######OpenITI# #META# URI: 1443SayyidQimni.UsturaWaTurath.Hindawi49164181 #META# Tags: history #META# ID: 49164181 #META# Title: الأسطورة والتراث #META# AuthorID: 46815737 #META# Author: سيد القمني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مطالعات حرة في كتابات غير مصادرة‏ # تأسيس‏ # قراءة سريعة في موضوع الإله النقيض‏ # زهرة للحب، زهرة للحرب‏ # أضحية للذكر، قربان للأنثى ومدخل إلى جذور الدين ~~الاجتماعية‏ # القمر الأب أو الضلع الأكبر في الثالوث‏ # نماذج من الأساطير التوراتية ومدخل إلى فهم دورها التاريخي‏ # الملوك الأربعة‏ # النسخ في الوحي‏ # قائمة مصادر استشهادات البحث‏ # الإهداء‏ # مطالعات حرة في كتابات غير مصادرة‏ # تأسيس‏ # قراءة سريعة في موضوع الإله النقيض‏ # زهرة للحب، زهرة للحرب‏ # أضحية للذكر، قربان للأنثى ومدخل إلى جذور الدين ~~الاجتماعية‏ # القمر الأب أو الضلع الأكبر في الثالوث‏ # نماذج من الأساطير التوراتية ومدخل إلى فهم دورها التاريخي‏ # الملوك الأربعة‏ # النسخ في الوحي‏ # قائمة مصادر استشهادات البحث‏ # | الأسطورة والتراث # | الأسطورة والتراث # تأليف # سيد القمني # | الإهداء # لأنهم لم يضجروا يوما ولم يتأففوا مرة ولم يشكوا أبدا، ~~رغم أني أخذت حقهم في وقتي وأعطيته لمطالعاتي وأبحاثي؛ ولأني ~~اقتطعت من قوتهم ومتعهم البسيطة لأستكمل مصادري وأوراقي؛ لأنهم ~~آمنوا أن قبضهم على الجمر هو إسهامهم من أجل الحلم الآتي؛ لهذا ~~فهم وحدهم الأحق بكل ما أنجزت داخل غرفتي الصغيرة المغلقة، ~~عندما كانوا يتحركون على أناملهم ويتحدثون همسا ويتشففون ~~لقائي إبان خروجي النادر والمنهك إليهم ... فلهم أنا وما كتبت ~~وما بقي من عمري حبا وكرامة. # إلى محمود وإيزيس وسلوى ونفرتي فلذات ~~كبدي # | مطالعات حرة في كتابات غير مصادرة # يؤذن في مالطة # وبخصوص المهمة الأساسية لوزارة الأوقاف ... هل الإيمان متعلق ~~بفخامة البناء؟ وهل هو متوقف على كون الرخام مستوردا من ~~إيطاليا، في بلد يشكو من قلة المساكن، بل يعيش أزمة سكنية؟ ليس ~~من العدل والرحمة أن ينشط بناء الجوامع والكنائس الفخمة في حين ~~يعيش أبناء الله في مساكن ضيقة غير صحية وغالية الإيجار، بما ~~لا يتناسب مع دخولهم، فالمؤمن يستطيع أن يصلي أينما شاء، هذا ~~إذا غضضنا النظر عن كون المساجد والجوامع الموجودة ~~كافية. # بوعلي ياسين # يعرف مقام الكلام # وأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي # ولا أنثر الدر الثمين على الغنم # فمن منح الجهال علما أضاعه # ومن منع المستوجبين ms001 فقد ظلم # الإمام الشافعي # يغامر # إذا غامرت في شرف مروم # فلا تقنع بما دون ~~النجوم # فطعم الموت في أمر حقير # كطعم الموت في أمر ~~عظيم # المتنبي # يتزندق # إذا كان لا يحظى برزقك عاقل # وترزق مجنونا وترزق أحمقا # فلا ذنب يا رب السماء على امرئ # رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا # أبو العلاء المعري # يلقي بيديه إلى التهلكة # لما جهلت من الطبيعة أمرها # وأقمت نفسك في مقام معلل # أثبت ربا تبتغي حلا به # للمشكلات، فكان أكبر مشكل # الزهاوي # يقرر فقط # إن أول خطأ عام يجب الانتباه إليه والتخلص منه هو القول إن ~~الجنس البشري يتألف من كتلة عظيمة من المتدينين، وقلة من ~~الملحدين الشاذين غريبي الأطوار ... وإن مسألة كون المؤمن أكثر ~~سعادة من الشاك، ليست أصدق من حقيقة كون السكران أكثر سعادة ~~من الصاحي. # برناردشو # يصرح فقط # كيف تقوم للنظام قائمة في دولة بلا دين؟ # نابليون # يفسر الحكمة ~~«هذا من فعل الله» ليس تفسيرا لظاهرة ما، إنما هو اعتراف ~~بأنه ليس لدينا تفسير لهذه الظاهرة، وأحيانا يؤدي هذا الموقف ~~- وهذا هو الأخطر - إلى عدم بذل الجهد العلمي المطلوب لمحاولة ~~إيجاد تفسير معقول. # وضاح نصر # يلحد # قال تعالى في وصف الجنة: # وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه ~~(محمد: 15) ~~ولا يكاد يشتهيه إلا الجائع، وذكر العسل، ولا يطلب صرفا، ~~والزنجبيل، وليس من لذيذ إلا شربه، والسندس يفترش ولا يلبس، ~~وكذلك الإستبرق وهو الغليظ من الديباج، ومن تخايل أنه في ~~الجنة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل، صار كعروس ~~الأكراد والنبط. # ابن الراوندي # يعقب على الملحد # نسطر افتخارنا وإعجابنا بهذه المدنية الإسلامية السمحة، ~~التي كانت تأذن لأمثال صاحبنا ابن الراوندي بهذا الاجتراء على ~~عقائدها، وبهذا التهجم والتنقص من تفكيرها ودينها، وهي ساكنة ~~هادئة تؤلف الكتب ردا عليه، ودحضا لما انهال به عليها من ~~حامي اللطمات، وإن تاريخ المدنيات القديمة لا يروي لنا سيرة أي ~~جريء متهور بلغ به تهوره إلى الحد الذي بلغ بصاحبنا. # سليم خياطة # يحزن على لافوازيه ولا يحزن على الجماهير # أما ms002 لافوازيه الشهير أبو علم الكيمياء على مر العصور، وأحد ~~الأركان الرئيسية في الحضارة البشرية، فقد سقط رأسه أيضا تحت ~~المقصلة؛ لأن الجمهورية ليست في حاجة إلى علماء، كما قال أحد ~~النباحين المتملقين إلى الجمهور الغبي، ردا على من استكبر ~~قتل عالم عبقري من هذا الوزن، واستفظع الجريمة الهائلة، ~~ترتكب بحق الحضارة الإنسانية، وقد أبى الجمهور المناضل إلا ~~أن يرى رأس لافوازيه مرفوعا بيد الجلاد؛ ليطمئن خاطره إلى أن ~~الجهل قد زال، والعلم قد ساد، والعدالة قد فاضت وباضت، وفي ~~حساب الحضارة، لا تساوي كل جماهير العالم العريضة شعرة واحدة ~~في رأس هذا العبقري. # جورج جرداق # يرد على نفسه # ليس من حق أحد أن يقف أمام الملأ ويقول: أنا الإسلام. ليس من ~~حق أحد أن يتحصن بكتاب الله ثم يعلن علينا من ورائه أن من ~~نصره وأيده فقد دخل في زمرة المؤمنين الصالحين، ومن خذله ~~وعارضه فقد خرج على كتاب الله وصار من أعداء الله المارقين ... ~~لكنهم في زماننا يقولون غير ذلك ... فتنقلب موازين العراك ~~وأسلحته، ويتحول الأمر من قبول أو رفض للاجتهاد السياسي؛ ليصبح ~~إيمانا بالله أو كفرا به، ودعما للإسلام أو طعنا ~~فيه. # فهمي هويدي # يفضح المستور # عباد الله: امضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإن معاوية ~~وعمرو بن العاص (وذكر أسماء أخرى) ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، ~~أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا، فكانوا ~~شر أطفال وشر رجال، ويحكم، إنهم ما رفعوا المصاحف لكم إلا ~~خديعة ودهاء ومكيدة. # علي بن أبي طالب # يقرر أول حقوق الإنسان # لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة ~~. ~~(المائدة: 48) # | تأسيس # لا شك أن عوامل متعددة تقف من وراء التمسك العنصري بالجنس والدين ~~والجذور القومية، ذلك التمسك الذي يتمثل في حنين حاد للماضي، جاء كرد ~~فعل طبيعي إزاء فترة طويلة من الاحتلال الأجنبي، مع ما أنبأت به مرحلة ~~ما بعد التحرر الوطني من فشل مشاريع التحديث، وإقامة مجتمعات عصرية، ~~وما لازمها من فشل آخر منيت به التوجهات ms003 العلمانية في إيجاد ~~مرتكزات جماهيرية لها، وهو بدوره ناتج عن أسباب ليس هنا مقام مناقشتها، ~~أما العامل الأساسي في ذلك التوجه الكاسح نحو الماضي، فهو وجود الدولة ~~الصهيونية على التراب الوطني، وما يشكله هذا الوجود من خطر وتهديد ~~مستمرين، وجرح غائر نازف دوما في الكرامة الوطنية والقومية، ولا ~~نزاع في أن قيام الدولة الصهيونية على أسس عنصرية جنسية قومية تتمثل ~~جميعا في الدين، كان دافعا للتوجهات نفسها في بلادنا، خاصة مع مقارنة ~~أحوالنا بأحوال الدول المتقدمة؛ ومن ثم نزعت الجماهير - وفق خطط ~~وبرامج معدة سلفا - للعنصرية القومية والجنسية التي تم تشخيصها جميعا ~~في الإسلام، ليصبح دين الإسلام هو الوطن وهو الجنس، الذي يجمع كل ~~المسلمين على اختلاف أوطانهم وأجناسهم، من باب توسعة حجم المجابهة ~~البشرية مع إسرائيل، وربما مع العالم المتقدم، بتحالف كل المسلمين - ~~على اختلاف مصالحهم الوطنية ومصالح فئاتهم الاقتصادية - مع الله ~~ليصبحوا كما كانوا قديما شعبه المميز، وخير أمة أخرجت للناس في مقابل ~~شعب الله المختار وبني إسرائيل الذين فضلهم على العالمين، ولتمرير ~~المخططات الاستراتيجية للتحالف الإمبريالي عبر توحد مزعوم في مؤتمرات ~~ومجالس، تؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من قمع الجماهير وترد ~~للأنظمة، بحيث ننتهي إلى مقلب نفايات الأمم الغوابر. # وبهذا المنطق السائد يتم إغلاق الدائرة، وتصبح خصوصيتنا العرقية ~~الجنسية القومية أدلوجة دينية، تجد تنظيراتها في مكتباتنا المزدحمة بما ~~يطلق عليه ذلك الاصطلاح المجازي «التراث الإسلامي». بينما تصبح أي ~~محاولة مخالفة، هي ابتعاد عن الاعتصام بحبل الله، وابتعاد عن صالح ~~سلفنا وتنظيراته، وسقوط في مزيد من الانحطاط. # ومع الإحساس - المتنامي دوما - بالدونية والتقزم واليأس المطبق عن ~~اللحاق بعالم اليوم، تنعكس المشاعر لتحول الدونية إلى الطرف ~~المقابل؛ لإيجاد نوع من التوازن النفسي، فتتضخم الذات، والثقافة ~~القومية، والأصل، والماضي، حتى نصل بها إلى أقص الطرف الآخر، بنرجسية ~~واضحة، بل وفصامية، فنستخدم أحدث المنتجات العلمية الغربية، ثم نبرر ~~لأنفسنا الوجه الآخر من الفصام العاجز، بالأزمة الروحية والاجتماعية ~~والاقتصادية التي يعيشها العالم المتقدم بشقيه، والتي لا بد أن ترجع ~~أسبابها - وفق ms004 هذا المنطق المريض - لأخذ الغرب بالعلم البشري وحده، مع ~~التشكيك الملح في قيمة ما أنتجه العقل البشري، وفي إمكانات هذا ~~العقل. # ولا يبقى - مع التكاسل عن بذل الجهد، ومع اليأس - سوى الخلاص اليسير ~~والسهل، بالتوجه نحو الماضي التليد؛ نرأب فيه صدعنا النفسي، دون حلول ~~حقيقية على المستوى الواقعي، وإبان ذلك نخرج الشحنات مريضة وعشوائية، ~~في تطرف هنا، وقمع من هناك، والغريب أنه لا يخفى أن كلا من التطرف ~~والقمع يلقي دعما عجيبا، ماديا ومعنويا، يصل إلى درجة التحالف ~~المباشر، أما الأعجب فهو أن الدعم لكليهما يأتي جميعه من مصب واحد، ~~وإن اختلفت روافده! # ومع التخبط لحظة السقوط تبرز عدة شعارات تترجم توجهات أصحابها، ~~تتواتر وتتزايد وتزايد، ما بين شعار الاستقرار الوطني، وبين مجموعة ~~شعارات تجمعها حزمة واحدة، من قبيل العودة للتراث، العودة للجذور، ~~العودة للأصول، لكن الواضح الغالب أن تلك العودة كانت غالبا للحصول ~~على بعض من فيض البترودولار، وللعثور على لحية ومسبحة وجلباب قصير مع ~~مناوشات عشوائية مع أصحاب شعار الاستقرار؛ وهي مناوشات في النهاية لا ~~تغني ولا تشبع إلا أصحاب السيادة والسلطان، مع مزيد من تبرير توجهاتهم ~~القمعية التي لا تنال في الحقيقة وفي الهدف سوى القوى الوطنية ~~الحقيقية. # ولا نرتاب لحظة في شكنا في نوايا التوجهات الإعلامية الرسمية، ~~وسعيها الدءوب لوضع الدين على قمة الهرم الفكري لمنتج الأمة الثقافي، ~~الذي كونته خلال تاريخها الطويل، بحيث يظهر الدين وحده، والإسلام ~~تحديدا، كما لو كان هو تراث أمة العرب ومنتجها الفكري الوحيد، ~~وأدلوجتها عند التطبيق، وكل ما في الأمر هو انتظار تحقيق مناخ مناسب ~~لتحويله من نظر إلى عمل، ومن قوة إلى فعل. # وتتم معالجة الدين بحيث يبدو دوما كسلسلة من الإحداثيات الإعجازية ~~التي لا ترتبط بالواقع بحال، بحيث تبدو الأجهزة الإعلامية كما لو كانت ~~المعبر الصادق عن ضمير الجماهير التي تم النفخ في نيران عنصريتها ~~سلفا، ومن جهة أخرى يستوعب ذلك الإعلام الموجه تلك التوجهات، ويوظفها ~~بعيدا عن أية علاقة بالواقع الراهن، ولا حتى الماضي، بغض النظر عما ms005 ~~يمكن أن يؤدي إليه هذا المنهج من مزيد من التردي والسقوط. # وكما هو حادث ومشاهد، ينجم عن وضع الدين كإحداثيات إعجازية، تخرق ~~نواميس الواقع ومنطق الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي، تسلسل آخر ~~للبحث عن معجزات جديدة، كانت مستبطنة فيه، مع انتظار راكد بليد وسقيم ~~لخلاص سماوي وإعجاز علوي يتدخل مباشرة؛ ليحل لنا أزمتنا ويعيدنا إلى ~~عصر الفتوحات؛ فنحمل السيوف، تتقدمنا جيوش الملائكة. فقط على الجميع أن ~~يلتزم الفروض والسنن بكافة دقائقها من الصلاة حتى المسواك، وبدءا ~~بطاعة الله وانتهاء بطاعة أولي الأمر منا. # ولا يجد بعض فقهاء المؤسسات الحاكمة بأسا من تضخيم تلك النرجسية ~~الفصامية، بالتفتيش في التاريخ القبلي والإرث الروحي عن غابر ~~الأمجاد، بإصرار لا يفسره إلا القصد والرغبة في تأكيد زرع العصاب ~~المرضي في الجماهير، وبخاصة لدى فئة أنصاف المثقفين؛ حتى يصل الشعور ~~القبلي ذروته، في تصنيف العلوم حسب طائفة مبدعيها الدينية، وإقامة ~~مؤتمرات العلوم الإسلامية بصنوفها، التي تتم بتشجيع ورعاية ودعم ~~المؤسسات الحاكمة، وتفتتح بكلمات ميمونة من أصحاب المعالي، ويصرف ~~عليها ببذخ، وبدعم لم تنكره الحسابات المعلنة للمؤسسة المخابراتية ~~الأمريكية! وبإلحاق كافة العلوم بمصدر سماوي، يصدر التأكيد بعجز العلم ~~البشري وقصوره، وينتفي دور العقل الذي أنتج تلك العلوم خارج حدودنا ~~العصماء، وإبان ذلك يتم تسفيه ذلك العقل وتلك العلوم، كلما تصور ~~المتعالم التلفازي، ذو العلاقات المعلومة والرائحة المميزة، أنه قد عثر ~~على ثغرة في ذلك العلم، في غفلة من كل علماء الدنيا، ثم لا يجد مناصا ~~بعد كشف الثغرات والنفخ في النعرات، من إحالة شبابنا عن كتب الكيمياء ~~والفيزياء والاجتماع والتاريخ، والسياسة خاصة ... إلخ، إلى كتاب الله ~~وحده الذي يشمل كل ما تم الكشف عنه وما لم يكتشف بعد، دون أن يكلف ~~سيادته نفسه مرة واحدة بالكشف عن نظرية علمية واحدة من كتاب الله، قبل ~~أن يكتشفها علماء الدول المتقدمة الكافرة بعقولهم القاصرة. # ووسط هذا الضجيج الصاخب، تطفر هناك، وتطفو هنا، أعمال لكتاب ~~مهمومين، ينادي بعضها بالعمل السريع لتجاوز التاريخ العبء، الذي يفرش ~~ظله السحري الماضي على حاضرنا ms006 ، فارضا الاكتفاء به كمثل لا يصح تخطيه، ~~بينما ينادي بعضها الآخر بإعادة كتابة التاريخ، بغرض تنمية قدراتنا على ~~صنع تاريخ جديد، هذا بينما اتجه آخرون - عمدا - للانتقاء من التراث ~~جانبه المشرق المضيء الذي يتناغم مع أدلوجتهم وأسلوبهم في حل مشكل ~~واقعنا، إلا أن المحبط في تلك المحاولات الأخيرة، التي قدمها مفكرون ~~ذوو شأن يقعون من جيلي موقع الأساتذة والرواد، هو أن بعضهم - وقد حدث ~~- يتراجع فورا عندما ينافره المفسر التلفازي اللوذعي. أما بعضهم الآخر ~~الذي استعصم بمبدئه وقدرته على المنافرة، فقد طرح بالفعل محاولات جادة، ~~بل وعظيمة وصادقة النوايا. لكنها جاءت خطابا مترفا ومتخصصا، يتوجه ~~بأسلوبه وإغراقه في استخدام الاصطلاحات، وتضلعه بما لديه من تراكم ~~معرفي ومفهومي - لنخبة من المثقفين القادرين على تناوله، إضافة إلى كون ~~هذه المحاولات العظيمة جاءت في شكل أسفار ضخمة وهائلة كما وكيفا، ~~نزعت - لطبيعة موضوعات بحثها - نحو الإطالة المفرطة؛ مما جعلها بعيدة ~~عن متناول الإنسان العادي، لا في حجمها وما يتطلبه درسها من وقت ~~يقتطع من يوم العمل الشاق، ولا في أثمانها التي نأت بها عن أيدي ~~أصحاب المصلحة الحقيقيين في تناولها، فظلت في أيدي المجموعة المترفة، ~~والمتخمة بالثقافة أصلا؛ لتمضغ كلماتها في مسامرات فكرية وندوات ~~ديوانية. # أما الأخطر في رأينا - دون أن نحدد أو نفتح صراعا جدليا مع مفكرين ~~نحترمهم ونرجو استمرارهم - هو أن تلك الكتابات الجادة والعلمية استمرت ~~تستمرئ الجلوس تحت مظلة الماضي السحرية، تستمتع برطب مناخه، وسهولة ~~تناول مادته العلمية - على غزارتها - مع بعض الأمان، وربما كل الأمان ~~إن لزم ظرف يلزم بالتراجعات. وعليه فإن أساتذتنا هؤلاء عادة ما نظروا ~~إلى تراث الأمة بحسبانه ذا مبتدأ زمكاني محدد، فقد تحدد مكانيا بأرض ~~الحجاز في جزيرة العرب «وهنا العروبة»، وتحدد زمانيا مع لحظة التواصل ~~بين السماء والأرض عند ابتداء الوحي القرآني «وهنا الإسلام»؛ ومن ~~ثم فإن التراث يبدأ من تلك اللحظة في ذلك المكان، ويتحول فيما بعد ~~إلى تراث لكل الدول التي خضعت للفتح الإسلامي، باعتباره تراث الفاتحين، ~~مع قطع شعوب هذه الدول ms007 عن تراثها القديم، بحسبانه كفرا أو مروقا ~~وعبادة لغير الواحد القهار، أو بالتعبير الطريف: إن كان يخالف القرآن ~~فليحرق لأنه رأي مخالف أي كفر، وإن كان يوافقه، فلا داعي له لأن ~~لدينا القرآن، وليحرق! # وبعض هؤلاء الباحثين لم يبعد عن لحظة تدوين التراث الإسلامي أكثر من ~~بضع سنين قبل الإسلام، ولم يتحرك خارج الحاجز العربي الإسلامي المكاني، ~~أما من عمد منهم إلى ما قبل ذلك خلال حقب الإمبراطوريات القديمة في ~~حوض المتوسط الشرقي، فقد وضع نصب عينيه «عربنة» ذلك التراث، وسحب ~~المصطلح العروبي عليه جميعا، من باب أنه كان روافد متعددة لصيغة ~~واحدة، هي صيغة الشعوب السامية، ومعلوم أن للمنهج العلمي في هذا النزوع ~~للإثبات والغرضية المسبقة موقفا معلوما. # لكن ما قلناه لا ينفي أن تلك البحوث الرائدة قد طرحت - وربما لأول ~~مرة - ذلك التراث على مائدة المنهج العلمي، وعالجت ظرفه الموضوعي، بحيث ~~نزعته من مفارقته وفضائيته لتربطه بواقعه وبزمنه وبظرفه، كما تضمنت ~~محاولات ابتدائية لتحديد هويتنا في مقابل الآخرين، مع تأصيل هذه الهوية ~~بربطها بجذورها الماضوية، كما أبانت لنا عن مدى وعينا بالتاريخ، ومدى ~~علميتنا في تناول هذا التاريخ، وكم وحدات التذكر التاريخي لدينا، إضافة ~~إلى إجابات متباينة عن تساؤلات عما يجب إلقاؤه من التراث وعما يجب ~~الإبقاء عليه؟ وهل نعيد كتابة التراث أم نكتفي بقراءة ما يصلح لواقعنا ~~فيه؟ وهي في النهاية تلقي الضوء على الاصطلاح العروبي، وهل تسمح مساحته ~~بتغطية كافة شعوب الأمة بحسبانها أمة واحدة؟ أم مجموعة شعوب ارتبطت ~~بالعروبة رغم خصوصية كل منها، أم مجموعة شعوب لا يجمعها سوى اللسان ~~العربي؟ أما الأهم من كل هذا، فهو أنها بتناميها ووجودها على الساحة ~~الفكرية، قدمت إصرارا على نفي العدمية التراثية، كما أدت في مجموعها ~~إلى معنى مهم هو: أن أي تراث لأي مجتمع لا يمكن أن يتطور دون توارث، ~~والتراث هو - لغة - إرث موروث عن الأسلاف، تركوا لنا فيه ناتج خبراتهم ~~ومعارفهم؛ لنصل إلى أن التراث كموروث، متطور وفاعل ومنفعل دوما، أي إن ~~الناس هم صناع ms008 ذلك التراث، يصوغونه وفق ظروفهم وحاجاتهم، وأن أية ~~نقلة تطورية على سلم التراث لا بد أن تسبقها نقلة على الدرجة الأدنى، ~~ويستحيل دونها الوصول للدرجة الأعلى، أو بمعنى آخر أن أي تطور ثقافي ~~لأي مجتمع لا يمكن حدوثه إلا على أسس وأعمدة ثقافية سابقة. كما لا يغيب ~~عنا أن ذلك التطور كما جاء رأسا صاعدا على تلك العمد القديمة، فإنه ~~أيضا كان يقوم إبان ذلك التطور الرأسي بتوسع أفقي يفجر فيه - مع كل ~~نقلة - الأسوار والتحديدات القديمة، من أفكار ومعتقدات لم تعد مناسبة ~~لاحتواء الظرف التطوري الجديد، ولم تعد صالحة كوعاء مناسب للتراكم ~~المعرفي المتزايد، ولم تعد صالحة لمعالجة إشكاليات مستجدة لم تكن ~~معروفة من قبل، ويفرضها التطور الجديد للأشكال الاقتصادية والتنظيمات ~~الاجتماعية. # وعليه، فمن الضروري أن نحدد زوايا رؤيتنا وموقفنا من مفهوم الثقافة ~~والتراث، فالتراث لدينا - حسب المنطق العلمي - هو ناتج تراكمي كمي ~~وكيفي لخبرات طويلة، تعود إلى بدء استقرار الإنسان على الأرض وارتباطه ~~بها، وأن هذه الثقافة ناتج تفاعل جدلي داخل هذا المجتمع. وبينه وبين ~~بيئته الطبيعية، وبينه وبين المجتمعات الأخرى، والثقافات التي تتيح لها ~~الأحداث أن تتماس مع ثقافته، عبر تطور زمني، يشكل في النهاية منظومة ~~فكرية، تندرج في إطارها مفاهيمه الاجتماعية، وتتشكل في ضوئها أنماطه ~~السلوكية. # وإذا كان معلوما أن أشكال التنظيمات الاجتماعية، والتشكيلات ~~الاقتصادية، والأشكال السياسية، تتغير وتتفاوت سماتها داخل المجتمع ~~الواحد، بتفاوت الأزمنة وبالتراكم المعرفي المستمر والخبرات المستجدة؛ ~~نتيجة عوامل شديدة التعقيد، كثيفة الروافد، فإن ذلك لا ينفي أبدا أن ~~هذه العوامل مجتمعة تشكل بنية ثقافية ذات تميز وخصوصية، تطبع العقل ~~الجماعي بسماتها، ويتخذ مواقفه المصيرية على أساس منها، وبتأثيرها ~~اللاواعي على أساليب تفكيره أحيانا، بل إن أكثر مكونات البنية ~~الثقافية إيغالا في القدم، يظل حاضرا في قوامها، وإن تفاوت هذا ~~الحضور بين السفور، وبين التخفي داخل أنسقة جديدة، ويتخذ لإثبات وجوده ~~أشكالا متعددة متباينة، حتى يمكن القول بتأثير مثل تلك العناصر ~~الثقافية بالراسب الثقافي في خيارات الجماهير السياسية. # ومن هنا كنا دائما على ms009 اقتناع بأهمية دراسة التراث القديم، ودوره ~~الفاعل، والوجوه التي يكشف فيها عن نفسه اليوم، وقدمنا في ذلك بعض ~~البحوث الحذرة، التي تقوم على اعتبار أن التراث ليس مرحلة بعينها، ولا ~~يقتصر على نسق بذاته، إزاء ما لاحظناه من إهمال الباحثين للتراث ~~القديم، كما لو كان مرحلة ميتة، منتهية، منقطعة الصلة بالحاضر؛ مما ~~أعطانا انطباعا عن سريان اقتناع بانفصالية في تاريخنا، بين مرحلتين لا ~~علاقة بينهما: ثقافة الحضارات «المندثرة!» وبين ثقافة الحضارة العربية ~~الإسلامية. # وبما أن الحضارة العربية الإسلامية ما كان ممكنا أن تبدأ من الصفر، ~~فلا بأس - عند الباحثين - من الرجوع إلى أسسها في فلسفة اليونان، وإذا ~~كان لا بد من الاعتراف بأن لها صلة بالحضارات القديمة في المنطقة، فهي ~~صلة قد انبنت أساسا على أساطير كانت عوامل سلب في الحضارة العربية ~~الإسلامية، وشكلت دعوة إلى نزعات صوفية وغنوصية، ولا معقول، وهو الجانب ~~الذي ينبغي شطبه من تاريخ الفكر العربي الإسلامي؛ ومن ثم تتأرجح ~~الأحكام بالعقلانية في المسافة الشاسعة، الواقعة ما بين الأشاعرة ~~والقرامطة، أو بإصدار الحكم بالمعقول الإبستمولوجي على مجموعة علوم ~~تبدأ بالطب، وتنتهي بالفقه، في خلطة لا يجمع بينها سوى أن منتجيها ~~كانوا مسلمين، بينما تستبعد كل الخبرات القديمة وثقافتها إزاء البحث عن ~~المعقول؛ لأن هذا القديم لا هو عربي ولا هو إسلامي ولا هو معقول، بينما ~~المطلب الواضح لدى الباحثين هو التأكيد على ثقافة مشتركة معقولة، تستند ~~إليها أصالتنا إزاء العصر، ويبدو أن هذه الثقافة لا بد أن تكون عربية، ~~وهو ما يستدعي بالضرورة أن تكون إسلامية، رغم أن هذه الثقافة يمكن أن ~~تجد لها أسسا في التراث القديم المنعوت بالأسطورة، ذلك التراث الذي ~~يملك - إذا درسناه بصدق - من القرائن ما يبرهن على أنه كان عامل تواصل ~~دائم في المنطقة الشرق أوسطية. # ولا يفوتنا هنا الأخذ بعين الاعتبار المقصود بمفهوم «العقلانية ~~والمعقول» مقابل «اللامعقول» الذي يطرحه بعض الباحثين، وهل هو مفهوم ~~مجرد قائم بذاته؟ أم أنه حكم تأسس على ملاحظة الواقع وارتبط بوقائع ~~محددة، وما أدى إليه ms010 تفاعل هذه الوقائع ليتكون لدينا معيار لمعنى ~~المعقول؟ ثم أي معقول نقصد؟ وهل تصح أحكامنا بالعقلانية من عدمها على ~~نصوص قديمة، معزولة عن سياقها، وزمنها، ومجتمعها، وحدثها؟ ودون فهم من ~~جانبنا للغة هذا القديم وخصوصية لغته، ولا نقصد بالطبع باللغة الكلام ~~المنطوق أو المكتوب، إنما نقصد النسق الشامل الذي استخدمت فيه الكلمات ~~كأدوات للتعبير عنه، والترتيب النسقي لهذه التعابير وعلاقتها بأنماط ~~التفكير، وأساليب توصيل المعاني والرموز، ومفهوم البلاغات وجمالياتها ~~عندهم، ثم علاقة هذه اللغة بفهمهم للكون والقوى الغيبية، وعلاقة كل هذا ~~بالبنية التحتية بكل متشابكاتها. وكل هذا لا شك كان محكوما بقواعد ~~وقوانين، وإلا ما أفرز تلك الحضارات التي ما كان يمكن للعشوائية ~~إفرازها، لكنها قواعد وقوانين ذات لغة خاصة يجب أن نفهمها في إطار ~~الحدث الاجتماعي والسياسي، والشكل الاقتصادي، والعقدي، ويحتاج منا ~~إعادة نظر في مفهومنا للعقلانية، عند دراسة تلك النصوص القديمة. ~~(1) معنى الأسطورة # وإعمالا لذلك تأتي قيمة دراسة الأساطير في تراثنا القديم ~~وأهميتها، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من تراثنا، وهي الجانب الذي لم ~~يحظ بأدنى قدر من الاهتمام، إزاء صدور الحكم المسبق عليه ~~باللامعقول الذي ينبغي شطبه من تاريخنا، قبل درسه الدرس الكافي ~~لإصدار مثل هذا الحكم، وربما جاز لنا هذا الشطب، لكن بعد الدرس ~~الكافي وليس قبل ذلك، وإذا كان المفكرون في بلادنا قد تأخروا ~~كثيرا في إدراك أهمية دراسة التراث وتناوله بالمنهج العلمي، وإذا ~~كان ثمة إهمال واضح لمن لديهم إمكانية الاضطلاع بهذه المهمة، فإن ~~إلقاء التراث القديم في سلة مهملات التاريخ سيكون جريمة لا تغتفر ~~بكل المقاييس، سواء أكانت تلك الدعوة مقصودة أم بحسن نية، من حيث ~~كونها تسهم في قطع الحبل السري لهذه الأمة برحمها الأصيل، وربما ~~جاز القول: إن قطع الحبل السري يعني نضوج الوليد وخروجه لحياة ~~جديدة وحقيقية، لكن هذا القطع سيكون في هذه الحال قطعا لجذره ~~الرءوم، الذي يمكن لو بقي - على الأقل للفحص والتحليل - أن يكشف ~~لنا عن أوجه الوراثة الجينية، وملامح التشابه الأصيل، وما إذا كان ~~التوريث سائدا أم ms011 متنحيا. # والواضح أن الباحثين في تراثنا لم يهملوا القديم من هذا التراث ~~إلا لأنه أسطوري، ولم يهملوا الأسطورة إلا لأنها تعنى بالخرافات ~~واللامعقول وأقاصيص الآلهة. وواضح أيضا أن هذا الفهم لم يتأت ~~بعد درس صادق وعميق للأساطير والتراث القديم، قدر ما انبنى على حكم ~~تأسس على فهم شائع عن الأسطورة كخرافة وتلفيقات بدائية لا أساس ~~لها، ولأن العرب احتسبوها أباطيل، ولأن الأديان الشرق أوسطية ~~الكبرى قد اعتبرتها نوعا من العقائد الباطلة. هذا بالطبع مع ما ~~درج من مفاهيم أنتجها معنى المصطلح القرآني عن الأسطورة، واحتسابها ~~من خرافات الأولين، وربما ساعد على ذلك الإهمال البعد الزمني ما ~~بين التراث القديم وبين اليوم، وتصور عدم إمكان التأثير عن بعد، أو ~~إمكان بقاء موروث ذي قيمة مؤثرة في حياة أناس اليوم، هذا ناهيك عن ~~الوهم المستبطن غير المعلن والناشئ عن مفاهيم تراثنا الإسلامي، ~~والذي يصل إلى اقتناع بانقطاع تام لدى شعوب المنطقة مع ماضيها ~~القديم، بحيث لم يبق لها غير العروبة والإسلام، ولا يصبح لمصر ~~تاريخ أو شعب، فمصر ليست سوى فرعون واحد طغى وتجبر وغرق في البحر ~~مع قومه المجرمين، وانتهى الأمر. وإذا اكتشفت بعد ذلك في ~~الأمور أمور، فهي أمور تتعلق بقوم ضالين وعبدة للأصنام، وهو الأمر ~~نفسه الذي ينطبق على القرى العربية القح، التي ذهبت في طوايا ~~الغابرين، من عاد إلى ثمود ... إلخ، والأمر نفسه الذي ينطبق على ~~الفلسطينيين وزعيمهم الكافر جالوت «جوليات»، بعد أن أورث الله ~~أرضهم لبني إسرائيل، ولم يبق من كل تلك الأقوام إلا الذكرى ~~المستحب فيها الاستعاذة وصب اللعنات ابتغاء الثواب. # ومن هنا جاء اهتمامنا بالأسطورة وبدراستها، ضمن دراستنا للتراث، ~~بحسبانها من أهم أعمدته، وقد بدأنا ذلك بمجموعة بحوث نشرت تباعا، ~~يجمع كتابنا هذا اليوم أهمها. والطريف أني بعد نشر كتابي «أوزيريس ~~وعقيدة الخلود في مصر القديمة» لقيت كثيرا من الاستحسان من ~~الكتاب المهمومين بدراسة التراث، وعبر بعضهم عن انبهاره بهذا ~~التاريخ القديم، وأبدى استهجانه لإهماله كل هذا الإهمال، لكن هؤلاء ~~«البعض» انتهى الأمر عندهم بمجرد ms012 إبداء الإعجاب بالتراث القديم، ~~وعاد كل منهم لدراساته بالمفهوم الكلاسيكي العربي للتراث، دون ~~هم حقيقي، رغم أن الدراسة العلمية لهذا القديم يمكن أن تكون من ~~أمضى الأسلحة في الصراع الفكري الدائر الآن. # والأساطير ( # Myth Mythos ~~) هي في ~~الفهم الكلاسيكي مجموعة خرافات وأقاصيص، وهي اشتقاق من «سطر ~~الأحاديث». وموضوعها - إضافة للآلهة - يتناول الأبطال الغابرين وفق ~~لغة وتصورات وتخيلات وتأملات وأحكام تناسب العصر والمكان اللذين ~~صيغت فيهما، وشكل الأنظمة، والمستوى المعرفي، وهي في الوقت نفسه ~~تشكل ثقافة عصرها، بحيث تبدو ذات خصوصية تربطها ببيئتها ومجتمعها، ~~بحيث يمكن من خلال دراستها استقراء التاريخ الأصدق لزمنها ~~ومكانها. # وعادة ما نجد في الأساطير مشاعر إنسانية جياشة، وأحاسيس، ~~وتصورات، ومواقف، تطلعنا على فلسفة الإنسان في الوجود، وعلى ~~محاولاته الفكرية الأولى، التي تتضمن خلاصة تجاربه وماضيه، وكيف ~~كان يستنتج من هذه التجارب منطقه ومفاهيمه وتعامله مع واقعه، وفق ~~منطق خاص، ووفق مضامين أخلاقية، تمت صياغتها في قوالب أدبية ذات ~~خصوصية، توارثتها الأجيال، وعدلت فيها، وأضافت إليها؛ مما جعل ~~الأسطورة محل عمل دائب لا يتوقف، فهي حفرية حية. ورغم كونها تأكل ~~بعضها بعضا، وتتناسخ، وتتكرر، إلا أن لها تاريخا حيا يمكن ~~قراءته في تفاصيلها التكوينية، إذا بذلنا الجهد اللازم للتعامل مع ~~كائن حي يعيش منذ ألوف السنين، بما دخل عليه من تبدلات وتغيرات ~~خلال تلك السنين، وبشرط أن نملك المنهج المناسب، والأدوات اللازمة ~~لقراءة كل حركات وسكنات هذا الحي العظيم والعريق. # وعليه فنحن نرى الأسطورة تسجيلا للوعي الإنساني واللاوعي في آن ~~معا، وأنها أخذت مسارا تطوريا بطيئا، استثمرت أثناءه مبدأ لا ~~يزال بحاجة لتفسير، لكنه قائم، وهو أن كل عنصر من الماضي يفرض نفسه ~~وتأثيره على الجماهير بقدر لا يقاوم، ولا يقف أمامه أي اعتراض ~~منطقي، وحتى اليوم، وبعيدا عن نطاق السلوكيات الدينية وطقوسها ~~وعقائدها، يمكننا أن نجد مظاهر سلوكية لا معقولة ولا مبررة، ولا ~~يبقى لتفسيرها سوى البحث في جذورها بحسبانها أحد مظاهر ذلك الحفري ~~الحي، الذي كان يصر على الاستمرار. وعندما كان يستشعر أنه سيتبدد ~~تحت ms013 وطأة عناصر ثقافية أخرى أقوى منه، كما حدث في المرحلة التي بدأ ~~الدين يفرض فيها سيادته على الفكر، فإنه كان يتخفى في أردية دينية ~~تتلاءم مع المستوى المعرفي الجديد. # وكناتج لرحلتنا مع الأساطير القديمة يمكننا المجازفة بالقول: إن ~~الأسطورة وإن اشتملت على أحلام وانفعالات وتصورات وأخيلة، فإنها ~~اشتملت أيضا على حقائق يمكن أن تنكشف بوضوح إذا عرفنا كيف نفسرها ~~بعد ربطها بشرطها التاريخي، ومكانها في النسق المعرفي لزمكانها، ~~وقد دعمنا تلك الرؤية بما كشفنا عنه في كتابنا «أوزيريس ...» وكيف ~~عبر المصريون زمانها عن تحولهم التاريخي بأسطورة، بل وغيروا ~~واقعهم الاجتماعي والسياسي، بأيديولوجيا تمت صياغتها لتحقيق أهداف ~~ذلك التغيير في صياغة أسطورية، بحيث كانت الأسطورة هي الجانب ~~النظري، أو النظرية الثورية لتثوير المجتمع حينذاك، كذلك عثرنا على ~~أنسقة أسطورية يتضمنها الكتاب الحالي «الأسطورة والتراث» تشتمل على ~~تسجيل تاريخي لأحداث وقعت فيما قبل التدوين، تناقلتها الأجيال ~~المتعاقبة. وهي تؤمن تماما أنها كانت وقائع حدثت. # وعليه، فإن قراءة التاريخ القديم دون الأسطورة أمر غير تام ~~العلمية، باحتسابنا الأسطورة السجل الأمثل للفكر وواقعه في مراحله ~~الابتدائية، عندما كان يحاول تفسير الوجود من حوله، ويحاول قراءة ~~الواقع الاجتماعي وتغييره ... هذا بالطبع مع ما تنقله لنا الأسطورة ~~من بصمات وانطباعات النفس الجماعية عليها. ونقول جماعية لأن ~~الأسطورة لا يمكن لأحد أن يدعي حق تأليفها. فهي مجهولة الأصل ~~والمؤلف - بل وأحيانا - المنشأ والتاريخ، ناهيك عن كونها ثقافة ~~أجيال متعاقبة، ظلت تجرح فيها وتعدل، هذا مع عالميتها التي وضحت ~~في قدرتها المبهرة على الانتقال عبر حدود المكان والزمان، ~~وإمكاناتها الهائلة على التكيف خارج وطنها وبعيدا عن زمنها؛ لتظل ~~حية لدى شعوب مخالفة تتبناها في أزمنة مخالفة. # وعليه يمكن الاستفسار: هل جاء الإسلام المرتبط بالعروبة ~~بالضرورة، بقطيعة معرفية مع الأسطورة، حتى يمكن القول، مع ~~القائلين: إن هنا المعقول ودونه لا معقول، ونجعل من تلك المصادرة ~~مبررا كافيا لإهدار الأساطير القديمة لأنها اللامعقول؟ هنا - لا ~~شك - سيجد أصحاب تلك الرؤية عسرا شديدا في قياس مواضيع إيمانية ~~بحت - لا شأن للعقل ms014 بها - على ما اتفق الاصطلاح عليه بتعبير ~~المعقول، مثل تحديد موقع حادثة الإسراء والمعراج من هذا المعقول، ~~وهل نرفضها بمنطق رفض اللامعقول؟ أم نبقي عليها بمنطق الإيمان؟ أم ~~أن النوع القديم من اللامعقول هو محل التجرؤ والعنترية؟ ثم كيف ~~نصنف دابة البراق - التي حملت الرسول # صلى الله عليه وسلم # من مكة إلى القدس - ~~تصنيفا علميا يضعها ضمن فصيلتها الحية، وكيف نحدد تحديدا ~~دقيقا أمة يأجوج ومأجوج بين الشعوب، وتحديد مواطنها، وهي أمة ~~يتحدد معها مصير العالم، ويجب اتخاذ مواقف مناسبة إزاءها ~~(بالمعقول؟) ثم لا شك أن أي مؤمن وأي شاك ستطيب نفسه إن تمكن من ~~تفسير الحكمة الإلهية في إهلاك شعب مقابل ناقة تلدها صخرة! # كما لا جدال أن إيجاد تفسير معقول لإفناء قوم نوح في ضوء المعقول ~~الآني الذي يفرض حرية الاعتقاد، سيكون مريحا لكثير من النفوس ~~الحيرى والقلقة، وغير ذلك كثير لا يغنينا زيادة السرد بشأنه شيئا؛ ~~لأنه ليس موضوع عقل، إنما كما قلنا هو موضوع قبول أو رفض، موضوع ~~إيمان؛ مما يشير إلى أن سمة اللامعقول في بعض تفاصيل الأساطير ~~القديمة لا تسلبها الحق في احترامها ودراستها، وربما كان الأمر ~~الأهم من سردنا أمثلة أخرى، الوصول مباشرة للإجابة على السؤال ~~الأخطر، الذي ربما كانت الإجابة عليه هي الأكثر علمية وإنصافا، ~~هو: كيف تحول الحدث التاريخي في صدر الإسلام إلى حدث أسطوري، إبان ~~تواتر الوحي في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والزيادة الهائلة والمكثفة في ~~أسطرة الوقائع عند تدوين التراث الإسلامي في سجلات ~~الإخباريين؟ # لا شك إذن أن إهدار التراث القديم، دون بحثه، وبحث ظرفه ~~الموضوعي، وإصدار أحكام قبلية عليه وعلى من قبس منه من فلاسفتنا، ~~ليس من العلمية في شيء (وهو النموذج الذي رأيناه لدى باحث مقتدر، ~~وجد غاية لذته العقلية في سلب ابن سينا كل ميزات منتجه الفكري ~~وتسفيهه كل التسفيه، بحسبانه متأثرا بذلك القديم اللامعقول، دون ~~أن يهتم سيادة الباحث بما دون الجانب المعرفي وحده، ودون أن يخفى ~~على باحث مثله، أنه بالإمبستولوجيا وحدها ms015 يمكن إثبات الأمر ونقيضه ~~في آن معا)؛ ومن ثم يمكننا القول: إنه بالتزام كل شروط ~~العلمية في البحث، يمكن أن نعثر في القديم على كثير مما يفيد ~~قراءتنا لتراثنا وحاضرنا قراءة صحيحة، بالضبط كما نبحث عن العوامل ~~الموضوعية لحدث ديني، ونترك اللاموضوعي فيه موكولا إلى جانب ~~الإيمان، دون أن نكون قد ارتكبنا خطأ في حق العلم أو في حق الدين. ~~ولذلك فإن اهتمامنا بالتراث القديم، يعود في المقام الأول إلى ~~احتسابنا ذلك هو الطريق الممكن للوصول إلى جذور كثير من الاعتقادات ~~التي توجه فكر وسلوك إنساننا اليوم، وربما تعديل ذلك السلوك، ~~إضافة إلى ما يحمله هذا المنهج من إمكانات عدم الاصطدام مع عنصر ~~الإيمان؛ لأن مساحة الحرية المتاحة في مناقشة القديم، بحسبانه ليس ~~محل إيمان وإن كان محل تشابه، لا يضع الباحث وبحثه في محل تشكيك، ~~ويعطيه قدرا من حرية الحركة، والبحث، والقول، مع ضمان عدم تمكن ~~الطرف الآخر في الصراع الفكري، من استخدام أسلحته التقليدية في قمع ~~البحث والمصادرة على القول، بل وربما في شل فعاليات تلك الأسلحة ~~التقليدية نفسها. # وهنا يبدو واضحا أن ثمة علاقة من نوع ما بين الأسطورة والدين ~~تطلب تحديدا وتوضيحا. ولأن حديثنا عن التراث القديم، فسيكون من ~~الدقة الإشارة إلى أن ذلك التحديد والتوضيح سيتركز على الأديان ~~الابتدائية، التي وصلت أوج القوة مع ظروف اجتماعية واقتصادية ~~بعينها لم تعد الأسطورة تفي بمطلب مواكبتها؛ مما أدى لتجلي الدين ~~كبديل معرفي أشمل وأقدر على المعالجة المعرفية، وحل إشكاليات ~~مستجدة لم تعد الأسطورة كافية لحلها ومعالجتها، إضافة للعنصر ~~الجديد الذي تلبسه الدين، ليتميز عن الأسطورة. فبينما كانت ~~الأسطورة بعيدة تماما عن الفردية، وغير مفروضة، فيحق للناس ~~تصديقها أو رفضها، والعمل بشروطها أو بشروط أخرى، فإن الدين جاء ~~بدوره بفعل ظروف موضوعية، لكن دخل فيه الجانب الفردي واللمسة ~~العبقرية لأشخاص بعينهم، بعد أن أصبح توجيها مخططا ومبرمجا عن ~~وعي من فئة متميزة في المجتمع في مراحل تطوره التالية؛ نظرا ~~لطبيعة منشئه وعلاقته بتلك النشأة، كان لا بد أن ms016 يتجاوز ~~الأسطورة ، من حيث كونه أداة قمع، ليصبح اعتقادا مفروضا، وليظهر ~~مفهوم الإيمان والكفر، وما يتبع ذلك من إنعام أو حرمان. # وفي كل ما اهتدينا إليه من كتابات بشأن علاقة الأسطورة بالدين، ~~وجدنا شبه اتفاق على أن الدين الابتدائي في ظهوره مثل الأسطورة، ~~نشأ نتيجة الجهل المعرفي، والأمل فيما هو أفضل من الحادث فعلا، مع ~~بعض الخيال اللازم بالضرورة عن الجهل والأمل، وهي أمور ناتجة عن ~~ضعف العلوم الطبيعية، والتصور الثنائي للكون ما بين روح أو عقل أو ~~نفس، وبين مادة جامدة لا تفعل إلا بالفعل أو الروح. وهو بدوره ناتج ~~ضروري عن تقسيم العمل إلى يدوي وذهني، وهذا أيضا ناتج آخر في ~~سلسلة الأسباب والنتائج عن الانقسام الطبقي، ودور الطبقات ~~المستغلة في إشاعة هذه التصورات ودعمها، ومنحها التفرغ الكافي ~~لحكماء، يؤدون دور المنظرين المبدعين - شكلوا فيما بعد طبقة ~~الكهان والعرافين، ثم رجال الدين - لتعميق تلك التصورات ~~وإدامتها وإلباسها ثوب الإقناع والاستمرار. # هذا ويذهب نفر من علماء الميثولوجيا إلى أن أول الأعمال الأدبية ~~الأسطورية ولدت في المعابد وهياكل الآلهة، ويعتقد روبرتسون سميث # W. R. Smith # أن الأساطير ~~القديمة كانت بمثابة الاعتقاد الديني؛ لأن التراث المقدس كان يتخذ ~~شكلا قصصيا يدور حول الآلهة، ويقوم في الوقت نفسه بتفسير ~~الأفكار الدينية وتوضيحها بشكل أبسط، بحيث كانت الأسطورة جزءا من ~~بنية الدين وطقوس العبادة، لكنها لم تتخذ صفة الإلزام، فخضعت لحرية ~~الإنسان؛ مما جعلها عرضة دائمة للتغير من قبل كافة القوى التي ~~يمكنها الاستفادة منها، كذلك يذهب «مالينوفسكي» إلى أن الأسطورة ~~كانت بمثابة الدستور الاعتقادي الذي يفسر الحاضر ويؤمن المستقبل، ~~وأنها كانت ذات غايات عملية، تهدف إلى ترسيخ عادات اجتماعية، أو ~~تدعيم سلطة عشيرة بذاتها، أو إقامة نظام اجتماعي بالذات ... ~~إلخ. # ولا يجد المهتم جهدا كبيرا في التوصل إلى الرأي الأقرب للقبول ~~العلمي بشأن الأسطورة ونشأتها، في أن ضعف قوى الإنتاج في المبتدأ ~~المجتمعي، لم يساعد الإنسان على اكتشاف الأسباب الحقيقية لما يقع ~~أمامه من ظواهر، وهنا تقدمت الأسطورة لتقوم بهذه المهمة الأولى ms017 ~~للتفسير، وهو الدور نفسه الذي قام به الدين في سدله الأستار على ~~التفسير الموضوعي للواقع، والتعويض عن عجز الإنسان عن الوصول ~~لإجابات صادقة، مع تبرير مرارة الواقع، وتقبل هذا الواقع على أساس ~~خلاص قادم، واستعجال هذا القادم بتقديم القرابين والقيام بطقوس ~~معينة، وبذلك تمكنت الطبقة السائدة من توفير الدخل المناسب ~~لمنظريها وكهانها - ممثلا في قرابين ونذور ... إلخ - من فائض عمل ~~الأجراء أنفسهم، بعد القسمة الطبقية التي خلقت ثنائية انتهت ~~لاعتبار الفكر هو الأصل الواقع، وأن هذا الفكر مستقل بذاته كناتج ~~طبيعي لصعود طبقة لا تعمل. مما ابتعد بالفكر كلية عن الواقع الذي ~~نشأ منه ليكون الدين، الذي قدم بدلا من التفسيرات القديمة لغة ~~رمزية تحل مشاكل الوجدان في عالم تصوري هلامي، وللتذكرة فما زلنا ~~نتحدث عن الأديان الابتدائية. # ولعل مبتدأ فكرة الثنائية وميلادها ليس أمرا مبكرا في تاريخ ~~الفكر الإنساني، وربما تصور الإنسان في البداية أن ثمة كيانا ~~مخالفا للمادة، يترك الجسد الحي مع الموت، وربما تصوره الدم أو ~~نبض القلب أو هواء التنفس؛ لتوقف كل هذا بالموت (ومن النفس تأتي ~~كلمة النفس)، وفي تلك الحقبة القديمة كان واضحا أن الإنسان قد ~~تصور هذه النفس تموت بدورها، وتمثلها في اسم الشخص أو ظله، أو طيف ~~يزور أحلامه، أو حيوان كان يألفه ويعاشره، ثم أخذ يقلص المادية في ~~تصوره للنفس ويجردها، حتى انتهى لتصورها باقية يمكنها تجاوز حدود ~~المكان والزمان وتقمص الأجساد، ثم اللاموت والأبدية، ثم ارتفع بها ~~إلى عالم الألوهية، وقد اتفق العلماء تقريبا على تقريب مراحل ~~الاعتقاد الرئيسية، بدءا من عبادة ظواهر الطبيعة، ثم عبادة ~~الأجداد أو العكس في بعض المدارس، ثم عبادة أرواح نصف مادية، ثم ~~عبادة آلهة متعددة، ثم إله قومي واحد، ثم إله عالمي. كما اتفقوا ~~على أن ضعف الإنسان جسديا وعقليا تجاه الطبيعة وامتنانه ~~لعطائها، كان الثغرة التي دخلت منها التصورات الدينية، مع نشوء ~~علاقات اجتماعية تسلطية حولت الألوهية من الطبيعة إلى الإنسان، ~~وكان فشل محاولات التمرد على الأوضاع الظالمة عاملا مهما في ~~تثبيت الوعي ms018 عند الحالة التي كان فيها ليبقى الدين عبودية ذاتية ~~للمضطهدين. # وإذا كان الدين الابتدائي بهذا المعنى انعكاسا لواقع انفصل عن ~~واقعه، وعاد ليؤثر في الناس كقوى مجردة، وعكست فيه الأدوار بحيث ~~تتحكم الروح بالجسد ويصبح المخلوق خالقا، فإن الأسطورة كانت ~~بدورها انعكاسا للواقع بحسبان الأسطورة أصل الدين كما يرى ~~الباحثون الثقات، لكن ما يهمنا هنا رصده وتأكيده كوجهة نظر خاصة، ~~هو أن الأسطورة - لا شك - كانت تختلف عن الدين في مسألة جوهرية، ~~سواء من حيث المنشأ أم الغرض، فهي بعكس الدين نشأت استجابة لحاجات ~~مادية وموضوعية وطبيعية ملحة. مما يشير إلى أن بدايتها سابقة لطور ~~تقسيم العمل ونشوء الطبقة، وإن استمرت زمنا تعايش هذا الطور ~~لتنضج بعد ذلك في الرداء الديني، وكان الغرض منها ليس تسكين أوضاع، ~~أو أن غير المرغوب سينهزم بمجرد تلاوتها كما في الدين، بل على ~~العكس كانت تحفيزا للعمل وللطاقات البشرية، وشحذا للهمم لتغيير ~~الواقع وصد أخطار الطبيعة (وهو ما يمكن للقارئ أن يجد تطبيقا له ~~في كتابنا هذا)، وربما عاصرت كبرى الأساطير مثل «أسطورة أوزيريس» ~~الطور الطبقي، لكن الواضح أن الأسطورة حينذاك لم تعد أسطورة إنما ~~أصبحت محل اعتقاد، أصبحت دينا. # أما الأساطير الأولى التي سبقت تقسيم العمل في شكله الحاد ~~والإلزامي، ولازمته في أطواره الأولى، فلم تكن صنعة طبقية، قدر ما ~~كانت استجابة لضرورات موضوعية، وظهر الدين مع الطور الطبقي وتقسيم ~~العمل والكون إلى عقل وجسد. ومع التفرغ اللازم من العمل اليدوي، ~~تمكنت الطبقة المسيطرة من تنمية ثقافتها الدفاعية، واستثمار ~~التراث الأسطوري السابق بعد تفريغه من محتواه الموضوعي، وتحويله ~~إلى خدمة الأغراض الجديدة، واحتساب التراث الأسطوري جزءا لا يتجزأ ~~من الثقافة الجديدة المتمثلة في الدين، وتحول الفكر الأسطوري الذي ~~كان جزءا من فاعلية الإنسان في الطبيعة وجزءا من خلقه وتقدمه، ~~إلى لبنات ضمن البنية الدينية، وأصبحت قوى الأسطورة الفاعلة - مع ~~الوضع الطبقي - قوى مفارقة لا أرضية، مهمتها المحافظة على ذلك ~~الوضع، والتحالف مع الناس بقدر خضوعهم لها؛ لأنها تمثل الطبقة ~~السائدة. # وهو ما يفسر ms019 لنا لماذا كان الأبطال في أساطير حضاراتنا القديمة - ~~وخاصة ذات الصبغة الشعبية - يقومون بأفعال خارقة وتحولات سحرية، ~~ويحققون كافة الرغبات والأماني، ويهزمون الملوك والآلهة؟ مما يشير ~~إلى افتلات لمكبوتات اللاوعي الشعبي، كما يفسر لنا لماذا كان ~~الملوك في أساطير الديانات الرسمية أبناء آلهة أو آلهة؟ ولماذا لا ~~بد أن تقترن طاعة أولي الأمر بطاعة الله؟ # ولا بأس هنا من إطلالة سريعة على أهم المدارس التي تناولت ~~الأساطير بالدراسة، وأطروحاتها لتفسيرها. وربما أشهر الباحثين هو # k. o. Muller # الذي احتسب ~~الأسطورة أحاديث مصورة لأحداث تاريخية حقيقية واقعية، وتابعه في ~~ذلك مع بعض الاختلافات الجزئية كل من جاكسون # Jachson # وأولدنبرج # Oldenberg ~~، وهم إلى حد كبير يتبعون المنهج ~~اليوهيمري القديم، الذي اعتبر الأسطورة قصة أبطال حقيقيين، قاموا ~~بأعمال مجيدة؛ فخلدهم أخلافهم، وحولوهم من بشر إلى آلهة، وإن ~~اشترط «موللر» وأتباعه وجوب امتلاك الباحث القدرة على التمييز في ~~الأساطير بين الأسطورة الحقيقية والأسطورة التي قام الشعراء ~~والفلاسفة بتحريف كلامها عن مواضعه، وقد رأى «ماكس موللر # Max Muller ~~» أن الأسطورة صورة ~~من صور الفكر تحددت بوساطة اللغة. أما أكثر المدارس أثرا فهي ~~مدرسة «إ. ب. ~~تايلور # E. B. Taylar ~~» أحد أعلام مؤسسي المدرسة الأنثروبولوجية، ~~التي هاجمت المدرسة اللغوية، وذهبت إلى منهج يجمع الأساطير ~~المتشابهة في مجموعات للحصول على علم حقيقي للأساطير، مع مقارنة ~~تلك المجموعات بعضها ببعض. لتتبع فعاليات عملية التخيل، التي تتكرر ~~بتناسق مع قاعدة فكرية، وأن تبدأ الدراسة بالمجتمعات المتخلفة ~~الحالية، مع رد الاعتبار كاملا للمادة الأسطورية نفسها؛ لأنها ~~الأكثر جدارة بالبحث من اللغة التي تقولبت فيها. ومن أهم أتباع ~~المذهب الأنثويولوجي «هربرت ~~سبنسر # Herbert Spencer ~~» صاحب فلسفة التطور الذي رأى أن الأساطير ~~ليست سوى نصوص من عبادات الأسلاف. # وقد أدلت مدارس علم النفس أيضا بدلوها، واعتبرت بطل الأسطورة ~~حالما يخضع لتحولات سحرية ويقوم بالخوارق، وكلها ليست سوى انعكاس ~~لرغبات وأمان مكبوتة تنطلق بعيدا عن رقابة الوعي؛ لذلك تمتلئ ~~بالرموز التي لو تمكنا من تفسيرها لزودتنا بفهم عميق لنفس الإنسان ~~ورغباته، وأكد «إريك ms020 ~~فروم # Erich Fromm ~~» أن الأسطورة تشرح بلغة رمزية حشدا من ~~الأفكار الدينية والفلسفية والأخلاقية، وما علينا إلا أن نفهم ~~مفرداته، لينفتح لنا عالم مليء بالمعارف الثرية. كذلك تبع «يونغ» ~~أستاذه «فرويد» في رأيه أن الأسطورة نتاج اللاشعور، لكنه اختلف عنه ~~في قوله إنها نتاج لا شعور جمعي. عاشت في لا شعور الجماعة، وانتعشت ~~من خلال الفرد. # وعلى الجملة، وحت لا يتحول أمرنا هنا إلى خطاب مدرسي، يمكن القول ~~إن تعداد المدارس من «يوهيمر» حتى «مالينوفسكي» إلى «ليفي شتراوس» ~~تقوم على مبادئ ثلاثة هي: # إن الأسطورة تصف حقائق تاريخية. # إنها رموز لحقائق فلسفية دائمة. # إنها انعكاسات لعملية طبيعية مرة بعد أخرى بصيرورة لا ~~تتوقف. # ثم إن هذه المدارس في مجملها تتبع واحدا من مناهج ستة هي: # المنهج اليوهيمري: # الذي يعد أقدم تلك المناهج، ويرى الأسطورة ~~قصة لأمجاد أبطال أو فضلاء غابرين. # المنهج الطبيعي: # الذي يعد أبطال الأساطير ظواهر طبيعية تم ~~تشخيصها في أسطورة اعتبرت بعد ذلك قصة لشخصيات ~~مقدسة. # المنهج المجازي: # بمعنى أن الأسطورة قصة مجازية تخفي أعمق معاني ~~الثقافة. # المنهج الرمزي: # الذي يرى الأسطورة قصة رمزية تعبر عن فلسفة ~~كاملة لعصرها؛ لذلك يجب دراسة العصور نفسها لفك ~~رموز الأسطورة. # المنهج العقلي: # الذي يذهب إلى نشوء الأسطورة نتيجة سوء فهم أو ~~خطأ ارتكبته مجموعة أفراد في تفسيرها أو قراءتها ~~أو سردها لرواية أو حادثة أقدم. # منهج التحليل النفسي: # الذي يحتسب الأسطورة رموزا لرغبات غريزية ~~وانفعالات نفسية. # ويبقى أن يسألنا القارئ عن منهجنا في ضوء خصوصية همومنا وخصوصية ~~تاريخنا. إن المشكلة الحقيقية التي تواجهنا بعيدا عن خصوصيتنا، ~~والتي تواجه أي باحث في الأساطير، هي أن علم الميثولوجيا حتى الآن ~~لم يصل إلى مرحلة النضج التي تؤهل مدارسه المتنافرة المتعارضة ~~للاندماج، هذا ناهيك عن كوننا نبدأ من طبيعة الداء والإشكالية، ~~وليس لمجرد اللذة البحثية، حتى نتمكن من الوصول إلى أفضل دواء ~~ممكن، ولا يمكننا أن نعطي الدواء نفسه لعلاج كل الأمراض. والمشكلات ~~العلمية ناتجة إما عن مرض في الموضوع أو مرض في الباحث ms021 أو مرض في ~~الطبيعة الإبستمية للموضوع، ويبدو أننا نجمع كل ذلك في إشكالياتنا ~~مع تراثنا، ومن هنا لا بد من أن نضع نصب أعيننا وفي المقام الأول ~~علاقة الأسطورة بالدين وبفلسفة الحياة عموما، وبأحوال الإنتاج ~~وبنى المجتمع وتغيراته. # وعليه فإننا نقرر من البداية أننا سنعمد إلى المنهج الذي يؤدي ~~إلى نتائج تبدو صحيحة، دون الرجوع للمدرسة، بمعنى أننا على استعداد ~~للسير قسما من الطريق مع أي من هذه المدارس، لكننا لسنا على ~~استعداد للسير مع أي منها الطريق كله. # وسنبدو معنيين في تراثنا بمشكلات وقضايا محددة، تتبعنا تطورها ~~التاريخي، وأهميتها في مجتمعها وعصرها وبيئتها، مع إبراز موقعها في ~~الصراع الفكري ومدى تعبيرها عن خصوصية عصرها وشعبها، مع ربطها ~~ربطا لا يستفز أحدا بهموم الحاضر ومشاكل الآن؛ ومن ثم ~~التزمنا الأكاديمية البحثية وصرامتها ودقتها، وأخذنا أنفسنا بالشدة ~~في البحث والتنقيب والتقصي، مع الابتعاد عن صعوبة الاصطلاح وثقل ~~المفاهيم، انطلاقا من همنا ومطامحنا العليا في التحرر الوطني ~~والقومي والاجتماعي. وربما طمحنا إلى المساهمة مع أساتذتنا من ~~الباحثين في فتح باب حان ولوجه، لدرس التراث القديم بمنهج علمي ~~يمكنه أن يقدم للجماهير ولحركة التحرر العربية سلاحا فكريا في ~~المعركة الفكرية الدائرة الآن. # وعليه فإننا نزعم في تلك المجموعة من البحوث التي تمت كتابتها ~~متقطعة خلال عشر سنوات انصرمت، وتتفاوت في درجة إتقانها واقترابها ~~أو بعدها من الأهداف المرصودة، أننا قد تمكنا من الوصول إلى كشوف ~~لها من الخصوصية ما يجعلنا نغامر عندما نزعم أننا غير مسبوقين ~~إليها، وإن كان ذلك لا ينفي أننا قد ارتكبنا خطأ هنا، وهفوة هناك، ~~وزلة صغيرة أو كبيرة بينهما، لكن ما يعزينا أن مثل تلك السقطات ~~والهنات تعود إلى اتساع رقعة المساحة المكانية والزمانية في ~~السعي وراء الإشكاليات المختارة؛ لأنها فعلا من أشد الإشكاليات ~~تعقيدا، وهو ما تنوء به قدرة باحث فرد، ومن هنا سنكون ممتنين ~~لقارئ مهتم، يهتم بإعلامنا بموطن الزلل أينما وجده، حتى يمكننا أن ~~نتلافاه، وأن نصلح من شأن ما يمكن تقديمه مستقبلا، ويكون لصاحب ms022 ~~الإعلام فضل لن ننكره عليه. # | قراءة سريعة في موضوع الإله النقيض # (1) تأسيس # في كتابه «عجائب الآثار» يحكي المؤرخ «عبد الرحمن الجبرتي» أنه ~~في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، حين وصلت الحملة الفرنسية إلى ~~مصر، وبينما كان الشرق يعاني من غيبوبته الغيبية، التي كانت أشد ~~فتكا بعقله من القهر العثماني المتسلط آنذاك، قامت مجموعة من ~~العلماء الفرنسيين الذين رافقوا حملة «نابليون بونابرت»، بعرض بعض ~~التجارب الكيميائية أمام نفر من علماء الأزهر، فذعر علماء المسلمين ~~لما رأوا، ولم يجدوا تفسيرا لديهم سوى أن يرجعوا تلك التجارب إلى ~~خدع الشيطان الرجيم وأفاعيله؟! # 1 # أما «علي مبارك» فيرسم للعقل الشرقي آنها صورة أشد قتامة، في ~~عرضه لأحداث المعارضة الكبرى التي قادها علماء المسلمين ضد إدخال ~~مطبعة عربية إلى مصر على يد الفرنسيين، بحسبان المطبعة اختراعا من ~~بدع إبليس اللعين! # 2 # والعجيب أن الشيطان لم يزل حتى اليوم يصول ويجول في مساحة كبرى ~~من العقل الشرقي، وليس ببعيد ما ذكره «فتحي غانم» عن حملة السلفيين ~~المتزمتين ضد استخدام الهاتف والسيارة بحسبانهما اكتشافات تمت ~~بإيعاز من إبليس لعنه الله، بل وتكفيرهم لكتاب القصة، ولأشكال ~~التعبير الأدبي الجديدة، باعتبارها دسائس استعمارية، يقف الشيطان ~~وحزبه من ورائها! # 3 # وهكذا تجاوز الشيطان إطاره الديني، وتغلغل في ذات الإنسان ليتحكم ~~بكل حياته، ومن ثم أصبح سببا لكل ما لا نرضي عنه، وستارا ~~يخفي الأسباب الحقيقية، ومشجبا للأخطاء على مستوى الفرد والجماعة ~~والدولة، وتفسيرا سهلا لكل مجهول؛ مما أدى بالعقل الشرقي إلى ~~غياب شبه كامل عن واقعه المتردي، بحيث تحول التغيير الاجتماعي ~~المطلوب نحو الجانب الأخلاقي، بشن الحرب على الشيطان وأعوانه في ~~المقام الأول، وليس تغييرا للواقع المأساوي الذي نعيشه، وأن مدى ~~تمكن فكرة الشيطان من العقل الشرقي، تستدعي تساؤلات عن مناشئها ~~الأولى، وبحثا عن العوامل التي أدت إلى اكتسابها تلك القدرات ~~الخارقة، ومن ثم وضع الشيطان داخل إطاره وحجمه الحقيقيين. # 4 ~~(2) ما بين الفوضى والنظام # رغم أن الإنسان البدائي لم يكن فيلسوفا، إلا أنه شغل نفسه ~~بمحاولة معرفة أمور هي ms023 الفلسفة بعينها، وكثيرا ما سأل نفسه: أيهما ~~كان أولا؟ الموت أم الحياة؟ العدم أم الوجود؟ الضار أم ~~النافع؟ # وهو بذلك إنما بلغ مرحلة متقدمة نسبيا على مدارج حداثيته، أدت ~~به إلى تقسيم قوى الطبيعة إلى قوتين تعملان في اتجاهين متعاكسين، ~~قوة إيجاب فيها النفع والحياة والوجود والضياء، ممثلة في عطاء ~~الطبيعة وخصب الأرض وفيض النهر وتكاثر الحيوان النافع، وكان هذا هو ~~الخير بالنسبة له، والقوة الأخرى قوة سلب فيها الضرر والموت والعدم ~~والظلام، ممثلة في إمساك الطبيعة عن العطاء. وجفاف الأرض والنبات ~~والنهر، وما يصحب ذلك من سكون وخمود من حوله؛ لذلك نجده يتجه ~~بالعبادة ووسائل التقرب لمظاهر الطبيعة المختلفة، للظواهر الخيرة ~~ليزداد خيرها، وللظواهر التي يرهب جانبها ويخشى بأسها وبطشها ~~ليتحاشى شرها ونقمتها، ويقلل من ضررها. # وقد جاءت نقلته التطورية الأخرى، بعد مشاهدات، لعل أهمها: أنه ~~لاحظ اختفاء أكثر مظاهر الحياة أمام ناظريه بحلول الظلام، وأنه لا ~~يستطيع أن يأمن على نفسه من الضواري ليلا، فاستشعر أن الظلام ~~تصحبه الفوضى وانعدام الأمان، فربط بين الظلام وبين العدم والموت ~~والفوضى، وخاصة بعد تأكده أن غياب الشمس والضياء يعني بدء دورة ~~جديدة للحياة؛ فربط الظلام بالشر، والضياء بالخير؛ لذا يلاحظ أن ~~أغلب عبادات الشعوب القديمة شمسية، تمثل بالشمس إلهها ~~الأكبر. # ومن هنا على ما يبدو، افترض أن الحالة الأولى للكون، كانت تسيطر ~~عليها قوى الشر (الظلام، العدم، الموت، الفوضى)، وبعدها ظهرت في ~~الوجود قوى الخير (الضياء، الوجود، النظام). # ومع تناوب فصول السنة، وما يستتبعه ذلك من موت وجفاف، وعودة ~~للنمو والخصب بالتناوب، فقد افترض العقل البشري، وهو يرتقي درجة ~~أخرى على سلمه التطوري، أن هناك صراعا قائما بين قوتي الخير ~~والشر، فقام يشمر السواعد مساعدا قوى الخير، بزيادة الجهد المثمر ~~في الأرض والتقرب إليها بأبكار ثماره وماشيته، مع طقوس وعبادات ~~خاشعة، بينما اتجه نحو قوى الشر متزلفا بوسائل السحر، اتقاء ~~لشرها، وإبعادا لغضبها. ~~(3) إله الشر الأسطوري # وهذه المعاني نجدها غالبة على أساطير الشعوب الزراعية القديمة في ~~الشرق الأوسط، ففي مصر القديمة ms024 - كانت مصر ولم تزل هبة النيل - نجد ~~«أوزيريس # Osiris ~~» إلها للنيل ~~والخير والخضرة والنماء، بينما كان «ست # Seth ~~» إله القفار والصحراء، وكان أيضا زعيم ~~الأشرار ، يحاول دائما إحباط أعمال أخيه النافعة الخيرة. # 5 # كما نجد الأمر نفسه في حضارة الرافدين القديمة، فيترجم «د. أنيس ~~فريحة» ملحمة # Enuma Elish ~~- هناك ~~ترجمات أخرى متعددة - التي تحكي أن «تيامة # Tiamat ~~» رمز القوى العمياء الشريرة في الوجود، ~~كانت هي البحر الأول المظلم في الوجود - ولم يزل اسمها علما على ~~السهل الحجازي تهامة - حتى جاء النور ممثلا في «مردوك # Marduk ~~» رب الضياء، فدخل معها ~~صراعا عنيفا انتهى بالقضاء عليها؛ ومن ثم فرغ لتنظيم السموات ~~والأرض، بعد أن باركها لتكثر خيراتها. # 6 # والأمر نفسه نجده في كنعان (فلسطين والأردن وسوريا ولبنان)، إن ~~الأصل كان غمرا مظلما مسيطرا هو «يم»، يفرض السكون والفوضى على ~~الوجود، حتى ظهر الإله «بعل» فقضى على «يم» من أجل تثبيت النظام ~~والخير في الأرض، لكن أتباع «يم» قاموا يحاربون البعل بقيادة الإله ~~الشرير «موت»، من أجل أن يستعيد الموت والسكون سيادة الدنيا. فتصدى ~~لهم البعل مرة أخرى، لكن ليدخل مع «موت» هذه المرة في صراع أبدي، ~~ويتناوبان الهزيمة والنصر، فمرة ترجح كفة «بعل»، فيكسب الجولة، ~~فتسود الدنيا الخيرات نماء وخصبا، ومرة ترجح كفة «موت» فيغشى ~~الأرض سكون الموت وفوضى الجفاف. # 7 ~~، # 8 # ولنا أن نرى في هذه الأسطورة خطوة ارتقائية أخرى للعقل البشري، ~~سوغت له تفسير التناوب الفصلي لشهور السنة، وما يستتبعه من ~~تأثيرات على الأرض إن خصبا أو جدبا، وما زالت اللغات السامية ~~ومنها العربية، تستعمل اسم الإله «موت» للدلالة على حالة السكون أو ~~الموت، كبقايا أثرية، أو حفريات لغوية - إن جاز التعبير - لتدلل ~~على المراحل التطورية التي مرت بها العقلية البشرية ~~ارتقائيا. ~~(4) الشيطان الفارسي # يبدو أن العقل البشري لم يستسغ الاستمرار في الاعتقاد بأن أصل ~~الوجود هو الشر والظلام، فأراد أن يعطي إله النور والخير أولوية ~~الوجود، وفي الوقت نفسه يسوغ بطريقة ما وجود إله الشر، ونظن أول ~~هذه المحاولات ms025 التي لبست ثوبا فلسفيا قد جاءت في عقيدة «كيرمرث» ~~الفارسية، وإن كنا لا ننكر ما سبقها من محاولات خاصة في مصر ~~الفرعونية، ويلخص لنا «د. علي النشار» عقيدة «كيرمرث» فيقول: «إن ~~أول الموجودات كان إله النور والخير «هرمز» - لم يزل اسمه علما ~~على مضيق الخليج العربي - ففكر في ذاته متسائلا: لو كان لي منازع ~~كيف يكون؟ وبمجرد أن طرأت هذه الفكرة على خاطره، حتى وجد هذا ~~المنازع فعلا، فظهر الظلام بعد أن كانت الدنيا دائمة الضياء، ~~نتيجة مجيء إله الشر «أهرمان» إلى الوجود، فقام إله الخير «هرمز» ~~بخلق كل الملائكة والبشر ليساعده ضد غريمه «أهرمان»، لكن «أهرمان» ~~قام بخلق كل الكائنات الضارة، وأخذ يؤثر بأتباعه الأشرار على البشر ~~لينضموا إليه، وهكذا بدأ الصراع بين إله الخير أو النور، وبين إله ~~الشر أو الظلام.» # 9 # ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى اعتقاد قدماء الفرس في إله نور ~~وخير قبل «هرمز» اشتهر باسم «ميثهرا» وهو إله زراعي؛ أي إله خصب ~~ونماء وضياء # 10 # ويؤكد الباحث «عصام ناصف» أنه كان يحتفل بعيد ميلاده ~~في 25 كانون أول، أي بالضبط عندما تبدأ الشمس قوة دورتها الجديدة، ~~فهو إله الضياء أو الشمس. # 11 # وقد عبد الهنود بدورهم هذا الإله، واعتقد عباده أنه يدخل ~~سنويا في معركة مع آلهة الموت والظلام، وأنه كان يتعرض في هذه ~~المعركة للأسر، ثم الاستشهاد موتا على الصليب، فيصيب الأرض الجفاف ~~ويتوقف النسل، لكنه يقوم من الموت في الحادي والعشرين من شهر آزار، ~~عند المنقلب الربيعي، فتعود بقيامته المجيدة الحياة للأرض خيرا ~~ونماء، ويشير المرحوم «عباس العقاد» إلى طقوس من ديانة «ميثهرا»، ~~نجد فيها شبها كبيرا بما في المسيحية، ولك أن تلاحظ أن احتفال ~~المسيحية بعيد ميلاد إلهها الشهيد «يسوع المسيح» في 25 كانون أول ~~وهو موعد ميلاد «ميثهرا» نفسه، وأن احتفالها بعيد قيامته المجيد ~~يوم 20 آذار، هو بدوره نفس موعد قيامة «ميثهرا» المجيدة # 12 # ويقول «عصام ناصف»: «وقد اقتبست المسيحية بعض ما في ~~المثروية، ومن ذلك مفتاح دار النعيم ومفتاح ms026 الجحيم، وتيجان ~~الأساقفة وأحذيتهم الحمراء، ولقب بابا، وكان يلقب به كبير كهنة «ميثهرا»». # 13 # ومن الطريف أن أتباع «ميثهرا» اتهموا المسيحيين الأوائل باقتفاء ~~أثرهم، واقتباس عقائدهم منهم، إلا أن الأطرف فعلا هو أن الآباء ~~الأوائل ... عندما جابهوا هذه المشكلة، لم يخطر ببالهم سنة العقل ~~البشري التطورية، وما تستتبعه جدلية التطور من تأثير العقائد في ~~بعضها، فعللوا المسألة بأن الشيطان بدأ محاربة الإيمان المسيحي من ~~قديم الزمان، فجعل ديانة «ميثهرا» تسبق المسيحية في الظهور، وتتصف ~~في مجمل طقوسها، وفي الأحداث التي جرت لبطلها المعبود بما جاء فيما ~~بعد في المسيحية. ~~(5) المهدي المجوسي # ويؤخذ مما جاء في ملل الشهرستاني أنه عندما ظهر «زرادشت» في ~~فارس مناديا أنه نبي مرسل من قبل إله الخير «هرمز» لهداية البشر، ~~كانت المعتقدات المثروية القديمة راسخة في أذهان القوم. فما كان ~~منه إلا أن أقرها - وهي العادة في مثل هذه الأحوال - وأعلن ~~«زرادشت» أنه بعث ليبتعد بالبشر عن طريق الشرير «أهرمان»، # 14 # لكنه فيما يرى «العقاد» حول «ميثهرا» من إله إلى ~~ملاك موكل بهداية الصالحين لمساعدة «هرمز» في كفاحه ضد جحافل الظلام. # 15 # وليست الديانة الزرادشتية سوى تلك التي نعرفها في الإسلام ~~بالمجوسية، لكن المجوسية عادت إلى فكرة وجود الشر أولا، وفسرت ذلك ~~بأن «هرمز» و«أهرمان» كانا توءمين في باطن الزمن، فاحتال «أهرمان» ~~بخبثه وشره الفطري، فشق لنفسه مخرجا إلى الوجود قبل «هرمز» الطيب، ~~وهنا تدخل الزمن الأب ليحد من سلطان الشر على العالم، بأن أرسل ~~«زرادشت» نبيا؛ ليعزز إله الخير «هرمز»، في محاربة «أهرمان» ~~وجنده، وذلك بهداية البشر إلى طريق الخير فيكونون جنودا ~~لهرمز. # وافترضت هذه العقيدة أن يستمر الصراع اثني عشر ألف سنة، يظهر على ~~رأس كل ألف سنة إمام مهدي من بيت «زرادشت»، يقود الكفاح من أجل ~~انتصار الخير على الشر، ويساعد البشر في التخلص من تأثير «أهرمان» ~~ووسوساته، وبانتهاء المدة تقوم القيامة، وساعتها يحكم الدنيا ~~الإمام المهدي الثاني عشر، ويسود السلام بعد أن تقوم القيامة، ~~ويحكم فيها على «أهرمان» وجنوده ومن تبعه من ms027 البشر بالخلود في ~~الجحيم، ولعل التشابه بين هذه الاعتقادات الفارسية وبين ما جاء في ~~اعتقادات الفرق الشيعية الإمامية أوضح من أن يشار إليه. # كما أنه ليس بخاف أن ظهور فكرة إمام من نسل «زرادشت» يعيد ~~للإنسانية أمنها وسلامها، كان ناتجا طبيعيا لنضوج الأوضاع ~~الاجتماعية آنذاك والانقسامات الطبقية الحادة، فتحول العقل إلى ~~البحث عن العزاء والراحة في عالم مقبل، يحكمه مهدي منتظر، يقضي على ~~الشر والاضطهاد. كما أصبحت فكرة وجود إله شر مريحة للعقل، تساعده ~~على الهرب من بحث الظروف الموضوعية التي تتحكم في حياته ~~الاجتماعية، ومصدر الشر الحقيقي فيها، وهكذا جاءت المجوسية ~~للإنسانية بمشجب مريح تعلق عليه كل الأخطاء والهفوات والتبريرات ~~والمعاذير، وتصرف الطبقات المطحونة عن تغيير أوضاعها الفعلية إلى ~~انتظار طوباوي لما في المستقبل الآتي. ~~(6) الشيطان اليهودي # بداية، يصعب على الباحث أن يجد لدى اليهود إلها خاصا بالشر، ~~لكن المطالع لمرحلة ما بعد التيه يمكنه أن يجد إشارات غامضة، تتضح ~~بالتدريج مع فقدانهم أمان الاستقرار السالف في مصر، وبعد ما حدث ~~بينهم في سيناء من صراع دموي، فظهرت فكرة إله مساو لإلههم «يهوه» ~~في القدرة، هو السبب المباشر فيما وقع بهم من مصائب أسموه ~~«عزازيل»، وتحاشيا لشر «عزازيل» قاموا يقدمون له القرابين كما ~~يقدمونها إلى «يهوه» أو كما جاء في كتابهم المقدس: «... ويلقي هارون ~~على التيس قرعتين، قرعة للرب، وقرعة لعزازيل.» ويرجح «لودز» أن ~~«عزازيل» كان علما على شيطان أو جني اعتقد اليهود أنه يسكن الصحاري. # 16 # وفي كتاب «إبليس» يؤكد المرحوم «عباس العقاد» أن ~~«عزازيل» هو اسم إله الخراب والقفار، # 17 # بينما يذهب آخرون إلى أنه زعيم الملائكة الذين هبطوا ~~وزنوا ببنات البشر، ثم انهزموا أمام جنود الخير فلاذوا بالصحراء، ~~أما نحن فنزعم أن «عزازيل» اليهود هذا ليس سوى «عزازيل» الذي كان ~~يلقب به إله الهلال البابلي «سين»، وكان يصور في هيئة التيس، أو ~~على الأرجح أنه كان إله التيوس مرموزا له بالهلال، للتشابه بين ~~الهلال وبين قرني التيس، ولعل ذلك ما يفسر لنا صورة الشيطان في ~~اللوحات ms028 الفنية مزودا بقرنين وحوافر وذنب. # وربما لا نجد ذكرا كثيرا للشيطان عند اليهود؛ لأن يهوه جمع ~~الخير والشر معا، فلم يكن ثمة حاجة لإله للشر. ويذهب «كراب» إلى ~~أن اليهود قد تأثروا بالعقائد الزرادشتية بعد احتكاكهم بالفرس، ~~فقالوا بإلهين: واحد للخير وآخر للشر، وأطلقوا على إله الشر عدة ~~ألقاب، أهمها: # satan ~~«شيطان» ~~و«إبليس». وإبليس - فيما يرى الباحثون - اختصار للأصل اليوناني ~~«ديا بليس» أو «ديا ~~بوليس # Dia-Bolos ~~» ويؤكد الدكتور «مصطفى الجوزو» أن الكلمة # Dia-Bolos # أصبحت علما على ~~ملاك الموت أو زعيم الهاوية السفلى التي كان اليهود يعتقدون أنها ~~مصير جميع الموتى صالحا وطالحا. # 18 # ولنا أن نذهب إلى تعليل ذلك بكون اليهود اعتبروا الموت ~~أعظم شر يمكن أن يصيب الإنسان، وبذلك فملاك الموت أو الشيطان ~~اليهودي زعيم الهاوية اعتبر لديهم إلها للشر ورمزا له. ~~(7) عزازيل وعزرائيل # وفي زعم بعض الباحثين أن المقطع الأول من ديابولوس # Dia # هو من الأصل اليوناني # Devil # ويعني الشيطان، لكن ~~المرجح أن تكون كلمة «ديابولوس» قد دخلها خلط شديد واشتقاقات أخرى ~~محتملة للمقطع # Dia ~~. # من # Devin # بمعنى الألوهية، ومن # Dia # بمعنى يموت وبمعنى ملعون، ~~ومن «ديوس # Deuce ~~» بمعنى الشيطان، ~~مع الأخذ بالحسبان قرب «ديوس» في النطق العربي، من اللفظ الكنعاني ~~العبراني «التيوس» = جمع تيس، ويحمل المعنى نفسه في العربية، وهو ~~ما يطابق ما ذهبنا إليه في أصل «عزازيل» لقب «سين» إله التيوس أو ~~إله الهلال البابلي، مع اعتبارات أخرى مهمة، مثل التشابه بين لفظي ~~«عزازيل» و«عزرائيل» ملاك الموت الأشهر. # ومن المفيد هنا أن نشير إلى تأثر الكنعانيين واليونانيين بشكل ~~واسع بالعقيدة الفريجية (آسيا الصغرى) صاحبة الإله «آتيس # Attis ~~». وفي هوامش «د. يعقوب بكر»، ~~على ترجمته لكتاب موسكاتي «الحضارات السامية القديمة» ملخص لأسطورة ~~الإله «آتيس»، الذي كان إلها في هيئة شاب جميل، مات قتيلا وهو ~~متلبس هيئة التيس، فهبط سيدا لعالم الموتى السفلي. # 19 # وبما نعرفه عن ميل اليونانيين إلى استبدال أسماء أبطال الأساطير ~~الواردة بأسماء يونانية، فمن المحتمل أن يكون هذا «الديوس # Deus ~~» أو التيس هو الذي ms029 حمل اسم ~~«أبوللو» إله الشعر اليوناني (ولاحظ أن الشعر حتى يومنا هذا ~~يعد وحيا شيطانيا، ولا يزال يعبر عن فيض الشاعر بأنه قد ~~أتاه شيطانه). # ومن هنا يصبح معنى # Dia-Bolos # هو ~~التيس «أبوللو»، أو الإله التيس «أبوللو»، أو إله عالم الموتى ~~السفلي «أبوللو»، وهو ما يفسر لنا المقطع الثاني من كلمة ديابولوس ~~أقصد # Abolos # أما حرف السين ~~(S) # الأخير، فهو التصريف الاسمي، ~~ولنلاحظ أنه من «أبوللو» كان اشتقاق الصفة # Apollonian # أي فائق الجمال. ~~وبذلك نجد أنفسنا أمام معان كثيرة مختلطة للكلمة # Dia-Bolos # يمكن إجمالها في: # إله على هيئة التيس. # لكنه في الوقت نفسه فائق الجمال. # أصابته اللعنة فأصبح شريرا (لأن # Die ~~= ~~ملعون). # وهبط إلى عالم الموتى السفلي سيدا (لأن # Die ~~= ~~يموت). # حيث هناك العذاب بالتمزيق والحرق بالنار (لأن # Devil # تعني أيضا: ~~يمزق، يفرم، لحم مشوي بالنار). # وهي في مجملها الصورة التي سنراها بهذا التركيب المتداخل في ~~العقيدة المسيحية. ~~(8) الشيطان المسيحي # يتضح من دراسة المراحل التاريخية العقائدية التالية، التي مرت ~~بها فكرة إله الشر، أن البشرية قد ارتاحت تماما لمشجبها الديني، ~~بحيث أصبح من الصعب - ومن الكفر في بعض العقائد - التنازل عنها. ~~ولما أخذ العقل في الارتقاء من تعدد الآلهة إلى التوحيد، واجه ~~مشكلة مؤرقة، فقد انتهى إلى القول بإله واحد موصوف بكل صفات ~~الكمال، لا يصدر عنه إلا الخير، فكيف يحدث الشر؟ إلا أنه مع هذا ~~التراث العريق لإله الشر، ذلك الذي أصبح اسمه «إبليس» أو ~~«الشيطان # Satan ~~»، لن توجد ~~مشكلة؛ ومن ثم تركت له المسيحية بابا رحبا في عقائدها، فلا ~~تكاد تجد سفرا إنجيليا يخلو من ذكر إبليس، مصحوبا بكل أنواع ~~اللعنات وأقذعها، وحفاظا على وحدانية الله - ممثل الدولة الغائب - ~~لم يعد إبليس إلها للشر، بل مخلوقا إلهيا تمرد على خالقه، فكان ~~سببا لبلاء البشرية وآلامها، فهو أصل الخطيئة وسببها، وهو الذي ~~أغوى آدم بالأكل من القوت المحرم والمعرفة المحرمة في الجنة، ~~فارتكب خطيئته الأولى (ولأن ذلك يتعارض مع النص التوراتي القائل ~~بأن الحية هي التي أوعزت لحواء لتأكل ms030 من الشجرة، فإن المسيحية أكدت ~~أن هذه الحية لم تكن سوى إبليس متنكرا! وأنها ربما حملت إبليس في ~~فمها، فتحدث إلى حواء من خلاها). # ويحكي لنا «واطس» قصة هذا المخلوق الذي تمرد على خالقه في قصة ~~ملخصها: إن إبليس كان أكثر الملائكة جمالا وأعظمها شأنا عند ~~الله، وكان أقرب الملائكة إلى الله، حتى كان يعكس الضوء الإلهي ~~كالمرآة، فلقبه أقرانه لذلك ب «لوسيفر # Lucifer ~~» أي حامل الضياء. ولما خلق الله آدم شعر ~~إبليس أو «لوسيفر» أن هذا المخلوق الجديد سيهدد مكانته بالخطر. ~~ورغم معرفته التامة باللعنة الأبدية التي ستلحقه إذا اعترض، فإنه ~~لم يكتف بالاعتراض، بل رفض الأمر الإلهي بتأدية فروض الولاء ~~للمخلوق الجديد الأقل منه شأنا، وأيده في الرفض عدة آلاف من ~~الملائكة، أعلنوا العصيان والتمرد، فدفع الله بهم إلى عالم الظلام ~~الأبدي تحت الأرض، فتحولوا من ملائكة إلى شياطين، يتزعمهم إبليس ~~ملكا للشر، وعدوا لذرية «آدم». # 20 # بل وتزعم الأناجيل أن الله عندما نزل إلى الأرض في ~~شخص «يسوع» المسيح - حسب اعتقادها - تعرض له إبليس أكثر من مرة ~~ليغويه رغم معرفته به! (لاحظ إلى أي حد يثق الملاك العاصي ~~بقدرته)، لكن المسيح الإله كان يفطن دائما للخدعة! ويعرف أن هذا ~~إنما هو عدوه اللعين فيتحاشى مكره وفخاخه. # وهكذا يظهر شيطان المسيحية بقدرات جبارة، تصل به إلى حد تحدي ~~إلهه والثورة عليه، ومحاولة صرف عباده عنه بغوايتهم. بل وصل به ~~المدى حدا حاول معه إغواء إلهه ذاته، وهي صورة تلقي بنا في مرآة ~~الزمان القديم، أيام كان إبليس إلها ذا قدرات إلهية، بل وتشهد له ~~الأناجيل بهذا المعنى، بالسيادة في رسالة «بولس» إلى أفسس أن ~~الشيطان: «رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء ~~المعصية». وفي الإصحاح 14 من الإنجيل نفسه، وهو مع أتباعه في رسالة ~~«بولس» إلى أفسس: «سلاطين وولاة العالم على الدهر مع أجناد الشر ~~الروحية في السموات». وفي رسالته إلى أهل كورنثوس يصف بولس الرسول ~~الشيطان وأتباعه بأنهم «رؤساء هذا العالم»، بل ويؤكد المسيح ~~ملائكية ms031 إبليس وعلاقته بالموت والعالم السفلي، حيث النار والجحيم ~~في الهاوية، بقوله في الإصحاح 25 من إنجيل متى: «اذهبوا عني يا ~~ملاعين إلى النار الأبدية، المعدة لإبليس وملائكته.» ~~(9) الشيطان في الإسلام # ويبدو أن قصة إبليس بمعناها الذي وصلت إليه مراحل العقل التطورية ~~في المسيحية، كانت قصة معروفة بين عرب الجزيرة قبل الإسلام، ولا ~~يبعد أن يكونوا قد عرفوها بتأثير اليهود والمسيحيين، فنجدهم ~~يعتقدون بالاعتقاد اليهودي السالف حول «عزازيل»، وكونه ملاكا هبط ~~مع رهطه إلى الأرض، وتزوج من الآدميات فيقول «د. خليل أحمد»: إن ~~العرب في الجاهلية كانت لديهم أسطورة تقول: إن قبيلة جرهم هي نتاج ~~تزاوج الملائكة مع بنات البشر، وأسطورة أخرى تؤكد أن ذا القرنين ~~كانت أمه آدمية وأبوه ملاكا. # 21 # ويؤكد د. جواد علي أن العرب قد عبدوا الملائكة. # 22 # وهذا كله يفضي إلى أن العرب قد عرفوا قصة الملاك العاصي وأتباعه ~~وعبدوهم، والإنسان لا يعبد إلا من صعد في التصور البشري إلى رتبه ~~الألوهية. # وفي الإسلام أيضا نجد للشيطان مكانة، بالتسميات القديمة نفسها. ~~فهو إبليس # Di-abolos # وهو ~~الشيطان # Satan ~~. ويؤكد ~~«الثعلبي» أن الله عندما غضب على إبليس «مسخ صورته فصوره شيطانا ~~بعد أن كان ملاكا ... وغير اسمه، وكان عزازيل فسماه إبليس!» # 23 ~~(وهي صورة تلقي بنا في مرآة القرون الخوالي)، إلا أن ~~المفسرين - سيرا على تقليدهم المرعي - وضعوا لكلمة إبليس اشتقاقا ~~لغويا عربيا أصيلا، فلم يعد اسما واردا من اللسان اليوناني ~~عبر اليهود والمسيحيين، وإنما أصبح من «الإبلاس» أي اليأس التام من ~~رحمة الله، وهو مصدر الخطيئة الأولى للبشر، بعد أن أغوى «آدم» ~~و«حواء» ليأكلا من الثمرة المحرمة. وهو أساس كل بلاء وانحراف عن ~~جادة الصواب. # ويرجح «العقاد» أن تكون كلمة شيطان من مادة: شط، شاط، شوط، ~~شطن. وهي معان فيها البعد والضلال والتلهب والاحتراق، بحيث تستوعب ~~أصول المعاني التي تفهم من كلمة الشيطان جميعها. # 24 # وإذا كان «إبليس» في العقائد القديمة إلها للشر، تحول مع التطور ~~العقلي إلى ملاك عاص أو إلى جني، فإن القرآن الكريم يقول: ms032 # وإذ قال ربك للملائكة ~~إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ~~ما لا تعلمون * وعلم آدم ~~الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ~~فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين * قالوا سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم * قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ~~ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون * وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين ~~(البقرة: ~~30-34). # أما لماذا أبى «إبليس» واستكبر، وماذا كانت النتيجة، فهذا ما ~~يجيب عنه الحوار التالي: # قال يا إبليس ~~ما لك ألا تكون مع الساجدين * ~~قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من ~~صلصال من حمأ مسنون * قال ~~فاخرج منها فإنك رجيم * وإن ~~عليك اللعنة إلى يوم الدين * ~~قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين ~~(الحجر: 32-40). # فهنا أيضا «إبليس» ملاك عاص، يقف ممتلكا قدرات هائلة، لا ~~يملكها المخلوق، فهو في موقف التحدي مع الإله، ويعلن تمرده، بل ~~ويكرر قسمه في أكثر من آية بالالتزام بتمرده والاستمرار والإصرار ~~عليه. انظر مثلا مواجهته ربه مقسما بذاته: «بعزتك لأغوينهم ~~أجمعين». وليست هذه الغواية سوى رد على غواية الله له: # رب بما أغويتني لأزينن لهم ~~... # الآيات. # 25 # ورغم كون «إبليس» في الآيات ملاكا عاصيا، إلا أن ~~آيات أخرى تقرر أنه كان من الجن: # فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه ~~(الكهف: 50). أما كيف كان جنيا، فهي نقطة ~~أخرى سنتطرق إليها بالمعالجة في مكان آخر من هذه الدراسة. # وسواء أكان ملاكا عاصيا أم جنيا، فهو في الإسلام - بدوره - ~~شخصية ذات قدرات هائلة، في ضوء عصيانه لله، وهو يعرف كيان هذا ~~الإله وقدراته، وعليه يصبح لدينا - في الإسلام - إله للخير، وإبليس ms033 ~~للشر. ونتيجة هذا الفهم لإبليس، نسب إليه الكثير من الشراح ~~والمفسرين والفقهاء أعمالا خارقة لا يستطيعها المخلوق. حتى قال د. ~~الجوزو: «وكما أن لإبليس خصم الله الألد جنوده، يبدو أن الملائكة ~~وبعض الجن الطيبين أنصار لله وعبيد له، يساعدون الناس في عمل ~~الخير. ولعل هذا ما حدا بالدكتورين «إبراهيم بدران وسلوى الخماش» ~~أن يلاحظا أن ما نسب إلى إبليس من قوة وجبروت، يبلغ من الضخامة ما ~~يجعله موازيا في التصور الوهمي - للإنسان - جبروت الله». # 26 ~~(10) الشيطان جنيا # يبدو لنا أن تحول «إبليس» من إله للشر إلى ملاك عاص إنما يعود ~~إلى نزوع العقل البشري خلال هذه القرون الطويلة نحو التوحيد، ~~ونعتقد أنه كان لليهود دور لا يغفل في ذلك، إبان الأسر البابلي. ~~فقد نقلوا - فيا يرى معظم الباحثين - جل آلهة الرافدين معهم إلى ~~فلسطين، وعلى رأسهم الإله الجبار «إيل» وأتباعه من الآلهة التابعة، ~~والذي ينتسب إليه «عزرا-إيل، وميكا-إيل، وإسراف-إيل ... إلخ». ~~وأضافوا إليها عددا من الآلهة الفرعونية والكنعانية في مراحل ~~تاريخهم التالي، ويبدو أنه مع اتجاههم نحو تمجيد إلههم القومي ~~«يهوه»، الذي أدخل عبادته بينهم «موسى» النبي - عليه السلام - ~~وتفضيله دون غيره عن بقية الآلهة، عز عليهم أن يتركوا هذا الجم ~~الغفير من الآلهة باعتباره ثروة وتراثا قوميا بدوره، فحولوها ~~من آلهة إلى أتباع للإله القومي «يهوه»، واعتبروها أقل منه ~~شأنا. # وقد تأسس استنتاجنا هنا على إشارة من «ديورانت» إلى احتمال أن ~~يكون اليهود قد صاغوا ملائكتهم من حشد الآلهة القديم. # 27 # ومن ثم نصادق على استنتاجنا بأن هذه الآلهة ~~العديدة ظلت تحمل الطابع الإلهي هو هو لم يتغير. فهي مثل الإله ~~نورانية التكوين، وهي مثله خالدة ولها قدرات كقدراته، ولها أجنحة ~~آلهة الرافدين. ويؤيد ذلك أنه ما زال بعض تماثيلها المجنحة قائما ~~في العراق إلى اليوم، وبما أنها أصبحت تابعة للإله الأكبر أو من ~~أملاكه. فقد أطلق عليها اللسان العبري، الملائكة # Mal’akh ~~. ولدينا أيضا الإله الجبار «إيل» وهو ~~أعظم الآلهة القديمة شأنا لدى جميع الشعوب الرافدية الأصل ولدى ~~اليهود بشكل ms034 خاص، الذي أخذ وضعه اللائق بين الآلهة المساعدة أو ~~الملائكة، فأصبح كبيرها وسيدها باسمه القديم الإله الجبار إيل ~~«جبرا إيل، أو جبريل»، وقد تخلقت الكلمة جبرا بمعنى الجبروت ~~والقوة في كل اللغات السامية عن النطق الرافدي بما في ذلك اللغة العربية. # 28 # ومما يؤكد مذهبنا في تحويل اليهود الآلهة القديمة إلى ملائكة، ~~تأكيد «سبتينو موسكاتي» أن الوصف الدقيق الذي قدمه النبي «حزقيال» ~~لطائفة الكروبيين من سادة الملائكة، إنما كان نتيجة تأثره بما ~~شاهده في بابل إبان الأسر البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، ~~حيث يقول: «وحزقيال متأثر في هذا الوصف - ولا ريب - بتماثيل وصور ~~الكائنات الجنية التي كانت تحرس معابد بابل وقصورها، والتي شهدها ~~حزقيال قطعا إبان المنفى». ويؤكد ذلك أن في سفر حزقيال إشارات ~~مباشرة إلى الصور المحفورة على الجدران في بابل. # 29 # وهنا يلوح لنا التداخل الذي حدث لبعض الآلهة المتحولة ~~إلى ملائكة، ما بين كونها ملائكة أو جنا؛ نتيجة للتداخل الذي حدث ~~بين فكرة الملائكة التابعة للإله، وبين الصور البابلية للجن، التي ~~تصورهم كائنات بقرون وحوافر وذيول، التي شاهدوها إبان الأسر ~~البابلي. ولما كان «إبليس» إلها قديما للشر، فمن المنطقي أن ~~يتحول بدوره إلى ملاك تابع، وإلى جني في الوقت نفسه، ومن هنا - ~~فيما نظن - نشأ التضارب فيما بعد، ما بين كونه ملاكا أم ~~جنيا؟ # وفي مثل مذهبنا هذا نجد «العقاد» يقول: «إن التطور في الديانات ~~محقق لا شك فيه، أما التوحيد فهو نهاية تلك الأطوار كافة في جميع ~~الحضارات الكبرى، فكل حضارة منها قد آمنت بإله يعلو على الآلهة ~~قدرا وقدرة، وينفرد بالجلالة بين أرباب تتضاءل وتخفت حتى تزول، أو ~~تحتفظ ببقائها في زمرة الملائكة التي تحف بعرش الإله العلي.» # 30 # ونساند ما رأيناه في التداخل بين الملائكية والجنية في ~~شخصية «إبليس» بقول «العقاد»: «ففي أقدم العهود لم يكن عند ~~العبريين فارق بين خلائق الكائنات العلوية وخلائق الكائنات الأرضية ~~من إنسانية وحيوانية، ولم يكن عندهم كذلك فارق بين هذه الخلائق ~~وخلائق الشيطان، فكان الشيطان يحضر بين ms035 يدي الله مع الملائكة، وكان ~~الملائكة يهبطون إلى الأرض، فيعاشرون بنات الناس، ومن هؤلاء ~~الملائكة من يعمل في طاعة الشيطان.» # 31 ~~(11) إبليس التيس # وتتمة لمذهبنا في هذا التحول، نزعم أنه كان للمسيحية دور آخر ~~كبير في التحولات التي دخلت على فكرة إله الشر. حيث نجد تحول إله ~~الشر إلى ملاك مغضوب عليه، قد ظهر واتضح بجلاء في القرن الأول ~~الميلادي. ثم بعدها أخذ المسيحيون يصورونه في هيئة إنسان ذي قرون ~~وحوافر وذيل. وكان هذا في رأينا نتيجة لأن شعوب حوض المتوسط الشرقي ~~كانت لا تزال تعبد الإله «آتيس»، ورمزه التيس ذو القرون والحوافر ~~والذيل، وتعده إلها شهيدا. كما كانت هذه الشعوب بشكل عام، ~~تتعبد إلى صور متعددة لتموز الرافدي، حتى سادت صورته الفينيقية ~~بشكل واسع ممثلة في الإله «أدونيس». وكان يرمز له بدوره بالتيس، ~~وكان بدوره إلها شهيدا. كذلك كان «ميثهرا» إلها شهيدا يحمل ~~الصورة نفسها، فلما جاءت المسيحية واعتقد المسيحيون أن إلههم ~~«يسوع» شهيد، ووجد الآباء الكنسيون صورة هذه الآلهة تتشابه - مع ~~طقوسها - مع العقيدة المسيحية، لم يرجعوا ذلك إلى أن المسيحية ~~مصب صبت فيه هذه المعتقدات، إنما اعتبروا هذه الديانات الأخرى ~~التي ظلت في حالة صراع مع المسيحية حوالي خمسة قرون، قبل أن تصبح ~~المسيحية دينا رسميا، صنعة للشيطان، وأن هذه الآلهة التي في ~~صورة التيس لم تكن سوى تمثلات للشيطان نفسه. # وبحسبان كل هذه الديانات بما فيها المسيحية ديانات فدائية تقول ~~بإله شهيد فدى البشر بنفسه، وتذبح نموذجا حيوانيا له في عيد ~~موته وقيامته، الذي كان عيدا عاما في كل ديانات حوض المتوسط ~~تقريبا، فإن التيس كان هو القربان الأمثل؛ لذلك رأت المسيحية أن ~~تخالف ذلك، فاعتبرت إلهها الشهيد خروفا وليس جديا أو تيسا. ~~واعتبرت الخروف القربان الأمثل، وعليه فكل من يؤمن بالإله الخروف ~~فهو من أهل اليمين الخالد في النعيم. أما من يؤمن بالإله التيس فهو ~~من أهل اليسار، أتباع إبليس، ومصيرهم جهنم. وفي هذا يقول إنجيل متى ~~(إصحاح 25): «ومتى جاء ابن الإنسان (المسيح) في مجده، ms036 وجميع ~~الملائكة والقديسيين، فحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه ~~جميع الشعوب، فيميز بعضهم عن بعض، كما يميز الراعي الخراف عن ~~الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره، ثم يقول الملك ~~للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ ~~تأسيس العالم ... ثم يقول أيضا للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ~~ملاعين، إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته.» # ومن هنا يتضح إصرار الأناجيل على تأكيد خروفية «المسيح» وليس ~~تيسيته، أو ألوهيته وليس شيطنته. ومثال ذلك: «طوبى للمدعوين إلى ~~عشاء عرس الخروف، هذه أقوال الله الصادقة» (سفر الرؤيا، إصحاح 19)، ~~وفي الجنة «عرش الله والخروف» (سفر الرؤيا، إصحاح 21). وهذا الإله ~~الخروف هو «... حمل الله» (إنجيل يوحنا إصحاح 1). # 32 # وأتباع التيس «سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم؛ لأنه ~~رب الأرباب وملك الملوك» (سفر الرؤيا، إصحاح 17). ومن هنا كانت ~~تضحية الخروف والتقرب به أمرا مستحبا، تعبيرا عن صدق تضحية ~~المسيح، وكذب تضحية إبليس (أو ميثهرا أو آتيس أو تموز أو أدونيس)؛ ~~لأنهم جميعا إنما كانوا تيوسا. ~~(12) إبليس الحية والتنين # يقول «العقاد»، وهو المعتمد الأساسي في هذه الدراسة عن الشيطان: ~~إن الإنسان عندما حاول في بداية ظهور فكرة الشر أن يجد لها رمزا ~~طبيعيا «لم يكن أمامه في مثل هذه الخطوة مثل على الشر الخبيث ~~الذي يضمر السوء، ويتوارى عن النظر، أقرب إلى الحس والخيال من ~~الحية التي تزحف على التراب وتندس في الجحور كيدا وخديعة وتمكنا ~~من الدس والأذى فيما توهمه، ولم يكن في وسعه أن يتوهم شيئا سواها؛ ~~ولهذا بقيت الحية مقترنة بقوة الشر حقيقة أو رمزا إلى أحدث العصور.» # 33 # وفي العقيدة الفارسية القديمة، نجد في الفصل الثالث من ~~كتاب # Bundahesh # أن «أهرمان» إله ~~الشر تشكل بهيئة الحية وملأ الوجود كله، ثم أرسل سمومه في كل شيء، ~~ولم ينهزم حتى هبط هرمز إله الخير إلى الأرض وأعاده إلى ~~قراره. # ودعما آخر نضيفه لما سبق في رؤيتنا لتحويل اليهود الآلهة ~~القديمة إلى ملائكة، ثم تحول الملائكة إلى شياطين، ما جاء في ms037 رؤيا ~~«إشعياء» النبي أن طائفة من الملائكة تسمى السرافيم تحرس عرش ~~الرب في معبد أورشليم وتسبحه. ويشير «د. يعقوب بكر» في هوامشه ~~على ترجمة كتاب «موسكاتي» سالف الذكر إلى أن الكلمة «سرافيم» هي في ~~اللسان العبري من المفرد «ساراف» و«ساراف» تعني الحية! # 34 # والحية هي التي أوعزت لحواء في الجنة بالأكل من الثمرة ~~المحرمة، فهي إذن رمز «إبليس» أو هي «إبليس» أو الشيطان، والشيطان ~~يكون بهذا المعنى واحدا من السرافيم الملائكة. وفي هذا يقول ~~الكتاب المقدس: «وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي ~~عملها الرب الإله، فقالت للمرأة: أحقا قال الله لا تأكلا من كل ~~شجر الجنة، فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمرة ~~الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا ~~تموتا، فقالت الحية للمرأة: بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح ~~أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة ~~جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ~~ثمرها وأكلت وأعطت رجلها.» ولما علم الرب بذلك قال للحية: «لأنك ~~فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، على ~~بطنك تسعين، وترابا تأكلين كل أيام حياتك» (الإصحاح 3، سفر ~~التكوين). # إلا أنه للحق، حتى كتابة هذا النص التوراتي لم تكن شخصية «إبليس» ~~قد تبلورت بعد، وكان الاعتقاد في مصدر الشر والإيعاز به هو الحية ~~ذاتها، التي عظم أمرها في الأدوار التالية، وأصبحت في الخيال ~~الإنساني ذات رءوس متعددة وأجنحة وأرجل ولسان وقاذف للهب، أي ~~تنينا خرافيا يرمز للشر، ويدخل معه الإله في صراع طويل حتى ~~يتغلب عليه. وفي ذلك يقول المزمور 74 بالكتاب المقدس: إن الإله ~~القومي «يهوه» دخل الصراع مع هذا التنين الذي يسمى «لوياثان»: ~~«أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رءوس التنانين على المياه، أنت رضفت ~~رءوس لوياثان.» لاحظ أن الإله لا يصارع مخلوقاته بل أنداده. وفي ~~سفر إشعياء (27: 1): «في ذلك الوقت ستقتل لوياثان الحية الهاربة، ~~لوياثان الحية الملتوية، ويقتل التنين الذي في ms038 البحر.» ولعله واضح ~~أن ذلك ليس سوى ترجيع لصدى الاعتقادات البدائية في قوتي الخير ~~والشر والصراع بينهما. # ويدعم ذلك تماما الاكتشافات الآثارية الحديثة في أوجاريت (تل ~~شمرا) القديمة، وما سجلته النصوص الكنعانية المقدسة هناك حول إله ~~الشر المرموز له ب «لوياثان»، حيث نجد أصلا (طبق الصورة الموجودة ~~بالكتاب المقدس) أورده الباحث «فراس السواح»: «وفي ذلك اليوم، ~~يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان، ويضع نهاية للحية ~~الملتوية الهاربة، شالياط ذات الرءوس السبعة.» وفي نص آخر تقوم ~~«عنات» زوجة الإله «بعل» بقتل التنين، فيخاطبها النص الأوجاريتي ~~قائلا: «ألست أنت التي أفنت التنين؟ وسحقت الحية الملتوتة ذات ~~الرءوس السبعة؟» # 35 ~~(13) وكان الشيطان العربي ثعبانا # وإضافة لهذه المشابهات (أو الشبهات) النصية، نجد الفكرة العامة ~~هي صراع بين قوتي الخير والشر، وهي الفكرة نفسها في صراع «أوزير» ~~و«ست» في العقيدة المصرية القديمة، وصراع «مردوك» و«تهامة» في ~~العقيدة الرافدية القديمة، وصراع «البعل» و«موت» في العقيدة ~~الكنعانية، وهي الفكرة القديمة نفسها الشائعة في بقية المعتقدات ~~العتيقة من تنين الصين حتى تنانين حوض المتوسط. # و«العقاد» يؤكد أن الشراح اليهود المتأخرين قد ذكروا أن الشيطان ~~تمثل لآدم في صوة الحية حين أغراه بالأكل من الثمرة المحرمة، ولم ~~تنقطع العلاقة بين الحية والشيطان أبدا. # ومن بعد اليهود استرسل المسيحيون الأوائل في حديث الحية ~~باعتبارها أقرب صورة حسية لتمثيل الفكرة الطالعة للشيطان أو ~~«إبليس»، حتى أصبح لها مقار عبادة في مختلف الحضارات القديمة. # 36 # ومن هنا اعتبر المسيحيون الحية معبودا شيطانيا ~~كالتيوس الآلهة، ومن هنا أيضا أصبح الشيطان ممثلا في الحية ~~والتنين والتيس لدى المسيحيين، فبقيت اللوحات الفنية المسيحية ~~تمثله بالحية، وبالتنين في جميع أعضائه عدا الرأس الذي حول إلى ~~رأس إنسان ذي قرنين أو أذنين صاعدين مكان القرنين. وكلما تقدمنا ~~زمنيا وجدنا الأعمال الفنية المسيحية تستبعد عن صورته الحية ~~والتنين لتخلفها ملامح إنسان خبيث، لكنه محتفظ بالقرنين أو الأذنين ~~الطويلتين والظلف المشقوق، والذيل الذي غالبا ما ينتهي برأس ~~الحية! # أما أوضح إشارة إنجيلية لتسمية الحية بالشيطان، فقد جاءت في ms039 ~~الإصحاح 12 من أعمال الرسل، إذ تقول: «إنه التنين العظيم، الحية ~~القديمة، المدعو إبليس، الشيطان الذي يضل العالم»! # ولو رحلنا جنوبا نحو جزيرة العرب، فسنجد الجاهليين يسمون ~~الثعبان الكبير شيطانا، ويقال في بعض التفاسير إن هذا المعنى هو ~~المقصود من # طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين ~~(الصافات: 65). كذلك نجد في الإسلام ~~حديثا منسوبا للإمام «علي» يقول: «قلت: يا رسول الله # فتلقى آدم من ربه كلمات ~~(البقرة: 37) فما هي الكلمات؟ قال: يا علي إن الله أهبط آدم ~~بالهند، وأهبط حواء بجدة، والحية بأصبهان، وإبليس بميسان، ولم يكن ~~في الجنة شيء أحسن من الحية والطاووس، وكان للحية قوائم كقوائم ~~البعير، فدخل إبليس في جوفها فغر آدم وخدعه، فغضب الله على الحية ~~وألقى عنها قوائمها، وقال: جعلت رزقك التراب وجعلتك تمشين على ~~بطنك، لا رحم الله من رحمك.» # 37 # وذلك مما يذكرنا بإبليس في العقائد القديمة كطاووس ~~للملائكة وكحية. # ويفصل لنا «النيسابوري» أكثر فيقول: «إن إبليس أراد أن يدخل ~~الجنة ليوسوس لآدم وحواء، فمنعه الخزنة من ذلك، فذهب إلى الطاووس، ~~وكان - سيد طيور الجنة - يتحايل عليه ليدخله الجنة، فدله على الحية ~~لأنها أقدر على ذلك، وكانت من خزان الجنة، وكانت صديقة لإبليس، ~~فأدخلته في فمها ومرت به على الخزانة وهم لا يعلمون فأدخلته ~~الجنة.» # ويصور لنا «الثعلبي» العقاب الإلهي الذي نزل بالمتآمرين ~~الثلاثة «إبليس والطاووس والحية» بقوله: «إن الله أنزل إبليس ~~بالأبلة من أرض العراق وهي البصرة، وقيل ميشان، والحية بأصبهان، ~~والطاووس بأرض بابل، ومسخ صورة إبليس فصيره شيطانا، بعد أن كان ~~ملاكا، وعاقب الحية بخمسة أشياء، قطع قوائمها وأمشاها على بطنها، ~~ومسخ صورتها بعد أن كانت أحسن الدواب، وجعل غذاءها التراب، وجعلها ~~تموت كل سنة بالشتاء (لاحظ تفسيره لمسألة البيات الشتوي) وجعلها ~~عدوة لبني آدم وهم أعداؤها، حينما يرونها يقتلونها.» # 38 # ولعله قد بات واضحا في كل ما سردناه حتى الآن تأثر العقيدة ~~المسيحية والعبرية بالأساطير الرافدية القديمة، إذ لم تزل مصورات ~~الحية بقوائمها إلى اليوم قائمة، ونقوش عدة لإله الخير وهو يقطع ~~هذه ms040 القوائم، ونقوش أخرى تجمع في تصويرها ما بين الطاووس والحية ~~والتيس وإله الخير يصرعه، بل إن إيعاز الحية لآدم وحواء في القصص ~~الديني، يجد له صدى وترجيعا واضحا في الآثار السومرية بعد أن ~~عثر الباحثون على نقش سومري يعود تاريخه إلى الألف الثالثة قبل ~~الميلاد (قبل ظهور اليهودية بقرون طويلة) يصور ذكرا وأنثى ~~يتناولان ثمرة من نخلة، وخلف حواء تدلت حية في وضع يوحي بالصورة ~~نفسها التي جاءت بعد ذلك في القصص الديني لتؤكد مقولة «العقاد»: ~~«إن التطور في الديانات محقق لا شك فيه.» # لوحة رقم 1: «فن رافدي» يمكننا أن نلاحظ في هذه ~~اللوحة الفنية إله الخير على اليمين (لاحظ الأجنحة ~~والريش الذي أصبح من مواصفات الملائكة في مراحل ~~تالية)، يصارع إله الشر ممثلا في هيئة تجمع كل ~~مواصفات إله الشر (القرون، جسم الحية المغطى بالحراشف، ~~ذيل الطاووس، القوائم، والأجنحة تذكيرا بأصله الإلهي ~~أو عنصره الملائكي). # لوحة رقم 2: الإله حورس، أحد أفراد الثالوث ~~المصري الذي يرأسه الأب الإلهي «أوزير» يطعن «ست» ~~إله الشر ممثلا في تمساح، إذ تعد الميثولوجيا ~~المصرية التمساح حليفا لإله الشر «ست»، وهذه ~~القطعة الفنية ذات أهمية خاصة؛ لأنها النموذج ~~الأصلي لكثير من الأشكال الممثلة للقديسين على ~~ظهور الجياد في الفن القبطي، وخاصة في لوحات ~~الماري جرجس. # لوحة رقم 3: الماري جرجس أو البطل الروماني في ~~التصورات المسيحية يطعن التنين، قارن مع لوحة حورس ~~يطعن التمساح. # لوحة رقم 4: الماري جرجس (فن مسيحي) يطعن ~~التنين، قارن مع لوحة حورس. # لوحة رقم 5: تصوير آخر للبطل يقتل ~~التنين. # لوحة رقم 6: على بوابة عشتار نجد هذه اللوحة التي ~~جمعت كل مواصفات إله الشر أو الشيطان: تنين يجسم الحية ~~وذنبها ولسانها، قرون التيس، القوائم، لاحظ إلى أي ~~حد كان يمكن أن تؤثر هذه اللوحة في عقلية «حزقيال» ~~صاحب سفر «حزقيال» بالكتاب المقدس، أو في عقلية بدوي ~~مرتحل! # لوحة رقم 7: التيس الإلهي، فن رافدي من خراسباد ~~القرن الثامن قبل الميلاد، محفوظ حاليا بمتحف ~~اللوفر، قارن مع لوحة الخروف الإلهي. # لوحة رقم 8: الخروف الإلهي، فن ms041 مسيحي. # لوحة رقم 9: الخير يمحق الشر (فن مسيحي) لاحظ ~~أجنحة الآلهة الرافدية في كليهما، وذيل الشيطان (أسفل) ~~تذكيرا بالحية، وتحته اللهب! # لوحة رقم 10: «جن وقرص مجنح. متحف حلب» هذا ما ~~علق به أندريه بارو في كتابه «بلاد آشور، دار الرشيد ~~للنشر، ص104»، لكن لنا أن نرى في هذا النقش صورة تامة ~~لملامح إبليس التي أتتنا في صورتها الناضجة النهائية، ~~فنحن نرى، أمامنا أرجل الماعز والذيل ووجه الإنسان ~~مزودا بقرون لشخصين يحملان كرسيا عليه قرص مجنح، ~~والكرسي ليس سوى العرش، والشمس المجنحة رمز للإله. ~~ومعلوم أن الديانات القديمة في مجملها ترمز لإله الخير ~~بالشمس لأنه مصدر الضياء ... أليس هذا هو من أصبح ~~لوسيفر الذي كان يعكس الضوء الإلهي لأنه من حملة ~~العرش؟ # | زهرة للحب، زهرة للحرب # (1) تأسيس # لعل أجمل كواكب المجموعة الشمسية التسعة في رؤية الإنسان القديم، ~~كان هو ذاك الكوكب اللامع الذي عادة ما يظهر مع مشرق الشمس ~~ومغربها؛ مما حدا بالإنسان القديم إلى الاهتمام بأمره ومراقبته، ~~حتى أطلق عليه «كوكب الحسن»، وكما تغنت الأشعار والأساطير بالقمر، ~~فقد تغنت بالزهرة أيضا، حتى حفت بهما الأساطير من كل لون، ولم يكن ~~يخطر بالبال آنذاك أنه سيأتي اليوم الذي ينتزع فيه العلم الحديث عن ~~مثل هذه الكواكب تلك الهالة العظمى من الجمال والتبجيل، حتى أصبح ~~من فساد الذوق وصفها بالجمال. # وقد كان للرافديين القدماء، وبخاصة البابليين، باع واهتمام خاص ~~بعلم الفلك، ووصلت اكتشافاتهم إلى رصد ومعرفة أحوال خمسة من كواكب ~~المجموعة الشمسية السيارة التسعة، هي «عطارد، الزهرة، المريخ، ~~المشتري، زحل»، ثم أضافوا إليهم النيرين الكبيرين «الشمس والقمر» ~~ليصبحوا سبعة، # 1 # ليصبح الرقم «7» من يومها رقما مقدسا، إذ إنهم ~~جمعوا بين علومهم وبين عقائدهم الدينية، حتى إن المعابد كانت دور ~~عبادة وعلم، كما كانت في الوقت نفسه مراصد فلكية، # 2 # وكانت المعبودات في هذه الدور هي أجرام السماء ~~وأفلاكها، وعلى رأسها هذه الأجرام والكواكب السبعة. # ويبدو لنا مما جاء في اللوح الخامس من أسطورة الخلق البابلية: ~~«أن النجوم هي صورة الآلهة ... هي رموزها»، ms042 # 3 # إن العقل البشري إبان تطوره ارتفع نحو مزيد من التجريد ~~لآلهته، فتمثل لها رموزا في السماء، جاعلا لكل إله من آلهته ~~رمزا يتمثل في نجم أو كوكب أو مجموعة أجرام، لكن أعظم هذه الآلهة ~~شأنا تلك التي رمزوا لها بالمجموعة «7» سالفة الذكر، ومن بين هذه ~~السبعة المقدسات كان لعبادة كوكب الزهرة بالذات مكان ومكانة، وأثر ~~بعيد امتد في مده الزمكاني، أو المكاني والزماني، حتى دخل في صلب ~~عقائد ما زال يعتقدها الإنسان في قرنه العشرين! ~~(2) الزهرة بين الأرض والسماء # عندما كان العقل البشري لم يزل على مدارج بدائيته الفكرية يدرج ~~حبوا إبان مسيرته التطورية، انتقل بخطوة تجريدية بسيطة من عبادة ~~تربة الأرض عرفانا بها كأم رءوم كبرى، ومن تعفير جبهته في ترابها، ~~إلى فصل روح الخصوبة عنها، وتمثلها في إلهة تختص بحمل روح الخصوبة. ~~بحيث لم تعد الخصوبة تتركز في التربة، وإنما في قوة كونية اختص بها ~~معبود جسده العقل الرافدي القديم في إلهة أنثى باعتبار الإخصاب ~~والعطاء والميلاد من خواص الأنثى، ولأن الأرض والأنثى محور حياة ~~الإنسان؛ لذا فقد أصبحت هذه الآلهة قوى أساسية ومحركا كونيا ~~لأحداث العالم، ثم تمثل لها رمزا في السماء هو كوكب الزهرة لما ~~تميز به من حسن وبهاء؛ ومن ثم تحول نحو السماء عابدا؛ ليردف ~~سجوده على الأرض برفع يديه نحو السماء، تاركا لنا رسومها فيما ~~تركه من آثار رافدية (على هيئة نجمة ذات ثمانية إشعاعات، وأحيانا ~~ستة عشر شعاعا). # 4 # وفي مدينة الوركاء السومرية نشأت عبادة كوكب الزهرة ونمت، إذ ~~أطلق عليها اللسان السومري «إينانا» الذي يعني «سيدة السماء»، # 5 # ففي اللسان السومري «إن» تعني سيدة، و«آن» تعني ~~السماء، وبدخول الساميين إلى الرافديين وتأسيس الدولة الأكادية ~~تحول اسمها من «إينانا» إلى «عشتار». # ومما لا شك فيه أن عبادة «الربة الأم» من أقدم العبادات؛ لأن ~~عملية التوالد العجيبة - في نظر الإنسان القديم - كانت من خصائص ~~المرأة وحدها. # 6 # ولما كان التناسل من الأسرار الغريبة؛ فقد شخص هذه ~~الإلهة في البداية بتربة الأرض؛ نظرا ms043 لأن إخصاب التربة ليس سوى ~~نوع من الميلاد المتجدد للمحصول، ولتفسير دورة الحياة النباتية ما ~~بين الخصب والجدب حسب التنوع الفصلي، فقد خطت يد الإنسان أول ملحمة ~~في التاريخ عن إلهة الخصب، هي الملحمة السومرية «هبوط إينانا إلى ~~العالم السفلي» التي أعاد البابليون صياغتها في ملحمة «هبوط عشتار ~~إلى العالم الأسفل». # وفي هذا الزمان البعيد، لم يكن الإنسان قد وصل بعد إلى اختراع ~~فكرة عالم آخر فيه بعث ثم ثواب أو عقاب، ترغيبا وترهيبا، وكل ما ~~استطاع عقله أن يصل إليه حول مصير الموتى، أنهم يهبطون إلى عالم ~~أسفل سطح الأرض ، لا فرق في ذلك بين صالح وطالح، أطلقوا عليه اسم ~~«كور» أو «أرالو». وقد تصوره عالما موحشا مقبضا رهيبا مليئا ~~بكل المفزعات من وحوش وأفاع وحيات، يعيش فيه الميت على الرغام ~~والطين، ولا فكاك من هذا المصير الشقي لأي ميت أيا كانت مكانته. # 7 # وتقول الملحمة إن إلهة الخصب «إينانا» أو «عشتار» أو «الزهرة» قد ~~قامت بتضحية اختيارية، وذلك بنزولها إلى عالم الموتى السفلي، ~~وبغيابها عن عالم الأحياء - وهي روح الخصوبة - جفت الأرض وتوقف ~~النسل وتعطل العطاء النباتي والحيواني وكل مظاهر الحياة المتجددة ~~على الأرض؛ لتفسر الأسطورة فصل الجفاف، وكي تفسر فصل الخصب؛ كان لا ~~بد أن تعود الزهرة من عالم الموتى، إلا أن الحبكة الدراماتيكية ~~استدعت أن يوضع لعودتها شرط، تمثل في ضرورة حلول بديل محلها. وتصل ~~الدراما التراجيدية إلى ذروتها عندما نجدها ترشد زبانية العالم ~~السفلي إلى عشيقها المفضل «تموز» - صاحب الشهر المعروف باسمه في ~~التقويم حتى الآن - ليأخذوه معهم بديلا، نظير الإفراج عنها، رغم ~~ما كان بينهما من قصص غرام وهيام مشبعة بالفعل الجنسي، تم سردها ~~بالأسلوب الصريح المكشوف، بوضوح وبساطة وسذاجة شديدة، تعبيرا عن ~~الاعتقاد في مسألة الخصب وأهميتها. # 8 # أما مدخل العالم السفلي الرهيب، فكان في بابل نفسها، ~~وبالتحديد في فتحة بئر يقع في مدينة الوركاء نفسها، حسبما جاءنا في ~~ملحمة رافدية أخرى هي «ملحمة جلجامش». # 9 ~~(3) الزهرة ربة الحب والحرب # مع بدء «الآشوريين» ms044 على صفحة التاريخ، وتكون الدولة ~~الإمبراطورية الآشورية، لم تعد الزهرة ربة اللذة والحب الشهواني ~~فقط، وإنما أصبحت أيضا ربة حرب هلوك، إذا ما أخذنا بالحسبان طبيعة ~~الشعب الآشوري الدموي وهو شعب محارب بفطرته، لم يشهد العالم القديم ~~مثيلا له في البشاعة والقسوة. وقد وجد الآشوريون لطبعهم واعتقادهم ~~الجديد سندا في طبيعة الزهرة نفسها، فهي تظهر في اليوم مرتين، ~~صباحا مع الشروق ومساء مع الغروب، ومن هنا «اعتبروها إلهة الحب ~~واللذة حين تكون إلهة المساء ... ولكنها إلهة الحرب والقتل حين تكون ~~إلهة الصباح»، # 10 # حتى لقبوها بلقب «سيدة الحرب» فأصبحت مع بداية العهد ~~الآشوري سيدة الحرب إلى جوار كونها سيدة السماء وربة اللذة. # ويؤكد «د. فاضل عبد الواحد» أن فترة سيادة الآشوريين كانت من دون ~~شك من أشهر الفترات التي بلغت فيها الإلهة عشتار منزلة عظيمة ~~باعتبارها إلهة للحرب # 11 # ويضيف د. نجيب ميخائيل أنها عبدت «... كإله ذكر في ~~الصباح يشرف على الحروب والمذابح، وأنثى في المساء ترعى الحب ~~والشهوة، فهي ربة هلوك تسعى وراء اللذة والإغواء». # 12 # والحب الجسدي هبة عشتار، هي «ربة العشق»، وهي «ملكة ~~اللذة»، وهي «التي تحب المتعة والفرح»، وترتبط عبادتها بالعاهرات ~~المقدسات المعروفات باسم «عشتاريتو» أي «العشتاريات» ... ولا يخضع ~~البشر وحدهم لنزواتها بل الحيوان كذلك، ولقد استطاعت أن تطغى على ~~اختصاصات غيرها من المعبودات في «سومر» و«أكد» و«آشور»، وهي زوجة ~~لكبار الآلهة. # 13 # ويفسر «د. ميخائيل» مسألة العهر أو البغاء المقدس التي رافقت ~~عبادة الزهرة بقوله: «وكانت عبادة عشتار تتطلب طبقة أخرى من النساء ~~حول هيكلها، ينذرن أنفسهن لمطالبها ونزواتها؛ ومن ثم يطلق ~~عليهن اسم عشتاريتو، وهن بنات الهوى ... «الحريماتي» ... وهناك ~~كذلك طبقة المنذورات ... وهن من يقدمهن ساداتهن أو آباؤهن ~~نذرا للمعبد للخدمة فيه.» # 14 # ولعله من الواضح البين أن هذا الطقس الذي تمجه أعرافنا ~~وأذواقنا اليوم، إنما كان رمزا من رموز الخصب، يؤكد أهمية الجنس ~~لإدامة الحياة وخلق مظاهرها المختلفة، وقد بقي هذا الطقس إلى عهد ~~متأخر، فقد أسهب في ذكره المؤرخ اليوناني الرحالة «هيردوت» ms045 حوالي ~~عام 500ق.م. # ونجد لدى الباحث «فراس السواح» تفسيرا أوضح قربا من واقع عقلية ~~هذه العصور الغابرة، فيقول في معرض حديثه عن الإلهة الأم الكبرى، ~~أو إلهة الجنس كعبادة عامة عرفتها أغلبية شعوب العالم القديم: ~~«وهذه الإلهة إما أنها مخصبة ذاتيا دونما حاجة لقوة خارجية، كما ~~هو الأمر في الميثولوجيا اليونانية، إذ أنجبت الأرض «جيا» إلها ~~جديرا بها هو «أورانوس السماء» الذي غطاها تماما من جميع جهاتها، ~~أو أنها بحاجة لقرين يساعدها على الإنجاب، وهذا الدور يؤديه إله ~~السماء نفسه، حيث يقوم الإلهان بفعل القران الأول، الذي يقلده ~~الأحياء منذ تلك الأيام: «أنا السماء وأنت الأرض» (هذا ما يهمس به ~~العريس الهندوسي ليلة زواجه في أذن عروسه)؛ لهذا السبب فقد رافقت ~~في أحيان كثيرة طقوس واحتفالات الإلهة الأم، ممارسات الجنس ~~الجماعي، الذي من شأنه في هذه المناسبة المقدسة تحريض القوى ~~الإخصابية الكامنة في الأرض، اعتمادا على مبدأ السحر التشاكلي، ~~حيث الشبيه ينتج الشبيه.» # 15 # ونظن أن مسألة المنذورات قد جاءت في مرحلة متأخرة نسبيا وأكثر ~~ارتقاء كنوع من التخصص الكهنوتي، بعد أن كانت هذه العبادة ~~الداعرة. مسألة عامة ومتفشية بشكل وبائي حاد لدى عباد الزهرة، حتى ~~اعتقد أن أفضل قربان يقدم للزهرة هو بكارة الأنثى، وفي هذا يقول ~~«ول ديورانت»: «... ولم تكن التضحية بالبكارة في الهياكل عملا يتقرب ~~به إلى عشتروت وحسب، بل كان فوق ذلك مشاركة لها في التهتك، الذي ~~يرجى منه أن يوحي إلى الأرض إيحاء قويا لا تستطيع مقاومته، وأن ~~يضمن تكاثر النبات والحيوان والإنسان.» # 16 # ويرى «د. أنيس فريحة» أن هذا البغاء الذي وصل حد «بيع ~~النساء أجسادهن في أيام معدودات، وشراء ذبائح لعشتروت بأجورهن ~~بقايا عادات قديمة سابقة للتاريخ، عندما لم يكن هناك زواج بالمعنى ~~الذي نفهمه الآن، بل عندما كان الزواج اجتماعيا مشتركا، النساء ~~للرجال والرجال للنساء في القبيلة الواحدة.» # 17 # ورغم كل هذا الشبق الحاد الذي تميزت به إلهة كوكب الزهرة، ومع كل ~~قصص الغرام وتعدد عشاقها وفتكها المستمر بهؤلاء العشاق كما حدث ms046 مع ~~«تموز» - كما لو كانت بقايا من غريزة حيوانية في اللاشعور ~~الإنساني؛ لسابقة كانت الأنثى تفتك فيها بالذكر بعد الجماع، كما ~~نجد في بعض الكائنات الحية اليوم - رغم كل ذلك نجد «... عبادها ~~كثيرا ما كانوا يخاطبونها بقولهم: العذراء، العذراء المقدسة، الأم العذراء.» # 18 # ويعلق «السواح» على ذلك بقوله: «والعذراء لقبها، ~~والعذرية جوهرها، رغم أنها ترمز للجنس والحب والإخصاب، فهذا ~~الجوهر، لا يبدده لقاء عابر ولا حمل ولا ولادة، وتبقى عذريتها رغم ~~إخصابها الأبدي الذي لا يمسه عرض زائل، ولعشتار عشاق وأزواج، ~~أشهرهم تموز التعيس.» # 19 # ويقدم «جون. م. أليكارو» تفسيرا لهذا التناقض الغريب في شخصية ~~الزهرة بقوله: «إن خلق الجنين في الرحم في اعتقاد القدماء يعتمد ~~على ثلاثة عناصر: الروح، دم الحيض، مني الرجل. أما الروح فمن عند ~~الله، والدم تقدمه المرأة، والمني للرجل، ولما كان دم الحيض عند ~~العذراوات أغزر منه بكثير لدى المتزوجات، وخاصة بعد الولد الأول، ~~فقد اعتقد الأقدمون أن مقدرة العذراء الإخصابية أكثر بكثير من ~~غيرها. وخصوصا أن انتهاء الحيض يعني عدم القدرة على الإنجاب، وذلك ~~عند تجاوز المرأة لسن اليأس. ومن هنا فإن عشتار وهي رمز الإخصاب لا ~~يمكن أن تكون عذريتها إلا بهذا المعنى للكلمة، أي المخصبة أبدا، ~~الغزيرة دم الحيض، الخالق للحياة.» # 20 # ومن الجدير بالذكر أن العذراء كلمة سامية مشتركة في مختلف اللغات ~~السامية، فمنطوقها الأكادي في الرافدين هو «بتلت»، وفي الأوجاريتية ~~«الكنعانية» «بتلت» أيضا، وفي الآرامية «بتولتا»، وفي العبرية ~~«بتولا»، وفي العربية «بتول». # 21 ~~(4) الزهرة معبودة الجماهير # ومع الفتوحات البابلية والآشورية لبلاد شرقي المتوسط، رحلت ~~الزهرة مع الرافدين تفرض عبادتها على القلوب. ففي كنعان حطت رحالها ~~باسم «عنات» - باللسان الكنعاني - أو «إناث» بمعنى الأنوثة وما ~~ينطوي عليه. وفي فينيقيا شمالا ظلت باسمها الآشوري «إستار». ومن ~~هناك عبرت البحر مع التجارة الفينيقية إلى اليونان، حيث أصبحت هناك ~~«أثينا» أو «أفروديت»، بل إنها وصلت روما لتعبد هناك تحت الاسم «فينوس». # 22 # وقد كان الفضل في انتشارها بالقارة الأوروبية إنما ~~يعود في المقام الأول ms047 إلى أهل الساحل اللبناني الفينيقيين، الذين ~~تمكنوا من السيطرة على البحر، كما كانوا شعبا تجاريا من الطراز ~~الأول، حتى إن تمكنهم البحري والتجاري لا يزال يعد أعجوبة ~~ومثلا تاريخيا نادرا، ولم يقتصر توسعها على الغرب فقط، وإنما ~~اتجهت أيضا نحو الشرق، حيث عيلام (إيران القديمة) لتعرف هناك باسم ~~«سيدة عيلام» التي تسكن سوسة «عاصمة عيلام». # 23 # ولم يسلم من فتنتها أي من شعوب المنطقة، حتى من ينعتهم ~~المؤرخون بالموحدين، أقصد الشعب العبري أو اليهودي، قد وقعوا في ~~فتنة الزهرة فعبدوها ومارسوا طقوسها الرافدية نفسها. # ومن الجدير بالذكر في هذا المقام الإشارة إلى أن عبادة الزهرة ~~اشتملت على طقوس متعددة، أبرزها طقس موسمي للبكاء على الإله «تموز » ~~التعس والنواح عليه لميتته في العالم السفلي بعد أن أسلمته «عشتار» ~~للزبانية بديلا عنها، وهذا الطقس بالذات يرويه لنا النبي «حزقيال» ~~في سفره بالكتاب المقدس، حيث يقول: إنه قد شاهد من بين اليهود عند ~~«... مدخل بيت الرب ... نسوة جالسات يبكين على تموز ... وإذا عند باب ~~الهيكل بين الرواق والمذابح، نحو خمسة وعشرين رجلا، ظهورهم نحو ~~الهيكل ووجوههم نحو الشرق وهم ساجدون ...» # 24 # كما أن سفر نشيد الإنشاد المنسوب للنبي «سليمان»، لا يتسم بأية ~~صفة دينية، ولا يمت للمعتقدات العبرية بصلة، كما لا تنسجم محتوياته ~~أصلا مع طبيعة الكتاب المقدس، فهو أناشيد غزلية مكشوفة تماما ~~تنضح بالتعابير الجنسية، تدور كحوار بين عشيق وعشيقته، يصف فيها ~~العاشق مفاتن عشيقته واقتدارها الجنسي. وهو بالمقارنة مع طقس عشتار ~~«الزهرة الرافدية» المسمى ب «الزواج المقدس» بين الكاهنة الكبرى ~~للبغايا المقدسات، وبين الملك الذي كان يعد كبيرا للكهنة في ~~الوقت نفسه، لتحريض القوى الإخصابية على العطاء، نجد نشيد الإنشاد ~~يكاد يكون نسخة منقولة، وخاصة أن الفتى العاشق في الأناشيد ينعت ~~بكلمتي: ملك راع، وهما من نعوت «تموز» في الرواية الرافدية، ~~والفتاة في الأناشيد توصف مرة بأنها زوجة ومرة بكونها أختا، وهما ~~صفتا الزهرة في أساطيرها الرافدية، ومن هذه الغزليات العبرية ~~السليمانية نقتطع بعض المقاطع مثل: # ليقبلني بقبلات فمه؛ لأن حبك ms048 أطيب من الخمر ... # في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي ... # شفتاك يا عروس تقطران شهدا، تحت لسانك عسل ولبن ~~... # دوائر فخذيك مثل الحلي ... سرتك كأس مدورة لا يعوزها ~~شراب مزوج ... # ثدياك خشفتا توءمي ظبية ... وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات، ~~قامتك هذه شبيهة بالنخلة، وثدياك بالعناقيد، قلت إني أصعد إلى ~~النخلة وأمسك بعذوقها، وتكون ثدياك كعناقيد الكرم، ورائحة أنفك كالتفاح. # 25 # وقد أشار أكثر من باحث من ذوي المكانة العلمية إلى تسرب عبادة ~~الزهرة وطقوسها إلى الديانة اليهودية، فيؤكد «ول ديورانت» أن العهر ~~المقدس والمنذورات كانت طقوسا تمارس في هيكل بني إسرائيل. # 26 # كما نجد في الأعياد اليهودية نسخا أخرى من أعياد ~~الزهرة في صيغتها الكنعانية، وهناك لم يكن خلال السنة الواحدة ما ~~يمكن اعتباره فصلي خصب وجدب؛ لأن أغلبية الأراضي كانت تعتمد في ~~ريها على الأمطار والمياه الجوفية، ويشير «جوردون» إلى أنه لم ~~يكن هناك شيء أبعث للرعب في نفوس الكنعانيين مما أسموه بالسنوات ~~العجاف إذا تلاحقت، وقد جاء في الأساطير المكتشفة في أوجاريت أنها ~~تستمر سبع سنوات، يليها سنوات سبع أخرى كلها خيرات وهكذا دواليك. # 27 # ولنا أن نعلق هنا بأن الأمر لم يكن يسير في حقيقته على ~~هذا المنوال، إنما هو الخيال الأسطوري المشبع بتقديس الرقم «7». ~~وغني عن الإيضاح أن ما جاء في قصة يوسف بالكتاب المقدس، يشير إشارة ~~واضحة إلى الأثر الكنعاني في العقائد اليهودية، ويقول «موسكاتي»: ~~إن هذا الاعتقاد قد ترك أثره في عيد «شابوعوت» اليهودي، وقياسا ~~على قصة إلهة الخصب، كان يجب أن تستريح تربة الأرض سنة كل سبع ~~سنوات تسمى سنة «السبت» ولم يكن يبذر أو يحصد فيها شيء. # 28 # و«شابوعوت» أو عيد الأسابيع كما يسمى في الكتاب المقدس # 29 # هو عيد الحصاد، فهو عيد قيامة الزهرة للحياة وعودة ~~الخصب إلى الأرض، كذلك عيد الفصح، هو في أصله كما يؤكد «لودز» ليس ~~سوى بقايا العبادة الرافدية القديمة. # 30 # وذلك بالنظر إلى أنه كان يحتفل به في مستهل الربيع؛ ~~لأنه موسم إنتاج الأرض والماشية ms049 فيما يقول «سميث»، # 31 # حتى إن اسم عيد الفصح سواء عند اليهود أم المسيحيين هو ~~في الإنجليزية «إيستر»، وفي الألمانية «أوستيرن»، وفي التوتونية # Eastra # أو # Ostara ~~، وكما هو واضح في النطق ~~أن الاسم ليس سوى ترديد مختلف اللكنات لاسم الإلهة «عشتار». # ومن اليهودية ينقلنا «السواح» إلى المسيحية، حيث يقول: «أما الأم ~~الكبرى أو القوة الإخصابية الكونية المتمثلة بإلهة الحب العذراء، ~~فقد حلت محلها السيدة مريم العذراء، التي دعيت بسيدة السماء، وهو ~~اللقب الرئيسي للإلهة عشتار، وحتى وقت قريب كانت السيدة مريم تدعى ~~في بعض المناطق الريفية في إيطاليا الجنوبية ب «أفروديتا» نسبة إلى ~~أفروديت (وهو اسم الزهرة عند الرومان)، كما كانت تماثيل الإلهة ~~ديمتر (اسم الزهرة عند اليونان) الباقية في بعض الخرائب العتيقة، ~~تعبد على أنها السيدة مريم ذاتها.» # 32 # والغريب حقا أننا إذا تتبعنا اسم السيدة «مريم # Mary ~~» سنجده لقب كوكب الزهرة عند ~~الرومان، فقد اعتبرها هؤلاء - نقلا عن الفينيقيين - إلهة للبحر، ~~وكلاهما كان شعبا بحريا، وأطلقوا على «أفروديت» الزهرة اللقب ~~البحري «ستيلا ماري»، # 33 # أي كوكب البحر، والبحر في اللاتينية واللغات المشتقة ~~منها هو، # Maria Meer MaryMare ~~، ~~ويشير «عباس العقاد» إلى أن الاسم «مريم # Mary ~~» كان اسما عاما يطلق على إلهات الخصب، # 34 # فهو في سوريا القديمة # Mirhe # واليونان # Maia # وفي الهند # Marya ~~، وجميعها كما نرى تبدأ ~~بميم الأمومة التي تنادي بها الأم في مختلف اللغات، وهو اللقب نفسه ~~الذي حازته الزهرة في الرافدين، حيث رمز الأمومة الأكبر، فكانوا ~~ينادونها ماما # Mama # وأما # Ama ~~. # 35 # مع ملاحظة جانبية هي أن السيدة «مريم» قد تربت في بيئة ~~يهودية متأثرة تماما ومشبعة بأفكار وعقائد إلهات الخصب، بل إنها ~~كانت إحدى المنذورات للهيكل! وكان المعتقد - في تلك الأيام - أن ~~المنذورة إذا حملت فإن حملها يكون من الإله، وهو الاعتقاد المسيحي ~~فيما حدث لها بميلاد المسيح. ورغم أنها أنجبت المسيح، ومن بعده ~~أنجبت عددا آخر من إخوته فيما تزعم الأناجيل، # 36 # فإنها ظلت تحظى بلقب الزهرة الشائع «البتول ~~العذراء»! ~~(5) الزهرة بين اليهود ms050 والعرب # ومن الرافدين إلى بلاد العرب، انتقلت المعارف الفلكية وعلم ~~التنجيم، حتى إننا نجد لدى العرب تقسيمات للبروج والأجرام ~~والكواكب، لم تزل أسماؤها العربية معمولا بها حتى اليوم، ومع هذه ~~المعارف الفلكية انتقلت أيضا معرفة الأجرام والكواكب السبعة ~~«الشمس، القمر، عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل»، وبينما ~~اعتبروا الشمس والقمر النيرين الكبيرين، فقد عرفوا أن الكواكب ~~الأخرى ليست كالشمس والقمر، وإنما هي كواكب سيارة؛ لذلك أطلقوا على ~~الكواكب الخمسة اسم «الخنس الكنس»، والاسم «خنس» يعود لكونهم ~~لاحظوها تسير في البروج والمنازل الفلكية سير النيرين الكبيرين، ~~لكنها ترجع، وترجع هي «تخنس»، أما «كنس» فتعود لكونها تستتر كما ~~تستتر الظباء في كناسها بالجبال، وتستر الظباء هو «كنس الظباء». ~~وهي تعابير تعكس طبيعة البيئة العربية وتتسق معها، ويذهب الباحث ~~«محمود الحوت» إلى احتمال أن يكون انتقال هذه العلوم إلى جزيرة ~~العرب قد جاء على يد الصابئة، ومن المعروف أن صائبة الجزيرة كانوا ~~تلامذة للكلدانيين من أهل الرافدين، وقد انتهى بعض الباحثين مؤخرا ~~إلى أن مذهب صابئة الجزيرة كان من مذهب أهل الرافدين الكلدانيين ~~القدماء؛ مما يرجح هذا الاحتمال. # 37 # ويبدو أن الزهرة عندما انتقلت مع «الخنس الجواري الكنس» ~~إلى جزيرة العرب، أخذت معها أيضا صفاتها وخصائصها، ولربما بعض ~~طقوس عباداتها، وفي هذا يقول «د. خليل أحمد»: «ومن أبرز الكواكب ~~التي حظيت بالاحتفالية الأسطورية عند العرب: الزهرة: وهي إلهة ~~الجمال والحب التي قدسها بعض العرب في البداية، ثم شملت عرب الشمال ~~بأجمعهم. هذا وقد أطلق عليها المنجمون اسم السعد الأصغر ... وأضفى ~~عليها العرب صفات مجتمعهم القبلي الترفيهية، كالطرب واللهو والسرور ~~... كما اعتقدوا أنها تهيج الغريزة الجنسية عند الضجاع بين المتآلفين ~~من شدة الحب.» # 38 # ويضيف «د. الجوزو» أن العرب عبدوا الزهرة وصاغوا حولها ~~الأساطير، وأهمها أسطورة تقول: «إنها كانت امرأة حسناء أغرت ملكين، ~~وتعلمت منهما الكلمة التي يصعدان بها في السماء، إلى حيث ارتقت ~~ومسخت هناك كوكبا.» # 39 # ويحتمل - فيما نرى - أن تكون قصتها مع الإله التعس «تموز» قد ~~وصلت إلى الجزيرة فيما وصل، ولربما ms051 تكون قصة هذين الملكين هي تكرار ~~أو صورة أخرى لما حدث مع «تموز»، خاصة إذا ما أخذنا بالحسبان أن ~~الأسطورة العربية تنتهي بالملاكين للنهاية التعسة نفسها، فبعد أن ~~أغوتهما الزهرة، ونالت منهما مشتهاها، أودت بها، فقد نكسا في بئر ~~في بابل، وهو ما يشبه إلى حد كبير مصير «تموز» ونزوله من بئر بلاد ~~بابل إلى عالم الموتى السفلي. أما التغيرات الطفيفة التي لحقت ~~بالأسطورة فمن الممكن عزوها إلى عامل الزمن ودوره في تطور ~~المعتقدات، أما كون الأسطورة العربية تعتبر من وقع أسير فتنة ~~الزهرة ملاكا (أو ملاكين) وليس إلها كما هو حال «تموز»، فيعود ~~فيما نعتقد إلى نزوع العقل البشري خلال هذه القرون الطويلة نحو ~~التوحيد، كما نعتقد أنه كان للشعب العبري دور لا يغفل في هذا ~~الأمر، فاليهود أو العبريون قد عاشوا في الأسر البابلي حوالي أربعة ~~قرون أو يزيد، ولا جدال أنهم نقلوا - فيما يرى معظم الباحثين - جل ~~آلهة الرافدين معهم إلى فلسطين، وعلى رأسهم الإله الجبار «إيل»، ~~وأضافوا إليها عددا من الآلهة الفرعونية والكنعانية. # ويبدو أنه مع اتجاههم نحو إلههم القومي «يهوه» وتفضيله دون غيره ~~على بقية الآلهة، عز عليهم أن يتركوا هذا الجم الغفير من الآلهة ~~باعتباره ثروة وتراثا قوميا بدوره، فحولوها من آلهة إلى أتباع ~~للإله القومي «يهوه». واعتبروها أقل منه شأنا. لكن هذه الآلهة ~~العديدة ظلت تحمل الطابع الإلهي هو هو لم يتغير، فهي مثل الإله ~~نورانية التكوين، وهي مثله خالدة، ولها قدرات كقدراته، ولها أجنحة ~~كأجنحة آلهة الرافدين، التي ما يزال بعض تماثيلها المجنحة قائما ~~في العراق إلى اليوم، وبما أنها أصبحت تابعة للإله الأكبر أو من ~~أملاكه، فقد أطلق عليها اللسان العبري - معبرا عن هذا المعنى - ~~اسمها الجديد «الملائكة»، ولما كان الإله الجبار «إيل» هو من أعظم ~~الآلهة القديمة شأنا لدى جميع الشعوب السامية الأصل، ولدى اليهود ~~بوجه خاص، فقد أخذ وضعه اللائق به بين الآلهة المساعدة أو ~~الملائكة، فأصبح كبير الملائكة وسيدها، باسمه القديم الإله الجبار ~~«جبرا إيل» أو «جبريل» وقد ms052 تخلفت الكلمة «جبرا» بمعنى الجبروت ~~والقوة في كل اللغات السامية عن النطق الرافدي، بما في ذلك اللغة العربية. # 40 # وقد ذهب بعض الباحثين مذهبنا هذا في تحول آلهة الرافدين إلى ~~ملائكة عند اليهود، ولكن في إشارات سريعة ولمحات خاطفة دون تفصيل، ~~مثلا جاء في قول «ديورانت»: «... ولعل اليهود قد صاغوا ملائكتهم من ~~هذا الحشد العظيم من الآلهة.» # 41 # وسيرا وراء تدعيم مذهبنا نتناول صفحات الكتاب المقدس، ~~فيطالعنا سفر حزقيال برؤياه لطائفة من الملائكة تسمى الكروبيين أو ~~الكروبيم يصفها قائلا: «... لكل منها أربعة أوجه، وجه إنسان ووجه ~~أسد ووجه ثور ووجه نسر، ولكل منها أربعة أجنحة تحتها أيدي إنسان.» # 42 # ويعلق «د. السيد بكر» على هذه الرؤيا بقوله: «وحزقيال ~~متأثر في هذا الوصف - ولا ريب - بتماثيل وصور الكائنات الجنية ~~المجنحة التي كانت تحرس معابد بابل وقصورها، والتي شهدها حزقيال ~~قطعا إبان المنفى.» # 43 # ويؤكد ذلك أن في سفر حزقيال إشارات مباشرة إلى الصور ~~المحفورة على الجدران في بابل. # 44 # وتبعا لهذا التطور الذي تحول بمجموعة الآلهة القديمة إلى أتباع ~~للإله الأكبر الخالق، فقد سار العرب على السنة نفسها، وقالوا إن ~~لله ملائكة يملكها، والصابئة (وهم يعودون بأصلهم وبعقيدتهم إلى ~~بابل فيما يزعم بعض الباحثين) من العرب، كانوا يدينون للعقيدة ~~القديمة فيعبدون الملائكة. وكانوا مع بقية العرب ينظرون إليها على ~~أنها شفعاء إلى الله. وغني عن التعريف أن الإسلام قال أيضا بهذه ~~الملائكة وبنفس الاسم «ملائكة»، واعتبرها كائنات نورانية مجنحة ... # جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع ~~(فاطر: 1)، # 45 # وعلى رأسها يقف جبريل سيدا؛ لأنه من طائفة الكروبيين ~~أو الكروبيم، وهم في الزمخشري سادة الملائكة، # 46 # وهم حملة العرش، ومما يروى أن النبي محمدا # صلى الله عليه وسلم # قد صادق على بيت من الشعر الجاهلي لأمية بن عبد الله يصف فيه هذه ~~الطائفة الملائكية يقول: # رجل وثور تحت يمنى رجله # والنسر لليسرى وليث ملبد # 47 # وجاء التصديق من النبي # صلى الله عليه وسلم # على هذا الوصف لجبريل وطائفته، ~~في قول النبي ms053 عن ابن عباس: «صدق أمية في قوله.» # 48 ~~(6) الزهرة في بلاد العرب # أصبح من المسلم به إذن أن العرب قبل الإسلام قد عرفوا عبادة ~~كوكب الزهرة، لكن المشكلة التي نواجهها الآن فيما بين أيدينا من ~~مصادر تتضارب فيها الآراء هي: هل كان للزهرة علاقة بالربات الثلاث ~~المعبودات في الجاهلية: اللات ومناة والعزى؟ وإذا كانت هناك علاقة، ~~فأي الربات الثلاث كانت تمثل كوكب الزهرة؟ # يعد «فلهاوزن» من بين أكثر المستشرقين اهتماما بعقائد شبه ~~الجزيرة، وكان له اهتمام خاص بالإلهة العربية «العزى»، وهو ينقل عن ~~المؤرخ الروماني «بروكيبوس» المتوفى 562م، أن «العزى» العربية هي ~~نفسها الإلهة «أفروديت»، وأن ذلك قد ورد صراحة من قبل في قول مؤرخ ~~سرياني مرتين، # 49 # ولما كنا قد عرفنا آنفا أن «أفروديت» هو الاسم ~~الروماني لربة الزهرة، فيكون مقصد «فلهاوزن» أن الزهرة هي العزى ~~العربية، ونظرا لما يتمتع به هذا الرأي من وجاهة - في رأينا - ~~فإننا بالتقصي يمكن أن نجد كثيرا مما يؤيد رأي «فلهاوزن»، وإليك ~~بعض ما وجدناه أو استنتجناه مما ورد في المصادر من مؤيدات، سواء ~~بطريق مباشر أم بطريق غير مباشر أم مقصود: ~~(1) # جاء في قول «إسحاق الأنطاكي - ق 5ق» أن العرب كانوا ~~في هذا الوقت يعبدون من تسمى «بلتي»، كما يقول «علي» ~~في معجمه (4280) هي الزهرة (فينوس في النطق اليوناني) ~~وهي عنده تحمل أيضا اسم العزى. # 50 # ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى احتمال أن ~~يكون ل «بلتيس» علاقة بما جاء في الأساطير عمن تسمى ~~الملكة «بلقيس»، خاصة مع ما حيك حول شخصيتها من قصص ~~تقول إنها خلبت لب الملك «سليمان الحكيم» بفتنتها. ~~فكان أن أتاها وأنجب منها سلسلة من الأباطرة حكموا ~~الحبشة. كان آخرهم الإمبراطور «هيلاسلاسي» - كما في ~~الأساطير الحبشية - وما جاء في الكتاب المقدس أنه كان ~~لها أرجل ماعز، والماعز يذكرنا بعشيق الزهرة الرافدية ~~«تموز» الراعي، وأنه في الأسطورة الرافدية حاول أن ~~ينجو من زبانية العالم السفلي فتحول إلى ماعز، لكنهم ~~قبضوا عليه في النهاية، إضافة إلى حقيقة تاريخية تتعلق ~~بطبيعة اللغات ms054 السامية، وبخاصة اللغة العربية، وهي «أن ~~العرب كانوا يكتبون بلا نقاط، فإذا قرءوا التبس عليهم ~~الأمر» وأحيانا كانت العين تحسب ميما أو تحسب القاف ~~تاء، حتى إنك لتجد هذا اللبس حتى اليوم في كلمات ~~كثيرة، ومثلا لذلك اختلاف كتابة اسم الملك البيزنطي ~~في المصادر ما بين «يعفور، ونعفور، ونقفور». وغير ذلك ~~كثير في المصادر اللغوية. # 51 # ولما كانت هذه المسألة تخرج على نطاق ~~موضوعنا، فإننا نتركها كعلامة لمن يريد بحثها وتأصيلها ~~من الباحثين. ~~(2) # مما يؤيد رأي «فلهاوزن» في كون الزهرة هي «العزى»، ~~أن «العزى» كانت تعبد في شكل شجرات ثلاث مقدسات، ~~والشجر هو علامة الخصب وهو خاصية إلهة الزهرة. ~~(3) # كان للعزى تمثال أو رمز تحمله قريش في حروبها، فهي ~~فيما يقول «الحوت» «من الإلهات التي كانت تشترك في الحروب». # 52 # وهذه الخاصية بدورها كانت إحدى خصائص ~~الزهرة. ~~(4) # كان من بين آلهة الصفويين الإله «عزيزو» أو ال ~~«عزيز» وهو كوكب الصباح وكان إلها مذكرا، وكوكب ~~المساء وكان مؤنثا، فدعوه «العزى» تأنيثا ل ~~«العزيز»، وكوكبا الصباح والمساء هما الزهرة عندما ~~تكون إلهة حرب أو إلهة حب. # 53 ~~(5) # إن لقب إلهة الزهرة كنجمة صباح في المجتمع الإغريقي ~~الروماني كان «آزيزوس»، # 54 # وهو كما نرى تصحيف للعزى الشرقية. ~~(6) # من بين آلهة تدمر توءمان هما «عزيز» المشار إليه ~~آنفا كنجم صباح معبود لدى الصفويين، و«أرصو» أو «أرض» ~~كنجم مساء، # 55 # مع ملاحظة أن أرص هي «أرض»، والأرض كانت ~~إلهة الخصب أو الإلهة الأم التي شخصت فيما بعد في كوكب ~~الزهرة. ~~(7) # إن «د. خليل أحمد» يقول: إن «العزى» رمزت عند العرب ~~لكوكب الحسن. أما اللات فرمزت إلى الزهرة. # 56 # وهو كلام فيه سوء فهم وخلط واضح؛ لأن ~~الزهرة ليست غير كوكب الحسن ذاته، ولكن ما يعنينا هو ~~إشارته إلى أن «العزى» كانت ترمز إلى كوكب الحسن أي ~~الزهرة (وقد يعني بقوله أن اللات أيضا كانت رمزا ~~للزهرة، لكن تعبيره وموضوعه لم يفد ذلك المعنى، رغم أن ~~هذا المعنى من وجهة نظرنا فيه صحة كبيرة كما سنرى ms055 ~~لاحقا). # هذا ما ذهب إليه «فلهاوزن»، ومع ما رأيناه ينسجم مع وجهة نظره ~~ويؤيدها، وهكذا يكون «العزى» الاسم الذي كان يشير إلى كوكب الزهرة ~~عند العربي الجاهلي، إلا أن «فلهاوزن» يتطرق بعد ذلك إلى «اللات» ~~فيقول إنها كانت رمزا للشمس # 57 # ويذهب مع هذا الزعم بعض المؤرخين والباحثين العرب، ~~فيقول «د. جواد علي»: «إن ... اللت هو «اليلت» ... الإله الرئيسي عند ~~العرب في أيام المؤرخ هيرودوت ... وهو اللت ... من نصوص الحجر ... ويظن ~~أن اللات هي الشمس بدليل أن الشمس أنثى.» # 58 # كذلك يذهب المذهب نفسه الباحث «محمود الحوت» مستندا ~~إلى رأي «فلهاوزن» وتأييد «نولدكه» في مذهبه؛ ليستنتج أن اللات هي الشمس. # 59 # ورغم أننا قد بحثنا فيما بين أيدينا من مصادر عما يؤيد مذهب ~~«فلهاوزن» من كون أن العزى هي الزهرة، فإننا نخالفه في اعتباره ~~اللات هي الشمس - مع علمنا بقدر «فلهاوزن» وحفظنا لثقله ولقدره - ~~والاختلاف مرجعه إلى رؤية خاصة، تستند إلى رأي آخر ذهب إليه «رينيه ~~ديسو»، مدعما بالتصديق والتأييد من كل من «ريكمانزوستاركي »، بل ~~إننا نزعم - زعما ابتدائيا - أن الإلهات الثلاث مجتمعات «اللات ~~والعزى ومناة» لم تكن سوى رموز لكوكب الزهرة وحده دون أي معبود آخر ~~من أجرام الفضاء، وهذا ما سنحاول إقامة الدليل عليه الآن. ~~(7) الزهرة والإلهات الثلاث # بالعودة إلى النصوص القديمة في بلاد الشام، حيث انتقلت إلى هناك ~~عبادة ربة الزهرة من الرافدين، نجد الكنعانيين قد عبدوا إلى جوار ~~الإله الرافدي الجبار «إيل» زوجة أيضا، واعتبروها الأم الكبرى ~~والمخصبة الكونية، وأطلقوا عليها لقب التأنيث من «إيل» وهو ~~«إيلات»، أما اسمها فكان «عشيرة» ولقبوها ب «سيدة البحر»، ولم يزل ~~لقبها كزوجة للإله «إيل» وكسيدة للبحر علما على الخليج المعروف ~~باسمها في البحر الأحمر إلى اليوم. # 60 # ولا يخفى أن «عشيرة» من «عشتار»، ولقبها «سيدة البحر» ~~من أسماء وألقاب إلهة كوكب الزهرة، ولما كانوا قد أسموها «إيلات» ~~من المذكر «إيل»، فإن ذلك يدعونا إلى القول بأن «إيلات» لم تكن سوى ~~الزهرة، مع ملاحظة أن اللفظ «إيلات» هو «اللات» نفسه. ms056 # كذلك جاء في النصوص الأوجاريتية النص التالي: «ربت أثرت يم - ألت» # 61 # وبالترجمة يكون: «أثرت = عشيرة»، «ربت = ربة» «يم = ~~البحر» «ألت = إيلات أو اللات»، ومجمله «عشيرة ربة البحر، إيلات» ~~وهو يؤيد ما ذهبنا إليه. # وقد ذكر هيردوت (حسب لغته) أن العرب كانوا يعبدون الزهرة ~~ويدعونها آليتا # Ailita # أو # Alilat ~~. # 62 # إضافة إلى أن «اللات» التي عدها التدمريون غالبا ما ~~كانت تذكر باسم «أثينا» وقد سمي ابن «أذينة» و«زنوبيا» «وهب ~~اللات». وجاء اسمه من اليونانية # Athenodors # 63 # أي «هبة أثينا» أي إن «اللات» التدمرية كانت هي أثينا، ~~وأثينا ليست سوى الزهرة. # وعليه: فإن اللات بدورها - إلى جوار «العزى» - إنما كانت رمزا ~~لكوكب الزهرة، وهو ما ارتآه «ديسو»، وأيده فيه بشدة كل من «ريكمانز» # 64 # و«ستاركي». # 65 # والآن: أين «مناة» من كل هذا؟ # يمكنني هنا العودة للاستناد إلى اللبس والخلط الذي حدث بين اللغة ~~العربية وذاتها، ما بين الكتابة غير المنقطة وبين نطقها من جهة، ~~وما بينها وبين بقية اللغات السامية الأخرى، فأضع افتراضا مؤداه ~~أن «مناة» ليست سوى «عناة» روح الخصوبة عند الكنعانيين، المشتقة ~~أصلا من «عشتار» اسم الزهرة في الرافدين. علما بأن «عناة» كانت ~~تلقب بالعذراء، وباسمها الرافدي صراحة «عشتارت»، # 66 # هذا إضافة إلى ما جاء عن عبادات عرب الشمال، فقد عبد ~~هؤلاء كما أسلفنا الإلهة الأم الأرض (أرض أو أرص أو أرصو أو رضى)، ~~وقد أسموها «مناة»، واعتبروها ممثلة الزهرة من حيث هي نجمة المساء، ~~بينما كان «عزيز» أو «العزى» إلهة الحرب والقتال من حيث هي نجمة ~~الصباح، وأن «مناة» الزهرة كوكب المساء و«العزى» الزهرة كوكب ~~الصباح ليستا سوى إلهتهم الكبرى «اللات» في صورتها عندما تريد أن ~~تكون إلهة للحرب أو إلهة للحب. # 67 # وهنا نصل إلى ما قاله «ديسو»: إن اللات العربية أخذت عند العرب ~~صورتين هما «العزيان» مثنى «العزى»، ويفسرها بأن «العزى الأولى ~~نجمة الصباح إلهة الحرب. والعزى الثانية هي نجمة المساء». # 68 # وهذا فهم يؤدي بالضبط إلى ما افترضناه - أو زعمنا - ~~مسبقا، وهو أن «اللات والعزى ms057 ومناة» كلها كانت رموزا لكوكب ~~الزهرة وحده دون غيره. # ولعل آخر ما بين أيدينا من أدلة ندعم بها ما ذهبنا إليه، هو ما ~~جاء في زعم جاهلي يقول: «إن بنات الله الثلاث مناة واللات وعزى هن ~~إلهات القمر.» # 69 # فالعرب في الجاهلية اعتقدوا أنهن بنات الله، وأنهن ~~إلهات القمر، ولو عدنا للأساطير الرافدية سنجد «إينانا» أو «عشتار» ~~أو الزهرة ابنة القمر. # 70 # إضافة إلى ما ذكره «أمير علي» في حديثه عن بنات الله: ~~«إن عبادة هذه الأصنام كانت بالدرجة الأولى تمثيلا للقوى المولدة ~~في الطبيعة، وهي تشبه في مميزاتها ديانة الساميين القدماء ~~والفينيقيين والبابليين.» # 71 # ولا يفوتنا الإشارة إلى أن الزهرة بصفتها إلها ذكرا ~~محاربا «نجم الصباح» قد عبرت الجزيرة إلى جنوبها لتعبد هناك باسم «عثتر» # 72 ~~- لاحظ اشتقاق الاسم من عشتار - ومن هنا انتقلت إلى ~~بلاد الحبش باسم «عستر» الذي صار هناك بالتدرج إلها للسماء، ويقول ~~«موسكاتي» إنه: «... إلى جانب عستر كان هناك الإله «مدر» إله أمنا ~~الأرض ... ويلحق بها أيضا «بحير» الذي يعده بعض العلماء إله البحر.» # 73 # وهذا الثالوث بدوره يمثل كوكب الزهرة. ~~(8) الزهرة في الإسلام # سبق أن تحدثنا عن تسرب عبادات البابليين وعلومهم إلى العرب في ~~الجاهلية عبر الصابئة، وتقديسهم للأجرام السماوية السبعة، والرقم ~~«7»، بما فيها الكواكب السيارة الخمسة، حتى إنهم قدسوا يوم الزهرة ~~المقدس، وكان يوم الجمعة في التقويم البابلي، وكان مكرسا في ~~الرافدين لعبادة كوكب الزهرة، وما زال لتسميتهم لهذا اليوم باسم ~~الزهرة أثر في اللسان الأوروبي، ف: # Vendred ~~«الجمعة» هو في الأصل ~~من # Venus # فينوس الزهرة، ~~و # Dies-Vaneris # هو يوم الزهرة ~~أو الجمعة. # 74 # وغني عن البيان أن يوم الزهرة «الجمعة» الذي أسماه الجاهليون ~~اعتزازا «يوم العروبة» أصبح في المأثور الإسلامي يومه الأسبوعي ~~المقدس، إضافة إلى أنه قد جاء في الآيات القرآنية تقديس واضح ~~للكواكب الخمسة السيارة، في قول الله: # فلا ~~أقسم بالخنس * الجوار ~~الكنس ~~(التكوير: 15-16). # 75 # وفي تفسير «محمد فريد وجدي» «الخنس: أي الكواكب ~~الرواجع من خنس يخنس، ويخنس رجع وتنحى، ms058 الجوار: أي الجواري بمعنى ~~الجاريات، والكنس: يقال كنس الوحش يكنس، استتر في كناسه أي في ~~جحره، والسيارات الكنس هي التي تختفي تحت ضوء الشمس.» # 76 # ويذكر «ابن الكلبي» أن النبي (محمد بن عبد الله # صلى الله عليه وسلم ~~) ذكر ~~العزى «الزهرة» يوما فقال: «لقد أهديت للعزى شاة عفراء وأنا على ~~دين قومي.» # 77 # ويعلق «ابن هشام» على أكل النبي من ذبحه لنصب الزهرة ~~قبل بعثه، بقوله: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إن كان يأكل مما ذبح على ~~النصب، فإنما فعل أمرا مباحا.» # 78 # وغني عن الإيضاح أن الرقم «7» قد نال حظوته القدسية في الإسلام، ~~والقرآن الكريم ثري بالآيات التي تجعل لهذا الرقم مكانة خاصة، ~~(طبقات السماء، والأرض، ودرجات الجنة، وأبواب العالم الآخر، وكذلك ~~السنابل السبع، والبقرات السبع ... إلخ). كذلك نجد في التفاسير ~~الإسلامية القرآنية صدى لما اعتقده البابليون في قدرات الزهرة ~~الجنسية وتمكنها من ملكاتها الجسدية الإغوائية. وقد جاء في سورة ~~البقرة: # واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر وما أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد ~~حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر ~~. # 79 # ومن التفاسير الحديثة تفسير «وجدي» يقول فيه: «فتنة: ~~أي اختبار وابتلاء، والفتنة أيضا الضلال والإثم والكفر والفضيحة ... ~~وفتنه الشيء أعجبه، وأفتن فلانا أوقعه في الفتنة.» # 80 # وفي التفاسير القديمة تفسير «الطبري» الذي يورد قصة ~~تشرح هذه الآيات، يمكن إيجازها في الآتي: # إنه لما وقع الناس من بعد «آدم» في الضلال، شرعت الملائكة تطعن ~~في أعمالهم، فأراد الله أن يبتلي الملائكة أنفسهم، فأمرهم باختيار ~~ملكين من أعظم الملائكة علما وزهدا وديانة، فاختاروا «هاروت» ~~و«ماروت»، وأهبطا إلى الأرض بعدما ركبت فيهما شهوات الإنس، وأمرا ~~أن يعبدا الله ولا يشركا به أحدا، ونهيا عن قتل النفس والزنى ~~وشرب الخمر وغير ذلك من المعصيات. وفي الأرض عرضت لهما امرأة هي ~~الزهرة، فغلبت عليهما الشهوة، فأقبلا عليها وراوداها عن نفسها، ~~فأبت إلا أن يكونا على أمرها ms059 ودينها، وأخرجت لهما صنما يعبدانه ~~ويسجدان له، فامتنعا وصبرا ردحا. ثم أتياها وراوداها عن نفسها، ~~فأبت ثانية واشترطت عليهما إحدى ثلاثة، إما عبادة الصنم أو قتل ~~النفس أو شرب الخمر، فقالا كل ذلك لا ينبغي، ثم احتدمت بهما الشهوة ~~فآثرا أهون المطالب وهو شرب الخمر، فسقتهما حتى أخذت الخمر منهما ~~ووقعا بالزهرة، وهنا مر بهما إنسان فخشيا الفضيحة فقتلاه، ويشاءان ~~الصعود إلى السماء بعد أن عرفا وقوعهما في الخطيئة فلا يستطيعان، ~~ويكشف الغطاء بينهما وبين الملائكة في السماء. فتنظر الملائكة إلى ~~ما وقع فيه هاروت وماروت من الذنب، فيعجبون كل العجب، ويأخذون في ~~الاستغفار لمن في الأرض من البشر. ويروى أنها طلبت منها تعليمها ~~الكلام الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها، وعرجت بهذا الكلام ~~السري إلى السماء، وهناك نسيت الكلام الذي تنزل به فبقيت مكانها، ~~وجعلها الله هذا الكوكب الجميل. أما «هاروت» و«ماروت» فخيرا بين ~~عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لأنه ينقطع فجعلا ~~ببابل يعذبان منكوسين في بئر إلى يوم القيامة. # 81 # ويروى عن «عبد الله بن عمر» أنه كان كلما رأى الزهرة يلعنها ~~ويقول: «هذه التي فتنت هاروت وماروت.» # 82 # وفي الحديث عن «عبد الله بن عمر»: أن النبي إذا رآها ~~كان يقول: «طلعت الحمراء فلا مرحبا ولا أهلا.» # 83 # ويزعم «ديسو» أن قوما مسلمين ظلوا على عبادة الزهرة سرا، حتى ~~بعد هدم معبدها - الممثل في معبد «اللات» - وإقامة مسجد مكانه؛ ~~وذلك لأن «ابن الكلبي» كان يعلم أن مئذنة المسجد اليسرى في المكان ~~الذي كان يشغله هذا الصنم، # 84 # بل ويزعم «د. أنيس فريحة» أن عشيقها «تموز» قد بقي ~~حيا في المأثورات الإسلامية وأنه هو الولي الخضر. # 85 # ولنا أن نلاحظ اشتقاق «الخضر» من الخضرة، والخضرة هي ~~الخصب خاصية تموز والزهرة، إضافة إلى ما ذكره «خليل أحمد» أن اسم ~~الخضر، يرجع إلى حدث تحولي: جلس مرة على فروة بيضاء فإذا هي تحته ~~خضراء، وهو حاضر غائب يظهر من وقت لآخر. # 86 # ولو ربطنا كلام «خليل» بما علمناه ms060 عن حالتي الغياب ~~والحضور عند الزهرة وتموز لتفسير التنوع الفصلي بين الخصب والجفاف، ~~أمكننا الزعم أن كلام «د. فريحة» يحتمل الترجيح. أما مآذن المساجد ~~اليوم، فكثير منها - إضافة إلى رمز القمر «الهلال» - يحمل داخل ~~دائرة الهلال نجمة ذات ثمانية إشعاعات! # لوحة رقم 11: لاحظ هيئة الأسد وأجنحة النسر ووجه الرجل ~~وقوائم الثور. إنه الفن الرافدي الذي أبهر حزقيال، فسماه ~~الكروب وجمعها كروبين. وإذا أخذنا بظاهرة القلب في اللغات ~~السامية تتحول كروب أو قروب إلى «برق». # رجل وثور تحت يمنى رجله # والنسر لليسرى وليث ملبد # أمية بن عبد الله # لوحة رقم 12: وصدق أمية في قوله. # | أضحية للذكر، قربان للأنثى ومدخل إلى جذور الدين ~~الاجتماعية # (1) التأسيس # يزعم كثر من الباحثين أنه عندما كان العقل يتخبط في ظلمات ~~بدائيته، بين ظواهر تصفو مرة، فتجزل العطاء، وتغضب مرة، فتدمر بلا ~~تمييز، اتجه الإنسان نحو هذه الظواهر ضارعا متوسلا، فأله ~~عناصرها، من أكبرها إلى أدناها، فعبد القمر والشمس وبقية أجرام ~~الفضاء. وجعل للخصب والجفاف والأنهار والينابيع والأمطار، والحيوان ~~النافع منه والضار، آلهة معنية بها. تعبد لبعضها خشية بطشها، ~~ولبعضها الآخر رجاء استمرار منافعها؛ ليضمن لنفسه الأمان والقوت، ~~ولأن حاجاته الأساسية تركزت في الطعام الذي يحصل عليه بصعوبة. فقد ~~تصور أن بإمكانه التدلف لهذه الآلهة بالقرابين، طمعا في خيرها. ~~وبالأسلوب نفسه اتجه للآلهة الباطشة الغضوب تحايلا عليها، ودرءا ~~لعصفها أو زلزلتها، وإرعادا لشر وحوشها وضواريها. # وأخلص الإنسان في تعبده، فلم يبخل بالعطاء، فكان لا يتذوق ثمار ~~محاصيله قبل أن يقدم لآلهته أول قطوفها، ولا ينتفع بحيوانه قبل أن ~~يقترب بأبكار نسله من أربابه، وتفانى في إخلاصه إلى المدى الذي ~~امتدت فيه يداه بالمدى إلى أعناق فلذات الأكباد؛ ليسيل دماء أطفاله ~~على مذابح الآلهة. ~~(2) موقفان ورأي # وقد اتخذ أغلب الباحثين من مسألة القرابين أحد موقفين: # موقف يرى أن القربان في بداية أمره اقتصر على ثمار ~~النبات، ثم رأى الإنسان - زيادة في تملق آلهته - أن ~~يذبح لها من ماشيته، بحسبان اللحم أعلى من النبات ~~رتبة، ولما لم يكن متيسرا ms061 له أن يحمل قربانه ليذبحه ~~عند عروش الآلهة، فقد عمد إلى ذبحه ثم حرقه لتتصاعد ~~مادته دخانا، تشمه الآلهة فتهدأ نفوسها، وزيادة في ~~المغالاة، وإثباتا لخلوص ضميره لآلهته، تحول نحو ~~الدماء البشرية، فأسال بعض دمائه - بجروح مقصودة - على ~~مذابح الآلهة، تقربا وفداء لنفسه ولأولاده ~~وممتلكاته، ثم تحول الأمر إلى ما يشبه النذور، فكان ~~يذبح واحدا من أبنائه لآلهته، إن هي استجابت لرجائه ~~في أمر يرجوه، أو دفعا لشر محتمل الحدوث. # وموقف آخر يرى عكس ذلك تماما، مسايرة لسنة تطور ~~العقل البشري الارتقائية؛ إذ يذهب إلى أن البداية كانت ~~بالضحايا البشرية، عندما كان الإنسان لا يزال يصارع ~~بدائيته الوحشية، وبالتدريج الارتقائي في تطور العقل ~~تحول نحو الحيوان يستبدله بالإنسان؛ ليقدمه لآلهته ~~مذبوحا أو محروقا فداء لنفسه أو للقبيلة أو الموطن، ~~وأحيانا اكتفى بتقديم النبات في حال احتياجه ~~للحيوان. # لكننا نرى أن العقل البشري في تطوره، لم يكن خاضعا - كبقية ~~مظاهر الطبيعة - للسنن والنواميس الفيزيائية البحتة، وإنما لعوامل ~~أخرى كثيرة، لعل أهمها الوسط البيئي والظروف الاجتماعية، بشعابها ~~السياسية والاقتصادية، فلم يسر على وتيرة واحدة في خط ارتقائي صاعد ~~باستمرار، نعم، نحن لا نشك في أن تطوره كان متصاعدا، لكنه كان ~~تصاعدا لولبيا تتخلله العثرات والطفرات والكبوات، وكذلك مسيرة ~~القربان، كانت أحيانا تصعد، فيقتصر القربان على رمز نباتي أو ~~حيواني، وأحيانا تهبط فيبذل الإنسان دمه ودم أبنائه. # فقد تجد في أقدم المراحل التاريخية من ذبحوا أباهم قربانا - ~~فيما يزعم «سيجموند فرويد» - وبعدها تجد - منذ حوالي خمسة آلاف عام ~~فقط - تلك الترتيلة السومرية التي أوردها «ديورانت»، # 1 # وتقول: «الضأن فداء للحم الآدميين، به افتدى الإنسان ~~حياته.» وبعدها بحوالي ثلاثة آلاف عام، نجد «عبد المطلب بن هاشم» ~~ينذر ابنه «عبد الله» ليقدم قربانا على مذبح آلهته. # وفي قصة التكوين التوراتية، التي دونت قبل أربعة قرون من ميلاد ~~«المسيح» نجد «قابيل» يكتفي في قربانه لإلهه بأبكار فاكهته وأثمارها، # 2 # وقريبا من القرن الرابع قبل الميلاد، نجد النبي ~~اليهودي «أرميا» يقرر: أن اليهود «قد بنوا مرتفعات للبعل ms062 ليحرقوا ~~أولادهم بالنار، محرقات للبعل»، # 3 # والمرتفعات هي المذابح، والمحرقات تعني قربانا يذبح ~~ثم يحرق، أو يقدم مباشرة طعمة لنيران الإله «البعل»، والبعل إله ~~كنعاني يعني اسمه «السيد» ومع القرن الأول الميلادي، تمتد العقلية ~~البشرية إلى حد نزول الإله من السماء، لتقدمه على الصليب فداء ~~لخطايا البشر، كما تقرر العقيدة المسيحية. # وبينما اكتفى «قابيل» في قربانه بالنبات، نجد بعضنا اليوم يدشن ~~بيته أو سيارته الجديدة بالدم، وفي الوقت نفسه نجده مقترا في ~~قربانه بشدة، عندما يقول في أمثاله الدارجة: «ما يحتاجه البيت يحرم ~~على الجامع»! أي إن المسألة لم تكن أبدا صعودا دائما ولا هبوطا ~~دائما، إنما كانت خليطا من هذا وذاك، وأحيانا جمع العصر الواحد ~~كل أنواع القرابين تبعا لاختلاف الشعوب والأنظمة الاجتماعية، ~~وتبعا لاختلاف العقول، وهذا ما ستجده واضحا في المراحل التاريخية ~~العقائدية التالية. ~~(3) القربان الحيواني # يعد القربان الحيواني أكثر أنواع القرابين شيوعا وقدما في ~~التاريخ العقائدي، ويعترف أكثر من باحث بأنهم لا يعرفون - على وجه ~~الدقة - السبب في التركيز الواضح على الخروف، في التقرب للإله ~~المعبود منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا مع ملاحظة أن التيوس تأخذ ~~المرتبة التالية بعد الخراف مباشرة في التعاسة وسوء الطالع، حيث ~~تعد - بعد الخراف - أفضل القرابين. # ويبدو أن الخراف قد ظلت قربانا مفضلا حتى دونت أسفار الكتاب ~~المقدس، ففي سفر التكوين نطالع: «وكان هابيل راعيا للغنم، وكان ~~قايين - قابيل إسلاميا - عاملا في الأرض، وحدث من بعد أيام، أن ~~قايين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب، وقدم هابيل أيضا من ~~أبكار غنمه ومن سمائها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى ~~قايين وقربانه لم ينظر.» # 4 # ورغم أن الرب - حسب هذا النص - نظر إلى «هابيل» وقربانه، فإن هذا ~~القربان لم يفد «هابيل» ويفتديه، بل على العكس تماما، فقد كلفه ~~هذا القربان حياته، عندما استباح أخوه دمه، وفي السفر نفسه نجد ~~النص التالي: «وحدث أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم ... ~~خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب به إلى أرض المريا، ms063 وأصعده ~~هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ... فأخذ إبراهيم حطب ~~المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين ... ثم مد ~~إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه، فناداه ملاك الرب من السماء ~~وقال ... لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا؛ لأني الآن علمت ~~أنك خائف من الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني، فرفع إبراهيم عينيه ~~ونظر، وإذا كبش وراءه ... فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة ~~عوضا عن ابنه.» # 5 # وهذا إنما يعني وجود عادة التقرب إلى الآلهة بالضحايا ~~البشرية، سواء في عهد «إبراهيم»، أم في القرن الرابع ق.م. عندما ~~دون هذا السفر، رغم أن الشريعة السومرية قد شرعت إحلال الضأن ~~محل الإنسان في التقرب للآلهة، وذلك قبل ثلاثة آلاف عام تقريبا من ~~هذا التاريخ. # وقد كانت قصة هذا الفداء معروفة بين العرب قبل الإسلام؛ إذ «عبد ~~المطلب بن هاشم» الأصل القرشي والعنصر العربي عموما إلى «إسماعيل ~~بن إبراهيم» من جاريته «هاجر» المصرية، لكن الذبيح هنا كان ~~«إسماعيل» وليس «إسحاق»، كما لو كان هناك تنافس قديم بين العرب ~~أبناء «إسماعيل» وبين اليهود أبناء «إسحاق»: أيهما كان المذبوح ~~(ولنلاحظ فخر النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # بأنه ابن الذبيحين: عبد الله ~~أبيه، وإسماعيل الجد البعيد ، ولنلاحظ أيضا تأكيد القرآن الكريم ~~لقصة الذبح والتقرب للإله بالدماء البشرية في قصة إبراهيم النبي ~~وابنه إسماعيل عليهما السلام، إضافة لتأكيده أيضا قصة هابيل ~~وقابيل التي وردت من قبل في الكتاب المقدس). # وبين مقدسات الجاهليين في الجاهلية حجر أسموه مقام إبراهيم، ~~وكانت قريش - حامية الكعبة في مكة - وبعض من تبعها، يرجعون شعائرهم ~~ومناسكهم في الحج إلى «إبراهيم»، وفي هذا يقول «جواد علي»: «ويلحق ~~بالحج تقديم العتائر - وهي التضحية في الإسلام - وكانت تذبح عند ~~الأنصاب، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة، أو تعطى للأفراد، وقد ~~تترك لكواسر الجو وضواري البر، فلا يصد عنها إنسان ولا سبع.» # 6 # كما كانت مثل هذه العتائر تنحر أيضا عند عديد من ~~الكعبات الجاهلية، فكان يوم 25 كانون أول، عيدا ms064 سنويا للتضحية ~~في كعبة ذي الشرى، كما كان يتم النحر في بيت «اللات» بالطائف، وعلى ~~عرفات في بيت «العزى» ... إلخ، ومع أن القرابين أو الأضاحي في هذه ~~البيوت كانت حيوانية مرتكزة على الخراف، إلا أن معبد «ذي غابة» ~~بوجه خاص عرف في الوقت نفسه الضحايا البشرية، بل ويرجح أكثر من ~~باحث أن يكون الوأد هو نوع من القرابين، وخاصة أنه لم يكن مقصورا ~~على البنات - كما هو شائع - وإنما شمل الذكور أيضا. # 7 # وعندما جاء الإسلام شرع التضحية الحيوانية، وحرم الوأد، فألغى ~~من عالمه القرابين البشرية واستعاض عنها بالختان تأسيا بالجد ~~إبراهيم وامتثالا لسنته. ~~(4) القربان البشري ~~«... وكل شيء تقريبا يتطهر - حسب الناموس - بالدم، وبدون سفك دم، ~~لا تحصل مغفرة.» # 8 # هذا ما يقوله الكتاب المقدس مؤكدا ضرورة التضحية ~~بالدم، سواء أكان دم حيوان فداء للإنسان كما فعل «إبراهيم» النبي، ~~أم تيسا كما شرع «موسى». «ويضع هارون يديه على رأس التيس ... ليحمل ~~التيس عنه كل الذنوب.» # 9 # أو سواء أكان هذا الدم دم إنسان «ونذر يفتاح نذرا ~~للرب قائلا: إن دفعت بني عمون ليدي، فالخارج الذي يخرج للقائي عند ~~رجوعي بالسلامة من عند بني عمون، يكون للرب، وأصعده محرقة ... ثم أتى ~~يفتاح إلى المصفاة إلى بيته، وإذا بابنته خارجة للقائه، وهي ~~وحيدته، ولم يكن له ابن ولا ابنة غيرها، ففعل بها نذره الذي نذر.» # 10 # كذلك نجد النبي «أرميا» يؤكد في سفره أن بني إسرائيل ~~كانوا يقدمون أطفالهم قرابين تذبح وتحرق على مذبح الإله «بعل مولك»، # 11 # أي السيد الملك. # ويلوح أن مبدأ استرضاء الآلهة بالدم كان مسألة عامة عند شعوب ~~الشرق القديمة، فيؤكد «ديورانت» أنه في الاحتفالات السومرية ~~الدينية كان الكهنة يضربون أنفسهم حتى تلطخ دماؤهم المذبح، وبعضهم ~~كان يفتدي نفسه بإخصاء نفسه بنفسه. # 12 # ويؤكد «عبد الحميد زايد» أن الفينيقيين قد جروا على ~~شرعة التضحية بالطفل البكر. # 13 # فقد وجد الآثاريون عظام أطفال تحت أسس المنازل. # 14 # وروى «فيلون» أنهم كانوا يضحون بأعز أبنائهم في حالة ~~وقوع الأخطار إبعادا ms065 لشرها، وحكى «دويدور الصقلي» قصة ضحي فيها ~~بمائتي طفل في صقلية، # 15 # كما كشفت حفائر «كفر الجرة» الكنعانية، عن صندوق يضم ~~عظام أطفال تحت تأسيس عمود من سور، كتضحية تأسيس. # 16 # وفي قرطاج وجدت عظام أطفال لم تزد أعمارهم على ستة ~~أشهر، ويوجد في متحف اللوفر أحد هذه الصناديق حتى الآن. # 17 # ومن القصص الشهيرة قصة «ميشا» ملك موآب، الذي ضحى ~~بابنه الأكبر ليفك الحصار عن مدينته، ولما أجاب ربه رجاءه، ذبح ~~سبعة آلاف يهودي، شكرا لله على نعمائه. # 18 # وقد كان للإله «بعل مولك» غرام خاص بدماء الصغار، وفي يوم عيده، ~~كان الناس يأخذون زينتهم وسط الطبول والمزامير، التي كانت تطغى على ~~صراخ أطفالهم، وهم يحترقون على مذبحه. وقد حدث في قرطاج أثناء ~~حصارها سنة 307 قبل الميلاد، أن أحرق على مذبح الإله الدموي مائتا ~~غلام من أبناء أرقى أسرها، # 19 # وإن كان من بين هؤلاء بعض العقلاء، الذين كانوا يكتفون ~~بقص غلفة ذكر الطفل وإلقامها نيران الإله. # 20 ~~(5) القربان الملكي # يقول «أنيس فريحة» إن بني إسرائيل كثيرا ما كانوا ينظرون إلى ~~ملوكهم على أنهم المسئولون عن الجفاف أو القحط أو النوازل ~~والمصائب؛ لذلك توجهت أضحياتهم في وقت من الأوقات نحو التضحية ~~بالملوك ... # 21 # ولو راجعنا الكتاب المقدس سنجد «داود» الملك النبي ~~يقوم بذبح أولاد سلفه «الملك شاءول» السبعة على الصلبان للإله ~~«يهوه»، فيستجيب الإله «يهوه»، ويكتفي بالذبائح السبع، ويرفع ~~القحط، وينزل الغيث. # 22 # ولو عدنا إلى بدايات البدائيين نجدهم يمارسون السحر ~~ابتهالا لقوى الطبيعة من أجل تأمين القوت، فتعمد القبيلة إلى قتل ~~ملكها أو شيخها باعتباره أبا للجميع، وعلى رأسه يجب أن تقع كل ~~الأخطاء والأوزار، فيتيسر معاشها وتزيد غلاتها، وتخصب أرضها. # 23 # ويلقي «روبرتسون» مزيدا من الضوء على المسألة، فيقول: إنه كانت ~~لدى كثير من الشعوب القديمة عادة دينية سنوية، تقام زمن الاعتدال ~~الربيعي، ابتغاء وفرة المحصول، يقدم فيها للآلهة قربان هو رمز لإله ~~الإنبات، فكانوا يضحون أول الأمر بصلب الملك، وبعد موته يأكلون ~~بضعا من لحمه، ms066 وينثرون قليلا من دمه، لتكسبهم بعض قدسيته، ثم ~~ينشرون البقية في الأرض المهيأة للزرع. ومع مرور الزمن استعاضوا عن ~~الملك بالاقتراع على المضحى به، ثم استبدلوا بالقرعة مجرما ~~محكوما عليه بالموت. وآخر الأمر استبدلوا بكل هذا حيوانا، وحبذا ~~لو كان خروفا أو تيسا، وعند تعسر الأحوال - غالبا ما - كانوا ~~يكتفون بفطيرة في صورة إنسان، أو بفطيرة مرسوم عليها إنسان، أو ~~صليب رمزا للإنسان المفترض أن يضحى به صلبا، وتحول ذلك تدريجيا ~~إلى نوع من العشاء الرباني يؤكل فيه الخبز رمزا للجسد، وتعاقر فيه ~~الخمر رمزا للدم. # 24 ~~(6) القرباني الإلهي # شاعت في بلاد الشرق القديم، قبل فتوح «الإسكندر»، وسيطرة ~~الإمبراطورية الرومانية، عقائد مختلفة المواطن، لكنها تشابهت - حتى ~~في دقائقها - اصطلح على تسميتها «ديانات الأسرار». # ومن المعروف أن «المسيح» - في العقيدة المسيحية التي نشأت في قلب ~~منطقة ديانات الأسرار - كان بدوره إلها هبط ليحمل عن البشر آثامهم ~~وخطاياهم فيموت على الصليب، ويقوم من الموت مانحا لمن يؤمن بموته ~~وقيامته الخلود في ملكوته السماوي، بعد أن يرحلوا عن الدنيا، فكان ~~أكبر قربان في تاريخ القرابين. وهذا ما تسجله الأناجيل بقولها: ~~«الله بين محبته لنا ونحن بعد خطاة، ومات المسيح لأجلنا وقد صولحنا ~~مع الله بموت ابنه»، # 25 # وأن المسيح الرب «مات من أجل خطايانا، وأنه دفن، وأنه ~~قام في اليوم الثالث»، # 26 # وأنه قال: «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية». # 27 # ويكون ذلك عن طريق تناول قربان مقدس من الفطير، يرسم ~~عليه «المسيح» أو الصليب - رمزا له - في عيد القيامة المجيد (عيد ~~الفصح المسيحي). والغريب أن موعده المسيحي هو نفسه موعد قيامة ~~الآلهة المذكورة آنفا! ويشرب المؤمنون في هذا اليوم جرعات من ~~النبيذ رمزا لدمه، ويفسر «بطرس» الرسول ذلك للمؤمنين بقوله: «لكي ~~تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية»؛ # 28 # وذلك لأنه كما يقول زميله «بولس» الرسول: «بدون دم ~~وسفك دم لا تحصل مغفرة»، # 29 # إلا أن المسيحية اختارت لنفسها الخروف كقربان حيواني - ~~وقد سبق أن بحثنا ذلك في موضوع الشيطان - دون التيس؛ ms067 ولذلك توضح ~~الأناجيل أن الرب «المسيح» كان هو القربان والكبش الأعظم لأنه «حمل الله»؛ # 30 # ولأنه «الخروف ... رب الأرباب وملك الملوك»، # 31 # وبالتأكيد هو الخروف الذي ذبح. # 32 # وعندما أعدت التأمل في هذا الموضوع قبل نشره للمرة الثانية في ~~هذا الكتاب وضعت يدي على عدة مسائل وآفاق، أعتقد - على حد ما وقع ~~بيدي من بحوث - أني غير مسبوق إليها، لا في المعالجة، ولا في ~~النتائج، وفي البداية أرقتني عدة مسائل، لم تبد لي متسقة أو ~~مقنعة، ولم أستسغ قبولها على علاتها، ورغم أن طرحي السابق - الذي ~~اقترحت فيه أن تكون مسيرة القربان قد اتخذت خطها الارتقائي عبر سلم ~~متذبذب ما بين التصاعد وبين الكبوات - كان مقنعا، إلا أنه لم يفسر ~~لي هذه المسائل تفسيرا كافيا، وعلى سبيل المثال: لماذا اتخذت ~~العلاقة بين الإنسان وربه شكل المقايضة، يعطيها القربان ثمنا ~~لمقابل يتمثل في زيادة المحصول أو النسل أو الأمان أو ما أشبه، ~~خاصة إذا كانت هذه الآلهة تتمثل في ظواهر الطبيعة؟ إن الملاحظ ~~للأساطير المدونة، وفي نقوش ما قبل اكتشاف الكتابة، يجد هذه الآلهة ~~الكونية تتصف بصفات إنسانية، فتتزوج وتتناسل وتغضب وتحزن وتفرح، ~~فهل كان التقرب هنا للجرم الكوني أم للإنساني المتمثل في هذا ~~الجرم؟ # وقد قدم بعض الباحثين تفسيرا للعلاقة بين الإنسان وظواهر ~~الطبيعة المتغشاة بالأنسنة، فأرجعوها إلى ميل البدائي إلى صبغ ~~الكون بالأرواحية # spirits ~~، ~~والتعامل مع كيانات الطبيعة الجامدة باعتبارها كيانات حية، لكنني ~~لوجه الحق، أخذت أميل إلى مذهب آخر يذهب إلى أن بداية التقديس ~~والتأليه كانت تجاه الوالدين، وهو منطق يتسق مع طبيعة الأمور ~~الواقعة الملاحظة. فالأقرب إلى حس الحدث البدائي ووجدانه هو الأم؛ ~~فالأب كمصدر قوة وإرادة، ومصدر حماية ورعاية، ومصدر أمان وغذاء، ~~ولا أتصور أن هذا الحدث البدائي يتجه للأرض أو القمر أو الشمس ~~بمطالبه، قبل أن يتوجه بها إلى الوالدين، خاصة أن الأساطير القديمة ~~قد اعتبرت هذه الكيانات الكونية، إما أنها أم كبرى تمثلوها في ~~الأرض بداية، وإما أنها الأب الأول وتمثلوها في السماء عامة ms068 (فالأب ~~فوق تمثله السماء، والأم تحت تمثلها الأرض)، ولم تزل أغلب الديانات ~~تنادي ربها حتى اليوم بالأب الذي في السماء، ولم يزل ممثله على ~~الأرض هو البابا؟ ويبدو أن هناك أحداثا وظروفا قد جدت، أدت إلى ~~تلبيس ظواهر الطبيعة الظاهرة والمؤثرة في حياة الناس بالآباء أو ~~الأمهات السالفين، ومن الطبيعي أن تختلف هذه الظواهر المؤثرة من ~~مجتمع لآخر باختلاف البيئات، فتختلف رموز السالفين في ظواهر ~~الطبيعة. # ويفسر الباحثون استمرار تقديس الأم أو الأب بعد موته، بأن ~~الإنسان البدائي لم يكن لديه تفسير واضح لظاهرة الأحلام، التي كانت ~~عالما هلاميا غامضا يحياه مختلطا بالعالم الحقيقي، كالطفل ~~الذي لا يستطيع أن يفرق بين الحقيقة والمنام، كثيرا ما كان يرى ~~السلف الراحل في حلمه حيا يعايشه ويفعل ويؤثر؛ مما أدى به إلى ~~تصور أن هذا السلف لم يزل موجودا وإن كان مختفيا عنه، لكن أين؟ ~~«وأين؟» هذه هي التي قادته بعد ذلك إلى تصوره حالا في حيوان أو ~~زهرة أو شجرة، وهي المرحلة التي يسميها الباحثون بالمرحلة ~~الطوطمية (وأصل كلمة طوطم من أوطوطيمان من العهد الكونكي، وتعني ~~هو من قرابتي)، ثم تلا ذلك تجمع العشائر البدائية في قبائل، واتصال ~~هذه القبائل بعضها ببعض وتكوين مجتمع أكبر، وفي هذه المرحلة الأكثر ~~اتساعا ورحابة لم يعد ممكنا فرض روح السلف المعبود، الحالة في ~~حيوان طوطمي مقدس لدى قبيلة أخرى تقدس طوطما آخر، لكن المنطقي أن ~~يتم تمثيل هذا السلف في ظاهرة ترضي جميع الأطراف المتجاورة أو ~~المتحدة، فارتفع العقل بسلفه المعبود عن التمثل في حيوان على الأرض ~~إلى تمثله في مظهر كوني أكبر كالأرض أو السماء بأجرامها، ومن هنا ~~يتضح لماذا تصور الإنسان معبوده على شبهه ومثاله، فهذا المعبود لم ~~يكن سوى سلفه الغابر، وهنا بالضبط ما يهم موضوعنا. # فكما كان الإنسان يتعامل مع الإنسان، استمر هذا التعامل بعد أن ~~رحل الأسلاف وحلوا في طواطم أو ظواهر طبيعية، أقصد ظاهرة ~~المقايضة أو القرابين، فكان طبيعيا، أو يقوم الحدث البدائي بعد ~~أن يدخل مرحلة الشباب بكسب ms069 رضا الأم والأب المسيطر، عن طريق التقرب ~~إليه بما يجمع من نبات أو يقنص من حيوان، كسبا للرضى، وضمانا ~~لاستمرار الحماية العشائرية، ويدعم هذا المذهب ما وجدته عند ~~الآثاري كريمر في إشارته إلى اعتقادات السومريين أن الإنسان قد خلق ~~من أجل عبادة الآلهة وخدمتها بتزويدها بالطعام والشراب للتفرغ ~~لأعمالها الإلهية، # 33 # أو ما وجدته في تلك الترتيلة السومرية التي ~~تقول: # عندما تزوجت الإلهات الأم # وعندما توزعت الإلهات الأم # بين السماء والأرض # وعندما ولدت الإلهات الأم # عند ذلك كتب العمل # الآلهة العظام تراقب العمل # والأبناء يحملون السلال. # 34 # حقيقة إني أرى في هذه الترتيلة حفرية رائعة، نقش فيها ما حدث في ~~الحقب القديمة. فالإلهات هنا من الأمهات (عندما تزوجت الإلهات ~~الأم) اللاتي توزعن بعد ذلك ما بين الكونيات الظاهرة (وعندما توزعت ~~الإلهات الأم بين السماء والأرض)، فأصحبت الأرض هي الأم، ثم ارتفع ~~بها إلى السماء لتتمثل في كوكب الزهرة (الإلهة إينانا في السومرية ~~وعشتار في اللغات السامية). ولك أن تلاحظ أن هذه القدسية تمت ~~«عندما ولدت الإلهات الأم»، بينما أصبحت مهمة الأبناء هي العمل ~~لتتفرغ الأم الإلهة لإدارة شئون العشيرة، وليس بغريب مع ما ذهبنا ~~إليه أن نجد السومريين ينادون هذه الإلهة بالنداء «ماما # Mama ~~» و«مامي # Mami ~~» و«أما # Ama ~~». # 35 # وإذا كان الإنسان في الأساطير قد ولد أو «خلق» ليعبد الآلهة ~~ويقدم لها طعامها وشرابها ويزرع أرضها، فأي آلهة هذه التي تحتاج ~~طعاما وشرابا بين الكونيات؟ إن الأوفق والأقرب للمنطق القول إن ~~الآلهة هنا كانت هي الأم أو الأب. # ولا شك أن قول تلك الأساطير: إن وجود الآلهة قد سبق ميلاد الكون ~~وصياغته بشكله الحالي # 36 # يؤكد مقولتنا في أن التأليه بدأ بالوالدين، وسبق ~~دمجهما في الظواهر الكونية وتأليهها؛ لأن تعبيرهم «الكون» لم يكن ~~يعني سوى الآلهة نفسها، فهو # Me # ولاحظ هنا ميم الأمومة مرة أخرى. # إلا أن إشارة الأساطير السومرية (في أغلبها) إلى أن أول الآلهة ~~كان إلهة أنثى هي الأم، يعني أن هذه المنطقة كانت تحفظ في ذاكرتها ~~بقايا ms070 العصر الأمومي، وهذا يستدعي التساؤل عن نوع القرابين التي ~~كانت مفترضا تقديمها للإلهة الأم؟ وهذا بدوره يستدعي عدة أسئلة ~~أخرى: هل كان هناك فارق واضح بين أنواع القرابين التي كانت تقدم ~~للإلهة الأم، وبين تلك التي كانت تقدم لإله أب؟ وفي هذه الحالة، ~~وحتى نمسك بخيوط تطور طقس القربان لا بد أن نحاول الإجابة على سؤال ~~أهم من كل هذا وهو: أيهما سبق الآخر: المجتمع الأمومي أم المجتمع ~~الأبوي؟ لم أجد فيما وقع بين يدي من مصادر أو بحوث ما يضع هذه ~~التفرقة بين قرابين خاصة بالمجتمع الأمومي وقرابين خاصة بالمجتمع ~~الأبوي، وكل ما وجدت رتلا ضخما يتكلم عن القرابين وخطها التطوري، ~~منها ما يخلط الحابل بالنابل، ومنها ما يؤكد تطور هذا الطقس ابتداء ~~من التقرب بالنبات صعودا إلى الحيوان حتى الإنسان، ومنها ما يعكس ~~الوضع فيبدأ بالقربان الإنسان ويرتقي، فيستبدل قرابينه الإنسانية ~~بالحيوان أو النبات. وهنا أقترح - بناء على ما بين يدي من شواهد - ~~أن طقس القربان في النظام الأمومي، قد اتخذ في أول أمره شكلا ~~خاصا يتفق مع طبيعة النظام، ثم تبع ذلك اختلاط ناتج عن تداخل ~~المجتمعين إبان مرحلة الانتقال إلى سيادة الذكر النهائية، أدى إلى ~~خلط مماثل في البحوث التي تناولت هذه المرحلة. # وحتى أكون واضحا، ورغم تشابك المسألة واختلاطها الشديد، سأبدأ ~~بمحاولة تمييز المجتمعات الأمومية عن المجتمعات الأبوية، بميزات ~~أكثر من كون هذا كانت السيادة فيه للذكور، أو كون ذاك كانت السيادة ~~فيه للنساء، ولنقر مبدئيا أنه من غير المنطق أن يوجد مجتمع كل ~~آلهته إناث ويسوده بشر ذكور أو العكس. # لقد حاول الباحثون الإجابة على السؤال أيهما كان أولا: النظام ~~الأمومي أم الأبوي؟ فافترض «داروين» أن السيادة المطلقة كانت في ~~البداية للذكر (المجتمع الأبوي)، وأكمل «أتكسون» فقال: إنه قد حدث ~~أن ثار الأبناء على الأب المتسلط القاسي المتوحش فقتلوه وافترسوه ~~معا، ويستطرد «روبرتسون سميث» فيقول: إنه بعد ذلك مرت مرحلة ~~انتقالية ظهر فيها النظام الأمومي، ثم يسلم «فرويد» بكل ذلك ويقول: ~~إن الأوضاع عادت ms071 بعد ذلك إلى سابق عهدها، وساد الذكر مرة أخرى. # 37 # هذا بينما تلخص الأنثروبولوجيا «جيكيتا ~~هوكس # Jaquetta Hawkes ~~» اتجاه معظم الباحثين، وترتب المسألة بشكل ~~أكثر إقناعا، فتقول: إن أقدم تماثيل شكلها الإنسان للعبادة يعود ~~تاريخها إلى حوالي خمس عشرة ألف سنة (أي في العصر الحجري القديم)، ~~وهي تماثيل لإناث ضخمت فيها الأعضاء المثيرة جنسيا، أسمتها ~~«هوكس» تماثيل «أفروديت الولادة»، وهذا يعني أن العصر الأمومي كان ~~الأسبق. وتبع ذلك عصر اتضحت فيه رسوم تتسم بالذكورة، تلاها العودة ~~للإلهات مع اكتشاف الزراعة في العصر الحجري الحديث، وتؤكد «هوكس» ~~أمرا منطقيا تماما، هو أن النساء هن مكتشفات الزراعة، وقد حدث ~~ذلك إبان جمعهن للثمار في منطقة مستقرة مع أطفالهن، وملاحظتهن ~~بالصدفة لنمو الثمار المتساقطة على الأرض مرة تلو أخرى، في وقت كان ~~الرجال فيه يخرجون للقنص، وعند عودتهم يكون كل الرجال لكل النساء ~~فينسب الأطفال إلى الأم دون الأب. ويعد اكتشافها للزراعة وإجادتها ~~لهذا العمل رغم بدائيته النسبية، أساسا اقتصاديا ساعد على تثبيت ~~سيادتها، ثم تلا ذلك في نهاية العصر الحجري الحديث، أي منذ حوالي ~~خمسة آلاف سنة تقريبا، سيادة الذكور النهائية، ولاحظت «هوكس» أن ~~ذلك قد اقترن بنشأة المدن المستقرة الكبيرة. # 38 # وإن اكتشاف المرأة للزراعة نقطة مهمة تماما وضعتها الصدفة ضمن ~~رصيدها للسيادة، ومع هذه النقطة أقف بقارئي هنيهة لأضع أمامه ~~اقتراحا يحل مسألة أيهما كان أولا: النظام الأمومي أم الأبوي؟ ~~أبدؤها برفض هذا السؤال من أساسه، فالخطأ الذي أدى إلى إجابات ~~متضاربة هو السؤال نفسه، ففي رأيي أنه لم يكن هناك قبل أو بعد، ولا ~~سابق أو لاحق، بل أزعم - وأرجو ألا أكون مخطئا - أن اختلاف ~~النظامين هو اختلاف بين مجتمعين، هو اختلاف مكاني وليس اختلافا ~~زمنيا، فإذا كانت المرأة هي مكتشفة الزراعة في مجتمع أمومي، فلا ~~بد أن يكون النظام الأمومي قد ارتبط بالوسط الزراعي، وسيكون الشق ~~الآخر الذي يتبادر للذهن فورا هو: أن النظام الأبوي قد نشأ في وسط ~~رعوي بدوي. ~~(7) تدعيم مذهبنا # تقول «ميد # Mead ~~» مقولة اعتيادية ms072 ~~تماما، وهي أن النساء بفضل قدرتهن على الإنجاب، ولأن مسألة ~~الولادة كانت في عيني الإنسان البدائي مثيرة للدهشة والعجب (وربما ~~الانبهار المؤدي للتقديس)؛ مما أدى إلى الاعتقاد بأن النساء قابضات ~~على أسرار الحياة. # 39 # ونضيف إلى «ميد»: إذا كانت الولادة في مجتمع أمومي يأتي فيه أي ~~رجل أية أنثى، فإن ذلك لا يعطي للذكر فرصة ملاحظة أثره أو دوره في ~~عملية الإنجاب، إضافة إلى أن الفترة الطويلة الفاصلة بين الجماع ~~وبين الولادة، قد تخفى بسهولة عن عين الإنسان البدائي غير المدققة ~~للعلاقة بين الأمرين، كما أن معيشة الأولاد والبنات معا لدى ~~البدائيين دون عائق قبل المراهقة، فيعرفون الجماع الذي لا يتسبب ~~عنه ولادة، كل هذا أدى إلى عدم معرفتهم للعلاقة بين المضاجعة ~~والتناسل؛ ومن ثم عدم التفكير بالمرة أن للذكر دورا في عملية ~~الميلاد، بل إن هناك من يعتقدون حتى اليوم في بعض المجتمعات ~~المتخلفة التي تحيا حياة شبه بدائية، أنه يمكن للمرأة الحمل دون ~~رجل يأتيها، بل وتدخل هذه الفكرة الخاطئة تماما كأساس في بعض ~~الديانات الكبرى القائمة إلى الآن؛ لذلك كان طبيعيا أن يتصور ~~الإنسان البدائي أن الأنثى وحدها هي الكائن الوحيد المسئول عن منح ~~الحياة. # هذا مع الأخذ بالحسبان ما أشارت إليه «هوكس» عن أن أول تماثيل ~~معبودة وجدت كانت لنساء ولادات، إضافة إلى أسطورة «الشعير ~~والنعجة» السومرية، التي تقول: إن البشر قد خرجوا من الأرض الأم ~~كالزرع والحشيش والدود. # 40 # وهذا (خروج الزرع من الأرض، وخروج الوليد من بطن الأم) ~~هو ما حدا بالعقل إلى تأليه الأرض واعتبارها الأم الأولى الكبرى ~~التي أنجبت الزرع والحيوان والإنسان، وناداها ماما ومامي، ولا ننسى ~~أن اكتشاف المرأة للزراعة ومفاجأتها للرجال القناصين بهذه القدرة ~~العجيبة، زاد من ارتباطها بالأرض ومن رصيدها الخطير (منح الحياة أو ~~إنجاب الحياة أو إنتاج الحياة)، حتى أصبح ذلك اختصاصا أنثويا ~~بحتا، ومن الطبيعي والمنطقي تماما ألا يحدث هذا إلا في وسط زراعي ~~مائة بالمائة. # وللمزيد من أجل تدعيم رؤيانا، نحث الخطى نحو عهد قريب لا ms073 يزيد ~~على خمسة آلاف عام مضت، إلى منطقة الهلال الخصيب (الرافدين، سوريا، ~~لبنان، فلسطين)، حيث قامت هناك كيانات زراعية انتهت بسيطرة الرعاة ~~المهاجرين من الجنس السامي، فيما يسمى بالهجرات السامية، التي ~~بدأت في هيئة تغلغل تدريجي أدى إلى سيادتهم النهائية على المنطقة، ~~فحل «الأكاديون» الرعاة محل «السومريين» المزارعين، وانتهت بقية ~~الهلال الخصيب إلى الوقوع تحت سيطرة «الكنعانيين» وأقربائهم. وقد ~~احتفظت لنا هذه الحضارات بسجل واضح في ملاحمها الأسطورية، لما يمكن ~~أن نعتبره صدى لواقع حقيقي حدث فعلا يتناغم مع رؤيتنا تناغما ~~بينا. # ففي بلاد «سومر» الرافدية، حيث اكتشفت الكتابة المسمارية، سجل ~~يؤكد أنه حتى قيام الحضارة السومرية في المنطقة الزراعية الخصبة، ~~كانت السيادة للإلهة الولود المخصبة «إينانا» صاحبة العشاق ~~الكثيرين، وهي في الأساطير لا تهتم بعشاقها الذكور، بل كانت ~~أحيانا تفتك بهم، وهم من البشر والحيوان على حد سواء؛ مما يعطي ~~انطباعا أنها كانت رمزا للأنثى الولود عموما، وكان همها الوحيد ~~هو الإشباع الجنسي الشبق الحاد. # وقد فسر الباحثون ذلك بأنه رمز الأرض التي يجب تخصيبها باستمرار ~~لتعطي حياة جديدة مستمرة (ولا ننسى أننا انتقلنا هنا عبر مرحلة ~~طويلة اجتزنا فيها عشرة آلاف عام، اتضح فيها للرجل دوره في ~~الإخصاب)، وحتى تقدم لنا الأسطورة تفسيرا لفصلي الخصب والجدب في ~~طبيعة الأرض، قالت: إن «إينانا» كانت تهبط إلى باطن الأرض، حيث ~~عالم الموتى في وقت الاعتدال الخريفي، حيث يبدأ فصل الجدب على ~~الأرض بغيابها، ثم تعود مع الاعتدال الربيعي إلى سطح الأرض، لتبدأ ~~عملية الإخصاب والتوالد فيعود للأرض خصبها. # وليس بغريب (مع رؤيانا) أن يتم تعديل هذه الأسطورة، بعد تغلغل ~~الرعاة الأكاديين في بلاد سومر الزراعية، وسيطرتهم عليها وقيام ~~الدولة الأكادية، ليتحول اسم «إينانا» إلى «عشتار، وعشتروت، من ~~العشرة والمعاشرة والتعشير»، لكنها لا تصبح السيدة المطلقة ~~المسئولة عن الخصب، إنما يظهر هنا سيد جديد، كان في الأساطير ~~السومرية مجرد ذكر خامل الذكر ضمن مجموعة عشاقها الكثيرين. ~~وكان يسمى «دوموزي أبسو»؛ ليرتفع ويصبح هو سبب الخصب الأول، ويحمل ~~اسم «تموز راعي الخراف ms074 الطيب» ويصبح هو المسئول الأول عن الخصب ~~والإنجاب واستمرار الحياة، ويصبح هو الذي يموت في فصل الجدب ويهبط ~~إلى عالم الموتى السفلي، ويعود في بداية فصل الخصب فيعود للأرض ~~خصبها، دون أن يرتبط ذلك بأي منطق، فكيف يتأتى ذلك لذكر؟ اللهم إلا ~~منطق السيطرة الرعوية، منطق مجتمع يأخذ بالنظام الأبوي في نظمه ~~الاجتماعية، ساد فأراد تسويد آلهته. # وكان المصير، مصير إلهات بقية الهلال الخصيب نفسه، «عناة» أو ~~«إناث» الأنثى الأولى، التي توارت في الظل بعد السيطرة البدوية ~~الكنعانية؛ لتصبح تابعة لسيد مطلق هو الإله «بعل» وبعلها سيدها ~~الذي أخذ دورها ليقوم بقصة الموت والقيام من الموت، ممثلا دور ~~الخصب بدلا منه، أما الإلهة الأولى الكبرى التي ورد ذكرها في ~~الأساطير الرافدية باسم «تيامات # Tiamat ~~» فقد تحولت في الأساطير الأكادية بعد ~~سيطرة الرعاة على المنطقة مباشرة، في أسطورة «إينوما إيليش» إلى ~~إلهة شريرة، سميت «تهامة» (ولاحظ أن تهامة علم على سهل بأرض الرعاة ~~الحجازيين)، قام إله الدولة الذكر القوي «مردوخ» بقتلها وتمزيقها، ~~إلا أن الأسطورة رغم ذلك احتفظت باعتراف ضمني بأهمية الإلهة الأنثى ~~للحياة، فقالت إن «مردوخ» قد صنع من جسمها الممزق الكون ~~وكائناته. # ولا يفوتنا ملاحظة خاصة حول أسطورة «الشعيرة والنعجة» السومرية ~~التي تقول: إن النعجة والشعيرة كانت في موطن يسمى «التل المقدس»، ~~وأن الإله «إن كي» أو «إينكي» (وترى أنه إله زراعي أصيل في سومر؛ ~~لأن كلمة «آن» تعني «إله» و«كي» أو «جي» تعني الأرض، والأرض كانت ~~تعني أرض سومر) قد طلب من الإله «أنليل» أم «أنل إيل» (وفي ~~اعتقادنا أنه إله رعوي وافد يدل عليه اسم إيل، وهو اللفظ الرعوي ~~المألوف في المجتمعات السامية للدلالة على المعبود)، طلب منه تحقيق ~~رغبة تتمثل في نقل النعجة والشعير من «التل المقدس» إلى «الأرض» ~~(واتفقنا أن جي أو كي أو الأرض تعني بلاد سومر الخصبة)، والنص لا ~~يحتاج لأي تعليق، فالنعجة والشعير الرعويان، يتنقلان هنا من «تل» ~~إلى «أرض خصبة» رمزا لدخول الرعاة بلاد الرافدين الخصبة التي ~~حاولت الأسطورة تصويره، على ms075 أنه قد تم برغبة أهل سومر أنفسهم أو ~~بطلب من إلههم «أن كي» يرجو فيه الإله الرعوي «أنل إيل»، وقد لاحظ ~~الباحث «فوزي رشيد» اختلاف أسطورة الشعير والنعجة في صياغتها ~~ومضمونها عن بقية المآثر السومرية ونسقها المعتاد؛ مما أدى به إلى ~~افتراض قدومها من خارج بلاد سومر # 41 # ثم افترض أن هذا المكان هو الجزء الشمالي من الرافدين ~~حيث بلاد آشور. # هذا بإيجاز شديد ما حفظه لنا التاريخ محمولا في ذاكرة البشر؛ ~~لتسجله لنا هذه الملاحم الأسطورية مع اكتشاف الكتابة، وهو ما يكاد ~~يكون توثيقا لما طرحناه من قبل. # وفي تصوري أن التغلغل البطيء للساميين الرعاة المهاجرين من مناطق ~~جبلية وصحراوية إلى الهلال الخصيب، قد استغرق على الأقل خمسة آلاف ~~عام قبل ذلك، تم خلالها اتحاد بين المجتمعين الأبوي الذكري، ~~والزراعي الأمومي، كما أن المنطق يذهب بنا إلى الاعتراف للرعاة ~~بأنهم أول من دجن الحيوان، واكتسبوا في ذلك مهارة وحذقا، ويتفق ~~ذلك مع حاجتهم للغذاء الحيواني: لحم ولبن، وللكساء من الوبر (لعدم ~~توافر النبات)، مقابل تأخر الزراعيين في ذلك لعدم الحاجة، وعندما ~~تغلغل الرعاة في المجتمع الزراعي، استخدموا مهارتهم في تدجين دواب ~~أكبر لخدمة العمل الزراعي؛ مما أدى بهم في النهاية - كمجتمع أبوي - ~~إلى سلب النساء مكانتهن ووضعهن الاقتصادي المستند إلى ~~الزراعة. # ولم يزل لدينا مزيد من الشواهد لدعم رؤيانا. ~~(8) القربان الأمومي ~~«القربان لغة من قرب وقرب ويقترب، فالقربان وسيلة تقرب ~~واقتراب ومشاركة وإذابة للمسافات بين العابد والمعبود»، فأي قربان ~~كان يمكن تقديمه للأم الأولى المخصبة الشبقة الولود المنجبة مانحة ~~الحياة ؟ في مجتمع أمومي كان فيه الجميع للجميع، النساء للرجال ~~والرجال للنساء. # حاولت البحث جاهدا عن إشارات لقرابين حية كانت تقدم للإلهات ~~الإناث، وما وجدته إما إشارات خاطفة لوجود بقايا نيران وعظام ~~حيوانات متفحمة بجوار تماثيل فينوس الولادة في العصر الحجري القديم؛ # 42 # وهو ما لا يمكن الاعتماد عليه - بمفرده فقط - للقطع، ~~أو حتى للاحتمال القوي بأن الإلهات الإناث في العصر الحجري القديم ~~قد عرفن القرابين الحية، وإما إشارات لقرابين ms076 حية حيوانية وبشرية ~~قدمت لعشتاروت الرافدية، وهي بدورها مما لا يمكن الاعتداد به؛ ~~لأنها أولا وردت في مصادر تجميعية لا يمكن الوثوق بها تماما، ~~ولأنها ثانيا لا يمكن اعتبارها دليلا على أصالة هذه القرابين ~~المقدمة للإلهات النساء؛ لأنها «عشتروت» في عصر قريب بالنسبة ~~للعبادة الأمومية القديمة، وهو عصر تداخل فيه المجتمع الرعوي ~~الذكري مع المجتمع الزراعي الأمومي، وساد فيه الغزاة الرعاة الذكور ~~تماما، كما ساد فيه الآلهة الذكور أيضا إلى جانب الإلهات الإناث؛ ~~مما يعطينا إيحاء قويا بأن الضحايا الحيوانية أو البشرية ~~كقرابين للآلهة، قد أتت وافدة مع الرعاة إلى المجتمعات الزراعية، ~~وأن القربان الحي قد عرف في بداية أمره في المجتمعات الرعوية ~~الأبوية، وارتبط بالآلهة الذكور ثم بعد اندماج المجتمعين عرفت ~~الإلهات الإناث هذا النوع من القرابين. # ولعل ندرة الإشارات إلى قرابين حية قدمت لإلهات إناث، مقابل ما ~~تمتلئ به المصادر من أنواع القرابين الحية التي كانت تقدم لآلهة ~~ذكور، أول العلامات الشاهدة على ما طرحناه، إضافة إلى شواهد أخرى ~~كثيرة سيأتي بيانها في حينه، بعد أن نحاول الإجابة على السؤال ~~السالف: أي قربان كان يليق بالأم المخصبة الشبقة الولود المنجبة ~~مانحة الحياة؟ # وأظنني وجدت الإجابة في طقس مهم ومثير، كان يمارس في المناسبات ~~الدينية للإلهات الإناث، في عصر المدن والدول الكبرى في منطقة ~~الهلال الخصيب، أي بعد اختلاط النظامين الأبوي والأمومي، واستتباب ~~السيادة الذكرية على الأرض، مع عدم خلوصها للذكر تماما في السماء، ~~حيث كان للإلهات الإناث وجودهن الباقي، وأعيادهن واحتفالاتهن. «مع ~~ملاحظة أن استمرار الو جود الأنثوي في العبادة مستمر حتى الآن في ~~العقيدة المسيحية التي تعتبر مريم أم الإله المسيح من أبيه ~~السماوي، وهذه الأم إلهة تستوجب الاحتفال والعبادة. ولعل في صيام ~~العذراء المخصص لها دون بقية أقانيم المسيحية الثلاثة، الذي يصوم ~~فيه المسيحيون عن كل ما هو حيواني حي، ويقتصرون فيه على أكل ~~النبات، تذكرة واضحة لا لبس فيها بالمجتمع الذي كان - في سالف ~~العصور - يعتمد على الزراعة والنبات، وكانت تسود الأم العذراء ~~الأولى، ولم ms077 تنته عبادة الأنثى إلا في بيئة رعوية مائة بالمائة، ~~ذكرية مائة بالمائة. أقصد في الدين الإسلامي، الذي تحول بالعبادة ~~عن الأنثى نهائيا.» # وأقصد بالطقس الذي أشرت إليه، والذي كان يمارس في المناسبات ~~الدينية للإلهات والإناث طقس الجنس الجماعي، في أيام محدودة، بجوار ~~معبد الإلهة، والتضحية بالبكارة داخل هيكل الإله نفسه. ولا أجدني ~~مخطئا إذا قلت: إن هذا الطقس إنما كان أفضل قربان يمكن تقديمه ~~للإلهة المخصبة الشبقة الولود المنجبة مانحة الحياة، ولا أكون ~~مغاليا إن احتسبت هذا الطقس أيضا تذكرة بتلك الأيام الخوالي، ~~أيام كان كل النساء للرجال وكل الرجال للنساء. وفي هذا يقول «جيمس ~~فريزر»: «وكان مثل هذه العادة منتشرا في كثير من أصقاع آسيا ~~الغربية، ومهما يكن الدافع لذلك، فإنه لم يكن مجرد انغماس في الفسق ~~الشهواني، بل كان واجبا دينيا خطيرا، يقام به خدمة للإلهة الأم ~~العظمى.» وأقترح تعديل العبارة الأخيرة لتصبح «كان واجبا دينيا ~~خطيرا، يقام به تقريبا للإلهة الأم العظمى» - يتابع فريزر - «وهي ~~الإلهة التي اختلفت أسماؤها، وشكلها واحد ثابت في كل البلاد؛ ففي ~~بابل كان على كل امرأة غنية أو فقيرة، أن تستسلم مرة في حياتها ~~لذراعي رجل غريب في معبد ميليطا أي عشتار أو عشتاروت، وأن تقدم ~~للإلهة الدراهم التي أخذتها لقاء هذا البغاء المقدس. كان صحن ~~الهيكل يزدحم بالنساء اللاتي ينتظرن العمل بهذه العادة ... وفي بعلبك ~~في لبنان كان العرف يقضي على كل عذراء أن تضاجع غريبا في الهيكل.» # 43 # وما زلنا مع «فريزر»: «وفي أرمينيا كانت أشرف العائلات ~~تكرس بناتها لخدمة الإلهة أنايتيس في هيكل إكسيليسينا، حيث كانت ~~الغيد يعملن كبغايا مدة طويلة قبل أن يتزوجن ... وكذلك كانت جماعة ~~كبيرة من الزانيات المقدسات يعبدن الإلهة «ما # Ma ~~» ولاحظ ميم الأمومة في بلدة كومانا في بنطس ... ~~الإلهة الأم التي تمثل في شخصيتها قوى التناسل في الطبيعة كلها ... ~~وذلك لضمان إثمار الأرض وتكاثر الإنسان والحيوان ... وكانت الإلهة ~~دائما تعد غير متزوجة وغير عفيفة معا.» # 44 # وألفت نظر قارئي إلى أن هذه الصفة (غير ms078 متزوجة وغير ~~عفيفة) إنما كانت صفة الأنثى في المجتمع الأمومي الأول، حيث لم يكن ~~قد اخترع نظام الزواج بعد. # والملاحظ أن هذا الطقس - الذي تمجه أعرافنا اليوم - كان عملا ~~مقدسا سمي # Sacred Protitution # قصد به تحريض القوى الإخصابية في الأرض الأم، اعتمادا على مبدأ ~~السحر التشاكلي، إذ الشبيه ينتج الشبيه. # وبمرور الزمن، وتأكيد سيادة الذكور التي تتميز بالغيرة، بدأت ~~محاولات للتحايل (ما نسميه اليوم التأويل) من أجل تخفيف هذا ~~القربان، فكان أن شكلت طبقة خاصة من النساء ليقمن بهذا الطقس ~~القرباني، فأصبحن ضحية وفداء لبقية النساء، إلا أن ذلك لم يكن ~~عارا بل شرفا عظيما نالته هؤلاء النسوة، فلقبوهن «بالعشتاريات # lshtaritu ~~» المشتق من ~~«عشتار». # ويقول «فاضل عبد الواحد»: إن هؤلاء «العشتاريات» أصبحن كاهنات ~~المعابد وأنهن كن من بنات العائلات المالكة والنبلاء. # 45 # ويذكر «فريزر»: أن إحداهن - ويبدو أنها الكاهنة الكبرى ~~- كانت تنام دائما على سرير الإله «بعل» أو «مردوخ». وكان معتقدا ~~أن الإله اصطفاها من بين نساء بابل كلهن ليضاجعها في سريره # 46 # وكان لقب العشتارية الأفضل هو «قاديشتو»، وهو الذي ~~أصبح في اليهودية «قديشا» - وكانت تطلق على زانيات الهيكل ~~السليماني - التي ننطقها «قديسة». # 47 # أما باقي النساء فكان لا بد أن يتقدمن لعشتار بقربان بديل عن ~~الجنس مع غريب، فلا بد من تضحية. لذلك كان واجبا دينيا على ~~المرأة التي لا ترغب في تقديم جسدها للإلهة، أن تكتفي بقص شعرها ~~بدلا من جسدها. # 48 # وفي عيد رأس السنة الجديدة (الاعتدال الربيعي، وقت عودة عشتار أو ~~زوجها من عالم الموتى السفلي لإخصاب الأرض) كان يقام احتفال عظيم ~~يقوم فيه الملك بدور الإله الأكبر، بينما تقوم القديسة الكبرى بدور ~~الإلهة عشتار، ويضاجعها على سرير الإله، فتتحقق الخصوبة، ويعم الرخاء. # 49 # ولنا أن نلاحظ تلك الملحوظة التي تفرض نفسها بقوة، فقد كان لقب ~~أية إلهة خصب في الهلال الخصيب هو «البتول». وقد ترجمها بعض ~~المترجمين بالعذراء، إلا أنها لوجه الحق كانت تعني «غير المتزوجة، ~~أو غير المرتبطة برجل محدد بعينه» وهي بدورها ms079 صفة الأنثى في ~~المجتمع الأمومي الغابر، وهي الصفة التي حملتها الإلهة مريم في ~~العقيدة المسيحية «رغم إنجابها للمسيح وإخوته». # وفي طرالس بليديا تم الكشف مؤخرا عن لوحة شرف منقورة على عمود ~~مرمري يعود عهدها إلى القرن الثاني بعد الميلاد، تعلن: أن الشريفة ~~«أورليا أماليا» قد قدمت جسدها قربانا للإلهة، وأنها في تدينها ~~أصيلة، فقد قدمت أمها وجدتها القربان نفسه، وأنه قد تم التأكد من ذلك. # 50 ~~(9) القربان الذكري # يقول الكتاب المقدس: «وكان هابيل راعيا للغنم، وكان قايين ~~عاملا في الأرض، وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض ~~قربانا للرب، وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانها، فنظر ~~الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين لم ينظر.» # 51 # ورغم أن هناك أمورا غير منطقية كثيرة بالكتاب المذكور، إلا أن ~~مسألة قبول الإله للحم «هابيل»، ورفضه لثمار «قايين» يصعب قبولها ~~على علاتها، أو افتراض أن الإله ربما كان من «اللواحم» وكفى، فلا ~~ريب أن في الظروف الموضوعية التي أحاطت بالشعب العبري - وهو شعب ~~رعوي - صاحب ومؤلف الكتاب المقدس، أسبابا دفعته إلى التأكيد على ~~علاقة الرب الودية بالراعي، مقابل نفوره من المزارع، دونما سبب ~~واضح غير أن هذا راع وذاك مزارع، تلك العلاقة التي توجها الموقف ~~المأساوي المتمثل في مقتل الراعي على يد المزارع؛ لإبراز الشر ~~الكامن في المزارع، مقابل طيبة الراعي؛ ومن ثم وجب الثأر ~~المتأصل في القبلية، فحل الغضب الإلهي على المزارع؛ ومن ثم ~~تقدس قربان «هابيل» الراعي، الذي ما كان ممكنا قبوله أو وصوله إلى ~~الرب، دون ذبحه وحرقه لتتصاعد مادته، فيتسلمها الرب فتهدأ نفسه ~~وتستريح. # وهنا بالضبط أتصور السر الكامن وراء الدم والذبح والحرق والتقرب ~~بالخروف والتيس، كوسائل تواصل بين الراعي ورب الرعاة، وهنا يكمن ~~السر في تنافس العرب واليهود (وكلاهما راع) في تأكيد الفخر لنفسه ~~بأنه كان المذبوح للرب (مشخصين في إسماعيل وإسحاق)، وأنه هنا ~~يكمن السر في التضحية بسيد القبيلة أو ملكها باعتباره الأب ~~والمعبود، تمثل - في ذروته - في التضحية بالخروف الأكبر «يسوع» ms080 في ~~العقيدة المسيحية، ولنحاول الآن إقامة عمد هذه الرؤية. # ونبدأ بالإشارة إلى الاحتفالية المسيحية بعيد الفصح، وهو موعد ~~قيامة «المسيح» بعد أيام ثلاثة من موته، وفيه يؤكل لحم الخروف، بعد ~~حرمان من أكل أي طعام حيواني، يقضيه المسيحيون اختياريا لمدة ~~خمسة وخمسين يوما في صيام يقتصر الطعام فيه على النبات، ولنا حول ~~ذلك ملاحظات، مع إضافات لازمة: # أن صيام العذراء رمز واضح - كما سبق أن أشرنا - إلى ~~العصر الأمومي الزراعي، وخاصة أنه قد خصص للأم العذراء ~~«مريم» بالذات. # أن نهاية الصيام الكبير تتم بعيد الفصح الذي يكسر ~~فيه الصيام بأكل الخروف، وهو ليس سوى رمز لنهاية ~~النظام الأمومي في المجتمعات الزراعية وسيادة النظام ~~الذكري الرعوي الغازي ممثلا في الخروف، قربان الرعاة ~~المفضل. # أن المسيح - بنص الأناجيل - كان يعد لمريم «ابنها البكر». # 52 # أن المسيح - بنص الأناجيل - كان يعد «ملكا لليهود». # 53 # أن المسيح - بنص الأناجيل - إله ذكر. # أن المسيح قد استشهد ومات، وهو في المسيحية اعتقاد ~~أساسي دونه الكفر، وأن موته كان فداء للبشر. # فالمسيح إذن «ابن بكر» كان يعد ملكا، وفي الوقت ~~نفسه إله ذكر استشهد فداء للبشر، وتحول بعد موته إلى ~~الأب الذي في السماوات. # أن عيد الفصح المسيحي، الذي يؤكل فيه الخروف أو ~~المسيح كان في أصله عيدا رعويا، كان يحتفل به ~~الساميون عموما، والعبريون اليهود خصوصا، وكان ~~بالتسمية العبرية عيد «الفسح» ويقول مولتون # Moulton ~~: «إن العبريين ~~كانوا يبدءون احتفالهم الفسحي ليلة البدر من لحظة ظهور ~~القمر - وطوال الليل - وإلى لحظة اختفائه بأكل خروف ~~يشتركون فيه جماعة.» # 54 # ولاحظ أن الخروف من حيوانات الرعاة، وأن ~~القمر أحد الظواهر الفضائية المؤثرة في حياة البادية ~~الليلية، وأنه كان إلها لكل الشعوب السامية العائدة ~~بأصولها إلى بوادي شرق المتوسط، وأنه عبد تحت اسم ~~الإله «سين». راجع في ذلك موضوعنا «منذ فجر التاريخ ~~والحج فريضة إجبارية». # أنه لا بد أن تتوافر في هذه الضحية شروط عددها ~~موسكاتي كالآتي: # أن تكون سليمة من العيوب. # أن تكون من الغنم أو التيوس (وهي حيوانات ms081 ~~الراعي). # أن تكون البكر بين الحملان أو المعز. # أن تكون ذكرا (وهي دلالة المجتمع الأبوي الذكري). # 55 # أنه كان يؤكل مع هذه الضحية فطير (خبز غير مختمر)، ويرى ~~«موسكاتي» أن ذلك بدوره كان عادة رعوية، إذ لم يكن لدى الرعاة وقت ~~لانتظار التخمر؛ نظرا لظروف تنقلهم السريع وراء الكلأ والعشب، # 56 # إلا أن لنا رأيا آخر، وهو أن أكل الفطير خبزا غير ~~مختمر، ربما كان عادة زراعية الأصل، وهو ما يؤكده رأي «برتولت # Bortholet ~~»، فيرى أن سر أكل الخبز ~~فطيرا هو أن ينال الإله نصيبه من المحصول الجديد في أسرع وقت ممكن، # 57 # وهو ما يجعلنا نضع احتمالا بأن الأصل في احتفالية عيد ~~الفسح عيدان وليس عيدا واحدا: # عيد خاص بالمزارعين يتقرب فيه العباد للإله بقربان ~~من ثمار الأرض ممثلا في حنطة على هيئة فطير، ويدعم ~~لنا احتمالنا قول «بنتسنجر # Benzinger ~~»: إن عادة أكل الفطير دون ~~خمير، كان سببه عدم التفرغ إبان جمع المحصول، # 58 # ولاحظ «وقدم قايين من أثمار الأرض ~~قربانا ...» # عيد خاص بالرعويين أصحاب النظام الأبوي يذبحون فيه ~~من ماشيتهم، ولاحظ «وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ~~ومن سمانها». # ثم اختلط العيدان، بتداخل المجتمعين، والنظامين الأبوي والأمومي، ~~ويؤكد لنا أن عيد الفطر لم يكن عيدا رعويا في الأصل قول ~~«برتولت»: إن عيد الحصاد لم يكن ذا موعد محدد، فقد كان مرتهنا ~~بنضوج المحصول والاستعداد لجمعه، ثم تحدد موعده وثبت بعد ذلك، بعد ~~أن ارتبط بعيد الفسح. أما أظهر الدلالات على ذلك ما جاء في كتاب ~~العبريين المقدس: أن عيد الفسح # 59 # هو «عيد ابتداء المنجل في العيدان»! # 60 # وإن هذا بدوره يعد دعما آخر لمذهبنا، في أن النظام الأمومي كان ~~زراعيا، وقرابينه إما دعارة أو نبات في هيئة فطير، وإن النظام ~~الأبوي كان رعويا وقرابينه دماء وذبائح. # ونعود إلى عيد الفصح المسيحي مرة أخرى لتناول فكرتين مهمتين: # إن «المسيح» كان لقبه الراعي، وأنه كان يعد ملكا ~~وإلها وأبا للمؤمنين في الوقت نفسه. # إن موته كان فداء للبشر. # وأطرح ms082 هنا تفسير «سيجموند فرويد» لمسألة التضحية (بالحيوان، ~~بالإنسان، بالملك، بالإله على حد سواء)، فيقول اعتمادا على ~~«داروين»، و«أتكسون»، و«روبرتسون سميث»: # إن البشر قد عاشوا في أول عصورهم على هيئة عشائر صغيرة، وإن كل ~~عشيرة رزحت تحت نير سلطة طاغية لأب ذكر، «وبناء على مذهبنا، سينطبق ~~كلام «فرويد» هنا على المجتمع الرعوي البدائي فقط، رغم أنه لم يقل ~~ذلك». وإن هذا الأب القاسي المرعب، كان أنانيا فظا غليظ القلب، ~~يقتل أبناءه لأتفه سبب، إنه كان يرضى خصي الابن أو يقطع ذكره من ~~أصوله إذا أثار غيرته، واقترب من الإناث اللاتي كن حريما له، ~~وحريمه إما أمه أو إخوته أو بناته. وذات يوم تضافر الأبناء ~~المقهورون، وأعلنوا تمردهم وعصيانهم على ملكهم وأبيهم، فقتلوه ~~وافترسوه معا. # ثم حلت عشيرة الإخوة محل الأب، ونتيجة الشعور بالذنب، صرفوا ~~النظر عن نسائه، وأقاموا نظام الزواج الخارجي، فنشأ التابو أو ~~التحريم، ونظمت الأسرة أوضاعها تبعا لقواعد أمومية جديدة، «وهذه ~~النقطة سبق أن رفضناها من خلال نظريتنا». # ثم اختار الأبناء المتمردون حيوانا ليكون طوطما للأب المقتول ~~(ولاحظ أن الكلمة أو طوطيمان تعني: هو من قرابتي)، واعتبروه السلف ~~الأول والروح الحامية، وحظر مسه أو قتله إلا في اجتماع كامل ~~لمأدبة يأكلونه فيها جماعة. # 61 # وهنا اقتراح أن يكون هذا الطوطم خروفا أو تيسا، باعتبارهما من ~~حيوانات الراعي. لكن الاعتراض البدهي قد يقول: كيف ذلك بينما ~~الخروف أو التيس كان يؤكل في أي وقت كان، وهنا أبرز رؤيتي ~~بنقطتين: # الأولى: # ما جاء في تحديد صفات الوليمة الطوطمية في الفسح ~~العبري (ذكر وليس أنثى، من الغنم أو الماعز، بكر، ~~سليمة من العيوب)؛ لتأكيد صفات معينة في الطواطم ~~دون بقية الخراف، تتمتع بالرعاية إلى اليوم ~~الموعود لذبحها وأكلها . # والثانية: # إن من عادات المشعوذين حتى اليوم، أن يطلب ~~المشعوذ من صاحب المشكلة حيوانا ذا صفات محددة ~~وخاصة جدا ليذبحها فتحل مشكلته. # ونتابع مع «فرويد»، فيقول: «إن الأب المقتول الذي كان الأبناء ~~يخشونه ويرهبونه ويكرهونه ويجلونه في وقت واحد، كان كل منهم يتمنى ~~لو ms083 يحتل مكانه؛ لذلك أصبح أكله ممثلا في خروف في موعد محدد كل ~~عام، هو محاولة للتشبه به من خلال التمثيل الجسدي لقطعة منه. # 62 # وفي الوقت نفسه أصبح هذا الموعد عيدا يحيي في الأبناء ~~ذكرى انتصار حلفهم على الأب الملك القاسي.» # 63 # ويرى أن عادة الختان المستمرة حتى اليوم، إن هي إلا بديل رمزي عن ~~الخصي الذي كان الأب كلي القدرة يعاقب به أبناءه فيما غبر من الزمن. # 64 # وأضيف إلى «فرويد» أنه ليس ختانا فقط، بل كان يصل إلى ~~حد إخصاء كامل يقوم به الإنسان لذاته بذاته، في احتفالات الآلهة ~~الشهيدة، كما كان يحدث في احتفالات الحزن على الإله «أدونيس» في «لبنان». # 65 # ولم يزل يمارسه الشيعة المتطرفون في احتفالات الحزن ~~على «الحسين» الشهيد في لبنان وسوريا والعراق وإيران، حتى اليوم. ~~ومع ذلك أجدني أخالف «فرويد» في كثير مما ذهب إليه. # إن قول «فرويد» إن الاحتفال بالفصح حول ذكر غنم مذبوح إحياء ~~لذكرى قتل الأب - والأب كما اتفقنا كان الإله - على يد أبنائه. ~~وذكرى انتصارهم عليه، فيها كثير مما يجافي المنطق والواقع. ومجافاة ~~المنطق تتضح في التساؤلات: هل كانت حالة قتل الأب البدائي حالة ~~واحدة حدثت في جماعة بعينها دون بقية الجماعات، وترسبت ذكراها بعد ~~ذلك لدى كل الجماعات والمجتمعات، التي ما زالت إلى اليوم على ~~اختلاف مللها ونحلها تمارس طقس الأضحية في أعيادها؟ بالطبع هذا غير ~~ممكن أيا كانت التبريرات. أم أن حادثة قتل الأب قد تكررت الصورة ~~نفسها لدى كل العشائر القديمة، حتى تظل في ذاكرة جميع الشعوب، ويتم ~~تذكرها إلى اليوم باحتفالات التضحية، وهذا بدوره نوع من الصدفة ~~مستحيلة الوقوع بهذا الاطراد والتزامن والتشابه. # ثم إنه إذا كان أكل الخروف إلى اليوم، هو أكل الإله ذاته - كما ~~هو واضح تماما في العقيدة المسيحية - فهل التقرب يتم هنا للإله ~~نفسه؟ أعني أن الاعتقاد بهبوط الإله المسيح من السماء وموته على ~~الصليب لفداء البشر، وأكل الخروف في الفصح المسيحي تذكرة به، إذ ~~قال المسيح: «من يأكل جسدي ويشرب ms084 دمي يثبت في وأنا فيه.» # 66 # هل يعد هذا الاعتقاد تقربا للإله ذاته؟ إن ذلك يبدو ~~لي غير منطقي بالمرة، ولا يمكن أن أتصور الإنسان حتى اليوم يتقرب ~~للإله بالإله ذاته، فينزل من عرشه السماوي ليصلبه على الأرض، ثم ~~يأكله بعد ذلك خروفا، فيما يزعم «فرويد» أنه احتفال بذكرى قتل ~~الأب البدائي وانتصار حلف الأبناء عليه. # إنه تفسير يجافي المنطق تماما، ثم يجافي الواقع المعيش، ومن ~~الواقع المشاهد للآن يمكنني أن أرسم صورة تأملية نستعيد فيها حقيقة ~~ما حدث في غابر الأزمان، يمكن أن نفسر بها سر التضحية ب «الأب، ~~الملك، الإله، الخروف» على حد سواء. ~~(10) الأضحية والفداء # مرة أخرى أعود فأؤكد أن القربان النباتي (الفطير) كان في مجتمع ~~زراعي أمومي، لم يعرف الدماء ولا الذبح في مبدأ أمره، وكانت ~~قرابينه إما دعارة أو فطيرا. بينما كانت التضحية بالذبح والدم ~~احتفالية رعوية نشأت في مجتمع أبوي، وكي تتماسك حلقات رؤيتي ~~التأملية، أستمر في استقراء الواقع، وأعود إلى «داروين» كما عاد ~~إليه «فرويد». فأجد أن نظرية الانتخاب الطبيعي لا تعني أبدا تضافر ~~الإخوة لقتل الأب، إنما كان ما يحدث، هو ما يحدث اليوم في عالم ~~الحيوان؛ إذ يستمر الذكر القوي في سيادة القطيع، حتى ينتابه ضعف ~~الشيخوخة، فيظهر ذكر آخر قوي يدعوه للنزال وينازعه السيادة، وعلى ~~المهزوم أن يتخلى عن موقعه، وهكذا دواليك، أما تمثل الأب في طوطم ~~يؤكل في موعد يحدد فليس مرجعه جريمة ارتكبها الأبناء في حق الأب ~~كما ذهب «فرويد»، إنما أتصور الأمر كامنا في معنى «الأضحية» نفسه، ~~فهي في الإنجليزية # sacrifice # بمعنى ~~التضحية والذبح للإلهة وهي الأضحية. والذبيحة، وتعني أيضا الخسارة ~~والتضحية بشيء، من أجل شيء آخر، والأضحية في اللغة العربية من ~~التضحية، والتضحية «فعل» يحمل معنى الخسارة والتنازل عن شيء نملكه. ~~كما يحمل أيضا معنى فداء الآخرين، ومعنى النبل، فهي خسارة شخصية ~~من أجل كسب أكبر وأهم للجماعة كلها. # وكان معنى الضحية ولم يزل معنى الفدية التي يفتدي بها الإنسان أو ~~المجتمع أو الوطن، وتحمل أيضا ms085 معنى التضحية الاختيارية بالذات، من ~~أجل سلامة الجماعة كلها، وفي هذه الحال، يتحول عمل الفادي في نظر ~~الناس بعد موته إلى قمة الأعمال سموا وقدسية، حتى إن تضحيته في ~~كافة الأديان تقريبا، ترفع عنه كل الخطايا، حتى تصل قداسته حد ~~الملائكية. ويطلق على عمله في هذه الحال «استشهاد»، بمعنى الموت ~~أمام الجميع وهم شهود يستشهد بهم على مجد عمله وفدائه. وإذا كان ~~هذا يحدث اليوم، فلا نتعجب من أفراد العشيرة البدائية، وهم يحتمون ~~وراء الذكر الأب القوي، من أحد ضواري الصحراء، أو من نازلة طبيعية ~~قاسية، فيموت أمام أعين الجميع وهم شهود على مجد عمله وقدس ~~فدائيته، فيرفعونه بعد موته إلى رتبة الألوهية الغيبية (مع ملاحظة ~~دور الأحلام في تأكيد هذا المعنى، والفزع الطفولي في حلم يسترجع ~~ذكرى فداء الأب واستشهاده)، ولكن لأن الغيب مسألة غير واضحة ~~المعالم، فقد تمثل البدائيون السلف الراحل في طواطم أنفع ~~الحيوانات، وما أنفع الخروف والتيس للراعي! ذاك الطوطم الذي ظل ~~يحظى بالإكرام والتبجيل، حتى موعد ذكرى استشهاده، فكان أن اجتمع ~~الأبناء حول جسده المذبوح في خروفه الطوطمي، تذكرة لهم بآلام ~~استشهاده، ثم يأكلونه ليحتووه في البطون والحنايا والحشايا، ~~ويستمدون من جسده القدسي مددا وقوة، ويحتوونه داخل أنفسهم ~~وأرواحهم، فهو فيهم وهم فيه (بتعبير المسيح آنف الذكر). # وإلا، لماذا الحزن والبكاء في موسم استشهاد الآلهة؟ ولماذا لطم ~~الخدود وشق الجيوب الذي كان يمارس حزنا على «تموز» و«أدونيس» ~~و«بعل» و«آتيس» و«ميثهرا» و«المسيح» و«الحسين»؟ وهل يتفق هذا الحزن ~~الهائل مع تفسير «فرويد» أنه ذكرى انتصار الأبناء على الأب القاسي؟ ~~ثم لماذا يصل الحزن إلى حد تجريح الأبدان إن لم يكن مشاركة للأب ~~الشهيد في ألمه، واصطناعا لألم ناتج عن عدم مشاركته بطولته ~~ومصيره ؟ ثم لماذا يسمى الفطير القرباني، الذي يقدم في ذكرى موت ~~«المسيح» مرسوما عليه «المسيح» أو صليبه (رمزا لآلام استشهاده) ~~الذي كان يؤكل قبل ذلك في الفسح، لماذا يسمى خبز الحزن # sad ~~bread ~~؟ ~~أو لماذا يتمادى الحزن ويتحول إلى هستيريا تصل إلى حد إخصاء المؤمن ms086 ~~نفسه في مواسم استشهاد آلهة الهلال الخصيب، إذا لم يكن ذلك محاولة ~~متأخرة للاعتراف لهذا الأب بأنه الوحيد الذي يستحق شرف الرجولة، ~~وأن من عداه لا يستحق أن يحمل شرف رجولة لم يشارك بها الشهيد مجد ~~استشهاده؟ ثم لماذا يلقب كل آلهة الخصيب التي سادت مع السيادة ~~الرعوية بلقب «الشهيد»؟ ولماذا تقول الأساطير رغم تباعد المسافات ~~بين هذه الآلهة: إن كلا منهم مات ميتة عنيفة على أنياب وحش بري ~~بالذات؟ # حقيقة لا أرى ذلك كله متفقا أو متسقا إلا مع رؤيتي، وإذا كان ~~من غير المنطقي أن تتكرر حادثة قتل الأب على يد أبنائه كما ذهب ~~«فرويد»، فإنه من المنطقي أن تتكرر حادثة استشهاد الأب فداء ~~لعشيرته، باختلاف المكان والزمان، وفوق هذا كله فإن نظريتي تتسق مع ~~آخر الديانات الفدائية الكبرى (المسيحية)، التي اعتقدت في ألوهية ~~المسيح، ذاك الإنسان الذي أعاد إنجيل «متى» أصل نسبه إلى بيت ~~الملكين «داود» وابنه «سليمان»، # 67 # فكان ملكا منتظرا لليهود يمسح بالزيت المقدس مسيحا، ~~ثم يقودهم ويحررهم من الاستعمار الروماني، لكنه استشهد على الصليب، ~~فاستحق الألوهية؛ لأنه في الاعتقاد المسيحي قد أسلم نفسه للصليب ~~بإرادته فداء لكل الشعب، وإن الإيمان به، وأكل لحمه وشرب دمه ~~ممثلا في خروفه الطوطمي في الفصح، يرفع كل الخطايا عن البشر، خاصة ~~أن عرش ملك اليهود المنتظر كان يسمى عرش «يهوه» إله اليهود؛ لذلك ~~كان المسيح ملكا وإلها. # ومن هنا لا نندهش عند قراءة الأساطير القديمة لآلهة الفداء، أن ~~نجد الإله «تموز» يستشهد وهو في هيئة التيس، وكذلك «بعل» ~~الكنعانيين، وكذلك «أدونيس» الفينيقي الذي قتل على أنياب خنزير ~~بري، وكذلك «آتيس» إله فريجيا الذي استشهد إبان صراعه مع وحش بري. ~~وهو يتلبس هيئة التيس! ~~(11) تداخل القرابين والأضاحي # يبدو لنا أن الإنسان عندما بدأ يتحول بأسلافه من الطواطم إلى ~~المظاهر الكونية، كان اهتمام المجتمع الرعوي الأبوي بما فوق ~~(والذكر فوق الأنثى والأب فوق الأم)، خاصة مع حياته في بادية ~~تسترشد بالقمر والنجوم ليلا مع الاتساع والرحابة في أفق لا تحده ms087 ~~حدود. فتمثل آلهته في السماء (الهلال القمر الإله سين، ولاحظ ~~التشابه بين قرني التيس أو الخروف وبين الهلال) وأرى أن المنطق ~~يقود إلى تمثل الراعي لوجه أبيه الشهيد في القمر لما تحمله تضاريسه ~~من تمثلات كثيرة، كنا نتخيل فيها ما يحلو لنا ونحن صغار، وما أشبه ~~البدائيين بصغار اليوم، إضافة إلى أن اللفظ السامي الرعوي الدال ~~على الغنم أو الماعز كان «سي» بإمالة السين إمالة طويلة، والتي ~~أصبحت «شاه». والتسمية «سي» تلتقي تماما مع تسمية القمر ب «سين» ~~ولم تزل نساؤنا المصريات إلى اليوم يسبقن اسم الزوج ب «سي» بمعنى ~~سيدي أو ربي أو «بعلي» «فلان»! # هذا بينما تركز اهتمام المزارعين أصحاب النظام الأمومي في أمهم ~~الأرض، وعندما رفعوها إلى السماء ليلبسوها بالظواهر الفضائية ~~تمثلوا هذه الأم في كوكب متلألئ ذي دلال هو كوكب الزهرة، ويذهب ~~«فرويد» إلى أن هذه الأم قد رمز لها بالقمر، إلا أني أرى في ذلك ~~بعض الخلط. فارتباط الأنثى الأم بالقمر، جاء فيما أعتقد ليس لكونهم ~~رأوها هي القمر ذاته أو أن رمزها في السماء هو القمر، ولكن لعدم ~~معرفة الزراعيين البدائيين بدور الرجل في الحمل والميلاد، وربما ~~كان اتفاق ظهور القمر - وتبدل أحواله حتى تكامله ثم اختفائه - مع ~~إيقاعات المرأة البيولوجية، سببا في نشوء تفسير لدى البدائيين في ~~المجتمع الأمومي. إن القمر هو الزوج الحقيقي للمرأة، كما يصح أن ~~يكون هذا التصور قد تدعم فيما بعد باندماج المجتمعين الرعوي الأبوي ~~والزراعي الأمومي، فزوجوا الأب الذكر «سين» إله القمر بالإلهة ~~الأنثى الأم الكبرى، وهو ما وجدنا صداه في أسطورة «إينانا» إلهة ~~الجنس وكوكب الزهرة السومرية، إذ جاء فيها أن القمر سين كان زوجا ~~لها ومقابل اسمها «إبناتا = إن + آن» أي سيدة السماء، كان لقب ~~الإله سين «نانا = نن + آن» أي ذكر السماء أو رجل السماء أو سيد السماء. # 68 # وكان اعتياديا تماما بعد هذا التزاوج بين المجتمعين والنظامين ~~أن تتداخل القرابين الزراعية بالأضاحي الرعوية، وأن تستمر تضحية ~~الأب البدائي في الذكرى الإنسانية، التي تحولت إلى ms088 عرف مسنون يجب ~~الوفاء به كلما حل بهم أمر جلل، وعلى الملك (الذي حل محل الأب بعد ~~قيام المدن) أن يقوم بهذه التضحية، باعتباره ممثل الإله كما ضحى ~~بذلك الأب الأول. وهو ما فعله الملك القرطاجي «هملقار» في معركة ~~«هيرا» التي قاتل فيها الإغريق قتالا مستميتا، واستمرت من الفجر ~~حتى منتصف الليل، ومكث في معسكره يلقي بعشرات الضحايا في محرقة ~~هائلة. ولما رأى جنوده يتقهقرون ارتمى وسط اللهب بتضحية اختيارية، ~~وقضى نحبه فداء مواطنيه. فجعل مواطنوه فيما بعد يقدمون له الضحايا، ~~وشيدوا له نصبا في كافة المستعمرات القرطاجية # 69 ~~(وهو تكرار واضح لا يحتاج تعليقا لما سبق وحدث في ~~سالف الأزمان، ويتفق تماما مع رأينا). # بالعودة إلى خمسة آلاف سنة مضت، وقت نشأة المدن في الهلال ~~الخصيب، وسيادة الذكور، وتزاوج الثقافتين الرعوية الأبوية ~~والزراعية الأمومية، تحولت احتفالات الخصب؛ لحث الأرض على الإنتاج، ~~من إلهات الأرض والزهرة الإناث، إلى الآلهة الذكور، فتحولت ~~القرابين بالتالي إلى أضاحي، يضحي فيها الملك بنفسه، ويبدو أن ~~تقديم الأطفال قربانا للنيران - فيما نرى - قد نشأ عن محاولة ~~الملوك التهرب من هذا المصير المفزع، فنشأت عادة مضاجعة الملك ~~للكاهنة الكبرى «قاديشتو» لإنتاج آلهة من نسله الملكي الإلهي تخصص ~~للتضحية. وفي هذا ما يفسر لنا لجوء الملك اليهودي «داود» إلى شنق ~~أبناء سلفه «شاول» السبعة؛ لرفع القحط وإنزال المطر. # وهكذا أصبح إنبات الأرض واستنزال المطر وعودة فصل الخصب، مرهونا ~~بسفك الدماء وبالأضاحي، وهو أمر لا يزال شائعا في بلادنا إلى ~~اليوم، يتمثل في تحذير الأم لطفلها بعدم الخروج وحيدا، حتى لا ~~يذبحوه على حجر طاحونة الحبوب؛ لأن الطاحونة إذا توقفت فلا بد أن ~~يذبح عليها طفل حتى تعود إلى العمل، وتعود إلى طحن الحبوب، هكذا ~~كانوا يروون لنا ونحن صغار، وهي رواية تلقي بنا في مرآة التاريخ ~~القديم، حيث ارتهن استمرار دوران الطبيعة (الطاحونة)؛ لتعطي حبوبها ~~وزرعها بالتضحية بالدم، وهي تضحية لم تكن - أبدا - أصيلة في ~~المجتمع الأمومي الزراعي. إنما وفدت مع قدوم الرعاة، إذ أصبح تقديم ~~الطفل ms089 الملكي الإلهي للإلهة الأم الكبرى، نتيجة اقتران ثقافة ~~المزارع القاضية بتقديم دم بكارة الأنثى في الهيكل للأم الكبرى، ~~بثقافة الراعي التي كانت تقضي بتقديم بكر الخراف أو الملك نفسه ~~فداء للجماعة. # وربما كان الطفل (الناتج عن جماع الملك الرعوي بالكاهنة ~~الأمومية) هو تراض بتعاقد لتقديم ضريبة عوضا عن الصراع الدموي، ~~الذي لا بد قد حدث إبان دخول الرعاة للأرض الزراعية، بين أصحاب ~~الأرض الزراعية وبين الغزاة الرعويين. # والمطالع للكتاب المقدس يجده لا يني يذكر دائما الابن البكر ~~صاحب الميراث والبركة عن أبيه، وهو ما يتفق مع اعتباره ولي العهد ~~أو الملك أو الأب الذي يجب أن يقوم بالتضحية المطلوبة. # وظل الاعتقاد قائما حتى اليوم، ويمارس تذكرة بالأب الفادي ~~والشهيد الأول، وظل الخروف هو الضحية المثلى، يذبحه أحفاد الرعاة ~~المسلمون، ويذبحه المسيحيون ليفطروا على لحمه، بعد الصيام الأمومي ~~النباتي الطويل. # لوحة رقم 13: أفروديت الولادة. # لوحة رقم 14: تمثال بدائي آخر، أفروديت ~~الولادة. # لوحة رقم 15: إلهة الخصب عشتار. # لوحة رقم 16: عنات البتول العذراء. # لوحة رقم 17: عنات ربة الخصب الكنعانية. # لوحة رقم 18: عنات على جرة فخارية. # لوحة رقم 19: إيزيس الإلهة الأم الفرعونية على ~~عرشها، تمسك بمفتاح الحياة «الصليب»، وأمامها كل صنوف ~~الزرع تأكيدا لعلاقة الإلهة الأم بالخصب، تقربه لها ~~الملكة نفرتاري. # لوحة رقم 20: لوحة للفنان «جويا # Goya ~~»، أليست تلك هي ~~الربة الشجرة بقرة الخصب؟ # | القمر الأب أو الضلع الأكبر في الثالوث # (1) التأسيس # تأسيس (1) # في صباه، وهو يصبو إلى الفهم والتفسير، اتجه العقل البشري ~~نحو ظواهر الطبيعة النافعة، والغضوب الباطشة، واللينة السلسة، ~~والمزجرة المدمرة، يرجو بينه وبينها تواصلا، يبغي به نفعا، ~~وتوقيا لعصف العاصف منها وزلزلته، فسجد لها عابدا، وتقرب ~~منها بما رآه أهلا لها، متزلفا، راغبا للخير، ودافعا للشر ~~... فكان أن تصور الكون كله مليئا بالحياة . # وجنح به الخيال إلى تأليه المظاهر الكبرى في الوجود، من ~~الشمس إلى القمر إلى الكواكب إلى النجوم إلى البرق والرعد، حتى ~~النهر والصخر والخصب والجدب، فجعل لكل حالة في الطبيعة آلهة ~~معينة بها، تستحق منه العبادة، والتقرب إليها ms090 بأثمن ما لديه، ~~ضمانا لعطفها ودرءا لغضبها. # وإبان ذلك أو ربما قبله، قدس الإنسان - فيما رآه جديرا ~~بالقدسية - آباءه وأسلافه الغابرين، وكان لظاهرة الأحلام دورها ~~في تقديس الأسلاف، فلم يكن لدى الإنسان في مبتدأ أمره تفسير ~~واضح لأحداث المنام وأحواله. وهذا المبتدأ لم يكن إلا مرحلة ~~الطفولة في التطور البشري، فكان كالطفل واضح الحلم جليه، فكان ~~لا يفرق بين حدث الحلم وحدث الواقع، وفي المنام كان الأسلاف ~~الراحلون أحياء فاعلين، فخرج بنتيجة مؤداها أن أباه الراحل لم ~~يزل موجودا وحيا ومؤثرا، وإن كان مخفيا بطريقة ~~ما. # ومن هنا سوغ اعتقاده في أرواحية الطبيعة وصبغها بالحياة، أن ~~سلفه الراحل هو حالة من حالات الطبيعة، أو هو في واحدة من ~~ظواهرها، فربما كان في هذه الشجرة أو تلك النبتة، أو في هذا ~~الحيوان النافع، أو في تلك المياه الجارية. # وهي تلك المرحلة المسماة - اصطلاحيا - بالطوطمية، التي تم ~~فيها تقديس الكائنات الأرضية، واعتبارها محلا لسكنى السلف ~~الراحل، مع الأخذ بالحسبان أن الطوطمية من كلمة «أوطوطيمان» من ~~العهد الكونكي، وتعني «هذا من قرابتي». # وفي مرحلة تالية، وعندما أخذت العشائر البدائية تتجمع في ~~قبائل، واتصلت القبائل مكونة مجتمعا أكبر وأكثر رحابة ~~واتساعا، لم يعد ممكنا فرض روح السلف المعبود، الحالة في ~~حيوان طوطمي مقدس لدى قبيلة، على قبيلة أخرى تقدس طوطما آخر، ~~فكان أن تم تمثل السلف في ظاهرة ترضي جميع الأطراف المتجاورة ~~أو المتحدة، فارتفع العقل بسلفه المعبود عن التمثل في حيوان ~~على الأرض، إلى تمثله في مظهر كوني أكبر، فكانت عبادته المخلصة ~~للكواكب والنجوم إن هي إلا للأسلاف المقدسين. # تأسيس (2) # على ناتج البحوث الأركيولوجية، افترض الباحثون أن المجتمع ~~الإنسان قد مر بمرحلتين شكلا نظامين اجتماعيين مختلفين: ~~مجتمع سادته المرأة، إذ كانت تستقر إلى جوار أطفالها ، بينما ~~يخرج الذكور للقنص، وكانت المرأة فيه للجميع، لم يكن هناك نظام ~~زواج بالمعنى المعروف بعد، ومجتمع ساده الذكور، بما في الذكورة ~~من قسوة وخشونة، وقد اختلف العلماء حول أي المجتمعين كان ~~سابقا للآخر، بينما افترضنا في طرح ms091 خاص سبق لنا وضعه في ~~دراستنا «أضحية للذكر، قربان للأنثى» # 1 # أن اختلاف النظامين: الذكري والأنثوي، ليس ~~اختلافا زمانيا، إنما هو اختلاف مكاني. ودللنا على أن ~~المجتمع الذكري الأبوي كان مجتمعا رعويا بدويا عبد آلهة ~~ذكورا، إلى جوار المجتمع الأنثوي الأمومي الذي سادته المرأة، ~~وعبد إلهات نساء يمثلن القدرة على الميلاد والخصوبة ومنح ~~الحياة، تأسيسا على فرضنا أن المجتمع الأنثوي الأمومي كان ~~مجتمعا زراعيا، شكل فيه الخصب ظاهرة أساسية؛ مما جعلها أس ~~الاعتقاد والعبادة، الممثلة في إلهة خصبة ولود، كانت أما ~~أولى مقابل عبادة الأب الأول في المجتمع الرعوي البدوي الذكري ~~الأبوي، وبمرور الزمن تمكن البدو الرعاة من التسلل إلى المناطق ~~الزراعية، في شكل غزو بطيء تدريجي أدى إلى سيادة الذكور في ~~النهاية، ونشوء نظام الزواج؛ ومن ثم ترك الأقدمون لنا ~~آباءهم وأمهاتهم ممثلة في آلهة كونية، تركزت خاصة في الظواهر ~~الفضائية. # تأسيس (3) # معتمدا على نتائج بحوث كل من «أتكسون وروبرتسون سميث» ~~افترض «سيجموند فرويد» أن أساس القرابين، التي كانت تقدمها ~~الشعوب القديمة لآلهتها، في شكل أضاحي من البشر، أو الحيوان ~~بعد ذلك كبديل عن الإنسان، الذي لم يزل مستمرا إلى الآن، ~~والذي تمثل في ديانة «فرويد» اليهودية في ذبيحة من الغنم الذكر ~~الخالي من العيوب، في عيد الفسح العبري، افترض أن ذلك يعود إلى ~~ذكرى في اللاشعور الجمعي، تعود بدورها إلى أيام سيادة الذكور ~~المطلقة في المجتمع البدائي - فيما يزعم - وقسوة الأب الذكر ~~الفظ، وإرهابه لبنيه، واستيلائه باستمرار على النساء جميعا، ~~وقتله لأي من أبنائه يثير غيرته، أو لأي سبب آخر؛ مما أدى ~~إلى تحالف الأبناء - يوما - ضد الأب القاسي والثورة عليه، ~~وقتله وافتراسه معا، وما ذبيحة الفسح أو الأضحية والاجتماع ~~حولها وأكلها جماعة، إلا تذكار لانتصار حلف الأبناء ضد الأب ~~الشرس وقتله وافتراسه. # 2 # وقد عارضنا رأي «فرويد» في الدراسة المشار إليها آنفا، ~~وطرحنا فرضا آخر لتفسير طقس القربان والتضحية، على أساس مختلف ~~تماما، اعتمادا على رؤية تأملية خاصة في كلمة الأضحية والتضحية # Sacrifice # فرأينا ~~الأب الأول فاديا ms092 استشهد فداء بنيه، وضحى بنفسه دفاعا ~~عنهم، ومن أجل استمرار حياتهم، في صراع مع واحد أو أكثر من ~~ضواري ذلك الزمان. # كما افترضنا أن هذا لا بد قد حدث في المجتمع الأبوي الذكري ~~البدوي الرعوي، إذ ارتفع الأب بمجد عمله في نظر أبنائه إلى ~~السماء مقدسا؛ ليحل في أوضح كواكب البادية وأقربها إلى حس ~~الرعاة، أقصد القمر، الذي أصبح إلها يستحق التضحية له بأعز ما ~~يملك الإنسان، عرفانا له بتضحيته السالفة. # وللتشابه القائم بين قرني التيس أو الخروف أو الثور، وبين ~~الهلال، فقد تصور الإنسان أن هذا الحيوان إن هو إلا سلفه ~~المعبود؛ ومن ثم قام بذبحه في احتفالات خاصة، ثم أكله ~~ليحتويه في حشاه وبطنه بتلك الأيام الغابرة. # ورغم اختلاف المجتمعات التي تحتفل بهذه المناسبة (الذبح)، ~~فإن العين الفاحصة لكل احتفال أضحوي - رغم اختلاف الطوائف - ~~ستلاحظ غلبة الطقوس القمرية على هذه المحافل. # وأحيانا قام الإنسان بذبح أحد أبنائه، أو نذره للذبح كضحية ~~لربه، وانتشر هذا الطقس انتشارا واسعا في وقت من الزمان، ~~ويبدو أنه الأساس في ظاهرة الختان، التي اعتبرت - لدى كثير من ~~الباحثين - ذبحا جزئيا، بديلا عن الذبح الكلي الذي كان ~~يمارس في غابر الأيام. # أما القرابين في المجتمع الأمومي، الذي عبد ربات ولادات ~~مخصبات في مناطق زراعية، فقد افترضنا أنها ممارسة الجنس ~~الجماعي، وهو ما عثرنا عليه في طقوس كثير من الإلهات الإناث في ~~حوض المتوسط، وسبق أن فصلنا القول فيه في دراستنا (المشار ~~إليها) إذ وجدناه منتشرا بشكل وبائي حاد، وكان قربانا ~~وتقربا يتلاءم مع نظام زراعي، للخصب والميلاد والحياة فيه ~~الدور الأساسي، وتؤدي فيه الإلهات الإناث دور الخصب والولادة ~~ومنح الحياة، ويقوم على أساس قديم، سادت فيه الأنثى التي لا ~~تعرف رجلا واحدا، وبعد تداخل المجتمعين: الرعوي الأبوي، ~~والزراعي الأمومي ، وسيادة الذكور ونشوء نظام الزواج، بدأت ~~محاولات للتخفيف من طقس الجنس الجماعي بما يتلاءم مع الأوضاع ~~الجديدة. كما خفف من قبل ذبح الطفل إلى عملية ختان. فتحول ~~الطقس من جنس جماعي عام، إلى فريضة يجب ms093 أن تؤديها المرأة ولو ~~مرة واحدة على الأقل في حياتها، وهي ممارسة الجنس مع غريب ~~عنها. # ثم تطور الأمر نحو مزيد من التخفيف، فتم تخصيص طائفة من ~~النساء كمنذورات لمعابد الإلهات الإناث، يقمن بهذه المهمة بشكل ~~خاص بدلا من بقية النساء وفداء لهن. أما النساء اللاتي لا ~~يقمن بذلك، ولا يدخلن في سلك الكهانة الجنسية، فكان مفروضا ~~عليهن استبدال الجنس مع غريب بقص شعورهن للإلهة ~~المعبودة. # تأسيس (4) # ولأن الأب الذي في السماء كان أبا في المجتمع الذكري الأبوي ~~الرعوي، ولأن الإلهة التي في السماء كانت أنثى ولودا في ~~المجتمع الأنثوي الأمومي الزراعي، ولأن المجتمعين تداخلا، ~~وكذلك النظامان، فقد زوج العباد آلهتهم بعضها من بعض؛ ومن ~~ثم كان القمر رب البادية وأبو الرعاة زوجا للأم الكبرى ~~التي كانت صاحبة أخطر دور في حياة المحصول الزراعي ونضجه، أقصد ~~الشمس. # ولأن هناك زواجا قد حدث فلا بد من وليد، فكما كانت حياة ~~الأب الأول والأم الأولى على الأرض، فلا بد أن تكون كذلك في ~~السماء، وبذلك اكتملت أضلاع الثالوث الإلهي، نعم، اختلف وضع ~~الزهرة والشمس ما بين مجتمع وآخر، فتارة كانت الشمس ذكرا، ~~وتارة أنثى، وتارة كان كوكب الزهرة زوجة أنثى، وتارة ابنا ~~ذكرا، تبعا لاختلاف المجتمعات وطبيعة البيئة وعلاقتها بالشمس ~~والزهرة، إلا أن القمر بالذات، كتبت له السيادة بسيادة الذكور ~~المطلقة، فظل هو الأب الذكر دائما، وأخطر ضلع في الثواليث ~~الإلهية المختلفة، الذي ربما كان أهمها لبحثنا الآن، ثالوث ~~الجنوب العربي اليمني، الذي قدس الثلاثي السماوي: القمر كإله ~~ذكر أخذ دور الابن، لكن القمر كان هو الإله المقدم، فعبده ~~القتبانيون والحميريون بالاسم «عم»، وعم القبيلة أبوها وسيدها، ~~وعبده الحضارمة بالاسم «سين»، وعبده المعينيون بالاسم «ود»، ~~وعبده السبئيون - فيما يقول الباحثون - بالاسم «المقة». ~~(2) آلهة القمر: سين وياسين # و «سين» كبير آلهة حضرموت، كشفته بعثة بريطانية في منطقة الحريضة ~~عام 1944م، في نقوش تمتد بطول الشريط الساحلي لجنوب الجزيرة ~~العربية، على امتداد أرض الأحقاف # 3 # وقد كان إله القمر باسم «سين» معروفا في عبادات ms094 ~~الرافدين القديمة، # 4 # كما كانت له معابده ومزاراته في شبه جزيرة سيناء، التي ~~يرى الباحثون أن اسمها مشتق من اسمه. # 5 # ونرى أن الاسم «سين» يتركب من «ن» النون الأخيرة، وهي أداة ~~التعريف في العربية الجنوبية، تلحق بآخر الاسم المراد تعريفه، ~~و«سي» وهي في اللغات السامية بشكل عام، إنما تطلق على الشياه ~~عموما (الخراف، الماعز، البقر، والثيران ... إلخ)، وهي التي تطورت ~~بعد ذلك من «سي» إلى «شاة». # 6 # وعليه فإن الاسم «سين» كعلم دال على إله القمر، إنما ~~يعني الإله التيس أو الإله الثور، وهو ما يلتقي تماما مع ألقاب ~~القمر المنتشرة في الجنوب اليمني وهو اللقب «الثور». # 7 # لكن الأمر اللافت للنظر في أمر الإله «سين»، أن بعض المتخصصين في ~~اللغات السامية وعلمائها، يرون أن الاسم هو «ياسين». # 8 # وهو مما يستدعي التساؤل: هل هناك علاقة بين «سين» أو ~~«ياسين» وما جاء في القرآن الكريم: # يس * والقرآن الحكيم * ~~إنك لمن المرسلين ~~(يس: 1-3)، خاصة إذا ~~أخذنا بالحسبان ملاحظة للباحثة اليمنية ثريا منقوش في ملاحظة ~~هامشية تقول: إن الإله «سين» ظل كمكبوت في العقل اليمني يستدعى ~~اليوم في قرى اليمن عندما يتعرض عزيز لحادث، فيقولون: «ياسين ~~عليك»، كما يقول المصريون «اسم الله عليك»! # 9 # وهي تقصد بدون مواربة أن الإله «سين» كان يعرف أيضا ~~باسم «ياسين»، ولعل «الياء هنا للنداء وربما كانت للترجي»، وهو ما ~~يدعمه ما جاء عند المؤرخ اليمني «أبو الحسن الهمداني» في حديثه عن ~~الإله القمري السبئي «المقة» بقوله: إن أصل الكلمة هو «يلمقة»، # 10 # أو «يا المقة». # هذا إضافة إلى ما يجب وضعه في الاعتبار عن اعتياد القرآن الكريم ~~القسم بمقدسات عرب قبل الإسلام وتمجيدها، مثل قسمه بالشمس والقمر ~~صراحة، وبالكواكب الخمسة المعبودة المعروفة بالخنس، الجوار الكنس ~~في قوله: # فلا أقسم بالخنس ~~(التكوير: 15). أو كما في قوله: # فلا ~~أقسم بمواقع النجوم ~~(الواقعة: ~~75). # وقد كان من أسماء الإله القمر لدى عرب الجنوب الاسم «شهر». وكان ~~منتشرا بدوره في كل اللغات السامية كعلم على إله القمر في حالة ms095 ~~الهلال، ولم يزل مستعملا إلى الآن في اليمن. # 11 # وقد جاء بالاسم والمعنى نفسيهما في القرآن الكريم في ~~قوله: # فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه ~~(البقرة: 185) بمعنى من شهد منكم ~~الهلال! ~~(3) الأب الودود # وقد عبد المعينيون القمر بالاسم «ود»، ويعني الأب، والودود أو ~~الحنون، وفي عبادة هذا الإله المعيني دعم آخر لنظريتنا التي ~~طرحناها مقابل نظرية «فرويد»، ورأينا فيها أن طقس التضحية هو تكرار ~~لحدث استشهاد الأب الأول دفاعا عن أبنائه في معركة مع ضار شرس. ~~ثم تحول الأب بعد موته ليحل في طوطم حيواني (خروف أو تيس أو ثور)، ~~وبعدها ارتفع - في نظر أبنائه وأحفاده - ليتلبس بالقمر، للتشابه ~~بين قرني الطوطم الأرضي وبين الهلال. # وقد جاءت النصوص تشير إلى الإله القمر بالصيغة «ودم شهرن»، وهي ~~تعني الأب القمر «ود = الأب + شهر = الهلال + ن أداة التعريف ~~اليمنية = الأب القمر». وقد ورد في صيغة أخرى هي «دم شهرن» # 12 # وتحمل المعنى نفسه «الآب القمر». # ونلاحظ هنا أن الأب حمل في اسميه معاني الود والرحمة والمحبة، ~~إضافة إلى دماء الشهادة والتضحية، فدخل في تركيب اسمه - إضافة للود ~~- معنى الدم، في «ودم»، وفي «دم»، وما زلنا نعبر إلى اليوم عن ~~الروابط القرابية بأنها صلة «دم». ونعني بها القرابة من جهة الأب ~~بالذات؛ لأن قرابة الأم صلة «رحم»، والميم في «ودم شهرن» هي للصلة ~~والاتصال والربط بين «ود» و«شهرن»، ويدعمنا أكثر أن «ود» الأب الذي ~~حارب الضواري واستشهد في سبيل أبنائه - في نظريتنا - قد مثله ~~الجنوبيون في هيئة رجل مقاتل شجاع محارب، # 13 # ولقبوه بعدد من الألقاب التي تحمل معاني التبجيل ~~والحب. فناداه اللسان اليمني «صدوق» أي الصادق، # 14 # و«نهى» أي الحسن، و«رضى» أي الراضي الرحيم، و«حكم» # 15 # أي الحكيم، و«رحمن» أي الرحمن، # 16 # و«حريمن» أي المحرم أو القدوس، # 17 # والرب، والملك، والعزيز، والعادل، والأمين. # 18 # أما أبلغ الأدلة على تطابق عبادة القمر لدى المعينيين ~~مع نظريتنا، فتتمثل في اعتقاد المعينيين أنهم إنما هم أبناء ~~مباشرون للقمر «ود»، حتى أطلقوا على أنفسهم «ه ود» أو ms096 «هود». # 19 # والهاء تفيد الانتساب والبنوة، ويصبح المعنى «أبناء ~~ود» أو الأبناء الذين في الأرض للأب الذي في السموات. # 20 ~~(4) المقة ~~«المقة»، هو اسم القمر السبئي، كما ورد عند الباحثين في آثار ~~الجنوب العربي. ويعد السبئيون أنفسهم أولاد الإله «المقة». # 21 # ويعد أشهر آلهة اليمن، فقد ورد اسمه في النقوش ~~المكتشفة حتى عهد قريب أكثر من ألف مرة. # 22 # ويقول الباحثون: إن الاسم يعني اللامع أو الثاقب، ~~لكننا نرى أن هذا الاسم الغريب يحتاج جهدا آخر في التعامل ~~معه. # ووجه الغرابة - في نظرنا - يكمن في أمرين: الأمر الأول يتعلق ب ~~«الألف واللام، ال» في بداية «المقة»، ونحن نعلم أن أداة التعريف ~~في العربية الشمالية هي «الهاء، ه» في أول الكلمة، مثل «هبعل» أي ~~الإله «بعل»، وكانت في العربية الجنوبية هي «النون، ن» تضاف إلى ~~نهاية الكلمة مثل «رحمنن» أي الرحمن، فما دلالة الألف واللام في ~~اسم «المقة»؟ # والأمر الثاني يتعلق بالتاء الأخيرة في «المقة»، والتاء في ~~العربية القديمة، شمالية وجنوبية، كانت تضاف آخر اللفظة للتأنيث، ~~بينما نفهم من النصوص السبئية أن «المقة» إله ذكر، قال الباحثون ~~إنه إله القمر السبئي، فما حكمة إضافة تاء التأنيث لاسم علم يدل ~~على إله ذكر؟ # ولنبدأ بالمشكلة الأولى: «الألف واللام، ال»، وأظنني وجدت حلها ~~فيما أشار إليه «موسكاتي» عن شخصية إلهية غامضة تسمى «إل»، # 23 # وقد كان «إل» اسما إلهيا في بلاد الرافدين وبلاد ~~الشام القديمة، وهو فيما يؤكد لنا «د. جواد علي ونولدكه وآخرون»، ~~كان إلها ساميا معروفا في كل العبادات السامية # 24 # إلا أنهم لم يوضحوا لنا دلالته بشكل صريح، كذلك يؤكد ~~لنا «ديتلف نيلس» أن معبودا باسم «إل» كان معروفا في كل بقاع ~~جزيرة العرب، ويرى أنه كان اسما ذا دلالة عامة، يستعمل كبديل لكل ~~اسم إلهي في حديث الغائب، فيقال «إل كذا» ويتبع «إل» اسم الإله ~~المقصود، ويضيف «نيلسن» أن «إل» ورد كعلم لإله خاص في النقوش ~~السبئية والقتبانية، # 25 # لكنه بدوره لم يوضح لنا أي إله خاص تسمى بالاسم ms097 «إل» ~~وعلى أية منطقة من الطبيعة أو على أية ظاهرة طبيعية كانت دلالته. ~~هذا وقد أفادنا «ريكمانز» أن «إل» قد جاء في النقوش السبئية يحمل ~~اللقبين «فخر» بمعنى العظيم و«تعلى» بمعنى تعالى، # 26 # كما أفادنا «هوبر» بأنه قد عثر على «إل» في النقوش ~~الثمودية بالصيغة «إله ن» وتعني الله. # 27 # وتأسيسا على هذه المعاني، يمكننا الزعم بأن «الألف واللام» في ~~أول «المقة» إنما تعني الله أو الإله، وتصبح لفظة المقة تعنى ~~«الإله مقة»، أو «الرب مقة». # وتبقى الإشكالية الثانية وهي «تاء التأنيث» الأخيرة، وأتصور أن ~~حلها يمكن العثور عليه في نص قتباني يشير إلى موضع الذبائح المقدسة ~~بقوله: «مختن ملكن بمكي»، # 28 # وتعني مذبح الملك بموضع مكي، أو المذبح الملكي في ~~منطقة مقدسة أطلق عليها النص اسم مكي، ولأن المذبح لا يكون إلا في ~~معبد، إذن فمعبد الإله هنا ومزاره المقدس في منطقة «مكي»، فهل هناك ~~علاقة بين الاله «المقة» وبين مكي؟ هناك مشكلة ظاهرة يمكن أن تواجه ~~هذا الاقتراح، وهي أن النص «مختن ملكن بمكي» نص قتباني، يشير إلى ~~معبد إله القمر القتباني، وإله القمر القتباني كان هو الإله «عم» ~~وليس «المقة»، إلا أني أعتقد أن هذه المشكلة الظاهرية ستساعد على ~~الحل، أكثر من إثارتها للإشكالية، ولنطرح الآن تصورنا للحل في ~~الخطوات التالية: ~~(1) # ورد عند «ابن طيفور المصري» و«القيروان» أن أهل ~~اليمن كانوا يقلبون القاف كافا كما يفعل أهل فلسطين ~~اليوم، ومن هنا لا تستبعد العلاقة بين «المقة» ~~و«مكي». ~~(2) # إن إشارة النص القتباني إلى المذبح الملكي بكونه في ~~الموضع «مكي»، مع ما عرفناه عن تقديسهم للإله «إل» ~~وتلقيبه بفخر وتعلى، والصيغة الثمودية التي عثر عليها ~~هوبر «إله ن» أي الله، والتي تشير إلى «إل»، وما ~~عرفناه عن «إل» كعلم دال على إله خاص عند القتبانيين ~~والسبئيين معا فيما زعم «نيلسن»، ومع ما زعمناه حول ~~كون «الألف واللام» في أول «المقة» إنما هي «إل»، ~~وتعني إله أو رب، مع هذه المجموعة من الإشارات نجدنا ~~مدفوعين دفعا إلى استنتاج أن معبد ms098 «إل» على الأرض ~~سواء أكان قتبانيا أم سبئيا، إنما كان يشار إليه ~~بالاسم «مكي»، ويقدس معبده ومحيطه كحرم خاص بالإله ~~«إل». ~~(3) # ومن هنا نقترح أن يكون اسم «المقة» ليس خاصا لإله ~~خاص، إنما يعني «إل = إله + مقة أو مكي = معبد الإله ~~على الأرض»، وهنا ننتقل خطوة أخرى فنقول إن ترجمة ~~«المقة» بالإله أو الرب مقة ترجمة غير دقيقة، ويجب أن ~~تكون «إله أو رب مقة أو مكي»، أي إله المعبد الحرام ~~الموجود على الأرض ويسمى مكي. ~~(4) # وتأسيسا على ذلك لا يعد «المقة» اسم علم يطلق على ~~إله القمر السبئي، إنما تصبح «المقة» تعني «رب البيت»، ~~ولأن رب البيت أو إله مكي هو القمر، ولأن الرب ~~المعبود، في عموم دول الجنوب هو القمر، فقد ألقي في ~~روع الباحثين أن اللفظ «المقة» الوارد بكثرة في النقوش ~~السبئية، هو اسم علم أطلقه السبئيون على إلههم ~~القمري! ~~(5) # ومع هذا الفهم تصبح «تاء التأنيث» في آخر «المقة» ~~مفهومة، إذا لم يكن «المقة» إلها ذكرا، إنما معبد ~~يحيطه موضع حرام مقدس للإله على الأرض. ~~(6) # ويدعم رؤيانا هذه أنه جاء في النصوص السبئية أكثر من ~~إشارة للإله المعبود باسم «ذوي سموي»، # 29 # أي رب السماء أو صاحب السماء أو الذي في ~~السماء. وهذا إنما يعني أن رب السماء (وهو هنا إله ذكر ~~وليس أنثى) هو «إل» أو «إله ن» بالذات وبشكل خاص، أما ~~«المقة» أو «مكة» فلم تكن سوى حرم معبد هذا الإله على ~~الأرض، أي يصبح «إل» هو «ذوي سموي» رب السماء ورب ~~البيت المقدس له على الأرض. ~~(7) # أنه قد ثبت في النقوش: أن زوجة إله القمر وهي الشمس، ~~قد أطلق عليها اسم «إلات»، # 30 # ومن هنا يصبح «إل» هو إله القمر؛ لأن ~~«إلات» الشمس هي مؤنث «إل»، وتتضح التسمية الحسية ~~تماما ل «إل» بأنه «ذوي سموي» أو الرب الذي في ~~السماء. ~~(8) # أنه كان من عادة ملوك اليمن التسمي بالأسماء ~~الإلهية ، ضمانا لاكتساب القدسية المسوغة للحكم ~~بالحق الإلهي، ومن هذه الأسماء «إل ذرح» أي الله ~~المضيء ms099 و«إل شرح» أي الله المتلألئ و«إل يسع» أي الله المشع. # 31 ~~(9) # وعليه نصل إلى نتائج هي: # أن «مقة أو مكي أو مكة» تشير إلى موضع ~~الحرم الإلهي على الأرض. # أن «المقة» إنما تعني رب البيت. # أن رب البيت هو «إل» هو «الفخر تعالى» ~~هو «ذوي سموي» هو رب السماء هو «إله ن» هو ~~«الله». ~~(5) ثالوث إل # ومع «إل» إله السماء الذكر أو «القمر»، ومع «إلات» إلهة السماء ~~الأنثى أو «الشمس» جاء الضلع الثالث ممثلا في الوليد الإلهي «عثتر ~~سمين» أي عثتر السماء، الذي أشارت إليه النصوص بالاسمين: ~~«آزيزوس # Azizos ~~» وكان يتقدم ~~الشمس عند شروقها، و«مونيموس # Monimos ~~» وكان يتبع الشمس حين غروبها، # 32 # هو كوكب الزهرة؛ لذلك نستنتج أن الزهرة كان إلها ~~ذكرا، أخذ دور الابن في الثالوث المقدس عند عرب الجنوب وحمل ~~اللقبين: «العزيز آزيزوس» و«المنعم مونيموس»، ويذهب بعض الباحثين ~~إلى أنه المقصود بالنجم الثاقب في القرآن الكريم. # 33 # و«العزيز» ترد في صيغة أخرى هي «عزين»، # 34 # ونظنها تقابل الصيغة «عزيم» في اللسان العبري، إذا ~~أخذنا في الحسبان خلط اللسان بين حرفي ال «ن» وال «م»، و«العزيم» ~~في العبرية ليس سوى الماعز، والتيوس بوجه خاص، وهو ما يعيد إلى ~~أذهاننا صفة الأب القمر كثور أو خروف أو تيس؛ لذلك حملت لنا اللغة ~~في حفرياتها ما يؤكد أن الابن قد حمل - بدوره - عن الأب الصفة ~~نفسها. وأن الإصرار على تصوير الآلهة القمرية في الجنوب بصور ~~الحيوانات المشهور عنها قدرة الإخصاب الجنسي، وكانت رموزا لآلهة ~~الخصب عموما، سواء في بلاد الرافدين أم الشام أم مصر، حيث كان ~~الثور والتيس ممثلين لآلهة الفداء المعروفة بآلهة الخصب، يطرح ~~علينا تساؤلا: هل عرفت بلاد اليمن القديمة، في عصور ازدهارها كيمن ~~سعيد زراعي خصب، عبادة الخصب وما رافقها من طقوس الجنس الجماعي، ~~ونذر البنات للمعابد كبغايا للإله؟ # الحقيقة أننا لم نعثر بهذا الصدد على مؤيدات واضحة، إنما عثرنا ~~على ما يضع الأمر موضع الترجيح، فقد جاءت لنا النصوص القتبانية ~~بأسماء نساء دخلن سلك الكهنة وقدمن أنفسهن ms100 كمنذورات للمعابد، # 35 # كما جاءنا نقش من معين يصور إلهة على هيئة امرأة تحمل ~~سنابل في يدها اليسرى، وتنشر الخير فوق الجميع بيدها الأخرى، وهي ~~دلالة واضحة على إلهة خصب بلا لبس، وخاصة سنابل الحبوب التي ~~استخدمت كرمز خصب في كل العبادات الجنسية القديمة، ويمكننا أن نفهم ~~السر في اعتبار سنابل القمح رمز خصب، إذا أخذنا في اعتبارنا هيئة ~~حبة القمح المفلوقة، التي كانت في نظر الإنسان القديم فرجا ~~صغيرا، وملاحظة أنها عندما تروى بالمياه كما يروى فرج الأنثى ~~بمياه الذكر، تنفلق الحبة عن حياة جديدة ممثلة في نبتة جديدة، كما ~~ينفلق فرج الأنثى عن المولود الجديد، هذا إضافة إلى ما أورده ~~الباحثون أنه كان لدى يمن الجنوب طقس يمارس عند إصابة المنطقة ~~بجفاف، فيخرجون بالأضاحي إلى العراء، ويرددون أدعية وأناشيد ما ~~زالت تردد إلى الآن في المناسبات نفسها وفي المنطقة نفسها. # 36 # أما طقس التضحية الذي عرفناه إبداعا خاصا بالمجتمع الأبوي ~~الرعوي، والذي استمر بعد تزاوج المجتمعين الأبوي والأمومي، وعبادة ~~الخصب في هذه المجتمعات، واقتران الأضاحي بطقوس الجنس. فإننا نجد ~~له ترديدا واضحا في القرابين الحيوانية، التي كانت تقدم لآلهة ~~اليمن، وفي النقش «مختن. ملكن. بمكي» كانت كلمة مختن تعني المذبح، ~~ومنها الختان الذي هو بديل عن الذبح الكلي للطفل كقربان للإله، وهو ~~بدوره رمز جنسي واضح، يرجح نوعا من الطقوس الجنسية في العبادات ~~اليمنية. # وهناك أسطورة حبشية تدخل في صلب الاعتقادات الدينية الحبشية ~~تقول: إن سلسلة أباطرة الحبشة هم نسل الأنثى الشمسية «ماكد» ~~المعروفة في الأساطير باسم «بلقيس» ملكة اليمن، بعد أن ضاجعها إله ~~القمر «حكيم»، المعروف في الأساطير باسم «سليمان» # 37 # مع ملاحظة أنه كان هناك تواصل دائم بين بلاد اليمن ~~وبلاد الحبشة، نتيجة للتقارب الجغرافي والتبادل التجاري. والأسطورة ~~تشير بوضوح إلى الاعتقاد في نوع من العبادة الجنسية، ناهيك عن كون ~~الآلهة اليمنية تشكل ثالوثا يقوم فيه الجنس بدور رئيسي، حتى تكتمل ~~أضلاع الثالوث. # ورغم كل هذه الشواهد فإنها لا تضع الاقتراح بوجود عبادة جنسية في ~~الجنوب ms101 اليمني موضع اليقين قدر وضعه موضع الترجيح، فإن لدينا ~~كثيرا من الشواهد التي يمكننا بها دعم هذا الاقتراح دعما قويا، ~~وسيأتي ذكرها في حينه. ~~(6) إلى مكة # من المعروف أنه بعد انهيار مركز اليمن السعيد التجاري، ودمار سد ~~مأرب الشهير، نزحت القبائل اليمنية نحو الشمال؛ لتستقر في أنحاء من ~~بلاد العرب، واستقرت أكبرها «خزاعة» في المنطقة التي أصبحت تعرف ~~باسم مكة. # 38 # ومن الطبيعي أن تحمل هذه القبائل في رحلها معتقداتها ~~وآلهتها وطقوسها الدينية، ومن الطبيعي أيضا أن يرحل «رب البيت» مع ~~أصحابه ليتقدس له بيت جديد على الأرض في مكة! # وقد لاحظت الباحثة اليمنية «ثريا منقوش» التشابه بين ما اعتقدت ~~أنه إله قمري لسبأ باسم «المقة» وبين «مكة»، وربطت بين الاثنين في ~~ضوء ما جاء عند «ابن طيفور المصري» و«القيرواني» عن بعض أهل اليمن ~~ولكنهم القاف كافا، وما جاء على لسان النبي «محمد» # صلى الله عليه وسلم # حول ~~الفقه اليماني والحكمة اليمانية، لتصل من ملاحظاتها إلى أن أهل ~~اليمن هم أصل التوحيد الذي جاء بعد ذلك في الدين الإسلامي، وأتصور ~~أنه بعد جهدنا في التعامل مع الاسم «المقة»، يمكن أن تكون ملاحظة ~~الباحثة حول التشابه بين «المقة» و«مكة» قد تدعمت بشكل كاف، كما ~~أن تعاملنا الآتي مع الطقوس التي صاحبت البيت المكي الحجازي، سيضيف ~~إلى «منقوش» مزيدا من الدعم والأسانيد، في احتمالها أن يكون «مكة» ~~الحجازي هو «المقة» اليمني، وخاصة مع ما جاء عند «المسعودي» عن ~~البيت الإلهي الحجازي أنه خطط أصلا لعبادة الكواكب السيارة. # 39 # وغني عن الذكر أن أبرز الكواكب السيارة المؤلهة هي ~~القمر الأب والشمس الأم والزهرة الابن، أو الرب «إل» والأم «إلات» ~~والابن «عثتر». # وفي الروايات الإسلامية أن منطقة الحجاز كانت صحراء بلقعا، حتى ~~انفجرت زمزم تحت خد «إسماعيل» طفلا، فكان أول من جاء واستقر ~~بجوار البئر ركب من اليمن. # 40 # مضافا إلى ذلك ما جاء عن «عمرو بن لحي الخزاعي» عند ~~الإخباريين المسلمين، باعتباره أول حاجب للبيت الحجازي الإلهي، وفي ~~ذلك إشارة واضحة إلى بداية ms102 حجابة هذا البيت مع الخزاعيين القادمين ~~من اليمن، وخاصة إذا علمنا أن هذه الحجابة الأولى للبيت، لا تبعد - ~~زمانيا - عن تاريخ دمار سد مأرب وتشتت القبائل اليمنية بأكثر من ~~نصف قرن. # 41 # مع لمحة مهمة جاءت في كتب التراث الإسلامي، وتحكي عن ~~«تبع الثاني» أحد ملوك اليمن، الذي قدم البيت الإلهي الحجازي، ~~وطاف به، وقام ينحر للناس ويطعمهم، ثم كسا البيت بالبرود اليمنية، ~~وجعل له مفتاحا. # 42 # ذاك المفتاح الذي استلمه الخزاعيون، وأصبح فيما بعد ~~محل صراع ونزاع انتهى به إلى يد «قصي بن كلاب»، الذي ألف القبائل ~~«وقرشهم تقريشا، ومنها قريش» ضد خزاعة، وأخرجهم وانتزع منهم البيت ~~الإلهي. وسواء أحدثت قصة «تبع الثاني» أم لم تحدث، فهي تعبير عن ~~ترجيع الذاكرة لصدى أحداث وظروف نشأة البيت وعلاقته بأهل اليمن، ~~حتى جعلت مفتاحه بين اليمنيين. # ولا يفوتنا هنا ما أكدته الباحثة «منقوش» - على ذمتها - أن ~~كثيرا من عادات الحج للبيت الحجازي، كانت على غرار التقاليد ~~اليمنية القديمة في تأدية فروض العبادة والحج للإله «المقة» وإن ~~كانت لم تورد مؤيدات واضحة لتأكيدها هذا. # 43 ~~(7) عبادة الجنس # وسمي الموضع المقدس المحرم الحرام في الحجاز بالاسم «مكة»، ~~وأطلق على إله هذا الموضع المقدس اسم «رب البيت»، وكان التعبير «رب ~~البيت» هو التعبير الدارج والمفضل قبل الإسلام على ما نشاهد في كتب ~~التأريخ الإسلامي. أما رب البيت عند عرب قبل الإسلام، أو ما اصطلح ~~على تسميتهم بالجاهليين، فقد حمل الاسم «الله». ولعله ليس بخاف أن ~~الله من «إل» و«إله ن»، بعد أن حلت أداة التعريف في العربية ~~العدنانية «الألف واللام» في أول الكلمة محل أداة التعريف في ~~العربية القحطانية واليمنية «ن»، إضافة إلى «إلات» الإلهة المقدسة ~~والزوجة الأم، و«هبل» كبير أصنام الكعبة. ونظنه قام هنا بدور الإله ~~الابن، إذا أخذنا بالحسبان أن الاسم «هبل» هو في الأصل «ه، بعل» أو ~~«هبعل». والهاء كانت أداة التعريف في العربية الشمالية وظلت على ~~حالها، بينما أهملت العين بالتخفيف مع مرور الزمن. أما «بعل» في ~~«هبعل» فهو اسم ms103 إله الخصب في البلاد الكنعانية الشامية المتصلة ~~جغرافيا وتجاريا بمنطقة مكة اتصالا وثيقا. وقد كان بعل إلها ~~معروفا ومنتشرا انتشارا هائلا في البلاد الشامية كإله للخصب، ~~وصاحبته طقوس جنسية تفشت تفشيا عظيما في مختلف تلك المناطق، وقد ~~كان في الأساطير الأوجاريتية الشامية ابنا للإله «إل». # 44 # ويبدو أن توسط منطقة «مكة» بين بلاد الشام وبلاد اليمن، وما كان ~~من تواصل مستمر بينها وبين مكة، أدى إلى تداخل بين عقائد المنطقتين ~~في مكة، فدخل «بعل»، وحل محل «عثتر سمين» كابن للإله أو «إل»، ~~ويلقي لنا الإخباريون المسلمون بظلال هذا التداخل في الرواية التي ~~تقول: إن «عمرو بن لحي الخزاعي» سافر من مكة إلى الشام في تجارة، ~~فرآهم هناك يتعبدون لآلهة الخصب هذه، وكان مما أحضره «هبل وإساف ~~ونائلة» فوضع هبل في فناء الكعبة، ووضع «إساف» على الصفا ووضع ~~«نائلة» على المروة. # 45 # وإذا كان «هبل» في الأصل «بعل» إله الخصب صاحب الطقوس الجنسية، ~~فهل عرف البيت الإلهي الحجازي هذا النوع من الطقوس؟ إذا كان ذلك ~~كذلك، فإنه سيدعم احتمالنا الذي سبق أن طرحناه عن ترجيح وجود عبادة ~~جنسية غابرة في عبادة «المقة» اليمنية. # ولنبدأ محاولة الإجابة مع «إساف» و«نائلة». # تقول كتب التأريخ الإسلامية: إن الصنم «إساف» كان معبودا ذكرا ~~على جبل الصفا، وأن الصنم «نائلة» كان معبودا أنثى على جبل ~~المروة، وأنهما كانا شخصين حقيقيين، دخلا فناء الكعبة، وهناك فجر ~~إساف بنائلة، فمسخهما الله هذين الصنمين! # 46 # لكن، كيف للعقل أن يستسيغ هذه الرواية الإسلامية عن «إساف» ~~و«نائلة»، في ضوء حقيقة أن الصفا والمروة كانا مقدسين لدى ~~الجاهليين، كذلك «إساف» و«نائلة» كانا ربين جديرين بالتبجيل ~~والتقديس، وكانوا يسعون بينهما سبعة أشواط، ويتمسحون بهما، ويقصون ~~شعورهم عندهما، في طقس مهم من طقوس الحج. # 47 # وعندما جاء الإسلام أقر السعي بين الصفا والمروة ~~أشواطا سبعة، واعتبرها من شعائر الله في الحج. فهل كان عربي قبل ~~الإسلام، يقدس ويبجل من ذكرت الرواية الإسلامية أنهما فجرا ومارسا ~~الفعل الجنسي في فناء الكعبة؟ # الحقيقة أنه لا ms104 يمكن فهم هذا الأمر إلا إذا كان فعل «إساف» ~~و«نائلة» بالكعبة في نظر عبادهما ليس فجرا بل عملا مقدسا، ~~وأنهما كانا يتمثلان عبادة جنسية سادت زمانا في هذه المنطقة، وأن ~~السعي بينهما لم يكن في المقاييس الخلقية القديمة أمرا مشينا، بل ~~كان نوعا من العبادة المقدسة والمقررة في نظر أصحابها، والتي كانت ~~منتشرة في بقية بقاع المنطقة انتشارا هائلا، خاصة في بلاد الشام ~~والعراق بوجه خاص، وبقية بلاد الهلال الخصيب بأكملها، دونما إحساس ~~بأنه أمر مخجل أو معيب، وكل ما في الأمر أن الرواة المسلمين عندما ~~واجهوا هذه المسألة بالمقاييس الأخلاقية الجديدة، لم يستسيغوا ~~الأمر على هذا الشكل، فسموا الفعل الجنسي المقدس فجرا قام به ~~«إساف» و«نائلة» فمسخا صنمين. # وهذه الحقيقة الأولى، نضعها في رصيد ترجيحنا وجود عبادة جنسية في ~~المنطقة في أدوارها الأولى. ~~(8) وهناك علامات # والعجيب حقا أن الروايات الإسلامية عندما أرادت تفسير السر في ~~استمرار تقديس الصفا والمروة في الإسلام، واستمرار السعي بينهما في ~~شعائر الحج الإسلامي، استبدلت الذكر «إساف» والأنثى «نائلة»، بذكر ~~وأنثى مرة أخرى، ممثلين في «آدم» و«حواء» ليقوما بالفعل الجنسي ~~بدلا من «إساف» و«نائلة»، إذ أمر الله «جبريل» أن ينزل «آدم» من ~~على الصفا، و«حواء» من على المروة إلى خيمة نصبت موضع البيت، وهناك ~~جمع بينهما في الخيمة، وبني البيت بحجر من الصفا وحجر من المروة، # 48 # أو بمزيج من الذكر والأنثى؟ بل يقال إن ما لله تعالى ~~من منسك أحب إليه من موضع المسعى بين الصفا والمروة # 49 # وهذه حقيقة أخرى نضيفها لرصيد احتمال وجود عبادة جنسية ~~في البيت الإلهي المكي في عهوده القديمة. # وهناك رواية إسلامية أخرى تقول: إن «آدم» و«حواء» عندما هبطا من ~~الجنة نزلا مفترقين، وظلا هائمين حتى التقيا، وعرف «آدم» «حواء» ~~(أي جامعها، والتوراة بشكل خاص تصر على استخدام لفظ عرف بمعنى ~~جامع) على جبل عرفة؛ لذلك عرف الجبل باسم عرفة؛ لأن «آدم» عرف أو ~~جامع «حواء » عليه! # 50 # ومن هنا تقدس الوقوف بعرفة، وكان الوقوف بعرفة من أهم ~~مناسك ms105 الحج الجاهلي، فكانوا يتجهون إلى هناك زرافات ذكورا ~~وإناثا، يبيتون ليلتهم حتى يطلع عليهم النهار. وإن العقل ليتساءل ~~أمام مشهد ألوف الرجال والنساء يتجهون إلى الجبل ليبيتوا هناك ~~جميعا حتى الصباح: ما وجه القدسية في هذا الطقس؟ إن لم يكن من قبل ~~ذلك تجمعا لممارسة طقس الجنس الجماعي طلبا للغيث والخصب، ملاحظة ~~أن عرفة يطلق عليه الجمع «عرفات»، ولا نعرف جبلا يجمع اسمه إلا ~~«عرفات»! فهل الجمع هنا للجبل أم للمجتمعين على الجبل في حالة ~~جماع، أو عرفات، يماثلون به الفعل الأول الذي قام به «إساف» عندما ~~عرف «نائلة»، أو «آدم» عندما ضاجع «حواء»، أو إله القمر «إل» عندما ~~جامع الشمس «إلات»؟ وهذه حقيقة ثالثة نضيفها إلى الرصيد. # ولو عدنا إلى طقوس الحج الجاهلي فسنجد طقسا عجيبا ومثيرا، وهو ~~أنهم كانوا يطوفون حول البيت الإلهي ذكورا وإناثا عراة تماما، # 51 # فما الداعي لهذا العري إن لم يكن بغرض يستحق العري؟ ~~وعندما جاء الإسلام جعل للإحرام زيا لا يستر إلا العورة، بل وحرم ~~لبس المخيط وكره لبس الطيلسان المزرر للمحرم. # 52 # وهناك رواية إسلامية تقول: إن الحجر الأسود كان أبيض لكنه اسود ~~من مس الحيض في الجاهلية؟ # 53 # أي إنه كان هناك طقس لدى الجاهليين تؤديه النساء في ~~الحجر، وهو مس الحجر الأسود بدماء الحيض، ودماء الحيض تحديدا! وقد ~~كان دم الحيض عند المرأة في اعتقاد الأقدمين هو سر الميلاد، فمن ~~المرأة الدم، ومن الرجل المني، ومن الإله الروح. علما أن الدورة ~~الشهرية للمرأة تتوافق مع حركات القمر توافقا بينا، وكان «إل» ~~كما علمنا هو إله القمر! # وطقس عجيب آخر هو الاحتكاك بالحجر الأسود # 54 # بل إن كلمة حج مأخوذة أصلا من فعل الاحتكاك، فهي في ~~أصلها من «ح ك»، # 55 # مع الأخذ بالاعتبار هيئة الحجر الأسود وشكله. # وفي الروايات الإسلامية أن «جبريل» بعد أن أخذ «آدم» وأراه مناسك ~~الحج كلها قال له: «إن الله تبارك وتعالى قد غفر لك وقبل توبتك، ~~وحلت لك زوجتك.» # 56 # وفي التفسير أن مكة سميت ms106 بكة؛ لأنه يبك بها الرجال ~~والنساء. وأن الحطيم ما بين الحجر الأسود وباب البيت سمي حطيما ~~لأن الناس يحطم بعضهم بعضا هناك. # 57 # وهناك غير ذلك شواهد ودلالات على عبادة الخصب والجنس، فالروايات ~~الإسلامية تقول: إن «عمرو بن لحي الخزاعي» أحضر «هبل» و«إساف» ~~و«نائلة» من «هيت» على شاطئ الفرات فوق الأنبار من نواحي بغداد. # 58 # ومعروف لدى جميع الباحثين أن هذا المكان بالذات كان ~~مرتعا تفشت فيه عبادة الخصب وطقوس الجنس بشكل وبائي حاد. وجاء عند ~~الباحثين أن العرب قدسوا من سموهم بنات الله، وكن بالدرجة الأولى ~~تمثيلا للقوى المولودة في الطبيعة # 59 # وكان لقريش وبعض العرب شجرة خضراء عظيمة يقدسونها ~~تسمى «ذات أنواط»، # 60 # والاسم «ذات أنواط» هو أحد ألقاب الشمس التي عرفناها ~~بالاسم «إلات» كإلهة أم أنثى، وفي ذلك ما يدعم علاقتها بالخصب ~~والجنس في نظر العرب، كما كان لمزدلفة كشعيرة حج - في الأصل - إله ~~يدعى «قزح»، وهو إله برق ورعد ومطر. # 61 # ثم ما الداعي لطقوس أخرى مثيرة في الحج الجاهلي، ولا معنى لها ~~إلا في ضوء احتفالات الخصب والجنس، مثل طقس الشرب من زمزم، وحتى ~~الاسم زمزم وهو من الزمزمة، والزمزمة صوت الرعد # 62 # الذي يسبق المطر، وما لزوم طقس حلق الشعر - وبالذات ~~عند المروة - الذي لا يمكن فهمه بالمرة، إلا في ضوء طقوس الخصب ~~الجنسية القديمة، والذي كان بديلا عن الجنس الجماعي، خاصة أنهم ~~كانوا يمزجونه بالدقيق، ويترك للفقراء، يصنعونه فطيرا على هيئة ~~القمر، إضافة إلى الذبح كطقس أساسي # 63 # وصلاة الغيث وإهداء الجواري للكعبة، والذي استمر في ~~صدر الإسلام. # 64 # ويذكرنا بالمنذورات للمعابد في ديانات الخصب القديمة، ~~أو ما جاء في استفسارات غريبة من المسلمين، مثل سؤال «أبي بصير» ~~لأبي عبد الله عن محرم نظر إلى فرج امرأة في الحج حتى أمنى، فأجاب ~~بأن عليه الفداء بأن يذبح هديا. # 65 # ولدينا أيضا ما جاء في قول «عمر بن الخطاب» من على المنبر إبان ~~خلافته: «متعتان كانتا على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما وأعاقب ms107 ~~عليهما : متعة الحج، ومتعة النساء». # 66 # إذ كان النبي في حجة الوداع قد قال: ابدءوا بما بدأ الله عز وجل ~~به، فأتى الصفا فبدأ به، ثم طاف بين الصفا والمروة سبعا، فلما قضى ~~طوافه عند المروة قام فخطب في أصحابه وأمرهم أن يحلوا ويجعلوها ~~عمرة، ويتمتعوا بالحج، والمتعة هنا أي اللذة بإباحة محظورات ~~الإحرام في المدة المتخللة بين الإحرامين، حتى قال قائل كما أخرجه ~~«أبو داود» في سننه: أننطلق وذكورنا تقطر؟ فقال النبي: «إذا استمتع ~~الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة.» # 67 # أما أهل اليمن، فكان لهم ميزات خاصة بما لهم من سابقة؛ إذ رفع ~~الإسلام عنهم الذبح والحلق، # 68 # وجاء عن النبي: «طوفوا بالبيت واستلموا الركن، فإنه ~~يمين الله في أرضه يصافح بها خلقه»، # 69 # والركن هو «الركن اليماني»، وذهب وهب إلى أن الركن ~~اليماني ياقوتة من الجنة أنزلت على الصفا، # 70 # وكان الحجيج يمسحون - عادة - الحجر الأسود والركن اليماني، # 71 # ولا يزالون. # وظل للقمر دوره واحترامه في الإسلام، بعد أن تحول من «إل» أو ~~الله إلى آية من آيات الله، فوضع فوق المآذن مع النجمة رمزا ~~للزهرة! وظلت الشهور قمرية، والحج قمريا، والصيام قمريا ~~بدويا كامل الجوع، بعكس الصيام الزراعي، كما في صيام العذراء ~~المسيحي، الذي يمنع من تناول الطعام الحيواني، ويقتصر على تناول ~~النبات، بل ظن أكثر الناس أن العلة في صيام الأيام البيض لأن ~~لياليها مقمرة، لولا أن الفقهاء لاحظوا ذلك فقالوا: إن العلة ~~الحقيقية هي أن آدم هبط إلى الأرض مسودا من الذنب، فناداه مناد ~~من السماء أن يصوم ثلاثة أيام هي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس ~~عشر من الشهر القمري (وهي الليالي المقمرة تماما)، فعاد أبيض. # 72 # الحقيقة أنه لا يمكن فهم هذا كله إلا في ضوء عبادة الثالوث ~~القمري، وأن هذه العبادة قد رافقها في أصلها اليمني طقوس جنسية ~~واضحة، وانتقلت من مكي مع «إل» إلى مكة، وظلت عند الجاهليين، وبقيت ~~منها بقايا تشير إليها، في كثير من الطقوس، التي ms108 ظلت في شعائر الحج ~~الإسلامية، فيما أبقاه الإسلام من الشعائر الجاهلية، لكن بعد أن ~~نقاها من شوائبها القديمة، وارتقى بها بما يتفق والمقاييس ~~الخلقية الجديدة. ~~(9) «إل» العبري # عندما نرحل شمالا من جزيرة العرب - عبر بادية الشام - نحو ~~الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين القديمة)، نجد «إل» ~~مرة أخرى أمامنا، يصول ويجول عبر مساحات شاسعة في عقول الأقوام ~~هناك، لكن مع وضوح الكسر في همزة «إل» وتحولها بالتدريج إلى «ياء» ~~في نطقه «إيل»، مع زوجته. «إلات» وهو الاسم الجنوبي نفسه. وقد جاء ~~عند شعوب الساحل الفينيقي (اللبناني) أن زوجة «إيل» هي # Asherat de la mer # التي تنطق ~~عادة في المراجع «عشيرات البحر». # 73 # بينما من الواضح جدا أنها «أثرت»، و«عشيرات» و«أثرت» ~~هذه قد حملت أيضا اسم «إلات» مع تحويل الكسر في الهمزة إلى ياء ~~لتصبح «إيلات»، التي لم يزل اسمها علما على خليج البحر الأحمر ~~الشرقي حتى الآن. أما زوجها «إيل» الذي عرفناه قبلا إلها للقمر، ~~فقد حظي في تلك الربوع الخضراء بالتمجيد الملائم لعظمته. وأنشئت له ~~بيوت حرام أصبح ما حولها حرما للإله. ولم يزل من هذه البلدان ~~المحرمة حرمة البيت المنشأ فيها «بيت إيل» الحالية والواقعة على ~~بعد ستة كيلومترات شمالي مدينة القدس، بعد أن تحورت مع الأيام إلى «بيتين». # 74 # أما الرافديون القدماء فقد عرفوه بالاسم «إيلو» مع إضافة حرف ~~الواو للتفخيم، فهو اسم جمع ونوع من جمع الجلالة، # 75 # ولكن الآراميين عرفوه بالاسم «إله»، كذلك العبريون ~~عرفوه بالاسمين «إيل، والله». # 76 # وقد حمل الصفات نفسها التي صبغه بها اليمنيون، صفات ~~الأب الحنون الرحيم الذي فدى أبناءه في سالف الأزمان، فنجده في ~~الأدب الأوجاريتي «الكنعاني» هو «أبو الآلهة» وهو «إل. د. ف اد» أي ~~إله الرحمة والشفقة؛ لأن لفظة «ف ا د» يقابلها في العربية ~~«الفؤاد». أما حرف الدال فهو للإضافة، وهو «ب ن ي. ب ن وت» ~~ويترجمها د. فريحة «خالق الخلائق» ولها لدينا ترجمة أخرى هي «أبو ~~أبنائه» وتعني تأكيد معنى الأبوة. وفي تلك التسمية دعم ms109 آخر لمذهبنا ~~في كون الإله هو الأب البدائي الذي اعتبرناه رحيما فاديا، وليس ~~مرعبا قاسيا كما ذهب آتكسون وروبرتسون سميث وفرويد. ومن ألقابه ~~أيضا «م ل ك. أب. ش ن م» أي الملك الأب السامي؛ لأن «ش ن م» تعني ~~السمو والعلو، وهو أيضا «ل ط ف ن» أي لطفان أي كثير اللطف، وهو ~~أيضا «ث ر إل» أي الإله الثور، وهي صفة لا تحتاج تعليقا، وهو ~~«أب. آدم» أي أبو البشر. # 77 # وهي صفة أخرى تؤكد مذهبنا في بداية التأليه. إلا أن ~~الغريب في كل هذا أن نجد هذا الإله معروفا في التوراة (الكتاب ~~المقدس، العهد القديم)، والأغرب أن يقول لنا العلامة موسكاتي إن ~~زوجته «أثرت» قد عرفت بدورها طريقها للتسجيل بين أسفار الكتاب ~~بالاسم «أشيرا»، # 78 # وهو يشبه بوضوح التسمية الفينيقية الكنعانية «عشيرات». ~~ووجه الغرابة تعارض ذلك مع ما ظل يردده اليهود أنهم شعب موحد، نزه ~~الخالق عن طبيعة المخلوقات، لكننا عندما نتناول الكتاب المقدس ~~لنطالعه سنجده يقرر دون تردد أن ديانة العبريين - على الأقل في ~~مراحلها الأولى - كانت ديانة تثليث، وهو ما سنحاول إيضاحه الآن مما ~~قرأناه في ذلك الكتاب. # مع بداية الكتاب المقدس سنجد سفر التكوين - وطوال مرحلة طويلة من ~~بداية الخلق وحتى خروج «موسى» بنبوته - يعطينا للمعبود العبري ~~الاسم «إيل»، ويقرر دون مواربة أن «إيل إله إسرائيل»، # 79 # وأنه هو «إله بيت إيل»، # 80 # ذلك الاسم الذي عرفناه إلها للقمر في الجنوب العربي، ~~وضلعا أكبر في ثالوث يتكون من أب وأم وابن. ~~(10) الثالوث العبري # من سرد الكتاب المقدس لقصة خلق أبوي البشر «آدم وحواء»، ~~وارتكابهما الخطيئة بأكل الثمرة المحرمة بإيعاز من الحية الخبيثة، ~~وخروجهما من الجنة، نقتطع المقاطع التالية: # وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة. # 81 # فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ # 82 # فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ # 83 # فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت. # 84 # وإن التعبير «الرب الإله» يوحي أن هناك أكثر من ~~رب، ms110 رب إله، وأرباب ربما أقل شأنا، ويعضد هذا الفهم أن النص يقول ~~بعد أكل آدم لثمرة المعرفة: # وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا # عارفا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من # شجرة الحياة أيضا، ويحيا إلى الأبد. # 85 # وناهيك عن الفهم الفج لمسألة الخلود، وعن خشية الرب من استغلال ~~«آدم» لغفلته واحتمال أكله من شجرة الخلود فيخلد كالآلهة، فإن ~~التعبير «كواحد منا» يوحي أن الرب الإله هنا لا يتحدث عن نفسه فقط، ~~بل يتحدث عن نفسه وعن آخرين مثله، وأن هذا الحديث موجه إلى هؤلاء ~~الآخرين، وهو ما يؤكد الفهم بأن الرب الإله، إله ضمن مجمع من ~~الآلهة، ويدعم هذا الفهم أكثر وأكثر نص آخر يتحدث عن بناء البشر ~~لبرج عال، ذلك البرج المشهور في الأساطير ببرج بابل، فيقول النص: # فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم # يبنونهما، وقال الرب: هو ذا شعب واحد، ولسان # واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع # عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك # ألسنتهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم # الرب من هناك على وجه كل الأرض. # 86 # ومرة أخرى يشعر الرب بالخوف من ذكاء مخلوقاته، ~~وأنهم قد يتمكنون من الوصول ببرجهم إلى السماء وإقلاق راحته، ~~فيتدخل بأن يحول لغتهم الواحدة إلى لغات متعددة حتى لا يفهم بعضهم ~~بعضا؛ ومن ثم لا يتحدون مستقبلا في عمل يزعجه، إلا أن الأهم ~~من هذا وما يعنينا، هو أن الصياغة الدالة على المعبود هنا أضحت ~~«الرب» فقط وليست «الرب الإله»، وأن هذا «الرب» إنما هو فرد ضمن ~~مجمع إلهي، متضمنا في قول النص «هلم ننزل ونبلبل ألسنتهم». # وهذا الرب يأتينا بشكل أوضح في لقاءات متكررة مع النبي ~~«إبراهيم»، في نصوص مطولة نجتزئ منها النصوص التالية: # وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعط هذه الأرض، فبنى هناك ~~مذبحا للرب الذي ظهر له. # 87 # والنص هنا بين جلي، يميز ربا من أرباب أخرى، بأنه الرب الذي ~~ظهر لإبراهيم، ms111 ثم نجد صيغة أخرى للدلالة على الإله في قصة هروب ~~«هاجر» جارية «سارة» زوجة «إبراهيم» التي تقول: # فقال إبرام لساراي: هو ذا جاريتك في يدك ، افعلي # بها ما يحسن في عينيك، فأذلتها ساراي، فهربت من # وجهها، فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية، ~~... فقال لها ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك واخضعي # لها، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى، فتلدين # ابنا وتدعين اسمه: إسماعيل؛ لأن الرب قد سمع # لمذلتك، فدعت اسم الرب الذي تكلم معها: أنت إيل # رئي؛ لأنها قالت: أههنا رأيت بعد روية؟ # 88 # والنص هنا يحدثنا عن ظهور من دعاه «ملاك الرب» ~~لهاجر، لكنه يعود ليقول: إن هاجر عرفت فيه شخص الإله «إيل»، وإن ~~«إيل» إنما هو فرد ضمن مجمع إلهي، وهو ما يعبر عنه النص بقوله: ~~«الرب الذي تكلم معها». # ولكن كيف يمكن فهم هذا التضارب ما بين «ملاك الرب» وبين «الرب»؟ ~~علينا هنا العودة إلى وقت وأسلوب كتابة الكتاب المقدس نفسه لحل هذا ~~التضارب. # من المعروف أن مواد الكتاب المقدس كانت في البداية روايات شفهية، ~~وربما يضاف إليها كتابات متناثرة متداولة جيلا بعد جيل، وما يسمى ~~التوراة من أسفار هذا الكتاب هي الأسفار الخمسة الأولى # Cenesis # وتشتمل على ~~سفر التكوين Pentateu # وهو ~~معتمدنا حتى الآن في البحث، وهو السفر الذي قرر أن «إيل» هو إله ~~العبريين أو اليهود أو بني إسرائيل، وسفر الخروج # Exodus # وسفر ~~اللاويين # Leviticus # وسفر ~~العدد # Nummbers # وسفر ~~التثنية # Deuteronomy ~~. وهناك تصنيف آخر يضيف لهذه الأسفار سفر ~~يشوع ليجعل التوراة ستة أسفار، المسماة # Hexatuch ~~. ويختلف الباحثون حول ~~الموعد الأقرب للدقة لبداية كتابة أسفار الكتاب المقدس، فهناك من ~~يعيدها إلى حوالي 440ق.م. وهو التوقيت المرجح، وأن الأسفار الأولى ~~«التوراة» كتبت خلال مدة زمنية تصل إلى ثلاثة قرون، وهناك من يرى ~~أنها دونت بعد النبي «موسى» بعدة قرون مصنفة من مصادر مختلفة. وهذا ~~رأي مدرسة «فلهاوزن». وهم يعيدون أبعد مصدر للتأليف إلى عام ~~850ق.م. وهناك من يرتد بكتابتها إلى حوالي القرن العاشر قبل ~~الميلاد ms112 وهو أبعد تقدير حتى الآن، وأن هذا إنما يعني وجود مسافة ~~زمنية طويلة تفصل بين بدء هذا التراث وبين وقت تدوينه، إضافة إلى ~~أنه كتب بأيد مختلفة وعقليات مختلفة؛ مما أدى إلى ظهور نوع من ~~التضارب والتناقض، حتى إن مدرسة «فلهاوزن» بنت توقيتها على أسباب ~~مهمة وخطيرة، هي اختلاف أسماء الإله بين الأسفار، وتكرار بعض القصص ~~بأساليب مختلفة تشير إلى اختلاف الكتاب. دليل ذلك وجود فروق ~~بينة وعميقة في اللغة والأسلوب. # 89 # وفي ذلك ما يفسر لنا قضيتنا: هل الذي رأته هاجر «ملاك الرب» أو ~~الرب «إيل» نفسه، والتفسير ببساطة هو وجود روايات، وربما نصوص من ~~عصور قديمة بيد الكاتب الذي عاش جيلا آخر بعد قرون طويلة من ~~التطور الفكري والديني. إذ أخذت الآلهة المتعددة القديمة تتحول ~~تدريجيا إلى جم غفير من الملائكة؛ نتيجة لاتجاه العقل نحو ~~التوحيد، إلا أن الملائكة ظلت تحمل الطابع الإلهي في أسمائها مثل: ~~«جبرايل، ميكائيل، إسرافيل، عزرائيل ... إلخ». ومن هنا نستطيع أن ~~نلمس حيرة الكاتب بين ما بيديه من نتف وروايات قديمة، وبين ما ~~يمليه عليه عقله، ومنطق عصره، والتطور الديني الذي وصل إليه الفكر ~~الديني، مع محاولته الحرص على القديم في الوقت نفسه؛ لذلك ورغم ~~محاولاته الارتقاء بربه عن التجلي والكلام مع البشر، كالبشر، ~~فيتصرف في الصياغة وينسب ذلك إلى ما يسميه «ملاك الرب»، إلا أنه لم ~~يستطع على ما يبدو إلغاء الفقرة الأخيرة «دعت اسم الرب الذي تكلم ~~معها إيل»؛ لأنها على ما يبدو كانت ضمن نصوص مكتوبة ولها قدسيتها، ~~أو ربما لأنه كان مضطرا للحفاظ على جزء مهم في الرواية الأصلية. ~~وهي ظاهرة يمكن ملاحظتها في كثير من النصوص، ظاهرة تعامل كاتب حديث ~~مع نصوص قديمة. ومثالا لذلك نطالع نصا آخر يحكي لنا قصة القرار ~~الإلهي بتدمير مدينة لوط «سدوم» التي تفشى فيها داء الشذوذ ~~الجنسي. وتبدأ القصة بظهور الرب لإبراهيم، تبشره بغلام بعد أن بلغ ~~وزوجته من العمر عتيا، فتقول: # وظهر له الرب عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة ms113 وقت حر النهار. # فرفع عينيه ونظر، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب ~~الخيمة، وسجد إلى الأرض. # وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في # عينيك فلا تتجاوز عبدك . # 90 # والرب هنا يظهر بوضوح لا يقبل لبسا في هيئة ثلاثة رجال يناديهم ~~إبراهيم «الثلاثة» في صيغة المنادي الواحد: يا سيد، عينيك، لا ~~تتجاوز عبدك، ثم يعود لمناداة ربه بصيغة الجمع، فيقول: # ليؤخذ قليل من ماء، واغسلوا أرجلكم، واتكئوا تحت الشجرة، ~~فآخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون؛ لأنكم قد مررتم ~~على عبدكم. فقالوا: هكذا نفعل كما تكلمت ... وإذ كان هو ~~واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا. قالوا له: أين سارة ~~امرأتك؟ فقال: ها ها في الخيمة. فقال «أي الرب» إني أرجع ~~إليك نحو زمان الحياة، ويكون لسارة امرأتك ابن، فضحكت سارة ~~في باطنها ... فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة قائلة: ~~أفبالحقيقة ألد وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ ... ثم ~~قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم. وكان إبراهيم ماشيا ~~معهم ليشيعهم، فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا ~~فاعله؟ ... وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم. وأما ~~إبراهيم فكان لم يزل قائما أمام الرب. # 91 # واضح إذن أن الرب قد ظهر لإبراهيم في هيئة ثلاثة شخوص، والأكثر ~~وضوحا هو حيرة الكاتب مع ما بين يديه من متناثرات قديمة، وبين ~~اعتقاده في إله واحد، فتضارب النص بين يديه ما بين الإفراد والجمع، ~~ولكن تبقى في الآية الأخيرة مسألة غير مفهومة، وهي أن «الرجال» ~~الدالة على الرب المثلث، قد ذهبوا إلى سدوم، بينما ظل «إبراهيم» مع ~~الرب، لكنها تصبح مفهومة عندما نستمر مع النص فنجده يقول: # فجاء الملاكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسا # في باب سدوم، فلا رآهما لوط قام لاستقبالهما، # وسجد بوجهه إلى الأرض، وقال: يا سيدي ميلا # إلى بيت عبدكما، واغسلا أرجلكما ... # 92 # وهنا انتقالة مفاجئة إلى من يسميهما النص «الملاكان»، لكن سلوك ~~«لوط» يوحي أنه أمام اثنين من الأرباب، سواء في ms114 سجوده أم في وصف ~~نفسه بأنه عبد لسادة، ومرة أخرى نجدنا مضطرين إلى اللجوء إلى تضارب ~~الكتاب بين ما لديه من تراث وبين ما يعتقد، ويصبح التفسير ببساطة ~~أن الإله الممثل في ثلاثة، ذهب منهما اثنان إلى سدوم، وبقي واحد - ~~ويبدو أنه كبيرهم - مع «إبراهيم»، ويدعم ذلك أن هذين الاثنين أخبرا ~~«لوطا» بقرار تدمير سدوم وبالرغبة الإلهية في إنقاذه مع زوجته ~~وابنته، في النص: # ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته # ويد ابنته، لشفقة الرب عليه، وأخرجاه، # ووضعاه خارج المدينة ... # فقال لهما لوط: لا يا سيد. # هوذا عبدك قد وجد نعمة في عينيك، وعظمت لطفك # الذي صنعت. # 93 # وحيرة الكاتب بادية ما بين كون الاثنين ملاكين أم رجلين أم إلهين ~~أم ربا واحدا «أمسك الرجلان، لشفقة الرب عليك، لا يا سيد، ~~عينيك». # وتأسيسا على هذه النصوص يمكننا أن نقول بدون تردد إن النصوص ~~الأصلية، سواء أكانت شفاهية أم على هيئة كتابات متناثرة، كانت ~~تتحدث عن ثالوث إلهي، وأن الضلع الأكبر في هذا الثالوث كان «إيل» ~~الذي عرفناه قبلا إلها للقمر. ~~(11) يهوه القمري # بظهور النبي «موسى» يتوقف ذكر «إيل» في الكتاب المقدس؛ ليظهر إله ~~جديد يحمل اسما جديدا يختلف في تنغيمه ما بين «ياو، ياه، ياهو، ~~إهيه» أما اسمه الأشهر فهو «يهوه»، غداة التقاه «موسى» وهو يرعى ~~الغنم في مديان على هيئة نار في عليقة، وقال له: «هكذا تقول لبني ~~إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم ... هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه أرسلني ~~إليكم، هذا اسمي إلى الأبد.» # 94 # وهو الإله الذي جاء ذكره في مزامير النبي الملك «داود» ~~بالاسم «ياه» في قول الكتاب المقدس: «غنوا لله، رنموا لاسمه أعدوا ~~طريقا لراكب القفار، باسمه ياه، واهتفوا أمامه.» # 95 # ورغم أن قانون الإيمان اليهودي بالإله «يهوه» يقول: «لويهي لك ~~إلوهيم أحريم»، # 96 # ويعني محرم عليك الإيمان بغيري، أو على الأصح لا إله ~~إلا الله، فإن ما يجب التأكيد عليه أن هذا الإله، بهذا الاسم، كان ~~معروفا قبل نبوة «موسى» بقرون طويلة. كإله وثني، عبدته شعوب ms115 ~~مختلفة بصفته مشاركا مع آلهة أخرى، فعبد في صحراء مصر الشرقية ~~وسيناء، كما عبده اللحيانيون والأنباط والثموديون. # 97 # كما ثبت بما لا يدع مجالا للشك بأنه عبد لدى ~~الكنعانيين بعد العثور على الاسمين «ياه وياهو» منقوشين على قطع ~~خزفية من عصر البرونز عام 1931م، وعلى ألواح ضمن مكتشفات مدينة ~~أوجاريت (تل شمرا). # 98 # كما اكتشف الآثاري «برستد» أن أهل مديان كانوا يدينون ~~بعبادة إله وثني يحمل هذا الاسم، # 99 # والملاحظ للاسم «ياوه، ياهو، ياه، إهيه، يهوه» يشعر ~~فيها بزمجرات الطبيعة وأصوات الريح والوحوش، خاصة مع وجوب النطق ~~السليم ليهوه بفتح فسجول طويلة. # 100 # ويرى «شتادة # Stade ~~» # 101 # أن معناه هو المسقط أي الذي يسقط البروق على الأعداء، ~~ولأن هوى بمعنى سقط، بينما يذهب «فلهاوزن # Wellhausen ~~» إلى أن الاسم «يهوه» من هوى في العربية ~~يعني الهواء، فمعناه يهب أي إنه إله العاصفة. # 102 # ونظن «فلهاوزن» أقرب إلى الصحة، إذ إن يهوه في نصوص ~~الكتاب المقدس كان لا يظهر إلا بين العواصف والغيوم والرياح، ومن ~~الرياح «يرح» أحد أساء إله القمر! في المنطقة الكنعانية، وسبق ~~وأنشئ لإله القمر «يرح» معبد عظيم سميت به البلدة التي أنشئ فيها ~~بكاملها فسميت «أريحا» # 103 # إضافة إلى أن القمر كان في نظر الأقدمين جرما كبيرا ~~كالشمس، لكنه غير مستقر الأحوال، فسلوكه «هوائي» - وحتى اليوم نقول ~~عن الشخص المتقلب إنه شخص هوائي - ومن هنا نلمح في «يهوه» الصفات ~~القمرية. وقد قدم «ديتلف نيلسن» عددا من البراهين على قمرية الإله ~~الموسوي «يهوه»، نوجز أهمها في الآتي: ~~(1) # أنه كان يرسم في صورة ثور ويقدس. وسبق أن عرفنا ~~الثور والشياه رموزا للقمر في هيئة الهلال. وبحثا ~~وراء نيلسن نجد في النصوص: # فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل ~~وصنعه # عجلا مسبوكا فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل. # 104 # فاستشار الملك وعمل عجلي ذهب وقال لهم ... ~~هوذا # آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر، ~~ووضع # واحدا في بيت إيل، وجعل الآخر في دان. # 105 # ويستنتج النتيجة نفسها «د. يعقوب السيد بكر» من ms116 صور ~~زخارف معبد «سليمان» التي رسمت الثور مقدسا. # 106 ~~(2) # أن الليل كان الوقت المقدس لتجلي «يهوه» لعباده، ~~ووقت أعياده. ~~(3) # أنه كان لدى اليهود احتفالات خاصة بالبدر ~~والهلال. ~~(4) # أن يوم السبت والأعياد الأسبوعية الأخرى ترتبط عند ~~العرب واليهود بأيام المحاق الثلاثة، وترتبط كل شهرين ~~بمواقع القمر. ~~(5) # أن التعبيرات التي استخدمها الكتاب المقدس عند ظهور ~~«يهوه » اصطلاحات فلكية قمرية. ~~(6) # أن الديانة الإسرائيلية قبل السبي كانت توصف بأنها ~~ديانة قمر وشمس وكواكب كما في سفر «أرميا». # 107 ~~(7) # عبور اليهود البحر من مصر عبر خليج السويس وقت ~~الجزر، والقمر هو الذي يسبب المد والجزر، أو كما جاء ~~في سفر الخروج «وهو الذي يجفف قاع البحر في الصحراء». # 108 ~~(8) # ظهوره في سيناء لليهود يرتبط بوقت ظهور القمر في ~~اليوم الثالث من الشهر، كما أن أول الشهر القمري ~~ومنتصفه يومان مقدسان، كما أن الأعياد الكبرى ترتبط ~~بليلة تجلي القمر. ~~(9) # إن التضحية ارتبطت بمواطن القمر، فكان عدد الأضاحي ~~بعدد أيام الشهر، حتى اليوم الخامس عشر تذبح خمس عشرة ذبيحة. # 109 # وهكذا نجد «نيلسن» يدفعنا إلى تقرير قمرية الإله اليهودي الموسوي ~~الجديد «يهوه»، كما كان «إيل» من قبل إلها للقمر، وهنا نطرح رأيا ~~جديدا نستنتجه من اكتشاف في مصر الفرعونية، حيث اكتشفت أنه قد ~~أقامت قديما في جزيرة فيلة بصعيد مصر جماعة من اليهود كانوا ~~يعبدون هناك إلها باسم «ياهو»، مع إلهين آخرين. واحد منهما أنثى ~~يدعى «إناث ياهو» # 110 # أي «الأنثى ياهو»؛ مما يعطى انطباعات أهمها: # إن هذه الجماعة تابعة للديانة الموسوية صاحبة الإله ~~ياهو، الذي لم يظهر كإله لليهود إلا مع النبي «موسى»، ~~وكانوا قبلها يعبدون الإله «إيل». # إن هذه الجماعة التي عبدت الثالوث اليهودي جماعة من ~~الأتباع الأوائل لموسى، بدليل أنها لم تعرف التطور ~~التوحيدي الذي حدث لديانة «يهوه» بعد ذلك في البلاد ~~الفلسطينية؛ نتيجة انعزالها في جزيرة فيلة بأسوان ~~بمصر. # إن التطور التوحيدي حدث لعبادة «يهوه» بعد «موسى»، ~~بدليل أن العباد الأوائل قد عبدوه ضمن ثالوث إلهي، ~~وهذا يدعم «فرويد» فيما يسميه مصالحة قادش ms117 بعد موت ~~«موسى». # إن هذه الديانة اليهودية التثليثية قامت فيها «إناث ~~ياهو» أو الأنثى ياهو بدور الزوجة، ويبدو لنا أن ~~«ياهو» نفسه أو «يهوه» قد قام بدور الإله الابن، ~~ونستند في ذلك إلى نقش جاء ضمن مكتشفات مدينة أوجاريت ~~يقول فيه الإله الأعظم إيل: «اسم ابني ياو.» # 111 # كما جاء فيها نصوص تشير إلى أن الإله «إيل» في الأدب الأوجاريتي ~~قد ظهر بصورة أب طاعن في السن، عاجز عن إدارة شئون مملكته، وكان ~~تواقا إلى أن يأخذ ابنه وظائفه! وقرر أكثر من مرة تعيين خليفة له، # 112 # وهكذا يمكن القول: إن هذا الثالوث اليهودي الوثني الذي ~~توارثه اليهود، كان يتكون من «إيل» في دور الإله الأب العجوز، ~~و«إناث ياهو» أو الأنثى ياهو في دور الإلهة الأم، و«يهوه» في دور ~~الإله الابن، الذي اضطلع مع «موسى» بالدور الرئيسي، وقام بدلا من ~~أبيه إيل ضلعا أكبر في الثالوث. # والعجيب حقا أننا إذا عدنا إلى ديانة اليمن في الجنوب العربي، ~~فسنجد القمر الإله يحمل لقب «كهلان» أي الإله الكهل، # 113 # كما سنجد الاسم «يهوه» موجودا قبل هذا الزمان. وقد ~~ورد ممزوجا بأسماء قتبانية، جاءت في قائمة «إلبرايت»، ومنها «شهر ~~هلل يهو بن الملك يدع أب ذبيان يهو نعم»، كما تسمى به الثموديون في ~~أسماء مثل «أو سريهو، وعزريهو». أما آخر الأدلة لدينا - الآن على ~~الأقل - على أن ديانة «يهوه» كانت ديانة تثليث، أن إلهة الخصب في ~~البلاد الكنعانية التي استوطنها الإسرائيليون، كانت تدعى «إناث». # 114 # كما أن في الكتاب المقدس سفرا لا يتسم بأية صفة ~~دينية، هو نشيد الإنشاد للنبي الملك «سليمان»، وهو مجموعة غزليات ~~جنسية بحت تشير إلى نوع من طقوس الجنس المقدسة، التي عرفناها في ~~عبادة الثالوث. كما أكد «ديورانت» أن العهر المقدس ونظام المنذورات ~~كان طقسا يمارس في هيكل بني إسرائيل. # 115 # وكان ضمن المنذورات تلك الفتاة اليهودية، التي أخذت في ~~المسيحية بعد ذلك دور الأم، وعرفت باسم الإلهة «مريم» في الديانة ~~المسيحية، والتي أنجبت الإله الابن «يسوع» المسيح. # وهنا ms118 يفيدنا «روبرتسون سميث» بأن الكلمة «يسوع # Jesous ~~» هي صيغة يونانية للأصل ~~العبري «يشوع # Jehoshua ~~»، # 116 # وإذا حللنا بدورنا الاسم «يشوع» فسنجده يتركب من ~~مقطعين هما «ياه» ذاك الذي عرفناه إلها ابنا أخذ عن أبيه سلطانه، ~~و«شوع» أي المخلص أو الناصر أو الحامي. # ولو عدنا مرة أخرى إلى ديانة عرب الجنوب، فسنجد بين الآلهة ~~الثمودية ذاك الذي حمل اسم «يثع» بمعنى الناصر أو الحامي ، # 117 # الاسم الذي دخل في مركب مقدس ورد في القرآن الكريم ~~باسم «اليسع»، # 118 # وهو من الصيغة العبرية «اليشع»، وهو اسم يتركب من ~~مقطعين: الأول منهما هو «إل» الذي عرفناه إلها للقمر و«يشع» أو ~~يثع أي المخلص أو الناصر أو الحامي، وهو في الوقت نفسه صفة للقمر ~~الذي «يشع»! # ومنه يمكن القول عن اسم المسيح «يشوع» إنه «ياه المشع» أو الإله ~~المشع، وهو تركيب بالغ الدلالة على الدور الذي أخذه إله القمر ~~الابن عن الأب، الذي سبق، ونصر، وخلص، وحمى، وفدى أبناءه في غابر ~~الأزمان؛ ليصبح صاحب الدور الأخطر والضلع الأكبر في الثالوث ~~المسيحي، وليصبح هو الفادي الأعظم الذي ضحى بنفسه على الصليب؛ لأنه ~~«أبانا الذي في السموات»، أو القمر الذي في السموات، والذي يحتاج ~~وحده بحثا آخر، وجهدا آخر. ~~(12) إضافة # بعد أن انتهيت من هذه الدراسة، طالعت كتابين هما: # الكتاب الأول: # د. علي زيعور، العقلية الصوفية ونفسانية التصوف، ~~ووجدت فيه مزيدا من التأييد لنظريتي في التضحية؛ ~~لذلك لجأت إلى إضافة حاشيتين الأولى عن علاقة ~~الإله «ود» بظاهرة وأد الصغار، والثانية عن علاقة ~~الفعل «حلق» بطقس الذبح، وهما ملحوظتان رأيتهما ~~تعضدان نظريتي. # الكتاب الثاني: # د. أحمد إبراهيم الشريف، مكة والمدينة في ~~الجاهلية وعهد الرسول، ويهمني هنا أن أجتزئ منه ~~فقرة واحدة هي: «وقد فسر المؤرخون واللغويون العرب ~~اسم مكة تفسيرات كثيرة لغوية وغير لغوية استنبطوها ~~من مكانة الكعبة وقدسيتها في نفوس العرب، وهذه ~~التفسيرات متأخرة بطبيعة الحال، واسم مكة سابق على ~~هذه المفاهيم، ولما كانت قبائل الجنوب هي أول من ~~استعمر هذا الوادي، فالأرجح أن اسمها أخذ ms119 من لغة ~~الجنوب مستندا إلى البيت الحرام، فمكة كما ذكرها ~~«بطليموس» كلمة يمنية مكونة من «مك» و«رب». و«مك» ~~تعني البيت، فتكون «مكرب» بمعنى بيت الرب، أو بيت ~~الإله، ومن هذه الكلمة أخذت مكة أو بكة بقلب الميم ~~باء على عادة أهل الجنوب، ويقول المؤرخ «بروكلمان» ~~إنها مأخوذة من كلمة مقرب العربية الجنوبية ~~ومعناها الهيكل.» # 119 # أي المذبح. وأترك هذه الفقرة لقارئي ~~دون تعليق ، وفقط أذكره بتفسيري لكلمة «المقة» ~~اليمنية. # | نماذج من الأساطير التوراتية ومدخل إلى فهم دورها التاريخي # (1) مقولات تمهيدية # في ذلك اليوم، قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: لنسلك ~~أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر ~~الفرات. ~~(سفر التكوين، 15: 18) # لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت ~~لأنقض بل لأكمل. # المسيح (إنجيل متى، 5: 17) # يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ~~فضلتكم على العالمين ~~. ~~(سورة البقرة: 47) # ولسنا ننقل من الإسرائيليات، إلا ما أذن الشارع في ~~نقله. # ابن كثير، البداية والنهاية # 1 # إنه ليس من شيء يستطيع أن يبقي الحركة الصهيونية حية ~~وفاعلة، إلا بالإيمان الراسخ ... وإن هذا الإيمان يجب أن ~~يتركز على فلسطين، وفلسطين وحدها. وإن أي انحراف عن ~~فلسطين، يكون بمثابة الكفر بهذا الإيمان. # حاييم ويزمان: المذكرات # 2 # إن الحركة الصهيونية تناضل من أجل فكرة عظيمة، وتمثل ~~تراثا عظيما يكن له الغرب المسيحي أعظم تقدير. # لويد جورج: المذكرات # 3 # والخضوع الروحي لأمة أخرى هو شر أنواع الاستعمار. # د. جواد علي، المفصل # 4 ~~(2) تأسيس 1 # حوالي منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، وقت كانت مصر قد تحولت ~~إلى دولة عظمى على الكوكب الأرضي، منذ ما يزيد على خمسة عشر قرنا ~~من الزمان، ووقت كانت فيه بلاد العراق القديم قد انتقلت من نظام ~~الدولة المدينية المتعددة، إلى دولة مركزية كبرى تتالت على الحكم ~~فيها عدة دول تركت بصماتها الحضارية في وادي الرافدين، من ~~السومريين إلى الأكاديين إلى الآشوريين، ووقت بدأ الكنعانيون في ~~فلسطين يتحولون عن نظام المشتركات المعبدية إلى نظام الدول ~~المدينية، على شكل ممالك ms120 صغيرة متجاورة، بينما شرع فرعهم الشمالي ~~على الساحل اللبناني، والمعروف بالفينيقي، يشرع أشرعته على البحر ~~ليغزو عالمه المجهول، ويقيم مستعمرات متفرقة على سواحله حتى ~~الأطلسي غربا، في هذا الوقت من الزمن، وفدت إلى بادية الشام موجات ~~بدوية متبررة من البوادي البعيدة، # 5 # تتدافع متلاطمة على صفحة المنطقة فيما عرف بالقبائل ~~الآرامية. وحين كانت الموجات الآرامية لم تزل في طور التدفق ترسل ~~قرون استشعارها من بادية الشام، تتحسس ما حولها في بلاد الخصب، برز ~~من رغاء بطونهم وأفخاذهم تلك القبيلة التي حطت رحلها، عطشى جوعى، ~~شرقي فلسطين، وحل لها تعدد الأسماء، فعرفها التاريخ باسم العبريين، ~~وبني إسرائيل، وشعب الله المختار، يدفعهم الطمع إلى الجموح في ~~الطموح؛ للاستيلاء على مناطق الخصب الشاسعة من حولهم. # وعلى العادة البدوية، تصوروا أن بالإمكان الإغارة كرا وفرا، ~~وفق التقاليد البدوية العتيدة، وأخلاقيات السلب والنهب، لكنهم ~~وجدوا أنفسهم هذه المرة إزاء نوع جديد من النظم لم يألفوه، أمام ~~دول وممالك وحضارات كبرى، ذات جيوش منظمة وحكومات مركزية، تتحرك كل ~~أطرافها للعمل بمجرد أن يجذب الملك طرف الخيط داخل قصره؛ مما جعل ~~الجوعى القادمين يتوقفون للتفكير مليا في الوسائل المناسبة؛ ~~لاختراق هذه الأسوار المنيعة، والأنظمة الصارمة، فاستكانوا على ~~حدود الممالك المجاورة، وتعاملوا كمحطات إنذار مبكر لهذه الممالك ~~إزاء أي تحركات متبررة حولها من بني جنسهم، مقابل ما تفيض به عليهم ~~هذه الممالك من خيرات. # ومع الاحتكاك بهذه الحضارات المنتظمة في سلك المركزية، اهتدى ~~القادمون وأدركوا، مبكرين، أن صروح الحضارة لا تخرج فجأة من الأرض ~~بلا منابت أو جذور (وهم لا يملكون أيا من مقوماتها)، فقيام ~~الكيانات المركزية يحتاج إلى تماسك لا يتيسر للنظام الاجتماعي ~~البدوي بفرقته، ويحتاج إلى تكاتف جهود العمل البشري المتسق في خطط ~~منظمة، يصعب على الطبع البدوي في تفرقه استلهامه أو حتى استيهامه، ~~إضافة إلى ما هو أهم من كل هذا، وأول مقومات الكيان المتماسك هو ~~الأرض؛ ومن ثم كان لا بد من أرض أولا، إلا أن الاستيلاء على ~~أرض متكاملة البنيان الحضاري، جاهزة للتسليم، ms121 أمر غير ميسور تقف ~~دونه هممهم؛ لذلك توجه همهم نحو خطة طويلة النفس، تعتمد على التسلل ~~الهادئ والبطيء من أضعف الثغرات الممكنة في المنطقة، ولم يكن هناك ~~أمثل من مجموعة الممالك الكنعانية؛ ليستقروا فيها كمواطنين من ~~الدرجة الثانية، وكعصابات مأجورة على الحدود أحيانا، وآنها بدأت ~~الأرض تتماسك من تحتهم وتلتئم وتتكون، وفق الخطة لقيام الكيان. ~~والكيان ليس فقط أرضا تجود بشبع البطون، وتئوي الجسد المنهك من ~~ارتحاله وراء الكلأ ، إنما هو أيضا تراث وراسب لخبرات قديمة ~~وعلاقات بالأرض وطبعها وطبيعتها، وناتج جدول زمني طويل بين الإنسان ~~وبين هذه الأرض، فهو أيضا تاريخ، ووعي بهذا التاريخ. وهنا لا ~~مندوحة من الاعتراف لهؤلاء الغبر الشعث أنهم كانوا الأصدق وعيا ~~بالتاريخ في المنطقة، وظلوا مفتحي الأعين والأذهان دائما عليه، ~~بينما كانت المنطقة في طريقها إلى غفوات متلاحقة انتهت بسباتها ~~الطويل الحالي. # ومن هنا أخذ هؤلاء في تمثل تراث المنطقة، والتراث الكنعاني بشكل ~~خاص، وهضموه بجودة عالية، ثم بدءوا إعادة صياغته بشكل جديد، بما ~~يخدم مصالحهم الآنية أوانها، والمستقبلية أيضا، بوعي نفاذ لهذا ~~التاريخ ودوره، مستثمرين في ذلك العملة صادقة الرنين، أقصد ~~«الدين». # وبالدين كانت بداية تاريخهم، الذي لم يكن تاريخهم أصلا، وبالدين ~~كانت بداية وجودهم كشعب يحمل تراثا عريقا «يكن له الغرب أعظم ~~تقدير» على حد تعبير لويد جورج. وبالدين كانت بداية لغتهم بعد أن ~~تحولوا عن آراميتهم الأصلية إلى اللغة الكنعانية، إمعانا في ~~المصداقية مع الوعي بتمثل التراث والتلاحم التاريخي، وهو ما اعترف ~~به الكتاب المقدس، إذ أوضح، بلا التواء، برغم التواءاته ومنحنياته ~~الخطيرة، أن اللغة العبرية هي «شفة كنعان»، أو لسان كنعان (إشعياء، ~~19: 18). وبالدين وتفهمهم لدوره، وإمكانياته التي لا تنفد، كانت ~~بدايتهم كأصل للتدين، فاحتكروا النبوات جميعا في نسلهم وأصلابهم، ~~وليس هناك شهادة لهم بالتفوق الأكيد سوى التسليم لهم بهذا ~~الاحتكار، برغم أنهم بدءوا من ديانات المنطقة - كما سنرى - لكن بعد ~~أن أدخلوا عليها دبلجة وبرمجة ذكية، فتحولت إلى دين يجمع من ~~المتنافرات هجينا عجيبا، يزداد عجبه عندما نجد العقول تقبله ms122 أحسن ~~القبول؛ ليصبح صاحب السيادة على عقل المنطقة بلا منازع. # وقديما، وحديثا، وربما لأمد مقبل، كان الدين هو الأسلوب الأكثر ~~فعالية وعملية. وقد تمكن العبريون من التضلع في فنونه، واستثمروه ~~وفق برامج جدوى عالية الكفاءة والجودة، مع انتهاز لماح لكل ما يطرأ ~~في المنطقة من تغيرات على مختلف الأصعدة؛ لنشر القناعات المطلوبة ~~بين أهلها، ومن هنا نفهم لماذا كانوا في عجلة من أمرهم لوضع كتاب ~~مقدس # BIBLE ~~، جمعوا له حشدا من كل ~~ما وقع تحت أيديهم من ميثولوجيا المنطقة وتراثها، مع التدخل بما ~~يلزم وقتما لزم الأمر، فكان هذا الكتاب مأثرتهم الوحيدة، لكنه كان ~~الأوحد الثابت، بعد اندثار الحضارات الأصلية، وانقطاع أهلها عن ~~تاريخها، بينما كانت للمقدس العبري منهلا ومنبعا، بحيث أثبت ~~صلابة لا تبارى، لا نجد لها سببا سوى الوعي بالتاريخ والتواصل ~~معه. ~~(3) تأسيس 2 # وهكذا؛ وبعد أن تمكن العبريون من تهويد تراث المنطقة، وجعلوا ~~جماعتهم وأسلافهم قطب الدائرة في كتابهم، فنسبوا بطولات الملاحم ~~القديمة إلى آبائهم الأوائل أحيانا، وأدرجوا الأبطال في ~~الميثولوجيا القديمة للمنطقة ضمن النسل العبراني أحيانا أخرى، أو ~~غالبا ما كانوا يختارون البطل أيا كان جنسه، ثم يصوغون له شجرة ~~نسب تولده من أسلافهم، فكان أن تلاحقت على صفحات الكتاب ثقافات ~~شتى، أولدت هجينا تعشقت فيه رواسب شعوب المنطقة، وأدى فيها اليهود ~~دور البطولة المطلقة. # ولعله من نافلة القول، وتكرار المعروف، أن هذا الكتاب لا يعد ~~بحال مصداقا لما اصطلح على تسميته ب «كلمة الله الثابتة». ولدينا، ~~وبين أيدينا، في مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس، الصادر ~~سنة 1960م إقرار واضح يقول: «ما من عالم كاثوليكي في عصرنا، يعتقد ~~أن موسى نفسه كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على وضع ~~النص الذي كتبه عديدون بعده، بل يجب القول: إن ازديادا تدريجيا ~~حدث، سببته مناسبات العصور التالية، الاجتماعية والدينية.» # ومعلوم أيضا أن الباحثين التوراتيين قد اختلفوا فيما بينهم حول ~~ضبط جمع مادة هذا الكتاب وتوقيتها، وأنه لم يكتب بيد مؤلف واحد في ~~عصر واحد لجمهور ms123 واحد، بل قام بهذه المهمة مؤلفون كثيرون، في عصور ~~متباينة، لجماهير تتباين مزيجا ومزاجا، حتى امتدت هذه التفانين ~~إلى أكثر من ألف عام، وقدر البعض تاريخ الانتهاء منها حوالي 440ق.م. # 6 # وربما في تقدير آخر، حتى القرن الأول قبل الميلاد. # 7 # ولعل أشهر المدارس البحثية في التوراة، وهي مدرسة «فلهاوزن # Willhaesen ~~»، التي أكدت أن تصانيف ~~التوراة قد بدأ جمعها بعد عهد «موسى» بقرون، وأن الجماع ~~والمصنفين كانوا مختلفين مزاجا ومشربا، ودللت على ذلك بأدلة ~~مهمة ، لعل أخطرها ولا يقبل جدلا، أن اسم الإله وطبيعته وعلاقته ~~باليهود، يختلف ما بين سفر وآخر، إضافة إلى تكرار القصص في ~~الأسفار؛ مما يشير إلى أن المصنفين لم يلتقوا معا، ليصفوا ما ~~بينهم من خلافات حادة في التفاصيل. هذا مع فروق واضحة وعميقة إلى ~~حد التنافر التام في اللغة والأسلوب بين هذه الأسفار. # 8 # أما النسخة العربية، فتؤكد على غلافها أنه «قد ترجم عن ~~اللغات الأصلية، وهي العبرانية «أصلا الكنعانية»، واللغة ~~الكلدانية «وما تحمله من تراث رافدي طويل»، واللغة اليونانية «وما ~~حملته من علوم جامعة الإسكندرية وتراثها المصري العريق».» # وقد ساعد اليهود على الإحاطة بشكل واسع بتراث المنطقة وتحميله ~~للتوراة، أن هناك ظروفا أدت إلى ارتحالهم في مناسبات مختلفة إلى ~~الرافدين وإلى مصر؛ مما أدى إلى زيادات وتراكمات اصطبغت مع كل ~~ارتحال بلون جديد؛ مما أدى بباحث متحيز لليهود مثل «إيفار لسنر» ~~إلى الاعتراف باحتواء التوراة على متنافرات عديمة الاتساق ~~والتمازج، وقوله: «إن تابوت العهد، يعود بنا إلى مساكن آلهة النيل ~~المتنقلة، وآثار السحر ترجع بنا إلى مصر، كما تذكرنا قصة الطوفان ~~والأرقام الغامضة ببابل، ويصير الإله البابلي جلجامش نمرود، وتصبح ~~ثيران آشور المجنحة كروبيم العبريين. كما أن أسطورة الجنة، وشخصية ~~الشيطان أهريمان وعالم الملائكة ورؤساء الملائكة، تعيد إلى أذهاننا ~~بلاد الفرس، ونتعرف على البعل إله الفينيقيين والكنعانيين في أسماء ~~إشبعل ومربعل. لقد كان الفلسطينيون الذين يحتمل أنهم وفدوا أصلا ~~من كريت، ينظرون إلى اليمامة أصلا كإله، أما السمكة التي عبدت في ~~عسقلان، فتظهر في ms124 قصة يونان.» # 9 # وكلام «لسنر» هنا كلام شديد العمومية والتسطيح، إلا أنه يشير إلى ~~المعنى المقصود، ويؤكد وراثة اليهود، أو سلبهم تراث الآخرين بشكل ~~فاضح وضح لدى «لسنر»، وهو المعروف بتحزبه لبني إسرائيل. إلا أن ~~هناك دراسات أخرى أكثر علمية وتدقيقا وتوثيقا، قدمها جلة من ~~العلماء الأجلاء، لعل أهمها وأشهرها وأحوزها للثقة، دراسات ~~المصرولوجي «جيمس هنري ~~برستد # J. H. Breasted ~~» حول تأثير الحضارة المصرية وثقافتها ~~القديمة في التراث التوراتي، ودراسات عالم الآثاريات السومرية، ~~«صموئيل نوح كريمر # S. N. Kramar ~~» ~~أحد أعلام أركيولوجيا الرافدين ، حول تأثير السومريين المباشر، وغير ~~المباشر - عن طريق بابل وآشور - في التوراة. # ويقول «برستد»: «إن الكنعانيين، الذين كانوا يسكنون هذه البلاد ~~قبل العبرانيين، كانوا قد اجتازوا مرحلة النمو المتحضر التي تبلغ ~~أكثر من ألف سنة، حينما غزا العبرانيون البلاد، وقد عرفنا من ~~النقوش التاريخية، البابلية والمصرية القديمة، وكذلك من الحفائر ~~الآثارية، شيئا كثيرا عن المدن الفلسطينية الراقية النامية، ~~السابقة لعهد العبرانيين. كما كان للثقافة البابلية أثر مهم خالد ~~في فلسطين الكنعانية، وعن طريق الكنعانيين، بوجه خاص، وصل أثر ~~البابليين في الفن والأدب والدين إلى العبرانيين، يضاف إلى ذلك أن ~~الإقليم كان، منذ زمن بعيد، واقعا تحت نفوذ الحضارة المصرية ~~القديمة، فقد بدأ المصريون يبسطون سيطرتهم على الساحل الفينيقي قبل ~~أن يطأ العبرانيون فلسطين بأكثر من ألفي سنة، إذ اقتحمت الجيوش ~~المصرية فلسطين قبل سنة 2500ق.م. ولما فتح المصريون آسيا الغربية، ~~ووصلوا في فتحهم إلى نهر الفرات في خلال القرن السادس عشر ق.م. ~~بقيت فلسطين مستعمرة في أيديهم أكثر من أربعة قرون، والواقع أنهم ~~حكموا فلسطين مدة قرنين بعد دخول العبرانيين فيها، وبذلك بلغت ~~المدنية الكنعانية مرتبة سامية في القرون التي احتلتها فيها مصر، ~~فلما غزاها العبرانيون، كانت قد اصطبغت مرارا وتكرارا بالعناصر المصرية.» # 10 # وغاية ما يريده «برستد» هنا، بوضوح، هو القول: إن العناصر ~~الثقافية الكنعانية، حتى التي أثرت في اليهود الغزاة، تعود بدورها ~~إلى أصول مصرية ورافدية؛ لذلك يستطرد: «وكان من نتائج ذلك، أن ~~العبرانيين حينما ms125 غزوا فلسطين، صاروا على اتصال مباشر بتلك الحضارة ~~الكنعانية المركبة، التي أنشئ معظمها من العناصر البابلية والمصرية ~~معا، أما من الناحية الثقافية، فإنها كما أوضحنا كانت داخلة ضمن ~~الإقليم التجاري الذي طالما كانت المعاملات البابلية تسيطر عليه، ~~كما كانت في الوقت نفسه تقع مباشرة في ظل صرح المدنية المصرية العظيمة.» # 11 # ومن ثم قام «برستد» بعقد مقارنات عديدة ومهمة، بين ما عثر ~~عليه من نصوص مصرية، وبين النصوص التوراتية، كان من أهم نتائجها: ~~أن حكمة الملك المصري الإهناسي المعروفة ب «نصائح إلى مري كارع # Mare Ka Ra ~~» قد وجدت طريقها إلى ~~سفر «صموئيل» وسفر الأمثال، # 12 # كما أثر تصور المصريين لمفهوم العدالة تأثيرا لا يقبل ~~شكا في سفر «ملاخي» وهو يقول: «إليكم يا من تخافون اسمي، تشرق ~~شمس العدالة بالشفاء في أجنحتها» (ملاخي ص4). ويعقب بأن العدالة في ~~المفهوم المصري مثلتها الإلهة «ماعت» بنت «رع» الشمس، وأن شمس ~~العدالة وصفتها التوراة بأن لها أجنحة، ولم يوجد في أي تصور عبري ~~صورة لإلههم يهوه تمثله بأجنحة، ولم يوجد ذلك إلا في النقوش ~~المصرية وحدها. # 13 # ثم يؤكد أن اليهود - لا شك - كانوا على علم بأنشودة إخناتون ~~العظيمة لإله الشمس، بعد أن قارنها بسفر المزامير، وكذلك كانوا على ~~علم بحكم الحكيم المصري «آمن ~~موبي # Amen Mu Be ~~»، بعد أن عقد بينها وبين أسفار «أرميا ~~والمزامير والأمثال» مقابلة نصية كادت تكون حرفية، استغرقت حوالي ~~خمسا وثلاثين صفحة من القطع الكبير، هذا ناهيك عن العدد الكثيف ~~والجم الغفير مما قدمه «برستد»، اكتفينا منه بهذه اللمحات، مع ~~الإحالة إلى المصدر لمن ابتغى المزيد. # أما عالم السومريات «كريمر» فقد قدم جهدا مشابها في مقارنات ~~مدهشة حقا ما بين التراث السومري وبين التوراة، حتى كاد يجزم أن ~~كل آراء السومريين في الكون والدين قد انتقلت بتفاصيلها إلى ~~التوراة، وذلك عبر البابليين الذين سبق أن ورثوا التراث السومري ~~وشذبوه وقدموه إلى الدنيا، ويمكن الرجوع في ذلك تفصيلا إلى أهم ~~كتبه المترجمة، وهي: «السومريون تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم»، # 14 ~~«الأساطير ms126 السومرية»، # 15 ~~«من ألواح سومر». # 16 # أما نحن، فما نقصده حقيقة، ونصر عليه، هو أن هذه المآثر التي ~~جمعها علماء أجلاء وقارنوها «وعدوها قد دخلت التوراة بالصدفة، أو ~~بالتأثر الطبيعي لجماعة بلا حضارة بالحضارات الكبرى في مصر ~~والرافدين» لم تدخل التوراة بالصدفة وحدها، ولا بالتأثير المنطقي ~~الذي يصب الأعلى في الأسفل، إنما ما نراه، ونحاول إيضاحه في هذه ~~الدراسة، وهو وجود العمد والقصد من أهل التوراة، ليس لمجرد الفائدة ~~العلمية والحضارية، بل لتحقيق أغراض ومقاصد عظمى، ستتضح في ~~حينه. ~~(4) تأسيس 3 # إذن، فقد تسلل بنو عابر إلى الممالك الكنعانية تدريجيا وعلى ~~دفعات، ويتضح ذلك في قصة التوراة عن هبوط النبي «إبراهيم» ضيفا ~~على مملكة شاليم، التي كانت قائمة قبل زمنه بزمان، وكان يحكمها ~~كاهن ملك هو «ملكي صادق»، أو «الملك صادق»؛ مما يشير إلى أن ممالك ~~الكنعان كانت تعيش مرحلة المشترك المعبدي حتى هذا الوقت. # وقد ظل هؤلاء الأغراب من العبريين يعيشون زمنا طويلا على هامش ~~الحياة الكنعانية المستقرة، وتكلموا لغة أهل البلاد «الكنعانية»، ~~وعبدوا الآلهة الكنعانية، لكن الفرصة الحقيقية للسيطرة الكاملة على ~~الأرض، أو التحول على الأقل إلى مواطنين من الدرجة الأولى، لم تتح ~~لهم طوال هذه الحقبة، وظلوا مجرد عصابات مأجورة لملوك كنعان، حتى ~~جد جديد تمثل في جدب حل بأرض كنعان، دفع بالعصابات العبرية إلى ~~هبوط أرض مصر يستجدون القوت، في عهد النبي «يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم»، برفقة أبنائه المعروفين بالأسباط، وعلى رأسهم النبي ~~«يوسف»، إذ نالوا هناك - فيما تزعم التوراة - حظوظا عظيمة، انتهت ~~بهم وزراء لخزانة المصريين، برغم أنه لم يوجد نص مصري واحد فيما ~~اكتشف حتى الآن يشير إلى هذا المعنى. وقد وصلوا إلى هذه الرتبة بعد ~~صداقة عقدها «يوسف» النبي مع الفرعون المصري، عندما أبهرت الفرعون ~~قدرة يوسف على تفسير الأحلام والتبصير وقراءة الطالع، إلا أنه ما ~~إن انقضى زمن الفرعون الحلوم، حتى ضاق بهم حلم الفرعون الجديد، ~~وقلب حظوظهم رأسا على عقب، فأمر باستخدامهم كعمالة رخيصة في ~~الأعمال الشاقة، ودخل بنو عابر ms127 عهد مذلة مريرة تستشعر مرارتها في ~~كل سفر من أسفار التوراة، مصحوبة باللعنات المرتجاة استنزالا على ~~المصريين من رب العالمين. ومرة أخرى تحين الفرصة لبني عابر فتطرأ ~~في مصر الفتن الداخلية، التي تشغلها وتصرفها عن القبيلة الهامشية، ~~وعن شئون إمبراطوريتها في الخارج؛ مما يخفف من هيمنتها بعض الشيء ~~على مستعمراتها الآسيوية، في وقت انشغل فيه أهل الرافدين في صراعات ~~انقسمت فيها البلاد على نفسها؛ مما يعطي الضوء الأخضر لبني عابر ~~للهروب من مصر إلى كنعان مرة أخرى. وفي رحلة الخروج، أو الهروب، ~~وفي ضوء انشغال اليد العليا عنهم بشواغلها الخاصة في الداخل، يسجل ~~اليهود في توراتهم أبشع صور الوحشية، فيأتون على كل ما يقابلهم في ~~الطريق ذبحا وتحريقا. ولم يسلم من أذاهم لا الإنسان ولا الحيوان، ~~ولا حتى نبات الأرض، بعد أن قررته لهم الشريعة الربانية وأباحته ~~بإباحية مطلقة، وأسفر الرب العبراني آنذاك عن هويته بوضوح، فأعلن ~~أنه من الآن «الرب رجل حرب» (خروج، 15: 3)، وأن رائحة دخان ~~المحروقات أحب المشهيات إلى نفسه الملتاثة «وقود، رائحة سرور ~~للرب»، متكررات في سفر اللاويين، إصحاح 1، 9، 13، 17 ... إلخ. ولم ~~يكتف بذلك، بل قرر أن يمارس لذة الذبح والإحراق بنفسه، فترك عرشه ~~السماوي وهبط يتخبط كرها وفظاظة ليمارس رغباته «وأجعل مسكني في ~~وسطكم، وأكون لكم إلها وأنتم تكونون لي شعبا» (لاويين، 16: 11)، ~~وأخذ ينفث أوامره المتكررة: ~~«أحرقوا جميع مدنهم، بمساكنهم، وجميع حصونهم بالنار» ~~(عدد، 31: 10) ~~«اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة» (عدد، 31: ~~17) ~~«احرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار» (تثنية، 12: ~~31) # فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرقها بكل ما ~~فيها، مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ~~ساحتها، وتحرق بالنار المدينة، وكل أمتعتها، كاملة للرب ~~إلهك. (تثنية، 13: 15، 16) # أما شريعة الحرب، وفق الخطة المثلى، التي كتبها رب اليهود بإصبعه ~~على الألواح، والتي نفذها «يشوع» خليفة «موسى» على القيادة، بدقة ~~وإخلاص تحسده عليهما الضواري من كواسر الوحش، فهي مرصودة في أوامر ~~الرب وتوجيهاته. # حيث تقترب من مدينة لكي تحاربها، فاستدعها للصلح، فإن أجابتك إلى ~~الصلح، وفتحت لك، ms128 فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد ~~لك! «وما أشبه الليلة بالبارحة»، وإن لم تسالمك وعملت معك حربا، ~~فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد ~~السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل ~~غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك، التي أعطاها الرب إلهك، هكذا ~~تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا، التي ليست من هؤلاء الأمم ~~هنا. # أما مدن كنعان الفلسطينية، فلها في موعظة الرب الحسنة شرعة أخرى، ~~فهو يأمر قائلا: «وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك ~~نصيبا، فلا تستبق منها نسمة ما» (تثنية، 20: 10-16). # وهكذا وجد بنو عابر فرصتهم للتعبير عن طبائعهم وسليقتهم المفطورة ~~بصدق نادر المثال، مدهش. وقد أكد صدق هذه المفاخر التوراتية ذلك ~~الحجر الذي اكتشف أخيرا في «نوميديا» ضمن آثار «قرطاجة» القديمة، ~~شمال أفريقيا، وعليه كتابة تقول: «إننا خرجنا من ديارنا لننجو ~~بأنفسنا من قاطع الطريق يشوع بن نون، بعد أن قتل منا في عشية واحدة ~~عشرة آلاف إنسان.» # 17 # وكان من طبائع الأمور أن تستقر أمور مصر الداخلية، وتخرج تلملم ~~شتات مستعمراتها الخارجية، وأن تهدأ آشور وتتماسك بابل؛ ليبدأ ~~هؤلاء وأولئك يبسطون حمايتهم على المنطقة، وإن اتفقت الأغراض ~~السياسية لكليهما على أن تظل دولة «سليمان بن داود» على حالها، ~~كحائل بين الدول العظمى، لكن مع تناوب السيادة عليها حسب الفرص ~~المتاحة، ولا يجد بنو عابر من يحرقونه ليكون رائحة سرور للرب، ~~فيحرقون بعضهم بعضا، وتنقسم مملكة سليمان مملكتين: # السامرة في الشمال، ويهوذا في الجنوب، ويكتشف المصريون أن طبع ~~بني عابر اللئيم غلاب، فيجرد الفرعون «شيشنق» عليهم حملة تجردهم ~~مما يستر عوراتهم؛ ليأتي الآشوريون، ومن بعدهم البابليون، ~~ليستاقوهم أسرى وسبايا على شاطئ الفرات، ليعيشوا هناك في الأسر ~~زمانا. # وتتغير الأحوال، وتجد تغيرات عالمية جديدة مع بروز القوة ~~الفارسية الطالعة، فيتحالف المأسورون في بابل مع «قورش» عظيم ~~الفرس، ويسربون له أخبار بابل أولا بأول، حتى يفتحوا له أبوابها، ~~فيرد صنيعهم بأحسن منه، ويعيدهم على دفعات إلى فلسطين، ويسمح لهم ~~بإعادة ms129 بناء الهيكل السليماني، ويقيمون دولة خاضعة للفرس، لكن ~~الأحداث تتلاحق على المنطقة، مع قوة الإغريق الصاعدة، فيصطدم ~~«الإسكندر المقدوني» بالفرس، ويحتل فلسطين لتصبح مستعمرة يونانية، ~~ثم تقع بعد موته في قرعة قواده الرومان؛ لتتحول إلى مستعمرة ~~رومانية، ويثور اليهود ثورات متكررة ضد الرومان، فيأتي القائد ~~«طيطس» ليكسب في التاريخ شرف إنهاء الوجود اليهودي هناك، ويدمر ~~الهيكل، ويشتت أصحابه؛ ليبدأ عصر الشتات لليهودي التائه. لكن ليكون ~~ذلك بداية بعث جديد، واحتلال عالمي للعقول وتهويدها، ومع ظهور ~~المسيحية وانتشارها، إضافة إلى فرصة أخرى حانت في مكان بعيد في عمق ~~البوادي، مع ظهور الدعوة الإسلامية، وهو ما سنلمسه لمسا رفيقا ~~إبان استمرارنا في بحثنا هذا. ~~(5) أسطورة الخلق والتكوين ~~... وشقها كما تشق الصدفة إلى قسمين # وثبت نصفا جعله سقفا سماء ... # والأسفل ثبته في الأرض، خلق منه الأرض # من ملحمة الخلق البابلية «إينوما ~~إيليش» # تقول قصة الخلق التوراتية إن الرب العبراني، بعد ~~أن قضى على فوضى الماء أو الغمر البدائي الذي كان أول موجودات ~~الوجود، وكان محيطا أزليا مظلما، مثلته التوراة في وحش خرافي ~~عظيم أسمته «لوياثان» هو التنين ذو الرءوس المتعددة، قام الرب بشقه ~~نصفين، صنع منهما السماء والأرض، وقد استغرقت هذه العملية ~~التصنيعية ستة من الأيام، استراح بعدها الإله من عناء عمله على ~~عرشه، في اليوم السابع، وإليك النصوص: # أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رءوس التنانين على المياه. ~~أنت رضضت رءوس لوياثان. (مزمور، 74) # استيقظي، البسي قوة يا ذراع الرب ... ألست أنت القاطعة ~~رهب، الطاعنة التنين؟ ألست أنت هي المنشفة البحر، مياه ~~الغمر العظيم. (إشعياء، 51: 9، 10) # في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد ~~لوياثان، الحية الهاربة. لوياثان الحية المتحوية، ويقتل ~~التنين الذي في البحر. (إشعياء، 27: 1) # كانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله ~~يرف على وجه المياه ... وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، ~~وليكن فاصلا بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد، وفصل بين ~~المياه التي تحت الجلد والتي فوق الجلد، وكان كذلك، ودعا ~~الله الجلد سماء. (تكوين، 1: 2-8) # ثم بعد ms130 ذلك، تخير الرب التوراتي مكانا على يابسة الأرض، أسمته ~~التوراة «جنة عدن»، وقد اتسم الإله بصفة الخلد لأنه كان يتعاطى في ~~هذه الجنة من شجرة الحياة التي تمنح الحياة الأبدية، كما اتسم ~~بالمعرفة؛ لأنه كان يغتذي من شجرة أخرى هناك، هي شجرة المعرفة. ~~ويوما ما قرر الرب خلق الإنسان المدعو «آدم»، ثم خلق له من ضلعه ~~أنيسا هو «حواء» زوجته، ووضعها معه في الجنة، لكنه حرم عليهما ~~ثمرة شجرة المعرفة، ففضل أن يكون رب جاهلين لا رب عارفين، وتشرح ~~التوراة القول: ثم كان ضباب يطلع من الأرض، ويسقي كل وجه الأرض، ~~وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، ~~فصار آدم نفسا حية، وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك ~~آدم الذي جبله، وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر ~~وحيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر ~~... وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى ~~الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا، وأما شجرة ~~معرفة الخير والشر فلا تأكل منها؛ لأنك يوم تأكل منها موتا تموت، ~~وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا ~~نظيره ... فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من ~~أضلاعه وملأ مكانها لحما، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من ~~آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم ~~من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت ... وكانت الحية أحيل ~~جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله، فقالت للمرأة: أحقا ~~قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر ~~شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا ~~تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل ~~الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين ~~الخير والشر ... ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها ms131 أم كل حي (تكوين، ~~إصحاح 2، 3). وهكذا، وبرغم محاولة الرب إيهام الزوجين أن ثمرة ~~المعرفة ثمرة سامة وقاتلة، فقد فضل الزوجان العلم بالشيء على الجهل ~~به، فغضب عليهما الرب لفضولهما المعرفي، وخشي أن يدفعهما الفضول ~~إلى ما هو أكثر ترويعا، وربما يأكلان من ثمرة الخلد فيكسبان ~~الألوهية؛ مما قد يؤدي إلى منافسة غير مضمونة النتائج، ومن ~~هنا: # قال الرب: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر. ~~والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا أكل ويحيا إلى ~~الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل الأرض التي أخذ منها. ~~فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب ~~لحراسة طريق شجرة الحياة (تكوين، 3: 22-24). # وقد كان المظنون، حتى عهد قريب، أن الكاتب التوراتي هو الناظم ~~الأول لأسطورة الخلق بهذا الشكل، الذي اكتسب ثباتا عجيبا، وانتقل ~~إلى ديانات أخرى مع بعض التهذيب هنا والتشذيب هناك، حتى بدأت ~~الكشوف الأركيولوجية المعاصرة في آثاريات المنطقة تأتي بثمارها، ~~وتم فك رموز الكتابة الهيروغليفية المصرية، والمسمارية الرافدية، ~~والأوجاريتية الكنعانية؛ مما أثبت أن هذه الملحمة ليست إلا تهجينا ~~مستهجنا لمجموعة من الملاحم القديمة، التي عرفها بنو عابر مبكرين، ~~وأعادوا صياغتها في توراتهم، بينما اندثرت تلك الحضارات القديمة، ~~ونسي تراثها، حتى أعاد الزمان سيرته، وبدأ نفض غبار الأيام ~~الغبراء عنها. # وبرغم عدم تناسق الدراما التوراتية في التكوين، وتنافرها بعضها ~~مع بعض، ومع أبسط البداهات العقلية، كنتيجة لسلب التراث دون إدراك ~~لمرامي تركيباته الأصلية، ولنزعه عن سياقه البيئي اجتماعيا ~~وجغرافيا وزمانيا، فإن العودة إلى الأصول الأولى لمنابته، تضع ~~بين أيدينا الأسس الحقيقية، والظروف التي بنى عليها الأقدمون ~~تصوراتهم الكونية، كناتج طبيعي لمشاهدات الإنسان وتراكم خبرات ~~تفاعله البيئي، ومحاولته تفسير ما يجري من جدل بين عناصر الطبيعة، ~~ودوره ككائن متميز في هذا الجدل. ولنعد معا إلى البداية نستطلع ~~أحوال هذا الإنسان في ضوء ما سنطرحه من تصورات. # في مناطق الخصب، التي بدأ الأقدمون يستقرون فيها، بدأ صراع ~~إنساني رفيع القدرات بين الإنسان والطبيعة، من أجل ms132 أن يثبت أقدامه ~~في مقرها، رافضا التراجع إلى طور البداية والبداوة، تطلعا إلى ~~حياة أقدر على تحدي مزاج الطبيعة المتقلب، وتحديها المستمر لهذا ~~الكائن الذي نشأ من رحمها، ويحاول السيطرة عليها وكبح جماحها لصالح ~~وجوده واستمراره. # وفي مناطق الخصب تنتاب الطبيعة تقلباتها المزاجية، ما بين جدب ~~يزهق الأرواح جوعا، ويقضي بجفافه على الزرع، والضرع، وبين إفراط ~~في السخاء فتدمر الفيضانات جهود سنين مضنية وشاقة من عمل الإنسان ~~الدءوب، أما الآفة الكبرى، والوحش الجبار، فكان ماء البحر الذي ~~يداوم محاولاته في عدم ترك اليابس، واستمرار طغيانه على دلتا ~~الأنهار؛ مما أدخل الإنسان المزارع في ملحمة رائعة البطولة مع هذا ~~الوحش، ذي الأمواج المتطاولة بألسنتها من الماء المالح، تلفح زرعه ~~وتربته كل حين، وكان على كل منهما: الإنسان، والبحر، أن يثبت ~~قدرته أكثر من الآخر على التمسك بالطمي الذي كانت تلقيه الأنهار في ~~دلتاها، وكثيرا ما أطل البحر بأعاصيره رءوسا وألسنة تنهش من ~~الفلاح زرعه، وتشيع في مستقراته الويل والدمار، ولعل أروع هذه ~~الملاحم بطولة ما سجله المصريون وهم يضمون إلى اليابس مزيدا، ~~يوما وراء يوم، ويدفعون البحر إلى الوراء خلف حدوده، حتى تمكنت ~~الدلتا من قوامها العظيم، وهو الأمر نفسه الذي جد السومريون ~~لتحقيقه في العراق القديم. # ومن هنا كان البحر دائما رمزا للفوضى والدمار والظلام. وإنه كي ~~يقيم الفلاح يابسا لزراعته وقراه، فلا بد أن يفرضه على شاطئ البحر ~~فرضا أو ينتزعه من البحر بجبروته، ومن هنا نفهم لماذا تصور ~~الإنسان بداية الكون بحرا أزليا فوضويا معربدا، ولماذا تصوره ~~وحشا متعدد الرءوس لا تقوم الحياة المستقرة واليابسة، بوجه خاص، ~~دون التغلب عليه وقهره؛ ولذلك تصور العقل، وهو في بدئه يحاول الفهم ~~والتفسير، أن البحر هو الأساس في الكوزموسية، ورمز للشر والظلام، ~~بينما أصبح اليابس بطميه، الذي تأتي به الأنهار، رمزا للخير ~~والضياء، أما الشمس التي كانت تساعد على مزيد من التجفيف وزيادة ~~المساحات المنزرعة، فقد أصبحت أعظم الآلهة طرا في جميع البلدان ~~الزراعية، والوديان النهرية، بلا استثناء. # ومن هنا فقد ms133 تصور المصريون الأقدمون، وهم بسبيل الفهم، إنشاء ~~علاقات جدلية مع الطبيعة، أن الكون بدأ غمرا ويما هائلا ~~مظلما، أطلقوا عليه اسم «نون»، وأن من «نون» خرج إله الشمس «رع» ~~بقدرته وحده؛ لينشر الضياء والحرارة على الأرض، من أجل ظهور ~~اليابس، وتكون التربة الصالحة للزراعة، وعليه فإن «رع» قبل الخلق ~~كان في الأزلية والبدء على سطح «نون»، أو ما جاء في الرواية ~~التوراتية يقول: «وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، ~~وروح الله يرف على وجه المياه». # وإن التعبير «يرف» يستدعي معنى الطيران على وجه المياه، والإله ~~الذي عرفه الشرق القديم، في المصورات طائرا، هو «رع» المصري، الذي ~~كان يتمثل في شكل قرص الشمس مجتمعا، وهو الذي خرج من الغمر الأول ~~«نون»، وهو الذي أنجب إله الهواء «شو» الذي فتق الأرض قسمين ~~عظيمين، بعد أن كانتا رتقا، ورفع القسم الأعلى سماء أصبحت هي ~~الإلهة «نوت». # 18 # ثم تزوجت السماء والأرض، أو تفاعلت ظواهرهما فأنجبا ~~أول البشر على الأرض؛ لإتمام المهمة بزيادة المساحة المنزرعة زرعا ~~وتفليحا وتسجيلا للوعي بدور ومهمة كل من الطبيعة والإنسان في ~~تحقيق الغرض الأسمى. وفي قصة أخرى روى المصريون أن وحشا أول رمزوا ~~له بالاسم «حاتحور»، أو «هاتور»، أو بالقلب اللغوي «هاروت»، وكانت ~~إلهة أنثى، قد انطلقت تدمر بلا تمييز. وتدخل «رع» الشمس لإنقاذ ~~البشر، وتغلب عليها بعد ملحمة بطولية كبرى، ولا ريب أن الشمس هنا ~~كانت تقوم بدورها المعروف ضد ماء البحر الطاغي على اليابس، وهو ما ~~رددته التوراة بوضوح، لكن بعد أن نسبت دور البطولة للرب العبري ~~الذي قضى على البحر البدائي، ونشف البحر «ألست أنت المنشفة البحر، ~~مياه الغمر الأولى» (إشعياء، 51: 10). # وكما أشرنا، فقد تكررت الملحمة البطولية بين الإنسان والبحر، في ~~دلتا دجلة والفرات على رأس الخليج العربي، وسجلها السومريون، ومن ~~بعدهم البابليون؛ ليؤكدوا أنهم عرفوا ظواهر الطبيعة بعضها ببعض، ~~وأدركوا دور الإنسان فيها، فهذا الإله «نمو # Namu ~~» ويعبر عنه بالمقطع الصوري الذي يصور البحر، ~~يوصف بأنه المحيط الأول الذي أنجب السماء والأرض. # 19 ms134 # ثم تنجب السماء والأرض إله الهواء «إنليل»، الذي تكفل ~~بمهام مهمة، أولها خلق الفأس أداة العمل الزراعي، # 20 # حتى إن خلق الفأس، تلك الأداة البسيطة، قد أعطي أهمية ~~كبرى تليق بمقامه آنذاك، فأفردت له ملحمة كاملة مقدسة، تتحدث في ~~الوقت نفسه قائلة: # الرب الذي يملك حقا، هو الذي أظهر للعيان # الرب الذي لا يتبدل في أحكامه إنليل # الرب الذي يجلب البذور إلى الأرض ليزرعها # تولى برعايته فصل السماء عن الأرض # تولى برعايته فصل الأرض عن السماء. # 21 # وفي ملحمة أخرى لم يعرف عنوانها الأصلي، واصطلح على تسميتها # kAR4 Methos # وردت أبيات ~~تقول: # عندما فصلت السماء عن الأرض # بعدما كانتا متصلتين ~~... وبعدما نظمت الآلهة الجداول والقنوات # وثبتت شواطئ دجلة والفرات # جلست الآلهة «تستريح». # 22 # وفي جنة الآلهة السومرية المعروفة باسم «دلمون # Dilmon ~~»، جاء الابن الإلهي «آنكي»، ~~ويعني اسمه «إله الأرض»، وبالتحديد «اليابس المنزرع»، ممثلا ~~لبداية البشرية على الأرض، لكنه أصيب بمرض في ضلعه، بعد أن أكل من ~~ثمار حرمتها عليه الإلهة «ننهور ~~ساج # Nin Hursag ~~» فخلقت الآلهة إلهة أنثى تحمل اسم ~~«نن تي # Nin Ti ~~» لعلاج وتمريض ~~آني. والضلع بالسومرية ينطق «تي # Ti ~~»؛ لذلك سميت الإلهة الممرضة «نن تي»، و«نن» ~~تعني سيدة، فهي إذن «سيدة الضلع». # ويعقب الآثاري «كريمر» على ذلك بما يوعز لنا بحل أحجية خلق حواء ~~من ضلع آدم التي وردت في التوراة، حتى يكاد يقنعنا أن التوراة قد ~~أخذت الأصل السومري بشكل شائه، بعد مرور زمان نسي معه هذا الأصل ~~العتيد، ولم يبق سوى سيدة الضلع أو السيدة الضلع، فخال كتاب ~~التوراة أن الأنثى الأولى مخلوقة من ضلع الإنسان الأول، وسقط كاتب ~~هذا الجزء من التوراة في الشرك السومري، ففسر حواء التي تدل على ~~الأنثى الأولى في اللغات السامية جميعا، بأنها مأخوذة من «تلك ~~السيدة التي تحيي، أو تسبب الحياة، أو أم كل حي»، وهو ما تعنيه ~~أيضا الكلمة السومرية «تي» لأنها تدل على الضلع عندما تكون اسما، ~~لكنها عندما تكون فعلا فهي تعني «أحيا»، أو جعله يحيا! ms135 # 23 # أما الختم الذي عثر عليه مؤخرا في آثار سومر، ففيه فصل الخطاب؛ ~~لأنه يمثل ذكرا وأنثى يجلسان متقابلين بينهما نخلة، وخلف الأنثى ~~تدلت حية، رأسها بجوار رأس الأنثى، بينما تمد هذه الأنثى يدها في ~~شكل دعوة للذكر الجالس قبالتها، ليتناول من ثمار النخلة، ولنتذكر ~~الارتباط اللغوي بين الحية والحياة، وبين الحية وحيا الأنثى، أو ~~فرجها كمفرز للمواليد والحياة، وبين التسمية حواء «التي تحيي»، أما ~~ما لا يغيب عن فطن فهو الحية المصرية المقدسة على تيجان الفراعنة، ~~تمنحهم الحياة وطول العمر. # ثم تكتشف أروع الملاحم البابلية، لتقطع ما بقي من شك بيقينها، ~~تلك التي أصبحت من أشهر المآثر في الدوائر العلمية إلى اليوم، ~~والمعروفة باسم «إينوما ~~إيليش # Enuma Elish ~~»، أو «في العلا عندما»، وتحدثنا عن بحر أول ~~فوضوي ، ترمز له إلهة أنثى شريرة مرعبة تدع «تيامات # Tiamat ~~»، يتطوع إله الدولة ~~البابلية (مردوخ # Marduk ~~) ~~لمنازلتها وتخليص البشر من نوباتها الهستيرية، فيقضي عليها، ثم ~~يشطر جسدها المائي شطرين، يصنع منهما السماء والأرض. # 24 # أو كما في النص: # شقها كما تشق الصدفة قسمين # وثبت نصفا جعله سقف سماء # 25 # شطر جسدها شطرين: # أعلاهما ثبته في السماء # خلق منه السماء # والأسفل ثبته في الأرض # خلق منه الأرض. # 26 ~~«ولنلاحظ أن الأقدمين قد وضعوا بذلك تفسيرا مريحا لظاهرة سقوط ~~الماء من الأعالي، في هيئة مطر، بحسبان أن السماء أحد قسمي البحر ~~الأول.» # ثم توضح «الإينوما إيليش» أن الإله «مردوخ» كان هو صاحب فلسفة ~~الخلق بالكلمة، وللمصداقية كان الإله فتاح المصري، صاحب فلسفة ~~مدينة منف هو الأسبق. # 27 # وقد قررت الملحمة البابلية ذلك منسوبا إلى رب المملكة ~~البابلية، بعد أن تطور الشكل المجتمعي في الرافدين من مشتركات ~~مدينية إلى مملكة مركزية يحكمها حاكم ملك فرد لا ترد كلمته، وحتى ~~تكون كلمة الملك نافذة لا تقبل الإرجاء، فقد صيغت الملحمة لتعبر عن ~~هذا المعنى الرئاسي الجديد في عالم السماء، كما هو في عالم الأرض، ~~بحسبان الملك ممثلا جسديا لمردوخ على عرش بابل. # وفي أنقاض مدينة «أوجاريت» الكنعانية ms136 القديمة، «تل شمرا ~~حاليا»، تم العثور على ثروة لا تقدر بثمن من المدونات الكنعانية، ~~التي ألقت ضوءا مباشرا على أصل ميثولوجيا الخلق التوراتية، وكان ~~أهم ما ورد فيها تطابق الأحداث، حتى اسم أبي البشر «آدم» بلفظه ~~ورسمه، وهو كما ورد «أب آدم ويقرب»، أي «ويقترب أبو البشر»، # 28 # ومن النصوص التي وجدت قضاء الإله على اليم أو الغمر، ~~أو البحر الأول ممثلا في تنين هو بالاسم نفسه: «لوياثان»؛ مما ~~يثير الدهشة لشدة التطابق. انظر النص الكنعاني يقول: # في ذلك اليوم # يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم، الشديد لوياثان # ويضع نهاية للحية الملتوية الهاربة # شالياط ذات الرءوس السبعة. # 29 # ونص آخر يقول: # ألست أنت التي محقت يم؟ # ألست أنت التي أفنت التنين؟ # وسحقت الحية # ذات الرءوس السبعة؟! # 30 # أما العجيب في أمر هذه القصة كلها، التي تعود إلى مفاهيم شعوب ~~زراعية، تعبر عن مشكلات المزارع وهمومه، ووضعت لتفسير ظواهر ترتبط ~~تماما بعلاقة البحر بالطمي بالنهر بالخصب بالفلاح نفسه، العجيب أن ~~تنتقل بقضها وقضيضها إلى التوراة. وهو كتاب شعب رعوي بدوي لا علاقة ~~له بكل هذا. ويحل فيها الرب العبراني محل كل آلهة المنطقة ~~الزراعية، ليقوم بكافة الأدوار، في مختلف ملاحم قصص البطولة بين ~~المزارع والبحر، دونما مبرر منطقي واحد، سوى استيلاء الرب التوراتي ~~على تراث المنطقة، الذي أصبح تراثا مقدسا، ينحشر داخل كتاب مقدس. ~~ولا شك أن الكتاب التوراتي كان يعلم أن الجميع سيقبلها، في مصر أو ~~كنعان أو الرافدين؛ لأنها إنما تردد تراثهم هم، ومفاهيمهم هم، ~~وذكرياتهم هم، أيام كانت الأنهار تحفر في الرمل طريقا لها، ولا ~~يوجد من أرض تصلح للزراعة إلا في الدلتا حيث يفرش النهر طميه، ~~فيهاجمه البحر، لكن التوراة ألبسته ثوبا جديدا، وبطولة جديدة، ~~وشعبا يختص بشئون الإله البطل الجديد، هو الشعب العبري. # إلى هنا والخطورة محدودة فيما حدث، لكن الإضافات التي لحقت هذا ~~التراث، وعشقها الكاتب التوراتي في قصة الخلق القديمة، تشير إلى ~~المنحى الخطير، والسم المدسوس في العسل، الذي التهمه الجميع شاكرين ~~حامدين. أما الغل ms137 اليهودي والحقد البدوي على الزراع فينضح ~~واضحا ويفصح عن نفسه فيما أردف بالروايات الأصلية، ممثلا في صراع ~~بين الراعي والزارع، يجسد الأهداف المطلوبة داخل عقل المنطقة ~~وروحها وقلبها المطمئن بالإيمان، فتروي التوراة ما لم يقله الأصل ~~البابلي والكنعاني، أو تعكس الوضع الذي كان في أصل الرواية ~~المصرية، حول أول بشر على الأرض، فبينما نجد أول البشر في مصر ~~«أوزيريس» رمزا للأرض المنزرعة، إلها للخير، وأخاه «ست» رمز ~~البوادي والبداوة إلها للشر، تقول رواية التوراة: # إن أبا البشر «آدم»، قد أنجب أخوين هما «هابيل» و«قايين»، «وكان ~~هابيل راعيا للغنم، وكان قايين عاملا في الأرض، وحدث من بعد أيام ~~أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب، وقدم هابيل أيضا من ~~أبكار غنمه ومن سمائها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى ~~قايين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قايين جدا، وسقط وجهه ... وحدث، إذ ~~كانا في الحقل، أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله» (التكوين، 4: ~~2-8). # وهكذا وضح أن الرب قد ميز الراعي على المزارع، أو «العبراني» ~~على «المصري، والكنعاني، والرافدي» منذ بداية الخليقة، دونما سبب ~~واضح سوى أن الفلاح اجتهد، وعرق، وزرع، وحصد، وقدم ثومه، وبصله، ~~وكراثه، قربانا مرويا بعرق جهده البطولي فآذى أنف الرب، الذي ~~كان دوما يتوق إلى رائحة اللحم المحروق، ويلح دائما في طلبه، وهو ~~ما قدمه له الراعي لتهدأ نفسه وتستريح. والسبب الأوضح أن قايين ~~فلاح من أهل الخصب والزرع؛ ومن ثم كان لا بد من إبراز الشر ~~الكامن فيه، مقابل طيبة الراعي السمح الذكي، الذي لم يبذل جهدا، ~~إنما اكتفى بالاسترخاء إلى جوار قطعانه وهي تتلاقح، ثم أخذ من ~~منتوجها لربه قربانا، فيقتل المزارع أخاه الراعي الطيب غيرة ~~وحسدا، ولا يبقى للمزارع ميزة لكل جهوده وحضارته ومنشآته وتراثه ~~وبطولاته، إزاء التفضيل الرباني لهابيل العبراني، وما عليه إلا أن ~~يترك الأرض وتاريخه فيها للراعي الطيب، وما شاء الله قدر. ~~(6) أسطورة الطوفان # إن طوفانا سيهلك مراكز العبادة وتهلك # ذرية البشر ... # إن هذا هو القرار الذي أصدره الإله # في مجمعهم؛ ms138 # قم فابن فلكا. # هذا ما همس به الإله لعبده الصالح زيو سودرا. # من ملحمة جلجاميش # 31 # ونتابع الملحمة، فتقول: # أرعد الإله حداد في الغيوم، # وبعد أن زلج زيو سودرا الباب # كان الإله حداد يرعد في الغيوم، # وأصبحت الريح عاتية، فأرخى الحبال # وانطلقت السفينة مع التيار، # وجاءت كل الرياح، والعواصف المدمرة، # واكتسحت الزوابع العواصم، # وبعد أن اكتسحت الزوابع البلاد # في سبعة أيام وسبع ليال، # وتأرجحت السفينة مع الرياح المدمرة # في المياه العالية، # بزغت الشمس تنير الأرض. # 32 # أما التوراة فتقول: ~~... فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي؛ لأن الأرض امتلأت ~~ظلما منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض ... اصنع لنفسك فلكا من خشب ... ~~فها أنا آتي بطوفان الماء على الأرض ... كل ما في الأرض يموت، ولكن ~~أقيم عهدي معك، فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك، ومن ~~كل حي، من كل ذي جسد اثنان ... تكون ذكرا وأنثى ... وكان ~~الطوفان. # وتكاثرت المياه ورفعت الفلك، فتغطت جميع الجبال الشامخة ... فمات ~~كل ذي جسد ... وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يوما، ثم ذكر ~~الله نوحا ... وأجاز الله ريحا على الأرض، فهدأت المياه، وانسدت ~~ينابيع الغمر وطاقات السماء ... واستقر الفلك في الشهر السابع ... على ~~جبال أراراط ... # وحدث من بعد أربعين يوما أن نوح فتح طاقة الفلك ... وأرسل الغراب ~~فخرج مترددا ... ثم أرسل الحمامة ... فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها ... ~~فلبث سبعة أيام وعاد فأرسل الحمامة من الفلك، فأتت إليه الحمامة ~~عند المساء، وإذا بورقة زيتون خضراء في فمها، فعلم نوح أن المياه ~~قد قلت عن الأرض، فلبث سبعة أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع ~~إليه ... فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه وكل الحيوانات، وبنى ~~نوح مذبحا للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور ~~الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال ~~الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان. # وكلم الله نوحا وبنيه معه قائلا: «هذه علامة ميثاقي معكم ومع ~~نسلكم من بعدكم وضعت قوسي ms139 في السحاب، فتكون علامة ميثاق بيني ~~وبينكم وبين كل نفس حية، فلا تكون المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد ~~... وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، وكانت كل أيام نوح ~~تسعمائة وخمسين سنة» (التكوين، 6: 9). # هذا ما جاء بالكتاب العبري المقدس حول قصة الطوفان، وربما أصبح ~~واضحا أننا سنكرر القول: «وكان مظنونا أنها إبداع خاص بالمؤلف ~~التوراتي»، والقول لازم عن المقدمات التي أسلفناها، والتي أصبحت ~~معلومة بعد حل رموز اللوح الحادي عشر من ملحمة «جلجامش» البابلية؛ ~~مما دفع الآثاري «كريمر» - بعد ذلك بربع قرن تقريبا - إلى الإعلان ~~بثقة تامة وبلا وجل: «أن قصة الطوفان التي دونها كتاب التوراة ~~العبرانيون لم تكن أصيلة، وإنما هي من المبتكرات السومرية التي ~~اقتبسها البابليون، ووضعوها في صيغة الطوفان البابلي.» # 33 # وباستقراء الثلث الأسفل من لوح سومري ذي ستة حقول «نشره آرنوبويل ~~عام 1914م»، يخبرنا أنه بعد فترة قصيرة من خلق العالم، اكتشفت ~~الآلهة السومرية أن الإنسان لم يحقق الغاية من خلقه، وأنه أفسد في ~~الأرض وسفك الدماء؛ لذلك قررت إفناء الحياة على الأرض وغسلها بماء ~~الطوفان. هذا بينما يؤكد الباحث العراقي «فاضل عبد الواحد»: «أن ~~الطوفان يعد من المظاهر الطبيعية المألوفة في وادي الرافدين، فمنذ ~~قديم الأزمان حتى تاريخنا المعاصر، ما زالت مياه دجلة والفرات ~~وروافدهما، تغمر مساحات واسعة كل عام تقريبا، خاصة في الجزء ~~الجنوبي من القطر، وأن هذه الظاهرة الطبيعية المروعة، التي لم ~~يستطع الإنسان في وادي الرافدين السيطرة عليها بوسائله المتوفرة ~~آنذاك، كانت في نظر الفرد مثل غيرها من الظواهر الطبيعية الأخرى، ~~سرا من الأسرار الإلهية، وسلاحا من أسلحتها؛ ولهذا فقد احتل ~~الطوفان حيزا مهما في معتقدات سكان وادي الرافدين وتآليفهم، ~~ولنا أن نفترض أن واحدا من تلك الفيضانات العظيمة في بلاد سومر، ~~بقي صداه في ذاكرة الأجيال لشدة هوله، وبسبب ما لحق بالناس والبلاد ~~من دمار، بحيث اتخذ منه المؤرخون القدامى نقطة لتأريخ الحوادث.» # 34 # ولعل ما يدعم فرضية الباحث العراقي بشدة، التنقيبات الآثارية ~~التي كشفت الطبقات السفلى للمدن السومرية القديمة، ms140 التي أظهرت ~~تحتها طبقة من الطمي يتراوح سمكها ما بين نصف المتر والثلاثة أمتار؛ # 35 # مما يشير إلى حدوث الفيضان العظيم بما لا يقبل دحضا ~~للبيان الأركيولوجي. # أما ألواح سومر فتطالعنا: أن الملك الورع التقي «زيوسودرا # ziusudra ~~»، الذي كان يؤدي النذور ~~بانتظام لكهان الآلهة، اختارته الآلهة لتخبره بقرار إفناء الحياة ~~الأرضية بالطوفان، ونصحته ببناء فلك عظيم يجمع له من كل كائنات ~~الأرض، من كل زوجين اثنين، وهو ما يوضح لنا أن السومريين قد تصوروا ~~فيضانهم حدثا كونيا عم الأرض بأسرها، فسجلوه بهذا المعنى، وتمضي ~~القصة في تصوير هول الفيضان وجبروته، إلى أن يهدأ وترسو السفينة، ~~ويطلق «زيوسودرا» حيواناته، فتكافئه الآلهة بالخلود الألفي في ~~«دلمون». # ولا يفوتنا هنا بشأن خلود «زيوسودرا» ما نخرج به من دراسة قائمة ~~الملوك السومريين الأوائل، إذ نلاحظ القوم وقد اعتقدوا أن ملوكهم ~~السالفين قد عاشوا أعمارا طويلة إلى حد خيالي ، وربما كتعظيم ~~لشأنهم وتكريما وتقديسا، فمثلا تدعي القائمة المذكورة: أن ~~«تموز» عاش ثلاثة آلاف عام، حاكما على مدينة # Bad-Tibera ~~، وأن «آلوليم» حكم ~~ما يزيد عن ستة وعشرين ألف سنة، وأن «آلجار» قد حكم ستا وثلاثين ~~ألف سنة، # 36 # ويعقب «د. فاضل عبد الواحد» على تلك الأرقام بقوله: ~~إنها: «... خيالية بشكل واضح، وأغلب الظن أن مثل هذه الأرقام ~~الكبيرة، إنما تعكس فكرة شائعة عند أكثر الأمم القديمة، وهي أن ~~الإنسان كان في قديم الزمان، يتمتع بعمر طويل وصفات جسدية خارقة». # 37 # وعليه، لا يعود غريبا علينا ما ينسب إلى «زيوسودرا» - ~~بطل الملحمة - من عمر خيالي عاشه بين قومه. أما تقواه فقد أطالت ~~عمره إلى الأبد بنعمة الخلود في «دلمون». # وتأتي الدولة البابلية، فتتناول الملحمة وتعيد صياغتها، ويظل ~~المحتوى، ويتغير أبطال المغامرة، فهذه المرة يصبح البطل هو ~~«أوتنابشتيم # Utnabeshtem ~~» ~~الذي ناداه الإله قائلا: # أوتنابشتيم، يا رجل شوربياك، # اهدم الدار، وابن سفينة، # دع أملاكك، وأنقذ حياتك، # ارحل بها وخذ بذرة كل حي. # وينفذ العبد الصالح أوامر ربه، ويروي قائلا: «وأكملت السفينة في ~~اليوم السابع، وحملتها بكل صنوف الأحياء، واستمرت ms141 أعاصير الطوفان ~~ستة أيام وست ليال، واكتسحت الأرض كما تكتسحها عاصفة الجنوب. وفي ~~اليوم السابع أطلقت حمامة، فذهبت وعادت، وعز عليها أن تجد مكانا ~~ظاهرا تحط عليه، وأرسلت سنونو وعاد ولم يجد موضعا ظاهرا يحط ~~عليه، فأرسلت غرابا فذهب ورأى الماء يتناقص، فأكل وعب ودار ولم ~~يعد، وحينذاك واجهت الجهات الأربع، وضحيت، وسكبت قربانا فوق قمة الجبل.» # 38 # وكانت تضحية «أوتنابشتيم» بدوره، ببعض حيوانات السفينة ~~الطاهرة، قام بذبحها وحرقها، ويقول النص: «فتنشق الرب الرائحة الذكية.» # 39 # وعقب الإله «إنليل» على الطوفان بقوله: «لقد حمل المذنب ذنبه، ~~والآثم إثمه، أمهله كي لا يفنى، ولا تهمله كي لا يفسد»، # 40 # وهكذا كان غرض الإله تطهير الأرض من القتلة وسفاكي ~~الدماء، فسفك هو دماء البشر والحيوان ومزقهم شر ممزق، دون أن يميز ~~بين صالح وطالح، لكن «إنليل» وبقية الآلهة ندموا على ما ألحقوه ~~بالبشرية من ويل، وعند ذلك قامت الإلهة «عشتار» بتعليق عقدها ~~الثمين الملون في باحة السماء؛ ليصبح قوس قزح رمزا لميثاق مع ~~البشر بعدم تكرار الطوفان، وعقبت بالقول: «كما أنني لا أنسى عقد ~~اللازورد الذي كان يزين عنقي، فإنني لن أنسى تلك الأيام أبدا، ~~سأذكرها دوما.» # 41 # الرمز واضح، فقد سجل الكاتب التوراتي الملحمة الرافدية بكل ~~منمنماتها وزخارفها الدقيقة، لكن إذا كان أهل الرافدين قد سجلوا ~~تذكرة بحدث يتعلق بظروف طبيعة بلادهم، وبأنساقهم الفكرية. فإن ~~الكاتب التوراتي الذي لم يعش واقع الحدث ولا علاقة له بالأمر، ~~يتناول الملحمة ليحقق منها أغراضا أخرى، فينسب الأمر كله للرب ~~العبراني، ثم ينسب بطولة الملحمة للرجل الذي نسبوا إليه النسل ~~الميمون «نوح»؛ لأن من نوح سيأتي بنو عابر، ثم يضيف الكاتب ~~التوراتي ما لم يكن في الأصل الرافدي، بما يصادق على رؤيتنا بشكل ~~وضاء، تلك الرؤية التي تزعم أن بني عابر قد استلبوا التراث، ~~وحشوه بما يلزم، ثم أعادوا تصديره إلينا مرة أخرى، ملحقا بما يحقق ~~الأغراض المرصودة. # وربما كان من المستحسن، قبل أن نتناول ذلك الحشو وكشف المرصود، ~~أن نركن قليلا إلى كتب التراث ms142 الإسلامية، نقرأ بعض ما تعلق بالأمر ~~فيها، وقبلها نعرج على ما جاء في أخبار العرب الجاهلية، إذ يؤكد ~~لنا الباحث «محمود الحوت» أن أهم أساطير العرب مستمدة من مقدسات ~~اليهود الذين دخلوا بلاد العرب واستقروا فيها وأصبحوا جزءا من ~~شعوبها وقبائلها؛ لذلك اعتقد العرب في جاهليتهم أن نوحا هو أحد ~~مشاهير الأنبياء الخمسة أولي العزم، وأخذوا أيضا بروايات اليهود ~~حول كونه النسل التاسع فقط لآدم، # 42 # وهو أمر لم يستدع من العقل العربي أي تساؤل حول ~~إمكانية ضلال الإنسان في مثل هذا الزمن القصير، أو حول استحقاق هذا ~~النسل المتواضع لمثل هذا العقاب الهائل، كلا لم يتساءل العربي وهو ~~في جاهليته مثل هذه التساؤلات، ويزخر الشعر الجاهلي بأخبار السفينة ~~النوحية، فهذا «الأفوه الأودي» - نموذجا - يأبى إلا أن يسجل أسماء ~~أبناء نوح قائلا: # ولما يعصمها سام وحام # ويافث حيثما حلت ولام # أما طول العمر النوحي فيصبح مضرب المثل، ومكافأة الله له غاية ~~المنى، ويؤخذ ذلك من مديح «الأعشى» لإياس: # جزى الله إياسا خير نعمة كما # جزى المرء نوحا بعدما شابا # في فلكه إذ تبداها ليصنعها # وظل يجمع ألواحا وأبوابا # أو مثل ضرب الراجز: # فعلت لو عمرت سن الحل # أو عمر نوح زمن الفطحل # والصخر مبتل كطين الوحل # صرت رهينة هرم أو قتل # ويذهب «د. جواد علي» في موسوعته «المفصل في تاريخ العرب قبل ~~الإسلام» إلى أن الشاعر «أمية بن عبد الله بن أبي الصلت» هو الناظم ~~الحقيقي لحادثة الطوفان، بالشكل الذي عرفه العرب قبل الإسلام مباشرة. # 43 # هذا أمر، أما الرواية القرآنية الكريمة عن الطوفان فأمر آخر، ~~فالنبي «نوح» فيها (عليه السلام)، نبي كريم كمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، أرسله ~~الله تعالى لهداية قومه، فكانوا كأهل الجاهلية، في تكذيبهم وجحودهم ~~لدعوة الإسلام الكريمة، ولما كان دعاء النبي مستجابا، فقد دعا نوح ~~(عليه السلام) على قومه بالفناء، فاستجاب له مجيب الدعاء وأرسل ~~عليهم الطوفان، وهو ما تقوله الآيات الكريمة: # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا ~~(نوح: 26). # وكانت قصة ms143 النبي نوح (عليه السلام) كغيرها من قصص الأنبياء، ~~والقرى الكافرة بالنبوات، عبرة لمن عارضوا دعوة المصطفى # صلى الله عليه وسلم # وتحذيرا مبطنا ووعيدا، ومثال ذلك: # وإن يكذبوك فقد ~~كذبت قبلهم قوم نوح ~~. (الحج: ~~42) # وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس ~~آية ~~. (الفرقان: 37) # كذبت قبلهم قوم ~~نوح ~~. (ق: 12؛ ص: 12؛ القمر: 9؛ غافر: ~~5) # أما ما جاء في كتب الأخبار، فلعل أهمه وأجدره بداية بالتسجيل ~~والتدبر، ما جاء عن قوم «نوح» وقوم محمد (عليه الصلاة والسلام)، ~~تذكرة بمصير من سبق وكذبوا، في قول الشيخ «الحافظ ابن كثير»: «وقد ~~أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان، واعترف به ~~آخرون منهم، وقالوا: إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا ... وهذه ~~سفسطة منهم وكفر فظيع، وجهل بليغ، ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب ~~الأرض والسماء.» # 44 # هذا وقد جمع «الجزائري» ما ورد عن النبي نوح (عليه السلام) في ~~موجز لطيف، يصف فيه حجم السفينة بقوله: «فقدر طولها في الأرض ألف ~~ومائتا ذراع، وعرضها ثمانمائة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ~~ذراعا ...» وعندما ركب نوح (عليه السلام) السفينة ومن معه «ضربتها ~~الأمواج حتى وافت مكة وطافت في البيت، وغرق جميع الدنيا إلا موضع ~~البيت، وإنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق، فبقي الماء ~~ينصب من السماء أربعين صباحا، ومن الأرض العيون، حتى ارتفعت ~~السفينة فمست السماء، فرفع نوح يده وقال: يا رهمان أنفر، وتفسيرها ~~يا رب أحسن، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها ... واستوت السفينة على ~~جبل الجودي وهو جبل بالموصل، جبل عظيم ... ويروى عن أبي عبد الله ... ~~أن مدة لبثهم في السفينة سبعة أيام ولياليها ...» ثم يروي عن وهب ~~مسندا أن الله أوحى لنوح حين هبط من السفينة: «يا نوح إني خلقت ~~خلقي لعبادتي، وأمرتهم بطاعتي، وقد عصوني وعبدوا غيري، واستوجبوا ~~بذلك غضبي فغرقتهم، وإني قد جعلت قوسي أمانا لعبادي وبلادي، ~~وموثقا مني بيني وبين خلقي، يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق، ~~ومن أوفى بعهدي مني؟ ففرح نوح (عليه السلام) واستبشر، وكانت القوس ~~فيها سهم ms144 ووتر، فنزع الله عز وجل السهم والوتر من القوس، وجعلها ~~أمانا لعباده لا تقولوا قوس قزح فإن قزح اسم الشيطان، ولكن قولوا ~~قوس الله، وإن هذه المجرة التي في السماء ويسمونها مجرة الكبش، ~~موضع انفطار السماء للماء.» # وقد أشار «ابن كثير» بدوره للقربان الذي رفعه نوح (عليه السلام) ~~لله، وللقوس علامة العهد في قوله: «إن الله كلم نوحا قائلا له: ~~اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك، وجميع الدواب ~~التي معك، ولينموا وليكثروا في الأرض، فخرجوا وابتنى نوح مذبحا ~~لله عز وجل، وأخذ من جميع الدواب الحلال، والطير الحلال، فذبحها ~~قربانا إلى الله عز وجل، وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على ~~أهل الأرض، وجعل تذكارا لميثاقه إليه: القوس الذي في الغمام وهو ~~قوس قزح.» # 45 # أما العجيب، فهو ما جاء عند «الجزائري» يحمل حفريات من عقائد أهل ~~الشام والرافدين القديمة، فيقول: «عن الصادق ... قال: يوم النيروز هو ~~اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي.» # 46 # والنيروز كما هو معلوم عيد الربيع والخصب القديم، حيث ~~كانت منطقة الرافدين والشام تدين بعبادة عدد من آلهة الخصب والزرع ~~والمطر منذ فجر التاريخ، مثل الإله «حداد» إله الصواعق والبرق ~~والأمطار، والإلهة «بارات» إلهة «بيروت» الفينيقية، وكانت الوجه ~~الآخر لعملة «عشتار» الرافدية، التي حملها معهم الفينيقيون لتبارك ~~رحلاتهم البحرية عبر جبل طارق، فأعطت للجزر البريطانية اسمها، وكان ~~رمزها الأول هو الصليب، نجده منقوشا على عرشها، أو تمسكه - في ~~مصوراتها - بيدها، علما أن الصليب كان الاصطلاح السومري الدال على الخصب، # 47 # كما حملت اسم «ستيلا ماريا» أو «ستلا ماري» أي كوكب البحر، # 48 # حيث عبد الفينيقيون عشتار كما عبدها الرافديون، ممثلة ~~في كوكب الزهرة، ولما كان الفينيقيون قوما بحريين يعتمدون في ~~حياتهم على التجارة البحرية، فقد اتخذوا من الزهرة أو «عشتار» أو ~~«بارات» أو «ستلا ماريا» أو «ماريا» كوكبهم المعبود، بل إن «ماريا» ~~هو الاشتقاق اللاتيني للماء الطاغي أو البحر الهادر أو ~~الطوفان. # وبالعودة إلى الجزائري يقول: «عن أبي ms145 الحسن ... أن الله أوحى إلى ~~الجبال إني واضع سفينة على جبل منكن في الطوفان فتطاولت وشمخت، ~~وتواضع جبل بالموصل يقال له الجودي، فمرت السفينة تدور في الطوفان ~~على الجبال كلها حتى انتهت إلى الجودي، فوقفت عليه، فقال لنوح: ~~بارات قني، بارات قني، يعني اللهم أصلح، اللهم أصلح. وفي حديث آخر: ~~أنه ضرب جؤجؤ السفينة الجبل، فخاف عليها قال: يا ماريا أتقن، يعني ~~رب أصلح، وفي حديث آخر أنه قال: يا رهمان أتقن، وتأويلها يا رب ~~أحسن ... وفي عيون أخبار الرضا، قال: «إن نوحا ... لما ركب السفينة ~~أوحى الله إليه: يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفا ثم سلني النجاة ~~أنجيك من الغرق ومن آمن معك، فلما استوى نوح ومن معه في السفينة ~~ورفع القلص عصفت الريح عليهم، فلم يأمن نوح من الغرق، فأعجلته ~~الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة فقال بالسريانية: هلوليا ألفا ~~ألفا، يا ماريا أتقن، فاستوى القلص وجرت السفينة».» # 49 # وإن النداء «هلوليا» كان نداء معروفا ومستعملا في الأناشيد ~~الطقسية لآلهة الخصب القديمة، وكانت رمزا لعبادة «ديونسيوس» ~~النسخة الرومانية لتموز الرافدي زوج عشتار، ونسخة من حداد صاحب ~~الأمطار والرعود والبروق، و«هلوليا» من بالإيلوليين، والنداء مركب ~~من شقين: الأول هر «إيل» وهو اللفظ السامي الدال على الإله. أما ~~الثاني فهو احتمالا من السومرية # A-U # أي السائل المخصب الأصل ~~«ريلوليو # Eieleu ~~» حتى عرف ~~عباد «ديونيسيوس» نسبة لهذا النداء، وهو خاصة «حداد» صاحب الرعود ~~والبروق والصواعق والسيول. # 50 # ونعود - منعا للتشتت - إلى موضوعنا ورؤيتنا، وزعمنا ~~أن العبريين قد استلبوا تراثنا وحشوه بما يلزم، ثم أعادوا تصديره ~~إلينا مرة أخرى ملحقا بما يحقق الأغراض المرصودة. # فهذا «نوح» التوراتي يهبط من سفينته ومعه أولاده الثلاثة «سام، ~~وحام، يافث» ومن نسلهم تأتي شعوب الأرض، وحسب التصنيف التوراتي فإن ~~«سام» سيخلف ذرية من أهل البوادي الرعاة، الذين سينسلون بني عابر ~~المباركين، أما «حام» فسينجب ولدين ينسلان شعبين، الأول هو ~~«مصرايم» أبو المصريين، وأهل السودان ... كل ذوي البشرة السوداء حتى ~~الكوشيين أو الأحباش، والثاني هو ms146 «كنعان» أو الكنعانيين سكان ~~فلسطين (التكوين، 10)، ولعله من الواضح أن الرجل وهو يدون، قد اتخذ ~~لجده البعيد اسما من جذر السمو «سام»، وحط بأهل النيل وفلسطين في ~~طين الأرض وحمئها «حام»، فهو من جذر الحمو والحمأ، وربما ربط ~~الكاتب بين الحمو واسوداد الطين واسوداد البشرة. كما أن الحمأ هو ~~طين الأرض الحارة الخصبة. وتصل الإضافات التوراتية إلى هدفها حين ~~تقول: «وابتدأ نوح يكون فلاحا، وغرس كرمه وشرب من الخمر فسكر ~~وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه ~~خارجا، فأخذ سام ويافث الرداء، ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى ~~الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة ~~أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم بما فعله ابنه الصغير، فقال: ~~ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام، ~~وليكن كنعان عبدا لهم» (التكوين، 9: 20-26). # وهكذا: ومرة أخرى، تحيق اللعنة بكنعان الفلاح، مع قرار سماوي ~~ونبوءة مقدسة، تؤكد أن «كنعان» سيكون عبدا لذرية الراعي «سام» أبي ~~العبريين، دونما ذنب جناه سوى أن أباه وليس هو، أبصر عورة «نوح»، ~~بل إن «نوحا» نفسه لم يصب بداء الثمل من السكر، إلا عندما «ابتدأ ~~يكون فلاحا»! # والمغزى أوضح من الحاجة للشرح أو التعليق. فأرض كنعان هي المطمع ~~والمشتهى؛ لأن مصر والرافدين أكبر من الطموح، ومع ذلك لم يكن هناك ~~بأس من طرح الفكرة ابتدائيا، فمن يعلم؟ فيقول الرب لإبراهيم: ~~«لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» ~~(التكوين، 15: 18). # أما النجاح الحقيقي الذي حققته مثل هذه الإضافات المصدرة إلينا، ~~فهو أنها شقت طريقها بثقة داخل تراثنا الإسلامي، مع ملحقات ~~وزيادات، وأحيانا مجاملات وملاطفات لبني إسرائيل، بحسبانهم محل ~~احتكار النبوات السابقة، كما أن صحيح الإسلام يضع من شروط الإيمان، ~~شرط الإيمان بالنبوات التي سبقت الرسالة الإسلامية، وخاصة أن ~~الآيات القرآنية الكريمة قد أعادت التاريخ كله دورة كاملة، وأكدت ~~أن كل الأنبياء السابقين في بني إسرائيل إنما كانوا مسلمين، ومن ~~هنا، ومع قلة التفاصيل في العموميات القرآنية، ms147 لم يجد كتبة التراث ~~والأخبار حرجا أو بأسا من الرجوع إلى المنمنمات الدقيقة لتاريخ ~~هؤلاء الأنبياء والمسلمين، في كتاب اليهود المقدس، حتى أصبح منهلا ~~لا ينضب للمشتغلين بعلوم التراث، ولا غضاضة في الأمر مع إعلان ~~النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # أنه هو نفسه فرع من الشجرة المباركة، عبر ~~«إسماعيل بن إبراهيم». ومعلوم أن «إبراهيم» أهم أرومات العبريين ~~وأنشرهم ذكرا، هذا مع التصريح الواضح في الحديث النبوي عن ~~«البخاري» «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.» ~~وهو الحديث الذي استندت إليه طبقة كتاب السير والتأريخ المسلمين، ~~وعلى رأسهم «ابن كثير» الذي أورد الحديث في مقدمته لكتاب البداية ~~والنهاية، معلنا أنه سيجعل من روايات أهل الكتاب مصدرا لا غنى ~~عنه، ويعقب على الحديث الشريف بالقول: «فهو محمول على الإسرائيليات ~~المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز ~~روايتها للاعتبار». # 51 # وإجمالا لذلك، قام «النيسابوري الثعلبي» يصب جام غضبه على «حام» ~~المزارع، فيقول راويا عن قتادة منسوبا إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: فأصاب ~~«حام» امرأته في السفينة، فدعا نوح ربه، قال: فتغيرت نطفته فجاء بالسودان. # 52 # فالأسود هنا أدنى درجة من الأبيض، وسر سواده مضمر في ~~الحديث، وربما كان ذلك سر أن العبيد يغلبهم السواد، ثم يضيف عن ~~عطاء الحديث «ودعا نوح على حام أن لا يعدو شعر ولده آذانهم، وحيثما ~~كان ولده يكونوا عبيدا لولد سام.» # 53 # ثم يزيد مجاملا مؤكدا لأهل التوراة فضلهم، فيقول: ~~«ولما حضرته الوفاة (يقصد نوحا) أوصى إلى ابنه ثم سام، وجعله ولي عهده.» # 54 # أما زعيم طبقة كتاب السير «ابن كثير»، وهو - زيادة في النكاية ~~- من أبناء فلسطين، ومن مواليد بلدة «شركوين»، وعاش حياته في ~~«مجدل» وتوفي بها، فيجعل كنعان هو الابن الكافر من بني «نوح»، ~~والذي قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، # 55 # ويكرر الثعلبيات قائلا: «إن حاما واقع امرأته في ~~السفينة، فدعا عليه السلام نوح أن تشوه خلقة نطفته، فولد له ولد ~~أسود هو كنعان ... وقيل ms148 بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته، فلم ~~يسترها وسترها أخواه، فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وأن يكون ~~أولاده عبيدا لإخوته.» # 56 # أما «المسعودي» فأسعده أن يردد: «ودعا على ولده حام، لأمر كان ~~منه مع أبيه قد اشتهر، فقال: ملعون حام، عبد عبيد يكون لإخوته، ثم ~~قال: مبارك سام.» # 57 # أما «نعمة الله الجزائري» فينعم على سام بمزيد من ~~النياشين والتبريكات، فيقول في قصص الأنبياء: «عن أبي عبد الله أن ~~جبريل أتى فقال له: يا نوح إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك، ~~فانظر الاسم الأكبر وميراث العلم، فادفعها إلى ابنك سام ... فدفع ~~عليه السلام آثار النبوة إلى ابنه سام. فأما حام ويافث فلم يكن ~~عندهما علم ينتفعان به.» # 58 # وسبب ذلك مسلمات مصدقة، صدق بها «الصدوق القمي» في ~~كتابه «علل الشرائع» وهو يقول: «إن نوحا كان يوما في السفينة ~~نائما، فهبت ريح فكشفت عورته، فضحك حام ويافث، فزجرهما سام ~~ونهاهما عن الضحك، وكان كلما غطى سام شيئا تكشفه الريح، كشفه حام ~~ويافث، فانتبه نوح فرآهم يضحكون فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان، ~~فرفع نوح يديه إلى السماء يدعو، ويقول: اللهم غير ماء صلب حام حتى ~~لا يولد له إلا السودان ... جميع البيض سواهم من سام، وقال نوح عليه ~~السلام لحام ويافث: جعلت ذريتكما خولا أي خدما لذرية سام إلى يوم القيامة.» # 59 # والأمثلة على ذلك كثير، ولن نجد كتابا تراثيا واحدا يخلو من ~~ذكر القصة التوراتية الملغومة، مع إضافات وشروح اجتهادية لإنصاف ~~«سام» على «حام» أو لإنصاف الراعي على المزارع، أو أهل المراعي على ~~أهل الوديان الخصبة. ومن هنا نفهم لماذا أصبح كل الفراعين في نظر ~~أحفادهم المسلمين كفارا ملاعين، ولماذا يترحم الفلسطيني اليوم على ~~«طالوت» أو «شاءول» الإسرائيلي، ويلعن جده «جالوت» أو «جوليات» ~~الذي استشهد وهو يدافع عن أرضه، وما على الاثنين سوى مسح عرق ~~الحياء عن الجبين، من أفاعيل الأجداد الملاعين، مع بني عابر ~~الطيبين. وإذا كان «ابن كثير» قد صب نقمته على جده «كنعان»، فلا ms149 ~~غرابة إذا وجدنا العرف في القرية المصرية يستمد أصوله من كتب ~~التراث الإسلامية فيجعل من ينتحلون اسم «العرب»، ويعدون أنفسهم من ~~أصل رعوي (من جزيرة العرب) أصحاب حق مشروع في السيادة والسلب ~~والنهب دون استهجان. بينما يصبح الانتساب للفلاحين سبة وعارا ~~وضعفا ومذلة وهوانا؛ مما جعل أصحاب الأصول المصرية القح يتنافسون ~~في استكشاف أصول بدوية عربية لأروماتهم؛ مما يسجل النتيجة الواضحة ~~للجولة بين الراعي والمزارع، أو بين أبناء «حام»، على المستوى ~~الديني، ثم بالتبعية على المستوى الاجتماعي والنفسي، بل السياسي، ~~وهو أمر لا مندوحة من الاعتراف به، ولا عزاء للفلاحين. ~~(7) أسطورة «إيل» # في جبل إيل، جبل الله، سكناي، # في الأماكن الهانئة سكناي. # من ملحمة البعل الكنعانية # ولنعد إلى ما قبل الوعد الإلهي بما بين النيل ~~والفرات أرضا خالصة (تسليم مفتاح) لبني عابر، والقبيلة تحط رحالها ~~في أرض كنعان بهدوء الضيفان ولطف المستجير طالبا الإجارة والجوار. ~~وتسجل التوراة هذه اللحظات التاريخية العتيدة فتقول: # فأخذ إبرام ساراي امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل ~~مقتنياتهما التي اقتنيا، والنفوس التي امتلكا في حاران، ~~وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان، واجتاز إبراهيم في الأرض ~~إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حينئذ في ~~الأرض، وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى ~~هناك مذبحا للرب الذي ظهر له، ثم نقل من هناك إلى الجبل ~~شرقي بيت إيل، ونصب خيمته، وله بيت إيل من المغرب وعاي من ~~المشرق. ~~(التكوين، 12: 5-8) # القبيلة العبرية هنا مختصرة، مرموز لها بقيادتها من الأسرة ~~الإبراهيمية، تخرج من حاران تريد أرض كنعان، بإيجاز سريع يشير إلى ~~خط الهجرة الآرامية، وضمنها القبيلة العبرية والفخذ الإبراهيمي. ~~ثم، وبالسرعة نفسها، وفي إشارة خاطفة تقول التوراة: إن الكنعانيين ~~كانوا أهل هذه الأرض وأصحابها، لكن حلقها يغص بذلك فتلتوي في ~~تعبيرها، ولا تفصح بالتعبير المباشر، إنما تقول: «وكان الكنعانيون ~~حينئذ في الأرض!» # ودون مقدمات ولا ممهدات، يظهر الرب لإبرام ليهبه الأرض ~~الكنعانية، مسجلة ومشهرة وممهورة بالضمانات لولده من بعده، فهو ليس ~~مجرد انتفاع مؤقت إبان حياته تئول ms150 بعده لأصحابها، إنما لنسله، ~~ولنلاحظ أنه لم يقل حتى لأبنائه، بل لنسله! فالخطط معدة سلفا ~~ولأمد بعيد مقبل. # أما العجيب في الرواية هنا فهو التعبير «فبنى مذبحا للرب الذي ~~ظهر له»! وهذا إنما يعني وجود أرباب لم تظهر له، وظهر أحدها، أو أن ~~القبيلة كانت قبل نزول كنعان تعرف ربا محددا غير هذا «الذي ظهر ~~له»، ويظهر هذا الجديد فجأة في كنعان بالذات، وهو قول يتسق مع واقع ~~الأحوال آنذاك، فقد كان لكل شعب أرض، ورب للشعب والأرض، فهل كان ~~هذا «الذي ظهر له» ربا لإبراهيم منذ البدء، أم أنه رب كنعاني حيث ~~حطت القبيلة رحالها؟ الإجابة يمكن استنتاجها من باقي الرواية ~~التوراتية، وهي تقرر بوضوح أن «إيل إله إسرائيل (التكوين، 23: ~~20)»، وهنا يجدر بنا الوقوف قليلا لتسجيل بعض الملحوظات المهمة ~~التي يمكنها أن تجيب عن السؤال المطروح. ~~(1) # إن الإله طوال القصص التوراتي السابق على نزول أرض ~~كنعان، منذ بدء الخليقة إلى ظهور إبراهيم، لم يذكر ~~أبدا بالاسم «إيل»؛ مما يشير إلى أنه لم يكن معروفا ~~لهذه القبيلة في مواطنها الأصلية. ~~(2) # كان هذا الإله معروفا هناك حين وصول القبيلة أرض ~~كنعان، وله بيت مقدس يعبد فيه، وأصبحت المدينة المقام ~~فيها حرما كاملا له وسميت «بيت إيل»، ثم نقل من هناك ~~إلى الجبل، شرقي بيت إيل، ونصب خيمته، وله بيت إيل من ~~المغرب وعاي من المشرق. أي إنه سكن بين المدينة ~~المقدسة «بيت إيل» ومدينة «عاي». ~~(3) # إن هذا الإله الكنعاني قد أصبح إلها لإسرائيل، أو ~~أنهم اختاروه إلها، وأعلنوا أنه هو الذي اختارهم، ~~والغرض الذي يمكن فهمه أن لكل شعب أرضا يرتبط بها ~~بالمواطنة والوطنية، ولا توجد شعوب دون وطن، لكن توجد ~~«قبائل» بلا وطن، تمتهن الرعي وترتبط ببدائية البداوة، ~~وتنفر من عاطفة الوطنية والاستقرار؛ لذلك عندما قرر ~~هؤلاء أن يتحولوا من قبيلة إلى شعب، وحلا لهم اسم «شعب ~~الله المختار»، قاموا يمنحون أنفسهم أرضا، منحها لهم ~~رب الأرض نفسها، فهو الذي اختارهم وأتى بهم إلى بلاده ~~ليتأله عليهم، بعد أن ضاقت ms151 به السبل وانقطعت الوظائف، ~~فاختارهم شعبا خاصا له يمارس معهم الربوبية! وحتى ~~لا يكون هناك تناقض، فإن الرب نفسه، بحسبانه المالك ~~الشرعي، هو الذي منحهم أرضه الكنعانية؛ لذلك ما فتئت ~~التوراة تكرر هذا المنح من الرب الكنعاني صاحب أرض ~~كنعان بكافة الصيغ، التي أبرزها وأعطي لك ولنسلك من ~~بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان، ملكا أبديا وأكون لهم ~~إلها (التكوين، 17: 8). ~~(4) # وإضافة إلى كون «إيل» إلها كنعانيا قديما في ~~البلاد، له بيته ومدينته المقدسة، فقد كان له كهانته ~~المنظمة، قبل هبوط القبيلة العبرية عليه. فهذا كبير ~~الكهنة يستضيف «إبرام» وأهله بعد معركة ناجحة مع أعداء ~~للمنطقة الكنعانية، ثم يبارك «إبرام» باسم «إيل»، ~~فيسبغ عليه المواطنة لدفاعه عن البلاد، «وملكي صادق ~~ملك شاليم، وأخرج خبزا وخمرا، وكان كاهنا لله ~~العلي، وباركه وقال: مبارك إبرام من الله العلي ... الذي ~~أسلم أعداءك في يدك» (التكوين، 14: 18-20). وفي ~~المقابل تقرر أن ينال الكاهن من «إبرام» ورجاله الذين ~~أخذوا يصولون في المنطقة ويجولون، العشر من الغنائم ~~التي يغنمها «فأعطاه عشرا من كل شيء» (التكوين، 14: ~~20). وتمت الصفقة بمباركة من ملك في الجوار كان له ~~نصيبه أيضا، فحضر الاتفاقية. «وقال ملك سدوم لإبرام: ~~أعطني النفوس، وأما الأملاك فخذها لنفسك ...» (التكوين، ~~14: 21)، لكن «إبرام» يترك لهم كل شيء من الغنائم ~~الزائلة بإباء وشمم، ويقول للملك: «لا آخذن لا خيطا ~~ولا شراك نعل، ولا من كل ما هو لك، فلا تقول: أنا ~~أغنيت إبرام» (التكوين، 14: 23-24)، ويتوجه للرب «إل ~~عليون»، أو «إيل العالي» أو «الله العلي» بندائه: ~~«أيها السيد الرب: ماذا تعطيني؟» (التكوين، 15: 2). ~~فيجيبه: «أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ~~ليعطيك هذه الأرض لترثها» (التكوين، 1: 7)، ثم لا يلبث ~~«إل» أن يوسع على خليله، فيزيد: «لنسلك أعطي هذه الأرض ~~من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (التكوين، 5: ~~18). ~~(5) # إن «إيل»، إله المدينة الكنعانية المقدسة «بيت إيل»، ~~يستمر على عهده وتصميمه في اختيار بني عابر شعبا ~~بديلا لشعبه الكنعاني، فيظهر ليعقوب حفيد إبرام ليؤكد ~~له استمرار الحلف، ويعرفه بنفسه قائلا: «أنا إله ms152 بيت ~~إيل» (التكوين، 31: 13). # وحتى تثبت التوراة جدارة بني عابر بالأرض، ورب الأرض، تجعل الإله ~~الكنعاني يمر بتجربة مريرة، يستشعر بعدها مدى حاجته الشديدة ~~للعصابة العبرية، فتروي: ~~... فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه ~~لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه ~~... # وبرغم أن «حق فخذ يعقوب» قد انخلع في هذه الجولة الصراعية، فإنه ~~يستمر يضغط على خصمه مما يضطره إلى ترجيه «وقال: أطلقني، لأنه قد ~~طلع الفجر.» وهنا، وفي هذه اللحظة التاريخية، يكتشف يعقوب شخصية ~~خصمه الحقيقية، التي تخشى النور والنهار، ويعرف فيه «إل» إله ~~كنعان، فيرفض يعقوب إطلاقه إن لم يباركه، بما تحمل هذه البركات من ~~أعطيات: ~~«وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني، ~~فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد ~~يعقوب، بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت، وسأل يعقوب ~~وقال: أخبرني عن اسمك، فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك، ~~فدعا يعقوب اسم المكان فينيئيل، قائلا: لأني نظرت الله وجها لوجه ~~ونجيت نفسي» (التكوين، 33: 24-30). # ومن هنا تغير اسم «يعقوب» إلى «إسرائيل»؛ ليصبح أولاده من بعده ~~يحملون اسم «بني إسرائيل»، والكلمة «إسرائيل» هي في الأصل العبري ~~«صرع إيل»، وتعني «مصارع الرب»، أو «صارع الرب»، وهكذا أثبت ~~«يعقوب» لرب كنعان قدراته؛ ومن ثم استحقاق هذا الرب للحماية، ~~وفرض الإتاوة، وسلب الأرض، ونهب العرض، ولا بأس أن تتدخل الشروح ~~المتفذلكة لتؤكد أن الكلمة «إسرائيل» تعني أيضا: «جندي الرب»؛ أي ~~حامي الرب والمدافع عن حياضه وذماره! # أما المكتشفات الآثارية في تل شمرا (مدينة أوجاريت الكنعانية ~~القديمة)، فقد كشفت لنا في ملاحمها المتعددة عن عبادة الإله «إيل» ~~كسيد للآلهة، وخالق للبشر، وأنه كان معروفا على نطاق واسع في هذه ~~المنطقة، وتصفه ملحمة «البعل» بأنه خالق الكائنات، رفيع المقام، ~~مقامه عند نبع النهرين، قرب أفقا، أبو الزمن والسنين، لطفان «أي ~~كثير اللطف» ... إلخ. # 60 # لكن، كما سبق أن أشرنا، جدت ظروف أدت ms153 إلى مستجدات في جوهر ~~الاعتقاد اليهودي، فحل الجدب بأرض كنعان، مما اضطر القبيلة العبرية ~~أن تهبط مصر، مع واحد من بني إسرائيل هو «يوسف»، حيث عاشوا أو ~~عاثوا هناك زمنا، خرجوا بعده بقيادة سليل إسرائيل العتيد «موسى» ~~النبي، وتحت راية إله جديد، غلبت عليه العناصر الرعوية هو «يهوه» ~~أو «جاهوفاه»، وإن ظلت فيه علامات زراعية خصيبة لم يستطع التخلص ~~منها بحكم تأثير الوسط البيئي المصري في اليهود. وقد أصبح «يهوه» ~~هو إله اليهود القومي طوال تاريخهم بعد ذلك، ويبدو أنه جاء كرد فعل ~~للاضطهاد المصري. وقد وضحت بدويته في مجموعة سمات «لا مجال لسردها ~~هنا». وكان أبرزها ما أوردناه من شرائع الحرب، وقد أدى ظهور «يهوه» ~~إلى انتهاء «إل» تماما، وتحوله إلى رمز وعلم قديم أدمج في «يهوه» ~~نهائيا، إضافة إلى أن بني عابر لم يعودوا في هذا الطور بحاجة ~~لممالأة آلهة المنطقة، بعدما تيسر لهم جهاز الردع وتحولوا بكاملهم ~~إلى مؤسسة عسكرية متحركة إلى كنعان، فجاء «يهوه» متسقا مع طبيعة ~~المرحلة والعنصر، مع ملاحظة أن التوراة تقول: إن «موسى» قد التقى ~~بهذا الإله خارج مصر، وفي منطقة من البوادي أسمتها «مديان». ~~(8) أسطورة المسيح الملك # إنهم يقولون عنك يا أوزيريس: # لو أنك ترحل إلا أنك تستيقظ ثانية # ولو أنك تموت إلا أنك تبعث مرة ثانية # قف، انهض، # إن إيزيس تحبك! # متون الأهرام # وكل ما أسلفناه من نصوص توراتية، يضمه كتاب مقدس واحد من ~~الأناجيل المسيحية، يؤمن به المسيحيون كمقدس واحد على الدرجة نفسها ~~من القدسية، تأسيسا على قول المسيح: «لا تظنوا أني جئت لأنقض ~~الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل» (متى، 5: 17)، مقررا ~~بذلك أنه جاء مصدقا للتوراة وسيرة الأنبياء اليهود فيها، وأنه ~~إنما هو متمم فقط، وهو أمر كان له دوره الخطير في دخول ~~الإسرائيليات كعمد أساسية للإيمان المسيحي، حتى إن «المسيح» نفسه ~~لم يتعرض، لا بالشرح ولا التعليق، حول قصص الخلق، أو الطوفان، أو ~~غيرها من قصص التوراة، بحسبانها مقررات صادقة مسلما بها، وطلب من ~~المؤمنين الرجوع ms154 إليها في التوراة؛ لذلك ظلت الأناجيل جميعا قصة ~~حياة وموت وقيام المسيح، ومعنى الخطيئة والفداء وما ارتبط بهما من ~~عقائد وطقوس. وقد كانت بدورها تراثا من الثقافة القديمة للمنطقة، ~~ظل حيا وقائما إلى زمن المسيح، حتى وقع في يد اليهود فاقتنصوه، ~~وانهالوا عليه تهويدا، حتى صار تراثا لبيت داود «ولا نعلم لماذا ~~يبحث المسيحيون في التراث اليهودي، أو المهود عن النبوءات بقدوم ~~المسيح، ويربطون التوراة بالأناجيل لما فيها من هذه النبوءات، ~~بينما كان عليهم أن يبحثوا عن ذلك في المصادر الأصيلة في تراث ~~المنطقة، التي انتهت وصبت جميعا عند المسيح، أو لماذا التقليد ~~ولدينا الأصل، أو لماذا المهود ولدينا الوطني الأصيل، نكتشف فيه ما ~~نريد من نبوءات». # ويبدو أن واقع الأمر قد سبب إرباكا شديدا للمهتمين بالبحث ~~الجاد، بين المسيحيين الشرقيين؛ لارتباطهم من جانب بوطنهم، وما ~~يلزم عن هذا الارتباط من معان تستلزمها الوطنية، وارتباطهم من ~~جانب آخر بمقدس مفروض عليهم فرضا في العهد القديم، ويناقض تماما ~~هذه الوطنية ومصالح الوطن ومعنى المواطنة الحق. فهذا المرحوم ~~الصديق «أنيس فاخوري» ينشغل بالقضية زمنا إلى أن يهديني ما وصل ~~إليه منشورا في كتاب، حاول فيه نزع ما لحق بالعقل المسيحي من ~~تهويد، بعد أن وضع يده على نقطة التقينا عندها، وهي بنص كلامه ~~«عندما نتعجب نحن في الشرق الأوسط أو في العالم العربي كيف أن ~~الغرب المسيحي لا يأبه لحقنا، بل يدعم حق عدونا المغتصب، وعندما ~~نبحث عن أسباب ذلك الدعم وننسبه فقط إلى قوة اليهود المالية ~~والاقتصادية والإعلامية المسيطرة في العالم الغربي، نكون قد وضعنا ~~أيدينا على نصف الجواب، أما النصف الآخر الذي ما زلنا نجهله أو ~~نتجاهله، فهو كامن في أن الذهن المسيحي قد تهود منذ أكثر من ثمانين ~~سنة، وتبنى مطالب الصهيونية وكأنها أمل كل مسيحي.» # 61 # وهكذا عبر الرجل عن معايشته أرقا مهموما به إلى يوم وفاته، ما ~~بين إيمانه وبين وطنيته الصادقة، وما يتعرض له هذا الوطن، في ضوء ~~ما رسمته المقدسات في العقل بما يناقض تماما ms155 مصالح هذا ~~الوطن. # لكن الأستاذ «فاخوري» كان مؤمنا ويرفض التخلي عن هذا الإيمان؛ ~~لذلك حاول باستمرار أن يرجع هذا التهويد إلى العصر الراهن مع ظهور ~~الدعوة الصهيونية، برغم إشارات في كتابه تتحدث عن أسباب تبني الغرب ~~المسيحي لمطالب الصهاينة، وما أسماه دون تصريح ب «... الوشائج ~~الدينية الغامضة القائمة بين المسيحية واليهودية، والعلاقة غير ~~الواضحة تماما، ما بين العهد القديم والعهد الجديد في الكتاب ~~المقدس للكنيسة المسيحية، وهي الأمور التي جعل منها التضليل ~~اليهودي ركائز دينية وأدبية قوية، متأصلة في ذهن الغرب المسيحي؛ ~~لذلك نرى أن الكيان الإسرائيلي الديني السياسي كان قائما في ذهن ~~الغرب المسيحي، لمدة طويلة، سبقت إعلان الأمم المتحدة قرارها ~~بالتقسيم سنة 1947م، تمهيدا لقيام إسرائيل في السنة التالية.» # 62 # وما أشار إليه من أسباب ساعدت على هذا التهويد «... بواسطة اليهود ~~المتنصرين الذين اندسوا بين المسيحيين عبر السنين، وأخذوا يغذونهم ~~بالتفاسير والنظرات والتعاليم المضللة ... الذي سهل اختلاط الأمر على المسيحيين.» # 63 # لكن دون أن يشير بالطبع إلى أن كل تلاميذ «المسيح» بلا ~~استثناء إنما كانوا يهودا، وهم حواريه، وكتبه أناجيله، ورسله إلى ~~العالمين! واكتفى بالتنبيه إلى ما أسماه الوشائج الدينية الغامضة ~~«بغموض» بين الكتابين والديانتين، وهو الأمر الذي نراه غير غامض، ~~ولم يعد يحتمل مجاملات أو محاذير، بل هو الأمر الذي كتب للمبادئ ~~اليهودية النصر الحقيقي على نصف عقل العالم اليوم. # ودونما علاقة خاصة بقضيتنا وروافدها السياسية والتاريخية، ودونما ~~رابطة مواطنة أو وطنية، يكتشف بعض المسيحيين في الغرب تناقض ~~العهدين القديم والجديد، ويؤسسون مذهب الثيوزوفيرية والأزوتيرية ~~السرية الجديد، يحاولون فيه تخليص «المسيح» الروحاني والمسيحية ~~العالمية من المفاهيم الناموسية المؤسسة على عمد توراتية؛ مما يصل ~~بهم إلى رفض العهد القديم، بأنبيائه ومفاهيمه وشرائعه، ويلجئون إلى ~~تفسير الأناجيل وما لحقها من مفاهيم ناموسية يهودية تفسيرا جديدا ~~لا علاقة له بالقديم، يقوم على التأويل والترميز، إبقاء لإيمان ~~روحي بالمسيح، ورفضا لإيمان ناموسي بالشرع واللامعقول، وهو ما ~~نجده في مؤلفات واحد من المبشرين بهذا المذهب من العرب «ندرة ~~اليازجي»، الذي وضح أنه ms156 وجد خلاصه الروحي، وحسه الوطني معا في هذا ~~المذهب، فيصرح دون مواربة ولا وجل بالقول: «يخطئ المسيحيون إذ ~~يبقون على الصلة بين المسيحية واليهودية، فقد استغل اليهود نقطة ~~الضعف هذه منذ بداية عصر التبشير المسيحي، هذه البدعة التي تقوض ~~المسيحية وتعيد لليهودية كيانها، وإذا لم تعمل المسيحية على تخليص ~~نفسها من اليهودية، فإن كلام بولس وتحذيراته تظل صحيحة إلى الأبد.» # 64 # وهكذا فإن «اليازجي»، ممثلا للثيوزوفيرية، يطلب شطب التوراة من ~~تاريخ المسيحية ومقدساتها، وقد عمد إلى ذلك بطول كتابين بين أيدينا، # 65 # عامدا إبان ذلك إلى إبراز الفروق الجوهرية بين إله ~~موسى التوراتي المرعب الدراكولي، وبين إله المحبة والسلام مسيح ~~الأناجيل، لكن «يازجي» يؤكد، بذلك، على جانب واحد من صورة مسيح ~~الأناجيل، وهو الجانب المتأثر بثقافة المنطقة، وتتضح صبغته ~~الزراعية واضحة في المسيح الروحاني السماوي، وصاحب الملكوت ~~الأخروي، مهملا في الصورة نفسها المسيح الممسوح بالصبغة البدوية ~~والفكر اليهودي، والتي صبغته بصورة «ابن داود» صاحب الملكوت الأرضي ~~لإسرائيل، وما كان ممكنا له كمؤمن المطالبة برفض آخر لجزء من ~~الأناجيل؛ نظرا للتعشق التام بين الصيغتين في المقدس المسيحي ~~الإنجيلي؛ مما اضطره إلى اللجوء إلى التفسيرات الرمزية والتأويلية ~~للجانب المطبوع بوجهة النظر الإسرائيلية من المسيح كملك لليهود من ~~نسل «داود»، فجاء مبتسرا ومتكلفا وغير مقنع، لا للمؤمن المسيحي ~~ولا للباحث المحايد الموضوعي، ولا لغير المؤمنين بالمسيحية، بينما ~~الأمر الواضح لدينا هو ما أوضحناه، أن المسيح الإنجيلي قد جمع ~~ثقافتين متنافرتين تماما وجذريا، تم دمجها في عصر الدمج ~~الإمبراطوري إبان السيطرة الرومانية وفي العصر الهيليني بالتحديد، ~~ثقافة الراعي وثقافة المزارع، أو الراسب اليهودي والتراث الوطني ~~للمنطقة، وذلك التراث الذي تمثل إبان ظهور المسيح وقبله، في مجموعة ~~ديانات الفداء الزراعية، التي تدين جميعا في كثير من تفاصيلها ~~لأهم العقائد المصرية القديمة، هي عقيدة الثالوث الأوزيري « ~~أوزيريس الأب # Osiris ~~، إيزيس الأم # ISIS ~~، حوريس الابن # Horus ~~»، التي سبق أن أفردنا ~~لها كتابا خاصا صدر عن دار فكر مؤخرا بعنوان: «أوزيريس وعقيدة ~~الخلود في مصر القديمة». وهي عقيدة ms157 تحتاج منا وقفة متعجلة، بما ~~يتفق والمساحة المتاحة في هذه الدراسة القصيرة، وإضافة إلى هذا ~~العرض السريع يمكن الاستعانة بالكتاب المشار إليه، مع أربعة بحوث ~~سبق وفصلنا فيها القول عن ديانات الخصب الفدائية، ورصدنا بياناتها ~~في الهامش. # 66 # وبالعودة إلى العصر الهيليني الروماني، نجد أنه قد انتشر على ~~صفحة الخصب، شرقي المتوسط مجموعة من العقائد المتشابهة، تأسست على ~~نتاج الخبرات القديمة للمزارع مع الطبيعة، وكونت مجموعة من ~~المفاهيم عن آلهة للخير وأخرى للشر، وعبدت عادة ثالوثا إلهيا ~~مثل فيه دور الأب، الإله المختص بالخصب ريا ومياها طامية، ~~وتصوره إذ كان نهرا في البلاد التي تعتمد في ريها على الأنهار، أو ~~في السماء الممطرة في البلاد التي تعتمد على الأمطار، كإله ذكر ~~يخصب الأرض دوما بلقاحه المائي؛ لذلك تصوروا الأرض إلهة أنثى، ~~تعطي مولودها زرعا، وهو بدوره «الزرع» إله يقوم بتمثيله الإله ~~الابن في الثالوث المقدس للعائلة الإلهية، وغالبا ما اندمج الأب ~~في الابن بحيث أصبحا أقنوما واحدا، يمثله إله واحد، هو إله ~~الماء، وفي الوقت نفسه إله النبات. # وكما يموت الزرع، يجف ثم يعود إلى الحياة، فقد تصوروا إله الخصب ~~تجري أموره على الوتيرة نفسها، فهو قد مات ثم قام في صيرورة خالدة ~~أبدا، فموته مؤقت، وخلوده هو الحقيقة المطلقة، وهي تصورات تتسق ~~وتفكير الإنسان آنذاك، وتعبر بصورة شعرية دينية عن علاقة الإنسان ~~بالزرع الذي تتوقف عليه حياته واستقراره المجتمعي؛ لذلك كان لا بد ~~من العمل الجاد في الأرض لمساعدة هذا الإله المحب العطوف على ~~العودة إلى الحياة مرة أخرى، فأضفت على العمل في الأرض صبغة ~~القداسة، وربطت المواطنة والعمل بالإيمان، بحيث يعد أي إهمال في حق ~~الأرض ورب الزرع كفرا مبينا (ولم يزل العرف في مصر يعد تفريط ~~المزارع في الأرض الزراعية بالذات، دون غيرها، سبة وعارا لا ~~تمحوهما أية محاولات تكفير بديلة). وهكذا كانت العقيدة القديمة ~~ضامنة للمجتمع سلامته واستمراره مترابطا، كناتج لارتباطه المستقر ~~بالأرض، ما دامت تعطي، وهي لا تعطي إلا بالعمل، وبالإيمان بها ~~وبهذا العمل. # وقد ms158 دخلت عقائد الفداء مختلف المواطن الخصيبة، بتطورات وتغيرات ~~حذفت منها وأضافت، كناتج طبيعي للجدل الاجتماعي وما يفرزه من ~~تغيرات على مستوى النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصراع ~~طبقي حاضر دوما في هذا الجدل، حتى بلغت كمال نضجها في انضوائها ~~تحت راية الإله المصري «أوزير» رب الثالوث المصري، ورمز النيل ~~والغلة في آن واحد، بل اندمجت فيه تماما، وذلك في العصر الهيليني ~~الروماني، الذي اصطلح المؤرخون على تسميته بما أسماه لسان حال ~~الجماهير آنذاك: عصر الآلام، كناتج لسيطرة السلطان العسكري ~~الروماني، وواضح لدينا أن هذا الانضواء قد بدأ تفاعلا ثوريا ~~اندمجت فيه مختلف ديانات الفداء في منظومة واحدة، تحت راية «أوزير» ~~المصري، كقيادة لشكل أيديولوجي موحد في مواجهة القمع الروماني، بعد ~~أن أتيحت لهذا الإله مجموعة من العوامل جعلت منه قيادة روحية ~~وأيديولوجيا ثورية، كما أدت إلى انتشار عالمي لعقيدته مع زوجته ~~«إيزي» وابنه حور، حتى فرض وجوده على إيمان الرومان أنفسهم فعبدوه ~~مع أسرته باسم «سيرابيس # Sirapis ~~» ~~وبينما كانت جامعة الإسكندرية مركز الإشعاع الفكري والعقدي آنها، ~~تواصل تصديره مع كل طالب علم، مصحوبا بكثير من الإضافات التفسيرية ~~والفلسفية. # وقد انتهينا في كتابنا المذكور إلى أن عبادة «أوزير» في مصر ~~القديمة قد ترافقت مع ثورة عظمى ضد النبلاء والملكية والدين الرسمي ~~القائم، وذلك قرب نهاية الدولة القديمة، وكانت هذه الديانة بمثابة ~~الأيديولوجيا التي حددت للثورة طريقها وأهدافها، بعد أن جمعنا لذلك ~~عددا من القرائن والبراهين، انتهت إلى حسبانه الإله الذي رمز ~~لانتصار العدل على الظلم، وأن موته في أسطورته، على يد الظالمين، ~~وما عاناه من آلام أثناء ذلك تعبيرا - ومشاركة - عن آلام ~~الجماهير، ثم موته، ثم قيامته من الموت، إعلام عن عودة الوعي، أو ~~عودة الجماهير إلى الصحو. كما كان ابنه الإلهي «حور» وهو يقود ~~الجيوش ضد الملك الشرير الظالم «ست»، لهيبا يؤجج صدور الجماهير ~~ويشعلها حماسة، ومن هنا كان الإيمان بأوزير يعني ضرورة القيامة ~~والثورة والتجدد الدائم، كالزرع المتجدد دوما، الذي يكافح تحت ~~التربة بعد الموت الظاهري، للعودة إلى الحياة مرة ms159 أخرى، فأوزير قد ~~تعذب ومات شهيدا من أجل المتألمين، ومشاركة لهم في الآلام، وقد ~~ساعد على انتشار هذه العقيدة في بقاع الإمبراطورية الرومانية دور ~~الإلهة «إيزي»، التي مثلت الوفاء بأجلى معانيه لزوجها الثائر، ~~ورفضت أي استسلام للقدر الذي قرره رب الدولة «رع» على زوجها ~~بالموت. وقامت تجمع أشلاءه بعد مقتله، من أجل القيامة المجيدة. ~~ومثلت دور الأنثى الثائرة، التي تقوم بدورها من أجل إقامة العدل، ~~ودور الزوجة المخلصة الوفية، لكنها الحرة، التي يحرر حبها من يؤمن ~~بها ويحبها. ومن هنا وجدت لها من الإناث عابدات مخلصات في كل صقع، ~~في ضوء مقررات الاستعباد الروماني للمرأة التي أصبحت في عصر الآلام ~~مجرد متاع رخيص مبتذل، مع وعد بعالم آخر بلا ألم ولا ظلم قرب عرش ~~«أوزير»؛ لأن «أوزير» لم يستشهد إلا عن قصد منه ورغبة؛ لكي يثبت أن ~~من يموت يقوم، ومن يعاني الآلام لا بد أن يعوض عنها عالما سعيدا ~~خالدا؛ ومن هنا قرر أن يكسر حاجز الخوف عن الجماهير، فهبط من مجده ~~السماوي، ومات، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء بعد أن ~~التقى بروحه بحبيبته «إيزي» وهي بعد عذراء، بلا ملامسة جسدية، ~~فأنجبت منه «حور»، وعليه كان الإيمان بأوزير هو بمثابة بنوة له؛ ~~لأنه التقاء أرواح، ويصبح المؤمنون به أبناء له، يدخل الإيمان إلى ~~قلوبهم مصحوبا بصفته الإلهية، فيخلدون مثله في عالمه الآخر؛ لذلك ~~كان الإيمان بأوزير وبموته وقيامه، سبيلا إلى قيامة أخرى للمؤمنين ~~في عالمه السعيد، ومن يمت شهيدا فسوف يقوم، ولا عجب إذا وجدنا هذا ~~الإله يفعل فعله الأيديولوجي في عقر الدولة الرومانية، فتتخذ ثورة ~~العمال في عصر الآلام من الديانة المصرية أيديولوجيا دافعة للثورة. # 67 # وبرغم كل محاولات الحكام المتتالية لتفريغ هذه ~~الأيديولوجيا من مضمونها الثوري، سواء في مصر أم خارجها، ومع ~~الإجهاض المتتابع من الأجهزة الحاكمة، للثورات التي كان دافعها ~~ومحركها الأيديولوجيا الأوزيرية، وعلى مر السنين، بدأت تتكون لدى ~~الجماهير قناعات أن النجاح الأعظم للثورة الكبرى على الظلم إنما ~~يتحقق بعودته مرة أخرى من ms160 السماء ليخلص الناس من الآلام، بخاصة في ~~عصر الآلام، ومن هنا بدأ الانتظار للمخلص أوزير، وبدأت الشائعات ~~المعبرة عن رغبة الجماهير تتحول إلى لون قدسي يؤكد أن «أوزير» قبل ~~صعوده إلى السماء أكد أنه سوف يعود مرة أخرى ليقيم دولة للعدل ~~ومملكة المساواة والإخاء. # وكان تفريغ هذه الأيديولوجيا من محتواها الثوري مهمة أولى ~~وأساسية جابهت الإمبراطورية في البداية، بحيث لا يبقى منها سوى ~~جانبها السلبي المتمثل في انتظار عودة المخلص بهدوء، أو الخلاص ~~الروحي بانتظار الموت ليذهب المؤمن إلى عالم العدل السماوي؛ ليعيش ~~هناك إلى جوار «أوزيريس»، أو سيرابيس (التسمية الرومانية للإله ~~المصري)، وجاء التحقيق ببساطة في اعتناق الطبقات الراقية، ~~والمترفة، والمثقفة، ورجال الجيش، لهذه العقيدة، بعد أن كانوا ~~يشكلون تيارا تابعا للمدرسة الفلسفية الرواقية، تلك الفلسفة التي ~~اتضح فيها التدخل المباشر، عندما تحولت من فلسفة مادية إلى فلسفة ~~روحية؛ لتقوم بدورها التخلفي الرجعي فتمتزج بالعقيدة الأوزيرية، ~~وتشكلان فلسفة إشراقية صوفية، تفي بالغرض الأمثل للمؤسسة العسكرية ~~الحاكمة، كي يعطي ما لقيصر لقصير، وما لله لله، ومن هنا دخلت على ~~الأوزيرية مصطلحات فلسفية لا تعني الجماهير في قليل أو كثير، أو ~~ربما لم تكن مفهومة لهم أصلا، بينما انتشر بينهم منها (مع دور ~~الكهان وما يمثلونه من قيمة للإنسان العادي) فقط الجانب الإشراقي ~~المتمثل في انتظار الموت خلاصا. أما الطبقة المثقفة فقد انتشرت ~~بينها هذه العقيدة والفلسفة انتشارا هائلا، بعد أن تم إفراغها من ~~الطبقة صاحبة المصلحة في الجانب التثويري؛ لتصبح العقيدة الجديدة ~~ترفا روحيا لأناس أوجعهم الشبع، يبحثون عن كل الغرابة ويذهبون ~~وراء الإغراب، في بلاد الشرق والاستشراق. # وبعد أن انتهت المدرسة الرواقية المسيسة من إنجاز المهمة ~~الموكلة إليها، تحولت فلسفة الكلمة # Logos # التي كانت تعني من قبل ~~قانون الوجود، إلى أن تصبح هي سر الوجود، أي أصبحت فلسفة حلولية ~~تنادي بالوحدة العالمية (تحت راية الإمبراطورية بالطبع)، وبالإخاء ~~الإنساني، فقادت الحركة الروحية بزعامة «بوسيديونيوس»، # 68 # وبعد أن تحولت جامعة الإسكندرية إلى مرتع فلسفي ~~للرواقيين، دمجت الكلمة # Logos # بالابن الإلهي «حور»، ms161 استنادا إلى تماثيله التي تصوره واضعا ~~سبابته على فمه، علامة على أنه الكلمة. # 69 # ولما كان «حور» ممثلا لأبيه على الأرض، فقد أصبح ~~الأباطرة الرومان كذلك هم المخلصون الحقيقيون لرعاياهم، مثل ~~«نيرون»، الذي ارتفع بعد موته جسدا حيا إلى السماء بقسم مغلظ من ~~«نوميرواتيكس»، ومن يشك في «نوميرو»؟ # 70 # ومثل «أوغسطس» الذي قررت لائحة مجلس الشيوخ بشأنه أنه ~~كان صورة تجسيدية للإله على الأرض، وقام الفيلسوف «سنكا» يعطيه لقب المخلص، # 71 # حتى أصبحت ديانة «أوزير» بعد فلسفتها رواقيا ديانة ~~البطالمة الرسمية، # 72 # ومعروف أن الإمبراطور «هادريان» كان أهم المتحمسين ~~لجعلها ديانة رسمية للإمبراطورية، # 73 # ومن ثم قرر الآثاري «أدولف إرمان» أن هذه العبادة ~~انتشرت في كل الأرجاء؛ لأنها كانت «... تقدم لأتباعها عزاء أخيرا ~~في كافة المصائب، وكانت تمنحهم الإيمان بحياة أخرى أفضل، يقضونها ~~في مملكة أوزيريس.» # 74 # حتى إن الكلمة الرواقية تحولت إلى ضلع مقدس في ~~الثالوث، وأصبحت معبودا انتشر في حوض المتوسط يعزي المسحوقين ~~ويرفه عن المترفين، بعد أن صارت فيما يقول «أرنولد توينبي» «... ~~العقل الخلاق السرمدي، الذي عرف فيه المفكرون الهيلينيون الحقيقة ~~المطلقة الكامنة وراء مظاهر الكون.» # 75 # ولم تكن الكلمة سوى الأب ممثلا في الابن، والابن كان ~~«حور»، وأصبح هو الإمبراطور. # ونتيجة لكل هذا التسارع استطاع الآثاري «إرمان» أن يؤكد أنه لم ~~يعد «... في الإمبراطورية الرومانية الواسعة الأرجاء، مقاطعة واحدة ~~لا تعبد فيها الآلهة المصرية، حتى استطاع ترتوليان أن يقول: إن ~~الأرض بأسرها تعقد الإيمان اليوم باسم سيرابيس.» # 76 # أما ما أكده المرحوم «عباس العقاد»، فهو أن أكثر هذه ~~المقاطعات تأثرا بهذا المذهب هي بلاد الجليل، حيث ولد السيد المسيح؛ # 77 # مما حدا باليهود الناموسيين أو المتمسكين بحرفية ~~التوراة، إلى طرح مثل سار على ألسنتهم يقول: «إنه لا خير يأتي من الجليل». # 78 # المهم أن العقيدة الأوزيرية قد استقطبت كل الأساطير الأخرى مثل ~~تلك التي كانت تنسب إلى «... السحرة الذين يجففون البحيرات بكلمة ~~ينطقون بها، أو يجعلون الأطراف المقطوعة تقفز إلى أماكنها، أو ~~يحيون الموتى.» # 79 # ومن ms162 هنا استولى «أوزير» على كل «قصص الشفاء»، # 80 # وابتلع «أوزير» الإله الإيراني «ميثهرا»، وأصبح بدلا ~~منه صاحب «العشاء الرباني المصنوع على هيئة الصليب» # 81 # وأصبح بدلا من الإله «ديونزيوس» «صاحب القلب المقدس ~~وابن الإله الأوحد، الذي قتله البشر فحملوا إثم خطيئة عالمية، لا ~~يغفرها إلا الخلاص، بالإيمان به، وبالتعميد، وبتعاطي جرعات من ~~النبيذ تمثل روح ابن العذراء»، فتسري فيه الروح الخالدة. وأصبح هو ~~المخلص المنتظر # 82 # عند الجماهير المطحونة، بعد أن ابتلع عقيدة ~~«البوذيستافي»، وأصبح هو بدلا منه «... الله الابن ... منقذا ضحى ~~بنفسه، وراعيا أمينا للقطيع البشري الضال». # 83 # وتحت الاحتلال الروماني، قام اليهود بعدة ثورات فاشلة، فقسمهم ~~الفشل فرقا، لعل أشهرها: الصدوقية والفريسية. وبرغم الفشل أمام ~~جيوش الرومان التي بلغت حد الاكتمال، فقد ظل الصدوقيون مخلصين ~~لتوراة «موسى» وقصص الأنبياء السوالف، بل ازدادوا سلفية وتمسكا ~~بحرفية التقليد، إضافة لكونهم كهنة الهيكل وسدنته، مما حدا بهم إلى ~~رفض منطق العصر وتغيرات الزمن، فظلوا يحلمون بمملكة «داود» ~~الغابرة، ثم تصوروا أن هذه المملكة لا بد أن تقوم مرة أخرى على يد ~~واحد من نسل «داود» ضمانا لنقاء الدم الملكي، وهذا الشخص الملك ~~موجود، لكنه مفقود ضائع بين بيوت إسرائيل، وفي حال إعلانه عن نفسه ~~سيقود شعبه بقوة السلاح؛ ليجتاح قلاع الرومان ويطبق شريعة «موسى». ~~ومن هنا قاموا يفسرون بعض الآيات القديمة بمنهج التأويل، على أنها ~~نبوءات بظهور هذا الملك العظيم عندما تشتد المحنة بالشعب، وسيأتي ~~جبارا مثل «شاءول»، مقاتلا مثل «داود»، حكيما مثل «سليمان». ~~وفعلا بدأ العصر يرهص بالنبوءة الصدوقية، ينتظر يهوديا يعلن أنه ~~حفيد «داود»، وعندئذ سوف يمسحه الصدوقيون بالزيت المقدس مسيحا، ~~حسب الشرعة التوراتية لصحة التتويج الملكي. # هذا، بينما كانت مقاطعة الجليل في واد آخر، يموج بفلسفة ~~الإسكندرية وفلسفتها الرواقية وعقيدتها الأوزيرية، بحيث رفض أهلها ~~منطق الصدوقيين، بعد أن انكسرت الثورات على رماح الرومان واحدة إثر ~~أخرى، وأصبحت القناعة أنه لا يقدر على الرومان إلا الرب، ولم يعد ~~مجديا إلا أن يهبط الرب بنفسه كما هبط لموسى من قبل، ms163 ولكن في صورة ~~روحانية بروح قدس، تحل في بذرة بشرية في أحشاء عذراء تنجبه أو تنجب ~~منه ابنا هو المخلص الموعود، وسيكون هو الكلمة والقانون، فكلمة ~~الله نافذة، فلا يحارب ولا يقود جيوشا، إنما يتكلم بالسلام، ويقيم ~~دولة المحبة التي أرادها فلاسفة الرواقية. # وحدث أن ظهر، في الجليل، وفي قرية من أعمالها هي «الناصرة»، من ~~أعلن أنه قد توافرت فيه المواصفات المطلوبة في «المسيح» المنتظر، ~~وهو ما سجلته الأناجيل كما سنرى: # يستهل الإنجيلي «يوحنا» - وهو واحد من تلامذة المدرسة الرواقية - ~~إنجيله بقوله: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان ~~الكلمة الله» (1: 1). «وأن الله صار جسدا وحل بيننا» (1: 14). أما ~~كيف حدث ذلك، فهو ما يشرحه الإنجيلي «لوقا» في إنجيله بالقول: ~~«أرسل جبريل الملاك من عند الله إلى مدينة في الجليل، اسمها ناصرة، ~~إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم، ~~فدخل عليها الملاك وقال: ... ها أنت تحبلين وتلدين ابنا، هذا يكون ~~عظيما، وابن الله يدعى ... القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (1: ~~26-35). ومن هنا لم يراود «بولس الرسول» أي شك وهو ينادي ورجع ~~الصدى منه يردد في أرجاء المتوسط: «إنه إلهي يسوع المسيح.» الرسالة ~~إلى رومية (1: 18)، «إنه ربنا يسوع المسيح.» الرسالة إلى فيلبي (4: ~~23). أما «بطرس الرسول» فقد أخذ على عاتقه نفي أية علاقة للمسيح ~~«ابن الله» بأي أبناء آلهة آخرين في تراث المنطقة، فقام يؤكد ~~القول: «إننا لم نتبع خرافات مصطنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع ~~المسيح ومجيئه؛ لأنه أخذ من الله كرامة ومجدا، إذ أقبل عليه صوت ~~كهذا من المجد الأسمى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به، ونحن ~~سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء، إذ كنا معه في الجبل المقدس.» ~~رسالة بطرس الثانية (1: 16-18). وإعمالا لذلك أكد «يوحنا» أن «... ~~المسيح ابن الله الحي» (6: 69) ... أما سبب مجيئه عند «بولس» أن ~~«الله بين محبته لنا ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا، وقد صولحنا ~~مع الله بموت ابنه. الرسالة إلى رومية» (5: 8). وأنه قد «مات من ms164 ~~أجل خطايانا ... وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث.» الرسالة الأولى ~~لكورنثوس (15: 3-4). وأن من يؤمن بذلك فإن يوحنا يؤكد له أنه سيصبح ~~ابنا للمسيح خالدا مثله، «... كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن ~~يصيروا أولاد الإله. أي المؤمنون باسمه» (1: 12)، وأكد المعنى نفسه ~~«بولس» بقوله: «الله نفسه أبونا وربنا» الرسالة إلى تسالونيكي (3: 11)، وسبب هذه الأبوة عند «بطرس» هو الحصول على الطبيعة الإلهية ~~الخالدة، أو كما قال: «... لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية.» ~~الرسالة الثانية «1: 3-4»، وهو ما أوضحه بالقول: «والذي يؤمن ~~بالابن له حياة أبدية» (الرسالة الثانية، 3: 35). # مع هذا الاعتقاد الجازم في ألوهية «المسيح»، أو بنوته للإله، ~~وأنه ولد من عذراء، وأنه هبط فداء للبشر وتخليدا للمؤمنين في عالم ~~آخر عوضا عن عالم الآلام الدنيوي، فقد تلازم مع هذا الاعتقاد ~~اعتقاد آخر عجيب، فهذا «لوقا» بعد تأكيده عن المسيح «هذا يكون ~~عظيما وابن الله يدعى»، يردف القول مباشرة ويعطيه الرب كرسي داود ~~أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد (1: 32-33) ثم لا يني يردد ~~أنه: «هو مسيح ملك» (23: 22)، وينادي: «تبارك الملك الآتي باسم ~~الرب» (19: 38). # أما الإنجيلي «متى»، فيرصد «المسيح»، آخر النسل في شجرة نسب بيت ~~الملك «داود»، وأنه الملك المنتظر للجلوس على عرش إسرائيل، فإن ~~«مرقس» يقول: «مبارك الآتي باسم الرب، مباركة هي مملكة أبينا داود» ~~(مرقس، 11: 9-10)، ثم هذا «يوحنا» يحكي أن: «فيليبس وجد نثنائيل ~~وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء: يسوع بن ~~يوسف الذي من الناصرة» (5: 45-46). لذلك اضطر «بولس» لمحاولة شرح ~~توفيقي يقول عن المسيح: «هو فعلا الذي سبق فوعد به في الكتب ~~المقدسة عن ابنه، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعين ابن ~~الله بقوة من جهة روح القداسة، القيامة من الأموات» (الرسالة إلى ~~رومية). ~~(9) مقولة ختامية # ليست هناك ثقافة، أيا كانت، يمكن فرضها على شعب من خارجه، إن ~~لم تجد لها أرضا خصبة تناسبها، فما بالنا ومنابت هذه الثقافة تضرب ~~بجذورها في أعماق تاريخنا القديم، وأن كل ما حدث هو ms165 أن العبريين قد ~~تمكنوا من استخدام هذه الثقافة كأداة للوعي بتاريخ المنطقة، وهم ~~الغرباء، من أجل السيطرة عليها، بدءا بالسيطرة الروحية، وتوجيهها ~~وفق المخططات المطلوبة، بينما نحن اليوم نرفع شعارات الثقافة ~~القومية، والمهول في الأمر أننا لا نعني بهذه الثقافة - في الأغلب ~~الساحق - سوى جزء من تراثنا، هو بالتحديد الجزء الذي تم تهويده ~~وأعيد تصديره إلينا؛ مما أدى بنا إلى وعي مزيف بحقيقة تراثنا، ~~بينما الوعي الصادق بأصالتنا يعني، في رأيي، الوعي بتاريخنا كله ~~وعيا ناقدا، وألا يقتصر على فترة محددة من هذا التاريخ، وأن غياب ~~الوعي الصادق بالتراث الصادق وبالتاريخ الصادق، لغياب العقلية ~~النقدية، هو الخطر الحقيقي الذي تتعرض له هذه الأمة، وهو ما أتصور ~~«د. جواد علي» كان يعنيه بالتعبير: «شر أنواع الاستعمار». # لوحة رقم 21: ختم أسطواني سومري، ينتمي إلى حوالي ~~منتصف الألف الثالثة ق.م. كائن حاليا بالمتحف ~~البريطاني بلندن، يمثل أفعى تنتصب خلف امرأة تمد يدها ~~في شكل دعوة للرجل الجالس أمامها لتناول ثمرة من شجرة ~~أو نخلة بينهما. ولعله من الواضح تماما أن هذا النقش ~~الذي سبق تدوين الكتاب المقدس بقرون طويلة يمثل قصة ~~إيعاز الحية للذكر والأنثى الأوائل بأكل الثمرة ~~المحرمة. # لوحة رقم 22: الإلهة: المرأة الحية، فن ~~هندي. # لوحة رقم 23: فن معاصر (الفنان فرانس براملي وارن) ~~المرأة والحية. # لوحة رقم 24: إيزيس الأم الإلهية ترضع ولدها ~~الإلهي حورس، فن مصري قديم. # لوحة رقم 25: الربة إيزيس وابنها الإلهي، فن مصري ~~قديم. # لوحة رقم 26: العذراء ووليدها، فن مسيحي. لاحظ تاج ~~الملوكية الأرضي، ومعه هالة الألوهية ~~المستديرة. # لوحة رقم 27: العذراء والطفل بالهالة السماوية ~~المستديرة خلف الرأس. # فن مسيحي. # لوحة رقم 28: رمز الصليب في حضارات ثلاث قديمة من ~~اليمين إلى اليسار: مصري، رافدي، إيراني. # | الملوك الأربعة # روى مجاهد عن ابن عباس قال: ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران: # فأما المؤمنان: فسليمان وذو القرنين. # وأما الكافران: فالنمروذ بن كنعان وبخت نصر. ~~(1) المؤمن الأول سليمان # عن «أبي هريرة»، وعن «أبي الدرداء»، وعن «محمد بن سلمة»، عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قال: ms166 «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ~~ليقطع صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية ~~من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان، ~~والله لولا دعوة أخي سليمان، لأصبح موثقا يلعب به ولدان المدينة» ~~(رواه البخاري ومسلم والنسائي). # وأن هذه الدعوة أو الدعاء السليماني، الذي دفع النبي (محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~) لترك هذا العفريت المنفلت، وحرمان ولدان المدينة - أبناء ~~أنصار رسول الله - من اللعب بهذه اللعبة الفريدة من نوعها، فهو ما ~~تتضمنه الآيات الكريمة: # ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم ~~أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب ~~(ص: 34-35). فكان دعاء «سليمان» إذن لربه ~~هو: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، وهو الملك الذي تطالعنا ~~به كتب التراث الإسلامية متسلطا على الكائنات جميعا بما فيها ~~العفاريت والجن، ومن ثم أطلق النبي # صلى الله عليه وسلم # عفريته الأسير، حتى لا ~~يتجاوز سليمان، وربما كان هذا الدعاء في تلك الآية الكريمة، وراء ~~المأثور الإسلامي: إن سليمان واحد من بين أربعة ملكوا الأرض كلها ~~ما بين المشرق والمغرب. # أما عن الفتنة التي تشير إليها الآيات الكريمة، والجسد الملقى ~~على عرش سليمان (عليه السلام)، ثم توبته ومكافأته بملك لا ينبغي ~~لأحد من بعده، فيعقب عليها «ابن كثير» في موسوعته «البداية ~~والنهاية» بقوله: «ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ~~ها هنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف، أكثرها أو كلها متلقاة من ~~الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارات شديدة، وقد نبهنا على ذلك في ~~كتابنا التفسير، واقتصرنا هنا على مجرد تلاوة الآيات.» # 1 # وهكذا توقف «ابن كثير» عن التفسير، واقتصر على مجرد التلاوة، لما ~~وجده في التفسيرات من نكارات متلقاة من الإسرائيليات، وربما كانت ~~هذه النكارة تعود بأصلها إلى ما جاء في كتاب العبريين المقدس - ~~أصحاب القصة والمملكة ورعية «سليمان» - حول اختلاف «سليمان» مع ~~أخيه الأكبر «أدونيا» حول العرش، وما قام بينهما من ms167 صراع استند فيه ~~«أدونيا» إلى مبدأين شرعيين: الأول هو كونه الابن البكر صاحب الحق ~~في الملك والميراث حسب الشريعة العبرية، والثاني أنه كان يحوز ~~تأييدا شعبيا وجماهيريا هائلا، وتمكن «سليمان» بمعاونة أمه ~~من اغتصاب الحكم من صاحبه الشرعي، ثم جاء الخلاف الذي قطع آخر ~~العرى بين الأخوين، وكان حول امرأة، وانتهى بأن أمر «سليمان» بذبح ~~أخيه الأكبر؛ ومن ثم وجب كشف الأستار عن الرواية كما جاءت ~~بكتابها، حتى تكشف لنا النكارة، ثم نتبعها برواية القرآن الكريم، ~~وما جاء في الأثر التراثي الإسلامي، إزالة للبس، ودحضا ~~للنكارة. # وخبر مقتل «أدونيا» على يد أخيه «سليمان» أو بأمر منه، جاء ~~تفصيله في سفر الملوك الأول، وهو السفر الذي يحوي أهم أخبار الملك ~~«سليمان»، الذي سنكتفي بالإشارة إلى رقم الإصحاح فيه عند الاستشهاد ~~بمحتوياته، ويروي السفر هذا الخبر بقوله: # وجلس سليمان على كرسي داود أبيه وتثبت ملكه جدا. ثم ~~جاء أدونيا ابن حجيث (أمه) إلى بتشبع أم سليمان. فقالت: ~~أللسلام جئت؟ فقال: للسلام. ثم قال: لي معك كلمة، فقالت: ~~تكلم. فقال: أنت تعلمين أن الملك كان لي، وقد جعل جميع ~~إسرائيل وجوههم نحوي لأملك، فدار الملك وصار لأخي؛ لأنه من ~~قبل الرب صار له. والآن أسألك سؤالا واحدا فلا ترديني ~~فيه، فقالت له: تكلم. فقال: قولي لسليمان الملك - لأنه لا ~~يردك - أن يعطيني أبيشج الشونمية امرأة. فقالت بتشبع: ~~حسنا ، أنا أتكلم عنك إلى الملك. فدخلت بتشبع إلى الملك ~~سليمان لتكلمه عن أدونيا ... وقالت: إنما أسألك سؤالا ~~واحدا صغيرا لا تردني. فقال لها الملك: اسألي يا أمي ~~لأني لا أردك. فقالت: لتعط أبيشج الشونمية لأدونيا أخيك ~~امرأة. فأجاب الملك سليمان وقال لأمه: ولماذا أنت تسألين ~~أبيشج الشونمية لأدونيا، فاسألي له الملك لأنه أخي الأكبر ~~مني ... وحلف سليمان الملك بالرب ... والآن هو الرب الذي ثبتني ~~وأجلسني على كرسي داود أبي، والذي صنع لي بيتا، كما تكلم، ~~إنه اليوم يقتل أدونيا. فأرسل الملك سليمان بيد بنايا هو ~~بن يهويا داع، فبطش به، فمات. (ص2) # وسفر الملوك الأول ms168 الذي وردت به هذه القصة، هو السفر نفسه الذي ~~استفاض في الحديث عن مجد «سليمان» وحكمته وعظمة ملكه؛ مما يشير إلى ~~أنه لم يقصد للملك إساءة، بقدر ما قصد الإشادة بمحبة الله لسليمان، ~~التي دعت لتفضيله على «أدونيا» أخيه، وتمكينه من العرش رغم فعلته. ~~وقد دعت استفاضة هذا السفر في تمجيد المملكة السليمانية الباحث ~~الإسلامي الموسوعي «الدكتور أحمد شلبي»، إلى الاقتباس من موسوعة ~~«ويلز» «معالم تاريخ الإنسانية» قولا له أهميته ومغزاه، وهو «أن ~~قصة ملك سليمان وحكمته التي أوردها الكتاب المقدس، تعرضت لحشو ~~وإضافات على نطاق واسع، على يد كاتب متأخر شغوف بالمبالغات. وقد ~~استطاعت هذه الرواية أن تحمل العالم المسيحي، بل والإسلامي، على ~~الاعتقاد بأن الملك سليمان كان من أشد الملوك عظمة وأبهة، وقد أسهب ~~سفر الملوك الأول في تصوير مجد سليمان وأبهته وفخامته، ولكن الحق ~~أنه إذا قيست منشآت سليمان، بمنشآت تحتمس الثالث أو رمسيس الثاني ~~أو نبوخذ نصر، فإن منشآت سليمان تبدو من التوافه الهينات ... وكانت ~~مملكة سليمان رهينة تتجاذبها مصر وفينيقيا، وترجع أهميتها في معظم ~~أمرها إلى ضعف مصر المؤقت ... فسليمان وهو في أوج مجده لم يكن إلا ~~ملكا صغيرا تابعا، يحكم مدينة صغيرة، وكانت دولته من الهزال ~~وسرعة الزوال، بحيث إنه لم تنقض بضعة أعوام على وفاته، حتى استولى ~~شيشنق أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم.» # 2 # الملك والحكمة # ورغم مبالغات السفر المذكور، فإنه بخلاف حديث الملوك ~~الأربعة، لم يخرج بحدود مملكة «سليمان» عن منطقة فلسطين ~~الحالية «وكان سليمان متسلطا على جميع الممالك، من النهر إلى ~~أرض فلسطين، وإلى تخوم مصر» (ص4). أما عن حكمته وعظمته، فيقرر ~~الكتاب المقدس أنه أعطيهما بناء على دعائه ربه، وكان رد الرب ~~عليه «هو ذا قد فعلت حسب كلامك، هو ذا أعطيك قلبا حكيما ~~ومميزا، حتى إنه لم يكن مثلك قبلك، ولا يقوم بعدك نظير ... ~~فتعاظم الملك سليمان على كل ملوك الأرض، في الغنى والحكمة ... ~~وفاقت حكمة سليمان حكمة كل بني المشرق، وكل حكمة المصريين ~~(لنلاحظ الأثر النفسي ms169 لذكرى أيام الاستعباد في مصر، ووجوب تفوق ~~سليمان عليهم) فتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفا ~~وخمسا، وتكلم عن الأشجار من الأرز التي في لبنان إلى الزوفا ~~النابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن ~~السمك، وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان، من ~~جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته» (ص3، 4، 10). # وأول ما نلاحظه حول حدود المملكة، أنه ما كان لها وقد نبتت ~~كدويلة بالأمس، وما كان لملك ناشئ، أن يصل بسلطانها إلى النهر ~~«الفرات» وقت السيادة الآشورية وما أدراك ما الآشوريون، أو أن ~~تتجرأ الدويلة فتتبسط في ممارسة السلطان على تخوم مصر وما ~~أدراك ما الفراعين، وما كان لها أن تطال لبنان. بينما يقول ~~السفر نفسه: إن سليمان كان يدفع لحيرام ملك صور وصيدا إتاوة ~~سنوية «وأعطى سليمان حيرام عشرين ألف كر حنطة، وطعاما لأهل ~~بيته، وعشرين كر زيت، وهكذا كان سليمان يعطي حيرام سنة فسنة» ~~(ص5). # والملاحظة الثانية، هي أن حكمة «سليمان» تمثلت في ثلاثة آلاف ~~مثل، وشعر حكمي تضمن حديثا عن الشجر والطير والسمك والدبيب ~~(أي النمل)، وتحتويه أسفار أخبار الأيام الثاني والأمثال ونشيد ~~الإنشاد، وربما كان في الأصل العبراني للكتاب إصحاحات تحتوي ~~على شيء يشبه كتاب «بيدبا» «كليلة ودمنة»، الذي يحوي أمثلة ~~حكمية وضعها مؤلفها على ألسنة الحيوان والطير والهوام. أما ~~الملحوظة الثالثة، فهي حول الأصل العبراني للكتاب المقدس، الذي ~~كتب بلغة بدائية، بحروف غير صائتة، وساكنة، قبل تصويتها ~~وتحريكها قياسا على اللغة الآرامية، وهو ما يمكن أن يحدث ~~خلطا في فهم النصوص، وخاصة في الحروف، مثل حديثه «عن» الأشجار ~~والحيوان والنمل، والتي يمكن في الحال القديمة فهمها أنها حديث ~~«إلى» و«مع». # والكتاب المقدس في حديثه عن مجيء كل ملوك الأرض ليسمعوا من ~~«سليمان» حكمته، نجده على غير عادته في التفصيل والتدقيق ~~والتكرار، لا يذكر لنا سوى خبر عن ملكة منكورة، لا يعلم ~~التاريخ من أمرها شيئا، يقول فيه: «سمعت ملكة سبأ بخبر سليمان ~~لمجد الرب، فأتت لتمتحنه بمسائل. فأتت إلى أورشليم ms170 بموكب عظيم ~~جدا، بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة. ~~وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها. فأخبرها سليمان بكل ~~كلامها ... فلما رأت ملكة سبأ كل حكمة سليمان، والبيت الذي بناه، ~~وطعام مائدته، ومجلس عبيده، وموقف خدامه وملابسهم، وسقاته، ~~ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب، لم يبق فيها روح بعد، ~~فقالت للملك: صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك ~~وعن حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي، فهو ذا ~~الصنف الذي لم أخبر به ... فانصرفت، وذهبت إلى أرضها» ~~(ص10). # وهنا أيضا نظر وملحوظات # الملحوظة الأولى أن النص لم يذكر اسم الملكة أصلا، والثانية ~~أن التعبير «وكلمته بكل ما كان بقلبها»، إنما كان يعني «بكل ما ~~كان يدور في خاطرها من استفسارات؛ لتمتحنه بمسائل»، إذ كان ~~مظنونا آنذاك أن القلب مركز التفكير، وهو ما يشهد به الكتاب ~~المقدس نفسه في قول الرب لسليمان: «هو ذا أعطيك قلبا حكيما ~~ومميزا»، لكن قراءة أخرى يمكن أن تحول الأمر إلى حديث عن الحب ~~ولوعته، وربما استدعى مركز العاشقين إنهاء حالة الوجد بزواج ~~ملكي عظيم، والملحوظة الثالثة هي ما جاء عن اسم هذه الملكة في ~~التراث العربي «بلقيس»، مقارنا بما جاء في قول «إسحاق ~~الأنطاكي» في القرن الخامس الميلادي، إن العرب كانوا يعبدون ~~إلهة تدعى «بلتيس»، وقد ذكر «بلتيس» أيضا «بر على» في معجمه ~~على أنها المعبود الكوكبي «فينوس » أو الزهرة، وأنها هي التي ~~مثلوها في صنم العزى؛ ومن ثم يبدو أن اسم «بلقيس» لا يعدو ~~كونه من بقايا العبادات الأسطورية القديمة، أما آخر أباطرة ~~الحبشة «هيلاسلاسي» فكان يزعم أنه الحفيد الأخير في سلسلة ~~أباطرة حكموا الحبشة، وأن هذا السلسال يعود بالبنوة إلى ~~العلاقة التي قامت بين «سليمان» و«بلقيس»، بعد أن خلبت لبه ~~بفتنتها، ولتأكيد علاقته بسليمان ملك اليهود، فقد استساغ لنفسه ~~لقب «أسد يهوذا»، ولا يغيب عن فطن إمكان تحول الاسم «بلقيس» ~~إلى «بلتيس»، نتيجة الخلط اللساني، وما اشتهر في الأسطورة: أن ~~الزهرة كانت ربة فتنة وإغواء جسدي ms171 (ارجع للمزيد حول موضوعنا: ~~الزهرة بين الخصب والحرب). # 3 # أما الملحوظة الرابعة، فهي بعد الشقة ما بين مملكة سبأ ~~اليمنية وفلسطين، مرورا بصحراء عظمى في الجزيرة العربية، ~~وصعوبة تصور الملكة تحتمل كل هذه المشاق، لمجرد أن تمتحن ~~«سليمان» بمسائل! إلا أن حل المسألة هنا، نجده في كشف لمدرسة ~~الآثاري «فرتز هومل»، التي ذهبت إلى أن القبائل التي كونت ~~دولة سبأ اليمنية، كانت قبل نزوحها إلى اليمن، تسكن شرقي خليج ~~العقبة، أي إنها كانت تسكن على الحدود الجنوبية لفلسطين الحالية، # 4 # وثمة دعم وجدناه لوجهة نظر «هومل» فيما جاء ~~بالنصوص الرافدية القديمة، حول بدو أعراب يعيشون في مملكة ~~يحكمها النساء. وأطلقت النصوص على هذه المملكة اسم «أريبي» أو ~~«عريبي»، وأشارت إلى أنها تقع شرقي خليج العقبة، أو بالتدقيق ~~إلى الجنوب الغربي من بلاد العراق. # 5 # وغير تلك الملكة المشغولة بحل المسائل، لا يحدثنا الكتاب ~~المقدس عن استقبال البلاط السليماني لملك آخر من ملوك الأرض، ~~والملحوظة الخامسة، فهي حول مجد وعظمة هذه المملكة، التي وصل ~~خبرها إلى ملكة سبأ، وهو ما يعقب عليه الدكتور «أحمد سوسة» ~~بقوله: «أما الوصف الذي اعتاد أكثر الباحثين ترديده عن اتساع ~~وامتداد حدود مملكة سليمان، فيعده أكثر الباحثين من قبيل ~~المبالغات التي درجت عليها دويلات تلك العصور، والحقيقة أن ~~مملكة سليمان التي تبجح اليهود بعظمتها، كانت أشبه بمحمية ~~مصرية مرابطة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة، ~~الذين كان أهم ما يهدفون إليه من وراء هذا الإسناد، حماية ~~حدودهم الشرقية من غارات الأقوام الطامعة بمصر، وفي مقدمتهم ~~الآشوريون، وكان سليمان يريد أن يجاري الفراعنة في البذخ، ~~والظهور بما هو فوق طاقته وإمكانياته الاقتصادية، وذلك بإغداقه ~~في إقامة الأبنية الشاهقة والقصور الفخمة، فأثقل كاهل الشعب ~~بكثرة الضرائب، كما أثقل خزينة الدولة بالديون المتراكمة.» # 6 # وحتى هذه الأبنية الشاهقة التي أثقلت كاهل الشعب ~~بالديون - فيما يرى «سوسة» - هي بدورها مسألة فيها نظر ~~وملحوظات. # تغنيا بهذه العظمة، يفاخر سفر الملوك الأول بجيش الملك ~~«سليمان» الهائل، فيقول: «وكان لسليمان أربعون ms172 ألف مذود لخيل ~~مركباته، واثنا عشر ألف فارس ... فكان له ألف وأربعمائة مركبة» ~~(ص4، 10)، هذا ناهيك عن منشآته المعمارية، التي تمثلت في ~~بناءين: الأول بيت الرب أو الهيكل (واسمه مأخوذ عن الكلمة ~~الكنعانية هيكال)، والثاني هو القصر الذي خصصه «سليمان» عليه ~~السلام كسكن خاص له، ومقر للحكم، فأما الهيكل فهو «البيت الذي ~~بناه سليمان للرب، وطوله ستون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، ~~وسمكه ثلاثون ذراعا ... وجميع الببت غشاه بذهب ... وعمل في ~~المحراب كروبين ... وغشى الكروبين بذهب (الكروبين مثني كروب، وهو ~~نصب في هيئة نسر مجنح)» (ص6). أما القصر فكان واضحا أنه أكثر ~~ضخامة وفخامة من بيت الرب، فقد كان «طوله مائة ذراع، وعرضه ~~خمسون ذراعا، وسمكه ثلاثون ذراعا ... كل هذا من أحجار كريمة ... ~~وكان مؤسسا على حجارة كريمة ... وعمل البحر مسبوكا عشرة أذرع ~~(يقصد حوض أسماك زينة)» (ص7). # أما عرش الملك فقد «غشاه بذهب من إبريز، وللكرسي ست درجات ... ~~أسدان واقفان بجانب اليدين ... واثنا عشر أسدا واقفة هنا وهناك ~~على الدرجات الست (يقصد تماثيل) ... وجميع آنية شرب الملك من ذهب ~~... وجعل الملك الفضة في أورشليم مثل الحجارة» (ص10). وحتى ~~تستكمل العظمة، كان محتما أن يتمم الملك الأبهة بزوجة تليق ~~به، ونسب يضاهيه جاها واقتدارا، ولما لم يكن وقتها من هو ~~أعظم من فراعنة مصر أبهة وجاها واقتدارا، ورغم العداء المرير ~~الذي تقطر مرارته في كل إصحاح من أسفار الكتاب المقدس، ضد مصر ~~والمصريين، فقد «صاهر سليمان فرعون مصر ، وأخذ بنت فرعون» (ص3)، ~~وقد قدم الفرعون لابنته هدية زفاف عظيمة، «وصعد فرعون ملك مصر، ~~وأخذ جازر وأحرقها بالنار (جازر مدينة ساحلية فلسطينية)، وقتل ~~الكنعانيين الساكنين في المدينة، وأعطاها مهرا لابنته امرأة ~~سليمان» (ص9). # وحتى يستكمل الملك بقية مظاهر الأبهة، فقد «أحب الملك سليمان ~~نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون، مؤابيات وعمونيات وآدوميات ~~وصيدونيات وحيثيات ... وكانت له سبعمائة من النساء السيدات، ~~وثلاثمائة من السراري» (ص11)، وكي يطيق الملك وصال هذا الحشد ~~المهول من الأجساد، فقد منحه الله قدرة أكثر هولا، تمثلت في ~~قول ms173 الكتاب: «وكان طعام سليمان لليوم الواحد: ثلاثين كر سميد، ~~وستين كر دقيق، وعشرة ثيران مسمنة وعشرين ثورا من المراعي، ~~ومائة خروف، ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن» ~~(ص4). # والأمر إضافة إلى طرافته، فإن فيه نظرا وملحوظات: الملحوظة ~~الأولى وتتعلق بهذا الجيش العرمرم من المركبات والفرسان، وهو ~~ما يناله شك كبير، في ضوء نص آخر بالسفر نفسه، يشير إلى ~~استعصاء المدينة الساحلية (جازر) على «سليمان»، حتى إن صهره ~~الفرعون أرسل بضع كتائب احتلتها له، ثم أهدتها إياه كعربون ~~صداق لعرس ابنة الفرعون، لكن حتى هذا الزواج بدوره يشوبه شك ~~أكبر، خاصة مع ما نعلمه من وثائق التاريخ عن سنن الفراعين، ~~الذين لم يدرجوا على زواج بناتهم لغير مصريين، حتى لو كانوا ~~ملوكا، اتباعا لسنة سنت حق الملك للإناث من الأسر الحاكمة، ~~وأن العرش كان لا يئول لوليه إلا بزواجه من الأميرة صاحبة ~~الميراث؛ ومن ثم سوغوا - ولا غضاضة - زواج الأخت الشقيقة ~~ليتمكن الأمير من شرعية حكمه، وإذا عز وجود ذكر من داخل الأسرة ~~المالكة، فكان لا بد للمرشح للعرش من المرور بطقوس دينية ~~وتطهيرية وارتقائية يطول شرحها، تنتهي أيضا بشرط زواجه من ~~الأميرة الوارثة، فما بالنا والأمر يتعلق بملك من العبريين؟ ~~أولئك الذين كانوا في نظر المصريين الاعتياديين وليس الملوك، ~~وحسب نص الكتاب المقدس نفسه، رجسا ونجسا يجب على المصري ~~تحاشيه واجتنابه، فلا يساكنه (كما يقرر إصحاح 46 من سفر ~~التكوين)، ولا يؤاكله (كما يقرر إصحاح 43 من سفر ~~التكوين). # وحتى لو سلمنا بصدق الرواية التوراتية حول هذا الزواج، فإن ~~«ويلز» يعقب بالقول: «كان من الجائز أن يتنازل الفرعون، فيقبل ~~في حريمه أميرة بابلية، ولكنه كان يرفض رفضا باتا أن يسمح ~~لأميرة مصرية لها ما لها من قداسة، أن تصبح زوجة لعاهل بابلي، ~~فما بالك بملك صغير كسليمان، استطاع أن يتزوج أميرة مصرية. إن ~~هذا يدل دلالة واضحة على انحطاط مهابة مصر وتدهورها في هذه الأثناء.» # 7 # ثم يشير إلى أنه لولا هذا التدهور المؤقت لما قامت ~~مملكة «سليمان»، فتدهور ms174 مصر حينذاك هو الذي أدى إلى تخفيف ~~هيمنتها على فلسطين وبلاد الشام؛ مما ساعد على قيام المملكة ~~السليمانية، ومنح «داود» والد «سليمان» شيئا من حرية الحركة ~~والنشاط والتبسط في ممارسة السيادة. # والملحوظة الثانية تتعلق بمنشآت «سليمان»، التي تأكد أنه قد ~~قام بها فنيون متخصصون، أرسلهم «حيرام» ملك صور وصيدا لسليمان، ~~إضافة إلى المهندسين المصريين والرافديين، وذلك فيما وصل إليه ~~البحاثة «موسكاتي». # 8 # أما الدكتور «شلبي»، فهو كعادته يلجأ إلى «ويلز» ~~يستنطقه فيقول: «إننا لو استخرجنا من قصة التوراة أطوال معبد ~~سليمان، لوجدنا أن بالإمكان وضعه داخل كنيسة صغيرة من كنائس الضواحي.» # 9 # وربما كان مناسبا هنا إيراد تأكيد «غوستاف لوبون» ~~لما انتهى إليه «موسكاتي»، إذ يقول: «لا ينبغي لنا أن نتحدث عن ~~وجود شيء من فن النحت أو التصوير عند بني إسرائيل، وقل مثل هذا ~~عن فن البناء عندهم، فانظر إلى هيكلهم المشهور، الذي نشر حوله ~~كثير من الأبحاث المملة، تجده بناء أقيم على الطراز الآشوري ~~المصري، من قبل بنائين من الأجانب كما تقول التوراة، ولم تكن ~~قصور سليمان غير نسخ رديئة للقصور المصرية والآشورية.» # 10 # والملحوظة الثالثة هي حول كمية الأحجار الكريمة، والذهب، ~~التي استخدمها سليمان في بناء منشآته ودلالة على عظمة الملك، ~~تلك العظمة التي أدت به لردم أسس المنشآت بالأحجار الكريمة، ~~وجعلت الفضة في أورشليم كالحجارة، التي يعقب عليها موسكاتي ~~بالقول: «إن الزيادة العظيمة في سعة البلاط وفخامته ... اضطرت ~~سليمان إلى إقامة نظام ضرائب، ألقى على شعبه عبئا ثقيلا ... ~~فكانت البلاد رغم الرخاء تسير نحو أزمة اقتصادية.» # 11 # وفي رأينا أن أبرز الأدلة على تفاقم هذه الأزمة واحتدادها، ~~هو ما جاء في سفر الملوك الأول عن أسلوب سداد «سليمان» لديونه، ~~من أجور البنائين والمهندسين للملك «حيرام»، فيقول: «وبعد ~~نهاية عشرين سنة، بعدما بنى سليمان البيتين: بيت الرب وبيت ~~الملك. وكان حيرام قد ساعف سليمان بخشب أرز وخشب سرو وذهب حسب ~~كل مسرته. أعطى حينئذ الملك سليمان حيرام عشرين مدينة في أرض ~~الجليل» (ص9)، هذا بينما جعل «حيرام» ms175 من مملكة «سليمان» أرضا ~~مستباحة لجيوشه، ومعبرا له إلى البحر الأحمر. وهو ما يستنتج ~~من قول الكتاب المقدس: «وعمل الملك سليمان سفنا في عصيون جابر ~~(ربما العقبة الحالية) التي بجانب أيلة على شاطئ بحر سوف في ~~أرض أدوم. فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر ~~مع عبيد سليمان، فأتوا إلى أوفير (مظنون أنها الصومال حاليا) ~~وأخذوا من هناك ذهبا ...» (ص 9). # ولم يأت عام 923ق.م. حتى انقسمت مملكة «سليمان» على نفسها، ~~عندما طلبت القبائل الشمالية من «رحبعام بن سليمان» إعفاءها من ~~الضرائب، ورفض «رحبعام»، فكان أن قاموا بثورة انتهت بانفصال ~~نصف المملكة الشمالي، وأسسوها مملكة تحمل اسم إسرائيل، أما ~~الجنوبية فحملت اسم يهوذا. # ثنائيات التأسيس والسقوط # وانقسمت مملكة «سليمان» على نفسها بموته، عام 923ق.م. # وفي رأينا أن هذا الانقسام في المملكة الناشئة، والذي انتهى ~~بانهيارها التام واندثارها، هو ناتج طبيعي، وإفراز منطقي، ~~لمجموعة من الصراعات بين مجموعة من النقائض، تتمثل في أكثر من ~~ثنائية داخل المملكة السليمانية. # ثنائية أولى يمثلها عنصران: العنصر الوطني من أهل المنطقة ~~الأصليين، الذين كانوا يشكلون ممالك صغيرة في هيئة مدن ~~متناثرة، قبل أن تندرج جميعا في المملكة العبرانية، والعنصر ~~الثاني يمثله العبريون الوافدون، والذين شكلوا أمثل نماذج ~~الاستعمار الاستيطاني. هذا إضافة إلى ما تركه العنف الذي صاحب ~~إنشاء المملكة، وما تركه متأججا في صدور أهل البلاد، والذي ~~دعا كاتبا إسلاميا كالدكتور «شلبي» للتعقيب عليه بقوله: ~~«وكان عهد داود - بناء على ما جاء في العهد القديم - غارقا في ~~دماء الضحايا، شديد القسوة.» وعقب عليه «ويلز » بقوله: «وقصة ~~داود بما تحوي من قتل وسفك دماء واغتيالات متلاحقة، يأخذ بعضها ~~برقاب بعض، أشبه بتاريخ أحد الرؤساء المتوحشين، منها بتاريخ ~~ملك متمدن.» # 12 # وكلا الكاتبين إنما كان يعقب على ما ورد في سفر ~~صموئيل الثاني، الذي يحكي قصة احتلال داود لمملكة عمون ~~(المظنون أنها عمان الحالية)، فأخذ غنائمها وعلى رأسها تاج ~~الملك، ثم قام بإبادة شاملة لكل العناصر الوطنية في المدينة ~~المملكة، أو بنص الكتاب المقدس: «وأخرج الشعب الذي ms176 فيها، ~~ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفئوس حديد، وأمرهم في أتون ~~الآجر» (ص12). # وثنائية أخرى يمثلها طرفان: الطرف الأول: الأرستقراطية ~~الحاكمة وما ينطوي في داخلها من رجال المؤسسة السياسية وإدارات ~~الدولة، والطرف الثاني أرستقراطية كهنوتية عريقة قامت وتمكنت ~~منذ أيام النبي «موسى»، ومثلها بيت «لاوي» أو «ليفي» من أسباط ~~بني إسرائيل، حتى استطاع «سليمان» وأبوه «داود» ترويضها ~~وتسييسها، بإخضاع الكاهن الأكبر «أبيثار» لسلطان الملك، وبسط ~~حماية الدولة على الدين، وإلحاق بيت «ليفي» بإدارات الدولة، ~~ليس كهيئة قبلية تقوم بأعمال الكهانة، وإنما بإذابتهم كموظفين ~~تابعين في المؤسسة السياسية، لكن ذلك لم يكن يعني عدم استبطان ~~القسمة القبلية الأولى، وتحفز بيت «ليفي» وترقبه الفرص للقفز ~~على كرسي السلطة. # وكان تسييس الكهانة ناتجا عن تحول العبريين من حالة البداوة ~~إلى حالة الاستقرار، في مناطق زراعية؛ مما حول بعضهم إلى العمل ~~في فلاحة الأرض، والتوحد في كيان مركزي واحد، ربما مهد مع طول ~~الوقت وبالتدرج الطبيعي لنضوج الأوضاع الاجتماعية، إلى تفجير ~~الأطر القبلية، لإقامة المشاريع الكبرى التي تفرضها طبيعة ~~الحياة في بيئة زراعية، لكن مشاريع «سليمان» لم تكن ناتج علاقة ~~طبيعية بالأرض وطبيعتها، ولا ناتج إفراز تلقائي تطوري، كما كان ~~في مصر والرافدين، وهو ما حدث لصالح الاستخدام الأمثل والموحد ~~للطاقات البشرية في تلك الحضارات القديمة؛ لتنظيم الزراعة ~~والسيطرة على المياه وإقامة المشاريع الضخمة، حيث كانت الأنهار ~~الكبرى (النيل، دجلة، الفرات) وما تكونه من شبكات مائية ~~متعددة الروافد والترع والقنوات، يصعب أحيانا السيطرة عليها ~~وقت الفيضان، بحاجة إلى توحد الشعوب لترويض هذه المياه ~~الهائلة؛ مما أدى لإفراز تلقائي لإمبراطوريات كبرى تتمركز في ~~قوى موحدة ومركزية سياسية، تضم ملايين الرجال للأعمال الكبرى، ~~بينما كانت أرض فلسطين طوال تاريخها على عكس جارتيها تماما؛ ~~ولهذا السبب لم تشهد سوى الدويلات، أو المدن الدول أو المدن ~~الممالك، وذلك لاختلاف بيئة فلسطين الطبيعية، عن البيئة في مصر ~~والعراق، واعتمادها في مجال الفلاحة على الأمطار والنهير ~~(قياسا على أنهار مصر والعراق)، بينما شكل الرعي العمل ~~الأساسي إلى جانب التجارة؛ ومن ms177 ثم كان قيام المملكة ~~السليمانية بتفجير الأطر القبلية، ليس استجابة لحاجات طبيعية ~~وإفرازا لمسار تاريخي وتطوري طويل، قدر ما كان استجابة لحاجات ~~شخصية وعنصرية، بشكل قسري ومفروض من أعلى، لإقامة مشروعات ليس ~~للناس فيها ناقة ولا جمل، كالقصور الفارهة مباهاة ومضاهاة ~~للفراعين، وملوك آشور وبابل، ولإقامة هيكل ديني خاص بالقبيلة ~~العبرانية؛ ليمثل الشكل الديني للدولة، ويميز القبيلة القابضة ~~على أعنة السلطان. # هذا بالطبع مع ثنائية أخرى أساسية، ثنائية يهودية يهودية، ~~تمثلها قبائل عبرية دخلت مصر وخرجت متأثرة بعبادات المصريين ~~وأنظمتهم وعاداتهم، وقبائل عبرية أخرى ظلت تحتفظ ببداوتها على ~~الحدود السينائية، حيث قام النبي موسى (عليه السلام) بإجراء ~~عملية المزج بينهما في قادش، لكن الواضح أنه لم يكن صهرا ~~للقبائل أبدا، قدر ما كان نوعا من الائتلاف الكونفدرالي، ~~الذي سرعان ما أبرزت تناقضاته مستجدات الأحداث في المملكة ~~السليمانية، وانتهى بانقسام صنفي القبائل ما بين شمال وجنوب، ~~أو بين إسرائيل ويهوذا. # ونتيجة لقيام المملكة السليمانية على أنقاض المدن الممالك، ~~وتفجيرها القسري للأطر القبلية، نشأت ثنائية أخرى لم تكن ~~تعرفها البلدان الفلسطينية وممالكها الصغيرة؛ إذ لم تكن هناك ~~هوة كبرى تفصل أفراد المجتمع عن السلطات، بينما بات واضحا أن ~~المملكة السليمانية قد أنشأت هوة هائلة بين القبيلة العبرية في ~~جانب، وباقي شعوب المنطقة الأصليين في جانب آخر، والذين تهاوت ~~مدنهم، وأجبروا على الانضواء تحت سلطان الدولة. ثم كانت ~~الأعمال الإنشائية عاملا آخر سبب ثنائية جديدة، مثلها على ~~الطرف الأرستقراطي الطبقة الحاكمة وموظفوها وكهانتها الرسمية ~~وإداريوها وملاكها، ومثلها على الطرف الآخر العبيد ~~والمعدمون، سواء أكانوا عبرانيين أم كنعانيين مواطنين، حيث ~~جمعهم معا شقاء تنطق به آيات الكتاب المقدس التي تقول في سفر ~~الملوك الأول: «وسخر سليمان الملك من جميع إسرائيل، وكانت ~~السخر ثلاثين ألف رجل.» و«جميع الشعب الباقين من الأموريين ~~والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين ... الذين لم يقدر بنو ~~إسرائيل أن يحرموهم (اصطلاح يحرم في التوراة أي يبيد)، جعل ~~عليهم سليمان تسخير عبيد» (ص5، 9). وهو الأمر الذي أدى إلى ~~ظهور طبقة من رجال الدين غير ms178 الرسميين، ومثلهم الدراويش ~~والأنبياء الشعبيون، الذين أسهموا بما هو أكثر من العون ~~والمساعدة لإسقاط النظام القائم، بل والعمل على تدمير المملكة، ~~واستعداء الإمبراطوريات الكبرى عليها، وهو ما نجده مثلا عند ~~أنبياء مثل «عاموس» و«ميخا»، ومن بعده بشكل سافر عند «إشعياء» ~~و«دانيال» و«أرميا» في مرحلتي السقوط والأسر. # وهكذا أدت الأوضاع إلى ظهور ثنائية أخرى تمثلت في رجال ~~المؤسسة الدينية العاملة في جهاز الدولة الحاكم في جانب، ورجال ~~الدين الشعبيين الذين شكلوا كوكبة الأنبياء الأساسيين في ~~الكتاب المقدس في جانب آخر؛ مما أدى إلى تكون أيديولوجيتين ~~مختلفتين تماما، متصارعتين حتى نهاية الدولة. # وساعد على تفاقم الصراع بين الأيديولوجيتين ثنائية صراعية، ~~نتجت عن طبيعة البنية الاجتماعية التي شكلها هجين من شعوب ~~زراعية أساسا، وشعب بدوي يمثله العبرانيون، مع بعض القبائل ~~الرعوية الأخرى في المنطقة، وهي الثنائية المرتبطة أساسا ~~بطبيعة أسلوب الإنتاج الزراعي لشعوب المنطقة، الذين اعتمدوا ~~نوعا من الحرية المطلقة على المستوى الديني، بحيث تعددت ~~الأرباب تعددا هائلا، وهو ما استدعاه نظام الفلاحة ومواسمه ~~المتعددة. فكان هناك «بعل» رب المطر، و«عنات» ربة الأرض، ~~و«مولك» رب الخصب، و«موت» رب الجفاف، و«إيل» أبو الأرباب، مع ~~عدد كبير من الآلهة المتعلقة بالزرع والخصب كإله الفأس وإلهة ~~الماشية وإله الحنطة ... إلخ، ويرتبط هذا التعدد بتباين التكوين ~~الاجتماعي؛ مما أدى دوما للسماح بهذه الحريات السماوية ~~وطقوسها المرتبطة بمواسم الزرع، بينما ظلت البداوة على الجانب ~~الآخر تستبطن قبيلتها ومعبودها القبلي الواحد، ممثلا في سلف ~~القبيلة وسيدها، وما يتضمنه ذلك من أن أنفة البدوي من الانقياد ~~لدولة موحدة، ورفضه أن يحكم من خارج قبيلته ونسبه؛ ومن ~~ثم، وحتى يتم قهر الحريات الأرضية، سمح بالحريات السماوية، ~~فقرر الكتاب المقدس في السفر المذكور: «وكان في زمان شيخوخة ~~سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه ~~كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه، فذهب سليمان وراء عشتورت ~~إلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين ... بنى سليمان مرتفعة ~~لكموش رجس الموآبيين ... ولمولك رجس بني عمون ... فغضب الرب على ~~سليمان لأن قلبه مال عن ms179 الرب إله إسرائيل» (ص11). # هذا بينما على الطرف الآخر، تمسك الأنبياء الشعبيون بروح ~~القبيلة الانفصالية المتفردة والثائرة والمتمسكة برب إسرائيل ~~وحده، وبتحقيق الحرية على الأرض وفق شرائع البدو. # وإعمالا لكل ذلك، فقد كان كافيا أن يؤدي صراع النقائض ~~الداخلي بين هذه الثنائيات دوره الأساسي والرئيسي؛ ليعجل ~~بالنهاية المحتومة، والتي ساعد على حتمها عناصر التناقض ~~الثانوي أو الخارجي، والمتمثل في علاقة غير متوازنة بين مملكتي ~~إسرائيل ويهوذا، وبين الإمبراطوريتين اللتين كانتا تتنازعان ~~سيادة العالم (مصر وآشور)، إضافة إلى القوة الكلدانية الطالعة، ~~التي أحدثت اختلالا في موازين القوى، واضطراب العلاقات ~~العبرية بينها وبين القوى الكبرى المصرية والآشورية. فكان أن ~~انقض «شيشنق» أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم ~~ونهبها بعد أن أثخن فيها، ولم يلبث سرجون الثاني العاهل ~~الآشوري أن انحدر بدوره، ليقضي على مملكة إسرائيل نهائيا عام ~~721ق.م. ليتبعه «نبوخذ نصر» الكلداني (المعروف في التراث ~~الإسلامي باسم بخت نصر) فينهي الوجود العبراني، بالقضاء التام ~~على مملكة يهوذا عام 586ق.م. # وفي الأسر الآشوري، والأسر البابلي، ثم في الشتات، تحولت ~~الدويلة، المملكة السالفة، إلى حلم عظيم وضخم، وخيال هائل، ~~يتفق إيقاع هوله مع هول الوقعة والسقوط. # هذا ما كان عن نكارة الإسرائيليات - بتعبير «ابن كثير» - ~~وموقفنا التحليلي منها، وهو موقف تأسس على مناقشة النص وليس ~~على افتراض وقوع الحدث؛ لأن المشكلة الرئيسية التي يمكن أن ~~تواجه أي باحث بشأن هذه المملكة السليمانية، هو أنه لا توجد ~~أية معطيات آثارية أو وثائقية بشأن هذه المملكة، سواء في وثائق ~~بابل أم آشور أم كلديا أم مصر أم فينيقيا، على كثرة ما اكتشف ~~فيها من وثائق، كما لا توجد في أي مكان إشارة صريحة إلى سليمان ~~أو أبيه داود، رغم ما أخبر به الكتاب المقدس عن عظمة هذه ~~المملكة واتساع سطوتها وهيبتها، فسليمان وداود اسمان لا ~~تعرفهما وثائق التاريخ، لا في نص ولا في نقش ولا حتى في بقايا ~~آثارية يمكن تأويلها أو يشتم منها أو يستنتج ما يشير إلى ~~داود وولده عليهما السلام، بينما نجد ms180 في الوقت نفسه المزعوم ~~للمملكة المزعومة في نصوص مصر، تقارير تذكر أمورا مفصلة ~~ودقيقة عن كافة أحوال المنطقة، والحدود السينائية، كنقل موظف، ~~أو تحرك بعض الكتائب العسكرية، أو انتجاع قبيلة بدوية، وحتى ~~الحفريات التي جرت في فلسطين، فإنها حتى الآن لم تفد بأي دليل ~~مادي بوجود «سليمان» أو أبيه «داود»، ومن المشكوك فيه أن ~~يطالعنا المستقبل القريب بمثل هذه الكشوف. # وقبل أن نغلق حديثنا حول جزئية صراع النقائض والسقوط، فإنه ~~من الطريف إيراد عبارة جاءت في كتاب «روجيه جارودي» «فلسطين ~~أرض الرسالات السماوية»، وهو كتاب جاء بعد إشهار إسلامه، ~~وترجمه إلى العربية الداعية الإسلامي المعروف «الدكتور عبد ~~الصبور شاهين»، حيث يقول «جارودي»: «أما أن سليمان كان يعدد ~~الآلهة، فأمر لا شك فيه.» أما الأطرف فهو تعقيب المترجم ~~الداعية وهو يبدي دهشته في الحاشية من «روجيه» المسلم بقوله: ~~«غريب أن يذهب المؤلف مع هذا الرأي، رغم أنه يختلف عما قرره ~~القرآن الكريم، فسليمان نبي كريم من أنبياء الله، ولا يمكن أن ~~يخامر المسلمين شك في توحيده، ولكن لهذا الكتاب المقدس (يقصد ~~الكتاب العبري) مواقف مهينة كاذبة من الرسل، لا تدل على ~~حقيقتهم بقدر ما تدل على جانب الوضع والتحريف فيه.» # 13 # مملكة العجائب # لأننا قد شرحنا مواقف الكتاب المقدس، وصورة الملك «سليمان» ~~في مرآته، وعقبنا بما في مكنتنا من ملحوظات، فقد وجب الآن أن ~~نعرض لصورة «سليمان» الملك العبري، ولكن في الإسلام، كما وردت ~~في القرآن الكريم والحديث، إضافة إلى بعض ما جاء في كتب ~~الأخبار الإسلامية والسير والأثر، وهو ما يفصل في الأمر بيقين ~~الوحي والتنزيل المبين، لدى الصورة النقية لسليمان كنبي كريم، ~~مقارنة بنكارات الإسرائيليين، دونما تعقيب، فقط ربما أضفنا ~~عبارة تحمل ملحوظة من جانبنا، أو إشارة لأمر يؤدي إغفاله إلى ~~سوء الفهم، ونمهد فقط لتوضيح هو من واجبات المصداقية مع الوحي ~~الكريم وأسباب التنزيل، فمن المعلوم أن أهم تفاصيل رواية ~~القرآن الكريم ودقائقها، حول نبوة «سليمان» عليه السلام، ~~وملكه، قد جاءت في سورتين بالتحديد، هما سورة النمل وسورة ms181 ص. ~~ومعلوم أيضا أن كلتا السورتين من السور المكية، وفي المرحلة ~~الزمنية السابقة على هجرة نبي الإسلام (محمد # صلى الله عليه وسلم ~~)، من أم ~~القرى مكة إلى يثرب أو المدينة، حيث كان لليهود فيها مكان ~~ومكانة، وكان طبيعيا أن تسبق الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة، ~~تلك الآيات العظيمة، التي تحكي قصة المملكة اليهودية الغابرة، ~~وموقف الإسلام ونبيه منها، والرأي الواضح بشأنها، ومع «سليمان» ~~عليه السلام في الإسلام، نجدنا بإزاء أكبر حشد من الخوارق ~~والمعجزات، ونعيش جوا سحريا في مملكة للعجائب، تمتلئ ~~بالمردة والعفاريت والجن والشياطين، وهو أمر تضيق بالحديث ~~التفصيلي فيه صفحات موضوع قصير كهذا، ومن هنا سنعمد مضطرين إلى ~~الإيجاز، بادئين بقوله تعالى: # قال رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي إنك أنت الوهاب * ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ~~حيث أصاب * والشياطين كل ~~بناء وغواص ~~(ص: 35-37)، وهي آيات توضح ~~لنا إلى أي مدى بلغ ملك «سليمان» وعظمته كملك نبي. # وعن الشياطين الغواصين والبنائين يحدثنا نعمة الله الجزائري ~~فيقول: «فجمع الجن والشياطين فقسم عليهم الأعمال، فأرسل الجن ~~والشياطين في تحصيل الرخام ... ووجه الشياطين فرقة فرقة يستخرجون ~~الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يعلقون الجواهر والأحجار في ~~أماكنها، وفرقة يأتون بالمسك والعنبر وفرقة يأتونه بالدر من ~~البحار ... وبني سليمان المسجد (يقصد الهيكل) بالرخام الأبيض ~~والأصفر والأخضر، وعمده بأساطين المها الصافي، وسقفه بألواح ~~الجوهر، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ، واليواقيت، وبسط أرضه ~~بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض بيت أبهى ولا أنور منه ، كان ~~يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر ... وروي ... أنهم صوروا أسدين ~~من أسفل كرسيه، ونسرين فوق عمود كرسيه، فكان إذا أراد أن يصعد ~~الكرسي بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا علا على الكرسي نشر النسران ~~أجنحتهما فظللاه من الشمس.» # 14 # ويستكمل «الثعلبي» وصف أحوال هذا العرش الفريد، فيقول: «فلما ~~توفي سليمان (عليه السلام)، بعث بخت نصر (نبوخذ نصر الكلداني) ~~فأخذ ذلك الكرسي ... فأراد أن يصعد عليه ولم يكن له علم بالصعود ~~عليه ولا بأحواله، فلما ms182 وضع قدمه على الدرجة السفلى رفع الأسد ~~يده اليمنى فضرب ساقه ضربة شديدة، دقها ورماه، فحمل بخت نصر ~~فلم يزل يعرج ويتوجع منها حتى مات.» # 15 # ومع كل هذه الأبهة، فإن حكمة الله أرادت أن يكون في المملكة ~~الفخيمة فقراء ومساكين، لكن «سليمان» - فيما يروي «الجزائري» - ~~كان يحل هذه المشكلة الاجتماعية بحكمة نادرة المثال مشكورة، ~~فكان «إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف، حتى يجيء إلى ~~المساكين ويقعد معهم، ويقول: مسكين مع المساكين ... فلا يزال ~~قائما حتى يبكي»! # 16 # هذا بالطبع مع قوله تعالى في كتابه الحكيم لنبيه ~~الحكيم: # هذا عطاؤنا فامنن أو ~~أمسك بغير حساب ~~(ص: 39). # وتبدأ سورة النمل حديثها عن «سليمان» عليه السلام بقولها: # وورث سليمان داوود ~~وقال يا أيها الناس علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا ~~لهو الفضل المبين ~~(النمل: 16)، ويشرح ~~«محمد فريد وجدي» في تفسيره، وهو واحد من أحدث التفاسير ~~المعتمدة، والأقرب لليسر وللعصر، مع الالتزام - دون تأويلات ~~بعيدة عن المراد الأصلي بالنص - فيقول: «وورث سليمان داود في ~~الملك والنبوة وأخبر الناس - تحدثا بنعمة الله عليه - بأنه ~~أوتي فهم لغة الطير، وأنه منح من جميع النعم قسطا وافرا، إن ~~هذا لهو الفضل المبين.» ويروي الإخباريون بعض التفاصيل حول ~~حديث «سليمان» عليه السلام مع الطير، وقدرته على فهم ألسنها ~~ولهجاتها، بل والتعاطي معها أخذا وردا، فيقول - مثلا - ~~الحافظ «أبو بكر البيهقي»: «... مر سليمان بن داود بعصفور يدور ~~حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي؟ قال: يخطبها إلى نفسه ويقول: زوجيني نفسك، أسكنك أي غرف ~~دمشق شئت.» # 17 # أما الطبرسي فيعمد إلى إبراز رقة قلب النبي كليم ~~الطيور في حديث يقول: «إن سليمان عليه السلام رأى عصفورا يقول ~~لعصفورته: لم تمنعين نفسك مني، ولو شئت أخذت قبة سليمان ~~بمنقاري فألقيها في البحر؛ فتبسم سليمان عليه السلام من كلامه، ~~ثم دعاه وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال: لا يا رسول ~~الله، لكن المرء قد يزين لنفسه ويعظمها عند زوجته، والمحب لا ms183 ~~يلام على ما يقول. فقال للعصفورة: لم تمنعيه من نفسك وهو يحبك؟ ~~فقالت: يا نبي الله إنه ليس محبا لكنه مدع يحب معي غيري، ~~فأثر كلام العصفورة في قلب سليمان، وبكى بكاء شديدا.» # 18 # ولم يكن النبي «سليمان» عليه السلام يحسن فقط لغة الطيور، ~~إنما أيضا لغة دبيب الأرض من حشرات. وللأمر قصة مشهورة في ~~سورة النمل، # 19 # يغني علمها عن سرد نصها، لكن ربما كان في إيراد ~~بعض ما جاء بشأنها من شروح وتفاصيل فائدة: # يقول «الجزائري»: إن وادي النمل هو واد بالطائف، وقيل ~~بالشام، وتلك النملة التي نبهت الأخريات كي لا يدهسهن جيش ~~سليمان العرمرم، كانت رئيسة النمل. و«ابن كثير» يروي أنه في ~~ذلك اليوم كان «سليمان» في قيادة جيشه العرمرم جميعه بكتائبه ~~من الجن والإنس والطير، # 20 # وينقل «النيسابوري» عن «محمد بن كعب القرظي» وصف ~~ذلك الجيش، فيقول: «إن عسكر سليمان عليه السلام مائة فرسخ، ~~خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون منها للجن، وخمسة وعشرون ~~منها للوحوش، وخمسة وعشرون منها للطيور.» # 21 # وينقل «ابن كثير» عن «وهب» قوله: «إن هذه النملة ~~كان اسمها جرسا، وكانت من قبيلة يقال لها بنو الشيطان، وكانت ~~عرجاء، وكانت بقدر حجم الذئب»! # 22 # ولما كان بعض الكتاب من الإخباريين قد أفادوا أن ~~«سليمان» وجنده يوم حديث النملة كانوا يركبون بساط الريح الذي ~~سخره الله لسليمان حيث يشاء: # فسخرنا ~~له الريح تجري بأمره رخاء حيث ~~أصاب ~~(ص: 36)، فإن «ابن كثير» من جهته يرفض هذه ~~المزاعم ويقول: «وفي هذا كله نظر، بل في هذا السياق دليل على ~~أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه، لا كما زعم بعضهم ~~من أنه كان إذ ذاك على البساط؛ لأنه لو كان كذلك لم ينل النمل ~~منه شيء ... ويقول بعض الجهلة: إن الدواب كانت تنطق قبل الإسلام ~~وتخاطب الناس، حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها، ~~فلم تتكلم مع الناس ... ولو كان هذا هكذا، لم يكن لسليمان في فهم ~~لغاتها مزية على غيره.» # 23 # أما أشهر ms184 أحاديث النبي «سليمان» وأخطرها شأنا وأكثرها ~~أهمية، فهو الذي كان بينه وبين الهدهد، ولهذه الأهمية، ~~وللعلاقة الحميمة بين النبي «سليمان» عليه السلام، وبين ~~الهدهد، فقد قال النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: «أنهاكم عن قتل الهدهد، ~~فإنه كان دليل سليمان على الماء.» ويحكي القرآن الكريم # وتفقد الطير فقال ما لي لا ~~أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو ~~لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين ~~(النمل: 20). # وكان واضحا أن غياب الهدهد ربما سبب عطشا شديدا للنبي، ~~يتفق مع هذا الغضب الهائل على ذلك الطير الرقيق، ورغم أن ~~«الثعلبي» يورد عن «عكرمة» القول: «إنما صرف سليمان عن ذبح ~~الهدهد بره بوالديه.» # 24 # فإن الهدهد قد عاد ومعه عذره المبين، فأثناء ~~طيرانه بحثا عن الماء إذا بهدهد قادم من بلاد اليمن، ودار ~~بينهما حديث تاريخي خطير، وفيما يقول «النيسابوري» إنه: «كان ~~اسم هدهد سليمان يعفور، واسم هدهد اليمن عفير.» # 25 # مما يشير إلى معلومة حول سنة الهداهد في التسمية، ~~وأنها تتركز حول معنى «اليعفرة»، وربما اشتركت في الجذور مع ~~«العفرتة»، ويبدو أن عفير اليمني تفاخر على «يعفور» العبراني، ~~واستدرجه «يعفور» بذكائه الأريب حتى علم بأمر أصحابه من أهل ~~اليمن، وهو ما يوضحه الله تعالى بقوله: # فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم ~~تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ~~* وجدتها وقومها يسجدون ~~للشمس من دون الله ~~(النمل: 22-24)، ولأن ~~النبي - حسبما يؤكد «الجزائري» - «وكان لا يسمع بملك في ناحية ~~الأرض إلا أتاه حتى يذله ويدخله في دينه.» # 26 # فقد اتخذ «سليمان» عليه السلام قراره وأرسل الهدهد ~~برسالة منه إلى القوم يستدعيهم إليه، وأتبعها بعمل إعجازي ~~ومبهر، فقد أمر جنه وعفاريته ليأتوه بعرش ملكة اليمن؛ ليختبرها ~~عند وصولها، # فلما جاءت قيل ~~أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا ~~العلم من قبلها وكنا مسلمين ~~(النمل: 42). # ويحكي الحافظ «ابن كثير»: «وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من ~~زجاج، وعمل في ممره ماء وجعل عليه ms185 سقفا من زجاج، وجعل فيه من ~~السمك وغيره من دواب الماء.» # 27 # ويصور القرآن الكريم ما حدث عند ذاك بقوله: # قيل لها ادخلي الصرح فلما ~~رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ~~قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت ~~رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين ~~(النمل: ~~44). وهكذا كان إبهار المملكة السليمانية وعظمة صاحبها لملكة ~~سبأ، دافعا مباشرا لإعلانها الدخول في دين الإسلام! والإيمان ~~بدين سليمان، الذي هو نفسه دين محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا فارق أبدا ~~بين الدينين، بين ما كان يدعو إليه محمد # صلى الله عليه وسلم # في مكة، وبين ~~ما يؤمن به أولئك المترقبون من اليهود في يثرب. # ونعلم من الثعلبي أن ملكة سبأ كانت بنت جنية، فيروي: «أن ~~اسمها بلقيس بنت اليشرح وهو الهدهاد ... وكان ملك أرض اليمن ... ~~وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه بامرأة من الجن يقال لها ريحانة ... ~~فولدت له بلعمة وهي بلقيس.» # 28 # ويدعم «الثعلبي» روايته بحديث عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # عن «أبي هريرة» يقول: «كان أحد أبوي بلقيس جنيا.» # 29 # ويرى «ابن كثير» أن هناك روايات تذهب لكون بلقيس ~~نتاجا هجينا كثمرة لهذا الزواج، فكان لها سيقان ماعز، فلما ~~دخلت صرح «سليمان» تصورت حوض الأسماك لجة، فكشفت عن ساقيها. ~~و«قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان، وأن تبدي ~~عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن ~~يتزوجها؛ لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه، وذكر أن حافرها ~~كان كحافر الدابة.» # 30 # لكن «ابن كثير» الحافظ يدرك بحصافته أن كل ما ورد ~~عن قصص الجن والعفاريت والنمل والهدهد صادق مصداقية التنزيل، ~~لكنه يستبعد هذه الرواية الأخيرة ويراها غير مقبولة ~~عقلا. # وكعادة «ابن كثير»، التي حاز بها الثقة من مختلف المؤسسات ~~الدينية، فإنه يمحص الخبر، ويعلق على الصادق بما يليق بصدقه، ~~ويدفع بالضعيف والمنحول والإسرائيليات ويكثر من الإشارة ~~والتنبيه والتعليق، حتى لا يقع المؤمن في خلط بين الظن والشبهة ~~واليقين، فهو يورد مجموعة من ms186 الأحاديث حول ما أعطيه النبي ~~«سليمان» عليه السلام في مباضعة النساء، ويقول: «كان يطيق من ~~التمتع بالنساء أمرا عظيما ... عن أبي هريرة عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل ~~كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله.» لكن «ابن كثير» يشير إلى ~~أحاديث أخرى تصل بهذه الفحولة إلى حد مباضعة تسعين امرأة، ~~وبعضها يصل إلى مائة امرأة، وبعضها إلى ألف امرأة في ليلة ~~واحدة، ثم يرفض هذه الأحاديث لمبالغتها في قدرة المباضعة إلى ~~حد الإتيان على ألف في ليلة، ويثبت أن إسنادها ضعيف. # 31 # لكن «أبا جعفر» يؤكد الرقم التوراتي لحريم ~~«سليمان» فيقول: «وكان لسليمان حصن بناه الشياطين له فيه ألف ~~بيت، في كل بيت منكوحة، منهن سبعمائة أمة قبطية، وثلاثمائة حرة ~~أمهرية، فأعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلا في مباضعة النساء. ~~وكان يطوف بهن جميعا ويسعفهن.» # 32 # ولكن ذلك لم يكن يعني أن في قلبه غلظة وقساوة، ~~بدليل ما أوردنا من رقة قلبه العظيمة، التي دعته إلى بكاء حال ~~العصفورة، التي أحب زوجها غيرها معها! وليس هذا العدد من ~~الزوجات، والقدرة على المباضعة إلا من أجل أخلاف يحملون السلاح ~~في سبيل الله. # ثم إن «ابن كثير» يعترض مرة أخرى على المبالغة الهائلة في ~~عدد خيل «سليمان»، ويكتفي بأنها ربما كانت عشرة آلاف فرس، ~~وربما عشرين ألف فرس، وربما كان فيها - فقط - عشرون فرسا من ~~ذوات الأجنحة! # 33 # وفي الحديث عن «عائشة» رضي الله عنها قالت: «قدم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت الريح ~~فكشفت ناحية من الستر عن بنات لعائشة تلعب (أي إماء صغيرات) ~~فقال: ما هذا يا عائشة، فقالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له ~~جناحان من رقاع (أي وضعوا له أجنحة مصنوعة ليلعبوا به)، فقال: ~~ما هذا الذي أرى في وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما الذي عليه هذا؟ ~~قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان ~~خيلا ms187 لها أجنحة؟» # وهنا نصل إلى فصل الخطاب فيما روته عائشة عن رد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ذلك الرد الذي لم يأت كلاما، قدر ما جاء رد فعل ~~عفويا ... قالت «عائشة»: فضحك حتى رأيت نواجذه! # 34 ~~(2) المؤمن الثاني ذو القرنين # على غير عادة أهل مكة، توجهوا هذه المرة للنبي محمد # صلى الله عليه وسلم # باستفسارات من نوع جديد، اختبارا لصدق علمه اللدني، استفسارات لم ~~يأت بشأنها ذكر في مقدسات أهل الكتاب، بعد أن اتهمت قريش النبي، ~~أنه إنما يتلقى علمه عن نفر من أهل الكتاب، يملى عليه بكرة ~~وأصيلا، وأن تفصيلات هذه المعارف مستقاة من التوراة والأناجيل ~~ومجمل محتوى الكتاب المقدس، بل وحددوا بضعة نفر بالاسم يعلمون ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ما ظنوه من أساطير الأولين، بالقول: إن هو إلا إفك ~~افتراه، أعانه عليه عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي. # 35 # وإعمالا لهذا الشك في الكلم القرآني الكريم، فقد رشح أهل مكة ~~لمنافرة النبي # صلى الله عليه وسلم # الفئة المثقفة من رجالاتهم، منهم من هو ~~ربيب مدرسة جنديسابور، ومنهم من هو خريج جامعة الإسكندرية، ومنهم ~~المتفقه في شئون مصر والشام وفارس، وعادات أهلها وعقائدهم، وهم من ~~أرسلهم أهلوهم من ذوي الجاه لتلقي العلم في معاهد الحضارات حول ~~الجزيرة، حيث كانت تدار هناك حلقات الدرس حول قصص الأولين، ~~ومطارحات العلم حول سير القواد والأبطال والأنبياء والمرسلين، ~~ومحاورات الفلاسفة وعلوم المناطقة ورياضة اليونانيين، وكانت تلك ~~الفئة القرشية المثقفة أشد نكيرا على النبي # صلى الله عليه وسلم # من الآخرين، ~~وأشدهم إلحافا ودأبا لكشف ما تصوروه إفكا أعانه عليه آخرون من ~~العارفين بأحوال الغابرين، وأكثر هؤلاء بروزا في كتب الأخبار ~~الإسلامية: «النضر بن الحارث» و«أبي بن خلف»، و«عقبة بن أبي معيط»، ~~الذين أسر النبي منهم اثنين في بدر الكبرى، وتم قتلهما صبرا # 36 # جزاء ما قدمت أيديهما إبان كان الإسلام مهيضا، يسعى ~~على مدارج بدايته ضعيفا في مكة. # وكان سؤال أولئك المثقفين - فيما رواه جلال الدين السيوطي في ~~أسباب النزول - «عن رجل طواف بلغ ms188 مشارق الأرض ومغاربها، وما كان ~~نبؤه؟ ... فقال: أخبركم غدا بما سألتم عنه ... ومكث رسول الله لا يحدث ~~الله في ذلك إليه وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة ... ثم ~~جاء جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف.» # 37 # وتروي لنا سورة الكهف الرد الإلهي بشأن «ذي القرنين»، عبر آيات ~~تمتد ما بين الآية 83 والآية 99، وتبدأ بقوله تعالى: # ويسألونك عن ذي القرنين قل ~~سأتلو عليكم منه ذكرا ~~(الكهف: 83)، ~~ويشرح ابن كثير «قل سأتلو عليكم منه ذكرا ... أي خبرا نافعا ~~كافيا في تعريف أمره وشرح حاله.» # 38 # ورغم هذا الخبر النافع الكافي الشارح، الذي أوضحه رب ~~العالمين، فقد كان واضحا في كتبنا التراثية أن أمر «ذي القرنين» ~~أمسى من أشد الأمور - التي وردت في كتاب الله - التباسا وغموضا، ~~في كثير من القسمات والتفاصيل، بحيث لم تعرف هذه الكتب من تاريخ أو ~~سير أو تفسير، شخصية تراثية اختلف حول أمرها، قدر الاختلاف حول «ذي ~~القرنين»، اختلفوا حول اسمه، وحول سر تلقيبه بذي القرنين، وحول ~~موطنه وأصله العرقي، وهل كان ملكا من ملوك الأمم السالفة أم كان ~~رسولا نبيا؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ # من هو؟ # هو عند نعمة الله الجزائري «عياشيا»، وأنه كان أول الملوك ~~بعد «نوح»! وأنه ملك ما بين المشرق والمغرب! لكنه فيما ينسب ~~للإمام علي (رضي الله عنه) كان اسمه «عياش» فقط. أما ~~«النيسابوري» فيقول: «كان اسمه عباسا، وكان عبدا صالحا.» # 39 # ولعله من الواضح أن «عياشيا، وعياش، وعياشا» ~~كلمة واحدة، وأن مرجع الاختلاف ليس اجتهاد الرواة وتمحيصهم، ~~قدر ما هو راجع إلى الاختلاف في قراءة أصل واحد، تم تدوينه ~~وقتما كانت اللغة العربية تكتب غير منقوطة؛ مما أحدث لبسا ~~وخلطا؛ ومن ثم فلا مناص من التجاوز عن كثير من العبابيس ~~الأخرى في روايات أخر. # وثمة نوع آخر من التسميات، مثلما جاء عن «الزبير» في قوله: ~~«ذو القرنين هو عبد الله بن الضحاك بن معد.» # 40 # وهو ما رواه أيضا «ابن عباس». # 41 # بينما يرفض «السهيلي» أن يكون ذو ms189 القرنين هو «الضحاك»؛ # 42 # لأنه هو «... إفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك.» ~~أما «ابن هشام» فيورد في السيرة أن «اسمه مرزبي بن مرذبة ... ~~وقيل فيه هرمس، وقيل هرديس.» لكنه يذكر تسمية أخرى مما قيل ~~فيه، فيقول إن اسمه هو الصعب بن ذي مراثد وهو أول التبابعة، ~~وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع. # 43 # ولما كنا نعلم أن التبابعة سلسلة من ملوك اليمن القديم حملوا ~~الاسم «تبع»، فيبدو أن ذلك قد سوغ للرواة احتساب «ذي ~~القرنين» ثمينا؛ ومن ثم سعوا إلى اكتشاف اسم يمني له، ~~خاصة مع وجود اللازمة «ذو» في اسم «ذي القرنين» وهي طابع ملازم ~~للأسماء اليمنية، قياسا على «ذي نواس» و«ذي يزن» ... إلخ، مثلما ~~ورد عند «ابن كثير» في قوله: إنه «مصعب بن عبد الله بن قنان بن ~~منصور بن عبد الله بن الأزد بن عود بن نبت بن مالك بن زيد بن ~~كهلان بن سبأ بن قحطان. وقد جاء في حديث أنه كان من حمير وأمه ~~رومية، وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله، وقد أنشد بعض ~~الحميريين في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده فقال: # قد كان ذو القرنين جدي مسلما # ملكا تدين له الملوك وتحشد # بلغ المشارق والمغارب يبتغي # أسباب أمر من حكيم مرشد # فرأى مغيب الشمس عند غروبها # في عين ذي خلب وثأط حرمد # من بعده بلقيس كانت عمتي # ملكتهم حتى أتاها الهدهد» # 44 # أما «البيروني» فقد اقترح في «الآثار الباقية» اسما يمنيا ~~آخر، فقال: هو «أبو كرب شمر بن أفريقيش الحميري.» # 45 # ولنلاحظ أن كتابنا التراثيين قد درجوا على ~~احتساب أهل اليمن جميعا عبر تداول دولهم عبر التاريخ حميريين، ~~بحكم أنهم آخر دول اليمن المعروفة قبل الإسلام؛ لذلك وافق ~~«البيروني» - على حميرية «ذي القرنين» - كل من «ابن الكلبي»، ~~و«ابن حبيب» في المحبر، وإن خالفاه في الاسم، فهو عند كليهما ~~«الصعب بن قرين بن الهملل» و«ابن الهمال»، # 46 # وليس أبا كرب ولا صعبا. هذا ويوافق «الدارقطني» ~~و«ابن ماكولا» على ما أورده «ابن هشام» ms190 من أقوال تسميه «هرمس» ~~أو «هرويس»، لكنهما يزيدان في التأصيل والتنسيب لجدود الجدود، ~~فهو «هرويس بن قيطون بن لنطي بن كشلوخين بن بوتان بن يافث بن نوح»، # 47 # إلا أن «السهيلي» بدا واثقا أن «ذا القرنين» كان ~~«صعبا»، ودلل على ذلك بزعمه أن «قس بن ساعدة» خطيب قبيلة ~~إياد. قد عد «ذا القرنين» جده لأبيه، ونسب له خطبة يقول فيها ~~لأهله: «يا معشر إياد بن الصعب، ذو القرنين، ملك الخافقين، ~~وأذل الثقلين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كله كلحظة عين، وأنشد ~~ابن هشام للأعشى: # والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا # بالحنو في جدث أميم مقيم # وقوله بالحنو، يريد حنو قراقر الذي مات فيه ذو القرنين بالعراق.» # 48 # وهناك اجتهادات أخرى ذهبت في تسمية «ذي القرنين» مذاهب ~~مخالفة تماما لما أوردناه، وهو ما نجد له مثلا في كتاب ~~«إكمال الدين» الذي يذهب بإسناده إلى «عبد الله بن سليمان» إلى ~~أن «ذا القرنين» لم يكن لا «ضحاكا» ولا «عباسا» ولا «صعبا» ~~ولا «ذا كرب»، إنما كان «... رجلا من أهل الإسكندرية يقال له: ~~إسكندر»، ويذكر «الجزائري» أن بعض أهل السير، يذهبون إلى أنه ~~«الإسكندر ابن فليقوس»؛ لأنه لا غيره ينطبق عليه ما جاء في ~~القرآن الكريم وعلى اتساع ملكه، فالإسكندر - فيما يقول الرازي ~~- قد حصد ملوك الغرب واجتاح الغرب كله، ثم اتجه شرقا ففتح ~~بلاد الشام والعراق وفارس والهند والصين، ولما كان «الرازي» ~~يرى ثبوت ذلك تاريخيا، فقد قطع أنه «الإسكندر المقدوني»، # 49 # وبأنه «ذي القرنين» نفسه في القرآن الكريم، وهو ~~ذات عين المقصود بسؤال أهل مكة للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وقد وافق «محمد فريد وجدي» في القرآن المفسر على رأي ~~«الرازي» للأسباب نفسها، كما كان غير خاف ميل «المسعودي » ~~الشديد للرأي نفسه، وإن حاول التوفيق بين ما يقوله التاريخ عن ~~«الإسكندر» اليوناني، وبين ما ذهب إليه الإخباريون المسلمون ~~حول يمنية «ذي القرنين»، فقال في «مروج الذهب»: «وقد ذكره تبع ~~في شعره وافتخر به وأنه من قحطان، وقيل إن بعض التبابعة غزا ~~مدينة ms191 رومية وأسكنها خلقا من اليمن، وأن ذا القرنين الذي هو ~~الإسكندر، من أولئك المتخلفين بها، والله أعلم.» # 50 # أما «ابن هشام»، فبعد سرده لمختلف التقولات ~~والتسميات، فقد انتهى في «السيرة» إلى أن «ذا القرنين» «من أهل ~~مصر، وأنه الإسكندر الذي بنى الإسكندرية فعرفت به.» # 51 # أما «الطبري» فقد جاء واضحا دون تردد وهو يقول: ~~«هو إسكندروس بن قليقوس، ويقال فيه ابن قليس.» # 52 # ومعلوم أن «الإسكندر المقدوني» هو ابن فيليب - أو ~~بإضافة التصريف الاسمي اليوناني - ابن «فيليبس»، ولعل القول ~~ابن «قليقوس» خطأ يعود لما أسلفناه عن الكتابة غير المنقوطة، ~~خاصة مع ما ذكره الجزائري «ابن فليقوس». # وإضافة لهؤلاء، فقد وافق «الجزائري» في قصص الأنبياء (ممثلا ~~للشيعة)، كما وافق أيضا «ابن تيمية» في كتابه الرد على ~~المنطقيين (ممثلا للسنة)، على تسمية ذي القرنين «إسكندر» لكن ~~كليهما: الشيعي، والسني، ينفيان نفيا قاطعا أن يكون هو ~~المقدوني اليوناني. أما لماذا كان اسمه «إسكندر» بالتحديد، فهو ~~ما لا نجد له تبريرا أو توضيحا بشأنه لديهما، لكنهما انهمكا ~~بشدة في توضيح سبب رفض أن يكون هو المقدوني؛ لأنه لو كان هو ~~المقدوني فسيثير ذلك إشكالا كبيرا وعويصا؛ لأن المقدوني كان ~~تلميذا للفيلسوف اليوناني «أرسطوطاليس»، وأن تعظيم الله لذي ~~القرنين يوجب الحكم أن مذهب «أرسطو» صدق، وهنا يقف «ابن تيمية» ~~معلنا: «... وذلك مما لا سبيل إليه.» كما أنه يصف ذلك بقوله: ~~«وهذا جهل.» # 53 # وربما للسبب نفسه يعقب «السهيلي» على «ابن هشام» بالقول: ~~«وقول ابن هشام في السيرة أنه من أهل مصر، وأنه الإسكندر الذي ~~بنى الإسكندرية فعرفت به، قول بعيد ... ويحتمل أن يكون الإسكندر ~~سمي ذا القرنين تشبيها له بالأول، لأنه ملك ما بين المشرق ~~والمغرب فيما ذكروا أيضا.» # 54 # ويتابعه «الشهرستاني» في «الملل والنحل»، ويذهب ~~إلى أن «الإسكندر» لقب فعلا بذي القرنين، لكن «ليس هو المذكور ~~في القرآن»؛ # 55 # لذلك جاء عن «قتادة»: «إسكندر هو ذو القرنين، أبوه ~~أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام، فأما ذو ~~القرنين الثاني، فهو إسكندر ms192 بن فيلبس بن مصريم بن ... (ويظل ~~ينسبه سلفا إلى سلف حتى يصل إلى) ... ابن العيص بن إسحاق بن ~~إبراهيم الخليل»! وقد ذكر النسب نفسه المطول المفصل «ابن ~~عساكر» في تاريخه. # 56 # أما الحافظ «ابن كثير»، فيعقب على الإشكال بالقول: إن ~~«المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية، الذي يؤرخ بأيامه ~~الروم، كان متأخرا عن الأول (يقصد ذا القرنين القرآني) بدهر ~~طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، وكان أرسطوطاليس ~~الفيلسوف وزيره ... وإنما نبهنا عليه؛ لأن كثيرا من الناس ~~يعتقدون أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان ~~أرسطوطاليس وزيره، فيقع بدلك خطأ كبير وفساد عريض طويل، فإن ~~الأول كان عبدا مؤمنا صالحا، وأما الثاني فكان مشركا وكان ~~وزيره فيلسوفا (لاحظ استهجانه الشديد أن يكون وزير المؤمن ~~فيلسوفا، مع قرنه بالشرك)، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي ~~سنة، فأين هذا من هذا؟ لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا ~~يعرف حقائق الأمور.» # 57 # إذن؛ اختلف الرواة والمفسرون وأصحاب السير والأخبار في اسم ~~«ذي القرنين» اختلافا كبيرا، ويمكن إجمال توجهاتهم في ~~مذهبين: الأول يذهب إلى أن «ذا القرنين» كان عربيا قحطانيا ~~من اليمن، بينما ذهب آخرون بالمطابقة بين رواية القرآن الكريم ~~وبين أحداث التاريخ، إلى أن «ذا القرنين» هو «الإسكندر بن ~~فيليب» المقدوني اليوناني. وقد اعترض على أصحاب هذا المذهب ~~الثاني عدد من المفسرين، منهم «ابن كثير» و«ابن تيمية» «سنة» ~~و«الجزائري» «شيعي». وكانت الإشكالية تكمن في أن «الإسكندر» ~~كان تلميذا للفيلسوف اليوناني «أرسطوطاليس»؛ مما يوجب القطع ~~بكفر «الإسكندر» لتتلمذه على يد فيلسوف، وعليه فلا يمكن أن ~~يكون هو «ذا القرنين» المذكور في كتاب الله العزيز. # وإذا كان «ابن كثير» قد رأى في الخلط بين «ذي القرنين» وبين ~~«الإسكندر» خطأ كبيرا وفسادا عريضا طويلا ، وأنهما لا ~~يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور، فإن ~~«ابن تيمية» قدم للإشكال حلا فريدا قال فيه: «إن ذا القرنين ~~كان مقدما على أرسطو بمدة عظيمة، وكان مسلما بخلاف المقدوني، ~~وذي القرنين بلغ ms193 أقصى المشرق والمغرب، وبنى سد يأجوج ومأجوج، ~~والمقدوني لم يصل لهذا، ولا وصل إلى السد»! # 58 # و«ابن تيمية» إذ يقول ذلك «في كتابه: الرد على المنطقيين» ~~يضعنا - ولا مناص - في موقف قسري لمناقشته منطقيا، ولما كانت ~~مناقشته المطولة تخرج عن هدف هذا الموضوع، فسنكتفي بملحوظات ~~ثلاث، وهذا أضعف الإيمان. # والملحوظة الأولى: # هي حول قوله إن «ذا القرنين» كان مسلما، ~~وكان مقدما على «أرسطو» بمدة عظيمة، فإسلام ~~«ذي القرنين» هنا، يعني أنه قد آمن بدعوة ~~«محمد» رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبل أن يدعو بها ~~بأكثر من ألف عام إذا كان هو المقدوني، وإذا ~~لم يكن المقدوني، وكان مقدما على «أرسطو» ~~بمدة عظيمة، فإن ذلك يلقي بنا ألفا أخرى إلى ~~الوراء، أو يزيد، كما أن إسلامه يعني وفق ~~المنطق الإسلامي أن يكون «ذو القرنين» نبيا، ~~إذ ينسحق الزمان بكل آناته في لحظة، ويستدير ~~التاريخ عكس حركته الطبيعية ليصبح كل من سلف ~~من أنبياء - على اختلافهم واختلاف ظروفهم ~~واختلاف مجتمعاتهم وبنياتها، واختلاف قضية كل ~~منهم ومنهجه وطريقته - مجرد لحظة في الزمن ~~المحمدي، وباستدارة التاريخ دورة كاملة، تبدأ ~~ثم تنتهي عند نبي الإسلام # صلى الله عليه وسلم ~~، يصبح جميع ~~الأنبياء أتباعا له مؤمنين بدعوته، ويبيت هو ~~البدء والمنتهى في عالم النبوة، كما أصبح ~~الإله تعالى هو الأول والآخر في عالم ~~الربوبية، وعليه فإن «ابن تيمية» يعني بذلك أن ~~«ذا القرنين» كان واحدا من الأنبياء الكرام، ~~عليهم جميعا الصلاة والسلام، ومثلهم فهو من ~~أتباع نبي الإسلام # صلى الله عليه وسلم ~~، الذي سبق الجميع ~~وكان غرة من نور في جبين «آدم»، حملتها أصلاب ~~الطاهرين، ومن أجله، وتمهيدا لدعوته، كانت ~~نبوات ورسالات جميع السالفين! # والملحوظة الثانية: # تتمثل في أمرين مؤكدين عند شيخ فقهاء السنة ~~«ابن تيمية»: الأمر الأول أن «ذا القرنين» هو ~~الذي بنى سد يأجوج ومأجوج، والثاني هو أن ~~«الإسكندر» لم يصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج، ~~ويقدم على ذلك براهين، أهمها: أنه لم يرد في ~~الوثائق التاريخية عن «الإسكندر المقدوني» ما ~~يفيد بوصوله إلى ms194 مكان أو سد أو أمة تحمل هذا ~~الاسم، لكن أن يكون هناك سد أو مكان أو قوم ~~بهذا الاسم وأن «ذا القرنين» وصلهما، فهو عند ~~«ابن تيمية» من المسلمات التي لا ينالها شك؛ ~~لثبوته بالدليل النقلي في كتاب الله ~~الكريم. # أما الملحوظة الثالثة: # فهي أنه - حتى اليوم - لم يعرف بعد ماذا ~~قصد القرآن الكريم بأمة يأجوج ومأجوج، ولا أين ~~موضعهم، ولا أين ذلك السد على الكوكب الأرضي، ~~والآراء في ذلك بها خلف كبير، لكن «ابن تيمية» ~~الذي أفحم كل المناطقة بمنطقه، يجزم - ~~اعتقادا - بكونها مواضع موجودة بل ومعلومة ~~يقينا، لكنها معلومة في الوحي الذي يعرفها ~~جيدا ويعرف أن «ذا القرنين» وصلها. كما أنه ~~معلوم في علم التاريخ القاصر، الذي يجهل هذه ~~المواضع، أن «الإسكندر المقدوني» لم يصل تلك ~~المواضع التي يعلمها الله الذي هو فوق ~~العالمين، لكن الذي لا يماري فيه مكابر، أن ~~«ابن تيمية» نفسه لم يكن لديه أدنى علم بموقع ~~هذه الأمة وسدها. واكتفى بأن يعلمها الله، ~~وآمن بوجودها كما قرر القرآن الكريم، وأن هذه ~~الأمة وسدها مقرونان بذي القرنين في القرآن، ~~لكنها غير مقرونة بالمقدوني؛ لأنه لو كان ~~وصلها لعرفها علم الجغرافيا وعلم التاريخ ~~وكشف عن أمرها، وهو أمر يحمل دلالة قصور علم ~~الإنسان الغر المفتون؛ ومن ثم فلا مناص - ~~حسب منطق الرد على المنطقيين - من الاعتراف ~~بتواضع، أن «الإسكندر المقدوني» «لم يصل لهذا ~~ولا وصل إلى السد»، وهذا دليل كاف على ~~محدودية رحلته ومحدودية علمه بالذات، ذلك ~~العلم الذي تلقاه عن «أرسطو» الفيلسوف، إذا ما ~~قارناه بعلم «ذي القرنين» الذي علمه الله ~~وآتاه الأسباب، وأرشده إلى أماكن لا تعرفها ~~الإنسانية على كوكبها حتى اليوم، وربما لن ~~تعرفها أبدا وفق منطق الرد على ~~المنطقيين. # أما لماذا لقب القرآن الكريم هذا الفاتح العظيم بلقب «ذي ~~القرنين»، فهو أمر لم يسلم بدوره من خلاف، فيذكر «المسعودي»: ~~«أنه سمي بذي القرنين لبلوغه أطراف الأرض، وأن الملك الموكل ~~بجبل قاف سماه بهذا الاسم.» ثم يضيف: «... رضي الله عنه.» # 59 # ويشرح «ابن ms195 كثير» فيقول: «واختلفوا في السبب الذي ~~سمي به «ذا القرنين»، فقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، ~~قال «وهب بن منبه»: كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف، ~~وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الفرس والروم، وقيل: لأنه بلغ ~~قرني الشمس شرقا وغربا وملك ما بينهما من الأرض ... # وهو قول الزهري، وقال «الحسن البصري»: كانت له غديرتان من ~~شعر يطافيهما فسمي ذا القرنين ... وعن علي بن أبي طالب أنه سئل ~~عن ذي القرنين؛ فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، دعا قومه ~~إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى ~~الله فضربوه على قرنه الآخر فمات، فسمي ذا القرنين.» # 60 # وقد أجمل «الثعلبي» و«الجزائري» بقية التعلات لهذا اللقب، ~~منها أنه أمسك في رؤياه بقرني الشمس، ومنها أنه كان ذا ضفيرتين ~~عظيمتين، ومنها أنه كان يلبس تاجا ذا قرنين - وهو في رأينا ~~أصح الآراء كما سيتبين لاحقا - ومنها أنه انقرض في وقته قرنان ~~من الزمان، ومع ذلك يصر كلاهما بالإسناد إلى وهب أنه عاش ~~خمسمائة عام! # 61 # أما «ابن كثير» فيذكر أنه مكث ألفا وستمائة سنة ~~يجوب الأرض ويدعو للإسلام (متجاوزا العمر القياسي للنبي نوح ~~عليه السلام)! ونسب القول لأهل الكتاب، رغم أن كتاب أهل الكتاب ~~لم يذكر «ذا القرنين». ثم لا يعجبه ذلك فيعترض بالقول: «وفي كل ~~هذه المدة نظر.» # 62 # ثم يورد قول «ابن عساكر» «أنه عاش ستا وثلاثين ~~سنة، أو كان عمره ثنتين وثلاثين سنة ... وكان ملكه ستة عشر سنة.» ~~ويعترض مرة أخرى ويقول: «إن الذي ذكره «ابن عساكر» إنما ينطبق ~~على إسكندر الثاني «المقدوني» وليس الأول «ذو القرنين»، وقد ~~خلط (أي ابن عساكر) في أول الترجمة وآخرها بينهما». # 63 # ولكن الطريف والذي لا يغيب على فطن، أن من سلكوا «ذا ~~القرنين» ضمن العرب اليمنية، قد استبطن حديثهم زلات تشير إلى ~~يقين داخلي بأمر آخر، فهو وإن كان عند «ابن كثير» من أزد اليمن ~~واسمه عربي قح «مصعب»، فإن هذا من جهة الأب؛ لأن ms196 أمه كانت ~~رومية! ثم فلتة تأتي على خجل واستحياء في قوله: «وكان يقال له ~~ابن الفيلسوف لعقله.» (وهل ثمة فيلسوف هنا غير أرسطو؟) أما ~~السهيلي الذي أصر على اسم الصعب واستمات دونه، ووقف يتلكأ عند ~~بيت منسوب للأعشى ورد عند «ابن هشام»، يقول: إن «الصعب ذا ~~القرنين» مات ودفن في «حنو قراقر» بالعراق، فيبدو أن «السهيلي» ~~لم يكن يعلم أن ذلك الموقع بالتحديد كان الموضع الذي قضى فيه ~~«الإسكندر المقدوني» نحبه، وقت كانت العراق وإيران إمبراطورية ~~فارسية مهزومة. أما «ابن تيمية» و«الجزائري» فقد كانا على يقين ~~أن «ذا القرنين» ليس هو القائد اليوناني الأشهر، لكنهما أصرا ~~على منحه ذلك الاسم الغريب على اللسان العربي، ~~«إسكندر»! # عن النبوة والعروبة # هذا ما جاء عن اسمه، ولقبه، أما عن نبوته من عدمها، فهي قضية ~~أثارتها الآيات الكريمة: # ويسألونك ~~عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ~~ذكرا * إنا مكنا له في ~~الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا * ~~حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها ~~تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما ~~قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا ~~(الكهف: ~~83-86). ويفسر وجدي: «ويسألونك يا محمد عن ذي القرنين، وقيل: ~~سأله اليهود امتحانا له، وقيل: سأله مشركو مكة، فأجابه الله ~~للتساؤل: قل سأتلو عليكم منه ذكرا.» # وهنا، يمكن تقرير ضعف احتمال أن يكون السؤال قد وجهه اليهود ~~للرسول # صلى الله عليه وسلم # لأسباب: أولها تقرير كتب الأخبار أن السائلين ~~هما «النضر بن الحارث»، و«عقبة ابن أبي معيط»، وقد لقيا الجزاء ~~الوفاق، بعد تمكن الإسلام من قوته، فقتل أحدهما في نخلة، وقتل ~~الآخر في الروحاء بعد أسرهما في وقعة بدر الكبرى. وثانيها أن ~~الحديث كان قبل هجرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة، حيث اليهود ، ~~باعتبار سورة الكهف مكية لا مدنية، كما أن الحرب الجدالية بين ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وبين بهود المدينة لم تكن قد بدأت بعد. وثالثها ~~أنه ليس في المأثور اليهودي أية قصة تشير إلى ms197 نبي أو بطل باسم ~~«ذي القرنين»، وعليه يكون المقبول هو ما أوردناه في صدر هذه ~~الدراسة، عن تساؤل مثقفي مكة، وما جاءت به كتب الأخبار، حيث ~~كان النبي يحدث أهل مكة بأمور وجدوا لها صدى فيما سبق أن ~~علموه، في رحلاتهم التجارية، أو بعثات بعضهم الدراسية، لكن ~~التساؤل هذه المرة كان عن «ذي القرنين»، هل كان ملكا صالحا، ~~أم نبيا مرسلا، أم مجرد شخصية تاريخية فحسب؟ # وبهذا الصدد نجد عددا من الروايات تحاول الإجابة، لعل ~~أغربها ما جاء عند «المسعودي» في قوله: «ومنهم من رأى أنه ملك ~~من الملائكة، وهذا القول يعزى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.» # 64 # ويزيدنا «ابن كثير» تفصيلا فيقول: «وأغرب من قال: ~~إنه ملك من الملائكة، وقد حكي عن أمير المؤمنين «عمر بن ~~الخطاب»، أنه سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: مه، ~~ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسميتم بأسماء الملائكة؟» # 65 # لكن «ابن كثير» الحافظ كان واثقا أن «الصحيح أنه ~~كان ملكا من الملوك العادلين.» وهو ما يتضارب مع ما أسلفناه ~~عن اعتقاده بنبوة «ذي القرنين»، ثم هو يورد ما قيل بشأنه «وقيل ~~إنه كان نبيا، وقيل كان رسولا ... وعن ابن عباس قال: كان ذو ~~القرنين ملكا صالحا رضي الله عمله وأثنى عليه في كتابه، وكان ~~منصورا، وكان وزيره الخضر، وذكر أن الخضر عليه السلام كان على ~~مقدمة جيشه ... وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على ~~يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل ~~عليه السلام، وروي عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ~~ذا القرنين حج ماشيا، وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا ~~له ورضاه، وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد.» # 66 # ويعلل سبب تسخير السحاب لذي القرنين، مضاهاة ~~بسليمان الذي سخرت له الريح لتحمله على بساط الريح، بقوله: ~~«جيء له بفرس ليركبها، فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فسخر ~~له الله السحاب، وبشره إبراهيم بذلك.» # 67 # ومن جهة ms198 أخرى فإن رواية الإمام «علي» تنكر تماما نبوة «ذي ~~القرنين»، إذ أكد «أنه لا ملك ولا نبي، بل عبد أحب الله فأحبه، ~~فمكن له في الأرض.» # 68 # وفي رواية أخرى عنه كرم الله وجهه قال: «إن ذا ~~القرنين ملك مبعوث وليس رسولا ولا نبيا.» وفي الحديث أنه ~~أسلم ودعا إلى الإسلام، وبنى مسجدا ضخما، ودعا دهقان ~~الإسكندرية لإمامته. # 69 # أما من ذهبوا إلى كونه نبيا، فقد استندوا إلى ما ورد ~~بالآيات عن تمكين الله له في الأرض ومنحه الأسباب، والكلام معه ~~«قلنا: يا ذا القرنين ...» وكله لا يجوز إلا مع نبي. # أما الحديث النبوي فيفصل في الأمر؛ حيث يقول المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا أدري أكان ذو القرنين نبيا، أم لا.» # 70 # ومع القول الفصل للنبي محمد # صلى الله عليه وسلم # يجد الباحث لنفسه مساحة ~~واسعة من الاجتهاد، وخاصة مع كثرة ما أسلفناه من آراء، وكانت ~~نوعا من الاجتهاد، رغم أننا قد أوجزنا بالقدر الذي لا يخل، ~~وأوفينا بما لا يمل، وراعينا الكثير من الحساسيات التي تفرضها ~~الظروف، فتخطينا الكثير، وأبقينا الأهم من القليل، وبلونا ~~أنفسنا بمشقة البحث فيا يستأهله الغرض ونبل المبتغى، والعقل من ~~وراء القصد. # وهنا، يمكننا أن نقرر باطمئنان أن «ذا القرنين» لا يمكن - ~~كما جاء عند الإخباريين - أن يكون أحد العبابيس، ولا الضحاكين، ~~ولا ذوي الكرب، ولا الهمالين، ولا صعبا ومصعبا ... إلخ، ~~لاعتبارات أشدها حسما، هو أنه لم يرد في التاريخ المدون ذكر ~~لفاتح عظيم، طاف بين الخافقين، يحمل واحدا من هذه الأسماء، ~~ولا جاء في التاريخ ذكر ليمني أو حميري، أو لقائد فزاري أو ~~إيادي أو أزدي، جرد الجيوش والكتائب، واجتاح قلاع الدنيا ~~وحصونها، كما ورد في قصة «ذي القرنين» القرآنية. # كما لا يمكن قبول ما قد يقال: إنه ربما كان أحد هؤلاء هو ~~الفاتح «ذو القرنين »، وأن التاريخ المدون أهمله غفلة؛ لأنه كان ~~سابقا على التدوين واكتشاف الكتابة؛ لأن هذا المذهب سيصطدم ~~مباشرة مع أبسط المبادئ التي نعرفها في علوم الاجتماع ~~والعمران، وتشكل ms199 ردا بدهيا يقول: وهل كان قبل التاريخ ~~المدون دول ووحدات سياسية كبرى، يحتاج احتلالها إلى جيوش ~~وقادة؟ خاصة مع المعلوم الثاني والبدهي بدوره، وهو أن الكتابة ~~لم تبدأ إلا مع الاستقرار الاجتماعي، في وحدات سياسية مركزية ~~إدارية كبرى، بعد قيام المجتمع المنظم، وقبلها لم يكن للإنسان ~~شأن يزيد عن بقية الكائنات الابتدائية، وحتى بعض بسائط خبرات ~~وأساطير البشر الأولى، وجدت طريقها إلى التدوين، بعد أن كانت ~~تتوارث شفاهة من جيل إلى جيل، وليس فيها حسبما نعلم من علوم ~~الميثولوجيا أي ذكر لملك أظل عرشه الأرض يحمل اسم الضحاك أو ~~العباس، كما لا يمكننا في الوقت نفسه أن نأخذ مأخذ الجد ~~العلمي، الحالة الوحيدة التي وقعت بأيدينا، وحاولت الكشف - ~~بروح إيمانية عالية - عن «ذي القرنين»، في الملحمة الرافدية ~~القديمة عن الملك الإله «جلجامش»، والتي دونها السومريون ~~والبابليون من بعدهم، وعالج الباحث «محمد نجيب البهبيتي» في ~~محاولته تلك، مصداقية القرآن الكريم، متناغمة بالتبادل مع ~~الأحداث الأسطورية لملحمة «جلجامش»، بحسبانه «ذا القرنين»، ~~وأنه فتح بلاد الدنيا، واكتشف أمريكا وأستراليا، ودار حول ~~العالم، مع إرجاعه إلى أصول يمنية، وذلك في مجلدين يتسمان ~~بالضخامة والجزالة والجهد، بعنوان «المعلقة العربية ~~الأولى». # ولعل موقفنا - من الأستاذ الباحث رغم جهده الواضح حقا - ~~نابع من إصرارنا على التزام البحث لأصول المنهج العلمي، بعيدا ~~عن التلاعب بالألفاظ والابتسار، والقفز فوق الأحداث، ~~والانتقائية، والتفسير على الهوى للتيسير في الوصول، والتعصب ~~غير العلمي للعنصر، فجاء جهد المؤلف المشكور كالعهن المنفوش، ~~ولأن هذا أمر يحتاج إلى قول آخر ربما في موضع آخر غير مقامنا ~~هذا، فقد آثرنا الإشارة إليه للتنويه، حتى لا يحيلنا قارئ ~~مجتهد إليه ويحسبنا عنه غافلين، وربما غفلنا عن القول الآخر في ~~الموضع الآخر إن آثر المؤلف السلامة وجنبنا الملامة. وإن ~~المعتاد على التعامل مع كتبنا التراثية، لن يرى في تنسيب «ذي ~~القرنين » عربيا أية غرابة، حيث اعتاد كتابنا - السالفون ~~عافاهم الله - تعريب كل ما يصادفهم، وإرجاعه عنصريا للعنصر ~~العربي، وإن لم يتمكنوا من ذلك، ومع مبدأ أضعف الإيمان، ~~يرجعونه ms200 طائفيا إلى عقيدة الإسلام؛ فيحال البطل إلى أي ولد ~~من أبناء نوح حلا للإشكال، وفي ذلك ضمان ولو بعيد لإدراجه ~~ضمن المسلمين عبر إسلام نوح عليه السلام. # ومثال لذلك أن نقرأ اسم فرعون مصر في عهد النبي «إبراهيم ~~عليه السلام» «سنان بن الأشل بن علوان» «من عائلة علوان»! ~~وفرعون «يوسف عليه السلام»: «الريان بن الوليد بن الليث»، أو ~~ربما «الأقرع بن الجدع الجدعاني»، مما لا يمتنع معه أن يكون ~~فرعون «موسى» ليس واحدا ممن أعلمنا بهم التاريخ احتمالا، مثل ~~«تحتمس الثالث» أو «رمسيس الثاني» أو «مرنبتاح» أو «حور محب»؛ ~~لأنه في تراثنا هو «الوليد بن مصعب بن الهلوات»، # 71 # ومن هنا فلا بأس إن قالوا: إن «ذا القرنين» كان ~~«صعبا» أو «ذا كرب». # وإذ لم يكن العرب بمعزل عن الحضارات الكبرى السالفة، أو ~~الحضارات التي عاصروها، خاصة مع صفتهم كبدو مرتحلين دوما على ~~أطراف الوديان الخصيبة، ومع صفتهم كعمالة رخيصة في المناجم ~~الحدودية لإمبراطوريات الأوان، ومع امتهانهم التجارة ~~القومسيونية في قرون ما قبل الإسلام، فقد أدى ذلك بالعربي إلى ~~الاطلاع على شئون تلك الحضارات ومعتقداتها، لكن الفارق الثقافي ~~الهائل، أفسح مساحة أخرى هائلة للخيال العربي؛ ليسد تلك ~~الفجوة، ويعيد الاتزان المفقود، مع الانبهار بشيء مثل حدائق ~~بابل المعلقة، أو أمام أهرامات مصر، أو قصور فارس، أو سور ~~الصين. فما كان للبدوي في تفرقه القبلي، أن يتصور إمكان قيام ~~أفراد من جنس البشر بإقامة مثل تلك الإنجازات الضخمة، بالقدرات ~~الإنسانية وحدها؛ لذلك، وحتى يتقبل الجاهليون ما شهدوه أو ~~سمعوه، قاموا يملئون الفجوة النفسية والهوة الثقافية بردم من ~~المعجزات؛ ومن ثم لم تكن شخصية كشخصية «الإسكندر»، ~~بإنجازاته خلال عمر قصير وزمن قياسي، لتفلت من صياغة بدوية، ~~فكان أن صاغوا حوله الكثير، حتى ذكر «الدميري» اعتقاد العرب أن ~~رجلا كالإسكندر لا بد كان مؤيدا من قوة عليا ؛ لذلك قالوا: إن ~~أمه وإن كانت آدمية، فإن أباه كان أحد كبار الملائكة المكرمين، ~~ويبدو - فيما يزعم «الدميري» - أن هذا الأثر قد استمر إلى ما ~~بعد ms201 الإسلام، فيقول: إن عمر بن الخطاب سمع رجلا ينادي: يا ذا ~~القرنين، فقال: «أفرغتم من أسماء الأنبياء، حتى ارتفعتم لأسماء الملائكة؟» # 72 # وسنرى لاحقا إلى أي حد تأثرت كتب التراث بالمأثورات ~~الجاهلية، لكن ما نظنه لم يعد خافيا على قارئنا، أننا نذهب ~~تماما إلى كون «ذي القرنين»، الذي سأل عنه «النضر بن الحارث» ~~و«عقبة بن أبي معيط»، والذي أجابهما عنه التنزيل الحكيم، ليس ~~شخصا آخر غير «الإسكندر» المقدوني، القائد اليوناني. وهو ما ~~سنحاول إقامة الدليل عليه، رغم ما يثيره الشيعي «الجزائري»، ~~والسني «ابن تيمية» من غبار، مع تغاضينا بالطبع عن وصف «ابن ~~كثير» لمثل موقفنا بالغباء وعدم معرفة حقائق الأمور. # واستبعادا لصفة الغباء، وحتى لا يدخل جهدنا ضمن ما وصفه ابن ~~كثير بأنه «خطأ كبير، وفساد عريض طويل»، فسنتابع الأمر مع ~~الوحي الرباني الصادق صدق رب العالمين، وما عقب به أهل السلف ~~والصحابة وأصحاب السير والأخبار، فيما بقي عن المؤمن الثاني ~~«ذي القرنين» من أخبار. # من المغرب إلى المشرق # يفسر «فريد وجدي» الآيات حول «ذي القرنين» بقوله: «إن الله ~~مكنه في الأرض، وأطلق يده حرة فيها، ومنحه كل الوسائل ~~والأسباب للوصول إلى غايته، وكانت الغاية الأولى هي الوصول إلى ~~مغرب الشمس، ولما وصلها وجدها تغرب في عين حمئة، أي ذات طين ~~أسود حارة.» ويتطوع «الجزائري» بجمع موجز الأمر من كتب التراث، ~~فيقول: «إن مكان غروب الشمس هذا، هو آخر العمار من الأرض وكان ~~في طريقه يدعو الأمم لعبادة الله ... وكان إذا مر بقرية زأر فيها ~~كالأسد المغضب، فينبعث من قرنيه بروق ورعود وظلمات وصواعق تهلك ~~من يخالفه ... ولما وصل إلى العين التي تغرب فيها الشمس وجدها ~~تغرب فيها، ومعها سبعون ألف ملك يجرونها بسلاسل الحديد ~~والكلاليب، يجرونها إلى البحر من قطر الأرض الأيمن، كما تجر ~~السفينة على ظهر الماء! أما أين هذه العين التي تبيت فيها ~~الشمس ليلها، ففي الأثر المنسوب للإمام علي رضي الله عنه «تغرب ~~الشمس في عين حمئة، دون المدينة مما يلي المغرب مباشرة ...»» ~~ويتطوع الجزائري موضحا ms202 اسم المدينة التي مما يلي المغرب، حتى ~~تستكمل المشهدية الهائلة، بأمانة وإصرار يحسد عليهما، فيقول: ~~«... مما يلي المغرب مباشرة، يعني جابلقا.» # 73 # وإذا كانت رحلة «ذي القرنين» الأولى إلى مغرب الشمس، سعيا ~~وراء هداية الخلق الذين يسكنون دون المدينة مما يلي المغرب ~~مباشرة أي جابلقا؛ لعبادة الله الواحد القهار، فإن رحلته ~~الثانية - كما هو واضح لدى إخباريينا - كانت تستهدف غاية أخرى، ~~ورغبة طالما راودت بني الإنسان هي الحصول على الحياة الدائمة ~~الخالدة، وهو ما جاء في ذكر «السهيلي» عن «ذي القرنين» «وهو ~~صاحب الخضر حيث طلب ماء الحياة، فوجدها الخضر ولم يجدها ذو القرنين.» # 74 # وقد ذكر «ابن كثير» «عن جعفر الباقر عن أبيه زين ~~العابدين خبرا مطولا جدا، فيه أن ذا القرنين كان له صاحب ~~من الملائكة يقال له رنقائيل، فسأله ذو القرنين: هل تعلم في ~~الأرض عينا يقال لها عين الحياة، فذكر له صفة مكانها، فذهب ذو ~~القرنين في طلبها، وجعل الخضر على مقدمته، فانتهى الخضر إليها ~~في واد في أرض الظلمات، فشرب منها، ولم يهتد ذو القرنين إليها.» # 75 # ويفصل «الثعلبي» و«الجزائري» فيما موجزه، أنه كان لذي ~~القرنين خليل من الملائكة يدعى «رفائيل» (واضح هنا اختلاط ~~الاسم لقراءة الكتابة غير المنقوطة في الاسمين: رنقائيل، ~~ورفائيل) ينزل إليه من السماء يسليه بالحديث ويناجيه، وقال له ~~يوما: يا ذا القرنين إن لله في هذه الأرض عينا تدعى عين ~~الحياة، من شرب منها لا يموت حتى يطلب الموت، ولما علم «ذو ~~القرنين» أن هذه العين تقع بالظلمات الواقعة خلف مطلع الشمس ~~(طبيعي عندهما أن يكون وجه الشمس هو المضيء، وأن يكون لها ~~وراء، وطبيعي أيضا أن يكون قفاها مظلما)، جمع جيوشه يخوض ~~البحار ويقطع الجبال اثنتي عشرة سنة، حتى وصل إلى بداية أو طرف ~~الظلمة، وهناك انتخب لقيادة الجيش شخصية تراثية شهيرة أخرى هي ~~«الخضر»، المعروف بالحي الغائب، وخاض بهم فيما وراء الشمس، في ~~الظلمة، وهناك دعا ثلاثمائة وستين من رجاله بينهم «الخضر»، ~~ودفع إلى كل منهم سمكة، وقال لهم: ms203 اذهبوا في الظلمة فهناك ~~ثلاثمائة وستون عينا، وليغسل كل منكم سمكته في عين منها، ~~فذهبوا، لكن سمكة «الخضر» انزلقت منه، فسبح وراءها وعب من ~~الماء، ولما عاد أعلم «ذا القرنين» بما حدث فقال له: كنت أنت ~~صاحب عين الحياة، وهذا هو السبب أن «الخضر» حتى اليوم حي، لكنه ~~غائب لأنه شرب من عين الحياة الخالدة، ولم يصلها «ذو القرنين» ~~ليشرب، ومات صغيرا (وربما حسيرا). # أما أين تقع هذه العين العجيبة جغرافيا، فهذا ما نجده عند ~~«الثعلبي» في باب يسميه «باب دخول ذي القرنين الظلمات مما يلي ~~القطب الشمالي لطلب عين الحياة»، وجميل أن يحيط الثعلبي علما ~~بظلمة القطب، وربما أبهرنا! لكنه سرعان ما يعود إلى موقعه بين ~~زملائه الكرام من الإخباريين سالما، عندما يردف قائلا: «إن ~~عالما من علمائنا وجد عين الحياة الخالدة، في الأرض التي على ~~قرن الشمس.» # 76 # ونفهم من الآيات الكريمة (الكهف: 89-98) وما لحقها من تفاسير ~~وشروح، أن «ذا القرنين» في رحلته المشرقية إلى مطلع الشمس، أو ~~إلى ما وراء الشمس، قد صادف غرائب وعجائب ومغامرات عظيمة، ~~نظيرها في ملاحم المغامرات فريد، فقد مر على قوم «لا يكادون ~~يفقهون قولا»، استغاثوا به ليحميهم من زحف قوم آخرين على ~~بلادهم هم قوم يأجوج ومأجوج، ويصف تراثنا يأجوج ومأجوج بأنهم ~~قصار القامة أو طوالها جدا، حفاة عراة، لهم وبر كالإبل، لكل ~~منهم أذنان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى لهم مخالب وأضراس ~~وأنياب كالسباع، إذا جاعوا ساحوا في البلاد كالآفات والجراد، ~~يأتون على كل شيء، ينجب الواحد منهم ألفا. # 77 # وفي شرح الشيخ «أبي زكريا النواوي» لصحيح مسلم ~~قال: «إن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطوا ~~بتراب الأرض، فخلقوا من ذلك.» # وعقب «ابن كثير» على ذلك الحديث بقوله: إنه «لا دليل عليه، ~~بل هو مخالف لما ذكر من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص ~~القرآن.» ثم يعترض على الذين ذكروا في أطوالهم أمورا متباينة ~~فيقول: «وهكذا من زعموا أنهم على أشكال وأطوال متباينة جدا، ~~فمنهم ms204 من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية القصر.» وكان ~~اعتراض «ابن كثير» مؤسسا على دليل نقلي، حيث: «قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ~~ينقص حتى الآن، وهذا فيصل في هذا الباب.» # 78 # يعني أنهم أقصر من آدم بكثير. # ووصل زحف يأجوج ومأجوج إلى حدود الذين لا يكادون يفقهون ~~قولا، فقالوا لذي القرنين: «فاجعل بيننا وبينهم ~~سدا قال: آتوني زبر الحديد»، ودلهم على جبل الحديد ~~والنحاس، وأعطاهم لقطعه السامور «عند الجزائري» أو الساهور ~~«عند الثعلبي»، الذي إذا وضع على شيء أذابه، وبه قطع سليمان ~~صخور بيت المقدس ثم صهروا الحديد والنحاس وردموا بين الجبلين، ~~وبنى سدا عرضه ميل وطوله ثلاثة. # 79 # وبذلك احتمى الذين لا يكادون يفقهون قولا وراء ~~السد أو السور العظيم، وسيظل الأمر كذلك حتى يوم القيامة، ~~يحاول يأجوج ومأجوج كل يوم هدم السد والخروج من ورائه إلى ~~الأمم، ويفشلون، إلى أن ينهار السد ويخرجوا منه، ولا يوقفهم عن ~~اجتياح الدنيا والتهام البشر من أمريكا حتى الصين سوى الله عز ~~وجل، وأن يوم خروجهم من علامات الساعة وأشراطها. # ويحدد «الطبرسي» مكان هذا السد بكل دقة، فيقول: «إنه وراء در ~~بندر وخزر من ناحية أمرينية وأذربيجان»! أما «النيسابوري» فلا ~~يفوته الإدلاء بالقول الأدق مع تحديد المسافة بعناية، فيقول: ~~إن موضع السد وراء زخرد بقرب مشرق الأرض، بينه وبين الخزر ~~مسيرة اثنين وسبعين يوما، وإمعانا في التدقيق يضيف: «وإن ~~مطلع الشمس قريب جدا هناك، إلى حد أن الناس هناك يصطادون ~~السمك ويطرحونه في الشمس مباشرة، فينضج.» # الجذور # وبعد استعراضنا للمادة التراثية حول «ذي القرنين»، يبقى ~~علينا البرهنة على زعمنا، الذي لم نرشح فيه «الإسكندر ~~المقدوني» ليكون «ذا القرنين» القرآني فقط، بل واحتسبناه هو ~~محور كل حديث التراث، بداية من سؤال المكيين الاختباري، والذي ~~أضمر المقدوني، وأسفر عن ملمح من طرف الخيط إمعانا في ~~الإلغاز، لاستكشاف مصداقية علم النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # اللدني، ~~ومرورا بالرد القرآني الكريم ms205 على المتسائلين بالجواب المفحم، ~~وانتهاء بروايات المحدثين والمفسرين وأصحاب السير والأخبار من ~~رجالات تراثنا الأفاضل، ولكن موقفنا - في ضوء حجج «الجزائري» ~~و«ابن تيمية» و«ابن كثير» - بحاجة إلى ما هو أكثر من التبرير، ~~وربما كان مطلوبا منا - على الأقل - عدد من القرائن يرقى في ~~مجمله إلى مرقى الدليل. وقد يبدو أننا في مأزق شديد، حيث لا ~~دليل نقليا على ما زعمنا، وليس ثمة شخصية تاريخية - في ~~المقابل - تحمل اسم «ذي القرنين»، وجلي أن المادة المتوافرة ~~لدينا حتى الآن هي من القرآن الكريم، وما لحق آياته من شروح ~~وتفاصيل، وهي - وإن مال بعض المفسرين لرأينا - لا يبدو أنها ~~ستساعد في تقديم القرائن المطلوبة لترجيح مذهبنا، ناهيك عن ~~القطع في الأمر. # لكن؛ ربما كان مناسبا هنا طرح نموذج لمنهجنا الذي سبق أن ~~ساعفنا في دراسات عديدة منشورة. وفي إشكاليات لا تقل تعقيدا، ~~واهتدينا بسننه سبيلا أقوم فيما عرض لنا من مشكلات، وبه كنا ~~نجد - دوما - لآخر الحلقات، ارتباطاتها المتعشقة بأصولها على ~~التوالي، في خط تطوري لا جدال فيه، وهو ما سنحاوله هنا أيضا، ~~فإن أصبنا فلنا مثابة الأجر المضاعف، وإن أخطأنا فلنا إثابة ~~الأجر الواحد، وهو يكفينا تماما، فما تجشمنا إلا مشقة البحث ~~عن الجذور، وترتيب الأمر حسب الأصول، وهي مشقة لها من ~~يقدرونها، وبهم نحن في غنى وكفاية، أما مثابة الأجر الواحد ~~فهي تغنينا عن العالمين، لاتفاقها التناسبي مع كرم رب ~~العالمين. # وحتى نسلك طريقنا إلى الجذور، فلا بأس من تنبيه للقارئ ~~الكريم إلى أنه، إذا كان قد وجد فيما أسلفنا حتى الآن لذاذة ~~المعرفة مع طرافة النادر في الأخبار، فربما وجد الآن بعض ~~العناء والوعثاء، فالدرب معقد شائك، ورغم ذلك فقد احتملنا ~~مشقته عن القارئ، فهذبنا المتشابكات، وأعدنا شواذ الفروع ~~والأغصان إلى مسلكها الصحيح، وقدر الإمكان غلفناه بالشائق، لكن ~~للعلم صرامته رغم تطوع الباحث من أجل تطويع موضوعه يسرا ~~للقارئ ؛ ومن ثم فربما جاء هذا الجزء من الدراسة نافرا بعض ~~الشيء عن باقي العمل، وربما ارتأى فيه نشوزا بلا معنى، وربما ms206 ~~رآه منقطع الصلة بموضوعنا؛ لذلك نطلب من القارئ الكريم إمهالنا ~~شيئا يسيرا؛ ليتكشف له من الأمر كثير، فصبرا قليلا، وسيجد ~~أن لكل معلومة ترد هنا مكانها، بل سيجد أن هذه الحلقة هي سدة ~~الموضوع كله ولحمته، والله المستعان. # في كتابه «عجائب المخلوقات» يؤكد «القزويني» عن يقين، ~~وبخلاصة ما تراكم - حتى عصره - من معارف الأولين، أنه «إذا دفن ~~القرنان تحت شجرة بكرت بالحمل.» # 80 # أي إنه إذا دفن الزارع تحت الشجرة أو في الحقل ~~قرنين من قرون الحيوانات، جاء محصوله مبكرا ووفيرا، لكن ~~الغريب أن تخبرنا كتب التراث الإسلامية، أن أهل الجاهلية كانوا ~~يعلقون بجدار الكعبة المشرفة قرنين. # 81 # وفي القديم تظهر لوحة رافدية قديمة للإله «آشور» رب الدولة ~~الآشورية الأكبر، وهو يلبس قلنسوة ذات قرنين، # 82 # وكان الملك آشور بانيبال يجمع الحكماء، ويقول لهم: ~~«الحمل ذو القرنين يحل محل رجل، رأس الحمل يعطى بدل رأس الرجل.» # 83 # أما أجمل رسم بارز وصل إلينا من الفن الأكدي بجنوب ~~الرافدين، ويرجع تاريخه إلى القرن الثالث والعشرين قبل ~~الميلاد، فيصور لنا الملك الأكدي «نرام سين» وهو يلبس خوذة ~~يعلوها قرنان هما رمز ملكه. # 84 # وأول ما يلاحظه الباحث هنا أن الملكين يحملان اسمين لهما ~~علاقة وطيدة بالقمر في حالة الهلال، فالاسم «نرام سين» اسم ~~ملصق من مقطعين، والمقطع الثاني منه «سين»، هو أحد الأسماء في ~~اللغات السامية الدالة على القمر، أما الاسم «آشور بانيبال» ~~فهو في النطق الأصدق «آشور باني بعل» ويعني «آشور خالق بعل»، ~~وبعل بدوره كان إلها للخصب وعلامة على القمر، فكلا الاسمين ~~يشير إلى ارتباط المملكتين، بالمعبود القديم للساميين الإله ~~القمر، والقمر في حالة الهلال ليس في تصور الأقدمين سوى قرنين، ~~وكان يمكن لإنسان تلك العهود أن يرسم في خياله صورة لأي حيوان ~~ذي قرنين تحت الهلال، مثلما رسم للأفلاك «دب أكبر، حوت، جدي ... ~~إلخ»، وربما كان أقرب التخيلات الكبش والثور، وعليه فلا شك أن ~~هناك ارتباطا بين القمر وبين الخصوبة والحمل والميلاد، سواء ~~في ولادة البشر أم الحيوان، أم ms207 ولادة الأرض للزرع. # وكان أهل مصر في ظل دولة الإمبراطورية يعبدون رب الدولة ~~«آمون»، ورب الخصب والنيل «أوزيريس» أو «أوزير»، واحتسبوا أن ~~«أوزير» هو الروح لآمون، # 85 # أي إن «آمون» بذلك إله زرع ولا يحيا بدوره إلا ~~بالخصب، ثم قاموا ينحتون لآمون تمثاله في هيئة الكبش ذي ~~القرنين، ولم يكتف المصريون بالقمر كمثل واضح للقرنين، فرسموا ~~الشمس بدورها مزودة بقرنين؛ لدورها في نضوج المحصول، وربما ~~لزيادة طلب الخصب ليلا ونهارا لتبكر الأرض دوما بالحمل ~~والميلاد، كذلك كان المعبود الإيراني إله الخير أهور أمزدا أو ~~«هرمز» يرمز له بقرنين، # 86 # وكان مؤسس إمبراطوريتهم يلبس ذلك التاج ذا القرنين ~~علامة على تمثيله للإله على الأرض. # وربما كان مفهوما أن تقترن الشمس بالزرع والخصب لدورها ~~الواضح في حياة الزرع ونضجه، وارتباط دورتها السنوية بدورة ~~الزرع ما بين الخصب والجدب، أو بين الشتاء والصيف، لكن ربما لم ~~يكن مفهوما لدينا دور القمر صاحب القرنين صاحبي الدور الأساسي ~~في المعتقدات حول الخصب، لكن هذا الدور كان واضحا تماما لدى ~~إنسان تلك العهود، الذي قدس الأرض كمفرز ومنتج للزرع واحتسبها ~~أما كبرى لكل الأشياء، وقدس تبعا لذلك معنى الأمومة، مع ~~ما ورثه من سيادة قديمة للأنثى في النظام الاجتماعي الأمومي، ~~مع انبهاره الشديد أمام ظاهرة الولادة، وهو يرى الحياة تخرج من ~~بطن الأنثى؛ لذلك، وإن انقطعت سيادة الأنثى على الأرض بالسيادة ~~الذكرية، فإنها ظلت شوطا طويلا من الزمن تسود بين المعبودات ~~الكبرى في كافة المجتمعات وبخاصة الزراعية، ومن أشهر سيدات ~~السماء «إيزيس» أو «إيسة» المصرية، و«عشتار» الرافدية، و«عنات» ~~الكنعانية، و«سيبل» الفريجية، و«استارته» الفينيقية، و«مريم» ~~المسيحية ... إلخ. وربما لاحظنا تلك الحفرية التي احتفظت بها ~~اللغة العربية للارتباط القديم بين القرنين والحياة والأنثى، ~~فوصلت بين القرن والحياة في الكلمتين: قرن وقران، وما يستدعيه ~~الميلاد من قران بين ذكر وأنثى، وبين تسمية الأنثى حواء، ~~وتشارك الاسم مع الكلمة حياة، ثم لا ننسى حيا الأنثى أو فرجها ~~مفرز الحياة. # وثمة ارتباط آخر ميثولوجي ولغوي بين الأنثى والحياة، ~~فالمعلوم أن الإنسان ms208 الابتدائي كان يظن أن الحية خالدة؛ لأنها ~~تجدد نفسها كل عام عندما يراها تسلخ ثوب الجلد القديم، ومن هنا ~~أيضا ارتبطت الحية بالأنثيو وصبغت المرأة بطباع الحية، فكانت ~~ذات قيمة مزدوجة، وحمل الثعبان معنى الحياة في اسم «حية» ثم في ~~تراثنا الشعبي حتى اليوم: الحية المقتولة لا تموت موتا ~~فعليا إلا عند ظهور القمر أو القرنين، ولا ننسى أن الحية ~~كانت رمز إله الشمس المصري ورب الدولة الذي مثله «آمون» الكبش ~~في الأرض والشمس في السماء. وكانت الحية حامية الملوكية، وهي ~~لا شك من بقايا عهد سادت فيه الأنثى مانحة الحياة؛ لذلك كانت ~~الأنثى أو رمزها «الحية» لا تموت إلا عند ظهور القمر، معبود ~~السيادة الذكرية والبداوة المتدفقة على الأرض الزراعية، التي ~~سيطرت في النهاية، عندما ساد البدو وقمرهم، حتى حولوا الشمس ~~بدورها من أنثى إلى ذكر وألبسوها القرنين. # 87 # ثم لا تفوتنا البقرة ذات القرنين، ودورها المهم في دفن ~~الحبوب في الحقل وتقليب التربة وحرثها، وروثها كمخصب طبيعي، ~~والبقرة بالقلب اللغوي أو «الميتاتيز» هي «بركة» ومواليد ~~ووفرة. أما الخروف أو «الحمل» - فلا شك - له في اللغة علاقة ~~بالحمل والميلاد. أما دورة القمر الشهرية وتحولاته ما بين ~~الظهور والاختفاء، فقد فطن القدماء إلى تناغم إيقاعها مع ~~إيقاعات الدورة الشهرية للمرأة. وكان دم الحيض في ظنهم هو مصدر ~~تكوين الجنين لاختفائه مع الحمل، فهو مصدر الحياة. # وهكذا تراكمت في الأساطير القديمة محصلة معرفية لخبرات ~~الإنسان وتجاربه إبان صراعه مع الطبيعة، تحولت مع الزمن إلى ~~رموز ومفاهيم يعنينا منها هنا ارتباط الخصب والخضرة والزرع ~~والحياة عموما بالماء، وبالقمر والقرنين بحسبانهما الهلال، ~~وبالخروف والثور وذوات القرون عموما، وبالمرأة والحية، ولعل ~~مشهدية القمر الهائلة والجليلة، كمصدر خوف ومصدر خير، في ~~الليالي المطيرة المرعدة المبرقة، والخير في المطر. وخوف هذا ~~التجلي المبرق المرعد، جعل الإنسان يربط هذه الرموز أيضا ~~بالنار، وقتما كانت الصواعق المصدر الوحيد للنار. كذلك اشتملت ~~الصاعقة وربها ثنائية نقيضة، فالصاعقة ماء ونار أو جنة ونار. ~~مع ملاحظة أن اكتشاف النار بقدح الزناد، ms209 وقدح الزناد عصا «ذكر» ~~تدور في ملفاف «أنثى»، كان بداية الطريق الذي انتهى بتحول ~~المجتمع البشري إلى التحضر ثم اكتشاف الكتابة. وبحلولها انتهى ~~عصر سيادة الأم وساد الأب. # وقد مثل هذه الرموز مجموعة من الآلهة الذكرية - بعد سيادة ~~الذكر - حلت كآلهة للخصب محل الأنثى الأصل في الخصب، وسلبت ~~الإناث دورا لا يليق إلا بهن، ومن تلك الآلهة التي انتشرت في ~~حوض المتوسط الشرقي «حداد» أو هدد إله الرعد والخصب في المناطق ~~السورية. وعبده الآشوريون كإله برق ورعد باسم أدد، رمزوا له ~~بالصاعقة والثور «للقرنين» - والهلال قرنان سماويان - وقد ترك ~~له الآشوريون نقوشا عدة، وهو يمسك بيمناه فأسا (ولاحظ دور ~~الفأس في الزرع) وبيسراه صاعقة (لاحظ ارتباط الصاعقة بالمطر)، ~~ويقف فوق ثور (لاحظ الثور ذا القرنين) ويلبس تاجا بقرنين، ~~وعندما كان يتجلى القمر في الليالي المرعدة المبرقة، ويتوالى ~~ظهوره واختفاؤه وراء السحب الداكنة المظلمة مرة، والمضيئة ~~النارية الصاعقة مرة أخرى، كانوا يطلقون عليه اسما آخر هو ~~«رمان» وهو من الفعل «رمامو» أي يصرخ أو بالتحديد والتدقيق ~~يزأر «كالأسد المغضب». # 88 # أما الفينيقيون فقد عبدوا «البعل» إله الرعد، وصفته القدسية ~~«راكب الغيوم». # 89 # فالسحاب مركبته والبرق سوطه والرعد صوته، ويبدو ~~أنه مع استئناس الخيول وأهمية هذا الحيوان القوي في جر ~~المحراث، وقوته الهائلة في الجنس كرمز للخصب أدخلت على قصة ~~«البعل» بعض التجديدات، فصوروه يركب عربة تجرها الخيول، ومن ~~هنا ساغ وضع ترميز آخر للخصب مثلته حدوة الحصان كأقرب ما ~~بالحصان من شبه للهلال وللقرنين، كذلك قدس قوس قزح للسبب ~~نفسه، أي الشبه بالقرنين، وكانت القوى التي يملكها بعل (لاحظ ~~أن بعل وبغل في اللغات السامية تتبادل) هي البرق والصاعقة ~~والرعد والسحب والمطر، وهو فيما يقول «موسكاتي»: «العنصر ~~المذكر في مجموعة إلهات الدورة النباتية.» # 90 # وإذا كان «د. فاضل عبد الواحد» يؤكد أيضا أن «الثور في حدود ~~عام 4250ق.م. قد أصبح رمزا للعنصر المذكر في الطبيعة، وأصبح ~~لقب آلهة الخصب.» # 91 # وهو فيما نرجح ناتج السيادة الذكرية بتمكنها من ~~ترويض الثيران كحيوانات ms210 أقوى وأقدر لإنتاج زراعي أوفر، فإن ~~الحصان أخذ أيضا هذا المعنى الرمزي لقدرته الجنسية ولتشابه ~~الحدوة والهلال ولدوره كدابة قوية في أعمال الفلاحة، ولأن ~~الخيل سريعة كالبرق (لا ننسى هنا البراق النبوي «وهو حصان ~~مجنح»، وصلة كلمة براق بكلمة برق)، والبرق والبركة متداخلان في ~~المفهوم اللغوي، والحديث النبوي يقول: «الخيل في نواصيها ~~الخير»، والخيل والخير كلمتان تتبادلان في الساميات باستبدال ~~حرف «ل» مع حرف «ر» بقانون تبادل السقف حلقيات. و«المسعودي» ~~يقول إن الله خلق الخيل من الريح، # 92 # ولأن الفرس يحمل الإنسان في السفر (فرس بالقلب ~~سفر)، فهي لا شك للفرسان وسيلة طواف. أما الإله فإنه في ~~الميثولوجيا يتخلى عن الخيل ليركب السحاب. # وإلى الشمال من كنعان كان الإله «أدونيس» رمزا لكل ما يتعلق ~~بالخصب والماء المقدس، ويعود بأصله إلى الإله الرافدي «تموز»، ~~والاسم «تموز» اسم سومري يعني الابن المبعوث أو الخالد، وهو ~~إله ذوات كل القرون من القطعان، ولقبه الراعي الطيب، ومملكته ~~هي الخضرة والأنهار. # 93 # وهو - فيما يقول «جان بوتيرو» - خالد أبدا، لكنه ~~يغيب من آن لآخر لأنه إله النبات، الذي يولد ويكبر ويثمر ثم ~~يذبل ويموت ليعود من جديد؛ لذلك كان إله الخضرة حاضرا غائبا، ~~يحضر في فصل الإنبات ربيعا وصيفا، ويغيب في فصل الجدب خريفا وشتاء، # 94 # ثم نعلم أن غيابه يكون في عالم آخر تصفه الأسطورة، ~~عند قوم: # طعامهم هو من الطين، # غذاؤهم هو التراب، # لا يرون النور أبدا؛ # فهم يسكنون بالليل. # 95 # ولأن البرق ثنائي القيمة، باعتباره مصدر الماء والنار، ~~والنار في اللغات السامية هي: إيشاتو بالأكادية، وإيشا ~~بالآرامية، وإيشوتو بالسريانية، وإيشو بالعبرية، وإيسات ~~بالجعزية، وأنيسة بالعربية، وبالعربية أيضا أوس # 96 ~~«أوس اللات يعني نار اللات»، فهذا يأخذنا إلى وادي ~~النيل حيث «إيسه» أو «إيزيس» إلهة الخصب المصرية زوجة «أوزير» ~~أو «أوزيريس»، حيث عبدت كإلهة خصب إلى جوار رب الدولة الخروف ~~«آمون»، وكانت تمثل في هيئة بقرة بقرنين عظيمين. # وحتى اليوم لم تزل في موطن الباحث (مدينة الواسطى بصعيد مصر) ~~بقايا قائمة لتلك العبادات ms211 الزراعية، تحول أصحابها بما يلائم ~~سيادة الدين الإسلامي ليصبحوا من الأولياء الصالحين، فمنهم ~~«الشيخ زارع» «لاحظ الاسم وعلاقته بالزرع»، والشيخ «عويس ~~القرني»، أو «عويس» ذو القرنين، وكلاهما مزار لأعداد هائلة ~~وغفيرة تعود الضريحين مع بداية الربيع أو عودة الدورة ~~النباتية. كذلك الشيخة «خضرة» في طريق مدينة الفيوم. وليست ~~شيئا سوى شجرة فقط يجاورها مسجد تم بناؤه على شرفها عندما ~~نزفت دما حسب سيناريو الرواية الشعبية، وعليها علق الأهلون ~~قرنين عظيمين! # ويتميز الشيخ «القرني» بوجه خاص بسعي النساء العواقر إليه ~~طلبا للحمل، وعلى ضريجه لا يزال القرنان معلقين، أما الذبائح ~~المستحبة تقربا إليه فهي ذوات القرون، وكل حسب قدراته، وحبذا ~~لو كان كبشا، أو ثورا لمن استطاع إليه سبيلا، أما الكلمة ~~«عويس» فهي اسم شعبي واسع الانتشار في مصر. لكنه في معارف باحث ~~مهموم بالميثولوجي ليس سوى صيغة مقلوبة من اسم تراثي ميثولوجي ~~عريق، هو «يسوع» أو «يشوع» أو «عيسى» ويعني المنقذ أو المخلص، ~~ويعني أيضا المبعوث والمبروك. وقد تخلف الاسم «يشوع»، و«يشع»، ~~في العبادات العبرية بعد ذلك. فأصبح هو الإله «يهوه» المعروف ~~أيضا في الكتاب المقدس باسم «ياه» وباسم «إهيه»، والاسم ~~«يوشع» أو «يشع» أو «يشوع» ملصق من كلمتين هما: «ياه» + «شا»، ~~التي أصبحت بالإدغام «ياهوه» رب القبيلة الإسرائيلية، والملصق ~~يحمل المعنى الذي ذهبنا إليه. فالشطر «ياه» من الهواء، والشطر ~~«شا» من كلمة شاة التي تعني في اللغات السامية كل ذوات القرون، ~~والملصقان يعينان في النهاية الشاة الهوائية أو الشاة الطائرة، ~~وهو أبلغ تعبير عن المعبود القمري. # وحول الأمر تفاصيل هائلة اكتفينا منها بما يعني موضوعنا ~~ولصيق الصلة به؛ لوضع صورة سريعة لما وصل إليه الإنسان من ~~معارف، بناها على علاقته بالطبيعة من حوله، وتحولت إلى معارف ~~مقدسة في الحضارات القديمة بالمنطقة، وقتما كان «الإسكندر ~~المقدوني» يطمئن على حدوة حصانه، ويركب فرسه ليسافر طوافا ~~أو فاتحا لتلك البلدان، وهي المعارف أو المقدسات التي ستضيء ~~لنا مساحة أوسع حول لغز «ذي القرنين». # الأصول # والآن؛ من هو «الإسكندر المقدوني»، ولماذا احتسبناه هو ms212 ذا ~~القرنين نفسه القرآني؟ بعد أن زرعنا البذار عبر الصفحات ~~السالفة، وحان وقت القطاف، خاصة مع ما أوردنا من مادة علمية ~~بعنوان «الجذور» تبدو منبتة الصلة بما قبلها، كما لو كانت ~~إيقاعا نشازا، أو قولا في غير مقامه. ~~«الإسكندر» هو «الإسكندر الأكبر بن فيليب الثاني» من أمه ~~«أوليمبيا أو أوليمباس»، وهو ربيب الفيلسوف اليوناني الأنشر ~~«أرسطوطاليس» وتلميذه، وهو القائد اليوناني الفذ الذي توجهت ~~فتوحاته - ضمن خطته لضرب الإمبراطورية الفارسية التي أسسها ~~«قورش» صاحب تاج القرنين - نحو أرض الفراعنة، بغية الاستيلاء ~~على بوابة الشرق القديم، وقتما كانت تدين بديانة «آمون» الخروف ~~رب الدولة (لا يظن مشتبه أننا نقلل من شأن آمون، فالمسيح في ~~الأناجيل أيضا كان خروفا، بل كان الخروف الأعظم)، و«آمون» في ~~الاعتقاد هو الروح لأوزيريس صاحب العائلة المقدسة، وهي عقيدة ~~تثليث تعبد إلها أبا هو «أوزير» وإلهة أم هي «إيسة» وإلها ~~ابن هو «حور»، والابن «حور» يعد أصل السلالة الملكية الحاكمة ~~وجدها البعيد، بالضبط كما كان الابن الإلهي «تموز» في العراق ~~القديم؛ لذلك كان الفرعون يعد ابنا للإله يجري في عروقه الدم ~~السماوي الشرعي، الذي يكتسب بموجبه شرعية الحكم. وفي حالات ~~نادرة كان يستولي على عرش البلاد قهرا بعض الطامحين، لكن كان ~~على من يطيق ذلك أن يرضي الكهان بالمال والأراضي والمناصب؛ ~~ليعترفوا به ابنا للإله الأعظم «آمون»، وأنه أيضا حفيده عبر ~~«حور» الابن الإلهي، وذلك قبل أن يتزوج الأميرة الوريثة ويصبح ~~حكمه مشروعا. # وكان «أوزير» أو «أوزيريس» هو رب الخلود الدائم باعتباره إله ~~النبات، وهو الإله الحي الغائب أو الرب الحي صاحب موازين ~~الحساب في الآخرة، وقاضي الثواب بالجنة والعقاب بالنار، وكان ~~لقبه الأشهر هو «خنتي آمنتي» أي صاحب مملكة الغرب، أي مملكة ~~الخلود، حيث كان المصريون يعتقدون أن البشر يرحلون بعد موتهم ~~غربا مع الشمس «آمون» في مركبها السماوي إلى عالم الخلد؛ ~~ليعيشوا هناك في مملكة «أوزير»؛ لذلك كان الحج إلى كعبة ~~«أوزير» في أبيدوس ، وإلى معبد «آمون» في واحة سيوة، ضرورة ~~إيمانية للخلاص من الذنوب، حيث ms213 يغتسل المؤمن هناك أو يتعمد في ~~عين «أوزير» وفي البحيرة المقدسة لمعبد «آمون»، أو ما كان ~~يسمى وقتها «عين الحياة» فتلقى عنه أوزاره، ولم تزل عين ~~«أوزير» وبحيرة «آمون» قائمتين إلى اليوم، يقصدهما العامة بغرض ~~الاستشفاء والإخصاب، وهناك تتراءى الشمس للناظر وهي تغرب في ~~بحيرة «آمون»، مشكلة مشهدا جلاليا، لم يزل يترك في النفوس ~~أثره القديم. # 97 # ويؤكد «ه. آيدرس بل» أن الاحتلال الفارسي لمصر كان قاسيا، ~~ولم يعامل عقائد المصريين بالاحترام الواجب، بعكس تلميذ ~~«أرسطو»، «الإسكندر» المقدوني الذي لم يتبع في فتح أعظم بلاد ~~الشرق سياسة البطش الفارسية، إنما استثمر ما تلقاه عن أستاذه ~~من حكمة، واستخدم الدبلوماسية في استغلال الدين لتثبيت حكمه، ~~فما أن وضع جنوده أقدامهم على البر المصري، حيث قرية كانوب ~~الساحلية (وهي التي حولها إلى حاضرة كبرى هي الإسكندرية)، وبعد ~~أن استسلم له الوالي الفارسي، حتى أعلن «الإسكندر بن فيليب ~~الثاني» ولاءه لآلهة مصر الوطنية وخضوعه لها، كما أشاع بين ~~الناس أنه ما قدم من بلاده إلى مصر، إلا لينقذ آلهتها من ~~الامتهان الفارسي، ويقدم لها فروض الولاء والطاعة. # وبالاتفاق المرضي للطرفين، الإسكندر والكهنة، اعترف الكهان ~~بالإسكندر ابنا شرعيا للإله المصري، ولكن بشرط أن يقوم ~~بالحج إلى واحة «آمون» ماشيا حافيا يتقدم الجماهير؛ ليعلن ~~هناك ولاءه للآلهة، ثم ليتسنى له كسب الخلود بالشرب من بحيرة ~~الحياة، وإزاء رغبته في فتح العمق المصري سلميا دون مصادمة، ~~قام «الإسكندر» بالرحلة القاسية في الصحراء القاحلة الساخنة من ~~أجل الحج، # 98 # مدللا على استحقاقه التلمذة لعبقري زمنه «أرسطو»، ~~ولا شك أنه يمكننا أن نرى من خلال سجف الزمن عيون الرضا ترعاه ~~من كل الشعب المصري، وربما ابتهلت الألسن وأطلقت عليه لقب ~~المخلص، الذي خلصها من الطغيان الفارسي «عويس». وبالفعل يحدث ~~التاريخ أن «الإسكندر» استولى على مصر وعلى قلوب جماهيرها ~~المؤمنة، وأعلنه الكهان حاكما شرعيا على البلاد بالحكمة ~~الأرسطية وحدها. # وقد اتبع «الإسكندر» السياسة نفسها في فتوحه لأرض الرافدين، ~~حيث كانت حروبه مكرسة في المقام الأول لنظام «داريوس» الفارسي، ~~ونجح ms214 مرة أخرى في الوصول إلى اتفاق مع الكهان، إذ ألبسوه على ~~شاطئ الفرات تاج الإمبراطورية ذا القرنين، تاج شرعية الملك ~~والخير والخصب والبركة، ورمز الألوهية والحكم بحق السماء، وذلك ~~التاج لم تزل اللوحات تصوره فوق رأس الإله «حداد»، أو «أدد»، ~~والبروق والصواعق تنبعث من قرونه. # 99 # وبالمقارنة يمكن ملاحظة أوجه شبه كثيرة بين واقع الحقيقة ~~التاريخية عن «الإسكندر المقدوني»، وبين ما ورد في كتبنا ~~التراثية، وبين ما نعلمه عن ميثولوجيا المنطقة وتراثها القديم، ~~فالإسكندر تاريخيا هو باني الإسكندرية، لكنه مع الوقت تحول ~~في كتاب «إكمال الدين» إلى رجل من أهل الإسكندرية يقال له ~~«إسكندر»، وخلط نتيجة ذلك بين كونه مصريا أو يونانيا. أما ~~«الرازي» ومن ضرب في دربه، فكانوا أكثر الرواة قربا من ~~الواقع، عندما أكدوا أن «ذا القرنين» هو باني الإسكندرية، وأن ~~اسمه «إسكندر ابن قليقوس، أو فليقوس، أو فيليش كما عند ~~النيسابوري». # ومسألة تلقيبه بذي القرنين لأنه أمسك بقرني الشمس، فتذكرنا ~~بالشمس المصرية ذات القرنين، وما سجلته كتب الأخبار عن كونه ~~حمل اسم «هرمز»، فلعلنا لم ننس بعد أن «هرمز» كان إله الخير ~~في الديانة الزرادشتية، وأنه كان يلبس تاجا ذا قرنين، ومسألة ~~تسخير السحاب له يحمله حيث شاء، فلا شك أنها تستدعي فورا آلهة ~~الخصب «حداد» و«بعل» و«أدونيس» راكبي الغيوم أو السحب، ~~والإشارة التراثية إلى أن أبا ذي القرنين كان ملاكا وأمه ~~آدمية، تذكرنا بالقصة التي نسجها كهان مصر، ليتيسر للإسكندر ~~مشروعية حكمها، والتي تقول: إن الإله «آمون» قد خالط أمه ~~«أوليمباس» وأنجب منها «إسكندر»، الذي كان في الحقيقة ابن ~~«آمون» وليس ابن «فيليب»، وربما كان ذلك بدوره عاملا أكد ~~مصريته. # وبالمطابقة نجد لبس «الإسكندر» لتاج الملوكية الشرقي «ذي ~~القرنين»، واحدا من التعليلات التراثية للقبه، وهو ما حدث في ~~الواقع التاريخي، كما نجد لما جاء في الرواية التراثية عن حج ~~«ذي القرنين» ماشيا إلى الكعبة المكية، حيث تلقاه «إبراهيم ~~عليه السلام»، صدى في حج «الإسكندر» إلى كعبة «آمون» حيث ~~تلقاه كبير الكهنة، والفارق الزمني بين عهد النبي ms215 «إبراهيم» ~~وعهد «الإسكندر»، يضع الرواية التراثية موضع الروايات ~~التلفيقية، والإسرائيليات فيها أوضح من الحاجة لبيان، فما أرجع ~~زمان «ذي القرنين» أو «الإسكندر» إلى زمن النبي «إبراهيم»، إلا ~~ليحكم في بئر سبع، في الرواية التوراتية المشهورة عن خلاف ~~إبراهيم (عليه السلام) مع «أبيمالك» الفلسطيني، وكيف انتهى ~~الأمر إلى تمكين «إبراهيم» وذريته من بئر سبع. وهو الأمر الذي ~~يضعه الصهاينة ضمن حيثياتهم لامتلاك أرض فلسطين. وجاء ~~إخباريونا عافاهم الله ليرجعوا بذي القرنين إلى عهد «إبراهيم ~~عليه السلام» ليحكم للنسل العبراني بالحق في الأرض ~~الفلسطينية. # ومن جهة أخرى نجد للأصل التاريخي أثره في الرواية التراثية، ~~فكما ذهب «الإسكندر» إلى ما كان يعتقده المصريون مغربا للشمس، ~~ذهب «ذو القرنين» في الرواية التراثية إلى مغرب الشمس، حيث ~~وجدها تغرب في عين حمئة، وهو اعتقاد المصري القديم نفسه، بل إن ~~المصورات الباقية لمركب الشمس هابطا نحو المغرب، يكاد يشبه ~~الرواية التراثية في أن الشمس تجرها الملائكة كالمركب نحو ~~المغرب. # ومسألة القرون أو تاج آلهة الصواعق الزراعية، قد تخلفت ~~بدورها في الرواية التراثية، حيث قالت: إنه كان يزأر كالأسد ~~المغضب، فتنبعث من قرنيه رعود وبروق وصواعق، ولا ننسى أن لقب ~~الإله حين يرسل رعوده هو «رمان» أي يزأر. كذلك مسألة عين ~~الحياة لها في الواقع جذور، حيث وصل «الإسكندر» إلى بحيرة ~~«آمون»، بل إن مسألة الثلاثمائة وستين عينا التي طلب «ذو ~~القرنين» من أصحابه غسل أسماكهم فيها، ليست سوى صدى للتقسيم ~~المصري القديم لأيام السنة إلى ثلاثمائة وستين يوما، إضافة ~~إلى خمسة أيام للنسيء سميت بأسماء أعضاء أسرة «أوزير» رب ~~الخلود. # ومن جهة أخرى يمكننا أن نجد صدى آخر لطلب الخلود في الملحمة ~~الرافدية «جلجامش» الذي ذهب يسعى طلبا للخلود، ممثلا في نبتة ~~تنمو في بلاد غريبة، سافر إليها أصقاعا وزمانا إلى أن وصل ~~إليها، لكن «الحية» سرقت منه النبتة في بركة نزلها ليستحم، وهو ~~ما يكاد يطابقه ما جاء عن نزول «الخضر» إلى البركة وهروب ~~السمكة منه، لكن الذي خسر الخلود هو ذو القرنين. بينما شرب ms216 ~~«الخضر» من ماء الخلود، فكان هو صاحب العين؛ لذلك هو حي غائب. ~~وقد أفصحت ملحمة «جلجامش» عن اعتقاد رافدي استمر زمنا طويلا ~~سجلته عقائده، وهو أن الآلهة احتفظت بالخلود وحرمت منه ~~الإنسان، والحية سارقة النبتة الخالدة هي كما علمنا رمز الأنثى ~~«حية، حواء، حيا المرأة أو فرجها مفرز المواليد ورمز النبات»، ~~والنبات في الملحمة رمز الخلود، والنبات يموت ويحيا في دورة ~~دائمة أبدا كل عام، أما الإنسان، إن مات فلا عودة، فقط آلهة ~~الخضرة هي التي تمتلك ذلك الاقتدار، وهو ما أورد التراث صداه ~~ممثلا في الشخصية التراثية المسماة بالخضر وارتباط اسمه ~~بالخضرة، وكان إذا جلس على اليبس اخضر، وإذا جلس على صوف ~~الخروف ذي القرنين تحول إلى خضرة زاهية، # 100 # كما أوردت كتبنا التراثية! # ولا ننسى أن الحية ظلت في المقدسات وراء سلب الخلود من ~~الإنسان، وهي أيضا رمز الحياة والنبات، فهي تحمل قيمة ثنائية ~~كالمرأة، فهي في التوراة التي أوعزت لأبوي البشر في عالم الخلد ~~ليأكلا من نبتة المعرفة، فخسرا الخلود وطردهما الرب من جنة ~~عدن. كذلك فإن «إبليس» في التراث الإسلامي عندما أراد إغواء ~~أبوي البشر بالثمرة المحرمة في عالم الخلد، تلبس هيئة الحية. ~~وانتهى الأمر هنا أيضا بخسران الخلد. # أما الرحلة إلى مطلع الشمس. فيحتمل أن المقصود بها جغرافيا ~~بلاد الصين وسورها العظيم، وهو ما تجد له صدى في أخبار ~~التراث، بتأكيدها وصول ذي القرنين إلى الصين، والسور العظيم هو ~~استحكامات تمتد حوالي 240 كيلومترا، عبر شرقي الصين، بدأ ~~تشييده الإمبراطور «شن هو أنجتي» الذي حكم ما بين سنة 246 وسنة ~~209ق.م. ليحمي بلاده من المتبربرين الشماليين. # 101 # وشيء هائل كهذا كان لا بد أن يبهر البدوي المرتحل ~~لمجرد السماع بأمره، وكعادة العربي كان لا بد من شيء إعجازي ~~لإقامة مثل هذا العمل العظيم، فكان محتملا أن ينسبه الجاهليون ~~إلى من سبق أن عرفوه فاتحا مقتدرا كذي القرنين أو ~~«الإسكندر»، حتى إن السامور الوارد في الرواية التراثية كقاطع ~~للحديد والنحاس، ليس في أغلب ألسنة شرقي آسيا ms217 سوى الحد أو ~~النصل أو السيف القاطع. # وإذا كان هذا الاحتمال صحيحا فستكون أمة «يأجوج ومأجوج» هم ~~أهل شمال الصين، الذين صورتهم الرواية التراثية بالمبالغة ~~والتهويل، والغريب أن نجد صدى لفكرة خلقهم من مني «آدم» في ~~الرواية المصرية القديمة عن الكائنات الأولى، التي جاءت من مني ~~الإله «آتوم» لما استمنى. أما النطق الصحيح لاسم الإله فهو ~~«آتم»، ويعني التمام والكمال، وبتحول التاء المصرية إلى ما ~~يقابلها في اللغات السامية يصبح الاسم «آتم» هو «آدم»! # 102 # وتأسيسا على هذه المجموعة من القرائن والشواهد، لا نجد ~~مناصا من التصديق على احتسابنا «ذي القرنين» المعروف لعرب ~~الجاهلية، وما جمعوه حوله من أساطير تغشت تراثنا، هو «ذو ~~القرنين» القرآني نفسه، وهو «الإسكندر المقدوني» نفسه. ولا ~~يبقى مجال للإشكال المثار لكون المقدوني تلميذا لأرسطو ~~الفيلسوف، كمأخذ يحط من شأنه، مما لا يليق معه أن يكون هو «ذا ~~القرنين»، بل العكس هو الصحيح تماما، فلا جدال أن تلمذة ~~«الإسكندر» على «أرسطو» هي التي صنعت منه هذا الرجل العظيم، ~~مصحوبا بالتهاويل، حتى يقول «نولدكه» في كتابه الآداب ~~الشرقية: إن «الإسكندر» يعد قديسا مسيحيا عظيما في مقدسات ~~المسيحيين الأحباش حتى اليوم. # 103 # ووجه الغرابة في هذا الاعتقاد المسيحي الحبشي أن ~~قدسية المسيحي هذا كان سابقا على ظهور المسيحية والمسيح ~~بقرون، واضح أنها ذهنية الاعتقاد والتقديس أينما كانت وأيا ~~كان موضوعها! ~~(3) الكافران النمروذ بن كنعان وبخت نصر # يقول تعالى في كتابه الكريم: # قد مكر ~~الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد ~~(النحل: 26)، والآية هنا تهدد أهل مكة ~~ترهيبا، وتذكرهم أنه مهما بلغ مكرهم، فلن يطاولوا مكر السابقين ~~من أصحاب الحضارات السامقة، وأولئك الذين بلغوا من العتو حدا ~~قاموا يبنون معه برجا صاعدا إلى السماء، يبغون مناوأة رب السماء ~~ومنافرته، فرد الله عليهم مكرهم، وأبطل كيدهم بأن هدم برجهم على ~~رءوسهم من قواعده، والقصة ترويها كتب التفسير والأخبار عن محاولة ~~صعود ملك هؤلاء القوم إلى السماء ليقتل إله النبي «إبراهيم». ولما ~~لم يسعفه البرج لبعد سماء الرب عن المطاولة، ms218 هداه فكره إلى الصعود ~~بأول مركبة فضائية في تاريخ البشرية، فمن قمة البرج، جلس في صندوق ~~تحمله أربعة نسور أشداء. وقد عقب الله تعالى على تلك المحاولة ~~بقوله: # وقد مكروا مكرهم وعند ~~الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال ~~(إبراهيم: 46). ويشرح «الثعلبي» الآيات ~~المبينة بقوله: إن الجبال قد سمعت خفقا شديدا قادما من السماء، ~~فظنت أن أمرا جللا قد حدث في السماء، أو أن الساعة قد دنت وحان ~~وقت القيامة، فكادت تزول أي تتزلزل فزعا وفرقا. # 104 # بينما كانت الحقيقة أنه كان مكر أو اختراع أولئك ~~الكافرين، فكان الصوت المدوي هو صوت المركبة العائدة من مهمتها ~~الاستطلاعية والقتالية. أما رائد الفضاء ذاك، فهو من سجلته لنا ~~كتبنا التراثية كأحد أربعة ملوك حكموا الأرض كلها باسم «النمروذ بن ~~كنعان»، وكانت عاصمته، أي عاصمة الأرض جميعا في ظل ملكه هي موطنه ~~«بابل» بالعراق القديم. وللقصة تفاصيل مشوقة ومنمنمات مثيرة وأحداث ~~مدهشة وعجيبة، وهي في مجملها عظة وعبرة ورعب للكافرين. أما نهايتها ~~فسعادة غامرة للمؤمنين، لما فيها من تصوير للنهاية الفاجعة التي ~~انتهى إليها الملك البابلي وأهله من الضالين. # الآن، وبعد وقت قضيناه مع الملكين المؤمنين: «سليمان بن داود»، ~~و«ذي القرنين»، ومع ما جاء بشأنهما من كلم جليل بالقرآن الكريم، ~~وما لحق الكلم من كلام الأحاديث والتفسير والأخبار والسير في ~~تراثنا الثري بالراسب الثقافي للأمة، إضافة إلى ما عمدنا إليه - ~~وفي العمد قصد - من سرد ما جاء بمقدسات أهل الكتاب حول الملك ~~«سليمان» - ولم يأت فيها خبر عن «ذي القرنين» - بغرض معاينة أخبار ~~الكتاب المقدس المعاينة النافية للجهالة، وبهدف الكشف عما بخبرهم ~~من نكارة، وبغية هتك نكاراتهم التي لبست أردية إسلامية وتزاحمت بها ~~مصادرنا التراثية وعجت؛ ومن ثم فلا بأس هنا، ونحن على موعد مع ~~كافرين من العتاة، أن نستمر على دربنا واثقين، ونلتزم منهجنا غير ~~هيابين، ولكن، لأن للنفس صبواتها الإيمانية، ولأنها تعاف الكفر، ~~ومنه تنفر وتأف، فلا جناح إذن علينا إن قدمنا أمر الكافرين في ~~عجالة نوجز فيها القول، وربما ms219 كان ثمة سبب آخر للإيجاز، يدفع إليه ~~قسرا ندرة ما جاء بشأنهما في المصادر. مما جعل الاستفاضة إنشاء لم ~~نعتده مع قارئنا، لكن ما يعزينا أنه ربما حسمنا بشأنهما أمرا، أو ~~أفدنا القارئ من قصتهما خبرا، استجلاء لما في الخبر من ~~عبر. # والكافر الأول «النمروذ بن كنعان» وإن تكبر وتجبر، فلا بأس في ~~ضوء مركزيات الأمم السوالف، وفي ظل المنطق التراثي، لكن النكاية في ~~خبر النمروذ أنه لما ملك الأرض كلها اغتر، وظن أنه لا ند له ~~يدانيه، فتأله وادعى من الأمر ما لا يملك، وربما عذر الرجل عاذر، ~~وهو يراه جالسا على عرش الكوكب الأرضي، ويلبس تاجا لا ينافسه آخر ~~ولا يطاوله، لكن لو لم تأته البينة لكان العذر مقبولا، فقد أرسل ~~إليه رب العالمين يعلمه بأمره، وبأن ملك الله أعظم، وأن النمروذ ~~ليس في ملك الله إلا مخلوقا ضعيفا، وقد حمل الله تلك الرسالة ~~لصفيه وخليله «إبراهيم عليه السلام»؛ ليعرف النمروذ أن هناك من هو ~~أعظم، وأن يعترف له، بأن ينسحب من ميدان الألوهية ويسحب ادعاءه، ~~وإلا أثبت له أيهما هو الرب حقا، وتروي آيات كتاب الله كيف واجه ~~نبي الله «إبراهيم» ذلك الدعي وألزمه الحجة، وأفحمه بالبرهان ~~المبين، بشجاعة تليق بخليل رب العالمين، وذلك في قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال ~~أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي ~~القوم الظالمين ~~(البقرة: 258). # ورغم أن الآية قد تحدثت عن الملك غفلا من أية تسمية أو تعريف، ~~ولم يأت القرآن الكريم باسمه صريحا في أي من آياته، فإننا قد ~~علمنا بأمره وتعرفنا اسمه من شروح المفسرين ورواة الأحاديث، فيشرح ~~الحافظ «ابن كثير» شيخ طبقة المفسرين الآية بقوله: «يذكر تعالى ~~مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه ~~الربوبية، فأبطل الخليل عليه السلام دليله ، وبين كثرة جهله وقلة ~~عقله، ms220 وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة، قال المفسرون وغيرهم من ~~علماء النسب والأخبار: وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمروذ بن ~~كنعان ... وكان أحد ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا ... وذكروا أن ~~النمروذ هذا قد استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وتجبر ~~وآثر الحياة الدنيا.» # 105 # وأكد المعنى نفسه «نعمة الله الجزائري» في قوله: «إن النمروذ بن ~~كنعان هو أول من تجبر وادعى الربوبية.» # 106 # وكان «النيسابوري» قد سبق كليهما إلى تأكيد تلك ~~المعاني في قوله: «وكان نمروذ أول من وضع على رأسه تاجا وتجبر في ~~الأرض ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: ~~إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك ~~وزوال ملكك على يديه، ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء ... فأمر ~~نمروذ بذبح كل غلام يولد في تلك الناحية.» # 107 # لكن الله تعالى ينجي الطفل المقصود في النبوءة، حتى ~~يتسنى له القيام بالدور المقدور، وكان هذا الغلام هو الذي اتخذه ~~الله صديقا وخليلا، النبي «إبراهيم عليه السلام». # بعض المنطق # والمتمعن في كلام الله - ومطلوب من المؤمن أن يتمعن - يدهشه ~~ذلك الموقف بين رجلين: أحدهما جبار يملك ما بين الخافقين، ~~والآخر يافع تجاوزت به صبوات الروح إلى الطموح لأمر عظيم، ~~والآيات تضع أمامنا صورة خليقة بكليهما، وهي رغم إغفالها ~~التعريف بالملك، مع الإهمال والاستهانة «ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم؟» فإنها توضح موقف «إبراهيم» الحازم الصارم، فإن كان ~~الملك يستند إلى وحدانيته في ملك الأرض، فإن «إبراهيم» يستند ~~إلى يقين بوحدانية ملك الأرض والسماء، لكن منبع الغرابة هنا، ~~هو أن يسمح الملك المنعوت بالجبار - في تراثنا - لشاب في سن ~~«إبراهيم» عليه السلام أن يطاوله، وأن يسمح لذاته في الوقت ~~نفسه بالتبسط معه كل هذا التبسط، مع ما ذهب إليه «إبراهيم» في ~~المحاجة من مدى، إذ تجرأ على ذات الملك وما لها من جلال ~~وقداسة في تلك العصور، بل وتفهمنا الآيات الكريمة بصدق التنزيل ~~أن «إبراهيم» كان هو صاحب ms221 الكلمة من البداية إلى النهاية، فهو ~~الذي ابتدر الملك بالسؤال المتحدي، وهو الذي أغلق الجدل، وما ~~بين البدء والمنتهى قام بتسفيه الملك ومركزه، بعد أن صرح له ~~«إبراهيم عليه السلام» أنه لا يعترف بسيادته لأنه إنما يدين ~~بالولاء لملك آخر أعظم شأنا، يمكنه أن يأتي من الأعاجيب ما لا ~~يستطيعه النمروذ، وكان طبيعيا أن يعجب «النمروذ» وهو يعلم ~~أنه لا ملك سواه على عرش المعمورة، لكن طبيعي أيضا أن نتعجب ~~بدورنا للنمروذ وهو يسمح بتلك المناقشة أصلا، ويفتح أبواب ~~قصره للمتحدي، ويعطيه من الوقت والأناة والصبر ليعبر عما يريد ~~بلاغه. وما تخبرنا به الآيات يسمح لنا بتصور ما جبل عليه الملك ~~من طباع، وتوضح بلا لبس شكل النظام السياسي والمدى المسموح به ~~من حريات، في ظل دولة موصوفة بالتجبر والبطش، والديكتاتورية ~~التي تجمع السلطان الروحي مع الزمني في مركزية صارمة. ومن ~~جانب، فإن رواية القرآن الكريم عن «النمروذ»، وعدم استنكافها ~~الحديث عن الرجل وموقفه من الحريات، أمر - لا مشاحة - يعبر عن ~~النزاهة المطلقة بالتنزيل المبين، ومصداقية الكلم الكريم مع ~~الحدث وواقعه دون تزويق. # ولا يخفى أن مثل هذه المطارحة الجدلية التي سمح بها الملك ~~النمروذ، كانت كفيلة بزلزلة الحكم الدكتاتوري من أسسه؛ لأنه ~~انتقص البند الأول في الدكتاتورية، وهو ما حدث بالفعل - حسبما ~~يخبرنا الإخباريون - فانهارت المملكة وتشتت أهل الأرض وانقسموا ~~شيعا وشعوبا متنافرة، بعد الحدث الهائل وانهيار برج بابل ~~وتبلبل الألسن بعد أن كانت لسانا واحدا وعقيدة واحدة وحكومة ~~واحدة، كما انتهى الملك «النمروذ» نفسه نهاية مزرية ولكن بعد ~~عذاب أليم، حتى تطيب أنفس المؤمنين، ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة، لكن مشيئته قدرت غير ذلك، وما شاء قدر. # وللقصة تفاصيل، تحتاج إلى مزيد من التدقيق. # تنتشر قصة برج بابل في كتب الأخبار الإسلامية انتشارا ~~واسعا، ولتخفيف المساحة والجرعة نقف مع «النيسابوري» وهو يوجز ~~بشأنها القول: «إن النمروذ الجبار لما حاجه إبراهيم عليه ~~السلام في ربه، قال: إن كان ما يقول إبراهيم حقا، فلا أنتهى ~~حتى أعلم من ms222 في السماء؟ فبنى صرحا عظيما عاليا ببابل، ورام ~~منه الصعود إلى السماء لينظر إلى إله إبراهيم (فيما يزعم) ... ثم ~~عمد إلى أربعة أفراخ من النسور فعلفها اللحم والخبز حتى شبت ~~واستفحلت، ثم قعد في تابوت ومعه غلام وقد حل قوسه ونشابه، وجعل ~~لذلك التابوت بابا من أعلاه وبابا من أسفله، ثم ربط التابوت ~~بأرجل النسور وعلق اللحم على عصا فوق التابوت، ثم خلى على ~~النسور فطارت وصعدت طمعا في اللحم، حتى أبعدت في الهواء، فقال ~~النمروذ لفتاه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء، هل قربنا ~~منها، ففتح الباب ونظر فإذا السماء كهيئتها، ثم قال: افتح ~~الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها، ففتح فقال: أرى الأرض ~~مثل اللحية البيضاء والجبال كالدخان، وطارت النسور وارتفعت حتى ~~الريح بينها وبين الطيران، فقال لغلامه: افتح البابين، ففتح ~~الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض ~~سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغي الباغي أين تريد؟ قال عكرمة: ~~فأمر عند ذلك غلامه فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخا بالدم ~~فقال: كفيت شغل إله السماء، واختلفوا في ذلك السهم من أي شيء ~~تلطخ؟ فقال عكرمة: من سمكة في بحر معلق في الهواء بين السماء ~~والأرض، قربت نفسها إلى الله تعالى وقال بعضهم: أصاب السهم ~~طائرا من الطير فتلطخ بدمه، ثم أمر النمروذ غلامه أن يصوب ~~العصا وينكس اللحم، ففعل ذلك، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت ~~الجبال خفق التابوت والنسور ففزعت، وظنت أنه أمر حدث في ~~السماء، وأن الساعة قامت، فذلك قوله تعالى: # وقد مكروا مكرهم وعند الله ~~مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال ~~(إبراهيم: 46) ... ثم إن الله تعالى أرسل ~~ريحا على صرح النمروذ فألقت برأسه في البحر، فخر عليهم الباقي ~~وانقلبت بيوتهم، وأخذت النمروذ، رعدة، وتبلبلت ألسن الناس حين ~~سقط صرح النمروذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا؛ ~~فلذلك سميت بابل لتبلبل الألسن فيها». # 108 # ويبدو أن «ابن كثير» لم يعجبه أن تأخذ «النمروذ» رعدة وينتهي ~~الأمر، أو يدق عنقه مع من دفن تحت البرج المنهار، ms223 فيورد عن ~~«زيد بن سلمة»: «وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره ~~بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه ثانية فأبى عليه، ثم ~~الثالثة فأبى عليه، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي. فجمع ~~النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابا ~~من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليه فأكلت ~~لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاما بالية ودخلت واحدة منها في ~~منخر الملك، فمكثت في منخره أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها، ~~فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله.» # 109 # لكن «نعمة الله الجزائري» من جهته لا يستسيغ دخول البعوضة ~~منخار «النمروذ» وبقاءها هناك، ثم استكثر أن تظل البعوضة ~~أربعمائة سنة داخل المنخار النمروذي تستمتع بمشهياته، فقام ~~يصلح من شأن رواية «ابن سلمة» بعض الشيء في قوله من باب آخر، ~~عن طريق «ابن عباس» قوله: «إن الله سلط على نمروذ بعوضة فعضت ~~شفته فأهوى إليها ليأخذها، فطارت في منخره، فذهب يستخرجها ~~فطارت في دماغه، فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه.» # 110 # أما في الكتاب المقدس، فمن الواضح أنه ليس ثمة علاقة البتة ~~ما بين «نمروذ» وبين برج بابل وبين النبي «إبراهيم»، وهو ما ~~سنفصل فيه القول، لكن ما لا يجب أن يفوتنا، الإشارة إليه أن ~~قصة برج بابل في هذا الكتاب قد حدثت في فجر الإنسانية على ~~الأرض. أما «النمروذ» فبعد ذلك بزمن بعيد يعود إلى زمن أبناء ~~«نوح»، ويبدو أن ثمة كاتبين لهذا الجزء من سفر التكوين، والذي ~~يتحدث عن اختلاف لغات البشر، ويبدو أيضا أن الكاتبين لم ~~يلتقيا ليصفيا ما بينهما من خلافات في التفاصيل، ربما لبعد ~~الزمان بينهما، وأن الرواية تم جمعها بعد ذلك مع ما جمع من ~~الكتاب في وقت متأخر، فالكاتب الأول يقول: «وهذه مواليد بني ~~نوح: سام وحام ويافث ... من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيها، ~~كل إنسان كلسانه حسب قبائلهم وأممهم.» وهو بذلك يرجع تفرق ~~الألسن لزمن متأخر عن وقته بداية الخلق، إلى عهد أبناء «نوح»، ~~ثم هو ms224 أقرب لمنطق الواقع في إرجاعه اختلاف الألسن لتفرق الأمم ~~بين قبائل «شعوب» وجزائر «أي مواضع بيئية مختلفة». # أما الكاتب الثاني فيقول: «وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ~~ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في أرض ~~شنعار وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبنا ونشويه ~~شيا، فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين، ~~وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء، ونصنع ~~لأنفسنا اسما لئلا نبدد من على وجه الأرض، فنزل الرب لينظر ~~المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هو ذا ~~شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا ~~يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك ~~لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على ~~وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة؛ لذلك دعا اسمها بابل ~~لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض» (التكوين، 11). # ويعقب الدكتور «أنيس فريحة» على أقصوصة التوراة بقوله: «ولم ~~يفلح كاتب سفر التكوين في تعليل اسم بابل، فوضع قصة برج بابل ~~وتبلبل الألسن، تقول القصة: إن الله خاف من تجمع الناس أمة ~~واحدة، فقال: هلم نهبط فنبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضهم ~~لغة بعض، فسميت المدينة بابل، والواقع أن بابل معناها باب ~~الله، وهذه ترجمة الاسم القديم «كاد مري»، ومعناها أيضا بوابة ~~الله، ونحن نعلم أن الساميين الذين جاءوا بعد السومريين أخذوا ~~عنهم الكثير في الدين والعمران، وغيروا من أسماء المدن ~~السومرية إلى أسماء سامية عن طريق الترجمة الحرفية.» # 111 # هذا بينما يعقب الآثاري «صموئيل نوح كريمر» - وهو واحد من ~~أشهر الباحثين في السومريات - على قصة التوراة بقوله: «لقد ~~بدأت قصة تشييد برج بابل بلا ريب في محاولة لتوضيح وجود ~~الزاقورات في بلاد ما بين النهرين.» ويقصد «كريمر» هنا أن ~~الكاتب التوراتي عندما رأى الزاقورات المبنية ببلاد الرافدين ~~القديمة أراد وضع تفسير لها، والزاقورات هي أبنية صاعدة لولبية ~~أقيمت لتصل كاهن الإله بالسماء، وعلى نمطها أقيمت المآذن ~~الإسلامية، ms225 وتكاد تكون مئذنة جامع سامراء أولى المآذن وأقربها ~~شبها بالزاقورة السومرية، ونستكمل مع كريمر حيث يقول: «أما ~~بالنسبة للعبرانيين فإن هذه الأبنية الشاهقة التي غالبا ما ~~يمكن رؤيتها في حالة الخراب والدمار، أصبحت رمزا لشعور ~~الإنسان بعدم الأمان، وما يتصل به من لهفة شديدة للحصول على ~~السلطة، تلك اللهفة التي لا تعود عليه إلا بالذل والعذاب؛ لذلك ~~فإنه من المستبعد جدا العثور على أية مطابقة مماثلة لهذه ~~القصة عند السومريين، الذين كانت الزاقورة بالنسبة لهم تمثل ~~رباطا بين السماء والأرض، أي بين الإله والإنسان.» # 112 # أما من جهتنا، فإن كاتب هذا الجزء من التوراة، يبدو من ~~الكتاب المتأخرين بعض الشيء، الذين عاشوا في كنف الدولة ~~المركزية، وربما الأسر البابلي على الأرجح، بينما كان يتوق ~~لحياة البداوة الأصيلة في العبرانيين، التي تنفر من المركزية ~~والاستقرار، وربما رأى أن دولة «سليمان» لم تجن للعبرانيين ~~سوى الخراب والأسر وانعدام الحريات، فالمركزية تعني حكما ~~واحدا بيد ملك واحد، يتمكن من إنجاز المشاريع الضخمة ومواجهات ~~الطوارئ الملحة، وفيها يتم تقسيم العمل بالعمل الأفضل ~~للإنجازات الكبرى، وهو ما يتضح في كلام الكاتب التوراتي «هو ذا ~~شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم العمل.» بينما ~~كان الكاتب يحتفظ في ذاكرته بالأيام الأولى إبان البداوة ~~ومشتركاتها البدائية، ومجالس الحكم الديمقراطية فيها، التي تسع ~~أكثر من حاكم لأكثر من قبيلة، وكما كان لمجالس الأرض شيخ زعيم، ~~كان لمجالس السماء رب زعيم، فكان في السماء كما كان في الأرض ~~مجلس، يمثله اعتقاد الكاتب الحازم وهو يتحدث بلسان الرب الزعيم ~~لأعضاء مشتركة: «هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم»! # عن ابن كنعان # في بدء المنتهى لدراستنا التي طال سردها، وإن قصرت عن بلوغ ~~كل المبتغى لإيفاء الملوك الأربعة حقهم من البحث والدرس، يحسن ~~بنا أن نقرر للقارئ معلومة لها أهميتها حول الملك الذي لم يزل ~~قيد بحثنا «النمروذ بن كنعان»، وهو أن «نمروذ» الكتاب المقدس ~~يختلف إلى حد بعيد عنه في تراثنا الإسلامي، فلم يرد بشأنه في ~~التوراة سوى نص صغير لا يقارن ms226 بما جاء حوله من زيادات ~~ومتراكمات في كتب الأخبار الإسلامية، والنص في كلماته المعدودة ~~بلا زيادة ولا نقصان يقول: «وكوش «ابن حام بن نوح» ولد نمروذ ~~الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض، الذي كان جبار صيد أمام ~~الرب؛ لذلك يقال: كنمرود جبار صيد أمام الرب. وكان ابتداء ~~مملكته بابل وأورك وكلنه في أرض شنعار» (التكوين، 10)، ولا شيء ~~آخر عن «نمرود» بطول الكتاب وعرضه، رغم ميل الكتاب للإطناب ~~والإسهاب والتكرار إلى حد الإملال؛ مما قد يشير إلى أنه ليس ~~ثمة علاقة بالمرة بين هذا «النمرود» وبين «نمروذنا» الفضائي ~~الذي ملك العالم وقتلته بعوضة! لكن إخباريينا لا يتركون لنا ~~فرصة هذا الاحتمال بإصرارهم المتواتر على إفهامنا أنه ~~«النمرود» التوراتي نفسه. # ابن كنعان؟! # وضمن ذلك التقرير - وحتى نستوفيه - لا مندوحة من إحاطة ~~قارئنا علما أنه ليس هناك علاقة البتة بين «نمرود» التوراة ~~وبين برج بابل، كما أنه لا علاقة له البتة بالنبي «إبراهيم ~~عليه السلام»، فرواية الكتاب المقدس تذهب بزمن برج بابل إلى ~~عصر يبعد أجيالا عديدة عن عصر النبي «إبراهيم»، فتبلبل الألسن ~~بعد انهيار برج باب إيل أو باب الإله، أمر حدث في فجر ~~الإنسانية، وليس فيه أي دور يؤديه «النمرود» كبطل يمثل دور ~~الشرير، وليس فيه دور للنبي «إبراهيم عليه السلام» كرمز للخير، ~~وحسب شجرة النسب والسلسال الإبراهيمية الواردة بسفر التكوين، ~~التي وافق عليها الرواة المسلمون ونسخوها بحرفيتها، نجد أنه ~~بين عهد «نمرود بن كوش» حسب النسب التوراتي، وبين عهد خليل ~~الله، عشرة أجيال كاملة، فإبراهيم هو ابن تارح بن ناحور بن ~~سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن أرفكشارد بن سام بن نوح، وسام ~~هو عم كنعان؛ لأنه أخو أبيه حام، وكنعان في الإسلاميات هو والد ~~النمرود، فأين هذا من ذاك؟ حتى إذا افترضنا جدلا صدق ذلك ~~التنسيب، وهو افتراض غير علمي، ثم افترضنا أن كلا من هؤلاء ~~النفر في السلسال النبوي قد أنجب ولده وله من العمر عشرون ~~عاما، فإننا نحتاج إلى قرنين من الزمان لنصل من «نمرود» ms227 إلى ~~«إبراهيم». # وتبقى تساؤلات تنبني على مناقشة النص، وأول ما يرد منها على ~~الذهن هو: لماذا عقد التراث الإسلامي تلك الصلة بين «النمروذ ~~بن كنعان» رغم أنه في التوراة ابن كوش، وبين النبي «إبراهيم ~~عليه السلام»، رغم أن الآيات الكريمة لم تذكر أبدا اسم الملك ~~الذي حاج «إبراهيم»؟ # السؤال مهم، لكن إجابته خطيرة ونتائجها أخطر، خاصة إذا أضفنا ~~إليه التساؤل الآخر وهو: لماذا الإشارة الدائمة للنمروذ بأنه ~~«ابن كنعان» خاصة وبالذات؟ ذلك تأكيد المقدس العبري على أنه ~~«ابن كوش»، ولا شك أن إخباريينا الأفاضل قد طالعوه وعاينوه ~~تماما، بدليل ما نسخوه من الكتاب المقدس نسخا، وهذا الإصرار ~~على أن «نمروذ بن كنعان» يلحقه فورا تساؤل آخر وربما ليس ~~أخيرا هو: لماذا احتسب رواتنا أن صاحب برج بابل هو «ابن ~~كنعان» بالتحديد، رغم عدم النص عليه قرآنيا، ورغم أن مصدرهم ~~الإسرائيلي بدوره لم يقل ذلك؟ الإجابة تضيف للرصيد مزيدا من ~~الاعتوار، فهل كان الأمر مجرد خلط لحابل بنابل في قراءة الكتاب ~~المقدس؟ أم كان هناك قصد؟ وإذا كان ثمة قصد فإلام كان؟ سبق ~~لنا في الدراسات المتقدمة أن أشرنا للإجابة، ولا بأس هنا من ~~الإيضاح مرة أخرى. ~~«ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته.» وصاحب هذا الدعاء ~~اللعان هو النبي «نوح عليه السلام» بالتوراة، وإذا أخذنا ~~مؤقتا بالسبب الظاهر وراء هذه اللعنة، فإننا نجده فيما حكاه ~~الكتاب المقدس عن نوح وأولاده بعد هبوطهم من السفينة، إذ يقول: ~~«وابتدأ نوح يكون فلاحا، وغرس كرما وشرب من الخمر، فسكر ~~وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر ~~أخويه خارجا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتفها ومشيا ~~إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا ~~عورة أبيها، فلما استيقظ نوح من خمره علم بما فعل به ابنه ~~الصغير، فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال ~~مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدا لهم» (التكوين، ~~9). # والعجيب في أمر هذا المقدس العبري، أن النبي يسكر ويتعرى ~~ثم يلقي باللائمة على من ms228 شدهته أحواله. أما الأعجب فهو أن الذي ~~أبصر عورته هو ولده «حام»، ومع ذلك قام يصب اللعنة فوق رأس ~~حفيده الصغير «كنعان بن حام»، الذي لم يحضر المشاهدة، ولم ~~يعاين الأمر كما عاينه أبوه، وربما كان أوانها طفلا لا يدرك ~~ما يرى حتى لو رأى، وينتهز المقدس العبري الفرصة المواتية لهول ~~الأمر وعظمته، فيصب البركات بلسان النبي «نوح» على رأس ولده ~~«سام» أبي العبرانيين ليعدل في القسمة، فذاك نال اللعنات، وهذا ~~نال البركات، والعدل بقدر ومقدار. # والشيخ «الصدوق القمي» أحد حجج الشيعة، يؤكد من جهته أسبابا ~~أخرى لهذه اللعنة، إذ لم يكتف «حام» برؤية العورة إنما وقف ~~يضحك ويعريها كلما غطاها «سام»، وهو ما جاء في قوله: «وكان ~~يوما في السفينة نائما، فهبت ريح فكشفت عن عورته فضحك حام ~~ويافث، فزجرهما سام عليه السلام ونهاهما عن الضحك. وكان كلما ~~غطى شيئا تكشفه الريح، كشفه حام ويافث، فانتبه نوح عليه ~~السلام ورآهم وهم يضحكون، فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان؛ ~~فرفع نوح عليه السلام يده إلى السماء يدعو ويقول: اللهم غير ~~ماء صلب حام حتى لا يولد له إلا السودان، اللهم غير ماء صلب ~~يافث، فغير الله ماء صلبهما، فجميع السودان حيث كانوا من ~~حام، وجميع الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج والصين من يافث حيث ~~كانوا، وجميع البيض سواهم من سام، قال نوح (عليه السلام) لحام ~~ويافث: جعل الله ذريتكما خولا لذرية سام إلى يوم القيامة ... ~~وسمة البر في ذرية سام ظاهرة ما بقيت الدنيا.» # 113 # ويشرح «الجزائري» «وجعلت ذريتكما خولا أي خدما ~~لذرية سام إلى يوم القيامة.» # 114 # هذا ما قدر الله قوله للحجة الشيعي، فماذا عن الحجة ~~السني؟ # في شرحه للآية # وجعلنا ذريته ~~هم الباقين ~~(الصافات: 77). يقول «ابن كثير»: ~~«فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم، ينسبون ~~إلى أولاد نوح الثلاثة وهم سام وحام ويافث ... وولد كل واحد من ~~هؤلاء الثلاثة، فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك ~~والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط ms229 والسودان والبربر ... ~~وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة، فدعا عليه نوح أن ~~تشوه خلقة نطفته، فولد له ولد أسود هو كنعان بن حام جد ~~السودان، وقيل: بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها ~~وسترها أخواه؛ فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته، وأن يكون أولاده ~~عبيدا لإخوته.» # 115 # والاتفاق السني الشيعي لا شك مطلوب، لكن لماذا الاتفاق على ~~لعن «كنعان»؟ وهو ما يوافق الكتاب المقدس نصا وروحا، ويوافق ~~الهوى الصهيوني تمام الموافقة؛ لأن «كنعان» في التوراة ~~والإسلاميات هو أبو الكنعانيين، سكان فلسطين الأقدمين، قبل أن ~~يستوطنها العبرانيون، وقبل أن تستعمر استيطانيا باسم التراث ~~القديم اليوم. أما «سام» فهو أبو كل العربان وأبو العبرانيين، ~~أو كما أشار ابن كثير أنه أبو «العرب»، قاصدا كل من كان من ~~أصل بدوي، ولا نغفل عن كون الكلمة عربي هي بالقلب «الميتاتيز» ~~عبري. أما القبط بقية أبناء المغضوب عليه «حام» فاصطلاح معلول ~~يدل على المصريين، وأرضهم أيضا مطلوبة ضمن الوعد الإلهي للنبي ~~إبراهيم: «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير ~~نهر الفرات» (التكوين، 5: 18). # وعليه نفهم لماذا أصر التراث وأهله على احتساب النمروذ ابنا ~~لكنعان رغم المفارقة التاريخية الواضحة، يقصد الزيادة في ~~التنفير من «كنعان» ونسبة كل الرذائل إليه، حتى لا يكون وحده ~~ملعونا، إنما ذريته التي مثلها كأسوأ ما تكون شخص «النمروذ» ~~أو الكافر الأول، والمقارنة التاريخية التي نقصدها تتعلق بعلم ~~التاريخ، إنما تتعلق بما أرخه الكتاب المقدس والتراث ~~الإسلامي، وتضارب أوله مع آخره في تلك المسألة، وفي غيرها ~~كثير؛ لأننا قمنا بمسح شامل لما بين أيدينا من مصادر تاريخ ~~العراق القديم، فلم نجد ملكا حكم الدنيا، ولا حكم حتى في ~~بابل، ولا حتى في أية مدينة عراقية يحمل اسم «نمروذ»، كما لم ~~تدونه جداول الملوك الواردة بثبتهم في المدونات المسمارية، ~~وعليه فإن التاريخ كعلم لا يعلم شيئا عن شخص باسم النمروذ، ~~كما كان لا يعلم شيئا عن شخص باسم «سليمان» أو باسم «ذي ~~القرنين»، فقط وجدنا موقعا جرت ms230 فيه حفائر آثارية باسم ~~«نمرود»، ويبدو أنه من وضع مسلمين متأخرين شاهدوا في بابل ~~موقعا أثريا به تماثيل احتسبوها أصناما، ولم يجدوا من ~~ينسبونها إليه تراثيا، وفي تلك المنطقة، سوى «النمروذ بن ~~كنعان» المواطن البابلي الذي حكم ما بين المشرق والمغرب، ~~وقتلته بعوضة. # الكافر الثاني # لم يتفق اثنان على كراهة «بخت نصر» قدر اتفاق العربي والعبري ~~(وعربي بالميتاتيز عبري)، وكما لا يكاد سفر في الكتاب المقدس ~~يخلو من قذف فرعون مصر، فإن «بخت نصر» بدوره نال من هذا الشرف ~~الكثير، وعلى فرعون اتفق أيضا العربي والعبري، لكن الموقف ~~الإسلامي غير المفهوم هو ما يطالعنا به خبر تواتر نختار منه ما ~~جاء عند «ابن كثير» في قوله: «إن الله تعالى أوحى في ذلك ~~الزمان إلى أرميا بن حلقيا أن اذهب إلى بخت نصر، فأعلمه أني قد ~~سلطته على العرب، وأمر الله أرميا أن يحمل معه معد بن عدنان ~~على البراق؛ كي لا تصيبه النقمة فيهم، فإني مستخرج من صلبه ~~نبيا كريما أختم به الرسل.» # 116 # وترسيخا للكراهية وأدلجتها دينيا، يذهب «النويري» إلى أن ~~والد «بخت نصر» كان مصريا باسم «بخت بيديس» من كورة أرمنت؛ # 117 # ليجمع من الحسنيين سوأتين، سوأته وسوأة فراعنة ~~مصر. أما «ابن خلدون» فيصنف «بخت نصر» ضمن نسل النمروذ، بتأثير ~~التراث والاعتقاد، رغم ما لهذا الرجل من قيمة علمية، فيقول: ~~«إن بخت نصر من عقب النمرود بن كنعان، وهو ابن برزاد بن ~~سنجاريف بن النمروذ». # 118 # أما «الأصمعي» فقد قال إن أصل اسمه «بوخت» بمعنى ~~ابن، و«نصر» اسم صنم، وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب، فقيل ~~«بخت نصر» أي ابن الصنم، # 119 # ومرة أخرى يجمع «نبوخذ نصر» في تراثنا سوأتين: ~~سوءة الأصنام وسوءة كونه زنيما ونغلا. # أما «بخت نصر» في التاريخ كعلم، فهو «نبوخذ نصر الثاني» ~~الملك الكلداني المظفر، الذي دخلت شخصيته التاريخ من الباب ~~الخلفي ومن أسوأ المداخل، عبر أسفار الكتاب المقدس، بعد حملتين ~~جردهما على مملكة يهوذا، وحملهم في الثانية أسرى إلى بابل عام ms231 ~~586ق.م. وظلوا هناك عمالة رخيصة إلى أن فتحوا لقورش أبواب ~~بابل، فأعادهم إلى فلسطين مع قيام الإمبراطورية الفارسية. ~~والواضح تماما أن كل الروايات القدسية حول «نبوخذ نصر» إنما ~~تعتمد على الأصول التوراتية التي دشنها كره أحبار يهود، مع ~~سقوط الإمبراطورية الكلدانية عام 593ق.م. وأمر «نبوخذ نصر» ليس ~~بحاجة لمزيد من الإفاضة، فالتأريخ التوراتي له أسبابه ودوافعه، ~~والمسيرة التراثية الإسلامية تعمل بحديث المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.» خاصة إذا كان في الحديث ~~عبر. # هذا ما كان من شأن الملوك الأربعة، وما خرجنا به من درس وبحث ~~شأنهم بغرض إزالة النكارات، واللهم إنا قد حاولنا، اللهم ~~فاشهد. # لوحة رقم 29: تصور فني حديث لبرج بابل ~~(الزقورة) حسب المواصفات التوراتية. # لوحة رقم 30: مئذنة مسجد سامراء، قارن مع ~~الزقورة القديمة، حسب المواصفات الرافدية. # | النسخ في الوحي # محاولة فهم ~~(1) تأسيس # قال الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله تعالى، إلا ~~بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، وقد قال علي (رضي الله ~~عنه) لقاض: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت ~~وأهلكت. # جلال الدين السيوطي # 1 # عن ابن عباس في قول الله عز وجل # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ~~(البقرة: 269)، قال المعرفة بالقرآن ~~ناسخه ومنسوخه ... # فمن المتأخرين من قال: ليس في كتاب الله عز وجل ناسخ ولا ~~منسوخ ... وهذا القول عظيم جدا، يئول إلى الكفر. # أبو جعفر النحاس # 2 # وأهمية معرفة النسخ تتضح مما يأتي: أولا: أن أعداء ~~الإسلام من ملاحدة ومبشرين ومستشرقين ... جحدوا وقوع النسخ ~~وهو واقع ... ثانيا: إن الإلمام بالناسخ والمنسوخ يكشف ~~النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة ~~الله في تربيته للخلق، وسياسته للبشرية ... ثالثا: إن معرفة ~~الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام، وفي الاهتداء ~~إلى صحيح الأحكام ... فالمنكرون لوقوع النسخ في القرآن ~~الكريم ... يخالفون صريح النص القرآني، والسنة النبوية ~~الصحيحة وإجماع المسلمين. # د. شعبان محمد إسماعيل، وكيل الأزهر # 3 # لم تعد قضيتنا اليوم هي حماية تراثنا من الضياع ... إنها ~~ليست ms232 القضية الأولى في هذه المرحلة التي وصل فيها التهديد ~~إلى الوجود نفسه ... حيث أصبح موقفنا اليوم هو الدفاع عن ~~وجودنا نفسه، بعد أن أفلح العدو أو كاد في اختراق الصفوف، ~~في محاولة نهائية لإعادة تشكيل وعينا، أو بالأحرى في ~~محاولة لسلبنا وعينا الحقيقي، ليزودنا عبر مؤسساته ~~الثقافية والإعلامية بوعي زائف، يضمن استسلامنا النهائي ~~لخططه، وتبعيتنا المطلقة له على جميع المستويات. # د. نصر حامد أبو زيد # 4 ~~(2) ظاهرة النسخ في الوحي # تروي كتب التاريخ الإسلامية وكتب السير والأخبار أن النبي # صلى الله عليه وسلم # في المراحل الأولى من دعوته في مكة، وبعد أن هاجر بعض ~~أتباعه إلى الحبشة، ورأى تجنب قريش له، وأنه في نفر قليل من أصحابه ~~استشعر الوحشة فتمنى قائلا: # أفرأيتم ~~اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى ~~(النجم: 19-20). كما يروى أنه قرأ سورة ~~النجم في المسجد الحرام أمام سادات قريش، ومعه بعض أتباعه يصلون ~~معه، ولما وصل إلى الآيات # أفرأيتم ~~اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى ~~(النجم: 19-20)، يروى أنه استمر يقول: ~~«تلك الغرانيق العلا، إن شفاعتهن لترتجى.» مما أدى إلى صدى واسع ~~النطاق، إذ أعلنت قريش رضاها عن محمد # صلى الله عليه وسلم # وعما تلا من آيات، ~~وقالت: «بلى؛ لقد عرفنا أن الله يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، لكن هذه ~~تشفع لنا عنده، وإذا جعلت لها نصيبا، فنحن معك» ... ويذكر «الطبري» ~~أن «المؤمنين صدقوا نبيهم فيما جاءهم عن ربهم ... فلما انتهى إلى ~~السجدة، سجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا ~~لأمره، وسجد من سجد من المشركين وغيرهم، لما سمعوا من ذكر آلهتهم، ~~فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا وسجد.» # 5 # وروى البخاري عن ابن عباس قوله: إن رجلا واحدا لم ~~يسجد لكبر سنه ووهن عظمه، «إلا رجلا رأيته يأخذ كفا من تراب ~~فيسجد عليه.» # 6 # وقد سمى الواقدي هذا الرجل بالاسم في قوله: «فسجد ~~المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة، فإنه أخذ ترابا من الأرض ~~فرفعه إلى وجهه.» # 7 # ومعلوم أن «الوليد» كان من أشد الناس ms233 على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كما كان من ذوي الثراء بين وجهاء مكة وأشرافها، ولا شك ~~أن موقفه هنا بحاجة إلى بعض التأمل. # وتتابع الروايات حكايتها، فتقول: إنه كان لتلك القصة المعروفة في ~~التراث الإسلامي بحديث الغرانيق، صدى واسع، حتى إنه وصل إلى مسامع ~~المسلمين المهاجرين لدى نجاشي الحبشة، فقفلوا من مهجرهم راجعين بعد ~~أن انتفى سبب اغترابهم. لكن هؤلاء التقوا في طريق عودتهم بركب من ~~كنانة، أخبروهم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # ذكر شفعاء قريش بخير فتابعوه، ~~لدرجة أنهم صلوا صلاته، ثم ارتد عنها فعادوا لمعاداته، فبعد أن قال ~~«أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلا، ~~إن شفاعتهن لترتجى.» عاد يقول: إن جبريل جاءه وعاتبه قائلا: «ماذا ~~صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به من الله عز وجل، وقلت ما لم ~~يقل.» ثم تلا # أفرأيتم اللات ~~والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى * ألكم الذكر وله ~~الأنثى * تلك إذا قسمة ~~ضيزى ~~(النجم: 19-22). # 8 # وقد عقب القدامى والمحدثون على حديث الغرانيق لنفيه، واستهجانا ~~له، وللإيجاز يقول «د. شعبان محمد إسماعيل» من المحدثين: «وهذه ~~القصة غير ثابتة لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل.» # 9 # ومن القدامى «أبو جعفر النحاس» الذي هاله أمرها، فقام ~~يعلن أن «هذا حديث مفظع وفيه هذا الأمر العظيم.» # 10 # وقدم محقق كتابه لذلك بحجة منطقية تماما، وهي «أنه ~~لو أجزنا ذلك، لذهبت الثقة بالأنبياء، ولوجد المارقون سبيلا ~~للتشكيك في الدين.» # 11 # ثم أردف بما جاء عند «الواقدي» وهو يقول: حتى نزل ~~جبريل فقرأ عليه النبي هذا، فقال له: ما جئتك به! وأنزل الله: # لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا ~~(الإسراء: 74). # 12 # والآية المشار إليها، # لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا # جاءت في عتب ~~الله تعالى على نبيه الكريم # صلى الله عليه وسلم ~~، في الآيات # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا ~~لاتخذوك خليلا * ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا ~~(الإسراء: 73، 74)، ثم نجد تبريرا قرآنيا ms234 ~~لما حدث، لا مجال فيه لخلط أو لبس، يوضح أن الشيطان لعنه الله، ~~انتهز فرصة تمني النبي القرب من قومه، فتدخل في الوحي إبان تلقيه، ~~وألقى إليه بتلك الآيات الفظيعة، فنسخها تعالى بالآيات الصادقة. ~~ويعلمنا الله تعالى أن ذلك ليس أمرا جديدا ولا غريبا، فقد كان ~~الشيطان يفعلها مع أي نبي من الأنبياء والرسل «المكرمين» إذا تمنى ~~أحدهم الأمنية نفسها أو مثلها، وقد جاء هذا الإيضاح المبين في قوله ~~جل وعلا: # وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~(الحج: ~~52). # ويعقب أبو جعفر النحاس الذي استفظع الأمر على تلك الآيات، فيؤكد ~~أنه حتى لو كان حديث الغرانيق قد حدث، وأن الشيطان وجد الفرصة في ~~التمني، فإن النبي لم ينطق بما ألقى الشيطان، أو كما قال: «... فيكون ~~التقدير على هذا: ألقى الشيطان في تلاوة النبي # صلى الله عليه وسلم # إما شيطان ~~من الجن، ومعروف في الآثار أن الشيطان كان يظهر في كثير وقت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فألقى هذا في تلاوة النبي # صلى الله عليه وسلم # من غير أن ينطق به ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 13 # ومن هنا يحتمل أن يكون مناط احتجاجه ما جاء في آيات ~~أخرى تقول: # فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون ~~(النحل: 98-100). # هذا ما كان من أمر حديث الغرانيق، وما كان من إيضاحات القرآن ~~الكريم لما حدث، ولكن ما يعنينا ونهتم به ويدخل في إطار بحوثنا، ~~بعيدا عن بحوث الدين نفسه، التي لها ميدانها وفرسانها، هو قراءة ~~الواقع الذي حدثت فيه الحادثة، ومعرفة الظروف التي لابستها. لنفهم ~~كيف كان القصد من الأمر فتنة قوم في قلوبهم مرض، وكيف قست قلوب ~~آخرين فتم اختبارهم وفرزهم، وبالإطلال على تلك الفترة الزمكانية ~~نرى الواقع لم يفرز بعد عددا من الحواجز ms235 بين النبي وقومه، لكن ~~كانت هناك حواجز قد قامت بالفعل، كانت من وجهة نظر المشركين هي ~~الحواجز الأساسية والحاسمة. والمعلوم أن قريشا لم تكن تختلف مع ~~المصطفى # صلى الله عليه وسلم # حول المسألة العقدية الأولى لدعوته، وهي الإيمان ~~بإله واحد يحيي ويميت يخلق ويرزق، ومصدر علمنا بذلك من القرآن ~~الكريم نفسه، والذي شهد لهم بذلك في عدد من الآيات المكرمة، ومن ~~تلك الآيات # ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون ~~(العنكبوت: ~~61)، # قل من رب السموات السبع ~~العرش العظيم * سيقولون لله ~~قل أفلا تتقون ~~(المؤمنون: 86)، وغير تلك ~~الآيات بالمعنى نفسه كثير. لكن وجه الخلاف، والحاجز الكبير، كان ~~يتمثل في دعوة النبي # صلى الله عليه وسلم # لإسقاط شفاعة الشفعاء من أرباب قريش ~~الممثلين في تماثيل، إذ اعتقد الجاهليون أن أسلافهم، وبالذات من ~~كان منهم صالحا أو متميزا بفعله، قد اقترب من الله الواحد رب ~~السموات والأرض واكتسب رضاه؛ ومن ثم يمكن أن يكون ذا قول مقبول ~~عنده، فقاموا يبنون للأسلاف الصالحين المحاريب، وينحتون لهم ~~التماثيل، إضافة إلى بعض التماثيل المستوردة، بغرض اتخاذهم شفعاء ~~إلى الله مقبولي الدعاء، وبحبسان الإنسان بخطاياه بعيدا عن الله ~~تعالى، وأن ما يحمله من أوزار يجعله بمنأى عن القرب من الإله ~~العظيم. ومن هنا اتخذت كل قبيلة لها شفيعا من أسلافها، يقوم بنقل ~~نجواهم ومطالبهم للإله رب الكون، وعادة ما كان ذلك الشفيع هو سيد ~~القبيلة الراحل ورمزها وعلمها وضامن وحدتها وتضامنها، حتى ذابت فيه ~~القبيلة، ولم تعد تقبل سواه سيدا وربا وشفيعا، وهو الأمر الذي ~~ساعد على زيادة الفرقة القبلية، نتيجة اعتزاز كل قبيلة بنسبها إلى ~~ذلك السيد الشفيع، وهكذا كانت دعوة النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى إسقاط ~~الشفعاء، إنما تعني إسقاط الأطر القبلية، بل وتفجيرها تماما، من ~~أجل توحد أكبر لكل القبائل، وهو ما كانت ترفضه الأعراف القبلية ~~وتنفر منه. # ومن جانب آخر نجد دعوة النبي # صلى الله عليه وسلم # تتوافق توافقا رائعا مع ~~ما تهيأ الواقع لإفرازه بالفعل، ms236 رغم إصرار البعض الكثير على الشكل ~~القبلي التقليدي، فالواقع كان يسعى حثيثا لإسقاط الحواجز القبلية ~~نتيجة لتغايرات في البنى الاجتماعية، والأشكال الاقتصادية، بعد أن ~~تحولت قريش من مجرد محطة ترانزيت على الطريق التجاري، إلى مقر ~~للمسيطرين على تجارة العالم، بحيث وجدنا الظروف تنبت ألونا من ~~الأرستقراطية التجارية، خلقت وضعا جديدا لم يكن مألوفا في ~~النظام القبلي، وهو التباين الطبقي الهائل، الذي أدى بالضرورة إلى ~~بروز أشخاص بأنفسهم داخل كل قبيلة، يتميزون بثروتهم الكبيرة، بل ~~والمبالغ فيها، وهو الأمر الذي أدى لانزياح الانتماء القبلي لدى ~~هؤلاء جانبا، إزاء التقاء مصالحهم الاقتصادية مع مصالح آخرين في ~~قبائل أخرى، وبحيث تحول الانتماء عن القبيلة وسيدها، إلى الانتماء ~~لشريحة اجتماعية ومصالح اقتصادية، تجمع بين أثرياء القبائل على ~~تفرقها، وهو الأمر نفسه الذي حدث على الجانب الآخر بين فقراء ~~القبائل المختلفة، بحيث زاد النزوع لدى الطبقتين نحو التوحد تحت ~~راية إله يضمن للتجار مصالحهم، أو تحت راية إله يدافع للمستضعفين ~~عن قضيتهم، فكان التيار المتدفق نحو رب للجميع على مستوى التجار، ~~ورب للجميع على مستوى المدقعين من فقراء القبائل، وهو الأمر الذي ~~أدى إلى ظهور تجمعات صغيرة، من الخلعاء والصعاليك من بين الطبقة ~~المستضعفة من قبائل مختلفة، وإلى ظهور تحالفات الكبار وتحالفات ~~الفقراء، في الظاهرة المعلومة باسم ظاهرة الأحلاف (حلف الفضول، حلف ~~المطيبين، لعقة الدم، حلف الأحلاف ... إلخ). # وهكذا بدأ الواقع يبتعد بناسه عن السلف، أو الرب القبلي الذي لم ~~يعد يعني في حساب المصالح شيئا، لكن كان الإبقاء عليها في حساب ~~التطور الاجتماعي مجرد مرحلة، إذ كان الرب الشفيع لا زال يضمن ~~ببقائه، الوضع السيادي المستقل لكل قبيلة، وهو ما كان يحرص عليه ~~الأرستقراطيون تحديدا حماية للمصالح الفردية، فهم وإن ائتلفوا ~~طبقيا على اختلاف قبائلهم، فقد كانت المنافسة التجارية عاملا في ~~استمرارية الأوضاع القبلية، منعا للسقوط في المنافسة، بالاستناد ~~إلى قوة القبيلة كوحدة عسكرية مقاتلة. ومن هنا، ورغم دفع الواقع ~~للأحداث في طريقها الضروري والمنطقي، فقد حرص كل فرد في الشريحة ~~الأرستقراطية على إدامة ms237 سيادة الشفعاء ما أمكن، لما تمثله سيادة ~~الشفيع من سيادة شخصية له، لا تؤدي إلى سقوطه في حلبة المنافسة، ~~ولا إلى ذوبانها أمام الملكيات الأكبر لرءوس الأموال في القبائل ~~الأخرى. # وهكذا نجد المرحلة تحمل جنين التطور الآتي، تفصح عنه الأحلاف، ~~والتقارب في المصالح على اختلاف القبائل، لكن مع الحرص على سيادة ~~شفيع القبيلة الذي هو ربها وسيدها ورمز قوتها وتماسكها، حتى تماهى ~~السيد الأرستقراطي مع السيد الشفيع، بعد أن أمد الأرستقراطيون كهان ~~الأرباب الشفعاء بعطاياهم وأموالهم؛ لينطق الأرباب بما يوافق مصالح ~~الأغنياء؛ لتصبح كلمة الشفيع هي كلمة السيد التاجر. # وهكذا، كان معنى أن يلغي محمد # صلى الله عليه وسلم # الشفعاء، هو إلغاء الحاجز ~~الأخير بين القبائل وبعضها، وإسقاط الرمز القوي السيادي المتماهي ~~مع السيد الأرستقراطي. هذا ناهيك عن نظرتهم إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # بحسبانه يسعى إلى إلغاء سادة القبائل من شفعاء، ليصبح هو السيد ~~الأوحد لكل القبائل، لتنتقل له وحده الشفاعة، من حيث كونه صاحب ~~العلاقة مع الله وليس الشفعاء ولا الكهان ولا التجار، أي صاحب ~~القرار القاطع والنهائي الناطق باسم الله، وذلك عبر الشهادة له ~~بأنه رسول الله، هو ما يتهدد مصالحهم التجارية جميعا ~~بالدمار. # وفي ظل ذلك الوضع يمكن قراءة حديث الغرانيق مرة أخرى، ففي تلك ~~الظروف، ومع مهاجرة الأتباع للحبشة، ومع قسوة الواقع ومرارته، ومع ~~الغربة وسط الأهل، ومع الظرف النفسي الذي لا بد تركته تلك الأوضاع ~~في النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، تمنى، فتدخل الشيطان، فقال، فتبعته قريش وخاصة ~~سادتها الذين تواجدوا تلك اللحظة بالحرم؛ لأنه هكذا لن يمس الأمر ~~مصالحهم، فسجدوا بسجود النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وصلوا معه صلاته. وهنا كانت ~~الفتنة المقصودة بقول الآيات # ليجعل ما ~~يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم ~~(الحج: 53). والقلوب كانت آنذاك بمعنى ~~العقول، أي الذين لا يفقهون ولا يدركون المرامي البعيدة لدعوة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، تلك المرامي التي سبق أن أدركها العقلاء منهم رغم ~~عدم إيمانهم، وأفادوهم بها، وشرحوها لهم، وهو ما لمسناه في ms238 قول ~~«عتبة بن ربيعة» لهم بعد أن التقى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأدرك الأهداف ~~الكبرى للدعوة، «يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين ~~هذا الرجل وما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت ~~منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على ~~العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.» # 14 # ولا شك أن «عتبة بن ربيعة»، وهو أحد الأرستقراطيين ~~الكبار، قد أدرك الأبعاد الكبرى للدعوة والتي كانت تبغي توحيدهم ~~جميعا في دولة كبرى تناجز الروم والعجم، دون إضرار بمصالحهم ~~التجارية، وهو ما حدث بعد ذلك بالفعل. بل، وبعد انتصار الدعوة تم ~~تمكين هذه المصالح وتقويتها ودعمها، فالنبي بعد فتح مكة لم يضمن ~~للمكيين مكانتهم بين العرب فقط، بل ضمن لقريش ولزعامتها مركزهما في ~~الإسلام. والناظر لفتح مكة بقليل من وضوح الرؤية، يكتشف أن فتح مكة ~~لم يكن هزيمة لقريش، وهو الأمر الذي نلاحظه في تذمر الأنصار، ثم ~~بعد ذلك عمل النبي # صلى الله عليه وسلم # بنفسه على تكريس الوضع الاجتماعي ~~القائم، عن طريق الأعطيات والإقطاعات. ثم دعم الوحي ذلك بتكريس ~~الملكية الفردية # والله فضل بعضكم ~~على بعض في الرزق ~~(النحل: 71)، بل قدم عقلنة ~~واضحة للتفاوت الطبقي كما في قوله تعالى: # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~(النحل: 75)، ~~ناهيك عن إعادة سر التفاوت الطبقي إلى التقدير الإلهي في قوله: # وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ~~ليبلوكم في ما آتاكم ~~(الأنعام: ~~165). # لكن كان واضحا أن الأمر بهذا المعنى لم يصل إلى أذهان ~~الأرستقراطيين المكيين في ظل دعوة الإسلام الأولى للمستضعفين، ~~فكانت فتنتهم بحديث الغرانيق، لكن توتر بعض المسلمين نتيجة ما ~~ألقى الشيطان، وتضعضع أحوالهم المعنوية، كان لا بد أن تتبعه العودة ~~السريعة بإيضاح دور الشيطان فيما حدث، والذي كان أيضا اختبارا ~~للمسلمين المستضعفين لإظهار مقدار الطاعة، ومدى مسارعتهم إليها، ms239 ~~مسارعة إسماعيل إلى الذبح طاعة للأمر الإلهي. وعليه فقد جاء النسخ ~~لما ألقى الشيطان في الوحي، عملا إجرائيا كانت أطرافه ~~الاعتبارية: القبلية في جانب والوحدة المرتقبة في جانب آخر، ~~وأطرافه الشخوصية هي: أهل مكة في جانب، والنبي # صلى الله عليه وسلم # في جانب، ~~بينما كانت أدوات هذا الجدل هي الشفعاء، والشيطان، وكلمات الله ~~التي تمثلت في وحي لا كالإلهام، ولا كالخاطر، ولا كالهاجس، لكنه ~~الوحي الصادق الذي أدى دورا غني الدلالة، ويشير بدون إبهام إلى ~~صدوره عن فاعل واع مريد. كان الوحي هنا فعلا شعوريا يتسم ~~بالإدراك والوعي التامين لما يحدث، ولشكل الاستجابة المطلوبة بحسب ~~شروط الواقع وضروراته، كان وعيا بطبيعة المرحلة الآنية آنذاك، ~~وبطبيعة المرحلة المقبلة وما سيلحقها من تحولات، لكن يثور هنا ~~السؤال: كيف يتحول الوحي ويتبدل؟ وهل يمس ذلك قدسية كلمة الله ~~الثابتة؟ وهذا ما دعا بعد ذلك إلى نشوء مبحث مهم وكبير من مباحث ~~علوم القرآن، هو «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم»، وهو الظاهرة ~~التي لحظها القرشيون حتى قالوا: «ألا ترون إلى محمد، يأتي أصحابه ~~بأمر ثم ينهاهم ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا يرجع عنه غدا؟» ~~وهي المقالة نفسها التي قالها اليهود اليثاربة بعد الهجرة، عندما ~~تحول النبي # صلى الله عليه وسلم # بالمسلمين في الصلاة عن بيت المقدس إلى كعبة مكة. # 15 # كان ذلك التحول والتبدل مدعاة لرد الآيات الكريمة: # وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ~~(النحل: ~~101). والمعنى أن هناك آيات تم استبدالها بأخرى، مع إشارة واضحة ~~إلى احتساب المشركين لذلك التبديل افتراء من النبي # صلى الله عليه وسلم # على ~~الله جل وعلا، والله منه بريء. إلا أن الآيات أوضحت بلا إبهام أن ~~من يرفضون منطق الاستبدال والتحول «أكثرهم لا يعلمون»، وهو ما ~~دعمته الآيات بقولها: # يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت ~~(الرعد: 39). وهو ما يشير ليس فقط ~~إلى الاستبدال، بل إلى محو آيات بعينها، ثم بقولها # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها ms240 أو مثلها ~~(البقرة: ~~106). # وقد جاء عن ابن عباس من تفسير الآية # يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت ~~(الرعد: 39) أن الله ~~يبدل ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، وما يبدل ~~وما يثبت إلا في كتاب. وعن «قتادة» عن عكرمة قال: «إن الله ينسخ ~~الآيات بالآية، فترفع وعنده أم الكتاب، أي أصل الكتاب.» وعن ~~«قتادة» أيضا في شرح الآية # منه آيات ~~محكمات ~~(آل عمران: 7)، قال: «المحكمات هي الآيات ~~الناسخة التي يعمل بها.» # 16 # مما يشير إلى غير المحكمات التي لا يعمل بها، على ذمة ~~«قتادة». وإزاء القول بأن الآيات، المنسوخ منها والناسخ، المعلوم ~~لدينا أو المجهول - لنسخه أو محوه - إنما في كتاب أزلي محفوظ هو أم ~~الكتاب، يقول د. نصر أبو زيد: «النسخ هو إبطال الحكم وإلغاؤه، سواء ~~أرتبط الإلغاء بمحو النص الدال على الحكم ورفعه من التلاوة، أو ظل ~~النص موجودا دالا على الحكم المنسوخ، لكن ظاهرة النسخ تثير في ~~وجه الفكر الديني السائد المستقر إشكاليتين يتحاشى مناقشتهما، ~~الإشكالية الأولى: كيف يمكن التوفيق بين هذه الظاهرة بما يترتب ~~عليها من تعديل للنص بالنسخ والإلغاء، وبين الإيمان الذي شاع ~~واستقر بوجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ. والإشكالية الثانية ... هي ~~إشكالية جمع القرآن ... ومشكلة الجمع ما يورده علماء القرآن من أمثلة ~~قد توهم أن بعض أجزاء النص قد نسيت من الذاكرة الإنسانية ... ولم ~~يناقش العلماء ما تؤدي إليه ظاهرة نسخ التلاوة، أو حذف النصوص، ~~سواء أبقي حكمها أم نسخ أيضا، من قضاء كامل على تصورهم الذي سبقت ~~الإشارة إليه لأزلية الوجود الكتابي للنص في اللوح المحفوظ ... فإن ~~نزول الآيات المثبتة في اللوح المحفوظ ثم نسخها وإزالتها من القرآن ~~المتلو، ينفي هذه الأبدية المفترضة الموهومة ... فإذا أضفنا إلى ذلك ~~المرويات الكثيرة عن سقوط أجزاء من القرآن ونسيانها من ذاكرة ~~المسلمين، ازدادت حدة المشكلة ... والذي لا شك فيه أيضا، أن فهم ~~قضية النسخ عن القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري ~~للوجود الأزلي للنص، بل يؤدي أيضا إلى القضاء على مفهوم ms241 النص نفسه.» # 17 # لكن رغم أهمية هذه الرؤية وعلميتها، التي تحرص على الالتزام ~~بمنهج الدراسة العلمية وشروطه، كما تحرص في الوقت نفسه على النص ~~ومفهومه، فقد كان واضحا أنها سقطت في شراك المنظومات القديمة ~~وقوالبها الجاهزة، فتشابكت معها. رغم ما أبداه الأستاذ الدكتور من ~~حذر وتحذير من سيطرة مثل تلك المنظومات والقوالب على الباحث، في ~~مقدمة كتابه المذكور، ورغم حرصه الشديد على التعامل مع النص ~~القرآني كنص أدبي، ورغم إشارته إلى ارتباط هذا النص بواقع جزيرة ~~العرب زمن تواتر ذلك النص وحيا. إلا أن تلك الإشارة لم تفصح ~~عمليا عن نفسها بشكل واضح وجلي في موضوعه عن النسخ. وإزاء تشابك ~~تلك الرؤية مع القوالب القديمة، فإن الأستاذ الدكتور لم يمد الخيط ~~إلى طرفه الأخير، أو بالأحرى إلى الحدود الممكنة وكانت متاحة، لولا ~~أنه سلم مقدما بالتقسيم التقليدي لظاهرة النسخ في القرآن ~~الكريم. أقصد اللوحة الثلاثية التي تقول: إن هناك أولا ما نسخ ~~حكمه وبقيت تلاوته، بمعنى أن هناك آيات في الكتاب الكريم قائمة ~~بلفظها، وإن بطل العمل بحكمها، بموجب آيات أخرى جاءت بحكم جديد نسخ ~~الآيات القديمة. وثانيا ما نسخت تلاوته وبقي حكمه، بمعنى أن هناك ~~آيات كانت معروفة في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # ويعمل بحكمها، لكن في ~~ظروف بعينها تم نسخ تلاوتها أي لفظها أو نصها، بينما بقي حكمها ~~معمولا به بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهي الحالة التي تجد نموذجها ~~الأمثل في حكم الرجم على الزاني والزانية إذا ما أحصن (أي إذا كان ~~متزوجا). أما الحالة الثالثة فهي ما نسخ حكمه وتلاوته معا، فلم ~~يعد له وجود بين آيات القرآن الكريم، ولم يعد يعمل بحكمه أيضا. ~~هذا بينما نجد - بنظرة مدققة - فيما جاء من أخبار، ما يفيد أن هناك ~~أحداثا وظروفا جدت، فتفاعل معها الوحي، إضافة إلى أحداث جدت بعد ~~الوحي، وذلك إبان عملية جمع القرآن، بحيث أدى هذا كله في النهاية ~~إلى القرآن النهائي الموجود بين أيدينا الآن (المصحف العثماني نسبة ~~إلى عثمان ms242 بن عفان). ولم يأخذ المجتهدون في التعامل مع ظاهرة النسخ ~~تلك الأحداث والظروف بحساباتهم، رغم إشارتهم لها، وذلك نتيجة ~~الإصرار على التعامل مع القرآن الكريم كنص أزلي الوجود، مما انتهى ~~بهم إلى تقسيم اللوحة الثلاثية. ومن هنا سنحاول فهم واقع الحال مرة ~~أخرى، مرتبطا بمراحل تواتر الوحي، ومن خلال الإشارات والشذرات ~~والشهادات التي قدمها علماؤنا القدامى، والتي تشير إلى ما حدث خلال ~~ثلاثة وعشرين عاما، استغرقها تواتر الوحي القرآني، وكانت كفيلة ~~بالتعامل معه كنص تاريخي، إضافة لكونه نصا عقديا ~~وأدبيا. # ولقد كان تواتر الوحي خلال تلك الفترة الزمنية، مفرقا ~~ومنجما، تواصلا مستمرا مع الواقع آنذاك، وتفاعلا مع ~~المستحدثات الظروفية، وهو ما كان معترض المشركين الأساس، والذي ~~سجلته الآيات الكريمة في قولها: # وقال ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة ~~(الفرقان: 32). وهي حجة تتسق مع ~~الرؤية المثالية لمفهوم الألوهية ومفهوم النبوة، إذ يتسم فيها الله ~~بالثبات المطلق، وبحيث تثبت كلماته دفعة واحدة، فلا تتبدل ولا ~~تتغير، بحسبان كلام الله ثابتا ثبات ذاته. وهي الرؤية نفسها التي ~~استندت إليها قراءة السالفين من علماء المسلمين في الكتاب الكريم، ~~دون أن يلتفتوا إلى أن ذلك يمكن - بالفعل - أن يدمر مفهوم النص ~~نفسه، بحسب ما نبه إليه (د. نصر أبو زيد). هذا بينما، كانت سيولة ~~القرآن الكريم، وتدفقه على مراحل حسب المناسبة والظروف، مطابقة ~~مستمرة ودائمة بالمتغير الموضوعي، بحيث لم يترك النبي وبين يديه ~~نص أولى أزلي واحد، يواجه به الواقع الذي لا يتوقف عن التغاير، ومن ~~هنا استكملت الآيات إيضاحها في قولها: # وقال ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا ~~(الفرقان: 32). # لقد تحولت النبوة عن نهج الإبهار بالإعجاز الساحر، فلم تأخذ بعصا ~~سحرية تفعل الأعاجيب، ولا بتمتمات تحيي الموتى، وإنما أصحبت فرزا ~~صادقا يتطابق مع واقعها الزمكاني، وهو ما جعل الوحي بالنسبة للنبي ~~محمد # صلى الله عليه وسلم # يختلف عن الوحي الإيهامي والإلهامي. لقد تحول ~~باليقين إلى الواقع ليتفاعل معه، يقرأ الواقع، ويجيب عن أسئلته، ~~ويسهم ms243 في حل إشكالياته، يرتبط بالأرض ومصالح ناسها ومطالبهم، ~~بحسبان الناس، وليس السماء، هم هدفه الرئيسي؛ بحيث أصبح الناس ~~المتغيرون بتغير أحداث الواقع عنصرا أساسيا في مجيء الوحي ~~مفرقا # وقرآنا فرقناه لتقرأه ~~على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا ~~(الإسراء: 106). # وإعمالا لما سبق، ولأن عمل «د. نصر» بحساباتنا عمل رائد حقا، ~~فقد رأينا دفع الموقف حول اللوحة الثلاثية، ليس تسليما بها، إنما ~~لبيان الأسباب التي أدت إلى كل حالة من حالات تلك القسمة ~~الثلاثية. ~~(3) ما نسخت تلاوته وبقي حكمه # عن مالك بن أنس عن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عما ~~حدث في خلافة عمر، قال: «جلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن، قام ~~فأثنى على الله بما هو أهل له، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني ~~قائل مقالة قد قدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن ~~وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت راحلته، ومن لم يعها فلا أحل له ~~أن يكذب على الله عز وجل: بعث الله محمدا # صلى الله عليه وسلم # بالحق، وأنزل ~~عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناه ووعيناها ~~وعقلناها، ورجم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ورجمنا بعده، فأخشى إن طال ~~بالناس زمان، أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا ~~بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق، على من زنى ~~إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو ~~الاعتراف، ألا إنا كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ~~ترغبوا عن آبائكم.» # 18 # وفي رواية عيينة عن الزهري: «وايم الله لولا أن يقول قائل: زاد ~~عمر في كتاب الله، لكتبتها.» وعن يحيي عن سعيد بن المسيب، أن عمر ~~بن الخطاب قال: «أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم ~~الفرائض، وتركتكم على الواضحة، ألا تضلوا بالناس، يمينا أو ~~شمالا، وآية الرجم لا تضلوا عنها، فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد رجم ~~ورجمنا، وإنها ms244 نزلت وقرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ~~البتة. ولولا أن يقال: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها بيدي.» وفي ~~رواية «زر» أن الآية كانت «إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ~~نكالا من الله والله عزيز حكيم.» # 19 # وعن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت: «لقد أقرأنا رسول ~~الله آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا اللذة.» # 20 # وروى الزهري عن عبد الله بن عباس قال: «خطبنا عمر بن الخطاب قال: ~~كنا نقرأ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من ~~اللذة ... قال: ولولا أني أكره أن يقال زاد عمر في القرآن لزدته.» # 21 # لدينا هنا حالة واضحة جلية لإحدى الحالات التي تم تصنيفها ضمن ~~المنسوخ في القرآن الكريم، وتحديدا ضمن «ما نسخ تلاوته وبقي ~~حكمه»، وقد أخذ «جلال الدين السيوطي» بتبرير لذلك الأمر يقول: ~~«أجاب صاحب الفنون، أن ذلك ليظهر مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة ~~إلى بذل النفوس، بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، ~~فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام.» # 22 # وربما ذهب الفقهاء إلى أن الحالة الموجودة هنا «الشيخ ~~والشيخة ... إلخ» من نوع «ما نسخ تلاوته وبقي حكمه»، استنادا إلى ~~مقالة عمر بن الخطاب، وتواتر معنى الآية المنسوخة بين الرواة (وإن ~~تبدل لفظها لقدم العهد ولعدم تدوينها في القرآن المجموع) وإلى كون ~~حكم الرجم قد عمل به أيام الرسول # صلى الله عليه وسلم # ومن بعده. # لكن لدينا بالقرآن الكريم بشأن حكم الزنى الآيات # واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ~~فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا * واللذان يأتيانها ~~منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا ~~عنهما ~~(النساء: 15-16)، هذا إضافة لآية الجلد # الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة ~~(النور: 2)، ~~ومع ذلك، فقد ذهب العلماء إلى الاتفاق على نسخ حكم الآيات # واللاتي يأتين الفاحشة ... # رغم تدوينها في القرآن الكريم، واحتسبوها مما نسخ حكمه وبقيت ~~تلاوته، بينما أبقوا ms245 على حكم آيات غير موجودة في كتاب الله المجموع ~~بين أيدينا (الشيخ والشيخة ...) باحتسابها مما نسخت تلاوته وبقي ~~حكمه. فأثبتوا حكم الرجم استنادا إلى أحاديث نبوية، تدخل في أصول ~~الفقه فيما يذهبون وذلك بالنسبة لمن يحصن ، مع إثبات حكم الجلد لمن ~~لم يحصن. ويجمل أبو جعفر النحاس موقف العلماء بهذا الشأن في قوله: ~~«فمنهم من قال: كان حكم الزاني والزانية إذا زنيا وكان ثيبين أو ~~بكرين، أن يحبس كل واحد منهما في بيت حتى يموت، ثم نسخ هذا بالآية ~~الأخرى وهي: # واللذان يأتيانها ~~منكم فآذوهما ~~(النساء: 16) فصار حكمها أن ~~يؤذيا بالسب والتعيير، ثم نسخ ذلك فصار حكم البكر من الرجال ~~والنساء أن يجلد مائة ويرجم حتى يموت ... والقول الثاني: إنه إذا كان ~~حكم الزاني والزانية إذا زنيا أن يحبسا حتى يموتا، وحكم البكرين ~~يؤذيا ... والقول الثالث، أن يكون عز وجل قال: واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم، عاما لكل من زنت من ثيب وبكر، وهذا قول مجاهد، وهو ~~مروي عن ابن عباس، وهو أصح الأقوال.» # 23 # وإذا كان القول الثالث عند النحاس هو أصح الأقوال، وهو ~~بالفعل الأرجح في منطوق الآيات # واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم ~~(النساء: ~~15)، # واللذان يأتيانها ~~منكم ~~(النساء: 16)، فقد كان يعني أن الآيات جعلت ~~للزناة من الرجال حكما يختلف عن حكم الزناة من النساء، ثم لما ~~كانت آية الرجم، انتهى الأمر في بعض الأحيان إلى محاولة تطبيق ~~الحدود على اختلافها، في محاولة لتحاشي الإثم في التطبيق. وربما ~~كان ذلك ما دفع «علي بن أبي طالب رضي الله عنه» لجلد «سراحة» مائة، ~~ثم رجمها بعد جلدها، وتعقيبه التبريري «جلدتها بكتاب الله عز وجل، ~~ورجمتها بسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~». # 24 # هذا بينما ذهب جماعة العلماء إلى أن حكم الثيب الزانية ~~الرجم بلا جلد، واحتجوا بأن الجلد منسوخ عن المحصن بالرجم، # 25 # وهذا بدوره يستند إلى السنة في قول ابن عباس: «قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لماعز بن مالك: أحق ما بلغني أنك وقعت على ~~جارية ms246 بني فلان؟ قال: نعم، فشهد أربع شهادات، ثم أمر به فرجم.» # 26 # كذلك قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن ~~اعترفت بالزنا فارجمها.» ولم يذكر الجلد، فدل ذلك على نسخه، فيما ~~يذهب إليه قول أبي جعفر النحاس. # 27 # وتبقى محاولة فهم ما فرضه واقع الحال بشأن نسخ تلاوة «الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ... إلخ»، لكن مع بقاء حكم الرجم ~~قائما، دون سند في آيات القرآن المجموع بين أيدينا، والأسباب التي ~~دعت إلى وضع باب للنسخ عرف ب «ما نسخ تلاوته وبقي حكمه»، لإدراجها ~~ضمنه. والمعلوم أنه إذا نسخت آية من الآيات الكريمة، كان لا بد من ~~آية أخرى بديلة تحل محلها، تحمل الحكم الجديد، وذلك حسب نص الآيات # ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها ~~(البقرة: ~~106). والمعلوم أيضا أن لدينا في آيات القرآن الكريم الحكم ~~المذكور في الآيات «واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ...» وحكمها ~~الحبس للنساء حتى الموت، أو حتى يجعل الله للمحكوم عليه فرجا، ~~والإيذاء بالسب والتعيير للرجال، وذلك حسب التقديرات المرجحة ~~لقراءة الآيات. ثم لدينا الآية «الزانية والزاني ...» وحكمها الجلد ~~مائة جلدة، لكن وضع باب «ما نسخ تلاوته وبقي حكمه» أبقى آية الرجم ~~قائمة بحكمها، بحيث أصبحت ناسخة لحكم الحبس والإيذاء، واستمرت إلى ~~جوار حكم الجلد، وانتهى الأمر إلى تصنيف آية الرجم للمحصن، وآية ~~الجلد لغير المحصن. # وقد قدم السيوطي تفسيرا لنسخ تلاوة آية الرجم بقوله: «إن سبب ~~التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان ~~حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها، وأغلظ الحدود.» # 28 # وعليه فالسيوطي يطرح تأويله لنسخ التلاوة لأن الحكم في ~~الآية هو أشد الأحكام وحكمها أغلظ الحدود، لكن الغريب أنه يقول ما ~~قال سلفه من العلماء وهو «أن حكمها باق»! فإذا كانت العبرة من ~~النسخ هي غلظ الحد وقسوته أفلا يكون نسخ الحكم بدوره هو الأكثر ~~منطقية؟ # ثم شذرة أخرى تشير إلى دور الواقع فيما حدث بشأنه آية الرجم، ~~تقول إن ms247 «أبي بن كعب» وقف يذكر «عمر بن الخطاب» بما حدث بشأن ~~آية الرجم، التي أصر عمر على استمرار العمل بحكمها بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فيقول له: «أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~(أي أستأذنه في كتابتها)، فدفعت في صدري وقلت: تستقرئه ~~آية الرجم، وهم يتسافدون تسافد الحمر.» # 29 # هذا بينما أوضح «ابن حجر» ما ليس فيه لبس بقوله: «وفيه ~~إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها، وهو الاختلاف.» مع ملاحظة ~~استخدام «ابن حجر» اصطلاح «رفع» بدلا من «نسخ». أما «ابن الحصار» ~~فقد وقف يتساءل دهشا إزاء القول بنسخها مع الاستمرار في العمل ~~بحكمها، مع وجود آيات أخرى يمكن احتسابها ناسخة لها، لكنها لم ~~تحتسب كذلك، فيقول: «كيف يقع النسخ إلى غير بدل، وقد قال تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها ~~(البقرة: 106).» # 30 # والغريب أن «عمر بن الخطاب» نفسه قد قال بشأن آية الرجم: «لما ~~نزلت أتيت النبي # صلى الله عليه وسلم # فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك! فقال عمر: ~~ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد ~~أحصن رجم؟» وهي ذات الحجة التي ساقها بعد ذلك «زيد بن ثابت»، الذي ~~كتب المصحف المجموع بأمر الخليفة «عثمان بن عفان»، عندما سأله ~~«مروان بن الحكم»: «ألا تكتبها في المصحف؟ قال: ألا ترى أن الشابين ~~الثيبين لا يرجمان.» # 31 # ومن هذه الإشارات، نرى «ابن حجر» عندما يستخدم اصطلاح «رفع» ~~بدلا من «نسخ»، يشير إلى عدم قناعته، بأن اختفاء آية الرجم من ~~القرآن الكريم، لا يعني تصنيفها ضمن المنسوخ. فاستخدم اصطلاح ~~«رفع»، إزاء وقائع تقول إنها لم تكتب أصلا حتى في زمن المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد كره أن يسمح لعمر بكتابتها، كما في قول «عمر»، وأن ~~«عمر» كان من أول المعترضين على تدوينها، فدفع في صدر «أبي بن ~~كعب» مشيرا إلى تفشي التسافد بين الناس كتسافد الحمر، والمرجح أن ~~كتابتها كانت تعني ابتعاد الناس ms248 وهم على تلك الحال عن الإسلام، ~~لشدة الحكم وغلظته؛ ومن ثم كان لتلك الظروف والحجج دور واضح ~~لعدم وجود أي تدوين لآية «الشيخ والشيخة إذا زنيا» في أي من الرقاع ~~والصحف، بحيث ظلت غير مدونة حتى زمن التدوين العثماني، إذ استبعدها ~~«زيد بن ثابت» بدوره كما في روايته مع «مروان بن الحكم»، فجاء ~~المصحف العثماني خلوا منها. لكن الإصرار على العمل بحكمها، كان ~~فيما يبدو، مدعاة لنشوء باب «ما نسخ تلاوته وبقي حكمه»، لتندرج ~~ضمنه، وبذلك لم يعد حكم الجلد بديلا لحكمها، وبحيث بدا الأمر غير ~~منطقي في رأي «ابن الحصار». هذا بينما وقف «د. نصر أبو زيد» يلح في ~~التنبيه، على أن «المهم في تحديد الناسخ من المنسوخ، هو ترتيب ~~النزول لا ترتيب التلاوة في المصحف. ومعنى ذلك أن تحديد الناسخ من ~~المنسوخ في آيات القرآن يعتمد أساسا على معرفة تاريخية دقيقة ~~بأسباب النزول، وبترتيب نزول الآيات.» # 32 # أي إن المعتبر هو تاريخية النص في علاقته الزمنية ~~المتحركة، بحركة الواقع المتحول دوما. # وللمطالع أن يلاحظ أن «عمر بن الخطاب»، صاحب الخطاب الأشهر في ~~الإصرار على العمل بحكم آية غير موجودة في المصحف، ولم تكتب ~~أصلا، كان هو صاحب حجتين في عدم كتابتها: الحجة الأولى واقع الناس ~~وهم يتسافدون تسافد الحمر، والثانية موقف الشاب المحصن والشيخ غير ~~المحصن من تطبيق حد الزنى. أما الأمر الأوضح دلالة فهو فيما ورد ~~بلفظ القاضي «أحمد» الشهير بابن خلكان، في كتابه وفيات الأعيان، ~~وهي رواية مهمة توضح موقف عمر بن الخطاب بعد أن أصبح خليفة، من ~~تطبيق حد الرجم على «المغيرة بن شعبة». في رواية القاضي أحمد، التي ~~يلخصها لنا الإمام شرف الدين الموسوي تحت عنوان: درؤه الحد عن ~~المغيرة بن شعبة «وذلك حيث فعل المغيرة مع الإحصان، ما فعل مع أم ~~جميل بنت عمرو، امرأة من قيس، في قضية من أشهر الوقائع التاريخية ~~في تاريخ العرب، كانت سنة 17 للهجرة. لا يخلو منها كتاب اشتمل على ~~حوادث تلك السنة، وقد شهد عليه بذلك ms249 كل من أبي بكرة وهو معدود من ~~فضلاء الصحابة وحملة الآثار النبوية، ونافع بن الحارث وهو صحابي ~~أيضا، وشبل بن معبد. وكانت شهادة هؤلاء الثلاثة صريحة، بأنهم رأوا ~~المغيرة بن شعبة يولجه في أم جميل إيلاج الميل في المكحلة، لا ~~يكنون ولا يحتشمون، ولما جاء الرابع وهو زياد بن سمية يشهد أفهمه ~~الخليفة رغبته في ألا يخزي المغيرة، ثم سأله عما رآه فقال: رأيت ~~مجلسا، وسمعت نفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها، فقال عمر: ~~أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا، لكني رأيته ~~رافعا رجليها فرأيت خصيتيه تتردد ما بين فخذيها، ورأيت حفزا ~~شديدا وسمعت نفسا عاليا، فقال عمر: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل ~~في المكحلة؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر، قم يا مغيرة إليهم ~~فاضربهم، فقام يقيم الحدود على الثلاثة.» # 33 # وهناك مرويات أخرى، بخصوص آيات أخرى، وموضوع آخر، تجد نفسك في ~~حيرة من أمر تصنيفها، حسب اللوحة الثلاثية، فإن اعتمدت روايات ~~بعينها صنفتها ضمن ما نسخ تلاوته وحكمه، وإن اعتمدت روايات أخرى ~~صنفتها ضمن ما نسخ تلاوته وبقي حكمه، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ~~الخبط وسوء التقدير. وهو ما يتمثل في رواية السيدة «عائشة رضي الله ~~عنها» إذ تقول: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس ~~معلومات، فتوفي الرسول # صلى الله عليه وسلم # وهي مما يقرأ في القرآن.» # 34 # والأمر يعني تحديدا التحريم القائم على الرضاعة بعدد ~~الرضعات، وهو من اللون الذي يصنفه السيوطي في باب «ما نسخ حكمه ~~وتلاوته معا». رغم أنه لو أخذنا بحديث السيدة «عائشة»، ~~وبالتصنيفات على اللوحة الثلاثية، لأدرجناه ضمن باب «ما نسخ ~~تلاوته وبقي حكمه». ووجه الإشكال في تصنيفه أصلا ضمن «المنسوخ» ~~أيا كان نوعه، أن النسخ كان لا بد من وقوعه في عهد الرسول ~~نفسه، بينما السيدة «عائشة رضي الله عنها» تؤكد أن الرسول قد توفي ~~وتلك الآية مما يقرأ في القرآن، وهو ما دفع أبا موسى الأشعري إلى ~~اللجوء لاصطلاح «رفعت» في قوله التأويلي إنها نزلت ثم رفعت. # 35 # أما ms250 حال بقية العلماء فيصوره لنا أبو جعفر النحاس ~~بقوله: «فتنازع العلماء هذا الحديث ... فمنهم من تركه، وهو مالك بن ~~أنس ... وقال رضعة واحدة تحر، ... وممن تركه أحمد بن حنبل وأبو ثور، ~~قالا يحرم ثلاث رضعات، لقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: لا تحرم المصة ولا المصتان.» # 36 # بينما أعلن «مكي» دهشته الكاملة في قوله: «هذا المقال ~~فيه غير المنسوخ غير متلو، والناسخ أيضا غير متلو، ولا له أعلم نظيرا». # 37 # ويؤكد العلماء أن السيدة «عائشة رضي الله عنها» ظلت على موقفها ... ~~فقالوا: «لم تزل عائشة تقول برضاع الكبير.» # 38 # وهو ما يتعلق بما جاء في صحيح مسلم بشرح النووي (1، 29) وأورده ابن الجوزي، عن «عائشة رضي الله عنها» قالت: «لقد نزلت ~~آية الرجم ورضعات الكبير عشر، وكانت في ورقة تحت سرير بيتي، فلما ~~اشتكى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~(مرض) تشاغلنا بأمره، فأكلتها ربيبة لنا ~~(تعني الشاة) فتوفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهي مما يقرأ في القرآن.» # 39 # وهكذا فقد سارت تلك الآية في التحريم من الرضاعة، بين ~~الكبير والصغير، على أنها حددت بعدد معلوم من الرضعات. وممن أخذ ~~بإصرار السيدة عائشة «أبو موسى الأشعري» و«الليث بن سعد». # 40 # وهو ما إن أخذناه على ظاهره، لأدرج ضمن «ما نسخ ~~تلاوته وبقي حكمه»، أما لو نظرنا إلى ما حدث في الواقع، فيفسره قول ~~السيدة «عائشة رضي الله عنها»: «فأكلتها ربيبة كانت لنا.» أما لو ~~ذهبنا إلى ترك حديثها، مع تصنيف الآية ضمن «ما نسخ حكمه وتلاوته» ~~لبقيت أسئلة حيرى: هل تم ذلك النسخ قبل أن تأكلها الشاة؟ أم بعد أن ~~أكلتها؟ أم أنها احتسبت منسوخه لأنها لم تكن في صحف القرآن ~~المجموع، لأن الشاة أكلتها؟ # هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد ظرف الواقع يجعل تلك الآية مستمرة ~~في العمل بحكمها، رغم ما ألحق بها من ظروف أدت لعدم وجودها ~~بالمصحف المجموع، فقد كانت هناك إشكاليات تحتاج إلى حل تشريعي. وهو ~~ما جاء نموذجا في قول السيدة «عائشة رضي ms251 الله عنها»: «جاءت سهلة ~~ابنة سهيل إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقالت: إني أجد في وجه أبي حذيفة ~~(زوجها، أي تجده مستاء) إذا دخل علي سالم، قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~فأرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ قال: ألست أعلم أنه رجل ~~كبير؟ ثم جاءت بعد، ثم قالت: والله يا رسول الله ما أرى في وجه أبي ~~حذيفة بعد شيئا أكرهه.» رواه مسلم وأبو داود. # 41 # وعليه فقد علمت السيدة عائشة بالسبيل نفسها، فقال ~~عروة: «إن عائشة كانت تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها، أن يرضعن ~~من أحبت أن يدخل عليها من الرجال.» رواه مالك. ويقول «د. شعبان ~~محمد إسماعيل»: «وحجتهم حديث سهلة هذا، وهو حديث صحيح لا شك في ~~صحته، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: # وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ~~من الرضاعة ~~(النساء: 23). فإنه غير مقيد بوقت.» # 42 # والأمر بذلك يدل على ضرورة فرضها استفتاء المؤمنين لأم المؤمنين ~~في شئون دينهم، فكان لقاؤها بالرجال مشروطا بذي محرم، وهي ~~الإشكالية الموضوعية التي وجدت حلها في القول برضاع الكبير، ~~والاستمرار في العمل به، وإصرار السيدة «عائشة رضي الله عنها» ~~عليه. وهكذا يكون وضع آية رضاع الكبير هو نفسه وضع آية رجم الشيخ ~~ولا وجود لهما في كتاب الله الكريم، ليس لأنهما نسختا، وإنما لأن ~~الأولى أكلتها الشاة، بينما الثانية لم تكتب أصلا، والظرف ~~الموضوعي شاهد، ويشير إلى أن وضع باب في النسخ بعنوان «ما نسخ ~~تلاوته وبقي حكمه» من باب التأول بغير سند، اللهم إلا الخلط مرة ~~مع السنة باحتسابها من عوامل النسخ، ومرة للعمل ببعض عمل «عمر» ~~وليس كله، ومرة للأخذ بحديث زوجات دون زوجات من أمهات المؤمنين. ~~أما الأساس فهو العمل وفق حوار النص نفسه، وليس حواره مع الواقع، ~~بينما يمكن للواقع أن يكون فاصلا تماما في هذا الشأن، وهو ما ~~نسعى إلى التنبيه إليه، ونلح في طلبه. والملاحظ في الحالتين ~~المعروضتين هنا تعلقهما بشرائع، وبشأن الشرائع ونسخها في كتاب الله ~~العزيز بوجه عام لاحظ الإمام ms252 الزمخشري أمرا له قيمة إذ يقول: ~~«والله تعالى ينسخ الشرائع لأنها مصالح، وما كان مصلحة أمس، يجوز ~~أن يكون مفسدة اليوم، وخلافه مصالح ... وكانوا يقولون: إن محمدا ~~يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، فيأتيهم بما ~~هو أهون، ولقد افتروا. فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق ~~والأشق بالأشق والأهون بالأهون، لأن الغرض المصلحة ، لا الهوان ~~والمشقة ... إن التبديل من باب المصالح كالتنزيل، وإن ترك النسخ ~~بمنزلة إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة.» # 43 # وقد ذهب المذهب نفسه في التأكيد على عامل «المصلحة» في ~~النسخ، الإمام الآلوسي، لكنه مال إلى رأي من قالوا: إن التبديل ~~يأتي بالأهون، بعد أن قدم له المبررات، وذلك من قوله: إن الناسخ ~~في تلك الحال «... لا بد أن يكون مشتملا على مصلحة خلا منها الحكم ~~السابق، لما أن الأحكام إنما تنوعت للمصالح، وتبدلها منوط بتبديلها ~~حسب الأوقات، فيكون الناسخ خيرا منه في النفع، سواء أكان خيرا ~~منه في الثواب أم مثلا له، أم لا ثواب فيه أصلا ... والحاصل أن ~~المماثلة في النفع لا تتصور، لأنه على تبديل الحكم تبتدل المصلحة، ~~فيكون خيرا منه، وعلى تقدير عدم تبدله، فالمصلحة الأولى باقية على حالها.» # 44 # وإذا كنا قد قلنا من قبل إن الآيتين (الرجم، ورضاعة الكبير) ربما ~~لم تكونا من قبيل المنسوخ، فإنما نقصد بالمنسوخ المتعارف عليه ~~اصطلاحا بشروط بعينها، وإن كان ينسحب عليها اجتهاد الزمخشري ~~والآلوسي، فالأولى لم تكتب والثانية أكلتها الشاة، بتقدير حساب ~~المصالح، والمنافع، والزمن (حسب الأوقات). وإن كان ذلك لا يعني ~~رفضنا للقول بالنسخ في القرآن الكريم، لأن مثل ذلك القول يئول إلى ~~الكفر والعياذ بالله، ونحن على نعمة الإيمان حريصون، ولا يمكننا أن ~~نفرط فيها. فقط نضع اجتهادا من باب محاولة الفهم، ربما أصاب وربما ~~أخطأ، والمنوط في الأمر جميعه صدق النوايا وسلامة الإيمان وهو ما ~~نحمد الله عليه حمدا كثيرا. ~~(4) ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته # يقول «د. محمد علي الصغير»: إن الوحي قام يجابه الفضوليين على ~~الرسول # صلى ms253 الله عليه وسلم ~~«الذين كانوا يأخذون عليه راحته، ويزاحمونه وهو في ~~رحاب بيته بين أفراد عائلته وزوجاته، فينادونه باسمه المجرد، ~~ويطلبون لقاءه دون موعد مسبق ... # إن ~~الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون ~~.» وهو بذلك إنما يشير ~~إلى تغير الواقع وتبدله، بعد أن هاجر المصطفى # صلى الله عليه وسلم # من مكة إلى ~~المدينة، وبعد أن مر زمان استتبت فيه الأركان للدعوة وصاحبها، ~~وأصبح هناك أصول يجب اتباعها في التعامل مع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم ~~يعقلها ويعها أولئك الذين ظلوا يتصورون أنه بالإمكان مناداته من ~~خارج بيته «يا محمد». ويتابع «د. الصغير» القول: «واستأثر البعض ~~بالإمكان بوقت القائد، فكانت الثرثرة والهذر وكان التساؤل والتنطع، ~~دون تقدير لملكية هذا الوقت، وعائدية هذه الشخصية، فحد القرآن من ~~هذه الظاهرة ... وعالجها بوجوب دفع ضريبة مالية تسبق هذا التساؤل أو ~~ذلك الخطاب، فكانت آية النجوى: # يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم ~~وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم ~~(المجادلة: 12) ... فامتنع الأكثرون عن النجوى، ~~وتصدق من تصدق، فسأل ووعى وعلم وانتظم المناخ العقلي ... ولما ~~وعت الجماعة الإسلامية مغزى الآية ... نسخ حكمها ورفع، وخفف الله عن ~~المسلمين بعد شدة ... في آية النسخ: # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ~~ورسوله والله خبير بما تعملون ~~(المجادلة: 13).» # 45 # والحالة التي بين أيدينا هنا واقع حي يتحدث ويفعل، فيتفاعل معه ~~الوحي منفعلا وفاعلا، ويتهرب المتسائلون من لقاء النبي إشفاقا ~~من نفقات يدفعونها ضرائب للسؤال والتعلم، فيعود الوحي يجمعهم مرة ~~أخرى، مسقطا عنهم ضريبة العلم، مبقيا على الصلاة والزكاة، مع شرط ~~طاعة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. وهكذا نجد آية النجوى وقد نسخ حكمها بآية ~~ناسخة، بينما بقيت التلاوة قائمة في القرآن الكريم غير منسوخة. وفي ~~تفسير الخازن أمثلة أخرى لهذا الوجه من وجوه النسخ إذ يقول: «وهو ~~كثير في القرآن، مثل آية الوصية للأقربين نسخت ms254 بآية الميراث عند ~~الشافعي، وبالسنة عند غيره. وآية عدة الوفاة بالحول نسخت بآية ~~«أربعة أشهر وعشرا». وآية القتال: # إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين ~~(الأنفال: 65)، نسخت بقوله تعالى: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا ~~(الأنفال: 66)، ومثل هذا كثير.» # 46 # وقال ابن العربي: «كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار ~~والتولي والإعراض والكف عنهم منسوخ بآية السيف ، وهي: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين ~~، الآية نسخت مائة وأربعا ~~وعشرين آية» (التوبة: 5) # 47 # لكن السيوطي يشير إلى إشكالية ضمن إشكاليات تثور في ~~نسخ آية السيف لآيات الصفح والتولي والإعراض في قوله: «قال تعالى: # أليس الله بأحكم ~~الحاكمين ~~(التين: 8)، قيل إنها مما نسخ بآية ~~السيف وليس كذلك، لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا، لا يقبل هذا ~~الكلام النسخ، وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة.» # 48 # والمعلوم أنه عندما جمع المصحف زمن «عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه»، تم جمع كثير من الآيات المنسوخة إلى جوار الآيات الناسخة، ~~وهذا هو الواقع الذي فرض إنشاء باب في النسخ بعنوان «ما نسخ حكمه ~~وبقيت تلاوته»، وهو الواقع الذي أدى إلى ظهور كثير من الآيات بمظهر ~~التضارب والتناقض، وليس الأمر كذلك، إنما الأمر يعود إلى واقع حدث ~~الجمع، فالقرآن الكريم لا يحمل تناقضا ولا تضاربا، ومثالا ~~لحالات التناقض الظاهري أمثلة نسوقها في عدة نماذج: # النموذج الأول: # الآيات المتعلقة بالكتب السماوية السابقة على ~~كتاب الله العزيز: # وكيف ~~يحكمونك وعندهم التوراة ~~فيها حكم الله ~~(المائدة: 43)، # إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور ~~(المائدة: 44)، # وليحكم ~~أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه ~~(المائدة: 47) # الإنجيل فيه هدى ~~ونور ~~(المائدة: 46) # وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب ~~(المائدة: 48)، وهي الآيات التي يقابلها آيات أخرى ~~تقول: # من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ~~(النساء: 46) # يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ~~(المائدة: 13) # وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه ~~(البقرة: 75). # النموذج الثاني: # الآيات المتعلقة بأصحاب الديانات الكتابية: # إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر ms255 وعمل صالحا فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ~~(البقرة: 62)، # ولا ~~تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن ~~(العنكبوت: ~~46)، # وقفينا بعيسى ~~ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة ~~(الحديد: 27)، # وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة ~~(آل عمران: 55)، وهي الآيات التي يقابلها آيات ~~تقول: # إن الدين عند ~~الله الإسلام ~~(آل عمران: 19)، # ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من ~~الخاسرين ~~(آل عمران: 85). # النموذج الثالث: # الآيات المتعلقة بالمدى المسموح به من الحرية ~~الدينية: # لكم دينكم ولي ~~دين ~~(الكافرون: 6)، # أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين ~~(يونس: ~~99)، # لا إكراه في ~~الدين ~~(البقرة: 256)، وهي الآيات ~~التي يقابلها: # أفغير ~~دين الله يبغون وله أسلم من ~~في السموات والأرض طوعا ~~وكرها ~~(آل عمران: 83). # النموذج الرابع: # الآيات المتعلقة بالموقف من المشركين: # وإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ ~~(آل عمران: 20)، # إن أنت إلا ~~نذير ~~(فاطر: 23)، # إنما أنت نذير ~~(هود: 12)، # فأعرض ~~عنهم وعظهم ~~(النساء: 63)، # فأعرض عنهم ~~وتوكل على الله ~~(النساء: ~~81)، # فاعف عنهم ~~واصفح ~~(المائدة: 13)، # عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم ~~(المائدة: 105)، # وما جعلناك عليهم ~~حفيظا وما أنت عليهم ~~بوكيل ~~(الأنعام: 107)، # لست عليهم ~~بمسيطر ~~(الغاشية: 22)، # وما أرسلناك عليهم ~~وكيلا ~~(الإسراء: 54)، # واصبر على ما يقولون ~~واهجرهم هجرا جميلا ~~(المزمل: 10)، # فاصبر ~~صبرا جميلا ~~(المعارج: 5)، # فاصبر على ما ~~يقولون ~~(طه: 130)، # فاصفح الصفح ~~الجميل ~~(الحجر: 85)، # خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين ~~(الأعراف: 199)، # ادفع بالتي هي ~~أحسن ~~(فصلت: 34)، # فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب ~~(الرعد: ~~40). # هذا بينما نجد آيات لا ترجئ الحساب ليوم القيامة، إنما تضعه بيد ~~الجيش الإسلامي، وتأمر بقتال من لم يسلم، ونموذجا لهذه الآيات: # قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ~~(التوبة: 29)، # واقتلوهم حيث ثقفتموهم ~~(النساء: 91)، # فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق ~~(محمد: 4)، # فإن ~~تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم ~~(النساء: 89)، # فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل ~~بنان ~~(الأنفال: 12)، # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله ~~(الأنفال: 39). # وهكذا نجد على الطرفين آيات مثل: # وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ ms256 ~~(آل عمران: 20)، # فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم ~~(النساء: 89). # وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها ~~(الأنعام: 61)، # فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون ~~(محمد: 35). # ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم ~~(البقرة: 191)، # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~(التوبة: 5). # ومن ثم بات واضحا أن جمع الآيات المنسوخة إلى جوار الآيات ~~الناسخة، أنشأ نوعا من التضارب الظاهري في الآيات، جل الله ~~تعالى عن ذلك. وقد ذهب العلماء في تعليل ذلك إلى القول بأن بقاء ~~المنسوخ هو من قسم المنسأ، وهو ما يقول فيه السيوطي: «فالمنسأ هو ~~الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم ~~وجوب الصبر على الأذى ... بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما ~~لعلة تقتضي ذلك الحكم، بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، ~~وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله، وقال ~~مكي: ذكر جماعة: إن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية، مثل ~~قوله في البقرة: # فاعفوا واصفحوا حتى ~~يأتي الله بأمره ~~، محكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل.» # 49 # وهكذا، وتأسيسا على الأخذ بمبدأ أزلية الوحي، أرجع الأمر لباب ~~جديد هو باب المنسأ، بينما الآية التي يوردها السيوطي # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله ~~بأمره ~~(البقرة: 109) تشير إلى الظرف الموضوعي ~~الذي تجادل معه الوحي وتفاعل. مما أدى لتغير موقف الوحي وتبدله مع ~~تغير وتبدل ذلك الظرف وما يطرأ فيه من تحولات. فالمعلوم أن موقف ~~الإسلام من المسيحية كان في البداية موقفا مهادنا متسامحا يؤكد ~~حرية الاعتقاد، وأن في الإنجيل هدى ونور، وأن القرآن جاء يصادق على ~~ما سبق وورد فيه، وأن الله رفع أصحابه فوق الكافرين إلى يوم ~~القيامة. لأسباب ظرفية واضحة في حاجة المسلمين إلى دار هجرة لدى ~~نجاشي الحبشة المسيحية، وإذ رددت شفاه المسلمين هناك الآيات عن ~~المسيح وأمه، فكان أن أحسن استقبالهم ووصلهم بالود والرحمة. # كذلك الحال في الموقف من اليهودية واليهود، فقد كانت يثرب دار ~~هجرة للمسلمين، بينما كانت معقلا كبيرا ليهود الجزيرة، وكانت ms257 ~~«المصلحة» والحكمة تستدعي أن تسبق المسلمين، المهاجرين إلى يثرب، ~~آيات تردد ذكر أنبياء بني إسرائيل، وقصص العهد القديم، والقرار بأن ~~الله فضلهم على العالمين، وأن توراتهم فيها هدى ونور، وعليهم ~~الحكم بما جاء فيها. وكان أول عمل سياسي مهم قام به المصطفى # صلى الله عليه وسلم # عند وصوله يثرب هو عقد الصحيفة التي كفلت حرية الاعتقاد ~~لأهل المدينة جميعا. وكان من أهم نصوصها «هذا كتاب محمد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، أن ~~اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ... وأن لليهود دينهم ~~وللمسلمين دينهم ... وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ...» ~~بل واشترع للمسلمين صوم الغفران اليهودي، بل والتوجه في الصلاة ~~وجهة اليهود (بيت المقدس). # ولكن الظرف لم يستمر على حاله، مما أدى إلى إلغاء الصوم العبري ~~واستبداله بصوم رمضان العربي، كما ألغيت كعبة بيت المقدس واستبدلت ~~بكعبة مكة، ثم أخذ كل من النبي # صلى الله عليه وسلم # واليهود يكتشفون اختلاف ~~توجهاتهم، ثم يكتشفون اختلافات عميقة، بين ما بين يدي اليهود من ~~التوراة، وبين ما يتلوه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وهنا اتخذ الأمر وجهة ~~أخرى، خاصة بعد غزوة بدر الكبرى، التي مكنت المسلمين من العتاد ~~والسلاح والقوة المادية والمعنوية. إذ يكشف لنا الوحي أن سبب ~~اختلاف القرآن عن التوراة في كثير من التفاصيل، إنما يرجع إلى قيام ~~اليهود بتحريف التوراة الأصلية ومن هنا حق قتالهم لتبديلهم آيات ~~الله؛ ومن ثم نقض الصحيفة وإبطال الحرية الدينية، وجاء الأمر # وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين لله ~~(البقرة: 193)، بعد ~~أن أصبح «الدين عند الله الإسلام». # وكان الموقف نفس الموقف من المسيحية اليعقوبية بعد انتفاء الحاجة ~~للحبشة ونجاشيها، وكان لا بد أن يقول الوحي كلمته إزاء العقائد ~~المسيحية. وهو الأمر الذي ينطبق على الموقف من أهل مكة، إذ بدأت ~~الآيات الحكيمة في مكة زاخرة بما يلائم حال الضعف التي كان عليها ~~المسلمون وسط أكثرية معادية، فقررت حرية الاعتقاد وأنه لا إكراه ms258 في ~~الدين، والأمر موكول إلى الله يوم القيامة. أما بعد الهجرة من مكة ~~إلى المدينة، وبعد وقعة بدر الكبرى، والتحول من حال الضعف إلى حال ~~القوة، أتت الآيات الناسخة تبطل حرية الاعتقاد، وتأمر بقتال غير ~~المسلمين وقتلهم. وهو الأمر الذي لحظه الإمام السيوطي وجلة الأجلاء ~~من العلماء، لكنهم أدرجوه في باب المنسأ وهو ما عبرت عنه الآيات ~~بجلاء # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره ~~(البقرة: 108). ~~(5) ما نسخ تلاوته وحكمه # عن «الزهري» قال: «أخبرني أبو أمامة ... أن رهطا من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # قد أخبروه أن رجلا منهم قام في جوف الليل، يريد أن يفتتح ~~سورة كان قد وعاها، فلم يقدر على شيء منها إلا بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فأتى النبي # صلى الله عليه وسلم # حين أصبح، يسأل النبي عن ذلك. وجاء ~~آخر وآخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم، فأخبر بعضهم ~~بعضا بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم النبي # صلى الله عليه وسلم # فأخبروه خبرهم ~~وسألوه عن السورة، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثم قال: نسخت البارحة.» # 50 # وقد عقب أبو بكر الرازي على باب «ما نسخ تلاوته وحكمه» بالقول: ~~«إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم ~~بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس مع الأيام.» # 51 # وقد وضع ضمن هذا الباب عددا من الروايات حول عدد من الآيات التي ~~كانت معروفة زمن النبي، لكنها لم توجد بالقرآن الكريم، لكن مع ~~تعليلات أخرى تشير إلى أحداث في الواقع، أدت إلى اختفاء مثل تلك ~~الآيات. ومن تلك الروايات ما جاء عن «شريك بن عاصم» عن «زر» فمن ~~قوله: «قال لي أبي بن كعب: كيف تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: سبعين أو ~~إحدى وسبعين آية، قال: والذي أحلف به، لقد نزلت على محمد # صلى الله عليه وسلم # وإنها لتعادل البقرة أو تزيد عليها» (انظر التهذيب، 10، 42-44)، # 52 # وعن عمر قال: «ليقولن أحدكم: قد أخذت القرآن كله، وما ~~يدريه ما كله، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ms259 ليقل قد أخذت منه ما ظهر ~~...» وعن عائشة قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي حتى ~~مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا على ما هو ~~الآن.» وعن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت: لقد أقرأنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما ~~قضيا من اللذة. وقال حدثنا حجاج بن جريح، أخبرني أن أبي حميدة عن ~~حميدة بنت يونس قالت: «قرأ علي أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف ~~عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولى. قالت: قبل ~~أن يغير عثمان المصحف.» # وعن أبي سفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد قال لهم ذات يوم: ~~أخبروني بآيتين من القرآن لم تكتبا في المصحف فلم يخبروه، وعندهم ~~أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: «إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون ~~والذين آووه ونصروه وجادلوا عنه القوم الذين غضب عليهم أولئك لا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون.» # 53 # هذا ويورد السيوطي «عن عدي بن عدي قال عمر: كنا نقرأ ~~ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ ~~قال: نعم ... وقال عمر لعبد الرحمن بن عوف ألم تجد فيما أنزل علينا: ~~أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة، فإنا لا نجدها، قال: أسقطت فيما ~~أسقط من القرآن.» # 54 # كما روى «مسلم» في إفراده عن «عائشة» رضي الله عنها ~~أنها أملت على كاتبها: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة ~~العصر وقوموا لله قانتين (بشرح النووي، 5: 129، 130). # والإشارات من جانب السيدة عائشة إلى دور الجمع في عهد الخليفة ~~«عثمان» فيما حدث تعود بلا شك إلى كون «عثمان» قد حمل الناس على ~~مصحف واحد، ثم حظر ما عداه، بل وحسم الأمر فحرق ما عداه من صحف ~~قرآنية. وقد عقب «د. طه ms260 حسين» على ذلك بقوله: «إن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف، وعثمان حين حظر ما ~~حظر من القرآن، وحرق ما حرق من الصحف، إنما حظر نصوصا أنزلها الله ~~وحرق صحفا كانت تشتمل على قرآن أخذه المسلمون عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما كان ينبغي للإمام أن يلغي من القرآن حرفا أو يحذف ~~نصا من نصوصه. وقد كلف كتابة المصحف نفرا قليلا من أصحاب ~~النبي، وترك جماعة القراء الذين سمعوا من النبي وحفظوا عنه، وجعل ~~إليهم كتابة المصحف، ومن هنا نفهم سر غضب ابن مسعود، فقد كان ابن ~~مسعود من أحفظ الناس للقرآن، وهو فيما يقول قد أخذ من فم النبي # صلى الله عليه وسلم # سبعين سورة من القرآن، ولم يكن زيد بن ثابت قد بلغ الحلم ~~بعد. ولما قام ابن مسعود يعترض الأمر، رافضا تحريق صحف القرآن ~~أخرجه عثمان من المسجد إخراجا عنيفا، وضربت به الأرض فدقت ضلعه.» # 55 # وبعد، فإن ما قدمناه هنا على عجالة، ليس دفاعا عن كتاب الله ~~الكريم، فالكتاب متكامل بذاته، مستغن عن مثل ذلك الدفاع، وليس ~~دفاعا عن عقيدة أو دعوة، فقد بلغ الإسلام تكامله واستقراره في ~~حياة صاحب الدعوة # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو الأمر الذي لا يخشى معه عرض مسألة ~~من المسائل التي تشغل بال المسلم؛ ومن ثم فقد حاولنا إبراز ~~شذرات قليلة في الروايات، تشير إلى ارتباط الوحي بواقعه، وكانت ~~محاولتنا بالأساس محاولة لفهم ظاهرة النسخ، مستندة إلى اعتبار ~~الواقع مقياسا لفهم حركة النص المرتبط به، فينفعل به، ويفعل فيه، ~~من أجل مصالح ومنافع وغايات أعم في فضلها، وحسبي هنا إخلاصي النية ~~في الجهد للفهم. وهو الجهد الذي ربما أصاب، وذلك غاية المراد، ~~وربما أخطأ، ولا جناح هنا من الطموح إلى ثواب الأجر الواحد، وربما ~~كان جهد المحاولة بين الصواب والخطأ، وربما ألمح إلى طريق حان ~~ولوجه، بكفاءة المقتدرين عنا من متخصصين، وربما كان كل الجهد بلا ~~طائل لسقوطه في أخطاء غابت ms261 عنا. لكن اليقين الذي نعيه تماما ~~ونعتقده ولا نحيد عنه، هو تكامل الوحي وتفاعله التاريخي العظيم مع ~~واقعه، فلم يدخله باطل ولا زيف، ذلك الوحي الكريم الذي جمعته صفحات ~~القرآن الكريم، ووصفه الله عز وجل بأنه # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير ~~(هود: 1). # | قائمة مصادر استشهادات البحث # (1) المصادر العربية والمترجمة إلى العربية # الكتب الموسوعية # القرآن الكريم. # الكتاب المقدس. # مختار الصحاح. # الفيروزآبادي. # الموسوعة العربية الميسرة. # موسوعة تاريخ العالم (وليم لانجر وسبعة عشر عالما، ~~ترجمة د. مصطفى زيادة وسبعة مترجمين)، مكتبة النهضة ~~المصرية، د.ت. # أ ~~(1) # ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ليدن، أبريل، ~~1866م. ~~(2) # إرمان (أدولف): ديانة مصر القديمة، ترجمة د. محمد عبد ~~المنعم أبو بكر، ود. محمد أنور شكري، نشر البابي الحلبي، ~~القاهرة، د.ت. ~~(3) # إسماعيل (د. شعبان محمد): مقدمته لكتاب أبي جعفر النحاس: ~~الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، مكتبة عالم الفكر، ~~القاهرة، 1986م. ~~(4) # إيمار وإبوايه (أندريه وجانين): الشرق واليونان القديم، ~~ترجمة فريد داغر وفؤاد أبو ريحان، دار عويدات، بيروت، ~~1964م. # ب ~~(5) # بارو (أندريه): بلاد آشور، دار الرشيد للنشر، بغداد، د. ~~ت. ~~(6) # باقر (طه): الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، دار ~~الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1986م. ~~(7) # بدران (د. إبراهيم)، وخماش (د. سلوى): دراسات في العقلية ~~العربية، الخرافة، دار الحقيقة، بيروت، ط2، 1979م. ~~(8) # برستد (جيمس هنري): انتصار الحضارة، ترجمة د. أحمد فخري، ~~مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، د.ت. ~~(9) # برستد (جيمس هنري): فجر الضمير، ترجمة د. سليم حسن، ~~مكتبة مصر، القاهرة، د.ت. ~~(10) # برستد (جيمس هنري): كتاب تاريخ مصر منذ أقدم العصور إلى ~~الفتح الفارسي، ترجمة د. حسن كمال، وزارة المعارف المصرية، ~~القاهرة، ط1، 1929م. ~~(11) # بل (ه. آيدرس): مصر من الإسكندرية حتى الفتح العربي، ~~ترجمة د. عبد اللطيف حمزة، دار النهضة المصرية، القاهرة، ~~د.ت. ~~(12) # البلاذري: فتوح البلدان، د.ت، د.ن. ~~(13) # بوتيرو (جان): الديانة عند البابليين، ترجمة وليد ~~الجادر، جامعة بغداد، 1970م. # ت ~~(14) # توينبي (إرنولد): تاريخ الحضارة الهيلينية، الأنجلو ~~المصرية، القاهرة، 1963م. ~~(15) # ابن تيمية: الرد على المنطقيين، إدارة ترجمان السنة، ~~لاهور، باكستان، ط2، د.ت. # ج ~~(16) # الجاحظ: ms262 رسائل في نفي التشبيه د.ت، د.ن. ~~(17) # جاردنر (آلن هنري): مصر الفراعنة، ترجمة د. نجيب ~~ميخائيل، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة، ~~1987م. ~~(18) # جارودي (روجيه): فلسطين أرض الرسالات الإلهية، ترجمة د. ~~عبد الصبور شاهين، دار التراث، القاهرة، د.ت. ~~(19) # الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، القاهرة، ~~1879م. ~~(20) # الجزائري (نعمة الله): النور المبين في قصص الأنبياء ~~والمرسلين، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط8، 1978م. ~~(21) # الجوزو (د. مصطفى): من الأساطير العربية والخرافات، دار ~~الطليعة، بيروت، ط2، 1980م. ~~(22) # ابن الجوزي: نواسخ القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ~~ط1، 1985م. # ح ~~(23) # ابن حبيب: المحبر، دار الآفاق، بيروت، د.ت. ~~(24) # الحراني (أبو محمد): تحف العقول عن الرسول، مؤسسة ~~الأعلمي، بيروت، ط2، 1974م. ~~(25) # حسن (د. حسن إبراهيم): تاريخ الإسلام السياسي والديني ~~والثقافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط7، ~~1964م. ~~(26) # حسين (د. طه): الفتنة الكبرى، دار المعارف، ~~1984م. ~~(27) # الحموي (ياقوت): معجم البلدان، د.ت، د.ن. ~~(28) # الحوت (محمود سليم): في طريق الميثولوجيا عند العرب، دار ~~النهار، بيروت، ط2، 1979م. # خ ~~(29) # خليل (د. خليل أحمد): مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ~~دار الطليعة، بيروت، ط2، 1980م. # د ~~(30) # دريتون وفاندييه: مصر، ترجمة عباس بيومي، مكتبة النهضة ~~المصرية، القاهرة، د.ت. ~~(31) # دولابورت (ك): بلاد ما بين النهرين، دار الروائع ~~الجديدة، بيروت، 1971م. ~~(32) # الديار بكري: تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، القاهرة، ~~1302ه، د.ن. ~~(33) # ديسو (رينيه): العرب في سوريا قبل الإسلام، ترجمة عبد ~~الحميد الدواخلي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ~~1959م. ~~(34) # ديورانت (ول): قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، الإدارة ~~الثقافية بالجامعة العربية، القاهرة، ط3، 1961م. ~~(35) # رايلي (كافيين): الغرب والعالم، ترجمة د. عبد الوهاب ~~المسيري، عالم المعرفة، الكويت، 1985م. ~~(36) # رشيد (د. فوزي): خلق الإنسان في الملاحم السومرية ~~والبابلية، مجلة آفاق عربية، بغداد، القاهرة، ~~1966م. ~~(37) # رشيد (د. فوزي): الديانة والمعتقدات الدينية، ضمن سلسلة ~~تاريخ العراق «مع آخرين»، دار الحرية للطباعة، بغداد، د. ~~ت. # ز ~~(38) # زايد (د. عبد الحميد): الشرق الخالد، دار النهضة ~~العربية، القاهرة، د.ت. ~~(39) # زايد (د. عبد الحميد): مصر الخالدة، دار النهضة العربية، ~~القاهرة، د.ت. ~~(40) # الزبيدي: تاج العروس، القاهرة، 1306ه، د.ن. ~~(41) # الزمخشري: الفائق، ms263 طبعة محمد أبو الفضل وعلي البجاوي، ~~القاهرة، 1947م. ~~(42) # أبو زيد (د. نصر حامد): مفهوم النص، دراسة في علوم ~~القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ~~1990م. ~~(43) # زيعور (د. علي): التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها ~~السلوكية والأسطورية، دار الطليعة، بيروت، 1978م. ~~(44) # زيعور (د. علي): العقلية الصوفية ونفسانية التصوف، دار ~~الطليعة، بيروت، د.ت. # س ~~(45) # السقاف (أبكار): نحو آفاق أوسع، الأنجلو المصرية، ~~القاهرة، د.ت. ~~(46) # السهيلي: الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن ~~هشام، دار المعرفة، بيروت، 1978م. ~~(47) # السواح (فراس): مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة، بيروت، ~~1980م. ~~(48) # سوسة (د. أحمد): العرب واليهود في التاريخ، العربي ~~للإعلان والطباعة والنشر، دمشق، ط2، د.ت. ~~(49) # ابن سيد الناس: عيون الأثر، دار الآفاق العربية، بيروت، ~~د.ت. ~~(50) # السيوطي (جلال الدين): أسباب النزول، دار المنار للنشر ~~والتوزيع، القاهرة، 1986م. ~~(51) # السيوطي (جلال الدين): الإتقان في علوم القرآن، المكتبة ~~الثقافية، بيروت، 1973م. # ش ~~(52) # الشريف (د. أحمد إبراهيم): مكة والمدينة في الجاهلية ~~وعهد الرسول، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت. ~~(53) # شلبي (د. أحمد): مقارنة الأديان، اليهودية، مكتبة النهضة ~~المصرية، القاهرة، ط5، 1978م. ~~(54) # الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر ~~البابي الحلبي، القاهرة، 1961م. ~~(55) # الشوك (د. علي): اهتمامات ميثولوجية واستطرادات لغوية. ~~الكرمل، نيقوسيا، عدد 26. # ص ~~(56) # صالح (د. عبد العزيز): الشرق الأدنى القديم، الهيئة ~~العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، 1967م. ~~(57) # الصغير (د. محمد حسين): تاريخ القرآن، الدار العالمية، ~~بيروت، 1983م. # ط ~~(58) # الطبري: تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، ط2، ~~د.ت. ~~(59) # الطبري: تفسير القرآن، د.ت، د.ن. ~~(60) # طعيمة (د. صابر): التاريخ اليهودي العام، في مجلدين، دار ~~الجيل، بيروت ط2، 1983م. # ظ ~~(61) # ظاظا (د. حسن): الساميون ولغاتهم، مطبعة المصري، ~~الإسكندرية، 1971م. # ع ~~(62) # عبد الحميد (محمد حسني): أبو الأنبياء، دار سعد، ~~القاهرة، د.ت. ~~(63) # العظم (د. صادق جلال): نقد الفكر الديني، دار الطليعة، ~~بيروت، د.ت. ~~(64) # العقاد (عباس محمود): إبليس، كتاب الهلال، القاهرة، رقم ~~192. ~~(65) # العقاد (عباس محمود): الله، كتاب الهلال، القاهرة، رقم ~~42. ~~(66) # العقاد (عباس محمود): حياة المسيح، كتاب الهلال، ~~القاهرة، يناير 1988م. ~~(67) # علي (د. جواد): المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ~~مطبوعات المجمع ms264 العلمي العراقي، بغداد، د.ت. ~~(68) # علي (د. فاضل): عشتار ومأساة تموز، وزارة الإعلام ~~العراقية، بغداد، 1973م. ~~(69) # علي (د. فاضل): الطوفان في المراجع المسمارية، أوفست ~~الإخلاص، بغداد، 1975م. ~~(70) # عوض (د. لويس): مقدمة في فقه اللغة العربية، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1980م. # غ ~~(71) # غانم (فتحي): روز اليوسف، عدد 216، 8 ديسمبر 1969م، ~~القاهرة. # ف ~~(72) # فاخوري (أنيس): نسف الأضاليل مرحلة أساسية في إزالة ~~إسرائيل، أوفست مؤسسة فاخوري، بيروت، 1974م. ~~(73) # فرويد (سيجموند): موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، ~~دار الطليعة، بيروت، 1979م. ~~(74) # فريحة (د. أنيس): دراسات في التاريخ، دار النهار، بيروت، ~~1980م. ~~(75) # فريحة (د. أنيس): ملاحم وأساطير من الأدب السامي، دار ~~النهار، بيروت، ط2، 1989م. ~~(76) # فريزر (جيمس): أدونيس أو تموز ، وهو الجزء الأول من ~~المجلد الرابع من مؤلفه الغصن الذهبي، ترجمة جبرا إبراهيم ~~جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ~~1982م. # ق ~~(77) # القزويني: عجائب المخلوقات، جوتنجن، 1849م. ~~(78) # القمني (د. سيد): أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة، ~~دار فكر، القاهرة، 1988م. ~~(79) # القمني (د. سيد): النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، دار ~~سينا، القاهرة، 1990م. ~~(80) # القمي (الصدوق أبو جعفر): علل الشرائع، المكتبة ~~الحيدرية، النجف، العراق، ط2، 1966م. # ك ~~(81) # ابن كثير: البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، بيروت، ~~ط4، 1988م. ~~(82) # كرم (يوسف): تاريخ الفلسفة اليونانية، لجنة التأليف ~~والترجمة والنشر، القاهرة، 1966م. ~~(83) # كريمر (صموئيل نوح): السومريون، تاريخهم وحضارتهم ~~وخصائصهم، ترجمة د. فيصل الوائلي، وكالة المطبوعات، ~~الكويت، د.ت. ~~(84) # كريمر (صموئيل نوح): الأساطير السومرية، ترجمة داود عبد ~~القادر، مطبعة المعارف، بغداد، 1971م. ~~(85) # كريمر (صموئيل نوح): من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، ~~مكتبة المثنى، بغداد، 1971م. ~~(86) # ابن الكلبي: كتاب الأصنام، دار الكتب المصرية، القاهرة، ~~1924م. # ل ~~(87) # لسنر (د. إيفار): الماضي الحي، ترجمة شاكر إبراهيم سعيد، ~~الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1981م. # م ~~(88) # مبارك (د. علي): الخطط التوفيقية، القاهرة، 1988م، د. ~~ن. ~~(89) # المسعودي: مروج الذهب، طبعة باريس، 1961م، والطبعة ~~العربية تحقيق محيي الدين عبد الحميد، المكتبة الإسلامية، ~~بيروت، د.ت. ~~(90) # منقوش: التوحيد يمان، دار الطليعة، بيروت، 1977م. ~~(91) # موسكاتي (سبتينو): الحضارات السامية القديمة، ترجمة د. ~~السيد يعقوب. ~~(92) # الموسوي (عبد الحسين): ms265 النص والاجتهاد، مؤسسة الأعلمي، ~~كربلاء، العراق، ط4، 1966م. ~~(93) # ميخائيل (د. نجيب): مصر والشرق الأدنى القديم، دار ~~المعارف، القاهرة، الأجزاء الستة الأولى، تتعدد تواريخ ~~النشر بتعدد الأجزاء. # ن ~~(94) # ناصف (عصام الدين حفني): المسيح في مفهوم معاصر، دار ~~الطليعة، بيروت، ط1، 1979م. ~~(95) # الناضوري (د. رشيد): المدخل في التطور التاريخي للفكر ~~الديني، دار مكتبة الجامعة العربية. الكتاب الثالث، بيروت، ~~د.ت. ~~(96) # النحاس (أبو جعفر): الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ~~تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل، مكتبة عالم الفكر، القاهرة، ~~1986م. ~~(97) # النشار (د. علي سامي): نشأة الفكر الإسلامي في الإسلام، ~~دار المعارف، القاهرة، ط7، 1977م. ~~(98) # النوبري (محمد بن قاسم): الإلمام بالأعلام لما جرت به ~~الأحكام، تحقيق د. عزيز سوريال، حيدر آباد، 1970م. ~~(99) # نيلسن (ديتلف): الديانة العربية القديمة، في كتاب ~~التاريخ العربي القديم، ترجمة د. فؤاد حسنين، مكتبة النهضة ~~المصرية، القاهرة، 1958م. ~~(100) # ابن هشام: السيرة النبوية، ضبط وتعليق طه عبد الرءوف، ~~شركة الطباعة الفنية المتحدة، القاهرة، 1974م. # ه ~~(101) # الهمداني: الإكليل، بغداد، 1931م، د.ن. ~~(102) # هومل (فرتز): التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية، في ~~كتاب التاريخ العربي القديم، ترجمة د. فؤاد حسنين، مكتبة ~~النهضة المصرية، القاهرة، 1958م. # و ~~(103) # وجدي (محمد فريد): المصحف المفسر، كتاب الشعب، القاهرة، ~~د.ت. # ي ~~(104) # اليازجي (ندرة): رد على اليهودية المسيحية، دار طلاس ~~للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط2، 1984م. ~~(105) # اليازجي (ندرة): رد على التوراة، دار طلاس، دمشق، ط2، ~~1984م. ~~(106) # ياسين (بوعلي): الثالوث المحرم، دار الطليعة، بيروت، ط4، ~~1980م. ~~(2) المصادر الأجنبية # The Foreign Sources ~~(هذه المصادر بكاملها ليست مصادر عامة، إنما تم الاقتباس ~~منها حسب المقام داخل موضوعات الكتاب، وللأمانة فإن ~~المصادر غير الإنجليزية منها، لجأنا في ترجمتها إلى ~~مترجمين محترفين.) # Bertholet (A): A History of Hebrew ~~Civilization London 1926. # Benzinger (L): Passover and feast ~~of unlearened Bread Encyclopaedia Biblica Vol 3 ~~1902. # Breasted (J. H): The Dawn of ~~Concience. # Erman: The literature of the ~~ancient Egyptians. # Gardiner (A. H): The A dmonition of ~~an Egyptyian Sage Libzig ~~1909. # Gardiner (A. H): The journal of ~~Egyptian archaeology vol ~~1. # Gunn J. E. ms266 A vol x 11 ~~1926. # Gyidiw: Della Sede primitive dei ~~popol simitic In: Memorie della Reale Accademia ~~dei limcei classe die scienre Morali storiche ~~fillologiche 3 vol 3 Roma ~~18. # Gordon (C. H): Ugaritic literature ~~Roma 1949. # Hawkes (jaquetta): Pre History New ~~York New American Libery ~~1963. # Viramer (S. N.): The Indus ~~Civilization and Dilmun the Sumerien parade land ~~Expedition vol 6 1964. # Lieblein: Le mythed’ Osiris dans la ~~revue de L’Histoire des Religions 1x ~~1948. # Lods (A): Israel from its beginning ~~to the middle of the Eight. centiory Translated ~~by Hooke London 1932. (S. ~~H). # Lods (A): The propherts and the ~~Rise of yadaim. # Mead: Male and Female New York ~~Morrow 1949. # Moalton (W. J): Passover in ~~Hastings Dictionary of the Bible vol ~~3. # Moret: La passion d’Osiris dans roi ~~set diux d’Egypt Paris, ~~1916. # Noldeke: ENC. Of Religion and ~~Ethics, Vol I. Peet: A Comparative Study of the ~~literatvres of Egypt, Palestine and Meso Potamia. Poltarqu: Isis et Osris ~~X.ll-XIX. # Rest and Noldeke: wekere den gutten ~~namen El in Monets berichte der K. Akadimie der ~~wissenschaft ZU Belin, ~~1880. # Ryckmans: Le, Noms prepers sud ~~semitiques 3 vol lauvain ~~1934-1936. # Ryckmans: le Reiligions Arabes ~~pre-Islamiques, 2nd ed ~~louvian. # Sandars (N. K): The Epic of ~~Gilgamesh, Benguin Books. # Smith (W. R): lectures on the ~~Religion of the semites, 3rd, ed London, ~~1927. # Stade (B): lerbuch der hebvais chen ~~greammatik, libzig 1979. # Stareky (L): Paimigreniens, ~~nabateens, et Arebes, du nord, a vont Islam dans ~~Histoire de Religiens, 4 (Pubilesaus la ~~direction, de Maurice Brillant-et Rene Algrian) ~~Tohrin 1956. # Trail and Errot the Autobiography ~~of chaim Weizmann harper and bros New York ~~1948. # Wats (Allan): Myth and Relation ~~Christianity. # Wellhawasen (J): Die bibllisc ~~Atertu Mer calw ~~stuttgaet. # Wellhawsen: Reste Arabichene Heiden ~~Tumbs 2nd Berlin and ~~Libzig. # Zayed (Abd-El-Hamid): ABYOOS ~~General Organisation for Government priting ~~offices Cairo, 1963. ms267