######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadMuhammadRubi.DadaiyyaWaSiryaliyyaMuqaddimaQasira.Hindawi84629096 #META# Tags: arts #META# ID: 84629096 #META# Title: الدَّادائية والسِّريالية: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 52427524 #META# Author: ديفيد هوبكنز #META# EditorID: 18571738 #META# Editor: محمد فتحي خضر #META# TranslatorID: 19607415 #META# Translator: أحمد محمد الروبي #META# Related_books: 1450DavidHopkins.DadaSurrealismShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - الدادائية والسريالية: نبذة تاريخية‏ # 2 - «الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية‏ # 3 - الفن ونقيض الفن‏ # 4 - «من أنا؟» عقل أم روح أم جسد؟‏ # 5 - السياسات‏ # 6 - إعادة النظر إلى الدادائية والسريالية‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - الدادائية والسريالية: نبذة تاريخية‏ # 2 - «الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية‏ # 3 - الفن ونقيض الفن‏ # 4 - «من أنا؟» عقل أم روح أم جسد؟‏ # 5 - السياسات‏ # 6 - إعادة النظر إلى الدادائية والسريالية‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الدادائية والسريالية # | الدادائية والسريالية # | مقدمة قصيرة ~~جدا # تأليف # ديفيد هوبكنز # ترجمة # أحمد محمد الروبي # مراجعة # محمد فتحي خضر # | شكر وتقدير # أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى بول ستيرتون لتشجيعه لي على تأليف هذا الكتاب في المقام ~~الأول. أيضا، أقر بامتناني الشديد لكيت تريجاسكي، وكاثرين ريف، ونيل كوكس من أجل ~~تعليقاتهم على المخطوطة الأولية للكتاب. # إلى بنجامين # | مقدمة # سؤال: # كم عدد السرياليين الذين تقتضي الضرورة ~~تغييرهم مصباحا كهربائيا؟ # الجواب: # سمكة. # كل إنسان على دراية بمعلومة ما عن الدادائية والسريالية. ولدت الدادائية عام 1916، ~~وبحلول أوائل العشرينيات أضحت ظاهرة فنية دولية سعت إلى قلب الأفكار البرجوازية ~~التقليدية في الفن. في الغالب، كانت تلك الحركة مناوئة بشكل جريء للفن، والأهم من ذلك ~~كله أن المشاركين فيها - أمثال: مارسيل دوشامب، ~~وفرانسيس بيكابيا، وتريستان تزارا، وهانز آرب، وكورت شفيترز، وراءول هاوسمن - وضعوا حبهم ~~للمفارقة والوقاحة في مقابل جنون العالم الذي جن جنونه، وذلك بينما كانت الحرب ~~العالمية الأولى تستعر في أوروبا. # نشأت السريالية، الوريث الفني للدادائية، رسميا عام 1924، وأمست فعليا ظاهرة عالمية ~~بحلول الفترة التي تداعت فيها في أربعينيات القرن العشرين. التزم الفنانون السرياليون - ~~أمثال: ماكس إرنست، وسلفادور دالي، وخوان ميرو، وأندريه ماسون - بوجهة النظر القائلة بأن ~~الطبيعة البشرية غير عقلانية في جوهرها، ودخلوا في علاقة حب للتحليل النفساني، شابها ~~الاضطراب كثيرا، بغية الكشف عن أسرار العقل البشري. # بالنسبة إلى كثيرين، لم تكن الدادائية والسريالية حركتين قائمتين بذاتيهما في تاريخ الفن ~~خلال القرن العشرين بقدر ما كانت كل منهما ms001 ~~«فنا حديثا» متجسدا. فالدادائية ترى بوصفها متمردة وميالة للمواجهة والصدام؛ أما ~~السريالية فاعتبرت بالمثل مناوئة للبرجوازية في جوهرها، لكنها كانت أكثر انغماسا ~~فيما هو غريب وعجيب. ولكن، لماذا الدادائية والسريالية؟ ما السر وراء ارتباط كل منهما ~~بالأخرى؟ إنهما حركتان منفصلتان، ومع ذلك دائما ما يخلط الناس بينهما. وجد مؤرخو الفن ~~أنه من الملائم تبني التعميم القائل بأن الدادائية «مهدت الطريق» أمام السريالية، ولو ~~أن هذا المفهوم لم يكن ينطبق إلا على مكان واحد حقا من الأماكن التي شاعت فيها ~~الدادائية، ألا وهو باريس. لا شك أن هذا الكتاب سيتناول هذه المسألة مجددا، لكنه سيعرض ~~هاتين الحركتين على اعتبار أنهما مختلفتان بشكل متمايز بحيث يمكن وضع الواحدة منهما في ~~مواجهة الأخرى؛ على سبيل المثال: عادة ما استمتعت الدادائية بفوضى الحياة العصرية ~~وتشظيها، بينما أخذت السريالية على عاتقها مهمة أكثر إصلاحا؛ حيث حاولت خلق ~~منهجية جديدة، وجعلت الإنسان العصري يتواصل مجددا مع قوى اللاوعي. ومثل هذه الاختلافات ~~تتصل بتمايزات مهمة سعيت إلى إيضاحها قدر الإمكان. # تشيع الدادائية والسريالية الآن أكثر من أي حركة أخرى من الحركات الفنية المنتمية إلى ~~القرن الماضي في ثقافتنا إجمالا، والسريالية تحديدا دخلت إلى لغتنا اليومية؛ فنحن نتكلم ~~عن «الدعابة السريالية» أو «الحبكة السريالية» لفيلم ما؛ وتعني هذه الاستمرارية تحديدا ~~أنه من الصعب وضعهما على مسافة واحدة منا في «التاريخ». لقد أصبحت الروايات النقدية ~~والتاريخية للحركتين أكثر تعقيدا بلا شك؛ فالدادائية، التي ربما ينظر إليها على اعتبار ~~أنها مناهضة للفكر الأكاديمي، تدرس الآن بالجامعات على نطاق واسع. وبالمثل، أمست ~~الدراسات المعنية بالفنانين المشاهير السيئي السمعة، مثل دالي ورينيه ماجريت، موجودة في ~~كل مكان؛ لكن كثيرا ما تكون وفرة المعلومات مثيرة للحيرة، فنفقد المسافة الحرجة ~~الفاصلة. # ولما كنت على دراية بهذه المشكلة، فقد أقمت بنية هذا الكتاب استنادا إلى قضايا ~~موضوعية أساسية. يرسم الفصل الأول التطور التاريخي للدادائية والسريالية، ويتعامل مع ~~الفرضيات المتعلقة بالتعامل معهما معا. أما الفصل الثاني فيبحث بتفصيل الطريقة التي نشرت ~~بها الحركتان أفكارهما، لا سيما ms002 فيما يتعلق ~~بالأحداث العامة والمنشورات؛ وخلال هذه العملية، يتضح أن الحركتين أقامتا حوارا بين الفن ~~والحياة. يمحص الفصل الثالث عن كثب مسائل جمالية، مع التركيز على الشعر وتجميعات ~~الصور (الكولاج) ومونتاج الصور الفوتوغرافية، والرسم، والتصوير، وصنع الأشياء، والأفلام. إن ~~القضايا المتعلقة بمعاداة الفن السائد ووضع كل حركة منهما في سياق النقاشات الجمالية ~~الحداثية مهمة جدا هنا. ويسلط الفصلان الأخيران الضوء على الأبحاث الأخيرة التي ~~أجريتها أنا وغيري بما يتسق مع المنظورات التاريخية الحالية الخاصة بالحركتين، وسوف ~~أفحص التوجهات الدادائية والسريالية نحو مجموعة من الموضوعات الرئيسية، بداية من ~~اللاعقلانية وحتى الغريزة الجنسية، وسينصب تركيزي على جوانبهما السياسية. ويختتم ~~الكتاب ببعض التأملات الخاصة بالحياة الآخرة ~~للحركتين، لا سيما في سياق علاقتهما بالفن ~~الحديث. # كان اهتمامي الرئيس ينصب على طرح الأسئلة الخاصة بالدادائية والسريالية المتوافقة مع ~~انشغالاتنا الثقافية المعاصرة؛ على سبيل المثال: تعتبر الهوية - سواء أكانت العرقية أم ~~الجنسية - مسألة ذات أهمية محورية لكثير منا، وكان الفنانون السرياليون، أمثال المصور ~~الفرنسي كلود كاهون والرسام الكوبي ويفريدو لام، رائدين في تعاطيها، لكن من أجل تقدير ~~قوة اهتمامهم، من الضروري إعادة خلق السياقات التي استجاب هؤلاء الفنانون لها. وبالمثل، ~~بالنظر إلى الشهرة الحالية للسريالية في الثقافة عموما (على سبيل المثال: الانتشار الشاسع ~~لأعمال دالي على الملصقات)، من الآمن الافتراض أن الجوانب الأكثر «ظلمة» اللاواعية ~~لحيواتنا النفسية التي احتفت بها الدادائية والسريالية؛ تعتبر حاليا على نطاق واسع ~~أشياء «إيجابية». ولكن، في الثقافات التي كانت الفاشية فيها قوية في فترة من الفترات، ~~يشكك كثيرون في فضائل الاستسلام للاعقلانية، بينما ذهب النقاد الحداثيون إلى أنه مهما ~~اعتبر أتباع الدادائية والسريالية أنفسهم معادين للبرجوازية، فقد ساعدوا ببساطة في ~~بسط نطاق الخبرة، التي استطاعت الثقافة البرجوازية استيعابها، على منظومة القيم ~~الخاصة بهما. في «ثقافتنا ما بعد الحداثية»، نسارع جميعا بإضفاء طابع جمالي على دوافعنا ~~ونوازعنا الأكثر إظلاما، ويمحص هذا الكتاب الجذور التاريخية لمثل هذه التوجهات، ويوضح ~~السبب في أنها كانت «راديكالية» في فترة من الفترات، كما يوضح السياقات التي كانت ms003 فيها ~~كذلك. وخلال هذه العملية، ستثار أسئلة عن دوافعنا الشخصية لا محالة . # إن هذا الضرب من الاستقصاء الذي لا يضفي المثالية على الدادائية والسريالية بضرورة ~~الحال، لكنه يسعى إلى بيان علة كونهما إلى الآن قوتين فاعلتين في ثقافتنا؛ يبدو ~~ملحا تحديدا بالنظر إلى مدى التأثر البالغ للفن المعاصر بهاتين الحركتين. ومن الممكن ~~بيان ذلك بالنظر إلى أي عمل من أعمال سارة لوكاس، واحدة من أبرز الفنانين البريطانيين في ~~تسعينيات القرن العشرين. # تكشف أعمال لوكاس استمرار الرغبة في الإذهال، التي كانت في فترة من الفترات سمة مميزة ~~للدادائية. في الوقت نفسه، تستخدم لوكاس بدائل أو إزاحات للصور الجسمانية التي كانت من ~~قبل عملة للسريالية. تعول أعمالها ضمنا على إنجازات أتباع الدادائية والسريالية أمثال ~~مارسيل دوشامب ومان راي ورينيه ماجريت. ولكن، أتؤكد أعمال لوكاس ببساطة على أن الصدمة ~~المميزة للدادائية أمست راسخة؟ أم إن أعمالها تبنى على هذا التقليد بطريقة مهمة من ~~المنظور الثقافي؟ # يبدو لي أن هذا هو نوع الأسئلة الذي يمكن أن يثيره الانخراط المعاصر في تداعيات ~~الدادائية والسريالية. وفي نهاية هذا الكتاب، من المفترض أن نكون قادرين على الإجابة عنها. ~~وعلى الرغم من ذلك، فالمهمة المحورية للفصول التالية هي بيان الخطوط التاريخية والموضوعية ~~الأساسية للدادائية والسريالية. # الفصل الأول # | الدادائية والسريالية: نبذة تاريخية # كانت بدايات القرن العشرين فترة تغير عنيف؛ إذ غيرت الحرب العالمية الأولى والثورة ~~الروسية فهم الناس لعوالمهم على نحو جذري، وحولت اكتشافات فرويد وأينشتاين ~~والابتكارات التكنولوجية لعصر الآلة الوعي البشري بشكل عميق. ومن وجهة نظر ثقافية، سجلت ~~روايات جيمس جويس وأشعار تي إس إليوت - وأقصد تحديدا رواية «عوليس» للأول، وقصيدة «الأرض ~~الخراب» للثاني، اللتين نشرتا عام 1922 - أنماطا «حداثية» جديدة بشكل مميز للشعور ~~والإدراك، تتسم بإحساس واضح بالانقطاع؛ ولذا يرى المنظر مارشال بيرمان أن الإحساس ~~المتزامن بالبهجة والكارثة الوشيكة، الذي يعكس الظروف المضطربة للحياة آنذاك، هو المحدد ~~للوعي الحداثي. # تعكس الحركات الفنية في أوائل القرن العشرين بقوة هذه العقلية الجديدة. وإذ كانت ~~حركات مثل التكعيبية والمستقبلية - اللتين ms004 بلغتا ذروتهما خلال الفترة ما بين عامي 1910 ~~و1913 - مبتكرة بجرأة نادرة من الناحية الفنية ، فقد انتقلت إلى ما وراء المظهر الساكن ~~للرسم التقليدي، وصولا إلى استكشاف بنية الوعي نفسها. ولكن، يشاع أننا يجب أن ننظر إلى ~~الدادائية والسريالية بحثا عن الاستكشافات الأكثر أثرا للنفس الحداثية، لا سيما أن ~~الحركتين شددتا بقوة على الاستقصاء العقلي. لقد رأت الدادائية نفسها تحديدا ~~معنية بإعادة تمثيل الاضطراب النفسي الناجم عن الحرب العالمية الأولى، بينما يمكن النظر ~~إلى اللاعقلانية التي تحتفي بها السريالية كقبول تام للقوى الفاعلة وراء كواليس ~~الحضارة. يوجز هذا الفصل السجلات التاريخية المتضاربة لكلتا الحركتين، ولكن لنطرح ~~السؤال التالي أولا: ما التوجه الذي يربط بينهما وبين الحركات الفنية الأخرى التي ظهرت ~~في أوائل القرن العشرين؟ # الطليعية # كانت الدادائية والسريالية حركتين فنيتين «طليعيتين» بالأساس، وكان لاصطلاح ~~«الطليعية» - الذي وظفه أول مرة الاشتراكي الفرنسي اليوتوبي هنري دي سان سيمون ~~في عشرينيات القرن التاسع عشر - دلالات عسكرية، لكنه ما لبث أن دلل على الوضع ~~الاجتماعي-السياسي وكذلك الجمالي الذي ينبغي أن يصبو إليه الفنان الحداثي. بصفة عامة، ~~كان الفن في القرن التاسع عشر مرادفا للفردية البرجوازية، وإذ كانت الطبقة ~~البرجوازية تملكه، أو كان يعرض في مؤسسات برجوازية؛ كان الفن وسيلة يستطيع بها ~~المنتمون إلى تلك الطبقة الفرار مؤقتا من القيود والتناقضات المادية للحياة اليومية. ~~لكن في خمسينيات القرن التاسع عشر تحدت واقعية الرسام الفرنسي جوستاف كوربيه هذا ~~الوضع؛ ويقال إن جوستاف كوربيه بمزجه بين الأجندة الاشتراكية والعقيدة الجمالية ~~المضاهية لها يمثل أول اتجاه طليعي واع لذاته في الفن. بحلول بداية القرن العشرين، ~~التزم العديد من الحركات الفنية الرئيسية - كالمستقبلية في إيطاليا، والبنائية في ~~روسيا، أو الفن التشكيلي الجديد (دي ستايل) في هولندا، علاوة على الدادائية والسريالية ~~- بالطعن في أي فصل بين الفن والتجربة العارضة للعالم الحداثي؛ وكانت الأسباب التي ~~دعتها إلى ذلك سياسية من عدة أوجه؛ على سبيل المثال: كان البنائيون يستجيبون ~~مباشرة للثورة البلشفية في روسيا، لكنهم نزعوا إلى التشارك في الاعتقاد بأن الفن ms005 ~~الحديث بحاجة إلى إقامة علاقة جديدة بجمهوره؛ بحيث ينتج أشكالا جديدة راسخة لموازاة ~~التحولات في التجربة الاجتماعية. بالنسبة إلى المنظر الثقافي بيتر بيرجر، فقد كتب ~~في سبعينيات القرن العشرين أن مهمة الطليعية الأوروبية في أوائل القرن العشرين كانت ~~تتمحور في مجملها حول تقويض فكرة «استقلالية» الفن (الفن لأجل الفن)، لصالح إدراج جديد ~~للفن فيما يطلق عليه اسم «التطبيق العملي للحياة». # وبهذا تشترك الدادائية والسريالية في المعتنق الطليعي المحدد القائل بأن ~~الراديكالية الاجتماعية والسياسية ينبغي أن ترتبط بالابتكار الفني. كانت مهمة الفنان أن ~~يتجاوز المتعة الجمالية ويؤثر على حياة الناس، وأن يحملهم على رؤية وتجربة الأشياء ~~بشكل مختلف؛ إن غاية السريالية مثلا لم تكن تقل عن دعوة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو ل ~~«تغيير الحياة». # وكما ذكرنا آنفا، مثل الفن الحديث في أوائل القرن ~~العشرين - التشظي التصويري لتكعيبية ~~بيكاسو وبراك على سبيل المثال - خروجا مذهلا على التقاليد الفنية التقليدية. والطريقة ~~الفنية-التاريخية القياسية لفهم هذا الخروج تنحصر في رؤيته على اعتبار أنه يمثل إرث ~~فناني المدرسة «الفرنسية» في أواخر القرن التاسع عشر، أمثال جوجان وسورا وفان جوخ ~~وسيزان، كما يمثل تحولا عاما في الوعي تأثر بالرمزية الأوروبية في ثمانينيات ~~القرن التاسع عشر وتسعينياته. في رسوم سيزان وجوجان مثلا نجد أن الفضاء منبسط والألوان ~~مشوهة، في خروج جذري عن المذهب الطبيعي؛ ولقد مهدت تلك الظروف الطريق أمام ~~التخلي عن التقاليد التصويرية المنتمية لعصر النهضة، كالمنظور الخطي المتجلي في ~~لوحة بيكاسو «آنسات أفينيون» التكعيبية النموذجية عام 1907، التي تمثل منعطفا في ~~تاريخ الفن. في الوقت نفسه، جربت التعبيرية الألمانية والوحشية الفرنسية الاستخدامات ~~المعبرة وغير الطبيعية للألوان بدرجة أكبر. # لا شك أن الدادائية والسريالية كانتا مدينتين بلغتهما التصويرية للحركات التكعيبية ~~والتعبيرية، وكذلك المستقبلية؛ فالكولاج التكعيبي، على سبيل المثال، أفضى مباشرة إلى ~~ابتكار أتباع الدادائية «تجميع الصور». لكن أتباع الدادائية والسريالية كانوا ~~سيضيقون كثيرا بالفكرة الضمنية في الكثير من الأعمال التكعيبية، القائلة بأن ~~الابتكار الرسمي وحده يوفر أساسا منطقيا للفن. فبقدر ما كان الفن التكعيبي يهدف ~~إلى أن ms006 يصدم المشاهد أو يربكه فيعيد النظر في علاقاته بالواقع، كان فنا ~~«مستقلا» في نهاية المطاف؛ أي فنا لأجل الفن. بالنسبة إلى الدادائية والسريالية، ~~كان الفن يتعلق بما هو أكبر من ذلك بكثير. وشأنهما شأن غيرهما من الحركات الفنية ~~بالقرن العشرين، كالمستقبلية التي عكست العالم المتسارع الوتيرة المتعدد الحواس ~~الذي كان الناس يعيشونه في العقد الأول من القرن العشرين؛ كانت الدادائية والسريالية ~~ملتزمتين باستكشاف التجربة نفسها. # كان الالتزام بالتجربة المعيشة يعني ~~أن الدادائية والسريالية تحملان رأيا متضاربا بخصوص فكرة الفن باعتباره شيئا مقدسا ~~أو منفصلا عن الحياة؛ وهذه نقطة محورية، وهي السبب في أنه من غير الملائم التعامل مع ~~الدادائية والسريالية باعتبارهما «منهجين» أسلوبيين مميزين في تاريخ الفن. في ~~الواقع، كان هناك تشابه أسلوبي محدود نسبيا بين الفنانين المنتسبين لهاتين الحركتين، ~~وكان الأدب مهما بالنسبة إليهم أهمية الفن البصري. من الأدق أن نصف هاتين الحركتين ~~بأنهما توجهان مشكلان للحياة مدفوعان بالأفكار، بدلا من كونهما مدرستين للرسم ~~أو النحت؛ فأي شكل - بداية من النصوص، ومرورا بالأعمال الفنية «الجاهزة» وحتى الصور ~~الفوتوغرافية - يجوز استخدامه لتجسيد الأفكار الدادائية والسريالية. في الدادائية، ~~يترجم الشك الأساسي في ضيق أفق الفن كثيرا إلى عداء صريح تجاه قيمه ومؤسساته؛ ~~ولذا ينبغي علينا عند هذه النقطة أن نطرح التعميمات جانبا، ونفحص الخطوط العريضة ~~التاريخية الكلية للدادائية، ومن ذلك الفحص سينشأ بعد ذلك النقاش الخاص ~~بالسريالية. # أصول الدادائية: زيوريخ ونيويورك # تتمحور «أسطورة أصول» الدادائية حول رجل واحد، ألا وهو الشاعر والمنظر هوجو ~~بال، والملهى الليلي المعروف باسم «كباريه فولتير»، الذي افتتح في شبيجل جلاسيه ~~بزيوريخ في فبراير 1916. # شكل 1-1: مارسيل يانكو، «كباريه فولتير»، زيت على قماش، (صورة فوتوغرافية لعمل ~~مفقود)، 1916. # صمم الملهى الليلي بداية اقتداء بنماذج مبدئية في المدن التي عاش فيها الرحالة ~~بال من قبل، وتحديدا مدينتي ميونيخ وبرلين. وشأنه شأن الملاهي الليلية هناك، قدم ~~كباريه فولتير برنامجا متنوعا من الفقرات التي تتراوح ما بين إنشاد الأغاني الشعبية ~~وإلقاء الشعر بالأسلوب التعبيري السائد، ومن بين معارف بال الأوائل بالملهى ms007 الليلي - ~~وكانوا جميعا وافدين مثله - صديقته إيمي هنينجز التي كانت تؤدي فقرة في الملهى ، ~~والرومانيان الشاعر تريستان تزارا والفنان مارسيل يانكو، والشاعر والفنان الألزاسي ~~هانز/جان آرب (ويعكس اسمه جنسيته الفرنسية/الألمانية المزدوجة)، وشريكة آرب، مصممة ~~الأزياء السويدية المولد والراقصة صوفي تاوبر، وسرعان ما انضم إليهم الشاعر الألماني ~~ريتشارد هيولسنبك، ومن بعده انضم إليهم آخرون أمثال الكاتب الألماني فالتر سيرنر ~~وصانعي الأفلام التجريبيين هانز ريشتر من ألمانيا وفايكنج إيجلينج من ~~السويد. # وعلى الرغم من أن العروض التي قدمتها المجموعة في كباريه فولتير كانت في بداية ~~الأمر تقليدية إلى حد كبير، فإنه سرعان ما تحولت إلى عروض استفزازية. استرجع ~~تزارا عرضا سيئ السمعة تحديدا قدموه في يوليو 1916 قائلا: # في حضور عدد محدود من المشاهدين ... طلبنا أن نعطى الحق بأن نبول بعدة ~~ألوان مختلفة ... صرخ بويم - صراخ وعراك في القاعة، ووافق الصف الأول على منح ~~الحق، وأعلن الصف الثاني عجزه، وصاح البقية الباقية: من الأقوى؟ وجيء بالطبلة ~~الكبيرة، هيولسنبك في مواجهة 200. # إلى حد ما، جاءت تلك الإجراءات الصدامية في أعقاب سلسلة من العروض التي قدمها في ~~إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية أتباع المستقبلية الإيطاليون، في الفترة بين عامي ~~1909 و1913. وعلى الرغم من أن معرفتهم بالمستقبلية كانت جزئية، فإن مقدمي عروض ~~كباريه فولتير أمثال بال وهيولسنبك كانوا على دراية بالأشعار التجريبية لقائد تلك ~~الحركة مارينيتي، أو «الشعر الحر»، وباستخدام المؤدين المستقبليين الصدامي لسيل متنافر ~~أو «وحشي» من الضوضاء. طور بال شكلا من الشعر «الصوتي» زاحمت فيه كلمات مختلقة ~~أجزاء لغوية بدائية؛ فقصيدته التي سماها «كاراوان» (القافلة) عام 1916، والتي يبدو ~~أنها تحاكي الأصوات الصاخبة والحركات الوئيدة لقطيع من الأفيال، تبدأ بالبيت التالي: # Jolifanto bambla ô falli bambla. # تضافرت جهود ~~شعراء ومؤدين آخرين تابعين للدادائية بغية إلقاء «أشعار متزامنة»؛ إما تقرأ ~~نصوصها بصوت عال، وإما تنشد بشكل متزامن. إلى حد ما، كانت مثل هذه الأساليب ~~استقراءات من نماذج أولية مستقبلية. ولكن، كان الشعر الصوتي الدادائي عادة أكثر ~~«تجريدا» بشكل واضح من سوابقه الإيطالية، ولم يكن ms008 لدى أتباع الدادائية أنفسهم سوى ~~القليل من إيمان المستقبليين بالتقدم التكنولوجي، ولم يكن لديهم أي من حماس ~~المستقبليين المؤيد للأعمال العسكرية. # استعارت العروض الدادائية أيضا عناصر من التعبيرية، وتحديدا الأسلوب الذي ساد في ~~الفن الألماني حتى تلك الفترة، وهو نفسه الأسلوب الذي بادر المشاركون الألمان المولد ~~في كباريه فولتير تدريجيا بالانحراف عنه. كانت هناك طائفة مناصرة للفن الأفريقي في ~~أوساط التعبيريين، وكانت هناك طائفة مماثلة في أوساط التكعيبيين الفرنسيين والمؤدين ~~في كباريه فولتير، ممن يشاركون بين الحين والآخر في «رقصات للسود». ويمكن العثور على ~~خلفيات بدائية في قرع الطبول المتواصل، الذي شاع أن هيولسنبك كان يزعج به الجمهور ~~بالملهى الليلي. # كانت الأنشطة الفنية بكباريه فولتير متنوعة؛ فقد تجاوزت الإلقاء الشعري والرقص، ~~وامتدت إلى رسوم الكولاج الهندسية المبسطة بشكل جذري لهانز آرب، التي عادة ما كانت ~~تتخلل العروض؛ ويدلل ذلك على المساواة التي منحها الدادائيون للإنتاج البصري ~~والأدبي، وهو التوجه الذي كان في جوهره إرثا من الحركات الثقافية بالقرن التاسع عشر ~~مثل الرومانسية والرمزية، وكذلك المستقبلية والتعبيرية. لكن عدم التزام المجموعة بأي ~~حس فني محدد، وروح تابعيها الصدامية، تحددا في نهاية المطاف بالوقائع ~~الاجتماعية والسياسية أكثر من أي شيء آخر. كان سبب وجودهم نفسه في زيوريخ موقفها ~~الحيادي في الفترة التي كانت فيها أوطانهم منخرطة في معترك الحرب العالمية الأولى. ~~وهناك طريقة مهمة ساوى بها أتباع الدادائية في زيوريخ بين الحرب التي كانت رحاها تدور ~~في مكان آخر، وبين قناعة مفادها أن القيم المرتبطة بفن ما قبل الحرب كانت إلى ~~حد كبير قيما فاسدة. إذا كان الرسم بالزيت والنحت بصب النحاس مرادفين لبيوت ~~أبهاء الطبقة الأرستقراطية من الداخل، فسيجمع أتباع الدادائية بنى جديدة من قصاصات ~~ورقية أو أغراض موجودة سلفا. وإذا كان الشعر مرادفا للوعي المصقول، فسيلوون ذراعه ~~ويفككونه ويعيدون توجيهه إلى شكل من أشكال الثرثرة والتعاويذ. لقد كانوا كمجموعة ~~متحدين في كرههم إضفاء الصبغة الاحترافية على الفن، فكانوا ينظرون لأنفسهم ~~باعتبارهم مخربين ثقافيين، لكنهم لم يكونوا يرفضون الفن بحد ذاته ms009 بالضرورة، بل ~~يرفضون الطريقة التي خدم بها الفن تصورا بعينه للطبيعة البشرية. في كتابات آرب، ~~كان يساوي تحديدا بين الفن قبل الحرب والغرور والتقييم المبالغ فيه بشدة للبشرية، وكتب ~~آرب لاحقا معبرا عن مشاعر دادائية شائعة: # لما شعرنا بالاشمئزاز من وحشية الحرب العالمية التي اندلعت عام 1914، ~~كرسنا أنفسنا في زيوريخ للفنون. وبينما كانت أصوات المدافع تدوي بعيدة، ~~طفقنا ننشد ونرسم ونصنع لوحات من الكولاج ونكتب الشعر بكل ما أوتينا من قوة؛ ~~كنا نبحث عن فن يستند إلى الأسس لنداوي به جنون هذا العصر، كنا نبحث عن نظام ~~جديد للأشياء من شأنه أن يعيد لنا التوازن ما بين الجنة والنار. # من المثير أن ثمة ملاحظة بناءة جوهرية أعرب عنها آرب في حديثه عن الدور الشافي ~~للفن، وعن «النظام الجديد للأشياء» هنا؛ فغيره من أتباع الدادائية كانوا أكثر سلبية ~~بمراحل؛ حيث إنهم سعوا إلى هدم الفن كمبدأ من الأساس. كان لدى آرب نفسه إحساس ~~مسيحي تقريبا بأنه يمكن إعادة ابتكار الفن من جديد. ولكن، ماذا يمكن أن يمثل مجيء ~~الدادائية؟ بالالتفات إلى أصول كلمة «دادا» - وهي أصول مربكة جدا؛ حيث زعم الكثير ~~من أعضاء الحركة أنهم اكتشفوها في ظروف مختلفة - يبدو أن قابلية الكلمة المحضة للتوسع ~~جذبتهم إليها. سجل هوجو بال في مذكراته عن سنوات الدادائية المعنونة «الفرار ~~من الزمن» - التي تعد حاليا أحد أبرز مصادر المعرفة عن حركة زيوريخ - أنه بعد ~~أشهر قليلة من الأنشطة في كباريه فولتير، بدأت المجموعة ترى أن ثمة حاجة ماسة إلى ~~إصدار منشور جمعي، ومن ثم دعت الحاجة إلى شكل من أشكال العلامات المميزة: # لا ينفك تزارا يعرب عن قلقه بشأن النشرة الدورية. قبل اقتراحي ~~بتسميتها «دادا» ... والكلمة تعني بالرومانية «نعم، نعم»، وبالفرنسية ~~«الحصان الخشبي الهزاز». وبالنسبة إلى الألمان، تعتبر الكلمة علامة على ~~السذاجة الشديدة ومتعة التناسل، والانشغال بعربة الأطفال. # في المقابل، تذكر هيولسنبك أنه اكتشف الكلمة بينما كان هو وبال يتصفحان ~~قاموسا، ووجد نفسه يعلن أن «أول صوت يصدر عن الطفل يعبر عن البدائية، والبداية ms010 من ~~الصفر، وكل ما هو جديد في فننا.» المهم هنا أن بال يشدد على الشيوع العالمي للمبدأ؛ ~~حيث يراه ضربا من اللغات الثقافية العالمية، بينما يشدد هيولسنبك على أفكار الهدم ~~والتجديد. كان التوجهان مكونين أساسيين للدادائية. وبخلاف ذلك، نجد أن الكلمة ~~تمثل - بشكل يشي بالمفارقة - كل شيء ولا شيء في آن واحد؛ لقد ارتقت إلى مزيج ~~عبثي من التأكيد والنفي، وضرب من الصوفية الزائفة. كان الفن عقيدة ميتة، وولدت ~~الدادائية. # ولكن، من الأمور المعقدة هنا أن الدادائية ولدت في مكان آخر في الوقت نفسه؛ ففي ~~عام 1915، بلغ وافدان فرنسيان - مارسيل دوشامب وفرانسيس بيكابيا - مكانة شبيهة على ~~مسافة أكبر بعض الشيء من الحرب الأوروبية، وتحديدا في نيويورك. كان الفنانان ~~بارزين في الدوائر الفنية الفرنسية قبل الحرب، لكنهما انجذبا إلى أمريكا؛ إذ ~~أحسا أنها ستكون أكثر تقبلا للأفكار الجديدة. لم تلق لوحة دوشامب «عارية ~~تهبط الدرج رقم 2» المتأثرة بالتكعيبية نجاحا كبيرا لدى طليعية باريس، لكنها نقلت ~~إلى نيويورك وحققت نجاحا مدويا بمعرض الأسلحة عام 1913. بحلول عام 1915، كان ~~دوشامب قد صاغ ما وصفه بأنه موقف معاد للبصر فيما يتعلق بالابتكارات البصرية ~~التي استحدثها في الفن الفرنسي ماتيس من ناحية، والتكعيبية من ناحية أخرى. وقد ~~لازمت كراهية دوشامب للفن الذي يستميل العين وحدها دون العقل، سخرية من الآثار ~~التي تركها عصر الآلة على النفس البشرية. ظل الخطاب الإنساني يدعم أفكار الروح ~~والحب الرومانسي، ولكن بعد أن رأى دوشامب وبيكابيا في هذا التوجه خداعا للذات في ~~مواجهة الميكنة المتزايدة للمجتمع، بدآ حوالي عامي 1915 و1916 في ابتكار لغة ~~ساخرة من مزيج من الأصوات الآلية/البشرية، وتجلت أكثر من أي شيء آخر في لوحة ~~دوشامب على الزجاج المسماة «عروس جردها خطابها من ثيابها» (أو «الزجاجة الكبيرة»)، ~~وهو العمل الذي هجر باعتباره «غير مكتمل بشكل حاسم» عام 1923. # إن نفور دوشامب من ارتباط «الصنعة» بالفن البصري، وإيمانه الملازم بأن الأفكار ~~ينبغي أن تحل محل المهارة اليدوية باعتبارها المكونات الأساسية للأعمال الفنية؛ ~~هما اللذان أفضيا إلى اختياره عناصر «جاهزة» باعتبارها ms011 أغراضا فنية بداية من عام ~~1913 فصاعدا؛ ومن أشهر أغراضه السيئة السمعة تلك المبولة التي سلمها - ووقع ~~عليها مازحا باسم «آر مات »، وأطلق عليها اسم «النافورة» - لمعرض جمعية الفنانين ~~المستقلين بنيويورك في أبريل 1917. # شكل 1-2: مارسيل دوشامب، «النافورة»، عمل فني جاهز، تصوير ألفريد شتيجليتس كما ~~ظهرت في دورية «الأعمى»، العدد الثاني (مارس، 1917). # وإن رفض هذا العمل من قبل لجنة اختيار اللوحات الفنية بحد ذاته، على الرغم من ~~السياسة التي تفيد بأن سداد العضو لرسومه يضمن له حقوق العرض؛ قد أمسى بيانا ~~للدادائية. # في هذه المرحلة، بدا أن هناك معرفة ما بأنشطة الدادائية من جانب دوشامب وبيكابيا، ~~لكن العلامة نفسها لم تستخدم إلا بالكاد في نيويورك حتى أوائل عشرينيات القرن ~~العشرين؛ ولهذا السبب نجد أن أنشطة دوشامب وبيكابيا خلال الفترة بين عامي 1915 ~~و1917 تصنف عادة تحت اسم «الدادائية البدائية». لا شك أن ثمة شبكة طليعية كبيرة ~~سرعان ما تطورت وأحاطت بالأوروبيين، وتضمنت أعضاء من «دائرة شتيجليتس» ~~المزعومة، كانوا شركاء للمصور الأمريكي ألفريد شتيجليتس المؤيد المهم للفن الطليعي ~~في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال معرضه 291 في نيويورك، وأعضاء من «دائرة ~~أرنسبرج» التي سميت تيمنا بجامعي القطع الفنية الثريين وولتر ولويز ~~أرنسبرج اللذين تعهدا دوشامب بالرعاية. وعلى الرغم من ذلك، كانت الشخصيات الرئيسية ~~هي المصور الأمريكي مان راي، الذي شارك دوشامب في عدد من المشروعات اللاحقة، ~~وآخرين قدر لهما أن يصبحا جالبي الحظ للدادائية نظرا لغرابتهما الفطرية؛ ~~وهما: آرثر كرافان المتقلب المزاج، والكاتبة الألمانية المنشأ البارونة إلسا فون ~~فريتاج-لورينجهوفن. # الدادائية الألمانية # في عام 1918، امتدت الدادائية إلى برلين نتيجة للحماس الجدلي لريتشارد هيولسنبك ~~الذي وصل إلى برلين من زيوريخ العام المنصرم. في برلين، فت في عضد صحة توجهات الفن ~~لأجل الفن بشكل واضح، الوقائع الاجتماعية الصارخة التي تمكنت من المدينة. كانت ~~ألمانيا في تلك المرحلة قد خسرت الحرب، وكانت تشهد انهيارا اقتصاديا نتيجة ~~للتعويضات التي طالبت بها فرنسا وبلجيكا. وعلاوة على اختلال توازناتها الاقتصادية، ~~كانت ألمانيا تتأرجح على شفير ثورة اجتماعية في ms012 أعقاب الثورة البلشفية في روسيا عام ~~1917. واجهت الحكومة الاشتراكية المحافظة نسبيا معارضة قوية من الشيوعيين، ~~وخاصة مجموعة سبارتاكوس، واستجابت بعمليات قمع وحشية؛ وليس من العجب إذن أن أتباع ~~الدادائية في برلين تم تسييسهم بقدر كبير. وعلى الرغم من أنهم اجتمعوا جميعا تحت اسم ~~«نادي الدادائية»، فإنهم انقسموا إلى مجموعتين من الأصدقاء. كانت واحدة من ~~المجموعتين - تضمنت فالتر ميرنج وفيلاند ~~وهيلموت (عرف لاحقا باسم جون) هارتفيلد، وجورج جروز - تتألف من المتعاطفين مع ~~الشيوعية (وكان آخر ثلاثة ممن سبق ذكرهم أعضاء رسميين بالحزب). أما المجموعة ~~الثانية - وقد تضمنت راءول هاوسمن، ~~وهانا هوخ، ويوهانس بادر - فكانت أكثر نزوعا للاسلطوية (الأناركية). # تجلت مناوأة الفن في برلين في المعارضة الصارخة للاتجاه الجمالي الأساسي في ألمانيا، ~~ألا وهو التعبيرية؛ فلقد تحول النفور الدوشامبي (نسبة إلى دوشامب) من فن الصور ~~الإنسانية والانغماس الحسي ل «الفني البصري» في برلين، إلى تأفف من «الاستبطان» ~~واللمحة التعبيرية المصبوغة بصبغة روحانية. وعلى الرغم من أن فناني برلين أمثال جروتس ~~وهاوسمن عملوا آنفا بأساليب تصويرية متناغمة مع التعبيرية، فإن ريتشارد هيولسنبك قد ~~انتقد الجيل الفني السابق في بيان جوهري عام 1920، مشددا على أنه: «تذرعا ~~بتنفيذ دعاوى للروح، وجد أبناء هذا الجيل، في صراعهم مع المذهب الطبيعي، طريقهم ~~مجددا إلى اللمحات التجريدية والمثيرة للشفقة التي تفترض مسبقا حياة مريحة ~~خالية من المحتوى أو الصراع.» ذهب هيولسنبك، في المقابل، إلى أن ثمة فنا جديدا - ~~ألا وهو فن دادائيي برلين - «سيتصدع بشكل واضح بفعل تفجيرات الأسبوع الماضي ... وسيحاول ~~إلى الأبد أن يجمع شتات نفسه بعد صدمة الأمس.» # ليس من العجب أن مجموعة دادائية برلين رفضت الرسم التقليدي وفضلت عليه ~~الشعر الصوتي لهاوسمن، أو التوزيع الأصلي جدا لتقنيات المونتاج الصوري لهاوسمن ~~وهوخ وجروتس وهارتفيلد. إن الشظايا المفتتة للصور الفوتوغرافية في توليفاتها ~~الصورية المبكرة، التي تصور الآلات بطريقة شبيهة عموما بأتباع الدادائية في ~~نيويورك، مهدت الطريق في نهاية المطاف للسطوح السلسة ظاهريا التي تخصص فيها ~~جون هارتفيلد. استغلت التوليفات الصورية البارعة تقنيات سريالية أساسا من ~~التجاور لأغراض ms013 ساخرة بشكل وحشي. بعد زوال دادائية برلين مباشرة في أعقاب ظهورها ~~العام في «معرض الدادائية» ببرلين، الذي أقيم في يونيو 1920، أمسى هارتفيلد معلقا ~~قاسيا على صعود نجم النازية في ألمانيا، وظهرت توليفاته الصورية بانتظام على أغلفة ~~الدوريات الشيوعية مثل صحيفة العمال المصورة. # في أماكن أخرى بألمانيا، كان هناك المزيد من مراكز الدادائية؛ فكانت مدينة هانوفر - ~~الأكثر تحفظا ورصانة بشدة من برلين - موطنا لكورت شفيترز. كان شفيترز صديقا ~~لفناني برلين أمثال هاوسمن وهوخ، لكنه رفض عضوية «نادي الدادائية» التي قدمها له ~~هيولسنبك نظرا لافتقاره للالتزامات السياسية، وسلوكه «البرجوازي» المفترض، وشق ~~شفيترز طريقه المميز بنفسه؛ حيث كان رائدا لشكل من أشكال الكولاج أعيد فيه ضمنا ~~تقييم بقايا المناطق الحضرية (كتذاكر الحافلات المهملة، وأغلفة الحلويات ... إلخ) بواسطة ~~حشدها في بنى بصرية تجريدية. تبنى شفيترز التسمية (ميرتس) # Mertz # المأخوذة من كلمة # Commerzbank ~~(بمعنى «البنك التجاري») في واحدة من ~~تجميعاته الصورية لوصف أنشطته وتمييزها، تلك الأنشطة التي توسعت بحلول منتصف ~~عشرينيات القرن العشرين، وصولا إلى خلق تجميعة مبدئية ضخمة تعرف باسم # Merzbau # طورت أساسا في العديد من غرف بيته. ~~في أوائل عشرينيات القرن العشرين، أقام شفيترز علاقات وطيدة بفنانين منخرطين في ~~الحركة البنائية الدولية؛ حيث نفذت مبادئ التجريد الهندسي الخاصة بها إلى ألمانيا ~~وهولندا. وشارك المؤسس المشارك لحركة ستيل الهولندية؛ ثيو فان دويسبورج، بشكل غير ~~مباشر إلى حد ما في الدادائية خلال تلك الفترة تحت الاسم المستعار «آي كيه بونسيت»، ~~وحضر هو وشفيترز وآرب وريشتر وهاوسمن وتزارا «مؤتمر الدادائية-البنائية» في فايمار في ~~سبتمبر 1922؛ حيث أقاموا علاقات مع أتباع بارزين للبنائية في ألمانيا أمثال لازلو ~~موهولي-ناجي وإل ليسيتزكي. وعلى مدار سنوات قليلة، تآزر أعضاء كل جماعة فيما بينهم ~~من ناحية، وبينهم وبين غيرهم من أعضاء الجماعات الأخرى بشكل متفرق. بصورة ما، تقع تلك ~~الحقبة خارج طقوس الدادائية، على الأقل بقدر ما كانت الدادائية معارضة للتجريب ~~الجمالي المحض؛ لكن آرب وشفيترز، في ظل اهتماماتهما التجريدية، كانا استثناءين لهذه ~~القاعدة، وتضمن خطاب دادائية زيوريخ على أي حال دعوات ms014 ل «نظام جديد». # مثلت كولونيا، المدينة الأقل اضطرابا من برلين، التي وقعت تحت الاحتلال ~~البريطاني بعد الحرب مباشرة؛ البيئة المثالية لشعبة جديدة من الدادائية خلال فترة ما ~~بين عامي 1918 و1920. هنا كان أبرز رجالات الدادائية ماكس إرنست ويوهانس بارجلد، وهو ~~الاسم المستعار الذي تبناه ألفريد جرونيفالد، وتعني كنيته «حقائب المال»، في إشارة ~~غير مباشرة إلى المصرفي والد جرونيفالد. وامتدت عضوية دادائية كولونيا إلى مجموعة ~~مسيسة بقدر أكبر، من بينهم فرانس سايفيرت وهاينريتش وأنجيليكا هويرل، لكن هذه ~~المجموعة تجمعت في واقع الأمر حول حدث وحيد فحسب، ألا وهو «معرض دادائية ~~كولونيا» اللاسلطوي المقام في أبريل 1920 (انظر الفصل الثاني). وخلاف ذلك، نجد أن ~~التجميعات الصورية اللاسياسية في جوهرها ولكن العبثية جدا لإرنست، والمتسمة ~~بتصادمات مذهلة للصور، مهدت الطريق لتشكل الدادائية. وكما هو الحال بالنسبة إلى ~~أعمال دوشامب وبيكابيا في أماكن أخرى، يمكن العثور على إدانة وحشية للفنون السابقة في ~~إعادة صياغات إرنست للأيقونات الدينية التقليدية. # الدادائية الفرنسية # كانت كولونيا تقع من الناحية الثقافية بين ألمانيا وفرنسا، ومن ثم مال إرنست إلى ~~التطلع إلى باريس بدرجة أكبر بكثير من غيره من الدادائيين الألمان، وفي نهاية المطاف، ~~انتقل إلى باريس عام 1922. إن الدادائية في باريس مسألة معقدة من حيث روادها ~~المتحولون وانتماءاتهم المتبدلة. ولدت الدادائية الفرنسية في أوائل عام 1919 مع ~~وصول بيكابيا، سفير العدمية لدى الدادائية الذي نصب نفسه في هذا المنصب، وكان قد ~~أمضى لتوه فترة في سويسرا، ظهر خلالها في زيوريخ حيث مثل بالنسبة إلى مؤرخ ~~الدادائية هانس ريشتر «تجربة احتضار». كانت دادائية زيوريخ في مرحلتها الأخيرة عدمية ~~على أي حال؛ حيث ألقى فالتر سيرنر على أسماع الناس «بيانا محررا أخيرا» كئيبا ~~أثناء المسيرة العامة الأخيرة للحركة في أبريل 1919. وفي باريس، استضاف بيكابيا دوشامب ~~الذي كان في زيارة جديدة لبلده الأم، وسرعان ما لاقت شخصية دوشامب الغامضة - ~~والمتجلية في لمحات مثل العمل الفني المتمرد # LHOOQ ~~، ~~الذي يتكون من تلك الأحرف (وتعني في الفرنسية «إنها تتمتع بمؤخرة رائعة» عندما ~~تقرأ ms015 بصوت عال)، المكتوبة أسفل نسخة للوحة الموناليزا ذات شارب ولحية مرسومين ~~بقلم رصاص - إعجاب مجموعة من الشعراء الباريسيين المجتمعين حول دورية «الأدب». وكان ~~«قائد» تلك المجموعة باقتدار أندريه بريتون، وأبرز أعضائها : لويس أراجون، وثيودور ~~فرانكل، وبول إيلوار، وفيليب سوبو. # كان بريتون ذو الشخصية الجذابة يتأثر بشدة بالآخرين، وكان الشاعر الفرنسي جيوم ~~أبولينير - شريك بيكاسو والمؤيد الشديد للتكعيبية، الذي توفي عام 1918 - مهما ~~لبريتون بشكل محوري؛ فمن أوجه عدة، قدر لبريتون أن يرث دور أبولينير كمحفز ~~طليعي. وثمة أثر آخر كان يتمثل في صديق بريتون، ويدعى جاك فاشيه؛ وكان شخصا ~~متأنقا أفضى به حسه الفكاهي اللاذع (حتى إنه أطلق على نفسه اسم «الفكاهي») وإحساسه ~~بالعبثية، إلى الانتحار بجرعة أفيون زائدة بعد توقيع الهدنة عام 1919. في ظل تلك ~~السوابق في ذهنه، علاوة على دوشامب، قام بريتون بابتكار نسخته الذهنية الخاصة من ~~الدادائية. # في أوائل عام 1919، درس بريتون نموذج تريستان تزارا الذي ظهر بيانه القوي عام 1918 ~~في الطبعة الثالثة من مجلة «الدادائية» التي نشرتها مجموعة زيوريخ. «إن مبدأ «حب ~~جارك» محض نفاق، و«اعرف نفسك» مبدأ مثالي، لكنه مقبول بقدر أكبر؛ لأنه ينطوي ~~على شيء من الدهاء. لا للشفقة. بعد المذبحة، لا يبقى لدينا سوى الأمل في إنسانية ~~مطهرة.» هكذا كتب تزارا متحولا من خطاب العدمية إلى خطاب الفداء بأسلوب زيوريخ ~~المألوف. وصل تزارا نفسه إلى باريس في يناير 1920، ولكن على مدار العامين ~~التاليين، تولى بريتون - الذي أدى به نزوعه إلى البحث عن انسجام النظرة ~~الاستشرافية إلى الاغتراب عن بيكابيا اللاسلطوي وكذلك عن تزارا - ريادة الطليعية في ~~نهاية المطاف. # كانت الدادائية الباريسية سلبية صراحة في نبرتها، وعلى الرغم من أنها كانت معارضة ~~للحكومة اليمينية التي تولت مقاليد الأمور في فرنسا إثر الحرب، فإنه نادرا ما ~~كانت سياسية علنا كالدادائية في برلين، كما كانت بعيدة جدا عن الروح البنائية ~~البدائية التي اتسمت بها المرحلة الأولى للدادائية في زيوريخ. وكانت تجلياتها ~~الأساسية سلسلة من الاستفزازات العلنية التي قرأ بيكابيا واحدة منها على الملأ في ~~مارس ms016 1920، في بيانه المسمى «البيان الوحشي»: # ما الذي تفعلونه هنا، وأنتم جالسون على مؤخراتكم كمجموعة من الحمقى؟ ~~... ~~... أنتم أيها الجادون، تفوح منكم رائحة أسوأ من رائحة روث الأبقار. # أما بالنسبة إلى الدادائية، فلا تفوح منها أي رائحة؛ فهي لا شيء، لا شيء، ~~لا شيء. # إنها مثل آمالكم: لا شيء. # مثل فردوسكم: لا شيء ... # مثل ساستكم: لا شيء ... # مثل فنانيكم: لا شيء ... # أساسا، شنت الدادائية الباريسية، شأنها شأن تجليات الدادائية في أي مكان آخر، ~~حربا على الخطاب الفني المهترئ. وفي الحدث نفسه، قدم بيكابيا لوحة من القماش تحوي ~~دمية على شكل قرد وتحيط به الكلمات التالية: «صورة لسيزان، صورة لرامبرانت، صورة ~~لرينوار ...» # السريالية: البدايات # بحلول منتصف عام 1922، أمست الدادائية الباريسية، في شكلها النهائي المتجسد بالكامل، ~~موصومة بسلبيتها الشخصية، ومن مؤشرات زوالها تنظيم بريتون ل «مؤتمر باريس» الذي أكد ~~ضمنا، في مسعاه إلى تحديد الاتجاه الكلي للنشاط الطليعي، على أن ما كانت الدادائية ~~تسعى لتفاديه بالضبط هو: مجرد حركة فنية في تاريخ الفن. يتجلى هنا ولع بريتون ~~بالسياسة الثقافية؛ فإذ اتهم الدادائية ب «النفي المتغطرس» والميل إلى «الفضيحة من ~~أجل الفضيحة»، فقد استغل الفرصة وأعاد ترتيب أولويات الطليعية؛ وكان الطريق ممهدا ~~أمام السريالية. # وصل ماكس إرنست من كولونيا في نهاية ~~عام 1922؛ حيث كان حلقة الوصل مع أنشطة الدادائية الألمانية، على الرغم من أنه لم يكن ~~حلقة الوصل مع أكثر تلك الأنشطة تسيسا. لعامين كاملين، وتحديدا في الفترة بين ~~عامي 1922 و1924، كانت هناك فجوة نوعا ما بين الدادائية والسريالية، وهي المرحلة ~~التي أطلق عليها أعضاء تلك الحركة «الحركة الغامضة». وخلال تلك الفترة، انخرط ~~بريتون وأراجون وإيلوار، إضافة إلى مستجدين أحدث عهدا بحركة الأدب مثل روبرت ديسنوس ~~ورينيه سريفيل، في مجموعة متنوعة من الأنشطة التجريبية. من أكثر تلك الأنشطة إثارة ~~«جلسات تحضير الأرواح» التي أجابت فيها مجموعة من أعضاء الحركة، وأبرزهم ديسنوس، بشكل ~~غريب الأطوار عن أسئلة طرحت عليهم أثناء انغماسهم في حالات غيبوبة ذاتية التحريض؛ جرى ~~آنذاك بشكل منظم استكشاف الاهتمام بكل ما ms017 هو غير عقلاني، الذي تجلى في حد ذاته ~~في الدادائية باعتبارها حركة حرة روحية مناوئة للبرجوازية. بينما كان بريتون يخدم ~~كممرض في صفوف الجيش الفرنسي خلال فترة الحرب، تعرف على نظريات سيجموند فرويد ~~الخاصة باللاوعي. ترجمت أعمال ذلك المحلل النفسي لأول مرة للفرنسية خلال أوائل ~~عشرينيات القرن العشرين، وسرعان ما استوعب بريتون وأصدقاؤه الفكرة العلمية للاوعي ~~ودمجوها بما يخدم مصالحهم الشعرية؛ حيث قاموا بتطوير تقنيات «الكتابة التلقائية» التي ~~بموجبها - نوعا ما على غرار نموذج فرويد ل «التداعي الحر للمعاني» - أسهبوا في الكتابة ~~السريعة دون وجود أي فكرة سابقة التصور. ولكن، أثبت اجتماع تم بين بريتون وفرويد ~~في فيينا عام 1921 بما لا يدع مجالا للشك، أن فرويد لم يتعاطف كثيرا مع مثل هذه ~~المواءمات الفنية لتقنياته العلاجية. # بحلول عام 1924، رأى بريتون أنه من الملائم أن يوحد تلك النزعات تحت اسم واحد، وبعد ~~فترة ولادة طويلة خرجت السريالية إلى النور بنشر بريتون أول بيان عام ~~للسريالية. # كان أبولينير، المثل الأعلى لبريتون، هو أول من سك كلمة السريالية عام 1917، ~~لكن محاولة أبولينير الغامضة نوعا ما لتمييز روح جديدة متجاوزة للمنطق في الفنون، ~~اتسمت بدقة أكبر في «البيان العام» لبريتون عام 1924؛ حيث وصفت السريالية بأنها ~~«قائمة على الإيمان بالحقيقة الأسمى لارتباطات مهملة مسبقا بعينها، وبالقدرة الكلية ~~للأحلام، وبالتلاعب العقلي بالأشياء بلا مبالاة.» كان البيان العام بالأساس ميثاقا ~~لشاعر؛ فلم تكن فيه عناية بالفنون البصرية في هذه المرحلة، ومنحت الأولوية ل ~~«التلقائية النفسية ... بواسطة الكلمة المكتوبة، أو بأي طريقة أخرى.» وحقيقة أن ممارسة ~~هذا البيان «في غياب أي نوع من رقابة العقل، وبعيدا عن أي هموم جمالية»، أوضحت أن ~~السريالية ورثت واحدا من المبادئ المحورية للدادائية، الأمر الذي يرجع بنا إلى قلب ~~النقاش السابق؛ نقد الفن المستقل الذاتي الإحالة. كانت السريالية شأنها شأن الدادائية ~~مكرسة لمحو الفروق بين مزاعم «الفن» ومزاعم «الحياة»، وإذ وصف بريتون فرويد بالنور ~~الهادي للمشروع السريالي، لم يتكلم بريتون كثيرا عن المنتج الجمالي بقدر ما تحدث ~~عن «الإنسان المستكشف» الذي ms018 يجري «تمحيصاته». رأى الناس فيها ثورة جديدة، لا أقل، ~~وأكد أحدهم أنه: «لعل الخيال على وشك أن ... يسترجع حقوقه.» # بدأت السريالية كحركة أدبية، وكان أوائل طلائعها شعراء وكتابا فرنسيين، أمثال: ~~آرثر رامبو، وإيزيدور دوكاس (الكونت لوتريامون)، وريمون روسيل، وألفريد جاري. وبمرور ~~عشرينيات القرن العشرين، دار تدريجيا الفنانون البصريون، لا سيما الرسامون، في مدار ~~السريالية منجذبين بنموذج «رسم الشعر»، وكان ماكس إرنست رائدا - بأسلوبه الفني الذي ~~تأثر بلا شك بمصادفته نسخا لأعمال الرسام الإيطالي جورجيو دي شيريكو - لما يمكن ~~أن نصفه جوازا ب «الرسم الحالم». # على الرغم من كون الأحلام محورية كموضوع أساسي للفنانين السرياليين، فإن عملية ~~تدوينها بصريا قد كانت تستوجب تمهلا واعيا جدا. وكما أوضح كثير من المعلقين، ~~كانت تلك الفكرة مناقضة لنموذج تجاوز رقابة العقل. إن تدخلات نقدية كهذه، التي ~~تتطلب إعادة تقييم مستمرة للمبادئ، أمست القاعدة المعمول بها إلى حد كبير في ~~السريالية. وحقيقة الأمر أن الهجوم على «الرسم الحالم» حمل الفنانين آندريه ماسون ~~وخوان ميرو على إنتاج معادلات بصرية للعفوية التي لطالما مارسها شعراء الحركة. ومن ~~بين جوانب النقص الأخرى ل «الرسم الحالم» أنه كان بالإمكان استيعابه مرة واحدة، في ~~الوقت الذي تتكشف فيه الأحلام بطبيعة الحال في الوقت المناسب؛ ولذا، كان الطريق ~~ممهدا للأفلام للاستجابة إلى المتطلبات السريالية، وفي أواخر عشرينيات القرن ~~العشرين، تم إنتاج فيلمين غاية في الأهمية: «كلب أندلسي» و«العصر الذهبي»، وكان ~~الفيلمان ثمرة تعاون بين الإسبانيين اللذين استقطبتهما باريس؛ لويس بونويل ~~وسلفادور دالي. # إن انجذاب دالي نحو السريالية في عام 1929 يثبت كيف نجحت الحركة في استقطاب مواهب ~~جديدة. وفي الوقت نفسه، قدمت شخصيات بارزة بالفعل دعمها بين الحين والآخر؛ فقد سمح ~~بيكاسو بنسخ العديد من الأعمال الحديثة في الدورية السريالية «ثورة السريالية» في ~~منتصف عشرينيات القرن العشرين، دون أن ينضم رسميا للمجموعة قط، وأمست شخصيات ~~بعينها دعامات أساسية للحركة، كالرسامين إرنست وإيف تانجي مثلا. ومن الدعامات ~~الرئيسية للحركة أيضا المصور مان راي الذي أمسى المصور الرسمي إلى حد كبير ~~للسريالية الرسمية، ms019 بعد أن كان مساعدا لدوشامب أيام دادائية نيويورك، بينما أنتج في ~~الوقت نفسه «صوره الفوتوغرافية من دون كاميرا» (صورة تنتج من دون كاميرا عن طريق وضع ~~جسم بشكل مباشر على ورق خاص وتعريضه للضوء)، ودراسته للعرايا في الاستوديو. حصل ~~أشخاص آخرون على مباركة بريتون المتفاقم استبداده، بينما سقط آخرون من حساباته، ~~واستبعد كثيرون سريعا لإخفاقهم في الوفاء بتوقعات النقاء المذهبي أو الأيديولوجي. ~~كان العام 1929 حدا فاصلا في هذا الصدد؛ إذ استنكر بريتون علانية في «البيان ~~العام الثاني» للسريالية شخصيات مثل: جورج ريبيمون-دوسينييه، وروبرت ديسنوس، وروجر ~~فيتراك، وآندريه ماسون، وفيليب سوبو، وأنطونين أرتو، والكاتب المتمرس في علم الأعراق ~~ميشيل ليريس؛ في أعقاب اجتماع خاص اتهموا فيه بالإخفاق في الالتزام ببروتوكولات ~~الجماعة. # شكل 1-3: ماكس إرنست، «الرأفة/الثورة ليلا»، زيت على قماش، 1923، معرض تيت، ~~لندن. # والواقع أن ثمة جفوة حدثت لبعض الوقت بين سرياليي «شارع فونتين»، الذين تمت ~~تسميتهم بهذا الاسم تيمنا بالشارع الذي قطن فيه بريتون وعقد اجتماعات المجموعة ~~فيه، وسرياليي «شارع بليمو»، الذين كان من بينهم ماسون وميرو وليريس وغيرهم. ولطالما ~~أبعد ميل المجموعة الثانية لفلسفة نيتشه أفرادها عن بريتون، وعندما شرع جورج ~~باتاي - الإثنوغرافي والكاتب الذي بزغ نجمه ~~كمنافس فكري أساسي لبريتون في أواخر عشرينيات القرن العشرين - في التودد إليهم ~~أساسا من خلال دوريته «وثائق»، أحس بريتون بالحاجة إلى التصرف بحسم، وكان بيانه ~~العام الثاني يهدف في جزء منه إلى تقويض جاذبية جورج باتاي. من وجهة نظر باتاي، تعيب ~~فكر بريتون فرضياته المثالية المسبقة. إن جماليات بريتون، التي كانت متجذرة في ~~الجدلية الهيليجية، ارتدت دوما إلى فكرة الواقع الجديد الذي ينشأ نتيجة لتصادم ~~صورتين متنافرتين، وكان التمثيل المقتبس كثيرا لتلك الظاهرة بالنسبة إلى السرياليين هو ~~تشبيه لوتريامون الممتد «جميلة كفرصة لقاء عارض على طاولة تشريح لآلة حياكة ومظلة.» ~~وفي مقابل مثل هذا الكشف الجمالي، أيد باتاي ما أسماه «مادية أساسية»، الذي بواسطته ~~سعى الفن إلى مواجهة أحط جوانب البشرية أو أكثر تلك الجوانب بهيمية؛ ولذا مال ~~الفنانون، أمثال ماسون، ms020 تعاطفا مع باتاي إلى إنتاج صور مجازية يمكن أن تبدو لبريتون ~~مسيئة دون مبرر. وثمة هجوم مباشر بقدر أكبر نشره معسكر باتاي عام 1930 على هيئة ~~منشور تحت عنوان «جثمان»، وقد تعرض بريتون، إذ تم تصويره على أنه مسيح شهيد، لسخرية ~~شديدة من أحكامه الميالة للنقد واغتراره بذاته. # كان «البيان العام الثاني» لبريتون على أي حال بمثابة تحول في الاتجاه الفلسفي ~~للسريالية؛ ففي السابق كان التركيز داخل الحركة ينزع إلى محتويات العقل، أو ما أسماه ~~بريتون «النموذج الباطني»، أما الآن فقد تحول التركيز إلى التفاعل ما بين عالم ~~الباطن والواقع الخارجي في علاقة جدلية. وقد كان لهذا التوجه الجديد تداعياته فيما ~~يختص بالإنتاج البصري؛ فمن عدة طرق، استند صعود نجم دالي بسرعة البرق إلى إحياء ~~«الرسم الحالم»، لكن دالي، الذي لطالما كان يحدد خيارات حياته المهنية على نحو ~~استراتيجي، أحال ركيزة أعماله ببراعة وعبقرية بعيدا عن حلم اليقظة الباطني، وانتقل ~~بها إلى ما وصفه ب «هذيان التفسير» الشبيه بجنون الاضطهاد بالنسبة إلى الواقع الخارجي. ~~وفي الوقت نفسه، ظهرت طائفة حقيقية للغاية السريالية حوالي عام 1930، بقيادة دالي ~~والفنانين السويسريي المولد ألبرتو جياكوميتي وميريت أوبنهايم؛ هناك كان ~~التشديد على عثور الفنان على غرض في العالم الخارجي ينسجم مع المتطلبات اللاواعية، ~~ومن ثم كانت إعادة العلاقات بين الواقع الداخلي والخارجي. وظهرت بالتزامن مع تلك ~~الفرقة طائفة «اللقاء» التي ارتدت إلى الأيام الأولى للسريالية. وإذ يسيح السريالي ~~الهائم على وجهه في باريس التي تكتنفها شبكة خفية من المعاني، فإنه يجعل نفسه متاحا ~~لإملاءات «المصادفة الموضوعية»، وعلى الرغم من أن هذا الانشغال الجديد بالعالم الخارجي ~~كان مخلصا للروح الطليعية الأساسية للسريالية، فإنه تجسد - بقدر أكبر من ~~الحرفية - في السياسة. # السريالية: السياسة والنزعة الدولية # بدأ انشغال السرياليين بالسياسة في عام 1925، عندما عارضوا الحرب الفرنسية ~~الاستعمارية في المغرب، وبحلول عام 1927 أفضت معارضتهم الشديدة ليس لحكومة اليمين ~~الفرنسية فحسب، بل وللرأسمالية عموما؛ إلى انضمامهم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ولكن ~~ثبت لهم من البداية أنه من الصعب التوفيق ms021 بين ميولهم السياسية وغاياتهم الفنية. كيف ~~للروح الجماعية السياسية، حسبما تساءل نقاد النزعة الباطنية أمثال بيار نافيل، أن ~~تنسجم مع الفردية المتطرفة للشعر والفن السرياليين؟ هل ينبغي أن تسبق ثورة العقل ~~الثورة الاجتماعية؟ أم العكس هو الصحيح ؟ بعد عمليات التطهير التي شهدتها جماعة بريتون ~~عام 1929، والتي كانت عينها تستند جزئيا إلى المزاعم النسبية المتعلقة بتضامن ~~الجماعة وفرديتها، أمست تلك الأسئلة تحديدا ملحة. لقد صار السرياليون الآن ~~مجبرين على الاستجابة لمتطلبات نظام ستاليني جديد في روسيا، وتأزمت الأوضاع عام 1932 ~~عندما تخلى لويس أراجون رسميا عن السريالية مفضلا عليها الحزب الشيوعي، وبمرور ~~الوقت في ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت «الواقعية الاشتراكية» - وهو فن واقعي مقروء ~~للعامة - الفن المعترف به رسميا لدى الشيوعية، وقد أدى التزام بريتون ~~التروتسكي (نسبة إلى ليون تروتسكي) بثورة ثقافية-سياسية، إلى إبعاد السرياليين بشكل ~~حاسم عن التقليد السوفيتي المتشدد. # بالرغم من هذا الاضطراب الأيديولوجي، استقطبت السريالية في الثلاثينيات عددا من ~~الوافدين الجدد؛ كثير منهم كانوا نساء، بداية من الرسامة والكاتبة الإنجليزية ~~ليونورا كارينجتون التي استكشفت أفكارا أسطورية على نطاق واسع، وانتهاء بالكاتبة ~~والمصورة الفرنسية كلود كاهون التي أنتجت صورا ذاتية تتشكك بها في هويتها الجنسية. ~~في سياق الفن السريالي الذكوري، كانت اليد العليا دوما للتعبير عن الرغبة الجنسية التي ~~تم تصويرها عادة بطرق مغايرة للجنس، وشهدت ثلاثينيات القرن العشرين صعود نجم ~~الأعمال المثيرة جنسيا للألماني هانز بيلمر. وثمة طائفة في السريالية التفت حول ~~أعمال الروائي الإباحي الفرنسي ماركيز دو ساد بالقرن الثامن عشر، باعتباره رائدا ~~للحرية، رخصت لخيالات عنيفة ومحرمة أخلاقيا. # شهدت السنوات التالية من الثلاثينيات انتشار السريالية، كمجموعة من المذاهب، في دول ~~أوروبية أخرى وقارات أخرى أيضا. في العشرينيات، اجتذبت السريالية شخصيات بارزة من ~~دول مثل إسبانيا وألمانيا وباريس، وبينما أمسى العالم أكثر اضطرابا من الناحية ~~السياسية في الثلاثينيات - حيث تأثرت ~~عدة دول بدرجات متفاوتة بالاستقطابات السياسية للشيوعية والفاشية - راقت مبادئ الحركة ~~وقيمها لفنانين وكتاب يساريين ومناوئين للفاشية في مجموعة من السياقات الجديدة. ~~من هذا الجانب، عادة ما ms022 حققت الحركة في أماكن أخرى قوة سياسية لم تستطع تحقيقها ~~في فرنسا. تألفت المجموعة الفرعية الكبيرة الأولى في بلجيكا عام 1926 بمعرفة الكاتب ~~بول نوج، وشملت فنانين أمثال إيه إل تي ميسينز، ورينيه ماجريت، ولاحقا بول ديلفو ~~والمصور الفوتوغرافي راءول أوباك، وبحلول منتصف الثلاثينيات، كانت السريالية قد أمسى ~~لها موطئ قدم في شرق أوروبا. وكان الرومانيان فيكتور برونر وجاك هيرولد إضافتين ~~عظيمتين لمجموعة باريس في أوائل الثلاثينيات، لكن الأهم تحديدا في تلك المرحلة كان ~~تشكل مجموعة براغ في عام 1934، وأبرز رجالاتها كاريل تيج، ورسام الكولاج جيندريش ~~ستيرسكي، والرسامان جوزيف سيما وتوين (ماري سيرنونوفا). وكانت علاقات الجماعتين، ~~البلجيكية والتشيكوسلوفاكية، أكثر ودا بحزبيهما الشيوعيين الوطنيين من ~~علاقاتهما بجماعة باريس. # في عام 1936، انعقد «المعرض الدولي للسريالية» المهم في لندن؛ حيث كان نقطة التقاء ~~مجموعة متباينة من المواهب الإنجليزية، أمثال الكاتب ديفيد جاسكوين والرسامين ~~رولاند بنروز وإيلين آجر، والمخرج همفري جينينجز. لقد وفرت المعارض الدولية الكبرى ~~إلى حد كبير الموقع الرمزي للسريالية بحلول تلك الفترة، وكانت العروض الدراماتيكية ~~دوما جانبا مميزا للسريالية (على سبيل المثال: أقيم عرض صغير، ولكنه مذهل، لبعض ~~الأغراض بمعرض باريس لتشارلز راتون عام 1936)، ولكن العام 1938 شهد أقوى عروض السريالية ~~وأكثرها صراحة على الإطلاق في «المعرض الدولي للسريالية»، الذي أقيم في معرض الفنون ~~الجميلة في باريس؛ حيث تم تعليق سقف الغرفة بأكياس فحم محشوة بالصحف. # في العام نفسه، سافر بريتون إلى المكسيك ليوطد علاقاته الأيديولوجية بتروتسكي ~~والرسام الجداري دييجو ريفيرا، وقد أرست تلك الزيارة أسس الوجود السريالي في ~~أمريكا اللاتينية برعاية رموز كالمصور الفوتوغرافي مانويل ألفاريز برافو، والرسامة ~~فريدا كاهلو، اللذين نالا حفاوة عظيمة باعتبارهما سرياليين، ولو أن كثيرا من ~~أعمالهما تناولت التقاليد والمشاغل «المحلية». كان السرياليون دوما نهمين للارتباط ب ~~«آخرين» على المستويين الثقافي والاجتماعي، ورأوا أن أعمالهم موازية لفن الجنون، ~~وغالبا ما وضعوا أعمالهم في مكانة موازية لأغراض كالأقنعة المحيطية، وأحيانا ارتقى ~~ذلك إلى استحواذ تعوزه الحساسية لأنماط للفهم متباينة تمام التباين، ولكن مع بداية ~~الحرب العالمية الثانية ms023 والتشرذم الحتمي للنواة الباريسية للجماعة، اضطرت السريالية ~~كظاهرة فرنسية الهوية إلى التأقلم مع معطيات ثقافية قهرية. # في عام 1941، ترك بريتون وفنانون أمثال ماسون وإرنست، فرنسا التي احتلتها ~~ألمانيا عبر مارسيليا، على الرغم من أن بعض حلفائه القدامى مثل إيلوار اختاروا البقاء ~~في باريس. اتضح أن منفى بريتون كان حافزا من عدة أوجه؛ فمن ناحية، أتاحت له زيارته ~~إلى جزيرة مارتينيك، في طريقه إلى الولايات المتحدة، فرصة التعرف إلى حركة ~~«الزنوجة» التي كانت لبناتها تتشكل في المستعمرات الفرنسية، وأتاحت له بشكل أكثر ~~تحديدا أن يلتقي بالشاعر إيمي سيزير؛ ومن ثم، أمست السريالية حقا لغة ~~للمهمشين ثقافيا. ومن ناحية أخرى، كان وجود بريتون في نيويورك من عام 1942 وحتى ~~نهاية الحرب، يعني إرساء أسس استجابة أمريكية للسريالية، على الرغم من حقيقة أن ~~بريتون نفسه ظل فرنسيا بشكل واضح، ورفض أن يتعلم الإنجليزية. # قبل الحرب، انحصر تبني أمريكا للسريالية في أحداث منفصلة، مثل أعمال جوزيف كورنيل ~~الذي أنتج لوحة موحية بشكل شعري في صناديق خشبية مفتوحة من الأمام، بداية من أواخر ~~الثلاثينيات وما بعدها. ومع وجود بريتون والكثير من الرسامين الرواد في الولايات ~~المتحدة، بدأت السريالية الآن تصب في الرسم التجريدي الذي كان سائدا في نيويورك، ~~وبدأ العديد من الرسامين الأكبر سنا في نيويورك، وعلى رأسهم روبرتو ماتا المولود ~~في شيلي وأرشيل جوركي الأرميني المنشأ، في أن يدمجوا عناصر من رسم السرياليين أمثال ~~ميرو وماسون (على غرار استخدام الأشكال العضوية نصف المجردة) والعفوية في أعمالهم؛ ~~وثبت في نهاية المطاف أن تلك التجارب محورية في تطور تنويعة جاكسون بولوك للتعبيرية ~~التجريدية. ساد التجريد، الذي أكده الإيمان السريالي في إملاءات اللاوعي أو البدائي ~~من الأشياء، فترة ما بعد الحرب العالمية مباشرة في الولايات المتحدة، ولكن بحلول ~~الخمسينيات، بدأ الفنانون في إعادة اكتشاف تبعات الدادائية. آنذاك اعتبر دوشامب - ~~الذي انتقل من فرنسا إلى نيويورك بعد بريتون، ولكن كان أثره في بداية الأمر أكثر ~~«سرية» - شخصية بارزة وحاسمة، وبدا أن مفهومه المتعلق بالأغراض «الجاهزة ~~الصنع»، واهتمامه بثقافة ms024 العامة، يتماشيان مع الوعي الأمريكي بقدر أكثر انسجاما ~~بكثير، ويمثلان واحدة من نقاط المرجعية للفن الشعبي. وبالنظر إلى أن مفهوم الأغراض ~~الجاهزة كان اختراعا خاصا بالدادائية، من السهل الزعم بأن الدادائية، لا السريالية، ~~هي التي مهدت الطريق للفن فيما بعد عام 1945 في أمريكا. # عاد بريتون إلى فرنسا بعد الحرب، لكن السريالية لم يعد باستطاعتها فرض الهيمنة ~~الفكرية التي كانت تتمتع بها في فترة من الفترات، وبدت الوجودية أكثر اتساقا مع ~~الأزمنة المتغيرة. ويزعم أن السريالية لم تظهر مجددا كأثر ثقافي حتى الستينيات، ~~ومرة أخرى كانت عناية الدادائية بالأعمال الفنية الجاهزة أو بعمليات التجميع، هي التي ~~داعبت خيال أغلب الفنانين الفرنسيين المرموقين في الخمسينيات، أمثال إيف كلاين أو ~~أرمان. لا شك أن السريالية كحركة استمرت حتى بعد وفاة بريتون عام 1966، وخرجت ~~علينا بشكل دوري بطفرات دراماتيكية؛ ففي معرض إيروس الذي عقد في باريس عام 1959 على ~~سبيل المثال، كان سقف النفق، المعروف باسم «مختلى العشاق»، «يتنفس» بفعل أنابيب ~~هواء خفية. لكن الأدوات المميزة للحركة الآن يزعم أنها تكاد تميل إلى «الفن الهابط»، ~~ولا تمت بصلة للمكانة التي كانت تحتلها من قبل. ولكن، من المفارقة أن أثرها ~~أمسى نافذا في العالم ككل. وإذا كانت اتفقت في فترة من الفترات مع الشيوعية، فقد ~~كانت تقنياتها الفنية الخاصة بالتجاور واضطراب التوجه محورية للاستراتيجيات الدعائية ~~للرأسمالية المتأخرة. # الدادائية والسريالية # الغرض من ملخصات الدادائية والسريالية المذكورة أعلاه، هو تقديم «خريطة» للقارئ يمكن ~~الرجوع إليها أثناء قراءته بقية الكتاب، والسرد الوارد هنا يستند إلى فكرة أن الدادائية ~~والسريالية «مقترنتان» نوعا ما. لقد تكرر نموذج الدادائية-السريالية هذا على نحو ~~متوقع في الثقافات الناطقة بالإنجليزية خلال القرن الماضي، وقد استخدم ليكون أساسا ~~للدراسة التاريخية الكبيرة الأولى للحركتين الممثلة في معرض ألفريد بار، تحت عنوان ~~«الفن الخيالي والدادائية والسريالية» بمتحف الفن الحديث، نيويورك، عام 1936. ولاحقا، ~~استرشد بذلك النموذج كتاب مهم ألفه أمين آخر لمتحف الفن الحديث يدعى ويليام ~~روبن بعنوان «فن الدادائية والسريالية» عام 1968. وتم ترسيخ ذلك النموذج بقدر ms025 أكبر في ~~إعادة التقييم البحثية المهمة للحركتين المسماة «إعادة النظر في الدادائية ~~والسريالية» بمعرض هايوورد، لندن عام 1978. ولكن، كيف تنسجم هاتان الحركتان معا بطبيعة ~~الحال؟ # قد يذهب البعض إلى أن «الدادائية والسريالية» كمفهوم مقترن ينم في حقيقته عن ~~تحيز تاريخي للفرنسيين ، وحقيقة الأمر أنه من وجهة نظر أنصار الثقافة الألمانية ~~الملتزمين، قد يبدو هذا المفهوم مضللا. وكما سنرى لاحقا، ربما تعد «التعبيرية ~~والدادائية» وصفا تاريخيا صحيحا لأي شخص معني في المقام الأول بالثقافات الناطقة ~~بالألمانية. # وللتصدي لهذا الاعتراض، علينا الإقرار بأن الحركتين كانتا دوليتين صراحة. وهناك ~~شخصيات بعينها انتقلت حرفيا من الدادائية إلى السريالية، مثل بيكابيا وتزارا وإرنست ~~وآرب، وتنقلت أيضا بحرية من ثقافة أوروبية إلى أخرى، وكانت ثنائية أو متعددة ~~الألسنة. لأسباب سياسية، مقتت الدادائية والسريالية المشاعر القومية، ونزعتا ~~إلى النظر إلى أنفسهما على اعتبار أنهما تخاطبان البشرية عموما، ولو أنه ينبغي ملاحظة ~~أن الخطاب «التعميمي» للطليعية في أوائل القرن العشرين مشكوك فيه إلى حد كبير في ~~أيامنا هذه، خاصة بسبب الاعتقاد بكون فرضيات أوروبية محددة «عالمية». ولكن، حقيقة ~~الأمر أنه بسبب وجود نقلة واضحة وضوح الشمس - وإن كانت تدريجية - من الدادائية ~~للسريالية حدثت في باريس؛ أمسى من المعتاد إنتاج نموذج للدادائية- السريالية استنادا ~~لما حدث في باريس وحدها؛ حيث نشأت السريالية بشكل حتمي ك «مصير» للدادائية. # الواقع أن الدادائية لم تفض إلى أي شيء قريب من السريالية في ألمانيا نفسها؛ ~~فتمشيا مع مدن ألمانية كبرى أخرى، كان هناك ميل نحو «الموضوعية الجديدة» في ~~برلين وكولونيا في بداية العشرينيات. يمكننا أن نرى الفنان جورج جروتس قد استخدم عناصر ~~من الواقعية المكثفة في الأعمال الدادائية الأخيرة، مثل «يوم رمادي» عام 1921؛ حيث نزع ~~إلى هذا التوجه الجديد، لكن الموضوعية الجديدة لم تتقاطع مع السريالية إلا فيما ندر؛ ~~فتوجهها خارجي لا «باطني» حيث تميل إلى السخرية الاجتماعية. والسمات التي تشترك فيها ~~مع السريالية تتمثل في العناية بالواقعية المتصاعدة (استخدم النقاد الألمان ~~اصطلاح «الواقعية السحرية»)، كما في أعمال بعينها لدالي وماجريت، وإعادة تقييم الرسم ms026 ~~نفسه كنشاط. وإذا تعين علينا البحث عن شريك للدادائية في برلين، أو زيوريخ في هذا ~~السياق، فسيتعين علينا أن نرتد على أعقابنا، إذا جاز التعبير، لا أن نمضي قدما ~~وأن ندرس كيف تحالفت الدادائية عن قرب في هاتين المدينتين في بداية الأمر مع ~~التعبيرية. باعتراف الجميع، كان هذا التحالف أغلب الظن سلبيا بالنسبة إلى كثير من ~~أبناء برلين، لكن الأقنعة التعبيرية الأسلوب مثلا تجلت بشكل بارز في عروض دادائية ~~زيوريخ، وعلى الرغم من أن عروض الأشعار المتزامنة وما شابهها بكباريه فولتير كانت ~~إيذانا بانحراف واضح عن السوابق التعبيرية، فقد كانت عادة تلازم إنشادا للأغاني أو ~~سردا للأشعار يستدعي الأسلوب الأقدم. # ثمة نقاط شبيهة متعلقة بالدادائية في نيويورك يمكن إثباتها؛ فقد استوعب الفنانون ~~الأمريكيون أمثال مورتون شامبرج الأعمال الميكانيكية الساخرة لدوشامب وبيكابيا، إضافة ~~إلى تقليد تصوير فوتوغرافي محلي مثله فنانون أمثال ألفريد شتيجليتس وبول ستراند ~~احتفوا فيه عادة بالآلات. وأمست أيقنة الآلة عنصرا من عناصر الانطلاق باتجاه ~~خلق فن «أمريكي» بشكل مميز بحلول العشرينيات، كما أمست توجها واقعيا أكثر ~~صراحة بكثير نحو الآلات، كجزء من الاتجاه «التدقيقي» المزعوم الذي ساد في لوحات ~~تشارلز شيلر مثلا، قبل أن يغادر دوشامب نيويورك عام 1923 بفترة طويلة. # ينبغي أن يكون واضحا من كل ما سبق أن «الدادائية والسريالية» ليست بأي حال من ~~الأحوال تركيبة بديهية، لو وضعت التطورات في جميع المراكز المرتبطة بالدادائية في ~~الاعتبار. وهي تشوه الدادائية إلى حد ما؛ فلو دققنا النظر إلى هذه التركيبة ~~بوصفها بناء تأريخيا حتى، فلربما اعتبرت «الدادائية والسريالية» مبنية، مثلا، على ~~معرض بار المذكور آنفا بمتحف الفن الحديث بنيويورك، أو نشر الدراسة المهمة للعالم ~~الفرنسي ميشيل سانوليه المسماة «الدادائية في باريس»، التي ذهب فيها إلى أن السريالية ~~هي الشكل الذي تبنته الدادائية في باريس. وكبديل لتلك الفكرة، يمكن أن ينظر إلى ~~هذه التركيبة باعتبارها مبنية على عناصر جذب شخصية دولية مثل ماكس إرنست، الذي ~~انتقل من كولونيا إلى باريس عام 1922، وربما أقام بذلك أقوى الجسور بين الدادائية ms027 ~~الألمانية والسريالية الفرنسية. # ومع ذلك، هناك أسباب وجيهة جدا للنظر إلى الحركتين جنبا إلى جنب؛ خاصة لأن همومهما ~~يمكن عادة المقارنة بينها بطريقة موحية وكاشفة بشكل عجيب. وضعت الحركتان ضمن ~~أولوياتها المبدأ الشعري، وقللتا من شأن مفهوم الفن؛ حيث دعمتا الأمنية الطليعية ~~بالمزج ما بين الفن والحياة. وقدمت كل حركة منهما نفسها باعتبارها «دولية» في ~~روحها، وكانت السريالية في مراحلها اللاحقة عالمية فعليا، كما كانت الحركتان غير ~~عقلانيتين أساسا في توجهاتهما. # فيما وراء ذلك، ثمة أوجه اختلاف دقيقة ومهمة بين الحركتين؛ فقد كانت الدادائية لا ~~سلطوية في روحها إلى حد كبير، وكان الذين يمسكون بتلابيبها ويحافظون على تماسكها، ~~على الرغم من وهن أواصرها - وهم: بال، وهيولسنبك، وتزارا، وبيكابيا - متناقضين إلى ~~حد كبير حيال ما هم بصدده؛ حيث عرفوا الدادائية باعتبارها توكيدية وهدامة في ~~آن واحد. وفي المقابل، كانت السريالية المسيرة بالميول التنظيمية لأندريه بريتون ~~«حركة» متكاملة الأركان بقدر أكبر، بمعنى أن اسمها يوحي بتوجه ما. كان ~~الدادائيون غير معنيين إلى حد كبير بإنتاج أغراض فنية قابلة للبيع على نحو تقليدي، ~~بينما تخصص الفنانون السرياليون أمثال دالي وماجريت في أساليب أكثر تقليدية ~~وقابلية للبيع، ألا وهي الرسم بالزيت. وباعتراف الجميع، انتقد بريتون الانشغالات ~~التجارية لفنانين بأعينهم، لكن السريالية ربما كان من السهل وصفها بال «رجعية» إذا ~~أردنا الحكم عليها بمعايير مكافحة الروح التجارية الدادائية والإبداع الفني. كان ~~الدادائيون متخبطين بشأن قيم العقل؛ حيث وجدوا العقلانية المبالغ فيها جزءا من ~~سقوط الإنسان، لكن السرياليين، في كتاباتهم النظرية على الأقل، وظفوا سبلا عقلية ~~جدا، بشكل فيه مفارقة، لتمحيص الظواهر اللاواعية. # بالطبع هذه تعميمات، وستظهر المقارنات التفصيلية من دراسات الحالة والنقاشات ~~المركزة في الفصول التالية. إن منهجي على الدوام، كما سبق أن أكدت في المقدمة، ~~سيعنى بدراسة الكيفية التي التقت بها الدادائية والسريالية أو تشعبتا حول مجموعة ~~من الأفكار الرئيسية. لقد تفاديت الربط بينهما قدر الإمكان، لكنني مع ذلك وجدت تلك ~~الأفكار تستقر في لحظة ثقافية مشتركة تحاصرها حربان عالميتان. ثمة شيء واحد ينبغي ms028 ~~أن يكون واضحا من الموجزات التاريخية المذكورة أعلاه؛ ألا وهو التأكيد الذي أولته ~~كلتا الحركتين لجذب الانتباه لهما باعتبارهما بنيتين طليعيتين. لقد ذكرت البيانات ~~العامة، وتحولات الوجهات التي ألمحت إليها مقالات نشرت في دوريات، وأهمية العروض ~~الحية، وما إلى ذلك. إن هذا التركيز على التعميم سمة بارزة للغاية لهاتين الحركتين، ومن ~~ثم فهو يعد الأساس الفكري للفصل التالي. # الفصل الثاني # | «الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية # في قصيدة نشرت عام 1923، أكد رائد السريالية أندريه بريتون على إعلاء الحياة على ~~الفن؛ حيث اختتم قصيدته قائلا: «وبما أن الكلمات أمست مشحونة/فالحياة أفضل.» رفض ~~الكتاب والشعراء المرتبطون بالدادائية والسريالية إخضاع التجربة الحياتية للتجربة ~~الفنية؛ ربما كانوا مثاليين أو سذجا إذ حاولوا التوفيق بين تلك المبادئ، لكن هذا هو ~~مستوى الطموح الذي يميز الدادائية والسريالية باعتبارهما بنيتين ثقافيتين طليعيتين ~~في جوهرهما. كيف نفذت إذن هاتان الحركتان إلى نسيج الحياة اليومية؟ وكيف حاولتا التسلل ~~إلى العالم الذي يتجاوز المعارض الفنية؟ وكيف روجتا لأنفسهما؟ # في هذا الفصل، سأركز على ميل الدادائيين والسرياليين إلى ~~«العروض» - سواء أكانت عروضا عابرة في مكان ~~مغمور، أم أحداثا عامة تحظى بالترويج المناسب - وقدرتهم على إقامة عروض مثيرة للألباب ~~متى شاركوا في معارض فنية. وسأمعن النظر أيضا في دورياتهم واستخداماتهم للتصوير ~~الفوتوغرافي. # بصرف النظر عن الكيفية التي طرحت بها كل من الدادائية والسريالية نفسها على العالم ~~الخارجي، كيف تخيل المشاركون في تلك الحركتين علاقتهم بذلك العالم؛ أي علاقتهم بظاهرة ~~الحداثة الاجتماعية؟ للمساعدة في تسليط الضوء على هذه المسألة، سأمعن النظر في علاقتهم ~~بالثقافة الشعبية، وكيف استوعبوا المدينة نفسها، وبناء على السرد الأساسي السابق طرحه في ~~الفصل السابق، سنركز على «لحظات» محورية بعينها بغية بناء مجموعة مصورة من «اللقطات» ~~للدادائية والسريالية. # الأسقف الساحر ومعرض الدادائية # لنبدأ بإعادة بناء لحظة دادائية تأسيسية؛ لو كنا قد قمنا بزيارة لكباريه فولتير ~~ليلة الثالث والعشرين من يونيو عام 1916، لوجدنا أنفسنا داخل غرفة تحوي مسرحا وبيانو ~~وطاولات ومقاعد تسع حوالي 50 شخصا. وتوضح صورة فوتوغرافية للوحة فقدت الآن ~~لمارسيل ms029 يانكو (انظر الشكل # 1-1 ~~) أنه لم تكن هناك مسافة تقريبا بين ~~المؤدين والجمهور. تؤكد روايات شهود العيان على الدخان الذي كان يملأ القاعة، وصخب ~~الجمهور الذي كان قوامه طلبة ومفكرين اشتراكيين وهاربين من الحربية وصعاليك سكارى، ~~حيث كان الكباريه يقع في «منطقة الترفيه» في زيوريخ. # يحمل الشاعر الدادائي هوجو بال إلى خشبة المسرح، وبحسب مذكراته: # كانت قدماي داخل أسطوانة من الكرتون الأزرق اللامع بلغت وركي، فبدا ~~شكلي أشبه بالمسلة ... وأعلاها ارتديت سترة ذات ياقة عالية مصنوعة من الكرتون، ~~قرمزية من الداخل وذهبية اللون من الخارج ... وارتديت أيضا قبعة ساحر طويلة ~~مخططة بالأزرق والأبيض. # وما أن استقر قبالة مجموعة من حوامل النوتات الموسيقية التي تحمل نصوصا مكتوبة ~~بقلم رصاص، شرع يتحدث بطريقة خطابية وبشكل رسمي: # gadji beri bimba # glandridi lauli lonni cadori # gadjama bim beri glassala ... # كيف لنا أن نستجيب لذلك؟ ربما سخر الجمهور منه. وفي مناسبة أخرى، أهبهم بال إذ ~~قال: «في هذه القصائد الصوتية، نشجب بالكامل اللغة التي أساءت الصحافة استغلالها ... ~~يجب أن نرجع إلى الخيمياء الأعمق للكلمة.» وهو التصريح الذي يفسر نوعا ما العبثية ~~المحضة لتعويذته. كان بال نفسه مرتبكا؛ وإذ وجد نفسه ينشد في مرحلة ما بأسلوب شعائري ~~ينتكس به إلى طفولته الكاثوليكية، حمل بعيدا عن خشبة المسرح «وهو يتصبب عرقا ~~وكأنه أسقف ساحر.» وبعدها بفترة وجيزة، تخلى بال عن الدادائية إلى الأبد؛ حيث كرس ~~نفسه في نهاية المطاف إلى الدراسات الدينية. # بلغت عروض دادائية أخرى بكباريه فولتير ذروتها خلال تلك الفترة تقريبا؛ فقد أطلق ~~الدادائيون - إذ بادروا بإعادة تمثيل الآثار الأليمة والمدمرة للحرب التي كانوا معارضين ~~لها - قوى وجدوها هم أنفسهم مثيرة للزعزعة والاضطراب. وكنتيجة لذلك كانت هناك فترة ~~ركود في تقدم الدادائية، من منتصف عام 1916 وحتى بداية عام 1917. # بعد ذلك، أمست دادائية زيوريخ تدريجيا «محترمة»؛ فالجماعة انتقلت إلى الضفة ~~الأخرى لنهر ليمات، وأقامت سهرات في بنايات مدنية برجوازية لا تشوبها شائبة. وصف ~~هيولسنبك في نهاية المطاف معرض الدادائية الذي استضاف عددا من الأحداث في ms030 قاعات أعلى ~~محل سبرونجلي للحلويات؛ بأنه «صالون فنون جميلة لتدريم الأظافر، ترتاده سيدات عجائز ~~يحتسين الشاي، ويحاولن إحياء قواهن الجنسية المتلاشية بمساعدة «شيء مجنون».» ~~كانت رسوم الدخول عالية جدا، وثمة قائمة بالحضور. من الواضح استنادا إلى ذلك أن ~~الدادائية، مهما اعتبرناها بوهيمية الطابع، أصبحت سريعا متماشية مع الأعراف ~~البرجوازية. ويفيد السياق الأوسع، بطبيعة الحال ، أن الدادائيين وجدوا، من سخرية القدر، ~~أنه من الضروري أن يستميلوا جمهورا مثقفا ليبراليا كي «يفهموا»؛ وهي مفارقة ~~ستظل فكرة محورية متكررة طوال فترة النشاط الدادائية والسريالية الطليعية. # لقد نبعت الفضيحة الأولى للدادائية من أحداث حضرها قليل من الناس، ومن ثم استندت ~~الدادائية من البداية إلى عملية صنع أساطير ذاتية. هناك طريقة أخرى روجت بها ~~الجماعة لنفسها من البداية، وكان ذلك عبر منشورات الجماعة إبان صدور منشورات طليعية ~~سابقة مثل المجلة المستقبلية الإيطالية «لاسيربا»، أو الدورية البريطانية الدوامية ~~«بلاست». كان «كباريه فولتير»، المنشور الأول لجماعة زيوريخ، الذي صدر عام 1916، ~~منشورا جادا نسبيا؛ حيث أورد نسخا لأعمال لشخصيات طليعية مرموقة أمثال بيكاسو، ~~إضافة إلى أعمال الدادائيين، بل إن هذا المنشور صدر في طبعة فاخرة في قوالب خشبية ~~أصلية. صدرت مجلة دادائية زيوريخ التالية، وسميت «الدادائية»، في الفترة بين عامي ~~1917 و1919، وكانت جريئة في تصميمها؛ حيث استغلت الخطوط الطباعية المتنافرة، خاصة ~~في طبعتها الثالثة. وكانت تلك المجلة أيضا «دولية» الطابع بشكل توكيدي؛ حيث احتوت ~~على أشعار لأتباع الدادائية من أماكن أخرى، مثل فرانسيس بيكابيا ولويس أراجون. # بعروضها الأسطورية بالكباريه، ومجلاتها المطبوعة يدويا في أجزاء منها، كانت ~~دادائية زيوريخ، ولو إلى حد ما، «محلية الصنع»؛ وهي لم تبذل جهدا كبيرا في واقع ~~الأمر من أجل تسخير تقنيات الدعاية الحديثة. يمكننا أن ننظر إلى معرض الدادائية التالي ~~الذي أقيم في برلين، وسنرى العملية المعاكسة تماما تحدث. # هذا الحدث الذي تم تصميمه تأسيا، دون انضباط - وعلى نحو ينطوي على مفارقة شديدة ~~- بمعرض تجاري، كانت له سابقة مشهورة في معرض الدادائية بكولونيا الذي أقيم في ~~العشرين من أبريل عام 1920، وصمم بحيث ms031 يتسبب في أكبر قدر من الإزعاج لجمهوره؛ إذ ~~دلف الناس إلى معرض كولونيا عبر مبولة عامة لقاعة الخمر، وفي افتتاح المعرض ألقت ~~عليهم فتاة صغيرة ترتدي فستانا لأحد الكوميونات أشعارا فاضحة، وتضمنت الأعمال ~~المعروضة منحوتة لماكس إرنست، وألحق بها فأس لتكسير المنحوتة. كان حدث برلين - الذي ~~أقيم في معرض تجاري خلال الفترة من 30 يونيو إلى 25 أغسطس عام 1920، وعرف باسم ~~«المعرض الدولي الأول للدادائية»، وحوى حوالي 200 عمل فني اتخذت شكل العديد من ~~الوسائط - صداميا بالقدر نفسه، لكنه كان مبنيا من البداية تلبية لغاية الحصول على ~~أكبر قدر من الدعاية. واستنسخت على نطاق واسع الصورة الفوتوغرافية الشهيرة الموجودة ~~بالقاعة الرئيسية للمعرض (شكل # 2-1 ~~)، التي تضمنت زيا رسميا ~~محشوا لضابط بروسي مثبتا عليه رأس خنزير ومعلقا في السقف؛ وتمثالا لعرض ~~الأزياء من تصميم جورج جروتس وجون هارتفيلد، رأسه على هيئة مصباح مضيء. ونشرت الصحف ~~على مستوى العالم - من باريس وحتى بينويس أيريس - مقالات تتناول الحدث. # شكل 2-1: عرض لمكونات معرض الدادائية الدولي الأول، برلين، يونيو 1920. # كان المعرض الدولي للدادائية، شأنه شأن كباريه فولتير، تجربة مثيرة للاضطراب بشدة. ~~وكما يتضح من الصورة، تضمنت جدران المعرض تجميعات صورية لهاوسمن وأمثاله، ~~ولوحات لجروتس وأوتو ديكس، لكنها تنافست على اهتمام الجمهور مع ملصقات تحمل شعارات ~~مثل «الدادائية تميل إلى البروليتاريا الثورية»، و«كل إنسان يستطيع أن يتبنى ~~الدادائية»، و«مات الفن: فليحي عصر فن الآلة الجديد لتاتلين». كان من الصعب على ~~المشاهد الفصل بين الفن (المناقض) المعروض والحاجز الجدلي؛ وبالطبع هذا هو تحديدا ~~الأثر المنشود. إن الشعار الداعم لتاتلين كاشف تحديدا عن الاستراتيجية الكلية لجماعة ~~برلين؛ فقد كان تاتلين - الشخصية الرائدة ~~البارزة في البنائية الروسية الذي لم يعرفوا أعماله كلها - يعتبر تجسيدا لاتجاه ~~مادي جديد للفن، ومن ثم جاء تناقض الروحانية الزائفة الممثلة بالنسبة إليهم في ~~جيل التعبيرية. لكن النقطة المحورية المتعلقة بهذا الحدث هو أن الشعارات التي رفعها ~~كشفت عن وعي دادائيي برلين بالقوة المتزايدة للإعلان في الحياة اليومية؛ فبدلا ~~من النأي عن عمليات العالم ms032 التجاري، سلبوه استراتيجياته لنشر رسالتهم. # المحاكمة الصورية وشارع تماثيل عرض الأزياء # حمل نوعا تجليات الدادائية اللذان تعرضنا لهما - الدادائية «المحلية الصنع» ولكن ~~السريعة التحول إلى أسطورة، والدادائية الأخرى الميالة بشكل واضح نحو الدعاية ~~الجماهيرية - معالم رغبة الحركة في الإطاحة بالقيم الحالية أو إحداث ثورة فيها. ~~وبالالتفات إلى حدثين آخرين مناظرين - ~~أحدهما سريالي بدائي، والآخر سريالي متكامل الأركان - سيسهل علينا تحديد بعض الفروق ~~المحورية بين الدادائية والسريالية. يكشف الحدث الأول عن التحول من الدادائية إلى ~~السريالية، الذي وقع في باريس كجزء من «الحركة الغامضة» خلال الفترة بين عامي 1921 ~~و1924. # في الثالث عشر من مايو عام 1921، شارك أندريه بريتون ومجموعة من حلفاء الدادائية، ~~إضافة إلى عدد من الشخصيات الأدبية والسياسية، في «محاكمة صورية» عجيبة، أقيمت لاختبار ~~مدى إيمان بريتون بأن موريس بارس، المؤلف اليميني المشهور، مدان ب «جرائم ضد أمن ~~العقل». بالنظر إلى صورة فوتوغرافية للحدث، يمكننا أن نرى أنه كان ينطوي على درجة من ~~العبثية اللحظية. ارتدى الدادائيون أنفسهم لباس المحكمة العليا بشكل متقن، بينما ~~مثل بارس - الذي لم يتنازل ويدافع عن نفسه - على هيئة دمية. وعلى الرغم من ذلك، كان ~~الحدث مصمما بعناية وهادئا في نبرته؛ حيث تخلى عن عفوية التجليات الدادائية ~~السابقة مثل كباريه فولتير السابقة مناقشته. # من عدة أوجه، صورت المحاكمة من البداية على اعتبار أنها «بيان موقف» من جانب ~~بريتون، علاوة على كونها فرصة للتصوير (وهي الاستراتيجية التي سنناقشها لاحقا). دفع ~~قليل من الناس رسما لقاء حضور المحاكمة، لكن التركيز كان موزعا بالتساوي على ~~المشاركين ووجهات نظرهم الأيديولوجية. جدير بالذكر أن المشاركين لم يكونوا أتباع ~~الدادائية فحسب، بل إنهم دعوا «شهودا» لحضور الحدث، وتراوح الشهود ما بين الروائية ~~القومية راشيلد وجورج بيوش، وهو الشيوعي الذي دافع عن المجرمين السياسيين في المحاكم. ~~عقد الاجتماع في بنايات سبق أن استخدمها نادي فوبورج، وهو عبارة عن جمعية لتطوير ~~الخطابة الارتجالية تأسست خلال الثورة الفرنسية، ودعي للاجتماع لفيف من ~~الشخصيات العامة البارزة لمناقشة الأمور السياسية قبل إقامة تلك المحاكمة البوهيمية. ms033 ~~(في مرة من المرات، حرض اجتماع للنادي على الهجوم على سجن الباستيل.) # آمن بريتون وزملاؤه «القضاة» بأن بارس - الذي أعجب به تحديدا أراجون ذات مرة - ~~خان التزامه نحو الضمير الفردي الواضح في رواياته في ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن ~~عشر؛ وبذلك فقد استسلم إلى التحول إلى اليمين في السياسة الفرنسية خلال الحرب ~~العالمية الأولى؛ ولذا استغل بريتون المحفل الدادائي لا للتشتيت ولكن للتمحيص في ~~مجموعة متجانسة من الأفكار، ولو أنها أفكار تعدت بشدة على الاهتمام الوليد للجماعة ~~السريالية بحقوق الهجرة. كان هذا الحدث أيضا تمرينا على السياسة الثقافية. ومما أثار ~~ازدراء تريستان تزارا، الذي أصيب بالذعر من أن الدادائية يمكن أن تتبنى موقفا ~~انتقاديا؛ أن بريتون يمهد للانتقال إلى برنامج طليعي متكامل، وهي العملية التي ~~ستفضي في نهاية المطاف إلى انعقاد «مؤتمر باريس»، السالف ذكره في الفصل الأول، ومنه ~~إلى السريالية. # شكل 2-2: صورة فوتوغرافية للمحاكمة الصورية لموريس بارس في 13 مايو 1921. من ~~اليسار إلى اليمين: لويس أراجون، شخص مجهول الهوية، أندريه بريتون، ~~تريستان تزارا، فيليب سوبو، ثيودور فرانكل، الدمية التي تمثل بارس، ~~جورج ريبيمون-دوسينييه، بنجامين بيريه، وغيرهم من رفاقهم في ~~الدادائية. # إذا كانت «المحاكمة الصورية» السريالية البدائية ترتبط بعلاقة متنافرة بعفوية كباريه ~~فولتير الدادائي، فثمة حدث أكثر حداثة، وهو هذه المرة معرض للحركة السريالية ~~المتكاملة الأركان، يقدم لنا تباينا صارخا مع معرض الدادائية الذي أقيم في برلين. ~~إجمالا، كانت تجهيزات المعارض تقليدية إلى حد كبير في السنوات الأولى للسريالية، ~~ولم تشرع الجماعة في تجربة تصميم المعرض كما فعل الدادائيون، إلا في ثلاثينيات القرن ~~التاسع عشر - إلى حد كبير بغية استعراض دولية الحركة. وكان المعرض الدولي ~~للسريالية، الذي عقد في معرض جورج ويلدينشتاين للفنون الجميلة بباريس عام 1938، ~~نقطة تحول محورية. # التمس بريتون مواهب الدادائي السابق مارسيل دوشامب لتجهير هذا المعرض، وأصدر دوشامب ~~أوامره بتعليق 1200 كيس من الفحم المغبر المحشو بالصحف بشكل مشئوم، أعلى المساحة ~~الرئيسية للمعرض التي أضيئت بواسطة مبخرة مشتعلة فحسب؛ ومن ثم كان من الصعب رؤية ~~الأعمال المعروضة، ms034 وفي الافتتاح تم تزويد الزائرين بمصابيح كاشفة. وعزز من الجانب ~~الليلي لمساحة العرض وجود سريرين ضخمين؛ كل واحد منهما في زاوية من زوايا ~~القاعة. # كانت هناك نقاط مضيئة دراماتيكية أخرى؛ ففي فناء البناية، استطاع الزائرون أن يختلسوا ~~النظر إلى عمل سلفادور دالي «سيارة أجرة مطيرة»، ليجدوا أمام أعينهم تمثال عرض أزياء ~~على هيئة أنثى شبه عارية تعج بالحلزونات، وتستقر على المقعد الخلفي في شلال من الماء. ~~وعندما يدلف الزائرون إلى المعرض، يضطرون إلى المشي بطول «شارع تماثيل عرض ~~الأزياء»، ومن ثم يسمح لهم افتراضيا «بالاختيار» من بين 16 تمثال عرض أزياء، ~~كل منها يرتدي زيا مثيرا جنسيا، يفهم منه أنها ل «بائعات هوى»، وأن كلا ~~منها نتاج خيالات فنان سريالي مختلف. # شكل 2-3: عرض لتجهيزات المعرض الدولي للسريالية بمعرض الفنون الجميلة بباريس، ~~1938. # تتباين هذه المؤثرات تباينا شاسعا عن تلك التي استخدمها دادائيو برلين بمعرضهم. ~~كلتا الجماعتين شرعتا في بث الاضطراب والتشويش، لكن السرياليين كانوا كما هو واضح ~~معنيين بإغراءات فانتازيا اللاوعي بدلا من الصدمات المادية التي يفضلها ~~الدادائيون. من الواضح أن الأحلام كانت تستدعيها الزخارف الليلية للقاعة الرئيسية ~~للمعرض المقام عام 1938، بينما استثار «شارع تماثيل عرض الأزياء» حلم يقظة مثيرا ~~جنسيا بطريقة غريبة على الغرائز الساخرة الدادائية. وشأنهم شأن الدادائيين، استغل ~~السرياليون ديكور المعرض كوسيلة لاستقطاب الدعاية، لكن انشغالهم بعالم الأزياء ~~تجاوز إلى حد كبير انشغال أسلافهم؛ فقد استعيرت تماثيل عرض الأزياء مثلا من ~~بيوت أزياء رائدة، ولم يكن من قبيل المصادفة أن شرع سلفادور دالي في التعاون مع إلسا ~~شياباريللي في العام السابق فيما يختص بتصميم الأزياء. وفي الوقت الذي سخر فيه ~~الدادائيون من التجارة بمعرض الدادائية، يمكننا أن نرى أن السرياليين متواطئون معها ~~نوعا ما. وباعتراف الجميع، ارتبط ذلك ارتباطا وطيدا بالشكل الدولي الذي كانوا ~~مصرين على ترسيخه؛ حيث أقيم معرضان سرياليان دوليان في براغ ولندن عامي 1935 و1936 ~~على الترتيب؛ وحقيقة الأمر أن معرض الدادائية ببرلين يكاد يبدو ضيق الأفق بالمقارنة. ~~ولكن، إلى حد ما، خاطر السرياليون ms035 «ببيع» منتجاتهم للعالم التجاري. لو كانت ~~«المحاكمة الصورية» التي عقدت عام 1921 استعراضا للحزم الأيديولوجي للجماعة، فقد كشف ~~المعرض الذي أقيم عام 1938 كيف أن نزعته إلى الدعاية يمكن أن تهدد آراءها السياسية، ~~وستظهر هذه الفكرة مجددا لاحقا. # أن تكون دادائيا، وأن تكون سرياليا # إلى الآن، استعرضنا الأحداث، فلنتحول بعد ذلك إلى الأشخاص أنفسهم. لو أن المبادئ ~~الدادائية والسريالية روجت بأقوى نزعة استراتيجية ممكنة في عروضهم ومعارضهم، ~~وغالبا مع الوضع في الاعتبار الممارسات التجارية، فإلى أي مدى انصب تركيز شعراء ~~وفناني الحركتين على بناء السمعة الشخصية؟ علام كان ينطوي كون المرء دادائيا أو ~~سرياليا؟ # إننا نميل بشكل عام للنظر إلى الدادائية والسريالية باعتبارهما مترادفتين تسلكان ~~سلوكا عجيبا، وهناك العديد من الأمثلة داخل الدادائية تحديدا تدعم هذه الفكرة، ولعل ~~أقوى الروايات تلك المتعلقة بآرثر كرافان. ولد كرافان في سويسرا عام 1887، وكان ~~ابن أخت أوسكار وايلد، وعاش عيشة الترحال في العديد من الأماكن الأوروبية. في باريس، ~~بين عامي 1912 و1915، نشر مجلة أدبية ~~فاحشة بعنوان «الآن»، وكرسها لإهانة أعضاء حركة الطليعية الفنية، وبحلول عام 1916، ~~ارتحل إلى برشلونة حيث تحدى بطل العالم في الملاكمة في الوزن الثقيل جاك جونسون ~~للقتال. كان كرافان ببنيته القوية ملاكما هاويا، واعتاد أن يعلن عن نفسه قبل ~~اشتباكاته بقائمة لا يصدقها عقل من بيانات الاعتماد على غرار: «لص الفنادق، ~~والداهية، والحاوي، والسائق»، وغير ذلك من الأسماء؛ وأيا كانت مؤهلاته، لم يكن أهلا ~~لجونسون الذي أطاح به في الجولة السادسة. ومن غير المدهش أن الدادائي فرانسيس بيكابيا، ~~الذي كان بصدد نشر دوريته «391» أثناء تجواله في برشلونة، أمسى مؤيدا متحمسا ~~لكرافان. وعندما ظهر كرافان عام 1917 في أمريكا، طلب إليه مارسيل دوشامب أن يلقي ~~محاضرة أمام «جمعية الفنانين المستقلين» (التي سنتناولها بإسهاب لاحقا). قدم ~~كرافان عرضا دادائيا ملائما؛ حيث وصل سكران، وخلع ملابسه، وأخيرا اعتقلته شرطة ~~نيويورك، بعد ذلك اختفى كليا عام 1918، وساقته شهوة حب السفر والتجوال إلى ~~المكسيك؛ حيث من المعتقد أنه انطلق في قارب تجديف إلى بوينس آيريس، ms036 ولم يره أحد ~~بعدها قط. # إن إقدام كرافان على ارتكاب شكل رمزي ~~من أشكال الانتحار الدادائي من عدمه، يظل أمرا مفتوحا للنقاش، لكن ازدراءه ~~للتقاليد ضمن له الشهرة الباقية. ومن هذا المنطلق، فإنه يجسد المعتقد الدادائي ~~بأن أسلوب حياة المرء يمكن بحد ذاته أن يكون بمنزلة فئة من فئات الدادائية. من بين ~~الخصال الدادائية الجوهرية في شخصية كرافان ولعه بالهويات الزائفة (كلص الفندق، وما ~~إلى ذلك)، وكثيرا ما ابتكر المشاركون في الحركة أسماء مستعارة لأنفسهم؛ ففي برلين، ~~عرف ريتشاد هيولسنبك ب «الدادائي العالمي»، وراءول هاوسمن باسم «دادازوف»، وأطلق ~~يوهانس بادر على نفسه اسم «الدادائي الخارق». طور بادر بشكل عارض نزعته المتسمة ~~بجنون العظمة إلى ذروة ساخرة تنافس كرافان من حيث تبجحه المحض؛ ففي فبراير 1919، بعد ~~أن أعلن نفسه في السابق «رئيسا للكرة الأرضية» في بيان دادائي، عطل الاجتماع ~~الافتتاحي للجمعية الوطنية في فايمار، حيث طالب بتسليم الحكومة إلى الدادائيين. وفي ~~مكان أبعد، أمسى ماكس إرنست في كولونيا «داداماكس»، بينما طلب دوشامب في نيويورك من مان ~~راي تصويره فوتوغرافيا وهو يرتدي ملابس نسائية عصرية، مجسدا شخصية روز سيلافي ~~الغامضة، في تورية تفتقر إلى الجانب الفني عمدا إذا نطق الاسم بالفرنسية؛ حيث ~~يعني «إيروس هذه هي الحياة». # بابتكارهم شخوصا بديلة، ألمح الدادائيون إلى أن الهوية ليست ثابتة، وأنها في ~~حالة تقلب باستمرار؛ لقد شككوا ضمنا في فكرة أن الشخصية البشرية ذات جوهر ثابت أو ~~«طبيعة بشرية» جوهرية، وهي الفكرة التي تعد في حد ذاتها جزءا من الأيديولوجية ~~البرجوازية، وامتدت هذه الفكرة بقدر أكبر في التقلبات الجنسية لدوشامب، بحيث ألقي ~~بظلال الشك على فكرة أن الهوية الجنسية يحددها علم البيولوجيا. وفي سياق نقاشنا ~~المتعلق ب «صورة» الفنان، يوحي ذلك بأن الصورة المحكمة أو المحدودة كانت تحديدا ~~شيئا يتفاداه الدادائيون؛ ولذا فقد أعجبوا بالمواقف الاجتماعية الفاضحة لشخصية مثل ~~كرافان. وكما تجلى لنا من معرض الدادائية ببرلين، يتضح أنهم كانوا متأرجحين حيال هوس ~~العصر الحديث بالدعاية والعروض العامة؛ حيث أيدوها وقللوا من شأنها في آن ms037 ~~واحد. # وبالالتفات إلى الشخصيات العامة للفنانين السرياليين، فمن ~~المدهش - ما إذا نظرنا إلى الانشغالات ~~التحليلية النفسية للحركة - أن الهويات البديلة كانت متبناة على نطاق أضيق. كانت ~~الشخصية البديلة لماكس إرنست «الطائر الفائق» لوبلوب استثناء واضحا. لقد فضل ~~الفنانون عموما الاستعراض الخارجي على الإذعان، وامتد ذلك إلى إعادة توكيد لقواعد ~~السلوك الراقية المتأنقة لأواخر القرن التاسع عشر، التي كان يعتبر الاستعراض ~~المفرط بموجبها بذيئا. ارتدى العديد من السرياليين الرواد النظارة المتأنقة ~~المخصصة لعين واحدة (وكذا الكثير من الدادائيين)، بينما كبت الرسام البلجيكي ~~ماجريت علانية أي دلالة على نفسه واسعة الخيال بتبنيه القبعة المستديرة السوداء ~~وشمسية نبلاء المدينة. وعندما انغمس السرياليون في افتنانهم بالملابس الفاخرة أو ~~التحولات المثيرة للاضطراب للهوية، فعلوا ذلك عادة في السياق المقبول اجتماعيا ~~للحفلات التنكرية للطبقات الأرستقراطية. وهناك بعض الصور الفوتوغرافية التي لا تنسى ~~لماكس إرنست، على سبيل المثال، وهو متقمص شخصية لوبلوب في محفل عام 1958؛ وكان ~~سلفادور دالي الاستثناء الواضح لهذه القاعدة. # إن حب الظهور الصارخ لدالي - ~~الممثل رمزيا بشاربه المعقوف الذائع الصيت - سيئ السمعة، ولكن ظاهرة دالي تستدعي ~~المزيد من العناية تحديدا؛ لأن طلاب الحداثة يجدون ترويج الفنان لذاته أمرا ~~مزعجا جدا. لقد مثل دالي صعوبات للسرياليين أنفسهم، وكان يحظى بقبول أندريه ~~بريتون الكامل فحسب خلال فترة ما بين عامي 1929 و1934، وبعدها تميزت العلاقة بين ~~الاثنين بالجفاء إلى حد كبير؛ فقد استهان دالي بالبروتوكولات الأيديولوجية للسريالية؛ ~~وبمرور ثلاثينيات القرن العشرين، أيد دالي المشاعر الملكية والفاشية على حد سواء. ~~نما لديه أيضا ولع فطري بالفن الهابط؛ حيث أمسى منبهرا بالتجليات الأكثر تجاوزا للفن ~~الحديث، وكتب مقالة مبتكرة في الدورية السريالية «المينوتور» عام 1933 عن المصنوعات ~~الحديدية الفنية الشبيهة بالنباتات اللولبية لمداخل هيكتور جومرد لمترو باريس. صممت ~~لوحاته الصاخبة الألوان المنفذة باستعراض من البداية بحيث تكون معادية للجمالية، ~~ووصفها بأنها «تصوير فوتوغرافي بألوان لحظية أنجزته يد المصور الرقيقة والمسرفة ... ~~والفائقة التصوير واللدونة والمضللة والمفرطة السوء والواهنة للاعقلانية ~~الملموسة.» # إن هوس دالي المستمر بنفسه، وعشقه ~~لكل ما هو ms038 غير لائق سياسيا وغامض بشكل جمالي؛ يمكن أن ينظر إليه كقرار مقصود ~~بأن يلعب دور السوقي في عيني أندريه بريتون. وقد حدث أن أعاد السريالي الرائد بريتون ~~ترتيب أحرف اسم دالي فأصبح «أفيدا دولارز» (بمعنى «الساعي وراء المال»)؛ حيث أظهر ~~دالي في المرحلة اللاحقة كل الدوافع التجارية التي أنكرتها السريالية الرسمية. ومع ~~ذلك، كما أوحينا أعلاه، بحلول عروضها العامة أواخر الثلاثينيات، أمست السريالية ~~مرتبطة بالرأسمالية، ولو بشكل غير مريح، وأقر دالي ببساطة بتلك الحقيقة. لم يستحي ~~السرياليون أيضا من إدراك قيمة دالي كوسيلة للدعاية والإعلان، ومن ثم جاء حضوره ~~لمعرض عام 1938، في الوقت الذي كان فيه يفقد حظوته لديهم رسميا. لقد كانت عبقرية ~~دالي في الذوق السيئ هي التي استخلصت من جورج أورويل واحدا من ردود الأفعال الأدبية ~~القليلة تجاه السريالية خلال الثلاثينيات. وعلى الرغم من أن أورويل قرر أن دالي كان ~~«معاديا للمجتمع معاداة البرغوث له»، وأن أعماله «مريضة وباعثة على الاشمئزاز»، ~~فإن أورويل انشغل بالتحدي الأخلاقي لتلك الأعمال باعتبارها شكلا من أشكال الفن. ويجوز ~~أن نستنبط من ذلك أن دالي وحده من بين السرياليين صاغ لنفسه صورة عامة تتسق مع ~~معايير الدادائية الخاصة باللاعقلانية. # انتشار فكر دوشامب: مراجعات الدادائية # درسنا كيف عمد الدادائيون والسرياليون بمثابرة إلى تطوير سمعتهم، ولكن كيف أمست ~~تلك السمعة راسخة تحديدا؟ على أي حال، كان جمهور الفن الطليعي آنذاك محدودا. في ~~نهاية دورة حياة أول دورية سريالية - كانت ~~تعرف باسم «الثورة السريالية»، واستمرت لخمس سنوات - بلغ عدد المشتركين فيها ألف ~~مشترك فحسب، وكان من المستحيل أن يكون جمهور السريالية أكبر بكثير. # في حالة دالي، انتشرت أنباء أنشطته غير العادية بسرعة؛ ففي المعرض الدولي ~~للسريالية بلندن عام 1936 على سبيل المثال، ارتدى دالي لباسا لغواصي أعماق البحار، ~~فلفت انتباه الكثيرين، لكن السمعة تبنى غالبا بسبل أكثر دهاء. يعد اسم دوشامب ~~مرادفا لبعض الأعمال المتمردة للدادائية والسريالية، وعلى الرغم من ذلك فإن الرجل نفسه ~~كان عاشقا للخصوصية وغامضا (عن عمد)؛ كيف إذن أمست طائفة دوشامب راسخة؟ ms039 # ثمة رواية مختصرة وردت عن إنكار مبولة دوشامب ورفضها بمعرض الفنانين المستقلين ~~بنيويورك في أبريل عام 1917. بعد شهر من المعرض، ظهرت دورية دادائية بدائية صغيرة ~~بعنوان «الأعمى»، واحتوت على صورة فوتوغرافية للغرض المثير للحفيظة، ومقالة موجزة لكاتب ~~مجهول، تتبنى أسلوبا غاضبا زائفا، استجابة لإنكار المبولة ودفاعا ضد تهمة ~~انتحال الملكية المفترضة: # ليس من المهم معرفة ما إذا كان السيد مات قد صنع النافورة بيديه أم لا، المهم ~~أنه اختارها؛ فقد اختار غرضا حياتيا عاديا، ووضعه بحيث ذوت أهميته ~~النافعة تحت العنوان الجديد ووجهة النظر الجديدة، وابتكر فكرة جديدة لذاك ~~الغرض. # لا شك أن دوشامب كان وراء هذه المقالة - لعله أقنع إحدى صديقاته، ربما بياتريس وود، ~~بكتابتها - ما دام أنها تقدم المبرر الفلسفي لأعماله الفنية «الجاهزة» (الأمر الذي ~~سنسهب في مناقشته في الفصل الثالث). لكن السبب الأكثر إلحاحا لهذه المقالة كان يكمن في ~~إثارة الجدل الذي لم يكن ليثار لولاها؛ فالأحداث الفعلية المحيطة بإنكار «النافورة» ~~غير معلومة تقريبا، وحتى الغرض الأصلي يبدو أنه قد اختفى في مرحلة ما أثناء معرض ~~الفنانين المستقلين. وسبب تحوله إلى أيقونة دادائية يرجع إلى الصورة الفوتوغرافية ~~التي ظهرت بدورية «الأعمى» التي التقطها المصور الحداثي ألفريد شتيجليتس (شكل # 1-2 ~~)، ولو أن دوشامب - في مرحلة لاحقة من حياته - طلب، بطريقة ~~يشوبها الضيق، إنتاج «نسخ» من تلك الصورة. # كل ذلك يؤكد إلى أي مدى كانت «النافورة» و«الفضيحة» التي ارتبطت بها شأنين ~~مدبرين. وفي الوقت نفسه، تسلط تلك الواقعة الضوء على فكرة تستحق الآن أن ~~تحظى بأهمية محورية؛ ألا وهي الطريقة التي كانت تعمل بها المنشورات الدادائية ~~والسريالية. # كانت دورية «الأعمى» واحدة من أوائل ~~سيل مفاجئ من الدوريات التي نشرها الدادائيون في المواقع المختلفة للحركة، والأرجح أن ~~أكثر تلك الدوريات وأوسعها أثرا، وأطولها عمرا، هي دورية فرانسيس بيكابيا «391»، التي ~~نشرها بشكل متقطع خلال فترة ما بين عامي 1917 و1924، من أي مكان صادف أن كان ~~فيه، سواء أكان برشلونة أم نيويورك أم باريس. أوحى اسم الدورية بنوع من التطور الثوري ms040 ~~من مجلة المصور الأمريكي ألفريد شتيجليتس السابقة والمسماة «291»، والتي سميت ~~بهذا الاسم تيمنا بعنوان معرضه بالشارع الخامس في نيويورك. # في عدد صدر عام 1920 من دورية «391»، أسهم بيكابيا بقدر أكبر في نشر أسطورة دوشامب؛ ~~فقد انتقى موناليزا دوشامب المستفزة المناوئة للفن، وهي اللوحة «الجاهزة الصنع» ~~التي استعرضها عام 1919، وهي عبارة عن موناليزا مطبوعة ومضاف إليها شارب ولحية، ونسخها ~~بيكابيا (دون اللحية التي من الواضح أنه غفل عنها) فأمست قريبة الشبه جدا بنسخة ~~للوحة من لوحاته الخاصة قوامها حبر مرشوش ، وعنوانها «العذراء المقدسة»، وبذلك ~~تأكدت سمعة العملين السيئة. وفي أكتوبر عام 1922، في صفحات مجلة دادائية أخرى ~~تعرف باسم «الأدب»، وهي لسان جماعة باريس، عززت من أسطورة دوشامب مقالة رئيسية ~~أخرى عنه بقلم أندريه بريتون؛ وهنا أعطى بريتون دفعة لمفهوم دوشامب الذهني الأكثر ~~عناية باللفتات والإيحاءات من خلق أعمال فنية، الأمر الذي من شأنه أن يؤمن له سمعته ~~بين أعضاء الجماعة السريالية الوليدة: «هل يحتمل أن مارسيل دوشامب يصل إلى النقطة ~~الحرجة للأفكار أسرع من غيره؟» # من الواضح أن أسطورة دوشامب بنيت من خلال المجلات والصور الغامضة بقدر ما استندت ~~إلى عرض إنتاجه الشحيح نسبيا؛ فهو لم يقم معرضا مناسبا لأعماله وحدها سوى معرضه ~~الاستعادي عام 1963. وحتى سمعة أعظم أعماله «عروس جردها عزابها من ثيابها» اعتمدت في ~~تشكلها على توصيفات تقديرية وتعليقات عارضة في الدوريات السريالية، وأبرزها مقالة ~~بريتون «منارة العروس» المنشورة بالدورية السريالية «المينوتور» عام 1934-1935، بدلا ~~من أن تعول على مشاهدة الجمهور للعمل الفني فعلا. إن مسألة كيفية تخطيط دوشامب نفسه ~~لبناء سمعته مدهشة، ولكن لا يسعنا مناقشتها هنا، ومن الواضح أن بنية النشر التحتية ~~للدادائية بذلت أغلب الجهود نيابة عنه. ولكن، من الضروري الآن أن نتعقب طريقة عمل ~~الدوريات من السياق الدادائي وصولا للسياق السريالي لاستكشاف نقاط الاتصال وأوجه ~~الاختلاف بقدر أكبر بين الحركتين. لقد كانت للدوريات أهمية أكبر للسريالية من ~~الدادائية؛ وبالمثل، إذا كان التصوير الفوتوغرافي قد لعب دورا مهما في الترويج ~~لدوشامب، كما رأينا في حالة «النافورة»، ms041 فقد أمسى أداة محورية مطلقا في المنشورات ~~السريالية. # إهانة رجال الدين في الشارع وفرص التصوير الفوتوغرافي الأخرى: المراجعات ~~السريالية # تحوي نسخة من الدورية السريالية «الثورة السريالية» الصادرة في ديسمبر 1926 صورة ~~فوتوغرافية حميدة في ظاهرها لحوار بين شخصين، وثمة تعليق جذاب مطبوع تحتها «زميلنا ~~بنجامين بيريه وهو بصدد إهانة رجل دين» (شكل # 2-4 ~~). # شكل 2-4: «زميلنا بنجامين بيريه وهو بصدد إهانة رجل دين.» نسخت الصورة في ~~دورية «الثورة السريالية»، العدد الثامن (ديسمبر، 1926). # تبدو الصورة وثيقة فوتوغرافية عارضة وجامدة، لكنها محاطة بقصائد للشاعر السريالي ~~بنجامين بيريه، تسخر واحدة منها من «مؤتمر شيكاجو القرباني» الذي «يسارع فيه الجميع نحو ~~الفضلات الإلهية والبصاق المقدس.» والجلي أن الصورة، بدلا من أن تكون لقطة عابرة، ~~تمثل مشهدا مفصلا الغرض منه تعزيز الرسالة التجديفية للقصيدة. والحقيقة أنها تسجل ~~ضربا من «الحدث الأدائي»؛ فمن الواضح أن ثمة صديقا لبيريه على مقربة منه لتصوير ~~تصرفه. # وهذا مثال جيد على الطريقة التي يتم بها توظيف التصوير الفوتوغرافي في المجلات ~~السريالية. كانت الدوريات الرئيسية المعنية هي: «الثورة السريالية» (1924-1929)، ~~و«السريالية في خدمة الثورة» (1930-1933)، و«المينوتور» (1933-1939)، وإن كنت سأشير ~~كذلك طوال هذا الكتاب إلى دورية «وثائق» (1929-1930) التي تعد لسان السرياليين ~~المنشقين الذين أحاطوا بجورج باتاي. ترواحت ضروب الصور الفوتوغرافية التي وظفتها ~~تلك الدوريات ما بين الصور الفوتوغرافية المظهرة في الاستوديو، التي يلتقطها مصورون ~~سرياليون أمثال مان راي أو جيه-إيه بويفارد، والصور المستولى عليها ببساطة من مصادر ~~أخرى. كانت هذه الصور توضع في سياق المقالات العلمية، والمقالات الأدبية، وروايات ~~الأحلام، وما إلى ذلك، وكثيرا ما كانت تتنافس على نيل الاهتمام مع النسخ المطابقة ~~للأصل من اللوحات السريالية. وكان تصميم المجلات أكثر جدية من الدوريات الدادائية مثل ~~دورية بيكابيا «391» التي جربت بحرية العديد من الخطوط الطباعية. والواقع أن ~~النموذج الذي احتذت به دورية «الثورة» هو دورية «الطبيعة»، وهي دورية علمية جادة بالقرن ~~التاسع عشر. # لقد أعلن السرياليون باستخدامهم أسلوبا تقديميا «جافا» جعل أغراضا كالصور ~~الفوتوغرافية تظهر كأنها وثائق أو أدلة مادية؛ ms042 عن التزامهم بمشروع استقصائي، ~~ومحاولة منظمة للتمحيص في حظ الإنسان في مواجهة «مبدأ الواقع»؛ ولذا ينبغي أن تفهم ~~الدوريات باعتبارها المكامن المميزة للأيديولوجية السريالية. # شكل 2-5: غلاف دورية «الثورة السريالية»، العدد الأول (1924). # في حالة صورة بيريه، من الواضح أن الصورة ارتبطت بمناوأة السرياليين الشديدة ~~للكاثوليكية؛ فكثير منهم نشأ بحسب تعاليم الدين، وعلاوة على معارضة نزعته الأخلاقية، ~~فقد أصيبوا بالفزع بسبب الحلف الذي تشكل في أوائل العشرينيات بين أحزاب اليمين ~~السياسي والمؤسسات الكاثوليكية في فرنسا، بداية تحت مظلة حكومة «كتلة وطنية»، ومن ~~بعدها - تحديدا منذ عام 1924 - تحت لواء حلف حاكم بين الراديكاليين والاشتراكيين. ومما ~~أثار حنقهم أكثر من غيره التوجه المؤيد للكاثوليكية بين المفكرين الفرنسيين في ~~منتصف عشرينيات القرن العشرين، وفيهم رموز أمثال جان كوكتو. وموقفهم من هذا التوجه ~~مسجل في صورة على غلاف عدد يونيو 1926 من دورية «الثورة السريالية»، وفيها يتجلى ~~جمع من الناس يتطلعون إلى السماء، وسميت ب «الهدايات الأخيرة». والواقع أن ~~الصورة اقتبست من مصور مغمور آنذاك ومشهور حاليا يدعى يوجين أتجيت، وهو ~~متخصص في السجلات الوثائقية لباريس، «اكتشفه» مان راي في كبره إذ كان يعيش على مقربة ~~منه. وكانت صورة أتجيت التي التقطت عام 1912 ببساطة سجلا لخسوف، لكن السرياليين، ~~كما هي عادتهم، أعادوا استثمار الصورة بمعانيهم الخاصة. # من الواضح أن التصوير الفوتوغرافي أسلوب وظفه السرياليون للتشديد على رسائل سياسية ~~أو اجتماعية، وهناك حالة لافتة للنظر تحديدا أعيد فيها تخصيص صورة، ولكنها لم تكن ~~حتى من مصدر معلوم؛ فكانت الصورة تتألف ببساطة من صورتين فوتوغرافيتين مجهولتين ~~للشقيقتين بابين تسميان «قبل» و«بعد»، وأعيد نشرهما في دورية «السريالية في خدمة ~~الثورة» في مايو 1933. # لقد ارتكبت الشقيقتان واحدة من أبشع الجرائم التي وقعت في أوائل الثلاثينيات بباريس ~~وأكثرها إثارة للجدل، وقد سرد نص نشر في الدورية السريالية نفسها، وتحديدا في ~~قسم مخصص ل «القصص الإخبارية» أو الأخبار الغريبة، كيف نمت لدى هاتين الشابتين ~~البرجوازيتين بشكل لا يداخله شك - بعد أن أودعتهما أمهما للخدمة ببيت من البيوت ~~المحترمة بمدينة ms043 لومان - كراهية شديدة لربتي عملهما، فانتهى بهما الأمر إلى قتلهما ~~بدقة طقسية؛ حيث اقتلعتا أعينهما وهشمتا رأسيهما. # شكل 2-6: «الشقيقتان بابين: قبل وبعد»، من دورية «السريالية في خدمة الثورة»، ~~العدد الخامس، (مايو 1933). # على مستوى واحد، ناظرت الصورة المزدوجة للشقيقتين - التي سجلت تحولا ~~مذهلا في ملامحهما - افتنان السرياليين ب «الجمال الاختلاجي»؛ وهو ضرب من الصدمات ~~الفعلية فيما يتعلق بالظواهر البصرية الاستثنائية. وعلى الرغم من ذلك، تعاطف ~~السرياليون أيضا مع ردة الفعل العنيفة تجاه الاسترقاق الممثل في الفعل الذي ~~أقدمت عليه الشقيقتان. وإذ آمن السرياليون بأن الأخلاق المقبولة عادة ما تساعد في ~~التستر على الجبن الأخلاقي، فقد وقروا المجرمين في حالات أخرى؛ ففي العدد الأول ~~نفسه من دورية «الثورة السريالية»، على سبيل المثال، وضعوا لقطات فوتوغرافية مقربة ~~لأنفسهم حول صورة لجيرمين بريتون، اللاسلطوية التي اغتالت ماريوس بلاتو، قائد إحدى ~~المنظمات اليمينية المتطرفة. وبهذا استدعت صورة الشقيقتين بابين نطاقا كاملا من ~~المشاغل السريالية (وكذلك الدادائية) المرتكزة حول العلاقات بين الإجرام ~~والأخلاق. # وإذ استخدم السرياليون الصور، إلى جوار النصوص، في دورياتهم، فقد أقاموا علاقة ~~معقدة وساخرة بقضايا عصرهم، ويعزز ذلك بقدر أكبر النقطة التي مفادها أن ~~السريالية - وبقدر أكبر حتى من الدادائية - كانت منشغلة بالحياة بأبعادها العامة ~~والأخلاقية، بالقدر الذي انشغلت فيه بالجماليات؛ ولكن لم ير الدادائيون والسرياليون ~~اهتماماتهم الاجتماعية محصورة فحسب في البعد «الرسمي» للحياة العامة. وكما تجلى ~~لنا من اهتمام السرياليين بالشقيقتين بابين، أو عبث الدادائيين الساخر بالتجارة، كانت ~~هناك رغبة في الانخراط في الطيف الكامل للمعرفة والتمثيلات الاجتماعية. وعلى الرغم من ~~أن أغلب الدادائيين والسرياليين انتسبوا إلى الطبقة الوسطى، فقد كان لديهم افتنان ~~شديد بثقافة العامة، أو بما يشتهر في فرنسا باسم «الشعبي». # متع شعبية # في واحدة من أروع وأعمق المقالات التي كتبت عن السريالية، طرح الكاتب الألماني ~~الماركسي والتر بنيامين السؤال التالي: «ما الشكل الذي تقترح أن تتخذه الحياة إذا ~~حددته في لحظة فارقة أنشودة عامة تجري على ألسنة الجميع؟» وإذ استدعى الناقد ~~بذلك الإمكانات الثورية للمواد الثقافية المفترض كونها ms044 «هابطة»، فقد كان يعبر عن ~~فكرة شائعة خلال أوائل الطليعية في القرن العشرين؛ فقد اعتنت حركات كالتكعيبية بشدة ~~بهدم التمايز ما بين الثقافة «الراقية» و«الهابطة»، الأمر الذي يتجلى، على سبيل ~~المثال، في استحداث الرسام الفرنسي ليجيه أفكارا دعائية متكررة في الرسم التكعيبي. ~~لقد أضفت الالتزامات اليسارية لكل من الدادائية والسريالية انحرافا معينا ~~للفتاتهم التآزرية مع «الشعبي»، ولو أنه في بداية القرن العشرين كانت الثقافة العامة ~~عادة شيئا مصنوعا من أجل الشعب لا نابعا من الشعب نفسه. فهم بنيامين التزامهم ~~بشاعرية «كل يوم» فهما شاملا. وإذ ناقش رواية أندريه بريتون المسماة «ناديا» ~~(1928) - وهي تناقش العلاقة العاطفية التي ربطت بين الكاتب وصاحبة اسم الرواية - يكتب بنيامين: # بريتون وناديا هما الحبيبان اللذان يحولان كل شيء شعرنا به خلال رحلاتنا ~~الحزينة بالقطار ... خلال فترات ما بعد الظهيرة الكئيبة، يوم الأحد، في أحياء ~~البلوريتاريا بالمدن الكبرى، في النظرة الأولى خلال النافذة المغبشة بفعل ~~الأمطار، في شقة جديدة؛ إلى تجربة ثورية. إنهما ينتقلان بالقوى المهولة «للجو» ~~المستتر في تلك الأشياء إلى درجة الانفجار. # في هذا القسم وفي القسم التالي له، أود أن أرسم الخطوط العريضة لبعض السبل التي ~~من خلالها ارتبط بها السرياليون، والدادائيون من قبلهم، بكل ما هو «يومي»؛ وبذلك ~~ستتحول المناقشة في هذا الفصل من الطريقة التي أدرجت بها الدادائية والسريالية ~~رسائلهما في العالم الاجتماعي، إلى الدرجة التي يتشبع بها إنتاجهم وأسلوب حياتهم ~~بهذا العالم. # بداية من الدادائية، سنجد الكثير من الأمثلة لفنانين يستخدمون تحديدا اصطلاحات ~~دارجة للتقليل من شأن «فنية» إبداعاتهم؛ ومن ثم توظف لوحة بيكابيا «صورة فتاة ~~أمريكية في حالة عري» (شكل # 2-7 ~~) أسلوبا من الصور التجارية موجودا ~~في الإعلانات الرخيصة أو الأدلة التجارية المصورة. لقد تكلمت بالفعل عن الدادائيين ~~وسخريتهم من العالم التجاري، ويمكن التشديد على ذلك بحقيقة أن كلمة «دادا»، بعيدا عن ~~أي اشتقاق معجمي (انظر الفصل الأول)، استخدمتها شركة من شركات زيوريخ، وتعرف باسم ~~بيرجمان آند كو، قبل ظهور الدادائية، للإعلان عن مستحضرات تجميل. لكن أفضل طريقة ~~للتدليل على ms045 محاكاة الدادائية للثقافة الشعبية تكمن في النظر إلى مثال آخر لدورية ~~دادائية، وأصدرتها هذه المرة مجموعة برلين بعنوان «كل إنسان كرته الخاصة» في فبراير ~~1919، بغلاف يحمل واحدا من أوائل أمثلة التجميع الصوري الدادائي لجون ~~هارتفيلد. # شكل 2-7: فرانسيس بيكابيا، «صورة فتاة أمريكية في حالة عري»، رسم خطي نشر في ~~دورية «291»، العددين الرابع والخامس (يوليو-أغسطس 1915). # على العكس من دوريات الدادائية الأخرى ببرلين - مثل «الدادائية» حيث تم توظيف ~~العديد من الخطوط الطباعية والتصاميم المتعددة الاتجاهات - يعمل التصميم في هذه ~~الدورية كمونولوج على مخطط تقليدي. وما وراء ذلك، كما هو حال دادائية برلين عامة، من ~~المهم أن يقيم المرء وزنا للخلفية السياسية للمونولوج. وخرجت الدورية، التي تعتبر ~~واحدة من سلسلة من الدوريات التي أنتجها فصيل هارتفيلد-هيرتسفيلده-جروتس الشيوعي ~~المتحمس التابع لدادائية برلين، بعد أسابيع قلائل من قمع الثورة الشيوعية في برلين ~~بقيادة الثائرين كارل ليبكنيشت وروزا لوكسمبورج، قمعا وحشيا على يد الفيلق الحر ~~المؤتمر بأمر وزير الدفاع جوستاف نوسكه. # شكل 2-8: «كل إنسان كرته الخاصة»، غلاف دورية، إصدار وحيد (15 فبراير ~~1919). # يهاجم الغلاف ببراعة الحزب الاشتراكي الحاكم الجديد؛ حيث اصطفت رءوس رموز الحزب ~~والمروجين له، وفيهم نوسكه، حول مروحة دوارة وأعلاهم طرح السؤال التالي: «مسابقة ~~وجائزة: من منهم الأجمل؟» هذه إشارة مباشرة إلى المسابقات ذات الجوائز المعروضة على ~~تصاميم الإعلانات التي كانت الأحزاب السياسية تضعها في الصحف. سبقت الصورة عن عمد أيضا ~~مقالة لشقيق هارتفيلد، ويدعى فيلاند هيرتسفيلده، يتساءل فيها حول ما إذا كان ~~بالإمكان اعتبار الانتخابات التي فاز بها الحزب الشيوعي ديمقراطية، وخاصة بالنظر إلى ~~حقيقة أن دعاياته الانتخابية مولها أناس ذوو مصالح مؤيدة للحزب الشيوعي. يتلاعب ~~التصميم ككل إذن بالدعاية الجماهيرية، وينتقد دورها في اختلاق الموافقة السياسية. ~~لقد كان التجميع الصوري للرجل المرتدي قبعة سوداء مستديرة إلى جوار عنوان الدورية - ~~الذي يرجع أيضا لهارتفيلد - تعزيزا بصريا بالتبعية للنصيحة المدمجة في العنوان، ~~التي مفادها ألا يسمح الإنسان لنفسه بأن يتحكم فيه الآخرون، بل يتحكم هو في ~~نفسه. # والتماسا للتوازن، يمكن القول بأن تصميم ms046 غلاف هارتفيلد ينتقد الثقافة الشعبية - ~~وتحديدا في هذه الحالة الدعاية السياسية - بدلا من أن يؤكدها. ومرة أخرى، يرسخ ~~ذلك التباين بين الدادائية والسريالية؛ لأن السرياليين عادة ما يغرسون توجها ~~احتفاليا أكثر صراحة تجاه الثقافة الشعبية؛ يتجسد ذلك في موقفهم من شخصية ~~«فانتوماس»، وهي الشخصية الفرنسية المشهورة جدا في سلسلة «مذكرات البنس المرعب» التي ~~نشرها فويارد، بداية من عام 1911 وما بعده. كان السرياليون يجلون شخصية فانتوماس ~~الخيالية، وهو مجرم عتيد الإجرام شديد المراوغة، ارتكب جرائم قتل مروعة ~~منتحلا العديد من الشخصيات، وأجله السرياليون نظرا لشخصيته الغامضة الخارجة على ~~القانون . وفي الثالث من نوفمبر عام 1933، قرأ الشاعر السريالي روبرت ديسنوس على الملأ ~~قصيدته الملحمية «رثاء فانتوماس» في الإذاعة الفرنسية والبلجيكية، التي كدس فيها ~~صورا رهيبة أغلبها مستوحى من أغلفة كتب فانتوماس: فانتوماس يرتدي قبعة عالية سوداء، ~~وتتدلى منه ذيول، ويحوم بشكل منذر بالسوء والعاقبة الوخيمة فوق أسطح بيوت باريس، ~~بندولات صافقة بشرية من أولها إلى آخرها داخل جرس عملاق، والدم يتدفق لأسفل منها وكذلك ~~المجوهرات ... وما إلى ذلك. وبالمثل، قدم الرسام البلجيكي رينيه ماجريت - الذي ~~تدين واقعيته التصويرية المتكلفة عمدا بالكثير للصور المشهورة (مثل أغلفة مجلات نيك ~~كارتر البوليسية) - فروض الطاعة والولاء صراحة إلى نسخ فيلم فانتوماس التي ظهرت بين ~~عامي 1913 و1914، وأخرجها لويس فيولاد. واستخلصت واحدة من أشهر صور ماجريت، ~~وتعرف باسم «السفاح المقتول» (1927)، من الناحية التكوينية، من لقطة لإحدى تلك ~~النسخ. # إن ما أبهر السرياليين هو الطريقة التي استحضرت بها مآثر فانتوماس أسطورة مدنية ~~حديثة تتفق مع الاحتياجات التخيلية لآلاف الباريسيين. وإذ افتتن السرياليون بالحياة ~~اللاواعية للثقافة الشعبية، فقد تبنوا التمثيلات الشعبية بدرجة أقل من الانتقاد ~~مقارنة بالدادائيين؛ ولكن المدينة بحد ذاتها كانت، أكثر من أي شيء، هي التي صنعوا ~~منها أسطورة، وتستدعي هذه الفكرة المهمة الآن مناقشة جديدة. # المدينة # إذا كنا بصدد البحث عن صور قوية للمدينة الحديثة، فسنجد أن لوحات وصور جورج جروتس ~~المنتسبة إلى حقبة دادائية برلين تمثل خيارا واضحا؛ فقد صور جروتس - الذي نمت ms047 ~~لديه رؤية تشاؤمية بشكل حاد للطبيعة البشرية بينما كان يخدم في الجيش الألماني خلال ~~عامي 1914 و1915 - المدينة كدوامة جهنمية من القوى الجامحة. وفي خطاب كتبه عن ~~لوحته «مهداة إلى أوسكار بانيتسا» (1917-1918)، وصف «أعدادا غفيرة من الوحوش ~~البشرية الممسوسة»، مضيفا: «إنني مقتنع تماما بأن هذا العصر يبحر بنا إلى دماره؛ ~~فردوسنا الملوثة ... فكروا فحسب: أينما تخطوا تفوح رائحة العفن.» وفي لوحاته اللاذعة ~~بشكل حاد، التي ظهرت في منشورات دادائية برلين مثل «مفلس!»، أو ظهرت على هيئة صور ~~بطريقة الطباعة الحجرية في ملفات نشرتها دار نشر ماليك فيرلاج المملوكة لفيلاند ~~هيرتسفيلده، صور برلين خاضعة لهيمنة الذين انتفعوا من الحرب والذين عانوا ويلاتها؛ ~~منتفعين منتفخين كبرياء، وكسيحين من جراء الحرب يستحقون الشفقة. وحتى الأعمال الأخف ~~وطأة لجروتس، مثل لوحته «داوم تتزوج» (شكل # 2-9 ~~) المرسومة بألوان ~~الماء ممزوجة بتجميعات صورية، والتي أشارت نوعا ما إلى زواجه عام 1920؛ تستدعي ~~صورة برلين وهي تعج ببائعات الهوى والآليين، وثمة لمحة لشارع عديم الملامح في ~~الخلفية. # إن رؤية جروتس الدادائية لبرلين تبعد كثيرا عن التمثيلات السريالية في باريس، وهي ~~ليست بالحقيقة المفاجئة إذا نظرنا إلى الموقف فيما بعد الحرب العالمية في المدينتين. ~~بالنسبة إلى السرياليين، كانت باريس مدينة وحي، واكتسبت أماكن بعينها صفة ~~المزارات الطليعية. في عام 1921، انطلق دادائيو باريس في رحلات قصيرة عجيبة لمناطق غير ~~مبشرة مثل كنيسة سان جوليان لو بوفر. وباعتبارهم سرياليين، فقد بحثوا عن مواقع غريبة أو ~~مثيرة للمشاعر تحديدا، وربما كان أكثر تلك المواقع إجلالا «القصر المثالي» لساعي ~~البريد شيفال الذي يبعد في واقع الأمر مسافة عن باريس، ويقع في قرية أوتيريف بالقرب من ~~ليون، وبناء عليه فقد استدعى الوصول إليه شكلا من أشكال الحج. أقام شيفال «قصره»، ~~بهيكله المغطى بقشرة صلدة، والمتضخم بشكل لافت - والشبيه بقصر برايتون بافيليون إذا ~~نظر إليه شخص منتش بالأفيون - بأحجار غير عادية جمعها على مدار 33 سنة خلال جولاته ~~كساعي بريد. # شكل 2-9: جورج جروتس، «داوم تتزوج إنسانها الآلي المتحذلق «جورج» في مايو ~~1920. جون هارتفيلد ms048 راض جدا عنها.» قلم رصاص، وقلم حبر، وألوان ~~مائية، وكولاج، 1920. # شكل 2-10: «القصر المثالي» لساعي البريد شيفال. # إن المنطق الهوسي الذي يضفي على «القصر» هيئته - وحقيقة أن الذي بناه لم يكن ~~يتمتع إلا بالقليل من الادعاءات الفنية التقليدية - راق بشكل لا يمكن مقاومته ~~للحس السريالي. كفلت لهم باريس نفسها العديد من المواقع الإضافية؛ كالمتحف المهجور ~~من قبل الذي يحوي اللوحات الرمزية العجيبة لجوستاف مورو، ومتنزه بوت شومون المبتذل ~~بشكل يبعث على الحزن، وبرج سان جاك المرتبط بالخيميائي الباريسي نيكولا فلاميل الذي ~~يرجع للعصور الوسطى. # بدت هذه الأماكن وأمثالها جزءا من مدينة بديلة؛ مدينة مستترة عن السياح، أنقذها ~~بمعجزة مخططو المدينة، ويحكمها منطق الرغبة اللاشعورية لا المنفعة اليومية. يجول ~~المؤلفان في أعظم روايتين في بدايات السريالية - وهما: رواية «ناديا» لبريتون، ورواية ~~«فلاح باريس» للويس أراجون (تحولت إلى سلسلة لأول مرة في الفترة ~~خلال عامي 1924-1925) - في أرجاء باريس ~~المسلم بأنها «غابة من المؤشرات» على حد تعبير بريتون، وشبكة من العلامات ~~والمنذرات بالوحي والكشف. يمكن اعتبار السرياليين هنا ورثة طبيعيين لمفهوم الشاعر ~~الفرنسي شارل بودلير عن الفنان العصري باعتباره «جوالا» مدنيا ملتزما بتجميل ~~التدفق المدني. في رواية أراجون «فلاح باريس» التي وضعها تحديدا لتأكيد «الأسطورة ~~العصرية»، يقدم المؤلف خط سير مفصلا لأماكن باريسية لها وقع شاعري عليه، ~~وأشهر ما يجد فيه متعة بالغة المظهر المهجور لممر الأوبرا، وهو عبارة عن سوق على ~~هيئة رواق مقنطر من المقرر هدمه قريبا كجزء من عملية التحديث الجارية تحت لواء ~~الإمبراطورية الثانية برعاية البارون هاوسمن. وإذ يصف الجو العام باعتباره «متحفا ~~مائيا بشريا»، يتمهل أراجون برفق عند العديد من منافذ المحلات؛ محل لطوابع ~~البريد، وآخر للعصي، وثالث لتصفيف شعر السيدات، ويستدعي الأخير تيارا من الخيالات ~~السريالية؛ حيث يتخيل أراجون المتع التي يحظى بها مصفف الشعر المبتدئ، الذي ~~سيكون قوام عمله طوال الحياة «فك شفرات تلك التشابكات التي ألمحت منذ فترة وجيزة إلى ~~التقلب أثناء النوم.» # سمح السرياليون بشكل منتظم للمدينة بأن تخترق أنفسهم، وأن تحدد أفعالهم ms049 أيضا. ~~بحلول أوائل الثلاثينيات، كان هذا جزءا من عملية جدلية بشكل ذاتي الوعي، أمسى فيها ~~الجزء الباطن الذي سبق أن ساد الكتابات والفنون السريالية، في طباق مع إملاءات ~~الواقع الخارجي. إن الأحداث اليومية التي بدت نتاج المصادفة فحسب - كاللقاءات العارضة ~~ظاهريا على قارعة الطريق - اعتبرت مناظرة للحاجة النفسية. كان مبدأ «المصادفة ~~الموضوعية» هذا محوريا لأعمال سريالية بعينها في أوائل الثلاثينيات، مثل رواية ~~بريتون المسماة «الأواني المستطرقة» (1932)، وقامت عليه «لقاءات» مع «أغراض عثر ~~عليها بالمصادفة» غامضة ومهمة بذاتها؛ تلك اللقاءات التي عاشها السرياليون خلال ~~زياراتهم المنتظمة لأسواق السلع المستعملة بباريس. # مثل هذه الأفكار المتعلقة بكيفية اجتياز مساحات المدينة، تعد - من عدة أوجه - ~~بمنزلة تصور إيجابي للتجربة الحداثية، وهذا أمر تتفرد به السريالية. ومع ذلك، جدير ~~بالملاحظة أنه استنادا إلى أفكار والتر بنيامين، شدد كتاب أمثال هال فوستر على ~~أنه على العكس من تأييد فكرة «تقدمية» للحداثة أو التحديث، يمكن النظر إلى تأكيد ~~السرياليين على «المهجور» - كما في إصلاح وترميم مواقع مثل «ممر الأوبرا» - باعتباره ~~نقدا للرأسمالية، وكأن أطلال الماضي تعود إلى الحياة كي تسكنها. ومن هذا المنطلق، ~~على الرغم من انغماس السرياليين في شبكة إشارات المدينة، يمكن القول بأنهم لا يلقون ~~مرارة حيال تبعات المشهد المدني بقدر ما يفعل، مثلا، دادائيو برلين. # حدد هذا الفصل مكان كل من الدادائية والسريالية في العالم؛ إذ بين كيف ~~اكتسبتا معاني حداثية للتشعب، وسمحتا «للحداثة» بالتغلغل في إنتاجهما وأساليب ~~حياتهما. لقد رجحت كفة متطلبات الحياة دوما أمام متطلبات الفن، ولكن مهما حقرت ~~الدادائية والسريالية من الفن، فقد حقق المشاركون فيهما شهرة واسعة أساسا ~~كممارسين للفن؛ ولذا، آن الأوان لأن نستسلم ونلتفت إلى الجوانب الجمالية. # الفصل الثالث # | الفن ونقيض الفن # قال أندريه بريتون وهو يناقش الجماليات ذات مرة من وجهة نظر سريالية، إن الطريقة التي ~~ترسم بها الصورة غير ذات أهمية فعليا؛ فالمهم وحده هو الواقع الذهني الذي «تطل عليه» ~~الصورة. # إن أفضل طريقة لتقييم تميز توجه بريتون هي الإشارة إلى الجماليات الحداثية للناقد ~~كليمنت جرينبرج، ms050 التي هيمنت على النقد الفني بعد زوال السريالية في أواخر الأربعينيات. ~~شدد جرينبرج على «النقاء» التخصصي؛ فالرسم ليس هدفه الإطلال على واقع آخر، بل يراد ~~منه أن يلفت الانتباه لذاته كنظام فني، وأن يتعاطى مع المشكلات الجوهرية في الرسم، وقد ~~أكد جرينبرج أن مشاق هذا المسعى من شأنها أن تفضي إلى نيل درجات من العزم الرسمي ~~أو الجمالي. # كان النقاء التخصصي والرسمي لعنة على ~~أغلب ممارسي الدادائية والسريالية؛ ففي إنتاجاتهم، تداخلت دوما تخصصاتهم الفنية؛ فظل ~~النصي والبصري والأدائي عادة في حالة تخلخل حر. ومن المنطلق نفسه، يبدو «الجمال» ~~الرسمي مسعى غير ذي صلة إذا نظرنا إلى العالم الذي كان الفنانون يعيشون فيه؛ لقد كانوا ~~متخبطين على أي حال حيال الفن كمؤسسة؛ حيث تعهد الدادائيون دوما بهدمه. وبالنظر إلى ~~كل من الإنتاج الفني والأدبي الدادائي والسريالي في هذا الفصل، يتعين علينا دوما أن ~~نضع نصب أعيننا هذا التناقض الراسخ ما بين الفن التقليدي والنقاء الجمالي. # لا شك أن جرينبرج بذل قصارى جهده من أجل تشويه ما يمثله الدادائيون والسرياليون؛ ففي ~~مقالة عن السريالية نشرت عام 1945، انتقد جرينبرج ما اعتبره الأساس «الأدبي» لما ~~يمثلونه؛ وعلى الرغم من أن هذا التوجه يبدو الآن عتيقا نوعا ما، فإنه ما برح متماسكا ~~بشكل مدهش. يوصم الفنانون السرياليون أمثال دالي أو ماجريت كثيرا بأنهم «أدبيون»، بينما ~~ينظر إلى الدادائيين على أنهم غير جادين بالقدر الكافي؛ نظرا لانشغالهم بالمحتوى ~~العابث أو الساخر، لكن بالنسبة إلى فناني الدادائية والسريالية، كان هذا النوع من النقد ~~يخطئ المغزى من عملهم. كان هؤلاء يفتخرون بظهورهم بمظهر الأدباء، وبأن لديهم التزاما ~~محددا تجاه كل ما هو شعري. استوعب الدادائيون والسرياليون كلمة «شعري» بصفة عامة ~~بالطريقة التي كان الكتاب والفنانون الرومانسيون في القرن التاسع عشر استوعبوها بها؛ أي ~~باعتبارها «حالة للروح» أو نمطا من أنماط الوعي لا شكلا من أشكال الممارسة. وإجمالا، ~~فالطريقة المثلى لفهم الجماليات الدادائية والسريالية ليست عبر الأفكار التقليدية للجمال، ~~بل من خلال فكرة «التوجه» الشعري تلك. # بالنظر إلى تفوق ms051 الشعر، فاللغة - أو بالأحرى الإشارة اللغوية - تدعم دوما أعمال ~~ممارسي الدادائية والسريالية، وسيتجلى ذلك في الكثير مما يلي، لكن غايتي الأساسية هي ~~تحديد سلسلة من الفروق المميزة فيما يختص بالسبل الفنية والإجرائية التي حقق ~~بواسطتها ممارسو الحركتين نتائج شاعرية. سيوضع استغلال الدادائية للمصادفة في مواجهة ~~مع الاستخدامات السريالية «للآلية»، وستوضع تقنيات الدادائية مثل الكولاج والتجميع ~~الصوري في مواجهة مع تقنيات السريالية مثل الرسم والتصوير الفوتوغرافي، كما سيوضع فن ~~القطع الفنية الجاهزة للدادائية في مواجهة مع الغرض السريالي، وهكذا دواليك. ولكن، ~~المكان الواضح الذي يتعين البدء منه هو الشعر نفسه. # الشاعرية # بصفة عامة، يمكن تقسيم الشاعرية ~~الدادائية بين التوجهات التي سادت في ألمانيا وسويسرا والتوجهات التي سادت في ~~فرنسا. في القسم المتعلق ب «كباريه فولتير» بالفصل الثاني، ألقيت نظرة على ما قام ~~به هوجو بال في زيوريخ من محاولة العودة إلى «خيمياء الكلمة» عبر أشعاره الصوتية؛ ~~واستتر في ذلك السياق رفض للقدرات السميوطيقية للغة، وقدرتها على إيصال المعنى. ربما ~~تدين عودة بال إلى الوحدات الأساسية للغة نوعا ما إلى وعيه بالشعر المستقبلي الروسي ~~بتأكيده على الخصائص المستقلة للغة. ولكن، بدلا من أن يكون «مجردا» بالكامل في روحه ~~- وهو التوصيف الذي ينطبق بقدر أفضل على الشعر الصوتي للدادائي البرليني راءول ~~هاوسمن - عادة ما تنقل أشعار بال رغبة مبهمة في البحث عن أسماء أو كلمات جديدة ~~للأشياء؛ كتب بال في مذكراته الشخصية: «لم لا نطلق على الشجرة اسم بلابلاش أو ~~بلابلاباش عندما تمطر السماء؟» وفي هذا الصدد، يستجيب بال جزئيا إلى الفيلسوف ~~الألماني نيتشه - الذي يعد عامل تأثير أساسيا في جيل بال من الفنانين - الذي ~~كتب عن إحساسه بوجود تنافر بين الكلمات والأشياء التي تشير إليها تلك الكلمات، حيث رأى ~~اللغة «جيشا متحركا من الاستعارات» أمسى باليا. ويكشف شعراء الدادائية الألمان ~~الآخرون خيبة أمل مماثلة في القدرات الدلالية للغة؛ ففي هانوفر، أنتج كورت شفيترز ~~تنويعاته الخاصة من الشعر الصوتي، المرتبطة بحميمية بتجريداته المعروفة باسم «ميرتس» في ~~التجميع الصوري، لكنه أنتج أيضا نصوصا يتعايش ms052 بعضها مع بعض في مستويات مختلفة من ~~اللغة، مدمرا بذلك أي إحساس كلي بالتجانس، وفيما يلي جزء من قصيدة له: # تحياتي، 260 ألف سنتيمتر مكعب. # أنا ملكك، # وأنت ملكي، # ونحن أنا. # والشمس واللاحدود والنجوم تضيء. # حزن وأحزان وندى. # يا لويلك مني! # إشعارات رسمية: # جائزة 5000 درجة! # في المقابل، يمكن القول إن شعر الدادائية الفرنسية - وتحديدا شعر ~~الدادائيين الفرنسيين الذين أحاطوا بدورية «الأدب» - أكثر توافقا مع التقاليد ~~الدلالية، ولو أنه كان بالمثل ملتزما بكل ما هو لا عقلاني. كان ذلك يرجع جزئيا إلى ~~أن شخصيات مثل أندريه بريتون وبول إيلوار كانت لديهم مصادر «أدبية» أكثر سلاسة ~~ومباشرة؛ على سبيل المثال: الأشعار الفرنسية الرمزية لرامبو أو بول رو الذي أسمى نفسه ~~القديس بول رو. سنرى في القسم التالي أن «الكتابة العفوية» كانت ابتكارهم الفني ~~الوحيد، لكن ما جمع بينهم أكثر من أي شيء كان مفهوما للصورة الشعرية، وسيثبت لنا أن ~~هذه المسألة محورية فيما يختص بالجماليات السريالية التي طوروها بداية من عام 1924 ~~فصاعدا. # اعتمد التوجه السريالي نحو الصورة على مبدأ التلاقي بين الوقائع غير المتوافقة. ~~رأى بريتون في الشاعر الفرنسي التكعيبي بيير ريفيردي المؤيد النظري الأساسي لتلك ~~الأداة، لكن يمكن العثور على أمثلة لتوظيفها في أعمال العديد من الرواد الأدبيين ~~للسريالية، ومثال على ذلك رامبو الذي وردت في قصيدته «موسم في الجحيم» عام 1873 رؤى ~~هذيانية مثل «غرفة معيشة في قاع بحيرة». # في الشعر السريالي المتكامل الأركان، ينهال علينا سيل من الصور الشعرية الصارخة، ~~على غرار الصورة التي رسمها إيلوار عن «الشمس الزرقاء كالبرتقالة»، أو الابتهالات ~~الجياشة في قصيدة بريتون «اتحاد حر» (1931): # زوجتي بقوامها الشبيه بالقندس بين أسنان النمر ... # زوجتي بصدغيها الشبيهين بأردواز سقف الدفيئة # بحاجبيها الشبيهين بحافة عش السنونو ... زوجتي بعينيها الخشبيتين # اللتين دوما تحت البلطة ... # وثمة أشعار سريالية أخرى تمزج بشكل مميز بين مقابلات مذهلة لصور ~~شعرية وسخرية فوضوية، وفيما يلي مثال لذلك من جزء من قصيدة لبنجامين بيريه: # والنجوم التي تبث الرعب في قلب السمك الأحمر # ليست للبيع ms053 ولا للإيجار # في الواقع، هي ليست حقا نجوما، بل مجموعة من فطائر المشمش # التي خرجت من المخبز. # كانوا يبحثون دوما عن لمحة من «المدهش». مرارا وتكرارا استدعى ~~بريتون مجازا كهربيا لشرارة كي يستثير صدمة الإلهام التي تتجلى على هيئة صور غير ~~ذات رابط يصطدم بعضها ببعض. # من الواضح أن الدادائية الفرنسية - ومن ثم السريالية الفرنسية - كانت ملتزمة ~~بشاعرية غنائية أكثر من الدادائية الألمانية/السويسرية؛ حيث كان هناك تفكيك معاد ~~للرومانسية وأكثر شمولا للغة. وهناك استثناءات مهمة لذلك؛ فكثيرا ما أنتج هانز آرب ~~- الذي رحل عن زيوريخ وقصد باريس والسريالية - قصائد تكشف عن طابع غنائي راسخ في ~~الرومانسية الألمانية. ولقد أكد النقاد على أن الشعر الدادائي التفكيكي يعكس الفوضى ~~فحسب، بينما تحقق السريالية، بالتوافق مع الاصطلاحات الشعرية التقليدية، نتائج أكثر ~~ديمومة. لا شك أن أشعارا كتلك التي ألفها إيلوار يبدو لنا الآن أنها تتمتع ~~بأناقة رسمية عظيمة، لكن الأشعار الدادائية الأصيلة، كقصيدة شفيترز الإبداعية # Ur Sonata # التي خطها في عامي 1922 و1932، أبعد ~~ما تكون عن الفوضى فيما يتعلق بهياكلها الداخلية التجريدية. تتسم هذه القصائد ~~أيضا بطابع الحياة الأخرى فيما يختص بتطور الشعر الملموس وجماليات الأداء في الفن ~~الأوروبي فيما بعد عام 1945، وربما كان هذا الطابع أكثر أهمية من الشعر السريالي الذي ~~كثيرا ما أنتج أسلوبا متكلفا وصورا نمطية مبتذلة. # تكمن الطبيعة الطباقية لشعر الدادائية في تماشيه مع الفلسفات النسبية التي اعتنقها ~~مؤلفو هذا النوع من الشعر؛ فقد أكد تريستان تزارا في «بيان الدادائية» عام 1918 ~~على أن «العمل الفني لا يكون أبدا جميلا، بموجب قاعدة محددة وبموضوعية، في أعين ~~الجميع.» ولقد شكك السرياليون أيضا في الأفكار المعيارية للجمال، لكن أندريه بريتون ~~كتب تنظيرا عن الصورة السريالية - في شكلها اللفظي والبصري على حد سواء - فيما يختص ~~بفكرة «الجمال الاختلاجي» في مقالته الفلسفية-الذاتية «عشق جنوني» (1937). وإذ عمد ~~بريتون بإصرار إلى تفادي معايير الجماليات التقليدية، خاصة أنه بدا مؤيدا ضمنا ~~للأدب والفنون البصرية، فقد تحدث عن تجربة الجمال باعتبارها مقاربة لشكل من أشكال ~~الاختلاج ms054 الجسماني المشوب بتيار قوي وشبقي. عرف بريتون، بغموض نوعا ما، ثلاثة ~~أنواع من «الجمال الاختلاجي» السريالي: «الشبقي المستتر» الذي نشأ بشكل مميز من المزج ~~بين المتحرك والثابت (كما في المرجان)، و«الثابت-الانفجاري» التي ينبع عندما تترجم ~~الحركة إلى سكون (كما في صورة فوتوغرافية لعربة تنمو فوقها النباتات بشكل مفرط)، ~~و«السحري-الظرفي» الذي انبثق من «مواجهة سحرية» مع عبارة أو موضوع عجيب ~~ظاهريا. # هذه المحاولة لإنتاج فئات جمالية جديدة، التي تبدو على أي حال جزئية؛ تشي بالكثير ~~عن الفارق بين الدادائية والسريالية. بالنسبة إلى الدادائيين، يستحيل أن تكون هناك ~~تجربة جمالية معيارية؛ فالفن نفسه عرضة للتشكيك. وفي المقابل، تبنى السرياليون توقا ~~يوتوبيا دائما لشاعرية/جماليات متحولة ومبدلة من واقع الخبرة. # العفوية في مقابل المصادفة # شكل الشعر أساسا للجماليات الدادائية والسريالية؛ ولكن كيف تولدت تحديدا ~~اللغة الشعرية لهاتين الحركتين؟ ومن أين نشأت؟ بالنسبة إلى السرياليين تحديدا، كانت ~~هناك إجابة واحدة جلية: اللاوعي. في «البيان السريالي الأول» الصادر عام 1924، وصف ~~أندريه بريتون كيف خطرت له، في منامه ذات ليلة عام 1919، عبارة وكأنها «تطرق زجاج ~~نافذته.» وسرعان ما استغل بريتون مثل هذه المادة العارضة بشكل عفوي لأغراض شعرية، ~~ونشر بالتعاون مع الشاعر فيليب سوبول أول نص سريالي-بدائي (عفوي) تحت عنوان «الحقول ~~المغناطيسية» في عام 1920. كانت العفوية ترتكز على الاعتقاد بأن سرعة الكتابة مكافئة ~~لسرعة الفكر؛ وبالكتابة على وجه السرعة دون موضوع مسبق في العقل، أمسى الشاعر - بحسب ~~تعبير بريتون - «جهاز تسجيل متواضعا». # بحلول عام 1922، وكجزء من حالة «غموض الحركة» المزعومة التي شهدت تحول الدادائية ~~تدريجيا إلى سريالية، جرب بريتون وأصدقاؤه المزيد من السبل المؤثرة لتجاوز ~~التحكم الواعي؛ فكان الواحد منهم لفترة من الوقت يستسلم بمحض إرادته لحالة من ~~التنويم المغناطيسي، ويرد على أسئلة يطرحها عليه بقية أعضاء المجموعة. كان الشاعر ~~روبرت ديسنوس تحديدا يخضع لتلك التجارب، وذات مرة استجاب بطريقة مثيرة للأعصاب ~~لأسئلة عن الشاعر بنجامين بيريه: # س: # ماذا تعرف عن بيريه؟ # ج: # سيلقى حتفه داخل سيارة مكتظة بالركاب. # س: # هل سيقتل؟ # ج: # نعم. # س: # على يد ms055 من؟ # ج: ~~(يرسم قطارا، وثمة رجل يسقط من بابه) على يد حيوان. # س: # أي نوع من الحيوانات؟ # ج: # شريط أزرق، يا متشردي العزيز. # في نهاية المطاف، كادت حالات الغفوة تخرج عن السيطرة؛ حيث حاول الشاعر ~~رينيه سريفيل ذات مرة قيادة المجموعة إلى عملية انتحار جماعي، فتخلوا عنها. عدت ~~العفوية بشكل متزايد ردة فعل لاكتشافات في الطب النفسي والتحليل النفسي. كان تعرض ~~بريتون الأصلي لهذه التخصصات في عام 1916، عندما مارس تقنيات فرويد المتعلقة ~~بالتداعي الحر للمعاني على مجموعة من الجنود المصابين بالاضطراب العصبي في أثناء خدمته ~~العسكرية كمساعد تمريض. لكن، لم يقدم فرويد نموذج العفوية بقدر ما قدمه الطبيب ~~النفسي الفرنسي بيير جانيت، الذي أورد كتابه «العفوية النفسية» الصادر عام 1889 ~~بإسهاب شديد سيلا من المعلومات المستخلصة من المرضى الخاضعين للتنويم المغناطيسي. ~~وعلى الرغم من ذلك، مال جانيت إلى التقليل من شأن الإرادة الإبداعية لمرضاه، وبحلول عام ~~1924، عندما جعل بريتون العفوية التقنية السريالية البارزة في «البيان الأول»، ~~أعطيت الأولوية للتداعي الحر للمعاني لفرويد. # كانت العفوية السريالية ترتكز على كبت الوعي العقلاني، ولكن علينا التأكيد على ~~أنها لم تستغل دوما في خلق الكتابة السريالية؛ فأغلب الأشعار السريالية ~~المستشهد بها في القسم الأخير استغلت هذه التقنية استغلالا جزئيا فحسب. ويجب ~~عدم الافتراض أن تلك التقنية كانت من اختلاقات السريالية بالكامل؛ فالأشعار الدادائية ~~السابقة لبيكابيا وتزارا وآرب وشفيترز كثيرا ما انبثقت من عمليات مشابهة، ولو أن آرب ~~اعتبر الجسد والعقل على حد سواء منبع تلك الأشعار: «ينبع الشعر العفوي مباشرة من ~~أحشاء الشاعر، أو من أي عضو آخر فيه احتياطيات مخزونة ... وهو يهتف ويسب ويتلعثم وينشد ~~متنقلا بين الطبقات الصوتية كما يحلو له.» ويمكن الزعم بأن العفوية وظفها ~~الدادائيون بشكل روتيني، وحولها السرياليون في تاريخ لاحق ببساطة إلى نظرية باصطلاحات ~~تحليلية نفسية. وحقيقة الأمر أنه إذا عدنا الآن إلى الطرق التي استوعب بها ~~الدادائيون - وخاصة في زيوريخ - التخلي عن السيطرة الإبداعية، لا لمصلحة العفوية ~~بقدر ما كان تماشيا مع المصادفة؛ فسيمكن تحديد بعض الفروق ms056 المهمة بين التوجهات ~~الجمالية للدادائية والسريالية. # خلال الفترة ما بين عامي 1916 و1917 تقريبا، أنتج آرب - ~~الفنان البصري الأساسي لدادائية زيوريخ - ~~سلسلة من الأعمال التجريدية بالتعاون مع شريكته صوفي تاوبر، جمعت فيها قصاصات ورقية ~~مربعة الشكل معا على هيئة شبكات دقيقة على صفحات من الورق. هذه الأعمال، باعتبارها ~~تجريدات بصرية، ساهمت في بدايات مرحلة واسعة النطاق في الفن الأوروبي آنذاك تشمل ~~شخصيات بارزة مثل موندريان وكاندينسكي؛ ولكن الأبرز من ذلك أن القليل من أعمال تجميعات ~~الصور التي أنتجها آرب، تقف على النقيض تماما من تلك الأعمال المتناهية الدقة. في تلك ~~الأعمال، أسقط آرب بعشوائية قصاصات من الورق على حوامل، وثبتها حيث سقطت (شكل # 3-1 ~~)، وزعم لاحقا أن هذا العمل أنتج «بحسب قوانين ~~المصادفة». # قبلها بفترة وجيزة، أنتج مارسيل دوشامب - الذي كان آنذاك في باريس، ولكن سرعان ما ~~انتقل إلى نيويورك وإلى نسخته الخاصة من الدادائية - عملا شبيها. وإذ شرع في العمل ~~على لوحته «عروس جردها عزابها من ثيابها»؛ رائعته الفنية التي وضعها في زجاج وآل ~~بها المآل إلى أن أمست تصويرا تخطيطيا للرغبة المحبطة، مقابلا بين مجموعة من ~~«العزاب» الآليين بالأسفل و«عروس» بالأعلى؛ فقد أسقط ثلاثة خيوط و«ثبت» التكوينات ~~التي تشكلت فيها، فأنتج قوالب منها لعبت دور تنويعات على مقياس معياري مقنن، ~~وبعدها استخدم تلك «الوقفات المعيارية» (كما سماها) لمساعدته في تحديد وضع العزاب في ~~«الزجاجة الكبيرة»، مما أوحى بأن عمله اتفق مع مجموعة بديلة ولا عقلانية من القوانين ~~الفيزيائية لقوانين الواقع الخارجي. # شكل 3-1: هانز آرب، «مربعات متراصة بحسب قوانين المصادفة»، كولاج، ~~1916-1917، متحف الفن الحديث، نيويورك. # كان كل من آرب ودوشامب يجنحان بشكل جذري بعيدا عن نموذج سيطرة المؤلف السائد في ~~صناعة الفن آنذاك. كان الاثنان أيضا رائدين للتوجه «الدادائي» المميز الذي قام ~~عليه تقليد الفن الجزافي في القرن العشرين، وهو التقليد الذي ضم شخصيات مثل المؤلف ~~الموسيقي جون كيج. والأهم بالنسبة إلى سياق نقاشنا الحالي أن كلا الفنانين كانا ~~يستدعيان عمليات غير شخصية أو طبيعية بالمقارنة بالعمليات ms057 البشرية ذات التوجه ~~النفساني، ولو أن ذلك يعتبر من قبيل المفارقة في حالة دوشامب. كان لدى آرب فهم ~~صوفي لما كان يفعله؛ إذ كانت المصادفة بالنسبة إليه ترتبط بالطبيعة، وتمثل جزءا من ~~«علة وجود مستغلقة ... ونظام لا سبيل للوصول إليه إجمالا.» وبينما كان السرياليون في ~~المقام الأول معنيين بالنفس الفردية، اختار الدادائيون استدعاء قوى كانت مستقلة ~~بالكامل عنهم؛ فقد كانوا لا يثقون بالغرور البشري والإعلاء المبالغ فيه للمنطق ~~البشري؛ فثمة حرب عالمية نشأت من مثل هذه القيم. ولم يحترموا كذلك منهجة فرويد ~~للاعقلاني؛ إذ وصف تريستان تزارا التحليل النفساني ب «المرض الخطير» الذي يحبط ~~«ميولنا اللاواقعية»، ويساعد على تخليد المجتمع البرجوازي. لم يثق الدادائيون ~~بفرويد؛ إذ عقد آماله على ترويض اللاوعي بدلا من أن يسمح بحرية الحركة فيما يتعلق ~~بخدمة النقد الاجتماعي؛ ولذلك شككوا في الأساس الفرويدي للعفوية السريالية، ولو أنه ~~يتعين التشديد على أن السرياليين أقاموا وزنا لفرويد بسبب سبره أغوار آليات ~~اللاوعي، وليس بسبب «علاج» العلل التي أفضت إليها تلك الآليات. # وإذ نبين كيف يتعارض فهم الدادائيين للمصادفة مع فهم السرياليين للعفوية، تحولت ~~نقاطنا المرجعية بضرورة الحال من النقاط الشاعرية إلى النقاط البصرية. ويتسق ذلك مع ~~حالات العبور التبادلي ما بين الجماليات الأدبية والبصرية في الدادائية والسريالية ~~السالفة الذكر. وإذا التفتنا الآن إلى الفن البصري للسريالية، فمن المثير أن نرى ~~أنه في حين وجدت العفوية اللفظية مكافئا لها في الابتكارات الفنية لفنانين بأعينهم، ~~كانت المصادفة الدادائية مدمجة أيضا خلسة في ثنايا السريالية. # شكل 3-2: أندريه ماسون، «ميلاد الطيور»، رسم عفوي، حوالي عام 1925، متحف الفن ~~الحديث، نيويورك. # في الفترة بين عامي 1924 و1925، أنتج الرسام الفرنسي أندريه ماسون، في محاولة ~~منه للبحث عن معادل بصري للعفوية التي دعا لها بريتون في «البيان الأول للسريالية»؛ ~~سلسلة مهمة من «الرسوم العفوية»، وفيها امتزجت مجموعة من الصور الشخصية جدا - ~~أجساد وحيوانات وعناصر معمارية شبقية الطابع - بشكل شعري معا بينما طفق يرسم بسرعة ~~ودون تعمد. قد تبدو هذه «الرسومات» لأول وهلة تجريدية، لكن ms058 السرياليين لم يخطوا ~~نحو التجريدية التي رأيناها لدى آرب بالكامل؛ ولذا، بشيء من الجهد، يمكن تفسير لوحة ~~ماسون «ميلاد الطيور» التي خط خطوطها عام 1925، على اعتبار أنها تمثل جسد امرأة ~~بشكل مباشر نسبيا، وتخرج من فرجها الطيور. # بعد ماسون بفترة وجيزة، استجاب الفنان ~~ماكس إرنست - الألماني المولد الذي انتقل مؤخرا من كولونيا إلى باريس - على نحو مثيل ~~للبيان ب «تدلاكاته» عام 1925، وهنا وضع الفنان صحائف من الورق على أسطح مرتفعة، ~~كحبيبات الخشب، وطفق يمسدها، وبعدها سمح للأشكال المتكونة بالتعبير عن نفسها وإيصال ~~الإيحاء الخاص بها، فعزل أو أعاد تأكيد أجزاء من الصور لاستدعاء حيوانات ونباتات ~~مخصصة. نشر إرنست هذه الصور على هيئة نسخ طبق الأصل ضمن مجموعة فنية بعنوان ~~«التاريخ الطبيعي»، ومن اللافت أن إرنست الذي كان في مرحلة من المراحل جزءا من حركة ~~الدادائية، يكشف عن درجة أكبر بكثير من السلبية في طريقة عمله بالمقارنة بماسون؛ ~~ولذا، فهو يرجع إلى مبدأ المصادفة الشخصي بحسب فهم الدادائية له، ولو أن إلهامه ~~المباشر لم ينبع من أحد سوى ليوناردو دافنشي الذي أوصى في «أطروحة عن الرسم»، بأنه ~~على الفنانين استخدام لطخات عديمة الشكل كمثيرات إلهامية للرسوم المركبة. # لقد سخر إرنست ببراعة المصادفة الدادائية لخدمة العفوية السريالية، فجعلها ~~مسئولة أمام مقتضيات اللاوعي، وتكشف حالته كيف انتكست الجماليات السريالية كثيرا ~~خلسة إلى الدادائية. كان السرياليون يبتكرون طرقا كثيرة لتفسير المصادفة تفسيرا ~~نفسانيا، فكانوا يعيشون حياتهم بحسب مبادئ «المصادفة الموضوعية» كما ناقشنا في الفصل ~~السابق. لكن المرء يتساءل: هل انتهى بهم الأمر، في التحليل النهائي، إلى تمدين أو ترويض ~~ما كان، في الدادائية، مبدأ لا بشريا ولا سلطويا في جوهره؟ # الكولاج في مقابل الرسم # وإذ ما زلنا نتحدث عن الفن البصري للدادائية والسريالية، يجدر بنا أن نرسخ ~~المزيد من الفروق بين الحركتين فيما يختص بمنهجهما تجاه الوسائط والأساليب الفنية. ~~يمكن عقد مقارنة مبدئية بالعودة إلى ماكس إرنست الذي أقام جسرا بين الحركتين على أي ~~حال، وكذلك بالنقلة التي أقدم عليها من الاستخدام الدادائي للكولاج ms059 إلى نمط رسم ~~سريالي بشكل مميز. # في عام 1921، ونزولا على دعوة دادائيي باريس الذين كانوا على دراية بأنشطته في ~~كولونيا، أقام إرنست معرضا للوحات الكولاج خاصته بمعرض «أو سان باريل» في باريس. كان ~~المعرض وحيا للباريسيين، وإذا كانت «الحقول المغناطيسية» لبريتون وسوبول قد بشرت ~~بالسريالية النصية، فقد بشر هذا المعرض بالسريالية البصرية، وسرعان ما انضم إرنست ~~إلى المجموعة وأنتج أعمالا فنية - مثل «التدلاكات» السابق ذكرها - اتسقت مع ~~نظرياتهم. # فما سر أهمية أعمال الكولاج ~~الدادائية لإرنست إذن؟ كان الكولاج راسخا بالفعل كأسلوب طليعي آنذاك؛ إذ استخدمت ~~قطع من مشمع الأرضية وورق الحائط وما شابه ذلك، في لوحات بيكاسو وبراك في الفترة ~~ما بين 1912 و1914، في المرحلة المسماة «التجميعية» من الحركة التكعيبية، وإلى حد ~~كبير قد استخدمت بهدف إعادة إدخال تلميحات طريفة للعالم الحقيقي في لوحاتهم ~~التجريدية بشكل متزايد. لكن إرنست جمع قصاصاته الصورية من شذرات لصور يمكن تمييزها؛ ~~حيث جاور ما بين أجزاء من صفحات موسوعة وأدلة تجارية مصورة وأطروحات تشريحية وصور ~~فوتوغرافية؛ بغية إنتاج وقائع نقيضة مزعجة. في العمل الفني «المحادثة المقدسة» الصادر ~~عام 1921 على سبيل المثال، وضعت صور الطيور والقصاصات المستخلصة من الرسوم البيانية ~~التشريحية، مع صور فوتوغرافية في فضاء صوري شبه مبهم. وإذ تشير ضمنا في عنوانها ~~لأيقونة دينية - ألا وهي الفكرة التقليدية للسيدة العذراء والطفل، ويحيط بهما ~~القديسون - تستدعي لوحة «المحادثة المقدسة» بطريقة فيها تجديف فكرة الحبل بلا ~~دنس، بواسطة تصوير حمامة تعترش «رحما» على شكل حوض ينتمي للقوام الأساسي للمرأة ~~الموجودة في الصورة. # فور أن انتقل إلى باريس، في ذروة «الحركة الغامضة»، طفق إرنست يترجم الكولاج إلى ~~اصطلاحات تصويرية، وفي عام 1919، افتتن بشدة بصور لأعمال الرسام الإيطالي جورجيو دي ~~شيريكو. خلال فترة خصبة في باريس فيما بين عامي 1911 و1915، طور دي شيريكو نمطا ~~«ميتافيزيقيا» للرسم تخيل فيه الميادين الإيطالية المهجورة وقت الأصيل وثمة ضوء ~~غير أرضي يكسوها، فتلقي التماثيل بظلال حزينة طويلة. إن الأسلوب الطفولي الطابع ~~الذي رسم به شيريكو تلك الرؤى، والذي ms060 انطوى على استخدام منظورات متراجعة بشكل مثير ~~للارتباك، والإحاطة المحكمة بالأشكال المرسومة أفقيا بخطوط سوداء، أتاح لإرنست ~~المفردات الصورية التي استطاع بها إعادة تجسيد التجاورات المذهلة لتجميعاته ~~الصورية. تحت تأثير دي شيريكو، أثمرت الإلماحات شبه المبهمة في أعمال كولاج ~~بعينها اقتراحات بكون نفسي ملموس، وأمست سلسلة اللوحات التي أنتجها إرنست ما بين ~~عامي 1922 و1924 - بما في ذلك «أوديب ملكا»، و«لن نعرف شيئا عن هؤلاء الرجال»، ~~و«بييتا» (شكل # 1-3 ~~) - ركائز للسريالية البصرية. # شكل 3-3: ماكس إرنست، «المحادثة المقدسة»، كولاج، 1921. # ولكن، يزعم أنه بترجمة كولاج الدادائية إلى مفردات الرسم السريالي، وجد أن ذلك ~~الكولاج خضع لعملية مناظرة لتلك التي تعرضت لها المصادفة الدادائية؛ إذ تم ~~ضمها للعفوية. وإذ وظفه إرنست في كولونيا، فقد استدعى الكولاج عالما كان معاديا ~~بشدة للسيطرة البشرية؛ أنظمة كاملة للأفكار ولأساليب التمثيل بدت متعارضة. ولكن ~~عندما كتب بريتون عن أعمال الكولاج لإرنست في الدليل المصور الخاص بمعرض «أو سان باريل» ~~عام 1921، ربط الأسلوب بالشاعرية السريالية البدائية، موظفا مجازه المفضل الخاص ~~بالشرارة المتولدة بفعل التقاء الوقائع المنفصلة للتأكيد على آثار إرنست. ولما ~~أقدم إرنست على رسم لوحاته «السريالية» بالكامل في أوائل العشرينيات، تحت رعاية ~~بريتون جزئيا، عاد إلى توظيف أسلوب - وهو الرسم بالزيت - حظره الدادائيون فعليا ~~لما يحمله من مضامين النخبوية والتقليد. # التجميع الصوري في مقابل الرسم # يمكن تعزيز هذا الإحساس بتخفيف المبادئ ~~الدادائية من خلال مقارنة أسلوب دادائي آخر، ألا وهو التجميع الصوري (المونتاج ~~الفوتوغرافي) بالرسم السريالي. كان التجميع الصوري الابتكار البصري البارز لدادائية ~~برلين، وقد زعمت جماعتا برلين، جماعة هاوسمن-هوخ وجماعة جروتس- هيرتسفيلده-هارتفيلد، ~~أنهما «اكتشفتا» هذا الأسلوب؛ لكن لا ينبغي أن تعوقنا مثل هذه المشاحنات هنا. من ~~المهم، على الرغم من ذلك، أن نميز في عجالة ما بين التجميعات الصورية لجماعة ~~برلين، وبين قصاصات الصور (الكولاج) لإرنست التي وصفناها في القسم الأخير. نادرا ما ~~استخدم إرنست إشارات اجتماعية صريحة؛ فقد أوحت أعماله بصدامات لا عقلانية بين ~~الأفكار أو الأنظمة الفكرية، وتحقيقا لهذه الغاية قلل من شأن الطبيعة ms061 المادية ~~لمواده؛ حيث أعاد تصوير تجميعاته الصورية فوتوغرافيا بغية خلق أثر سلس. وفي ~~المقابل، كان التجميع الصوري البرليني مسيسا إلى حد كبير؛ حيث إن فعل قص ~~الصور من الصحف والمجلات وإعادة المزج بينها، كان يحمل في حد ذاته دلالات تنم عن ~~شق نسيج الواقع الاجتماعي. لقد جعل التجميع الصوري البرليني عملية إنشاء الصورة ~~الفعلية - الطبيعة المتشظية لأجزاء الصورة، وتنافراتها فيما يتعلق بالتدرج ~~الفوتوغرافي ... إلخ - تتجلى في العمل النهائي. يمكن أن نرى ذلك في صورة «عروسان ~~برجوازيان - شجار» لهانا هوخ عام 1919؛ حيث يصير المحتوى الساخر للصورة - وهي عبارة ~~عن محاكاة ساخرة للزواج البرجوازي، يخوض فيها زوجان صبيانيان مجهزان بعتاد رياضي ~~غمار صدماتهما الخاصة بين أحدث الأجهزة المنزلية - تاليا في الأهمية للإحساس بأن ~~هذه ما برحت شذرات مقتطعة من مادة مطبوعة. # بالتحول إلى الرسم السريالي، من الواضح أنه كأسلوب ~~«توقيعي» - وبتعبير آخر: كأسلوب تشي فيه ~~الخطوط والعلامات التي يصنعها الفنان بريشته ب «لمسته» - يكاد يكون من المستحيل القول ~~بأن الرسم يشير إلى التفاعل أو التبادل الاجتماعي على غرار التجميع الصوري البرليني. ~~وبينما تكلم هاوسمن في برلين ذات مرة عن زملائه الفنانين باعتبارهم «خبراء تجميع ~~صور»، حيث درجوا على مواءمة صورهم معا شأنهم شأن البنائين؛ تحدث الرسم ~~السريالي في المقابل عن الخيال الفردي وعبقرية الفنان. لقد افتقر في جوهره إلى الصبغة ~~السياسية الدادائية. # لقد عومل الرسم السريالي بشك إلى حد ما من داخل الحركة السريالية نفسها؛ ففي ~~عام 1925، وصف بريتون الرسم السريالي بأنه «حيلة مؤسفة»، وأنه يناط بالفنانين ~~أنفسهم إقناعه بتطبيقاته. كان الرسم السريالي من بدايته تقريبا مستقطبا. من ~~ناحية، كان هناك نمط واقعي فني من أنماط الرسم تم فيه تصوير الوقائع البديلة ~~اللاعقلانية بدقة شبه أكاديمية. ترسخت هذه النزعة في أعمال جورجيو دي شيريكو، ~~ولكنها تجذرت أيضا لدى الرسامين الرمزيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر، أمثال ~~أوديلون ريدون وجوستاف مورو. ولأغراض التيسير، تسمى تلك النزعة «الرسم الحالم»، ~~ولو أن أمثلة تلك النزعة، التي أنتجها إرنست ودالي، كما سيتجلى لنا لاحقا، لم ~~تستغل ms062 بضرورة الحال الأحلام الشخصية، بل كثيرا ما قامت على سجلات لحالات ~~فرويدية. # شكل 3-4: هانا هوخ، «عروسان برجوازيان - شجار»، تجميع صوري، 1919. # من ناحية أخرى، كان هناك الرسم «العفوي» الذي اتسم بالإنتاج العفوي للعلامات أو ~~اللطخات التصويرية للإيحاء بأشكال، والذي مارسه فنانون أمثال أندريه ماسون السابقة ~~الإشارة إلى «رسومه العفوية» ذات الصلة. ويمكن الزعم بأن هذا الأسلوب أكثر «سريالية» ~~حقا فيما يختص بتنظير بريتون. # شكل 3-5: خوان ميرو، «الصياد»، زيت على قماش، 1924، متحف الفن الحديث، ~~نيويورك. # إلى جانب ماسون، يعتبر خوان ميرو أحد رموز تلك النزعة «العفوية»؛ فبعد أن رحل عن ~~بلدته الأم كاتالونيا قاصدا باريس خلال عامي 1920 و1921، نمت لديه في بداية الأمر ~~لغة صورية متفردة جدا في أعمال مثل «الصياد» (1923-1924) (شكل # 3-5 ~~). في الجهة اليسرى أعلى هذا العمل، تم تصوير «الصياد» الذي ~~يحمل العمل اسمه كرجل عصا، يتجلى حذره في أذنه المضخمة بشكل مهول، وقلبه الذي ~~نراه «مشتعلا». وفي الجزء السفلي من القماش نرى محجره؛ وهو مزيج عجيب من سمك السردين ~~وأرنب. وصفت الأعمال الكاملة لميرو لاحقا بهذا النوع من التحول الشاعري المتلون؛ ~~حيث تخضع الإشارات البصرية إلى تحول مستمر من لوحة إلى اللوحة التالية لها. لقد ~~واءمت العفوية التي وظفها منذ منتصف العشرينيات - أحيانا في تخطيط أعماله، ~~وأحيانا كجزء من النتيجة النهائية كما في لوحته الشهيرة «ميلاد العالم» (1925) - ~~أساليب عمله الانسيابية. # كما سلف وألمحنا، تعرض الرسم إلى فترة متأججة على أيدي المنظرين السرياليين؛ ~~فبعد البيان الأول مباشرة، وضع الكاتب ماكس موريس مقالة تحت عنوان «الحملقة ~~المسحورة»، عبر فيها عن شكوكه في «رسم الأحلام»؛ فبحسب موريس، لم تكن تلك الأعمال ~~قادرة على التعبير عن الطبيعة المؤقتة أو المتكشفة للأحلام. كان الفيلم، كما سنرى ~~لاحقا، أفضل جاهزية لهذا النوع من التعبير. كذلك كبحت «المراجعة الثانوية»، التي ~~يشتمل عليها إنتاج تلك الأعمال، جماح اللاوعي؛ ففي أبريل عام 1926، أعلن بيير نافيل - ~~وكان آنذاك محررا للدورية السريالية «الثورة السريالية» - بشكل أكثر تأثيرا، أن «كل ~~الناس يعرفون أنه ما من شيء يدعى ms063 الرسم السريالي.» وحتى العفوية الصورية شابتها ~~الشكوك، بما أن العادات الجمالية، كحس التوازن التركيبي على سبيل المثال، ربما أعاقت ~~الوصول إلى التلقائية الكاملة. # انتفض بريتون يدافع عن الرسم، وكتب سلسلة من المقالات ومقدمات الأدلة المصورة في ~~سنوات العشرينيات اللاحقة؛ حيث ناصر من الناحية الشعرية فنانين مثل الرسام ~~الفرنسي إيف تانجي، الذي أعجب بلوحاته الطبيعية الحالمة الحافلة بأشكال عجيبة ذات ~~بنية شبيهة بالأحياء. لكن بريتون لم يضع تبريرا نظريا قط للرسم السريالي؛ ولذلك ~~كان الاسم المحدد لتلك الكتابات المجمعة في نهاية المطاف «السريالية والرسم». ~~كان بريتون على اقتناع بأهمية طلائع السريالية أمثال دي شيريكو وبيكاسو، وقد حاول أن ~~يخطب ود الأخير تحديدا لفترة طويلة دون أن ينجح في ذلك، ولا شك أن الرخصة التي ~~منحت للخيالات الجنسية والعنيفة للسريالية ضخت حياة جديدة في إنتاج بيكاسو في ~~العشرينيات والثلاثينيات. لكن بريتون تذبذب في دعمه لأمثال ميرو وماسون، وكان محور ~~النقد عنده، بما يتسق مع الالتزامات الماركسية بشكل متزايد، هو أن الرسامين خضعوا ~~بسهولة لإغراءات «مهنتهم»، وسرعان ما استغلوا المنافع التجارية التي عرضت عليهم؛ ~~ولعل الأسلوب الأكاديمي نسبيا لوافد متأخر على السريالية نوعا ما - وهو الرسام ~~البلجيكي رينيه ماجريت - هو الذي أفضى إلى بعض التنازلات، لكن الحرفية التي تعرض ~~بها أفضل أعمال ماجريت من الظواهر الهذيانية أو المعضلات الفلسفية التي تضفي عليها ~~حدة متعنتة. من ناحية أخرى، تؤكد البراعة الفنية لسلفادور دالي، الذي انضم ~~بشكل درامي لجماعة باريس من موطنه كاتالونيا عام 1929، كافة مخاوف بريتون. # شكل 3-6: سلفادور دالي، «الوجه الارتيابي»، مخطط الصفحة كما ظهر في دورية ~~«السريالية في خدمة الثورة»، العدد الثالث، (ديسمبر، 1931). # لقد كانت الرسوم السريالية الأولى لدالي - مثل «لعبة الحداد» و«المستحلم الأكبر» عام ~~1929 - إبداعية بشكل أصيل؛ حيث كان أسلوبها «الفائق الرجعية»، بحسب وصف بريتون، ~~مناسبا تماما لتحقيق مجموعة من الخيالات المرضية النفسية - المجموعة عادة من ~~مصادر أدبية مثل فرويد، أو «المتخصص في علم الجنس» في أواخر القرن التاسع عشر ريتشارد ~~فون كرافت-إيبنج - التي حفلت بها تلك الأعمال. في بداية ms064 الثلاثينيات، بذل دالي أيضا ~~جهدا عظيما لدعم الموارد النظرية للسريالية البصرية؛ حيث ابتدع «الأسلوب ~~الارتيابي-النقدي»، واستعرض ذلك في مساهمة موجزة له في دورية «السريالية في خدمة ~~الثورة» عام 1931، حيث نسخ بطاقة بريدية لمجموعة من الأفارقة الجالسين قبالة كوخ ~~من القش، وتظهر هذه البطاقة عند قلبها جانبيا على هيئة نموذج لرأس (شكل # 3-6 ~~). ومثلما انطوى جنون الارتياب السريري على إعادة تفسير قهرية ~~للظواهر الخارجية، ملأ دالي لوحاته المرسومة على القماش في الثلاثينيات بصور مزدوجة ~~مبتكرة ببراعة، وبذلك، كما قال حرفيا، فإنه «ينزع الثقة عن الواقع». ولكن، في نهاية ~~المطاف، مالت تلك الأدوات إلى التصنع والتكلف، وبينما استقطب دالي حتما رعاة ~~أثرياء، أمثال جامع التحف الإنجليزي إدوراد جيمس، تراجعت قدرته على الابتكار، ~~وأمسى دالي «الساعي وراء المال»، بحسب الاسم الشهير الذي ابتكره بريتون بعد أن أعاد ~~ترتيب أحرف اسم دالي. # انتهى المطاف بالرسم باعتباره وتر أخيل السريالية؛ فقد كان هناك عيبان يشوبانه؛ ففي ~~شكله العفوي كان يتألف من اشتراطاته المسبقة الجمالية جدا؛ وفي أكثر أشكاله واقعية ~~من الناحية الأكاديمية، يمكن أن ينظر إليه باعتباره حليفا للذوق البرجوازي. ويزعم ~~أن السيناريوهات «السريالية» بشكل مثقل - للفنان الفرنسي بيير روي، أو البلجيكي بول ~~ديلفو، على سبيل المثال - لا تتجاوز بكثير كونها جزءا من النزعة الأكاديمية. # التصوير الفوتوغرافي # إذا أخفق الرسم في مضاهاة الطموحات السريالية، فحري بنا أن نقارن ما بين حظوظه ~~وحظوظ «التصوير الفوتوغرافي المباشر» (تمييزا له عن التجميع الصوري). في هذا ~~الكتاب، نزعت إلى توظيف التصوير الفوتوغرافي، مثلما فعل السرياليون، لتوثيق آرائهم، ~~وبالقدر نفسه للتأكيد على مكانته الخاصة كشكل من أشكال الفن؛ ولكن يمكن بسهولة ~~التأكيد على أن هذا الفن مثل الوسط السريالي بامتياز. إن حقيقة كون التصوير ~~الفوتوغرافي وسطا ميكانيكيا، اقتضت بحد ذاتها أنه يمثل «أداة تسجيل ~~متواضعة» - إن شئنا استدعاء وصف بريتون ~~للشعراء السرياليين - مؤهلة بشكل متفرد لنقل السريالية المدمجة في الواقع بشكل ~~عفوي. من المهم أن نتذكر أن نموذج بريتون، الوارد في «البيان الثاني للسريالية»، كان ~~دوما مزيجا بين الواقعي والسريالي، ms065 على العكس من دالي الذي سعى، بحسب ما جاء على ~~لسانه، إلى «تنظيم الارتباك منهجيا». # إن التصوير الفوتوغرافي سريالي في جوهره، وكما قالت سوزان سونتاج: «تكمن ~~السريالية في قلب مشروع التصوير الفوتوغرافي، وتحديدا في خلق عالم مزدوج، وحقيقة ~~من الدرجة الثانية، أضيق أفقا ولكن أكثر دراماتيكية من المنظورة بالعين المجردة.» ~~فالكاميرا كثيرا ما تلتقط تفاصيل عجيبة بمحض المصادفة، فتجعلنا على دراية بغرابة ~~المألوف، وبالتأكيد استغل السرياليون ذلك؛ فقد طلب بريتون، على سبيل المثال، من ~~المصور الفوتوغرافي جيه إيه بوفارد إنتاج صور فوتوغرافية لمواقع باريسية مملة ~~ظاهريا لروايته «ناديا»، وكما قلنا سابقا، كانت تلك الرواية تحكي قصة حب تحفل ~~فيها مشاعر العاشقين - فضلا عن الجنون المبدئي لناديا - باكتشافات عارضة من أشياء ~~يومية. # لا شك أن السريالية كان لها نصيب من التصوير الفوتوغرافي «الفني» المعد له ~~مسبقا؛ ثمة مثال بارز لذلك، هو تجهيزات الاستوديو المبتكرة ل «مان راي» الدادائي ~~السابق بجماعة نيويورك - الذي انجذب إلى باريس، شأنه شأن ماكس إرنست - لحظة ميلاد ~~السريالية تحديدا؛ فقد جلب مان راي أثر مهارات الاستوديو الرائعة إلى صور مغرية ~~ومؤلفة تأليفا كلاسيكيا وشديدة الفيتشية لجسد المرأة (شكل # 4-3 ~~). كان التلاعب الصوري الفوتوغرافي أيضا يمارس على نطاق ~~واسع، ومرة أخرى نجد أن مان راي يمثل أهمية قصوى ب «صوره المساحية الضوئية»، التي ~~توضع فيها الأغراض على ورق فوتوغرافي في غرفة مظلمة، ويتم جمع الأغراض الجاري ~~تعريضها للضوء، بحيث تترك الأشكال «السلبية» بشكل شبحي في الخلفية؛ و«عمليات ~~التشميس» التي كان يتم فيها إضاءة الغرفة المظلمة لفترة وجيزة أثناء عملية التظهير؛ ~~مما يؤدي إلى ظهور هالة من الضوء تحيط بحدود الصور التي تم تصويرها. # امتد التلاعب الصوري أيضا إلى ~~عمليات كالتعريض المزدوج والتراكب أو مزج الصور السلبية بغية إنتاج صور مشقوقة ~~داخليا و«مزدوجة»، وقد اعتبرت مؤرخة الفن روزاليند كراوس هذه العمليات وأمثالها، ~~التي قام بها مان راي أو المصور الفرنسي موريس تابارد، مناسبة بشكل عجيب للسريالية؛ ~~من الواضح أنها توحي بأن الواقع الذي تسجله الطبيعة الميكانيكية للتصوير الفوتوغرافي ~~بشكل ms066 متكلف فيه غير مستقر في جوهره، بل هو مجموعة من الإشارات القابلة للتنقل، ~~شأنها شأن النص، وهذه النقطة قد تذكرنا مجددا بالأساس الشعري للجماليات ~~الدادائية/السريالية. ولكن، على الرغم من رأي كراوس، فإنه عندما يكون التصوير ~~الفوتوغرافي على أقل تقدير «متطفلا على الفن» بوعي ذاتي، كما ألمحنا آنفا، فلربما ~~يعتبر سرياليا على نحو أصيل. فبينما كان الرسم السريالي يبدو ممتثلا للتقاليد ~~بعض الشيء مقارنة بالكولاج والتجميع الصوري للدادائيين، فإن التصوير الفوتوغرافي ~~يتجلى باعتباره وسطا سرياليا «عفويا» بشكل بارز، وبينما كان للرسم السريالي إرث ~~محبط نسبيا، على الأقل في الدول الأوروبية التي نشأ فيها؛ حيث أنتج جحافل من ~~المقلدين وقليلا من الوارثين الفعليين، فقد كان بعض أبرز الشخصيات في عالم التصوير ~~الفوتوغرافي في منتصف القرن العشرين - وعلى رأسهم: هنري كارتييه-بريسون، وبراساي، وبيل ~~براندت، وأندريه كيرتيز - متأثرا قطعا بالسريالية. # الأعمال الفنية الجاهزة في مقابل الأغراض # ربما وجد الرسم بعض المعاناة عند مقارنته بالتصوير الفوتوغرافي داخل السريالية، ~~ولكنه صمد على الأقل. وفي المقابل، لعب فن النحت بمعناه التقليدي دورا متواضعا في ~~كل من الدادائية والسريالية، واغتصب مكانه ضرب جديد من الإنتاج الثلاثي الأبعاد؛ ~~ألا وهو الأغراض العادية المسبقة الصنع، ويعد مارسيل دوشامب وأعماله الفنية ~~الجاهزة نقطة الانطلاق التاريخية هنا. سبق أن ناقشنا أشهر هذه الأعمال، ألا وهو ~~«النافورة»، التي أنتجها في نيويورك عام 1917، لكنها لم تكن أول الأغراض المسبقة الصنع ~~(ومن ثم جاءت تسمية «الأعمال الجاهزة») التي ينسبها دوشامب لنفسه. كان ذاك الغرض هو ~~«دولاب الدراجة الهوائية» عام 1913، وقد أنتجه في باريس قبل انتقاله مباشرة إلى ~~أمريكا، وكان في الواقع مزيجا من غرضين: دولاب والشوكة الأمامية لدراجة هوائية ومقعد ~~خشبي. وقد وضع الدولاب والشوكة داخل المقعد رأسا على عقب لخلق «منحوتة» قابلة للحركة ~~على «قاعدة». # من الواضح مما ورد أعلاه أن اصطلاح النحت ملائم - وإن كان بشكل فيه مفارقة - ل ~~«دولاب الدراجة الهوائية». يسخر هذا الغرض خلسة من النحت التقليدي بقدر ما يطعن في ~~الشقاق الهرمي بين القاعدة والغرض المنحوت؛ فالمقعد يعتبر غرضا نفعيا ms067 شأنه شأن ~~الدولاب، ولذا فهناك مساواة بين العناصر الهيكلية للعمل الفني. لقد حرر دوشامب ~~الأغراض من البنى الهرمية للفن، وأعاد إضفاء طابع جمالي لها بشكل فيه مفارقة في ~~الوقت نفسه. وهذا الاستخدام للأغراض الحقيقية كي تحل محل الأشكال المنحوتة، قد ~~مثل بلا شك تحديا مهولا للتقليد، على الرغم من أن بيكاسو أدمج قماشا زيتيا ~~وحبلا في لوحته «حياة جامدة مع كرسي خيزران» عام 1912. وكما في التركيب الصوري ~~لدادائيي برلين، كانت هناك محاولة لتطهير الفن من مواده المألوفة، والانخراط ماديا ~~مع عالم الإنتاج الصناعي الواسع النطاق. # يحتمل أن أهم تحد يمثله العمل الفني «دولاب الدراجة الهوائية» كان على مستوى ~~التأليف. وشأنه شأن سلسلة الأعمال الفنية الجاهزة لدوشامب التي تلته، يطرح هذا العمل ~~سؤالا محوريا عن طبيعة الفن نفسها. إذا كان الفن، كما ذكر دوشامب من قبل، من ~~الناحية الاشتقاقية، يعني «أن يصنع المرء شيئا»؛ فقد برأ دوشامب نفسه بالكامل من ~~هذا الالتزام. # لم يحول دوشامب الأعمال الفنية الجاهزة إلى شكل من أشكال الاستفزاز المفاهيمي ~~إلا عام 1917، بعد نشر صورة «النافورة» (شكل # 1-2 ~~). قبل ذلك، ~~اختيرت الأغراض أغلب الظن على اعتبار أنها «لعب فلسفية» خاصة، وكما في حالة «دولاب ~~الدراجة الهوائية»، لم تكن الأعمال الفنية الجاهزة بضرورة الحال أغراضا فردية. وبحلول ~~أوائل العشرينيات - وربما لتسجيل الانشغالات الأدبية لجماعة الدادائية الباريسية ~~الوليدة - كان دوشامب بصدد إنتاج «أعمال فنية جاهزة مساعدة» مثل «الأرملة/النافذة الجديدة» # Fresh Widow ~~(1920)، وهي عبارة عن ~~زوج من النوافذ الفرنسية بمقاس مصغر نسبيا، يحوي مربعات من الجلد الأسود اللامع ~~بدلا من ألواحها الزجاجية. إن التفاعل بين العنوان والغرض مهم هنا؛ حيث يذكرنا ~~مجددا بالأساس اللفظي للجماليات الدادائية/السريالية؛ فعند لفظ كلمتي العنوان بصوت ~~عال بالإنجليزية، ينطمس الحرف الفاصل # n # بين الكلمتين، ~~فيستدعي مجموعة من التداعيات الحرة الانطلاق، بما في ذلك السادية- المازوخية. شارك ~~مان راي - وكان آنذاك واحدا من شركاء دادائية نيويورك المنسوبة لدوشامب - صديقه ~~دوشامب دعابته السوداء؛ فقد يكون عمله الفني «هدية» عام 1921 من حديد مسطح، عليه صف ~~من حبال الأشرعة ms068 البارزة بشكل عنيف من القاعدة الحديدية. إن التجميعات الدادائية على ~~مثل هذه الشاكلة شغلت مكانة أسطورية بين سرياليي باريس. # في عام 1924، كتب الزعيم السريالي بريتون مقالة مهمة تحت عنوان «مقدمة لخطاب عن قصور ~~الواقع»، وفيها ناقش بريتون كتابا غامضا صادفه في حلم من أحلامه: # كان ظهر الكتاب يحمل شكل عفريت خشبي، لحيته البيضاء المشذبة على الطريقة ~~الأشورية قد بلغت قدميه. كانت ثخانة التمثال عادية، لكنها لم تمنعني من ~~قلب الصفحات المصنوعة من قماش أسود ثقيل. # إن إيمانه بأن هذه الأغراض ينبغي نشرها وبثها من أجل «التشكيك» في «إبداعات ~~«العقل» ومنتجاته»؛ بشر بإنتاج «الأغراض الوظيفية رمزيا» داخل السريالية. وعلى ~~الرغم من ذلك، كان على مرحلة النشاط هذه أن تنتظر حتى عام 1931. # كان الحافز الفوري لتلك المرحلة منحوتة نحتها الفنان السويسري ألبرتو جياكوميتي، ~~وهو المثال التقليدي الوحيد الذي دار في مدار السريالية، واستقر في باريس عام 1922. ~~كان لعمله الفني «بدون عنوان (كرة معلقة)» عامي 1930 و1931 - وهو عبارة عن بناء غامض ~~علقت فيه كرة من الجص داخل هيكل قفصي الشكل، وثمة شق في محيطها السفلي يكشط ~~الحافة الحادة لهلال جصي موضوع أسفلها مباشرة - أثر مهول على الجماعة السريالية ~~عندما نشرت صورة له في دورية «السريالية في خدمة الثورة»، وامتدح بريتون تحديدا ~~هالتها التي تشي برغبة غير محققة. # إن موجة إنتاج الأغراض التي تبعت هذا الكشف الجماعي قد ولدت بعض أجمل أعمال ~~السريالية البصرية، وتفوق دالي على نفسه بمجموعة فتيشية معقدة وصفها على النحو التالي: # حذاء امرأة، وضعت داخله زجاجة من الحليب، في منتصف معجون لدن شكلا ~~ولونه أشبه بالبراز. تتكون الآلية من غمس قالب سكر رسمت عليه صورة ~~حذاء، بغية رؤية قالب السكر، ومن ثم صورة الحذاء وهي تذوب وتتفكك في ~~الحليب. # بعد فترة من الوقت، أنتجت الجماعة أغراضا أقل تعقيدا، لعل أشهرها «إفطار مغطى ~~بالفراء»، وهو عبارة عن كوب وصحن مغطيين بالفرو من إنتاج الفنانة السويسرية النشأة ~~ميريت أوبنهايم - وهي واحدة من النساء المعدودات اللائي لعبن دورا بارزا في هذه ~~المرحلة ms069 من السريالية - وكان هذا العمل عامل الجذب الأساسي بالمعرض الرئيسي للأغراض ~~السريالية بمعرض باريس لتشارلز راتون عام 1936. لكن هذا العمل الفني «إفطار مغطى ~~بالفراء» صار مألوفا أكثر من اللازم. ثمة عمل مهم آخر لأوبنهايم بعنوان «ممرضتي»، ~~ويستغل هذا العمل أيضا الأشياء المشهورة بفتيشيتها، ألا وهي الأحذية. من المثير ~~التفكر في السبل المختلفة التي يستخدم بها دالي وأوبنهايم تلك الأشياء، مع الوضع ~~في الاعتبار أنه على الرغم من أن علماء النفس بصفة عامة كانوا عازفين عن الإقرار بوجود ~~الفتيشية الأنثوية، فقد كانت تجميعات أوبنهايم تبدو وكأنها تنم عن النقيض. ذكرت ~~أوبنهايم ذات مرة أن الأحذية تستدعي لديها فكرة «الوركين المضغوطين معا في متعة»، في ~~إقرار متأخر منها ب «الجو الحسي» الذي كان ينضح من ممرضتها في طفولتها. لعلها تسخر من ~~قضية الفتيشية الأنثوية بأسرها هنا؛ فالفتيشية الأنثوية، إن وجدت، ترتكز على الوظيفة ~~النفسانية للفتيشية عند للرجال، والتي من المفترض أن تكون عادة مغايرة الجنس في أساسها. ~~لا شك أن غرض دالي يعزز هذه الفكرة، وبالتأكيد هناك ما يتجاوز التلميح إلى خيال ~~مثلي في تعليق أوبنهايم. يستطيع المرء بسهولة أن يرى الحذاء المربوط، الذي يلعب ~~أيضا دور ديك تبل على صحن، باعتباره يشكل شكلا من خيالات الاستعباد الجنسي ~~من ناحية الفنانة. # شكل 3-7: ميريت أوبنهايم، «ممرضتي»، صحن معدني، حذاء، رباط، وورق، ~~1936. # وإذا قمنا - بالعودة إلى التناقض بين الدادائية والسريالية - بمقارنة «ممرضتي» ~~لأوبنهايم بأحد الأعمال الفنية الجاهزة لدوشامب مثل «النافورة» (شكل # 1-2 ~~)، فسيتضح لنا أن عرض أوبنهايم السريالي يصر صراحة على محتواه ~~النفساني، بينما ينتظر العمل الفني الجاهز الدادائي في صمت تفسيرنا له. لقد فسرت ~~«النافورة» في واقع الأمر باعتبارها شكلا ثنائي الجنس، بانحناءاتها والفجوة الكائنة ~~في قاعدتها؛ حيث وشت بتحول «أنثوي» لوعاء «ذكوري» من وجه آخر. ومن قبيل ~~المفارقة، أنه على الرغم من الاعتقاد بأن الأعمال الفنية الجاهزة قابلة للاستخدام - لو ~~لم تكن مستخدمة مؤقتا باعتبارها شكلا من أشكال «الفن» - فإن الغرض السريالي يوضح ~~عدم جدواه كشيء ذي قيمة ممكنة. تهكم جورج ms070 باتاي، الذي كان ناقدا بارزا للنزعات ~~الرومانسية للسريالية في العشرينيات والثلاثينيات، ذات مرة على عقم الجماليات، ~~معلنا: «أتحدى أي عاشق للفن أن يعشق قماشا عشق الفتيشي للحذاء.» في هذا ~~السياق، يمكن النظر إلى «ممرضتي» على اعتبار أنها تخدم تحديدا الاحتياجات الفتيشية، ~~لا الاحتياجات الفنية. # ترسي هذه المقارنة فارقا واضحا بين الجماليات الدادائية والسريالية؛ فالأعمال ~~الفنية الجاهزة تعمل على هدم التمايز ما بين الفن واللافن، وهي تقر ضمنا بأن ~~الفن شيء يتم تحديثه وفق شروطه الخاصة فحسب. في المقابل، يتسق الغرض السريالي ~~مع تقاليد الفن، مهما تبدلت تلك التقاليد، بغية الوفاء بوظيفة تجريبية ~~جديدة. # وما من شيء يوضح الدور المحفز المتخيل للغرض السريالي بقوة أكبر من واقعة ~~اشتهر أندريه بريتون بروايتها في روايته «عشق جنوني» (1937)؛ إذ روى بريتون كيف أن ~~ألبرتو جياكومتي كان يواجه عثرة نفسانية واضحة فيما يتعلق بإنهاء رأس واحدة من ~~منحوتاته، عرفت لاحقا باسم «الغرض الخفي»؛ وقد وقع اختياره هو وبريتون على واحدة من ~~شبكات الصيد السريالية المألوفة في سوق للأغراض المستعملة بباريس، واكتشفا أنهما ~~منجذبان بلا سبب واضح إلى نصف قناع معدني عجيب أدركا لاحقا أنه قناع مبارزة. أدرك ~~جياكومتي لاحقا أن شكل الغرض يطرح حلا بشأن كيفية الانتهاء من رأس منحوتته. لا ~~يتحدث بريتون هنا كثيرا عن الغرض السريالي باعتباره شيئا أقرب إلى أحد أعمال دوشامب ~~الجاهزة، ألا وهو «الغرض المعثور عليه» الذي يتوافق بشكل غامض مع إملاءات «المصادفة ~~الموضوعية»، بل قصده أن الرغبات الدفينة في لا وعي جياكومتي هيأته فعليا للعثور ~~على الغرض. كان بريتون يرى الحب الرومانسي يعمل بطريقة مناظرة، لكن مهمة الغرض ~~السريالي كانت، نوعا ما، أن يجعل من مثل هذا البحث غير ضروري، وأن يخاطب رغباتنا ~~بشكل مباشر. ونظريا على الأقل، يعمل هذا الغرض على الانتقال بنا إلى ما وراء ~~الجماليات بالكامل. # الفيلم # بينما سعى الدادائيون إلى التشكيك في الفن أو إعادة تعريفه، وابتكروا أثناء ذلك - من ~~قبيل المفارقة - أشكالا فنية جديدة (مثل الأعمال الجاهزة)؛ أولى السرياليون ~~اهتماما أقل بالوسائط الفنية في ms071 حد ذاتها؛ حيث اقتنعوا بأن المحتوى الشعري سيجعل من ~~قضايا الشكل أمورا غير ذات صلة، وقد سعوا إلى المزج بين الفن والحياة بالمعنى ~~«الطليعي»، بالشكل المميز الذي تم تحديده في بداية الفصل الأول. # ومن سبل التأكيد على هذا التمايز الالتفات أخيرا إلى الطرق التي استغلت بها ~~الحركتان الفيلم السينمائي. كوسط لم يظهر على مسرح الأحداث إلا في عامي 1895 ~~و1896، عندما استعرض الأخوان لوميير اختراعهما، كان الفيلم، لا شك، «أحدث» وسيلة ~~إعلام وظفوها. وقد كانت الأفلام الدادائية التي أنتجها هانز ريشتر وفاكينج إيجلينج ~~في زيوريخ، أو رينيه كلير ومان راي في باريس، أو الأفلام السريالية لدالي وبونويل؛ ~~جزءا من موجة مهولة من التجريب السينمائي في العقود الأولى من القرن العشرين، ~~اعتمدت بشكل كبير على إنجازات حركات الفن الطليعي. # يتسم الفيلم الدادائي تحديدا بوعي ذاتي بخصوص طبيعته المادية كفيلم، وباهتمام بحمل ~~جمهوره على تقدير هذه الحقيقة. إن ريشتر الألماني المولد وإيجلينج السويدي المولد، ~~اللذين كانا عضوين متأخرين وثانويين نسبيا بجماعة دادائية زيوريخ، قد عملا معا ~~من أجل احتلال ريادة الأفلام التجريدية خلال الفترة بين عامي 1919 و1921. أنتج ~~إيجلينج، الذي وافته المنية عام 1925، بكد واجتهاد عملا كبيرا وحيدا، تحت ~~عنوان «السيمفونية القطرية»، استدعت فيه أشكال تجريدية أنماطا ونوتات ~~موسيقية. واستجاب عمل ريشتر بالمثل للموسيقى، لكنه كان أكثر ابتكارا من الناحية ~~البصرية؛ ففي عمله «الإيقاع 23» (1923)، على سبيل المثال، تمتزج سلسلة من الأشكال ~~المستطيلة معا، ثم ينفصل بعضها عن بعض؛ حيث تتمدد وتتراجع أثناء تلك العملية. # وكما في حالة الانقسامات الداخلية للدادائية عموما، تتناقض النزعات التجريدية لصناع ~~الأفلام في زيوريخ، الذين ستفضي بهم في نهاية المطاف إلى التحالف مع البنائية ~~العالمية، مع التأكيد الأكبر على المحتوى المناوئ للبرجوازية في الأفلام الدادائية ~~التي أنتجت في باريس. ربما كان أبرز تلك الأفلام - وهو فيلم «فاصل» لرينيه كلير عام ~~1924 - يستغل تقاليد السرد، لكن مسار أحداثه يكاد لا يكون «متصلا» على غرار أفلام ~~هوليوود المعاصرة الصامتة. تتعثر آثار السرد لفيلم كلير دوما بفعل اللقطات ذات ~~الزوايا ms072 الحادة للغاية، والصور المتراكبة والتصوير السينمائي البطيء والسريع. تم توظيف ~~تحرير المونتاج أيضا، وهو تقنية تنطوي على التجاور الصارخ بين اللقطات؛ بغية خلق ~~آثار شعورية أو فكرية قوية لدى المشاهد، ولكنها لا تتم على غرار الطريقة العقائدية ~~للأيديولوجيات الروسية المعاصرة لأفلام سيرجي آيزنشتاين على سبيل المثال. كانت المشاغل ~~السينمائية الرسمية لكلير مكبوتة دوما بسبب زميله فرانسيس بيكابيا. إبان تلك ~~الفترة، أمست الدادائية الباريسية منهكة تماما، وكان بريتون بصدد تدشين السريالية، ~~ومن ثم كان إسهام الدادائي السابق بيكابيا في الفيلم يتمثل في مقاطعة الأجزاء ~~التجريبية الصريحة لكلير بتتابعات هزلية حافلة بتوقير دادائي مبالغ فيه؛ على سبيل ~~المثال: ينتهي تتابع مطول شبه تجريدي، يتقاطع فيه بالتبادل انتفاخ تنورات راقصة ~~باليه أثناء دورانها، مع صور كالخطوط الهندسية للبنايات، عندما يكشف أن راقصة الباليه ~~هي في واقع الأمر رجل ملتح. # أنتج مان راي أيضا فيلما دادائيا مدته خمس دقائق في باريس العام السابق. كان فيلم ~~«العودة إلى المنطق» أكثر تقيدا بشكل رسمي من فيلم كلير وبيكابيا «فاصل»، لكنه لم ~~يكن أقل منه فوضوية؛ فقد بعثر الفنان أغراضا مثل الدبابيس ومسامير الخرائط على ~~السيلولويد، ثم عرضها على غرار ما فعله مع «صوره المساحية الضوئية» الفوتوغرافية، ~~وتجلت تلك اللقطات الثابتة في طباق مع غيرها من اللقطات التي عرضت فيها أشياء ~~مثل جذع امرأة ودوامة خيل خشبية وهي تدور ببطء. # تقاوم كل الأفلام الدادائية المذكورة ~~آنفا أي تدخل خيالي مباشر من المشاهد، لكن ثمة منطقا مختلفا تقوم عليه ~~المجموعة الصغيرة من الأفلام السريالية التي أنتجها خلال الفترة ما بين عامي 1927 ~~و1930 زوجان من المتعاونين: الكاتب الدرامي الفرنسي والشاعر أنطونين أرتو والمخرجة ~~جيرمان دولاك من ناحية، والفنان الإسباني سلفادور دالي والمخرج لويس بونويل من ناحية ~~أخرى. وفي تلك الأفلام، تستثير عناصر السرد والتأكيد على مشاعر الممثلين بحيوية ~~الانخراط النفساني للجمهور، ولو أن ذلك ما برح يعترض كثيرا من قبل صور مزعجة أو ~~صادمة أو تحرير المونتاج السريع المستلهم بالقدر نفسه من باستر كيتون في حالة بونويل، ~~وكذلك ms073 من الأسلاف الطليعيين. كان الفيلم الذي أخرجه للنور أرتو/دولاك «صدفة ورجل ~~دين» عام 1927 - وهو عبارة عن دراسة فرويدية للمنافسة الأوديبية بين رجل عجوز وآخر ~~شاب على امرأة غامضة - أول فيلم سريالي تحديدا، لكن الأجواء «الشعرية» الأكثر رقة ~~للفيلم طغت عليها العروض البصرية الصاخبة التي اتسمت بها أعمال دالي ~~وبونويل. # كان أول هذه الأعمال فيلم «كلب أندلسي»، ومدته 17 دقيقة، الذي تم تصويره في أسبوع ~~واحد في مارس 1929؛ أي قبل أن ينضم دالي مباشرة للسرياليين. في المشهد الافتتاحي ~~الشهير، يظهر رجل (بونويل نفسه) وهو يشحذ موساه إلى جوار نافذة، وبينما يراقب خيطا ~~من السحب يمرق من أمام القمر، إذا بالرجل يشق عين امرأة تجلس دون حراك إلى جواره ~~(والواقع أن العين لثور لا لامرأة) (شكل # 3-8 ~~). # فسرت هذه الافتتاحية بعدة طرق؛ فقد يكون إفقاد البصر هجوما مجازيا على رؤية ~~الجمهور، وبناء عليه يكون هجوما على التقاليد السينمائية بحد ذاتها، ويمكن أيضا أن ~~تفسر على اعتبار أنها «قطع» للفيلم ذاته. لكن مؤرخي الأفلام أمثال ليندا ويليامز ~~فسروا المشهد تفسيرا فرويديا باعتباره إزاحة رمزية لقلق الخصاء؛ قال بونويل ~~نفسه ذات مرة إن الطريقة الوحيدة لتفسير الفيلم هي التحليل النفساني، وتثبت ويليامز ~~وجهة نظر مقنعة بالإشارة إلى مشاهد أخرى في الفيلم حيث يستثار قلق الخصاء لدى ~~البطل عبر أجزاء مبتورة من الجسد. وفي واحد من تلك المشاهد، نتحرك عبر سلسلة ~~دراماتيكية من اللقطات المقربة المربكة من صورة ليد يحاصرها باب، وثمة جرح ~~شبيه بالندبة في كف اليد تتدفق منه أسراب من النمل؛ إلى صورة لامرأة من عل تلكز ~~يدا مبتورة بعصا. # شكل 3-8: لويس بونويل وسلفادور دالي، مشاهد من فيلم «كلب أندلسي»، ~~1929. # إذا كانت الصور الشبيهة بالحلم لفيلم «كلب أندلسي» تستدعي التفكيك عن طريق التحليل ~~النفساني، فسنجد أن الفيلم الثاني لدالي/بونويل - وهو بعنوان «العصر الذهبي»، وإنتاج ~~عام 1930 - يتعاطى بطريقة مباشرة أكثر مع العالم الواقعي، ولو أن صوره ليست أقل ~~ترويعا. شغل هذا الفيلم الشاغل، بأسلوب سريالي بشكل ملتزم، هو القمع الاجتماعي ~~للرغبة، ms074 خاصة كنتيجة للعقيدة الكاثوليكية. وتتألف ذروة الفيلم من عنوان داخلي ~~مطول يعلن عن الظهور الوشيك من قلعة سيليني للفجار الذين شاركوا في رواية ~~ماركيز دي ساد «أيام سدوم المائة والعشرون». وبينما يفتح باب القلعة، نرى أن أول ~~السدوميين هو المسيح نفسه. # إذا كان الفيلم الدادائي لفت الانتباه لذاته كفيلم، وعادة ما كان يضمر نية ~~هدامة، فالفيلم السريالي كانت غايته أن ينسي المشاهد الوسط الفني بغية ~~إحداث «تحول في الوعي». لقد كان إرث الدادائية فيما يتعلق بتاريخ الأفلام تقليدا ~~طليعيا أو «سريا»، بلغ ذروته في الأفلام التجريبية التي أخرجها في الخمسينيات ~~والستينيات صانعو أفلام أمثال ستان براكاج أو آندى وارهول. لكن كان للسريالية، من ~~ناحية أخرى، أثر أكبر على الأفلام السائدة حيث يكون الجمهور متأهبا للتحرر ~~الخيالي، وقد حظي بونويل نفسه بمشوار فني لاحق خصب جدا؛ حيث أنتج أفلاما ذات ~~حيثية ، بداية من «الملاك المبيد» (1962) وانتهاء ب «سحر البرجوازية الخفي» (1972)، ~~بينما استمر صناع الأفلام الدوليون البارزون في مد جذور الإمكانات السريالية ~~للوسط الإعلامي حتى يومنا هذا؛ ومن بين الشخصيات الرائدة هنا مخرج أفلام الرسوم ~~المتحركة التشيكي يان سفانكماير والأمريكي ديفيد لينش الذي يوضح فيلمه «طريق ~~مولهولاند» (2001) المدى الذي ترتقي به قيم الإنتاج الهوليوودي السخية بالآثار ~~السريالية بقوة. إن هؤلاء ممارسون «سرياليون» بوعي ذاتي منهم، لكن الأفلام السائدة ~~عموما، بتعطشها للتجاورات التي لا تفتأ تزداد إذهالا، استوعبت بلا عناء تقنيات ~~السريالية. # إن المصير التاريخي للأفلام الدادائية والسريالية يثبت نقطة أكثر شمولا حيال ~~جماليات الحركتين؛ ففي السريالية، كانت هناك نزعة للسماح للوسط الفيلمي بأن يؤدي ~~وظيفته «بشفافية»؛ أي بألا يتطفل بشكل موغل في الإصرار على التوقعات الجمالية ~~للمشاهد بغية إحداث تحول نفسي. كان هذا أسهل في الاستيعاب من طرف الثقافة ~~الجماهيرية، من إصرار الدادائية على تشويش متعة المشاهد وإنكارها عليه؛ في هذا الصدد، ~~يمكن للمرء الإشارة إلى الأثر المهول للسريالية على التصميم الجرافيكي والإعلانات حتى ~~يومنا هذا. يمكن الاستشهاد بالعديد من الحالات، بيد أن سلسلة إعلانات سجائر بنسون ~~وهيدجز السريالية بشكل عبثي، التي ms075 ظهرت في السبعينيات؛ تعد أمثلة ممتازة. وقد ~~لاحظ نقاد أمثال فريدريك جيمسون أن العبادة السريالية للرغبة، إضافة إلى ~~التقنيات البصرية المعززة للتعبير عن تلك الرغبة، تبناها نظام السوق بغية ~~تلبية «حالات الرضا الزائفة» للنزعة الاستهلاكية الرأسمالية؛ ويعود بنا ذلك نوعا ما ~~إلى سؤال طرح في المقدمة عن عجزنا عن أن تفصلنا أي مسافة حقيقة عن التبعات ~~الجمالية للسريالية. قد يكون من المغري أن نتكلم باستسلام هنا عن الطريقة التي ~~أخفقت بها حركتان فنيتان يساريتان بامتياز، إن شئنا الجمع بين الدادائية ~~والسريالية، في مقاومة استيعاب الرأسمالية لهما؛ ولكن هذا كفيل بمصادرة النتيجة قبل أن ~~ندرس بعناية الطموحات الثقافية والسياسية الأوسع نطاقا للدادائية والسريالية. كانت ~~تلك الطموحات، كما سيتجلى لنا، معادية بشكل عميق للقيم الرأسمالية، وهي أيضا ~~أنسب عدسات يمكن من خلالها النظر إلى فن هاتين المدرستين. # الفصل الرابع # | «من أنا؟» عقل أم روح أم جسد؟ # «كيف لأحد أن يعقد الآمال على تنظيم الفوضى التي تشكل هذا التنوع اللانهائي العديم ~~الشكل؛ الإنسان؟» طرح تريستان تزارا هذا السؤال عام 1918 في بيانه الدادائي، وفي المقابل، ~~بدأ أندريه بريتون روايته السريالية «ناديا» بالسؤال الأكثر تفاؤلا، ولكن الأكثر إثارة ~~للقلق، ألا وهو: «من أنا؟» كانت الأسئلة المتعلقة بالهوية، أو بطبيعة الوعي أو ~~بالعلاقات بين العقل والجسد، محورية للدادائية والسريالية، وأساسية أيضا للخلافات ~~بينهما. أود فيما يلي أن أبحث كيف ظهرت هذه الأسئلة في كتابات الحركتين وفنهما، وكيف أن ~~تلك الأسئلة تسلط الضوء على بعض النقاشات الأكثر إثارة بين المنظرين والفنانين ~~المعنيين. إذا كانت كلتا الحركتين تعتنقان أسبقية اللاعقلاني على العقلاني، فكيف ~~تخيلتا اللاعقلاني؟ إذا استوجب أمر السعي وراء اللاعقلانية، فكيف خالف ذلك ~~القيم البشرية التقليدية؟ وإلى أي حد كان البرنامج المناوئ للبشرية مرغوبا؟ كانت ~~الدادائية والسريالية على حد سواء معارضتين للعقيدة الدينية التقليدية، ويرجع ذلك أساسا ~~إلى أن الكثير من أتباع الحركتين نشئوا تنشئة أخلاقية بشكل خانق. ولكن، كيف استطاعوا أن ~~يضعفوا ازدواجية العقل-الجسد المتوطنة في الفكر الغربي؟ # استندت بدائلهما، كما سنرى لاحقا، إلى العديد ms076 من الأنظمة الفلسفية والعقائد التي كثيرا ~~ما ترتبط بفكر غامض أو مستغلق. وإذ عارضوا النظرة المتشككة لليهودية والمسيحية إلى الجسد، ~~فقد انجذبوا إلى وجهة نظر احتفائية بكل ما هو جسدي وشبقي. # حتما كانت وجهات النظر هذه تحمل في طياتها ثقلها الأيديولوجي، وسيتجلى ذلك الموضوع ~~أثناء المناقشة. # اللاعقلانية: أنصار فرويد ومعارضوه # أعلن تريستان تزارا في بيانه الدادائي عام 1918 أن: «المنطق دوما زائف؛ فهو يستقطب ~~سلاسل المفاهيم والكلمات السطحية نحو استنتاجات وبؤر وهمية.» وإذ كان تزارا على قناعة ~~بأن أي نظام شمولي للفكر إنما هو متحيز في جوهره، فهو يفضل - شأنه شأن الدادائيين ~~عموما - أن يستقر رأيه على تبني النسبوية التامة: # إذا صحت: # مثالي، مثالي، مثالي # معرفة، معرفة، معرفة، # بوم بوم، بوم بوم، بوم بوم # أكون قد سجلت بدقة لا بأس بها التقدم والقانون والأخلاق ... # لكي أقول، في نهاية المطاف ... إن الجميع رقصوا بحسب إيقاعهم الخاص ... # تعزى النسبوية في جزء منها إلى تأثير الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي أثر ~~تقريبا في جميع المنظرين الأساسيين للدادائية. إن تفسير نيتشه للطبيعة البشرية ~~باعتبارها شيئا يحكمه اللاعقلاني، وخاصة البواعث الأنوية؛ كان نقطة مرجعية مشتركة ~~بينهم، وكذلك كان فكر الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، الذي أكد في كتب مثل «التطور ~~الإبداعي» (1907) على أسبقية الحدس في فهم طبيعة الواقع. ثمة رمز آخر مشترك تحمسوا ~~له؛ ألا وهو الشاعر الفرنسي رامبو الذي نادت وثيقته «رسالة الرائي» عام 1871 ~~«بالإرباك المنظم الطويل الأجل لكل الحواس»، كي يتحول الشاعر الحديث إلى ~~«متفرج». # وبخلاف تلك الشخصيات المحورية، من المفيد أن نميز ما بين المصادر الألمانية ~~والفرنسية الدادائية للمذهب اللاعقلاني. وفر فكر نيتشه وبرجسون توجيها ~~نفسيا-لوجستيا، لكن المذهب الفرويدي هو الذي أكد بشكل حاسم الأساس اللاعقلاني ~~للحافز البشري في السنوات الأولى للقرن العشرين؛ حيث شدد على الطبيعة الممزقة ~~داخليا لعلم النفس البشرية والأهمية الشكلية للجنسانية في التطور البشري. لا شك أن ~~أعضاء جماعات الدادائية الألمانية قرءوا كتابات فرويد في فترة مبكرة نسبيا (ظهر كتاب ~~«تفسير الأحلام» أصلا بالألمانية عام 1900)، ولكن، كما ذكرنا آنفا، ms077 كان أعضاء تلك ~~الجماعات يشككون عموما في المضمون «البرجوازي» لفكر فرويد؛ حيث شعروا أن أهدافه ~~العلاجية تساعد على تكيف الإنسان مع وضعه الاجتماعي، وكان ماكس إرنست في كولونيا ~~استثناء مهما لهذه القاعدة. ولكن، مال دادائيو برلين تحديدا إلى التعاطف بقدر ~~أكبر مع «الفرويديين المناوئين لفرويد» اليساريين أمثال الكاتب أوتو جروس، وكما أوضح ~~ريتشارد شيبارد، فإن نقد جروس النفساني للمغالاة في تقدير العقلانية والكبت الخطير ~~للعناصر اللاعقلانية للشخصية؛ كان ملائما للبرلينيين في مواجهة عنف الشارع اليومي. وقد ~~ساعدتهم أيضا على تركيز معارضتهم البلاغة الواهنة «للروح» التي تبناها الكتاب ~~التعبيريون اليساريون، أمثال لودفيج روبينر، في مواجهة التمزقات الجارية في اليسار ~~الألماني. ومن المنطلق نفسه، كانت أفكار ألفرد أدلر زميل فرويد - الذي رأى أن البشر ~~مدفوعون «بنزعة السيطرة والتحكم» النيتشوية، وشعر بأن ثمة تقديرا مبالغا فيه للمبدأ ~~الذكوري مستقرا في صلب الاضطراب الحديث - أنسب بكثير للدادائيين في برلين، في ظل ~~قبولهم العنيد للتعايش بين النزعات الهدامة والتأكيدية في الطبيعة البشرية. # في المقابل، كان المناخ في باريس أكثر مواءمة للفرويدية التقليدية. لقد ناقشت ~~تناول دادائيي باريس لفرويد، مؤكدا على أن بريتون تعرف على أفكاره كجزء من تدريبه ~~الطبي (وكان تأهيل لويس أراجون مطابقا لبريتون فعليا)، وأن فرويد هيمن رمزيا ~~على «البيان السريالي الأول». لا شك أن فرويد كان أكثر جاذبية لبريتون من نيتشه؛ خاصة ~~أن تأكيد نيتشه، بمرور عشرينيات القرن العشرين، على «الرغبة في السيطرة والتحكم» ~~الفردية، لم يتفق مع الالتزامات الماركسية المتزايدة لبريتون. وعلى الرغم من ذلك، لا ~~ينبغي الإفراط في التأكيد على أهمية فرويد للسريالية المبكرة. لقد كان بريتون أساسا ~~على دراية بفرويد من خلال الملخصات التفسيرية للعالمين النفسانيين الفرنسيين ~~إيمانويل ريجيس وأنجلو هيسنارد، وكان على دراية أكبر بعلماء الأعصاب الفرنسيين أمثال ~~جوزيف بابينسكي. كانت أعمال فرويد قد بدأت ترجمتها تدريجيا إلى الفرنسية آنذاك، ومن ~~أوائل الأعمال التي ظهرت عام 1922 «علم أمراض النفس في الحياة اليومية». ويمكن ~~الاستدلال بقوة على انضمام ماكس إرنست إلى السريالية ذاك العام، باعتباره محفزا ~~للمعرفة العميقة، ms078 بتفاصيل دراسات حالات فرويد؛ فقد قرأ إرنست أعمال فرويد منذ عام 1911 ~~عندما درس علم النفس كجزء من درجته العلمية في جامعة بون، وخلال العامين 1922 و1923 - ~~باعتباره سرياليا - رسم إرنست العديد من الأعمال المهمة استنادا لمعرفته تلك، ~~وتعتبر لوحته «الرأفة/الثورة ليلا» (شكل # 1-3 ~~)، بعنوانها البديل ~~الذي يضم المشروع الثوري للسريالية وتأكيد فرويد على الأحلام؛ مثالا يعضد هذه ~~الفكرة. # ولكن، لم الإشارة إلى «الرأفة»؟ في دراسة الأيقونات المسيحية التقليدية تمثل ~~«الرأفة» صورة للسيدة مريم العذراء، وهي تحمل المسيح الميت بين ذراعيها، ولكن يبدو ~~هنا أن لدينا شكلا من «الرأفة» المعكوسة التي يظهر فيها أب، بدلا من الأم، يحمل ~~ابنه. واستنادا إلى الكثير من الأدلة، وأبرزها شاربه، يجوز في واقع الأمر تحديد هوية ~~«الأب» الموجود بالصورة على اعتبار أنه فيليب، والد إرنست نفسه. ذات مرة في طفولة ~~إرنست، رسم فيليب الأب - الذي كان معلما كاثوليكيا تقيا جدا ورساما هاويا ~~- ابنه على هيئة المسيح في مهده، ويمكننا استنادا إلى هذه الواقعة افتراض أن الشخص ~~الذي يمسك به يمثل ماكس إرنست/المسيح؛ وبالنظر إلى منطق الرأفة المعكوس، تستدعي ~~صورة فيليب بشكل تجديفي الإله الأب؛ وبالنظر إلى أن الابن قد تحجر، حيث رسم ~~وجهه وكفاه باللون الرمادي، فالمعنى الضمني ينم عن أن الأب أحال ابنه إلى ~~حجر. # كل ذلك يوحي بقوة بأن إرنست أخذ الآليات الأساسية «لأبحاث الأحلام» الفرويدية - لا ~~سيما عمليتي «الإزاحة» و«التكثيف» اللتين يتم بموجبهما ترميز رغبات ومخاوف الحالم ~~في «المحتوى الواضح» للحلم - كوسيلة يستطيع بواسطتها أن يمد نفسه بسيرة نفسية عجيبة، ~~جامعا عناصر من سيرته الذاتية وجوانب من الأيقونات المسيحية معا. ويبدو أن نقطته ~~المرجعية الكلية هي حجر الزاوية لرواية فرويد للتجربة الجنسية الطفولية، ألا وهي عقدة ~~أوديب، المستندة إلى الخيال اللاواعي للطفل الذكر المتعلق بمنافسته لأبيه على حب ~~الأم، والعقاب العنيف (المؤدي إلى الإخصاء) الذي يترتب على ذلك؛ ولذا «فالمحتوى ~~الكامن» للوحة يمكن تفسيره على أن الوالد انتقم من الابن لانتهاكه الممثل في زنا ~~المحارم. وبالطبع، لم يكن إرنست بصدد إعادة ms079 بناء واحد من أحلامه الخاصة، بل كان بصدد ~~إنتاج شكل من أشكال التحليل الذاتي. # ولكن يجب أن نتوخى الحذر من الوصول على عجل إلى تفسير محدود؛ فتفسير لوحة ~~«الرأفة» لا يقل صعوبة عن التعامل مع «عقدة أوديب معكوسة» التي قد تنطوي على تعلق ~~مثلي الجنس بدائي بالأب، وفي لوحات إرنست خلال تلك الفترة، مثل «لن نعرف شيئا عن ~~هؤلاء الرجال»، عمل المزيد من النقاط المرجعية المستترة مثل الخيمياء بشكل معارض ~~للتحليل النفساني. وعلى الرغم من أن مؤرخي الفن بذلوا جهودا ليجدوا أفكارا فرويدية ~~مثل «الخارق للطبيعة» متفشية داخل السريالية، فلربما كان فنان مثل إرنست أكثر ~~سخرية بكثير حيال الفرويدية مما توحي به المخططات التأويلية الجادة. لا شك أن ~~فرويدية إرنست كانت سابقة بالنسبة إلى السرياليين الآخرين، ولكنهم نادرا ما التزموا ~~التزاما حرفيا بفرويد، ربما باستثناء دالي. إن الترجمة الفرنسية الصادرة عام 1930 ~~لكتاب «النكات وعلاقتها باللاوعي» للمحلل النفساني، ربما وجدت لنفسها، على سبيل المثال، ~~صدى في ولع السرياليين خلال تلك الفترة بالكوميديا السوداء، ولكن في عام 1928 كان لويس ~~أراجون يسخر صراحة من شهرة فرويد في فرنسا، زاعما في «أطروحة عن الأسلوب» أن ~~الرواية الرومانسية «بول وفرجينيا»، الصادرة في القرن التاسع عشر، «يمكن قبولها جوازا ~~باعتبارها كتابا جديدا مذهلا في يومنا هذا، على شرط أن تدلي فرجينيا بالقليل من ~~التعليقات عن الموز، وأن يخلع بول بغير عمد منه ضرسا بين الحين والآخر.» كان فرويد ~~بدوره مشككا في السريالية؛ فعندما طلب إليه بريتون عام 1937 المساهمة في تجميعة ~~لروايات بعض الأحلام، رفض؛ استنادا إلى أن النسخ المباشر للحلم من دون تداعيات ~~المريض لا مغزى له بالنسبة إلى فرويد. كما كانت الاهتمامات الشعرية للسرياليين مختلفة ~~تماما عن المشاغل الفعلية للتحليل النفساني. # ثمة سؤال أكثر شمولا يتعلق بالمكانة الكلية للاوعي بوصفه نموذجا للسرياليين، وهو: ~~بم يشي اللاوعي عن الطبيعة البشرية إجمالا؟ إن فكرة اللاوعي تفترض مسبقا أن الإنسان ~~محكوم ب «آخر» باطني، وإلى حد ما، أضفى السرياليون على هذه الفكرة طابعا رومانسيا ~~ممثلا ms080 في ذات داخلية تيهية وربما متضاربة. بحسب التقليد الرومانسي، قام ~~السرياليون بتأسيس جماعة للجنون؛ إذ كان بريتون جامعا نهما لأعمال الفنانين ~~المضطربين عقليا أمثال جوزيف كريبين وهيكتور هيبولي، وعزز إرنست مجددا من ~~السريالية البصرية؛ إذ جلب نسخة من كتاب هانز برينزورن «فنية المرضى العقليين» إلى ~~باريس عام 1922 كهدية لصديقه بول إيلوار. وفي عام 1930، في نص مشترك تحت عنوان ~~«الممتلكات»، حاول بريتون وإيلوار محاكاة حالات الذهان. ولكن السرياليين لم ~~يحسنوا التكيف مع الجنون عندما اقتربوا منه أكثر من اللازم؛ فلم يفعل أحد سوى القليل ~~لمساعدة ناديا، ملهمة رواية بريتون الأولى، بعد أن استسلمت للجنون الذي أسرت ~~أماراته «الشعرية» المبكرة الكاتب. وبالمثل، يبدو أن بريتون فقد رباطة جأشه بسبب ~~حالة أنطونين أرتو؛ فهذا الشاعر اللاذع والمنظر اللاحق ل «مسرح القسوة» لفترة ~~وجيزة، تولى مسئولية «مكتب الأبحاث السريالية» القصير الأجل عام 1925، لكنه هو ~~وبريتون تشاجرا؛ حيث أمسى واضحا أن مفهوم أرتو وبريتون للثورة مختلفان اختلافا ~~عميقا؛ فبالنسبة إلى بريتون، كانت الثورة في جوهرها موقفا فكريا، أما بالنسبة إلى ~~أرتو، فقد كانت تتطلب استسلاما عميقا ومفجعا للجنون، وعندما أمسى مجنونا في ~~نهاية المطاف، لم يساعده بريتون إلا قليلا. # على الرغم من أنه قد ثبت أن السرياليين ليسوا أهلا لمخاطر الانغماس الفعلي في ~~اللاوعي، فقد كان ارتباطهم النظري باللاوعي يعني أنهم كانوا في موقف مناسب يؤهلهم ~~لإجراء تشريح للعادات والأعراف البرجوازية، لا سيما ما يتعلق بالجنسانية. وسيعنينا ~~المدى الذي استطاعوا به التغلب على فرضياتهم البرجوازية الخاصة بينما نتابع نقاشنا، ~~ولكن سنضطر على الأرجح إلى الاتفاق مع أنصار الدادائية في التأكيد على أن تكيفا ~~اجتماعيا من نوع خاص يستتر حتما وراء فهم بريتون للاوعي. لقد كان اللاوعي باعتباره ~~مكانا تتحقق فيه الرغبات - في طباق جدلي مع أوجه قصور الوجود اليومي - بالنسبة إلى ~~بريتون؛ دربا يفضي إلى تجربة حياتية متغيرة نوعيا. وفي الوقت نفسه، شعر بريتون ~~بأن الحياة اليومية ينبغي أن تتغير استنادا إلى نموذج ماركسي. ومن وجهة نظر كثير من ~~الدادائيين، فإن إيمانه بوجود عقد ms081 جدلي جديد بين الوعي واللاوعي، يرسخ بفعل فلسفة ~~إنسانية شكوكية نوعا ما. وعلى النقيض من ذلك، دعمت الدادائية توجهات الفلسفة ~~اللاإنسانية. # النزعة اللاإنسانية # من بين الفكر المحورية للدادائية في برلين ونيويورك فكرة الإنسان بوصفه آلة؛ ~~فلما شعر الفنانون الدادائيون بأن البشرية ألقت نفسها بشكل حاسم في أحضان الميكنة، ~~طوروا في كلتا المدينتين أيقونات شديدة التعقيد والرقي ل «المتحولات الميكانيكية»، ~~وهي أشكال هجينة تجمع بين الإنسان والآلة. وفي برلين، وتحديدا في مايو عام 1920، أنتج ~~جورج جروتس لوحته داوم تتزوج ... (شكل # 2-9 ~~)، التي أومأت إلى زواجه ~~الحديث. وإذ صور جروتس عروسه الجديدة داوم (وهو الاسم الذي استحدثه بعد أن عكس لقبها ~~«مود» بالألمانية) جهة اليسار من اللوحة، ورسم نفسه جهة اليمين على شكل إنسان آلي، ~~ارتقت لوحة جروتس، بحسب فيلاند هيرتسفيلده، إلى هجوم على الزواج بوصفه مؤسسة ~~برجوازية؛ فالزواج بحسب هيرتسفيلده «يحيل الرجل دائما وأبدا إلى مكون ثابت من ~~مكوناته ، وترس صغير داخل نظام أكبر من العجلات والتروس»، بحيث إن الرجل، «يتعاطى ~~مهام أخرى رصينة ودقيقة جدا وتقتضي براعة شديدة»، بينما تتحرر المرأة ويطلق لها ~~العنان. يجوز القول بأن هذا الحكم متداخل مع فكرة معاداة المرأة، لكنه ينم عن مدى فهم ~~الدادائيين للميكنة باعتبارها متفشية في كل شيء. ومن اللافت للنظر أن أيقنة الزواج كانت ~~متفشية في الدادائية؛ ففي عام 1919، أنتجت دادائية برلينية أخرى تدعى هانا هوخ ~~لوحة طبعت فيها رؤية أنثوية للفكرة نفسها؛ حيث رسمت زوجين مكبلين بأدوات ~~حديثة (شكل # 3-4 ~~). وفي ~~نيويورك آنذاك، كان مارسيل دوشامب يعكف بكد واجتهاد على بيانه الحاسم عن اقتران الإنسان ~~والآلة، ممثلا في لوحته «عروس جردها عزابها من ثيابها». وكما ذكرنا آنفا، فإن هذا ~~العمل الفني المعقد الذي تم تنفيذه على الزجاج، يضع «عروسا» طافية بالأعلى قبالة ~~«عزابها» المكبلين بالأرض بالأسفل، والعروس وأزواجها على حد سواء مرسومون على هيئة ~~آلات. وعلى غرار تفسير هيرتسفيلده لجروتس، تحتفظ العروس لنفسها ببعض الاستقلال، بينما ~~ينظر إلى العزاب باعتبارهم قشورا استمنائية. # أيا كانت المواقف من مؤسسة الزواج الواردة هنا، ms082 فمن الواضح أن الحب العاطفي، في عمل ~~دوشامب تحديدا، يختزل في هيئة عملية ميكانيكية؛ فالجسد البشري يتخذ وضعية آلة ليس ~~لها أي علاقة طبيعية بالروح أو العقل. على أحد المستويات، يمكننا أن نرى شبح الفيلسوف ~~الفرنسي ديكارت يقبع وراء كل ذلك؛ إن الازدواجية الديكارتية التي شكلت المقدمة ~~الفلسفية الأساسية للمنهج العلمي الحديث أكدت على أن العقل، كمادة تفكير، متحرر من ~~الجسد؛ مما دعا البعض - أمثال لامتري - إلى النظر إلى الجسد بوصفه آلية محضة. يحتمل إذن ~~أن الدادائيين كانوا متمسكين بوجهة النظر الديكارتية، ولو أنها كانت ممزوجة بمسحة من ~~السخرية اللاذعة؛ على سبيل المثال: أنتج فرانسيس بيكابيا، حليف دادائية نيويورك ~~المنسوبة لدوشامب، بعض الأعمال الفنية كردود أفعال ساخرة جدا تجاه الجنسانية، وعلى ~~رأسها «صورة فتاة أمريكية صغيرة في حالة عري» عام 1915 (شكل # 2-7 ~~)؛ ~~حيث ساوى بين الوفرة الجنسية للأنثى وعمليات شمعة الإشعال. # تتحدث أغلب أعمال بيكابيا إبان تلك الفترة عن ريبة لا إنسانية في جوهرها في ~~الروحانية، وفي الشعور الداخلي الدفين، وشاركه مواقفه تلك إلى حد ما دادائيو ~~برلين؛ فقفد أكد مثلا راءول هاوسمن على أن «الدادائية هي الغياب الكامل لما يعرف ~~بالروح؛ لم يكون لدينا روح في عالم تسير مجرياته ميكانيكيا؟» ولكن من المهم أن ندرك ~~أن خطاب التعبيريين عن صراع روح الإنسان الحديث مع الآلة هو الذي كان محط نقد ~~هاوسمن. وحقيقة الأمر أن دادائيي برلين عموما تبنوا مفهوما أكثر إيجابية تجاه ~~الآلة مقارنة بجماعة نيويورك؛ حيث تصوروا أن الجانب الجمالي الميكانيكي وسيلة ~~للفت في عضد الفردية ومناصرة الجماعية. لقد سعوا إلى مادية قوية وتحاشوا ~~الابتذالات البشرية، ولكنهم، ربما فيما خلا جروتس، لم يؤيدوا بأي حال من الأحوال ~~ازدواجية العقل-الجسد بالطريقة التي بدا أن النيويوركيين، ولو بسخرية لاذعة، ~~يؤيدونها بها. وكما سنرى لاحقا، مال الدادائيون الناطقون بالألمانية عادة - في زيوريخ ~~وفي برلين على حد سواء - إلى موقف فلسفي وحداني ذي مسحة صوفية، التأمت بموجبه ~~ازدواجيات كالجسد والروح في وحدة تناقضية. وفي هذا الصدد، لو لم يكن فكر أندريه ms083 بريتون ~~مشبعا بالمثالية بشدة هكذا، لانسجموا مع مفهومه للسريالية. ولكن، ماذا تعني ~~«المثالية» تحديدا هنا؟ لنرجع إلى السريالية. # في «البيان الثاني للسريالية» عام 1929، أكد بريتون على أن: «كل شيء يجنح بنا إلى ~~الإيمان بأن هناك نقطة محددة في العقل يتعطل فيها النظر إلى الحياة والموت والواقع ~~والخيال والماضي والمستقبل ... باعتبارها متناقضات.» يساعد هذا الاقتباس جزئيا على ~~إضافة مغزى للبادئة # Sur # في كلمة «السريالية» # Surrealism # فيما يختص بنبرتها المتسامية، لكنها ~~لافتة للانتباه إلى أقصى حد كمؤشر على الالتزام الجوهري لبريتون تجاه الجدلية ~~الهيليجية. لقد احتك بريتون لأول مرة بفكر الفيلسوف الألماني في أوائل القرن التاسع ~~عشر حوالي عام 1912، واعترف لاحقا بأنه «استنبط» معناه بديهيا إلى حد كبير. ~~جوهريا، أفاد فكر هيجل بريتون فيما يتعلق بالتوفيق بين تأكيده الأولي على استكشاف ~~اللاوعي من ناحية، وبين التزامه بالتغيير في العالم المادي الذي صاحب ولاءه، وولاء ~~السريالية، للشيوعية بعد عام 1926، من ناحية أخرى. لقد كان القالب المثالي لفكر هيجل ~~الأكثر أهمية وحيثية على الإطلاق. في الفلسفة التجريدية بشكل معقد لهيجل، يتعرف ~~العقل على نفسه، أو الروح على نفسها، من خلال سلسلة تدريجية من التوليفات الجدلية. ~~وبالنسبة إلى بريتون، تعمل الصورة السريالية بالمثل عبر التصادم بين مصطلحات متضاربة ~~بغية إنتاج وحدة جديدة «أعلى». # لقد كان بريتون مثاليا من حيث تأييده للوعي الذاتي للعقل في علاقته الجدلية ~~بالمادة، ولكن هل أفضى هذا أيضا بشكل منطقي إلى الإنسانية الليبرالية المستترة التي ~~كان يمكن أن يراها كثير من الدادائيين مرفوضة؟ لا تنبع الإجابة عن هذا السؤال من ~~الدادائيين أنفسهم، ولكن من أكثر محاربي بريتون الفكريين حدة، وهو جورج ~~باتاي. # كما ذكرنا آنفا، لم يكن باتاي قط جزءا من جماعة السريالية، لكنه كان الناطق ~~باسمها وسوطها؛ فبعد أن نبذ بريتون الكثير من أعضاء الجماعة عام 1929 - وأبرزهم ~~ميشيل ليريس وأندريه ماسون وروبرت ديسنوس - دان كثير منهم بالولاء إلى دورية باتاي ~~«وثائق». من عدة أوجه، كانت لدورية «وثائق» التي نشرت خلال عامي 1929 و1930 هالة ~~«علمية» شبيهة بالدوريات السريالية، لكن ms084 مقالاتها شبه الأكاديمية ركزت بقدر أكبر ~~على قضايا كالأعراق البشرية وعلم الآثار ومعارضة موسيقى الجاز وغيرها من جوانب الثقافة ~~الشعبية. والأهم من كل ذلك، بالنظر إلى النقاش الحالي، أن ثمة هجوما شنته صفحات ~~تلك الدورية، في كتابات باتاي تحديدا، على الفرضيات المثالية المسبقة لتفكير بريتون، ~~وأحيانا كان هذا الهجوم مجازيا لا مباشرا. في المقالة الكثيرة الاقتباس «الإصبع ~~الكبير»، قيل إن الإصبع الكبير جزء من تكوين الإنسان، وإنه يفصله ويميزه عن السعدان ~~القريب الشبه بالإنسان، وهو أيضا الجزء الذي يمكن الإنسان من الوقوف منتصبا، ~~فينصب عقله على أشياء أسمى. لكن الإنسان، بحسب رأي باتاي، يعتبر الإصبع «المغروس في ~~الطين» شيئا حقيرا وخسيسا، وأكد أن الأقدام لا يقيم لها أحد وزنا بالقدر ~~الكافي سوى الفتيشيين عشاق الرمز؛ ولذا، فإن باتاي يبحث عن قلب للقيم التي ~~ستشكل، في كتابات أخرى، دعوة للاحتفاء بالجوانب الخسيسة للطبيعة البشرية في مقابل ~~مراوغات المثالية. # وأهم على الإطلاق، هو أن باتاي يرى أن مفهوم بريتون للسريالية مقيد بمفاهيم ~~«الذوق» والجانب الجمالي، على الرغم من الادعاءات التي تم الإعراب عنها في «البيان ~~السريالي الأول»، فيما يختص بالإطاحة بعرش الأخلاق التقليدية. في مقالة تحت عنوان ~~«انحرافات الطبيعة» نشرت في دورية «وثائق»، العدد الثاني (1930)، انصب تركيز باتاي ~~على افتنان البشرية ب «فلتات» الطبيعة مثل التوائم السيامية، ويمكن قراءة النص في حقيقة ~~الأمر على اعتباره تعليقا مستترا على الشعار الإنساني للخنثى؛ ألا وهو المزج بين ~~الذكر والأنثى الشائع في المجازات الخيميائية التي انجذب إليها، كما سنرى لاحقا، ~~السرياليون البريتونيون. وبالإلماح للخنثى، ولو بشكل غير مباشر، كمثال آخر لتوليفة ~~مثالية، تناول باتاي بإسهاب الأحداث الطبيعية التي لا يسفر فيها اقتران إنسانين ~~عن شيء مثالي، بل عن شيء وحشي قبيح. في شتى أعداد دورية «وثائق»، نجد تلاعبا دائما ~~بفكرة القبيح كوسيلة لمجابهة المثالي وإبطال أثره بمادية فظة؛ على سبيل المثال: كصور ~~إيضاحية لمقالة حول الأقنعة بقلم جورج ليمبور، يؤكد فيها على أن المرادفات الغربية ~~الوحيدة للقوة الشعائرية للأقنعة المحيطية القبلية هي أغراض مثل أقنعة ms085 الغاز؛ نجد ~~مجموعة مدهشة من الصور الفوتوغرافية لأقنعة الكرنفالات للمصور جيه إيه بويفارد. وإذ ~~يفترض أن واحدا من تلك الأقنعة يوحي بالبهجة والبشاشة، يبدو ذاك القناع لأول وهلة ~~وكأن عينيه احترقتا تماما. # شكل 4-1: جيه إيه بويفارد، «قناع الكرنفال»، صورة فوتوغرافية مستنسخة في دورية ~~«وثائق»، العدد الثاني (باريس، 1930). # في عام 1929، كان هناك صدام مباشر بين بريتون وباتاي؛ إذ استند بريتون إلى أحدث جنود ~~السريالية، وهو سلفادور دالي، كي يمنع باتاي من إعادة استنساخ لوحته الرئيسية ذاك العام ~~«لعبة الحداد» إلى جانب تأويل لها كتبه باتاي لصالح دورية «وثائق». كان على باتاي ~~أن يرضى برسم تخطيطي للصورة، لكن تعليقه - الذي انصب على مخاوف الاستمناء والإخصاء ~~المميزة لرسوم دالي - يكشف كم كان دالي، بمواطن هوسه المعلنة بالاستمناء ~~والبراز والتعفن، فنانا باتاييا مثاليا. ويبدو أن بريتون تغافل عن الجوانب ~~«المضطربة» حقا لأعمال دالي، ولو أنه لم يتوان، إبان تلك الفترة تقريبا، عن ~~الاعتراض على الطبيعة الخسيسة لسريالية أنطونين آرتو . وعلى الرغم من أن باتاي ربما زعم، ~~عن حق، انتساب دالي إليه، فإن الأخير ظل إلى حين ضمن معسكر بريتون. قرر فنانون ~~آخرون أن يهجروا معسكر بريتون بشكل حاسم بصورة أو أخرى، ومن بين هؤلاء أندريه ماسون ~~الذي كان نزوعه تجاه فكر نيتشه والصور المجازية العنيفة، في أعمال مثل رسوم «المذبحة» ~~عام 1933 التي صورت رجالا ينحرون نساء، أكثر مما يتحمله بريتون. # ربما بدا أن نقد باتاي اللاإنساني لبريتون له صدى في نقد الدادائية ل «بابا» ~~السريالية، لكن موقف باتاي لم يكن متطابقا مع الدادائية؛ ففي سنواته اللاحقة، بدا أن ~~باتاي في واقع الأمر أقرب بكثير إلى السريالية مما كان عليه خلال فترة العشرينيات ~~التي اتسمت بالاندفاع والطيش، لا سيما أنه ناصر مفهومهم الكلي القائل بأن جزءا من ~~معضلة الإنسان المعاصر يتمثل في غياب الأسطورة، أو ما أسماه «المقدس»، للتعامل ~~مع النزعات اللاسلطوية الأكثر سوداوية للطبيعة البشرية. وعندما أمكن، مع اندلاع الحرب ~~عام 1939، النظر إلى الدادائية والسريالية بأثر رجعي على أنهما توسطتا حربين ~~عالميتين، ms086 أمست الحاجة إلى تفكيك فكرة الإنسان «الإنساني» أكثر إلحاحا بكثير ~~للورثة الفكريين للحركتين، وورث إرث باتاي أشخاص مثل المفكر الفرنسي ما بعد ~~السريالي ميشيل فوكو. لكن لا إنسانية باتاي الخاصة بالكاد قدمت «حلا»، بل لقد ~~كانت هناك فترة في الثلاثينيات جنحت فيها تلك النزعة أكثر إلى الفاشية. وثمة طريقة ~~حاولت بها كل من الدادائية والسريالية على حد سواء تجاوز القيم الإنسانية ~~وازدواجية العقل والجسد، وذلك عبر الفكر الصوفي أو المستغلق. # الفكر الصوفي والمستغلق ~~«حامت الدادائية فوق سطح المياه قبل أن يخلق الرب العالم، وعندما قال: فليكن ~~هناك نور! لم يكن هناك نور، بل دادائية.» يعكس هذا التصريح المشترك لأعضاء جماعة ~~دادائية برلين الموقف التهكمي للدادائية تجاه الأديان التقليدية. لقد ناقشنا بالفعل ~~أمثلة للمناوأة الشديدة للكاثوليكية من جانب السرياليين؛ إن ما مقته السرياليون، ~~شأنهم شأن الدادائيين، كان تحديدا الفصل اليهودي-المسيحي بين الروح والجسد. وعلى ~~الرغم من أن دوشامب وبيكابيا، كما رأينا من قبل، استخدما لغة الازدواجية للسخرية من ~~النزعة التكنولوجية للإنسان الحديث، فقد استدعى الدادائيون تحديدا مبادئ فلسفية ما قبل ~~سقراطية أو غير غربية يحتفظ فيها الروحاني والمادي بتوازن عظيم، وكان هذا جزءا من نقد ~~أكبر للنفس الحديثة. # كانت المصادر التي اعتمد عليها الدادائيون في هذا الصدد متنوعة جدا؛ فقد كان هوجو ~~بال في زيوريخ تحديدا منجذبا إلى المفكر الإغريقي السابق لسقراط هرقليطس، الذي ~~شدد على أن كل شيء في حالة تقلب دائم، بينما كان هانز آرب منجذبا إلى الصوفيين ~~المسيحيين أمثال الكاتب الألماني ياكوب بوهيمي بالقرن السابع عشر، والفلاسفة الطاويين ~~الصينيين أمثال لاوتزه. إننا نعلم أن آرب قرأ على الملأ فقرات من بوهيمي في واحدة من ~~«الأمسيات الدادائية» في زيوريخ عام 1917؛ حيث انتقى بشكل بارز أقساما تؤكد على أهمية ~~الحفاظ على التوازن في خضم التقلبات. وفي سياق التأثير الصيني، من المحتمل أنه نقل ~~مبادئ مصدر وحي التغيير السابق للطاوية، «كتاب التغيرات»، بغية إنتاج رسوم ~~الكولاج خاصته، التي رتب فيها المستطيلات «بحسب قوانين المصادفة» (شكل # 3-1 ~~). وباعتباره أثرا محوريا في الطاوية، ms087 انشغل «كتاب التغيرات» ~~بالتنبؤ بأنماط التغير السارية في الطبيعة، ومن ثم في العالم البشري. وعندما يرجع ~~المحاور إلى هذا الكتاب، فإنه يسلم نفسه إلى المصادفة بإلقاء أعواد نبتة الألفية (أو ~~عملات معدنية في أيامنا هذه) لإنتاج سلسلة من «الرسوم السداسية» التجريدية التي كانت ~~تناظر آنذاك واحدا من البيانات التنبئية للكتاب. وإذ أسقط آرب مستطيلاته ~~الورقية، فقد كان بالمثل يقبل على قوانين الطبيعة لا قوانين الإنسان، على الرغم من ~~أنه كان من الواضح عدم وجود بعد تنبئي. # في برلين، بدا أن راءول هاوسمن أيضا كان يطالع لاوتزه حوالي عام 1918، ولكنه ~~علاوة على ذلك قد كان منجذبا إلى فكر البيولوجي الدارويني الألماني إرنست هيكل الذي ~~اعتبر مبدأ وحيدا، وهو «قانون المواد»، موحدا للروح والمادة؛ وكل ذلك يدعم إيمان ~~المؤرخ ريتشارد شيبارد بأن لا عقلانية الدادائيين وتحطيمهم التقاليد بطريقة مناوئة ~~للفن كانا مرتبطين أساسا ببحث فلسفي عميق. كان أحد أعمدة الدادائية، وخصيصى في ~~زيوريخ، يعنى بالتفاعل بين نماذج الطبيعة باعتبارها فوضوية، ونماذجها باعتبارها ~~نمطية في جوهرها، ولو أن ذلك يمتد إلى البرلينيين غير الشيوعيين أمثال هاوسمن. وكان ~~العمود الآخر - الممثل في دوشامب وبيكابيا في نيويورك وباريس، أو جورج جروتس ~~وفالتر سيرنر في برلين - وجوديا جوهريا بقدر أكبر ونزاعا تجاه العدمية؛ يناظر ~~ذلك بالتأكيد الحكمة التقليدية التي بموجبها تكون الدادائية في زيوريخ أكثر ~~«استدلالية» في جوهرها من دادائية نيويورك أو دادائية باريس. # وبالرجوع إلى السريالية، نجد القليل من الطبيعة الصوفية لدى آرب أو هاوسمن، لا سيما ~~أن التعبيرية، التي حوت الحافز الحيوي لاهتماماتهما، كان لها أثر طفيف على الحركة ~~الفرنسية. وبدلا من ذلك، فقد مالت كثيرا النماذج السريالية للفكر المناوئ للازدواجية ~~إلى الاستقاء من التقاليد الغربية المستغلقة فيما بعد العصور الوسطى، وكانت الخيمياء ~~تحديدا موضع اهتمام كبير لدى جميع الكتاب والمنظرين البارزين في الحركة. ~~وتتجلى الخيمياء، ممزوجة بإشارات ضمنية للتنجيم والعناصر الأربعة، دوما في السريالية ~~البصرية. كانت الخيمياء أساسا معنية بتحويل العناصر، ومن ثم نراها تثري الصور ~~المجازية المتعددة التكافؤ لأندريه ماسون مثلا؛ ففي ms088 لوحته «ميلاد الطيور» (شكل # 3-2 ~~)، نجد أن صورة الطائر وهو ينطلق في الأعالي من فرج المرأة، ترتبط ~~بأفكار متداعية مباشرة بصور الطيور الرمزية المحلقة إما لأعلى وإما لأسفل في نقوش ~~الوعاء الخيميائي؛ حيث كانت عمليات تحويل المادة تتم، بينما توظف اللوحة كلها صورا ~~مجازية تحولية لطرح الميلاد كموضوع. ربما كان ماسون أقرب تقريبا إلى صوفية الطبيعة ~~لآرب من غيره من السرياليين، وربما تأثر بعمق بهرقليطس. ولكن، في أعمال ميرو (شكل # 3-5 ~~) يمكننا أن نجد أيضا إشارات ضمنية إلى كون متعدد ~~الأنماط بشكل صوفي، ولكنها تتسق هذه المرة مع فلسفات رامون لول، الصوفي المسيحي الذي ~~عاش في القرن الثالث عشر، والذي شاركه ميرو جذوره الكتالونية. # ومن المهم التأكيد على أن الخيمياء بالنسبة إلى السرياليين كانت تعبق بنظرة عالمية ~~خاصة تنتمي للعصور الوسطى المتأخرة، وكانت لها ارتباطات قليلة بالجانب الغامض والغريب ~~الذي تتسم به في الخيال الشعبي. وبصفة عامة، كان لدى السرياليين اهتمام محدود بالأشياء ~~الفائقة للطبيعة، وخاصة بقدر ما كانت ترتبط بتقاليع القرن التاسع عشر مثل الروحانية. ~~بذل بريتون جهودا مضنية لبيان أن حالات الغشوة التي غشيت السرياليين خلال مرحلة «غموض ~~الحركة» لم تكن لها علاقة بالتواصل مع الموتى. وقد أكد والتر بنيامين أبرز نقاد ~~السريالية أن ما لفت انتباه السرياليين كان «التنوير الدنس» الذي يمكن الحصول عليه من ~~الوجود المادي بدلا من أي رجوع والتجاء للدين أو «الماوراء»، أو إلى العقاقير ~~أيضا، وينبغي أن نضع نصب أعيننا أن الاهتمامات السريالية كثيرا ما كان يتوجب أن ~~توافق الماركسية. # وعلى الرغم من ذلك، فإننا نعلم أن بريتون كان مفتونا في فترة مبكرة بفكر الكاتب ~~الفرنسي بالقرن التاسع عشر إليفاس ليفي المتعلق بالسحر، ولو أن ليفي نفسه كان ماديا ~~ومكرسا للمصالحة بين الروح والمادة. ويرجع بنا ذلك إلى الفهم السريالي للخيمياء؛ ~~فمن ناحية، كانت الجماعة منجذبة إلى الغرابة المحضة للنقوش المستغلقة القديمة المشيرة ~~مجازيا إلى المضمون الروحاني للعمليات المادية للخيمياء، وتدين الصور الإيضاحية ~~لماكس إرنست، التي أوردها في «روايات الكولاج» التي أنتجها في ms089 أواخر العشرينيات وأوائل ~~الثلاثينيات؛ بالكثير لتلك السوابق. ومن ناحية أخرى، تنبأ السرياليون بالطريقة ~~المعقدة التي سيفسر بها العالم النفساني كارل يونج الخيمياء في كتابه الصادر عام ~~1944 «علم النفس والخيمياء». هنا ذهب يونج إلى أنه بينما شددت المسيحية على الخلاص من ~~الخطيئة؛ مما يوحي ضمنا بالشك في الجسد، استخدم المستغلقون المجاز الخيميائي كشكل من ~~التعليق على المسيحية، فأكدوا على المصالحة ما بين المادة والروح عبر الجمع والتأليف ~~بين المبادئ الذكورية والأنثوية في الرمز الخنثوي؛ والواضح أن كل ذلك يناظر الهجوم ~~الكلي للسرياليين على المذهب الكاثوليكي، وليس من العجب أن فكرة الخنثى وجدت لها صدى ~~كبيرا في فنهم وكتاباتهم. ولكن، ينبغي أن نستدعي مقالة جورج باتاي السالف مناقشتها ~~في القسم السابق حيث يخلق المزج ما بين الأضداد بشاعة لا مصالحة؛ كان هذا الوجه ~~الآخر للميتافيزيقا السريالية. # لو أن الخيمياء استدعت نظرة عالمية فلسفية بديلة، فإن ثمة فرعا مهما من الفن ~~السريالي تعامل مع تقويض الفئات التي تم بها تنظيم المعرفة نفسها في عالم ما بعد ~~التنوير. في هذا الصدد، كان السرياليون خصيصى مهتمين بتقليد القرنين السادس عشر ~~والسابع عشر المعروف باسم «خزائن الفضول»؛ في إطار حدودها، قدمت هذه الخزائن أنماطا ~~بديلة لترتيب وتصنيف الأشياء، سواء المصنوعة أم الطبيعية، للأنماط المعمول بها في ~~المتاحف التي ستحل محلها في نهاية المطاف. كانت الأسبقية والأولوية لمبادئ التناظر ~~أو التداعي الغريب الأطوار للمعاني على مبادئ الأجناس والنوع. بحث السرياليون الأنظمة ~~التصنيفية البديلة في العديد من السياقات؛ فمجموعاتهم الفنية الشخصية نزعت إلى أن ~~ترتب بحيث تكون اللوحات - كلوحات دالي أو دي شيريكو مثلا - على المستوى نفسه ~~للأغراض الطبيعية الغريبة أو المصنوعات اليدوية «البدائية». ومن المنطلق نفسه، أنتج ~~دالي «غرضا سرياليا» عام 1936 قوامه طبق من الأغراض، بما في ذلك حذاء والعديد من ~~المعجنات المزخرفة، وزخارف صغيرة لزوج يمارسان الجنس، تم تجميعها بجهود مضنية ~~استنادا إلى منطق فتيشي شخصي، وكرس جوزيف كورنيل - وهو الإضافة الأمريكية المتأخرة ~~نوعا ما لحركة السريالية - مشواره كله لإنتاج صناديق مفتوحة، لا تتجاوز ms090 أبعادها ~~عادة 18 × 12 بوصة مربعة، وقد استدعت الأنابيب الصلصالية، والجرار الصيدلانية، ~~وخرائط النجوم التي تحويها تلك الصناديق عالما مصغرا من حلم اليقظة. # يمكن تحديث هذا الجانب من السريالية بعض الشيء بالنظر في الصورة الصارخة ليان ~~سفانكماير، متخصص الرسوم المتحركة والمخرج الوارد ذكره في الفصل الأخير، الذي يمارس ~~شكلا معقدا متأخرا من السريالية. في أوائل السبعينيات، أنتج سفانكماير سلسلة كبيرة ~~من الأعمال الفنية بالخدش تحت العنوان الجمعي «علم الطبيعة»، وفيها اقترنت أقسام من صور ~~لحيوانات وهياكلها العظمية معا بغية إنتاج أشكال هجينة مزعجة. ثمة ولاء مقصود هنا ~~لماكس إرنست، الذي نشر محفظة من الأعمال الفنية بتقنية الحك تحت عنوان «التاريخ ~~الطبيعي»، لكن سفانكماير يعيد إحياء إرث إرنست. أنتج سفانكماير أيضا ملاحظات ~~علمية زائفة لترافق تصنيفاته الشاذة. في حالة «أوديب لاعق القضيب» (شكل # 4-2 ~~)، نتعرف على جنس حيواني أسترالي وحشي، تضع أنثاه بيضا يخرج ~~منه الذكور بكسر قشرة البيض بقضبانها، وتباشر الأم لعق قضبان مواليدها الذكور، ~~فتبتلع منيها لتخصيب المزيد من البيض، بعد ذلك تخصي الأم أولادها بأن تطبق ~~فكها على قضبان ذكورها، فتضمن بذلك أن يكون كل البالغين «إناثا» فعليا. # شكل 4-2: يان سفانكماير، علم الطبيعة، عمل فني بتقنية الخدش، 1973. # تتسق الدعابة السوداء المعنية هنا والتلاعب المتعمد بالأفكار التحليلية ~~النفسية بالكامل مع السريالية السائدة، لكن الخلط الشاذ لسفانكماير للبيانات الطبيعية ~~يرتبط بشكل أساسي وبدقة شديدة بهويته كفنان محصور بالتقليد السريالي التشيكي. كانت ~~مدينة براج موطنا لأكبر خزائن فضول على الإطلاق في أواخر القرن السادس عشر، وتنسب ~~إلى الإمبراطور رودولف الثاني، وتلتفت أعمال سفانكماير بشكل ساخر إلى أعاجيب هذه ~~المجموعة. ينم ذلك بدوره عن شيء خاص بالطريقة التي تنشأ بها منظومة معرفية بديلة ~~حتما من جذور «محلية» بدلا من الجذور «العالمية»، وتعلق أيضا بشكل غير مباشر على ~~الفرضيات المسبقة للفكرة المتمركزة في باريس عن السريالية، وهي الفكرة التي يتردد صداها ~~في الخطاب السريالي عن الكولونيالية التي عملت، خلال الثلاثينيات والأربعينيات، على ~~تلطيف النزعات المناصرة للفرنسيين. # على الرغم من إبداعات أنشطة الهدم ms091 السريالية للتصنيف، يجوز التأكيد على أنهم ما برحوا ~~يتحركون وفق قواعد التقاليد الفكرية الغربية؛ وفي مقابل ذلك، كانت هناك انتكاسة رجعية ~~إلى «البدائي»، في كل من الدادائية والسريالية، يمكن النظر إليها باعتبارها مقاومة ~~للفرضيات الغربية المسبقة عن الطبيعة البشرية بشكل مباشر بدرجة أكبر. ويعود بنا ذلك ~~مجددا إلى التيار اللاإنساني في فكر باتاي؛ وتحديدا اهتمامه بمعارضة كل ما لا يندمج ~~بشكل جذري مع العادات المثالية للفكر الغربي، ولكن سنؤجل هذه المناقشة حتى الفصل ~~التالي. ما يتجلى لنا مما ورد أعلاه هو معرفة إلى أي حد وظف الدادائيون ~~والسرياليون النماذج الصوفية والمستغلقة للفكر من أجل الطعن في الازدواجية الغربية من ~~الداخل؛ إن ما سعوا إليه، كما أكد السرياليون دوما، كان التحرر، لكن باتاي بلا ~~شك كان من الممكن أن يذهب على سبيل المقاومة إلى أن هذا التحرر خدم الروح أو العقل. ~~ماذا عن تصور الجسد؟ # الجسدي والشهواني # في رسالته إلى أهل رومية (الإصحاح 7، الآيات 21-24) قال القديس بولس: «فإني أسر ~~بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسا آخر في أعضائي ... يسبيني إلى ~~ناموس الخطية الكائن في أعضائي.» إن هذا النوع من التشويه الديني للجسد جلب معه ~~«انتكاسة عنيفة إلى المكبوت» في الفن الدادائي والسريالي؛ على سبيل المثال: في مارس ~~1920، وتحديدا في الأيام الأولى لدادائية باريس، نشر فرانسيس بيكابيا صورة طبق الأصل ~~من طرطشة حبر، وأسماها «العذراء المقدسة»، في دوريته «391». وبعيدا عن كون هذا العمل ~~مثالا على عملية المصادفة التي كانت «تجريدية» أيضا، شأنها شأن أعمال الكولاج السابقة ~~لآرب في زيوريخ؛ كان لرتوش الحبر الدادائية مضامين تجديفية. بحسب المذهب الكاثوليكي، لم ~~تعش العذراء المقدسة تجربة «المتعة التناسلية»؛ إذ أنجبت المسيح وظلت ~~فعليا «بكرا». وما أوحت به طرطشة الحبر التي قدمها بيكابيا أكثر من أي شيء ~~آخر، كان النتيجة الفعلية البشعة لعملية فض البكارة البشرية. # هذا المثال اللافت لإعادة إحياء الجوانب المحرمة للتجربة الجسدية، يدلل على موطن ~~قلق أكبر في الدادائية والسريالية من رفض المعايير الأخلاقية التقليدية. ولكن، هل كان ~~كل ذلك ms092 يرقى ببساطة إلى هجوم أوديبي على الثقافة الأبوية، أم كان هناك دور جديد ~~متخيل للجسد؟ # في الدادائية، من المذهل أن نجد أن الجسد نادرا ما ينظر إليه في سياق حسي. من ~~المعترف به أن الرقص لعب دورا بارزا بوضوح في بعض العروض الأدائية بمعرض الدادائية ~~الخاص بجماعة زيوريخ؛ فلقد ابتكر رائد الرقص المجري المولد رودولف فون لابان - الذي ~~أسس رقصاته، متحديا المبادئ الكلاسيكية، على الحركات العضوية للجسد ومبادئ التوتر ~~والاسترخاء - عددا من الإسهامات في الأمسيات الدادائية، بمعية راقصته النجمة ماري ~~ويجمان المتخصصة، بحسب تعليق أحد النقاد، في «التشويه الأنيق». كتب هوجو بال مؤسس ~~الدادائية، الذي كان مناصرا متحمسا للأشكال الجديدة للرقص، عن رقصة تجريدية بعنوان ~~«أنشودة السمكة الطائرة وأحصنة البحر»، أدتها بمعرض الدادائية عام 1917 صوفي تاوبر ~~زوجة هانز آرب: «كانت رقصة حافلة بالشرارات والأشواك والأضواء المبهرة ... تفككت ~~ملامح جسدها وكل إيماءة منها إلى مائة حركة دقيقة وزاوية وحاسمة.» وعلى الرغم من ذلك، ~~فهذه الرقصات المبتكرة التي تنم عن محاولة للتخلص من مجموعة العادات المقيدة ~~للتعبير، والتي كانت منسجمة - بحسب أيديولوجية لابان - مع تجارب أسلوب الحياة البديل ~~الذي ينطوي على العري والتغذي بالنباتات الصرفة؛ لم تحفزها مخاوف الدادائية ~~بالمعنى الحرفي الدقيق؛ فهي تتنافر بعض الشيء مع الجوانب الأكثر حدة والأشد فوضوية ~~لأداء الدادائية، بما في ذلك «الرقصات الزنجية» التي أداها رجال الدادائية. # وبخلاف ذلك، فإن الأجساد التي نجدها، على سبيل المثال، في الرسوم الجرافيكية ~~لدادائية برلين والمنسوبة إلى جورج جروتس ~~(شكل # 2-9 ~~)؛ يفسدها الوجود الحضري وآثار الحرب. في قصيدة ظهرت ~~في منتصف عام 1917، تتأمل الانهيار العصبي الذي أصيب به جروتس إثر مشاركته في ~~الحرب، يصف جروتس نفسه بأنه «آلة تحطم مقياس ضغطها تماما»، وسجل أغلب دادائيي ~~برلين آثار اضطرابات الصدمة الناجمة عن الحرب، مثل «صدمة القصف» على أجساد الشخوص التي ~~رسموها وتعبيرات وجوهها. ويجوز حتى فهم أشعار هاوسمن الرصينة على اعتبار أنها ~~تحاكي استعادة القدرة على الكلام، المشوبة بتأتأة لدى المصابين بأمراض عصبية ~~الخاضعين للعلاج. ومن المنطلق ذاته، يستدعي الأشخاص ms093 الميكانيكيون لدوشامب أو بيكابيا ~~التغريب الجسدي، ربما استوجب الأمر إقامة حجة منفصلة لعمل دوشامب «الزجاجة الكبيرة»؛ ~~فبالنظر إلى حقيقة أن المشاركين الجنسيين المتحولين ميكانيكيا مزودون، بحسب ~~الملاحظات التي أرفقها دوشامب بعمله، بأشكال من الطاقة كالغاز والكهرباء، يمكن النظر ~~إلى هذا العمل على اعتبار أنه يصور اقتصادا جسديا «إنتاجيا» حديثا، ولو أنه ~~اقتصاد راسخ على نحو مستفز في الحوار القائم مع الطبيعة. # أنتج السرياليون، شأنهم شأن الدادائيين، صورا لأجساد جريحة أو مصابة، فعارضوا بذلك ~~محاولات الحكومة الفرنسية لاستعادة الثقة الوطنية بعد الحرب، بتذكيرات عنيدة بالعنف ~~الذي انطبع على أجساد الرجال خلال الصراع. أمست الشخصيات المدعومة بعكازات فكرة متكررة ~~في أعمال دالي، لا سيما رسومه التي أنتجها خلال عامي 1933 و1934 لرواية «أناشيد ~~مالدورور» للكاتب لوتريامون، وهو واحد من أهم الأعمال الإرشادية للسريالية، وفيه نجد ~~الراوي مالدورور نفسه ممثلا كمحاكاة ساخرة لذكورة مخصية ومشوهة. ولكن، عندما ~~تعلق الأمر بتمثيل الجسد الأنثوي، احتفى السرياليون به صراحة بما يتسق مع دوافعهم ~~المغايرة للجنس؛ ومن ثم، فإن الجسد السريالي - ولو أنه متشظ كثيرا - مكرس ~~للمتعة أغلب الظن أو للألم الممتع أكثر من تكريسه للصدمات. كتب بريتون أن: «القدرة ~~الكلية للرغبة ظلت، منذ بداياتها، الفعل الإيماني الوحيد للسريالية.» واتساقا مع ~~النزعات العلمية الزائفة للحركة، تم إجراء سلسلة من 12 «بحثا عن الجنسانية» فيما بين ~~عامي 1928 و1932، سئل فيها أعضاء الجماعة، بأسلوب صريح بشكل مدهش، عن ممارساتهم ~~وتفضيلاتهم الجنسية: # أندريه بريتون ~~: # فالنتين، ما رأيك بفكرة الاستمناء وقذف المني في أذن امرأة؟ # ألبرت فالنتين ~~: # لم أكن لأحلم بذلك ... # بيير يونيك ~~: # الأذن مخلوقة ليداعبها اللسان، لا القضيب ... # جورج سادول ~~: # وفي الأنف؟ # بول إيلوار ~~: # لا أحب ذلك؛ فأنا أكره الأنوف بسبب عقدة شخصية. أعارض هذا. # أبرزت تلك الجلسات - التي لم ينشر منها سوى جلتسين في دورية «الثورة السريالية» - ~~التحيزات الذكورية والمعارضة للمثلية بعمق للحركة، وقد هدد بريتون بمغادرة ~~الغرفة عندما جنح النقاش في واحدة من تلك الجلسات إلى قبول المثلية الجنسية، ودنا من ~~الفكرة أكثر من اللازم. وفي موقف ms094 آخر، خاطر لويس أراجون الذي بدا أنه أكثر انفتاحا، ~~خاصة فيما يتعلق بالمثلية الجنسية، بأن قال إن النقاش المعني «قوض جزئيا» ~~بفعل «هيمنة وجهة النظر الذكورية». # ثمة وجهة نظر ذكورية تسود لا محالة في الكم المهول من الفن الشهواني، سواء البصري ~~أو اللفظي، الذي أنتجته الحركة. وربما من أكثر الأمثلة المتعنتة في هذا الصدد رواية ~~جورج باتاي المسماة «قصة العين»، وهي قصة إباحية نشرت لأول مرة تحت اسم مستعار، ~~ألا وهو اللورد أوخ، عام 1928. وعلى الرغم من أنها ليست نتاجا سرياليا صرفا، فإن ~~خيالاتها الهوسية والصادمة المتعلقة بالجنس والعنف، التي تنطوي في مرحلة ما على ~~اغتصاب البطل والبطلة قسيسا وقتله؛ أقرب إلى السريالية منها إلى خلافها من كتابات ~~تلك الفترة. في عام 1957، رأى باتاي الشهوانية «موافقة للحياة على شفير الموت»، وهو ~~الموقف الفلسفي الذي يدين بشكل أكثر عمقا لفكر الماركيز دي ساد، ولو أنه تفوح منه ~~بعض الشيء رائحة العلاقات بين الجنس والموت، المميزة للحقبة الأخيرة من القرن ~~التاسع عشر. وبالمقارنة، هناك القليل في أعمال الفنانات السرياليات من هذا الصنف، ومن ~~بين هذه الجماعة الصغيرة من النساء اللائي بلغن مرتبة التميز في الفضاء السريالي ~~في الثلاثينيات، تتجلى فحسب ميريت أوبنهايم (شكل # 3-7 ~~)، وتوين ~~(ماري سيرنونوفا) من جماعة تشيكوسلوفاكيا، والرسامة الأرجنتينية/الإيطالية ليونور ~~فيني باعتبارهن مناصرات مكرسات جهودهن للتجربة الشهوانية الأنثوية. فيني التي ~~احتقرت التوجهات الأبوية السلطوية لبريتون تحديدا، قلبت الأشكال النمطية ~~الشهوانية من خلال صور لأجساد ذكورية واهنة خنثوية، تتسلط عليها آلهة أنثوية وترأس ~~شئونها. في عام 1944، أضافت صورا إيضاحية لطبعة من رواية ساد بعنوان «جولييت»؛ حيث ~~احتفت، بأسلوب خاص جدا، باستقلالية «امرأة سادية» يحركها دافع الجنس. # يعتبر الماركيز دي ساد الذي أثنى عليه بريتون في البيان الثاني للسريالية لكونه ~~«سرياليا في ساديته»؛ رمزا محوريا لتقييم التوجهات السريالية نحو الجنسانية. ~~فالأرستقراطي والإباحي الفرنسي السيئ السمعة، الذي اشتهر في القرن الثامن عشر، لفت ~~انتباه السرياليين لأول مرة من خلال جيوم أبولينير، وتلقى ثناء من الجماعة إذ أضفى ~~قيمة أخلاقية على حق الرجل ms095 في الإشباع الشهواني. اعتقل ساد وزج به في السجن ~~أغلب حياته بسبب ممارساته «المنحرفة»، وعلى رأسها السدومية. وعلى الرغم من أن ~~المعرفة المتعمقة بالموقف الفلسفي لساد لم تنشأ حتى منتصف الثلاثينيات، كنتيجة ~~لتحقيقات الشاعر والمؤرخ موريس هين المنتسب إلى السريالية، فمن الممكن استيعاب قراءة ~~السرياليين له بالنظر إلى صورة مان راي الفوتوغرافية الصادرة عام 1933 تحت عنوان «تذكار ~~لدوناتا ألفونس فرانسوا دي ساد». # وضع مان راي صليبا معكوسا فوق الصورة الفوتوغرافية بحيث يتوافق مع الشق الفاصل بين ~~الردفين، لكن من الواضح أن للصليب أيضا مضامين قضيبية/اختراقية ترتبط بممارسة ساد ~~للواط. في «أبحاث عن الجنسانية» الخاصة بالسرياليين، أعلنوا أنهم أنصار للسدومية ~~(المغايرة للجنس)؛ حيث اعتبروا تلك الممارسة، في سياق إشباع الرغبة بلا مقابل، فعلا ~~يستهزئ رمزيا بفكرة أن الجنس - تحديدا بحسب فهم الكنيسة له - «واجب» تناسلي. ومن ~~المهم آنذاك أن فرنسا خلال تلك الفترة كانت مهووسة بمعدل الإنجاب المتدني لديها، ~~وحقيقة أن الإنجاب كان يعتبر في حقيقة الأمر واجبا وطنيا؛ ومن الواضح إذن أن صورة ~~مان راي تجمع ما بين معتقدات مناوئة للتناسل والدين والقومية في قالب واحد. وأيا ~~كانت الأسئلة التي يجوز أن نطرحها حيال الطبيعة الجبرية والعنيفة للأنشطة التي روج ~~لها ساد، ومن المهم التشديد على أن السرياليين عموما تصوروا الجنس بمفردات مشتركة، فقد ~~استوعبوا ساد أساسا على اعتبار أنه يناصر حقوق الجسد في مقابل حقوق الكنيسة ~~والدولة. # شكل 4-3: مان راي، «تذكار لدوناتا ألفونس فرانسوا دى ساد»، صورة فوتوغرافية، ~~1933. # ويعد الفنان الألماني هانز بيلمر أكثر من غيره من الفنانين مثالا نموذجيا ~~لاهتمام السرياليين بالجنسانية المتحررة الهدامة. لفت بيلمر انتباه الجماعة عندما ~~نشرت مجموعة مدهشة من الصور الفوتوغرافية عام 1934 المرتبطة بمانيكانه الأولى ~~«الدمية» في المجلة الفنية الفاخرة «المينوتور»، فقد كانت أعمال بيلمر مبنية بكل ~~وضوح على الخيالات المتمركزة حول الفتيات المراهقات أو الفتيات في مقتبل المراهقة، ~~ولما كان متأثرا بشدة بالإنتاج الفني الذي رآه في برلين عام 1932 لأوبرا جاك ~~أوفنباخ «حكايات هوفمان»، التي يلعب فيها إنسان آلي ms096 دورا محوريا؛ أقام بيلمر ~~مانيكانين عامي 1933 و1935 على الترتيب. الأولى التي بلغ طولها أربع أقدام ونصف لم ~~تعد موجودة بعد، لكن الصور العديدة التي التقطت لها تكشف عن تقاطع ما بين دمية ~~طفل مساء استعمالها وشكل من أشكال الألعاب الجنسية التي يستخدمها الراشدون. ذراعاها ~~مفقودان، وجذعها الجبسي نصف مكشوف، ورجل «طبيعية» من رجليها مصنوعة من الجبس، ~~بينما الثانية ببساطة عبارة عن قطعة من دسار تنتهي بقدم عرجاء خشبية. في أعقاب بعض ~~اللوحات الفنية التي رسمها جورجيو دي شيريكو، حول السرياليون المانيكان إلى شيء ~~أقرب ما يكون إلى العبادة؛ عبادة تمتد بقدر ما إلى الإنسان الآلي، وترتبط بشكل عارض ~~بعلاقات مثيرة بافتنان الدادائيين بالأشكال الميكانيكية المتحولة. لكن عمل بيلمر يدخل ~~عالما نفسانيا أكثر اضطرابا بكثير؛ فقد تنصلت دميته الثانية من أي «هوية» ~~فردية؛ حيث تألفت من العديد من الأجزاء المفصلية الكروية - وكثير منها مكرر عدة ~~مرات - التي جمعها بيلمر معا لمشاهد فوتوغرافية. وتنم واحدة من تلك الصور ~~الفوتوغرافية المثيرة للاضطراب بشدة عن مخلوق عصي على التفسير يقف قبالتنا، في ~~بيئة غابية، والقسم الأعلى من جسده يتألف من زوجين آخرين من الأرجل؛ وفي الخلفية، ~~ثمة رجل يتسلل وراء شجرة، متفاديا نظرتنا المتفحصة. # ومن غير المدهش أن أعمال بيلمر ولدت الكثير من ردود الأفعال النقدية المختلفة، ~~بداية من الذين يرون أعماله كارهة للنساء بلا رجعة، وانتهاء بهؤلاء الذين ~~فسروها - بالنظر إلى حقيقة أن الدمى كانت تنتج في برلين، تحديدا إبان الفترة ~~التي بدأ فيها النازيون يعتلون السلطة في ألمانيا - كردود أفعال منحرفة تجاه أفكار ~~«المعيارية» الجسدية والجنسية التي روجت لها الأيديولوجية النازية. # ومع ذلك، لا شك أن الانطباع السائد هو التقديس الأعمى القهري لجسد المرأة. وتنبع ~~مضاعفة أعداد أعضاء كالنهود أو الأرجل، المتشابكة معا في علاقة جبرية فاحشة في ~~نهاية المطاف - وهو ما كان بيلمر يعيه - من المفهوم الفرويدي الكلاسيكي عن الولع ~~الشهواني (الفتيشية). في مقالة محورية صدرت عام 1927، استنادا إلى كتابات سابقة، ذهب ~~فرويد إلى أن تركيز المصاب بالولع الشهواني على ms097 غرض ما أو عضو من أعضاء الجسد بدلا ~~من الجسد كله، ينبع من «لحظة» محددة في الممر التكويني عبر عقدة أوديب. هذه هي اللحظة ~~التي ينكر فيها الطفل بلا وعي فكرة أن أمه لا تملك قضيبا، والتي يدلل عليها ~~«إخصاؤها» الظاهر؛ ولذا، فإن الولع الشهواني يعادل القضيب الأمومي المفقود، ~~ويخفف رمزيا من التذكرة بالإخصاء التي تستدعيها رؤية الأعضاء الجنسية الأنثوية. ~~وكلما تم التأكيد على موضع الولع الشهواني، عن طريق المضاعفة أو الإزاحة إلى أغراض أخرى ~~مثيرة للولع الشهواني، تراجع الخطر وتقهقر. ومن اللافت أن عددا من لوحات بيلمر ~~الرقيقة التي رسمها في الأربعينيات، تظهر فيه فتيات سارحات يستلقين على ظهورهن ~~بينما تطل قضبان منتصبة من فروجهن. وتتعامل هذه اللوحات صراحة مع خيالات القضيب ~~الأمومي، وكل ذلك بالطبع يوحي بأن فن بيلمر كان - على الرغم من خصوصيته الشديدة - ~~قائما على دراية واسعة. # قسم كبير من الفن السريالي الشهواني يتسم بصفة فتيشية أساسا، ومثال نموذجي على ~~ذلك التركيز على جذع المرأة وشعرها وعنقها في لوحة ماجريت «الاغتصاب». ولكن على الرغم ~~من أنه نتج عن ذلك انتهاك الجسد أو نزع الصفة البشرية منه، كما يوحي ماجريت في عنوان ~~لوحته، فلا شك أننا لا محالة نطرح بعض الأسئلة الأخلاقية المهمة. وإذا كان هذا القسم، ~~وهذا الفصل عموما، قد بين لنا كيف استحدثت الدادائية والسريالية أيقنة جديدة ~~للجسد لمعادلة الفكر الازدواجي، فإنه لا يمكننا أن ننكر أن هذه العملية كانت ~~مستندة إلى وجهة نظر ذكورية. ولقد زعمت المعلقات بطريقة لها ما يبررها، أن ~~أجساد النساء، ومن ثم الأنثوية، كثيرا ما تحتقر بفعل التجسيد والفتيشية اللذين ~~يلحقان بالجسد الأنثوي تلبية لأغراض «التحرر» النفساني الجنسي، والسريالية تحديدا ~~ليس لديها الكثير لتقدمه فيما يتعلق بمعادلة وجهة النظر الأنثوية. تبدو الدادائية ~~ببساطة، من منطلق كونها أقل اهتماما بالمذهب الجنسي الشبقي، أقل استحقاقا للوم ~~بشكل مباشر، ولكننا هنا شرعنا في التفكير، لا في الجنسانية ولا في المذهب الجنسي الشبقي ~~بصفة عامة بالأساس، وإنما في وضع الجنسين؛ لقد بدأنا نفكر، بتعبير ms098 آخر، في ~~«سياسات» التمثيلات الدادائية والسريالية. # الفصل الخامس # | السياسات # لا يزال يتوجب علينا القيام بكل شيء، والاستعانة بكل سبيل جدير بالمحاولة؛ ~~بغية هدم أفكار الأسرة والدولة والعقيدة. # إن هذا الإعلان المسرحي المؤثر المستقى من «البيان الثاني للسريالية» لأندريه ~~بريتون يستدعي بقوة الطبيعة المتعنتة لسياسات الدادائية والسريالية. ولكن، إذا نحينا ~~الجانب الخطابي جانبا، فإلى أي مدى كانت الطموحات السياسية المتطرفة لهاتين الحركتين ~~واقعية؟ فيما يلي سألقي نظرة على المنظورات الحالية حول الدادائية والسريالية لبيان ~~النقاط الأيديولوجية العمياء للحركتين. يتناول القسمان الأول والثاني مسألتي الجنس ~~والعرق، وفي هذا الموضع سنستشعر بكل حرص المسافة التاريخية الفاصلة بين هاتين الحركتين. ~~يستكشف الدادائيون دوما القضايا المتعلقة بالجنس بطرق ذات صلة بنا حتى الآن، بينما كان ~~السرياليون متبصرين جدا إذ شرعوا في التشكيك في الفرضيات المركزية الأوروبية. وستفضي ~~اعتبارات الجنس والعرق إلى النقاش، في القسم الأخير، المتعلق بالانتماءات السياسية ~~الكلية للدادائية والسريالية. ماذا كانت التزاماتهما، في فترة شديدة الاضطراب في التاريخ ~~السياسي لأوروبا، فيما يختص بالأيديولوجيات الفعلية والمؤسسات السياسية؟ هل كانتا ~~«مشاركتين» فعلا؟ وهل انتهى الأمر، على الرغم من كل ما كانتا تمثلانه، بكونهما ~~«حركتين فنيتين» فحسب؟ # الجنس # ناقشت بالفعل هيمنة وجهة النظر الذكورية الفتيشية في التمثيلات السريالية ~~للجنسانية، ولكن هل يرقى هذا إلى القول بأن السرياليين كان لهم موقف سلبي بشكل سائد ~~تجاه النساء عموما؟ وما وجه الشبه بين موقفهم وموقف أسلافهم الدادائيين؟ # لا شك أن المؤرخة الفنية ويتني شادويك ذهبت بشكل مقنع إلى أن النساء في فضاء ~~الحركة السريالية نزعن إلى أن يعاملن بمثالية كملهمات، ومن ثم صيغ لهن ~~شكل نمطي في الخيال الذكوري كنماذج أصلية، مثل الساحرة أو الفتاة، بدلا من أن تنسب ~~إليهن استقلالية خاصة بهن. ومثل هؤلاء النسوة - اللائي كن غالبا إما صديقات ~~للفنانين وإما زوجات لهم، مثل ناديا ملهمة بريتون المجنونة أو جالا زوجة دالي، بحسب ~~تعبير شادويك - إنما وجدن «لإتمام الدورة الإبداعية الذكورية واستكمالها.» وحتى ~~النساء اللائي حققن مكانة بارزة داخل حركة السريالية كفنانات، غالبا ما أنجزن ~~ذلك استنادا ms099 إلى علاقة تربط كلا منهن بفنان سريالي؛ وكثيرات من أكابر المستجدات على ~~الحركة في منتصف الثلاثينيات وحتى أوائل الأربعينيات - وتحديدا: ميريت أوبنهايم، ~~وليونورا كارينجتون، وليونور فيني، ودوروثيا تانينج - ارتبطن بعلاقات عاطفية بماكس ~~إرنست. وفي حالة جاكلين لامبا التي كانت زوجة بريتون في النصف الثاني من الثلاثينيات، ~~كان من الضروري أن تمر بتجربة الطلاق، قبل أن تتمكن من التخلص من مكانتها ~~كملهمة وتخوض مسارها الفني الخاص. # على الرغم من أن السريالية خنقت النساء بالإعجاب الأعمى، بما يتسق مع عبادتها للرغبة، ~~فإنه كثيرا ما وفرت الدادائية مساحة أكبر للإبداع الأنثوي. والعلاقة ما بين هانز ~~آرب وصوفي تاوبر في زيوريخ حالة تثبت صحة ما سبق؛ فقد عمل آرب وتاوبر بشكل تآزري ~~على بعض الأعمال التجريدية الأولى لدادائية برلين، التي أنتجاها خلال عامي 1915 و1916 ~~تقريبا، قبل تأسيس كباريه فولتير. تمثلت بعض هذه الأعمال في معلقات صوفية من ~~تصميم آرب، ولكنها من تنفيذ تاوبر التي كانت آنذاك تدرس التصميم بكلية زيوريخ ~~للفنون. وبعرض المنسوجات، بما لها من علاقات بالفنون التطبيقية أو الحرف، في سياق ~~فني رفيع، يمكن اعتبار أن آرب وتاوبر كانا يستحدثان بشكل استراتيجي تكنيكا ينم ~~ضمنا عن الزخارف «الأنثوية» في ميدان «ذكوري» في السابق، ومن ثم فهما لم يتحديا ~~فحسب الهيمنة التقليدية للرسم بالزيت بروح دادائية، بل شككا أيضا في مفهوم الإبداع ~~المتمركز حول الذكور. ومن المعترف به أن آرب كثيرا ما نسب إليه فضل هذه الأعمال، ~~لكن المغزى الاستراتيجي لتلك اللفتات ما برح ثابتا بلا تغيير. # تألقت المرأة في علاقات دادائية أخرى؛ فهناك العلاقة التي قامت بين راءول هاوسمن ~~وهانا هوخ في برلين، ولو أنها كانت علاقة مضطربة بسبب المعايير المزدوجة التي تبناها ~~هاوسمن. في تلك العلاقة، طفق هاوسمن يدعو إلى ممارسة العلاقات الجنسية خارج إطار ~~الزواج، رافضا في الوقت نفسه أن يتخلى عن زواجه، ومع ذلك فقد منحت تلك العلاقة ~~هوخ حرية إبداعية كبيرة. بعض توليفاتها الصورية فضحت زيف مؤسسة الزواج (شكل # 3-4 ~~)، وبعضها استكشف مكانة «المرأة الحديثة» في فايمار ms100 بألمانيا ~~أوائل عشرينيات القرن العشرين؛ حيث إن الطريقة التي خدمت بها صور النساء المشاركات في ~~الأنشطة الرياضية أو الثقافة الشعبية، سجلت المصالح التجارية للمعلنين بقدر ما ~~خدمت المتطلبات السياسية للحركة النسوية. وبخلاف ذلك، مالت الدادائية الذكورية إلى ~~الاتصاف بالذكورية نفسها التي اتسمت بها السريالية. # ولكن بالعودة إلى رجال السريالية، يجب أن نتحرى الحيطة والحذر، فلا نتعجل في ~~إطلاق الأحكام فيما يختص بموقفهم من المرأة. يمكن الزعم بأنهم استنسخوا، دون تفكير، ~~المواقف السائدة في عصورهم تجاه زميلاتهم، بينما كثيرا ما أظهروا مواقف إيجابية تجاه ~~الأنوثة في أعمالهم. في هذا الصدد، تجدر العودة إلى واحدة من فكر التحليل النفساني، ~~ألا وهي الهستريا. كان شاركو، أستاذ فرويد، قد درس هذه الحالة - التي كانت مقتصرة ~~بالكامل تقريبا على المرضى من النساء - في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، وعقد ~~محاضرات عامة في مستشفى سالبتريير بباريس، تعرض المرضى خلالها طواعية لحالات إغماء ~~شبيهة بمرض الهستريا، وعلى الرغم من أن فرويد في نهاية المطاف استنبط أن الأعراض ~~الهستيرية مؤشرات على الكبت الجنسي، اختار السرياليون أن يقللوا من شأن البعد ~~المرضي لتلك الحالة، فاحتفوا بها باعتبارها «وسيلة للتعبير» في دورية «الثورة ~~السريالية» عام 1928. وليس من العجب أن المنظرات النسويات انتقدن السرياليين ~~لإغفالهم التهميش الاجتماعي والتبعية والمعاناة التي تنطوي عليها تلك الحالات المفترض ~~كونها «شعرية». ومع ذلك، ربطت إليزابيث رودينيسكو، مؤرخة التحليل النفساني، بين توقير ~~السرياليين حالات الهيستريا ودفاعهم عن مجرمات أمثال الشقيقتين ~~بابين (شكل # 2-6 ~~) أو ~~فيوليت نوزيير. كانت الأخيرة محط اهتمام كبير في فرنسا عام 1934؛ حيث قامت بتسميم ~~والديها، وثبت أنها مختلة عقليا تماما في المحاكمة اللاحقة التي أقيمت من ~~أجلها. وإذ أثنت رودينيسكو على مثل هؤلاء النسوة، فقد كانت ترى أن السرياليين يدعمون ~~أنثوية خطرة وهدامة كانت مبشرة بالشكل الحديث لوعي المرأة المتحررة ~~تحديدا. # إن فكرة كون توقير السرياليين الخانق للأنوثة عنصر تمكين لهم سياسيا، تعود في ~~واقع الأمر إلى محاجة المؤرخة روزاليند كراوس، القائلة بأنه حتى الصور الفتيشية ~~التجسيدية للنساء في الفن السريالي يمكن النظر ms101 إليها في سياق نسوي بدائي؛ فإذا ~~فهم، بحسب كراوس، أن الفتيشية «تحريف» لعلاقة «طبيعية» تجاه الجنسانية، فهي بذلك ~~تعلي ضمنيا قيمة الاصطناعي على الطبيعي، وتوحي بأن فئة «المرأة»، بعيدا عن كونها ~~هبة طبيعية، هي في الحقيقة بنية اجتماعية. واستنادا لوجهة النظر هذه، نجد أن سعي ~~باتاي المتجاوز وراء التهجين، أو تكتلات بيلمر الهوسية للأعضاء الجنسية، محرران ~~بشكل عجيب في رفضهما معالجة «الأنوثة» الأساسية بشكل مثالي، وإقرارهما بأن التمثيل بأي ~~حال من الأحوال غير طبيعي جوهريا. ومع ذلك، سارع المعارضون النسويون لكراوس بمعارضة ~~هذا الرأي قائلين إن الارتباط بالدهاء وسعة الحيلة لا يحرر المرأة بضرورة الحال. ~~علاوة على ذلك، تقترح سوزان روبين سليمان أن تشديد كراوس على الفتيشية قائم بحد ذاته ~~على فرضيات أبوية بقدر ما تنطوي الفتيشية - بلغة فرويد - على حجب اللاوعي الذكوري ~~احتمالية الإخصاء الأنثوي، من خلال استبدال الأغراض الموحية بالقضيب الأمومي؛ وهكذا ~~ترك منطق القضيب في محله دون مساس؛ ويترتب منطقيا على ذلك أن السريالية لا محالة ~~تدعم نظاما رمزيا ذكوريا، وأنه من العقيم، في سياق سياسات الجنس، أن ترضى النساء ~~بالبنى الذكورية للتمثيل. # لا شك أن الفنانات السرياليات تحدين الأفكار الثابتة المتعلقة بالجنس، ومن ~~أبرز الشخصيات في هذا السياق كلود كاهون. ولدت كلود كاهون في مدينة نانت بفرنسا، ~~واسمها الحقيقي لوسي شووب، واتخذت لنفسها اسما مستعارا لتعزيز الغموض الجنسي الذي ~~عادة ما مثل موضوعا للصور الفوتوغرافية الذاتية الثاقبة التي أنتجتها في ~~العشرينيات والثلاثينيات؛ وقد خدع ذلك الغموض المؤرخين لعدة سنوات، ولا يبدو أن كاهون ~~اندرجت حتى ضمن فهرس كتاب ويتني شادويك «الفنانات والحركة السريالية» (1985)، وكان ~~عليها الانتظار حتى أواخر الثمانينيات ليعاد اكتشافها. وتظهر كاهون في صورها بعدة ~~هيئات مقنعة - بداية من الرياضي الممارس لكمال الأجسام وانتهاء بدمية يابانية - ~~بحيث تصبح أنوثتها شيئا «مبنيا» بوضوح؛ وفي واحدة من صورها الذاتية (شكل # 5-1 ~~)، تلمح هيئتها الرجولية بشكل صارخ إلى مثليتها الجنسية ~~بوضوح. وإذ كانت على دراية بأن النساء في التمثيلات البصرية عادة ما يكن موضوع ~~النظرة (الذكورية) المتفرسة، نراها ms102 تواجه نظرتنا وجها لوجه، وفي تلك الأثناء، نرى ~~صورتها المعكوسة على المرآة تحدق في مكان آخر. # شكل 5-1: كلود كاهون، «صورة شخصية»، صورة فوتوغرافية، 1928. # ثمة فنانة أخرى أعيد اكتشافها حديثا، ولكنها ترتبط بدادائية نيويورك هذه المرة، ~~ألا وهي البارونة فريتاج-لورينجهوفن. كانت هذه البارونة - التي تزوجت في الواقع من ~~بارون ألماني، ولكن انتهى بها المطاف في نيويورك مفلسة، واضطرت لامتهان الاستعراض ~~أمام المصورين كوسيلة لكسب العيش - شخصية عجيبة بشكل لافت للنظر، وكثيرا ما كانت تقطع ~~قرية جرينتش سيرا على الأقدام حاملة سطلا من الفحم على رأسها، أو ملصقة طوابع ~~بريدية ملغاة على وجهها، ولكن يزعم أن إسهاماتها التي قدمتها للحركة محدودة، ~~فيما خلا عملها الفني «الرب»، وهو عبارة عن عمل فني جاهز أنجزته عام 1917، ويتألف ~~من مواسير مياه مثبتة بشكل رأسي داخل صندوق قطع مائل، وبدا أنها محط سخرية دوشامب ~~ومان راي؛ حيث لعبت دور «البطولة» في مشروع فيلم بذيء وفاشل في نهاية المطاف من ابتكار ~~الثنائي عام 1921، في ذلك المشروع، صورها الاثنان وشعر فرجها حليق. من المهم إذن أن ~~نتحرى الحيطة والحذر من النزعة التنقيحية المغالية في الحماس؛ فثمة خطورة من تحريف ~~العلاقة الفعلية لشخصية بفعل الظروف التاريخية. لقد كانت إعادة اكتشاف النساء السالف ~~إهمالهن مشروعا مهما جدا في البعثات الدراسية المعنية بالدادائية والسريالية، ~~لكن إعادة الاكتشاف هذه تعاني من مشكلاتها الخاصة. وقد يبدو ملائما دمج فنانات أمثال ~~البارونة في سرديات الدادائية والسريالية، بدلا من فصلهن وعزلهن بوصفهن «حالات خاصة»، ~~وقد كانت هذه استراتيجيتي إلى حد ما في هذا الكتاب. ولكن، هل تعزز هذه العملية ~~رضوخهن التاريخي للأيديولوجيات الثقافية الذكورية؟ # قد يكون المؤرخون، على أي حال، أخفقوا في تقدير درجة التفكير الانعكاسي الذاتي التي ~~تنطوي عليها أعمال بعض الدادائيين والسرياليين الذكور. وبغض النظر عن المدى الذي ~~تسببت به مواقفهم تجاه المرأة في جعلهم مسايرين لجيلهم - فالمرأة في فرنسا لم تمتلك ~~الحق في التصويت إلا بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها - لعل هؤلاء ~~الرجال على الرغم من ذلك فهموا أن ms103 هوياتهم الذكورية الخاصة مضطربة نوعا ما أو عرضة ~~للتشكيك. # لقد تم التعبير عن الذكورية بطرق معقدة في الفن الدادائي والسريالي؛ فالفحولة ~~ونتائجها التكاثرية فكرة كثيرا ما تطرح على استحياء، ولو أنه من العجب أنها نادرا ~~ما تكون موضوعا للنقاش في الأدب. رسم ماكس إرنست مثلا لوحتين سرياليتين شبه تجريديتين ~~عام 1934 بعنوان «السباح الأعمى»، ألمح عنوانهما بطريقة شعرية للعضو الذكري ومرور ~~المني، وفي الوقت نفسه استحضرتا الحتمية المحضة للطاقة الشهوانية. يرتبط العمى في ~~عمل إرنست بفكرة التجربة الحالمة الباطنية، ويوحي ذلك بدرجة من التسامي بالإيحاءات ~~الجنسية للفكرة بشكل سافر. ويمكننا أن نرى عملية شبيهة جارية في لوحة أندريه ماسون ~~«ميلاد الطيور» (شكل # 3-2 ~~) التي جعل فيها التناسل نظيرا ~~لتوليد الصور في لا وعي الفنان (الذكر)؛ إذ ينجب الفرج طيورا محلقة تستدعي، في ~~أبسط المستويات المجازية، فكرة «شطحات الخيال». وإذا قارنا هذا التمثيل للميلاد ~~بتمثيل من تمثيلات فنانة محسوبة على السريالية، ألا وهي فريدا كاهلو، فستتجلى بعض ~~أوجه الاختلاف الكبيرة (شكل # 5-2 ~~)؛ فالصورة الأصلية بشكل مذهل ~~لكاهلو، والتي صورت نفسها فيها وهي تخرج من جسد أمها المغطى، كانت في جزء منها وليدة ~~حزنها على وفاة أمها، وفي جزء آخر وليدة حزنها على موت وليدها؛ ومن ثم فهي تلد ~~نفسها. إن عملها ينكر الطبيعة الشعرية للإيحاءات الذكورية للتناسل، مع التأكيد على ~~أن الميلاد عملية قذرة بدنيا وصادمة وجدانيا. # ومهما كان الفنانون السرياليون الذكور مثاليين في مواقفهم من الإنجاب (ومن المغري أن ~~نستدعي مفهوم التحليل النفساني السيئ السمعة الممثل في «حسد الرحم»)، فمن الواضح ~~أنهم تأملوا في قدراتهم التكاثرية، وقدرات النساء، بشيء من الصراحة. وبقدر ما جعلوا ~~المرأة موضوعا للفتيشية، فقد كانوا كاشفين إلى حد كبير عن سبل ذكورية تحديدا ~~لرسم مفهوم للجنسانية؛ ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتسق موقفهم مع اهتمامنا الحالي ب ~~«تفكيك» صفة الذكورة، وقد كانت هذه المسألة ألح ما تكون داخل الدادائية. # شكل 5-2: فريدا كاهلو، «مولدي»، لوحة، 1932. # استكشف دوشامب، أكثر من أي شخص غيره، في نيويورك ظاهرة الاختلاف ms104 الجنسي في عمله ~~«الزجاجة الكبيرة»، وقد كانت الذكورة، أو القصور الذكوري إن شئنا الدقة، أحد الأفكار ~~المحورية لذاك العمل. وفي ملاحظاته المتعلقة بعمله، أكد دوشامب بشكل غامض على أن ~~العزاب في النصف التحتي من عمله - المحصورين فيما يصفه ب «قوالب ذكورية» - «لن ~~يتمكنوا مطلقا من تجاوز القناع.» # وفي الفترة بين عامي 1921 و1924، ارتدى دوشامب نفسه قناع شخصية بديلة شبيهة، ألا ~~وهي روز سيلافي، في سلسلة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها مان راي، وتجاور تلك ~~الصور بشكل لافت «اللوحات الشخصية» التي ناقشناها لكلود كاهون (شكل # 5-1 ~~). وبالمقارنة بالتحولات الجنسية لكاهون، تبدو تحولات دوشامب ~~فاترة نوعا ما؛ ففي واحد من تلك التحولات، نجد ملامح وجه روز تبدو قاسية بشكل يثير ~~الشك، وكأن دوشامب يقر بعدم فعالية التنكر. واستدعاء لنقطة سوزان روبين سليمان ~~المتعلقة بالأساس الأبوي لأيقنة الدادائية/السريالية، يمكن تفسير ذلك بأنه يشير إلى أن ~~روز تمتلك سرا القضيب؛ أي إنها بلغة التحليل النفساني «أم ذات قضيب». قد يضفي ~~هذا على الواقعة نوعا من كراهية النساء بشكل مباشر، ولكن يجوز الزعم أن روز تمثل ~~ردة فعل ساخرة نوعا ما لنشوء ظاهرة «المرأة المسترجلة» حديثا في فرنسا وأمريكا في ~~أوائل القرن العشرين ، وهو ما تجسده كلود كاهون، إلى حد ما، ولو أن صورها الشخصية ~~متأخرة على صور دوشامب. يبدو أن دوشامب تلاعب بروح الذكورية الانفصالية في حياته ~~بقدر ما تلاعب بها في أعماله؛ حيث احتفظ بإصرار بعزوبيته، وعبر كذلك مجازيا عن ~~خطاب فني ذكوري التوجه في أعمال مثل «النافورة» (شكل # 1-2 ~~). ~~قد يعتبر كل ذلك استجابة أنيقة للانفصالية الأنثوية؛ فبدلا من أن يسخر الصفة ~~الأنثوية «لإحداث تحول في الحياة» بما يتسق مع المنهج السريالي، يلمح دوشامب إلى ~~أن الفنان ينبغي أن يعيد تعريف جنسه الخاص. # مسائل متعلقة بالعرق: من «البدائية» إلى مناهضة الكولونيالية # إذا بدت مواقف الدادائية من الجنس أكثر انسجاما مع مواقفنا السياسية الراهنة ~~بالمقارنة بمواقف السريالية، فقد كانت الحالة مختلفة فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة ~~بالعرق. ولكن، من المهم أولا أن نبحث ms105 مسألة «البدائية»؛ كان «للفن البدائي» ~~المزعوم جاذبية كبيرة لدى الفنانين في ~~أوائل القرن العشرين، بداية من بيكاسو وحتى ~~التعبيريين الألمان. وقد نشأ ولع خاص بالأقنعة الأفريقية؛ فقد كانت توحي بطرق لتبسيط ~~الشكل البشري بشكل جذري (من المشهور عن بيكاسو أنه تحدث عن تلك الأقنعة باعتبارها ~~«حكيمة»)، ولكنها أيضا أوحت بسبل للعودة، على طريقة الأسلاف، إلى «الأصول» الأولية ~~كجزء من نقد حداثي للمغالاة في تعقيد الثقافة الأوروبية. # طغى هذا التوجه على الدادائية، وبالنظر مجددا إلى لوحة يانكو لكباريه فولتير ~~الكائن في زيوريخ (شكل # 1-1 ~~)، نجد أن الفنان سجل وجود قناع كبير ~~معلق على الجدار وراء المسرح، بينما من المحتمل أن الدادائيين على المسرح كانوا ~~يرتدون أقنعة مطلية بشكل مبهرج، جمعت من مواد خام كالورق المقوى والخيوط المجدولة، ~~أنتجها يانكو بنفسه لعروضهم الأدائية. وإننا نعرف من مذكرات هوجو بال أن «الرقصات ~~الزنجية» كانت جزءا رئيسيا من تجليات الدادائية. ويبدو أن المؤدين استوعبوا تلك ~~الأقنعة في سياق طقسي، على اعتبار أنها مرتبطة بظاهرة «التملك»؛ كتب بال يقول: «لم ~~يبد أن كل قناع يتطلب زيا ملائما له فحسب، بل اقتضى أيضا مجموعة محددة ~~جدا من اللمحات الميلودرامية التي تدنو حتى من الجنون.» ولكن، قليل من الدادائيين هم ~~الذين ربما أقاموا وزنا للسياقات الثقافية المحددة لتلك القطع، ربما باستثناء ~~تريستان تزارا الذي كتب لاحقا مقالات عن الفن الأفريقي والمحيطي. في برلين، أنتجت هانا ~~هوخ سلسلة من التجميعات الصورية خلال الفترة ما بين عامي 1925 و1930 بعنوان «من ~~متحف الأجناس البشرية»، وفيها وضعت صورا فوتوغرافية التقطت بشكل مستفز لأقنعة ~~قبلية سوداء على أجساد نساء أوروبيات، كنقد للأفكار الغربية المعيارية المتعلقة ~~ب «الجمال». لقد أضفت ضمنا تلك الأعمال قيمة على الجماليات الأفريقية، وفضلتها ~~على الجماليات الأوروبية، لكنها افترضت بذلك أن أفريقيا «آخر» بشكل غرائبي. # بالالتفات إلى السريالية، نجد أن الأعمال الفنية اليدوية «البدائية» كانت مصادر حاسمة ~~لإلهام فنانين أمثال ماكس إرنست وأندريه ماسون وألبرتو جياكوميتي وفيكتور برونر، وهذه ~~المرة كانت الأغراض من صنع الهنود الأمريكان والإسكيمو وشعوب ms106 منطقة الأوقيانوس. كان ~~الفن الأفريقي أقل شهرة بين السرياليين، ويرجع ذلك جزئيا إلى استعمالاته الشكلية ~~في التكعيبية، بينما كانت الأعمال الفنية اليدوية الأوقيانوسية تحديدا محط إعجاب؛ ~~نظرا للحريات المربكة التي اتسمت بها في تعاطيها التشريح، علاوة على رمزيتها ~~المتقنة. في عام 1929، نشر السرياليون خريطة معاد رسمها للعالم في المجلة السريالية ~~البلجيكية «فارايتي»، وعلى الخريطة، لم يكن هناك وجود لفرنسا ولا الولايات المتحدة ~~الأمريكية بالمرة، واحتلت بولينيزيا والمكسيك وألاسكا أهمية مهولة. في أعمالهم، أبدى ~~الفنانون انتقائية علمية. استغل جياكوميتي السمات الرسمية لتماثيل ماجلان من نيو ~~أيرلاند كمصادر للأشكال المفككة بشكل عنيف والشبيهة بالحشرات، والمحصورة داخل سقالة ~~تطويق، في منحوتة خشبية بعنوان «القفص» عام 1931. وكانت سرقات ماكس إرنست شرهة؛ حيث ~~تراوحت ما بين إشارات ضمنية إلى أشكال لطيور من جزيرة القيامة في لوحاته التي رسمها ~~أواخر العشرينيات، واستخدام الدمى الأمريكية الهندية كنقاط مرجعية لمنحوتاته ~~الطوطمية في أوائل الأربعينيات. # تطور نطاق المقتبسات السريالية بالتزامن مع التوسع الكبير للأدب العرقي في فرنسا ~~بمرور العشرينيات. كان أغلب الفنانين على دراية واسعة بأشخاص مثل لوسيان ليفي-بريل ~~ومارسيل موس، علاوة على عالم الأنثروبولوجيا السير جيمس فريزر. وفي فرنسا، كان ~~الاهتمام ب «علم الأعراق»، شأنه شأن الأنثروبولوجيا الاجتماعية في بريطانيا ، ممتدا ~~إلى «الفن بوصفه فنا جميلا»، وكذلك إلى التخصص الأكاديمي، وشهدت الحياة الثقافية ~~الفرنسية في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته تحولا مهولا في المواقف تجاه ~~«البدائي»، ممثلا في إحلال «متحف الإنسان» (تأسس عام 1937) بعنايته بالخصوصية ~~العرقية والعرض اللاهرمي للأغراض الثقافية المتشعبة، محل متحف تراكاديرو القديم في ~~باريس بمجموعته المختلطة من المعروضات القبلية الغريبة. # لقد كان هذا التحول المهم قوة دافعة وراء دورية «وثائق»؛ لسان الجماعة السريالية ~~المنشقة بقيادة باتاي. وحقيقة الأمر أن بول ريفييه، الذي أسس «متحف الإنسان»، كان ~~من بين مؤسسي هذه الدورية ومجلس تحريرها، وكذلك كان ميشيل ليريس السريالي الذي كان ~~محسوبا في السابق على بريتون والمتخصص المتمرس في علم الأعراق. تتسم صفحات تلك الدورية ~~بالانتقال المتكلف ما بين الأغراض والممارسات «الرفيعة» و«الوضيعة» ثقافيا، في سياق ~~إضفاء ms107 صفة النسبية على التواصل الثقافي، الذي أطلق عليه المؤرخ الثقافي الأمريكي جيمس ~~كليفورد «السريالية الإثنوغرافية». وشأنه شأن غيره من سلسلة «تعريفات القاموس» غير ~~التقليدية المنشورة في الدورية، يوجز كيميائي إنجليزي معنى «الإنسان»، على سبيل المثال، ~~على النحو التالي: # الدهن البدني لإنسان مخلوق بشكل طبيعي يكفي لتصنيع سبعة قوالب من صابون ~~الحمامات، وهناك ما يكفي من الحديد في ذاك الكائن لصنع مسمار متوسط الحجم ... ~~والفسفور يمكن أن يؤمن لنا 2200 عود ثقاب. # هذه المقابلات المذهلة للمعلومات لها غرابتها الخاصة بطبيعة الحال، لكنها في هذه ~~الحالة تساعد على الإطاحة بسلطة الفكرة الأوروبية الركيزة عن «الإنسان»، والمستندة إلى ~~لون البشرة الأبيض والعقلانية الديكارتية، التي كانت راسخة في السابق ضد فكرة ~~«البدائي». # لدينا الآن فرجة يمكن أن نطل منها على روح مناوئة للكولونيالية بعمق في الخطاب ~~السريالي، ولكن علينا أن نعود إلى السريالية «الرسمية»، ولردود أفعال أندريه بريتون ~~تجاه بزوغ نجم حركة «الزنوجة» في جزر الهند الفرنسية، لتقييم إلى أي مدى أمست ~~السريالية مسيسة في علاقتها بالعرقية. لقد أبدى السرياليون معارضتهم ~~للكولونيالية الفرنسية منذ عام 1925؛ إذ أيدوا علنا، في واحد من أول أفعالهم ~~السياسية صراحة، رجال قبيلة الريف في نضالهم ضد السلطات الفرنسية في المغرب، وفي عام ~~1931، تظاهروا ضد الاستعراض الكبير المؤيد للاستعمار الذي أقيم في باريس للاحتفال ~~بالسطوة الإقليمية لفرنسا. وعلاوة على توزيع منشور يحذر الناس من حضور هذا ~~الاستعراض، فقد أقاموا معرضا بديلا تحت عنوان «حقيقة المستعمرات»، وعلقت واحدة من ~~فترينات المعرض بوضوح على المفاهيم الغربية للأغراض القبلية باعتبارها «فتيشيات»؛ حيث ~~احتوت على تمثال كاثوليكي للعذراء وطفلها إلى جوار صندوق تبرعات على هيئة طفل أسود يحمل ~~ملصق «فتيشيات أوروبية»، في إشارة ضمنية بليغة إلى الفتيشية الدينية والاقتصادية للغرب. ~~ومع ذلك، فقد شهدت أواخر الثلاثينيات تصاعدا في المشاعر المناوئة للاستعمار عبر ~~العلاقات المقامة حديثا بين الحركة السريالية والكتاب الذين كانوا أنفسهم ذوي ~~خلفية استعمارية؛ وكان الحافز الأكبر هنا الشاعر إيمي سيزير. # سيزير أصلا ابن جزر المارتينيك، ودرس في باريس في النصف الثاني من ms108 الثلاثينيات، ~~لكنه عاد إلى بلاده عام 1939، ومن عام 1941 فصاعدا، نشر هو وزوجته سوزان والفيلسوف ~~رينيه مينيل دورية بعنوان «تروبيك»، مزجت بين معارضة حكومة فيشي في باريس، والإعجاب ~~بالمبادئ التحررية للسريالية بالتزامن مع بدايات أيديولوجية «الزنوجة»؛ أي تأكيد ~~هوية السود في مواجهة الأيديولوجية «الاستيعابية» التي تقوم عليها السياسة الفرنسية ~~تجاه مستعمراتها. في عام 1941، قام أندريه بريتون - الذي كان إبان تلك الفترة بصدد ~~الهروب من الاحتلال الألماني لفرنسا وفي طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية - بزيارة ~~المارتينيك، واكتشف كلا من سيزير ودورية «تروبيك»؛ وبناء عليه أكد بريتون أن ~~قصيدة «العودة إلى موطني»، وهي قصيدة طويلة ألفها سيزير في الفترة بين عامي 1938 ~~و1939، كانت ببساطة «أعظم أثر غنائي في عصرنا.» ولم تكن هذه بلا شك نهاية علاقة ~~بريتون بالمستعمرات؛ ففي عام 1945، هذه المرة قبل عودته مباشرة إلى فرنسا من أمريكا ~~بعد الحرب العالمية الثانية، قام بزيارة هاييتي لإلقاء محاضرة عن السريالية. لقد شهدت ~~هاييتي ثورة عبيد عام 1804، لكنها خضعت منذ عام 1915 إلى الهيمنة الأمريكية، ويبدو ~~أن وجود بريتون لعب دور الحافز للشقاق بين صغار المفكرين، واندلعت الثورة، ولو أن ~~الإيماءة السياسية الصريحة الوحيدة للقائد السريالي يبدو أنها تمثلت في رفضه لقاء ~~رئيس الدولة المدعوم من أمريكا. لمرة واحدة إذن ساهم الخطاب السريالي في إحداث ثورة ~~حقيقية. # بالعودة إلى أشعار سيزير، أو تحديدا إلى قصيدة «العودة إلى موطني»، حري بنا ~~التأكيد على مدى تسخير تقنيات التجاور المتناقض السريالية، بعيدا عن حركة باريس، ~~للتعبير عن استياء الناس من قمعهم الماضي وتوقهم إلى لغة جديدة. # شكل 5-3: ويفريدو لام، «الغابة»، لوحة زيتية، 1943، متحف الفن الحديث، ~~نيويورك. # ولكن، أتستطيع أن تقتل الأسى بوجهه الجميل الشبيه بمحيا سيدة إنجليزية ~~أصابها الذهول؛ إذ عثرت على جمجمة من قبيلة الهوتنتوت في وعاء حسائها؟ ... أريد ~~أن أعيد اكتشاف رائحة الخطب العظيمة، والنيران الملتهبة. أريد أن أقول: ~~عاصفة. أريد أن أقول: نهر. أريد أن أقول: إعصار. أريد أن أقول: ورقة شجر ~~... # ويجد مستوى الشغف هذا نظيرا له في الفنون البصرية، ms109 ممثلا في أعمال شخصية أخرى ~~متأثرة بالسريالية، عادت إلى محل ميلادها المستعمر بعد الانغماس لفترة طويلة في ~~الثقافة الأوروبية؛ ألا وهي ويفريدو لام. ولد لام أصلا في كوبا، وتدرب في مدريد، ~~وتأثر تأثرا شديدا كرسام بلقائه ببيكاسو، ومن بعده بالسرياليين عام 1938، وأفضت ~~عودته إلى كوبا، عن طريق جزر المارتينيك بصحبة بريتون، إلى إنتاجه لوحة عظيمة بعنوان ~~«الغابة». # تتألف اللوحة من نسيج صوفي غليظ عليه أجساد عارية محاطة بكساء نباتي خانق، وهي ~~توظف مفردات «بدائية» مستقاة من السريالية، للربط المتقاطع ما بين الغابات العجيبة ~~بشكل بريء للرسام الفرنسي «البدائي» هنري روسو، والرؤية الانفصالية الشكلية للنساء في ~~ماخور الممثلة برائعة بيكاسو الإبداعية السابقة للتكعيبية «آنسات أفينيون» عام 1907. ~~كتب لام ليجعلنا على دراية بأثر الاستعمار على الغابة: # روسو ... لا يدين ما يحدث في الغابة، أما أنا فأدينه. انظروا إلى وحوشي ~~والإيماءات التي تبدر منها. الوحش الموجود جهة اليمين يعرض ردفه بإباحية ~~عاهرة. انظروا أيضا إلى المقص في الزاوية اليمنى العليا ... # إن حقيقة استدعاء السريالية للتعبير بوضوح عن المحفزات الأولى لحركة الزنوجة، قد ~~يبدو أنها توحي بأن السريالية كانت مسيسة فيما يتعلق بالهوية العرقية، وعلى ~~الرغم من ذلك، جاء دافع تلك اللمحات من خارج الحركة السائدة الكائنة بباريس لا من ~~داخلها . حتى عام 1938، لم يزل السرياليون «الرسميون»، وتحديدا بريتون، قادرين على ~~إضفاء سمة عجيبة على الثقافات الأخرى؛ فقد تصوروا المكسيك على سبيل المثال الدولة ~~الثائرة المثالية؛ حيث شهدت ثورة شعبية في الفترة بين عامي 1910 و1917. وعندما زارها ~~بريتون عام 1938، وكان حريصا على دعم التوسع الدولي للسريالية - بما يتسق مع استحداث ~~مقار خارجية في تشيكوسلوفاكيا وبريطانيا وغيرها من الدول - لم تنل إعجابه أعمال ~~الشيوعي الواقعي دييجو ريفيرا تحديدا، بقدر ما نالته أعمال زوجته فريدا كاهلو؛ فقد ~~كانت أعمالها - بحسب تأكيدات بريتون - سريالية، ولو أنها لم تكن تعرف شيئا عن الحركة ~~أساسا. في المقابل، كانت كاهلو ترى لوحاتها، التي كانت ذاتية الطابع في المقام الأول، ~~واقعية جوهريا في روحها، وكانت نقاطها المرجعية خاصة جدا بالمكسيك؛ ms110 ففي لوحتها ~~«ميلادي» (شكل # 5-2 ~~)، عززت الإشارات المرجعية الشخصية المؤلمة ~~السابق ذكرها حقيقة أن اللوحة رسمت كنذر كاثوليكي على الصفيح، كما كانت أيضا ~~شكلا من التضرع للإلهة الأزتكية تلازولتيول المقدسة عند النساء اللائي يلقين ~~حتفهن عند الإنجاب. ولا بد أن بريتون - الذي كانت الهوية بشكل أساسي بالنسبة إليه ~~شيئا يخضع للشك، لا مسعى يتعين على المرء بلوغه - بدا لا مباليا بسعيها وراء ~~الجذور المكسيكية، وبدا أنها أصيبت بالضجر من تنظيره. لقد أضفى عليها أساسا طابعا ~~غريبا؛ حيث وصفها ذات مرة ب «وشاح حول قنبلة»، وهو ما يتسق مع المواقف السريالية ~~الذكورية المعتادة. # رأى بعض نقاد السريالية، أمثال الكاتب الكوبي أليخو كاربنتير، خطابها «التعميمي»، ~~واعتبر رغبتها في التوفيق بين المتناقضات، كما في هيجلية بريتون، مكافئة لإنكار ~~«الاختلاف»، خاصة في سياق ثقافي، ولو أننا نرى أن السريالية كانت أيضا مستندة إلى ~~الذاتية الذكورية السائدة. بالنسبة إلى كاربنتير، تعطشت السريالية الأوروبية إلى ~~الثقافات الأخرى وتهافتت عليها، بينما كانت مواطن مثل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي ~~- حيث ما برحت بقايا المعتقدات السحرية صامدة - مواطنها الحقيقية. # وبوضع وجهة النظر هذه نصب أعيننا، يجوز حتى أن نشكك في نطاق الروح الأممية التي ~~اعتنقتها الدادائية والسريالية. كانت الدادائية، على الرغم من تنوع مواطنها، ذات ~~طابع غربي إلى حد بعيد، ولو أن الأبحاث الأخيرة حول العلاقات الأوروبية الشرقية للحركة ~~- بما في ذلك الإقرار بأن يانكو وتزارا في زيوريخ كانت علاقات مستمرة تربطهما ~~بالطليعية في رومانيا مسقط رأسيهما - وحقيقة أن ثمة حركة يابانية ازدهرت فيما بين ~~عامي 1920 و1925؛ توحيان بأنه يجوز لنا أن ننظر للدادائية على اعتبار أن لها نطاقا ~~عالميا أوسع. في الثلاثينيات، كان يمكن أن نرى السريالية تنبت في مواطن مثل ~~يوغوسلافيا والدنمارك وجزر الكناري، واليابان مجددا حيث أقيم معرض دولي في كل من ~~طوكيو وكيوتو عام 1937؛ لكن وجهة نظرها الكلية كانت في المقام الأول أوروبية ~~الركيزة. في عام 1955، استدعى بريتون توقير السرياليين للثقافات غير الغربية، وبأسى ~~أقر بأن «الإلهام الذي استقيناه من فنهم ظل عقيما في ms111 نهاية المطاف بسبب قصور ~~الاتصال الفعلي الأساسي؛ مما أعطى انطباعا بانعدام الجذور.» وأقل ما يمكن أن نفعله ~~هو أن نستشعر التعاطف، ونعبر عن إعجابنا بصدقه. # الانحيازات السياسية # نبع انشغال الدادائية والسريالية بسياسات الجنس والعرق بطبيعة الحال من اهتمامهما ~~بالحرية الفردية. ولكن، ماذا عن علاقات الحركتين بعالم السياسة «المعقدة»؟ إذا ~~نظرنا للدادائية باعتبار أنها نشأت بالتزامن لا مع الحرب العالمية الأولى بل مع الثورة ~~الروسية، وللسريالية باعتبار أنها تطورت بالتزامن مع صعود نجم ستالين وهتلر؛ فقد ~~نتساءل كيف يمكن لتركيزهما على الفردية واللاعقلانية أن يضاهي مثل هذه الأحداث ~~والخيارات السياسية العظيمة. ولكن، انطلاقا من إخلاص الحركتين للدافع الطليعي لإقامة ~~صلات بين التجربة الجمالية والاجتماعية، فقد رسختا تحيزات سياسية. # في حالة الدادائية، علينا أن نتطلع بالكامل تقريبا إلى جماعة برلين؛ فالدادائيون ~~في نيويورك وباريس أصيبوا بخيبة الأمل إلى حد كبير في السياسات الحزبية، ونزعوا ~~عموما إلى أفكار لا سلطوية أو لا سلطوية-نقابية تتسق مع مواقفهم الفردية بقوة، ~~وفضلت جماعة زيوريخ أيضا اللاسلطوية، وانشغل بال تحديدا انشغالا فكريا عميقا ~~بكتابات المنظر الروسي للاسلطوية ميخائيل باكونين، ولو أنه أنكر في نهاية ~~المطاف الفرضية اللاسلطوية المسبقة القائلة بأن الإنسان خير بالفطرة، وانتكس انتكاسة ~~درامية إلى الكاثوليكية. وبينما ذوت دادائية زيوريخ، وأمسى فالتر سيرنر وتريستان ~~تزارا سلبيين بشكل متزايد، انشغل بعض أعضاء الجماعة، الذين ارتفعت روحهم المعنوية ~~بفعل احتمال اندلاع ثورة في ألمانيا، بمشروعات يوتوبية مثل مجموعة عرض «الحياة الجديدة» ~~التي صبت إلى العصور الوسطى؛ التماسا لنموذجها الخاص بهدم التمايزات بين الفنون ~~والحرف، كما كان آرب وتاوبر يفعلان بالفعل. ولكن، عندما وصلت أخبار من برلين بشأن ~~مقتل روزا لوكسمبورج وكارل ليبكنيشت، خاب أمل جماعة زيوريخ إلى الأبد؛ حيث رضيت ~~بالتجريد بدلا من السياسة، وجعل شفيترز في هانوفر هذا المبدأ اعتقادا راسخا. ولكن، ~~في برلين، اقتضى الأمر مجابهة الوقائع السياسية. # كما ذكرنا آنفا، تفككت جماعة برلين إلى طائفة لا سلطوية وأخرى شيوعية. وشأن ~~جماعة زيوريخ، انجذبت الطائفة اللاسلطوية، لا سيما راءول هاوسمن ويوهانس بادر، إلى ~~نموذج المجتمعات ms112 الصغيرة، وتشككت في التشكيلات السياسية المنظمة؛ ومن ثم ~~كتب هاوسمن: «الشيوعية هي عظة على الجبل منظمة بطريقة عملية، وهي عقيدة للعدالة ~~الاقتصادية، وجنون جميل.» يجب أن ننظر إلى هيرتسفيلده-هارتفيلد-جروتس، باعتبارهم أعضاء ~~نشطين بالحزب الشيوعي الألماني، لنرى ما إذا كان بالإمكان أن تترجم الدادائية إلى ~~أيديولوجية سياسية. # بالنظر إلى دورية «كل إنسان كرته الخاصة» (شكل # 2-8 ~~) التي نشرتها ~~هذه الفرقة بعد مقتل لوكسمبورج وليبكنيشت بفترة وجيزة، والتي تثبت أنهم، بشكل فريد، ~~يعملون بالتوازي مع الجناح اللاسلطوي للجماعة؛ لا يساورنا سوى شك طفيف في تعاطفاتهم ~~السياسية. ونجد في تلك المنشورة تأكيدات على أن «الثورة في خطر»، وثمة رسم كاريكاتيري ~~لجورج جروتس يظهر أعضاء بحكومة الأغلبية الاشتراكية الجديدة في برلين على هيئة دمى ~~في يد الكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي أثار مخاوف هائلة من البلشفية. واسترجع فالتر ~~ميرنج كيف روج الدادائيون أنفسهم هذه الدورية في أحياء الطبقة العاملة بالمدينة ~~برفقة فرقة موسيقية صغيرة، وبيع منها 7600 عدد في الخامس عشر من فبراير عام 1919 قبل أن ~~تحظر رسميا. # نشرت بعد ذلك دار نشر ماليك فيرلاج اليسارية، المملوكة لهيرتسفيلده، عددا كبيرا ~~من أعداد دورية بعنوان «إفلاس»، ولقد أفضى موقف هذه المجلة الموالي للسوفيت بشكل واضح ~~إلى اعتقال هيرتسفيلده والزج به وراء القضبان لأسبوعين، وبعد أن أطلق سراحه ، ~~صادف أن العدد الثالث من المجلة الذي من تصميم جروتس، كان يشير بوضوح إلى مجزرة ~~عصبة سبارتكوس، وفيه يقف وزير الدفاع جوستاف نوسكه، ممسكا سيفا بإحدى يديه، وكأسا من ~~الخمر بالأخرى، في شارع تتناثر الجثث فيه، وتحت الصورة ورد التعليق الساخر التالي: «في ~~صحتك، نوسكه - نزع سلاح الطبقة العاملة!» # ثمة نبرة ساخرة قوية تجلت هنا، لكن فريق ~~هيرتسفيلده- هارتفيلد-جروتس لم يبذل جهدا ~~كبيرا لخدمة القضية الشيوعية في ألمانيا بعد الإطاحة بعصبة سبارتكوس؛ فقد كان ~~هيرتسفيلده ناقدا بكثرة للحزب الشيوعي الألماني؛ حيث تهكم من مذهبه المناوئ للفكر ~~وانعدام قيادته. بحث الدادائيون في أماكن أخرى عن نماذج مثالية لهم؛ وإنهم أساسا قد ~~التمسوا تلك النماذج في الشيوعية السوفيتية، لكنهم أيضا التمسوها ms113 في غموض عصر الآلة ~~بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي يعتبر موضوعا للمثالية في بعض أعمال التجميع ~~الصوري لهارتفيلد وجروتس بعينها. وكان أن ساهم هارتفيلد لاحقا في هجمات رائعة على ~~صعود نجم هتلر في المنشورات الشيوعية. لكن دادائية برلين في أوجها لم تبذل الكثير لدعم ~~الشيوعية في ألمانيا، وكان الحزب الألماني الشيوعي من ناحيته يتعامل بلا مبالاة مع ~~الدادائية، وكان النقد الأساسي الموجه بقوة إلى الحركة يتمثل في إنتاجها فنا ~~متقدما وثوريا قبل اندلاع الثورة؛ فكيف يمكن للطبقة العاملة (البروليتاريا) فهم ~~لغتها؟ # إذا بدا أن هذا النقد يعيق سياسات الدادائية، فقد ثبت أنه مصدر القلق المتكرر ~~لمحاولة السرياليين المشتركة التكيف مع الحزب الشيوعي الفرنسي خلال الفترة ما بين ~~عامي 1926 و1935. كان السرياليون - شأنهم ~~شأن الدادائيين - دعاة للفردية أساسا، لكن بريتون وضع السريالية عمدا في قالب حركة، ~~بكل ما لها من مناشدات دائمة للتماسك الجماعي وبما لها من إقصاءات، على أساس كيان ~~سياسي جمعي. وأساسا، سعى بريتون إلى التوفيق ما بين فرويد وماركس؛ فقد آمن بريتون ~~بأنه ينبغي السعي وراء الحرية الفكرية بالتزامن مع إشعال ثورة على المستوى الاجتماعي ~~(ولم يقل الكثير إجمالا عن حقوق المرأة). ولكن، فيما يتعلق بالسياسة الحقيقية، كان ~~الأمر ضربا من المستحيلات. # جاءت أولى انتكاسات السرياليين عام 1927؛ إذ شكك واحد من أعضائها، ويدعى بيير ~~نافيل - عندما حاول السرياليون إقامة علاقات مع الحزب الشيوعي الفرنسي - في فرضيتهم ~~القائلة بأن الثورة الفكرية يمكن أن تسبق الثورة الفعلية. وعلى الرغم من أن السرياليين ~~انضموا إلى الحزب رسميا ذاك العام، فقد كان الآخرون دوما ينظرون إليهم نظرة ريبة وشك ~~بسبب موقفهم البرجوازي من الفن - «الفن لأجل الفن» - وانعدام أي صلات مثبتة بينهم ~~وبين الطبقة العاملة. في «البيان الثاني للسريالية»، أكد بريتون، متبنيا موقف ~~تروتسكي الذي أسي السرياليون على طرده من روسيا، على أنه بالرغم من أن الفن السريالي ~~لا يمكن اعتباره «بروليتاريا»، فإنه مع ذلك فن ثوري، مشيرا إلى الطريق الذي قد يسلكه ~~الفن البروليتاري في سيناريو ما بعد الثورة. ظل الحزب ms114 غير مقتنع، وعين بريتون ~~رسميا، بعد أن مثل للتحقيق أمام عدة لجان، في خلية من عمال تمديدات الغاز في ~~باريس، وطلب إليه الإبلاغ عن الظروف الاقتصادية للصناعات الثقيلة في إيطاليا؛ وهي ~~المهمة التي شعر بأنه ليس أهلا لها. # في عام 1932، بلغت الأمور مرحلة حرجة بالتزامن مع «مسألة أراجون» المزعومة؛ فقد ~~بدأ لويس أراجون ينشق عن السياسة السريالية الرسمية؛ إذ مثل الجماعة عام 1930 ~~بمؤتمر للكتاب الثوريين في خاركوف بروسيا، وتقبل الانتقادات القائلة بتروتسكية ~~الجماعة في الوقت الذي شوه فيه وجهات نظرها في جوانب أخرى. وفي عام 1931، أدى ~~إخلاصه المتزايد في دعوة الحزب إلى «أدب بروليتاري»، إلى أن نشر قصيدة بعنوان «الجبهة ~~الحمراء» في المجلة الشيوعية «أدب الثورة العالمية»، وقد حضت القصيدة الطبقات ~~العاملة على النضال الثوري بعبارات على غرار: «اقتلوا رجال الشرطة.» و«أطلقوا النار ~~على دببة الديمقراطية الاجتماعية المدربة.» كانت القصيدة دعوية في المقام الأول، ~~وبعيدة كل البعد عن الذوق السريالي. ولكن، عندما هددت السلطات الفرنسية ~~الحريصة على تقويض الشيوعية، بإدانة الشاعر إدانة غير مسبوقة على أسس كالتحريض على ~~القتل، دافع السرياليون عنه دفاعا مستميتا. ومع ذلك، فإنه عندما دعاه السرياليون ~~لاحقا لتأييد نص لبريتون يدافع فيه عن سلفادور دالي ضد هجمة شنتها عليه الصحف ~~الشيوعية؛ لم يكن أراجون مستعدا لتحدي الحزب صراحة، وكنتيجة لذلك، انفصل ~~نهائيا عن السريالية، وبعد ذلك كرس نفسه للموقف الجمالي المفضل لدى الشيوعية؛ ~~حيث انتقل في نهاية عام 1934 من «الأدب البروليتاري» إلى «الواقعية الاشتراكية». # أنهت العقيدة الواقعية الاشتراكية - التي ينبغي أن يكون الفن بموجبها اشتراكيا ~~في مضمونه، وواقعيا في شكله - بفعالية أي فرصة للمصالحة بين السريالية والسياسة ~~الشيوعية، وفي عام 1935، عزلت الجماعة رسميا من الحزب. كان حال مواطن خارجية ~~أخرى للسريالية أفضل من تلك الجماعة بمحض المصادفة؛ ففي تشيكوسلوفاكيا، قام منظر ~~الجماعة كاريل تيج بتحرير صحيفة الحزب الشيوعي؛ حيث كان يضمن انتشار المقالات ~~المتعلقة بالسريالية في تلك الصحيفة بانتظام، ولم تنفصل هذه الجماعة عن الحزب حتى عام ~~1938. # ورجوعا إلى فرنسا، نجد أن السنوات التي ms115 صعد فيها نجم «الجبهة الشعبية» - عندما ~~تضافرت جهود الشيوعيين وأحزاب اليسار في مواجهة صعود الفاشية - شهدت مواصلة تبني ~~السرياليين موقفا غريبا؛ حيث كانوا مناوئين للفاشية بعنف، لكنهم كانوا مشككين في ~~الميول القومية لليسار. ولفترة وجيزة، تضافرت جهود بريتون وخصمه القديم جورج باتاي تحت ~~لواء «الهجوم المضاد»؛ حيث انطلق باتاي تحديدا يخمن بأريحية كيف يمكن تسخير القوى ~~التي ستطلقها الفاشية في الجماهير لهدم الرأسمالية. وفي عام 1936، انطلق بنجامين ~~بيريه، وحده من بين السرياليين جميعا، للانضمام إلى اللاسلطويين في الحرب الأهلية ~~الإسبانية. وأخيرا، تخلى السرياليون عن الحزب الشيوعي بالتزامن مع أنباء «محاكمات ~~موسكو» التي أكدت شكوكهم الطويلة حول ستالين. # إن نهاية قصة محاولات السريالية الفاشلة للاصطفاف السياسي موجودة نوعا ما في بيان ~~الحركة المسمى «نحو فن ثوري حر»، الذي ألفه بريتون بالتعاون مع ليون تروتسكي (ولو ~~أن تروتسكي طلب من دييجو ريفيرا التوقيع على البيان نيابة عنه)، عندما زار الزعيم ~~السريالي عام 1938 بطله السياسي في المكسيك. وبينما كان العالم على شفا انهيار رأسمالي، ~~وعرضة لاضطهاد الستالينية والفاشية، ردد بريتون وتروتسكي بشكل حاسم مبدأ الحصانة ~~الفنية في خدمة الماركسية: «استقلال الفن من أجل الثورة، والثورة من أجل التحرر الكامل ~~للفن.» وكانت العاقبة المؤسفة لذلك أنه عندما عاد بريتون إلى فرنسا، اكتشف أن واحدا من ~~أقدم حلفائه ، ألا وهو بول إيلوار، كان يكتب لصالح صحيفة ستالينية؛ الأمر الذي عجل ~~بشقاق آخر حاسم أصاب قلب الحركة السريالية. انعزل بريتون المهزوم في الولايات المتحدة ~~الأمريكية طوال فترة الحرب العالمية الثانية، وعند عودته عام 1946، اكتشف أن إيلوار، ~~إلى جانب أراجون والدادائي السابق تريستان تزارا، قد أمسوا أبطالا أدبيين ~~للمقاومة، بينما كان جان بول سارتر والوجودية في موقف يسمح لهما بالهيمنة على الحياة ~~الثقافية الفرنسية. وطوى الماضي السريالية وعناد بريتون المبدئي فيما يتعلق بولائه ~~والتزامه. في حقيقة الأمر كان المزاج العام حادا ولاذعا، وقد طرح تريستان تزارا ~~السؤال التالي: «ما السريالية الآن؟ وكيف تبرر وجودها تاريخيا إذا كنا نعرف أنها ~~كانت غائبة عن هذه الحرب، ولا محل ms116 لها في قلوبنا وأنشطتنا خلال فترة ~~الاحتلال؟» # قد يبدو أن هذا الفصل الذي يتناول سياسات الدادائية والسريالية يختتم بخاتمة ~~مخيبة للآمال؛ إذ إن النتيجة الأوضح لهذا القسم الأخير هي أن السريالية - بغض ~~النظر عما أصابته من نجاح على المستوى الثقافي - يبدو أنها أخفقت سياسيا، على ~~الرغم مما خلفته من إرث كبير تمثل في انشغالها بالكولونيالية. ونكاد لا نستطيع ~~الزعم أن الدادائية، بسبب تفاديها السياسات التقليدية إلى حد كبير، قد أخفقت؛ فقد ~~مكنتها سلبيتها الخاصة من تفادي ذلك على أي حال. وعلى الرغم من ذلك، فقد وجد أن ~~الخلط المتفرد لماركس وفرويد في السريالية قاصر فيما يختص بالأيديولوجية الشيوعية في ~~الثلاثينيات، ولا يرى الجميع ذلك اختبارا عادلا. ظلت السياسات السريالية المثالية ~~واللاعملية في جوهرها مغضوبا عليها لعدة سنوات بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها ~~حظيت بنهضة كبيرة في بعض جوانب فكر اليسار الجديد في الستينيات. وإذا نظرنا إلى ~~استقبال الموقفيين الفرنسيين للسريالية مثلا، الذين قدر لهم أن يلعبوا دورا صغيرا ~~في الانتفاضات التي اندلعت عام 1968 في باريس، يمكننا أن نرى تقييما جديدا لغرائزها ~~السياسية. ورث الموقفيون من السريالية - عبر المنظر الماركسي هنري لوفيفر الذي كان ~~متصلا بالحركة بصلة وثيقة في مرحلة ما - الاعتقاد الكامل بأن الحياة اليومية، بما في ~~ذلك الأحلام والعلاقات الجنسية والتفاوض بشأن الحيز المدني وما إلى ذلك، هي الأرضية ~~التي يتوجب أن تقوم عليها الثورة. # في عام 1970، ألف المنظر الموقفي راءول فانيجيم - الذي نال اهتماما أقل ~~في السنوات الأخيرة مقارنة بجاي ديبورد، وكان لديه الكثير ليصرح به عما تدين ~~به الحركة للسريالية - كتابا موجزا (تحت الاسم المستعار جيه إف دوبوي) بعنوان «تاريخ ~~فروسي للسريالية»؛ وفي هذا الكتاب، أعرب عن أسفه على فرضية السريالية الضمنية التي ~~مفادها أنها تستطيع «الوصول إلى الجماهير» عبر الحزب الشيوعي، لا سيما أن هذه الفرضية ~~جعلت الحركة خانعة للبيروقراطية السياسية التي تحكمت في حلم السريالية بالثورة ~~الثقافية، «فتحققه حينا وتجهضه حينا». ومن اللافت أنه يشير إلى عودة بريتون في ~~فترة ما بعد الحرب إلى ms117 كتابات شارل فورييه الاشتراكي اليوتوبي الذي اشتهر في القرن ~~التاسع عشر، كوسيلة كان يمكن بها أن تكون السريالية أكثر إخلاصا لتحيزاتها السياسية. ~~كان فورييه غريب الأطوار بشدة في جوانب بعينها؛ فقد دون بريتون بإعجاب شديد في ~~كتابه «مختارات من الكوميديا السوداء»، كيف أن «فورييه آمن بأن الكرز هو نتاج تزاوج ~~الأرض مع نفسها، والعنب هو نتاج تزاوج الأرض مع الشمس». لكن فورييه كان على قناعة بأن ~~الحضارة مبنية على كبت «المشاعر»، وبنى خطته الاجتماعية الأحادية الكيان ل ~~«المستعمرات التعاونية الفوريية» (الكوميونات) على مبدأ «الانجذاب العاطفي». ويكاد لا ~~يكون من قبيل المفاجأة أن ينجذب بريتون، الذي قاوم دفاع الحزب الشيوعي المستميت عن ~~«العمل»، إلى فكرة فورييه المتمثلة في أن العمل ينبغي أن يكون نتيجة «الاستمالة»؛ ~~حيث يتوجب التوفيق بين الناس والمهام التي تطيب لهم بطبيعة الحال؛ فمراحيض ~~الكوميونات، على سبيل المثال، يتوجب أن يقوم على تنظيفها جمع من الأطفال الذين ~~يستمتعون بالقاذورات. وكان خلط بريتون الشخصي المميز للتحرر الجنسي والنسقية يجد ~~ما يلبي احتياجاته بالمثل في الحفلات الماجنة المنظمة بعناية شديدة، التي تصورها ~~فورييه لمستعمراته التعاونية. # ويبدو من الملائم جدا أن ينتهي الحال بمثل هذه الأحلام إلى أن تكون الملاذ ~~الأيديولوجي الأخير للسريالية. إن الإسقاطات البيزنطية لفورييه تكاد تكون محاكاة ~~ساخرة للبيروقراطيات السياسية التي اضطر السرياليون إلى التعامل معها، لكنها كانت ~~مستندة على الأقل إلى سيادة الرغبة، وهي نقطة الانطلاق الحقيقية للسياسات السريالية. ~~وبطبيعة الحال، في محاولة للتكيف مع إملاءات الشيوعية، شوه الوصول إلى حل وسط ~~الطموحات الاجتماعية للدادائية أولا، ومن بعدها السريالية. # الفصل السادس # | إعادة النظر إلى الدادائية والسريالية # إن الحياة الآخرة للدادائية والسريالية موضوع مستقل بذاته، ولا يمكننا إلا أن نعرج عليه ~~بشكل منهجي موجز هنا؛ فقد تأثر الفن والأدب والأفكار عموما، وكذا الإعلانات والأفلام ~~والتلفزيون، بالحركتين لدرجة أن المرء قد ينتهي به الأمر إلى كتابة تاريخ لثقافة ما بعد ~~عام 1945. # فيما يتعلق بالفن، يمكن القول إن الدادائية كان لها الأثر الأوسع بعد الحرب، وهي ~~الحقيقة التي تنطوي على ms118 مفارقة بالنظر إلى ميول الدادائية المناوئة للفن. بالنسبة إلى كثير ~~من الفنانين الأوروبيين والأمريكان المعاصرين لفترة الخمسينيات والستينيات، مثلت ~~تفضيلات الدادائية والأعمال الفنية الجاهزة لدوشامب تحديا جذريا لماهية الفن المحتملة؛ ~~ومن المفارقة أن الأمر انتهى بهم عادة إلى توسعة نطاق حدود الفن نتيجة لذلك. وثمة نزعة ~~أمريكية مهمة اشتهرت في الخمسينيات، شارك فيها الفنانان جاسبر جونز وروبرت روشنبرج ~~والموسيقي التجريبي جون كيج، أطلق عليها بصورة عابرة «الدادائية الجديدة»، ويزعم أن ~~الأعمال التي تم إنتاجها آنذاك كانت تتسم بالقليل من حدة مناوأة البرجوازية المميزة ~~للدادائية. ويتسم عمل روشنبرج التركيبي «سرير» عام 1955 - الذي يتكون من سرير مرفوع، ~~وسادته وغطاؤه ملطخان ويقطران طلاء - بسمة صدامية؛ نظرا للطريقة التي ينكر بها ~~الفنان الوظيفة الطبيعية لمكون عمله، لكن منتجات الدادائية الجديدة سرعان ما أمست ~~أيقونات لأفق فني جديد. وتتمثل هذه العملية في عمل جونز «البرونز المطلي» عام 1960، الذي ~~يتكون من قالبين مستخلصين من علب جعة مثبتة على قاعدة تمثال؛ وهذا أساسا قلب لفكرة ~~العمل الفني الجاهز رجوعا إلى أصول الفن، ولم تكن تخفى مضامينه على دوشامب الهرم الذي ~~علق محبطا في الستينيات بأنه ألقى بأعماله الفنية الجاهزة في وجه العامة في خطوة ~~مرادها التحدي، ليكتشف فجأة إعجاب الناس بها لما تتمتع به من سمات جمالية. # إذا أمكن النظر جزئيا إلى أعمال جونز وروشنبرج باعتبارها تقديرات استقرائية دقيقة من ~~فكرة الأعمال الفنية الجاهزة، فقد كانت تنويعات أخرى على لمحة دوشامب شائعة في الخمسينيات ~~والستينيات؛ تراوحت تلك التنويعات ما بين أمثلة على «الواقعية الجديدة» في فرنسا، وأبرز ~~ممارسيها إيف كلاين ودانيال شبوري وأرمان، والتنويعات الأمريكية للفن الشعبي، لا سيما أعمال ~~آندي وارهول التي استغلت فيها شعارات منتجات مثل كوكاكولا بأقل قدر من التعديل، ~~فمثلت بذلك موضوعا «لعمل فني جاهز». وبحلول أواخر الستينيات والسبعينيات، تحولت ~~شروط استقبال دوشامب لمصلحة منهجه المفاهيمي تجاه الفن والذي بموجبه، استنادا إلى الدفاع ~~الزائف عن «النافورة» الوارد في دورية «الأعمى»، «لا أهمية لمعرفة ما إذا كان السيد مات قد ~~صنع النافورة بيديه ms119 أم لا. فقد اختارها.» كان الإنتاج الفعلي للأغراض الفنية آنذاك محل شك ~~واسع النطاق، ووثقت النصوص أو الصور الفوتوغرافية نطاقا واسعا من المقترحات ~~المفاهيمية لفنانين أمثال دوجلاس هوبلر وروبرت باري. ولكن، من المهم أن ندرك - في هذه ~~الحالة وفي حالات أخرى كثيرة - أن الإرث الدوشامبي نادرا ما تجاوز مسألة «التعيين»؛ ~~ويراد بذلك اعتبار أي شيء شكلا من أشكال الفن إذا أقر الفنان ذلك. ونمت مجموعة ~~متنوعة من الاهتمامات الفكرية والفلسفية لدى الفن المفاهيمي، تجاوزت دوشامب بكثير. في الوقت ~~نفسه، أمست الدادائية عموما سابقة مهمة لنزعات مثل «حركة الفلوكسوس» (التي بلغت ذروتها في ~~الفترة بين عامي 1962 و1965)، وجوانب عدة من الفن الأدائي. ويمكن التأكيد أيضا على أن ~~البنية الكاملة لطليعية الستينيات، بروحها الدولية وتعويلها على نشر منشورات عابرة رخيصة ~~الإنتاج، مدينة بالفضل لنموذج الدادائية. # كانت تبعات الدادائية على جماليات فترة ما بعد الحرب مباشرة أكثر حسما من تبعات ~~السريالية. باعتراف الجميع، كان الجانب التجريدي-البدائي أو «العفوي» للفن السريالي - كما ~~في الأعمال الفنية لماسون أو ميرو - مهما بشكل عميق لبعض التعبيريين التجريديين في أمريكا ~~في الفترة ما بين منتصف الأربعينيات وأواخرها، لا سيما أرشيل جوركي وجاكسون بولوك. ولكن، ~~بعد هذه المرحلة المحورية، من الصعب أن نستشف أفضالا للسريالية على الفن التقليدي ~~للخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وهناك استثناءات كبيرة داخل الفن الشعبي، كالتجاورات ~~المضللة للصور المتشظية لجيمس روزنكيست، و«التماثيل اللينة» لكلايس أولدنبرج التي تخضع ~~فيها أشكال مألوفة مثل مفاتيح الإضاءة أو أطقم الطبول إلى تحولات مقوسة بشكل جنسي من ~~الجامد إلى اللين. ولكن إرث الحركة عادة ما استمر في أعمال الحالمين الغريبي الأطوار، ~~لا في أعمال المبتكرين البارزين. في الوقت نفسه، استقر رأي بعض الأفراد البارزين، أمثال ~~المثال الفرنسي المولد لويس بورجوا، على بناء أجسام منفصلة من أعمال تستكشف أفكارا مثل ~~الجنسانية بدلا من المشكلات الجمالية المرادفة للحداثة المتأخرة. وبينما بليت الركائز ~~الرسمية للفن الحداثي خلال الثمانينيات والتسعينيات، استقلت السريالية بنفسها باعتبارها ~~رائدة لوعي ما بعد الحداثة. في عام 1986، تجرأ المؤرخ الفني هال ms120 فوستر إذ قال: «إن قسما ~~كبيرا من النقد والفن المعاصر، وقسما كبيرا من النظرية والممارسة المتعلقة بحاضرنا ما ~~بعد الحداثي، يعد بشكل جزئي في جوهره نظرية وممارسة ل «السريالية».» وهو التعليق ~~المرتبط بإحساسه بالعودة إلى لحظات سابقة من الطليعية في الفن أواخر القرن العشرين، ~~استنادا إلى نموذج فرويد ل «عودة المكبوت». # ويبدو أن ملاحظة فوستر ثبتت صحتها بفعل صعود نجم فنانين أمريكيين أمثال روبرت جوبر أو ~~ماثيو بارني - في فترة أكثر حداثة - ممن بدا واضحا أنهم يسترجعون الغلو الباروكي ~~للأيقنة السريالية؛ حيث استخدموا صورها المجازية الوضيعة أو الجسمانية الفتيشية للتعبير عن ~~مخاوف معاصرة بشأن موضوعات كالإيدز، في حالة جوبر، أو لإحياء أسطورة ما، كما في حال بارني. ~~يتكون عمل جوبر المسمى «من دون عنوان» عام 1991، من قالب شمعي للنصف السفلي من جسم رجل ~~يرتدي سروالا تحتيا وجوربا وحذاء خفيفا، وعندما عرض هذا العمل في المعارض، وضع ~~ووجهه لأسفل على الأرض، وبطنه ملاصق للجدار تماما بحيث يبدو الشكل وكأنه يختفي عبر الجدار. ~~وما يثير الاضطراب بقدر أكبر أن ثمة سلسلة من فتحات الصرف مقحمة في ردفي ورجلي ~~ذاك الشكل؛ وبذلك يستخدم جوبر أدوات سريالية للتصريح ببيان مجازي معقد يتعلق بالجنسانية ~~الذكورية والمرض والأخلاق، تردد صداه، إبان الفترة التي صنع فيها هذا العمل الفني، بقوة ~~في القلق الشائع من فيروس الإيدز. في الوقت نفسه، قدم التقليد السريالي لفنانة أمريكية ~~أخرى تدعى سيندي شيرمان، وسيلة مباشرة بقدر أكبر لشن هجوم على التحصين الأخلاقي ~~للحكومة الأمريكية في مواجهة أعمال كتلك التي قدمها جوبر. وإذ استندت إلى «دمى» هانز ~~بيلمر، أنتجت شيرمان سلسلة من الصور الفوتوغرافية عام 1992، التي تم فيها ترتيب دمى ~~طبية واضحة التفاصيل وأعضاؤها الجنسية معروضة بشكل بارز. وبالنظر إلى أن الحكومة الأمريكية ~~آنذاك كانت تحاول تقويض استخدام الصور الجنسية الصريحة، كانت بادرة شيرمان ~~مستفزة. # وفي بريطانيا، أصبحت القضايا المتعلقة بالسريالية شائعة الوجود في الفن المعاصر، ولو أن ~~أساسها المنطقي التوجيهي أقل جلاء ووضوحا؛ فافتنان السريالية بالأنظمة التصنيفية يمكن ~~العثور عليه مثلا في ms121 أعمال سوزان هيلر، التي أنتجت عملا في منتصف السبعينيات تحت عنوان ~~«مهدى إلى الفنانين المجهولين»، جمعت فيه أكثر من 200 بطاقة بريدية ذات خلفيات ساحلية ~~نقشت عليها عبارة «بحر هائج»، وفيها تلاطمت الأمواج على الساحل البريطاني. صار هذا العمل ~~أشبه بمسح أنثروبولوجي زائف للتمثيلات الشعبية لعرق منعزل في جزيرة. وتميل كورنيليا ~~باركر، التي رشحت لنيل جائزة تيرنر الرفيعة عام 1997، بقدر أكبر إلى الافتنان السريالي ~~بتقليد «خزائن الفضول»؛ ولذا نجد أن عملها «شقوق في أسطوانة كانت تنتمي لهتلر» عام 1996، ~~يدعو المشاهد إلى الحملقة في صورة فوتوغرافية مقربة لسطح أسطوانة تعمل منذ فترة ~~طويلة، وكأن بعض بقايا الدوافع السوداء لصاحبها يجوز إدراكها في شقوقها. يحيي فنانون ~~آخرون اهتمام السرياليين بالتجاور المتنافر؛ فيتألف عمل الفنان الاسكتلندي دوجلاس جوردون ~~«بين الظلمة والنور» (تيمنا بويليام بليك) عام 1997 من فيلمين، وهما «أنشودة بيرناديت» ~~و«طارد الأرواح»، يعرضان في الوقت نفسه على جانبي شاشة شفافة، بحيث يقام حوار بين ~~الفيلمين اللذين يناقشان الخير والشر على الترتيب. ويجوز القول بأن هذه الأعمال تتحالف مع ~~الجانب الشعري «الأكثر رقة» للسريالية، ومع ذلك فقد أنتج بعض الفنانين المرتبطين دوليا ~~بقوة بظاهرة الفنانين البريطانيين الشباب المزعومة؛ أعمالا تضارع في حدتها الصارمة ~~أعمال فنانين أمريكيين أمثال جوبر. وتعتبر سارة لوكاس السالف مناقشة أعمالها في بداية هذا ~~الكتاب حالة تثبت ذلك. # إذا نظرنا إلى العمل الفوتوغرافي للوكاس المسمى «ترجل عن فرسك واحتس لبنك» عام ~~1994، من حيث علاقته بواحدة من نقاطه المرجعية العامة، ألا وهي لوحة «الاغتصاب» (1934) ~~للفنان السريالي رينيه ماجريت؛ فسيمكننا أن نرى أن عملها يمثل رؤية أنثوية بشكل عنيف ~~لصورة ماجريت الكارهة للنساء بشكل استبطاني. تستحث لوكاس السريالية التي اضمحلت عبر ~~استيعاب السوق لها. وقد استعاضت عن علامات الذكورة الرجولية برموز طفولية (قوارير حليب وكعك ~~مساعد على الهضم)، وبذلك فهي تختلق التقاء بين نطاق ثقافي «رفيع» سبق أن انتمت إليه ~~السريالية، ونطاق دارج لثقافة الشارع، حيث تتنازع باستمرار قضايا الهوية الذكورية ~~والأنثوية. # بالنسبة إلى سارة لوكاس، تعتبر الأدوات السريالية ببساطة جزءا من ms122 انتشار الثقافة ~~الجماهيرية، وعلى الرغم من أنها تشارك السرياليين اهتمامهم بالجنسانية، نجد أن السريالية ~~يشار إليها كمرجع في سياق تكثيف ثقافة السلعة خلال القرن الماضي، وذلك إلى حد كبير عبر ~~الإعلانات، بالقدر نفسه الذي يشار به إلى أي شيء آخر. وحقيقة الأمر أن هذا التوجه الساخر ~~أو التنقيحي أساسا يكمن وراء الكثير من الأعمال التي عكفت على مناقشتها؛ ففنانون كثر قد ~~تعاملوا مع السريالية كنقطة انطلاق لاستكشافاتهم لسياسات الهوية، ولكن قليلا هم ~~الذين يدعمون السريالية قلبا وقالبا. وبالنسبة إلى كثيرين، أمست السريالية متماهية ~~بسهولة جدا مع صور على ملصقات لفنانين أمثال دالي وماجريت، وانتشارها الشعبي طمس قيمتها ~~الكامنة تقريبا. # هل من المحتمل أن نجد تواصلا تعاطفيا صادقا مع المشروع السريالي؟ لا تكمن الإجابة في ~~الفن (ما بعد) الحداثي، بقدر ما تكمن في التشكيلات الثقافية المضادة أو التجليات الفنية ~~والسياسية التي تتسم بشيء شبيه بالدافع «الطليعي» السابق تعيينه في مطلع هذا الكتاب، على ~~اعتبار أنه يميز الدادائية والسريالية. ومن هذا المنطلق، نجد أن الثمرة التاريخية المباشرة ~~للسريالية تتمثل في مجموعة من التشكيلات الفنية المسيسة التي ظهرت في الفترة السابقة ~~لعام 1968؛ ألا وهي جماعة كوبرا، وهي عبارة عن تحالف يضم فنانين بلجيكيين وهولنديين ~~ودنماركيين ومعماريين وكتاب، استمر خلال الفترة بين عامي 1948 و1951؛ وحركة الحروفية، ~~وهي حركة فرنسية بقيادة إيزيدور إيزو ، وانتقلت قيادتها لاحقا، بعد أن عرفت باسم الحروفية ~~الدولية، إلى جي ديبور، واستمرت من عام 1946 وحتى عام 1957؛ وأخيرا حركة المواقفية، وهي ~~ظاهرة فرنسية أساسا امتدت من عام 1957 وحتى عام 1972. وكما ذكرنا آنفا، أمكن فهم ~~المواقفية التي طرحت بحلول منتصف الستينيات اهتماماتها الفنية فعليا، باعتبارها وريثة ~~لسياسات السريالية للحياة اليومية. ولما كان أتباع المواقفية معارضين لعقلنة الحداثيين ~~للمدينة، فقد انغمسوا في ضرب من التجوال نظروا له تحت اسم «الانجراف»، ودعوا في ~~كتاباتهم إلى «العمران الوحدوي» الذي بموجبه يتم إعادة تنظيم مساحات العاصمة الحديثة لتلبية ~~متطلبات الخيال أو العبث. كان هناك دين مباشر تدين به تلك الحركة للسريالية في هذا السياق؛ ms123 ~~ففي مقالة نشرت عام 1950 تحت عنوان «جسر جديد»، كتب أندريه بريتون عن الأجواء المحيطة ~~بالشوارع في باريس، بحيث يستطيع المرء في الشوارع المألوفة له أن يقوم بترسيم «مناطق ~~الرفاهية ومناطق الاضطراب»، ونجد صدى لذلك في «تقرير» مهم عام 1957، بقلم قائد ~~المواقفية جي ديبور، وفيه يتخيل كيف يجوز تنظيم «الآثار العاطفية» لمدينة تجريبية، حيث يقول: # وضع زميل لنا نظرية عن أحياء الحالة المزاجية، وبحسبها يتم تحديد كل حي من ~~أحياء المدينة بحيث يستثير شعورا أساسيا محددا يعرض له المرء نفسه عن ~~عمد. # بحلول منتصف الستينيات، تشارك العديد من التشكيلات الثقافية المضادة المضمون اليوتوبي ~~لفكر المواقفية. ومن عدة طرق، يمكن النظر إلى تلك الظاهرة باعتبارها اللحظة الأخيرة العظيمة ~~للدافع السريالي؛ ولذلك يجوز أن نعتبر صفحات المجلة البريطانية السرية «أوز» الصادرة في ~~الستينيات، بمزجها الهذياني بين سياسات اليسار الجديد والسياسات اللاسلطوية، وثقافة متعاطي ~~العقاقير المسببة للهلوسة والإثارة الجنسية؛ الومضات الأخيرة المتداعية للأيديولوجية ~~السريالية. وفي ظل حركة المواقفية والثقافات المضادة للستينيات، من الملائم أن نستدعي فكرة ~~الطليعية التي استغلت لتعريف الطبيعة التاريخية للدادائية والسريالية آنفا في هذا ~~الكتاب. إلى حد معين، تداخلت الاهتمامات السياسية لجماعات الثقافات المضادة في هذه ~~الفترة، مع حركات فنية مثل حركة الفلوكسوس. وإذ وضع المؤرخون الثقافيون ذلك نصب أعينهم، فقد ~~استغلوا مؤقتا فكرة «الطليعية الجديدة» لتوصيف هذه العودة العابرة لمحاولات المزج بين ~~الفن والحياة. # يترتب على ذلك أنه إذا كنا بصدد البحث عن إرث معاصر ذي مغزى للسريالية، وكذلك ~~للدادائية، فستقتضي الحاجة أن نجد مكافئات حالية للمنهج الفني-السياسي للطليعية التاريخية ~~أو الطليعية الجديدة. ومع ذلك، فقد لاحظ الكثير من المعلقين على ثقافة ما بعد السبعينيات ~~أن الموقف الطليعي لا يبدو قابلا للتطبيق بعد، خاصة أنه من الصعب أن نتخيل مجموعة وحيدة ~~تتبنى الموقف نفسه الذي تبنته الدادائية والسريالية في فترة من الفترات من محيط ~~العمليات الاجتماعية. فقد تم استيعاب الراديكالية الفنية في بنى الثقافة الرأسمالية ~~الأخيرة، وقليل من الفنانين الطموحين حاليا يرضون بانتظار إقامة معارض كبرى حتى نهاية ~~حياتهم، ms124 كما هو الحال بالنسبة إلى دوشامب أو هارتفيلد على سبيل المثال. لقد نشأت الجماعات ~~الثقافية المضادة على اختلاف ألوانها في أعقاب أواخر الستينيات، لكنها ارتبطت بقضايا محددة ~~مثل البيئة أو حقوق المرأة، وبذلك تفادت الروح الشمولية للأيديولوجية السريالية. إن التنافر ~~المحض لثقافتنا المعولمة الحالية يعني أن فكرة التحدث «نيابة عن البشرية» - وهو الأمر ~~الذي كثيرا ما افترض السرياليون أنهم يفعلونه - تبدو على أي حال عبثية. # إذا كانت الطليعية ظاهرة طواها النسيان، فقد يرجع ذلك أيضا إلى أن القامات الثقافية ~~الجديرة بالثقة، أمثال تريستان تزارا أو أندريه بريتون، لم تظهر على مشهد الأحداث ببساطة. ~~إن عدد المفكرين الفرنسيين الكبار الذين أقروا بالأهمية التكوينية الحاسمة للسريالية ~~بالنسبة إليهم ليس بالقليل، وتتضمن قائمة هؤلاء: رولان بارت، وميشيل فوكو، وجاك لاكان، ~~وجوليا كريستيفا، وجاك دريدا. ولكن، هؤلاء الرموز ارتاحوا لمكانة الطائفة الأكاديمية أكثر ~~من ارتياحهم للزعامة الثقافية؛ فقد بدت فكرة الزعامة بحد ذاتها استعلائية ومختلة ~~التوازن بالنسبة إلى عصرنا. # وبخلاف هذا التخمين الخاص ب «بقاء» الدادائية والسريالية، يجدر بنا أن نسأل أخيرا بقدر ~~أكبر من الصراحة: هل كانت الحركتان تستحقان الإحياء حقا؟ هل قبول سارة لوكاس لفكرة أن ~~السريالية الآن مجرد جزء من ثقافة السلعة؛ يعتبر إقرارا بأن الحركة، في نهاية المطاف، ~~كانت طريقا تاريخيا مسدودا؟ # للتركيز على هذه القضية، تجدر العودة إلى نقد السريالية الذي طرحه راءول فانيجيم، المنسوب ~~إلى حركة المواقفية، السالف مناقشته في نهاية الفصل الأخير. كان لدى فانيجيم عدد من الآراء ~~القيمة التي أوردها في كتابه «تاريخ فروسي للسريالية»؛ فقد ذهب، على سبيل المثال، ~~إلى أن السريالية البريتونية (نسبة إلى بريتون) كثيرا ما أخفقت في تحرير الإنسان على ~~المستوى الأخلاقي. ويمكن أن ينظر لحرية حركة الرغبة وما إلى ذلك من مفاهيم على اعتبار ~~أنها «محفزات لتجديد النظام القديم» فحسب. وفي المقابل، يدعم فانيجيم تفكير سرياليين أكثر ~~تطرفا مثل موريس هاينه الباحث في أعمال ساد، الذي قابل في واحد من نصوصه بين متع ~~التعذيب المريبة من ناحية، وما يصفه فانيجيم ب ms125 «نفي التجسيد البطيء» من ناحية أخرى؛ بتعبير ~~آخر: أن يمسي الإنسان أداة ينتفع بها إنسان آخر، أفضل من أن يكون أداة تنتفع بها ~~الدولة. إن إحساس فانيجيم بأن السريالية كانت جوهريا إنسانية الطابع و«رومانسية» أكثر ~~مما ينبغي، أدى به إلى أن يطرح الفكرة الكاشفة التي مفادها أن كراهية السريالية الجوهرية ~~للصناعة الحديثة ومناوأتها للمذهب الانتفاعي (وهو الموقف الذي قلما، بالمصادفة البحتة، ~~تبنته الدادائية على الرغم من أنه كان ساخرا بشدة من الآلة)؛ تعنيان أن السريالية كانت ~~عاجزة عن الربط ما بين التكنولوجيا الحديثة ورؤيتها. وكنتيجة لذلك، بحسب تصريح فانيجيم، ~~«فقد استوعبت آليات الخداع والافتنان السائدة تلك الرؤية.» من الصعب أن ندرك تحديدا ما ~~الذي أراد فانيجيم أن يفعله السرياليون، بخلاف تبني فكرة الاستنساخ الشامل على النحو الذي ~~أيده والتر بنيامين، لكنه يطرح فكرة وجيهة مفادها أن فهم السريالية للحداثة كان غير كاف ~~لها كي تقاوم عملية التسليع. كان هذا النقد يتسق مع موقف فانيجيم كتابع لحركة المواقفية، في ~~مقابل ما أسماه ديبور «مجتمع الاستعراض»؛ وهو عالم تجمد فيه رأس المال وأمسى مركز ~~إحساس مطوقا. # لا شك أن هذا الإحساس بأن السريالية تفتقر إلى الموارد اللازمة لمقاومة هضم الرأسمالية ~~لها؛ هو الذي يجعل المرء حذرا من تأييد فكرة «استمراريتها». وحقيقة الأمر أن السريالية، ~~في أشكالها الشعبية، يمكن فهمها على اعتبار أنها تشكل الأيديولوجية التي أعلنت معارضتها ~~لها، وكأنها صارت معكوسة في مرآة مشوهة. في مقالة بعنوان «نظرة إلى ماضي السريالية»، ~~اقتبس المنظر الماركسي ثيودور أدورنو الأفكار المتعمقة لزميله والتر بنيامين ليوحي ~~بأن السريالية، إذ تستند إلى استخدام المونتاج، أعادت نشر ثقافة الصورة من مرحلة سابقة ~~للرأسمالية، وبذلك أنتجت هزة إقرار واعتراف كاشفة لراصديها. ومع ذلك، فقد أضفى عليها ~~تعويلها على تلك المواد الزائلة قالبا شبحيا عديم الحياة؛ وبلغة ماركسية، مثلت ~~السريالية «تجسيدا» للإنسان تحت مظلة الرأسمالية. # ولكن، هل يمكننا القول بأن الدادائية صمدت بشكل أفضل من ذلك؟ في مجازفة مني بأن أبدو ~~مغالطا من الناحية التاريخية، أود أن أختم بتعليق على ms126 كتاب فانيجيم «ثورة الحياة اليومية» ~~المثير للجدل، الذي كتبه على مشارف عام 1968، وفيه نجد أن الدادائية، لا السريالية، توفر ~~نموذج الممارسة الثقافية المتطرفة. وإذ رأى فانيجيم عدمية الدادائية كنقطة انطلاق للثورة ~~الاجتماعية، فقد انتقد فانيجيم بشدة السريالية؛ لأنها لم «تبدأ مجددا بالعدمية المبدئية ~~للدادائية، دون أن تبني نفسها على دادائية مناوئة للدادائية، ودون أن تنظر إلى الدادائية ~~تاريخيا.» ويجوز بطبيعة الحال أن ننساق وننتقد فانيجيم بشدة لإخفاقه في فهم «الدادائية» ~~تاريخيا. ولقد رأينا أن الدادائية لم ترق ببساطة إلى العدمية؛ فقد كانت أكثر غموضا مما ~~راق لأتباع المواقفية، لكن احتياطاتها من الارتباك وعشقها للمفارقة والوقاحة - مما ~~يجعلها حتى يومنا هذا «مستغلقة» حتى على كثيرين - يعتبران ترياقا لاستيعاب السريالية ~~الهادئ نسبيا في المشهد. # إلى جانب بيان الملامح التاريخية والفلسفية للدادائية والسريالية، قد قارن هذا الكتاب ~~بين الحركتين ووازن بينهما باستمرار. شغلت السريالية بضرورة الحال مساحة أكبر من النقاش، ~~وذلك لأن السريالية - علاوة على استمرارها لفترة أطول كحركة - كانت مقدماتها النظرية ~~مصاغة صياغة أكثر دقة. ولكن، يبدو من الملائم أن أختتم بقلب للصياغة التاريخية التي ~~«تطورت» الدادائية بموجبها، وتحولت إلى السريالية الثورية الأكثر وعيا بالذات، وأن ~~أميل الكفة لمصلحة اللحظة الدادائية القصيرة ولكن المحرضة. وكما صرح فانيجيم ~~بحيويته التي نستغربها الآن: «كانت بداية الدادائية إعادة اكتشاف لتجربة معيشة ومباهجها ~~الممكنة، وكانت نهايتها انعكاسا لكل المنظورات، وابتكارا لعالم جديد.» # | المراجع # الفصل الأول: الدادائية والسريالية: نبذة تاريخية # Tristan Tzara, 'Zurich Chronicle’, in R. ~~Motherwell (ed.), # The Dada Painters and Poets ~~(Belknap, 1989), p. 236. # Hans Arp, 'Dadaland’, tr. H. Richter, in # Dada: Art and Anti-Art ~~(Thames ~~&; Hudson, 1965), p. 25. # Hugo Ball, # Flight Out of ~~Time, # tr. A. Raimes, ed. J. Elderfield (University of ~~California Press, 1996), p. 63. # Richard Huelsenbeck, 'Dada Lives’, # Transition, # 25 (Fall 1936), ~~77-80. # Richard Huelsenbeck, 'Dada Manifesto 1918’, in R. ~~Motherwell (ed.), # Dada Painters, # pp. ~~244, 243. # Tristan Tzara, 'Dada Manifesto’ (1918), in # Seven Dada Manifestoes and ~~Lampisteries ~~, tr. B. Wright (John Calder, 1981), p. ~~5. # Francis Picabia, 'Cannibal Manifesto’, in R. ms127 ~~Huelsenbeck (ed.), # Dada Almanach, # new ~~edn. presented by M. Green (Atlas, 1993), pp. ~~55-6. # André Breton, 'Après Dada’, # Comedia ~~(March ~~1922). # André Breton, 'First Surrealist Manifesto’, in # Manifestoes of Surrealism ~~, tr. R. ~~Seaver and H. R. Lane (University of Michigan, 1972), pp. 26, ~~10. # الفصل الثاني: «الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية # André Breton, 'Rather Life’ (Clair de Terre, ~~1930), from André Breton, 'Selected Poems’, tr. Kenneth White (Cape ~~Editions, 1969). # Hugo Ball, # Flight Out of ~~Time, # pp. 70-71. # Salvador Dalí, 'The Conquest of the Irrational’, ~~tr. H. Finkelstein, in # The Collected Writings of ~~Salvador Dalí ~~(Cambridge University Press, 1998), p. ~~265. # George Orwell, 'Benefit of Clergy: Some Notes on ~~Salvador Dalí’ (1944), # Essays, # ed. J. ~~Carey (Everyman, 2002), pp. 654, 660. # Marcel Duchamp, 'The Richard Mutt Case’, # The Blind Man, # 2 (1917). # André Breton, 'Marcel Duchamp’, tr. M. Polizzotti, in A. Breton, # The Lost ~~Steps ~~(University of Nebraska Press, 1996), p. ~~86. # Benjamin Péret, 'The Chicago Eucharist Congress’, ~~from # Remove Your Hat and Other ~~Writings ~~, tr. D. Gascoyne and H. Jennings (Atlas, 1986), ~~p. 37. # Walter Benjamin, 'Surrealism: The Last Snapshot ~~of the European Intelligentsia’, in W. Benjamin, # Reflections, # ed. P. Demetz, tr. E. Jephcott (Harcourt ~~Brace Jovanovich, 1978), p. 182. # George Grosz, letter to Otto Schmalhausen, 15 ~~December 1917, from H. Knust, # George ~~Grosz ~~(Hamburg, 1979), pp. 56-7. # Louis Aragon, Paris Peasant, # tr. Simon Watson Taylor (Pan Books, 1980), p. ~~52. # الفصل الثالث: الفن ونقيض الفن # Hugo Ball, 'Dada Manifesto’ (1916), in # Flight Out of Time ~~, p. ~~221. # Kurt Schwitters, 'Murder Machine 43’, in K. ~~Schwitters, Poems Performance Pieces Proses Plays Poetics, # ed. J. Rothenberg and P. Jorris (Temple ~~University, 1993), p. 29. Paul Eluard, # L’Amour la ~~poésie ~~(Gallimard, 1922), p. 122. # André Breton, 'Free Union’, tr. R. Howard, in ~~Maurice Nadeau, # The History of ~~Surrealism ~~(Penguin, 1978), pp. ~~309-10. # Benjamin Péret, 'Quatre à Quarte’ from 'De ~~Derrière Les Fagots’ (1934), ~~tr. A. Balakian in her # Surrealism: The Road to ~~the Absolute ~~(Unwin Books, 1972), p. ~~151. # Tristan Tzara, 'Dada Manifesto 1918’, in # Seven Dada ms128 Manifestoes ~~, p. ~~5. # Excerpt from the trances from André Breton, ~~'Entrée des Médiums’, tr. M. Polizzotti, in A. Breton, # The Lost Steps, # p. ~~94. # Hans Arp, 'Dadaland’, in his # On my Way: Selected Poetry and Essays ~~(Wittenborn, Schultz, 1948), pp. 46, 40. # Tristan Tzara, 'Dada Manifesto 1918’, in # Seven Dada Manifestoes ~~, p. ~~9. # Susan Sontag, # On Photography ~~(Penguin, 1977), p. ~~52. # André Breton, 'Introduction to the Discourse on ~~the Paucity of Reality’, tr. B. Imbs, in A. Breton, # What is Surrealism? Selected Writings, # ed. ~~F. Rosemont (Pluto, 1978), p. 26. # Salvador Dalí, # This ~~Quarter ~~(Paris, 1932), p. 199. # Meret Oppenheim (on 'My Nurse’), text by Jennifer ~~Mundy, # Surrealism: Desire Unbound ~~(Tate Publishing, 2001), p. 45. # Georges Bataille, 'L’Esprit moderne et le jeu des ~~transpositions’, # Documents, # 8 (1930), ~~490-1. # الفصل الرابع: «من أنا؟» عقل أم روح أم جسد؟ # Tristan Tzara, 'Dada Manifesto 1918’, from # Seven Dada Manifestoes ~~, pp. 5, ~~8. # Louis Aragon, # Treatise on ~~Style, # tr. A. Waters (University of Nebraska, 1991), p. ~~72. # Wieland Herzfelde, catalogue of the First ~~International Dada Fair, Berlin, 1920. # Raoul Hausmann, 'Dada in Europa’, # Der Dada, # 3 (April ~~1920). # André Breton, Second Manifesto of Surrealism, in # Manifestoes of Surrealism ~~, p. ~~123. # Berlin Dada members, 'Legen Sie Ihr Geld in ~~Dada!’, # Der Dada, # 1 (June ~~1919). # André Levisan (on Mary Wigman), # Theatre Arts ~~(Feb. 1929), ~~144. # Hugo Ball, 'Occultism and Other Things Rare and ~~Beautiful’, as quoted by Hans Arp, 'Dadaland’, in # On my Way ~~, p. 40. # George Grosz, 'Kaffeehaus’, # Neue Blätter für Kunst und Dichtung, # 1 (Nov ~~1918), p. 155. # André Breton, # Qu’est ce ~~que le surréalisme? ~~(Paris, 1934), p. ~~25. # Excerpt from the 'Recherches sur la sexualité’, ~~eleventh session, 26 January 1931, tr. J. Imrie, in J. Pierre (ed.), # Investigating Sex: Surrealist Discussions ~~1928-1932 ~~(Verso, 1992), ~~pp. 196-7. # Aragon’s comment was from the second session, ~~published in # La Révolution ~~Surréaliste ~~, 11 (Mar. 1928). # الفصل الخامس: السياسات # André Breton, Second Surrealist Manifesto in # Manifestoes of Surrealism ~~, p. ~~128. # Whitney Chadwick, # Women ~~Artists and the Surrealist Movement ~~(Thames &; ~~Hudson, 1985), p. 13. # Marcel Duchamp, ms129 # The Bride ~~Stripped Bare by her Bachelors, Even ~~(The 'Green Box’ ~~notes), tr. George Heard Hamilton (Percy Lund, Humphries &; Co. and ~~George Wittenborn, 1960), unpaginated. # Hugo Ball, as quoted in Hans Richter, # Dada: Art and Anti-Art, # p. 23 # Documents ~~, definition of 'man’, tr. I. ~~White, in Robert Lebel and Isabelle Waldberg (eds.), # Encyclopaedia Acephalic ~~(Atlas, 1995), p. ~~56. # Aimé Césaire, # Return to ~~my Native Land, # tr. J. Berger and A. Bostock (Penguin, ~~1969), p. 49. # Wifredo Lam, as quoted in Max-Pol Fouchet, # Wifredo Lam ~~(New York, 1976), p. ~~199. # André Breton, 'The Presence of the Gauls’, in # his Surrealism and Painting ~~, tr. ~~Simon Watson Taylor (Icon Editions, 1972), ~~p. 333. # Raoul Hausmann, 'Pamphlet gegen die Weimarische ~~Lebensauffassung’ (164/1: 44), as cited by Richard Sheppard, # Modernism-Dada-Postmodernism ~~(Northwestern ~~University Press, 2000), p. 336. # André Breton, Diego Rivera, and Leon Trotsky, ~~'Towards a Free Revolutionary Art’, tr. in Charles Harrison and Paul ~~Wood, # Art in Theory 1900-1990 ~~(Blackwells, 1992), p. 529. # Tristan Tzara, 'La Surréalisme et l’après-guerre’ ~~(Paris 1948), tr. in Helen Lewis, # Dada Turns ~~Red ~~(Edinburgh University Press, 1990), p. ~~164. # André Breton, 'Charles Fourier’, in his # Anthology of Black Humour ~~, tr. M. Polizzotti (City Light Books, 1997), p. 39. # الفصل السادس: إعادة النظر إلى الدادائية والسريالية # Hal Foster, 'L’Amour Faux’, # Art in America ~~(Jan. 1986), p. ~~128. # Guy Debord, 'Excerpt from Report on the ~~Construction of Situations and on the International Situationist ~~Tendency’s Conditions of Organisation and Action’ (June 1957), as ~~reprinted in Iwona Blazwick (ed.), # An Endless Passion ... an Endless Banquet ~~(ICA and Verso, 1989), p. ~~26. # Raoul Vaneigem, # The ~~Revolution of Everyday Life, # tr. J. Fullerton and P. ~~Sieveking (Rising Free Collective, 1979), p. 177. # | قراءات إضافية # Many key primary sources have been cited as references. ~~The following are also useful. # مجموعات منقحة # Robert Motherwell, # The Dada Painters and Poets ~~(Harvard University Press, 1989); Lucy ~~Lippard, # Dadas on Art ~~(Prentice Hall, 1971); ~~Franklin Rosemont (ed.), # André Breton: What is ~~Surrealism? Collected Writings ~~(Pluto Press, 1978); Mary Ann ~~Caws, ms130 # Surrealist Painters and Poets ~~(MIT Press, 2001). # ترجمات إنجليزية لأعمال مهمة # Richard Huelsenbeck, # Memoirs of a ~~Dada Drummer ~~(University of California Press, 1991); André ~~Breton, # Nadja ~~(Grove Press, 1960) and # Mad Love ~~(University of Nebraska Press, ~~1987); Georges Bataille, # Visions of Excess, # ed. A. Stoekl (Manchester University Press, 1985) and # The Story of the Eye ~~(Penguin, 1982). # طبعات جديدة لدوريات عن الدادائية والسريالية # Dada ~~(Zurich Reviews, ~~Jean-Michel Place, 1981), # 391 ~~(Editions Pierre Belford, 1975), # La Révolution ~~Surréaliste ~~(J.-M. Place, 1975), # Le ~~Surréalisme au Service de la Révolution ~~(J.-M. Place, 1976), # Minotaure ~~(Flammarion, 1981), # Documents ~~(J.-M. Place, ~~1991). # الفصل الأول: الدادائية والسريالية: نبذة تاريخية # Although contested now, Peter Bürger, # The Theory of the Avant Garde ~~(University of ~~Minnesota, 1984), is the key work on its topic. The best general history is Dawn ~~Ades, # Dada and Surrealism Reviewed ~~(Arts ~~Council of Great Britain, 1978), with its emphasis on both movements’ ~~publications, but see also Matthew Gale’s chronology, # Dada and Surrealism ~~(Phaidon, 1997). In terms of Dada, a major ~~eight-volume study is in progress, with each volume dedicated to a different ~~centre (ed. Stephen Foster, G. K. Hall &; Co., 1996-). Richard Sheppard’s # Modernism-Dada-Postmodernism ~~(Northwestern University Press, 2000) collects his important essays on Dada ~~together. For branches of Dada see: Francis Nauman, # New ~~York Dada 1915-1923 ~~(Harry N. Abrams, 1994); Michel Sanouillet, # Dada à Paris ~~(Flammarion, 1993); Robert ~~Short, 'Paris Dada and Surrealism,’ Dada: # Studies of a ~~Movement, # ed. R. Sheppard (Alpha Academica, 1979); and the essays ~~in Stephen Foster and Rudolf Kuenzli, # Dada Spectrum: The ~~Dialectics of Revolt ~~(Coda, 1979). On Surrealism, see Maurice ~~Nadeau’s pioneering # The History of Surrealism ~~(Penguin, 1973); Gérard Durozoi’s monumental # History of ~~the Surrealist Movement ~~(University of Chicago Press, 2002); and ~~the relevant sections of Briony Fer, David Batchelor, and Paul Wood, # Realism, Rationalism, Surrealism: Art between the ~~Wars ~~(Yale University Press, 1993) and Christopher Green, # Cubism and its Enemies ~~(Yale University Press, 1987). # الفصل الثاني: «الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية # Aspects of ms131 the first two sections were suggested by ~~Debbie Lewer’s essay on mapping Zurich Dada in B. Pichon and K. Riha (eds.), # Dada Zurich: A Clown’s Game from Nothing ~~(New York, 1996); Philip Mann’s # Hugo Ball ~~(University of London, 1987); Annabelle Melzer’s excellent # Dada and Surrealist Performance ~~(Johns Hopkins ~~University Press, 1976); Lewis Kachur’s # Displaying the ~~Marvellous ~~(MIT Press, 2001) and chs. 6 and 7 of Bruce ~~Altschuler’s # The Avant Garde in Exhibition ~~(Abrams, 1994). On Arthur Cravan see Roger Conover # et ~~al., Four Dada Suicides ~~(Atlas, 1995). For Marcel Duchamp the ~~standard biography is Calvin Tomkins, # Duchamp: A ~~Biography ~~(Chatto &; Windus, 1997) but see also Dawn Ades, ~~Neil Cox, and David Hopkins, # Marcel Duchamp ~~(Thames &; Hudson, 1999). # The best monograph on Salvador Dalí is Dawn Ades, # Dalí ~~(Thames &; Hudson, 1982). ~~Aspects of the last two sections are indebted to Robin Walz, Pulp Surrealism ~~(University of California Press, ~~2000); Sherwin Simons, 'Advertising Seizes Control of Life ...’, # Oxford Art Journal, # 22/1 (1999); and Roger ~~Cardinal, 'Soluble City’, # Architectural ~~Design, # 2-3 (1978). For Hal Foster on modernity and Surrealism ~~see his # Compulsive Beauty ~~(MIT Press, 1993), ~~ch. 6. # الفصل الثالث: الفن ونقيض الفن # Clement Greenberg’s Modernist attack on Surrealism is his ~~'Surrealist Painting’, # Horizon ~~(Jan. 1945). ~~For poetry see Anna Balakian, # Surrealism: The Road to ~~the Absolute ~~(Unwin Books, 1972). Dawn Ades’s essay on the ~~'mouvement flou’ in T. A. R. Neff (ed.), # In the Mind’s ~~Eye: Dada and Surrealism ~~(Museum of Contemporary Art, Chicago, ~~1984) is excellent. See also Harriet Watts, # Chance: A Perspective on Dada ~~(UMI Research Press, 1980) and Alastair ~~Grieve’s essay on early Arp, 'Arp in Zurich’ (in Foster and Kuenzli, # Dada Spectrum ~~). The standard survey of photomontage ~~is by Dawn Ades (Thames &; Hudson, 1986) but see also Maud Lavin’s excellent # Cut with the Kitchen Knife: The Weimar Photomontages ~~of Hannah Höch ~~(Yale University Press, 1993). The attacks on ~~Surrealist painting were Max Morise, 'Les Yeux enchantés’, # La Révolution ms132 Surréaliste, # 1 (Dec. 1924) and Pierre ~~Naville, # La Révolution Surréaliste, # 3 ~~(15 April 1925). There are numerous monographs on individual Dadaist and ~~Surrealist artists, but see William Camfield, # Francis Picabia ~~(Princeton University Press, 1979) and # Max Ernst: Dada and the Dawn of Surrealism ~~(Prestel, 1993); Hans Hess, # George Grosz ~~(Yale University Press, 1985); Jacques Dupin, # Joan ~~Miró ~~(Thames &; Hudson, 1962); William Rubin and Carolyn ~~Lanchner, # André Masson ~~(Museum of Modern Art, ~~New York, 1976); and David Sylvester, # Magritte ~~(South Bank Centre, London, 1992). For Surrealist ~~photography see Rosalind Krauss and Jane Livingston, # L’Amour Fou: Photography and Surrealism ~~(Abbeville, 1985). For ~~the Surrealist object and fetishism see Dawn Ades, 'Fetishism’s Job’, in A. ~~Shelton (ed.), # Fetishism: Visualising Power and ~~Desire ~~(South Bank Centre, London, 1995) and for Meret Oppenheim, ~~see Edward D. Power, 'These Boots Ain’t Made for Walking’, # Art History, # 24/3 (June 2001). On film see A. L. ~~Rees, # A History of Experimental Film and ~~Video ~~(British Film Institute, 1999); Rudolf Kuenzli (ed.), # Dada and Surrealist Film ~~(William Locker ~~&; Owens, 1987); and Linda Williams, # Figures of ~~Desire ~~(University of California Press, 1981). For Fredric ~~Jameson see his # Marxism and Form ~~(Princeton ~~University Press, 1971), pp. 95-106. # الفصل الرابع: «من أنا؟» عقل أم روح أم جسد؟ # On Dada irrationalism see Richard Sheppard, # Modernism, # ch. 7. For Surrealism’s psychoanalytic ~~links see Elisabeth Roudinesco, # Jacques Lacan and Co: A ~~History of Psycho-Analysis in France 1925-1985 ~~(Free Association, ~~1990), part one. On Ernst’s 'Pietà’ see Malcolm Gee, # Ernst/Pietà or Revolution by Night ~~(Tate Gallery, 1986) and for ~~psychoanalysis in Surrealist art, David Lomas, # The ~~Haunted Self ~~(Yale University Press, 2000). Dada attitudes to the ~~machine, and Cartesian dualism, are dealt with in my # Marcel Duchamp and Max Ernst: The Bride Shared ~~(Oxford ~~University Press, 1998), chs. 1 and 2. For Bataille’s thought see Michael ~~Richardson, # Bataille ~~(Routledge, 1994) as ~~well as Bataille’s own writings as cited above. Richard Sheppard is again ~~excellent on Dada and mysticism ms133 ( # Modernism ~~, ~~ch. 10) but see also Timothy O. Benson’s essay 'Mysticism, Materialism and the ~~Machine in Berlin Dada’, # Art Journal, # 46/1 ~~(Spring 1987). Alchemy in Surrealism is discussed in my # Marcel Duchamp and Max Ernst ~~. For Miró and Lull see also my ~~'Ramon Lull, Miró and Surrealism’, # Apollo ~~(Dec. 1993). For the idea of the Wunderkammer see the final chapter of my # Marcel Duchamp and Max Ernst ~~, and for ~~Joseph Cornell see Diane Waldman, # Joseph Cornell: Master ~~of Dreams ~~(Harry N. Abrams, 2002). Jan Švankmajer’s text on ~~'Fellaceus Oedipus’ appears in # Jan Švankmajer: ~~Transmutation of the Senses ~~(Central Europe Gallery and Publishing House, 1994), pp. ~~23-4. Ideas of traumatic mimickry in Berlin Dada are developed by Brigid Doherty ~~in 'See: We are All Neurasthenics: Or, the Trauma of Dada, Montage’, # Critical Inquiry, # 24 (Autumn 1997). For the effects ~~of World War 1 on male Surrealist imagery see Amy Lyford: # Surrealist Masculinities ~~(forthcoming, University ~~of California Press). On Surrealist sexuality see Jennifer Mundy (ed.), # Surrealism: Desire Unbound ~~(Tate Publishing, 2001), which includes an excellent essay on Sade by Neil Cox, and ~~Xavière Gauthier, # Surréalisme et Sexualité ~~(Gallimard, 1971). Recent monographs on Bellmer are by Sue Taylor, # Hans Bellmer: The Anxiety of Influence ~~(MIT, 2000) ~~and Therese Lichtenstein, # Behind Closed Doors: The Art ~~of Hans Bellmer ~~(University of California, ~~2001). # الفصل الخامس: السياسات # See Naomi Sawelson-Gorse (ed.), # Women in Dada ~~(MIT, 1998) and Whitney Chadwick, # Women Artists and the Surrealist Movement ~~(Thames ~~&; Hudson, 1995). For Elisabeth Roudinesco see her # Jacques Lacan and Co ~~, and for Krauss’s women-under-construction ~~argument see Rosalind Krauss and Jane Livingston, # L’Amour Fou, # ch. 2. For Susan Rubin Suleiman see her # Subversive Intent ~~(Harvard University Press, 1991), ~~chs. 1, 7. Recent essays on Claude Cahun and Frida Kahlo appear in Whitney ~~Chadwick (ed.), # Mirror Images: Women, Surrealism and ~~Representation ~~(MIT Press, 1998). For the Baroness see the ~~biography # Baroness Elsa ~~, by Irene Gammel ~~(MIT, 2002). For masculinity ms134 in Surrealism see my 'Male Shots’, # Tate: The Art Magazine, # 26 (Aug. 2001). On Duchamp ~~as Rrose Sélavy see Amelia Jones, Postmodernism and the ~~En-Gendering of Marcel Duchamp ~~(Cambridge University Press, ~~1994), ch. 5, and my 'Men Before the Mirror: Duchamp, Man Ray and Masculinity’, # Art History, # 21/3 (Sept. ~~1998). # For a general essay on 'primitivism’, and a more specific ~~one on Giacometti, see Evan Maurer and Rosalind Krauss in William Rubin (ed.), Primitivism in 20th Century Art ~~(Museum ~~of Modern Art, New York, 1984), vol. ii. The best introduction to ethnography ~~and Surrealism is James Clifford, # The Predicament of ~~Culture ~~(Harvard University Press, 1988), part two, but see also ~~Denis Hollier, 'The Use-Value of the Impossible’, # October, # 60 (Spring 1992). On anti-colonialism see Michael ~~Richardson and Krzysztof Fijalkowski, # The Refusal of the ~~Shadow: Surrealism and the Caribbean ~~(Verso, 1996). A useful ~~essay on Wifredo Lam is Robert Linsley, 'Wifredo Lam: Painter of Negritude’, # Art History, # 11/4 (Dec. 1988). For Alejo ~~Carpentier on Surrealism see the prologue to his novel # The Kingdom of the World ~~(André Deutsch, 1991). For Eastern ~~European and Japanese Dada see Gerald Janecek and Toshiharu Omuka (eds.), # The Eastern Dada Orbit ~~(G. K. Hall &; ~~Co., 1998). Dada politics are discussed in Richard Sheppard, # Modernism, # ch. 12, and the important essays by ~~Christopher Middleton in section 1 of his # Bolshevism in ~~Art ~~(Carcanet New Press, 1978). John Willett’s # The New Sobriety ~~(Thames &; Hudson, 1978) is a ~~classic study. In terms of Surrealism, see Steven Harris: # Surrealist Art and Thought in the 1930s: Art, Politics and Psyche, # Cambridge University Press, 2004. Helena Lewis, # Dada Turns Red ~~(Edinburgh University Press, 1988) ~~is useful, despite some factual errors, while Michael Richardson and Krzysztof ~~Fijalkowski, # Surrealism Against the Current: Tracts and ~~Declarations ~~(Pluto, 2001) collects a number of important ~~political texts. On Fourier see André Breton’s # Ode to ~~Charles Fourier ~~, tr. K. White (Cape Goliard, 1969) and Raoul ~~Vaneigem’s ms135 # A Cavalier History of Surrealism ~~, ~~tr. D. Nicholson Smith (AK Press, 1999). # الفصل السادس: إعادة النظر إلى الدادائية والسريالية # For the general take-up of Dada and Surrealism in ~~post-1945 art see my # After Modern Art ~~1945-2000 ~~(Oxford University Press, 2000). Theodor Adorno’s essay ~~'Looking Back on Surrealism’ is in his # Notes to ~~Literature ~~(Columbia University Press, 1991). For Situationism ~~and Surrealism see Peter Wollen’s essay in # on the ~~passage of a few people through a certain moment in time ~~(MIT, ~~1991) and Vaneigem, as in references. # | مصادر الصور # (1-1) © ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. Kunsthaus ~~Zurich. ~~(1-2) © Succession Marcel Duchamp/ADAGP, Paris, and DACS, ~~London 2003. Scottish National Gallery of Modern Art. ~~(1-3) © ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. Photo © Tate, ~~London 2003. ~~(2-1) © bpk, Berlin. ~~(2-3) © Archives du Wildenstein Institute, Paris. ~~(2-4) Scottish National Gallery of Modern ~~Art. ~~(2-6) Scottish National Gallery of Modern ~~Art. ~~(2-7) © ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. Scottish National ~~Gallery of Modern Art. ~~(2-8) © DACS 2003. ~~(2-9) © DACS 2003. Berlinische Galerie, Berlin, Landesmuseum ~~für Moderne Kunst, Photographie und Architektur. ~~(2-10) © Collection Roger-Viollet, Paris. ~~(3-1) © DACS 2003. The Museum of Modern Art, New York. Purchase. Digital image © 2002 The Museum of Modern Art/Scala, ~~Florence. ~~(3-2) © ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. The Museum of ~~Modern Art, New York. Purchase. Digital image © 2002 The Museum of Modern ~~Art/Scala, Florence. ~~(3-3) © ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. Private ~~collection. ~~(3-4) Private collection. ~~(3-5) © Successio Miro, DACS 2003. The Museum of Modern Art, ~~New York. Digital image © 2002 The Museum of Modern Art, New York/Scala, ~~Florence. ~~(3-6) © Salvador Dalí, Gala-Salvador Dalí Foundation, DACS, ~~London 2003. Scottish National Gallery of Modern Art. ~~(3-7) © DACS 2003. Moderna Museet, Stockholm. Photo: Per-Anders ~~Allsten. ~~(3-8) Ronald Grant Archive. ~~(4-2) © Jan Švankmajer. Galerie Gambra, Prague. ~~(4-3) © Man Ray Trust/ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. Photo: Telimage 2003. ~~(5-1) San Francisco Museum of Modern Art. Gift of Robert ~~Shapazian. Photo: Ben Blackwell. ~~(5-2) ms136 © 2003 Bank of Mexico, Diego Rivera &; Frida Kahlo ~~Museums Trust, Del. Cuauhtémoc, Mexico. Private ~~collection. ~~(5-3) © ADAGP, Paris, and DACS, London 2003. The Museum of ~~Modern Art, New York. Inter-American Fund. Digital image © 2002 The Museum ~~of Modern Art/Scala, Florence. ms137