######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadMuhammadRubi.AwghustinusMuqaddimaQasira.Hindawi26428097 #META# Tags: biographies #META# ID: 26428097 #META# Title: أوغسطينوس: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 20413736 #META# Author: هنري تشادويك #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 19607415 #META# Translator: أحمد محمد الروبي #META# Related_books: 1429HenryChadwick.AugustineShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - تشكيل عقلية أوغسطينوس: شيشرون وماني وأفلاطون والمسيح‏ # 2 - الفنون التحررية‏ # 3 - حرية الاختيار‏ # 4 - مجتمع فلسفي‏ # 5 - المشوار المهني‏ # 6 - الاعترافات‏ # 7 - الوحدة والانقسام‏ # 8 - الخلق والثالوث‏ # 9 - مدينة الله‏ # 10 - الطبيعة والنعمة الإلهية‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # 1 - تشكيل عقلية أوغسطينوس: شيشرون وماني وأفلاطون والمسيح‏ # 2 - الفنون التحررية‏ # 3 - حرية الاختيار‏ # 4 - مجتمع فلسفي‏ # 5 - المشوار المهني‏ # 6 - الاعترافات‏ # 7 - الوحدة والانقسام‏ # 8 - الخلق والثالوث‏ # 9 - مدينة الله‏ # 10 - الطبيعة والنعمة الإلهية‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | أوغسطينوس # | أوغسطينوس # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # هنري تشادويك # ترجمة # أحمد محمد الروبي # مراجعة # هاني فتحي سليمان # هذا الكتاب يستعين بمادة مأخوذة من محاضرات لاركين ستيوارت، تورونتو 1990، ~~ومحاضرات ساروم، أكسفورد 1992-1993‬. # الفصل الأول # | تشكيل عقلية أوغسطينوس: شيشرون وماني وأفلاطون والمسيح # لا يمكن في مقدمة قصيرة عن فكر أوغسطينوس أن تعرض أيضا سيرة ذاتية له. فنظرا لأنه ~~كتب أشهر السير الذاتية القديمة وأكثرها وقعا وأثرا، جذب الجانب النفساني للرجل ~~وشخصيته بطبيعة الحال اهتماما شديدا. كان يتمتع بين القدماء بقوة لا مثيل لها على التعبير ~~عن المشاعر. وكتاباته أيضا تعد مصدرا أساسيا للتاريخ الاجتماعي لعصره. ليس في وسع ~~هذا الكتاب أن يتناول ذاك الجانب من شخصيته، لكنه يعنى بتشكل عقليته. وكان هذا ~~التشكل عملية طويلة؛ حيث إنه بدل رأيه بخصوص بعض النقاط، وطور وجهة نظره بخصوص نقاط ~~أخرى. ووصف نفسه ب «الرجل الذي يكتب وهو يتطور، والذي يتطور وهو يكتب» (الرسائل # Epistulae ~~). وكانت التحولات التي شهدها وثيقة الصلة ~~بضغوط الخلافات المتعاقبة التي لعب فيها دورا؛ ولذا فإن الإشارة المرجعية للبيئة التاريخية ~~محورية للفهم. ولكننا، بخلاف ذلك، لسنا معنيين هنا ب «حياته وأيامه». # شكل 1-1: أقدم صورة للقديس أوغسطينوس. تصوير جصي، القرن السادس. # ولد أوريليوس أوغسطينوس عام 354 ميلاديا وتوفي عام 430. وقد عاش كل حياته، فيما ~~خلا خمسة أعوام منها، في شمال أفريقيا الخاضع للحكم الروماني، وكان خلال الأربعة والثلاثين ~~عاما الأخيرة من عمره أسقفا لمدينة بحرية تضج بالحركة والنشاط، كانت تعرف آنذاك باسم ~~هيبو، وتمثلها ms001 الآن مدينة عنابة بالجزائر. وفي ميناء هيبو، كانت الكتب حكرا على القديس ~~أوغسطينوس، ولم تكن خلفية عائلته ذات ثقافة عالية، فقد حصل هو تلك الثقافة من طريق ~~التعليم. ومن خلال كتاباته التي يتجاوز ما تبقى منها ما وضعه أي مؤلف قديم، أمسى ~~يمارس أثرا واسعا لا على معاصريه وحسب، بل وخلال السنوات اللاحقة أيضا على الغرب بأسره. ~~ويمكن إيجاز مدى هذا الأثر بواسطة سرد النقاشات التي كانت جزءا من إرث الرجل: ~~(1) # كان لاهوت وفلسفة أساتذة جامعات العصور الوسطى وبناة تلك الجامعات ضاربين ~~بجذورهما في الأفكار الأوغسطينية عن العلاقة بين الإيمان والعقل. عندما جمع ~~بيتر لومبارد كتابه «الحكم» (1155) ليقدم مرجعا أساسيا لعلم اللاهوت، ~~استقى نسبة كبيرة من أفكاره من القديس أوغسطينوس. وكذا معاصره جراتيان ~~استشهد بالعديد من النصوص من أوغسطينوس؛ إذ ألف المرجع الأساسي للقانون ~~الكنسي. ~~(2) # لم تتملص طموحات الصوفيين الغربيين قط من أثره؛ وذلك إلى حد كبير نظرا ~~لمركزية فكرة حب الرب في تفكيره. لقد رأى أولا المفارقة التي مفادها أن الحب ~~الباحث عن السعادة الشخصية يوحي ضمنا، بضرورة الحال، بشيء من إنكار الذات ~~وألم تحول الإنسان إلى شيء بخلاف ذاته الحقيقية. ~~(3) # وجد الإصلاح دعامته الأساسية في نقد التنسك الكاثوليكي في العصور الوسطى ~~باعتباره يستند إلى الجهود البشرية بقدر أكثر من النعمة الإلهية. وردت حركة ~~الإصلاح المضاد بأن المرء يستطيع أن يؤكد سيادة نعمة الله دون أن ينكر أيضا ~~حرية الإرادة والقيمة (أي «الجدارة») الأخلاقية للسلوك الحسن. والتجأ طرفا ~~الجدل كلاهما بدرجة كبيرة إلى نصوص أوغسطينوس. ~~(4) # شهد القرن الثامن عشر انقساما شديدا بين الذين يؤكدون كمال الإنسان والذين ~~يرون طبيعة الإنسان مثقلة بثقل الغرور الشخصي والجمعي؛ وبتعبير آخر بما أطلق ~~عليه أوغسطينوس «الخطيئة الأصلية». آمن رجالات التنوير بأن الكمال الفعلي ~~للإنسان يعرقله الإيمان بالخطيئة الأصلية، ولم يرق لهم أوغسطينوس كثيرا. ~~واستاءوا إذ وافق الفيلسوف كانط الذي أعلن بفصاحة شديدة المبدأ التنويري الذي ~~يقضي بأنه على المرء أن يجازف بالتفكير بنفسه على المبدأ القائل بأن الطبيعة ~~البشرية يشوهها الشر المتطرف المتفشي. ms002 ~~(5) # في ردة فعل ضد حركة التنوير، ساوت الحركة الرومانسية ما بين صلب العقيدة ~~والمشاعر بدلا من نتائج الجدالات الفكرية. لم يكن أوغسطينوس مطلقا معاديا ~~للفكر، لكنه لم يظن أن الفكر له الكلمة العليا، كما أنه كان رائدا لتقدير ~~إيجابي جدا للمشاعر البشرية. فنحن ندين له باستعمالنا لكلمة «قلب» بهذا ~~المعنى. ~~(6) # كان أوغسطينوس أكثر الأفلاطونيين المسيحيين حدة، وبذل جهدا جهيدا من أجل ~~إرساء أسس التآلف ما بين المسيحية والتوحيد الكلاسيكي النابع من أفلاطون ~~وأرسطو. لقد ترك أفلوطين في القرن الثالث بعد الميلاد أثرا عظيما فيه بفضل ~~تنظيمه للتقليد الأفلاطوني، لكن أوغسطينوس أمسى أيضا واحدا من أكثر النقاد ~~جميعا بصيرة لهذا التقليد الفلسفي الذي دان له هو نفسه بالكثير. ~~(7) # رأى أوغسطينوس بشكل أوضح بكثير من سابقيه (وقبل من جاءوا بعده بوقت طويل ~~جدا) أن القضايا ذات الأهمية القصوى تثيرها مشكلة العلاقة ما بين الكلمات ~~والواقع الذي يحاولون توصيفه. كان أوغسطينوس رائدا في الدراسة النقدية للتواصل ~~غير اللفظي. # وعاش كل من أنسلم وتوما الأكويني وبترارك (الذين لا تخلو جيوبهم مطلقا من نسخة من ~~كتاب «الاعترافات # Confessiones ~~»)، ولوثر وبيلارمين وباسكال وكيركجور في جلباب أوغسطينوس الفضفاض. ~~كانت كتاباته من بين الكتب المفضلة للفيلسوف النمساوي فيتجنشتاين، وكان أبغض الناس لنيتشه. ~~وتنبأ تحليله النفساني بأجزاء من أعمال فرويد؛ فهو أول من استكشف وجود «اللاوعي». # وكان أوغسطينوس «أول رجل حديث»؛ بمعنى أن القارئ يشعر معه أن الكاتب يخاطبه على مستوى من ~~العمق النفساني غير مسبوق، ويجد أمامه نظاما متناسقا من الفكر، أجزاء كبيرة منه ما برحت ~~تجذب بقوة الاهتمام والاحترام. ولقد أثر في الطريقة التي تفكر بها الغرب بالتبعية في ~~طبيعة الإنسان وما نعنيه بكلمة «الرب». ورغم أن أوغسطينوس كتابع من أتباع أفلاطون لم يكن ~~معنيا بقدر كبير بالبيئة المادية الطبيعية، وألف مؤلفاته وهو يخشى أن تجرى ~~الأبحاث العلمية دون احترام للاعتبارات الأخلاقية، فإن فرضية العالم الحديث بأن النظام ~~الرياضي والعقلانية هما السمتان الرفيعتان في العالم لم يكن لها من نصير بليغ في الماضي ~~أفضل منه. ولذا، فقد ms003 أسهم إسهاما كبيرا في التوجه نحو النظام المخلوق الذي جعل نشأة ~~العلم الحديث ممكنا. ومن ناحية أخرى، لا يمكن قراءة أوغسطينوس بإنصاف إذا عومل بخلاف ما ~~كان عليه في حقيقة الأمر؛ أعني رجلا من العالم القديم تشكلت عقليته وثقافته بالكامل بفعل ~~آداب وفلسفة اليونان وروما، ووضعه اعتناقه المسيحية بدرجة ما في صراع مع الماضي ~~الكلاسيكي. وفيما يتعلق بهذا الماضي، وقف أوغسطينوس موقف الناقد والناقل لعالم العصور ~~الوسطى والعالم الحديث. # وكما افترض اليونانيون، بشيء من المنطق، ~~أن أحدا لم ينافس هوميروس في كتابة الشعر، أو كتب التاريخ بطريقة تضارع هيرودوت ~~وثوسيديديس، أو فلسفة لم تكن محض سلسلة من الحواشي لكتابات أفلاطون وأرسطو والرواقيين ~~وإبيقور؛ نسب الرومانيون مكانة النموذج الكلاسيكي لساداتهم السابقين؛ شيشرون للنثر ~~والخطابة، وفيرجيل وهوراس للشعر. على أيام أوغسطينوس، كان هناك رجال متعلمون يحفظون ~~خطب كاملة لشيشرون وكافة أعمال فيرجيل عن ظهر قلب. ونظرا لأن اختراع الطباعة جعل الكتب ~~أقل تكلفة نسبيا من المخطوطات، فقد بدت قدرات الاستظهار تلك غير ذات جدوى، وتكاد تكون ~~مستحيلة بالنسبة إلينا في عصرنا هذا، ولكن في العالم القديم وفي العصور الوسطى استند الكثير ~~من التعليم المدرسي إلى التعليم بالاستظهار في سن يمكن التأثير فيها بسهولة. انطبع نثر ~~شيشرون وشعر فيرجيل بشدة على عقل أوغسطينوس لدرجة أنه لم يستطع أن يكتب عدة صفحات دون أن ~~يسترجع أعمالهما أو يلمح إليها لفظا. وفي شبابه، قرأ أيضا بإعجاب شديد تاريخ ~~الجمهورية الرومانية المظلم لسالوست والأعمال الكوميدية لتيرانس. وكانت هذه الأعمال أيضا ~~جزءا من الهواء الأدبي الذي تنسم نسائمه بطبيعة الحال. وفي أعماله النثرية كان كثيرا ما ~~يورد عبارات هنا وهناك بتصرف مستقاة من الأدب اللاتيني الكلاسيكي. ولم يتم العثور على ~~تلك الإشارات الضمنية إلا مؤخرا نسبيا، ومن المؤكد أن هناك المزيد منها بانتظار إماطة ~~اللثام عنه. # لم يكن أوغسطينوس متفردا في عصره من حيث امتلاكه لهذه الثقافة الأدبية العالية؛ فخلفيته ~~الثقافية كانت خلفية أفريقية رومانية، وتحديدا ثقافة الأقاليم المستعمرة الثرية التي ~~طالما تمتعت بالسلام والرخاء وقطنها أناس ms004 مثقفون جدا زينوا فيلاتهم بالفسيفساء ~~والتماثيل البديعة، كتلك التي يستطيع المرء أن يراها في متحف باردو بتونس. منذ الفتح ~~الإسلامي للمنطقة، بعد وفاة أوغسطينوس بأكثر من 200 عام، انتمى الجانبان الشمالي والجنوبي ~~للبحر المتوسط إلى عوالم ثقافية - إن لم تكن تجارية - منفصلة، وتكلم أهلهما لغات ~~مختلفة، فيما خلا فترة الهيمنة الفرنسية القصيرة نسبيا خلال العصور الحديثة. في عصر ~~أوغسطينوس، انتمى الشمال والجنوب إلى عالم واحد، وتكلما وكتبا بلاتينية فصيحة تحدث بها ~~الأفارقة بلكنة إقليمية مميزة. وأمد شمال أفريقيا إيطاليا بالجزء الأغلب من غلالها. وكانت ~~الرحلة الصيفية من قرطاج أو هيبو إلى بوتسوولي أو أوستيا جولة بحرية قصيرة يقوم بها عدد ~~من السفن كل أسبوع، وكان الاتصال بإيطاليا متواترا وسهلا يسيرا. وكانت ثروات أفريقيا ~~الرومانية غالبا تتجاوز ثروات إيطاليا حتى بين العائلات الميسورة الحال، وكان لدى الأقاليم ~~الأفريقية إحساس قوي باستقلالها وبرغبتها في صنع قراراتها بنفسها. # أفرزت أفريقيا الرومانية كتابا مميزين: ففي القرن الأول، كتب مانيليوس دليلا نثريا ~~عن علم الفلك؛ وفي القرن الثاني صعد نجم فرونتو معلم الإمبراطور ماركوس أوريليوس؛ ~~وأبوليوس ابن مدينة مداوروش الكاتب الأكثر بيعا، لا لكتابه «الحمار الذهبي» (التحولات) ~~وحسب بخليطه المميز من السحر والدين والجنس، ولكن أيضا لكتيباته المسهبة المؤثرة حول ~~الفلسفة الأفلاطونية؛ وأولوس جيليوس مؤلف «ليالي أتيكا»، وهو دليل مختصر نوعا ما لتبادل ~~أطراف الحديث بفعالية أثناء حفلات العشاء. وعاصر أوغسطينوس الكاتب اللاتيني ماكروبيوس، ~~الذي أمست تعليقاته على «حلم سيبيو» (الكتاب السادس من «الجمهورية») مصدرا رئيسا ~~للمعلومات المتعلقة بالفلسفة الأفلاطونية الجديدة للغرب في العصور الوسطى. وعاصر أوغسطينوس ~~أيضا مارتيانوس كابيلا الوثني باختياره الذي ألف، ربما بعد وفاة أوغسطينوس، كتاب ~~«الزواج بين فقه اللغة وعطارد (رسول الآلهة)» ليعلم قراءه عناصر الفنون الحرة السبعة، ~~وليبين كيف لدراستها أن ترتقي بالإنسان إلى الفردوس. # وخلال القرن الثاني، أقامت إرسالية مسيحية نشطة في شمال أفريقيا عددا كبيرا من ~~الأبرشيات التي ترجم الإنجيل الإغريقي إلى اللاتينية من أجلها. كان من بين المهتدين ~~شخصيات رائعة مثل ترتليان الذي لمع نجمه في نهاية ms005 القرن الثاني، وهو مؤلف مفردات اللاهوت ~~الغربي وأستاذ في الجدل الساخر الموجه ضد النقاد الوثنيين أو المهرطقين الخطرين. ~~وهناك قبريانوس أسقف قرطاج الذي انتخب فور تعميده بفترة وجيزة، واستشهد بعدها بعشر سنوات ~~عام 258 مصرا على التمسك بالطهارة الطقسية للكنيسة الكاثوليكية والسلطة القضائية ~~للكهنوت الرسولي. وفي عصر قسطنطين العظيم في بداية القرن الرابع، كتب أفريقيان ~~مسيحيان دفاعات عن عقيدتهما ضد النقاد الفلسفيين؛ ودان أرنوبيوس ولاكتانتيوس نوعا ما ~~بالفضل إلى المؤلفين اليونانيين المسيحيين السابقين لهما. # كانت التركيبة السكانية لأفريقيا الرومانية مختلطة جدا؛ ففي المزارع، كان الفلاحون ~~مزيجا من البربر والفينيقيين الذين يتكلمون البونيقية. وفي موانئ مثل قرطاج وهيبو، كان ~~كثير من التجار يتكلمون اليونانية وتربطهم علاقات وثيقة بصقلية وجنوب إيطاليا، وهي المناطق ~~التي كان في تلك الحقبة (ومن بعدها لفترة طويلة) يتحدث أهلها اليونانية على نطاق واسع. لكن ~~اللاتينية كانت لغة المتعلمين والجيش والإدارة، وكانت ثقافة أوغسطينوس المنزلية والمدرسية ~~لاتينية كليا، ولو أن أمه مونيكا كانت تحمل اسما بربريا. # كانت مدينة قرطاج الرومانية القديمة مدينة تجارية بارزة، ولم يكن سكانها يميلون وحسب إلى ~~المصارعات بين الحيوانات والمصارعين من البشر في المسرح المدرج، بل نزعوا كذلك إلى ~~الأنشطة الأقل دموية كالمسابقات الشعرية والمسرحيات الراقية بالمسارح. وكانت المدينة تتمتع ~~بقضاة وأطباء ومعلمين للأدب بارعين عرفوا باسم «الرياضيين». لم يولد أوغسطينوس ولم ~~يترعرع في هذا العالم المدني، بل كان فتى من فتيان الريف الإقليمي حيث ولد في بلدة جبلية ~~داخلية تعرف باسم «طاغست» بإقليم نوميديا التي تعتبر مفترق طرق، وسوقا تعرف الآن في شرق ~~الجزائر باسم سوق أهراس. وهنالك كان والده باتريك يمتلك فدادين قليلة من الأرض وأمة أو ~~أمتين، لكنه لم يكن ثريا على الإطلاق. توفي باتريك عندما بلغ أوغسطينوس مراهقته. ~~وكان لأوغسطينوس شقيق وشقيقة، لكن ليس هناك دليل إن كان هو الابن الأكبر أم الثاني أم ~~الثالث. التعليم بالمدرسة المحلية بطاغست، كما في كل البلدات الصغيرة المثيلة، كان يوكل ~~لمعلم واحد فقط. ووجد أوغسطينوس المعلم أكثر فعالية بعصاه فيما يتعلق بإلهام تلاميذه ms006 ~~الاهتمام بدراساتهم. وسرعان ما انتقل إلى معلم آخر بمنطقة مداوروش الدانية. وبعد وفاة ~~باتريك، انتقل أوغسطينوس إلى قرطاج بتمويل من جاره الثري رومانيانوس. # لاحقا، نظر أوغسطينوس إلى الأيام التي أمضاها بالمدرسة باعتبارها تجربة بائسة، ولا ~~قيمة لها إلا كتدريب على صراعات ومظالم وخيبات أمل حياة الرشد. ولما كان صبيا شديد ~~الحساسية واسع الاطلاع، أحس أوغسطينوس بأنه ثقف نفسه بنفسه باطلاعه على أعمال المؤلفين ~~العظماء. فالعقوبات التي تحملها الأطفال، مهما كانوا يستحقونها، لم تنفع إلا الذين كانوا ~~نزاعين أساسا للانتفاع بها، وخلقت ممن سواهم جيلا ساخطا وأكثر معاداة للمجتمع من قبل. ~~لم يكتب قط أوغسطينوس بإعجاب أو امتنان عن أي من معلميه. # بدأ أوغسطينوس، بينما كان صبيا بالمدرسة، يتعلم اليونانية. ورغم أنه كره عناء الدراسة ~~واللغة، فإنه سرعان ما استطاع استخدام كتاب مكتوب باليونانية كلما استدعت الحاجة ذلك، ~~وعندما نضج أمسى على درجة من الكفاءة تسمح له بترجمة نصوص فلسفية موغلة في فنياتها. ~~لكنه لم يحلم قط بأن يتقن أعمال هوميروس والأدب اليوناني كما فعل عدد من الأرستقراطيين ~~الرومانيين المتأخرين. وصرح بشعور لم يكن غريبا على الغرب اللاتيني العتيق؛ ألا وهو أن ~~الغرب حري به الآن أن يتمتع بكبرياء فكرية. لقد كان بحاجة لأن يقف على قدميه ولا ~~يكتفي وحسب بالتكيف مع الأعمال اليونانية النادرة لخطباء لاتينيين ثانويين. لم يكن الناس ~~يعرفون آنذاك أو يريدون الإقرار بأن بطلهم فيرجل يدين بالكثير لهوميروس. لكنهم كانوا رغم ~~ذلك على دراية بأن الإغريق كانوا، وما برحوا، أساتذة الفلسفة الكبار؛ فقد ألف شيشرون ~~وسينيكا حوارات و«رسائل» بما يلائم النقاشات الفلسفية اليونانية لتعليم الرومانيين. وكانت ~~الحوارات الفلسفية لشيشرون منجما لمعلومات منظمة بشكل واضح عن النقاشات الدائرة بين ~~المدارس المختلفة، وفي عشرينياته تمكن أوغسطينوس من الإحاطة بمحتواها إحاطة تامة. # رغم أنه لم يكن جاهلا باليونانية، كان أوغسطينوس دوما أكثر أريحية مع النسخة اللاتينية ~~إن وجدت. وكان على دراية بمقولات أرسطو التي كانت متاحة له باللاتينية، وأبحاث قوانين ~~الاستنباط السليم. وكانت المشكلة المعقدة - «العوارض المستقبلية» - الوارد نقاشها في ms007 الفصل ~~التاسع الشهير من أطروحة أرسطو عن «التفسير» مألوفة له أيضا. واتفاقا مع الأفلاطونيين ~~الجدد المعاصرين له، استخدم أوغسطينوس اللغة التي تكتنف الشكوك المتعلقة بالمستقبل، والتي ~~كانت أكثر حتمية مما راق لأتباع أرسطو؛ حيث أراد أن يقول إن الأحداث التي تكون بالنسبة ~~إلينا «عارضة» (أي إنها لم تكن لتحدث إلا إذا حدث أمر فترتبت عليه) ليست مشكوكا فيها ~~بالنسبة إلى الرب (ردا على فاوست). وبتعبير آخر، رغم أن عقولنا التي نملكها محدودة جدا ~~فلا يتسنى لها رؤيته، فإن المستقبل يستحيل تغييره شأنه شأن الماضي. كان أوغسطينوس مهتما ~~تحديدا بالمنطق الرواقي والتأكيدات الأخلاقية. وكان مفتونا بمسألة إلى أي مدى تستطيع ~~اللغة توصيل المعنى المتعلق بالواقع. وكان قادرا على إجراء تحليل دقيق للمشكلات الواردة في ~~المحاجة الأبيقورية المنسوبة إلى مذهب المتعة والقائلة بأننا نعني بال «الخطأ» و«الصواب» ~~في حقيقة الأمر «الممتع» و«المثير للاستياء». # ومن المفارقة أن المفكر الإغريقي الذي تشربت أفكار أوغسطينوس بأفكاره أكثر من غيره ~~بكثير كان أفلاطون، الذي لم يكن متاحا من أعماله باللاتينية سوى النذر اليسير جدا. ولقد ~~ترجم شيشرون قرابة نصف محاورة «طيماوس»، وألف كالسيديوس في القرن الرابع تعليقا مدروسا ~~كان من الممكن أن يعرفه أوغسطينوس (لكنه لم يحط به علما على الأرجح). ولم يكن من الصعب ~~بالنسبة إليه أن يجد نسخا يونانية من الحوارات الأفلاطونية، سواء في قرطاج أو في روما، ~~حيث تلقى العلم لفترة من الوقت؛ فقد كان بعض مواطني المدينتين يتحدثون اللغة اليونانية. ~~لكن يبدو أنه لم يبادر بدراسة النص الأصلي دراسة مباشرة. # تمثلت الفلسفة الأفلاطونية التي فتنت عقله في نهاية المطاف (عندما بلغ الحادية ~~والثلاثين من عمره) في الأفلاطونية «الحديثة»، التي نطلق عليها حاليا الأفلاطونية الجديدة ~~التي درسها قبله بقرن أفلوطين (205-270) لفئة محددة وحسب، وقدمها بهمة ونشاط إلى ~~العامة تلميذه الدءوب ومحرر أعماله ومؤلف سيرته الذاتية فرفوريوس الصوري (حوالي ~~232-305). ورغم أن أفلوطين ألقى تعاليمه في روما، بينما عاش فرفوريوس جزءا من حياته في ~~صقلية، فإن الاثنين ألفا باليونانية حصريا. ورغم تجريد الأفكار ms008 وتعقيدها، كان لأفلوطين ~~وفرفوريوس أثر هائل في الغرب اللاتيني والشرق الإغريقي على حد سواء. أعلن أوغسطينوس في ~~أوج حماسه الأول للأفلاطونية أنه وجد في أفلوطين «أفلاطون يبعث إلى الحياة مجددا» ~~(ردا على الأكاديميين # Contra Academicos ~~)، وهي ~~العبارة التي تعكس بدقة الأعمال التي كلف أفلوطين بها نفسه؛ حيث اعتبر أفلاطون أكثر من ~~مجرد رجل ذي ملكات فكرية مستقلة، بل كان بالنسبة إليه مرجعا. # وباستيعابها المذاهب الأساسية للأخلاق الرواقية، وقسما كبيرا من المنطق الأرسطي ~~أيضا على يد فرفوريوس، أمست الأفلاطونية الجديدة مهيمنة بالكامل على كل المواقف ~~الفلسفية الأخرى في أواخر العصور القديمة. ترجم أعمال أفلوطين وفرفوريوس إلى اللاتينية ~~ماريوس فيكتورينوس الأفريقي الذي درس البلاغة والفلسفة في روما، وأدهش خلال الفترة ~~التي لمع فيها نجمه - تقريبا قرب الفترة التي ولد فيها أوغسطينوس - الطبقة الأرستقراطية ~~الوثنية إلى حد كبير عن طريق تعميده. وترجم فيكتورينوس أيضا بعض الأعمال التي تتناول ~~المنطق لأرسطو وفرفوريوس، ولا سيما «مقدمة» منطق أرسطو التي ألفها فرفوريوس بجلاء ودقة ~~بالغين، حتى إن الكتاب أمسى دليلا قياسيا لألفية كاملة. # شيشرون # نبع أقوى أثر مبدئي على الإطلاق استرشد به أوغسطينوس في شبابه فيما يختص بالمسائل ~~الفلسفية من حوارات شيشرون. ومن بين الأعمال الكثيرة التي أحاط بها أوغسطينوس علما ~~لشيشرون، ثمة محاورة واحدة تسمى «هورتنسيوس»، تبرر ضرورة التفكير الفلسفي لإصدار أي ~~حكم نقدي حتى بالنسبة إلى أي إنسان منشغل بالحياة العامة والسياسية، كان لها أثر تشجيعي ~~غير مسبوق على أوغسطينوس. وفي أعماله الأخيرة، لم يزل أوغسطينوس يقتبس عبارات من هذا ~~الكتاب الذي طالعه أول مرة بينما كان طالبا في التاسعة عشرة من عمره في قرطاج. وقد ~~أسدى شيشرون نصيحة للعالم الروماني تفيد بدراسة الفلسفة التي وضعها أرسطو نفسه دون من ~~هم أدنى منه. وكان نموذج شيشرون يتمثل في الكفاية الذاتية الشخصية ووعي بأن ~~السعادة، التي يسعى إليها الجميع، لا وجود لها في حياة موغلة في المتعة الذاتية التي ~~تدمر احترام الذات والصداقات الحقة تماما. وإذ تدبر مفارقة أن جميع الناس ~~يسعون وراء السعادة بينما ms009 الغالبية العظمى منهم بائسون كل البؤس، خلص شيشرون إلى ~~استنتاج محمل بالمعاني مفاده أن بؤس الإنسان ربما كان ضربا من الحكم الإلهي، ~~وحياتنا الآن قد تكون كذلك تكفيرا عن آثام ارتكبناها في شكل سابق من أشكال التجسد. ~~وتضمنت أيضا محاورة «هورتنسيوس» تحذيرا من أن السعي وراء المتع الحسية، ممثلة في ~~المأكل والمشرب والجنس، مشتت للعقل في بحثه عن الأشياء الأكثر سموا. # لم يكن أوغسطينوس قط مسرفا لا في المأكل ولا في المشرب، لكن رغبته الجنسية كانت ~~جامحة؛ ففي السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمره بينما كان في قرطاج، ضاجع صديقة له من ~~طبقة اجتماعية متدنية، وهي العلاقة المنتظمة التي وضعت نهاية لمغامرات فترة المراهقة. ~~وعلى مدار نحو ثلاثين عاما، عاش أوغسطينوس معها مخلصا لها بالكامل. وسرعان ما أسفرت ~~علاقتهما عن صبي لم يكونا يرغبان فيه في البداية، لكن أحباه بعد ذلك، أطلقا عليه ~~اسم «أديوداتوس» أو «هبة الله»، وهو الاسم الموازي لثيودور أو جوناثان. صار الصبي ~~بارعا جدا، لكنه توفي في السابعة عشرة من عمره. # كان الأثر الفوري لقراءة محاورة «هورتنسيوس» على أوغسطينوس أن فكر جديا في ~~قضايا أخلاقية ودينية. كان أبوه وثنيا، ولم يعمد إلا وهو على فراش الموت وحسب. ~~كما كان نزقا، وليس مخلصا على الدوام لزوجته. ولا يشي أوغسطينوس بأي علامة على ~~شعوره بالتعلق بأبيه. أما أمه من ناحية أخرى، فقد كانت تقية ومتبحرة في العقيدة ~~المسيحية وممارسة طقوسها، كانت حريصة على الصلاة يوميا في كنيستها المحلية، وكانت ~~تسترشد عادة بالأحلام والرؤى التي تراودها. وجعلت أمه منه متنصرا في طفولته. ~~وكمراهق شكاك، درج بين الحين والآخر على حضور قداس الكنيسة مع أمه، لكنه وجد نفسه ~~منشغلا أساسا بلفت انتباه الفتيات الجالسات على الجانب الآخر من الكاتدرائية. وفي ~~قرطاج عندما بلغ التاسعة عشرة من العمر، اكتشف أوغسطينوس أن جدية الأسئلة التي طرحها ~~شيشرون، ولا سيما فيما يختص بالبحث عن السعادة، حثته على مطالعة إنجيل لاتيني. ~~ونفره غموض محتواه والأسلوب البربري للنسخة البدائية التي أنتجها مبشرون أنصاف ~~متعلمين في ms010 القرن الثاني الميلادي. لم يكن الإنجيل اللاتيني القديم (الذي كانت عملية ~~إعادة ترميمه على يد علماء حداثيين عملية حرجة جدا) ليبهر رجلا عقله معبأ ~~بأسلوب شيشرون الأنيق المنمق وأسلوب فيرجل التعبيري المميز، ويستمتع بالمسرحيات الراقية ~~بالمسارح. نأى أوغسطينوس بنفسه بازدراء عما بدت أسطورة ساذجة عن آدم وحواء، والأخلاق ~~المريبة للبطاركة الإسرائيليين. إن التنافر ما بين سلاسل نسب المسيح في إنجيل متى ~~وإنجيل لوقا كان بمنزلة الضربة القاضية الأخيرة التي دمرت آمال عودته إلى الكنيسة مع ~~أمه (العظات # Sermones ~~). # لذا، التمس أوغسطينوس العون في مكان آخر؛ فقد افتتن بعلم الفلك الذي بدا أنه يمده ~~بدليل للحياة دون أن يظهر بشكل مبالغ فيه كالعقيدة، ومن بعد علم الفلك انجذب إلى ~~الثيوصوفية التي كان يدرسها ماني من قرن مضى (سنة 216-277 ميلاديا). # ماني # عبرت عقيدة ماني أو المانوية بشكل شعري عن النفور من العالم المادي، وأمست ~~الأساس المنطقي لأخلاق موغلة في التقشف. واعتبر أتباع المانوية «النصف الأدنى من ~~الجسد» عملا مثيرا للاشمئزاز من أعمال الشيطان الذي هو أمير الظلام. وكان الجنس ~~والظلام مرتبطين بعلاقة وثيقة في عقلية ماني؛ وكان الظلام بالنسبة إليه هو جوهر الشر ~~نفسه. وقد يخيل إلى المرء أن مثل هذا الدين لم يكن ليستقطب شابا يافعا كان الجنس ~~بالنسبة إليه محوريا (اللهم إلا إذا كان المرء يستطيع أن ينسب كل نزواته الدنيئة لقوى ~~الظلام ويتبرأ من المسئولية الشخصية). ورغم ذلك، تألف المجتمع المانوي من طبقتين أو ~~مستويين للإخلاص. ولم يكن التبتل المطلق مطلوبا إلا من أصحاب المستوى الأعلى وحسب ~~الذي يعرف باسم «الصفوة». أما المستمعون الذين انضم إليهم أوغسطينوس، فقد أجيز لهم ~~ممارسة العلاقات الجنسية في فترات «آمنة» من الشهر، وأنيط بهم اتخاذ خطوات محددة لتفادي ~~إنجاب الأطفال. ولكن إذا ولد طفل ما، فلم يكن ذلك داعيا لإقصاء الوالد من المجتمع ~~المانوي؛ ولذا، سمح للمستمعين العيش مع أزواج لهم أو، كما في حالة أوغسطينوس، مع ~~محظيات، لكن لم يكن هناك باعث لهم للتفكير في الجنسانية بأي شكل إيجابي؛ فهي صنيعة ms011 ~~الشيطان. # أنكر ماني أي سلطة للعهد القديم بفرضيته المسبقة المتعلقة بخيرية النظام المادي ~~للأشياء وبصانعه، وحذف جميع النصوص الموجودة في العهد الجديد التي افترضت إما نظام ~~المادة وخيريتها وإما وحي وسلطة نصوص العهد القديم باعتبارها زيادات مقحمة. ~~وبخلاف ذلك، فقد رأى أن عهده الجديد المنقى كتاب سليم. ولقد أقر بسخاء بكل ~~الأنظمة العقائدية، ونبذ المسيحية الكاثوليكية الأرثوذكسية لكونها حصرية بشكل مبالغ ~~فيه وسلبية تجاه غيرها من الأساطير والأشكال العقائدية للعبادة. ومع ذلك، فقد أراد أن ~~يعتبره الآخرون مسيحيا، حتى وهو يشدد على أن وحيه أسس ل «ديانة مميزة». كان ~~«مهرطقا»، بمعنى كونه إنسانا يود أن يبقى ضمن المجتمع في الوقت الذي يعيد فيه تفسير ~~وثائقه ومعتقداته الأساسية بطرق لا يقبلها النظام السائد، ويصر عليها عندما يطلب ~~إليه أن يصحح نفسه. ولقد وظف بعض الأفكار والمفردات الإنجيلية، وأجاز دورا فدائيا ~~للمسيح، فهو وحده استوعب المسيح كرمز لمحنة البشرية كلها لا كشخصية تاريخية تمشي على ~~الأرض وتعرضت للصلب. فالمنقذ شبه المقدس لم يكن في واقع الأمر ليولد أو ليقتل ~~فعليا (وهو الرأي الذي يبشر بالمذهب الإسلامي)؛ وحادثة الصلب لم تكن ضربا من ~~الواقع بل رمزا للمعاناة التي تعتبر حالة البشر أجمعين. # لقد فسر ماني كل شيء اقتبسه من المسيحية في إطار ازدواجي ووجودي؛ ويتجلى ذلك في ~~الأسطورة المعقدة والمفصلة جدا التي وضع مذهبه في قالبها. كانت المسألة المحورية ~~بالنسبة إليه أصل الشر؛ ففسر الشر على اعتبار أن منبعه صراع كوني بدائي ما برح مستمرا ~~بين النور والظلام؛ حيث أشار هذان الاصطلاحان إلى الواقع الرمزي والمادي. ولقوى الخير ~~والشر في العالم نقاط ضعف وقوة بحيث لا يستطيع أن يتغلب أحدهما على الآخر. وكنتيجة ~~للضرر الذي تلحقه قوى الظلام بعالم النور، أمست شذرات صغيرة من الإله - أو الروح - ~~متناثرة في العالم كله في كل الكائنات الحية، بما في ذلك الحيوانات والنباتات. ~~اعتبر أن البطيخ والخيار يحويان مكونا كبيرا من الألوهية؛ ولذا كانت لهما مكانة ~~بارزة لدى الصفوة المانوية، وكانت قوانين الطعام بالنسبة إلى طبقة ms012 الصفوة مدروسة ~~ومفصلة، وكان الخمر محظورا تماما. طاب لمعلمي المانوية ومبشريها استقطاب أعضاء ~~الكنيسة، ويمكن استشفاف تسلل الأفكار المانوية إذ تقبل المسيحيون المضيف في القربان ~~المقدس دون كأس القربان نفسه . يمكن إبهار أعضاء الكنيسة بورق البرشمان الأنيق والخطوط ~~البديعة للكتب المانوية المقدسة والقداسة الخاصة لموسيقاها. # ورغم أن ماني كرس مكانة خاصة في أسطورته للمسيح، فإن المكانة التدريسية العليا ~~المعصومة لمجتمعه لم تختص بالمسيح ولا بالكتب اليهودية القديمة بل بماني نفسه، رسول ~~الرب، والمعزي الذي تنبأ به المسيح وأخبر أنه سيأتي من بعده ليظهر الحقائق التي ~~لم يكن التابعون اليهود المخلصون جدا متأهبين لها. ولم يكن لدى ماني أي مكان قط ~~للخصوصية التي ورثتها الكنيسة من القالب اليهودي. وبحبكة غريبة، طرح ماني أسطورته ~~الخصبة والإيروتيكية نوعا ما، زاعما أنها رواية عقلانية ومتماسكة للحقيقة ~~المنزلة، في تعارض قوي مع العقيدة البسيطة للمسيحيين الأرثوذكسيين الذين يؤمنون ~~بالسلطة وحسب. لقد كرست الدعاية المانوية جل اهتمامها للهجوم على الأخلاق الواردة في ~~العهد القديم ودقته التاريخية، وتلك الأجزاء من العهد الجديد التي بدت يهودية ~~أكثر من اللازم للذوق المانوي. وفوق كل شيء، زعم المانويون أنهم يملكون الإجابة ~~الوحيدة المرضية لإشكالية الشر: فهو بالنسبة إليهم قوة لا سبيل لاستئصالها راسخة في ~~بنية العالم المادي. وما من أحد يمكن أن يزعم بشكل منطقي بأن الخالق المطلق لهذا العالم ~~المضطرب يمكن أن يكون على كل شيء قدير وفي الوقت نفسه خيرا جدا. وإذا شئنا للحجة ~~أن تكون متماسكة، فلا بد من التضحية إما بالقدرة المطلقة وإما بالخيرية المطلقة. ولقد ~~سلم معلمو المانوية بأن كل الناس يعلمون دون المزيد من الإسهاب أو البحث ~~والتمحيص المقصود من كلمة «شر». # خلال عشر سنوات كاملة تولى فيها أوغسطينوس مناصب تدريسية أولا في قرطاج ثم في روما، ~~ظل مرتبطا بالمانويين. ولما كان ناقدا شرسا للأرثوذكسية الكاثوليكية وواعيا ~~بتفوقه الفكري على أعضاء الكنيسة التي ازدرى أساقفتها لضحالة تعليمهم وقصور بحثهم ~~النقدي، فقد تمكن من هداية كثير من الأصدقاء إلى المعتقدات المانوية. ولكن خلال ~~العشرينيات من ms013 عمره، لم يكن يدرس الأدب اللاتيني وفنون البلاغة وحسب، بل كان يتدبر ~~أيضا القضايا الفلسفية والمعضلات المنطقية التي أفضت إليها بطبيعة الحال دراسات ~~البلاغة. وطفقت الشكوك المتزايدة تثقل كاهله وتحيط به. أكان ماني على صواب عندما ~~أكد أن قوة النور الخيرية واهنة وعقيمة في صراعها مع الظلام؟ وكيف للمرء أن يعبد كما ~~ينبغي إلها في قمة العجز والذل؟ علاوة على ذلك، فقد منحت الأسطورة المانوية دورا ~~كبيرا للنورين العظيمين والخيرين للشمس والقمر، وتبنت موقفا حاسما من تفسير ~~ظاهرة الكسوف الشمسي؛ ألا وهو أن الشمس والقمر يستخدمان أثناء تلك الظاهرة ستائر خاصة ~~لحجب المشهد المفجع للمعارك الكونية. وانزعج أوغسطينوس إذ اكتشف أن الرواية المانوية ~~كانت متعارضة مع أقوال أبرز علماء الفلك. يجوز أن يزيل المرء الإطار الأسطوري الذي ~~يحيط بالمسيحية الأرثوذكسية، ويتبقى له مع ذلك شيء عظيم الأهمية، لكن أوغسطينوس شعر أن ~~هذا لا ينطبق على المانوية التي كانت الأسطورة فيها هي الجوهر والأساس. وبلغت خيبة أمل ~~أوغسطينوس في الطائفة المانوية ذروتها عندما عرض شكوكه على معلم ذي مكانة مرموقة بين ~~أتباع المانوية يدعى فاوست؛ فقد اكتشف أن قدرة فاوست على البيان أكبر من قدرته على ~~المحاجة الفكرية. عوضا عن ذلك، اتضح أن الحياة الأخلاقية لطبقة الصفوة التي زعم ~~منسوبوها لأنفسهم الكمال المعصوم ليست عذرية كما كان يفترض. # بدأ أوغسطينوس يبحث عن بدائل للمانوية. وكان قد بدأ يبدي اهتماما بالمزج ما بين ~~المعتقدات المانوية عن التوازن ما بين الخير والشر والأفكار الفيثاغورسية الجديدة ~~المتعلقة بالنسبة باعتبارها عنصرا من عناصر جمال الكل، و«الجوهر الفرد» الخير ~~(الواحد واحد وحده وسيظل هكذا أبد الآبدين) في مقابل الشر ذي التعددية اللامتناهية. في ~~منتصف العشرينيات من عمره، كتب أوغسطينوس كذلك كتابا حول هذا الموضوع احتقره لاحقا ~~عندما خطر على ذهنه باعتباره عملا منقوصا ذا محتوى عصي على الاستيعاب والفهم ~~(الاعترافات). وتدريجيا، أغرقته الشكوك في تعليق الحكم. وأمسى مهتما جدا بنظرية ~~المعرفة: كيف لنا أن نعرف أي شيء؟ وكيف يمكننا التأكد بما لا يدع مجالا للشك؟ وكيف ms014 ~~يمكن أن نتواصل بعضنا مع البعض إذا كانت الكلمات يحتمل أن تكون مضللة أو تفهم بمعنى ~~يختلف تماما عما يعنيه المتكلم؟ هل اللغة التي نتحاور بها يوميا، والتي كثيرا جدا ~~ما تتحدى قواعد المنطق، مصدر للنور أم الضلال؟ # في هذه الحالة الذهنية المترددة، انكب أوغسطينوس بنهم على مطالعة كتب لفلاسفة ~~متشككين وحاسمين عقائديا حيال عدم موثوقية وعدم حسم كل الأفكار المكتسبة والإدراك ~~الحسي وقدرة الكلمات على أن تطلع المرء على أي شيء مهم لا يعرفه بالفعل. # هكذا كانت الأفكار التي تدور في عقله عندما وصل إلى ميلانو عام 384 ميلاديا ~~ليتسلم منصبه الجديد أستاذا جديدا للبلاغة بالمدينة، لكن الأمل كان يحدوه بأن يرقى ~~في المناصب. كانت ميلانو مقرا إمبرياليا. وإذا استطاع، رغم ابتسامات الإيطاليين من ~~مخارج أحرفه اللينة الأفريقية الطابع، أن يتحدث ببلاغة شديدة بحيث يلفت الانتباه في ~~البلاط، وإذا تسنى له أن يكسب دعم المسئولين أصحاب السطوة والنفوذ، فربما يجوز أن ~~يطمح في الترقي إلى منصب حاكم إقليم (الاعترافات). باعتراف الجميع، كانت هناك معوقات أمام طموح أوغسطينوس؛ ~~فقد كان قرويا من الطبقة الوسطى لا تشفع له ولا تدعمه ثروة شخصية. علاوة على ذلك، فما ~~برحت «زوجته العرفية» وفتاته القرطاجية ووالدة أديوداتوس تعيش معه. وما لن يثير ~~التساؤلات إذ يصدر عن أستاذ في البلاغة بالمدينة قد لا يكون مقبولا بمقر الحاكم. ولقد ~~رأت أمه مونيكا، الأرملة التي لحقت به مخلصة إلى ميلانو، أن شريكة ابنها الجاهلة ~~وخليلة مهجعه عقبة مهلكة في الطريق أمام رغبته العلمانية في التميز والشرف. وفي ~~نهاية المطاف، أرسلت عشيقته إلى قرطاج، وكان الفراق مؤلما بالنسبة إليهما. في تلك ~~الفترة، كان أوغسطينوس قد خطب وريثة شابة سييسر مهرها تحقيق آماله وأحلامه. وحتى ~~تصل إلى السن القانونية للزواج، التفت أوغسطينوس إلى شريكة مؤقتة ليعزي بها نفسه؛ ~~فهي لم تكن تمثل أهمية كبرى بالنسبة إليه، وكانت مشاعره جامدة. # في ميلانو، التقى أوغسطينوس لأول مرة في حياته بمفكر مسيحي يتمتع بقدرات لا تقل عن ~~قدراته الخاصة؛ الأسقف أمبروسيوس، وهو رجل ms015 حاصل على تعليم عال ويتمتع بعلاقات قوية ~~بأصحاب النفوذ في البلاط. استقبل أمبروسيوس أوغسطينوس بلطف وكياسة، وأجلته مونيكا ~~وأكنت له كل الاحترام ككاهن. قبل أن يمسي أمبروسيوس أسقفا عام 374، كان حاكما ~~إقليميا لذاك الجزء الشمالي من إيطاليا، وساعده تلقيه تعليمه في بيت أرستقراطي مسيحي ~~على إتقان اليونانية. ولم يستق أمبروسيوس أفكاره وإلهامه لعظاته وحسب من علماء لاهوت ~~يونانيين أمثال باسيليوس مدينة قيصرية واللاهوتي اليهودي فيلو، المعاصر الأكبر للقديس ~~بولس، ولكنه استقاها أيضا من أفلوطين. وعمل الدين الذي دان به أمبروسيوس لأفلوطين ~~جنبا إلى جنب مع الحذر بشأن الفلسفة الوثنية كدليل للحقيقة. # ثمة مفكر مسيحي آخر في ميلانو ترك أثرا في أوغسطينوس، وهو رجل عجوز يدعى سيمبليسيان ~~الذي انجذب من خلاله إلى جماعة من العلمانيين المتعلمين تعليما عاليا والمحتلين مكانة ~~اجتماعية مرموقة، وكانت يجتمع أفرادها من أجل قراءة أعمال أفلوطين وفرفوريوس. ولقد ~~أعجبوا بشدة بالقديس ماريوس فيكتورينوس الذي كرس السنوات الأخيرة من حياته لنشر ~~المنطق الأفلاطوني الجديد دفاعا عن المعتقد الثالوثي الأرثوذكسي. لم يكن أوغسطينوس ~~قط متأثرا بشدة بالكتابات اللاهوتية الغامضة لفيكتورينوس، لكن قراءاته لأفلوطين ~~وفرفوريوس بترجمة فيكتورينوس ألهبت أفكاره. وقد يبدو هذا مستغربا للقارئ الحديث الذي ~~يمكن أن تبدو له الأفلاطونية الحديثة معقدة وموجهة لفئة خاصة. إن الفلسفة الأفلاطونية ~~الحديثة للوجود لها فرضيات مسبقة أو بديهيات مختلفة كل الاختلاف عن تلك الخاصة ~~بالمنهج العلمي الحديث؛ فنقطة انطلاقها هي العقل لا المادة. # أفلوطين وفرفوريوس # تصور السيرة الذاتية التي كتبها فرفوريوس لأفلوطين الهيبة التي كان يتمتع بها ~~هذا الفيلسوف العظيم، على الأقل في دائرة تلاميذه الداخلية. كتب فرفوريوس تلك السيرة ~~الذاتية بحيث ترافق نسخته من أفلوطين؛ وذلك لأنه أراد من ناحية أن يعرف الجميع كيف كان ~~بطله على حق إذ استأمنه على نشر أطروحاته، وكيف أعجب أفلوطين بشدة بالعقلية النقدية ~~لتلميذه وقدرته على تأليف أشعار بهيجة ملهمة، وكيف أنه في سن الثامنة والستين تأتى ~~لفرفوريوس نفسه في مناسبة هانئة التوحد الصوفي مع الإله، وهي التجربة التي يعيشها المرء ~~أربع مرات فقط في ms016 الحياة، حتى بالنسبة إلى أفلوطين المستنير بنور إلهي. يتمثل أفلوطين ~~على هيئة رجل ذي عبقرية فريدة لم تكن روحه الحارسة قوة دونية، ولم يهدأ عقله من التركيز ~~على أسمى ذرى الفكر. # وشأنه شأن معاصره المسيحي الأكبر سنا أوريجن، عاش أفلوطين حياة متقشفة؛ فلم يأكل ~~ولم ينم إلا قليلا، واقتات على النباتات ولم يستحم. «فقد بدا دوما خجلا من وجوده ~~المادي»، ولم يحتفل قط بعيد ميلاده. ولقد أمسى أفلوطين بالنسبة إلى كثير من تلاميذه، ~~ذكورا وإناثا، رمزا للأب الذي يستشيرونه في القرارات الحياتية كبيرها وصغيرها. وكانت ~~لديه قدرة عجيبة على كشف الكذب، وشأنه شأن الأساقفة المسيحيين كان يطلب إليه التحكيم ~~في النزاعات. ولقد نجح في إقناع فرفوريوس بالعدول عن الانتحار. # في نظامه الفلسفي، انطلق أفلوطين يرسم نوعا من الصور اللفظية للبناء الكامل للأشياء ~~على فرض أن هناك تناظرا حميما ما بين الواقع وعملية الفكر البشري. ولقد علق أهمية ~~كبيرة على جدلية محاورتي أفلاطون «بارمينيدس» و«السفسطائي»، ولا سيما تحليل أفلاطون ~~للهوية والاختلاف؛ أي إنه إذا قلنا إن «س» و«ص» هما «الشيء نفسه»، فإننا نوحي بأن ثمة ~~تمايزا بينهما إذا أردنا أن يكون التأكيد على الهوية مثيرا للاهتمام. وعلى النقيض، ~~فإن بيان أن «س» و«ص» مختلفان يوحي بأن ثمة رابطا كامنا للهوية بينهما. ولذا، وراء ~~التعددية والاختلافات المحسوسة والمشهودة في هذا العالم، ثمة وحدة وأداء. وبالمثل فعالم ~~المظاهر المدركة عالم دائم التغير؛ لكن التغير يفترض مسبقا وجود بنية تحتية تظل ~~دائمة أبدية. # نسب أفلاطون صفة عدم التبدل إلى العالم الأسمى للوجود الذي يدركه العقل في مقابل ~~التدفق الدائم التغير للتحول الذي تدركه الحواس الجسدية؛ ولذا، فإن نظرية أفلاطون ~~الخاصة بالأشكال (أو الأفكار)، والمطلقات الأبدية هي كالتالي: أيا كان ما في هذا ~~العالم نصفه بالخيرية أو الجمال أو الحق فهو يتسم بتلك الصفات بقدر ما يستقي صفاته ~~من المطلق الخاص بكل صفة. والأشكال هي الواقع الموضوعي الثابت والساري عالميا. علاوة ~~على ذلك، فإن هذه المسلمات لا تدركها الحواس الجسمانية الخمس، بل عملية رياضية ببساطة ms017 ~~للتجريد الفكري القح. وبقدر ما تبدو تلك التجريدات خالية من الحياة، فإن الأفلاطونية ~~تستوعب تلك المسلمات باعتبارها سببية إلى حد كبير؛ فالموجودات الفردية يستحيل تفسيرها ~~بمعزل، بل كأعضاء من فئة سابقة لها؛ ولذا، فالمسلم بالنسبة إلى أي أفلاطوني أكثر ~~واقعا من أي واقعة محددة، وهو المذهب الذي عارضه أرسطو منتقدا كون المسلمات تصنيفات ~~ذهنية لا تتجسد في الواقع إلا عندما تتجسد في موجودات محددة. وفي عمله «مقدمة»، تتبع ~~فرفوريوس فكرته الخاصة بالمصالحة ما بين أفلاطون وأرسطو؛ إذ وضع هذين الرأيين كلا ~~منهما بجانب الآخر وأعرض بوعي عن إصدار حكم يميل به إلى أي منهما. # كان أرسطو معنيا بالوعي بالذات الذي يتطابق فيه العارف والشيء المعروف. وطور ~~أفلوطين هذه الملاحظة وانطلق بها لمستوى أبعد، فصاغ علم لاهوت بدى الكثير من الأفكار ~~الواردة فيه مسلمات ذاتية البيان لأوغسطينوس. على قمة هرم الوجود هناك الواحد، ~~ويراد به الإله، المطلق الذي لا سبيل لمعرفته، ومع ذلك تدركه الروح كشكل من أشكال ~~الوجود الذي يتجاوز كل المعرفة. وفي السلسلة العظيمة أو تسلسل الوجود الذي حدده ~~أفلوطين باعتباره هيكل الأشياء وبنيتها، يعتبر المستوى الأعلى علة ما دونه أيا كان ~~مباشرة. تكلم أفلوطين عن التحول أو التطور الطارئ على البناء الهرمي للوجود على أنه ~~«انبثاق»، وصورة مادية قوية، وفي عملية الانبثاق تحدث خسارة تدريجية؛ وذلك لأن كل أثر ~~يكون أدنى بعض الشيء من علته. ورغم ذلك، فإن عدم الكمال المتأصل في دونيته يمكن ~~التغلب عليه بينما يرتد إلى علته. والعلة نفسها لا يشوبها نقص دوما بفعل عطائها ~~السرمدي للوجود للأثر الأدنى. # لقد مكن هذا النوع من التفكير في الانبثاق السببي في السلسلة الكبرى للوجود ~~أفلوطين من تحقيق عدة إنجازات في آن واحد؛ فمن ناحية، استطاع حل مشكلة كيف يحول ~~دون فقدان الإله والعالم كل علاقة تربط بينهما دون أن يكف المطلق عن أن يكون مطلقا، ~~ودون أن يسقط العالم بشكل منطقي من الوجود كليا. ولقد عبر هذا النوع من التفكير ~~عن نوع من التعويض من طريق «التحول» ms018 إلى مصدر الوجود. ومن ناحية أخرى، فقد خفف من ~~وطأة المشكلة التي تسببت في حيرة ذهنية مضنية لجميع الأفلاطونيين؛ ألا وهي الإجابة عن ~~السؤال المتعلق بكيفية ولوج الشر إلى تسلسل الأشياء في الوقت الذي كان فيه هذا التسلسل ~~تدفقا فائضا من الخيرية والقوة الساميتين. # درس أفلوطين أنه على قمة الهرم هناك ثلاثة موجودات مقدسة: الواحد (الإله) والعقل ~~والروح. الواحد خير إلى أقصى حد، ولذا يتعين أن تكون جميع المستويات الأدنى للبناء ~~الهرمي دون الواحد أيضا متمايزة عن الخيرية؛ أي أن تكون أدنى من الخيرية المثالية. ~~وحتى العقل فيه شيء من الدونية ممثلة في بعض الضلالات حول عظمته. أما الروح، وهي أدنى ~~بقدر أكبر في البناء الهرمي، فتتمتع بالقدرة على إنتاج المادة. والمادة، باعتبارها على ~~الطرف النقيض تماما في البناء الهرمي من الواحد الخير، تعتبر شرا مطلقا وعدما لا ~~هيئة له. # كره الأفلاطونيون الجدد الثيوصوفية من كل قلبهم، ومقتوا شكلها المانوي أكثر من ~~أشكالها الأخرى. ولقد افتتحت أطروحة أفلوطين «ضد الغنوصيين» بمجموعة من المقالات ~~الأفلاطونية الحديثة في الجدل المناوئ للمانوية. وإذ رأى أفلوطين الكون كسلسلة عظيمة ~~من الوجود، استطاع أن يعلن أن الشر ما هو إلا عيب في الوجود والخيرية متأصل في حقيقة ~~وجود مستوى أدنى. ولكن، ثمة تفسيران آخران للشر كانا أيضا بارزين في تفكيره. ومن بين ~~هذين التفسيرين، تناولت الإجابة الأولى تبعات الاختيار الحر المساء استغلاله والراسخ ~~في احتمالية ضعف الروح، أما الإجابة الثانية، فبحثت في المادة. إن الضعف في الروح مال ~~إلى جعلها مستغرقة في أشياء خارجية ومادية؛ ولذا، فالشر الكوني اللاأخلاقي الممثل ~~في عيب الوجود الراسخ في المادة يصبح جذرا للشر الأخلاقي في الروح. «من دون المادة، ~~يستحيل أن يوجد شر أخلاقي قط» (أفلوطين). إن وجود المادة في الروح يجلب لها الضعف ~~ويتسبب في سقوطها. وفي الوقت نفسه، تمنى أفلوطين أن يتحدث عن انبثاق الروح وسقوطها ~~كحدث ضروري للوفاء بقدراتها المحتملة وللخدمة التي يتعين على الروح تقديمها لعالم ~~الحواس الدوني. ومن المنصف أن نستنتج أنه حتى أفلوطين ms019 أخفق في تحقيق مكانة واضحة ~~ومتسقة، فبعد التحول الذي شهده أوغسطينوس، سعى إلى تصحيح أخطاء أفلوطين. # كانت مذاهب فرفوريوس شبيهة جدا بمذاهب سيده أفلوطين. وفي المدرسة الأفلاطونية ~~الحديثة كان هناك شقاق حيال طائفة الأرباب؛ فقد شعر أفلوطين وفرفوريوس بالتحفظ تجاه ~~المشاركة في التضحيات الهادفة لاسترضاء الأرواح. كتب فرفوريوس أطروحة عن «عودة الروح» ~~(أي إلى الرب). وبالنسبة إلى قراءات أوغسطينوس المثيرة بشكل متعمق، مثلت هذه الأطروحة ~~موقفا وسطا؛ فقد سلم بأن الفلسفة السديدة يمكن استخلاصها في المعابد من المشاورات ~~التي ينطق بها أبوللو إله الشمس عبر نبياته. لكنه كتب بعين ناقدة عن الرفاق ~~الوثنيين الذين افترضوا أن الروح يمكن تطهيرها مباشرة عبر المشاركة في الأضاحي بالمعبد ~~أو عبر ممارسة أنشطة طقسية خارجية. وكانت الأضاحي الحيوانية أيضا دنيوية. علاوة على ~~ذلك، لم تكن عادة تناول اللحم بعد الأضحية متوائمة مع المبادئ النباتية؛ ولذا، دفع ~~فرفوريوس بأن تطهير الروح يمكن أن يتحقق وحسب ب «الفرار من الجسد» الذي اتحدت به بفعل ~~سلسلة من الحوادث المؤسفة. فبالإعراض عن اللحم والنشاط الجنسي، يمكن تحرير الروح ~~تدريجيا من أصفادها البدنية. # ودرس فرفوريوس أن السعادة تكمن في الحكمة التي يمكن العثور عليها بطاعة الأمر ~~القديم لديلفي «اعرف نفسك». باعتراف الجميع، يجعل الشر الكامن في الروح الإنسان ~~عاجزا عن ممارسة التأمل الفكري المستمر، فتمسي تلك اللحظات عابرة بالنسبة إليه. ولكن ~~«مرن نفسك على العودة إلى نفسك، واجمع من الجسد كل العناصر الروحانية المتناثرة ~~والمختزلة في كتلة من القطع الصغيرة.» و«يزج بالروح في الفقر والعوز كلما تعززت ~~روابطها بالجسد. لكن، يمكن أن تصبح الروح خصبة حقا باكتشاف ذاتها الحقيقية الممثلة في ~~الفكر.» «غايتنا تحقيق تأمل الوجود.» «الذين يعرفون الرب يستحضرونه، والذين لا ~~يعرفونه يغيبون عن الرب الموجود في كل مكان.» يعكس كتاب «الاعترافات» لأوغسطينوس هذه ~~اللغة. # ودرس فرفوريوس أن الرب يحيط بكل الأشياء، ولا يحيط به شيء. والواحد موجود لكل ~~من يشارك في الوجود المتدفق من مصدره في الرب. والخيرية يجب أن تكون ذاتية الانتشار، ~~لكن كل التعددية تعول ms020 على الوحدة العليا وتسعى للعودة إليها. وفي البناء الهرمي ~~للوجود، من البديهي أنه من الجيد أن يكون المرء موجودا، وأن درجات الوجود هي أيضا ~~درجات للخيرية . كتب فرفوريوس يقول: «كل ما هو موجود خير بقدر ما له من وجود؛ حتى ~~الجسد له جماله ووحدته الخاصان» (يقول أوغسطينوس الشيء نفسه، «حول الدين الحق # De vera # religione ~~»). تحتل الروح، بين الأشياء ~~المادية والعوالم الأسمى للحقيقة البائنة، مكانة وسيطة. وبالإهمال والتحدي العنيف العصي ~~على التفسير، من الممكن أن تغرق الروح في مستنقع الكبرياء والحسد والأشياء الشهوانية. ~~ولكن، بضبط النفس المتقشف والتأمل الاستبطاني، يمكن للروح أن تسمو إلى كمالها الحقيقي. ~~وهذا الكمال هو «التمتع بالرب». تبنى أوغسطينوس هذه العبارة الأخيرة. # واستقى فرفوريوس من أفلوطين مبدأ أنه عند قمة سلسلة الوجود - حيث لا تستطيع حواسنا ~~الخمس الوصول - هناك ثالوث مقدس قوامه الوجود والحياة والذكاء، وهو ثالوث تبادلي كله، ~~ويعرف كوحدة يستطيع المرء داخلها أن يميز العلامات الفارقة. وهيكل الأشياء يطابق ~~بنية الانطلاق المتناغم من المبدأ المطلق للوجود، ومن الاحتمالية إلى الواقع، ومن ~~المجرد إلى الملموس، ومن الهوية إلى تلك الغيرية التي تعتبر أيضا تدنيا في مستوى ~~الوجود. إن مصير الأرواح الأبدية العودة من حيث أتت؛ فالأرواح سرمدية أصلا. ومبدأ ~~العودة أو التحول هو مغزى مبدأ أفلاطون لاستعادة الذكريات؛ أي إن كل المعارف ما هي ~~إلا استرجاع ما عرفه المرء ذات مرة (في وجود سابق) ولكن نسيه. ولقد استعاض ~~الأفلاطونيون الجدد، وأوغسطينوس من بعدهم، بفكرة التنوير الإلهي الذي يضيء من داخل ~~الروح مباشرة عن هذا المذهب إلى حد كبير. # قرب نهاية حياة فرفوريوس (الذي زعم بعض الكتاب المسيحيين أنه كان مسيحيا في ~~شبابه ثم ارتد عن دينه)، ألف هجوما مطولا ولاذعا على المعتقدات المسيحية والجدارة ~~التاريخية للأناجيل. لم يكن كتابه الذي هاجم فيه المسيحية معروفا بالنسبة إلى ~~أوغسطينوس. ولكن، يجوز وصف أعمال فرفوريوس بإنصاف بأنها تقدم فلسفة دينية بديلة ~~مصممة، سواء عن عمد أو من دون عمد، لتوفر منافسا للمسيحية وترياقا لها. # فتنت مجموعة أفلاطونيي ميلانو ms021 أستاذهم في البلاغة الجديد بترجمات فيكتورينوس لأعمال ~~أفلوطين وفرفوريوس. وقد كان للغة التي تعرض لها أوغسطينوس في تلك الأعمال التي تتناول ~~معضلة الشر والتجربة الصوفية للعالم اللامادي السامي أثر عظيم. كان الأفلاطونيون ~~الجدد يقولون له إن الروح لها قوة المعرفة الذاتية الفورية والراسخة بداخلها. علاوة على ~~ذلك، فهذه القوة يمكن أن تتحقق وحسب عند تنحية إدراكات الحواس الخمس جانبا، فيشهد ~~العقل عملية تطهير، بفعل الجدل، تطهره من الصور المادية وتسمو به إلى الرؤية المقدسة ~~السعيدة التي تحدث عنها أفلاطون. ولقد آمنوا بأن هذه قوة طبيعية للروح تتحقق بينما ~~تحتضن الروح تدريجيا النور والحقيقة المقدسين. # وصف أوغسطينوس لاحقا في الكتاب السابع من «الاعترافات» كيف أنه حاول في ميلانو أن ~~يتأمل تأملا عميقا المنهج الأفلاطوني الجديد؛ فقد حررته الأفلاطونية من المفهوم ~~المانوي للإله باعتباره مادة مضيئة خفية. وبالاستبطان بمعزل عن الناس وبممارسة طريقة ~~الارتداد الجدلي من الخارجي إلى الداخلي، ومن الدوني والمادي إلى السامي والذهني، نال ~~رؤية عابرة للحقيقة السرمدية والجمال غير المتبدل. وأصيب بالإحباط بسبب سرعة زوال تلك ~~التجربة العميقة جدا، وحقيقة أنه وجد نفسه بعدها مستغرقا في كبريائه وشبقه كما في ~~السابق. ومع ذلك، عرف أوغسطينوس أنه في تلك «اللحظة المضيئة العابرة» حظي بلمحة مذهلة ~~للوجود السرمدي الذي لا يتبدل، والواقع اللامادي الذي يتجاوز بالكامل ذهنه المتغير ~~دوما (الاعترافات). ولا يوجد تلميح لاقتراح في كتاباته اللاحقة، التي كتبها كمسيحي، ~~يفيد بأن تجربة ما قبل التحول هذه لم تكن حقيقية بأي حال من الأحوال. لاحقا في ~~«الاعترافات» (الكتاب الحادي عشر) سيتبنى أوغسطينوس تقريبا لغة مطابقة حول الوحدة بين ~~الحب والهيبة، تلك الهيبة المترتبة على تأمل الآخر المنيع والبعيد جدا و«المغاير»، ~~والحب النابع من الدراية بالآخر الذي هو مألوف جدا وقريب جدا؛ الهيبة المقابلة ~~للسمات السلبية والمجردة، والحب الذي يروم التعبير عنه بكلمات شخصية وبصراحة ~~شديدة. # وفي قلب التجربة التي وصفها استقر الإيمان بأن المخلوق المحدود القدرات لديه شوق ~~نهم للإشباع الموجود وحسب فيما يتجاوزه، وفيما يتجاوز في حقيقة الأمر القدرة البشرية ms022 ~~على التعبير أو الوصف. # شكل 1-2: رؤية القديس أوغسطينوس للقديس جيروم بريشة فيتوري كاراباشيو، مدرسة ~~سان جورجيو ديلجي شيافوني، البندقية. # أعادت العظات الأفلاطونية الحديثة الناصحة بكبت الشهوات والحواس المادية أوغسطينوس ~~إلى تحذير شيشرون من أن الانغماس الجنسي لا يمثل أرضا خصبة للجلاء الذهني. وورد في ~~الورقة الدعائية لفرفوريوس حول التغذي بالنباتات الصرفة أنه «كما يتعين على القساوسة ~~بالمعابد الإعراض عن الجماع لكي تتحقق لهم الطهارة الطقسية ساعة تقديم الأضحية، كذلك ~~على الروح الفردية أن تكون طاهرة بالقدر نفسه كي تنال رؤية الرب.» أدرك أوغسطينوس أنه ~~«منساق بفعل ثقل الحياة الشهوانية.» لم يكن مسيحيا، ورغم ذلك اكتشف بواسطة مسيحيين ~~أمثال سيمبليسيان في ميلانو تجربة ذات أهمية نفسية عظيمة له؛ حيث منحته تأكيدا كاملا ~~وكذا وعيا بزواله الشخصي في مقابل الوجود السرمدي للواحد. واكتشف أنه ممزق في صراع ما ~~بين الفلسفة التأملية التي دعت روحه إلى أشياء أسمى من الجسد، وعادة النشاط الجنسي ~~التي شعر بسببها بأنه مقيد، والتي طالما وجد فيها مصدرا للإشباع الجسدي، إن لم يكن ~~النفسي أيضا. وبدأ يعقد الآمال على أن ينال الحصانة والعفة في نهاية المطاف، وصلى ~~من أجل ذلك، «لكن ذلك لم يتحقق بعد» (الاعترافات، الكتاب الثامن). ومما أراح باله وكان ~~له بمنزلة الحافز في الوقت نفسه أن محاورة هورتنسيوس لشيشرون ورد فيها أن «البحث المحض ~~عن السعادة العليا، لا نيلها الفعلي وحسب، كنز يتجاوز كل ثروات البشر أو شرفهم ~~أو متعتهم المادية.» # باتجاه الهداية # إذا كان الأثر الذي ينطوي على مفارقة لمحاورة هورتنسيوس لشيشرون عندما كان أوغسطينوس ~~في التاسعة عشرة من عمره يتمثل في استقطابه نحو المانوية، فقد كان أثر قراءاته ~~الأفلاطونية في الحادية والثلاثين من عمره أن حثته على الاتجاه نحو أكثر ما يكره ~~فرفوريوس؛ ألا وهي الكنيسة. لقد كانت الجماعة الأفلاطونية الحديثة في ميلانو مهتمة ~~خصيصى بأجزاء من العهد الجديد، مثل مقدمة إنجيل القديس يوحنا أو أسلوب القديس بولس ~~المصطبغ بصبغة أفلاطونية في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس 3-4 التي قدمت أساسا ~~إنجيليا ms023 لأفلاطونية مسيحية. وكان المسيحيون في هذه الجماعة معنيين بتفسير رسالة ~~القديس بولس إلى رومية بطريقة تفادت الحتمية والازدواجية المانوية. لقد فسر ~~أوغسطينوس كمانوي أن الحواري لا يتعارض وحسب مع العهد القديم، بل ومع نفسه أيضا؛ ~~فلغة بولس عن الصراع ما بين الجسد والروح (غلاطية، رومية) اقتبسها المانويون كميثاق ~~لإيمانهم بأن النزعات الجنسية للجسد هي أصل كل الشرور. تبنى أفلاطونيو ميلانو ~~الجدد وجهة نظر أقل تشاؤما بعض الشيء. وسرعان ما اقتنع أوغسطينوس بأن المسافة الفاصلة ~~ما بين أفلاطون والمسيح لم تكن بالكاد خطوة قصيرة وبسيطة، وأن تعليم الكنيسة كان ~~فعليا «أفلاطونية للجمهور»، وطريقة صورية ومجازية للتعاطي مع العقول غير الفلسفية ~~لجعلها عقلانية على الأقل في سلوكها. وحتى نهاية حياته، وبعد أن أمست تحفظاته بشأن ~~عناصر بعينها في التقليد الأفلاطوني محددة وواضحة بفترة طويلة، لم يكن أوغسطينوس ~~ليقصر في الإقرار إقرارا سخيا بالدين الذي يدين به لكتب الأفلاطونية الحديثة. ~~وبينما كان على فراش الموت في هيبو أثناء الحصار الطويل الذي ضربته قبيلة الواندال على ~~مدينته، كانت آخر كلماته المؤرخة اقتباسا من أفلوطين. # إن النزعة الروحانية الأفلاطونية الحديثة والتشديد على الاستبطان والتحرر من عوامل ~~التشتيت بالعالم الخارجي شحذت شعور أوغسطينوس بالانسياق في اتجاهين مختلفين؛ حيث ساقته ~~نزعته الجنسية إلى القاع. وبينما طالع رسائل القديس بولس، بدأ يفكر أن الحواري استوعب ~~حالته بالكامل، ووجد نفسه في دوامة من الصراع الداخلي. وزاد وعيه ببؤسه ذات يوم بشدة ~~بينما كان سائرا في شارع من شوارع ميلانو مرورا بشحاذ يضحك بسعادة غامرة تحت التأثير ~~المخدر للخمر (الاعترافات، الكتاب الخامس). وأدرك أن شعوره عند تأمل الرجل لم يكن ~~الشفقة بل الحسد. واكتشف أستاذ البلاغة أن نسخته من رسائل القديس بولس أمست مهمة ~~بالنسبة إليه. # وفي نهاية شهر يوليو عام 386، وفي بستان البيت بميلانو حيث كان يعيش بصحبة أمه ~~وتلميذه الأسبق أليبيوس (وهو محام بارع ما برح في عام 386 يفند المعتقدات المانوية، ~~ولاحقا أصبح أسقفا لبلدة طاغست)، بلغ أوغسطينوس أخيرا مرحلة لا بد فيها من قرار؛ فقد ~~تدهورت ms024 حالته الصحية بسبب الربو الذي أصاب صدره، وبح صوته. ولم يستطع أن يحدد إن ~~كان هذا عرض لوعكته أم علة مساهمة في قراره. قرر أوغسطينوس أن يترك منصبه التعليمي، ~~وأن يتخلى معه عن طموحاته بمسار عملي علماني. وكانت الذروة لما تخلى عن ~~نيته في الزواج بالكامل. هل يستطيع أن يحمل نفسه على العيش من دون امرأة؟ علم ~~أوغسطينوس من صديق أفريقي له يعمل في ديوانية البلاط عن وجود مجتمع من الزاهدين الذين ~~يعيشون في ميلانو وعن تنازل أنطوني الناسك المصري عن ثروته، وسيرته الذاتية التي كتبها ~~بابا الإسكندرية أثناسيوس وسرعان ما ترجمت إلى اللاتينية للقراء الغربيين. إذا ~~استطاعوا أن يحققوا كبت النفس عن الشهوات، فلا بد أن ذلك باستطاعته أيضا؛ أم إن إرادته ~~واهنة أكثر من اللازم؟ # وفقا للسرد الوارد في الكتاب الثامن من «الاعترافات» التي كتبها بعد تلك المرحلة ~~بأربعة عشر عاما، أمسك أوغسطينوس بنسخته من إنجيل القديس بولس، وفتحها بشكل عشوائي، ~~وعلى غرار الذين التمسوا إرشاد فيرجل لهم في المستقبل، استرشد أوغسطينوس بأول نص ~~وقعت عليه عيناه، وكانت الكلمات الختامية لرسالة بولس إلى أهل رومية 13 التي تقارن ما ~~بين الشهوانية الجنسية والدعوة إلى أن «البسوا الرب يسوع المسيح.» ووصف قراره بلغة ~~أدبية رائعة تردد صدى أسلوب الشاعر بيرسيوس، وعبارة مذهلة من أفلوطين، وتلميح رمزي إلى ~~سقوط آدم من جنة عدن. وسرد كيف سمع صوتا، إذا جاز التعبير، أشبه بصوت طفل يملي عليه ~~أن «أمسك بالكتاب واقرأ!» ثمة خلاف حول مقدار السرد المكتوب نثرا والمقدار المكتوب ~~بلغة أدبية أو بزخارف بلاغية، لكن لا شك أن هناك عاملا أدبيا. ومن المؤكد أيضا أنه ~~في ميلانو بنهاية يوليو 386 قرر أوغسطينوس أن يتخلى عن فكرة الزواج والطموح العلماني، ~~وأن يخوض تجربة التعميد. واستقال من مهنة التدريس بالمدينة. # لم تكن هدايته مفاجأة، بل نتاج أشهر عدة من المخاض الموجع. ولقد شبه هو نفسه ~~لاحقا عملية الهداية بالحمل والولادة. وكان هذا الاختيار إيذانا بتحول أخلاقي أكثر ~~منه فكري في المحتوى. والقصة الواردة ms025 في «الاعترافات» تفترض مسبقا أن أوغسطينوس عام ~~386 اعتبر الشغف الجنسي العقبة الوحيدة بين روحه والتوحد مع الحقيقة المعنوية السرمدية. ~~وما لقنه إياه أفلوطين وفرفوريوس أمسى الآن ممكنا وفعليا بمساعدة نص من نصوص ~~القديس بولس. وبعدها بخمسة عشر عاما، سيعكف أوغسطينوس على الكتابة عن «الوهم» الذي ~~يعيش فيه البعض في هذه الحياة، ومفاده أنه في هذه الحياة من الممكن للعقل البشري أن ~~يفصل نفسه عن العالم المادي كي يستوعب «النور النقي للحقيقة الثابتة» (الانسجام بين الأناجيل # De consensu evangelistarum ~~). ومع ذلك، ~~في تلك الفترة راودته أحاسيس «العودة إلى المرفأ بعد الرحلة العاصفة». أجيبت صلوات ~~مونيكا لهدايته وتعميده. من المستحيل أن يهلك ابن الدموع الغزيرة. # بعد ذلك بأشهر قلائل أعلن أوغسطينوس أنه رغم أن الرغبات القديمة لم تكف عن مطاردته ~~في أحلامه، فقد بدأ يحرز تقدما؛ حيث أمسى الآن ينظر للجماع بمقت وكراهية باعتباره ~~«حلاوة مرة» (مناجاة النفس # Soliloquia ~~). لم تجعل ~~طموحات العيش في تقشف منه ناسكا، وكان يشتاق إلى العيش بين أصدقاء عاديين مشاركا ~~إياهم شغفه وحماسه لأفلاطون والقديس بولس مع شيء من أعمال شيشرون (ولا سيما مناقشات ~~توسكولوم) بين الحين والآخر. مرت ثمانية أشهر ما بين قراره الذي اتخذه في بستان ميلانو ~~وعيد الفصح عام 387 عندما عمد على يد أمبروسيوس، كما عمد ابنه غير الشرعي ~~أديوداتوس وصديقه أليبيوس المحامي. وخلال تلك الأشهر، أعطي هو ومونيكا ومجموعة من ~~الأصدقاء والتلاميذ فيلا على سبيل الاستعارة في مدينة كاسيكاسيوم على التلال على ~~مقربة من مدينة كومو. وهناك استعاد عافيته، وتفكر في موقفه. # شكل 1-3: مشاهد من حياة القديس أوغسطينوس: تعميد القديس أوغسطينوس، 1645 بريشة ~~بينوزو جوزولي. تصوير جصي، كنيسة القديس أوغسطينوس، قرية جيمنيانو، ~~إيطاليا. # لا تظهر هداية أوغسطينوس في كتاباته آنذاك على اعتبار أنها كانت مدفوعة بالفرار من ~~الشكوك الأليمة للريبة الفلسفية عن طريق الاعتصام بالسلطة العقائدية للكنيسة، فمصدر ~~بؤسه وعدم رضاه يكمن داخله. ومع ذلك، كانت مشكلة السلطة واضحة في الخلافات التي نشبت ~~ما بين الكاثوليكيين والمانويين، وأقر أوغسطينوس بخضوعه ms026 للمسيح ولمجتمعه، وهو ادعاء ~~بتقرير المصير أمسى يراه لاحقا ضربا من الكبرياء (الاعترافات، الكتاب العاشر). منذ ~~خريف عام 386 فصاعدا، أضحت كتاباته تحوي تلميحات كثيرة للإنجيل وللعقيدة المسيحية. وفي ~~مدينة كاسيكاسيوم، كتب أوغسطينوس عن السلطة والعقل باعتبارهما سبيلين موازيين للحقيقة؛ ~~حيث كانت السلطة ممثلة في المسيح والعقل في أفلاطون. من الممكن أن تعطي السلطة توجيهات ~~يستوعبها العقل بالتبعية. والسلطة سابقة زمنيا، والعقل سابق في ترتيب الواقع. ويفضل ~~المتعلمون تعليما رفيعا اتباع المسار الفلسفي للعقل، ولكن حتى في هذه الحالة لا يمكن ~~أن يكون العقل كافيا لتوفير كل التوجيه الذي تقتضيه الضرورة. من ناحية أخرى، التعويل ~~الحصري على السلطة لا محالة يحيق به خطر عظيم؛ فكيف للمرء من دون عقل أن يميز ما بين ~~الادعاءات المتنافسة للسلطة؟ وكيف للمرء أن يميز ما بين السلطة الإلهية أصلا وسلطة ~~الأرواح الأدنى منزلة التي يوقرها الوثنيون الذين يزعمون قدرتهم على التنبؤ بالمستقبل ~~بالعرافة والكهانة؟ لكن السلطة الإلهية للمسيح مثبتة باعتبارها أسمى منطق في الوقت ~~نفسه، فهو حكمة الإله نفسها التي تطابق الثالوث الأعلى لعقل أفلوطين (الحياة السعيدة # De # beata vita ~~). # وأخيرا، على المرء أن يتساءل عن الأفكار المحددة عن الرب والإنسان التي قبلها ~~أوغسطينوس كنتيجة لتعميده واعترافه بالعقيدة المسيحية. باختزالها إلى أكثر عناصرها ~~بدائية وهيكلية، دعت العقيدة المسيحية أوغسطينوس إلى التصريح بالتأكيدات التالية؛ ~~أولا: أن العالم المنتظم ينبع من الخير الأسمى، الذي يعتبر أيضا القوة الأسمى، ولا ~~نعني أفضل قوة يصادف أن يكون لها وجود، بل كمالا لا تستطيع عقولنا حتى أن تتخيل فكرة ~~لأي وجود أسمى منه. ولذا، فإنه «هو» موضوع الهيبة والعبادة. ولا ينبغي أن نفكر في ~~الرب على اعتبار أنه منخرط في صراع من الأدنى إلى الأعلى كالبشر (وكقوة النور ~~المانوية)، بل على اعتبار أنه يمتلك غاية إبداعية وتخليصية متسقة فيما يتعلق بالكون ~~عموما والخلق العقلاني خصوصا. والمستوى الأسمى على سلم القيمة هو الحب، الذي هو ~~طبيعة الرب عينها. # ثانيا: الطبيعة البشرية بحسب معرفتنا بها الآن تخفق في الانسجام مع نوايا ms027 الخالق؛ ~~فالبؤس البشري تخلده الأنانية الاجتماعية والفردية، فيطارد الإنسان الجهل والفناء ~~وقصر الحياة وضعف الإرادة، وقبل هذا وذاك الإنكار المتعجرف والعنيد للخير الحقيقي. ~~وخلاصة القول أن البشرية بحاجة إلى علاج الحياة السرمدية وغفران الخطايا أو البعث تحت ~~مظلة حب الرب. # ثالثا: أن الرب الأسمى تصرف في إطار الوقت والتاريخ الذي نحيا فيه، والذي ~~«يسمو» هو فوقه ويتجاوزه، فيجلب لنا المعرفة والحياة والقوة والتواضع (أعظم هبة على ~~الإطلاق) التي من دونها لم يكن أحد ليتعلم أي شيء. ولهذا الفعل ركيزته البالغة ذروتها ~~في المسيح، قدوة البشرية في حياته وتعاليمه الحكيمة وعلاقته البنوية الفريدة بال ~~«الآب» الأسمى. لقد جسد المسيح هبة حب الرب بتواضع انبعاثه وموته. والوصول إلى حركة ~~الرب هذه من أجل إنقاذ الإنسان الساقط يتسنى عبر ارتقاء الإيمان ولزوم مجتمع أتباع ~~المسيح، وهو مجتمع هيكلي يأتمنه على الإنجيل وعلامات العهد المقدس الممثلة في الماء ~~والخبز والخمر. وبذلك توحد روح القداسة ما بين الإنسان والرب، وتمنح الأمل في الحياة ~~القادمة التي يعتبر انبعاث المسيح عهدها المطلق، وتحدث تحولا في الحياة الشخصية ~~والأخلاقية للفرد كي يكون أهلا لمجتمع القديسين في حضرة الرب. # خاطبت التعاليم المسيحية أوغسطينوس من خلال هذه الأفكار بأسلوب أخروي قوي يرتبط ~~بقوة بالأخلاقيات والميتافيزيقا الأفلاطونية. وكان من الأهمية بمكان أن جمع ما بين ~~لغة أفلوطين السلبية الموضوعية حيال الواحد أو المطلق والمفهوم الإنجيلي عن الرب ~~باعتباره ممثلا للحب والقوة والعدل والغفران. ومن المحوري للتوحيد أن يعرف سر الرب لا ~~في هيبة الطبيعة وعظمتها فحسب، بل عن طريق كشف عن الذات أيضا، قياسا على الشخص الذي ~~يعلم الآخرين ما لم يستطيعوا اكتشافه بأنفسهم. ومنذ عام 387 فصاعدا، تناول ~~أوغسطينوس تلك الأفكار باعتبارها مبادئ أولى. # الفصل الثاني # | الفنون التحررية # ربما لأن الأفلاطونية أسهمت بقدر كبير في هدايته إلى المسيحية، لم يبادر أوغسطينوس قط ~~بوضع حدود واضحة وحاسمة بين الفلسفة وعلم اللاهوت؛ فهو لم ينظر إلى المنطق الفلسفي كوصيف ~~للعقيدة أو كداعر خطير مهمته إغراء العقل بافتراض أن باستطاعته الوصول إلى غايته ms028 المطلقة ~~دون مساعدة الرب ورعايته. عرف أوغسطينوس الموضوع الأساسي للفلسفة بأنه «دراسة الرب ~~والروح البشرية» (مناجاة النفس). يلاحظ المرء استبعاد العالم المادي؛ فالدافع الذي أدى ~~بالناس إلى التفلسف، كما وصف أوغسطينوس بأسلوب شيشروني، هو ببساطة البحث عن ~~السعادة. # ينتشر علم الوجود الأفلاطوني، أو مذهب الوجود وطبيعة الأشياء الوارد وصفه في الفصل ~~الأخير، في شتى كتاباته. هناك فقط بعض الجوانب التي عدل تفاصيلها؛ الأمر الذي يعطينا ~~الانطباع بأنه بقدر ما قبل الحجج الأفلاطونية، قد حولها دوما إلى نتائج تحددها ~~عقيدته. وربما كان من الأصح أن نقول إنه لم يجد منطقا كافيا في الانفصال عن التقليد ~~الأفلاطوني إلا إذا لم يكن متوائما مع مقتضيات العقيدة الكاثوليكية. بطبيعة الحال، فقد ~~اعتبر أوغسطينوس الأفلاطونيين الوثنيين مخطئين في قبولهم الشرك بالله وتعدد الآلهة، ودورات ~~العالم الخالدة، وتناسخ الأرواح. ولقد كان الاعتقاد القديم بالتناسخ قدريا بالكامل بقدر ~~مبالغ فيه، لدرجة أنه لم يتوافق مع مفهوم الرب باعتباره القوة الإبداعية المتفردة العاملة ~~بشكل تخليصي كي تجلب خلقها العقلاني إلى غايته الحقيقية الممثلة في رفقة الرب. # كانت هناك نقاط خلافية أخرى أقل جلاء ولكنها ليست أقل حيثية. ورغم أهمية نبذ الممارسات ~~الجنسية في سياق هدايته، لم يتفق أوغسطينوس مع أفلوطين في رؤيته للمادة والمادية باعتبارهما ~~الأصل الرئيس للشر. ومرة أخرى، على النقيض من أفلوطين (على خطى أفلاطون في «الجمهورية» ~~509 قبل الميلاد)، لم يقل أوغسطينوس بأن الرب ينبغي أن يوصف بالواحد «المتجاوز للوجود»، ~~واستطاع أن يقبل الأطروحة الأفلاطونية النقيضة عن الواحد والعديد كرواية للعلاقة ما بين ~~الخالق السامي والتنوع المتشعب للخلق، لكن الإله الواحد لا يتجاوز الوجود قط، وطمأنته ~~الآية 3: 14 من سفر الخروج بأن الرب نفسه وجود، وأنه الوجود نفسه: فهو كل ما هو موجود ~~فعلا. (ألقيت عظتان مؤثرتان جياشتان في هيبو على جمع من عمال الموانئ والمزارعين ~~وطورتا هذه الفكرة المميزة: (شروحات ~~المزامير # Enarrationes in Psalmos # ومعاهدة ~~إنجيل يوحنا # Tractatus in ~~Evangelium Johannis ~~).) # إن الخلق «مشاركة» في الوجود. ويوحي هذا اللفظ بالاشتقاق. وهو مميز لما يشتق، ms029 وما ~~يملكه المرء حينئذ يكون متمايزا عن كينونته. بالنسبة إلى المخلوقات، الوجود شيء والتحلي ~~بالإنصاف والحكمة شيء آخر. ولكن الوجود بالنسبة إلى الرب يعني الإنصاف والخيرية والحكمة في ~~الوقت نفسه؛ فالإنسان يمكن أن يكون موجودا دون أن يتحلى بالإنصاف أو الخيرية أو الحكمة، ~~أما الرب فلا؛ فالرب «هو من يملك». عبر أفلوطين عن النقطة نفسها بلغة أرسطية قائلا: في ~~«المادة» الإلهية (أي الجوهر الميتافيزيقي) لا يجوز أن تكون هناك أي عوارض. واتفق أفلوطين ~~وأوغسطينوس على أن الفئة الأولى وحسب من الفئات العشر، ألا وهي المادة، هي التي تنطبق على ~~وجود الرب (الاعترافات). # وجد أوغسطينوس مقدمة إنجيل يوحنا (وهي جزء من العهد الجديد أبهر الفلاسفة الأفلاطونيين ~~الحداثيين) تصريحا نبيلا للصورة العالمية الأفلاطونية، ولنور الرب الذي يشع في الظلام ~~ليعيد العالم المستوحش إلى العوالم العليا. ولكن، إذ وجد المسيحية تعبر عن الحقيقة بشكل ~~أفلاطوني جدا، لاحظ أوغسطينوس نقطة خلافية شديدة؛ إذ لم تقل «كتب الأفلاطونيين» إن ~~الكلمة صارت جسدا. لقد كان مبدأ الوحي الفريد في سياق حياة محددة فكرة مسيحية اضطر ماني ~~إلى تبديلها تبديلا جذريا. بالنسبة إلى أفلاطوني وثني، بدت خصوصية تلك الفكرة غير ~~متوافقة بشكل فاضح مع الثبات الإلهي والسريان الشمولي للعناية الإلهية في الكون ككل. لم ~~يفكر الأفلاطونيون في وجود غاية إلهية تعمل عملها في فوضى التاريخ وخلالها، ومفاهيمهم ~~الخاصة بالزمن كانت دورية لا خطية؛ بتعبير آخر، في فترات زمنية فاصلة كبيرة يرجع تكوين ~~النجوم إلى الموضع نفسه، وحينئذ تبدأ الأشياء كلها مجددا في المسير في نفس الحلقة ~~المفرغة. إن مفهوم التجسيد الفريد الذي يدعو الإنسان لاتخاذ قرار وجودي تترتب عليه تبعات ~~أبدية يعني أن الأفلاطونية لم تكن شيئا يستطيع أوغسطينوس أن يتركه دون تعديل. ومن ناحية ~~أخرى، فقد شعر هو أيضا أنه من الضروري تفسير التجسيد بلغة العناية الإلهية الشمولية كخطوة ~~محورية باتجاه غاية التاريخ ومفتاح لفهم معناه. # خلال الفترة التي اهتدى فيها للمسيحية، كان أوغسطينوس في نحو الثالثة والثلاثين من عمره، ~~وكان قد أمسى أستاذا مرموقا في ms030 الأدب والأسلوب البلاغي. ولو كان قد سعى وراء الوظيفة ~~العلمانية التي حلم بها، لما عرفت الأجيال اللاحقة عنه الكثير بخلاف اسمه، ربما فقط ~~باعتباره مثالا مذهلا للتحول الاجتماعي الذي قام به شاب بارع مثله متحدر من عائلة ~~إقليمية معدمة من ريف مملكة نوميديا الأمازيغية، والذي كد في عمله وحالفه الحظ إذ استمتع ~~بشيء من الرعاية المفيدة لمستقبله. الآن تخلى أوغسطينوس عن كل هذا، وكان عليه أن يجد ~~الإجابات الشافية عن الأسئلة الملحة. وكانت مهمته الأدبية الأولى البحث في أسئلة شائكة عن ~~الشر والقدر التي فرضها عليه في فترة من الفترات المانويون. وكان عليه أيضا أن يرد على ~~المفكرين المشككين الذين كانوا، خلال فترة حرجة، منسجمين مع ذهنه بشدة. # خلال الأشهر التي أمضاها في كاسيكاسيوم، ألف أوغسطينوس سلسلة من المحاورات الفلسفية، ~~التي غالبا ما اتخذت قالب محاورات شيشرون التي كتبها في معتزله في توسكولوم. ولقد مكنه ~~التقليد الأدبي لشكل المحاورة من التصريح بصعوبات كان لم يزل هو نفسه يكابدها، وأصبح ~~باستطاعته أن يناقشها مع نخبة متعمقة التفكير. كانت أجواء المحاورات أشبه بأجواء قاعة ~~المحاضرات؛ حيث استخدم أوغسطينوس المناقشة الجدلية كوسيلة للتلقين، عارضا المشكلات ~~وملتمسا الحلول. وكانت الموضوعات التي تناولها، في بداية المطاف، طبيعة السعادة (الحياة ~~السعيدة)، ونقدا لنظرية المعرفة المتشككة ومذهب تعليق الحكم (ردا على الأكاديميين)، ~~والتأكيد على أن القدر الشخصي أو الخاص ممكن في سياق النظام المتسق للكون، وسلسلة العلة ~~والمعلول (حول الحكم # De ordine ~~). وفي المحاورة الأخيرة من ~~تلك المحاورات، أدرج أوغسطينوس دفاعا عن دراسة الفنون الحرة كإعداد للعقل لتلقي الحقائق ~~الأكثر سموا، واقترح أنها ينبغي أن ترتب على سلم تصاعدي، على أن تأتي الهندسة ~~والموسيقى تحديدا لتكشف عن النظام الحسابي الكامن وراء الكون. واستعار أوغسطينوس صورة من ~~أفلوطين، واستخدم صورة الرصيف المصنوع من الفسيفساء الذي لا ترى جماله العين المنكبة على ~~قطعة صغيرة واحدة، بل العين التي تحاول فحسب أن تنظر للصورة ككل. وفي فقرة تتوافق بشدة مع ~~الأفلاطونية الجديدة، أعلن أوغسطينوس بأنه «كي نرى الواحد، يجب أن ms031 ننسحب من التعددية؛ ولا ~~أعني وحسب تعددية البشر، بل وتعددية الإدراكات الحسية. ونلتمسه وكأنه مركز دائرة تمسك ما ~~حولها بقوة وتحافظ على تجانسه» (حول الحكم). # وفي كاسيكاسيوم، كتب أيضا «مناجاة النفس» (استحدث أوغسطينوس هذه التسمية)، وهي عبارة عن ~~محاورة سلم أوغسطينوس - بحثا عن اليقين خاصة فيما يتعلق بخلود الروح - نفسه فيها إلى ~~إملاءات العقل. ولقد أدت تحفة أدبية ذات طابع أفلاطوني حديث تحديدا من الجدل به إلى ~~تأكيد أن الحقيقة الحسابية صحيحة بشكل سرمدي، وأن العقل الذي يعرف هذه الحقيقة أيضا ~~يشارك في هذا السمو للتسلسل الزمكاني، وهو الرأي المشار إليه على استحياء في أعمال ~~أفلاطون (مينو)، وطوره إلى حد كبير أفلوطين. وفي مزيج خصب من العبارات المستعارة من ~~شيشرون، تمزج «مناجاة النفس» ما بين لغة الإنجيل وخليط قوي من الوجودية الأفلاطونية ~~الحديثة. ثمة إشارة مؤكدة بالاسم لكل من أفلاطون وأفلوطين، ووجود الأفكار المستخلصة من ~~فرفوريوس محتمل جدا. يقول أوغسطينوس هنا إنه ما من سبيل وحيد لينال المرء رؤية الرب؛ ~~ولكن على الأقل يتعين على المرء أن يفر من كل شيء مادي، وينحي بحثه عن الإشباع؛ سواء ~~إشباع الحب الجنسي «حتى الذي يكنه المرء لزوجة متعلمة ومتواضعة»، أو إشباع المال أو ~~السمعة والشهرة، كما يتعين عليه تدريب ذهنه على الوقائع غير المرئية بواسطة عملية شبيهة ~~بالتجريد الهندسي؛ بحيث لا يفكر المرء في المربعات ذات الأحجام المختلفة، بل في المبادئ ~~التي بموجبها تمتاز المربعات بشكلها المربع. وبعدئذ، يجوز أن يبدأ المرء في فهم السمو ~~الغامض للرب الذي تجد فيه الروح الخالدة المطهرة غايتها الحقيقية. والطريق إلى التطهير ~~الداخلي يكون بالإيمان. إن الاقتراح الأخير هو الوحيد الذي ربما كان سيثير حيرة ~~فرفوريوس. # تمزج محاورات كاسيكاسيوم ما بين الثقة بأن ثمة نظاما قدريا وانعداما للثقة بالنفس ~~حيال قدرة الإنسان على فهم ذاك النظام في كل الحالات. وينظر إلى الثقة بالقدر بأكثر من ~~كونها لغزا فكريا: «ستمنح الرؤية لكل من يعيش عيشة كريمة ويحسن الدعاء ويكد في ~~دراسته» (حول الحكم). ولكن، من المقترح أنه ms032 في خضم كل هذه التنوعات وتوترات التجربة، يمكن ~~أن يكون هناك انسجام مطلق، وجمال يكمن في النقائض والتباينات كما في صورة مرسومة تحوي من ~~الألوان الفاتح والداكن؛ وعليه، فمن المحتمل أيضا أن تكمن وحدة الحقيقة فيما وراء ~~الموضوعات المتعددة للمعرفة البشرية بمناهجها المختلفة للبحث والاستقصاء. # في ظل تخصيص هذه المكانة العظيمة لدراسة الفنون الحرة، كان من الطبيعي لأوغسطينوس، في ~~الأيام الأولى التالية لتعميده، أن يشرع في وضع سلسلة من الكتيبات المتعلقة بالموضوعات ~~الأساسية للمنهج التعليمي القديم. من بين هذه الكتيبات، لم تصمد دون مساس إلا كتبه عن ~~المنطق والموسيقى. وعثر على كتابه عن قواعد اللغة، وعرضت نسخة منه على عائلة كاسيودوروس ~~في القرن السادس الميلادي، واعتبر ذا فائدة عظيمة لدرجة أن نسخته التي في مكتبته سرقت. ~~وتنقل لنا مخطوطات العصور الوسطى كتابين في قواعد اللغة باسم أوغسطينوس، ومن المحتمل ~~جدا أن أحدهما (ويعرف باسم # Ars breviata ~~) هو النص ~~«المفقود». والنتيجة واضحة؛ وهي أن الهداية إلى المسيحية والتعميد لم يتمكنا من سحق النزعة ~~التربوية والإنسانية لدى أوغسطينوس. وألقت به التأثيرات الأفلاطونية الحديثة على الطريق إلى ~~النظر إلى الفنون الحرة (ولا سيما الجدلية والهندسة والموسيقى) كتدريب ذهني محبذ بشدة في ~~الفكر التجريدي المؤهل للاستكشافات الميتافيزيقية الأسمى. # في نهاية حياته، كتب أوغسطينوس نقدا أملاه عليه ضميره لعمله الخاص طوال حياته، وأسماه ~~«المراجعات» أو «إعادات نظر» (استدراكات، ولا يجوز ترجمتها «تراجعات»؛ وذلك لأن الكتاب يكاد ~~يكون في أغلبه دفاعا عن أفكاره بقدر ما هو تراجع عن أفعاله الطائشة). في هذا الكتاب، شعر ~~أوغسطينوس أنه مال في شبابه إلى المغالاة في قيمة مثل هذه الدراسات الحرة وأهميتها: «كثير ~~من رجال الدين لم يدرسوا هذه الفنون قط، وكثير ممن درسوها ليسوا برجال دين» (المراجعات # Retractationes ~~). # تجلى الاهتمام التعليمي لدى أوغسطينوس تجليا مختلفا في فترة نضجه، ولا سيما في واحد ~~من كتبه الأكثر أثرا، وأول الكتب التي طبعت في القرن الخامس عشر. كان هذا الكتاب بعنوان ~~«حول الثقافة المسيحية»، وراجع أوغسطينوس الكتاب وأضاف إليه قرب نهاية حياته. ms033 ولقد حفظت ~~مخطوطة النسخة الأولى التي كتبها أوغسطينوس في حياته، وهي موجودة الآن في مدينة سانت ~~بطرسبرج. ويتناول هذا العمل التمحيص في المهارات الضرورية لتفسير الإنجيل تفسيرا صحيحا ~~وبشكل مقنع. واستغل أوغسطينوس «كتاب القوانين» لعالم اللاهوت المنشق تكنيوس ليصوغ شرائع ~~التأويل التي ستتفادى الذاتية، مثلا في تحديد ما هو حرفي وما هو مجازي، وفي حالة ~~المجازي، تحديد المعنى المستتر. لقد أفصح الإنجيل حقا عن حكمة الرب؛ لكن العلوم البشرية ~~كانت غير ذات صلة تماما باكتشاف تلك الحكمة وبيانها؛ فمفسرو الإنجيل الواثقون بوحيهم ~~الداخلي الخاص ارتكبوا أخطاء كثيرة وفادحة. ويسجل أوغسطينوس بشيء من الدهشة أن ثمة ~~مسيحيين معاصرين في أفريقيا لم يقرءوا شيئا بخلاف الإنجيل، ولا يتحاورون غالبا إلا ~~بترجمات غريبة للإنجيل اللاتيني القديم، وذلك استباقا لإنجليزية جمعية الأصدقاء الدينية. ~~كان على يقين من ضرورة إجراء دراسات أكثر توسعا؛ فالعالم بالإنجيل بحاجة إلى معرفة شيء من ~~التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية والرياضيات والمنطق والبلاغة (كيفية الكتابة والتحدث ~~بوضوح وبشكل ملائم). وقد تكون هناك أماكن تساعد فيها معرفة طفيفة بالتكنولوجيا المفسر. ~~ولا شك أن معرفة بسيطة باللغة اليونانية كانت ذات قيمة قصوى في التحقق من الترجمات ~~والقراءات المختلفة. # لم يدرس أوغسطينوس العبرية قط، رغم أنه كان يفهم الكلمات القرطاجية التي يتحدثها ~~الفلاحون، وكان يعرف تمام المعرفة أنها لغة سامية من أصل واحد هي والعبرية. ووفر عليه وجوب ~~تعلم العبرية نوعا ما إتقان معاصره الأرفع مكانة وصديقه بالمراسلة جيروم لها، وكذلك لأنه ~~كان على يقين من أن الترجمة اليونانية للعهد القديم التي أنجزها سبعون حبرا (السبعونية) لم ~~تكن أقل إلهاما من النسخة العبرية نفسها. ولقد أزعجه الإنجيل اللاتيني الجديد لجيروم ~~(النسخة اللاتينية للإنجيل) كلما وجد كلمات مألوفة منذ زمن طويل مبدلة بلا داع. فهذا أمر ~~يستاء له العلماني الذي دائما ما يكون عدائيا تجاه التغييرات الطقسية. # لقد عكس العمل المتعلق بالثقافة المسيحية التوقير الخاص الذي كان أوغسطينوس يكنه ~~للإنجيل. فقد أنكر صراحة أن الكتاب المقدس يمثل الوسيط الوحيد للوحي الإلهي (العظات)؛ ~~لكنه مثل مبدأ ms034 السلطة الذي بدا مركزيا للإيمان المسيحي بطريقة إلهية معينة للخلاص ~~للبشرية الجاهلة الضالة. لقد اعتمدت سلطة الإنجيل والكنيسة على الدعم المتبادل، واستخدامه ~~في الكنائس حدد قيود الشريعة. ولقد رسخت نصوص الإنجيل الطبيعة المقدسة التكوين ~~للكنيسة. # لقد جعل الجدل الموجه ضد نقاد المانوية أوغسطينوس يصر على وجود مغزى روحاني داخلي، ~~ولا سيما للعهد القديم. «يكمن المغزى من العهد الجديد مستترا في العهد القديم، ويتكشف ~~مغزى العهد القديم من خلال العهد الجديد» (تلقين غير المتعلمين # De catechizandis rudibus ~~). وعلى ذلك، فقد أشبع مجيء المسيح طموحات رسل العهد ~~القديم. لقد جعله المانويون واعيا جدا بالخط الفاصل ما بين الكتب المعترف بها باعتبارها ~~مطابقة للشرع الكنسي من قبل الكنيسة والأناجيل والأعمال المزيفة التي غالبا ما كان ~~يلتمسها ماني؛ خاصة لأن هذه الأعمال المزيفة وضعت لدعم وجهة النظر القائلة بأن الزواج لا ~~محل له من الإعراب للمؤمن. إن حجة المانوي، التي مفادها أن نص العهد الجديد تعرض للتحريف ~~أثناء انتقاله، جعلته على دراية بأهمية القراءات المختلفة بين المخطوطات، أو بالأخطاء ~~الواردة في الإنجيل اللاتيني القديم. فهو لم يستوعب أن النص الإنجيلي يحمل في طياته معنى ~~واحدا فقط قصده آنذاك المؤلف الأصلي. فقد استخدم كتاب الأناجيل أنفسهم كثيرا ~~الرمز والمجاز. والإصرار على معنى حرفي وتاريخي لا محالة يعني الإخفاق في فهم ~~الرسالة الكامنة. # في مواطن قليلة، استطاع أوغسطينوس أن يكتب بثقة عن وضوح الإنجيل وجلائه. ولكن، هناك ~~مواطن أخرى اضطر فيها إلى الاعتراف بأن نصوص الإنجيل غامضة، وأنه ليس كل شيء ضروري ~~للخلاص واضحا لأي قارئ عادي. وتعزز ذلك ملاحظة أن الكثير من المهرطقين ينطلقون من ~~تفسير خاطئ للإنجيل أو متحيز ضده. ولأنهم بارعون ومغرورون، تراهم يترددون في تصحيح أنفسهم؛ ~~«فجزء من الطبيعة الكاثوليكية أن يعرب المرء عن رغبته في قبول التصحيح إذا وقع في الخطأ» ~~(ردا على رسالتين ~~للبيلاجيين # Contra duas epistulas Pelagianorum ~~). # الفصل الثالث # | حرية الاختيار # في صيف عام 387، بينما كان يعيش برفقة مونيكا في روما خلال آخر سنوات عمرها، بدأ ~~أوغسطينوس في كتابة ms035 أطروحة كبيرة ومعقدة «عن أصل الشر وحرية الاختيار» (الإرادة الحرة)، وهو ~~العمل الذي أتمه بعدها بستة أعوام أو سبعة. ولقد أفضى به نقده للازدواجية والحتمية ~~المانويتين إلى التأكيد بشدة على الإرادة. ولقد دلل على أن للإرادة مكانة محورية في كل ~~فعل أخلاقي بالاستناد إلى الفضائل الأساسية الممثلة في العدل والفطنة وضبط النفس ~~والشجاعة. والفضيلة تعتمد على الحق والاختيارات العقلانية؛ ولذا تكمن السعادة في حب خيرية ~~الإرادة. وفي المقابل، البؤس نتاج الإرادة الشريرة، والشر نبع من حرية الاختيار المساء ~~استخدامها التي تجاهلت قيم الخيرية والجمال والحق الأبدية. # لقد رأينا أن أوغسطينوس كان يفضل تأصيل الشر في اضطراب الروح بدلا من توطينه في الجسد ~~والمادة، وهو مذهب أفلوطين (مدينة الله # De civitate Dei ~~). ~~لقد كان ضعف الروح بالنسبة إليه العلة المباشرة - إن لم تكن العلة الكافية بضرورة الحال - ~~للخطيئة. لكنه رأى هذا الاضطراب للروح متأصلا في حقيقة أن الروح تنشأ من لا شيء؛ ومن ثم ~~فهي «طارئة» وعرضة لأن تحيد عن مسارها. وحتى خلودها نجد أنها تملكه لا بطبيعتها الخاصة ~~المتأصلة، بل بهبة من الخالق وبإرادته. # يترتب على الخلق من العدم بالنسبة إلى أوغسطينوس نتيجة مفادها أنه في كل شيء يخلق بهذه ~~الطريقة ثمة عنصر عدمي و«نزعة للعدم»، رغم أن هذه المرحلة المطلقة لا يتوصل إليها قط. ~~وبهذه اللغة، سعى أوغسطينوس إلى التوحيد ما بين المفهوم الإنجيلي لمخلوقية الروح وتبعيتها ~~والتأكيد الأفلاطوني على خلود الروح. في مقالة سابقة عن «خلود الروح» (وهي العمل الذي يحتوي ~~على العديد من الفقرات التي يحاكي فيها فرفوريوس)، كتب أوغسطينوس يقول إنه حتى مادة الجسد ~~لا تفنى بالموت، وكذلك الروح الآثمة تحتفظ إلى الأبد بمسحة من الصورة والشكل الإلهيين. في ~~مرحلة نضجه، كتب أنه «حتى الروح الساقطة تظل صورة للرب» (الثالوث # De Trinitate ~~)، «وقادرة على معرفة الرب» (القدرة على تلقي ~~الرب). و«حتى اللادينيون» يفكرون في الخلود بالإيحاء، وذلك عندما يصدرون أحكاما أخلاقية ~~تأكيدية على سبيل المثال حول سلوك الآخرين، متجاهلين حقيقة أنهم لا يحسنون التصرف هم ~~أنفسهم. ms036 ولذا، حتى في أسوأ السيناريوهات، تحتفظ الروح بعلامات العقلانية والحرية التي تعد ~~مغزى «صورة الرب» التي يهبها للإنسان بواسطة الخلق. وفي الوقت نفسه، فإن الروح، إذ خلقت من ~~العدم، ثابتة لا تتغير، وإمكانية السقوط لذلك تمنح بالخلق. ومع ذلك، فإن الاختيار الفعلي ~~للإرادة بتجاهل الخير لا مبرر له ويتعذر تفسيره. # والمعضلة هنا أرقته طويلا. تساءل أوغسطينوس لم سقط بعض الملائكة دون بعض؟ في مرحلة ~~نضجه، بدا له أنه من غير المناسب أن يتحدث عن المصادفة العشوائية واللاعلية. وللتعاطي مع ~~هذه الصعوبة، لجأ أوغسطينوس إلى مبدأ القضاء والقدر. # رغم أن أوغسطينوس انشق عن الرأي الأفلوطيني القائل بأن الشر ينبع من المادة، فإنه وافق ~~على أن التبعة الرئيسية للاختيار الخاطئ للروح هي أنها أمست مرتبطة بشكل وسواسي بالجسد. ~~والمادة بحد ذاتها محايدة أخلاقيا؛ ورغم ذلك فبمقتضى حقيقة كونها مخلوقة من العدم، وبموجب ~~كونها هي ذاتها عديمة الشكل، فهي تحمل في طياتها دونية ميتافيزيقية عميقة. ومع ذلك، الروح ~~هي المعترك الحقيقي. إن «الطبيعة» التي وهبها الله للبشرية خيرة؛ فقد كان لآدم قبل ~~السقوط وللمسيح في انبعاثه «طبيعة نقية» لا يتأتى لبقية البشرية الآن نيلها. ويؤدي فساد ~~الخيارات الواهنة إلى نشوء سلسلة من العادات تقيد الشخصية وتصبح متأصلة، وتمسي طبيعة ~~معيبة أو «فاسدة». # تدلل الخبرة بالقرارات الأخلاقية على أننا جاهلون بما هو صواب، والأدهى أنه عندما نميز ~~الصواب، نجد صعوبة بالغة في لزومه والعمل به. لقد شعر أوغسطينوس بالتردد حيال سؤال إن كان ~~«الجهل والصعوبة» جزءا من خطة الرب الأولية لمخلوقاته لكي يعلمهم، بينما يصلون إلى مرحلة ~~النضح تدريجيا، إجادة التعامل مع مشكلاتهم والوقوف على أرض صلبة بأنفسهم، أم إن الصراع ~~الأخلاقي تبعة دائمة وعقابية لموقف سقوط الإنسان منذ أول عصيان لآدم وحواء. لا ضير من تردد ~~أوغسطينوس في تلك المرحلة ما دام الأمر لم يكن مهما نسبيا نوعا ما لحجة أطروحته حول ~~حرية الاختيار. لاحقا، أمسى أوغسطينوس أكثر ميلا إلى النظرة العقابية. ولكن في العمل ~~السابق، كانت غايته ببساطة دحض الزعم المانوي بأن ms037 شرور الحياة البشرية تثبت أن العالم ~~المخلوق ليس من صنع الخيرية السامية والقوة التي لا تجابهها قوة. كان أوغسطينوس على دراية ~~بأنه سيترك عددا من الأسئلة معلقة. # لاحقا حظيت أطروحة الإرادة الحرة بثناء نقاد أوغسطينوس الذين تأسوا ببيلاجيوس ~~إيمانا منهم بأن أوغسطينوس المتأخر أخفق في أن يعطي الحرية حقها؛ ومن ثم انتزع القيمة ~~الأخلاقية من أعمال الفضيلة. وطاب للنقاد اقتباس الأطروحة انطلاقا من كونها تحوي حججا ~~للإرادة الحرة لم يدحضها حتى مؤلفها. ويستطيع أن يجيب بمنطق سديد بأن محاولة وضع أوغسطينوس ~~الشاب في منافسة مع أوغسطينوس العجوز محاولة واهية الأساس. اعترف أوغسطينوس أن هناك بعض ~~الجمل القليلة كان من الممكن أن يصوغها صياغة أكثر دقة، وأحس بأن الكتاب تناول الخطيئة ~~بشكل أفضل من الفضيلة. تضمنت حجة الأطروحة إصرارا على انتقال إثم آدم وعقوبته إلى نسله، ~~وعلى عجز الإنسان الآثم عن إنقاذ نفسه بإرادته، والحاجة إلى أن يقهر تواضع المنقذ ~~الكبرياء والحسد اللذين يشكلان أكثر السمات الشيطانية للسقوط. # يحوي الجزء الثاني من الأجزاء الثلاثية لأطروحة «الإرادة الحرة» أهم تصريح أدلى به ~~أوغسطينوس وأكثرها ديمومة وثباتا للحجة المؤيدة لوجود الرب. تعاطى أوغسطينوس مع المشكلة ~~بشكل مميز كقضية محورية في نظرية المعرفة، ولم يأخذ على عاتقه إثبات وجود الرب وكأنه يدلل ~~على وجود شيء ما في عالم الحس؛ فحجته لا تفيد بأن المجموع الكلي للأشياء يشمل الرب ~~بالطريقة التي يتضمن بها هذا المجموع الأشياء المدركة بالعقل عبر الحواس الخمس؛ فهو ~~يستوعب أن الرب يتجاوز الزمان والمكان؛ وذلك لأن الإنسان لا يستطيع في سياق الزمان والمكان ~~اكتشاف السعادة أو الكمال المطلقين. وبالمثل، فإن الرب مفترض مسبقا بكل الفكر ~~المتعلق بالمسلمات والتواصل ما بين العقول؛ فالمنطق الرياضي والجمالي والأخلاقي يسلم ~~بأن هناك عالما واقعيا خارج نطاق الحواس. (فالأشياء المادية يمكن إدراكها، أما النظرية ~~المادية فلا، ومع ذلك يتعين صياغتها بلغة مستخلصة من عالم الأشياء المحسوسة؛ فالشخص الذي ~~ينكر حقيقة أسس الفيزياء يعتبر غريب الأطوار. والاعتراض على أن اللغة الخاصة بتلك الأسس ~~متشابهة إلى حد كبير ms038 اعتراض غير جاد.) # ولذا، إذا شككنا في النظام البديع للطبيعة بأشيائها النبيلة، فإن هذه الأشياء تهمس في أذن ~~المنطق أن «اليد التي صنعتنا مقدسة» (الاعترافات، الكتاب التاسع، والكتاب الحادي عشر، ~~اقتباس من أفلوطين). لكن النظام والتصميم والجمال، وحتى إمكانية التبدل والتدفق نفسها التي ~~يتمتع بها العالم، وحقيقة أن وجوده ليس «ضروريا»؛ تصبح اعتبارات ثانوية وداعمة لا أكثر ~~للحجة. ويظهر جوهر المادة في إيمان أوغسطينوس بأن الرب ليس شخصا أو شيئا ما موجودا ~~مصادفة؛ فهو الوجود نفسه، ومصدر كل الكائنات الفانية. كأفلاطوني مخلص، يجد أوغسطينوس ~~هذه الحجة معززة بواقع المبادئ الأخلاقية الممثلة في العدل والحكمة والحق. فهي تتجلى ~~بسمو في ميزان القيمة، ومع ذلك فهي وقائع لم يرها أحد أو يمسها أو يتذوقها أو يشمها أو ~~يسمعها. # ولا نعني أن أوغسطينوس كان سينتقص من أهمية الحواس؛ فدليلها محوري لكل الأشياء التي تقع ~~في مجالها، والمسائل المتعلقة بالتذوق واللون والليونة والحجم والشكل وما إلى ذلك نقررها ~~بالحواس ذات الصلة بها. ولكن إدراكات الحواس شكل أدنى من أشكال الفهم. لقد حذر الفلاسفة ~~المتشككون عن حق من أن الحواس يمكن أن تكون خداعة، تماما كما يبدو المجداف في الماء ~~منكسرا. إن المعلومات المستخلصة من الحواس تخضع لفحص العقل الواعي العارف وحكمه. # أعجب أوغسطينوس بصيغة وجدها في أعمال أفلوطين اقتبسها الأخير بدوره من محاورة ~~«فيليبوس» لأفلاطون، ومفادها أنه عندما يتلقى الجسد الإحساس، فإن الروح «لا تكون واعية» ~~بهذه الحقيقة. إن تفوق الروح ضمني، ولكن، هناك فجوة بين التدفق السرمدي وتغير عالم ~~الحواس الخمس والحقائق السرمدية للرياضيات والمسلمات. # بين يدي أوغسطينوس تمتزج الحجة المتعلقة بوجود الرب بحجة الأفلاطونيين الخاصة بواقع ~~المسلمات باعتبارها حقائق سرمدية وثابتة، سواء أكانت حقائق متعلقة بالرياضيات أم بالقيم ~~السامية للعدل والحق، وعلى ضوئها يحكم العقل على كون فعل أو مقترح بعينه منصفا أو ~~صحيحا. بالنسبة إليه تكمن الذروة في أن هناك عالما واقعا يتجاوز العقل البشري ويسمو ~~عليه، وهو بحد ذاته متغير ونادرا ما يستمر طويلا في حالة واحدة. وها نحن نرى ms039 مجددا بصمة ~~الاعتقاد المتولد من التجربة الصوفية الموصوفة في الكتاب السابع من «الاعترافات»، ومن خلال ~~تلك التجربة واجهته حالة التناقض ما بين مؤقتيته الخاصة والديمومة السرمدية للرب ~~الموجود. # ومن ثم، وجد أوغسطينوس الغاية من استنباطاته في فكرة الموجود الثابت السرمدي الضروري. ~~بطبيعة الحال، كان على دراية تامة بأن الغاية منحها إياه الإيمان؛ فما من ساع وراء الحقيقة ~~يبدأ من دون قناعات عن مكانها وكيفية العثور عليها. ولكن الفهم يظل مسألة استدلال واستنباط ~~فلسفي. وطاب لأوغسطينوس الاقتباس (من نسخة سفر إشعياء اللاتيني القديم): «عليك أن تؤمن كي ~~تفهم!» ولكن، كانت العلاقة بين الإيمان والمنطق بالنسبة إلى أوغسطينوس على خلاف ما أمست ~~عليه بالنسبة إلى علماء العصور الوسطى. لقد اتضح أن فرضيات الحقيقة التي يسعى الفهم إلى ~~تفسيرها مسائل غير متعلقة بالوحي، ولكن بما كان يمكن أن يطلق عليه علماء اللاهوت في العصور ~~الوسطى «اللاهوت الطبيعي»؛ (أي) المسائل المثبتة بالحجة الفلسفية دون قبول نسبتها إلى أي ~~كشف أو وحي محدد. في أطروحته عن الإرادة الحرة، يسعى أوغسطينوس لإثبات أنه من المنطقي ~~القبول بالإيمان بالرب والخلود والحرية والمسئولية الأخلاقية؛ وهي القناعات التي عرفها ~~الفلاسفة الأفلاطونيون وأظهروها دون أن يكون لديهم إنجيل يسترشدون به. # تحوي الأطروحات التي كتبها أوغسطينوس في العقد الرابع من عمره إشارات مرجعية لمسألة ~~الخلود، وفي ذلك المقالة الغامضة نوعا ما عن إضفاء الصبغة الأفلاطونية على الجدلية فيما ~~يختص ب «خلود الروح» (وهو العمل الذي لم ينسب إليه هو نفسه مكانة عالية إذ اطلع عليه ~~مجددا في فترة لاحقة من حياته). كانت فكرة الموت حاضرة غالبا في وعيه، وخاصة كلما حصد ~~أرواح الأصدقاء أو الشباب المرضى. لقد وصف حياة البشر بأنها سباق نحو الموت (مدينة الله)؛ ~~وعلى المرء ألا يبدأ كل يوم يحياه «راضيا بأنه صمد ليوم آخر، بل بندم على أن يوما آخر ~~من الفترة المخصصة له على الأرض ضاع إلى الأبد.» وأخيرا، فإن إيمانه بأن الموت ليس النهاية ~~لم يعتمد على الجدلية الأفلاطونية، بل على الإيمان بالمسيح القائم (الثالوث). ms040 # الفصل الرابع # | مجتمع فلسفي # بحلول خريف عام 388، وبعد القداس الذي أقيم على روح مونيكا في أوستيا، عاد أوغسطينوس إلى ~~موطنه أفريقيا (التي لم يغادرها قط بعد ذلك)، واستقر في مدينته الأم طاغست بغية إجراء ~~تجربة على الاعتزال التقشفي مع القديس أليبيوس وغيره من الأصدقاء. التقى الجمع العلماني ~~بانتظام لأداء الصلاة اليومية ولتلاوة سفر المزامير. (لا يسعنا التأكيد بما يكفي على أهمية ~~سفر المزامير لروحانية أوغسطينوس؛ فقد ثبت أن اقتباسات الترانيم محورية لبنية «الاعترافات» ~~نفسها.) وفيما بين الساعات التي كرسوا أنفسهم فيها للتنسك والعبادة، ناقشوا شيشرون والقديس ~~بولس والأفكار الأفلاطونية. كان الجمع الأكثر طمأنينة، تأمليا في روحه، وأكاديميا نوعا ~~ما، ومعتمدا على أوغسطينوس باعتباره القائد المعترف به الذي يقدم أجوبة عن الأسئلة التي ~~تثار في النقاشات. وتم تداول هذه الأجوبة كتابة، وجمعت لاحقا في كتاب شهير بعنوان ~~«حول 83 مسألة مختلفة». وتشمل المسألة السادسة والأربعون بيانا مهما عن نظرية الأفكار ~~لأفلاطون يصون التوحيد الإنجيلي بزعمه أن المسلمات هي «أفكار في عقل الرب». لم يكن الجمع ~~الطاغستي يسمى ديرا، وتقاسم «مجتمع الأخوة»، كما أطلقوا عليه، الممتلكات وعاشوا عيشة ~~بسيطة مقتصدة، لكن لم تكن لديهم عهود رسمية ولا ملابس متطابقة، ولا قاعدة محددة أو شرط معين ~~للطاعة، وكانوا أكثر ثقافة من أغلب مجتمعات الرهبان اللاحقة عليهم. لقد كان هذا فعليا أول ~~مجتمع رهباني في أفريقيا اللاتينية. # في هذا المجتمع العلماني، عاش أوغسطينوس عامين ونصف العام، وكانت فترة مثمرة لكتاباته. ~~ولقد ميز التحول التدريجي من تدريس العلوم الحرة إلى الانخراط الجاد في علم اللاهوت ~~كتبه الستة «عن الموسيقى». وقد خصص خمسة من الكتب الستة للنقاش التقني المتعلق بالوزن ~~الشعري والإيقاع. وكانت نيته لاحقا أن يستمر في دراساته بمناقشة الجوانب النظرية للنغم، ~~لكنه لم يكتب هذه المناقشة قط، وترك هذا المجال مفتوحا للفيلسوف بوئثيوس بعدها ب 120 ~~عاما. (لم يكن التأليف العملي للموسيقى مسعى مناسبا للمفكر والنبيل في القدم؛ فقد تركت ~~تلك المهمة للرعاع من الرجال والنساء الذين يستعان بهم لتسلية النبلاء بعد العشاء). # والكتاب ms041 السادس عن الموسيقى له طبيعة مختلفة، وكان يتمتع بشيء من التداول المستقل. كان ~~هذا الكتاب إعادة صياغة أوغسطينوس لإيمان أفلاطون بأن المبادئ الرياضية تكمن وراء كل شيء في ~~الكون، وأنها الدلائل الأساسية لنظامه القدري. ولا سيما في محاورة طيماوس، درس أفلاطون ~~أن بنية الروح نفسها تتحدد بنسب مرتبطة مباشرة بنسب الفواصل الزمنية في الموسيقى؛ على سبيل ~~المثال، النغمة الثمانية تقع في الفاصل ما بين 2 و1، والنغمة الخماسية ما بين 3 و2، ~~والرباعية ما بين 4 و3، والنغمة الكاملة تستقر ما بين 9 و8. وحقيقة الأمر أن النسب نفسها ~~تحكم المسافات بين الكواكب. # ويذكر أوغسطينوس أكثر من مرة أنه كان سريع التأثر بصوت الموسيقى؛ ففي ميلانو، حيث اعتاد ~~في بداية الأمر على زيارة الكاتدرائية ليبدي إعجابه بالمهارة الخطابية لأمبروسيوس، لم يجد ~~نفسه منبهرا وحسب بمحتوى النقاشات، بل كذلك بإنشاد المزامير. كان يعلم أن الموسيقى ~~المناسبة قادرة على استحضار معنى الكلمات في القلب. عندما كان شابا يافعا، وجد أوغسطينوس ~~الموسيقى لا غنى عنها للحياة كمصدر للسلوان. وعندما بلغ رشده، لم يكن لديه الوقت الكافي ~~لذلك على أي حال، لكنه ظل مقتنعا بأطروحة أفلاطون القائلة بأن ثمة «تناغما خفيا» ~~(الاعترافات، الكتاب العاشر) ما بين الموسيقى والروح. وما من فن آخر يستبعد على الأقل ~~أربعا من الحواس الخمس، ومحكوم إلى هذا الحد بمبادئ الرياضيات. أي قوة يملكها العقل أكثر ~~إدهاشا من قدرته على تذكر الموسيقى دون أن يسمع فعلا أية أصوات حقيقية؟ بدت هذه الملاحظة ~~لأوغسطينوس دليلا صارخا على سمو الروح بالنسبة إلى الجسد. # لقد تركت دراسة تحليل أفلوطين لطبيعة الجمال (الجزء الأول) أثرا عميقا؛ فقد ذهل ~~أوغسطينوس بفعل تغلغل النظام الرياضي في الكون، وكانت هذه فكرة بارزة في محاورات ~~كاسيكاسيوم. وهنالك كان دفاعه عن العناية الإلهية في مادته جماليا وأفلوطينيا؛ أي إن ~~جلاء وعتمة النور والظلام يساهمان في جمال الكل. لكن هذا الجمال ليس وحسب شعورا ذاتيا، ~~بل هو راسخ في الأرقام. فهناك دقة لا في البيئة العديمة الحياة وحسب، بل كذلك ms042 في عمليات ~~الحياة البشرية، كما هو واضح من دراسة الأجنة التي تبين كيف يصل الجنين إلى كل مرحلة ~~متعاقبة من مراحل النمو عند فواصل زمنية ثابتة ودقيقة. أضاف أوغسطينوس أنه علاوة على ذلك ~~يعتمد جمال بناية ما على نسبها الرياضية. ويعتمد تناظر تركيب النوافذ على القياسات؛ ~~ولذا، فالجمال له أساس موضوعي. تمتع الأشياء العين لجمالها، وليس العكس. (كان هذا ~~حكما سيوثقه جزئيا وحسب عندما يتحدث عن حب الرجل للمرأة. وأضاف أوغسطينوس أنه بينما ~~يعد تناظر الجسد البشري وتناسبه قابلين للقياس فعليا بلغة الرياضيات، بشكل يجوز أن ~~يبدو للقارئ الحديث ضربا من الرومانسية غير العادية، «فإن آدم لم يحب حواء لأنها جميلة؛ ~~فحبه لها هو الذي جعلها جميلة»: شروحات المزامير.) # في بعض النصوص، نصادف وجهة النظر الأفلاطونية الحديثة العادية التي مفادها أن الرياضيات ~~محطة انتقالية في الرقي من العالم المادي إلى الميتافيزيقا واللاهوت. كان عليه أن يحذر ~~قراءه من الظن بأنه يعني أن الرياضيات البحتة هي ميتافيزيقا من دون شرط أو قيد. ولا ينبغي ~~أن يفترض المرء أن الهندسة طريقة غامضة تحديدا لتناول اللاهوت (مناجاة النفس). على أي حال، ~~يلاحظ أوغسطينوس على غير المتوقع، أن حفنة لا أكثر من علماء الرياضيات البارعين الذين ~~يعرفهم هم الجديرون فعلا بوصفهم ب «الحكماء» (حرية ~~الاختيار # De libero arbitrio ~~). # لم يرد أوغسطينوس أن يسأل عن علة وجود العالم وحسب، بل كذلك عن كيفية معرفة عقولنا ~~للأشياء سواء عن طريق الحواس الخمس أو بواسطة الكلمات التي هي «علامات». إن الأسئلة ~~التحليلية المتعلقة بوظيفة اللغة يتعين أن تطرح أولا إذا كان المرء يعتزم أن ينطلق منها ~~إلى الأسئلة الوجودية التي تكمن وراءها. إن هذا الاهتمام بالكلمات والمعاني وعلاقتها ~~بالواقع أثاره فيه دوره المتنامي كعالم لاهوت علماني قائم على تفسير خطاب ذاتي مقدس عبر ~~«كلمة الرب». لقد كان حساسا جدا تجاه حقيقة أن قسما كبيرا من اللغة الدينية كان ~~مجازيا أو غير مباشر؛ فما قد يفسره غير المتأملين، سواء المؤمنون أو الكافرون، على اعتبار ~~أنه نثر تقريري بسيط ms043 غالبا ما يكون مزيجا من الاستعارات الخيالية التي تثري الحدس ~~والبصيرة العميقين بدلا من أن تمثل نتيجة استنباط مدروس. كان أوغسطينوس على دراية بأن ~~الطموح الديني يمكن، على الأقل لكثيرين، أن يكون ذا صلة وثيقة بالموسيقى. وخلال حياته، كانت ~~الكنائس الكاثوليكية في شمال أفريقيا تتصالح بقدر متزايد مع الفن الصوري، وتبادر ~~بتثبيت جداريات تصور المسيح والعذراء وبطرس وبولس، رسل العهد القديم، وآدم وحواء (بلباس ~~محتشم)، والتضحية بإسحاق، وغير ذلك من جداريات. شعر بحس الأفلاطوني لديه بالتحفظ تجاه قوة ~~الفن علها تعترض السبيل ما بين الروح والرب بدلا من أن تعمل دوما كجسر من الحواس إلى ~~الروح. لكنه دافع عن الموسيقى الكنسية ضد التطهيريين الذين أرادوا استبعادها بالكامل، وأقر ~~بأنها، على خطورتها المحتملة، وسط طبيعي لمشاعر السمو والتواضع المهيب. # كتب أوغسطينوس أيضا كعلماني في طاغست اثنين من أكثر أعماله أثرا؛ ألا وهما «المعلم» ~~و«حول الدين الحق». # كان عمله «المعلم» بمنزلة تذكار لابنه غير الشرعي البارع أديوداتوس الذي صيغت أفكار ~~أوغسطينوس بالتحاور معه. يختص هذا العمل بكيفية توصيل الحقيقة للبشر، وتبدأ المناقشة ~~بالإجابة البسيطة أننا نوصل الحقيقة للبشر بالكلمات. ولكن هذه الإجابة الساذجة تتعرض بشكل ~~متزايد لنيران النقد؛ فالكلمات مجرد أصوات تستقي أهميتها من العادة والتقليد، لكنها تنقل ~~المعنى وحسب بطريقة متناقضة وبدرجة محدودة. ومعنى اللفظ يتحدد على الأقل بنبرة الصوت أو ~~السياق أو الإيماءات بقدر ما يتحدد بالمقاطع المنطوقة. وتعبير ملامح وجه المتكلم ستفضحه ~~أمام المحيطين به إذا كان ساخرا. وبعض العبارات الاصطلاحية يمكن أن تحمل معنى معاكسا لما ~~تشي به الكلمات في ظاهرها. وإذا وصفت رجلا بأنه محام نزيه فقد لا يعني بضرورة الحال أن ~~هذا هو مقصدك بالضبط من وصفك له. علاوة على ذلك، فالكلمات يمكن استخدامها كذريعة للتستر أو ~~للخداع بغية نقل معلومات مغلوطة. وعلى أي حال، فالكلمات مجرد أصوات مادية، والعقل هو الذي ~~يضفي عليها أهمية. # لا شك أن أوغسطينوس كان آخر من ينكر أن الكلمات مفيدة؛ فالأستاذ البارع جدا في تطويعها ~~كان من المستبعد أن يفكر ms044 أنها لا تلعب دورا. إضافة إلى ذلك، يوظف الإنجيل الكلمات، ~~والطقوس الدينية «كلمات مرئية» (ردا على فاوست)؛ وذلك أن الكلمة والروح هما اللتان تضفيان ~~قوة ومغزى باطنيا على ما كان يمكن أن يكون فعلا طقسيا خارجيا وحسب (معاهدة إنجيل ~~يوحنا). ولكن لا يستتبع ذلك أن الكلمات بحد ذاتها يمكن أن تكون فعالة أو كافية لنقل ~~المعنى بالكامل في الأمور العظيمة الثقل. فالحقيقة تنقل في نهاية المطاف عبر تجربة ~~غير محسوسة وغير مسموعة وعصية على الوصف للتواصل ما بين عقل وآخر؛ وذلك لأن العقل لا يمكن ~~أن يعرفه إلا العقل. # أدت هذه الأطروحة بأن تفكر أوغسطينوس في طبيعة الصلاة؛ فعقول الأصدقاء المقربين ~~يمكنها التواصل بعضها مع بعض دون أن ينبسوا ببنت شفة، وربما حتى دون إيماءة واحدة. والرب ~~المبهم السامي هو أيضا أكثر «استبطانا» من أي شيء يمكن أن نعبر عنه، «عندما نصلي، عادة لا ~~نكاد نعرف معنى الكلمات التي نستخدمها» (مناجاة النفس). وهذا القصور متأصل نوعا ما في ~~حقيقة أن مصطلحاتنا وتقسيماتنا تنتمي إلى خطاب مستخلص من عالم المكان والزمان والتتابع هذا؛ ~~ولذا، فهي تشوش الحقيقة المتعلقة بما هو ثابت وخالد وتحرفها. وهذا القصور نوعا ما ~~علامة على كل الأمور التي تنطوي على شعور عميق (ما من كلمة أمست أكثر تمييزا لأوغسطينوس من ~~«التوق») لدرجة أنها تستقر في مكان عميق جدا لا تصل إليه الكلمات. «لا يستطيع الإنسان ~~أن يقول شيئا عما يعجز عن الشعور به، لكنه يستطيع أن يشعر بما يعجز عن صياغته في كلمات» ~~(العظات، شروحات المزامير). # إن القوة المطلقة للفهم المتبادل ما بين الأصدقاء، بحسب معتقد أوغسطينوس، تعول على ~~المشاركة في المنطق العلوي. ولقد انسجم هذا المعتقد مع لغته السامية العاطفية أحيانا التي ~~يستخدمها لوصف هبة الصداقة. ومشاركة النور المشع من المسيح المعلم تعني أن يمسي المرء ~~متمكنا من إدراك الإيمان المطابق لدى الآخرين. وتحدث أوغسطينوس أحيانا عن الجمع الديني ~~على اعتبار أنه يملك القدرة، التي تتسنى له بالحدس الغامض، على إدراك أشكال أصيلة وغير ~~أصيلة للإيمان. ms045 وحدث نفسه أن «الآذان الكاثوليكية» لم تكن بحاجة عادة إلى قرارات رسمية ~~من المجامع الكنسية لتملي عليها أسس عقيدتها (ردا على رسالتين للبيلاجيين). إن هذا ~~التنوير العقلي إذن قوة أو إحساس بالرشد والتعقل وليس معلومات عن الحقائق. وهو يتغلغل في ~~المستويات الأكثر عمقا للشخصية. لقد علم الاستبطان أوغسطينوس وجود اللاوعي: «يمكنك أن ~~تعرف شيئا لا تدري أنك تعرفه» (الثالوث). # من المعروف أن هناك سلسلة أخرى من النصوص كتب فيها أوغسطينوس عن الأعماق السحيقة للقلب ~~البشري، وعن «هوة» الإنسان. «كل قلب مغلق على كل قلب» (شروحات المزامير). بالنسبة إلى الرب ~~كل دافع معلوم، لكن الأمر خلاف ذلك بالنسبة إلى الإنسان؛ فالإنسان نفسه عميق عمق المحيطات، ~~وشديد العمق (الاعترافات)، والفرد لا يستطيع حتى أن يفهم شخصيته وقلبه (شروحات ~~المزامير). # لقد كان لديه أكثر من اهتمام عادي بالتداخلات المنطقية. لكن اهتمامه فيما يعتبره القارئ ~~الحديث علم نفس متعمقا ساعد على أن يجعله متشككا في الحيل اللغوية البارعة التي يمارسها ~~الجدليون؛ فمذهبهم «افتقر للعمق» (الاعترافات، الكتاب التاسع وفي مواضع أخرى). وإذ كان ~~الدين ذا قيمة عظيمة كتدريب على المنطق من وجهة نظره (واعتبره لا غنى عنه بالنسبة إلى علماء ~~اللاهوت)، فقد كان يمس مستويات أعمق من الشخصية. ولقد تحدث عن الحقيقة الدينية باعتبارها ~~تنويرا داخليا من «الرب شمس الأرواح». ولم يقترح قط أن الأفكار الحقيقية متأصلة في الروح ~~أو كامنة بداخلها، فهي دوما تبدو كهبة الخالق. # وبلفظ «الروح» كان أوغسطينوس يعني العنصر اللامادي الأسمى في الإنسان، والجزء الذي يمثل ~~العقل فيه مجرد وظيفة. واعتبر أوغسطينوس ماهية «الروح» وكيفية خلق الرب لها شيئا يتجاوز ~~المعرفة البشرية. وقد علق ذات مرة فيما يختص بتعميد المواليد (تعليق حرفي على سفر التكوين # De Genesi ad litteram ~~) أنه لقد كان من ~~قبيل التبسيط لو استقت ذرية آدم الأرواح وكذلك الأجساد من أبيها الأول بالوراثة. لكن هذا ~~المذهب (انتقال الروح بالوراثة) الذي يقضي بأن الأرواح تكتسب بالوراثة يحمل في طياته ~~مضامين مادية أكثر على الأقل مما يشعر الأفلاطونيون بالانسجام معه. ms046 وربما كان من المفضل ~~القول بأن الرب يخلق صراحة روحا لكل شخص أثناء خلقه (تجاهل أوغسطينوس الاعتراض على أن ~~الخالق يجب ألا يتجشم عناء لا نهاية له باعتباره اعتراضا سخيفا) أو أن كل الأرواح، وهي ~~وجهة النظر الأكثر أفلاطونية، موجودة في الرب من البداية، وهي إما ترسل وإما تختار أن ~~تأتي وتستوطن الأجساد على الأرض. وكان الفلاسفة الأفلاطونيون الحداثيون مختلفين فيما بينهم ~~حول الإجابة الصحيحة، ولم يقدم الإنجيل ما يسترشدون به. في ذهن أفلاطون، لم يكن بالإمكان ~~استبعاد أي من تلك الخيارات نهائيا. ورفضه التصريح برأي محدد جلب عليه نقدا شديدا ~~من بعض من شعروا أن هذه المسألة ببساطة لا يصح أن تترك معلقة في ظلمات الحيرة. لكن ~~أوغسطينوس ظل على رأيه. # إن عدم الثقة بالنفس فيما يتعلق بقدرة العقول المحدودة على فهم اللامحدود والسرمدي ~~أفضت به إلى استخدام لغة نسبية بقوة عن الرب الذي يتجاوز معرفتنا. وتعليقا على مقدمة ~~إنجيل يوحنا، كتب أوغسطينوس: «لأن يوحنا أوحي إليه، كان قادرا على أن ينطق بشيء. ولو لم ~~يوح إليه، لما كان لينبس ببنت شفة.» وحتى قبول الوحي الإلهي بوساطة من الإنجيل جعل القول ~~بأن هذا الوحي ملائم للقدرة المتواضعة للمتلقي ومعبر عنه بالصور قولا غير مؤهل ~~(الاعترافات، الكتاب الثالث عشر). في عبارة واحدة صريحة، أعلن أوغسطينوس أن هذا المبدأ ~~لا بد أنه أقل من المقبول بالنسبة إلى الرب «إذا كان باستطاعتك فهمه» (العظات)، أو، وهو ~~الأمر الذي ينطوي على مفارقة، «من الأفضل أن تجد الرب بألا تجده [أي بإدراك أنه يتجاوز ~~قدرتك على الفهم والاستيعاب] عن أن يستقر رأيك على ألا تجده» (الاعترافات، الكتاب الأول). ~~إن سببية النعمة دائما ما تتجاوز فهم البشر (حول ~~الروح والحرف # De spiritu et littera ~~). ومع ذلك، فإن اللاأدرية المهولة لهذه المقولات لم تتراجع ~~وتستحيل شكا، وكان أوغسطينوس يعلم أن هناك درجات لانعدام الكفاية. # واجه أوغسطينوس الأكاديميين المشككين في احتمالية اليقين كرجل كان في فترة من الفترات ~~واحدا منهم. طاب لهم القول بأن المرء يستحيل أن ms047 يصل للحقيقة، بل جل ما يستطيع أن يبلغه ~~محض احتمال أو تقريب؛ شيء أشبه بالحقيقة. وظن أوغسطينوس أنه إذا استطاع القول بأن ثمة ~~مقترحا ما يشبه الحقيقة، فلا بد أن هناك حقيقة يحكم المرء بناء عليها أن ذلك المقترح ~~يشبهها. ولقد أكد كثيرا على حجة غالبا ما كان يكررها، وأمست، في سياق آخر، ذات أهمية ~~كبيرة لديكارت في القرن السابع عشر: «أنا أفكر، إذن أنا موجود؛ حتى وإن كنت مخطئا، فأنا ~~موجود.» إن الشخص الذي يشكك يجب أن يكون على الأقل واثقا تمام الثقة بوجوده الشخصي، وإلا ~~لما كان في موقف يسمح له بالشك. ولذا، فإن تعليق الحكم ليس موقفا محكما أو ~~عقلانيا. # قد نلاحظ بشكل عابر أن أوغسطينوس، على العكس من ديكارت، لم يحتج بأن اليقين موجود ~~حصريا في الحالة الذاتية للعقل الشكاك؛ فهو لم يكن بحاجة، شأن ديكارت، لأن يجعل تفكيره ~~الأساس الوحيد للمعرفة. لكن صحيح أنه اعتبر الحقائق المحضة للرياضيات مؤكدة عن أي إدراكات ~~حسية للحواس الخمس. # أسهب أوغسطينوس في حجته بقدر أكبر - في اتجاه أفلاطوني - إذ ألمح إلى أن هناك قدرة لدى ~~العقل لمعرفة الحقائق بطريقة أهم بمراحل من سيل الأحاسيس والإدراكات النابع من الجسد. ولذا، ~~إذا كان شيء ما غير قابل للنقاش، فالواقع أن ثمة حقائق يمكن معرفتها. العقل يصبو للحقيقة، ~~وما من أحد يتحمل أن يتعرض للخداع (الاعترافات، الكتاب العاشر؛ العظات؛ ~~العقيدة المسيحية # De doctrina christiana ~~). وما من أحد يمكن أن ~~ينعم بالسعادة إذا كان يرغب في الحقيقة بشدة لكنه لا يستطيع أن ينالها. لكن هذا الاقتراح ~~الأخير عدله أوغسطينوس تحت ضغط اعتبار ديني؛ ففي الحقيقة الدينية، لا تمثل المعرفة ملكية ~~ثابتة للعارف، لكنها علاقة لا تفتأ تتنامى بالرب. وكل شخص يسعى وراء الحقيقة سيجد لديه الرب ~~إلى جواره يشد من أزره، وهذا بحد ذاته يكفي لنيل السعادة حتى من دون الفهم الكامل ~~للحقيقة الجاري السعي وراءها (عن الحياة السعيدة). والاستمتاع بالرب «رضا لا يشبع منه ~~الإنسان» (العظات). في عدد من النصوص، يبني أوغسطينوس ms048 سلما يرتقي عليه يشتمل على سبع ~~درجات لتطور الروح في نضج الفهم (حول الدين الحق؛ كمية النفوس # De quantitate animae ~~؛ العقيدة المسيحية). # لم يظن أوغسطينوس أن هناك معرفة لا يلعب فيها العقل العارف دورا كبيرا. فمن ناحية، ما ~~من شيء يعرف ما لم تكن هناك رغبة داخلية للعقل تنتقل به إلى الرغبة في الفهم. ولا يسعنا ~~أن نحب ما لا يعرف عنه شيء. لكن هذه البديهية تفترض مسبقا أن المرء لديه بالفعل فكرة ~~عن الموضوع الذي يثير فضوله. «من العناصر المهمة في عملية الكشف أن تطرح السؤال الصحيح وأن ~~تكون على دراية بما تود أن تكتشفه » (مقدمة «أسئلة عن التوراة» # Quaestiones de Heptateucho ~~). ولقد استخدم لغة أفلاطونية تعبيرا عن العملية ~~التعليمية؛ فهي استدعاء لقدرة - معرفة نوعا ما - موجودة بالفعل. # شارك أوغسطينوس أفلوطين في بغضه لفكرة أن الشيء المعروف متمايز بالكامل عن الذات العارفة ~~وخارج عنها لدرجة أنه في فعل المعرفة لا يوجد عنصر شخصي مهم. يرتبط عنصر الوعي بالذات ~~بمعرفتنا بالعالم الخارجي، والذات الشخصية لا يجوز استبعادها؛ فإذا كنت تعرف شيئا، فأنت ~~تعرف أيضا أنك أنت الذي يعرف ذاك الشيء؛ ولذا، فإن فكرة أن الفهم يتطلب حبا كي يحقق ~~غايته تمتزج من هذا الطريق مع علم اللاهوت. عبر أوغسطينوس عن هذه الفكرة على النحو ~~التالي: كل البحث والتقصي في مسألة كيفية معرفتنا للرب تتلخص في السؤال التالي: «ما مفهومنا ~~للحب؟» (الثالوث). إن حب الخالق كامن في عقل المخلوقات العاقلة وإرادتهم (الثالوث). «إننا ~~نقترب إلى الرب لا بالمسير بل بالحب.» «ليست أقدامنا هي التي تقربنا إليه بل طبيعتنا ~~الأخلاقية. ولا يتم تقييم الطبيعة الأخلاقية بما يعرفه الإنسان بل بما يحبه» ~~(الرسائل). # وعلى ذلك، فالمسار السلبي الذي يحيط فكرة الرب بصفات سلبية حصرا ليس السبيل الوحيد. لا ~~شك أننا نستطيع أن ننفي عن الرب ما ليس من ماهيته أكثر من قدرتنا على تحديد ماهيته (شروحات ~~المزامير). لكن، على الأقل جهلنا جهل مطلع (الرسائل). ولغة المؤمن تتذبذب ما بين الثقة ~~والاستحياء. هنا نسب ms049 أوغسطينوس مفارقة لنفسه عثر عليها في أعمال فرفوريوس. إن التدبر في ~~الرب تجربة تتجاوز التفكير، «وهذه الأشياء بطريقة ما تعرف من طريق عدم المعرفة؛ لذا، وبهذا ~~النوع من عدم المعرفة، يدرك غموضها» (مدينة الله؛ الاعترافات، الكتاب الثاني عشر). # ألف أوغسطينوس أطروحة «حول الدين الحق» لأجل رومانيانوس، صاحب العقارات الثري بمدينة ~~طاغست الذي سبق أن كان مصدر التمويل الأساسي لتعليم أوغسطينوس، وهداه الأخير في شبابه إلى ~~المانوية، وكان على أوغسطينوس أن يهديه مجددا ويعيده إلى الكاثوليكية. وكانت الأطروحة ~~تتمتع بنبرة معادية للمانوية، لكنها كانت مميزة في المقام الأول لاحتوائها على أفكار ~~أفلاطونية حديثة داخل إطار مسيحي وكاثوليكي بقوة. وكانت حجته تفرد الكنيسة الواحدة، ~~«الكنيسة الكاثوليكية» تلك التي تقر وتعترف حتى الطوائف المنافسة بتفردها («سلهم أين ~~الكنيسة الكاثوليكية في مدينة ما؟ حتى هم لن يتجرءوا على دعوتك إلى اجتماعاتهم السرية ~~الخاصة»). وصكوك ملكية هذه الكنيسة الواحدة تكمن في تاريخ مقدس مسجل في الكتاب المقدس. ~~ومذاهبها مثبتة بموجب اتساقها مع المنطق (أي مع الأفلاطونية). # إن الاتساق ما بين العقيدة والمنطق رآه أوغسطينوس في حقيقة أنه إذا استبعد الإقرار ~~بالطقوس الشركية من الأفلاطونية، لكانت تلك الفلسفة قريبة جدا من المسيحية، لدرجة أنه ~~«بتعديل بعض الكلمات والآراء، يمسي كثير من الأفلاطونيين مسيحيين» (حول الدين الحق). من ~~الممكن دمج فكرة الأفلاطونيين الحداثيين عن هرمية الوجود ودفاعهم عن العناية الإلهية بشكل ~~نظامي في الإطار المسيحي، وغاية التقليد الأفلاطوني هي نفسها التي أتاحها المسيح. ولذلك، ~~يعرف محتوى الخلاص بالسعادة، والأمان الداخلي الذي يتأتى بينما تحيد الروح عن الكبر ~~والشغف والكثير من الملهيات، وتسمو نحو الواحد، والعقل المحض وباتجاه الرب الذي نتلاقى معه ~~في تواضع المسيح. لقد ظن أوغسطينوس أن المسيح قادر على أن يجلب الخلاص لأنه الرب ~~والإنسان في شخص واحد. والرب-الإنسان هو السبيل والسلم الذي يمكننا بواسطته الرب ~~من الارتقاء من المؤقت إلى السرمدي. وهو الدرب والغاية في الوقت نفسه، وهو سلم يعقوب. ~~وبمعرفة ابن الإنسان في التاريخ، يجوز أن نفطن لحكمة الرب الخالدة (الثالوث). وهو نموذج ms050 ~~وهبة، وهو قدوتنا وكفارتنا؛ وهو الوسيط الذي لم يكن لدى فرفوريوس حيز له، ولو أنه ~~استضاف عددا كبيرا من الوسطاء الآخرين الأدنى منزلة والأقل شأنا. في البداية، يبدأ ~~المؤمنون بنموذج المسيح الإنسان الذي كلمته بمنزلة «غذاء الروح»؛ لكن المسيح يرفع إلى ~~مستواه الحقيقي كل من يطيعه ويضع ثقته فيه (الاعترافات، الكتاب السابع). يصف الكثير من ~~نصوص أوغسطينوس بجرأة الخلاص ب «التأليه»، وهي كلمة مشتركة أكثر شيوعا لدى علماء اللاهوت ~~اليونانيين من اللاهوتيين اللاتينيين القدماء. لكن اللغة غالبا ما تكون مقيدة: «فأن ~~تكون الرب شيء وأن تشارك فيه شيء آخر» (مدينة الله). ولا يمكننا الجزم بأننا «في الحياة ~~الأخرى سنتغير ونتحول إلى مادة الرب ونصبح مطابقين له، كما يزعم البعض» (حول الطبيعة والنعمة الإلهية # De natura et gratia ~~). والمقصود أننا ~~«نتحد مع الرب بالحب» (حول أخلاق الكنيسة ~~الكاثوليكية وأخلاق المانويين # De moribus ecclesiae catholicae et de moribus # Manichaeorum ~~). # لم يسع بعض معاصري أوغسطينوس ممن فقدوا كل إيمانهم بالأرباب القديمة وراء أي بديل لها ~~بالتطلع إلى المسيحية. ووصفهم أوغسطينوس بأنهم ينكرون كل الأديان على اعتبار أنها مجرد ~~خرافات آسرة، وأرادوا أن يشددوا على حرية الفرد وسيادته كربان لروحه في رحلته في بحر ~~الإيمان. وكان تعليق أوغسطينوس (الذي كان قاسيا أكثر منه صحيحا) أن التأكيد على الاستقلال ~~الرائع سيكون أكثر إبهارا لو لم ينته المطاف بالذين يزعمون أنهم تخلصوا من أصفاد كل ~~الأديان إلى أن يجدوا أنفسهم في الأسر. وقد تتمثل عبوديتهم الأنانية في الإمتاع والراحة ~~الجسديتين، أو الطموح المحض للسلطة والثروة، أو - في حالة النخبة المثقفة - السعي اللانهائي ~~وراء تلك المعرفة الدنيوية التي لا تنعقد الآمال قط على أن تكون أكثر من مجرد كونها ~~نسبية، والتي تميل إلى التذوق الفني. (أثرت الأفلاطونية أيضا التي لم تشجع أوغسطينوس ~~كثيرا على الاهتمام بالعلوم الطبيعية فيه واصطدمت بفكرة أرسطو القائلة بأنه يجوز السعي ~~وراء المعرفة لذاتها. لقد اعتبر أنه من البديهيات أن تكمن المهام الرئيسية للفلسفة في ~~المنطق والأخلاق.) «يكون الإنسان أسيرا للشيء الذي يأمل ms051 أن يجلب له السعادة» (حول الدين ~~الحق). والتوق لسعادة حقيقية هي النقطة التي يكتشف عندها الإنسان الرب بداخله (يلاحظ ~~المرء هنا الامتزاج ما بين محاورة هورتنسيوس وفرفوريوس). «لا تخرج عن ذاتك»، ولو حتى بالنظر ~~إلى العالم الخارجي بكماله الرياضي؛ ولكن عد إلى شخصيتك الخاصة. إن العقل مرآة تعكس ~~الحقيقة المقدسة، لكنه متقلب؛ ولذا، «تجاوز ذاتك» واسع وراء أساس ثابت وسرمدي للوجود ~~كله، وحينئذ ستكتشف أن «خدمة الرب هي الحرية المثالية» (حول الدين الحق). # ويتقاطع مع نزوع الأطروحة إلى ما هو عمومي في الطبيعة وفي المنطق فكرة مختلفة كليا؛ ~~ألا وهي التأكيد على الغاية المقدسة في التاريخ. وتختزل هذه الفكرة في النقائض الإنجليزية ~~بين الحنطة والزوان، والعجوز والشاب، والخارجي والباطني. هناك «نوعان من الناس». إن هذه ~~الازدواجية تتناول الوجود الغامض، في مجتمع مغترب وعلماني، لأناس ربانيين مستترين. وبهذه ~~الطريقة، أمسى التباين الأفلاطوني ما بين الحس والعقل مندمجا مع الفكرة الرئيسية المستخلصة ~~في نهاية المطاف من سفر الرؤية الإنجيلي. وهذه الفقرة (حول الدين الحق) هي أول ذكر ~~لفكرة سيشدد عليها أوغسطينوس إلى أقصى حد ممكن لاحقا. بعد عشر سنوات، أمسى نوعا ~~الناس «حبين» ومدينتين، بابل والقدس. وبعدها بأكثر من عشرين عاما، أمسى مذهب المدينتين ~~أساسا لواحدة من أعظم أعمال أوغسطينوس؛ ألا وهو «مدينة الله». # كان هناك خلاف بين الباحثين حول المصدر أو الحافز الذي جعل تلك الفكرة مهمة لأوغسطينوس. ~~أكانت بقايا الازدواجية المانوية بصراعها الكوني ما بين النور والظلام وما بين الرب وأمير ~~الظلام؟ ثمة بديل بدا أكثر معقولية بكثير لأغلب العلماء؛ ألا وهو الانطباع العميق الذي تركه ~~على أوغسطينوس تايكونيوس اللاهوتي المحسوب على الدوناتيين الانشقاقيين الذين انشقوا ~~عن زملائه إذ آمنوا بأن الكنيسة الحقة يجب أن تكون عالمية. ولقد قربته أفكاره جدا من ~~الكاثوليكيين المكروهين لدرجة أنه حرم كنسيا. ولم ينضم إلى المجتمع الكاثوليكي لأسباب ~~لا يمكن إلا أن نستنبطها؛ على سبيل المثال، أن التحول في الولاء الفردي يمكن أن يعوق ~~التقارب المؤسسي. ألف تايكونيوس «كتاب القواعد» - لا يزال باقيا - لتفسير ms052 الكتاب ~~المقدس، كما ألف مقالا يعلق فيه على رؤيا يوحنا تدلل الشذرات المتبقية منه على أن ~~التباين ما بين مدينتي بابل والقدس كان مهما بالنسبة إليه. # لكن الاهتمام الكبير برؤيا يوحنا لم يكن قاصرا على المنشقين الدوناتيين، بل كان شائعا ~~بين المسيحيين الأفارقة عموما. # الفصل الخامس # | المشوار المهني # في المجتمع العلماني في طاغست، اكتشف أوغسطينوس أنه عاجز عن حل مشكلاته. وفي مرحلة ما، ~~فكر جديا في الانسحاب إلى معتزل مهجور، لكن هذا لم يحدث قط؛ ففي أوائل عام 391، وخلال ~~زيارة لميناء هيبو ريجيوس على بعد 45 ميلا من طاغست، رسم كاهنا بأبرشية كاثوليكية ~~(وقتها كان أغلب المسيحيين في هيبو محسوبين على الطائفة الدوناتية). وانتهت جهوده التأملية ~~على حين غرة، لكنه لم يستطع أن يرفض. جلس وإنجيله في يده ليجهز نفسه لنداء باطني شعر أنه ~~غير مؤهل له من حيث المزاج والهوى والحالة الصحية. لقد أراد أن يكون ناسكا، لا قسا ~~مدنيا منشغلا ومنزعجا بسبب أشخاص غير عقلانيين. سمح له القسيس العجوز الذي رسمه بحل ~~وسط؛ ففي بستان إلى جوار كنيسة هيبو، بنى لنفسه ديرا. وهناك جاء نفر قليل من رجال الدين ~~المسنين والمتقاعدين ليعيشوا معه، ولكن في الأساس تكون المجتمع من إخوان علمانيين ~~قاموا بشئون البيت؛ إما بالاضطلاع بأعمال يدوية وإما بالعمل ككتبة لصالح التجار على ~~الضفة. أنشد إخوان هيبو، الذين كانوا أقل ثقافة من الطائفة العلمانية في طاغست التي ~~انحلت عراها فور رحيل أوغسطينوس؛ سفر المزامير والترانيم الإنجيلية (كانت الأناشيد ~~المؤلفة من ألفاظ ليست من الكتاب المقدس لا يجاز استخدامها إلا فيما ندر في الطقوس ~~الكاثوليكية في أفريقيا، فقد كانت عادة دوناتية). ورغم أن الأمر لم يكن يتطلب منهم أن ~~يقطعوا على أنفسهم عهدا بالفاقة، فقد استسلموا جميعا للحاجة فور دخولهم البيت؛ فالفاقة ~~بالنسبة إلى أغلبهم كانت تمثل أمنا اقتصاديا أعظم مما يمكن أن يحصلوا عليه خارج تلك ~~الجدران. كان الخمر مسموحا به للمرضى، واللحم يقدم كلما جاء زائرون. وفور دخولهم ~~كانوا يرتدون رسميا زيا رهبانيا كما هي العادة، ms053 ويعتمرون قبعة تجعل من الصعب تمييزهم ~~في الشارع. وكان عليهم أن يعتادوا على رثاء الجماهير لحالهم؛ تلك الجماهير التي كانت عائدة ~~من قاعدة الموسيقى أو من المسرح المدرج. أكد أوغسطينوس على جوهر المادة في ملاحظته أن ~~حياتهم لا يمكن أن تكون ذات أهمية إلا في ضوء القيم الأخروية (العظات). «إن الذي لا يفكر في ~~الحياة الآخرة، والذي يعتنق المسيحية لأي سبب آخر بخلاف الوعود المطلقة للرب ليس مسيحيا ~~بعد» (العظات). وسرعان ما أقيم أيضا دير للراهبات أشرفت عليه أخت أوغسطينوس ~~الأرملة. # اكتشف أوغسطينوس أن الناس جلبوا مشكلاتهم القديمة معهم متى التحقوا بالدير. وسرعان ما ~~أثبتت التجربة أن الذين يعانون من نقائض في شخصياتهم، أو ضعف أمام الخمر، أو ميل للبخل ~~والجشع ، أو غير ذلك من الخصال السلبية؛ لم يتركوا تلك النقائص وراء ظهورهم فور امتهان ~~مهنتهم المقدسة وإعلانهم عن اعتزام الزهد والتقشف. استدعى ذلك لدى أوغسطينوس الملاحظة ~~المؤسفة أنه في كل مهنة وفي كل صنعة مخادعون (شروحات المزامير). كان ينوي أن يكون ديره ~~معتركا لجنود المسيح المتمركزين في المقدمة، وكثير من رهبانه خرجوا بالفعل لخدمة ~~الأساقفة. لكن دير هيبو كان أيضا مشفى لبعض الحالات غير السوية الصارخة ومصابي ~~الحياة. # وضع أوغسطينوس قاعدة لديره (الرسائل) ما برحت باقية في نسختين مميزتين؛ الأولى نسخة ~~مخصصة للأخوات في دير الراهبات، والثانية نسخة ذكورية لدير الرهبان. بداية من منتصف ~~القرن الحادي عشر، استعين بالنسخة الثانية كأساس لطوائف أوستن أو الشرائع العادية، وهي ~~الدرجة الكهنوتية التي ما زالت مستمرة إلى الآن. والقاعدة موجزة على نحو لافت، وكذلك جديرة ~~بالذكر نظرا لخلوها من التشديد على الدافع التكفيري. وكان نموذجه ل «فقراء المسيح» يتمثل ~~في الهدوء التأملي الممزوج بالتدبر وضبط النفس، ولكن دون كراهية النفس وكبت كل المشاعر ~~الطبيعية، وبعيدا تماما عن المخاطرة بصحة البدن. # شكل 5-1: صورة جوية لأطلال كنيسة القديس أوغسطينوس بمدينة هيبو. # لم تكن قواعد الانضباط تفرض بشكل عارض. لقد سمعنا (مرة واحدة فقط) عن عقوبة جسمانية ~~نزلت بواحد من الرهبان الشباب بعد أن ms054 ضبط وهو يتبادل أطراف الحديث مع الراهبات في «ساعة ~~غير ملائمة». كانت رسالة أوغسطينوس أنه ما دام لا توجد لدينا مدينة باقية، فلنسافر بلا ~~أمتعة. ورغم ذلك، فإن نموذجه، كممارسته الشخصية ~~الخاصة (التي لدينا لها وصف من شاهد عيان، وهو ~~كاتب سيرته الذاتية المعاصر له بوسيديوس، الذي عاش معه في هيبو قبل أن يمسي أسقفا للمدينة ~~التالية كالاما)، يتسم ببصمة التقشف الشديد. كان طوال الوقت مشككا في الحواس باعتبارها ~~عائقا أمام ارتقاء الروح إلى الرب، وظن أن المؤمن يجب أن يكون حذرا طوال الوقت من ~~التراخي الغادر. وكثير من الفقرات في أعمال أوغسطينوس تحذر القراء من حقيقة أن الأثر ~~المفسد والمدمر للعادة الأثيمة يبدأ ب «أشياء بسيطة». وفي «الاعترافات» (الكتاب التاسع)، ~~أشار كذلك إلى الطريقة التي اكتسبت بها أمه مونيكا في شبابه عادة احتساء الخمر في قبو ~~العائلة حتى كادت تمسي مدمنة. علاوة على ذلك، فإن إثما واحدا يمكن أن يفضي إلى غيره من ~~الآثام. والمرء يكذب الكذبة الجسيمة ليغطي على هفوة بسيطة. والقاتل الذي يشهد جريمته شخص ~~آخر سيتعين عليه أن يقتل الشاهد أيضا إن أراد ألا يفضح أمره (شروحات المزامير). وحبات ~~الرمل الصغيرة يمكن أن يبلغ وزنها وزن الرصاص (العظات). # لقد انبثقت الحركة والمؤسسات التقشفية في القرن الرابع من واحدة من تلك الأشواق العميقة ~~للطموح البشري التي يسهل وصفها أكثر بكثير من تفسيرها. والمبدأ التقشفي قديم قدم ~~المسيحية (متى 19: 12؛ رسالة إلى أهل كورنثوس). علاوة على ذلك، تحدث فلاسفة جادون ~~من العالم القديم بالإجماع عن الانغماس الذاتي في الشهوات باعتباره مصدرا للبؤس، وكان ~~أبلغهم حديثا على الإطلاق الفيلسوف المتعي النظري أبيقور. وحض الرواقيون بشدة على ~~الحاجة لكبت الانفعالات والرغبة في الثراء والمقامات الرفيعة وكل السلع الزائلة التي ~~يمكن أن يستولي عليها الإنسان من مالكها. في التقليد الأفلاطوني، شجع التباين الشديد ما ~~بين الروح والجسد باعتبارهما ينتميان إلى عالمين مختلفين أصلا على ازدراء الأشياء ~~الدنيوية. كان الأفلاطونيون الجدد الوثنيون بالكاد أقل نزوعا إلى التقشف من معاصريهم ~~المسيحيين، وكان لديهم رجال ms055 الدين خاصتهم، وهم أشخاص ملهمون يتمتعون بقوى التمييز الأخلاقي ~~المدعومة ببساطة نظرتهم المقتصدة وبنبذهم منظومة الزواج. # بالمقارنة بأفلوطين وفرفوريوس، تكلم أوغسطينوس بإيجابية أكبر عن فضائل المهن العلمانية في ~~العالم. وفي «أسئلة حول الأناجيل» قال إن المسيحيين يستطيعون القيام بأمور العالم العلماني ~~«والحفاظ على عجلة التجارة العالمية دائرة بطرق يمكن تسخيرها لخدمة الرب.» ولقد أكد بقوة ~~على أن المسيحي الذي سنحت له الفرصة لأن يصبح قاضيا كان عليه واجبا أن يفعل ذلك (مدينة ~~الله). # ورغم ذلك، لم يخب عزمه التقشفي على الإطلاق. وكان الذين يصبحون رهبانا وراهبات ثم ~~يتركون الدير طمعا في الحياة التي تنتظرهم خلف جدران الدير يمثلون خيبة أمل كبيرة ~~بالنسبة إليه. وظن أن الرهبان الأسبقين مرشحون غير ملائمين بالمرة لجميع الدرجات الكهنوتية ~~المقدسة. ثمة أرملة أقسمت أنها إن شفيت ابنتها من السقم الذي ألم بها، فسترتدي الفتاة ~~الحجاب وتمسي راهبة. وعندما شفاها الرب، سألت الأم إن كان من الممكن أن تتحلل الفتاة من أي ~~واجب، وإن كان العهد الذي أخذته على نفسها بالتزام الترمل يمكن أن يقبل بدلا من العهد ~~الخاص بابنتها. وظن أوغسطينوس أنه يجب أن تبر بعهدها؛ أي إن واجب الأم أن تقنع ابنتها ~~بأن تصبح راهبة؛ وذلك لأنه إذا لم تفعل الفتاة، ورغم أنها لن تقصي نفسها بذلك عن مملكة ~~السماء، فإن ثوابها في الحياة الآخرة لا شك سينقص. # اعتبر أوغسطينوس أن توبة القلب جزء من النمط المنتظم للحياة الروحانية الأصيلة كلها. ~~وينبغي أن يقبل المؤمنون الاقتصاد الشديد كشكل من أشكال الانضباط الذاتي (لم يتكلم ~~أوغسطينوس عن مظاهر التقشف تلك على اعتبار أنها مفروضة من قبل رجال الدين). لقد كان التدخل ~~من قبل السلطة ضروريا في حالة الآثام الجسيمة جدا كالزنا والقتل وتدنيس المقدسات. ومن ~~بين تلك الآثام، كان الزنا المشكلة الأكثر شيوعا على الإطلاق في مجتمعه، وكان يقتضي ~~حرمانا من القربان المقدس وأن يحتل المذنب مقعده في جزء خاص من مبنى الكنيسة مخصص ~~للتائبين. وكان غفران الخطايا والتغاضي عنها هبة المسيح وحده، بحسب اعتقاد ms056 أوغسطينوس ~~(الثالوث)؛ فالمسيح هو الذي أوكل إلى كنيسته سلطة المفاتيح التي بموجبها، شريطة الإيمان، ~~يمكن أن يغفر للمؤمنين (العقيدة المسيحية). وكان التائبون يقبلون بهيبة في جمعة الآلام في ~~حضرة المؤمنين المجتمعين، واستعدادا لقربان عيد الفصح. ويذكر أوغسطينوس الإرشاد الرعوي ~~وجلسات التعنيف الخاصة للآثمين، لكنه لا يذكر أي نظام متواتر للاعتراف السري للكاهن ~~والغفران الخاص الذي لم يكن ممارسة رعوية على أيامه. وجرى العرف على الترحيب بالآثمين ~~المغفور لهم في القداس بالمسح على رءوسهم بأيدي القساوسة، وقد يكون صف التائبين في جمعة ~~الآلام «طويلا جدا» (العظات). لكن هذه كانت حالات خاصة من الانتكاسات الخطيرة. # أعلن أوغسطينوس ذات مرة (مدينة الله) أنه حتى أفضل المؤمنين وأكثرهم قداسة يعرف أنه في ~~هذه الحياة «قوام استقامتنا يتمثل في غفران الخطايا أكثر منه في كمال الفضائل.» والمؤمن ~~المعمد منصف وآثم في الوقت نفسه (شروحات المزامير؛ الرسائل). بالنسبة إلى أوغسطينوس، ~~عزز اعتراف المؤمن بحاجته المستمرة للغفران والعفو إحساسه القوي بعدمية المخلوق أمام سمو ~~الله. وهنا استخدام أسلوب يتفوق على أسلوب الراهب مارتن لوثر. # يتسق مع هذا النموذج الروحاني توقه التقشفي لتطهير الكنيسة التجريبية من تنازلاتها ~~للعالم. من بين أكثر ما نطق به أوغسطينوس تحذيرا في عظاته ورسائله ما وجهه إلى رجال ~~الدين الجانحين أو الضعفاء الذين تلاعبوا بحسابات خزانة الكنيسة، أو الذين وجدوا أن واجب ~~ضيافتهم يكشف فيهم عن ضعف مهلك أمام الخمر، أو الذين يعانقون النساء البائسات روحانيا ~~عناقا مواسيا ولم تتوقف علاقتهم بهن عند هذا الحد. لقد تسبب له واجب التعنيف والتقريع ~~في الكثير من الألم والإنهاك الداخليين. لكنه كان على يقين من أن الذين ينهالون بالثناء على ~~أسقف ما لأنه يتساهل معهم يمكن أن يكونوا خبثاء (شروحات المزامير). فاتفاق الآخرين على سعة ~~أفقك كان دليلا دامغا على خيانة رسالتك. تكلم أوغسطينوس بنبرة مترددة عن العلمانية داخل ~~مجتمع الكنيسة؛ فمن ناحية، أقر عن طيب خاطر بأنه ما من مؤمن ينال الكمال في هذه الحياة ~~الدنيا، وأن كثيرا من الناس يحيق بهم الضعف والإخفاقات؛ ومن ms057 ناحية أخرى، عندما تكلم عن ~~«المسيحيين اسما» الذين ربما عمدوا لكنهم لم يفتحوا الباب لمنة الله ونعمته في ~~حياتهم، قال أوغسطينوس إنهم ليسوا مؤمنين بحق، ولا ينبغي أن يعتبروا ضمن نخبة الرب وصفوته. ~~وبالمثل، اشتمل منصب الأسقف على رجال دنيويين ومتوسطي الأداء، ولديهم طموحات لمكانة دنيوية ~~وشرف زائل، لكنهم يشبهون عشب الزوان الذي يترك لحين حصاده، وحينها يحرق باعتباره ~~عشبا مؤذيا وغير ذي قيمة. # وإذ كرس أوغسطينوس نفسه بلا قيد ولا شرط لحياة التقشف، فقد اشتاق إلى نشر تلك الحياة في ~~شتى أرجاء الكنائس الأفريقية. لقد أراد ألا يعيش رجال الدين بالمدينة مع عائلاتهم، بل معا ~~في بيت للعبادة. وبطبيعة الحال، لم يتوقع أن يتحول كل المسيحيين إلى رهبان. لكنه لا شك طلب ~~إلى مسيحيين «عاديين» أن يحيوا حياة منضبطة انضباطا شديدا شيمتها الزهد الشديد. لقد ترك ~~المسيح تعاليم ووصايا ضرورية لكل التابعين، لكنها أيضا كانت موجودة في «مشورات» الأناجيل ~~أو توصياتها التي أعطيت للذين ينشدون الكمال ويطمحون لأشياء أسمى. كان المبشرون في ~~الكنائس الأفريقية، وربما في أماكن أخرى، متقشفين عزابا يعيشون في أبسط ظروف حياتية ~~على الإطلاق. وفي عبارة مذهلة، يتكلم أوغسطينوس عنهم واصفا إياهم ب «نيران القداسة والمجد» ~~(الاعترافات، الكتاب الثالث عشر). لكنه كان معارضا بشدة لنزعة معاصرة لدى الراهبين تميل ~~بهم للظن بأن لديهم نداء باطنيا آخر منفصلا تماما بخلاف الكنيسة ككل، وكأنهم يلبون ~~نداء ليخرجوا من الكنيسة لا من العالم الدنيوي. ولقد شعر بقوة أنهم لا ينبغي قط أن ~~يرفضوا دعوة خدمة الأساقفة أو قساوسة الأبرشية حيثما كان هذا هو الدور الذي تريد الكنيسة أن ~~يلعبوه. وكان للراهبات دور اجتماعي خاص فيما يختص برعاية المرضى وإنقاذ اللقطاء. في القدم، ~~كان التخلي عن الأطفال مصيرا شائعا تتعرض له الصغيرات الرضع تحديدا. لكن، كان هناك ~~أيضا الكثير من العائلات الفقيرة فقرا مدقعا، التي كان بالنسبة إليها ميلاد أي طفل آخر ~~بعد الطفلين أو الثلاثة الأوائل بمنزلة كارثة اقتصادية، ولم يكونوا على يقين من قدرتهم على ~~بيع الأطفال الذين ms058 يعجزون عن إطعامهم لتجار الرقيق. كان الأساقفة يتعهدون اللقطاء والأيتام ~~بالرعاية، وكانت خزانة الكنيسة خدمة الرعاية الوحيدة المتاحة لهم، رغم أنها لم تكن كافية، ~~فكانت بذلك مصدر أرق دائم لأوغسطينوس، لكنها أفضل من لا شيء على أقل تقدير. وكان لأخواته ~~دور عملي حيوي يلعبنه. # وتدلل على التوقعات المتنامية خلال النصف الثاني من القرن الرابع بأن رجال الدين لن ~~يتزوجوا أو على الأقل لن يسكنوا مع زوجاتهم؛ نصوص عديدة في كتابات أوغسطينوس. كانت الغاية ~~تقشفية في الأساس، لكنها كانت نوعا ما مرتبطة بالسلطة العليا التي ارتبطت في القدم بمثل ~~هذا النوع من نكران الذات. # لقد جعلت حداثة المجتمع الرهباني كمكون مؤسسي في المنظومة الكاثوليكية الأفريقية ~~والخوف من ماضي أوغسطينوس كثيرين يشكون في أنه يروج لمانوية مستترة، وهو الاتهام الذي ~~واجهه أوغسطينوس طوال حياته في عدة أشكال. خلال السنوات الخمس أو ربما الست التي عمل فيها ~~كاهنا في هيبو، كانت أعماله الأدبية الأساسية مكرسة للجدل المعارض للمانوية. فقد انطلق ~~يدافع أولا عن سلطة سفر التكوين، ومن بعده بادر بالذب عن سلطة الكنيسة. # أثار المانويون أيضا أسئلة أخلاقية حساسة، فقد اشتكوا من مبدأ تعدد الزوجات والأخلاق ~~الانتقامية للبطاركة الإسرائيليين. وردا عليهم، سلم أوغسطينوس بأنه في أزمنة وأمكنة ~~مختلفة يمكن أن يختلف معيار ما هو ملائم أخلاقيا. والمبادئ الأخلاقية لا يجب أن تكون ~~بضرورة الحال مطلقة كما يفترض الناس. كانت القاعدة الذهبية (لا تعامل الآخرين بما تكره أن ~~يعاملك الآخرون به) هي القاعدة المطلقة، وتطبيقها في ظروف مختلفة قد يؤدي إلى إجابات ~~متباينة. علاوة على ذلك، فإن ما يضفي قيمة على الفعل الأخلاقي هو الدافع المستند إليه، ~~والتبعات الأخلاقية للفعل. إن الفعل باعتباره حدثا خارجيا وصريحا قد يكون محايدا بحد ~~ذاته؛ فالجماع فعل رائع وصحيح، بل وواجب إيجابي حقا في سياق معين، بينما نراه خطية في ~~سياق آخر. ومع ذلك، سلم أوغسطينوس بأنه يمكن أن يتخيل ظروفا استثنائية ونادرة جدا ~~قد تغالي فيها كذلك زوجة شبيهة بشخصية فيديليو في أوبرا بتهوفن، بدافع إنقاذ زوجها ms059 الحبيب ~~من الموت، فتضاجع الشخص الذي يضطهد زوجها، فتكون بذلك أقدمت على فعل ينم عن الإخلاص له، ~~وتعاملت معه كوسيلة لإطلاق سراحه. كان القانون الروماني والرأي العام والإنجيل كلهم ضد فكرة ~~ارتداء الرجال لملابس نسائية، ولكن لم يكن أحد ليعترض على ارتدائها على سبيل التخفي للمرور ~~من خطوط العدو، أو لمجرد أن الأحوال المناخية أمست فجأة باردة برودة لاذعة وما من ألبسة ~~أخرى متاحة. يرتبط هذا الموقف بالحكم على صحة الأشياء. وبطبيعة الحال، لم يفترض أوغسطينوس ~~أن المرء يستطيع أن يضع قانونا أخلاقيا عمليا على أساس استثنائي وغير تقليدي. # لقد بدا له أن التمايز ما بين الوسائل والغايات ذو أهمية أساسية؛ فالظلم ينشأ ما إن ~~تعامل الوسائل على أنها غايات، والعكس صحيح (ردا على فاوست). واستطاع أن يطبق هذا ~~التمايز على مفهومه للزمان والتاريخ كسلم ينبغي أن نسعى به إلى الارتقاء للخلود. والسعي ~~وراء الخيرات الزائلة وتجاهل الخير السرمدي، بل والأدهى حتى معاملة الخير السرمدي كأداة ~~لنيل الغاية الدنيوية، فعل غير أخلاقي. وحتى رفقاء الإنسان قد يصبحون مجرد أدوات لتطويره ~~لذاته إذا لم يحترموا على اعتبار أنهم يستحقون «الحب في الله». وغاية الإنسان المطلقة ~~التمتع بالرب للأبد؛ ومن ثم، ترجم أوغسطينوس التمايز ما بين الغايات والوسائل إلى ~~«متعة ومنفعة». # في أخلاقيات أوغسطينوس وعلم النفس لديه كانت الإرادة مفهوما وفكرة محورية. ومن الصعب ~~تعليل عملياتها حقا. ولكن من دون قرار الإرادة أو موافقتها على توجيه الانتباه لمادة ~~بعينها، لا يستطيع المرء أن يدرك شيئا بفهم واستيعاب ولا يحصل أي معرفة علمية ولا ~~يصل إلى مرتبة الإيمان. تكمن الإرادة في جوهر شخصية الفرد. وتتوجه إلى ما تحبه أيا كان. ~~والحب أشبه بقوة جذب تجذب الروح إلى المكان الذي تجنح إليه أيا كان (الاعترافات، الكتاب ~~الثالث عشر). والحب في ماهيته، بحث واستمتاع (العظات). ولذلك، يتعلق السؤال الأخلاقي ~~الموجه للبشرية بموضوع حبنا، أو، بتعبير آخر، الأشياء ذات الأهمية القصوى سواء بالنسبة ~~إلى الفرد أو بالنسبة إلى المجتمع. وتتعلق أغلب انتقادات أوغسطينوس الأخلاقية الموجهة ضد ms060 ~~المجتمع الروماني وحكومته إما بالتشريعات الأكثر عنفا للقانون الجنائي وإما بالطريقة التي ~~ينفق بها الناس أموالهم. # وهنالك تتكشف القيم الأخلاقية أو «موضوعات حب» مجتمع ما أمام الناظرين. # لقد رأى أفلوطين من قبل أوغسطينوس بالفعل علة شر واحدة في فساد الإرادة الرافضة للخيرات ~~«الداخلية» (أي غير المادية) وتفضيل الخيرات الخارجية والدونية. بالنسبة إلى أوغسطينوس، ~~تكمن معضلة الإنسان في أنه عندما يرى ما ينبغي عليه عمله، يجد أن إرادته أضعف من أن تحمله ~~على تنفيذ ما عليه عمله. إن الإرادة حقا مهيأة لاتخاذ القرار، لكن الخيارات المفضلة تميل ~~إلى كل ما هو مريح وممتع أيا كان؛ ومن هنا تنشأ مشكلة طبيعة الإنسان نفسها التي لا تكل ~~ولا تمل في سعيها الدائم عن السعادة في أماكن يتعذر العثور عليها فيها، وهو يعلم أنه ليس ~~سقيم القلب وحسب، بل هو السبب الفعلي في سقمه (الاعترافات، الكتاب العاشر). # الفصل السادس # | الاعترافات # خشي أسقف هيبو العجوز، الذي رسم أوغسطينوس كاهنا، من أن تستقطب أي كنيسة أخرى الأخير ~~ليكون أسقفها؛ ولذلك أقنع رئيس أساقفة نوميديا بأن يرسم أوغسطينوس مساعدا لأسقف هيبو. ولقد ~~أحاط بتعيينه في هذا المنصب (غير التقليدي في الشريعة الكنسية) جدل كبير؛ فمزيج ماضي ~~أوغسطينوس المانوي وبراعته الشديدة ساعد على الارتياب فيه؛ فهيبو ليست بالمدينة التي ~~يطالع أهلها الكتب، ولم تكن نوميديا إقليما تتوقع أبرشياته أن يحتل مقعد الأسقف فيها ~~عبقري (ذكر أوغسطينوس أن الأساقفة الأميين كانوا محط السخرية المفضل لأنصاف المتعلمين: ~~«تلقين غير المتعلمين»). وأثار وجود أوغسطينوس المخاوف؛ فقد كان معروفا بهيبته في تفنيد ~~خصومه في المناظرات العامة. ولم يؤمن البعض إيمانا لا يداخله شك بصدق هدايته في ~~ميلانو. # خلال السنوات الثلاث الأولى له كأسقف، ألف أوغسطينوس تحفته الأدبية «الاعترافات» (وهي ~~الكلمة التي تحمل في طياتها معنيين: الثناء والتوبة). والمؤلف شعري-نثري يقع في ~~ثلاثة عشر كتابا على هيئة رسالة إلى الرب، ويعتبر تعديلا عميقا ل «مناجاة النفس» ~~الأفلاطونية الحديثة التي انخرط فيها أوغسطينوس مع العقل في حوار. وبقدر ما كان يحوي هذا ~~العمل في ms061 طياته غاية جدلية؛ فقد وجهه أوغسطينوس ضد المانويين. وهناك تلميحات سوداوية ~~لنقاد متشددين للتفسير الإنجيلي لأوغسطينوس ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية، لكنه لم ~~يحددهم قط. ولم يكن للدوناتيين الانشقاقيين سوى دور ثانوي جدا في المسرحية كلها. # كتب أوغسطينوس الكتب التسعة الأولى على هيئة سيرة ذاتية وصولا إلى الفترة التي ماتت فيها ~~مونيكا. والكتاب التاسع تحديدا يتناولها ويتناول علاقته بها بقدر ما يتناول تطور عقله. ~~ولا تصف الكتب الأربعة الأخيرة المخاوف الماضية، بل الحاضرة التي خطرت بباله كأسقف ومفسر ~~للكتاب المقدس، وتتألف من تحليلات أفلاطونية حداثية للذاكرة والزمن والخلق، وأخيرا إنجاز ~~عظيم ممثل في تفسير دقيق لسفر التكوين 1، فسر على أنه مجاز عن طبيعة الكنيسة ~~والإنجيل والأسرار المقدسة. وتوضح الأقسام الذاتية الطابع أطروحة ذكرتها مجددا في قالب ~~أكثر لاهوتية الكتب الأربعة الأخيرة؛ ألا وهي أن المخلوق العقلاني انصرف عن الرب بإهماله؛ ~~حيث فضل الأشياء الخارجية ووهم أن السعادة تكمن في الإشباع الجسدي؛ ولذا فإن الروح ~~تهبط إلى ما دون مستواها وتتفكك، كالابن الضال الذي انتهى به الأمر إلى أن يقتات على روث ~~البهائم. لكن في أعمق هاوية للأنا («الذاكرة» هي الكلمة التي يستخدمها أوغسطينوس إشارة إلى ~~أي شيء ليس ضمن قائمة أولويات الفكر)، تستبقي الروح اشتياقا لإعادة الاندماج والكمال. ~~ويتحقق ذلك في حب الرب، ونموذج المسيح كوسيط ومعلن عن ذاك الحب. لقد خلقنا الرب ~~لذاته، والقلب لا يهدأ أبدا حتى يجد راحته فيه. # تقص «الاعترافات» هداية أوغسطينوس إلى المسيحية، ويحكى المشهد الذي وقع في بستان ميلانو ~~بتنوع غني من الأصداء الأدبية. وتثبت المقارنة النقدية بمحاورات كاسيكياكوم التي كتبت ~~لاحقا أن استعادة الأحداث اللاحقة ل «الاعترافات» تطرح قصة موثوقة، رغم أنها مكسوة بكساء ~~شبه شعري. ولأول وهلة نجد أن ثمة تباينا ما بين «الاعترافات» العاصفة الانفعالية والمناخ ~~الاستفساري الهادئ لمحاورات كاسيكياكوم. ولقد لفت أوغسطينوس نفسه الانتباه أولا إلى ~~الفارق في المزاج بين الاثنين، ملاحظا أنه وجد النبرة الحضرية لمحاورات كاسيكياكوم علمانية ~~وأكاديمية في روحها بشكل مبالغ فيه. ومن العبث القول بأن نصوص كاسيكياكوم ms062 أكثر أفلاطونية من ~~«الاعترافات»؛ حيث أثر أفلوطين وفرفوريوس لا يقل انتشارا وتفشيا بشكل واضح. لكن ~~ثلاث عشرة سنة مرت، وأمسى الآن أوغسطينوس مسئولا عن نقل الكلمة والأسرار المقدسة إلى ~~الناس. وتبين «الاعترافات» انشغالا أعمق بالقديس بولس. # بات أوغسطينوس مقتنعا بأن الصراع الأخلاقي الداخلي الوارد في رسالة أهل رومية السابعة ~~لم يكن فحسب تصويرا مجسدا للإنسان الذي لم ينعم بعد بعفو الرب وآلائه، بل كان تصويرا ~~ذاتيا لبولس بعقله المشتت الذي يشبه عقله بشكل استثنائي. لقد أمسى الإنسان، أعظم خلق ~~الرب على الأرض، والمخلوق الذي وهبه الرب ذكاء وقدرات غير عادية للتآزر الاجتماعي؛ ~~غير اجتماعي بفعل الفساد الداخلي (مدينة الله)، وانحراف الإرادة عن جادة الصواب والوقوع ~~اللاحق في أسر عادة خبيثة. في كون يتسم بأسمى درجات النظام والجمال، تبدو الإنسانية ~~وأنانيتها النغمة الشاذة. ويتجلى اعتلال القلب البشري في ذاك الجزء من الثانية من ~~المتعة السرية الفاضحة عندما يعرف الإنسان بأزمة أخيه الإنسان، أو في الرغبة بإتيان ~~شيء محرم لا لأنه ممتع في حد ذاته؛ بل لأنه محرم، وهي الحقيقة التي شدد عليها ~~أوغسطينوس بقصة انحرافه عن جادة الصواب في مراهقته وسرقته للكمثرى، لا لأنه كان يعشقها؛ بل ~~لأن التجربة بالنسبة إليه كانت مغامرة مخالفة للقانون، في إعادة تمثيل لحبة الفاكهة التي ~~اقتطفها آدم وحواء. لقد اعتبر قصته قصة كل البشر. # شكل 6-1: القديس أوغسطينوس في «عالم التباين» من مخطوطة ترجع للقرن الخامس عشر ~~بمكتبة لورينتيان، فلورنسا. # لأول وهلة يبدو هيكل «الاعترافات» محيرا. وبعد تسعة كتب من السيرة الذاتية تصل ذروتها في ~~وصف حساس جدا لوفاة أمه وجنازتها، يربك هذا العمل القارئ غير الخبير؛ إذ يستطرد ~~أوغسطينوس ليتكلم عن الذاكرة والزمن والخلق. وتحمل الكتب الأربعة الأخيرة في حقيقة الأمر ~~مفتاح العمل بأكمله؛ فقد استوعب أوغسطينوس سيرته الذاتية كعالم صغير من عوالم قصة الخلق ~~بأكملها، والسقوط في هوة الفوضى وعدمية الشكل، و«هداية» عالم المخلوقات إلى حب الرب ~~بينما يعايش آلام الحنين إلى الوطن الموجعة. إن ما تصوره الكتب التسعة الأولى في استكشافه ~~الشخصي ms063 لتجربة الابن الضال يكتسب بعدا كونيا في الأجزاء الختامية للعمل بأكمله. وترتبط ~~أجزاء السيرة الذاتية كتمثيل عارض للتشرد الهائم لروح الإنسان في «عالم التباين» (وهي ~~العبارة التي يستخدمها أفلاطون إشارة إلى عالم المادة المنفصل تماما عن العالم ~~الرباني). والرحالة الشارد أشبه بمسافر أنهكه العطش في صحراء لا ماء فيها، أو عاشق ~~يتوق لأن يرى محبوبته البعيدة (شروحات المزامير). # طوال حياته كان أوغسطينوس مهتما بشكل غريب بدراسة سلوك الرضع كمصدر خاص لفهم ~~الطبيعة الإنسانية. وفي «الاعترافات»، انطلق أوغسطينوس يبين أن البشر لا يبدءون حياتهم ~~ببراءة؛ حيث يقتفي أثر سحابة المجد التي تعتم بفعل بيئة الراشدين. فما من مخلوق أكثر ~~أنانية، بحسب ظن أوغسطينوس، من الرضيع في مهده: «إذا كان الرضع لا يلحقون الأذى؛ فذلك ~~لأنهم يفتقرون للقوة لا للإرادة» (الاعترافات، الكتاب الأول). ولفهم سلوك الراشدين وهم ~~يتفاوضون بشأن معاملة تجارية صعبة، يحتاج المرء فقط إلى مراقبة الأطفال الصغار وهم يلعبون. ~~وبعد ذلك يأتي بؤس المرحلة المدرسية؛ فاكتساب المهارات الذهنية عمل مجهد لا يقل بشاعة عن ~~الأعمال الشاقة التي حكم على آدم أن يقوم بها بسبب سقوطه. ولاحظ أوغسطينوس أن كد ~~المفكر أسوأ؛ وذلك لأن العامل اليدوي ينام قرير العين على الأقل. # والصداقة سلوان يمنحه الرب في عالم قاس (مدينة الله). كانت مونيكا بالنسبة إلى أوغسطينوس ~~أسمى الأصدقاء؛ فقد أدرك أن حبها وطموحها وحبها للتملك كل ذلك اتسم بعنصر دنيوي. ورغم ~~أنها كانت من مواطني صهيون، فإنها «كانت تعيش في ضواحي بابل». لكن اللغة السامية لمشاعر ~~الامتنان تجاه أمه أحيانا ما تشبه اللغة التي يمكن أن يستخدمها إشارة إلى الكنيسة الأم. ~~وتأتي ذروة «الاعترافات» في الكتاب التاسع حيث وصف أوغسطينوس تجربة صوفية عاشها مع مونيكا ~~في أوستيا قرب نهاية أجلها؛ فقد تبادلا أطراف الحديث حول سرعة زوال كل الأشياء الدنيوية ~~بجمالها ومجدها، على النقيض من الحكمة السرمدية للرب. للحظة شعرا وكأن حوارهما أغرقهما ~~في عالم سرمدي. وقال أوغسطينوس صراحة إنه كان يستخدم لغة في كتابه لم تكن مستخدمة آنذاك. ~~والفقرة غنية بالعبارات ms064 المستخلصة من أفلوطين، وتوضح كيف أتاح له الأفلاطونيون الجدد لغة ~~يتحدث بها عن تجربته (الاعترافات، الكتاب التاسع). # شكل 6-2: القديسان أوغسطينوس ومونيكا عام 1854، بريشة آري شيفر. # يظهر بعض أكثر التحليلات عمقا في «الاعترافات» في معالجة الذاكرة في الكتاب العاشر. ~~والنقاش في هذا الكتاب مستقل عن أرسطو وأفلوطين. تعتبر هوية النفس واستمراريتها ~~متجذرة في الذاكرة، وهي مستوى من العقل يضفي وحدة على تعددية التجارب المنفصلة في مجرى ~~الزمن. تستقر الذاكرة في مستوى أعمق من العلم والمشيئة، فهي «باطن العقل» (الاعترافات، ~~الكتاب العاشر)، ومستودع محتمل وحسب في الوعي. ومن خلال بحث البشرية الشمولي عن السعادة، ~~فإن الذاكرة هي أيضا الوسط الذي من خلاله يصبح المرء سريع الاستجابة لآلاء الرب ونعمائه ~~(الاعترافات، الكتاب العاشر). لم يقل أوغسطينوس إن الإنسان الطبيعي بمعزل عن فضل الرب، لديه ~~بالفعل الرب في اللاوعي، حتى عندما ينكره أو يتجاهله بالمستويات الواعية من شخصيته. وتذكر ~~المرء الرب فعل إرادي وقرار بحد ذاته. وحب الرب «ليس بشعور غير محدد، بل هو يقين ~~بالوعي» (الاعترافات، الكتاب العاشر). # ومع ذلك، لم يعتقد أن البشرية يمكن أن تعثر على الرب إلا في أعمق هاوية في «الذاكرة»؛ حيث ~~يستدعى لذهن الشخص الذي لديه استعداد لتنظيم حياته على الطاعة (الاعترافات، الكتاب ~~العاشر). يستدعي هذا التأمل واحدا من أشهر نصوص «الاعترافات»: «في نهاية المطاف، أمسيت ~~أحبك، بجمالك القديم جدا، والمتجدد دوما في ذات الوقت.» ومن بعده يأتي التصريح: «إنك ~~تأمر بالعفة، فهب ما تأمر به، ومر بما تريد.» # ويتابع الكتاب العاشر بيان إلى أي حد امتلك أوغسطينوس، الذي أمسى أسقفا، ضبط النفس ~~في مواجهة المغريات التي تعرضها على عقله حواسه الخمس. وتشبه الفقرة بشدة نصا باقيا ~~من نصوص فرفوريوس. في «الاعترافات» لا تكمن المشكلة فيما تدركه الحواس بقدر ما تكمن في ~~موافقة العقل، «لقد أصبحت مشكلتي الخاصة» (الاعترافات، الكتاب العاشر). ويختتم الكتاب ~~العاشر بالاعتراف باستسلام النفس لنعمة الله المتسامح، المرهون بسر القربان المقدس، وهي ~~فكرة غير أفلاطونية بالمرة. لكن هذا يفضي بنا إلى استقصاء دقيق لطبيعة ms065 الزمن. # كان الزمن موضوعا أساسيا على أجندة عمل الفلاسفة الأفلاطونيين الجدد، ويرجع ذلك نوعا ~~ما إلى ملاحظات أفلاطون في محاورة طيماوس عن الخلود؛ نظرا للمفارقات في الكتاب الرابع لعمل ~~أرسطو «الفيزياء»، الذي أثبت فيه أن الزمن غير حقيقي. لقد ورث أرسطو وعيا قويا بتعقيد ~~المسألة. وقال أوغسطينوس: «أعرف ماهية الزمن إلى أن يسألني أحد عنه» (الاعترافات، الكتاب ~~الحادي عشر). وكان هذا رأي أفلوطين إلى حد كبير، ولو أنه ليس بالحدة نفسها. خالف ~~أوغسطينوس أفلوطين في أنه يؤمن بأن النفس سرمدية؛ فالروح تخلق من العدم. وهي تشارك من ~~البداية في عملية التعاقب. ولكن حينئذ تثار مسألة إن كان الخلاص يمكن أن يكون نجاة خارج ~~إطار الزمن. وهو سؤال شائك جدا لعالم لاهوت مسيحي يؤمن بأن الرب الذي يعتبر ثابتا ~~صمدا ومتجاوزا للزمان والمكان تصرف في الوقت المناسب من أجل إنقاذ البشرية. من الواضح أن ~~أوغسطينوس كان على دراية بمفارقات أرسطو، ولا سيما حجته بأن الماضي لم يعد له وجود، ~~والمستقبل لم يوجد بعد، بينما الحاضر لحظة تخلو من هذا التمدد الزمني الذي يبدو أن مفهومنا ~~للزمن يكتسبه. # تكلم أفلاطون عن الماضي والحاضر والمستقبل كأشكال للزمن تسعى لمحاكاة تزامن الخلود. وتكلم ~~أغلب الأفلاطونيين عن الزمن محددا بحركات الأجرام السماوية. وعرف أفلوطين الزمن ~~تعريفا نفسانيا باعتباره تجربة الروح في حركتها من حالة حياة إلى حالة حياة أخرى. # كان أوغسطينوس بالطبع على دراية بأننا عادة ما نقدر الزمن بالشمس والقمر؛ «فالعام ~~365 يوما وربع اليوم، وربع اليوم يتطلب يوما كبيسا يضاف كل أربع سنوات» (تعليق حرفي على ~~سفر التكوين). لكن في «الاعترافات»، نجد أن تحليل الزمن وارد في سياق الصوفية باعتباره ~~وعيا سرمديا بما هو أبدي؛ وعليه فإنه لم يرد أن يعرف الزمن بلغة الفلك، ولا ~~باعتباره حركة لأي شيء مادي. إن التعاقب والتعدد هما ببساطة تجربة الروح في تدفق التاريخ. ~~ولأن التعدد علامة على الدونية في البناء الأفلاطوني، فإن سرعة زوال حالتنا وفنائها لا بد ~~أن يكونا مؤلمين نوعا ما. يفترض الزمن التغير ms066 (الاعترافات، الكتاب الحادي عشر)، «والتغير ~~نوع من الموت» (معاهدة إنجيل يوحنا). لكن الزمن بطبيعته بعد من أبعاد العقل، وحالة ~~نفسانية ترتبط بكون المرء مخلوقا. في الواقع، حتى الملائكة - وهم خلق أيضا - يستقرون ~~في مكان ما وسيط، ما بين الزمن والأبدية. لكننا يجب أن نقول إن الرب صمد ومن ثم فهو ~~سرمدي. وهو عليم بالماضي والمستقبل، ولكن ليس كعلمنا نحن يدور في مدار تجربة نفسانية من ~~التتابع؛ ولذا، من الخطأ أن نطلق على المعرفة الإلهية المعرفة المسبقة؛ فالرب يحيط علما ~~بالماضي والمستقبل، ولكن ليس كعلمنا الذي يتشكل استنادا إلى سلسلة من الأحداث. # على هذا الأساس، واجه أوغسطينوس الأسئلة التالية: لماذا خلق الرب عندما خلق؟ ولم لم ~~يخلق الخلق في وقت أسبق؟ وماذا كان يفعل قبل أن يتخذ قرار الخلق؟ كانت المسألة جادة. وأسف ~~أوغسطينوس لعبثية الإجابة الطريفة التي مفادها أن الرب قبل الخلق كان منشغلا بإعداد الجحيم ~~للمشككين. حسب أوغسطينوس أن الإجابة الصحيحة هي أنه يستحيل أن يكون هناك زمن قبل الخلق وأن ~~الزمن والخلق وجدا في الوقت نفسه. (فجعل الخلق سابقا بعدد محدد من السنوات لا يغير من ~~المسألة؛ والقول بأنه ربما وقع في فترة لا متناهية سابقة بمنزلة استخدام ألفاظ ملغزة ~~وغامضة.) # هاجم المفكرون الوثنيون المسيحية لافتراضها أن الرب، سواء في الخلق أو في التجسد أو في ~~إجابة دعاء المتوسلين إليه، قد يغير رأيه أو يقدم على فعل جديد. واعتبروا أنه من البديهي ~~أن الدورة الأزلية للعملية الكونية وحدها، التي يستحيل أن تتطفل عليها أي تفصيلة دقيقة، ~~يمكن التوفيق بينها وبين عقلانية الرب. في رأي أوغسطينوس، هذا الوضع يحبس العالم في نظام ~~محدود ونهائي. لم يكن في الكون الوثني مجال للاتناهي، بل لكل ما هو محدود ونسبي فحسب. ~~في الكتاب الثاني عشر من «مدينة الله»، شن أوغسطينوس هجوما شاملا على مذهب الدورة ~~الكونية الأبدية؛ فلم يكن فيها مجال للإبداع والتفرد ولا للامحدودية النعمة ~~الإلهية. # من ناحية أخرى، حذرت الكثير من عظات أوغسطينوس من أن الدعاء ليس وسيلة لإعلام الرب ms067 ولا ~~للتزلف إليه لتغيير رأيه، بل هو وسيلة للتوفيق بين إرادتنا وإرادته؛ وذلك لأن إرادة الرب ~~وغايته «سرمديتان». فلا يستطيع الرب وحده، بل ولا الإنسان أيضا، إحداث تغيير دون أن ~~تتغير إرادته، ودون أن يبدو عليه أي تناقض على المدى البعيد فيما يختص بخططه الطويلة الأجل. ~~علاوة على ذلك، كان أوغسطينوس على دراية عميقة بأخطار خيبة الأمل في صلاة التوسل. وفي مثل ~~هذه التجارب، يتعين على المرء أن يتفكر في أننا عادة ما نحب الأشياء الخاطئة، وأنه لو ~~أجيبت صلواتنا حينئذ، لكانت إجابتها تجليا لغضب الرب. وقد تكون إجابات بعض الدعوات ~~الأنانية عقوبات من الرب (شروحات المزامير). كان يعرف تمام المعرفة خطورة التجسيد المبالغ ~~فيه. وعن الوجود الثابت للرب في عالمه، كتب أوغسطينوس بثقة: «يستبقي الخالق النظام ~~المخلوق من نقطة العلة المفصلية الأعمق والأسمى» (الثالوث). من بين الأشياء التي لم يرها ~~الفلاسفة الوثنيون حقيقة أن الزمن والعملية التاريخية لهما نقاط تحول مهمة في الحكمة ~~الخفية للرب (مدينة الله). # أدرك أوغسطينوس أن مشكلة علاقة الرب بعالمه تتحول إلى مسألة إن كان (أ) الخلق ينبع من ~~خيرية الرب وحدها بفعل التدفق التلقائي كنشوء حتمي ومادي تقريبا، أم (ب) الخلق ينتج عن ~~الإرادة القديرة للعلة الأولى المكتفية ذاتيا بالكامل التي لا تحتاج - بأي شكل من ~~الأشكال - النظام المخلوق. يميل النموذج الأسبق إلى استخدام تشبيهات مادية كانتشار الضوء ~~أو نمو النباتات. ويبدو النموذج الأخير أشبه بتمجيد للتعسف المستبد كسمة إلهية. هل نشأ ~~الخلق بتدفق الخيرية الإلهية أم بقرار يتعذر تفسيره للإرادة الإلهية؟ لم يدخر أوغسطينوس ~~جهدا ليتفادى معضلة الطبيعة أو الإرادة. وتحمس لمقترح وجده في أعمال أفلوطين مفاده أن مادة ~~الرب وإرادته لا ينفصمان. # ماذا عن المعجزات إذن؟ اعتبر أوغسطينوس النظام كتجل سام للعناية الإلهية. لكن الخالق ~~القدير بلا شك قد يكون لديه نظام وخطة لا يتضمنان فحسب البيئة الطبيعية، بل الحالة الخاصة ~~لخلقه العقلاني الحر. ويمكن أن تقع أحداث غير عادية كجزء من الغاية الإلهية الممثلة في ~~تقديم الموعظة والتلقين للبشر الخطائين؛ وهذا ms068 ما نسميه بالمعجزة. لكن المسيحي الروحاني لا ~~يبحث عن المعجزات المادية؛ فما من معجزة أعظم من التحول الداخلي إلى التوبة والإيمان. طوال ~~أغلب عصر ما بعد الرسل، ينبغي السعي وراء نظير معجزات العهد الجديد وأقمطة كنيسة وليدة ~~(عن شمائل الخطايا وغفرانها # De peccatorum meritis ~~) في ~~أسرار المعمودية والقربان المقدس (المعمودية # De baptismo ~~). ~~في الكبر، عدل أوغسطينوس هذا الموقف. كانت العلاجات تتم عند مقامات بعض الشهداء ~~الأفارقة. وقدر التكريس الشعبي الآثار القديمة (التي يبيعها النصابون)، والثرى الذي ~~يؤتى به من الأرض المقدسة، والزيت المقدس من مقام القديس ستيفن عندما وصلت بعض العظام قارة ~~أفريقيا. ومع ذلك، كلما كان المؤمن أكثر نضجا في إيمانه، قل بحثه عن عجائب مشهودة (عن ~~شمائل الخطايا وغفرانها). لم يشجع أوغسطينوس رعيته على السعي وراء أقدار خاصة؛ فقد كانت ~~الأسرار المقدسة كافية. # لم يعتبر أوغسطينوس أن دعاء التوسل أو ~~المعجزة ينطويان على تغير في رأي الرب أو غايته، ولم ير أن طلب ضروريات الحياة من ~~الرب - كالصحة البدنية وخصوبة الزوج أو الزوجة - ~~أسمى أشكال الدعاء؛ لكنها لم تصنف كتوسلات غير جديرة، كالدعاء على قريب بالموت بحيث ~~يرث الداعي عليه إرثه. تظل هذه الأدعية إقرارا بأن كل الخيرات هبة من الرب، وليست من ~~آلهة وثنية دونية (شروحات المزامير). ولكن فيما خلا لحظات التشوف العاصف المفاجئة، كان ~~الدعاء بحاجة إلى الهدوء والعزلة (حول المشكلات العديدة المتعلقة ~~بسيمبليسيان # De diversis # quaestionibus ad Simplicianum ~~). ولم يتبع أوغسطينوس حجة فرفوريوس بأن دعاء التوسل ينطوي على ~~الاستنباط (الأرسطي) بأن العناية الإلهية تظل أحداثا ومصادفات شرطية ليست قدرا ~~محتوما. استنادا لفرضية أوغسطينوس، قدر الرب العلل والمعلولات، لكن الأدعية التي ~~يسمعها الرب تعتبر ضمن العلل الثانوية التي يستخدمها الرب لينجز إرادته (حول ~~الحكم). # الفصل السابع # | الوحدة والانقسام # نثرت تبعات الاضطهاد العظيم تحت حكم ديوكلتيانوس (303 ميلاديا) بذور الانقسام بين ~~الكنائس الأفريقية؛ فقد انقسمت حول المرحلة التي يستطيع المرء أو لا يستطيع الوصول فيها إلى ~~تسوية مع السلطة العلمانية. كان المسيحيون الأفارقة يتبنون معتقدات تنبئية بقوة؛ ms069 ~~فقد فسروا وحي القديس يوحنا بأن المسيح سيعود حرفيا إلى الأرض ويحكمها مع قديسيه لألف ~~سنة، وهو المذهب الذي شاركه إياهم أوغسطينوس نفسه في بداية الأمر حتى أمسى يفسر الألفية ~~تفسيرا رمزيا عن الفردوس. وعادة ما كانت المعتقدات التنبئية تصاحب وجهة نظر ~~سلبية جدا تجاه الحكومة الإمبريالية باعتبارها عاملا من عوامل الفضيلة، وانتشرت الآراء ~~التشاؤمية بسهولة بين صغار ملاك الأراضي والمزارعين المستأجرين في نوميديا. ومراسيم ~~الإمبراطور الوثني التي تحرم على المسيحيين الاجتماع للعبادة وتطالبهم بتسليم الكتب ~~والأوعية المقدسة دفعت المسيحيين المتحمسين لدراسة قصة بطولة المكابيين ومقاومتهم الشرسة ~~لأنطيوخوس الرابع منذ أكثر من أربعة قرون. لكن كان هناك شقاق حاد بشأن الحكم الأخلاقي بين ~~الصقور والحمائم؛ فالصقور المسيحيون رفضوا رفضا تاما التعاون مع السلطات العلمانية، ولم ~~يرد حمائم المسيحية أي مواجهات، بل سعوا لأن يحيوا حياة فضيلة وتواضع هادئة. وكان ~~من بين الحمائم أسقف قرطاج ورئيس شمامسته الذي اعتبر المتعصبين مستفزين ولا يستحقون لقب ~~شهيد أو «معترف» (وهو الاصطلاح المسيحي القديم للإنسان الذي يعترف بإيمانه أمام الحاكم ~~ويعاني ويلات التعذيب والحبس، ولكنه لا يمنح هبة الشهادة السامية). وحتى قبل اندلاع حملة ~~الاضطهاد، كان هناك خلاف حاد بين مسيحيي أفريقيا فيما يتعلق بإن كان من الجائز ارتكاب جرائم ~~التخريب بحق المقامات الوثنية باعتبارها حصونا للفساد الشيطاني، أو إن كانت تلك الأفعال ~~تؤجج فحسب مشاعر الغضب والسخط من الكنيسة بين العباد الوثنيين، وتفشل في توقير إخلاص ~~النوايا الوثنية. # في عام 311، لقي أسقف قرطاجة مصرعه وسارع حزب الحمائم بالتصرف، فجمعوا ثلاثة أساقفة ~~بحثا عن رئيس الشمامسة ليحل محله ويمسي خلفه. وشاع الاعتقاد بأن واسم الكهنة الرئيس كان ~~واحدا من هؤلاء الثلاثة، وأنه سبق له منذ ثماني سنوات تسليم الكتب أو الأوعية المقدسة إلى ~~سلطات المصادرة. واستعان الصقور برئيس أساقفة نوميديا الذي تمتع بتأييد قطاع كبير جدا من ~~الأساقفة، ووسم أسقفا منافسا. وبعد بعض المفاوضات المؤرقة، لم تعترف كنائس شمال البحر ~~المتوسط ولا الإمبراطور قسطنطين العظيم بالمرشح النوميدي. ومنذ ذلك الحين حتى الفتح ~~الإسلامي لأفريقيا ms070 كانت توجد جماعتان متنافستان، لكل منهما أبرشيتها الخاصة بها، وكلتاهما ~~تتلوان العقيدة نفسها، وكلتاهما لهما أشكال مقدسة مطابقة وهياكل شعائرية مماثلة. وأقيم في ~~كل مدينة وقرية مذبح قبالة الآخر. # وتولى قيادة الحزب النوميدي دوناتس وهو أسقفهم في قرطاج. ورفض الدوناتيون المجتمع ~~الكاثوليكي الذي كان في نوميديا أقلية سواء في المدينة أو في الريف، وازدروه باعتباره دمية ~~في يد الحكومة العلمانية، وأداة لتحقيق غايات سياسية لوثها سجل طويل من الحلول الوسط ~~فيما يتعلق بالأمور الدنيوية. ورفض الدوناتيون الإقرار بصحة الطقوس الكاثوليكية ونقائها ~~أيا كان نوعها، وبذلك كان أوغسطينوس في أعينهم علمانيا منشقا ومهرطقا. وأمسى انعدام ~~الثقة والضغائن بين الجماعتين أمرين راسخين. وحرم الجماعتان الزواج المختلط بينهما، ~~وشرع كل منهما تشريعات كنسية مناهضة للجماعة المخالفة. وكان من الشائع جدا أن تنقسم ~~العائلات وتنشق، وقد كان لأوغسطينوس نفسه ابن عم دوناتي. # آمن الدوناتيون بحماس شديد بأنهم وحدهم حماة القداسة الأصيلة والنقاء الطقسي لمعبد الرب ~~الممثل في الكنيسة. وللدفاع عن رفضهم الإقرار بالأسرار المقدسة التي تقدم خارج حدود ~~الكنيسة الطاهرة، استطاعوا الالتجاء، لسبب محدد، إلى كتابات أعظم الأبطال المسيحيين في ~~أفريقيا الرومانية؛ القديس سيبريان أسقف قرطاج الذي استشهد عام 258. وبدت مزاعم الكنسية ~~الكاثوليكية بأنها الملة الصحيحة للدوناتيين باطلة تماما بفعل تسامحهم مع خطيئة الردة ~~الكارثية؛ فقد كان أسقف قرطاج الكاثوليكي، وكذلك حقا أسقف روما نفسه لو كان يدعم ~~الكاثوليكيين الأفارقة (وهكذا كان الحال فعلا)، عميلين للمسيح الدجال يتقلدان مقعدا لا ~~ينبغي أن يكون لهما في ملاذ الرب نفسه. وبلغ الأمر ببعض الدوناتيين أن قالوا كذلك إن القداس ~~الكاثوليكي، بدلا من كونه ضربا من خدمة العشاء الرباني، احتفال فاسد يسن فيه تجديف لا ~~اسم له. ولم يكن التجار الدوناتيون يتعاملون مع رجال الدين الكاثوليكيين ما ~~استطاعوا. # رد الدوناتيون على الزعم الخطير بأن الرب لم يكن ليقصد أن تختزل كنيسته الكاثوليكية في ~~منطقة صغيرة من الإمبراطورية بأن الخصوصية هي نفسها مبدأ التجسد، وأنه في الأمور الأخلاقية ~~عامة تكون الأقليات على حق، بينما تكون الأغلبية الصامتة اسما ms071 آخر للمساومين الضعاف ~~الشخصية، وأهم من ذلك كله أن قداسة الكنيسة مقدمة على وحدتها وتفردها وتعتبر أساسا ~~لهما. واتفق الدوناتيون والكاثوليكيون معا على أن فلك نوح دل مسبقا على الافتداء ~~عبر كنيسة المسيح الواحدة. ومنح هذا الرأي الدوناتيين الرضا بأن يظنوا أن الفلك كان يحوي ~~فحسب ثمانية أشخاص. # عندما أصبح أوغسطينوس أسقفا، وجد الطائفتين مستسلمتين بخنوع لخمسة وثمانين عاما من ~~العداء المتبادل وانعدام الثقة التام. واستمرت الأحقاد والضغائن من جانب الدوناتيين بأعمال ~~العنف المخيفة التي مارسوها ضد البنايات الكاثوليكية ورجال الدين الكاثوليكيين. ووجد ~~المتحمسون الذين سبق أن شنوا هجومهم على المقامات الوثنية هدفا جديدا ممثلا في ~~الكاتدرائيات الكاثوليكية؛ حيث كانوا يهدمون المذبح الخشبي على رأس الأسقف الكاثوليكي ~~المسكين إذا لم يكن حكيما بالقدر الكافي ولم يرحل عن المكان. ولم تكن قصيرة قائمة رجال ~~الدين الكاثوليكيين الذين شوهت أجسادهم أو أصيبوا بالعمى إذ ألقي في أعينهم الجير ~~والخل، أو لقوا حتفهم مباشرة. ولقد نجا أوغسطينوس نفسه ذات مرة من فخ دوناتي كان ~~الغرض منه إسكاته إلى الأبد؛ وذلك لأن دليله سلك الطريق الخاطئ. وشجب الأساقفة الدوناتيون ~~علنا أعمال العنف التي كان ينظمها أساسا رجال الدين الريفيون. # رأى أوغسطينوس أنه من الضروري إمداد المجتمع الكاثوليكي بترسانة فعالة من الحجج ~~اللاهوتية. وحث الأساقفة الكاثوليكيين على عقد سلسلة من المجامع الكنسية يستطيعون فيها ~~تشكيل جبهة موحدة وصياغة سياسية مشتركة. وكان رئيس أساقفة قرطاج، وهو رجل متواضع عول ~~كثيرا على أوغسطينوس في كتابة عظاته، على أهبة الاستعداد أن يقود الركب إذا نصحه ~~أوغسطينوس بذلك. واستقى أوغسطينوس حججه من النبوءات الإنجيلية الخاصة بتمديد حكم الرب على ~~الأرض كلها، وليس في أفريقيا وحدها. علاوة على ذلك، لقنت أمثال المملكة (متى 13) أن حقل ~~الرب بما فيه من حنطة وزوان يجب أن يترك حتى حصاد القيامة. ولذلك فما من فضيحة يمكن أن ~~تمثل أساسا كافيا لإحداث شقاق ومغادرة الكنيسة. كان فلك نوح علامة على أنه لا غنى عن ~~المكوث في الكنيسة إذا لم يرد المرء أن يلقى حتفه في ms072 الطوفان. بالنسبة إلى أوغسطينوس، ~~رمز الأشخاص الثمانية على متن الفلك إلى الجوهر الداخلي للكنيسة للمؤمنين ذوي التوجه ~~الذهني الروحاني، الذين اضطروا إلى تحمل عفن الصحبة الأقل عقلانية، لكنهم فضلوا ذلك ~~كثيرا على الغرق. أما بالنسبة إلى زعم الدوناتيين بأن بقية العالم المسيحي أمسى متهما ~~بالكفر بالمصاحبة (أو مع يعرف باسم مغالطة تحميل الوزر)؛ «فالعالم كله يحكم بذلك دون أدنى ~~قلق»: من السهل أن نحكم على العالم (ردا ~~على رسالة بارمينيان # Contra Epistulam Parmeniani ~~). وحقيقة الأمر أنه «من العلامات المميزة لجميع ~~المهرطقين عجزهم عن رؤية ما هو جلي جلاء عظيما لغيرهم من الناس.» # ومن بين علامات المؤمن الحق، حدد أوغسطينوس أنه يجب أن يحب الكنيسة، بما لها وما ~~عليها. ولم ينكر أنه إبان فترة الاضطهاد العظيم قدم بعض الأساقفة تنازلات غير لائقة ~~للحكومة. ولقد أعجب هو أيضا بالمكابيين وحماسهم المتقد للرب. لكن الأخطاء التي وقع فيها ~~أساقفة بعينهم لم تستطع أن تلوث مجتمعا أو تعاقب أسقفا. ولم تعول العناية الإلهية في ~~فعاليتها على القداسة الشخصية لكاهن وحيد، بل على كونه يستجيب لأوامر الرب؛ وبذلك يثبت ~~درايته بأن الكنيسة كلها تنفعل لأفعاله المقدسة؛ وذلك لأن كل فعل من أفعال الكنيسة ~~كاثوليكي. والسر المقدس ينسب للمسيح، فهو ليس ملكية شخصية للكاهن، والخلاص دائما وأبدا ~~من أفعال الرب لا الإنسان؛ ولذا، فإن سر التعميد المقدس الذي يمنحه القديس الأرثوذكسي، ~~والمنشق في ذات الوقت، يجب ألا يتكرر بأي حال من الأحوال. لقد ختم التعميد الروح بختم ~~حاسم مرة واحدة وإلى الأبد، بالضبط كما مات المسيح مرة واحدة وإلى الأبد ليخلص البشرية. ~~وباعتراف الجميع، لا يمكن أن يكون التعميد الذي يمنح في ظل الانشقاق الديني وسيلة لنيل ~~العناية الإلهية بالكامل حتى يتصالح المتلقي مع الكنيسة. وعلى المبادئ نفسها أنكر أوغسطينوس ~~إنكارا محضا أنه من الممكن أن يكون هناك توريث للإثم حتى لو نبع سلسال من الترسيمات من ~~أسقف متهم بخطيئة مهلكة. # لقد دفعت الأعمال الوحشية الدوناتية التي قام بها متعصبو نوميديا أخيرا الحكومة ~~الإمبريالية إلى تبني ms073 سياسة إكراه أقوى ضد المنشقين. في بداية الأمر كان لدى أوغسطينوس ~~أقوى التحفظات حيال نشر الحكومة قواتها، وشاركه شكوكه كثير من الأساقفة الكاثوليكيين في ~~أفريقيا. ولم ينكر أوغسطينوس أن الإكراه على قمع أعمال العنف الإجرامية كان شرعيا، ولكن ~~الضغط على الدوناتيين للانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية بالتهديد بفرض غرامات أو الحرمان من ~~حق توريث الممتلكات بدا لأوغسطينوس غير ملائم بالمرة. وسينجم عن هذا الإجراء حالات هداية ~~على سبيل النفاق والمداهنة أو زيادة مهولة في الأعمال الإرهابية التي يتعذر إيقافها أو حتى ~~حالات انتحار بين الدوناتيين. وفي ظل الضغوط الحكومية الشديدة، جرت العادة على أن يلقي ~~متعصبو نوميديا بأنفسهم من على المنحدرات الشاهقة، وزادت حالات انتحارهم من الكراهية التي ~~تعاطى بها الدوناتيون مع المجتمع الكاثوليكي الذي حمل المسئولية كاملة. # كره أوغسطينوس العنف، وعنف بشدة رفاقه الكاثوليكيين الذين تكلموا بقسوة عن الدوناتيين ~~(الرسائل). ولم ينسجم الجدل مع الإكراه. تضمنت نظرية أوغسطينوس اللاهوتية المبدأ القائل، ~~والمفاجئ لكثير من معاصريه، بأن كل الأسرار المقدسة للدوناتيين، وفي ذلك الترسيم، كانت ~~صحيحة. رأى أوغسطينوس أن ذلك سيزيل حاجزا أساسيا أمام لم الشمل المؤسسي، وربما في ~~الوقت نفسه أيضا يحل مشكلة يعاني منها المجتمع الكاثوليكي الذي كان يعاني قصورا شديدا ~~في عدد رجال الدين الذين يعملون في الأبرشيات. علاوة على ذلك، فقد كان من بين الدوناتيين ~~كثير من المسيحيين المخلصين الأنقياء القلوب الذين شعر أوغسطينوس بأن الرب أوجد بينهم عددا ~~ممن اصطفاهم. وسيثبتون أنهم حقا مصطفون إذا أخلصوا فعلا لكنيسة الرب الحقيقية. # لقد حققت سياسة الإكراه الحكومية نجاحا منقطع النظر عمليا، ولا سيما بين أصحاب الأملاك ~~والتجار في المدن، وكان لذلك أثر أقل في بداية الأمر بين الفلاحين المتحدثين بلغة قرطاج. ~~لكن كثيرا منهم لان بمرور الوقت، وحينئذ أوكل إلى أوغسطينوس مهمة البحث الشاقة عمن ~~يجيدون لغة قرطاج للأسقفيات الريفية. كثير من العلمانيين في أفريقيا اعتبروا صراحة ~~انتماءهم إلى ملة بعينها مسألة غير ذات أهمية بالمرة للخلاص. ومن بين الفلاحين، كان هناك ~~مسيحيون ممن اعتنقوا المسيحية لغايات مادية ms074 على أهبة الاستعداد للانحياز إلى أي طائفة تلبي ~~مصالحهم المادية أفضل من غيرها. لقد جعل بؤس الشقاق وعذابه كثيرين يرتدون إلى وثنيتهم ~~القديمة. ولعب الإرهاب في نوميديا دورا كبيرا في الحفاظ على الولاء الدوناتي، وكان الذين ~~يرتدون عن الدوناتية إلى الكاثوليكية عرضة للنهب والسرقة تحديدا. # شغلت عملية المصالحة قسما كبيرا جدا من وقت أوغسطينوس وجهده على مدار سنين طويلة. ~~وعجل بلم الشمل مؤتمر ضخم عقد في قرطاج عام 411؛ حيث واجه أساقفة دوناتيون ~~وكاثوليكيون بعضهم بعضا برئاسة مفوض إمبراطوري (كاثوليكي) وكل إليه التحكيم بين ~~الأحزاب المتخاصمة. كان أوغسطينوس متحدثا رسميا أساسيا باسم القضية الكاثوليكية، وأقنع ~~الأساقفة الكاثوليكيين بالبدء على الملأ في الإعلان عن أنه إذا قبل الدوناتيون بتناول ~~العشاء الرباني معهم وقبلوا الوحدة، فسيدعون حينئذ أقرانهم من الدوناتيين للمشاركة في ~~رعاية كل أبرشية. ولم يكلف العرض السخي شيئا . كانت الضغائن المتبادلة أعظم أثرا من ~~العرض بحيث قضت على كل فرصة لقبوله. # كانت نية الحكومة إذ دعت إلى عقد ذاك المؤتمر، وقد أصدرت حكمها مسبقا لصالح ~~الكاثوليكيين، تبرير سياسة لاحقة من الضغوط المستمرة على عموم الدوناتيين. هل يمكن تبرير ~~الإكراه استنادا إلى أي أسباب بخلاف النجاح العملي؟ من سوء الطالع أن أوغسطينوس رأى كم ~~كانت الضغوط الحكومية تحقق من نجاح؛ ففي مدينته هيبو، تحولت أقلية كاثوليكية إلى أغلبية. ~~وقرر أن يطرح دفاعا نظريا من شأنه أن يتلاقى مع مخاوف الأساقفة الكاثوليكيين الذين ~~شعروا بأنه ما من قوة أو ضغوط اجتماعية يجوز توظيفها للتأليف بين أي إنسان والكنيسة، وأن ~~الكنيسة فيها ما يكفي من المنافقين المداهنين بالفعل من دون أن تدعو إلى أحضانها عددا ~~كبيرا من الأنصار المكرهين وغير المخلصين صراحة. وسرعان ما اكتشف أوغسطينوس أنه من بين ~~المهتدين الدوناتيين كان هناك قلة من الأتقياء الأفاضل الذين سعد بانضمامهم. لقد كانت ~~عملية الهداية على أي حال مسألة طويلة تتطلب حياة كاملة، ولم تكن قط مسألة تتم بين ليلة ~~وضحاها. وحتى الحاقدون والمستوحشون سيكتشفون بلا شك في نهاية المطاف أن الضغوط الساعية إلى ~~لم ms075 شملهم بالكنيسة كانت لصالحهم ما دام أنها كانت لخلاصهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ~~أخبر الملك في قصة وليمة العرس الإنجيلية حاشيته أن يملئوا مائدته عن طريق إجبار الناس على ~~الحضور. لكن المسيح طرد التجار من المعبد بسوط من حبال رفيعة. إن الإعتاق من العقاب ليس ~~دوما بالفعل الذي يقوم به الآباء الحكماء والمحبون، والجراح لا يستطيع أن يعالج دون أن ~~يلحق ألما، لكن غايته شفائية وإصلاحية. # لقد مكنت اقتباسات مختارة من كتابات أوغسطينوس المناوئة للدوناتيين بعض علماء الشرع ~~الكنسي بالعصور الوسطى من أن يجعلوه يبدو وكأنه كان يبرر الإجراءات المتشددة التي اتخذت ~~ضد المهرطقين في العصور الوسطى اللاحقة. كان أوغسطينوس سيصاب بالذعر بسبب حرق المهرطقين، ~~وبسبب المعتقد الذي لم يشع وحسب بين البروتستانت في القرن السادس عشر والكاثوليكيين في ~~العصور الوسطى، بل أيضا في عالم العصور الوسطى للأرثوذكسية البيزنطية، ذلك المعتقد الذي ~~مفاده أن الأفكار الضلالية ذات طبيعة ماكرة وشيطانية جدا، لدرجة أن الطريقة الوحيدة ~~المتاحة للحيلولة دونها تتمثل في استئصال مروجيها. في العصور الوسطى المتأخرة، بدأ الناس ~~ينظرون للمهرطقين بالطريقة نفسها التي ينظر بها البعض في عصرنا هذا للخاطفين القاتلين أو ~~تجار المخدرات القوية المفعول، الذين يصعب تقويضهم عمليا من دون قتلهم. ولقد استندوا ~~إلى نصوص مختارة من أعمال أوغسطينوس لتبرير القسوة، وتجاهلوا المواطن العديدة التي عارض ~~فيها كليا التعذيب والعقوبة القصوى أو أي أسلوب تأديبي يتجاوز ما قد ينتهجه أب محب ~~بحق مع ابنه المذنب. وتحديدا بعد إبطال مرسوم نانت في فرنسا، التمس المعتذرون عن قمع ~~المسيحيين الفرنسيين مساعدة أوغسطينوس. وعندما كتب «أحب وافعل ما تشاء» (في رسالة إلى يوحنا # In # epistulam Johannis ~~، وفي مواطن أخرى)، أثبت ~~السياق أنه نظر إلى هذه المعادلة الساخرة على اعتبار أنها تقدم تبريرا لتأديب المذنب، ~~وكذلك مبدأ لضبط النفس الشديد على غرار هذا التأديب. # احتج الدوناتيون على أن أفعال الحكومة الإمبراطورية ضدهم لم تبد دليلا على الحب، وأنه ~~كان من الخطأ مبدئيا أن تستغل الكنيسة الكاثوليكية القوة التي يوفرها لها ذراعها ms076 ~~العلماني، وأن الكيان الذي يلجأ إلى الاضطهاد بحكم الواقع يزعزع الثقة في ذاته من حيث قدرته ~~على تمثيل كلمة المسيح. ولم يعتقد أوغسطينوس أن هذه الاحتجاجات منطقية بالكامل إذ جاءت على ~~لسان طائفة مسئولة عن قائمة طويلة من أعمال العنف ضد الكاثوليكيين في أفريقيا. ولم يعتقد ~~أيضا أن «التعنيف الأبوي» على المعارضة الإجرامية يرقى لمرتبة الاضطهاد. # بدا بديهيا لأوغسطينوس في نهاية المطاف أن الفعل الذي يحمل الإنسان على الانضمام إلى ~~جماعة التوحيد، حتى لو كان ذاك الفعل مزعجا بعض الشيء، هو حب بحد ذاته. ولكن بالطبع ~~الوسيلة المستخدمة لتحقيق تلك الغاية كان يجب أن تخضع لرقابة وثيقة، ولا يجب أن تتجاوز ~~إلحاق إعاقات طفيفة بأصحاب الممتلكات أو - كما في حالة العمال الريفيين - الجلد ~~الخفيف. # ثمة اختلاف جوهري بين أوغسطينوس والدوناتيين يكمن في مذهب كمال الكنيسة المجاهدة هنا على ~~الأرض. اقتبس الدوناتيون قول القديس بولس أن الكنيسة «لا تشوبها شائبة أو عيب». ولقد ~~سلموا بأنه، حتى بين أبناء طائفتهم، كان هناك أفراد ممن تلقوا الأسرار المقدسة واتضح ~~أنهم ظلوا متمسكين بعناد بمعتقداتهم البالية كما في السابق. ولكن إخفاقات الأفراد ورجال ~~الدين والعامة لم تكن مطلقا كتلويث الكنيسة. ولقد أكدوا أن الكنيسة هي جسد المسيح نفسه، ~~وموطن القداسة، ومجتمع القديسين المضمون بموجب التعاقب الرسولي اليقيني لأساقفتهم. # كان التعاقب الرسولي مهما للكاثوليكيين الأفارقة أيضا؛ لأنه كان الشكل الخارجي الذي ~~ساعد على صيانة تقليد التعليم الرسولي المقدس والأسرار المقدسة. لكنه لم يكن مشددا عليه ~~إلا عندما كانوا يتحدثون عن التعاقب وصولا إلى القديس بطرس في السدة الرسولية التي ~~تمتعوا فيها بالعشاء الرباني بينما لم يتمتع الدوناتيون به (منذ عام 313). ظن أوغسطينوس أن ~~الدوناتيين لم يكن بوسعهم أن يزعموا أنهم يمثلون الكنيسة الكاثوليكية الحقيقية الوحيدة في ~~الوقت الذي كانوا فيه غير متوافقين روحانيا «لا مع روما ولا مع القدس». ولم يعتقد أن بطرس ~~شخصيا كان الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة، رغم أنه في نهاية حياته ذكر أن بعض المفسرين ~~حملوا النص الوارد في القديس متى ms077 على هذا المعنى، وأجازوا أن هذا أمر محتمل جدا. فسر ~~أوغسطينوس كلمة «الصخرة» عادة على أنها اعتراف القديس بطرس بالإيمان بالمسيح ابن الرب؛ ونحن ~~«المسيحيون لا نؤمن ببطرس بل بالذي آمن به بطرس» (مدينة الله). يطرح أوغسطينوس القديس بطرس ~~كثيرا كرمز لعمومية الكنيسة الواحدة ووحدتها. وعندما يتحدث عن «السدة الرسولية»، فهو ~~عادة ما يستخدم صيغة الجمع (العقيدة المسيحية). # ومع ذلك، فشأنه شأن غيره من الأساقفة الأفارقة جميعا بالمجتمع الكاثوليكي، كان أوغسطينوس ~~على دراية تامة بحقيقة أن علة الوجود الكاثوليكية في الأقاليم ذات الغالبية الدوناتية إلى ~~حد كبير مثل إقليم نوميديا كانت تعتمد على الاتفاق مع روما. ولقد سلم أوغسطينوس بأن ~~السدة الرسولية من الممكن أن تمارس سلطة إعفاء إذا كانت عملية القانون الكنسي ~~المجمعي الصارمة تتسبب في إحراج شديد. وافترض أوغسطينوس أنه فيما يتعلق بشئون الكنيسة ~~الأفريقية يمكن للأساقفة الأفارقة أن يصدروا حكما متعلقا بالمجمع الكنسي مستقلا؛ لكنهم ~~كانوا يسعدون عندما تعزز السلطة الرومانية من حكمهم. وحيثما حدث ذلك، فلا شك أنه كان يحسم ~~المسألة الجاري مناقشتها؛ قضي الأمر (العظات وفي مواضع أخرى). من ناحية أخرى، كره ~~الأساقفة الأفارقة على استحياء لجوء رجال الدين المدربين في أفريقيا مباشرة إلى الكرسي ~~البابوي، ولم يرق لهم مسألة عدم إحاطة الباباوات أنفسهم علما كاملا بالقضايا موضوع ~~النقاش. في عام 418، وقعت حادثة سيئة السمعة لكاهن مقصر يدعى أبياريوس أوقفه أسقفه ~~مؤقتا حيث لجأ للبابا (زوسيموس) ونال جلسة استماع سخية جدا، لدرجة أن الأساقفة الأفارقة ~~استاءوا جدا من الاستهتار باستقلاليتهم، وطرحوا أسئلة سديدة حول القانون الكنسي الذي ~~بموجبه زعم البابا لنفسه سلطة اتخاذ القرار. وأخيرا، سنوا هم أنفسهم قانونا رسميا ~~«ينص على أنه ما من أحد يجرؤ على اللجوء إلى الكنيسة الرومانية.» # أسف أوغسطينوس أسفا شديدا على رعونة البابا فيما يتعلق بمسألة أبياريوس، واستعداد ~~البابا نفسه للاستماع إلى المهرطقين؛ لكنه بذل قصارى جهده من أجل إخفاء هذه الأمور. كان على ~~يقين من أنه ما من أسقف من أساقفة روما سيقع في خطأ إصدار حكم مناقض ms078 للعقل الجمعي لهيئة ~~الأساقفة. # تكلم أوغسطينوس عن الكنيسة باعتبارها جسد المسيح بلغة غنائية، وكانت الكلمة والأسرار ~~المقدسة التي أوكلت للكنيسة سبيل الخلاص وأدواته نفسها؛ ولذا، فالكنيسة هي الحمامة أو ~~العروس المحبوبة لأنشودة الأناشيد، ومجتمع كل المؤمنين، والجسد الذي يمثل المسيح منه الرأس ~~الذي لا ينفصل عنه قط، حتى إن «المسيح الكامل» هو الرب وكنيسته معا بشكل راسخ، والجسد ~~الذي يمثل الروح القدس روحه. وكانت مرثا ومريم ترمزان إلى الكنيسة المجاهدة والكنيسة ~~المنتصرة (لوقا 10)، وهما رمزا النشط والمتأمل. ولكن في هذه الحياة، لا مفر من أن تشوب ~~المجتمع الكاثوليكي التجريبي شائبة. والزلات والأخطاء كثيرة وجسيمة. # لم يشارك أوغسطينوس صديقه جيروم وجهة نظره المتشائمة التي ترى أن الكنيسة المعاصرة تنبأ ~~بها الإسرائيليون في العهد القديم، وشجبها الرسل على اعتبار أنها ميالة ميلا فريدا للردة. ~~وتصوره لرجال الدين المعاصرين له يثبت أن الكم والكيف كانا متدنيين، وأن الفضائح لم ~~تكن أحداثا نادرة. كان يعرف أنه من بين عامة الناس بعض المعمدين ارتكبوا ذنوبا قاتلة، ~~وبعدها قيل لهم إنه لا يجوز لهم حضور العشاء المقدس حتى يبرءوا منها. لكن الخطايا القاتلة ~~تشمل مسائل جسيمة كالزنا أو السرقة. والخطايا البسيطة يبرأ منها المرء بصلاته اليومية ~~للرب وبالزكاة. # بدت لغة الدوناتيين الخاصة برجال الكهنوت المرسومين الضمانة العليا لأسرارهم المقدسة ~~بالنسبة إلى أوغسطينوس التي تحمله على الافتراض مسبقا بمفهوم كهنوتي أكثر من اللازم ~~للكنيسة. كان لدى رجال الكهنوت خدمة ضرورية جدا عليهم أداؤها. وكان الترسيم تقديسا من ~~الروح القدس. وكان من الواضح والجلي أن رئاسة العشاء الرباني يجب أن تمنح للمخول لهم ~~بموجب الترسيم تولي هذا العمل. ولم يحلم أحد (إلا في الطوائف المهرطقة) برئاسة علمانية. لكن ~~أوغسطينوس لم ينظر للكنيسة قط باعتبار أن قوامها رجال الدين. لقد كانت الكهانة مكانة ~~ثانوية، ومجرد خدمة. واستمرارية الكنيسة على العقيدة الرسولية كانت لها في النظام الكهنوتي ~~وسيلة وعلامة، ولكن عندما بحث أوغسطينوس، في تفنيده ل «الخطاب الأساسي» المزعوم لماني، عن ~~تأصيل لحقيقة الإنجيل، تطلع إلى عقيدة الكنيسة الكاثوليكية: «لم ms079 أكن لأصدق الإنجيل لو لم ~~تكن سلطة الكنيسة الكاثوليكية تلزمني بأن أفعل ذلك.» ولم يكن أوغسطينوس لينكر نقيض هذه ~~العبارة. # لم يكن أوغسطينوس يظن أن الرب يخاطب الإنسان حصريا عبر العناية الإلهية وعبر الإنجيل ~~والأسرار المقدسة، لكن هذه السبل كانت بالتأكيد الوسائط المحورية الطبيعية. إن كلمات البشر ~~الواردة في الكتاب المقدس وماء التعميد وخبزه وخمره والقربان المقدس كلها عناصر دنيوية ~~واهنة. لكن الرب يجعلها وسائله الخاصة، وهي تبث الحقيقة والعناية الإلهية في القلب ~~المؤمن. ومن دون الإيمان، لا تجدي الأسرار المقدسة الروح نفعا. ومن هنا جاءت المقولة: ~~«آمن وستكون قد أكلت» (معاهدة إنجيل يوحنا). والأسرار الكونية دلائل، أما «الكتاب المقدس ~~فيتكلم عن الدلائل باعتبارها الواقع المشار إليه» (معاهدة إنجيل يوحنا). توظف لغة ~~أوغسطينوس القربانية كلا من اللغة الرمزية المنسجمة مع الأفلاطوني الذي يميل للشعور ~~بالحرج من ظاهرية العلامة المقدسة، واللغة الواقعية المميزة للإنجيل والمرتبطة ارتباطا ~~وثيقا بالفكرة الأخروية الخاصة بتحقيق مملكة الرب هنا والآن؛ وعليه فإننا نجد تمايزا بين ~~السر المقدس والواقع (لم يعن أوغسطينوس أي شيء مادي) ينقله هذا السر المقدس (معاهدة إنجيل ~~يوحنا؛ مدينة الله). أدى به الجدال مع الدوناتيين إلى التشديد على التلقي الداخلي للروح، ~~بينما منعه الجدل بينه وبين المانيين من افتراض أن عناصر العشاء القرباني أكثر دنيوية من أن ~~يستخدمها الرب. # الفصل الثامن # | الخلق والثالوث # قرابة الفترة التي أنهى فيها أوغسطينوس «الاعترافات»، كان ذهنه منصرفا بالفعل، خلال ~~الفترات الفاصلة ما بين انشغاله بالشئون الدوناتية، إلى موضوعين آخرين شغلا لحظات فراغه ~~المحدودة على مدار الخمسة عشر عاما التالية وما بعدها. كان الموضوع الأول تفسير الفصول ~~الثلاثة الأولى من سفر التكوين، والثاني مذهب التثليث. وكان الموضوعان مسألتين ينزع ~~المفكرون الوثنيون كثيرا إلى السخرية منهما. بدا سفر التكوين الأول كرواية لخلق الرب ~~للعالم أنه يوحي بأن الخلق حدث مرة واحدة وبشكل لحظي. واعتبر الفلاسفة (أو على الأقل ~~بعضهم) أن الخلق عملية بذل فيها الفنان الإلهي قصارى جهده مستعينا بالمادة العديمة ~~الشكل. وبدت قصة آدم وحواء والحية أسطورة ساذجة. ms080 وتقبل أغلب الأفلاطونيين لغة «الخلق» في ~~الحديث عن علاقة الرب بالكون، واستخدم أفلاطون الكلمة نفسها في محاورة «طيماوس». لكنهم ظنوا ~~أن هذه اللغة المجازية تعبر عن تعويل سرمدي؛ في الواقع الكون كان سرمديا، ولم يكن له ~~بداية ولا نهاية. # ألف أوغسطينوس خمسة شروحات لسفر التكوين، من ذلك «الاعترافات 11-12» و«مدينة الله ~~11». وكان أول شرح له تعليقا مجازيا تفنيدا لنقد المانوية. لكن المجاز كان عرضة لتهمة ~~كونه أداة سفسطائية لتفادي الصعوبات المحرجة. شرع أوغسطينوس في كتابة تعليق حرفي، لكنه ~~لم يكمله قط. وقرابة عام 401، بدأ يخط تعليقا ضخما على المعنى الحرفي للكتاب الذي ~~يصنف ضمن أعماله الرئيسية. وتنطلق الكتب الاثني عشر ل «شرح المعنى الحرفي للخروج» من ~~الافتراض بأنه إن لم يكن هنا يعامل سفر الخروج 1-3 كاستعارة عن الكنيسة والأسرار المقدسة ~~والخطيئة والنعمة الإلهية، فلم يكن له أن يعتبر افتتاحية سفر التكوين جزءا من «علم ~~الخلق». كان الأمر محرجا إذ تكلم المسيحيون وكأن الإنجيل يقدم تفسيرا بديلا للعالم ~~كمنافس لعالم علماء الفلك وغيرهم من علماء الطبيعة. ولقد جعلهم ذلك يظهرون بمظهر السذج ~~وجعل عقيدتهم تبدو سخيفة، وطمس الأمور المهمة حقا التي لدى المسيحيين الكثير ليقولوه ~~بشأنها. # تقبل جاليليو بصدر رحب تعليقات أوغسطينوس على هذه المسألة. ويشي تعليق الأخير ~~باهتمام شديد بمسائل نصنفها نحن على أنها علمية، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يفرض قرارا ~~على المسائل الغامضة فحسب استنادا إلى أن النص المقدس كان ينظر إليه البعض على اعتبار أنه ~~كتيب للعلوم الطبيعية. # ولا يعني «الحرفي» بحسب فهم أوغسطينوس أن المؤلف المقدس كان يقص رواية واقعية. ~~ومع ذلك، لم يعن سفر التكوين أن العالم خلق فعليا. إن وجود البشرية ووجود الكون ~~يعولان على إرادة الرب وخيريته. ومن هذا المنطلق لمعنى كلمة «حرفي»، فهم أوغسطينوس ~~سفر التكوين على اعتبار أنه يقص علينا الحال، لا على اعتبار أنه وسيلة معقدة لمناقشة ~~سرمدية العالم والخلود الفطري للروح. ولم يفترض أن الكلام عن وجود الرب كعلة أولى طريقة ~~للقول بأن الكون وجد في بداية ms081 فترة متناهية من الزمن. وبينما ظن أغلب الأفلاطونيين أن ~~الخالق ينبغي أن يفهم قياسا على الفنان أو الحرفي الذي يبذل قصارى جهده في تطويع مادة ~~الطين المستعصية، أكد علماء اللاهوت المسيحيين في القرن الثاني على أن الخالق أيضا صنع ~~المادة والعالم «من عدم». وساعد تعليق فرفوريوس على محاورة «طيماوس» لأفلاطون في هذه ~~الجزئية؛ فقد قال فرفوريوس في تعليقه إنه في حين أن المادة في ترتيب الخلق سابقة للشكل الذي ~~منحها إياه الخالق، لم تكن هناك لحظة في مسار الزمن لم يكن لها شكل محدد. تبنى أوغسطينوس ~~هذه اللغة وجعلها لغته الخاصة. وكما لاحظ فرفوريوس نفسه، لبت أكثر متطلبات التوحيد ~~صرامة. # أوحت فكرة فعل الخلق اللحظي للفلاسفة بضرب من الحيل الخارقة للعادة. ورأى أوغسطينوس أن ~~العالم خاض عملية تطور، فلم يخلق كل شيء في العالم الآن هكذا في البداية. وظن أن الرب ~~خلق «مبادئ أصيلة» أو أسبابا علية لكل شيء وجد بعد ذلك، وهذه اللغة سمحت له بتصور ~~أنواع جديدة تظهر لاحقا. ربما أتاحت له اللغة الأفلاطونية المستخدمة لوصف التطور النشوئي ~~للرتب في هرمية الوجود هنا قائمة مفردات، وربما أيضا أثرت فيه لغة أفلوطين إذ تكلم عن ~~«الانبثاق». من البديهيات الأفلاطونية أنه من المحتمل أن كل المعلولات متضمنة في عللها. ~~ولم يعتقد أوغسطينوس أن المصادفة أو العشوائية لعبت دورا في النظام أو التصميم المذهل ~~للعالم. «المصادفة» كلمة نستخدمها عندما يصادف أننا لا نعرف العلة (ردا على الأكاديميين). ~~وما من شيء يحدث دون علة ما (مدينة الله). كان أوغسطينوس واثقا بعقلانية الكون؛ ولم ~~تمثل بالنسبة إليه شذوذات واضحة سوى نزوات الاختيارات الحرة. # يشيع عن أوغسطينوس القدح في الإناث، ويمكن دعم هذا الاعتقاد باقتباسات انتقائية، لكن ~~بعض الألفاظ التي جاءت على لسانه إيجابية جدا؛ فقد عارض أوغسطينوس البيان الحالي لكلمات ~~القديس بولس (الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس) التي بحسبها خلق الرب الذكر، لا الأنثى، ~~على صورته. وآمن بأن الرجال والنساء يختلفون جسدا وليس روحا أو من حيث الملكات العقلية. ~~من ناحية أخرى، اعتبر ms082 أنه من الواضح والثابت أن الوظيفة الأساسية للمرأة بيولوجية في المقام ~~الأول؛ إذ «لو كان آدم بحاجة إلى رفيق بمعنى شريك في حوار ذكي بحق ورفقة طيبة، لمنحه ~~الرب حقا رجلا آخر؛ وإذ منحه حواء فقد كانت نيته ضمان استمرار الجنس البشري» (تعليق ~~حرفي على سفر التكوين). وافترض أوغسطينوس أن دور المرأة في مؤسسة الزواج أن تكون خادمة ~~وداعمة، شأنها شأن مونيكا التي تحملت رفيقها الخائن المتقلب المزاج وهدأت من روعه. إن ~~شركاء الحياة يجب أن «يسيروا جنبا إلى جنب» (حول ~~الزواج الصالح # De bono conjugali ~~)، وربما كان شاعرا بالأسى على العادة التي ما زالت متبعة ~~في مناطق من عالمنا المعاصر؛ حيث يمشي الزوج في المقدمة وزوجته من خلفه تحمل الأطفال ~~والأمتعة. ورغم أن الزوج والزوجة لم يكونا متكافئين في الحياة العامة، فقد كانا متساويين ~~في الحقوق الزوجية (ردا على فاوست؛ أسئلة عن التوراة ). # ويبين عدد من مقولات أوغسطينوس الأمر الاعتيادي الذي مفاده أن التوجهات العامة عن ~~النساء كثيرا ما تحددها التوجهات السائدة نحو الجنسانية. والرجل الذي دان بالولاء في فترة ~~من الفترات بالمانويين الصوفيين وعاش في الوقت نفسه مع امرأة تلبي له احتياجاته الجنسية ~~من المتوقع أن يكون متضارب الأقوال. لقد أجبره اعتناقه للمسيحية الكاثوليكية على أن ~~يتبنى تقييما إيجابيا للجسد ربما تعارض مع حقيقة أن نبذ الجنس استقر في قلب قراره. ~~ثمة عظة تعلن عن شرعية الاستمتاع بعجائب الطبيعة والموسيقى والأزهار والروائح وأطايب ~~الطعام «والعناق بين الأزواج» (العظات). وفي «مدينة الله» سارع أوغسطينوس بإنكار فكرة ~~تبناها البعض، مفادها أنه في الآخرة سيوحد البعث أجساد الرجال والنساء في أجساد ~~ذكورية، وكأن الأنوثة كانت خطأ مؤسفا سقط فيه الخالق. ومن ناحية أخرى، هاب أوغسطينوس ~~الجنسانية (وخاصة فيما يتعلق بذاته) انطلاقا من كونها تخرج عن السيطرة العقلانية للإنسان ~~بسهولة. وحتى الأخوات اللائي كن يخدمن في دير هيبو حذرن من أن النساء يمكن أن ~~يفقدن الرجال صوابهم بلا وعي ولا قصد منهن بنظرة واحدة فحسب (الرسائل). # لا يحوي مؤلف أوغسطينوس المعروف باسم ms083 «تعليق حرفي على سفر التكوين» الكثير من ~~الفقرات الجدلية، لكن العمل يقدم العديد من النقاشات حول مشكلات تتعلق بفكرة الخلق وطبيعة ~~الإنسان. والتوتر القائم ما بين الأفلاطونية والإنجيل واضح طوال الوقت في ذلك المؤلف، ومن ~~الممكن قراءة التعليق على اعتبار أنه يميز وعيا أقوى بأن أوغسطينوس اضطر إلى أن يضع مسافة ~~بينهما أكبر مما ظن ذات مرة إبان حياته في كاسيكياكوم. وكان فرفوريوس، الذي لم يذكر ~~اسما في النص، رمزا أساسيا يستقر وراء كواليس التعليق. ولأن الكتاب يحوي القليل نسبيا ~~من الجدل، فهو يتسم بطابعه التفسيري والمؤقت. عندما نظر أوغسطينوس في «المراجعات» التي ~~كتبها في أواخر حياته على هذا العمل، شعر بأنه تنبئي ومؤقت بشكل مبالغ فيه بما يحول ~~دون كونه كتابا مفيدا. ومن المستبعد جدا أن يوافقه القارئ الحديث هذا الحكم ~~السلبي. # يبدو انشغال أوغسطينوس بالأفلاطونية أكثر جلاء حتى في العديد من المواطن بالكتب الخمسة ~~عشر المعروفة باسم «الثالوث»، وهو العمل الذي انتهى منه أخيرا في الخامسة والستين من عمره. ~~تتعاطى الكتب السبعة الأولى مع تقليد الكنيسة، بداية في الكتاب المقدس ومن ثم لدى ~~المعلقين وعلماء اللاهوت الأرثوذكسيين. ولقد أبهره إلى حد كبير العمل الرئيسي المتقن ~~الذي خطه القديس هيلاري أسقف بواتييه قبله بجيل كامل حول الموضوع نفسه. ومن بين المسائل ~~المحورية التي تناولها هيلاري وأوغسطينوس مسألة تتعلق تحديدا بآريوس، قسيس بأبرشية ~~بالإسكندرية في أوائل القرن الرابع. لقد أشعل آريوس جدلا واسعا بأطروحته التي مفادها أن ~~مذهب الثالوث المقدس يمكن أن ينسجم مع التوحيد عن طريق الإقرار بالدونية الميتافيزيقية ~~والأخلاقية للابن حيال الآب، أو بالإصرار عليها حقا. وشعر أوغسطينوس استنادا لسبب معين ~~أن المناقشات المعارضة لآريوس التي خطها الكتاب الأرثوذكسيين، وفيهم أفاضل علماء ~~اللاهوت اليونانيين بالقرن الرابع، كانت أقل فعالية وقوة من اللازم؛ فقد كانت هناك تنازلات ~~مبدئية أكثر من اللازم لأسلوب آريوس في التفكير. تستكشف الكتب الثمانية الأخيرة إمكانية ~~فهم «الثلاثة في واحد» بواسطة سلسلة من القياسات المستخلصة من علم النفس البشري؛ ولذا ~~يناظر نصفا العمل أطروحته المضادة ms084 عن الإيمان والفهم. # لم يرفض التقليد الأرثوذكسي آريوس وحسب، بل رفض أيضا الفكرة المنافسة له والمرتبطة ~~بمهرطق مغمور بالقرن الثالث يدعى سابيليوس، ومفادها أن الآب والابن والروح ما هي إلا صفات ~~تعبر عن سمات للرب الواحد. وخلاصة القول، رفض هذا المذهب فكرة أن الآب والابن والروح مجرد ~~صفات وحسب أو أسماء كاملة. بالنسبة إلى الباحثين الفلسفيين المتأملين غير المسيحيين بذلك ~~العصر، جعلت هذه المسألة الأمر يبدو وكأن مذهب التثليث يتحدى الفهم العقلاني. صحيح أن ~~«الرب» سر سام، لكن طريقة الحديث هذه بدت أشبه بصيغة غير مفهومة، وكاد يكون أقرب إلى ~~تعويذة شعائرية لا ينفذ إليها المنطق. وعندما ذكرت هذه المسألة، سخر المفكرون الوثنيون ~~منها. # أثبت أوغسطينوس بسهولة ويسر أن مفهوم كون الرب واحدا وثلاثة في آن واحد أبعد ما يكون ~~تماما عن الرطانة المعقدة لدرجة أن التأمل البسيط في طبيعة الشخصية البشرية يقدم ~~نموذجا فوريا. يشي الاستبطان بثلاثية الوجود والمعرفة والإرادة، وهذه العمليات الثلاث ~~مرتبطة ارتباطا تداخليا بالتبادل وذات أهمية مكافئة. ببساطة هناك ثلاثيات أخرى؛ مثل: ~~الذاكرة والذكاء والإرادة، أو العقل والمعرفة والحب، أو العاشق والمعشوق والحب الذي يربط ~~بينهما. ولكن، لا تتيح أي من تلك الثلاثيات لأوغسطينوس سلما بسيطا يرتقي به إلى الرب ~~الذي لا توجد صورته لدى الإنسان في الجسد، بل في العقل وفي الحرية والمنطق والوعي بالذات. ~~لقد أجابت القياسات التمثيلية باكتساح عن أسئلة النقاد الذين ظنوا أن مفهوم «الثلاثة في ~~واحد» هراء سخيف. لكن مرونتها وتعددية معناها أعظم من أن تسمحا لعقولنا بأن تنقل هذه ~~المفاهيم إلى الرب. تم التوصل إلى أقرب قياس تمثيلي وأفضله في الكتاب الخامس عشر والأخير، ~~وتحديدا في وحدة التفكير والكلام والإرادة وفي العلاقة الوثيقة بين المعرفة والحب. # لم يكن تعبير «القياس التمثيلي»، بالنسبة إلى أوغسطينوس ومعاصريه، يعني تماثلا غامضا، ~~بل شيئا محددا ورياضيا. في موضع واحد أورد تحذيرات من أن الحديث عن القياس التمثيلي ~~للرب يمكن أن يكون أدق من اللازم، فيمسي في نهاية المطاف تجسيدا له (العظات). لقد سلم ~~بوحدة ms085 العقل وعملياته، ولم يتكلم عن العقل على اعتبار أنه يمتلك قدرات مستقلة أو أقساما ~~غير تواصلية. ومع ذلك، تحت ضغوط بحثه عن «آثار» أو «بصمات» الثالوث المقدس في روح الإنسان، ~~يمكن تفسير لغته أحيانا على أنها توحي بأجزاء شبه مستقلة للنفس. وشت هذه الحقيقة بصعوبته ~~اللاهوتية؛ فهو لم يستطع أن يجد اصطلاحات لتفسير التمايز بين الآب والابن والروح القدس ~~بوضوح وجلاء؛ ففي أعمالهم فيما يتعلق بالعالم نجدهم غير منفصلين. ومنذ ترتليان في نهاية ~~القرن الثاني، تحدث علم اللاهوت اللاتيني عن «الشخوص الثلاثة في مادة واحدة» (ولم يحمل هذا ~~الاصطلاح الأخير مدلولا ماديا بضرورة الحال)؛ فقد استخدم اصطلاح «الشخوص» لأول مرة لأن ~~ترتليان عثر في العهد القديم، مثلا في المزمور الثاني، على فقرات فسرها على اعتبار أنها ~~حوار بين شخوص مسرحية. # اعتبر أوغسطينوس كلمة «مادة» مقبولة بشروط كاصطلاح للوجود الميتافيزيقي السامي، ما دامت ~~لا تحمل في طياتها تلميحا بأن في الرب مادة وحوادث. لكن مسألة «الشخوص الثلاثة» أرقته ~~كثيرا؛ فالرب متجاوز لأي عدد، ولا يمكن إحصاؤه. ربما يستطيع المرء أن يقول «ثلاثة» دون أن ~~يجيب عن السؤال «ثلاثة ماذا؟» لطالما كانت فكرة «الشخوص الثلاثة» تقليدا مجتمعيا ~~مقدسا في الكنيسة، وكان أوغسطينوس يحترم استخدامه في كل من الفلسفة وعلم ~~اللاهوت. # شكل 8-1: لوحة فنية معاصرة للقديس أمبروسيوس، ميلانو، القرن الرابع. # وجد أوغسطينوس، مستعينا بلغة أرسطو، اصطلاحي الآب والابن كلمتين تعبران عن علاقة ما؛ ~~وعليه اقترح أن الثالوث اصطلاح علائقي، لكنه غير مادي؛ فالآب هو الينبوع أو مبدأ الربوبية، ~~والابن «مولود» (أي إن علاقته بالآب داخلية بالنسبة إلى الوحدة المقدسة وليس لها ما يشبهها ~~من تعويل النظام المخلوق العارض). والروح القدس «تنبثق» منهما؛ والكلمة مستخلصة من إنجيل ~~القديس يوحنا. # تناول علم اللاهوت اللاتيني للجيل السابق لأوغسطينوس (هيلاري أسقف بواتييه وأمبروسيوس ~~أسقف ميلانو) بالفعل الروح القدس على اعتبار أنه ينبثق من الآب والابن. ثمة عقيدة يونانية ~~معترف بها في مجلس القسطنطينية قالت بأن الروح القدس «انبثق من الآب». ولم يكن لذاك المجلس ~~تمثيل غربي، ms086 واتخذ قرارات كنسية غير ملائمة للغرب. والحقيقة أنه أقر عقيدة كانت غائبة عن ~~الغرب لأكثر من 20 سنة بعد وفاة أوغسطينوس؛ ولذا، لم يكن هناك سبب يدعو أوغسطينوس للتردد في ~~التأكيد على أن الروح تنبثق عن الآب والابن. شعر أوغسطينوس أن تناول المسألة بهذه الطريقة ~~يحمي فكرة التثليث من فهمها كثالوث متدرج غير متساو. ولقد أضفت تشديدا أكبر بالكامل ~~على وحدة الرب مقارنة بالصيغة اليونانية. بشكل تدريجي جدا تسللت صيغة أوغسطينوس إلى ~~العقيدة الشعائرية في الغرب. وبعدها بأربعة قرون، أمست هذه النقطة مشكلة توسع الفجوة ما ~~بين العالمين المسيحيين اليونانيين الشرقي والغربي. دافع الغرب المنتمي للقرون الوسطى عن ~~إقحام عبارة «والابن» في العقيدة استنادا إلى السلطة البابوية. وحتى في القرن السادس عشر، ~~احتفظ المسيحيون الذين استبعدوا من تناول العشاء الرباني بصيغة أوغسطينوس في مقابل النص ~~المجمعي الأصلي. ومن ناحية أخرى، لم تبادر الأديرة الكاثوليكية جنوبي إيطاليا بزيادة ~~إضافة أوغسطينوس. # كان لجهود أوغسطينوس في بيان فكرة التثليث عميق الأثر على المفاهيم الغربية اللاحقة ~~المتعلقة بالشخصية. ظن فرفوريوس أن كل الأرواح تشترك في «روح عالمية»؛ مصدر لكل الطاقة ~~والحيوية في الكون المادي. واستغل أوغسطينوس في بداية حياته فكرة الروح العالمية. ولكن، في ~~أواخر حياته لم يزعم أوغسطينوس قط أنه لا وجود لكيان كهذا، لكنه ظن أنه تسرع في شبابه ~~بافتراض أنه: # بالنسبة إلينا الرب ليس هذا العالم، سواء أكانت هناك روح عالمية أم لا؛ فإذا كانت ~~هناك روح عالمية، فالرب خلقها؛ وإن لم تكن هناك، فيستحيل أن يكون العالم رب أي ~~أحد. ولكن حتى لو لم تكن هناك روح عالمية، فهناك قوة حياتية تطيع الرب وتعمل من ~~خلال الملائكة (المراجعات). # لم يكن جعل العالم ربا المشكلة الوحيدة. مالت لغة فرفوريوس إلى تعيين موضع التفرد، لا ~~في الأرواح بل في التمايز المادي. بالنسبة إلى أوغسطينوس كل روح متفردة بمصيرها الشخصي في ~~مراد الرب. علاوة على ذلك، اعتبر أوغسطينوس أن المفهوم الإنجيلي للرب ينفصل عن التقليد ~~الأفلاطوني؛ نظرا للتشديد على الإرادة وعلى الجوانب الإبداعية ms087 والأصلية والمتفردة. وعلى ~~ذلك تطور معنى الشخصية وأمسى لا يعني فحسب اللامادي والسمة الداخلية للإنسان، بل كذلك ما هو ~~مميز وغير مشترك. لقد أفصح التعريف الكلاسيكي للشخص الذي قدمه الفيلسوف بوئثيوس باعتباره ~~«المادة الفردية للكائن العقلاني» تفصيلا عما كان يضمره أوغسطينوس بالفعل. # لم يكن مفهوم الثالوث السامي المستقر على قمة هرمية الوجود بالفكرة التي يمكن أن تسخر ~~منها عقول الأفلاطونيين الجدد لفترة طويلة دون أن يسقط أصحاب تلك العقول في تناقضات ميئوس ~~منها. ولقد عمل أفلوطين وفرفوريوس على هذا النحو بغيبيتهما المتعلقة بالواحد والعقل والروح ~~العالمية. ويساعد ذلك في تفسير علة اعتبار أوغسطينوس في مؤلفه «حول الدين الحق» مذهب ~~أن الرب هو الثالوث حقيقة يسهل الوصول إليها بيسر عن طريق المنطق الفلسفي، بينما لا يمكن ~~فهم فكرة تجسد الإله إلا في تواضع الإيمان. وتعكس هذه النقطة تمسك أوغسطينوس الشديد ~~بالفرضية المسيحية المسبقة التي مفادها أن التدفق التاريخي غير المنظم مرحلة من مراحل ~~الكشف عن الذات الإلهية: تجسدت كلمة الرب المنقذة للإنسان، في جوهرها، في حياة تاريخية ~~شخصية، والكلمة مشهودة عبر مجتمع مرئي تاريخي وفيه. ورغم أن أوغسطينوس كان أفلاطونيا، ~~فإنه لم يعتقد أن الخلاص يكمن في تجريدات سرمدية؛ ولذا، كان بحاجة إلى نظرة تاريخية تنبع من ~~إيمانه الديني المحوري وتعبر عنه، وتفسير يوفر في الوقت نفسه دفاعا عن الإيمان بالعناية ~~الإلهية رغم كل كوارث التجربة التاريخية، ورغم استحالة تبني أي شيء سوى تقدير كئيب للوضع ~~الحالي للطبيعة البشرية. # واعتبر أوغسطينوس التاريخ غاية المعرفة الدنيوية وأنه متمايز تماما عن الحكمة العليا. ~~لكن الانفصال الأفلاطوني ما بين عالمي الحس والعقل يمكن تجاوزه بتطبيق المفهوم المسيحي ~~للتاريخ باعتباره أشبه بسلم مقدس يستطيع الرب أن يستخدمه فيرفع الروح من الحياة النشطة ~~إلى الحياة التأملية ومن الزائل إلى السرمدي عبر يسوع التاريخ الذي يصبح مسيح الإيمان ~~(ردا على فاوست؛ الثالوث). وإننا نمر بواسطته على الدرب المؤدي إلى رؤية الأبدية السرمدية ~~(العظات). # الفصل التاسع # | مدينة الله # يرجع الصراع الجدلي بين المفكرين الوثنيين القدماء والمسيحية إلى القرن ms088 الأول (انظر أعمال ~~الرسل). وجاء الرد على هجوم سلزوس الوثني في القرن الثاني الميلادي من قبل أوريجن في ~~القرن الثالث. هاجم فرفوريوس بدوره أوريجن، وبداية من قسطنطين فصاعدا دان الأباطرة، ~~بخلاف يوليان المضطرب الذي لم يعش طويلا، بالمسيحية. لكن أغلب أبناء الطبقة الأرستقراطية ~~وأصحاب الأراضي الأثرياء، وكذلك الفلاحين الذين يعملون في أراضيهم، ظلوا متحفظين والتزموا ~~بعبادة آلهة متعددة. ولا نقول بأن المفكرين آمنوا بالأساطير القديمة؛ فلطالما كان الأرباب ~~الذين كان الناس يعبدونهم في المعابد محط سخرية على خشبات المسارح، وقوضوا على نحو ~~أكثر تهذيبا في قاعات المحاضرات. لكن الطقوس كانت طرقا متلقاة لاستبقاء القوى غير المرئية ~~على حالتها المستحسنة. لا شك أن الإهمال أدى إلى المجاعة والجفاف وانتشار الأوبئة والهزيمة ~~العسكرية. وهجران تلك الطقوس يعني أنه يفترض أن لدى المرء داعيا يدعوه لاتباع طريقة عليا. ~~وبالنسبة إلى كثيرين كان المهم أكثر من أي شيء التطهير الداخلي للروح، وكانت التضحيات ~~والصور والطقوس الخارجية مهما كان نوعها محض تشتيت، ومجرد رموز على أحسن تقدير. وبالنسبة ~~إلى آخرين، كانت الطقوس القديمة مهمة، وأمست أكثر أهمية إذ هاجمها المسيحيون. ومن الممكن ~~القول بأن الأفلاطونيين الجدد بالقرن الرابع الميلادي كانوا ملتزمين بقدر كبير بالطقوس ~~الوسواسية، وفي بعض الحالات كانت تصاحبها ظواهر إعجازية للدفاع عن معتقداتهم. ولقد تصرفوا ~~بطريقة بدت وكأنها تشدد على تماهي الطائفة الوثنية من وجهة النظر المسيحية مع الشعوذة ~~والسحر والتنجيم. # وفيما يتعلق بمسألة الطائفة (كما رأينا من قبل)، كتب فرفوريوس وجهتي نظر؛ فمن ~~ناحية، أقر بأن الطقوس القديمة كان لها ثقل التقليد السحيق، ولا شك أنها استرضت أرواحا ~~شريرة؛ ومن ناحية أخرى، مقت فرفوريوس القرابين من الحيوانات. # شكل 9-1: الإمبراطور يوليان المرتد. # وقرابة الفترة التي رسم فيها أوغسطينوس، أقرت السياسة الإمبراطورية سلسلة من ~~المراسيم التي تقضي بغلق المعابد وحظر الذبائح الوثنية. ترتب على ذلك تولد الكراهية ~~الشديدة للكنيسة. ووقع أكثر من حدث شغب ضد المسيحية أسفر عن خسائر في الأرواح والممتلكات. ~~وفي روما قدم 410 أرستقراطيين وثنيين قرابين خاصة لتفادي قوطيي القائد ms089 ألريك، بينما كان ~~رجال الدين المسيحيون يستجدون شفاعة بطرس وبولس ولورانس وغيرهم من القديسين الراعين ~~للمدينة. نهب ألريك المدينة، لكن جنوده أبدوا احترامهم للكاتدرائيات المسيحية. وظن ~~المسيحيون أن الكارثة وقعت بسبب وجود عدد كبير جدا من الوثنيين. ولام الوثنيون تجاهل ~~المسيحيين للأرباب القدماء، وتساءلوا لم كانت الكوارث في العصور المسيحية أكثر عددا. ~~ولقد أثار سقوط المدينة الخالدة في الرابع والعشرين من أغسطس عام 410، وهي التي كانت لها ~~أهمية رمزية أعظم من أهميتها السياسية، نقاشا عن العناية الإلهية في التاريخ، وحوارا عن ~~كون المسيحية على وشك أن تفضي إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية. وفي ظل احتدام هذا الجدل، ~~شرع أوغسطينوس في كتابة «عمل ضخم وشاق» سماه «مدينة الله»، طرح فيه أفكارا سبق أن ظهرت ~~بالفعل في كتابه «حول الدين الحق» الذي ألفه وهو علماني، لكن طريقة الطرح الجديدة كانت ~~أوسع من حيث المنظور. # استقى أوغسطينوس عنوان الكتاب من الزبور، واختاره بحيث يمثل نقيضا متعمدا لكتابي ~~«الجمهورية» لكل من أفلاطون وشيشرون. وكانت أجزاء من ذلك الكتاب معركة حامية الوطيس ~~بينهما وبين أوغسطينوس. استغرق تأليف 22 فصلا من هذا العمل ثلاثة عشر عاما؛ فقد بدأ ~~تأليفه وهو في التاسعة والخمسين من العمر وأنهاه عندما بلغ الثانية والسبعين. # أجابت الفصول الخمسة الأولى على المشركين الذي يعبدون آلهة متعددة ويرون أن الآلهة ~~القديمة تحمي المصالح الرومانية بشكل متفرد. ولكن ألم تكن تلك الآلهة رجالا مؤلهين ~~فحسب؟ لقد استغل أوغسطينوس استغلالا عظيما الدراسة العتيقة للعقيدة الرومانية للعالم ~~الشهير فارو، والمثقلة بإحاطة واسعة وشاملة بأكثر الجوانب تفاهة للطائفة الوثنية. ويتساءل ~~المرء لم جمع أوغسطينوس وصفه للشرك من كتاب وضع منذ خمسة قرون بدلا من وصف الأحداث ~~الجارية في أفريقيا حتى سنوات قليلة سابقة وحسب. لقد اكتسب المفكرون الوثنيون المعاصرون، ~~ربما دفاعا عن أنفسهم، اهتمامات قوية بما هو قديم، ويمكن أن يرى المرء ذلك في «تعليق على ~~حلم سكيبيو» للقديس ماكروبيوس أو «عيد الشمس الوثني». ومفاد محاجتهم المناوئة للمسيحية أنها ~~ليست التقليد الأصلي البدائي. وبادر أوغسطينوس، انطلاقا من سلطة ms090 موثوقة، ببيان كيف أن ~~المسائل الأصلية البدائية كانت غير ملهمة ومثيرة للحرج. # شكل 9-2: «مدينة الله»، أقدم مخطوطة على الإطلاق، وترجع إلى منتصف القرن الخامس، ~~بمدينة فيرونا. # وجهت الكتب من السادس حتى العاشر إلى الأفلاطونيين الجدد الذين كانوا يعيدون تفسير ~~التقليد الشركي كدرب للتطهير؛ حيث تلعب الآلهة دور الوسطاء ما بين البشرية وأسمى العوالم. ~~وأتاحت الكتابات الأفلاطونية لزميله الأفريقي أبوليوس الكثير من النصوص للنقاش. # كان أوغسطينوس على دراية بأن نقاشه الودود والنقدي في الوقت نفسه للأفلاطونية سيصدم ~~المتحمسين المعاصرين الذين تعاملوا مع أفلاطون باعتباره سلطة مقدسة لا ينبغي تعديل أي شيء ~~في كتاباته أبدا. ولكن أوغسطينوس وجد في فرفوريوس حداثيا يعيد تفسير التقليد الأفلاطوني ~~بطرق ثورية، وبهذه الطريقة جعله أقرب صلة بالمسيحية التي يكرهها فرفوريوس. # رفض أوغسطينوس الإمبريالية الرومانية والكفاية الذاتية الرواقية وتطهير الذات ~~الأفلاطوني الجديد (رغم إعجابه الشديد والدين الشخصي الذي يدين به) باعتبارها تنويعة ~~لتعبيرات عن الكبر والغرور . ورأى أوغسطينوس أن التوتر المطلق للبشرية لا يكمن في التوتر ما ~~بين العاطفة والمنطق اللذين يمكن أن يكونا بالقدر نفسه أداتين لتأكيد الذات. وفي الجزء ~~الرابع عشر من كتاب «مدينة الله»، يدافع أوغسطينوس عن المشاعر باعتبارها مكونات حميدة في ~~الطبيعة البشرية وضعها الخالق عن عمد، وهاجم أوغسطينوس الفكرة الرواقية بأن المشاعر يجب ~~كبتها؛ فالحب نزعة بشرية أساسية؛ ومن ثم ينبغي توجيهها على النحو السليم؛ أي نحو الرب ~~والجيران. كان المثل الأعلى الإنساني القديم يقضي بالارتقاء بكرامة الإنسان إلى حد المساواة ~~مع ما هو إلهي. ولتحقيق هذه الغاية أوصت أطروحة فرفريوس «عن عودة الروح» بالنأي عن كل شيء ~~جسماني. ورفض أوغسطينوس المماهاة ما بين الجسد وأصل الشرور. ومن ناحية أخرى، فقد اعتقد أنه ~~من الوهم الافتراض بأن أسمى خير للإنسان يمكن أن يناله في هذه الحياة، ويجوز العثور عليه في ~~إنجازاته الاجتماعية أو الثقافية أو التكنولوجية. ويكمن أعظم خير للإنسان في الحياة الأبدية ~~في الرب وبمعيته. ولا يقتضي ذلك نبذا لقيم هذه الحياة، لكنه يجعلها نسبية. # توحي بعض الفقرات في كتاب ms091 «مدينة الله» بالتخلي تماما عن الإمبراطورية الرومانية وكل ~~المؤسسات السياسية باعتبارها منظمات نهمة للسلطة تسعى للهيمنة الخبيثة واضطهاد القوي ~~للضعيف. لا شك أن صفحات المؤرخ سالوست التي تناول فيها الصراعات الطاحنة في التاريخ ~~الجمهوري الروماني أثرت في أوغسطينوس، ويقتبس مؤيدا القول المأثور اللاذع لسالوست إذ ~~قال إن المجتمع الروماني كان يتسم بالثراء الشخصي والفساد العام. ورأى شيشرون (واحد من ~~ضحايا تلك الصراعات الطاحنة) أن أي مجتمع منسجم يجب أن يكون لديه نظام قانون، وتتوثق ~~وشائجه بروابط المصلحة المشتركة والتعويل المتبادل. ومع ذلك، لم يتوقف التاريخ الروماني ~~قط عن أن يكون قائمة بالغزوات العدوانية. كيف يمكن أن يكون المجتمع الشركي مجتمعا ~~تسود فيه العدالة؟ «إذا انتزعت العدالة، فستمسي الحكومات مؤسسات لصوصية على نطاق واسع» ~~(مدينة الله). # ولكن حانت الآن العصور المسيحية. أيمكن الآن تحقيق العدالة بمعرفة إمبراطور يقر ~~بالعبادة الحقة للرب الواحد المتجلي في المسيح؟ كتب أوغسطينوس في شبابه من آن لآخر وكأن ~~الإجابة عن هذا السؤال كانت - أو كان من الممكن أن تكون - بالإيجاب، وكأن اعتناق المسيحية ~~كان يعيد إحياء المجتمع المنهك المريض، ويتيح إمكانية تأسيس «إمبراطورية عادلة» ~~(الرسائل)، وكأنه بالتشريع الإمبريالي الداعم للكنيسة الكاثوليكية والمناوئ للطائفة الوثنية ~~والخلاف الانشقاقي مثل ذلك الذي تبنته الدوناتية، ستصبح الإمبراطورية «إمبراطورية مسيحية» ~~(الخطيئة الأصلية وعناية ~~المسيح # De gratia Christi et de peccato originali ~~). (ترد العبارة الأخيرة وحسب في الكتابات الضخمة لأوغسطينوس، ~~لكن الفكرة ضمنية في العديد من المواضع، وطاب له أن يتحدث عن «العالم المسيحي».) وإن صح ~~ذلك، فإنها ليست متأصلة في جميع الحكومات على هذا النحو لدرجة تجعلها تسعى وراء احتكار ~~السلطة والولاء، وتحاول تدمير الكنيسة باعتبارها تهديدا لسيادتها. علاوة على ذلك، قدم ~~القديس بولس (الرسالة الثالثة عشرة إلى أهل رومية) دعما رسميا لتقييم إيجابي للحكومة ~~باعتبارها أداة تنظيمية من لدن العناية الإلهية، وإن لم تكن تساعد المرء على دخول الفردوس، ~~فهي على الأقل تسد الطريق إلى الجحيم. # لم يعد أوغسطينوس الناضج الذي خط بيمينه «مدينة الله» يستخدم مثل هذه الكلمات التفاؤلية ms092 ~~إذ يصف البنى السياسية؛ فقد لاقى اعتناق قسطنطين للمسيحية ترحابا شديدا، لكن اعتناقه لها ~~لم يمهد للألفية. يحلل الجزء التاسع عشر من الكتاب تداخل القيم ما بين المدينتين ~~الأرضية والإلهية. وهما متمايزتان قطعا بلا شك؛ فالعلمانية تختلف عن القداسة، وبابل تختلف ~~عن القدس؛ فالمدينة الدنيوية المنظمة من أجل السلطة والثروة والراحة والمتعة تبعد بعد ~~المشرقين عن المدينة السماوية. والإنسان يسعى وراء قيم مدينة الله حتى في هذه الحياة ~~الدنيا بمعرفة الكنيسة المطابقة (متى 13)، إلى هذا الحد، لمملكة الرب. ولكن رغم أن الفارق ~~يكمن في نطاق رؤيوي حقا، فإن المدينتين معنيتان بشيئين تشتركان فيهما؛ ألا وهما العدل ~~والسلام، رغم أنهما لا تقصدان الشيء نفسه بالضبط بهاتين الكلمتين. # فيما يتعلق بالعدالة، كانت مدينة الله متحيزة للفقراء. ولاحظ أوغسطينوس أن أعلى ~~المدافعين صوتا عن الوثنية كانوا عموما مدافعين عن النظام الاجتماعي القديم الذي تودد فيه ~~الفقراء إلى الأغنياء واستغل الأثرياء تابعيهم الذين يعولون عليهم (مدينة الله). أدرك ~~أوغسطينوس كم كانت الزكاة الخاصة وخزانة الكنيسة بسجلها من الفقراء المعدمين الذين يتناولون ~~يوميا طعامهم من مطعم الفقراء لا تفيان بالغرض؛ فقد كانت أبعاد الفقر أكبر بكثير من سد ~~حاجة المعوزين إلا بالضريبة المعاد توزيعها (مدينة الله). # عندما حاجج مفكر وثني بأن العظة على الجبل يستحيل أن توضع موضع التنفيذ على أرض الواقع ~~دون القضاء على الإمبراطورية، أجابه أوغسطينوس دون خجل بأن القصاص للجروح ليس السبيل لكي ~~يعيش أي مجتمع في سلام بالمرة؛ ولذا فإن مبادئ المسيح لم تكن غير ذات صلة بالمرة بسعادة ~~العالم الدنيوي وطمأنينته؛ فالمجتمع الموسر المهووس بالثروة والسلطة يعاني من مشاعر الخوف ~~والكبر والحسد الشيطانية التي تطارد الأثرياء ثراء فاحشا. ببصيرة مشهودة لما سيحدث في ~~الغرب في غضون جيل من وفاته، أشار أوغسطينوس إلى أن العالم سيكون مكانا أكثر سعادة إذا خلف ~~الإمبراطورية العظيمة المتكبرة عدد من الدول الأصغر حجما (مدينة الله)؛ فمملكة الرب ~~تسع القوطيين والرومان على حد سواء. # شكل 9-3: تمثال ضخم لرأس الإمبراطور قسطنطين العظيم من كاتدرائية ماكسينتيوس. قصر ms093 ~~الأمناء، روما. # أغضبت لغة أوغسطينوس الإمبراطوريين الوطنيين؛ فقد كان على دراية بأن الإمبراطوريات تقوم ~~وتضمحل. ولم يعتقد أن الإمبراطورية الرومانية مكتوب لها الهلاك، كما زعم بعض المتشائمين ~~المعاصرين له. ستسقط روما وحسب إذا سقط الرومان. لعن الناس العصور التي يعيشون فيها، ~~«ولكن طيب العصور أو سوءها أمر يعتمد على الجانب الأخلاقي للفرد ومدى طيب الحياة ~~الاجتماعية، وهو مرهون بنا شخصيا» (العظات). ولاحظ أوغسطينوس أن كل جيل يعتقد أن زمانه ~~بشع دون غيره من الأزمان (العظات)، وأن الأخلاق والعقيدة لم يتدنيا قط كما تدنيا ~~في جيله، ولم تكن القيم المدنية أكثر عرضة للخطر كما كانت في عصره. وظن أوغسطينوس أن واجبه ~~أن يهاجم الجبرية، وأن يستنهض الناس ليستشعروا بالمسئولية إذا سارت الأمور على غير ما يرام؛ ~~فمن الممكن أن يكون لهم رأي فيما سيحدث في المستقبل. # لم يعرف أوغسطينوس «السلام» الذي سعت إليه الكنيسة والإمبراطورية على حد سواء ~~بلغة سياسية أو مدنية فحسب وكأنه كان نتاجا لحل وسط هش أو عابر في الصراع الأبدي من ~~أجل السلطة. سلم أوغسطينوس بأن الحكومة القوية فحسب يمكنها ضمان السلام للناس وتمكينهم ~~من العيش دون خوف من الاضطرابات الاجتماعية، وتعامل مع القانون الروماني - الذي كان ~~ملما به إلى حد كبير - باحترام شديد، باعتباره لا غنى عنه لتجانس المجتمع. ولا ينبغي ~~على المرء مثلا أن يجعل من نفسه قاضيا على الناس وكأن القانون ملك يمينه إذ يواجه قاطع ~~طريق. إن القانون والحكومة ضروريان؛ نظرا لطباع التشوه والجشع والفساد المناوئ للمجتمع ~~الموجودة في القلب البشري. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الفساد يتعمق بشدة لدرجة تحول دون فرض ~~حالة من السلم دون العناية الإلهية الشافية. وأساس السلم عدالة تعطي كل ذي حق حقه. ~~والسلم الحقيقي والعدالة الحقة يتجاوزان هذا العالم على حاله وعلى النحو الذي سيئول إليه، ~~وينتميان إلى مستوى أعلى لغاية الرب. ومن المعروف أن عدد المواطنين الذين تمس العناية ~~الإلهية حياتهم لا يتجاوز أقلية قليلة جدا، لكن هذه الأقلية يمكن أن تكون ذات أهمية ~~عظيمة. لقد ms094 فهم فهما وافيا أن الحكومة أكثر فعالية في قمع الرذائل من التشجيع على ~~الفضائل. كان لدى الحكام مسئولية جسيمة تقضي بتوفير الأمن والنظام العام والراحة الفعلية ~~والرخاء، وربما كذلك تسلية الناس والتسرية عنهم. لكن هذه المسئوليات لم تكن تخلو من مسئولية ~~عن الفضيلة المدنية. وإذا كان الحاكم أو القاضي مسيحيا، فعليه واجب ديني وعام بأن يدعم ~~الخير والحق الذي هو معني بنشرهما. # لم يكتب أوغسطينوس قط عن المشكلات السياسة دون وعي منه بأن النظام يجب أن يترسخ على ~~فرض أن الجشع البشري سيؤدي إلى اضطرابات واسعة النظام ما لم تكن هناك قيود وعقوبات. ومع ذلك ~~فقد كان يعتقد أن العالم ينتمي إلى الرب؛ وعالمه لم يكن وحشيا كعالم توماس هوبز، واستطاع ~~أن يتكلم عن الحكومة والتشريع الرشيد باعتبارهما معتمدين في سلطتهما لا على القوة وحسب، بل ~~وعلى إدراك امتلاكهما لأساس أخلاقي، ومن ثم لمسحة أو صورة للعدالة الحقة، ول «قانون أزلي». ~~لقد كانت الحكومة بالنسبة إليه تجسيدا لمبدأ النظام المرتبط بالعناية الإلهية والمفروض على ~~القوى التدميرية التي أطلق لها العنان بفعل سقوط آدم. وفي هذا السياق، قد لا يبطل النظام ~~كل ما هو خطأ بقدر ما يطوع الشر لأغراض حميدة غير مقصودة. ومثال على ذلك الرق والممتلكات ~~الخاصة. # ربما يساء استغلال هيمنة شخص على آخر، لكن هذه الهيمنة أهون الضررين؛ حيث إن البديل هو ~~الفوضى والانعزالية. كره أوغسطينوس تجارة الرقيق، ومتى سنحت له الفرصة، كان يستغل خزانة ~~الكنيسة لتحرير العبيد المضطهدين من الأسر. ذات مرة، اتخذ أهله إجراء مباشرا وبادروا ~~بتحرير عبيد من سفينة راسية بميناء هيبو، واستخدمت الخزانة لتعويض المالكين المتضررين. كان ~~من الصعب منع الآباء الفقراء فقرا مدقعا من بيع أبنائهم. وحار أوغسطينوس ذات مرة من ~~مستأجر باع زوجته، وعندما ناقشه أوغسطينوس، أعلن الرجل أنه يفضل المال على زوجته. ورغم ~~ذلك، لم تكن العبودية شرا محضا متى كان العبيد يعيشون في بيوت رحبة، ويرتدون أحسن ~~الثياب، ويتناولون أطايب الطعام، ويأوون إلى بيوت أفضل من تلك التي يعيش فيها ms095 العاملون ~~بالسخرة الذين كانوا يمثلون غالبية القوى العاملة. # كان النظام مهما جدا لدرجة أن الإمبراطور الشرعي - حتى لو كان ظالما - له السمع ~~والطاعة. وكان تابع المسيح يخضع جسده لخدمة القيصر وعقله وروحه للرب. ورغم أنه قد ~~يشارك في الحياة السياسية «كمسافر في بلد غريب» (مدينة الله)، إذا أهلته مواهبه لها، فلا ~~ينبغي أن تكون هذه المشاركة إذعانا سلبيا بل واجبا إيجابيا. إن المجتمع بحاجة إلى ~~أشخاص يتحلون بالنزاهة في الخدمة العامة، وكذلك في مجال التجارة؛ أولئك الذين يتمتعون ~~بالشجاعة ويقفون بالمرصاد للرشوة وتهديدات أصحاب النفوذ والأثرياء. توضح ملاحظات أوغسطينوس ~~أن هؤلاء نادرون. # بالنسبة إلى الضمير المسيحي، كانت العدالة الجنائية والخدمة العسكرية تمثلان أكثر ~~القرارات الأخلاقية إشكالا. شارك أوغسطينوس وجهة النظر التي كادت تكون عالمية للكنيسة ~~الأولى، والتي مفادها أن التعذيب والعقوبة القصوى غير مقبولين في دولة مستقلة تستند إلى ~~تقييم مسيحي للإنسان. ويجب على المرء أن يقول إن وجهة النظر هذه «كادت تكون عالمية» ما دام ~~هناك أيضا رأي - يدعمه رجل قانون مسيحي معتكف مجهول الهوية في القرن الرابع - مفاده أن ~~القانون الجنائي للإمبراطورية المسيحية ينبغي أن يجسد مبدأ القصاص الخاص بالعهد القديم، ~~وأن يكون أكثر حزما من القانون الروماني التقليدي؛ في العصور الوسطى أمسى كتابه الصغير ~~متداولا على نطاق واسع جدا. كان أوغسطينوس معارضا بشدة للتعذيب الذي كان أمرا ~~اعتياديا في الإجراءات الجنائية، ولا سيما محاكمات الخيانة العظمى؛ فقد كان التعذيب يحمل ~~الأبرياء على الاعتراف بأفعال لم يقترفوها ويشوه أجسادهم في نهاية المطاف. وحكم ~~أوغسطينوس أن العقوبة القصوى لا تتوافق مع نية الإصلاح، وعلاوة على ذلك، أحيانا ما ترتكب ~~الأخطاء. ولكن، فيما يتعلق بالخدمة العسكرية، كان أوغسطينوس أقل تشددا؛ فقد سلم بأنه ~~دفاعا عن النفس أو استعادة للممتلكات المسروقة، يمكن أن تكون القوة مشروعة. ألم يحاجج ~~شيشرون نفسه بأن الحروب لا ينبغي أن تشن إلا دفاعا عن النفس أو الشرف؟ بالنسبة إلى ~~أوغسطينوس، لم تكن الحرب وسيلة مناسبة لتسوية النزاعات، وشارك الأمل بأن يتم تقويض الحروب ~~في العصور المسيحية. ms096 لكنه أدرك أن العدوان الغاشم الذي تعين مقاومته لأجل القيم التي ~~يجلها المسيحيون إجلالا عظيما سيستمر؛ فعندما أغار رجال قبائل الصحراء الغربية على ~~المستوطنات الرومانية، راسل القائد العسكري المسيحي ناصحا إياه بأن يعتبر قمع المغيرين ~~واجبا دينيا. # ومع ذلك، آمن أوغسطينوس بأن تعظيم ضبط النفس فيما يتعلق بالأعمال العدائية ضرورة دينية ~~وسياسية. إن الطبيعة الإنسانية التي يقتضيها الدين كانت أيضا صحيحة سياسيا. وعلى أساس أن ~~الحروب قد لا يكون هناك مفر منها أحيانا، فإنها يجب أن تشن باحترام للإنسانية، فلا ~~ينتهي الحال بالخصم إلى الشعور بالذل والامتعاض بما يغرس بذور ثقافة الصراع. ولا ينبغي بأي ~~حال من الأحوال قتل الأسرى (كما كانت العادة في الحروب القديمة). ولكن، إذا وجد جندي ما ~~نفسه يشارك في حرب تبدو عدالتها بالنسبة إليه موضع شك، فكفاه إراحة لضميره أنه كان ~~يطيع الأوامر لا أكثر. لكن المبادئ العامة للقانون الجنائي الداخلي لإمبراطورية عادلة كانت ~~تنطبق بالمثل على الصراعات بين الدول. # لم ير أوغسطينوس ، شأنه في ذلك شأن أفلاطون وأرسطو، أن مهنة السياسة منفصلة عن كافة ~~القضايا الأخلاقية، رغم أنه لم يعتقد أن العالم العلماني قادر على إقامة مجتمع عادل ~~بحق. # في «مدينة الله» هناك أماكن تمثل فيها روما الرأس الرمزي للمجتمع الدنيوي في يد قوات ~~شيطانية، بينما تمثل الكنيسة على الأقل إرهاصا بمدينة الله. يعطى النقيض التنبئي أقصى ~~زخم له، وبذلك يخلق الفرضيات المسبقة ل «العلمانية» من قبيل فرضية كون الدين عالما من ~~عوالم الاهتمام لا يمت بصلة إلى انشغال العالم في الأساس بالسلطة والشرف والثروة والجنس. ~~ولكن هناك أيضا نصوص يضفى فيها على روما أهمية في غاية الرب من هذا العالم، بينما ينظر ~~إلى الكنيسة التجريبية على اعتبار أنها تفشل في تحقيق نوايا إلهية؛ نظرا لتنازلاتها للعالم ~~العلماني. كان أوغسطينوس على يقين من أن اعتناق المسيحية سيخفف من حدة بعض المشكلات ~~الاجتماعية والسياسية لكنه لن يقدم حلولا فورية. وتبين كتاباته المناهضة للدوناتية أنه ~~لم ير «الكنيسة والدولة» كقوتين مستقلتين. ورغم أنه آمن بأن الحاكم ms097 المسيحي يجب أن يدعم ~~الكنيسة ويشاع عنه معارضته للرذائل، كان من الممكن أن يصاب بالذهول بشدة من واضعي القوانين ~~الكنسية في العصور الوسطى الذين فسروا أنه يلمح إلى أن الإمبراطورية ينبغي أن يديرها ~~الأساقفة على أن يرأسهم البابا. لقد أشرب أوغسطينوس حب الكنيسة، لكن إخفاقات أعضائها - ~~الكهنوتيين والعلمانيين على حد سواء - جعلته يعيش لحظات كئيبة سوداوية. # في خاتمة «مدينة الله» أورد أوغسطينوس المذهب المسيحي ل «الأشياء الأخيرة»: للمدينتين ~~الدنيوية والسماوية أوجهما الخاص بكل منهما في الجحيم وفي الفردوس. ولقد غرست بداخله ~~الحقيقة المطلقة لهذا الخيار بين الأبيض والأسود شكوكا. فلا شك أن الكنيسة ضمت على الأرض ~~أفرادا يتحلون بالإخلاص والخيرية المتفانيين، رغم أنهما مبهمتان عادة؛ أفرادا يدركون ~~الحالة الملائكية في هذه الحياة الدنيا. وضمت الكنيسة كذلك أناسا كان لاعتناقهم ~~المسيحية، على الأقل في بداية الأمر، دافع دنيوي جدا؛ حيث كانوا يخشون إثارة غضب قديس ~~مساند واسع النفوذ، أو يريدون أن يخطبوا ود امرأة ما، أو يعقدون الآمال على أن تجلب لهم ~~المسيحية حظا وفيرا في تجارتهم. ودخل البعض في المسيحية طلبا للصحة البدنية، ولم يكن ~~أوغسطينوس قط يقلل من شأن هؤلاء، رغم أن معلمي الديانة المسيحية ينبغي أن يعلموهم أن ~~الدين له غايات أسمى. كان أغلب أعضاء كنيسة أوغسطينوس «أناسا عاديين». وفيما يتعلق بأساس ~~الإيمان، وجد أن السجل الأخلاقي لهؤلاء كان أشبه بالخشب والقش القابل للاشتعال منه إلى ~~الذهب أو الفضة القادرين على الصمود أمام النار التطهيرية لحكم الرب (رسالة بولس إلى أهل ~~كورنثوس). كانوا يدعون الله أن يغفر لهم خطاياهم، وبالنسبة إلى آمالهم في الآخرة، فكانوا ~~يعولون على رحمة الرب التي يلتمسونها في ذكرى القربان المقدس لفداء المسيح وشفاعة الكنيسة ~~القائمة والسابقة. لم يكن أوغسطينوس قط رجلا يوحي بأن المطالب الأخلاقية المنوطة ~~بالمسيحيين أقل من أن توصف بالمتشددة، أو أن المصير في الحياة الآخرة لا يرتبط بأعمال البشر ~~في الحياة الدنيا؛ لكنه يدرك أنه في رحلة الروح الآن وفي مملكة الرب لا يمثل الفناء ~~المادي للجسد إلا حادثا عارضا ms098 على الدرب. وفي هذه الحياة الدنيا، ما من أحد خال من ~~الخطايا سوى المسيح، وإذا أضفنا، «بحسب مقتضيات التقوى»، أن السيدة مريم العذراء لم تقترف ~~ذنبا فعليا (حول الطبيعة والنعمة الإلهية)، افترض أوغسطينوس أنها لم تولد مبرأة من ~~الخطيئة الأولى، وأن ابنها هو الذي يخلصها (شروحات المزامير). وخلاف ذلك، فإن تدنيس ~~الحياة في هذا العالم يلوث الجميع (مدينة الله). # ولذلك كان التطهير عملية طويلة متواصلة. وبعد الموت سيكون هناك الذين تقض مضجعهم أحلام ~~تمنحهم استراحة (العظات). ظن أوغسطينوس أن «الجحيم» ليس بمكان فعلي بقدر ما هو حالة للروح ~~العمية والمغتربة عن الرب. سخر الوثنيون من الفكرة كفزاعة لتخويف الناس وحملهم على ~~اعتناق المسيحية. لكن الفلاسفة الأفلاطونيين أنفسهم ظنوا أنه ما من ذنوب تمر دون عقاب، وأن ~~هناك تقويما تصحيحيا وتأديبا. ووافق أوغسطينوس على أن العقاب السماوي تقويمي لكل ~~الذين ينالونه. # من الخطأ التعامل مع كتاب «مدينة الله» على اعتبار أنه بيان عن النظرية السياسية، أو على ~~اعتبار أنه يحوي فلسفة تاريخية تستهدف استبيان نمط سماوي علوي في مسار الأحداث. وحقيقة ~~الأمر، في عدة مواضع من هذا العمل نجد أن الحجة مصممة بحيث تبين كم من الصعب إدراك هذا ~~النمط. يصعد نجم قوى عظمى ويخبو في تاريخ العالم، ولا تتجلى لنا قط علة هذا الصعود ~~والسقوط. وعدم إمكانية التنبؤ بالموت وبقرارات الإرادة البشرية يعني أن هناك الكثير من ~~الأشياء غير المؤكدة. ويعتنق المؤمن فكرة أن ما لا ينسجم مع عقل الإنسان ينسجم مع الرب. وقد ~~تحمل الكوارث الإنسان على البكاء، لكنها لا ينبغي أن تصيبه بالذهول (الرسائل). ويقدم ~~أوغسطينوس آمالا أكثر للفرد مقارنة بمؤسسات المجتمع البشري المعرضة تحديدا أن تكون ~~وسيلة للغرور الجمعي. على أي حال، ما من أفلاطوني يستطيع بسهولة أن يستشعر التاريخ انطلاقا ~~من كونه عملية مكتفية ذاتيا ومستقلة بنفسها لها عللها ومعلولاتها المنظورة وأهدافها ~~المتأصلة في حركة السببية. # الفصل العاشر # | الطبيعة والنعمة الإلهية # في ثلاثينياته، أكد أوغسطينوس - ردا على المانوية - على سلطة الكنيسة والحرية ~~الفردية. ولكن حتى عندما ms099 كتب عن الإرادة الحرة، نراه أعلن أنه من دون نعمة الله لإنقاذ ~~الإنسان الساقط، لا يمكن للمرء أن يجد نفسه على طريق البر. ولم يكن هذا الإقرار بالضعف ~~استخفافا بالمنطق والعقل. لقد جعلته محاورة «هورتنسيوس» دوما يتساءل عن استخدام المنطق في ~~تعيين السعادة. وفي فترة رشده، وتحديدا عندما بلغ السادسة والستين من عمره، كتب أوغسطينوس ~~توبيخا عنيفا لعالم اللاهوت العنيد الذي علم نفسه بنفسه وتبنى موقفا إيمانيا ~~بالكامل، وظن أن العقل منفصل عن الإيمان إذ قال له: «احترم العقل احتراما عظيما» ~~(الرسائل «أحبب العقل بشدة»). ورغم ذلك، كان أيضا على يقين من أن الخطيئة تشوه الحكم، ~~وتضعف عزيمة الإرادة؛ وذلك لأن الخطيئة تكره العقل على التعاطي مع الأشياء الخارجية ~~وتنأى به عن تأمل الوقائع السامية؛ ومن ثم تقتضي الحاجة وجود السلطة لغرس «بذور الإيمان» ~~التي ينميها العقل بعد ذلك ويدعمها. # بعد أن أصبح أوغسطينوس أسقفا، بلغت فكرة حاجة الإنسان المطلقة لعناية الرب ذروتها. وتحوي ~~«الاعترافات» المناوئة للمانوية في جوهرها معنى مفاده أن الإنسان المخطئ الذي تعجزه ~~الأنانية من أولى لحظات طفولته أسير العادات التي أمست جزءا من طبيعته وفطرته. ولا يمكن ~~لغير نعمة الله أن تعيد للإنسان حريته الحقيقية؛ ولذا «فعندما يجازينا الرب على فضائلنا، ~~فإنه بذلك يتوج هباته لنا» (الاعترافات، الكتاب التاسع. كرر أوغسطينوس هذه العبارة ~~كثيرا لاحقا واقتبسها ممتنا مجمع ترنت عام 1547). # أمست «الاعترافات» من الأعمال الأكثر بيعا على الفور، وحظي أوغسطينوس بسببها بالكثير من ~~الأصدقاء، وأعطت نقاده المزيد من الأسباب لنقده. ولاقى هذا العمل الممتع البديع إعجاب ~~الأرستقراطيين الأثرياء في روما الذين بدءوا يعتقدون آنذاك أن الأمر لا يقتضي أن يكون المرء ~~غير روماني ليعتنق المسيحية. ولكن الكتاب فسر أيضا على أنه يفترض مسبقا أن ~~التنازلات الأخلاقية يمكن أن تغتفر. وإن استطاع المرء، كما أعلن أوغسطينوس مرارا ~~وتكرارا، أن ينال الزهد كهبة من الرب، أفلا يمكن أن يكون المرء متعاطفا بشكل متسامح مع ~~الذين لم يدخلوا في الإيمان بعد واكتشفوا أن هذه التبعية المتقشفة مكلفة جدا؟ # بحلول ms100 عام 400 كان هناك زاهد من عامة الناس في روما بريطاني الأصل يدعى بيلاجيوس اشتهر ~~كمستشار روحاني بين علية القوم. وبعد العديد من الرحلات والأسفار التي قام بها استقر في ~~روما وكتب تعليقا على رسائل القديس بولس بهدف تفادي مناشدات المانويين لتلك الرسائل. لقد ~~كان التقليد المسيحي الشرقي اللاهوتي الذي ساعد على تشكيل عقلية بيلاجيوس أكثر إيجابية ~~فيما يتعلق بالطبيعة البشرية من التقييم الأوغسطيني لها؛ فقد كان يخشى القنوط من ألا ~~تقوى الطاقة البشرية على الامتثال لأوامر الرب، وكذلك كان يخشى من الغفران للخطايا دون ~~اشتراط التوبة أو التعميد. وشعر بأنه من غير المعقول أن يطلب الرب من البشر المستحيل. وإذا ~~استقر رأي الإنسان على ذلك، فباستطاعته أن يفي بالوصايا، حتى تلك الوصية الصعبة التي تحرم ~~الزنا. يكمن جوهر العبادة المسيحية في الفعل الأخلاقي لا في الإفراط في غرس المشاعر ~~الصوفية. ألا يفت في عضد أي جهود اعتقاد المرء بأن كل إنسان ورث من آدم طبيعة معيبة؟ وبدا ~~أن القول للناس إن إرادتهم تضمحل لدرجة العجز شبه التام بالنسبة إلى بيلاجيوس باعث على ~~التراخي على نحو مهلك؛ فما من فعل يمكن أن يعتبر خطيئة ما لم يكن مختارا عن عمد. ~~وفسر بيلاجيوس عالمية الخطيئة بأنها نتيجة عادة اجتماعية بعد أن ضرب آدم مثلا كارثيا. ~~ولا شك أنه دون عناية الرب لم يكن المذنب ليفعل كل ما ينبغي أن يفعل، وواجبه السير على درب ~~المسيح. لكن العناية الإلهية مساندة لكنها غير مهيمنة بالكامل؛ فالملاحون يستطيعون أن يصلوا ~~بمراكبهم إلى وجهتهم دون عون من الريح والشراع، رغم أن الأخير يجعل المهمة أيسر. لا بد أن ~~هناك لحظة ما يستقر فيها رأي الإنسان على شيء ويبذل جهدا حقيقيا ويقدم فيه على فعل ~~ينسب إليه حقا. ومذهب أن كل شيء هبة من العناية الإلهية، وفي ذلك الإرادة نفسها، بدا ~~بالنسبة إلى بيلاجيوس موهنا ومحبطا إلى حد الكارثة. # كان تسلسل الأحداث الذي أدخل أوغسطينوس وبيلاجيوس في مواجهة جدلية مفتوحة تدريجيا ~~جدا؛ فقد اتفق الاثنان على ms101 مسائل أكثر من تلك التي اختلفوا عليها بكثير. كلاهما كان يرى ~~البشرية حبيسة تقليد اجتماعي آثم مؤسسيا. وأصر بيلاجيوس على أن الخطيئة ليست موروثة ~~ماديا؛ ومن ثم يستطيع المرء أن يفر منها باختياره الحر. ولقد خلق الرب القوانين الأخلاقية ~~(هكذا قال بيلاجيوس) للضمير والإرادة الحرة وغفران الخطايا بالتعميد والتكفير لإعادة بناء ~~العزيمة، وأهم من ذلك كله أن العناية الإلهية تعين الإنسان ما دام يتحلى بإرادة قويمة ~~حقا. وتنير العناية الإلهية درب الإنسان فيعرف الحق، وتكون له عونا إضافيا. ونجد أن ~~أوغسطينوس من ناحية أخرى كان على يقين من أنه لو كانت هناك أي مرحلة في عملية الفرار كانت ~~فيها البشرية مستقلة بذاتها، لكان الغرور والانحراف قد استحكما. وبالنسبة إلى بيلاجيوس، كان ~~الإثم والشر حقيقة عرضية وغير ضرورية. واعتقد أوغسطينوس أنه منذ سقوط آدم لم يعد هذا هو ~~الحال بعد، وأشار إلى نكوص الإرادة الطبيعية عن الخير المحض وإخفاقها في الاستمتاع ~~به. # نظر كلاهما لوضع الإنسان على أنه مأساة تنتهي بالموت. اعتقد بيلاجيوس أن الموت ضرورة ~~بيولوجية. وظن أوغسطينوس أن الخوف من الموت لا يمكن أن يكون عاما أو عميقا إلا إذا كان ~~عقابا على إثم ما. # لقد كان إيمان أوغسطينوس بأنه ما من ألم أو خسارة غير مستحقة راسخا في اهتمامه طوال ~~حياته بالدفاع عن العناية الإلهية. ويجب أن تنتهي هذه القاعدة البديهية، إذا طبقت مع ~~بيلاجيوس تطبيقا فردانيا بالكامل، وذلك عن طريق جعل الرب وكأنه يبدو طاغية مستبدا؛ ~~وإلا فلم يوجد أناس مشوهون أو يعانون من أي عيوب أخرى، منذ ميلادهم في كثير من الأحيان؟ ~~لم يستطع أوغسطينوس قط أن يقبل هذا الاستنتاج؛ ولذا (هكذا قال) لكي يكون المرء ضمن «زمرة ~~الملعونين»، كفاه أن يكون من نسل آدم؛ فهذا بحد ذاته يقصيه من الوصول إلى النعمة إلا ~~بالتدخل الرحيم، ولكن العصي على التفسير للعناية الإلهية. والذين ينالون رحمة الرب لا ~~يسعهم إلا أن يشعروا بالامتنان للعناية الإلهية التي لم يفعلوا شيئا ليستحقوها. والذين لا ~~ينالون رحمة الرب لن يكون ms102 لديهم أساس للشكاية من العدالة التي يستحقها الجميع نسبة إلى ~~آدم. وحتى هؤلاء يمكنهم أن يحمدوا الرب على المتع الطبيعية في هذه الحياة الدنيا. ورغم أنه ~~لم يزعم قط أن غير المصطفين مقدر لهم اللعن، كان أوغسطينوس ميالا إلى أن يميز وجهة ~~نظره عن الازدواجية المانوية بالتأكيد على الحرية لدى الرب والحرية لدى الإنسان ~~(هبة المثابرة # De dono perseverantiae ~~)؛ فقد أجاز الرب ~~ضلال الفاسقين لكنه لم يفرض ذلك فعليا. # لقد ظن أنه من الواضح أن الطبيعة البشرية بتكوينها الحالي يستحيل أن تكون طبيعية، ولم يكن ~~من الممكن أن تكون كما قصد الخالق لها أصلا. قبل سقوط آدم، كان لدى الإنسان القدرة على ~~تفادي الرذيلة بإرادته الحرة، ولم يكن ضعف إرادته يحول بينه وبين فعل الخيرات. لو لم يكن ~~آدم قد أذنب، لعاش مع حواء إلى الأبد. ولكن حتى في الفردوس كان آدم بحاجة إلى العناية ~~الإلهية (مدينة الله، الجزء الرابع عشر 27)، لا كعامل مساعد لإرادته بل كوسيلة لا غنى عنها. ~~في عرضه المبكر لسفر الخروج دحضا للمانويين، شرح أوغسطينوس ذات مرة بشكل عابر روايتي ~~خلق الإنسان، فأوحى بأن الإنسان الذي حباه الرب بالروح ربما تلقى النفحة الإلهية كي ترقى ~~مادة خلقه إلى مصاف الأرواح. ويوحي ذلك بأن العناية الإلهية الخارقة للطبيعة كانت إضافة ~~للبشرية الطبيعية حتى في الفردوس، وأن هذه الإضافة هي ما فقد عند السقوط. # بدا لأوغسطينوس أن بيلاجيوس يناصر النزعة الإنسانية شبه الرواقية، حيث يؤكد على المثل ~~الرائعة لكنه يخفق كثيرا في النفاذ إلى لب القلب البشري. علاوة على ذلك، رغم أن بيلاجيوس ~~لم يكن ينتوي ذلك، فقد بدت لغته بالنسبة إلى أوغسطينوس وكأنها توحي بأن النموذج البشري ~~الممثل في المسيح كاف للخلاص، والواقع أن الأسرار المقدسة للكنيسة قد لا تكون ضرورية ~~حقا. لكن أوغسطينوس أجاب بأن المسيحيين سارعوا بتعميد أطفالهم لغفران الخطايا. لم تقتض ~~الممارسة العالمية لتعميد الأطفال أي دفاع قط من وجهة نظر أوغسطينية؛ فقد كانت مثالا ~~ساميا لسيادة العناية الإلهية الاصطفائية للرب سلفا لأي تحرك ms103 من جانب إرادة الفرد، وهي ~~بذلك ليست بأي حال من الأحوال مكافأة على الطموح أو الفعل الفضيل. # تبرز المسألة الجاري مناقشتها في هذا الجزء الأخير من الجدل النقطة الرئيسية التي ~~مفادها أن مذهب أوغسطينوس بخصوص فساد الوجود الأخلاقي للإنسان كان يتطلب تأكيدا موازنا ~~على قوة وضرورة السبل الموضوعية للعناية الإلهية المقدمة من خلال الأسرار المقدسة للكنيسة. ~~كانت ركيزة النعمة الإلهية ممثلة في غفران الخطايا المرهون والممنوح عبر التعميد، والمتجدد ~~في الحياة الجديدة في القربان المقدس. وكانت انعكاسات ذلك على سلطة الكنيسة مهولة. # عندما كتب أوغسطينوس عن الإرادة الحرة قبل أن يمسي أسقفا، توقع أن الأطفال الرضع ~~الذين يموتون دون تعميد لن يجدوا مصيرهم في الفردوس ولا في الجحيم. واتهم البيلاجيون ~~أوغسطينوس في كبره بالتخلي عن هذا الاقتراح الحكيم، وبالإيمان بأن الرب الرحيم العادل ~~قادر على إرسال الرضع إلى الجحيم إذا أخفق آباؤهم في إيصالهم إلى جرن المعمودية في الوقت ~~المناسب. وافق أوغسطينوس على أن مثل هذه الأحداث كانت أليمة، لكنها لم تكن قدرا ولا ~~مصادفة؛ لأنه ما من شيء كذلك في عالم الرب (هبة المثابرة). استنادا إلى يوحنا 3، شعر ~~أوغسطينوس يقينا بأنه ما من أحد يرفض التعميد عن عمد يمكن أن يدخل الفردوس. وإذا أدين ~~الرضع غير المعمدين، فإن إدانتهم لن تنسب إلى أي اختيار شخصي، بل سيكون مؤداها أن سلسال ~~آدم اشترك في تغريب جمعي. أثبتت الضرورة المعترف بها للتعميد الخطيئة الأصلية، وأثبت العيب ~~الذي يشوب الطبيعة البشرية الحاجة إلى الإيمان والتعميد. من الواضح أن رؤية أوغسطينوس مزجت ~~ما بين أفكار بيولوجية عن الوراثة وفكرة المسئولية الشرعية للإنسانية. وسرعان ما اكتشف أنه ~~أبحر في خضم عاصفة. # لقد دفعه الخلاف الجدلي البيلاجي إلى أن يتبنى مواقف شعر النقاد، آنذاك ولاحقا، ~~أنها مؤسفة. # من بين نقاد أوغسطينوس برز جوليان البيلاجي أسقف مدينة إكلانوم (الواقعة على مقربة من ~~مدينة بينيفينتو جنوبي إيطاليا) على اعتبار أنه يحظى بمكانة قريبة من مكانة أوغسطينوس؛ فقد ~~شعر أن التشاؤم الأفريقي لا يعبر عن المناخ الطبيعي للكنائس ms104 الإيطالية. كرس أوغسطينوس ~~السنوات الأخيرة من حياته لحوارات بينه وبين الأسقف السالف الذكر اختلطت فيها التعليقات ~~المنصفة بالسباب المشين؛ فقد انتقد جوليان اللغة التي استخدمها أوغسطينوس تعليقا على دور ~~الجنس في نقل صفة الإثم. لقد بدا أوغسطينوس بالنسبة إلى جوليان مانويا غير تائب متأثرا ~~بقدر أكبر مما أدركه بالعقد الذي عاشه أوغسطينوس من حياته تحت تعويذة ماني، وكارها صنع ~~الخالق، ومنكرا حقيقة أن الرب إذ منح الإنسان إرادة حرة فإنه قد «حرر» البشرية كي تقف ~~على أقدامها. # دافع أوغسطينوس عن نفسه بشراسة. وأحس أنه مبرأ بالطريقة التي يتعاطى بها البشر جميعا ~~مع الجنس باعتباره مصدرا للمشقة الشخصية والمجتمعية. تعمل غريزة التزاوج لدى الحيوانات ~~فحسب في مواسم معينة من العام، أما في البشر فإن هذه الغريزة توقع الإنسان دوما في المتاعب ~~(العظات، فرانجيب). الخزي ظاهرة عامة؛ ففي إطار العلاقة الزوجية نفسها، حيث يعد الاتصال ~~الجنسي عفيفا بلا شك، عادة ما يتم ذلك الاتصال في خصوصية تامة وفي الظلام. لقد أثار ~~الفلاسفة الكلبيون ثائرة الرأي العام إلى أقصى الحدود إذ تزاوجوا على قارعة الطريق، لكنهم ~~أعرضوا عن هذه الممارسة قبل عصر أوغسطينوس بفترة طويلة. وأثارت العلاقات الجنسية خارج إطار ~~الزواج القيل والقال. لقد جعلت الفجوة ما بين الكرامة والشهوة الحيوانية الموضوع مثار ~~كثير من الكوميديا. لم تسك الألفاظ المحرمة للتعبير عن مزيج الانبهار والاشمئزاز ~~الخاص بالبشرية؟ تقع بيوت الدعارة في مناطق خاصة بالمدن لا في الشارع الرئيسي. وهناك إحساس ~~بديهي بأن الجنسانية يمكن أن تتعارض مع الطموحات العليا. # استغل أوغسطينوس مرارا وتكرارا نقاشا يبدو غريبا على القارئ الحديث؛ فالتغيرات ~~الفسيولوجية التي تجعل من الاتصال الجنسي قابلا للممارسة لا يتحكم فيها العقل أو الإرادة. ~~وكثيرا ما يتعارض الجسد مع المنطق والعقل؛ حيث يستحث الأول متى لم ترد الإرادة والعقل ~~له أن يفعل أو العكس. علاوة على ذلك، «النشوة الجنسية تطغى على العقل» فتطمس التفكير ~~العقلاني (ردا على جوليان ~~البيلاجي # Contra Julianum Pelagianum ~~). رأى أوغسطينوس في هذه السمة اللاعقلانية واللاإرادية للباعث ~~الجنسي التجلي المطلق ms105 لحقيقة وجهة نظره. لم يفهم أوغسطينوس شيئا عن ردود الأفعال ~~المنعكسة؛ ولذا فقد شكل صورة تخيلية للحياة الجنسية لآدم وحواء قبل السقوط (هذا إذا لم ~~يحدث السقوط فعلا بعد خلق حواء بفترة وجيزة). لابد أن ارتباطهما كان هادئا وخاضعا لسيطرة ~~الإرادة، بالضبط كما نستطيع أن نحرك أيدينا وأقدامنا متى شئنا. وكان اقترانهما في الفردوس ~~مصدرا ل «المتعة السامية». لم يقبل أوغسطينوس الأفكار العتيقة التي كانت شائعة بين الطوائف ~~الغنوصية بالقرن الثاني الميلادي، والتي مفادها أن سقوط آدم وقع بإغراء الحية لحواء، أو أن ~~آدم وحواء سقطا لأنهما اتصلا جنسيا قبل الأوان المحدد لهما. وتبرأ سريعا من وجهة ~~النظر (التي تبناها في فترة من الفترات) التي مفادها أن الجماع نتيجة للسقوط. لكن السقوط ~~كان قد أثر على الجماع. # إن نقاشاته العديدة للجنسانية تخلو بشكل واضح من الحشمة، وكانت صريحة جدا لدرجة أنه كان ~~يخشى أن يطلع عليها أصحاب العقول التي لا ترقى لجدية الموضوع قيد النقاش. اطلع أوغسطينوس ~~على الطب كقسم من أقسام العلم، وتضمنت مكتبته كتبا دراسية إكلينيكية، وبينما وضع ردوده ~~على جوليان أسقف إكلانوم، درس أفضل كتاب دليلي لعلم الأمراض النسائية. على أي حال، ما من ~~أحد استطاع أن يتهمه بكونه عزبا عفيفا لا يعي شيئا من أمور الزواج التي يتحدث عنها. لقد ~~شعر أوغسطينوس انطلاقا من كونه قسا بأنه يجب عليه - بل وحق عليه - أن يملي على ~~المسيحيين المتزوجين ما يجوز أو، في عيد الصوم الكبير، ما لا يجوز لهم القيام به في ~~فراشهم. # كما رأينا من قبل، كان تقييم أوغسطينوس للجنسانية يمتاز بالتذبذب ما بين تنازله الشخصي ~~وتقييم كاثوليكي إيجابي لجمال الجسد البشري الذي منحه الخالق للبشر (على سبيل المثال، ~~المراجعات، الجزء الثاني). لكن التقييم الأكثر إيجابية لم يستطع استبعاد حقيقة التجربة ~~التي مفادها أنه حتى بالنسبة إلى المتزوجين يمكن أن تكون للجنس مشكلاته؛ فقد يعصي الجسد ~~الإرادة والعقل، ورأى أوغسطينوس (متبنيا فكرة من فرفوريوس) هذه الحقيقة كعقوبة ~~لمقاومة الروح للخير الإلهي؛ وعليه، شدد أوغسطينوس على أن ms106 الفعل الجسدي كان أداة توريث ~~الطبيعة البشرية المعيبة عقب السقوط. ولو لم يكن ذلك هو الحال، لما اعتبر العهد الجديد ~~الحياة الزوجية أدنى درجة من الخير الأعظم للعزوبية، وهي وجهة النظر التي يشارك فيها ~~أوغسطينوس فرفوريوس أيضا؛ ولذا «فإن أس الرذيلة كلها يكمن في إثارة الشهوة» (عن شمائل ~~الخطايا وغفرانها). # اقترح أوغسطينوس بجرأة أن هذه الفرضية تفسر علة ميلاد المسيح من عذراء (وهي المعجزة ~~التي أثارت الكثير من انتقادات الوثنيين شأنها شأن البعث). ومن مريم العذراء ورث المسيح ~~«تشابه الجسد الخطاء» (وهي عبارة القديس بولس)، وليس جسدا معيبا بفعل الخطيئة الأصلية. ~~وبذلك أقحم أوغسطينوس فكرة مؤثرة وقاتلة في علم لاهوت القرون الوسطى؛ ألا وهي أن الفعل ~~الجنسي يستحيل القيام به دون مسحة من الشراهة. في القرن الثاني عشر تعرت الفرضيات ~~المسبقة الكامنة في وجهة النظر هذه، وتعرضت لنقد شديد من قبل بيتر أبيلار وروبرت أسقف ~~ميلون. # ومع ذلك، كان أوغسطينوس على دراية بأنه بحاجة إلى تحصين موقفه التقشفي من المغالاة ~~والغلو. وعندما أنكر، نحو عام 390، ناقد للزهد والتقشف يدعى جوليان (وهو نفسه ناسك) أن ~~العذرية من هذا المنطلق أسمى أخلاقيا من الزواج، أمسى هجوم جيروم الضاري عليه ترنيمة ~~كراهية ضد الجنس والزواج؛ حتى إن تهم تبني المانوية أصبحت تبدو تدريجيا معقولة على غير ~~المألوف. لتفادي تبعات الأفعال الطائشة الأكثر جسامة لجيروم، كتب أوغسطينوس عام 401 أطروحة ~~«حول الزواج الصالح». كانت هذه الأطروحة موجهة للراهبات ومحذرة إياهن من أنه رغم ~~اختيارهن لحياة أسمى حقا، فلا يتعين عليهن ازدراء منظومة الزواج المسيحي. إن المتعة ~~الحسية التي تصاحب لا محالة الفعل الجنسي ينبغي أن تتمايز عن الشبق الذي يمثل تطبيقا ~~خاطئا للنزعة الجنسية. ولقد عرف ثلاثة مكونات صالحة للزواج تعريفا لا يتضمن ~~الاستمتاع المتبادل. وكانت تلك المكونات التناسل والإخلاص المتبادل و«السر المقدس» أو ~~قاعدة عدم قابلية الانفصال (أي حظر الزواج مجددا بعد الطلاق أو الانفصال). ولطالما شعر ~~أوغسطينوس بالتردد حيال المكون الأخير المتعلق بعدم قابلية الانفصال، في ضوء إنجيل متى ~~5: 32 ورسالة بولس ms107 إلى أهل كورنثوس 7: 10-11، فتبنى تدريجيا موقفا متزمتا ومتشددا ~~في المراحل اللاحقة للخلاف البيلاجي. # رأى أوغسطينوس أن الزواج يقوم على أساس قبول الزوجين وليس على أساس الجماع (وقبل ~~وجهة النظر السائدة في القانون الروماني). وبينما كان التناسل هو الغاية من الفعل الجنسي ~~في المقام الأول، حكم أوغسطينوس أنه «من الجائز» أن يستمتع الزوجان بالجماع دون أن تكون ~~لديهما نية التناسل. وشأنه شأن أرسطو والقديس بولس، شدد أوغسطينوس على الواجبات المتبادلة ~~بين الزوجين. وأوصى بتحري أكبر قدر ممكن من ضبط النفس للأزواج المسيحيين الجادين النبلاء، ~~وظن أنه ما من شيء أجمل من الصداقة الخالية من الاتصال الجنسي بين كبار السن. لكنه سلم ~~عن طيب خاطر بأن الوازع الجنسي في الزواج المسيحي «يستغل استغلالا جيدا»، بل وأصر على ~~ذلك. والشيء الذي لم يستطع أن يحمل نفسه على قوله هو أن ما يستغل بحد ذاته محايد ~~أخلاقيا أو فعل طبيعي إلى أقصى حد بالنسبة إلى الطبيعة الحيوانية التي غرسها الرب في ~~الإنسان. لكن التقليد الأفلاطوني جعله ينزع إلى تعريف جوهر الإنسان بطريقة كادت تطمس ~~الطبيعة المادية لهذا المخلوق. واستطاع أن يستشهد بالتعريف المشهور لأرسطو للإنسان باعتباره ~~حيوانا فانيا عقلانيا، لكنه فضل بالتأكيد أن يتكلم عن الإنسان كروح متحدة مع جسد، أو ~~روح تستخدم جسدا. # ثمة نقطة محورية أخرى أجبر الخلاف فيها أوغسطينوس على توظيف لغة أكثر قسوة مما وجدها ~~كثيرون؛ ألا وهي مبدأ القضاء والقدر ومسألة المثابرة المتعلقة به. شعر الناس أنها مسألة ~~معقدة جدا لدرجة أن مجمع ترنت بعدها بسبعة قرون تعاطى معها بعناية شديدة، وأصدر أحكاما ~~لم تساعد على إزالة مواطن اللبس الشديدة فيها (وبذلك فتح المجلس الباب على مصراعيه للخلاف ~~الجنسيني «نسبة إلى المذهب القائل بفساد الطبيعية البشرية»). فهم أوغسطينوس أولوية ~~النعمة الإلهية على اعتبار أنها تقتضي النتيجة الحتمية أن الرب لم يستطع أن يسمح لصفوته في ~~نهاية المطاف بالخروج من نعمته. لا بد أن يوحي القضاء والقدر بأن الوصول إلى الوجهة ~~المقصودة سيتم؛ ولذا، فإن المعرفة البشرية المسبقة ليست ms108 سببية، أما معرفة الرب المسبقة ~~فهي سببية. ولم يستطع أوغسطينوس أن يتقيد بالفكرة التي مفادها أن القضاء والقدر قائمان على ~~فضائل متوقعة، وهي الفكرة التي كانت شائعة إلى حد كبير بين علماء اللاهوت اليونانيين ~~المعاصرين له. وما من شيء في الإنسان سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل يمكن أن يمثل ~~العلة الباعثة أو المستأهلة لاصطفاء الرب. اضطر أوغسطينوس أن يواجه الصعوبة الشديدة الممثلة ~~في أن هذه الفكرة تتعامل مع الرب باعتباره مستبدا متعسفا ومبهما بقوله المأثور إن الرب ~~لا يقضي ويقدر وحسب، بل ويضفي على الخلق فضائلهم أيضا. ووجد أن المسيح هو أفضل مثال ~~على وجهة نظره هذه. فبما أن المسيح متحد مع الرب، فخيريته يستحيل أن تكون عارضة أو مزعزعة ~~بأي حال من الأحوال. ولا يجوز أن يذنب، أما نحن فيجوز أن نذنب. ولكن إذا كنا ضمن ~~المصطفين، فلا شك أننا سنرقى من اقتراف الذنوب للوفاء بالغاية المحددة مسبقا للرب. ~~و«المسيح وناسوته الكامل» مقدر مسبقا. # سلم أوغسطينوس بأن المصطفين لا يستطيعون الجزم أبدا إن كانوا مصطفين حقا أم لا ما ~~لم يكن ذلك بالاصطفاء الخاص استثناء، وأصر على وجهة نظره هذه. فمن الممكن أن يكون هناك ~~اختبار تجريبي وحيد للاصطفاء، وأن يكون هذا الاختبار ضروريا لكنه ليس كافيا؛ ألا وهو ~~المثابرة حتى النفس الأخير والموت في حالة من النعمة. لكن الرب وحده يعرف من هم أصفياؤه؛ ~~فالمثابرة هبة غير مستحقة للنعمة، وكذلك أيضا الالتجاء الإرادي للرب إيمانا ~~وتوبة. # سرعان ما أثارت مذاهب أوغسطينوس نقدا بين الرهبان في شمال أفريقيا ولا سيما جنوبي بلاد ~~الغال في مارسيليا وليران. وتلقى دعما مؤزرا من إقليم آكيتين الفرنسي (على مدار عدة قرون، ~~أثيرت نسبة كبيرة جدا من الخلافات والجدل حول مذهب أوغسطينوس المتعلق بالقضاء والقدر على ~~الأراضي الفرنسية). # استند نقاد أوغسطينوس إلى الحقيقة الواضحة التي مفادها أن مذهب القضاء والقدر خاصته ~~يحتكم إلى انتقائه الجزئي لنصوص في الكتاب المقدس، واضطراره إلى تطويع النصوص الأخرى التي ~~لم تطابق أطروحته عنوة. ودعت الحاجة إلى ms109 تفسير النص المستخلص من العهد الجديد القائل إن ~~«الرب يريد للجميع النجاة» بحيث يعني أن المصطفين يتضمنون ممثلي كل عرق من أعراق البشرية ~~(حول التعنيف والنعمة ~~الإلهية # De correptione et gratia ~~). ويمكن اختزال حجة النقاد ضده تقريبا في التهمة البشعة التي ~~مفادها أنه (بشكل فيه تضارب) ضل في عالم «الفضول»؛ حيث زعم أنه يستفسر عن مسائل متعلقة ~~بالرب التي يميط الرب اللثام عنها، وتتجاوز المعرفة البشرية. ولكن، فيما وراء المخاوف كان ~~هناك الخوف المنطقي من أن يولد المذهب الأوغسطيني لامبالاة أخلاقية. ولقد دعم كثير من ~~نقاده جنوبي بلاد الغال معارضته لبيلاجيوس وجوليان، لكنهم شعروا بالحرج من الحجج التي ~~ساقها. # ناصر البعض المذاهب الأوغسطينية السامية المتعلقة بالاصطفاء بين الحين والآخر في التاريخ ~~المسيحي؛ حيث دعمها جوتشالك في القرن التاسع وجون كالفين في القرن السادس عشر وجانسينيوس ~~في القرن السابع عشر. ودائما ما حرض هؤلاء على المعارضة التي سعت لتفادي البديل ~~البيلاجي، لكنها في الوقت نفسه حفظت حرية الإرادة والمسئولية البشرية. وقد يمثل حكم ~~أوغسطينوس الشخصي على النقاش المتعلق بالنعمة الإلهية والإرادة الحرة في كتاب خطه ~~للقديس سيمبليكيوس أسقف ميلانو؛ موجزا للمشكلة من منظور معارضيه، المناوئين لبيلاجيوس ~~أنفسهم، وبحسب رؤيتهم للمسألة: «في محاولة حل هذه المعضلة، بذلت جهودا مضنية على حساب ~~الحفاظ على حرية اختيار الإرادة البشرية، لكن النعمة الإلهية غلبتني» (المراجعات). # أمسى أوغسطينوس يتمتع بأثر واسع النطاق خلال حياته نتيجة كتاباته التي انتشرت وشاعت حيثما ~~كانت اللاتينية لغة مقروءة. وجرى العرف أن خاطبه مراسلون لا يعرفهم طالبين إليه حل ~~الألغاز التي تواجههم أو آملين (عادة عبثا) أن يقبل جهودهم اللاتينية الخاصة. حتى القديس ~~جيروم أرسل إليه في العام الأخير من حياته رسالة كلها ثناء وإطراء من بيت لحم يخبره فيها ~~أنه «أعاد بكتبه فعليا إرساء قواعد العقيدة القديمة»، وأن الهجمات الحاقدة التي شنها ~~المهرطقون عليه دليل كاف على إنجازه (الرسائل). وكان أوغسطينوس محرجا دوما من معاملته ~~بوصفه «مرجعا وحجة» من منطلق أن أحدا لا يتوقع منه تقديم حجج على ما يدعيه. ms110 فالكتاب ~~المقدس، وحيثما سكت هذا الكتاب عن شيء أو كان ملغزا، والإجماع المسكوني فحسب كان لهما ~~مثل هذه السلطة لدى المؤمنين. علاوة على ذلك، كان النموذج المثالي بالنسبة إليه يتمثل في ~~مواصلة تصحيح وتحسين فهمه إلى يوم الممات. لم يكن أوغسطينوس عموما رجلا يدافع عن موقف ~~لمجرد أنه سبق أن تبناه من قبل فحسب؛ فقد كان أسلوب تعاطيه مع نقاده عادة ينطوي على بيان ~~الصعوبات في موقفهم واقتراح أنه يفضل أن يعيش متبنيا موقفه الشخصي. وكانت أعماله دوما ~~تعكس الاستقلال النقدي لعقله، وربما كان موطن قوته هو قدرته النادرة على الوصول إلى لب ~~مسألة معقدة. ودون أن يكون فيلسوفا فنيا من وجهة النظر المهنية، كان عقله مجهزا، وتظل ~~كتاباته ذات أهمية كبيرة لأصحاب الفكر الفلسفي المعنيين بالتقليد الأفلاطوني. ولقد توغلت ~~الكثير من أعمال أفلوطين في دمه، لكنه استمر أستاذا بارزا من أساتذة الخطابة الإقناعية. ~~ورغم تحوله من الخطابة إلى الفلسفة في عام 386، كان أثر الترسيم عليه بعدها بخمس سنوات أن ~~أعاده إلى موقف أمست فيه الخطابة مهمة بالنسبة إليه، وقد سيطر عليه إيمان جديد بأنه ليس ~~نصيرا لمصلحة بشرية ما وحسب، بل ومدافع عن حقيقة الرب نفسها. ولم يغادره قط افتتانه ~~بالكلمات. # كتب إدوارد جيبون بازدراء عن أوغسطينوس قائلا: «معرفته مستعارة إلى حد كبير، وحججه ~~أغلب الظن خاصة به.» لكن أي باحث معاصر من شأنه أن يزيل هذا الازدراء ويعكس الحكم الذي ~~أصدره جيبون عليه؛ فقد علم أوغسطينوس نفسه بنفسه إلى حد كبير، وكانت بين يديه مكتبة ~~كبيرة تزخر بالكتب الكلاسيكية والأدب المسيحي (ومن ذلك أعمال لعلماء لاهوت يونانيين)، وكان ~~ذهنه حافلا بالأدب الكلاسيكي، وكان يعرف كيف يستغل كتبه. أما بالنسبة إلى حججه، فكثير منها ~~مستعار في حقيقة الأمر، ولا سيما من فرفوريوس وشيشرون الذي لم يستطع أن ينسى قط محاورته ~~«هورتنسيوس». ولم تعن استعارته من الأفلاطونيين الجدد أن دينه لم يكن ممتزجا بتحليل ~~نقدي. # لقد أوضح ازدراء جيبون لأوغسطينوس العداء العام الموجه نحو السمة الأوغسطينية من جانب ~~التنوير في ms111 القرن الثامن عشر. كانت هناك أسباب لهذا العداء؛ فالمشاحنات المريرة ما بين ~~معسكر الإصلاح والمعسكر المناوئ له، التي أسفرت عن حروب طويلة ألحقت أضرارا جسيمة، كانت في ~~الأساس عبارة عن خلافات على تفاسير مختلفة لمذهب أوغسطينوس المتعلق بالكنيسة والنعمة ~~الإلهية. ودار الخلاف الجدلي في القرن السادس عشر حول التبرير بالنعمة الإلهية وحدها بشرط ~~الإيمان وحده (وهو الخلاف الذي بدا مملا وغير ذي صلة بالشخصيات العقلانية البارزة في ~~القرن الثامن عشر) في إطار للأفكار أوغسطيني ومتعلق بالعصور الوسطى في طبيعته، وكان ~~فصلا جديدا في النزاع الدائر حول العلاقة ما بين الطبيعة والنعمة الإلهية. في القرن ~~السادس عشر، التجأ طرفا النزاع إلى أوغسطينوس. وكان قرار مجمع ترنت الخاص بالتبرير (1547) ~~خليطا من عبارات أوغسطينية، وكان معاديا لبيلاجيوس بشدة، حتى إن البروتستانتيين لم ~~يستطيعوا أن يحملوا أنفسهم على الإيمان بصدقه وإخلاصه. وأهم من ذلك كله أن الإنكار ~~الأوغسطيني للقدرة البشرية على تحقيق الكمال كان له ممثلون، ولا سيما بين أتباع الينسينية ~~والكالفينية، قامت حركة التنوير كرد فعل واضح ضد وجودهم. # شكل 10-1: القديس أوغسطينوس في صومعته في القرن الخامس الميلادي، بريشة ساندرو ~~بوتشيللي. معرض أوفيزي، فلورنسا. # مرة أخرى نجد في أوغسطينوس مثالا للنموذج الصوفي؛ فقد التمست حركة الإصلاح البروتستانتية ~~دعما واسعا من العامة بكراهيتها السياسية للنموذج الرهباني الذي عارضه المعارضون لهيمنة ~~القساوسة على اعتبار أنه يستقطب ثروات طائلة دعما لمؤسساته. ورغم أنه ليس هناك توتر جوهري ~~بين المذهب الصوفي التقشفي في المجتمع ومبدأ التبرير بالنعمة الإلهية بشرط الإيمان، حاول ~~لوثر أن يحاجج بأن العهود الرهبانية تتعارض مع مسيحية العهد الجديد. شاركت حركة التنوير في ~~هذه الكراهية أيضا، لكنها قبلت المعتقد الأوغسطيني المعارض للإصلاح، الذي مفاده أن الإنكار ~~التقشفي للخيرات الطبيعية كان يدرس في العهد الجديد. ورأى فولتير وجيبون هذا التصوف ~~المتأصل في المسيحية كداع وجيه لرفضها ونبذها: فإنجيل النعمة الإلهية والسلام لم يفعل ~~شيئا يجعل العالم مكانا أكثر ثراء من الناحية المادية، والأدهى أنه أحبط الأبهة ~~العسكرية. # من المؤكد أن أوغسطينوس اعتبر المسيحية الأصلية ms112 أخروية الطابع؛ فهي تستقي نقاط مرجعيتها ~~ومعاييرها من اعتبارات تتجاوز عملية الزمن والتاريخ. ورغم أنه كان مقتنعا بأن هذا العالم ~~هو عالم الرب، فإنه لم يؤمن بأن الحياة البشرية يمكن أن تنتمي بالكامل للنظام العلماني ~~والمادي، أو أن القيم الرئيسية يمكن أن تتمثل في السلطة والكرامة والثروة والجنس. وقد ~~رسخ شيشرون في ذهن أوغسطينوس ترسيخا تاما فكرة أن هذه القيم يستحيل أن تكون الطريق إلى ~~السعادة، سواء للفرد أو للمجتمع. # | قراءات إضافية # The edition of Augustine by the Benedictines of St Maur ~~(Paris, 1679-1700), often reprinted, is in J. P. Migne, Patrologia Latin ~~(Paris, 1841-2). Further sermons in G. Morin, # Sermones post Maurinos reperti ~~(Rome, 1930), ~~C. Lambot, # Sermones Selecti ~~(Utrecht, 1950), and ~~F. Dolbeau, # Vingt-six Sermons aux Peuple ~~d’Afrique ~~(Paris, 1996). A guide to these in P. P. Verbraken, # Études critiques sur les sermons authentiques de S. ~~Augustin ~~(Steenbrugge, 1976) ~~. # Many principal works have modern editions in the two series, ~~Corpus Scriptorum Ecclesiasticorum Latinorum and Corpus ~~Christianorum ~~. # For a high proportion English translations exist, such as in ~~the Oxford Library of the Fathers (1838-81), a series edited by M. Dods (T. & ~~T. Clark, and Eerdmans), and three recent series, Library of Christian Classics, ~~Fathers of the Church, and Ancient Christian Writers. Translations of # Confessions ~~(Oxford World’s Classics, 1992) and # The City of God ~~(H. Bettenson, London, 1972, ~~new ed. 1984). The best edition of the # Confessions # is by A. Solignac (Paris, 1962) ~~. # For biography without the theology see the excellent Life by Peter Brown (London, 1967). On the ideas see E. Gilson, # The Philosophy of St Augustine ~~(Eng. tr., London, 1960); J. Burnaby, # Amor Dei ~~(Norwich, 1995); G. Bonner, # Augustine, Life and Controversies ~~(London, ~~1964, new ed. Norwich, 1986); E. TeSelle, # Augustine the ~~Theologian ~~(New York, 1970); R. A. Markus (ed.), # Augustine: A Collection of Critical Essays ~~(New York, ~~1972); on the Church, R. F. Evans, # One and Holy ~~(London, 1972); on ethics, H. A. ms113 Deane, # The Political and ~~Social Ideas of St Augustine ~~(Columbia, paperback 1963). On the ~~Donatist schism: W. H. C. Frend, # The Donatist ~~Church ~~(Oxford, 1952, reprinted 1985). Neoplatonism: J. J. O’Meara, # The Young Augustine ~~(London, 1954, paperback ~~1980); C. Harrison, # Augustine, Christian Truth, and ~~Fractured Humanity ~~(Oxford, 2000); R. Sorabji, # Time, Creation and the Continuum ~~(London, 1983); Paul ~~Henry, # The Path to Transcendence ~~(Eng. tr. Pittsburgh, 1981); P. Courcelle, # Late Latin Writers and ~~their Greek Sources ~~(Eng. tr., Harvard, 1969); H. Hagendahl, # Augustine and the Latin Classics ~~(Gothenburg, ~~1967); G. O’Day, # Augustine’s City of God ~~(Oxford, ~~1999) ~~. Plotinus is edited and translated by A. H. Armstrong, Loeb ~~Classical Library. An annual survey of literature on Augustine appears in # Revue des études augustiniennes ~~(Paris) ~~. # | مصادر الصور # (1-2) Archivi Alinari, Florence ~~. ~~(1-3) © Archivo Iconografico ~~S.A./Corbis ~~. ~~(5-1) From Erwan Marec: Monuments Chrétiens d’Hippone: Ville ~~Épiscopale de Saint Augustin. Arts et Métiers Graphiques, Paris, ~~1958 ~~. ~~(6-1) Biblioteca Medicea Laurenziana, ~~Florence ~~. ~~(6-2) National Gallery, London ~~. ~~(9-1) The Louvre, Paris ~~. ~~(9-3) German Institute of Archaeology, ~~Rome ~~. ~~(10-1) Archivi Alinari, Florence ~~. ms114