######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : التاريخ ¶ المؤلف : ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ مصدر الكتاب : #META# cat: السير والتاريخ #META# bkid: 211 #META# الكتاب: التاريخ #META# bkord: 130 #META# idx: 1 #META# iso: التاريخ #META# comp: 1 #META# bk: التاريخ #META# max: 228 #META# digitization_comments: مصدر الكتاب : #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO التاريخ # تأليف # أحمد محمد محمد الهادي # نسبه ... 14 # صفته (ع) ... 15 # لمحة من حياته (ع) ... 15 # فضائله عليه السلام ... 17 # أمير للمؤمنين ... 18 # نموذج من عبادته (ع) ... 21 # شجاعته (ع) ... 22 # الزهد والجود في حياته (ع) ... 23 # صور مشرقة في الإيثار (( من القرآن الكريم )). ... 24 # علمه (ع) ... 24 # عدله عليه السلام ... 26 # من سياسته (ع) ... 27 # وصيته الخالدة (ع): ... 28 # نبذة عن حياته (ع) ... 29 # بيعته (ع) ... 29 # مواجهته (ع) لمعاوية ... 29 # وفاة الإمام الحسن (ع): ... 30 # سياسة الحكم الأموي ... 30 # نبذه عن حياته (ع) ... 32 # دوافع خروجه (ع) ... 32 # مسلم بن عقيل في الكوفة ... 33 # بطولة وفداء ... 34 # مواجهة مسلم بن عقيل لابن زياد ... 34 # مقتل مسلم بن عقيل ... 34 # خروج الحسين(ع) ... 34 # الحسين في كربلاء ... 35 # عمر بن سعد ... 35 # الحر بن يزيد الرياحي ... 36 # قبل المعركة ... 36 # مقتل الحسين (ع) ... 37 # بعد المعركة ... 38 # رأس الحسين عند يزيد ... 38 # مواقف التضحية في كربلاء ... 39 # أصحاب الحسين (ع) ... 39 # علي بن الحسين(ع) ... 40 # العباس بن علي ... 40 # أطفال كربلاء ... 41 # صور من ظلم الأطفال ... 41 # المرأة في كربلاء ... 42 # عاقبة الظالمين ... 43 # بيعته (ع) ... 44 # زين العابدين ... 44 # نبذة عن حياته ... 45 # دوافع خروجه (ع) ... 46 # بيعته (ع) ... 47 # المعركة ... 47 # من مواقف بني أمية في المعركة ... 48 # أثر ثورته (ع) ... 48 # مطاردة الإمام يحيى بن زيد وموقف الحريش ... 49 # المعركة ... 49 # سقوط الدولة الأموية ... 50 # الدولة العباسية ومرحلة أخرى من جهاد أهل البيت (ع) ... 50 # نبذة عن حياته (ع) ... 50 # عوامل خروجه ... 51 # قدوم أبي جعفر سنة 144ه ... 52 # بيعته (ع) ... 53 # دعوته (ع) ... 53 # أحداث المعركة ... 53 # الإمام إبراهيم بن عبدالله (ع) ... 54 # المواجهة مع العباسيين ... 55 # بعد المعركة ... 55 # مأساة أهل البيت ... 56 # عيسى بن زيد (ع) ... 57 PageV01P001 شيء من معاناته (ع) ... 57 # نبذة عن حياته ... 58 # بواعث جهاده (ع) ... 58 # بيعة الحسين (ع) ... 59 # المواجهة مع العباسيين في المدينة ... 59 # في الطريق إلى ms001 مكة ... 59 # المعركة الدامية ... 60 # من بقي من أهل البيت (ع) بعد معركة فخ ... 60 # بيعته (ع) ... 61 # بعض من بايعه من العلماء: ... 61 # محاولات الرشيد السياسية ... 61 # دور علماء السوء ... 62 # المسير إلى ملك الديلم ... 62 # مقابلة العلماء ... 62 # موقف العلماء ... 63 # الأمان ... 63 # رحيل يحيى (ع) من الديلم ... 63 # يحيى (ع) في السجن ... 63 # نقض الأمان ... 65 # النهاية المؤلمة ... 65 # من المآسي الأخرى في عصر الرشيد ... 65 # بداية الدعوة ... 66 # أبو السرايا ... 66 # محمد (ع) في طريقه الكوفة ... 66 # الإمام (ع) في الكوفة ... 67 # المواجهة مع العباسيين ... 67 # معاودة الهجوم ... 68 # موت الإمام محمد (ع) ... 68 # موقف الحسن بن سهل ... 69 # إعداد الجيش ... 69 # المواجهة بين الجيشين ... 69 # هجوم أبي السرايا ... 70 # النهاية ... 70 # من المآسي في عصر المأمون ... 70 # نبذة عن حياته: ... 71 # بيعته (ع) ... 72 # من معاناته (ع) ... 72 # من مواقف الإيمان ... 72 # مقتطفات من كلامه (ع) ... 73 # الدولة الزيدية في المغرب مؤسسها الإمام: إدريس بن عبدالله (ع) ... 78 # دعوته (ع) ... 79 # نجاح دعوة الإمام إدريس (ع): ... 80 # الخلافة العباسية وموقفها: ... 82 # المكر البرمكي: ... 82 # رحيل الشماخ إلى المغرب: ... 83 # البربر بعد موت إدريس: ... 83 # أحفاد إدريس: ... 85 # دعاة الزيدية في الجيل والديلم ... 88 # دعوته (ع): ... 89 # فتح طبرستان: ... 90 # سياسته في الحكم: ... 90 # حكاية من حياته (ع) ... 91 # ومن شعره (ع) في بداية الدعوة: ... 92 # بنو بويه في بغداد: ... 94 # توجه الإمام (ع) إلى الديلم: ... 94 # جهاده (ع) في الديلم: ... 95 # بيعته (ع): ... 96 # من منهجه في الحكم: ... 96 # ومن عدله مع رعيته: ... 97 # حكايات من حياته (ع): ... 97 PageV01P002 دور الإمامين في المجال الفكري: ... 99 # أئمة أهل البيت بعد أبي طالب (ع) ... 100 # نشأته (ع): ... 103 # سبب خروجه (ع) إلى اليمن: ... 104 # العودة الثانية: ... 104 # في ميدان الجهاد: ... 105 # في العلم والعبادة: ... 106 # في الميدان الإجتماعي: ... 108 # دعوته (ع) ... 113 # حكايات من حياته (ع) ... 114 # دعوته: ... 116 # بيعته (ع): ... 117 # نص البيعة: ... 117 # انتشار الدعوة: ms002 ... 118 # نبذة من حياته (ع): ... 118 # دعوته عليه السلام ... 123 # شيء من معاناته وجهاده: ... 123 # من منهجه في الحياة: ... 126 # مراحل الجهاد مع الدولة العثمانية: ... 128 # إصلاحاته (ع): ... 128 # أحمد محمد محمد الهادي ... 1 # تقريظ ... 5 # أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ... 14 # عبادته (ع): ... 21 # الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ... 29 # الإمام الحسين بن علي (ع) ... 32 # الإمام الحسن بن الحسن بن علي الرضا عليه السلام ... 43 # أمام الأئمة زيد بن علي عليهم السلام ... 45 # الإمام يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام ... 48 # الإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية (ع) ... 50 # الإمام الحسين بن علي الفخي (ع) ... 58 # الإمام يحيى بن عبد الله (ع) ... 61 # الإمام محمد بن إبراهيم(ع) ... 66 # الإمام محمد بن محمد بن زيد بن علي (ع) ... 68 # الإمام القاسم بن إبراهيم (ع) ... 71 # الفصل الأول ... 15 # قبسات من سيرته ... 22 # الفصل الثاني ... 30 # الفصل الثالث ... 51 # قائمة بأسماء المصادر والمراجع ... 76 # الباب الأول ... 79 # الإمام إدريس بن إدريس (ع): ... 84 # الباب الثاني ... 89 # الإمام الناصر للحق (ع) ... 90 # الإمام المهدي محمد بن الحسن الداعي (ع) ... 95 # الإمام المؤيد بالله (ع) ... 96 # الإمام أبو طالب (ع) ... 99 # الباب الثالث ... 103 # الإمام الهادي (ع) ... 104 # اليمن في عهد المرتضى.. والناصر (ع) ... 111 # الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (ع) ... 113 # الإمام عبدالله بن حمزة (ع) ... 117 PageV01P003 الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام ... 124 # الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم ... 128 # المراجع والمصادر التاريخية ... 130 # مقدمة ... 78 # {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا ~~من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} ... 78 # الإمام إدريس بن عبدالله عليهما السلام ... 78 # الدولة الزيدية في: جيلان طبرستان ديلمان مؤسها الإمام الناصر للحق (ع) ... 88 # {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} ... 88 # الدولة الزيدية في اليمن مؤسسها الإمام الهادي إلى الحق (ع) ... 102 # {الذين إن ms003 مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر}. ... 102 # الدولة الزيدية في اليمن ... 102 # دروس من حياته (ع) ... 105 # بسم الله الرحمن الرحيم # تقريظ # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. وبعد: # فقد عرضت ماكتبت على إخوتي أعضاء الهيئة الإدارية بالمنتدى، وتم إقرار ~~المنهج وأشكر هم على كل ما بذلوه من جهود مضنية في سبيل ذلك. # كا عرضت المنهج على مجموعة من العلماء الأعلام ، على رأسهم المولى ~~العلامة الحجة (بدر الدين الحوثي) حفظه الله. # وقد كتب حفظه الله وأبقاه إلي يقول: # (( اطلعت على مؤلفاتك الكريمة في التاريخ، فأعجبت بها جدا، فنشكرك على ~~هذه المصلحة العظمى التي قدمتها للطلاب، ونسأل الله لك مضاعفة الثواب. وقد ~~كتبت على أحدها: # إذا شئت تعرف نهج الصواب # لتعرف من قرناء الكتاب # فطالع مباحث هذا الكتاب # رجال الجهاد وفصل الخطاب # وأقول فيها جملة: # يا مظهر النور في التاريخ للقاري # عش هاديا لسبيل الحق مهتديا # وامنن إلهي بتوفيق ومغفرة # كأنه الكهرب الوضاء في الدار # لا زلت في ظل ألطاف من الباري # له ولي منك تنجينا من النار # هذا والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته . # كتبه/ بدر الدين الحوثي وفقه الله PageV01P004 بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى أهل بيته ~~الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن صحابته الراشدين والتابعين لهم بإحسان إلى ~~يوم الدين وبعد # إن علاقة المسلم بتاريخه علاقة مهمة جدا، وعلى أساس فهمه ومعرفته ~~للتاريخ، يعرف ويفهم الشريعة الإسلامية وأحكامها. # ومن تتبعنا لأحداث التاريخ الإسلامي منذ بداية مراحله الأولى نجد أن ~~زعماء أهل البيت كانوا يمثلون المرجع لجميع أفراد الأمة الإسلامية في جميع ~~جوانب الحياة فكريا، وعقائديا، وجهاديا، وأخلاقيا، وغير ذلك.. # والمتتبع لحياتهم يجد الصفات النبوية، والموروثات العلوية ماثلة فيهم، ~~صورا متكررة لعلي عليه السلام على امتداد التاريخ رغم تباعد السنين. # وقد كنت أتمنى أن تكون دراسة حياة أهل اليبت (ع) في متناول جميع طلاب ~~العلم الشريف بشكل مختصر ومبسط يتمكنون من ms004 إقتنائه، ويطلعون من خلاله على ~~جوانب مختلفة من حياة الطهر، والعلم والعدالة، والنزاهة، وليعرفوا الثروة ~~الفكرية الهائلة التي تركوها لنا خالصة من أي شائبة أو تحريف. # وقد كنت في المنتدى أدرس مادة التاريخ في الدورات الصيفية التي يقيمها، ~~وقبل بداية الدورة الرابعة اجتمعت (إدارة المنتدى) واسندوا إلى وضع مقررات ~~للثلاث المراحل في المنتدى في مادة التاريخ. # وقد قبلت العمل، رغبة مني في خدمة المتعلمين ومحبي أهل البيت (ع). # وقمت بكتابة وريقات تتضمن عدة دروس لجميع المراحل الثلاث، وكانت كالتالي: # المرحلة الأولى: دروس في السيرة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة ~~والسلام. # المرحلة الثانية: دروس في تاريخ أئمة أهل البيت عليهم السلام إبتداء ~~بالإمام (علي) عليه السلام وإنتهاء بالإمام القاسم بن إبراهيم (ع). وهو ~~الذي بين يديك عزيزي الطالب. # المرحلة الثالثة: دورس في تاريخ أئمة أهل البيت عليهم السلام في المغرب، ~~والجيل والديلم، واليمن. PageV01P005 # وقد جمعت الحقائق التاريخية من مصادرها الموثوق بها، وتأكدت من صحتها، ~~واختصرتها في هذه الدروس التاريخية. وما هذه إلا مقتطفات تاريخية تتحدث عن ~~جزء صغير من محيط واسع في حياة أهل البيت (ع). # وأرجوا أن يكون عملي هذا حافزا لدراسات واسعة مستفيضة عن أئمة أهل البيت ~~(ع) في مختلف جوانب حياتهم، من أصحاب العلم الواسع، والنظر الثاقب، والهمم ~~العالية. # وهذا الذي بين يديك عزيزي الطالب هو مقرر المرحلة الثانية، وهو عبارة عن ~~وريقات تتضمن دروسا عن حياة أئمة أهل البيت (ع) في مراحل التاريخ الأولى. # وقد جعلت المنهج كالأتي: # 1 مدخل حول كتابة التاريخ الإسلامي. # 2 الباب الأول: يشتمل على بعض جوانب حياة الإمام علي (ع). # 3 الباب الثاني: عن أئمة أهل البيت (ع) في عصر بني أمية. # 4 الباب الثالث: عن أئمة أهل البيت (ع) في عصر بني العباس. # والله أسأل أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، وأن يهدينا إلى الصراط ~~المستقيم، إنه على كل شيء قدير. # أحمد محمد محمد الهادي # شوال 1414ه # بسم الله الرحمن الرحيم # تمهيد # في دراسة التاريخ # الحمدلله، والصلاة والسلام على ms005 رسول الله وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وبعد. # لماذا ندرس التاريخ؟ وكيف ندرسه؟ # إن دراسة التاريخ تهمنا جدا كمسلمين، لأن دراسته وفهمه ضروري لفهم ~~الشريعة الإسلامية وأحكامها، لأننا لابد أن نبحث عن أحكام الشريعة من بطون ~~الكتب، وهذا يتطلب فهمنا للتاريخ الإسلامي ومعرفة الظروف التي مرت بها ~~الشريعة السمحاء، ودراسة التاريخ مهمة أيضا للأمة الإسلامية وهي بحاجة ماسة ~~إلى دراسته لاستلهام الدروس والعبر والإستفادة من سيرتها العقائدية، ~~والأخلاقية، والجهادية.. # أما كيف ندرس التاريخ؟ فإنه يجب أن تكون دراستنا للتاريخ دارسة صحيحة، ~~خالية من النزعات والأهواء، والتعصب الأعمى، حتى يكون الإنصاف منطلقنا، ~~والحكمة ضالتنا. PageV01P006 # ومن الواضح أن كتابة التاريخ ليست بالأمر السهل أو الهين، فهي مهمة صعبة ~~جدا، لأنها تحتاج إلى الدقة والأمانة ويجب أن يتجرد فيها المؤرخ من كل ~~النزعات والإتجاهات. # ونحن المسلمين مرتبطون بتاريخنا، ويجب علينا فهمه بالشكل الصحيح، ولكن من ~~الواضح أن تاريخنا الإسلامي قد شابته عدة شوائب، وطمست فيه الحقائق، وفسر ~~تفسيرات لا تخلو من نزعة معينة، أو ميل لاتجاه معين، وهذا ما يفسر مطالبة ~~كثير من العلماء والدكاترة بإعادة مشروع كتابة التاريخ الإسلامي. # ولنا أن نتساءل لماذا كتب التاريخ هكذا بعيدا عن حقائقه التاريخية؟! # وللإجابة على هذا السؤال، لابد أن نعرف الظروف والمتغيرات التي كتب فيها ~~التاريخ الإسلامي. # فنحن نعرف أنه كان في الأمة الإسلامية خطان متباينان. خط المصلحين (( ~~يتزعمه الإمام علي عليه السلام )) والخط الثاني: الخط الذي تمشى مع الواقع ~~الفاسد تحت قيادة السلطة الحاكمة من بني أمية وبني العباس. # فالتاريخ إذن قد كتبت مراحله الأولى زمن السلطتين الأموية والعباسية ~~وكانت كتابته خاضعة لفكر ومنطق الأمويين والعباسيين، فهناك إذن خلفية صنعت ~~وكتبت لنا التاريخ السيء الذي استمر مع الظروف على ما هو عليه. # وجاء دور أكثر المؤرخين بعدهم، فلم يبحثوا عن الحقائق التاريخيةولم ~~يدققوا النظر فيما وقعت عليه أيديهم، أو أنهم بحثوا عن الحقائق التاريخية ~~ولم يقفوا عندها لاستخلاص نتائجها بل مروا عليها مرور الكرم. # مع أن كل ذلك لم يمنع من وجود مؤرخين منصفين ms006 كتبوا التاريخ، ودرسوا ~~حقائقه وأبعاده، وأظهروا الواجهة الحقيقية فيه بعدل وانصاف. # وهذا ربما من أكبر العوامل التي دفعت كثيرا من الباحثين إلى المطالبة ~~بإعادة كتابة تاريخنا الإسلامي بالشكل المطلوب، ودراسته بالشكل الصحيح، حتى ~~نتمكن من إعادة واقعنا الإنساني بين الأمم، ونستطيع أن نلحق بركب الحضارة ~~المتقدمة. # ولكي يتضح الأمر قليلا نضرب مثلا على ذلك: PageV01P007 # فنحن نجد أن معاوية لكي يبرر تقاعسه وانهزامه، وواقعه الفاسد، ولكي يبقى ~~بنوا أمية في سلطانهم، كان عليه أن يلصق بخط الإمام علي (ع) وأتباعة كل ~~أنواع الإتهامات والإفتراءت، وأن يحيط نفسه بستار واق وكثيف يثبت به حكمه ~~وسياسته. # ومن هذا الواقع الفاسد بدأت كتابة التاريخ بأقلام عوجاء، وبدأ التأثير ~~والتأثر من هذا المنطلق. # ومن هنا يتضح أن علينا أن ندرس التاريخ جيدا، وأن نفهمه كما هو لا كما ~~أراد له مزيفوه من أصحاب النفوس المريضة. # وحتى يتأكد الإنسان من وجود تلك الشوائب في تاريخنا الإسلامي فسوف نتحدث ~~عن أهم مرحلة في تاريخنا الإسلامي وهي المرحلة الأولى، لنرى كيف أن تاريخنا ~~الإسلامي تعرض لعلمية تزييف ليس لها مثيل ، وتجاهل لا مبرر له، فقد مر على ~~بعض حقائقه مرور الكرام، وشوه بعضها، وطمس البعض الآخر. # وسنضرب بعض الأمثلة على ذلك. مهمتها التوضيح فقط لبعض تلك الجوانب، ولست ~~بصدد الرد عليها أو إيضاحها. لأن كثيرا من العلماء، والمفكرين، والمؤرخين ~~قد ردوا على مثل تلك الخزعبلات والإدعاءات التي إغتر بها، أو مال إليها ~~طائفة من المسلمين وبينوا الحقائق بعدل وانصاف. # وإنما هذه أمثلة تتعرض لبعض المواقف التاريخية المشوهة في تاريخنا ~~الإسلامي. # ومن ذلك أننا نعرف أن الموقف الذي غدا فيه المسلمون بعد وفاة الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وما سمعناه وعلمناه من إختلاف الصحابة حول الخلافة، ~~واجتماع سقيفة بني ساعدة، وتنازع المهاجرين والأنصار. تلك الحقيقة ~~التاريخية. ألا تحتاج منا إلا وقفة تأمل نخرج منها بالنتائج المطلوبة. # يقول الدكتور سعيد عاشور وهو يتحدث عن صور التشويه في التاريخ الإسلامي. ~~وعند ذكره هذا الحقيقة التاريخية يقول: PageV01P008 # (( أين كان الإمام علي ms007 بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك الوقت؟ أين كان؟ ~~كان مشغولا بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودفنه، وهناك تبدو فكرة ~~السمو. السمو الخلقي، فكرة النزاهة. النزاهة وعدم التكالب وراء الحكم أو ~~الجري وراء منصب، كيف يترك جثمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويجري ~~ليجتمع مع المجتمعين ليطلب لنفسه شيئا؟!. هنا الخلق، هنا المتانة، كان ~~ينبغي أن يقف المؤرخ وقفة عند هذه المسئلة. عند هذه النقطة بالذات، فإذا لم ~~يكن هناك تفريط من الإمام علي رضي الله عنه بأي حال من الأحوال، ولكن كان ~~هناك ما هو أهم، ما هو أسمى، الصلة التي تربطه برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الوقت الذي انصرف المنصرفون، وتناقشوا، وتحادوا، واختلفوا حول ~~الخلافة، وعن مقربة منهم جثمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شغل علي بن ~~أبي طالب بتجهيزه ودفنه، إذن لم يكن هناك تفريط من الإمام علي في المطالبة ~~بحقه في الخلافة وإذا كان الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه قد طالب ~~بالخلافة، فينبغي أن ينزه من أنه كان يجري وراء متاع. لو كان يجري وراء ~~متاع لانصرف من أول الأمر، وكان أسبق السابقين إلى السقيفة، إلى سقيفة بني ~~ساعدة ليرفع صوته مع من رفعوا أصواتهم )). # ثم يمضي ويقول: (( وبعد ذلك تعرض المؤرخون للكيفية التي رضي بها الإمام ~~علي أن يساير الجو )) فيقول: (( وهذا في حد ذاته ليس نوعا من الإستكانة ~~بقدر ما هو نوع من الحفظ على وحدة الإسلام والمسلمين (1) )). # ونحن نجد أن الإمام علي عليه السلام عندما تولى الخلافة أراد تصحيح أوضاع ~~الأمة الإسلامية في جميع النواحي السياسية، والإجتماعية، والإقتصادية، مما ~~أثار عليه أصحاب المطامع والإهواء حتى نكث عليه الناكثون وبسببهم كانت ~~معركة (( الجمل )). PageV01P009 # ونحن نعرف أن ذلك العمل هو الذي دفع بمعاوية للخروج على إمام الحق وكانت ~~معركة (( صفين )). # ونعرف أيضا أن هاتين المعركتين تولد منهما خروج طائفة ثالثة وكانت معركة ~~(( النهروان )). # ونعرف أن هذه الطوائف الثلاث هم (( الناكثون )) (( والقاسطون )) (( ~~المارقون )) ولكن لنرى ms008 كيف تعرض بعض المؤرخين لهذه الحقائق التاريخية؟ # فنحن نجد بعض المؤرخين عندما يتحدث عن معركة الجمل ينفي أن يكون هناك ~~خروج بالمعنى المراد! وأن الذين خرجوا وعددهم طبعا يزيد على عشرين ألف رجل ~~لم يريدوا من خروجهم إلا الصلح بين علي ومعاوية حول قتلة عثمان (1)، فإذا ~~ما وجد الحقيقة الواضحة ورأى تجمع هؤلاء في البصرة قال: (( إن الذي أثار ~~المعركة جماعة من السبائية اليهود كانوا في جيش الإمام علي (ع). وهم يكونون ~~غالبية جيشه، وأن عليا والناكثين كانوا قد اصطلحوا، ولكن هؤلاء اليهود ~~أشعلوا الحرب، ولم يكن بيد الإمام علي (ع) أي تصرف!! )) # وبنفس ما جرى عليه التاريخ حول معركة الجمل، كان في معركة (( صفين )) فهم ~~يقولون أن معاوية لم يكن يريد الملك أو الحكم أصلا، وكان هدفه هو الوصول ~~إلى قتلة عثمان! وأن الطرفين كادا يتوصلان إلى الصلح لولا تلك المجموعة ~~السبائية أشعلوا الحرب. PageV01P010 # بل لقد حدى ببعض من يسمون أنفسهم بعلماء الأمة، ومؤرخي الحقائق ألا يجدوا ~~مبررا لموقف ممعاوية إلا أن يقولوا: (( إن أول من أثار الفتنة كانوا في ~~الكوفة، وهم جماعة عبدالله بن سباء، ومنهم قائد جيش الإمام علي (ع) (( مالك ~~الأشتر ))، وتلميذ الإمام علي (( كميل بن زياد )) وأن هؤلاء هم سبب مقتل ~~عثمان، وهم من أثار حرب الجمل، وحرب صفين وعجبا من هؤلاء أما دروا أنهم ~~بقولهم هذا لم يسيئوا إلى علي (ع) فحسب، بل أساءوا إلى رسول الإسلام ورسالة ~~الإسلام (1)! # فإذا ما تعرض هؤلاء لخدعة التحكيم.. تجد أنهم ينفون أن يكون هناك خدعة في ~~التحكيم. # هذا جانب من صور التشويه تحدث به بعض المؤرخين، أما بعضهم الأخر فقد ~~اكتفى ليخرج نفسه من المأزق على حسب تصوره بأن يصف تلك الأمور بأنها أحداث ~~فتنة لا يجوز تخطئة أحد فيها (2) PageV01P011 . ونحن نجد أنه إلى هذا الحد قد زيفت هذه الحقائق. # ولسنا هنا في مقام الرد على مثل تلك الإفتعالات، لأنها واهية البطلان ~~أساسا، ولا تعتمد على أي دليل، ومصدرها النزعات والأهواء، أو الجهل. # ومن الغريب أن هؤلاء ms009 قد تعمدوا نسيان حقيقة الهدف الذي من أجله وقع ما ~~وقع، وتعمدوا نسيان الجريمة التي ارتكبها الناكثون في البصرة قبل مقدم ~~الإمام علي (ع) إليها، وتورثهم على واليها عثمان بن حنيف وقتلهم سبيعين ~~من أصحابه. # ونجدهم قد أهملوا موقف الإمام علي (ع) من الزبير عندما ذكره بحديث رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم للزبير (( ستقاتله وأنت له ظالم )). # وأهملوا كل شيء جرى بين الإمام علي (ع) ومعاوية قبل صفين، ومحاولة الإمام ~~علي عليه السلام إرجاعه إلى جادة الصواب بكل الطرق الممكنة في كثير من ~~المراسلات دارت بينهما. # وأين هؤلاء من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: # (( ستقتلك الفئة الباغية )) (1). وإلى أي دليل استند هؤلاء بأنه لم يكن ~~هناك خدعة في رفع المصاحف أو التحكيم!؟ # ومن الواضح أننا لو قرأنا التاريخ بالشكل المطلوب. لما احتجنا إلى تلك ~~التفسيرات الخاطئة، والتبريرات الواهية، ولو أن بعض المؤرخين تمعنوا ~~الحقائق جيدا لما أرهقوا أنفسهم بتلك التفسيرات والمبررات حتى ضلوا وأضلوا. PageV01P012 # إننا نجد معاوية وأتباعه أمثال المغيرة بن شعبة (1)، عمرو بن العاص (2)، ~~النعمان بن بشير (3)، سمرة بن جندب (4). وغيرهم (5) )) قد أعلنوا للناس عن ~~قصدهم الخفي من خروجهم على الإمام علي (ع) دون قصد منهم وإن. # تستروا وراء قناعهم الرقيق وهو المطالبة بدم عثمان. # أليس هؤلاء قد رفضوا الدخول مع معاوية ومبايعته إلا بجزء من السلطة ومتاع ~~الدنيا؟ # نحن نعرف أن عمرو بن العاص مثلا طلب مقابل بيعته أن يعطيه معاوية ملك ~~مصر. ونعرف أيضا أن عمرو بن العاص عندما تولى الإمام علي (ع) الخلافة وأعلن ~~مبدأ المساواة الإقتصادية . أرسل إلى معاوية يقول له: (ما كنت صانعا إذا ~~قشرك ابن أبي طالب كل ما تملكه كما تقشر من العصاء لحاها). PageV01P013 # بل إننا نجد معاوية قد دخل سوق المناقصة والمساومة التجارية بالأموال ~~والولايات مع زعماء ورؤساء القبائل من أجل الإنضمام إليه يقول الدكتور أحمد ~~محمود صبحي وهو يتحدث عن الأسباب الحقيقية لتلك الأحداث: # (إن عليا (ع) أراد أن يعيد المساوة الإقتصادية كما ms010 كانت على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسوي بين الناس ~~في العطاء. # وأراد أن يعيد الهرم الإجتماعي المقلوب الذي أصبح في قمته بنو أمية وهم ~~من الطلقاء، وفي سفحه الأنصار، وأراد أن يصلح الوضع السياسي المعوج، إذ كان ~~ولاة الأمصار في عهد عثمان وهم سبب الفتنة، وثورة الناس عليه من أقاربه، ~~حتى أصبحت العصبية سافرة. # ذلك هو السبب الخفي والحقيقي لخروج من خرج على علي (ع)، ولنكوث من نكث ~~على بيعته، وإن توارى ذلك وراء دعوى مفتعلة اسمها دم عثمان) (1). # ثم يتحدث نفس الدكتور حول بطلان الدعوى السبائية التي علق عليها المؤرخون ~~أخطاء معاوية (2) وأتباعه فيقول: (إن الهدف من هذه الرواية، هو إدانة ~~التشيع من جهة، وتبرير قيام حرب بين بعض كبار الصحابة وتبرءتهم من دمائها، ~~حتى تتسنى موالاتهم جميعا). PageV01P014 # ثم يقول: إنها ساءتهم الحرب وأرادوا أن يحفظوا لأولئك مكانتهم في نفوس ~~المسلمين، (( فلم يجدوا إلا أن يتحمل وزر ذلك كله يهودي أسلم ليكيد للإسلام ~~)). انتهى كلام الدكتور (1) وهذا ما يؤكده كثير من الباحثين والمؤرخين ~~المنصفين. يقول الدكتور طه حسين عن ذلك (( إن ذلك لم يكن إلا وهما، وأن أمر ~~السبائية ليس إلا متكلفا منحولا قد اخترع بآخره، وقد ادخره خصوم الشيعة ~~للشيعة ليدخلوا في اصول هذا المهذهب عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم ~~والنيل منهم )) (2). # وهنا نضرب مثلا آخر من صور التشويه التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي: # فمن المعلوم أننا نعرف ما جرى بين الإمام الحسن (ع)، ومعاوية بن أبي ~~سفيان وتدبير معاوية قتل الحسن (ع) بالسم. # ونعرف جميعا حادثة كربلاء الأليمة والتي لا يحتاج الإنسان إلى شرح عنها، ~~وكلنا يعرف ويعلم يقينا من هو يزيد؟ الشاب المستهتر، المخمور، الذي لا يعرف ~~ولا يفقه من الإسلام شيئا صار في غفلة من المسلمين أميرا عليهم. # ويستنكر الحسين (ع) هذا الأمر ويصمد أمام هذا الباطل، وتمر بنا ذكريات ~~كربلاء الحزينة المفجعة، ونجد سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمثل ~~به ms011 هذا التمثيل، ونجد بنات رسول الله سبايا عند (( ابن زياد، ويزيد)). # ونحن نستنكر هذا ونستعظمه لو أن المشركين فعلوه، ولم يفعلوه. PageV01P015 # فما بالنا وقد فعله بعض ممن ينتمون إلى الإسلام. # كارثة كبرى في تاريخنا، كان يجب علينا التوقف عندها، ودراستها بدلا من ~~محاولة تبرئة يزيد من تبعة ذلك (1). # ولا أحد يجهل وقعة الحرة التي ارتكبها يزيد في المدينة بقيادة مسلم بن ~~عقبة المري استباح فيها نساء وبنات الأنصار لمدة ثلاثة أيام وأجبر الناس ~~على بيعة يزيد بالعبودية يتصرف فيهم كيفما شاء (2). # وأمام هذه الحقائق التاريخية نجد أن بعض المؤرخين يحاول جاهدا تبرئة يزيد ~~من تبعة تلك الأعمال، ويلقي باللوم على أهل المدينة، ويصفهم بأنهم ارتكبوا ~~جرما كبيرا، وعليهم يقع جزء عظيم من تبعة انتهاك حرمة المدينة (3) PageV01P016 . # ويتسلسل تاريخنا الإسلامي وتظهر لنا صورة رائعة من صور العدالة والحرية، ~~قادها محرر الأمة الإسلامية، وقائد المستضعفين، إمام الإئمة (( زيد بن علي ~~عليه السلام )). # ولكن هذه الحركة التصحيحية التي أيقظت الأمة من سباتها معنى العدالة ~~والحرية، وحطمت القيود والأغلال التي صنعها بنو أمية، نحن نجد أنه لم يتحدث ~~عنها كما يجب ولم تدرس أهدافها النبيلة، ونتائجها العظيمة # ومثل أخير نضربه عن تلك المرحلة المتقدمة: # فنحن نعرف أن الذين انخدعوا بشعارات معاوية رأوا بأم أعينهم أن ذلك لم ~~يكن إلا ستارا زائفا، وأن الملك والخروج على مبادئ الحق والعدالة هو ~~المقصود. # ونعرف أيضا أن جريرة العدل حاقت بكل من خرج على إمام الحق وانتهك حرمة ~~أهل البيت (ع) والمؤمنين من بعده. # وحتى أولئك الذين توقفوا عن نصرة الإمام علي عليه السلام كسعد بن أبي ~~وقاص، وعبدالله بن عمر، مثلا. # فقد بقي سعد على قيد الحياة حتى تلقى ضروبا من المهانة والذلة من معاوية. # وعبدالله بن عمر أجبر على أن يبايع يزيد بأنه عبد له يتصرف فيه كما يريد ~~وفي شيخوخته أراد الحجاج قتله، ثم دس له السم. # وكان ابن عمر يردد ويقول: (( ليتني قاتلت الفئة الباغية مع علي (ع) )). # وتابعت جريرة العدل كل مرتكبي جريمة ms012 كربلاء فمات يزيد أسوأ موته وسلط ~~الله على البقية كفوا كريما هو (المختار بن عبيد الثقفي) فلم يدع أحدا شارك ~~في قتل الحسين (ع) إلا قتله. # وما زالت الجرائر تتلاحق حتى تقوض من وطأتها ملك بني أمية، وخرج لهم ~~السفاح الأكبر وأعوانه في دولة بني العباس، فعموا بنقمتهم الأحياء والأموات ~~ونبشوا القبور، وهدموا الدور. # (( وما من عبرة أولى من هذه بالتبيين والجلاء لدارس التاريخ، ودارس ~~الحياة، وطالب المعنى البعيد في أطوار هذا الوجود (1) )). PageV01P017 # فإذا ما عدلنا إلى الجانب الأخر من الدولة الأموية، نجد الحديث عن الفتوحات ~~التي امتدت شرقا وغربا، ونسمع بأن معاوية بعدما ارتكب من جرائم القتل ~~يوصف بالحلم (1)، ويوصف نفاقه وخداعه (( بالدهاء )). # فلم لم نتحدث عن الفتوحات في عهدهم هل كان المقصود منها الجباية أم ~~الدعوة إلى دين الله!؟. # ألسنا نعلم أن أحد قواد المسلمين قال لرستم قائد الفرس (( جئنا لنخرجكم ~~من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد )). # ولكن التاريخ يحدثنا أن أهالي تلك المناطق لم تتغير حياتهم، وأن الأمويين ~~ارتكبوا ضدهم أبشع الجرائم، وأنهم لم يدخلوا في الإسلام إلا عندما وصل ~~إليهم أئمة أهل البيت (ع). # لماذا لا يتحدث المؤرخون مثلا عن الأزمات الخلقية، والإقتصادية ~~والإجتماعية في عصر بني أمية ألم يذكر التاريخ أن القيم الأخلاقية في ذلك ~~الوقت كانت منتهكة (2)؟ # لماذا لا نتحدث عن جانب التضليل الإعلامي في عصر بني أمية (3)؟ # لماذا لا نتكلم عن جوانب الكبت التي تعرض لها أنصار رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من معاوية وبني أمية؟ # قضايا وأحداث كثيرة طمست وأغضي الطرف عنها، وكان يجب التوقف عندها ~~ودراستها بالشكل الصحيح. PageV01P018 # ولكن رغم كل ما حدث وما نقل فإن من استخدم عقله، وجرد نفسه من العصبية ~~والنزعات يجد زعماء أهل البيت (ع) ومن والاهم، كانوا صمام الأمان للأمة ~~الإسلامية فكرا، وعقيدة، وسلوكا،. وأنهم وهبوا أنفسهم فداء لعقيدتهم وصونا ~~لأمتهم وحريتهم. ويجد جميع أفراد الشعوب الإسلامية بمختلف طبقاتهم: فقراء ~~وأغنياء، وعلماء ووجهاء، وأفرادا وجماعات، يجد أن هؤلاء كانوا معهم، ~~ومتبعين وهكذا نجد ms013 أن محبة أهل البيت (ع) وموالاتهم لن يستطيع أحد طمسها أو ~~محوها. فقد حاول بنو أمية، وبنو العباس بكل ثقلهم وجهودهم، فباءوا بالفشل، ~~وبئس المصير. # يقول الدكتور سعيد عاشور وهو يتحدث عن محبي أهل البيت (ع): ((بحثت عن ~~مصطلح الشيعة واشتقاق اللفظ، فوجدت فلانا شايع فلانا أي والاه، ونصره، ~~وأصبح في زمرته إلى آخره. وفي لسان العرب لابن منظور كالآتي: الشيعة أتباع ~~الرجل وأنصاره، ولفظ الشيعة عام وجمعها شيع وأشياع، وغلب هذا الإسم على من ~~يتولى عليا وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين، ويقال شايعه، أي والاه. # قال الأزهري: والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويوالونهم. # ثم يضيف الدكتور ويقول: # إذا كان هذا هو تعريف الشيعة فمن من المسلمين يرفض أن يكون شيعيا من يرفض ~~هذا؟ إذا كان الشيعة قوم يهوون عترة النبي ويوالونهم، من منا يرفض أن ينسب ~~إلى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ من منا يرفض أن يتمسح بأعتابهم ~~ويطلب بركتهم؟ # وإذا كان الأمر كذلك ما السبب في الخلاف!؟ # إذا كان بعض السابقين قد وقعوا في خلافات وعداوات فعلينا نحن الآن بقلوب ~~متفتحة، بأعين بصيرة، بعقول واعية، علينا أن نتدبر مثل هذه الأمور، علينا ~~أن نتدبر قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا}. PageV01P019 # نحاول جمع الشمل، وتوحيد الصف، فالإسلام إسلام واحد ، الإسلام عقيدة لاخلاف ~~فيها إطلاقا )) (1) انتهى كلام الدكتور. # وأنت أخي المسلم مايضيرك أن تكون محبا لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومتبعا لهم، وقد طهرهم الله من الرجس تطهيرا، وجعلهم قرناء ~~الكتاب، وأوجب على العباد محبتهم ومتابعتهم، وجعلهم أمان أهل الأرض، وسفينة ~~نوح من اتبعهم نجا، ومن تخلف عنهم غرق وهوى. # أفلايجب أن ندعوا الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حب محمد وآل محمد، وأن ~~يميتنا على حب محمد وآل محمد، وأن يحشرنا في زمرة محمد وآل محمد، وأن ~~يعيننا ويوفقنا للسير على نهج محمد وآل محمد. # وهذه الدروس التي بين يديك عزيزي الطالب تتحدث عن حياة أئمة ms014 الهدى ~~والعدالة من أهل البيت (ع) الذين عاشوا في عصر الدولة الأموية، وكذلك ~~الدولة العباسية في عصرها الأول والتي لم تختلف عن سابقتها في ظلمها ~~وتشريدها لأهل البيت (ع)، وإن تغيرت بعض المسميات، واختلفت بعض الموازين ~~الاجتماعية والفكرية.وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # الفصل الأول # أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام # نسبه # هو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم.. أخو الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم وابن عمه. ولد في جوف الكعبة، وأخذه الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم صغيرا من أبي طالب ليخفف عنه أعباء المعيشة. # صفته (ع) # كان قوي البنية، عريض المنكبين، لا يتبين عضده من ساعده، حسن الوجه، واضح ~~البشاشة، منحه الله من القوة ماتميز به على غيره من الناس. # اكتملت فيه الصفات الخلقية والخلقية، وكلما نظر الإنسان إلى شخصيته ~~ومثاليتها الفريدة ازداد إعجابا وحبا واتباعا. # ومهما حاول الإنسان أن يلم بها فلن يستطيع ذلك ومن رام عد الشهب لم ~~تتعدد لأن كلمة (( علي )) بمفردها تصور وتحكي فضائل الدنيا كلها. ولله ~~القائل: PageV01P020 # تعداد مجد المرء منقصة إذا # فاقت مزاياه عن التعداد # ولذلك لن نحاول عد تلك الصفات والمزايا لأنها أكمل وأجل من أن تعد رغم ما ~~حصل من طمس لفضله ومآثره في عصر بني أمية، ومع ذلك ظهر من فضائله وحدها (( ~~ما ملأ الخافقين.. )) . # يقول ضرار بن أمية وهو ممن عاش في عصر الإمام علي (ع) حين أرغمه معاوية ~~أن يقول في علي(ع) ما يرى فقال أما ولابد: (( فكان والله بعيد المدى، شديد ~~القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من ~~نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، ~~طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا ~~كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا ~~وقربه منا، لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا ~~يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من ms015 عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في ~~مواقفه ليلة، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل قائما في محرابه ~~قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو ~~يقول: (( يادنيا غري غيري، أبي تعرضت؟ أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات.. قد ~~أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من ~~قلة الزاد ومن بعد السفر وعظم المورد )) (1) . # لمحة من حياته (ع) # تربى ونشأ علي (ع) في حجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مقتفيا أثره، ~~سالكا منهجه. # شهد ولادة النور الجديد فكان ثالث ثلاثة يدينون بتوحيد الله: الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم وخديجة (رض) وعلي (ع)، تولى الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم إعداد شخصيته حتى صار نسخة ثانية له فكرا، وعقيدة وسلوكا عدا الرسالة ~~ومايتعلق بها. PageV01P021 # وقد وصف علي عليه السلام حاله مع رسول الله بقوله وهو يخاطب المهاجرين ~~والأنصار بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (( وقد علمتم موضعي من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، ~~وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ~~ويشمني عرفه (1) ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وماوجد لي كذبة في قول ~~ولاخطلة (2) في فعل. ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن أن ~~كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ~~ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من ~~أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ~~ولايراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة. # ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ~~يارسول الله ماهذه الرنة؟ # فقال: (( هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع وترى ما ms016 أرى إلا ~~أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير )) (3) . # وقف علي (ع) مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منذ بداية الرسالة مؤمنا ~~مناصرا له. ولماكان يوم الهجرة قدم نفسه قربانا وفداء للرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وفي أول مواجهة بين المسلمين والمشركين في غزوة بدر تهاوى أبطال ~~المشركين أمام سيف علي (ع) وبلغ قتلاه ستة وثلاثين قتيلا من سبعين قتيلا في ~~المعركة. PageV01P022 # وفي يوم أحد تساقط حاملوا ألوية المشركين أمام ضرباته، ووقف صامدا في ~~اللحظات العصيبة في المعركة يذب عن رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (( علي مني وأنا منه )). فقال جبريل: (( وأنا منكما يارسول الله )). # فسمع صوت ينادي ويقول: لاسيف إلا ذو الفقار ولافتى إلا علي. # وكان يوم الخندق يوما مشهودا في تاريخ الإسلام، فقد قضى علي (ع) على معلم ~~قريش وفارسها (عمرو بن عبدود) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في ذلك: (( برز الإيمان كله للشرك كله )). وتبع غزوة الخندق غزوات كثيرة: ~~كخيبر، وحنين، وغيرها، كان الإمام علي(ع) يحرز فيها النصر للإسلام ولرسول ~~الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # التحق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بربه فقام علي (ع) بتكفينه وتغسيله ~~والصلاة عليه، ثم توجه لدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففوجيء ~~باجتماع سقيفة بني ساعدة وتولي أبو بكر الخلافة وبالوصية منه انتقلت إلى ~~عمر عمر بن الخطاب.. ومن خلال المجلس الإستشاري (( السداسي )) الذي عينه ~~عمر انتقلت الخلافة إلى عثمان بن عفان. # وبقي الإمام عليه السلام طيلة تلك الفترة يرقب أحداث الدولة الإسلامية ~~وما تمر به الأمة الإسلامية من ارتداد بعض الأعراب، والتوسع في الفتوحات ~~التي اترفت بها طبقة مخصوصة في المجتمع وفي تلك الظروف عكف الإمام علي على ~~حفظ وجمع القرآن الكريم ولم يكن بمعزل عما تممربه الدولة الإسلامية فكان ~~دائما يوجه نصائحه وتعاليمه للخلفاء حتى قال عمر: (( لا أبقاني الله لمعضلة ~~ليس لها أبو الحسن )). PageV01P023 # وبعد مقتل عثمان اجتمع إليه الناس وطلبوا بيعته (1) فاعترضت ms017 أمامه عقبات، ~~ومضائق شتى من اصحاب المصالح والأهواء فنكث عليه الناكثون ووقعت معركة ~~الجمل، ومن بعدها كان القاسطون بقيادة معاوية قد استخدموا من قميص عثمان ~~ستارا وغطاء لبغيهم وضلالهم فوقعت معركة صفين بين الإمام علي وبين معاوية، ~~وكاد أن ينتصر الإمام (ع) على معاوية لولا خدعة التحكيم التي رفعوا فيها ~~المصاحف على أسنة الرماح لتحكيم كتاب الله على زعمهم، وكان التحكيم الذي ~~خدع فيه عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري: إذ أعلن أبو موسى خلع الإمام علي ~~(ع) من الخلافة وأعلن عمرو بن العاص تثبيت معاوية، وعندها كان دور الخوارج ~~((المارقين )) فخرجوا على الإمام علي (ع) ووقعت معركة النهروان. # وبينما الإمام علي (ع) مشغول بتدبير شئون الدولة الإسلامية كان يدور في ~~الخفاء تدبير لئيم من أجل أغتيال أمير المؤمنين (ع) وقد قام بالمهمة أشقى ~~الأشقياء (( عبدالرحمن بن ملجم )) ففي ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة ~~(40ه) والإمام علي (ع) خارج لأداء صلاة الفجر أهوى عليه اللعين بسيفه وضربه ~~على هامته ومكث بعدها الإمام إلى الحادي والعشرين. ثم ارتحل إلى ربه شهيدا ~~كريما. إلى جوار حبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # فضائله عليه السلام # لم يحظ أحد من المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما حظي به ~~علي (ع) من الفضائل والثناء والإجلال من ابتداء الرسالة الإسلامية، فقد حث ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأمة الإسلامية لا على تقديره واحترامه ~~فحسب وإنما على اتباعه وموالاته والتزام نهجه وسبيله. PageV01P024 # وقد حفل القرآن الكريم والسنة النبوية بكثير من أوسمة التقدير وضعت على صدر ~~الإمام علي (ع) تارة بصورة الثناء والتقدير وتارة بشكل أحكام وأوامر تلزم ~~المسلمين بموالاته واتباعه، وفضائله (ع) لا تعد ولا تحصى وحسبك أنه لا توجد ~~آية في القرآن ذكر فيها المؤمنون إلا والإمام علي (ع) على رأسها، ونذكر هنا ~~بعضا من فضائله: # 1 قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليو م الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند ms018 الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين}[التوبة: 19]. # نزلت هذه الآية في علي (ع) عندما تفاخر طلحة بن شيبة، والعباس بن عبد ~~المطلب، إذ قال طلحة: أنا أولى الناس بالبيت لأن المفتاح بيدي. وقال ~~العباس: أنا أولى، أنا صاحب السقاية والقائم عليها. # فمر بهما علي (ع) وسألهما بم تفتخران؟ فذكرا له ما قالا. # فقال علي (ع): أنا أوتيت منذ صغري مالم تؤتيا. # فقالا: وما ذاك؟ قال (ع): لقد صليت قبل الناس وأنا صاحب الجهاد. # فأنزل الله هذه الآية المذكورة في الثناء على ما افتخر به علي (ع) (1). # 2 آية التطهير: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا}[الأحزاب: 33]. # فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين ~~تحت ثوب وقال: (( اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا )) (2). # 3 آية المودة: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}[الشورى: 30]. PageV01P025 # لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا ~~مودتهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( علي وفاطمة وابناهما )) (1). # 4 آية المباهلة: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين}[آل عمران: 61]. # أجمع المفسرون على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أراد مباهلة ~~نصارى نجران دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام للمباهلة، وذكروا ~~بأن المراد بنسائنا (فاطمة) وأبنائنا (الحسن والحسين) وأنفسنا (الإمام علي ~~عليه السلام) (2). # 5 ومن السنة الشيء الكثير ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أنا ~~مدينة العلم وعلي بابها )) (3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( علي مع القرآن والقرآن مع علي لا ~~يفترقان حتى يردا علي الحوض )) (4). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( علي إمام البررة، قاتل الفجرة، منصور ~~من نصره، مخذول من خذله )) (5). PageV01P026 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر: (( لأعطين الراية غدا رجلا يحب ~~الله ورسوله، ويحب الله ورسوله كرار غير فرار يفتح الله ms019 على يديه )) (1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي في غزوة أحد: (( علي مني وأنا منه )) (2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له في المؤاخاة: (( أنت أخي في الدنيا ~~والآخرة )) (3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الطير: (( اللهم أتني بأحب خلقك ~~إليك )) (4). # فكان الإمام عليا (ع). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: (( لا يحبك ~~إلا مؤمن ولا يبغضك إلامنافق )) (5). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( يا علي تقاتل على تأويل القرآن كما ~~قاتلت على تنزيله )) (6). # وهذا غيض من فيض من النصوص الإسلامية والمجمع على صحتها في فضائل الإمام ~~علي عليه السلام (7). # أمير للمؤمنين # {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون}[المائدة: 55]. PageV01P027 # إن عليا (ع) بتربيته النبوية، وإيمانه الصادق وشخصيته الفذة، ومؤهلاته ~~الفريده، ومواقفه الشجاعة، وتضحياته التي صدر بها تاريخ الأمة الإسلامية، ~~كل هذه وغيرها من الأمور جعلت الإمام عليا (ع) المؤهل الوحيد لوصاية رسول ~~رب العالمين، وخلافة وإمرة المؤمنين. # وقد انطوى القرآن الكريم والسنة النبوية على كثير من النصوص والروايات ~~تنطق كلها بتنصيب علي عليه السلام أميرا للمؤمنين ووصيا لرسول رب العالمين، ~~وتوجب سلوك سبيله وخطه، ومن تلك النصوص ما يلي: # 1 لما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}[الشعراء: 214] # جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبدالمطلب وأطعمهم وأنذرهم ~~وقال: (( يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير ~~بما لم يجيء به أحد، جئتكم بالدنيا والآخرة، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا ومن ~~يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني )) ~~فأسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي أنا. فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أنت. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: (( أطع إبنك ~~فقد أمر عليك )) (1). # {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (2) }[المائدة: 55]. PageV01P028 # قال المفسرون أنها نزلت في الإمام علي (ع) والآية صريحة وواضحة في تولية ~~الإمام علي بن أبي طالب (ع) إمرة ms020 المؤمنين، وتؤكد وجوب الإلتزام به إماما ~~وقائدا للأمة الإسلامية. # ففي تفسير الثعلبي عن ابن عباس قال: بينما عبدالله بن عباس رضي الله عنه ~~جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل ~~رجل معتم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا وقال الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال ابن عباس ~~سألتك بالله من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من ~~عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جناده البدري أبو ذر الغفاري ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين ~~وإلا فعميتا يقول: (( علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول ~~من خذله، أما أني صليت مع رسول صلى الله عليه وآله وسلم يوما صلاة الظهر ~~فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم ~~اشهد أني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطني أحد ~~شيئا. وكان علي راكعا، فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل ~~السائل فأخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما ~~فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن موسى سألك فقال: رب اشرح ~~لي صدري، ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا ~~من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري. فأنزلت عليه قرآنا ~~ناطقا: سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما. اللهم وأنا ~~محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من ~~أهلي، عليا اشدد به ظهري. قال أبو ذر فما استتم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند الله فقال يا محمد اقرأ. قال: PageV01P029 # وما أقرأ؟ قال: اقرأ {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ms021 يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} )) (1). # 3 في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة بعد أن أكمل المسلمون مع ~~رسولهم تعاليم الحج وعددهم يربو على المائة ألف مسلم، وبينما هم في مفترق ~~الطرق في مكان يسمى (غدير خم) إذا بالنداء الإلهي العام، والحكم السماوي ~~يصدر من رب العالمين {يآأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته}[آل عمران: 67]. PageV01P030 # فنادى صلى الله عليه وآله وسلم بالناس وجمعهم تحت شجرتين فأخذ بيد علي بن ~~أبي طالب (ع) فقال: (( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول ~~الله. قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى. قال: هذا مولى من أنا ~~مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ~~)) (1). وبعدها تسابق المسلمون لتهنئة علي بإمرة المؤمنين حتى قال عمر: ~~هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ولم يتفرق المسلمون ~~حتى نزل قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} [المائدة: 3]. # 4 وهناك الكثير من الأدلة على تولية أمير المؤمنين إمرة المؤمنين لا يسع ~~المقام لذكرها وإنما نذكر منها قوله تعالى: {والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون}[الواقعة: 10 11] (2). PageV01P031 # فقد روى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا قال: (( السبق ثلاثة: فالسابق إلى ~~موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد علي بن ~~أبي طالب )) (1). # وقوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين}[يوسف: 108]. # قال الإمام زيد (ع) في تثبيت الوصية: (( وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الداعي على بصيرة، وكان أول من اتبعه عليا (ع) (2) وكان الداعي ~~من بعده علي عليه السلام على بصيرة لأنه أول من اتبعه، وأولى أن يكون وصيه، ~~ولا ينبغي أن يكون الداعي من بعده على بصيرة إلا من يعلم جميع ما جاء به ~~وهل أحد من الناس يزعم أنه يعلم علم رسول الله ms022 صلى الله عليه وآله وسلم إلا ~~علي عليه السلام )). # وقوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}[الرعد: 7]. # ولما نزلت هذه الآية أومى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي ~~فقال: (( أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي )) (3). PageV01P032 # ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لما استخلف عليا عليه السلام على ~~المدينة في غزوة تبوك: (( أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا ~~أنه لا نبي بعدي )) (1). # وفي هذا الحديث جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه بمنزلة هارون ~~من موسى وأثبت له جميع منازل هارون من موسى إلا النبوة، وهارون هو خليفة ~~موسى بشهادة القرآن الكريم ولو مات موسى قبل هارون لخلفه هارون بعد موته ~~كما خلفه في حياته {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح}[الأعراف: 142]. # والأدلة والشواهد كثيرة على الوصية لأمير المؤمنين عليه السلام واستحقاقه ~~الإمامة تطلب من الكتب الكبيرة (2). # قبسات من سيرته # عبادته (ع): # إذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خلاصة الإعداد الإلهي فإنه(ع) ~~كان خلاصة إعداد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكانت علاقته بالله تعالى ~~كما عبر عنها بنفسه حيث قال: (( والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا )) ~~أي أنه وصل النهاية في معرفة الله سبحانه وتعالى. # لقد سما علي (ع) بعبادته سموا فريدا يندر أن يصل إليه أحد فكان يقول: (( ~~إلهي ما عبدتك خوفا من عقابك، ولا طمعا في ثوابك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة ~~فعبدتك )) (3) # وقد قسم أمير المؤمنين (ع) عبادة العباد إلى ثلاثة أنواع فقال: (( إن ~~قوما عبدو الله رغبه فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدو الله رهبة فتلك ~~عبادة العبيد وأن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار )) (4) . PageV01P033 # يقول مطرف بن عبدالله: (( صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب (ع) ~~فلما أنصرفنا أخذ عمران بن حصين بيدي فقال: لقد صلى صلاة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولقد ذكرني صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # نموذج من ms023 عبادته (ع) # قال أبو الدرداء شهدت علي بن أبي طالب عليه السلام وقد اعتزل عن مواليه، ~~واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات(1) النخل فافتقدته، وبعد عن مكانه فقلت ~~لحق بمنزله، فإذا بصوت حزين ونغم شجي وهو يقول: (( إلهي كم من موبقة حلمت ~~عن مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في ~~عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج ~~غير رضوانك. # قال أبو الدرداء: (( فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي ~~طالب بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغامر، ثم ~~فرغ إلى الدعاء والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به الله تعالى أنه ~~قال: (( إلهي أفكرفي عفوك فتهون علي خطيئئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم ~~علي بليتي )). # ثم قال: (( آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها، وانت محصيها، ~~فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، ولا يرحمه ~~الملأ إذا أذن فيه بالنداء )). # ثم قال: (( آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من ~~لهبات لظى )). # قال أبو الدرداء: (( ثم أمعن في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة )). # فقلت: غلبه النوم بطول السهر. وأوقظه لصلاة الفجر، فأتيته فإذا هو ~~كالخشبة الملقاة. فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو. # فقلت: (( إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، فأتيت ~~منزله مبادرا أنعاه إليهم )). # فقالت فاطمة(ع): (( يا أبا الدراداء ما كان من شأنه ومن قصته؟. فأخبرتها الخبر. PageV01P034 # فقالت: (( هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله )). ~~ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر إلى وأنا أبكي. # فقال (ع): (( مم بكاؤك يا أبا الدرداء؟ )). # فقلت: (( مما أراه تنزله بنفسك )). # فقال: (( يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب، وأيقن ~~أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي ~~الملك الجبار قد أسلمني الأحباء، ورفضني أهل ms024 الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين ~~يدي من لا تخفى عليه خافية )). # قال أبو الدرداء: (( فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم (1) . # شجاعته (ع) # (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي) # هتافات الملائكة ترددت في السماء تهتف باسم علي وتمدح شجاعته وفدائيته ~~وذلك لأن شجاعته لم تكن من النوع الذي تطيح برؤوس المشركين في المعارك ~~فحسب، بل كانت شجاعة وقوة اقتلعت أركان الباطل إينما وجد ومهما قوى وكثر، ~~وأرست دعائم الحق بقوة وثبات أبتا التفاوض والعدول عن الحق مهما كلف ذلك من ~~تضحيات، ولذلك نحن لا نستطيع أن نصف شجاعته الجهادية التي سطر بها تاريخ ~~الإسلام ولن يتحدث التاريخ عن بطل مثلما تحدث عن بطولة وشجاعة علي عليه ~~السلام. # ولا نستطيع أن نصف تلك الفضائل التي مزج بها شجاعته وخلط بعضها ببعض، ~~فانصهرت كلها ومثلت شخصيته (ع) وغدت كل فضيلة فيه مدرسة قائمة بذاتها. # يقول العقاد: (( إن شجاعته من الشجاعات النادرة التي شرف بها من يصيب بها ~~ومن يصاب، ويزيدها تشريفا أنها: # ازدانت بأجمل الصفات التي تزين شجاعة الشجعان، فلا يعرف الناس حلية ~~للشجاعة أجمل من تلك الصفات التي طبع علي عليها بغير كلفة ولا مجاهدة رأي، ~~وهي النزوع عن البغي، والمروءة مع الخصم قويا أو ضعيفا على السواء، وسلامة ~~الصدر من الضغن، على العدو بعد الفراغ من القتال )). PageV01P035 # ولعل العقاد يشير إلى ذلك التعامل الذي تعامل به علي (ع) مع أعداء الإسلام ~~أثناء المعارك من رفعة وكرم حتى ارتسمت علامات الصفح والعفو على تلك القوة ~~التي تراجع أمامها كل بطل. # ففي معركة أحد سقط حامل لواء قريش (( طلحة بن أبي طلحة )) بعدما ضربه (ع) ~~وذهب للإجهاز عليه. فكشف عن عورته وسأل الإمام (ع) عاطفة الرحم فتركه علي ~~(ع) وانصرف. # وفي معركة الخندق عندما ضرب عمرو بن عبد ود وهوى على الأرض.. ذهب (ع) ~~للإجهاز عليه، (( فتفله عمرو )). # فأعرض عنه علي (ع) حتى هدأ. ثم ذهب ليجهز عليه. فسئل عن ذلك؟ ms025 فقال: (( ~~أردت أن يكون قتله لله )). ولم يسلب عمرا آلة حربه بل تركه وانصرف. # ونموذج آخر ضربة الإمام علي (ع) في معركة صفين فقد قطع عنه جيش معاوية ~~الماء واستطاع علي (ع) أن يسيطر على الماء، فقال له أصحابه: (( اقطع عنهم ~~الماء ليموتوا عطشا مثلما فعلوا )). # فقال (ع): (( خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى معسكركم، فإن الله قد ~~نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم. وفي نفس المعركة ظفر علي (ع) بعمرو بن العاص ~~وأسقطه من على فرسه وأراد قتله. فكشف عمرو عن سوءته. # فأعرض عنه (ع) وتركه رغم معرفته بدور عمرو بن العاص في جيش معاوية. وقد ~~قال أبو فراس الحمداني في ذلك: # لا خير في رد الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسؤته عمرو # إن الشجاعة بمواصفاتها لم تمنح إلا لعلي عليه السلام ولم تعط لغير علي ~~(ع) وسيرته (ع) زاخرة بأمثلة متعددة من تلك المواقف النبيلة. # الزهد والجود في حياته (ع) # قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبا عليا (ع): (( إن الله قد زينك ~~بزينة لم يزين العباد بزينة أحب منها: هي زينة الأبرار عند الله: الزهد في ~~الدنيا فجعلك لا ترزأ تصيب من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا، ووهبك حب ~~المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما )) (1) . PageV01P036 # وقد زينه الله بتلك الزينه كما أخبر عن ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلم تكن الدنيا عند علي (ع) تساوي شيئا، ولم تغره مطامعها وزخارفها فأبانها ~~ثلاثا وقال لأصحابه: (( والله إن دنياكم هذه لا تساوي عندي عفطة عنز )). # وقد عاش (ع) حياة الفقراء يلبس من الثياب ما خشن لم يكن له إلا ثوب ~~واحد رقعه حتى استحيا من راقعه ويأكل من الطعام ما جف ويطعم غيره الخبز ~~واللحم، لم يجعل الدنيا إلا طريقا للعدالة والإسلام. وقد قال لإصحابه: ~~((فوالله ماكنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت ~~لبالي ثوب طمرا، ولا حزت في ارضها شبرا، ولا أخذت منه كقوت أتان دبرة، ولهي ~~في عيني أوهى ms026 وأوهن من عفصة مقرة مرة )). # وفي الجانب الآخر انعكس زهده على نفسه جودا وكرما على الأخرين. فكان عليه ~~السلام كله كرما، وإيثارا، وإخلاصا. ينفق بالليل والنهار سرا وعلانية. ~~فغمرت هذه الصورة المشرقة في سماء البشرية قلوب الناس بحب علي (ع)، واعترف ~~حتى ألد إعدائه بفضله وكرمه فقد قال يوما: (( مخفي بن مخفي الضبي )) عندما ~~قدم على معاوية وسأله من أين جئت فقال: (( جئتك من عند أبخل الناس)) يقصد ~~علي (ع). # فقال معاوية: (( ويحك كيف تقول أنه أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا ~~من تبن لأنفذ تبره قبل تبنه )) (1) . # وقال الأحنف بن قيس: (( دخلت على معاوية فقدم إلي من الحلو والحامض ما ~~كثر تعجبي منه، ثم قال قدموا ذلك اللون!! # فقدموا لونا ما أدري ماهو؟ # فقلت ما هذا؟ # فقال: (( مصارين البط محشوة بالمخ، ودهن الفستق، قد ذر عليه السكر!! # قال الأحنف: فبكيت. # فقال معاوية: ما يبكيك؟ # فقلت: (( لله در ابن أبي طالب لقد جاد من نفسه بما لم تسمع به أنت ولا ~~غيرك )). # فقال معاوية: وكيف؟ PageV01P037 # قلت: (( دخلت عليه ليلة عند إفطاره فقال لي: قم فتعش مع الحسن والحسين. ثم ~~قام إلى الصلاة فلما فرغ، دعا بجراب مختوم بخاتمه، فأخرج منه شعيرا مطحونا ~~ثم ختمه )). # فقلت يا أمير المؤمنين: (( لم أعهدك بخيلا، فكيف ختمت على هذا الشعير؟ )) # فقال (ع): (( لم أختمه بخلا ولكن خفت أن يبسه الحسن والحسين بسمن أو ~~إهالة )). # فقلت: أهو حرام؟ # قال: (( لا ولكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم في الأكل واللباس، ~~ولا يتميزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه، ليراهم الفقير فيرضى عن الله تعالى ~~بما هو فيه، ويراهم الغني فيزداد شكرا وتواضعا )) (1). # صور مشرقة في الإيثار (( من القرآن الكريم )). # صام علي (ع) وأهل بيته ثلاثة أيام متتالية نذرا لله عندما مرض الحسن ~~والحسين (ع) وفي اليوم الأول من الصيام جاءهم مسكين فأعطوه طعامهم وشربوا ~~الماء فقط. # وفي اليوم الثاني عرض عليهم يتيم فأعطوه طعامهم وأكملوا صيامهم ولم ~~يذوقوا غير الماء، وفي اليوم الثالث ms027 جاءهم أسير فأعطوه طعامهم. # فنزل القرآن ذاكرا تلك الحادثة ومبشرا لهم بجنات النعيم. قال تعالى: ~~{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا(9) إنما نطعمكم لوجه الله لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا(10) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا(11) ~~فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا(12) وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا(13) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا(14) إلى ~~آخر الآيات}[الإنسان: 9 22]. PageV01P038 # وعندما دخل سائل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعطه أحد ~~فأشار علي (ع) بيده وهو راكع فجاء السائل وأخذ الخاتم، ونزل القرآن مادحا ~~فضل علي (ع) وموليا له إمرة المؤمنين قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}[المائدة: 55]. # علمه (ع) # (( أنا مدينة العلم وعلي بابها )) تلك هي المدينة، وذلك هو الباب، تصوير ~~بليغ، وشهادة نطق بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر الناس عن ~~علم علي عليه السلام ولذلك من الهراء أن نقول أننا نستطيع الإحاطة بسعه علم ~~الإمام علي(ع) لأنه حوى علم الأولين والاخرين قال تعالى: {وتعيها أذن ~~واعية}[الحاقة: 12] (1). # ولقد كان علي عليه السلام مرجع الأمة الإسلامية وقائدها بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في جميع شئونها وأمورها يرسم لها طريق سعادتها ~~ونجاحها وكان الصحابة يرجعون إليه ويسألونه في كل أمورهم ولم يؤثر عنه أنه ~~احتاج أو رجع إلى أحد منهم بل كان يقف ويقول: (( سلوني قبل أن تفقدوني، هذا ~~سفط العلم، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ما زقني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم زقا، فاسألوني فأن عندي علم الأولين ~~والأخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة ثم أجلست عليها لحكمت بين أهل ~~التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، ~~وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينادي كل كتاب بأن علي حكم في بحكم الله.. ~~وفي رواية حتى ينطق الله التوراة والإنجيل ويقول: يارب إن عليا قضى بقضائك ms028 ~~)) (2) . PageV01P039 # وقال (ع): (( سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو ~~سألتموني عن آية في ليل أنزلت أو في نهار، مكيها ومدنيها، وسفريها وحضريها، ~~ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم )) (1) . # وقال (ع): (( فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن ~~شيئ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم ~~بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها ~~قتلا، ويموت منهم موتا )) (2). # وقال (ع): (( أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم ~~مني بطرق الأرض )) (3). # ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نبه على مكانة علي (ع) العلمية في ~~مواطن كثيرة مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه )). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي ~~تسعة أجزاء، والناس جزءا واحد، وعلي أعلم بالجزء الواحد منهم )). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أقضى أمتي علي )) ، وقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: (( أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب )). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة (ع): (( زوجتك خير أمتي أعلمهم ~~علما وأفضلهم حكما وأولهم إسلاما )). # إن هذه التصريحات الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حق ~~علي (ع) بينت مقدار علمه (ع) الذي لا نستطيع الإحاطة به، ويكفيه أن جميع ~~المدارس فكرية أو اعتقادية أو علمية أو غيرها تحاول أن تنسب نفسها وتدعي ~~إنتماءها إلى علي (ع). # إن علم علي (ع) ظهر حقيقته على قلوب الصحابة معلنة أنه أعلمهم وأفضلهم. # فكان عمر يقول: (( علي أفضلنا ))، ويقول: (( لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو ~~الحسن)). PageV01P040 # ويقول: (( لولا علي لهلك عمر )) (1) . # وقالت عائشة: (( علي أعلم الناس بالسنة )) (2) وقال ابن مسعود: (( أفرض ~~أهل المدينة وأفضلها علي )). # وقال معاوية لما بلغته وفاته: (( لقد ذهب الفقة والعلم بموت ابن أبي طالب )). # إن في ذلك دلالة واضحة على تقدمه وأفضليته على جميع الصحابة ورجوعهم ms029 إليه ~~رجوع إلى الأعلم، والأعلم أحق بالتقدم، وإمرة المؤمنين له دون غيره. # عدله عليه السلام # أفضت الخلافة إلى علي (ع) بعد فترة طويلة آثر فيها الدعة والسكون حفاظا ~~على الإسلام من أن تمزقه الإيدي الفاجرة، وتعود به إلى جاهليتها الأولى ~~ووقف يذب ويدرأ عن الإسلام ما أمكنه، ولما أفضت إليه الخلافة بعد مقتل ~~عثمان، وفي تلك الظروف البالغة الخطورة بين لهم أن خلافته إنما هي لإقامة ~~الحق والعدل، فقال (ع): (( اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة ~~في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحكام، ولكن نرد المعالم من دينك، ونظهر ~~الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك )) (3) . # وعلي (ع) الذي عرف ببناء الإنسان وبناء الفضيلة فيه، أراد ان يحقق له ~~العدالة الإجتماعية بقوة لا تقبل التفاوض في الحق أو الخضوع لغير الحق. ~~فبدأ عليه السلام منهاج عمله من أول يوم في خلافته فعزل الولاة من بني أمية ~~الذين أستأثروا بمصالح الإسلام أمثال معاوية وعمرو بن العاص، وعبدالله بن ~~أبي سرح وغيرهم وعين ولاته وبأيديهم العدالة الإسلامية التي تضمن للمجتمع ~~حياته واستقامته. # وأعلن عليه السلام مبدأ المساواة (( المال مال الله، يقسم بينكم بالسوية ~~لا فضل فيه لأحد على أحد )). PageV01P041 # (( والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهدا، وأجر في الإغلال مصفدا، أحب إلي ~~من ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام ~~والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة ~~أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة ~~تقضمها. ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح ~~الزلل وبه نستعين )) (1). # (( وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده ~~منهل الحق وإن كان كارها )) (2) اختط عليه السلام سياسة العدل دون رجعة ~~فعزل الولاة من بني أمية، وساوى بين الناس جميعا في الأعطيات، ورفض التفاوض ~~أو التنازل عن مبدأ العدالة والحق، فلم ms030 يداهن في الحق أو يقر الجور مهما ~~كانت النتائج والعواقب، وقد حاول بعضهم استمالة علي (ع) أن يقر معاوية على ~~الشام، وأن يرفع الأشراف من قريش، ولكن المثل والمبادىء المحمدية (( ياعم ~~والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما ~~تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )) جعلها علي (ع) دستورا لكل من يريد ~~تحقيق العدالة ويصبو إليها فقال (ع): أتامرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن ~~وليت عليه من المسلمين؟ # فوالله لا أفعل ذلك مالاح في السماء نجم، والله لو كان المال لي لسويت ~~بينهم.. فكيف وهو أموالهم )) (3). # لقد وفر عليه السلام للأمة الحياة الكريمة في جميع جوانب الحياة وإليك ~~نماذج من ذلك: PageV01P042 # لقد حرص (ع) أن يطبق العدالة على نفسه قبل تطبيقها على غيره (( فوالله ما ~~أنا وأجيري إلا بمنزلة واحدة )) ولقد صور عليه السلام العدالة بأجمل صورها ~~عندما وجد درعه عند رجل من أهل الكتاب، فوقف معه أمام قاضيه ليقاضيه في ~~الأمر فقال (ع): (( الدرع درعي ولم أبع ولم أهب )). # فقال الرجل للقاضي: (( ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي ~~بكاذب)). # فقال القاضي لعلي (ع): (( هات البينة تشهد أن الدرع لك )). # فضحك عليه السلام أنه لا يملك بينة من ذلك النوع، فحكم القاضي بالدرع ~~للرجل، فأخذها وذهب وأمير المؤمنين ينظر إليه. # غير أن الرجل عاد وهو يقول: (( أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء. أمير ~~المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه.. الدرع والله درعك يا أمير ~~المؤمنين، وقد كنت كاذبا فيما ادعيت )) (1). وأعلن اسلامه. # ومن وصاياه لجباة الأموال: # (( إنطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلما، ولا تجتازن ~~عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي، ~~فانزل بمائهم، من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض بالسكينة والوقار حتى تقوم ~~بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: # (( عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله، وخليفته لآخذ منكم حق الله في ~~أموالكم، ms031 فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه )) (2). # (( إياك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج، أو تبيع دابة ~~عمل في درهم فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو )) (3). # قال ابن عباس: دخلت على علي (ع) بذي قار وهو يخصف نعليه فقال لي: ما قيمة ~~هذا النعل؟ فقلت لا قيمة لها. # فقال عليه السلام: (( والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو ~~أدفع باطلا )) (4). PageV01P043 # ومن أروع صور العدالة موقفه من قاتله (( عبدالرحمن بن ملجم )) أشقاء ~~الأشقياء عندما ضربه قال: (( أحسنوا إليه فأن أنا مت فالأمر إليكم، وأن ~~شفيت نظرت فيه رأيي )). # من سياسته (ع) # رسم عليه السلام لولاته سياسة الإسلام لبناء المجتمع الأفضل في جميع ~~مجالات الحياة السياسية والدينية والإجتماعية ليسيروا عليها في حكمهم ~~ويكفينا أن نطالع عهده (( لمالك الأشتر )) حين ولاه مصر لنعرف أن ذلك العهد ~~حوى دستورا للعدالة الإسلامية على مر الزمان. # وهذه شذرات من ذلك العهد: # (( فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عما ~~لا يحل لك فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت، واشعر قلبك ~~الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم ~~أكلها.. )). # ثم يوجهه (ع) إلى العدالة فيقول: (( أنصف الله وانصف الناس من نفسك ومن ~~خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله ~~كان الله خصمه دون عباده )). # ثم يقول: (( ولا يكونن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك ~~تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان وتدريبا لإهل الإساءة، والزم كلا منهم ما ~~ألزم نفسه )).. إلى أن يتحدث عن الحكم فيقول: (( ثم اختر للحكم بين الناس ~~أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في ~~الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا ~~يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم ~~تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم ms032 على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ~~ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء.وأولئك قليل ثم أكثر تعاهد قضائه.. )) PageV01P044 ثم يبين (ع) كيفية إختيار الولاة على المناطق داخل الأقاليم فيقول لمالك: ~~(( ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا تولهم محاباة وأثرة، وتوخ ~~منهم التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة )). # ثم بين له (ع) سياسته مع جميع طبقات المجتمع فقال: (( ثم استوص بالتجار ~~وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا والمقيم منهم، والمضطرب بماله، والمترفق ~~ببدنه، فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق )) إلى أن يقول: (( وتفقد ~~أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك فامنع من الإحتكار فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (( منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل، وأسعار لا ~~تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع )). # ثم يحدثه عن الفقراء والمساكين وحقوقهم فيقول: (( ثم الله الله في الطبقة ~~السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى، ~~فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا، واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل ~~لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى ~~منهم مثل الذي للأدنى، وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له، ~~ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل، وقد يخففه ~~الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم )). # ثم يكمل عليه السلام عهده يوصي بذوي الحجات ويأمره بان يجعل لنفسه فيما ~~بينه وبين الله أفضل تلك المواقيت، وأن يقيم فرائض الله وأن يتقرب من ~~الرعية ولا يحتجب عنهم. إلى أن يختتم ذلك العهد بعدة مناهي حذره منها، مثل ~~الظلم، والمن، والعجلة، (( وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة والتغابي ~~عما تعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك ~~أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم )) (1). # وصيته الخالدة (ع): PageV01P045 # انتقل عليه السلام إلى خالقه بعد أن عاد بالدولة الإسلامية إلى عهدها ~~السابق كما كانت أيام الرسول صلى الله عليه ms033 وآله وسلم إنتقل عليه السلام ~~وترك أولاده والمؤمنين ليكملوا مسيرة الجهاد والتضحية في سبيل الله موصيا ~~الحسن والحسين: (( أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ~~ولا تأسفا على شيء زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للأجر، وكونا للظالم خصما ~~وللمظلوم عونا. أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغة كتابي: بتقوى الله، ونظم ~~أمركم، وصلاح ذات بينكم. فإني سمعت جدكما رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: (( صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام )) . الله الله ~~في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل ~~والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع. لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فيولي عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم )) (1). # الفصل الثاني # الإمام الحسن بن علي عليهما السلام # نبذة عن حياته (ع) # ولد في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة فسماه الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم حسنا. # تربى ونشأ في بيت النبوة، وكان شبيها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~من مفرق رأسه إلى صدره والحسين أسفل من ذلك. كان ياتي هو والحسين سلام الله ~~عليهما ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته ساجدا فيركبا على ظهره ~~فلا ينزلهما حتى ينزلا، وإذا كان راكعا فرج بين رجليه حتى يخرجا من الجانب الآخر. # قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهما: (( من أحبهما أحببته، ومن ~~أحببته أحبه الله ومن أحبه الله أدخله الجنة جنة النعيم. ومن أبغضهما وبغى ~~عليهما أبغضته، ومن ابغضته أبغضه الله ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم خالدا ~~فيها وله عذاب مقيم )) (2) . PageV01P046 # نحله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الهيبة والسؤدد، ونحل الحسين الشجاعة ~~والإقدام. # وفضائله (ع) مع أخيه الحسين كثيرة لا تعد وتطلب من أمهات الكتب. # بيعته (ع) # بويع له (ع) يوم الإثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربعين، فصعد ~~المنبر وقال بعد الحمد والثناء: # (( أيها الناس لقد فارقكم رجل يريد أمير المؤمنين ما سبقه الأولون، ولا ~~يدركه الآخرون، لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله ms034 وسلم يعطيه الراية ~~فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه، ما ~~ترك ذهبا ولا فضة إلا شيئا على صبي له، وما ترك من المال إلا سبعمائة درهم ~~فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما لأم كلثوم )) ثم قال: (( من عرفني ~~فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~قرأ: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب}. # أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله السراج المنير، ~~وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين كان جبريل (ع) ينزل عليهم ~~وعنهم كان يعرج، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم وولايتهم فقال ~~فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} واقتراف الحسنة مودتنا ~~)) (1) . # فتقدم إليه الناس وبايعه عبدالله بن عباس، وقيس بن سعد بن عبادة وسليمان ~~بن صرد الخزاعي، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، ثم تتابع الناس على بيعته وتمت ~~له البيعة في جميع الأمصار. وطلب البيعة من معاوية فرفض واستعد لحربه. # مواجهته (ع) لمعاوية PageV01P047 جمع معاوية جيشه وتوجه لحرب الحسن فجهز الحسن جيشه لمواجهة معاوية، بيد أن ~~معاوية استعمل الغدر والخيانة واستمال عبيدالله بن العباس إليه (1) ثم بث ~~معاوية سمومه في صفوف جيش الحسن (ع) فوثبوا على الإمام الحسن (ع) وكادوا ~~يقتلونه وانتهبوا بيت ماله فاضطرته تلك الحوادث إلى التخلي عن الأمر فصعد ~~المنبر وقال بعد الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # (( أيها الناس والله ما بين حابلص وجابلق يشير إلى آخر بلد في المشرق ~~والمغرب ابن بنت نبي غيري وغير أخي، فليكن استماعكم لقولي على قدر معرفتكم ~~بحقي. أيها الناس إنا كنا نقاتل وفينا الصبر والحمية فقد شيب الصبر بالجزع ~~وشيبت الحمية بالعداوة وإنكم أصبحتم اليوم ms035 بين باكيين: باك يبكي لقتلى صفين ~~خاذل، وباك يبكي لقتلى النهروان ثائر، وإنكم قد دعيتم إلى أمر ليس فيه رضى ~~ولا نصفة فإن كنتم تريدون الله واليوم الآخر حاكمناهم إلى ظبات السيوف ~~وأطراف الرماح وإن كنتم تريدون الحياة الدنيا أخذنا لكم العافية (2) )) ~~فتنادى الناس من جوانب المسجد (( البقية البقية )) أي يريدون الحياة ومن ~~هنا نجد أن الإمام الحسن (ع) بين لأصحابه أن البيعة لمعاوية غير مشروعة، ~~ولا يقرها الإسلام، وأنه يجب عليهم مجاهدته إن كانوا يريدون الفوز بالجنة، ~~وتحقيق العدالة لأفراد الأمة الإسلامية. ولم ينس الحسن (ع) أن يضمن سلامة ~~الأمة وأفرادها المستضعفين عندما مالوا إلى الخضوع والإستسلام وتخلوا عنه ~~وتركوه، فاشترط على معاوية أن لا يتعرض لأحد بسوء وقفل راجعا مع أخيه ~~الحسين إلى المدينة المنورة. # وفاة الإمام الحسن (ع): PageV01P048 # عمل معاوية على تحويل الدولة الأسلامية إلى دولة أموية، وفكر في البيعة ~~لابنه يزيد. ولكن لن يتمكن من ذلك والحسن (ع) على قيد الحياة وشروط الصلح ~~تمنع عليه ذلك (1) والأمة لا تعدل بالحسن (ع) أحدا لذلك فكر معاوية في قتل ~~الحسن بن علي (ع) لينتقم لنفسه أولا من علي والحسن (ع) وليجبر الناس على ~~بيعة ابنه يزيد ثانيا. ولذلك دس معاوية السم للحسن مع زوجته جعدة بنت ~~الأشعث الكندي وكان قد حصل بينها وبين الحسن وحشة فاغتنم معاوية ذلك أرسل ~~لها بمائة ألف درهم ووعدها بالزواج من يزيد إذا سمت الحسن فسقت الحسن السم ~~(2) وعندما أدرك الحسن (ع) دنوا أجله أوصى أخاه الحسين أن يدفنه جنب جده ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يخافوا أن يهرق على قبره محجم دم ~~فيدفنوه جنب أمه فاطمة الزهراء (ع). # ذهب الحسن شهيدا وأراد الحسين دفنه بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فخرج (( طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مروان بن الحكم )) ~~لابسا السلاح ومعه بنو أمية فتذكر الحسين وصية الحسن (ع) ودفنه بالبقيع إلى ~~جنب أمه فاطمة (ع) وعمره ست أو سبع وأربعون سنة. # سياسة ms036 الحكم الأموي PageV01P049 انتهج الأمويون سياسة الترغيب والترهيب تجاه أفراد المجتمع فتارة يخضعونهم ~~بالأموال والتضليل، وتارة بالقمع والإرهاب منذ تولى معاوية الأمر حتى ~~نهاية الدولة الأموية، وبدأوا سياستهم تلك بطمس مآثر أهل البيت (ع) فجعلوا ~~لعن علي (ع) (1) سنة يتقرب بها الإنسان إلى ربه فكان يلعن من فوق سبعين ألف ~~منبر في خطبة الجمعة حتى هلك عليها الكبير وشب عليها الصغير، واستخدموا ~~المضللين من المحدثين والقصاص لوضع الأحاديث المفتراة والكاذبة فقد روى ~~الزهري أن عروة بن الزبير حدثه. قال حدثتني عائشة قالت: (( كنت عند رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل العباس وعلي فقال ياعائشة: إن هذين ~~يشير إلى علي والعباس يموتان على غير ملتي، أو قال على غير ديني )) (2) . # وبذل معاوية لسمرة بن جندب أربعمأة ألف درهم فصعد على المنبر وتلا قوله ~~تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في ~~قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد} وقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول أنها نزلت في علي بن أبي طالب (3) . # لقد كان لهذا التضليل الإعلامي مفعوله الساحر على الجهال وأصحاب الأهواء ~~فصارت طاعتهم عمياء يسيرها معاوية وبنوه كيفما أرادوا. PageV01P050 # ومن الحكايات الغريبة من انقياد أهل الشام لمعاوية أنه لما قتل عمار بن ~~ياسر في معركة صفين الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (( عمار ~~جلدة ما بين عيني وأنفي )) ويقول: (( ويح عمار تقتله الفئة الباغية.. )) ~~فقال لهم عمرو بن العاص إنما قتله على بن أبي طالب لأنه الذي أخرجه (1) أن ~~عقولهم السخيفة وضلالتهم العمياء هم ومن تبعهم قد قادتهم إلى أن يركنوا ~~لقول عمرو بن العاص. # يقول المسعودي في مروج الذهب متحدثا عن بني أمية: (( ثم ارتقى بهم الأمر ~~إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليه الصغير ويهلك عليها الكبير.. )). # ثم أضاف قائلا: وذكر بعض الإخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام ms037 من ~~زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على ~~المنبر؟ # قال: أراه لصا من لصوص العرب (2) . # * أما جانب الترهيب: فقد عاثوا في الأرض فسادا وأعلن معاوية أنه ولي الله ~~في الأرض يملك ثرواتها وخيراتها ويعطي من أراد، ويمنع من أراد، فنشأ مذهب ~~الجبر والقدر من ذلك اليوم وكان مصير أهل البيت وأتباعهم المؤمنين على ~~أيديهم فقتل معاوية المؤمن الصابر حجر بن عدي وأصحابه (( صبرا )) (3) وأرسل ~~بسر بن أرطأه إلى الحجاز واليمن ليقتل كل من كان في طاعة علي (ع) فقتل ~~الكثير والكثير .. حتى ذبح طفلين لعبيدالله بن العباس في صنعاء وهما على ~~مصحفهما. PageV01P051 # واستخدم معاوية السم لمن لا يستطيع قتله كما فعل مع الحسن (ع) وكان شعاره: ~~(( إن لله جنودا من عسل )) وأجبر الناس على بيعة ابنه يزيد (1) ، وسار بنو ~~أمية على هذا المنوال، فقتل الحسين (ع) في كربلاء، وسيقت بنات رسول الله ~~سبايا إلى يزيد (2) . # وقتل في عهدهم زيد بن علي (ع) وولده (( يحيى بن زيد )) (ع) وبلغ عدد من ~~قتلهم الحجاج صبرا مائة وعشرين ألفا، ومات وفي سجنه خمسون ألف رجل وثلاثون ~~ألف امرأة. # الإمام الحسين بن علي (ع) # نبذه عن حياته (ع) # ولد الحسين سلام الله عليه في السنة الرابعة من الهجرة في شهر شعبان ~~وسماه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسينا وكان خامس أهل الكساء الذين ~~أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. عرف بالفصاحة والوفاء والكرم والشجاعة ~~من صباه، يعامل الناس معاملة طيبة ويبصرهم بشئون دينهم دون أن يواجههم ~~بتخطئة. ومن آدابه وآداب أخيه الحسن (ع) في ذلك أنهما رأيا أعرابيا يخفف ~~الوضوء والصلاة فلم يشاءا أن يجبهاه بغلطه وقالا له: (( نحن شابان وأنت شيخ ~~ربما تكون أعلم بأمر الوضوء والصلاة منا، فنتوضأ ونصلي عندك، فإن كان عندنا ~~قصور تعلمنا )) فتنبه الشيخ إلى غلطه دون أن يأنف من تنبيههما إليه. ومر ~~يوما بمساكين يأكلون فدعوه إلى الطعام على عادة العرب، فنزل وأكل معهم ثم ~~قال لهم: (( قد أجبتكم فأجيبوني )) ودعاهم ms038 إلى الغداء في بيته (3) . PageV01P052 # ولوقاره في تعامله هابه الناس وعرف معاوية عنه هذه المهابة فوصفه لرجل من ~~قريش ذاهب إلى المدينة فقال: (( إذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها ~~قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبدالله (1) . # أخبر جبريل (ع) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما سيصيب الحسين بعده ~~وأن أمته ستقتله بعده في كربلاء فكان يبكي بكاء شديدا يلثم ثغر الحسين(ع) ~~ويقبله ويقول: (( حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط ~~من الأسباط )) (2) . # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~خرج مسافرا من المدينة فلما كان بحرة وقف واسترجع أي قال: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون ثم مر ثم وقف واسترجع أكثر من الأول وبكى وقال: هذا جبريل ~~يخبرني أنها أرض كرب وبلاء يقتل فيها الحسين سخيلتي وفرخ فرختي، وأتاني ~~منها بتربة حمراء ثم دفعها إلى علي (ع) وقال : إذا غلت وسالت دما عبيطا فقد ~~قتل الحسين (ع) ثم قال ومد يده يزيد لا بارك الله في يزيد كأني أنظر إلى ~~مصرعه ومدفنه. قال ودفع علي : (ع) التربة إلى أم سلمة فشدتها في طرف ثوبها. ~~فلما قتل الحسين (ع) إذا بها تسيل دما عبيطا. فقالت أم سلمة: اليوم أفشي سر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3). # وروى أبو العباس الحسني يرفعه إلى ابن عباس قال: اشتد برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مرضه الذي مات منه فحضرته وقد ضم الحسين (ع) إلى صدره ~~يسيل من عرفه عليه وهو يجود بنفسه وهو يقول: (( مالي وليزيد لا بارك الله ~~في يزيد اللهم العن يزيدا. ثم غشي طويلا وأفاق. فجعل يقبل الحسين (ع) ~~وعيناه تذرفان ويقول: (( أما إن لي ولقاتلك مقاما بين يدي الله )). # دوافع خروجه (ع) PageV01P053 كان معاوية بن أبي سفيان قد كتب عهد البيعة ليزيد في حياته قال فيه: (( هذا ~~ما عهد به معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى أبنه يزيد ms039 بن معاوية أنه ~~قد بايعه وعهد إليه، وجعل الأمر من بعده إليه، وسماه أمير المؤمنين، على أن ~~يحفظ هذا الحي من قريش، ويبعد قاتل الأحبة هذا الحي من الأنصار، وأن يقدم ~~بني أمية وبني عبد شمس على بني هاشم وغيرهم، ويطلب بدم المظلوم المذبوح ~~أمير المؤمنين قتيل آل أبي تراب (1) ، فمن قرئ عليه هذا الكتاب وقبله وبادر ~~إلى طاعة إمامه أكرم وقرب، ومن تلكأ عليه وامتنع فضرب الرقاب(2) . فلما ~~توفي معاوية سنة 60ه واعتلى يزيد المعروف بسكره ومجونه الخلافة وتسمى ~~بأمير المؤمنين كتب إلى ولاته بأخذ البيعة له. وكان الوليد بن عتبة بن أبي ~~سفيان واليا على المدينة فكتب إليه يزيد أن يأخذ البيعة من أهل الحجاز، ومن ~~أبى منهم قتله، وشدد عليه بأخذ البيعة من الحسين (ع) وعبدالله بن الزبير (3) . # دعا الوليد (( مروان بن الحكم واستشاره. فقال: أحضرهم الساعة قبل أن ~~ينتشر موت معاوية فمن أبى البيعة فاضرب عنقه. فقال الوليد: والله لا أفعل. ~~أأقتل الحسين؟. # ثم دعا الوليد الحسين (ع) وسلمه كتاب يزيد فقال الحسين (ع) ننظر فانظرني، ~~فقال: انصرف حتى تأتينا مع الناس. PageV01P054 # فقال مروان: والله لئن فارقك ولم يبايع الآن لم تقدر عليه أبدا. احبسه حتى ~~يبايع أو تضرب عنقه. # فقال الوليد: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بقتل الحسين. وصرفه مع ابن ~~الزبير. # فانبه مروان على فعله هذا حتى ندم فطلب الوليد الحسين (ع) مرة ثانية فأتى ~~الحسين (ع) أهل بيته فقالوا: نحن معك حيث خرجت. وودع أخاه محمد بن الحنفيه ~~والدموع تنهمر من أعينهما وأمره بالبقاء في المدينة. فلما كان الليل أتى ~~قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصلى وانصرف ثم غلبته عيناه فرأى كأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ملائكة محتوشين به فاحتضنه وقبل بين ~~عينيه وقال يا بني: العجل، العجل. تأتي إلى جدك وأبيك وأمك وأخيك (1) . # وانتبه الحسين (ع) وأخبر أهله الخبر، وتوجه معهم إلى مكة المكرمة. # ولبث في مكة أربعة أشهر يتلقى دعوات المسلمين إلى الظهور ms040 والطلب البيعة ~~ولا سيما أهل الكوفة فقد كاتبوه يقولون أن هناك مائة ألف ينصرونك، فبعث ~~إليهم الحسين(ع) مسلم بن عقيل. # مسلم بن عقيل في الكوفة # وصل مسلم بن عقيل الكوفة ونزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي وبايعه ~~من أهل الكوفة خلق كثير على المجاهدة بأموالهم وأنفسهم مع الحسين(ع). فكتب ~~مسلم بن عقيل يستحثه على الخروج. وبلغ الخبر (( يزيد بن معاوية )) من ~~جواسيسه وعيونه، فكتب إلى ابن زياد عامله بالبصرة وأمره بالتوجه إلى الكوفة ~~فدخلها، واستطاع ابن زياد بواسطة مولى له دفع إليه أموالا وقال له يذهب حتى ~~يلقى مسلما ويبايعه ويدفع إليه المال ليستعين به على أمره. ورجع الخادم ~~وأخبره بأمره وأنه قد تحول إلى منزل هاني بن عروة المرادي. # بطولة وفداء # طلب ابن زياد هاني وسأله أين مسلم بن عقيل؟ PageV01P055 # فقال هاني: ما أدري. فأخرج ابن زياد صاحب الدراهم. فقال هاني: ما أنا ~~دعوته، ولكنه جاء إلى منزلي وطرح نفسه علي. فقال ابن زياد: ائتني به. فقال: ~~والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. # فشجه ابن زياد على حاجبه وحبسه. فجاءت قبيلته كندة إلى ابن زياد. فقال ~~ابن زياد: قولوا لهم: إنما حبسته لأسأله وليس عليه بأس. وانصرف القوم. فأمر ~~ابن زياد بقتل هاني في السوق، ثم بعث برأسه إلى يزيد. # مواجهة مسلم بن عقيل لابن زياد # عندما علم مسلم بالخبر نادى بشعاره فاجتمع له أربعة آلاف مقاتل. فبعث ابن ~~زياد إلى أشراف أهل الكوفة وجمعهم في قصره. ولما دنا مسلم بحنده من القصر ~~وأشرف القوم على عشائرهم من أعلى القصر يكلمونهم ويلومونهم ويخوفونهم من ~~ابن زياد. فتسلل الحنود واحدا بعد آخر وحل المساء ومعه خمسمائة فقط. فلما ~~دخل الظلام تسلل الباقون فرأى نفسه وحيدا فريدا قد أسلمه جنده. فتردد في ~~طرقات الكوفة حتى أتى دارا فنزل عليه. فخرجت منه امرأة، فطلب منها الماء. ~~ودخلت المرأة بيتها وخرجت بعد فتره فرأته مكانه. فقالت: يا عبدالله إن ~~مجلسك مجلس ريبة فقم. فقال: أنا مسلم بن عقيل فهل ms041 عندك مأوى؟ قالت: نعم.. أدخل. # مقتل مسلم بن عقيل # كان ابن هذه المرأة مولى لمحمد بن الأشعث، وعلم بوجود مسلم فذهب إلى ابن ~~الأشعث وأخبره بوجود مسلم في دارهم. # فذهب ابن الأشعث إلى ابن زياد يخبره بالأمر فجهزه في جيش مع صاحب شرطته ~~(( عبدالله بن عمرو المخزومي )) ولم يعلم بهم مسلم حتى أحيط بالدار فخرج ~~اليهم بسيفه فقاتلهم قتالا مريرا حتى أثخن بالجراحة. فأعطاه محمد بن الأشعث ~~الأمان ووثقه وأكده. فوافق فاخذوه إلى ابن زياد. # ثم أمر ابن زياد بعدما سبه وسب الحسين وعليا وعقيلا. فأصعد إلى القصر وهو ~~يستغفر ويسبح ويحمدالله. فضربت عنقه، وألقيت جثته الشريفة الطاهرة من أعلى ~~القصر، ثم سحبت إلى الكناسة وصلب هناك، وأرسل رأسه إلى يزيد. # خروج الحسين(ع) PageV01P056 لم يكن أمام الحسين (ع) إلا أمرين لا ثالث لهما إما البيعة ليزيد والخضوع ~~والإستسلام وإقرار الظلم والفساد وهذا الأمر يأباه الحسين (ع)، وترفضه ~~شريعة الإسلام، وإما الخروج ولا بد منه ولذلك خرج الحسين(ع) وهو يردد. (( ~~والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا مفسدا وإنما أريد الإصلاح في أمة جدي رسول ~~الله )). يقول العقاد في كتابه الحسين أبو الشهداء: (( وأعجب شيء أن يطلب ~~إلى حسين بن علي أن يبايع مثل هذا الرجل ويزكيه إماما للمسلمين، ويشهد له ~~عندهم أنه نعم الخليفة المأمول صاحب الحق في الخلافة وصاحب القدرة عليها. ~~ولا مناص للحسين من خصلتين: هذه، أو الخروج! )) (1) . # توجه الحسين (ع) إلى الكوفة عندما وصله كتاب مسلم بن عقيل ببيعة أهل ~~العراق له، ولكنه علم في الطريق بمقتل مسلم بن عقيل فسمح لأصحابه بالإنصراف ~~فانصرفوا ولم يتبق معه إلا أهل بيته وخواص أصحابه. وقرب وصول الحسين(ع) إلى ~~الكوفة لقيه الحر بن يزيد الرياحي ومنعه من دخول الكوفة حتى نزل الحسين(ع) ~~بأرض كربلاء فسأل الحسين: (ع) أصحابه ما اسم هذه الأرض؟ # قالوا: كربلاء با ابن رسول الله. فقال الحسين (ع): (( اللهم إنا نعوذ بك ~~من الكرب والبلاء )). # وأقبلت طلائع الجيوش بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، ومعه شمر ms042 بن ذي ~~الجوشن حتى أحاطوا بالحسين(ع) وأصحابه. # الحسين في كربلاء # لما وصل الحسين (ع) أرض كربلاء وحط رحاله وضرب أبنيته وأقبل عمر بن سعد ~~في جيشه تعاهد الحسين أصحابه وأصلح عدته وسيفه وهو يقول: # يا دهر أف لك من خليل # من طالب وصاحب فتيل # والأمر في ذاك إلى الجليل # كم لك بالإشراق والأصيل # والدهر لا يقنع بالبديل # وكل حي سالك سبيل PageV01P057 ودعا الحسين(ع) ربه كثيرا وقال: (( اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجاي في كل ~~شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم هم يضعف به الفؤاد وتقل فيه ~~الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت به العدو، فأنزلته بك وشكوته إليك رغبة ~~فيه إليك عمن سواك ففرجته وكشفته أنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل ~~رغبة يا أرحم الراحمين )) (1). # ثم جمع الحسين (ع) أصحابه ليلة العاشر من محرم وخطبهم وأثنى عليهم ليتأكد ~~من إخلاصهم وليبعد عنهم الخوف والإنهزام. فقال (ع) بعد الحمد والثناء: (( ~~اللهم إنك تعلم إني لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت خيرا من أهل ~~بيتي، فجزاكم الله خيرا فقد آزرتم وعاونتم والقوم لا يريدون غيري، ولو ~~قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا، فإذا جنكم الليل فتفرقوا في سواده وانجوا ~~بأنفسكم )). # فقام إليه أخوه (( العباس بن علي )) وبنوا عقيل فقالوا: (( معاذ الله ~~والشهر الحرام فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم أنا تركنا سيدنا وابن ~~سيدنا وعمادنا وتركناه غرضا للنبل، ودريئة للرماح، وجزرا للسباع، وفررنا ~~عنه رغبة في الحياة؟ معاذ الله. بل نحيا بحياتك ونموت معك (2). # وقام أصحابه وضجوا بأجمعهم يرفضون الفرار. وقالوا: (( والله لا نفارقك ~~وأنفسنا دون نقسك نفديك بأرواحنا من جميع الأسواء. فإذا نحن قتلنا فقد ~~قضينا ما علينا )). # وبهذه الروح العالية والصمود الإيماني وقفوا مع الحسين(ع) حتى قتلوا عن آخرهم. # عمر بن سعد # كان عمر بن سعدموعودابولاية الري (3) من قبل ابن زياد فأمره ابن زياد ~~بالمسير لقتال الحسين (ع) فقال: (( اعفني أيها الأمير )). قال ابن زياد (( ~~قد أعفيتك من ذلك ومن ms043 الري )) فتحركت الأهواء والمطامع في نفس عمر بن سعد ~~فقال: انظرني في أمري أيها الأمير وعاد ابن سعد وهو يقول: PageV01P058 # ووالله ما أدري وإني لواقف # أأترك ملك الري والري منيتي # وفي قتله العار التي ليس دونها # أفكر في أمري على خطرين # أم أرجع مأثوما بقتل حسين # حجاب وملك الري قرة عيني # وغلبت عليه الدنيا وسار لقتل الحسين(ع) وفي أرض المعركة دعاه الحسين (ع) ~~وقال له يا عمر أنت تقتلني!؟ تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري ~~وجرجان. والله لا تهنأ بذلك أبدا عهدا معهودا فاصنع ما أنت صانع فإنك لا ~~تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة. وكأني برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة يترامونه ~~ويتخذونه غرضا بينهم )) (1). # وعاد عمر بن سعد إلى جيشه مصمما على قتل الحسين(ع) وصاح بجيشه: ما ~~تنتظرون؟ احملوا بأجمعكم إنما هي كلمة واحدة..!! # الحر بن يزيد الرياحي # كان الحر بن يزيد الرياحي كما سبق المكلف من ابن زياد بمنع دخول الحسين ~~الكوفة، ومحاصرته حتى تأتي جيوش ابن زياد وعند بداية المعركة عرف الحر أن ~~القوم هدفهم قتل الحسين (ع) أو يعطى الذلة والمهانة ويتنازل عن الحق ~~ومباديء الإسلام كلها، ويمد يد البيعة لدعي الأمة وابن دعيها ابن زياد وهذا ~~مالا يرضاه الإسلام للحسين. إذن فالحسين (ع) مقتول لا محالة !! وعندها وقف ~~الحر في مقدمة الجيش يخير نفسه بين الجنة والنار هل ينظم إلى الحسين (ع) أم ~~يبقى في جيش ابن زياد فأخذته الرعدة فقال له رجل من قومه يسمى (( المهاجر ~~بن أوس )) والله إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه ~~الآن، ولو قيل من أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتك. # فقال له الحر: إني والله أخير نفسي بن الجنة والنار، ولا أختار على الجنة ~~شيئا ولو قطعت وحرقت. ثم ضرب فرسه ولحق بالحسين(ع) وقاتل بين يديه حتى ذهب ~~شهيدا (2). # قبل المعركة PageV01P059 بذل الحسين (ع) كل ما في وسعه ليرد جيش ابن زياد عن غيه وضلاله وخرج إليهم ~~ليخطبهم فرج رؤساء القوم ms044 بالضجيج حتى لا يسمع الجيش صوته، فصابرهم الحسين ~~(ع) حتى ملوا من الضجيج فخطب فيهم بعد الحمد والصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقال: (( أنسبوني من أنا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتى؟ ~~ألست ابن بنت نبيكم؟ أولم يبلغكم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ ويحكم!. أتطلبونني بقتيل لكم ~~قتلته أو مال لكم استهلكته؟ )). ثم نادى بأسماء أنصاره الذين استدعوه إلى ~~الكوفة ثم خرجوا لحربه فقال: (( يا شبث بن الربعي! يا حجار بن أبحر! يا قيس ~~بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث! يا عمر بن الحجاج!.. ألم تكتبوا لي أنه قد ~~أينعت الثمار واخضرت الجنان، وإنما تقدم على جند لك مجند (1) ؟ # وكذلك قام بعده بطل من أبطال كربلاء (( زهير بن القين )) وحذرهم من عذاب ~~الله وقال في خطبته (( يا أهل الكوفة: نذار لكم من عذاب الله نذار. إن حقا ~~على المسلم نصيحة المسلم، ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد، لم يقع بيننا ~~وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا نحن أمة وأنتم أمة، إن ~~الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينظر ما ~~نحن وأنتم عاملون، وإنا ندعوكم إلى نصر حسين وخذلان الطاغية بن الطاغية ~~عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون منهم إلا سوءا )) وذكر أفعال بني أمية ~~وذكرهم بمقتل حجر وأصحابه وهاني بن عروة، ولكن خسة ودناءة القوم جعلتهم ~~يتوعدونه ويتوعدون الحسين بأنهم سيقتلونهم أو يسلمونهم صاغرين إلى عبيد ~~الله بن زياد. وخيم الوجوم في المعسكر وتمالكتهم الحيرة والقلق. # مقتل الحسين (ع) # فأطلق عمر بن سعد أول سهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى. ~~وتبعه جيشه فلم يبق أحد من أصحاب الحسين (ع) إلا وأصابه سهم. PageV01P060 # وبعدها تقدم أهل بيت الحسين (ع) وأصحابه إلى المعركة وانكشفت تلك الجحافل ~~ولم تثبت لجيش الحسين (ع)، ولم تستطع خيل عمر بن سعد التقدم فتبارزوا فلم ~~يتقدم أو يتعرض أحد ms045 من جيش عمر بن سعد للقتال إلا قتل أو هرب. # وصاح (( عمر بن الحجاج )) برفاقه أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر ~~وقوما مستميتين، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل، لو لم ترموهم إلا ~~بالحجارة لقتلتموهم. وعجزت خيل ابن سعد رغم كثرتها عن مقاومة خيل الحسين(ع) ~~فبعث إليه (( عمر بن قيس )) قائد الخيل يقول: الا ترى ما تلقى خيلى هذا ~~اليوم من هذه القوة اليسيرة؟! إبعث إليهم الرجال والرماة، فبعث إليهم ~~بخمسمائة من الرماة وعلى رأسهم(( الحصين بن نمير )) فرشقوا أصحاب الحسين ~~(ع) بالنبل حتى عقروا الخيل وجرحوا الفرسان والرجال (1). # ووقف أصحاب الحسين (ع) يتلقفون الشهادة تلقفا، ويقبلون على الموت ~~ويتسابقون إليه، وذهب أصحاب الحسين (ع) شهداء وكان كلما قتل شهيد حمله ~~الحسين(ع) إلى جانب إخوانه وبقي الحسين(ع) في أرض المعركة وحيدا فريدا ~~يقاسي العطش والجوع، ونزف الجراح، ومتابعة القتال والطواغيت يحيطون به من ~~كل جانب فقاتل (ع) قتال الأبطال يحمل على القوم حتى يهزمهم ثم يعود إلى ~~مكانه واشتد عليه العطش وجعل يطلب الماء فقال له شمر: والله لا ترده أو ترد ~~النار. ثم ناداه عبيد الله بن حصن: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون ~~الحياة والله لا تذوقه أو تموت عطشا. فقال الحسين(ع) : ((اللهم امته عطشا ~~)) فكان الرجل يطلب الماء فيشرب حتى يخرج من فيه وهو يقول: أسقوني قتلني ~~العطش حتى مات. # ودنا الحسين (ع) من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في فمه ~~فجعل يتلقى الدم بيده ويرمي به إلى السماء ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: PageV01P061 # (( اللهم إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك. اللهم احصهم عددا واقتلهم ~~بددا ولا تبق منهم أحدا. ثم حمل القوم على الحسين (ع) وتناوشته السهام ~~والرماح والسيوف وتقدم شمر بن ذي الجوشن فطعنه برمحه وضربه آخر على كتفه. ~~وسقط الحسين(ع) على الأرض. فنزل سنان بن أنس النخعي فاحتز رأس الحسين(ع) ~~وقيل خولي بن يزيد الأصبحي وقيل أنه ارتعد فنحاه شمر وهو يقول: (( فت الله ms046 ~~في عضدك )) ونزل واحتز الرأس. # وما كاد القوم ينتهون من قتل القوم حتى هرعوا إلى حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ينازعوهن الحلي وما عليهن من الملابس، دون أن تمنعهم ~~مروءتهم، وانقلبوا إلى جثة الحسين(ع) يأخذون ما عليها من كساء مزقته السيوف ~~والرماح، وأوشك القوم أن يتركوا الجثة عارية على الأرض لولا سراويل بالية ~~كان قد لبسها الإمام الحسين(ع) بالية ممزقه، وتعمد ذلك ليتركوها على جسده ~~ولا يسلبوها، لأنه يعرف دناءتهم وخستهم. # ثم أوطئوا الخيل جثته الشريفة وصدره حتى رضوا صدره وظهره ثم أضرموا النار ~~في الخيام، وساقوا بنات رسول الله سبايا إلى ابن زياد. # أما الجثث الطاهرة فقد خرج لها جماعة مع الليل من بني أسد ودفنوها على ~~ضوء القمر وصلوا عليها ودفنوها هناك. يقول العقاد عن ذلك: ص4. فهي اليوم ~~مزار يطيف به المسملون متفقين ومختلفين، ومن حقه أن يطيف به كل إنسان، لأنه ~~عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي بين سائر الأحياء. فما اظلت ~~قبة السماء مكانا لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته في معنى الشهادة ~~وذكرى الشهداء>> (1). # بعد المعركة # بعث عمر بن سعد برأس الحسين (ع) إلى ابن زياد مع بشر بن مالك فوضعه بين ~~يدي ابن زياد وهو يقول: # أوقر ركابي فضة وذهبا ... فقد قتلت الملك المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا PageV01P062 فغضب ابن زياد وقال له: قد علمت أنه خير الناس أما وأبا فلم قتلته. وأمر ~~بضرب عنقه غضبا عليه لقوله ومدحه الحسين (ع). وجعل ابن زياد يقلب ثنايا ~~الحسين بعصا في يده ويقول: (( ما رأيت مثل هذا حسنا>> وأقبل القوم عليه ~~يسوقون بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا، والرؤوس مرفوعة على ~~الحراب، وأدخلوهم على ابن زياد فقال: الحمدلله الذي فضحكم وكذب أحدوثتكم. # فقالت زينب(ع): (( الحمدلله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وطهرنا تطهيرا، وإنما يفتضح الفاسق الفاجر. # وأراد ابن زياد قتل: ((علي بن الحسين (1) زين العابدين والمتبقى من ~~ذرية ms047 الحسين (ع) إذ كان مريضا فتعلقت به زينب وقالت: أقتلنا معه. فقال: علي ~~بن الحسين (ع) لابن زياد كلمة الإيمان والحرية: # (( أبا القتل تهددني بابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة، وكرامتنا ~~عندالله الشهادة )). # ثم أخرجوهم إلى المسجد وخطب ابن زياد وذم عليا (ع) وآل أبي طالب، ومدح آل ~~أبي سفيان ثم قال: (( الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين ~~وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي.. )). # فقام عبدالله بن عفيف وكان قد حارب مع علي (ع) وذهبت عيناه يوم الجمل ~~وصفين من زاوية المسجد وقال: (( يابن مرجانه إن الكذاب ابن الكذاب أنت ~~وأبوك ومن استعملك وأبوه، ياعدو الله أتقتل أولاد النبيين وتتكلم بمثل هذا ~~على منابر المسلمين، تقتل الذرية الطاهرة وتزعم أنك مسلم. ثم صاح: واغوثاه ~~أين أولاد المهاجرين والأنصار ألا ينتقمون من اللعين بن اللعين. فغضب ابن ~~زياد وأمر بقتله فخلصه أصحابه ثم بعث إليه ابن زياد جماعة إلى بيته فقتلوه (2) . # رأس الحسين عند يزيد PageV01P063 أرسل ابن زياد بالحريم والرؤوس مع شمر بن ذي الجوشن وتكررت نفس المأساة ~~والحادثة في مجلس ابن زياد فقد وضع رأس الحسين (ع) بين يدي يزيد فأخذ ينكت ~~ثغر وثنايا الحسين (ع) بقضيب في يده ويتمثل ويقول: # ليت أشياخي ببدر شهدوا # وزاد فيها: # لأهلوا واستهلوا فرحا # لست من عتبة إن لم أنتقم # قد قتلنا القرم من أشياخهم # جزع الخزرج من وقع الأسل # ثم قالوا يا يزيد لا شلل # من بني أحمد ما كان فعل # وعدلنا ميل بدر فاعتدل # ولما رآه أبو برزة الأسلمي ينكت بالقضيب قال له: (( ارفع قضيبك فوالله ~~لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلثمه أما إنك يا يزيد تجيء ~~يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه. ثم قام ~~وانصرف. # ثم أخرجوهم إلى المسجد ليوقفوهم على مشهد آخر من سب علي (ع) وأهل بيته ~~تبريرا للعامة أنهم على حق فقامت زينب عليها السلام وردت على يزيد بخطبة ~~عظيمة، وتلاها زين ms048 العابدين(ع) (1) فخطب حتى ضج المسجد بالبكاء فقطعوا ~~خطبته..!! وجهزهم بعدها يزيد إلى المدينة المنورة. # مواقف التضحية في كربلاء # سطر أصحاب الحسين (ع) نماذج عدة للبطولة والفداء إذ قدم أصحاب الحسين (ع) ~~رجالا ونساء شبابا وأطفالا أنفسهم قرابين في سبيل الله دون خوف أو رهبة من ~~مواجهة الموت وكثرة العدو. وهذه نماذج لبعض التضحيات: # أصحاب الحسين (ع) # رسم أصحاب الحسين (ع) طريق الحرية والكرامة في أرض كربلاء دون مبالاة ~~بقلة عددهم وضعف ناصرهم ما داموا على الحق وينشدون الحق فأقبلوا على ~~الشهادة حتى ذهبوا جميعا. PageV01P064 # وقف حنظلة بن أسعد الشيباني بين يدي الحسين (ع) وجعل ينادي:(( ياقوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعا وثمود والذين من بعدهم وما ~~الله يريد ظلما للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون ~~مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد. ياقوم لا ~~تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى )) فقال له الحسين: (( ~~رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا ~~ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن قد قتلوا إخوانك الصالحين. فسلم على ~~الحسين وصلى عليه وعلى أهل بيته وتقدم وقاتل حتى قتل (1). # وبنفس الموقف البطولي وقف سيف بن الحارث بن سريع، وأخوه لأمه مالك بن ~~عبدالله بن سريع وهما يبكيان. فقال الحسين (ع): (( ما يبكيكما إني لأرجو أن ~~تكونا عن ساعة قريري عين. فقالا: والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك، ~~ونراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك. فقال: جزاكما الله جزاء المتقين (2) ~~وقاتلا حتى قتلا وأثنا المعركة جثا أبو الشعثاء يزيد بن زياد الكندي بين ~~يدي الحسين وكان ممن أنضم إلى الحسين (ع) من جيش ابن زياد وهو من أشهر ~~الرماة. فارسل مائة سهم في نحور القوم لم يكد يخطى منها خمسة أسهم وقاتل ~~حتى مات وكذلك سويد بن أبي المطاع سمع القوم يتنادون بمصرع الحسين وهو في ~~النزع الأخير. فالتمس سيفه ms049 فوجدهم قد سلبوه ولم تقع يده إلا على خنجر صغير ~~فقام على قدميه يصارع الموت، فتولاهم الذعر، وانطلق فيهم قتلا حتى أفاقوا ~~وتعاونوا على قتله. # وبنفس البطولة والتضحية وقف بقية أصحاب الحسين عليه السلام كحبيب بن ~~مظاهر وبشر بن عمرو الحضرمي، والحر بن يزيد الرياحي، ومسلم بن عوسجة ~~وغيرهم. # علي بن الحسين(ع) PageV01P065 هو علي بن الحسين الأكبر على رأي أكثر المؤرخين خرج مع أبيه ولما قرب من ~~كربلاء خفق خفقة، ثم انتبه وهو يقول: (( إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد ~~لله رب العالمين )) فقال علي (ع): يا أبت جعلت فداك مم حمدت واسترجعت؟ قال ~~يا بني إني خفقت خفة: فرأيت فارسا على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا ~~تسير إليهم فعلمت أن انفسنا نعيت إلينا. فقال: يا أبت لا أراك الله سوءا ~~ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد قال: إذن لا نبالي أوقعنا ~~على الموت أو وقع الموت علينا. # وفي أرض كربلاء دنا علي بن الحسين من والده وعمره لم يتجاوز الثامنة عشرة ~~واستأذنه في القتال فأرخى الحسين سلام الله وصلاته عليه عينيه وقال: ~~((اللهم كن أنت الشهيد عليهم وقد برز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وتقدم علي وهو يقول: # أنا علي بن الحسين بن علي # من شبث ذاك ومن شمر الدني # ضرب غلام هاشمي علوي # نحن ورب البيت أولى بالنبي # أضربكم بالسيف حتى يلتوي # ولا أزال اليوم أحمي عن ابي # تالله لا يحكم فينا ابن الدعي # وفي كل مرة يعود إلى أبيه فيقول: يا أبت العطش. فيقول الحسين(ع): إصبر ~~حبيبي فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله (ع) بكأسه. # وحمل على القوم بشجاعة ضارية وفي كل مرة يقتل أبطالهم ويفرق صفوفهم وتكرر ~~ذلك منه عدة مرات، وفي إحدى كراته تلك غدر به مرة بن منقذ العبدي وطعنه ~~برمحه، وتعاورته السيوف من كل جانب فنادى: يا أبتاه عليك السلام هذا جدي ~~يقرؤك السلام ويقول: عجل القدوم إلينا. وفارق الحياة شهيدا فقال الحسين ms050 ~~(ع): (( قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة ~~رسول الله، على الدنيا بعدك العفا، وكان علي أول قتيل من بني هاشم. # العباس بن علي PageV01P066 رمز من رموز البطولة والفداء والتضحية على أرض كربلاء وقف العباس كالطود ~~الشامخ وقاتل قتال الأبطال، ونفذ من بين الجموع إلى الفرات واستجلب الماء ~~إلى الخيام. # وقبل نهاية المعركة كان قمر بني هاشم وحيدا مع أبي عبدالله فاستأذن ~~الحسين (ع) وودعة وأقبل على جيش عمر بن سعد يحصدهم ويمرق بين صفوفهم وأجهده ~~العطش ووصل الى الفرات ورفض أن يشرب قبل أن يحمل للحسين(ع) ماء فشد عليهم ~~ولكن القوم حالوا بينه وبين وصول الماء إلى الحسين (ع) واعتورته السيوف ~~والرماح من كل جهة حتى مزقته. وكان آخر قتيل ودعه الحسين(ع). # يقول القاسم بن نباته: رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه وكنت ~~أعرفه جميلا شديد البياض قفلت له: ما كدت أعرفك. # قال: إني قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة ~~منذ قتلته إلا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها فأصبح فما ~~يبقى أحد في الحي إلا سمع صياحي. قال: والمقتول العباس بن علي (ع). # أطفال كربلاء # كان أطفال كربلاء قد تربوا على الصدق والطهارة فكتبوا بدمائهم صفحة جلية ~~في طريق الحق والحرية والكرامة. # مواقف عديده لأطفال الإيمان وناشئة الإسلام في كربلاء وهنا بعضها: # أحاط القوم بالحسين (ع) وأقبل إليه غلام من أهله فأخذته زينب (ع) فقال ~~لها الحسين(ع) احبسيه. فأبى الغلام وأقبل يعدوا إلى أبي عبدالله ووقف إلى ~~جنبه، وأهوى أبجر بن كعب بالسيف على الحسين (ع). # فصاح الغلام فيه: أتقتل عمي يا ابن الخبيثة واتقى ضربة السيف بيده فأطنها ~~إلى الجلد وبقيت معلقة فنادى الغلام: يا أماه فأخذه الحسين(ع) وضمه إليه ~~وقال: يا ابن أخي احتسب فيما أصابك الثواب، فإن الله ملحقك بآبائك الصالحين ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمزة وعلي وجعفر والحسن (1). PageV01P067 # وبرز القاسم بن الحسن (ع) وحمل ms051 على القوم فضربه عمر بن سعد بن نفيل الأزدي ~~على رأسه فسقط القاسم على وجهه وصاح ياعماه فانقض الحسين (ع) كالصقر وشد ~~عليهم، وضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده فقطعها. وصاح عمر فحملت خيل الكوفة ~~لينقذوه فداسته الخيول حتى مات وانجلت الغبرة والحسين (ع) واقف على رأس ~~القاسم وهو يضرب برجليه الأرض والحسين (ع) يقول: (( بعدا لقوم قتلوك ومن ~~خصمهم يوم القيامة فيك جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )) ثم قال: ~~(( عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوته. والله ~~هذا يوم كثر واتره وقل ناصره> ثم حمله على عاتقه حتى وضعه بين قتلى أهل ~~بيته (ع) (1). # إن التربية الإيمانية الصحيحة هي التي جعلت الأضفال الذين فقدوا آباءهم ~~يخرجون إلى أرض المعركة ليستأذنوا الحسين (ع) وهتافهم يتردد: # أميري حسين ونعم الأمير # له طلعة مثل شمس الضحى # على وفاطمة والداه # سرور فؤاد البشير النذير # له غرة مثل بدر منير # فهل تعلمون له من نظير (2) # صور من ظلم الأطفال # لم يتورع القوم في كربلاء عن قتل الأطفال حتى الذين في المهد فقد رزق ~~الحسين(ع) طفلا وهو في المعركة وجيىء به إليه فأخذه في حجره وسماه عبدالله ~~وبينما هو كذلك إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم في وريده فنحره فرفرف ~~الطفل كالطائر المذبوح وأخذ الحسين(ع) دمه فجمعه ورمى به إلى السماء فما ~~وقعت منه قطرة إلى الأرض (3). # وفي أيام المختار الثقفي استدعى المختار حرملة وسأله عن هذا الطفل وكيف ~~أقدم على قتله ثم أمر به فذبح كما فعل بالطفل. PageV01P068 # قال هاني القايضي يذكر صورة اخرى من ذلك الظلم: كنت ممن شهد الحسين (ع) ~~فإني لواقف على خيول إذ خرج غلام من آل الحسين مذعورا يلتفت يمينا وشمالا ~~فأقبل رجل منا يركض حتى دنا منه فمال عن فرسه فضربه فقتله (1). # المرأة في كربلاء # المرأة الواعية لا تقل شأنا عن الرجل فصلاح المجتمع بصلاحها وهي صانعة ~~الأبطال والمجاهدين، والمرأة بدورها الخطير تستطيع أن تكون آلة الصلاح في ms052 ~~المجتمع أو آلة الفساد فيه. وقد سجلت كربلاء مرحلة من مراحل جهاد المرأة ~~المسلمة وصمودها أمام الباطل: # فقد وقفن جميعا رافضات العودة إلى منازلهن يدفعن أزواجهن وأبناءهن شبابا ~~وأطفالا للإستشهاد مع الحسين(ع) ومن بعض مواقفهن في كربلاء: # خرجت زوجة وهب بن حباب الكلبي تمسح التراب عن وجهه بعدما سقط صريعا ~~وتقول: هنيئا لك الجنة ورءاها شمر فأمر غلاما اسمه رستم بقتلها فضربها ~~بعمود فقتلها في مكانها. # ووقفت أم وهب تدفعه إلى المعركة فتقدم وقاتل قتالا شديدا وعاد إليها ~~فقالت لا أرضى حتى تقتل بين يدي ابن رسول الله. ثم دفعته زوجته هي الأخرى ~~فكر على القوم وقاتل حتى قتل فاحتزوا رأسه ورموا به إلى أمه فمسحت الدم ~~وأزالت التراب وهي تقول: (( الحمدلله الذي بيض وجهي بشهادتك )) (2). # وهناك أيضا بطلة كربلاء بنت أمير المؤمنين وسيد الوصيين (( زينب عليها ~~السلام )) ضربت أروع الأمثلة لموقف المرأة الواعية، فقد كانت بطلة أثناء ~~الحرب وبعد الحرب. PageV01P069 # ولم يصب أحد بمثل ما أصيبت. ومع ذلك وقفت صامدة تنتظر الموقف بعد المعركة ~~وشاهدت الرؤوس مرفوعة على الرماح، والجثث ملقاة على الأرض، والنساء حواسر ~~فصاحت زينب(ع): (( يا محمداه! هذا الحسين على العراء، وبناتك سبايا، وذريتك ~~مقتلة قضى عليها الصباء )). ثم كان لها موقفها البطولي مع ابن زياد، وكذلك ~~مع يزيد عندما أخذ يلعب برأس الحسين عليه السلام وهددته بخطبة بليغة قالت ~~في أجزاء منها: (( أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك ~~بنات رسول الله سبايا وقد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن يحدى بهن من بلد إلى ~~بلد.. )) إلى أن تقول: (( فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ~~وسترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته، ~~وانتهكت من عترته في حرمته ولحمته، لنخصمنك حيث يجمع الله شملهم، ويلم ~~شعثهم، ويأخذ لهم بحقهم، ولا تحسبن الدين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~احياء عند ربهم يرزقون فرحين وحسبك بالله حكما، وبمحمد خصيما، وبجبريل ~~ظهيرا (1) إلى آخر الخطبة وبقيت زينب (ع) ms053 طوال حياتها تقدم ضروبا وألوانا ~~من التضحية والفداء. # عاقبة الظالمين # واصل الأمويون سياستهم المبنية على الكبت والإرهاب وفي سنة ثلاث وستين ~~أغار جيش يزيد بقيادة مسلم بن عقبة المري على المدينة واستباحوها لمدة ~~ثلاثة أيام وجعل الناس يبايعون يزيد على أنهم عبيد له يحكم في دمائهم ~~وأموالهم وأهليهم ما شاء فمن امتنع من ذلك قتله (2) . # قال ابن كثير في تاريخه: (( ووقعوا على النساء حتى قيل أنه حبلت ألف ~~امرأة في تلك الأيام من غير زوج )). # وسئل الزهري كم كان القتلى يوم الحرة، قال: (( سبعمائة من وجوه الناس من ~~المهاجرين والأنصار ووجوه الموالي، ومن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف. PageV01P070 # وأهلك الله يزيد بن معاوية في تلك السنة فبويع لابنه معاوية بن يزيد فصعد ~~المنبر وقال بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~(( أيها الناس إنا بلينابكم وبليتم بنا فما تحصل كرامتكم لنا بضغنكم علينا ~~ألا وإن جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه في القرابة ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحق في الإسلام سابق المسلمين وأول ~~المؤمنين وابن عم رسول رب العالمين، وأبا بقية خاتم النبيين، فركب منكم ما ~~تعلمون وركبتم منه مالا تنكرون حتى أتته منيته، فصار رهينا بعمله، ثم قلد ~~الأمر أبي وكان غير خليق بالخير، فركب هواه، واستحسن خطاه، وعظم رجاه، ~~فأخلفه الأمل ، وقصر عنه الأجل، فقلت منعته، وانقطعت مدته، فصار في حفرته ~~رهينا بذنبه، وأسيرا بجرمه، والله لأسفنا له أعظم من أسفنا عليه، ثم بكى ~~وقال: (( إن أعظم الأمر علينا علمنا بسوء مصرعه، وقبح منقلبه، وقد قتل عترة ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأباح الحرمة، وحرق الكعبة، وما أنا ~~المتقلد أموركم، ولا المتحمل بيعتكم، فشأنكم وأمركم، فوالله لئن كانت ~~الدنيا مغنما لقد نلنا منها حظنا، وإن تكن شرا فحسب آل ابي سفيان ما أصابوا ~~منها.. )) (1). فسمه بنو أمية بعد أربعين يوما من خلافته وعمره ثلاث وعشرون سنة. # وسلط الله على قاتلي ms054 الحسين المختار بن أبي عبيد الثقفي داعية التوابين ~~من طالبي ثأر الحسين(ع) وكالهم بنفس المكيال ولم يبق احد شارك في قتل ~~الحسين (ع) إلا قتل، وانتقم منهم شر انتقام فقتل عبدالله بن زياد وأحرقه، ~~وقتل شمر بن ذي الجوشن والقيت أشلاؤه للكلاب، وقتل عمر بن سعد ونصبت رأسه، ~~ولم ينج الحصين بن نمير ولا خولي بن يزيد. ولم يبق أحد اشترك في كربلاء إلا ~~أخذ جزاءه. PageV01P071 # ثم خرج الملك من آل أبي سفيان إلى بيت مروان وبويع لمروان بن الحكم طريد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1) وفي هذه الفترة تعرض أهل البيت (ع) ~~وبنو هاشم لضغوط، ونفي، وتشريد من قبل بني أمية، وابن الزبير، وكان ابن ~~الزبير قد تولى على الحجاز، ثم تولى الملك عبد الملك بن مروان بعد أبيه ~~وسير جيشا بقيادة الحجاج إلى مكة قضى على عبدالله بن الزبير. # الإمام الحسن بن الحسن بن علي الرضا عليه السلام # بطل من أبطال كربلاء أصيب بثمانية عشر جرحا يوم كربلاء وهو ابن عشرين سنة ~~ووقع وسط القتلى من شدة جراحه. فحمله خاله وأرجعه إلى الكوفة وعالجه حتى ~~شفي وعاد إلى المدينة، وأكمل طلبه للعلم حتى اشتهر ، وذاع صيته في الآفاق، ~~وفوض بنو هاشم أمر صدقاتهم إليه. # بيعته (ع) # تحول الملك إلى بيت مروان بعد حادثة كربلاء كما تقدم وفي ولاية عبد ~~الملك بن مروان اتجهت أنظار الناس إلى الحسن (ع) وتقدموا لبيعته وكان ~~عبدالرحمن بن محمد الأشعث واليا على سجستان للدولة الأموية فجمع ثلاثين ~~ألفا وخلع عبد الملك بن مروان وأرسل بكتاب البيعة إلى الحسن (ع) فقبل الحسن ~~(ع) القيام بأمر الله وممن بايعه من العلماء والفضلاء: # الحسن البصري، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وعاصم بن ضمرة السلولي، ومحمد بن ~~سيرين، والشعبي، وعبدالله بن الشخير وغيرهم. وأحصى ديوانه مائة ألف مقاتل. # وتولى عبد الرحمن الأشعث قيادة الجيش ووقعت بينه وبين الحجاج خمس وسبعون ~~معركة انتصر فيها إلى أن خان الحسن آخر أيامه فانهزم فتوارى الحسن بن الحسن ~~(ع) في ms055 أرض الحجاز إلى أيام الوليد بن عبد الملك فشدد في طلبه وبعث إليه من ~~سقاه السم فمات. وحمل إلى المدينة ميتا ودفن بالبقيع. PageV01P072 # وظلت سياسة الأمويين كما هي في عهد الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان ~~تجاه أهل اليبت(ع) حتى تولى عمر بن عبد العزيز الحكم فأبطل سنتهم السيئة ~~بلعن علي(ع) على المنابر واستبدل ذلك بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون} ودان بالعدل والتوحيد مخالفا أهل بيته الذين سنوا بدعة الجبر ~~والقدر، ورد أرض فدك لأولاد فاطمة عليهم السلام. # وأكرم أهل بيت النبوة. فأرسلت إليه فاطمة بنت الحسين تقول: (( جزاك الله ~~من وال خيرا، فلقد أشبعت بطونا من أهل بيت النبي جائعة، وكسوت ظهورا عارية، ~~وأخدمت من كان لا يقدر على خدمة نفسه )) (1). # ورد مظالم بني أمية وقسمها بين الفقراء وكان يقول عند تقسيمها: (( هلم ~~إلى أموال الخونة، هلم إلى أموال الظلمة، هلم إلى أموال أخذت من غير حلها ~~ومنعت من مستحقها )) (2). # ولم تدم فترة حكم عمر بن عبد العزيز(( رحمه الله )) كثيرا فسم بعد سنتين ~~من حكمه وقام بعده يزيد بن عبد الملك بوصية من سليمان بن عبد الملك وكان ~~عاجزا لا يعرف شئون الحكم وهو صاحب الجاريتين (( حبابة وسلامة )) وكان ~~شغوفا بهما وبعد موت حبابة نبشها بعد دفنها، ولم يدفنها حتى تغير ريحها ~~ولامه أهل بيته. ثم مات بعدها أسفا وكمدا! # زين العابدين PageV01P073 وفي تلك الفترة إلى زمن عمر بن عبد العزيز عاصرهم زين العابدين علي بن ~~الحسين (ع) يطعم الفقراء والمساكين، ويربي النفس الإنسانية على العفة ~~والطهارة (1) أمام مغريات الدنيا وزخارفها اشتهر بين الناس وعرفوا فضله ~~وتعلق به أفراد الأمة الإسلامية، وكان أهل المدينة يأتيهم رزقهم ليلا ولا ~~يعرفون من أين يأتيهم فلما مات علي بن الحسين(ع) انقطع عنهم الرزق فعرفوا ~~ذلك، وعند تغسيله شاهدوا أثر الحمل الذي كان يحمل رزقهم فيه قد طبع على ظهره. # ومن فضله وتعلق الناس به وحبهم له يروى ms056 أن هشام بن عبدالملك خرج للحج ~~فطاف بالبيت فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه فلم يقدر لشده الإزدحام، فنصب ~~له منبر، وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه أهل الشام إذ أقبل علي بن الحسين ~~فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر تنحى له الناس حتى يستلمه. # فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام ~~لا أعرفه..!! محافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان الشاعر (( الفرزدق )) ~~حاضرا. فقال الفرزدق ولكني أعرفه. # قال الشامي من هو يا أبا فراس؟ فقال الفرزدق قصيدته. # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # هذا ابن خير عباد الله كلهم # يكاد يمسكه عرفان راحته # إذا رأته قريش قال قائلها # إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ذوي عدد # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # وليس قولك من هذا بضائره # الى قوله # ما قال لا قط إلا في تشهده # عم البرية بالإحسان فانقشعت # من معشر حبهم دين وبغضهم # والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا التقي النقي الطاهر العلم # ركن الحطيم إذا ماجاء يستلم # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم # بجده أنبياء الله قد ختمو # العرب تعرف من انكرت والعجم # لولا التشهد كانت لاؤه نعم # عنه الغيابة لاهلق ولا كهم # كفر وبهم ملجا ومعتصم PageV01P074 إلى آخر القصيدة. ثم قال هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فغضب هشام ~~وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة فبعث إليه علي(ع) بألف دينار ~~فردها وقال: إنما قلت ما قلت غضبا لله ولرسوله فما آخذ عليه أجرا. فقال ~~علي(ع) نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما أعطينا. فقبلها الفرزدق. # أمام الأئمة زيد بن علي عليهم السلام # (( المظلوم من أهل بيتي سمي هذا، والمقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي ~~هذا )) وأشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى زيد بن حارثة ثم قال: (( أدن مني ~~يازيد زادك الله حبا عندي فإنك سمي الحبيب من ولدي )) (1). # نبذة عن حياته # ولد عليه السلام سنة خمس وسبعين ms057 تام الخلقة، ابيض الوجه، مقرون الحاجبين، ~~عريض الصدر. تربى ونشأ في حجر والده زين العابدين وفتح عيناه على مفاسد بني ~~أمية منذ صباه وعاش مع أهل بيته مآسي الظلم والفساد من حكامهم. توفي والده ~~(ع) فأكمل تعليمه على يد أخيه محمد الباقر(ع)، وعكف على القرآن وتدبره ثلاث ~~عشرة سنة حتى ذاع صيته. عرف بحليف القرآن وشبيه أمير المؤمنين (ع) في ~~الفصاحة والبلاغة . أثنى عليه علماء عصره وعرفوا فضله. قال أبو حنيفة: (( ~~شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا ~~أسرع جوابا ولا أبين قولا، لقد كان منقطع النظير )). # وقال الشعبي: (( ما ولدت النساء أفضل من زيد بن علي ولا أفقه ولا أشجع ~~ولا أزهد )). # وقال الباقر: (( لقد أوتي زيد علما لدنيا فاسألوه فإنه يعلم مالا نعلم )). # قال خالد بن صفوان: (( انتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة من بني ~~هاشم إلى زيد بن علي صلوات الله عليهم أجمعين. لقد شهدته عند هشام بن عبد ~~الملك وهو يخاطبه وقد تضايق به مجلسه )) (2). PageV01P075 # تنقل(ع) بين الحجاز والعراق والشام والتفى بالعلماء والفضلاء ودعاهم إلى ~~نبذ الخلافات والمعتقدات الفاسدة التي زرعها الأمويون في أوساطهم وحثهم على ~~تحمل مسئولياتهم وواجباتهم أمام المظلومين. # ثم وجه (ع) رسالته إلى علماء الأمة الإسلامية بين فيها دورهم وواجباتهم ~~تجاه أمتهم، وحذر علماء السوء من تقاعسهم عن أداء ذلك الواجب والكارثة التي ~~حلت بالأمة من تهاونهم، وسوء صنيعهم، ومداهنتهم للحكام الظالمين. (( فالله ~~الله عباد الله أجيبوا إلى كتاب الله، وسارعوا إليه، واتخذوه حكما فيما شجر ~~بينكم، وعدلا فيما فيه اختلفنا، وإماما فيما فيه تنازعنا، فإنا به راضون، ~~وإليه منتهون، ولما فيه مسلمون، لنا وعيلنا. ولا نريد بذلك سلطانا في ~~الدنيا، إلا سلطانك، ولا نلتمس بذلك أثرة على مؤمن ولا مؤمنة ولا حر ولا ~~عبد )). # ثم قال (ع) في آخر رسالته: (( عباد الله فأجيبونا إجابة حسنة تكن لكم ~~البشرى بقول الله عز وجل في كتابه {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه}[الزمر: 18]، ويقول: {ومن أحسن ms058 قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين}[فصلت:23]، عباد الله فأعينونا على من استعبد أمتنا، ~~وأخرب أمانتنا، وعطل كتابنا، وتشرف بفضل شرفنا، وقد وثقنا من نفوسنا بالمضي ~~على أمورنا، والجهاد في سبيل خالقنا وشريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ~~صابرين على الحق، لا نجزع من نائبة من ظلمنا، ولا نرهب الموت إذا سلم لنا ديننا. PageV01P076 # تعاونوا، وانصروا الحق يقول الله عز وجل في كتابه: {ياأيها الذين آمنوا إن ~~تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}[محمد: 7]، ويقول الله عز وجل: {ولينصرن ~~الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [ ~~الحج:40] (1). # بويع له سنة (122ه)واشتمل ديوانه على خمسة عشر ألف مقاتل من أهل الكوفة، ~~فخرج يجاهد الظالمين، وصمد أمام الجيوش الأموية رغم تفرق أصحابه عنه إذ لم ~~يبق إلا ثلاثمائة رجل تقريبا، وكاد ينتصر لولا أن جاءه سهم في جبينه فصاح ~~الشهادة. الشهادة. الحمدلله الذي رزقنيها. وكان ذلك ليلة الخامس والعشرين ~~من المحرم(( 122ه )). # ودفنه إبنه يحيى (ع) وأجرى عليه الماء، ولكن كان هناك من دل العدو على ~~مكانه فنبش (ع) وصلب ثم أحرق وذر في البر والبحر والهواء.. # دوافع خروجه (ع) PageV01P077 حدد الإمام زيد بن علي دوافع خروجه في بيعته التي طلبها من الناس، وهي ~~العودة بالناس إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحرير ~~الأمة الإسلامية ورفع الظلم عن كاهلها، وإشاعة العدل بين الناس. وقد لقي ~~الإمام زيد (ع) الكثير. الكثير من ظلم الولاة، ووقفوا جميعا دون تحقيق ~~أهدافه وهذه صور من صور الظلم التي تعرض لها الإمام زيد (ع) يتجلى فيها ~~بشكل واضح بعيدا عن الظلم والقسوة الحالة التي وصل إليها حكام الأمة ~~المستضعفة من الإستهزاء الكامل بالإسلام وأهله ومن ذلك أن خالد بن عبد ~~الملك بن الحارث والي المدينة اشتد ظلمه وأذيته للإمام زيد (ع)، وصبر على ~~ذلك حتى ضاقت نفسه فرأى أن يذهب إلى هشام بن ms059 عبدالملك يشكو خالدا إليه فلم ~~يأذن له هشام بالدخول عليه فكتب إليه ورقة. فكتب هشام في أسفلها ارجع إلى ~~منزلك. وتكرر ذلك وزيد يقول: والله لا ارجع إلى خالد أبدا. وأخيرا أذن له. ~~فلما دخل عليه. # قال هشام: أنت المؤمل للخلافة وما أنت وذاك وأنت ابن أمة؟ # قال زيد(ع): إن الأمة لو قصرت بولدها من بلوع الغاية لما بعث الله نبيا ~~هو ابن أمة وجعله أبا العرب وأبا خير النبيئين وهو إسماعيل بن إبراهيم(ع) ~~وكانت أمه مع أم إسحاق كأمي مع أمك. وما تقصيرك برجل جده رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأبوه علي بن أبي طالب. فلما خرج زيد (ع) قال هشام ~~لجلسائه: ألستم زعمتم أن أهل هذا البيت قد أنقرضوا لا لعمر الله ما انقرض ~~قوم هذا خلفهم. # وفي مرة من المرات دخل زيد على هشام وفي مجلسه يهودي يسب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. فانتهره زيد(ع) وقال: ياكافر أما والله لئن تمكنت منك ~~لأختطفن روحك. # فقال هشام: مه يا زيد لا تؤذ جليسنا. PageV01P078 # وادعى عليه خالد بن عبدالله القسري مالا حين عزل هشام خالدا عن ولاية ~~العراق وولى يوسف بن عمر الثقفي (1) وكان مشهورا بالظلم والقسوة فكتب ~~يوسف بذلك إلى هشام. وطلب هشام زيدا. فقال له زيد: ما كان يوسف صانعا بي فاصنعه # فأبى هشام وبعث به إلى يوسف بن عمر فهدده يوسف وتوعده. فقال زيد(ع): (( ~~لست من الذين في يدك تعذبهم، اجمع بيني وبين خصمي، واحملني على كتاب الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا بسنتك وسنة هشام )). # فاستحيا عمر ودعا خالدا. ولم يكن عند زيد (ع) لخالد شيئا، وإنما أرادوا ~~إذلاله. ولذلك أبرأه خالد ثم أخلى سبيله. # بيعته (ع) # لما أراد زيد (ع) العودة إلى المدينة بعد مقابلة يوسف بن عمر لحق به أهل ~~الكوفة وقالوا أين تخرج رحمك الله ومعك مائة ألف سيف، وما زالوا به حتى ~~أعطوه العهود والمواثيق على السمع والطاعة، وبايعه العلماء والفقهاء وانطوى ~~ديوانه على ms060 خمسة عشر ألف مقاتل من أهل الكوفة فقط عدا سائر البلدان. وكان ~~يقول في دعوته: (( أيها الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وإلى جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وقسم الفيء بين ~~أهله، ورد المظالم، ونصرة أهل البيت على من نصب لنا الحرب، وإلى إحياء ~~السنن وإماتة البدع )). # المعركة # علم يوسف بن عمر بخبر الإمام زيد(ع) فجد في طلبه فخرج (ع) داعيا يوم ~~الأربعاء في الثاني والعشرين من محرم ونادى بشعاره: (( يامنصور أمت )) ولما ~~رأى الرايات فوق رأسه قال: (( الحمد لله الذي أكمل ديني، لقد كنت استحيي من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أرد عليه ولم آمر في أمته بمعروف ولم ~~أنه عن منكر )) (2). PageV01P079 # لقد فرح (ع) بخروجه لمنابذة الظالمين كثيرا، لأنه أقر فريضة كانت ستسقط إلى ~~الأبد. وعرف أنه بخروجه سيصلح أمة الإسلام ولذلك أقبل على الجهاد بشجاعة ~~باسلة وهو يقول: (( والله لو أعلم أنه تؤجج لي نار بالحطب الجزل فأقذف فيها ~~وأن الله أصلح لهذه الأمة أمرها لفعلت )) (1). # بيد أنه لم يستجب له إلا ثلاثمائة رجل أمام خمسة عشر ألف أو يزيدون من ~~جيوش بني أمية وبدأت المعركة، وقاتلت تلك الفئة المؤمنة قتالا عظيما لمدة ~~ثلاثة أيام، وعجز الأمويون بكثرتهم عن قتال تلك الفئة المؤمنة، وتراجعت ~~خيلهم عن المعركة ولو استمرت الحالة على ماهي عليه لانتصر الإمام زيد(ع) ~~ولكن الأمويين استعانوا بالنبال والسهام ولم ينالوا منهم إلا من هذا الجانب ~~ونال الإمام زيد (ع) سهم غادر يوم الجمعة الخامس والعشرين من محرم سنة (122 ~~ه) فأصاب جبينه ولفظ الشهادة وهو يوصي ابنه يحيى (ع): (( يابني جاهد القوم، ~~والله إنك لعلى حق، وهم على الباطل، وإن قتلاك في الجنة وقتلاهم في النار ~~)) (2). # من مواقف بني أمية في المعركة PageV01P080 خرج رجل من أهل الشام أثناء المعركة بين الصفوف يشتم فاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويسبها فبكى زيد(ع) وقال: (( ألا أحديغضب لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ms061 )) فخرج رجل من أصحابه (ع) متسللا حتى صار ~~وراءه فضرب عنقه، وجاء برأسه إلى زيد(ع). فجعل زيد يقبل بين عينه ويقول: (( ~~أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرها )) (1). # أثر ثورته (ع) # استشهد زيد (ع) في ميدان المعركة حرا أبيا كريما. استشهد بعد أن أرسى ~~للأمة قواعدها الفكرية والعقائدية والجهادية وترك لها تراثا لا زالت تنهل ~~منه حتى اليوم وإلى يوم القيامة. # استشهد (ع) بعد أن وقف في وجه الظالمين ليطهر الحكم الإسلامي من الفساد ~~والظلم والعبث منفذا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاتحا للأمة ~~باب الجنة الذي وضحه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (( سيد الشهداء ~~حمزة، ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر )). # استشهد (ع) بعد ان ربى أجيالا حملت فكره ومعتقده ورووا في سبيل ذلك الأرض ~~بدمائهم الطاهرة حتى وصل إلينا نبعا صافيا. # استشهد(ع) بعد أن جعل من دمائه الزكية الطاهرة جسرا تعبر عليه الأمة ~~الإسلامية لتحقيق العدالة والحرية. # الإمام يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام # خرج (ع) مستترا بعد المعركة بين الإمام زيد والأمويين حتى وصل خراسان ~~وبدأ دعوته من هناك، وكتب إلى أهله بالمدينة يقول: # خليلي عني بالمدينة بلغا # فحتى متى مروان يقتل منكم # لكل قتيل معشر يطلبونه # بني هاشم أهل النهى والتجارب # سراتكم والدهر فيه العجائب # وليس لزيد في العراقين طالب PageV01P081 وبلغ هشام خبره فاستبدل واليه على خراسان بنصر بن سيار، وكان معروفا ببطشه ~~وقسوته، وأهلك الله هشاما في سنة (125ه) قبل التمكن من يحيى(ع) فتولى الملك ~~الوليد بن يزيد بن عبد الملك ومعروف عنه أنه خرج ومرق من الدين، ولا خلاف ~~في ذلك عند أحد وكان يقول في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # تلعب بالبرية هاشمي ... بلا وحي أتاه ولا كتاب # واستفتح يوما في المصحف فخرج عليه قوله تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار ~~عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد} فمزق المصحف وقال: # أتوعدني بجبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر # فها أنا ذاك جبار ms062 عنيد # فقل يا رب مزقني الوليد # وكان أمر يهوديا أن يعمل له قبة للشراب على ظهر الكعبة المشرفة فقتل قبل ذلك # مطاردة الإمام يحيى بن زيد وموقف الحريش # انتقل يحيى(ع) من خراسان إلى سرخس ومنها إلى بلخ ونزل عند الحريش بن عبد ~~الرحمن الشيباني. وعرف نصر مكانه فجاء بالحريش وضربه بالسياط حتى كاد أن ~~يقتله، وقال له: (( والله لتأتيني به أو لأزهقن روحك )). # فقال الحريش: (( والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما لك فاصنع ما أنت ~~صانع)) فأمر بضربه ثانية، وكان للحريش ولد دل على مكان يحيى(ع) فأخذ يحيى ~~وحبس حتى جاء أمر الوليد بإطلاقه. # المعركة # لم ينس يحيى (ع) وصية والده (ع) قبل موته فكان يقول: # يا ابن زيد أليس قد قال زيد # كن كزيد فأنت مهجة زيد # من أحب الحياة عاش ذليلا # واتخذ في الجنان ظلا ظليلا PageV01P082 وخرج من سجنه وهو قوي العزيمة شديد الإصرار على مواصلة الجهاد وبلغ خبره ~~نصر بن سيار فأرسل إلى عمرو بن زرارة الوالي على نيسابور وأمره بقتال يحيى ~~(ع). وتوجه عمرو لقتاله ويحيى (ع) في مائة من جيشه وعمرو في خمسة آلاف ~~مقاتل فنصحهم يحيى(ع) وقال لعمرو: (( انصرف فإني لست أريدك، ولا أريد شيئا ~~من عملك وإنما أريد بلخ وناحيتها ولا أريد مرو فتنح عني )) فأبى عمرو. ~~وقاتل يحيى (ع). فقاتلهم(ع) قتالا شديداوانهزم الجيش الأموي وقتل عمرو بن زرارة. # واغتم نصر لذلك وبعث جيوشا لقتال يحيى (ع). وكان يحيى قد وصل الجوزجان ~~فدارت بينهم معركة لمدة ثلاثة أيام. ولما رأى يحيى (ع) كثرة العدو وقلة ~~أصحابه قال لهم: (( أنتم في حل من بيعتي فمن شاء أن يثبت معي فليثبت، ومن ~~شاء أن يرجع فليرجع، أما أنا فلست بارحا هذا الموضع حتى يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا )). فقال له أصحابه: (( والله لانفارقك يا ابن رسول الله أبدا حتى ~~لايبقى منا أحد )). فقال: (( جزاكم الله خيرا من قوم فلقد قاتلتم ووفيتم ~~)). ووقفت تلك القلة التي لاتتعدى المائة والخمسين مقاتل معه حتى قتلوا ~~جميعا. وأصابه ms063 سهم في جبهته فسقط شهيدا. واحتز رأسه سورة بن محمد الكندي. ~~ثم بعثوا برأسه إلى الوليد بن يزيد، أما جسده الشريف فصلبوه على باب مدينة ~~الجوزجان. وبعث الوليد برأسه إلى أمه في المدينة فلما وضع في حجرها نظرت ~~إليه قائلة: (( شردتموه عني طويلا، وأهديتموه إلي قتيلا، صلوات الله عليه ~~بكرة وأصيلا )) وبقي مصلوبا إلى أيام أبي مسلم الخراساني فأنزله وغسله ~~وأقام الناس الحزن عليه أسبوعا. وكان مقتله عليه السلام يوم الجمعة في شهر ~~رمضان سنة (126 ه) (1) . # سقوط الدولة الأموية PageV01P083 كان ظلم يزيد وقتله للحسين (ع) سببا في زوال ملك آل أبي سفيان، وخروجه إلى ~~بني مروان، وكان مصير بني مروان نفس المصير بظلمهم وتشريدهم لأهل البيت (ع) ~~من بعده. فقد كانت نهاية الوليد بن يزيد قتلا. إذ قام يزيد بن الوليد ~~ثائرا، وناقما على أهل بيته غضبا لله تعالى، وكان معروفا بالفضل والعلم ~~يدين بالعدل والتوحيد، ولكنه توفي بعد أشهر من خلافته، ثم كان سقوط الدولة ~~الأموية إذ تولى إبراهيم بن الوليد، ثم تخلى لمروان بن محمد المعروف (( ~~بمروان الحمار ))، والذي كان على يديه سقوط الدولة الأموية، إذ قتلهم ~~العباسيون وشردوهم ونبشوا قبورهم وطاردوهم في كل مكان.. # يقول الشيخ أبو زهرة بعد أن تحدث عن أفعال الأمويين مع أهل البيت (ع) ~~وانتقام العباسيين منهم: (( فإن الله يسلط الطاغين بعضهم على بعض للإعتبار، ~~فأولئك الظالمون من الأمويين اعتدوا وفجروا وفعلوا ما فعلوا بعترة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فتولاهم آخرون بمثل ما فعلوا. وحقت كلمة الله ~~تعالى:{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}. وهكذا كانت العبر ~~لمن هو أهل للإعتبار، ولكن القوة رعناء لا تعتبر ولا تستبصر )) (1). # الفصل الثالث # الدولة العباسية ومرحلة أخرى من جهاد أهل البيت (ع) # آلت الدولة الأموية كما سبق بعد مقتل الإمام يحيى بن زيد (ع) إلى ~~الزوال فاجتمع بنو هاشم وتذاكروا أمرهم وما هم فيه من الظلم والإضطهاد ~~واتفقوا جميعا على مبايعة محمد بن عبدالله بن الحسن (( النفس الزكية )). # وكان قد انتهى إليه ms064 فضل بني هاشم. وقد قال أبو جعفر المنصور أثناء ذلك ~~الإجتماع: (( والله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أميل أعناقا، ولا أسرع ~~أجابة منهم إلى هذا الفتى )) قالوا: والله صدقت. وبايعوه جميعا. PageV01P084 # بعد ذلك أقام العباسيون دعوتهم على الرضاء من أهل البيت (ع) إذ قام أبو ~~مسلم بأمر الدعوة في خراسان،قام وأبو سلمة الخلال الذي لقي مصرعه على ~~أيديهم في الكوفة، وسقطت الدولة الأموية وتمت البيعة لأبي العباس السفاح ~~في شهر ربيع الأول سنة (( 132ه )) وقامت الدولة العباسية وبدأت تلاحق أهل ~~البيت (ع) في كل مكان. # الإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية (ع) # نبذة عن حياته (ع) # ولد (ع) سنة مائة هجرية وأخذ يدرس العلم على والده عبدالله الكامل الذي ~~انتهى إليه الفضل إذ كان يقال من أجل الناس من أفضل الناس من أعلم الناس من ~~كذا من كذا فيقال عبدالله بن الحسن فسمي الكامل لذلك> (1). # وتنقل محمد بين العلماء يأخذ منهم علمهم فمنحه الله بسطة في العلم ~~والجسم. وقد صور طلبه للعلم بقوله: (( إني كنت لأطلب العلم في دور الأنصار ~~حتى إني لأتوسد عتبة أحدهم فيوقظني الإنسان فيقول: (( سيدك قد خرج إلى ~~الصلاة ما يحسبني إلا عبده )) (2). # عرف بين الناس بصريح قريش، لأنه لم يكن في أمهاته من آبائه أو جداته أم ~~ولد، ولقب بالمهدي لأنه كان له شامة تشبه خاتم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم (3). # وعرف بالنفس الزكية لورود الأثر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (( ~~أن النفس الزكية يقتل ويسيل دمه إلى أحجار الزيت في المدينة لقاتله ثلث ~~عذاب أهل جهنم )) (4). # واشتهر بالقوة والشجاعة إذ كان يقدر على حمل ألف رطل.. وحمل يوما صخرة ~~قدرت ألف رطل. # كان (ع) فصيح اللسان يشبه جده أمير المؤمنين(ع)، وكان ربما اعتاص عليه ~~لسانه فيضرب صدره فينفتح لسانه كأنه السيل )) (5). PageV01P085 # بايعه بنو هاشم وجمع كثير من الفقهاء والعلماء وامتدت بيعته إلى جميع ~~الأمصار وعند قيام الدولة العباسية بقي متواريا أيام أبي العباس السفاح. ~~وعند قيام أبي جعفر المنصور ms065 شدد في الطلب عليه حتى ظهر (ع) واستشهد في ~~المدينة سنة ( 145ه ). # عوامل خروجه # بعد قيام الدولة العباسية قدم وفد أهل البيت برئاسة عبدالله بن الحسن(ع) ~~على أبي العباس السفاح عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن ~~عبدالمطلب فسأل عن محمد وإبراهيم(ع) فقال عبدالله: لم يكن تخلفهما لشيء ~~تكرهه، فأكرمهم أبو العباس وأعادهم إلى المدينة، ثم قدم أبو جعفر حاجا سنة ~~( 136ه) أخر عهد أبي العباس وسأل عبدالله بن الحسن عن مكان ولديه وأغلظ له ~~القول وكاد أن يقتله لولا أن والي المدينة زياد بن عبدالله الحارثي تعهد ~~بالبحث عن محمد وإبراهيم(ع). # وبعد البيعة لأبي جعفر المنصور شدد في البحث عنهما، وفصل مكة عن المدينة ~~وجعل لكل منهما وال، ولكن لم ينجح العثور عليهما. # اهتم أبو جعفر بأمر محمد بن عبدالله وبحث عنه في موسم الحج سنة # ( 140ه ) وأمر عيونه بمراقبته وأمام صورة الغدر والخيانة هذه هناك صور ~~عكسية صورها النفس الزكية (ع) فقد جاءه أصحابه وأخبروه بأن الفرصة سانحة ~~لاغتيال أبي جعفر المنصور فقال: (( لا والله لا أقتله غيلة ابدا )) (1). # وفي طريق عودة أبي جعفر سجن عبدالله بن الحسن (ع) وأسرته في دار مروان. ~~وعلم بتهاون زياد الحارثي في البحث عن النفس الزكية فأرسل (( محمد بن خالد ~~بن عبدالله القسري ))، ولكنه كان كسابقه يعرف أن المنصور يريد قتل محمد(ع) ~~فلم يجهد نفسه بالبحث عنه فعزله أبو جعفر المنصور عن المدينة وبعث (( رياح ~~بن عثمان المري ابن عم مسلم بن عقبة )) وشرح له مهمته. PageV01P086 # قدم رياح المدينة وتوجه من فوره إلى عبدالله بن الحسن (ع) في سجنه في دار ~~مروان وقال له: (( أيها الشيخ إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم ~~قرابة، ولا ليد سبقت مني إليه، والله لا تتلعب بي كما تلعبت بزياد وابن ~~القسري، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم )). # فرفع عبدالله رأسه وقال: (( نعم أما والله إنك لأزيرق قيس المذبوح فيها ~~كما تذبح الشاة )). # قال أبو البختري راوي القصة: فانصرف والله رياح ms066 آخذا بيدي أجد برد يديه، ~~وإن رجليه ليخطان مما كلمه. قلت: إن هذا والله ما اطلع على علم الغيب. قال: ~~(( إيها ويلك والله ما قال إلا ماسمع )) فذبح والله كما تذبح الشاة (1). # ووقف رياح يهدد أهل المدينة ويتوعدهم قائلا: (( يا أهل المدينة أنا رياح ~~بن عثمان بن حيان، الأفعى بن الأفعى، وابن عم مسلم بن عقبة، المبيد خضراكم، ~~المفني رجالكم، والله لأدعنها بلقعا لا ينبح فيها كلب )) (2). # وعلم رياح أن محمدا في جبل جهينة فخرج عليه وعلم النفس الزكية (ع) ~~بقدومهم فأسرع بالفرار من الجبل وسقط أحد أولاده ومات فتمثل محمد(ع) وقال: # منخرق الخفين يشكو الوجا # شرده الخوف فأزرىبه # قد كان في الموت له راحة # تنكبه أطراف مرو حداد # كذاك من يكره حر الجلاد # والموت حتم في رقاب العباد (3) # ونجا محمد(ع) فأنزل رياح سخطه وغضبه على أهل المدينة، وصعد المنبر واخذ ~~يسب محمدا وأمه هند بنت أبي عبيدة. وكتب إلى أبي جعفر المنصور يخبره ~~بعصيانهم. # قدوم أبي جعفر سنة 144ه PageV01P087 قدم أبو جعفر سنة (( 144ه )) يريد الحج ونزل بالربذة قرب المدينة وأمر ~~بإحضار المساجين من أهل اليبت(ع) فحملوا إليه مكبلين بالأغلال فأمر ~~بإنفاذهم إلى الكوفة على ظهور إبل بدون غطاء وهناك أنزلوا في سجن ابن هبيرة ~~وهو سرداب تحت الأرض لا يفرقون فيه بين ليل ونهار. ثم كتب أبو جعفر المنصور ~~إلى عبدالله بن الحسن (ع) داخل سجنه (( ارسل إلي أحدكم واعلم أنه لا يرجع ~~إليكم أبدا )) فقام بنو أخيه يعرضون أنفسهم. فقال: (( أنا أكره أن أفجعهم ~~بكم، ولكن اذهب يا موسى. فذهب موسى (ع) إلى أبي جعفر فضربه حتى أغمي عليه، ~~فلما أفاق قال: (( أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني فأفرغت عليك سجلا لم ~~أستطع رده، ومن ورائه والله الموت أو تفتدي منه )). # فقال موسى: (( والله يا أمير المؤمنين مالي ذنب وإني لمنعزل من هذا )). ~~قال: (( انطلق وائتني بأخويك ))، قال موسى: (( تبعثني إلى رياح فيضع علي ~~العيون والرصدة فلا أسلك طريقا إلا اتبعني له رسول، ويعلم ذلك أخواي ms067 ~~فيهربان مني )). فكتب إلى رياح: (( لا سلطان لك على موسى. وأرسل معه حرسا ~~يكتبون إليه بخبر موسى (1). # بيعته (ع) # بقي محمد(ع) مختفيا متنقلا بين الأمصار، وعندما علم بحبس والده في ~~المدينة أرسل إليه مع والدته تقول له: (( بأن يقتل رجل من آل محمدصلى الله ~~عليه وآله وسلم خير من أن يقتل بضعة عشر رجلا )). # فأجاب أبوه عليه مع أمه قائلا: (( حفظ الله محمدا لا ولكن قولي له: ~~فليأخذ في الأرض مذهبا، فوالله مانحتج عندالله غدا إلا أنا خلقنا وفينا من ~~يطلب هذا الأمر )) (2). # وأرسل رياح إلى أبي جعفر: لقد أرسلت موسى عينا علينا. فأمر أبو جعفر ~~رياحا أن يبعثه فبعثه مع مجموعة من الجنود وقال لهم: (( إن رأيتم أحدا أقبل ~~من المدينة فاضربوا عنق موسى )). PageV01P088 # وعلم محمد (ع) بما حدث فأظهر نفسه وكان ذلك في رجب سنة # (( 145ه )) ودخل مع أصحابه مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ~~الفجر ومعه مائتان وخمسون من أصحابه وهو يقول: (( لا تقتلوا. لا تقتلوا ~~)) وأرسل من أنقذ أخاه موسى، وحبس رياح بن عثمان المري، وصلى الفجر بالناس، ~~وصعد المنبر وخطب فيهم ذاكرا مفاسد ومظالم أبي جعفر المنصور ودعا الناس إلى بيعته. # دعوته (ع) # كان عليه السلام قد وجه دعاته إلى البلدان فأرسل أخاه إبراهيم إلى ~~البصرة، وأرسل ابنه عبدالله إلى خرسان (1)، وأرسل ابنه علي إلى مصر (2)، ~~وأبنه الحسن إلى اليمن (3). # وأجمع الناس على بيعته وكان من الفقهاء الذين بايعوه عمرو بن عبيد (4) ~~وبايعه أهل البيت (ع)، واستأذنه جعفر الصادق (ع) في الرجوع إلى منزله لضعفه ~~وكبر سنه، واخرج معه ولداه محمد وعبدالله. # وفزع أهل المدينة إلى مالك بن أنس يستفتونه ويقولون: إن علينا بيعة لأبي ~~جعفر المنصور فقال: (( إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين )). وأفتاهم ~~بوجوب الخروج معه(5)، وبايعه أبو بكر بن سبرة الذي يروي عنه الواقدي. # أحداث المعركة PageV01P089 أرسل أبو جعفر، عيسى بن موسى ومعه حميد بن قحطبه إلى المدينة وعندما علم ~~محمد (ع) بمسيرهم أقام خندقا حول المدينةووصلت الجيوش ms068 العباسية في رمضان ~~سنة145ه. وحاصروا المدينة واجتازو الخندق ودارت معركة رهيبة استبسل محمد ~~(ع) وأصحابه وأبدى محمد شجاعة نادرة في القتال يهجم على الجيش كالأسد ~~الهادر وكان متقلدا سيف جده [ذا الفقار] وأثناء المعركة طلب أن يبرز له ~~قائد الجيش حميد بن قحطبة فرفض حميد وظهرت علامات النصر تلوح في الأفق. ~~وكاد النصر أن يتحقق لمحمد (ع) غير أن امرة عباسية رأت الموقف فأمرت خادما ~~بوضع راية سوداء (1) فوق منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأمرت آخرين أن يصيحوا في المعسكر الهزيمة. الهزيمة. المسودة قد جاءوا من ~~خلفكم فلما رأى الجيش الراية خلفهم انهزموا. وبقي محمد (ع) واقفا وقال: (( ~~إلى أين يا قوم إلى أين ياناس النار أمامكم والجنة خلفكم )). فلم يلتفتوا ~~إليه. فقال (ع): (( اللهم إنهم عجزوا عن احتمال أمرك والجهاد مع ولد نبيك ~~(ع) فاجعلهم في حل من بيعتي )) (2). # وتقدم (ع) مع قلة من أصحابه وقاتل إلى الظهيرة ثم دخل وتغسل وتطهر وخرج ~~ليقاتل وقال لاخته(ع): (( إذا أمطرت السماء فاعرفي أني مقتول )). وقاتل (ع) ~~هو وأصحابه حتى قتلوا فأحيط به من كل جانب فطعنه حميد بن قحطبة في صدره، ~~وضربه آخر على أذنه. وأحس بالموت فاتكأ على سيفه فكسره وتقدم حميد بن قحطبة ~~واحتز رأسه وبعث به إلى أبي جعفر المنصور. # وسالت دماؤه الطاهرة إلى أحجار الزيت، وأمطرتهم السماء بعد قتله، وشهدت ~~المدينة مأساة كبرى من مآسي أهل البيت (ع). # الإمام إبراهيم بن عبدالله (ع) # ورد عليه نعي محمد بن عبدالله (ع) أول يوم من شوال فصعد المنبر ونعى أخاه ~~للناس وقال: # أبا المنازل ياخير الفوارس من # الله يعلم أني لو خشيتهم # لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم PageV01P090 يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا # أو أوجس القلب من خوف لهم فزعا # حتى نموت جميعا أو نعيش معا # ثم بكى وقال: # اللهم إن كنت تعلم أن محمدا إنما خرج غضبا لك ونفيا لهذه النكتة السوداء ~~وإيثارا لحقك فارحمه واغفر له واجعل له الآخرة خير مردا ومنقلبا ms069 من الدنيا ~~)) (1) . # اجمع الناس على بيعته(ع) وحوى ديوانه مائة ألف رجل وبث دعاته في الأمصار ~~واستولى على واسط والأهواز وفارس وظفر بخزان الأموال من ولاة العباسيين ~~فانتهج معهم مبدأ العدل الذي كان ينادي به ويقول:(( هل هي إلا سيرة علي (ع) ~~أو النار ))وجيء إليه بهؤلاء الناس فسألهم المال. فأنكروا أن يكون معهم ~~شيء, فاستحلفهم وخلى سبيلهم دون ضغط أو إكراه فكان يقول للرجل منهم: (( إن ~~ظهر عندك مال عددتك كذابا )). ويقول: (( لا حاجة لي في مال لا يستخرج إلا ~~بالعذاب )). وكان يرشد أصحابه ويعلمهم ويبين لهم واجباتهم في رفع الظلم ~~ودفع المفاسد، ومن كلام له لأصحابه: (( أيها الناس إني وجدت جميع ما تطلب ~~العباد من جسيم الخير عندالله عز وجل في ثلاث: في المنطق، والنظر، والسكوت، ~~فكل منطق ليس فيه ذكر فهو لغو، وكل سكوت ليس فيه فكر فهو سهو، وكل نظر ليس ~~فيه اعتبار فهو غفلة، فطوبى لمن كان منطقه ذكرا، ونظره اعتبارا، وسكوته ~~تفكرا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم المسلمون منه )) (2) . PageV01P091 # وقد بايعته الزيدية والمعتزلة جميعا وكثير من الفقهاء والعقلاء أمثال مطر ~~الوراق، بشير الرحال، إبراهيم بن نميلة، ومعاوية بن حرب بن قطن. وكان أبو ~~حنيفة يدعو إليه سرا ويكابته وكتب إليه يوما: (( إذا أظفرك الله بعيسى بن ~~موسى فلا تسر فيهم بسيرة أبيك يوم الجمل فإنه لم يقتل المنهزم ولم يغنم ~~الأموال ولم يبتع مدبرا ولم يذفف على جريح لأن القوم لم يكن لهم فئة ولكن ~~سر فيهم بسيرته يوم صفين فإنه ذفف على الجريح وقسم الغنيمة لأن أهل الشام ~~لهم فئة )) (1) . # المواجهة مع العباسيين # وجه أبو جعفر المنصور عيسى بن موسى لقتال إبراهيم(ع) فتقدم على رأس جيش ~~قوامه خمسة عشر الفا. يقودهم حميد بن قحطبة، وعلم إبراهيم(ع) فخرج لمواجهتم ~~حتى وصل باخمرى (2) والتقى الجيشان هناك ولاحت لأصحابه فرصة الهجوم وتبييت ~~(3) الجيش العباسي وعرضوا عليه ذلك فقال: ((إني أكره الغدر )) ثم عبأ جيشه ~~وجعل عيسى بن زيد (ع) على ميمنته وعلى ميسرته لبيد بن ابي ms070 برد اليشكري: ~~وثبت هو في القلب مع العلماء والفقهاء. وكان عدد جيشه يقرب من اثنى عشر الف ~~مقاتل، وبدأت المعركة واشتد القتال فانهزم العباسيون. وكان حميد بن قحطبة ~~فيمن انهزم وعلم أبو جعفر بالهزيمة فأعد دوابه للهرب والرحيل. ولما رأى ~~إبراهيم(ع) الهزيمة وما نزل بهم من القتل رحمهم وأشفق عليهم وأمر من يرد ~~الراية. PageV01P092 # وعندما رأى العباسيون الرايات راجعة ظنوها هزيمة فعادوا إلى المعركة وانهزم ~~أصحاب عيسى بن زيد الذين كانوا معه في الميمنة وثبت عيسى يقاتل، واقتتل ~~الناس قتالا شديدا فلما كان آخر النهار رفع إبراهيم (ع) المغفر من شدة الحر ~~فجاءه سهم غادر فاعتنق فرسه، وأحاطت به الزيدية وأنزلوه من فوق فرسه. ورأى ~~عيسى بن موسى ذلك التجمع فقال: ويحكم على ماهؤلاء وهجموا عليهم وحزوا رأسه، ~~وبعثوا به إلى أبي جعفر المنصور في، وكان ذلك في 25 من ذي القعدة سنة (( ~~145ه )). وهكذا كانت النهاية المؤلمة لثورة إبراهيم بن عبدالله (ع). وقد ~~بقيت عالقة في الأذهان تروى للأجيال قصة استشهاد بطل وزعيم من زعماء أهل ~~البيت قدم نفسه في سبيل الله من أجل أن تحيا الأمة حياة الحرية والعدالة. # بعد المعركة # لما قتل (ع) قال سفيان الثوري: (( ما أظن الصلاة تقبل، إلا أن الصلاة خير ~~من تركها (1) [يريد من لزمه الخروج ولم يخرج]. وسئل شعبة عن القيام مع ~~إبراهيم (ع) فقال: (( والله لهو عندي بدر الصغرى.[وسميت المعركة بهذا ~~الاسم]. # كذلك سئل أبو حنيفة أيهما أحب إليه بعد حجة الإسلام الخروج مع إبراهيم أو ~~الحج فقال: غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة (2) . # وقال ابو إسحاق الفزاري لأبي حنيفة: (( ما اتقيت الله حيث أفتيت أخي في ~~الخروج مع إبراهيم بن عبدالله بن حسن حتى قتل )) فقال لي: (( قتل أخيك حيث ~~قتل يعادل قتله لو قتل يوم بدر )) (3) . # مأساة أهل البيت # بقي أهل البيت (ع) في سجن أبي جعفر المنصور منذ حبسهم (4) ومنهم. PageV01P093 # 1 عبدالله بن الحسن بن الحسن: لاقى من أنواع العذاب الكثير الكثير، وضيق ~~عليه الخناق ليأتي ms071 بولديه فكان يقول لأخيه الحسن: (( والله لبليتي أعظم من ~~بلية إبراهيم(ع) إن الله عز وجل أمر إبراهيم(ع) أن يذبح ابنه وهو لله طاعة ~~)). قال إبراهيم: (( إن هذا لهو البلاء المبين )) وإنكم جئتموني تكلموني في ~~أن آتي بابني هذا الرجل فيقتلهما وهو لله جل وعز معصية )). وقتل (ع) في سجنه. # 2، 3 الحسن بن الحسن بن الحسن(ع)، وإبراهيم بن الحسن بن الحسن(ع) وتوفيا ~~مع أخيهما في سجن الهاشمية. # 4 علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن (ع) المعروف بعبادته وعلمه ويقال له ~~مع امرأته الزوج الصالح، والذي لم تحركه الأفعى ولم ينتبه لها وهو في صلاته ~~إذ دخلت في ثيابه والناس يصيحون عليه حتى خرجت. وكانوا لا يعرفون أوقات ~~الصلاة في السجن إلا بانتهائه من قراءة أجزاء من القرآن كانت مقررة له. # وهزلت أجسام القوم في السجن، فكانوا يخرجون قيودهم حتى إذا سمعوا الحرس ~~أعادوها إلا هو فلم يفعل. فقال له عمه عبدالله: لم لا تحل قيدك؟ # قال (ع): لا أفعل حتى القى الله عز وجل فأقول: رب سل أبا جعفر لم قيدني؟ (1) . # واشتدت وطأة ومعاناة أهل البيت(ع) في السجن فطلب عبدالله بن الحسن (ع) ~~منه أن يدعو على أبي جعفر فقال: (( ياعم. إن لأبي جعفر منزلة في النار لا ~~يصلها إلا بما يوصل إلينا من الأذى وإن لنا منزلة في الجنة لا نصلها إلا ~~بالصبر على ما لحقنا في حق الله تعالى من أبي جعفر، فإن شئت أن أدعو الله ~~بأن يضع من منزلتنا في الجنة، وأن يخفف عن أبي جعفر من منزلته في النار ~~فعلت، وإن صبرنا فعما قليل نموت ونفضي إلى رحمة الله )) فقالوا بل نصبر ~~فكان هذا ما كان،وتوفي (ع) في السجن وهو ساجد. # فقال عبدالله بن الحسن (ع): (( أيقظوا ابن أخي فإني أراه قد نام في ~~سجوده، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا )) (2) . PageV01P094 # 5 العباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن أخذ من على باب داره فقالت أمه: (( ~~دعوني أشمه وأضمه )). فقالوا: (( لا والله ما كنت في ms072 الدنيا حية )). # 6 إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن (ع) كان كسبيكة الذهب كلما أوقد ~~عليها النار ازدادت خلاصا. فكان كلما اشتد عليه البلاء ازداد صبرا (1) . # 7 محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن وهو الديباج الأصفر رآه أبو جعفر ~~المنصور عندما جيء به إليه مقيدا بالأغلال فقال: (( أنت الديباج الأصفر ))! قال: # (( نعم )). قال: (( أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا من أهل بيتك ~~)) ثم أمر باسطوانة مبنية ففرغت وأدخل فيها وبنيت عليه وهو حي. # وكان مصير البقية من أهل البيت (ع) نفس المصير الذي لقيه آباؤهم ~~وإخوانهم، وكأن انتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورفعة ~~شأنهم جريمة يستحقون عليها القصاص في نظر الظالمين..!! # عيسى بن زيد (ع) # كان عيسى بن زيد على ميمنة إبراهيم بن عبدالله (ع) وبعد المعركة تفرق ~~الناس عنه ولم يجد من ينصره فخرج متواريا عن الأنظار وبقي عند الحسن بن ~~صالح. وكان (ع) غزير العلم، واسع الفهم، قد أحاط بعلوم أهل بيته(ع) وفقهاء ~~المدينة. واشتد الطلب عليه حتى غير هيئته ونسبه لئلا يعرفه أحد، ومع ذلك ~~حافظ على فكره الزيدي وعلومه وأقبل على أصحابه سرا ينقل إليهم علوم أهل ~~البيت ورواياتهم وروايات غيرهم مثل سفيان الثوري. قال علي بن الحسين ~~الفخي(ع): (( ما فينا خير من عيسى بن زيد)). # [سمي مؤتم الأشبال لأنه اعترض طريق الناس لبوة ولم يستطع أحد قتلها، ~~فتقدم وقتلها فقالوا: (( أيتمت أشبالها )) فسمي مؤتم الأشبال] # شيء من معاناته (ع) PageV01P095 اشتد عليه طلب الخليفة العباسي الجديد (( الملقب المهدي)) فاضطر إلى التنكر ~~واشتغل سقاء على جمل حتى لا يعرف، وكان ينفق من ذلك فإذا لم يجد شيئا خرج ~~إلى خارج البصرة إذا وجد من بقلها شيئا مرميا ليسد به رمقه، ولم يستطع أهل ~~بيته (ع) زيارته ومعرفة حاله خوفا عليه من القتل. # يروي المؤرخون قصة عن جزء من معاناته وما حل به من العباسيين وذلك: أن ~~يحيى بن الحسين بن زيد(ع)قال لأبيه يا أبت إني أشتهي أن أرى عمي عيسى ms073 بن ~~زيد. ودافعه والده مرارا ثم إنه قبل وأعلمه بمكانه والمكان الذي ينزل فيه ~~وقال له: (( سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد آثر السجود في ~~جبهته عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل وقد انصرف يسوق الجمل لا يضع قدما ~~ولا يرفعها إلا ذاكرا الله عز وجل، ودموعه تنحدر. فقم وسلم عليه وعانقه ~~فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش. فعرفه نفسك وانتسب له فإنه يسكن إليك ~~ويحدثك طويلا ويسألك عنا جميعا ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه. ولا تطل ~~عليه وودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه فافعل ما يأمرك به من ذلك ، ~~فإنك إن عدت إليه توارى عنك واستوحش منك وانتقل عن موضعه وعليه في ذلك مشقة. # وذهب يحيى(ع) وتم اللقاء كما وصف له والده. وبكى عيسى (ع) بكاء طويلا ثم ~~قال له: (( يا بني أنا أسقي على هذا الجمل الماء فأصرف ما اكتسب إلى صاحبه ~~وأتقوت الباقي وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية بظهر ~~الكوفة فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته. ثم أقسم على يحيى أن ~~ينصرف ولايعود إليه. فذهب يحيى بعد ذلك إلى ذلك المكان فلم يجده (1) . # ونادى المهدي في الأمصار بالأمان لعيسى بن زيد وبلغ عيسى (ع) فقال: (( ~~لئن أبيت خائفا ليلة واحدة أحب إلي من جميع ما بذل لي ومن الدنيا بأسرها )). PageV01P096 # وبقي عليه السلام متنكرا لا يعرفه أحد. وفي أحد مواسم الحج التقى بسفيان ~~الثوري وتذاكرا بعض مسائل العلم فقال سفيان: (( حب بني فاطمة والجزع لهم ~~مما هم عليه من الخوف والقتل والتطريد يبكي من في قلبه شيء من الإيمان )) ~~(1)، وقال له الحسن بن صالح يوما: (( متى تسوف الخروج وقد اشتمل ديوانك على ~~عشرة آلاف رجل )). فقال عيسى: (( ويحك أتكثر على العدد وأنا بهم عارف أما ~~والله لو وجدت فيهم ثلاثمائة رجل أعلم أنهم يريدون الله عز وجل ويبذلون ~~أنفسهم له ويصدقون للقاء عدوه في طاعته لخرجت قبل الصباح حتى أبلي عند الله ~~عذرا في أعداء ms074 الله وأجري أمر المسلمين على سنته وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولكن لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته لله عز وجل ويثبت عند اللقاء ~~)) (2). واضطره التنكيل وتضييق الخناق عليه أن يبقى متواريا حتى توفي في ~~سنة (166ه). وعندما علم المهدي بموته حمدالله وسجد لله شكرا!!. # الإمام الحسين بن علي الفخي (ع) # هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن (ع) لقب بالفخي (( لقتله في فخ )) ~~بين مكة والمدينة وورود الأثر بذلك كما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (( أنه انتهى إلى موضع فخ فصلى بأصحابه صلاة الجنائز ثم قال: (( يقتل ~~هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين ينزل عليهم بأكفان وحنوط من ~~الجنة تسبق أرواحهم أجسادهم )) (3) . # نبذة عن حياته PageV01P097 نشأ على العلم والتسامح والكرم وانطبعت فيه الصفات العلوية التي يتميزون ~~بها كالشجاعة، والأريحية، والمروءة، والعلم. وكان كآبائه الكرام كريما ينفق ~~ماله سرا وعلانية: ويتصدق بكل ما يملك، ويقترض المال ليعطي أصحاب الحاجات. ~~يروى أنه باع ضيعة له بأربعين ألف درهم. ثم وقف على باب داره يفرقها بين ~~أهل الحاجات. وقد اشتهر الحسين سلام الله عليه بالكرم. حتى عوتب في ذلك ~~فقال: (( والله ما أظن أن لي فيما أعطي أجرا )). # فقيل له كيف؟ فقال: إن الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ~~ولقد استوى عندي التراب والذهب. # ورث السماحة من أمه زينب بنت عبدالله بن الحسن (ع) التي فقدت أباها ~~وإخوتها وأعمامها وأقاربها أيام أبي جعفر المنصور فلم تذكره بسوء كراهة ان ~~تشفي نفسها بما يؤثمها بل كانت تقول: (( يافاطر السماوات والأرض ياعالم ~~الغيب والشهادة الحاكم بين عباده احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الحاكمين )) (1). # بواعث جهاده (ع) PageV01P098 لما ولي الخلافة موسى الهادي (1) ولى على المدينة عمر بن عبد العزيز بن ~~عبدالله بن عمر بن الخطاب وكان كارها لأهل البيت(ع)، فأنزل سخطه عليهم وضرب ~~بعضهم وحصرهم في المدينة وأخذ بعضهم بكفالة بعض وكان الحسن بن محمد بن ~~عبدالله بن الحسن في كفالة ms075 يحيى بن عبدالله (ع) والحسين بن علي وكان ~~يستعرضهم كل يوم، وفي يوم من الأيام غاب الحسن بن محمد عن العرض لبعض حاجته ~~(2) فأمرهم عمر بإحضاره فأخبروه أنه خرج لحاجته فقال: (( إن لم تحضروه ~~فوالله لأضربن الحسين ألف سوط، ولئن عثرت عليه لأقتلنه. فغضب يحيى(ع) وحلف ~~له وقال: (( لآتينك بالحسن هذه الليلة إن وجدته، أولآتينك إلى دارك حتى ~~تعلم بمجيئي )) (3) . # بيعة الحسين (ع) # كان ما يجري في المدينة على أهل البيت (ع) من الكبت والضغط والإرهاب ~~ومعاملتهم تلك المعاملة السيئة يعانيه ويقاسيه المستضعفون من المؤمنين في ~~الأمصار الأخرى. # وهذا ما وضع الحسين(ع) أما م مسؤلياته الملقاه على عاتقه، وأجبره على ~~إعلان دعوته ليحقق للأمة العدالة ويقيم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وبعد تلك الحادثة اجتمع أهل البيت (ع) وبعث الحسين إلى الحسن بن محمد ~~يخبره ويقول: (( يا ابن عم قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق فامض حيث ~~أحببت )). # فقال الحسن: (( لا والله يا ابن عمي بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في ~~يده )). فقال الحسين (ع): (( ما كان الله ليطلع علي وأنا جاء إلى محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو خصمي وحجيجي في دمك، ولكن أقيك بنفسي لعل الله أن ~~يقيني من النار )) (4) . PageV01P099 # اجتمع مع الحسين ستة وعشرون من أهل البيت (ع) ومواليهم منهم: يحيى وسليمان، ~~وإدريس بنو عبدالله بن الحسن، وإبراهيم بن إسماعيل، عبدالله بن جعفر بن ~~محمد. وانتظروا إلى الفجر ودخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وارتفع صوت المؤذن (( بحي على خير العمل )) وصلى الحسين (ع) بالناس صلاة ~~الفجر ثم صعد المنبر وقال: (( أيها الناس أنا ابن رسول الله، وعلى منبر ~~رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. أيها الناس: أتطلبون آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الحجر والعود تتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه )). # وأقبل الناس على بيعته وكان نص بيعته: (( أبايعكم على كتاب الله وسنة ms076 ~~رسول الله وعلى أن يطاع الله ولا يعصى وأدعوكم إلى الرضاء من آل محمد على ~~أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والعدل في ~~الرعية والقسم بالسوية وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فإن نحن وفينا ~~لكم وفيتم لنا. وإن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم )) (1) . # المواجهة مع العباسيين في المدينة # جمع خالد البربري (2) جيوش العباسيين وهجم على الحسين (ع) في المسجد يسبه ~~ويصيح في وجهه: (( قتلني الله إن لم أقتلك )) فما تحرك الحسين (ع) من ~~مكانه. وأراد خالد الدخول فانقض عليه يحيى وإدريس وقتلاه فتفرق أصحابه. ~~وكان مبارك التركي أميرا على الحجيج في هذه السنة وعلم ببيعة الحسين(ع) قبل ~~وصوله المدينة فأرسل إلى الحسين(ع) أن يرسل مجموعة من جنده في الليل لينهزم ~~لأنه لا يحب أن يبتلي به وفي الليل قدم عشرة من أصحاب الحسين(ع) يتظاهرون ~~بالهجوم ، فتظاهر مبارك بالإنسحاب إلى مكة. # في الطريق إلى مكة PageV01P100 تجهز الحسين (ع) للرحيل إلى مكة في أهله وأصحابه وبلغ عددهم عدد أهل بدر. ~~منهم أكثر من عشرين رجلا من أهل البيت (ع). وسار الجيش حتى وصل (( فخ )) ~~(1) فاعترضتهم القوات العباسية، فأمر الحسين (ع) رجلا من أصحابه ينادي على ~~الناس: (( يا معشر الناس يامعشر المسودة. هذا الحسين بن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وابن عمه يدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (2) . # المعركة الدامية # لم يستجب العباسيون لنداءات الحسين (ع)، وعبأ موسى بن عيسى أصحابه ومعه ~~من القواد: العباس بن محمد، وجعفر ومحمد ابنا سليمان ومبارك التركي ودارت ~~معركة (3) رهيبة هناك وقاتل الحسين (ع) وأصحابه قتالا شديدا وأظهروا صورة ~~رائعة في التضحية والفداء. ومن ذلك أن الحسن بن محمد أصيب بسهم في عينه ~~فتركه في عينه وجعل يقاتل أشد القتال حتى ناداه محمد بن سليمان: يا ابن خال ~~اتق الله في نفسك ولك الأمان فقال: (( والله مالكم أمان ولكني أقبل منك على ~~أن تمنعني مما تمنع منه نفسك فاعطاه محمد ms077 بن سليمان ذلك وأخرج السهم من ~~عينه وعصب عليها وأدخله عليهم. فصاح العباس بن محمد بابنه عبدالله قتلك ~~الله إن لم تقتله أبعد تسع جراحات تنتظر هذا. فقال موسى بن عيسى: إي والله ~~عاجلوه. فهجموا عليه وقتلوه. # وقاتل الحسين دون رهبة أو خوف من تلك الجموع وأصيب بضربة قطعت من جانبه ~~قطعة فذهب ودفنها ثم عاد للقتال وأصيب بطعنة، واستمر في القتال والدماء ~~تنزف منه ولم يستطيعوا مجاراته. فقال حماد التركي وكان راميا: أروني حسينا ~~فأروه ذلك فرماه بسهم فقتله. # ولم ينج من أصحاب الحسين(ع) إلا القليل وقعوا مع القتلى ثم خرجوا مع جنح ~~الليل المظلم واختلطوا بالحجيج. أما من أسر منهم فكان مصيرهم القتل. PageV01P101 # وبعد المعركة أحضرت الرؤوس إلى موسى بن عيسى وعنده موسى الكاظم فقال موسى ~~بن عيسى: أهذا رأس الحسين؟ فقال:(( نعم والله، إنا لله وإنا إليه راجعون ~~مضى والله مسلما صالحا صواما قواما آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ما كان ~~في أهل بيته مثله )). وظلت حثث القتلى ثلاثة أيام دون أن توارى حتى أكلتها ~~الحيوانات الضارية والطيور الجارحة (1) ولم يجرؤ أحد على مواراتها خوفا من ~~العباسيين! وعلم والي المدينه عمر بن عبدالعزير (2) بقتل الحسين(ع) فأحرق ~~داره ودور أهله وصادر أموالهم وممتلكاتهم (3). # وهكذا شهدت مكة مأساة من أكبر مآسي أهل البيت، وشهدت إراقة دمائهم مثلما ~~شهدت المدينة إراقة دماء النفس الزكية. # من بقي من أهل البيت (ع) بعد معركة فخ # كانت معركة (( فخ )) واستشهاد الحسين (ع) ضربة قاصمة للإسلام والمسلمين ~~وكان على علماء وزعماء أهل البيت(ع) بعدها مسئولية حمل ونشر الفكر الإسلامي ~~الأصيل وعلومه، وعليهم صيانته في هذه الظروف القاسية التي يمر بها الإسلام ~~فخرجوا مستترين في البلدان. فخرج يحيى بن عبدالله (ع) إلى اليمن ودخل صنعاء ~~وأخذ عنه علماؤها ثم انتقل إلى السودان وتنقل في البلدان ينشر علومه حتى ~~استقر أخيرا في الديلم. # وذهب إدريس بن عبدالله إلى المغرب وأقام الدولة الزيدية الإدريسية هناك ~~وسنتحدث عن ذلك في مقرر المرحلة الثالثة إنشاء الله. # وتفرق الباقون في ms078 الأمصار يحيون علوم أهل البيت(ع) ويحفظونها من التشويه ~~والتحريف يبذلون في سبيل ذلك نفوسهم وأرواحهم. # الإمام يحيى بن عبد الله (ع) PageV01P102 كان قد خرج (ع) متواريا مثخنا بجراحاته بعد معركة فخ كما تقدم يجوب بعلمه ~~الآفاق فدخل صنعاء وأخذ عنه علماؤها (1) وبقي متنقلا في البلدان يفيد الناس ~~بعلمه ومعارفه، ولكن العباسيين ضيقوا الخناق عليه وعلى أتباعه، وطاردوهم في ~~كل مكان وألجأوه إلى بلاد الترك فدخلها وتوصل إلى ملك الترك (( خاقان )) ~~فأكرمه هو وأصحابه فدعاه يحيى (ع) إلى الإسلام فأسلم على يديه سرا. # وعلم الرشيد بمكانه فأرسل رسولا يسمى (( النوفلي )) وطلب تسليم يحيى (ع) ~~فرفض ملك الترك وقال: (( لا أفعل ولا أرى في ديني الخدع والمكر، وهو رجل من ~~ولد نبيكم، شيخ، عالم، زاهد، قد أتاني والتجأ إلي وهرب منكم، وهو عندي عزيز ~~مكرم )) (2) . # بيعته (ع) # بقي (ع) في بلاد الترك يبث دعوته ووردته بيعة مائة ألف رجل من مختلف ~~الأمصار الإسلامية ثم خرج إلى بلاد الديلم وقبل خروجه قال له خاقان: (( لا ~~تخرج فلك عندي ما تريد )) فأجابه يحيى بأن واجبه الإسلامي في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر قد تحتم عليه، وأنه يجب عليه أن يجاهد في سبيل ~~الله وقال: (( لا يسعني المقام في ديني وقد بايعني أهل المشرقين والمغربين ~~وخراسان ووردت كتبهم علي )) (3) وودعه وخرج إلى جبال الديلم وأسلم على يديه ~~جمع كبير وبث دعاته هناك وكان قد ورد عليه كتب بيعة ما ئة ألف رجل كما ~~تقدم قلم يحضر منهم سوى سبعين رجلا. # بعض من بايعه من العلماء: # بايعه علماء عصره ومنهم : مخول بن إبراهيم، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، ~~وعبدربه بن علقمة، وبشر بن المعتمر، ومحمد بن إدريس الشافعي (4) PageV01P103 وغيرهم. # محاولات الرشيد السياسية # استشار الرشيد يحيى بن خالد البرمكي في أمر يحي بن عبدالله فأشار عليه ~~بإرسال ابنه الفضل لقتاله فولاه الرشيد تلك الجهة وأعطاه الهدايا والأموال ~~وجهزه بجيش قوامه خمسون ألف رجل، فتوجه الفضل إلى ملك الديلم (( جستان )) ~~وأعطاه الهدايا والأموال وطلب منه تسليم يحيى بن ms079 عبدالله (ع) فامتنع جستان ~~عن تسليمه. من جانب آخر كتب الفضل رسالة إلى يحيى (ع) يعرض عليه الأمان ~~ويحذره إن لم يستجب فأجاب عليه يحيى (ع) يذكره بمصير أولئك الذين منحهم ~~العباسيون الأمان قبله فكان مصيرهم القتل، ولم يقبل (1) أمانه. # دور علماء السوء # كان هارون الرشيد قد بعث مع الفضل كتابا إلى يحيى إن امتنع جستان من ~~تسليمه فيه الأمان الموثق وفيه من الإغراءت الشيء الكثير، فرد يحيى(ع) على ~~كتاب هارون الرشيد. ولما ورد كتاب يحيى (ع) (2) على هارون الرشيد جمع أهل ~~الرأي واستشارهم فقال أبو البختري ((وهب بن وهب )) وكان من قضاته علي أن ~~أحتال في ذلك حتى تستلم يحيى من جستان. فقال هارون: كيف ذلك؟ قال: اجمع من ~~وجوه أهل قزوين وزنجان والري وأبهر وهمذان وعلمائها من قدرت عليه ويشهدون ~~عند جستان أني قاضي القضاة فأشهد أن يحيى لك عبد ويشهدون وأنا لك بالخلافة ~~(3)، ففرح الرشيد وأعطاه ثلاثمائة ألف درهم وعينه قاضيا للقضاة. # المسير إلى ملك الديلم PageV01P104 جمع الرشيد من تلك الجهات ألفا وثلاثمائة عالم وأخبرهم بمهمتهم وهدد من ~~امتنع منهم بضرب عنقه وتوجهوا مع الفضل إلى جستان وكان الفضل قد عرف أن ~~امرأة جستان غالبة عليه فأرسل لها الهدايا والأموال فأشارت على زوجها ~~بتسليمه وتقدم الفضل بالشهود والأموال لجستان. فقال جستان: (( يا يحيى ما ~~وجدت أحدا تخدعه بدعوتك غيري؟ )) فقال له يحيى(ع): (( أيها الرجل إن لك ~~عقلا فاجعله حكما دون هواك لو أني كنت عبدا كما قالوا ما وجهوا إليك بهذا ~~المال ولا وجهوا هذا الجند العظيم وأنفقوا هذا المال الجسيم لأجل عبد هرب، ~~ولا جمعوا من وجوه هذه الأمصار من ترى ليشهدوا عندك بالزور فابعث من تثق به ~~ليسأل عني في هذه الأمصار وفي غيرها من أنا حتى تكون على يقين من أمرك )) (1) . # فقال له جستان وقد غلبت عليه امرأته وطمع في كثرة الأموال المبذولة: (( ~~هذا يطول، ما كان هؤلاء ليشهدوا عندي بالزور )). فقال يحيى (ع): (( إنهم ~~مكرهون على الشهادة وإن من أبا منهم قتل فاجمع ms080 بيني وبينهم ))!. # مقابلة العلماء # التقى يحيى (ع) بالعلماء وخطبهم خطبة طويلة ذكرهم بمنزلة أهل البيت (ع) ~~فيهم وما حل بهم من التشريد والقتل وقال في آخرها: (( فصرنا طريدة لكم من ~~دار إلى دار، ومن جبل إلى جبل، ومن شاهق إلى شاهق، ثم لم ينفعكم ذلك حتى ~~أخرجتمونا من دار الإسلام إلى دار الشرك، ثم لم ترضوا بذلك من حالنا حتى ~~تداعيتم علينا معشر العرب خاصة من دون العجم من جميع الأمصار والمداين ~~والبلدان فخرجتم إلى دار الشرك طالبين لدمائنا دون دماء أهل الشرك تلذذا ~~منكم بقتلنا وتقربا إلى ربكم باجتياحنا. زعمتم أن لا يبقى بين أظهركم من ~~ذرية نبيكم عين تطرف ولا نفس تعرف، ثم لم يقم بذلك منكم إلا أعلامكم ~~ووجوهكم وعلماؤكم وفقهاؤكم والله المستعان )) (2) # موقف العلماء PageV01P105 بكى القوم من مقالة يحيى (ع) وتشاوروا فيما بينهم وصمموا على عدم الشهادة ~~غير أن أبا البختري قال: (( هذا يحيى قد دخل الديلم ويريد أن يقاتل بأهل ~~الشرك أهل الأسلام وقد جازت الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب، وقد رأينا ~~أن يحيى عبد لأمير المؤمنين نطلب بذلك الثواب عند لله تعالى. وأعاد عليهم ~~قراءة الكتاب وما فيه لمن أبى الشهادة، وصاح فيهم ما تنتظرون خدعكم ~~فانخدعتم وملتم معه على أمير المؤمنين، والله لئن امتنعتم من الشهادة عليه ~~لتقتلن عن آخركم ولتسبين ذراريكم ولتؤخذن أموالكم (1) . # وتقدموا بالشهادة أن يحيى عبد لهارون الرشيد. فقال جستان: (( هل بقي لك ~~عذر؟ )) قال يحيى (ع): بكاؤهم وترددهم. ولكن يحيى (ع) أيقن أنه سيسلم لا ~~محالة. فقال لجستان: (( إن أبيت إلا غدرا فانظرني آخذ لي ولأصحابي الأمان ~~على نسخة أنسخها وأبعثها إلى هارون حتى أكتب إقراره بخطه وجميع الفقهاء ~~والعلماء والمعدلين )). فوافق جستان على ذلك. # الأمان # كتب يحيى (ع) نسخة الأمان على لسان هارون الرشيد لا ينقضه أو يبطله وله ~~أن يذهب حيث شاء هو وأصحابه وإن نوى هارون الخديعة أو نقضه فهو مخلوع من ~~إمرة المؤمنين، والأمة منه بريئة وكل ما يملك صدقة، وعليه طلاق نسائه وعتق ms081 ~~مواليه، والله كفيل وشهيد عليه في هذا الأمان (2).وأرسلت نسخة الأمان إلى ~~هارون ففرح بها وطيف بها على العلماء فوثقوها جميعا، وكان الأمان نسختين ~~أعطي هارون الرشيد نسخة، وبقيت نسخة منه مع يحيى(ع). # رحيل يحيى (ع) من الديلم # وصل الأمان إلى يحيى(ع) موقعا موثقا بشهادة الفقهاء والعلماء فانفصل عن ~~جستان بأصحابه، ولما دنا من الفضل تلقاه وترجل له وقبل ركابه بمرأى من ~~جستان فندم وأخذ ينتف لحيته ويحثو التراب على رأسه تلهفا وتحسرا على عمله ~~وتهاونه فقام عليه بنو عمه وقتلوه. PageV01P106 # قدم يحيى (ع) بأصحابه مع الفضل بن يحيى إلى بغداد واستقبله هارون الرشيد ~~وأكرمه وأقام مدة في بغداد، ثم استأذن هارون الرشيد أن يذهب إلى المدينة ~~فأذن له وأقام (ع) بالمدينة فتضايق من إقامته عبدالله بن مصعب الربيري، ~~وأبو البختري ومعهم مجموعة، ففكروا في طريقة للخلاص من الإمام يحيى بن ~~عبدالله (ع) فسعوا به إلى الرشيد وكتب مصعب إليه: (( إنا كنا نظن أن ليس في ~~الإسلام إلا خليفة واحد، ثم الآن قد صار عندنا خليفة )). # وعندما وصل كتاب مصعب إلى الرشيد. صادف هوى في نفسه، فطلب يحيى (ع) وأمره ~~بالمثول بين يديه، وعندما وصل يحيى(ع) إلى هارون حبسه في سرداب عند خادمه مسرور. # يحيى (ع) في السجن # لقي (ع) من العناء الكثير داخل سجنه ولكنه اتخذ من سجنه مسجدا للعبادة ~~والخشوع. فكان يسجد بعد صلاة العشاء ولا يقوم من تلك السجدة إلا وقت الفجر. # وكان هارون يصعد بعض الليالي إلى سطح قصره ليشاهد النور المنبعث من سجن ~~يحيى(ع) وفي ليلة من الليالي دعا الرشيد (يحيى بن خالد البرمكي) وصعدا إلى ~~سطح القصر فقال هارون ليحيى: (( انظر هل ترى هناك شيئا في ذلك الدار؟ )) ~~فذهب يحيى ليرى وعاد فقال هارون: (( ماذا رأيت؟ )) قال يحيى: ((رأيت بياضا ~~)) فسكت هارون وأمر يحيى بالجلوس فجلسا يتحدثان إلى طلوع الفجر فلما كان ~~عند الطلوع قال هارون: (( اذهب إلى ذلك المكان وانظر هل ترى شيئا )) ؟ فذهب ~~يحي وعاد وقال: (( لست أراه )) فقال هارون: (( ذلك يحيى ms082 بن عبدالله إذا فرغ ~~من صلاة العتمة سجد فلا يزال ساجدا حتى يقوم لصلاة الغداة (1) . PageV01P107 # ويروى أن الرشيد قال يوما لخادمه مسرور اذهب وانظر ماذا يفعل يحيى؟ فذهب ~~مسرور إلى السجن ووجد يحيى (ع) يعد طعامه فأخبر هارون بذلك. فقال اذهب وقل ~~له: (( اطعمنا من قدرك )) وذهب مسرور إليه واخبره بطلب هارون. فأفرغ يحيى ~~(ع) قدره في وعاء وأعطاه مسرورا. فذهب به إلى الرشيد بين مائدته فأعرض عنها ~~وأقبل يأكل طعام يحيى (ع) حتى جاء على آخره ومسح بلقمته آخر بصلة كانت قد ~~علقت في الوعاء. # ثم أعطى مسرورا مائة من أثوابه وأمره أن يذهب بها إلى يحيى (ع) فذهب ~~وعرضها على يحيى (ع) فرفضها جميعا وقال: (( قل لأمير المؤمنين هذا لباس أهل ~~العافية ولست من أهلها فليس بي حاجة إليها وإذا رأيت أن تذكر ما أنا فيه من ~~الضيق وتسأله الصفح والتفضل فافعل )). فقال مسرور: (( لا ولا كرامة لك لست ~~لذلك بأهل )) وانصرف وأخبر هارون بإجابة يحيى(ع) عندما عرض عليه الثياب ~~فبكى هارون فأخبره مسرور بطلب يحيى (ع) فغضب هارون وتغير وجهه وقال: (( ~~ويحك بماذا أجبت؟ )) فأخبره مسرور بالأجابة فهدأت ثورته وقال: ((احسنت بارك ~~الله فليك )). # وكان هارون الرشيد يخرجه إلى مجلسه عدة مرات للمناظرة والمعاتبة وشدد ~~عليه أن يعطية أسماء أصحابه السبعين (1) الذين اشترط لهم الأمان فقال: (( ~~يا أمير المؤمنين أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان، أفتريد أن ~~أدفع إليك قوما تقتلهم معي لا يحل لي هذا (2) . PageV01P108 # وفي جلسة من جلسات المناظرة تلك قال مصعب الزبيري: إني يا أمير المؤمنين قد ~~تكدر عيشي وساء ظني وأقسم ما بقيت آمن عليك زوجك ولا ولدك ولا أم ولدك ولا ~~أحدا من حاشيتك! قال هارون: (( وما ذاك؟ )) قال: (( لأن يحيى دعاني إلى ~~بيعته )). فأخرج هارون الرشيد (يحيى عليه السلام) وجمعه بالزبيري فقال يحيى ~~(ع) لهارون: (( لقد جاء بقول لو قيل لمن هو أقل منك فيمن هو أكبر منك لما ~~أفلت )) (1) ولكني أباهله وأحلفه على قوله ودعواه علي. # وتقدم ms083 يحيى(ع) وحلف الزبيري اليمين المعروفة بالزبيرية ونصها: (( برئت من ~~حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله ~~استكبارا على الله، واستغناء عنه، واستعلاء عليه ))(2). وتردد مصعب في ~~الحلف فقال الرشيد للفضل بن الربيع: (( ويحه لماذا لا يحلف؟ )). # فرفسه الفضل وصاح به أن يحلف. فحلف الزبيري. فضرب يحيى (ع) بين كتفيه ~~وقال: (( يا ابن مصعب قطعت والله عمرك )). # وكانت نهاية مصعب سيئة فقد تمزق لحمه وأصيب بالجذام، وانخسف به قبره على ~~اختلاف رواية موته. # وأعاد الرشيد يحيى (ع) إلى سجنه رغم ما حدث في حادثة الزبيري من عبرة ~~وعظة له وشدد عليه في السجن حتى تفحم لسانه ولم يستطع أن يتكلم. # نقض الأمان # علماء البلاط والسلاطين هم الذين يزينون ويحلون للحكام ما يريدون ويتخذون ~~من الإسلام واسمه صورا لفتاوى وأحكام ما أنزل الله بها من سلطان. وقد علمنا ~~كيف مثل أبو البختري ذلك الدور أمام هارون الرشيد وحان الآن دوره ليستخدم ~~القضاء في نقض أمان يحيى بن عبدالله (ع) وكان يحيى (ع) قد عرضه على جميع ~~العلماء والفقهاء وأكدوا صحته ووثقوه وأكدوا أنه لا يمكن نقضه. PageV01P109 # أراد هارون الرشيد الخلاص من يحيى (ع) ولكي يتجنب نقمة الجماهير استخدم ~~عالم السوء (( أبا البختري )) لتحقيق غرضه وجمع هارون العلماء والفقهاء ~~وعرض عليهم الأمان فمر الأمان على محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف فقال: (( ~~هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه ولا سبيل إلى نقضه ولو ألجئت إلى أن أكتب مثله ~~لما أحسنت فمن نقضه فعليه لعنه الله )): فرماه الرشيد بدواة شجته. # ثم مر على الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال بصوت ضعيف: (( هو أمان صححه ~~الفقهاء كافة )). فأعطوا الأمان أبا البختري وهب بن وهب فقال: (( هو ~~منتقض ودمه في عنقي )) فقال الرشيد: (( أنت قاضي القضاة مزقه إن كان باطلا ~~)) فقال:(( مزقه يا أبا هشام )) يريد مسرورا خادم هارون فقال : (( بل ~~مزقه أنت)) فأخذ سكينا ومزقه ويده ترتعش (1) . # النهاية المؤلمة # أعطى أبو البختري الضوء الأخضر لهارون الرشيد لقتل يحيى(ع) فشدد عليه ~~والقاه ms084 في حديقة مليئة بالسباع المجوعة فأمسكت عن أكله ولا ذت بناحيته ~~وهابت الدنو منه. # ثم إن هارون قلل عليه الطعام إلى النصف وتكرر ذلك حتى مات. # وقد اختلف المؤرخون في قصة موته (ع) هل مات من الجوع والعطش أم من الضرب ~~عندما كان يضرب مائة سوط كل يوم؟ أم سقي بالسم؟ أو بني عليه وعلق برقبته؟ ~~وكيفما كان موته فقد ذهب شهيدا وسجل هارون بقتله يحيى (ع) صورة من أشنع صور ~~الغدر والخيانة في تاريخ الإسلام. # وكان (ع) قبل موته قد كتب ورقة دفعها إلى يحيى البرمكي يسلمها لهارون عند ~~موته فيها: (( بسم الله الرحمن الرحيم. يا هارون المستعدي قد تقدم، والخصم ~~على الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بينة )) (2) . # من المآسي الأخرى في عصر الرشيد # كما هو معروف فإن هارون الرشيد ابتعد عن قتل أهل البيت (ع) بصورة ظاهرة ~~حتى لايهيج طبقات المجتمع عليه وعدل إلى المكر والخديعة في القضاء على أهل ~~البيت (ع) ومن هؤلاء: PageV01P110 # عبدالله بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين (( الملقب بالأفطس )) أخذه هارون ~~الرشيد فقال: ياأمير المؤمنين ليس لي هذا الأمر نشدتك الله في دمي أنا غلام ~~نشأ بالمدينة يسعى على قدميه يتصيد طعامه ما هممت بغير ذلك. فرفض هارون ~~وحبسه عند جعفر البرمكي. وفي عيد النيروز (1) قدم جعفر رأسه هدية لهارون (2). # واستطاع هارون أن يسم الإمام إدريس بن عبدالله في المغرب والذي سنتحدث ~~عنه في مقرر المرحلة الثالثة كما ذكرت سابقا. # وقضى على موسى (( الكاظم(ع) )) وذلك عندما زار قبر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قام عند رأسه وقال: (( يا رسول الله إني أعتذر إليك أريد أن آخذ ~~موسى بن جعفر لأني أخاف أن يشق عصاء هذه الأمة ))!! وأخذه وحبسه وبعد الحبس ~~الطويل أمر بقتله دهسا بالأقدام. وظل هارون على سياسته تلك حتى مات وقد روى ~~الأرض بالدماء العلوية الزكية! ومن بعده تنازع ولداه [المأمون، والأمين] ~~الخلافة واستطاع المأمون أن يصل إليها بعد قتل أخيه الأمين فأمسك زعماء ~~ثورته بالدولة ، واستأثر الفضل بن ms085 سهل بالوزارة وسيطر طاهر بن الحسين على ~~جزء من المدن وسيطر هرثمة بن أعين على جزء آخر ورغم ما حمله المأمون من أدب ~~وفقه فقد كان له منادمات عديدة مع جلسائه وعاش الناس في عصره حالة من ~~الإضطراب والفساد (3). # الإمام محمد بن إبراهيم(ع) # بداية الدعوة # هو محمد بن إبراهيم الغمر بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الشبه بن الحسن ~~الرضا بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين عليهم السلام. # كان (ع) يعاني ويعاسي أوضاع الظلم والفساد المسيطرين على الأمة ويستعرض ~~تاريخ آبائه والمؤمنين من أشياعهم فيراهم قد ذهبوا جميعا فداء لعقيدتهم ~~ودينهم فأخذ يتقرب من الناس يتحسس مشاكلهم وآلامهم وينشر علمه بينهم. PageV01P111 # وفي أحد المواسم خرج نصر بن شبيب حاجا وسأل عمن بقي من زعماء أهل البيت ~~فقيل: عبدالله بن موسى بن عبدالله، وعبيدالله بن الحسن بن علي بن ~~الحسين(ع)، ومحمد بن إبراهيم(ع). وكان عبيدالله مشغولا بالعبادة لا يدني ~~منه أحد، وموسى خائف مطلوب، فذهب نصر إلى محمد بن إبراهيم (ع) وبايعه ووعده ~~النصر مع قبيلته. # ولما انقضى موسم الحج ذهب إليه محمد بن إبراهيم (ع) في الجزيرة وعرض نصر ~~البيعة على قومه فترددوا وأثنوا نصرا عن رأيه فذهب يعتذر لمحمد (ع) فغضب ~~(ع) وعاد إلى الحجاز. # أبو السرايا # لقي محمد (ع) في طريق عودته أبا السرايا أحد قواد المأمون سابقا واسمه ~~(السري بن منصور الشيباني) وكان قد نابذ المأمون وخرج بأهله وغلمانه (1) ~~وأخبره محمد (ع) بقصته ودعاه إلى بيعته فأجابه أبو السرايا وقال لمحمد بن ~~إبراهيم (ع): انحدر إلى الفرات حتى أوافي على ظهر الكوفة وموعدك الكوفة. # محمد (ع) في طريقه الكوفة # توجه محمد(ع) إلى الكوفة وبايعه العلماء واجتمع إليه خلق كثير وبقي في ~~الكوفة ينتظر موعد أبي السرايا. وفي أحد الأيام خرج يتمشى في شوارع الكوفة ~~فرأى عجوزا تتبع أحمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها ~~فسألها عما تصنع؟ فقالت: (( إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي ولي بنات لا ~~يعدن على أنفسهن بشيء فأنا أتبع مثل ms086 هذا من الطريق وأتقوته أنا وولدي )). ~~فبكى (ع) بكاء شديدا وقال: (( أنت والله وأشباهك تخرجونني غدا حتى يسفك دمي (2). # الإمام (ع) في الكوفة PageV01P112 بقي الإمام محمد بن إبراهيم (ع) يدعو الناس في الكوفة إلى اليوم الذي واعد ~~فيه أبا السرايا على الخروج فظهر وخرج إلى خارج الكوفة وتأخر أبو السرايا ~~حتى لام محمدا أصحابه فاغتم لذلك، وبينما هم في حالتهم تلك. إذ طلع عليهم ~~أبو السرايا وأقبل على محمد وعانقه. وقال: (( يا ابن رسول الله ما يقيمك ~~هاهنا؟ ادخل البلد فما يمنعك منه أحد. فدخل محمد وأصحابه وخطب الناس ودعاهم ~~إلى بيعته وإلى الرضا من آل محمد والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسيرة بحكم الكتاب ~~والسنة )) (1) . وبايعه الناس وازدحموا على بيعته في موضع يعرف ب(قصر ~~الضرتين) الذي ورد فيه الأثر عن جعفر الصادق(ع) وزيد بن علي (ع) أنه يبايع ~~لرجل من أهل البيت عند قصر الضرتين يباهي الله به الملائكة (2) . وكانت ~~البيعة في جماد الأولى سنة(199ه). # المواجهة مع العباسيين # وجه محمد بن إبراهيم (ع) دعوته إلى والي الكوفة الفضل بن العباس بن عيسى ~~بن موسى فلم يستجب لذلك وخندق حول داره، فأنفذ إليه محمد (ع) أبا السرايا ~~وأمره أن يدعوه ولا يبدأه بقتال فدعاهم أبو السرايا فلم يستجيبوا ورموه ~~بالسهام حتى قتل رجل من جنده، فأمره محمد (ع) بالقتال فقاتلهم وهرب الفضل ~~إلى بغداد واستنجد بالحسن بن سهل فوعده النصر ثم دعا أحد القواد العباسيين ~~البواسل وهو (زهير بن المسيب) وأمده بالأموال وجهزه بجيش قوامه عشرة آلاف ~~رجل ووجهه إلى الكوفة. # تقابل الفريقان عند قنطرة الكوفة فجمع أبو السرايا جيشه ورتبهم وباتوا ~~ليلتهم تلك بين التسبيح والدعاء وذكر الله سبحانه وتعالى وأبو السرايا ~~يحثهم على الصبر والجهاد. # وأقبل أهل العراق يصيحون في أهل الكوفة بأبشع الألفاظ. (( يا أهل الكوفة ~~زينوا نساءكم وأخواتكم وبناتكم للفجور والله لنفعلن كذا وكذا )) ولايكنون (3) . PageV01P113 # طلع الصباح فلم يبدأهم أبو السرايا بقتال فخرج رجل من ms087 أهل بغداد يشتم ويسب ~~أهل الكوفة ويكرر نداءه البذيء. فألقى رجل من أهل الكوفة نفسه في الفرات ~~وسبح حتى وصل إليه فصرع البغدادي وقتله وسبح به حتى أخرجه إلى الكوفة ~~فارتفعت أصوات الناس بالحمد والثناء لله. # وخرج رجل آخر يشتم أبا السرايا وهو صامت فلما اراد أن ينصرف هجم عليه أبو ~~السرايا وقتله وأكمل هجومه حتى خرج من خلف المعسكر ثم رجع حتى عاد إلى ~~أصحابه. # ثم وجه أبو السرايا غلاما له مع بعض الجنود وأمرهم بالخروج إلى خلف ~~المعسكر ثم يحمل عليهم لا يكترث. ومضى الغلام ومن معه. ووقف أبو السرايا ~~على فرسه ينتظر إلى أن اطمئن أن الغلام انتهى إلى الكمين الذي حدده له فقنع ~~فرسه وصاح: (يا أهل الكوفة احملوا عليهم) وأشار بيده في اتجاه غلامه الذي ~~بعثه، وهجم على العباسيين ودارت معركة رهيبة انهزم فيها العباسيون ولا ذوا ~~بالفرار وأبو السرايا يتبعهم حتى صاح زهير أتريد هزيمة أكثر من هذه فكف أبو ~~السرايا عن ملاحقته ودخل الكوفة بغنائم كثيرة. وعاد زهير إلى بغداد مستخفيا ~~وعلم (الحسن بن سهل) بالهزيمة فغضب على زهير غضبا شديدا وأمر بإحضاره ~~وعندما مثل أمامه ضربه بعمود من حديد على وجهه فشتر إحدى عينيه وأراد قتله ~~لولا أن تشفعوا فيه. # معاودة الهجوم # قرر الحسن بن سهل معاودة الهجوم مرة أخرى فاستدعى القائد العباسي (عبدوس ~~بن عبد الصمد) وجهز له جيشا من الفرسان والأبطال وأغدق عليهم الأموال وأمره ~~بالتوجه إلى الكوفة من غير الطريق التي انهزم فيها العباسيون حتى لا ~~يشاهدوا جثث قتلاهم فيجبنوا عن القتال. PageV01P114 # وسار عبدوس بالجيش وهو يحلف أن يبيح الكوفة ويقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ~~وجد في سيره حتى وصل جامع الكوفة وعلم أبو السرايا بالخبر فصلى بالناس ~~الظهر وأخذ الفرسان والأبطال من جيشه وتوجه إلى الجامع فلما قرب منه قسمهم ~~إلى ثلاث فرق وجعل شعارهم: (يا فاطمي يامنصور) وهجموا على العباسيين من ~~جميع الجهات فانهزموا وتهافتوا إلى الفرات طلبا للنجاة فغرق منهم الكثير ~~ودخل أبو السرايا على عبدوس في ms088 رحبة الجامع فكشف خوذته عن رأسه وصاح: (( ~~أنا أبو السرايا أسد بني شيبان )) وهجم على عبدوس فهرب منه فتبعه وضربه على ~~رأسه ضربة فلقت هامته فخر صريعا من على فرسه وعاد أبو السرايا منتصرا إلى ~~الكوفة. # موت الإمام محمد (ع) # كان الإمام (محمد بن إبراهيم عليه السلام) قد أصيب في إحدى الوقعات ~~واشتدت عليه علته فلم يستطع أن يشارك في تلك المعركة. وعاد إليه أبو ~~السرايا يبشره بالنصر على عبدوس فلامه على عدم دعوته لهم فقال أبو السرايا: ~~(يا ابن رسول الله تدبير الحرب أوجب هذا، ولن أعود إلى مثلها) ورأى في وجه ~~محمد(ع) الموت فقال أبو السرايا:(يابن رسول الله كل حي ميت وكل جديد بال ~~فاعهد إلي بعهدك). # قال: (( أوصيك بتقوى الله، والمقام على الذب عن دينك ونصرة أهل بيت نبيك، ~~فإن أنفسهم موصولة بنفسك، وول الناس الخيرة منهم فيمن يقوم مقامي من آل علي ~~فإن اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيدالله فإني قد بلوت طريقته، ورضيت دينه ~~)) (1) . # وارتفعت روحه الطاهرة إلى بارئها وكتم أبو السرايا خبر موته عن العامة ~~لئلا يختلفوا عقب النصر الذي أحرزوه. وفي الليل خرج به مع بعض رجال من ~~الزيدية ودفنه في الغري وكان ذلك في أول رجب سنة(199ه). # الإمام محمد بن محمد بن زيد بن علي (ع) PageV01P115 جمع أبو السرايا الناس في اليوم الثاني ونعى محمدا وأخبرهم بوصيته فنظر ~~بعضهم إلى بعض ولم يتكلم أحد فقام محمد بن محمد بن زيد وعمره لم يتجاوز ~~الثامنة عشرة سنة وقال: (يا آل علي فات الهالك فنجا، وبقي الباقي فلزمه ~~النظر إلى دين الله، إن دين الله لا ينصر بالفشل، وعدوا الله لا يدفع ~~بالتخاذل، ثم التفت إلى علي بن عبيدالله وقال: فما تقول يا أبا الحسن فقد ~~رضيناك وقبلنا وصية أبي عبدالله (ع) أمدد يدك نبايعك؟ فقال علي (ع): ما أرد ~~وصيته تهاونا بأمره، ولا أدع القيام بهذا الأمر نكولا عنه، ولكني أتخوف أن ~~أنشغل به عن غيره) (1) . وطلب من محمد بن محمد قبول البيعة، ms089 وسأل أبو ~~السرايا عن رضاه فقال: رضاي رضاك، وقولي قولك، فجذبوا يد محمد بن محمد بن ~~زيد(ع) وبايعوه جميعا. # بعد ذلك بعث محمد بن محمد بن زيد (ع) ولاته على الأمصار فتوجه إبراهيم بن ~~موسى بن جعفر إلى اليمن وتوجه الحسن بن الحسن بن الأفطس إلى مكة وتوجه زيد ~~بن موسى بن جعفر إلى الأهواز وتوجه العباس بن محمد إلى البصرة ودانت له تلك ~~الأمصار، وردت عليه كتب أهل الشام والجزيرة أنهم ينتظرون من يوجه إليهم ~~رسولا يسمعون له ويطيعون (2). # موقف الحسن بن سهل # كان الحسن بن سهل كما تقدم قد استأثر بالوزارة فلم يبق للمأمون معه ~~سلطة تذكر، وعظم عليه أمر الدعوة الهاشمية والهزائم المتلاحقة التي مني ~~بها، فرأى أن يتصل بقائدي ثورة المأمون على أخيه. طاهر بن الحسين، وهرثمة ~~بن أعين. # فأرسل إلى طاهر بن الحسين يطلبه النصر فرفض طاهر ورد عليه بكتاب فيه ~~أبيات يقول بعضها: # قناع الشك يكشفه اليقين # تثبت قبل ينفذ منك أمر # أتندب طاهرا لقتال قوم # وأفضل كيدك الرأي الرصين # يهيج بشره داء دفين # بنصرتهم وطاعتهم يدين # إلى آخرها (3) . PageV01P116 # فعدل الحسن بن سهل إلى هرثمه بن أعين وأرسل له رسالة مع السندي بن شاهك ~~يطلب منه أن ينسى ما كان بينهما من عداوة ويلحق به إلى بغداد للقضاء على ~~أبي السرايا، وقرأ هرثمه الكتاب وتغيظ وقال: نوطيء نحن الخلافة ونمهد لهم ~~أكتافها ثم يستبدون بالأمور ويستأثرون بالتدابير علينا فإذا انفتق عليهم ~~فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور أرادوا أن يصلحوه بنا، لا والله ولا ~~كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين سوء آثارهم وقبيح أفعالهم (1) . # ثم إن المنصور بن المهدي أرسل كتابا إلى هرثمة بن أعين يستحثه على الخروج ~~فقفل راجعا إلى بغداد فتلقاه أولياء الدولة العباسية وفرحوا بقدومه # إعداد الجيش # نقل الحسن بن سهل كل دواوين الجيش إلى هرثمة بن أعين وفتح له بيوت ~~الأموال يتصرف فيها كيف شاء فأعد هرثمة جيشا قوامه ثلاثون ألف مقاتل جهزه ~~بكل ما يحتاج إليه ونادى بالرحيل إلى الكوفة. # المواجهة ms090 بين الجيشين # وصل الجيش العباسي إلى الكوفة بعد مناوشات عدة وقعت بين أبي السرايا ~~والجنود العباسيين ولما علم أبو السرايا بمصيرهم إلى الكوفة تجهز للقائهم. PageV01P117 # ولكن العباسين قطعوا عليهم نهر الكوفة فعظم على أبي السرايا وأصحابه ذلك ~~وتجهزوا لمنازلة هرثمة وجنوده، بيد أن الحاجز الذي عمله العباسيون انبثق ~~فعاد الماء. ثم دارت أولى المعارك بين الفريقين انهزم فيها العباسيون ~~وعبروا الفرات فعاد أبو السرايا إلى الكوفة وعلم من عيونه أن هرثمة يريد ~~معاودة الهجوم عليه في سبعة ذي القعدة فخرج بالناس إلى الرصافة. وأقبلت ~~الجنود العباسية ودارت معركة رهيبة كان فيها أبو السرايا كالأسد الهادر ~~وانهزم العباسيون وأسر عبد سندي (هرثمة بن أعين) ولم يعلم أبو السرايا بأسر ~~هرثمة وصاح أبو السرايا في جنوده: لا تتبعوهم، واحذروا كرتهم بعد الفرة فإن ~~العجم قوم دهاة. ولكن لم يستمع له أصحابه فتبعوا القوم وكان عبدالله بن ~~الوضاح قد بقي ومعه خمسة آلاف جندي خلف القوات العباسية، ولما عرف الهزيمة ~~وصياح الناس: قتل الأمير، قتل الأمير. ثبت ومعه طائفة من المنهزمين وكروا ~~على أهل الكوفة وهم مشغولون بالأسرى والغنائم فوجدوا هرثمة أسيرا فقتلوا ~~العبد وفكوا أسره، وعادوا إلى معسكرهم وبقيت الحرب بعد ذلك بينهم فترات ~~متقطعة عدة أيام. # هجوم أبي السرايا # وبعد ذلك بعث أبو السرايا أحد قواده وهو (علي بن محمد البصري) ووجهه في ~~خيل خلف معسكر هرثمة وهجم هو من الأمام وأحاطوا بالعباسيين فأيقن هرثمة ~~بالهزيمة فصاح: (( يا أهل الكوفة اتقوا الله في دمائنا ودمائكم، إن كان ~~قتالكم إيانا كراهة لإمامنا فهذا المنصور بن المهدي رضا لنا ولكم نبايعه، ~~وإن كرهتم إلا إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم، واتفقوا معنا يوم ~~الإثنين نتناظر فمن وجبت له الحجة بايعناه جميعا، ولا تقتلونا وأنفسكم )) (1). PageV01P118 # كان هذا الشعار من نوع الشعار الذي رفعه عمرو بن العاص ومعاوية أيام صفين ~~عندما أيقن بالهزيمة. ولذلك نادى أبو السرايا أصحابه قائلا: (ويحكم إن هذه ~~حيلة من هؤلاء الأعاجم، وليسوا بأهل دين ولا تحر لصلاح الأمة وإنما ms091 أيقنوا ~~بالهلاك فاحملوا عليهم). فامتنعوا وقالوا: لا يحل لنا قتلهم فقد أجابونا ~~إلى كلمة الحق وانصرفوا. # واضطر أبو السرايا أن ينصرف معهم. ونجا هرثمة من الهزيمة وهو لا يصدق أن ~~حيلته الغادرة قد لاقت قلوب مصدقة وفية اغترت بها. # النهاية # رجع أبو السرايا إلى الكوفة وخطب الناس يوم الجمعة ووبخهم على صنيعهم ~~وأمر بحفر خندق وخرج الناس معه لحفر الخندق ولكن أبا السرايا عرف أن ~~الهزيمة مقبلة وأن الناس تخلوا عنه فارتحل ليلة الأحد مع محمد بن محمد بن ~~زيد مع الأولياء الصالحين وأراد البصرة أو واسط فعلم أن العباسيين سيطروا ~~عليها فمضى بين البلدان حتى وصل الأهواز ودخل مدينة السوس ودارت معركة ~~عنيفة مع الوالي العباسي وخرج عليهم أهل السوس من خلفهم فخرج عليهم أبو ~~الشوك غلام أبي السرايا مع مجموعة من الجيش يريد قتالهم فظن من تبقى من ~~الجيش أنها هزيمة فانهزموا وثبت محمد بن محمد وأبو السرايا ومعهم مجموعة ~~يقاتلون حتى جنهم الليل فخرجوا إلى خرسان ووصلوا قرية (برقانا) فأمنهم ~~واليها الكندغوش وأعطاهم العهود والمواثيق وبعث بهم إلى الحسن بن سهل فلم ~~يأبه بالأمان وقتل أبا السرايا وغلامه أبا الشوك وحذره الناس من قتل محمد ~~بن محمد بن زيد(ع) فأرسله إلى المأمون وعند وصوله أقيم بين يديه فأمر بكشف ~~رأسه وجعل يتعجب من حداثة سنه إذ لم يتجاوز الثامة عشرة سنة وكيف حمل ذلك ~~العلم والسياسة والفصاحة والشجاعة ثم أمر له بدار وسمه بعد أربعين يوما. # من المآسي في عصر المأمون PageV01P119 الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم (ع) استدعاه المأمون إليه وعهد إليه ~~بالبيعة بعده فرفض علي الرضا (ع) فهدده وتوعده بالقتل حتى قبل فبايعه الناس ~~جميعا وخطب له على المنابر، وأمرهم المأمون بطرح السواد شعار العباسيين ~~واتخاذ الخضرة شعارا لهم. ثم دس إليه السم سنة(203ه) وأظهر الجزع عليه. ~~ومشهده بطوس. # قال فيه رسول صلى الله عليه وآله وسلم: (( ستقتل بضعة مني بخراسان ما ~~يزورها مكروب إلا نفس الله كربته ولا مذنب إلا غفر الله ذنبه )) (1) . # وكذلك ms092 الإمام محمد بن جعفر بن محمد (ع). # وكان يسمى بالديباجة لحسنه وبهائه وما كان عليه من البهاء والكمال (2) ~~عرف بفضله وعلمه في المدينة المنورة وكان سبب قيامه أن رجلا الف كتابا سب ~~فيه أهل بيت رسول الله وسب فاطمة الزهراء (ع) ولم يتكلم أحد أو ينهى عن ذلك ~~فقام محمد بن جعفر داعيا إلى الله آمرا بمعروف وناهيا عن منكر، واستولى على ~~مكة والمدينة ودارت الحروب بينه وبين العباسيين وتكاتفوا عليه ثم أمنوه بعد ~~تفرق أصحابه وبعثوا به إلى المأمون فاستقبله وأقامه عنده. ثم دس له السم ~~وكان مصير المتقين من عظماء أهل البيت (ع) نفس المصير. # الإمام القاسم بن إبراهيم (ع) # نبذة عن حياته: # هو الإمام القاسم بن إبراهيم الغمر بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الشبه ~~بن الحسن الرضا بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي (ع). اشتهر بالعلم ~~والفضل واختص بالخشوع والزهد. يلقب بنجم آل الرسول وترجمان الدين والعالم ~~(3). تام الخلق نير الوجه عرف الناس جميعا فضله وعلمه وورعه وقد قال فيه ~~الشاعر: # ولو أنه نادى المنادي بمكة # من السيد السباق في كل غاية # ببطن منى فيمن تضم المواسم # لقال جميع الناس لاشك قاسم PageV01P120 ألف المؤلفات العديدة في جميع العلوم وكانت الأفكار غير الإسلامية قد ~~اختلطت كثيرا بالفكر الإسلامي نتيجة اتساع رقعة الدولة الإسلامية وإقبالهم ~~على الكتب المنحرفة، وإخضاع الحكام الدين الإسلامي لأهوائهم ومصالحهم. # وقد اتجه أولا إلى إصلاح عقيدة الأمة الإسلامية فألف كتاب الدليل الكبير، ~~والصغير، وكتاب العدل والتوحيد، وألف كتب رد تبطل مزاعم النصارى والمجبرة ~~والمشبهة، ومنها كتاب الرد على الملحد (1). وكذلك ألف في الفقه الشيء ~~العجيب. # واتجه كذلك إلى تربية النفس فألف فيهاكتبا عديدة منها كتاب سياسة النفس وغيره. # دخل عليه يوما جعفر بن حرب أحد كبار المعتزلة فجاراه في مسائل العلم فلما ~~خرج من عنده قال لأصحابه: (أين كنا عن هذا الرجل فوالله ما رأيت قبله مثله) (2). # كان (ع) دائم الخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالى تبلل دموعه الثرى خوفا من ~~الله تعالى قال بعض ms093 أصحابه: (حججنا مع القاسم (ع) فاستيقظت في بعض الليل ~~فافتقدته فخرجت فأتيت المسجد الحرام فإذا أنا به وراء المقام لاصقا بالأرض ~~ساجدا وقد بل الثرى بدموعه وهو يقول: إلهي من أنا فتعذبني فوالله ما تشين ~~ملكك معصيتي، ولا تزين ملكك طاعتي) (3). # وقيل لمحمد بن منصور المرادي: (إن الناس يقولون بأنك لم تستكثر من القاسم ~~بن إبراهيم (ع) وقد طالت صحبتك له فقال: نعم صحبته خمسا وعشرين سنة ولكنكم ~~تظنون أنا كلما أردنا كلامه كلمناه ومن كان يقدر على ذلك منا وكنا إذا ~~لقيناه فكأنما أشرب حزنا لتأسفه على الأمة وما أصيبت به من الفتنة من علماء ~~السوء العتاة الظلمة )) (4) . PageV01P121 # بعثه أخوه محمد بن إبراهيم(ع) سنة (199ه) داعية له في مصر، ولما علم بموت ~~أخيه بث دعاته في الأمصار وجاءته البيعة من كل مكان من مكة والمدينة ~~والكوفة والري وقزوين وطبرستان وغيرها واشتد الطلب له قبل خروجه فخرج إلى ~~اليمن ودخل عدن ثم السودان وعاد إلى مصر ثم الحجاز واستقر أخيرا في الرس. # بيعته (ع) # بايعه العلماء والفقهاء بعدما بث دعاته بعد موت الإمام محمد بن إبراهيم ~~(ع) ووردت عليه الكتب ببيعة أهل الكوفة والمدينة وطبرستان والأهواز وغيرها ~~ولكن المأمون شدد عليه الطلب قبل قيامه وتوسط المأمون بمن قدر عليه بأن ~~يصافيه وحمل إليه الأموال والدنانير على أن يأخذها ويجيب عن كتاب كتبه إليه ~~أو يبتديه بكتاب فكره (ع) ذلك ورد الأموال. # ثم كانت له بيعة أخرى سنة(220ه) مع فضلاء أهل البيت (ع) في بيت محمد بن ~~منصور المرادي في الكوفة سميت بالجامعة وبايعه هناك زعماء أهل البيت (ع) ~~وهم أحمد بن عيسى بن زيد فقيه آل رسول الله (1)، وعبدالله بن موسى بن ~~عبدالله، والحسن بن يحيى بن الحسن بن زيد(ع). # من معاناته (ع) # لقي (ع) من المطاردة والتشريد الشيء الكثير أيام المأمون والمعتصم ~~والواثق والمتوكل إبعثوا عليه العيون والجيوش وجعلوا الأموال الطائلة لمن ~~أتى به فاضطر (ع) أن يجوب الآفاق صابرا محتسبا كل معاناته عندالله سبحانه ~~وتعالى. PageV01P122 # ويروى من معاناته: ms094 أنه خرج من مكة يريد اليمن هربا من العباسيين ومعه زوجته ~~وهي بنت عمه وهي حبلى ووصل إلى مفازة لا ماء فيها فجاءها المخاض فحفر لها ~~حفرة لتتولى أمر نفسها وذهب يبحث عن الماء فلم يجد ماء فعاد ووجدها قد وضعت ~~غلاما وقد أجهدها العطش فألح في طلب الماء ولم يجد شيئا فعاد وقد ماتت ~~والصبي حي فكان بقاء الغلام عليه أشد من موت زوجته فصلى ركعتين ودعا الله ~~له الخير فما فرغ من صلاته ودعائه إلا وقد مات الغلام فصلا عليهما ثم ~~دفنهما. وأكمل رحلته صابرا محتسبا. # من مواقف الإيمان # كان جميع أفراد الأمة الإسلامية على اختلاف توجهاتهم يحبون القاسم (ع) ~~ويميلون إليه وقد سجل أكثرهم مواقف إيمانية وبطولية معه ومن ذلك أنه عندما ~~كان (ع) في مصر وقد اشتد عليه الطلب ونودي عليه وهو مستخف خلف دكان اسكافي ~~من الزيدية ألا برئت الذمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم وممن لا يدل عليه، ~~ومن دل عليه فله ألف دينار ومن البر كذا وكذا والإسكاف مطرق يعمل لا يرفع ~~رأسه فلما جاء إلى القاسم (ع) قال القاسم له: (أما ارتعت ؟ قال: ومن لي ~~بارتياعي منهم، ولو قرضت بالمقاريض بعد رضى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عني في وقاية ولده بنفسي) (1) . # مقتطفات من كلامه (ع) # قال (ع): من لم يعلم في دين الإسلام خمسة من الأصول فهو ضال. أولهن أن ~~الله سبحانه وتعالى إله واحد ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء يدرك الأبصار ~~ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير. # والثاني من الأصول: أن الله سبحانه عدل حكيم غير جائر، لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها، ولا يعذبها إلا بذنبها، لم يمنع أحدا من طاعته بل أمر بها، ولم يدخل ~~أحدا في معصيته بل نهاه عنها. # والثالث من الأصول: أن الله سبحانه وتعالى صادق الوعد والوعيد يجزي ~~بمثقال ذرة خيرا، ويجزي بمثقال ذرة شرا، من صيره إلى العذاب فهو فيه أبدا ~~خالدا مخلدا خلود من صيره إلى الثواب الذي لا ms095 ينفد. PageV01P123 # الرابع من الأصول: أن القرآن المجيد مفصل محكم، وصراط مستقيم لا خلاف فيه ~~ولا اختلاف، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان لها ذكر في ~~القرآن ومعنى. # والخامس من الأصول: أن التقلب بالأموال والتجارات في المكاسب في وقت ما ~~تعطل فيه الأحكام وينتهب ما جعل الله للأرامل والأيتام والمكافيف والزمنى ~~وسائر الضعفاء ليس من الحل والإطلاق كمثلة في وقت ولاة العدل والإحسان، ~~والقائمين بحدود الرحمن، فجميع هذه الأصول الخمسة لا يسع أحدا من المكلفين ~~جهلها بل تجب عليهم معرفتها (1). # وقال (ع) محذرا من التغافل في هذه الدنيا: (أما بعد فإنه ليس لحي من ~~الدنيا مقام، وعن قليل يأتيك الحمام، وكل خلق تفنيه الأيام ولا تكن كالغافل ~~النوام فإنما الدنيا إلى انصرام، ولن يرى فيها دوام) (2). # وقال (ع) يحث على الطاعات والعمل الصالح: (فكن في سفرك مزتادا وهيىء عدة ~~وزادا، فكأنك قد خرجت من روح الدنيا إلى ضيق اللحد وخشونة متكاه، وانظر ~~بعينيك إلى مصارع المغترين، ومضاجع المستكبرين، أليس ديارهم خالية، ~~وأجسادهم بالية، ومساكنهم مقفرة، وعظامهم نخرة، وعروقهم بالية، وأيامهم ~~فانية) (3) . # وقال (ع) يذكر الإنسان مصيره: (أما بعد فإنك لو رأيت يسير ما بقي من عمرك ~~وأجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ورغبت في الزيادة من عملك ، فإنك إنما ~~تلقى غدا في حفرتك، وتخلا في وهدتك ويتبرأ منك القريب، ويتسلى منك الحبيب، ~~فلا أنت إلى أهلك راجع، ولا في عملك زايدا، شارع، فاعمل ليوم القيامة قبل ~~الحسرة والندامة) (4) . PageV01P124 # وهكذ قضى (ع) حياته في الجهاد والعلم والعبادة حتى انتقل إلى جوار ربه ~~(سنة246ه) وعمره سبع وسبعون سنة بعد أن ترك للأمة الإسلامية ثروة علمية بنت ~~عليها حياتها في مختلف الأقطار الإسلامية ذهب (ع) إلى جنات النعيم بعد أن ~~حفظ وأعاد قواعد الإسلام التي أتى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضلت ~~فيها غواة الأمم. # رحل (ع) بعد أن خلف ذرية وأصحابا صالحين حملوا عنه علمه وبذلوا مهجهم ~~وأنفسهم في سبيل ذلك حتى نشروا مبادىء ms096 الإسلام العادلة في بقاع الأرض (1) . # وبموته (ع) انتهت مرحلة من مراحل الجهاد والبطولة التي قادها أهل البيت ~~(ع) حماية للعقيدة الإسلامية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والتسليم إذ أخذت ~~بعد ذلك في الإستقرار. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # قائمة بأسماء المصادر والمراجع # 1 أنوار اليقين، الإمام الحسن بن بدر الدين (ع)/ مخطوط. # 2 المصابيح، أبي العباس (ع) أحمد بن إبراهيم الحسني/ مخطوط. # 3 الزحيف، شرح منظومة البسامة/ مخطوط. # 4 الحدائق الوردية، الشهيد حميد المحلي/ مخطوط. # 5 الإفادة في تاريخ الأئمة السادة، أبو طالب (ع)/ مخطوط. # 6 التحف شرح الزلف، العلامة مجد الدين بن محمد المؤيدي حفظه الله/ ~~الطبعة الأولى. # 7 الشافي، الإمام عبدالله بن حمزة/ مكتبة اليمن الكبرى الطبعة الأولى ~~(1406 ه 1986 م). # 8 تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري/ منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ ~~بيروت لبنان. # 9 الكامل في التاريخ، ابن الأثير/ دار الكتاب العربي/ بيروت لبنان / ~~الطبعة الرابعة (1403 ه 1983 م). # 10 مروج الذهب، المسعودي/ المكتبة التجارية الكبرى بمصر/ الطبعة الرابعة ~~(1384 ه 1964 م). PageV01P125 # 11 مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني/ المكتبة الحيدرية النجف ~~الأشرف/ (1385 ه 1965 م). # 12 جهاد الشيعة، الدكتورة سميرة مختار الليثي/ دار الجيل بيروت/ الطبعة ~~الثانية. # 13 نهج البلاغة، الإمام علي بن أبي طالب (ع)/ شرح محمد عبده/ مؤسسة ~~المعارف بيروت/ الطبعة الأولى (1410 ه 1990 م). # 14 الزيدية، الدكتور أحمد محمود صبحي/ الزهراء للإعلام العربي/ الطبعة ~~الثانية (1404 ه 1984 م). # 15 الإمام زيد حياته وعصره آراؤه وفقهه، محمد أبو زهرة/ المكتبة ~~الإسلامية بيروت. # 16 الإمام علي (ع) متراس ونبراس، سليمان الكتاني/ دار الكتاب العربي/ ~~الطبعة الثانية. # 17 الإمام علي (ع) منتهى الكمال البشري، عباس الموسوي/ مؤسسة الأعلمي ~~للمطبوعات/ الطبعة الأولى (1399 ه 1979 م). # 18 الإمام علي (ع) باب مدينة العلم، صادق مكي/ الدار العالمية/ الطبعة ~~الأولى (1407 ه 1987 م). # 19 أمير المؤمنين علي (ع)/ دار الأضواء الإسلامية/سلسلة رقم (2، 3). # 20 الحسين (ع) ومسئولية الثورة، حسن الصفار/ الطبعة ms097 الرابعة (1400 ه ~~1980 م) فرنسا. # 21 الحسين أبو الشهداء، عباس محمود العقاد/ دار الهلال. # مقدمة # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد. # كنا قد عرفنا في مقرر المرحلة الثانية كيفية دراسة التاريخ بالشكل الصحيح ~~وأهمية ذلك، وعرفنا تك السلسلة الطويلة، والقافلة الكبيرة من شهداء أئمة ~~أهل البيت (ع) وأتباهم، وعرفنا دروهم الكبير في الدفاع عن الإسلام ومبادئه. # وكانت نتيجة ذلك الكفاح المرير والجهاد الطويل أن تكونت دول إسلامية في ~~غرب وشرق وجنوب العالم الإسلامي ظلت عدة قرون تحكم الناس بالعدل، وتطبق شرع ~~الله في الأرض وفيها ضرب أئمة أهل البيت أروع الأمثلة للحاكم العادل، في ~~ميع الجوانب: سياسية، واجتماية، وعلمية، وثقافية، وغيرها. PageV01P126 # وقد تركوا لنا حضارة عظيمة وثروة كبيرة، لا زال المسلمون ينهلون منها إلى اليوم. # وفي هذا المستوى ستتعرف عزيزي الطالب على أئمة أهل البيت في تلك الدول، ~~بعض نماذج من أحكامهم وتراثهم. # وقد جعلت منهج الكتاب كالآتي: # 1 الباب الأول: دراسة عن الدول الزيدة في الغرب. # 2 الباب لثاني: دراسة عن الدولة الزيدية في الجيل والديلم. # 3 الباب الثالث: دراسة عن الدولة الزيدية في اليمن حتى بداية القرن ~~الحادي عشر اهدري. # وقد حاولت أن يكون المنهج متناسبا مع مدة الدورة ومستوى التلاميذ، والله ~~أسأل أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، إنه على كل ي قدير. # أحمد محمد الهادي # الأول م نذي الحدة سنة 1414 ه. # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. وبعد: # فقد عرضت ماكتبت على إخواني أعضاء الهيئة الإدارية بالمنتدى، وتم إقرار ~~المنهج وأشكرهم على ذلك. # كما عرضت المنهج على مجموعة من العلماء الأعلام ، على رأسهم المولى الحجة ~~حفظه الله العلامة (بدر الدين الحوثي). # وقد كتب حفظه الله وأبقاه إلي يقول: # <اطلعت على مؤلفاتك الكريمة في التاريخ، فأعجبت بها جدا، فنشكرك على هذه ~~المصلحة العظمى التي قدمتها للطلاب، ونسأل الله لك مضاعفة الثواب. وقد كتبت ~~على أحدها: # إذا شئت تعرف نهج الصواب ms098 # لتعرف من قرناء الكتاب # فطالع مباحث هذا الكتاب # رجال الجهاد وفصل الخطاب # وأقول فيها جملة: # يا مظهر النور في التاريخ للقاري # عش هاديا لسبيل الحق مهتديا # وامنن إلهي بتوفيق ومغفرة # كأنه الكهرب الوضاء في الدار # لا زلت في ظل ألطاف من الباري # له ولي منك تنجينا من النار # هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته # كتبه/ بدر الدين الحوثي وفقه الله. # مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد/ PageV01P127 كنا قد عرفنا في مقرر المرحلة الثانية كيفية دراسة التاريخ بالشكل الصحيح ~~وأهمية ذلك، وعرفنا تلك السلسلة الطويلة، والقافلة الكبيرة من شهداء أئمة ~~أهل البيت (ع) وأتباعهم، وعرفنا دورهم الكبير في الدفاع عن الإسلام ~~ومبادئه. # وكانت نتيجة ذلك الكفاح المرير والجهاد الطويل أن تكونت دول إسلامية في ~~غرب وشرق وجنوب العالم الإسلامي ظلت عدة قرون تحكم الناس بالعدل، وتطبق شرع ~~الله في الأرض وفيها ضرب أئمة أهل البيت أروع الأمثلة للحاكم العادل، في ~~جميع الجوانب سياسية، واجتماعية، وعلمية، وثقافية، وغيرها. # وقد تركوا لنا حضارة عظيمة وثروة كبير، لا زال المسلمون ينهلون منهما إلى اليوم. # وفي هذا المستوى ستتعرف عزيزي الطالب على أئمة أهل البيت في تلك الدول، ~~وبعض نماذج من أحكامهم وتراثهم. # وقد جعلت منهج الكتاب كالآتي: # 1 الباب الأول: دراسة عن الدولة الزيدية في المغرب # 2 الباب الثاني: دراسة عن الدولة الزيدية في الجيل والديلم # 3 الباب الثالث: دراسة عن الدولة الزيدية في اليمن حتى بداية القرن ~~الحادي عشر الهجري. # وقد حاولت أن يكون المنهج مبسطا يتناسب مع مدة الدورة ومستوى التلاميذ، ~~والله أسأل أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، إنه على كل شيء قدير. # أحمد محمد محمد الهادي # الأول من ذي الحجة سنة 1414ه # الباب الأول # الدولة الزيدية في المغرب مؤسسها الإمام: إدريس بن عبدالله (ع) # {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا ~~من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} # الإمام إدريس بن عبدالله ms099 عليهما السلام # في سنة 169ه كانت معركة (فخ) التي ذهب ضحيتها الحسين بن علي الفخي، ~~ومجموعة كبيرة من المؤمنين. # وكان إدريس بن عبدالله (ع) قد اشترك في المعركة، وكان من ضمن من نجا من ~~القتل، ونجح في الإفلات من بطش العباسيين بعد المعركة واختلط بالحجيج. PageV01P128 # ولكن العباسيين اشتد طلبهم ومطاردتهم لأهل البيت بعد هذه الوقعة فبحثوا ~~عنهم في كل مكان، وضيقوا عليهم الخناق، مما اضطر أهل البيت للتخفي والتنكر ~~وعدم الإستقرار. # وقد استتر الإمام إدريس بن عبدالله بعض الوقت في مكة، وعندما ألح ~~العباسيون في طلبه فكر في طريقة للخروج مع مولى له يسمى (راشد). # فخرج به راشد وكان عاقلا، شجاعا، أيدا، ذا حزم ولطف في جملة الحجيج، ~~منحاشا عن الناس، بعد أن غير زيه، وألبسه مدرعة وعمامة غليظة، وصيره كغلام ~~يخدمه، إن أمره أو نهاه أسرع في ذلك، فسلما حتى دخلا مصر ليلا (1). # ومن مصر انتقل إدريس (ع) إلى المغرب، ويختلف المؤرخون في الطريقة التي ~~تمكن بواسطتها من الوصول إلى المغرب، فبعضهم يقول أنه سلك طريقا غامضا عن ~~طريق القوافل المارة بمسالخ مصر، وبعضهم يقول أن صاحب بريد مصر أعانهما على ~~ذلك. ووصلا القيروان فأقاما بها فترة من الوقت ثم خرجا إلى المغرب الأقصى ~~فعمد راشد إلى إدريس فألبسه مدرعة صوفية خشنة، وعمامة غليظة وصيره كالخادم ~~له، يأمره وينهاه، كل ذلك خوفا عليه وحياطة له، فلم يزالا على ذلك حتى وصلا ~~إلى مدينة تلمسان، فاستراحا بها أياما، ثم ارتحلا عنها إلى طنجة، فلما وصل ~~إدريس إلى مدينة طنجة، أقام بها أياما، فلم يجد بها مراده، فرجع مع مولاه ~~راشد حتى نزل مدينة وليلي (2). # وكيفما كانت الطريقة التي وصل بها الإمام إدريس (ع) مع مولاه إلى المغرب، ~~فقد كانت الرحلة شاقة ومرهقة تحملا فيها جميع أنواع المصاعب. PageV01P129 # ويتبين فيها بوضوح حال الطبقة المستضعفة من المؤمنين، وتعكس جانبا من الظلم ~~والإضطهاد الذي لحق بأهل البيت (ع) كما توضح مقدار ما يجب على الإنسان ~~الرسالي أن يتحمله في سبيل إنجاح دعوته وأهدافه ms100 ومبادىء الإسلام. كما تجلى ~~في هذه الرحلة قوة وصلابة إيمان الإمام إدريس بن عبدالله (ع) وثقته بربه في ~~أحلك المواقف، وأشدها خطورة، كما يتجلى في موقف راشد إخلاص الرجل المؤمن ~~المتفاني في سبيل الدعوة إلى الله، وتوضح هذه الرحلة إيضا الثقة والطمأنينة ~~بين الإمام (ع) ومولاه راشد، كما تبين أهمية الهجرة لنشر الإسلام وتعاليمة، ~~وكثير من الدروس والعبر يمكن للمرء أن يستخلصها من رحلة هذا الإمام العظيم ~~ودعوته إلى الله سبحانه وتعالى. # لما وصل إدريس بن عبداللله (ع) مدينة وليلي في غرة ربيع أول سنة 172ه نزل ~~على (إسحاق بن عبدالله الأوربي) أمير أوربة وكبيرهم في ذلك الوقت فأجاره ~~وأكرمه وأقام عنده زهاء ستة أشهر تمكن خلالها من نشر دعوته بين قبائل ~~البربر المنتشرة هناك. # ولما عرف البربر فضله ومكانته العلمية وقرابته من رسول الله (ص) اجتمعت ~~عليه قبائل أوربة، ومغيلة، وزناته، ولواته، وسدراته، ونفزة، ومكناسه وغيرها ~~من القبائل وبايعوه بالإمامة وتكونت الدولة الإدريسية. # دعوته (ع) PageV01P130 بدأ الإمام إدريس (ع) دعوته ببيان دعا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، ~~والعدل في الرعية، والقسم بالسوية، وإحياء السنة، وإماتة البدعة، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر فقال (ع) بعد الحمد والثناء: (أما بعد فإني ~~أدعوكم إلى كتاب الله وإلى سنة نبية (ص)، وإلى العدل في الرعية، والقسم ~~بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بيد المظلوم، وإحياء السنة، وإماتة البدعة، ~~وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد، واذكروا الله في ملوك غيروا، ~~وللأمان خفروا، وعهود الله وميثاقه نقضوا، ، وولد نبيه قتلوا، وأذكركم الله ~~في أرامل اختفرت، وحدود عطلت وفي دماء بغير حق سفكت، فقد نبذوا الكتاب ~~والإسلام، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، واعلموا ~~عباد الله أن مما أوجب الله على أهل طاعته المجاهدة لأهل عدواته، ومعصيته، ~~باليد واللسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة، والنصيحة، والحض ~~على طاعة الله، والتوبة عن الذنوب هي الإنابة والإقلاع والنزوع عما يكره ~~الله سبحانه وتعالى، والتواصي بالحق، والصدق، والصبر، والرحمة، والرفق، ~~والتناهي عن معاصي الله ms101 كلها، والتعظيم، والتقديم لمن استجباب لله ورسوله ~~حتى تنفذ بصائرهم وتكمل وتجتمع كلمتهم، وتنتظم الفتهم). PageV01P131 # ثم قال: (فهذا عهد الله إليكم وميثاقه عليكم بالتعاون على البر والتقوى، ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فرضا من الله واجبا وحكما لازما، فإين عن ~~الله تذهبون، وأنى تؤفكون، وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقا وغربا، ~~وأظهروا الفساد، وامتلأت الأرض ظلما وجورا، فليس للناس ملجأ ولا لهم عند ~~أعدائهم حسن رجاء فعسى أن تكونوا معاشر البربر اليد الحاصدة للجور والظلم، ~~وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيين، فكونوا عند ~~الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين، ونصر الله مع النبيين، واعلموا معاشر ~~البربر أني أتيتكم وأنا المظلوم الملهوف الطريد الشريد الخائف الموتور الذي ~~كثر واتره، وقل ناصره، وقتل أخوته وأبوه وجده وأهلوه، فأجيبوا داعي الله ~~فقد دعاكم إلى الله، فإن الله عز وجل يقول ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض ، وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين، أعادنا الله وإياكم ~~من الضلال وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد. # وأنا إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. رسول الله ~~(ص) وعلي بن أبي طالب جداي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عماي، ~~وخديجة الصديقة وفاطمة بنت أسد الشفيقة جدتاي، وفاطمة بنت رسول الله (ص) ~~سيدة نساء العالمين، وفاطمة بنت الحسين أماي، والحسن والحسين ابنا رسول (ص) ~~أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبدالله المهدي والزاكي أخواي. PageV01P132 # فهذه دعوتي العادلة غير الجائرة فمن أجابني فله مالي، وعليه ما علي، ومن ~~أبى ذلك فحظه أخطأ وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أني لم أسفك دما ولا ~~استحللت له محرما ولا مالا، واستشهدك ياأكبر الشاهدين، واستشهد جبريل ~~وميكائيل أني أول من أجاب وأناب. فلبيك اللهم لبيك مزجي السحاب، وهازم ~~الأحزاب، مصير الجبال سرابا بعد أن كانت صما صلابا أسألك النصر لولد نبيك ~~إنك على ذلك قادر) (1). # وفي فترة وجيزة أقبلت طلائع البربر زرافات ووحدانا، وأخذوا يدخلون في دين ~~الله أفوجا، ويبايعون ms102 الإمام إدريس (ع) بالإمامة، وفي هذه الفترة تمكن ~~الإمام (ع) من إرساء قواعد الدولة، وكون جيشا كثيفا افتتح به بقية بلاد ~~المغرب الأقصى، فافتتح شالة، وسائر حصون تامسنا حتى وصل تادلا فافتتح ~~حصونها، ثم بلغ ماسة. # وكان أكثر سكان هذه البلاد على دين النصرانية واليهودية والمجوسية، ولم ~~يكن الإسلام قد انتشر بعد في أنحائها (2). # وعاد (ع) بعد هذه الغزوة إلى وليلى في ذي الحجة سنة 172ه، وفي منتصف رجب ~~سنة 173ه خرج لفتح (تلمسان) ومحاربة من بها من الخوارج، ففتحها وبايعه ~~أهلها، فقبل بيعتهم ودخل تلمسان وبنى فيها مسجدا ثم عاد إلى وليلى. # نجاح دعوة الإمام إدريس (ع): # نجح إدريس (ع) في دعوته للمغاربة، في بناء إسلام المغرب وعروبته، ومد ~~رقعة الإسلام في نواحي المغرب الأقصى بسرعة عجيبة ومذهلة، إذ وجد البربر ~~فيه صورة مباينة ومناقضة لما كان عليه الحكام الأمويين والعباسيين، وعرفوا ~~الإسلام في أكمل صوره، وأزهى حلله. PageV01P133 # ولعل من أكبر العوامل التي ساعدت على نجاح دعوة الحق والعدالة، وساعدت على ~~اعتناق البربر الإسلام اعتناقا عاما، ما كان يلقاه البربر من عمال الأمويين ~~والعباسيين من ظلم واضطهاد واستغلال بشع في جميع أنحاء المغرب الأقصى منه، ~~والأوسط، والأدنى، مما يتنافى مع روح الإسلام وتعاليمه. # ومن سياسة الإستبداد والظلم يذكر المؤرخون أن يزيد بن عبدالملك عندما ~~تولى الملك كان يرى أن انتقال البربر إلى الإسلام قد أدى إلى ضياع الجزية ~~التي كانت تفرض على المعاهد من أهل الذمة فولى على أفريقية (يزيد بن أبي ~~مسلم دينار) مولى الحجاج بن يوسف الثقفي وكاتبه، وصاحب شرطته ليطبق عليهم ~~نفس السياسة التي طبقها الحجاج على أهل العراق. # وتوجه يزيد إلى أفريقية وعزم على أن يسير في البربر (بسير الحجاج في أهل ~~الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة، فأسلم ~~بالعراق، فإنه ردهم إلى قرارهم، ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت ~~تؤخذ منهم وهم كفار) (1). # وتشبه يزيد بن مسلم بالحجاج ففرض عليهم الجزية، واستخف بهم، وأخذ ~~أموالهم، وسبى ms103 نساءهم وأسرف في ذلك حتى أوغر عليه صدورهم (2). PageV01P134 # وفي عهد هشام بن عبد الملك كان الولاة يذيقون البربر ألوانا عديدة من الظلم ~~والإضطهاد، فمثلا كان عمر بن عبدالله المرادي واليا على طنجة فأراد أن يخمس ~~من أسلم منهم، وزعم أنهم فيء للمسلمين، وكان هشام بن عبدالملك يستحب طرائف ~~المغرب، ويكتب إلى عامله بطنجة أن يرسل إليه (جلود الخرفان العسلية) التي ~~تسلخ من جلود سخال الضأن عند ولادتها، أي قبل أن تصبح خشنة بنمو الخراف، ~~فيصنعون منها الجباب الصوفية الناعمة، وكان الخليفة يؤثر اللون العسلي، ~~ويطلب من عامله أن يأتي بها عسلية اللون غير مصبوغة، ولما كان من العسير ~~للغاية التوصل إلى خراف وليدة بهذا اللون العسلي فقد عمد العامل إلى النعاج ~~الحاملة، فيأمر ببقر بطونها واستخراج أجنتها بحثا عن هذه الجلود العسلية، ~~ويذكر المؤرخون أنه كانت تذبح مائة شاة فربما لم يوجد فيها جلد واحد (1). # وحاول البربر إصلاح الوضع بكل الطرق الممكنة فبعثوا وفدا إلى هشام بن ~~عبدالملك ولما قدم الوفد على هشام طلبوا الأذن، فصعب عليهم، فأتوا (الأبرش) ~~(2) فقالوا: أبلغ هشاما أن أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب نفلهم دوننا، ~~وقال هم أحق به، فقلنا: هو أخلص لجهادنا. وإذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا ~~وأخر جنده، فقلنا: تقدموا، فإنه إزدياد في الجهاد، ومثلكم كفى إخوانه، ~~فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم، ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يتعرونها عن ~~السخال، ويطلبون الفراء الأبيض للخليفة، فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا ما ~~أيسر هذا له، فاحتملنا ذلك، وخليناهم وذلك، ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل ~~جميلة من بناتنا (3)، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ، ولا سنة، نحن مسلمون. ~~ولكنهم عادوا إلى أفريقية دون جدوى. PageV01P135 # ونتيجة لتلك السياسة ظل المغرب في ثورات مستمرة، وحروب طاحنة، وتراجعت ~~القبائل عن اعتناق الإسلام، أما من أسلم منهم فقد كانوا يبحثون عن متنفس ~~لهم، فظنوا ذلك في الدعوة الخارجية التي نشرها الخوارج بينهم، فاعتنقها ~~بربر المغرب الأوسط. # ولما وصل الإمام إدريس بن عبدالله (ع) وأعلن دعوته عرف البربر أن ms104 الإسلام ~~الصحيح ليس هو الذي يمثله الطغاة من الولاة، ولا العقيدة الجوفاء التي ~~ينادي بها الخوارج، وإنما هو دين العدل والتوحيد دين الإخاء والرحمة ~~والتسامح، فأقبلوا يدخلون أفواجا في دين الإسلام. # ولعل من أهم العوامل أيضا التي ساعدت إدريس بن عبدالله(ع) على نجاح ~~دعوته هو عدم وجود قوة مركزية كبيرة للخلافة العباسية وعدم تمكن العباسيين ~~من السيطرة الكاملة على أجزاء المغرب، مما مكن الإمام إدريس (ع) من نشر ~~مبادىء الإسلام في سهولة ويسر. # وأيضا فإن مجموعة ممن كان قد أسلم منهم، كانوا قد شاهدوا الإمام إدريس ~~(ع) في معركة (فخ) في الثامن من ذي الحجة سنة 169ه، وعرفوا ما يلاقيه ~~ويعانيه أهل البيت (ع) في سبيل نشر دعوة العدالة والمساواة، وعندما وصل ~~الإمام إدريس (ع) إلى المغرب عرفوه، وعرفوا فضله ومكانته في الإسلام، ~~وقرابته من رسول الله (ص) (1) ووجدوا فيه صورة مباينة لما كان عليه ولاتهم، ~~فبايعوه وساعدوه على نشر الإسلام بين قبائل البربر. # وحقيقة فإن المرء يقف إعجابا بهذا الإمام العظيم الذي لم تفت عضده كل تلك ~~المصاعب والمتاعب التي واجهته ولم ييأس من قلة الصديق، وعدم الناصر، أو ~~المعرفة بتلك البلدان، بل دفعه ذلك كله إلى مواصلة مسيرة الدعوة إلى الله ~~سبحانه وتعالى، ونشر رسالة الإسلام في مناطق لم يكن أهلها قد دخلوا في ~~الإسلام. PageV01P136 # ونجح إدريس (ع) في بناء إسلام المغرب وعروبته ومد رقعته في شمال المغرب ~~الأقصى، وغربي المغرب الأوسط، واستطاع أن يثبت دعائم الحق والعدل ~~والمساواة، وأن يقضي على النزعات الخارجية التي كانت قد اجتاحت معظم مناطق ~~المغرب الأوسط، والتي كاد العالم الإسلامي أن يصاب بكارثة كبرى منها في تلك ~~المناطق لولا الإمام إدريس(ع). # وأسس دولة إسلامية أصبحت الدرع الواقي للإسلام في الجهة الغربية، وكل ذلك ~~في غضون خمس سنوات. # الخلافة العباسية وموقفها: # بعد أن استقر الإمام إدريس (ع) في المغرب وتمكن من إقامة دولة إسلامية ~~قوية تحكم بالكتاب والسنة، اتصل (بالرشيد) ما فعله إدريس في المغرب، ودخول ~~البربر في طاعته فخاف من ذلك خوفا ms105 شديدا، وخاف أن يمتد نفوذ إدريس (ع) إلى ~~المشرق الإسلامي ففكر في مواجهة الإمام إدريس (ع) ولكنه رأى أن المواجهة ~~العسكرية ليست بالأمر السهل، ولن تجدي، لأن النفوذ العباسي الفعلي لم يكن ~~يتجاوز حدود مصر وبعض المدن الإفريقية، ولا طاقة لجيوش العراق على الوصول ~~إلى هناك، بالإضافة إلى أن الإمام إدريس (ع) كان قد تكون له جيش كثيف من ~~البربر يستطيعون مواجهة الجيوش العباسية، فاضطر الرشيد إلى استشارة يحيى بن ~~خالد البرمكي. # المكر البرمكي: # تأكد يحيى بن خالد البرمكي أنه لا قبل لهم ولا طاقة لمواجهة إدريس بن ~~عبدالله، ففكر في مؤامرة دنيئة وخسيسة تهدف إلى اغتيال الإمام إدريس بن ~~عبدالله (ع) وقال لهارون الرشيد (ليطب عيش أمير المؤمنين، فإني أكفيك أمر ~~إدريس ولا يعرف هلاكه إلا مني) (1). وأخبر هارون الرشيد بأنه سيبعث إلى ~~إدريس رجلا تتوفر فيه صفات الغدر والمكر ، والدهاء والجرأة ليغتاله. # ووقع اختياره على رجل يسمى سليمان بن جرير على اختلاف الروايات في اسمه ~~ويعرف بالشماخ، وأخبره يحيى بمهمته وبعث معه سما قاتلا، وأعطاه الأموال ~~الجزيلة، ووعده برفعة منزلته في الدولة. # رحيل الشماخ إلى المغرب: PageV01P137 # توجه الشماخ إلى المغرب ووصل مدينة (وليلى) مقر الإمام إدريس (ع) واتصل ~~بإدريس بن عبدالله (ع) وتظاهر عنده بالنسك والصلاح، وأخبره أنه من محبي ~~وأتباع أهل البيت (ع) وأنه لما ترامى إلى مسامعه خبره قرر الرحيل إليه ~~ليعيش تحت رعايته وعدله، فأنس به إدريس (ع) لما رأى عليه من علامات النسك ~~والصلاح، وقربه إليه وأكرمه، وأخذ الشماخ يترقب الفرصة السانحة لاغتيال ~~الإمام إدريس بن عبدالله إدريس بالسم، فلم يتهيأ له ذلك، إذ كان راشد لا ~~يفارق الإمام إدريس (ع)، وظل سليمان منتظرا إلى أن غاب راشد ذات يوم في بعض ~~شئونه، فدخل الشماخ على إدريس كعادته للمدارسة والمحادثة، ثم أهدى الإمام ~~إدريس بن عبدالله قارورة طيب وأخبره أنه جاء بها من المشرق ليتطيب بها ثم ~~قال: إني رأيت هذه البلاد ليس بها طيب، فخذها لك وقد آثرتك على نفسي، وهو ~~من بعض ms106 ما يجب لك علي، وأخرجها من وعاء وأعطاها الإمام إدريس (ع). فأخذ ~~إدريس (ع) القارورة وشمها، وكانت القارورة مسمومة، فلما استنشق إدريس الطيب ~~صعد إلى خيشومه، ووصل دماغه وسقط مغشيا عليه لا يعقل شيئا، وظل إدريس (ع) ~~في غشيته إلى الليل ثم قضى نحبه وانتقل إلى جوار ربه شهيدا سعيدا وذلك في ~~أول ربيع الآخر سنة 177ه . وحصل الشماخ على مراده، فخرج من عند إدريس وسار ~~إلى منزله وركب فرسا قد أعده لذلك. # وعندما عاد راشد انتبه إلى غياب الشماخ فعلم أنه سم الإمام إدريس (ع) ~~فركب في طلبه حتى أدركه، فضربه بالسيف وقطع يده، ولكنه لم يستطع الإجهاز ~~عليه، إذ نجا بالشماخ فرسه، واستطاع الإفلات من الموت، وواصل سيره إلى ~~بغداد، فولاه الرشيد بريد مصر (1). # البربر بعد موت إدريس: PageV01P138 # كان لمبادىء الحق والعدالة التي غرسها الإمام إدريس (ع) في نفوس البربر، ~~ووطد بها أركان دولته، الأثر الأكبر في عدم انهيار الدولة الإدريسية ~~وسقوطها، واستمرار البربر على مودتهم وولائهم للإمام إدريس (ع) بعد موته. # وكان إدريس (ع) قد تزوج امرأة بربرية اسمها (كنزة) وكانت حاملا عندما ~~توفي فأسند البربر تدبير أمور الدولة إلى (راشد) مولى إدريس (ع). # الإمام إدريس بن إدريس (ع): # بعد شهرين من وفاة إدريس بن عبدالله (ع) وضعت كنزة غلاما أشبه الناس ~~بأبيه فأعجب البربر من شبهه الكبير بأبيه وقالوا: (هذا إدريس كأنه لم يمت) ~~وسمي باسم أبيه. # (وقام راشد بأمره، وكفله إلى أن فطن وشب، فأحسن تأديبه، وأقرأه القرآن، ~~وأحفظه إياه، ولم يتجاوز إدريس من العمر بعد ثمان سنوات، ثم علمه السنة ~~والفقه، وأشعار العرب وأيامهم، وسير الملوك، ثم دربه على ركوب الخيل، ~~والمصاولة والمجاولة وإحكام الرماية بالسهام (1). # ولما تم إ دريس (ع) من العمر عشر سنوات جدد له راشد البيعة بجامع (وليلى) ~~في أول ربيع الأول سنة 186ه. PageV01P139 # ولكن الخلافة العباسية ساءها عدم انهيار الدولة الإدريسية وكان هارون ~~الرشيد قد أقطع إبراهيم بن الأغلب ولاية أفريقية (1) سنة 184ه ولاية مستقلة ~~عن الدولة العباسية وأمده بالمال ms107 والقوة مقابل القضاء على الدولة ~~الإدريسية، واستطاع إبراهيم بن الأغلب أن يستميل بعض العملاء ويسرب فيهم ~~الأموال حتى قتلوا راشدا سنة 186ه. ولكن تلك الطريقة لم تنجح في القضاء على ~~الدولة الإدريسية، إذ قام خالد بن يزيد بن إلياس العبدي بكفالة إدريس بن ~~إدريس، وجدد له البيعة في ربيع الأول سنة 187ه: وبايعته جميع قبائل زناته، ~~وأوربة، وصنهاجة، وغمارة، وسائر قبائل البربر، واستقام له أمر المغرب ~~الأقصى، وعظم سلطانه، وذاع صيته، واشتهر عدله ووفد عليه الناس من سائر ~~البلدان، وكان فيمن وفد عليه نحو خمسمائة فارس من أفريقية والأندلس من ~~القيسية، والأزد والخزرج، ومذحج وبني يحصب (2)، وكثر أنصار إدريس (ع) وضاقت ~~بهم مدينة وليلي، فخرج إدريس (ع) للبحث عن موضع لتأسيس مدينة جديدة، فلما ~~وصل إلى الموضع الذي أسس فيه مدينة فاس، أعجبه طيب هوائها، وكثرة مياهها، ~~وأشجارها وكان يسكنها قوم من قبائل زناته، وزواغة، وبعضهم على دين ~~اليهودية، والنصرانية، ووجدهم يقتتلون، فأصلح بينهم وأسلموا على يديه، ثم ~~اشترى منهم الموضع بستة آلاف درهم وبدأ بتأسيس مدينة فاس (3)، وكان ذلك سنة ~~193ه، ولما فرغ من بناء أسوارها وجامعها أنزل الوافدين عليه من الأندلس ~~بالعدوة الشرقية فسميت لذلك عدوة الأندلس، وأنزل الوافدين عليه من ~~القيراوان PageV01P140 بالعدوة الغربية فسميت لذلك بعدوة القرويين. # واستقام أمر الإمام إدريس (ع) بفاس، فأقام بها حتى سنة 197ه. ثم خرج لغزو ~~ما تبقى من قبائل البربر الوثنية في نفيس، وبلاد المصامدة، ففتح نفيس وبلاد ~~المصامدة وعاد إلى فاس، وأقام بها حتى محرم سنة 199ه. ثم خرج لغزو مدينة ~~(نفزة) بتلمسان، وكان يسكنها قوم من الخوراج الصفرية فافتتحها وأصلح ~~أسوارها ورمم جامعها، وأقام بها ثلاث سنوات، وأخضع فيها خوارج المغرب ~~الأوسط لطاعته. # (وكان إدريس قد أبدى في محاربة الخوارج الصفرية من البربر في تلمسان ما ~~أثار إعجاب رجاله، ويذكر البكري أن داود بن القاسم بن إسحاق بن عبدالله ابن ~~جعفر قال: كنت مع إدريس في المغرب، فخرجت معه يوما إلى قتال الخوارج، ~~فلقيناهم وهم في ثلاثة أضعاف عددنا، ms108 فقاتلناهم قتالا شديدا، فأعجبني إدريس ~~ذلك اليوم، وجعلت أديم النظر إليه، فقال ويحك، لم توال النظر إلي، قلت ~~لخصال: أما أولها فإنك تبصق مجتمعا، وأنا أطلب قليل ماء أبل به حلقي فلا ~~أجده، قال: ذلك لاجتماع قلبي وذهاب بصاقك لذهاب عقلك، قال، قلت: والثانية، ~~لما أرى من منعتك، قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى علينا، قلت ~~والثالثة، لما أرى من حركتك وقلة قرارك على الدابة، قال: ذلك زمع إلى ~~القتال فلا تحسه رعبا) (1). # عاد الإمام إدريس بعد ذلك إلى فاس سنة 202ه يواصل مشواره الرسالي والفكري ~~فعمم الإسلام على من تبقى من الوثنيين، واهتم بالناحية التعليمية فأنشاء ~~المدارس، والمكتبات وازدهرت الحركة العلمية وقام بسك العملة، وتوسع في ~~العمران، وازدهرت التجارة وعاش الناس في عدل وأمان، وتوافد على إدريس (ع) ~~كثير من عرب أفريقية والأندلس ليعيشوا تحت عدله وسماحته. PageV01P141 # وأقام إدريس (ع) في فاس حتى توفي في أول ربيع الأول سنة 213ه، وعمره ست ~~وثلاثون سنة (1). # أحفاد إدريس: # بعد موت الإمام إدريس بن إدريس (ع)، قام أولاده بتدبير شئون الحكم تحت ~~قيادة الإمام محمد بن إدريس بن إدريس، ويذكر المؤرخون أنه كان له أحد عشر ~~أخا يساعدونه في إدارة شئون البلاد. وسار محمد سيرة العدالة والفضل وتمتع ~~الناس في عهده بالأمان حتى توفي سنة 221ه (2). # فتولى الأمر بعده ابنه علي الملقب بحيدرة، وكانت أيامه أيام خير وسار ~~بسيرة ابيه وجده في العدل فكان الناس في أيامه في أمن ودعة (3). # ثم توفي سنة 234ه فتولى الأمر بعده أخوه يحيى بن محمد، وفي عصره شهدت فاس ~~نهضة عمرانية وعلمية واسعتين، يقول ابن خلدون عن يحيى بن محمد: (امتد ~~سلطانه، وعظمت دولته، وحسنت أثار أيامه. واستبحر عمران فاس، وبنيت بها ~~الحمامات والفنادق للتجارة، وبنيت خارجها الأرباض، ورحل إليها الناس من ~~الثغور القاصية) (4). # وقال بن أبي زرع: (قصد إليها الناس من الأندلس، وأفريقيا، وجميع بلاد ~~المغرب) (5). # وتولى بعده كل من يحيى بن يحيى بن محمد (ابنه) ثم على بن عمر بن إدريس، ms109 ~~ثم يحيى بن القاسم بن إدريس، ثم يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس، وكان يحيى ~~من أعظمهم سلطانا وعلما. يقول ابن خلدون عن يحيى أنه (أعلى بني إدريس ملكا، ~~وأعظمهم سلطانا، وكان فقيها عارفا بالحديث، ولم يبلغ أحد من الأدراسة مبلغه ~~في السلطان والدولة) (6). PageV01P142 # ويقول عنه صاحب الإستقصاء: (كان واسطة عقد البيت الإدريسي، أعلاهم قدرا ~~وأبعدهم ذكرا، وأكثرهم عدلا، وأعزهم فضلا، وأوسعهم ملكا، وكان فقيها حافظا ~~للحديث ذا فصاحة وبيان، بطلا شجاعا حازما، ذا صلاح ودين وورع) (1). # ولم يزل يحيى قائما بأمر الدولة حتى قدم مصالة بن حبوس الكتامي قائد ~~عبيدالله المهدي سنة 205ه إلى المغرب ووقعت بينهم معارك عديدة، وحروب ~~طاحنة، ثم رحل مصالة إلى أفريقية سنة 207ه . وأقام موسى بن أبي العافية ~~أميرا عنه (2)، وقد تمكن موسى بن أبي العافية في عهد الحسن بن محمد من ~~الإستيلاء على مدينة فاس سنة 212ه، وبذلك انقرضت الدولة الإدريسية من فاس. PageV01P143 # والواقع أنه لم تكن نهاية الدولة الإدريسية بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت ~~عملية انحسار من مدينة فاس وما حولها من المناطق فقط، فقد بقي لهم نفوذ في ~~البصرة، وأصيلا وغيرها من المناطق الريفية، وظلوا يواجهون دولتين كبيرتين ~~دولة العبيديين بمصر، ودولة الأمويين بالأندلس، ثم استطاعوا أن يكونوا دولة ~~في جنوب الأندلس وقد مهد لظهور هذه الدولة الإدريسية انحلال الدولة الأموية ~~في قرطبة، وأشبيلية، وغرناطة، الناشئ عن الفساد، والثورات والحروب، والقسوة ~~والشدة من الحكام الأمويين وقد امتد نفوذ هذه الدولة إلى الجزيرة الخضراء، ~~وقرطبة، واشبيلية، وغرناطة وقرمونة، ومن المدن المغربية طنجة وسبتة (وعرفت ~~بالدولة الحمودية) (1)، ومن أشهر مشاهير هذه الدولة؛ علي والقاسم مؤسسا ~~الدولة ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيدالله بن عمر بن إدريس، ~~وكذلك يحيى بن علي بن حمود وقد عاشت هذه الدولة إلى منتصف القرن الخامس ~~تقريبا، وقد حاول الحموديون بسط العدل، ونشر الأمان، واقتفاء أثر آبائهم ~~وأجدادهم طيلة فترة حكمهم. # ويذكر المؤرخون أن علي بن حمود (2) ساس الناس بالعدل والحكمة، حتى نقلت ~~في ms110 ذلك الأخبار العجيبة وقد قيلت في رثائه إحدى الروائع من غرر الشعر، لأبي ~~عمر أحمد بن دراج القسطلي، وتبدأ هذه القصيدة ببكاء شجي يقول: # لعلك يا شمس عند الأصيل ... شجيت لشجو الغريب الذليل # فكوني شفيعي إلى ابن الشفيع ... وكوني رسولي إلى ابن الرسول # ثم يصف ما حل بأهل البيت فيقول: # تهاوت بهم مصعقات الرواعد في * مد جنات الضحى والأصيل # بوارق ظلماء ظلم قبيح * دمى من حمى أو دما من قتيل # فأذهل مرضعة عن رضيع * وأنسى الحمائم ذكر الهديل PageV01P144 إلى أن يختتم القصيدة بأبيات يؤكد فيها مقام أهل البيت وإمامتهم المدعمة ~~بالكتاب والسنة فيقول: # فأنتم هداة حياة وموت * وأنتم أئمة فعل وقول # وسادات من حل جنات عدن * جميع شبابهم والكهول # وأنتم خلائف دنيا ودين * بحكم الكتاب وحكم العقول # ومن الواضح جدا أن الدولة الإدريسية كان لها الفضل الأكبر في إمتداد ~~الإسلام إلى الرقعة الغربية من دولة الإسلام، وكان لها الأثر الأكبر في ~~إنشاء المعالم الإسلامية البارزة. # ويذكر المؤرخون أن المدراس والمكتبات والحركة العلمية في عهد الأدارسة ~~كانت في مستوى الحركة العلمية في المشرق الإسلامي، وغدت مستودعا بين عرب ~~أسبانيا وعرب أفريقيا. # ولكن معرفة تراثهم الفكري وتاريخهم بشكل متكامل قليل جدا لا يتعدى صفحات ~~عند بعض المؤرخين، بل كان لوقوع الأدارسة بين الدولة العباسية من جهة، ~~والدولة الأموية من جهة أخرى بالإضافة إلى الهجمات التي تعرضوا لها من قبل ~~الأغالبة المدعمين من الدولة العباسية، ثم الخوارج من بعدهم، وأخيرا ~~عبيدالله المهدي، كان لذلك أثر كبير في ضياع تراثهم الفكري وقد يكون قد ~~اندثر مع ما اندثر من التراث الإسلامي في المغرب الإسلامي إما في المغرب ~~زمن ثورات الخوارج عليهم، أو أن الفاطميين أخذوا تراثهم الفكري إلى مصر، ~~وأحرق مع مكتبة القاهرة زمن صلاح الدين الأيوبي ولعل بعض ثراثهم الفكري لا ~~زال حبيس المكتبات المغربية كغيره من تراثنا الفكري ينتظر من يخرجه من عزلته. # ونحن نجد أنه لولا تلك الظروف القاهرة التي أحاطت بالدولة الإدريسية حتى ~~سددت عليها منافذ الدعوة، لاستطاعت أن يكون ms111 لها أثر كيبر في التاريخ ~~الإسلامي، ولكان لهم شأن أبعد من هذا. PageV01P145 # ويكفيهم أنهم عمموا الإسلام بين القبائل البربرية، ورسخوا قدم الإسلام في ~~المغرب، وحفظوا له عروبته، حتى أصبحت تلك القبائل من أشد القبائل دفاعا عن ~~الإسلام في الجزء الغربي في مختلف العصور (1). # ونحن إذا ما قارنا الدولة الزيدية في المغرب بالدولة الزيدية في الجيل ~~والديلم أو اليمن. نجد أن الأدراسة اشتهروا كرجال دولة أكثر من شهرتهم ~~كرجال علم، وذلك يعود إلى بعد الأدراسة عن مركز القاعدة الزيدية، ومنع ~~الخلافة العباسية الإتصال بالدولة الإدريسية والهجرة إلى هناك بإقامة ~~المسالح ونقاط التفتيش، ثم إقامة دولة الأغالبة كحاجز أخير يحصر الدولة ~~الإدريسية في نطاق ضيق. # وكان الإنتقال إلى المغرب وخاصة على أهل البيت وأتباعهم أمرا عسيرا لأنهم ~~كانوا محصورين، وقد عرفنا في مقرر المرحلة الثانية كيف كانوا يعرضون في ~~المدينة زمن الإمام الحسين بن علي الفخي، وبعد معركة فخ اضطر من تبقى منهم ~~للتنكر والتخفي، وقد عرفنا كيف أن الإمام إدريس بن عبدالله (ع) لم يصل إلى ~~المغرب إلا بأعجوبة بعد أن تجاوز جميع نقاط التفتيش، وهذا هو ما جعل فكرة ~~الإنتقال من المشرق إلى المغرب أمرا صعبا للغاية، ومستحيلا خاصة بعد ظهور ~~الإمام إدريس (ع) في المغرب، ولذلك لم يكن تواجد أهل البيت هناك إلا بشكل ~~فردين فقط، تمثل الأول في إدريس بن عبدالله، والثاني في ولده إدريس، إلى أن ~~زاد عددهم من أولاد إدريس الثاني الذي يذكر المؤرخون أنه توفي وعدد أولاده ~~اثنا عشر رجلا. # وأيضا فقد وقفت الظروف والحروب ضدهم حجر عثرة في طريق التقدم العلمي ~~بالشكل المطلوب، فالإمام إدريس لم يمكث في المغرب سوى خمس سنوات، وإدريس ~~الثاني توفي وعمره ست وثلاثون سنة فقط. PageV01P146 # على أن هناك عاملا آخر قلل من قضية الإرتباط الفكري بن الأدارسة وبقية أهل ~~البيت (ع) فبينما كانت الدولة الإدريسية في أوج مجدها، كان أهل البيت (ع) ~~وأتباعهم في المشرق الإسلامي يعانون الظلم والإستبداد، ولا يستطيعون التنفس ~~أو الوصول إلى هناك، وعندما تكونت الدولة ms112 الزيدية في الجيل والديلم واليمن ~~كان الأدارسة في حالة الانحسار والذبول بسبب الحروب التي دارت عليهم من ~~الأغالبة والخوارج. # ولكن كما عرفنا فإن هذا لم يمنع من وجود حركة فكرية وعلمية قوية ناهضت ~~الحركة الفكرية والعلمية في المشرق، ووجود أئمة اشتهروا بالعلم والفضل، ~~فمثلا يحيى بن عمربن إدريس، وهو من آخر الخلفاء الأدارسة اشتهر بالعلم ~~والفضل، وهذا ما يؤكد وجود تراث فكري كبير اندثر، أولا زال حبيس المكتبات ~~المغربية وغيرها من المكتبات. # ونخلص إلى القول بأن الأدارسة أثروا كثيرا في الحضارة الإسلامة في جميع ~~المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية وغيرها: إذ نشروا الإسلام، ~~وبنوا المساجد ودور العلم، وأنشاءوا المكتبات، وسكوا العملة، وعمروا المدن، ~~وأصلحوا الطرق، وشقوا القنوات، وازدهرت التجارة في عصرهم، وتركوا حضارة ~~كبيرة، ولا زالت مآثرهم ماثلة في المغرب إلى اليوم. # وكما كان لهم هذا الدور الكبير فقد كان لهم الدور الأكبر في المجال ~~الفكري في المغرب الإسلامي، بل تجاوزه إلى الأندلس، وظهر منهم علماء ~~ومفكرون خدموا التراث الإسلامي كثيرا (1). # ولكن الظروف هي التي حالت دون الإتصال بإخوانهم من أهل البيت بالشكل الذي ~~سنلمسه بين زيدية اليمن وزيدية الجيل والديلم. PageV01P147 # الباب الثاني # الدولة الزيدية في: جيلان طبرستان ديلمان مؤسها الإمام الناصر للحق (ع) # {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} # دعاة الزيدية في الجيل والديلم # بعد ثورة الإمام زيد بن علي (ع) التي نادت بالعودة إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله، ورفع الظلم عن كاهل الأمة المستضعفة المحرومة، وتطبيق شرع الله في ~~الأرض وتوحيد الأمة تحت راية الحق والعدالة، استمر أهل البيت (ع) في تأدية ~~رسالتهم تلك وتزعم أولاد الكامل عبدالله بن الحسن مسئولية القيادة فكان ~~الأمويون والعباسيون لهم بالمرصاد، فقتلوهم، وشردوهم في أصقاع الأرض ولكنهم ~~مع ذلك حملوا فكرهم ورسالتهم الإسلامية إلى كل مكان، وجابوا القفار ~~والوديان، وحفظوا للأمة الإسلامية تراثها ومعتقدها من الضياع وجردوه منبعا ~~صافيا من جميع الأفكار والأوهام المنحرفة والدخيلة عليه، حتى وصل إلينا في ~~أبهى حلله، وأكمل صوره. # وكان الإمام يحيى بن عبدالله ms113 أحد الذين طافوا البلدان الإسلامية لنشر ~~تعاليم الإسلام ومبادئه، وقد طارده العباسيون في كل مكان ينزل فيه حتى ~~استقر في الديلم وهم لا يدينون بكتاب، فأسلم على يديه كثير منهم، ولكن ~~هارون الرشيد استطاع أن يعيده إلى بغداد بالمكر والخديعة لملك الديلم، ~~وحبسه عنده في محبسه إلى أن ذهب يحيى (ع) شهيدا في سبيل الله. PageV01P148 # ثم كان ظهور الإمام الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن ~~الحسن السبط عليهم السلام، دعا في آخر أيام المتوكل العباسي(1) واستخفى ~~أولا في الري ثم توجه إلى الديلم سنة 250ه. تلبية لدعوتهم، وعند وصوله أسلم ~~على يديه بعض جهات الديلم، وانضم إليه كثير من المسلمين المرابطين في تلك ~~الثغور، وشرع في إقامة حكم إسلامي وتدبير أمور الدولة، وتكون له جيش قوي ~~هزم به العباسيين وطرد عمالهم من آمل، وطبرستان، وجرجان. # وسلم لولاته دستورا لطريقة حكمهم يسيرون عليه وهو [العمل بكتاب الله، ~~وسنة رسوله (ص) وما صح عن أمير المؤمنين (ع) في أصول الدين وفروعه (2). # وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس العدل والتوحيد، ~~والنهي الشديد عن القول بالجبر والتشبيه. # وأقام (ع) في تلك الجهات ينشر العدل والفضيلة، وأمر بعمارة المشهدين ~~المقدسين. مشهد أمير المؤمنين (ع)، ومشهد الإمام الحسين (ع)، وأرسل الأموال ~~إلى فقراء أهل البيت (ع) في العراق، والحجاز، وفي سنة 270ه انتقل إلى جوار ~~ربه، فبايع الناس أخاه (محمد بن زيد) فأكمل مسيرة الحق والعدالة. # قال الإمام عبدالله بن حمزة عنه (يضرب بعدله المثل، وهو الذي أجرى رسوم ~~العدل، ونفى رسوم الجور، وأظهر معالم الدين) (3). PageV01P149 # وقد أزعجت هذه المباديء الدولة العباسية كثيرا، وخافوا من انتشار دعوته ~~وتوسعها فجمعوا الجيوش وتوجهوا لحربه، وتصدى لهم الإمام محمد بن زيد (ع) ~~وانتصر عليهم في جميع المعارك التي شنوها عليه، إلى أن كانت آخر معركة في ~~خراسان، وكالعادة استطاع أن يلحق الهزيمة بالجيش العباسي، فتفرق جيشه لأخذ ~~الغنائم، ولما رأى قائد الجيش العباسي المنهزم أنتشار الناس عن محمد بن ~~زيد، عاد ms114 مع مجموعة من جنده للقتال، فالتقاه محمد بن زيد (ع) في عدة يسيرة، ~~وقاتل (ع) حتى أصيب بجراحات كثيرة قاتلة. ولم يعرف، وأسر ابنه (زيد) فسألوه ~~عن أبيه. فقال: عهدته يقاتل. فمر به رجل من الجنود العباسيين، وهو راكب على ~~فرس أبيه، فقال: هذا فرس أبي، فسأل الجندي عنه، فقال الجندي: وجدت شيخا ~~جريحا لا حراك به فرميت به عنه، وأخذت الفرس. فذهبوا إلى موضعه ووجدوه وبه ~~رمق (1) فمات بجرجان ودفن هناك وكان ذلك سنة 276ه. # الإمام الناصر للحق (ع) # هو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. # ولد بالمدينة سنة 230ه وأخذ يتلقى العلوم الإسلامية على يد آبائه، ثم ~~انتقل إلى العراق وقرأ على محمد بن منصور المرادي راوي كتاب أمالي أحمد بن ~~عيسى (ع) وعلى فقيه الكوفة أيضا: الحسن بن يحيى وعلى غيرهما من رجال ~~الزيدية في بغداد حتى جمع علوم القرآن، والكلام، والفقه، والحديث، والأدب، ~~والأخبار، واللغة، والشعر، وقرأ من الكتب السابقة ثلاثة عشر كتابا وحفظها، ~~ومنها: التوارة والإنجيل والزبور، والفرقان، وباقيها من الصحف، ثم قام ~~بتعليم الناس، وأنشاء مجلسا يجتمع إليه الفقهاء والعلماء لإملاء الحديث ~~وللمدارسة في العلوم جمعها القاضي أبو عبدالله في كتاب سماه ألفاظ الناصر. PageV01P150 # له المؤلفات العديدة مثل كتاب البساط، والمغني، والأمالي في الأخبار ضمنه ~~فضائل العترة (ع). وله كتاب النظام جمعه أبو طالب (ع)، والموجز جمعه أبو ~~القاسم البستي، والإبانة جمعه أبو جعفر الهوسمي، وغيرها الكثير. # قال عنه العلامة مجد الدين بن محمد المؤيدي: (قد اتفق الموالف والمخالف ~~أنه من أئمة الهدى القائمين بالقسط، قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه: ~~ولم ير الناس مثل عدل الأطروش الذي أسلم على يديه الديلم، وكان هذا الأطروش ~~فاضلا حسن المذهب عدلا في أحكامه) (1). # دعوته (ع): # ورد على طبرستان أيام الحسن بن زيد، فأكرمه الحسن، وأبقاه عنده إلى أن ~~توفي، وقام أخوه محمد بن زيد، فبقي الناصر (ع) عنده، ms115 ثم خرج إلى جرجان أو ~~نيسابور فأخذه واليها واعتقله وضربه بالسياط، ووقع سوط في أذنه فأصابه منه ~~طرش ثم عاد إلى محمد بن زيد (ع) يعاونه ويجاهد معه إلى أن كانت المعركة ~~التي استشهد فيها محمد بن زيد بجرجان، فذهب إلى الري، ونزل بدار محمد بن ~~الحسن بن محمد بن جعفر بن الحسن، واتصل خبره بجستان ملك الديلم فكاتبه، ~~ووعده الاستجابة لأوامر الإسلام. فخرج إليه (ع) مع أولاده، واستقر عنده إلى ~~أن خالف جستان فخرج إلى سهل الديلم وأعلن دعوته وعرض الإسلام على من بقي منهم.. # ثم خرج إلى جيلان ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعا وكان ذلك سنة 287ه. # وأقام (ع) في الجيل والديلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويزيل مالحق ~~بهم من ظلم الحاكمين قبله من (أل وهسودان) ثم خالف عليه جستان لما رأى ~~مصالحه ومطامعه تتهاوى بين يديه وتمرد على الإمام الناصر حتى وقع بينهم ~~حروب كثيرة عاد فيها جستان إلى طاعة الله وأعلن توبته وصار من أتباع الناصر (ع). # فتح طبرستان: PageV01P151 # بقي (ع) في الجيل والديلم أربع عشرة سنة يبث تعاليم الإسلام ومبادءه. ثم ~~أراد أن يفتح طبرستان فبلغ العباسيون الخبر فاجتمعت الجيوش الخراسانية في ~~ثلاثين ألفا مزودة بجميع العتاد والعدة بقيادة محمد بن علي المعروف بصعلوط ~~وخرجوا إلى مكان يسمى (شالوس)، وخرج الناصر بجيش يتراوح عدده بين السبعة ~~والعشرة آلاف رجل ليس معهم من الأسلحة والعتاد إلا القليل (1)، ودارت ~~المعركة سنة 301ه في مكان يعرف ب(بورود) على ساحل بحر قزوين، وانهزم ~~الخراسانيون، وغرق أكثرهم في البحر إذ كانوا إذا أقبلوا قتلهم جنود الناصر ~~(ع) وإذا رجعوا واقتحموا البحر غرقوا. ودخل (ع) آمل فاستقبله علماؤها ~~وفقهاؤها واعتذروا إليه من فعلهم فعفا عنهم، ودانت له جميع بلدان جيلان، ~~وديلمان، وطبرستان، وبقي ينشر الإسلام وتعاليمه حتى توفي (ع) سنة 304ه ~~وعمره أربع وسبعون سنة. # سياسته في الحكم: # الدعوة الزيدية كما سبق لا تختلف مبدأ وعقيدة ونهجا وهي العمل بكتاب ~~الله وسنة رسوله والعدل في الرعية، والقسمة بالسوية، والأمر بالمعروف ms116 ~~والنهي عن المنكر وقد بذل الإمام الناصر (ع) أقصى غاية في الجهد لتطبيق تلك ~~المبادي والمثل العليا التي سنها للأمة رسول الأنام محمد (ع)، وبقي طوال ~~حياته وفيا ومخلصا لمثله ومبادئه ومثلا أعلى للإنسان المؤمن الذي لا يبالي ~~بما يصيبه من أجل نجاح ونشر دعوت الإسلام، وتطبيق شرع الله في أرضه، وأمام ~~هذه السماحة النبوية، والعدالة الإلهية دخل أهل الجيل والديلم في دين الله ~~أفوجا، ويروي المؤرخون أنه دخل في الإسلام مليون رجل من أهل الجيل والديلم ~~عدا النساء والصبيان، وبلغ عدد الذي أسلموا على يديه في يوم واحد أربعة عشر ~~ألف رجل كانوا على المجوسية. PageV01P152 # وعندما فتح الإمام الناصر (ع) طبرستان ودخل آمل وبخهم على أفعالهم ~~ومعاونتهم للفساد مع معرفتهم بالإسلام، وأخبرهم بمكانة المسلمين من الجيل ~~والديلم رغم قلة الفترة الزمنية التي عاشوها في ظل الإسلام فقال (ع): # (أيها الناس إني دخلت الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر والحجر ولا يعرفون ~~خالقا ولا يدينون دينا فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام، وأتلطف في العطف بهم ~~حتى دخلوا فيه أرسالا، وأقبلوا إلي إقبالا، وظهر لهم الحق، وعرفوا التوحيد ~~والعدل فهدى الله بي منهم زها مائتي ألف رجل وامرأة فهم الأن يتكلمون في ~~التوحيد والعدل مستبصرين ويناظرون عليها مجتهدين، ويدعون إليهما محتسبين ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون حدود الصلوات المكتوبات ~~والفرائض المفروضات، وفيهم من ولو وجد ألف دينار ملقى على الطريق لم يأخذ ~~ذلك لنفسه). ثم قال (ع): (ثم قاموا بنصرتي وناصبوا آباءهم وأبناءههم ~~وأكابرهم للحرب في هواي واتباع أمري في نصرة الحق وأهله، لا يولي أحد منهم ~~من عدوه، ولا يعرف غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحا في ~~قفاه وظهره، وإنما جراحاتهم في وجوههم وأقدامهم، يرون الفرار من الزحف إذا ~~كانوا معي كفرا والقتل شهادة وغنما). # ثم بين (ع) في آخر خطبته سياسة حكمه التي يسير بها مع شعبه بعكس ما يعرف ~~أهل آمل من ولاة الدولة العباسية فقال (ع): (وأنتم معاشر الرعية: فليس علكم ~~دوني حجاب ms117 ولا على بابي بواب، ولا على رأسي خلق من الزبانية، ولا علي أحد ~~من أعوان الظلمة، كبيركم أخي، وشابكم ولدي، لا آنس إلا بأهل العلم منكم، ~~ولا أستريح إلا إلى مفاوضتكم، فسلوني عن أمر دينكم وما يعنيكم من العلم ~~وتفسير القرآن فإنا نحن تراجمته، وأولى الخلق به، وهو الذي قرن بنا وقرنا ~~به، فقال أبي رسول الله (ص): (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من ~~بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (1). # حكاية من حياته (ع) PageV01P153 لما فتح (ع) آمل قام أحمد بن إسماعيل قائد الجيش العباسي في خراسان وجمع ~~جيوشا عظيمة، وتوجه إلى طبرستان، وأخبر أنه سيخربها ولن يبقي بالديلم شجرة، ~~واشتغل الناس بذلك، فخرج عليهم الناصر (ع) يوما من الأيام وقال قد كفيتم ~~أمر هذا الرجل فقد وجهت عليه جيشا يكتفى بهم في أمره. فقالوا له: أيها ~~الإمام ومن أين هذا الجيش ومتى انفذتهم؟ قال صليت البارحة ركعتين، ودعوت ~~الله عليه فما كان إلا مسافة ورود الخبر، واتصل العلم بأن غلمانه قتلوه (1). # ومن حلمه وعدله: أنه نادى يوما غلاما له ثلاث مرات فلم يجبه فلما أطال ~~عليه قال مجيبا مرة أي (لا تعش). فقال (ع): مسكين أضجرناه. # وكان (ع) في مرضه لا يفوته صلاة بوضوء إلى أن أثقل فكان يومي إلى الوضوء ~~بيده فيوضوه ويأخذ في الصلاة حتى فاضت نفسه وهو ساجد (2). # وقال (ع) يوما لأصحابه: (إني لا أغر نفسي، ولا أخدعها بالأماني ولا أطمع ~~أن أنال الجنة بغير عمل، ولا أشك في أن من أساء وظلم منا ضوعف له العذاب، ~~وأنا ولد الرجل الذي دل على الهدى، وأشار إلى أبواب الخير، وشرع هذه ~~الشرائع، وسن هذه السنن والأحكام، فنحن أولى الخلق باتباعه واقتفاء أثره، ~~واحتذاء أمثاله والإقتداء به) (3). # يقول الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه الزيدية: (والواقع أنه ما كان ~~لأهل الديلم وطبرستان أن يستجيبوا للناصر وأن يدينوا بدين الإسلام إلا ~~لأنهم وجدوا فيه خلقا يباين تماما ولاة العباسية كان عالما زاهدا إذ يقول ~~ليس ms118 لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله، قويا في الحق متمسكا بقول الرسول ~~(ع): (لو أن عبدا قام ليله وصام نهاره وأنفق ماله في سبيل الله، وعبد الله ~~بين الركن والمقام ثم يكون آخر ذلك أن يذبح بين الركن والمقام مظلوما لما ~~صعد إلى الله من عمله وزن ذرة حتى يظهر المحبة لأولياء الله والعداوة ~~لأعداء الله) (4). PageV01P154 # ولأن الإمام الناصر (ع) كان شاعرا مجيدا فهذه مقتطفات من شعره: # فقد قال (ع) مبينا سبب قيامه لنصرة الحق من قصيدة طويلة: # ولما رأيت اعتداء العباد * وإظهارهم كل مالا يحل # وعقد الإمامة للفاسقين * وكل ظلوم ضلول مضل # وخمس ذوي الخمس مابينهم * للهو لهم دولة مبتدل # وكان لهم علل من دماء * بني المصطفي بعد ورد نهل # نهضت ولم ابتئس بالذي * من الأهل أو غيرهم قد خذل # لتجديد دين الإله الذي * أراه بجور الورى قد شمل # على الله في كل يوم ما قد أروم * وأسعى لإصلاحة أتكل # وما الله عن خلقه غافل * ولا الله عن خلقه قد غفل (1) # ومن شعره (ع) في بداية الدعوة: # أشكو إلى الله أن الحق متروك * بين العباد وأن الشر مقبول # وإن حكم كتاب الله مطرح * وحكم من خالف القرآن معمول # وإن ذا اليتم والمسكين بينهمو * بمزجر الكلب منهور ومقتول # وإن من ينصر الشيطان متبع * وإن من ينصر الرحمن مخذول # وإن أمتنا أبدت عداوتنا * إن خصنا من عطاء الله تفضيل # إذا ذكرنا بعلم أو بعارفة * صاروا كأنهمو من غيظهم حول # وإنهم لا يعينونا لنصرتنا * للحق حين أعان الديلم الجيل # يحرمون حلالا من تسفههم * وفيهمو لحرام الله تحليل # وإن عترة خير الخلق بينهمو * مبغضون فمطرود ومقتول # في كل يوم لهم وتر ومظلمة * وسابح في دماء الطهر مطلول # فاجهد وجاهد ولاة الجور محتسبا * فقد فشى الشرك فيهم والأضاليل (2) # وله عليه السلام: # أرتني أهوال العباد بصيرتي * وتصديق وعد الغيب رأي عيان # فأيقنت أني بالذي قد كسبته * مدين فقلبي دائم الخفقان # وإن وعيد الله حق ووعده * فمن موبق أو فائز بجنان # فأعلنت بالتوحيد والعدل ms119 قائلا * وأظهرت أحكام الهدى ببيان # وقال (ع) متحدثا عن جهاده: # شيخ شرى مهجته بالجنة * واستن ما كان أبوه سنه # ولم يزل علم الكتاب فنه * يجاهد الكفار والأظنة # بالمشرفيات وبالأسنة PageV01P155 وقال (ع) متألما لمصائب أهل البيت (ع): # وبي لأحوال بني المصطفى * هم له شف وتبريح # عاداهم الخلق فذوا نسكهم * بالهم مغبوق ومصبوح # في كل أرض منهم طاهر * له دم في الناس مسفوح # وميت في الحبس ذو حسرة * وموثق بالقيد مذبوح # وهالك يندب في أهله * أفلت منه وهو مجروح # لم ينقموا منهم سوى أنهم الس * ادة الطهر المراجيح # دعوا إلى الله فنجواهم * في الليل تقديس وتسبيح # وكان من آخر شعره قصيدة أولها: # أناف على السبعين ذا الحول رابع * ولا بد لي أني إلى الله راجع # وصرت إلى حد (1) تقومنى العصا * أدب كأني كلما قمت راكع # والذي نلحظه أنه كان للنشأة العلمية البحتة التي نشأها الإمام الناصر ~~(ع)، وكذلك البيئة الصالحة التي تربى فيها الأثر الواضح في اهتمامه ~~بالناحية العلمية، وإنشائه مجلسا لمدارسة العلم ومذاكرته، حتى أثرى الفكر ~~الإسلامي بمختلف أنواع المعارف والعلوم. # كما كان لسرعة استجابة أهل الجيل والديلم له، ودخولهم في دين الإسلام، ~~واستقرار الإمام بينهم أربعة عشر عاما يعلمهم ويرشدهم، أن تخرج على يديه ~~الكثير من العلماء والفقهاء الذين أثروا الفكر الإسلامي بمختلف معارفهم ~~وعلومهم، وأكملوا مسيرة بناء الدولة من بعده. # كما كان لنهجه القويم وتواضعه الجم أن جعله يختلط بعامة شعبه يلاطفهم، ~~ويتفقد أحوالهم، وطرق معيشتهم، ويساعدهم على حل مشاكلهم، ويخاطبهم بقوله: ~~(وأنتم معاشر الرعية فليس عليكم دوني حجاب ولا على بابي بواب، ولا على رأسي ~~خلق من الزبانية، ولا علي أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي وشابكم ولدي). # إن ذلك يفسر إسلام أهل الجيل والديلم بهذه السرعة، وتلقفهم الشهادة بين ~~يديه تلقفا. PageV01P156 # وإننا لنعرف فضل وعلم الإمام الناصر(ع) أكثر إذا ما عرفنا أن البلاد فتحت ~~منذ زمن، وأن المسلمين المرابطين يعيشون هناك، وتداول حكمها بنو أمية، وبنو ~~العباس، ولكن التاريخ لم يحدثنا أن أهلها اعتنقوا الإسلام، أو أن ms120 الولاة ~~كان همهم أو هدفهم إسلام أهل تلك المناطق، بل كان هدفهم جمع الأموال وفرض ~~سياسة الظلم والإستبداد. # ثم نسمع بإسلام أهل تلك المناطق على يد الإمام الناصر (ع)، بل إنه أسلم ~~على يديه في يوم واحد فقط أربعة عشر ألف رجل. # فإذا ما خلد التاريخ اسم الإمام الناصر (ع)، فلأنه يستحق التخليد، ويستحق ~~أن يكون مثلا أعلا لناشدي الحياة السليمة، وأسوة وقدوة للدعاة إلى الله في ~~شتى أرجاء العالم. # وهكذا نشهد تأسيس دولة إسلامية في المشرق الإسلامي كما شهدنا الدولة ~~الإسلامية في المغرب الإسلامي تشبه كثيرا الدولة الإسلامية الإدريسية في ~~طرق تكوينها، ومجتمعها، واستجابة أهلها، فكما كان البربر يعانون في الجزء ~~الغربي من الظلم والإستبداد ويبحثون عن متنفس لهم إلى أن وجدوه في شخص ~~الإمام إدريس (ع)، كان كذلك أهل الجيل والديلم يعانون من الظلم والإستبداد ~~من قبل الولاة، ويعيشون حالة اجتماعية سيئة، وأفراد الشعب مرهقون بدفع ~~الأموال الطائلة إلى الحكام (1)، وظلوا يبحثون عن منقذ لهم إلى أن وجدوه في ~~دعاة أهل البيت (ع). # وكما نجح الإمام إدريس (ع) وأولاده في بناء إسلام البربر، والقضاء على ~~حركات الخوارج في البلاد الواقعة تحت أيديهم، وبناء دولة إسلامية ظلت صامدة ~~على امتداد التاريخ في وجوه المستعمرين، نحج كذلك أهل البيت في نشر الإسلام ~~في الشرق الإسلامي، وأقاموا حضارة إسلامية عريقة قاومت الملوك والسلاطين ~~الطامعين في خيراتها ومنافعها. PageV01P157 # على أن البعد الزمني والتاريخي وغيرهما من العوامل جعلت الإتصال بين هاتين ~~الدولتين بعيد المنال على خلاف ما سنلمسه بين أهل البيت وأتباعهم في الجيل ~~والديلم، والعراق، واليمن. # الإمام المهدي محمد بن الحسن الداعي (ع) # هو أبو عبدالله محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن ~~القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. # نشأ (ع) على العلم والعبادة وتتلمذ على يد أبي العباس الحسني (1)، أحمد ~~بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن الإمام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن ~~بن الحسن بن ms121 علي بن أبي طالب (ع) (2). # وأكمل أبو عبدالله الداعي تعليمة على أبي العباس وغيره من العلماء، ورحل ~~إلى العراق والتقى بعلمائها وفقهائها ومنهم: أبو عبدالله البصري، وأبو ~~الحسن الكرخي، وأصبح الغاية القصوى في العلم والخشوع وعلا صيته في بغداد ~~فكان العلماء يأتون إليه للمذاكرة والإستفادة، وانتشر علمه في الآفاق حتى ~~قيل فيه لو مادت الدنيا بشيء لعظمته لمادت بعلم أبي عبدالله الداعي (3). # بنو بويه في بغداد: PageV01P158 # كان لتشريد وقتل أهل البيت (ع) من قبل العباسيين أثرا كبيرا في ضعف الدولة ~~العباسية وانهيارها، بالإضافة إلى ضعف خلفائهم وفسادهم وقد بدأت ملامح ذلك ~~منذ بداية العصر العباسي الثاني أيام المتوكل الذي رفع شعار العداوة الشديد ~~لأهل البيت (ع)، وكان من أشد الناس الما لما أصاب أهل البيت (ع) بنو بويه ~~من الجيل والديلم هاجروا إلى فارس وحكموا فارس، وأصبهان، وإقليم كرمان، ~~والأهواز، ثم دخلوا بغداد سنة 334ه وسيطروا على الدولة العباسية، وتلقبوا ~~بألقاب عدة كمعز الدولة، وركن الدولة، وعماد الدولة، وكان أحمد بن بويه ~~معز الدولة يحكم بغداد، فأكرم أهل البيت (ع)، وأزال عنهم ما لحقهم من ظلم ~~وأذية، وطلب أن يختاروا لهم واليا نقيبا عليهم يدير شئونهم فاختاروا أبا ~~عبدالله (الداعي) نقيبا لهم، وفرح معز الدولة بأختياره فقربه إليه، وأكرمه، ~~وخلع عليه البياض خلاف شعار العباسيين، وقربه إليه حتى صار كالنائب عنده، ~~وكان يقول هذا إمامي. وأمن أهل البيت (ع) في تلك الفترة من أذية الخلفاء، ~~وتنفسوا الصعداء، وعاشوا في مأمن من شرورهم. # توجه الإمام (ع) إلى الديلم: # لما اشتهر ذكر الإمام الداعي (ع) في الديلم وذاع صيته في الآفاق، كاتبه ~~ملك الديلم (ماناذر بن جستان) ووعده البيعة والنصرة، وألزمه الخروج لإقامة ~~العدال هناك، فخرج (ع) سرا من بغداد ولما علم الناس بخروجه بكوا بكاء شديدا ~~تأسفا على مفارقته. # ولم يكن معز الدولة آنذاك في بغداد، ولما عاد وعلم حزن حزنا شديدا، وعاتب ~~ابنه (بختيار) عتابا طويلا لأنه ظن أنه خرج لوحشة منه. وخرج عليه السلام ~~إلى أن وصل الديلم فاستقبله ms122 ماناذر سنة 353ه. ومن هناك بث دعوته (ع) في ~~جميع نواحي الجيل والديلم فبايعوه وفيهم أربعة آلاف من علماء الأمة في ذلك الوقت. # جهاده (ع) في الديلم: PageV01P159 # تمكن (ع) من إزاحة الولاة العباسيين من آمل وهوسم، وتحصن أحد الولاة واسمه ~~أبو محمد الحسن بن محمد الثائر في أحد القلاع، وجمع جيشا كثيفا وخرج ~~لمواجهة الإمام (ع)، ودارت بين الجيشين معركة قوية انهزم فيها أصحاب أبي ~~عبدالله، وثبت (ع) يقاتل حتى أحاطت به الجنود العباسية من كل جهة وقبض عليه ~~ابن الثائر واعتقله بإكرام وإجلال. ثم اعتذر إليه وبايعه لما عرف من جلال ~~قدره وعلمه، وصار هو وأخوه زيد من أتباعه (ع) ثم تولى زيد قيادة جيش الإمام (ع). # ثم تحركت الجيوش العباسية في خراسان وجرجان وطبرستان، وتجمعت تحت قيادة ~~نصر بن محمد الإستندار وخرجت لمواجهة الإمام (ع) فخرج (ع) لمواجهتهم فتقابل ~~الجيشان بشالوس، وكانت معركة رهيبة انهزم فيها العباسيون وتفرقوا في كل ~~مكان. ثم أقام (ع) بهوسم يثبت دعائم الحق والعدالة التي اختطها الإمام ~~الناصر (ع)، وينشر العلم والفضيلة ، وينشيء مجالس العلم للمدارسة ~~والمذاكرة، ويقبل على تعليم الناس بعزيمة وإرادة لا تعرف الكلل أو الملل ~~حتى توفي سنة 360ه وقد قيل أنه مات متأثرا بالسم. # الإمام المؤيد بالله (ع) # هو أبو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن ~~محمد بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. # ولد (ع) سنة 332ه (1) وتوفي يوم عرفة سنة 411ه. # في أحضان الطهارة والفضيلة نشاء وتربى، وبين أوساط العلماء (2) والفقهاء ~~تعلم وتفقه، فمنذ صباه بدأ رحلته لطلب العلوم الإسلامية، فأخذ فقه الإمام ~~الهادي (ع) وفقه أبي حنيفة، وأتقن الحديث رواية ودراية، وعلوم اللغة ~~والأدب، وأحاط بعلوم أهل البيت (ع) حتى فاق أهل عصره، ولم يبق شيء من ~~العلوم إلا وقد وصل فيه الغاية. PageV01P160 # ثم بدأ يفرغ علومه الجمة، وبحوره الزاخرة الواسعة في مؤلفات عديدة أثرى بها ~~الفكر الإسلامي، ومن هذه المؤلفات كتاب النبوءات والآداب في ms123 علم الكلام، ~~وكتاب بين فيه إعجاز القرآن الكريم، وسياسة المريدين، والإفادة في الفقه، ~~والتجريد وشرحه أربعة مجلدات شرح فيه فتاوى الإمام القاسم والهادي (ع) ~~بالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، وهو من أكمل وأجل الكتب المعتمدة لدى ~~أهل البيت (ع). # قال عنه الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة: (لم ير في عصره مثله علما ~~وفضلا، وزهدا، وعبادة، وعلما، وشجاعة وورعا، ما بقي علم في علوم الدنيا ~~والدين إلا وقد ضرب فيه بأوفى نصيب وأحرز فيه أوفر حظ) (1). # وقال عنه الصاحب بن عباد (2) عندما كان الإمام المؤيد بالله (ع) يحضر ~~مجلسه لمدارسة العلم: (أيها السيد أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب). # وقال أيضا: (الناس يتشرفون بالعلم والشرف، والعلم والشرف يتشرف بقاضي ~~القضاة، والشرف ازداد شرفا بالشريف أبي الحسين). PageV01P161 # وفي يوم من الأيام أراد عليه السلام أن يتوجه إلى الأهواز للقاء قاضي ~~القضاة أبي أحمد بن أبي علان، ولسماع مختصر الكرخي عنه، وأعلم الصاحب بذلك. ~~فكتب الصاحب إلى قاضي القضاة كتابا يمدح فيه الإمام المؤيد بالله (ع)، ولما ~~وصل المؤيد بالله (ع) قال القاضي: مرحبا بالشريف فإذا أراد فتح المختصر ~~أملاه ولم يزد على ذلك، ولم يزر المؤيد ولا أزاره أحد من أصحابه، لأنه ~~اعتقد أن كتاب الصاحب يريد منه العناية، وليس حقيقة، فتغيب المؤيد بالله ~~(ع) حتى كان يوم الجمعة فذهب إلى مجلسه وهو مكتض بالعلماء والفقهاء من كل ~~مكان، واستمع لمناقشتهم، وعندما كانوا يصلون إلى مسألة يستأذنهم ليبدي رأيه ~~وعلمه فيها حتى خاض في جميع العلوم وأسكتهم. ولما انتهى مجلس المناقشة جاء ~~إليه القاضي وقال: (أيها السيد نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا، فإذا الصدر ~~حيث جلست، فجئنا نعتذر إليك من تقصيرنا في بابك) (1). # بيعته (ع): # خرج (ع) داعيا إلى الله سنة 280ه. وقال في دعوته: (أيها الناس إني أدعوكم ~~إلى كتاب الله، وسنة نبيئه (ص)، والرضا من آل محمد، ومجاهدة الظالمين، ~~ومنابذة الفاسقين، وإني كأحدكم، لي مالكم، وعلي ما عليكم إلا ما خصني الله ~~به ولاية الأمر) (2). # وتهافت الناس على بيعته ms124 علماء وفقهاء وفقراء وأغنياء وغيرهم ومن ضمن ~~الذين بايعوه علماء ذلك الزمان، ومنهم القضاة عبدالجبار على سعة علمه ~~وفهمه، وأبو عبدالله الجرجاني، وأبو الفضل الزيدي المعروف بأبن النجار ~~الرازي، وأبو يوسف الخطيب الأشكري، وغيرهم كثير. PageV01P162 # ولما أعلن (ع) دعوته وقفت أجناد الفساد ضده تحت قيادات متعددة، فجاهدهم (ع) ~~في جميع نواحي الجيل والديلم وطبرستان، وقاومهم مقاومة عنيفة، ودارت بينه ~~وبينهم معارك طاحنة، وكان (ع) شجاعا قويا يثبت في الميدان وحده في أكثر ~~المعارك، ثم قل أنصاره، وتفرقوا عنه، فاضطر (ع) أن يذهب إلى الري، ثم منها ~~إلى آمل، ثم كاتبه أهل الجيل والديلم ووعدوه بذل النصرة له بأموالهم ~~وأنفسهم، فقدم (ع) إليهم ودخل هوسم، ليبدأ مرحلة أخرى من مراحل الجهاد ضد ~~أتباع العباسيين هناك. # من منهجه في الحكم: # ضرب (ع) أروع الأمثلة للحاكم العادل مع شعبه في جميع مجالات الحياة ~~سياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية وغيرها فقد ساس الناس سياسة الأولياء ~~والصالحين طيلة فترة حكمه فكان (ع) يجالس الفقراء ويخالطهم، ويحفظ بيت ~~المال بنفسه في أكثر الأوقات، ويقسم أرزاق الناس بينهم بيده، ولا يطعم ~~أولاده وأقاربه إلا من ماله الخاص، يتققد الرعية بنفسه، ويزور المرضى، ~~ويطعم الفقراء والمساكين ويسأل عن أحوالهم، ويذهب لزيارة العلماء، ويجلهم ~~ويقدرهم. ويسوس الناس بالعدل لا فرق بين غني وفقير، وحاكم ومحكوم، وقريب ~~وبعيد، ويصرف من ماله الخاص إلى بيت المال عوضا عما يرسله الكتاب في أول ~~الكتب ويفرجونه بين السطور في الكتاب، وقد حمل في يوم من الأيام إلى دار ~~الإمام شيء من العشر ينفقه في مصالح المسلمين، فالتقط منه حبات بعض دجاج ~~الإمام فصرفها إلى بيت المال. # وسأله يوما من الأيام بعض أصحابه أن يزيد في عطاء ولده القائد الشجاع أبا ~~القاسم، لقلة ماله وكثرة عياله، وحسن بلائه في الجيش، وعطاؤه لا يكفيه، ~~فكانت إجابة الإمام (ع) بالرفض وقال لهم إنه يعطيه نصيبه مثل بقية أفراد ~~الأمة ولا يمكن الزيادة عليه. # ومن عدله مع رعيته: PageV01P163 # أن رجلا بقارا أراد أن يثبت للناس ويعبر لهم عن ms125 مدى العدالة التي انتهجها ~~الإمام (ع) والتي لا يفرق فيها بين رئيس ومرؤوس، وغني وفقير، وقوي وضعيف، ~~فقد دخل يوما من الأيام على المؤيد بالله (ع)، والملك (على بن سرحان) جالس ~~عن يساره، وسلم الرجل فرد عليه الإمام السلام. ثم قال الرجل: أيها الإمام ~~لي دعوى على علي بن سرحان. فقام علي بن سرحان من مجلسه بإزاء المؤيد بالله ~~(ع) حتى قارن خصمه فوقف بجنبه، فادعى الرجل أن علي بن سرحان غصب عليه بقرة، ~~فسأله المؤيد بالله (ع) عن صفة البقرة وقيمتها فوصف وبين. فأنكر علي بن ~~سرحان، فلم يكن له بينة فحلف، فقام المدعي وقال ما كان غرضي بهذه الدعوى ~~إلا ليتحقق الناس أنا في زمن إمام هدى يساوي بين الملك والبقار (1). # وأراد (ع) أن يختبر عدله مع رعيته ومقدار ما يتمتعون به من حرية وعزة ~~وكرامة، فقد أراد في أحد الأيام شراء بعض سمكة من بائعي السمك، فأرسل خادمه ~~إلى أحد بائعي السمك. فقال السماك: لا أقطعه اليوم. فلما جاء الخادم أعلمه ~~ما قال السماك فقال (ع): إذهب إليه فقل: سيدي يأمرك بقطعه حتما، فذهب ~~الخادم فقال السماك: لا أفعل. فرجع الخادم إلى الإمام بدون شيء. فحمد الله ~~وأثنى عليه، وقال: الآن علمت العدل لأن ضعفاء الرعية لا تخاف سطوتي (2). # حكايات من حياته (ع): # كانت حياته (ع) كلها كفاحا وجهادا، وعلم وتعليم، وورعا وتقوى، وزهدا ~~وعبادة، وتفكرا وخشوعا، وتفقدا لأحوال الرعية، وكان (ع) غزير الدمعة يتلو ~~القرآن بصوت شجي حزين، وكان دائم التفكير في صلاح الأمة، يتأوه كثيرا، ~~ويتوجع لضلالهم وجهلهم بطريق مصالحهم، كثير العبادة، يمشي لحاجته من السوق، ~~ويحملها بنفسه، ويمنع أن يتولى ذلك غيره، كثير الصفح والعفو، يحب أهل ~~الصلاح ويتقرب إليهم. PageV01P164 # يروى أنه بلغه صلاح رجل في إحدى قرى ديلمان، فذهب لزيارته في جماعة من ~~أصحابه فلقية الرجل خارج موضعه، وكان لا فراش له إلا مانسجه من أغصان ~~الشجر، ولا يتوسد إلا آجرتين عملهما، فقال: يا مولاي ما لنا فراش ولا مكان ~~تجلسون فيه. فقال ms126 (ع): لو كان لك فراش أو حالة لما زرناك، فالملوك كثير ~~وأهل الحالات والأحوال فلسنا نزورهم ولا نراهم أهلا لذلك (1). # ومن عفوه وحلمه أنه جيء له يوما برجل قد أهانوه وضربوه، وذلك أنه علق رأس ~~بقرة وقال: هذا رأس أبي الحسين الهاروني. ولما جيء به إلى المؤيد باللله ~~(ع) قال: ما فعل هذا؟ فأخبروه. فقال (ع): لا أقبل. فجاءوا بالبينة على ذلك. ~~فقال (ع): خلوا سبيله، وقال للرجل: قد أسأت فيما فعلت ودواك التوبة إلى ~~الله تعالى. فأعلن الرجل توبته. # ودخل (ع) يوما من الأيام المتوضى ليجدد الطهارة، فرأى رجلا متغير اللون. ~~فقال له ما دهاك؟ قال الرجل: إني بعثت لقتلك. قال (ع) وما الذي وعدوك عليه؟ # قال الرجل: بقرة. قال (ع): ما لنا بقرة، وأدخل يده في جيبه وناوله خمسة ~~دنانير، وقال له: اشتر بها بقرة، ولا تعد إلى مثل ذلك. # ولفضله وعلمه هابه الناس جميعا حتى الملوك ومن ذلك أنه لما أسره الملك ~~شوريل في معركة انهزم فيها أصحاب المؤيد بالله (ع) وبقي يقاتل حتى أحاطت به ~~الجموع من كل جهة وأسر (ع)، فاجتمع العلماء والفضلاء وذهبوا إلى شوريل ~~وأخبروه أن الناس لن يسكتوا عن ذلك، وخوفوه من عاقبتهم، وكان فيما قالوه: ~~(إنه شيخ ضعيف، قد كبر في السن، ولا نرى لك إلا الإفراج عنه): فلما رأى ~~شوريل اجتماعهم على ذلك دعا بمغفر المؤيد بالله (ع) وقال: احصوا المواضع ~~التي أصابها المزراق في هذا الجوشن، فوجدوها نيفا وثلاثين موضعا. فقال ~~شوريل: من يثبت في المعركة هذا الثبات كيف يفرج عنه ويخلى سيبله، ولكنه ~~اضطر أن يفرج عنه (2). PageV01P165 # ويروى أنه بات ليلة من الليالي ومعه بعض الصالحين فبات ذلك الرجل يعبد الله ~~عز وجل والمؤيد بالله (ع) بالقرب منه، فلما طلع الفجر قام المؤيد بالله (ع) ~~للصلاة. فقال الرجل أيها السيد أتصلي بغير وضوء؟ فقال (ع) لم أنم في هذه ~~الليلة شيئا وقد استنبطت سبعين مسألة (1). # إن هذا العلم الجم، والنهج القويم، والطريقة الحسنة أو غرت صدور الحاقدين ~~والمفسدين ms127 عليه، وحاولوا أن ينالوا من شخصيته (ع) فكان الله سبحانه وتعالى ~~يعاجلهم بالعقوبة السريعة على مقولاتهم وأفعالهم. # ومن ذلك أنه في يوم أسره لما أثخنته الجراح وقبض عليه لطمه رجل من الجند ~~فاسودت يداه وأكلتهما الآكلة حتى ذهبتا ومات. # وفي يوم من الأيام والإمام في أحد المجالس، قال بعضهم: إن أفعال المؤيد ~~بالله (ع) للدنيا فقط، وليس لله سبحانه وتعالى. فقال أبو عمر الجرجاني: ذلك ~~أبوه علي بن أبي طالب كان يحارب معاوية وعائشة للدنيا لا للآخرة. وفارق ذلك ~~المجلس وعاد إلى بيته، فأصابه الفالج ومات. # وقال بعضهم إن هذا القاضي الكاذب يريد المؤيد بالله (ع) خرب داري، وعلم ~~(ع) بذلك فقال: (اللهم خذه مفاجأة ولا ترزقه الشهادة). وعن قريب استلقى ذلك ~~الرجل على قفاه فإذا هو ميت من غير وصية ولا شهادة (2). # وقد بقي (ع) طوال حياته رافعا شعار العدالة، ومنار الإسلام حتى لقي ربه ~~سعيدا، فائزا، رشيدا سنة 414ه. وفيه وفي الإمام الهادي (ع) يقول الشاعر: # عرج على قبر بصعدة * وابك مرموسا بلنجا # وأعلم بأن المقتدى بهما * سيبلغ ما ترجا # الإمام أبو طالب (ع) PageV01P166 هو الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون (ع). ولد (ع) سنة 240ه بآمل في ~~بيت تمثل فيه أنصع صور العفة والطهارة، ومجتمع علم، وفضل وجهاد. بدأ (ع) ~~منذ الصباء في تلك البيئة الصالحة، يتلقى علومه ومعارفه على أيديى علماء ~~وفضلاء أجلاء. فأخذ علومه عن والده العظيم المحدث (الحسين بن هارون) (ع) ~~وعن راوي علوم آل محمد (أبي العباس الحسني) (ع) وعن الإمام المهاجر إلى ~~الديلم (يحيى بن الإمام المرتضى) وعن تلميذ الإمام الناصر للحق (ع): علي بن ~~إسماعيل الفقية. # ولم يبلغ (ع) مبلغ الفتيان حتى كان يشار إليه بالبنان علما، وأدبا، ~~وأخلاقا، وسلوكا، واستقامة، ولم يبق فن من فنون العلم إلا طار في أرجائه ~~وسبح في أثنائه حتى بلغ الغاية القصوى في العلم والتقى، وفي عهد أخيه ~~المؤيد بالله (ع) اشتغل بنشر العلم وتأليف الكتب فأضفى ثروة كبيرة على ~~الفكر الإسلامي لا ms128 زال المسلمون يعتمدون عليها إلى اليوم وإلى قيام الساعة. # ومن مؤلفاته (ع) المجزي في الفقه، ومباديء الأدلة في علم الكلام، ~~والإفادة في تاريخ الأئمة السادة، والأمالي في الحديث المعروفة بأمالي أبي ~~طالب، وشرح البالغ المدرك (1)، والتحرير في الفقه وشرحه باثني عشر مجلدا. # وقد قال الحاكم الجشمي عنه وعن بعض مؤلفاته: (عليه مسحة من النور الإلهي، ~~وجذوة من الكلام النبوي). # وبعد موت أخية (ع) تقدم العلماء والفضلاء في الجيل والديلم لبيعته، ~~وتلقاها الناس بالفرح والإطمئنان والسرور لما يعرفون من عدله وورعه وتقواه، ~~وقد عبر الناس عن غبتطتهم وسرورهم واطمئنانهم أصدق تعبير، وقد قال شاعرهم: # سر النبوة والبنيا * وزهي الوصية والوصيا # إن الديالم بايعت * يحيىبن هارون الرضيا # وقد بقي (ع) في الحكم ثلاثة عشر عاما، يحكم بالعدل والإنصاف، وينشر ~~العلم، ويطبق شرع الله في الأرض حتى توفاه الله عام 424ه وعمره اثنتان ~~وثمانون سنة. # دور الإمامين في المجال الفكري: PageV01P167 # يعتبر مذهب أهل البيت (ع) هو العامل الأول في الإتصال بين أهل البيت (ع) ~~وأتباعهم في اليمن، مع إخوانهم في الجيل والديلم وغيرها. # كما كان العداء التقليدي لأهل البيت (ع) من قبل الأمويين والعباسيين ومن ~~جرى مجراهم، أن زاد في ترابط أهل البيت (ع)، وتماسكهم مع غيرهم من إخوانهم ~~المؤمنين، ومضاعفة جهودهم لحماية الفكر الإسلامي من الأفكار الدخيلة عليه. # وفي زمن الإمام القاسم (ع) كان أهل البيت (ع) وأتباعهم يتمركزون بشكل سري ~~في العراق والحجاز، فتنقلوا بين هذه المناطق لنشر العلم الشريف، ومدارسته ~~وتعليمه، وقد اشتهر منهم في العراق الإمام أحمد بن عيسى (ع)، والحسن بن ~~يحيى بن الحسن بن زيد (ع)، ومحمد بن منصور المرادي، وفي الحجاز القاسم بن ~~إبراهيم (ع) وأولاده. # وعندما تكونت الدولة الزيدية في الجيل والديلم بقيادة الإمام الناصر (ع) ~~وتكونت الدولة الزيدية في اليمن بقيادة الإمام الهادي (ع). كان كل من ~~القائدين قد تلقى تعليمه في تلك المناطق على أيدي آبائه الكرام، وتلقيا ~~جزءا كبيرا من تعليمهما في العراق، وعندما سمع كل منهما بالآخر أثنيا على ~~بعضهما، وعندما ms129 ما سئل الإمام الهادي عن الإمام الناصر (ع) قال: (الناصر ~~عالم آل محمد). ثم كان أول أتصال علمي بأئمة أهل البيت باليمن على يد علي ~~بن العباس بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن ~~الحسن (ع)، عاصر الإمام الناصر (ع)، والإمام الهادي (ع) ومنه أخذ علماء ~~البلدين علوم الإمامين(ع). # ثم كان الإتصال الثاني على يد الإمام يحيى بن محمد المرتضى الذي أخذ كتب ~~الإمام الهادي (ع) ونشرها في الجيل والديلم وخراسان وسائر عراق العجم، وعنه ~~أخذ علماء تلك المناطق. PageV01P168 # على أنه من الممكن أن يكون قد انتقل شيئا من فتاوى الإمام الهادي (ع) ~~ومسائله العلمية إلى الجيل والديلم، والعراق، والحجاز قبل ذلك إما بواسطة ~~المهاجرين الطبريين، والمضريين الذين عاد بعضهم بعد وفاة الإمام الناصر ~~(ع)، أو على أيدي العلماء الذين كانوا يخرجون من العراق للتعرف على الإمام ~~الهادي والأخذ عنه وكما ستعرف في سيرة الإمام الهادي (ع) فقد وفد عليه أحد ~~علماء العراق ومكث عنده فترة من الزمن. # ثم كان دور الإمام أحمد بن إبراهيم الملقب بأبي العباس الحسني. الذي أخذ ~~عن يحيى بن محمد المرتضى، وقام برواية ونقل وتدريس علوم آل محمد، وعنه أخذ ~~الإمامان المؤيد بالله (ع)، وأبو طالب (ع). وبدورهما قاما برواية ونقل ~~وتخريج فقه أئمة أهل البيت وعلومهم. والفا في ذلك المؤلفات العديدة، وكانا ~~طريقة السند لمن جاء بعدهما. # قال محمود أبو زهرة في كتابه حياة الإمام زيد (ع) وهو يتحدث عن الإمام ~~المؤيد بالله وأخيه (ع) عند استعراضه نقل علوم أهل البيت (ع): (وإن هذين ~~الأخوين قد جمعا من أحاديث وفقه الأئمة الذين سبقوهم بطريق الرواية مع من ~~ذكرنا عن أولاد هؤلاء الأئمة، وبطريقة غير الأئمة من المتشيعين لآل البيت ~~على منهاج الإمام زيد المعتدل الذي لا إنحراف فيه، ولا مغالاة، وقد كان ~~هذان الأخوان طريق السند لمن جاء بعدهما من رواة الفقه الزيدي وناقليه). # ثم يقول: (وقد جاء في طبقات الزيدية ما نصه: روى المنتخب مع الأحكام، ms130 ~~وأمالي أحمد بن عيسى، وغير هذه الكتب من الأحاديث عن الناصر وغيره من أئمة ~~الهدى أبي العباس الحسني، وأبي الحسين أحمد بن الحسين الهاروني، وأخية ~~الناطق بالحق يحيى بن الحسين) (1). # وبهذا يتضح لنا دور هذين الإمامين العظيمين في رواية ونقل وتخريج فقه ~~آبائهم، حتى وصل إلينا منبعا صافيا عذبا. # أئمة أهل البيت بعد أبي طالب (ع) PageV01P169 استمر أهل البيت (ع) هناك في دورهم الريادي والفكري، وجاهدوا ملوك وسلاطين ~~تلك المناطق عندما عادوا إلى قسوتهم وبطشهم بالمسلمين، وقاوموا التيارات ~~الفكرية المنحرفة، واهتموا كثيرا بنشر العلم الشريف وبذلوا أنفسهم فداء ~~لإسلامهم وشريعته. # ومنهم الإمام مانكديم (وجه القمر) أحمد بن الحسين بن محمد بن علي بن أحمد ~~بن الحسن بن الإمام محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر بن علي ~~زين العابدين (ع) وكذلك الحسين بن أحمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن الناصر ~~(ع) وكان يظهر الرحمة للفقراء والأيتام والمساكين وإذا قل بيت المال بكى ~~وتضرع إلى الله أن يكثر حتى لا يعود الفقراء من عنده خائبين، حفظ القرآن ~~الكريم، وكان يكرم من حفظه حتى صار أهل الجيل أكثر الناس حفظا له، وبقي ~~داعية للناس أربعين سنة منذ قيامة سنة 333ه وحتى وفاته سنة 372ه. # وكذلك الهادي الحقيني علي بن جعفر بن الحسن بن عبدالله بن علي بن الحسين ~~بن علي بن الحسن بن علي بن أحمد بن علي بن الحسن الأصغر بن علي زين ~~العابدين (ع)، قام بالديلم داعيا إلى الله وبقي طوال حياته مجاهدا إلى أن ~~قتل شيهدا سنة 490ه. PageV01P170 # وأبو الرضى الكيسمي نسبة إلى كيسم قرية في جيلان دعا في الجيل والديلم ~~واسمه أبو الرضى بن مهدي بن خليفة بن محمد بن الحسن بن جعفر بن الإمام ~~الناصر (ع) وغيرهم الكثير كالمرشد بالله يحيى بن الحسين بن إسماعيل صاحب ~~الأمالي الخميسية والإثنينة. والإمام أبي طالب الأخير (ع) وهو يحيى بن أحمد ~~بن الحسين بن الإمام المؤيد بالله (ع). كان (ع) حافظا لعلوم أهل البيت ms131 (ع) ~~ومتونها وتعليقاتها بالإضافة إلى الطب والحساب وغيرها، وكانت مكتبته تضم ~~أكثر من اثني عشر ألف مجلد، ناظر العلماء شهرا كاملا وهم يسألونه في مختلف ~~العلوم فيجيب عنهم، ثم بايعه علماء جيلان، وامتدت دعوته إلى الديلم وخراسان ~~والعراق والحرمين الشريفين وعمان واليمن، وكان له الأتباع اثني عشر ألفا ~~على مذهب الهادي (ع) سوى من عداهم من العامة. # وحارب الباطنية، ودك حصونهم وأنقذ الأمة من غيهم وضلالهم في تلك الجهات ~~وحاصر قلعة ابن الصباح من كل جهة، وهابته ملوك بني العباس وأعوانهم فاضطروا ~~لإعانته على حرب الملاحدة هناك وكان له جيش يشترك في المعارك البرية ~~والبحرية، رجفت منه قلوب الظالمين في جميع الأقطار. # وقد قام بنشر دعوته في اليمن المحسن بن الحسن بن الناصر بن عبدالله بن ~~المنتصر بالله محمد بن المختار القاسم بن الناصر أحمد بن الإمام الهادي (ع). # وقد أرسل إليه الإمام عهدا في الولاية تضمن الأحكام النبوية والعدالة ~~الإلهية، والعلوم السماوية والبدائع الرائعة وقد ذكر ذلك العهد الشهيد حسام ~~المحلى (1). # ومن ذلك العهد هذه المقتطفات: PageV01P171 # (أن يسلك طريقة العدلي والإنصاف، ويترك سبيل العسف والإجحاف، وأن لا يضل من ~~ولي هداه، وأن يسوي في الحكم بين أولياءه وأعداه، وأن لا يتخطى العدل ولا ~~يتعداه، بل يحكم بالسوية ويقضي بعدل فيما يبرم ويمضي، وأن لا يفضل فيه ~~شريفا على مشروف، ولا ينقص منكورا على معروف، ولا يزيد غنيا على فقير، وأن ~~يميل مع الحق حيث مال، ولا يدع التعديل والإعتدال، بل يحق الحق ويبطل ~~الباطل ولو كره المجرمون، وأن لا يتعصب في المذهب عند الحكم لمن يؤالف، ولا ~~يتعصب لخلاف من يخالف، ثم تحدث عن مصادر الحكم التي يجب أن يتبعها وبينها ~~وبرهن عليها وفصلها تفصيلا دقيقا فقال: (وآمره بتقديم الحجج القاطعة، ~~والبراهين الساطعة فيما يستنبط به العلم، ويستخرج منه الحكم، فيبدأ بأعلاها ~~طبقة، وأسناها درجة، وأسبقها حكمة، وهو الحق اليقين، والنور المبين كتاب ~~الله العزيز، حرزه الحريز، والهادي إلى الرشد، إلى أن يقول: وأمره إذا ~~أعوزه في هذه المظنة ms132 أن يطلبه فيما يتلوه من السنة فيتخذه للقضاء فصلا، ~~سواء ثبت قولا أو فعلا فهو الحجة الثانية للقرآن). # وبعد تقسيمه للعمل بالسنة وكيف ينهج أمام الأحاديث النبوية قال (ع): ~~(وأمره إذا اعوزه ما تعلق من هذين بالسماع إلى طلب شاهد بالإجماع، فالإجماع ~~يجري بعد الكتاب والسنة. # ثم قال بعد أن تحدث عن الإجماع: وآمره إذا لم يجد شفاء الصدور في هذا ~~الأساس أن يفزع إلى الإستنباط والقياس، ويتأنق في رد الفروع على الأصول ~~ليظفر من الغرض بالمحصول. وبعد تبيينه لأسس الحكم قال: وأمره برفع الحجاب ~~وقمع الهوى والإعجاب، والتثبت في الجواب، وترك الإكرام والإعجاب، وفتح ~~الباب للأجانب والأصحاب. PageV01P172 # ثم تحدث عن جميع أعماله الولائية وما يجب عليه تجاه القضاة والعمال. وإقامة ~~الحدود، وإشاعة العدل الإجتماعي بين جميع الطبقات، فقال: وقد يقدر حكومات ~~من كان قبله من قضاة المسلمين وأن لا يتعرض لشيء منها بالتغيير والفسخ ~~والتبديل والنسخ، مالم يخالف من الكتاب والسنة مقطوعا أو إجماعا قد خالفوه، ~~مفرقا أو مجموعا، حينئذ يدفع عنه ما كان مدفوعا ويرفع ماصار مرفوعا) إلى ~~آخر ذلك العهد الذي سار عليه (ع) ولاته حتى توفي سنة 520ه وقد بقيت جيلان ~~وديلمان وما إليها موالية لأهل البيت وفي زمن الإمام عبدالله بن حمزة (ع) ~~في بداية القرن السابع أنفذ إليهم دعوته فبايعوه هناك، ثم كانت الحرب ~~المغولية على المسلمين التي سقطت فيها الدولة العباسية، والخوارزمية، وملك ~~التتار تلك المناطق فترة من الزمن. # الباب الثالث # الدولة الزيدية في اليمن مؤسسها الإمام الهادي إلى الحق (ع) # {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر}. # الدولة الزيدية في اليمن # كانت العلاقة بين ملوك اليمن وبني هاشم قبل الإسلام قوية وعميقة، ويذكر ~~المؤرخون أن عبدالمطلب وفد على الملك سيف بن ذي يزن لتهنئته عندما حرر ~~الملك سيف اليمن من الأحباش، ويذكر المؤرخون أيضا أن سيف بن ذي يزن بشر ~~عبدالمطلب بقرب بعث نبي من نسله. # ومع بزوغ فجر الإسلام كان اليمنيون السابقون قبل غيرهم ms133 لنصرة الإسلام ~~ورسول الإسلام، فاحتضنوا رسول الله (ص) في دار هجرته، وآووه ونصروه، وأسلم ~~أهل اليمن العرب جميعا في عهد رسول الله (ص) دون ضغط أو إكراه، وأقبلت ~~طلائع الوفود على رسول الله (ص) معلنين إسلامهم، ففرح بذلك رسول الله (ص) ~~وقال: «أتاكم أهل اليمن وهم ألين قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة ~~يمانية». PageV01P173 # وكان الإمام علي (ع) قد أرسله الرسول (ص) إلى أهل اليمن فأسلمت له همدان في ~~يوم واحد، فبعث إلى الرسول (ص) يخبره الخبر فلما قرأ الرسول (ص) الكتاب خر ~~ساجدا ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همدان» مرتين. وفي رواية: ثلاث (1). # وقد قال علي (ع) معبرا عن ذلك: # ... فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام # وقد كان لأهل اليمن أيضا دورهم المميز في الفتوحات الإسلامية، وكانوا ~~أيضا قادة وجنود الإمام علي (ع) في قتاله الناكثين، والقاسطين، والمارقين، ~~ولم يقتصر دورهم على ذلك فقط. بل برز فيهم العلماء الكبار الذين طلبهم ~~العلماء والفقهاء للاستفادة منهم، ومنهم سيد التابعين: أويس القرني، ووهب ~~بن منبه أحد أكابر علماء التابعين، صحب حبر الأمة ابن عباس، وأدرك من ~~الصحابة الحسين بن علي (ع) شهيد كربلاء، وأخيه محمد بن الحنفية. وكذلك ~~طاووس اليماني، وعبدالرزاق الصنعاني، وغيرهم الكثير. # وهذا الدور الخطير الذي حققه اليمنيون للإسلام أدرك معاوية خطورته على ~~سلطانه وملكه، فأرسل عليهم جيشا بقيادة «بسر بن أرطأة وساندهم العثمانيون ~~اليمنيون، فعاث في الأرض فسادا وقتل النساء والأطفال والشيوخ» (2)، وكان من ~~ضمن قتلاه طفلا عبيدالله بن عباس قثم وعبدالرحمن ذبحهما بيده وهما على ~~مصحفهما يتعلمان القرآن، وكان عبيدالله بن عباس قد تركهما عند أم سعيد ~~البرزخية، وبلغ عليا (ع) خبره فقال: «اللهم اسلبه دينه وعقله»، ووجه إليه ~~جارية بن قدامة السعدي، ومعه وهب بن مسعود في أربعة آلاف فارس، فهرب بسر ~~بعد أن قتل أكثر من ثلاثين ألف مسلم من محبي علي (ع)، وعند وصوله إلى الشاب ~~أصيب بالجنون وساءت خاتمته وكان يأكل الأذى فيمنعه أهله فيقول لهم: «أنتم ~~تمنعوني ms134 وقثم وعبدالرحمن يطعماني إياه». PageV01P174 # ثم حل باليمن مأساة أخرى أيام عبدالملك بن مروان إذ كان أخو الحجاج «محمد ~~بن يوسف الثقفي» واليا على اليمن وكان مشهورا بالظلم والقسوة، فقتل الكثير ~~من أهل صنعاء، ولما مات كان يوضع التراب على قبره مساء فيصبح رمادا، وكان ~~يلهب قبره بالنار ليلة الإثنين والجمعة (1). # ثم تنازع اليمن الولاة في العصر العباسي، ومنهم محمد بن زياد (2) استخلفه ~~المأمون لما رأى تكاثر محبي أهل البيت في اليمن. وتفرق اليمن إلى قبائل ~~متناحرة متنافرة فيما بينها، ولما سمع المشائخ وأهل الفضل بالإمام الهادي ~~(ع) وماهو عليه من العلم تجلت لهم صورة الحق والعدالة فشدوا الرحال إلى ~~المدينة يطلبون منه الخروج لإنقاذ البلاد. # الإمام الهادي (ع) # هو الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين علي عليهم السلام. # نشأته (ع): # ولد عليه السلام بالمدينة المنورة سنة (245 ه)، وحمل إلى جده القاسم (ع)، ~~فبكى وقال: «هو والله يحيى صاحب اليمن» (3). وبين أقمار الهدى، وبدور ~~الدجى، أمثال وارث علم آل محمد وعابدهم عمه، محمد بن القاسم (ع)، وأبيه ~~الحافظ الزاهد الحسين بن القاسم، وبقية آبائه وأعمامه، نشأ وترعرع، وفي وسط ~~تلك البادية التي أكسبته الفصاحة، والشجاعة، أقبل على طلب العلم والعبادة. # وفي ذلك البيت الذي تمثلت فيه أنصع صور الطهر والعبادة والعلم تعلم ~~الإمام الهادي (ع) ودماء النبوة تجري في عروقه، فحاز على مراتب العلم وبرز ~~فيها، ولم يدركه أحد، وعرف آباؤه وأعمامه فضله على ماهم عليه من العلم ~~فقدموه عليهم وبايعوه بالإمامة وعمره خمس وثلاثون سنة. PageV01P175 # منحه الله تعالى بسطة في العلم والجسم منذ الصباء، فيروى أنه كان يدخل ~~السوق في حال صباه. فيقول: ماطعامكم هذا؟ فيقال: الحنطة. فيدخل يده في ~~الوعاء فيأخذ منها في كفه ويطحنه بيده ثم يخرجه فيقول: هذا دقيق. وكان يأخذ ~~الدينار فيؤثر في سكته بأصبعه ويمحوها، وكان يضرب بسيفه عنق البعير الغليظ ~~فيبينه من جسده. # قال عنه حسين العرشي ms135 في بلوغ المرام بعد ذكر نسبه: «المبرز في العلوم، ~~الحافل بمنطوقها ومفهومها، صاحب المذهب الشريف، والمنصب المنيف، والشجاعة ~~التي ظهرت في الآفاق، وتحدثت بها الرفاق في مواطن الاتفاق، أعطاه الله ~~المواهب اللدنية، والغوامض الجفرية، وزاده بسطة في العلم والجسم والقوة، ~~فحمل ذا الفقار، وقاتل به بعد علي عليه السلام، ولم يكن قاتل به غيره، وهو ~~صاحب التصانيف الفائقة، والأشعار الفصيحة الرائقة، منقذ اليمن من الضلال، ~~ومزلزل أركان الباطل والمحال» (1). # وقد بدأ عليه السلام التأليف وعمره سبع عشرة سنة فألف المؤلفات العديدة ~~ومنها: كتاب الأحكام، والمنتخب، والفنون، والمناهي والنهي، والمدرك في ~~الأصول، رسائل العدل والتوحيد، وغير ذلك. # يقول الشيخ أبو زهرة: «عكف على الفقه يدرسه من كل نواحيه، وفي كل مصادره، ~~وقام هاديا مرشدا يدعو إلى الله سبحانه وإلى صراط مستقيم، وكان مرجعا في ~~الدين من كل الطوائف الإسلامية، والأمصار المختلفة، يسألونه ويستفتونه، وهو ~~يرد عليهم رسائل قيمه أثرت عنه يدافع فيها عن القرآن والسنة، ويبين الحق ~~الذي يرد زيغ الزائغين» (2). PageV01P176 # ويقول عبدالفتاح شايف في كتابه الإمام الهادي واليا وفقيها ومجاهدا: «ولقد ~~قضى الإمام الهادي (ع) عمره كله لتلك الغاية النبيلة التي أعلنها في مبدأ ~~أمره، عاش حياته كلها جهادا ورضا، لم يدخر لنفسه فيها درهما ولادينارا، ولم ~~يسع لملك ولاسلطان، وما تناقضت أفعاله مع أقواله يوما من الأيام، وإنما ظلت ~~حياته كلها نسقا واحدا ونفحا صادقا منذ أن خرج لإعلاء كلمة الحق حتى لقي ~~الله» (1). # سبب خروجه (ع) إلى اليمن: # كان (ع) قد بايعه أعمامه وآباؤه بالإمامة كما تقدم لما رأوا من علمه ~~وورعه وتقواه وخشيته من الله سبحانه وتعالى وتواضعه وكرمه وأخلاقه، وتوجهوا ~~جميعا إلى طبرستان، ثم عادوا إلى الرس، فجاءه وفد من علماء وقبائل اليمن ~~يطلبونه الخروج إليهم، وألزموه أمام فاطر السماوات والأرض القيام بأمر الله ~~سبحانه وتعالى. # وقد قال (ع): «والله الذي لاإله إلاهو وحق محمد ماطلبت هذا الأمر، ~~وماخرجت اختيارا، ولاخرجت إلآ اضطرارا لقيام الحجة علي، ولوددت أنه كان لي ~~سعة في الجلوس لم يمنعني ترك ms136 الفكر في هذا الأمر حتى ناظرت نفسي فيه طويلا ~~فما وجدت إلا الخروج، أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم» (2). # وخرج معهم (ع) لإحياء الكتاب والسنة، وإماتة البدعة والضلالة، ووصل صعدة ~~سنة (280 ه) ثم رحل إلى قرية الشرفة ناحية بني حشيش بالقرب من صنعاء، ولبث ~~مدة يسيرة ظهر منهم الخلاف لأوامره الشرعية، وخذله الناس فلم يجد من يعينه ~~على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعاد إلى الحجاز، وهو يقول: «هل هي ~~إلا سيرة محمد (ص) أو النار، والله لا أكون كالفتيلة تضيء غيرها وتحرق ~~نفسها». # العودة الثانية: PageV01P177 # عمت اليمن بعد رحيله (ع) الفتن، وانقطع عنهم المطر، وساءت حالتهم، ولما ~~اشتد بهم ذلك، عرفوا أ،ه لن يجمع شملهم، ولن يميت الباطل ويعيد الحق إلا ~~الإمام الهادي (ع) فذهب وفد منهم إليه، وأعطوه بيعتهم، وأعلنوا توبتهم ~~وندمهم على مافعلوا فلبى دعوتهم، امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى في ~~القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وتوجه (ع) إلى اليمن يودعه أكابر أهل بيته (ع)، فيهم عالم آل محمد محمد ~~بن القاسم (ع) وكان مما قاله: «يا أبا الحسين لو حملتني ركبتاي لجاهدت معك ~~يابني، أشركنا الله في كل ما أنت فيه، وفي كل مشهد تشهده، وفي كل موقف ~~تقفه» (1). # ووصل صعدة في صفر سنة (284 ه) وعند وصوله حسم الفتنة بين القبائل، ~~وبايعوه جميعا ودخلوا صعدة أخوة متحابين، وبايعته القبائل اليمنية، وجاءته ~~وفود نجران، وخطب له في مكة، وجعل من صعدة مركزا وعاصمة لنشر دعوته وجهاده. ~~وكان مما قاله (ع) في نص بيعته: «أيها الناس إني أشترط لكم على نفسي الحكم ~~بكتاب الله وسنة نبيه، والأثرة لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم ~~أؤثركم ولا أتفضل عليكم، وأقدمكم عند العطاء قبلي، وأتقدم أمامكم عند لقاء ~~عدوي وعدوكم بنفسي، وأشترط لنفسي عليكم اثنتين: النصيحة لله سبحانه ولي في ~~السر والعلن، والطاعة لأمري في كل حالاتكم ما أطعت الله فيكم، فإن خالفت ~~طاعة الله عز وجل فلا طاعة لي ms137 عليكم، وإن ملت وعدلت عن كتاب الله فلاحجة لي ~~عليكم». # ثم نشر الإمام الهادي (ع) دعوته من صعدة ووفدت عليه القبائل من كل جهة، ~~وأرسل عماله إلى تلك المناطق لإقامة تعاليم الإسلام في كل منطقة، ودخل ~~صنعاء واستقبله واليها من قبل الدولة العباسية آنذاك واسمه أبو العتاهية ~~«عبدالله بن بشر». PageV01P178 # وظهرت حركات التمرد والخروج عليه (ع) من اليعفريين (1) المدعمين بولاء وقوة ~~الدولة العباسية، وتبعهم على ذلك بعض القبائل في نجران وغيرها، ثم كانت ~~حركة القرامطة ودعوتهم الشاذة مما اضطر الإمام الهادي (ع) أن يقضي معظم ~~حياته مجاهدا في سبيل الله ضد تلك الطوائف لإرساء قيم الحق والعدالة، وقد ~~نصره الله عليهم في جميع المعارك الحربية التي خاضها رغم قلة أصحابه في ~~أكثر المواطن. # وقد بذل حياته (ع) كلها من أجل إرساء دعائم الحق والعدالة فكان يردد ~~ويقول: «والله لوددت أن الله أصلح الإسلام بي، وأن يدي معلقة بالثريا، ثم ~~أهوي إلى الأرض فلا أصل قطعا» (2). # يقول الشيخ أبو زهرة عن الإمام الهادي (ع): «إن أعظم مقاصده إقامة حكم ~~إسلامي، وجمع المسلمين على كتاب الله تعالى، وسنة نبيه (ص)، وقد كان يسعى ~~جهده لجمع شمل المسلمين، وإصلاح أمورهم فيما بينهم» (3). # دروس من حياته (ع) # في ميدان الجهاد: # لعل المتتبع لسيرة الإمام الهادي (ع) يلاحظ مدى محاولة الإمام الهادي (ع) ~~اقتفاء أثر الرسول (ص) في جميع أموره حتى في مسميات الجيش فقد كان جيشه ~~مكون من المهاجرين والأنصار، وكان لايقاتل قوما إلا بعد دعوتهم وإقامة ~~الحجة عليهم وإرسال رسله إليهم بأن يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، وأن ~~يحقنوا الدماء، ويعلنوا توبتهم، ويرجعوا إلى الحق إذا كانوا من ناقضي ~~العهد، فإن أبوا قاتلهم حتى يحكم الله بينه وبينهم. # كان كثير الصفح والعفو مهما تكرر نكث الناكثين وغدرهم، يمنع أصحابه أن ~~يتبعوا مدبرا، أو يقضوا على جريح، أو يقتلوا وليدا أو امرأة أو شيخا لايطيق ~~القتال، أو يقطعوا شجرا، أو يمثلوا بآدمي أو بهيمة. PageV01P179 # تجلى في جهاده (ع) كل معاني الشجاعة المقرونة بأفضل أنواع ms138 الصفح والعفو، ~~فقد كانت شجاعة علوية ازدانت بأجمل وأنبل الصفات، طبع عليها الإمام الهادي ~~(ع) بدون كلفة أو مجاهدة رأي، لقد كان (ع) صورة ثانية للإمام علي (ع)، فكان ~~يقاتل بسيفه، ويضرب ضربه ويتقدم الصفوف، يروى أنه ضرب رجلا بنجران فجذب ~~السيف من بين رجليه، فقال رئيسهم: استروا ضربة هذا العلوي فوالله لئن رآها ~~الناس لاتناصروا (1). # قال لأصحابه يوما وهو يحثهم ويوجب عليهم قتال القرامطة: مايجزعكم من ~~عدوكم وأنتم ألفا رجل، فقالوا: إنما نحن ألف، فقال (ع): أنتم ألف، وأنا ~~أقوم مقام ألف، وأكفي كفايتهم. وله (ع) ليلة مع القرامطة تشبه ليلة الهرير ~~لعلي (ع) في صفين. # وفي إحدى المعارك مع آل يعفر وهو في قلة من أصحابه هجم عليهم حتى خالطهم ~~بأصحابه، وقتل حامل رايتهم وهزمهم، فتعجب الناس من شجاعته تلك فلما بلغ ~~الهادي (ع) ذلك قال: «ويحهم ومايعجبون من ذلك، ولو كان معي ألفا رجل ~~وخمسمائة فارس مؤمنين صابرين، لدوخت بهم عامة الأرض». # ولقد كانت تلك القوة والشجاعة تنعكس سماحة وعدلا على الأعداء، مما جعلهم ~~يتوافدون عليه للبيعة في كل جهة ينزل فيها. PageV01P180 # ومن ذلك أنه عندما بلغه تمرد أهل صنعاء على عامله بها، ونهبهم كل ماعندهم ~~من الأمتعة والدواب وكان في شبام دعا من كان في سجنه من آل يعفر وآل ~~طريف، فأطلقهم ومن عليهم، وكان مما قاله لهم: «وهبت لكم نفوسكم فاتقوا الله ~~في سركم وعلانيتكم». وأراد الرحيل إلى صعدة فلحقه أهل شبام وأرادوا قتله ~~فهزمهم وأمن مكرهم، واستقر الإمام (ع) في ريدة وفيها وفد عليه أخوه عبدالله ~~بن الحسين من الحجاز ومعه ثمانون رجلا من المضريين، وعلم الإمام الهادي (ع) ~~بأن آل يعفر جمعوا قواتهم وفرسانهم واحتلوا صنعاء فتوجه إلى صنعاء ومعه أبو ~~العتاهية وأنصار الإمام (ع)، والمهاجرون من الطبريين والمضريين، وهزم ~~الإمام الهادي (ع) بني يعفر ودخل صنعاء، وعفا عنهم، وقال لهم في خطبة ~~الجمعة: «أيها الناس مانقمتم علي إلا ماحكى الله في كتابه عن قوم لوط في ~~قولهم: {أخرجوا آل لوط من قريتكم ms139 إنهم أناس يتطهرون} ولكنني أقول لكم كما ~~قال عمي يوسف عليه السلام: لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين»، ثم بقي (ع) في صنعاء سنة كاملة يعلمهم ويرشدهم ويدرأ عنهم ~~الأخطار ثم احتاج جيشه للمال، ولم يجد ماينفق عليه، فطلب قرضا من أعيان ~~صنعاء فلم يقرضوه درهما واحدا، فخرج (ع) مع أصحابه إلى صعدة، وقال لهم عند ~~خروجه: «والله لتمنونني، وليضربنكم الله بلباس من الجوع، والخوف، ولتباعن ~~نساؤكم بالدينار والدينارين والثلاثة جزاء من الله على فعلكم وصنعكم، ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فلم تمض إلا فترة حتى دخل علي بن ~~الفضل صنعاء وكان قد اتخذ من مدينة المذيخرة عاصمة لملكه وفعل الأفاعيل ~~في صنعاء، فادعى النبوة، وأحل نكاح البنات والأمهات والأولاد، وارتكب جميع ~~المحرمات، وارتقى جامع صنعاء وخطب فيهم خطبته الشنيعة التي هدم فيها أركان ~~الدين، ولقي أهل صنعاء منهم الكثير فلم يجدوا إلا الإمام الهادي (ع) ~~فاستغاثوا به لجهاد القرامطة. فضرب (ع) أروع صور PageV01P181 الصفح والتسامح معهم وهب لنجدتهم وإنقاذهم، وتوجه لجهاد القرامطة وأخرجهم ~~من صنعاء وكان له معهم أكثر من نيف وسبعين وقعة انتصر فيها عليهم. # في العلم والعبادة: # الحديث عن مكانة الإمام الهادي (ع) العلمية لاتحتاج إلى وصف، وماتركه لنا ~~من ثروة انبنت عليها أصول وتخريجات المذهب الزيدي خير دليل على ذلك، ويكفي ~~ماروى أبو طالب (ع) عنه: «أنه بلغ من العلم مبلغا يختار عنده يجتهد ويصنف ~~وله سبع عشرة سنة» (1). # قال أبو بكر بن يعقوب عالم أهل الري وحافظهم عندما جاء إلى اليمن ورأى ~~الإمام الهادي (ع) : «كنت لا أعترف لأحد بمثل حفظي لأصول أصحابنا، وأنا ~~الآن إلى جنبه جذع، بينما أجاريه في الفقه وأحكي عن أصحابنا أقوالا، إذ ~~يقول ليس هذا يا ابا بكر قولكم، فأراده (أراجعه) فيخرج إلي المسألة في ~~كتبنا على ماحكى وادعى فقد صرت إذا ادعى شيئا عنا أو عن غيرنا لا أطلب معه ~~أثرا» (2). # واجتمع عليه يوما في صنعاء سبعة آلاف عالم من الجبرية واختاروا شيخهم ~~وتقدم يسأل ms140 الإمام الهادي (ع) ويناظره فقال: ممن المعاصي؟ فقال له (ع): ومن ~~العاصي؟ فاحتار ولم يعرف إجابة. وعاد إلى أصحابه فأخبرهم بعجزه عن عدم ~~معرفة الإجابة وقال: ويحكم إن قلت العاصي الله كفرت، وإن قلت العبد دخلت في ~~مذهبه، فرجعوا جميعا إلى مذهبه (ع). PageV01P182 # لقد كان الإمام الهادي (ع) إلى جانب مايحمله من علم مجاهدا طوال حياته، ~~واليا عدلا، يتابع أحوال رعيته ومظالمهم معلما ومرشدا لأصحابه، يجيب عن ~~مسائلهم وأسئلتهم حتى وإن كان في حال المعركة، وقد تتلمذ وتخرج على يديه ~~مالا يحصى من العلماء والفضلاء الذين حملوا فكره وعلمه إلى جميع أصقاع ~~الأرض، ومنهم على سبيل الاختصار: ولداه محمد وأحمد، وأخوه عبدالله بن ~~الحسين، وعلي بن محمد العلوي مؤلف سيرة الإمام (ع) ووالده (1)، ومحمد بن ~~سليمان الكوفي وأخوه علي، وعلي بن العباس الحسني، وغيرهم الكثير. # وفي الليل تتحول حياته إلى عبادة وصلوات لله سبحانه وتعالى، له مصلى أسفل ~~داره يأوي إليه عندما ينصرف عنه الناس يتعبد ويبكي ويتضرع إلى الله سبحانه ~~وتعالى فيه إلى الصباح. PageV01P183 # روى أبو طالب (ع) بإسناده عن سليم وكان يتولى خدمة الهادي (ع) في داره قال: ~~كنت أتبعه حين يأخذ الناس فرشهم في أكثر لياليه بالمصباح إلى بيت صغير في ~~الدار كان يأوي إليه فإذا دخل صرفني فأنصرف، فهجس بقلبي ليلة أن أحتبس ~~وأتيت إلى باب المسجد أنظر مايصنع. قال: فسهر عليه السلام الليل أجمع ركوعا ~~وسجودا، وكنت أسمع وقع دموعه صلى الله عليه ونشيجا في حلقه فلما كان الصبح ~~قمت فسمع حسي فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال: سليم ماعجل بك في غير حينك؟ ~~قلت: مابرحت البارحة جعلت فداك. قال: فرأيته اشتد ذلك عليه، وحرج علي أن لا ~~أحدث به في حياته أحدا (1). # في الميدان الإجتماعي: # إن المرء ليقف إجلالا وتقديرا للمنهج القويم الذي سطر به الإمام الهادي ~~(ع) تاريخ الأمة الإسلامية، فقد كان (ع) إماما للعلماء والفضلاء، ونبراسا ~~وهاجا للزهاد والعباد، وأسوة وقدوة لناشدي الحق والعدالة، ومثلا أعلى ~~للحاكم العادل، وما اختلفت أفعاله مع ms141 أقواله يوما واحدا، لم يتخل عن شعاره ~~الذي رفعه أمامه لحظة واحدة: «هل هي إلا سيرة محمد (ص) أو النار». وقد ضرب ~~مع شعبه أروع الأمثلة للمجتمع المؤمن المترابط، فكان (ع) يصلي بالناس ~~الصلوات جميعها، ويجلس فيما بينها لتعليم الناس فرائض الدين، ويتحاكمون ~~إليه فيبين لهم الأحكام في لين ورفق ثم يقوم إلى السوق، يعظ التجار ويبين ~~لهم أصول التجارة، ويدور في سكك المدينة إذا رأى جدارا مائلا ، أو طريقا ~~غير صالح أمر بإصلاح ذلك، أو شارعا مظلما أمر بإضاءته في الليل ليتمكن ~~المارة من السير إلى المسجد، يأمر النساء بالحجاب والتستر. # يزور السجن ويراقب نظافته ويأمر من كان يعرف القراءة من المساجين أن يعلم ~~من لايعرف ذلك ويسأل كل مسجون عن سبب سجنه، وينظر فيه. PageV01P184 # يطعم الفقراء والمساكين ويأمر بإدخال الأيتام والمساكين عليه فيفت لهم ~~الطعام بيده ويأكل معهم، أمر صاحب بيت المال أن يطعم الطوافين عليه من ~~الفقراء والمساكين في الصباح والمساء، وأمر لهم بكسوة من بيت المال شتاء ~~وصيفا لايحتجب عن أحد، يقف ينتظر ظلامة المظلومين، ويأخذ لهم حقوقهم، يهتم ~~ويعتني بأهل الذمة، وكان يقول لهم: «من آذاكم فأعلموني به ومن اطلع على ~~محرمكم أو تعرض لكم أحللت به ما أحل بمن نكث عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم» (1). # يسلم على الصغير والكبير، ويقف لهم ويلاطفهم، ويقضي حوائجهم، ورعا زاهدا، ~~لم يأخذ مما جبت له اليمن شيئا، وإنما كان يأكل مما جاء به من الحجاز، وكان ~~يقول: «والله الذي لاإله إلاهو ما أكلت مما جبيت من اليمن شيئا ولاشربت منه ~~الماء، والله يعلم ما أقول» (2). ويروى أنه توضأ يوما ثم مسح وجهه بخرقة ~~فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه الخرقة من العشر فسألوه في ذلك. ~~فقال: «مايحل لنا أن نمسح به وجوهنا ولانستظل به من الشمس» (3). # يقف ينتظر ظلامة المظلومين ومن ذلك أنه وقف يوما للناس فغلبه النوم فدخل ~~لينام، فعاد أحد أصحابه فإذا هو في مكانه قد رجع فقال: يا ابن رسول الله ms142 ~~ألم تكن أردت النوم؟ فقال (ع): دخلت وهممت بذلك فقلت مايؤمنني أن ببابي ~~طالب حاجة أو مظلوما فأكون قد أثمت فخرجت على الفور. # وكان يقول لغلامه: أوصل إلى كل ضعيف، ولاتحرقني وتحرق نفسك بالنار فقد ~~نسخت الأمر من عنقي إليك. PageV01P185 # يقيم أحكام الله متشددا في إقامتها وكان يقول: «والله ماهو إلا الحكم بكتاب ~~الله تعالى، او الخروج من الإسلام، والله لو قام الحق على بني القاسم ~~لأخذته منهم» (1). لايولي على الناس إلا من يعرف فضله وعلمه ويثق في دينه ~~وأمانته، يحافظ على أصحابه في الحرب فيتقدمهم عند اللقاء، ويؤثرهم عليه ~~فيقدمهم عند العطاء. # قال أبو الحسن الهمداني الحروري وكان على مذهب الشافعي، يجمع بين الفقه ~~والتجارة عندما وصل إلى اليمن بتجارته في بعض الأوقات وأراد رؤية الإمام ~~الهادي (ع) لما يصل إليهم من آثاره، ولما وصل صعدة قال لمن لقيه كيف يصل ~~إلى الإمام الهادي (ع) ومتى؟ وبمن يتوسل؟ فقيل له: الأمر أهون مما تقدر، ~~تراه الساعة إذا دخل الجامع للصلاة بالناس فإنه يصلي بالناس الصلوات الخمس ~~كلها. قال الحروري: فانتظرته حتى خرج للصلاة فصلى بالناس وصليت خلفه، فلما ~~فرغ من صلاته تأملته، فإذا هو قد مشى في المسجد إلى قوم أعلاء في ناحية منه ~~فعادهم وتفقد أحوالهم بنفسه، ثم مشى في السوق وأنا أتبعه فغير شيئا أنكره ~~ووعظ قوما وزجرهم عن بعض المناكير، ثم عاد إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه في ~~داره فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرحب بي وأجلسني وسألني عن حالي ومقدمي، ~~فعرفته أني تاجر وأني وردت ذلك المكان تبركا بالنظر إليه، وعرف أني من أهل ~~العلم، فأنس بي، وكان يكرمني إذا دخلت عليه، إلى أن قيل لي في يوم من ~~الأيام إن غدا يوم المظالم وأنه يقعد فيه للنظر بين الناس فحضرت غداة هذا ~~اليوم فشاهدت هيبة عظيمة، ورأيت الأمراء والقواد والرجال وقوفا بين يديه ~~على مراتبهم وهو ينظر في القصص ويستمع الظلامات ويفصل الأمور، قال: ثم أنفذ ~~إلي يوما من الأيام يقول: «إن كان في ms143 مالك لله حق زكاة فأخرجه إلينا»، ~~فقلت: سمعا وطاعة، من لي بأن أخرج زكاتي إليه، وحسبت حسابي فإذا علي من ~~الزكاة عشرة دنانير، فأنفذتها إليه. فلما كان ذات يوم بعث إلي PageV01P186 واستدعاني فإذا هو يوم العطاء، والمال يوزن ويخرج إلى الناس، فقال: إني ~~أحضرتك لتشهد إخراج زكاتك إلى المستحقين، فقمت وقلت: الله الله أيها الإمام ~~كأني أرتاب فيك بشيء أو أشك في فعلك. فتبسم وقال: ماذهبت إلى حيث ظننت ولكن ~~أردت أن تشهد إخراج زكاتك (1) وجاءه يوما رجل ضعيف وقت السحر يستعدي على ~~قوم فدق الباب، فقال: من هذا يدق الباب في هذا الوقت؟ فقال له رجل: كان على ~~الباب هذا رجل يستعدي. فقال: أدخله. فدخل الرجل واستعدى على قوم، فوجه معه ~~في ذلك الوقت ثلاثة رجال يحضرون معه خصومه، ثم قال: يا أبا جعفر يريد مؤلف ~~سيرته الحمدلله الذي خصنا بنعمه، وجعلنا رحمة على خلقه، هذا رجل يستعدي ~~إلينا في هذا الوقت، لو كان واحدا من هؤلاء الظلمة ما دنا إلى بابه في هذا ~~الوقت مستعد، ثم قال: «ليس الإمام منا من احتجب عن الضعيف في وقت حاجة ~~ماسة» (2). # نشر العدالة الاجتماعية بينهم، ونظم اقتصادهم، وألغى كل ماكان يفرض عليهم ~~من الأمراء سابقا، ولم يأخذ إلا زكاة أموالهم يتحرى العدل والنصفة في ذلك، ~~رسم لعماله طريقة الإسلام في أخذ الزكاة، وأمرهم أن يراقبوا الله تعالى، ~~ولايقبلون هدية، ولاينزلون على أحد، وكان يستحلفهم على ذلك، فإذا جاء صاحب ~~المال وقال: إن زكاته أقل مما قدرها الخراص استحلفه وأخذ منه الذي قال ~~فيقسمها على الفقراء والمساكين، ويأمر بالمناداة أين أصحاب الحاجات فيأتون ~~لاستلام نصيبهم. PageV01P187 # قال له أصحابه يوما: إن كنت إنما تأخذ من نصاب الطعام عشرا أو نصف العشر ~~فليس مجتمع من هذا شيئا أبدا. ويريدون أن يفرض شيئا آخر حتى يتقوى بيت ~~المال وينفق منه على الفقراء والمساكين في الجهاد وغيره، فقال (ع): لا ~~اجتمع من هذا شيء أبدا والله لو التقت هذه وهذه يريد السماء والأرض علي ~~حتى تختلف ms144 اضلاعي ما أخذت غير الحق أبدا، وقد رأينا كيف رجع (ع) بجيشه من ~~صنعاء ولم يأخذ شيئا وهو يدافع عنهم، عندما رفضوا أن يقرضوه. # يقول الشيخ أبو زهرة: «وقد عمل على نشر العدالة بكل شعبها، وعلى رأسه ~~العدالة الاجتماعية، ولذلك نظم بيت المال، وجمع الزكوات والجزية، ووزعها ~~بين أهلها، وأوجب صرف ربع مايجمع بين أهل القرية التي جمعت الزكاة منها، ~~وسار في تنظيم بيت المال إلى أقصى مداه» (1). # وهكذا سخر الإمام الهادي (ع) حياته لبناء دولة الإسلام فكان عالما فاضلا، ~~مجاهدا باسلا، عابدا زاهدا، حاكما عادلا، مقتفيا أثر الرسول (ص)، خطوة ~~خطوة، حتى لقي ربه راضيا مرضيا عنه، وذلك في يوم الأحد 20 ذي الحجة سنة ~~(298 ه)، وقبره (ع) في مسجده بصعدة مشهور مزور وفيه وفي الإمام الناصر يقول ~~بعض الشعراء: # عرج على قبر بصعدة * وابك مرموسا بآمل # واعلم بأن المقتدي بهما * سيبلغ حيث يأمل # ونحن عندما نستطيع سيرة الإمام الهادي (ع)، ونعرف تلك اللوحة الناصعة ~~التي سطر بها أفق التاريخ الإسلامي، تتجلى لنا العدالة والسياسة والروح ~~الإسلامية التي انتهجها الإمام الهادي (ع) منذ وطئت قدمه أرض اليمن، والتي ~~عبر عنها بقوله مخاطبا لهم:«والله لم يغب عنكم من رسول الله (ص) إلا شخصه ~~إن شاء الله». PageV01P188 # ويتراءى لنا ذلك المجتمع المثالي الذي كونه الإمام الهادي (ع) والمتاعب ~~التي واجهها لتكوينه حتى أصبح مجتمعا صادقا متماسكا، متكاملا، ونعرف ذلك ~~السلوك القويم الذي عامل به الإمام (ع) أفراد أمته، والعدالة الاجتماعية ~~التي زرعها في أوساطهم، ويتمثل لنا بوضوح مرة ثانية صورة ذلك المجتمع ~~المثالي الذي أسسه رسول الله (ص) وأنشأ به دولة الإسلام. # إن كل هذا هو الذي جعل القلوب تتعلق به، وتقبل عليه، وأبقت اسمه خالدا ~~مخلدا، ورفعت اسمه كأكبر مصلح في سماء التاريخ، وأهالت عليه هالة من الحب ~~والتقدير في قلب كل مؤمن إلى هذا اليوم وإلى الأبد. # اليمن في عهد المرتضى.. والناصر (ع) # كان مولده سنة (278 ه)، وهو تلميذ والده، وأحد ورثة علمه، ذو عبادة ~~وشجاعة وزهد، ms145 لقب بجبريل هذه الأرض، وألف المؤلفات العديدة، مثل: كتاب ~~الإيضاح في الفقه، وكتاب النوازل، وكتاب الإرادة والمشيئة، وكتاب الأصول، ~~وغيرها من الكتب في التفسير والأصول والفقه. # اجتمع الناس إليه بعد موت الإمام الهادي (ع) وطلبوا منه البيعة، فأبى ~~عليهم ذلك، وقال لهم في خطبته المشهورة: «ولسنا رحمكم الله بأبناء دنيا ~~فنتكالب عليها، ولابأهل باطل فنطلب الإمارة والسلطان والأمر والنهي من غير ~~استحقاق وعلى غير جهة رشد وسداد واستقامة وصلاح»، وذكرهم ببيعتهم للإمام ~~الهادي (ع) ونقض أكثرهم للعهود، وتسامح وصبر الإمام الهادي (ع) عليهم، ولكن ~~القوم ألحوا عليه وتذاكروا خطر القرامطة وتوسعهم فقبل عليه السلام وكانت ~~البيعة في شهر محرم سنة (299 ه). # ونهج الإمام المرتضى نهج أبيه (ع) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والعدل والإنصاف، وجهز الجيوش لقتال القرامطة، وكان متصفا بالشجاعة ~~الفائقة، إذ كان أحد قواد الهادي (ع)، وكان يثبت معه في المعارك عندما ~~ينهزم عنهما الناس. PageV01P189 # ولما رأى تغير احوال الناس، وعدم استقامتهم واستجابتهم للحق، ومحاولته ~~الشديدة معهم لإرجاعهم دون جدوى أعلن تنازله وتخليه عن الأمر ولم تغره ~~الرئاسة أو السيطرة أو أطماع الدنيا، بل ترك كل ذلك وبين لهم أن هدفه ~~المنشود كسائر أهل البيت (ع) إقامة شعائر الإسلام، والعدل في الرعية، ~~والحكم بالسوية، وماهي إلا سيرة محمد بن عبدالله (ص) أو النار، ولن يعدل عن ~~ذلك أبدا، وجمع الناس وخطبهم خطبة قال فيها: «ثم إنكم معاشر المسلمين ~~أقبلتم علي عند وفاة الهادي (ع)، وأردتموني على قبول بيعتكم فامتنعت مما ~~سألتموني، ودافعت بالأمر ولم أؤيسكم في إجابتكم إلى ماطلبتم مني خوفا من ~~استيلاء القرمطي لعنه الله على بلادكم وتعرضه للضعفاء والأيتام والأرامل ~~منكم، فأجريت أموركم على ماكان الهادي رضي الله عنه يجريها، ولم أتلبس بشيء ~~من عرض دنياكم، ولم أتنازل قليلا ولاكثيرا من أموالكم، فلما أخزى الله ~~القرمطي، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا تدبرت أمري ~~وأمركم، ونظرت فيما اتعرضه في أخلاقكم فوجدت أموركم تجري على غير سننا ~~وألفيتكم تميلون إلى الباطل، وتنفرون عن ms146 الحق، وتستخفون بأهل الصلاح والخير ~~والدين والورع منكم.. الخ خطبته» (1). # ثم اعتزل الأمر، وصرف عماله، وخلا بربه وآثر عبادته، ولزم منزله وكان ذلك ~~في ذي القعدة سنة (299 ه). # فقام بعض بني عمه في النظر في أعمال الناس، إلى أن قدم أخوه «أحمد بن ~~الهادي (ع) من الحجاز في آخر ذي الحجة سنة (300 ه) فاجتمعت إليه قبائل ~~خولان، وهمدان، ونجران، واستعانوا بأخيه (محمد المرتضى) في إقناعه بقبول ~~بيعتهم، حتى تم لهم ذلك في صفر سنة (301 ه). # كان (ع) أحد تلامذة والده، متصفا بالذكاء، أحرز علما كبيرا له الكتب ~~العديدة، مثل: كتاب النجاة في أصول الدين ثلاثة عشر جزءا، وكتاب الدامغ، ~~وكتاب المفرد في الفقه، وكتاب مسائل الطبريين، وغيرها. PageV01P190 # كان (ع) شجاعا سياسيا مدبرا قد مرسته تلك الحروب الطويلة، وكان عند وفاة ~~والده (ع) في الحجاز، فلما قدم وتمت له البيعة، أعلن المشي بسيرة والده ~~(ع)، وتجهز للجهاد في سبيل الله بعدما توافد عليه الناس يشكون إليه خطر ~~وعبث وفساد القرامطة فيهم، وكان قد عظم أمرهم، فجاهدهم عليه السلام جهادا ~~طويلا وشتتهم وأزال خطرهم ومن أشهر معاركه معهم معركة نغاش شمال عمران، إذ ~~اجتمع القرامطة مع قائدهم عبدالحميد بن محمد بن الحجاج المسوري وجمعوا جيشا ~~كثيفا يزيد على سبعة آلاف مقاتل فسار إليهم الإمام الناصر في ألف وسبعمائة ~~مقاتل ومعه قائده أبو جعفر أحمد بن محمد الضحاك الحاشدي وإبراهيم بن المحسن ~~العلوي، فانتصر عليهم وفرقهم وبلغ قتلى القرامطة أكثر من خمسة آلاف قتيل، ~~وبعدها دانت له اليمن ووحدها ودخلت تحت عدله ورعايته بعدما دخل عدن في ~~ثمانين ألف رجل.. # وفي سنة (310 ه) توفي المرتضى (ع) بصعدة ودفن جوار أبيه (ع)، وبقي الإمام ~~الناصر (ع) خمسة عشر عاما بعد وفاة أخيه ينشر العدل والعلم والمعرفة بين ~~الناس داعيا ومجاهدا في سبيل الله حتى انتقل إلى رحمة الله سنة (325 ه)، ~~ودفن بجوار أخيه وأبيه (ع). # وبعد موته انقسمت اليمن إلى دويلات متعددة، وقبائل متفرقة كدولة آل زياد، ~~ودولة آل ms147 يعفر، وآل الضحاك، وأبي الفتوح وغيرهم، وظلت أجزاء كثيرة من اليمن ~~تخضع للأقوى منهم فتارة لآل يعفر، وتارة لغيرهم وهكذا. # وقد بذل أئمة أهل البيت (ع) بعد موته جهودا مضنية في محاربة الباطنية، ~~وأصحاب الأفكار الهدامة الزائفة ومنهم: # الإمام المنصور بالله يحيى بن الناصر، وتوفي سنة (366 ه)، وقبره في صعدة، ~~وكذلك المختار «القاسم بن الناصر»، وكانت له حروب كثيرة أسره الضحاك، ثم ~~قتله في ريدة سنة (345 ه)، واستخرجه ابن أخيه الداعي يوسف بن يحيى من قبره ~~بعد خمس وعشرين سنة فوجده كهيئته يوم مات ولم يفقد منه إلا روحه ونقله إلى صعدة. PageV01P191 # ثم قام الداعي يوسف بن المنصور بالله يحيى بن الناصر، ثم كان قيام المنصور ~~بالله القاسم بن علي بن عبدالله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم (ع) الملقب ~~بالإمام القاسم العياني سنة (388 ه)، واستطاع أن يوحد اليمن إلى أن تكالبت ~~عليه الأمور فعاد إلى عيان وتوفي بها سنة (393 ه)، وكان (ع) عالما فاضلا، ~~وقائدا شجاعا. له المؤلفات العديدة التي حوت مختلف العلوم مثل كتاب ~~التوحيد، وكتاب التجريد، وكتاب التنبيه، وغيرها، وبعد موته بايع الناس ~~الإمام المهدي الحسين بن القاسم العياني (ع)، وكان رجلا عظيما متوقد الذهن ~~يضرب به المثل في الحفظ والذكاء (1) بلغ الغاية القصوى في العلم ومؤلفاته ~~أكثر من نيف وسبعين مؤلفا منها كتاب المعجز في علم الكلام (2)، وتفسير ~~القرآن كاملا، ومختصر الأحكام. # وبقي عليه السلام يجاهد الباطنية وغيرهم، حتى قتل حول ريدة في بعض حروبه ~~مع بني الضحاك سنة (404 ه) وعمره بضع وعشرون سنة، بعد أن تكالبت عليه ~~الجنود من كل مكان وهو في قلة من أصحابه، وقتله رجل من بني حماد، وقد قدم ~~لقاتله نار ليتبخر بها فأحرقته ومات (3). # ثم قام الإمام أبو هاشم الحسن بن عبدالرحمن بن يحيى بن عبدالله بن الحسن ~~بن القاسم بن إبراهيم (ع) سنة (426 ه).. ودخل صنعاء وله دعوة بين فيها ~~سياسة الحاكم العادل، ذكرها الشهيد حسام المحلي (4)، وتوفي بناعط من بلاد ~~حاشد سنة ms148 (431 ه). ثم قام بالأمر الإمام الناصر: أبو الفتح بن الناصر بن ~~الحسين بن محمد بن عيسى بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن علي بن الحسن بن ~~زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، وكان قيامه (ع) في الديلم سنة (430 ~~ه)، ووصل اليمن سنة (437 ه)، وكان عالما شجاعا له كتاب البرهان في تفسير ~~القرآن أربعة أجزاء. PageV01P192 # وكانت الدولة الصليحية قد قوي ملكها بقيادة علي بن محمد الصليحي واتخذت من ~~الدعوة الباطنية مذهبا لها، وكان بنو نجاح قد أقاموا دولتهم في زبيد عقب ~~الدولة الزيادية، وقد قاوم (ع) الباطنية حتى قتله علي بن محمد الصليحي سنة ~~(444 ه) بنجد الجاح من بلاد عنس، وليس معه سوى بضع وسبعين نفرا من أصحابه (1). # وكذلك قام بالاحتساب الشريفان الفاضلان القاسم بن جعفر بن القاسم العياني ~~وأخوه محمد بن جعفر الذي تنسب إليه شهارة الأمير إذ يقال: شهارة الأمير. ~~عندما عمرها وتحصن بها وقد وقع بينهما وبين الباطنية معارك عدة، ثم كان ~~قيام حمزة بن أبي هاشم أبو الحمزات في اليمن فأعد علي بن محمد الصليحي ~~جيشا قوامه خمسمائة فارس وخمسة عشر ألف راجل، فقابله حمزة بن أبي هاشم ~~بسبعة آلاف رجل، وانهزم اصحابه عنه وبقي في سبعين رجلا من رجال وكبار همدان ~~وقاتلوا جميعا حتى قتلوا وكان ذلك سنة (458 ه) ولم يمض سوى عام حتى عزم ~~الصليحي للحج ومعه زوجته وقواده، فالتقاه في الطريق سعيد بن نجاح الأحول ~~وأخوه جياش وقتلاه. # وبقيت اليمن بعد ذلك بين المد والجزر، وعاد الشريفان للاحتساب، حتى قام ~~المحسن بن الحسن بن الناصر بن الحسن بن عبدالله بن محمد المختار بن الناصر ~~بن الهادي (ع) داعية لأبي طالب الأخير وبقي على حاله حتى قتل في صعدة. # الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (ع) # هو أمير المؤمنين أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الإمام ~~الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي (ع). # ولد (ع) في حوث سنة (500 ه) ms149 في بيت الزهد والعبادة، والعفة والطهارة، ~~وتوفر له (ع) من العوامل ما جعله ينشأ نشأة دينية بحتة، نشأة اكتست بالعفة ~~والطهارة، وزينها الورع والتقوى. # وفي مجتمع مليء بالحفاظ والعلماء، أخذ الإمام أحمد بن سليمان يتلقى علومه ~~ومعارفه. PageV01P193 # ولمح فيه معلموه الفطنة والذكاء، فأحاطوه برعايتهم وعنايتهم، ولم يستمر ~~الإمام (ع) غير فترة وجيزة حتى فاق أقرانه، وذاع صيته، واشتهر أمره. # ولم يتم الإمام (ع) مرحلة الشباب إلا وهو متوقد حماسة ونشاطا وعلما، وقد ~~استطاع بعلمه واجتهاده أن يثري الفكر الإسلامي بالمؤلفات العديدة، والتي ~~تعتبر من المصادر المهمة لدى أهل البيت (ع) ومنها: كتاب أصول الأحكام جمع ~~فيه أكثر من ثلاثة آلاف حديث، وكتاب حقائق المعرفة في أصول الدين، وكتاب ~~المدخل في أصول الفقه، وكتاب الحكمة الدرية، وكان (ع) ينظر من حوله لوضع ~~الأمة الإسلامية، فيجدها ممزقة، ومنغمسة سياسيا وفكريا وتعيش حالة اضطراب ~~وتخبط لامثيل لها. # ورأى اليمن من حوله تنقسم إلى عدة طوائف متناحرة فمن آل زريع، إلى آل ~~حاتم، وآل طريف، وآل نجاح وغيرهم، وكلهم يتنافسون فيما بينهم، والدعوة ~~الباطنية قد اشتد ساعدها وقوي، ولقيت رواجا كبيرا. # وقد صور الإمام (ع) ذلك الوضع، ومايمليه عليه ضميره وواجبه الديني في ~~منشور شعري بليغ الحجة، ناصع البيان: # ما إن بكيت على رسم ولا دمن * ولا لطلعة ظبي أغيد حسن # لكن بكيت على الإسلام ذوى * مخضره وثوى في اللحد والكفن # لما رأيت الهدى قد مات واندرست * أعلامه وسبيل الحق لم يبن # نهضت أدعو عباد الله مجتهدا * إلى الهدى وفروض الدين والسنن # لم لا أبيع من الرحمن خالقنا * نفسي الذهبية بالوافي من الثمن # لم لا أقوم بنصر الله مجتهدا * وعزه، ورسول الله أنجبني # دعوته (ع) PageV01P194 كان الإمام (ع) قد أعد نفسه وهيأها لتحمل مسئولية الدعوة إلى الله سبحانه ~~وتعالى، وقد توافد عليه العلماء والفضلاء لمناقشته ومجاراته في العلوم، ~~ويروى أنه اجتمع عليه ألف وأربعمائة عالم يسألونه ويناظرونه في مختلف ~~العلوم فوجدوه بحرا لاينقطع، فاعترفوا بفضله وعلمه وانتشروا دعاة له (1). # وقد أعلن دعوته سنة (532 ms150 ه) يدعو الناس فيها إلى العمل بكتاب الله وسنة ~~رسوله (ص)، وإلى التوحد والائتلاف، وإقامة العدل والاتصاف، وتهافت الناس ~~على بيعته وانتظم له أمر صعدة، وجاءته المكاتبات من أنحاء اليمن يطلبونه ~~الوصول إليهم، ودخل نجران، وصنعاء، وزبيد، واستقام له أمر اليمن، وامتدت ~~دعوته إلى ينبع، و..... وخطب له هناك، وأرسل دعوته إلى الجيل والديلم ~~فانقادوا لأحكام ولايته. # وقد عبر نشوان بن سعيد الحميري عن سعادة الناس ببيعتهم في أبيات منها: # فأبلغ ساكني الأمصار إنا * بأحمد ذي المكارم قد رضينا # بأكرم ناشيء أصلا وفرعا * وأعلا قائم حسبا ودينا # رضينا بالإمام وذاك فرض * نقول به ونعلن مابقينا (2) # حكايات من حياته (ع) # بذل الإمام (ع) نفسه وحياته لإسلامه ودعوته ومعتقده، وأطلق صوت الحق ~~والعدالة في تلك الظروف البالغة الخطورة، وعمل على توحيد اليمن، ولم شمل ~~الأمة المسلمة، ونشر العلم، وشجع على تعليمه ومدارسته وانتعش الفكر ~~الإسلامي وازدهر في عصره ازدهارا كبيرا. PageV01P195 # وقد عارضه في اليمن السلطان حاتم بن أحمد اليامي، وكان قد أظهر الدعوة ~~الباطنية ووقعت بينهما معارك عدة، كان أهمها معركة الشرزة قرية في سنحان ~~جنوب شرق صنعاء كادت جنود الإمام أن تولي الأدبار فابتهل إلى الله سبحانه ~~وتعالى وطلب منه العون والنصر، وكان من جملة دعائه ذلك اليوم قوله: «اللهم ~~إنه لم يبق إلا نصرك، اللهم إن يظهر علينا القوم يذهب دينك» فأرسل الله ~~تعالى ريحا عاصفا من جهة الشرق قابلت وجوه أعدائه (1)، فاستبشر الإمام (ع) ~~وحمل عليهم فانهزم أعداؤه، وانجلت المعركة عن خمسمائة قتيل، وخمسمائة أسير ~~من الباطنية وكان ذلك سنة 550ه. # ودخل زبيد سنة 553ه بعدما استنجد به أهلها، وأقام الحد على فاتك بن جياش ~~النجاحي، لما ظهر عليه من الفساد، وراجعوا الإمام في ذلك فقال: (لو ~~أعطيتموني في تركه ملك زبيد لم أقبله) (2). # وأظهر قوم في يام الدعوة الباطنية جهارا، وقطعوا الصلاة، والصيام، أعادوا ~~ليلة الإفاضة، فجاءت امرأة إلى الإمام تشكوا أن ولدها غشيها. فغضب (ع)، ~~وتجهز لقتالهم، ودارت معركة قوية هزمهم فيها الإمام (ع) وأجلاهم عن أرضهم ms151 ~~وهذه المعركة تعرف بأسم معركة غيل جلاجل. PageV01P196 # وفي إحدى معاركه مع أهل يام كان معه (ع) غلام من مذحج يقال له دهمش وكان ~~ريسا شجاعا شابا، جاهد بين يدي الإمام (ع) فاستشهد صابرا محتسبا، وتاب عند ~~القتال وكان قبل ذلك مسترسلا كما يسترسل الشباب فبقي أهله يتأسفون عليه من ~~النار، فرضخت صبية صغيره لها ثلاث سنين بحجر فشدخ رأسها فقالت وهي تجود ~~بنفسها لا تقبروني مع الكبار أهل الناب وأقبروني مع الصغار أهل الجنة، وإن ~~جهمشا من أهل الجنة، وعليه صيام شهر رمضان، وهي لا تعرفه، ولا تعرف ما عليه ~~فلما وصل الإمام عليه السلام إلى بلدة الغلام أرسلت إليه والدة الغلام ~~وقالت إن دهمشا كان أفطر رمضان أفأصوم عنه أم ماذا اصنع؟ فعجب الناس، ~~وعرفوا فضله (ع) (1) ولقد أيده الله في جهاده وفتوحاته بفضائل وكرامات جعلت ~~الناس يعرفون فضله ويقبلون عليه ويسيرون تحت لوائه. # ومنها أن رجلا اعمى من المطرفية اسمه (جابر البصير) جاءه يوما وسلم عليه ~~وجلس بين يديه يريد أن يسأله هبة جربة وصية في بلدة، فظن الإمام (ع) أنه ~~أتاه يدعو له بالشفاء، فمسح على عينيه ودعا الله سبحانه وتعالى له، فرد ~~الله تعالى في عينيه النظر، فرأى الإمام، ورأى من حوله، وقال إني لم آتك ~~لهذا، فعادت الظلمة في بصره، وعرف ذلك الناس جميعا. # ونظمت الأشعار في ذلك ومنها قول القاضي محمد بن عبدالله الحميري: # يابن بنت النبي كل لسان * مادح ما يكون مدح لساني # ظهرت فيك معجزات كبار * لم نخلها تكون في إنسان # لم نخبر عنها سماعا ولكنا ... *رأينا ... يقينها بالعيان # إلى أن يقول: # غير أن الولي لله لا تن * كر فيه خصائص الرحمن (2) # إلى آخر القصيدة: # وكان (ع) شاعرا فصيحا وله من الشعر قوله يوم غيل جلاجل: # الله أكبر أي نصر عاجل * من ذي الجلال بفتح غيل جلاجل # كم منة منه علي ونعمة * وسعادة تترى وفضل فاضل # كفرت به يام ووادعة معا * وتجبروا وتمسكوا بالباطل PageV01P197 وأتوا من الفحشاء كل كبيرة * فعلا وقولا فوق ms152 قول القائل # إلى آخرها. وله في الزهد قصيدته المشهورة التي يقول فيها: # دعيني أطفي عبرتي مابداليا * وأبكي ذنوبي اليوم إن كنت باكيا # لعل البكاء يشفي من الوجد بعضه * إذا لم يكن للكل من ذاك شافيا # وأشفي غليلا في فؤادي بالبكاء * وإن قال جهال من الناس ماليا # ولن يسلم المحزون من عضة القضاء * إذا كانت الأحزان تنفي كماهيا # فقد مات همام لوعط إمامه * وصادف قلبا للمواعظ واعيا # وليس عجيبا إن بكيت ولو دما * وأذهب دمعي من بكائي الأماقيا # إلى قوله: # فيا عجبا من غافل غير عاقل * يجدد من دنياه ما صار باليا # ويعمر ما قد خرب الدهر قبله * ويتبع تسويفا له وأمانيا # ومن هرم يزداد ضعفا وذلة * وآماله ترمي بهن المراميا # إلى قوله: # فيا أيها المغرور أقصر عن الهوى * وأقبل إلى التقوى ولا تك لا هيا # وكن جاهدا في طاعة الله ربنا * تفز بالذي تهوي ولا تك عاصيا # فلو لم يكن غير الممات ووحشة ال * قبور وكون المرء في القبر جاثيا # وماذا يلاقي من نكير ومنكر * لكان لنا هذا من الشر كافيا # كفى بالبلاء والموت زاجرا * وبالتثبيت عن فعل المظالم ناهيا # إلى آخرها وهي مذكروة في الحدائق الوردية 2/121 122. # ومن قصيدة قالها في حال صغره وهو يتعلم القرآن تصور البيئة الصالحة التي ~~كان يحياها (ع) منها: # إذا أعطيت نفس الفتى قوتها الذي * حياها به رب العباد اطمأنت # وماتت ولم تغلبه إن كان غافلا * وعادت إلى التقوى وصامت وصلت # وإن هي لم تعط الذي جبيت به * من الرزق أمست في الهموم وظلت # وكان قصارى أمرها أن تردها * إلى جهلها قسرا، وخابت وظلت # وما تعبت نفس وهانت وانصبت * وذلت لرب الناس إلا وعزت # فيارب فارزقني اليقين فإنه * وتقواك رأس الدين واجعله عدتي # وزدني علما نافعا وتوفني * شهيدا ولا تدحض بعدلك حجتي # وكفر ذنوبي رب واغفر خطيئتي * وإن عظمت يوما لديك وجلت # وأخر حمامي رب حتى تميتني * وقد كملت مني الفروض وتمت PageV01P198 وفي آخر أيام عمره عليه السلام مرض وعميت عيناه، فأسره فليتة بن ms153 قاسم ~~القاسمي، فاجتمع عليه رجال همدان وغيرهم، المطيعون والعصاة، والمطرفية، لما ~~يعرفون من عدله وفضله فاضطر إلى إخراجه. وفي سنة 566ه انتقلت روحه الطاهرة ~~المجاهدة إلى بارئها، بعد أن ترك من الآثار ما يخلده على مر الزمان وقبره ~~(ع) في المشهد بحيدان غرب جنوب صعدة تابع لقضاء ساقين. وقد قال فيه نشوان ~~بن سعيد الحميري: # يا ابن الأئمة من بني الزهراء * وابن الهداة الصفوة النجباء # وإمام أهل العصر والنور الذي * هدى الولي به من الظلماء # كم رامت الكفار إطفاء له * عمدا فما قدروا على إطفاء # الإمام عبدالله بن حمزة (ع) # هو المنصور بالله أمير المؤمنين أبو محمد عبدالله بن حمزة بن سليمان بن ~~حمزة بن علي بن حمزة بن أبي هاشم بن الحسن بن عبدالرحمن بن يحيى بن عبدالله ~~بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم (ع). # ولد (ع) بعيشان من بلاد همدان في شهر ربيع الأول سنة 561ه. # وبدأ (ع) يتلقى علومه ومعارفه على أيدي كبار العلماء والحفاظ، أمثال ~~والده العلامة الزاهد: حمزة بن سليمان، والشيخ حسام الدين أبي محمد الحسن ~~الرصاص، ومحيي الدين حميد بن أحمد القرشي، وشيخيي آل الرسول الأميرين ~~الدعيين إلى الله شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن ~~الحسن بن عبدالله بن محمد بن المختار القاسم بن الإمام الناصر أحمد (ع)، ~~وأخيه محمد بن أحمد (1). # وقد تميز (ع) منذ الصباء بالذكاء الخارق، وسلامة الفطرة، وقوة الحفظ، ~~فكان يحفظ كل ما يلقى عليه، وأحاط بالعلوم الإسلامية وأشعار العرب، ~~وأخبارهم، والفصاحة، والبلاغة، وشهرته (ع) تغني عن تعريفه. PageV01P199 # بدأ (ع) التأليف وعمره دون العشرين سنة، وذلك عندما وصلت رسالة من أحد ~~أشاعرة مصر اشتملت على جميع مسائل الأصول، فيها الكثير من التعقيد ~~والفلسفة، وطافت على البلدان فلم يتصد لها أحد، ولما انتهت إلى الشيخ الحسن ~~الرصاص، أمر الإمام (ع) وهو لا زال تلميذا عنده أن يجيب عنها فإجاب عنها ~~بالجوهرة الشفافة رادعة الطوافة، أوضح فيها كل مراد، وله كتاب الشافي في ~~أربعة أجزاء والذي ms154 حوى فيه جميع أنواع العلوم، ورد به على فقيه الخارقة، ~~والخارقة رسالة وضعها الفقية (عبدالرحمن بن أبي القبائل) اعترض فيها على ~~الإمام (ع)، بمسائل في الأدب والمذهب، فرد (ع) بكتاب الشافي. وله (ع) حديقة ~~الحكمة شرح الأربعين السلقية يذكر أنه ألف الجزء الثاني منها في ثمانية ~~أيام وهو مع ذلك مشغول بالحرب، وكتاب المهذب في الفقه، وصفوة الإختيار في ~~أصول الفقه، وغير ذلك من الكتب، ودواوين الشعر. # دعوته: PageV01P200 # كان الأيوبيون (1) قد اختلو ا اليمن سنة 569ه عندما وجه صلاح الدين الأيوبي ~~أخاه توران شاه بن أيوب إلى اليمن ودخل توران شاه اليمن، وأجلى ملوكها وعاد ~~إلى مصر سنة 571ه، فأرسل صلاح الدين أخاه الأخر طغتكين، فملك اليمن، وعاث ~~في الأرض فسادا، وانتشرت الدعوة الباطنية مرة ثانية وتفرقت اليمن وعاش ~~الناس حالة من الإضطراب والفساد فكان قيامه (ع) للأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وقد عبر (ع) عن ذلك بقوله: (ولما رأينا الأحكام قد تبدلت، والشرائع ~~قد عطلت، والحدود قد أهملت، والسنة قد حولت، والفرائض قد أغفلت، دعونا دعوة ~~جامعة غير مفرقة، عادلة غير جائرة إلى إحياء السنة، وإماتة البدعة ونشر ~~الإسلام بعد موته، ورده بعد فوته، بعد أن عرضنا نفوسنا في معرض الإمتحان ~~على كل قاص ودان، فما وجد ذو بصيرة إلى إلى خلافنا سبيلا، ولا أقام على ~~النزاع في دعوتنا دليلا، وإنما هو الفجر، أو البجر، لأنا دعونا دعوة جدنا ~~رسول الله (ص) حذو الفعل بالفعل والقذة بالقذة إلى الأمر بالمعروف والنهي ~~عن الفحشاء والمنكر) (2). # بيعته (ع): # كانت روح النبوة، والغيرة على الإسلام تجري في عروقه (ع) جراء ما يشاهده ~~من حالة الإسلام والمسلمين، وكان (ع) يحاول أن يقوم بأمر الأمة الأمير ~~الكبير الداعي إلى الله شيبة الحمد شيخ آل محمد شمس الدين يحيى بن أحمد بن ~~يحيى بن يحيى، وراجعه الإمام (ع) عدة مرات ومن قوله له: # يابن علي بن أبي طالب * قم فانصر الحق على الباطل # وقوله: # فادع فعندي أنها دعوة * كالة في رجل كامل (3) PageV01P201 وله رسائل وأشعار ms155 عديدة إلى شيبتي الحمد يمدحهما ويطلب منهما الدعوة إلى ~~الله، بيد أن الأميرين كانا يعرفان فضله (ع) فطلبا منه القيام بذلك، وجاء ~~إليه أكثر من أربعمائة عالم يناظرونه ويسألونه في مختلف أنواع العلوم ~~واستمروا مدة أربعة أشهر تقريبا من ذي القعدة سنة 593ه إلى ربيع الأول سنة ~~594ه فوجدوه بحرا لا ينفد. # ولما كان يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة 594ه وجامع الإمام ~~الهادي (ع) مليء بالعلماء والفضلاء، قام الأمير شمس الدين خطيبا بين الناس، ~~وكان مما قاله: يا جميع المسلمين إنا قد أطلنا خبرة هذا الإمام وشهدنا ~~بفضله وأنه أحق الناس بهذا المقام، وقد تعينت علينا وعليكم الفريضة، ولزمت ~~الحجة فهلموا فبايعوا الإمام واستبقوا إلى شرف هذا المقام، ثم تقدم ومد يده ~~الكريمة وبايع الإمام (ع) (1) وتبعه أخوه بدر الدين فبايع، ثم تتابع ~~المسلمون على البيعة جميعا. # نص البيعة: # كانت ألفاظ البيعة أن يقول المبايع: أبايعك على كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله (ع) وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وموالاة ولينا ومعاداة ~~عدونا، والجهاد في سبيل الله بين أيدينا. وكان يقول (ع) بعد ذلك الله على ~~ما نقول وكيل) وربما أكد فقال: # وعلي الصبر في البأساء والضراء وحين البأس وأنشأ دعوته في ذلك اليوم إلى ~~جميع المناطق وكان مما قال فيها: (فعليكم رحمكم الله بتقديم التوبة ~~والإنابة قبل الإقبال والإجابة، فإني آمرك بفعلي قبل الأمر لكم بقولي، ~~وأنهاكم عما أنهى نفسي وأهلي، المساوي لي منكم اتخذه أخا والمتقدم أبا، ~~والصغير ولدا، لا آنس بأهل العلم منكم والطاعة، ولا أنفر إلا من أهل ~~المعصية والضلالة) (2). # انتشار الدعوة: PageV01P202 # بث دعاته (ع) في أنحاء اليمن، وكان الأميران الكبيران من أشد الناس دعوة ~~له، وقد جعل لهما (ع) الحل والعقد، فقاما بالدعوة أحسن قيام وتورمت أرجلهما ~~من كثرة المشي في سبيل الدعوة إليه وظلا مناصرين له (ع) وداعيين إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم حتى توفيا (ع) (1). # وانتشرت دعوته (ع) في اليمن، وتصدى له أمراء الدولة الأيوبية الذين جاءوا ~~لاحتلال اليمن، ms156 وهم طغتكين بن أيوب الذين ملك اليمن، وساءت سيرته، وأراد أن ~~يحبر أهل اليمن على بيع أراضيهم منه، ويكونون أجراء فقط، فأهلكه الله قبل ذلك. # وكذلك إسماعيل بن طغتكين، وأيوب بن طغتكين، وسنقر، ووردسار (2). وقد ~~أنهكهم الإمام (ع) بالحروب حتى انسحبوا من اليمن سنة 628ه. # وجاهد (ع) المطرفية في مأرب وذمار ونجران وغيرها. وقويت دعوته (ع) فوصلت ~~ينبع، وخيبر، والحجاز، ومكة المكرمة، وخطب له هناك، وأرسل دعوته إلى الجيل ~~والديلم، وانتظمت له الأمور هناك كما هي في اليمن، وأرسل دعوته إلى ملك ~~خوارزم (علاء الدين شاه شاه بواسطة العالم يحيى بن إسماعيل، واستقبله الملك ~~استقبالا حسنا، وكان مع أهل بلاده من أهل العدل والتوحيد، ووردت عليه الكتب ~~من الملك الظافر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين من حلب سنة 601ه (3). # وتزلزلت الخلافة العباسية في بغداد خوفا وهلعا من دعوته لهم (ع)، وعندما ~~وصلت قصيدته البائية بغداد أمر الخليفة العباسي (الناصر بن المستظهر) ~~بإغلاق مدينة بغداد لمدة ثلاثة أيام من الخوف والفزع. # ومن أبيات هذه القصيدة قوله (ع): # فقل لبني العباس هذا زماننا * ومالكموا إلا إلى الحق مهرب # سنجزيكموا بالإثم برا لأننا * بنو أحمد هو النبي المقرب # إلى قوله: # بني عمنا الأوتار عيب ولحنها * وشارب خرطوم المداة أعيب PageV01P203 ذرونا نريكم كيف تشتجر القنا * وكيف يثور النقع والنقة أشهب # إلى أن يهددهم (ع) فيقول: # أمثلي ينام الليل والخمر تشرب * امثلى يلذ العيش والعود يضرب # حرام علي النوم إلا أقله * ووجه المعاصي ظاهر لا يحجب # غضبت لربي من عطل دينه * فهل غاضب مثلي لذي العرش يغضب (1) # إلى آخر قصيدته (ع) وهي مذكورة في الحدائق 2/181 182. # نبذة من حياته (ع): # كان (ع) يحمل على عاتقه هم الأمة الإسلامية ، يراقب وضعها، ويتألم كثيرا ~~لحالها، ولذلك قضى حياته في الدعوة والعمل والجهاد بهمة وصبر لا مثيل لهما، ~~وبث دعوة الإسلام في جميع الأقطار الإسلامية في وقت كانت منقسمة فيه إلى ~~عدة دويلات سيطر عليها حكام الجور والضلال.. وأصبح الخطر التتري يهددها على ~~الأبواب، فأرسل (ع) دعوته ms157 إلى ملوك وسلاطين تلك الدويلات ليقوقظهم من ~~سباتهم العميق، ويذكرهم بواجبهم الإسلامي الملقى عليهم، وبذل (ع) حياته من ~~أجل ذلك، فقاومه الأيوبيون في اليمن، ومعهم المطرفية وقد أيده الله بفضائل ~~وانتصارات عليهم جعلت الناس، يتدافعون أفواجا لقبول دعوته (ع) والسير تحت لوائه. # ومن ذلك أنه انتصر في صنعاء في إحدى معاركه مع الأيوبيين بسبعة من ~~الفرسان، وكان معه ثلاث رايات فكان يشاهد الناس راية رابعة خضراء مع جيشه ~~(ع) واستطاع (ع) أن يفتح باب غمدان بشصة من نشاب وكان لا يفتح بمفتاحه إلا ~~بعد تعب شديد، وغير ذلك من التأييدات الإلهية التي أيده الله بها، ويكفي ما ~~قاله أعداؤه في حقه ومنهم المطرفي المعروف بابن النساخ الذي استنجد ببني ~~العباس من الإمام (ع) وأخبرهم بفضله وتهافت أهل اليمن عليه ونصرتهم له: ~~فقال فيه من قصيدة أنشأها: # إمام هاشمي فاطمي * معيد للنضال لكم ومبد # أشار إلى الخلافة فانتضاها * ولكن ما يملاها بخلد # فصيح لفظه عذب فرات * يفض به صلابة كل صلد # يقود قبائل اليمن اللواتي * تزوركمو مكفرة بسرد PageV01P204 كتائبه إليكم ذالفات * بأرماح مثقفة وجرد # تشعشع نور نار بني علي * ستطفأ ناركم من غير بد (1) # وفي شهر ذي الحجة سنة 613ه انتقل (ع) إلى كوكبان، ومرض مرضا شديدا وهو ~~يظهر التجلد والصبر على الطاعة، والنظر في أمور الناس (2)، وفي يوم الخميس ~~الثاني من المحرم سنة 614ه فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، وهو محتب بثوبه، ~~صابرا محتسبا، فدفن بكوكبان ثم نقل إلى بكر ثم إلى حصنه الذي بناه في ظفار، ~~وقبره هناك مشهور مزور. # رحل (ع) وعمره اثنتان وخمسون سنة وثمانية أشهر واثنان وعشرون يوما قضاها ~~في نشر الإسلام وتحقيق العدالة، فترك لنا نهجا قويما نسير عليه في حياتنا، ~~وثروة فكرية عليها اعتمادنا. # ولهذين الأمامين العظيمين دور كبير في الناحية العلمية، فقد ازدهرت ~~الحركة العلمية في عصرهما كثيرا، وبفضلهما ذابت الدعوة الباطنية وذابت ~~أفكارها فيها. # وفي عصرهما كان الإتصال بين أئمة أهل البيت (ع) بواسطة شيخ الإسلام أبي ~~زيد بن الحسن البيهقي (3)، خرج ms158 إلى اليمن من العراق في عهد الإمام المتوكل ~~على الله أحمد بن سليمان وعنه أخذ الإمام أحمد بن سليمان كتب من في العراق ~~وغيره من أهل البيت (ع). # كما أخذ عنه القاضي جعفر بن عبدالسلام. # ويذكر الشهيد المحلى أن الإمام أحمد بن سليمان (ع) قد تلقى تعليمه أيضا ~~على يد الفقية عبدالله العنسي اليماني الواصل من جهة الجيل والديلم بعلوم ~~أهل البيت (ع) (4). # ومعنى هذا أن الحركة العلمية والإتصال لم تتوقف بين أهل البيت (ع) ~~فالهجرات لطلب العلم كثيرة ومتنوعة. PageV01P205 # وأراد شيخ الإسلام العودة إلى العراق فأخذ معه القاضي جعفر بن عبد السلام ~~ولكن شيخ الإسلام مات في تهامة، وأكمل الرحلة القاضي جعفر إلى العراق ثم ~~عاد إلى اليمن ينشر العلم، ويجاهد بين يدي الإمام أحمد بن سليمان(ع). # ونشط الإمام أحمد بن سليان وأثرى الفكر الإسلامي بمؤلفات عديدة، وقام ~~بنقل ورواية كتب أهل البيت (ع) وعنه أخذ الأميران الداعيان شمس الدين وبدره ~~(1)، وقام (ع) بنشر دعوته إلى مناطق الجيل والديلم، ولابد أن الذين ذهبوا ~~إلى هناك من خاصة أتباعه وممن أخذ عنه العلم والرواية. # ثم كان دور الإمام عبدالله بن حمزة (ع) الذي أخذ عن الأميرين الداعيين ~~وعن غيرهما، وقام بدروه العظيم في نشر العلم الشريف وتدريسه ومنه تفجرت ~~ينابيع الحكمة فألف المؤلفات العديدة وأضفى ثروة كيبرة لتراثنا الإسلامي، ~~كما اهتم بأمر الدعاة في الجيل والديلم وسائر تلك المناطق. # ونتيجة لهذا العمل العظيم إحتلا مكانا عاليا، وتبوأ مكانة كبيرة في ~~النفوس. # وبالرغم من أن اليمن انفسم بعد موت الإمام عبدالله بن حمزة (ع) إلى عدة ~~طوائف متعددة أمثال دولة آل رسول (2)، وآل طاهر، والجراكسة (3)، ~~والعثمانيين (4)، إلا أن أئمة أهل البيت (ع) بذلوا جهودا كبيرة في إقامة ~~الحق والعدل، ونشروا العلم الشريف في كل مكان، وألفوا المؤلفات العديدة، ~~وتركوا لنا ثروة فكرية في شتى أنواع العلوم والمعارف. PageV01P206 # ومن هؤلاء الأئمة المنصور بالله الحسن بن بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى ~~بن يحيى، مؤلف كتاب أنواع اليقين في فضائل العترة (ع) ms159 وغيره من الكتب ~~وناصره أخوه الأمير الحسين مؤلف كتاب الشفاء في الحديث، والمدخل والذريعة ~~والتقرير في الفقه، وينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة، والعقد الثمين في ~~معرفة رب العالمين وغيرهما من الكتب، وكانت دعوة الحسن (ع) سنة 657ه وتوفي ~~سنة 670ه، ومشهده هو وأخوه الحسين والمختار في رغافة شمال صعدة. # وكذلك الإمام يحيى بن حمزة (ع) وهو الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن ~~علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن ~~جعفر الزكي بن علي النقي بن محمد الجواد بن الإمام علي الرضى بن موسى ~~الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن سيد العابدين علي بن الحسين السبط ~~بن أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليهم السلام (1)، علما ~~بارزا من أعلام الفكر الزيدي، ولد بصنعاء واشتغل بالعلوم ودراستها وجمع ~~علوم أهل الأرض، وشهرته (ع) تغني عن تعريفه ومؤلفاته تدل عليه. قام بالدعوة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العدالة بعد موت الإمام المهدي ~~محمد (الذي بلغ الذروة في العلم والذي افتتح الحصون ووصل إلى لحج وعدن ~~صاحب كتاب المنهاج الجلي شرح المجموع وغيره)، وهو ابن الإمام المتوكل على ~~الله المطهر المسمى المظلل بالغمام لما ظللته الغمامة في إحدى حروبه بن ~~يحيى بن المرتضى بن المطهر بن القاسم بن الإمام المطهر بن علي بن الإمام ~~الناصر عليه السلام قد كانت دعوة الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام سنة 729ه ~~وتوفي بذمار سنة 747ه وعمره اثنتان وثمانون سنة. # ومؤلفاته عليه السلام أكثر من أن تعد فقد بلغت كراريسه بعدد أيام حياته ومنها: PageV01P207 # كتاب الشامل، والتمهيد، والنهاية في أصول الدين، والحاوي في أصول الفقة، ~~والإنتصار الجامع لمذاهب الأمصار في الفقه في ثمانية عشر جزءا (مخطوط) أول ~~موسوعة فقهية في الإسلام، والطراز في علوم البلاغة والإعجاز مرجع الدارسين ~~والباحثين، وجاء لزيارته من الديلم عالمهم هناك (أحمد بن مير بن الناصر من ~~ذرية زيد بن الحسن عليه السلام ومعه الجامع الكافي جامع آل محمد ms160 (في ~~الحديث) الذي ألفه الإمام أبو عبدالله محمد بن علي بن الحسن البطحاني من ~~ذرية زيد بن الحسن عليه السلام فوجد الإمام عليه السلام قد مات فوقف الكتاب ~~على المسلمين (1).. # وأيضا الإمام المهدي (أحمد بن يحيى المرتضى بن أحمد بن المرتضى بن المفضل ~~بن المنصور بن المفضل بن عبدالله الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف ~~بن الإمام المنصور يحيى بن الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي عليهم ~~السلام. # ولد بذمار سنة 575ه ومات والده وعمره لم يتجاوز الخامسة فاحتضنته أخته ~~الشريفة دهماء عالمه عصرها صاحبت المؤلفات الشهيرة الرائعة، والعلوم ~~النافعة. # تلقى العلوم عليه السلام منذ الصباء وبويع بالإمامة سنة 793ه، وجلالته ~~ومكانته العلمية أجل من أن توصف. # يقول الدكتور أحمد صبحي: (كان ابن المرتضى غزير الإنتاج في موضوعات علم ~~الكلام والفقه وأصوله، فضلا عن الحديث والسيرة والمنطق، والزهد، وقد احتل ~~اسمه أسمى مكانة في المذهب الزيدي) (2) له المؤلفات الكثيرة التي تعتبر ~~مدونات قانونية وتشريعية في العصر الحاضر، وكتابه الأزهار في فقه الأئمة ~~الأطهار الذي ألفه وهو في السجن معتمد أهل اليمن في الفقه والتشريعات، ~~وشرحه عليه السلام بالغيث المدرار وشرحته أخته الشريفة دهما بالزنين وتوالت ~~الشروح عليه وأشهرها شرح ابن مفتاح المسمى بشرح الأزهار. PageV01P208 # وله كتاب البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار والذي انتزعه من ~~الإنتصار وضمنه اجتهاداته وأقواله، ومعيار العقول في أصول الفقه وشرحه ~~منهاج الوصول في الأصول، والفائض في علم الفرائض، والمنية والأمل شرح الملل ~~والنحل. # وأيضا الإمام عز الدين بن الحسن بن الإمام علي بن المؤيد بن جبريل بن ~~المؤيد بن أحمد بن يحيى بن يحيى عليه السلام، منح العلم الوافر، فكان يقوم ~~بالتدريس وهو لم يتجاوز بعد سن البلوغ بويع له سنة 880ه ووصلت دعوته إلى ~~مكة المكرمة ودانت له أكثر اليمن، وتسارع إلى بيعته العلماء فجدد الأحكام ~~الإسلامية، والعدالة الإلهية، توفي عليه السلام سنة 900ه وعمره خمس وخمسون ~~سنة. له كتاب كنز الرشاد في الزهد، والمعراج شرح المنهاج، وغيرها ومشهده ~~عليه السلام ms161 وكثير من أئمة أهل البيت وفضلائهم في فلله، وأكرمه الله ~~بكرامات عدة منها ما هو مشاهد الآن في مشهده وهي الرائحة الطيبة التي ظهرت ~~من تابوته مثل ما في مشهد إمام اليمن محيي الفرائض والسنن الهادي إلى الحق ~~يحيى بن الحسين عليه السلام (1). PageV01P209 # وبرز بعد ذلك الإمام شرف الدين يحيى بن شمس الدين بن الإمام أحمد بن يحيى ~~المرتضى وكانت دعوته عليه السلام في ظفير حجة سنة 912ه جدد في قيامه الآثار ~~الدينية، ونعش الحقوق الربانية، بعلم علا على الرؤوس، وهمة أعلى من الدهر، ~~قام عليه السلام بأمر الدعوة ووقعت بينه وبين آخر ملوك بني طاهر عامر بن ~~عبدالوهاب الكثير من الوقعات، وذلك أن عامرا لما علا سلطانه شدد من وطأته ~~وقسوته على من تحته من بلاد الزيدية وأنزل بهم المصائب، ثم كان دخول ~~الجراكسة اليمن وأزالوا الدولة الطاهرية، ولم يبق غير عامر بن داود في عدن، ~~والجراكسة من المماليك جاءوا من مصر في حكم قانصوة الغوري، وعاثوا في صنعاء ~~فسادا، وقتلوا أهلها، فنهض الإمام لمحاربتهم.. ودخل صنعاء سنة 923ه، ثم ~~جاءت هزيمة قانصوة الغوري على أيدي العثمانيين في مصر، فحرر الإمام شرف ~~الدين في حكمهم ثم غزا العثمانيون اليمن. سنة 945ه فقاومهم الإمام شرف ~~الدين أكبر مقاومة، وكان يساعده القائد المحنك، وأشهر قائد عرفته اليمن ~~(ولده المطهر) الذي دوخ وأربك الأتراك، وجعل من حصن ثلاء قاعدة عسكرية طحن ~~فيها الأتراك، وذوبهم كما يذوب الملح في الطعام، وأخضع الملوك والأمراء ~~لمبدأ الحق والعدالة. # وقد كان لجهادهما ذلك الأثر الكبير في حفظ اليمن من أطماع الغزاة ~~الطامعين في خيراتها، وفي عهده عم الخير والبركة على أرض اليمن، وتحققت ~~العدالة الإجتماعية التي افتقدوها، وانتشرت مدارس العلم، ورغب الإمام في ~~طلبة، وأكرم طلبته وبنى المساجد والمدارس وغيرها من المصالح العامة، ومنها ~~مسجد المدرسة بصنعاء، ومدرسة ذمار، وكوكبان، وثلاء وأثر المذهب بالمؤلفات ~~العديدة ومنها الأنوار الثاقبة، والأنظار الصائبة، والأثمار تهذيب الأزهار ~~وقربهم. وقد تحدث الكثير عن فضله وجهاده عليه السلام وما تحقق لليمن في ms162 عهده. PageV01P210 # وقد قال العلامة موسى بن يحيى بهران في قصيدة أرسلها إلى الإمام عن عدالته ~~وعلمه قال في أبيات منها: # وإنما قام لنصر الهدى * بهمة ما برحت في صعود # فأهلك الباغين حتى ثووا * واستبدلوا بعد القصور اللحود # وأصبح الجور كأن لم يكن * وقيل بعدا للبغاة القرود # وانتشر العدل بأيامه * فامتلأ الغور به والنجود # وأقبل الخير وراياته * خافقة قد حل عنها العقود # والشر ولى مدبرا خائفا * منهزما يقسم ألا يعود # وأصبحت صنعاء من عجبها * ترفل في مستحسنات البرود # إلى أن يقول: # فضلك مثل الشمس مشهورة * ليس لها من مشبه في الوجود # علمك بحر ماله ساحل * فهمك سيف ما حوته الغمود # قولك فصل كله حكمة * فيه شفاء نافع للكبود (1) # توفي عليه السلام سنة 965ه عن سبع وثمانين سنة، ومشهده عليه السلام في ~~ظفير حجة، وبقي الإمام المطهر يقاوم الجنود الأتراك العثمانيين حتى أجلاهمم ~~عن اليمن ولم يبق لهم غير زبيد واستبدل العثمانيون واليا بعد آخر، أمثال ~~أزدمر باشا، ومصطفى باشا، ومحمود باشا، ورضوان باشا، وغيرهم، فلم يحققوا ~~شيئا غير مزيد من القتلى والهلاك وقد بقي المطهر يقاومهم بقوة خارقة مقاومة ~~عنيفة والحق بهم هزائم متكررة حتى مات سنة 980ه وعمره اثنتان وسبعون سنة. # الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام # هو الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد ~~بن أحمد بن الأمير الحسين بن علي بن يحيى بن محمد بن يوسف بن القاسم بن ~~الإمام الداعي يوسف بن الإمام المنصور يحيى بن الإمام الناصر أحمد بن ~~الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهم السلام. PageV01P211 # ولد عليه السلام سنة 967ه ومنذ صباه اشتهر بالعفة والطهارة والقوة ~~والشجاعة، وبين كوكبة من العلماء (1) والحفاظ بدأ تعليمه ولم يبلغ سن الرشد ~~إلا وقد أحاط بالعلوم الإسلامية، وبلغ فيها الغاية القصوى. # له المؤلفات العديدة جدد بها الدين الإسلامي في ظروف بالغة الخطورة ومنها: # كتاب الأساس في علم الكلام ألفه أثناء إختفائه من العثمانيين في برط. # ويقول عنه: # هذا ms163 الأساس كرامة فتلقه * يا صاحبي بكرامة الإنصاف # واحرز نفيسا من نفائس نثره * جمعت بغوص في خضم صاف # جمع المهيمن بيننا في دينه * جمعا يفي بإصابة وتصاف # وله كذلك كتاب الإعتصام (2) في الفقه جمع فيه بين كتب أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام وكتب المحدثين من الأمهات. # وهذان الكتابان أهم المصادر الفقهية والأصولية حديثا. # دعوته عليه السلام # كان العثمانيون قد سيطروا على اليمن بعد موت الإمام المطهر بن شرف الدين، ~~فأذاقوا اليمنيين ضروبا من الظلم والإضطهاد وانتهبوا أمولهمم وساءوا ~~السيرة، وظهرت منهم الأعمال المنكرة، وتوصلوا إلى أخذ الأموال الجليلة بكل حيلة. # وكان القاسم بن محمد عليه السلام يرقب تلك الأوضاع بقلب يقطر دما حزنا ~~وكمدا لحال اليمن والإسلام، وكيف به وهو الذي تجري في عروقه دماء النبوة، ~~ويحركه الوازع الديني، ويدفعه علمه وشجاعته أن يسكت على ذلك، وأن يرى اليمن ~~نهبة في أيدي الطامعين. # فقال عليه السلام متوكلا على الله وليس معه معين ولا ناصر وأعلن دعوته من ~~جبل (جديد قارة) سنة 1006ه، وفي اليمن ثمانون ألفا من الجنود العثمانيين، ~~واجتمع إليه العلماء والفضلاء واجتمع له حوالي أربعمائة رجل فبدأ مرحلته ~~الجهادية ضد الدولة العثمانية. # شيء من معاناته وجهاده: PageV01P212 # واجه عليه السلام في سبيل دعوته كثيرا من العقبات والنكسات، وضيق عليه ~~الخناق، وطورد في كل مكان ينزل فيه، فإخذ يتنقل في المناطق والفلوات يتلمس ~~الأعوان والأنصار، وتمضي الأيام على ذلك ثم لا يشعر العثمانيون إلا وقد ظهر ~~في بعض المناطق وما زال هكذا مع الإقدام والصبر لا يقدر عليه أحد، حتى إنه ~~كان في بعض الأوقات لا يجد هو واصحابه ما يأكلون عند اختفائهم، فيأكلون من ~~نبات الأرض، وقد يكابد الشدائد فلا يظن أحد أنه يعود بعد ذلك إلى مناجزة ~~العثمانيين، وإذا هو قد وثب على بعض المواضع (1). PageV01P213 # وقد تحدث الإمام عن مرحلته الجهادية ومعاناته حتى ترك أهله وأولاده لا يعلم ~~عنهم شيئا من أجل الإسلام ورفع الظلم عن كاهل الشعب، فيقول:(من أعظم ما ~~لقيت أني خفت كل أحد، وتفرق أولادي، ولا ms164 وجدت من أسأل عنهم، فتوسمت طريقا ~~أعرفها إلى سوق سماه، ويعرف أن أحد أخواله يمضي فيها فمشى في غير الطريق ~~بعد أن قصدها من بعض جبال حجور، ثم توارى في موضع يرى الطريق ومن فيها، وهو ~~لا يرى من الشجر حتى رأى خاله قريب غروب الشمس، وقد عاد من السوق وبعده ~~غيره من أهل السوق، وقد تقدمه كذلك، وهو وحده ماضيا. فقال هذا خالي أنحدر ~~إليه، وأوافيه يخبرني عن أولادي. وكان عليه السلام قد طال شعره، وتقطع ما ~~عليه من الكسوة وفي بدنه عليه السلام قوة وخفة، فلما رآه خاله منحدرا مشمرا ~~ظنه يريده بمكروه وأنه ممن يقطع السبيل، فهرب واشتد، فناديته بصوت غير ~~مرتفع من الخوف ممن بعده وقبله لا يعودون، فلم يلتفت، فقفوت أثره لعلي ~~أدركه قبل غروب الشمس، فلما رآني ازداد هربا وصاح بمن تقدمه أدركوني وهو ~~لانظن إلا أنه قاطع طريق فعدت باكيا، وصرت إلى جبال حجور، ولم يبق لي مأوى ~~(حتى كان يتصل بمن يدنو منه من البدوان فينال منهم الطعام اليسير فيتبلغ ~~به، ولايعرف أحد غير أنه سائح ماض طريقا)، قال (ع): فانقطعت ولم أجد الطعام ~~حتى ظننت أنه الموت، وكان لي في الجبل كهف آوي إليه، وعندي من الكتب شيء، ~~فلما اشتد بي الحال وضعفت طويت ثوبي علي على أنه كفني واستقبلت القبلة ~~وقلت: يارب لا أقدر على شيء أحفظ به بدني، ودعوت بما أمكن، فا شعرت إلا ~~وحيوان يحركني بفمه ففتحت وجهي وإذا بظبي عظيم واقف، فقمت إليه، وعلمت أن ~~الله سبحانه ساقه رزقا لي، وغياثا، فأوثقته بما أمكن من القوة على أنه صيد ~~فإذا هو ساكن لم يتحرك غير أن فتح رجليه وإذا هو أنثى وفيها لبن، فرضعت من ~~لبنها وهي ساكنة حتى شبعت ثم ولت عني وبت بأطيب ليلة وحمدت الله سبحانه. PageV01P214 # وفي الصباح رأى ا لإمام القاسم رجلين من رجال الصيد، فاعتقد أنهما يرددانه ~~فإذا هما قد شاهدا صاحبه بالأمس، وهما يريدان صيده فاتفق معهما على نصرته ~~من السوق ms165 بالبنادق، ثم يصيحان نصر الله الإمام، ونفذا الخطة في موعد السوق، ~~وقبل التنفيذ أمرهما الإمام القاسم (ع) أن ينتظراه. قال (ع): فتيممت وصليت ~~ركعتين، وبكيت، وقلت: هذا جهدي ودعوت الله سبحانه بما أمكن ثم أمرتهما ~~بالتنصير للإمام حتى يسمع أهل السوق ولايسمياه، ففعلا ثم رمينا بتلك ~~البنادق فصاح القبائل الذين في السوق عنا وأجابونا ثم خرج إليه أكثر أهل ~~السوق وبعض سلاح العسكر في أيديهم وبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وعاد معهم إلى بلاد الشرف>>(1). # ولإيمانه الشديد بمسئوليته الملقاة على عاتقه، ولشدة إخلاصه، وقوة تمسكه، ~~وثقته بالله سبحانه وتعالى، ظل طوال حياته في جهاد مستمر مع الدولة ~~العثمامنية. وقد ظن العثمانيون أنه هدفه الزعامة، والتوصل إلى الحكم، فعرض ~~عليه الوالي (سنان باشا) حكم بعض البلاد هو وأولاده مع كفايته، ويكف عن ~~دعوته، فرفض (ع) رفضا قاطعا ورد بكتاب طويل جاء فيه: «أما ماذكرتم أبقاكم ~~الله من أن أترك الفتنة وأميل للراحة فهيهات أترك قول الله تعالى: {من كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون}». # وكان أولاد الإمام مأسورين لدى الدولة العثمانية، فهدده الوالي العثماني ~~بتعذيبهم وقتلهم إذا لم يقبل. PageV01P215 # فما كان من الإمام (ع) إلا أن رد بقوله: «أما من عندكم من المأسورين ~~فافعلوا بهم مابدا لكم، وأقسم بالله لأبلغن في حربكم ونكالكم كل مبلغ، ~~ولأروغن منكم روغان الثعلب، ولأثبن عليكم وثوب الأسد» (1) ورغم ماكان ~~يعانيه الإمام من شدة أهل البلاد، والتنقل من مكان إلى مكان، فلم يقبل هذا ~~العرض، وبقي يعاني الجوع والخوف والمصائب، ولو كان الهدف مطامع الدنيا، أو ~~السلطة والجاه لقبل فورا، إذ كان في أشد الحاجة إلى المال، فقد كان في برط ~~ومعه أولاده الصغار وأصغرهم الحسين، وكانوا يعانون من شدة الجوع حتى أن ~~الإمام (ع) كان يبكي وولده الحسين قد سقط من شدة الجوع(2). # ولكن الإمام تحدى كل تلك العوامل ووقف صامدا صابرا دون خوف أو رهبة يجاهد ~~بكل مايملك بالنفس والمال والأولاد، ويحث أصحابه على الجهاد والتمسك ms166 بالدين ~~ليحققوا لشعبهم النصر والسعادة. وكان يقول لهم: «إذا عزمتم فتوكلوا على ~~الله، واتقوه، وحافظوا على الصلاة، ولاترضوا منكرا، ينصركم الله، وتواضعوا ~~لله، وتيقنوا أنه ليس النصر إلا من عند الله» (3). PageV01P216 # وفي مرحلته الجهادية الطويلة الشاقة تفرق الناس عنه، ومنعوه من دخول بلادهم ~~خوفا من بطش العثمانيين وقسوتهم ففكر الإمام بالرحيل إلى البصرة، وعزم على ~~الرحيل ولما وصل وادعة، لحقه أهل البلاد يستنجدون به فعاد معهم، ليواصل ~~مسيرته الجهادية، وحقق الإمام انتصارات ساحقة على الدولة العثمانية، ~~واستطاع أن يفتح شهارة سنة (1015 ه)، واضطرت الدولة العثمانية أن تعترف ~~بالإمام القاسم، وتعقد معه هدنة وصلح، وتقبل شروط الإمام (ع)، وقبل الإمام ~~الصلح لما رأى فيه مصلحة كبرى للمواطنين فسوف يأمنون من بطش وقسوة ~~العثمانيين، وستنتهي العمليات العسكرية من قبل الدولة العثمانية، وسيتمكن ~~الإمام من الإصلاح والبناء في العشر سنوات التي تضمنها الصلح، وسيتم تسليم ~~جميع الأسرى، وبدأت بوادر الاستفادة من هذا الصلح، فقد استقر الإمام القاسم ~~0ع) في شهارة، واستقامت الأمور، وهدأت الأوضاع وأطلق الوالي جعفر أولاد ~~الإمام القاسم (محمد وأحمد) وجميع أهلهما وأصحابهما، كما أطلق من في سجن ~~صنعاء والحيمة. # وفي سنة (1021 ه) عزل جعفر باشا، وأرسل إبراهيم باشا واليا على اليمن ~~ولكنه مات في ذمار سنة (1022 ه)، فعاد جعفر باشا إلى صنعاء وبدأت مرحلة ~~أخرى من مراحل الجهاد والتضحية، وفي هذه المرة توالت الهزائم على الإمام ~~ووقعت بينهم معارك عنيفة قرب عمران وفي أحدها أسر ابنه الحسن (1)، وبلغ ~~الإمام القاسم الخبر فقال: «أنا قد أودعت ولدي الله سبحانه وتعالى، وهو لن ~~يخيب لديه الودائع وإني أترك ولدي وديعة لله سبحانه وتعالى حتى يفرج الله عليه». # واضطر أن يذهب إلى صعدة واستمر العثمانيون في مطاردته، ووقعت بينهم معارك ~~كثيرة وفي إحدى المعارك قتل ابنه علي، ولكن الإمام استمر في الجهاد وعاد ~~يحقق انتصارات رائعة على الدولة العثمانية. PageV01P217 # ومل الجنود العثمانيون من ولاتهم، فأخذوا يتسللون إلى الإمام القاسم (ع) ~~وينضمون إليه، وتم عزل جعفر باشا (1)، وتم تعيين محمد باشا، ms167 وبدأت مرحلة ~~جديدة من مراحل الجهاد المسلح بين الإمام ومحمد باشا، وخاب أمل محمد باشا ~~فيما كان يرجوه من الانتصارات فوافق على الصلح لمدة عشر سنوات، وتم عقد ~~الصلح في سنة (1028 ه)، وعادت للإمام كل المناطق التي كان يحكمها وتم إطلاق ~~الأسرى من الجانبين، وكان عددهم حوالي مائتين وأربعين من أصحاب الإمام (ع). # أما الحسن (ع) فقد رفض الوالي أن يطلقه بحجة أن جعفر باشا قد رفع أمره ~~إلى الأستانه ولابد من أذن من هناك لإطلاقه، إلا أنه مستعد لإطلاقه إذا ~~تنازل له الإمام عن بلاد القذف في بني شهاب غرب صنعاء. # ونظرا لقربها من صنعاء وكثرة خيراتها بالنسبة للباشا فلم يرض الإمام بذلك ~~لما في ذلك من المصلحة لأهل البلاد،، وفضل بقاء ولده أسيرا على تسليم تلك ~~البلاد للعثمانيين (2). # وانتقل الإمام من وادعة إلى شهارة، وقدم عليه الأسرى من صنعاء، ومن جانبه ~~أطلق الإمام ماعنده من الأسرى بعد أن كساهم جميعا وزودهم بالمال والزاد، ~~وكانوا فوق الأربعمائة (3)، وانسحب الجنود العثمانيون إلى صنعاء، واستقرت ~~الأوضاع، وحقق الإمام مكسبا كبيرا بهذا الصلح كان سببا في جلاء العثمانيين ~~عن اليمن. PageV01P218 # وقد سئل الإمام عن سبب قبوله الصلح في تلك الفترة، رغم أن محمد باشا طلب ~~الصلح في بداية ولايته فرفضه، فقال الإمام (ع): «الأولى إني رأيت أن أختم ~~عمري بالجهاد، وتنغيص دنيا الظالمين، ولما رأيت الأمر قد تفاقم وظننت قرب ~~أجلي خفت أن يحدث بي الموت وأمور الإسلام على ماترى، فلايتمكن أهله من ~~النظر، ويحصل في الإسلام مايحصل، فرأيت المسارعة حتى ينتزح الترك عنا، وفرج ~~الله قريب» (1). # وبعد عقد الصلح بسنة، وبالتحديد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ~~(1029 ه) انتقل الإمام سلام الله عليه إلى رحمة الله في حصنه بشهارة بعد أن ~~قضى حوالي ثلاثا وعشرين سنة في الجهاد والنضال، وقبره هناك مشهور مزور. # من منهجه في الحياة: # اهتم الإمام القاسم بن محمد (ع) بالنواحي الاجتماعية فكان يعطف على ~~الفقراء والمساكين ويتفقد أحوالهم، ويتكفل بنفقاتهم، ونشر العدل بين ms168 الناس ~~وينصف المظلوم من ظالمه، ولقد بلغ من عطفه وعدله أن اهتم حتى بالحيوانات ~~فقد قال لأصحابه عندما دخل شهارة في سنة (1015 ه): «ياقوم هاهنا بقية هرر ~~من سناجيب العجم قد بلغت من الجوع، ولاتأكل العنب، فأذنوا بتفريق هذه لها ~~(يعني قطعا من اللحم)» (2). # كما اهتم بإصلاح الطرقات، وبناء المساجد، وإنشاء المدارس العلمية، واهتم ~~كذلك بالولاة فاختارهم من خيرة أصحابه وأمرهم بالقضاء بالعدل، وملاحظة ~~المساكين والفقراء. PageV01P219 # ومن عهوده لولاته بشأن ذلك هذا العهد الذي كتبه لولده أحمد عندما ولاه ~~أعمال صعدة فيأمره: «بإقامة الشريعة المحمدية، ويقسم في الناس بالسوية، ~~وينتصف للمظلوم من الظالم، ويؤدب أهل الجرائم، ويأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، ويعظم أهل التعظيم، ويتفقد الأيتام والمساكين، ولاتأخذه في الله ~~لومة لائم، ويسير السيرة المرضية، المطابقة لطريقة الشريعة المحمدية، ويسهل ~~الحجاب، ويلين الجناب، ويقيم الحدود، وهو مقلد عهد الله في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وتوفير الحقوق، وجعلها حيث نأمره بها، والامتثال لما ~~قلنا، والاستفهام لنا فيما التبس عليه من الأمور». # ثم يقول: «وعليه العمل بتقوى الله، والتواضع، وتقريب أهل الفضل، والحث ~~على طلب العلم، وافتقاد المساجد، والمصالح والطرقات، وإقامة الشريعة» (1). # كما اهتم الإمام القاسم (ع) بالناحية العسكرية فكان يجيد الرماية ~~بالبنادق، وفي ذلك الوقت يعتبر ذلك إنجازا عظيما، ولم تكن البنادق متوفرة ~~إلا مع ارباب الدولة العثمانية، كما استطاع (ع) أن يصنع الباروت من خمسة ~~معادن جمعها، واستطاع أصحابه أيضا أن يستخرجوا الباروت من مادة الكبريت، ~~كما صنعوا بعض الآلات الحربية، كما أجاد إجادة كبيرة مايسمى الآن بحرب ~~العصابات في جهاده ضد الدولة العثمانية فكان يكبدهم خسائر كبيرة دون أن ~~يلحق به ضررا، ولم يدخل معهم في مواجهة أمامية نتيجة قلة أصحابه، بل استخدم ~~نظام الكر والفر، مستغلا قدرات أصحابه الحربية، وقد أربك الدولة العثمانية ~~كثيرا وجعلها تتكبد أكبر الخسائر. PageV01P220 # ولم تشغله حروبه المستمرة، وماهو فيه من الشدائد والأهوال عن التفكير في ~~النواحي التعليمية، بل كان لايفارق الكتب ويقدم بالدرس والتدريس والتأليف ~~أينما حل وأينما نزل، وفي عهد ms169 استقراره قام بإنشاء المدارس العلمية، وتخرج ~~على يديه الكثير من العلماء، ويعتبره الكثير من العلماء والمؤرخين مجددا ~~لمذهب أهل البيت (ع) في ذلك الوقت، وفي تلك الظروف البالغة الخطورة والتي ~~تغير فيها الوضع كثيرا، فكان للإمام القاسم (ع) الفضل الكبير في إنعاش ~~الحركة العلمية وإعادتها إلى سابق عهدها. # وكان (ع) يوصي أولاده وأصحابه يطلب العلم في كل وقت، ومن وصاياه لأحد ~~أولاده: «إني أوصيك أن لاتترك درس القرآن يوما واحدا ولو في كل يوم جزئين ~~أو جزءا واحدا لاتترك ذلك أبدا» ثم يقول: «وعليك بملازمة العلم وطلبه فإنه ~~من أكبر الفرائض واستعن على ذلك بتقوى الله سبحانه وتعالى» ثم يقول له: ~~«واعلم يابني أني لم آمرك بالعلم إلا لأنه من أعظم الطاعات، لحاجتنا إليه ~~ولأنه لاينجو إلا العلماء العاملون لأنه لاينجو من عذاب الله إلا من خشي ~~الله بدليل قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء، فلايأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون}» (1). PageV01P221 # كما كان لنشأته الدينية البحتة، وحنكته السياسية أن ربى أبناءه تربية ~~إيمانية صحيحة، ونشأهم على العفة والطهارة، وبصرهم بمسئولياتهم الجسيمة ~~الملقاة على عواتقهم، وكان دائم النصح والتوجيه لهم، ومن وصاياه لهم: ~~«يابني اتقوا الله يكرمكم الله، وصلوا أرحامكم يطل الله أعماركم، ويبارك في ~~أموالكم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، إياكم ودمائ الناس، فإن ~~تبعاتها في الدارين عظيمة، وأصلحوا المال، وأكرموا الضيف بما تجدون، ولايكن ~~لكم عن طلب العلم مانع يستغرق أوقاتكم، ولكن قسموا أوقاتكم واجعلوا خيرها ~~وأكثرها في طلب العلم إلا ماكان لابد منه في إصلاح مالكم» (1). # ولقد كان لهذه التربية أثر عظيم في تعليمهم الحنكة السياسية، وتحملهم ~~مسئولياتهم وهم في سن المراهقة، فقد اشتركوا في المعارك الحربية صغارا، ~~وتحملوا العناء والتشريد والجوع ثم الأسر، ولكن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار ~~في دورهم النضالي والجهادي والعلمي حتى تمكنوا من طرد العثمانيين وتوحيد ~~اليمن كاملا زمن الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، ويذكر ~~المؤرخون من مواقفهم حال الصباء، أن الحسن خرج إلى ساحة القتال وهو في سن ms170 ~~الخامسة عشرة. # وأخوه محمد تعرض لأشد الأزمات أثناء حصار شهاة سنة (1009 ه) ورفض الخروج ~~منها رغم أن أصحاب والده جاءوا لاستخراجه هو وإخوانه، وذلك حرصا على أرواح ~~أهل شهارة حيث قال: «لقد وهبت نفسي لله سبحانه وتعالى، ولمن في شهارة ~~المحروسة بالله مع المسلمين والعلماء والمستضعفين، وإن الإمام لم يأمرني ~~بذلك، وفي بقائي سلامة من في شهارة»(2). # الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم PageV01P222 ولد (ع) سنة (990 ه)، وتربى في حجر والده الإمام القاسم (ع) ومجموعة من ~~علماء اليمن الأفاضل، وكان معروفا منذ الصباء بحدة الذهن وشجدة الذكاء، ~~وبدأ يتلقى علومه مع إخوته على يد والدهم الإمام القاسم (ع) حتى بلغوا ~~الغاية القصوى، واتصف (ع) بالعبادة والزهد والورع والشجاعة والإقدام، وكانت ~~حياته ومعاملاته قريبة جدا من حياة الهادي (ع) يتفقد أحوال الفقراء ~~والمساكين، ويلاطف الصغير والكبير والغني والفقير. # وعند موت والده (ع) اجتمع مع العلماء والفقهاء والأعيان، وأوكل إليهم ~~اختيار إمام لهم، وسيكون أول المبايعين، ولكن الجميع وقع اختيارهم عليه إذ ~~لم يجدوا أفضل منه، فأبدى معارضته، ولكنهم أفهموه أنه ليس من حقه المعارضة ~~فقد وجب عليه قبول البيعة، وتمت البيعة له ولقب بالإمام المؤيد بالله. # مراحل الجهاد مع الدولة العثمانية: PageV01P223 # كان الإمام المؤيد بالله (ع) يتصف بالحكمة والسياسة، بالإضافة إلى علمه ~~وعبادته، وبعد توليه الأمر حاول أن يبقي على الصلح الذي عقده الإمام القاسم ~~(ع) مع الأتراك، والذي مكن كل اليمنيين تحت أي ظرف من التمتع بحقوقهم ~~كاملة، وهذا مايسعى إليه المؤيد بالله (ع)، ولكن مع تغير الولاة العثمانيين ~~لم يدم الوضع كما كان، فقام الإمام المؤيد بالله (ع) بتنظيم أموره واستعد ~~للمواجهة مع الدولة العثمانية طيلة تلك السنوات وبدأ يجليهم عن المناطق ~~منطقة منطقة تحت قيادة إخوته الأبطال، وفي سنة (1045 ه) أجلاهم إلى زبيد، ~~وحاصرهم هناك وخرج قائد القوات العثمانية (قانصوه) إلى الأمير الحسين بن ~~الإمام القاسم مستسلما فأكرمه وأحسن وفادته كعادة أبناء الإمام القاسم في ~~مثل هذه الحالة وبقي في ضيافته ثم جهزه بمايلزم من ms171 مال وخيام وخيول وزاد ~~وأوصله إلى جازان ليواصل سيره إلى مصر (1).. ثم طلب مصطفى باشا الاستسلام ~~مع من بقي معه من الجنود في زبيد فخيرهم الأمير الحسن بين البقاء والدخول ~~تحت حكم الإمام أو الرحيل فاختار أكثرهم البقاء وعددهم حوالي أربعة آلاف ~~فأحسن إليهم وأكرمهم، ورحل الباقون وعددهم حوالي ألف وخمسمائة مقاتل مع ~~الأمير مصطفى إلى المخا ومنها اتجهوا إلى مصر، فتوحدت البلاد تحت لواء ~~الإمام المؤيد بالله (ع). # إصلاحاته (ع): # اهتم (ع) بجميع النواحي العلمية، والعمرانية، والاقتصادية وغيرها. فألف ~~المؤلفات العديدة مثل أسانيد المؤيد، وتصفية النفوس عن الرذائل، والفتاوى ~~الفقهية، وانتشر العلم في عهده، وكثر العلماء والمتعلمون، فقام ببناء ~~المدارس وأشرف عليها وعلى معلميها بنفسه. # واتجه (ع) إلى الناحية الاقتصادية والعمرانية فعمرت في عهده المدن ~~والقلاع الحصينة، وانتشرت الزراعة وازدهرت، وشقت قنوات الري إليها، وعبدت ~~الطرق، وامتد ذلك الإصلاح حتى شمل جزيرتي كمران وفرسان (2). PageV01P224 # كما اهتم المؤيد بالله (ع) بالنواحي الإدارية فكان يتفقد رعيته، ويأمر برفع ~~المظالم إليه، ويرسل إلى ولاته وقضاته يوصيهم بالرفق بالرعية، والإحسان إلى ~~الفقراء والمساكين. # كذلك اهتم المؤيد بالله (ع) بأمر الأمة الإسلامية، فراسل ملوك وأمراء ~~العرب، يوصيهم فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشعائر ~~والحدود الإسلامية، فأرسل إلى أمراء العرب داخل الجزيرة العربية، وإلى ملك ~~المغرب يحثهم على إقامة أمور الإسلام، ووردت الكتب من أمراء البحرين ~~والبصرة وغيرها على الإمام ومن ملك الهند يطلبون إقامة علاقات معه، وكذلك ~~من امبراطور الحبشة فاسلداس بن سينوس (1). # وكان يساعده في حكم الولايات أخوته: الحسن بن القاسم الذي كان الساعد ~~الأيمن لأخيه الإمام وكان له من الشهرة والعلم والفضل والكرم ماحببه إلى ~~قلوب الشعب، وكان قائدا عسكريا شجاعا، جاهد مع والده (ع) حتى أسر سنة (1022 ~~ه)، وبقي في الأسر إلى أن استطاع أن يهرب ويخرج خفية من سجن العثمانيين سنة ~~(1031 ه)، ليتولى قيادة الجيش ويهزم الدولة العثمانية، وتوفي (ع) سنة (1048 ~~ه) بضوران، وهي المدينة التي شيد أركانها في البداية، وله من العمر إحدى ~~وخمسون ms172 سنة. # وكذلك ساعده أخوه الأمير الحسين، والذي نشأ منذ الصباء على طلب العلم ~~والجهاد، ونبغ في جميع العلوم، ومن أشهر مؤلفاته كتاب «الغاية وشرحها» ألفه ~~وهو في ساحات القتال يجاهد في سبيل الله، توفي (ع) سنة (1050 ه) في مدينة ذمار. # وهكذا كان المؤيد بالله (ع) لم تشغله حروبه المستمرة عن نشر العلم، ~~وتوفير سبل التعليم، وتنظيم البلاد، وإقامة الحدود، وحسن السيرة في الرعية ~~لافرق بين طائفة وأخرى أو مذهب وآخر، مما جعل الكل يتفانون في محبته ~~وطاعته، حتى توفي (ع) في شهارة سنة (1054 ه). PageV01P225 # وأكمل تلك المسيرة والعدالة أخوه الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن ~~الإمام القاسم وشهرته وفضائله أشهر من تعريفه، توافد عليه العلماء وبايعوه ~~سنة (1054 هت)، فاهتم بتوحيد اليمن ونشر العدالة وتم له ذلك وتوحد اليمن من ~~حدود عمان حتى حدود نجد ومن الحرمين الشريفين إلى صعدة بفضل قائده المحنك ~~أحمد بن الحسن بن الإمام القاسم (ع) (1). # وقد ازدهرت اليمن ازدهارا كبيرا في عصر المتوكل (ع)، فعمت الخيرات، ~~وتسابق الناس على طلب العلم فكان العلماء في زمانه عددا كثيرا لم يقع في ~~أيام غيره، وأرسل مجموعة من العلماء (2) لتعليم الناس الإسلام في الحبشة، ~~وكان يجعل على الحجاج قائدا محملا بالأموال لينفقها على الفقراء والمساكين، ~~واهتم كذلك بالإصلاحات الإدارية والاقتصادية والسياسية فعمر المدن والقلاع ~~والحصون وعبد الطرق، وأنشأ المدارس وكان يتفقدها بنفسه، وقسم البلاد إلى ~~ولايات واختار ولاتها بنفسه وألزمهم بتوفير الأمن والعدل في ولاياتهم ولم ~~يكتف بذلك بل تابع ولاته في كل مكان، وشجع على الزراعة والتجارة، وعاش أهل ~~اليمن في عهده أزهى العصور حتى توفاه الله سنة (1078 ه) بضوران وعمره ستون سنة. # وبعدها استمر الأئمة من أولاد الإمام القاسم بن محمد (ع) يواجهون الغزو ~~العثماني الثاني حتى أجلوا آخرهم زمن الإمام يحيى حميد الدين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. PageV01P226 # تم بحمد الله وتوفيقه ما أردت جمعه أول شهر الحجة سنة (1414 ه)، وسلام على ~~المرسلين والحمدلله رب العالمين، ms173 وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # المراجع والمصادر التاريخية # 1 المصابيح، الإمام أبو العباس (ع) أحمد بن إبراهيم الحسني، وتتمته لعلي ~~بن بلال/ مخطوط. # 2 أنوار اليقين، الإمام الحسن بن بدر الدين (ع)/ مخطوط. # 3 الزحيف، شرح منظومة البسامة/ مخطوط. # 4 الحدائق الوردية، الشهيد حسام الدين حميد بن أحمد المحلي/ مخطوط. # 5 الإفادة في تاريخ الأئمة السادة، الإمام أبو طالب (ع)/ مخطوط. # 6 التحف شرح الزلف، العلامة مجد الدين بن محمد المؤيدي حفظه الله/ مطبوع. # 7 الشافي، الإمام عبدالله بن حمزة (ع)/ مكتبة اليمن الكبرى/ الطبعة ~~الأولى (1406 ه 1986 م). # 8 مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني/ المكتبة الحيدرية، النجف ~~الأشرف (1385 ه 1965 م). # 9 تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري/ منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ ~~بيروت لبنان. # 10 الكامل في التاريخ، ابن الأثير/ دار الكتاب العربي/ بيروت لبنان/ ~~الطبعة الرابعة (1403 ه 1983 م). # 11 مروج الذهب، المسعودي/ المكتبة التجارية الكبرى بمصر/ الطبعة الرابعة ~~(1384 ه 1964 م). # 12 جهاد الشيعة، د. سميرة مختار الليثي/ دار الجيل بيروت/ الطبعة ~~الثانية. # 13 الزيدية، د. أحمد محمود صبحي/ الزهراء للإعلام العربي/ الطبعة ~~الثانية (1404 ه 1984 م). # 14 دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، حسن الأمين/ دار التعارف ~~للمطبوعات/ بيروت لبنان/ الطبعة الثانية. # 15 الإمام زيد، حياته وعصره آراؤه وفقهه، محمد أبو زهرة/ المكتبة ~~الإسلامية بيروت. # 16 تاريخ المغرب الكبير، د. عبدالعزيز سالم «العصر الإسلامي»/ ج 2/ دار ~~النهضة العربية/ بيروت لبنان. PageV01P227 # 17 أخبار أئمة الزيدية في طبرستان وديلمان وجيلان، فليفرد ماديلونغ/ ~~دراسات المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت (1987 م). # 18 غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، يحيى بن الحسين بن القاسم بن ~~محمد (ع)/ دار الكتاب العربي القاهرة/ (1388 ه 1968 م). # 19 بلوغ المرام شرح مسك الختام، القاضي حسين بن احمد العرشي، مكتبة ~~اليمن الكبرى. # 20 المقتطف من تاريخ اليمن، عبدالله بن عبدالكريم الجرافي/ مؤسسة دار ~~الكتاب الحديث بيروت/ الطبعة الثانية (1984 م). # 21 تاريخ اليمن الإسلامي من 204 1006 ms174 ه، أحمد بن أحمد المطاع/ منشورات ~~المدينة/ الطبعة الأولى (1986 م 1407 ه). # 22 تاريخ اليمن المسمى فرجة الهموم والحزن في حوادث وتاريخ اليمن، ~~عبدالواسع يحيى الواسعي/ مكتبة اليمن الكبرى/ الطبعة الثانية (1990 م 1991 م). # 23 اليمن الإنسان والحضارة، عبدالله عبدالوهاب الشماحي/ منشورات المدينة ~~بيروت/ الطبعة الثانية (1406 ه 1985 م). # 24 سيرة الإمام الهادي (ع)، علي بن محمد العلوي/ سهيل زكار. # 25 الإمام الهادي (ع) واليا وفقيها ومجاهدا، عبدالفتاح شايف نعمان/ ~~رسالة ماجستير/ الطبعة الأولى (1410 ه 1989 م). # 26 الروض النضير، حسين السياغي/ مكتبة دار البيان/ الطبعة الثانية (1388 ~~ه 1968 م). # 27 العثمانيون والإمام القاسم بن محمد (ع)، أميرة علي المداح/ رسالة ~~ماجستير/ دار تهامة للنشر جدة/ الطبعة الأولى (1402 ه 1982 م). # 28 النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة في أخبار المنصور بالله رب ~~العالمين القاسم بن محمد (ع)، المطهر بن محمد الجرموزي/ مخطوط. # 29 الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم (ع)، حياة محمد الحمد البسام/ ~~الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى (1406 ه 1986 م). PageV01P228 ### |EDITOR| ENDNOTES PageV01P009: (1) سعيد عاشور محاضرة قيمة دار العالم الإسلامي بيروت لبنان ص 17 19. PageV01P010: (1) وأي صلح كانوا يريدون ومعاوية لم يعلن خروجه إلا بعد أن مهد له أصحاب الجمل. PageV01P011: (1) ولقد حدى موضوع تبريرهم معاوية مما ارتكب أن يتهموا كل من تحدث عن جرائم معاوية وأحب عليا عليه السلام وتابعه بالمغالاة، لكي يحفظوا لمعاوية ومن شاكله مكانة في نفوسهم المريضة وأتباعهم. وعجبا لمثل هذا التفكير الساذج والعقيدة الجوفاء التي ضلوا بها وأضلوا. ولكن هذا هو الضلال والخسران المبين. ألم يعرف هؤلاء أن النزعة الأموية والهجوم على محبي أهل البيت (ع) والانتقاص من علي وفاطمة وأبنائهما عليهم السلام أصلها من المجوسية التي أرادت أن تسيء إلى الرسول (ص) بإساءتها إلى أقرب الناس إليه، وأعزهم عنده، ولكن هؤلاء الكتاب ربما لجهلهم أخذوا ماكتبوه عن بعض المتعصبين أمثال ابن حزم وابن تيمية ومن سبقهما ومن تأخر عنهما ممن حذا حذوهما. قال في النجوم ms175 الزاهرة: أن نسب ابن حزم ينتهي إلى خلف بن معدان مولى يزيد بن أبي سفيان. (2) ولعل هؤلاء لم يتمعنوا مثلا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام ((ستتقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله )). ... فالجهاد كان معنى ظاهرا لدخول الناس في دين الله أفواجا، وهذا معنى ظاهر من أناس أعلنوا الكفر. ... أما ما جاهد علي عليه السلام من أجله إبان خلافته وقد جاهد مسلمين فذلك معنى عميق باطن لم يستطيعوا فهمه. ... فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاهد على النزيل، وعلي عليه السلام جاهد على التأويل، والتأويل لا يفقهه إلا العالمون. ... ولذلك انتقد علي (ع) الواقفون عند الظواهر من الظاهريه وبعض أهل السلف فضلا عن الخوارج الذين لم يبلغ الإيمان تراقيهم، فهو (ع) إراد أن يبدل أشياء كانت قد تغيرت وخرجت عن قاعدة الإسلام ((لو استوت قدمي هذين لبدلت أشياء )). ولقد قال عنه الحسن البصري أنه (( رباني )) هذه الأمة بكل ما يحمله اللفظ من سر عميق وجلال عظيم. PageV01P012: (1) ولأن أصحاب معاوية كانوا جهلة، وأصحاب نزعات وأهواء فعندما استشهد (( عمار )) وتصايح الناس بالفئة الباغية، قال معاوية لأصحابه: (( إنما قتله علي الذي أخرجه )). ... ولقي ذلك استماعا وقبولا من أصحابه ولقد قال علي (ع) ردا عليهم: (( إذن فحمزة قتله رسول الله لأنه الذي أخرجه )) ولكن تلك الحيلة انطوت عليهم، وجعلوها مبررا لمعاوية، ولا زال بعضهم إلى اليوم منخدع بما قاله معاوية!! PageV01P013: (1) المغيرة هو الذي أشار على معاوية ببيعة يزيد عندما خاف أن يعزله معاوية من ولاية العراق. (2) أنقذ معاوية من الهزيمة يوم صفين بخدعة رفع المصاحف، ثم خدع أبا موسى في التحكيم، ولم يبايع معاوية إلا بولاية مصر. (3) الذي طار بقميص عثمان من المدينة إلى الشام ليثير الفتنة والحرب على علي (ع). (4) ناصر معاوية مثله مثل من سبقه، واستخدم الأحاديث المفتراة ضد الإمام علي (ع). قتل من أهل الكوفة ثمانية ألاف رجل بدون ذنب إبان ولايته. (5) وأمثال هؤلاء يجب على المرء تعريتهم وكشف حقائقهم للناس حتى لا يغتر أحد ms176 بهم ويتبعهم فيهلك. ... ومن المؤسف أن بعضا ممن ينتمي إلى الأسلام ما أن يسمع عنهم شيئا، يفقد صوابه ويطلق أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان، بدعوى أن هؤلاء آووا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم حسب مصطلحه (( صحابة )) بجب تقديسهم مهما فعلوا!. ويجب أن نتجاوز عن كل ما فعلوه بحق الإمام علي (ع) وما جنوه على الإسلام وشريعته..! PageV01P014: (1) الزيدية أحمد صبحي 43، 46. (2) ومن الغريب أن هؤلاء بدلا من أن يضعوا الناس أمام ميزان العدالة الإلهية كائنا من كان. نجد أنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك ويظهروا الواقع المر والأليم الذي تزعمه معاوية وأتباعه، نجدهم يبحثون عن جماعة يحملون عليها أخطاءهم، فلم يحدوا إلا أن يتحمل وزر كل تلك الأعمال شخص يهودي اسمه عبدالله بن سباء. PageV01P015: (1) الزيدية أحمد صبحي ص 23. (2) طه حسين. علي وبنوه ص 98 100.وليس المهم هل كان عبدالله بن سباء حقيقة أم وهما. ولكن المؤسف أن بعض ممن ينتمي إلى الإسلام نزل بعقله وتفكيره إلى درجة أن يقول أن اتباع علي (ع) وموالاته ليست إلا فكرة يهودية، اخترعها عبدالله بن سباء ! ... وعجبا لهؤلاء إن كانوا يعتقدون أنهم مسلمون، أن يتجاوزوا القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدالة دلالة لاشك ولا نزاع فيها على وجوب اتباع وموالاة أهل البيت عليهم السلام، ويقولون هذا القول السخيف.! PageV01P016: (1) ومن صور التبرير أن بعضهم وجه اللوم إلى الحسين (ع) لخروجه على يزيد. وأشار إلى أن الحسين (ع) قتل بسيف جده..!! (2) يحدثنا التاريخ أن الأنصار كانوا يقولون للمتقدم للزواج من بناتهم لعله أصابها شيء يوم الحرة. قال ابن كثير في تاريخه وأوقع أي يزيد من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لايجد ولا يوصف. وروى ابن قتيبة: (( أن عدد من قتل من الأنصار والمهاجرين والوجوه ألف وسبعمائة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان )). (3) أنظر مثلا ما كتبه محمد الخضري في تاريخه ((تاريخ الأمم الإسلامية )) فعجبا أن نجد أمثال هؤلاء لا يعرفون الحكم الصحيح على حوادث التاريخ ومن ms177 الواضح أن معركة بدر التي ذهب فيها آباء وأجداد يزيد بن معاوية بسيف الإمام علي (ع) والأنصار، ظلت ماثلة في نفس يزيد، وقد انتقم لنفسه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي، بقتله الحسين (ع). وزاد من تشفيه وانتقامه لجدته هند بنت عتبة أن ساق بنات رسول الله سبايا. وبقي أنصار رسول الله ولابد أنه ينتقم منهم، وأن يكمل مشوار والده معهم. وكان دورهم في وقعة الحرة التي انتهك فيها حرماتهم وفجر جيشه بنسائهم وبناتهم، وختم على رقابهم بالعبودية. ... ثم وقف متفاخرا مزهوا بنفسه وهو يردد: ليت أشياخي ببدر عرفوا لأهلوا واستهلوا فرحا لست من خندف إن لم انتتقم قد قتلنا القرم من ساداتهم فزع الخزرج من وقع الأسل ولقالوا يا يزيد لاتشل من بني أحمد ما كان فعل وعد لنا ميل بدر فاعتدل ... يقول الدكتور طه حسين: ... ((إن أبا سفيان نظر عند فتح مكة فإذا هو بين اثنين إما أن يمضي في المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس، وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة، ومن قريش إلى الأنصار، أن يعود إلى قريش ، وإلى مكة مرة أخرى، وألقى الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار، وأصبح الناس جميعا في ظاهر الأمر إخوانا مؤتلفين في الدين، وقد طال انتظار أبي سفيان حتى قام حفيده يزيد بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحرة، ويزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على الإسلام وما سنه للناس )). PageV01P017: (1) الحسين أبو الشهداء ((العقاد: 122. PageV01P018: (1) عندما سمع الحسن البصري من يصف معاوية بالحلم قال: (( وهل أغمد سيفه وفي نفسه شيء على أحد!؟ )). (2) كان العراق مثلا تحكمه في عصرهم شريعة الغاب، ويذكر المؤرخون أن المرأة كانت تنتهك حرمتها وتصيح فلا تجد المغيث إلا إذا كان لها عشيرة. (3) استخدم معاوية كثيرا من القصاصين لوضع الأحاديث المفتراة. فقد كان كعب الأحبار الذي تظاهر بالإسلام صفي معاوية، وشبه مستشاره الخاص، وقد استفاد معاوية كثيرا ms178 من إسرائيلياته التي افتراها على رسول الإسلام لتخدم معاوية وسلطته. PageV01P020: (1) الدكتور سعيد عاشور محاضرة قيمة ص 35 37. PageV01P021: (1) نهج البلاغة: 695. PageV01P022: (1) رائحته الزكية. (2) الخطل: الخطأ. (3) نهج البلاغة 469 470 خطبة رقم (190). PageV01P024: (1) كانت بيعته (( ع )) في 18من ذي الحجة سنة 35وهو نفس اليوم الذي بويع فيه يوم الغدير سنة (10ه). PageV01P025: (1) أنظر تفسير الطبري عن أنس: 10/ 59، أسباب النزول للواحدي: 182، القرطبي في تفسيره: 8/ 91، الرازي في تفسيره: 4/ 422، الخازن في تفسيره: 2/ 221، الدر المنثور للسيوطي: 3/ 218 وغيرهم. (2) انظر مصادر الحديث في الشافي: 1/ 86. PageV01P026: (1) أخرجه ابن المغازلي في المناقب والزمخشري في الكشاف، والرازي في تفسيره، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى، وأخرج نحوه البخاري: 6/ 129. وابن حجر في الصواعق الفصل الأول من الباب 11، والطبراني في الكبير وغيرهم. (2) السيوطي في الدر المنثور: 2/ 38، الواحدي أسباب النزول: 47، الحاكم في المستدرك: 3/ 150، الرازي في تفسيره: 8/ 85. (3) الطبراني في الكبير: 11/ 65 66 ، ابن الأثير في أسد الغابة: 4/ 22، ابن كثير في البداية والنهاية: 7/396، وانظر الروضة الندية: 177 182. (4) الصواعق لابن حجر باب 9: 124 (5) الصواعق باب 29/ 125، نقله عن أحمد. PageV01P027: (1) انظر البخاري: 5/ 22، الأمالي: 67. (2) الطبري: 2/ 197 ، أنوار اليقين. (3) أنوار اليقين. كتاب االعدل والتوحيد للإمام الهادي (ع): 69، والحاكم: 3/ 14. (4) الروضة نقلا عن المحب الطبري، والترمذي، وابن المغازلي وغيرهم: 140 144. (5) الروضة الندية نقلا عن مسلم، وأحمد في المناقب وغيرهم: 171 177. وروى نحوه الإمام أبو طالب: 49 74. (6) ابن حجر في الصواعق باب 9/ 123. (7) لمزيد من المعرفة انظر: الشافي للإمام عبدالله بن حمزة، أنوار اليقين للإمام الحسن بن بدر الدين، لوامع الأنوار للعلامة مجد الدين المؤيدي، الروضة الندية شرح التحفة العلوية لمحمد بن إسماعيل الأمير، تثبيت الوصية للإمام زيد عليه السلام تحقيق الأستاذ محمد يحيى سالم، المراجعات عبدالحسين شرف الدين، فضائل الخمسة من الصحاح الستة مرتضى الحسيني وغيرها. PageV01P028: (1) انظر الشافي: 1/ 106 110، الطبري: 2/ 63. (2) لمزيد من المعرفة انظر تفسير الحبري: 258، الدر المنثور: 3/ 104 106، جامع البيان: 4/ 287 288. وغيرهم. ووردت الآية بضمير الجمع من باب إطلاق العام على الخاص وهو كثير في القرآن منه قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس} والمراد بلفظ الناس رجل واحد هو نعيم بن مسعود. PageV01P030: (1) انظر الشافي: 1/ 122، أنوار ms179 اليقين. PageV01P031: (1) الشافي: 1/ 110. وطرق هذا الحديث كثيرة جدا. قال المقبلي في الأبحاث المسددة: 244. عزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والطبراني وابن ماجة والترمذي والنسأئي وابن أبي عاصم والشيرازي وابو نعيم، وابن قانع وابن عقدة وابن حبان والخطيب ثم قال المقبلي: (( نعم فإن كان مثل هذا معلوما وإلا فما في الدنيا معلوم )). وهذا اليوم من أهم وأكبر واعياد المسلمين بل أنه عيد الله الآكبر كما روى ذلك المرشد بالله عليه السلام ويحتفل المسلمون في جميع الأقطار الإسلامية كل عام بهذا اليوم العظيم إحتفاء بهذه المناسبة التي اكتمل فيها الدين بتولية علي (ع) أميرا للمؤمنين تأسيا واقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (2) روى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل رقم (928) أنها نزلت في علي (ع)، انظر تثبيت الوصية لمعرفة ذلك: 35. PageV01P032: (1) أخرجه الطبراني في الكبير: 11/ 93 رقم (1152)، والحاكم الحسكاني رقم (925)، وابن المغازلي رقم (365). انظر تثبيت الوصية للإمام زيد تحقيق محمد يحيى سالم: 35 36، أنوار اليقين: 40 خ . (2) عن علي (ع) قال: (( بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين وأسلمت يوم الثلاثاء )) أخرجه أبو يعلى: 1 رقم (446) والحاكم في المستدرك: 3/ 112. انظر مصادر الحديث في تثبيت الوصية: 37، وفي أنوار اليقين عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أول الناس ورودا على الحوض أولهم إسلاما علي بن أبي طالب )). (3) أخرجه أحمد: 1/ 126، والحاكم: 3/ 129، انظر مصادر الحديث في تثبيت الوصية: 40. PageV01P033: (1) البخاري: 5/ 24، الكامل: 2/ 277، انظر الشافي: 1/ 124 128. (2) راجع المصادر التي سبق ذكرها. (3) نهج البلاغة (4) نهج البلاغة: 730. PageV01P034: (1) المغيلات: النخل الوارف الظلال. PageV01P035: (1) أمير المؤمنين أضواء اسلامية: 35، 38. PageV01P036: (1) الإمام علي منتهى الكمال البشري: 188. PageV01P037: (1) نهج البلاغة. PageV01P038: (1) أمير المؤمنين أضواء: 55. PageV01P039: (1) وهذه الآية نزلت في الإمام علي (( ع )). (2) الإمام علي منتهى الكمال البشري: 96. PageV01P040: (1) الإمام علي منتهى الكمال البشري: 96. (2) نهج البلاغة: 260 رقم (91). (3) نهج البلاغة: 448 خطبة رقم (187). PageV01P041: (1) الإمام علي منتهى الكمال البشري: 97. (2) الصواعق المحرقة: 76. (3) نهج البلاغة. PageV01P042: (1) نهج البلاغة: 520 رقم (222). (2) نهج البلاغة: 339 رقم (134). (3) الإمام علي منتهى الكمال البشري: 183. PageV01P043: (1) أمير ms180 المؤمنين أضواء: 86. (2) نهج البلاغة: 560 خطبة رقم (25). (3) أمير المؤمنين أضواء: 89. (4) الإمام علي منتهى الكمال البشري: 184. PageV01P045: (1) انظر نهج البلاغة: 621 ، 649 تحقيق محمد عبده، رقم (53). PageV01P046: (1) نهج البلاغة: 614 وصية رقم (47). (2) الحدائق: 82. PageV01P047: (1) الحدائق: 98. PageV01P048: (1) كان عبيدالله بن العباس قائدا لجيش الحسن (( ع )) وخدعه معاوية وغره بالمال حتى تخلى عن الإمام الحسن (( ع )). (2) الشافي: 1/ 163. PageV01P049: (1) كان من شروط الصلح أن يقوم الحسن (( ع )) بالأمر بعد موت معاوية، ولكن معاوية لم يف بشرط منها بل قال. كل ما شرطه الحسن فقد وضعته تحت قدمي. (2) وفي لها معاوية بالمال ولم يف لها بالزواج. PageV01P050: (1) الإمام علي متراس ونبراس: 19. (2) الإمام علي متراس ونبراس: 19. (3) الإمام علي متراس ونبراس: 19. PageV01P051: (1) وعلى هذا الأساس فقتلى المسلمين في المعارك مع المشركين قتلهم الرسول (( ص )) لأنه الذي أخرجهم. (2) الإمام علي متراس ونبراس: 17. (3) وعند موت معاويه كان يردد ويقول:(( مالي ولحجر بن عدي )). PageV01P052: (1) كان المغيرة بن شعبة اليد اليمنى ليزيد في تلك البيعة حتى لا تسقط إمارته. (2) وأباح يزيد حرمة المدينة سنة (( 36ه )) يقيادة مسلم بن عقبة المري، فقتل المهاجرين والأنصار والموالي.. وأباح النساء لجنده. (3) العقاد الحسين أبو الشهداء : 44. PageV01P053: (1) العقاد الحسين أبو الشهداء: 43. (2) الحدائق: 112. (3) المصابيح: 184. PageV01P054: (1) وحتى الذين اغتروا بشعار معاوية ومطالبته بدم عثمان شاهدوا بأم أعينهم أن المقصود كان الحكم والملك ولا شيء غيره. (2) المصابيح:186. (3) هو الذي حرض أباه على الإستمرار في حرب الجمل عندما ذكر الإمام علي (( ع )) الزبير بقول الرسول (( ص )) للزبير ستقاتله وأنت له ظالم )) فقال عبدالله : (( إنما فررت من سيوف بني هاشم ولكن الزبير ترك المعركة وانصرف )) وهو الذي شرد بني هاشم أيام سيطرته على مكة وقطع الصلاة على النبي (( ص )) في خطبة الجمعة. PageV01P055: (1) المصابيح: 189، وابن الأثير: 3/ 364. PageV01P057: (1) الحسين أبو الشهداء ص 84. PageV01P058: (1) المصابيح: 196 ، 197. (2) أبو الفرج: 74. (3) تبعد عن طهران عاصمة إيران حوالي 16كم. PageV01P059: (1) الحدائق: 119. (2) ابن الأثير: 3/288. PageV01P060: (1) الحسين أبو الشهداء: 104. PageV01P061: (1) الحسين أبو الشهداء: 109 ، 110. PageV01P062: (1) الحسين أبو الشهداء: 116. PageV01P063: (1) نجا من الموت بأعجوبة إذ كان مريضا أثناء المعركة ولم يقتله القوم بعد المعركة لتوقعهم موته. (2) ابن الأثير:279. PageV01P064: (1) الخطبتان مذكورتان في الحدائق الوردية: 1/ 125 127. PageV01P065: (1) ابن الأثير: ms181 3/292. (2) أبو الفرج الأصفهاني: 77. PageV01P067: (1) ابن الأثير: 3/292. PageV01P068: (1) انظر ابن الأثير: 3/293. (2) الحسين ومسئولية الثورة: 50. (3) الحدائق الوردية: 120. PageV01P069: (1) مقاتل الطالبيين: 79 . (2) الحسين ومسئولية الثورة: 46. PageV01P070: (1) انظر الحدائق الوردية: 126. (2) ابن الأثير: 3/315. PageV01P071: (1) الشافي: 183. PageV01P072: (1) وأحد قواد حرب الجمل ضد الإمام علي (( ع )). وكان يقول لا أبالي رميت هاهنا أم هاهنا فرمى طلحة بن عبيدالله أحد قواد المعركة في أكحله فمات. PageV01P073: (1) الشافي: 1/186. (2) الشافي: 1/168. PageV01P074: (1) ومن آثاره الصحيفة السجادية المشهورة بين الناس. PageV01P075: (1) الروض: 108. (2) الإفادة: 18. PageV01P077: (1) رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمة تحقيق محمد يحيى سالم: 23 24. PageV01P079: (1) وقيل أن يوسف بن عمر ادعى عليهم ذلك عندما كان خالد بن عبدالله في محبسه. (2) الإفادة: 19. PageV01P080: (1) المصابيح: 207. (2) يقول محمود أبو زهرة وهو يتحدث عن استشهاد الإمام زيد(( ع )): (( واستشهد زيد في المعركة، ومات في الميدان، وفي مشتجر السيوف، ومرمى السهام فمات شجاعا حرا أبيا، لم يرض بالدنية في دينه، ولم يرض بأن يرى باطلا يرتفع، وحقا ينخفض، وسنة تموت، وبدعة تحيا، وشرعا يهدم، وظلما يقوم، ولم يرض بأن يرى استبدادا يرهق النفوس ويمرض القلوب)). حياة الإمام زيد: 62. PageV01P081: (1) مقاتل الطالبيين: 94. PageV01P083: (1) الإفادة: 23. PageV01P084: (1) الإمام زيد ( ع ): 62. PageV01P085: (1) الحدائق الوردية: 154. (2) أبو الفرج: 191. (3) أبو الفرج: 191. (4) الشافي: 1/198. (5) انظر الإفادة: 24، وغيرها. PageV01P086: (1) ابن الأثير: 4/272. PageV01P087: (1) أبو الفرج: 147 ، 148. (2) جهاد الشيعة: 122. (3) الطبري: 6/171. PageV01P088: (1) أبو الفرج: 147. (2) أبو الفرج: 147. PageV01P089: (1) توجه عبدالله إلىالسند وأسلم أهلها وقتل في آخر أيام أبي جعفر. (2) وقتل علي هناك. (3) حبس في اليمن حتى مات. (4) وكان من علماء زمانه حتى أن أبا جعفر كان يخلي له مكانه عندما يصل إليه وقال فيه لما عرض عليه مالا فلم يقبل: كلنا يمشي رويدا ... كلنا يطلب صيدا غير عمرو بن عبيد (5) الشافي 1/198. PageV01P090: (1) شعار العباسيين. (2) الشافي: 1/199. PageV01P091: (1) الإفادة: 28 ،29. (2) أبو الفرج: 224. PageV01P092: (1) الحدائق الوردية:169. وعندما علم أبو جعفر بأمر أبي حنيفة (( رحمه الله )) بعث إليه وسقاه شربة مسمومة فمات. (2) مكان بين البصرة والكوفة يبعد عن الكوفة بحوالي ست عشر فرسخا. (3) التبييت هو الهجوم في الليل. PageV01P093: (1) الشافي: 1/202. (2) أبو الفرج:242. (3) أبو الفرج: 147. (4) كان أبو جعفر المنصور قد أمر بالقبض عليهم في المدينة سنة(140ه) كراهة ms182 أن يظهر محمد بن عبدالله دعوته. ثم أرسلوا إلى سجن ابن هبيرة في الكوفة سنة (144ه) وماتوا هناك. PageV01P094: (1) الشافي: 1/214. (2) أبو الفرج:130. PageV01P095: (1) أبو الفرج: 135. PageV01P096: (1) أبو الفرج: 270. PageV01P097: (1) الشافي: 1/212. (2) أبو الفرج: 277. (3) الشافي1/218 ، أبو الفرج: 289. PageV01P098: (1) الشافي: 214. PageV01P099: (1) تولى موسى (( الملقب بالهادي )) الخلافة بعد والده الملقب (( بالمهدي )) وكان معروفا بقسوته وشدته. (2) وكان سبب ذلك أن الحسن بن محمد تزوج فتغيب عن العرض اليومي. (3) انظر ابن الأثير: 5/75. (4) الحدائق الوردية: 178. PageV01P100: (1) الشافي: 1/214. (2) قائد الجيش العباسي في المدينة. PageV01P101: (1) تقع على بعد ستة أميال من مكة تقريبا. (2) أبو الفرج: 299. (3) كانت المعركة يوم التروية. PageV01P102: (1) جهاد الشيعة: 268. (2) كان عمر بن عبدالعزيز قد توارى في المدينة عند قيام الحسين (( ع )) ولم يعد إلى الإمارة إلا بعد خروجه. (3) جهاد الشيعة: 271. PageV01P103: (1) من الذين أخذوا عنه: يحيى بن زكريا الصنعاني، ويحيى بن إبراهيم. (2) المصابيح خ : 286. (3) المصابيح خ :286. (4) المصابيح خ : 286. كان محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله من أجل اتباع آل محمد وأهل الإخلاص في ولاية أبناء الرسول وهو القائل: يا أهل بيت رسول الله حبكمو ... فرض من الله في القرآن أنزله كفاكمو من عظيم الشأن أنكمو ... من لم يصل عليكم لا صلاة له PageV01P104: (1) ومما يثير العجب أن الخمسين الألف جاءوا لعرض الأمان على زعمهم!! (2) كتاب الرد مذكور في الشافي للإمام عبدالله بن حمزة: 1/225. (3) الحدائق الوردية: 188. PageV01P105: (1) الحدائق الورديه: 1/ 188. (2) الخطبة مذكورة في الشافي: 1/232. PageV01P106: (1) الشافي: 1/232. (2) ذكر الأمام عبدالله بن حمزة نص الأمان في كتابه الشافي: 1/ 232 234. PageV01P107: (1) انظر المصابيح: 296. PageV01P108: (1) كانت نسخة الأمان قد تضمنت الأمان لسبعين رجلا مع يحيى (( ع )) غير مسميين. (2) أبو الفرج: 312. PageV01P109: (1) أنظر الطبري: 6/455. (2) المزيد في التفضيل انظر الشافي 1/235، الحدائق 1/192. PageV01P110: (1) انظر الطبري: 6/554. (2) المصابيح: 267. PageV01P111: (1) عيد من أعياد السنة الفارسية. (2) لقي جعفر البرمكي نفس المصير إذ قدم رأسه بنفس الطريقة هدية إلى هارون الرشيد في نكبة البرامكة. (3) الطبري: 7/117. PageV01P112: (1) كان أشهر غلمانه أبو الشوك. وسيار. (2) الحدائق الوردية: 199. PageV01P113: (1) الشافي: 1/250. (2) أبو الفرج: 348. (3) الشافي: 1/251. PageV01P115: (1) الحدائق الوردية: 203. PageV01P116: (1) المصابيح: 18. (2) الشافي: 1/254. (3) الشافي: 1/255. PageV01P117: (1) أبو الفرج: 357. PageV01P118: (1) أبو الفرج: 363. PageV01P120: (1) التحف شرح الزلف: 54. (2) مروج الذهب: 7/27. ms183 (3) أنوار اليقين: 130. PageV01P121: (1) هذا الكتاب عبارة عن مناظرة بين الإمام القاسم بن إبراهيم (( ع )) ورجل ملحد أعجز جميع العلماء فأزال عنه الإمام القاسم (( ع )) المشكلات فأسلم وقال:(( تعست أمة ضلت عن مثلك )). (2) الإفادة: 46. (3) الإفادة: 52. (4) أنوار اليقين: 103. PageV01P122: (1) يروى أنه حج من البصرة مدة ثلاثين سنة راجلا. PageV01P123: (1) المصابيح: 349. PageV01P124: (1) الحدائق الوردية: 2/98. (2) الحدائق الوردية: 2/9. (3) الحدائق الوردية: 2/10. (4) الحدائق الوردية: 2/10. PageV01P125: (1) ومن الذين أخذو عنه : أولاده محمد، والحسن، والحسين، وسليمان.. ومن أصحابه: الحسن بن يحيى بن الحسن بن زيد، ومحمد بن منصور المرادي، عبدالله بن يحيى القومسي، وأحمد بن سلام، وغيرهم. PageV01P129: (1) تاريخ المغرب الكبير 2/467 نقلا عن البكري. (2) تاريخ المغرب الكبير 2/469 نقلا عن الجزناءي. PageV01P133: (1) الشافي 1/238 249، وواضح من خطاب إدريس بن عبدالله (ع) أنه اختاره هكذا ليتناسب مع مجتمع البربر. (2) انظر تاريخ المغرب الكبير 2/470 نقلا عن ابن خلدون، وابن الخطيب. PageV01P134: (1) الطبري 5/338، ابن الأثير 4/182. (2) وأخذوا يترقبون الفرصة حتى قتلوه. PageV01P135: (1) انظر تاريخ المغرب الكبير 2/299. (2) رئيس وزراء هشام بن عبدالملك. (3) كان الخلفاء يرسلون إلى عمالهم في المغرب أن يبعثوا إليهم بالنساء البربريات. PageV01P136: (1) انظر الشافي 1/237. PageV01P137: (1) الشافي 1/240. PageV01P138: (1) انظر تفاصيل ذلك في تاريخ المغرب الكبير 2/472 473. PageV01P139: (1) تاريخ المغرب الكبير 2/474 نقلا عن ابن الخطيب. PageV01P140: (1) اتخذ إبراهيم بن الأغلب مدينة القيروان عاصمة لولايته. (2) ويذكر المؤرخون أن عدد الوافدين من عرب القيروان والأندلس كانوا من مهاجرة قرطبة وحدها ثمانمائة آلاف بيت، ومن مهاجرة القيران ثلاثمائة بيت. (3) قيل أنها سميت بهذا الإسم لأنه لما ابتدأ بحفر أساسها في جهة القبلة وجد في الحفير فأسا كبيرا فسميت المدينة فاسا لذلك. PageV01P141: (1) تاريخ المغرب الكبير 2/478. PageV01P142: (1) قيل مات مسموما، وقيل أنه غص بحبة عنب، ودفن بمدينة وليللى كما دفن والده هناك، وقيل أنه دفن بفاس بمسجد الشرفاء إزاء الجدار الشرقي منه. (2) دفن بشرقي جامع الشرفاء بفاس. (3) انظر دائرة المعارف الإسلامية مجلد 1 ج 4 ص 8. (4) دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ج 4 ص 8. وفي عهده بنى المسجد الجامع بعدوة القرويين بفاس. (5) نفس المصدر ص 8. (6) تاريخ المغرب الكبير 2/484. PageV01P143: (1) دائرة ms184 المعارف ج 4 ص 8. (2) وقد تمكنا من اعتقال يحيى سنة (309 ه ) وبقي في سجن موسى بن أبي العافية عشرين سنة ثم أطلقه بعد ذلك وتوفي سنة (332 ه). PageV01P144: (1) خطب لهم في جميع هذه البلاد، وضربت السكة باسمهم. (2) أول من بويع منهم وبويع في قرطبة، وتلقب بالناصر لدين الله، ولم يتخلف أحد عن بيعته. PageV01P146: (1) وقد بقي الأدارسة في المغرب وتكاثر نسلهم، وفي العصر الحديث كان لهم دور كبير في تحرير المغرب من الاستعمار، ولازال عقبهم هناك إلى اليوم. PageV01P147: (1) ومنهم على سبيل المثال: الإمام إدريس بن عبدالله، وابنه إدريس، ويحيى بن عمر بن إدريس، وعلي بن حمود، والإدريسي، والقاضي الأندلسي محمد بن عبدالله القضاعي صاحب كتاب «درر السمط في أخبار السبط»، والشاعر عبادة بن ماء السماء، وهو عبادة بن عبدالله الأنصاري من ذرية سعد بن عبادة، وغيرهم الكثير. PageV01P149: (1) كان المتوكل من أشد الناس عداوة لأهل البيت، وفي عصره نالهم الكثير من المصاعب والشائد. (2) أخبار أئمة الزيدية 129. (3) الشافي 1/298. PageV01P150: (1) انظر الشافي 1/298. PageV01P151: (1) التحف شرح الزلف 71. PageV01P152: (1) انظر تاريخ أئمة الزيدية 26. PageV01P153: (1) الحدائق 2/30 31. PageV01P154: (1) الشافي 314. (2) الحدائق 2/41. (3) الحدائق 2/32. (4) الزيدية 192. PageV01P155: (1) انظر الشافي 1/309 310. (2) القصيدة بطولها مذكورة في الشافي 1/313 314. PageV01P156: (1) وفي الإفادة: وصرت أبا جد. PageV01P157: (1) انظر: الكتب التاريخية كالطبري وابن الأثير مثلا لتعرف كيف كان يتصرف الولاة معهم. PageV01P158: (1) قال عنه حجة العصر المولى مجد الدين المؤيدي: «شيخ الأئمة ووارث الحكمة، رباني آل الرسول، وإمام المعقول والمنقول، مؤلف النصوص، وشارح المنتخب والأحكام للإمام الهادي (ع) وصاحب المصابيح، بلغ فيها إلى الإمام يحيى بن زيد (ع)، وتوفي، وكان قد جدول أسماء الأئمة (ع) فأكملها تلميذه علي بن بلال رحمه الله بنفس الترتيب>>. (2) التحف 74. (3) الشافي 1/221. PageV01P160: (1) كانت ولادته (ع) في آمل من بلاد طبرستان. (2) كان من مشائخه أبو العباس الحسني. PageV01P161: (1) الشافي 2/33. (2) كان الصاحب بن عباد وزيرا لركن الدولة بن بويه، وكان يحمل علما جما تقيا ورعا، له مؤلفات كثيرة، ويروى أنه القائل: ... ... ... لو شق عن قلبي يرى وسطه ... سطران قد خطا بلا كاتب ... ... ... العدل والتوحيد في جانب ... وحب ms185 أهل البيت في جانب PageV01P162: (1) الحدائق 2/67. (2) كتاب الدعوة شامل جامع لكثير من فوائد العلم وهو مذكور في الحدائق 2/83 87. PageV01P164: (1) الشافي 1/331. (2) الشافي 1/331. PageV01P165: (1) الشافي 1/331. (2) الحدائق 2/71. PageV01P166: (1) الحدائق 2/68. (2) انظر الحدائق 2/70 71. PageV01P167: (1) البالغ المدرك للإمام الهادي (ع). PageV01P169: (1) حياة الإمام زيد 503 504. PageV01P171: (1) الحدائق 2/110 117. PageV01P174: (1) السيرة الحلبية 3/259. (2) انظر اليمن الإنسان والحضارة 100. PageV01P175: (1) تاريخ اليمن للواسعي ص 167. (2) كون الدولة الزيادية في زبيد. (3) حديث شريف رواه الإمام القاسم في الأساس وغيره بأن الرسول أشار إلى اليمن وقال: «سيخرج رجل من ولدي في هذه الجهة اسمه يحيى الهادي يحيي الله به الدين». PageV01P176: (1) بلوغ المرام ص 31 32. (2) الإمام زيد 509. PageV01P177: (1) الإمام الهادي ص 129. (2) الإمام الهادي 126. PageV01P178: (1) الحدائق 19. PageV01P179: (1) كانت الدولة اليعفرية هي الحاكمة على صنعاء من قبل الدولة العباسية. (2) تاريخ اليمن الإسلامي 77. (3) الإمام زيد 511، أبو زهرة. PageV01P180: (1) الشافي.... PageV01P182: (1) الإفادة 55. (2) الإفادة 55. PageV01P183: (1) كان محمد بن عبيدالله العلوي من أشد أتباع الهادي (ع) وكان واليا على نجران، واستشهد هناك مع أهله وأسرته في فتنة القرامطة في معركة رهيبة قال عنها المؤرخ ابن أبي الرجال: «إنها تشبه كارثة الطف» ومن يقرأ تفاصيل المذبحة وظروفها يقدر مصداق قول ابن أبي الرجال، ولقد بلغ بالقرامطة الحقد والانتقام مايجاوز كل شيء، فقد وقف شاعرهم وهو يحتز رأسه ويرتجز: ... ... ... شيخ بشيخ وصبي بصبي ... شفيت نفسي وبلغت مأربي ... ... ... ولا أبالي بعد ذا ماحل بي ... من سخط الله ومن لعن النبي وقد خرج الإمام الهادي (ع) لتأديبهم ومعه حامل رايته الفارس الشجاع علي بن محمد العلوي، ودارت معركة رهيبة، وعاد علي بن محمد مثخنا بجراحاته وفي خيوان استشهد متأثرا بجراحه. وقد حزن الإمام عليه حزنا شديدا ووقف يقول: ... ... ... قبر بخيوان حوى ماجدا ... منتخب الآباء عباسي ... ... ... قبر علي بن أبي جعفر ... من هاشم كالجبل الراسي ... ... ... من يطعن الطعنة خوارة ... كأنها طعنة جساس PageV01P184: (1) الإفادة 60. PageV01P185: (1) تاريخ المطاع 146. (2) الإمام الهادي 211. (3) الإمام الهادي 211. PageV01P186: (1) الإمام الهادي 209. PageV01P187: (1) الشافي 307. (2) انظر الزحيف 138. PageV01P188: (1) حياة الإمام زيد 512. PageV01P190: (1) الحدائق 2/45. PageV01P192: (1) المقتطف من تاريخ اليمن. (2) منه نسخة في مكتبة برلين بألمانيا. (3) انظر التحف 82. (4) الحدائق 2/90 99. PageV01P193: (1) تاريخ المطاع 231. PageV01P195: (1) كان من أجل أتباعه وأعوانه عالم ms186 الزيدية وحافظ علومها القاضي جعفر بن أحمد بن عبدالسلام، وهو الذي نقل تراث المعتزلة من العراق إلى اليمن فلم تندثر مع الكتب التي رصف بها نهر دجلة أثناء دخول التتار بغداد وسقوط الخلافة العباسية. (2) تاريخ المطاع ص 320. PageV01P196: (1) تاريخ المطاع 237. (2) غاية الأماني 1/312. PageV01P197: (1) الشافي 345. (2) الحدائق 2/125. PageV01P199: (1) وهما أخذا عن الإمام أحمد بن سليمان، والقاضي جعفر بن عبدالسلام. PageV01P201: (1) ينتمون إلى إحدى القبائل الكردية التي سكنت أذربيجان. انظر بلوغ المرام 40. (2) الشافي 2/348. (3) التحف 104. PageV01P202: (1) الشافي 1/4. (2) انظر الحدائق 2/157 158. PageV01P203: (1) توفي الأمير شمس الدين سنة (606 ه) وعمره خمس وثمانون سنة وهما مقبوران في قطابر، إحدى نواحي جماعة. (2) انظر تاريخ اليمن للواسعي 198. (3) انظر الزحيف 212. PageV01P204: (1) انظر ترجمة الإمام في الشافي 5. PageV01P205: (1) انظر ترجمة الإمام في الشافي 7. (2) غاية الأماني 1/406. (3) قال العلامة مجد الدين المؤيدي في التحف: أنه خرج لزيارة الإمام الهادي إلى الحق (ع) وعقد مجلسا لإملاء فضائل العترة بالمشهد المقدس الخميس والجمعة فأملا فيه مدة سنتين ونصف فما أعاد حديثا. التحف ص 101. (4) الحدائق 2/118. PageV01P206: (1) كما أخذ عن القاضي جعفر بن عبدالسلام. (2) ينتهي نسبهم إلى الغسانيين، ومؤسس دولتهم علي بن رسول، وكانوا خرجوا مع الحملة الأيوبية على اليمن. (3) خرجوا من مصر سنة (921 ه) من قبل السلطان قانصوه الغوري وهم مايعرفون باسم المماليك. (4) كان الغزو العثماني الأول لليمن سنة (945 ه). PageV01P207: (1) انظر التحف 120. PageV01P208: (1) التحف 121. (2) الزيدية/343. PageV01P209: (1) التحف 144. PageV01P211: (1) تاريخ اليمن للواسعي 219 والقصيدة مذكورة بأكملها. PageV01P212: (1) وممن أخذ عنه العلم والده الذي كان أحد قواد المطهر، وتلقى منه القاسم أيضا التدريبات العسكرية. (2) بلغ فيه الإمام القاسم (ع) إلى الحج وأكمله على طريقته العلامة أحمد بن يوسف زبارة. PageV01P213: (1) العثمانيون والإمام القاسم ص 46. PageV01P215: (1) انظر النبذة المشيرة ص 77 81. PageV01P216: (1) النبذة المشيرة ص 253. (2) العثمانيون والإمام القاسم ص 161. (3) النبذة المشيرة ص 67. PageV01P217: (1) اشتدت الوطأة على قوات الإمام فرأى الحسن (ع) أن يسلم نفسه مقابل الأمان لأهل تلك المناطق. PageV01P218: (1) وقبل رحيله عقد صلح لمدة سنة مع الإمام. (2) العثمانيون والإمام القاسم ص 130. (3) العثمانيون والإمام القاسم ص 130. PageV01P219: (1) النبذة المشيرة ص 465. (2) النبذة المشيرة ص 290 PageV01P220: (1) النبذة المشيرة ص 15. PageV01P221: (1) النبذة المشيرة ms187 ص 247 249. PageV01P222: (1) العثمانيون والإمامس القاسم ص 170. (2) النبذة المشيرة 243. PageV01P224: (1) الإمام المؤيد بالله 98. (2) الإمام المؤيد بالله 98. PageV01P225: (1) الإمام المؤيد بالله 124 133. PageV01P226: (1) يعتبر أكبر قائد أنجبته أسرة القاسم بن محمد وكان يعرف ب(سيل الليل) وقد قام بالأمر بعد الإمام المتوكل حتى توفي سنة (1092 ه). (2) وممن عاش في عصره من العلماء المشهورين مفخرة اليمن الحسن بن احمد الجلال، صاحب المؤلفات الكثيرة التي اشتهر منها ضوء النهار المشرف على صفحات الأزهار، ومن الأدباء الشاعر المبدع محب أهل البيت (الحسن بن علي بن جابر الهبل). ms188