في الميثولوجيا الشرقية عموما، في قصة الابن الذي يتفوق على أبيه ~~ويسلبه سلطاته، وهو ما يبدو لنا صدى طبيعيا لواقع أحوال الإنسان ~~البدائي قبل استقراره وتحضره، حيث كان الأب القوي يظل سيدا أو حاميا ~~للقطيع حائزا لكل الإناث، حتى يظهر من ~~بنيه ذكر قوي ينافسه السيادة وحيازة الإناث، فينازعه سلطانه ويدعوه ~~للنزال، في وقت يكون فيه لعامل السن دوره، في إزاحة الأب الكهل، ~~ليحل الابن الشاب القوي محله في سيادة القطيع والذود عنه، ~~ويتحول هو إلى أب جديد للقطيع، لكن هذه السيادة الأبوية البدائية، بدأت ~~تفقد سلطانها مبكرا مع التطور الاجتماعي، عندما أصبحت السيادة تحتاج ~~إلى مقومات أكثر من مجرد الأبوة، أو القوة الجسدية واستدعت وجود ~~كفايات متعددة في سيد العشيرة، المفوض من مجموعة عشائر مؤلفة من ~~مشترك بدائي، مما أدى إلى ضرورة التحول نحو قانون جديد، فرضته ~~ظروف التجمع الأكبر؛ حيث ساد مجموعة من رؤساء العشائر الآباء، تحول ~~أحدهم إلى أب مفوض للمجموعة العشائرية المتحدة في مشترك قروي ثم ~~معبدي ليكون همزة الوصل بين الأب القديم الذي تحول إلى إله غائب، وبين ~~أفراد المشترك، أو بين الآلهة عموما وبين الناس، في شكل كاهن رئيس، ~~متحرر النفوذ من أسر مجلس القبيلة العام. # أقول: عندما ms15 فقد الأب البدائي سلطانه في المجتمع الأكبر، انعكس ذلك على ~~عالم الآلهة، ففقد إله السماء سلطانه الأبوي، المتصف في الأساطير ~~بالحنو البالغ والشفقة، وظهر ولده آنليل، وقد حدث ذلك على ما يبدو ~~بالتدريج البطيء الذي حدث به في عالم البشر، حتى صار «آن» مجرد شخصية ~~هلامية مبهمة غامضة في مجمع الآلهة، وإن ظل محتفظا باحترامه كأب أول ~~خالق، لكن مسلوب السلطات. # وكما تحول الأب المفوض في المجلس العام بالمشترك البدائي إلى حاكم ~~متحرر النفوذ، تحول آنليل بمفهوم الألوهية من الرحمة إلى الشراسة، ~~يمتلك أقدار الناس وأقواتهم (الذي يمتلك ألواح القدر)، ويتفرغ للعمل ~~الذهني لتطوير أدوات الإنتاج (خلق الفأس أداة العمل)، وينظم أعمال الناس ~~(يسير البشر)، ويقود الجيوش (يقود آنليل الآلهة إلى الحرب)، لذلك أصبح ~~«سيد جميع البلدان»، وتوجب «أن تذهب إليه بقية الآلهة لطلب الرحمة.» ~~باعتبار الحاكم الذي يمثل آنليل مفوضا من جميع العشائر المتحدة ~~وسيدا متحرر النفوذ محل الأب البدائي، وهو ما ترك أثره في تصويره ~~الرمزي، بنفس رمز الأب آن. ~~(4) ~~«أنكي # ANKI # أو آنجي # ANGI ~~»: وهو إله ذكر، يتركب اسمه من ملصقين «آن = ~~السماء + كي = الأرض»، أي «السماء والأرض» وبترجمة بعض الباحثين «السيد ~~الأرض» باعتبار «آن» تعني السيادة والجلالة أيضا، فهو بذلك إله الأرض، ~~لكن هذا يتضارب مع حقيقة ميثولوجية متواترة في ميثولوجيا البلدان ~~الزراعية، حيث الأرض دوما إلهة أنثى ~~كمصدر للحياة، كما يتضارب مع أخرى هي أن آنكي كان يعد لدى السومريين ~~إلها للماء وكان بهذه الصفة إلها ذكرا، حيث كان سكان المناطق الخصبة ~~ينظرون إلى الماء كمني للأرض، وسائل يخصب الأنثى الأرض لتحمل ~~بالزرع. # وسمي آنكي باسم آخر هو «آبسو # ABZU ~~» ~~وهو بدوره ملصق من كلمتين «آ # A ~~= ~~الماء» + «بسو # BZU ~~»، ويترجم الباحثون ~~« # BUZ ~~» بمعنى البعيد أو العميق، # 16 # ويقول «نجيب ميخائيل»، إنهم قصدوا بذلك المياه الجوفية، # 17 # لكن الغريب في بابه أن هذا الإله، وهو رابع الآلهة الخالقة ~~الأربعة، المكونة من أسرة ثالوثية «آن، كي، آنليل»، مضافا إليها «أنكي» ~~رغم كونه ليس عضوا في الأسرة! ms16 ثم لماذا يكون «أنكي» ماء العمق أو المياه ~~الجوفية بالذات، كعنصر إحياء فاعل في عملية الخلق؟ لماذا لا تكون مياه ~~الأمطار أو الأنهار هي صاحبة هذا الدور الخالق، في بلد يغمره النهران ~~العظيمان: دجلة والفرات؟ # الحقيقة أني وقفت مع «أنكي» أو «آبسو» وقفة طويلة، انتهيت منها إلى ~~اعتباره فعلا ذكرا هو الماء، لكنه ماء إلهي أو هو مني الإله «آن» ~~السماء، الذي زرعه في رحم الأم الأرض «كي». وهو ما يفسر لنا تركيب ~~اسمه من السماء والأرض معا (آن + كي)، فهو الفعل المشترك لأبوي الحياة؛ ~~هو ماء الحياة الذي استقر في رحم الأرض لتظل دائما مصدرا مستمرا ~~للحياة مما يفسر غياب «آن» وتواريه، بعد أن قام بالمطلوب منه دفعة ~~ومرة واحدة، ثم ترك لمائه أن يفعل فعله المستمر في إنتاج حياة مستمرة، ~~وهو أيضا ما يفسر لنا تأليه «أنكي» كإله خالق، رغم كونه ليس عضوا في ~~الأسرة الخالقة الثالوثية، فهو خالق باعتباره مني «آن»، أو هو روح ~~قدسية منه حلت في حشا الأم الأرض «كي». ويلتقي ذلك مع اعتقاد السومريين ~~أن مياه الأنهار تنبع من مياه العمق تحت الأرض، وهو ما يشككنا في ترجمة ~~«آبسو» بماء العمق فكلمة «آبسو»، نعم، تحمل معنى الغور والبعد، لكنها ~~مع فهمنا للأمر تتضح، فتصبح «المياه الكامنة في الرحم». وأقترح ~~الترجمة الأدق وهى «السائل المخصب»، ويدعمني في ذلك أن الإله ~~«دومو زي آبسو # DUMU-ZI-ABZU ~~» يترجم ~~اسمه إلى «الابن الحقيقي لمياه العمق»، # 18 # علما أنه كان إلها للخصب ~~وموكلا بإخصاب الأرض، إضافة إلى أن «آنكي» باسم «آبسو» كان يعد خالق ~~الزرع والحياة والبشر، أو نصيا «الذي خلقت يداه البشر» # 19 # هو «خالق العالم»، # 20 # وإن تحليلنا هذا، وترجمتنا تلك، توضح لنا: لماذا أدخله ~~السومريون ضمن الآلهة الخالقة، رغم كونه ليس فردا في الأسرة الثالوثية ~~الخالقة، وهو ما ينقلنا إلى بحث الدور الذي قام به كل من الآلهة ~~الأربعة، في عملية الخلق. # | التكوين الكوني # عندما لم يكن العلم بجغرافية الأرض قد اتسع بعد، تصور السومريون الأرض قرصا ms17 ~~منبسطا هو الدنيا، محدد بحدود لا تتجاوز الهند شرقا والبحر الأبيض المتوسط غربا، ~~وبلاد الأناضول والقوقاس شمالا، والخليج العربي وبعضا من المحيط الهندي، وجزيرة ~~العرب، جنوبا. # ويقع تحت هذا القرص، عالم تحت أرضي سفلي، هو مقر الأموات، ويلي مقر الأموات ~~مياه العمق، التي اتفقنا على ترجمتها ب «السائل المخصب آبسو # ABZU # أو أنكي # ANKI ~~»، ولو صعدنا على ~~وجه القرص الأرضي، نجد هناك قرصا آخر يعلوه هو السماء، مقر «آن» وكثير من الآلهة، ~~وهو قرص محدب في شكل قبة صلبة تحيط بالقرص الأرضي من جميع جهاته، ثم ما بين ~~القبة السماوية والقرص الأرضي، يمرح الريح أو الهواء أو الروح أو الجو أو الأثير، تلك ~~المادة التي أسموها «ليل # LIL ~~» وكل هذا في مجموعه يقف ~~راكدا في بحر لا متناه يحيط بالكل من جميع الجهات، وهذا البحر اللامتناهي كان في ~~اعتقادهم منبع كل الوجود ومادته الأولى، # 1 # وهذا هو كل شيء، كل الكون: منظورا وغير منظور. # ورغم أنه لم تصلنا عن السومريين نظرية متكاملة، توضح آراءهم في كيفية وجود ~~العالم ونشأته، في الآثاريات المكتشفة حتى الآن على الأقل، فإنه يمكن استخلاص سفر ~~تكوين سومري، من خلال دراسة متأنية للنصوص المتفرقة في أساطيرهم وآدابهم المتعلقة ~~بالخلق، مع أخذنا بالحسبان أن هذه الأساطير ليست بالسذاجة التي تبدو ظاهرة فيها، ~~إنما هي لغة لها خصوصيتها ومفرداتها المتميزة، واصطلاحاتها الخاصة، لتبليغ ما تريد ~~من حقائق مقررة في نظر أصحابها مع اعتبارنا لمراحل التطور التدريجي التي سار فيها ~~الفكر الإنساني بادئا من مثل هذه البدايات الأولى. # وكغيرهم من الشعوب، تأمل السومريون في طبيعة الكون وأصله، ونشأته، فظهر لديهم في ~~غضون الألف الثالث قبل الميلاد، طائفة من المفكرين والحكماء حاولوا إشباع هذا الفضول ~~المعرفي، بوضع إجابات مرضية، للتساؤلات التي أثارها تأملهم في الكون وطبيعة ~~الأشياء، دفعت الآثاريين إلى حد الزعم أن السومريين وصلوا إلى آراء ومعتقدات ~~ومبادئ، أصبحت أساسا لعقائد شعوب الشرق الأدنى، # 2 # ودفعت بنا نحن إلى جمع شتاتها من الأساطير والملاحم، لتعطينا سفرا ~~سومريا للتكوين، يمكن ms18 أن تتضح سماته تدريجيا مع بحثنا هذا. # وسعيا وراء هدفنا هذا، نجد في اللوح الذي يعدد أسماء الآلهة السومرية تقريرا ~~لمبدأ يقول: إنه في البدء كانت «نمو # NAMU ~~»، وقد عبر ~~الخط المسماري عن «نمو» بالمقطع الصوري الذي يعبر عن البحر، ووصفت «نمو» بأنها الأم ~~التي ولدت السماء والأرض، وهو ما يصور لنا الوجود قبل التكوين كمحيط أو غمر من ~~الماء الأولي الأزلي، وهو تصور غالب على ثقافات الشعوب القديمة التي اعتقدت بخروج ~~الآلهة من محيط عظيم، كان هو الوجود الأول قبل أن توجد كائنات الطبيعة. # وقد فسرت مدرسة التحليل النفسي انتشار نظرية الميلاد المائي لدى الشعوب القديمة، ~~باعتبارها انعكاسا لذكرى كامنة في لا شعور الإنسان، حول حالة الجنين في الماء ~~الرحمي للأم، سابحا في بحره الأول. ويذهب بعض الباحثين مثل «فراس السواح» إلى تفسير ~~ميلاد الأرض والسماء من البحر الأول، بأنه وسط الماء ظهرت جزيرة يابسة على هيئة جبل، ~~قبته السماء وقاعدته الأرض # 3 # والسماء هي ما عرفناه باسم «آن # AN # إله ~~ذكر»، والأرض هي ما عرفناها باسم «كي # KI # أو ~~جي # GI # إلهة أنثى»، وأنه نتيجة التزاوج بين القبة ~~«آن» والقاعدة «كي» جاء الابن الإلهي في أول أسرة ثالوثية «آن ليل»، والاسم الإلهي ~~«آنليل» ملصق كما أسلفنا من كلمتين «آن = لفظ جلالة + ليل = مادة ما بين السماء ~~والأرض» ذلك الإله الذي شب مبكرا عن طوقه، ففصل أباه عن أمه الأرض، ورفع الأب ~~إلى الأعالي (سماء)، وحط بالأم إلى الأسفل (الأرض). وقد جاء ذلك متفرقا ~~مشتتا في عدة أساطير، نقتطع بعضا مما جاء فيها، مثل أسطورة خلق الفأس (ترجمة ~~كريمر)، التي تستهل بمقطع يقول: # الرب الذي يملك حقا # هو الذي أظهر للعيان # الرب الذي لا يتبدل في أحكامه آنليل # الذي يجلب البذور إلى الأرض ليزرعها # تولى برعايته فصل السماء عن الأرض # تولى برعايته فصل الأرض عن السماء. # 4 # إلا أن «فوزي رشيد» الباحث العراقي في السومريات، يعطينا ترجمة أخرى لذات ~~المقاطع، فيقول: # السيد الإله آنليل # قد جعل كل ما هو ms19 نافع، يبدو ناصعا # السيد الذي تقريره للمصير لا يمكن أن ~~يتغير # قد أسرع لفصل السماء عن الأرض # قد أسرع لفصل الأرض عن السماء. # 5 # وفي ملحمة أخرى، لم يتم التعرف على عنوانها بسبب ما أصابها من تلف، اصطلح ~~على تسميتها « # KAR.4-Mathos ~~»، جاءت أبيات تقول: # عندما فصلت السماء عن الأرض # بعدما كانتا متصلتين # ظهرت الإلهة الأم # وبعدما وضعت الأرض وثبتت في مكانها # وبعدما وضعت الآلهة قواعد السماء والأرض # وبعدما نظمت الآلهة الجداول والقنوات ~~وثبتت # شواطئ دجلة والفرات # جلست الآلهة: # آن # آنليل # أوتو # آنكي. # 6 # وقبل أن نمضي في استقصاء قصة التكوين السومرية من المتفرقات المتناثرة، نقف ~~هنيهة مع ما أسلفنا ذكره، لنحدد الأمور بشكل أقرب إلى الدقة والوضوح، ~~فنقول: # إن الاجتهاد في تفسير خروج السماء والأرض من البحر الأول (كما ورد عند الباحث ~~سواح)، على أنه خروج لجزيرة أو جبل من الماء الأول، قبته السماء وقاعدته الأرض، هو ~~اجتهاد لا مبرر له، كما أنه لا سند له فيما بين أيدينا من ملاحم وأساطير، وكل ما ~~وصلنا هو إشارات عامة عن اعتقاد بوجود محيط ماء أزلي، ومنه كانت السماء «آن» ~~والأرض «كي»، ومنهما جاء «آنليل» ليفصل بينهما، ولا شيء زيادة على ذلك في هذا الجزء من ~~التكوين السومري. ومن هنا أتصور الفهم الأصح، هو أن هذا المحيط البدئي كان ذكرا ~~وأنثى في ذات الوقت، أي أنهم تصوروه كائنا لديه قدرة التوالد الذاتي، فكان فيه ~~الماء المذكر، والماء المؤنث، وهو ما ستؤيده قصة التكوين الأكادية والبابلية، التي ~~سنفصل القول فيها فيما بعد، بعدما عثر عليها شبه متكاملة. ويزعم الباحثون أنها ~~أخذت مادتها وتفاصيلها عن التراث السومري، فأكدت القصة الأكادية أن البدء كان ماء ~~ذكر وماء أنثى، أنجبا سلسلة كيانات الوجود على التوالي، # 7 # وهو ما يدعم فهمنا المبدئي الحالي للتكوين السومري. # ونتيجة لتلاقح هذا الكائن المذكر المؤنث مع ذاته، أنجب كيانا جديدا هو «ليل»، ~~الذي ترجم بمعنى الهواء، وأرى أنه يحمل في اسمه أيضا معناه الذي حملته كل اللغات ~~السامية بما فيها العربية، ms20 بمعنى الليل أو العتمة، وبإضافة اسم الجلالة السومري «آن» ~~يصبح «آنليل # AN-LIL ~~»، وفي اللغات السامية بدءا من ~~الأكاديين الذين حلوا محل السومريين في الرافدين يحل اسم الجلالة السامي «إيل أو ~~إل # EL ~~» محل اسم الجلالة السومري «آن»، فيصبح ~~«آنليل» هو «الليل # EL-LIL ~~». # 8 # ويساعد على فهمنا هذا، أن «نانا # NANA ~~» إله الليل ~~وهو القمر متولد أصلا في المفاهيم الرافدية من الهواء، وتؤكد الأساطير الرافدية ~~أن القمر ابن «آنليل»، ومن هنا نعتقد أن الهواء والليل حملا معنى واحدا لدى ~~السومريين. # وهكذا جاء الهواء أو الليل أو العتمة أو الظلمة «آنليل»، ليفصل في الغمر أو البحر ~~الأول «نمو» بين مياه ومياه، فرفع المياه الذكر إلى الأعلى لتصبح سماء وحط ~~بالمياه الأنثى إلى الأسفل لتصبح أرضا وفي ذلك ما يفسر لنا اعتبار الإله ~~«أنكي # ANKI ~~» إلها للماء، كما يلتقي مع تصور ~~الأقدمين للسماء كبحر علوي، تهطل منه الأمطار والسيول، عندما تفتح أبوابه بماء ~~منهمر. # وبذلك تمكن «آنليل» من أن يحدد في الماء الأول بين ماء ذكر وماء أنثى، ~~ويفصلهما عن بعضهما، حدد لكل منهما هويته وذاتيته وشخصيته المستقلة، وهو ما يمكن ~~فهمه من ترجمة كريمر السالفة «هو الذي أظهر للعيان.» والتي حاول «فوزي رشيد» أن يجعلها ~~أوضح في ترجمته لنفس النص «قد جعل كل ما هو نافع يبدو ناصعا.» أي واضحا ومحددا ~~ومستقلا بشخصه، وأتصور أنه حتى «يظهر للعيان» ويجعل كل ما هو نافع «يبدو ناصعا»، ~~كان لا بد من عمل آخر هو أن يحيل الظلمة التي على وجه الغمر البدائي إلى ضياء، يظهر ~~للعيان ويجعل المرئيات ناصعة واضحة، لذلك جاء في زعم «كريمر» أن «آنليل» هو الذي جاء ~~بالإله الشمس «أوتو # AUTO ~~»، ولعل أوضح تأييد لفهمنا ~~هذا ما سجلته نهاية المقاطع التي أوردناها من أسطورة ~~« # KAR.4-METHOS ~~»، أقصد: # وبعد ما وضعت الآلهة قواعد السماء # والأرض، # جلست الآلهة: # آن # آنليل # أوتو # أنكي. # ويظهر هنا «أوتو» الشمس، مقرونا بظهور الكيانات الكبرى في الوجود، ويأتينا الإله ~~«أنكي» إله الماء، بديلا عن «كي» الأرض ضمن الأربعة الخالقة ms21 التي عرفناها، والتي ~~اختفت منها في هذا النص الإلهة «كي»، مما يوحي بما زعمناه، حول حسبانهم الأرض كانت ~~أصلا مياها، انفصلت عنها مياه السماء، ثم وبعد عناء عملية الخلق الكبرى تلك، جلست ~~الآلهة على عروشها، أو استراحت، أو استوت. # | التكوين الكائني # مع أسطورة «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» نتابع بحثنا عن حقائق سفر التكوين ~~السومري، فيوقفنا مقطع واضح في مقدمتها. # يقول: # بعد أن ابتعدت السماء عن الأرض # بعد أن انفصلت الأرض عن السماء # بعد أن عين اسم الإنسان # بعد أن أصبحت السماء بحوزة «آن» # بعد أن أصبحت الأرض بحوزة «آنليل». # 1 # ونفهم من ذلك، أنه بعدما انتهى «آنليل» من فصل السماء عن الأرض وبعدما نظم كونه، ~~وبعدما تقرر خلق البشر على الأرض (بعد أن عين اسم الإنسان)، اتحد «آنليل» ~~بأمه الأرض، بعد أن أزاح أباه، وهو ما يلتقي مع فروض مدرسة التحليل النفسي، في رغبة ~~الابن إزاحة الأب والاستيلاء على الأم، خاصة أن أفعال «آنليل» الخالقة تتوقف عند ~~هذا الحد، ولا يظهر له دور في عملية خلق الإنسان، فيما تحت أيدينا من نصوص، كما لو كان ~~تحقيقا لرغبة موقوفة التحقيق والنتيجة، فلا هو ينجب من أمه الأرض، ولا هو ~~يعاشرها أصلا (كما لو كان تحقيقا لفكرة التابو والتحريم ضد الرغبة)، إضافة إلى ~~أن النص: «بعد أن أصبحت الأرض بحوزة آنليل.» يلتقي مع ما سبق وافترضناه في اقتران ~~ظهور «آنليل» على سائر الآلهة، أو على الأب «آن»، ببداية سلطة الحاكم الكاهن في ~~المشترك المعبدي (بعد أن أصبحت الأرض بحوزة آنليل). # وفيما يتعلق بخلق الإنسان هناك أسطورة أخرى تقول: إن الأرض أنجبت الزرع والحيوان ~~والإنسان، خرجوا من طينها كالدود والحشيش، ثم تصور هؤلاء البشر تصويرا يكاد ~~يعطيها مشروعية علمية فتقول: # البشر الأول لم يعرفوا أكل الخبز بعد # يسيروا على أيديهم وأرجلهم # كالخراف يعلفون الحشائش # ومن القنوات كانوا يشربون الماء آنذاك # في المكان الذي كانت فيه الآلهة في ~~معبدها # التل المقدس ... المعبد ... # المكان الذي تأكل فيه الآلهة الخبز. # 2 # فهل كان هذا النص تسجيلا ms22 لقصة بشر تطوروا ~~وسط بشر ظلوا على حالتهم الحيوانية؟ ربما. # لكن هناك نصا آخر، يروي قصة أخرى لخلق الإنسان وجد منقوشا على لوحين مكررين ~~لنص واحد، جاء أحدهما من مدينة «نفر» وهو حاليا في جامعة بنسلفانيا، والآخر محفوظ ~~في اللوفر، يقول: # الأم الأولى نمو تأتى إلى آنكي ~~(اتفقنا على ترجمة آنكي: السائل المخصب ~~آبسو) # وتخاطبه: قم يا بنى من فراشك # واعمل ما هو حكيم لائق # اصنع عبيدا للآلهة # وعساهم أن يضاعفوا من عددهم # فتدبر آنكي الأمر وقال لأمه نمو: # يا أماه: إن المخلوق الذي نطقت باسمه ~~موجود # فاربطي عليه صورة الآلهة # اعجني لب الطين الموجود فوق مياه العمق ~~(اتفقنا أن ماء العمق آبسو السائل ~~المخصب) # واجعلي الصانعين المهرة يكثفون الطين # عليك أنت أن توجدي له الأعضاء والجوارح # وستعمل ننماه (الأرض الأم أو السيدة ~~الأم) # الأم الإلهة # من فوق يديك # وستقوم بجانبك إلهة الولادة ~~(يبدو أنها ننماه ذاتها) # وستربط ننماه عليه صورة الآلهة # إنه الإنسان. # 3 # ونفهم من هذا النص أن الذي يجب أن ينسب إليه فعل خلق الإنسان هو الإله «أنكي»، ~~بوصفه سائل الخصب أو مني «آن» مشخصا في إله وأنه لم يفعل أكثر من تلقيح طين ~~الأرض «اعجني لب الطين الموجود فوق مياه العمق.» وأفضل ترجمتها «اعجني له الطين ~~وسيكون فوقه آبسو المني.» خاصة أنه رغم طلب الأم الإلهة من «أنكي» القيام بخلق ~~الإنسان، لا نجد له دورا سوى ذلك، لأن الأم الأرض «ننماه»، الوالدة «ننتو»، هي التي ~~عملت الطين «وستعمل ننماه الأم الإلهة من فوق يديك.» ثم إنها هي التي صورته في هيئة ~~الإنسان على شبه الآلهة «فاربطي عليه صورة الآلهة.» ومن هنا خلقت الآلهة الإنسان على ~~شبهها ومثالها. ويعقب «كريمر»، على ترجمته للنص السالف بقوله: «إن ~~المفكرين السومريين ... اعتقدوا اعتقادا جازما بأن الإنسان صنع من طين، وأنه ~~خلق من أجل غرض واحد فقط، ذلك هو أن يعبد الآلهة ويخدمها بتزويدها بالطعام والشراب ~~والمسكن ليتوافر لها وقت الفراغ لأعمالها الإلهية. # 4 # لنلاحظ هنا كيف استطاع هؤلاء المفكرون، وهم ms23 الكهان، وهم الحاكمون، أن يحققوا ~~فائض إنتاج ملائما بين أيديهم، مقابل تفرغهم لإدارة المشترك المعبدي، والاتصال ~~بالآلهة، باعتبار ذلك مسألة قدسية تتمثل في تزويد الآلهة بالطعام والشراب والمسكن، ~~أو بالقرابين تدخل من فائض إنتاج الأفراد إلى ملكية خاصة بالآلهة والكهنة، إضافة إلى ~~المسكن الفاخر للآلهة «المعبد»، الذي كان في واقعه قصرا سكنيا وإداريا ~~للكهنة. # وقد حاول «بوتيرو» تعليل إصرار أهل سومر على فكرة خلق الإنسان من مادة الطين بالذات، ~~بقوله: «إن هذا التمثيل والصنع من الطين لأجسام البشر الأوائل، يعتبر صورة طبيعية ~~جدا، في بلد يلعب فيه الفخار دورا كبيرا، حيث نجد صنع التماثيل من الطين الفخاري ~~بشكل إنسان، عملا منتشرا بصورة واسعة.» # 5 # أما نحن فنعتقد ببساطة، أنه كان يكفي للسومري أن يلاحظ الطين وما ينشأ فيه من حياة ~~(فطر، نبات، ديدان ... إلخ) حتى تنشأ لديه قناعة أن هذا هو مصدر ومنشأ الحياة عموما. ~~ولما لم يكن لديه شاهد عياني على خروج إنسان من الطين فجأة دفعة واحدة، كالزرع أو ~~الدود، فقد اعتقد أن ذلك قد حدث بنوع من التشكيل الفخاري لأجداده الأوائل. # وبالبحث عن التسمية التي أطلقها السومريون على هذا المخلوق الطيني نجد الاسم ~~«إنسي # ANZI ~~» وهي في تحليلنا تعنى مثيل أو شبيه ~~الإله «آن»، باعتبار «سي # ZI ~~» تعني الشبيه أو الحقيقي، ~~ويقول «حسن ظاظا» إن الاسم «إنسي» قد تخلف في كل اللغات السامية للدلالة على ~~الإنسان، وأن مؤنثه كان يتأتى بقلب السين إلى «ش» فيصبح «أنشي»، أو إلى «ت» ~~فيصبح «أنتي» أو «ث» فيصبح «أنثى» كما في العربية وجمعها «إناث»، # 6 # لكن «كريمر» يشير إلى أن الاسم «إنسي» وكان اللقب الذي يعرف به ملوك ~~المدن السومرية. # 7 # ونعتقد أنه لا خلاف، فالأمر راجع إلى تعظيم الملك باعتباره أبا أولا ~~للمشترك المديني الذي كانت تدين فيه كل عشيرة بالعبادة لأبيها، الذي تمثل بتجميع ~~العشائر في مدينة في شخص الملك، فأصبح هو أب الجميع الأول «إنسي» وكان يلقب أيضا ~~باللقب «لوجل»، # 8 # أي الرجل العظيم، أو ذا الجلال، ونظنها ms24 الأصل في الكلمة الدالة على مذكر ~~الإنسان «رجل». # لكنا نعتقد أن مؤنث الكلمة «إنسي» السومرية، ليس «أنثى» أو «أنت # d ~~»، لأن «إنسي» مركبة من ملصقين هما «آن = الإله ~~أو السيد + سي»، وبما أن مؤنث «آن = سيد» هو «نن = سيدة»، فإن مؤنث «إنسي» يكون «نن سي» ~~أو «ننسي»، وبحسبان ما أشار إليه «ظاظا» يسهل أن تتحول «ننسى» إلى «ننشي» و«ننتي» ~~بشكل خاص، وقد ورد الاسم «ننتي» في أسطورة ترجمها «كريمر»، مما يؤكد استخلاصنا هذا، ~~وقد جاء هذا الاسم في أسطورة تقول إن «نن تي» إلهة خلقت أصلا لغرض خاص جدا، هو ~~تمريض وعلاج الإله «آنكي» عندما أصابه المرض في واحد من أضلاعه، والضلع بالسومرية هو ~~«تي»، لذلك سميت الإلهة الممرضة «نن تي» أي «سيدة الضلع». ويعقب «كريمر» على ذلك ~~تعقيبا يكاد يوعز لنا فيه بحل أحجية خلق حواء من ضلع آدم، التي وردت في ~~الديانات السامية، حتى يكاد يقنعنا أن نصوص سفر التكوين في التوراة، قد أخذت ما ~~جاء في الأسطورة السومرية بشكل شائه، بعد مرور زمان نسي معه الأصل، ولم يبق سوى سيدة ~~الضلع أو السيدة الضلع، فخالوا الأنثى الأولى مخلوقة من ضلع الإنسان الأول، وسقط كاتب ~~هذا الجزء من التوراة، في الشرك السومري، ففسر حواء التي تدل على الأنثى الأولى في ~~اللغات السامية بأنها مأخوذة من «تلك السيدة التي تحيي أي التي تسبب الحياة.» # 9 # وهو ما تعنيه أيضا الكلمة «تي»، لأن «تي» تدل على الضلع عندما تكون ~~اسما، لكنها كفعل تعني «أحيا»، أو جعله «يحيا» ويصبح اسم «نن تي» أو «ننتي»، السيدة ~~التي تحيي. # 10 # وأصر كريمر على إفهامنا أن التوراة قد أحدثت خلطا ناتجا عن سوء فهم للتراث ~~السومري، بين «ننتي» كسيدة للضلع مهمتها شفاء ضلع «آنكي»، وبين «ننتي» بمعنى السيدة ~~التي تحيي، لأن «تي» تعني «أحيا». # ومع حفظنا لثقل «كريمر» وتقديرنا له كمصدر غزير للسومريات، فنحن ننحو منحى آخر في ~~تصورنا لما حدث، فإذا افترضنا أنه قد حدث خلط فعلا، فقد كان في الكلمة السامية ~~«حواء» ms25 من الفعل السامي «أحيا» وهو فعل له اشتقاقات عدة، منها «حوا» أي استدار حول ~~الشيء واحتواه، كحمل الأم لطفلها في استدارة بطنها، و«حيا» وهو الفرج، ومن هنا يصبح ~~الفعل «أحيا»، هو إخراج الحياة المحوية في البطن من الحيا، وبعد أن تعاملنا مع ~~الاسم «آن تي» كمؤنث ل «آنسي» وانتهينا إلى وجوب تصحيحه إلى «نن تي»، فإن قمنا ~~بالاشتقاق منها على الطريقة السامية في «حواء» من «حيا»، فستصبح «ننتي» هي «ننتو»، وهو ~~الاسم الذي عرفناه لإلهة الولادة السومرية وترجمته الحرفية «السيدة التي تلد». # أما لو افترضنا أنه لم يحدث هذا الخلط في التوراة، فسيكون هناك خطأ ما في ترجمة ~~الأسطورة الخاصة بخلق ممرضة ضلع «آنكي»، ونأسف لأن أصولها ليست بين أيدينا. وفي مثل ~~هذه الحالة كان يمكننا افتراض أن «ننتي» كانت أنثى خلقت من ضلع الذكر، وليكن «آنكي» ~~كما قال «كريمر» وليكن، «أنسي» بالفرض. وأنه كان يعاني من مرض في ضلعه، كان انتزاعه ~~منه كفيلا بشفائه، وعليه لا تكون «ننتي» إلهة وليست أنثى بشرية، فهو ما لا يتناقض مع ~~قوانين التطور الفكري والاجتماعي، التي عبدت الأسلاف كآلهة ذكورا وإناثا. # ولا يفوتنا أن نشير إلى اختصاص الأم الأولى بلقب آخر في السومرية هو «مونوس»، التي ~~هي فيما نظن الأصل في الكلمة السامية «موموس» التي انحدرت إلى العربية «مومس»، ~~للدلالة على المرأة التي لا تعرف رجلا واحدا كما لو كان في اللغة خاصية الحفريات، ~~فاحتفظت لنا بكلمة ذات معنى حفري سحيق، لتشير إلى عصر كانت فيه المرأة مشاعا في ~~المجتمع الأمومي أو النظام الغابر. # لكن أغرب ما في علاقة الفكر الديني السومري بالفكر الديني السامي، ولعله ليس أغرب ~~إنما أقرب إلى طبيعة الأمور، هو ذلك الختم الأسطواني الذي كشف عنه مؤخرا، ويصور ~~ذكرا وأنثى، بينهما نخلة، وخلف الأنثى تدلت حية، رأسها بجوار رأس الأنثى، بينما ~~تمد هذه الأنثى يدها في شكل دعوة للذكر الجالس قبالتها، ليتناول من ثمار النخلة، ~~ولنتذكر الآن الارتباط اللغوي بين الحية، وبين حيا الأنثى «فرجها»، وبين الحياة ~~(فالأنثى مصدر ms26 للمواليد، للحياة)، وبين التسمية «حواء». ويبدو أن هذا الارتباط ~~المتوارث، كان ناتج تصور الأقدمين أن الحية دائمة التجدد، ودائمة الحياة، عن طريق ~~مشاهدتهم لها تنسلخ من جلودها العتيقة لتخرج بجلود جديدة زاهية، في حركة تشبه خروج ~~الجنين من حيا الأم، ولعل ذلك يفسر لنا الارتباط العجيب في العقل القديم، بين ~~المرأة كمصدر للحياة باستمرار، وبين الحية التي تتجدد وتولد دائما بانسلاخها من ~~جلدها، وبين تصور كليهما «المرأة - الحية» كمصدر للخبث والأذى! # | الخطيئة والسقوط # رغم أنه كان للآلهة معابدها، التي كانت في الوقت نفسه مسكنا لها، ومركزا إداريا ~~للمشترك المعبدي، ومحل إقامة لكبير الكهنة وبطانته، أطلق عليها اسم «إى # E ~~»، فإن هذه المعابد لم تكن مقار دائمة للآلهة، قدر ~~ما كانت بقاعا أرضية مقدسة، تلتقي فيها الآلهة بكهنتها، لتفسير النذر أو قبول ~~القرابين، أو لإصدار قرارات تتعلق بأمور مستعجلة، بينما كان مقرها الدائم كما جاء ~~في الأساطير هو جبل السماء والأرض. أما أين هذا الجبل؟ فهو ما لا تجيب عنه المدونات ~~الموجودة بشكل واضح، لكن يمكن الاستنتاج من مجموعة وثائق وأساطير، أنه كان في مكان ~~يدعى «دلمون # DILMOUN ~~» حيث وردت كمكان تجري فيه ~~أحداث عظام، بين الآلهة السومرية، فظهرت «دلمون» كما لو كانت مسكنا دائما للآلهة. وفي ~~مجموعة أخرى من الأساطير تبدو «دلمون» كما لو كانت مسكنا وموطنا للإله خالق البشر ~~«آنكي» أو «أنسي»، إذا اعتبرناه أبا البشر الأول، وأنه أنجب هناك عددا من الآلهة. # 1 # وننفرد نحن في بحثنا هذا بزعم يدعمه ما تحت أيدينا من وثائق، هو أن «دلمون» ~~كانت المكان الذي قامت فيه الآلهة بخلق أول بشر على الأرض، فقد وصفت هذه المآثر ~~«دلمون» بأنها: # الأرض دلمون هي الموطن الطاهر # الأرض دلمون هي المحل النظيف # الأرض دلمون هي الأرض المشرقة # هو ذلك الذي اضطجع وحده في دلمون # المحل الذي اضطجع فيه آنكي مع زوجته. # 2 ~~••• # في دلمون لا ينعق الغراب الأسود ... # ولا يصيح طائر الأندو «الحدأة» ولا يصرخ # ولا يفترس الأسد # والذئب لا يفترس الحمل # ولم يعرفوا الكلب ms27 المتوحش الذي يفترس ~~الجداء # ولم يعرفوا «خرم بالنص» الذي يفترس الغلة # ولم توجد الأرملة # والطير في الأعالي «خرم بالنص» ... # والحمامة لا يحنى رأسها # وما من أرمد يشتكي ويقول عيني مريضة # ولا مصدوع يقول في رأسي مرض الصداع # 3 # وامرأة دلمون العجوز لا تشكو من الشيخوخة # ورجل دلمون الشيخ لا يتبرم من كبر السن. # 4 # أما السر في كون «دلمون»، أخذت شكل المدينة السعيدة الفاضلة فيرجع إلى حلول الإله ~~«آنكي» فيها، # 5 # وتقول أسطورة «آنكي وننهور ~~ساج # ENKI & NIN HURSAG ~~» التي بدأت بوصف «دلمون» كموطن طاهر نظيف مشرق، يسوده السلام ~~والأمن والطمأنينة: إن الإله «آنكي» حل فيها، وأمر الإله «أوتو» أن يملأها بالماء ~~العذب، لكونها كانت تفتقده، وعند ذلك أصبحت: # مدينتها تشرب الماء الوفير # دلمون تشرب ماء الرخاء # آبارها ذات الماء المر # انظر # تراها أصبحت مياهها عذبة # حقولها ومزارعها أنتجت الغلة والقمح # مدينتها، انظر، تراها # وقد أصبحت دارا للشواطئ # ومرسى للأرض. # 6 # لكن حتى يتأتى لهذه الأرض زرع، كان لا بد من إلهة للزرع والنبات جاءت عبر عدة ~~عمليات خلق، فأولا يقوم الإله «آنكي» بوصفه المخصب، بتخصيب الإلهة «ننهور ساج»، ~~فتحمل لمدة تسعة أيام، وتضع إلهة الزرع، # 7 # وأتصور إلهة النبات هذه هي حبة القمح، أو أول حبة قمح، فاسمها «نن ~~شال»، و«شال» كلمة تدل على الفرج الأنثوي كمصدر للحياة فهي السيدة الفرج أو الإلهة ~~الفرج، مع ملاحظة التشابه بين حبة القمح المفلوقة وبين الفرج الأنثوي، وما قد ~~يخطر على بال القدماء، عندما يشاهدون فلقة حبة القمح تخرج حياة جديدة، بعد ~~ريها بماء الخصب كما ينفلق الفرج الأنثوي عن ميلاد جديد بعد ريه بماء ~~الذكر. # إلا أن الأسطورة تشير إلى خلق ثمانية نباتات أخرى خلقتها الأم «ننهور ساج» ~~فأكلها «آنكي»، فغضبت عليه «ننهور ساج» غضبا شديدا، حتى أنها قامت تصب عليه اللعنات ~~قائلة: «لن أنظر إليك بعين الحياة حتى تموت.» وهنا أخذ المرض يشتد ب «آنكي» وبدأ ~~يتدهور ويذبل. # 8 # ولنقف الآن قليلا مع ما جاء في هذه الأسطورة، التي أراها ms28 أول تسجيل حقيقي اكتشف ~~حتى الآن لقصة الخطيئة الأولى! فنتساءل: لماذا غضبت «ننهور ساج» كل هذا الغضب على ~~«آنكي» لو لم تكن قد أنذرته سلفا، وحرمت عليه هذه الثمار قبلا، وأعلمته بذلك ~~إعلاما واضحا؟ ومع ملاحظة أن النص به خروم وتشوهات كثيرة أدت لفقد كثير من ~~الأبيات والمضامين! إذن من المنطقي أن يكون هناك علم مسبق أحيط به «آنكي» برغبة ~~«ننهور ساج» عدم المساس بالنباتات الثمانية، وعندما عصى الأمر كان عقابه الموت «لن ~~أنظر إليك بعين الحياة حتى تموت.» ويبقى التساؤل: كيف يمكن لإله مفترض فيه الخلود، ~~أن يمرض ويموت؟! من هنا نفهم أن الأسطورة اعتبرت «آنكي» الأب الأول. وطبيعي أن ~~يتصف بالألوهية بحسبان عبادة الأب الأول، بخاصة ما جاء في بداية الأسطورة بعد ~~تقريظ دلمون كأرض طهور نظيفة، وفجأة وبلا مقدمات تقول: «هو ذلك الذي اضطجع وحده ~~في دلمون.» إنها صورة تلقي بنا في مرآة الزمان الآتي، عند ظهور التوراة وما قالته عن ~~أب للبشر يعيش وحيدا في مكان يسمى الجنة، ثم تقول أسطورتنا عن «دلمون» «إنها ~~المحل الذي اضجع فيه آنكي مع زوجته.» فمن كانت هذه الزوجة؟ # هل قصدت الأسطورة بالزوجة الإلهة «ننهور ساج»؟ ربما؛ لكن الأحداث التي تلت مرض ~~«آنكي» تشير إلى منحى آخر، رغم عدم النص عليه في نصنا هذا المهترئ، لأن مرض ~~«آنكي» كان في واحد أضلاعه، واتفقنا أن شفاءه تم بنزع الضلع المريض ليصبح هذا ~~الضلع هو «نن تي» سيدة الضلع، فكان «آنكي» بذلك إلها معرضا للموت بسبب خطيئته، وهو ~~ما يتعارض مع صفة الخلود الإلهية. وكان يجمع في ذاته الذكورة والأنوثة معا، فهو ذكر ~~خلقت من ضلعه أنثى ليتحول الخلود الفردي الذاتي بالانقسام إلى خلود للنوع عبر ~~تناسل الذكر والأنثى، وعليه تتضح عدة حقائق هي: # كان للآلهة دار طهارة وسلام للمقام هي «دلمون». # في دلمون حدثت أول عملية خلق للنبات عن طريق تخصيب «آنكي» ل «ننهور ساج» ~~لتنجب إلهة النبات. ~~«ننهور ساج» تخلق بمفردها ثمانية نباتات محرمة. # يأكل «آنكي» النبات المحرم فتحيق به ms29 اللعنة الربانية فيمرض بضلعه ~~ويحتضر، لولا نزع هذا الضلع المريض منه، وتخلق منه سيدة الضلع أولى إناث ~~البشرية. # يفقد آنكي بذلك ألوهيته كسائل مخصب كوني، ويتحول خلوده الإلهي إلى ~~خلود عبر التناسل. وهنا في رأيي تكمن العلاقة بين «آنكي» وبين «إنسي» ~~فتحول «آنكي» إلى «إنسي» مهمته التخصيب المستمر لسيدة الضلع «نن تي» أو ~~«نن تو» أو «سيدة الولادة» أو «ماما» أو «مامي» أو «أماه». # ولا يبقى لكي تترتب المسألة بشكل أفضل سوى أن نستكملها بالختم الأسطواني الذي ~~صور ذكرا وأنثى يأكلان من ثمار نخلة، بإيعاز من الحية «والحية رمز جنسي» لنسد ~~به الثغرات الناقصة في النص، ليصبح أكل الثمرة المحرمة هو رمز لممارسة الجنس مع ~~أخرى غير «ننهور ساج»، مما استوجب غضبها ولعنتها، ولم تكن هذه الأخرى سوى «نن تي » أو ~~«ننتو» أو «أنتي» أو الأنثى الأم الوالدة الأولى، بينما أصبح آنكي هو «إنسي» صاحب ~~المني المقدس، بينما تحولت ثمار النخلة «التمر» (وهى رمز نن تي شافية المرض ~~التي مارس معها الجنس آنكي، ولنلحظ نواة التمر المفلوقة وحبة القمح المفلوقة)، ~~لتصبح ثمرا مقدسا وشافيا ومثيرا للغلمة والشهوة، وسببا لمزيد من مني الرجل ~~وخصبه حتى اليوم؛ بل نعتقد أن كلمة «تمر» لغة، هي التي أصبحت بعد ذلك «ثمر»، لتدل ~~على وجه الإطلاق على جميع أنواع الثمار بمعنى أنها كانت الأصل الأول للثمر عموما ~~وللخصب عموما، ومثلها القمح وكل حب مفلوق (ولنلحظ العلاقة اللغوية بين الحب، ~~والحب)، فكان التمر والحبوب، الثمار الأم الأولى في «دلمون» إلى جوار الأب الأول ~~«آنكي» أو «إنسي» والأم الأولى «نن تي» أو «أنثى». # وبما أن «دلمون» يشار إليها في الأساطير السومرية كمركز إلهي خالد يخالف دنيا ~~السومريين في الرافدين، فقد بات واضحا أن «آنكي» الإله الذي فقد الخلود، و«نن تي» ~~زوجته، أو الإنسي والأنثى كأبوين للبشر، قد غادرا هذا المقر الإلهي من زمان بعيد، ~~ليعيشا عيشة إنسانية، بينما ظلت «دلمون» موطن الآلهة الخالدة في الأساطير. # | العالم التحت أرضي # إذا كان آنكي إلها فقد الخلود وأصبح «إنسي»، فهل ms30 كان ممكنا في العقائد السومرية أن ~~يتحول الإنسان إلى إله؟ أو بصيغة أخرى، هل كان ممكنا في الاعتقاد السومري أن يحصل ~~البشر على الخلود الدائم؟ # يقول الباحثون إنه لم يخطر قط للسومريين، ولا للشعوب السامية في الرافدين أو باقي ~~الهلال الخصيب، حتى قبل زمن المسيح بقليل، أنه يمكن للإنسان أن يخلد. وقد قررت ~~ملحمة جلجامش ذلك صراحة بتأكيدها: أنه «عندما خلقت الآلهة الإنسان، قدرت عليه ~~الموت، واحتفظت لنفسها بالخلود.» # 1 # وهنا الفارق بين الإنسان والإله، فالإله خالد والبشر فان إلا أن هناك ~~قبسا إلهيا ظل في البشرية، هو المني الذكري والفرج الأنثوي، الذي يعود إلى ~~الأب الأول «آنكي» والأم الأولى «ننتي»، أول رعيل إلهي تحول إلى بشر، فجمع اللاهوت ~~مع الناسوت، أو الألوهية مع البشرية. # وقد عبر السومريون عن قناعتهم باستحالة خلود البشر في مجموعة أخرى من الأساطير، ~~منها أسطورة «جلجامش وأرض الأحياء» وتقول: إن «جلجامش # GELGAMISH ~~» كان يبحث عن نبات الحياة، فالخلود هنا مصدره مادي في شكل ~~مادة إذا أكلها الفاني خلد، وهي ذات الفكرة التي قالت بها التوراة، حول شجرة الحياة في ~~الجنة (التكوين 2: 9-22) وكي يحصل جلجامش على ثمرة الخلود، رحل إلى دلمون بالذات، فهي ~~مقر الآلهة الخالدة، ليبحث هناك عن بغيته، وفعلا وجد الشجرة، واقتطف من ثمرها ~~السحري، وعند عودته: # رأى جلجامش بركة ماء # نزل فيها، استحم بمائها # تشممت الحية رائحة النبتة # تسللت، صعدت من الماء # خطفتها # وفيما هي عائدة # تجدد جلدها # وهنا جلس جلجامش وبكى. # 2 # حقيقة، إن النص بليغ الدلالة، يلخص ما ذهبنا إليه، ويؤكده بوفاء واضح جلي، فها ~~هي شجرة الخلد في «دلمون» مسكن الآلهة، وموطن آباء البشر الأوائل، تتعرض مرة أخرى ~~لمحاولة السطو عليها، لكن الحية، والحية بالذات دون جميع الكائنات، رمز الحيا ~~(الفرج، الجنس) تتسلل مرة ثانية لتسلب الساعي إلى الخلد ثمرة مسعاه، لتنعم به ~~دونه، وتخلد بانسلاخها من جلدها كلما آن أوان موتها. ولا يكتفي السومري بهذه الرمزية ~~الواضحة إنما يزيدنا إيضاحا، فيفقد «جلجامش» الخلود في بئر أو بركة ماء، ms31 والبئر أو ~~البركة باستدارتها رمز واضح آخر للفرج، إنها قصة تدفعنا أو تكاد للظن أن الوعي ~~والشعور كان مسألة مبكرة جدا في تاريخ نشوء الحياة على الأرض فاحتفظ الكائن إلى ~~اليوم في عقله بكافة مراحل تطوره الأولى، منذ كان كيانا دقيقا، يستمر في الوجود ~~عبر عمليات الانقسام الذاتي، حتى تخصصت فيه أعضاء للذكورة، وأخرى للأنوثة، ثم ~~الانتقال إلى انفصال الذكر عن الأنثى (الضلع عن آنكي) لينتهي عهد الخلود الفردي ليبدأ ~~عهد الخلود الجماعي للنوع، عبر التناسل، الذي استدعى التجمع الإجباري والتجاور ~~لممارسة الجنس، حفاظا على النوع واستمراره، مما أدى بالضرورة إلى نشوء التجمع ~~الإنساني. # ولعلي لا أغالي إن قلت: إن السومري القديم، حاول جاهدا - بلغته البدائية - أن ~~يبلغنا بما بقي في اللاشعور الجمعي من ذكريات سحيقة في القدم فوضع أساطير أخرى مثل ~~أسطورة معراج «أدابا # ADABA ~~» إلى السماء، حيث دعاه هناك ~~إله السماء وأكرم وفادته، فدعاه إلى مائدة تحوي طعام الخلد لكن «آنكي» كان أسبق من ~~إله السماء، فأوعز إلى «أدابا» ألا يتناول منها شيئا فيرفض «أدابا» الوليمة الإلهية، ~~ويخسر الخلد، # 3 # فهل بعد هذا بلاغة في محاولة السومريين تبليغنا. # فقط، إنسان واحد فقط، رفعه مجد عمله إلى رتبة الألوهية، ونال الخلد؛ وحتى يناله ~~فعلا تم نقله إلى «دلمون» دار الخلود، ذاك هو بطل أسطورة الطوفان، الذي أنقذ بذرة ~~الحياة على الأرض، في فلك أسطوري، # 4 # فكان أن منح الحياة الخالدة، أو نصيبا: # زيو سودرا الملك # سجد أمام آن وآنليل # فمنحاه حياة كحياة الآلهة # وجاءا إليه بأنفاس خالدة # كأنفاس الآلهة # وبأمر آن وآنليل # أمام الملك زيو سودرا # الذي يحفظ أسماء «خرم بالنص» # والبشر # في جبل العبور، جبل «دلمون» # حيث تطلع الشمس. # 5 # ويبدو أن بطل الطوفان «زيوسودرا # ZIUSUDRA ~~» كان شخصا ~~حقيقيا، استطاع أن ينقذ في قاربه إبان كارثة فيضان عاتي، أفراد أسرته وآخرين، ~~فكان مجد عمله كفيلا برفعه إلى رتبة الألوهية، وكانت الأعمال الفدائية والمجيدة فيما ~~نرى هي السبب الأساسي في تأليه الوالدين والأسلاف، في غابر الأزمان، وسبق أن أفضنا ms32 في ~~التدليل على وجهة نظرنا هذه في اثنين من أهم أعمالنا المنشورة؛ الأول كان بعنوان ~~«الأضاحي والقرابين، الجذور الاجتماعية»، والثاني «القمر الأب أو الضلع الأكبر في الثالوث». # 6 # ومن ثم اكتسب «زيوسودرا» الألوهية والخلود، بعد أن خسر حياته فيما يبدو إبان محاولة ~~إنقاذ بنيه، وقد أخذ الساميون بهذه الأسطورة لكن البطل حمل اسم «أوتنابشتيم # UTNABESHTEM ~~» و«إثرا خاسيس # ETHRA KHASIS ~~» و«تجنوح # TAGNOAH ~~»، لكن ~~الأسطورة المصوغة لبطولة «تجنوح»، دخلتها عناصر من قصة الخلق، فقالت إن «تجنوح» لم ~~يستمر في هذه الحياة الخالدة، بعد أن خسرها، لما أكل من فاكهة محرمة، # 7 # ولنلاحظ القرب الزماني لأسطورة «تجنوح» من وقت ظهور التوراة، حيث اختصر ~~فيها «تجنوح» إلى «نوح»، الذي تقول التوراة إنه عاش عمرا مديدا بلغ حوالي تسعمائة ~~وخمسين عاما، وهو يكاد يكون ترديدا لمعنى الخلد الألفي، الذي ينقطع فجأة بالأكل من ~~الثمرة المحرمة في القصة الأصلية «تجنوح» (تكوين 6: 9). # وقد استند الباحثون إلى مثل هذه الأساطير ليقطعوا بأن السومري القديم لم يعتقد في ~~حياة خالدة من بعد الموت، وأن الساميين قد تابعوهم في ذلك، وهذا في رأينا فهم خاطئ ~~للمسألة من أساسها، لأن الخلود الذي قصدته تلك الأساطير كان مطلبا لديمومة الحياة ~~في هذه الدنيا، ورفض السومريون الاعتقاد في أن إمكانية تحقق ذلك أمر منطقي وعقلاني، ~~رغم رغبتهم الواضحة فيه، أما الاعتقاد في حياة أخرى بعد الموت في عالم آخر، فهو أمر ~~مقرر لدى السومريين، ولا يجادل بشأنه مكابر، ولا يقبل شكا أو جدلا، لكنه لم ~~يأخذ خطه التطوري الذي أخذه عند المصريين، فلم يعتقد السومريون بعودة الموتى في ~~شكل بعث جديد ولا في ثواب أو عقاب، وكل ما في الأمر أن الموتى يرحلون جميعا إلى ~~عالم آخر، وهو في ملحمة «جلجامش»: «البيت الذي لا يعود داخله»، # 8 # في عالم تحت أرضي، خالد، لكن ليس فيه ما يبهج النفس. # وأطلق السومريون على عالمهم التحت أرضي كلمة «كور # KUR ~~»، وكانت هذه الكلمة في الأصل، تدل على وحش تخيلوا مسكنه ~~تحت سطح الأرض، اختطف إلهة أنثى ms33 أرضية هي «إيرشكيجال»، وأخذها لتعيش معه كزوجة في ~~العالم التحت أرضي، وصارا هناك سيدين للعالم التحت أرضي الرهيب. # 9 # وأتصور أن الكلمة «كور» تحولت من دلالة على الوحش السفلي، إلى الدلالة على ~~العالم الأسفل عموما، نتيجة تصور أن العالم السفلي يتخطف الأحياء عن الأرض، ~~لينزلهم موتى إلى باطنه، كمن يلتهمهم، أو أن «كور» كان يتخطفهم من الدنيا ~~الأرضية، وبذلك يكون بداية لفكرة ملاك الموت السامي «عزرائيل». # وفي إحدى مناحات الإلهة «إنانا # INANA ~~» على حبيبها ~~«تموز # DAMUZI ~~» نجد للعالم التحت أرضي اسما آخر ~~هو «آدن، أو أدين، أو الدين # EDIN ~~» فهو عالم الدين ~~والكلمة « # EDIN ~~»، في الأصل تعني السهل. # 10 # وقد اهتم السومريون بالموتى، وزخرت قبورهم بالمتاع والطعام والشراب. ويبدو أنه كان ~~بقصد انتفاع الميت بهذا المتاع؛ لذلك ربما اعتقدوا بعودة روح الميت بين آن وآخر من ~~العالم التحت أرضي إلى القبر وهو ما افترضه «نجيب ميخائيل» # 11 # لكن ربما كان لوضع المتاع سبب آخر، وجائز أنهم اعتقدوا ببقاء الميت في قبره ~~حيا لفترة محددة، قبل هبوطه إلى العالم التحت أرضي، مما يجعله محتاجا في هذه ~~الأثناء للطعام والشراب. علما أن حكام سومر قبل عهد العاهل «أورنامو» كانوا ~~يصطحبون معهم عند الموت مقتنياتهم وحاشيتهم من بشر، بأن يتجرعوا السم ليهبطوا ~~بصحبة سيدهم إلى عالم تحت الأرض. # 12 # وقد لوحظ اعتقاد السومريين أن أعظم شر يمكن أن يلحق بالميت هو عدم دفنه وفق ~~تقاليد طقسية محددة، لأنه في هذه الحالة سيتحول إلى روح شريرة تجوس في الأرض تؤذي ~~الأحياء. ويبدو أن هذه الفكرة صياغة كهنوتية قصد منها الكسب ليس أكثر، وهو ما ~~يستنتج من المثل السومري الساخر: «أغلى شيء في لجش هو أن تموت.» # 13 # مما يشير إلى ارتفاع أجور الكهان لممارسة عملهم في طقس الدفن ~~ومغالاتهم في ذلك. # أما الحياة في العالم التحت أرضي، المحاط بأسوار سبعة لكل منها باب واحدا، # 14 # يحكمه «كور» وزوجته «إيرشكجال» مع معاونين من المردة والجن، فلها ~~قواعد، أهمها العري التام، فالميت يدخله عاريا كما ولد ms34 عاريا، وهو ما نفهمه من ~~أسطورة «نزول إينانا إلى العالم السفلي»، # 15 # وإن كان سينال بدل الملابس ريشا ينبت على جسده كالطيور، # 16 # لكن للأسف، ليس في هذا العالم ميزة لصالح على طالح، فالكل فيه في ~~الرغام والطين والظلام الأبدي سواسية؛ الرفيع فيه كالوضيع. # 17 # وهكذا يتضح أنه ليس ثمة علاقة محددة بين هذا العالم التحت أرضي وبين عالم ~~الآلهة الخالد الدلموني، وإن صفة الأبدية في كليهما لا تعني أبدا وجود قاسم مشترك ~~بينهما، بل إنه ليس هناك أية علاقة بين صنفي الآلهة الدلمونية وبين الآلهة التحت أرضية. # 18 # بلاد الرافدين. # بلاد الشرق الأوسط والعالم القديم. # آلهة مصرية بالرأس الطوطمي. # آلهة رافدية بجسد الإنسان ورأسه وإن غلب على الرأس نوع من التجريد ~~إمعانا في الغموض والتغييب. # ختم أسطواني سومري، ينتمي إلى حوالي منتصف الألف ~~الثالث ق.م. كائن حاليا بالمتحف البريطاني بلندن، يمثل أفعى ~~تنتصب خلف امرأة تمد يدها في شكل دعوة للرجل الجالس أمامها ~~لتناول ثمرة من شجرة أو نخلة بينهما. ولعله من الواضح تماما أن هذا ~~النقش الذي سبق تدوين الكتاب المقدس بقرون طويلة يمثل قصة إيعاز ~~الحية للذكر والأنثى الأوائل بأكل الثمرة المحرمة. # الباب الثاني # | سفر التكوين البابلي # | تأسيس # إذن استطاع الساميون المهاجرون، أن يصبحوا أصحاب السيادة في كافة بقاع الهلال الخصيب ~~(بلاد الرافدين؛ سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن)، حتى لم نسمع شيئا عمن سبقهم هناك، ~~لكنهم فيما يزعم الباحثون ولنا تحفظنا كانوا أول أمرهم عالة على ثقافات أصحاب ~~المنطقة الأصليين، ثم تمثلوا هذه الثقافات، وعبدوا أربابها، ومارسوا نظمها وعاداتها ~~وتقاليدها، وأحيانا مزجوا بين ما حملوه من لغة وثقافة في بيئاتهم الأصلية، وبين ~~الجديد في المواطن الجديدة. والباحثون يؤكدون أن أهم ثقافة أثرت في هؤلاء ~~المهاجرين الوافدين هي الثقافة السومرية، التي حفظت داخل التراث الديني السامي بعد ~~ذلك، الذي تبلور نهائيا في الثقافة اليهودية، التي تضمها دفتا الكتاب المقدس ~~(التوراة). # وقد أشرنا مسبقا إلى أن أول الموجات من هذه الهجرات المتدفقة كونت دولة في ~~الرافدين، هي موجة القبائل الأكادية، ms35 التي بدأت بالاستقرار على حدود الدويلات السومرية، ~~ثم تسللت إلى الداخل تدريجيا، وأخذ أفرادها يتقاطرون داخل المدن السومرية، ليعيشوا ~~أول الأمر كمواطنين وافدين من الدرجة الثانية، وفي ظروف غير معروفة تمكنوا من الإمساك ~~بزمام الأمور، بعد أن استطاع أحد أفذاذهم أن يصل في مدارج نجاحه الوظيفي، إلى رتبة ~~ساقي القصر الملكي في مدينة «كيش»، ثم وثب على ~~العرش، ليعرفه التاريخ باسم الملك «شاروكين # SHARUKEN ~~» ~~أي الملك الشرعي أو الصادق، وعرفته تواترات التاريخ باسم «سرجون الأول»، الذي تعصب ~~لبني جلدته الساميين، وبالاعتماد عليهم تمكن من أن يجعل نفسه ملكا مطلق النفوذ وأن ~~يوحد دويلات سومر في دولة واحدة، هي الدولة الأكادية، التي استمرت ما يقرب من ~~مائتي عام (2340-2180ق.م.) التي كانت أول المراكز القومية المركزية في تاريخ ~~الرافدين. # و«سرجون» هو صاحب أول قصة عن الإلقاء في اليم، فكتب عن نفسه سيرة كثيرا ما ترددت ~~بعد ذلك في سير أبطال الملاحم الشعبية، فقد ولدته أمه خفية وخيفة لأسباب غير ~~موضحة، ووضعته في سلة من البوص أحكمت غطاءها بالقار وألقت به في الفرات، ~~فاحتمله الماء، حتى انتشله فلاح اتخذه ولدا وعلمه الفلاحة، وكان كل ذلك ~~تقديرا ربانيا حيث تدخلت العناية الإلهية في النهاية بشكل مباشر وسافر من أجل ~~البطل الموعود، فشملته الإلهة «عشتار # ESHTAR ~~» برعايتها ~~ثم بوأته ملوكية البلاد. # 1 # وبانهيار الدولة الأكادية استعاد السومريون قدراتهم وأقاموا لهم دولة موحدة (العصر ~~السومري الثاني)، انتهت بدفقة سامية أخرى من القبائل العمورية (أو الأمورية أو ~~الحمورية)، الذين أسسوا دولة بابل الأولى (1880-1595ق.م.) وكان أشهر ملوكها «حمورابي» ~~صاحب القوانين المشهورة (حوالي 1728ق.م.). # ويتمسك الباحثون برأيهم في أن الثقافة السومرية استمرت تفعل فعلها بعد أن دخلت ~~كنسيج أساسي في ثقافة الساميين الذين استوطنوا البلاد، وتسربت إلى كافة الثقافات ~~السامية في جميع مواضع الهلال الخصيب. ويعلل «كريمر» ذلك بقوله: # وجدت جميع شعوب آسيا تقريبا، ~~كالأكديين والآشوريين والبابليين والحيثيين والكنعانيين والعيلاميين ... أن من ~~مصلحتها استعارة الخط المسماري، لغرض تدوين سجلاتهم وكتاباتهم الخاصة ... ~~كانا يتطلبان تدريبا شاملا في اللغة والأدب ms36 السومريين؛ ولتحقيق هذا ~~الهدف كان المعلمون والكتاب من ذوي المعرفة، يستوردون بلا شك من الأقطار ~~المجاورة بينما كان الكتبة المحليون يشدون الرحال إلى بلاد سومر، ~~للحصول على تعليم خاص في مدارسها ذات ~~الشهرة الكبيرة، وكانت النتيجة انتشارا واسعا لبذور الحضارة والأدب ~~السومريين، إن أفكار السومريين ومثلهم، كأفكارهم في الكون واللاهوت ~~والأخلاق ونظام التعليم، تغلغلت إلى درجة كبيرة أو قليلة في أفكار وكتابات ~~جميع شعوب الشرق القديم ... # 2 # | دور الملك في التكوين # استطاع «سرجون» إذن، ولأول مرة، أن يوحد مدن سومر في دولة مركزية موحدة، ~~يسودها عنصر سامي وافد، وكان ذلك إيذانا بتحول فوضى الفرقة إلى نظام، في جهاز ~~إداري واحد صارم، وخضوع كافة السلطات الاجتماعية المتراتبة، لسلطة واحدة آمرة ناهية، ~~تتمثل في شخص الملك الجديد، المالك لكافة المشتركات المدينية السابقة، التي تحولت ~~بسادتها البشر والآلهة إلى أتباع للسيد الجديد المطلق النفوذ، الذي تحول بدوره ~~بالسلطة المجردة من القسر إلى سلطة باطشة، بعد أن تدهورت سلطة مجالس المشتركات ~~الأولى وقيودها على العاهل تدريجيا نتيجة للاتساع الهائل للدولة ليمسك الملك ~~المتحرر النفوذ بكل السلطات. وفي الدولة السرجونية، تحرر الملك تماما من نفوذ ~~أي مجالس شعبية، وأصبح القسر والبطش الأسلوب الأسرع في الوصول والتأثير في البقاع ~~المترامية الأطراف، لتحقيق مآرب الدولة الموحدة، إزاء طوارئ لا تحتمل انتظار الرأي ~~الشعبي في دولة واسعة، وتم تمثيل الكل في ذات الحاكم، والإله الذي ساد بسيادة هذا ~~الحاكم، ومن ثم أخذ الإله يتحول عن صورته الرحيمة القديمة كأب بدائي للمشترك، ~~ليتحول إلى طاغ طغيان الملك، كلمته نافذة نفاذ كلمة الملك، عصيانها قد يدمر ~~الدولة أو يؤخرها على المستوى الإنساني، فهي خيانة عظمى، وعصيانها على المستوى ~~الإلهي كفر وإثم عظيم، ومن ثم أصبحت كلمة الملك والإله واحدة، لا راد لها ولا ~~لقضائها، فتحولت القدرة الإلهية من الفعل بالعمل، إلى الفعل بالكلمة، وظهر لأول مرة ~~دور الكلمة الإلهية في التكوين الرافدي، على ما سنرى بعد قليل. # المهم أن الساميين الوافدين تركوا الآلهة السومرية على حالها لكن مع تبديل في ms37 ~~أسمائها إلى أسماء سامية، ومع بعض التغيير في الأدوار والوظائف، فظل مجمع السبع ~~المقررة المصائر قائما وكذلك مجمع العظام الخمسين، لكن بعد أن توارى «آن» زعيم ~~السبع المقررة المصائر، ليحل محله «إيل» أو «إل» السامي أما الأرض «كي» فأصبح ~~«أرد # ARD ~~»، كذلك «أوتو» الشمس تم تعديله إلى ~~«شمش»، و«نانا» القمر باعتباره الإله جميل الصورة الزين، إلى «سين»، والزهرة «إينانا» ~~إلهة الجنس الشبقة العاشقة دوما للعشرة والمعاشرة الجسدية، أصبحت «عشتار» من العشرة ~~والتعشير (أي الجماع والحمل)، بينما تحول «آنليل» إلى «الليل» خلال الدولة الأكادية، ~~ثم أزاحه إله الدولة البابلي الصاعد «مردوخ # MARDUK ~~» ~~نهائيا، واستولى على صفاته ومناصبه، ثم لم يكتف بذلك، بل اقتنص كل اختصاصات الآلهة ~~العظام الخمسين، ولم يمض وقت قصير حتى تمكن من الاستيلاء على اختصاصات باقي الآلهة، ~~وحتى دور «آنكي» الأب الأول، سلب منه مبدئيا على يد إله جديد هو «أيا # EA ~~»، ثم أخذه منه «مردوخ» باعتباره في الميثولوجيا ~~البابلية ابن «أيا» ووريثه، أو الابن الذي فاق أباه قوة وحكمة . # وفي ذلك يقول «عبد العزيز صالح»: إنه قد «انتفع البابليون ببعض عناصر الفكر السومري، ~~عن أصل الخلق المادي والمعنوي في دنياهم، وخرجوا بنظرية عن نشأة الوجود، جعلوا ربهم ~~قطب الدائرة فيها.» # 1 # ويضيف «بوتيرو»: «إن البابليين لا يبدو أنهم افترضوا انعداما كليا ~~للأشياء كأصل الوجود، بل افترضوا فوضى وعدم انتظام شامل، وبهذا فإن الكون لا يبدأ ~~بخلق ... لكن يبدأ بتنظيم ما هو في حالة فوضى.» # 2 # وقد وردتنا أسطورة شبه متكاملة للتكوين البابلي، في الملحمة المسماة «إينوما إيليش # Enuma Elish ~~» التي تعني «في العلا عندما» أو ~~«عندما في العلا»، وقد دونت في سبع لوحات، يعود تاريخ كتابتها إلى مطلع الألف ~~الثاني قبل الميلاد، وتؤكد أن مبعث الفوضى الكونية الأولى كان يعود إلى سيادة إلهة ~~أنثى عريقة قديمة، هي الإلهة «تيامت # TIAMAT ~~» ولنستمع ~~إلى «بوتيرو» يسرد علينا موجزا لهذه الملحمة، فيقول: # في الأسطورة الشهيرة للخليقة، المسماة إينوما إيليش ... التي ألفها علماء ~~الدين في بابل لتعظيم الإله مردوخ ... في الأصل ms38 لم توجد سماء ولا أرض، لكن فقط ~~مياه في حالة من الفوضى، مكونة من إلهين أصليين، اختلطا مع بعضهما، هما ~~الآبسو، والموموتيامت ... ونتيجة اندماج هذين الإلهين ... خرج الإله آن، الذي أولد ~~أيا على شكله، والإله أيا قضى على الآبسو لأنه أراد تدمير نسله، وأولد مردوخ، ~~وتبع هذا الحدث ثورة تقودها تيامت ضد الآلهة انتقاما للآبسو، وتحضر لمعركة ~~مخيفة وتجهز مجموعة من الوحوش الكاسرة ... ويرفض الإله أيا الاشتراك وخوض الصراع ~~ضد تيامت ويقبل الإله مردوخ النزال، للحصول على السلطة العليا ... ويجري ~~النزال وجها لوجه، مردوخ ضد تيامت، وينتصر عليها، ويسجن جيشها المخيف ~~ويقسم جسدها إلى نصفين، وينفخ فيه الهواء ويعمل من نصف جسدها العلوي - الذي ~~يرميه إلى الأعلى - السماء، ومن النصف الثاني ... الأرض ... وينظم بذلك مردوخ ~~القبة السماوية بكل نجومها، التي حاز عليها بعد نضال عنيف في تنظيم عالم ~~الآلهة، ويتوج، ويحتفل به كسيد للآلهة السماوية، وعلى الأرض. # 3 # إذن: كان في الأصل غمر مظلم من الماء، ذكر هو الآبسو (عرفناه باسم آنكي أو إنسي ~~السائل المخصب)، والمومو (أي الماما أو الأم الكبرى) تيامت (وواضح لصق اسمها من تي ~~أم نسا الأم تي)، وبتلقيح الآبسو كسائل مخصب للأم تيامت، جاء الإله السماء «آن» وولد ~~«أيا» الذي قضى على «آبسو» لأنه أراد تدمير نسله. (ولنلحظ الرمزية هنا: أيا إله حل ~~محل الإله آبسو كإله للسائل المخصب في الثقافة السامية الغازية محل الثقافة ~~السومرية. أما لماذا قضى أيا على آبسو، فلأن آبسو إله سومر، أراد تدمير نسله أيا ~~السامي!) # ثم ولد «أيا» ابنه «مردوخ» إله الدولة والملكية المركزية ونتيجة مقتل السومري «آبسو» ~~قامت الأم الإلهة تطالب «أيا» السامي بدمه، وهنا يقوم الإله الابن «مردوخ» بالصراع ~~ضد «تيامت» ليحصل على السلطة العليا. # ولنفهم المعنى الأخير «لكي يحصل على السلطة العليا»، نستعين مباشرة بلوحات ~~«الإينوما إيليش» فنجدها تقول: إن الآلهة وهي تجد نفسها مهددة من الأم البحر «تيامت» ~~تلجأ إلى مردوخ أحدث الآلهة، إله الدولة الجديدة، لكن «مردوخ» يستفيد من ذلك، ليتجاوز ~~سلطة مجلس السبع ms39 المقررة المصائر الخالقة، والخمسين العظام فيقول: # إذا كان علي أن أكون بطلكم # وأن أقهر تيامت، وأنقذكم # اجتمعوا إذن # وأعلنوا عن سلطتي العليا # اجلسوا حقا فرحين # في بشو كينو # واتركوني أحدد مثلكم المصير # وذلك عن طريق: # الكلام الذي ينطق به فمي # وبهذه الطريقة # لن يكون بالإمكان # أن يتغير شيء مما أقرر # الأمر الذي أعطيه # لا يرد، لا يتغير. # وفعلا: # أقاموا له عرشا يليق بأمير # وجلس يترأس وهو يواجه آباءه # أنت الأكثر تمجيدا بين كبار الآلهة # إن ما تقرره لا يعارض # إن كلمتك الآمرة هي كلمة آن # منذ اليوم # لا يكون ما تنطق به عرضة للتغيير # نطقك يغدو الحقيقة # وأمرك لا يحتمل شكا # وقالوا لبكرهم مردوخ: # افتح فمك # تتلاشى قطعة القماش # تكلم ثانية # تعود القطعة كما كانت ... # ولما رأى آباؤه ثمرة كلمته # قدموا له الخضوع في فرح # قائلين: من دونك ملك ... # أيها السيد: # احفظ حياة من يؤمن بك # أيها السيد: # انزع حياة الإله الذي يضمر السوء # مر بالغرق، أو بالخلق # يكن ما تأمر به. # 4 # وهكذا ظفر «مردوخ» بالسلطة المطلقة، وتخلى له مجلسا الآلهة عن سلطانهما، ليصبح ~~سيدا أوحدا، معبرا عن سلطة الملك البابلي، في دولته المركزية الواسعة، ويؤكد لنا ~~ذلك، طقس سنوي كان يقوم فيه الملك بتمثيل دور «مردوخ» في مسرحية دينية، يحارب فيها ~~«تيامت» وجيشها حتى يقضي عليها، # 5 # ممثلا بذلك وقائع سفر التكوين، وقد ذكر هذا الطقس في أكثر من نقش، ~~إضافة إلى أننا نتأكد من مصداقية هذا الربط الذي نفترضه بين مردوخ والملك، بالنظر ~~إلى ما ورد في الأسطورة ذاتها، فالآلهة تقول: # لقد خلصتنا الآن أيها الإله # فماذا ستكون هبتنا لك؟ ~~(إن الهبة ستكون هي تثبيت الملوكية، انظر ~~النص): # دعنا نبني عرشا # مأوى لإقامته؟! # 6 # ولا يكتفي «مردوخ» بذلك، كما لم يكتف الملك بمجرد عرش، بل يسلب «مردوخ» الآلهة ~~العظام الخمسين في المجلس سلطاتهم، أو كما تقول الأسطورة: # أما نحن # فمهما أطلقنا عليه # فهو إلهنا # ألا فلنعلن أسماءه الخمسين! # 7 # وهكذا يستولي الملك بدوره على سلطات المجالس شبه ms40 الديمقراطية الأولى، الباقية من ~~نظام المشتركات المدينية، بعد توحيدها في دولته المركزية، مع ملاحظة أن هذه التطورات ~~تعبير في الوقت ذاته، عن سيادة مطلقة للإله الذكر، تمثلت في الفعل والخلق بمجرد ~~الكلمة، كما تمثلت في لوحات «الإينوما إيليش» يقوم مردوخ بما قام به «آنليل» من قبل، ~~لكن «آنليل» الذي ظل زمانا طويلا إلها لطيفا لطف طبعه «الهواء»، فرفع أباه آن عن ~~أمه «كي»، في مياه الغمر الأولى «نمو»، أما مردوخ فكان عنيفا قاسيا، بعد أن حاز ~~إمكانات أصبحت ضرورية، لحفظ الاستقرار في دولته السماوية، وضرورية للملك الأرضي لذات ~~الغرض، وهو رأس دولة كبرى مترامية الأطراف، تحتاج حزما وقوة وعنفا، لذلك قام «مردوخ» ~~وبقسوة ينفخ «تيامت» بالهواء، ثم: # شقها كما تشق الصدفة قسمين # وثبت نصفا جعله سقفا سماء # 8 # شطر جسدها شطرين، # أعلاهما ثبته في السماء # خلق منه السماء # والأسفل ثبته في الأرض # خلق منه الأرض. # 9 # ويعقب موسكاتي هنا بقوله: «وبذلك قسم المياه الأولى إلى: مياه فوق الجلد # Firmament ~~، وأخرى تحت الجلد.» # 10 # ونتابع الإينوما: # صنع مردوخ منازل للآلهة # خلق الأبراج # ثبتها في أماكنها # حدد الأزمنة # جعل السنة فصولا # ولكل شهر من الاثني عشر # ثلاثة أبراج # حدد الأيام بأبراجها ... # وإلى الشرق # وإلى الغرب # فتح بوابة # وسلط القمر على الليل # وجعله زينة في الليل # به يعرف الناس مواعيد الأيام. # 11 # وبعد أن رتب «مردوخ» في هذا الماء، أو الجلد السماوي، كواكبه ونجومه، والنيرين ~~الكبيرين: الشمس والقمر، هبط إلى النصف الثاني (الماء والأرض)، وهناك: # مردوخ على سطح الماء # ظفر حصيرا وصنع شيئا من التراب # وخلطه مع الحصير # وهذا كون لوحا صلبا # فوق المياه # هو: الأرض. # 12 # لكن سماء «مردوخ» لم تكن سماء واحدة، وأرضه لم تكن أرضا واحدة إنما كانت السماء ~~سماوات، فهي سبع سماوات طباقا، والأرض أيضا، طبقات سبع، أما في أعلى السماوات، فقد ~~ابتنى «مردوخ» لذاته العليا عرشا يليق بجلاله، وبإطلاقية سلطانه. # 13 # ولما انتهى «مردوخ» من التكوين الكوني، اجتمعت الآلهة واحتفلت بتتويجه سيدا للكون، ~~وبنوا له مدينة «بابل» أو ms41 «باب إيل» أو «باب الإله» لتكون مقرا لممثله على الأرض، ~~وفي وسطها بنوا له معبد «الإيساجيل # Esag EI ~~» وترجمته ~~الحرفية «مقر رأس الإله»، # 14 # مما يشير إلى أن «مردوخ» قد تعرض للقتل والذبح، باعتبار المعبد ~~مدفنا للرأس فقط، مما يربطه بآلهة الفداء الشهيدة وعبادات الخصب والري، مثل ~~«أوزيريس # OSIRIS ~~» المصري و«أدونيس الفينيقي»، الذى ~~هو أحد البعول الكنعانية، و«أتيس # ATIS ~~» الفريجي، ~~و«ميتهرا # METHERA ~~» الفارسي، و«يسوع» العبري، ~~و«الحسين» العربي ... إلخ. وقد وجدنا أن أسطورة إله الري الذبيح قد لحقت بالإله «مردوخ»، ~~وكانت تقام له سنويا، طقوس واحتفالات للتذكرة بعودته من بين الأموات، في عيد ~~للقيامة مجيد، وساعتها يتلو الكهنة أمامه أسماءه الخمسين، إعلانا عن حيازته كل ألقاب ~~السيادة. وأهم هذه الألقاب لفظ الجلالة الأسمي «إل» أو «إيل»، ولقب «بعل» أي سيد الآلهة ~~أو ربها، ويفيد السيادة عموما، وغني عن البيان أن الملك البابلي وهو يقوم بدور ~~«مردوخ» في هذه التمثيلية الدينية، كان يحظى سنويا وبتكرار دوري وتكريس مستمر، ~~باعتراف أعضاء كل المشتركات المنضوية تحت لوائه، بسيادته المطلقة، بعد أن حاز كل ~~الأسماء وكل شارات السيادة، وكل رموز السلطان المرموز لها في الأسطورة بالأسماء ~~الخمسين. # وعليه فقد استولى الملك نهائيا على كافة شارات ومناصب آباء المشتركات، الذين بدءوا ~~سادة بدائيين، ثم سادة لمشتركات معبدية فمدينية، وانتهى أمرهم بالتسليم للملك القوي ~~الصاعد، المتربع على عرش بابل، فأصبح هو الأب الواحد الأوحد للجميع، ولا أب يدانيه ~~في إطلاقية النفوذ. ويبدو أن بداية ظهور الأب الأرضي المتفوق هي التي أفرزت ربا ~~متفوقا عن بقية الأرباب، كخطوة تطورية في السماء أفرزها جدل المجتمع على الأرض، ~~مما ميز بالتدريج إلها عن سائر الآلهة، استطاع بعد ذلك أن يلغيها ويجعلها آلهة ~~تابعة، لعدم قبول رفيقه السيد الأرضي المستبد بوجود أي منافسين له. # ومن هنا أصبحت كلمة السيد الأرضي المتربع في بابل لا راد لها، نافذة بقوتها ~~الذاتية، لأنها صادرة عن فم الأب الأعظم، الذي تمثل كلمته حكمة الإله «مردوخ». ~~يكفي أن تكون نطقا باللسان فيكون كل المراد محققا في ms42 الواقع. # وبذلك تركت الفكرة السامية عن الكلمة الملكية الفاعلة بذاتها، أثرا في عموم فروع ~~اللغة السامية، وأصبح الأمر «كن» من الفعل يكون أي يوجد، «ويكون» أي يخلق، والعالم ~~الموجود بكليته إنما هو أحد اشتقاقات الكلمة، فهو «الكون»، فامتلك الأمر «كن» قدرة ~~سحرية لغوية تؤدي بمجرد نطقها من قبل شخص مؤهل لها (ملك، إله، ساحر، كاهن) إلى ~~«الكينونة»، أي الوجود الواقعي المتحقق «كيانا» عيانيا. # لكن الأمر الواجب إيضاحه هنا، هو أن «مردوخ» لم يخلق بالكلمة إنما بالعمل اليدوي، ~~فقد شق «تيامت» كما تشق الصدفة، ورفع السماء وحط الأرض ... إلخ. بينما أقحمت ~~مسألة القدرة السحرية للكلمة الفاعلة «كن» إقحاما في الإينوما إيليش: # أقاموا له عرشا يليق بأمير # وجلس يترأس وهو يواجه آباءه # أنت الأكثر تمجيدا بين كبار الآلهة # إن ما تقرره لا يعارض # إن كلمتك الآمرة هي كلمة آن # منذ اليوم # لا يكون ما تنطق به عرضة للتغيير # نطقك يغدو الحقيقة # أمرك لا يحتمل شكا! # واضح أن النص هنا ليس تعبيرا عن مطلب الملك الأرضي، ليصبح سيدا مطلق النفوذ، إزاء ~~طوارئ اكتسبت صفة الديمومة، بحيث تنفذ أوامره دون مناقشة، لذلك نلحظ أن كل ما جاء عن ~~الكلمة الخالقة في الأساطير لا يتعلق فعلا بما حدث لتكوين الكون وإيجاده، إنما كان ~~تجربة كتجارب الحواة وألعابهم، قصد بها تأكيد تبعية الأتباع للسيد، أنه «لو أراد» ~~شيئا بالكلمة سيحققه: # ووضعوا في الوسط قطعة قماش # وقالوا لبكرهم «مردوخ»: افتح فمك # تتلاشى قطعة القماش # تكلم ثانية تعود القطعة كما كانت # ولهذا # قدموا له الخضوع في فرح قائلين # من دونك ملك؟ # وإعمالا لكل ما سبق، يمكننا الزعم أن دخول فكرة الكلمة الخالقة إلى سفر التكوين، ~~بدأت تعبيرا عما وصل إليه التطور السياسي في المجتمع الإنساني، وتعبيرا عن وجوب ~~الطاعة الكاملة غير المشروطة للعاهل الذي لا ترد كلمته ولا تتبدل، والتي يجب ~~تنفيذها الفوري مهما كانت غير مقبولة أو غير معقولة، ومع ذلك واصلت فكرة الكلمة الخالقة ~~صعودها الخيالي في اللغات السامية، ليصبح للأمر «كن» دلالات القوة الفاعلة في ms43 الكلام ~~لكنها على المستوى الفعلي لم تكن ذات دور فاعل حقيقي في عملية الخلق، التي تمت بموجب ~~«الإينوما إيليش» البابلية. # وظل فكر الساميين الديني بعد ذلك، يحتفظ بكلتا الفكرتين جنبا إلى جنب: الخلق ~~بالعمل اليدوي والفعل البدني من جانب الإله الخالق (يفصل السماء عن الأرض، يخلق ~~الإنسان بيديه، يكتب ألواح الشريعة التوراتية بإصبعه ... إلخ). وفي الوقت ذاته، يمكنه ~~أن يخلق بمجرد الكلمة تعبيرا عن سلطانه اللامحدود، وقدرته اللانهائية، لكن يبدو في ~~مختلف نصوص الديانات السامية، أن الأمر «كن» كان مجرد إمكان غير متحقق (حتى ~~الآن)، أو هو استعداد إلهي موقوف لإثبات القدرة المطلقة فقط، فهو استعداد بالقوة لم ~~ينتقل إلى الفعل، وربما ينتقل من القوة إلى الفعل حين يشاء، لكنه لم يعد الآن مجديا، ~~بعد أن وجد الكون فعلا بالطريقة اليدوية التصنيعية. # ولو نظرنا لتصوير «مردوخ» في النقوش، سنجده صورة مطابقة للنقوش الملكية، نقش لرجل ~~يلبس تاجا مخروطيا عاليا، تزينه وريدات، له لحية طويلة مصففة بتجاعيد مصطنعة ~~على غرار صنعة الحلاق بالقصر الملكي، ومثل الملك كان «مردوخ» يرسل شعره خلفه، بينما ~~يرتدى ثوبا طويلا مرصعا بالنجوم، يضم يسراه إلى صدره ، وهي تقبض على رموز ~~السيادة: «الدائرة والعصا»، # 15 # وهما فيما نرى رمزان لحيازة السيادة على مجتمعين ونظامين: الرعوي الذكري ~~والزراعي الأمومي، # 16 # وإمساكهما إمساك بقدرة منح الحياة وإعطائها، فالعصا عضو الذكورة، والدائرة ~~فرج الأنثى. # | الدم روح الإنسان # يقول الباحث العراقي «فوزي رشيد»: إن «قصة الخليقة البابلية، قد تضمنت بين ~~سطورها وصفا لوضعية الآلهة، بعد أن كتب عليها العمل، وكيف أن تلك الوضعية كانت لا ~~تختلف عن وضعية الإنسان، بعد خلقه ... # عندما كانت الآلهة مثل البشر ~~(وتعني لدينا: عندما كان الملوك كبقية ~~الناس) # توجب عليها العمل # وكانت سلة عمل الآلهة كبيرة # وكان عملهم صعبا # لذلك تعددت الشكوى ... # ويعني هذا أن الإنسان قد خلق، من أجل أن يقوم بتزويد الآلهة بالطعام والشراب ~~والسكن، وهذا ما قاله «فوزي رشيد» # 1 # مع تعليقنا بين قوسين. لكن مع سياق فهمنا للأمور، نرى القصة صدى لواقع ms44 ~~حدث، بعد أن تفرغت فئة للحكم، وتحررت من عناء العمل، لذلك تردد القصة ما سبق ~~ورأيناه في التكوين السومري، حيث انقسم مجتمعهم الإلهي إلى صنفين من الآلهة: آلهة ~~عاملة أو شغيلة، وآلهة متفرغة للخلق وإدارة شئون ~~الكون، لكن التكوين البابلي قام هنا بصياغة جديدة فأوضح أن الآلهة خلقت البشر ليحملوا ~~هم أعباء العمل، لتتفرغ الآلهة لإدارة شئون الكون والبشر، وكان أكبر الآلهة «مردوخ» ~~الذي يمثله على الأرض ملك بابل، وما على أفراد المجتمع سوى السعي من أجل خدمته ~~وراحته، وتقديم فائض إنتاجهم بين يديه. # ونعود إلى «الإينوما إيليش» نستطلعها التفاصيل، فتقول في لوحتها السادسة: # ألا فليذكر الرعايا دائما إلههم # وطبقا لكلمته يهتمون بالآلهة # ألا فلتحمل القرابين # إلى آلهتهم وإلهاتهم # وبغير نسيان # فليعنوا دائما برعاية آلهتهم # ليستصلحوا أراضيهم # ويبنوا هياكلهم # ليخدم ذوو الشعور السوداء # آلهتهم. # 2 # ونستكمل من ملحمة «اتراخاسيس» بدءا من السطر «179» بالعمود الرابع، الذي يقول: ~~«بيليت إلى» كانت حاضرة الرحم # ليتها تخلق الإنسان الأول # لكي يحمل هذا الإنسان سلة عمل الآلهة # نادوا مولدة الآلهة الإلهة «مامي» ~~الحكيمة # وسألوها: # أنت الرحم خالقة البشر # اخلقي الإنسان الأول # من أجل أن يحمل النير ... # سلة عمل الآلهة يجب عليه حملها # فتحت الإلهة «ننتو» فاها # وخاطبت الآلهة العظيمة: # ليس بمقدوري أن أفعل ذلك # إن القدرة بيد الإله «آنكي» # إذ بإمكانه أن يجعل كل شيء طاهرا # فتح الإله آنكي فاه # وخاطب الآلهة العظام: # في اليوم الأول، والسابع، # والخامس عشر من الشهر # سأقيم طقوس الاغتسال # وسأقيم الحمام # وليذبح الآلهة إلها من بينهم # وبعد ذلك يطهروا أنفسهم في الحمام # وعلى الإلهة «ننتو» أن تمزج الطين # مع لحمه ودمه # وليت الإله والإنسان يمتزجان سوية # في الطين دعونا نستمع إلى الطبل # من أجل مصير الأيام القادمة # وبسبب لحم الإله # نود أن يسكن شبح الموت # جسم الإنسان # وليذكر هذا الشبح الأحياء بالموت # ما داموا على قيد الحياة # ليت شبح الموت أن يوجد في الإنسان ... # ثم فتحت الإلهة «مامي» فاها # وقالت تخاطب الآلهة العظام: # لقد عهدتم إلي عملا فأكملته # وما دمتم ms45 قد ذبحتم إلها رغم قدسيته # فها أنا قد رفعت عنكم عناء أعمالكم ~~الشاقة # وجعلت الإنسان يحمل سلة عملكم # وها أنتم قد وهبتم صراخكم للبشرية # وها أنا حللت عنكم النير # حررتكم من الواجبات # ولما سمع الآلهة كلامها # تراكضوا إليها وقبلوا قدميها # وقالوا: # في السابق الإلهة «مامي» كنا نناديك # والآن: ليكن «سيدة الآلهة» اسمك. # 3 # ولاستطلاع أمر هذا الإله الذي ذبح، نعود مرة أخرى إلى «إينوما ~~إيليش» فتطالعنا: # قتل «كنجو»، قطعت شرايينه # سال الدم # ومن الدم، خلق الإنسان # ليعبد الآلهة، يخدمها. # 4 # ولأن «إينوما إيليش» أكثر سامية من «إترام خاسيس» المتأثرة بالفكر السومري أكثر، ~~فإن «الإينوما» تحاول إبراز دور «مردوخ» بفاعلية أوضح، في عملية خلق الإنسان، فتقول: # بعد أن سمع الإله «مردوخ» # كلمات الآلهة # تحرق قلبه من أجل خلق الكمال # وعندما أخبر الإله «أيا» بقراره # وشرح له خطة العمل # التي رسمها في ذهنه: # أريد أن يحضر لي الدم والعظم # أريد أن أخلق لوللو # الذي سيكون اسمه الإنسان # لأني أريد أن ألقي عليه عناء الآلهة # حتى تنعم هي بالراحة # وأريد أن أجعل طريق الآلهة # محاطا بالإبداع ... # يجب إحضار أحد إخوانك # لنذبحه ونصنع منه البشر # وليت الآلهة العظام تجتمع الآن # وتعترف عليه الآلهة # جمع الإله «مردوخ» الآلهة العظام # وبلطف أمرهم أن يقدموا المشورة ... # سأضعكم الآن تحت القسم # وأطلب منكم الحقيقة # من منكم تسبب في نشوب الحرب؟ ~~«تيامت»! ~~«تيامت» أثارتها ونظمت الثورة. # عليكم بإحضار الذي تسبب # في نشوب الحرب # لأني أريد أن أحمله وزرها # لتعيشوا أنتم في هدوء ~~«كنجو» # هو الذي تسبب في نشوب الحرب # و«تيامت» أثارتها ونظمت الثورة، # ربطوه # وجاءوا به إلى الإله «أيا» # وحملوه وزر جريمته # وسفكوا دمه # وعلى دمه خلق الإله «أيا» البشر # وحملهم عناء الآلهة # وتحررت هي منه # وعندما قسم الإله مردوخ # ملك الآلهة # آلهة الآنوناكي إلى قسمين # علوي # وسفلي. # 5 # هكذا سجلت اللوحة السادسة: # إنه «كنجو» # هو الذي أثار الفتنة # وحرض «تيامت» على الثورة # واشترك في المعركة # فقيدوه # وأمسكوا به أمام «أيا» # ووضعوا عليه جريمته # وفصدوا دمه # وصاغوا منه البشر. ms46 # 6 # وعليه سجلت ذات اللوحة قول «مردوخ»: # سأكتل العظم وأخلق اللحم # سأصنع إنسانا ... # سيكون اسمه الرجل ... # سيكلف بخدمة الآلهة. # 7 # ولنقف الآن مع هذه النصوص، لنحاول معرفة علاقتها بواقع الأحداث، ولنبدأ مع مبتدأها: # عندما كانت الآلهة مثل البشر # توجب عليها العمل. # فالنص يردد هنا صدى واقع أحداث المجتمع، قبل تفرد فئة بالحكم دون باقي ~~الأفراد، عندما كان الجميع سواء في العمل، ثم تطورت الأوضاع إلى تفرد البعض ~~بالإدارة، واستيلائهم على فائض إنتاج الأفراد: # ألا فليذكر الرعايا إلههم ... # ألا فلتحمل القرابين # إلى آلهتهم وإلاهاتهم # وعلى باقي أفراد المجتمع الكد والعنت ~~والكدح # في الأرض، # ليستصلحوا أراضيهم # ويبنوا هياكلهم. # وإن الربط بين العمل في الأرض، وبين بناء الهياكل والمعابد، هو ترسيخ واضح لسلطان ~~الملك المرتبط بفائض العمل، وبقدسيته كإله ~~يستحق هذا الفائض بالحق الإلهي، ثم لنتأمل أبيات ملحمة «إترام خاسيس»، التي يتضح ~~فيها أثر تقديس الميلاد من أم إلهة، وهي فكرة أقدم: ~~«بيليت إلى» كانت حاضرة الرحم # ليتها تخلق الإنسان. ~~(لنلحظ أن القراءة الأصدق لاسم الإلهة بيليت إلى هو بعليت إيلي، أي البعلة الإلهة ~~أو السيدة، أو سيدتي البعلة.) # ويظهر في النص أثر مفاهيم عبادة الخصب والري في أصل الوجود والخلق بالميلاد من أم ~~أولى، وهو بدوره أثر من عبادة الأم في مجتمعات الخصب القديمة، وذات النظام الاجتماعي ~~الأمومي الغابر، ويتضح ذلك في النص: # نادوا مولدة الآلهة # الإلهة «مامي» الحكيمة # وسألوها: # أنت الرحم، خالقة البشر. # والإلهة «مامي» هي التي عرفناها في سفر التكوين السومري، باسم «ننتي» أو «ننتو» وهو ~~ما يردده نصنا الحالي لكن بعد التمازج مع الفكر السامي في نظامه الأبوي الذكري، ~~الذي سلب هذه الأم قدرتها الذاتية على إنجاب الحياة وحدها دون معين، فيقول: # فتحت الإلهة «ننتو» فاها # وخاطبت الآلهة العظمى # ليس بمقدوري أن أفعل ذلك # إن القدرة بيد الإله «آنكي». # لم يزل الإله «آنكي» حتى الآن فاعلا في أسطورتنا السامية المبكرة، ومن الضروري أن ~~يلقي ببذرة الخصب، أو السائل المخصب، حتى يتم التكوين المطلوب، لكن يدخل هنا عنصر ~~جديد على ms47 المناطق الخصبة، فقد تصورت هذه المناطق في فجر الفكر أن وجود البشر مسألة ~~خاصة بالأم وحدها، خاصة أيام المشاع البدائي القديم، ولم يكن للذكر دور يمكن ~~ملاحظته في عملية الحمل والوضع، كنتاج التقاء المرأة بأكثر من رجل، فتصوروا أن دم ~~الحيض هو سر الميلاد، ومنه يتكون الجنين لدى المرأة دون معين، لكن دخول الثقافة ~~الذكرية أدخل دورا واضحا للذكر في التكوين الإنساني، مع رغبة ملحة في إلغاء دور ~~الأنثى تماما، إلغاء لسلطانها. # وحتى يتم الخلق من الدم باعتباره المادة المعروفة لتكوين الجنين، وليس لديهم مادة ~~أخرى يقبلها حسهم للتكوين المطلوب فنعتقد أنهم عمدوا إلى الدم كمادة لتكوين الإنسان ~~الذي إذا جرح سال منه هذا الدم الذي خلق منه حتى إذا نفد دمه مات، لكنهم استبعدوا ~~دم الأنثى واستبدلوه بدم ذكري. وبما أن الذكر لا يحيض، إذن فليذبح! ومن هنا ~~سجلت النصوص: # قتل كنجو، قطعت شرايينه # سال الدم # ومن الدم خلق الإنسان. # وهكذا نظن الفكر الذكري قد حقق سلطان فلسفته، ثم ضمنها تفسيره لظاهرة الموت؛ ~~فالإنسان يموت لأنه تكون من دم إله ميت (بعد مزجه بالطين): # وبسبب لحم الإله # نود أن يسكن شبح الموت # جسم الإنسان # وليذكر هذا الشبح الأحياء # بالموت # ما داموا على قيد الحياة # ليت شبح الموت يوجد في الإنسان! # ثم ترى «الإينوما» الأكثر إيغالا في الطابع الذكري، ومركزية السلطان، وجوب تقسيم ~~المجتمع طبقتين: طبقة تعمل، وطبقة تحكم وتدير، وهذا هو الكمال وتمام النظام بعد ~~الفوضى الكونية، والاجتماعية، الأولى، فتقول: # بعد أن سمع الإله «مردوخ» # كلمات الآلهة # تحرق قلبه من أجل أن يخلق الكمال # وقد حقق ذلك عندما # قسم الإله «مردوخ» ملك الآلهة # آلهة الآنوناكي # إلى قسمين # علوي وسفلي. # أما لماذا؟ فهو ما يجيب عليه النص بلسان «مردوخ»: # أريد حقا خلق الإنسان # لأني أريد أن ألقي عليه عناء الآلهة! # حتى تنعم هي بالراحة. # ومن ثم يبدو أن الملك الأرضي، قد سوغ استيلاءه على مجمع السلطات بشكل يعطيه ~~تفويضا من قبل رؤساء المدن وحكامها، إبان عملية التوحيد والمركزة، كي يبدو ms48 هذا ~~التفويض شهادة منهم وموافقة غير قسرية فيقول النص: # جمع الإله «مردوخ» الآلهة العظام # وبلطف أمرهم أن يقدموا المشورة # سأضعكم الآن تحت القسم # وأطلب منكم الحقيقة # من منكم تسبب في نشوب الحرب ~~«تيامت»! ~~«تيامت» أثارتها ونظمت الثورة. # ربما كان ذلك ترديدا لذكرى قديمة، إبان تداخل المجتمعين الذكري الأبوي ~~والأنثوي الأمومي، وسيادة النظام الذكري، وربما كانت تيامت رمزا للنظام الأمومي الذي ~~غبر بسيادة الذكر. # | عالم آدم # وهكذا بات واضحا أن قصة التكوين السامية (أكدية أو بابلية)، والتي اصطلحنا على ~~تسميتها «سفر التكوين البابلي»، لم تختلف كثيرا عن «سفر التكوين السومري»، بل رددت ~~مفاهيم سومرية حول الآلهة وطبيعتها، مع إضافات وتعديلات تتلاءم مع التطور الذي لحق ~~النظام الاجتماعي، الذي أرسى نهائيا دعائم حكم الذكر، وعبادة الذكر. وغني عن ~~الذكر أن ذات قصة التكوين، قد عرفت طريقها إلى التراث السامي في مختلف مناطق الهلال ~~الخصيب، مع تعديل طفيف في التفاصيل دون الأصل، مع تغير خلع الإله الخالق وتنصيب غيره ~~بتغير السادات، فالإله «آشور» يأخذ دور «مردوخ» عندما تخضع الرافدين للآشوريين، بينما ~~يكون لدى الكنعانيين هو «بعل»، الذي يقوم بمهمة الخلق التي قام بها البعل البابلي ~~«مردوخ» و«آنليل» و«آنكي» السومريين . # وفي مصير الموتى، ظل العالم التحت أرضي قائما في مختلف العقائد السامية وفي ذلك ~~يقول «بوتيرو»: ~~«بالنسبة للبابليين بصورة عامة فإن ما بعد الموت لم يكن مغريا لهم ... وفي أسطورة ~~نزول عشتار إلى العالم السفلي ... وردت تعابير غير شيقة أبدا عن حالة الموتى التعيسة ~~... إن طعامهم هو من الطين، إن غذاءهم هو من التراب، لا يرون النور أبدا، فهم يسكنون ~~بالليل.» # وحتى عشتار نفسها لم يكن لها القابلية أو الحق في الدخول بين هؤلاء إلا بعد أن ~~نزعت كل ما يسترها ... قطعة بعد أخرى، وأصبحت على صورة العري الكامل، الذي يستلزمه ~~الذهاب إلى هذا العالم. # 1 # ولهذا السبب كانت «الحياة بالنسبة للبابلي من أعظم وأكثر الآمال، ونعرف منذ العصر ~~السومري أن الملوك والخاصة، الذين أقاموا المعابد وجهزوا الهدايا للآلهة، عملوا ~~ذلك بكل الوضوح، خوفا ms49 على حياتهم، حتى تكون هذه الحياة طويلة الأمد، وهذا هو الهدف ~~الذي ينشده الورعون والأتقياء من رجال الدين أيضا، فتقديم القرابين للآلهة يطيل العمر.» # 2 # ويشرح موسكاتي تطابق وجهة نظر البابليين والسومريين في عالم تحت الأرض بقوله: إنهم ~~اعتقدوا «أن روح الإنسان بعد الموت تنفذ من القبر إلى العالم السفلي أرالو # AraIlu ~~، وهي مدينة كبيرة يلفها الظلام والتراب، ويعيش ~~فيها الموتى عيشة حزينة كئيبة، يشربون الماء القذر ويأكلون التراب، ولا يمكن التخفيف ~~من هذا البلاء إلا بالقرابين، يقدمها أصدقاء الميت وأقرباؤه، الذين لا يزالون على ~~قيد الحياة.» # 3 # ومن هنا يعقب «ديورانت» على فكرة البابليين عن العالم البابلي التحت أرضي بقوله: ~~إن «فكرة البابليين عن الحياة الأخرى، كانت في جملتها ... فكرة أموات منهم قديسون، ~~وأنذال، ومنهم عباقرة، وبلهاء يذهبون إلى مكان مظلم في جوف الأرض.» # 4 # هذا بينما يحيطنا «دو لابورت» علما باسم آخر لهذا العالم، إضافة إلى «أرالو» في ~~قوله: «وبعد أن يعد الميت إعداده الأخير، يهبط إلى الأدمو، إلى الأرض الكبيرة، ~~مأوى الظلمات ... إلى البيت الذى يدخله الداخل ولا يخرج منه، وهو كما تصفه رحلة ~~عشتار ... موضع من الأرض تخيم عليه الظلمات، وتحيط به أسوار سبعة، لكل منها باب ~~واحد، والموتى قد نبتت على جوانبهم أجنحة كأجنحة الطيور، ~~يأكلون التراب ويتغذون بالرغام، هذه هي المملكة ~~التي يتزعمها نرجال (عرفناه باسم كور عند السومريين)، والإلهة اللاتو (وتعني اللات ~~وهى مؤنث إل أو إيل) ... التي تحت أمرها أرواح الطاعون والأمراض التي ترعى الموت، وتحول ~~في المعتاد دون عودتهم إلى الأرض للإيقاع بالأحياء.» # 5 # ولكن على ما يبدو أن ما طرأ من تطور في الأوضاع الاجتماعية على الأرض، انتقل إلى ما ~~تحت الأرض، وإلى هناك انتقل التمايز الطبقي الناشئ عن قيام الدولة الملكية المركزية، ~~فنشأ تمايز مماثل في العالم التحت أرضي، جاء في الصياغة السامية لملحمة جلجامش ~~السومرية، وبالتحديد في اللوح الثاني عشر، حيث نجد في هذا العالم: # أمواتا عظماء # وأمواتا حقراء # أغنياء وفقراء # سعداء وتعساء. # 6 # وتبقى هنا مسألة، تثيرها ms50 طبيعة اللغة السامية التي تعشقت فيها روافد متعددة، ~~فدخلت البابلية ألفاظ سومرية لفظا ومدلولا، وتبودلت المعاني والألفاظ بين مختلف ~~اللغات السامية لظروف الجوار والغزو، والعلاقات السياسية والاقتصادية وحتى الدينية، ~~مما أدى إلى تشابك لغوي هائل، وإن كنا سنحاول التعامل مع الإشكال في أسهل ~~الحدود الممكنة: لقد سبق وعلمنا أن السومريين أطلقوا على عالم تحت الأرض اسم ~~إدين # Edin # وتنطق أيضا الدين وأدن، وبما نعلمه ~~عن الخلط القديم بين «الميم» و«النون»، يمكن أن تتحول «أدين» إلى «أديم»، ورأينا ~~البابليين يطلقون على العالم التحت أرضي «أدمو» أو «آدم»، وبما نعلمه عن الخلط بين ~~«العين» وبين «الهمزة» تصبح أيضا «عدم» و«عدن» فيصبح عالم تحت الأرض هو عالم: أدن، ~~الدين، أدين، أديم، أدمو، آدم، عدم، عدن (ولنلحظ ارتباط المعنى القائم بين مختلف ~~الأسماء فكلها تعطي معنى العودة إلى العدم)، والأصل وهو التراب أو الأديم، وأدم من ~~تراب وإلى عدم أو إلى أديم يعود، واللفظ آدم لفظ سامى يدل على أبي البشر، جاء في ~~النصوص الأوجاريتية المكتشفة مؤخرا، وهي لغة سامية فينيقية، وكما في ملحمة «كارت ~~ملك صيدون»: # أب آدم ويقرب (أي ويقترب الأب آدم) # أو ظهر له في الحلم إيل، في رؤياه ظهر ~~أبو # أدم. # 7 # و «أدم» في هذا تعني الإنسان أو البشر، وواضح في النص وراثة الاعتقاد القديم في ~~عبادة الأب الأول، لذلك جاء «إيل» الإله الأعظم في النص كأب للبشرية، وهو الذي لقب ~~في ملحمة البعل الأوجاريتية الفينيقية بأنه: # خالق الخلائق ... # خالق الكائنات # لطفان (كثير اللطف) # إله الرحمة ... # 8 # وهي كلها صفات تشير إلى الألوهية ممزوجة بالحنان الأبوي وكان «إل» أو «إيل» يعد ~~لدى الفينيقيين الإله الأعلى، ويلقب ب «العلي # God suprem ~~»، فهو أبو الآلهة جميعا، وأبو البشر أيضا. # وإلى جانب «إل» عبد الفينيقيون إلها آخر لا يقل عنه أهمية بل هو أقرب إلى الناس ~~من الأب الأول «إل» عرف في فلسطين باسم بعل، وفي لبنان في فينيقيا باسم «أدونيس # Adonis ~~»، الذي هو «أدون» بعد حذف الياء والسين التي ~~تلحق بأسماء ms51 الأعلام أو «أدوم» أو «أديم» أو «آدم» أو «عدم» أو «عدن». # كتابة مسمارية من اللوح الرابع في قصة الخلق «إينوما إيلش» ~~الرافدية القديمة. # الباب الثالث # | سفر التكوين التوراتي # | تأسيس # عندما نبدأ الحديث عن التوراة، فهذا إنما يعني أننا نتحدث عن أخطر الشعوب ~~السامية، ذلك الشعب ذو الأسماء المتعددة: عبريون، يهود، إسرائيليون. # وقد استطاع هذا الفرع من الشعوب السامية، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، ويحوز ~~شهرة واسعة في العالم حتى اليوم، نتيجة ارتباط هذا الشعب بالتوراة، تلك المأثرة التي ~~تمكن من إنجازها، وجمع لها مادة دينية هائلة متنوعة، تحت عنوان «الكتاب المقدس # BIBLE ~~»، الذي أصبح مصدرا تاريخيا ودينيا ~~لا غنى عنه، للباحث المدقق أو المؤمن المتبتل، على حد سواء؛ نتيجة كونه الأثر ~~الوحيد الذى وصلنا متماسكا وشبه جامع لتراث شعوب حوض المتوسط الشرقي بجملة عادات ~~هذه الشعوب وتقاليدها ونظمها الاجتماعية، واعتقاداتها الدينية مع عدد غفير من ~~الأساطير والمتواترات والملاحم والفلكلوريات؛ لذلك فهو معين للمؤمن، كما أنه لا شك ~~معين غزير للباحث المنقب أيضا، لكن مع إشكالية كبرى ناشئة عن كون اليهود قد ~~جعلوا جماعتهم وأربابهم، قطب الدائرة في هذا الكتاب فنسبوا بطولات الملاحم إلى آبائهم ~~الأوائل أحيانا، أو نسبوا أبطال أساطير شعوب أخرى إلى أنفسهم، وادعوا النسب ~~السلالي إليهم أحيانا أخرى، فكانت النتيجة مزيجا هجينا من ثقافات شتى، تعود إلى ~~الراسب الثقافي لمجموعة كبرى من شعوب المنطقة تلاقحت جميعا على صفحات الكتاب، ~~ولعب فيها اليهود دور البطولة المطلقة. # والكتاب المقدس المتداول الآن، هو مجموعة الأسفار التي جمعها اليهود، مع ما أضافه ~~إليه المسيحيون من أناجيل ورسائل مقدسة، وللتفرقة بين المقدس اليهودي، والمقدس ~~المسيحي، داخل الكتاب المقدس، اصطلح على تسمية اليهودي «العهد القديم» وتسمية ~~المسيحي «العهد الجديد». ومدار بحثنا هو المقدس اليهودي أو العهد القديم، لما ~~تضمنه من تراث شعوب المنطقة. # وقد اختلف الباحثون حول ضبط وتوقيت جمع مادة هذا الكتاب التي كانت متناثرة على ~~المتاح آنذاك من وسائل الكتابة، إضافة إلى ما دخل إليه أثناء جمع المادة من تأليف ~~جديد ms52 وترتيب جديد. ويذهب «أنيس فريحة» إلى أنه «كانت مواد أسفار التوراة من شعر وقصص ~~وأمثال وتاريخ وتعليم ديني في بادئ أمرها روايات شفهية متداولة جيلا بعد جيل، إلى أن ~~قيض لها أن تدون في حدود 440ق.م.». # 1 # ويلخص «حسن حنفي» القول في قوله: «إن أسفار الكتاب المقدس لم يكتبها مؤلف ~~واحد، في عصر واحد، لجمهور واحد، بل كتبها مؤلفون كثيرون، في عصور متعاقبة، ~~لجماهير مختلفة المزاج. ويمتد التدوين إلى ألفي عام، وربما أكثر من ذلك.» # 2 # هذا إضافة إلى الإقرار الواضح في مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس لسنة ~~1960م، الذي يقول: «ما من عالم كاثوليكي في عصرنا، يعتقد أن موسى ذاته كتب كل ~~التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على وضع النص الذي كتبه عديدون من بعده، بل ~~يجب القول: إن ازديادا تدريجيا حدث، سببته مناسبات العصور التالية، الاجتماعية ~~والدينية.» # وقد حاول بعض العلماء تحديد الفترة الزمنية التي استغرقها زمن تدوين الكتاب ~~المقدس، فطالت المسافة وامتدت ما بين بداية القرن العاشر قبل الميلاد وانتهاء ~~بالقرن الأول الميلادي. وذهب هؤلاء إلى أن الأسفار الخمسة الأولى قد كتبت على مدى ~~ثلاثة قرون ابتداء من القرن العاشر قبل الميلاد، أما آخر الأسفار وهو سفر المكابيين ~~الأول، والثاني، فقد حررت خلال القرن الأول قبل الميلاد. # 3 # أما موسوعة تاريخ العالم، التي أشرف على تحريرها عدد لا يستهان به من العلماء، ~~فقد أكدت أن في هذا الكتاب أجزاء ألفت ما بين 1150ق.م. وبين 130ق.م. وأجزاء أخرى ~~كالأسفار الخمسة الأولى، قد أخذت صورتها النهائية حوالي عام 400ق.م. وتحوي كتابات ~~يرجع تاريخها الشفاهي إلى ستة قرون سابقة على هذا التاريخ، بينما الأسفار التاريخية قد ~~كتبت سنة 550ق.م. مع تصنيفات أخرى للكتاب، قدمت لها الموسوعة اقتراحات بتواريخ ~~مختلفة ومتباعدة تباعدا كبيرا. # 4 # وكما هو ملاحظ، فإن أكثر الباحثين يطلق على هذا التراث الهائل اصطلاح التوراة، ~~إلا أن التوراة تقتصر - لوجه الحق - على جزء يسير من الكتاب المقدس، هي الأسفار ~~الأولى منه المنسوبة إلى النبي موسى، وهي: التكوين ms53 # Cenesis ~~، الخروج # Exudus ~~، اللاويين ~~أو الليفيين # Levetieis ~~، العدد # Numbers ~~، التثنية. # Deuteronomy # ومن ~~الباحثين في العلوم التوراتية، من يدخل في أسفار موسى السفر السادس «يشوع». # ونحن بدورنا سنستخدم هذا الاصطلاح «التوراة» في عملنا هذا، تجاوزا؛ لأن بحثنا ~~سيتركز فعليا على الأسفار الست الأولى من الكتاب المقدس. # ومن المهم الإشارة إلى أنه لا يوجد باحث علمي ~~ذو شأن، ذهب وراء القول إنها أسفار موسى، أو أن موسى كتبها، إنما هناك إجماع على أنها ~~ألفت بعد موسى بقرون طويلة، وأنها نتيجة تصانيف مختلفة، لمؤلفين مختلفين مزاجا ~~ومشربا. وتدلل مدرسة «فلهاوزن # Willhawsen ~~» على ~~ذلك بأدلة أهمها وأخطرها أن اسم الإله يختلف في هذه الأسفار ما بين سفر وآخر، ~~إضافة إلى تكرار القصص فيها، مما يشير إلى عدد من الكتاب لم يلتقوا لتصفية الأمر ~~بينهم، مع فروق واضحة وجوهرية وعميقة في اللغة وفي الأسلوب بين هذه الأسفار. # 5 # والتوراة تبدأ تاريخ اليهود منذ فجر الإنسانية على الأرض، فتأتي بشجرة النسب اليهودي ~~من جذرها الأول المسمى في اللغة العربية «آدم»، ومنه تشعبت الأنساب شعابا، ~~أهمهم في التوراة فرع من الشجرة البشرية هو الفرع السامي، بل هو غصن في هذه الشجرة هو ~~الغصن اليهودي، أو كما يحلو لهم أحيانا تسمية أنفسهم الشعب العبري، واللغة المنسوبة ~~لهذا الشعب والتي كتب بها أهم أجزاء التوراة، هي المعروفة باللغة العبرية ، بينما ~~العبرية هي ما عبرت عنها التوراة بأنها «شفة كنعان» أي لسان الكنعانيين، حتى إن ~~الكلمة آدم، وقد عرفناها قبل التوراة، كلمة كنعانية فينيقية في مدونات ~~«أوغاريت». # ولنلحظ أن التوراة لم تحاول أن تنكر أن لسانها مأخوذ عن لسان الكنعانيين، ولم ~~تحاول أن تنكر أنه قد سبقهم في هذه الأرض شعب هو الشعب الكنعاني. وأطلقوا على الأرض ~~في التوراة أرض الكنعانيين، وأرض الفلسطينيين. ويزعم الباحثون أن الكنعانيين رغم أنهم ~~أسبق في التواجد بفلسطين، فإنهم بدورهم كانوا هجرة قدمت إلى فلسطين من شبه جزيرة ~~العرب حوالي 2500ق.م. # وإذا كان منهجنا في البابين السابقين، قد حاول أن يربط بين تطور العبادات في ms54 بلاد ~~الرافدين وبين التطور الاجتماعي والسياسي والشكل الاقتصادي، فإن مثل هذه المحاولة ~~مع التاريخ اليهودي أمر يستعصي على البحث تماما، لعدة أسباب أهمها: # مشكلة التتبع الزمني الصادق لأسفار التوراة، التي لم يراع في ترتيبها منهج ~~محدد. # الغموض الذي أحاط بمعاني الألفاظ التوراتية، ومقصد التوراة الحقيقي منها، وهو أمر فيه ~~جدال وخلف كبير، بين الباحثين التوراتيين مما أدى حتى الآن إلى تباعد شديد في ~~تفسير النص الواحد، بل وأحيانا الكلمة الواحدة، إضافة إلى أن التوراة تغص بأسماء ~~أماكن قديمة على خريطة المنطقة، يصل عددها إلى الآلاف، لم يستطع عالم جاد واحد ~~حتى اليوم، أن يجزم بالمكان الحقيقي الصادق، ولو لعشر منها فقط، كما لم تعطنا ~~البحوث الأركيولوجية، ولا أي حفريات، دلائل صادقة على موضع قديم يمكن القول المؤكد أنه ~~موضع الآن في فلسطين المظنون أنها كنعان التوراتية. # وزيادة على ذلك، ونكاية في إخلاص الباحث الجاد، نجد مدونات التوراة قد ظلت زمانا ~~طويلا خالية من التنقيط والتشكيل، إضافة إلى اختلاط النطق في الحروف العبرية ذات ~~المخرج الواحد: الشفاه، الأسنان، الحنجرة، اللسان، الحلق، مع غياب الأزمنة: الحاضر، ~~الماضي الناقص، الماضي التام، المستقبل السابق في الصيغة الإخبارية، ناهيك عن غياب ~~الحروف المتحركة. ولم يتم وضع ذلك كله إلا أيام الحشمونيين قبل الميلاد بحوالي ~~قرنين من الزمان، وفق قواعد اللغة الآرامية، مما أدى إلى لبس وأخطاء لا مزيد ~~عليها، مما يجعل قراءة أي كلمة اليوم في التوراة، موضع حذر وشك كبير. # 6 # إن اليهود لم يكونوا خلال تاريخهم جماعة واحدة مستقرة في مكان واحد إنما كانوا ~~جماعات مختلفة، مرتحلة دوما إلى جهات مختلفة، ما بين الرافدين وجزيرة العرب وكنعان ~~وحاران ومصر ... إلخ. حتى دولتهم التي قامت مع بداية الألف الأول قبل الميلاد لم تستمر ~~في الوجود زمنا مناسبا يسمح بنضوج أو تطور اجتماعي واضح محدد البصمات، يمكن ~~للباحث تتبعه. # إن عدم الاستقرار في مكان واحد مددا طويلة، ~~أدى إلى تغيرات مستمرة في العقائد والعبادات، التي أخذت تصطبغ مع كل ارتحال ~~بألوان متعددة، فجاءت ديانتهم بعد ms55 جمعها مزيجا متنافرا من الألوان عديمة ~~الاتساق والتمازج، مما أدى بباحث متحيز لليهود مثل «إيفارلسنر» إلى القول ~~عما خرج به من دراسة الكتاب المقدس: «إن تابوت العهد # 7 # يعود بنا إلى مساكن آلهة النيل المتنقلة، وآثار السحر ترجع بنا إلى مصر ~~كما تذكرنا قصة الطوفان والأرقام الغامضة ببابل، ويصير الإله البابلي جلجامش ~~نمرودا، وتصبح ثيران آشور المجنحة كروبيم العبريين، كما أن أسطورة الجنة وشخصية ~~الشيطان أهريمان، وعالم الملائكة ورؤساء الملائكة تعيد إلى أذهاننا بلاد الفرس، ~~ونتعرف على البعل إله الفينيقيين والكنعانيين في أسماء إشبعل ومربعل. لقد كان ~~الفلسطينيون الذين يحتمل أن يكونوا قد وفدوا أصلا من كريت، ينظرون إلى اليمامة ~~أصلا كإله، أما السمكة التي عبدت في عسقلان فتظهر في قصة يونان.» # 8 # | تاريخ اليهود في التوراة # تزعم التوراة أن اليهود هم نسل اثني عشر ولدا هم الأسباط، أبناء النبي «يعقوب» ~~المسمى «إسرائيل»، ومن هنا سموا «بني إسرائيل»، وحتى تجعل التوراة من هذا النسل ~~خلاصة البشرية، ومدار حديثها المقدس فإنها تجري تصفيات عجيبة بين الشعوب سنلاحظها ~~مع خطونا داخل التوراة. # تبدأ التوراة تاريخ اليهود بالعودة إلى بداية الإنسانية لإنسانيتها على الأرض، فتحكي ~~لنا رواية تقول: إن الله خلق زوجين من البشر، ووضعهما في مكان أطلقت عليه «جنة ~~عدن»، وإن هذا المكان كان على هذه الأرض ذاتها، لكن الزوجين البشريين ارتكبا ~~خطيئة عظمى، عندما عصيا أوامر الإله في أمر هائل؟ فقد أكلا من ثمرة شجرة حرمها ~~عليهما! فثارت ثائرة الإله، وطردهما من هذا المكان إلى مكان آخر على الأرض، شرقي عدن. ~~وأنجب الزوجان البشريان الأوائل، اثنين من الذكور هما هابيل الذي اشتغل بالرعي، ~~وقايين الذي عمل في الأرض فلاحا (ويبدو أن ذلك تسجيل قديم لبداية التخصيص في ~~العمل، وفق ظروف البيئة، والصراع الذي نشأ بين هذين النظامين)، وقام الأخوان يقدمان ~~للإله القرابين لإرضائه، فقدم هابيل من لحم غنمه، وقدم قايين من زرع أرضه. وكما ~~فيما بعد، فإن الإله كان على ما يبدو من اللواحم، فقبل قربان هابيل، ورفض قربان ~~قايين (والتحيز ms56 هنا واضح للبداوة والنظام الرعوي، ولنتذكر أن اليهود بدو رعاة)، ~~مما أوغر صدر قايين الفلاح، على أخيه الراعي، فقتله، ثم يختفي ذكر قايين من ~~التوراة، ليظهر ابن ثالث لأبي البشرية المدعو آدم، هو «شيث» (وهكذا كان واضحا، ومن ~~شيث تناسلت البشرية وتكاثرت على الأرض. وأن دور هابيل وقايين لم يكن له أي علاقة ~~بالتكوين، بعد أن مات هابيل وتبعه قايين وجاءت البشرية من أخ ثالث هو شيث؛ وهو ما يؤكد ~~أن قصتهما إن هي إلا تسجيل بدئي وتفريق بين نظامين، أقربهما إلى الإله هو ~~الرعوي). # ومرة أخرى يعصي النسل البشري ربه، فيقرر الرب إفناء مخلوقاته العاصية ~~دوما، بالطوفان، ورغم تأكيد التوراة المتواتر على ندم الإله المستمر لخلقه ~~البشر، فإنه مع ذلك، يضمر بينه وبين نفسه الإبقاء على بذرة الحياة، فيختار من بين ~~نسل «شيث» فردا واحدا هو «نوح»، ويخبره بقرار الدمار الذي انتواه، ويأمره أن يصنع ~~ويجمع فيه من كل الأحياء، وأن يأخذ أبناءه معه، وتستمر القصة فتعلمنا بتفجر ~~الأرض بالعيون، وتفتح أبواب السماء بماء منهمر، مما أدى إلى طوفان عات، حمل ~~السفينة النوحية بركابها، الذين تم اختيارهم عشوائيا، بينما فني كل حي آخر ~~على البسيطة، وانتهى الأمر بالسفينة بعد هدوء الغضب الإلهي، إلى التوقف فوق جبل ~~«أرارات»، قرب بحيرة «فان»، إلى الشمال من بلاد الرافدين، داخل بلاد أرمينيا. # ثم تأخذ التوراة طريقها في تمييز النسل اليهودي المرتقب، كسيد للبشرية وشعب خاص ~~من بين الشعوب الأخرى، فتقول: # وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك: ساما، وحاما ويافث، وحام هو أبو ~~كنعان، وهؤلاء الثلاثة هم أبناء نوح، ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. (تكوين 9: ~~14-15) # ولأن اليهود يعدون أنفسهم في الأسطورة أبناء سام، فكان لا بد من التصفية، التي ~~بدأت باستبعاد حام وبنيه من التاريخ المقدس، وهو في التوراة أبو كل من «كوش» أو ~~الزنوج، و«مصرايم» أبو المصريين و«كنعان» أبو الكنعانيين، أصحاب الأرض المطلوب ~~الاستيلاء عليها، لبني سام. ولا مجال للاستبعاد، إلا أن يأتي حام وبنوه منكرا، ~~لخصته التوراة في القول: إن ms57 نوحا بعد هبوطه السفينة، قد شرب خمرا حتى ثمل، ~~وتعرى من ثيابه ثم غاب عن وعيه «فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه ... فأخذ سام ويافث ~~الرداء ... وسترا عورة أبيهما ... فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير، ~~فقال ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال مبارك الرب إله سام، ليفتح الله ~~ليافث، فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم» (تكوين 9: 20-27). # وواضح من هذه التصفية الأخلاقية، والتي كان الملام فيها أصلا - حسب الرواية ~~التوراتية - نوح ذاته، القصد باستبعاد الكوشيين الأحباش والمصريين من التركة ~~المقدسة، مع التركيز على استبعاد كنعان بن حام بوجه خاص مع خصه باللعنة والعبودية ~~لسام، رغم أنه لم يشاهد العورة النوحية ولم يرتكب ذنبا، إنما كان الذنب ذنب الجد الذي ~~سكر، وذنب الأب حام الذي شاهد هذه العورة وعاينها. # ثم تمطر التوراة بركاتها على الابن سام بالتحديد والخصوص، بحسبانه الجد البعيد ~~لليهود، ثم تركز جهودها بعد ذلك، وطوال أسفارها حول نسله المجيد، فتخبرنا أنه أنجب ~~كل بني عابر، وتعدد بني عابر بأنهم: «عيلام» أبو الإيرانيين، و«آشور» أبو ~~الرافديين، و«أرفخشد» أبو الأرمينيين، ثم تصطفي من بينهم «أرفخشد» الذي أنجب شالح، ~~وأنجب شالح عابر، وأنجب عابر فالج، ويقطان أبو حضرموت (ولا ندري سرا لهذا الخلط بين ~~أناس يعيشون في أقصى الشمال، في «أرمينيا»، وأناس يعيشون في أقصى الجنوب، في ~~«حضرموت»). ~~(عند مراجعتنا للبروفة الأولى لطباعة هذا الكتاب كنا قد انتهينا من كتاب: النبي ~~إبراهيم والتاريخ المجهول - دار سينا - ونظن أننا قد كشفنا فيه السر وراء هذا ~~الخلط.) # أما فالج أخو يقطان، فقد كان هو الفرع المبارك في الشجرة المباركة فهو جد النبي ~~«إبرام» أو «إبراهيم» الذي أنجب بدوره إسماعيل وتقرر التوراة استبعاد إسماعيل، ~~فتقول: إن إبراهيم قد أنجبه من جاريته هاجر، وأن الأمر لم يرق لسارة زوجة ~~إبراهيم، فأمرت بطرد الجارية وولدها فأخذهما إلى بادية من البوادي، وتركهما هناك، حيث ~~ترعرع إسماعيل واستوطن في تلك البوادي نهائيا، تاركا الأرض للنسل الآتي، فقد أنجبت ~~سارة حسب ms58 الرغبة التوراتية إسحق الذي تم استبقاؤه في المصفاة التوراتية ليكون جدا ~~لليهود. # وأنجب إسحق ولدين هما: «عيسو» البكر، ثم «يعقوب». وحسب منطق القواعد السامية، كان ~~المفترض أن يكون البكر «عيسو»، هو وريث النبوة والأرض والأملاك، لكن الذي حدث في ~~التوراة هو العكس، بعد أن استخدمت مصفاتها مرة أخرى لاستبعاد البكر، واستبقاء آخر ~~العنقود «يعقوب»، الذي سيكون هو «إسرائيل» أبو الأسباط أو بني إسرائيل، وقد أوردت ~~التوراة ذلك في أسلوب طريف، في قصة أطرف لا يصح تجاوزها. # تقول القصة: # فكبر الغلامان، وكان عيسو إنسانا يعرف الصيد، إنسان برية، ويعقوب إنسانا ~~كاملا يسكن الخيام، فأحب إسحق عيسو، لأن في فمه صيدا، وأما رفقة ~~«الأم» فكانت تحب يعقوب ... وحدث لما شاخ إسحق كلت عيناه عن النظر، أنه ~~دعا عيسو ابنه الأكبر فقال: ها أنا ذا، فقال: إنني قد شخت لست أعرف يوم ~~وفاتي فالآن خذ عدتك، جعبتك وقوسك، واخرج إلى البرية، وتصيد لي صيدا، ~~واصنع لي أطعمة كما أحب، وائتني بها لآكل، حتى تباركك نفسي قبل أن أموت، ~~وكانت رفقة سامعة ... فكلمت يعقوب ابنها قائلة ... يا بني اسمع لقولي ... اذهب إلى ~~الغنم، وخذ لي من هناك جديين جيدين من المعزى، فأصنعهما أطعمة لأبيك ~~كما يحب، فتحضرهما إلى أبيك ليأكل حتى يباركك قبل وفاته، فقال يعقوب لرفقة ~~أمه: هو ذا عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس، ربما يجسني أبى فأكون في ~~عينيه كمتهاون، وأجلب على نفسي لعنة لا بركة ... فأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها ~~الأكبر الفاخرة ... وألبست يعقوب ابنها الصغير، وألبست يديه وملاسة عنقه جلود ~~جديي المعزى، وأعطت الأطعمة والخبز التي صنعت في يد يعقوب ابنها، فدخل إلى ~~أبيه وقال يا أبي، فقال ها أنا ذا من أنت يا بني، فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو ~~بكرك، فقد فعلت كما كلمتني، قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك فقال ~~إسحق لابنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا بني؟! # فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي! # فقال إسحق ليعقوب: تقدم لأجسك يا بني، أأنت ms59 هو عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب ~~إلى إسحق أبيه، فجسه ... ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو ~~أخيه، فباركه ... فقال له إسحق أبوه: تقدم وقبلني يا بني، فتقدم وقبله ~~فشم رائحة ثيابه وباركه، وقال: انظر رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه ~~الرب، فليعطك الرب من ندى السماء ومن دسم الأرض وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك ~~شعوب وتسجد لك قبائل، كن سيدا لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ~~ملعونين، ومباركوك مباركين. وحدث حين فرع إسحق من بركة يعقوب ... أن عيسو ~~أخاه أتى من صيده ... فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جدا، ~~وقال لأبيه: باركني أنا أيضا يا أبى، فقال: قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. ~~(تك 27: 1-35) # حقيقة، إن هذا النص ذكرى وتسجيل واضح للتطور التاريخي والاجتماعي؛ فقد قرر ~~انتهاء زمن الصيد والمجتمع غير المستقر، وظهور المجتمع المستقر (عيسو كان إنسانا ~~يعرف الصيد، إنسان برية، ويعقوب إنسانا كاملا يسكن الخيام)، ورغم تمسك الأب ~~بالصيد والنظام القديم، فقد كان لا بد من الانتقال ولو بالخديعة. # المهم أن التوراة وهي تجري التصفيات النهائية بين الشعوب، لتصل إلى الشعب اليهودي، ~~تجعل يعقوب أهم آباء اليهود بعد إبراهيم، نتيجة حدث خاص تعرض له يعقوب، يفسر ~~لنا سر تمسك الإله بهذا الشعب كمختار له دون البشر، إذ إن يعقوب التقى بالرب ~~ودخل معه في معركة انتهت لصالح يعقوب، أو كما تقول التوراة: # فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ولما رأى أنه لا يقدر ~~عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال أطلقني ~~لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له: ما اسمك؟ فقال: ~~يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت الله ~~والناس وقدرت، وسأله يعقوب وقال: أخبرني باسمك، فقال: لماذا تسأل عن اسمي، ~~وباركه هناك، فدعا يعقوب اسم المكان فينيئيل، قائلا: لأني نظرت الله وجها ~~لوجه ونجيت نفسي. وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع ms60 على فخذه، لذلك ~~لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي على الفخذ إلى هذا اليوم، لأنه ضرب حق ~~فخذ يعقوب على عرق النسا. (تك 32: 22-32) # وهكذا تحول الاسم «يعقوب» إلى «إسرائيل»، أو «صراع إيل» أو مصارع الرب أو الذي صرع ~~الإله، وأنجب «إسرائيل» اثني عشر ولدا هم الأسباط بنو إسرائيل، وكان أشهرهم أصغرهم ~~سنا وأكبرهم شأنا «يوسف». # أما مصدر شهرة يوسف في التوراة فهو أنه كان جميلا جمالا فاتنا! والثاني أنه كان ~~كثير الأحلام! والثالث أنه كان مفسرا أيضا للأحلام! مما أثار موجدة إخوته الذين ~~كادوا له، حتى انتهى بكيدهم عبدا في بلاد مصر، لكن قدرته على التبصير وقراءة ~~الطالع في الأحلام، أدت إلى ذيوع صيته في البلاط الملكي، حتى تمكن بقربه من ~~صاحب العرش أن يصبح وزيرا لخزانة المصريين. وبهذا المركز تمكن من استجلاب أبيه وإخوته ~~إلى مصر، في وقت حل فيه الجفاف بالأرض، وفي مصر عاشوا زمانا تكاثروا فيه وتناسلوا ~~وعلا شأنهم. # لكن الحال لم يستمر على حاله، فقلب لهم الفراعنة ظهر المجن، واتخذوهم عبيدا ~~مسخرين في الأعمال الشاقة، حتى ظهر «موسى» النبي، وهو في زعم التوراة أحد أحفاد سبط ~~«ليفي» أو «لاوي» أحد إخوة يوسف وهو الذي قدر له قيادة اليهود للهرب من مصر إلى ~~كنعان، في أشهر الرحلات في التاريخ، تلك المسماة «رحلة الخروج». # وقد قدر لهذا النبي حسبما جاء بالتوراة أن يكون صاحب مغامرات كبرى شهيرة، منذ ~~ميلاده وحتى مماته، فقد ولد في ظروف صعبة، كان مطلوبا فيها بأمر فرعون مصر، قتل ~~من يولد في هذا العام من ذكور، فألقته أمه في اليم لكن أقدار «الميلودراما» ~~ساقته إلى قصر فرعون حيث عثرت عليه ابنة فرعون، فاتخذته لها ربيبا، لكنه كان يعرف ~~أصله العرقي، مما دفعه يوما للانتصار لأحد اليهود من بني جلدته، فقتل بسبب ~~انتصاره لعصبيته مصريا دون أن يتحقق حتى من موضع الحق، فكان أن طلبه القانون ~~للقصاص فهرب إلى بلاد تسمى «مديان»، حيث التحق هناك بضيافة كاهنها المدعو «يثران»، ~~وصاهره فتزوج ابنته، وهناك ms61 قابله رب اليهود في جبل أسمته التوراة جبل الله ~~«حوريب»، حيث أمره بالعودة إلى مصر، مدعما بعدد من الخوارق، ليقود شعبه المختار ~~من مصر في رحلة خروج، أو رحلة عودة إلى كنعان. # ويظن المؤرخون أن بداية بنى إسرائيل الحقيقية، هي مع رحلة الخروج حوالي 1200ق.م. ~~بعد أن قضوا في مصر حوالي أربعة قرون، لكن موسى لم يحظ بدخول أرض كنعان، حيث ~~تخبرنا التوراة أنه قد مات ودفن وهو من أرض الميعاد قاب قوسين أو أدنى، وخلف على ~~القيادة رجلا دمويا، هو «يشوع بن نون»، الذي اشتهر بالقسوة المرعبة، وبمعجزات ~~كالمعجزات الموسوية كفلق البحر، لكنه زاد عليها بالتخصص في معجزات يشوعية، منها ~~ايقاف الشمس والقمر في مكانيهما، حتى يتمكن من الانتصار على أعدائه. # ومن بعد يشوع، استمر اليهود يعيشون زمانا، على هامش حياة الكنعانيين في الوقت ~~الذي يزعم فيه الباحثون قدوم أقوام إيجية من جزيرة كريت، باسم الفلسطينيين، ~~ليستوطنوا الساحل الكنعاني، ويكسبوا أرض كنعان اسمها «فلسطين»، مما خلق أمام اليهود ~~عقبة جديدة، فبدأ صراع طويل بين الشعبين، استطاع اليهود بعد انتصارهم فيه أن يقيموا ~~لهم ملكا ودولة، كان أول ملوكها «شاءول» ثم تلاه على العرش الملك «داود»، الذي ~~استطاع أن يكسر شوكة الفلسطينيين بشكل حاسم، مما أتاح للدولة الناشئة الاستقرار، ~~وهيأ لوريثه الملك «سليمان» الفرصة ليبلغ بالدولة أوج شهرتها. # ويقول «موسكاتي» إن داود «أعاد إلى إسرائيل حظها الضائع وكان جلوسه على العرش ~~حوالي عام 1000ق.م. وكان قد بدأ بتكوين دولة صغيرة خاضعة للفلسطينيين، ولكن مقدرته ~~في الحرب والسياسة معا أكسبته الاستقلال، وأقامته ملكا على إسرائيل مكان أسرة شاءول. ~~وبالاستيلاء على القدس، واستعادة تابوت العهد، صار للدولة الناهضة من جديد، مركزها ~~السياسي والديني، وكان سليمان بن داود شديد الاختلاف عن أبيه؛ فقد أحدث تغييرا ~~جوهريا في كل حياة المملكة وأعاد تنظيم المملكة على نمط الممالك المطلقة السلطان، ~~في الشرق الأدنى القديم، فالأبهة والترف في البلاط، وكثرة الزوجات والجواري التي ~~كانت تتطلبها اعتبارات الدبلوماسية والسمعة، والتي قدر كما تقول التوراة أن ~~تشغل قلب ms62 الملك، ثم ازدياد مؤامرات القصور ... اضطرت سليمان إلى إقامة نظام من ~~الضرائب، ألقى على شعبه عبئا ثقيلا ... وكان إنشاء المعبد الكبير في أورشليم القدس، ~~أشهر ما قام به سليمان من أعمال عامة، وقد ضم هذا العمل الفخم عناصر قيمة من كنعان ~~فينيقية وغير فينيقية، وكذلك من مصر وأرض الرافدين ... وانتهى نفوذ العبريين بموت سليمان.» # 1 # وقد قيض للملك سليمان أن يحوز في مقدسات المنطقة وتاريخها، شهرة لا تضارع، ربما ~~لأنه أشهر ملوك اليهود، وربما لأنه ضرب بالأنبياء المتنبئين عرض الحائط - كما تقول ~~التوراة - ولم يسر وراء الشعوذات وركز اهتمامه في الشئون الدنيوية وفق خطط ~~عقلانية، فتغنوا بحكمته وربما أضاف إلى ذلك ميوله الفنية التي دفعته إلى بناء ~~قصره، والهيكل وفق أحدث الطرز المعمارية، فجلب لهذا الغرض فنانين من مختلف ~~الأقطار المحيطة بدولته، وأشرف بنفسه على عمليات البناء والنحت والتشكيل والتجميل ~~والنقش. # أما الباحث أحمد سوسة فيقول: «أما الوصف الذي اعتاد الباحثون ترديده عن اتساع ~~وامتداد حدود مملكة سليمان فيعده أكثر الباحثين من قبيل المبالغات، التي درجت ~~عليها دويلات تلك العصور. والحقيقة أن مملكة سليمان التي تبجح بعظمتها، كانت أشبه ~~بمحمية مصرية مرابطة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة ... وكان سليمان ~~يريد أن يجاري الفراعنة في البذخ، والظهور بما هو فوق طاقاته وإمكانياته الاقتصادية ... ~~فأثقل كاهل الشعب بكثرة الضرائب ... ولما عسر على سليمان أن يحتل أرض الفلسطينيين ~~الساحلية، طلب معونة فرعون مصر، فأرسل جيشا مصريا صغيرا احتلها له وسلمها ~~إليه، مهرا لابنته.» # ثم يتساءل «سوسة»: «كيف صور كتبة التوراة مملكة سليمان، صورة تفوق الواقع بكثير ... ~~فسليمان لم يكن وهو في أوج مجده إلا ملكا صغيرا يحكم مدينة صغيرة، وكانت دولته ~~من الهزال وسرعة الزوال، بحيث لم تنقض بضعة أعوام على وفاته، حتى استولى شيشنق أول ~~فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم.» # ويجيب «أحمد شلبي» على التساؤل، فيوضح الأسباب التي أدت إلى هذه الشهرة بقوله: ~~«إن أمور مصر في عهده كانت مرتبكة فخفت هيمنتها على فلسطين وبلاد الشام، وكانت ~~أمور ms63 الدولة الآشورية مرتبكة كذلك، وقد منح هذا لداود شيئا من حرية الحركة والنشاط، ~~والتبسط في ممارسة السيادة.» أما ما جاء عن «قصة ملك سليمان وحكمته»، التي أوردها ~~الكتاب المقدس، فقد تعرضت لحشو وإضافات على نطاق واسع، على يد كاتب متأخر ~~شغوف بالمبالغة، في وصف رخاء عصر سليمان، موله بتمجيد حكمه ... وقد استطاعت هذه ~~الرواية أن تحمل العالم المسيحي، بل والإسلامي، على الاعتقاد بأن الملك سليمان كان ~~من أشد الملوك عظمة وأبهة ... لكن الحق أنه إذا قيست منشآت سليمان بمنشآت تحتمس ~~الثالث أو رمسيس الثاني أو نبوخذ نصر، فإن منشآت سليمان تبدو من التوافه الهينات ... ~~أما مملكته فهي رهينة تتجاذبها مصر وفينيقيا، وترجع أهميتها في معظم أمرها، إلى ضعف ~~مصر المؤقت. # 2 ~~(ومن المناسب أن نوضح من جانبنا أنه لم يكتشف نص واحد حتى الآن، لا ~~في مصر، ولا في نصوص الرافدين، يشير من بعيد أو قريب، إلى ملك باسم سليمان أو داود ~~أو شاءول. وهو أمر غريب بالقياس إلى ما ادعته التوراة عن شهرة المملكة ~~السليمانية!) # والمهم أن هذا النفوذ السليماني المزعوم، قد انتهى بانقسام المملكة من بعده إلى ~~دويلتين: واحدة في الشمال سميت إسرائيل وعاصمتها السامرة، وأخرى في الجنوب ~~سميت يهوذا وعاصمتها أورشليم. ولم تلبث المملكة الشمالية أن وقعت في قبضة الرافديين ~~الآشوريين، بعد أن سحقها العاهل الآشوري سرجون الثاني، بينما انتهت المملكة الجنوبية ~~يهوذا إلى المصير ذاته على يد العاهل البابلي الكلداني نبوخذ نصر الثاني، وذهب ألوف ~~من كليهما أسرى إلى بابل وآشور، وهناك ظلوا في الأسر حوالي أربعة قرون. # وفي العقود الأخيرة من القرون الأربعة ظهرت في الأفق دولة كبرى جديدة في إيران هي ~~دولة الفرس، بقيادة رجل حديدي غير عادى هو «كورش»، الذي اتجهت طموحاته إلى الاستيلاء ~~على بلاد المشرق وتكوين إمبراطورية كبرى، وكان لحنكته السياسية دورها الحاسم في تحقيق ~~أحلامه، فقد قبل عروضا بتعاون اليهود وعلى رأسهم «أشعيا» و«إرميا»، بموجب شروط ومطالب ~~محددة لليهود، وعلى رأسها تحريرهم من الأسر وعودتهم إلى أرض كنعان لإقامة هيكلهم ms64 ~~ودولتهم مجددا، مما انتهى بفتح أبواب بابل للفرس. # و«يخبرنا المؤرخ اليهودي يوسفيوس # 3 # أن كورش أرجع كل انتصاراته إلى الرب الذي يؤمن به اليهود، لذلك صمم على ~~إعادة بناء بيت له في القدس ... وتشير المصادر اليهودية إلى أن كورش قام بإعادة اليهود ~~المرتحلين من بابل إلى القدس مجددا خلال العام الأول من احتلاله لها، وقد فرح ~~اليهود بذلك واعتبروه المسيح المنتظر ونقرأ في سفر إشعيا: هكذا يقول الرب لمسيحه ~~كورش ... الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما وملوكا ... لكي تعرف أني أنا الرب ~~الذي يدعوك باسمك إليه، إسرائيل (إشعيا 45: 3) ويقول العهد القديم بأنه تزوج إستر ~~اليهودية وجعلها ملكة على بابل». # 4 # ورغم أن «قورش # Cyrus ~~» قد حاز في التوراة على كل ~~اصطلاحات الود، فأصبح هو «المسيح» وهو «راعى اليهود» (إشعيا 44: 28)، وناداه رب اليهود ~~باسمه، فإن سفر إشعيا يؤكد أن «قورش» لم يعرف رب اليهود (إشعيا 45: 4، 5)، إلا أن ~~المهم في الأمر هو إصدار قورش سنة 538ق.م. قرارا برجوع اليهود إلى الأرض المقدسة، ~~وإعادة بناء معبد أورشليم الذي ظل قائما حتى دمره الرومان نهائيا حوالي عام ~~70م. # | الآلهة التوراتية # هكذا لا يعود مستغربا أن نجد الدين اليهودي قد مر بأطوار لا يحكمها منطق ~~محدد، قدر ما تحكمها ظروف أخرى أهمها التأثر بمختلف عقائد شعوب البلدان التي ~~عاش فيها اليهود أزمانا طويلة، سواء في البلاد الكنعانية أو المصرية أو الرافدية، أو ~~أي موطن آخر استقروا فيه بضعا من الزمن. ومن هنا يمكن لأي باحث - بقليل من الجهد - ~~أن يجد في التوراة مآثر مصرية وأخرى رافدية وثالثة فينيقية، أو أن يجد طبيعة التأليه ~~تتضارب ما بين التأثر بآلهة الخصب والزرع والري، وبين آلهة الصحراء والجبال والبراكين، ~~وبين فجاجة الاعتقادات والطقوس الابتدائية، وبين قمة التطور في مفهوم الألوهية نحو ~~المطلق، وكله في آن واحد، يتناثر دون تنظيم محدد على صفحات التوراة فيشكل ~~خليطا عجيبا دونما رابط ولا زمام، ولا مراعاة لمنطق التطور الزمني أو الاختلاف ~~المكاني، ولا يبقى أمام الباحث سوى أن يلقي بنفسه وسط هذه ms65 الأحبولة ذات المائة وجه ~~والألف لون. # ولا نزعم أنه بإمكاننا ترتيب الأمر كله دفعة واحدة، وإلا كان ذلك سذاجة مفرطة، ~~وإنما غاية ما نزعمه هو الإخلاص في المحاولة مع الإشكاليات التي قد تعترضنا، على أن ~~تتم هذه المحاولة على خطوات، مع كل خطوة نخطوها في بحثنا، في هذا التل المختل من ~~الأحاجي والطقوس والاعتقادات والنظم والتاريخ، الباطل منها والصحيح. # وسيرا مع خطتنا التي اتبعناها في البابين السابقين، سنحاول فهم طبيعة التأليه ~~في التوراة، وهنا يقول لنا «إيفار لسنر»: إن سفر التكوين ينسب جزءا من عملية الخلق ~~إلى إله يدعى «إلوهيم # Elohim ~~» بينما ينسب جزءا آخر ~~إلى إله يدعى «يهوه # Jehovah ~~» # 1 # ورغم تبسيط «لسنر» المسألة وتسطيحها، فإننا سنقف مع هذين الإلهين ~~«إلوهيم» و«يهوه أو جاهوفاه» وقفة تفصيلية بعض الشيء: # والاسم «إلوهيم» هو جمع للاسم «إيل» أو «إل» الذي عرفناه عند الساميين في الرافدين ~~والهلال الخصيب، وهو الإله الذي استمر وجوده في التوراة متواترا، طوال عصر الآباء ~~البطاركة «إبراهيم» النبي، والممتد عبر أبنائه وأحفاده، حتى ظهور النبي «موسى»، ومع ~~«موسى» يبدأ «يهوه» في الظهور، بعد أن التقى بموسى في «مديان» وهو هارب من مصر، بعد ~~جريمة قتله المصري ظلما، حيث قال له: «ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأني الإله ~~القادر على كل شيء، وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم» (خروج 36: 3). # وهنا قصد واضح من التوراة للتفرقة بين عهدين، عهد عبد فيه الإله باسم «إيل» طوال ~~عصر الآباء الأول، ثم عصر جديد يبدأ موسى يظهر فيه الإله باسم «يهوه» وبما أن المفترض ~~في سفر التكوين كقصة للخليقة، أن يكون أقدم بعصور وأزمنة بعيدة عن عهد موسى، ويعود إلى ~~عصور موغلة في القدم، فإن «يهوه» يظهر فيه ليقوم بجزء من عملية الخلق، في عدة ~~مواضع، مما حدا بالباحثين إلى الظن أن هذا السفر قد كتب بعد عهد موسى بزمان ~~طويل، أما نحن فنرى في ذلك تأليفا بين قصتين للتكوين؛ إحداهما قصة عتيقة قام بها ~~بدور البطولة مجموعة من الأبطال من الآلهة القديمة عبرت عنهم ms66 التوراة باسم الجمع ~~«إلوهيم»، كل منها «إيل»، وهى الآلهة التي رافقت العهد الإبراهيمي في التوراة، وقصة ~~أخرى أحدث، قام فيها بدور البطولة الإله «يهوه»، الإله الذي أرفقته التوراة بالعهد ~~الموسوي وما بعده حتى اليوم. # وقد سبق وعلمنا أن «إل» كان اسما جلاليا منتشرا على نطاق واسع بين جميع ~~الشعوب السامية، وعرفته القبائل السامية الضاربة على سواحل المتوسط الشرقية، ووصفته ~~ملحمة البعل الأوغاريتية الفينيقية بأنه «إيل أبو السنين» و«خالق الخلائق»، «ثورايل»، ~~«مقام إيل عند نبع النهرين» # 2 # وهي إشارات تدل على مستوى تطوري رفيع بلغه «إيل»، حيث تحول من إله ~~فرد ضمن مجمع إلهي، إلى أب رفيع الشأن وإله للزمان «أبو السنين»، وتدل أيضا على ~~مستوى رفيع من التجريد لدى هذه الشعوب، مما أدى به إلى التحول إلى رمز جلالي ~~يطلق على أي معبود، ومن إله بذاته إلى اسم مجرد يعني الإله أو الله، مما انتهى ~~بالباحثين إلى اعتبار «إل» علما إلهيا عرف في كل العبادات السامية بلا استثناء. # 3 # خاصة بعد أن تأكد لدى الباحثين في آثاريات جزيرة العرب أن «إل» كان ~~معبودا معروفا قديما ومنتشرا في كل بقاعها. # 4 # ورغم أن «موسكاتي» يرى أنه كان شخصية إلهية غامضة # 5 # فإن «ديتلف نيلسن» الباحث والآثاري في آثاريات جزيرة العرب، يؤكد أن هذا ~~الإله كان متواجدا باستمرار في جميع النقوش التي عرضت له، وأنه كان ذا دلالة عامة ~~«اسم جلالة» لكن «نيلسن» يشير في الوقت ذاته، إلى أنه قد عرضت له نقوش، ظهر فيها ~~«إل» كدال على إله خاص محدد مفرد، # 6 # مما يدعونا إلى افتراض أنه ابتدأ كإله خاص، ذي دلالة طبيعية محددة، ~~مثل «آن» السومري، نظنها السماء، ثم تحول إلى رئيس لمجمع إلهي، ثم مع التطور ~~انتهى إلى اسم جلالي ذي دلالة عامة. # 7 # ورغم أن البادي في سفر التكوين التوراتي، أن «إل» إله مفرد ذو دلالة محددة، ~~كما في التأكيد أن «إيل إله إسرائيل» (تكوين 30: 20)، وأنه كان له موضع مقدس حمل ~~الاسم السامي « # BIT ~~»، فأصبح هو «إله بيت ms67 إيل» (تكوين 31: ~~13)، فإن الباحث في التوراة يجده في مواضع أخرى كثيرة، اسما ذا دلالة عامة، وأنه ~~استخدم للدلالة على عدد من الآلهة كل منها «إل» أو إله، تعاصرت في العهد الإبراهيمي، ~~وكونت مجمعا كان له إله رئيس أو كبير ميز بلقب «الرب الإله»، ويمكن أن نفهم ذلك ~~من نصوص عديدة، منها مثلا: # وسمعا (آدم وحواء) صوت الرب الإله ماشيا في ~~الجنة # فنادى الرب الإله آدم وقال: أين أنت؟ # فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي ~~فعلت؟ # فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة ~~أنت. ~~(تكوين 3) # أو ما نجده في النص الذي يحكي عن موقف الرب الإله من أبوي البشر، بعد أن أكلا من ~~ثمرة المعرفة المحرمة بأمر الإله، وخشية الرب الإله أن يتطاول آدم وحواء أكثر، ~~ويتناولا من ثمرة الخلود ويعيشا إلى الأبد كالآلهة، يقول النص: على لسان الرب: # هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر، ولعله يمد يده ~~الآن ويأخذ من شجرة الحياة أيضا، ويحيا إلى الأبد. # والتعبير «كواحد منا» يشير بوضوح إلى مجمع من الآلهة الخالدة، يقف فيه الرب ~~الإله متحدثا. ومثل هذه الإشارات كثير التكرار في التوراة، ومنها مثلا عندما خشي ~~الإله البشر، الذين قاموا يبنون برجا صاعدا إلى السماء، وحتى لا يقلقوا راحته ~~السماوية، فقد بلبل ألسنتهم وفرقها كي لا يفهم بعضهم بعضا، ويتفرقوا عن ~~البناء، فقام يقول: # هلم ننزل ونبلبل ألسنتهم. ~~(تكوين 11: 5-8) # وغالبا ما حددت التوراة الإله في مجمع من ثلاثة شخوص، كما في قصة ذهاب الرب إلى ~~النبي إبراهيم، لزيارته وتبشيره بغلامه إسحق، وإبلاغه بقرار تدمير أهل لوط ابن ~~أخيه في «سدوم» و«عمورة»، الذين تفشى بينهم داء الشذوذ الجنسي. تقول التوراة: # وظهر له الرب عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة وقت حر ~~النهار. فرفع عينيه ونظر، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض ~~لاستقبالهم من باب الخيمة، وسجد إلى الأرض، وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت ~~نعمة في عينيك، فلا تتجاوز عبدك. ~~(تكوين 18: 1-3) # والنص ms68 واضح تماما، فالرب هنا يظهر في صورة ثلاثة رجال، استقبلهم إبراهيم، ثم ~~خاطبهم بصيغة المفرد: يا سيد، عينيك، عبدك، ونتابع النص: # ثم قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم، وكان إبراهيم ماشيا معهم ~~ليشيعهم، فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ ... وانصرف الرجال من ~~هناك، وذهبوا نحو سدوم، وأما إبراهيم فكان لم يزل قائما أمام الرب. ~~(تكوين 18: 16-22) # مرة أخرى، الرب هنا مجموعة رجال في واحد، لكن المربك في هذا النص القول إن هؤلاء ~~الرجال الآلهة ذهبوا نحو سدوم ليدمروها، بينما بقي الرب مع إبراهيم، ولا تفسير ~~لهذا الأمر سوى أن الذي بقي هو كبيرهم الرب الإله. ويؤكد لنا هذا الفهم، أن الذين ~~ذهبوا لتنفيذ المهمة اثنان فقط، فالنص يتابع قائلا: # فلما رآهما لوط، قام لاستقبالهما وسجد بوجهه إلى الأرض، وقال: يا سيدي ~~ميلا إلى بيت عبدكما، واغسلا أرجلكما ... ~~(تكوين 19: 1-2) # ومع ذلك فإن مزيدا من الإمعان في التوراة، يرفع عدد آلهة المجمع، حيث نجد عددا لا ~~بأس به من الآلهة، فهناك: «إل صبلوت» إله الجنود، و«إله عليون» الإله العلي، و«إل شداي» ~~الإله الشديد أو القدير، و«إل شلم» إله السلام، و«إل جبور»، و«إل رحبوت» و«إل يراه» ~~ويمكن لخبرة الباحث في تاريخ الديانات وفي الميثولوجي، أن يشتم في هذه الأسماء، ~~أسماء لآلهة مواضع ومناطق وظواهر طبيعية فترجمة «إل صبلوت» يمكن أيضا أن تكون «إله ~~الظباء» أو الإله الظبي أو التيس، وهو إله معروف في تاريخ الديانات كرمز للخصب، ~~و«إل عليون» يمكن أن يكون إله مكان مرتفع كقمة جبل أو بركان أو ما شابه ذلك ~~و«إل شداي» يمكن أن يترجم إضافة إلى كونه الشديد، إلى إله الشذى أو الرائحة أو الريح ~~(الدال تختلط بالذال في الساميات)، و«إل يراه» رمز واضح لإله الماء والري والخصب، ~~وينطق أيضا «يراخ»، والمصريون يقولون:«المطر يرخ.» ويتضح للمدقق في التوراة أن ~~إل يراه كان إلها لبئر أو لعين من الماء فهو يلتقي بهاجر «على عين الماء التي في ~~طريق شور» (تكوين 16: 7)، ويأمرها بالرجوع إلى سيدتها فدعت ms69 اسم الرب الذي تكلم ~~معها: «أنت إيل رئي.» والمعنى أن هاجر تعلم أن هناك أكثر من إله فميزت الإله الذي ~~قابلته «الذي تكلم معها» وعرفت فيه إله الري، بأنه «أنت إيل رئي.» وقد اكتشفت أنه إله ~~الري بالذات، والسبب «لأنها قالت: أها هنا رأيت بعد روية» (تكوين 16: 13)؛ أي ارتويت ~~بعد عطش كاد يكون موتا «روية»، ثم إنها صادفت ذات الإله بعد ذلك عندما أخذها إبراهيم ~~النبي بأمر زوجته سارة إلى البرية، حيث تركها هناك مع طفلها إسماعيل، حيث تظهر علامات ~~إله الخصب مرة أخرى حين «طرحت الولد تحت إحدى الأشجار» (تكوين 21: 15)، وأخذت تبحث ~~عن الماء، «وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء» (تكوين 21: 19)، لذلك «دعت البئر بئر لحي ~~رئي» (تكوين 16: 13)، ولعل النص في الأصل «دعت البئر لهي رئي»؛ أي إله الري ~~والماء. # ويظهر الإله «لهي رئي» في أكثر من موضع في العهد الإبراهيمي، لكن مع تداخل يهوه، ~~الذي لم يظهر إلا في العهد الموسوي، بيد الكاتب المتأخر الذي خلط بين العهدين، وذلك ~~في قصة تضحية إبراهيم بابنه لربه، وطقس التضحية يرتبط عادة بإلهة الخصب والري، طلبا ~~للغيث والري، كما يرتبط بطقس الجنس الجماعي، والموضع الذي ذهب إبراهيم ليضحي فيه ~~بولده يأتي في النص القائل «فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع «يهوه يراه»» (تكوين 22: 14)، ~~وهنا يرد «يهوه» بمعنى الإله مضافا إلى «يراه» فهو إله الري، وفي أكثر من موضع نجد ~~اسحاق بن إبراهيم يسمي بئر هذه المنطقة «بئر لحي رئي»، أو ما افترضنا «بئر لهي رئي» ~~أي إله الري وليس إله الرؤية بمعنى البصيرة (التكوين 24، 62، 25، 11). # وهناك أمر يرتبط بهذا الإله هو إشارة المؤرخين العرب والمسلمين إلى هبوط النبي ~~إبراهيم مع هاجر وولدها إسماعيل جزيرة العرب، لكن التوراة لم تشر إلى هذا الأمر ~~بوضوح، وإن كنا قد استطعنا أن نعثر على متفرقات بالتوراة، يمكن أن تربط إبراهيم ~~وجزيرة العرب، وأثبتناه بالأدلة في بحثنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، سينا ~~للنشر»، ويرتبط أيضا بهاجر وبالإله الذي التقت به عند البئر «إله رئي»، وبطقس ذبح ~~الابن الذي ms70 كاد أن يقوم به النبي إبراهيم (وهو أحد طقوس عبادة الخصب، حيث كانت التضحية ~~بالابن البكر شرعة واجبة في عبادات الخصب بطول المنطقة وعرضها فكان العباد يذبحون ~~البكر ويحرقونه في حجر الإله). # والتوراة تورد الأمر الإلهي لإبراهيم بقولها: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق، ~~واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة» (تكوين 22: 2)؛ لذلك «دعا إبراهيم اسم ذلك ~~الموضع يهوه يراه، حتى إنه يقال اليوم في جبل الرب يرى» (تكوين 22: 14). # والنص يعني أن الرب أمر إبراهيم بذبح ابنه إسحق، وهو ما لا يتفق مع شرعة التضحية ~~بالبكر، والبكر هو إسماعيل، والعرب والمسلمون يؤكدون أن الذبيح كان إسماعيل، وهو ما ~~يتسق مع تلك الشرعة القديمة. وإذا كان إسماعيل في التوراة، وفي كتب التراث الإسلامي ~~هو الجد البعيد لعرب الجزيرة، فإن ذلك كله يذهب بنا إلى جزيرة العرب، في رحلة إبراهيم ~~مع هاجر وإسماعيل حيث تركهما هناك، لكن بعد أن كاد يضحي بولده في «أرض المريا» لذلك ~~سمي الموضع «يهوه يراه» وأنه يسمى حتى اليوم، أو بتعبير التوراة: يقال اليوم «جبل ~~الرب يرى»، وهو ما تعنيه تماما اللفظة العربية «المروة»، التي تتركب من ملصقين ~~هما «الإله» و«مروة» أو «مروي» وتشير إلى الري والخصب. # ولم تزل «المروة» موضعا مقدسا في بلاد الحجاز، باعتقاد أن قدسيته موروثة منذ ~~أيام النبي إبراهيم، وشعيرة الهرولة بين الصفا والمروة أحد شعائر الحج الأساسية، ~~ويتبعه ضمن الطقوس شعيرة الذبح. # وتقول كتب التراث الإسلامي: إن الصفا والمروة كانا مقدسين قبل الإسلام بزمان ~~وظلا مقدسين في العصر الجاهلي، وكان الجاهليون يهرولون بينهما؛ لأنه على الصفا ~~كان الصنم «إساف» أو «أصاف» أي يوسف، وأن على المروة كان الصنم «نائلة»، وإن يوسف في ~~الأسطورة قد جامع نائلة داخل الكعبة، لذا نشأ طقس الهرولة بينهما في الجاهلية، مدا ~~وإيصالا لحبل الوصال بينهما، وهذا الجماع كان بدوره أحد طقوس عبادة الخصب في ~~الديانات القديمة (ولنلاحظ أن نائلة في العامية نايلة، وفي العربية يعبرون عن وصال ~~المرأة بكلمة نالها، وفي العامية المصرية: نيلها). # وتأسيسا على كل ms71 هذه المعاني سنقوم بالربط بين «إيل يراه» أو «إل يرخ» وبين القمر، ~~باعتبار القمر كان يرتبط دوما بالعبادة الخصبية التي كانت تقوم في البوادي، والاسم ~~«يرخ» كان أحد أسماء القمر في العبادات السامية وله أسماء عدة مشتقة من «يراه»، فهو ~~أيضا «رخ»، «يرخ»، و«الورخ» و«يرح»، وكان أشهر مقار عبادته فيما يفيدنا به أنيس ~~فريحة، المدينة التي حملت اسم «أريحا»! # 8 # في فلسطين. # وإننا إذ نربط بين القمر وبين عبادة الخصب، فإننا نقيم ذلك على عدة شواهد، أهمها ~~الاعتقاد القديم أن القمر متولد أصلا من الهواء، والهواء هو الذي يسبب الريح ~~«يريح»، كما أنه في هيئة الهلال كان في شكل قرنين، والقرنان لوازم الحيوانات التي ~~قدست باعتبارها رموز آلهة الخصب وهي الشياه عموما (الثور، التيس، الخروف)، لذلك ~~أطلق على القمر لدى الشعوب السامية اسم آخر هو «سين» اشتقاقا من أسماء الشياه، وأسماء ~~الشياه، فيما يفيدنا به «موسكاتي» كانت تنطق «سي» بإمالة السين إمالة طويلة، وهى ~~التي تطورت بعد ذلك من «سي» إلى «شي» إلى «شاء» إلى «شاه». # 9 # إذن «إل يرى» هو إله الخصب إله القمر، وتأسيسا على فرضنا هذا وقياسا على ثوابت ~~العبادات الخصبية في المنطقة، يمكننا افتراض أنه كان في الثالوث الإيلي، ابن «إل شداي» ~~وشداي منها الشذي، أي الرائحة والريح والهواء، والقمر متولد عن الهواء في اعتقادات ~~القدماء كما أسلفنا فيكون «إل شداي» هو إله الهواء أبو إله الخصب القمري «إل ~~يرى». # وهكذا لا يكون اليهود قد خرجوا في عهدهم الأول عن النمط السائد في العبادات الطبيعية ~~القديمة، المرتبطة بمواطن الزرع، وبظواهر الطبيعة الكبرى، والذين عبدوا الآلهة نفسها ~~بالمواصفات والوظائف نفسها تقريبا، بينما ظل «إل» كعلم مستقل ومجرد عند الجميع، ~~دلالة جلالية تعود أصلا إلى السماء كجليل حمل لدى السومريين الاسم «آن» مجردا، ولدى ~~الساميين الاسم «إل» مجردا، ليظل دائما فوق جميع الآلهة، وأباها جميعا. # هذا عن «إلوهيم» أو مجموعة الآلهة الإيلية في العهد الإبراهيمي وما قبله، فماذا عن ~~«يهوه» المنسوب في التوراة إلى النبي «موسى»؟ # واضح أن ms72 إله السماء توارى بمرور الزمان وأصبح رمزا غير واضح، بينما قفز الإله ~~الابن ليحتل مكان الصدارة في ديانات المنطقة، فأدونيس الفينيقي يبرز ويصبح فوق جميع ~~الآلهة، وبعل الكنعاني يزيح الأب إيل تماما ويصبح هو محور العبادات، ومن قبل تقدم ~~آنليل السومري على أبيه آن، بل وظهر المسيح الابن في ~~الديانة المسيحية بنص الأناجيل كما الوحيد من الأب ليصبح هو المعبود الرئيسي الأول، ~~بينما توارى الأب تماما، ثم في المذاهب الشيعية في الإسلام، المنعوتة بالمتطرفة، تم ~~إحلال الحسين في المقام الأول بعد أن أزاح من الوجدان أباه «علي» أو الإله العلي، ~~وبنفس الطريقة أزاح الإله الابن «يراه» الأب وحل محله ليصبح هو إله الهواء وإله ~~الري وإله القمر والإله الثور معا، ولكن باسم «يهوه». # وإن استيلاء الابن على سلطات أبيه في المجامع الإلهية، هو بالاستفادة من النظرية ~~الفرويدية، ترديد لما حدث في المجتمع الإنساني على الأرض، حيث كان يحل الابن القوي ~~دائما محل أبيه الذي ظل مطلق السلطات طوال فترة تمتعه بالقوة الجسدية، حتى إذا ~~ما كهل وظهرت عليه بوادر الضعف، قفز أقوى الأبناء إلى المقدمة واستولى على ~~القيادة. # وقد جاءنا من نصوص آثاريات «أوغاريت» الكنعانية الفينيقية نصوص تشير إلى أن الإله ~~«إيل» أب طاعن في السن عاجز عن إدارة شئون مملكته، تواق إلى أن يحمل ابنه أعباء ~~وظيفته الإلهية عنه، وأعلن في عدة نصوص تعيين ابنه خليفة له. # 10 # ولما كنا برأينا متفردين في القول بتفوق «إل يراه» بالتحديد، وأنه هو الذي ~~أصبح يحمل اسم «يهوه» بعد مجموعة الآلهة الإيلية «إلوهيم»، فنحن نحتاج مزيدا من الأدلة ~~حتى يتسم رأينا بالوجاهة المطلوبة. # لقد عرضنا فرضنا: أن «إل يراه» هو إله القمر المتولد عن «إله الشذى» أو الهواء ~~أو الريح «إل شداي»، وأنه مرتبط بالري والخصب، وأن أهم رموزه هي ذات رموز آلهة الري ~~في مختلف العبادات الخصيبة، وهي الشياه (الثور، التيس، الخروف)، وأنه ربما صاحبته طقوس ~~الخصب المعروفة في عبادات الخصب كالتضحية بالأطفال على مذبحه، وممارسة نوع من طقوس ~~الجنس لحض ms73 الطبيعة على الإخصاب والعطاء نباتا وحيوانا. # وبالبحث عن دعم، نجد التوراة تحكي لنا: أنه من بين أسباط يعقوب «إسرائيل» من دخل مصر ~~مع يوسف، حين كان موزرا على خزانة مصر، وهناك تكاثروا وتناسلوا، ومن سبط ليفي أو ~~لاوي كان النبي موسى، وإن موسى هرب من مصر إثر جريمة قتل فيها مصريا، انتصارا ~~ليهودي من بنى جلدته، بعد أن تحولوا من سادة إلى ~~عبيد، وأن هروبه كان إلى قبائل «مديان»، وهناك تعرف إلى كاهن مدين المدعو «يثران» ~~وتزوج ابنته، وعاش معه زمانا يرعى الغنم في تلك البوادي، وهناك: # جاء إلى جبل الله حوريب، وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة، فنظر ~~وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق، فقال موسى: أميل الآن ~~لأنظر هذا المنظر العظيم. لماذا لا تحترق العليقة؟ فلما رأى الرب أنه مال ~~لينظر، ناداه الله من وسط العليقة، وقال: موسى، موسى، فقال: ها أنا ذا، فقال: ~~لا تقترب إلى ها هنا، اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه ~~أرض مقدسة ... هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم، وقال الله أيضا ~~لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه ... أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى ~~الأبد. ~~(خروج 3: 1-15) # إذن، ميلاد «يهوه» في أفق الديانة اليهودية، بدأ من تمثله في نار تلتهب في عليقة، ~~حيث التقى بموسى وأعلنه بقرار ربوبيته لليهود، ودعما لفرضنا المطروح، ما نجده عند ~~الآثاري «ديتلف نيلسن»، الذي قطع بأن «يهوه» كان إلها للقمر، تأسيسا على ما لاحظه ~~من شواهد أهمها: # أن التوراة عندما كانت تتحدث عن تجليات «يهوه» تفهمنا باستمرار ~~أن هذا التجلي لم يكن يحدث إلا ليلا. # أن يوم السبت المقدس، والأعياد الأسبوعية الأخرى في الطقوس اليهودية ~~ترتبط بأيام المحاق الثلاثة، وترتبط كل شهرين بمواقع القمر. # أن تعبيرات التوراة عن ظهور الإله «يهوه» هي اصطلاحات فلكية قمرية ~~معروفة. # أن ظهور «يهوه» في سيناء لليهود، ارتبط بوقت ظهور القمر في اليوم ~~الثالث من الشهر القمري. # أن أهم مواقيت تقديس «يهوه»، تكون في اليوم ms74 الأول من الشهر القمري ومنتصف ~~الشهر عندما يكون القمر بدرا. # أن مواعيد الأضاحي المقربة إلى «يهوه» حسب الأوامر المدونة بالتوراة ~~كانت ترتبط بمواطن القمر، ويتزايد عددها مع نضوج القمر، حتى استوائه بدرا ~~الرابع عشر من الشهر، فيذبحون أربعة عشر أضحية. # 11 # ونضيف إلى نيلسن ملاحظاتنا: # إنه وإذا كانت ديانات الخصب قد اعتبرت الشياه وعلى رأسها الثور، رمزا لإله القمر، ~~للتشابه بين الهلال والقرنين، فهو ما لم تخرج عنه التوراة، ومن أمثلة ذلك: # أن أتباع موسى إبان رحلة الخروج، انتهزوا فرصة غيابه فوق الجبل لكي ~~يحضر فصنعوا ثورا من ذهب، ووقفوا يرقصون حوله عراة، وهو ذات الطقس ~~التعبدي في مختلف ديانات الخصب (خروج 35). # تزعم التوراة أن موسى أمر بصنع تابوت بمواصفات محددة، ليتخذه ~~«يهوه» مرقدا له، وإن هذا التابوت هو الذي وضعه الملك «سليمان» بعد ذلك ~~في هيكل عظيم، صنع للتابوت خصيصا في أورشليم، وأنه كان لهذا الهيكل ~~مذبح، وعلى المذبح تمثال لرأس ثور كبير، له قرنان عظيمان. # 12 # ويذكر سفر الملوك الأول: أن الملك سليمان قتل أخاه أدونيا، وذبح قائد ~~جيشه يوآب، وهو ممسك بقرون المذبح يستجير بيهوه. # 13 # أما جميع زخارف المعبد فكانت ثيرانا مقدسة، # 14 # ويؤكد «ديورانت»: «أن بني إسرائيل لم يتخلوا قط عن عبادة ~~العجل والكبش والتيس.» # 15 # أن الملك اليهودي «يربعام» بنص التوراة: «عمل عجلي ذهب وقال لهم: ~~عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم، هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من ~~أرض مصر، ووضع واحدا في بيت إيل، وجعل الآخر في دان» (ملوك أول 12: 28، ~~29). # أو ما جاء في النص التوراتي عن هارون أخي موسى: «فأخذ ذلك «الذهب» من ~~أيديهم، وصوره بالأزميل وصنعه عجلا مسبوكا، فقالوا هذه آلهتك يا ~~إسرائيل» (خروج 32: 4). # ولنذكر قارئنا بأمور عدة لم يقف عندها الباحثون، وأهمها هو: لماذا ~~تحول الجبل المقدس، الذي التقى فيه موسى برب لهيب العليقة، من جبل ~~«حوريب» إلى جبل «الطور»؟ ولماذا كان اسم كاهن بلاد مديان حيث التقى موسى ~~بربه، وحيث تزوج بنت هذا الكاهن، لماذا كان يحمل اسم ms75 «يثران»؟ ويثران مع ~~ظاهرة القلب في الساميات تصبح «ثيران»! # ونحن نعلم أن كهنة الآلهة، كانوا يتزيون عادة بزي الإله، وأكدت ذلك ~~نقوش آلهة الخصب وكهنتها بطول المنطقة وعرضها، وصورت كهنة الثور يلبسون ~~تاجا ذا قرنين. # ومما يدعم وجهة نظرنا في أن اللفظة «ثيران» أو كما وردت مقلوبة - ~~بالميتاتيز - «يثران» هي لقب كهنوتي لكبير كهنة الإله الثور، هو أن أول ~~ذكر لهذا الكاهن في قصة لقاء بناته بالنبي موسى، عندما كان موسى هاربا من ~~مصر إلى مديان، تقول: «وكان لكاهن مديان سبع بنات، فأتين واستقين وملأن ~~الأجران ليسقين غنم أبيهن، فأتى الرعاة وطردوهن، فنهض موسى وأنجدهن، ~~وسقى غنمهن، فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن ... قلن: رجل مصري أنقذنا من أيدي ~~الرعاة» (خروج 2: 16-19). # وقد تكرر ذكر هذا الكاهن بالاسم «رعوئيل» عدة مرات كما في النص: «وقال ~~موسى لحوباب بن رعوئيل المدياني حمى موسى: إننا راحلون إلى المكان الذي قال ~~الرب أعطيكم إياه» (عدد 10: 29)، مما يفيد أن هذا المكان كان يحمل ~~اسم رعوائيل ويقلب لقبا وظيفيا «الثور». # وأنه ما علينا إلا أن ننطق اسم «يهوه» نطقا دقيقا «جاهوفاه # JAHIUVAH ~~» حتى نجدنا نقلد خوار الثور ~~بكل دقة! خاصة مع تدقيق «لودز # LODS ~~» في ~~النطق الصحيح لاسم هذا الإله، ووجوب نطقه بفتح ثم ضم فسجول طويلة # 16 ~~(والغريب مع ذلك، أن لودز لم يلحظ العلاقة بين النطق بهذا ~~الشكل وبين خوار الثور). # ثم، وحتى ندعم فرضنا أكثر، سنضطر إلى تسجيل أمر هام لاحظناه ، وهو التلبس ~~الواضح للإله «يهوه» بالإله الكنعاني «بعل مولوخ» منذ مراحله المبكرة «والبعل مولوخ» ~~ينطق أيضا ويكتب «بعل مولوك والبعل الملك». ويعني السيد الملك، أو الرب الملك، وكان ~~ذا غرام خاص بدماء الصغار وكانت له احتفالات يأخذ الناس زينتهم فيها، كأنهم في يوم ~~عيد، وكانت دقات الطبول وأصوات المزامير تطغى على صراخ أطفالهم، وهم يحترقون في ~~حجر الإله، وقد حدث في قرطاجنة أثناء حصارها سنة 307ق.م. أن أحرق على مذبح هذا الإله ~~الدموي مائتا غلام من أرقى أسرها، كما كشفت حفائر «كفر ms76 الجرة» عن صندوق يضم عظام ~~أطفال، تحت أساس عمود كضحية تأسيس، لبعل مولك، أو الملك. # ومن القصص المشهورة قصة «ميشا» ملك «موآب» الذي ضحى بابنه البكر ليفك الحصار عن ~~مدينته، ولما أجابه البعل، ذبح سبعة آلاف يهودي شكرا وعرفانا. # وملاحظتنا عن تلبس «يهوه» بالإله «بعل مولك»، تبدأ من شغف «يهوه» بدوره بدماء ~~البشر، فهذا الملك «يفتاح» ينذر للرب نذرا قائلا: «إن دفعت بني عمون ليدي، فالخارج ~~الذي يخرج، للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند عمون، يكون للرب، وأصعده محرقة ... ثم ~~أتى يفتاح إلى المصفاة إلى بيته، وإذا بابنته خارجة للقائه ... وهي وحيدة ولم يكن له ابن ~~ولا ابنه غيرها ... ففعل بها نذره الذي نذر» (قضاة 11: 30-39)، ثم انظر مثلا آخر: ~~«وسلمهم إلى يد الجعبونيين، فصلبوهم على الجبل أمام الرب» (صموئيل الثاني 21: 9)، أو ~~«فحمي غضب الرب على إسرائيل، فقال الرب لموسى خذ جميع رءوس الشعب، وعلقهم للرب ~~مقابل الشمس، فيرتد حمو غضب الرب» (عدد 25: 43)، أما النبي «إرميا» فيعلنها صريحة ~~ويقرر أن اليهود كانوا يقدمون أطفالهم مذبوحين محروقين على مذبح البعل الملك ~~(إرميا 9). # ومع مزيد من المطالعة في التوراة يتأكد فرضنا، حتى نكاد نزعم أن «يهوه» لم يكن ~~شيئا آخر غير «البعل الملك»، ولنعد إلى لقاء موسى بيهوه الناري، والنص يقول: «وظهر له ~~ملاك الرب بلهيب نار من وسط العليقة.» ومع التعبير «ملاك الرب» يستمر النص فيقول: ~~«ناداه الرب من وسط العليقة ... هكذا تقول لبني إسرائيل: «يهوه» أرسلني ... إليكم.» فما ~~المعنى إذن؟ هل كانت نار العليقة ملاك الرب، أم الرب «يهوه» ذاته؟ الواضح في النص أنها ~~الرب بذاته، إذن ما هو تفسير «ملاك الرب»؟ لقد حاولت في بحث سابق «القمر الأب أو الضلع ~~الأكبر في الثالوث» تفسير هذا التضارب المتواتر بكثرة في التوراة ما بين ملاك الرب، ~~و«الرب»، بأن كاتب هذه الأجزاء من التوراة من الكتاب المتأخرين (حوالي 400ق.م. ~~في الأسر البابلي وبعده)، وأن فكرة الألوهية كانت قد سارت حثيثا في تطورها نحو ~~التوحيد، مما حدا بالكاتب إلى محاولة تفادي التعدد عند ms77 الحديث مثلا عن الذين ~~دمروا سدوم وعمورة (وهم ثلاثة) فكان يضطر إلى إثبات المعلومة الأصلية المعدة، ~~ثم يتحايل بالقول إنهم ملائكة، لكني لوجه الحق لم أعد مقتنعا تماما بصدق هذا ~~التفسير، لذلك لن أثبته الآن أو أنفيه، إنما أضيف إليه تصورا جديدا أو فرضا ~~جديدا أكثر تماسكا وقبولا، أبدؤه بافتراض وجود خطأ واضح ربما كان في ترجمة النصوص ~~الأصلية فلا شك أن «ملاك الرب» إنما هي أصلا «الرب الملك» أو «البعل مولك، مولوخ»، ~~ويدعم ذلك أن تعبير «ملاك الرب» يرد تبادليا في مواضع كثيرة بالتوراة مع تعبير ~~«الإله أو يهوه»، ومن هنا لا شك يراودنا إذا قلنا إن «يهوه» لم يكن شيئا آخر غير ~~«البعل مولك» أو «الملك»، منادى بالاسم اليهودي الجديد «يهوه». # ولنلحظ أن «شتادة» يرى معنى الاسم «يهوه» هوى بمعنى سقط # 17 ~~«يهوه». ولنلحظ أن هوى في اللغة تعني سقط وارتفع في آن معا، الهواء، وهو ~~ما ذهب إليه «فلهاوزن» حين اعتبر «يهوه» إله الريح، # 18 # وقد خرج المرحوم العقاد باعتقاده أن الاسم «يهوه» من مادة الحياة «يحو»، # 19 # وهو ما يذكرنا بالتعبير التوراتي المتواتر عن «إل رئي» بأنه مرة «يهوه ~~رئي»، ومرة «لحي رئي»، ولنلحظ أن الهواء سبب «الحياة»، والأقدمون اعتبروا «الروح» ~~سر الحياة من «الريح» أو الهواء والنفس، وحملت لنا اللغة اشتقاقاتها من جذر واحد، ~~وعليه فإن فرضنا أن «يهوه» كان إلها للهواء والريح مرموزا له بالشياه، مع ~~استفادتنا بمذهب «ديتلف نيلسن» أنه كان إلها للقمر، قد أصبح فرضا مدعما بشكل كاف. ~~وقد ألمح الباحثون إلى ارتباط «يهوه» بالبراكين، وعدوه إلها بركانيا ولنا هنا ~~إضافات تثري هذا المعنى. فإذا ربطنا بين ظهور القمر بجاذبيته التي تسبب ظاهرة ~~المد، كما تسبب أيضا فوران البراكين النشطة، فإن ذلك يؤدي إلى ارتباط القمر ~~بالبراكين في أذهان الأقدمين، ولو طبقنا ذلك على «يهوه» كقمر سنجده مرتبطا ~~بالبراكين ارتباطا مثيرا، حيث نجد صفات «يهوه» في التوراة صفات بركانية دون لبس، ~~فهو قد ظهر أولا لموسى في هيئة نار في عليقة، كما ms78 كان يتمثل لموسى وأتباعه إبان ~~رحلة الخروج «نهارا في عمود سحاب ... وليلا في عمود نار» (خروج 13: 21)، وهو المشهد ~~الذي تتجلى به البراكين، فهي إبان النهار يطغى ضوء الشمس على إشعاع لهيبها المختفي ~~في الفوهة، فلا يرى منها غير دخانها، أما ليلا فيتضح مشهد النيران ~~واللهيب. # كما خلعت التوراة على «يهوه» صفات، ليست سوى صفات مسئول كبير عن البراكين وهولها في ~~تصور العقل القديم فهي تصفه بأنه «إله يسخط كل يوم» (مزامير 7: 11)، وأنه «يمطر ... ~~فخاخا نارا وكبريتا وريح السموم» (مزامير 11: 6)، وأنه ينادي عباده آمرا اعبدوا ~~الرب بخوف واهتفوا برعده» (مزامير 2: 11)، وأنه إذا غضب «صعد دخان من أنفه ونار من ~~فمه» (مزامير 18: 8)، وأنه إذا تجلى صاحبته «رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل ... ~~وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار، وصعد دخانه كدخان ~~الأتون، وارتجف كل الجبل جدا» (خروج 19: 18-16). أما صفته الدائمة المتواترة في نصوص ~~التوراة فهي «الرب إلهك هو نار آكلة» (تثنية 4: 24). أما أوضح تعبير توراتي عن ارتباط ~~ظهور القمر بجاذبيته، بظهور الإله «يهوه» بثورة البركان، فهو ذلك النص الذي لا يحتاج ~~تعليقا: «... جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وعن يمينه ~~نار شريعة لهم» (تثنية 23: 1)، مع ملاحظة أن اسم الجبل الذي أشرق منه الإله «يهوه» أو ~~القمر، يحمل اسم «سعير»، والسعير يدل على هوية هذا الجبل المستعر بالنار الذي تلألأ ~~منه الإله وعن يمينه نار. # أما الأكيد فهو أن ابن «إيل» كان «البعل الملك»، وفي النصوص الأوغاريتية الكنعانية ~~يقول الرب «إيل»: «اسم ابني ياو.» # 20 # و«ياو» ليس شيئا آخر غير «ياهو» أو «إهيه» أو «ياه» أو «يهوه»، أسماء رب ~~اليهود في العهد الموسوي، كما وردت في التوراة! (ولنلحظ أنه عندما جاء الإسلام أعطى ~~ملاك أو خازن النار في السعير الاسم مالك!) # وعليه نقرر أن اليهود عبدوا فعلا «الملك» باسم «يهوه» في الغالب وعبدوه أحيانا ~~أخرى بالاسم «الملك» صراحة كما رأينا في سفر النبي أرميا. وأنهم تحاشيا لهذه الوصمة ~~الكبرى التي ms79 تهدم أعمدة الفكر الديني اليهودي المتسم بالذاتية والاستقلالية ~~والخصوصية التامة، حيث زعموا أن «يهوه» اختارهم من بين العالمين عبادا له، بينما هو ~~أحد آلهة شعوب المنطقة، وأنه كان معبود اليهود فعلا وإلا ما حرمته ونهت عنه ~~التشريعات الموسوية، أقول: تحاشيا لذلك استخدم اليهود الاسم «يهوه» بديلا عن «الملك»، ~~ذلك الاسم الذي حمل من المعاني الكثير أوردناها سلفا، لكنه حمل أيضا معنى نداء ~~الغائب في العبرية تحاشيا لنداء الرب صراحة باسمه «بعل مولوك» أو «الملك»، ولم تكن ~~التسمية «يهوه» كنداء للغائب «هو» كما ذهب الباحثون التوراتيون احتراما للذات الإلهية ~~(كما في رأي سميث مثلا): # 21 # إنما تغطية لاسم المعبود الأصلي، الذي كثيرا ما ظهر في الترجمات بالاسم ~~«ملاك الرب» بدلا من الترجمة الحقيقية «الرب الملك» أو «البعل مولوك» أو مالك. # لكن ذلك لا يعني أن اليهود، قد انتقلوا من عبادة مجموعة الآلهة الإيلية «إلوهيم»، إلى ~~عبادة إله واحد باسم يهوه؛ فالأمر لم يكن كذلك، ولم يكن «يهوه» هو إله اليهود الوحيد ~~بعد العهد الموسوي، إنما كان هناك عدد آخر من العبادات لحق بعبادة «يهوه» وعددا من ~~الآلهة عبد في الوقت ذاته إلى جوار «يهوه» حتى في داخل هيكله، وقد سجلت التوراة ذلك ~~دونما حرج، وتواجدت هذه الآلهة طوال العصر الممتد من موسى حتى ظهور الأنبياء ~~الموحدين (أمثال أشعيا ودانيال، وظهروا متأخرين، قبل القرن السابق للميلاد ~~بقليل). # فإلى جوار «البعل الملك» أو «يهوه» عبد اليهود عددا آخر من البعول مثل «بعل ~~فغور»، الذي ورد في النص التوراتي «وتعلق إسرائيل ببعل فغور، فحمي غضب الرب على ~~إسرائيل» (عدد 25: 1-5)، ومثل البعلة، زوجة بعل مولك (البعلة الملكة، أو ملكة السماوات، ~~بعليت مولوخ) المعروفة بالأنثى الإلهية «إناث»؛ إذ قالت التوراة بلسان اليهود: «بل ~~سنعمل كل أمر خرج من فمنا، فنبخر لملكة السماوات، ونسكب لها سكائب، كما فعلنا نحن ~~وآباؤنا وملوكنا رؤساؤنا في أرض يهوذا، وفي شوارع أورشليم، فشبعنا خبزا، وكنا بخير ~~...» (أرميا 44: 17). # بل إن بعض كبار ملوكهم مثل سليمان، عبد مثل هذه الآلهة صراحة وهو ms80 ما نراه في ~~النص التوراتي «حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين، على الجبل الذي تجاه ~~أورشليم، ولمولك رجس بنى عمون» (ملوك أول 11: 7). وبالمناسبة: هل كموش غير جموش أو ~~بالعربية جموس أو جاموس؟ لفتة نشير بها إلى أنه بدوره كان إلها للخصب. # ثم إنهم عبدوا أيضا «تموز» إله الخصب الرافدي، ومارسوا طقوس الندب والبكاء عليه ~~باعتباره إلها شهيدا، كما ظلوا على عبادة الشمس فترة طويلة وهو ما يفهم من رواية ~~النبي حزقيال، عندما ذهب إلى الهيكل: «وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز ... وإذا عند ~~باب هيكل الرب وبين الرواق والمذبح نحو خمسة وعشرين رجلا، ظهورهم نحو هيكل الرب، ~~ووجوههم نحو الشرق وهم ساجدون للشمس» (حزقيال 8: 14-16). # ولا تني التوراة تؤكد أنهم عبدوا مجموعة البعول والبعلات الملقبات باسم «عشتارت» ~~من عشتروت الرافدية، فتقول: «وعبدوا البعليم «جمع بعل» والعشتاروت «جمع عشتار» وآلهة ~~آرام وآلهة صيدون، وآلهة موآب، وآلهة بني عمون وآلهة الفلسطينيين» (قضاة 10: 6)، أو ~~باختصار، أنهم شاركوا في عبادة كل آلهة المنطقة. # ومن المقدسات الشبيهة بالآلهة عند اليهود، وربما كانت أدنى قليلا، كائنات أسمتها ~~التوراة «الكروبيم» جمع «كروب»، وكان تصورهم لشكل «الكروب» محيرا، فهو يظهر مرة ~~على أنه طير ربما كان نسرا، لكنه بعد ذلك يأخذ شكل الثور المجنح، بوجه إنسان. ~~فالأسفار القديمة تصوره في هيئة نسر صنع له تمثالان وضع أحدهما على مقدمة تابوت ~~العهد أو الشهادة، والآخر في مؤخرته. فالنص يقول: «فلما دخل موسى إلى خيمة ~~الاجتماع، ليتكلم معه «الرب»، كان يسمع الصوت يكلمه من على الغطاء الذي على تابوت ~~الشهادة، من بين الكروبيين» (عدد 7: 89). وينسب إلى موسى القول إنه رأى هذا النوع من ~~الطيور قرب عرش الإله، وأنه لما أتم سليمان بناء الهيكل، جمع شيوخ اليهود «وحمل ~~الكهنة التابوت ... وأدخل الكهنة تابوت عهد الرب إلى مكانه في محراب البيت، في قدس ~~الأقداس، إلى تحت جناحي الكروبيين» (ملوك أول 8: 1). # ويبدو لنا أن تقديس النسور في مختلف العبادات ~~القديمة، كان سببه رؤية العقل القديم لمسكن الآلهة في السماء، مع قدرة ms81 هذه الطيور رغم ~~ضخامتها على الطيران والصعود في الأعالي، مما جعلها في التصور قريبة من الآلهة، ~~لذلك أعطى العقل القديم كل المقدسات القريبة من الآلهة الأجنحة والقدرة على الطيران ~~حتى تتمكن من الصعود إلى مقر الآلهة أو الهبوط منها، وهو ما نلحظه في صفات ~~الملائكة، وقد قدست معظم الشعوب القديمة النسر وبخاصة العرب الجنوبية وقد أشار ~~القرآن الكريم إلى عبادة «نسر» ضمن مجموعة آلهة عربية قديمة في قوله: # ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا ~~(نوح: 23). # أما الصورة الثانية للكروب، كثور مجنح برأس إنسان، فتأتي في الأسفار المتأخرة، ~~حيث نجد النبي حزقيال يصفه كالآتي: «لها شبه إنسان، ولكل واحد أربعة أوجه ولكل ~~واحد أربعة أجنحة ... أيدى إنسان تحت أجنحتها ... أما شبه وجوهها فوجه إنسان ووجه أسد ~~... ووجه ثور ... ووجه نسر» (حزقيال 1: 25)، وقد نقشت تماثيل هذه الكائنات الإلهية على ~~جدران المعبد اليهودي، ومع التحول نحو التوحيد (عند إشعيا وأرميا) تحولت الكروبيم ~~إلى الدابة التي يستخدمها الإله في الركوب، فكان لا بد لدابته أن تتميز عن حمير ~~وخيول البشر، بما يليق بمكانته، فأضيف إليها وجه الإنسان، والأجنحة. «ركب على كروب ~~وطار وهف على أجنحة الرياح» (مزامير 18: 10). # وغني عن الذكر أن مثل هذه الكائنات بقي محفورا في الديانتين المسيحية ~~والإسلامية؛ ففي المسيحية تصادفنا «الكروبيم» في حفل أو «بارتي» إلهي تغني قداسا ~~إلهيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي 4: 6-11)، أما في الإسلام فقد جاءتنا الدابة الإلهية ~~«كروب» منطوقة «قروب»، ومع ظاهرة القلب المعروفة في اللغات السامية تحولت «كروب»، أو ~~«كراب » إلى «براك»، أو «براق» وهو دابة سماوية بوجه إنسان وجسم مجنح، حملت النبي ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # من مكة إلى القدس في قصة الإسراء المعروفة، كما كان للبراق باسمه ~~العبري «كروب» شأن في كتابات التراث الإسلامية. لكن بعد أن تحولت مع التطور إلى ~~أملاك للإله الواحد، فهي ملائكة له، فأصبحوا سادة الملائكة # 22 # وباعتبارهم دواب ركوب وحمل، فقد جاءوا كحملة للعرش الإلهي في الإسلام # 23 # كما كانوا مركبا ليهوه وتابوته من قبل، وقد ms82 صادق النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # على ~~بيت من الشعر الجاهلي لأمية بن عبد الله يصف الكروب يقول فيه: # رجل وثور تحت يمنى رجله # والنسر لليسرى وليث ملبد # وجاء تصديق النبي في تعقيبه على هذا البيت بقوله: «صدق أمية في قوله!» # 24 # ولعل صورة الكروب تلك، لا فرض آخر لظهورها، وتحولها من نسر إلى ثور مجنح، سوى ~~القول إن حزقيال قد تأثر بشدة بالثيران المجنحة المرسومة على جدران بابل، وتماثيلها ~~المتناثرة في أرض بابل، وكانت عند البابليين حيوانات خرافية مهمتها حراسة المواقع ~~الهامة في البلاد، ولا شك أن حزقيال رآها هناك إبان أسر اليهود في بابل. # ونظن أن اليهود قد تمثلوا في هذا الكروب البابلي إلههم «يهوه» في فترة من زمانهم؛ ~~فالوجه الإنساني الوقور يمثل الجانب البشري فيه، والثور يمثل إل رئي، بوصف الثور ~~رمزا للخصب والري، والأجنحة تمثل إل شداي أو الريح، والقرنان رمز للقمر ... إلخ. # ثم إضافة للكروبيم كانت هناك كيانات أخرى ~~مقدسة مثل السرافيم جمع ساراف، ويفسر «موسكاتي» ساراف أنها كانت تعني الحية أو الثعبان. # 25 # وقد سبق وأقام لها موسى تماثيل مقدسة على راياته عند خروجه من مصر «فصنع ~~موسى حية من نحاس ووضعها على الراية» (عدد 21: 9)، ولا ننسى عصا موسى التي كانت تنقلب ~~إلى حية، كما لا ننسى خروج موسى ورجاله من مصر القديمة حيث كانت الحية رمزا ~~مقدسا يوضع على تيجان الفراعنة، وأن السرافيم لم تعرف في تاريخ الديانة ~~اليهودية قبل الخروج من مصر، ويبدو أن عبادة الحية وما يلزمه طقسها من إيقاد نار ~~مستمرة أمامها للتبخير وتقديم قرابين البخور، قد استمر قائما في أفق الديانة ~~اليهودية دون أن يغضب «يهوه» أو ينزعج وهو ما تؤكده التوراة في قولها: «حية النحاس ~~التي عملها موسى لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها» (ملوك ثاني 18: ~~4)، هذا بينما كان «يهوه» يتفجر غضبا إذا عبدوا بعلا آخر لأنها بعول غريبة، مثل ~~بعل بني مؤآب كموس أو جاموس أما هو فالبعل الوحيد لليهود، لذلك كان يطالبهم ms83 بالإخلاص ~~القبلي له دون بقية البعول، وفعلا نظر اليهود إلى بعلهم بحسبانه بعلا إسرائيليا ~~فحسب، أحق بعبادة اليهود من البعول الأخرى، ولم ينكروا في الوقت ذاته وجود بعول ~~أخرى، كما لم ينكر «يهوه» ذلك، لكن إنكار الأتقياء منهم كان إنكارا لسيادة رب غريب ~~عليهم. ومن هنا دانوا ليهوه وحده بالولاء؛ فالتوراة لا تميز ربها باعتباره رب ~~الجميع الأوحد، إنما رب إلى جوار أرباب الشعوب الأخرى، لكنه الوحيد من بينها الجدير ~~بولاء اليهود. انظر مثلا: # من مثلك بين الآلهة يا رب. ~~(خروج 15: 11) # الآن علمت أن الرب أعظم من جميع الآلهة. ~~(خروج 18: 11) # من يشبه الرب بين أبناء الله؟ إله ~~موهوب جدا في مؤامرة القديسين، ومخوف عند جميع الذين حوله، يا رب إله ~~الجنود، من مثلك قوي يا رب؟ ~~(مزامير 89: 6-8) # لكن التطور التالي الذي لحق بعبادة البعل الملك يهوه، ليتحول به من إله قبلي ~~إلى عالمي، يطلب السيادة على القبائل والشعوب الأخرى، فقد جاء مترافقا مع ظروف ~~عالمية وتغيرات جدت بعد السبي في الرافدين، وقام بهذه المهمة بكفاءة عالية عدد ~~من الأنبياء، أشهرهم «دانيال وأشعيا»، اللذين كانا على علاقة سرية وخاصة بالدولة ~~الفارسية الطالعة الطموحة، وبعلها «كورش»، حتى اتهم أشعيا - بسبب هذه العلاقة - ~~بالجاسوسية لحساب الفرس، رغم وضوح أنه كان يعمل بإخلاص لفك أسر اليهود على يد ~~قورش، ولو مع بعض التنازلات الدينية التي لا بأس بها إزاء الغرض الأكبر. وكانت هذه ~~التنازلات هي سبب هجوم اليهود عليه واتهامه بالعمالة. وقد استطاع أشعيا وصحبه أن يفتحوا ~~أبواب بابل للفرس، وبعد سقوط هذه القوة الكبرى تمكن قورش من الزحف قدما ليكون أكبر ~~إمبراطورية ظهرت في الشرق حتى عهده. وباعتبار اليهود قطعة من هذا الملك الواسع، فقد ~~تصرف الأنبياء وفق الوضع الجديد، واستغلوه سياسيا ودينيا بذكاء، فحولوا إلههم ~~المحلي إلى إله عالمي، ولم يترددوا عن التجاسر بالقول إنه هو إله قورش؛ ومن ثم ~~إله الإمبراطورية، بل وسجلوا ذلك في توراتهم، وادعوا أن قورش كان يعمل بنصح «يهوه» ~~وإرشاده حتى بلغ بهم الأمر مبلغا كبيرا ms84 فقالوا إن قورش هو مسيح «يهوه» المنتظر، ~~ومخلص اليهود الذي طالما ترقبوا ظهوره ليعيدهم إلى أرضهم ليبنوا دولتهم من جديد، ~~هذا رغم أن قورش كان رجلا مؤمنا بديانته الزرادشتية، مخلصا لها تماما، لكنه لم ~~يجد بأسا ولا حرجا في قليل من المجاملة لجواسيسه الخلص فتغاضى عما كان يعلنه ~~اليهود عنه وعن الرب يهوه، ما دام الأمر لم يتجاوز ~~النطاق الديني أو نطاقهم هم الديني بتعبير أدق. وزاد قورش في المجاملة فأطلق سراحهم من ~~الأسر، وساعدهم في إقامة هيكلهم مرة أخرى، ثم تزوج واحدة منهم «إستير» وجعلها ~~ملكة على بابل. # وكان لتبادل هذه المجاملات والسماحات بين العاهل الفارسي العظيم وبين اليهود، دوره ~~الفاعل في تحول «يهوه» من إله قبلي محلي إلى إله عالمي ... # وسبق ذلك عدة محاولات سريعة لتخليص «يهوه» من ارتباطه بمولك الثور ومن السرافيم ~~«الحيات» والكروبيم «الثيران الطائرة»، فقام عدد من الأنبياء بهذه المهمة بجرأة ~~شديدة ليعلنوا كفرهم بالإله الثور، والتنديد به والتطاول عليه، فهذا يجهر قائلا: ~~«قد زنخ عجلك يا سامرة» (هوشع 8: 5)، وذاك الملك حزقيا بن أحاز يتبع الدعوة الجديدة، ~~فتسجل التوراة عنه، أنه «هو أزال المرتفعات، وكسر التماثيل، وقطع السواري، وسحق ~~حية النحاس التي عملها موسى، لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها» ~~(ملوك ثاني 18: 4). # ولذلك «أمر الملك حلقيا الكاهن العظيم، وكهنة الفرقة الثانية، وحراس الباب أن ~~يخرجوا من هيكل الرب جميع الآنية المصنوعة للبعل (إقرار واضح بصدق فرضنا)، وللسارية ~~ولكل أجناد السماء، وأحرقها خارج أورشليم، في حقول قدرون، وحمل رمادها إلى بيت إيل ... ~~وذبح جميع كهنة المرتفعات ... وكذلك السحرة والعرافون والترافيم والأصنام، وجميع ~~الرجاسات» (ملوك ثاني 23: 4-24). # ومن ثم جاز ليهوه بعد ذلك أن يزهو بذاته الوحيدة، فيقول على لسان أشعيا: # أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي ... أنا الرب وليس آخر، مصور النور وخالق ~~الظلمة، صانع السلام. ~~(أشعيا 45: 5-7) # أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري وكل شيء أنا أعلم به ... أنا الرب صانع ~~كل شيء، ناشر السماوات وحدي، باسط الأرض، من معي؟ ms85 ~~(أشعيا 44: 6-24) # الجالس على كرة الأرض ... الذي ينشر السماوات كسرادق، ويبسطها كخيمة للسكن، ~~الذي يجعل العظماء لا شيء (أهل بابل)، ويصير قضاة الأرض كالباطل ... فبمن ~~تشبهونني فأساويه؟ ~~(أشعيا 40: 22-25) # هكذا تكفل أشعيا بإشاعة أن يهوه قورش وناصره، ومن ثم هو إله الإمبراطورية ~~والعالم، ولم يعترض قورش المجامل على جواسيسه الذين كانوا ينقلون له أخبار بابل ~~ومختلف الشعوب أولا بأول بوفاء جلي. # أما دانيال النبي فقد تكفل بمهمة أخرى، فقام يرد تحية قورش بأحسن منها، ~~فأدخل إلى اليهودية عقيدة جديدة لم تكن فيها أبدا من قبل، أخذها عن ديانة ~~كورش «الزرادشتية» ليكون هذا المزج الديني كفيلا بتحقيق الأهداف المرجوة؛ ~~فقد ظل اليهود طوال عصورهم يعتقدون أن الموتى جميعا يرحلون إلى العالم ~~التحت أرضي، صالحهم وطالحهم، ذلك العالم الذي أسمته التوراة «الهاوية» ~~و«شيول» وأكدت التوراة هذا المعنى، فهي تقول: «من جهة أمور بني البشر، إن الله ~~يمتحنهم ليريهم أنه كما البهيمة هكذا هم ... موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة ~~للكل.» ~~(جامعة 3: 18-19) # وكان أعظم عقاب رباني يلحق بإنسان، هو أن يموت، حتى أن الله ذاته كثيرا ما كان ~~يلجأ إلى هذا السلاح السريع المفعول لإنزال عقابه على العصاة، فيميتهم ليذهبوا إلى ~~عالم تحت الأرض «الهاوية»، أما الإنسان المخلص ليهوه، فكان يهوه يزيد في سني عمره ~~وفي حياته الدنيوية الأرضية. # فالتوراة تحكي: «وكان عير بكر يهوذا شريرا في عيني الرب، فأماته الرب» (تكوين 38: ~~7). وهذا «أونان ... أفسد على الأرض ... فقبح في عيني ~~الرب ما فعله، فأماته أيضا» (تكوين 38: 9، 10). ~~وذاك الملك التقي الورع «حزقيا» يخبر النبي أشعيا بقرب موعد موته ، ويرجوه أن ~~يتوسط له لدى الرب يهوه، وأن يذكر «يهوه» بأفضاله عليه، فينقل أشعيا الرسالة ~~ليهوه، ويتلقى الرد «اذهب وقل لحزقيا هكذا يقول الرب إله داوود أبيك قد سمعت ~~صلاتك، قد رأيت دموعك وها أنا ذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة» (أشعيا 38: ~~6). # لذلك فإن «مخافة الرب تزيد الأيام، أما سنو الأشرار فتقصر» (أمثال 10: 27)، لأن ~~شيول تساوي بين الجميع، «هذا يموت في معظم وفرة وقد ms86 عمته الدعة والطمأنينة وذاك يموت ~~في مرارة ونفسه لم تذق طيبا، وكلاهما يضطجعان في التراب، فيكسوهما الدود، فمن ~~الذي يبين طريقه، ومن يكافئه على ما صنع؟» (أيوب 21: 31). # لذلك كانت التوراة تؤكد أن الموتى «يضطجعون معا لا يقومون، قد خمدوا كفتيلة انطفئوا» ~~(أشعيا 43: 17)، «يناموا نوما أبديا ولا يستيقظوا» (أرميا 51: 39). بل يبدو لنا في ~~التوراة أن العالم التحت أرضي خارج عن سلطان «يهوه» وسيطرته، فهذا يرجو ربه ألا ~~يميته قائلا: «عد يا رب، نج نفسي، خلصني من أجل رحمتك، لأنه ليس في الموت ذكرك، ~~في الهاوية من يحمدك؟ ... هل يحدث في القبر برحمتك؟ أو بحقك في الهلاك؟ هل تعرف في ~~الظلمة عجائبك؟ وبرك في أرض النسيان؟» (مزامير 6). # حتى الأنبياء ذاتهم، عندما كانوا يتسببون في إشعال غضب «يهوه» لا يجد لهم دواء سوى ~~القتل، وهو ما نراه في موت النبي موسى وأخيه هارون «وكلم الرب موسى في نفس ذلك ~~اليوم قائلا: اصعد إلى جبل عباريم، هذا ... ومت في الجبل الذي تصعد إليه ... كما مات ~~هارون أخوك ... لأنكما خنتماني» (تثنية 32: 48-51). # بل إن كبار الأنبياء كانوا يعلمون مصيرهم بعد الموت، وأنه هاوية تحت الأرض، فها هو ~~يعقوب ينوح حزينا على موت ولده يوسف، بعد أن خدعه أبناؤه وقالوا له: لقد أكله ~~الذئب، فيقول: «إني أنزل إلى ابني نائحا في الهاوية» (تكوين 37: 35). # ولكن هل كان دانيال يعرف أن «كورش» سيرضى بهذا المصير ولديه في الديانة ~~الزرادشتية نعيم مقيم بعد الموت في مكان سماوي يدعى «باراديس» أو «الفردوس»؟ هنا ~~كانت مهمة دانيال الذكي، فقام يحول شيول إلى عالم خالد، من أجل عيون قورش، ذلك الذي ~~أصبح مسيحا للرب ويستحق مصيرا أفضل، وبالطبع ~~قبل قورش الهدية ممتنا شاكرا، فظهر في التوراة سيرا على منطق الديانة الزرادشتية ~~ولأول مرة، حديث حول قيامة الأموات: # وكثير من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، ~~وهؤلاء إلى العار، إلى الازدراء الأبدي، استيقظوا وترنموا يا سكان التراب، ~~هلم يا شعبي ادخل مخادعك. ~~(أشعيا 26: 19) # وأضع روحي فيكم فتحيون، وأضع في أرضكم ms87 فتعلمون أنني أنا الرب، تكلمت ~~وفعلت. ~~(حزقيال 37: 1-4) # ومع ذلك، فقد كان عامة الشعب يعلمون أن ذلك ليس في أصل دينهم وأن المسألة ~~لعبة سياسة، فعاملوا هذه الأفكار الجديدة بحسبانها غشا وتدليسا ودسا على يهوه، ~~لذلك ظلت مثل هذه الأفكار موضع تحفظ من غالبية اليهود، وكانت محل رفض واستنكار ~~من المتزمتين التقليديين، حتى مجيء المسيح، الذي كان تأكيده على فكرة البعث والحساب، ~~من أهم حيثيات الحكم عليه بالكفران بدين يهوه، ومن ثم استحقاقه حكم الإعدام ~~صلبا. # | سفر التكوين التوراتي # لنتذكر الآن أن المدارس البحثية في التوراة تكاد تجمع على أن سفر التكوين أول ~~أسفار الكتاب المقدس، يعد من بين أحدث الأسفار وليس أقدمها، وأنه دون حوالي ~~القرن الثالث قبل الميلاد، أو قبله بقليل، أي بعد العودة من الأسر في بلاد ~~الرافدين. # وأول ما تطالعنا به التوراة، في أول أسفارها «التكوين»، وفي أول صفحات هذا السفر ~~وفي الإصحاحات الثلاثة الأولى، تطلع بقولها: # في البدء خلق الله السموات والأرض. # وكانت الأرض خربة وخالية. # وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. # وقال الله: ليكن نور، فكان نور، ورأى الله النور أنه حسن، وفصل الله ~~بين النور والظلمة، ودعا الله النور نهارا، والظلمة دعاها ليلا، وكان ~~مساء وكان صباح يوما ثانيا. # وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلا بين مياه ومياه، فعمل ~~الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد، والمياه التي فوق الجلد، ~~وكان كذلك ودعا الله الجلد سماء وكان مساء وكان صباح، يوما ~~ثانيا. # وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة ... ~~ودعا الله اليابسة أرضا، ومجتمع المياه دعاه بحارا، ورأى الله ذلك أنه ~~حسن. # وقال الله: لتنبت الأرض عشبا وبقلا، يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر، ~~يعمل ثمرا كجنسه بذره فيه على الأرض، وكان كذلك، فأخرجت الأرض عشبا ~~وبقلا، يبزر بزرا كجنسه، وشجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه ورأى الله ~~ذلك أنه حسن، وكان مساء، وكان صباح يوما ثالثا. # وقال الله لتكن أنوار في ms88 جلد السماء، لتفصل بين النهار والليل، وتكون ~~لآيات وأوقات وأيام وسنين، وتكون أنوارا في جلد السماء، لتنير الأرض، ~~وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار ~~والنور الأصغر لحكم الليل، والنجوم، وجعلها الله في جلد السماء، لتنير ~~على الأرض، ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة، ورأى ~~الله ذلك أنه حسن، وكان مساء، وكان صباح، يوما رابعا. # وقال الله: لتفض المياه زحافات ذات نفس حية، وليطير طير فوق ~~الأرض، على وجه جلد السماء، فخلق الله التنانين العظام، وكل ذوات ~~الأنفس الحية الدبابة، التي فاضت بها المياه كأجناسها، وكل طائر ذي ~~جناح كجنسه، ورأى الله ذلك أنه حسن، وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري ~~واملئي المياه في البحار، وليكثر الطير على الأرض، وكان مساء، وكان صباح ~~يوما خامسا. # وقال الله: لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها، بهائم ودبابات ووحوش ~~أرض كأجناسها ... فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها، والبهائم كأجناسها، وجميع ~~دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الله ذلك أنه حسن، وقال الله: نعمل الإنسان ~~على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء، وعلى ~~البهائم، وعلى الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض، فخلق ~~الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم، ~~وباركهم الله، وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض ... (بينما بداية ~~الإصحاح الخامس تقول: يوم خلق الله الإنسان، على شبه الله عمله، ذكرا ~~وأنثى خلقه وباركه، ودعا اسمه آدم يوم خلقه) ورأى الله كل ما ~~عمله فإذا هو حسن جدا، وكان مساء، وكان صباح، يوما سادسا. # فأكملت السموات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله ~~الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله ~~اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله ~~خالقا. # هذه مبادئ السموات والأرض حين خلقت يوم عمل الرب الإله الأرض ~~والسموات، كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض، وكل عشب البرية لم ينبت ~~بعد، لأن الرب الإله لم يكن قد ms89 أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل ~~في الأرض، ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض، وجبل الرب ~~الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسا ~~حية. # وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله، وأنبت ~~الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر، وجيدة للأكل، وشجرة الحياة في ~~وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر. # وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رءوس، ~~اسم الواحد فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة، حيث الذهب، وذهب تلك ~~الأرض جيد هناك المقل، وحجر الجزع، واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط ~~بجميع أرض كوش، واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي آشور، والنهر ~~الرابع الفرات. # وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن، ليعملها ويحفظها، وأوصى ~~الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا، وأما شجرة معرفة ~~الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت، وقال ~~الرب الإله: ليس جيدا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينا نظيره، وجبل ~~الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية، وكل طيور السماء، فأحضرها إلى ~~آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها ~~فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء، وجميع حيوانات البرية، وأما ~~لنفسه فلم يجد معينا نظيره. # فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه، وملأ ~~مكانها لحما، وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها ~~إلى آدم، فقال آدم : هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة ~~لأنها من امرئ أخذت، لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ~~ويكونان جسدا واحدا، وكان كلاهما عريانين، آدم وامرأته وهما لا ~~يخجلان. # وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية، التي عملها الرب الإله، فقالت ~~للمرأة: أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: ~~من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ms90 ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله لا ~~تأكلا منه ولا تمساه، لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل ~~الله، عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين ~~الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، ~~وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا ~~معها فأكل، فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانين، فخاطا أوراق تين، ~~وصنعا لأنفسهما مآزر. # وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة، عند هبوب ريح النهار، فاختبأ ~~آدم وامرأته من وجه الرب الإله، في وسط شجر الجنة، فنادي الرب الإله آدم ~~وقال له: أين أنت؟ فقال: صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان، فاختبأت فقال: ~~من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها؟ ~~فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت؟ فقال ~~الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني ~~فأكلت، فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ~~ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك، ~~وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت ~~تسحقين عقبه. وقال للمرأة: تكثيرا أكثر أتعاب حبلك بالوجع ~~تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك، وقال لآدم: ~~لأنك سمعت لقول امرأتك، وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل ~~منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكا ~~وحسكا تنبت لك، وتأكل الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى ~~الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلي تراب تعود. # ودعا آدم اسم امرأته حواء، لأنها أم كل حي، وصنع الرب الإله لآدم ~~وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما. # وقال الرب الإله، هو ذا الإنسان، قد صار كواحد منا، عارفا الخير ~~والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا، ويأكل ويحيا ~~إلى الأبد ... فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف ~~متقلب لحراسة طريق ms91 شجرة الحياة. # من البين في هذه القصة التوراتية بشأن التكوين، أن هناك روايتين أصليتين تم ~~دمجهما في قصة واحدة، وتشير إلى ذلك دلائل شاهدة: # مرة يقوم بفعل من أفعال الخلق من سمي «الله»، وهو في الأصل العبري «يهوه» كما في ~~النص «في البدء خلق الله» و«قال الله»، ومرة يقوم بأفعال أخرى للخلق زعيم المجمع ~~الإلهي «إلوهيم»، الذي ميزناه باسم «الرب الإله»، وصيغة حديث الرب الإله تشير ~~بوضوح سافر إلى تشاوره المستمر مع أعضاء هذا المجمع «إلوهيم»، كاستشارته لأعضائه ~~«نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.» أو كما في إعلامه المجموعة الإلهية بالخبر ~~المفزع الذي أثار القلق الشديد لدي الرب الإله «هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا ~~عارفا الخير والشر.» وإن هذا الكائن الجديد ربما تطاول وأخذ من شحرة الحياة ~~الخالدة، فيصبح خالدا مثلهم. # في موضع يقوم الإله الخالق بصنع السماء والأرض دفعة واحدة «في البدء خلق الله ~~السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية.» بينما في موضع آخر تكون السماء والأرض ~~موجودتين أصلا كيم ماء أزلي، يفتقه الله عن بعضه إلى سماء وأرض. # في مشهد يقوم من لقب ب «الله» أو يهوه بإنبات النبات في الأرض، ويضع فيها حيوانها ~~ودباباتها، بينما في مشهد آخر نجد برية بلا عشب يقوم الرب الإله فيها بخلق آدم، ثم ~~فجأة يضعه في مكان أرضي يسمي الجنة ليزرعها ويفلحها ويعملها ويحفظها، وفيه ~~نباتات مختلفة، أهمها شجرتان؛ شجرة المعرفة، وشجرة الحياة. وواضح أن هذا المكان كان ~~موطنا تعيش فيه مجموعة الآلهة «إلوهيم» مع كبيرها «الرب الإله» فقط، بدليل خشية الرب ~~الإله أن يتجرأ مخلوقه «آدم» ويأكل من شجرة الخلد الخاصة بالآلهة الخالدة وحدها، ~~خاصة بعدما تجرأ على الأكل من شجرة المعرفة، مما جعله يصبح كالآلهة يميز بين ~~الخير والشر. # هذا مع تناقض واضح يشير إلى هذا الانفصال الأكيد لروايتين مختلفتين من الأصل، ~~تم مزجهما معا، فنفهم في أحد مواضع قصة التكوين أن آدم عندما وضع في مقر إلهه ~~الخالد، لم يكن محرما عليه أكل ثمرة الخلد أساسا، بينما ms92 نفهم من موضع آخر أنه ~~كان مخلوقا للفناء «حتى تعود إلى الأرض، التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى تراب ~~تعود.» # ثم تضارب آخر، فلدينا رواية تؤكد أن عملية الخلق بدأت بخلق السماوات والأرض دفعة ~~واحدة، فتقول الرواية: «إن الله قال: ليكن نور فخلق النهار والليل.» بينما الرواية ~~التي تتحدث عن السماء والأرض كموجود واحد أصلي في هيئة غمر أزلي مظلم، ترجئ إيصال ~~الإنارة إلى ما بعد فتق هذا المحيط إلى سماء وأرض. # ثم يظهر تضارب آخر بين القصتين، في كنه عملية الخلق ذاتها فالله يتخذ كل مرة ~~قرارا للخلق بالكلمة فقط، لكنه في كل مرة كان يتبع كلمته الخالقة بعمل يدوي من صنع ~~يديه لإيجاد الشيء المراد خلقه: «وقال الله ليكن جلد ... فعمل الله الجلد، وقال الله ~~لتكن أنوار ... فعمل الله النورين العظيمين ... إلخ.» # أما أبرز الشواهد على مزج روايتين مختلفتين في التكوين التوراتي فهو الكيفية التي ~~تم بها خلق الإنسان الأول، ففي مواضع القصة نجد الخالق يخلق الإنسان دفعة واحدة، ~~ككائن واحد، يجمع في ذاته الواحدة الذكورة مع الأنوثة «ذكرا وأنثي خلقه وباركه، ودعا ~~اسمه آدم.» ثم يفصل عنه العنصر الأنثوي من خلال المرأة الضلع أو الضلع المرأة، ~~بينما نجد في موضع آخر إشارة مختلفة تماما، تقول «على صورة الله خلقه ذكرا وأنثي ~~خلقهم.» فهنا شخصان منفصلان متمايزان عن بعضهما تماما من الأصل. # ولا مجال هنا لتفسير ذلك، سوي ما أسلفناه حول طبيعة التأليه اليهودي، الذي اتخذ ~~طورين أساسيين، أو ما أسميناهما: طور التأليه الإلوهيمي في العصر الإبراهيمي وربما ~~قبل إبراهيم بزمان طويل، واعتمد ثالوثا يرأسه الرب الإله؛ وطور التأليه اليهودي في ~~العصر الموسوي وما تلاه، واعتمد مجموعة بعول أو ثيران تتسم بالصفات البركانية، مع ~~التأثيرات التي لا شك دخلت هذا السفر إبان وجود اليهود أسرى في بلاد الرافدين، حيث ~~كان الجو الديني يعبق بسفري التكوين السومري والبابلي، وهو ما نجده واضحا في ~~المقارنة التالية: ~~(1) # يقول التكوين السومري: في البدء لم يكن في الوجود سوي محيط بدئي مظلم، ~~وهذا ms93 الغمر كان هو «نمو»، وقام الإله الهواء الريح «آنليل» بالفصل في هذه ~~المياه بين سماء وأرض. # ويقول التكوين البابلي: في البدء كان غمر مظلم أنثي هي «تيامت»، شقها ~~«مردوخ» كما تشق الصدفة إلى قسمين: سماء وأرض. # ويقول التكوين التوراتي: في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض ~~خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال ~~الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلا بين مياه ومياه، فعمل الله ~~الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد، وكان ~~كذلك، ودعا الله الجلد سماء. ~~(2) # يقول التكوين البابلي: إن «مردوخ» أظهر اليابسة على الماء بأنه على سطح ~~الماء ضفر حصيرا، وصنع شيئا من التراب، وخلطه مع الحصير وهذا كون لوحا ~~صلبا فوق المياه، وهو الأرض. # ويقول التكوين التوراتي: لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ~~ولتظهر اليابسة، وكان كذلك، ودعا الله اليابسة أرضا. ~~(3) # ويقول التكوين السومري: إن آنليل شاء إزالة الظلمة من على الغمر، ~~(فأظهر للعيان) بالنورين العظيمين، الشمس والقمر. # ويقول التكوين البابلي: إن «مردوخ» سلط القمر على الليل، جعله زينة ~~في الليل، به يعرف الناس مواعيد الأيام، كذلك جعل الشمس للنهار. # ويقول التكوين التوراتي: وقال الله ليكن نور، فكان نور، ورأى الله النور ~~أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة، ودعا الله النور نهارا والظلمة ~~دعاها ليلا. وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء، لتفصل بين النهار ~~والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين. لتنير على الأرض ... فعمل الله ~~النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم ~~الليل. ~~(4) # يقول التكوين السومري: قامت إلهة أنثى بعجن طين، خلقت منه الإنسان ~~الأول، بعد أن عجنت بسائل الخصب «آبسو وآنكي» المني المقدس، وأن ~~الإنكي أو الإنسي عصى أوامر إلهية، فأكل ثمارا محرمة، أصيب بسببها ~~بمرض في واحد من ضلوعه، حتى أشرف على الهلاك، «لن أنظر إليك بعين الحياة ~~حتى تموت.» ولم ينقذه إلا استخراج ضلعه المريضة، لتصنع منها زوجة له، ~~هي «نن تي» أو «ننتو» سيدة الضلع، ms94 وتعني أيضا سيدة الحياة أو التي تحيي ~~أو الوالدة، فالإنسان بذلك خلق ذكرا وأنثى معا في ذات واحدة، ثم ~~فصلا بعد ذلك. # يقول التكوين التوراتي: «يوم خلق الله الإنسان، على شبه الله عمله ~~ذكرا وأنثى خلقه، وباركه، ودعا اسمه آدم يوم خلق ... وقال الرب الإله ليس ~~جيدا أن يكون آدم وحده ... فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ ~~واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من ~~آدم امرأة ... ودعا آدم اسم امرأته حواء؛ لأنها أم كل حي.» ثم يقول إن ~~حواء الحية (وهي من حوى، وحياة، وحيا أي فرج)، وقد خدعت زوجها (إليه ~~اشتياقها) فأكل معها من ثمرة المعرفة المحرمة، وأول ما عرفاه - وهنا ~~الغريب - أنهما عريانان؟ وهو الفعل الجنسي إذن! وهو ما ذهبنا إليه عند ~~معالجتنا سفر التكوين السومري. ~~(5) # يقول التكوين البابلي: إن الدم هو سر النفس أو الحياة، لذلك كان لا ~~بد كي يوجد الإنسان حيا، أن تخلط النفس الحياة مع الطين، وكان الدم ~~عند الأقدمين هو سر الحياة، عندما كانوا يرون المرأة المتميزة ~~بالقدرة على الولادة تتميز بدورها بالدم الشهري، وأن هذا الدم ينقطع ~~عند الحمل فتصوروا أنه يظل في الداخل ليعطي المولود حياته، وحتى ~~يسلب التكوين البابلي المرأة هذا الحق البيولوجي، وينسبه للرجل قاموا ~~بذبح «كنجو» ليخلطوا دمه بالطين، ويخلقوا الإنسان. # وفي التشريع التحريمي تقول التوراة: لكن احترز ألا تأكل اللحم، لأن ~~الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع الدم (تثنية 21: 23). ~~(6) # في الختم (المفترض أنه سومري حسب تصنيف الآثاريين) رأينا الحية توعز ~~للأنثى الأولى بأكل ثمار التمر (ولا تنس الثمر المحرم الذي أكله آنكي) ~~فتدعو زوجها لأكله، مما يؤدي إلى انتهاء الخلود الفردي وبداية خلود النوع ~~بالتناسل، بخروج إنكى أو إنسي وزوجته «نن تى»، من أرض الخلود دلمون، وكان ~~الخلود يتمثل في نبتة لو أكلها الفاني خلد. وفي ملحمة جلجامش علمنا ~~أن هذه النبتة لا تنمو إلا في أرض الخلود «دلمون» مقر الآلهة ~~الخالدة. # ويقول التكوين التوراتي: وغرس الرب الإله ms95 جنة في عدن شرقا، ووضع ~~هناك آدم الذي جبله ... وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر ~~... وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها وأوصى الرب ~~الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا، وأما شجرة معرفة الخير ~~والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت (ثم خلق له حواء ~~كما شهدنا)، وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب ~~الإله ... فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه ~~تتفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن ~~الشجرة جيدة للأكل ... فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا معها فأكل، ~~فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين صنعا لأنفسهما ~~مآزر ... وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير ~~والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا ~~للأبد ... فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب ~~لحراسة طريق شجرة الحياة (ولنلحظ أن شجرة الخلد لم تكن محرمة أصلا، ~~ولكن أكل آدم من شجرة المعرفة نبه الرب الإله إلى أنه غفل عن أمر شجرة ~~الحياة، مما اضطره إلى طرد المخلوق البشري من موطن هذه الشجرة، حتى لا ~~يخلد كالآلهة). ~~(7) # والغرض من خلق الإنسان في التكوين السومري والتكوين البابلي، هو أن يحمل ~~الإنسان عناء عمل الآلهة، بأن يزرع الأرض ويعمل فيها ليحفظها. # وفي التكوين التوراتي أخذ الرب الإله آدم، ووضعه في جنة عدن ليعملها ~~ويحفظها. ~~(8) # وفي التكوين البابلي: كان مفترضا أن تتم عملية الخلق بالكلمة الخالقة ~~للإله مردوخ، ومع ذلك كان الخلق يتم دائما بالصنعة اليدوية. # وفي التكوين التوراتي: كان الإله ينطق الكلمة الخالقة (ويبدو أنه كان لا ~~يحدث شيء بالمرة عند نطقها)، لذلك كان الإله يضطر دائما إلى صناعة ~~الشيء المراد خلقه بالعمل اليدوي. # وفي التكوين السومري، وبعد عناء عملية الخلق، جلست الآلهة لتستريح, وفي ~~التكوين البابلي، استوى مردوخ على عرشه، أما في التكوين التوراتي، عندما ~~«فرغ الله ms96 في اليوم السابع من عمله الذي عمل، استراح في اليوم ~~السابع.» # أحد ثيران بابل المجنحة برأس إنسان وأجنحة نسر وقوائم وجسد ثور، ~~وفي مجمله يوحي بمشهد الأسد أو كما أسماه حزقيال «كروب أو قراب» أو ~~كما أسمته الروايات الإسلامية «البراق». # | المصادر العربية والمراجع (المترجمة) # | الكتب الموسوعية # (1) # القرآن الكريم. ~~(2) # الكتاب المقدس. ~~(3) # موسوعة تاريخ العالم (وليم لانجر وآخرون)، أشرف على لجنة المترجمين د. محمد ~~مصطفي زيادة، مكتبة النهضة المصرية، د.ت. ~~*** ~~(4) # الأصفهاني: الأغاني، بولاق، القاهرة، 1285ه. ~~(5) # برستد (جيمس هنري): انتصار الحضارة، ترجمة د. أحمد فخري، مكتبة النهضة ~~المصرية، القاهرة، د.ت. ~~(6) # بكر (د. يعقوب السيد): هوامش مطولة وشروح وافية على ترجمته لكتاب موسكاتي ~~(الحضارات السامية القديمة)، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة، ~~1957م. ~~(7) # بوتيرو(جان): الديانة عند البابليين، ترجمة وليد الجادر، نشر جامعة بغداد، ~~1970م. ~~(8) # تشايلد (جوردن): التطور الاجتماعي، ترجمة لطفي فهيم، مؤسسة كل العرب، ~~القاهرة، 1966م. ~~(9) # التكريتي (سلمان): أساطير بابلية، مطبعة النعمان، النجف العراقي، ~~1972م. ~~(10) # حسن (د. حسن إبراهيم): تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ~~مكتبة النهضة المصرية، ط7، القاهرة، 1964م. ~~(11) # حنفي (د. حسن): هوامشه على ترجمته لكتاب إسبينوزا: رسالة في اللاهوت ~~والسياسة، مراجعة د. فؤاد زكريا، دار الطليعة بيروت، ط2، 1981م. ~~(12) # دولابورت (ك): بلاد ما بين النهرين، حضارة بابل الجديدة وآشور، ترجمة مارون ~~الخوري، دار الروائع، بيروت. ~~(13) # ديورانت (ول): قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، الإدارة الثقافية بالجامعة ~~العربية، ط3، 1961م. ~~(14) # رشيد (د. فوزي): خلق الإنسان في الملاحم السومرية والبابلية، آفاق عربية، ~~بغداد، أيار 1987م. ~~(15) # رشيد (د. فوزي): الديانة، المعتقدات (ضمن مجموعة مجلدات تاريخ العراق ~~بالاشتراك مع آخرين)، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985م، جد. ~~(16) # زايد (د. عبد الحميد): الشرق الخالد، دار النهضة العربية، القاهرة، ~~د.ت. ~~(17) # الزمخشري: الفائق، طبعة محمد أبو الفضل وعلي البجاوي، ج2، القاهرة، ~~1947م. ~~(18) # ساندرس (ن. ك): ملحمة جلجامش، ترجمة نبيل نوفل وفاروق حافظ، دار المعارف، ~~القاهرة، 1970م. ~~(19) # السواح (فراس): مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة، بيروت، 1980م. ~~(20) # سوسة (د. أحمد): العرب واليهود في التاريخ، دار العربي للإعلان والطباعة ~~والنشر، ط2، دمشق، د.ت. ~~(21) # شلبي ms97 (د. أحمد): مقارنة الأديان، اليهودية، مكتبة النهضة المصرية، ط5، ~~1978م. ~~(22) # الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر مصطفي البابي ~~الحلبي، القاهرة، 1961م. ~~(23) # صالح (د. عبد العزيز): الشرق الأدنى القديم، مصر والعراق، الهيئة المصرية ~~العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، 1967م. ~~(24) # ظاظا (د. حسن): الساميون ولغاتهم، مطبعة المصري، الإسكندرية، ~~1971م. ~~(25) # العقاد (عباس محمود): الله، كتاب الهلال، القاهرة، سبتمبر، 1942م. ~~(26) # العلوجي (عبد الحميد): شخصية نبوخذ نصر الثاني، دار الحرية للطباعة، بغداد، ~~1982م. ~~(27) # على (د. فاضل عبد الواحد): عشتار ومأساة تموز، وزارة الإعلام العراقية، ~~1973م. ~~(28) # علي (د. فؤاد حسنين) (مترجم): كتاب الديانة العربية القديمة، بالاشتراك مع ~~مجموعة علماء في مجموعة أبحاث بعنوان: التاريخ العربي القديم، مكتبة النهضة ~~المصرية، القاهرة، 1958م. ~~(29) # على (د. جواد): المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، مطبوعات المجمع العلمي ~~العراقي. ~~(30) # غود ولييه (موريس): ضمن كتاب «حول نمط الإنتاج الآسيوي»، مع جان سوريه ~~وآخرين، ترجمة جورج طرابيشي، دار الحقيقة، بيروت، 1972م. ~~(31) # فريحة (د. أنيس): دراسات في التاريخ، دار النهار، بيروت، 1980م. ~~(32) # فريحة (د. أنيس): ملاحم وأساطير من الأدب السامي، دار النهار، بيروت، ط2، ~~1979م. ~~(33) # القزويني: عجائب المخلوقات، جونتجن، 1849م. ~~(34) # القمني (سيد): إلهة الجنس أو الزهرة، آفاق عربية، بغداد، العدد 9، ~~1982م. ~~(35) # القمني (سيد): «الأضاحي والقرابين: الجذور الاجتماعية»، فكر للدراسات ~~والأبحاث، دار الفكر للطباعة والنشر، القاهرة، عدد 11. ~~(36) # القمني (سيد): القمر الأب أو الضلع الأكبر في الثالوث، الكرمل، نيقوسيا، عدد ~~26. ~~(37) # القمني (سيد): من الطوفان السومري إلى الطوفان النوحي، آفاق عربية، بغداد، ~~العدد 9، 1983م. ~~(38) # كارلوفسكي (س. لامبرج): دلمون مدخل إلى الخلود، ترجمة كامل مصطفي اللحام، ~~الثقافة العالمية، وزارة لإعلام الكويتية، مارس 1983م. ~~(39) # كريمر (صموائيل نوح): الأساطير السومرية، ترجمة يوسف داوود عبد القادر، مطبعة ~~المعارف، بغداد، 1971م. ~~(40) # كريمر (صموئيل نوح): السومريون، تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم، ترجمة د. فيصل ~~الوائلي، وكالة المطبوعات، الكويت، د.ت . ~~(41) # كريمر (صموئيل نوح): من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مؤسسة الخانجي، القاهرة، ~~1971م. ~~(42) # لسنر (د. إيفار): الماضي الحي، حضارة تمتد سبعة آلاف عام، ترجمة شاكر ~~إبراهيم سعيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1981م. ~~(43) # لويد ms98 (سيتون): آثار بلاد الرافدين، ترجمة د. سامي سعيد الأحمد، منشورات وزارة ~~الثقافة والإعلام، بغداد، 1980م. ~~(44) # ميخائيل (د. نجيب): مصر والشرق الأدنى القديم، حضارة العراق القديم، ج6، دار ~~المعارف، القاهرة، 1961م. ~~(45) # هومل (فرتز): التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية، بالاشتراك مع مجموعة من ~~العلماء في مجموعة أبحاث بعنوان: التاريخ العربي القديم، ترجمة د. فؤاد حسنين، ~~مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958م. # | المصادر الأجنبية # (1) # Chesneaux (jean): In center d’Etudes et de Recherches ~~Marxistes (C.E.R.M) Sur Le “Mode de production a siatique Editions ~~Sociales, Paris, 1969. ~~(2) # Frankfort (Henri): La Royautu et les dieax, paiot, paris, ~~1951, the Birth of Civilisation in the Near Eest. ~~(3) # Frankfort (Henri): Wiliams and Norgate limted, Great ~~Britain, 1951. ~~(4) # Lods (A): Israel from Its beginings to the middle, of the ~~Eight century, london, 1973. ~~(5) # Smith: God and Man in early Israel. ~~(6) # Stade (B): Lehrbuch der hebraischen grammtik, Libzig, ~~1979. ~~(7) # Wallhausen (J): Die biblischen Atertu ~~mer. ~~(8) # History of the Worls, the Outline of History, vol ~~4. ms99