######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadMuhammadRubi.DescartesMuqaddimaQasira.Hindawi57970851 #META# Tags: biographies #META# ID: 57970851 #META# Title: ديكارت: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 97913616 #META# Author: توم سوريل #META# EditorID: 18393159 #META# Editor: ضياء ورَّاد #META# TranslatorID: 19607415 #META# Translator: أحمد محمد الروبي #META# Related_books: 1450TomSorrell.DescartesShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # الاقتباسات والمراجع‏ # 1 - المادة والميتافيزيقا‏ # 2 - سماع النداء‏ # 3 - علم واحد ومنهج واحد‏ # 4 - المطلقات والطبائع البسيطة والمسائل‏ # 5 - التجول حول العالم‏ # 6 - باريس‏ # 7 - كتاب «العالم» ونظرية ديكارت الفيزيائية‏ # 8 - ثلاثة نماذج للمنهج‏ # 9 - «منطق» جديد‏ # 10 - الحاجة إلى الميتافيزيقا‏ # 11 - كتاب «تأملات في الفلسفة الأولى»‏ # 12 - الشك عند ديكارت‏ # 13 - علماء اللاهوت والرب الفيزيائي‏ # 14 - الأفكار‏ # 15 - العقل‏ # 16 - الجسد‏ # 17 - كتاب «مبادئ الفلسفة»‏ # 18 - العلوم الأخرى‏ # 19 - الأيام الأخيرة‏ # 20 - شبح ديكارت‏ # قراءات إضافية‏ # الاقتباسات والمراجع‏ # 1 - المادة والميتافيزيقا‏ # 2 - سماع النداء‏ # 3 - علم واحد ومنهج واحد‏ # 4 - المطلقات والطبائع البسيطة والمسائل‏ # 5 - التجول حول العالم‏ # 6 - باريس‏ # 7 - كتاب «العالم» ونظرية ديكارت الفيزيائية‏ # 8 - ثلاثة نماذج للمنهج‏ # 9 - «منطق» جديد‏ # 10 - الحاجة إلى الميتافيزيقا‏ # 11 - كتاب «تأملات في الفلسفة الأولى»‏ # 12 - الشك عند ديكارت‏ # 13 - علماء اللاهوت والرب الفيزيائي‏ # 14 - الأفكار‏ # 15 - العقل‏ # 16 - الجسد‏ # 17 - كتاب «مبادئ الفلسفة»‏ # 18 - العلوم الأخرى‏ # 19 - الأيام الأخيرة‏ # 20 - شبح ديكارت‏ # قراءات إضافية‏ # | ديكارت # | ديكارت # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # توم سوريل # ترجمة # أحمد محمد الروبي # مراجعة # ضياء وراد # إلى أليسون # | الاقتباسات والمراجع # الإشارة إلى الاقتباسات من أعمال ديكارت في هذا الكتاب قائمة على أساس رقم المجلد ورقم ~~الصفحة بالطبعة المعتمدة لأعمال ديكارت والتي نشرها آدم وتانري (باريس: فرين، 1964-1975). ~~فعلى سبيل المثال، (7 : 12) تعني الصفحة رقم 12 من المجلد رقم 7 من طبعة آدم وتانري. وبشكل ~~عام، الترجمات منقولة من كتاب «أعمال ديكارت الفلسفية» (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، ~~1985) لمؤلفيه جيه كوتنجهام، وآر ستوثوف، ودي موردوك، حيث تظهر - في تلك الترجمة - أرقام ~~مجلدات طبعة آدم وتانري في بدايات الأعمال، وأرقام الصفحات في الهوامش. ويشير حرف «أ» الذي ~~يلي أرقام المجلدات إلى نص باللغة اللاتينية، والحرف «ب» إلى نص باللغة الفرنسية. ~~والاقتباسات الطويلة من خطابات ديكارت مأخوذة من ترجمة أنتوني كيني التي صدرت تحت عنوان ~~«ديكارت: الخطابات الفلسفية» (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 1970). # الفصل الأول # | المادة والميتافيزيقا # كانت رحلة رينيه ديكارت العملية ms01 قصيرة وبدأها متأخرا؛ فهو لم يشرع في البحث المكثف في ~~الفلسفة والعلوم الطبيعية حتى عام 1628، عندما كان في الثانية والثلاثين من عمره؛ واستغرق ~~تسع سنوات أخرى قبل أن ينشر أي عمل، وما نشرت آخر أعماله التي ألفها في حياته إلا بعد 12 ~~عاما من أولها ؛ أي عام 1649. ولم يكن إنتاجه غزيرا، غير أنه قدم إسهامات جليلة في ~~الفيزياء والرياضيات والبصريات، وأورد ملاحظات مفيدة في مجالات علمية أخرى، على رأسها علم ~~الأرصاد الجوية وعلم وظائف الأعضاء. ولو كان قد حصر نفسه في العلوم الطبيعية وحدها لأصبح ~~إنجازه مميزا بالقدر الكافي، لكن نطاق إنجازاته كان أكثر اتساعا بكثير. # ولعل أكثر ما يشتهر به أنه هو من قال: «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» وهذه العبارة ~~الاستدلالية البسيطة هي أول مبدأ في النظرية الميتافيزيقية التي وضعها، أو فلسفته الأولى؛ ~~أي نظريته لما يجب أن يعرف حتى يمكن أن يوجد أي علم ثابت ووثيق. ونظريته الميتافيزيقية ~~دقيقة جدا، ولها بالغ الأثر على الفلسفة حتى يومنا هذا، ولعلها أبرز إنجازاته الفكرية على ~~الإطلاق وأدومها، لكن لم تكن الغاية منها أن تكون منفصلة عن أعماله العلمية، ناهيك عن أن ~~تطغى عليها. فعندما تحول ديكارت للميتافيزيقا في البداية، وقرب منتصف فترة ازدهار إنتاجه، ~~ابتكر نظرية كان مفترضا لها أن تمهد الطريق لنظريته المتعلقة بالفيزياء الرياضية. وبحجة ~~معقدة ومجردة جدا، حاول ديكارت أن يثبت أن الخصائص المفهومة فهما وافيا في علم الهندسة؛ ~~ألا وهي الطول والعرض والعمق، هي وحدها الضرورية لفهم المادة، وأنه ما من خصائص سوى تلك ~~الخصائص الهندسية بالإضافة للحركة تلزم لتفسير الظواهر الطبيعية. # شكل 1-1: نقش لصورة ديكارت من لوحة أصلية لفرانس هالز. # 1 # لم يكن ديكارت المؤيد الأول أو الأوحد للفيزياء الهندسية؛ فقد كان جاليليو صاحب المنهج ~~العام فيها، لكنه كان في رأي ديكارت يفتقر إلى الدقة الكافية. قال ديكارت متحدثا عن ~~جاليليو في خطاب يرجع تاريخه لأكتوبر 1638: «لقد بنى بلا أساس، ودون أن يضع بعين الاعتبار ~~العلة الرئيسية للطبيعة، لم يسع إلا وراء أسباب ms02 بعض الظواهر بعينها» (2 : 380). درست ~~ميتافيزيقا ديكارت العلة الرئيسية للطبيعة وهي الرب، فيما انتهت فيزياء ديكارت إلى علل ~~ظواهر الطبيعة الأعم - كالتسارع وتشوه الأجسام جراء الاصطدام - واقترحت فرضيات لعلل ظواهر ~~أخرى كثيرة. # وكان ديكارت معنيا بتبني شكل من أشكال التفسير بعيد كل البعد عن تفسير البديهة ~~والفيزياء التقليدية من حيث إنه لم يكن مهتما، شأنهما، بالمظاهر التي تبدو عليها الأشياء ~~المادية للحواس البشرية. لقد قامت فيزياء ديكارت على الحقائق الرياضية المتعلقة بالأشياء ~~المادية، حقائق عن الحجم والشكل والتكوين والسرعة، حقائق يمكن أن يستوعبها عقل يتمتع ~~بحس/خبرة مختلفة عن حواسنا وخبراتنا، أو عقل لا يتمتع بحس/خبرة على الإطلاق. وقد قام ~~بالتعامل مع الحقائق الأخرى الخاصة بالأشياء المادية، كتمتعها بلون ورائحة - وهي الحقائق ~~النسبية للقوى الحسية للبشر - بشكل مختلف. فقد وصفها ديكارت في سياق الإطار المفضل لأحجام ~~الأشياء المادية وأشكالها وسرعاتها، وأثرها على أعضاء الحس، وأثمر وصفه عن نظرية ميزت ~~بين الخصائص التي تتمتع بها الأشياء المادية حقا وبديهيا، كالشكل والحجم، والخصائص التي ~~بدا ظاهريا فحسب أنها تتمتع بها، لا سيما اللون والرائحة وغيرها من الصفات ~~المحسوسة. # للتمييز بين الإدراك الحسي للعالم المادي والإدراك الرياضي الأكثر صرامة، ألزم ديكارت ~~نفسه بوجهة النظر التي مفادها: أن الإدراك الرياضي هو الأكثر موضوعية بين الاثنين. والتزم ~~غيره من المؤمنين بالعلم الجديد بالشيء نفسه، وحاولوا أحيانا الإيحاء بتفوق الإدراك ~~الرياضي زاعمين أنه أقرب لإدراك الرب، لكن ديكارت استطاع أن يتجاوز هذا الحديث الغامض عن ~~المنظور الرباني، وبين الفارق بين الإدراكين الحسي والرياضي للعالم المادي، وأثبت أن ~~الأول عرضة باستمرار للشك، بينما الثاني لا يشوبه الشك قط، واقترح طريقة يستطيع من خلالها ~~عزل نفسه عن الإدراك الحسي وتبني الإدراك الأكثر موضوعية. # وإذ شرع في وضع تلك الطريقة موضع التنفيذ، حصل ديكارت على نتائج مبهرة في عدة فروع من ~~العلوم الطبيعية، إضافة إلى الرياضيات البحتة، وتمكن علماء آخرون، مثل فرانسيس بيكون ~~وجاليليو، من مضاهاة إنجاز ديكارت جزئيا وحسب. فرغم أن بيكون ابتكر طريقة لتجاوز قيود ~~البديهة والفيزياء التقليدية، ms03 لم تكن شكوكه في العالم الحسي عميقة كشكوك ديكارت. ومرة أخرى، ~~بينما أفسح بيكون المجال لإدراك أكثر موضوعية للطبيعة لم يحدده باعتباره إدراكا رياضيا ~~أصلا. وفي حين قدم لنا جاليليو هذا التمييز، فإنه لم يكن يملك نظرية حقيقية لتفسير مناسبة ~~المنهج الرياضي لتفسير العالم المادي. وقدمت لنا الميتافيزيقا الديكارتية النظرية المفقودة، ~~وأفادت بأن العقل البشري خلقه الرب كي يتمتع باليقين القاطع بخصوص الأشياء المادية عندما ~~يدركها رياضيا؛ وأوضحت أن الرب لديه القدرة على خلق كل ما يمكننا إدراكه على نحو يقيني، ~~وأن الرب أيضا كريم جدا؛ إذ أجاز للعقل البشري أن يقع في الخطأ عندما يدرك على نحو يقيني ~~الطبيعة الرياضية للمادة. # لم يصغ هذا التفسير لبيان كيف أن المادة والرياضيات خلقا بعضهما لبعض بشكل من المرجح ~~أن نراه مألوفا أو جذابا، ولم يكن الهدف أصلا إقناعنا بأن الفيزياء الرياضية قابلة ~~للتطبيق. إن النجاح المدوي للفيزياء الرياضية بوصفها أداة للقياس والتنبؤ والتحكم منذ القرن ~~السابع عشر جعل من أي نظرية تثبت صلاحية الفيزياء الرياضية محض تكرار وتقليد، لكن صياغة ~~نظرية ديكارت ساعدت على تمهيد الطريق أمام بعض الأبحاث المبكرة التي حققت إنجازات بررت ~~ثقتنا بالعلم المادي الحديث. # تلفت النظرية الميتافيزيقية لديكارت الآن الأنظار أكثر من نظريته الخاصة بالفيزياء ~~الرياضية؛ وذلك لأن أكثر فرضياته تميزا في العلوم الفيزيائية بدأت تذوي بحلول فرضيات أخرى ~~تفوقت عليها في غضون عقود قليلة من وفاته. ورغم ذلك، فقد شغلت الأبحاث التي أنتجت تلك ~~الفرضيات وعملية جمعها تقريبا معظم الفترة المثمرة من حياة ديكارت. وغلبت المسائل العلمية ~~لا الفلسفية على عمل ديكارت. وقد واجهها بإدراك قوي بالقواسم المشتركة فيما بينها، وأفكار ~~محددة عن الترتيب الذي يتعين التعاطي معها به، واقتناع داخلي بأنه يستطيع شخصيا أن يعثر ~~على إجابات لأغلبها. # | هوامش # الفصل الثاني # | سماع النداء # بدا الأمر وكأنه بمحض الصدفة صار لدى ديكارت الثقة والإقدام الكافيان للمضي قدما في ~~المهمة التي أخذها على عاتقه، وهي تنفيذ البرنامج البحثي الذي دشنه في حياته العملية. ~~عندما ولد بمدينة تورين ms04 في شمال غرب فرنسا في الحادي والثلاثين من مارس عام 1596، لم يكن ~~ينتسب إلى عائلة من العلماء. صحيح أن جده لأبيه ووالد جده كانا طبيبين، غير أن أباه ~~كان محاميا وقاضيا. وتبين أن جده لأمه تقلد منصبا حكوميا مرموقا في مدينة بواتييه، ~~وأن أقرباء أمه الآخرين تقلدوا مناصب قانونية حكومية. وكان أفراد عائلتي والدي ديكارت إما ~~من صغار النبلاء أو على مشارف الانتماء إلى طبقة النبلاء، وكانوا أثرياء ومتعلمين تعليما ~~راقيا، ولو أنه لم تكن لديهم ميول علمية تحديدا. ولم يكن في سنوات حياته الأولى ما يستدل ~~به كمؤشر على ما آلت إليه حياته المهنية. # ربما عندما بلغ العاشرة من عمره، أرسل ديكارت الصغير إلى الكلية اليسوعية بمدينة ~~لافليش في منطقة أنجو. ظل ديكارت في هذه الكلية لثماني سنوات، وحصل هناك على أول تدريب له ~~في مجال العلوم. وفي العامين الأخيرين تعلم الرياضيات التي أبدى قدرات خاصة فيها، إضافة إلى ~~الفيزياء، لكنها لم تكن الفيزياء التي تستخدم النتائج الرياضية؛ فقد تعرف ديكارت على ~~النظرية المدرسية (السكولائية) للاختلاف والتغير الطبيعيين، وهي النظرية التي تفسر ملاحظات ~~موصوفة نوعيا بلغة غامضة وتجريدية وغير كمية. # وتجاور بين اليسوعيين في أوائل القرن السابع عشر تدريس الفيزياء المدرسية مع الوعي ~~بالقفزات العلمية التي تحققت في علم الفلك، واستلهمت من اتباع منهج رياضي مختلف كل ~~الاختلاف لدراسة الطبيعة، وانعكس ذلك على كلية لافليش. على سبيل المثال، أقيم حفل بالكلية ~~عام 1611 تقديرا لاكتشاف جاليليو أقمار المشتري. ولعل اليسوعيين كانوا مستنيرين بما يكفي ~~لإتاحة الأدوات البصرية المبتكرة حديثا - والتي كانت تباع في باريس منذ عام 1609 - ~~لديكارت وزملائه بالكلية. ولكن داخل الفصل الدراسي، بدا أن المذاهب المدرسية العقيمة كانت ~~لها اليد العليا، وأنها كانت تشعر ديكارت بالضجر، أو هكذا كتب لاحقا. ففي مؤلفه الأشبه ~~بالسيرة الذاتية «مقال عن المنهج»، الذي نشر عام 1637 كمقدمة لثلاث من مقالاته العلمية، ~~أعطى ديكارت الانطباع بأنه تحمل أيام دراسته على مضض ولم يستفد منها، فلم يساعده في ~~أبحاثه اللاحقة سوى الرياضيات التي ms05 تعلمها في لافليش، وحتى هذا الضرب من الرياضيات دعت ~~الضرورة إلى إعادة صياغته، على حد قول ديكارت، كي يكون ذا جدوى. ومن الواضح أنه لم ينشغل في ~~لافليش عامي 1613 أو 1614، بل في هولندا بعدها بخمس سنوات، بالأسئلة التي حفلت بها أعماله ~~المنشورة. # لم ترد أخبار كافية عن ديكارت خلال الفترة بين عامي 1614، عندما غادر كلية لافليش، و1618، ~~عندما وصل إلى هولندا. لدينا دليل على أنه حصل على درجة علمية في القانون في بواتييه عام ~~1616 تأسيا بأخيه الأكبر بيير الذي سبقه في الحصول على درجة مثيلة قبله بسنوات قلائل. ~~ولكن بينما وجه والدهما بيير لامتهان القانون، بدا أن القدر اختار الحياة العسكرية ~~لرينيه؛ ففي عام 1618، انتقل إلى مدينة بريدا في هولندا، وقيد اسمه كمتطوع نبيل في جيش ~~الأمير الهولندي موريس، أمير ناسو. وحقيقة الأمر أنه كان ضابطا متدربا في جيش يعتبر ~~أكاديمية عسكرية أيضا لشباب النبلاء بالقارة الأوروبية. # شكل 2-1: مدينة لافليش، في نقش يرجع للقرن السابع عشر من أعمال بيير ~~أفيلين. # 1 # وفي مدينة بريدا، التقى ديكارت البالغ من العمر 22 عاما آنذاك بطبيب يكبره بثماني سنوات ~~يدعى إيزاك بيكمان، وصارا صديقين. كان بيكمان علامة محيطا بعدد كبير من التخصصات ~~العلمية، وكان أثره على الشاب ديكارت عظيما. ويستدل على ذلك من خطاب يرجع لعام 1619 كتب ~~فيه ديكارت إلى بيكمان: «إن شئت الحقيقة، دعني أقر بأنك الذي أخرجني من خمولي وجعلني أتذكر ~~أشياء سبق أن تعلمتها وكاد النسيان يطويها، وعندما شطح عقلي بعيدا عن الأمور الجادة، ~~أعدتني أنت إلى جادة الطريق.» ولعله كان يعني ب «الأمور الجادة» مجموعة من المسائل المعضلة ~~في الرياضيات البحتة والتطبيقية؛ فالرسائل التي بقيت من المتبادلة بين ديكارت وبيكمان خلال ~~تلك الفترة لا تناقش شيئا آخر إلا قليلا، ومن الواضح أن الواحدة منها تكمل الحوار من حيث ~~انتهى في السابقة لها. وكانت هناك رسالة واحدة تتعلق بالعلاقات الرياضية بين النغمات ~~الموسيقية في الأغاني لصوت واحد. وفي رسالة أخرى، أعلن ديكارت أنه عثر في غضون ms06 ستة أيام على ~~حلول لأربع مسائل قديمة في الرياضيات. وأسر لبيكمان أيضا أنه ينوي أن «يقدم للناس علما ~~جديدا بالكامل» لحل أية مسألة حسابية أو هندسية بطريقة قياسية أيا كانت طبيعتها. في تلك ~~الفترة تحديدا، بدأ حماس ديكارت للمسائل العلمية يتمكن منه حقا ويستحوذ عليه. # بدأت المراسلات بين ديكارت وبيكمان بعدما رحل الأول عن بريدا في طريقه إلى كوبنهاجن ~~بنهاية أبريل عام 1619. وإذ كان حريصا كل الحرص على تفادي التحركات العسكرية القائمة بسبب ~~اندلاع حرب الثلاثين عاما، فقد خطط ديكارت لسلوك درب غير مباشر بالمرة عبر أمستردام ~~ودانزيج مرورا ببولندا، وأخيرا النمسا وبوهيميا. وكما يستدل من رسائله، عندما انطلق ~~ديكارت في رحلته، كان منشغلا كل الانشغال بالمسائل الرياضية، وبدلا من أن يفقد اهتمامه مع ~~طول رحلته، بدا وكأنه ينغمس أكثر فأكثر في تأملاته. ومن الواضح أنه عدل أيضا مسار ~~رحلته؛ فلما لم يكن لديه الوقت الكافي للسفر عبر بولندا والمجر والنمسا وبوهيميا، وصل إلى ~~فرانكفورت في سبتمبر 1619 بالتزامن مع تنصيب الإمبراطور فرديناند. # أنهى ديكارت رحلته في الشتاء في ألمانيا، ربما على مقربة من مدينة أولم، ولعل الأبحاث ~~التي كان منشغلا بها هنالك استحوذت على عقله. على أية حال، ففي العاشر من نوفمبر عام 1619، ~~وبينما كان منعزلا في غرفة يتم تدفئتها بواسطة موقد، يزعم أنه رأى رؤيا في وضح النهار، ~~وراودته ثلاثة أحلام في المساء فسرها على أنها وحي مقدس لمهمته في الحياة؛ كشف النقاب ~~عن علم رائع. # | هوامش # الفصل الثالث # | علم واحد ومنهج واحد # ما رآه ديكارت في رؤياه في وضح النهار لم يعرفه أحد، ووصفه لأحلامه التي راودته في ~~مذكراته الخاصة مكتوب بأسلوب منمق جدا، وعلى هيئة جمل مبتورة لدرجة يستحيل معها أي تفسير ~~موثوق. ورغم ذلك، من المرجح أن الفكرة التي بدأت تتجلى له هي توحيد قائمة طويلة من العلوم ~~التي كانت تعد من قبل علوما منفصلة تحت لواء الرياضيات. وتتضمن تلك القائمة أربعة فروع ~~علمية كانت تصنف عادة تحت مسمى «العلوم الأربعة»؛ وهي الحساب والهندسة والموسيقى ms07 والفلك، ~~علاوة على البصريات والميكانيكا وبعض الفروع الأخرى. # ويشير عدد من المصادر المختلفة أن ديكارت - بعد أن غادر بريدا - صار أكثر نزوعا ~~لاحتمالية وجود علم جامع أو منهج جامع للكشف العلمي. ولما راسل ديكارت بيكمان من أمستردام ~~في أبريل 1619 قال إنه التقى علامة كبيرا زعم أن لديه القدرة على توظيف طريقة مستخلصة من ~~كتاب «الفن الصغير»، لمؤلفه ريموند لول، ببراعة منقطعة النظير، لدرجة تجعله قادرا على ~~مناقشة أي موضوع على الإطلاق لمدة ساعة كاملة دون توقف. كان لول كاتبا في القرن الثالث عشر ~~الميلادي يتناول العلم الكلي. وحمل ديكارت هذا الزعم على محمل الجد لدرجة أنه طلب من ~~بيكمان أن ينظر في المسألة، ويخبره ما إذا كان كتاب لول مميزا بحق. كان ديكارت قد كتب ~~بنفسه لبيكمان عن رؤياه الخاصة بعلم قادر على توحيد الجبر والهندسة، ولعل هذا جعله ميالا ~~لفكرة منهج مناسب لتحقيق اكتشافات جديدة في أي موضوع، أو بالأحرى فيما يتعلق بأي ~~موضوع. # بحث ديكارت عن منهج شامل يتجاوز لول، فنراه لفترة يتأمل مذهب جماعة الصليب الوردي التي ~~زعم أنها مصدر لضرب من الفهم الإجمالي للأمور. وخلال الفترة التي عاشها ديكارت بالقرب من ~~مدينة أولم، التقى رياضيا يدعى يوهان فاولهابر عرف عنه أنه محسوب على جماعة الصليب ~~الوردي، وربما أطلع ديكارت على شيء يتعلق بالمعتقدات السرية لجماعته. في السنوات التالية، ~~ولكي ينفي اتهام انتسابه هو شخصيا إلى تلك الأخوية الخارجة على القانون، قال ديكارت إنه ~~لم يجد شيئا مؤكدا في عقائد تلك الجماعة، ولكن إن كان قد تبرأ منهم، فلم يكن ذلك فور ~~لقائه بفاولهابر مباشرة. تتحدث شذرات من مفكرة له احتفظ بها بعدما رحل عن ألمانيا عن عمل له ~~اعتزم أن يرسي أساسا لما أسماه «سبل حل جميع الصعوبات في علم الرياضيات ... سيتم تقديم هذا ~~العمل للمثقفين في شتى أرجاء العالم، وخاصة إلى الإخوة الأجلاء المحسوبين على جماعة الصليب ~~الوردي في ألمانيا» (10 : 214). # تواصل المفكرة التي اقتبس منها الاقتباس أعلاه الحديث عن الوحدة الكامنة في العلوم: ms08 «لو ~~استطعنا أن نرى كيف ترتبط العلوم ببعضها فلن يكون استبقاؤها في عقولنا أصعب من مجموعة أرقام ~~بسيطة» (10 : 215). ولا يتضح على وجه التحديد إن كانت تلك الفكرة جالت بخاطره في شتاء عام ~~1619 أم لا، لكن ثمة اعتبارات وثيقة الصلة - عن الترتيب الذي يجب دراسة العلوم به - من ~~الواضح أنها خطرت له من قبل، إذا صدقنا الرواية التي يرويها في مؤلفه «مقال عن ~~المنهج». # يقدم لنا الجزء الثاني من مؤلف ديكارت «مقال عن المنهج» تقريرا عن تأملات ديكارت في ~~غرفته ذات الموقد للتدفئة. ومن المفترض أنه شرع بالتأمل في فكرة أن الأدوات تكون أقل جودة ~~إن صنعها عدد كبير من الأشخاص مما لو صنعت على يد شخص واحد وحسب، بل وستكون أسوأ لو صنعت ~~بارتجال مما لو صنعت استنادا إلى خطة شاملة. ومع ذلك، فمن الأفضل أحيانا ألا نحاول من ~~الصفر إعادة صنع شيء ما صنع بطريقة تفتقر للنظام. وكما لا يستطيع أحد أن يحلم بهدم ~~«كل» البيوت في مدينة عشوائية واستبدال بيوت أخرى بها لمجرد إنجاز عمل أكثر جاذبية، على ~~حد قول ديكارت؛ فإنه «من غير المنطقي ... أن يضع المرء خططا لتصحيح مسار العلوم أو نظام ~~تعليمها الراسخ في المدارس» (6 : 13). على الجانب الآخر، من الممكن أن يكون من المنطقي أن ~~يهدم الإنسان بيته ويعيد بناءه، ومن المنطلق نفسه قد يكون من المنطقي أن ينطبق ذلك أيضا ~~على تصحيح المرء مسار ما تعلمه - رفض كل ما يداخله الشك في معتقداتنا المكتسبة - دون المساس ~~بمحتوى العلوم ونظام تدريسها الراسخ. من بين أوائل النتائج التي توصل إليها ديكارت، بحسب ~~مؤلفه «مقال عن المنهج»، أنه لا ضير من التخلص من جميع آرائه والبحث عن شيء أفضل يحل ~~محلها طالما أنه ابتكر مقدما «منهجا» لإيجاد بدائل (6 : 17). # كان ديكارت يبحث عن منهج يتمتع بجميع المميزات دون أن يشوبه أي من أوجه القصور التي تشوب ~~الإجراءات المتبعة في المنطق والجبر والهندسة، وزعم في مؤلفه «مقال عن المنهج» أنه عثر ~~على ذلك المنهج ونجح ms09 في تطبيقه إلى حد ما بنجاح. يقول: «في الواقع، يسعني القول إنني ~~بالاتباع الدقيق للقواعد القليلة التي وقع اختياري عليها، صرت بارعا جدا في حل جميع ~~المسائل التي تنتمي إلى (التحليل الهندسي والجبر)» (6 : 20). وبعدها بقليل يقول ديكارت: ~~«وبما أنني لم أحصر المنهج في موضوع بعينه، عقدت الآمال على تطبيقه بنجاح على مسائل العلوم ~~الأخرى كما نجحت في تطبيقه على الجبر» (6 : 21). وهذا التصريح أقرب ما يكون إلى زعم ديكارت ~~في مؤلفه «مقال عن المنهج» بأنه - عندما كان في ألمانيا - عثر على منهج شامل ينطبق ~~مبدئيا على جميع المسائل العلمية، لكنه لم يتطرق إلى أن المنهج يناسب بالفعل العلوم ~~الأخرى، بل صرح بأنه فكر أنه طالما أن مبادئ العلوم الأخرى تعول كلها على الفلسفة، التي ~~لم يجد فيها أي شيء مؤكد، فعليه أولا أن يثبت وجود يقينات في هذا المجال. علاوة على ذلك، ~~أدرك أنه لا داعي لإنجاز هذه المهمة قبل الأوان: «ارتأى لي أنني لا ينبغي أن أحاول إنجاز ~~هذه المهمة حتى أصل إلى عمر أكثر نضجا من سنوات عمري الثلاث والعشرين، وحتى أمضي فترة ~~طويلة في تأهيل نفسي لها» (6 : 22). وكما سيتضح لنا، استمرت فترة «الإعداد» لديكارت تسع ~~سنوات، فلم يبادر بإثبات «المبادئ اليقينية» التي عدها ضرورية لحل المسائل في العلوم ~~الأخرى سوى عام 1628. # الفصل الرابع # | المطلقات والطبائع البسيطة والمسائل # ما المنهج الذي اكتشفه ديكارت - إن وجد - قبل عام 1628؟ يشير الجزء الثاني من «مقال عن ~~المنهج» أنه إبان التجربة التي عاشها ديكارت في الغرفة ذات الموقد، كان قد حدد بالفعل ~~أربعة مبادئ يسترشد بها في جميع تساؤلاته (6 : 18). تساءل نقاد «مقال عن المنهج»: هل كانت ~~هذه المجموعة من القواعد يمكن حقا أن ترقى لتكون «منهجا»؟ وتعاطف ديكارت نفسه مع هذا ~~الاعتراض؛ ففي تعليق لمراسل حول الوصف المناسب لمؤلفه، رفض أن يطلق عليه أطروحة كما أشار ~~البعض عليه، استنادا إلى كونه يلمح إلى وجود منهج أو يعلن عنه دون أن يتجاوز ذلك إلى تدريس ~~المنهج نفسه. هناك مشروع أشبه ms10 بالأطروحة وضعه ديكارت قرابة عام 1628، ولكنه لم ينته منه ~~قط، وكان من المقرر أن يحوي عددا من القواعد لا تقل عن 36 قاعدة في ثلاث مجموعات، قوام ~~كل منها 12 قاعدة، وسميت الأطروحة غير ~~المكتملة: «قواعد لتوجيه الفكر». وتناوله للمنهج في تلك الأطروحة أكثر تعقيدا من تناول ~~مؤلفه «مقال عن المنهج» له، ولكن لعله أكثر التزاما بالإجراءات العامة لحل المسائل التي ~~خطرت لديكارت أول الأمر. # وإذ يشرح ديكارت القواعد الاثنتي عشرة الأولى في «قواعد لتوجيه الفكر»، نراه يمر على بعض ~~النقاط التي من المفترض أنه درسها خلال تأملاته على مقربة من مدينة أولم في نوفمبر عام ~~1619. تنص القاعدة الرابعة على أنه يجب أن يكون المنهج لا الفضول دليلنا في البحث. وتعليقا ~~على هذه القاعدة، يركز ديكارت على فائدة الأساليب المعلومة لحل المسائل في العلوم الرياضية ~~المحدودة، ويتساءل عما إذا كان في الإمكان توسعة نطاقها بحيث تشمل «فروعا معرفية تعرقل ~~تقدمها عقبات أكبر» (10 : 373). ويستقر رأيه على أنه يمكن توسعة نطاقها، أو يقرر أن ~~الأساليب المعمول بها في الجبر والهندسة حالات خاصة لشيء أكثر عمومية؛ إجراء للإجابة عن ~~مسائل خاصة بالأرقام والأشكال والكثير من الأشياء غيرها. وفي مرحلة تالية من نقاشه للقاعدة ~~الرابعة، وبعد أن ألمح إلى توافر منهج عام بالكامل لحل المسائل، أكد فعليا أن ثمة ~~«رياضيات كلية»: # تجلى لي أن الاهتمام الوحيد للرياضيات ينصب على مسائل الترتيب أو القياس، وأنه لا ~~يهم إن كان القياس المعني ينطوي على أرقام أو أشكال أو نجوم أو أصوات أو أي شيء آخر ~~أيا كان. وقادني هذا إلى إدراك أنه لا بد وأن هناك علما عاما يفسر جميع الأمور ~~التي يمكن طرحها بخصوص الترتيب والقياس بغض النظر عن الموضوع نفسه، وأن هذا العلم ~~يجب أن يطلق عليه اسم «الرياضيات الكلية» ... ذلك لأنه يغطي كل ما يؤهل ... العلوم ~~الأخرى لأن تسمى فروعا من الرياضيات. ~~(10 : 377-378) # ويواصل حديثه قائلا إن هذا العلم يتجاوز العلوم الثانوية الممثلة في الهندسة والفلك ~~والموسيقى والبصريات والميكانيكا وغيرها «من ms11 حيث الوحدة والبساطة»، ويضيف أنه نظرا ~~لمستواه العالي جدا من العمومية، فإنه لا يحوي بعض الصعوبات التي تعرقل العلوم ~~المتخصصة. # يرى ديكارت أن هناك ثلاث قواعد محورية بالنسبة للأطروحة بأسرها (10 : 392). فالقاعدة ~~الخامسة تملي على الباحث أن «يختزل القضايا المعقدة والغامضة بصفة تدريجية إلى قضايا أبسط، ~~ثم يبدأ من خلال حدس القضية الأبسط على الإطلاق، ويحاول أن يرقى وفق نفس التدرج إلى معرفة ~~القضايا الأخرى» (10 : 379). وتتوسع القاعدة السادسة بعض الشيء فيما يعد «بسيطا »؛ أما ~~القاعدة السابعة فتقدم أسلوبا «للارتقاء» استنادا لألفاظ القاعدة الخامسة من القضايا ~~الأبسط التي اختزلت فيها مسألة صعبة، مرورا إلى القضايا الباقية كلها. # ويوضح ديكارت كيف يمكن تطبيق هذه القواعد وغيرها من القواعد بشكل صحيح (10 : 393 والصفحات ~~التالية). ويبدأ ديكارت بمسألة «انكسار الضوء»؛ وهذه مسألة في علم البصريات لوصف الخط أو ~~المسار الذي تنحرف عنده أشعة متوازية من الضوء بطريقة تجعلها تتقاطع عند نقطة واحدة، عندما ~~تصطدم بوسط أكثر كثافة. يقول ديكارت إن أي رياضي لا يفقه شيئا في الفيزياء لن يستطيع أن ~~يحرز سوى تقدم محدود في هذه المسألة؛ فسيكتشف أن الخط الذي يسعى إليه يعتمد على نسبة بين ~~الزوايا التي تصطدم عندها الأشعة بالوسط الأكثر كثافة والزوايا التي تنكسر عندها. وسيتتبع ~~القاعدة الخامسة في اكتشافه لهذه المسألة بقدر أكبر؛ القاعدة الخامسة التي تملي على الباحث ~~حل أية مسألة بواسطة اختزالها إلى قضايا أبسط؛ أي قضايا معلومة بما يسهل حل المسألة. ~~وتورد إحدى القضايا نسبة الزوايا إلى بعضها، ولكن هذا هو منتهى ما يمكن أن يصل إليه الرياضي ~~البحت؛ وذلك لأن الرياضي البحت، الذي ينتهك القاعدة الأولى من البحث المنصوص عليها في ~~«قواعد لتوجيه الفكر» (قارن: 10 : 361)، يسعى إلى الحقيقة المرتبطة بالأرقام والأشكال وحسب، ~~لا المتعلقة بالأشياء عموما. ~~«يمكن» إيجاد حل لمسألة الأشعة المنكسرة، ولكن من قبل شخص يتجاوز مسألة النسبة بين ~~الزوايا ويرى ما تعتمد عليه تلك النسبة. ما يتعين على الباحث فهمه أن النسبة بين الزوايا ~~تتباين بفعل تغيرات في الزوايا تحدث ms12 بسبب اختلافات في الوسائط التي تمر عبرها أشعة الضوء. ~~ولكي يفهم هذه التغيرات، يتعين عليه أولا استيعاب أشياء أخرى؛ وهي كيفية مرور الضوء عبر ~~«المادة الدقيقة» المناسبة لانتقاله، وطبيعة حركة الضوء أو قوته، وطبيعة القوة الطبيعية ~~عموما. ويرتهن استيعاب تلك الأشياء بفهم قضايا «أبسط» من القضية التي تنص على النسبة بين ~~الزوايا. القضية «الأبسط» من بين هذه القضايا البسيطة هي التي تشرح ماهية القوة ~~الطبيعية. # وطبيعة القوة الطبيعية هي ما يعتبرها ديكارت الاصطلاح الأكثر «إطلاقا» في سلسلة ~~الاعتبارات المتعلقة بمسألة انكسار الضوء (10 : 395). وعموما، فإن الاصطلاحات المطلقة ~~لمتسلسلة ما هي التي تمكن الباحث من أن يضع يده على الأشياء «البسيطة» التي تجعل الطبائع ~~المجهولة، كطبيعة الضوء، مفهومة. واستنادا إلى القاعدة السادسة في «قواعد لتوجيه الفكر»، ~~يقدم لنا بعض الخصائص النموذجية للمطلقات: # إنني أصف كل ما يحوي بداخله الطبيعة المحضة البسيطة محل البحث بأنه: «مطلق»؛ أي ~~ما ينظر إليه باعتباره مستقلا، سببا، بسيطا، شاملا، واحدا، مكافئا، ~~مشابها، خطيا، وغيرها من السمات الشبيهة. ~~(10 : 381) # تبدو قائمة السمات متنوعة حتى يقرأ المرء المزيد ويكتشف أنه بالنسبة لديكارت يمكن التعبير ~~عن جميع المسائل القابلة للحل بمعادلات بين الكميات المعلومة والمجهولة المستخلصة من ~~البيانات المرتبطة بتلك المسائل. ويرد ذكر التكافؤ في قائمة المطلقات بسبب استخدام ~~المعادلات في بيان العلاقات التي تربط ما بين المعلوم والمجهول. ويرد ذكر صفة «الخطية»؛ لأن ~~ثمة معادلات بعينها يمكن التعبير عنها كخطوط مستقيمة في نظام إحداثي. ويمكن بيان الإطلاق، ~~من حيث ما يمكن فهمه بذاته لا استنادا إلى أشياء أخرى، في حالة انكسار الضوء: فيمكن فهم ~~قوة الضوء حال فهم القوة عموما وحسب، ولكن فهم القوة عموما لا يعتمد على فهم نوع بعينه من ~~القوة، كقوة الضوء. # يزعم ديكارت في «قواعد لتوجيه الفكر» أن المرء يكتشف «السر الأساسي» لمنهجه عندما يعرف أن ~~كل الأشياء يمكن ترتيبها ترتيبا تتابعيا، وأنه في كل متسلسلة يوجد ارتقاء من الأشياء ~~الأكثر إطلاقا إلى الأقل إطلاقا (10 : 381). والفكرة أن كل «مسألة» وكل مادة - يمكن تحديد ms13 ~~حقيقتها أو زيفها - تختص «بأشياء مركبة» تتألف طبائعها من مزيج من أشياء «أبسط» أو ~~أسهل في فهمها واستيعابها. وتحديد الأشياء البسيطة مسألة تتعلق بوصف الأشياء المركبة - ~~والضوء والمغناطيس مثالان من أمثلته - بألفاظ عامة جدا تجرد وحسب سماتها الكمية. # يعتمد حديث ديكارت عن «المطلقات» على نظرية الطبائع «البسيطة» و«المركبة». وإذا لم نتعرف ~~على هذه النظرية بقدر أكبر، فلن ينفعنا أن نطلع على «السر الأساسي» لمنهجه. السؤال: ما ~~حجم الخلفية الضرورية التي يقدمها ديكارت في هذا الشأن؟ هناك جزء في «قواعد لتوجيه الفكر» ~~عن تنويعات التركيب التي تتعرض لها الطبائع البسيطة (10 : 422 والصفحات التالية)، وثمة شيء ~~عن التركيب باعتباره مصدر الخطأ (10 : 424 والصفحات التالية). كما يعدد أيضا الطبائع ~~البسيطة نفسها. # يقسم ديكارت الطبائع البسيطة إلى ثلاث فئات (10 : 419 والصفحات التالية)؛ الأولى: هي ~~الطبائع البسيطة «العقلية المحضة». ويضرب ديكارت مثلا بالمعرفة والشك والإرادة ضمن هذه ~~الفئة، لكن هناك مسألة واحدة وحسب نوقشت في مؤلفه «قواعد لتوجيه الفكر» - المعنية بتحديد ~~نطاق المعرفة البشرية وطبيعتها (10 : 395) - هي التي تظهر لنا بالكامل الطبائع العقلية ~~البسيطة. ورغم أن ديكارت يطلق عليها اسم «أدق مثال» لمسألة على الإطلاق، ويزعم أنها «أول ... ~~ما يجب تمحيصه باستخدام القواعد»، نجد أنها في حقيقة الأمر شاذة عن المسائل التي يطبق عليها ~~منهجه. المسائل التي يركز ديكارت عليها يمكن حلها بالاستعانة بالفئتين الأخريين للطبائع ~~البسيطة، اللتين يسميهما الطبائع البسيطة «المادية المحضة»، والطبائع البسيطة «المشتركة» ~~بين الأشياء العقلية والمادية. # ويعني ديكارت بالطبيعة البسيطة «المادية المحضة»، على سبيل المثال، أي شيء لديه شكل ~~وامتداد (طول وعرض وعمق)، أو أي شيء متحرك (10 : 419). فهذه الطبائع لا تنتمي إلا للأشياء ~~المادية أو الفيزيائية، وبمعرفة علاقات بعضها ببعض، وتحديدا أنواع الأشياء المادية، من ~~المفترض أن يكون المرء قادرا على الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بالقوى وسمات الأشياء ~~المادية عموما. على سبيل المثال، يزعم ديكارت أنه بالإمكان الكشف عن طبيعة الصوت من ~~معلومات مفادها: أن «ثمة ثلاثة أوتار أ، ب، ج تصدر الصوت نفسه؛ ولكن الوتر ms14 ب يبلغ سمكه ضعف ~~سمك الوتر أ ولكنه ليس أطول منه، ويخضع لشد بفعل ثقل يبلغ وزنه ضعف الثقل الذي يتعرض له ~~الوتر أ. أما الوتر ج فيبلغ طوله ضعف طول الوتر أ، ولو أنه ليس بسمكه، ويخضع لثقل يبلغ وزنه ~~أربعة أضعاف الثقل الذي يتعرض له الوتر أ» (10 : 431). تتعلق هذه البيانات جميعها بالعلاقات ~~بين الأطوال والسمك والأوزان باعتبار أنها قابلة للقياس بالوحدات؛ فالأطوال والسمك ~~أمثلة على الطبائع المادية البسيطة، والقياس بالوحدات أحد «الطبائع المشتركة» (10: 419)؛ ~~قارن: (10 : 440، 449). # يلاحظ ديكارت استنادا إلى مثال الأوتار ومسائل الصوت أنه يمكن أن نرى كيف يمكن اختزال أي ~~مسألة مفهومة فهما وافيا، أو على الأقل أية مسألة تجرد بقدر كاف من أي اعتبارات غير ~~ذات صلة، إلى «شكل ما بحيث ... نتعامل ... فقط مع أبعاد معينة عموما ونقارن بينها» (10 : 431). ~~يستحق هذا، على نحو ما، أن يطلق عليه اسم «السر الأساسي» للمنهج المنصوص عليه في مؤلف ~~ديكارت «قواعد لتوجيه الفكر». ما رآه ديكارت هو أن الكثير من المسائل العلمية القابلة للحل ~~يمكن أن تبدو «عصية» على الحل بسبب الطريقة التي تشكلت بها، وظن أنه عثر على طريقة لحل أية ~~مسألة تتعلق بالأرقام والأعداد؛ ولذلك فقد انصب تركيزه على إجراء لتحويل المسائل العلمية ~~التي «لم» تكن تتعلق ظاهريا بالأرقام والأعداد إلى مسائل تتعلق بالأرقام والأعداد. ومع ~~وضع المسائل الفيزيائية بشكل أساسي في الاعتبار، قدم ديكارت قواعد تفصيلية لإعادة التعبير ~~عن تلك المسائل في هيئة مصفوفات من النقاط والخطوط: (10 : 450 والصفحات التالية)، أو عند ~~الحاجة للاختصار، في هيئة معادلات بين الأرقام (10 : 455 والصفحات التالية). وبالتعبير عن ~~تلك المسائل بهذه الطرق، يمكن اختزالها في شكل يمكن فيه ملاحظة العلاقات بين الأبعاد بسهولة ~~أو حسابها آليا. # ولو أن عملية التحويل هذه كانت يمكن أن تكون ابتكارا وافيا، لم يكتف ديكارت بإعطاء ~~توجيهات حول تحويل قضايا غير رياضية غامضة إلى لغة رياضية أكثر وضوحا؛ فقد كان يعتقد أن ~~مجموعات الترميز الموجودة في الجبر والهندسة يتعين توضيحها وتوحيدها. ويذكر ms15 ديكارت في «مقال ~~عن المنهج» كيف استطاع بسهولة في مطلع شبابه أن يجد أوجه قصور في الطرق التقليدية لتمثيل ~~المسائل الرياضية. واشتكى ديكارت من أن التحليل الهندسي كان «مقيدا بشدة بالتحقق من ~~الأعداد» لدرجة أنه لم يفسح المجال لإعمال الفكر «دون إنهاك الخيال بشدة» (6 : 17-18). أما ~~الجبر فكان «مقيدا جدا بقواعد ورموز بعينها لدرجة أن المحصلة النهائية [كانت] علما ~~مرتبكا وملغزا» (6 : 18). # لإضفاء وضوح ووحدة على العلمين السابقين، اقترح ديكارت العديد من أدوات التمثيل ~~الرمزي التي ما تزال قيد الاستخدام في الجبر؛ فقد كان ديكارت هو الذي اخترع تمثيل المجاهيل ~~في المعادلات بالرموز س، ص، ع ؛ والمعروف منها بالرموز أ، ب، ج. وكان ديكارت أول من وضع ~~التمثيل الرمزي القياسي للمكعبات وأس الأرقام، وكذا التمثيل الرمزي لجذورها المقابلة. ~~والأهم من ذلك نظرا لتجاوز الأمر مسألة التمثيل الرمزي وحسب، كان ديكارت هو الذي أثبت كيف ~~أن جميع الكميات التي توجد بينها علاقات قابلة للتمثيل بأرقام يمكن تمثيلها في مجال الهندسة ~~بخطوط، وأنه يمكن تمثيل الخطوط، بما في ذلك المنحنيات، برموز جبرية. إن القراء الذين يألفون ~~تمثيل حلول المعادلات باستخدام المحورين السيني والصادي لرسم الإحداثيات يعرفون الأساليب ~~التي إن لم يكن ديكارت هو مخترعها فهو الذي طورها وقام بتطبيقها بطرق مبتكرة في مؤلفه ~~المعنون «الهندسة». # تنبأ ديكارت في مؤلفه «قواعد لتوجيه الفكر» ببعض الابتكارات الواردة في مؤلفه «الهندسة»، ~~على الأقل الخطوط العريضة منها، ومرة أخرى فقد أخذ مؤلفه الأول مستندا إلى الخطوط العريضة ~~بعض أساليب الجبر والهندسة المنقحين من أجل حل المسائل الموجودة في علوم أخرى. وكانت نية ~~ديكارت أن يثبت في القواعد الاثنتي عشرة الأخيرة، في مؤلفه «قواعد لتوجيه الفكر»، كيف يمكن ~~ترجمة أية مسألة على الإطلاق، مهما بلغت بساطة صياغتها الأولى، إلى مسألة يتسم فيها التحول ~~من المعلوم إلى المجهول بالوضوح تماما كما في الرياضيات. من الواضح أنه لم يؤلف القواعد ~~الاثنتي عشرة الأخيرة، ولكنه في القواعد الإحدى والعشرين تقريبا التي جمعها، توصل إلى ~~نظرية شديدة التميز عن البحث ms16 والاستقصاء عموما، سنتعرض لأجزاء قليلة منها عند مناقشة ~~الكتابات التي تبعت مؤلفه «قواعد لتوجيه الفكر». # الفصل الخامس # | التجول حول العالم # لتسع سنوات منذ أن رأى ديكارت رؤياه في ألمانيا، بحسب ما جاء في مؤلفه «مقال عن المنهج»، ~~«لم يفعل شيئا سوى التجول في العالم ...» (6 : 28). كانت تلك الفترة حافلة في المقام الأول ~~بالأسفار خارج فرنسا؛ فقد كان من المفترض أن يساعده التعرض للتقاليد والمعتقدات الأجنبية ~~على أن ينأى بنفسه عن أي تحيزات وأخطاء اكتسبها في شبابه. وكان يهدف إلى اكتساب الخبرات، ~~والوصول إلى النضج الضروري «لأهم مهمة على الإطلاق»؛ ألا وهي الكشف عن المبادئ اليقينية في ~~مجال الفلسفة ، أو على الأقل هكذا يصف «مقال عن المنهج» رحلات ديكارت في سياق تطوره ~~الفكري. # ولا يأتي مؤلفه «مقال عن المنهج» على ذكر شيء بخصوص وجهة ديكارت في أسفاره، أو الأحداث ~~التي شهدها خلال الطريق؛ فهو لا يتبنى هذا الضرب من السير الذاتية، فهو أقرب ما يكون إلى ~~وصف لهيكل العلوم على هيئة قصة تطور رجل عن طريق تعليم الذات، منه إلى سرد لأحداث وقعت في ~~حياة مؤلفه. وكما رأينا، يبدأ ديكارت القصة بذكر عدم رضاه عن التعليم المدرسي الذي ~~يتلقاه، واكتشافه لمنهج من شأنه تصحيح جميع الأخطاء التي تشوب هذا التعليم. ويواصل ديكارت ~~وصفه كيف طبق لأول مرة المنهج محققا نجاحات لا بأس بها في مجال الرياضيات، وكيف - قبل أن ~~يمضي قدما - اكتشف أنه يجب أن يعرج على الفلسفة، الأمر الذي دعاه إلى اكتساب المزيد من ~~الخبرات. تم تناول هذا في جزأين من أجزاء الكتاب الستة. وفي أجزاء لاحقة، يصف ديكارت ما حدث ~~عندما صار أخيرا على استعداد للخوض في مجال الفلسفة؛ فقد نجح في العثور على المبادئ التي ~~كان يبحث عنها، وواصل عمله بتطبيق المنهج على العلوم الأخرى؛ كالفيزياء والميكانيكا، ~~وأخيرا العلوم الإنسانية. # على الرغم من أن «مقال عن المنهج» في ظاهره يسرد الأشياء بترتيب زمني، فإن النمط الحقيقي ~~في رواية ديكارت هو في الواقع ترتيب مثالي لتلقين أي شخص العلوم. ms17 فيوجد أولا «المنطق»، ~~الذي يتخذ هيئة المبادئ الأربعة للمنهج الجديد، ومن بعده الرياضيات، تليها الفلسفة، ثم ~~الفيزياء، فالميكانيكا، والطب، والأخلاق. ويناسب ذكر ديكارت لأسفاره منطق هذه القصة لا من ~~منطلق كونها تقريرا عن الأحداث التي وقعت خلال الفترة من 1619 إلى 1628، بل انطلاقا من ~~كونها محاولة للتدليل على الحدود التي سعى في إطارها ديكارت لتطبيق المنهج الذي اختاره ~~لتصحيح معتقداته السالفة. لقد رأينا بالفعل في مؤلفه «مقال عن المنهج» أن الإجراء الذي ~~اتبعه يقضي برفض أي شيء يداخله أدنى شك في تعلمه. وكان هذا الأسلوب عرضة لسوء الفهم. وإذ ~~كان حريصا على تبديد أي انطباع بأنه خلال محاولته التخلص من تحيزاته كان يسير ببساطة على ~~درب الفلاسفة المتشككين، ويتبنى موقف الشك المدمر الذي «لا» يترك معتقدا على حاله، والذي ~~من شأنه شل حركته في الشئون العملية، يشرح ديكارت في مؤلفه «مقال عن المنهج» كيف عاش في ~~الوقت نفسه حياة المسافر النشط، وهدم أفكاره السابقة. استطاع ديكارت أن يحقق المعادلة ~~الصعبة ويفعل الأمرين معا؛ لأنه استثنى، من فترة تعليمه الذاتي المدمرة، مسلمات ميثاق ~~أخلاقي مؤقت، وأركان عقيدته، وإيمانه بالامتثال لقوانين وعادات بلده؛ فقد كان بحاجة للتمسك ~~بكل هذه الأشياء حتى يتسنى له أن يتصرف بفاعلية في الوقت نفسه الذي ينخرط فيه في استقصائه ~~الذاتي العميق. # شبه ديكارت ميثاقه الأخلاقي المؤقت وعقيدته بالملجأ المؤقت الذي يحتاج المرء أن يلوذ ~~إليه خلال الفترة التي يجري فيها هدم بيته وإعادة بنائه (6 : 22). ويجب أن نأخذ ذلك التشبيه ~~على محمل الجد إن أردنا ألا ننبذ مشروع ديكارت لنقد معتقداته، بحجة أنه يفتقر للحماس ~~والهمة. إن الملاجئ المؤقتة هي الأشياء التي يمكن تدميرها، أو على الأقل هجرها فور أن يقيم ~~المرء بيته الدائم: وكان الميثاق الأخلاقي المقنن بشدة لديكارت بالمثل عرضة لإعادة النظر ~~والنقد، بل وحتى الرفض فور إقامة الهيكل الرئيسي للعلوم. وبالنسبة لحقائق العقيدة، فستعامل ~~هذه الحقائق «في البداية» بيقين على أن يجري إثباتها لاحقا أثناء وضعه للمبادئ اليقينية في ~~الفلسفة. ولكن بداية، وبحسب ما ms18 جاء في «مقال عن المنهج»، فقد قبل ديكارت أخلاقياته وعقيدته ~~دون نقد، وطفق يفكك آراءه الأخرى. ~~«ولما توقعت أنني سأكون قادرا على إنجاز ذلك بسرعة أكبر بالتحاور مع الآخرين مما لو ~~قبعت في غرفتي ذات الموقد حيث جالت بخاطري كل هذه الأفكار، شرعت في أسفاري مرة أخرى في ~~نهاية فصل الشتاء [شتاء 1619-1620]» (6 : 28). قام ديكارت بعدد من الرحلات خلال السنوات ~~التسع التالية، لكنها لم تكن فترة ترحال وحسب بأي حال من الأحوال، بحسب ما جاء في مؤلفه ~~«مقال عن المنهج». وحتى استقر لبعض الوقت في باريس، بين عامي 1626 و1628، ليس من الواضح أنه ~~أخضع أفكاره للاختبار فعلا عن طريق «التحاور مع الآخرين ». على أية حال، من الصعب أن نحدد ~~كيف آمن ديكارت بأن التحاور سيساعده على تصحيح أفكاره إذا كان يؤمن أيضا بأن الآخرين ما هم ~~إلا أبواق لتعليم لا يقل إثارة للشكوك عن تعليمه الشخصي. علاوة على ذلك، فهو يصف دائما ~~عملية استبعاد الأخطاء باعتبارها حكرا عليه وحده. وهذا يطرح السؤال: لماذا لم تكن الإقامة ~~في غرفته ذات الموقد مناسبة لأغراضه بنفس قدر العودة للمجتمع؟ في نهاية المطاف، يجب على ~~المرء أن يتعاطى مع مزاعمه العديدة الواردة في «مقال عن المنهج» عن الأشياء التي قام بها، ~~ومرات قيامه بها، وأسبابه للقيام بها، مثلما يتعاطى مع المزاعم المتضمنة في أية قصة خيالية؛ ~~فقد قدم ديكارت كتابه لقرائه على أية حال باعتباره قصة خيالية (6 : 4). # ولعله «لم» يغادر الغرفة ذات الموقد وفي ذهنه خطة لتأجيل أبحاثه في مجال العلوم. ورغم أن ~~كتابه «مقال عن المنهج» يفيد بأنه حدد مهمة في مجال الفلسفة كان بحاجة إلى إنجازها قبل أن ~~يتمكن من تطبيق منهجه خارج نطاق الجبر والهندسة، فليس من الواضح أنه أجل حقا تطبيق ~~منهجه، أو أنه حدد لنفسه أي مشروع في الفلسفة. فمن المحتمل أن الحاجة لاستقصاءات ~~ميتافيزيقية لم تتضح له إلا في باريس، بعد أن رحل عن ألمانيا بست أو سبع سنوات. أما بالنسبة ~~لتأجيل تطبيق منهجه خارج ms19 إطار الرياضيات البحتة، فتوحي المفكرة الوحيدة التي وصلت لنا عن ~~تلك الفترة بأن المنهج كان قيد التطبيق بالفعل عام 1620 في أعمال ديكارت عن مبادئ صنع عدسات ~~تليسكوبية. ومرة أخرى، من المعروف أن ديكارت كان يطارده في شبابه خوف من أن توافيه المنية ~~قبل أن يكمل مشروع حياته. ومن المنطقي أن نفترض أن هذا الخوف جعله يتعجل لا يتلكأ. وحقيقة ~~أنه لم ينتج سوى عمل مبتور على مدار تسع سنوات من المرجح أن يكون مردها إلى المحاولة والفشل ~~في استكمال شيء ما، لا إلى سياسة متعمدة للانتظار لحين نضج أفكاره. # ليست لدينا معلومات كافية ومؤكدة عن أسفاره بعد شتاء عام 1619-1620 المحوري في حياته. ~~ولعله واصل خدمته العسكرية كمتطوع وسافر لفترة من الوقت بصحبة جيش دوق بافاريا، وربما انتقل ~~إلى جيش آخر عام 1621، وعرج على سيليزيا وبولندا. تسرد مفكرته الخاصة بتلك الفترة واقعة ~~درامية حدثت خلال رحلة فرعية قام بها ديكارت وخادمه إلى جزر فريزيا؛ حيث تواطأ البحارة ~~الذين استأجر قاربهم على سرقة أمواله وقتله، لكن ديكارت سمع مؤامرتهم واستل سيفه وهدد ~~بقتلهم إذا حاولوا إلحاق أي ضرر به، فتراجع مهاجموه عن كيدهم. # وفي عام 1622، عاد ديكارت إلى فرنسا حيث أمضى بعض الوقت في باريس، وبصحبة معارفه في ~~بريتاني. ويسجل خطاب بتاريخ مايو 1622 بيع الكثير من العقارات في هذا العام التي تركها له ~~أبوه. ووفرت عليه أرباح استثمار تلك الأموال عناء البحث عن عمل لكسب العيش. وفي مارس 1623، ~~انطلق إلى إيطاليا حيث تجول لأكثر من عامين، ومن أولى وجهاته التي قصدها مزار البيت المقدس ~~بلوريتو. لقد أقسم ديكارت أن يذهب إلى هذا المكان تقديرا للرؤيا التي رآها عام 1619. ~~ولاحقا زار روما وفلورنسا، ومنها عائدا إلى فرنسا، ربما في مايو عام 1625، عن طريق جبال ~~الألب. ويزعم أنه في طريق عودته سنحت له الفرصة أن يشتري رتبة فريق شاتيليرو، لكن سعرها ~~أذهله فرفض المسألة برمتها. وفي العام التالي، 1626، استقر في باريس، وباستثناء بعض الرحلات ~~للريف، ظل في باريس ثلاث سنوات. # الفصل ms20 السادس # | باريس # كان ديكارت قد بلغ قرابة الثلاثين من عمره عندما انتقل إلى باريس. وخلال السنوات الست أو ~~السبع التي انقضت منذ أن ترك ألمانيا لم يقم بالكثير من أجل بناء أركان علمه الرائع؛ ففي ~~باريس ظل نشاطه الفكري مشتتا وفاقدا لبوصلته. ولا يميز الجزء الثالث في كتابه «مقال عن ~~المنهج» صراحة بين الأيام التي عاشها في باريس وتلك التي أمضاها في أسفاره، لكن ثمة فقرتين ~~ربما تتعلقان بفترة إقامته في تلك المدينة. في واحدة من الفقرتين، يقول ديكارت إنه خلال ~~سنوات التجوال التسع: # واصلت ممارسة المنهج الذي وصفته لنفسي، وإلى جانب حرصي بوجه عام على تحكيم جميع ~~أفكاري لقواعد المنهج، فقد خصصت بضع ساعات بين الفينة والأخرى لتطبيقه أكثر على ~~المسائل الرياضية بخاصة، ولقد قمت بتطبيقه أيضا على مسائل أخرى محددة، والتي ~~استطعت صياغتها في شكل رياضي. ~~(6 : 29) # ربما كانت «المسائل الرياضية» هي تضعيف ~~المكعب وتثليث الزاوية. عرضت حلول ديكارت في باريس، وإن لم يكن قد توصل إليها هناك، على ~~الرياضيين كلود ميدورج وسباستيان هاردي. ولعل «المسائل الأخرى المحددة» كانت تتعلق بالتقوس ~~الأمثل لأنواع بعينها من العدسات. ومن المعروف أن ديكارت درس البصريات النظرية والتجريبية ~~أثناء إقامته في باريس، وأحيانا بالتعاون مع ميدروج. ولقد أقام صداقة أيضا مع صانع أدوات ~~بصرية يدعى فيرييه، وحاول الاستعانة به لاحقا كمساعد شخصي له. # تأتي الفقرة الثانية المستخلصة من «مقال عن المنهج»، والتي ربما تتعلق بأيام ديكارت في ~~باريس، قرب نهاية الجزء الثالث، ويذكر فيها ديكارت أنه التزم ضربا من الحياد في المسائل ~~الفكرية؛ حيث استقر رأيه، على حد قوله، على أن يكون مشاهدا بدلا من أن يكون فاعلا في ~~أسفاره؛ فضل أن يكون ناقدا لأفكاره على أن يكون واضعا لنظريات خلال تأملاته الخاصة: # مرت هذه السنوات التسع ... دون أن أتحيز إلى أي جانب فيما يختص بالمسائل التي ~~يناقشها المثقفون، أو دون أن أشرع في البحث عن أسس أية فلسفة أكثر يقينا من ~~الفلسفة المتفق عليها؛ فالمثال الذي كان أمامي للمفكرين الكبار الكثر ms21 الذين سبق أن ~~خاضوا في هذا المشروع، ولم تكلل جهودهم بالنجاح على حد علمي، جعلني أتخيل أن ~~الصعوبات ستكون كبيرة جدا لدرجة أنني لن أجرؤ على البدء في المشروع في مرحلة ~~مبكرة جدا لو لم ألاحظ أن البعض يروجون إشاعات بأنني انتهيت منه بالفعل. ~~(6 : 30) # ويواصل حديثه قائلا إنه لم يفعل شيئا يشجع على ترويج تلك الشائعات، ولكن فور أن راجت ~~حاول أن يرقى إليها، ويضع أسسا لفلسفة جديدة. # إلام كان ديكارت يشير عندما كتب عن «المسائل التي يشيع نقاشها بين المثقفين»؟ من المعلوم ~~أنه في أغسطس عام 1624، تجمع أكثر من ألف نسمة في قاعة كبيرة في باريس للاستماع إلى دحض عام ~~من أربع عشرة أطروحة ضد أرسطو، لكن تم حظر النقاش بموجب مرسوم رسمي. ولاحقا نزولا على طلب ~~السوربون، فرض حظر على تدريس أية قضية تنتقد العلماء المثقفين القدامى. وتصاعدت نبرة ~~النقد الموجه إلى أرسطو، والمحتوى التعليمي بأكمله الذي تلقاه ديكارت وغيره من عامة ~~الفرنسيين المتعلمين في عشرينيات القرن السابع عشر. وفي باريس، وجد هذا النقد ترحابا من ~~شعب شهيته مفتوحة على كل ما هو شاذ وخليع في الأدب، وربما على الأفكار الثورية أيا كان ~~نوعها في الفلسفة واللاهوت. دارت رحى محاكمة طويلة لأبرز الشعراء الساخرين في تلك الفترة، ~~ويدعى تيوفيل دي ڤيو، بينما كان ديكارت في إيطاليا، وظلت عالقة بأذهان الناس في عام 1626 ~~عندما انتقل إلى فرنسا. لقد جعلت المحاكمة من الشاعر بطلا شعبيا، وربما خلفت مجموعة ~~كبيرة من أنصار الفنون الفاضحة والمتحررة، والنزعة التجديدية في الفلسفة. # وأيا كان الموقف الذي تبناه على الملأ، لم يستطع ديكارت أن يتجاهل الانتقادات الموجهة ~~لأنصار الفكر المدرسي، أو يتجاهل الأثر المتنامي للأفكار الإلحادية بين معاصريه المثقفين. ~~وكان ديكارت نفسه غير مهتم بالتعليم المدرسي. وربطت بينه وبين عدد كبير من رجال الكنيسة ~~الكاثوليكية علاقة صداقة، ممن كانوا يتوقون لجعل الإيمان بالله موقرا فكريا، ومن بين ~~هؤلاء مارين ميرسين، وهو راهب كاثوليكي ينتمي لأخوية مينيم، ويكبر ديكارت قليلا، ~~وتصادفت أيام دراسته في ms22 لافليش مع أيام دراسة ديكارت هنالك. وفي الفترة بين عامي 1624 ~~و1625، نشر ميرسين مجادلات له بحجم الكتب العادية ضد الكفر والإلحاد «الإباحي» من ناحية، ~~والشك الفلسفي في إمكانية العلم من ناحية أخرى. وجاء الكتاب الأول الموجه ضد الإباحيين كردة ~~فعل ضد الدعم الشعبي الواسع لتيوفيل أثناء محاكمته. أما المؤلف الديني المناوئ للشك؛ فقد ~~حاول أن يفت في عضد نوع واحد محدد من النقد الموجه للتعليم المدرسي، والذي يفيد بأن ~~الفيزياء والمنطق والرياضيات التي يتم تدرسيها في المدارس عقيمة؛ لأن العلم نفسه - ويراد ~~المعرفة الثابتة المنتظمة - تتجاوز قدرات البشر. ورد ميرسين على هذا النقد ببيان أن ~~الرياضيات، على أية حال، تقع ضمن نطاق قدرات البشر، وهي بذلك تستحق أن تسمى «علما». وكما ~~سيتضح لنا ، فقد كرس ديكارت أفضل مؤلف له على الإطلاق، وهو بعنوان «تأملات في الفلسفة ~~الأولى»، للموضوعات التي ناقشها ميرسين في مجادلاته، لكن هذا كان في مرحلة لاحقة ~~جدا. # خلال الفترة التي عاشها ديكارت في باريس، لا بد أنه كان على دراية بالجدل الدائر حول ~~الإلحاد ومذهب الشك، ولكن الأرجح أنه لم يشارك في أي نقاشات متعلقة بالأمر. ولاحقا، ~~وتحديدا بعد أن غادر باريس، حرص ميرسين على إطلاع ديكارت على التطورات الجديدة في النقاشات ~~الدائرة، خاصة فيما يتعلق بمذهب الشك. بداية من أواخر عشرينيات القرن السابع عشر، لعب ~~ميرسين دور مراسل ديكارت الأساسي، إضافة إلى أدوار المروج والباحث والوكيل الأدبي ~~والسكرتير الاجتماعي والمساعد العلمي المؤقت له. ولعل ميرسين ساعده أيضا في التعرف على ~~العلماء والرياضيين المحليين خلال الفترة التي أمضاها في باريس. ولقد أقام ديكارت صداقات ~~أيضا إبان تلك الفترة برجال آخرين من الكنيسة، ولا شك أنه تأثر بهم. وساعد جيوم جيبيوف، ~~العضو بالجمعية الدينية الفرنسية التابعة للكنيسة الكاثوليكية والتي تأسست آنذاك في باريس، ~~على تشكيل بعض آراء ديكارت عن البشر والإرادة الإلهية. وبتدخل من بيير بيرول، الكاردينال ~~المؤسس للجمعية الدينية الجديدة، قطع ديكارت على نفسه عهدا أن يكرس حياته لتصحيح مسار ~~الفلسفة. # وجاء تدخل بيرول استجابة لخطبة ms23 مبهرة ألقاها ديكارت عندما دعي لعرض آرائه عن محاضرة ~~انتقدت فيها الفلسفة المدرسية. ألقى كيميائي، يدعى شاندو، هذه المحاضرة على جمهور تضمن ~~ديكارت وبيرول بمقر السفير البابوي في باريس، ربما في خريف عام 1627. وتحدث شاندو بأسلوب ~~مقنع، وحصل على استحسان الجميع فيما خلا ديكارت. ودعا بيرول ديكارت للرد، فجاء رد ديكارت في ~~خطبة بديعة جدا لدرجة أنه استمال الجميع إلى وجهة نظره الشخصية. وبينما اتفق ديكارت مع ~~شاندو على أن الحاجة تستدعي وجود ما يحل محل الفلسفة المدرسية، حاجج ديكارت بأن أي شيء يحل ~~محلها يجب أن يسترشد بمنهج للاستدلال قادر على أن يفضي إلى اليقين لا الخلوص إلى نتائج ~~محتملة وحسب. ومن الواضح أن ديكارت بين المنهج المأمول؛ فعندما استرجع خطابه في رسالة ~~كتبها عام 1631، ذكر شخصا كان حاضرا، ويدعى إتيان دو فليبريسو، قائلا: «لقد شهدت ... ~~نتيجتين من نتائج قاعدة المنهج الطبيعي الرصينة التي وضعتها في النقاش الذي أجبرت على خوضه ~~في حضور ... هذا الجمع من المثقفين والمتعلمين بمقر السفير الباباوي» (1 : 212). ولعل استعراض ~~ديكارت في خطابه هذا هو الذي أشاع أنه اكتشف أسسا جديدة للفلسفة. # بعد محاضرة شاندو بفترة وجيزة، التقى بيرول ديكارت على انفراد، وتأكد من أنه سيكرس نفسه ~~لإصلاح الفلسفة استنادا إلى المنهج الجديد. ووفى ديكارت بالعهد الذي قطعه بأن عمل على ~~مؤلفه «قواعد لتوجيه الفكر». لقد كانت مهمة وصف منهجه وتطبيقه خارج نطاق الرياضيات على ~~أية حال ضمن أجندة أعماله لفترة طويلة؛ ولذلك لم يكن ديكارت يكرس نفسه لمشروع جديد بقدر ما ~~كان يقرر أخيرا تنفيذ خطة مؤجلة منذ فترة طويلة. ومع ذلك، فقد قام ديكارت بشيء يؤهله ~~للقيام بمهمته الجادة. خلال شتاء 1627-1628، قصد معتزلا خاصا تاركا الدوائر الباريسية ~~المسايرة للموضة التي كان يستمتع بالعيش فيها كلما تحرر من انشغاله بمشروعاته العلمية. ~~وافقت تلك الفترة بداية حقبة من الاعتزال بدأت فعليا برحيله إلى هولندا من باريس في خريف ~~عام 1628. # الفصل السابع # | كتاب «العالم» ونظرية ديكارت الفيزيائية # سريعا بعد أن رجع ديكارت إلى الدولة التي ms24 شهدت أول شرارة فكرية له عام 1618، ربما شعر ~~بثقل توقعات الآخرين لما ستسفر عنه جهوده. لم يكن بيرول وحده الذي انبهر بموهبته، بل هناك ~~كثيرون أيضا غيره في باريس، كانوا حينها بانتظار ما سيتفتق عنه ذهنه. كان ديكارت قد بدأ ~~عمله وألف بعض الأطروحات في باريس دون أن يتمها (قارن: 1 : 135)؛ والآن شرع في تأليف كتاب ~~قصير ظن أنه لن يأخذ منه سوى عدة أشهر. # وأخذ ديكارت احتياطات مكثفة ضد أية مقاطعات؛ حيث عكف على بناء منزله حتى سبتمبر عام 1629 ~~في أقصى شمال هولندا على مقربة من مدينة فرانيكر. وهناك، بحسب ما ورد في خطاب كتبه في ~~نوفمبر 1630 لميرسين (1 : 177)، بدأ «أطروحة صغيرة عن الميتافيزيقا ... شرعت فيها أساسا ~~لإثبات وجود الرب، وأرواحنا عندما تكون منفصلة عن الأجساد، الأمر الذي يترتب عليه خلودها.» ~~وكان مصير الأطروحة الميتافيزيقية الصغيرة مصير الكثير من المؤلفات السابقة له التي لم ~~تستكمل قط. ولفترة من الوقت، وتحديدا في مايو 1630، بدا أن ديكارت كان يبحث فكرة جمع ما ~~ألفه في رد على «كتاب خبيث» ربما كان يدعو للإلحاد، كان ميرسين قد ذكره له في مراسلاته، ~~لكن هذه الخطة أيضا طواها النسيان. # ثمة مشروع آخر شرع فيه ديكارت بعد وصوله إلى هولندا بفترة وجيزة كان سيغنيه عن الحاجة إلى ~~الكتابة لأغراض النشر، لكنه اعتمد على التعاون مع صانع الأدوات البصرية الباريسي جان ~~فيرييه. حاول ديكارت جاهدا أن يغري فيرييه بزيارة هولندا؛ حيث أرسل إليه مواصفات لآلة ~~مثيرة صممها لقطع العدسات التليسكوبية. لو كانت تلك الآلة وعدساتها قد أنتجت، لربما ذاع صيت ~~ديكارت مبكرا، لكن فيرييه لم يقتنع بالانتقال إلى هولندا، وطرحت فكرة تصنيع الآلة ~~جانبا. # كان المشروع الثالث الذي شرع ديكارت فيه أكثر طموحا. فمن أوجه عدة، شغله هذا المشروع حتى ~~الممات. منذ عام 1629، انكب ديكارت على أطروحة واسعة النطاق من شأنها رسم الخطوط العريضة ~~لتفسير موحد للظواهر الطبيعية كافة. ولم تنشر هذه الأطروحة إلا بعد وفاة ديكارت. وكان ~~الجزء الأول منها تحت عنوان «العالم أو ms25 كتاب النور»، والجزء الثاني بعنوان «كتاب الإنسان». ~~بينما كان ديكارت على قيد الحياة، كانت النظريات في مجال الفيزياء التي توضع على غرار ما ~~جاء في الجزء الأول من أطروحته الطويلة محظورة بأمر الكنيسة. ولقد أدى قراره بسحب هذا الجزء ~~إلى امتناعه عن استكمال «كتاب الإنسان» أيضا، لكنه لم يتخل قط عن مشروعه الثالث. إن ~~الفترة التي لم يمضها ديكارت من حياته العملية في كتابة أطروحته واسعة النطاق قضاها في ~~التأكد من أنه لا ضرر من نشر نسخة منقحة من الفيزياء التي تحتوي عليها. # وعندما شرع ديكارت في كتابة كتابه «العالم» في عام 1630، لم يظن أنه سيأخذ فترة طويلة ~~لوضع الخطوط العريضة لنظريته الخاصة بالطبيعة؛ فقد خطط لتجهيز الأطروحة وإعدادها للعرض على ~~ميرسين في أوائل عام 1633، لكنه لم يكملها في الوقت المحدد؛ حيث كان لا يزال يعدل فيها ~~في يوليو 1633. والأدهى أنها عندما كانت جاهزة للطبع، سمع ديكارت أن محكمة التفتيش في روما ~~أدانت جاليليو لتدريس (في مؤلفه «حوار حول النظامين الأساسيين للعالم») مبدأ حركة الأرض. ~~احتوت أطروحة «العالم» على «فرضية» عن حركة الأرض لم يكن من السهل تنقيحها دون إفساد بقية ~~الكتاب. وإذ تملكه الخوف من أن يلقى مصير جاليليو، راسل ديكارت ميرسين عام 1634 قائلا ما ~~معناه إنه لن ينشر أطروحته. # أعاد ديكارت الروح لمؤلفه «العالم» بعد ذلك. فالجزء الخامس بأكمله من «مقال عن المنهج» ~~يتناول وصفا لهذا المؤلف وعمله المصاحب له «كتاب الإنسان». وكان ديكارت فيما بعد ~~يعتزم تضمين مادة إضافية من «العالم» في مؤلفه «مبادئ الفلسفة». # يتضح من نسخة النص الأصلي الذي بقي دون ~~مساس ونشر بعد وفاة ديكارت، أنه في كتابه «العالم» امتنع عن تأكيد مبدأ حركة الأرض. ولقد ~~ساعده في ذلك الشكل الأدبي للأطروحة. وكما هو الحال في كتابه «مقال عن المنهج» الذي خرج ~~للنور بعد قراره بعدم نشر أطروحة «العالم» بثلاث سنوات، زعم ديكارت أنه يقص قصة خيالية ~~وحسب؛ قصة عن طبيعة عالم خيالي، ولو أنه كان مطابقا من جميع الأوجه للعالم المادي ~~الحقيقي. ms26 # يقدم لنا الفصلان السادس والسابع من كتابه «العالم» وصفا لهذا العالم الخيالي والقوانين ~~التي تحكمه، ويدعو ديكارت قراءه في البداية إلى النظر للعالم كما لو كان من نقطة ما في فضاء ~~أو خلاء خيالي يمتد بعيدا في جميع الاتجاهات، كالمحيط عندما ننظر إليه من نقطة ما فيه ~~بعيدة جدا عن اليابسة. وبعد ذلك، على المرء أن يتخيل الرب وهو يخلق نوعا مجهولا من ~~المادة التي تملأ كل ركن من أركان الفضاء. لقد كانت فكرة العالم الممتلئ عن آخره واضحة ~~جدا في فيزياء ديكارت. وكان ديكارت يعلم أن هذه الفكرة تصطدم بالعلم التقليدي، وتتعارض مع ~~المنطق السليم؛ فقد أدت به، على سبيل المثال، إلى افتراض وجود مادة دقيقة في أي جزء من ~~الفضاء لا تحتوي على شيء مرئي أو محسوس يمكن إدراكه بالحواس. ورغم ذلك، ظن ديكارت أنه من ~~الأسهل تبني فرضية الشكل غير المحسوس للمادة على التأكيد على مبدأ عدم قبول الطبيعة لوجود ~~الفراغ، الذي دعت الحاجة إلى استدعائه لتفسير ظواهر بعينها في حالة رفض فكرة العالم الممتلئ ~~بالكامل. من المفترض أن تشغل المادة كل الفضاء، وأن تكون أجزاؤها في حالة حركة دائمة. ~~والحركة في أي جزء من العالم تعني تبادل أجزاء المادة الأماكن لحظيا في هذا الجزء من ~~العالم. وظن ديكارت أنه في هذه التبادلات اللحظية، تتحرك المادة في شكل دوائر أو حلقات. ~~والفكرة أن الجسم المتحرك لن يدفع كل المواد الأخرى بعيدا، بل سيدفعها فقط بقدر حاجته لملء ~~الفراغ الذي تركته، واستكمال المسار الدائري بداية من موضع الجسم المتحرك الأصلي. في كتابه ~~«العالم»، شبه ديكارت تلك الحركة الدائرية بحركة سمكة تسبح في أعماق بركة: تحل حركة زعنفة ~~السمكة محل المياه المحيطة بها، لا كل المياه الموجودة في البركة. وتملأ المياه المزاحة ~~الفراغ الذي كانت السمكة تخليه باستمرار. # وذكر ديكارت أن طبيعة المادة في عالمه الخيالي لا بد أن تكون واضحة كليا: فلا يستقيم أن ~~يفترض أن لها أية خصائص أو أية أشكال ليست جلية للعقل البشري. واستنادا إلى ms27 هذا، افترض ~~ديكارت أن عالمه الخيالي ليس له صورة: # التراب أو النار أو الهواء أو أي شكل آخر أكثر تحديدا كالخشب أو الحجر أو ~~المعدن. ولنفترض أيضا أنه يفتقر إلى خصائص السخونة أو البرودة أو الجفاف أو ~~الرطوبة، أو الخفة أو الثقل، أو أن يكون له مذاق أو رائحة أو صوت أو لون أو إشعاع ~~أو غير ذلك من الخصائص التي يمكن القول بأن في طبيعتها شيء لا يميزه أحد ~~بوضوح. ~~(11 : 33) # في استثنائه لكل هذه الأشياء، يعتمد ديكارت على حجج يفتتح بها كتابه «العالم»، وهي مصممة ~~بحيث تثبت أن الكثير من الغموض يحيط بالأفكار البديهية حيال الأشكال والخصائص والأفكار ~~المدرسية المرتبطة بها. # بعد أن صرح ديكارت بالسمات أو الأشكال غير الموجودة في طبيعة المادة في عالمه الخيالي، ~~حدد السمات أو الأشكال الموجودة فيها. فمن «الممكن تقسيمها إلى أكبر عدد ممكن من الأشكال ~~التي يمكننا تخيلها، و... كل من أجزائها قادر على إتيان أكبر عدد من الحركات التي يمكننا ~~تصورها» (11 : 34). يطلب ديكارت من قرائه أن يفترضوا معه أن المادة التي يصفها ليست قادرة ~~وحسب على الانقسام والتمايز، بل وأن الرب هو الذي يقسمها، وأن أي اختلافات يخلقها فيها ~~تتألف من «تنوع الحركات التي يخلعها على أجزائها»؛ أي التنوع من حيث السرعة واتجاه الحركة ~~في الأجزاء. # شكل 7-1: صفحة العنوان لكتاب «العالم»، الذي وضعه ديكارت في الفترة بين عامي 1629 ~~و1633، لكنه لم ينشر حتى عام 1664. # 1 # ويواصل ديكارت حديثه فيصف «قوانين الطبيعة» الثلاثة التي يجب أن تتصرف المادة بناء ~~عليها، بحيث يكون لها طول وعرض وعمق وأجزاء ذات أشكال محددة، تتحرك بسرعات مختلفة. وينص ~~القانون الأول على أنه ما لم يحدث اصطدام بجزء آخر، فإن كل جزء من أجزاء المادة يظل على ~~شكله وحجمه وحركته، أو خلاف ذلك من السمات التي يتمتع بها أصلا (11 : 38). وينص القانون ~~الثاني على أن جزءا واحدا من المادة يمكن أن يكتسب حركة بفعل الاصطدام بنفس القدر الذي ~~يمكن أن يفقده الجزء المصطدم به ms28 (11 : 41). وينص القانون الثالث على أن حركة أي جسم متحرك ~~«تميل» إلى أن تكون مستقيمة، حتى ولو كانت في واقع الأمر دائرية أو منحنية بفعل الاصطدام ~~(11 : 43). وحسب كتاب «العالم»، لا يجب نسبة أية خصائص بخلاف التمدد المكاني والحركة إلى ~~المادة لتفسير الظواهر الملحوظة في عالم الجمادات؛ ولا يجب تحديد أي قوانين أخرى إضافة إلى ~~القوانين الثلاثة الأساسية لوصف الآثار الأكثر عمومية في الطبيعة: ألا وهي انقسام المادة ~~وتشوهها وتراكمها عبر الاصطدام وزيادة الحركة أو نقصانها (قارن: 11 : 47). # ورغم أن ديكارت نسب التمدد والحركة إلى المادة، فالتمدد ~~وحده - المخطط المكاني ثلاثي الأبعاد - كان من ~~المفترض أن يكون محوريا، لكنه لم يقل قط إن المادة يجب أن يكون لها أجزاء متحركة، بل زعم ~~أنه إذا كان للمادة أجزاء متمايزة بالحركة، فلا بد أن نتوقع الآثار الطبيعية التي نلاحظها ~~فعليا. وتحديدا، زعم ديكارت أنه إذا كانت أجزاء المادة الموجودة في فضاء خال من الفراغ ~~تتمايز بتنويعات من الحركة الدائرية (قارن: 11 : 19)، فإن الآثار ستبدو على هيئتها التي ~~نلاحظها بها. ولقد درس ديكارت الظواهر الفلكية، كمسارات الكواكب وسرعاتها، وانتهى إلى أنها ~~تتحرك حركة دائرية على غرار حركة الدوامة في المادة السماوية؛ ولذلك أطيح بالكواكب في دوامة ~~تدور حول الشمس. وإذا اقتربنا أكثر، سنجد أن ثمة دوامة أخرى ألقت بالقمر في مساره حول ~~الأرض. وفسرت حركة دوامة الأرض علة عدم الإطاحة بالأشياء الموجودة على سطح الأرض أثناء ~~دوران الأرض: فالحركة الدوامية ستجعل كل الأشياء الموجودة على السطح تنجذب إلى مركز الدوامة ~~«مركز الأرض». وبالمثل، فبدلا من أن يطاح بالكواكب في الفضاء بفعل حركتها حول الشمس، فهي ~~تنجذب ناحية مركز دوامتها. # لقد كانت هذه الأطروحات عن حركة الكواكب هي التي خشي ديكارت أن تصطدم بمحكمة التفتيش في ~~روما؛ فالمبدأ الوحيد الذي كان مقبولا آنذاك للتدريس من قبل الكنيسة هو الذي ورثه الفلاسفة ~~المدرسيون من أرسطو. وأفاد هذا المبدأ بأن الأرض هي المركز الثابت للقبة الزرقاء. احتوى ~~مؤلفه «العالم» على مزاعم أخرى أيضا لم تكن لترضي ms29 المسئولين بالكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية؛ فقد نصت، على سبيل المثال، أنه فور أن خلع الرب على المادة حركاتها الأصلية، لم ~~يتدخل بأي حال من الأحوال في مسار عمل الطبيعة، وسيحافظ على عملياتها بواسطة القوانين ~~الثلاثة للطبيعة وحسب. وبتعبير آخر، لن تكون هناك أية معجزات تعرقل مسار الطبيعة (11 : 48). ~~وأمر كهذا كان من الممكن أن يعطي النقاد سببا كافيا لإدانة صاحبه بالكفر. # كان على ديكارت كي يجعل فيزياءه مقبولة إما أن ينقحها بطريقة ترضي الكنيسة، أو أن يخفي ~~نتائجها، أو أن يقيم المذهب بأسره على مبادئ لا يتسنى لأعتى نقاده الكنسيين معارضتها. في ~~نهاية المطاف، وفي مؤلفيه «تأملات في الفلسفة الأولى» و«مبادئ الفلسفة»، تبنى ديكارت ~~الخيار الثالث. وحاول أن يثبت أن المعرفة العلمية للعالم المادي تعتمد على وجود عقل أو روح ~~متمايزة عن الجسم، عقل أو روح عرفت الرب قبل أن تعي مبادئ الفيزياء السليمة. ولكن بعد فترة ~~قصيرة، لجأ ديكارت إلى التصريح الانتقائي بمحتويات مؤلفه «العالم» وبوصف دال، وإن كان غير ~~كامل، لمنهجه العلمي. # | هوامش # الفصل الثامن # | ثلاثة نماذج للمنهج # فور أن استقر رأيه على ألا ينشر أبحاثه الفيزيائية، تعين على ديكارت أن ينحي جانبا «كتاب ~~الإنسان» الذي كان ينوي أن يكون متمما لمؤلفه «العالم». وكان يناقش طبيعة البشر، أو ~~نظراء البشر على كوكب الأرض الخيالي الذي وصفه في أطروحته الفيزيائية. وكانت خطة الكتاب ~~بسيطة؛ خطط ديكارت أن يصف أولا «الجسد [البشري] وحده، ثم الروح وحدها، وأخيرا كيف يمكن أن ~~تمتزج الطبيعتان وتتحدان لتشكيل الإنسان الذي سيشبهنا» (11 : 120). # كانت أجزاء من وصف «الجسد وحده» مستندة ~~إلى أطروحة في علم البصريات عمل عليها ديكارت منذ عام 1630. فقد نفض الغبار عن تلك المادة، ~~وربما توسع فيها؛ فبحلول عام 1635، صاغها في شكل مقال والذي نشر تحت عنوان «مبحث انكسار ~~الضوء». وأعد ديكارت مقالا آخر، خطط له منذ عام 1629، يناقش بين أمور أخرى «أسباب هبوب ~~الرياح ودوي الرعد» و«ألوان قوس قزح» (قارن: 1 : 338 والصفحات التالية). وكان المقال تحت ~~عنوان «الظواهر الطبيعية». اعتزم ديكارت نشر ms30 المقالين باعتبارهما نموذجين لمنهجه. وسيقدم ~~«مقال عن المنهج» - المؤلف سالف الذكر والأقرب ما يكون للسير الذاتية - المنهج نفسه ~~وتطبيقاته في المقالين. وبينما كان مقاله «الظواهر الطبيعية» لدى دار النشر، ربما في أواخر ~~عام 1636، كان ديكارت من المفترض أن يكون قد انتهى من تأليف مقاله «الهندسة» كمثال ثالث على ~~المنهج. وكان «مقال عن المنهج» آخر ما كتب ديكارت. وجمعت المؤلفات الأربعة ونشرت في عمل ~~واحد عام 1637. # حل الشكل الأدبي لمؤلف ديكارت «مقال عن المنهج» كثيرا من المشكلات التي حالت بين ديكارت ~~ونشر أعماله في السابق؛ فقد وجد صعوبة في كتابة أعمال ضخمة: ذلل الشكل المختار المزج بين ~~عدد من الأعمال الأقل حجما في ضرب من الألبومات أو الملفات التي تحوي أفضل نتائج ديكارت. ~~لم يكن ديكارت على استعداد للمخاطرة بالإساءة إلى الكنيسة. فقد سمحت له خطة إماطة اللثام عن ~~نماذج متنوعة من أعماله بالترويج لمنهجه دون أن يكشف عن تطبيقاته المثيرة للجدل فيما يتعلق ~~بحركة الكواكب. وأخيرا، علم ديكارت أن المعجبين بأعماله في باريس توقعوا أن يخرج عملا ~~شهدوا لمحات منه في عشرينيات القرن السابع عشر؛ فلم يخيب أملهم بالمقالات التي أنتجها عن ~~البصريات والهندسة وعلم الأرصاد الجوية. تعاون ديكارت مع ميدروج وميرسين في باريس في دراسة ~~انكسار الضوء، ومضى ديكارت قدما محققا نتائج مثمرة في هذا المجال في مقاله «مبحث ~~انكسار الضوء». وورد في هذا المقال أيضا ذكر الآلة المستخدمة في قطع العدسات التليسكوبية، ~~والتي وصفها ديكارت في رسائله إلى فيرييه. وجاء تفصيل المسائل في مجال الهندسة في مقاله ~~«الهندسة»، والتي عرض ديكارت حلولها سرا على ميدروج وهاردي في باريس. وأخيرا، أعلن ~~ديكارت في مقاله «الظواهر الطبيعية» على الملأ فرضيات من الواضح أنه صاغها قبل أن يشرع في ~~وضع كتابه «العالم»، ربما بينما كان في باريس. # ويوضح خطاب بتاريخ فبراير 1637 (1 : 347) أن ميرسين حث ديكارت على نشر أفكاره في ~~الفيزياء مع مؤلفه «مقال عن المنهج» أيضا؛ خشية أن يظل العامة في حالة ترقب للمزيد من ~~أعماله إلى الأبد، لكن ms31 ديكارت رفض اقتراحه بلطف؛ فهو لم يقنط من فكرة نشر أفكاره في ~~الفيزياء، لكنه أراد أن يكون المناخ الفكري مواتيا للنشر، وظن أن مؤلفه «مقال عن المنهج» ~~سيساعد على خلق الظروف المناسبة. في رسالة تفسيرية ملحقة بالنسخ التي كان يوزعها سرا، كتب ~~ديكارت أن «الغرض الأساسي» من نشرها هو تمهيد الطريق أمام أبحاثه في الفيزياء. # علام كانت تحتوي المقالات الأخرى؟ تعاطى ~~مقال «مبحث انكسار الضوء» مع موضوعات الضوء والرؤية والسبل الاصطناعية لتحسين قدرات البشر ~~البصرية. وترجع تسمية المقال بهذا الاسم إلى أنه يناقش انكسار الضوء بدلا من انعكاسه ~~(«مبحث المرايا»). وقد نوقشت طبيعة الضوء باستفاضة في نهاية كتاب «العالم». وفي «مبحث ~~انكسار الضوء»، شغلت طبيعة الضوء الفصل الأول من الكتاب. والتمس ديكارت تعليقات وأسئلة ~~واعتراضات فيما يتعلق بالمقالات الثلاثة كلها، ولعله عقد الآمال على تلقي طلب لتفسير نظرية ~~الضوء في مؤلفه «مبحث انكسار الضوء»، بحيث تكون لديه ذريعة لإصدار مادة علمية من مؤلفه ~~«العالم»، ردا على طلب التفسير. # ونرى أن الفصل الافتتاحي من «مبحث انكسار الضوء» يكاد يتحرج متى تعلق الأمر بإجلاء طبيعة ~~الضوء: «لست بحاجة إلى التصريح بطبيعته الحقيقية. أعتقد أنه يكفيني استخدام مقارنتين أو ~~ثلاث مقارنات ...» (6 : 83). وشبه ديكارت حركة الضوء عبر أجسام شفافة كالهواء بحركة ~~الأجسام المقاومة على عصا رجل كفيف، وشبه سبب ظهور الألوان بالحركات التي يمكن أن ~~تكتسبها كرة وهي ترتد عن أسطح متباينة الملمس. كانت هذه التشبيهات وسيلة لتغليف تبنيه لشكل ~~من أشكال التفسير التي ترجع جميع المظاهر الحسية إلى التماس بين الأجسام المتحركة. ~~وكانت تشبيهاته في بعض الأحيان غير موفقة؛ فقد ألزمته بالزعم، خطأ، أنه كلما زادت كثافة ~~الوسط الذي يمر عبره شعاع الضوء، كان مروره أسرع. وسارع الفيلسوف الإنجليزي، هوبز، ~~والرياضيان الفرنسيان؛ فيرما وروبرفال، إلى الاعتراض على هذا التلميح في النظرية البصرية ~~لديكارت، وانهالت انتقادات أخرى بخصوص فرضيات أخرى تتعلق بطبيعة الضوء. # ورغم ذلك، كانت التشبيهات الموجودة في بداية مقال ديكارت «مبحث انكسار الضوء» دقيقة ~~بالقدر الكافي لإنتاج صيغة قانون جيب الانكسار، ms32 الذي يحدد عامة الطريقة التي ينحرف بها ~~شعاع الضوء بحسب كثافة الوسائط التي يخترقها. (من غير الواضح ما إذا كان ديكارت قد اكتشف ~~هذا القانون من تلقاء نفسه أم اقتبسه من العالم الهولندي، سنيل، الذي ينسب إليه القانون ~~عادة.) تتناول الفصول التالية من هذا المقال خلقة العين، وإدراك المسافات، وأفضل أشكال ~~العدسات وترتيباتها للرؤية بعيدة المدى والميكروسكوبية. # وينقسم مقاله «الظواهر الطبيعية» إلى عشرة ~~مباحث حول مجموعة متنوعة من الموضوعات: الأجسام الأرضية، والأبخرة والزفير، وطبيعة الملح ~~والرياح والسحاب، وأقواس قزح، والثلج والبرد والعواصف، وغيرها من الظواهر. وبعيدا عن ~~نظريته المتعلقة بقوس قزح؛ فإن مقال «الظواهر الطبيعية» والذي يعد الثاني من المقالات ~~الثلاثة مميز جدا نظرا لبلاغة تفسيراته ووحدته. وفي الفصل الخامس من مؤلفه «العالم»، ~~شرع ديكارت في بناء عالم خيالي من نوع من المادة التي خلع عليها وحسب خصائص الحركة والحجم ~~والشكل والترتيب المحدد لأجزائها (11 : 26). وفي هذا المقال ، اقترح ديكارت تفسير مجموعات ~~محددة من ظواهر أكثر خصوصية على الأساس نفسه. ولم يكن وحده الذي خاض في ذلك؛ فجاليليو ومن ~~بعده بويل ونيوتن عملوا بالكيفية نفسها؛ ولذلك كان «الظواهر الطبيعية» درسا تطبيقيا بين ~~دروس أخرى في التفسير بواسطة المادة والحركة، لكن ديكارت مال إلى اعتبار هذا الشكل من أشكال ~~التفسير خاصا به وحده. وكما وضح في رد له على الاعتراضات الموجهة لهذا المقال من قبل ~~جون-بابتيست مورين، الأستاذ بكلية فرنسا في باريس، قال ديكارت: # لا بد أن نتذكر أنه في تاريخ الفيزياء بأسره، لم يحاول الناس سوى تخيل بعض ~~الأسباب لتفسير الظواهر الطبيعية دون أن تكلل محاولاتهم بالنجاح قط. قارنوا ~~فرضياتي بفرضيات الآخرين، وقارنوا جميع سماتهم الحقيقية وأشكالهم الضخمة وعناصرهم ~~وغير ذلك من فرضياتهم التي لا حصر لها بفرضية واحدة من فرضياتي القائلة بأن جميع ~~الأجسام تتألف من أجزاء ... قارنوا الاستنتاجات التي توصلت إليها من ~~فرضيتي - المتعلقة بالرؤية والملح ~~والرياح والسحاب والثلج والرعد وقوس قزح وما إلى ذلك - بما استنبطه الآخرون من ~~فرضياتهم حول الموضوعات عينها. ~~(2 : 196) # وبذلك زعم ديكارت أنه ms33 سيتخلى بشكل منفرد عن الفيزياء المدرسية التي عفى عليها ~~الزمان. # كان الشكل التفسيري الذي نبذه ديكارت يتألف من إرجاع الخصائص الملحوظة للأشياء المنفردة ~~إلى الطبائع أو الأشكال التي تجعل تلك الأشياء تنتمي إلى نوع دون الآخر. والنظرية المستند ~~إليها والمناسبة لهذا الشكل من التفاسير افترضت أن الطبيعة منظمة ومستقرة أساسا، وأن كل ~~نوع من الأشياء يتمتع بضرب ملائم ومميز من السلوك والنمو نظرا لطبيعته؛ ولذلك كان من ~~المناسب أن تسقط الأحجار باتجاه مركز الكون لأن طبيعتها تملي عليها ذلك. ومن طبيعة الأجرام ~~السماوية أن تدور بانتظام وإلى الأبد في مكانها، ومن طبيعة جوزة البلوط أن تنمو لتصبح أشجار ~~بلوط كبيرة. وفيما خلا ما حدث بمحض الصدفة للأشياء الملحوظة، فإن سلوكها يمكن إرجاعه إلى ~~طبيعة أو شكل أساسي مستقر يختلف لكل نوع من الأشياء المميزة بالملاحظة. وإذا تعذر الجمع بين ~~سلوك شيء ما وشكله، فلا بد أن السبب يرجع إلى المادة التي صنع منها، أو الغرض الذي من ~~المقرر أن يخدمه عندما يصبح نموذجا فريدا من نوعه مكتملا بشكل ملائم. وتعين تفسير ~~الخصائص الملاحظة حديثا للمواد بشكل خاص، وذلك بالرجوع إلى السمات أو الأشكال التي من ~~المفترض أن تتمتع بها هذه المواد بطبيعة الحال. لقد كان هذا هو النوع من التفسير الخاص الذي ~~قوبل بالسخرية في قصة موليير عن الطبيب الذي شرح قدرة الأفيون على تنويم البشر بذكر فائدته ~~الخفية المسببة للنعاس. شرح ديكارت لأحد المراسلين عام 1642 أنه بدون إنكار أو نبذ هذه ~~الأشكال أو السمات في مقاله «الظواهر الطبيعية»، فقد «وجدتها ببساطة غير ضرورية في بيان ~~تفسيراتي» (7 : 491). # شكل 8-1: رسم توضيحي لتفسير ظهور قوس قزح كما ورد في مقال «الظواهر ~~الطبيعية». # كانت «الفرضية الوحيدة» التي استخدمها ديكارت أكثر فاعلية من الفرضيات المدرسية عن ~~الأشكال والسمات بحسب ما بين لنا في ~~«الظواهر الطبيعية». ففي بداية المقال، يشرح ديكارت، بالإشارة إلى شكل وترتيبات أجزاء ~~المادة وحدها، كيف يمكن أن تتشكل الأجسام الصلبة والسائلة. ولشرح انتقال الضوء، يفترض ~~ديكارت وجود نوع ms34 من المواد دقيق جدا لا تدركه الحواس، لكنه موزع بين كل الأجزاء الدقيقة ~~أو «المسام» الموجودة لدى كل الأجسام السائلة منها والصلبة. وتنتج هذه المادة حرارة ~~بالتناسب مع وطأة إثارتها بفعل أشعة الشمس. ويستشهد ديكارت بهذا لتفسير علة شعور المرء بدفء ~~خلال النهار أكثر مما يحسه خلال الليل، وعلة إحساس المرء بحرارة أكبر كلما اقترب من خط ~~الاستواء. وتستدعي الفرضيات الأخرى التي طرحها ديكارت هذه المادة الدقيقة المحكمة نفسها. ~~فإثارة المادة الدقيقة في مسام الأجسام، على سبيل المثال، يؤدي إلى انفصال أجزاء من تلك ~~الأجسام وارتقائها في الهواء؛ مما يفسر وجود الأبخرة. يتكون الملح من جسيمات طويلة صلبة لا ~~تتبخر عندما تكون في الماء؛ فهي أثقل وأقل مرونة من أن تظل محمولة جوا. ومن الممكن تحلية ~~مياه البحار إذا تم تمريرها عبر الرمل؛ وذلك لأن جسيمات الرمل تعوق الجسيمات الطويلة الصلبة ~~للملح، بينما تسمح لجسيمات الماء بالمرور. هذه عينة من الظواهر التي يفسرها ديكارت بشكل ~~منهجي في مقاله «الظواهر الطبيعية». # وهذا لا يعني أن كل ما جاء في هذه الأجزاء من الكتاب صحيح. على العكس تماما! إن «حقيقة» ~~أن الماء يتجمد بسرعة أكبر حال غليانه أولا ليست بحقيقة على الإطلاق، وبعض «تفسيرات» ~~ديكارت يسهل تفنيدها بالتجربة. أبلى ديكارت بلاء أفضل عندما ناقش موضوع قوس قزح؛ وذلك لأنه ~~كان في موقف يسمح له باستغلال معرفته بقانون الانكسار لتفسير الشكل الدائري للقوس، وإن لم ~~يفسر ترتيب الألوان وانسجامها. # وعندما وصف الغرض الذي يخدمه كل من مقالاته (9ب:15)، يقول ديكارت إن «مبحث انكسار الضوء» ~~لفت الانتباه إلى فن مفيد - فن صناعة التليسكوب - جعلته علومه ممكنا، بينما كان الهدف من ~~مقال «الظواهر الطبيعية» أن يبين - في سياق الموضوعات التي عادة ما تخضع في مناقشتها ~~للفيزياء المدرسية - حجم الإنجازات الإضافية التي يمكن أن تتحقق باستخدام الفرضيات الجديدة. ~~«أخيرا، في مقال «الهندسة»، كان هدفي بيان أنني اكتشفت أشياء عدة ظلت حتى وقتنا هذا غير ~~معلومة ...» (9ب:15). # ظن ديكارت أن أفضل نتائجه يمكن العثور عليها في ثالث ms35 مقالاته؛ فبعض تصحيحاته للرموز ~~الرياضية والمفاهيم السائدة لعمليات التربيع والتكعيب وما إلى ذلك ذكرت بالفعل في مؤلفه ~~«قواعد لتوجيه الفكر». وهناك ابتكار آخر يتمثل في وصف آلة تستخدم لرسم المنحنيات، التي ساد ~~الاعتقاد في الماضي أنه يتعذر وصفها بأساليب هندسية بحتة، ومن ثم أطلق على تلك المنحنيات ~~وصف «الميكانيكية» بدلا من «الهندسية». أثبت ديكارت أن الكثير من الأشكال ~~«الميكانيكية» يمكن في حقيقة الأمر تمثيلها بأشكال هندسية. ووضع ديكارت أيضا نظرية ~~متكاملة الأركان للمعادلات، ولأساليب تمثيل الخطوط والأشكال بواسطة المعادلات. وصارت ~~العلاقة بين نظرية المعادلات لديكارت ونظريات أسلافه مثارا للجدل الطويل بين ديكارت وغيره ~~من الرياضيين. # من المتفق عليه عموما أن ديكارت جعل مقاله «الهندسة»، ومنهجه يبدو أكثر تعقيدا من ~~اللازم؛ فقد كان بمثابة ضمانة ضد سرقة أساليبه، ولكن تعقيده أيضا حال دون تقدير الكثيرين ~~للإصلاحات التي جاء بها. إذا كان ديكارت قد بسط من أسلوبه، لكان قراء «الهندسة» - بلا شك - ~~سيؤمنون بأن ديكارت عبقري في الرياضيات؛ فقد نجح - من بين أمور أخرى - لأول مرة، في حل ~~مسألة أرقت عالم الهندسة القديم بابوس، لكن المنهج العام الذي كان ديكارت يقترحه في الكتاب ~~كان مطمورا ببراعة، فحير كل الرياضيين البارعين بما فيهم الرياضيون الذين اقترحوا في ~~البداية فكرة أن يحاول ديكارت حل مسألة بابوس. # الفصل التاسع # | «منطق» جديد # لم تكن المقالات «مبحث انكسار الضوء» و«الظواهر الطبيعية» و«الهندسة» مستقلة، بل كانت ~~بمثابة إعلان عن منهج جديد للاستدلال في العلوم. آمن ديكارت بأن المنهج سيكون وافيا لإنتاج ~~فيزياء كاملة، لكنه لم يبذل قصارى جهده ليصرح بذلك. وعقد ديكارت الآمال على أن تتجلى ~~إمكانات المنهج من تفسيره العام لها وتطبيقاتها في مقالاته، لكنه كان مغاليا في التفاؤل؛ ~~فقد ثبت أن المقالات مثيرة للجدل، وبدا تفسيره للمنهج لبعض القراء واهنا ومحتويا على ~~افتراضات غير محسومة. وكما سيتضح لنا، في نهاية المطاف رأى ديكارت أن الحاجة تدعوه لملء ~~الفجوات التي تشوب منهجه بمبادئ من الميتافيزيقا. # جاءت معالجة منهج ديكارت في شكل مقدمة للمقالات، وعرفت باسم «مقال عن ms36 منهج التصرف العقلي ~~السليم للمرء والبحث عن الحقيقة في العلوم»، واشتهرت بعنوان «مقال عن المنهج». وكان من ~~المقرر أن يحمل هذا العمل عنوانا مختلفا مثيرا بعض الشيء: «خطة لعلم كلي قادر على ~~الارتقاء بطبيعتنا إلى أعلى درجات الكمال». وبعد أن نصح ميرسين ديكارت بأن يسمي كتابه ~~ببساطة «أطروحة عن المنهج»، استقر ديكارت أخيرا على كلمة «مقال» مصرا على أن عمله أقل ~~من أن يكون أطروحة، وأقرب إلى «البيان» أو «الإعلان» البسيط عن المنهج الذي سيرد في ~~المقالات. # كان «البيان» ذا شكل غير تقليدي. وحيث كان الغرض منه الوصول إلى «غير الدارسين»، فقد كتب ~~بالفرنسية بدلا من اللاتينية، وكان في ظاهره سيرة ذاتية، ولكنها لمفكر غير معروف. ونشر ~~«مقال عن المنهج» دون ذكر اسم مؤلفه؛ لذا فإضافة إلى معرفة أن الأحداث الواردة في حياة ~~المؤلف تسرد وكأنها أحداث قصة خيالية، فإن قارئ «مقال عن المنهج» كان يترك لتخميناته ~~بخصوص هوية القاص (وسرعان ما أميط اللثام عن أن مؤلفه هو ديكارت). وغير ذلك الكثير جاء ~~تلميحا لا تصريحا في «مقال عن المنهج»، بما في ذلك، كما اعترف المؤلف نفسه، آليات عمل ~~المنهج الذي يتناوله الكتاب. في رسالة تفسيرية مصاحبة لنسخة أولى من الكتاب قال ديكارت إنه ~~اقترح في كتابه «منهجا عاما لا أبادر بتفسيره بشكل مفصل» (1 : 368). # ولعله كان بانتظار تأليف «قواعد لتوجيه الفكر» أو أطروحة ما تالية لها لكي يورد بيانا ~~شاملا للمنهج؛ ففي «مقال عن المنهج» لم يتجاوز ديكارت ذكر أربعة من ~~مبادئه: # أولا: ألا أقبل أي شيء قط إذا لم يكن لدي معرفة قطعية بحقيقته؛ أي أن أحرص كل ~~الحرص على تفادي التسرع في استنباط النتائج وتفادي المفاهيم المسبقة، وألا أضمن ~~أحكامي على الأشياء أكثر مما يعرض على عقلي بوضوح وتمايز شديدين بما لا يدع مجالا ~~للشك. # ثانيا: أن أقسم كلا من الصعوبات التي أمحص فيها إلى أكبر عدد ممكن من ~~الأجزاء حسبما يستدعي الأمر لحلها بصورة أفضل. # ثالثا: أن أوجه أفكاري بطريقة منظمة، بالبدء بالأشياء الأبسط والأسهل في ms37 معرفتها ~~كي أرتقي شيئا فشيئا إلى معرفة الأكثر تعقيدا على الإطلاق، وبافتراض وجود ترتيب ~~ما حتى بين الأشياء التي ليس لها ترتيب طبيعي بحسب أسبقيتها. # وأخيرا: أن أحرص طوال الوقت على أن يكون ما أورده كاملا، ومراجعاتي وافية جدا ~~لدرجة تجعلني متأكدا من عدم إغفال أي شيء مهما كان. ~~(6 : 18-19) # وتناظر المبادئ الثلاثة الأخيرة بالضبط القواعد الخامسة والسادسة والسابعة في مؤلفه ~~«قواعد لتوجيه الفكر» السابق مناقشتها من قبل. فنجد التأكيد نفسه على تحويل المسائل إلى ~~مكونات، وأولوية «البسيط»، وعلى المراجعات الشاملة للبيانات ذات الصلة. # ماذا عن أولى القواعد الأربعة؟ تذكرنا هذه القاعدة أيضا بمؤلف ديكارت «قواعد لتوجيه ~~الفكر» الذي تنص ثاني قاعدة فيه على أنه أثناء البحث «ينبغي أن نعنى فقط بالأشياء التي ~~من الواضح أن عقولنا تدركها إدراكا أكيدا لا يداخله الشك» (10 : 362). عرف ديكارت في ~~«قواعد لتوجيه الفكر» «الأشياء» بأنها الأرقام والأشكال الحسابية والهندسة والبراهين ~~المرتبطة بها (10 : 364-365)، ولكن في مؤلفه «مقال عن المنهج» تبدو حتى براهين الرياضيات ~~أنها من ضمن الأشياء التي يمكن أن تكون محل شك (6 : 32). ويطرح ذلك سؤالا عما إذا كان ~~ديكارت يعمل وفقا لمعيار جديد لما هو جلي وغير مشكوك فيه عندما ذكر المبدأ الأول لمنهجه في ~~«مقال عن المنهج». ألم يعد يظن أنه عندما شرع الناس في تأمل المسائل الرياضية كان نصب ~~أعينهم أكثر الأشياء وضوحا وأدناها ريبة؟ من الواضح أنه ظل يعتبر الرياضيات واضحة ولا ~~يداخلها الشك، لكنه ظن أن اليقين الرياضي لا يمكن إدراكه إدراكا صحيحا إلا في ضوء الحقائق ~~المتعلقة بالرب والروح. لم ينكر «مقال عن المنهج» أن الرياضيات واضحة أو حتى واضحة جدا؛ ~~بل أوحى بأن الأشياء الميتافيزيقية ما زالت أكثر وضوحا. بالنظر إليها في سياقها إذن، سنجد ~~أن القاعدة الأولى في «مقال عن المنهج» تنحرف فعلا عن «قواعد لتوجيه الفكر»، وتسلم تسليما ~~بمفهوم منقح لما هو واضح ولا يداخله الشك. # لقد أعلن عن المبادئ الأربعة للمنهج بشيء من الترويج في مؤلف ديكارت «مقال عن المنهج»؛ ms38 ~~ففي البداية يعرضها ديكارت باعتبارها تجسيدا «لمنطق» جديد كليا يجب القياس المنطقي ~~الأرسطي (6 : 17)، وبعدها يبارك لنفسه استبدال المنطق القديم بمجموعة موجزة جدا من ~~القواعد. وكما رأينا بالفعل، فقد ثبت أن هذا الإيجاز في حد ذاته محرجا لديكارت؛ حيث ألقى ~~بظلال الشك على زعم ديكارت برسم الخطوط العريضة لمنهج متكامل، ومصدر تباهيه الآخر يطرح ~~مشكلات أخرى. # ماذا كان يعني ديكارت إذ زعم بأن منهجه يشكل «منطقا» جديدا؟ إنه يعني على الأقل أنه إذا ~~لم يستنبط أحد أية نتائج في بحثه سوى التي تجيزه مبادئ ديكارت، فإن هذه النتائج يمكن ~~إثباتها والتدليل على صحتها حقا. شكلت المبادئ منطقا جديدا؛ لأن ديكارت - على النقيض من ~~نظرية البرهان الأرسطية - لم يربط قطعية مسألة استدلالية بالعلاقات بين المقدمات والنتيجة - ~~تأليف المقدمات والنتيجة من التجميعات الصحيحة من الموضوعات والمحمولات - بل بأثر القضايا ~~التي تعرض على العقل الذي تمرس بالقدر الكافي الذي يضمن الوصول إلى مستويات مثالية من ~~الانتباه والمصادقة المنضبطة. إن استحداث المعايير النفسية للقطعية والحقيقة في المنطق ~~ينظر إليه الآن غالبا باعتباره خطوة انتكاسية. ولكن ثمة مشكلة تتمثل فيما إذا كانت ~~البراهين الواردة في المقالات يمكن أن تعتبر قطعية استنادا إلى معايير المنطق ~~الجديد. # وردت تلك المسألة في مراسلات ديكارت؛ فقد سأله ميرسين عما إذا كان يعتبر ما كتبه عن ~~الانكسار برهانا، فأجابه ديكارت قائلا: # أعتقد أنه كذلك، طالما يمكن تقديم برهان في هذا المجال دون إثبات سابق لمبادئ ~~الفيزياء بواسطة الميتافيزيقا - وهذا شيء آمل أن أقوم به يوما ما لكنني لم أنجزه ~~بعد - وطالما أنه بالإمكان برهنة حل أية مسألة في مجال الميكانيكا أو البصريات أو ~~الفلك أو أي مجال آخر بخلاف الهندسة أو الرياضيات البحتة، ولكن طلب البراهين ~~الهندسية في مجال يقع ضمن نطاق الفيزياء ضرب من المستحيلات. ~~(2 : 134) # حقيقة الأمر أن «مقال عن المنهج» نفسه هو الذي يوحي بتوقع وجود براهين في مجال الفيزياء ~~شبيهة بالبراهين الهندسية؛ وذلك لأنه يتناول احتمالية أن «كل الأشياء التي تقع ضمن نطاق ~~المعرفة البشرية مترابطة ms39 بعضها ببعض بالطريقة نفسها» التي «تترابط بها تلك السلاسل الطويلة ~~المكونة من كل الاستدلالات البسيطة والسهلة التي يستخدمها علماء الهندسة عادة» ~~(6 : 19). # في الخطابات التي ترجع إلى الفترة التالية لنشر «مقال عن المنهج»، يقول ديكارت إن هناك ~~أكثر من نوع واحد من الأدلة أو البراهين في العلوم، وإنه في مؤلفيه «مبحث انكسار الضوء» ~~و«الظواهر الطبيعية» كان بصدد تجربة البرهان الذي يمكن فيه إثبات الفرضيات نفسها أو ~~برهنتها بموجب قوتها التفسيرية (قارن: 1 : 558 و2 : 196). من المنطقي جدا الزعم بأن ~~الفرضيات يمكن «إثباتها» أو «برهنتها» بهذه الطريقة طالما أن المرء لا ينشغل أكثر من اللازم ~~بمسمى الإثبات أو البرهان، لكن ديكارت وضع منطقا جديدا؛ نظرية تدعي تحديدا لا بطريقة ~~بحتة ما يعتد به كبرهان، وليس من الواضح أن مبادئها تترك مجالا لهذا النوع من البرهان ~~«التجريبي». # على المرء، لكي يقبل الكثير من البراهين الواردة في كتاب «الظواهر الطبيعية»، على سبيل ~~المثال، أن يقبل أن الضوء يتصرف بموجب إثارة نوع دقيق جدا من المادة موزعة في المسام ~~المتناهية الصغر للأجسام، لكن لا شك أنه من غير الواضح أبدا أن هذه المادة الدقيقة موجودة، ~~وأن الأجسام الأرضية لها مسام متناهية الصغر، أو أن الضوء ينتقل بفعل المادة الدقيقة. ~~تملي القاعدة الأولى لمنطق ديكارت على الناس قصر أحكامهم وحسب على كل ما هو واضح وضوح ~~الشمس ولا مجال فيه للشك. ومن الواضح أن هذه القاعدة تبطل البراهين الواردة في مؤلفه ~~«الظواهر الطبيعية» قبل أن تحقق تقدما. # لقد استطاع ديكارت أن يحدد المشكلة التي تواجه منهجه؛ ألا وهي أن الاستدلال الرياضي وحده ~~وحسب هو الذي يمكن أن يعتبر غير قابل للشك. فما إن يعول الاستدلال على الفرضيات المتجاوزة ~~للرياضيات، كما في كتاب «الظواهر الطبيعية» أو «مبحث انكسار الضوء»، حتى يفقد صلابته التي ~~تجعله لا يقبل الجدل. وكما رأينا، فقد كتب ديكارت إلى ميرسين أن شيئا لن يحل هذه المشكلة ~~عدا «إثبات مبادئ الفيزياء بواسطة الميتافيزيقا». # وكان ديكارت يعني برهانا نظريا. لقد قدمت مقالات ديكارت بالفعل ms40 شكلا أدنى من البراهين ~~لمبادئه؛ فالأبحاث في مجالي البصريات وعلم الأرصاد الجوية التي عولت على تلك المبادئ ~~فسرت ببساطة وسلاسة مجموعة كبيرة من الظواهر، لكن هذا كان إنجازا دون ما يصبو إليه ~~ديكارت، طالما أنه على الأقل من المتصور أن ثمة مبادئ أخرى بخلاف مبادئ ديكارت لها أن تقدم ~~لنا تفسيرا لا يقل بساطة وسلاسة لمجموعة الظواهر نفسها؛ ولذلك يستحب وجود محاجة ~~مستقلة لقبول المبادئ. # الفصل العاشر # | الحاجة إلى الميتافيزيقا # يرسم الجزء الرابع من «مقال عن المنهج» الخطوط العريضة للمحاجة التي كان الهدف منها تقديم ~~دعم مستقل لفيزياء ديكارت. وفي قلب المحاجة، نجد قضية أن البشر خلق لرب كريم جليل منحنا ~~نسخة من ذكائه. وحشد الرب العقل البشري بعدد من الأفكار «البسيطة» التي يستحيل أن تكون ~~خاطئة، على افتراض خيرية الرب. وتتضمن هذه الأفكار تلك الضرورية لفهم عام صحيح للمادة؛ أي ~~لفيزياء صحيحة. في الجزء الرابع من «مقال عن المنهج»، يصف ديكارت الاستدلال الذي توصل من ~~خلاله إلى نتيجة أن الرب موجود، وأنه كامل، ومن ثم فإنه لا يخدعنا. ويبدأ استدلال ديكارت ~~باكتشاف علاقة حتمية بين تفكيره ووجوده، وينتقل بعد ذلك إلى الموضوعية الضرورية لفكرة الرب، ~~ويخلص أخيرا إلى نتائج حول القدرات الفكرية للكائنات التي تثق بأن الرب الكريم لا يضع ~~أفكارا بسيطة مضللة في عقولها. # لم يرض ديكارت عن الطريقة التي صور بها الاستدلال الميتافيزيقي في «مقال عن المنهج». ~~وكما فسر في عدد من مراسلاته (قارن: 1 : 347 و558)، فإن عمله أنجز في عجالة. وكان ~~الجزء الرابع من «مقال عن المنهج» قيد التأليف بعد طباعة الأجزاء السالفة له واثنتين من ~~المقالات، وكان ديكارت واقعا تحت ضغوط من ناشره لتسليم الأوراق النهائية. ومن مصادر الغموض ~~أيضا في الجزء الرابع، على حد قول ديكارت، تردده الشديد في توظيف حجج بعينها ظنها ضرورية ~~لتأهيل العقل لاستقبال الحقائق الميتافيزيقية. كتب ديكارت مخاطبا فاتييه في رسالة بتاريخ ~~22 فبراير 1638: # لم أجرؤ على الخوض في تفاصيل حجج المشككين، ولا على التصريح بكل ما هو ضروري ms41 ~~«لعزل العقل عن الحواس»؛ فلا يستقيم أن يعرف يقين ودليل محاجتي على وجود الرب ~~بحق دون استدعاء الحجج التي تعرض الشك في جميع معارفنا عن الأشياء المادية، ولم ~~تبد تلك الأفكار مناسبة لتضمينها في كتاب أردت أن يكون مفهوما حتى للنساء، مع ~~اشتماله في الوقت نفسه على مادة فكرية لأفضل العقول وأكثرها نبوغا. ~~(1 : 558) # لكن أمرا ما أكثر من خوفه من أن يعرض قراؤه لمثل هذه الأفكار هو الذي منعه من ~~المضي قدما في عرض الحجج الضرورية: فلم يرد ديكارت أن يوصم بأنه من الفلاسفة ~~المتشككين. ففي الجزء الرابع، اكتفى بإيضاح فكرة أن اليقين بوجود الرب أكبر من اليقين بوجود ~~الأشياء المادية، فهو لم يشأ أن ينكر أنه يمكن أن يكون لدينا علم للمادة. لكن تفسير كل هذا ~~يتطلب أكثر من أسطر قليلة مطبوعة. في «مقال عن المنهج»، اضطر ديكارت إلى أن يكتفي بنسخة ~~مضغوطة وغير مرضية لما كان يلزم التصريح به. # وربما من المدهش، في ظل المحتوى الميتافيزيقي الضئيل ~~لمؤلفه «مقال عن المنهج»، أن أحد قرائه - وكان ~~عالما هاويا ومشرفا على أعمال التحصين في أقاليم فرنسية يعرف باسم بيير بيتي - قد خرج ~~بمجموعة كبيرة من الاعتراضات على الجزء الرابع؛ فقد كان له رأي آخر بخصوص فرضية ديكارت بأن ~~كل إنسان لديه فكرة عن الرب، وشكك في أن المعرفة بوجود الرب ضرورية لمعرفة أي شيء آخر. ~~وأشار بيتي إلى أن أكثر الملاحدة تطرفا أحاطوا علما بوجود الأرض والشمس والكثير من ~~الأشياء غيرهما. كان ديكارت يزدري بشكل علني اعتراضات بيتي، ولم يجشم نفسه عناء الرد عليها، ~~لكنه لم ينس تلك الاعتراضات قط، ونجد أن ثمة إشارة ضمنية إليها في مقدمة مؤلفه «تأملات في ~~الفلسفة الأولى» (7 : 8). ولاحقا، انهال عليه نقاد آخرون بالنقد بخصوص مسألة الملحد واسع ~~الاطلاع. # لو كانت المقالات قد لاقت استحسانا كليا، لما كانت الضرورة لتستدعي أن يحسن ديكارت ~~الجزء الرابع من «مقال عن المنهج». فقد كان الغرض منه خلق قاعدة عريضة من محبي فيزيائه التي ~~نشرها في «مقال ms42 عن المنهج»، فالقراء الذين ثبت استحسانهم لنظريته عن الانكسار، أو لتفسيره ~~لقوس قزح، سيمثلون بالفعل، ولو جزئيا، أنصارا لأفكاره الواردة في كتاب «العالم»، لكن ~~تبين أن استمالة المؤيدين أصعب من المتوقع، فقد واجهت المقالات، وخاصة «الهندسة» و«مبحث ~~انكسار الضوء»، اعتراضات كبيرة عجز ديكارت عن الرد عليها بشكل قاطع وحاسم. وطوال عام 1638، ~~أي إثر نشر المقالات بعام، كان ديكارت منشغلا جدا بالجدليات الرياضية والعلمية التي ~~تمخضت عنها. # وفي تلك الأثناء، نأى عنه علماء اللاهوت الذين عقد ديكارت الآمال على أن يدعموا مؤلفه ~~«مقال عن المنهج» ومقالاته الأخرى. ولقد أرسل عددا من النسخ الأولى إلى اليسوعيين في ~~لافليش دون أن تثمر هذه المبادرة عن أية نتائج. وكتب مدرس من لافليش إلى ديكارت أنه يجب أن ~~يكون أكثر وضوحا حيال مبادئه الميتافيزيقية قبل أن يتوقع أية تعليقات أو اعتراضات. ~~وقبلت النسخ التي أرسلت إلى أقطاب الكنيسة في روما شريطة ألا تدرس تلك المقالات ~~مسألة حركة الأرض. وذاع خبر تأييد ديكارت للموضوعات المحظور تدريسها في روما رغم تكتمه على ~~مؤلفه «العالم»، وصارت الحاجة إلى وجود أطروحة تثبت توافق فيزياء ديكارت مع الأركان ~~الرئيسية التي تقوم عليها العقيدة الكاثوليكية، صارت أكثر إلحاحا لهذا السبب وحده. # وكانت بعض المواد المتعلقة بالأطروحة سالفة الذكر متاحة بالفعل في هيئة كتاب انتهى ديكارت ~~من نصفه، وكان عن الرب والروح، لكنه هجره بعد أول تسعة أشهر أمضاها في هولندا. ولقد أشار ~~ديكارت إلى هذا الكتاب المهجور، ولآماله في مراجعته واستكماله، في خطاب إلى ~~ميرسين عام 1637 أقر له فيه أيضا بمواطن الضعف ~~في الجزء الرابع من مؤلفه «مقال عن المنهج» (1 : 347). في الكتاب الأسبق، كان من المفترض أن ~~يكون قد «اكتشف كيفية إثبات الحقائق الميتافيزيقية بطريقة أكثر وضوحا من حقائق ~~الهندسة.» # ما المنهج الذي ابتكره ديكارت؟ وماذا ضمن تحت عنوان «الحقائق الميتافيزيقية»؟ لقد ~~ألمح بالفعل إلى المنهج الذي يعرف عادة باسم الشك المنهجي. وبدأ هذا المنهج بإقرار أن أي ~~شيء يداخله الشك ولو قليلا بالنسبة للعقل الباحث زائف، وأي شيء ms43 يستدعي التسليم والتصديق ~~حتى في مواجهة أقوى جهود النيل منه ورفضه؛ فهو يقيني لا محالة. في مؤلفه «تأملات في الفلسفة ~~الأولى»، وهي الأطروحة التي نشرها ديكارت في نهاية المطاف، تم تفعيل مبدأ رفض أي شيء يمكن ~~أن يداخله الشك بالاستعانة ببعض فرضيات الشك الغريبة؛ فقد تخيل ديكارت نفسه واقعا تحت ~~سيطرة شيطان عتيد قادر على التحكم في أفكاره، وجعله لا يؤمن بشيء سوى الباطل. ولكي ينجح ~~الشيطان في خداعه، كان يجب ألا يكون هناك مراء في أنه يقحم أفكارا في عقل ديكارت فعلا. ~~ولذلك كانت «تلك» الحقيقة - ويراد حقيقة أن ثمة أفكارا تراوده - يستحيل أن يخدعه الشيطان ~~بشأنها. ولو كانت حقيقة أفكاره لا شك فيها، فكذلك ستكون حقيقة وجود فاعل للتفكير؛ أي «أنا» ~~للإقدام على فعل التفكير. ومن ثم كان أول يقين في الميتافيزيقا «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» ~~كان يجب أن تكون هذه الحقيقة صحيحة حتى ولو كانت بقية أفكار المرء الأخرى واقعة تحت سيطرة ~~شيطان مخادع. ومن هذه الحقيقة، بحسب زعم ديكارت، يمكن استنباط حقائق ميتافيزيقية أخرى (عن ~~الرب). # بالنسبة للمحتوى الذي جعله ديكارت مادة الميتافيزيقا بصفة عامة، يجب أن نشير إلى مقدمة ~~النسخة الفرنسية لمؤلفه «مبادئ الفلسفة». تقول المقدمة: إن «الجزء الأول من الفلسفة هو ~~الميتافيزيقا التي تحتوي على مبادئ المعرفة، بما في ذلك الصفات الأساسية للرب، والطبيعة غير ~~المادية لأرواحنا، وجميع الأفكار الواضحة والمتمايزة الموجودة بداخلنا» (9ب:14). وفي مواضع ~~أخرى يتكلم ديكارت عن الأشياء «غير المادية أو الميتافيزيقية» (9ب:10)، كما لو كانت ~~الميتافيزيقا تعنى بكل شيء لا يدخل تحت باب علم المادة. ومن الواضح أن ديكارت لم يكن ~~مهتما بتعريف الميتافيزيقا بدقة شديدة، وفي سرده لموضوعاتها الأساسية ربما استرشد بما ~~أسعفته به الذاكرة مما تعلمه تحت هذا العنوان في كلية لافليش، علاوة على محتويات أطروحات ~~بعض أصدقائه التي ظهرت إبان الفترة التي عاشها في باريس؛ فقد نشر جون سيلون أطروحة عام 1626 ~~تحت عنوان «الحقيقتان: الأولى عن الرب وعنايته الإلهية، والأخرى عن خلود الروح». وعندما نشر ms44 ~~ديكارت مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى» عن الفلسفة الأولى - كانت «الفلسفة الأولى» ~~و«الميتافيزيقا» مترادفين بالنسبة له - حملت الطبعة الأولى عنوانا فرعيا من الواضح أنه ~~استلهمه من سيلون: «عن وجود الله وخلود الروح». ولكي يسترضي الكنيسة، حاول ديكارت أن يعطي ~~الانطباع بأن «تأملات في الفلسفة الأولى» كان دفاعا آخر - ولو أنه جديد ولا يقبل الدحض - ~~عن حقائق الدين ضد الملحدين. وكنوع من المقدمة للكتاب، نشر ديكارت خطابا كان قد خطه إلى ~~علماء اللاهوت في السوربون، عرض فيه «تأملات في الفلسفة الأولى» كردة فعل لنداء بابوي ~~للفلاسفة المسيحيين من أجل دحض الزعم بأن الروح تموت بموت الجسد (7 : 3-4). ولقد صيغت ~~عناوين التأملات الستة التي تألف منها الكتاب بحيث تشدد على هالة الكتاب الدينية، وأسر ~~ديكارت لميرسين بأن تلك العناوين تذكر: # الأشياء التي أريد أن يلاحظها الناس بصفة أساسية، ولكنني أعتقد أنني أضفت أشياء ~~أخرى كثيرة أيضا. ويسعني القول - بيني وبينك - إن هذه «التأملات» الستة تحتوي على ~~جميع أسس الفيزياء الخاصة بي، ولكن رجاء ألا تخبر أحدا؛ لأن ذلك من شأنه أن ~~يصعب على أنصار أرسطو قبولها. آمل أن يألف القراء تدريجيا مبادئي ويدركوا ~~حقيقتها قبل أن يلحظوا أنها تهدم مبادئ أرسطو. ~~(3 : 297-298) # ولذلك كانت الأطروحة الميتافيزيقية في ظاهرها تحتوي على نص ديني، ولكن في باطنها أسس ~~فيزيائية مقنعة على نحو جيد، وبعيدة كل البعد عن الأسس الفيزيائية التقليدية. # الفصل الحادي عشر # | كتاب «تأملات في الفلسفة الأولى» # تشير خطابات ديكارت إلى أنه بدأ العمل على مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى» في نوفمبر ~~عام 1639؛ ففي ذلك الحين مر على حياته في هولندا عشر سنوات تقريبا دون أن يستقر في أي ~~مكان طويلا. وتصوره الروايات الواردة عنه خلال تلك الفترة من حياته منعزلا تقريبا، ~~حيث كان يعيش مع عدد قليل من الخدم بمنأى عن المجتمع، منكبا بالكامل على أعماله التجريبية ~~والنظرية في العلوم، وعارجا على الفلسفة. لكن عادة ما بولغ في الحديث عن عزلته؛ فقد كان ~~لدى ديكارت عدد من الأصدقاء المقربين، ومن ms45 بينهم زميل العمل المشهور في نظرية البصريات، ~~كونستانتين هيوجينز، وفرانز شوتن، أستاذ الرياضيات بجامعة ليدن، وكذلك، قبل أن يتفرقا، ~~بيكمان. تبادل ديكارت الزيارات والخطابات مع هؤلاء وغيرهم بانتظام، وفقا للمكان الذي كان ~~يتخذه بيتا له. # إن المعلومات البسيطة المعروفة عن حياة ديكارت الخاصة تتعلق في أغلبها بالأيام التي عاشها ~~في هولندا. وربما في مدينة ديفينتر، حيث حصل أحد تابعيه الشباب على وظيفة أكاديمية عام ~~1632، التقى ديكارت امرأة، تدعى هيلين، صارت عشيقته وأما لابنته غير الشرعية، والتي أطلق ~~عليها اسم فرانسين في السابع من أغسطس عام 1635. وبعد عام 1635، بدا أن فرانسين وهيلين ~~عاشتا بعيدا عن ديكارت، وكانتا تزورانه على فترات متقطعة. وحاول ديكارت أن يخفي على ~~الدخلاء علاقته بهما، مدعيا كلما عرجتا عليه أن فرانسين ابنة أخيه. وعندما بلغت صغيرته ~~خمس سنوات، في سبتمبر عام 1640، أصيبت بحمى شديدة أودت بحياتها. ووصف ديكارت هذا الحدث بأنه ~~أشد بلية ألمت به في حياته. # وتوفيت فرانسين بعد بضعة أشهر من استكمال ديكارت لمؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى». ~~وطوال فصل شتاء 1639-1640، عني ديكارت بمؤلفه المهجور الذي وضعه عام 1629 عن الميتافيزيقا، ~~وأمضى خمسة أشهر عليه حتى أضحى كتابا جديرا بالنشر. وكانت الحاجة لأطروحة يوافق عليها ~~علماء اللاهوت تزداد إلحاحا. فبينما استقبلت كلية لافليش «مقال عن المنهج» والمقالات بشيء ~~من الحذر، نجد أنها قوبلت بعداء شديد من الكلية اليسوعية في باريس، وفي صيف عام 1640، بدأ ~~ديكارت يؤمن بأن اليسوعيين كلهم يناصبونه العداء. وحينئذ كان قد انتهى من كتابه المكون من ~~«خمس أو ست صفحات» في مجال الميتافيزيقا دون أن ينشره. # علام كان الكتاب الجديد يحتوي؟ شأنه شأن «مقال عن المنهج» كان الكتاب الجديد يتمتع ~~بأسلوب أدبي استثنائي؛ فكان من ناحية مناسبا لدعايته الرسمية كإثبات لبعض حقائق المسيحية، ~~لكنه موافق أيضا، ولو ضمنا، للبرنامج السري لدحض مبادئ أرسطو؛ أي المبادئ التي يرتكز ~~عليها التعليم المدرسي في مجال الفيزياء. كان كتاب ديكارت مذكرات عن فترة اعتزال فكري خيالي ~~استمرت ستة أيام على غرار اعتزال القديس إغناطيوس في ms46 «تمارين روحانية» التي اقترحها لعمليات ~~الاعتزال الدينية العادية. # ولكل يوم من الأيام الستة تأمله الخاص وصولا إلى ذروة التأملات في اليوم الثالث. وفي ~~التأمل الثالث، يقنع ديكارت نفسه بأن فكرته عن الرب تتمثل في أنه كيان حقيقي وموجود. وهذه ~~نقطة تحول ترتبت على تأمليه في اليومين المنصرمين. وفي التأمل الأول، يجعل ديكارت نفسه ~~تتشكك في وجود «أي» شيء موجود بحق، ويرفض كل معتقداته عن الأشياء المادية باعتبارها ~~زائفة، وحتى إيمانه بحقيقة الطبائع المادية البسيطة. هنا يعول ديكارت على فرضية الشك ~~للمخادع الشيطاني. وفي التأمل الثاني، لاحظ ديكارت أنه لكي ينجح الشيطان في خداعه يجب أن ~~يكون هناك وسط للخداع، ألا وهو الفكر؛ وإذا كان الوسط هو الفكر، فلا بد أنه هو نفسه مفكر ~~حقيقي. ويقلص ذلك بقدر ضئيل مجال الشك الذي استحدثه في اليوم الأول من اعتزاله، لكن ديكارت ~~لم يعمد إلى البحث عن أساس للإيمان بحقيقة الأشياء التي تتجاوزه وأفكاره أو خواطره إلا بعد ~~أن أثبت وجود الرب. # ويدرك ديكارت أن الرب كامل، ومن ثم فهو ~~خير إلى أقصى حد ممكن، ويستحيل أن يتصور المرء أنه يسمح للزيف بأن يبدو ظاهرا للعقل ~~البشري الواعي المصر على إيجاد الحقيقة. والخطأ جائز عندما يشت انتباه العقل، أو عندما ~~يتسرع في التوصل إلى النتائج، أو عندما تهيمن عليه العادات السيئة كعادة الخلط بين السمات ~~الظاهرة للأجسام وخصائصها الجوهرية المتأصلة فيها. لكن لا يمكن أن يخطئ العقل، شريطة التحوط ~~من أي خطأ، عندما يؤمن بوجود الأرقام أو الأجسام، أو يكتشف أن العلاقة بين كون الشيء ~~ماديا وشغله أبعادا ثلاثة علاقة لا مراء فيها. وطالما أن الرب لم يخلقنا بحيث ننخدع ~~بما لا يسعنا سوى تصديقه، فحقيقة أن الأشياء والعلاقات تخطر على العقل باعتبارها واقعا ~~تدخل في تفسير كونها حقيقة في واقع الأمر. بحلول اليوم السادس من اعتزاله، يقرر ديكارت أنه ~~من الحمق الشك في وجود الأشياء المادية وحقيقة الطبائع البسيطة. ويخلص ديكارت إلى أنه بينما ~~قد لا تكون الأشياء المادية في الحقيقة كما ms47 تبدو للحواس، فإن خصائصها الرياضية واضحة ولا شك ~~فيها، واللازمة المترتبة على ذلك أن الفيزياء الرياضية ممكنة. # توقع ديكارت أن يستغرق قراؤه في التأملات التي سجلها، وعقد الآمال على أن يعيدوا تصور ~~الاستدلال الذي من خلاله استطاع استدعاء شكوكه وتبديدها ببطء. كانت التأملات مضنية، وقليلون ~~ممن تصفحوا الكتاب، إن وجدوا، هم الذين يرجح أنهم انغمسوا في تفاصيله بالقدر الذي طالب به ~~ديكارت؛ فقد نصح قراء التأمل الأول الذي قدم فيه أسبابا للشك في معظم الأشياء المسلم ~~بصحتها دون تفكير بأن «يكرسوا شهورا، أو على الأقل أسابيع؛ لبحث الموضوعات الواردة فيه قبل ~~المضي قدما» (7 : 130). ولقد قدر أن الأمر سيستغرق «على الأقل أياما قلائل»، ربما ~~إضافة إلى الأشهر أو الأسابيع العديدة التي سيمضيها المرء في الاطلاع على التأمل الأولى، ~~كي يعتاد القارئ على التمييز بين الأشياء العقلية والمادية بالسبل التي يستدعيها التأمل ~~الثاني (7 : 131). كان ديكارت يعتقد أن هذه الأوقات الطويلة التي سيستغرقها القارئ في تدبره ~~يبررها الأثر العلاجي للتأملات؛ فإذا استوعبت بشكل سليم فإنها على أقل تقدير ستكسر عادة ~~أبدية؛ ألا وهي التسليم بالمعتقدات المتعلقة بطبيعة العالم المادي وطبيعة الإنسان المستخلصة ~~من خبرته الحسية. # شكل 11-1: صورة لديكارت في صدر الطبعة التي صدرت عام 1701 لأعماله، ونشرت في ~~أمستردام. # لكن المنوط بقراء «تأملات في الفلسفة الأولى» كان يتجاوز بذلهم الوقت والتركيز. كان ~~الأمر يستدعي إجادة ضرب جديد من القراءة؛ فقد كان من الضروري في الأجزاء الأولى من الكتاب ~~أخذ المزاعم على محمل الجد، والتي سيجري صرف النظر عنها لاحقا على اعتبار أنها غير معقولة. ~~علق ديكارت على هذه الخصيصة في رد له على مجموعة من الاعتراضات على كتابه «تأملات في ~~الفلسفة الأولى» قائلا: «يسمح لنا الأسلوب التحليلي للكتابة الذي تبنيته في هذا الكتاب من ~~آن لآخر بعمل فرضيات لم تحظ بالتمحيص الكامل؛ ويتجلى ذلك في التأمل الأول حيث طرحت العديد ~~من الفرضيات التي أقدمت على دحضها في تأملات تالية» (7 : 249). استدعى الأسلوب التحليلي ~~عادة ترتيبا محددا للطرح أو الجدل؛ فأي ms48 اعتبارات تعرض إما ستشرح نفسها، أو سيبررها ما ~~تقدم عليها، على أن يكون التطور من الأشياء الظاهرة والسطحية إلى النقاط الأكثر عمقا ~~وجوهرية. في «تأملات في الفلسفة الأولى»، أدخل ديكارت على الأسلوب «التحليلي» تعديلا ~~جديدا؛ فالاعتبارات العميقة والجوهرية تجعل القارئ في واقع الأمر يعيد النظر، أو حتى يرفض ~~ما تقدم. # الفصل الثاني عشر # | الشك عند ديكارت # غالى ديكارت في تقدير إمكانات أغلب قرائه المؤيدين له؛ إذ توقع منهم أن يستطيعوا تتبع ~~أسلوبه العجيب في كتابه «تأملات في الفلسفة الأولى»، فقد أساء أتباعه تفسير الفرضيات ~~الأساسية الواردة في الكتاب. وجمهوره الذي كان معاديا لأفكاره بالفعل انقض على أفكاره التي ~~طرحها بغية تفنيدها وحسب وكأنها مؤكدة بشكل قاطع. لدينا معلومات وافية على ردة الفعل الأولى ~~للكتاب؛ حيث التمس ديكارت تعليقات القراء على النسخ الأولى - ونشرت لاحقا تلك التعليقات مع ~~الكتاب. ولقد بادر ديكارت نفسه بطلب «تصحيحات» من عالمي لاهوت في هولندا وفي السوربون، ~~وأقنع ميرسين بجمع تعليقات من رجال الكنيسة وفلاسفة وعلماء آخرين. وفي نهاية المطاف، جمعت ~~سبع مجموعات من «الاعتراضات»، وشكلت تلك الاعتراضات و«ردود» ديكارت عليها ملحقا كبيرا ~~لكتاب «تأملات في الفلسفة الأولى » نفسه عندما ظهر الكتاب عام 1641. # وأصيب ديكارت بخيبة أمل بسبب طبيعة الاعتراضات، وأحيانا ما كان يرد عليها بنفاد صبر، ~~وغالبا ما كان يشكو من أنه أسيئ فهمه. ولعل أكثر ردوده حسما تلك التي وجهها للمجموعة ~~السابعة من الاعتراضات من اليسوعي بيير بوردين. كان بوردين مسئولا عن النقد الموجه إلى ~~مؤلف ديكارت «مبحث انكسار الضوء» بالكلية اليسوعية في باريس. والآن فهو يعارض، من بين أشياء ~~أخرى، اشتمال التأمل الأول على قائمة بالأشياء التي يمكن التشكك فيها. ألم يثبت التأمل ~~الأول أن ديكارت فيلسوف متشكك مستعد لأن يذهب بالشك إلى أبعد مدى؟ وردا على ذلك، قال ~~ديكارت في نهاية التأمل الأول: # لقد كنت أتعامل وحسب مع الشك المطلق الذي يعتبر، كما أكدت كثيرا، ميتافيزيقيا ~~ومبالغا فيه، ولا يجوز تطبيقه على الحياة العملية. لقد كان الشك من هذا النوع هو ~~الذي ms49 أشرت إليه عندما قلت: إن كل شيء يمكن أن يثير ولو أدنى شك ينبغي أن يعد ~~سببا وجيها للشك. ~~(7 : 460) # استهل ديكارت التأمل قائلا إنه لمرة واحدة في حياته سيعمد إلى تطهير أفكاره من كل شيء ~~يداخله الشك. ولكي يجعل نقده شاملا دون أن يكون لانهائيا، كان بحاجة إلى أن يبحث ~~الاحتمالات التي يمكن أن تثير شكوكا في جميع أفكاره على اختلافها. # الاحتمال الأول الذي بحثه كان أن ما بدا وكأنه حياة يقظة ربما يكون حلما. ولقد لاحظ ~~ديكارت أن الأحلام يمكن أن تكون حية جدا مثلها مثل تجربة اليقظة؛ فعندما نصحو من نومنا ~~من الممكن أن نشعر بالذهول لعدم كوننا في المكان أو الظروف التي كنا نحلم بها. وفي الأحلام، ~~نصدق أشياء عادة ما نجدها زائفة في اليقظة. وخلاصة القول إن الأحلام يمكن أن تضللنا، ولكن ~~لا تستدعي الحاجة وجود شيء في الحلم أو اليقظة يدلنا على التمييز بينهما. كيف يمكننا الجزم ~~إذن بأننا لسنا نحلم الآن؟ إذا لم يمكننا الجزم، فربما إذن أن المعتقدات التي تشكلت خلال ~~تجربتنا الحالية كلها زائفة، وإذا كنا نعيش في عالم الأحلام دوما، فربما أن جميع المعتقدات ~~التي آمنا بها «يوما ما» زائفة على الإطلاق. جل ما كان ديكارت بحاجة إليه هو إمكانية الزعم ~~بأن التجربة الواعية تجربة حالمة، فإذا لم نستطع أن نستبعد تلك الإمكانية، فلا يمكننا النظر ~~إلى التجربة الواعية باعتبارها مرشدا موثوقا للطبيعة الحقيقية للأشياء بمعزل عن التجربة. ~~فما من أحد يستطيع أن يقول: «لقد حلمت بأمر ما؛ ولذلك فلا بد أنه حقيقي.» كيف لأحد أن يقول ~~استنادا إلى أي مبرر: «لقد رأيته؛ ولذلك فلا بد أنه حقيقي.» إذا كان النظر، على حد علمنا، ~~تجربة حالمة؟ # استخدم ديكارت فرضية الحلم لإضعاف ثقته في مجموعة كبيرة من المعتقدات التي تمليها التجربة ~~الحسية، لكن فرضية الحلم لم تلق بظلال الشك على كل شيء، حتى لو كان يحلم بأنه يجلس أمام ~~النار وحسب، وأن عينيه مفتوحتان، وأنه يمد يديه، حتى لو لم يكن ms50 في الواقع أشياء كالرءوس أو ~~الأيادي؛ فإن هذا لا يثبت لنا أنه لم تكن في الواقع أشياء مثل المادة والشكل والعدد والمكان ~~والزمان وغيرها من «الأشياء الأكثر بساطة وشمولية» من الرءوس أو الأيادي. لقد تركت ~~المعتقدات المرتبطة بهذه الأشياء الأكثر بساطة وشمولية دون مساس من قبل فرضية الحلم. ألم ~~تكن هذه معتقدات إذن خالية من أي شك؟ أثبت ديكارت في فرضية أخرى أكثر مغالاة من فرضية الحلم ~~أن حتى هذه المعتقدات محل شك (7 : 21). وكانت فرضيته الثانية تفيد بأن ثمة شيطانا خارق ~~القوة والذكاء يكرس كل جهوده لحمله على الإيمان بما يخالف الحقيقة (7 : 22-23). # في التأمل الثاني، اكتشف ديكارت أن تصور شيطان قادر على خداعه بخصوص «كل شيء» يتعذر ~~الإبقاء عليه. ومع ذلك، في الفقرات الختامية من «تأملات في الفلسفة الأولى» قال ديكارت إن ~~«الشكوك المبالغ فيها خلال الأيام القليلة الماضية»؛ أي الشكوك التي أثارها في تفكره في ~~الأحلام والشياطين، «ينبغي استبعادها باعتبارها مثيرة للسخرية» (7 : 89). ومن خلال توجيه ~~بوردين إلى الفقرات ذات الصلة، اعتقد ديكارت أنه قادر على أن يبرئ ساحته من تهم الشك ~~الموجهة إليه، لكنه سيكون مضللا إذا كان يوحي بأنه استبعد تماما ما يوحيه إليه التأمل ~~الأول في نهاية كتابه. وفيما يتعلق بالمعتقدات الحسية، «لا» يقدم ديكارت فرضية شكية ليثبت ~~وحسب مدى ضعف أساسها. صحيح أنه في نهاية المطاف يتراجع عن فرضية أن كل التجربة البشرية محض ~~حلم، لكنه لا يتراجع عن الرسالة التي أعرب عنها في الفرضية؛ ألا وهي أن التجربة الحسية أساس ~~واهن للوصول إلى استنتاجات بشأن الأشياء المادية. # ويدعم هذه الرسالة الواضحة بقدر معقول في نهاية «تأملات في الفلسفة الأولى» مؤلف ~~ديكارت «العالم» الذي كان بطريقة أو بأخرى تتمة لأطروحته المتعلقة بالميتافيزيقا. ويستهل ~~«العالم» بعدة فصول ناقدة لوجهة النظر البديهية للأشياء المادية؛ ناقدة لوجهة نظرنا عن ~~العالم الفيزيائي التي تخطر على بالنا بشكل فطري، والمستندة إلى التجربة الحسية. ويحاول ~~ديكارت أولا أن يخلص القارئ من المعتقد بأن حواسه أو خبراته مماثلة للأشياء ms51 التي ~~تسببها. وبعدها يكرس فصلا كاملا (الفصل الرابع) من أجل تصحيح «خطأ وقعنا في أسره جميعا ~~منذ الصغر عندما آمنا بأنه ما من أجسام من حولنا بخلاف ما يمكن إدراكه بالحواس» (10 : 17). ~~ترسم هذه الفصول الخطوط العريضة لنوع من الشك في المعتقدات المستمدة من الحواس، والشك في ~~مدى موضوعيتها، والذي أوضح ديكارت أنه متوافق مع إمكانية وجود العلوم الطبيعية. # وأحيانا ما تعرف وجهة النظر التي تمكن ديكارت من نقد المعتقدات المستمدة من الحواس، ~~وفي الوقت نفسه الزعم بأن البشر قادرون على إنتاج علوم مادية، باسم «المذهب العقلاني». آمن ~~ديكارت بأن البشر يملكون عقلا أو روحا أو نفسا، وأنه بينما عول العقل/الروح/النفس في ~~بعض أفكاره وخواطره على عمل الأعضاء الحسية، فهو يحوي معلومات أخرى منفصلة عن الأعضاء ~~الحسية، معلومات محتواها واضح «بموجب الطبيعة وحدها». وكان بواسطة أفكار من هذا النوع أن ~~أكثر حقائق الرياضيات والفيزياء بدائية من المفترض أنها تخطر للبشر، وكان من المفترض بواسطة ~~«الاستنباط» من الحقائق الأساسية هذه فهم أكثر الظواهر العامة في الطبيعة فهما أكثر ~~موضوعية، دون التأثيرات المشوهة للتجربة الحسية. # الفصل الثالث عشر # | علماء اللاهوت والرب الفيزيائي # كان من المفترض أن ترسي الحجج الواردة في ~~كتاب ديكارت «تأملات في الفلسفة الأولى» أسسا لفيزياء تكون مقبولة لدى علماء اللاهوت. ولقد ~~أفضت حجة من تلك الحجج إلى الانتهاء بأن القدرة البشرية على ممارسة الفيزياء هي في الأصل ~~قدرة روحانية. وثمة حجة أخرى كان من المفترض أن تثبت أن على الروح أن تكون محيطة بالرب قبل ~~أن تكتسب علم الفيزياء. تساعد حجج كهذه في الإجابة على تساؤلات أبرز الرجالات آنذاك الذين ~~زعموا أن العلم الديكارتي الجديد إلحادي. ففي عام 1639، بدأ تسليم أطروحات تنتقد مقالات ~~ديكارت إلى جامعة أوتريخت نزولا على طلب الأستاذ جيسبرت فوتيوس. وثمة أستاذ آخر بالجامعة ~~نفسها، يدعى هنري دو روي أو ريجي، أخذ على كاهله مهمة الرد على فوتيوس، ولعب دور المتحدث ~~الرسمي المحلي باسم الفلسفة الجديدة. لم يكن دو روي المؤيد الوحيد لأفكار ديكارت في ~~أوتريخت؛ ms52 فهناك أستاذ آخر يدعى هنريكاس رينري أيد ديكارت لفترة من الوقت. وحقيقة الأمر أن ~~ثمة خطبة ألقيت تقديرا لديكارت في جنازة رينري هي التي دعت فوتيوس الغيور إلى شن هجماته ~~الانتقادية. وخلف ريجي رينري كأبرز المدافعين عن نظريات ديكارت، حتى إنه حصل على مساعدة ~~ديكارت نفسه من أجل صياغة الحجج المؤيدة للفلسفة الديكارتية. ومن الواضح أن الخلاف بين ريجي ~~وفوتيوس بدأ في شكل خلاف أكاديمي رسمي شيمته التحضر، ولكن في نهاية المطاف تحول إلى صراع ~~شخصي مرير. وانتهى هذا الصراع في عام 1642 عندما أقنع فوتيوس مجلس جامعة أوتريخت بإدانة ~~«الفلسفة الجديدة». # من وجهة نظر ديكارت، كان هجوم فوتيوس يرتبط على نحو ~~قوي بنقد بوردين؛ لأنه جاء كجزء من محاولة ~~لاستبقاء المنهج التقليدي بالمدارس، والحيلولة دون تدنيسه بأفكار جديدة. إن الطعن في ديكارت ~~باعتباره متشككا أو ملحدا سيحول دون تدريس فيزيائه، ولم يتورع خصومه الكاثوليكيون في ~~فرنسا ولا غرماؤه البروتستانتيون في هولندا عن القدح في ديكارت (ولقد ذكر فوتيوس شائعة أن ~~ديكارت أب لطفل غير شرعي، لكنه أخطأ بشأن نوع الطفل؛ مما سمح لديكارت أن يرد بحسم: إنه لم ~~يكن له «ابن» غير شرعي قط). # لكي يحظى بجلسة استماع على الأقل في المؤسسات اليسوعية الفرنسية، التمس ديكارت، متجاوزا ~~رئيس بوردين، مساعدة الأب دينيه الذي كان مسئولا عن جمعية اليسوعيين في فرنسا كلها. واستهل ~~ديكارت الخطاب الذي أرسله إلى دينيه، والذي بدا وكأنه ملحق للطبعة الثانية من مؤلفه «تأملات ~~في الفلسفة الأولى» عام 1642، بأسئلة موجهة إلى بوردين، ثم انتقل إلى التعاطي مع اتهامات ~~فوتيوس بترويجه لتعاليم مخالفة للدين في علومه. أصر ديكارت على أنه «ما من شيء يتصل ~~بالدين لا يمكن تفسيره بمبادئي بكفاءة مضارعة للسبل الأخرى المعتمدة عموما، أو حتى بكفاءة ~~أكبر منها» (7 : 581). وفي فقرة لاحقة، يرفض ديكارت السبب الثالث الذي أعربت عنه جامعة ~~أوتريخت لإدانة فلسفته باعتباره سببا زائفا يقترب من السخف والخبث؛ فقد زعم مجلس الجامعة ~~أن «هناك الكثير من الآراء الزائفة وغير المعقولة التي إما تترتب ms53 على الفلسفة الجديدة، أو ~~يمكن أن يستنبطها الشباب دون تأن - والمراد آراء تتعارض مع مبادئ وتخصصات أخرى، وفوق كل ~~ذلك أنها تتعارض مع علم اللاهوت الأرثوذكسي» (7 : 592). # زعم ديكارت أن فلسفته إما تركت المسائل المتعلقة بعلم اللاهوت الأرثوذكسي دون مساس، أو ~~دعمتها دعما أفضل مما كان متاحا لها في الفلسفة المدرسية «المقبولة عموما»، لكن هذا ~~التصريح كان مضللا مثله مثل التبرؤ المقتضب من تهمة الشك الذي كان يأمل أن يكون فيه الرد ~~على بوردين. ورغم أن ديكارت زعم في رسالته لعلماء اللاهوت بالسوربون أن مؤلفه «تأملات في ~~الفلسفة الأولى» يدعم الإيمان (7 : 2-4)، فالكتاب لم يكن يحتوي على معلومات كثيرة يمكنها ~~هداية غير المؤمنين، أو مساعدة الكاثوليكيين الذين كانت لديهم شكوك - على سبيل المثال - في ~~أن الفضيلة في الحياة الدنيا لها ثواب في الآخرة. وحقيقة الأمر أن الرب الوارد في مؤلف ~~ديكارت «تأملات في الفلسفة الأولى» بعيد كل البعد عن الرب الموجود في الكتاب المقدس. أما ~~بالنسبة لما يطلق عليه المؤلف «الروح»، فذاك أيضا يصعب الاستقرار على ما إذا كان هو ~~الجانب الذي يشمله الرب برحمته، أم الذي ينزل به العقاب على آثامه في الحياة الدنيا. إن ~~نظرية ديكارت بخصوص الروح حقا نظرية عن العقل الذي يمكن أن يحوي، بمعزل عن الحواس، ~~أفكارا عامة عن ماهية المادة وكيفية تغييرها. فرب ديكارت هو الكيان الذي يضمن أن ~~الأفكار العامة المتعلقة بالمادة صحيحة؛ وبذلك فهو رب فيزيائي، أو، ربما إن شئنا الدقة، ~~الرب الذي تقتضيه فلسفة الفيزياء المناوئة للشك، أو الرب الذي يحاول أن يجعل القوانين ~~العامة للفيزياء غير مشكوك فيها. # إن قوانين الفيزياء محصنة من الشك بحقيقة أنها تنسجم بإحكام مع ما تقدمه الميتافيزيقا ~~باعتباره طبيعة المادة، أو، إن شئنا الصياغة الديكارتية، فإن القوانين لا يداخلها الشك ~~بموجب كونها «قابلة للاستنباط» من نظرية واضحة عن طبيعة المادة، لكن الأمر يتطلب أن يضمن ~~الرب طبيعة المادة نفسها، والتي وفقا لها؛ فإن ما يعد ضروريا ليتصف الشيء بأنه مادة ~~ملموسة هو أن تكون ms54 ممتدة على نحو ثلاثي الأبعاد، وقابلة للانقسام، وقادرة على الحركة. ولا ~~يتجاوز هذا الوصف الشك بموجب حقيقة أنه واضح، أو أن العقل يستوعبه بوضوح وتمايز؛ ذلك لأن ~~الضرورة ما زالت تدعو لإثبات أن كل ما يدركه العقل البشري بوضوح وتمايز صحيح. وهنا يلجأ ~~ديكارت إلى حجة عن الرب (قارن: 7 : 62 و8أ : 17): إذا كان بالإمكان إثبات أن الأفكار ~~الواضحة والمتمايزة زائفة، فيمكن أن يخدع العقل البشري حتى لو احتاط كل الحيطة ضد الخطأ، ~~لكن العقل لا يمكن أن يقع في أخطاء إذا لم يدع مجالا للخطأ؛ لأن العقل إذا وقع في الخطأ ~~فإن ذلك يعني أنه يعاني من عيب يلقي بظلاله على كمال صانعه، وصانعه - الرب - كامل يتعالى ~~على العيوب؛ ولذلك لا بد أن أفكار العقل الواضحة والمتمايزة صحيحة. # ولا يقدم ديكارت شرحا مستنيرا للوضوح والتمايز، بل يبدو أنه يعتبر أن الشيء الواضح هو ~~الجلي للعقل الواعي (8أ:21-22)، بينما التمايز عنده هو وضوح الإدراك بالقدر الكافي بما ~~يساعد على استبعاد أي تشوش يشوب المدركات. ويحدث الارتباك عندما يعتبر العقل أن شيئا ما ~~ينتمي إلى طبيعة مدركاته، في حين أنه في واقع الأمر لا ينتمي إلى تلك الطبيعة. فعندما يتعرض ~~العقل المشتت، على سبيل المثال، إلى النار، فمن الممكن أن يعتبر أن إدراكه للحرارة جزء من ~~طبيعة النار، بينما الحرارة في واقع الأمر تعتمد على كل من طبيعة المدرك لها وطبيعة الجسم ~~الخارجي المشتعل. وبصفة عامة، يمكن الحد من الارتباك وتحقيق الوضوح الإدراكي عندما تعرض ~~على العقل الطبائع البسيطة، وعندما يعي العقل إسهامات الطبائع البسيطة في الأشياء ~~«المركبة»؛ ولذلك فإن الإدراك الواضح والمتمايز يناظر ما يطلق عليه ديكارت اسم «الحدس» في ~~مؤلفه «قواعد لتوجيه الفكر»، والذي يقول عنه: «تصور العقل الواضح والواعي الذي يتسم ~~بالسلاسة والتمايز الشديدين بما لا يدع مجالا للشك فيما نفهمه» (10 : 368). # في مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى» يستحضر ديكارت الرب لضمان حقيقة المفاهيم الواضحة ~~والمتمايزة للعقل، لكن كان عليه، أولا، أن يثبت وجود الرب وتمتعه بالكمال. كانت ms55 هذه ~~الاستراتيجية أحيانا ما ينظر إليها باعتبارها تدور بديكارت في حجة دائرية مفرغة (انظر على ~~سبيل المثال 7 : 214)؛ لأنه لكي يثبت وجود الرب ~~يجب أن يستخدم مقدمات منطقية يفترض أنها صحيحة في ضوء وضوحها وتمايزها، ولا يستقيم أن يتأكد ~~أحد من صحة التصورات الواضحة والمتمايزة إلا بعد إثبات وجود الرب، لكن لا يجب أن تعطلنا ~~تهمة الدوران في دوائر مفرغة؛ لأن المصاعب قائمة حتى لو كان ديكارت قادرا على التعاطي ~~معها. # يقدم ديكارت حجتين لوجود الرب في مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى». وتثبت الحجة ~~الأولى، الواردة في التأمل الثالث، أن الرب موجود بالرجوع إلى محتوى فكرة الرب، ونوع المصدر ~~الذي ربما تنتج عنه فكرة لها هذا المحتوى. والحجة الثانية، الواردة في التأمل الخامس، ~~تستنبط وجود الرب من ثبات أوجه الكمال التي تتألف منها طبيعة الرب، والوجود واحد منها. ~~والحجتان مغرقتان في التجريد، وتستندان إلى مبادئ مستخلصة من الميتافيزيقا ~~المدرسية. # في الحجة الواردة في التأمل الثالث، المبدأ الأساسي هو كالتالي: الفكرة التي تمثل شيئا ~~ينتمي إلى فئة بعينها يجب أن تكون لها علة تنتمي للفئة نفسها أو لفئة أعلى منها. ولا يسري ~~هذا المبدأ إلا على خلفية هرمية الفئات؛ وهي هرمية أنواع أي شيء حقيقي. ويعتقد ديكارت أن ~~المادة اللامحدودة حقيقية أكثر من المادة الفانية، وأن الأخيرة حقيقية أكثر من صفة المادة، ~~وأن صفة المادة حقيقية أكثر من الحالة التي تمتلك المادة في إطارها صفة ما. وفي حالة فكرة ~~الرب، تمثل الفكرة مادة لامحدودة يستحيل تجاوز فئة أو درجة حقيقتها؛ ولذا فوفقا لمبدأ ~~ديكارت، فإن علة الفكرة يجب أن تنتمي إلى الفئة نفسها موضوع الفكرة. وبشكل أكثر وضوحا، فإن ~~فكرة الرب يجب أن تكون علتها مادة لامحدودة، لكن هناك مادة لامحدودة واحدة فقط، ألا وهي ~~الرب؛ ولذا ففي سياق فكرة الرب، فإن الرب يجب أن يوجد لتعليل الفكرة. لدى ديكارت فكرة عن ~~الرب؛ ولذلك لا بد أن الرب موجود. # وهذه الحجة يشوبها نقطتا ضعف يسهل الوقوف عليهما: مبدأ العلية الخاص بها، ms56 وافتراضها بأنه ~~يمكن أن يوجد شيء كفكرة الرب. زعم ديكارت في «تأملات في الفلسفة الأولى» أن مبدأ العلية ~~الذي يغطي أفكارا يستمد صحته من مبدأ علية أكثر تجريدا، والذي ينص على أن المعلولات ~~يجب أن تكتسب صحتها من علل أكثر صحة منها (7 : 40-41). ولكن من المشكوك فيه ما إذا كان هذا ~~المبدأ يتسق حتى والمنطق، طالما أنه من الصعب فهم حديث ديكارت عن درجات الصحة، أو عن اكتساب ~~المعلول لصحته من مستوى أعلى من الصحة يمكن العثور عليه في علته. وكان على ديكارت أيضا ~~أن يرد على معارضيه الذين قالوا إن العقل البشري قد يعجز عن أن تكون لديه فكرة مسبقة عن ~~الرب. وعادة ما كان يجيبهم بالتمييز بين الأفكار في هذا السياق - والتي وصفها على نحو مرتبك ~~بأنها «شبيهة بالصور» - والصور التي تخطر على الخيال. فعجز الناس عن تصور الرب ليست بحجة ~~تصب في مصلحة استحالة وجود فكرة الرب؛ فقد كان يكفي لوجود فكرة الرب في هذا السياق أن ~~يستطيع المرء الإلمام بواحدة من صفات الرب أو أوجه كماله. # في الحجة الثانية على وجود الرب، استغنى ديكارت عن مبدأ العلية، لكنه اتكأ بشدة على ~~فرضية أن الناس لديهم في عقولهم فكرة عن الرب: «لا شك أن فكرة الرب أو الكائن الكامل كمالا ~~ساميا، خطرت لي باليقين نفسه الذي خطرت لي به فكرة أي شكل أو عدد» (7 : 65). واستغل قاعدة ~~أن ما يدرك بوضوح وتمايز فهو صحيح أو حقيقي. وأخيرا، فقد احتكم إلى قياس تمثيلي بين ~~الأفكار الخاصة بالأشكال والأرقام وفكرته عن الرب، ولاحظ أن أفكاره عن الأشكال أو التكوينات ~~كالمثلث هي في الواقع أفكار عن أشياء لم يخترعها أو يبتدعها، بل كانت أفكارا عن أشياء ذات ~~طبائع حقيقية بشكل مستقل عن الفكر. ومن المنطلق نفسه، فإن فكرته عن الرب هي فكرة عن شيء له ~~طبيعته الحقيقية بشكل مستقل. والطبيعة الحقيقية للمثلث تضفي صحة على قضايا كقضية أن الأضلاع ~~الثلاثة له تساوي زاويتين قائمتين. وبالمثل، فالطبيعة الحقيقية للرب تضفي ms57 صحة على قضايا ~~كقضية أن الرب عليم وقدير على كل شيء، وحي لا يموت، وما إلى ذلك، ولكن بينما الطبيعة ~~الحقيقية للمثلثات لا توجب صحة وجود أي شيء له خاصية تساوي زواياه الثلاثة مع زاويتين ~~قائمتين، فإن الطبيعة الحقيقية للرب توجب صحة وجود ما هو عليم وقدير على كل شيء وحي لا ~~يموت؛ أي كامل إن شئنا الاختصار. فطبيعة الرب فريدة من حيث إنها تضمن وجود شيء له هذه ~~الطبيعة (7 : 65-66). # كثيرة هي الأسئلة التي أثارها هذا الاستدلال الذي يعرف أحيانا باسم «الحجة الأنطولوجية» ~~لوجود الرب، ومن بينها أنه كيف يمكن أن توجد الطبيعة الحقيقية المزعومة للمثلث دون أن يوجد ~~المثلث نفسه؟ وهناك سؤال آخر يختص بمعنى القول بأن الاتصاف بالكمال يوجب الوجود. وثمة سؤال ~~ثالث عن كيفية تقديم الحجة الأنطولوجية باعتبارها تأكيدا للحجة المطروحة في التأمل الثالث، ~~وفي الوقت نفسه استغلال الحجة القائلة بأن كل ما يدرك بوضوح وتمايز فهو حقيقي. لا يعمد ~~ديكارت إلى شرح أي من الحجتين باستفاضة ووضوح، ولا تحمل أي منهما في طياتها قدرة على ~~الإقناع. # الفصل الرابع عشر # | الأفكار # الكثير من الحجج الواردة في مؤلف ديكارت «تأملات في الفلسفة الأولى»، ولو أنها غير مقنعة، ~~تلفت الانتباه بشدة باعتبارها أدوات لنظرية ديكارت عن الأفكار. والحجج التي ساقها لإثبات ~~وجود الرب أمثلة على ذلك. عندما يقول ديكارت إن الخيال لا يمكن أن يكون لنا عونا على ~~تصور الرب، بل إنه يمكننا صياغة تصور عن خالقنا بوسائل أخرى، فهو بذلك يطرح نظريته ~~للأفكار بوضوح. ويفعل ديكارت الشيء نفسه إذ يستحضر مبدأ العلية في حجته الأولى لوجود الرب. ~~ويوحي مبدأ العلية - من بين ما يوحي به - بأن مصدر الفكرة من الممكن أن يختلف من حيث فئته ~~عن الشيء الذي تمثله الفكرة نفسها؛ أو بتعبير آخر: إنه يمكن أن يكون هناك بون شاسع بين ~~محتوى الأفكار وعلتها في الواقع. # لا يجمع ديكارت قط جميع رؤاه الخاصة بالأفكار في مكان واحد، أو يقترح سؤالا يمكن أن ~~تساعد نظريته المنشودة ms58 للأفكار في الإجابة عنه. ورغم ذلك، فمن الممكن تخمين مثل هذا السؤال، ~~ويمكن أن نطرحه على النحو التالي: كيف نستطيع أن نمثل بداخلنا الأشياء الضرورية لفهم ~~الطبيعة؟ قبل ديكارت، زعم الفلاسفة أن البشر يتمتعون بالحس والعقل، وأن التجربة الحسية تجعل ~~العقل يتماس مع المواد التي هي موضوع العلوم. وكان الافتراض أن الأشكال التي تحدد مختلف ~~أنواع الأشياء أو أجناسها محل الدراسة العلمية يمكن استخلاصها من أشكال تناظر السمات الحسية ~~للأشياء: ألوانها وروائحها ومذاقها ودرجات حرارتها. والعقل يكتسب علما بالأشياء في العالم ~~المادي بواسطة التعرف على الأشكال المناظرة للأنواع الطبيعية. فالفهم العلمي يتكون ببساطة ~~من القدرة على التعرف على الشيء داخل منظومة الأنواع الطبيعية، منظومة الأجناس والأنواع. ~~على سبيل المثال، فهم البشر علميا يستتبع الإحاطة علما بأنهم ينتمون إلى الجنس العقلاني ~~من الحيوانات. وتأتي الأشكال الضرورية لفهم البشر من الحواس؛ ولذلك فالعقل يعول في معرفته ~~العلمية على التجربة الحسية. أما بالنسبة لكيفية فهم الحواس للأشكال الحسية؛ كاللون والملمس ~~وما شابه ذلك، للأشياء المختبرة، فيحدث ذلك بواسطة انتقال الأشكال من الأشياء المختبرة إلى ~~الأعضاء الحسية. # في نظريته للأفكار، أطاح ديكارت بالتمييز بين الحس والعقل، وأنكر أن الفهم العلمي يعول ~~على عمل أعضاء الحس، وحاول أن يطور المذهب القائل بأنه في عملية الإدراك تنتقل أشكال ~~الأشياء بطريقة ما إلى أعضاء الحس، ثم تستخلص بواسطة العقل. وبحسب ديكارت، فإن وقع الأجسام ~~بالنسبة لأعضاء الحس هي مسألة ترتهن بالأثر كليا؛ حيث تظهر تأثيرات لاحقة على الجهاز ~~العصبي وفي غدة في المنطقة التي تعرف في المخ باسم «الغدة الصنوبرية». فأثر الشيء يتم ~~تسجيله في الغدة الصنوبرية كحركات مختلفة، وتعمل هذه الحركات كإشارة لروح أو نفس عاقلة ~~متصلة بالجسم عند الغدة الصنوبرية حتى تختبر نوعا معينا من التجربة الواعية أو «الفكرة». ~~ما طبيعة التجربة الواعية التي تعول على نمط من الحركات المنقولة إلى الغدة الصنوبرية؟ إذا ~~مثلت التجربة شيئا ما بدقة، فكان يقال إن لها «وجودا موضوعيا». أما إذا كانت تمثيلا ~~دقيقا بشكل جزئي فحسب لشيء خارج ms59 العقل، فهذا يعني أن التجربة أو الفكرة كانت لشيء يحمل في ~~طياته «شكلا» ما تحمله الفكرة في طياتها «موضوعا». # شكل 14-1: وفقا لديكارت، فإن الجسم والعقل يتفاعلان في الغدة الصنوبرية الموجودة ~~في المخ. وتوضح الرسوم الفسيولوجية في أعماله كيف تتحكم هذه الغدة في ~~الإدراك والحركة. # في التأمل الثالث، يقول ديكارت تحديدا إن الأشياء الموجودة في العقل التي تمثل أشياء ~~أخرى ينبغي أن تسمى «أفكارا». وكانت تخطر له فكرة بهذا الشكل، بحسب قوله، كلما «فكر في ~~إنسان أو وهم أو السماء أو في ملاك أو في الرب» (7 : 37). ويمكن أيضا إطلاق مسمى «الأفكار» ~~على أشياء أخرى غير ممثلة لأشياء أخرى داخل عقله، ولو أن إطلاق هذا المسمى سيكون غير دقيق ~~في هذه الحالة. ومثال على تلك الأشياء الإرادة أو الرغبة أو الحكم على الأشياء. أما الأفكار ~~بمعناها الدقيق، فهي «تمثل» أشياء متمايزة عنها. لكنه لم يعرف تلك السمة التمثيلية للأفكار ~~على نحو ضيق. فإذا كانت الفكرة متعلقة بشيء، فلا يشترط وجود تشابه تصويري بين الفكرة وما ~~تمثله. قال ديكارت إنه لكي تكون الفكرة عن شيء محدد، لا بد أن يكون هناك «تماثل» بين الفكرة ~~وما تمثله. ولكن لمواءمة ذلك، على سبيل المثال، مع إنكاره أن فكرة الرب عبارة عن تصور عقلي، ~~يتعين علينا التعاطي مع «التماثل» سالف الذكر بشكل غير تصويري. يمكن أن يكون «التماثل» ~~بالمعنى المراد مسألة مطابقة الشيء كليا أو جزئيا لوصف أو توصيف يتصوره المرء في عقله. ~~فعندما يفكر المرء في رقم 3 باستحضار عدد صحيح أكبر من 2 ولكن أقل من 4، فإن المرء لا تخطر ~~على باله فكرة الرقم 3 الذي «يشبه تصويريا» العدد نفسه، بل ثمة توصيف في عقل الإنسان ~~«يطابق» الرقم 3. وهذه طريقة لتكوين فكرة عن الرقم 3 في سياق «التماثل» مع الرقم 3. # استغنت نظرية الأفكار عن الفرضية المدرسية الخاصة بالوظائف المختلفة للحواس والعقل. ورغم ~~أن الروح العاقلة لديكارت قد تبدو نظيرا للعقل عند الفلاسفة المدرسيين، فإنها تعمل في ~~حقيقة الأمر بشكل مختلف تماما؛ فهي ms60 لا تستخلص الأفكار من تمثيلات حسية خالصة لأشياء ~~خارجية؛ حيث لا تمثل الحواس الأشياء مطلقا في نظرية ديكارت؛ فالحواس تتلقى وحسب آثارا من ~~المادة المحيطة بها، والروح العاقلة هي التي تمثل الأشياء وحتى الألوان والملمس ودرجات ~~الحرارة. ونتيجة لذلك، فإن خصائص المادة الملحوظة لا تنقسم حقا إلى خصائص حسية وعقلية. ~~ولذا فإن الأمر ليس أن كينونة تفاحة دانية تسجل من خلال العقل، أما حلاوتها واحمرارها ~~فيسجلان من خلال الحواس. بدلا من ذلك، فإن حقيقة أنها تفاحة حلوة وحمراء تسجل في الروح ~~العاقلة، وحدها دون غيرها. علاوة على ذلك، فإن الروح العاقلة لا تعول في عملها على الأعضاء ~~الحسية؛ ذلك لأنها مرتبطة بالجسد ارتباطا عارضا وحسب. ويمكن للروح أن توجد من دون الجسد، ~~هكذا حاول ديكارت أن يثبت عندما أجرى التجربة الفكرية لتصور نفسه تحت تأثير الخداع ~~الشيطاني. اكتشف ديكارت أنه لو أخذ تصور الشيطان على محمل الجد، لكان عليه أن يتظاهر بأنه ~~يفتقر للحواس والجسم، وعندما حاول أن يتصور هذا، نجح دون أن يشرع في الشك في أن نفسه أو ~~روحه وأفكاره حقيقية. ومن ثم، جاءت إمكانية تصور روح عاقلة تعمل بشكل مستقل. # رسم ديكارت الخطوط العريضة لنظرية الروح العاقلة - والواقع أنها كانت نظرية للروح العاقلة ~~كممثلة للأشياء، «و» كبادئة للأفعال - في «كتاب الإنسان»، و«مبحث انكسار الضوء »، وكذلك في ~~آخر مؤلفاته المنشورة «انفعالات النفس». افترضت بعض حججه المعارضة لوجهة النظر القائلة بأن ~~كل الأفكار منبعها الحواس صحة نظريته هذه، لكن ثمة حجج أخرى يمكن أن يقبلها حتى أحد أنصار ~~نظرية الإدراك المدرسية. فوفقا للنظرية المدرسية، فإن الأشكال التي تدخل إلى الحواس ومنها ~~إلى العقل من الأشياء الخارجية جعلت محتويات الحواس والعقل «تشبه» الأشياء الخارجية: ~~فالأشياء والحواس والعقل كان من المفترض أن تحتوي بداخلها على الأشكال نفسها. ضرب ديكارت ~~أمثلة لأفكار في العقل «لا» يمكن أن تشبه أي أشياء أخرى تثيرها الحواس: ففكرة الكائن العليم ~~الحي اللانهائي الذي لا يموت، على سبيل المثال، لا يمكن أن تشبه شيئا صادفته الحواس. ولا ms61 ~~يمكن للأفكار العامة عن الشكل والعدد والصورة أن تشبه الأشياء التي استحضرتها؛ وذلك لأنها ~~كانت أفكارا عامة والحواس كانت تتعرض وحسب للتفاصيل. وبحسب ديكارت، فإن وجود مثل هذه ~~الأفكار العامة في العقل لم يحتج تفسيرا بالإحالة إلى العلل الخارجية؛ تفيد نظريته بأن ~~الأفكار غير مستقلة فعلا عن قوة التفكير نفسها، وأنها موجودة فطريا. والواقع أنه زعم في ~~مرحلة ما أن «جميع» الأفكار، فيما خلا المحددة في محتواها، فطرية (8ب:358-359). وحتى فكرة ~~الألم فهي ناتجة عن قدرة فطرية للروح العاقلة على التأثر بحركات لا تشبه بأي حال من الأحوال ~~الألم نفسه (لكنه في مواضع أخرى يزعم أن العقل اختلق أو ابتكر بعض أفكاره (7 : 51)). # لقد ثبتت فائدة فرضية أن العقل لديه قدرات وأفكار فطرية في علم اللغويات المعاصر: فمن ~~الحقائق المدهشة أن المتحدثين بلغة ما قادرون على إنتاج عدد من الجمل أكثر بكثير مما ~~يتعلمونه. ومن الحقائق المذهلة أيضا أن جميع اللغات البشرية المعروفة تشترك في قسم كبير من ~~تركيبها النحوي. يوحي ذلك بأن جزءا مما يستوعبه متحدث لغة بعينها هو نفسه ما يفهمه متحدث ~~لأي لغة أخرى، رغم التفاوتات الشديدة في الطريقة التي يجيد بها الناس اللغة، والتنويعات ~~الكبيرة في عقول البشر على اختلافهم. ولعل هذا العنصر المشترك بين المتحدثين بلغات مختلفة ~~يرجع إلى قدرات يملكونها جميعا، قدرات لا يكتسبونها عندما يتعلمون لغة جديدة، بل توجد ~~فطريا بداخلهم. من الواضح أن لدينا هنا نسخة معدلة من فرضية ديكارت صاغها باقتدار عالم ~~اللغويات الأمريكي، نعوم تشومسكي، الذي يقر بأثر ديكارت على تفكيره. # الفصل الخامس عشر # | العقل # ينعكس زعم ديكارت بأن الكثير من أفكارنا منفصلة عن التجربة الحسية في ادعائه بأن ~~«العقل» يمكن تصوره باعتباره كاملا تماما حتى إذا كان يفتقر لملكة الإدراك الحسي ~~(7 : 78). وبحسب نظريته عن طبيعة العقل، فإن القدرات الوحيدة التي «يجب» أن يمتلكها العقل ~~هي قدرات فكرية بحتة، والقدرة على ممارسة الإرادة المطلوبة في إصدار الأحكام. ولا توجد أية ~~قدرات إضافية مطلوبة لاستيعاب أغلب العناصر العامة للفيزياء، والنظرية ms62 ترى العقل ضمنا ~~مالكا للقدرات الضرورية لاستيعاب علم تجريدي للمادة. # إن الروابط التي تصل ما بين نظرية الأفكار ونظرية المادة العقلية والفيزياء ليست جلية ~~دوما في مؤلفات ديكارت؛ فمزاعمه عن العقل ومحتوياته يمكن حصرها حصرا وافيا في كتابه ~~«تأملات في الفلسفة الأولى» حيث أرسى مبادئ الفيزياء خلسة. ففي «تأملات في الفلسفة الأولى» ~~يزعم ديكارت أنه بصدد وضع نظرية للروح، لا نظرية للقدرات العقلية والأفكار التي تجعلنا ~~نتواصل مع جوهر المادة. وكنظرية للروح؛ أي لما يحرك البشر، فإن ما يطرحه في «تأملات في ~~الفلسفة الأولى» يشوبه قدر من الاعتباطية. فمن الواضح أن الزعم بأن الروح هي شيء يحس ويتخيل ~~بشكل عارض فقط، لكنه بضرورة الحال ذكاء متناه، زعم اعتباطي. # ولم تخف هذه الاعتباطية على أصحاب «الاعتراضات» (والتي وضعت هي وردود ديكارت عليها كملحق ~~لكتاب «تأملات في الفلسفة الأولى»)؛ فقد طلبوا من ديكارت تبرير نظرته لقدرات الإحساس ~~والتخيل، بل ولأية قدرة تفترض وجود جسد باعتبارها غير ضرورية؛ فما كانوا يستفسرون عنه هو ~~التمايز الشديد بين العقل والجسد الذي اشتهر لاحقا ~~باسم «الازدواجية الديكارتية». بحسب ديكارت، فإن ~~العقل يتألف من مادة، بينما يتكون الجسد من مادة أخرى؛ لأنه من الممكن تكوين تصور عن ~~العقل وتصور عن الجسد بواسطة مجموعتين منفصلتين تماما من الصفات المدركة بوضوح ~~وتمايز. # يدافع ديكارت في «تأملات في الفلسفة الأولى » عن ازدواجيته مرتين؛ الأولى أثناء سريان ~~فرضية الشيطان المضلل (التأمل الثاني)، والثانية في نهاية الكتاب (التأمل السادس)، عندما ~~يثبت وجود الرب، وعندما يتخلى عن فرضية الشيطان المضلل، وعندما يثبت صحة القاعدة الرابطة ~~بين الوضوح والتمايز من جهة والحقيقة من جهة أخرى. في التأمل الثاني، يتساءل ديكارت عن ~~القدرات التي يمتلكها، ويسرد قائمة طويلة تتضمن التخيل والإحساس (7 : 28). وبعدها يسهب ~~مفسرا أنه يمتلك قدرة الإحساس من منطلق خاص وحسب؛ فهو يمتلكها من منطلق أنه «يبدو» بالنسبة ~~له أنه يرى ويسمع ويلمس وما إلى ذلك من أحاسيس؛ فلا يستقيم الافتراض بأنه يرى ويسمع ويلمس ~~فعلا؛ وذلك لأن المرء لا يستطيع أن يشك ms63 في حقيقة حواسه التي «يبدو» أنه يمتلكها. وفي ~~التأمل الثاني، يعتبر ديكارت أن الصفات التي يستحيل الشك في حقيقتها هي التي يمتلكها ~~(7 : 24)، وبما أنه لا يتجاوز قط ما «يبدو» أنه يسمعه ويلمسه وما إلى ذلك، فهو لا يزعم قط ~~بأنه يملك الإحساس الكامل. ورغم أن الصياغة الخاصة بكل هذا في التأمل الثاني ليست واضحة، ~~فيبدو أنه عندما ينسب الخيال إلى نفسه، فهو يفعل ذلك من المنطلق نفسه الذي ينسب به الإحساس ~~إلى نفسه؛ ولذلك يتضح لنا أنه ما من قدرات تتعلق بالجسد يمتلكها ديكارت بالمعنى ~~المحدد. # يستشهد أحيانا المعلقون على ديكارت بالتأمل الثاني باعتباره مصدرا لما يميز حقا فلسفة ~~العقل الديكارتية، وفيها يعلن ديكارت أنه شيء مفكر بالفطرة. وفيها أيضا يشرح أنه ~~«بالتفكير» يعني أية عملية يقوم بها العقل لا مجال للشك في أنها حقيقية من جانب صاحب العقل. ~~واستنادا إلى التأمل الثاني، فيمكن تعريف كل ما هو عقلي بشكل أساسي بأنه كل ما هو غير قابل ~~للشك في حقيقته وبأنه مدرك مباشرة من جانب النفس. ومن سبل إيجاز هذه الفلسفة القول بأن ~~الخصوصية في فلسفة ديكارت هي العلامة المميزة لكل ما هو عقلي. # لا يتوافق هذا التفسير مع أجزاء لاحقة من «تأملات في الفلسفة الأولى» على النحو الذي ~~يتوافق فيه مع الأجزاء السابقة منه، والأدهى أنه يصور فلسفة ديكارت عن العقل كمنتج ثانوي ~~للشك المنهجي، حتى إنه يكاد لا يجد ما يدعمه إذا ما ثبت أن هذا الشك المنهجي يفتقر إلى ~~الاتساق أو إذا أسيئ تصوره. ولكن هناك تفسيرا آخر محتملا يقيم ركائز النظرية على نحو ~~مستقل بشكل أفضل، ويعطيها دورا محوريا في كتاب «تأملات في الفلسفة الأولى» ككل. # ولعرض التفسير البديل، يجب أن أذكر متطلبا يتعين على النظرية الوافية للعقل تلبيته ~~أولا؛ وهو أنه لا ينبغي أن تكون النظرية متعلقة بجنس معين. يبدو واضحا أن نظرية العقل لا ~~يمكن أن تسري وحسب على العقل البشري؛ لأنه من الواضح جدا أن المخلوقات المختلفة عنا ~~بيولوجيا يمكن أن يكون ms64 لديها قدرات حسية-إدراكية، وذاكرة وحركة ذاتية، وبديهة، بل ~~وقدرات على التواصل مقابلة للقدرات المكافئة لدى البشر. ويلفت الخيال العلمي نظرنا إلى ~~احتمالية وجود مخلوقات فضائية لديها قدرات لا يمكن التمييز بينها وبين قدراتنا، ويكشف لنا ~~العلم نفسه عن مدى تعقيد وتطور القدرات العقلية للدلافين والشمبانزي. وبما أن مفهومنا عن ~~العقل والقدرات العقلية يمتد إلى هذه المخلوقات، فلا بد أن تحقق النظرية الوافية عن العقل ~~درجة معينة من الحياد البيولوجي. # ويفي ديكارت بهذا المتطلب تماما؛ فهو يدرك أن مفهوم العقل يمتد إلى كائنات أخرى خلاف ~~البشر، لكن طريقة تفكيره في العقل - وهذا ما أراه مميزا في نظريته - منفصلة عمدا عن علم ~~البيولوجيا، كما أنها أقل اعتمادا على السبل التي يمكن بها أن تقترب قدرات المخلوقات ~~الأدنى منزلة من قدرات البشر بالمقارنة بالسبل التي يمكن بواسطتها أن توجد قدراتنا بشكل ~~أكثر تطورا في الكيانات الفائقة للبشر، كالملائكة وما شابه. وحقيقة الأمر أن ديكارت يصنف ~~العقول بحسب مدى قدراتها لا بالرجوع إلى الأنواع البيولوجية للكائنات التي تملك تلك العقول. ~~فعقلنا ليس بشريا بقدر ما هو محدود، والرب ليس بشرا فائقا بقدر ما هو لا محدود، ~~وامتلاكنا للعقول بالنسبة لنا «شأنه شأن» امتلاكنا لقدرات من النوع العام نفسه الذي يمتلكه ~~الرب، ولو أنها أكثر محدودية وقصورا من الرب بمراحل. والنقطة المحورية هي أن عقل الرب ~~الكامل أو اللامحدود هو الذي يضع معيار أي شيء باعتباره عقلا. # استنادا لهذه الخلفية، من الممكن فهم تمييز ديكارت الاعتباطي بين القدرات الفكرية البحتة ~~من ناحية وقدرات الإحساس والخيال المفترضة مسبقا وجود جسد من ناحية أخرى. ويمكن أن يعتبر ~~ذلك تقسيما للقدرات إلى تلك التي يمكن أن تكون مشتركة بيننا وبين الرب، والتي بموجبها ~~يمكننا أن نتمتع بشيء من فهمه الموضوعي للواقع، وتلك التي ليست مشتركة بيننا وبين الرب ولا ~~تستدعيها الضرورة للفهم الموضوعي للأمور. # ويناسب هذا التفسير عددا من الفقرات الواردة في «تأملات في الفلسفة الأولى» يقارن فيها ~~ديكارت بين البشر والرب، وهي فقرات عادة ما يتجاهلها النقاد. ms65 ففي التأمل الرابع، على سبيل ~~المثال، يقول ديكارت: # أدرك أنني - على ما يبدو - شيء ما بين الرب والعدم، أو ما بين الكائن الأسمى ~~والعدم: طبيعتي بقدر ما خلقها الكائن الأسمى توجب أنه لا يوجد شيء بداخلي ~~يمكنني من أن أسلك الدرب الخاطئ أو أن أنحرف عن جادة الطريق، ولكن بالقدر الذي ~~أشترك فيه مع العدم؛ أي بقدر ما أنني لست المخلوق الأسمى، وأنني قاصر في جوانب لا ~~حصر لها، لا عجب أنني أقترف الأخطاء. ~~(7 : 54) # يضع ديكارت نفسه على مسافة متساوية على ميزان الوجود الذي ينتهي إلى الكائن الأسمى، ~~وبينما يزعم أنه لا شيء يعيبه فكريا طالما أن الذي خلقه هو الرب، فهو يوحي بأن ثمة شيئا ~~يعيبه طالما أنه فان أو أدنى سموا. وتضع فقرة شبيهة للفقرة التي سلف الاقتباس منها، في ~~التأمل الثالث (7 : 51)، قدرات العقل البشري لا في الترتيب الطبيعي للأنواع، بل في ترتيب ~~يختص بالمواد من حيث كونها أكثر أو أقل كمالا. # وإذ يرسي ديكارت قواعد شيء فائق للبشر وغير بيولوجي كنموذج المادة العقلية، فهو يضع نظرية ~~لا تعترف بوجود عقول في الحيوانات غير البشرية مطلقا، وهو ما يعيبها. (ولقد صدم هذا الوصف ~~بعض قرائه إذ ألمح إلى أن حيواناتهم الأليفة ما هي إلا آلات غير مفكرة.) على الجانب ~~الآخر، وهو ما يميزها، فالنظرية تنظر لحدود العقل البشري؛ وبذلك يبطل النزوع إلى اعتبار ~~العقل البشري النموذج الأفضل من نوعه، دون أسلوب الشك المعتاد. العقل البشري محدود، ولكن ~~بما أنه نسخة محدودة من العقل الإلهي، فمن المنطقي أن تكون ممارسة العلوم في مقدور البشر ~~وضمن قدراتهم. # الفصل السادس عشر # | الجسد # كما أن مفهوم العقل دون صفات تنطوي على ~~وجود جسد من المفترض أن يكون كاملا، كذلك من المفترض أن يكون كاملا مفهوم الجسد الذي ~~يستبعد جميع الخصائص التي تعتمد على عقل. إن صحة هذا المفهوم المتشدد عن الجسد، والذي ~~يستبعد درجة الحرارة واللون والرائحة والملمس وما إلى ذلك، هي واحدة من أواخر المزاعم التي ~~حاول ديكارت أن ms66 يرسيها في مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى»؛ وهي واحدة من أوائل المزاعم ~~التي حاول إثباتها في كتابه «العالم»؛ ولذلك من المنطقي أن نعتبر هذا المفهوم عن الجسد ~~شيئا مصمما لتدعيم الأواصر بين ميتافيزيقا ديكارت وفيزيائه. # هناك تواز بين الطريقة التي تناول بها مفهومه عن الجسد والطريقة التي تناول بها مفهومه ~~للعقل. فيبدأ ديكارت بوصف الرؤية الساذجة أو البديهية لكل مادة، ويمضي قدما مقسما ~~الخصائص التي تعزوها البديهة إلى الجسد والعقل إلى تلك التي تنتمي حقا للمادة المعنية، ~~وتلك التي تبدو وحسب وكأنها تنتمي لها، ثم يحاول أن يفسر كيف يمكن الخلط بين الخصائص التي ~~لا تنتمي حقا وتلك التي تنتمي. وفي كل حالة، يفسر وجودنا المجسد الخلط ما بين الخصائص ~~الظاهرية والحقيقية، أو إن شئنا التعبير عن الفكرة بشيء أكثر من التفصيل، فإننا نضل الطريق ~~بفعل عادة وضع تصورات عن المواد بمساعدة الحواس وحدها. ~~فعندما نعتبر الأجسام قاصرة دون خصائص كاللون؛ ~~فإننا نعلي من قدر - عن طريق الخطأ - سماتها المدركة بالحواس؛ وعندما ننظر إلى أنفسنا ~~باعتبارنا قاصرين انطلاقا من كوننا عبارة عن عقول أو إرادات فقط؛ فإننا نتسرع في إصدار ~~الأحكام على أساس شعورنا بأننا مندمجون مع أجسادنا أو لا ننفصم عنها. # إن التوازي بين معالجة ديكارت لمفاهيمنا عن العقل والجسد يتسع وصولا إلى الطريقة التي ~~يوزع بها تعليقاته عنهما في مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى». يحتوي التأمل الثاني على ~~تعليقات حول العقل أو الشيء المفكر، ويحتوي أيضا على تعليقات عن الشيء المادي وهو الجسد. ~~ويؤكد التأمل السادس بقدر كبير الأفكار الأولى لديكارت عن الذي ينسب إليه بوصفه عقلا، ~~ويؤكد أيضا على بعض تعميماته المبدئية عن المادة. # ومن بين هذه التعميمات التي استلهمها من تأملاته في طبيعة قطعة من الشمع (7 : 30) هي أن ~~المرء لا يستطيع أن يحدد شيئا بعينه استنادا للأشكال التي يبدو بها للحواس. فالمادة ~~المستخلصة حديثا من قرص العسل لها مذاق ورائحة وملمس مميز، وما إلى ذلك من الصفات المميزة. ~~ولكن، إذا تعرض القرص للنار، يفقد كل ms67 هذه الأشكال ويتخذ أشكالا أخرى. وإذا اعتمدت هويته ~~على الأشكال، فسيكون شيئا قبل التعرض للنار، وشيئا آخر تماما بعد التعرض لها، لكنه هو ~~الشيء نفسه طوال الوقت. إذن ما نوع الشيء الذي يبقى رغم تغير أشكاله المدركة بالحواس؟ ربما ~~أنه جسد وحسب، شيء ممتد مكانيا ومرن (قادر على تغيير شكله)، وقابل للتغير (عرضة لاتخاذ ~~أشكال مختلفة). وإن صح ذلك، فإن ما يحدد هويته ليس ما تلاحظه الحواس، بل ما يستوعبه العقل ~~باعتباره منتميا إلى الجسد؛ ولذا فإن الأشكال المدركة بالحواس ليست مفتاحا لطبيعة الشمع ~~أو، إن شئنا التوسع، حتى مفتاحا لطبيعة أي شيء مادي. # النتيجة الأساسية المتعلقة بالأشياء المادية والمستخلصة في التأمل الثاني سلبية. وتبدأ ~~الخيوط الأولى لوجهة نظر إيجابية في الاتضاح في التأمل الثالث؛ ففي هذا التأمل، وتحديدا في ~~معرض المحاجة الرئيسية لوجود الرب، يبحث ديكارت محتوى عدد من الأفكار المختلفة ~~التي لديه، فيتناول فكرة الأشياء الملموسة ~~ويقول: إنه يلاحظ: # أن الأشياء التي أدركها بوضوح وتمايز شديدين فيها قليلة العدد جدا. وتتكون ~~القائمة من الحجم أو الامتداد طولا وعرضا وعمقا، والشكل الذي يعتبر نتيجة لحدود ~~هذا الامتداد؛ والموضع الذي يمثل العلاقة بين عدة عناصر تمتلك شكلا؛ والحركة أو ~~التغير في الموضع؛ وربما أضيف إلى تلك القائمة المادة والزمن والعدد. ~~(7 : 43) # في هذه المرحلة من محاجة ديكارت التي يضع فيها هذه القائمة، فإن حقيقة أن شيئا ما يدرك ~~بوضوح وتمايز ليست بعد سببا كافيا للظن بأنه صحيح أو حقيقي. ولا يملك ديكارت أساسا ~~متينا إلا في التأمل الخامس للزعم بأن «الشكل والعدد والحركة وما إلى ذلك» حقيقية لكونها ~~مدركة بوضوح وتمايز (7 : 63-64). وحتى هذه النتيجة لا ترقى لما يرسيه التأمل السادس؛ ألا ~~وهو أن ثمة بالفعل أشياء مادية لها حجم وحركة وعدد وما إلى ذلك مستقلة عن الفكر. # إن المحاجة المؤيدة لوجود أشياء مادية (7 : 78-80) تجريدية جدا، ومن الصعب عرضها في ~~إيجاز. وهي كالتالي: الأشياء المدركة بوضوح وتمايز باعتبارها أشياء مختلفة «تكون» قابلة ~~للانفصال عن بعضها - بقوة الرب ms68 غير المحدودة، فيمكنني بوضوح وتمايز أن أدرك نفسي منفصلا عن ~~كل شيء خلا الفكر؛ ولذا فإنني مادة مفكرة. والتأمل في أوضاع نفسي باعتباري مادة مفكرة يكشف ~~عن أن ثمة ملكة سلبية بداخلي (الإدراك) لتلقي الأفكار، لكن الملكة السلبية ستكون ~~خاملة لو لم تكن هناك ملكة أخرى نشطة تحث الأولى على العمل. والملكة النشطة، أيا كانت، ~~ليست ضرورية بالنسبة لي كشيء مفكر؛ فلو كانت ضرورية، لكانت ملكة نشطة أمتلكها، وسترتبط ~~حينئذ بإرادتي، ولكن يستحيل أن ترتبط الملكة النشطة بإرادتي؛ لأن الأفكار الحسية تنتج في ~~الغالب على غير رغبتي. علاوة على ذلك، الملكة النشطة لا تفترض وجود الفكر مسبقا، وأية ملكة ~~نشطة أمتلكها ستفترض ذلك مسبقا: ستكون جميع أفعالي الإرادية واعية، وهذا يعني أنني أمتلك ~~أفكارا عنها؛ ولذلك فلا بد أن الملكة النشطة توجد في مادة أخرى مختلفة عني. # ويمكن استنتاج ماهية هذه المادة من معطيات الملكة النشطة؛ أي الأفكار الكائنة في خيالي. ~~لا بد أن لهذه الأفكار وجودا موضوعيا، ولا مراء أن لها عللا ذات وجود شكلي أكبر أو ~~مساو. والعلل الوحيدة التي تستوفي هذا الشرط هي المادة الجسدية، والمادة العقلية، والرب. ~~لم يهبنا الرب قدرة إدراك المادة العقلية أو الرب باعتبار أي منهما علة أفكارنا الفورية، ~~لكننا في الواقع نميل بشدة إلى الإيمان بأن الأجساد تنتج الصور، وإذا لم تكن علتها الأجساد، ~~فمن الممكن أن ننخدع بما لا يسعنا الحيلولة دون التفكير فيه، والرب لم يخلقنا بحيث يجعلنا ~~عرضة لمثل هذا النوع من الزلل؛ ولذا لا بد أن علل الصور تنتمي إلى فئة المادة الجسدية. ومن ~~ثم فإن الأجساد موجودة. # يستنبط ديكارت «وجود» الأجساد من وجود الصور الحسية، لكنه يحذر من التوصل لاستنتاجات عن ~~«طبيعة» الأجساد من محتوى الصور الحسية. عندما يقول إنه من اعتبارات خاصة بمصدر هذه الصور ~~«نستخلص أن الأشياء الملموسة موجودة»، فإنه يضيف: # إنها قد لا توجد بطريقة تناظر تماما إدراكي الحسي لها، ذلك أن استيعاب الحواس ~~في حالات كثيرة غامض وملتبس جدا، لكن على الأقل تمتلك ms69 [الأشياء الملموسة] جميع ~~الخصائص التي أفهمها بوضوح وتمايز؛ أي جميع الخصائص، بالنظر إليها عموما، المشمولة ~~في مضمون الرياضيات البحتة. ~~(7 : 80) # ويعني ديكارت «بمضمون الرياضيات البحتة» «الكمية المتصلة» للهندسة والقيم العددية ~~للمتغيرات والثوابت في الجبر. هذه السمات الهندسية والعددية للأجساد هي السمات التي تمتلكها ~~تلك الأجساد بمعزل عنا. والخصائص الأخرى التي تبدو متأصلة في الأجساد، كاللون ودرجة الحرارة ~~والملمس المحسوس والصوت، ما هي إلا آثار معقدة للخصائص الكمية للأجساد - الأجساد الخارجية ~~وأجسادنا - المنطبعة بطرق معينة في عقولنا. # لا يفصح ديكارت قط تحديدا كيف يستوعب التنوع الكمي التنوع النوعي في مؤلفه «تأملات في ~~الفلسفة الأولى». كل ما يقوله ديكارت إنه: # من حقيقة أنني أدرك بحواسي مجموعة كبيرة متنوعة من الألوان والروائح والمذاقات، ~~علاوة على الاختلافات في درجة الحرارة والصلابة وما شابه ذلك؛ فإنني على صواب إذ ~~أستنبط أن الأجساد التي هي مصدر هذه المدركات الحسية المتعددة تمتلك اختلافات ~~تناظرها، ولو أنها ربما لا تشبهها. ~~(7: 81) # يخوض ديكارت في التفاصيل في «كتاب الإنسان» (11 : 174 والصفحات التالية)، و«مبحث انكسار ~~الضوء» (6 : 130 والصفحات التالية)، و«مبادئ الفلسفة» (8أ:318 والصفحات التالية). الفكرة ~~العامة أن الألوان والروائح والمذاقات المختلفة وما إلى ذلك تناظر السبل المختلفة التي ~~تستطيع بها الأعصاب الخاصة بأعضاء الحس المتنوعة التأثر بفعل الأجسام الخارجية المختلفة ~~كما. # كيف يفترض ترجمة الحركات في الجهاز العصبي للجسم إلى تجارب العقل عن اللون والصوت ~~والرائحة والمذاق وما إلى ذلك؟ إجابة ديكارت عن هذا السؤال غامضة؛ فهو يقترح أن ترجمة تلك ~~الحركات تجري بواسطة الترتيب الإلهي. من الواضح أنه ما من قوانين في الطبيعة يمكنها تفسير ~~العلاقة بين تجارب العقل من ناحية، والحركات في الأعصاب وتمثيلات الأشياء الخارجية في المخ ~~من ناحية أخرى. إن العلاقة ليست حتى ضرورية. كان يمكن أن يرتب الرب مسبقا لنا أن تطرأ ~~على عقولنا أفكار لأشياء مختلفة كل الاختلاف عن الألوان والأصوات والروائح في حالات ~~الاستثارة الحسية (7 : 88). # لماذا ينبغي أن يحتوي العقل تمثيلات نوعية للأجساد على الإطلاق إذا كان بالإمكان استيعاب ~~طبيعة الأجساد ms70 بإحكام من منطلق كمي؟ إن ديكارت ملتزم التزاما شديدا بالقضايا الثلاث ~~التالية: الرب ليس بمخادع، والرب يرتب لنا نحن البشر بحيث تتجلى لنا تمثيلات نوعية للأجساد ~~بين الحين والآخر كلما أثرت الأجساد على أعضائنا الحسية. وأخيرا، فإن الأجساد لا تمتلك ~~فطريا الخصائص التي تتمثل بها إلينا. أيستقيم حقا ألا يكون الرب مخادعا إذا لم تصور ~~لنا الأفكار التي يضعها بداخلنا عن الأجساد بدقة تلك الأجساد؟ الطريقة التي يخرج بها ديكارت ~~من هذا المأزق هي القول أولا بأنه ما من شيء مضلل حيال أفكارنا في حد ذاتها، فهي تصور ~~لنا الأجساد بشكل محدد، لكننا نحن من نتسرع في حكمنا بأن الأجساد تعرض علينا بموضوعية كما ~~تصورها لنا الأفكار، ثانيا: من المفيد بالنسبة لنا أن يكون لدينا تمثيلات نوعية للأجساد؛ ~~وذلك لأنه استنادا إلى جانبها النوعي نستنبط ما إذا كانت الأجساد ستضر بنا أو ستعود علينا ~~بالنفع. وبتعبير آخر، فإن تمثيلاتنا النوعية لها أهمية في عملية البقاء حيث توجهنا إلى ما ~~يجب أن نسعى إليه وما يجب أن نتفاداه لمصلحتنا (7 : 82 والصفحات التالية، 8أ:41). # تنطبق فكرة ديكارت الخاصة بفائدة وجود ~~تمثيلات نوعية للأجساد على أجسادنا بقدر انطباقها على الأجساد الخارجية. لدينا تمثيلات ~~نوعية لأجسادنا عندما نشعر بالجوع أو العطش أو الألم أو المتعة أو نتحرك، لكن هذه التمثيلات ~~يمكن أن تضللنا؛ لأنها يمكن أن تجعلنا نزاعين للإيمان بأننا مدمجون مع أجسادنا بشكل أو ~~بآخر، بينما نحن، إن صح زعم ديكارت، مجرد عقول أو أشياء مفكرة متحدة بأجساد متمايزة عنا. ~~ورغم ذلك، فهناك أهمية واضحة متعلقة بعملية البقاء في تعاملنا مع الألم والجوع والعطش ~~باعتبارها أحاسيس خاصة بنا لا منتمية إلى جسد منفصل عنا. # تساعدنا التمثيلات النوعية للأجساد على الحفاظ على حياتنا، بحسب ما يرى ديكارت، ولا ~~«ينبغي» أن تعوقنا عن اكتساب علوم الطبيعة؛ وذلك لأن التمثيلات النوعية يمكن أن تتعايش في ~~عقل يحوي أفكارا عن طبائع بسيطة كالحجم والشكل والعدد والمكان وما إلى ذلك، والتي تمكننا ~~من الإمساك بتلابيب الأجساد بمعزل ms71 عن خصائصها. # الفصل السابع عشر # | كتاب «مبادئ الفلسفة» # لم تظهر الأطروحة التي خطط لها ديكارت عن الفيزياء كتكملة لأعماله في مجال الميتافيزيقا ~~في الوقت الذي أراده؛ فقد كان يأمل أن يشرع في كتابتها عام 1641، لكنه تأخر بسبب انشغاله ~~«بالردود» على «الاعتراضات» الموجهة لمؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى». وانشغل ديكارت طوال ~~عام 1642، تقريبا، بالرد على الأطروحات المناوئة له ولزميل فرنسي له يدعى صامويل دومار، ~~والتي نشرها غريم ديكارت بجامعة أوتريخت، فوتيوس. وفي واحدة من هذه الأطروحات اتهم ديكارت ~~بممارسة الفلسفة على غرار لوتشيليو فانيني، الذي أحرق في مدينة تولوز بتهمة الإلحاد عام ~~1619؛ فقد ثبت أن فانيني حقر من شأن إيمان الناس؛ إذ أنتج براهين واهنة عمدا لوجود ~~الرب. واتهمت أطروحة فوتيوس ديكارت بالاتهام نفسه، ورد ديكارت بقوة على هذا الاتهام وغيره ~~من الاتهامات في أطروحة خاصة به. ولاحقا، عندما كادت مناورات فوتيوس الجديدة تفضي إلى طرد ~~ديكارت من جامعة أوتريخت، دافع ديكارت عن موقفه بمساعدة بسيطة من أصدقائه رفيعي المستوى. ~~وفي النهاية، ورغم أن فوتيوس كان رجل دين واسع النفوذ، نجح ديكارت في تقديم دليل إلى هيئة ~~القضاة بجامعة أوتريخت يثبت فيه أن فوتيوس دبر حملة لتشويه سمعته. وكادت هيئة القضاة تتخذ ~~إجراء ضد فوتيوس الذي سبق أن أيدته تأييدا صريحا، ولكن في يونيو 1645، أصدرت الهيئة ~~مرسوما يحظر نشر أي شيء سواء أكان مؤيدا أو مناوئا لفلسفة ديكارت. # كان فوتيوس بروتستانتيا. وحقق ديكارت نجاحا أكبر مع علماء اللاهوت الكاثوليكيين؛ فقد ~~كان أنطوان أرنولد، مؤلف المجموعة الرابعة من الاعتراضات اللاذعة على «تأملات في الفلسفة ~~الأولى»، من المعجبين بديكارت حتى قبل أن يطلب منه تمحيص ميتافيزيقا ديكارت. ومن بعده جاء ~~اليسوعيون. أثمرت أخيرا الجهود التي بذلها ديكارت في تعريفهم بأفكاره عندما نشر «مقال عن ~~المنهج» والمقالات التالية له، واستطاع ديكارت أن يحظى باستقبال حميد لآرائه من جانبهم. ~~وأنهى ديكارت رسالته إلى دينيه عام 1642 ~~(ارجع للفصل الثالث ~~عشر) # مشيرا إلى رغبته في نشر الأجزاء من فلسفته التي سبق أن احتفظ بها لنفسه ~~حتى ms72 تاريخه؛ وكان يقصد فيزياءه. وأراد دينيه أن يرى فقط عناوين أقسام العمل المقترح قبل أن ~~يبارك نشره، فأرسلها ديكارت له عام 1643. وإبان الفترة نفسها تقريبا، اكتشف ديكارت أنه حظي ~~بتأييد يسوعي آخر ذي حيثية، وكان مسئولا في روما يدعى إتيان تشارليه. وفي نهاية المطاف، ~~تصالح ديكارت حتى مع بوردين. وعلى الأقل، اقتبس عمل نشره أحد اليسوعيين عام 1643 مباشرة ~~وأحيانا حرفيا من مؤلفي ديكارت «مبحث انكسار ~~الضوء» و«الظواهر الطبيعية». لذلك، كان الوقت ~~مواتيا آنذاك لنشر أعماله في الفيزياء. # من المستحيل أن يأخذ ديكارت ببساطة النص الذي هجره لمدة طويلة والخاص بمؤلفه «العالم» ~~وينشره؛ فمذهب الكتاب عن الحركة الأرضية لم يزل محظورا، وأسلوب ابتكاره لعالم خيالي يتضح ~~أنه مماثل لعالم الواقع كان من المتوقع أن يخلق سوء فهم لدى القارئ؛ ولذلك قرر ديكارت أن ~~يضع كتابا يرسم الخطوط العريضة لفلسفته ككل، على أن تشكل الفيزياء جزءا من هذا الكتاب ~~وحسب، واستدعى اختيار شكل جديد أسلوبا جديدا، كما شرح في خطابه إلى دينيه: # لن أعرض [آرائي] بالترتيب نفسه والأسلوب عينه المتبعين عندما كتبت عن موضوعات ~~كثيرة سابقا، لا سيما في الأطروحة [ويعني «العالم»] التي رسمت خطوطها العريضة في ~~«مقال عن المنهج»، لكنني سأستخدم أسلوبا أكثر مواءمة للممارسة الحالية في المؤسسات ~~الأكاديمية؛ أي إنني سأتعاطى مع كل موضوع بمعزل عن غيره من الموضوعات في مقالات ~~قصيرة، وسأعرض الموضوعات بترتيب معين بحيث يعول إثبات ما سيرد لاحقا على إثبات ~~ما يسبقه فقط ، ومن ثم يرتبط كل شيء بغيره في هيكل واحد. ~~(7 : 577) # كان ديكارت يصف كتابا انتهى من كتابة نصفه تقريبا على أن ينشر تحت عنوان «مبادئ ~~الفلسفة». # ظهر هذا الكتاب باللاتينية عام 1644، وترجم إلى الفرنسية عام 1647، وجاء في أربعة أجزاء: ~~الأول لخص النقاط الأساسية لميتافيزيقا ديكارت. ولم يكن هذا العمل بأي حال من الأحوال ~~بديلا عن «تأملات في الفلسفة الأولى». ووجهت مقدمة النسخة الفرنسية القراء للكتاب السابق ~~التماسا لبيان كامل عن الفلسفة الأولى لديكارت. وخصصت الأجزاء الثاني والثالث والرابع ~~للفيزياء. وكان من المخطط ms73 وضع جزء خامس عن الكواكب والحيوانات، وسادس عن الإنسان، لكن من ~~الواضح أن ديكارت لم يستكملهما. # هناك تداخل كبير بين الجزء الثاني من «مبادئ الفلسفة» والفصول السبعة الأولى من كتاب ~~«العالم». يحاول ديكارت أن يصحح بعض المفاهيم المسبقة عن طبيعة الجسد، ويمضي قدما فيقدم ~~ما يراه الوصف الصحيح، ثم يعرج على طبيعة الحركة، ومنها إلى قوانين الطبيعة، ~~وسبع «قواعد للاصطدام». كانت قواعد الاصطدام ~~جديدة في «مبادئ الفلسفة»، ولم تكن بضرورة الحال مهمة لبيان ديكارت لفيزيائه. وكان تعريف ~~الحركة أيضا جديدا، وقدر أنه سيضع مسافة بين ديكارت وفرضية حركة الأرض. بحسب التعريف ~~الجديد (8أ:53)، فإن الحركة ببساطة هي تغيير المكان بالنسبة للأجسام المحيطة على اعتبار ~~سكونها عن الحركة. وبالنسبة لجسم محيط، ألا وهو غلاف الأرض الجوي، فإن الأرض ساكنة. لاحقا، ~~لاقى هذا التعريف انتقادات من نيوتن استنادا إلى أنه يلمح - بما يجانب الصواب - إلى أن ~~الجسيمات الموجودة داخل الجسم المتحرك ساكنة، بينما الجسيمات الموجودة على السطح غير ~~ساكنة. # يقدم لنا الجزء الثاني من «مبادئ الفلسفة» وصفا لطبيعة الجسد يحتج في سياقها ديكارت بأنه ~~«لا يوجد فارق حقيقي بين الفضاء أو الخلاء والمادة الملموسة» (8أ : 46). وتمهد هذه الحجة ~~الطريق أمام إنكار ديكارت للفراغ في نظريته عن حركة المادة في دوائر، وتمييزه - الذي يعرف ~~أحيانا باسم التمييز النوعي الأساسي/الثانوي - بين الخصائص التي تمتلكها الأجسام فطريا، ~~كالعدد والشكل، وتلك التي لا تمتلكها فطريا كاللون والرائحة. رغم أهمية الزعم بأن المادة ~~الملموسة والفضاء يتعذر التمييز بينهما، أو أن المادة ما هي إلا امتداد، فهو لم يحظ بحجة ~~قوية. يحدد ديكارت ما هو جوهري بالنسبة للمادة بالخصائص المتبقية بعد استبعاد الخصائص التي ~~تعتبر الأجسام مفتقرة إليها. # وهي الطريقة نفسها المتبعة لتحديد جوهر المادة التي يوظفها ديكارت للعقل، وفي الحالتين ~~نجد النتائج غير مرضية. من الواضح أن ديكارت يفترض أنه إذا بدأ المرء بتصور عن العقل أو ~~الجسد، ثم استبعد الخصائص التي تعد غير جوهرية، تاركا صفات كافية لتحديد مادة ما، فإن هذه ~~المادة ستطابق المادة التي ms74 تصورها في البداية. هناك مشكلات واضحة في طريقة التفكير هذه، ~~يتجلى بعضها في أمثلة يناقشها ديكارت نفسه. ومن بين هذه الأمثلة (7 : 222)، هب أن المرء ~~بدأ بتصور الجسد البشري، ثم استبعد كل خصائصه عدا تصور شيء قادر على التقاط الأكواب أو ~~الضغط على العديد من مفاتيح البيانو مرة واحدة. ستظل فكرة المادة، ألا وهي اليد، في مخيلة ~~المرء، لكنها ليست المادة التي بدأ بتصورها. وبالمثل، إذا بدأ المرء بمفهوم الشيء المادي، ~~ثم استبعد منه جميع الخصائص فيما خلا الامتداد، فرغم أن المرء يمكن أن ينتهي به الأمر إلى ~~تصور شيء ما، ألا وهو الفضاء، فربما لا ينتهي المرء إلى تصور الجسم أو الشيء المادي. # بعيدا عن الصعوبات المتعلقة بالمفاهيم، كان من الصعب إجراء عمليات حسابية بفيزياء ~~ديكارت؛ فهي لم تأت على ذكر قياس للمقاومة، ولم تعرج على الكتلة. والأهم من ذلك، أن ثمة ~~مآخذ صارخة كانت تعيبها كنظرية للجاذبية. سبق أن رأينا في الخطوط العريضة لمحتويات كتابه ~~«العالم» أن ديكارت ظن أن الجاذبية تنشأ من حركة دوامية للمادة. وكان من المفترض أن حركات ~~المد والجزر وحركة القمر حول الأرض وثقل الأجسام على الأرض تفسرها الدوامة المتمركزة على ~~محور الأرض، لكن نظرية الدوامة لم تفسر جاذبية الأجسام الأرضية تجاه قطبي الأرض، وعند ~~تطبيقها على المادة السماوية، تضاربت النظرية مع حقائق معروفة محددة عن حركات الكواكب. ~~اقترح نيوتن الذي أوضح بعض هذه الصعوبات في ثمانينيات القرن السابع عشر نظرية حسابية لقوة ~~جاذبة كونية تحل محل نظرية الدوامة. ولقد أدى نجاح هذه النظرية إلى تقويض أثر الفلسفة ~~الديكارتية أكثر من أي نقد فلسفي وجه إليها في القرن السابع عشر. إن الجزء الذي تكتم ~~عليه ديكارت أكثر ولفترة أطول من غيره من فلسفته، واحتاط كل الحيطة في الإفصاح عنه، اتضح ~~أنه الجزء الذي جرى تفنيده أسرع. وحقيقة الأمر أن نظرية نيوتن ربما قوضت من المنظومة ~~الديكارتية بقدر أكبر مما كان يمكن أن يحدث بسبب عدم اكتمال تلك المنظومة حال تكتم ديكارت ~~عليها إلى الأبد. ms75 # ويقال أحيانا إن إخفاقات فيزياء ديكارت كان مقدرا لها أن تكون حادة؛ لأنها قامت على ~~فرضية نظرية نادرا ما جشم نفسه عناء اختبارها بالتجربة. ففكرة أن ديكارت كان مغرما بشكل ~~مبالغ بالتنظير الاستنباطي تعتمد في جزء منها على سوء تفسير الكيفية التي من المفترض ~~بواسطتها استخلاص القضايا العامة في فيزيائه. في «مبادئ الفلسفة» (9ب:10)، وكذلك في مؤلفه ~~«مقال عن المنهج» (6 : 40)، يبدو أن ديكارت يقترح أنه يمكن أن تكون ثمة سلسلة متصلة من ~~الاستنباطات من مبدأيه الميتافيزيقيين («أنا أفكر؛ إذن أنا موجود» و«الرب موجود»)، وصولا ~~إلى المبادئ المرتبطة بالأشياء المادية التي يستعرضها في فيزيائه. ومن الواضح أن الحقائق ~~الميتافيزيقية يتم التوصل إليها بمعزل عن أي تجربة أو مشاهدة من أي نوع؛ لو كانت مبادئ ~~فيزيائه قابلة للاستنباط من الميتافيزيقا التي وضعها، فمن الواضح أنها، هي الأخرى، لا بد ~~وأنه يمكن صياغتها بالاستنباط، وتستنبط صحتها بمعزل عن أية جهود ساعية لإثباتها أو دحضها، ~~على العكس من بعض مبادئ المنهج العلمي الشهيرة. # يمكن أن نسوق العديد من الملاحظات ردا على ذلك. أولا: سواء أكان يتفق مع نمط الاستنباط ~~المتصل الذي يعتمد عليه ديكارت أم لا، أجري الكثير من التنظير العلمي المثمر ~~بالاستنباط؛ أي بواسطة التجربة الفكرية. ثانيا، وفي سياق مغزى «القابل للاستنباط» من وجهة ~~نظر ديكارت، فإن الزعم بأن بعض المبادئ «قابلة للاستنباط» من مبادئ أخرى ليس معناه أن ~~المبادئ تنبع منطقيا من مبادئ أخرى، ومن ثم فهي صحيحة استنباطا. في سياق استخدام ديكارت ، ~~يبدو أن «الاستنباط» وغيره من التعبيرات المتصلة تصف انتقالا ممتدا في الفكر من اعتبار ~~إلى آخر دون تدخل الشك أو الغموض. ولا يبدو أن الاستنباط الديكارتي يستلزم أنه ينبغي أن ~~«يترتب» اعتبار ما على اعتبار آخر بالأسلوب الذي يفسره المنطق؛ ذلك أن ديكارت يعرف ~~الاستنباط عادة بما يطلق عليه اسم «الإحصاء»، ويعرف الإحصاء بما يفضي إلى إجابة عن ~~«سؤال» أو «مسألة»، فور أن يتم تحليل هذا السؤال. ويمكن أن تكون إعادة تكوين الحل من مكونات ~~السؤال هي نفسها ms76 إعادة تكوين الكلمات من الأشياء، والعلل من المعلولات، والإجماليات من ~~الأعداد، والمواد من الخصائص (قارن: 10 : 433 و471-472). ولذلك فإن «الاستنباط» لا يفترض ~~دوما أو يركن إلى شكل من أشكال الاستنتاج من مقدمات إلى نتائج. وكما رأينا سابقا فيما ~~يتعلق ب «منطقه»، فإن مفاهيم ديكارت عن الإثبات والبرهان تقف في منتصف الطريق بين التنظير ~~بالاستنباط والتنظير بالاعتماد على التجربة. # وأخيرا، من الخطأ أن ديكارت آمن بأن التجربة والمشاهدة لا يلعبان دورا في الفيزياء؛ ~~فبينما كل ما عد «أكثر عمومية» في الفيزياء كان من المفترض التوصل إليه دون تجربة، هناك ~~أشياء كثيرة، بل وفي الواقع مجموعة كبيرة من الفرضيات التي تفسر ظواهر «بعينها»، بحاجة إلى ~~أن تختبر بالتجربة والمشاهدة. وحقيقة أن الأمر كان بحاجة إلى الكثير من التجارب ذكرها ~~ديكارت ليفسر كونه شخصيا غير قادر على تقديم تفسيرات «لجميع الأجسام المحددة الموجودة على ~~الأرض، ألا وهي المعادن والنباتات والحيوانات، والأهم من ذلك كله الإنسان» (9ب:17). # الفصل الثامن عشر # | العلوم الأخرى # في مقدمة النسخة الفرنسية من «مبادئ الفلسفة»، شبه ديكارت الفلسفة بأكملها بشجرة ~~جذورها الميتافيزيقا، وجذعها الفيزياء، وفروعها «التي تنبثق من هذا الجذع هي العلوم الأخرى ~~كلها التي يمكن اختزالها في العلوم الرئيسية الثلاثة؛ ألا وهي الطب والميكانيكا والأخلاق» ~~(9ب:14). ومضى يزعم أن الفوائد الأساسية للفلسفة تستخلص من هذه الفروع لا من الجذع أو ~~الجذور (9ب:15)، وقال: إنه، لفترة من الوقت، عقد الآمال على أن يقدم «مبادئ الفلسفة» ~~للقراء أعظم الأجزاء نفعا من الفلسفة، لكن في النهاية اكتشف أنه يفتقر إلى الموارد ~~الضرورية. ولم يستكمل بناء صروح الميكانيكا والطب والأخلاق قط، لكنه أحرز شيئا من التقدم ~~في هذه العلوم في ثلاثينيات القرن السابع عشر وأواخر أربعينياته. # ولعله كان يقصد «بالميكانيكا» دراسة الطرق التي تشكل بها المادة أنواعا معينة من ~~الأجسام، بما في ذلك النباتات والحيوانات والجسم البشري. والطب كان معنيا بأسباب الحياة ~~في الجسم البشري وسبل الحفاظ عليها. أما الأخلاق فكانت دراسة النوازع البشرية واستراتيجيات ~~السيطرة عليها، وسبل توجيه الإرادة نحو الخير ms77 والشر. وافترض علم الأخلاق «معرفة كاملة ~~بالعلوم الأخرى»، وكان يمثل «أعلى مرتبة من مراتب الحكمة» (9ب:14). وعلى العكس من ~~الميكانيكا التي بدا أنها تعول على الميتافيزيقا من طريق الفيزياء وحسب، استند علما ~~الأخلاق والطب على مبدأ العقل والجسد المبين عموما في التأمل السادس. لم ينجح ديكارت قط في ~~تقديم تفسيرات كاملة لأي من هذين العلمين. ففي ثلاثينيات القرن السابع عشر، جمع ديكارت ~~ملخصا للمعارف الطبية الموجودة، لكن المصدر الأساسي لنظريته الطبية الخاصة يبدو أنه مؤلفه ~~«وصف الجسم البشري» غير المكتمل الذي عمل عليه خلال شتاء 1647-1648. بالنسبة لآراء ديكارت ~~عن الأخلاق، يجب أن يعول المرء على آخر أعماله المنشورة «انفعالات النفس» (1649) ~~والتعليقات الموحية، ولو أنها متناثرة، في مراسلاته إلى السفير الفرنسي لدى السويد، بيير ~~شانو، ورسائله إلى إليزابيث، أميرة بوهيميا. # يعرض الجزء الأول من كتاب «انفعالات النفس» - عبر سلسلة معقدة من التعريفات، ونظرية ~~فسيولوجية ما وردت في أطروحات سابقة لديكارت - لتصنيف للانفعالات، وتشخيصا للصراع بين ~~الأجزاء العليا والدنيا من النفس. بصفة عامة، الانفعال هو ما يحدث للنفس بالمقارنة بما ~~تفعله هي. «الإدراكات أو أنماط المعرفة» تعتبر انفعالات في سياق هذا التعريف العام جدا ~~(11 : 342). ولكن بالنظر إلى عبارة «انفعالات النفس» في سياق أكثر ضيقا، فإننا نجدها تغطي ~~فقط الإدراكات «التي نحس بآثارها باعتبار أنها في النفس ذاتها» كالفرحة والغضب (11 : 347)، ~~والتي نحس بأنها تأجج النفس وتعكر صفوها بشدة على نحو مميز. # وتجعلنا الانفعالات ننزع إلى الحركات الجسمانية، فتنتج تلك الحركات بواسطة إحداث حركات في ~~الغدة الصنوبرية (11 : 361)، وتحدث تضاربات بين النزعات الطبيعية والإرادة (وهو موضوع حثت ~~الأميرة إليزابيث ديكارت على تناوله بالكتابة مرارا) عندما تثير النفس والجسد حركات ~~متعارضة في الغدة الصنوبرية في الوقت عينه (11 : 364). وتنتهي هذه التضاربات عندما تصدر ~~النفس، وتصمم على أن تتبع، «أحكاما حاسمة وحازمة بناء على معرفتها بالخير والشر» ~~(11 : 367)، لكن السيطرة على الانفعالات متاحة، بشكل غير مباشر، حتى بالنسبة لهؤلاء الذين ~~لا يملكون سيطرة عقلانية على النفس؛ وهؤلاء يمكن تدريبهم وتوجيههم على يد من ms78 يتفوقون عليهم ~~في هذا الصدد. # وينطوي البحث عن الفضيلة على العيش بحيث لا يلوم المرء نفسه أبدا على الإخفاق في القيام ~~بما يظنه الأمثل (11 : 422). وصف ديكارت الفضيلة بأنها «علاج فائق» للانفعالات. من الواضح ~~أن المصطلحات الطبية مختارة عن قصد؛ ذلك لأنه يبدو أن ديكارت فكر في الأخلاق الشخصية ~~باعتبارها صيانة لصحة النفس، بالضبط كالدواء لصحة البدن. وحقيقة الأمر أن ديكارت لم يعتقد ~~وحسب أن هناك توازيا بين الأخلاق والطب، بل وأن الأخلاق تعول على الطب. تضمنت القياسات ~~التي فضلها ديكارت للسيطرة على الانفعالات نظاما غذائيا متوازنا، وممارسة التمارين ~~الرياضية، واستخدام العقاقير و«الماء». هناك، على سبيل المثال، خطابات متبادلة بين الأميرة ~~إليزابيث وديكارت، من مايو ويونيو 1645، تتناول النصح بتناول ماء الينابيع الساخنة لعلاج ~~السعال الجاف والحمى البطيئة. واستشهد ديكارت من قبل بالحزن باعتباره سببا للإصابة بالحمى ~~البطيئة، وإذ صادق على علاجها بماء الينابيع الساخنة، فقد أوصى إليزابيث بالمزج بين هذا ~~العلاج وشكل من أشكال التأمل التي من شأنها أن تزيح عن فكرها الأفكار الحزينة. وتتألف ~~التأملات من «محاكاة الذين يقنعون أنفسهم - بالنظر إلى نضرة الشجر وألوان الزهور وطيران ~~الطيور وما شابه ذلك من الأشياء التي لا تتطلب انتباها - بأنهم لا يفكرون في أي ~~شيء.» # الأخلاق من وجهة نظر ديكارت لم تكن وحسب مسألة سيطرة على الانفعالات لدى البشر، بل توسعت ~~لتحيط بفكرة المنفعة العامة. بصفة عامة، راسل ديكارت إليزابيث في الخامس عشر من سبتمبر عام ~~1645 قائلا إن المنفعة العامة يجب أن تتقدم على الخاصة، ودعم وجهة النظر هذه عمل أشبه ~~بأطروحة ميتافيزيقية مفادها أن الكل أهم من الجزء، وأن الكون أهم من الأرض. # الفصل التاسع عشر # | الأيام الأخيرة # ترك ديكارت هولندا قاصدا السويد عام 1649. وكان السفير الهولندي في ستوكهولم بيير شانو ~~يراسل ديكارت بالنيابة عن الملكة كريستينا التي أرسلت - شأنها شأن الأميرة إليزابيث - أسئلة ~~للفيلسوف عن الانفعالات، إضافة إلى موضوعات أخرى في الفلسفة الأخلاقية. ولكي يلمح لها ~~تلميحا عن النظرية خلف آرائه التي أعرب عنها في خطاباته، قدم ديكارت ms79 لكريستينا نسخة من ~~مؤلفه «انفعالات النفس»، وأعجبت الملكة بالكتاب أيما إعجاب، لدرجة أنها طلبت من ديكارت ~~أن يزور بلاطها. تردد ديكارت لكنه قبل دعوتها في النهاية. # كان ديكارت لديه ما يجعله ينفر من هولندا؛ فصراعه الطويل مع فوتيوس في أوتريخت تبعه جدال ~~آخر في ليدن، أطرافه مرة أخرى أنصار ديكارت من الفلاسفة وعلماء اللاهوت المناوئين له. كان ~~ديكارت متهما بالهرطقة البيلاجية (إنكار الخطيئة الأولى والتأكيد على احتمالية الخلاص دون ~~الغفران الإلهي) في أطروحات خطها أستاذ يعرف باسم ترايجلانديوس. وانضم ريفيوس، عميد الكلية ~~اللاهوتية الملحقة بجامعة ليدن، أيضا إلى زمرة الذين اتهموا ديكارت بالكفر. (سبق أن أعرض ~~ديكارت عن ريفيوس بعد محاولة الأخير إقناع ديكارت بأن يدين بالبروتستانتية، ويبدو أنه كان ~~يحمل له ضغينة.) في مايو 1647، كتب ديكارت رسالة إلى الجامعة ومسئولين في المدينة للاعتراض ~~على هجمات علماء اللاهوت الشرسة، وتحدى خصومه بتفنيد اتهاماتهم بفقرات من كتاباته. في ~~النهاية، صدر قرار يحظر الإشارة إلى أفكار ديكارت في أية أطروحات أو دروس تدرس في ليدن. ~~وفي هذه الفترة، بدأ ديكارت يفكر في الرحيل عن هولندا بلا رجعة. # وقرابة الوقت الذي نشرت فيه النسخة الفرنسية من «مبادئ الفلسفة»، حاول أصدقاء ديكارت ~~في فرنسا أن يؤمنوا له حظوة لدى ملك فرنسا. منح ديكارت معاشا، عانى في استلامه ~~لاحقا، وسافر إلى باريس عام 1648 ليرى إن كان بإمكانه الحصول على وظيفة لدى الملك. وكانت ~~الرحلة محبطة؛ حيث اشتكى ديكارت من أنه لم يلفت انتباه الناس إلا باعتباره كائنا غريبا، ~~كفيل أو نمر (5 : 329). شعر بالوحشة في باريس التي كانت تموج بالاضطرابات السياسية آنذاك ، ~~هذا بالإضافة إلى أن ميرسين كان يحتضر. سافر ديكارت إلى هولندا في نهاية شهر أغسطس، وتوفي ~~ميرسين في غرة سبتمبر، وأصبح مراسله الأساسي كلود كليرسيلييه. # ولذا عاد ديكارت إلى هولندا بخفي حنين ليواجه جدلا جديدا؛ فقد انقلب عليه ريجيوس ~~الذي كان له حليفا في صراعه مع فوتيوس. وفي عام 1646، نشر ريجيوس، بالمخالفة لمشورة ~~ديكارت، أطروحة في الفيزياء تحتوي في المقام الأول على ms80 أفكار مستعارة من ديكارت، علاوة على ~~آراء ميتافيزيقية مشوهة لرؤى ديكارت. تبرأ ديكارت من أطروحة ريجيوس في مقدمة النسخة ~~الفرنسية من «مبادئ الفلسفة» عام 1647، ورد عليه ريجيوس في أطروحة له، فأجابه ديكارت برد ~~سريع يفند كل نقطة على حدة فيما عرف باسم «ملاحظات على برنامج محدد» عام 1648. # كان من المتوقع أن تجعل الإحباطات والنزاعات العديدة التي جرت في أواخر أربعينيات القرن ~~السابع عشر من ديكارت شخصا منعزلا يعيش على مقربة من ألكمار في مدينة إجموند، لكنه ظل ~~يستقبل زوارا، وكان من بينهم شاب يدعى فرانس بورمان. سجل بورمان حوارا فلسفيا طويلا ~~دار بينه وبين ديكارت على العشاء في أبريل 1648. وكان بورمان قد أعد له مجموعة كبيرة من ~~الأسئلة بدا أن ديكارت أجاب عنها بصراحة مدهشة وحضور ذهني يحسد عليه. # شكل 19-1: الملكة كريستينا ملكة السويد تصغي السمع إلى ديكارت وهو يلقي عليها درسا ~~في الفلسفة في الصباح الباكر؛ الأمر الذي أدى إلى وفاته في سن صغيرة عام ~~1650. # 1 # عام 1649، تلقى ديكارت دعوتين للانضمام إلى بلاط الملكة كريستينا في ستوكهولم. واستغلت ~~كريستينا فشل ديكارت في العثور على وظيفة عندما عاد إلى فرنسا عام 1648، وانتهزت الفرصة ~~لتضيف إضافة جديدة رائعة إلى حاشيتها، لكن ديكارت الفيلسوف لم يقبل هاتين الدعوتين مباشرة؛ ~~فقد كان يخشى أن تكون موافقته على السفر إلى السويد ليست محل قبول: فمن ناحية، كان ديكارت ~~كاثوليكيا ولم يكن باستطاعته الانضمام إلى بلاط بروتستانتي بسهولة، ومن ناحية أخرى، فهو ~~لم يرد أن ينظر إليه على اعتبار أنه يشتت الملكة عن القيام بشئون الدولة، ولكن في أواخر ~~صيف عام 1649 تغلب ديكارت على تردده وسافر إلى ستوكهولم. # لكنه ندم على قراره منذ أن وصل تقريبا؛ فقد كانت الملكة تستعين بخدماته كفيلسوف فيما ~~ندر، وفي أوقات غير مناسبة، فلم يكن يطيب لكريستينا أن تتلقى العلم إلا في الخامسة صباحا. ~~وكان شانو صديق ديكارت، الذي عول ديكارت على صحبته، خارج ستوكهولم حتى ديسمبر 1649. اضطر ~~ديكارت إلى كتابة أشعار لعرض باليه، ثم شرع في تأليف ms81 عمل كوميدي عن أميرين ظنا أنهما ~~راعيا غنم. ولم يلائم شتاء السويد صحة ديكارت، فأصابه المرض وتوفي في الحادي عشر من فبراير ~~عام 1650. # | هوامش # الفصل العشرون # | شبح ديكارت # أدرجت كتابات ديكارت في «قائمة الكتب المحرم قراءتها» من قبل الكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية عام 1663، وظهرت بعد وفاته ادعاءات باستبعاده الرب من دراسته للعلوم الطبيعية، ~~واليسوعيون الذين تجشم ديكارت عناء كبيرا من أجل استرضائهم كانوا في طليعة المطالبين بحظر ~~أعماله. وكان قرار حظر أعمال ديكارت عام 1663 الأول ضمن سلسلة من قرارات الحظر، التي بلغت ~~ذروتها عام 1691، في حظر ملكي يمنع تدريس أي شيء عن الفلسفة الديكارتية في أية مؤسسة في ~~فرنسا. وبعدها ببضعة عقود، حلت فيزياء نيوتن محل فيزياء ديكارت. وفي فرنسا وغيرها من ~~البلدان بدأت في الظهور تفسيرات منقحة لميتافيزيقا ديكارت، وشروحات منطقه وأخلاقه. # وطوال العقدين التاليين لوفاة ديكارت أو نحو ذلك، صارت صفة «الديكارتي» تطلق على كل من ~~يتسق مع برنامج «الفلسفة الكاملة» الذي رسم ديكارت خطوطه العريضة في مقدمته للنسخة الفرنسية ~~من «مبادئ الفلسفة». قال ديكارت في المقدمة إن الأجزاء الثاني والثالث والرابع من «مبادئ ~~الفلسفة» تحتوي على كل الأفكار الأكثر عمومية في الفيزياء (9ب:16)، ولكن الحاجة ما زالت ~~ماسة لبيان علم كامل للمادة الملموسة. وتضمن «مبادئ الفلسفة» صياغات لقوانين الطبيعة، ~~ونظرية كونية، أو وصفا لبنية العالم المادي وتكونه، وشرحا «للعناصر» أو الأجسام الأشهر ~~على الأرض وخواصها، لكن فيما يتعلق «بالأجسام الخاصة»؛ ألا وهي المعادن والنباتات ~~والحيوانات، والأهم من ذلك الإنسان، فما زال هناك الكثير الذي يمكن قوله. # قال ديكارت إنه لاستكمال تلك النواقص، كانت الحاجة تستدعي مشاهدات وتجارب كثيرة جدا ~~وباهظة التكلفة بالنسبة لشخص واحد (9ب:17). وكانت هذه هي التجارب والمشاهدات التي أخذ ~~«الديكارتيون» الأوائل على عاتقهم تنفيذها. وإذ انشغلوا بالعمل على قوانين الحركة كما جاء ~~بيانها في الجزء الثاني من «مبادئ الفلسفة»، ونظرية دوامات المادة في الجزء الثالث، ومبدأ ~~المادة الدقيقة في الجزأين الثالث والرابع؛ حاول العلماء، أمثال جاك روهو وبيير ساليفان في ~~فرنسا، ويوهانز كلاوبيرغ في ms82 هولندا وألمانيا، سد الفراغات في فيزياء ديكارت، لكن برنامجهم ~~البحثي تراجع عندما صحح نيوتن انحرافات خطيرة في نظرية ديكارت للجاذبية، ونظريته لحركة ~~الكواكب ومواضعها؛ نيوتن الذي اكتشفت نظريته، المختلفة كليا والتي لا يمكن إنكارها، ~~وجود قوة معينة (قوة الجاذبية الكونية) والتي لم يستطع ديكارت استيعابها. # في الوصف الذي ذكره ديكارت لكيفية تلقين المرء نفسه الفلسفة في مقدمة النسخة الفرنسية من ~~«مبادئ الفلسفة»، قال ديكارت إنه قبل التعامل مع الفيزياء، ينبغي أن ينغمس المرء في ~~الميتافيزيقا، وقبل التعاطي مع الميتافيزيقا ينبغي على المرء أن يمارس المنطق: # أنا لا أعني المنطق الذي يجري تدريسه بالمدارس؛ لأن هذا النوع تحديدا ليس إلا ~~أسلوبا جدليا يعلم طرقا تساعد المرء على شرح ما يعرفه بالفعل للآخرين أو حتى ~~التحدث والنقاش - دون إصدار أحكام - حول أمور لا يعلم عنها شيئا ... بل أعني المنطق ~~الذي يعلمنا توجيه عقلنا للكشف عن الحقائق التي نجهلها. ~~(9ب:13-14) # تشكل لدينا بالفعل انطباع عن هذا «المنطق» من تعليقات سابقة على «قواعد لتوجيه الفكر» ~~والمبادئ الأربعة الواردة في الجزء الثاني من ~~«مقال عن المنهج». بعد وفاة ديكارت، وتحديدا عام 1664، أصدر أنطوان أرنولد وبيير نيكول ~~كتابا بعنوان «المنطق أو فن التفكير»، تبنيا ~~فيه «قواعد لتوجيه الفكر» الذي لم ينشر في حياة ~~ديكارت، بل عثر عليه ضمن أوراقه بعد مماته، وتوسعا في تلك القواعد. لم يكن أرنولد ونيكول ~~وحدهما من بين أنصار ديكارت اللذان حاولا عرض المنطق «الجديد»، كما لم يكونا من بين الأوائل ~~الذين أقدموا على ذلك؛ فقد حاول يوهانز كلاوبيرغ، الذي ورد ذكره بالفعل فيما يتعلق بالحركة ~~الديكارتية في الفيزياء، أن يقدم على الخطوة نفسها. # شكل 20-1: جمجمة ديكارت بمتحف الإنسان بباريس. # 1 # ويمكن قراءة أعمال الفلاسفة والعلماء وعلماء اللاهوت الآخرين المعاصرين لتلك الفترة أيضا ~~باعتبارها إسهامات في برنامج ديكارت الذي لم يستطع استكماله. أصدر أرنولد خولينكس - فيلسوف ~~فلمنكي - أطروحة عن الأخلاق تتسق مع المنهج الديكارتي عام 1655. وهناك أيضا قائمة طويلة من ~~الفلاسفة - بمن فيهم خولينكس - ممن حاولوا إيضاح الصعوبات الكثيرة الموجودة في ms83 ميتافيزيقا ~~ديكارت. وشغلت المشكلات المتعلقة بالأفكار، والعلاقة بين العقل والجسد، المعلقين الأوائل، ~~وكذا نظرية ديكارت عن العلية، والنظرية الميتافيزيقية للعلاقة بين المادة والسمة. كان ~~أرنولد ونيكولا ماليبرانش وسايمون فوتشر أبرز الشخصيات في المناظرات التي تمت حول ~~الميتافيزيقا الديكارتية إثر وفاة ديكارت مباشرة. وطور لايبنتس وسبينوزا أنظمة كان من ~~المقرر أن تكون، من أوجه بعينها، أكثر ديكارتية بكثير - أي أكثر اعتمادا على الاستنباط - ~~من أنظمة ديكارت نفسه. وفي بريطانيا، رفض جون لوك الفرضية الديكارتية بأن العقل لديه قدرات ~~وأفكار فطرية، والتي تعد من أسس نظرية ديكارت المعرفية، لكنه تقبل نظرية الأفكار. وبعد أن ~~تأثر جورج بيركلي وديفيد هيوم بماليبرانش، انضما إلى زمرة نقاد ومنقحي النظرية الديكارتية ~~الخاصة بالمادتين، وبمبدأ العلية في إثبات المادة الملموسة. وتعتبر أعمال هؤلاء الكتاب ~~جميعا أقرب إلى دراسات عن ديكارت في عصرنا الحالي منها إلى أعمال لفيزيائيين وعلماء أخلاق ~~ديكارتيين؛ ذلك أن ديكارت الذي ما برح يمثل هوسا لدى الناس هو مجرد شبح فيلسوف، لا فيزيائي ~~ولا طبيب ولا معلم للأخلاق. # وفيما خلا الذين أثنوا على الفرضية الديكارتية بأن العقل لديه قدرات وأفكار فطرية في علم ~~اللغويات، يتفق أغلب الفلاسفة المعاصرين المتحدثين بالإنجليزية على الحاجة إلى أن نصرف شبح ~~ديكارت. ومما يستشهد به على قوة الفلسفة الديكارتية أن محاولات طمسها ما زالت جارية إلى ~~الآن. وما زال الفلاسفة يعبرون عن رفضهم لنظرية الأفكار لديكارت والازدواجية ~~الديكارتية، ورأيه أن العلم يجب أن ينطلق من مبادئ بديهية، وإيمانه بأن الاعتبارات المعرفية ~~تمثل جوهر الفلسفة. وهناك نظام في هذه الأفكار، مما يساعد على شرح قدرتها على البقاء؛ فقد ~~تم التوصل إليها جميعا في سياق تنفيذ مهمة واحدة ، ألا وهي إثبات أن الفهم الرياضي للعالم ~~المادي أكثر حيادية من أي فهم توحي به الحواس، وأن العقل البشري قادر على صياغة هذا ~~التصور الأكثر حيادية. ولا شك أن أسلوب ديكارت في إثبات هذه الأمور حافل بالمفاهيم ~~المغلوطة. هذا ما أثبتته أجيال من النقاد. لكن النقد لم يكن ليستمر ما لم تكن مهمة ms84 ديكارت ~~تأسر ألباب الفلاسفة؛ فهم ما زالوا مهووسين بأعماله، وما برحوا يميلون إلى الجدل بشأن ~~الأفكار التي يمكن أن يكون هناك فهم موضوعي أكبر لها. وما يجعل هذه المجادلات ممكنة هو ~~التصور الواضح الذي لدينا الآن عن طبيعة العالم «المادي». والنسخة الأولى التي لدينا عن ~~هذا التصور تنسب إلى ديكارت. وهذا ما يجعل من الصعب علينا جدا أن نصرف شبحه. # | هوامش # | قراءات إضافية # مؤلفات ديكارت # The two-volume selection by Cottingham, Stoothoff, and Murdoch (see ~~under Texts and Translations) is the most satisfactory collection of Descartes’s ~~writings in English. Individual philosophical texts by Descartes are also widely ~~available in paperback editions published by Penguin, Everyman, Mentor, and ~~Nelson. A particularly useful translation by Stephen Voss of # The Passions of the Soul ~~(Indianapolis, 1989) can ~~also be mentioned in this connection. The selection of Descartes’s enormous ~~correspondence translated by Anthony Kenny (see under Texts and Translations, p. ~~ix) has now been corrected, enlarged, and incorporated as a third volume into ~~the Cottingham, Stoothoff, and Murdoch edition of Descartes’s writings. Further ~~correspondence, on psychology and ethics, has been translated by John Blom (see ~~below). Also of interest is Descartes’s # Conversation ~~with Burman ~~, edited and translated by John Cottingham (Oxford: ~~Clarendon Press, 1976). # Descartes’s scientific writings are usually excerpted rather than ~~printed complete. The selections given in Cottingharn # et al ~~. should meet the needs of the general ~~reader. For the # Discourse and Essays # in its ~~entirety, see the English translation by Paul Olscamp (Indianapolis: ~~Bobbs-Merrill, 1965). See also T. S. Hall (trans.), # Treatise of Man ~~(Cambridge, Mass.: Harvard University Press, ~~1972), and the translation of # The Principles of Philosophy # published by Reidel in 1984. # In French, besides the Adam and Tannery, there is an edition of ~~Descartes’s writings by Alquié (Paris: Gamier, 1963-73). # السيرة الذاتية # The first biography of Descartes was Adrien Baillet’s # La Vie de Monsieur Descartes ~~, published ms85 in 1691 ~~(Paris: La Table Ronde, 1946), recently reprinted by Slatkine Reprints (Geneva, ~~1970). Modern accounts of Descartes’s life, which at times correct Baillet, ~~include Charles Adam, # Vie et Œuvres de ~~Descartes ~~(1910; AT, vol. 12), on which I have relied heavily, ~~and, in English, Jack Vrooman, # René Descartes: A ~~Biography ~~(New York: Putnam, 1970). Much more recent is Stephen ~~Gaukroger, # Descartes: An Intellectual ~~Biography ~~(Oxford: Clarendon Press, 1995), which has a very full ~~treatment of Descartes’s scientific writings. # النظرية العلمية لديكارت # Apart from Gaukroger’s biography of Descartes, one of the few recent ~~books to cover Descartes’s philosophy and science is Daniel Garber’s excellent # Descartes’ Metaphysical Physics ~~(Chicago: ~~University of Chicago Press, 1992). Considerably older but still worth ~~consulting is Jonathan Rée, # Descartes ~~(London: Allen Lane, 1974). More on Descartes’s philosophy and science can be ~~found in Desmond Clarke, # Descartes’ Philosophy of ~~Science ~~(Manchester: Manchester University Press, 1982), and the ~~collection of papers edited by Stephen Gaukroger, # Descartes: Philosophy, Mathematics, and Physics ~~(Brighton: ~~Harvester, 1980). # Descartes’s science is considered in some depth in J. F. Scott, # The Scientific Work of René Descartes ~~(London: Taylor and Francis, 1952). Also useful is the chapter on Descartes in ~~volume 7 of Lynn Thorndike, # History of Magic and ~~Experimental Science ~~(New York: Columbia University Press, ~~1958). # For a more general survey, see Gerd Buchdahl, # Metaphysics and the Philosophy of Science: The Classical Origins- Descartes ~~to Kant ~~(Oxford: Blackwell, 1969). # فلسفة ديكارت # Among the many good books on Descartes’s ~~philosophy, I mention: Anthony Kenny, # Descartes: A Study of his Philosophy ~~(New ~~York: Random House, 1968); Harry Frankfurt, # Demons, ~~Dreamers and Madmen: The Defence of Reason in Descartes’s ~~Metaphysics ~~(Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1970); Bernard ~~Williams, # Descartes: The Project of Pure ~~Enquiry ~~(Harmondsworth: Penguin, 1978); E. M. Curley, # Descartes against the Sceptics ~~(Oxford: Blackwell, ~~1978); Margaret Wilson, # Descartes ~~(London: ~~Routledge and Kegan Paul, 1978); John Cottingham, # Descartes ~~(Oxford: Blackwell, 1986). # Recent collections of articles on Descartes’s philosophy include ms86 John ~~Cottingham (ed.), # The Cambridge Companion to ~~Descartes ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1992), Stephen ~~Voss, # Essays on the Philosophy and Science of ~~Descartes ~~(Oxford: Oxford University Press, 1993), and John ~~Cottingham (ed.), # Reason, Will and Sensation: Essays on ~~Descartes’s Metaphysics ~~(Oxford: Clarendon Press, 1994). A ~~collection of articles on the Objectors to the # Meditations # edited by Roger Ariew and Marjorie Grene (Chicago: ~~University of Chicago Press, 1995) includes contributions from leading French ~~Descartes scholars. # النظرية الأخلاقية وكتابات ديكارت في الطب # Texts, including letters, relevant to a study of what Descartes calls ~~'morals’, are assembled in John Blom (trans.), # Descartes: His Moral Philosophy and Psychology ~~(Hassocks: ~~Harvester, 1978). # Descartes’s medical writings are discussed and interpreted in Richard ~~Carter, # Descartes’s Medical Philosophy ~~(Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1978). # تأثير ديكارت بعد وفاته # On Cartesianism in philosophy after Descartes’s death, see Norman ~~Kemp Smith, # Studies in the Cartesian Philosophy ~~(London: Macmillan, 1902), and Richard Watson, # The Downfall of Cartesianism # 1673-1712 ~~(The Hague: Martinus Nijhoff, 1966). # The influence of Cartesian innatism in linguistics is discussed in Part Three of S. Stich (ed.), # Innate Ideas ~~(Berkeley and Los Angeles: University of California Press, ~~1975). # For an indication of reactions against Descartes in latter-day ~~philosophy, see Rée (cited above), and Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature ~~(Oxford: Blackwell, ~~1980). ms87