######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadHIndawi.Wacy.Hindawi75075250 #META# Tags: philosophy #META# ID: 75075250 #META# Title: الوعي: دليل موجز للُّغز الجوهري للعقل #META# AuthorID: 36259464 #META# Author: آناكا هاريس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 42809460 #META# Translator: أحمد هنداوي #META# Related_books: 1450AnnakaHarris.Conscious (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # 1 - لغز مختف في وضح النهار‏ # 2 - الأحكام الحدسية والأوهام‏ # 3 - هل الوعي حر؟‏ # 4 - رفيق في الرحلة‏ # 5 - من نحن؟‏ # 6 - هل الوعي في كل مكان؟‏ # 7 - ما وراء شمولية الوعي‏ # 8 - الوعي والزمن‏ # ملاحظات‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - لغز مختف في وضح النهار‏ # 2 - الأحكام الحدسية والأوهام‏ # 3 - هل الوعي حر؟‏ # 4 - رفيق في الرحلة‏ # 5 - من نحن؟‏ # 6 - هل الوعي في كل مكان؟‏ # 7 - ما وراء شمولية الوعي‏ # 8 - الوعي والزمن‏ # ملاحظات‏ # | الوعي # | الوعي # | دليل موجز للغز الجوهري للعقل # تأليف # آناكا هاريس # ترجمة # أحمد هنداوي # إلى سام، وإيما، وفيوليت # | شكر وتقدير # هذا الكتاب هو خلاصة سنوات طويلة من البحث والحوارات المستفيضة مع ~~خبراء في مجال دراسات الوعي. وأشعر بالامتنان للعلماء والفلاسفة الذين ~~اقتطعوا من جداول أعمالهم المزدحمة لمشاركة أفكارهم (ورؤاهم الجدلية ~~باستفاضة!) مع هاوية مثلي؛ كان ممتعا حقا مناقشة موضوع الوعي مع كل ~~هؤلاء: دونالد هوفمان، أنيل سيث، كريستوف كوخ، ريبيكا جولدشتاين، دين ~~بونومانو، فيل جوف، آدم فرانك، توماس ميتسينجر. # مر هذا المشروع بمراحل تطور عديدة؛ إذ كان في البداية مجرد ~~اهتمام شغل تفكيري ثم صار مقالة طويلة ثم كتابا قصيرا، وخلال ~~مراحل تطوره هذه، لعب الكثير من الأصدقاء والزملاء دورا محوريا. ~~أشعر بالامتنان لكرم العلماء والفلاسفة والرسامين الذين قرءوا هذا ~~الكتاب، وأبدوا ملاحظاتهم بشأن مسوداته الأولى، وشاركوني تساؤلاتهم ~~النهمة ورؤاهم الثاقبة: إيزابيل بويميكي، شون كارول، ديفيد جيليز، ~~جوزيف جولدشتاين، دانييل جولمان، آدم جرانت، سوزان كايسر جرينلاند، دان ~~هاريس، ناتاليا هولت، سوزان هادسون، ماركو ياكوبوني، ديفيد جانيت، آيمي ~~لينكلوس، لين ماكجيلكرايست، توماس ناجل، روب ريد، كاسي رنتس، موراي ~~شاناهان، جيسون سيلفا، سوزان سمولي، جالين ستراوسون، ماكس تيجمارك، ~~داليت توليدانو، جوليو تونوني، جون تيرتلتاوب، تيم إيربان، دي إيه ~~والاش، ريتشيل ريتش ووترز، ديانا وينستون، كاليكا ياب. وأتوجه بشكر ~~خاص إلى جوردون جولد على انتزاعي من بوتقة الفلسفة الروحية الشاملة ~~لأبدأ أخيرا في تأليف هذا الكتاب. # وأشكر بحرارة آيمي رينيرت، وكيلة كتاب الأطفال الذي ألفته، وهو ~~بعنوان «أتساءل»، ms01 على دعمها لهذا المشروع من أول يوم، وأقول إنني أثق ~~دائما بقدراتها وحسها السليم؛ فهذا الكتاب لم يكن ليخرج إلى النور ~~لولا جهودها. كما أشكر وكيلي جون بروكمان، لمغامرته إزاء كتاب عن ~~موضوع مجنون كهذا، وأشكر أيضا ماكس بروكمان لإسهامه في إقناع جون ~~بالإقدام على هذه الخطوة. لقد ظل جون وكاتينكا بروكمان صديقين ~~موثوقين لسنوات طويلة، وربما يكون من المستحيل أن أحصر الطرق التي ~~ألهماني ودعماني بها. فلست ممتنة فحسب لنيلي فرصة العمل معهما ولكن ~~لميزة قضائي وقتا مع شخصين أكن لهما كل إعجاب. أيضا أتوجه بالشكر ~~إلى محررتي ومستشارتي سارا ليبينكوت؛ لقد كان اهتمامها وثقتها مصدر ~~إلهام وتشجيع لي، وأصبح الكتاب يتسم بمزيد من القوة والبلاغة بفضل ~~آرائها القيمة. كما أنني مدينة لمحررتي سارا هاوجن في دار نشر ~~هاربركولينز لحماسها الكبير وصبرها الوافر بينما كنا نسعى لسلوك النهج ~~السليم في تناول موضوع معقد وجدلي كهذا. لقد أظهرت اهتماما ~~كبيرا في حثي على الخروج من «نطاق الأمان»، وبفضل ذلك خرج الكتاب ~~إلى النور بهذا المستوى من القوة. # أما مربيتنا، روزماري، فقد ساعدت في استمرار عجلة الحياة (ومنع ~~أطفالي من اقتحام مكتبي) خلال الساعات التي كنت أمضيها في البحث ~~والكتابة. وقد منحتني ثقتي بها حرية مواصلة العمل الذي أحبه؛ وهي نوع ~~من الرفاهية قلما تمنحه النساء هذه الأيام، وأشعر بالامتنان الشديد ~~إزاءه. # أما بول ويت، فقد قدم بسخاء، حتى في مرضه الشديد، تقييمه الذي ~~انطوى على فيض من الخبرة، لكن المحزن في الأمر أنه لم يستمر برفقتنا ~~طويلا ليقرأ مسودة الكتاب. كان هذا الكتاب سيستفيد كثيرا من موهبته ~~وحكمته. جميعنا نفتقده بشدة، ونفتقد لمسته في هذه الصفحات بكل ~~تأكيد. # كما أعبر عن خالص شكري وامتناني لأختي بريانا وجين، لإظهارهما ~~استعدادا دائما لقراءة مسودة الكتاب، وإعطاء تقييم دائم (بل وتقديم ~~تعديلات حتى اللحظات الأخيرة عبر الرسائل النصية). أشعر بأنني محظوظة ~~للغاية لأنني نلت صداقتهما وأتيحت لي فرصة الاستفادة من مهاراتهما ~~التحريرية الفطرية. وأتوجه بالشكر أيضا لأمي لكونها محررتي الأولى ~~والأكثر إخلاصا ولدعمها ms02 الدائم لي. # وأخيرا، وليس آخرا، أشكر سام وإيما وفيوليت الذين منحوني حبا ~~أجده في وعيي أثرى تجربة وأنفس هبة. # الفصل الأول # | لغز مختف في وضح النهار # إن خبرتنا بالوعي جوهرية للغاية لكينونتنا، إلى درجة أننا نادرا ~~ما نلاحظ أن شيئا غامضا يحدث من حولنا. إن الوعي هو «الخبرة ذاتها»؛ ~~لذا فمن السهل ألا ننتبه إلى السؤال العميق الذي يحدق في وجوهنا في ~~كل لحظة من حياتنا: لماذا يتحلى أي تجمع للمادة في الكون ~~بالوعي؟ إننا نتجاوز التفكير في هذا اللغز وكأن وجود الوعي أمر بديهي ~~أو نتيجة حتمية لوجود حياة معقدة، ولكن عندما ننظر من كثب، نجد أنه ~~أحد أغرب جوانب الواقع. # إن التفكير في الوعي يمكن أن يثير متعة تماثل تلك التي نستمدها ~~من التأمل في طبيعة الزمان أو في أصل المادة، وهو ما يستثير فضولا ~~عميقا إزاء أنفسنا والعالم من حولنا. أتذكر أنني كنت أنظر إلى ~~السماء حين كنت فتاة صغيرة، وأتذكر إدراكي أن الإحساس المعتاد بأنني ~~على الأرض في الأسفل وأن السماء تعلوني هو تصور غير دقيق على نحو ~~تام. لقد شعرت بالدهشة لحقيقة أنه على الرغم من أنني تعلمت أن ~~الجاذبية تجذبنا نحو الأرض أثناء دورانها حول الشمس - وأنه لا يوجد ~~«أعلى» و«أسفل» في حقيقة الأمر - فإن «شعوري» بأنني في الأسفل على ~~الأرض تحت السماء ظل دون تغيير. ومن أجل تغيير منظوري، كنت أحيانا ~~أرقد خارج المنزل وأمد ذراعي وساقي في محاولة لاستيعاب أكبر قدر ~~ممكن من السماء والأفق. وفي محاولة للتحرر من الشعور المألوف بكوني ~~«هنا بالأسفل» وفوقي القمر والنجوم، كنت أرخي كل عضلات جسدي - ~~مستسلمة للقوة التي تمسكني بإحكام على سطح كوكبنا - وأركز على حقيقة ~~وضعي: إنني أسبح في الكون على سطح هذه الكرة العملاقة؛ معلقة هنا ~~بواسطة الجاذبية ومنطلقة في هذه الرحلة. وحين كنت أستلقي هناك، كنت ~~أشعر حقا أنني أنظر إلى الخارج نحو السماء، ولست أنظر إلى الأعلى. ~~استمددت البهجة التي شعرت بها من إسكات حدس زائف مؤقتا ورؤية حقيقة ~~أعمق: إن ms03 الوجود على الأرض لا يفصلنا عن بقية الكون؛ بل في الواقع، لقد ~~كنا دائما، ولا نزال، في الفضاء الخارجي. # يهدف هذا الكتاب إلى زعزعة افتراضاتنا اليومية بشأن العالم الذي ~~نعيش فيه. إن بعض الحقائق مهمة للغاية وغير بديهية على الإطلاق ~~(تتكون المادة في أغلبها من فراغ خاو؛ والأرض هي كرة دوارة واحدة ~~من مليارات الأنظمة الشمسية في مجرتنا؛ والكائنات المجهرية تسبب ~~المرض؛ وهكذا)؛ لذا نحتاج إلى تذكر هذه الحقائق مرارا وتكرارا، ~~إلى أن تتغلغل أخيرا في ثقافتنا وتصبح أساسا لتفكير جديد. ويحتل ~~الغموض الجوهري للوعي - وهو موضوع محير للغاية للفلاسفة والعلماء على ~~حد سواء - مكانة خاصة بين هذه الحقائق التي نحتاج إلى تذكرها. إن ~~هدفي من تأليف هذا الكتاب هو أن أنقل للقارئ البهجة التي تنبع من ~~اكتشاف مدى روعة الوعي وكم هو مدهش. # وقبل أن نطرح أي أسئلة عن الوعي، يجب علينا تحديد ما نتحدث عنه ~~في المقام الأول. يستخدم الناس هذه الكلمة بعدة طرق مختلفة؛ مثل ~~الإشارة إلى حالة اليقظة، أو الشعور بالذات، أو القدرة على التأمل في ~~الذات. ولكن عندما نريد أن نحدد بالضبط الخاصية الغامضة التي تشكل ~~جوهر الوعي، فمن المهم أن نركز على ما يجعله فريدا من نوعه. وأكثر ~~التعريفات جوهرية للوعي هو التعريف الذي قدمه الفيلسوف توماس ناجل في ~~مقالته الشهيرة «ماذا يشبه أن تكون خفاشا؟» وهو المعنى الذي أستخدم به ~~الكلمة في هذا الكتاب بالكامل. وخلاصة الشرح الذي يقدمه لنا ناجل هو ~~على النحو التالي: # يكون الكائن الحي واعيا إذا كان ~~ثمة «شيء يشبه» كونه ~~ذلك الكائن الحي. # 1 # وبعبارة أخرى، الوعي هو ما نشير إليه عندما نتحدث عن التجربة في ~~أكثر أشكالها جوهرية. هل ثمة «شيء يشبه» كونك أنت في هذه اللحظة؟ من ~~المفترض أن تكون إجابتك هي نعم. هل ثمة «شيء يشبه» كونك ذلك المقعد ~~الذي تجلس عليه؟ ستكون إجابتك (على الأرجح) هي لا، بالقدر نفسه من ~~الحسم. وهذا الاختلاف البسيط - بين ما إذا كانت ثمة تجربة حاضرة أم ~~لا - الذي ms04 يمكننا جميعا استخدامه كنقطة مرجعية، هو الذي يشكل ما ~~أعنيه بكلمة «الوعي». هل ثمة «شيء يشبه » كونك حبة رمال، أو بكتيريا، ~~أو شجرة بلوط، أو دودة، أو نملة، أو فأرا، أو كلبا؟ عند نقطة ما ~~على طول هذا الطيف، تكون الإجابة هي نعم، ويكمن اللغز العظيم في ~~معرفة السبب وراء «إضاءة أنوار الوعي» لدى بعض تجمعات المادة في ~~الكون. # ويمكننا حتى أن نتساءل: عند أي نقطة من تطور الإنسان ينبثق الوعي ~~إلى الوجود؟ تخيل الكيسة الأريمية البشرية بعد بضعة أيام فقط من ~~تخصيب البويضة، والتي تتكون من حوالي مائتي خلية فقط. إننا نفترض ~~أنه لا يوجد على الأرجح «شيء يشبه» أن يكون المرء هذه المجموعة ~~المجهرية من الخلايا. لكن بمرور الوقت، تتكاثر هذه الخلايا وتتحول ~~ببطء لتصبح طفلا بشريا له دماغ بشري، قادر على اكتشاف التغيرات في ~~الإضاءة والتعرف على صوت أمه، حتى وهو لا يزال في الرحم. وعلى عكس ~~جهاز الكمبيوتر، الذي يمكنه أيضا اكتشاف الضوء والتعرف على الأصوات، ~~فإن هذه المعالجة تكون مصحوبة بخبرة أو شعور بالضوء والصوت. وفي أي ~~مرحلة من مراحل تطور دماغ الطفل يخبرك حدسك فيها قائلا: «حسنا، ~~الآن ثمة خبرة تعاش هناك»، يكمن اللغز في التحول. أولا، لا يكون ~~ثمة وعي، ثم فجأة، وعلى نحو سحري، وفي اللحظة المناسبة ... ينبثق شيء ~~ما. وبغض النظر عن مدى ضآلة هذا الشيء الأولي، فإن شرارة الشعور أو ~~الخبرة تشتعل على نحو واضح في قلب ذلك الجماد، متجسدة من قلب ~~الظلام. # وعلى أي حال، يتكون الطفل الرضيع من جسيمات لا تختلف عن تلك ~~التي تحوم في قلب الشمس. فالجسيمات التي تشكل جسدك كانت ذات يوم ~~مكونات لعدد لا يحصى من النجوم في ماضي هذا الكون. وقد سافرت ~~مليارات السنين لتستقر في جسدك - في هذا التكوين المحدد الذي هو ~~أنت - وهي الآن تقرأ هذا الكتاب. تخيل متابعة حياة هذه الجسيمات ~~من أول ظهور لها في الزمان والمكان وحتى اللحظة التي أصبحت فيها ~~مرتبة على نحو يتيح لها أن تبدأ ms05 في أن تشعر بشيء ما أو تختبر ~~شيئا ما. # رسمت الفيلسوفة ريبيكا جولدشتاين صورة لهذا اللغز رائعة في وضوحها ~~ومرحها: # من المؤكد أن الوعي مسألة مادة - فما عساه يكون غير ذلك، ~~حيث إن ذلك هو ما نحن عليه - ورغم ذلك، فإن الحقيقة هي أن ~~بعض كتل المادة لها حياة داخلية ... لا تشبه أي خصائص أخرى ~~للمادة رأيناها حتى الآن، فضلا عن تلك التي استطعنا تفسيرها. ~~هل يمكن لقوانين حركة المادة أن تنتج «هذا»، كل «هذا»؟ فجأة ~~تستيقظ المادة وتفهم العالم وتستوعبه؟ # 2 # يبدو أن اللحظة التي تصبح فيها المادة واعية لا تقل غموضا عن ~~لحظة انبثاق المادة والطاقة إلى الوجود للمرة الأولى. إن لغز الوعي ~~يضاهي أحد أعظم الألغاز التي حيرت الفكر الإنساني على مر العصور: ~~كيف يمكن أن يظهر شيء من العدم؟ # 3 # وبالمثل، كيف تنشأ الخبرة الحسية من مادة لا حياة فيها ~~ولا وعي؟ وقد ذاع عن الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز أنه أطلق على ~~ذلك اسم «المعضلة العويصة» للوعي. # 4 # فعلى عكس «المشكلات السهلة» المتمثلة في تفسير السلوك ~~الحيواني أو فهم أي العمليات في الدماغ تؤدي إلى ظهور وظائف ~~معينة، تكمن المعضلة العويصة في فهم أسباب اقتران بعض من هذه ~~العمليات الفيزيائية بخبرة حسية من الأساس. # لماذا تؤدي تكوينات معينة من المادة إلى أن تشتعل هذه المادة ~~بالوعي؟ # الفصل الثاني # | الأحكام الحدسية والأوهام # الآن بعد أن أصبح لدينا تعريف ملائم للوعي والغموض الذي ينطوي عليه، ~~يمكننا البدء في التخلص من بعض الأحكام الحدسية الشائعة. لقد ~~تشكل حدسنا إلى حد كبير بواسطة الانتقاء الطبيعي لتزويدنا بسرعة ~~بالمعلومات التي من شأنها أن تنقذ حياتنا، ولا يزال يمكن لهذا الحدس ~~الذي تطور في الماضي أن يستمر في مساعدتنا في الحياة الحديثة. فعلى ~~سبيل المثال، لدينا القدرة على أن ندرك دون وعي العناصر المحيطة ~~بنا في بيئتنا في ~~موقف يمثل لنا تهديدا، وهو ما يؤدي بدوره إلى تقييم فوري للخطر ~~المحدق بنا؛ مثل ذلك الحدس الذي يخبرنا بأننا لا يجب أن ندخل ms06 ~~المصعد مع شخص معين، على الرغم من عدم قدرتنا على معرفة السبب ~~بالضبط. غالبا ما يقوم دماغك بمعالجة إشارات مفيدة قد لا تكون مدركا ~~لها بوعي في تلك اللحظة: ذلك الشخص الآخر الذي يدخل المصعد متوهج الوجه ~~أو متسع حدقتي العينين (وكلا الأمرين يمثل إشارة على أن مستوى ~~الأدرينالين لديه مرتفع وأنه على وشك التصرف بعنف)، أو باب المبنى ~~الذي عادة ما يكون مغلقا، ولكنه مفتوح الآن. يمكننا أن نعرف أن ~~موقفا ما خطير دون أن تكون لدينا أدنى فكرة عن كيفية معرفتنا ذلك أو ~~أسباب تلك المعرفة. يتشكل حدسنا أيضا من خلال التعلم، والثقافة، ~~وعوامل بيئية أخرى. ويكون لدينا أحيانا حدس مفيد في قراراتنا ~~الحياتية - مثل اختيار الشقة التي سنستأجرها - وهو حدس ناشئ عن ~~معلومات ذات صلة اكتسبها دماغنا - وأخذها في الاعتبار - من خلال ~~عمليات غير واعية. وفي الواقع، تشير الأبحاث إلى أن «إحساسنا الداخلي» ~~يكون أكثر موثوقية من نتائج التفكير الواعي المنطقي في الكثير من ~~المواقف. # 1 # لكن «إحساسنا الداخلي» يمكن أن يخدعنا كذلك، و«الحدس الخاطئ» يمكن ~~أن ينشأ بعدد كبير من الطرق، لا سيما في مجالات الفهم التي لم يكن من ~~الممكن أن يتنبأ بها التطور؛ مثل العلوم والفلسفة. تأمل الاحتمالات ~~والإحصاء، حيث يشتهر حدسنا بأنه لا يعتمد عليه على الإطلاق: كثيرون ~~منا يشعرون بالقلق من السفر بالطائرة، على الرغم من أننا نحتاج - ~~إحصائيا - إلى الطيران يوميا لنحو 55 ألف سنة قبل أن نتعرض لحادث ~~تحطم طائرة مميت (ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن الناس لا ~~يصابون عادة بنوبات ذعر عند الجلوس خلف عجلة قيادة سياراتهم استعدادا ~~لرحلة إلى متجر البقالة، فإن سلامة المرء في مثل هذه الرحلات في ~~الواقع تكون أقل بأضعاف مضاعفة مقارنة بالطيران). # 2 # إننا بالكاد نستطيع التوفيق بين حدسنا وبين بعض الحقائق ~~العلمية الأساسية؛ إذ بدت لنا الأرض مسطحة إلى أن كشفت لنا التطورات ~~المذهلة في القياسات الفلكية غير ذلك. وفي بعض مجالات البحث - مثل ~~فيزياء الكم - لا يعد حدسنا عديم ms07 الفائدة فحسب، بل إنه يشكل ~~عقبة صريحة أمام تحقيق التقدم. الحدس ببساطة هو شعور قوي بأن شيئا ~~ما صحيح دون أن يكون لدينا وعي أو فهم للأسباب الكامنة وراء هذا ~~الشعور؛ بصرف النظر عما إذا كان هذا الشيء يمثل حقيقة صحيحة في ~~العالم أم لا. # في هذا الفصل من الكتاب، سوف نتناول حدسنا فيما يتعلق بكيفية ~~حكمنا على ما إذا كان شيء ما واعيا أم لا، وسنكتشف أن الإجابات ~~التي تبدو واضحة بديهية تنهار أحيانا عند فحصها فحصا دقيقا. وأحب ~~أن أبدأ هذا الاستكشاف بسؤالين يبدو للوهلة الأولى أنهما بسيطان للغاية ~~وتسهل الإجابة عنهما. لاحظ أول الاستجابات التي تطرأ على ذهنك، ~~وتذكرها جيدا بينما نستكشف بعض الحدسيات والأوهام النمطية. ~~(1) # في نظام نعرف أن لديه تجارب حسية واعية - ألا وهو ~~الدماغ البشري - ما هو الدليل الذي يمكننا استقاؤه من ~~العالم الخارجي على وجود الوعي؟ ~~(2) # هل الوعي ضروري لسلوكنا؟ # يتداخل هذان السؤالان في عدة نقاط هامة، لكن من المفيد تناول كل ~~منها على نحو مستقل. فكر أولا في أنه يمكن أن توجد تجربة واعية ~~دون أي تعبير خارجي على الإطلاق (على الأقل في الدماغ). أحد أبرز ~~الأمثلة على ذلك الحالة العصبية التي تسمى «متلازمة المنحبس» (أو ~~«السبات الكاذب»)، والتي يكون فيها جسد الإنسان بأكمله مشلولا ~~ولكن الوعي سليم تماما. اشتهرت هذه الحالة العصبية من خلال جان ~~دومينيك بوبي، رئيس التحرير السابق لمجلة «إل» الفرنسية، الذي ابتكر ~~بعبقرية طريقة للكتابة عن معاناته الشخصية مع متلازمة المنحبس. فبعد ~~أن أصابته جلطة دماغية بالشلل، لم يستعد بوبي شيئا من قدرته على ~~الحركة سوى الرمش بعينه اليسرى. ومن المدهش أن القائمين على رعايته ~~لاحظوا جهوده من أجل التواصل، وطوروا بمرور الوقت طريقة تمكنه من ~~تهجئة الكلمات من خلال الرمش بعينه بنمط معين، وهكذا تمكنوا من ~~الكشف عن النطاق الكامل لحياته الواعية. وقد وصف بوبي هذه التجربة ~~المروعة في مذكراته التي نشرت عام 1997 بعنوان «جرس الغوص والفراشة» ~~والتي كتبها من خلال نحو مائتي ألف رمشة. قد ms08 نفترض، بالطبع، أن وعيه ~~لم يكن سيتغير بأي حال من الأحوال لو أن جفنه الأيسر استسلم للشلل ~~بدوره. ومن دون هذه القدرة على تحريك جفنه الأيسر، لما كانت ثمة ~~وسيلة لديه لإخبارنا بأنه واع وعيا تاما. # مثال آخر على الحبس الجسدي هو حالة تسمى «الوعي أثناء التخدير»، ~~حيث يعاني المريض الخاضع للتخدير العام لإجراء عملية جراحية الشلل ~~دون أن يفقد وعيه. ومما لا شك فيه أن الأشخاص الذين يمرون بهذه ~~الحالة يعيشون كابوسا متمثلا في شعورهم بكل خطوة من خطوات ~~العملية الجراحية، التي تكون أحيانا عبارة عن تدخل طبي شديد مثل ~~استئصال أحد أعضاء المريض، دون القدرة على التحرك أو إخبار من حولهم ~~بأنهم مستيقظون تماما ويشعرون بالألم. يبدو أن هذا المثال والمثال ~~السابق يأتيان مباشرة من فيلم رعب، لكن يمكننا أن نتخيل حالات أخرى ~~أقل إزعاجا يفتقد فيها العقل الواعي القدرة على التعبير؛ كما في ~~سيناريوهات تنطوي على ذكاء اصطناعي - على سبيل المثال - يصبح نظاما ~~متقدما واعيا، ولكن ما من سبيل لديه لتوصيل هذه الحقيقة على نحو ~~مقنع لنا. ولكن إن كان ثمة شيء مؤكد بالنسبة إلينا فهو أنه: من ~~الممكن أن توجد تجربة وعي مفعمة بالحياة دون إمكانية رصدها من ~~الخارج. # والآن، لنعد إلى السؤال الأول ونسأل أنفسنا: ما الذي يمكن اعتباره ~~دليلا على الوعي؟ إننا نعتقد، إلى حد كبير، أنه يمكننا تحديد ما إذا ~~كان الكائن الحي واعيا أم لا عن طريق دراسة سلوكه. فيما يلي افتراض ~~بسيط يقوم به أغلبنا، تماشيا مع حدسنا، ويمكننا استخدامه كنقطة ~~بداية: «البشر واعون؛ النباتات ليست واعية.» يعتقد معظم الناس بشدة أن ~~هذه جملة صحيحة، وثمة أسباب علمية جيدة للاعتقاد بأنها كذلك. إننا ~~نفترض أن الوعي لا وجود له في غياب الدماغ أو الجهاز العصبي المركزي. ~~لكن ما الدليل أو السلوك الذي يمكننا رصده لدعم هذا الادعاء بشأن ~~التجربة النسبية للبشر والنباتات؟ فكر في أنواع السلوك التي نعزوها ~~عادة إلى الحياة الواعية، مثل الاستجابة للضرر البدني أو رعاية ~~الآخرين. تكشف الأبحاث ms09 العلمية أن النباتات تقوم بكل من هذين الأمرين ~~بطرق معقدة؛ رغم أننا، بالطبع، نتصور أنها تفعل ذلك دون الشعور ~~بالألم أو الحب (أي دون وعي). لكن بعض سلوكيات البشر والنباتات ~~متشابهة للغاية إلى حد أن هذا التشابه يشكل في واقع الأمر تحديا ~~لاستخدامنا سلوكا معينا باعتباره دليلا على وجود خبرة ~~واعية. # في كتابه «ما يعرفه النبات: دليل ميداني للحواس»، يصف دانيال ~~تشاموفيتز بتفاصيل رائعة كيف يمكن لتحفيز النبات (باللمس، أو الضوء، ~~أو الحرارة ... إلخ) أن يستحث استجابات مماثلة لاستجابات الحيوانات في ~~ظل ظروف مشابهة. فالنباتات يمكنها أن تستشعر بيئتها من خلال اللمس، ~~ويمكنها اكتشاف العديد من جوانب محيطها - بما في ذلك درجة الحرارة - ~~بوسائل أخرى. بل إنه من الشائع جدا أن تتفاعل النباتات مع اللمس: ~~فالكرمة تزيد من معدل نموها وتغير اتجاه هذا النمو حين تشعر ~~بوجود جسم قريب يمكنها الالتفاف حوله، ويمكن لنبات «خناق الذباب» ~~سيئ السمعة أن يميز بين الأمطار الغزيرة أو هبة رياح قوية - وهما ~~أمران لا يتسببان في إغلاق شفرات النبات - وبين عمليات التسلل ~~المترددة الوجلة لخنفساء أو ضفدع يعتبره النبات غذاء، وحينها ~~يغلق النبات شفراته عليها في عشر ثانية. # يوضح تشاموفيتز كيف يؤدي تحفيز الخلية النباتية إلى تغيرات ~~خلوية تؤدي إلى إطلاق إشارة كهربائية - على غرار التفاعل الناجم عن ~~تحفيز الخلايا العصبية في الحيوانات - و«كما هو الحال في الحيوانات، ~~يمكن لهذه الإشارة أن تنتشر من خلية إلى أخرى، وهي تتضمن الوظيفة ~~المنسقة لقنوات الأيونات؛ بما في ذلك البوتاسيوم، والكالسيوم، ~~والكالمودولين، ومكونات نباتية أخرى.» # 3 # ويصف تشاموفيتز أيضا بعض الآليات المشتركة بين النباتات ~~والحيوانات، وصولا إلى مستوى الحمض النووي. ومن خلال بحثه، اكتشف ~~الجينات المسئولة عن قدرة النبات على تحديد ما إذا كان في الظلام أو ~~في الضوء، كما تبين أن هذه الجينات هي أيضا جزء من الحمض النووي ~~البشري. في الحيوانات، تنظم هذه الجينات نفسها الاستجابات للضوء ~~وتشارك في «توقيت الانقسام الخلوي، ونمو الخلايا العصبية على مستوى ~~المحور، والتشغيل السليم للجهاز المناعي». وتوجد آليات مشابهة ms10 في ~~النباتات لاكتشاف الأصوات، والروائح، والموقع، وحتى تشكيل الذكريات. ~~وفي مقابلة مع مجلة «ساينتفك أمريكان» يصف تشاموفيتز كيف تلعب أنواع ~~مختلفة من الذكريات دورا في سلوكيات النباتات: # إذا كانت الذاكرة تنطوي على تشكيل الذكرى (تشفير المعلومات)، ~~والاحتفاظ بالذكرى (تخزين المعلومات)، واستعادة الذكرى ~~(استرداد المعلومات)، فإن النباتات تتذكر بكل تأكيد. فعلى ~~سبيل المثال، نبات «خناق الذباب» لا يغلق مصيدته إلا إذا ~~لمست حشرة شعرتين من الشعر الموجود على أوراقه؛ ومن ثم فهو ~~يتذكر اللمسة الأولى ... وتتذكر شتلات القمح أن فصل الشتاء ~~قد انتهى قبل أن تبدأ في الإزهار وصنع البذور. وتصنع بعض ~~النباتات المجهدة ذرية أكثر مقاومة لنوع الإجهاد نفسه ~~الذي تعرض له أسلافها، وهو نوع من الذاكرة العابرة للأجيال ~~اكتشف حديثا في الحيوانات أيضا. # 4 # تجري عالمة البيئة سوزان ~~سيمارد أبحاثا في علم بيئة الغابات، وقد حققت أبحاثها تقدما ~~كبيرا في فهمنا للتواصل الذي يحدث بين الأشجار في الغابات. في عام ~~2016، ألقت سوزان محاضرة في مؤتمر «تد» # TED # الشهير وصفت فيها إثارة اكتشاف التكافل بين ~~نوعين من الأشجار أثناء إجراء أبحاثها على شبكات الفطريات الجذرية؛ ~~وهي شبكات متشعبة تحت الأرض من الفطريات تربط نباتات مستقلة، وتنقل ~~الماء، والكربون، والنيتروجين، ومعادن ومواد مغذية أخرى، بين هذه ~~النباتات. كانت سيمارد تدرس مستويات الكربون في نوعين من الأشجار؛ ~~وهما دوجلاس التنوب (أحد أنواع شجر الصنوبر) والبتولا الورقية، عندما ~~اكتشفت أن النوعين منخرطان في «محادثة ثنائية حيوية». ففي أشهر الصيف، ~~عندما تكون شجرة «التنوب» بحاجة إلى المزيد من الكربون، ترسل ~~البتولا المزيد من الكربون إليها، وفي أوقات أخرى، عندما تكون ~~التنوب لا تزال في مرحلة النمو، وتحتاج البتولا إلى مزيد من الكربون ~~لأنها بلا أوراق، ترسل التنوب المزيد من الكربون إلى البتولا - وهو ~~ما يكشف أن هذين النوعين متكافلان في واقع الأمر. ومما يثير الدهشة ~~أيضا نتائج أبحاث إضافية أشرفت عليها سيمارد، وأظهرت أن «الأشجار ~~الأم» من دوجلاس التنوب قادرة على التمييز بين أقاربها من النوع نفسه ~~وبين الشتلات الأخرى المجاورة. وجدت سيمارد أن ms11 الأشجار الأم استعمرت ~~الأشجار من نوعها عن طريق شبكات فطريات جذرية أكبر، وكانت ترسل إليها ~~المزيد من الكربون تحت الأرض. كما أن الأشجار الأم «قللت من تنافس ~~جذور تلك الأشجار لإفساح المجال أمام الأشجار الناشئة للنمو»، كما كانت ~~ترسل رسائل حين تصاب أو تحتضر من خلال الكربون، وتوصل إشارات ~~دفاعية أخرى إلى شتلات تلك الأشجار، مما يزيد من مقاومة هذه الشتلات ~~للضغوط البيئية المحلية. # 5 # وبالمثل، عن طريق نشر السموم عبر الشبكات الفطرية تحت ~~الأرض، تستطيع النباتات أيضا مكافحة الأنواع التي تهددها. ونظرا ~~إلى الروابط الهائلة ووظائف شبكات الفطريات الجذرية هذه، يشار إليها ~~باسم «شبكة الإنترنت الطبيعية للأرض». # 6 # ومع ذلك، يمكننا بسهولة تخيل النباتات تمارس السلوكيات الموصوفة ~~هنا دون أن يكون ثمة «شيء يشبه» كونك نباتا؛ لذا فإن السلوك المعقد ~~لا يلقي الضوء بالضرورة على ما إذا كان النظام واعيا أم لا. ويمكننا ~~استكشاف حدسنا بشأن السلوك من زاوية أخرى من خلال طرح السؤال ~~التالي: «هل يحتاج النظام إلى وعي لممارسة سلوكيات معينة؟» على سبيل ~~المثال، هل يحتاج روبوت متقدم إلى أن يكون واعيا ليربت على ظهر ~~صاحبته عندما يراها تبكي؟ أغلبنا سوف يجيب على الأرجح: «ليس ~~بالضرورة». فبعض شركات التقنية تقوم بخلق أصوات محوسبة لا يمكن ~~تمييزها عن الأصوات البشرية. # 7 # وإذا قمنا بتصميم ذكاء اصطناعي وبدأ يوما ما في قول ~~أشياء مثل: «توقف من فضلك - ما تفعله يؤلمني!» فهل ينبغي أن نأخذ ~~ذلك دليلا على وجود الوعي، أو ببساطة على برمجة معقدة، ولكنها ~~مفتقدة إلى الوعي؟ # إننا نفترض، على سبيل المثال، أن خوارزمية مجردة تماما من الوعي ~~تكمن وراء قدرة جوجل المتزايدة على تخمين ما نبحث عنه بدقة، أو قدرة ~~برنامج مايكروسوفت أوتلوك على تقديم اقتراحات بشأن من قد نرغب في ~~إضافته لتسلم نسخة من رسالة البريد الإلكتروني التالية. إننا لا ~~نعتقد أن جهاز الكمبيوتر الخاص بنا واع - فضلا عن أن يهتم بنا - ~~عندما يومض اسم أحد أقاربنا، مثل العم جون، مذكرا إيانا بإدراجه في ~~الرسالة التي ms12 نكتبها لإخبار الأسرة بمولد طفل جديد. من الواضح أن ~~البرنامج تعلم أن العم جون عادة ما يدرج اسمه في رسائل البريد ~~الإلكتروني إلى الوالد وإلى ابنة العم جيني، ولكن ليس لدينا أي دافع ~~لنقول لهذا البرنامج: «شكرا لك - كان هذا لطفا منك!» غير أنه من ~~الممكن تصور أن تقنيات التعلم العميق المستقبلية سوف تمكن هذه ~~الأجهزة من التعبير عن أفكار وعواطف واعية (مما يعطيها قدرات ~~متزايدة على خداع البشر). وتكمن المشكلة في أن كلا من الحالات ~~الواعية وغير الواعية تبدو متوافقة مع أي سلوك، حتى تلك المرتبطة ~~بالعاطفة، ومن ثم فإن السلوك في حد ذاته لا يشير بالضرورة إلى وجود ~~الوعي. # وهكذا، فجأة، تبدأ إجاباتنا الأولية عن السؤال الأول - سؤال ما الذي ~~يعد دليلا على وجود الوعي؟ - في التلاشي. وهذا يقودنا إلى السؤال ~~الثاني، بشأن ما إذا كان الوعي يؤدي وظيفة أساسية - أو له أي تأثير ~~على الإطلاق - في النظام المادي صاحب الوعي. # 8 # من الناحية النظرية، يمكنني أن أتصرف بكل الطرق التي ~~أتصرف بها وأقول كل الأشياء التي أقولها دون أن يكون لدي خبرة ~~واعية بها، مثلما قد يفعل روبوت متقدم (رغم ~~أنه يصعب تخيل ذلك بلا شك). هذا ~~هو جوهر تجربة فكرية تعرف باسم «الزومبي الفلسفي»، والتي اشتهرت عن ~~طريق ديفيد تشالمرز. يطلب منا تشالمرز أن نتخيل أن أي شخص قد يكون ~~- حقا - زومبي؛ وهو شخص يبدو ويتصرف من الخارج مثل أي شخص آخر ~~تماما، ولكن دون أي خبرة داخلية على الإطلاق. إن تجربة الزومبي ~~الفكرية مثيرة للجدل، ويدعي فلاسفة آخرون، ولا سيما دانيال دينيت ~~من جامعة تافتس، أن ما تقترحه هذه التجربة الفكرية مستحيل؛ بمعنى أن ~~أي دماغ بشري يعمل بشكل كامل لا بد أن يكون واعيا، بطبيعة الحال. ~~لكن تصور «الزومبي» مسألة تستحق التأمل ولو من الناحية النظرية ~~فقط؛ لأنها تساعدنا في تحديد السلوكيات التي نعتقد أنها يجب أن تكون ~~مصحوبة بوجود للوعي، إن وجدت. # الهدف هنا هو التخلص من أكبر عدد ممكن من الافتراضات الخاطئة، ms13 ~~وهذا التمرين الذهني تحديدا مفيد، سواء كان وجود الزومبي متوافقا ~~مع قوانين الطبيعة أو لا. تخيل أن شخصا ما في حياتك هو في الواقع ~~زومبي أو روبوت مزود بذكاء اصطناعي (يمكن أن يكون أي شخص؛ بداية ~~من شخص لا تعرفه يعمل في متجر، ونهاية بصديق مقرب لك). في اللحظة ~~التي تشهد فيها سلوكا من هذا الشخص تعتقد أنه لا بد أن يكون سلوكا ~~متزامنا مع خبرة داخلية لهذا الشخص، اسأل نفسك لماذا تعتقد ذلك. ما ~~هو الدور الذي يبدو أن الوعي يلعبه في سلوكه؟ لنفترض أن صديقك الزومبي ~~شاهد حادث سيارة، ويبدو عليه القلق على نحو متناسب مع الحدث، ~~ويخرج هاتفه للاتصال بسيارة إسعاف. هل يمكن أن يكون هذا الشخص ~~يتصرف بشكل آلي دون إحساس داخلي بالقلق والاهتمام، أو دون عملية ~~تفكير واعية تؤدي به إلى إجراء المكالمة الهاتفية ووصف ما حدث؟ هل ~~يمكن أن يحدث كل هذا حتى لو كان روبوتا، دون أن يشعر بأي شعور يدفعه ~~لهذا السلوك؟ # لقد اكتشفت أن تجربة الزومبي الفكرية يمكنها أيضا التأثير على ~~تفكيرنا على نحو يتجاوز مقصدها الأصلي. فبمجرد أن نتخيل أن السلوك ~~البشري من حولنا موجود دون وعي، يبدأ هذا السلوك يبدو أشبه بالعديد من ~~السلوكيات التي نراها في العالم الطبيعي والتي لطالما افترضنا أنها ~~غير واعية، مثل سلوك نجم البحر الذي يتجنب العقبات، وهو حيوان ~~مائي لا فقاري ليس لديه جهاز عصبي مركزي. # 9 # وبعبارة أخرى، عندما نخدع أنفسنا لنتخيل أن الناس ~~يفتقرون إلى الوعي، يمكننا أن نبدأ في التساؤل عما إذا كنا في الواقع ~~نخدع أنفسنا طوال الوقت عندما نعتبر أنظمة حية أخرى - مثل اللبلاب ~~المتسلق أو شقائق النعمان البحرية اللاسعة - مجردة من الوعي. إن ~~لدينا حدسا متأصلا بعمق - ومن ثم اعتقاد راسخ - بأن الأنظمة التي ~~تسلك مثل سلوكنا هي أنظمة واعية، وأن تلك التي لا تفعل ذلك غير واعية. ~~ولكن ما توضحه تجربة الزومبي الفكرية لي تماما هو أن الاستنتاج الذي ~~نستخلصه من هذا الحدس ليس له أساس ms14 حقيقي سليم. إنه مثل صورة ثلاثية ~~الأبعاد، تنهار في اللحظة التي نخلع فيها نظارتنا. # الفصل الثالث # | هل الوعي حر؟ # بينما نمضي في حياتنا اليومية، نعيش ما يبدو لنا أنه تيار مستمر من ~~أحداث اللحظة الراهنة، ومع ذلك فإننا في الواقع لا ندرك الأحداث ~~المادية في العالم إلا «بعد» وقوعها بقليل. وفي الحقيقة، إن إحدى أكثر ~~النتائج إثارة للفزع في علم الأعصاب هي أن الوعي غالبا ما يكون «آخر ~~من يعلم». تنتقل المعلومات البصرية، والسمعية، وأنواع أخرى من ~~المعلومات الحسية عبر العالم (وعبر جهازنا العصبي) بسرعات مختلفة. ~~فالموجات الضوئية والموجات الصوتية التي تنبعث لحظة ملامسة كرة التنس ~~لمضربك، على سبيل المثال، لا تصل إلى عينيك وأذنيك في الوقت نفسه، ~~وكذلك يحدث التأثير الذي تشعر به يدك الممسكة بالمضرب في لحظة زمنية ~~مختلفة عنهما. ومما يزيد الأمور تعقيدا، أن الإشارات التي تتلقاها ~~يداك وعيناك وأذناك تنتقل مسافات مختلفة عبر الجهاز العصبي للوصول ~~إلى دماغك (فيداك بعيدتان عن دماغك أكثر من بعد أذنيك عنها مثلا). ~~وفقط بعد تلقي الدماغ جميع المدخلات ذات الصلة، تجري مزامنة ~~الإشارات وإدخالها إلى تجربتك الواعية من خلال عملية تسمى «الربط»؛ ~~وبواسطة هذه العملية ترى، وتسمع، وتشعر أن الكرة ترتطم بالمضرب في ~~اللحظة ذاتها. وقد عبر عالم الأعصاب، ديفيد إيجلمان، عن ذلك قائلا: # إدراكك الواقع هو النتيجة النهائية لحيل تعديل بارعة: ~~يخفي الدماغ الفروق بين أوقات الوصول. كيف؟ إن ما يقدمه ~~دماغك بوصفه الواقع هو في الحقيقة نسخة متأخرة عنه. يجمع ~~دماغك كل المعلومات من الحواس قبل أن يصنع قصة عما يحدث. ... ~~والنتيجة الغريبة لكل هذا هي أنك تعيش في الماضي. فبحلول الوقت ~~الذي تعتقد فيه أن هذه اللحظة تحدث، تكون تلك اللحظة قد انتهت ~~منذ وقت طويل. إن تكلفة مزامنة المعلومات الواردة من الحواس ~~هي أن يتأخر إدراكنا الواعي عن العالم المادي. # 1 # والمثير للدهشة أن وعينا لا يبدو ~~أنه يتدخل في الكثير من تصرفاتنا، باستثناء كونه شاهدا عليها. وقد ~~أجري عدد من التجارب الرائعة في هذا المجال، ms15 ويصف عالم الأعصاب ~~مايكل جازانيجا بعض هذه التجارب بالتفصيل في فصل رائع معنون على ~~نحو ملائم «الدماغ يعرف قبل أن تعرف أنت» في كتابه «ماضي العقل». ~~تظهر بعض هذه التجارب - التي اشتهر بإجرائها بنجامين ليبيت في ~~جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو - أن دماغك يجهز حركات ~~ميكانيكية معقدة لجسمك قبل أن تدرك بوعي قرار التحرك. في مثل هذه ~~التجارب، يشاهد المشاركون ساعة خاصة، ووفقا لأداة مماثلة لعقرب ~~الثواني في الساعات التقليدية، يحددون بدقة اللحظة التي يقررون ~~فيها تحريك إصبع مثلا. ولكن، باستخدام جهاز لرسم الدماغ، يستطيع ~~الباحثون اكتشاف نشاط قشرة الدماغ الذي يرسل الإشارة للقيام بهذه ~~الحركات الوشيكة بنحو نصف ثانية «قبل شعور المشاركين بأنهم اتخذوا ~~قرار التحرك». # 2 # وقد أجريت نسخ أكثر تطورا من هذه التجارب منذ ذلك ~~الحين، وأكدت النتائج نفسها. # 3 # وعلى الرغم من أنه ليس من الواضح بعد كيف ترتبط أنواع ~~القرارات الحركية البسيطة تلك بقرارات أكثر تعقيدا، مثل اختيار ما ~~سنأكله في الغداء أو الاختيار بين عرضي عمل، فلا شك أن علم الأعصاب ~~الحديث يوفر لنا رؤية آخذة في التطور بسرعة للعقل البشري. ولدينا ~~الآن سبب للاعتقاد بأنه إذا استطاع شخص آخر الوصول إلى نشاط معين ~~يحدث داخل دماغك، فسيتمكن من معرفة ما ستفعله قبل أن تعرف أنت ~~نفسك. # إن حدسنا المتمثل في أن الوعي يقف وراء سلوكيات معينة نابع ~~من شعورنا بأننا نتخذ القرارات بحرية في هذا العالم، بينما أعمالنا ~~الإرادية ترتبط ارتباطا وثيقا بإحساسنا بالتحكم الواعي في اللحظة ~~الراهنة. وسواء أكان القرار الذي نفكر فيه صغيرا مثل اختيار شرب ~~الماء بدلا من عصير البرتقال، أم قرارا ذا تبعات كبيرة، مثل قبول ~~وظيفة في تكساس بدلا من وظيفة أخرى في نيويورك، فإننا نشعر بشدة أن ~~الوعي مطلوب لعمليات التفكير (وحتى التفضيلات) الضرورية لاتخاذ قرار ~~ما. ومن ثم، فإن النتائج المتعلقة بكيفية اتخاذ القرارات على مستوى ~~الدماغ - والتأخير بمقدار عدة أجزاء من الألف من الثانية في إدراكنا ~~الواعي للمدخلات الحسية وحتى أفكارنا - تسببت في وصف العديد ms16 من علماء ~~الأعصاب، بما في ذلك جازانيجا، لشعور الإرادة الواعية بأنه وهم. لاحظ ~~أنه في مثل هذه التجارب، شعر المشاركون بأنهم يقومون بفعل ما ~~بإرادتهم الحرة، بينما الواقع أن هذا الفعل قد بدأ بالفعل قبل أن ~~يشعروا أنهم اتخذوا قرار التحرك. # وتعززت الحجة القائلة بأن ~~الإرادة الواعية هي وهم من خلال حقيقة أن هذا الوهم يمكن تحفيزه ~~والتلاعب به عن عمد. فقد استطاع القائمون على التجارب إحداث شعور ~~بالإرادة لدى المشاركين في هذه التجارب في حين لم يكن لهؤلاء الأشخاص ~~في الواقع أي تحكم فيما يحدث. ويبدو أنه في ظل الظروف المناسبة، ~~من الممكن إقناع الناس بأنهم بدءوا بوعي في القيام بفعل ما، في حين ~~يتحكم شخص آخر في هذا الفعل في واقع الأمر. أجرى عالما النفس ~~دانيال فيجنر وتاليا ويتلي سلسلة من هذه الدراسات. يقول فيجنر موضحا: # نجعل المشارك في التجربة يضع يده على لوحة صغيرة موضوعة ~~فوق فأرة كمبيوتر، وهذه الفأرة تحرك مؤشرا على شاشة ~~الكمبيوتر. تحتوي الشاشة على مجموعة متنوعة من الأشياء ~~المختلفة، مثل صور من كتاب «أنا أتجسس»؛ وهي في هذه الحالة ~~صور ألعاب بلاستيكية صغيرة. ولدينا أيضا في الغرفة حليف في ~~التجربة إلى جانب المشارك؛ وكلاهما يضع سماعات رأس، ويطلب ~~منهما معا تحريك المؤشر على الشاشة والتوقف على شيء على ~~الشاشة كل بضع ثوان، متى سمعوا صوت موسيقى. ... في أغلب ~~الأحيان، يسمعان أصواتا عبر سماعات الرأس التي يضعانها، وبعض ~~هذه الأصوات هي أسماء لأشياء موجودة على الشاشة. يحدث الجزء ~~الرئيسي من التجربة عندما يطلب من الحليف في التجربة - في بعض ~~المحاولات - إجبار المشارك في التجربة على وضع المؤشر على ~~شيء معين على الشاشة، بحيث لا يكون الشخص الذي نختبره هو ~~من فعل ذلك، وإنما أجبر عليه. يبدو الأمر كما لو أن شخصا ~~ما كان يغش على لوح «ويجا» (الذي يظن البعض أنه وسيلة ~~للتخاطب مع الأرواح). ومن ثم نقوم بإسماع اسم شيء ما ~~للمشارك في التجربة قبل أو بعد إجباره على التحريك بمدة زمنية ~~معينة، ms17 وقد وجدنا أنه إذا قلنا اسم الشيء قبل ثانية واحدة ~~فقط من إجبار المشارك على الانتقال إليه على الشاشة، فإنه يفيد ~~بأنه فعل ذلك عمدا. ... إذن فمن الممكن اختلاق الشعور بالإرادة ~~والإيهام به؛ ومع ذلك، فإننا نعيش حياتنا اليومية ونحن نشعر ~~بعكس ذلك. # 4 # فما هو الدور الذي يلعبه الوعي إذا لم يكن هو خلق إرادة التحرك ~~وكان مجرد مشاهد لهذا التحرك وهو يحدث، وكل ذلك في ظل وهم أنه ~~هو المسئول؟ يمكننا الآن أن نرى كيف أن الشعور بالإرادة الحرة - كما ~~نختبره عادة - ليس بالبساطة التي يبدو عليها. وإذا بددنا هذا ~~المفهوم الشائع، يمكننا البدء في التشكيك في فكرة أن الوعي يلعب ~~دورا أساسيا في توجيه السلوك البشري. # من المهم أن أوضح أنني عندما أتحدث عن طبيعة الإرادة الحرة في ~~هذا السياق، فإنني أشير تحديدا إلى الشعور بالإرادة «الواعية». إنني ~~أشير إلى الوهم الأساسي اليومي الذي يبدو أنه يلازمنا جميعا: أننا ~~«ذوات» متمايزة ومنفصلة؛ ليست منفصلة فقط عن المحيطين بنا وعن ~~العالم الخارجي، ولكن حتى عن أجسادنا نفسها، كما لو أن تجربتنا ~~الواعية بطريقة ما تطفو مستقلة عن العالم المادي. فعلى سبيل المثال، ~~لدي - مثل أي شخص آخر - ميل سخيف إلى اعتبار «جسدي» (بما في ذلك ~~«رأسي» و«دماغي») شيئا يسكنه وعيي؛ في حين أن الحقيقة هي أن كل ما ~~أفكر فيه على أنه «أنا» يعتمد على وظائف دماغي. فحتى أدنى التغيرات ~~العصبية التي قد تحدث عن طريق التسمم مثلا، أو المرض، أو الجرح، ~~يمكن أن تجعل «الأنا» غير قابلة للتعرف عليها. ومع ذلك، لا يبدو ~~أنني أستطيع زعزعة الحدس الخاطئ القائل بأنه يمكنني حتى اختيار ترك ~~جسدي (فقط لو كان بإمكاني معرفة كيفية فعل ذلك) وكل شيء يشكل ~~«الأنا» سيظل بطريقة سحرية ما قائما دون مساس. من السهل أن نرى كيف ~~أن البشر في جميع أنحاء العالم، جيلا بعد جيل، قاموا دون عناء كبير ~~ببناء مفاهيم مختلفة عن «الروح»، وأوصاف لحياة بعد الموت تحمل ~~تشابها مذهلا مع الحياة قبل ms18 الموت. # غير أن الدماغ، كنظام، يمتلك بالفعل نوعا من الإرادة الحرة؛ حيث إنه ~~يتخذ القرارات والخيارات على أساس معلومات خارجية، وأهداف داخلية، ~~وعملية تفكير معقدة. ولكن عندما أناقش وهم الإرادة الواعية هنا ، ~~فإنني أتحدث عن الوهم القائل بأن «الوعي هو الإرادة ~~نفسها». # 5 # يبدو أن مفهوم الإرادة الحرة الواعية غير متسق؛ فهو ~~يشير إلى أن إرادة الفرد منفصلة ومنعزلة عن بقية بيئتها، لكنها - على ~~نحو متناقض - قادرة على التأثير في هذه البيئة عن طريق اتخاذ خيارات ~~داخلها. # كنت ذات مرة في إحدى الفعاليات عندما سئل صديقي ومعلم التأمل ~~جوزيف جولدشتاين عما إذا كان يعتقد أن لدينا إرادة حرة. وقد أجاب ~~عن السؤال بوضوح لافت للنظر عندما قال إنه لا يعرف حتى ماذا يعني هذا ~~المصطلح. ما معنى أن تكون لدينا إرادة مستقلة عن العلاقات بين الأسباب ~~والنتائج في الكون؟ وأشار بيديه إشارة راقصة في الهواء فوقه؛ في ~~محاولة للإشارة إلى هذه الإرادة الحرة الخيالية، وهو يتساءل: «كيف ~~يمكننا حتى محاولة تخيل مثل هذه الإرادة حولنا؟» # غير أن الكثير من الناس يعترضون على مقولة أن الإرادة الواعية هي ~~وهم استنادا إلى أسس أخلاقية، مؤكدين أن البشر يجب أن يتحملوا ~~مسئولية اختياراتهم وسلوكياتهم. لكن البشر يمكن (ويجب عليهم) أن ~~يتحملوا مسئولية أفعالهم، لأسباب عديدة؛ فهذان المعتقدان ليسا ~~متناقضين بالضرورة. فلا يزال بإمكاننا معرفة الفارق بين الأفعال ~~المتعمدة والواضحة وبين النوع الذي تسببه الأمراض العقلية أو ~~غيرها من اضطرابات العقل/الدماغ. # 6 # تخيل أننا في مدينة مستقبلية، وأن سيارة ذاتية القيادة صدمت ~~أحد المشاة. سوف تعتمد الاستجابة لهذا الحدث المؤسف على سبب عدم ~~توقف السيارة. إذا تبين أن برامجها معيبة ولا يمكنها التعرف على ~~المشاة عندما يرتدون معاطف شتوية داكنة، على سبيل المثال، فإن ذلك ~~سيتطلب استجابة معينة. وإذا تعطلت مستشعرات السيارة بسبب عيب ~~في هذه السيارة تحديدا، فإن ذلك يتطلب استجابة مختلفة. وإذا صدمت ~~السيارة الشخص السائر لأنها كانت تتجنب الاصطدام بحافلة مزدحمة ~~ودفعها وسط زحام مروري في الاتجاه الآخر، فسننظر إلى هذا ms19 الموقف ~~(ونستجيب له) على نحو مختلف تماما عن السيناريوهين الأولين - ~~باعتباره «نجاحا» للتكنولوجيا المتقدمة للسيارة، بدلا من اعتباره ~~عيبا بها. إن مجرد معرفتنا أن سيارة ذاتية القيادة صدمت أحد المشاة ~~ليست معلومات كافية لمساعدتنا في منع هذه السيارة من أن تكرر ~~الحادثة أو لمعرفة كيفية صنع سيارات أفضل. # من المهم أن نلاحظ أنه في هذه التأملات حول السيارات الذاتية ~~القيادة، لم يدخل الوعي في المحادثة قط. ويمكن النظر إلى الدماغ ~~بطريقة مماثلة عندما يتعلق الأمر بالإرادة الواعية. فسيكون من المهم ~~دائما معرفة «السبب» الذي جعل شخصا ما يتصرف بعنف، على سبيل ~~المثال. ثمة مجموعة من السلوكيات البشرية التي يمكن أن تتأثر ~~بالردع، والعواقب السلبية، والتعاطف، إلى جانب تلقين الأدمغة النامية ~~للأطفال بالتنظيم الذاتي والتحكم الذاتي؛ وجميع الطرق الأخرى التي ~~تستخدمها المجتمعات المتحضرة لإبقاء البشر حسني التصرف ~~(عموما). # يغير الدماغ من سلوكه باستمرار استجابة للمدخلات التي يتلقاها. ~~كما أنه يتغير ويتطور من خلال الذاكرة، والتعلم، والتفكير ~~الداخلي. فمع التوجيه الصحيح، فإننا نتوقف في النهاية عن رمي أنفسنا ~~على الأرض والدق بقبضات أيدينا عندما لا نحصل على ما نريد. وما كنا ~~لنتمكن من الوصول إلى ذلك دون مفاهيم مثل المسئولية، والمساءلة، ~~والعواقب. لكن في المواقف التي تكون فيها الضغوط الحضارية المعتادة ~~عاجزة (حين يعاني شخص ما هلاوس فصامية مثلا)، فمن المنطقي معاملة ~~هذا الشخص وسلوكه على نحو مختلف عن الشخص الذي يخضع لتلك الضغوط ~~الحضارية. وبالمثل، فإن فهم النوايا الكامنة وراء السلوك العنيف ~~يعطينا معلومات مهمة حول نوع «البرمجيات» التي يعمل بها دماغ شخص ~~ما. فالشخص الذي يخطط لعدة جرائم قتل لديه دماغ يعمل بشكل ~~مختلف تماما عن شخص أصيب بجلطة دماغية أثناء قيادة سيارته وقتل عددا ~~من الأشخاص عن طريق الخطأ. # قد يبدو من التناقض الحديث عن الأخلاق في هذا الإطار؛ لأن الوعي ~~ضروري لمناقشة المسائل الأخلاقية. فلما كانت الأخلاق مجالا يتعلق ~~بالمعاناة، فإن كل المحادثات حولها تدور حول كيفية «الشعور» بشيء ما. ~~لكن من حيث كون الدماغ نظاما للمعالجة الفيزيائية؛ ms20 فإن بعض أهدافه ~~يمكن أن تكون أخلاقية بطبيعتها - تحديدا، العمل على تقليل عدد الأحداث ~~التي تسبب المعاناة - وهنا تشبه أدمغتنا السيارات الذاتية القيادة ~~المذكورة سابقا. وعلى الرغم من أننا نتحدث عن تعديل تجربة واعية، ~~فإن الوعي نفسه لا يعني بالضرورة التحكم في النظام؛ وكل ما نعرفه ~~هو أن الوعي يشعر بالنظام. وليس من التناقض أن نقول إن الوعي ضروري ~~للاعتبارات الأخلاقية، ولكنه في الوقت ذاته غير ذي صلة عندما يتعلق ~~الأمر بالإرادة. # يعد التمييز بين سلوكيات الدماغ المتعمدة والسلوكيات التي ~~يسببها تلف في الدماغ أو قوى خارجية أخرى («ضد إرادة الفرد») ~~أمرا سليما وضروريا، لا سيما عند تنظيم قوانين المجتمع وأنظمة ~~العدالة الجنائية. لكن الادعاء بأن الإرادة الواعية وهمية لا يزال ~~قائما - بمعنى أن الوعي لا يقود السفينة - ويمكن الحفاظ على تلك ~~الإرادة جنبا إلى جنب مع هذه التمييزات الأخرى المتمثلة في التعمد ~~والمسئولية. # التجارب الموصوفة في هذا الفصل ليست ضرورية لإثبات هذه النقطة في ~~حقيقة الأمر. فخبرتنا وحدها تكشف الوهم، ويمكنك اكتساب بعض الأفكار ~~المتبصرة حول هذا الأمر من خلال تجربة بسيطة. اجلس في مكان هادئ ~~وامنح نفسك خيارا - أن ترفع ذراعك أو قدمك - مع وجوب إجراء هذا الخيار ~~قبل وقت معين (قبل أن يصل عقرب الثواني في الساعة إلى الرقم ستة، ~~على سبيل المثال). فلتقم بذلك الأمر مرارا وتكرارا، ولتراقب خبرتك ~~من لحظة إلى أخرى عن كثب. لاحظ كيف يتم إجراء هذا الاختيار في الوقت ~~الحقيقي، وما الشعور الذي يسببه. من أين ينبع القرار؟ هل «تقرر ~~متى تقرر»، أم يبزغ القرار ببساطة في تجربتك الواعية؟ هل ثمة ~~إرادة واعية تعطيك بطريقة ما الفكرة؛ «حرك ذراعك»، أم أن الفكرة ~~تصل إليك من مصدر ما؟ ما الذي يجعلك تختار الذراع وليس القدم؟ قد يبدو ~~لك فجأة أن «أنت» (أي تجربتك الواعية) لم يكن لها أي دور في ~~الأمر. # يبدو واضحا أننا لا نستطيع أن نقرر ما نفكر فيه أو نشعر به ~~أكثر مما نستطيع أن نقرر ما نراه أو نسمعه. ms21 إن التقاء معقدا ~~للغاية بين العوامل والأحداث الماضية - بما في ذلك جيناتنا، وتاريخ ~~حياتنا الشخصية، وبيئتنا المباشرة، وحالة أدمغتنا - هو المسئول عن كل ~~فكرة تالية نفكر فيها. هل قررت أن تتذكر الفرقة الموسيقية في ~~مدرستك الثانوية عندما بدأ الراديو في إذاعة تلك الأغنية؟ هل قررت ~~أنا أن أكتب هذا الكتاب؟ الإجابة بشكل ما هي نعم، لكن «أنا» في السؤال ~~ليست هي تجربتي الواعية. في الواقع، قرر دماغي، بالاشتراك مع تاريخه ~~ومع العالم الخارجي، أن أكتب هذا الكتاب. أما أنا (بمعنى تجربتي ~~الواعية) فقد شهدت ببساطة هذه القرارات وهي تتجلى للعيان. # الفصل الرابع # | رفيق في الرحلة # يمكن العثور على عدد هائل من الأمثلة التي من شأنها أن تقلب ~~حدسنا رأسا على عقب، وتتحدى المفهوم النمطي للإرادة الحرة، في ~~دراسة الطفيليات وكيفية تأثيرها على سلوكيات عوائلها. «التوكسوبلازما ~~جوندي» هو طفيل مجهري يمكنه أن يصيب جميع الحيوانات ذات الدم الحار، ~~لكنه لا يستطيع التكاثر الجنسي إلا في أمعاء القطط. ورغم أنه يمكن أن ~~يعيش في أي حيوان ثديي، إلا أنه يجب أن يعود في النهاية إلى قطة ~~لإكمال دورة حياته. عادة ما يصيب طفيل التوكسوبلازما الفئران؛ لأنها ~~توجد في كثير من الأماكن التي توجد فيها القطط، وقد طور هذا الطفيل ~~آلية بارعة ومخيفة للغاية للتغلب على التحدي المتمثل في الانتقال من ~~الفئران - التي تشعر بخوف غريزي عميق من القطط - ليعود إلى المكان ~~الذي يستطيع أن يتكاثر فيه؛ أي القطط. فمن خلال آلية عصبية لا يزال ~~العلماء لا يفهمونها تماما بعد، يؤثر طفيل التوكسوبلازما على سلوك ~~الفئران المصابة، فتتسبب في تخلي الفئران عن خوفها من القطط، لدرجة ~~أنه في كثير من الحالات تسير الفئران (أو حتى تركض) باتجاه عدوها ~~مباشرة. يخلق التوكسوبلازما مئات من الأكياس في دماغ مضيفه، مما يؤدي ~~إلى ارتفاع مستويات الدوبامين. والدوبامين هو ناقل عصبي يلعب دورا في ~~استثارة مشاعر قوية مثل الرغبة والخوف، وهو ما يساعد في تفسير الكثير ~~من السلوكيات التي نراها في الثدييات المصابة بهذا الطفيل. من المحتمل ms22 ~~أن هذه الفئران تشعر بطريقة أو بأخرى أنه يتم التلاعب بها رغم ~~إرادتها بواسطة قوة خارجية، ولكن يبدو من المرجح أكثر أن الكيمياء ~~العصبية لديها تتغير، ومن ثم تتغير رغباتها ومخاوفها: إنها لم تعد ~~تشعر بالخوف من القطط، بل على العكس، تشعر الآن أنها منجذبة ~~إليها. # 1 # يمكن أن يصاب البشر بهذا الطفيلي بالطريقة نفسها التي تصاب بها ~~الثدييات الأخرى - عن طريق استهلاك اللحوم غير المطهية جيدا للحيوانات ~~المصابة، أو عن طريق الاتصال المباشر مع البيئات الملوثة بفضلات ~~القطط، مثل مياه الشرب أو تربة الحديقة أو صناديق القمامة - وقد تبين ~~أن طفيل التوكسوبلازما له أيضا تأثير على أدمغة البشر. وقد أشارت ~~الصحفية العلمية كاثلين ماكوليف إلى الملاحظات التي أبداها علماء ~~الطفيليات قائلة إن «الخلايا العصبية التي تؤوي الطفيلي تصنع ~~الدوبامين بكميات تفوق تلك التي تصنعها الخلايا الطبيعية بثلاثة أضعاف ~~ونصف. ويمكن في الواقع رؤية المادة الكيميائية وهي تتجمع داخل خلايا ~~الدماغ المصابة». ويمكن أن تسبب التوكسوبلازما مجموعة متنوعة من ~~التغيرات السلوكية في البشر، ويعتقد أنها تسبب حدوث انفصام الشخصية ~~وغيره من الأمراض العقلية لدى كثير من الناس. ووفقا لما ذكرته ماكوليف ~~فإن «الأشخاص المصابين بالفصام تزداد احتمالات أن تكون نتائج اختبارات ~~وجود أجسام مضادة للطفيلي لديهم إيجابية بمرتين إلى ثلاث مرات مقارنة ~~بأولئك الذين لا يعانون هذا الاضطراب.» # 2 # في مقالها الرائع الماتع في «نيويورك تايمز» الذي جاء بعنوان «كيف ~~تتلاعب الطفيليات للحصول على المساعدة من عائلها للبقاء على قيد ~~الحياة»، تقول ناتالي أنجيير: # عندما أجرى ياروسلاف فليجر من جامعة تشارلز في براغ ~~اختبارات شخصية على مجموعتين من الناس، إحداهما تظهر عليها ~~علامات مناعية لعدوى سابقة بالتوكسوبلازما، والأخرى لا تظهر ~~عليها هذه العلامات؛ سجل الرجال المصابون درجات أعلى ~~نسبيا من الرجال غير المصابين في سمات مثل الشك في السلطة ~~والميل لكسر القواعد، في حين أن النساء المصابات سجلن ~~ترتيبا أعلى نسبيا من النساء غير المصابات على مقاييس ~~الحنان، والثقة بالنفس، والثرثرة. # وثمة أمثلة لا حصر لها على طفيليات أخرى تؤثر ms23 على سلوكيات ~~عائلها. فتتسبب الديدان الشعرية مثلا في جعل الصراصير المصابة - ~~التي تحافظ عادة على مسافة آمنة من المسطحات المائية الكبيرة - تعدو ~~نحو أقرب بحيرة أو مجرى مائي. فعن طريق إطلاق مواد كيميائية عصبية ~~تحاكي تلك الموجودة في الصراصير، تحث الدودة الصراصير على الغرق ~~في الوقت المناسب لمشاركة الدودة في موسم التزاوج، الذي لا بد أن يحدث ~~في الماء. # 3 # وبالمثل، على الرغم من أن حشرة قمل الخشب عادة ما تختبئ ~~خلال ساعات النهار لتجنب أن تأكلها الطيور، فإن الحشرات المصابة ~~بالديدان شائكة الرءوس ترغب بشدة في الخروج لقضاء ظهيرة لطيفة ~~للاستجمام في الشمس - على سطح فاتح اللون، بدون مبالغة، حيث تسهل ~~البيئة العالية التباين على الطيور التي تحلق فوقها اكتشافها ~~بسهولة. وهكذا تقوم الديدان بالعودة إلى الجهاز الهضمي للطائر لوضع ~~بيضها. # 4 # وتملك يرقات فراشة ألكون الزرقاء كيمياء سطحية تحاكي ~~المواد الكيميائية الموجودة على سطح نوعين على الأقل من يرقات النمل، ~~مما يتسبب في حمل النمل ليرقات الفراشة ذات الرائحة المألوفة إلى ~~عشها لإطعامها ورعايتها، غالبا على حساب ذرية النمل ~~ذاتها. # 5 # وتتسبب الدبابير الطفيلية في جعل العناكب الغازلة ~~المدارية تقوم ببناء شبكات تختلف اختلافا جذريا عن تصميماتها ~~المعتادة. فبعد حقن يرقات الزنبور مادة كيميائية في العنكبوت، يبدأ ~~العنكبوت في غزل شبكة أكثر ملاءمة لاحتياجات اليرقة من احتياجاته ~~هو، والحفاظ على اليرقة في مأمن من الحيوانات المفترسة القريبة وتوفير ~~شبكة مثالية لبناء شرنقتها. # 6 # والقائمة تطول وتطول. # وعند استعراض أمثلة كهذه، يذهلنا على الفور كثرة غفلتنا عن رؤية ~~مجموعة القوى المعقدة التي تؤثر في السلوكيات التي تحدث في كل ~~مكان حولنا. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل عما يدفع حقا كل ~~رغباتنا وسماتنا الشخصية؛ لا سيما تلك التي نميل إلى التوحد معها ~~بقوة. # ثمة أيضا حالات من العدوى البكتيرية التي تسبب تغيرات ~~سلوكية في البشر، والعلماء مستمرون في اكتشاف الروابط بين الأمراض ~~المعدية والاضطرابات النفسية البشرية. # 7 # فقد طورت البكتيريا العقدية، على سبيل المثال، آلية ~~دفاعية تمكنها من الاختفاء ms24 بنجاح من الجهاز المناعي للأطفال لبعض ~~الوقت. فالجزيئات الموجودة على جدران خلاياها تجعلها لا يمكن تمييزها ~~عن الأنسجة الموجودة في قلب الطفل، ومفاصله، وجلده، ودماغه. وفي نهاية ~~المطاف، يتعرف جهاز المناعة لدى الطفل على وجود بكتيريا غريبة في ~~الجسم، ولكن عندما يشن هجومه، قد يستهدف عن طريق الخطأ الأنسجة ~~السليمة في الجسم أيضا. ووفقا للدراسات التي أجراها المعهد الوطني ~~للصحة العقلية، ففي هذه الحالات فإن «بعض الأجسام المضادة التفاعلية ~~المتصالبة والمضادة للدماغ [قد] تستهدف الدماغ، مسببة الوسواس القهري، ~~والتشنجات اللاإرادية، وأعراضا عصبية ونفسية أخرى تعرف اختصارا ب PANDAS ~~[اضطرابات المناعة الذاتية ~~النفسية العصبية عند الأطفال المصاحبة لالتهابات العقديات]». # 8 # هنا، سلوك العائل لا يدعم أهداف الطفيلي؛ وبدلا من ذلك، ~~ينتج عن العدوى البكتيرية ظاهرة ذات تأثيرات «غير مقصودة». لكن كلا ~~النوعين من الأمثلة يكشف عن الواقع ذاته حول تجربتنا الواعية، وتبدأ ~~فكرة أن «أنا» هي المصدر النهائي لرغباتي وأفعالي في الانهيار. # ومع وجود العديد من القوى التي تعمل من وراء الكواليس - بدءا من ~~العمليات العصبية الأساسية التي ذكرناها سابقا وحتى العدوى البكتيرية ~~والطفيليات - يصعب أن نرى كيف يمكن أن تكون سلوكياتنا، وتفضيلاتنا، ~~وحتى خياراتنا، واقعة تحت سيطرة إرادتنا الواعية بأي معنى واقعي. ~~ويبدو من الأكثر دقة بكثير أن نقول إن الوعي مجرد رفيق في الرحلة؛ ~~يشاهد العرض، ولكن لا يصنعه أو يتحكم فيه. من الناحية النظرية، ~~يمكننا أن نذهب إلى حد القول بأن قلة قليلة (إن وجدت) من سلوكياتنا ~~تحتاج إلى الوعي من أجل تنفيذها. ولكن على مستوى حدسي، فإننا ~~نفترض أنه نظرا إلى أن البشر يتصرفون بطرق معينة ويكونون واعين - ~~ولأن تجارب مثل الخوف، والحب، والألم، تبدو كأنها محفزات قوية داخل ~~الوعي - فإن سلوكياتنا يحفزها «وعينا بها» وما كانت ستحدث بخلاف ~~ذلك. غير أنه صار من الواضح الآن أن العديد من السلوكيات التي نعزوها ~~عادة إلى الوعي، ونفكر بها كدليل على الوعي، يمكن أن توجد بالفعل ~~دون وعي، على الأقل من الناحية النظرية. ويعيدنا هذا إلى السؤالين ~~اللذين طرحناهما. ms25 ومرة أخرى، من الصعب أن نرى كيف تلعب التجربة ~~الواعية دورا في السلوك. هذا لا يعني عدم وجود دور لها، لكن يكاد ~~يكون من المستحيل الإشارة إلى طرق محددة تلعب بها هذا الدور. # ومع ذلك، أثناء تأملاتي الشخصية، تعثرت فيما قد يكون استثناء ~~مثيرا للاهتمام: يبدو أن الوعي يلعب دورا في السلوك «عندما نفكر في ~~سر الوعي ونتحدث عنه». فعندما أتأمل في «معنى» أن أكون شيئا، فمن ~~المفترض أن تجربة الوعي هذه تؤثر على المعالجة التي تحدث في دماغي ~~لاحقا. وكل شيء تقريبا أفكر فيه أو أقوله عندما أتفكر في الوعي ~~لن يكون له أي معنى إذا صدر عن نظام بدون وعي. كيف يمكن لروبوت ~~فاقد الوعي (أو زومبي فلسفيا) أن يتفكر في تجربة واعية بنفسه دون ~~أن تكون له تجربة واعية أصلا؟ تخيل للحظة أن ديفيد تشالمرز نفسه ~~زومبي، يفتقر تماما للتجربة الداخلية، ثم فكر في الأشياء التي ~~يقولها في كتابه «العقل الواعي» عند شرح مفهوم الزومبي: # ونظرا إلى أن توءمي الزومبي يفتقر إلى التجارب الواعية، فهو ~~في وضع معرفي مختلف تماما عني، وأحكامه تفتقر إلى المبررات ~~اللازمة لها. ... إنني أعلم أنني واع، وهذه المعرفة تعتمد فقط ~~على تجربتي المباشرة. ... ومن وجهة نظر المتكلم، أنا وتوءمي ~~الزومبي مختلفان تماما: فأنا لدي تجارب واعية، وهو ليس ~~لديه. # 9 # لست أدري كيف يمكن لأي نظام غير واع أن يكون لديه أي سبب لإنتاج ~~هذه الأفكار من الأساس، فضلا عن الكيفية التي يستطيع بها نظام ذكي أن ~~يفهمها. فدون أن يختبر توءم تشالمرز الزومبي تجربة الوعي، لا يكون ~~ثمة ذلك الفارق الذي يشير إليه. إن تفسير تشالمرز لكيفية استمرار ~~تصور الزومبي من الناحية النظرية هو أنه من الممكن دمج لغة الوعي ~~ومفاهيمه في برنامج الزومبي. فيمكن بالتأكيد برمجة الروبوت لوصف ~~عمليات محددة مثل «رؤية اللون الأصفر» عند اكتشاف بعض الأطوال ~~الموجية للضوء، أو حتى التحدث عن «الشعور بالغضب» في ظل ظروف ~~محددة، دون أن يرى أي شيء أو يشعر بأي شيء فعليا. ms26 ولكن يبدو أنه من ~~المستحيل على أي نظام أن يميز بين التجربة الواعية واللاواعية بشكل ~~عام دون أن يكون لديه تجربة واعية فعلية كنقطة مرجعية. عندما أتحدث ~~عن لغز الوعي - مشيرا إلى شيء يمكنني تمييزه والتعجب بشأنه ونسبه ~~(أو عدم نسبه) إلى كيانات أخرى - يبدو من المستبعد كثيرا أن أتمكن ~~من فعل ذلك - فضلا عن تكريس الكثير من الوقت لذلك - دون شعور ~~بالتجربة التي أتكلم عنها (لأن التجربة النوعية هي الموضوع برمته، ~~ودونها لا يمكنني معرفة أي شيء عنها على الإطلاق). وعندما أقلب ~~هذه الأفكار في ذهني، فإن حقيقة أن أفكاري تدور «حول تجربة الوعي» ~~تشير إلى أن ثمة حلقة تغذية مرتدة من نوع ما، وأن الوعي يؤثر ~~على معالجة دماغي. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لدماغي التفكير في الوعي ~~إلا بعد عيش تجربة الوعي (كما يمكن أن يفترض المرء). # لكن بخلاف هذا المثال الواحد الذي غالبا ما أقنع نفسي به، فإن معظم ~~حدسياتنا حول ما يمكن اعتباره دليلا على وجود وعي يؤثر في نظام ~~ما تتداعى عند تمحيصها. لذا، يجب علينا إعادة تقييم الافتراضات التي ~~نفترضها حول الدور الذي يلعبه الوعي في توجيه السلوك؛ لأن هذه ~~الافتراضات تؤدي بطبيعة الحال إلى الاستنتاجات التي نستخلصها بشأن ~~ماهية الوعي، وما الذي جعله ينشأ في الطبيعة. إن كل ما نأمل في ~~اكتشافه من خلال دراسات الوعي - بداية من تحديد ما إذا كان شخص ما في ~~حالة واعية أم لا، إلى تحديد أين نشأ الوعي أولا أثناء تطور ~~الحياة، إلى فهم العملية المادية المحددة التي تنتج التجربة ~~الواعية - موجه بواسطة حدسنا حول وظيفة الوعي. # الفصل الخامس # | من نحن؟ # حين نتحدث عن الوعي، فإننا عادة ما نشير إلى «الذات» التي هي ~~موضوع كل شيء نختبره؛ فكل ما ندركه يبدو أنه يحدث لهذه الذات أو ~~حولها. لدينا ما نشعر أنه تجربة موحدة، حيث تتكشف لنا الأحداث في ~~العالم بطريقة متكاملة. ولكن، كما رأينا، فإن عمليات الربط مسئولة ~~جزئيا عن هذا الأمر، فهي تقدم لنا وهما ms27 بأن الحوادث الفيزيائية ~~متزامنة تماما مع تجربتنا الواعية في اللحظة الحالية. يساعد الربط ~~أيضا على ترسيخ مفاهيم أخرى في الزمان والمكان، مثل لون وشكل وملمس ~~جسم ما؛ وكلها تعالج بواسطة الدماغ على نحو منفصل، ثم تجمع معا ~~قبل الوصول إلى وعينا ككل متكامل . غير أنه في بعض الأحيان تتوقف ~~عمليات الربط، بسبب مرض عصبي أو إصابة عصبية، تاركة المريض في ~~عالم مربك لم تعد المشاهد والأصوات فيه متزامنة (العمه ~~الانفصالي)، أو ترى فيه الأشياء المألوفة مجرد أجزاء، ولكن دون ~~التعرف عليها (العمه البصري). # وحتى إذا كان الدماغ سليما، يمكننا في بعض الأحيان ملاحظة مواطن ~~خلل صغيرة في الربط تلقي الضوء على الوهم الذي عادة ما يخلقه لنا ~~الربط. قبل بضعة أشهر، كنت أسير لأحضر كوبا من الماء في منتصف الليل ~~حين سمعت صوت اصطدام مرتفع في الخارج. ولسبب ما، ربما كان متعلقا ~~بحقيقة أنني كنت شبه نائمة، اختبرت تلك اللحظة بطريقة غير عادية؛ ~~فقد لاحظت استجابة الجفول المفاجئ لجسدي قبل سماع صوت الاصطدام. ~~وللحظة وجيزة، شعرت أنني استجبت لشيء لم أسمعه «أنا» بعد. # تخيل كيف ستكون تجربتك إذا لم يحدث الربط على الإطلاق - عندما ~~تعزف على البيانو، على سبيل المثال، إذا رأيت إصبعك تضغط على المفتاح ~~أولا، ثم سمعت النغمة الموسيقية، وأخيرا شعرت بمفتاح البيانو ينزل ~~تحت إصبعك. أو تخيل لو تعرضت عملية الربط للتلف ووجدت نفسك تجري ~~قبل سماع نباح كلب شرس. من دون عمليات الربط، قد لا تشعر بذاتك على ~~أنها ذات على الإطلاق. سيكون وعيك أشبه بتدفق للتجارب في موقع ~~معين من الفضاء؛ وهو ما سيكون أكثر قربا إلى الحقيقة. هل يمكن أن ~~تكون ببساطة على وعي بالأحداث، والأفعال، والمشاعر، والأفكار، ~~والأصوات؛ وجميعها يأتي في سلسلة من الإدراك؟ مثل هذه الخبرة ليست ~~استثنائية في مجال ممارسة التأمل، والعديد من الناس - بمن فيهم أنا ~~- يمكن أن يشهدوا عليها. إن الذات التي يبدو أننا نسكنها معظم الوقت ~~(إن لم يكن كل الوقت) - كمركز متموضع وثابت وصلب للوعي - هي وهم ms28 ~~يمكن العبث به، دون تغيير خبرتنا بالعالم بأي طريقة أخرى. يمكن أن يكون ~~لدينا وعي كامل بكل ما هو معتاد من المشاهد، والأصوات، والمشاعر، ~~والأفكار، دون الشعور بكوننا ذاتا تتلقى هذه الأصوات وتفكر هذه ~~الأفكار. لا يتعارض هذا على الإطلاق مع علم الأعصاب الحديث؛ فقد عثر ~~على منطقة من الدماغ تعرف باسم شبكة النمط الافتراضي يعتقد العلماء ~~أنها تسهم في إحساسنا بأنفسنا، ووجد أن هذه المنطقة تقمع أثناء ~~ممارسة التأمل. # 1 # وثمة طرق أخرى لإيقاف الشعور بالذات. فمن المعروف أن عقاقير ~~الهلوسة - مثل إل إس دي، والكتامين، والسيلوسيبين - تهدئ دائرة في ~~الدماغ تربط بين التلفيف المجاور للحصين وبين القشرة المخية خلف ~~الشبكية في شبكة النمط الافتراضي، وهو ما يفسر سبب وصف الناس ~~لفقدانهم ذاتهم أثناء كونهم تحت تأثير هذه العقاقير. # 2 # يدرس العلماء تجارب الناس مع عقاقير الهلوسة ونشاط ~~الدماغ المرتبط بها من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. بينما ~~يكون المشاركون تحت تأثير هذه العقاقير، فإنهم يخبرون تجارب تتراوح ~~بين «الطفو والشعور بالسلام الداخلي، إلى الاختلالات في الوقت ~~والاقتناع بأن الذات تتفكك». # 3 # يفترض الكثير من الناس أن الوعي وتجربة الذات متلازمان ~~دائما، ولكن من الواضح أنه في تلك اللحظات التي يفيد فيها الناس ~~بالانفصال عن الذات، يظل الوعي حاضرا بالكامل. وكما يوضح مايكل ~~بولان في كتابه «كيف تغير عقلك» عن نتائج البحث العلمي على عقاقير ~~الهلوسة: # كلما زاد الانخفاض في تدفق الدم واستهلاك الأكسجين في شبكة ~~النمط الافتراضي، زاد احتمال قيام المتطوع بالإفادة بفقدان ~~الإحساس بالذات. ... تشير تجربة عقاقير الهلوسة ل «عدم ~~الازدواجية» إلى أن الوعي ينجو من اختفاء الذات، وأن الذات ~~ليست لا غنى عنها بقدر ما نرغب - وبقدر ما ترغب هي نفسها - ~~في الاعتقاد. # 4 # تعمل عقاقير الهلوسة أيضا على كبح التواصل بين الخلايا العصبية ~~في مناطق أخرى خارج شبكة النمط الافتراضي، مما يجعل النشاط في المخ ~~أقل انفصالا بشكل عام. يناقش إرين برودوين، وهو صحفي في مجال ~~العلوم، أبحاث روبين كارهارت-هاريس، الذي يجري دراسات التصوير في ms29 ~~إمبريال كوليدج لندن حول تأثير عقار الهلوسة إل إس دي على الدماغ: # يقول كارهارت-هاريس: «إن انفصال هذه الشبكات يتداعى، وبدلا ~~من ذلك ترى دماغا أكثر تكاملا أو توحدا». قد يساعد هذا ~~التغيير في تفسير سبب إنتاج العقار [إل إس دي] لحالة مغايرة ~~من الوعي أيضا . ... يبدو أن الحواجز بين الشعور بالذات والشعور ~~بالتواصل مع البيئة الشخصية تذوب. # 5 # ومن المثير للاهتمام أن أحد الأسباب التي تجعل الأشخاص الذين ~~يتناولون عقاقير هلوسة يكونون في مثل هذه الحالات المغايرة؛ هو أن هذه ~~الفئة من العقاقير يمكنها أيضا تعطيل عمليات الربط. ويبدو من المحتمل ~~أن هذا أيضا يسهم في إيقاف شعور المرء بأنه ذات، متمايزة ومنفصلة عن ~~العالم. يشير بولان إلى أن «إحساسنا بالفردية والانفصالية يعتمد على ~~ذات لها حدود وترسيم واضح للحدود بين ما هو نحن وبقية العالم. ولكن ~~كل ذلك قد يكون بناء عقليا، أو نوعا من الوهم». # 6 # يصف برودوين تجربة أحد المشاركين في دراسة في جامعة جونز ~~هوبكنز حول الآثار العلاجية لسيلوسيبين على المرضى الذين يعانون ~~السرطان والقلق المرتبط به قائلا: «لبضع ساعات، يتذكر الشعور ~~بالراحة؛ كان مستريحا، ويشعر بالفضول، ويقظا في الوقت نفسه. ... ولكن ~~الأهم من كل شيء أنه لم يعد يشعر بالوحدة. لقد قال: «إن مفهوم «أنت» ~~بأكمله يتحول بشكل ما إلى حضور خارج إطار الزمان وبلا شكل ~~محدد»». # 7 # على الرغم من أنه قد يكون من المستحيل على شخص لم يختبر شيئا كهذا ~~أن يتخيله، فإن الوعي يمكنه أن يستمر من دون شعور المرء بأنه ذات، ~~وحتى في غياب التفكير. يشير الصحفي والكاتب مايكل هاريس إلى أن هذا ~~يرجع جزئيا إلى تلك القدرة على التداخل مع إحساس المرء بذاته وهو ~~الإحساس الذي نعرف أنه بناء: # إذا كان من الممكن العبث بتمايز الذات الجسدية بواسطة وسائل ~~ميكانيكية [عقاقير الهلوسة، أو سكتة دماغية، أو اضطراب عصبي]، ~~فعلينا حينئذ أن نبدأ في قبول أن الذات الجسدية - ذلك الشعور ~~بأننا كائنات كاملة ومصونة - لا ترجع إلى وجود روح مميزة، أو ms30 ~~«أنا»، موجودة داخل أدمغتنا. # 8 # فكما ذكرنا من قبل، يمكن التغلب على المفهوم النمطي ل «الذات» - ~~إلى جانب مفاهيم خاطئة أخرى عن الخبرات اليومية - من خلال التدريب على ~~التأمل، الذي أصبح الآن مفهوما على نحو أفضل على مستوى الدماغ. ~~لآلاف السنين، استخدمت التقاليد التأملية الشرقية التأمل أساسا ~~تجريبيا لدراسة طبيعة الوعي، وعلى الرغم من أن العلوم الغربية ~~متأخرة نسبيا عن هذه الأساليب للاستبطان، يجري البحث الآن من قبل ~~علماء الأعصاب عن الآثار المحددة للتأمل على العقل والدماغ. نأمل ~~أن تؤدي هذا الأبحاث إلى اكتشافات جديدة حول كيفية تدريب انتباهنا ~~بطرق منهجية يمكن أن توفر فهما أفضل للوعي وعلم النفس البشري. ~~وعلى أقل تقدير، تؤكد هذه الأبحاث أنه يمكن امتلاك رؤى قيمة من خلال ~~أدوات تحقيق ذاتية. يصف العالم البوذي أندرو أولنسكي الطبيعة ~~الوهمية للذات التي يمكن الكشف عنها من خلال التأمل قائلا: # مثل تسطح الأرض أو صلابة المائدة، لها [أي فكرة الذات] ~~فائدة على مستوى معين - اجتماعيا، لغويا، قانونيا - ~~لكنها تنهار تماما عندما يتم فحصها بتمحيص دقيق. # 9 # لكن بغض النظر عما إذا كان يمكن للمرء كسر وهم الذات أم لا، فمن ~~الواضح أن ثمة الكثير مما يتم إدراكه في أي تجربة واعية معينة؛ بداية ~~من شخص في حالة واعية في أدنى شكل ممكن إلى شخص يقود طائرة. والشيء ~~الوحيد الذي يمكننا أن نقوله بثقة - بغض النظر عما يتم إدراكه - هو ~~أنه إما أن الوعي موجود أو غير موجود. إنه إما يشبه شيئا أو ~~لا. # وكما تفكرنا في اللحظة التي ظهرت فيها التجربة الواعية للمرة ~~الأولى في جنين ينمو، يمكننا أن نتساءل عن اللحظات الأخيرة للوعي في ~~نهاية الحياة. أخبرني صديق لي مؤخرا عن قضاء بعض الوقت مع جده، ~~الذي كان يموت ببطء بسبب مرض قلبي. لقد وصف تدهور حالة جده على ~~مدار عدة أشهر والتجربة المدمرة المتمثلة في مشاهدة شخص يعرفه ~~جيدا ويحبه كثيرا يتغير بشكل كبير. كان أول ما اختفى لدى جده ~~هو التنظيم العاطفي والسيطرة على اندفاعه، ms31 بسبب الأضرار التي تحدث في ~~قشرة الفص الجبهي على الأرجح. لم يعد جده يخفي عواطفه ~~المتذبذبة؛ فقد كان يعلن فجأة للجميع كافة المشاعر التي يحس بها؛ ~~الفرح، والإحباط، والشهوة، والغضب. وبعد ذلك، بدأت ذاكرته في التدهور، ~~مما جعل استمرارية شخصيته أقل استقرارا. وفي نهاية المطاف، فقد ~~القدرة على الكلام والمشي . وفي مرحلة ما، وجد صديقي نفسه يتساءل، ~~مثلما يفعل كثيرون في مثل هذه الحالات، متى لن يعود جده «موجودا» ~~حقا؟ متى سيكف عن أن يكون «نفسه»، وأكثر من ذلك، متى سيتلاشى ~~وعيه تماما؟ ومع جلوسه صامتا في غرفة ليس بها شخصية يمكن ~~التعرف عليها، ومع ضياع معظم ذكرياته، ظل الجد يبدو لصديقي أنه ~~يختبر «شيئا ما». فحتى لو كان المتبقي هو أدنى أثر للإدراك، فإن الوعي ~~يكون موجودا بوضوح في شكل ما، حتى اللحظة الأخيرة لوجوده. وهذا الحد ~~الأدنى من الإدراك - مهما كان شكله قبل أن تنطفئ الأنوار تماما - قد ~~يكون مختلفا تماما عن تجربتنا البشرية المألوفة. # عندما طلب منا توماس ناجيل أن نتخيل ماذا يشبه أن نكون خفاشا، ~~فإنه يشير إلى أننا نعرف بالفعل أن ثمة حالات للوعي مختلفة تماما عن ~~حالاتنا. فالطيران في الهواء باستخدام نظام استشعار الصدى لا بد أنه ~~شعور مختلف تماما عن الشعور بالسير على الرصيف باستخدام البصر. ~~وتقدم الدراسة المذهلة ذات الصلة التي أجريت على استبدال الحواس - ~~حيث تمكن العلماء من إعطاء أشخاص مكفوفين وصم طرقا جديدة ~~لإدراك ما يراه ويسمعه معظمنا - أدلة على وجود مجموعة واسعة من ~~الخبرات المحتملة في الدماغ. على سبيل المثال، من خلال أداة تسمى ~~منفذ الدماغ - وهي شبكة صغيرة توضع على اللسان وتحول تغذية فيديو ~~إلى صدمات كهربائية صغيرة - يمكن للمخ أن يبدأ في تعلم ترجمة ~~الإشارات الكهربائية التي تصل إلى اللسان. وباستخدام هذه التكنولوجيا، ~~يمكن للمكفوفين في نهاية المطاف إنجاز مهام مثل رمي الكرة بدقة ~~في سلة، والتنقل عبر مسار به عقبات. # 10 # من الواضح أن استخدام منفذ الدماغ مرتبط باستخدام الرؤية ~~للمناورة في جميع أنحاء العالم المادي، ms32 ولكن من المؤكد أن طبيعة ~~الخبرة الفعلية مختلفة تماما عن الرؤية بأعيننا. ثمة مصطلح رائع، ~~وهو «البيئة الحسية»، قدمه لنا عالم الأحياء جاكوب فون أوكسكول في ~~عام 1909، لوصف خبرة حيوان معين، على أساس الحواس المستخدمة ~~من قبل هذا الكائن الحي للتنقل في بيئته. الخفافيش لها بيئة ~~حسية معينة، وللنحل بيئة حسية أخرى، وللبشر بيئة حسية ثالثة، ~~وشخص يستخدم تكنولوجيا مثل منفذ الدماغ يختبر بيئة حسية مختلفة ~~أيضا. # يشارك ديفيد إيجلمان في أبحاث تستكشف إمكانيات توسيع البيئة الحسية ~~للبشر لتشمل المعلومات التي لا نستطيع الوصول إليها حاليا من خلال ~~حواسنا الخمس. يوضح ديفيد إيجلمان أن الدماغ «لا يهتم بكيفية حصوله على ~~المعلومات، ما دام قد حصل عليها». # 11 # في مؤتمر تيد لعام 2015، وصف إيجلمان النتائج المستقبلية ~~المحتملة لاستبدال الحواس، التي بموجبها يتم إنشاء «حواس جديدة» ~~للأشخاص: # لا توجد في الأفق نهاية حقا لإمكانيات التوسع البشري. ~~فقط تخيل أن يكون رائد فضاء قادرا على الشعور بالصحة ~~العامة لمحطة الفضاء الدولية ~~أو - بالأحرى - أن تشعر ~~بالحالات غير المرئية لصحتك الشخصية؛ مثل مستوى السكر بالدم ~~وحالة الميكروبيوم الخاص بك، أو رؤية ما حولك بنطاق 360 درجة، ~~أو الرؤية باستخدام الأشعة تحت الحمراء أو فوق ~~البنفسجية. # 12 # نحن نعلم في الحقيقة أن الدماغ البشري - في ظل ظروف مناسبة - يمكنه ~~دمج الأشياء الغريبة بسلاسة في خريطته لما يشكل جسده. ووهم اليد ~~المطاطية مثال على كيفية إدراج شيء خارجي في تصور الفرد للذات عند ~~استيفاء شروط معينة. في التجربة الأصلية، يجلس المشارك واضعا يده ~~الحقيقية أسفل طاولة، بينما توضع يد مطاطية على الطاولة في مكان ~~يده الأصلية. وعندما يقوم القائم بالتجربة بحك اليد الحقيقية للمشارك ~~واليد المطاطية في الوقت نفسه باستخدام فرشاة، يبدأ المشارك في ~~الشعور بأن اليد المطاطية التي يراها على الطاولة هي يده. وقد أجريت ~~تجربة وهم اليد المطاطية فيما بعد بأشكال مختلفة باستخدام تقنية ~~الواقع الافتراضي. في واحدة من هذه التجارب، التي أجراها عالم ~~الأعصاب أنيل سيث وفريقه في جامعة ساسكس، ترتدي المشاركة نظارات ms33 ~~الواقع الافتراضي، وتختبر عالما افتراضيا تمتلك فيه يدا افتراضية. ~~أحيانا يتسبب القائمون بالتجربة في وميض اليد باللون الأحمر بشكل ~~متزامن مع دقات قلب المشاركة، وأحيانا بشكل غير متزامن. وكما يمكن ~~أن نتوقع، يكون لدى المشاركة شعور أكبر بملكية اليد الافتراضية ~~عندما يكون الوميض متزامنا مع دقات قلبها. # 13 # يشير سيث إلى خبراتنا بأنفسنا في العالم على أنها نوع من ~~«الهلوسة المحكومة». وهو يصف الدماغ بأنه «محرك تنبؤ» ويوضح أن ~~«ما ندركه هو أفضل تخمين لما هو موجود في العالم». إنه يقول بمعنى ~~ما: «إننا نخرج أنفسنا إلى حيز الوجود من خلال التنبؤ.» # 14 # تعد ظاهرة «الانقسام الدماغي» أيضا ظاهرة مفيدة هنا؛ حيث تلقي ~~الضوء على كل من مرونة الوعي ومفهوم الذات. كثير من الناس صاروا الآن ~~يعرفون بشأن الأبحاث الرائعة التي أجراها روجر سبيري ومايكل جازانيجا ~~في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ابتداء من ستينيات القرن العشرين، ~~على مرضى الصرع الذين خضعوا لجراحة قطع الجسم الثفني. وهذا إجراء ~~جراحي يتم فيه قطع الجسم الثفني؛ إما جزئيا أو كليا، مما يفصل ~~الروابط بين نصفي الدماغ الأيمن والأيسر في محاولة لمنع نوبات ~~الصرع من الانتشار. وعلى الرغم من أن مرضى انقسام الدماغ لم يتغيروا ~~بشكل مفاجئ بسبب إجراء الجراحة، فإن الأبحاث التي أجريت عليهم كشفت ~~عن حقيقة غريبة ومناقضة للبديهة تشكك في العديد من افتراضاتنا حول ~~سيولة الوعي وحدوده. # في التجارب التي أجريت على الأشخاص الذين خضعوا لجراحة انقسام ~~الدماغ، يمكن تقديم المعلومات بشكل منفصل لكل من نصفي الدماغ من ~~خلال الرؤية (في شكل صور، أو لغة مكتوبة، أو ما إلى ذلك)؛ لأن مجال ~~الرؤية الأيمن يعرض على نصف الدماغ الأيسر، والعكس صحيح. في الشخص ~~الطبيعي، تتم مشاركة المعلومات الواردة من أي مجال رؤية مع نصف الدماغ ~~المقابل من خلال الجسم الثفني. أما في حالة مرضى انقسام الدماغ، فيتم ~~استقبال التحفيز البصري لكل مجال من جانب واحد فقط من الدماغ. والشيء ~~نفسه ينطبق على المحفزات المقدمة لكل أذن، وكذلك بالنسبة إلى ~~معظم المعلومات الواردة ms34 من أيدي المرضى؛ في أغلب الأحيان، تصل مستقبلات ~~اللمس من كل يد إلى نصف الدماغ المقابل، وحركة كل يد يسيطر عليها ~~أيضا نصف الدماغ المقابل. في الواقع، بعد العملية الجراحية، يمكن ~~لمرضى انقسام الدماغ أن يختبروا شيئا يسمى «تنافس نصفي الدماغ»؛ ~~حيث نراهم يحاولون القيام بسلوكيات متعارضة بأيديهم اليسرى واليمنى ~~في معركة مربكة - مثل محاولة إقفال أزرار قميصهم بيد بينما اليد ~~الأخرى تحاول فك هذه الأزرار، أو محاولة عناق الزوج بذراع بينما ~~الذراع الأخرى تدفع هذا الزوج بعيدا، أو فتح الباب بيد وإغلاقه باليد ~~الأخرى في الوقت نفسه. # 15 # شكل 5-1: دراسة انقسام الدماغ. # طور علماء الأعصاب مجموعة متنوعة من الأساليب الإبداعية ~~لتلقي الاتصالات من نصفي الدماغ لمرضى انقسام الدماغ، وكشفوا عن ~~جوانب مذهلة أخرى لهذه الحالة. في الغالبية العظمى من الناس، يكون ~~نصف الدماغ الأيسر هو المسئول عن التعبير عن اللغة من خلال الكلام ~~والكتابة، في حين يكون النصف الأيمن أصم؛ غير أن نصف الدماغ الأيمن ~~قادر على التواصل من خلال الإيماء والإشارة باليد اليسرى (والغناء، في ~~بعض الحالات). # 16 # إذا أعطينا عملة معدنية لأحد مرضى انقسام الدماغ لكي ~~يمسكها في يده اليسرى دون أن يتمكن من رؤيتها، فإن نصف الدماغ ~~الأيمن فقط هو الذي سيكون مدركا لذلك. وإذا سألنا المريض عما يمسك ~~به، فإنه يرد بأنه لا فكرة لديه؛ لأن نصف الدماغ الأيسر (الذي ~~يملك القدرة على التواصل لفظيا) ليس لديه وعي بالعملة المعدنية. ~~ولكن إذا طلب من المريض الإشارة إلى صورة للشيء الذي أعطي له، ~~فإن يده اليسرى (التي يتحكم فيها نصف الدماغ الأيمن، والذي يعرف ~~بأمر العملة المعدنية) سوف تشير بشكل صحيح إلى صورة العملة ~~المعدنية. وبالمثل، إذا عرضنا كلمة «مفتاح» في نطاق حقل الرؤية الأيسر ~~للمريض، وسألناه عن الكلمة التي يراها، فسوف يفيد بأنه لا يرى شيئا؛ ~~حيث إن نصف دماغه الأيسر الذي يستطيع الكلام لا يرى الكلمة. ولكن إذا ~~طلبنا من المريض التقاط الشيء المطابق للكلمة التي تظهر على الشاشة، ~~فسوف يمد يده اليسرى ms35 (التي يتحكم بها نصف الدماغ الأيمن، الذي يرى ~~الكلمة) ويلتقط المفتاح (الشكل # 5-1 ~~). يمكن تكرار ~~هذا النوع من التجارب بعدة طرق متنوعة، والحصول على النتائج نفسها ~~مرارا وتكرارا. في الواقع، يفيد مرضى انقسام الدماغ أحيانا (عبر ~~نصف الدماغ الأيسر القادر على النطق) أن يدهم اليسرى تتصرف من ~~تلقاء نفسها - بإغلاق الكتاب الذي يقرءونه على سبيل المثال - وذلك ~~تأكيد على أنهم غير مدركين رغبات ونوايا نصف الدماغ الأيمن. # وما أثار دهشة علماء الأعصاب الأوائل الذين أجروا مثل هذه ~~التجارب (ودهشة بقيتنا أيضا!)، أن الشخص نفسه يمكن أن يكون لديه ~~إجابتان مختلفتان عن سؤال واحد، إلى جانب رغبات وآراء مختلفة ~~تماما بشكل عام. والأكثر إثارة للدهشة هو اكتشاف أن مشاعر وآراء ~~كل من نصفي الدماغ تبدو كأنها خبرة خاصة به وغير معروفة للنصف ~~الآخر. إن إحدى «ذاتي» المريض المصاب بانقسام الدماغ تندهش من آراء ~~ورغبات الذات الأخرى، بنفس قدر دهشة شخص آخر تماما. إن معرفة ما ~~إذا كانت كلتا وجهتي النظر لدى مرضى انقسام الدماغ واعية أم لا، لهو ~~أمر صعب إن لم يكن مستحيلا، ولكن ليس لدينا سبب للشك في أن ثمة ~~تجربة مرتبطة بأفكار ورغبات كل نصف من نصفي الدماغ، ويعتقد أغلب ~~علماء الأعصاب أن كلا نصفي الدماغ واع في واقع الأمر. وكما يوضح ~~عالم الأعصاب كريستوف كوتش، من معهد ألين لعلوم الدماغ، «فنظرا إلى ~~أن كلا من نصفي الدماغ الناطق والأصم يقوم بسلوكيات معقدة ~~ومخطط لها، فإن كلا النصفين له تصورات واعية، على الرغم من أن طابع ~~ومضمون مشاعرهما قد لا يكونان هما نفسها.» # 17 # تحتوي الأبحاث المنشورة عن انقسام الدماغ على العديد من الأمثلة التي ~~تشير إلى أن ثمة وجهتي نظر واعيتين يمكن أن توجدا في دماغ ~~واحد. وأغلب الدراسات تسقط أيضا المفهوم النمطي للإرادة الحرة، ~~من خلال الكشف عن ظاهرة أنشأها نصف الدماغ الأيسر، وأطلق عليها ~~جازانيجا وزميله جوزيف ليدوكس «المترجم الشفهي». # 18 # تحدث هذه الظاهرة عندما يتخذ نصف الدماغ الأيمن إجراءات ~~بناء على المعلومات التي يمكنه ms36 الوصول إليها والتي لا يصل إليها ~~نصف الدماغ الأيسر، ثم يقدم النصف الأيسر شرحا فوريا وكاذبا ~~لسلوك مريض انقسام الدماغ. فعلى سبيل المثال، عندما يعطى نصف ~~الدماغ الأيمن الأمر «ارحل من هنا» في إحدى التجارب، فإن المريض سوف ~~يقف ويبدأ المشي. لكن عند سؤاله عن سبب مغادرته الغرفة، سوف يقدم ~~تفسيرا مثل «أوه، أنا بحاجة إلى تناول مشروب». إن نصف الدماغ الأيسر ، ~~المسئول عن الكلام، غير مدرك للأمر الذي تلقاه الجانب الأيمن، ونحن ~~لدينا كل الأسباب التي تجعلنا نعتقد أنه في الحقيقة يعتقد أن عطشه ~~كان السبب في أنه وقف وبدأ في المشي. وكما في المثال الذي تمكن فيه ~~القائمون على التجربة من إحداث شعور بالإرادة لدى أشخاص لم يكونوا ~~في الواقع يتحكمون في تصرفاتهم؛ فإن ظاهرة «المترجم الشفهي» هي ~~تأكيد إضافي على أن شعورنا بأننا ننفذ تصرفات إرادية واعية هو ~~على الأقل في بعض الحالات مجرد وهم محض. # لكن بغض النظر عما تخبرنا به أبحاث انقسام الدماغ عن الإرادة ~~الواعية، فإن الفكرة الأساسية الأكثر صلة بمناقشتنا هي أن: مجموعات ~~مختلفة من النوايا والمقاصد لدى مريض انقسام الدماغ يبدو أنها معزولة ~~بعضها عن بعض في جزر منفصلة ومتمايزة من الوعي. في مثال المعركة التي ~~تخوضها المريضة مع نفسها على إغلاق أزرار القميص بيد وفتحها باليد ~~الأخرى، يشعر أحد الجانبين أن يدها اليمنى يتحكم فيها «شخص آخر»، ~~شخص يكافح لمنعها من ارتداء القميص الذي اختارته. الجانب الآخر يرفض ~~اختيارا سيئا للملابس اتخذه «شخص آخر». وفي لحظات كهذه، يتصرف ~~مريض انقسام الدماغ (وربما يشعر) وكأنه توءمان ملتصقان وليس شخصا ~~واحدا. # في كتابه «السيد ومبعوثه»، حول نصفي الدماغ، يصف الطبيب النفسي إيان ~~ماكيلكريست أطروحته المثيرة للاهتمام حول إمكانية أن الوعي ينشأ على ~~عمق أكبر بكثير في بنيات الدماغ مما يعتقد العلماء عادة: # يبدو لي أنه من الأنفع التفكير في الوعي لا باعتباره شيئا ~~ذا حواف حادة نصل إليه فجأة بمجرد أن يصل المرء إلى قمة ~~الأداء العقلي، ولكن باعتباره عملية تدريجية، بدلا من ms37 «كل ~~شيء أو لا شيء»، وهو يبدأ منخفضا في الدماغ. ... المشكلة إذن لا ~~تكمن في كيف يمكن أن تصبح إرادتان وعيا موحدا، ولكن كيف ~~يمكن لمجال وعي واحد أن يستوعب إرادتين. ... إن الوعي ليس ~~طائرا، كما يبدو غالبا في الأدبيات - يحوم على نحو منفصل ~~ويأتي من مستوى علوي هابطا على الدماغ في مكان ما في ~~الفصوص الأمامية - بل هو شجرة ضاربة بجذورها في أعمق ~~أعماقنا. # 19 # إن الاكتشافات التي تحققت من خلال أبحاث انقسام الدماغ ~~والتطورات الأخرى في علم الأعصاب الحديث، قد أدت بالكثيرين إلى طرح ~~السؤال التالي: هل ثمة نسخة من انقسام الوعي تحدث في أدمغة غير ~~منقسمة ماديا؟ هل ثمة مراكز أخرى للوعي، حتى ما قد نفكر فيه ~~على أنه عقول أخرى، أقرب منا أكثر مما نعتقد؟ قد لا يكون من المستحيل ~~تخيل وجود «مراكز»، أو «تكوينات»، أو «تدفقات» مختلفة من الوعي ~~توجد بالقرب بعضها من بعض، أو تتداخل حتى في جسم بشري واحد. # الفصل السادس # | هل الوعي في كل مكان؟ # يبدو أننا لا نمتلك أية إجابات عن السؤالين اللذين بدأنا بهما هذا ~~البحث: حين نمعن النظر، لا يمكننا العثور على أدلة خارجية موثوقة ~~تؤيد وجود الوعي، ولا يمكننا أن نشير على نحو قاطع إلى أي وظيفة ~~محددة يؤديها. كلتا هاتين النتيجتين تتناقض مع البديهة إلى حد ~~بعيد، وهنا يبدأ لغز الوعي في الاصطدام بألغاز أخرى في الكون. # إذا كنا لا نستطيع الإشارة إلى أي شيء يميز أي مجموعات ~~الذرات في الكون هي الواعية، وأيها غير الواعية، فأين عسانا أن نأمل ~~في وضع الخط الفاصل بين الوعي واللاوعي؟ ربما يكون السؤال الأكثر ~~إثارة للاهتمام هو لماذا يجب علينا رسم خط من الأساس. عندما نرى ~~تجربتنا الخاصة بالوعي بمثابة «رفيق في الرحلة» فحسب، فجأة نجد سهولة ~~أكبر في تخيل أن الأنظمة الأخرى تتسم بالوعي هي أيضا. حينها لا نجد ~~مفرا من التفكير في إمكانية أن تكون المادة «كلها» مشبعة بالوعي ~~بمعنى ما - وهي وجهة نظر يشار إليها بشمولية الوعي ms38 ~~«بانسيكزم». # 1 # إذا أمكن أن تقترن السلوكيات المختلفة للحيوانات بالوعي، ~~فلماذا لا تكون استجابة النباتات للضوء، أو حتى دوران الإلكترونات، ~~مقترنة بالوعي؟ ربما يكون الوعي مدمجا في المادة نفسها، بصفته ~~خاصية جوهرية من خواص الكون. «يبدو» ذلك ضربا من الجنون، لكننا ~~سنرى أنه سؤال جدير بالطرح. # ظهر مصطلح شمولية الوعي في القرن السادس عشر وصاغه الفيلسوف ~~الإيطالي فرانشيسكو باتريزي من الكلمة اليونانية «بان» التي تعني ~~(«الكل») وكلمة «سايكي» التي تعني («العقل» أو «الروح»). يوصف الوعي ~~في بعض نسخ شمولية الوعي بأنه منفصل عن المادة ويتألف من مادة أخرى، ~~وهو تعريف يذكرنا بالمذهب الحيوي والأوصاف الدينية التقليدية ~~للروح. لكن على الرغم من أن المصطلح قد استخدم لوصف نطاق كبير من ~~أنماط التفكير عبر التاريخ، فإن الاعتبارات المعاصرة لشمولية الوعي ~~تصف الواقع بطرق مختلفة تماما عن الأوصاف التي كانت تقدمها النسخ ~~السابقة، ودونما ارتباط بأي معتقدات دينية. # يقترح أحد فروع شمولية الوعي أن الوعي صفة جوهرية في جميع أشكال ~~معالجة المعلومات، حتى الأشكال غير الحية منها مثل الأجهزة ~~التكنولوجية، ويذهب فرع آخر إلى حد القول بأن الوعي من القوى ~~والمجالات الأساسية الأخرى التي كشفت لنا الفيزياء عنها - مثل ~~الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوتين النوويتين؛ القوية والضعيفة. ~~إن النطاق الكامل للمناقشات الجادة بشأن شمولية الوعي - سواء أكانت ~~تقتصر على أنواع معينة من معالجة المعلومات أم تنطبق على مادة الكون ~~بأكملها - يختلف عن أغلب النظريات التي وضعت في الماضي بشأن شمولية ~~الوعي. وإن التفكير الحديث بشأن شمولية الوعي يسترشد بالعلوم ويتماشى ~~تماما مع مذهب الفيزيائية والاستدلال العلمي. # ثمة مقال للفيلسوف فيليب جوف أحب عنوانه: «شمولية الوعي فكرة ~~مجنونة، لكنها أيضا صحيحة على الأرجح.» يتبع تفكير جوف المسار ~~التالي: # فور أن ندرك أن الفيزياء لا تخبرنا شيئا عن الطبيعة ~~الجوهرية للكيانات التي تتحدث عنها، وأن الشيء الوحيد ~~الذي نعرفه يقينا عن الطبيعة الجوهرية للمادة هو أن بعض ~~الأشياء المادية على الأقل لديها خبرة ... فإن الضرورة ~~النظرية المتمثلة في تكوين رؤية بسيطة وموحدة تتسق مع ~~البيانات، تقودنا بشكل ms39 واضح ومباشر في اتجاه شمولية ~~الوعي. # 2 # وبسبب قيمة البساطة، فإني أميل إلى تفضيل فرع شمولية الوعي الذي يصف ~~الوعي بأنه صفة جوهرية في المادة، على الوصف الذي يقتضي مستوى ~~معينا من معالجة المعلومات حتى يكون الوعي موجودا. ومرة أخرى، هذا ~~نتيجة المشكلة الصعبة للوعي، والتي تظهر حيثما حاولت رسم خط فاصل - ~~سواء أحاولت رسمه عند المعالجة العصبية أم عند أشكال أبسط من ~~معالجة المعلومات . فعلى الرغم من أن استيعاب وجهة النظر القائلة ~~بأن الوعي جوهري في المادة أصعب كثيرا على عقولنا من نواح كثيرة، ~~فإنها تعد حلا أكثر إقناعا بالنسبة إلي، ويرجع ذلك جزئيا ~~إلى أنها أكثر بساطة (وإن كان ذلك بدرجة ضئيلة فحسب). ولنا في حقل ~~هيجز مثال على ذلك: أدرك الفيزيائيون أن مجال هيجز لا بد أن يكون ~~موجودا، وإلا فإن الإلكترونات والكواركات التي تشكلنا جميعا ستكون ~~عديمة الكتلة وتنطلق بسرعة الضوء. على مدى سنوات قبل اكتشاف حامله، ~~بوزون هيجز، افترض الفيزيائيون وجود مجال هيجز. وعلى الرغم من أن لا ~~شيء بشأن تأكيد وجوده يدعم أي نظريات عن الوعي (أو يقدم أي ~~دليل عليها)، فإنه يساعدنا على فهم الافتراض المناظر له في شمولية ~~الوعي - وهو أن الوعي ربما يكون خاصية أخرى للمادة، أو للكون نفسه، ~~ولم نكتشفها بعد. # في كتابه «شمولية الوعي في الغرب»، يقدم الفيلسوف ديفيد سكربينا ~~دراسة استقصائية لتاريخ الحجج العلمية لشمولية الوعي، والتي تستند ~~إلى العقلانية، والأدلة التجريبية، والمبادئ التطورية. بعد نشر نظرية ~~داروين عن التطور بالانتخاب الطبيعي (1859)، وبعد أن كشفت التطورات ~~اللاحقة في مجالات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا أن البشر يتألفون ~~من العناصر نفسها التي تتألف منها المواد الأخرى، أصبح اللغز ~~الحقيقي للوعي واضحا. وأدى الفهم الجديد المتمثل في أن كل شيء ~~في الكون يتكون من اللبنات الأساسية نفسها إلى مزيد من الدعم ~~لمنظور علمي وتطوري ينطوي على شكل من أشكال شمولية الوعي. إن ~~النزعة الطبيعية للاستكشاف العلمي هي التوصل إلى التفسير الأبسط ~~قدر الإمكان، ويعد مفهوم انبثاق الوعي عن مواد غير واعية نوعا ms40 ~~من فشل الهدف النمطي للتفسير العلمي. في الفلسفة، يشار إلى هذه ~~القفزة من اللاوعي إلى الحالة الواعية للمادة بأنه انبثاق «جذري» أو ~~«قوي». # 3 # يقتبس سكربينا من عالم الأحياء الشهير جاي بي إس هالدين - ~~في سياق معارضته مفهوم الانبثاق الجذري - بسبب التعقيد الحتمي الذي ~~يضيفه إلى أي تفسير للوعي: # إذا لم يكن الوعي من خواص المادة، فهذا يعني القول بنظرية ~~انبثاق قوي تتعارض مع العلم جوهريا . مثل هذا النشوء ~~«يعارض روح العلم بشكل جذري، وهي الروح التي حاولت دائما ~~تفسير المعقد بالبسيط. ... إذا صحت وجهة النظر العلمية، ~~فسنجدها في نهاية المطاف [علامات وجود الوعي في المادة ~~الخاملة] في شكل بدائي على الأقل، في جميع أنحاء ~~الكون.» # 4 # ينقل سكوربينا القارئ عبر أكثر من ثلاثمائة سنة من تأملات ~~العلماء الذين يتخذون منهجا علميا نحو شمولية الوعي، من يوهانس ~~كيبلر إلى روجر بنروز، والذين يصل الكثير منهم إلى استنتاج مفاده أن ~~التفسير الأبسط للوعي في حقيقة الأمر، هو شموليته. وفي ستينيات القرن ~~العشرين - أي بعد نحو ثلاثين عاما من هالدين - أكد عالم الأحياء ~~برنارد رينش أنه مثلما يوجد غموض في التصنيفات عند دراسة تطور شكل ~~من أشكال الحياة إلى شكل آخر على مستوى الكائنات الحية الدقيقة ~~والخلايا، فإن الفصل الصارخ بين الأنظمة الحية والأنظمة غير الحية ~~مبهم أيضا، ومن المحتمل أن ينتقل التمييز الخاطئ إلى حدود الخبرة ~~الواعية أيضا. # 5 # إضافة إلى ذلك، عندما يفترض العلماء أنهم تجاوزوا المشكلة الصعبة ~~من خلال وصف الوعي بصفته خاصية منبثقة، أي ظاهرة معقدة لا تتنبأ بها ~~الأجزاء المكونة لها، فإنهم يغيرون الموضوع. فجميع الظواهر ~~المنبثقة - مثل مستعمرات النمل، وندف الثلج، والأمواج - لا تزال ~~وصفا للمادة وسلوكها، مثلما نراها من الخارج. # 6 # أما ما تبدو عليه توليفة من المادة «من الداخل» وما إذا ~~كانت هناك تجربة مرتبطة بها أم لا، فهو شيء لا يشمله مصطلح ~~«الانبثاق». إن وصف الوعي بأنه ظاهرة منبثقة لا يفسر أي شيء في ~~الواقع؛ لأن المادة، من وجهة نظر المراقب، تتصرف مثلما ms41 تفعل على ~~الدوام. فإذا كانت بعض المواد لها خبرة وبعضها ليس له خبرة (وبعض ~~الظواهر المنبثقة تتسم بالإدراك بينما لا يتسم به البعض الآخر)، فإن ~~مفهوم الانبثاق، باستخدامه التقليدي في العلم، لا يفسر ~~الوعي. # شكل 6-1: يشار إلى الظاهرة التي لا تتنبأ بها الأجزاء ~~المكونة لها، والتي هي أعقد من مجموع أجزائها، ~~بأنها ظاهرة منبثقة. # ويذهب بعض الفلاسفة إلى حد القول بأن الوعي لا يمثل مشكلة ~~عويصة على الإطلاق، ويختزلونه في محض وهم فحسب. غير أن الوعي، كما ~~أشار آخرون، هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن، بحكم تعريفه، أن يكون ~~وهما. قد يظهر وهم ما «داخل» ~~الوعي، لكنك إما تختبر شيئا ما أو لا تختبره، فالوعي ضروري لحدوث ~~الوهم. يحلل الفيلسوف التحليلي البريطاني جالين ستروسون فكرة الوعي ~~بصفته وهما في مقال بعنوان «منكرو الوعي»، ويعرب عن سخطه من عدم ~~اتساق الفكرة على الإطلاق: «كيف يمكن لأي شخص أن يستنتج شيئا سخيفا ~~للغاية مثل إنكار وجود التجربة الواعية، التي هي الشيء العام الوحيد ~~الذي نعرف أنه موجود بالتأكيد؟» # 7 # يصف الفيلسوف نيد بلوك، الباحث بمركز العلوم العصبية ~~بجامعة نيويورك، ظاهرة يلاحظها في طلابه عندما يلقي محاضرة عن ~~المشكلة العويصة للوعي، تشبه اختلاف أنواع الشخصيات. يقدر بلوك أن ~~ثلث طلابه تقريبا «لا يدركون أهمية الظاهراتية [التجربة المحسوسة] ~~والمشكلات الصعبة التي تثيرها»، ويعتقد أنه سيكون من المثير للاهتمام ~~دراسة الاختلاف العصبي بين الأشخاص القادرين على فهم المشكلة ~~العويصة بشكل حدسي وغير القادرين على ذلك (أو الذين يرونها ~~وهما). # 8 # وعلى أي حال، فإن إحالة الوعي إلى درجة الوهم ينم في ~~رأيي عن عدم فهم للظاهرة. الحق أن تلك الإحالة ليست سوى إعادة ~~تعريف للوعي بأنه «وهم الوعي». وحتى لو اتفقنا على وصف الوعي بأنه ~~وهم، وهو أمر يبدو سخيفا، فإننا سنظل نتساءل عن مدى عمق هذا ~~الوهم. هل هناك عمليات معقدة أخرى، أو مجموعات أخرى من المادة، ~~تخبر هذا «الوهم»؟ سوف تظل جميع الأسئلة المتعلقة بالوعي وشموليته ~~قائمة أمامنا. # 9 # في الواقع، يفترض ms42 ستروسون أن «شمولية الوعي هي أوجه نظرية يمكن ~~للمرء تبنيها إذا كان طبيعانيا صرفا ... يعتقد بصحة مذهب ~~الفيزيائية»، وأن «كل ما يوجد بشكل ملموس هو فيزيائي» وأن «جميع ~~الظواهر الفيزيائية هي صور للطاقة.» ويخلص ستروسون إلى أن «شمولية ~~الوعي هي ببساطة فرضية عن الطبيعة الجوهرية النهائية لهذه الطاقة، ~~فرضية تقول بأن الطبيعة الجوهرية للطاقة هي الخبرة أو التجربة ... لن ~~تمس هذه الفرضية الفيزياء في شيء. فكل ما هو صحيح في الفيزياء ~~سيظل صحيحا .» # 10 # ومع ذلك، لا تزال الاعتبارات العلمية لشمولية الوعي ترى على أنها ~~مثيرة للجدل ومتعارضة مع النظرة العلمية التقليدية. ورغم الصعوبة ~~الشديدة لدراسة الوعي وحتى تعريفه، يعتقد أغلب علماء الأعصاب أنه ينتج ~~عن عمليات معقدة في الدماغ، وأننا سنكتشف السبب الجوهري للوعي في ~~نهاية المطاف من خلال دراسة العمليات العصبية المرتبطة به. غير أن ~~العديد من علماء الأعصاب يعترفون بأن المشكلة العويصة ستستمر؛ لأن ~~الفهم العلمي، أيا كانت درجة اكتماله، لا يتمتع بأي وسيلة تقدم ~~لنا رؤية مباشرة عن التجربة الشخصية المرتبطة بتلك الخصائص ~~الفيزيائية؛ فدراسة نظام كالدماغ لا تمدنا إلا بمزيد من المعلومات ~~عن الخصائص الفيزيائية. على سبيل المثال، اعترف عالم الأعصاب «في إس ~~راماتشاندران» بأن «الكواليا» (الصفات التجريبية للوعي التي يمكننا ~~تسميتها، مثل الخبرة المتمثلة في رؤية اللون الأزرق أو الشعور بشيء ~~حاد) ستظل لغزا: # تعد الكواليا مسألة محيرة للفلاسفة والعلماء على حد ~~سواء؛ لأنه على الرغم من أنها واقعية على نحو واضح، ويبدو ~~أنها تكمن في صميم التجربة العقلية، فإن النظريات المادية ~~والحسابية عن وظائف الدماغ تلتزم الصمت تماما بشأن كيفية ~~ظهورها أو سبب وجودها. # 11 # يولي علماء الأعصاب الذين يدرسون الوعي أقصى اهتمام للاختلافات ~~على مستوى الدماغ بين «وظائف» الجسم التي تبدو واعية وتلك التي تبدو ~~لا واعية (أنت على وعي بقراءة الكلمات الموجودة في هذه الصفحة في هذه ~~اللحظة، ولكنك لست واعيا بأنشطة كليتيك)، وبين «حالتي» الوعي ~~واللاوعي (كونك مستيقظا أو نائما بعمق، على سبيل المثال). ثمة ~~مجموعة متنوعة من الفرضيات تشير ms43 إلى أن مناطق معينة من الدماغ، أو ~~أنواعا من المعالجة العصبية، تخلق تجربة واعية؛ حتى إن بعض العلماء - ~~ومنهم فرانسيس كريك وكريستوف كوخ - تكهنوا بأن التردد الذي تطلق ~~عنده الخلايا العصبية إشاراتها هو الذي يؤدي بها إلى خلق ~~الوعي. # 12 # حاول كريك وكوخ تحديد مصدر الوعي في الدماغ من خلال إجراء أبحاث ~~على النظام البصري. كانا يأملان أن يتوصلا إلى فهم أفضل لأنواع ~~المثيرات البصرية التي نعالجها بوعي (أي مدركين أننا نرى)، والمثيرات ~~التي يستجيب لها الدماغ ولكن ليس لدينا وعي بها (المعالجة خارج حيز ~~الوعي)، وأي مناطق من الدماغ هي المسئولة عن هذه الأنواع المختلفة من ~~المعالجة. ورغم أن هذا النوع من الأبحاث مفيد وممتع، فإنه محدود مرة ~~أخرى. إنه يزيد من معرفتنا بالدماغ وتجربتنا الإنسانية، لكنه لا ~~يستطيع أن يخبرنا بأي شيء حول ماهية «الوعي من الأساس»، كما أنه لا ~~يساعدنا على فهم ما إذا كانت هناك أنواع أخرى من الأنظمة، سواء حية ~~أو غير حية، يمكن أن تختبر هذا الوعي. # في الآونة الأخيرة، صاغ عالم الأعصاب جوليو تونوني، مدير مركز ~~جامعة ويسكونسن-ماديسون للنوم والوعي، بالاشتراك مع مارسيلو ماسيميني ~~وفريقه بجامعة ميلانو، ما قد يصبح طريقة لتحديد ما إذا كان الشخص ~~واعيا أم لا. في هذا الإجراء المعروف باسم «زاب آند زيب» # zap and zip ~~، يستخدم التحفيز ~~المغناطيسي عبر الجمجمة لإيصال نبضة من الطاقة المغناطيسية إلى ~~الدماغ، ثم تتم قراءة نشاط التيار الكهربائي التالي الذي يسري عبر ~~الخلايا العصبية القشرية، بواسطة أجهزة التخطيط الكهربائي ~~للمخ. # 13 # تعين الأنماط الناتجة على «مؤشر التعقيد المضطرب» ~~( PCI ~~). يوضح كوخ أن الطريقة ~~ترسي قيمة حدية لمؤشر التعقيد المضطرب «كعتبة حرجة - أي الحد ~~الأدنى لنشاط الدماغ المعقد - تدعم الوعي.» # 14 # تحاول هذه الطريقة اكتشاف الوعي لدى الأفراد الذين يصعب ~~معرفة مستوى وعيهم من الإشارات الخارجية، ومن بينهم الأفراد الغارقون ~~في نوم عميق، والأفراد الخاضعون للتخدير، والمرضى المصابون بغيبوبة. ~~ونأمل أن يقربنا هذا خطوة من تحديد ما إذا كان المرضى المصابون ~~بتلف في الدماغ، ms44 أو مرضى متلازمة المنحبس، أو من هم في مرحلة ~~متأخرة من مرض الخرف، في حالة دنيا من الوعي أم في «حالة غيبوبة»، أو ~~ما إذا كان المريض الخاضع لجراحة قد أصبح واعيا تحت التخدير، وهي ~~حالات لا نمتلك حاليا سوى أدوات محدودة للكشف عنها. # لا شك أن هذا يعد من أهم الأعمال التي تجري في علم الأعصاب اليوم، ~~ولكن مرة أخرى، لا تتناول الأسئلة المتعلقة بالوظائف الواعية مقابل ~~الوظائف اللاواعية أو حالات الدماغ بالضرورة الأسئلة الكبرى فيما ~~يتعلق ب «ماهية الوعي » ومدى تعمقه في الكون. ولكن تظل الحقيقة أن ~~غالبية العلماء يعتقدون أن الوعي هو ظاهرة منبثقة ناتجة عن المعالجة ~~العصبية. ويفترض أغلبهم أنه إذا لم نكن «نحن» واعين بخبرات معينة ~~وعمليات دماغية، فيجب ألا تكون ثمة خبرة مرتبطة بهذه الخبرات على ~~الإطلاق. قد يكون هذا صحيحا، لكن كما سنرى، قد لا يكون من المنطقي ~~اتباع هذا الاتجاه الفكري. # لنر كيف يوجه هذا البحث (أو يفشل في توجيه) الآراء الخاصة بشمولية ~~الوعي. ثمة تناقضات في العديد من الفرضيات التي طرحها العلماء ~~والفلاسفة. وتظهر هذه التناقضات في: ~~(1) # محاولات رسم خط فاصل بين الأماكن التي من المحتمل أن نجد ~~فيها الوعي وتلك التي من غير المحتمل أن نجده فيها، ~~وعادة ما يكون لهذا صلة بمعالجة المعلومات. ~~(2) # فشل العلماء والفلاسفة في التغلب على الحدس القوي، ~~على الرغم من كونه خاطئا على الأرجح، القائل بأنه لا ~~يمكن أن يكون ثمة أكثر من مركز أو نظام وعي واحد داخل ~~جسد بشري واحد. # يعد كريستوف كوخ أحد علماء الأعصاب الراغبين في النظر في تفسير ~~شمولية الوعي؛ إذ قال لمحاور أجرى معه مقابلة: # إذا اتبعت مقاربة أكثر خيالية للوعي، فإن الأدلة تشير إلى ~~أن ثمة العديد من الأنظمة الأخرى التي تمتلك وعيا؛ ربما ~~تكون جميع الحيوانات وجميع البكتيريا أحادية الخلية، وربما ~~يسري ذلك على مستوى ما، حتى على مستوى الخلايا الفردية التي ~~لها وجود مستقل. قد نكون محاطين بالوعي في كل مكان ونجده في ~~أماكن لا نتوقعها؛ ms45 لأن حدسنا يقول إننا سنراه فقط لدى ~~الأشخاص، وربما لدى القردة، والكلاب والقطط أيضا. لكننا نعلم ~~أن حدسنا عرضة للخطأ؛ ولهذا السبب نحتاج إلى العلم ~~لإخبارنا بالحالة الفعلية للكون. # 15 # أؤيده هنا تأييدا تاما، لكنه يمضي بعد ذلك ليقول أشياء مثل: «نحن ~~نعلم أن أغلب أعضاء جسدك لا تولد الوعي. كبدك، على سبيل المثال، ~~معقدة للغاية، ولكن لا يبدو أن لديها أي مشاعر.» # 16 # إذا كان بإمكان المرء أن يتخيل أن للدودة مستوى ما من ~~الوعي (وأنها ستحافظ على وعيها أثناء وجودها في جسم بشري)، فإن إسهام ~~الدودة في مجال الوعي الذي أختبره «أنا» في الوقت الحالي من عدمه لا ~~علاقة له بمسألة ما إذا كانت الدودة نفسها تختبر شيئا ما. لذا ~~فإن هذه الخيوط المنفصلة من الدراسة (ما يسهم في وعيي «أنا» مقابل ما ~~هو «واع») تنتهي بتشويش السؤال الأكبر حول ما هو الوعي في المقام ~~الأول، وأين سنجده في الكون. # ومن خلال التفكير في مفهوم أن البكتيريا أو الخلايا المفردة يمكن أن ~~يكون لها مستوى من الوعي، يبدو كوخ منفتحا على نسخة عصرية من شمولية ~~الوعي، ولكن في الحوار نفسه، يؤكد أن المخيخ، الذي يضم تسعة ~~وستين مليار خلية عصبية، «لا يولد الوعي». لكن لمجرد أن المخيخ غير ~~مسئول عن الجزء الذي يحكم اللغة من مخي أو غير مسئول عن تدفق الوعي ~~الذي أعتبره «أنا»، فلا يعني هذا أننا لا نستطيع أن نتساءل عما إذا كان ~~المخيخ «منطقة أخرى» من الوعي (أو مناطق من الوعي)، تماما كما ~~يمكننا التكهن بأن دودة أو بكتيريا قد تكون واعية. وعلى الرغم من ~~أن كوخ يتعامل هنا مع الوعي في سياقين مختلفين - التفكير في وجهة نظر ~~شمولية الوعي في السياق الأول، والإشارة إلى عمليات محددة في الجسم ~~ليست مدرجة في التجربة التقليدية للوعي في السياق الثاني - فإن ~~التفكير الإجمالي في هذا الموضوع في علم الأعصاب والفلسفة يميل إلى أن ~~يكون متضاربا؛ أو على الأقل، غالبا ما يكون جزء من النقاش ~~مفقودا. # وكما ms46 ذكرنا سابقا، فرغم أن ~~تعريف توماس ناجيل لكلمة «الوعي» (أي كونه «مثل شيء») هو أصح طريقة ~~للحديث عن التجربة الذاتية، فثمة مجموعة متنوعة من الطرق التي ~~يستخدم بها الناس الكلمة (القدرة على التأمل الذاتي، اليقظة، ~~الانتباه، وما إلى ذلك)، وهو الأمر الذي يسبب حيرة إضافية. لكن ~~يمكننا الاستمرار في طرح الأسئلة بشأن ما إذا كان الوعي موجودا خارج ~~الأنظمة التي يمكنها الإفادة بوجوده؛ وعلينا فقط القيام بذلك على ~~مستوى آخر من المحادثة. حين أكون غير واع خلال مدة من النوم ~~العميق، على سبيل المثال، فكل ما نعرفه هو أن الجزء من النظام الذي ~~يشكل «أنا» قد توقف؛ وتتوقف معه استمرارية (وحتى واقعية) تجربتي ~~لمدة من الوقت؛ لأن عمل هذا الجزء من النظام يتوقف لهذه المدة من ~~الوقت. ولكن ما إذا كان الوعي نفسه مستمرا في مناطق أخرى من دماغي ~~أو جسدي بينما تكون خبرة «أنا» متوقفة، فذلك لا يزال سؤالا ينتظر ~~الإجابة. # وبغض النظر عن مقدار المعرفة التي نكتسبها حول كيفية عمل الدماغ، ~~من المرجح أن يبقى السؤال المطروح دون إجابة هو: ما عمق انتشار ~~الوعي في الكون؟ في كتاب «العقل الواعي»، يقترح ديفيد تشالمرز أن الوعي ~~يمكن أن يتجلى في عمل شيء أساسي مثل جهاز تكنولوجي بسيط: # بينما نتحرك على طول النطاق الممتد من الأسماك والرخويات ~~عبر شبكات عصبية بسيطة وحتى ننتهي بمنظمات الحرارة، أين ~~يجب أن يختفي الوعي؟ ... يبدو أن منظم الحرارة (أو ~~الترموستات) ينفذ نوع معالجة المعلومات التي تحدث في سمكة ~~أو رخوية عند تجريدها إلى أبسط أشكالها؛ لذلك ربما يكون لديه ~~أيضا نوع مناظر من الظاهراتية في أكثر أشكالها تجريدا. ~~إنه يميز واحدا أو اثنين من الاختلافات المهمة التي تحدد ~~ما يجب عمله؛ وبالنسبة إلي، على الأقل، لا يبدو من غير ~~المعقول أن تكون هناك اختلافات مناظرة في التجربة. # 17 # لذا، إذا كان من المعقول أن تكون الديدان أو البكتيريا (أو منظمات ~~الحرارة!) مصحوبة بمستوى ما من الوعي، مهما كان ضئيلا ومهما كان ~~مختلفا عن خبرتنا ms47 أنفسنا، فلماذا لا نتبع المنطق نفسه عندما ~~يتعلق الأمر بالأعضاء في الجسم، ~~أو المخيخ (الذي يحتوي على معظم الخلايا العصبية في الدماغ)؟ هل مجرد ~~عدم ظهور شيء ما في مجال ما «أنا» أخبره يعني استبعاد احتمال وجود ~~العديد من أشكال الوعي في الوقت نفسه داخل حدود جسدي؟ # وثمة مصدر محتمل آخر للحجج الخاطئة ضد شمولية الوعي يستند إلى ~~التطور، حيث إن أغلب الدعم العلمي والفلسفي لفكرة أن الوعي يقتصر ~~على الأنظمة العصبية للكائنات الحية يعتمد جزئيا على الزعم بأن الوعي ~~هو نتاج للتطور البيولوجي . المنطق مفهوم، بالنظر إلى أن أكثر ~~أساليبنا تطورا للبقاء على قيد الحياة يبدو أنها تتطلب الوعي. ولكن ~~إذا لم يحدد الوعي سلوكنا كما كنا نفترض في المعتاد، فإن حجة ~~التطور لا تصمد. فكيف يمكن أن يزيد الوعي من احتمالات البقاء على قيد ~~الحياة إذا لم يؤثر على سلوكنا بالمعنى التقليدي؟ # عندما ننظر خارج سياق الحياة الحيوانية، حيث يسهل علينا أن نتخلى ~~عن حدسنا الفطري المغروس فينا، نجد أنه من الصعب في الواقع أن ~~نستشعر المنطق القائل بأن أي قدر من معالجة المعلومات - بغض ~~النظر عن مدى تعقيدها - سوف يتسبب فجأة في أن تصبح «تلك العمليات» ~~واعية. عندما تركض كلبتك لاستقبالك في نهاية اليوم، يبدو وعيها ~~واضحا لك تماما مثل أي حقيقة أخرى. ولكن كما رأينا، حتى عندما ~~نتخيل روبوتات تبدو وتتصرف مثل البشر، يبدو أننا نكون غير قادرين ~~على تحديد ما إذا كانت ستصبح واعية أم لا. وبسبب أننا نخبر الوعي ~~بسهولة، وأننا ننسبه إلى أشكال الحياة الأخرى عن طريق القياس بسهولة، ~~فإن الوعي يبدو لنا كأنه مقدرة واضحة (ولا نشعر بصدمة مستمرة لكوننا ~~نخبر شيئا ما في كل لحظة من لحظات يقظتنا). # 18 # يجب أن نندهش إزاء واقع أو حقيقة وعينا تماما كما كنا ~~سنندهش لو علمنا أن أحدث هاتف ذكي في الأسواق يمتلك وعيا. # إن إحساسي الشخصي بالتحليل الصحيح لسر الوعي، سواء أكنا قادرين ~~على الوصول إلى فهم حقيقي أم لا، لا يزال منقسما ms48 حاليا بين تفسير ~~قائم على الدماغ وتفسير قائم على شمولية الوعي. لكن على الرغم من أنني ~~لست مقتنعة بأن شمولية الوعي تقدم الإجابة الصحيحة، فإنني ~~مقتنعة بأنه فئة صالحة من الحلول الممكنة التي لا يمكن رفضها بسهولة ~~كما يعتقد كثير من الناس. ومع الأسف، يظل من الصعب على العلماء ~~الانضمام إلى الحوار دون المخاطرة بتعريض مصداقيتهم للخطر. في مقال ~~نشر عام 2017 بعنوان «عقلنة المادة»، يعبر آدم فرانك، أستاذ ~~الفيزياء الفلكية بجامعة روتشستر، ببلاغة عن كل من لغز الوعي ~~وممانعة العلماء لاقتراح نظريات مغامرة تتجاوز النظر إلى الوعي ~~كنتيجة للمعالجة في الدماغ: # الأمر بسيط بقدر ما هو لا يمكن إنكاره: فبعد أكثر من قرن ~~من الاستكشافات العميقة في العالم دون الذري، فإن أفضل ~~نظرية لدينا عن «سلوك المادة» لا تزال تخبرنا بالقليل عن ~~«ماهية المادة». يناشد الماديون الفيزياء أن تفسر العقل، لكن ~~في الفيزياء الحديثة، تظل الجسيمات التي ~~تشكل ~~الدماغ، بطرق عديدة، غامضة مثل الوعي نفسه. ... وبدلا من ~~محاولة التخلص من لغز العقل عن طريق إسناده إلى آليات ~~المادة، يجب أن نتصدى للطبيعة المتشابكة للاثنين. ... قد يكون ~~الوعي، على سبيل المثال، مثالا على ظهور كيان جديد في ~~الكون غير موجود في قوانين الجسيمات. هناك أيضا احتمال أكثر ~~جذرية وهو ضرورة إضافة شكل بدائي من الوعي إلى قائمة ~~الأشياء، مثل الكتلة أو الشحنة الكهربائية، التي صنع منها ~~العالم. # 19 # لكن بينما يستطيع الفيزيائيون النظريون بكل بساطة اقتراح أفكار ~~مثل التنبؤات بنظرية الأوتار - من عشرة أبعاد (أو أكثر) من الفضاء إلى ~~المشهد الشاسع لأكوان محتملة - ويتمتعون بالإنصات الكافي لأبحاثهم، ~~فلا يزال يعد من المجازفة بسمعة المرء أن يشير إلى أن الوعي قد ~~يوجد خارج الدماغ. يشير فرانك إلى وجود معيار مزدوج مماثل يطبق ~~على تقييم التفسيرات المختلفة لميكانيكا الكم: «لماذا تعد لا ~~نهائية الأكوان المتوازية في تفسير العوالم المتعددة موقفا رصينا ~~وغاية في الجدية، بينما تضمين موضوع الإدراك [الوعي] يتعرض للإدانة ~~باعتباره عبورا إلى شواطئ مناهضة العلم في أحسن الأحوال، أو الصوفية ms49 ~~في أسوأ الأحوال؟» # على الرغم من أن بعض العلماء قد انقادوا على نحو طبيعي إلى رأي ~~شمولية الوعي بشكل أو بآخر، إلا أن المصطلح لا يزال يعد مصطلحا ~~روحيا شبه ديني. يوضح ديفيد سكربينا أنه عند ذكر فكرة أن العالم ~~غير الحي يمتلك وعيا للمرة الأولى، تبدو الفكرة معادية للعلم لدرجة ~~أنها تثير معارضة غريزية ومشتركة: # بمجرد عرض موقف مؤيد لشمولية الوعي، فإن المرء يواجه ~~على الفور تهمة أنه يعتقد أن «الصخور واعية» - وهي جملة ~~تعد مثيرة للسخرية على نحو واضح لدرجة أنه يمكن ~~بطريقة آمنة وسريعة رفض مفهوم شمولية الوعي. ... قد نرى أوجه ~~تماثل قوية بين العقل البشري وبعض الحيوانات؛ ولذا فإننا ~~نطبق المفهوم [الوعي] عليها بدرجات متفاوتة من الثقة. قد ~~لا نرى مثل أوجه التماثل هذه مع النباتات أو الأشياء غير ~~الحية؛ لذا فإن عزو ~~وعي ~~إليها يبدو سخيفا. هذا هو انحيازنا البشري. وللتغلب على ~~هذا المنظور البشري، يطلب منا شمولي الوعي رؤية «عقلية» ~~الأشياء الأخرى ليس من حيث الوعي «الإنساني»، ولكن كجزء ~~يسير من «خاصية كونية» معينة للأشياء المادية، خاصية ~~تعد كلا من عقلية الكائنات غير الحية والوعي الإنساني ~~تجليات خاصة لها. # 20 # ورغم أن جميع الهجمات على شمولية الوعي التي قرأتها تفتقر إلى حجج ~~موضوعية ومفصلة، فإن هذه الهجمات كانت شرسة. فمن «موسوعة الفلسفة» ~~(إدواردز، 1967) إلى دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، اتهمت شمولية ~~الوعي بأنها «غير مفهومة» و«غير معقولة إلى حد مذهل»، وشبه ~~أنصارها ب «المتعصبين الدينيين». # 21 # وعلى أولئك الذين يرغبون في دفع هذه المحادثة إلى الأمام أن ~~يلتزموا التزاما مهما بالتمييز الواضح بين وجهات نظر شمولية الوعي ~~وبين الاستنتاجات الخاطئة التي يميل الناس إلى استخلاصها منها - وعلى ~~وجه التحديد أن شمولية الوعي تبرر أو تفسر إلى حد ما مجموعة ~~متنوعة من الظواهر النفسية - المتأتية من الافتراض غير الصحيح أن ~~الوعي لا بد أن يستلزم عقلا له وجهة نظر واحدة وأفكار معقدة. إن ~~عزو مستوى معين من الوعي للنباتات أو المواد غير الحية ليس معناه ms50 أن ~~نعزو لها عقولا بشرية لها رغبات وأهداف ومقاصد مثل عقولنا. وأي شخص ~~يعتقد أن الكون لديه خطة لنا أو أنه يمكن أن يتشاور مع «نفسه العليا» ~~للحصول على مشورة طبية لا ينبغي له أن يشعر بأنه مدعوم من وجهة نظر ~~شمولية الوعي الحديثة. فشمولية الوعي لا تدعم أي شيء من هذا القبيل. ~~والبكتيريا التي تمتلك حدا أدنى من الوعي المتدفق عبر ذراتها ~~تظل مجرد «بكتيريا». ستظل تفتقر إلى أدمغة وعقول معقدة، فما بالك ~~بالعقول البشرية. # وكما يشير الفيلسوف جريج روزنبرج، عندما نفكر في فكرة أن ~~البكتيريا أو الذرة تتمتع بمستوى من الخبرة الواعية، «من الواضح ~~أننا لا نعزو إليها صفات خبراتنا أنفسنا»، ولكن بدلا من ذلك يمكننا ~~أن نتخيل «نوعية حقل له طابع بمعنى «مجرد» للغاية مثل حقل ~~تجاربنا، ولكن لا يمكننا تصوره «على وجه التحديد»، ولا يشبه تلك ~~الخاصة بنا [خبرتنا الواعية].» # 22 # وبالطبع، فإن الاستنتاجات الخاطئة المستخلصة من سوء فهم ~~شمولية الوعي - المتمثلة في أن الذرات، أو الخلايا، أو النباتات، ~~تملك خبرة مماثلة لخبرة العقل البشري، على سبيل المثال - هي ذاتها ~~التي تستخدم في الغالب للجدال ضد شمولية الوعي. ومع الأسف، يبدو من ~~الصعب علينا جدا أن نتخلى عن الحدس بأن الوعي مساو للفكر ~~المعقد. ولكن إذا كان الوعي في الواقع جانبا أساسيا أكثر مما كان ~~يعتقد سابقا، فإن ذلك لا يعطي فجأة مصداقية لإيمان جارتك بأنها ~~قادرة على التواصل عن بعد مع شجرة اللبخ لديها. وفي الواقع، إذا كانت ~~ثمة صيغة صحيحة لمفهوم شمولية الوعي، فكل شيء سيظل يبدو لنا ويسلك ~~السلوكيات نفسها التي يسلكها حاليا بالضبط. # الفصل السابع # | ما وراء شمولية الوعي # تخيل أن تكون دماغا من دون أي أعضاء حسية متصلة به، أو أن تكون ~~دماغا يطفو في الفضاء الخاوي أو في مسطح مائي ضخم. ثم تخيل حواسك ~~توصل بجسدك، واحدة تلو الأخرى. لنبدأ بالبصر أولا. المحتوى الوحيد ~~المتاح لك هو خبرة بصرية طفيفة. ربما يمكنك رؤية ضوء؛ ضوء نابض متفاوت ~~السطوع يظهر ويختفي. ms51 حاول أن تتفهم هذا دون تضمين مفاهيم الذاكرة أو ~~اللغة، بحيث لا يوجد أي شعور بتفكير ذاتي. «يا إلهي، لقد كان الظلام ~~حالكا، ولكن ها قد عاد الضوء الآن مرة أخرى!» بدلا من ذلك، حاول أن ~~تتخيل تدفقا بسيطا جدا من «الخبرات الأولى»: تعاقب الضوء ~~والظلام، ثم ضوء أكثر سطوعا، ثم ضوء أكثر خفوتا، ثم ضوء نابض. بعد ~~ذلك، تخيل الضوء الذي يأخذ أشكالا: ضوءا دائريا، شعاعا من ~~الضوء، ضوءا يمتد إلى مسافة كبيرة. ربما يمكنك إضافة ألوان: ضوء ~~محمر يتحول إلى برتقالي، ثم أصفر، ثم أزرق. تخيل الشعور ~~بانعدام الشكل وانعدام الوزن. أنت تطفو بحرية في الفضاء، بلا أفكار أو ~~مفاهيم؛ لا توجد كلمة «برتقالي» أو «أحمر»، هناك فقط الخبرة الخالصة ~~لتلك الألوان. تصور أبسط خبرة يمكن تخيلها. بعد ذلك، أدخل ~~الأصوات، ثم الأذواق، ثم الروائح؛ كل منها يصل تلو الآخر في شكل ~~نقي قدر الإمكان. أنت ببساطة تختبر ما يصل إلى إدراكك، دون كلمات ~~أو مفاهيم لوصف طبيعة الخبرة. وأخيرا، تخيل شعور اللمس قد نشط في ~~شكل ضغط أو حرارة - مغطيا مناطق واسعة وفي مواقع صغيرة ومحددة ~~- ليس في «جسدك» بالطبع - فليس لديك جسد - ولكن في مواقع في الفضاء. ... # من الصعب الاحتفاظ بهذا النوع من الصور الذهنية مدة طويلة، ولكن ~~يمكننا الحصول على ما يكفي من الإحساس بمثل هذه الحالة لتخيل أن ~~شيئا كهذا، «ممكن» على الأقل. # يدرك معظم الأشخاص الذين تلقوا تدريبا كافيا على التأمل أن ~~تجربة الوعي لا تتطلب بالضرورة أن تكون مصحوبة بأفكار، أو حتى أي ~~مدخلات حسية. يبدو من الممكن أن يكون المرء على دراية تامة بتجربته ~~الذاتية في غياب الأفكار، أو المشاهد، أو الأصوات، أو أي مدركات ~~أخرى. وكما رأينا، فإن الشعور الذي لدينا بأننا نفس ملموسة، وما يصاحب ~~هذ الشعور من حدسيات، يخلق عقبات هائلة أمام التفكير الخلاق في ~~الوعي. تسهم هذه الحدسيات أيضا في ميلنا إلى الرفض الغريزي لشمولية ~~الوعي كإحدى الفئات المحتملة من النظريات، حتى عندما تكون هناك دلالات ~~كثيرة ms52 على منطقيتها. ولكن عندما نفحص التفاصيل الفعلية عن كثب، تبدو ~~الفكرة أقل استبعادا. توضح ريبيكا جولدشتاين أننا في الواقع نعرف ~~أن الوعي جزء لا يتجزأ من المادة؛ لأننا أنفسنا مصنوعون من المادة، ~~وهي الخاصية الوحيدة التي لدينا مدخل مباشر إليها: # الوعي هو خاصية جوهرية للمادة؛ بل إنها في الواقع الخاصية ~~الجوهرية الوحيدة التي نعرفها للمادة؛ لأننا نعرفها مباشرة، ~~من خلال كوننا أشياء مادية واعية. كل الخصائص الأخرى للمادة ~~قد اكتشفت عن طريق الفيزياء الرياضية، وهذه الطريقة ~~الرياضية للحصول على خواص المادة تعني أن الخواص العلائقية ~~للمادة هي الخصائص الوحيدة المعروفة، وليست الخواص ~~الجوهرية. # 1 # يشير جالين ستروسون إلى نقطة مماثلة من خلال تناول لغز الوعي من ~~منظور آخر مختلف تماما. فيذهب إلى أن الوعي هو في الواقع الشيء ~~الوحيد في الكون الذي «لا يشكل لغزا»؛ بمعنى أنه الشيء الوحيد الذي ~~نفهمه حقا بصورة مباشرة. ويرى ستروسون أن «المادة» هي ما يشكل ~~لغزا غامضا تماما؛ نظرا لعدم فهمنا لطبيعتها الجوهرية. وقد أطلق ~~على هذا الأمر اسم «المعضلة العويصة للمادة»: # تخبرنا [الفيزياء] بالعديد من الحقائق حول تركيب الواقع ~~المادي القابل للوصف الرياضي، وهي الحقائق التي تعبر عنها ~~الفيزياء بالأرقام والمعادلات ... لكنها لا تخبرنا بأي شيء على ~~الإطلاق عن الطبيعة الجوهرية للأشياء التي تشكل هذا ~~التركيب. فالفيزياء صامتة - صامتة تماما وإلى الأبد - بخصوص ~~هذه المسألة ... ما الأشياء الأساسية التي تشكل الواقع المادي، ~~تلك الأشياء التي تنتظم بالطريقة التي تكشفها الفيزياء؟ ~~الإجابة، مرة أخرى، هي أننا لا نعرف، إلا بقدر ما تأخذ هذه ~~الأشياء شكل تجربة واعية. # 2 # ومرة أخرى، من المهم التمييز ~~بين الوعي والفكر المعقد عند دراسة وجهات النظر الحديثة بشأن شمولية ~~الوعي. فافتراض أن الوعي أمر أساسي لا يعني افتراضا بأن الأفكار ~~أو الخواطر المعقدة أمور أساسية وتؤدي بطريقة سحرية إلى تجسد ~~مادي لتلك الأفكار (وهو سوء فهم شائع لشمولية الوعي). فالادعاء السائد ~~عكس ذلك تماما، وهو أنه إذا كان الوعي موجودا كخاصية أساسية، فإن ~~الأنظمة المعقدة، التي تبنى من الوعي ms53 المتدفق بالفعل، يمكن أن ~~تؤدي في النهاية إلى نشأة بنى مادية مثل العقول البشرية. يتناول ~~ديفيد سكربينا مشكلة الإسقاطات الأنثروبية أو الإنسانية، حيث «نضع ~~متطلبات وأعباء الوعي الإنساني على كاهل جسيمات غير حية»، ويوضح ~~ضرورة التمييز بين الوعي و«الذاكرة»: # من المؤكد أن أي شيء يشبه العقل البشري يتطلب ذاكرة ~~تشبه ذاكرة الإنسان، ولكن هذا مهم فقط للكائنات الحية ~~المعقدة. فليس من المعقول أن نطالب بأن يكون للجسيمات الذرية ~~أي شيء يشبه قدرة الذاكرة لدى الإنسان، أو حتى أي مثيل ~~فيزيائي لشيء يشبه الذاكرة. قد تكون عقول الذرات، على سبيل ~~المثال ، دفقا من ومضات خبرة لحظية دون ذاكرة. # 3 # ورغم ذلك يتساءل العديد من الناس: إذا كانت المكونات الأساسية ~~للمادة تتمتع بمستوى من الخبرة الواعية، فكيف يمكن لنقاط الوعي ~~الأصغر هذه عندما تشكل جسما أو نظاما ماديا أكثر تعقيدا أن ~~تندمج لتكوين مجال جديد أكثر تعقيدا للوعي؟ على سبيل المثال، إذا ~~كانت جميع الذرات والخلايا الفردية في دماغي واعية، فكيف تندمج تلك ~~المجالات المنفصلة للوعي لتشكل الوعي الذي «أختبره»؟ وأكثر من ذلك، ~~هل تتوقف كل نقاط الوعي الفردية الأصغر عن الوجود بعد أن تنشئ ~~نقطة وعي جديدة تماما؟ يشار إلى ذلك باسم «معضلة الدمج»، التي ~~تصفها «موسوعة ستانفورد للفلسفة» بأنها «أصعب مشكلة تواجه نظرية ~~شمولية الوعي»، مشيرة إلى أن: # المشكلة هي أنه من الصعب للغاية فهم فكرة أن موضوعات ~~واعية «صغيرة» ذات خبرة تتجمع معا بما لديها من خبرات ~~محدودة لتشكل موضوعا واعيا «كبيرا» له خبراته الخاصة ... ~~وفكرة تكوين العديد من العقول عقلا آخر أمر أصعب بكثير من ~~أن يستوعبها عقلك (إذا جاز التعبير). # 4 # تمثل مشكلة الدمج - بالنسبة إلى العديد من العلماء والفلاسفة - ~~أكبر عقبة أمام قبول أي وصف للواقع يتضمن الوعي بوصفه سمة ~~واسعة الانتشار. غير أن العقبة التي نواجهها هنا مرة أخرى يبدو أنها ~~حالة من الخلط بين «الوعي» وبين مفهوم «الذات»؛ إذ يميل الفلاسفة ~~والعلماء إلى التحدث في إطار «موضوع» الوعي. يستخدم مصطلح «الذات» ~~عادة لوصف مجموعة ms54 أكثر تعقيدا من السمات النفسية - بما في ذلك ~~صفات مثل الثقة بالنفس أو القدرة على التعاطف - أما مصطلح «موضوع» فلا ~~يزال يصف خبرة الذات في أبسط صورها. في ورقة بحثية تناقش المشكلة ~~التي يشكلها الدمج، كتب ديفيد تشالمرز يقول: «كيف يمكن لأي علاقة ~~استثنائية تجمع بين موضوعات مختلفة ... أن تكون كافية لتكوين موضوع ~~جديد كليا؟» # 5 # ولكن ربما يكون من الخطأ الحديث عن موضوع للوعي، والأدق ~~بدلا من ذلك هو الحديث عن «المحتوى المتاح» للتجربة الواعية في أي ~~مكان معين في الزمان والمكان، يتحدد وفقا للمادة الموجودة هناك؛ ~~أي وعي بالبيئة المحيطة لا يسري على الكائنات الحية فحسب، بل على جميع ~~صور المادة، بكل شكل لها وفي كل نقطة في الزمان والمكان. # إذا نظرنا إلى مشكلة الدمج من هذا المنظور، يبدو لنا أنها لم ~~تعد تشكل عقبة أمام جميع صيغ شمولية الوعي. بل قد تكون سببا ~~إضافيا لتفضيل منظور يكون فيه الوعي سمة أساسية للكون، بدلا من ~~أن يقتصر على مستوى معين من معالجة المعلومات. فاعتبار الوعي ~~أساسيا يسمح للمادة بأن يكون لها طابع داخلي معين في كل مكان، وفي ~~شتى أشكالها. ومن هذا المنظور، فإن الوعي لا يتفاعل «مع ذاته»، كما كان ~~سيحدث في فعل «الدمج». وهذا الاتجاه في التفكير يفرز أسئلة مثيرة ~~للاهتمام: هل يظهر محتوى معين في منطقة ما من الوعي اعتمادا على ~~المادة الموجودة في هذا الموقع في الزمان والمكان؟ هل ثمة خبرات ~~متداخلة، وكذلك خبرات متحدة، للمحتوى؟ # في محادثة أجريتها مؤخرا مع كريستوف كوخ، ناقشنا ما قد ينجم عن ~~تجربة افتراضية ربط فيها دماغان معا بنجاح كما يرتبط نصفا ~~الدماغ العاديان. وبما أنه يبدو وكأن العقل ومحتويات الوعي يمكن ~~تقسيمهما لدى أحد مرضى الانقسام الدماغي، فهل سيؤدي توصيل دماغين معا ~~إلى إنتاج عقل جديد متكامل؟ على سبيل المثال، إذا ربط دماغانا، أنا ~~وكريستوف، معا، فهل سيخلق هذا وعي كريستوف-آناكا جديدا؛ هل سيخلق ~~وجهة نظر واحدة جديدة؟ هل سينتج عقل جديد يمكنه الوصول إلى جميع ~~المحتويات ms55 التي سبق أن اختبرها دماغانا على نحو منفصل - كل أفكارنا، ~~وذكرياتنا، ومخاوفنا، وقدراتنا، وما إلى ذلك - مشكلا «شخصا» ~~جديدا؟ # 6 # حتى إذا كان الجواب هو نعم، وهو كذلك على الأرجح، فلا ~~أعتقد أننا نواجه مشكلة دمج في هذه التجربة الفكرية. نحن لا نقع في ~~مشكلات إلا إذا رأينا تجاربي وتجارب كريستوف الواعية كذوات أو ~~موضوعات؛ أي بنى دائمة للوعي بحدود ثابتة. في مثال توصيل الدماغين، ~~قد يكون لدينا ببساطة مثال لوعي يغير محتواه أو طبيعته بالطريقة ~~نفسها التي يتغير بها محتوى وعيك عندما تغلق عينيك وتفتحهما؛ فتجد ~~الأشجار والسماء متاحة لمجال رؤيتك ثم تصبح غير متاحة. وعندما تحلم، ~~فإنك تختبر بيئات مختلفة تماما عن محيطك الفعلي، وربما حتى تشعر ~~بأنك شخص مختلف تماما. وفي النوم العميق، تفقد الوعي تماما، ثم ~~تستعيده مرة أخرى. خلال فترتي حملي كلتيهما، وجدت نفسي أواجه ~~تغيرات شديدة في محتويات وعيي؛ كان على قائمة الخبرات أحاسيس ~~انتابت رحمي لم أعرفها من قبل، وهوسا بالطماطم وصلصات الطماطم بكل ~~أشكالها، ومشاعر ذعر وموجات انفعالية أخرى غير محددة المعالم، ~~وآلاما جسدية وأرقا ... لم أشعر بأنني «نفسي»، وأتوقع أنني لن أشعر ~~بأنني نفسي أيضا أثناء اندماج عقلي مع عالم أعصاب ذكر يبلغ من ~~العمر ستين عاما، لكن هذا لا يشير بالضرورة إلى «مشكلة دمج» ~~بالنسبة إلى الوعي. حتى في ~~حياتنا اليومية، ~~يأتي المحتوى ويذهب، وحتى الوعي نفسه يمكن أن يبدو متأرجحا بين ~~توهج وخفوت. # نحن نواجه مشكلة دمج فقط عندما ندرج مفهوم ~~«الذات» أو ~~«الموضوع» ضمن المعادلة. لكننا نعرف أن فكرة الذات، ككيان ملموس، هي ~~وهم. من المسلم به أنه وهم من الصعب للغاية التخلي عنه، لكنني ~~أعتقد أن الحل لمشكلة الدمج هو ألا يوجد بالفعل «دمج» يحدث على ~~الإطلاق فيما يتعلق بالوعي. يمكن أن يستمر الوعي كما هو، بينما ~~يتغير الطابع والمحتوى، حسب ترتيب المادة المعنية بالأخص. في ~~بعض الأحيان قد يشارك المحتوى عبر مناطق كبيرة ومتصلة على نحو ~~معقد، وفي أحيان أخرى يقتصر على مناطق صغيرة جدا، أو ms56 حتى ~~متداخلة. فإذا اتصل دماغان بشريان معا، قد يشعر كلا الشخصين كما لو ~~أن محتوى وعيهما قد اتسع فقط، مع شعور كل شخص بتحول مستمر من ~~محتوى شخص واحد إلى محتوى كليهما، حتى اكتمال الاتصال بدرجة أو ~~بأخرى. فقط عندما تدخل مفاهيم «هو» و«هي» و«أنت» و«أنا» ككيانات ~~منفصلة، يصبح اتساع نطاق المحتوى لأي منطقة من مناطق الوعي (أو حتى ~~عدة مناطق مندمجة) مشكلة دمج. يذكرني هذا بتلك الحيلة الكلاسيكية ~~المتمثلة في تبديل الأدوار بين الشخصيات في قصة أو فيلم، مما يمنح ~~كلا منهم تجربة الشعور بأن يكون المرء شخصا آخر . عندما ننظر عن ~~كثب إلى ما يستلزمه هذا بالفعل، يصبح من المستحيل حتى طرح السؤال. ~~أين هو «أنا» الذي سيتبدل إذا أصبحت شخصا آخر؟ إن كونك شخصا آخر ~~لن يختلف عما ستشعر به حين تكون ذلك الشخص الآخر بالفعل. يبدو الأمر ~~متناقضا، لكننا في النهاية نقول ببساطة ما هو واضح: «ذاك ما ستبدو ~~عليه حين تكون هناك في صورة ذاك التكوين من الذرات، وهذا ما ستبدو عليه ~~حين تكون هنا في صورة هذا التكوين من الذرات.» هذا يشبه القول إن ~~«تكوين الذرات التي تشكل ورقة نبات ينتج عنه كل الخصائص ~~المتوقعة لورقة النبات، وأن مجموعة من جزيئات الماء ~~( # H # 2 # O ~~) ~~تكتسب كل الخصائص المتوقعة للماء. هذا ما «تفعله» الجزيئات في هذا ~~التكوين، وهذا ما تفعله في ذاك التكوين. وبالمثل، هذا ما تشعر به ~~الجزيئات في هذا التكوين، وهذا هو ما تشعر به في ذاك التكوين». وها قد ~~عدنا مرة أخرى إلى رؤية للمفاهيم الأساسية: الوعي والمحتوى. # إذا لم يكن الوعي بحاجة إلى الاندماج بالطريقة التي افترض الكثيرون ~~أنها لازمة كي يكون من الممكن وجود واقع لشمولية الوعي، فإننا لا ~~نواجه مشكلة دمج على الإطلاق. كما رأينا، لا يجب أن تكون خبرات ~~الوعي مستمرة أو تظل بوصفها ذوات أو موضوعات فردية. كما أنها لا ~~تحتاج بالضرورة إلى إخمادها عندما تتحد المكونات الصغرى للمادة ~~لخلق أنظمة أكثر تعقيدا، مثل الأدمغة. قد ms57 يكون وهم كونك ذاتا، ~~إلى جانب تجربة الاستمرارية مع مرور الوقت من خلال الذاكرة، في الواقع ~~شكلا نادرا للغاية من الوعي. ومهما كانت الحقيقة الكبرى، فإن الخبرة ~~الخاصة التي نملكها هي خبرة تمليها بنية أدمغتنا ووظائفها، وقد لا ~~توفر لنا نقطة انطلاق مفيدة لفهم الطبيعة الفعلية للوعي. هل يمكن ~~أن تكون هناك تجربة أخف بكثير، إلى جانب التجربة الواعية ل «الأنا»، ~~لكل عصبون فردي أو مجموعات مختلفة من العصبونات والخلايا في جسدي ~~وخارجه؟ هل يمكن للكون حرفيا أن يزخر بوعي يتأرجح بين التوهج ~~والخفوت، ويتداخل، ويندمج، وينفصل، ويتدفق، بطرق لا يمكننا تخيلها ~~تماما اعتمادا على قوانين الفيزياء بطريقة لم نفهمها بعد؟ # ربما سيظل مصطلح «شمولية الوعي»، بسبب تاريخه وارتباطاته، يضع عواقب ~~أمام التقدم في هذا المجال، ونحن بحاجة إلى تسمية جديدة للعمل الذي ~~يقوم من خلاله الفلاسفة والعلماء بالتنظير حول إمكانية أن يكون الوعي ~~سمة أساسية من سمات المادة. كما أن لدينا فروعا للفيزياء؛ الفيزياء ~~النظرية والفيزياء التجريبية، قد نحتاج إلى إنشاء مصطلح جديد لهذا ~~الفرع من دراسات الوعي؛ لتمييزه عن عمل علماء الأعصاب الذين يدرسون ~~الارتباطات العصبية للوعي. # 7 # إن النظريات التي تفترض حتمية شمولية الوعي ما فتئت تكسب ~~احتراما في السنوات الأخيرة، لكنها لا تزال عرضة للاستبعاد من المشهد ~~الأكاديمي. ففي مقالته «ملاعق واعية، حقا؟ معارضة لشمولية ~~الوعي»، # 8 # يعبر أنيل سيث عن وجهة نظر سائدة بين علماء الأعصاب ~~مفادها أن علم الوعي قد «ابتعد» عن مصارعة «المعضلة العويصة» التي ~~طرحها تشالمرز، ومن ثم عن الحلول «المتطرفة» مثل شمولية الوعي. ~~ويصر على أنه «من خلال بناء جسور متطورة على نحو متزايد بين ~~الآلية والظواهر، قد يختفي الغموض الظاهري للمعضلة العويصة». غير أن ~~خطي البحث - محاولة فهم أي من عمليات الدماغ تؤدي إلى تكوين ~~خبرتنا البشرية مقابل التقصي عن ماهية الوعي من الأساس - يمكن أن ~~يتوافقا، حتى لو لم يكسب أي منهما الآخر شيئا بالضرورة. فكما هو ~~الحال في الفيزياء، لا يحتاج علماء الأعصاب إلى إنفاق أي وقت في ms58 ~~دراسة أفكار نظرية لا تشكل لهم أي أهمية. لكنهم ليسوا بحاجة إلى أن ~~يعيقوا دراسة هذه الأفكار أيضا. فغالبا ما يكون العمل النظري في ~~العلوم نقطة انطلاق ضرورية كما أنه عنصر حيوي للتقدم العلمي ~~مثل العمل التجريبي الذي يعقبه. # من المهم توضيح بضع نقاط فيما يتعلق بالتمييز الذي أواصل رسمه ~~بين فئتين من الأسئلة - تلك المتعلقة بمدى عمق الوعي في الكون وتلك ~~المتعلقة بعمليات الدماغ التي تؤدي إلى تكوين خبرتنا البشرية - إلى ~~جانب القيمة التي أضفيها على كل واحدة منهما. أولا، على الرغم من ~~دفاعي عن شمولية الوعي باعتبارها فئة مشروعة من النظريات المتعلقة ~~بالوعي بناء على ما نعرفه حاليا، فلست مقتنعة بإمكانية أننا قد ~~نكتشف، من خلال طريقة علمية في المستقبل، أن الوعي في الواقع موجود ~~فقط في الأدمغة. من الصعب بالنسبة إلي أن أدرك كيف تمكنا من الوصول ~~إلى هذا الفهم بأي قدر من اليقين، لكنني لا أستبعده. كما أنني لا ~~أستبعد إمكانية أن يكون الوعي شيئا لن نفهمه بصورة كاملة أبدا. من ~~المحتمل أن تكون ريبيكا جولدشتاين محقة في إشارتها إلى أن لغز ~~الوعي مستعص على الأساليب العلمية: # من المحبط نوعا ما التفكير في وجود حد مطلق لعلمنا؛ ~~أن نعرف أن هناك أشياء لا يمكننا أن نعرفها أبدا. ... لقد ~~أسفرت الفيزياء الرياضية عن معرفة الكثير من خصائص المادة. ~~غير أن حقيقة أننا كأشياء مادية لنا خبرات، يجب أن ~~تقنعنا أنها لا يمكن، للأسف، أن تسفر عن معرفة هذه ~~الخصائص جميعا. وما لم يظهر جاليليو جديد، ويقدم لنا ~~طريقة للوصول إلى خصائص للمادة لا تحتاج إلى أن تكون قابلة ~~للتعبير عنها رياضيا، فلن نحرز أي تقدم علمي بشأن ~~المعضلة العويصة للوعي. # 9 # علاوة على ذلك، فإن تركيزي ينصب على اللغز الذي تثيره المعضلة ~~العويصة للوعي؛ لأنني أعتقد أنها غير مقدرة حق قدرها وتحتاج إلى ~~انتباهنا، لا سيما عندما نواجه تلك المجموعة الكبيرة من العقول ~~الاصطناعية التي ستكون بيننا قريبا. إن فهم ما إذا كان الذكاء ~~الاصطناعي المتقدم واعيا ms59 أم لا هو أمر مهم كشأن أي سؤال أخلاقي ~~آخر. إن لديك التزاما أخلاقيا باستدعاء سيارة الإسعاف إذا وجدت ~~جارك مصابا بجروح خطيرة، وسوف يتعين عليك فجأة التزامات مماثلة ~~تجاه كائنات ذكية اصطناعية إذا كنت تعرف أنها كائنات واعية. ولكن ~~في النقاشات حول أشكال الوعي الأقل تعقيدا التي تشير إليها بعض ~~صيغ نظرية شمولية الوعي - كتلك التي قد توجد في ترموستات أو إلكترون ~~- لا تنطبق مفاهيم مثل السعادة والمعاناة، وأي أفكار حدسية عن ~~أن نطاق أخلاقياتنا يمتد ليشمل أنظمة مختلفة اختلافا شاسعا ~~عن أنفسنا تبدو سابقة لأوانها. إن الأسئلة التي تتعلق بالمعاناة ~~البشرية في مجال علم الأعصاب («هل تم إيقاف خبرة المريض بنجاح وهو تحت ~~تأثير التخدير؟» على سبيل المثال) هي أكثر الأسئلة إلحاحا التي يجب ~~على العلماء التصدي لها حاليا. # من المهم أيضا أن نقول، مرة أخرى، إن خطي البحث المختلفين ~~اللذين أوضحتهما لا يستبعد أحدهما الآخر، لكن ربما سيبقيان دائما ~~معزولين أحدهما عن الآخر إلى درجة كبيرة. على سبيل المثال، يمكن أن ~~نكتشف أن الوعي موجود في كل مكان، ولكننا نعرف في الوقت نفسه أن ~~«التجربة الخاصة» للفرد لا يعود لها وجود في ظل ظروف عصبية ~~معينة عندما يكون ذلك الشخص غير واع، كأن يكون في غيبوبة أو ~~تحت التخدير. بالإضافة إلى ذلك، يبدو من المحتمل أن العقول المعقدة ~~فقط هي القادرة على اختبار السعادة الشديدة والمعاناة الشديدة. في ~~تلك الحالة، حتى لو كانت ثمة نسخة من شمولية العقل صحيحة، لن تكون ~~جميع جزر الوعي متساوية أو لن يكون فهمها على القدر نفسه من ~~الأهمية. تظل الحقيقة أن العقول المتكاملة والمعقدة مثل عقولنا ~~قادرة على اختبار المعاناة الهائلة، ويجب أن نكون متحمسين لمساعدة ~~جميع الكائنات على تجنب هذه المعاناة كلما كان ذلك ممكنا. ولو ~~اقتصرنا على البحث في مسار واحد فقط لحل لغز الوعي (وهو ما لم ~~يحدث لحسن الحظ!)، لمنحت الأولوية لأعمال مثل أعمال أنيل سيث وجوليو ~~تونوني. ومع ذلك، فمن الواضح أن الألغاز الأعمق تستحق دراسة ms60 ~~علمية متواصلة وتحتاج حاليا إلى الدفاع؛ لحماية قيم الفضول والبحث ~~في خضم سعينا إلى المعرفة. وأنا أتفق مع الاستنتاج الذي توصل إليه ~~موراي شاناهان، أستاذ علم الروبوتات المعرفية في كلية إمبريال كوليدج ~~في لندن، حين قال: # إن وضع الوعي الإنساني ضمن فضاء أكبر من الاحتمالات، ~~يدهشني كواحد من أعمق المشروعات الفلسفية التي يمكننا ~~القيام بها. وهو أيضا من المشروعات الفلسفية المهملة. وفي ~~ظل عدم وجود عمالقة لنقف على أكتافهم، فإن أفضل ما يمكننا ~~فعله هو أن نوقد بضع شموع في هذا الظلام. # 10 # يبدو واضحا أن الصورة الكلية التي لدينا حاليا، جنبا إلى جنب ~~مع القائمة الطويلة من الأسئلة التي تفتقر إلى إجابات قطعية، تمنحنا ~~سببا وجيها لمواصلة التفكير في الوعي بطرق أكثر إبداعا، وعلى وجه ~~الخصوص لمواصلة الاعتبار لفكرة أن الوعي متغلغل لأغوار أعمق مما ~~جعلنا حدسنا نعتقد. غير أن البحث في طبيعة الوعي سوف يتقدم إلى ~~الأمام فقط إذا اعتبر لغزا جديرا بفضولنا. # الفصل الثامن # | الوعي والزمن # بعد عشر دقائق من ممارسة التأمل معا في صمت، رفع طلاب السنة ~~الثانية الابتدائية، في فصل الحضور الذهني الذي أدرسه أيديهم، ~~للتطوع لمشاركة خبراتهم. # 1 # أبدت أول طفلة تكلمت ملاحظة بسيطة، ولكنها عميقة. فقد ~~صاحت قائلة: «إنها دائما اللحظة الحالية، لكن لا توجد لحظة ~~حالية. إنها تتحرك باستمرار!» وكانت في حالة من الإثارة تعكس ~~تعجبها الشديد مما أدركته. كان من المبهج أن أراها تكتشف كيف يرتبط ~~لغز الوعي بلغز الزمن: إننا نختبر وعينا عبر الزمن، ولا يمكن فصله ~~عنه. # فكر العديد من علماء الأعصاب في احتمالية أن يكون إحساسنا بأننا ~~نوجد في اللحظة الحالية، في ظل التحرك المستمر للزمن في اتجاه واحد، ~~مجرد وهم. ففي كتابه «دماغك آلة زمن»، يوضح دين بونومانو، عالم ~~الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أن مسألة تحديد ما إذا كان ~~تدفق الزمن وهما أو رؤية حقيقية لطبيعة الواقع تعتمد جزئيا على ~~تحديد أي من هذين المنظورين المتعارضين في الفيزياء هو الصحيح: ~~(1) # الآنية: الزمن متدفق في الحقيقة، ms61 واللحظة الحالية ~~فقط هي «الحقيقية»؛ أو ~~(2) # الأبدية: نحن نعيش في «كون كتلي»، حيث يكون الزمن أشبه ~~بالفضاء؛ فمجرد أنك في مكان ما (أو لحظة ما) لا يعني أن ~~الآخرين لا وجود لهم في اللحظة نفسها. # ويشرح بونومانو صعوبة تناول طبيعة الزمن: # يقدم هذان المنظوران مفاهيم غير متوافقة لطبيعة الزمان، ~~لكن كلاهما يعتبر شعورنا بمرور الزمن يمثل مشكلة جوهرية. ~~غير أن حل هذه المشكلة سيكون مهمة جسيمة؛ إذ يقع شعورنا ~~الذاتي بالزمن في مركز عاصفة عارمة من الألغاز العلمية التي ~~لم تجد حلا وهي: الوعي، والإرادة الحرة، والنسبية، ~~وميكانيكا الكم، وطبيعة الزمن. # 2 # شكل 8-1: وجهتا النظر بشأن طبيعة الزمن. # في عالم فيزياء الكم المحير، تضيف تجربة الاختيار المتأخر ~~التي أجراها جون ويلر - وهي تجربة مستوحاة من نتائج تجربة الشق ~~المزدوج الكلاسيكية - طبقة أكثر غموضا إلى السؤال المتعلق بكيفية ~~ارتباط الزمن بالوعي. في تجربة الشق ~~المزدوج في ميكانيكا الكم، عندما ~~يكون الضوء موجها إلى لوح حاجز به شقان متوازيان، يعمل الضوء ~~وكأنه موجة؛ فيمر عبر كلا الشقين، وينتج نمط تداخل على شاشة ~~موضوعة خلف الشقين. وهذا صحيح حتى إذا كان الضوء ينبعث على صورة ~~فوتون واحد في المرة الواحدة (الشكل # 8-2 ~~(أ)). وهذا ~~يعني أن ثمة نمط تداخل لا يزال، بطريقة أو بأخرى، في طور الإنشاء ~~على الرغم من عدم وجود تداخل فعلي يمكننا اكتشافه بين الفوتونات ~~الفردية؛ وفقا للفيزياء الكلاسيكية. يبدو الأمر كما لو أن كل فوتون، ~~على غرار الموجة، قد مر عبر كلا الشقين في وقت واحد. # ولكن إذا أجري قياس عند الشقين لتحديد أي منهما يمر عبره ~~كل فوتون على حدة، حينئذ تتصرف الفوتونات كجسيمات، وتمر عبر ~~شق أو آخر وتشكل شريطين متوازيين على الشاشة (كما يتوقع أن ~~تفعل الجسيمات) وليس نمط التداخل (الشكل # 8-2 ~~(ب)). # شكل 8-2: تجارب الشق المزدوج. # تخبرنا هذه التجربة أن سلوك الضوء يختلف بناء على ما إذا كان يخضع ~~للقياس أم لا. فدون إجراء قياس، يتصرف الضوء كموجة؛ وعندما يقاس، ~~فإنه يأخذ خصائص ms62 الجسيمات الفردية. زعم البعض أن الضوء لكي يسلك سلوك ~~الجسيمات، لا يتطلب الأمر إجراء قياس فحسب، وإنما يجب أن يكون هناك ~~ملاحظة واعية لذلك القياس. لست واثقة من مدى قدرة أي شخص على ~~التأكيد بشكل قاطع أن الوعي متورط في غرابة تجربة الشق المزدوج، ~~وهنا أنضم للإجماع الساحق بين العلماء، بمن فيهم ويلر على أن الفوتونات ~~توجد في عدة حالات محتملة في وقت واحد إلى أن تتفاعل مع «شيء ما»، ~~لكن هذا الشيء ليس بالضرورة أن يكون شيئا واعيا. (كان هذا سيتغير، ~~بالطبع، لو كنا اكتشفنا أن الوعي أساسي للمادة؛ لأن الوعي حينئذ ~~كان سيرتبط بكل قياس، بحكم طبيعته.) # وكما لو أن هذه النتائج لم تكن ~~غريبة بما فيه الكفاية، أدخل ويلر عنصر الزمن وتوقع أنه حتى لو ~~أجرينا مثل هذا القياس «بعد» مرور الفوتون عبر أحد الشقين، لظللنا ~~نحصل على النتيجة نفسها، ما يدفع الفوتون إلى أن يسلك سلوك الجسيم ~~«بأثر رجعي». # 3 # بمعنى آخر، لقد توقع أن إجراء قياس في الوقت الحاضر ~~كان سيؤثر على الماضي على نحو غامض. هذه هي تجربة الاختيار المتأخر، ~~وقد أجريت أخيرا في عام 2007، وتأكد تنبؤ ويلر. # 4 # اقترح ويلر أيضا تجربة فكرية ذات صلة تخيل فيها قياس فوتون ~~واحد من الضوء المنبعث من شبيه نجم (كوازار) على بعد مليارات من ~~السنوات الضوئية، بحيث يمر هذا الفوتون بثقب أسود في طريقه إلى ~~تلسكوب على الأرض. وكما هو الحال في تجربة الشق المزدوج، سينقسم الضوء ~~بواسطة تأثير الجاذبية للثقب الأسود، مما يتسبب في الظاهرة المعروفة ~~باسم الأثر العدسي الثقالي؛ وهي وهم بصري نرى فيه صورا متعددة من ~~مصدر واحد، مثل شبيه النجم. في مقابلة مع الكاتب روب ريد، يشرح دونالد ~~هوفمان، وهو عالم معرفي في جامعة كاليفورنيا بمدينة إرفين، ما الذي ~~سيحدث إذا قمنا بقياس فوتون واحد في تجربة ويلر الافتراضية الكونية: # يمكنك الآن أن تسأل، بالنسبة إلى كل فوتون يأتي إلي، ما ~~إذا كان قادما من الجانب الأيسر [أو الجانب الأيمن] من عدسة ms63 ~~الجاذبية. [دعنا نفترض] ~~أنني قررت أن أقيس الجانب الذي جاء منه، ووجدت أنه ذهب إلى ~~الجانب الأيسر. هذا يعني أنني أستطيع القول إنه خلال العشرة ~~مليارات سنة الماضية، كان هذا الفوتون يسلك مسارا بدأ من ~~شبيه النجم ومر من الجانب الأيسر من عدسة الجاذبية. لكن إذا ~~اخترت، بدلا من ذلك، عدم إجراء هذا القياس، والاكتفاء ~~بقياس نمط التداخل فقط، فلن يكون صحيحا أنه خلال العشرة ~~مليارات سنة الماضية، كان الفوتون قد مر [عبر مسار ما] من ~~الجانب الأيسر. لذا فإن الخيار الذي أتخذه اليوم يحدد عشرة ~~مليارات سنة من تاريخ ذلك الفوتون. # 5 # بالإضافة إلى الحقائق غير المفهومة بالفعل التي تكشف عنها تجربة ~~ويلر حول الضوء ، إذا كان الوعي في الحقيقة شيئا جوهريا إلى حد ما ~~للمادة، فإن تجربته تشير أيضا إلى وجود علاقة غريبة للغاية وغير ~~بديهية بين الوعي والزمن. # فلنترك الطبيعة المذهلة لميكانيكا الكم جانبا، ولنعد إلى البساطة ~~النسبية لتجربتنا الإنسانية في اللحظة الحالية. بغض النظر عن ~~الطبيعة الفعلية للزمن، نعلم أن تجربتنا الواعية لا تمثل تسلسل ~~الأحداث في العالم بدقة. لقد رأينا أنه من خلال عمليات مختلفة، يربط ~~الدماغ المعلومات التي تصل إلى مستقبلات الإحساس لدينا في أوقات ~~مختلفة ويسلمها لنا باعتباره حزمة أنيقة آنية. ولكن لا يزال ~~بوسعنا أن نتساءل كيف ترتبط «التجربة الواعية ذاتها» بالزمن. إن إيلاء ~~انتباه دقيق إلى تجربة الفرد لحظة بلحظة خلال أحد تمارين التركيز ~~مثل التأمل - أو مجرد التأمل في غموض التجربة المحسوسة للمرء ~~عموما - يؤدي إلى العديد من التساؤلات المثيرة المتعلقة بالزمن: كم ~~من الوقت تستغرقه لحظة من الوعي؟ هل الوعي مستمر أم أنه متذبذب ما ~~بين التوهج والخفوت بطريقة ما (وكيف لنا أن نعرف الفارق)؟ ما هي ~~اللحظة الحالية؛ أهي نوع من الوهم؟ هل «الزمن في حد ذاته» ~~وهم؟ # إن كل الأسئلة المحيطة بالوعي ليست مهمة فحسب، خاصة مع دخول ~~العلماء والفلاسفة عصر آلات الذكاء الخارق، ولكنها أيضا مذهلة عند ~~التأمل فيها. في كتابه المعنون «الدماغ الواشي»، يتأمل «في ms64 إس ~~راماتشاندران» في فرص العلم في كشف لغز الوعي: «يمكن جدا أن تكون ~~مثل هذه التطورات بعيدة عن نطاق فهمنا الحالي مثلما كان علم الوراثة ~~الجزيئية بعيدا عن أولئك الذين عاشوا في العصور الوسطى. ما لم يكن ~~هناك أينشتاين آخر يدرس علم الأعصاب مختبئا في مكان ما.» # 6 # من وجهة نظرنا الحالية، يبدو من غير المرجح تماما أننا سنصل إلى ~~فهم حقيقي للوعي. غير أننا قد نكون مخطئين بشأن الحدود المطلقة ~~للمعرفة. فما زالت الإنسانية في شبابها، ونحن بالكاد بدأنا نفهم مكاننا ~~في الكون. وبينما نواصل النظر من كوكبنا ونتفكر في طبيعة الواقع، يجب ~~أن نتذكر أن ثمة لغزا هنا حيث نقف. # | ملاحظات # الفصل الأول: لغز مختف في وضح النهار # الفصل الثاني: الأحكام الحدسية والأوهام # الفصل الثالث: هل الوعي حر؟ # الفصل الرابع: رفيق في الرحلة # الفصل الخامس: من نحن؟ # الفصل السادس: هل الوعي في كل مكان؟ # الفصل السابع: ما وراء شمولية الوعي # الفصل الثامن: الوعي والزمن ms65