######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadHadari.FarFiMataha.Hindawi29203637 #META# Tags: literature #META# ID: 29203637 #META# Title: الفأر في المتاهة #META# AuthorID: 36086813 #META# Author: أحمد ع. الحضري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # مرايا‏ # ماذا لو؟‏ # الحوار وشبه الحوار‏ # وجهات النظر: بين النسبوية والحقيقة الوحيدة‏ # نظريات المؤامرة وتفسير العالم‏ # طرق‏ # إعادة تشكيل العالم‏ # تعليمات مقترحة لغارق في متاهة‏ # أسئلة الفأر في المتاهة‏ # السير في الزمن‏ # حدث في المستقبل‏ # آنست نارا‏ # نرسيس وغولدموند لهرمان هسة‏ # رواية المزحة لميلان كونديرا‏ # أن تملك أو أن تكون: الإنسان بين الجوهر والمظهر‏ # شطح المدينة‏ # تحسين القبيح وتقبيح الحسن‏ # أحلام أينشتاين‏ # حكاية للكائن الزمني‏ # هواء افتراضي‏ # صحارى إلكترونية‏ # عن المدونات‏ # عروض الكتب بين المدونين والنقاد‏ # كتب قديمة للبيع‏ # وصف الغيوم‏ # الكتابة: موهبة الاحتيال على الصمت‏ # وصف الغيوم: العالم كمرآة - الذات كعالم‏ # زجاج نصف معتم‏ # النوافذ‏ # المفارقة‏ # الأحلام نصوص أدبية‏ # طرق الكتابة الجانبية‏ # أن ترى ما لا ترى‏ # كلام عن الكلام‏ # مقدمة‏ # مرايا‏ # ماذا لو؟‏ # الحوار وشبه الحوار‏ # وجهات النظر: بين النسبوية والحقيقة الوحيدة‏ # نظريات المؤامرة وتفسير العالم‏ # طرق‏ # إعادة تشكيل العالم‏ # تعليمات مقترحة لغارق في متاهة‏ # أسئلة الفأر في المتاهة‏ # السير في الزمن‏ # حدث في المستقبل‏ # آنست نارا‏ # نرسيس وغولدموند لهرمان هسة‏ # رواية المزحة لميلان كونديرا‏ # أن تملك أو أن تكون: الإنسان بين الجوهر والمظهر‏ # شطح المدينة‏ # تحسين القبيح وتقبيح الحسن‏ # أحلام أينشتاين‏ # حكاية للكائن الزمني‏ # هواء افتراضي‏ # صحارى إلكترونية‏ # عن المدونات‏ # عروض الكتب بين المدونين والنقاد‏ # كتب قديمة للبيع‏ # وصف الغيوم‏ # الكتابة: موهبة الاحتيال على الصمت‏ # وصف الغيوم: العالم كمرآة - الذات كعالم‏ # زجاج نصف معتم‏ # النوافذ‏ # المفارقة‏ # الأحلام نصوص أدبية‏ # طرق الكتابة الجانبية‏ # أن ترى ما لا ترى‏ # كلام عن الكلام‏ # | الفأر في المتاهة # | الفأر في المتاهة # تأليف # أحمد ع. الحضري # | مقدمة # كأنك تقف أمام لوحة كبيرة بعرض جدار أو بناية، تنظر إليها فترى قطعا وشذرات، دون أن ~~تتمكن من رؤيتها بالكامل، تبدأ من جزء ما، وتحاول الانتقال إلى أجزائها الأخرى. تعرف أنها ~~أجزاء من كل واحد، لكنك لم تفهم الترابط بين الأجزاء بعد ولم تلتقطه عيناك، لكنك تحسه؛ ~~تكرر النظر إلى اللوحة، قد تعيد زيارتها عدة مرات قبل أن تستطيع أن تقول عنها بضع كلمات ~~تعبر ms01 عما تحسه. كأنك أمام هذه الجدارية، تتراجع خطوة، ثم ثانية، فثالثة، حتى يلامس ظهرك ~~جدارا ما، بينما عيناك منشغلتان بمحاولة النظر للصورة مكتملة. # لم أستطع في هذا الكتاب أن أتحدث عن الكتابة دون أن أتحدث عن العالم، وعن نفسي، وعن ~~أسئلتي التي تؤرقني، وشكوكي التي تملؤني. لم أستطع في المقابل الحديث عن العالم دون التطرق ~~إلى الكتابة، كأنهما وجهان لعملة واحدة. كثير من مقالات الكتاب واضح فيها هذه الرؤية، وهذا ~~التحيز الذي يتناول الموضوع الواحد من عدة زوايا، كأنك تضعه في المركز وتنشر حوله عددا من ~~كاميرات التصوير التي تتناول كل منها زاوية بعينها، أملا في أن تكون معا رؤية أشمل. نفس ~~الأمر يمكن قوله عن هذا الكتاب ككل؛ فقد افترقت مقالاته بين أربعة أقسام متنوعة الموضوعات ~~بدرجة ما، لكنها أيضا - من وجهة نظري - مقاطع من نفس الصورة: زوايا نظر مختلفة تحاول ~~الاقتراب من ثنائية الكتابة والعالم. # تحدثت في مقال «وصف الغيوم: العالم كمرآة - الذات كعالم»، كيف ننظر للعالم أحيانا لنرى ~~أنفسنا أو شذرات منها فيه، أشرت في نفس المقال إلى إحدى الرؤى التي تتحدث عن دور الفن ~~والأدب، وتتعرض هذه الرؤية إلى دور الفن والأدب في زيادة فهمنا للعالم، وزيادة مرونتنا في ~~التعامل معه من خلال التعريف بالأنماط الجديدة في العالم. # في حديثي عن العالم، انشغلت بتقديم صورة سائلة للعالم، العالم الذي يتغير بشكل دائم، ~~العالم المربك الذي يثير داخلنا الأسئلة والحيرة والشك. تحدثت عن الطرق المختلفة أو ~~المتعارضة للنظر إليه، وتحيزت لنظرة تقبل وجود الآراء المختلفة معا، نظرة ترفض الجمود ~~والتعصب. لكن الأهم أن تناولي لها غير منفصل عن الاهتمام بالكتابة، فقد تلاحظ في اختيار ~~موضوعات القسم الأول هذا التحيز، ففيه مقالات عن: وجهات النظر، وعن الحوار، وعن ~~الزمن. # فكرت في أقسام هذا الكتاب كأنها محطات لنفس الرحلة، تبدأ من «مرايا» التي تضم مقالات عن ~~النظر إلى الذات والعالم، ومرورا بالقسم الذي عنونته ب «آنست نارا» والذي أتحدث فيه عن ~~نماذج قابلتها من كتابات وإبداعات انشغلت بنفس الهم ms02 ، حتى إن مقالات هذا القسم هي بشكل ما ~~امتداد طبيعي لمقالات القسم الأول - ثم هواء افتراضي - الذي يضم بضعة مقالات تتحدث عن ~~الكتابة والنشر في العالم الافتراضي، لنصل في النهاية إلى مقالات «وصف الغيوم» التي تتحدث ~~عن قضايا متعلقة بعملية الكتابة بشكل أساسي. # هناك فارق بين ما نظن أننا نراه في العالم، وما نراه فعلا، فارق بين ما نظن أننا ~~نعتقده وما نعتقده بالفعل، فارق بين ما نعيه عن أنفسنا وعن العالم، وبين ما نعرفه بشكل ما ~~دون أن نعيه، تظهر هذه الانقسامات في أفعالنا ونظراتنا وأحلامنا وتعاملاتنا مع الآخرين. في ~~مقال «أن ترى ما لا ترى» تحدثت من وحي حالة طبية نادرة قرأت عنها، يستطيع فيها المريض ~~الاستجابة لمعلومات بصرية لا يدرك بشكل واع أنه يراها، هذه الحالة واقعية تستحق التأمل ~~والتعلم منها، لكنها تصلح كذلك كاستعارة معبرة وكاشفة لحالة الكتابة، واستعارة العمى ~~موجودة في مقالات أخرى من الكتاب، للتعبير عن زوايا أخرى من نفس الفكرة. # في مقال «كلام عن الكلام»، الموجود في القسم الأخير من الكتاب، أقول: «لو وضعت أي شيء في ~~مركز اهتمامك فستبدأ في رؤيته في العديد من الأشياء الأخرى: صلات، تشابهات، تضادات، أعم، ~~أضيق ... لو أنك شغوف بالعمارة فستشاهد البنايات والشوارع والنباتات والحيوانات والبشر ~~والطبيعة والكون كمعمار، وستكون قادرا على التعلم منها والاستفادة منها كمصدر للإلهام.» ~~وأظن أنني هنا في هذا الكتاب أضع الكتابة في مركز اهتمامي، أنظر إليها حتى عندما أكون في ~~سياق الحديث عن موضوعات منفصلة ظاهريا. # | مرايا # | ماذا لو؟ # يحكي «ديدرو» في «رسالة حول العميان» عن حداد أعاد له الطبيب نظره الذي حرم ~~منه طوال عمره. كان قد تعود طوال خمسة وعشرين عاما أن يتحرك ويتعامل مع العالم فقط ~~بواسطة حواس السمع واللمس والشم والتذوق؛ فلما عاد له نظره صار لفرط ارتباكه يغلق عينيه ~~حتى يتمكن من التعامل مع العالم الذي تعوده، أو بالأحرى لكي يتجنب التعامل مع ~~ارتباكات الحاسة الجديدة التي لا يعرف كيف يتعامل بها بعد. يذكر «ديدرو» كيف اضطر ms03 ~~الطبيب إلى إجباره في أوقات على فتح عينيه حتى يتمكن من التدرب على الرؤية؛ «فكان ~~«دافيل» يقول له وهو يوسعه ضربا: هلا نظرت أيها الفظ!» # يصف «ديدرو» في الرسالة نفسها - في سياق حديثه عن أعمى آخر - طبيعة الارتباك الذي ~~قد يقع فيه مثل هذا الشخص. يصف كيف لم يميز لفترة طويلة بين الحجوم ولا بين ~~الأبعاد ولا بين الأوضاع ولا حتى الأشكال. ارتبك بين الأقرب والأبعد، والأصغر والأكبر، ~~يسأل كيف أن يدا توضع أمام عينيه قد تحجب عنه الغرفة؛ فيحتار: هل يدي أكبر من ~~الغرفة؟! وهو يعلم أن هذا غير صحيح، لكنه لم يفهم بعد كيف خدعه نظره بهذه ~~الطريقة. كان يرى لوحة مرسومة أمامه؛ فتريه إياها عيناه مجسمة، لكنه حين يمسها ~~بيديه يجدها مجرد سطح سوي ليس فيه أي بروز. يقول «ديدرو»: «فسأل حينئذ عن ~~المخادع؛ إن كان حاسة اللمس أم حاسة البصر!» # من ضمن الأمور المثيرة للاهتمام والفضول عند التفكير في مسألة العمى، ما نتعلمه ~~عن أنفسنا عندما ننظر إلى حال من فقد بصره. نصاب بالدهشة في أوقات كثيرة ~~من حدة ودقة استغلاله لحواسه الأخرى بشكل قد نظن تلقائيا أنه ~~غير ممكن. لكن جانبا آخر مثيرا للاهتمام يلح علينا في هذا السياق، هو الطريقة ~~التي يتمثل بها شخص ولد أعمى العالم. يقول «ديدرو»: «يتكلم صاحبنا عن المرآة ~~في كل آن، وأنت تظن أنه لا يدري ماذا تعني كلمة مرآة؛ إلا أنه لن يضع مرآة على ~~نحو معاكس للنور أبدا.» يسأله أحدهم: «وما العيون في رأيك؟» فيجيبه بأنها «العضو الذي ~~يؤثر عليه الهواء تأثير عصاي على يدي.» قياسا على هذه الإجابة البديعة تخيل كيف ~~سيصف أعمى مرهف الحس تفاصيل العالم المعتادة بالنسبة لك بشكل مختلف تماما ~~عن المتوقع، لك أن تتصور كم من الشعر سيظهر بشكل تلقائي في إجاباته تلك. ~~اسأله عن: الدائرة، أو المثلث، أو الخط المستقيم، أو الشمس، أو القمر، أو السماء، أو ~~الأرض، أو الطريق، أو الجمال، أو القبح؛ اسأله عن أي شيء يخطر على بالك ms04 ، وسيجيب. كي ~~يسير في هذه الحياة ويتواصل ويتكلم، لا بد أن يضع في عقله تعريفات لهذه الأشياء، لكن ~~تعريفاته تتناسب مع خبراته ومع الطريقة التي يعيش بها في العالم. عالم الأعمى ليس ~~عالما خاليا من المعاني، حتى لو وجد مجتمع كامل من العميان، سيوجد ويتطور في ~~مساره الخاص، وسيكون مليئا بالمعاني العميقة، والتصورات التي تستحق الالتفات لها، ~~والتعلم منها. # لكن في المقابل: هذا الفارق الذي تصنعه حاسة الإبصار في تمثلنا للعالم مثير ~~للاهتمام، خاصة حين نتخيل تصورنا للعالم حال غيابها بالكامل، ربما يجعلنا هذا ~~نفكر في احتمال أن تكون هناك حاسة أو حواس أخرى يفتقدها الجنس البشري ولا يدري عنها ~~شيئا، تجعل تمثله للعالم ناقصا، وواهيا بالضرورة، إذا قورن بمخلوق خيالي ~~آخر يمتلك مثل هذه الحواس الإضافية. # كان لأفلاطون تصور مهم في هذا السياق، كان يرى أننا في هذا العالم نشبه من ~~يجلسون منذ ولادتهم في كهف وظهورهم متجهة إلى مدخله، كلما مر أحد أو شيء أمام ~~مدخل الكهف رأوا ظله على الحائط. كل تصورهم عن العالم ينبع من هذه التجربة ~~المحدودة؛ هذه الظلال هي العالم بالنسبة لهم. في هذا المثال الذي تخيله أفلاطون ~~يقرر أحد هؤلاء في وقت ما أن يقوم من مكانه ليخرج من الكهف، تؤلمه عيناه في ~~البداية من كمية الضوء التي لم يعتدها، يصاب بعمى مؤقت، يفكر في العودة إلى ~~الكهف في الحال، لكنه لسبب ما يقرر البقاء في العالم الجديد بعض الوقت، يظل ~~حائرا لأيام، بعدها لعله سيبدأ في تفهم الحقائق الجديدة التي يقابلها، لعله ~~سيدرك أن ما كان يعتبره من قبل هو كل العالم، لم يكن سوى ظلال لحقيقة أوسع ~~وأعمق وأكثر تنوعا، وحين يقرر فيما بعد العودة مرة أخرى للكهف قد تكون كل ~~تصوراته القديمة عن العالم قد اختلفت بالكامل. ما الذي سيحدث إن حاول أن يخبر ~~رفاقه في الكهف عما رأى؟ # هذا المقال ليس كتيبا إرشاديا، لا يريد أن يقدم نظرة ما للحقيقة أو ~~للعالم، بل هو في المقابل يتحيز للسؤال، يتحيز ms05 ل «ماذا لو؟» التصورات المختلفة ~~للعالم موجودة دائما، وهي لا تحتاج إلى أن تكون دائما متحاربة؛ هناك تصورات أنضج ~~من تصورات، لكن هناك دائما حقيقة ما في كل تصور للعالم. لا تحتاج إلى تبني ~~فكرة ما لتستفيد منها أو لتستمتع بها، يكفيك أن تتبنى السؤال لبعض الوقت، وأن ~~تتعلم ما الذي ستستفيده من كل منظور. اللعب مع العالم، ومساءلته، مفيد ومسل في ~~أوقات كثيرة. أن نتعلم تصورات الآخرين له، والكيفية التي يتعاملون بها مع ~~تفاصيله، وأن نتساءل عن سبب رؤيتهم للعالم بهذه الطريقة، هو أمر ملهم لأفكار ~~وتصورات إبداعية وفكرية مختلفة. لا تحتاج أن تشهر أسلحتك في وجه كل منظور مختلف ~~للعالم، لمجرد أنك تختلف معه؛ لأنه حتى لو كان خاطئا يمكنك أن تتعلم منه. كما أن ~~طرح الأسئلة يقينا من الجمود؛ فأحيانا تكون عيوننا مفتوحة على اتساعها لكنها لا ~~ترى ما هو باد أمامها، ربما لأنها لا تتوقعه، أو لعله التعود الذي يخفي ~~عنا التفاصيل أحيانا. # | الحوار وشبه الحوار # 1 # في حلقة ما من برنامج «حواري» يجلس الضيفان أحدهما في مواجهة الآخر، ~~وبينهما مقدم البرنامج، بعد دقائق من بداية الحلقة يعلو صوتاهما، ويبدأ الاحتداد. ~~يمكننا أن ندرك دون صعوبة من المشهد الذي نراه ومن طريقة الحوار التي نسمعها أن ~~الطرفين هنا لا يخاطب أحدهما الآخر، هما في الحقيقة يخاطبان جمهور المشاهدين في خطب ~~قصيرة عصبية متبادلة يقاطع فيها كل منهما خصمه. في هذا السياق ستعد أي بادرة ~~من أحدهما للاقتناع بمنطق الطرف المضاد - أو مجرد الميل نحوه - ضعفا وانهزاما غير ~~مقبول. كل من الضيفين جاء وهو متأكد كل التأكد أنه على حق وأن الطرف الآخر لا ~~شك مخطئ، أو على الأقل هما يظهران ذلك. قد لا يعترفان بهذا، وربما قد لا يدركانه ~~حتى، لكن كلا من الطرفين قرر مسبقا في هذه الحالة أنه لا يحتاج للتمعن في ~~أي شيء يقوله الآخر، إلا بالقدر الذي يمكنه من إثبات خطئه، وإحراجه إن ~~استطاع أمام جمهور المتفرجين. # 2 # كان سقراط يقول: «أنا ms06 أعرف أنني لا أعرف أي شيء.» لكنه كان يحب الجدل، ويحب ~~اختبار الرجال بالحوار، وكان يحاور رجالا فخورين بأنفسهم، واثقين من علمهم. وربما ~~كان هذا اليقين المبالغ فيه يغيظه قليلا؛ لأنه عندما كان يخوض حواراته مع أمثال ~~هؤلاء الرجال، كان يبدأ الحديث دائما بأسئلة بريئة في الظاهر، ثم ينقل الحوار من ~~نقطة إلى نقطة؛ حتى يربك محاوريه إلى الدرجة التي تمكنهم من رؤية أنهم حقا لا ~~يعرفون ما يعتقدون أنهم يعرفونه. # أفلاطون تلميذه خلد هذه الطريقة، من خلال كتاباته التي جاءت في معظمها على شكل ~~محاورات بطلها سقراط. ومن خلال هذا الشكل، نجح في مناقشة عدد من الموضوعات المهمة. ~~مكن هذا الشكل أفلاطون من عرض عدد من وجهات النظر المختلفة وهي تتجادل حول موضوع ~~ما، وبفضل هذه المحاورات أصبح أفلاطون واحدا من أهم الفلاسفة على مر التاريخ. ~~ولم يتوقف استخدام شكل المحاورة في الفلسفة بعد أفلاطون، بل استخدم من قبل عدد ~~من الفلاسفة في العصور الوسطى والحديثة. # 3 # في القصة أو الرواية، يستخدم الحوار لأغراض متنوعة؛ منها نقل الحالة النفسية، ~~أو تطوير الحدث، أو التعريف بالشخصيات وبدوافعها. الحوار الذي يمتعني كقارئ ~~يكون في الغالب حوارا ثريا بين شخصيتين مرسومتين بشكل واقعي وحي، ينتقل ~~الحديث بينهما جيئة وذهابا بشكل حيوي وفعال ومتطور. أستمتع بالحوارات التي ~~أشعر في ثناياها بجدل حقيقي بين حالتين مختلفتين، حوارات تجدها في أعمال ~~دوستويفسكي مثلا. وفي المقابل، نقرأ أحيانا حوارات باهتة كأنها مكتوبة بين ~~شخصية وظل شخصية، يقتصر دور هذا الظل فيها على مجرد تسليم الحوار للطرف ~~الآخر. # تخيل رواية تعتمد بالكامل على هذا الشكل الباهت من الحوار، ستكون ضعيفة في ~~الغالب؛ لأن جزءا أساسيا من طبيعة الرواية ومتعتها يتمثل في حالة التنوع ~~والتمايز والجدل بين الأصوات المختلفة. ميزة من مزايا الرواية الأساسية هي قدرتها ~~على احتواء هذا الخليط المتنوع من الأصوات: اللهجات، الخلفيات الاجتماعية، ~~القناعات، الانتماءات السياسية، المستويات الثقافية، المهن ... # 4 # تتوقف قليلا بعد قراءتك لفقرة من كتاب ما، لتسترجع ما قرأته، تتأكد من فهمك ~~وإلمامك ms07 بما قيل، قد تتساءل عن مدى اتفاقك أو اختلافك مع ما هو مكتوب، قد تناقش ~~رؤية المؤلف، وتستعرض آراء بديلة لتقارن بينها وبين الفكرة المعروضة، قد تتفق فقط ~~مع بعض ما يقال، وتختلف مع البعض الآخر، قد تسجل هذه الأفكار التي راودتك لتعود ~~لها بعد ذلك كي تختبرها. هذه الدقائق التي تتوقف فيها بين الفقرة والفقرة لتحاور ~~نفسك، وتحاور الكتاب الذي تقرؤه، ليست ترفا، إنها أهم ما في عملية القراءة، هي ما ~~يمكنك من فهم ما تقرؤه، ومن وضعه في سياق أوسع من قراءاتك المختلفة في الموضوع ~~نفسه أو موضوعات مختلفة. دون هذه الدقائق تتحول القراءة إلى عملية تلق سلبي، ~~تحفظ فيه ما هو مكتوب ثم تعيد إرساله مرة أخرى دون فهم أو مراجعة، أو حتى إعادة ~~صياغة. تماما كالصورة التقليدية التي تنتجها بعض أنظمتنا التعليمية لطالب يذرع ~~الغرفة لمرات مرددا عبارات مكتوبة في كتاب أمامه، بغرض حفظها. # 5 # أي حوار، سواء أكان حوارا في الشارع أم في العمل أم في برنامج رأي أم حوارا ~~أدبيا، هو حالة من التفاعل بين أطراف مختلفة، يؤثر كل منها في الآخر. الحوار ~~الصحي يظهر أفضل وأرقى ما فينا، لكن إن بدأ المتحاورون - كلهم أو بعضهم - ~~الحوار وهم محصنون بالخوف، أو الجمود ضد التأثر بالآراء الأخرى، محصنون ~~باليقين ضد أي إمكانية للشك في صحة مواقفهم، يتحول حينئذ الحوار إلى ~~مسخ. # الحوار ليس مجرد كلمات يتبادلها طرفان أو أكثر، إنه حالة تطرح فيها أفكار وخلفيات ~~مختلفة نفسها، لتتفاعل معا. المجتمع الذي يرفض الحوار بمفهومه الأوسع هو مجتمع ~~يتحيز للثبات؛ لأن الحوار الحقيقي حركة مستمرة. لا يمكن التخلي عن هذا التنوع من ~~الآراء لصالح رؤية واحدة أيا كانت. حتى وأنت جالس في الغرفة منفردا، تفكر أو ~~تتأمل أو تقرأ، تحتاج هذا التنوع، هذا الجدل في داخلك، تحتاج إلى هذه الأسئلة، إلى ~~تمثل الآراء المختلفة والتحاور معها؛ كي تكون هذه العزلة مبدعة. # | وجهات النظر: بين النسبوية والحقيقة الوحيدة # 1 # ربما تكون قد شاهدت فيلم راشمون # Rashomon-1950 # للمخرج ms08 الياباني كوروساوا، والذي يعرض أربع رؤى متباينة لحدث واحد، هو مقتل ~~الساموراي «كانازاوا تاكيهيكو». تعرض كل شخصية زاوية من الحدث تعبر عن نظرتها ~~للحقيقة، ومع توالي الرؤى تفاجأ - كمشاهد - بمقدار التناقض بينها، ومقدار التشويه ~~الذي حدث في كل زاوية نظر. # هذه الانتقائية نمارسها في حياتنا بشكل مستمر: ونحن في بيوتنا، ونحن نسير في ~~الشارع، ونحن نتعامل مع الآخرين. قد نعرف شخصا ما لفترة طويلة، لكننا نحتار ~~ونتبلبل مثلا إن سألنا أحدهم عن تفصيلة ما تخصه. والوعي بهذه الفكرة من النقاط ~~المهمة في تقنية كثير من الأعمال الفنية والأدبية، ومنها القصة والرواية على سبيل ~~المثال. على الروائي في كل جزء من روايته أن يختار زاوية النظر التي سينقل بها ~~الحدث الذي يريد نقله، هل سيستخدم الراوي العليم أم الراوي المشارك؟ ومن أي زاوية ~~سينقل المشهد الذي يريد وصفه؟ الوعي الحديث يدرك أن الراوي لا ينقل الحقيقة ~~بالضرورة كما حدثت، لكنه ينقلها كما رآها أو كما يريدنا أن نسمعها. # 2 # يشير راي كيرزويل في كتابه «عصر الآلات الروحية» إلى ما يسمى بحوسبة تدمير ~~المعلومات. وفيها يحاول المهندسون والمبرمجون محاكاة عملية يقوم بها العقل البشري ~~بشكل تلقائي، وتعتمد - باختصار - على محاولة مساعدة الحاسب على اختيار المعلومات ~~ذات الأهمية وتدمير غيرها من المعلومات؛ لأن «هناك الكثير من المعلومات الفجة في ~~العالم التي لا تستحق أن نستمر في حفظها كلها.» # أمر طبيعي تماما، لا يمكنك أن تتعامل مع كم المعلومات التي تقابلها خلال ~~اليوم باعتبار أنها على نفس القدر من الأهمية، لا بد أن يصنفها عقلك؛ يحتفظ ~~بالضروري منها، ويتخلى عن غير الضروري. لكن كيف يصنفها؟ كيف يحدد العقل أي ~~المعلومات هو المهم وأيها غير مهم؟ هل هو أمر فطري يشترك فيه الناس جميعا؟ أم أن ~~هذا التصنيف ذاته هو عملية تعتمد على نموذج معرفي مكتسب غير محايد تتم فلترة ~~الواقع من خلاله؟ نميل اليوم إلى إعطاء أهمية كبيرة لدور النموذج المعرفي الذي ~~يتبناه الإنسان في تحديد رؤيته للعالم، دون أن يعني هذا بالضرورة عدم ms09 وجود بعض ~~القوانين أو القواعد الفطرية كذلك. # 3 # في كتابه «بنية الثورات العلمية» يشير توماس كون إلى مفهوم البرادايم أو النموذج ~~المعرفي. ومن خلاله يقدم فلسفة مختلفة للتطور العلمي، فبدلا من الصورة التقليدية ~~التي كانت ترى أن العلم يتطور بشكل خطي ومستمر، أوضح كون أن فكرة الحقيقة العلمية ~~في لحظة بعينها، لا يمكن تأسيسها على معايير موضوعية فقط؛ لأنها تتأثر أيضا ~~بالمجتمع العلمي الذي يتم تداولها فيه. يتعرض كون في هذا السياق إلى فكرة ~~«النموذج المعرفي»، وهو يرى أن نموذجا معرفيا ما يسيطر في كل مرحلة، يساعد على ~~رؤية الواقع وتفسيره، ويستمر هذا النموذج قائما ما دام قادرا على تفسير ~~الواقع بشكل مرض. لكن مع تغير الزمن، تبدأ في الظهور مجموعة من الظواهر التي ~~لا يمكن تفسيرها من خلال النموذج القائم، وتكون هذه هي بداية انحلاله، وبروز نموذج ~~جديد أكثر تطورا وأكثر دقة وشمولا. من الأمثلة البارزة التي يوردها هنا رؤية ~~الكون عند بطليموس الذي كان يرى أن الأرض هي مركز الكون، ثم عند كوبرنيكوس الذي رأى ~~أن الشمس هي مركز الكون، ثم نيوتن ثم أينشتاين. # لكن لا يعني هذا أن المعرفة العلمية هي مجرد وجهات نظر لا تتميز على غيرها، فهناك ~~دائما مواصفات للنموذج المعرفي الناجح، تتمثل في قدرته على تقديم تفسير للعالم ~~يمكن اختباره، ويستطيع القيام بتنبؤات دقيقة. المقصود هنا هو توضيح كيف أنه حتى في ~~إطار المعرفة العلمية - التي تشدد على الدقة وعلى الضبط - لا يمكن لنموذج بعينه أن ~~يدعي الصحة المطلقة، أو أن يفترض حصانة دائمة؟ هناك دائما مساحة للنقاش ووجهات ~~النظر والخلافات. هناك مساحة لنظرية جديدة كي تبرز، تختلف عن بعض جوانب الفهم ~~السابق عليها وربما تناقضها. والتاريخ العلمي مليء بذكر العلماء الذين لم يتفهموا ~~أو رفضوا نظريات جديدة أفضل لأنها تخالف الفهم الذي اعتادوه للعالم، دون أن يوقف ~~هذا الرفض الجديد من البروز. في العلم تبقى النظرية ناجحة فقط ما دامت صامدة ~~وقادرة على تبرير وجودها باعتبارها الأكثر قدرة على التفسير والتنبؤ. # 4 # التأكيد ms10 على الاختلافات والتفاوتات في النظر للعالم لا يعني أن الرؤى كلها ~~متساوية في القيمة، أو أن أيا منا يستطيع أن يدافع عن أفكاره فقط بعبارات ~~محفوظة من نوعية «هذا رأيي»، أو أن يكتفي مثلا بأن يتذرع بأنه يدافع عن هوية ~~متخيلة أيا كانت. المقصود على العكس هو التأكيد على قيمة الحوار، وقيمة ~~التساؤل، وأهمية مراجعة الذات، وتفهم التنوعات، وقبول الآخر، والتسامح مع ~~المختلفين؛ لأن الحقيقة قد تكون مع الآخر، أو قد يمتلك كلانا أجزاء منها، دون أن ~~يحيط بها. # لكن المفارقة أنه يحدث أن يستخدم البعض فكرة النسبية الثقافية، أو تنوع وجهات ~~النظر نفسها في الدفاع عن تعصبات منغلقة لا تتقبل الآخرين. وهي المفارقة التي ~~يشير لها «توماس هيلاند إريكسن» في كتابه الذي صدرت ترجمته العربية منذ عامين ~~تقريبا تحت عنوان: «مفترق طرق الثقافات: مقالات عن الكريولية». وفي هذا الكتاب ~~يقول إريكسن: «من المضحكات المبكيات أن نظريات «النسبية الثقافية» في علم ~~الأنثروبولوجي، التي وضعت أساسا لمناهضة «الشوفينية» والعصبية «القومية»؛ كان لها ~~تأثير مضاد، ومعاكس تماما للهدف الذي وضعت من أجله.» # 5 # توسيع الرؤية عن طريق الاطلاع على زوايا مختلفة ووجهات نظر متنوعة هو أمر ~~مدهش دائما، وهو لا يتعارض مع قدرتك على اختيار زاوية مفضلة، أو قناعة خاصة بك، ~~لكنه بالتأكيد يتعارض مع قمع الآخر، وإسكات الأصوات المخالفة؛ لأن عالم اليوم ~~بتقنياته التي تتطور بشكل غير مسبوق - من وسائل إعلام مرئية ومسموعة، ومقروءة، ~~وشبكات إنترنت - هو عالم ضد المنع، عالم يستحيل فيه محو الأفكار المخالفة. عصرنا - ~~شئنا أم أبينا - متعدد الأصوات، والتنوع جزء من جوهره، لا مجرد عرض من أعراضه التي ~~يمكن السيطرة عليها أو التخلي عنها. # المقصود هنا # Relativism ~~، وجرى العرف بترجمتها ~~هكذا؛ تفريقا لها عن كلمة # relativity ~~. وقد ~~أجازها مجمع اللغة العربية في مصر. # | نظريات المؤامرة وتفسير العالم # 1 # أب يعلم ابنه الصغير، فيشير إلى حيوان ما يعبر الطريق: «هذا قط.» ينظر ~~الطفل باهتمام، ويردد خلفه. في يوم تال يرى الطفل حيوانا يمشي في الشارع؛ ~~فيشير فرحا: «قط!» ms11 يصحح له أبوه: «لا، هذا كلب.» يحاول برفق أن يوضح له ~~الفوارق. # في اللحظة التي يشير فيها الطفل إلى كلب يمشي في الشارع باعتباره قطا، نعرف ~~أنه لا يعرف ما هو الكلب، والأهم في هذا السياق أن ندرك أنه لا يعرف كذلك ما هو ~~القط، رغم أنه قد يكون قد تعرف قبلها بلحظات على قط ما يمشي في الشارع؛ لأن ~~كلمة أو مفهوم «قط» تكتسب معناها - وفقا لما تعلمناه من العالم اللغوي «سوسير» - ~~من خلال اختلافاتها مع الكلمات/العلامات الأخرى؛ فمثلا، لا يمكنك أن تعرف ما هو ~~اللون الأخضر إلا في سياق معرفتك للون الأزرق واللون الأصفر وبقية الألوان؛ لأن ~~المعرفة التي تتيح لك أن تميز الأخضر عن بقية الألوان تتطلب بالضرورة أن تكون ~~قادرا على فهم الاختلافات بين هذه الألوان المختلفة. # في سياق مقارب يقال عن التعريف المثالي إنه تعريف جامع مانع. جامع: أي إنه ~~يضم كل مفردات الشيء الذي يعرفه؛ بمعنى أن يكون الطفل في المثال الأول - بعد أن ~~يتعلم هذا التعريف - قادرا على التعرف على أي قط يسير في الشارع. ومانع: ~~أي إنه يمنع ما سوى هذه المفردات من أن يدخل تحت هذا التعريف؛ أي إنه يحمي الطفل من ~~أن يخطئ، فيشير إلى كلب أو حصان باعتباره قطا. # 2 # يعدو الراعي الصغير داخل القرية مفزوعا، يصرخ بأعلى صوته: «الذئب! احذروا ~~الذئب!» فور سماع أهالي القرية للصراخ يخرج رجالهم مسرعين، وفي أيديهم العصي ~~والفئوس، وحين يخرجون إلى أطراف القرية حيث قطيع الأغنام لا يجدون ذئبا، فقط ~~قطيع من الأغنام يرعى بسلام. ينظرون إلى الصبي بغضب ويذهبون. نعرف القصة، حين يتكرر ~~نفس هذا الأمر مرة تلو المرة، يتوقف أهالي القرية عن الاستجابة للنداء، حتى يأتي ~~الذئب فعلا ويلتهم الغنم. # دعونا فقط نعدل القصة قليلا لأغراض هذا المقال. لنفترض أن الراعي الصغير لم ~~يكن يكذب، أو لم يتعمد الكذب، لنفترض أنه فقط شغوف بالذئاب، أو أنه يخشاها أكثر ~~مما يخشى أي شيء، الخوف يشوشه بطريقة تجعله يرى الذئب فعلا في كثير ms12 من الأشياء ~~من حوله، مرة يرى شاة شاردة أو ظل شجرة فيظنه ذئبا، أو يستمع إلى صوت بعيد ~~فيتأكد أنه عواء، أو يرى كلبا غريبا من بعيد فيظنه ذئبا. هذا الفتى إذن لا ~~يكذب، هو فقط يريد أن يحمي نفسه والبلدة من الذئاب، لكنه لم يفعل! # 3 # أفكر دائما أن شخصا مصابا بالبارانويا أو مهووسا بنظرية المؤامرة على ~~سبيل المثال، سيكون قادرا في أوقات ما على رؤية مؤامرات حقيقية فعلا قد لا ~~نراها، لكن هذه المعرفة لا تجعله محقا، لا تجعله حكيما، لا تعطيه الحق في أن ~~يتلبس دور زرقاء اليمامة التي تجاهلت القبيلة تحذيراتها؛ لأنه باختصار ليس ~~حكيما، إنه تماما كالطفل في المثال الأول، أو كالراعي في المثال الثاني. # حين نفسر كل شيء في الحياة بتفسير وحيد: غزاة من الفضاء، أو المؤامرات ~~الخارجية، أو المؤامرات الداخلية؛ فنحن في الحقيقة نصيب أنفسنا وربما الآخرين ~~بعمى من نوع خاص؛ لأن الأمر كما يقولون: «ما يصلح تفسيرا لكل شيء لا يصلح ~~تفسيرا لأي شيء.» حين نفسر كل شيء بتفسير وحيد جاهز نضيع على أنفسنا فرصة ~~التوقف لبرهة، وتأمل المشكلة، والوقوف على أسبابها الحقيقية بشكل دقيق، ومحاولة ~~البحث عن حلول واقعية لها. # 4 # لنظرية المؤامرة جاذبية خاصة بالنسبة لنا هذه الأيام. ربما تتصاعد هذه الجاذبية ~~كرد فعل على انسحاق الفرد في عالم الحداثة: عالم الشركات الكبرى والدعاية ~~الكثيفة والإعلام الموجه، عالم البنايات العملاقة والشركات عابرة الحدود. لعلها ~~طريقة نعوض بها إحساسنا بالضآلة في أوطاننا أو في العالم. في كثير من الأحيان ~~يكون ما نراه من مؤامرات ومخاوف معبرا عن داخلنا نحن، أكثر مما يعبر عن ~~العالم خارجنا. # في أوقات ما قد تكون هناك مؤامرات بالفعل، الفكرة التي أقصدها هنا ليست إنكار ~~وجود مؤامرات، ما أقصده أن شخصا يرى فقط المؤامرة في كل حدث أو موقف هو شخص ~~تشوهت نظرته للعالم؛ كما في قصة الذئب. أن تكون محقا مرة من كل عشر مرات ~~لن يحميك ولن يحمي القطيع من الخطر الذي تخافه. # 5 # مشكلتي ms13 الأكبر مع نظرية المؤامرة كطريقة لرؤية العالم لا تتعلق بكونها صحيحة أو ~~غير صحيحة، مشكلتي معها في الغالب أنها خطاب - حتى في الحالات التي يكون فيها على ~~صواب - يركز غالبا على عنصر وحيد من عناصر المشكلة؛ وهو أفعال الآخر ضدك ~~(فردا، أو جماعة، أو دولة)، مع تجاهل عواقب أفعالك الخاصة (ما تفعله أو ما لا ~~تفعله). تتحول النظرية في أوقات كثيرة إلى خطاب تبريري، بدلا من أن تكون أداة ~~للفعل. لكن فكر: لو أنك ترى العالم فقط كساحة معركة، كم سيكون سخيفا أن ~~يبرر قائد ما خسارته للمعركة بحجة أن الجيش المعادي كان يقتل جنوده؟! # | طرق # 1 # لنتخيل طريقا ما ينقسم مثلا إلى ثلاثة طرق فرعية، ينقسم كل طريق ~~فرعي بدوره بعد مسافة إلى ثلاثة طرق أخرى، وهكذا باستمرار. يتفرق الناس ~~إذن مع الوقت في الطرق التي كانت طريقا واحدا؛ سيأخذ فريق من الأشخاص دائما ~~الطريق الأول دون تفكير، وسيأخذ فريق آخر الطريق الثالث دون كثير من ~~التمهل، بينما سيأخذ فريق الطريق الثاني. لو أن أحدهم تمكن من النظر إلى ~~شبكة الطرق هذه من أعلى فقد تبدو كشجرة كبيرة كثيفة الفروع؛ حين يتحرك ~~الناس في طرقها، ستبدو لوهلة كأنها تتحرك أيضا. وقد يحس من ينظر ~~وقتها أنها، كأي شجرة، بها الكثير من الفروع والأوراق، بعضها حي وبعضها ميت، ~~لكنها ستواصل النمو حتى النهاية: نهايتها. # 2 # سواء أدركنا هذا أو لم ندرك؛ كلنا يمتلك تصورا ما للحياة. قد يكون ~~هذا التصور ناضجا وقد يكون غير ناضج، قد يتبدل بتبدل مواقعنا، وقد ~~يظل ساكنا أو شبه ساكن، قد يكون واضحا أو مشوشا. لكننا نسير على ~~هديه على أي حال كأنه مصباح متخيل، أو ربما خريطة، لكنها خريطة ~~ليست صحيحة بالضرورة، لا ترشدنا دائما إلى المكان الذي نحتاج للوصول إليه. قد ~~لا نعلم أصلا إلى أين نريد أن نذهب، لكننا نواصل الحركة؛ ربما يكون الحفاظ ~~على حركتنا أهم من الوجهة التي تأخذنا إليها. نسير مع هذا خائفين من أن ~~نضل، خائفين من أن ms14 يسبقنا الآخرون، أو أن نؤدي أسوأ من أداء الآخرين، ~~وقد يتعاظم هذا الخوف عند البعض للدرجة التي يمنعهم فيها من الحركة تماما. ~~هذا الخوف قد يكون أحد أسباب عدائيتنا تجاه المختلفين في بعض الأحيان؛ فمجرد ~~معرفتنا بوجودهم قد يكون مقلقا لنا، ومهددا لرضانا باختياراتنا. يقول هرمان هسة ~~في رواية دميان (من ترجمة عبده الريس): «عندما تكره شخصا ما فأنت تكره شيئا فيه ~~هو جزء من نفسك؛ إن ما ليس جزءا من أنفسنا لا يزعجنا.» # 3 # عند كل مفترق طرق، غالبا ما سيهاجم أصحاب كل طريق من اختاروا الطريقين ~~الآخرين. أتخيل أحدهم يقول: «لقد قدتنا خلال الدرب الأول في المرة ~~الماضية وكنت مخطئا.» أو: «أنت تقودهم إلى الطريق الثالث الذي سيهلككم ~~جميعا.» أو: «أنت دائما تريد الأمان، دائما تختار المواءمات؛ ولهذا اخترت ~~الطريق الثاني.» سترى أناسا يسيرون دائما مع الفريق الذي يتخيلون أنهم ينتمون ~~إليه بشكل أكبر، دون أن يفكروا كثيرا في الطرق نفسها وطبيعتها، سيقول ~~أحدهم: «كثير ممن أعرفهم سيسيرون من هذا الطريق، لا بد أنهم على ~~صواب.» # 4 # رغم فوائده، يؤثر انتماؤنا إلى جماعة على حكمنا على الأمور أحيانا، بحيث ~~إن تقديرنا لبعض الأمور يختلف حال وجودنا منفردين، عن تقديرنا للأمور نفسها ~~ونحن في جماعة ما. والمقصود هنا ليس مجرد الوجود وسط حشد ما من البشر بالمصادفة ~~مثلا، لكن المقصود هو ما وصفه «غوستاف لوبون» بالجماعات المنظمة أو الجماعات ~~النفسية، والتي يرى أنها تتكون حين يكتسب لفيف من الناس صفات جديدة مختلفة ~~عن صفات كل فرد من هذا اللفيف؛ فتتلاشى الشخصية الواعية، وتتجه أفكار كل ~~واحد منهم نحو جهة واحدة، وتتكون روح مشتركة. # يقول غوستاف لوبون في كتاب «روح الجماعات» (وأعتمد هنا على ترجمة عادل زعيتر): # وهكذا ترى محلفين يصدرون أحكاما يعيبها كل واحد منهم على ~~انفراد، وهكذا ترى مجالس برلمانية تسن قوانين وتتخذ تدابير يرفضها ~~كل عضو من أعضائها على حدة، وهكذا كان حال رجال مجلس العهد من ~~أبناء الطبقة الوسطى ذوي العادات السلمية، فلما اجتمع أولئك الرجال ms15 ~~وتألفت منهم جماعة لم يترددوا، بتأثير بعض الزعماء، في إرسال أوضح ~~الناس براءة إلى المقصلة. # ويقول أيضا في الكتاب نفسه: # تلك هي حال الفرد في الجماعة تقريبا، وفي الجماعة يعود الفرد غير ~~شاعر بأفعاله، وعند ذلك الفرد، كما عند المنوم، فيما تزول بعض الملكات ~~تشتد ملكات أخرى اشتدادا عظيما، فيندفع الفرد، بفعل التلقين، في ~~إنجاز بعض الأعمال صائلا صولة لا يقدر على مقاومتها، وتكون الصولة أشد ~~اندفاعا في الجماعات مما في المنوم؛ وذلك لأن التلقين إذا كان واحدا ~~لدى جميع الأفراد في الجماعات يزيد بالتفاعل، وأفراد الجماعة الذين لديهم ~~من قوة الذات ما يقاومون به التلقين قليلون إلى الغاية، ويجرهم ~~السيل، وإنما الذي يستطيعون محاولته هو تحويل المجرى بتلقين مختلف، ~~فهم إذا ما صدرت عنهم كلمة طيبة أو أثاروا خيالا ملائما ~~أمكنهم في بعض الأحيان أن يصرفوا الجماعات عن اقتراف أفظع ~~الأفعال. # 5 # سيفكر أفراد هذه القلة التي تحدث عنها «لوبون» كل مرة في الاختيارات ~~نفسها بجدية، سيقلبون الاحتمالات في رءوسهم، سيتساءلون عن جودة كل اختيار ~~وميزاته وعيوبه، محاولين أن يتعلموا من اختياراتهم السابقة، ومن آراء الآخرين ~~وتجاربهم. قد يفكر أحدهم مثلا: «هل يشبهني هذا الطريق أم لا؟» ذاتهم ~~حاضرة، حيرتهم الحقيقية تشي بهم، يرون أكثر من غيرهم أحيانا، أقل ~~منهم أحيانا، يتبلبلون في أوقات كثيرة في اختيارات تبدو واضحة، هم يعلمون أن ~~التعميمات والرؤى القبلية قد تكون حجابا على العقل، يقولون: «أحيانا يكون ~~هناك طريق واحد صحيح، وأحيانا يكون هناك أكثر من طريق صحيح، وأحيانا أخرى ~~تكون كل الاختيارات وهمية، وفكرة الاختيار نفسها فخ.» # كأننا نحتاج من يذكرنا: نحن أحرار، والحرية تعني - من ضمن ما تعني - ~~الاستقلال المادي والفكري، تعني أنه من حقك أن تسير في الحياة بأي ~~شكل تختاره، دون أن يعتبر بعض أفراد المجتمع ما تفعله في حياتك الشخصية أمرا ~~يملكون أن يعاقبوك عليه. أحيانا نتقمص المجتمع نحن أنفسنا؛ فنحاول أن نتبع ~~النموذج الذي وضعه، ونعاقب أنفسنا لأننا لم نتبعه، رغم أنه حقيقة لا يناسبنا ~~ولا يقنعنا ms16 ولا نريده. ربما، كي لا نبقى وحيدين. # | إعادة تشكيل العالم # 1 # ما زال جزء مني يعتقد أن هذا مستحيل، عقلي لا يستوعب الأمر بالكامل رغم أني ~~قرأت عن الجانب النظري فيه لمرات؛ ربما لأني غير متخصص، وربما يكون الأمر فعلا ~~غير معتاد. الآن وأنا أكتب على برنامج الكتابة في حاسبي الشخصي ما أكتبه الآن، ~~أتمنى لو أستطيع أن أفهم كيف فكر آلان ~~تيورنج # Alan Turing # في آلاته التي ستتطور لتصبح الكمبيوتر الذي نتعامل معه ~~بهذه العادية كجزء طبيعي ومعتاد ومتوقع من حيواتنا. كيف فكر في تصميمها؟ وما ~~الذي جعله يعتقد أنها ممكنة للدرجة التي حمسته بما يكفي لكي يتم ما أتم؟ ~~يمكن للكثيرين الآن أن يقوموا بتجميع جهاز حاسب شخصي بسهولة، لكن هذا لا يعني أنهم ~~يفهمون حقا كيف يعمل، لا يعني بالتأكيد أنهم لو عادوا بمعجزة ما بالزمن فسيكونون ~~قادرين على تكرار ما بدأه آلان تيورنج. جزء مني يحس أن ما فعله هو مستحيل ~~تماما وغير منطقي، لكني أراه الآن وأستخدمه، وهذا يشعرني بالضآلة، ويجعل جزءا ~~مني دائما يشك فيما أعتقده؛ ما أظن أنه ممكن وما أظن أنه غير منطقي. # كنت أشاهد فيلم # The Imitation Game # الذي يروي ~~جزءا من حياة آلان تيورنج، وأفكر من أي طينة تتكون العبقرية. لماذا لا ~~نستطيع أن نفعل ما يفعله هؤلاء الأفذاذ؟ هل هي الوراثة؟ هل هو العمل الشاق؟ هل هي ~~المعرفة؟ هل هو الشغف؟ هل يمكن أن تقرر أن تكون عبقريا؟ أشك في ذلك. لكن ~~يمكنك أن تعمل بأقصى ما تستطيع، وقد تتمكن حينها من أن تحقق أشياء ~~عظيمة. # في التاريخ نقرأ عن هؤلاء الرجال الذين يوسعون العالم بطرق لا يمكننا أن ~~نتخيلها؛ يثورون على ما يعتقد عامة الناس من أمثالي أنه طبيعي، وممكن، وعادي، ~~وغير قابل للتغيير. أحيانا يختفي هؤلاء الرجال بيننا، لا نعرفهم إن قابلناهم في ~~الطريق، ربما لا نعتقد أنهم يستحقون أن ننظر لهم نظرة ثانية؛ إن سمعناهم فقد ~~نصفهم بالغباء، أو بنقص في العقل، دون أن نعلم أن ms17 النقص والغباء في عقولنا نحن، ~~وكما يقول الفيلم: «أحيانا الأشخاص الذين لا نتوقع منهم أي شيء هم من يقومون ~~بالعمل الذي لا يمكن لأحد أن يتخيل إمكانه.» # 2 # يقول والتر إيزاكسون عن أينشتاين (في كتابه: «أينشتاين: حياته وعالمه»/ترجمة: ~~هاشم أحمد محمد): # جاء نجاحه من تشكيكه في المنطق السائد، وتحديه للسلطة، ووقوفه مذهولا ~~أمام ألغاز رآها الآخرون أمورا عادية مألوفة لدرجة الابتذال، وأدى به ~~هذا إلى اعتناق أخلاقيات وميول سياسية قائمة على احترام العقول الحرة، ~~والأرواح الحرة، والأشخاص الأحرار؛ فقد كان يبغض الطغيان، ولم يكن يرى في ~~التسامح فضيلة مستحبة فحسب، بل شرطا ضروريا للمجتمع المبدع، وقال: ~~«من المهم أن نشجع الفردية؛ لأن الفرد وحده قادر على أن يبتكر الأفكار ~~الجديدة.» # هذه النظرة جعلت أينشتاين متمردا يقدس تناغم الطبيعة؛ شخصا لديه المزيج ~~الصحيح من الخيال والحكمة لتغيير مفهومنا للكون. وهذه الصفات لها أهميتها في هذا ~~القرن الذي تسوده العولمة، والذي يعتمد نجاحنا فيه على قدراتنا الإبداعية، كما كان ~~لها أهميتها في مطلع القرن العشرين عندما ساعد أينشتاين في مولد العصر ~~الحديث. # علماء فيزياء أفذاذ لم يتمكنوا من استيعاب أو تقبل الأفكار الثورية ~~لأينشتاين، ولسخرية القدر لم يتمكن أينشتاين نفسه - فيما بعد - من تقبل ~~الأفكار الثورية التي قدمتها نظرية الكم التي كان أحد روادها الذين ~~مهدوا لها الطريق، يقول هو عن ذلك: «جعلني القدر سلطة ليعاقبني على احتقاري ~~للسلطة.» # يقول جايمس غليك عن هذه الظاهرة (في كتابه: «نظرية الفوضى: علم اللامتوقع»): # من الممكن امتصاص الأفكار السطحية؛ فيما تثير الأفكار التي تتطلب من ~~الناس إعادة تنظيم صورة الكون في مخيلاتهم، عداوات مرة. # 3 # ما الذي يجعل هذه الثورات ممكنة؟ أظن أن الإجابة لا تكمن فقط في وجود الشخص ~~الذي يملك المقدرة والشغف؛ فلا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون في استطاعته أن يسأل ~~السؤال الصحيح في الوقت الصحيح، أن يجد لغزه الخاص، تلك الأحجية التي يعلم أن ~~السعي وراء حلها يستحق أن يخصص له وقته، وأن يراهن عليه. الفكرة في العقول ~~التي تنظر ms18 إلى عادي الناس ومألوفهم لترى غير المنطقي أو غير المكتمل؛ العقول التي ~~تتحدى رؤيتنا المعتادة للعالم بثورتها وتمردها. لا أعلم كيف يتمكنون من ~~الحفاظ على شغفهم هذا متقدا، دون ملل أو يأس، دون أن تتسرب إليهم تلك ~~الواقعية البلهاء التي تجعلهم يلتصقون بأرض الناس العاديين من أمثالنا من جديد، ~~وتجبرهم على التوقف عن التحليق. # | تعليمات مقترحة لغارق في متاهة # 1 # لنتخيل أول جدار يبنيه إنسان. بجواره شخص ما يشعر بالراحة أو بالفخر. ربما كان ~~يبحث عن الأمان، أو عن الدفء. لعل الأمر استمر كذلك فترة طويلة قبل أن يكتشف البشر ~~وظيفة أخرى للجدران، أو - على الأقل - فهما آخر لوظيفة قديمة هي الأمان. وقتها لم يعد ~~الخائف هو من يختبئ داخل الجدران بالضرورة، فقد صرنا أحيانا نضع مصدر الخوف داخل ~~الجدران، الآن لم يكن الجدار مجرد بيت، بل صار سجنا أحيانا. في الحقيقة تحول ~~الأمر بمرور الوقت إلى أن صار كل جدار يمارس بشكل ما الوظيفتين معا، بنسب ~~مختلفة. # 2 # تشبيهك بالسجين ليس تشبيها محكما كما تعتقد. على الأقل ليس حسب الفهم الشائع. ~~أنت مقيد داخل الحوائط أوافقك على هذا، لكنك تدرك مثلي أن ما يمنعك من الخروج ليس ~~فقط الناس والحجارة، بل شيئا ما داخلك. يمكنك أن تستبدل خوفك بهوس ما بتحطيم ~~الحوائط دون أن تصير حرا ودون أن تخرج للنور. # 3 # مشكلة الحوائط هي وظيفتها المزدوجة: الأمن/السجن. كل حائط هو ذو وجهين بالضرورة، ~~وغالبا يغريك الحائط بأحد وجهيه ويهددك بالآخر كي تبقى داخله، وأنت قد تبقى في ~~داخله، أو قد تنشغل بتحطيمه، دون أن تسأل نفسك السؤال الأهم: ماذا أريد؟ # لماذا هذا السؤال؟ لأنك مهما كنت بارعا في تحطيم الحوائط، لا يمكنك تحطيمها ~~جميعا، أنت حتى لا تريد أن تحطمها جميعا، لا يمكنك أن تتخلى عن كل مصادر الأمن في ~~العالم، لمجرد إرضاء هوس ما. إن تمكنت من معرفة ما تريد، فقد تبدأ بشكل ما في التحرر ~~أو السعي نحو عالم يشبهك. # ملحوظة: قد يغضب البعض من فكرة بناء ms19 الحوائط وفقا لهواك، لكن إن كنت متأكدا مما ~~تريد فلا تعبأ بهم. # 4 # الجدار ليس شرا بالضرورة، مجرد وجوده ليس مشكلة، المشكلة إن كان يقف بينك وبين ~~ما تريده أنت، وإن كنت تعلم أن ما وراء هذا الجدار هو حقا ما تريده، وكنت ترى أن ~~ما وراءه يستحق الجهد، والمعاناة، ومكابدة الخوف، فستبدأ بتحطيمه. # | أسئلة الفأر في المتاهة # 1 # فأر يوضع في المتاهة للمرة الأولى، يتحسس طريقه بتشكك، يشمشم هنا وهناك، في ~~الجو رائحة قطعة من الجبن أو الشوكولاتة يريد أن يصل لها، في المتاهة أبواب، ~~عليه أن يتعرف كيف يفتحها ليصل إلى هدفه. مع الوقت يصبح الفأر متآلفا مع المتاهة، ~~في المرات التالية يسير إلى هدفه بسرعة أكبر، يفتح الأبواب بالطريقة التي ~~تعلمها في المرات السابقة ليصل. في هذه المتاهة يتحول السلوك الذي ~~تعلمه الفأر مع الوقت إلى روتين؛ سلوك مألوف تعززه المكافأة التي تنتظره ~~في النهاية. من كثرة ما قرأنا عن هذه التجربة لسنا في حاجة إلى التكلم عنها ~~كثيرا. # غرض التجربة هو معرفة كيف يعمل العقل؛ في البداية يبذل الفأر مجهودا عقليا ~~كبيرا لاستكشاف المتاهة، ثم مع الوقت يتحول سلوكه إلى سلوك روتيني يبذل فيه قدرا ~~محدودا من الطاقة الذهنية. شاهد العلماء في هذه التجربة سلوك الفأر وهو يتغير ~~وفقا للبيئة ويتحول إلى روتين من خلال عملية من ثلاث مراحل تتكرر بشكل تلقائي: ~~محفز، عادة، مكافأة. دورة تلقائية يخلقها العقل بشكل تلقائي. # 2 # الفأر هنا حبيس المتاهة، ويتم التحكم فيه بواسطة غرائزه نفسها. أي فأر جائع ~~بما يكفي سيتبع رائحة الطعام. الفارق بين هذا الفأر وفأر خارج المتاهة أن الفأر ~~خارج المتاهة متاحة له خيارات أكبر، وفرص أكبر، وربما مخاطر أكبر كذلك. الفأر في ~~الخارج لا يعرف الحوائط بالطريقة التي يعرفها فأر المتاهة، يعرف طبيعة غير ~~مروضة. نظريا - على الأقل - الفأر في الخارج أكثر حرية، ويتحكم في تصرفاته ~~بشكل أكبر. الفأر داخل المتاهة على النقيض، يختار بين بدائل محددة توضع أمامه، ~~لكنه في النهاية خيار زائف؛ لأننا ms20 نعلم مسبقا أنه - باعتباره فأرا تم تجويعه - ~~سيختار الطريق الوحيد الذي يوصله للطعام. # 3 # ما نعلمه عن العالم اليوم أكثر بكثير مما كان يعلمه أسلافنا عنه. تقدم العلم ~~وتطورت وسائل الاتصالات التي سهلت الوصول إلى المعلومات، وهو ما يفترض أن ~~يؤدي تلقائيا إلى زيادة وعينا، وزيادة رشادة اختياراتنا، وهذا صحيح جزئيا في ~~بعض المجالات، لكن «جون ديوي» يشير في كتابه «الحرية والثقافة» إلى أنه نتيجة لتقدم ~~الصناعة وانتشار التخصص، صار العامل لا يعلم أكثر من شذرة صغيرة عما يصنعه، ~~ويؤدي وجود عدد كبير من المعلومات المتناثرة إلى حدوث أثر تشويشي أحيانا؛ ~~ونتيجة لذلك صار الإنسان المعاصر يعرف أقل فأقل عن الأمور الأكثر ارتباطا بحياته. ~~وفي سياق مختلف يشير «جون كنث جالبريث» في كتابه «اقتصاد الاحتيال البريء» إلى دور ~~الدعاية التي تمارسها الشركات الكبيرة في التأثير على سلوك المستهلك، والتشويش ~~عليه، وإقناعه في كثير من الأحيان بشراء واستهلاك ما لا يحتاجه. # 4 # يولد الإنسان منا في مجتمع ما، يعلمه هذا المجتمع الكثير عن نفسه وعن الحياة ~~والكون، يعلمه الكثير عن كيفية التصرف. في كثير من الأحيان تكون مخالفة المجتمع ~~أو مراجعة أفكاره التي يتبناها أمرا محفوفا بالمخاطر. المثال الأشهر في هذا ~~السياق هو «جاليليو» حين دافع عن كون الأرض كوكبا يدور حول الشمس، متابعا في ذلك ~~رؤية «كوبرنيكوس» للكون، ومخالفا رؤية معاصريه الذين كانوا يؤمنون بثبات ومركزية ~~الأرض، وهو الاعتقاد الذي أدى إلى محاكمته، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله، ~~وإجباره على التراجع عن أفكاره. # 5 # افترض أن هذا الفأر أدرك بالضبط حقيقة وضعه، بوصفه فأرا يسير في الطرق الضيقة ~~لمتاهة صناعية يتم التحكم بها وبه من الخارج، هل على الفأر أن يقرر بالضرورة أنه ~~يريد الخروج من المتاهة؟ هو لا يعرف شكل الحياة خارج المتاهة، ربما حتى غير قادر ~~على تصورها؛ قد تكون أسوأ من الحياة التي يعيشها، هو يحصل على الغذاء في متاهته، ~~يحس بالألفة معها بشكل ما؛ لأنه لم يعرف غيرها، هل عليه أن يخرج من هذه ~~المتاهة؟ ms21 # 6 # المتاهة ليست بالضرورة خارجنا، أحيانا تكون أجزاء منها في داخلنا، تتحكم في ~~تصرفاتنا وأفكارنا، ربما كعمى اختياري للألوان، يختار فيه عقلنا ألا يرى سوى ~~ألوان بعينها، ويتجاهل ألوانا أخرى؛ فقط لأنها لا تناسب ما تعلمه. كل منا ~~يمتلك سقفا يعلو على هذه الحقائق الصغيرة المتناثرة التي تحيط بنا، سقفا من ~~القناعات يخيط واقعنا ليجعله متماسكا في عيوننا، سقفا يحمينا ويحجب عنا ~~السماء الحقيقية؛ السماء غير المروضة. # 7 # افترض أن الفأر أدرك فعلا من خلال حدس ما طبيعة وضعه بالضبط، وقرر أنه يريد ~~الخروج؛ كيف له أن يخرج من هذه المتاهة؟ بالنسبة لفأر عاش حياته بالكامل داخل ~~متاهة، الحوائط ليست حوائط، الحوائط هي العالم، وما دام لا يراها كحوائط، قد لا يكون ~~قادرا على القفز من فوقها أو تجاوزها إلى ما بعدها. ما الذي يفترض بفأر ولد ~~في المتاهة أن يفعله إذن؟ ربما يحتاج بشكل مبدئي أن يرى الحوائط كحوائط. # 8 # افترض أن الفأر خرج من متاهته ليجد متاهة أخرى أكبر في انتظاره، هل يمكن فعلا ~~الخروج من كل المتاهات؟ هل نرغب في الخروج من كل المتاهات؟ # 9 # لا أقول هنا إن الحرية الفردية غير موجودة، أو إن الفرد مسير على الدوام، ~~لكني أقول إننا قد لا نكون دائما أحرارا في اتخاذ قراراتنا التي نظن أننا ~~نتخذها، قد تحكمنا حوائط غير مرئية، ووسائل تحكم لا نشعر بها. أحيانا يفيد ذلك ~~في تسهيل سيرنا في الحياة، وأحيانا ما يكون مضرا للغاية، لكن ما دام لا يعي ~~الفأر أنه في متاهة، قد يعيش فيها طوال حياته دون أن يدرك أنه عمليا لا يأخذ أي ~~قرارات حقيقية. قد ينشأ الفرد منا، ويتزوج، ويربي الأولاد، ويموت، دون أن يأخذ أي ~~موقف حقيقي، أو قرار مصيري، يكتشف أنه - كما يقول «إليوت» في مسرحيته «لم شمل ~~العائلة» - من الأشخاص الذين «لم يحدث لهم أي شيء، على الأكثر تأثر مستمر ~~بأحداث خارجية.» ربما فقط لأنه خائف، أو لأنه لا يستطيع أن يرى الحوائط، أو لأنه ~~اختار ألا ms22 يراها. # | السير في الزمن # 1 # رجل عجوز أو شاب صغير، يبدأ حكايته: «كان يا ما كان»، ثم ينتقل بالأحداث على ~~حريته؛ يبطئ حينا عند مشهد ما ويسهب في وصفه، ويسارع في مشاهد أخرى فيجعلها ~~متتابعة تخطف الأنفاس، قد ينتقل من الزمن الحاضر إلى الماضي: «وكان قبلها قد حدث ~~أنه ...» أو يقفز إلى المستقبل دون تمهيد: «ثم/بعد عشر سنوات/في النهاية ...» أو ربما ~~يخلط بين الأزمان بشكل غير منتظم: ماض حاضر ماض ماض ... وهو في هذا كله كحكاء ~~بارع يراعي التشويق، يعرف أن الحدث (الحدوتة) لا يكفي، وأن الطريقة التي يقول بها ~~قصته قد تكون أهم من القصة. لكن المسألة ليست فقط في التشويق، الفكرة هي أن شكل ~~الزمن الخطي الذي نعرفه لا يعبر دائما عن أفكار الإنسان ومشاعره بشكل كاف، ~~الإنسان يكون في لحظته الحاضرة مرتبطا بلحظات بعينها في ماض قريب أو بعيد، ~~يستعيدها حنينا، أو ندما، أو تأملا، يستعيدها لصلتها بحاضره، أو لأنها أبعد ما ~~تكون عن حاضره. الإنسان يتطلع أيضا للمستقبل، يتشبث به كمهرب، أو يخاف منه ~~كخطر، أو يتساءل بخصوصه بحيرة. لحظة أو فكرة ولدت منذ عشرين عاما أو أكثر، ~~قد تساعد على فهم اللحظة الراهنة لهذا الإنسان، بشكل أكبر من أحداث أسبوعه أو عامه ~~السابق أو ربما عدة أعوام ممتدة. قد يحس الإنسان الدقائق القليلة ساعات ~~حين ينتظر أو يتألم، وتمر الساعات كثوان أوقات السعادة، إحساسه بالزمن يختلف عن ~~مروره الواقعي، ولا يهم وقتها ما تقوله له ساعة الحائط. # 2 # في مشهد من فيلم آلة الزمن # The Time Machine ~~2002 ~~، يوغل البطل في السفر عبر الزمن أسرع فأسرع. في البداية يكون ~~التغير هو تبدل واجهات المتاجر، ثم المتاجر نفسها ثم الشارع بأكمله. حين يسافر ~~بشكل أسرع في مشهد تال تتسارع التغيرات، فنرى زوال مدن، انفصال أراض عن بعضها؛ ~~تتغير الجغرافيا، مع تغير شكل الأرض كما نعرفه. المشاهد تتتابع في إيقاع متسارع ~~لتعطي لمحة من إدراك مختلف للزمن. عادة حين نتأمل في امتداد الكون، نفكر في ~~امتداده المكاني، ms23 في اتساعه اللامتناهي، في السنوات الضوئية، تخطر في رءوسنا صور ~~الكواكب والشموس والمجرات، لكن جمال هذه اللقطة المميزة - من فيلم متوسط المستوى - ~~هو أنها تنبهنا من خلال حاسة البصر أن اتساعا مماثلا وربما أكبر يمتد على محور ~~الزمن أيضا. في هذه اللحظة ثبت المخرج كاميرا خيالية في نفس المكان لمدة آلاف ~~السنوات، ثم عرض علينا المشهد بعد زيادة سرعته آلاف المرات؛ يشبه الأمر - لكن على ~~نطاق أوسع - تصوير نمو النباتات من أجل عرضه في لقطة قصيرة، يبرز فيها البرعم من ~~التربة، ثم ينمو، وينشق عن الزهور، ثم الثمار، ثم يذبل ويموت في ثوان معدودة، في ~~لقطة واحدة، نرى من خلالها ما لا تراه أعيننا المجردة عادة، نرى حركة النبات في ~~الزمن، ونحن لا نراه بهذه الطريقة ببساطة لأن الإنسان يعيش بإيقاع مختلف عن إيقاع ~~هذه النبتة. # 3 # في كتابه المعنون «تنينات عدن: تأملات عن تطور ذكاء الإنسان»، يورد كارل ~~ساجان فقرة إيضاحية لإيقاع الأحداث على مدار عمر الكون يقول فيها (وفقا لترجمة: ~~سمير حنا صادق): «أفضل الطرق في رأيي للتعبير عن هذا التاريخ الكوني هي ضغط 15 ~~بليون سنة - التي هي عمر الكون - في سنة واحدة. وهكذا يصبح كل بليون عام من تاريخ ~~الكون معادلا لحوالي 24 يوما من سنتنا الكونية، وستصبح كل ثانية من هذه ~~السنة الكونية معادلة لدوران الأرض 475 مرة حول الشمس (أي 475 سنة).» ويوضح كيف ~~يبعث فينا الوعي بهذا الإيقاع الزمني الشامل شعورا بكثير من التواضع؛ «فالأرض لم ~~تتكون إلا شهر سبتمبر، والديناصورات تظهر في ليلة عيد الميلاد، وتظهر الزهور في ~~28 سبتمبر. أما ظهور الرجال والنساء فقد حدث في ليلة رأس السنة، ويحتل ما سجل ~~من أحداث في التاريخ الثواني العشر الأخيرة. ورغم ضخامة ما شغلنا من وقت في تاريخ ~~الكون، فمن الواضح أن ما سيحدث على الأرض خلال السنة الكونية المقبلة سوف يعتمد على ~~حكمة العلم وعلى الحساسية الإنسانية للجنس البشري.» # 4 # تعلم بشكل معتاد وأنت تشاهد السماء في ليلة صافية، أنك تشاهد ms24 نجوما ماتت منذ ~~آلاف أو ملايين السنوات؛ وبالتالي فمفهوم التزامن - أي حصول حدثين في نفس الوقت - ~~أحيانا ما يكون أمرا نسبيا: هذه النجمة موجودة الآن معي لكنها ماتت منذ قرون. ~~نؤمن الآن بأمور كانت تبدو مستحيلة؛ الزمن (الزمن الفيزيائي) لا يمر علينا بنفس ~~الطريقة، إذا صعد أحدهم إلى صاروخ يسير بسرعة الضوء فإن الزمن سيمر عليه وفقا ~~لنظرية النسبية بشكل أبطأ من توءم له بقي على الأرض. # 5 # هذه الكلمة (الزمن) التي تبدو بسيطة، تحمل داخلها معاني متباينة تماما تختلف مع ~~السياق، ولكن الزمن في كل السياقات عنصر من أهم العناصر التي نحس بها بأنفسنا ~~ككائنات حية تفكر. في حكايتنا كجنس بشري، وفي حكاياتنا كأفراد، نسير في الزمن ~~واعين به أو غير واعين، لكنه يظل العنصر الأهم في أي قصة. ربما اعتاد أجدادنا أن ~~ينظروا إلى الزمن ببساطة كخط ينتقل من الأمس إلى اليوم، ثم إلى الغد، في تواصل لا ~~يتوقف، لكن الزمن كأي شيء يظهر بشكل مختلف كلما دققنا فيه أكثر؛ فتزداد ~~حيرتنا حين ننظر لأنفسنا في مرآته. # | حدث في المستقبل # 1 # لو أننا نستطيع أن نمثل حياة إنسان ما بخط مستقيم يبدأ من لحظة ولادته ~~وينتهي بلحظة موته، فإن فكرة السفر عبر الزمن كما نراها في بعض روايات وأفلام ~~الخيال العلمي ستعقد هذا الخط قليلا، فإذا عاد الشخص مثلا بالزمن ليقابل ~~نفسه في لحظة بعينها، حينها يمكن أن نفترض أن شكل الخيط سيتعقد قليلا، بحيث ~~يستدير ليلتقي بنفسه في عقدة متخيلة، قد يعود بعدها الخيط لطريقه المعتاد ليصل ~~إلى لحظة الوفاة. # في قصص أخرى تتشابك الأحداث بدرجة أكبر بحيث يزداد تعقيد الشكل المتخيل لخيط ~~حياة البطل، لكن في فيلم Predestination-2014 # سيتعقد هذا الخط لدرجة تحس معها أنك تنظر إلى قطعة من الخيط التفت حول ~~نفسها، بحيث لا تستطيع أن ترى نهايتها من بدايتها؛ أو بكلمات أخرى: تعقدت بحيث ~~أصبح من الممكن أن تعتبر أي نقطة في الخيط هي نقطة بداية تستطيع السير منها كقارئ ~~أو مشاهد إلى بقية ms25 أجزاء الخيط. # 2 # سيتناول هذا المقطع (رقم 2) بالحكي أحداث فيلم Predestination ~~. قد يفسد هذا على البعض ~~مشاهدتهم للفيلم، يمكن تجاوزه مؤقتا لحين مشاهدة الفيلم إن رغبت في ~~ذلك. # الفيلم في الأساس مأخوذ عن قصة قصيرة لروبرت أ. هينلين # Robert A. Heinlein # بعنوان # All You ~~Zombies ~~؛ وهي كما تبدو من خلال الفيلم المأخوذ عنها قصة ~~عجائبية الطابع، تثير الدهشة، ويبرز على مدار أحداثها عدد من المفارقات. # بطلة الفيلم ولدت بأعضاء أنثوية وذكورية مكتملة، وهي لا تعلم هذا منذ البداية، ~~تعيش كأنثى عادية بأفكارها ومشاكلها، حتى تجيء اللحظة التي تتعرض فيها نتيجة ~~لولادة متعثرة إلى إزالة الرحم، ويقوم الطبيب الذي يكتشف الأمر أثناء الولادة ~~بتحويلها إلى ذكر. غريب، أليس كذلك؟ ليس هذا كل شيء؛ البطلة تغرم برجل في مرحلة ~~ما من عمرها، تكون بينهما علاقة متفردة، ثم يختفي. تكتشف فيما بعد أن هذا البطل ~~هو ذاتها المستقبلية، والطفلة/الطفل الذي ولد منها سيتم إعادته بالزمن إلى لحظة ~~ولادتها ليكون/تكون هي نفسها. الفيلم إذن يفترض أسرة كاملة من أب وأم وطفلة، كلهم ~~نفس الشخص. البطل في الفيلم يطارد مجرما عبر الزمن سيكتشف أنه هو نفسه. باختصار؛ ~~تقريبا كل الشخصيات المهمة في هذا الفيلم هي تجليات لنفس الشخص في مراحل حياته ~~المختلفة، ونتيجة لفكرة السفر عبر الزمن، نكون قادرين مثلا على مشاهدة البطل وهو ~~يطلق النار على نفسه، لا على سبيل الانتحار، بل على سبيل القتل، يصوب المسدس في ~~غضب، بينما نسخته الأخرى تحاول إقناعه بألا يفعل، ثم يطلق الرصاص على نسخته ~~العجوز. # 3 # مع تكرار كتابة قصص وروايات وسيناريوهات أفلام تتناول فكرة السفر عبر الزمن، ~~أصبحت فكرة مألوفة للكثير منا، لم تعد تثير دهشتنا بنفس الدرجة، ولم تعد ~~صعبة الفهم أو التصور بالنسبة لنا؛ وهو ما يجعلنا ككتاب وقراء ومشاهدين ~~ننتبه إلى جوانب أخرى من القصص التي تحتوي ضمن أحداثها على سفر عبر الزمن. فكرة ~~السفر عبر الزمن هي أحيانا مجرد خلفية أو حيلة لمناقشة أسئلة وقضايا وجودية، ~~يمكننا أن نتواصل معها ونحس بالألفة ms26 معها رغم أنها تحدث في سياق خيالي؛ لأن البطل ~~الذي يعود بالزمن، والأسئلة التي تتمخض عن هذه العودة حول إمكانية تغيير الماضي أم ~~لا، هي أسئلة قديمة مرتبطة بفكرة القدر، والمصير، والاختيار، والحتمية. # للتوضيح يمكن تخيل أن يكتب أحدهم معالجة عصرية لقصة «أوديب» مثلا، فيستبدل ~~السفر عبر الزمن بالنبوءة التي بدأت بها المسرحية اليونانية؛ كأن تبدأ بمسافر من ~~المستقبل يجيء محملا بالمعرفة المشئومة، يجيء لمنع حدوث الواقعة، ثم يمكن للمعالجة ~~الحديثة أن تكمل أحداث المسرحية الأصلية دون تغيير كبير. ستظل الأسئلة التي تطرحها ~~المسرحية واحدة، وسيظل إحساسنا بالتعاطف مع البطل الذي يحارب بلا جدوى مصيره ~~المحتوم. وفي إطار سعي أبطال المسرحية لتفادي النبوءة التي بدأت بها الحكاية، ~~يلعبون في الحقيقة أدوارهم في تحقيق هذه النبوءة. # أيضا قصة «أهل الكهف»، سواء في معالجتها القرآنية أو في معالجة توفيق الحكيم ~~المسرحية لها، تتضمن السفر عبر الزمن. ففي بعض القصص الحديثة، نشاهد البطل الذي ~~يتم تجميده لمدة عقود أو قرون ليستيقظ بعد ذلك في زمن آخر لا يألفه (يحضر في ~~ذهني الآن فيلم # Demolition Man 1993 # على سبيل ~~المثال). وفي معالجته لقصة أهل الكهف، يستغل الحكيم القصة القرآنية ليصوغ ~~تساؤلاته عن الزمن، والقدر، والحب، والموت. يقول الحكيم على لسان «مشلينا» في ختام المسرحية: # إنا لسنا حلما. لا، بل الزمن هو الحلم! أما نحن فحقيقة. هو الظل ~~الزائل ونحن الباقون، بل هو حلمنا. نحن نحلم الزمن، هو وليد خيالنا ~~وقريحتنا ولا وجود له بدوننا. إن عقلنا المادي المحدود منظم جسمنا المادي ~~المحدود، آلة المقاييس والأبعاد المحدودة، هو الذي اخترع مقياس الزمن. ~~أولم نعش ثلاثمائة عام في ليلة واحدة فحطمنا بذلك هذا المقياس؟ نعم، ~~لقد استطعنا أن نمحو الزمن، تغلبنا عليه (لحظة) لكن - وا أسفاه! بريسكا - ~~ماذا يحول بيني وبينها الآن؟ الزمن؟ نعم محوناه، ولكن ها هو يمحونا؛ الزمن ~~ينتقم. إنه يطردنا الآن كأشباح مخيفة، ويعلن أنه لا يعرفنا، ويحكم علينا ~~بالنفي بعيدا عن مملكته. ربي! هذه المبارزة الهائلة بيننا وبين الزمن ~~أتراها انتهت بالنصر ms27 له؟ (بعد لحظة منهوكا) آه ... لقد تعبت ... تعبت من ~~الكلام ومن التفكير ... ومن الحياة، بل من ... الحلم ... هذه ليست الحياة ... بل هي ~~حلم مشوش مضطرب. # 4 # أحداث هذا الفيلم أبعد ما تكون عن الواقع، وعن أي تخيل لما هو ممكن الحدوث، ~~والغرائبية فيه ليست مقصورة على فكرة السفر عبر الزمن، بل تحس أن هذا السفر هنا هو ~~مجرد حيلة ليتمكن من تقديم استعاراته وصوره الخاصة. ومع ذلك نحس كمشاهدين ~~بالتوحد مع البطل. مع نهاية الفيلم، نحس كما في الأساطير الإغريقية بعجز البطل، ~~وبعبثية مسعاه. وربما أيضا تدفعنا التجليات المتنوعة لذات البطل(ة) في المراحل ~~المختلفة، للتفكير في التغير الكبير الذي يطرأ على ذواتنا مع مرور الزمن. حضور ~~النسخ المختلفة وصراعها، جعلني أفكر في الزوايا المختلفة التي يمكن رؤية ~~ومعايشة نفس الموقف من خلالها، بحيث يكون ما يرفضه البطل من زاوية ما، وفي زمن ~~بعينه، ويشعر بالغضب إزاءه، هو نفسه ما يحس بحتميته، ويقع تحت وطأته في سياق ~~مختلف قليلا أو كثيرا، وهو ما يذكرني بكتاب لم أقرأه بعد لبول ريكور عنوانه: ~~«الذات عينها كآخر». # | آنست نارا # | نرسيس وغولدموند لهرمان هسة # دائما يكتب هسة رحلة حياة، يكون فيها ما يشبه رحلته الخاصة، دائما يهتم بالأحداث ~~التي تجري داخل عقول أبطاله أكثر مما يهتم بما يجري خارجها، يصف كرسام أو كنحات. هو ~~مغرم بالفنون، كل الفنون: الكتابة، الموسيقى، الرسم، النحت. مغرم بالحياة. فلسفته ~~الخاصة تظهر دائما في كل قصصه، ورواياته التي يقول البعض عنها محقا إنها قد تكون مجرد ~~محاولات عديدة لكتابة نفس القصة، لكن هذا لا يقلل من متعتها ولا من تنوعها في نظري، ~~دائما أحب صحبة أبطاله. سمى روايته هذه نرسيس وغولدموند - وهما بطلا الرواية الرئيسيان ~~- وتكلم في أغلبها عن غولدموند وهو طبيعي فهو البطل الذي مر بكل الأحداث، اختار نرسيس ~~الذكي العقلاني البارع في التجريد وإعمال الفكر حياة التقشف التي تناسب مواهبه، ودل ~~صديقه الذي فكر في البداية أن يتبعه في دربه إلى طريقه الخاص، في الاتجاه المضاد. ومن ~~خلال ms28 حركة غولدموند، وتشرده، الحائر والحر، رأى العالم - ربما كما رآه هرمان هسة - ~~مليئا بالغباء والخوف، والغضب، والمرض. لكنه لا يخلو كذلك من الجمال، والمتعة. # في هذه الرواية كان هناك التناقض الذي يظهر دائما في كتابات هسة، والمتأثر بالطاوية، ~~والبوذية وفلسفات شرقية أخرى: الحركة من النقيض للنقيض هي الأصل، هذه الثنائية التي ~~تقسم العالم إلى ذكر وأنثى، خير وشر، ين ويانج ... يخرج هسة من هذه الفلسفة سحره الخاص. ~~في الرواية كما ذكرنا هناك نرسيس صاحب الميول العقلية، والذي يسير في طريق الرهبنة، ~~وهناك غولدموند بطبيعته الحسية الفنية، الذي يتعامل بعد أن يتعرف على طريقه الخاص، مع ~~الحياة بحواسه المختلفة، يرى ويتذوق ويحس ويحب، ويتخيل، ويتجول من قرية لقرية، طوال ~~حياته، مستمتعا بالحرية، والخبرات المختلفة. يتعلم بعد مصادفة مشاهدته لتمثال أبهره فن ~~النحت. وتكون الأجزاء التي تصف فيها الرواية مشاهداته في الطبيعة، أو تفكيره في أعماله ~~الفنية قبل وأثناء وبعد عملها ممتعة بوصفها الجذاب وعمقها في التعبير عن الأفكار ~~والمشاعر والصور. أيضا الأجزاء التي تصف علاقاته المختلفة مع النساء هي أجزاء ممتعة ~~وكاشفة أيضا. وبالتأكيد فإن الحوارات التي قامت بين الشخصيتين نرسيس وغولدموند معبرة، ~~وثرية، والتقابل بينهما طول الرواية حتى في الأجزاء التي لا يلتقيان فيها، سر من أسرار ~~متعة العمل. # يمكنك أن تتساءل بخصوص الرواية أسئلة عدة، منها: هل الأشخاص فيها من لحم ودم، أم ~~أنهم مجرد رموز أو إحالات لمعان ما؟ هل قصد وجود شخصيتين منفصلتين فعلا أم أنهما فقط ~~يشيران إلى جزأين من أجزاء كل إنسان؟ في كلا الحالين لا بد أن نراعي أن هرمان هسة يضع ~~الكثير من الإحالات في كتابته؛ في هذه الرواية مثلا، حتى أسماء الشخصيات لها دلالات ما. ~~لكن شرح التأويلات وبسطها ليس التعامل الأفضل مع هذه الرواية في رأيي؛ لأن المعنى ~~والتأويل هنا ليس بأهمية حالة التأمل ذاتها التي يضعك فيها النص. ولو دخلت إلى النص ~~بالشكل السليم، فستجد حتى في الفقرات العابرة ما يدعو للتأمل، ويحتمل النظر والتأويل. ~~الرواية في المجمل ممتعة، ككل ms29 ما قرأت لهسة من روايات، لكنها ليست عبقرية مقارنة ~~بروايات أخرى له. وتظل تحفته الأهم هي «لعبة الكرات الزجاجية»، لكن من يقرأ أيا من ~~رواياته سيستمتع (لم أحب قصصه القصيرة كثيرا). # مقتطف # لقد رسمت رسومات كثيرة وأضعتها كلها، ولكن يمكنني أن أخبرك عن سبب رغبتي في تعلم ~~حرفتك. لقد راقبت العديد من الوجوه والأشكال وبعد ذلك رحت أفكر فيها. بعض هذه ~~الأشكال كانت لا تني تغير علي، لكنها لم تمنحني السكينة. لاحظت دائما كيف أنه في ~~كل صورة ثمة شكل معين، يتكرر، كيف أن جبينا يبدو منطبقا على ركبة، ووركا مع كتف، ~~وكيف أن جوهر ذلك كله ينطبق وكيان الإنسان ومزاجه، الذي وحده يمكن أن يكون له مثل ~~هذه الركبة، أو الكتف، أو الجبين. وهذا أيضا لاحظت وجوده، وكنت قد شاهدته ذات ليلة ~~وأنا أساعد امرأة تلد طفلها، ومفاده أن أشد الآلام وأمتع اللمسات يعبر عنهما ~~تقريبا بطريقة واحدة. # | رواية المزحة لميلان كونديرا # رواية: المزحة. # تأليف: ميلان كونديرا. # ترجمة: أنطون حمصي. # في لحظة ما خلال مناورات المراهق لودفيك من أجل التأثير في ماركيتا الفتاة التي تثير ~~إعجابه، يشعر بالغيظ منها فيرسل لها ردا غرضه إثارة غضبها، والسخرية منها؛ فيقول: ~~«التفاؤل هو أفيون الجنس البشري! الروح المعافاة تفوح بنتن الغباء. عاش تروتسكي! ~~لودفيك.» العبارات التي كتبها دون حتى أن يؤمن بها تقلب حياته رأسا على عقب حين يعرف ~~بها زملاؤه في الحزب وفي اتحاد الطلاب، واعتبرت أنها عدائية للشيوعية. وفي سياق ~~مزايدات، وخطاب عام إقصائي مشوش سيطر على العصر في التشيك في ذلك الوقت، تتعقد الأمور. ~~يحاول لودفيك الدفاع بأن هذه العبارات مجرد مزحة كتبها بسرعة دون أن يفكر، لكن زملاءه ~~لا يصدقونه ولا يتعاطفون مع التبرير، بل ويقول أحدهم له: «من المحتمل أنك لم تكن لتكتب ~~هذا لو فكرت أكثر من ذلك. بهذه الطريقة كتبت دون قناع. بهذه الطريقة نعرف على الأقل من ~~أنت. نعرف أن لك وجوها: واحدا للحزب وثانيا للآخرين.» # هذه الحادثة التي يسترجعها لودفيك الرجل ذو السبعة ms30 والثلاثين عاما، صارت بالنسبة له ~~نقطة تحول أساسية في نظرته للدولة، والنظام. وصارت أيضا اللحظة التي ارتفعت فيها أيادي ~~مائة من زملائه وأصدقائه للتصويت ضده، إما مزايدة أو خوفا، لحظة مرجعية لنظرة متشائمة، ~~شاكة في الأشخاص، والعالم. # لكن هل الرواية عن لودفيك؟ لا أظن أن هذا القول سليم رغم أهمية لودفيك في أحداث ~~الرواية. فمن جهة أولى تستخدم الرواية رواة متنوعين، ومن خلال العيون المختلفة ، يتم ~~النظر إلى أحداث الحاضر والماضي من زوايا متنوعة. ومن جهة ثانية فعنوان الرواية ~~(المزحة) رغم أنه يشير بشكل واضح للحادثة المذكورة آنفا، إلا أن الرواية توضح مع ~~الوقت أن هذه المزحة التي لم يتم قبولها أو فهمها، هي مجرد مزحة من سلسلة من المزحات ~~أو المهازل التي تتكشف لعيون الأبطال، في نظام يتفسخ، تحت تأثير زيفه. الرواية ليست عن ~~شخص أيا كان، الرواية عن عصر. # كونديرا معماري بارع، فإذا كنت في حديثي عن رواية نرسيس وغولدموند لهرمان هسة قد أشرت ~~لعناصر مثل: رحلة الأبطال للبحث عن الذات، والاهتمام بما في داخل عقول الأبطال أكثر من ~~الاهتمام بالأحداث الخارجية، فإن الصفة الأنسب لعوالم كونديرا هي صفة البناء الكبير؛ ~~يقسم كونديرا الرواية إلى سبعة أجزاء ويقسم الأجزاء إلى فصول، وأثناء الانتقال من فصل ~~لآخر يحول وجهات النظر، ويضع كل قطعة في مكانها المناسب ليخلق فسيفساء كبيرة تنكشف ~~بنيتها مع تقدم الرواية. الأحداث في الرواية كثيرة ومتشابكة والسرد ينطلق من الحاضر ~~للماضي ذهابا وعودة، ويتسارع ويتباطأ ببراعة موسيقي موهوب. # كما قلت، هناك حدث مركزي لكنه ليس الحدث الوحيد، فحول هذه النقطة التي تقدم كنقطة ~~مركزية منذ البداية، كانت هناك نقاط أخرى أصغر أو لعلها بدت أصغر في البداية من حيث ~~وقفنا كقراء، لكن هذه النقاط معا شكلت زخرفة متشابكة متكاملة يمكنك أن تتحدث عن كل ~~نقطة منها كمركز: طرد لودفيك من الحزب، مضاجعته لهيلين، حكايته مع لوسي، حكاية كوستا، ~~حكاية جاروسلاف، المكان نفسه بطل، والتاريخ كذلك. طوال الرواية أنت منجذب كقارئ للسرد ~~الممتع، وهو ما يدفعك للتساؤل ms31 - إن كنت كاتبا أو قارئا واعيا - أسئلة تتركز حول بنية ~~الرواية، تحاول في عقلك عمل هندسة عكسية لهذه البنية، بغرض استنتاج الطريقة التي فكر ~~فيها الكاتب في بناء هذه الرواية، تحاول الانتقال من مقعد المتفرج السلبي، لمقعد ~~المتعلم. ولعل ما كتبته هنا هو محاولة لفهم بنية الرواية من أجل التعلم. # في البداية كان لكل شخصية جزء منفصل تتحدث فيه بصوتها، وتلقي من زاويتها نظرة على ~~الأحداث، لكن الجزء السابع (الأخير) ضم أصواتا متعددة تتغير من فصل لفصل: هي فصول ~~قصيرة، سريعة، تتعاقب وجهات النظر فيها بسرعة كبيرة لتصنع سيمفونية متداخلة الآلات ~~لتناسب جو المهرجان الذي كان يجري فيه الحدث. # عنصر آخر مهم في رأيي لفهم الرواية، هو السخرية، والسخرية فيها ليست مزحات يلقيها ~~الراوي، وليست نقلا كاريكاتوريا لأفكار الأشخاص وتصرفاتهم؛ فأفكار الأشخاص ومبرراتهم ~~يتم نقلها بطريقة مقنعة، وعميقة، ومتماسكة. لكن الكاتب في المقابل واع لكيفية خداع ~~البشر لذواتهم، ولأن أبطاله هنا وفي كثير من رواياته مثقفون تكون كذباتهم أكثر مكرا ~~ومبنية ببراعة أكبر. يبنون عوالم كاملة أحيانا، ينجحون من خلالها في خداع أنفسهم، بحيث ~~يظهر لهم تعاليهم أنهم أحرار من الخدع. الأشخاص يحادثون أنفسهم وآخرين بشكل متماسك، لكن ~~الروائي ينجح مع تعاقب الأحداث في إدخالك كقارئ إلى الأبعاد المختلفة للعالم الذي ~~ينقله، وفي جعلك كقارئ واع تشاهد من الخارج تهافت ما يقوله الأبطال لأنفسهم في أوقات ~~كثيرة. دون أن يحتاج إلى التعليق أو التشويه الكاريكاتوري، فقط ينجح في إعطائك مصباحا ~~ترى من خلاله كيف أن الأمور تدعو للسخرية. # الكاتب لديه تلك القدرة على تحريك الأرض تحت أقدامك كقارئ، يغزل لك في البداية خيط ~~تعاطف مع البطل ورؤيته حتى تتماهى معها وتصدقها خصوصا أنها مغزولة بعمق، وفي عقل بطل ~~مدرك لأبعاد مختلفة لوضعه، لكن ما إن تتعاطف مع هذه الرؤية لتراها هي المسار الخاص ~~بالرواية والراوي، حتى تكتشف التحول في هذه الرؤية واكتشاف وهمها، بشكل درامي. المهرجان ~~نفسه الذي يتم إجراؤه سنويا له دراميته الخاصة، يتم تصويره بعيون لودفيك المراهق ~~باعتباره ms32 متألقا وحميميا وصادقا، ثم تتغير النظرة بتغير رؤية الأشخاص، وينحل هو نفسه أكثر ~~ليتم وصفه في النهاية بشكل يبرز طبيعته كمجموعة من الطقوس الفارغة من معنى ومن تناسق. ~~إنها الأيديولوجيا الإقصائية التي تجعلنا من ناحية نرى الافتعال صدقا، وهي من ناحية ~~أخرى التي تهدم الكثير أثناء تقدمها في الزمن لتبقى في النهاية مجرد مجموعة من الأشكال ~~الباردة. # يقول جاروسلاف قرب نهاية الرواية: # كنا نتصور نحن الآخرين أننا سنصنع عالما جديدا تماما، وأن الناس سيعودون ~~للعيش في التقاليد القديمة، وأن الكوكبة نفسها ستنبع من أعماق حياتهم. كنا نريد ~~تشجيع هذا الانبثاق، كنا نموت تعبا لتنظم أعياد شعبية. لكن لا يمكن تنظيم ~~النبع، فإما أن يندفع أو لا يكون نبعا. أنت ترى أيها الجد أين نحن: أغنياتنا ~~الصغيرة، كوكباتنا وكل شيء مجرد بقايا عصر: القطرات الأخيرة، قطرات صغيرة، ~~الأخيرة تماما. # | أن تملك أو أن تكون: الإنسان بين الجوهر والمظهر # 1 # كتاب «إريك فروم» الذي ترجمه «سعد زهران» إلى العربية بعنوان «الإنسان بين الجوهر ~~والمظهر» - سلسلة عالم المعرفة (1989) - ليس هو الكتاب الوحيد ولا الأول الذي يحاول ~~الدخول لإشكاليات الحضارة الصناعية الحديثة، ربما حتى ليس الأفضل أو الأعمق؛ لكنه ~~مع ذلك كتاب مضيء، يمكنك أن تلمح النور في بعض أفكاره، وفي كثير من ~~مقاطعه. # كما نلاحظ من العنوان الأجنبي للكتاب # to have or to ~~be ~~«أن تملك أو أن تكون»؛ تقوم فكرة الكتاب على التفريق بين ~~نمطين من أنماط الشخصية: نمط التملك، ونمط الكينونة أو الوجود. وهو يبين كيف ~~كان هذا التفريق أو هذا الاختيار بين النمطين قضية أساسية في تعاليم أساتذة ~~الحياة العظام، مشيرا في هذا السياق إلى بوذا، والمسيح، وإيكهارت. # ومن أجل توضيح الفارق بين النمطين، يشير في البداية إلى قصيدتين تناولتا ظاهريا ~~موضوعا واحدا؛ إحداهما للشاعر الإنجليزي «تنسون» (القرن التاسع عشر)، والأخرى ~~للشاعر الياباني «باشو» (القرن السابع عشر). يقول تنسون: # يا زهرة في الجدار المتصدع # إني أنتزعك من بين الشقوق # وأقبض عليك، هنا في يدي بجذورك وكيانك كله # أيتها الزهرة الصغيرة، ms33 آه لو أستطيع أن أفهم # ماذا تكونين! جذورك وكيانك جملة وتفصيلا # إذن لعرفت الله والإنسان. # بينما يقول باشو: # وإذ أنظر وأمعن النظر # أرى النازونا مزدهرة # في سياج النباتات. # وهو يشير هنا إلى نمطين واضحين متمايزين في التعامل مع الطبيعة؛ يلجأ الأول ~~لانتزاع الوردة وقطفها، أو بالأحرى امتلاكها لكي يتأملها، بينما يلجأ الثاني إلى ~~تأمل الزهرة في مكانها؛ ليمارس هذه الصلة معها بوصفها كائنا حيا. وكما بدأ ~~الكاتب من الشعر أشار بعد ذلك مباشرة إلى ظاهرة لغوية تتمثل في انتشار الأسماء في ~~اللغات الغربية في أطوارها الأخيرة على حساب الأفعال، وهو ما يراه معبرا عن ~~التغييرات التي مرت بها هذه المجتمعات نحو الاتجاه التملكي؛ فالأسماء هي ~~«الرموز المناسبة للأشياء». # 2 # مع تزايد الإحساس بالحرية نتيجة نهاية الإقطاع، وتزايد الاعتقاد بإمكان ~~تحقيق الرفاهية الشاملة، قوي التوجه التملكي عند كافة الطبقات، ورغم أن ~~هذه الرفاهية وتلك الحرية لم تصب إلا الطبقات العليا والمتوسطة؛ فإن الطريقة ~~التي جرى بها عرض الأمر وفهمه صورت أن وصولهما للجميع هو مسألة وقت ~~فحسب. # لكن تطور الأمور أثبت أن التوجه الاستهلاكي لم يؤد إلى السعادة، وأن ~~حلم السيطرة على الطبيعة أدى إلى تحول الإنسان نفسه إلى مجرد ترس في الآلة ~~البيروقراطية، بالإضافة إلى ما أدى إليه هذا التطور نفسه من إضرار ~~بالطبيعة؛ في حين أن الوفرة والحرية ظلتا مقتصرتين على البعض (دولا وأفرادا) ~~دون البعض الآخر. ويرجع الكتاب إخفاق هذه الوعود إلى مقدمتين نفسيتين أساسيتين؛ ~~أولاهما: الاعتقاد أن تحقيق اللذة والسعي وراءها هو الهدف الوحيد من الحياة، أما ~~الثانية: فتتمثل في تصور إمكانية أن يؤدي السعي إلى المصلحة الشخصية بشكل ~~أناني إلى السعادة والانسجام. ويوضح كيف أعلى عدد من فلاسفة القرنين السابع ~~عشر والثامن عشر من المصلحة الفردية، وكيف كانت الغاية الأسمى من وجهة نظر بعضهم هي ~~تحقيق كل رغبات الإنسان، مشيرا في هذا السياق إلى أن مفهوم اللذة - بهذا المعنى ~~- لم يتم إعلاؤه قبل العصر الحديث في أي فترة كمعيار أخلاقي لدى الفلاسفة ~~الكبار، والاستثناء الوحيد في ms34 هذا السياق هو «أريستوبوس»، أما «أبيقور» فقد كان ~~يعتبر اللذة هي الهدف الأسمى، لكنه كان يرى أن الإفراط فيها يؤدي إلى الألم ~~والإحباط، وهو ما يستدعي الترشيد والسيطرة على الشهوات. ورغم أن الطبقات الأكثر ~~غنى مارست هذه الحياة في فترات معينة، إلا أنها لم تكن أبدا نظرية للحياة ~~الطيبة في نظر المعلمين الكبار. # 3 # يحاول الكتاب إضفاء المزيد من الوضوح والتفصيل على الأسلوبين من خلال المقارنة ~~بين كيفية تعامل كل من الأسلوبين مع عدد من الأنشطة التي نعايشها بشكل مستمر؛ ~~فيتناول التعليم، والتذكر، والتخاطب، والقراءة، وممارسة السلطة، والمعرفة، ~~والإيمان، والحب؛ فنجده يوضح مثلا كيف ينصت الطلاب إلى المحاضرات في التوجه ~~التملكي ويفهمونها ويكتبونها؛ وذلك بغرض واحد: حفظ المعرفة ودخول الامتحان، وهي ~~معرفة قد يكونون قد فهموها، لكنها لم تصبح جزءا من نظامهم التفكيري ولم توسع ~~أفقهم، على عكس توجه الكينونة الذي لا يكتفي بمجرد الحصول على المعلومة، لكنه ~~يتأثر بها ويتفاعل معها. وفي السلطة يوضح كيف يؤثر الاتجاه التملكي ~~استخدام القوة كسند لسلطته بصرف النظر عن صلاحيته وقدراته، بينما يقدم اتجاه ~~الكينونة المثال على الدرجة التي يمكن أن يتقدم لها الكائن البشري، ويقوم ~~بسلطاته من خلال التفهم والحب والإنصات. # وفي مختلف هذه المناشط اليومية يوضح كيف يتجه النمط التملكي إلى التأكيد على ~~جوانب الاستهلاك، والثبات، والأنانية، والجشع، والغيرة، والضغينة، والخوف، والحرب. ~~بينما يؤثر نمط الكينونة الحب، والتفاعل، والإيثار، والنمو، والتفهم. وبينما ~~يجعل التوجه التملكي مركز رغباته خارجه؛ أي فيما يملك أو يستهلك، يجعل ~~توجه الكينونة مركزه هو ذاته، ساعيا إلى تنميتها من خلال تعلم الجديد، وفهم ~~الذات، والتفاعل المنفتح على الآخرين. وهو في هذا الكتاب يبين كيف أن أحد هذين ~~التوجهين يؤدي بنا إلى كارثة مؤكدة إن استمر، بينما يعد الاتجاه الآخر هو ~~طوق النجاة. # 4 # السمة الأساسية لنمط التملك: كلما زادت ممتلكات الفرد، زادت مكانته وارتفع ~~تقديره من الآخرين. لا يقتصر هذا النمط على الأغنياء، بل يمتد حتى أفقر الفقراء؛ ~~ما دامت تسيطر على هؤلاء الرغبة في التملك، وتغلب ms35 عليهم متعة الاقتناء وزيادة ~~الممتلكات. في هذا النمط لا يتوقف التملك على ملكية الأموال والأشياء، بل يمتد ~~إلى تملك الأشخاص؛ «ففي المجتمعات الأبوية يمكن لأتعس الرجال في أفقر الطبقات أن ~~يكون ذا ملكية، وذلك في علاقته بزوجته وأطفاله وحيواناته؛ حيث يمكن أن يشعر بأنه ~~السيد بلا منازع. وهكذا، في المجتمع الأبوي وبالنسبة للرجل - على الأقل - يكون ~~إنجاب الأطفال هو الوسيلة الوحيدة لامتلاك كائنات بشرية دون الحاجة إلى العمل ~~والكدح اللازمين لامتلاك الأشياء، ودون الحاجة إلا لأقل القليل من رأس المال»؛ ~~وفي هذه الحالة تكون عملية إنتاج الأطفال هي عملية استغلال فظ للنساء، إذا ~~أخذنا في الاعتبار أن العبء الأكبر في الحمل والولادة يقع على كاهلها. والدائرة ~~في هذا السياق تمتد: الرجل يسيطر على المرأة، المرأة على الأطفال، الذين ينمون ~~بدورهم ليكرروا الدورة نفسها. # السمة الأساسية لنمط الكينونة هي النشاط، وليس المقصود بالنشاط هنا مجرد الانشغال ~~الخارجي، بل الأهم هو النشاط الداخلي الذي يتجلى في العطاء، والنمو الداخلي، ~~والتعبير عن المواهب، والاستخدام المثمر للطاقة الداخلية؛ فقد يدرس الطالب في ~~كليته، أو يذهب الموظف إلى عمله مدفوعين بقوى خارجهما: ضغط الأسرة أو المجتمع، أو ~~اتباع ما هو معتاد، تماما كما قد يؤدي السجين أو العبد العديد من المهام ~~بهمة، لكن هذا لا يجعلهم فاعلين أو نشطين بالمعنى المطلوب. # 5 # تطورت الشخصية التملكية - وفقا للكتاب - من نمط الاكتناز الذي يحافظ على ~~الأشياء القديمة ويستخدمها إلى أقصى حدود الاستخدام، إلى نمط الاستهلاك الذي يشتري ~~الأشياء ليتخلص منها بعد ذلك بوتيرة سريعة، ليشتري بعد ذلك أشياء أحدث منها. قد ~~يبدو التخلص السريع من الأشياء في نمط الاستهلاك ضد النمط التملكي، لكن هذا ~~التضاد سطحي؛ ولفهم هذا التناقض يبرز الكتاب عددا من النقاط، لعل أهمها في هذا ~~السياق: التأكيد على انتفاء الطابع الشخصي في علاقة المالك بما يمتلك، وتوضيح أن ~~الأشياء في هذه الحالة هي رموز للمكانة الاجتماعية، غرضها الأبرز هو الحفاظ على هذه ~~المكانة وتعزيزها؛ فشراء سيارة أحدث موديل كل عام أو عامين مثلا، هو ms36 جزء من هذه ~~الدورة التي تهدف لمضاعفة نشوة الاقتناء لدى المستهلك. # يقول إريك فروم: # وفي نمط التملك لا توجد علاقة حية بيني وبين ما أملك؛ فأنا وما أملك ~~أصبحنا جميعا أشياء، وأنا أملكها لأن لدي القوة التي تمكنني من جعلها ~~ملكي. ولكن ثمة علاقة عكسية أيضا؛ فهي أيضا تملكني لأن إحساسي بهويتي - ~~أي إحساسي بصحتي العقلية - يتوقف على ملكيتي لها (ولأكبر عدد ممكن من ~~الأشياء). إن نمط الملكية لا يقوم على صيرورة حية ومثمرة بين الذات ~~والموضوع، وإنما هي علاقة تجعل من الذات والموضوع أشياء والعلاقة بينهما ~~علاقة موات، وليست علاقة حياة. # 6 # تبنى السلطة في المجتمع التملكي من خلال استغلال الأشخاص الواقعين تحت وطأتها، ~~وهذا الاستغلال يكون في أحيان كثيرة مخالفا لرغبات الأفراد وتوجهاتهم؛ لذلك يكون ~~من أهداف مثل هذه السلطة السيطرة على هذه الرغبات وترويضها وكبحها. يقول فروم: # والذي يجري الحد منه وكبحه، هو التعبير الحر العفوي لإرادة الأطفال ~~والناشئين والمراهقين ثم البالغين والكبار، وكذا ظمؤهم للمعرفة، وبحثهم عن ~~الحقيقة، ورغبتهم في المودة والحب، ويرغم الشخص أثناء نموه على ~~التخلي عن معظم رغباته واهتماماته المستقلة الأصيلة وعن إرادته الشخصية؛ ~~ليتبنى إرادة غير إرادته، ورغبات ومشاعر غير رغباته ومشاعره، تفرضها كلها ~~الأنماط الاجتماعية للفكر والشعور، وعلى المجتمع، وعلى الأسرة باعتبارها ~~الوكيل النفسي الاجتماعي للمجتمع أن تحل المعضلة الصعبة: كيف يمكن تحطيم ~~إرادة الشخص دون تمكينه من الوعي بذلك؟ والحق أنها قادرة بالفعل - من خلال ~~عملية معقدة من التلقين والثواب وبث الأيديولوجية المناسبة - على النهوض ~~بهذه المهمة على نحو لا بأس به، إلى الحد الذي يجعل أغلبية الناس يعتقدون ~~أنهم يسيرون حياتهم وفق إرادتهم دون أن يكونوا على وعي بأن إرادتهم ذاتها ~~مصنوعة ومكيفة. # 7 # هناك تفاعل دائم بين الدائرة النفسية للفرد وبين البنية الاجتماعية والاقتصادية ~~للمجتمع؛ ونتيجة لذلك يتكون ما يسميه الكتاب ب «الشخصية الاجتماعية». البنية ~~الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع تشكل «الشخصية الاجتماعية لأفراده»؛ بحيث تجعلهم ~~راغبين في فعل ما ينبغي عليهم أن يفعلوه، وفي المقابل تؤثر الشخصية الاجتماعية في ms37 ~~بنية المجتمع، بحيث تساعد على استقراره أو تتحول على العكس إلى قوة تفجير أو ~~تغيير. # أحد الأدوار المهمة للشخصية الاجتماعية يتمثل في إشباع الاحتياجات الدينية ~~للكائن الإنساني. وحين يتحدث فروم هنا عن الدين فهو يوسع مدلول الكلمة لتشمل أي ~~إطار توجيه يوفر للفرد موضوعا يكرس من أجله حياته؛ وبالتالي عندما يتحدث فروم ~~هنا عن «الدين»، فإن مفهومه لا يتضمن بالضرورة مفهوما معينا للرب، ولا ~~يقتصر على ما نضعه عادة تحت مفهوم الدين. وإعادة التعريف هنا ليست هدفا في ~~حد ذاتها بقدر ما هي تمهيد للفكرة الأساسية. # هناك حالات لا يوجد فيها تجاوب بين النظام الديني الرسمي أو المعلن من ناحية، ~~والشخصية الاجتماعية السائدة من ناحية أخرى؛ بمعنى وجود تعارض بين الطريقة التي يصف ~~الشخص (أو المجتمع) بها نفسه، وبين الممارسة الاجتماعية السائدة في الحياة، في هذه ~~الحالات نكون في حاجة للتنقيب تحت هذا الدين الرسمي، عن البناء الديني الحقيقي. ~~وبالتالي فقد يعتبر البعض نفسه «متدينا» بالمعنى الضيق للكلمة، بينما هو في حقيقة ~~الأمر «لا ديني» مثلا؛ لأن النموذج الحقيقي الذي يفسر سلوكه ومبادئه وحركته في ~~الحياة ليس هو الدين المسيحي أو الإسلامي. # 8 # في نهاية العرض أقول: أحيانا ما ننظر لمثل هذه النوعية من الكتابات بطريقة ~~تمنعنا من الاستفادة الكاملة منها؛ كلما وجدنا كتابا أجنبيا يهاجم الغرب أو ~~ينتقد جوانب معينة في مساره، استخدمناه لتبرير أوضاعنا، وكأننا المقابل الآخر ~~للغرب وعيوبه. نهاجم الغرب بكلماته دون أن ندرك أننا ربما نملك نفس هذه العيوب ~~التي نعيبها عليه وأكثر، ونفتقر في المقابل إلى الكثير مما يميزه. من ناحية أخرى ~~نحتاج لكي نستفيد من تجربة الغرب، إلى الاطلاع على الكتابات التي نقد بها ~~ذاته، نحتاج إلى معرفة العيوب والعثرات مع الميزات ونقاط القوة. وهذا الكتاب واحد ~~من كتب كثيرة، تعالج الموضوع من وجهات نظر متنوعة ومتعارضة، لا أقول بعرضي له ~~إن كل ما يقوله صحيح؛ لكنه يعرض نقاطا مثيرة للاهتمام، وبه طريقة مختلفة للنظر ~~للأمور وصياغتها، وأظن أن مطالعته مطالعة متأملة ستثري وتفيد ms38 من يقرؤه. # الكتاب: الإنسان بين الجوهر والمظهر: نمتلك أو نكون. # تأليف: إريك فروم. # ترجمة: سعد زهران. # مراجعة وتقديم: لطفي فطيم. # سلسلة عالم المعرفة. # الكويت، 1989. # | شطح المدينة # رواية: شطح المدينة. # الروائي: جمال الغيطاني. # اعتمدت على طبعة الهيئة العامة للكتاب للأعمال الكاملة، ج6 (1996). # وللرواية طبعات أحدث صادرة عن دار الشروق المصرية. # 1 # في فصولها الأولى تبدأ الرواية كرصد لرحلة عادية بعين مسافر يزور مدينة لأول مرة ~~لحضور مؤتمر؛ فتصف بعين السائح المدينة ومبانيها، وتعطي نبذا عن تاريخها، ~~وعمارتها، وتتتبع الجامعة بتقاليدها، وطقوسها ، وأزيائها، وأساتذتها. وهو وصف بارع ~~ممتع يهتم بتفاصيل الصورة، فيصف حتى الغرف والنقوش؛ مما يخلق مشهدا بصريا جاذبا ~~على طول الرواية، يتخلله وصف للتاريخ الحي لهذه الأماكن: حقائق، خرافات، أشخاص، ~~تواريخ، أسئلة ... # لكن المدينة التي تبدأ عادية قابلة للتصديق تبدأ في اتخاذ طابع أسطوري مع تتابع ~~الأحداث والوصف؛ فشوارعها تضيق وتتسع، ومبانيها تتغير ملامحها بين زيارة وأخرى، ~~وأشخاصها يظهرون ويختفون بشكل غير معتاد، وكأن المدينة بكل ما فيها ليست سوى ~~انعكاس لواقع داخلي، مليء بالذكريات المختلطة، والمشاعر المضطربة، والهوية ~~الممزقة بين أجزائها ومكوناتها. ~~«يمضي متمهلا، مسرورا لفرصة المشي المتاحة الآن، في موطنه لا يمكنه ذلك، ~~الانشغال دائم، والإرهاق واقع، أحيانا يمضي اليوم بدون خلوة إلى ذاته، وإذ يستعيد ~~أيامه المتتالية لا يلمح حدثا بارزا، أو أمرا ذا خلاصة، فيضيق بالرتابة، وذهاب ~~الأويقات سدى، يتسع الطريق ... فيستعيد ساحة فندق قديم اعتاد أن يمضي إليه طفلا بصحبة ~~والده، ليلتقيا بالقادمين من البلدة النائية، وبعض الرواد الذين ارتبطت بهم الوشائج ~~وأصول الصحبة، لماذا تذكر هذه اللحظات النائية الآن؟ ماذا استثارها؟ وما الذي ~~استدعاها؟ يعجب لقانون الذكرى، لماذا تفد لحظة دون أخرى؟ ترد عليه شوارع من مدن ~~عديدة نزلها، إنه يمضي متمهلا، مستكشفا مدينة جديدة، ربما لن يبلغها مرة أخرى، ~~ولكنه يطلع في الوقت عينه على مدينة أخرى تمتد داخله، من شظايا أماكن أقام بها ~~مددا متفاوتة، مدينة تواتيه، تفاجئه في أي لحظة فتطلعه على شيء من مكنونها، ثم ~~سرعان ما تحجب، الأماكن الحقيقية ms39 تلك التي يقدر على استعادتها، أو تسترجعه هي، حتى ~~وإن نأى عنها وابتعد، ما يمر به الآن، يراه من موقع لحظة آتية، قد يبلغها، فما الذي ~~سيبقى؟ وماذا سيمثل؟» # منذ السطور الأولى للرواية يتم الإشارة إلى صراع ثقافي سياسي بين مكوني المدينة ~~الأساسيين: الجامعة والبلدية، سبب الصراع ينبع من إشكالية قديمة تتمثل في سؤال ~~الأسبقية، أيهما أسبق: المدينة أم الجامعة؟ هل نشأت المدينة أولا ثم تلتها الجامعة، ~~أم أن الجامعة كانت هي السابقة ثم تلى بناؤها ونتج عنه عمار المناطق المجاورة؟ يمكن ~~أن نرى الجامعة كمعادل للعقل أو ربما الروح، بينما قد نرى المدينة معادلا للجسد أو ~~المادة، وفي هذه الحالة يمكن تأويل الجدل الذي يدور في أروقة الرواية عن أسبقية ~~الجامعة أو المدينة، بشكل فلسفي يمكن اعتباره أحد جوانب سؤال الهوية الذي تطرحه ~~الرواية منذ أول صفحة، وإلى آخر سطر. # أيضا مباني المدينة التي تحتفظ بواجهاتها القديمة، وتحارب البلدية والجامعة من ~~أجل الحفاظ عليها، هي عصرية بالكامل من الداخل. ~~«لا يمت الداخل إلى الخارج، بعد الليلة الأولى في صباح أول أيامه أدرك ~~استمرارية وذيوع التناقض، الواجهة عتيقة، وداخل المبنى حديث جدا، تعرض الواجهة ~~ثلاثة طوابق، بينما يتكون البناء من ستة، الحفاظ على الطابع المتوارث تنظمه قوانين ~~صارمة واضحة، لا تحتمل التفسيرات الخاطئة، أو التأويلات سيئة القصد، أو الحزق ~~المتعمد، المضمون جلي جدا، احتفظ بالمظهر القديم، أو اتبعه وافعل في الداخل ما ~~شئت.» # وهو ما يمكن قراءته بالانقسام بين الطقوس والمظاهر الاجتماعية الخارجية، الثابتة ~~التي لا تتغير كثيرا، والداخل الإنساني الذي يتغير بسرعة شديدة. # 2 # الرواية هنا تصور حالة من الانحلال، تبدأ بالجسم الذي أصابه المرض، وغادره ~~الشباب، وانتهاء بالعقل الذي تتتابع فيه الذكريات وتتشابك، كالبحر المضطرب. وإذا ~~ارتحل الإنسان عن ذاته القديمة وعن جسده القديم، فما الذي يمكن أن يعرفه؟ ما الذي ~~يتبقى منه؟ أوراق الهوية. # وبطل الرواية منذ البداية لديه تخوف من فقدان جواز سفره، فيحافظ عليه بشكل مبالغ ~~فيه، لكنه مع ذلك يفقده، ليكتمل الضياع بكل صورة: ms40 # ما يجب مراعاته أنه جاء ضيفا على الجامعة، إذن هناك مسئولية أخلاقية وقانونية ~~عنه حتى مغادرته المدينة، حتى سفره من العاصمة، لقد تكبد مشاق الرحلة رغم تضعضع ~~صمته و... # يقاطعه بحدة: الجامعة مسئولة عمن؟ # يقول باختصار: عني. ~~- أنت من؟ # يردد بتأن اسمه الثلاثي، مسبوقا بلقبه العلمي، متبوعا بالمركز الذي ~~يحتله. # يخبط الرجل على المائدة بقبضة يده، تدنو ملامحه تماما من موظف البلدية، بل إن ~~الرائحة المنبعثة بالحجرة تعيد إليه فراغ المكان الآخر. ~~- أثبت لنا ذلك. ~~- ماذا أثبت؟ ~~- أنك من دعوناه ... # يتطلع مباغتا مفاجا ... يؤكد الجامعي: نعم ... أثبت لنا أنك أنت أنت. # الرواية مع ذلك ليست فقط شبكة العلامات والرموز التي يمكن أن يؤولها كل قارئ ~~بشكل مختلف، الرواية هي حالة حميمية من تداعي الأحداث والصور، التي تتدفق بسلاسة ~~ومتعة، تشبه رواية الغيطاني الأسبق «التجليات» من هذه الزاوية فقط، لكنها تختلف ~~عنها في البنية التي اتخذت الذات فيها شكلا ملموسا صلبا مركبا من شتات صور ومدن ~~بقيت في الذاكرة، ربما بنفس الشكل الذي يقوم به الحلم بتجميع ودمج أحداث وأشخاص ~~متباعدين في حدث واحد، وكما يقوم أيضا بتفريق الذات على عدة أجسام تمثل جوانب ~~متفرقة من الإنسان. # | تحسين القبيح وتقبيح الحسن # 1 # لأبي منصور الثعالبي كتاب طريف في موضوعه، سماه «تحسين القبيح وتقبيح الحسن»؛ ~~في هذا الكتاب يجمع الثعالبي بعض ما نسب إلى البلغاء في تحسين ما تم التعارف ~~على قبحه، وتقبيح ما تم التعارف على حسنه. يقول هو عن موضوع هذا الكتاب في ~~مقدمته: «وما أراني سبقت إلى مثله في طرائف المؤلفات وبدائع المصنفات.» ويبرر ~~اهتمامه بالتأليف في هذا الموضوع بقوله: «إذ هما غايتا البراعة، والقدرة على جزل ~~الكلام في سر البلاغة، وسحر الصناعة.» # يقول فيه عن الكذب مثلا: «قال ابن التوءم: الكذب في مواطنه كالصدق في مواضعه، ~~ولكن الشأن فيمن يحسنه، ويعرف مداخله ومخارجه، ولا يجهل تزاويقه ومضايقه، ولا ~~ينساه بل يحفظه. ومعلوم أن من أجل الأمور في الدنيا الحرب والصلح، ولا بد ~~فيهما من الكذب؛ أما الحرب فهي ms41 خدعة، كما قال عليه الصلاة والسلام، وأما إصلاح ذات ~~البين فالكذب فيه محمود؛ لما فيه من الصلاح، وقد رخص فيه السلف. ولا خلاف في أن ~~الشعر ديوان العرب ولسان الزمان، وأحسنه أكذبه، وكذلك الكتابة لا تحسن إلا بشيء ~~منه، وقد جاء في المثل: «أظرف من كذوب.» وقال الأعشى: # فصدقتها وكذبتها # والمرء ينفعه ~~كذابه» # في هذا المقطع المقتبس، يتم الدفاع عن الكذب بشكل شديد الذكاء، وذلك عن طريق ~~التأكيد على ضرورة عدم تجاهل السياق؛ يقول: «الكذب في مواطنه كالصدق في مواضعه، ~~ولكن الشأن فيمن يحسنه، ويعرف مداخله ومخارجه.» ويحيلنا بالتالي إلى سياقات يكون ~~فيها الكذب مطلوبا. # الفكرة هنا هي أن كثيرا من الأمور التي يشيع الحديث عن جانبها السلبي فقط، لها ~~جوانب إيجابية تجعلها ضرورية للغاية؛ كالقلق الذي يدفع صاحبه للفعل، والشك الذي ~~يدفع صاحبه للبحث، وعدم الثقة بالنفس الذي يدفع صاحبه إلى العمل على تطوير ~~الذات. دائما نتحدث عن التفاؤل لكننا نحتاج اليأس أحيانا كمحطة، كي نتوقف ~~عن السير في طريق ما، ونبدأ لاحقا في السير في طريق آخر قد يكون أفضل. ~~«فلتحي الوقاحة، إنها ملاكي الساحر في هذا العالم.» ينقل والتر إيزاكسون هذه ~~المقولة عن أينشتاين في سياق تعبيره عن اختلافه وتمرده وعدم قبوله بالسائد، وينقل ~~الثعالبي عن آخر قوله: «الوقاحة كالقداحة، لولاها لما استعر لهب، ولا اشتعل ~~حطب.» # 2 # ولعل وصف الثعالبي لتحسين القبيح وتقبيح الحسن هنا بأنهما سر البلاغة وسحر ~~الصناعة، هو امتداد للمقولة الشهيرة المشار إليها في الاقتباس، التي تقول بأن أحسن ~~الشعر أكذبه؛ ولم أستطع قط أن أفهم هذه العبارة بحرفيتها، وبالتالي لم أختلف ~~معها كما اختلف معها الكثيرون، على اعتبار أن الكذب هنا هو نقيض للصدق الفني، أو ~~للتعبير الصادق عن المشاعر، لكني فهمتها على أنها طريقتهم في التفريق بين الكلام ~~التقريري الجاف الذي يحاول التعبير عن الحقائق المادية كما هي، وبين الكلام ~~الشعري الذي يستعمل الصور والمبالغات، ويبرز المفارقة؛ من أجل التعبير عن ~~مناطق الذات الإنسانية المثيرة للجدل. # وفي هذا الكتاب أرى أن ms42 المقولات الأجمل فيه لم تكن مجرد لعب بالكلام، لم تكن ~~دفاعا جميلا عن الخطأ بقدر ما كانت إبرازا للمفارقة الكامنة في ثنايا خطابنا ~~وحديثنا؛ المفارقة التي تتكون أحيانا حين نسقط مقولات مسبقة على واقع لا ~~يناسبها بالضرورة، وبالتالي تنشأ جماليات مقولات هذا الكتاب في كثير من ~~مقتطفاته؛ نتيجة لتحدي أو فضح الحس العام الذي يميل للتعميم والتبسيط. # 3 # في صغري كان مفهومي عن الحقيقة مرتبطا بالصياغات الجذابة التي تبدو متماسكة؛ ~~كانت البلاغة وجمالياتها مؤشرا على ما هو حقيقي وصائب، لكن بعد ذلك أدركت أن ~~هناك عدة طرق لصياغة نفس الحدث، وأن الأشخاص الذين يتناقضون معي في المواقف والرؤى ~~قادرون كذلك على التعبير عن مواقفهم وتحيزاتهم بشكل متماسك وجذاب؛ ستجد مثلا ~~أن شخصا قد يبرر موقفه باعتباره «ثباتا على المبدأ»، بينما يصف آخر نفس ~~الموقف باعتباره «تحجرا وجمودا». سيصف أحدهم نظرة ما للعالم باعتبارها ~~متفائلة، بينما سيصفها آخرون بأنها خيالية وغير واقعية. واللعبة هنا في أوقات ~~كثيرة لا تكون لعبة بلاغية صرفا، بقدر ما تكون مرتبطة بانتقائية ما في النظرة، ~~كأن تتمثل جزءا من الحقيقة، وتبدأ في التعبير عنه على اعتبار أنه الحقيقة ~~الكاملة، أو أن تنقل حقيقة متماسكة من منطقتها إلى منطقة أخرى (زمان أو مكان أو ~~موضوع مختلف) لا تناسبها. # أحس أننا نحتفظ أحيانا في أذهاننا بصورة مروضة للعالم؛ حيث العالم متوقع، ذو ~~قواعد واضحة، لكن القواعد المسبقة التي تكون مفهومة وواضحة ولا لبس فيها على ~~المستوى النظري، قد تغدو غامضة، ومربكة، ومثار نزاع في المواقف العملية. تفهمك ~~لذلك يعني أنك تحتاج التفكير/التساؤل في خطواتك المختلفة، في قراراتك ومقولاتك؛ لا ~~يكفي اتباع تقاليد ما، دون مراجعة، بل من الضروري أن تتحول الحياة نفسها إلى ~~حالة من الإبداع الفني، يصبح فيها القرار، ودوافعه، والتغير الذي يمثله، ~~وكيفية اتخاذه ضربة من ضربات فرشاة حياتك في هذه الدنيا. # | أحلام أينشتاين # رواية: أحلام أينشتاين # Einstein’s Dreams ~~. # تأليف: آلان لايتمان # Alan Lightman ~~. # ترجمة: علي القاسمي. # الكتاب هدية مع عدد مجلة إبداع رقم 18 (ربيع ms43 2011). ~~«أحلام أينشتاين» رواية كتبها عالم وأديب عن الزمان معتمدا فيها على أينشتاين ~~وأحلامه كلبنات أساسية في بنية النص الروائي؛ الرواية عبارة عن بضعة مقاطع متخيلة من ~~حياة أينشتاين اليومية تعمل كفواصل بين الأجزاء الأساسية للرواية، والتي تتمثل في ما يتم ~~تقديمه داخل النص على أنه أحلام لأينشتاين حلمها في الفترة السابقة على توصله لنظريته ~~المبتكرة، ومن خلال هذه الأحلام يقدم الكتاب تبصراته حول الزمان. # هل كان آلان لايتمان في هذا الكتاب أقرب لعالم أم لأديب؟ بالتأكيد كانهما معا لكن ~~على عكس بعض الآراء التي قرأتها عن الكتاب - ومنها مقدمة المترجم - لا أرى الكتاب علمي ~~الطابع، أرى أن الخيال الأدبي هو الغالب على الكتاب؛ لا يتوقعن أحد مثلا أن يجد ~~تبسيطا أدبيا لنظرية النسبية أو لمفهوم الزمان عند أينشتاين؛ فالرواية لا تهدف لذلك، ~~لكن يمكن أيضا أن نعترف أن هذا التعامل الثري مع مفهوم غامض ومبهم كالزمان هو إثراء ~~لخيال العلماء والأدباء معا، خطر على بالي في هذا الإطار أن حديث أينشتاين عن الزمكان، ~~واعتباره نسيجا واحدا، واستخدام استعارة النسيج هذه بشكل كبير لتوضيح مفهومه لا يخلو ~~هو أيضا من الأدبية. # يمكن اعتبار فصول الرواية أسئلة من نوعية «ماذا لو؟» ماذا لو كان الزمان دائريا؟ ~~ماذا لو كان الزمان مكونا من ثلاثة أبعاد كالمكان؟ ماذا لو توقف الزمان؟ ماذا لو علم ~~الناس مسبقا تاريخ نهاية العالم؟ كيف سيكون شكل عالم لا زمان فيه؟ ماذا لو أن البشر ~~اكتشفوا أن الزمان يتباطأ كلما ارتفعوا عن الأرض؟ ماذا لو ...؟ أسئلة عدة وخيال خصب، ~~يستخدم فيه الكاتب الوصف المشهدي ببراعة تضفي بعدا إنسانيا وفنيا عاليا على ~~التأملات ذات الطابع العلمي الفلسفي. # النص بأجزائه مفتوح كذلك للتأويلات المتنوعة، فهو محمل بحمولة ذات طابع وجودي ~~إنساني وفلسفي، ولهذا فهو وجبة ثرية بالتأكيد. يبقى أن نذكر أن هذه الرواية الصغيرة في ~~حجمها كتبت سنة 1993م، وحققت مبيعات ضخمة وترجمت إلى أكثر من 30 لغة. # عن المؤلف # آلان لايتمان مؤلف هذا الكتاب، هو روائي وشاعر وفيزيائي، نشر خمس ms44 روايات، ~~ومجموعة شعرية واحدة، وكتبا علمية متنوعة. # لايتمان ولد في عام 1948، وهو ابن ريتشارد لايتمان مالك صالة عرض سينمائية، ~~وجين جاريتسون # Jeanne Garretson # التي كانت ~~مدرسة للرقص، وهو حاصل على الدكتوراه في الفيزياء النظرية عام 1974، وحاصل على عدد ~~من الجوائز الأدبية. # في عام 2004 ساهم في إيجاد تعاون بين معهد ماسشوسيتس # MIT # ومسرح ريلواي في ~~بوسطون # Underground Railway Theater of Boston ~~، وهو تعاون يهدف لنشر العلم والثقافة العلمية من خلال ~~المسرح؛ وقد أنشأ بالتعاون مع الكاتب والمخرج المسرحي كيت سنودجراس # Kate ~~Snodgrass ~~، ومركز كينيدي للفنون الأدائية في واشنطون # Kennedy Center for the Performing Arts in Washington D.C # جائزة خاصة تقدم ~~للمسرحيات التي تتخذ موضوعات علمية. # | حكاية للكائن الزمني # رواية: حكاية للكائن ~~الزمني # A Tale For The Time Being ~~. # تأليف: روث أوزيكي # Ruth Ozeki ~~. # ما هو الزمن؟ الإجابة ليست سهلة. لكن الزمن في الحس العام يتلخص في: ماض وحاضر ~~ومستقبل؛ تتابع واضح خطي ثابت مستقر. الزمن الروائي في المقابل لا يتقيد بهذا التتابع ~~فللروائي أن يرتب الأحداث كما يرى، قد يذكر المستقبل أولا ثم الماضي ثم الحاضر. وهناك ~~زمن آخر يرتبط بالكتابة وهو زمن القراءة، القارئ في غرفته أو في مكتبه يجلس ليقرأ ~~الرواية، ويستشعر الزمن بطريقة مختلفة. في البوذية لا يفهمون الزمن كخط يفهمونه كدائرة، ~~وبالتالي فمفاهيم المستقبل والماضي ليست بالضرورة متنافرة لهذه الدرجة. أما العلم ~~الحديث متمثلا في النسبية والكوانتم فقد ابتعد أيضا عن مفهوم الزمن في الحس العام. ~~لماذا أذكر كل هذه المفاهيم في إطار الحديث عن رواية؟ لأنها جميعا موجودة في هذه ~~الرواية. هل هي رواية عن الزمن؟ ربما. # اسم الرواية: «حكاية للكائن الزمني»، «ما هو الكائن الزمني؟ إنه شخص يعيش في الزمن، ~~هذا يشملك، ويشملني، ويشمل كل واحد منا يكون أو كان أو سوف يكون.» هكذا تشرح ناو في ~~الصفحات الأولى لمذكراتها. ومنذ السطور الأولى نتعرف على ناو كفتاة يابانية عاشت في ~~أمريكا كل طفولتها قبل أن تعود إلى اليابان بعد فقدان أبيها لعمله في وادي ms45 السيلكون، ~~تمتلك حس فكاهة يظهر في كتابتها، منطلقة في الحديث، و... تنوي على الانتحار. # مذكرات ناو الفتاة اليابانية وجدتها روث على الشاطئ داخل صندوق مع مجموعة من ~~المتعلقات الأخرى: «خطابات، وساعة، ومذكرات أخرى صغيرة». روث التي تعيش في جزيرة من ~~الجزر الكندية وهي نصف يابانية تبدأ في قراءة مذكرات ناو ومع الوقت يزداد تفاعلها معها. ~~تقرر ألا تقرأها دفعة واحدة. تحاول أن تعايش في قراءتها الحدث، أن تحس بالزمن بطريقة ~~مقاربة لما أحست به ناو وهي تعيشه. ربما أرادت أن تكون أقرب لها، وأن تفهمها أكثر. روث ~~متزوجة، وتعيش مع زوجها ذي الخلفية العلمية في جزيرة ... نتيجة لظروف مالية. الجزيرة ~~هادئة مجتمعها صغير. # واضح أن ناو تكتب مذكراتها، وتقرأها روث بعد عدة سنوات. روث المنشغلة على الفتاة، ~~والقلقة من فكرة انتحارها، تحاول البحث على الإنترنت لمعرفة مصيرها. المواد والمعلومات ~~التي تجدها على الإنترنت مسار آخر للرواية. لن يحدث لقاء بين ناو وروث طول الرواية، لكن ~~العلاقة بينهما قوية بشكل ما. ناو في مذكراتها تخاطب روث بشكل مباشر، وتسأل أسئلة أثناء ~~الكتابة عن هذا القارئ المفترض وعن مكانه وجنسه وسنه. روث تنغمس في المذكرات بشدة، ~~وتحاول بشكل غير منطقي إنقاذ الفتاة. الرواية في أغلب أجزائها تنقسم إلى فصول لناو، ~~تليها فصول لروث. وأنت - أثناء القراءة - تقرأ في البداية مذكرات ناو، ثم تقرأ حكاية ~~روث مع هذه المذكرات. # هذه المذكرات كانت ناو قد اشترتها، من أحد المتاجر، الذي يصنع مذكرات أنيقة عن طريق ~~وضع ورق فارغ داخل أغلفة كتب قديمة، بعد نزع صفحات الكتاب الأصلي. اختارت ناو التي ~~تعاني من اضطهاد زميلاتها لها، غلافا فرنسيا أحمر، لم تفهم معنى المكتوب عليه، لكنها ~~اختارته لأن الكلمات الفرنسية ستبعد المتطفلات من زميلاتها. سيتضح فيما بعد أنه غلاف ~~طبعة من طبعات رواية البحث عن الزمن المفقود. تسأل ناو بعد أن تعرف: «كيف يمكنك أن تبحث ~~عن الزمن المفقود على أي حال؟» # روث بطلة الرواية كاتبة، وهي في الجزيرة التي تعيش فيها تعاني من سكتة كتابية، ms46 فهي ~~غير قادرة على الكتابة منذ فترة، وفي يوم ما وهي تمشي على الشاطئ تجد هذا الصندوق الذي ~~يحتوي على المذكرات. بعد فترة من القراءة وعند لحظة تمهد بشكل واضح لموت ناو، تقابل روث ~~تجربة غريبة؛ الصفحات التي كانت هناك في اليوم السابق، لم تعد هناك. تتحير روث في تفسير ~~ذلك، هل هي بشكل ما سكتة قرائية، معادلة للسكتة الكتابية كما تعرفها؟ في لحظة ما يغدو ~~تداخل روث مع المذكرات التي تقرأها وثيقا إلى الدرجة التي تظن فيها أنها تدخلت لتغير ~~الأحداث. هل العلاقة هنا هي علاقة الكاتب/القارئ المعتادة؟ هل ما أحدثته روث من أثر في ~~مصير ناو هنا يقف عند حدود التأويل؛ وبالتالي يعبر الحدث الذي شاهدناه - ولم أحكه ~~بالكامل - عن فعل القراءة بشكل رمزي؟ هل هي رواية عن الكتابة/القراءة؟ ربما. # أم أن الرواية في هذا الموقف تسائل مفاهيم الزمان والواقع بشكل أعمق، حتى وإن اختلف ~~مع الحس العام؟ تشير الرواية في هذا المقطع وتشرح بقليل من التفصيل بعض أفكار ميكانيكا ~~الكم، وتمزجها مع أفكار البوذية. في هذه اللحظة يتداخل واقع روث، مع أحلامها، مع ~~المذكرات والرسائل التي تقرؤها. # توجد في الرواية حكاية فرعية نوعا لا أملك ألا أتكلم عنها، زوج روث بطلة الرواية ~~يملك قطا، ونتيجة لخلفيته العلمية سماه شرودنجر. في الرواية حين تقرأ الاسم ستبتسم ~~حتما إن كنت قد قرأت عن معضلة قط شرودنجر الشهير. الاسم صعب عمليا كي ينادوا به القط، ~~فصار له اسم آخر بيست، أو بيستو. بيست في لحظة ما يخرج من المنزل ولا يرجع، الخوف هنا أن ~~تكون الذئاب قد أكلته. هل القط حي؟ هل هو ميت؟ هذا أكثر ما يقلق موريل زوج روث. ~~بالتوازي مع معضلة شرودنجر الكمية، فبيستو أيضا هو حي وميت في نفس الوقت، حتى يتأكدوا. ~~علاقة روث مع ناو يمكن النظر لها بنفس الطريقة. بشكل ما تتساءل روث طوال الوقت: هل ~~انتحرت ناو؟ وإن كانت لم تنتحر، فهل نجت من تسونامي الذي جرى في نفس المكان الذي كانت ~~تعيش ms47 فيه؟ يمكنك أن تعتبر أن ناو هي ميتة وحية في نفس الوقت. # الحكايات في الرواية كثيرة، فناو تحكي عن والدها هاروكي، ومحاولات انتحاره، وعن جدتها ~~جيكو الكاهنة البوذية، ذات الأربعة والمائة عام، وعن عمها هاروكي الأول الذي كان قائدا ~~لطائرة انتحارية، من الطائرات التي هاجمت أمريكا. ولروث حكاياتها أيضا: أصولها ~~اليابانية، زوجها، أمها، الكتابة، القط شرودنجر. والرواية مليئة بالتفاصيل الممتعة، ~~التي لا أظن أني أفسدتها بالحديث عن بعضها. # السرد أيضا ذكي يتنقل بين راويين: ناو، وروث. وهناك رسائل وحوارات، ورسائل موبايل ~~قصيرة تتخلل السرد وتخلق به إيقاعا محببا. في الجزء الخاص بناو مثلا، ترسل رسالة ما ~~لجدتها، و«سأخبركم بردها حين يصل»، وفي المكان المناسب من السرد يجيء الرد الذي قد يكون ~~دعابة أو حكمة أو نصيحة وهو يخلق حالة ممتعة. السرد ممتع، يتخلله حس ساخر مرح، سواء في ~~كتابة ناو أو في الفقرات التي ترويها روث. أعجبني أيضا طريقة استخدام الرواية للأحلام ~~ببراعة، بحيث تكون مرتبطة بأحداث وأحاديث وأفكار ما قبل النوم التي تم حكيها، ومعبرة عن ~~روث ومشاعرها ورغباتها، ولكن ارتباط الأحلام مع الواقع كعادة الأحلام ارتباط غير شفاف، ~~يفتح للقارئ فرصة للتأمل. يمكنك أن تقرأ الرواية على أنها عن الزمن، أو عن ثنائية ~~الكتابة/القراءة، أو عن الموت والانتحار، أو عن علاقة الشرق والغرب، أو عن كل هؤلاء ~~معا. أحيانا ما يضفر الكاتب الحكايات لكي يكون بناء ما، لوحة كبيرة متخيلة، نهاية ما ~~يرنو إليها. أحيانا قد تقرأ رواية ما وتصل بشكل واضح إلى ما تتكلم عنه هذه الرواية، ~~وتصل بسهولة لمركزها. وأحيانا قد تسأل الكاتب بحيرة: ما الذي تريده؟ فتجيء عدة إجابات ~~في ذهنك، كلها ممكنة، بل وكلها صحيحة. لست مضطرا إذا إلى الاختيار. ربما كلها مقصودة ~~بشكل ما. ربما اختارت الكاتبة بشكل متعمد أن تكتب رواية دون مركز وحيد، لتناسب ~~الموضوعات غير التقليدية للرواية، وربما ليس مهما ما أرادته حقا. ما دمت - وأنت تقرأ ~~- قد تفاعلت مع النص بفهم، فمن حقك أن تساهم بوضع بصمتك الخاصة عليه. ms48 # ترجمة هذه الرواية ستكون صعبة للغاية، بنية اللغة في الرواية نفسها معتمدة على مزج ~~الإنجليزية بكثير من المصطلحات اليابانية التي يتم شرحها في الهوامش. المسألة هنا جزء ~~من بنية اللغة، أن يقابل من يقرأ باللغة الإنجليزية عبارة غير مفهومة ويجد بجوارها ~~الإحالة فيرجع لها ليعرف ما المعنى. جزء من لعبة اللغة في الرواية. نقل المعاني سيكون ~~بسيطا نوعا لكن نقل الحالة هو الصعب؛ لأن الهوامش هنا لم تتم إضافتها من قبل شارح أو ~~ناشر، بل هي جزء من بنية العمل كما اختارته المؤلفة. # الفكرة أن اللغة الإنجليزية ربما تكون أكثر مرونة لتقبل ألفاظ من خارجها، ~~والأمريكان ربما متفاعلون بحكم الهجرات والانفتاح على الثقافة اليابانية، بحيث أن دخول ~~ألفاظ بهذه الطريقة هو ممتع للقارئ. # التنسيق ، والشكل الطباعي أيضا يتم استغلالهما بشكل جيد، لكنهما يصعبان أيضا عملية ~~الترجمة. كيف ستترجم خربشات ناو وروث، التي تعبر فيها صورة الكلمات المكتوبة مع مضمون ~~هذه الكلمات عن المقصود، كاشفة مشاعرهما. حتى لو ترجمت هذه الرواية، فأنصحك بقراءتها ~~بلغتها الأصلية إن تمكنت من ذلك. # ترسم ناو في مذكراتها مثلا: # مثال آخر: كلمة # now # كما خربشتها ناو في مذكراتها ليست ~~مجرد زينة أو لعب، هي جزء من السرد لا يستقيم دونه: # وتعبر روث عن مشاعرها في أحد المقاطع فتبدو هكذا: # عن روث أوزيكي # Ruth Ozeki # روائية أمريكية كندية مولودة في 12 مارس 1956، مخرجة أفلام، ومعلمة/كاهنة زن، ~~صنعت عددا من الأفلام المستقلة قبل التوجه لكتابة الأدب. ولدت روث وتربت في ولاية ~~كونيتيكت # Connecticut # لأب أمريكي وأم يابانية، ~~درست الإنجليزية والدراسات الآسيوية في كلية ~~سميث # Smith College ~~. ارتحلت في آسيا عدة مرات. نالت منحة وزارة التعليم ~~اليابانية لعمل دراسات عليا في الأدب الياباني الكلاسيكي في جامعة نارا. خلال ~~وجودها في اليابان درست تنسيق الزهور، ودراما الناجوكو # Noh, or ~~Nogaku drama ~~(وهي عروض درامية موسيقية يابانية يرجع تاريخها ~~إلى القرن الرابع عشر تؤدى بممثلين يرتدون أقنعة)، ودرست أيضا صناعة الأقنعة. ~~ودرست في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة كيوتو سانجيو # Kyoto Sangyo ms49 University ~~. # بعد عودتها من اليابان عملت في مجال الإخراج، أخرجت مجموعة من الأفلام المستقلة، ~~وفاز فيلمها # Body of Correspondence-1994 # بجائزة ~~في مهرجان سان فرانسيسكو # New Visions Award at the San Francisco ~~Film Festival ~~. والفيلم به عناصر من السيرة الذاتية لروث ~~أوزيكي أثناء رحلتها لليابان لجلب بقايا جدتها من اليابان. ووصلت روايتها التي ~~أعرضها هنا للقائمة القصيرة للبوكر عام 2013. # | هواء افتراضي # | صحارى إلكترونية # 1 # في أوقات كثيرة نتعامل مع الإنترنت باعتباره عالما موازيا؛ كتبت كثير من ~~المقالات والدراسات التي استخدمت هذه الاستعارة. ماذا لو مددنا خط هذه الاستعارة ~~قليلا؟ لنتخيل أن أحدنا أراد أن يرسم خريطة لهذا العالم الموازي. ماذا لو حاولنا ~~أن نرسم خريطة للإنترنت العربية؟ # لماذا أتحدث عن خريطة للإنترنت العربية؟ لأنني تخيلت أن من يتمثل الصورة الكلية ~~للمحتوى العربي سيجد فيها حالة من عدم التوازن: مناطق مزدحمة بالمواقع، في مقابلها ~~صحارى ممتدة لا يسكنها إلا القليل؛ وبالتالي يعتمد المتخصصون العرب في كثير من ~~الموضوعات على الإنترنت الأجنبية. ما يرد إلى الذهن في هذا السياق للوهلة الأولى ~~أن هذا ربما انعكاس منطقي لحالة ثقافتنا العربية، وربما هذا صحيح بدرجة ما، لكنه لا ~~يصلح هنا كسبب وحيد، لماذا؟ لأنك إذا دخلت أي مكتبة عامة كبيرة؛ فستجد كتبا عربية ~~في كل الموضوعات: كتبا لكتاب عرب، كتبا مترجمة، كتبا لمؤلف واحد، كتبا لها ~~أكثر من مؤلف. قد نلاحظ عدم توازن من نوع مختلف حتى في المكتبات العامة، لكن هذا ~~موضوع مختلف. # 2 # كثير من المواقع المستقرة في الإنترنت العربية يقوم عليها أفراد لا مجموعات عمل. ~~هناك مواقع تقوم عليها فرق عمل كبيرة ومنظمة، مثل موقع «هنداوي» الذي ينشر هذه ~~المقالة، وهناك تجارب شابة تسير بخطى واثقة مثل موقع «ساسة بوست» على سبيل ~~المثال، لكن الإنترنت العربية في أغلبها تقوم على جهود فردية. المواقع التي تقف ~~وراءها مؤسسات ستتركز في الغالب في مجالات بعينها: مناطق ساخنة تجذب انتباه ~~الكثيرين؛ كالمواقع الإخبارية، والمواقع الإسلامية، لكن حتى داخل هذه المناطق ~~المأهولة نسبيا بالمواقع، سيجد المتخصص ms50 المتابع مناطق قصور ونقص. # قواعد النحو العربية - على سبيل المثال - من الموضوعات التي أجد ما أريده منها ~~على الإنترنت بسهولة. أحتار في قاعدة ما، فأجد ما أبحث عنه غالبا، لكن المشكلة ~~تظهر أيضا حين تنتبه إلى غياب جهد منظم مهم في هذا المجال. كثير من النتائج التي ~~تظهر تكون من ساحات حوار، أو مداخلات على مواقع التواصل الاجتماعي. تكون مطالبا ~~وأنت تبحث أن تحدد موثوقية هذا الكلام، ومدى صحته؛ تفتح أكثر من صفحة وتقارن بين ~~محتوياتها؛ لأن من يقولون هذا الكلام مجهولون لك في الغالب، حتى لو كان أحدهم ~~عالما في موضوعه، والموقع الذي يضم هذا الكلام غير متخصص، والكلام الذي تقرؤه لم ~~يراجعه أحد، أو لا تعلم إن كان قد راجعه أحد؛ لأنك لا تستطيع أن تتعرف على ~~المسئولين عن الموقع، وسياستهم. # 3 # لو تحدثنا عن المواقع كأفراد حقيقيين، ربما سنكون أيضا في حاجة إلى صفحات نعي، ~~مواقع كانت موجودة ومهمة لكنها اختفت دون أثر، ودون أن يظهر بديل: «انتقل إلى ~~رحمة الله تعالى موقع كذا، وندعو للإخوة متابعي الفقيد بالصبر والسلوان.» فكرة موت ~~موقع على الإنترنت طبيعية، لكن غير الطبيعي أن يختفي موقع مهم ثم لا يظهر له بديل، ~~فيترك مكانه فارغا. أيضا أظن أننا سنحتاج صفحة للبحث عن المفقودين (404). لي مدة ~~مثلا لم أدخل على موقع «مجمع اللغة العربية بالقاهرة»، الموقع لم يخل من المشاكل، ~~لكنه كان مفيدا لمن يريد الاطلاع على قرارات المجمع، أو من يريد البحث عن رأي ~~المجمع في مسألة بعينها. أبحث عنه الآن، فيجيب الموقع: # Server not ~~found ~~. في هذه الحالة أنا لا أعلم هل هذا الاختفاء مؤقت، أم ~~دائم. أظن أنه سيستمر لفترة طويلة؛ لأن مثل هذه المواقع في الغالب يتم إنشاؤها عن ~~طريق التعاقد لمرة واحدة مع شركة أو فرد يتولى عملية تصميم الموقع وجعله متاحا، ~~ثم يترك الموقع دون متابعة أو دعم تقني: «على من يتعرف إلى أي معلومات الاتصال برقم ~~...» # 4 # اكتب «نجيب محفوظ» في أي محرك بحث وانظر ms51 إلى النتيجة، هل هذه النتيجة طبيعية؟ ~~من ضمن النتائج التي ستظهر سيلفت نظرك: «الموقع الرسمي للأديب العالمي نجيب محفوظ»، ~~وهو موقع مستضاف من قبل دار نشر الشروق، التي اشترت حقوق نشر كل كتب نجيب محفوظ في ~~صفقة شهيرة، والمعلومات التي يتضمنها هي معلومات أساسية مختصرة، مقسمة على عدة ~~وصلات، بعضها الآن لا يعمل. بعض الملفات التي تمت كتابتها على عجل في بعض الصحف ~~الأسبوعية تتفوق في المادة على هذا «الموقع». # سؤال لأي عربي: هل هناك موقع جيد باللغة العربية يتحدث عن تاريخ بلدك؟ تاريخ ~~المنطقة العربية؟ الفلسفة؟ جرب موضوعات مختلفة وقيم النتائج. # 5 # يراودني تخوف في الفترة الماضية أحس أنه لو حدث سيكون أمرا كابوسيا ~~بالنسبة للإنترنت العربية: ماذا لو نشرت شركة مثل «جوجل» رسالة إلى مستخدميها ~~مضمونها أنها لن تدعم خدمة المدونات # Blogger # بعد ~~الآن، وأنها في تاريخ كذا ستقوم بإغلاق هذه الخدمة نهائيا. السيناريو وارد؛ لأن ~~جوجل قامت بإغلاق خدمات كانت مهمة للبعض من قبل. تخيل شكل الإنترنت العربية لو لم ~~تعد هناك # blogspot ~~. تذكر هنا كل المرات التي بحثت ~~فيها عن موضوع ولم تجد نتائج مهمة إلا في بعض المدونات. لاحظ وأنت تتخيل هذا ~~السيناريو أن هناك مجموعات من المواقع الصغيرة التي لا تحتوي على # blogspot # كجزء من عنوانها، هي أيضا معتمدة على ~~نفس هذه المنصة، لكنها اشترت لنفسها عنوانا # URL # خاصا بها. تخيل لو تم غلق موقع «ويكيبيديا» لأي سبب؛ هل ستقوم أي مؤسسة عربية ~~بمحاولة إنتاج موقع مثيل؟ # | عن المدونات # هل تعلمون ما العظيم في أمر الإنترنت؟ أنها تستطيع لدرجة ما أن تتعالى على بنى العالم ~~الواقعي الصلبة. مثلا، في العالم الواقعي؛ في عالم الأدب، هناك علاقات، ومؤسسات، ~~ومنتفعون، وأصدقاء، وشلل، هناك قوى تعطي أحيانا أفضليات غير مستحقة، أو تسبب ظلما غير ~~مستحق. الإنترنت ليست منعزلة، الإنترنت متصلة بكل هذا ومتأثرة به أيضا، لكنها أيضا تحتوي ~~على آليات تجاوزه والاستدارة حوله. # هل تريد كأديب أن تلتزم بقواعد لا تعلمها، وأن تستمر في التشارك في طقوس ms52 خفية لمجتمع ~~ما كي يتم قبولك فردا معتبرا فيه، بحيث تستفيد من شبكة التغطية الخاصة بهذا المجتمع؟ ~~المجاملات، والمجاملات المضادة، الكلام المنمق، الصداقات المصطنعة. ليس الأمر دائما ~~على هذه الحالة، هناك استثناءات، لكن قد أكون محقا إن قلت إن الوضع الغالب - في العالم ~~الواقعي - يشير إلى مناخ سيئ. # فكرة المدونة هي أنها باختصار موقع شخصي، موقع يسهل أن تقيمه دون خبره تقنية كبيرة، ~~ستكون فور إنشائها قد أنشأت وسيلة نشرك الخاصة، مع مساعدة من محركات البحث، وبيئة ~~الإنترنت الواعدة، كل ما يتبقى عليك أن يكون لديك فعلا ما تريد أن تقوله، وأن تتحلى ~~بالصبر. هذه الفكرة البسيطة في رأيي التي يمكننا فيها الحديث عن المدونة كوسيط جديد، لا ~~نعرف بالضبط أثره على الكتابة حتى الآن، تم التشويش عليها بحديث فخم ومزين عن ~~التلقائية، والفضفضة، وكتابة المذكرات. # في مرحلة ما انتشر صخب تنظيري حول المدونات، احتوى الكثير من الكلام الفارغ، الذي كان ~~مناسبا وقتها لعمل بعض التحقيقات الصحفية، حول المدونات، وكيف أنها قدمت نوعا جديدا ~~من الأدب، عن الفضفضة، عن التلقائية. وهو ما لم أقتنع به أبدا. اقتنعت في المقابل أن ~~هذا الحديث ضار للغاية؛ لأنه يركز على الظاهرة من وجهة نظر خاطئة. الفضفضة والتلقائية ~~كانت دائما موجودة، الفكرة هي أن يكون النشر متاحا بسهولة، وأن يتم السماح لعدد كبير ~~من الأفراد بالانغماس في عملية الكتابة. دخول هؤلاء الأفراد صحي، فكأي مهنة؛ يمكنك رسم ~~خريطة المنتسبين للكتابة على شكل هرم له قاعدة وقمة، وهو هرم لا يمكن أن يكون قائما ~~دون كل حجر فيه، حتى لو بدا غير مهم. الخطأ الذي قصدته، هو أن النقد والصحافة والنشر ~~وقتها قاموا بدور سلبي، بالتركيز على جوانب تصلح لصناعة موضة ما، لخلق فقاعة تصلح ~~للحديث عنها في الندوات. الفكرة الأهم - من وجهة نظري - هي الوسيط، وظروفه المختلفة، ~~التي تخلق مناخا أكبر من الحرية، وصعوبة أكبر في الانتقاء، مواد الإنترنت كثيرة ~~للغاية، هناك الآلاف من المدونات والمواقع، لكن المستفيد إن امتلك حدا أدنى من قدرات ms53 ~~البحث فسيكون قادرا على الوصول إلى المادة التي تناسبه. # لدي انطباع أن أغلب النقاد لدينا فعليا هم أبناء الواقعي، وغرباء عن الافتراضي، حتى ~~من ألفوا دراسات عن المسألة، أسهموا في الحديث عنها كموضة أدبية؛ تبحث «الميديا» عن ~~عناوين ساخنة تصلح لجذب الانتباه بشكل مؤقت، قبل إحالة الظاهرة كلها للتقاعد لاحقا. كل ~~فترة يتم الاهتمام بظاهرة ما اهتماما زائفا، (هو اهتمام زائف لأنه لا ينظر حقيقة في ~~موضوع البحث، بل يسقط عليه انطباعات مسبقة دون دراسة حقيقية)، يساهم هذا الاهتمام في ~~زيادة كثافة الحديث عن الموضوع، لكنه يساهم في نفس الوقت في قتله؛ لأن النقد - إن كنت ~~محقا - يمارس في هذه الحالة عملية تشويش على الحواس، عملية تخلق حالة من عدم الرؤية، ~~وتحجب زوايا النظر الأهم. # بعد ذلك استمعنا أو رددنا بأنفسنا فكرة انتهاء عصر التدوين بنفس الحماسة. هل انتهى ~~عصر التدوين؟ هل انتفت الحاجة لوسيط نشر سهل وواسع الانتشار؟ أليس مغريا أن تمتلك ~~ككاتب وسيطك الخاص للنشر، الذي ينجح في بعض الأحيان في التفوق على بعض الجرائد بكل ~~إمكاناتها؟ هل نحن حقا في غنى عن أي مواقع باستثناء الفيس بوك وتويتر؟ فكر على الأقل ~~أنه في حالة المدونات يمكن لشخص يبحث بالصدفة على الإنترنت أن يصل لك، ويتابعك إن ~~أعجبته المادة التي تقدمها، دون أن يكون قد عرفك أو عرف أي شخص تعرفه. # شخصيا أتابع عددا من المدونات المستمرة، والتي تقدم مواد غاية في الأهمية، أضعها ~~في العمود الأيمن لمدونتي، بحيث يظهر الجديد في الأعلى. مدونات عن السينما، عن السياسة، ~~أدبية، ترجمات ... حتى إنني أتابع بعض المدونات في موضوعات غريبة، لكنها مسلية. الشاهد ~~أني قادر كقارئ على تجميع جريدتي/مجلتي الخاصة من مجموعة المدونات التي أختارها دون ~~التقيد بلغة أو مكان. # واقع الإنترنت في العالم العربي بشكل عام، وبالتبعية واقع المدونات ما زال يفتقر إلى ~~العديد من المواد في موضوعات مهمة. في الحقيقة أغلب الموضوعات المهمة ما زالت تفتقر إلى ~~مراكز ثقل حقيقية. إن كنت تشك في هذا فأخبرني عن أهم ms54 المواقع التاريخية، أو الاقتصادية، ~~أو الفلسفية أو حتى الأدبية على الإنترنت العربية. هذا الفقر نفسه يخلق فرصا كبيرة غير ~~مستغلة، ومساحة خصبة يمكن العمل فيها. # | عروض الكتب بين المدونين والنقاد # قرأنا عن فضيحة تفجرت في سوق النشر بإنجلترا بطلها أحد الكتاب الأكثر مبيعا وهو ~~ر. ج. إلوري # R. J. Ellory ~~، وهو الفائز بعدة جوائز منها ~~جائزة باري # Barry Award # لأفضل عمل أدبي بريطاني في ~~مجال الجريمة سنة 2009، عن رواية «فعل عنف بسيط» # A Simple Act of ~~Violence ~~، كما ~~فازت نفس الرواية في العام التالي بجائزة أفضل رواية جريمة، والتي تقدمها # Theakston’s Old Peculier ~~؛ تفجرت الفضيحة نتيجة ~~اكتشاف قيامه بعمل عروض بأسماء مزيفة على موقع الأمازون، العروض تمتدح أعماله وتذم ~~أعمال أدباء آخرين منافسين. بطبيعة الحال أثار اكتشاف هذا الفعل غضب عدد من الكتاب ~~المتضررين، واقترحوا ودعوا إلى تأكيد مصداقية العروض على موقع أمازون من خلال التأكد من ~~هوية من يكتب العرض. # وبطبيعة الحال لم يلق هذا الاقتراح قبول الجميع؛ فعلى عكس الآراء التي أشارت إلى ~~ضرورة ذلك ظهرت أصوات ترفض أن يتم إلغاء خاصية عمل عروض مجهلة من الاسم في موقع ~~الأمازون، يدافع # Joe Konrath # عن ذلك قائلا إن كون ~~العرض زائفا لا يعني بالضرورة أنه خال من القيمة، ونحن إن منعنا ذلك نمنع حقا أصيلا ~~للعارض بأن يبقى مجهولا، كما أننا لا يجب أن نفترض أن القراء سلبيون ويقبلون كل ما ~~يقرءون عن الكتب. يقول: «ليس البشر بقدر الغباء الذي يريدنا صائدو الساحرات أن نعتقده. ~~نحن لا نصدق بشكل آلي كل ما نقرؤه على الإنترنت. نستطيع أن نقرر بأنفسنا ما الذي ~~يستحق.» وكرد فعل على هذه الدعوة قام بنفسه بعمل مجموعة من العروض المزيفة بأسلوب يميل ~~للفكاهة. # بطبيعة الحال هذه الحادثة ليست مهمة في ذاتها، لكنها تعكس بالتأكيد الاهتمام المتزايد ~~الذي صار الأدباء يولونه تجاه العروض المكتوبة على الإنترنت سواء في مواقع بيع الكتب، ~~أو مواقع العروض، أو في المدونات. تزايدت أهميتها في الواقع مع الوقت إلى الدرجة التي ms55 ~~جعلت بيتر ستوزارد Peter Stothard # رئيس لجنة تحكيم ~~جائزة بوكر مان لهذا العام (2012)، يحذر من أن التدوين أصبح يغرق النقد الجاد للكتب، ~~وهو أمر يراه في غير صالح الأدب. # ورغم أن بيتر ستوزارد (محرر الملحق الأدبي لجريدة التايمز) هو نفسه مدون، وسبق أن مدح ~~مواقع متخصصة في عروض الكتب مثل # The Complete Review ~~، ~~لكنه لا يخفي قلقه من أن العروض المكتوبة في فضاء الإنترنت قد يكون لها أثرها المضر على ~~مستقبل الكتابة. ورغم أنه لا ينكر وجود بعض الآراء عالية القيمة في بعض المدونات، لكنه ~~يرى في نفس الوقت أن هناك أيضا عددا أكبر من الآراء الأقل في القيمة؛ فأغلب هذه ~~العروض في رأيه هي عروض متطايرة سريعة الزوال. ينبه ستوزارد: لو أننا أعلينا الآراء غير ~~المبررة فوق النقد فسوف يتضرر الأدب. يقول: «لا بد أن يقف أحدهم مدافعا عن دور النقد ~~الأدبي وإلا فسيغرق، وسيؤدي إلى اضمحلال مستوى الأدب.» «فالنقد الأدبي ينبه إلى الجديد، ~~إلى الكتابات التي لا تشبه ما سبقها.» وهو ينتقد محرري الصحف لاقتطاع صفحات الكتب، ~~ولزيادة نشر العروض من هذا النوع المتطاير. # وعبر بيتر ستوزارد بوضوح عن كون انتشار مثل هذه الآراء التي تغيب المعايير النقدية ~~عنها يمثل خطرا حقيقيا على العروض الاحترافية؛ مشيرا إلى انتشار اعتقاد عام في ~~بريطانيا وأمريكا أن النقد التقليدي الواثق الذي يرتكز على الحجة ليخبر الناس إن كان ~~الكتاب جيدا أم لا؛ هو في مرحلة انحدار. وقال إنه من الجيد وجود هذا العدد من المدونات ~~والمواقع المخصصة للكتب، لكن أن تكون ناقدا يعني أنه من الضروري لك أن تختلف عن هؤلاء ~~الذين ينشرون ذوقهم الشخصي؛ فليست كل الآراء متساوية في القيمة. # وبينما يتفق سام جورديسون # Sam Jordison ~~(مدون ~~وكاتب في جريدة الجارديان) مع ستوزارد بخصوص الحاجة لنقد مبرر وواف، إلا أنه يعتقد أن ~~ذلك متوافر فعلا في مدونات، فهناك عدد من المدونين الذين يقدمون عروضا مميزة، وهو يشير ~~في هذا السياق إلى عدد من المدونين الذين يرى أن مدوناتهم هي من ms56 أفضل الأماكن التي قد ~~تتعرف فيها على الجديد في عالم الكتب، ويبين أن ترشيحات القراء قد تصنع فارقا ضخما، ~~حتى لو لم تضم إلا تعليقات لأناس يقولون فقط: «أعجبني هذا» فقد ينشأ نتيجة لمثل هذه ~~الآراء تراكم مفيد. كما أن الكتب كثيرة للغاية ومن المهم أن تكون هناك بدائل تعفيك ~~من اقتناء الكتاب لمعرفة مستواه. # ويقول سايمون سافيدج # Simon Savidge ~~(صاحب مدونة: # Savidge Reads ~~) سيكون هناك دائما تكبر ما حيال ~~المدونين، كل المدونات التي أتابعها تكتب دون مقابل من قبل أناس شغوفين بالكتب، عدد ~~منهم يقرأ بالفعل بعض كتب اللائحة القصيرة لجائزة مان بوكر ويزكون الكتب التي تثير ~~اهتمامهم للقراء. أعتقد أن أي شخص يقرأ بكثافة يستطيع - فقط من خلال القراءة - نقد أي ~~شيء يقرؤه؛ فالقراءة، ورد الفعل حيالها، هي خبرة شخصية معتمدة على خبرة حياتية. المثير ~~للاهتمام أنك لن تجد المدونين يهجون صفحات العروض المطبوعة (بشكل مماثل لنقد بيتر ~~ستوزارد لعروض المدونات والمواقع الإلكترونية)، ستجدهم - على العكس - يقرءونها بين الكتاب ~~والكتاب، جنبا إلى جنب مع قراءة المدونات الأخرى؛ (وذلك) لأننا جميعا متحدون في حب ~~الأدب بكافة أشكاله وأجناسه. # بطبيعة الحال كان النقاش محفزا لآخرين للمشاركة فيه، فكتب روبرت ماكروم # Robert ~~McCrum # يوم 1 أكتوبر ~~2012 مقالا أثنى في بدايته على إدارة بيتر ستوزارد للجنة التحكيم بمان بوكر، مشيرا إلى ~~أن القائمة القصيرة هذا العام من أفضل القوائم القصيرة مقارنة بالأعوام السابقة، كما أن ~~الانضباط هذا العام في جوانب أخرى واضح. لكنه يختلف أيضا مع بعض ما طرحه بخصوص ~~العروض. # يقول ماكروم: # بدلا من أن أشجب هذا الطرح ببساطة، أرى أنه من الواجب أن نأخذه بجدية. أشار ~~ستوزارد إلى أن عرض المواطن ~~الصحفي # citizen journalist # لا يرقى إلى مستوى النقد الاحترافي. لنتأمل عرضا ~~مثاليا مطبوعا في أي من الصحف المعروفة: الأوبزرفر، التايمز، الملحق الأدبي للتايمز، أو في نيويورك رفيو أوف ~~بوكس # the Observer, the Times, the TLS or the New ~~York Review of Books ~~، مثل هذا العرض سيتراوح في العادة ms57 بين 500 إلى 1500 ~~كلمة، وسيمر قبل النشر بعمليات تحرير مطولة ومجهدة، وبشكل أكيد ستكون مذيلة ~~بتوقيع، وفي العادة تكون مدفوعة الأجر. وبالمقارنة بالمادة الخام المنشورة في ~~أي مدونة معتادة فقد تمت مراجعة و«تقطير» هذه العروض بشكل مفرط. # ويضيف: # ولا يضمن كل هذا أن العرض لن يكون بدائيا، أو هداما، أو هجوميا، أو مجاملا، ~~لكنها ستكون محل احترام، وستبرز بشكل مفرط اللغة المتخصصة للنقد الأدبي. # ثم يوضح أن أي عارض جيد ينشر في المطبوعات المتعارف عليها يقف على أكتاف عظماء النقد ~~السابقين له، وهذا النقد سيكون أولا احترافيا، ثانيا: لن ينشر دون توقيع، ثالثا: ~~سيوضع في سياق النقد الأدبي. و«لا شك أن تركز مثل هذه السلطة في يد قلة (من النقاد) في ~~الماضي كان له أثره السيئ على بيئة النشر.» # وهو يؤكد في النهاية إلى أنه رغم اتفاقه على وجود بعض وجهات النظر المهملة في فضاء ~~التدوين، إلا أنه يوجد بالمقابل (في حالات أخرى) مكان للانضباط الذاتي، والمعايير ~~الراقية الموضوعة بوعي. # | كتب قديمة للبيع # 1 # تراها لدى بائع يفترش أحد الأرصفة، أو في أحد المحلات الصغيرة أو الكبيرة؛ ~~فتتوقف، تقلب في عناوينها، باهتمام أو بلامبالاة فضولية. يلفت أحدها انتباهك ~~فتسحبه وتبدأ في تصفح محتوياته. قد يكون قد نشر منذ سنوات أو عقود. تقرر في ~~النهاية شراءه فتتوجه للبائع لتسأل عن ثمنه. قد تساومه في السعر الذي يطرحه عليك ~~أو لا. تأخذ الكتاب ثم ترحل. # في منزلك قد تجد وأنت تقلب صفحات الكتاب: خطوطا أو علامات أو تعليقات تحت كلمات ~~بعينها، قد تلمح توقيع المالك الأصلي في أول صفحاته، قد تجد صفحات مثنية إهمالا ~~أو قصدا، أو تكتشف أوراقا، أو وردة مجففة بين صفحاته. # 2 # تنحاز الصفحات الثقافية، والدوريات التي تتابع الكتب، للكتب المنشورة حديثا. وهو ~~منطقي باعتبار أهمية متابعة جديد الناشرين، لكن في المقابل فإن الكتب الأحدث في ~~الصدور ليست بالضرورة هي الكتب الأحدث أو الأفضل في المحتوى. وفي عالمنا العربي ~~خصوصا، قد تكون هناك كتب كثيرة قديمة تحتاج إلى ms58 من ينفض عنها التراب، ويعيد ~~تقديمها للقراء، سواء بالكتابة عنها أم بإعادة نشرها. # في عام 1920، صدر كتاب لرايموند ~~ويفر # Raymond Weaver # يتناول حياة وأعمال هرمان ميلفل. يقال إن هذا الكتاب كان ~~السبب في إحياء الاهتمام بالكاتب الذي لم ينل في حياته الاهتمام الكافي الذي ~~يستحقه. في بداية حياته لاقى هرمان ميلفل بعض النجاح، إلا أن هذا النجاح لم يستمر ~~كثيرا، حتى إن رائعته موبي ديك # Moby-Dick ~~، التي ~~توقع كاتبها حين نشرها لأول مرة عام 1851 أن تكون تتويجا للنجاحات النسبية التي ~~لاقتها أعماله السابقة، لم تنل نجاحا يذكر أثناء حياته. لم تحقق الرواية ~~نجاحا كبيرا على مستوى المبيعات، ولم يستقبلها أغلب النقاد وقتها استقبالا ~~حسنا. بعد كتاب رايموند ويفر ظهرت مجموعة من الدراسات الأخرى، عن الكاتب وعن ~~رواياته، لفتت له الأنظار من جديد. # بعض الكتب التي تنجح في الحصول عليها من باعة الكتب القديمة لا توجد منها طبعات ~~حديثة، نفدت ولم يهتم أحد بإعادة طبعها، دون أن يعني ذلك أنها غير مهمة أو غير ~~قيمة؛ لكن هذا هو حال الأشياء، كما يحدث مع البشر. قد تحيرك الطريقة التي ~~توزعت بها حظوظ الكتب المختلفة من الاهتمام. قد يكون الكتاب القديم الذي تلتقطه ~~بالصدفة دون سابق معرفه به أو بكاتبه إحدى الصدف السعيدة للغاية، التي تعرفك بكاتب ~~مبهر، أو بكتاب سيصير عزيزا على قلبك. # 3 # تكتشف أن بعض الكتب التي ترجع إلى عقدين أو أكثر لم يقرأها أحد، ارتحلت عن مالكها ~~إلى مكتبتك، أو ربما تنقلت بين أكثر من مالك قبل أن تصل إليك، لكن صفحاتها التي ~~ما زال بعضها ملتصقا ببعض منذ لحظة طباعتها تكشف أنها لا تزال بكرا. تفكر: ~~كم من كتاب تملكه أنت، سترحل عن الدنيا قبل أن تتمكن من قراءته؟ تفكر أيضا: ~~إن البعض يخلص لاقتناء الكتب أكثر من إخلاصه لقراءتها. # 4 # في السنوات الأخيرة ظهرت إلى الوجود أشكال جديدة من الكتب، وهي الكتب ~~الإلكترونية، ومعها ظهرت إشكالية جديدة تتصل بالكتب المستعملة الإلكترونية ومفهومها ~~وكيفية التعامل معها. من ms59 الواضح أنه في حالة الكتاب المستعمل الورقي، هناك فارق ~~متوقع بين النسخة التي تشتريها من الناشر مباشرة، والنسخة المشتراة من باعة ~~الكتب المستعملة. يتمثل الفارق في أن عامل الزمن يؤثر على الكتب وتماسكها؛ ~~وبالتالي يمكن القول إن سوق الكتب المستعملة في حالة الكتب الورقية هذه لا تشكل ~~نفس الخطر الذي تمثله الكتب المستعملة الإلكترونية التي لا تختلف عن النسخة ~~الأصلية التي يبيعها الناشر مباشرة. أيضا الطبيعة المادية للكتاب الورقي تجعل ~~فكرة ملكية من يشتريه أكثر وضوحا من حالة الكتاب الإلكتروني، الذي صار الناشرون ~~الآن يؤكدون على أن ما يحدث هو حق استخدام، لا شراء بالمعنى التقليدي، بمعنى أنك ~~تستطيع اقتناءه وقراءته، لكنك لا تستطيع إعارته، أو بيعه، أو التبرع به. # عند مناقشة قضية إعادة بيع المواد الإلكترونية يتم الإشارة عادة إلى تجربة موقع # ReDigi ~~؛ الموقع الذي قامت فكرته على بيع ~~الأغاني المستعملة بعد الاستماع إليها. القضية وصلت إلى ساحات المحاكم بعد شكوى ~~شركة # Capitol Records ~~، التي حكم فيها القاضي في ~~إحدى المحاكم الأمريكية بأن الأمر في هذه الحالة يخرق حقوق الملكية؛ لأنه حتى في ~~حالة مسح الكتاب من الحاسب الأصلي فور بيعه، فإن ما يتم هنا هو عملية نسخ للكتاب. ~~ورغم ذلك فالفكرة لا تزال مثيرة للجدل؛ نظرا لطبيعتها الخاصة، ولذلك فهناك محاكم ~~أوروبية كانت لها أحكام مختلفة بعض الشيء في قضايا مشابهة؛ منها حكم محكمة في ~~أمستردام برفض شكوى أحد الناشرين ضد موقع لبيع الكتب المستعملة 2014 مملوك ~~لتوم كابينت # Tom Kabinet ~~. واعتبرت المحكمة أن ~~بيع الكتب المستعملة أمر مسموح به. لكن نفس الموقع تم إغلاقه في بداية هذا العام ~~لحين التأكد من أن الكتب الموجودة عليه تم الحصول عليها بشكل قانوني، خصوصا بعد ~~أن تم التأكد من أن بعض المواد الموجودة عليه غير قانونية، وبعضها ليس متاحا للبيع ~~بشكل إلكتروني من الأساس. لكن هل عملية التأكد من قانونية كل الكتب الموجودة على ~~موقع يعتمد على الكتب التي يقوم مستخدمون من كافة الأرجاء برفعها للموقع ممكنة ~~أصلا؟ # | وصف الغيوم ms60 # | الكتابة: موهبة الاحتيال على الصمت # 1 # أعرف أصدقاء لا أشك في امتلاكهم موهبة الكتابة والقدرة على الإبداع فيها، لكنهم ~~لا يكتبون ولا يعدون أنفسهم كتابا. وأعرف من بدأ خطوات قليلة في رحلة ~~الكتابة، ثم توقف بعدها دون أسباب واضحة. وأعرف من تقل حماسته للبدء مع مرور ~~الوقت؛ لأنه يرى أنه تأخر. ولأني أعرفهم، أفكر أن أسباب عدم إنجازهم في هذا المجال ~~لا تتعلق بنقص في الموهبة على الإطلاق، لكن الأسباب تكمن في مناطق أخرى؛ ربما ~~تتعلق بعادات الكتابة لديهم، أو أفكارهم عنها. وحين أفكر فيهم أتأكد أن الموهبة أو ~~القدرة على الكتابة وحدها ليست كافية للإنجاز فيها؛ الأمر يتطلب أيضا طريقة تفكير ~~خاصة، وعادات عملية تسهل الإنجاز، وتحمس الكاتب. # 2 # في بداية الكتابة نستكشف ذواتنا، نحاول تطوير بضعة سطور إلى نص (قصة، قصيدة ...) ~~فتواجهنا عقبات ما: البحث عن كلمة مناسبة دون جدوى، عدم الرضا، عدم القدرة على ~~بلورة أفكارنا ... إلخ. لكن من لا تواجهه عقبات في الكتابة - خصوصا في بدايات ~~الكتابة - غالبا ما يكتب بعد ذلك كتابة رديئة. هذه العقبات قد تصيب البعض باليأس ~~أو عدم الرغبة في المواصلة، لكن هذه العقبات تحديدا هي التي تصقل موهبتنا، وتصنع ~~أسلوبنا. حين نحاول نقل أفكارنا إلى قصص نفكر: كيف نحولها إلى نص؟ كيف نخلق ~~إيقاعا قصصيا في هذه الحدوتة الأولية؟ ما الذي ستقوله وما الذي ستغفله؟ وما ~~الذي ستلمح إليه من بعيد، وما الذي ستذكره صراحة؟ ما هي زوايا النظر التي ستستخدمها ~~في رسم نصك؟ وبالمثل في النصوص الشعرية، نختار الشكل الأنسب، ونعدل في الجمل ~~والكلمات والفقرات عدة مرات إلى أن نصل إلى شكل ما يرضينا. # بداية طريق الكتابة الاحترافية يبدأ غالبا من الوعي بالتقنية، والتركيز عليها، ~~ومحاولة امتلاكها والتجريب فيها. لا يعد هذا انحيازا إلى الشكل بقدر ما يكون ~~بمنزلة قوة معادلة تدفعك ككاتب في الاتجاه المضاد لما اعتدته من الانحياز الساحق ~~للمضمون على حساب الشكل. أساسا، التفريق بين الشكل والمضمون كقسمين يمكن دائما ~~التفريق بينهما، غير دقيق، لكنه يظل أحيانا ms61 مفيدا للتوضيح. # 3 # أحيانا يكون العائق الأكبر أمام استمرار الكتابة هو الرضا السريع؛ قد تكون ~~قادرا على الاستمرار في كتابة صفحات عديدة لكنك ترضى بما أنجزته بعد صفحة أو ~~أقل، تسرع في إنهائه كنص، وتبحث عن إعجاب الآخرين كجائزة سريعة. وهكذا لا تفقد ~~فقط بقية ما كان يمكن أن تكتبه في هذه الليلة، بل تفقد كذلك - في الغالب - الأيام ~~التالية التي تظل فيها راضيا عما كتبت في انتظار ردود أفعال الآخرين. # 4 # الاستمرار في الكتابة يحتاج لتجديد طريقتك في التعامل معها، يحتاج لألعاب جديدة؛ ~~لتحديث مفهومك للكتابة، لإيجاد دافع ما للاستمرار. أتحدث هنا ببساطة عن جعل ~~الكتابة ممتعة لك؛ كي لا تتحول إلى مجرد واجب ثقيل، أو لمحة إلهام طارئة تزورك من ~~فترة لأخرى. منذ فترة مثلا كنت أحمل بعض الخطوط من الإنترنت، وهنا خطرت لي ~~فكرة: لن أجرب هذه الخطوط بكلام بلا معنى، بدأت أحملها خطا خطا، وبعد تركيب ~~كل خط أجربه بكتابة فقرة دون تفكير مسبق، فقرة بسيطة دون تكلف، وكانت ~~النتيجة ثرية للغاية، ونتج عنها عدد من النصوص الجيدة. في أوقات سابقة كتبت من ~~وحي: لوحات، صور فوتوغرافية، أفلام. أستفيد أيضا من الأحلام كمواد خام تحمل ~~داخلها طاقة وجنونا قد لا تدركه ذواتنا الواعية في أوقات كثيرة. # اكتب، المهم ليس المنتج النهائي، المهم هو أن تكتب أفكارك أولا بأول، وأن ~~تتعود على هذا. كثيرا ما مرت بداخلي أفكار ما، رأيتها مهمة ولم أسجلها، ثم ~~لم أتمكن من ذلك بعدها. أحيانا تكون الأفكار والجمل سريعة التطاير؛ لهذا انتبه، ~~فالأفكار السريعة التي تقابلها حين تقرأ كتابا، أو تفاجئك دون سبب وأنت تمشي، هي ~~أفكار تعبر عنك، أفكار تغيرك، قد تكون سببا في تغيير طريقتك في التعامل ~~مع أمور وأشياء بسيطة، وقد يؤدي هذا إلى سلسلة من التفاعلات الجيدة والمشوقة؛ ~~لهذا هي مهمة، لأنها جزء من نموك كإنسان وككاتب، ولأنك قد لا تمر بنفس الحالة ~~أو الفكرة مرة أخرى بنفس الشكل، سجلها. # 5 # في أي عمر تزدهر الموهبة؟ الإجابة ليست ms62 موحدة على هذا السؤال. «بيتهوفن» ~~مثلا ظهرت بواكير موهبته قبل أن يكمل سنواته العشر. «رامبو» الشاعر الكبير الذي ~~أثر في الشعر من بعده بشكل مدهش، بدأ رحلته في الكتابة وأنهاها قبل أن يكمل ~~العشرين. «الماركيز دو ساد» في المقابل كتب روايته الأولى حين كان في عامه الحادي ~~والخمسين. «ساراماجو» كتب رواية وحيدة في مقتبل حياته، ثم توقف قرابة العشرين عاما ~~ليعود بعدها بديوان شعري، لكن روائع رواياته التي كانت سببا في حصوله على جائزة ~~نوبل للأدب كتبت بعد الخمسين. # باختصار: كما توجد أمثلة معروفة لمواهب تزدهر بشكل مبكر بدرجة قد تصيبنا بالإحباط ~~أحيانا، هناك نماذج أخرى في الفن، والأدب، والمجالات الإبداعية المختلفة تنضج ~~وتتفتح متأخرا لتقدم أفضل إنتاجها في منتصف العمر، أو حتى في خريفه. # | وصف الغيوم: العالم كمرآة - الذات كعالم # 1 # يقدم «دافنشي» في كتابه «نظرية التصوير» نصائح مهمة وثاقبة للفنانين، يستلهمها ~~من خبرته العملية الطويلة، ومن موهبته الكبيرة. استوقفتني منها نصيحة وصفها ~~بأنها «نصيحة ذات نفع كبير للفنان؛ إذ تساعد على تفتيح ملكاته، وإطلاعه على ~~عديد من الابتكارات، رغم أنها تبدو قليلة القيمة، بل ومثيرة للسخرية.» ونصيحته كما ~~ترجمها «عادل السيوي» ضمن كتاب دافنشي المسمى ب «نظرية التصوير» هي أن «تتأمل - أيها ~~المصور - الجدران الملطخة، والأحجار المختلطة، فإذا كنت تبحث عن تصور لموقع ~~ما، يمكنك أن ترى فيها صورا وأشكالا لبلدان متنوعة، تزينها الجبال، وتجري فيها ~~الأنهار، وسترى الأحجار، والأشجار، والسهول الواسعة، والتلال على اختلاف أشكالها، ~~كما يمكنك أيضا أن ترى معارك مختلفة، وأفعالا سريعة تقوم بها مخلوقات غريبة ~~الأشكال، وستشاهد العديد من الوجوه والملابس وأشياء أخرى كثيرة لا يمكن حصرها ~~هنا. ويمكنك أن تختصر هذه الأشكال في بناء متكامل، وأشكال قيمة. ومن يتعامل مع ~~تلك الجدران والأحجار، يشبه من ينصت إلى أصوات الأجراس، فيسمع في دقاتها كل اسم ~~أو حرف أو كلمة يمكن أن يتخيلها.» # والنصيحة تشبه نصائح مماثلة قدمها السرياليون الذين أتوا بعد دافنشي بسنوات ~~طويلة للفنانين والشعراء. حاول السرياليون - مستفيدين من «فرويد» ومتأثرين بمنهجيته ~~- أن ms63 يعيدوا الاعتبار للاوعي الإنسان، الذي تم إقصاؤه من وجهة نظرهم لصالح ~~الوعي. وكان هدفهم الذي أعلنوه هو محاولة تجاوز التناقضات بين الوعي واللاوعي، وبين ~~الذات والعالم، ومن خلال هذا التجاوز كانوا يطمحون إلى الوصول إلى طريقة مختلفة ~~وأكثر عمقا للنظر إلى الذات وإلى العالم. وقبل السرياليين بقرون أدرك «ليوناردو»، ~~الذي كان كثير من نصائحه يؤكد على الجهد والعمل والنظر والتفكير، أهمية استعمال ~~جوانب متنوعة من الذات في سبيل تطوير الفنان لنفسه، فجاءت هذه النصيحة في المقابل ~~لتؤكد على العفوية، على النظر الهادئ إلى جدار ملطخ، وانتظار الأشكال حتى ~~تظهر إلى الوجود. # 2 # مجموعة من الأرقام المرتبة أمامك بعدها مساحة فارغة، تنظر إلى الأرقام لفترة ثم ~~تكون في أوقات كثيرة قادرا على معرفة الرقم الذي تحتاج لوضعه في المساحة الخالية. ~~قابلتنا مثل هذه الألغاز كثيرا؛ صغارا وكبارا. أحيانا تكون هناك أشكال، أو ~~حروف، أو كلمات، بدلا من الأرقام، لكن الفكرة واحدة. أنت قادر على التعرف على ~~الأنماط الكامنة في العالم من حولك. # حين تتعرف على العلاقات التي تربط مجموعة من الأحداث، أو الأصوات، أو الأشكال، ~~أو الحركات، وحين تتعرف على انتظام ما كامن فيما قد يظهر في البداية عشوائيا، ~~تفعل ذلك من خلال التعرف على الأنماط Patterns ~~. ~~النمط يتعرف على الانتظام في العالم، يتعرف على العلاقات بين الأشياء. في ~~اللحظة التي تتعرف فيها على نمط ما، تتحول مجموعات من النقاط المتباعدة، أو ~~الأحداث المتفرقة لتكون أمرا أكبر. # عقولنا مدربة للتعرف على الأنماط في العالم، لدرجة أنها تراها أحيانا حين لا ~~تكون موجودة، بالضبط كما قال «ليوناردو دافنشي»: انظر إلى حائط ملطخ لفترة كافية ~~وسترى فيه عالما، ومخلوقات، وأشياء، وحركات. بينما أنت جالس أمام هذا الحائط ~~المتسخ، أو بينما تنظر إلى النجوم، أو وأنت تشاهد لهب شمعة يتراقص أمامك في ~~الظلام، تتراءى لك رؤى ومشاهد، تعبر عما في داخلك أكثر مما تعبر عما ~~تشاهده. # 3 # البشر كائنات ذكية، نهمة للمعرفة؛ ولذلك يعد التعرف على الأنماط أمرا ~~شديد الأهمية في تعاملنا مع العالم. ms64 وكلما كنا أقدر على التعرف على الأنماط في ~~أشكال ومستويات مختلفة، كنا أقدر على التنبؤ والتحكم. وفي مقال رائع عنوانه ~~«فن الأدب وعلم الأدب» نشر في مارس 2008 في مجلة # The American ~~Scholar ~~، يجادل «براين ~~بويد # Brian Boyd ~~» أن الفن والأدب أشكال من اللعب المعرفي مع النمط. ~~وهذا اللعب - ككل أشكال اللعب الأخرى - له وظيفة مهمة؛ فاللعب بشكل عام يساعد ~~على تطوير المهارة وصقلها. # وكأن المقال يقول إن الفنون والآداب - من خلال هذ اللعب المنظم مع العالم - ~~تساعدنا على التعرف على العالم بشكل متجدد، وعلى فهمه بشكل أفضل، وعلى توسيع ~~مداركنا، وتساعدنا على التعرف على أنماط جديدة من المعرفة، وتقبلها. وهو ~~يعتبر هذا تفسيرا لانتشار الفنون والآداب في الجنس البشري بالكامل، مهما اختلف ~~المكان، والزمان، والثقافة، والعرق. # 4 # يقول «محمود درويش» في قصيدته «وصف الغيوم»: # أمشي على جبل وأنظر من عل # نحو الغيوم، وقد تدلت من مدار اللازورد # خفيفة وشفيفة # كالقطن تحلجه الرياح # كفكرة بيضاء عن معنى الوجود # لعل آلهة تنقح قصة التكوين ~~«لا شكل نهائي لهذا الكون ... # لا تاريخ للأشكال ...» # أنظر من عل، وأرى انبثاق الشكل # من عبثية اللاشكل # ريش الطير ينبت في قرون الأيل البيضاء # وجه الكائن البشري يطلع من # جناح الطائر المائي ... # ترسمنا الغيوم على وتيرتها # وتختلط الوجوه مع الرؤى # لم يكتمل شيء ولا أحد، فبعد هنيهة # ستصير صورتك الجديدة صورة النمر # الجريح بصولجان الريح ... # ما الذي يقوله درويش في هذه القصيدة؟ هل هي مجرد لعب مع الصور البصرية للغيوم؟ ~~أو لعل صور القصيدة هي مجرد معادلات موضوعية لمشاعر ما لم يفصح عنها بشكل ~~مباشر. أو لعله يشير إلى بعض تأملاته عن العالم - باعتباره متغيرا ومتقلبا على ~~الدوام - من خلال ما يبدو كوصف بسيط للغيوم. هل يتحدث درويش هنا عن السحب؟ أم ~~عن العالم؟ أم عن ذاته؟ أم عن كل هذه الأشياء؟ ربما يكون الحديث عن أمر مختلف ~~تماما. القصيدة هنا تحتمل التأويلات، وكما قد يشاهد الشاعر العالم فيرى ذاته، قد ~~يطالع القارئ القصيدة فيرى نفسه، فيختار ms65 التأويل أو التأويلات التي تتواصل معه ~~بشكل أكبر. # إنها قصيدة تحمل حس اللعب الذي تحدثنا عنه، قصيدة لا تقول خطبا، ولا ~~تلخص مقالا، لكنها تحمل فكرة. لا تصرخ لكنها تعبر عن مشاعر، والأهم أنها ~~تحمل حس اللعب، تحمل الدهشة والجدة، كحال القصائد الجيدة دائما. القصيدة ~~أيضا تعبر عن الحالة التي وصفها دافنشي؛ النظر إلى غيوم درويش هنا يشبه النظر ~~إلى حائط دافنشي، نشاهد في الحالتين «انبثاق الشكل ... من عبثية ~~اللاشكل»: # رسامون مجهولون ما زالوا أمامك # يلعبون، ويرسمون المطلق الأبدي # أبيض، كالغيوم على جدار الكون ... # والشعراء يبنون المنازل بالغيوم # ويذهبون ... # | زجاج نصف معتم # 1 # تتحدث مع صديق لك، فتحس أن ما تريد قوله يقف تقريبا في متناول أصابعك، ~~تكاد أن تمسه، لكنك لا تستطيع، تتلجلج لوهلة، كأن الكلمات تقف على طرف ~~لسانك، لكنها لا تريد أن تخرج، فتبدأ من جديد: «كأن ...» # كأعمى يحاول أن يعرف العين، أو المرآة، أو المصباح، ستحاول أن تتحدث عن هذا ~~الذي لا تستطيع الإمساك به بشكل كامل، من خلال استخدام مفردات وصور لأشياء ~~تعرفها، وتألفها. سيغدو المعنى أحيانا عصفورا عنيدا، يهرب منك كلما حاولت ~~إمساكه، قد تراه بشكل غائم، وقد لا تراه على الإطلاق. تتحول إلى صياد من نوع ~~خاص، يحاول أن يمسك العصفور، فإن لم يستطع فسيحاول أن يتمثل صورته، فإن لم ~~يستطع فقد يرضى حتى بالإمساك بظله ولو لوهلة. ستغدو كمن ينظر إلى العالم من ~~وراء زجاج معتم، أو نصف معتم، ويجتهد مع ذلك في محاولة معرفة ووصف ما يراه . ~~ستغدو كمن ينظر إلى ذاته في مرآة متسخة، حتى تتعب عيناه. # الشعر أحيانا كالحلم؛ مليء بالسحر، لكنه لا يخلو من الغموض، وكالحلم الذي ~~تعلمنا ألا نشيح بأنظارنا عنه حين لا نفهمه بالكامل، سنعيد قراءة القصيدة مرة ~~ومرة، حتى نتواصل معها، دون أن نتأكد من معناها بالكامل أحيانا. ينظر أحدهم إلى ~~النص، فيصرف نظره عنه سريعا؛ قد يقول البعض كما قيل لأبي تمام: «لم لا تقول ~~ما يفهم؟!» سيراهن آخر على أن الشاعر نفسه لا ms66 يعرف معنى ما كتبه؛ يتحيز هنا ~~للسهل، والواضح، والبسيط، مع أن الحياة ليست واضحة دائما، وأحيانا أنت لا تفهم ~~ما في داخلك بشكل كامل. # 2 # ستتجلى القصيدة في أوقات أخرى، كضوء هادئ، مريح للعين، ترى بفضله مشهدا ~~بسيطا وقد تفتح أمامك. قد يصف الشاعر مشهدا عاديا - أو بدا عاديا لعيوننا ~~حين مرت عليه في تجوالها اليومي - ليحوله إلى لوحة فنية. لكن هذه البساطة لا ~~تعني أيضا التخلي عن الإدهاش، والبحث عن الجديد. # السؤال هنا ليس سؤال اختيار من متعدد، لست مجبرا على الانتصار للوضوح على ~~حساب الغموض، ولا العكس. لست مجبرا على صياغة رؤية جمالية تتحيز فيها لأحد ~~الطرفين؛ بل تحتاج في المقابل إلى التعامل مع كل نص بجدية وصبر: إن بدا غامضا ~~فقد تزيل إعادة القراءة غموضه، وإن بدا واضحا فقد تكشف إعادة القراءة جوانب ~~أخرى فيه، أو أسئلة متنكرة في زي الوضوح الذي قد يكون خادعا. # 3 # قرأت في المقابل لمن توقع أن يأتي الوقت الذي تتمكن فيه مواقع بيع الكتب ك ~~«أمازون» مثلا من كتابة كتب كاملة بشكل آلي، بناء على ما تجمعه من إحصاءات؛ ~~فمن خلال موقعها، ومن خلال أجهزة «كندل» الخاصة بها، تعرف «أمازون» ما يقرؤه الناس، ~~وتعرف أيضا المقاطع التي يظللونها أثناء القراءة، ومتى يتوقفون عن القراءة. ~~ووفقا لهذا التخوف، قد يأتي اليوم الذي تتمكن فيه هذه الشركات من تحويل جبل ~~البيانات الذي تملكه إلى كتب فعلية تكتب بشكل آلي للتوافق مع ما يرغب ~~الناس في قراءته؛ كي تساعد على تنمية أرباحها . قد تبدو فكرة كتابة كتب كاملة من ~~قبل حاسب عملاق الآن غريبة أو مستبعدة، لكن على أي حال، هناك من ~~الكتاب من يقومون بهذه المهمة بالفعل: من يخلطون خلطات «غير سرية» لكتابة ~~رواية، أو كتاب يضمن تحقيق مبيعات عالية. # 4 # هناك من يقلب القنوات، ويقرأ أعمدة الرأي، فقط ليستمع ويقرأ ما يريده من آراء. ~~يريد أن يستمع إلى رأيه الخاص مصوغا بأشكال مختلفة؛ يبحث عما يطمئنه إلى ~~كونه على صواب، لا ما ms67 يعرفه بالحقائق المختلفة للعالم. هناك من السياسيين ~~والمذيعين وكتاب أعمدة الرأي، من يقولون بالضبط ما يظنون أن الناس يريدون ~~سماعه، فقط لكي تتزايد شعبيتهم. أظن أن أمرا مماثلا يحدث في الشعر؛ البعض يكتب ~~ما يظن أن الناس يريدون سماعه، يكتب ما يعبر عن الجموع، بدلا من جهد اللعب ~~والتجريب؛ بحثا عما يعبر عن نظرته الفريدة باعتباره شاعرا. # 5 # يبدو أحيانا أننا في حاجة لإعادة التأكيد على البدهيات: نكتب الشعر لقراء ~~الشعر. من تمر عليه شهور أو سنوات دون أن يهتم بقراءة ديوان جديد أو ~~قديم من الشعر، فليس هو القارئ المثالي الذي يكتب له النص في العادة، وليس هو ~~بالتالي معيار التقييم في وضوح النص أو غموضه، ولا في جودته أو عدم جودته. لا ~~أستبعدهم بالضرورة كقراء، لكن ليس من المفيد ولا المنطقي أن نكتب أشعارنا لتناسب ~~أناسا لا يظهرون في الأساس سوى اهتمام ضئيل بالشعر. # قراءة الشعر ترفع لياقتنا الذهنية، وتطور ذائقتنا، وتعلمنا الجديد بشكل ~~مستمر. قراءة القصيدة - سواء بدت واضحة أو غامضة - لا يمكن أن تتم بتعجل: ~~التعامل مع القصيدة يكون بالتوقف عند كل سطر، وإعادة القراءة عدة مرات ~~للاستمتاع بها وتذوقها. أما أن نتناولها بتعجل كما نتناول الوجبات السريعة في ~~الطريق، فيكون في أوقات كثيرة بلا جدوى. يقول البعض إن من القراء من يمتنع عن ~~قراءة الشعر بسبب تعالي الشعراء على القراء، ومغالاتهم في كتابة النصوص الصعبة ~~الملغزة، لكني أذكر دائما أن المكتبات مليئة بدرر من دواوين الشعراء القدماء ~~والمحدثين ذوي الاتجاهات والأساليب المختلفة، وأن من يريد أن يقرأ أي لون ~~يريده من الشعر فسيجده بسهولة، ومن لا يقرأ فهو ببساطة غير مهتم، وغير محب ~~للشعر بما يكفي. # | النوافذ # 1 # قد تفتح على نهر، أو صحراء، أو حديقة واسعة، أو بنايات شاهقة، أو حارة ~~ضيقة، أو حتى على منور مختنق يدخل النور منه بالكاد. قد نطل عليها بدلا من أن ~~نطل منها، إن كانت مزخرفة بالنقوش والرسومات كما في الأديرة أو القصور ~~القديمة. مستطيلة، أو مربعة، أو ms68 دائرية ... ربما توجد منها أشكال لم أرها ولا ~~أعرفها؛ لعل بعضها مثلا على شكل مثلث، أو متوازي أضلاع، أو أي أشكال أخرى غريبة. ~~قد تغلق بمصراعين خشبيين، وقد تكون مصنوعة من الزجاج المعتم، أو الشفاف، أو ~~الملون، قد تغطيها الستائر، أو قد تخلو من كل ذلك لتعود كأسلافها مجرد فتحة ~~في جدار. قد نفتحها للضوء، ثم نغلقها في وجه الغبار والريح. نغلقها، نفتحها، ~~نغلقها، نفتحها، نقفز منها لنسقط، أو لنطير إن كنا داخل قصة من القصص الخيالية، ~~قد يتسلق إليها «روميو» في إحدى المسرحيات ليكلم حبيبته «جولييت»؛ تمهيدا لموتهما ~~الشاعري المرتقب. # النافذة هي فرجة مفتوحة بين عالمين: الداخل، والخارج. هي في العادة وسيط للرؤية ~~لا للتنقل، لا تصمم النافذة لنخرج من ... أو لندخل إلى ... بل لنشاهد ونتأمل. ~~يقال: «العين نافذة الروح.» والمعنى هنا استعاري، نتخيل فيه حائطا ما ~~يحول بيننا وبين رؤية أرواح الآخرين، وفي هذا الحائط نافذتان صغيرتان، يمكننا ~~أحيانا أن نتلصص من خلالهما على لمحات من مخبوء الروح. # 2 # في إيطاليا في عصر النهضة كان هناك فنان إيطالي اسمه «ليون باتيستا ألبرتي # Leon Battista Alberti (1404-1472) ~~». ~~كان ألبرتي ككثير من فناني عصر النهضة متعدد المواهب: رساما، ومعماريا، ~~وعالم رياضيات، وشاعرا، وموسيقارا ... لكن الإسهام الذي يهمنا الآن هو تطويره ~~لطريقة مختلفة للنظر للوحة؛ ربما كان في هذا متأثرا بخبراته كمعماري، وربما سعى ~~لتطوير أفكار قليلين سبقوه في هذه المنطقة. لكن المهم أن ألبرتي نظر إلى اللوحة ~~باعتبارها نافذة. والاستعارة هنا ليست مجرد زخرفة جمالية، يصوغها أحدهم فقط ~~ليتذوقها أو ليعجب بوقعها في أذنيه؛ الاستعارة هنا في الواقع تؤسس لرؤية مختلفة ~~لفن الرسم ستظل مؤثرة لفترة طويلة، وستؤسس لمفهوم سيظل مهما للغاية حتى عصرنا ~~هذا، هو مفهوم «المنظور # perspective ~~». النظر ~~للوحة كنافذة يستدعي مشاهدا ومشهدا، والهدف الذي وضعه ألبرتي لنفسه هو ~~أن يوزع عناصر اللوحة بدقة بحيث تكون قادرة على تمثيل المشهد الذي كان سيراه ~~مشاهد يقف في نقطة ما خلف نافذة ما ليرى المنظر المرسوم؛ بمعنى أن يوزع ~~الأجسام ms69 والأشكال على اللوحة ويغير أحجامها وألوانها لتعكس الطريقة التي كان ~~سيراها هذا المشاهد في وقفته المفترضة خلف نافذة حقيقية، لا كما تظهر بالضرورة ~~في الواقع؛ ومن ثم تتقارب الخطوط المتوازية مثلا كلما ابتعدت عن المشاهد حتى ~~تتلاقى في خلفية اللوحة. كتب ألبرتي رسالة مهمة وضع فيها قواعد وأفكارا يعبر ~~فيها عن رؤيته الخاصة بفن الرسم، قام آخرون بتطويرها فيما بعد. وحتى الآن ~~يمكنك أن تتحدث عن نافذة ألبرتي كنقطة مهمة في تاريخ الفن. # 3 # في عام 1985 وقت إطلاق أول نسخة على الإطلاق من نظام التشغيل الشهير «ويندوز # Windows ~~» (نوافذ)، لم يكن وقتها نظام تشغيل ~~مستقلا متكاملا، ولم تكن الشركة تنوي تسميته بهذا الاسم الذي نعرفه جميعا به، ~~بل كانت تنوي تسميته «مدير ~~الواجهة # Interface Manager ~~»؛ وهو اسم جاف أظن أن النظام ما كان لينجح به. مدير ~~التسويق في الشركة وقتها - واسمه «رولاند ~~هانسون # Rowland Hanson ~~» - أقنع المسئولين بأن إطلاق تسمية «النوافذ» عليه ستكون ~~أكثر قبولا من المستهلكين. أظن أن هانسون في هذه اللحظة التقط بهذه التسمية ~~الاستعارية جزءا جوهريا من طبيعة نظام التشغيل الوليد، وربما يكون بهذه التسمية ~~قد ساهم في تكوين الرؤية المستقبلية للنظام، على الأقل في جانب من جوانبه؛ تدخل على ~~النظام فتجد سطح المكتب # Desktop ~~، وطرقا مختصرة # Shortcuts ~~، وأيقونات # Icons ~~... وكلها تسميات استعارية، لكن مع انتشار الكلمات في ~~البيئة الجديدة، اختفت طبيعتها الاستعارية مع الوقت، فتجدنا نستخدمها الآن بشكل ~~يومي معتاد دون أن نلتفت للجانب الاستعاري فيها. # 4 # هل هو مقال عن النوافذ؟ ربما في جزء منه هو كذلك. أحببت الحديث عن جوانب مختلفة ~~لشيء واحد معتاد نراه كل يوم، انتقلت من معان حقيقية إلى معان استعارية؛ ~~لأبين كيف كانت الاستعارات في هذا الحديث المحدود عن شيء واحد مرتبطة بالطريقة ~~التي نفكر بها، ومؤثرة في إنتاج أفكار أو تطويرها. الاستعارة ليست مجرد زخرفة ~~كلامية، لكنها وسيلة لفهم العالم والتعامل معه وتغييره أحيانا. الاستعارات موجودة ~~في كل أشكال الخطاب، حتى في الخطابات التي تحاول بقدر الإمكان التزام ms70 الصياغة ~~المحايدة الدقيقة. الاستعارة موجودة في كل اللغات، في كل الثقافات، في كل السياقات، ~~وهي تتدرج من استعارات تقليدية معتادة لا نكاد نحس باستعاريتها ونحن ننطقها، إلى ~~استعارات مبتكرة نحتاج للوقوف أمامها لوهلة كي نفهمها. الاستعارات تشكل وتؤثر ~~في نظرتنا للعالم؛ وهي جزء أصيل ومهم يجب الالتفات له لفهم آلية نمو اللغة ~~وتطورها. ما هي الاستعارة؟ الاستعارة هي ببساطة الحديث عن شيء - أو التفكير فيه - ~~بمفردات شيء آخر. # 1 # فكروا في الأمر قليلا، ستجدون أننا نستطيع أن نتحدث عن الاستعارات ~~نفسها باعتبارها نوافذ سحرية تصل بين مجالات أو مفاهيم مختلفة؛ كي يلقي أحدها ~~الضوء على الآخر. # | المفارقة # 1 # في إحدى قصائد الهايكو اليابانية يقول الشاعر: «كانت العصافير تطير من فزاعة ~~إلى أخرى.» والاقتباس الوارد هنا هو القصيدة كلها لا مقطع منها؛ فقصائد الهايكو ~~معروفة بتكثيفها الشديد. لكن القصيدة هنا رغم قصرها تحمل مفارقة تلفت ~~الانتباه، وتدفع إلى الابتسام. ففي صورة بصرية - تبدو عادية - تم التقاطها ~~ببراعة، يلمح الشاعر التناقض الظاهر بين دور الفزاعة المفترض، وحالها الفعلي في ~~هذه اللحظة. وبالتقاطه للحظة في تكثيف، وشاعرية، وصياغة محكمة يبرز التناقض ~~المحبب. # تقول قصيدة هايكو أخرى: «بائع المراوح ... يحمل حملا من الهواء ... يا للحرارة!» ~~في هذا النص القصير للغاية أكثر من مفارقة؛ تظهر المفارقة الأولى في تعبيره «حملا ~~من الهواء.» الهواء كما نعلم خفيف للغاية، حتى إننا نستخدم الكلمة للتعبير عن الخفة ~~المتناهية، لكن القصيدة هنا من خلال الصياغة البارعة تجعل البائع يرزح تحت حمل من ~~الهواء. تكمن المفارقة الثانية في أن من يحمل حمل الهواء ويبيعه للآخرين لكي ~~يقاوموا به حرارة الجو، هو أكثر من يقع فريسة لهذه الحرارة، خصوصا مع حمله الثقيل ~~الذي يتجول به: «يا للحرارة!» الصياغة الثاقبة تنقل لنا نظرة الشاعر للمشهد، وهي ~~نظرة تدفعنا إلى الابتسام؛ استمتاعا بالصورة اللافتة والتكثيف الخارق. تنقل ~~القصيدة كل هذا في أقل من عشر كلمات! هذه هي قوة المفارقة؛ فالمفارقة قادرة على أن ~~تكون موجزة، ومشحونة، وكاشفة، وجاذبة للانتباه، ودافعة للتفكير أيضا في ms71 نفس ~~الوقت. # 2 # في الفقرة الأولى من تمهيد كتاب: «تاريخ موجز للمفارقة: الفلسفة ومتاهات العقل # A Brief History of the Paradox: Philosophy and the Labyrinths of the Mind ~~» للمؤلف ~~«روي سورينسن # Roy Sorensen ~~» يقول المؤلف: # يصف الرياضيون الأعداد الأولية باعتبارها ذرات الأعداد؛ لأن كل ~~الأعداد يمكن تحليلها باعتبارها حواصل لهذه الأوليات. أنا أنظر إلى ~~المفارقات باعتبارها ذرات الفلسفة؛ لأنها تؤلف نقاط الانطلاق الأساسية ~~لأي تأمل منضبط. # يفسر رأيه هذا بأن: # الفلسفة تنعقد بأسئلتها أكثر مما تنعقد بإجاباتها. والأسئلة الفلسفية ~~الأساسية تأتي من المفارقات التي تبرز لنا في نطاق مخططنا المفاهيمي ~~المعتاد. # توضح المقدمة نفسها بعد ذلك أن المفارقات أسئلة توقفنا بين عدة إجابات جيدة. ~~يتساءل للتوضيح: «حين تنقسم أميبا إلى اثنتين، هل تتوقف عن الوجود؟» ويوضح كيف أن ~~لهذا السؤال أكثر من إجابة واحدة، ويؤكد أن فرض إجابة من هذه الإجابات سيكون ~~متعسفا؛ فمن جهة هي تتوقف عن الوجود بشكلها الأصلي، لكن من جهة أخرى هناك حيوانات ~~يمكن أن تنجو من فقدان أجزاء منها، وإذا اعتبرناها ما زالت موجودة؛ فهل يصح أن نشير ~~إليها باعتبارها فقط أحد الفردين الناتجين عن عملية الانقسام؟ وهل يصح أن نشير ~~إليها باعتبارها كليهما؛ مخالفين في هذا الفكرة التي تنظر للكائن الحي باعتباره ~~كلا موحدا؟ # يقول الكتاب بعد ذلك: # قد يبدو الحس المشترك # Common sense # كأنه ~~كل سرمدي خال من التشققات، لكنه في الحقيقة يشبه سطح الأرض؛ بازل ~~مكون من صفائح ضخمة تتصادم وتحتك ببطء بعضها ببعض. استقرار اليابسة ناتج ~~عن قوى وقوى مضادة كبيرة. التوازن ليس مثاليا؛ هناك دائما توتر ~~كامن، وبين الحين والآخر، يحدث انزلاق. المفارقات تشير إلى خطوط الصدوع في ~~عالم الحس المشترك الخاص بنا. # ثم يتساءل: # هل يمكن أن نعد المفارقات أعراضا لزلات في المنطق البشري؟ هل هي ~~إشارات إلى حقائق لا يمكن التعبير عنها؟ # 3 # ما هي المفارقة Paradox ~~؟ # إذا راجعنا قاموس # Merriam-Webster # فسنجد أنه ~~يعرفها بأنها: «تعبير يبدو أنه يقول شيئين متعارضين، لكنه قد يكون صحيحا مع ~~ذلك.» أحيانا ms72 تنتج المفارقة عن صياغة ملتبسة بشكل متعمد أو عرضي، وأحيانا ~~تكون المفارقة معبرة عن جدل حقيقي لا يمكن حله بسهولة ككثير من المفارقات ~~الفلسفية المشهورة. # المفارقة في الأدب أداة من الأدوات المهمة للغاية، وهي كثيرا ما تكون قادرة - ~~كما أشرنا في بداية المقال - على الإمساك بالتناقضات الكامنة في لحظات أو رؤى ~~بعينها. قد تسكن المفارقة الشعرية في صلب المشهد أو الحدث الموصوف، وقد تنبع من ~~ذات الشاعر بشكل أكبر، لكنها في الحالين قد تعبر عن رؤية مختلفة للعالم أو ~~للذات. # المفارقة حاضرة كذلك في الأحاديث اليومية، ربما تأثرا بالأدب، وربما لأن أي ~~لغة لا تخلو منها؛ فحين نتحدث مثلا عن الغائب الحاضر، نعني شخصا غاب عنا بجسده، ~~لكنه حاضر معنا مع ذلك بأفعاله أو مآثره. وهناك من سار بهذه المفارقة خطوة أبعد ~~متحدثا عن «غياب الحضور وحضور الغياب.» # نحن الآن ندرك أن المفارقة حاضرة كذلك في العلم الحديث، وقد قدمت نظرية النسبية ~~وفيزياء الكم عددا من المفارقات التي تبدو مدهشة وغير منطقية من وجهة نظر الحس ~~المشترك، لكنها صارت مجرد بدهيات من وجهة نظر الفيزياء اليوم. يقول ~~«رودولف بيرلز # Rudolf Peierls ~~» أحد أبرز علماء ~~الفريق الذي صنع أول قنبلة ذرية: «لقد تعلم الفيزيائيون دائما الكثير من ~~المفارقة.» # ملاحظات ~~(1) # أنقل قصائد الهايكو الواردة في المقال عن كتاب: «كلاسيكيات الهايكو» ~~الصادر عام 2006 في جزأين عن المجلس الأعلى للثقافة، وهو من ترجمة وتقديم: ~~بدر الديب. ~~(2) # استخدم «فخري صالح» في ترجمته لكتاب «موت الناقد» لرونان ماكدونالد، ~~الصادر مؤخرا، تعبير «المفارقة الضدية» كترجمة لكلمة Paradox # تمييزا لها عن المفارقة الساخرة # Irony ~~. ~~(3) ~~«غياب الحضور وحضور الغياب» هو عنوان ديوان شعر عامي للشاعر المصري ~~الراحل «عمر نجم». # | الأحلام نصوص أدبية # 1 # في رواية «مائة عام من العزلة» للروائي العالمي «جابرييل جارثيا ماركيز» حكاية ~~صغيرة عن فتاة شديدة الجمال عاشت في «ماكوندو» وأحبها كثير من الرجال. تصف ~~الرواية مشهدا جميلا تصعد فيه «ريميديوس» إلى السماء بينما كانت تقوم بطي ~~الملاءات. يحكي ماركيز كيف أن هذا المشهد كان ms73 مستوحى من حدث حقيقي جرى في ~~قريته، قررت في سياقه إحدى النساء - بعد هروب حفيدتها مع أحد شباب القرية - أن ~~تغطي على ما حدث بالفعل، بحكاية عن صعود الفتاة إلى السماء. يقول أيضا إن ~~تفصيلة صعودها إلى السماء حين كانت تطوي الملاءات تحديدا أتته حين رأى في أحد ~~الأيام امرأة تجمع الملاءات أثناء هبوب رياح عنيفة. في هذا المشهد اختار ماركيز أن ~~يحكي فقط ما قالته الجدة، متجاهلا الحدث الواقعي الأصلي، أضاف بعض عناصر من ~~مشاهد مختلفة لتكتمل الصورة التي تناسب سياق الرواية. ومن خلال عملية الاختيار ~~والتكثيف التي قام بها أثناء خلقه للمشهد، نجح في صياغة مشهد مبهر، يروي فيه ~~حكاية غير منطقية بمعايير الحس اليومي العادي، لكنها في سياق الرواية حين يتم ~~توظيفها بشكل سليم، تكون شديدة الإيحاء والجمال. # العلاقة بين المشهد الروائي والحدث الواقعي الأصلي، علاقة غريبة من وجهة نظر ~~ما، المشهدان يتشابهان ويختلفان في الوقت نفسه، المشهد الروائي هنا مستمد من ~~الواقع، لكن جرى عليه شكل من أشكال التحريف، استخلص الروائي جوهرا ما من المشهد ~~الواقعي، وسرده بشكل مكثف بعد بعض الحذف والإضافة. في الأحلام يحدث أمر ~~شبيه؛ ففي الحلم أيضا بعض عناصر مستمدة من الحياة الواقعية، لكن الطريقة التي ~~يتم بها توظيف هذه العناصر تكون مختلفة أشد الاختلاف؛ فقد ندمج في الحلم بين ~~شخصين مختلفين؛ لرابط قد نراه دون أن نعيه بينهما، وقد يفتت الشخص في ~~المقابل إلى أشخاص مختلفين، كأن تكون أنت المشاهد وما تشاهده في الوقت ~~نفسه. # 2 # أثناء الصحو نركز بشكل واع على ما نعده مهما: الأحداث الكبرى في يومنا ~~تشغل تفكيرنا، قد تؤرقنا وتؤخر النوم عنا، لكن أثناء النوم يعاد ترتيب الأمور، ~~قد تظهر هذه الأحداث أو لا تظهر. فإن ظهرت ظهرت محرفة، ممتزجة مع غيرها، ~~بشكل عجائبي، وقد تغيب تماما بشكل قد يثير الدهشة، لتظهر مكانها أحداث ~~وتفاصيل يراها المستيقظ تافهة أو غير ذات قيمة. للحلم نظرة مختلفة لما هو مهم أو ~~غير مهم. # بشكل ما، الأمر نفسه يحدث في ms74 الكتابة؛ قد تغدو الأحداث الكبرى التي تجري في ~~الحياة مجرد خلفية، أو قد يتم تجاهلها للتركيز على تفاصيل صغيرة يخفيها صخب ~~وضجيج الأحداث الكبرى. المنطق الذي يستدعي به الحلم/الكتابة هنا أحداث أو تفاصيل ~~الواقع قد يبدو أحيانا مشوشا أو غامضا للوهلة الأولى، لكن الكتابة العظيمة - ~~كما الأحلام - تعلمنا أن النظرة المتأنية والتأمل الهادئ ستتم مكافأتهما بالكثير ~~من المتعة والفهم. # 3 # في الصحو نكون قادرين على التفكير المجرد، في النوم نفقد هذه القدرة مع فقدان ~~الذات الواعية. أثناء الحلم نحول الأفكار المجردة إلى صور متتابعة بصرية أو ~~سمعية؛ التشابه بين صورتين أو حالين مثلا قد يتم نقله عن طريق تواليهما. في ~~الكتابة أيضا إن سيطرت عليك فكرة مجردة بشكل كبير، ولم تتمكن من تحويلها ~~إلى عناصر وعلاقات تناسب الشكل الفني الذي تكتب فيه، فأنت ببساطة تكتب ~~مقالا. في الكتابة الأدبية لا بد أن تلتفت إلى قوانين وحساسيات الشكل الذي ~~تكتبه، وقد يكون من المناسب أن تتراجع الأفكار المجردة، التي قد تكون أحيانا هي ~~الحافز الأصلي للكتابة، إلى الخلف قليلا. # المنطق المختلف للحلم يكون قادرا - من خلال ما يتميز به من تكثيف شديد - على ~~التعبير عن علاقات ومعان قد تغيب عنا أثناء اليقظة، ربما لأن تركيزنا يكون ~~منصبا على زاوية نظر واحدة بعينها، أو ربما لأننا نكون أقدر أثناء النوم على ~~استدعاء ذكريات قد لا نكون على وعي بها أثناء اليقظة والاستفادة منها. لعل من المفيد ~~هنا للتوضيح ذكر القصة المشهورة لاكتشاف حلقة البنزين، يذكر «أوغست كيكولي # August Kekulé ~~» أنه بعد حيرة طويلة امتدت ~~لأعوام أثناء محاولته فهم الكيفية التي تترابط بها ذرات الكربون معا، اكتشف الشكل ~~الحلقي لجزيء البنزين نتيجة لحلم راوده، رأى فيه ثعبانا يأكل ذيله، استلهم ~~منه حل اللغز الذي أرقه لفترات طويلة. أما استفادة الشعراء والفنانين من ~~الأحلام، واستغلالهم للرؤى التي تراودهم فيها كمصدر إلهام فهو أمر شائع ، لا أظنه ~~يحتاج إلى أمثلة لتوضيحه. # 4 # هناك دائما ما يمكن أن يتعلمه الكتاب من الأحلام، هناك تشابهات وتوازيات من ms75 ~~المفيد التأمل فيها وملاحظتها بين الكتابة والحلم. أثناء الكتابة، وخصوصا أثناء ~~كتابة الشعر، من المفيد أحيانا أن تؤجل التحكم العقلي فيما تكتب قليلا، ترخي ~~الزمام للأفكار حتى تندفع دون رقابة، ثم تتأملها في تتابعها، ووقتها قد تكون ~~قادرا على تنظيم ما بدا عشوائيا للوهلة الأولى في كتابة وصور متماسكة ~~ومبتكرة. أتحدث عن تأجيل تحكم العقل لا إلغائه؛ لأني أرى أن الكتابة لا تشبه ~~الحلم تماما، ربما تشبه أكثر ذلك الرجل الذي استيقظ من نومه للتو ليحكي حلمه ~~الذي راوده، موضحا ومتأملا فيه بعين المتيقظ. # 5 # في النهاية قد لا تكون هناك حاجة للإشارة إلى دور اكتشاف «فرويد» للاوعي، وأهمية ~~وثورية كتابه عن تفسير الأحلام؛ فهذا الدور أشهر من أن يغفل. ومن المعروف الأثر ~~الكبير لأفكاره على مجالات مختلفة، منها الكتابة، التي كان أبرزها ظهور المدرسة ~~السوريالية التي كانت أفكار فرويد أحد روافدها المهمة. أعلت السوريالية من شأن ~~اللاوعي والتفتت إلى الحلم كمنبع شديد الثراء ووسيلة للوصول إلى تبصرات ~~وإيحاءات جديدة ومتفردة. # | طرق الكتابة الجانبية # 1 # باختصار كنت أسير في شوارع وسط البلد كعادتي، كانت فكرة ما تعبث في رأسي فانفتحت ~~طريقا مشيت به بعض خطوات إلى أن فرضت فكرة أخرى نفسها على عقلي، دعتها إحدى كلمات ~~الدرب الأول للحضور، انفتحت هذه الكلمة إذن كوصلة تشعبية على طريق جانبي. # في تلك اللحظة عادة ما نرتبك ونقف بين الطريق الجديد المغري بالعبور فيه، والطريق ~~الأول الذي لم نكمله بعد. الاختيار مربك لأن الأفكار في تلك اللحظة طيارة لم تثبتها ~~الكتابة، ولا الألفة، وعادة ما يصبح هذا التشتت حينها هو الأساس وننسى الطريقين ~~معا، ونترك معزولين متضايقين مرتبكين دون أن ندرك تماما أحيانا سر هذا ~~التشتت. # 2 # في هذه المرة لم يحدث هذا كالمعتاد حدث تغيير طفيف على التركيبة؛ فبدلا من الغرق ~~في التشتت انفتح أمامي هذا التشتت نفسه كدرب ثالث فدخلت فيه ناسيا إلى حين كلا ~~الطريقين، ربما ساعدني على ذلك أنني كنت أفكر أساسا في قراءة النصوص فانفتحت حالة ~~التشتت هذه ms76 كفكرة ثرية تساعدني على صياغة بعض الأفكار التي لم أكن قد صغتها بطريقة ~~ترضيني. # 3 # تخيل نفس هذه الحالة تحدث لك أثناء كتابة نص من النصوص الأدبية، يحدث أحيانا أن ~~يتم شطب هذه الجملة تماما، أو تأجيلها إلى نص آخر متوخين في هذه الحالة طريق ~~الاتساق العقلي، ومتتبعين الدرب المرسوم والمعبد مسبقا بعناية وعقلانية. لكن هذا ~~ليس الطريق الأفضل دائما، بعض الكتاب يعامل هذه الحالة بأسلوب مختلف ينم عن فهم ~~معين للعقل وتشابكه، وبدلا من استبعاد الجملة بشكل آلي يتم التفكير في الرابط أو ~~السر الذي جاء بهذه الجملة وسط هذا السياق تحديدا - ذلك السياق الذي رأى تفكيره ~~للوهلة الأولى أنه ليس وطنا لها بشكل من الأشكال. هنا قد تتسع من خلال هذا ~~التفكير رؤيته للفكرة الأصلية، وقد ينتج عن هذا ثراء للعمل قد لا يدركه كاتبه نفسه ~~بشكل كامل. # 4 # حالة التشتت التي لا نرى في الغالب سوى جانبها السلبي دون أن نرى ما فيها من ~~ثراء، قد تحدث عند نقلها على الورق اتساعا في رؤية النص، وقد تنقل أمام القارئ ~~فضاء من القراءات المختلفة، التي تنفتح أمامه عند الدخول إلى هذا النص الذي يوحي ~~له بالنظام والفوضى معا، النظام ينتج من إحساس بجمالية ما في المكتوب والفهم لبعض ~~المفاتيح والأفكار، والفوضى تنتج من عدم قدرته على الإلمام بكل ما في النص من ~~القراءة الأولى، وأحيانا ولا من العاشرة، لكنه لسبب ما قد يظل متمسكا بهذا النص ~~المغلق والمفتوح في الوقت نفسه كنص أثير محبب. # 5 # في القرن الماضي أدرك الإنسان سقوط رؤية ما تمجد العقل الواعي، وتراه كطريق وحيد ~~للمعرفة، يلغي ما دونه كخرافات أو أشكال أقل من المعرفة، قبل ذلك كان الأدب يتمسك ~~في أوقات كثيرة برؤية تعلي من النظر إلى العمل الأدبي كنص مغلق به رسالة محددة ~~ينقلها الكاتب إلى قراءه، هذه الرؤية تنظر إلى الكاتب بالنسبة لنصه كإله كلي ~~المعرفة، يعرف ما يقصده عمله بشكل واضح ومكتمل. # سقوط هذه الرؤية لدى الكتاب والقراء معا أدى ms77 إلى كتابة نصوص بها من التشابك ~~والتدفق ما يجعل كاتبها نفسه في بعض الأحيان يستكشف ما كتبه بدهشة قارئ، يتعرف على ~~النص وعلى ذاته المكتوبة بعين جديدة، قد يعيد قراءته مرات عدة بأشكال مختلفة، إن ~~كان النص ثريا بما يكفي. وقد يكتشف لاحقا في قراءة أحد القراء الآخرين تأملات قد ~~تكون أثرى وأكثر تنوعا. # 6 # هذا النص الذي يحمل في سياقه التشتت والنظام معا، الذي يبحث دائما عن قارئ ~~يعيد تنظيمه بأسلوبه، هو نص ثري بالنسبة للبعض ممن يحبون اللعب مع النصوص، لكن ما ~~الذي يفرق هذا النص عن نص آخر لا يحمل سوى الفوضى الخالصة أو البعثرة الصرفة؟ أظن ~~أن وضع فواصل ثابتة يتم من خلالها بشكل آلي التعرف على الفارق غير ممكن، وإنما يظل ~~ترسيم الحدود دائما هو عملية تتم داخل عقل القارئ نفسه. # | أن ترى ما لا ترى # 1 ~~«هل من الممكن أن ترى شيئا دون أن تعلم أنك تراه؟» هذا السؤال ليس لي، إنه ~~الجملة الأولى التي بدأ بها محرر مجلة العلوم الأمريكية مقالا بعنوان «نظر الأعمى: أن ترى دون أن ~~تعلم» # Blindsight: Seeing without knowing it ~~. يتساءل المقال: «لكن ماذا عن أن ترى شيئا وأنت تظن أنك ~~أعمى بالكامل؟ ماذا عن التفافك حول عقبات لا تراها ولا تتوقعها حتى؟» بصراحة ~~بالنسبة لحالة علمية فهي محملة بعمق أدبي ما، محملة حتى بالرموز والدلالات ~~واحتمالات التأويل. المقال قديم، نشر عام 2010، ويتحدث عن رجل فقد القدرة على ~~استخدام منطقة في عقله تسمى «اللحاء البصري ~~الأولي» # primary ~~visual cortex # مسئولة عن معالجة الصور التي تأتي من العينين نتيجة ~~لجلطات. بعد هذه الجلطات اختفى البصر بالكامل، لم يكن قادرا حتى على رؤية الأشياء ~~الكبيرة التي تتحرك مباشرة أمام عينيه السليمتين. لكن العلماء انتبهوا إلى أنه قد ~~يكون لديه ما يسمى ب «نظر الأعمى»، وهي حالة نادرة يكون فيها المريض قادرا على ~~الاستجابة لمعلومات بصرية لا يملك معرفة واعية بأنه يراها. أخذوه إلى طرقة وطلبوا ~~منه أن يمشي فيها دون عصاته، ms78 كان معارضا في البداية لكنهم أقنعوه في النهاية أن ~~يحاول. كانوا قد وضعوا مجموعة كبيرة من العقبات في طريقه دون أن يخبروه، وكان ~~مدهشا أنه كان قادرا على تفاديها كلها، دون أن يدرك أنه يفعل ذلك، وحين أخبروه ~~بما فعله، لم يصدق، أخبرهم أنه كان يسير في خط مستقيم! # 2 # بصراحة هناك تجارب علمية حديثة أخرى قرأتها في كتب ومقالات متنوعة توضح الفكرة من ~~زوايا مختلفة، لكن شرحها هنا سيطول وقد يشوش على ما أردت قوله في الأساس. لكن على ~~كل حال الكلام عن اللاوعي ليس جديدا، كل ما تفعله هذه التجارب أن تلقي ضوءا ~~مختلفا، وتوضح زوايا غير متوقعة للنظر إلى المسألة. # 3 ~~«أن ترى ما لا ترى» الجملة شعرية في المقام الأول، لكنها فيما يخص التجربة التي ~~ذكرتها مجرد ذكر واقع: حقيقة. الشعر مغرم أحيانا بهذه المفارقات، وربما أيضا ~~الحكماء القدماء، الصينيون مثلا، والمتصوفة. أحيانا تكون مثل هذه المفارقات خاوية ~~من المضمون، قد تغدو على ألسنة البعض مجرد لغو فارغ، مجرد «فذلكة»، وأحيانا قد ~~يكون استخدام هذه الصياغات موفقا، وجميلا. قد يرى البعض في مثل هذه المفارقات ~~تعبيرا عن التردد، أو عن الانقسام الذي يعيشه الإنسان، وقد يرى في المقابل أنها ~~بلا معنى. لكن من يتأمل أكثر سيجد أنها جزء من تكوين الإنسان اليوم، وجزء من تكوينه ~~في كل العصور. # 4 # بعد اكتشاف مفهوم اللاوعي من قبل فرويد، أكدت السريالية على دور اللاوعي، ونبهت ~~إلى أهميته، ومارست ألعابها الشعرية والأدبية لاكتشاف كنوزه؛ منها مثلا الكتابة ~~التلقائية، أحب أن أعرف الكتابة التلقائية بشكل مختصر بعبارة واحدة: «أغمض وعيك ~~ثم ابدأ الكتابة.» محاولة الاسترسال في الكتابة على الورقة البيضاء دون التفكير في ~~معنى ما تكتبه. السريالية أيضا ركزت على دور الأحلام، باعتبارها مصادر مهمة ~~للكتابة، باعتبارها أعمالا فنية من تأليف لاوعي الإنسان. باختصار حاولت السريالية ~~أن توازن النظرة العقلانية المفرطة بالتنبيه إلى جزء مهمل من العقل هو ~~اللاوعي. # 5 # لكن المسألة ليست مرتبطة بالسريالية ولم تبدأ معها، طوال الوقت كانت ms79 الكتابة ~~مرتبطة عند الكثيرين بالوحي، والحدس، والإلهام. الكتابة كثيرا ما تفاجئ كاتبها، ~~حين ينظر في نصه ولا يعرف من أي جزء منه جاءت. الكتابة هنا ليست مجرد تعبير عن ~~الذات، وليست مجرد بيان يتم إلقاؤه، أو حتى إثبات موهبة يقدمه الكاتب. الكتابة هنا ~~هي نوع مختلف من المعرفة، نوع من المعرفة قادر - كهذا الرجل الأعمى الذي لا يعرف ~~أنه يرى - على أن يقودنا دون أن ندري، وأن يساعدنا على السير في الحياة دون أن ~~نعلم ذلك، حتى ونحن نؤكد أننا فقط نكتب/نقرأ، وأنه ليس في الأمر الكثير من الأسرار. ~~لسبب ما أتذكر الآن أرشميدس الذي أرهقه التفكير في معضلته، فوجد حلها وهو مسترخ في ~~حوض الاستحمام. فجأة، يخرج عاريا، يقفز فرحا: «يوريكا، يوريكا.» # | كلام عن الكلام # لو وضعت أي شيء في مركز اهتمامك فستبدأ في رؤيته في العديد من الأشياء الأخرى: صلات، ~~تشابهات، تضادات، أعم، أضيق ... لو أنك شغوف بالعمارة فستشاهد البنايات والشوارع ~~والنباتات والحيوانات والبشر والطبيعة والكون كمعمار، وستكون قادرا على التعلم منها ~~والاستفادة منها كمصدر للإلهام. حالة الشغف هذه قد تكون من أهم ما يفصل بين المبدع في ~~مجال ما والصانع الجيد. في الشعر الأمر مشابه، هناك كتاب يضعون الشعر في مركز ~~اهتماماتهم، وهناك كتاب يضعونه على الهامش، التفريق بين الفريقين لا يتم عن طريق ~~الكم. # لكن الأمور ليست بهذه البساطة، جزء مهم من التركيبة، هو مقدار فهمك لما أنت شغوف به، ~~في حال المعمار، قد تكون فرصة المتخصص في الإحاطة بالحدود والمفاهيم الأساسية أبسط، ~~حيث إن العمارة صارت علما بالإضافة إلى كونها فنا؛ مما يجعل الخلط فيما يخص هذه الأسس ~~صعبا، لمن كرسوا حياتهم لها بشكل احترافي. في حال الشعر الأمور قد تبدو مرتبكة إن قورنت ~~بالعمارة. أتخيل مثلا أحد الشعراء مهتما جدا بالشعر وشغوفا بتعريف نفسه كشاعر، ويفكر في ~~الشعر كل الوقت، لكنه يرى الشعر فقط على أنه الوزن، فيلتقط دائما الفتات والموسيقى، ~~وألعاب النغم، لكن قد لا تكون له نظرة شاعر. # ما هو الشعر؟ هذا ms80 أمر يطول الكلام فيه، ولكن الشاعر الحقيقي يرى الشعر في كل شيء، في ~~كل التفاصيل الموجودة في الحياة. # دائما ما نصف الشاعر المميز بأنه صاحب رؤية مختلفة، ونتحدث عن الشعر على أنه رؤية ~~للعالم، والأمر هنا ليس مجرد صيغ بلاغية. الفكرة باختصار أن الإنسان يعيش في عصر يتغير ~~بشدة: الاختراعات وأساليب الحياة، والأفكار، والعلاقات الاجتماعية، ووسائل التنقل ~~والاتصال، معرفتنا بالعالم تتغير كل يوم، والإنسان قد يظل مغيبا عن بعض ما يجري فيه، ~~لكنه جزء من هذا العالم، يتأثر به ويؤثر فيه بمقدار ما. المشكلة أن الإنسان قد يستوعب ~~هذه التغيرات عقليا، لكنه يظل متعلقا بجوانب أخرى من ذاته برؤية العالم كما كان بالأمس ~~أو منذ سنين؛ لأن العقل والمنطق غير كافيين. الإنسان قد يكون مقتنعا على المستوى ~~العقلي بحقوق الإنسان، أو بفيزياء الكوانتم، أو ... أو ... لكنه قد يظل على مستوى ما لا ~~يعيها، ربما كان للشعر والأدب دور هنا. فكرة صياغة العالم شعرا، العالم كما هو ~~اليوم. # لذلك من الأمور الفارقة بين شاعر وشاعر في أوقات كثيرة؛ مدى معاصرته للعالم الذي ~~يوجد فيه، وإدراكه له ولمشاكله وإمكاناته. ms81