######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadMuhammadRubi.HabermasMuqaddimaQasira.Hindawi15707294 #META# Tags: philosophy #META# ID: 15707294 #META# Title: يورجن هابرماس: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 86135024 #META# Author: جيمس جوردن فينليسون #META# EditorID: 18393159 #META# Editor: ضياء ورَّاد #META# TranslatorID: 19607415 #META# Translator: أحمد محمد الروبي #META# Related_books: 1450JamesGordonFinlayson.HabermasShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # 1 - هابرماس والنظرية النقدية عند مدرسة ~~فرانكفورت‏ # 2 - نهج هابرماس الجديد نحو النظرية الاجتماعية‏ # 3 - برنامج المعنى البراجماتي‏ # 4 - برنامج النظرية الاجتماعية‏ # 5 - نظرية الحداثة لدى هابرماس‏ # 6 - أخلاقيات الخطاب (1): نظرية الخطاب الخلقي‏ # 7 - أخلاقيات الخطاب (2): الخطاب الأخلاقي والتحول السياسي‏ # 8 - السياسة والديمقراطية والقانون‏ # 9 - ألمانيا وأوروبا ومواطنة ما بعد القومية‏ # ملحق: موجز لبرامج هابرماس البحثية الخمسة‏ # المراجع المقتبس منها‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # 1 - هابرماس والنظرية النقدية عند مدرسة ~~فرانكفورت‏ # 2 - نهج هابرماس الجديد نحو النظرية الاجتماعية‏ # 3 - برنامج المعنى البراجماتي‏ # 4 - برنامج النظرية الاجتماعية‏ # 5 - نظرية الحداثة لدى هابرماس‏ # 6 - أخلاقيات الخطاب (1): نظرية الخطاب الخلقي‏ # 7 - أخلاقيات الخطاب (2): الخطاب الأخلاقي والتحول السياسي‏ # 8 - السياسة والديمقراطية والقانون‏ # 9 - ألمانيا وأوروبا ومواطنة ما بعد القومية‏ # ملحق: موجز لبرامج هابرماس البحثية الخمسة‏ # المراجع المقتبس منها‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | يورجن هابرماس # | يورجن هابرماس # | مقدمة قصيرة ~~جدا # تأليف # جيمس جوردن ~~فينليسون # ترجمة # أحمد محمد الروبي # مراجعة # ضياء وراد # | شكر وتقدير # إنني ممتن لزملائي جميعا بقسم الفلسفة، جامعة يورك، وأقدر جدا مناقشة أفكاري مع ~~ماري ماكجين وستيفن إيفرسون. وجدت في توم بولدوين جل ما كنت أتمناه في زميل ورئيس قسم، ~~واستفدت كثيرا من صداقته وتشجيعه ومعرفته الموسوعية بالفلسفة. كان كريستيان بيلر، فوق كل ~~شيء، صديقا صدوقا ورفيقا لي بالقسم نفسه، وشريكا في الحوار جعلته يحيط بمعلومات عن ~~هابرماس تتجاوز توقعاته. ولقد جعلتني أسئلته الثاقبة أمعن التفكير دوما بقدر أكبر من ~~العمق والوضوح من ذي قبل. في عام 2003، أسعدني الحظ؛ إذ سنحت لي فرصة تدريس أخلاقيات ~~الخطاب عند هابرماس لمجموعة من الطلاب النابغين بجامعة يورك. ولقد استقيت أفكارا من ~~إسهامات روبن هاولز وألكساندر بيري. وإنني أدين بالفضل أيضا إلى مات براون وجوليانا ~~سوكولوفا وسونيا شنورينج، وجون-ديفيد رودز، وتشارلي بيرنز، وويليام أوثويت؛ الذين طالعوا ~~مسودات الكتاب أو علقوا عليها أو فعلوا الأمرين معا. وكذلك أدين بالفضل إلى مارشا ~~فيليون، المحررة المسئولة بدار نشر جامعة أكسفورد، وأليسون ليسوينج، وبيتر بوتشر ms001 من مؤسسة ~~ريفاينكاتش؛ الذين ساعدوني على تنظيم أوراقي وأفكاري المبعثرة. وأود أن أتقدم بخالص الشكر ~~تحديدا إلى دكتور تينج-مينج لي وكوني ديبياسيو؛ اللذين تعهداني بالرعاية بوسائل شتى ~~وعاملاني بسخاء ورفق على مدار السنوات القليلة الماضية. وأخيرا، فإن أبوي كاثرين وجون ~~فينليسون، وجوليانا يستحقون شكرا وتقديرا خاصا على ما قدموه إلي من حب ودعم وألفة ~~عولت عليها في الأوقات العصيبة التي مررت بها. # | تمهيد # | من هو يورجن هابرماس؟ # يورجن هابرماس واحد من أهم المنظرين الاجتماعيين وأوسعهم انتشارا في حقبة ما بعد ~~الحرب العالمية الثانية. وكتاباته النظرية مؤثرة في مناح عدة من الإنسانيات والعلوم ~~الاجتماعية. ولا شك أن جميع دارسي علم الاجتماع والفلسفة والسياسة ونظرية القانون ~~والدراسات الثقافية واللغة الإنجليزية واللغة الألمانية والدراسات الأوروبية؛ سيصادفون اسمه ~~في وقت ما. وثمة أسباب عدة للأثر الواسع لأعماله. بداية يعد هابرماس منظرا متعدد ~~التخصصات؛ فنطاق إحالاته هائل. وهو النقيض التام لما أطلق عليه عالم الاجتماع ماكس فيبر ~~(1846-1920) «متخصصا بلا روح»؛ أي الأكاديمي الذي لا يتخطى أبدا التخصص الضيق لخبرته ~~الخاصة. ونظرا لأن أعماله تتجاوز الحدود التخصصية التي يعمل في إطارها أغلب الأكاديميين ~~والدارسين، فإن أغلب قرائه لم يصادفوا سوى جانب واحد وحسب من أعماله. علاوة على ذلك، عكف ~~هابرماس على الكتابة منذ نحو 50 سنة، وله إنتاج فكري ضخم. وإضافة إلى شهرته كمنظر ~~اجتماعي وسياسي، فهو واحد من أبرز المفكرين في الشأن العام في أوروبا حاليا. فهو عميد ~~اليسار الديمقراطي في ألمانيا ومصدر إلهامه، ويبادر، اتساقا مع مبادئ فلسفته، بالتصريح ~~بآرائه النقدية الغزيرة - كمواطن لا كأكاديمي - في الشأنين العامين الألماني والأوروبي ~~حول أمور لها أهمية ثقافية وأخلاقية وسياسية عامة. # شكل 1: يورجن هابرماس. # ولأن الكتاب مقدمة قصيرة، فقد عرضت أقل القليل من المعلومات عن حياة هابرماس. وليس السبب ~~في ذلك أن حياته غير مثيرة للاهتمام، على الرغم من أن حياة الأكاديميين نادرا ما يتأتى ~~عنها سيرة حياتية مؤثرة ومثيرة للاهتمام. السبب أني أعتقد أن الأعمال أهم من الرجل. (مع ~~ذلك، لن أذهب مذهب مارتن هايدجر ms002 الذي حين كتب عن الفيلسوف أرسطو، لم يذكر عن حياته سوى أنه ~~«ولد في وقت كذا، وعمل ووافته المنية».) تأثرت أعمال هابرماس بالأحداث التاريخية الجسام ~~التي عاشها وكانت محركة لها، لا سيما نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وانبعاث ~~جمهورية ألمانيا الاتحادية من أطلالها الاقتصادية والاجتماعية، والحرب الباردة، والاحتجاجات ~~الطلابية عام 1968، وسقوط جدار برلين عام 1989، ونهاية الاتحاد السوفييتي. # ولد هابرماس بمدينة دوسلدورف عام 1929، وترعرع في كنف أسرة ألمانية من الطبقة المتوسطة ~~تأقلمت مع النظام النازي دون انتقاد ودون تأييده تأييدا فاعلا. تبلورت آراؤه السياسية ~~الخاصة للمرة الأولى عام 1945 عندما كان في السادسة عشرة من عمره. قرب نهاية الحرب، شأنه ~~شأن أغلب المراهقين الألمان الأصحاء من عمره، انضم إلى حركة شباب هتلر. وبعد الحرب، عندما ~~شاهد الأفلام التسجيلية عن محرقة اليهود وتتبع وقائع محاكمات نورمبرج، تفتحت عيناه على ~~الحقيقة المروعة لمعسكر اعتقال أوشفيتس، والمدى الكامل للكارثة الأخلاقية الجمعية للحقبة ~~النازية. # درس هابرماس الفلسفة في شبابه في جوتنجن وزيوريخ وبون. ولم يكن راديكاليا. في الفترة ~~بين عامي 1949 و1953، انغمس في دراسة أعمال مارتن هايدجر. ولكن سرعان ما نفض عنه أفكاره؛ ~~ليس بسبب عضويته في الحزب النازي ومناصرته للنازيين على الملأ بقدر ما كان بسبب تملصه من ~~الحقيقة لاحقا ورفضه الاعتذار عن أفعاله، والإقرار بها، وتجاوزها. في عام 1949، تأسست ~~الحكومة الأولى لجمهورية ألمانيا الاتحادية بقيادة كونراد أديناور المحافظ. وكانت علاقة ~~هابرماس بهايدجر في شبابه - تلك العلاقة التي بدأت بحماس مفعم بالأمل وسرعان ما تحولت إلى ~~شعور بخيبة الأمل والخيانة - دالة على طبيعة علاقته بنظام أديناور بأسره؛ فقد مثلت، ~~في رأيه، رفضا جمعيا ومدروسا للإقرار بالماضي والانفصال عنه. # شكل 2: مارتن هايدجر؛ انشغل هابرماس عندما كان طالبا بأعمال هايدجر. ~~ولاحقا انهال نقدا على صمته حيال عضويته في الحزب ~~النازي. # في عام 1954، حصل هابرماس على درجة دكتوراه بأطروحة عن الفيلسوف الألماني المثالي فريدريش ~~شيلينج. والتفت بعد ذلك إلى أعمال هربرت ماركوزه والأعمال المبكرة لكارل ماركس، وبعدها ~~بعامين أمسى أول مساعد أبحاث للفيلسوف تيودور في أدورنو ms003 بمعهد البحث الاجتماعي في ~~فرانكفورت. تأثر هابرماس بخبرة أساتذته في فرانكفورت، تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، ~~وكلاهما من أصول يهودية ألمانية، وكلاهما حمل شعورا متناقضا - ولأسباب مفهومة - بالانتماء ~~للتراث الألماني. ومنهما تعلم هابرماس كيف يتفهم تقاليده الألمانية الخاصة من مسافة ~~نقدية، الأمر الذي أتاح له على حد قوله «مواصلة اتباعها بروح ناقدة للذات، ومع شك وبصيرة ~~الرجل الذي خدع فعلا ذات مرة» (الاستقلال والتضامن، لقاءات مع يورجن هابرماس). خلال هذه ~~الفترة، أضحت أعمال هابرماس أكثر راديكالية وأكثر تعاطفا مع ماركس. لم يرق ذلك ~~لهوركهايمر، مدير المعهد، الذي ضاق ذرعا بآراء هابرماس الماركسية الصريحة وخطط لرحيله ~~عن المعهد. عام 1958، غادر هابرماس فرانكفورت قاصدا جامعة ماربورغ؛ حيث حصل على شهادة ~~التأهيل للأستاذية عام 1961. وبعدها أصبح أستاذا للفلسفة في هايدلبرج، وفي 1964 عاد ليشغل ~~منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة فرانكفورت. وخلال هذه الفترة التي اتسمت بالاضطراب ~~السياسي، اختلف هابرماس مع الطلاب الراديكاليين، الذين كان يتحدث معهم عموما حديثا ~~مؤيدا، عندما أطلق - على نحو مثير للاستفزاز - وصف «الفاشية اليسارية» على سياستهم ~~المتمثلة في المواجهة الصريحة مع أشكال السلطات كافة. وخلال الفترة من عام 1971 وحتى 1983، ~~شغل هابرماس منصب مدير معهد ماكس بلانك في شتارنبيرج. وفي 1983، عاد إلى تدريس الفلسفة ~~بجامعة فرانكفورت؛ حيث اكتسب سمعته كمنظر اجتماعي رائد وصوت جدير بالاحترام لليسار ~~الديمقراطي في ألمانيا الغربية. # شكل 3: كونراد أديناور، المستشار الأول لجمهورية ألمانيا ~~الاتحادية. # في نوفمبر 1989، سقط جدار برلين، وإثر سقوطه رأى هابرماس رأي العين اتحاد ألمانيا. وكان ~~واحدا ممن وجهوا انتقادا شديدا للطريقة التي كانت تجري بها عملية التوحيد. ففي أوائل ~~التسعينيات، كان اهتمام هابرماس بأعمال الفيلسوف السياسي الأمريكي جون رولز يتزايد يوما ~~بعد يوم، لا سيما فيما يختص بمفهوم الليبرالية عنده، وكذا بفكرة الديمقراطية الدستورية ~~الأمريكية. وعادة ما يرسم ناقدو هابرماس اليساريون صورة كاريكاتيرية لسيرته المهنية التي ~~بدأها ناقدا ماركسيا للرأسمالية، واختتمها مناصرا للديمقراطية الأمريكية الليبرالية. ~~وهذا التصور الكاريكاتيري، مع أنه منطقي ظاهريا، مغال في التبسيط ويستند إلى عجز عن فهم ~~تعقيدات إخلاصه ms004 لقضايا سياسية وفكرية. فقد كان هابرماس ناقدا لماركس بقدر ما كان ناقدا ~~ماركسيا، وطالما كانت له تحفظات حيال الرأسمالية والليبرالية. ومع ذلك، فهو يعتبر تبني ~~ألمانيا الغربية الناجح لتقاليد الديمقراطية الغربية أعظم إنجازاتها الثقافية، حتى ولو كان ~~يقيم هذه التقاليد على نحو سلبي - كوسيلة «للفكاك من الصلات الخاطئة الممتدة» لثقافته ~~السياسية الشخصية - أكثر منه إيجابيا. ولهذا السبب تحديدا، غالى عالم الاجتماع الألماني ~~رالف داهرندوف مغالاة شديدة، لدرجة أنه وصفه، بطريقة لا تخلو من السخرية، ب «الحفيد الحقيقي ~~لأديناور» (جمهورية برلين: كتابات حول ألمانيا). في خضم كل هذا التعقيد، ورغم التغيرات ~~الكبيرة في المناخ الفكري والسياسي للخمسين عاما الماضية، هناك تواصل مدهش في الرؤية ~~الفكرية والسياسية عند هابرماس. # لقد قمت برسم الخطوط العريضة للدافع السيكولوجي والأصول البيوجرافية لعلاقة هابرماس ~~المتناقضة بألمانيا وتحفظاته المستمرة حيال فكرة القومية. ولكن، ينبغي أن يتفادى المرء ~~إغواء شخصنة هذه الجوانب من عمله. فمن السهل نسيان أن التعقيدات والتوترات المتأصلة لتاريخ ~~ألمانيا وسياستها حديثا لا تزال موجودة وحقيقية. ويتجلى ذلك لعامة زائري القبة الزجاجية ~~للبرلمان الألماني المشهور باسم «رايشتاج» في برلين؛ حيث يستطيع المرء أن يتطلع بالخارج إلى ~~بوابة براندنبرج والنصب التذكاري الجديد لمحرقة اليهود، وكذلك يرى مباشرة قاعة البرلمان ~~بالأسفل. # لا توجد نظرية اجتماعية وسياسية تحوي هذه التعقيدات والتوترات بسلاسة وانسجام وتستغلها ~~استغلالا سليما كنظرية هابرماس. وهذه التعقيدات والتوترات تشكل الأساس لمذهب ~~الكوزموبوليتانية الخاص به، ودعمه للاتحاد الأوروبي، وريبته في القومية ودفاعه عن الوطنية ~~الدستورية، ومذهبه للعمومية الأخلاقية. إن فلسفة هابرماس ألمانية خالصة، وليست محدودة بأي ~~شكل من الأشكال. # شكل 4: النصب التذكاري لمحرقة اليهود ببرلين، وتظهر بوابة براندنبرج والقبة ~~الزجاجية الجديدة للرايخستاج في الخلفية. # تقاعد هابرماس من منصبه في فرانكفورت منذ عام 1994، وهو يعيش ويؤلف كتاباته في شتارنبيرج، ~~ويدرس بدوام جزئي في الولايات المتحدة الأمريكية. وما زال اسمه يظهر في الصحف بانتظام، ~~ولا يزال معلقا نشطا على الأحداث السياسية والثقافية كعادته. ومؤخرا، تناول هابرماس ~~بالكتابة موضوعات متنوعة جدا؛ كالأخلاقيات البيولوجية، وتكنولوجيا الجينات، والعراق، ~~والإرهاب، والكوزموبوليتانية، والسياسة ms005 الخارجية الأمريكية بعد الحادي عشر من ~~سبتمبر. # القسم الأكبر من هذا الكتاب مخصص لمناقشة نظرية هابرماس الناضجة، وتحديدا الأعمال التي ~~ظهرت ما بين عام 1980 والوقت الراهن. ولقد قمت بتكريس مساحة أقل لكتاباته السياسية ~~العارضة. ولا يحوي الكتاب حكما ضمنيا على الأهمية النسبية لحياة هابرماس كمفكر في الشأن ~~العام وسيرته المهنية كأكاديمي؛ كل ما في الأمر أن استيعاب نظريته أصعب بكثير من استيعاب ~~آرائه السياسية وملاحظاته الثقافية التي تستهدف العامة ويمكن أن تستقل بذاتها عن بقية ~~أعماله. # يعتبر هابرماس - على نحو ألماني غير عصري إلى حد ما اليوم - متعهد النظريات الكبرى؛ ~~فهو يطرح أسئلة كبرى عن طبيعة المجتمع العصري والمشكلات التي تواجهه ومكانة اللغة ~~والخلقية والأخلاقيات والسياسة والقانون فيه. وإجاباته معقدة وواسعة النطاق؛ حيث جمعها ~~بمنتهى الحرص والدقة من معرفته بالعديد من التخصصات المختلفة. علاوة على ذلك، أبرز أعماله ~~مسهبة وموغلة في الجانب الفني إلى أقصى درجة. فهو لا يخاطب المبتدئين بكتاباته، ومطالعة ~~أعماله لأول مرة يمكن أن تكون تجربة محبطة. وبينما ينصب تركيزه على الصورة الكبيرة، ~~كثيرا ما يترك لمعاونيه وتابعيه مهمة سد الفراغات بالتفاصيل لاحقا. وأحيانا ما تسقط ~~أجزاء من الحجة. وفي الوقت نفسه، نراه في حوار متواصل مع ناقديه، وكثيرا ما يعيد صياغة ~~أفكاره استجابة لهم؛ حيث يدخل تعديلات طفيفة لا تكون تداعياتها دوما واضحة. ولهذه الأسباب ~~جمعاء، من السهل على القراء - الذين يفتقرون للصورة الشاملة ولا يعرفون المحوري من الهامشي ~~- أن يصيبهم الارتباك والحيرة. من بين الأهداف التي وضع من أجلها هذا الكتاب تقديم الصورة ~~الأكثر شمولا، وذلك عن طريق وضع الأجزاء المختلفة لأعماله في سياق مشروعه الكلي. وتلبية ~~لهذا الغرض، سأبدأ برسم تصور عام لكامل أعمال هابرماس الناضجة. وتنقسم هذه الأعمال إلى ~~خمسة برامج بحثية هي كالتالي: ~~(1) # النظرية البراجماتية للمعنى. ~~(2) # نظرية العقلانية التواصلية. ~~(3) # برنامج النظرية الاجتماعية. ~~(4) # برنامج أخلاقيات الخطاب. ~~(5) # برنامج النظرية الديمقراطية والقانونية، أو النظرية السياسية. # شكل 5: إطلالة على البرامج البحثية عند هابرماس. # كل برنامج من هذه البرامج مستقل بذاته نسبيا ويسهم في جانب منفصل ms006 من جوانب المعرفة. ~~ولكن في الوقت نفسه، كل منها يرتبط - بشكل أو بآخر - ارتباطا نظاميا بغيره من ~~البرامج. # تقدم النظرية البراجماتية للمعنى عند هابرماس - إضافة إلى نظرية العقلانية التواصلية - ~~الأفكار الإرشادية لنظريته الاجتماعية والأخلاقية والسياسية. وتباعا، تدعم هذه البرامج ~~البحثية الثلاثة كل منها الآخر. وأسميها برامج بحثية؛ لأن كلا منها ما زال قائما إلى ~~الآن. وكل برنامج يجيب عن مجموعة مختلفة من الأسئلة بالمزج ما بين أفكار متعمقة من تخصصات ~~ومعارف مختلفة. أقدم موجزا مقتضبا لكل برنامج في الملحق الموجود في نهاية الكتاب. أما في ~~الفصول التالية، فأتناول هذه البرامج بحسب الترتيب الزمني الذي أنتجها فيه هابرماس. # الفصل الأول # | هابرماس والنظرية النقدية عند مدرسة ~~فرانكفورت # (1) مدرسة فرانكفورت # ذاع صيت هابرماس بين المتحدثين بالإنجليزية بوصفه صاحب مؤلف «نظرية الفعل ~~التواصلي»، والعديد من المقالات حول أخلاقيات الخطاب، ومؤلفه «بين الحقائق ~~والمعايير»؛ وهي الأعمال التي تطورت فيها، إذا جاز التعبير، نظريته الاجتماعية ~~والأخلاقية والسياسية على الترتيب. ويعرف هابرماس أيضا باعتباره رائدا من رواد ~~الجيل الثاني من منظري مدرسة فرانكفورت، وتفهم أعماله بأفضل ما يكون باعتبارها ~~ثمرة الاستجابة المستمرة للنظرية النقدية للجيل الأول من منظري مدرسة ~~فرانكفورت. # كانت «مدرسة» فرانكفورت، وهو الاسم ~~الذي اشتهرت به، تتألف من مجموعة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس ~~الاجتماعيين والناقدين الثقافيين الذين عملوا خلال الفترة السابقة واللاحقة للحرب ~~العالمية الثانية لصالح معهد البحث الاجتماعي الممول تمويلا خاصا، ومقره ~~فرانكفورت. عمل هؤلاء المفكرون الذين نشروا ثمرة أفكارهم في «دورية البحث الاجتماعي» ~~التي أصدرها المعهد في سياق نموذج مشترك تقريبا؛ أي إنهم اشتركوا في الفرضيات نفسها، ~~وطرحوا الأسئلة عينها، وتأثروا جميعا بالفلسفة الجدلية لهيجل (1770-1831) وكارل ماركس ~~(1818-1883). ولم يكن المنهج الألماني الحديث للفلسفة الجدلية الذي عملوا تحت مظلته، ~~وأحيانا ما كان يعرف بالماركسية-الهيجلية؛ التيار السائد مطلقا آنذاك. كانوا أقلية ~~فكرية معارضة للمنهج الأوروبي المتمثل في الكانطية الجديدة، والمنهج الأنجلو-نمساوي ~~المتمثل في التجريبية المنطقية. هكذا يتعين فهم الحوار الدائر بأثر رجعي عن «مدرسة ~~فرانكفورت» ونظريتها. # شكل 1-1: ماكس هوركهايمر، مدير ms007 معهد البحث الاجتماعي في ~~فرانكفورت. # كان ماكس هوركهايمر (1895-1973) المدير الأرستقراطي للمعهد والمسئول في المقام الأول ~~عن تطوير نموذج «النظرية النقدية» في ثلاثينيات القرن العشرين. # ويرى هوركهايمر أن النظرية النقدية يتعين أن تكون نشاطا نظريا جديدا متعدد ~~التخصصات يكمل الفلسفة الجدلية لهيجل وماركس، ويحدث فيها تحولا بأفكار متعمقة من ~~تخصص التحليل النفساني الجديد نسبيا وعلم الاجتماع الألماني والأنثروبولوجيا، وكذا من ~~فلاسفة أقل شهرة مثل فريدريش نيتشه ~~(1844-1900) وآرثر شوبنهاور (1788-1860). واتسم المنهج الناتج عن ذلك بأربع خصائص ~~أساسية: تعدد الاختصاصات والتأمل والجدل والنقد. # لقد كانت مدرسة فرانكفورت من بين أوائل المدارس التي تتناول قضايا الخلقية والعقيدة ~~والعلم والمنطق والعقلانية من عدة منظورات وتخصصات في آن واحد. فقد آمن القائمون عليها ~~أن التأليف بين تخصصات ومعارف مختلفة سيثمر عن أفكار متعمقة لم يكن يتأتى الحصول عليها ~~لو عملوا ضمن مجالات أكاديمية ضيقة الأفق ومتخصصة بشكل كبير؛ ولذا، فقد طعنوا في ~~الفرضية المسلم بها على نطاق واسع آنذاك، والقائلة إن المنهج التجريبي في العلوم ~~الطبيعية هو المنهج الوحيد الصالح. # وعلى النقيض مما أسماه هوركهايمر «النظرية التقليدية»، التي كادت تتضمن كل شيء، بداية ~~من الرياضيات والمنطق الصوري وحتى العلوم الطبيعية؛ كانت النظرية النقدية تأملية، أو ~~لها وعي ذاتي متأصل فيها. فالنظرية النقدية تأملت السياق الاجتماعي الذي أدى إلى ~~نشأتها، ووظيفتها داخل هذا المجتمع، وأغراض ممارسيها واهتمامهم، وما إلى ذلك. وتآلفت ~~هذه التأملات داخل النظرية. # إضافة إلى تعدد جوانبها المعرفية، كان من المفترض أن تكشف الطبيعة التأملية للنظرية ~~النقدية القناع عما اعتبره منظرو مدرسة فرانكفورت الوهم «الوضعي» الذي يشوب ~~النظريات التقليدية (كالعلوم الطبيعية)؛ ألا وهو أن النظرية ليست سوى الانعكاس الصحيح ~~لواقع مستقل من الحقائق. # ولقد شجعت هذه الصورة المزدوجة للمعرفة على الاعتقاد بأن الحقائق ثابتة ومسلم بها، ~~ومحال أن تتغير، ومستقلة عن النظرية. ورفض المنظرون النقديون هذه الصورة، وفضلوا ~~عليها مفهوما أكثر «هيجلية» وجدلية عن المعرفة يرون بحسبه أن الحقائق ونظرياتنا جزء ~~من عملية تاريخية ديناميكية مستمرة نجد فيها أن الكيفية التي نرى ms008 بها العالم (نظريا ~~أو خلاف ذلك) والكيفية التي عليها العالم فعليا تؤثر إحداهما في الأخرى. # وأخيرا، قال هوركهايمر إن النظرية النقدية ينبغي أن تكون «نقدية». وهذا المتطلب ~~يحوي في طياته العديد من المزاعم الواضحة. بصفة عامة، كان هذا المتطلب يعني أن مهمة ~~النظرية عملية، لا نظرية وحسب؛ أي إنها ينبغي ألا تستهدف وحسب تحقيق فهم قويم، بل ~~يجب أن تخلق ظروفا اجتماعية وسياسية أكثر دعما لازدهار البشرية من الظروف الحالية. ~~وإن شئنا قدرا أكبر من الدقة، فقد كان يعني أن النظرية لها ضربان مختلفان من ~~الأهداف المعيارية؛ أحدهما تشخيصي، والآخر علاجي. لم يكن هدف النظرية وحسب تحديد ما ~~«يعيب» المجتمع المعاصر حاليا، ولكن المساعدة أيضا في إحداث تحول في المجتمع إلى ~~الأفضل عن طريق تحديد الجوانب والنزعات التصاعدية داخله. # عندما جعل المناخ السياسي للنازية من المستحيل على المنتسبين للمدرسة (حيث كان ~~غالبيتهم يتحدرون من عائلات يهودية) مواصلة أعمالهم في فرانكفورت؛ نقل المعهد ~~مؤقتا، أولا إلى جينيف ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث واجه القائمون عليه ~~مباشرة ظاهرة اجتماعية جديدة عليهم؛ مجتمع استهلاكي أسير لنموذج هنري فورد للرأسمالية ~~الصناعية والإنتاج الضخم. وأذهلهم تحديدا كيف تحولت الثقافة إلى شكل من أشكال الصناعة ~~على يد شركات هوليوود لإنتاج الأفلام، ووسائل البث الإعلامي، ودور النشر. لقد مارست هذه ~~الشركات الاحتكارية الضخمة أساليب استغلالية وتوجيهية ماكرة، كان لها من الأثر أن جعلت ~~الناس يتقبلون بل وحتى يقرون بنظام اجتماعي أحبط وكبت اهتماماتهم الأساسية. على ~~سبيل المثال، كانت النهايات السعيدة المتوقعة لأفلام الدرجة الثانية التي تنتجها ~~هوليوود تخلق لدى الجمهور إحساسا بالرضا المصطنع. وبدلا من انتقاد الظروف الاجتماعية ~~التي حالت دون عثورهم على السعادة الحقيقية، عكف الناس على معايشة السعادة الخيالية ~~لأبطال أفلامهم عوضا عنهم. ولعبت الثقافة بشكل عفوي دور الإعلان عن الوضع الراهن. ~~وأشار هوركهايمر وزميله الشاب تيودور أدورنو (1903-1969) إلى هذه الظاهرة باسم «صناعة ~~الثقافة». # شكل 1-2: عالم الموسيقى والمنظر الاجتماعي والفيلسوف تيودور أدورنو؛ ~~زميل هابرماس ومستشاره بمعهد البحث الاجتماعي. # ولقد شكلت صناعة الثقافة ms009 جزءا حيويا من ميل المجتمع الرأسمالي إلى خلق احتياجات ~~الناس ورغباتهم وإحداث تحول فيها، لدرجة أنه أمست لديهم رغبة في الخبث الذي صنع ~~لأجلهم، وانزوت لديهم الرغبة في عيش حياة مرضية ومجدية. لقد وفر تحليل هذه ~~الظواهر أفكارا متعمقة فيما يتعلق بالطرق التي يمكن بها التلاعب بوعي الناس بواسطة ~~الإعلانات وغيرها من الوسائل؛ من أجل خلق ما عده منظرو مدرسة فرانكفورت حالة ~~زائفة من المصالحة. كانت المصالحة الزائفة تترتب على الاعتقاد بأن العالم الاجتماعي ~~عقلاني ومفض إلى حرية البشر وسعادتهم ويتعذر تغييره، بينما هو في واقع الأمر يفتقر ~~بالمرة للعقلانية ويعوق حرية البشر وسعادتهم، وهو أيضا عرضة للتغير. قبل ذلك بقرن من ~~الزمان، وفي ظروف مختلفة نوعا ما في بروسيا، ذكر هيجل أنه تم التوصل إلى مصالحة حقيقية ~~- أي في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية التي يستطيع أن يتقبلها العقلانيون ويقرون بها ~~- لأنهم، بالنظر إلى جميع المتغيرات، أشبعوا أعمق رغباتهم. لقد قلبت مدرسة ~~فرانكفورت، المتأثرة بماركس وبخبرة القائمين عليها بالقرن العشرين، تفاؤل هيجل رأسا ~~على عقب. # عندما عاد هوركهايمر إلى فرانكفورت عام 1949، أمسى هو وأدورنو أكثر تشاؤما حيال فرص ~~تحقيق الهدف العملي من النظرية النقدية؛ ~~ألا وهو التحول الجذري للمجتمع. وتجذر هذا التشاؤم نظريا في التحليل الذي عرضاه ~~في كتابهما الشهير «جدلية التنوير» (الصادر عام 1947، لكنه نشر لأول مرة عام 1944 على ~~هيئة نسخة مطبوعة بعنوان «شذرات فلسفية»). # يمهد تحليل أدورنو وهوركهايمر لعصر التنوير الطريق للتطور اللاحق للنظرية النقدية. ~~لقد شرعا في تحليلهما انطلاقا من الفرضية الهيجلية (التي يشاطرهما إياها ماركس) ~~والقائلة بأن البشر يشكلون أو يحددون العالم من حولهم عبر نشاطهم العقلي والمادي، أو ~~على حد تعبير ماركس عبر جهودهم الفكرية واليدوية. وبعدها أضافا أطروحة تاريخية مفادها ~~أنه بحلول القرن الثامن عشر الميلادي أمست العقلانية الأداتية، أي تقدير أكثر ~~الوسائل فاعلية لتحقيق غاية أو تلبية رغبة بعينها، الشكل السائد للمعرفة. لقد منحت ~~عملية التنوير التاريخية ميزة خاصة للأشكال العلمية الطبيعية والقابلة للاستغلال ~~تكنولوجيا للمعرفة خلاف غيرها من الأشكال المعرفية قاطبة. ms010 وقال أدورنو وهوركهايمر إن ~~العلوم الطبيعية، التي تطرح تعميمات وتنبؤات قابلة للاختبار عن الطبيعة الخارجية، هي ~~شكل مستتر لاستدلال الوسائل/الغايات. من وجهة النظر الأنثروبولوجية، العلم مجرد أداة ~~تدعم الحاجة الأساسية لدى البشر لإحكام السيطرة على بيئتهم وتسخيرها. والتكنولوجيا ~~والصناعة امتداد لهذه الأداة وتطبيق لها. # ويزعم أدورنو وهوركهايمر أن العالم الحديث الصناعي والبيروقراطي تشكل بفعل عملية ~~العقلنة. إن العالم الاجتماعي للقرن العشرين هو نتاج أفعال البشر الذين أصيبت ملكة ~~تفكيرهم بالضمور حتى أصبحت مجرد حساب لأكثر السبل فاعلية لتحقيق غاية ما. لقد أفضى ~~تشييء (التجسيد في صورة شيء) الطبيعة وحسبنتها (إضفاء الصبغة الحسابية عليها) إلى ~~فناء وجهات النظر الأسطورية والدينية عن العالم. وفي الوقت نفسه، تنشأ المفاهيم التي ~~يدرك بها البشر عالمهم من ظروف تاريخية واجتماعية بعينها. يرى أدورنو وهوركهايمر أن ~~العلم والتكنولوجيا يزداد تشكيلهما للحياة المؤسسية يوما بعد يوم، وذلك بفعل العقلانية ~~الأداتية. والأشكال الحديثة للمخالطة الاجتماعية (الأشكال المؤسسية للعقلانية الأداتية) ~~تؤدي بدورها إلى مفاهيم وتصورات وطرق تفكير أداتية في العالم؛ إنها تخلق عقلية علمية ~~وحذرة وفاعلة. ويتبع ذلك دائرة مفرغة تمسي فيها العقلانية الأداتية حصرية ~~وكلية. # ثمة جانب ينذر بالشؤم في الفرضية القائلة إن العلم والعقلانية يخدمان حاجة البشر ~~الأساسية لاستغلال الطبيعة الخارجية والتحكم فيها؛ وهو أن الهيمنة والسيطرة وثيقتا ~~الصلة جدا بالعقلانية. والأمر لا ينحصر في العلم والتكنولوجيا وحسب، بل العقلانية ~~نفسها تعتبر عنصرا ضمنيا في الهيمنة. بحسب هوركهايمر وأدورنو، حتى الأشكال البدائية ~~للعقلانية، كالسحر، هي في الواقع أشكال أولية لهيمنة البشر على الطبيعة وعلى غيرهم من ~~البشر؛ وذلك لأن السحرة يلقون بتعويذاتهم لإخضاع الطبيعة لسيطرتهم، وحيازتهم لقوى ~~سحرية تؤدي إلى خلق طبقات اجتماعية. # من المفارقة إذن أن عملية التنوير نفسها التي كان من ~~المفترض - بحسب المفكرين التنويريين في ~~القرن الثامن عشر؛ مثل روسو، وفولتير، وديدرو، وكانط - أن تفك أسر الإنسان من الطبيعة ~~وتفضي إلى حريته وازدهاره؛ أتت بنتائج عكسية. وتدريجيا، بينما أحكمت النزعتان ~~الصناعية والرأسمالية قبضتهما في القرن التاسع عشر، تعرض البشر إلى شبكات أكثر توغلا ~~من ms011 الانضباط والسيطرة الإداريين، وكذا إلى نظام اقتصادي لا يفتأ يقوى ويتعذر ~~ترويضه. وبدلا من أن تفك عملية التنوير أسر الإنسان من الطبيعة، نجدها قيدت الإنسان ~~الذي هو بدوره جزء من الطبيعة. وبدلا من الرخاء الاقتصادي، شاع الشقاء والفقر. وبدلا ~~من التقدم الأخلاقي، حدثت انتكاسة إلى البربرية والعنف والتعصب. هذه هي «جدلية التنوير» ~~التي استلهم منها هوركهايمر وأدورنو فهمهما لعالمهما الاجتماعي، وأثرت في ~~تشخيصهما لعيوبه. # قوض هذا التشاؤم غير المبرر الغاية النقدية من النظرية الاجتماعية في عيني ~~هابرماس الشاب. ولو كان تشخيصهما صحيحا، ولو كان التنوير، المفترض به أن يحقق للبشر ~~الحرية والرخاء، منذ بدايته من المقدر له أن يجلب لهم المزيد من التقييد والشقاء؛ لوقعت ~~النظرية الاجتماعية النقدية في أزمة؛ وذلك لأن النظرية الاجتماعية نفسها شكل من أشكال ~~التنوير، بحسب فهم أدورنو وهوركهايمر الواسع جدا لهذا الاصطلاح؛ إنها نظرية ينبغي أن ~~تفضي إلى فهم أوسع للعالم الاجتماعي وكذا إلى إصلاحه العملي. وفي هذه الحالة، بحسب ~~اعتراف أدورنو وهوركهايمر في مقدمتهما ل «جدلية التنوير»، فإن التنوير ضروري ومستحيل في ~~آن واحد؛ ضروري لأنه لولاه لاستمرت البشرية في سعيها وراء تدمير الذات والتقييد، ~~ومستحيل لأنه لا يمكن تحقيقه إلا عبر النشاط البشري العقلاني، بينما العقلانية نفسها هي ~~أصل المشكلة. كان هذا هو مفهوم الأبوريا الذي دفع هوركهايمر وأدورنو إلى أن يصبحا ~~حذرين أكثر من أي وقت من الغايات السياسية الفعلية للنظرية النقدية. (أبوريا # Aporia # كلمة يونانية تعني حرفيا «لا سبيل» ومجازيا ~~«بلبلة».) إن إيمان أدورنو بقدرات أي نظرية على توجيه التحرر الاجتماعي أو السياسي أو ~~الأخلاقي خبت سريعا لدرجة أنه اعتبر أي تصرف سياسي جمعي سابقا لأوانه وعشوائيا ~~وغير ذي جدوى. الفارق بين هابرماس ومعلميه أنهم حسبوا أن الأبوريا حقيقة، بينما ~~حسب هو أنها ترتبت على زلة في تحليلهم. ~~(2) استجابة هابرماس الأولى # يعتبر أول أعمال هابرماس الكبرى «التحولات البنيوية للفضاء العام: تساؤلات ضمن أصناف ~~المجتمع البرجوازي» (1962) استجابة نقدية بناءة لمفهوم هوركهايمر وأدورنو للنظرية ~~النقدية. ولو أن هذا العمل أشبه ب «قضية مشهورة» ms012 في ألمانيا الغربية في أوائل ~~الستينيات، فهو لم يترجم إلى الإنجليزية حتى عام 1993. وهو محاولة لحل مشكلات النظرية ~~النقدية للجيل الأول من مدرسة فرانكفورت؛ محاولة مخلصة في الوقت نفسه لروح النظرية ~~الأصلية مع الحفاظ على بعض جوانب تشخيصها للآفات الاجتماعية. # يظل «التحولات البنيوية» مخلصا للنموذج الأصلي من عدة أوجه. أولا: هو متعدد ~~التخصصات؛ حيث يمزج ما بين أفكار متعمقة من التاريخ وعلم الاجتماع والأدب والفلسفة. ~~وثانيا: يهدف إلى تحديد الجوانب التقدمية العقلانية للمجتمع الحديث والتمييز بينها ~~وبين الجوانب الرجعية غير العقلانية. وثالثا: يوظف هابرماس، شأنه شأن هوركهايمر ~~وأدورنو من قبله، أسلوب «النقد المحايث». ويجوز أن يطلق عليه أيضا اسم النقد الداخلي، ~~في مقابل النقد الخارجي. ويعتقد المنظرون النقديون أن هذا الأسلوب مستلهم من هيجل ~~وماركس. من بعض الأوجه نراه أقرب إلى أسلوب سقراط في المحاجة؛ وهو الأسلوب الذي ~~يتبنى صاحبه دور المحاور، تلبية لغرض النقاش، دون أن يدعمه دعما حقيقيا، من أجل ~~بيان افتقاره للاتساق والصدق. أيا كانت أصوله، فإن غاية المنظرين النقديين نقد شيء ~~ما - مفهوم عن المجتمع أو عمل فلسفي - في حد ذاته لا على أساس القيم أو المعايير التي ~~تتجاوزه، بنية تسليط الضوء على زيفه. # إن «التحولات البنيوية» عمل نقدي محايث ينتسب إلى فئة «الفضاء العام» - وهي ترجمة ~~للكلمة الألمانية # Öffentlichkeit # التي يمكن أن تعني ~~العلانية والشفافية والانفتاح. ووفقا لهابرماس، فإن مثل التنوير التاريخي - الحرية ~~والتضافر والمساواة - كامنة في مفهوم الفضاء العام وتوفر معيار النقد المحايث. على سبيل ~~المثال، يمكن نقد المجتمع البرجوازي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لعدم اقتدائه ~~بمثله الخاصة. وبالمثل، يمكن نقد المجتمع الألماني لعدم ارتقائه للمجتمع الشامل ~~المتمتع بالمساواة والشفافية الذي بشرت به هذه المثل. ويشق «التحولات البنيوية» ~~طريقه وصولا إلى الطموحات النظرية والعملية للنموذج الأصلي للنظرية النقدية؛ ألا وهي ~~فهم العالم الاجتماعي، وتوجيه التغير الاجتماعي من خلال تسليط الضوء على إمكانات ~~التغير الاجتماعي. # لكن هابرماس يقدم لنا تشخيصا تاريخيا للوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي مختلفا ~~تماما عما يقدمه هوركهايمر وأدورنو. ورغم أنه ms013 لا ينتقدهما صراحة حتى بعد مرور ما يقرب ~~من عقدين من الزمان؛ أي بعد رحيلهما بفترة طويلة، فإن روايتهما للعقلنة حسبما يرى ~~هابرماس كانت أحادية الجانب ومتشائمة بشكل مبالغ فيه، ومفهومهما عن جدلية التنوير كان ~~يفتقر إلى كل من المبرر التجريبي والتاريخي وكذا الاتساق المفاهيمي. إن أعماله نفسها ~~تحاول إنقاذ فكرة النظرية النقدية الأصلية، وذلك بواسطة المزج ما بين تاريخ أكثر ~~تنوعا وتبريرا للتنوير ونموذج أكثر اتساقا للنظرية الاجتماعية. ~~(2-1) مفهوم الفضاء العام البرجوازي # يرسم «التحولات البنيوية» نشأة الجمهور المفكر من رحم جمهور الصالونات والنوادي ~~والمقاهي المعني بالآداب في أوروبا في القرن الثامن عشر، ثم يصور تقهقره وتفسخه ~~التدريجي. ورواية هابرماس مفصلة تفصيلا شديدا، وتكشف عن نطاق مرجعي غير ~~تقليدي. # في بداية القرن الثامن عشر، ساعد توطيد الحقوق المدنية التي تضمن حرية التنظيم ~~وحرية التعبير للأفراد، ونشأة الصحافة الحرة، على ظهور مساحات مادية كالمقاهي ~~والصالونات والدوريات الأدبية، يستطيع المواطنون فيها الانخراط في نقاشات عامة حرة. ~~لقد كانت منتديات يجتمع فيها شمل الناس طواعية، ويشاركون أندادا في حوارات عامة. ~~وكانت هذه الساحات مستقلة من ناحيتين؛ فالمشاركة فيها كانت طوعية، فضلا عن أنها ~~كانت تتمتع بالاستقلال النسبي عن النظامين السياسي والاقتصادي. لم يكتف المشاركون ~~في الفضاء العام بالتعامل بعضهم مع بعض اقتصاديا عبر التبادل والتعاقد سعيا ~~لتحقيق الربح الفردي والمصلحة الشخصية. يتكون الفضاء العام من تجمعات طوعية ~~لمواطنين مستقلين يجمع بينهم هدف مشترك؛ ألا وهو استغلال منطقهم في نقاش غير مقيد ~~يدور بين أنداد. وسرعان ما تطورت ثقافة مشتركة ساعدت، من بين أمور أخرى، المشاركين ~~على اكتشاف احتياجاتهم واهتماماتهم والتعبير عنها، وصياغة تصور للمصلحة العامة. ~~وبحسب هابرماس، تبلورت فكرة قياسية للرأي العام حول مفهوم المصلحة العامة الذي ترسخ ~~في ساحات الخطاب العام هذه، والتي يمكن وصفها بالهشة والآمنة في الوقت نفسه. # ومع انتشار سلطة العامة وأثرهم، بدأ الرأي العام تدريجيا في لعب دور الرقيب على ~~شرعية صلاحيات الحكومة غير الممثلة للشعب والمنغلقة على نفسها. وعن طريق التحقق مما ~~إذا كانت القوانين والسياسات ms014 تخدم الصالح العام أم لا، يستطيع العامة اختبار ~~شرعيتها بفاعلية. ورغم أن الفضاء العام بدأ يمارس وظيفة سياسية واجتماعية، فإنه لا ~~يمكن الخلط بينه وبين أي مؤسسة سياسية محددة أو ربطه بها. فقد كان فضاء ~~غير رسمي للتواصل الاجتماعي يستقر في ~~مكان ما بين المجتمع المدني البرجوازي والدولة أو الحكومة. ~~(2-2) الفضاء العام كفكرة وأيديولوجية # تعتبر النظرية النقدية عند هابرماس، كما هو مبين في «التحولات البنيوية»، ~~تنويعة من النقد المحايث المعروف باسم نقد الأيديولوجية أو النقد الأيديولوجي. ~~ولفهم فحوى هذه النظرية، يجب أولا أن ندرس فكرة الأيديولوجية. يعرف أدورنو ~~الأيديولوجية بأنها «وهم ضروري اجتماعيا» أو «وعي زائف ضروري ~~اجتماعيا»، ويقبل هابرماس في شبابه تعريفا شبيها بذاك التعريف. واستنادا إلى ~~وجهة النظر هذه، فالأيديولوجيات هي الأفكار أو المعتقدات الزائفة التي يتمكن ~~المجتمع بشكل نظامي من حث الناس على تبنيها. لكن الأيديولوجيات ليست معتقدات ~~زائفة عادية، كاعتقادي الزائف بأن ثمة شايا في قدحي بينما يحتوي القدح على القهوة، ~~بل هي معتقدات خاطئة يفترض صحتها على نطاق واسع؛ لأن جميع أفراد المجتمع ~~تقريبا حملوا على الاقتناع بها بشكل ما. علاوة على ذلك، فالأيديولوجيات معتقدات ~~زائفة فاعلة تعمل - لا سيما في ظل انتشارها على نطاق واسع - على دعم بعض المؤسسات ~~الاجتماعية المحددة وعلاقات الهيمنة التي تؤيدها. ومن هذا المنطلق تحديدا نجد أن ~~الأيديولوجيات «ضرورية اجتماعيا». # والأيديولوجية من هذا المنطلق يمكنها أن تلبي وظائف اجتماعية من عدة طرق مختلفة. ~~فمن الجائز أن تشكل في الواقع مؤسسة اجتماعية من صنع الإنسان؛ ومن ثم مؤسسة قابلة ~~للتعديل أساسا، تبدو وكأنها ثابتة وطبيعية. أو قد تشكل مؤسسة تخدم في واقع الأمر ~~مصالح فئة محدودة من الناس تبدو وكأنها تخدم مصالح الجميع. على سبيل المثال، إذا ~~كان الجميع يؤمنون بأن القوانين الاقتصادية توجد بشكل طبيعي ومستقل عن البشر، فأغلب ~~الظن أن يقبل العمال الأجور الزهيدة التي يحصلون عليها لقاء كدهم بدلا من أن يروا ~~في موقفهم إجحافا هيكليا بحاجة إلى إصلاح؛ ولذا، فإن نقد الأيديولوجية نوع من ~~النقد المحايث ms015 الذي يفضح هذه الأوهام الضرورية اجتماعيا؛ ومن ثم يجعل، أو هكذا ~~نأمل، موضوع النقد - وهو هنا البنية الاجتماعية المشكلة للوهم - أكثر سلاسة ~~وقابلية للتغير. # وبحسب هابرماس، فإن مفهوم الفضاء العام فكرة وأيديولوجية في آن واحد. فالفضاء ~~العام مساحة يشارك فيها الناس كأنداد في نقاش عقلاني طلبا للحقيقة والصالح العام. ~~فالانفتاح والشمولية والمساواة والحرية كأفكار كانت لا تقربها الشبهات، لكنها في ~~الواقع محض أيديولوجيات أو أوهام؛ وذلك لأن المشاركة في الفضاء العام الموجود في ~~المقاهي والصالونات والدوريات الأدبية في أوروبا القرن الثامن عشر نظريا طالما ~~كانت حكرا على مجموعة صغيرة من الرجال المتعلمين الأثرياء. وكان الثراء والتعليم ~~شرطي المشاركة الضمنيين. والواقع أن السواد الأعظم من الفقراء وغير ~~المتعلمين، وجميع النساء تقريبا، كانوا مستبعدين من الفضاء العام. ومن ثم، فإن ~~فكرة الفضاء العام ظلت طوباوية وحسب؛ مجرد رؤية شاملة داعية للمساواة بين البشر ~~لمجتمع جدير بأن نسعى لتحقيقه، لكنه لم يتحقق كليا قط. وظل مفهوم الفضاء العام ~~البرجوازي أيديولوجيا بالمعنى الثاني أيضا؛ وذلك لأن فكرة المصلحة العامة أو ~~الصالح العام، التي خلقتها الثقافة المشتركة للجمهور المولع بالأدب وسوق الحجج، ~~طرحت ما كانت في حقيقة الأمر مصالح مجموعة محدودة من الرجال المتعلمين الأثرياء ~~باعتبارها المصلحة العامة للبشر أجمعين. # أهم نقطة في منهج هابرماس هي إثبات أن فكرة الفضاء العام البرجوازي كانت، رغم ~~كل ذلك، تتجاوز الوهم المحض؛ لأن هذا الفضاء كان أساسا مفتوحا؛ فكل من حصل ~~ثروة وتعليما مستقلين، بغض النظر عن مكانته أو حالته الاجتماعية أو الطبقة التي ~~ينتمي إليها أو جنسه، يحق له المشاركة في النقاش العام. ولم يكن هناك من يستبعد ~~«نظريا» من المشاركة في الفضاء العام، مع أن كثيرا من الناس استبعدوا ~~«فعليا». إن نموذج اجتماع عدد من الأشخاص المستقلين على نحو تطوعي مفتوح للجميع، ~~يجتمعون كأنداد للمشاركة في نقاش لا يقيده قيد طلبا للحقيقة والمصلحة العامة، كان ~~لا شك طوباويا، لكنها كانت ولا تزال يوتوبيا جديرة بالسعي إليها. ولفترة وجيزة ~~خلال القرن الثامن عشر، لم تكتسب هذه اليوتوبيا ms016 رواجا فكريا فحسب، بل وبدأت ~~تتحقق على أرض الواقع، بشكل عابر وجزئي، في الواقع الاجتماعي والسياسي. ~~(2-3) انحسار الفضاء العام # يرسم الجزء الثاني من «التحولات البنيوية» تفسخ الفضاء العام وانحساره. لما ~~شهدت الصحف والمجلات تدريجيا رواجا كبيرا على نطاق واسع، تحولت إلى شركات ~~رأسمالية عملاقة تعمل على خدمة المصالح الخاصة لعدد قليل من أصحاب النفوذ. ~~وتدريجيا فقد الرأي العام استقلاليته المزدوجة، علاوة على وظيفته النقدية. وبدلا ~~من تعزيز تشكل الرأي العقلاني والمعتقدات الموثوقة، أمسى الفضاء العام في ~~القرنين التاسع عشر والعشرين حلبة يمكن فيها توجيه الرأي العام والتلاعب به. وأمست ~~صحف ومجلات الإعلام الجماهيري والروايات الأعلى مبيعا، إضافة إلى البث الإذاعي ~~والتليفزيوني، عناصر استهلاكية؛ وبدلا من أن تعزز الحرية والرخاء البشري بدأت في ~~واقع الأمر تقمعهما. ولا شك أن مؤسسات الدولة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية أصبحت ~~أكثر براعة من ذي قبل في الفوز بتقدير الجمهور وتأييده؛ مما كفل لها غطاء من ~~الشرعية لاحقا. ولكن هذا التأييد قوامه الآراء الخاصة لمستهلكين صاغرين غير ~~ناقدين وتابعين اقتصاديا، لا الرأي العام السديد الذي يتشكل عبر النقاش العام ~~المدروس. # إن هذه النظرة المتشائمة نوعا ما لتطور المجتمع الرأسمالي الغربي في القرن ~~العشرين كانت تتسق مع جزء كبير من رواية أدورنو وهوركهايمر للطريقة التي خلقت بها ~~صناعة الثقافة جمهورا متجانسا بشكل متزايد من المستهلكين الخانعين غير الناقدين. ~~وتبنى هابرماس أيضا تحليل مدرسة فرانكفورت المتشائم نوعا ما، والذي مفاده أن ~~الرأسمالية الاحتكارية وليبرالية دولة الرفاه في الولايات المتحدة الأمريكية ~~أفضتا في نهاية المطاف إلى تضاؤل حرية الإنسان، وتفريغ السياسات الديمقراطية من ~~مضمونها، ولم تقدما بديلا مثمرا للنظام الاجتماعي الهش لجمهورية فايمر ~~الألمانية التي أذعنت للنازية. # لهذه الأسباب كلها، يتصف هابرماس بمزيد من الوضوح والإيجابية مقارنة بما كان ~~عليه أدورنو وهوركهايمر في أي وقت حيال المسار الذي كان ينبغي سلوكه. فالفضاء العام ~~الذي انحسر حقا وتشظى كان ينبغي تعميقه وتوسعة نطاقه واستمراره في ممارسة مهمة ~~النقد وإضفاء الشرعية على النظامين السياسي والاقتصادي، والزج بهما في نطاقات تحظى ~~بالسيطرة ms017 الديمقراطية. ويختتم هابرماس حديثه في «التحولات البنيوية» بما يحويه ~~التحليل النهائي؛ ألا وهو تخمين يحدوه الأمل بأن هذا التطور لم يحدث بعد، وقد يطرأ ~~في المستقبل على أساس الفضاءات الحالية للدعاية المدمجة في مؤسسات كالأحزاب ~~السياسية. وفي ظل الظروف السياسية والاجتماعية المواتية، يحتمل سد الفجوة التي لا ~~تفتأ تتسع بين فكرة الفضاء العام والواقع الاجتماعي والسياسي مجددا. ~~(2-4) مفهوم النظرية النقدية عند هابرماس # يهتم هابرماس بمفهوم الفضاء العام؛ لأنه يعتبره أصلا لنموذج إرساء السياسات ~~الديمقراطية، وأساسا للقيم الأخلاقية والمعرفية التي تعزز الديمقراطية وتحافظ ~~عليها؛ ألا وهي المساواة والحرية والعقلانية والحقيقة. ودائما كانت أعمال هابرماس ~~مختلفة عن أعمال أساتذته بمدرسة فرانكفورت؛ إذ كان اهتمامه الشديد بالحرية الفردية ~~دوما مرتبطا باهتمامه بمصير المؤسسات الديمقراطية وبآفاق تجديد السياسات ~~الديمقراطية. ومن ثم، فهو يبدي اهتماما بالبنية المؤسسية الفعلية للمجتمع ~~الديمقراطي أكبر بكثير من هوركهايمر وأدورنو. وهو يرى أن النظرية النقدية كان يجب ~~أن تدلي بدلوها في أنواع المؤسسات الضرورية لحماية الأفراد من مفاتن التطرف ~~السياسي، من ناحية، وعمليات النهب التي يقوم بها الاقتصاد الرأسمالي المتنامي ~~سريعا من ناحية أخرى. # لا يبادر أدورنو، شأنه شأن ماركس من قبله، بالخوض، إلا قليلا، فيما يجب أن يكون ~~عليه المجتمع الصالح أو العقلاني، وشأنه شأن ميشيل فوكو (1926-1984) من بعده، فهو ~~يتعامل بريبة شديدة مع المؤسسات عامة. إن الغاية العملية لنظرية أدورنو النقدية هي ~~تجهيز الأفراد بالقدرات التي تمكنهم من مقاومة الاندماج في مؤسسات المجتمع ~~الرأسمالية التي لا مناص منها، والساعية لدمج الجميع في نسيجها. وأهم هذه القدرات ~~على الإطلاق الاستقلال الفردي الذي يفهم إلى حد ما في سياق إحساس إيمانويل كانط ~~(1724-1804) بما يعرف ب # Mündigkeit ~~(والذي يترجم ~~أحيانا إلى «الرشد»)؛ وهي القدرة على استخدام المرء منطقه الخاص والتفكير بنفسه. ~~ولكن حسبما يرى أدورنو، يرتبط الرشد # Mündigkeit # بالتحرر من جهة شديدة السلبية؛ فالتحرر في الموقف الحالي لا يعني سوى مقاومة النظام ~~الراسخ، والقدرة على قول كلمة «لا»، والقدرة على رفض التكيف أو التأقلم مع الواقع ~~الاجتماعي الحالي. ms018 ويريد هابرماس، في المقابل، أن يحدد الظروف الاجتماعية والمؤسسية ~~التي تعزز الاستقلال؛ فالتحرر عنده يعني خلق مؤسسات ديمقراطية حقا لها القدرة على ~~الصمود في مواجهة الآثار المدمرة للرأسمالية وإدارة الدولة. # ولذا فإن «التحولات البنيوية» يعطي صورة للتنوير أقل تشاؤما وسوادا بكثير من ~~«جدلية التنوير». ففي «جدلية التنوير»، نجد أن العقلانية نفسها هي السبب المحتوم ~~للهيمنة وفي آن واحد السبيل لفك عراها. إن نظرية أدورنو وهوركهايمر أبورية عن وعي ~~ذاتي؛ فهي تسلط ضوءا طفيفا على الموقف المتأزم الذي لا سبيل للخروج منه. وفي ~~المقابل نجد أن نظرية هابرماس عن الفضاء العام تتبنى نموذج النقاش العقلاني الحر ~~بين الأنداد، مع أنه لم يتحقق حاليا باعتباره نموذجا جديرا بأن نسعى وراءه رغم ~~ذلك. # الفصل الثاني # | نهج هابرماس الجديد نحو النظرية الاجتماعية # (1) أعمال هابرماس الأولى # بعد «التحولات البنيوية» بعشرين عاما تقريبا، نشر هابرماس عمله «نظرية الفعل ~~التواصلي» الذي يعتبر أول إعلان رئيسي عن نظريته الناضجة. ولم يكن العقدان الفاصلان ~~بأي حال من الأحوال فترة من الصمت المطبق. على العكس من ذلك، كان إنتاج هابرماس في هذه ~~الفترة غزيرا على غير العادة؛ حيث نشر العديد من الأعمال المهمة. فإذا كان «التحولات ~~البنيوية» العمل الذي بشر بنهاية تبعية هابرماس الفكرية، فقد مثل هذان العقدان ~~سنوات إبحاره في رحلته الفكرية. وخلال هذه الرحلة، أعاد هابرماس تجهيز نفسه وتعديل ~~موقفه فيما يختص بالمنهج الهيجلي-الماركسي الذي لم يكن على وفاق تام معه على الإطلاق. ~~وحقق ذلك بأن طور ثلاثة مسارات فكرية ذات صلة بذلك المنهج. # أطال هابرماس انخراطه النقدي مع ماركس وإرثه الفكري في الستينيات والسبعينيات، ~~مستندا إلى فرضية مفادها أن العمل هو الفئة الأساسية لإدراك الإمكانات البشرية، وأن ~~حرية الإنسان يمكن تصورها بشكل ذي مغزى باعتبارها تحررا لقوى الإنتاج وتحولا ~~لعلاقات الإنتاج. # وكما أوضح غيره من المنظرين، ومنهم المنظر الاجتماعي الفرنسي سيمون ويل ~~(1909-1943)، أن الحرية بتصورها هذا لا ترقى إلى تحرر البشر والقضاء على الظلم ~~الاجتماعي، فيجب عدم الخلط بين العلاقات والتفاعلات الإنسانية من ناحية والعمل والكد ms019 من ~~ناحية أخرى؛ ذلك أن العمل والكد علاقات تربط بين ذات وموضوع، وهي علاقات أداتية محضة، ~~بينما الأولى علاقات بين الذوات وهي لا أداتية إلى حد كبير. واستجابة لذلك، شرع هابرماس ~~في دراسة تطور البنى المعيارية، وتطور الوعي الأخلاقي كتتمة وتصحيح للفكر ~~الماركسي، الذي كان مشغولا أكثر من اللازم بتطوير أنماط الإنتاج. ولقد أعطاه ذلك ~~مفهوما أكثر ثراء بالروابط الاجتماعية والإنسانية مقارنة بما أتاحته عادة النظريات ~~الماركسية. # شكل 2-1: كارل ماركس. كان هابرماس، بوصفه منظرا اجتماعيا ~~ماركسيا، شديد الانتقاد للنظرية الاجتماعية عند ~~ماركس. # التطور الثاني هو أن هابرماس أمسى ~~مهتما بمنهج البراجماتية الأمريكية الذي وضعه ويليام جيمس (1842-1910) وجون ديوي ~~(1859-1952) وجورج هربرت ميد (1863-1931) وتشارلز ساندرز بيرس (1839-1914)، والمنهج ~~التأويلي غير المنقطع الصلة تماما والممتد من فلهلم دلتاي (1833-1911) إلى هانز-جورج ~~جادامير (1900-2002). اشترك هذان المنهجان، البراجماتية الأمريكية والتأويلية ~~الألمانية، في فرضية مهمة، وهي أن الفلسفة يجب أن تجد لها مستقرا في الحياة اليومية ~~وتحافظ على رابطها بها. ويتعين أن تؤتي النظريات والمفاهيم الفلسفية ثمارها بإحداثها ~~فارقا في حياة أناس حقيقيين وتجربتهم في عالم الواقع. # وثالثا، إلى جانب نقده لماركس وانغماسه في التأويلية والبراجماتية، قدم هابرماس ~~نقدا للتكنولوجيا والعلم والأساليب العلمية والوضعية في التفكير. ورغم ميله إلى ~~الوضعية المنطقية عند مدرسة فيينا بقدر أكبر من أدورنو وهوركهايمر، ظل هابرماس منتقدا ~~لوجهة النظر القائلة بأن المعرفة كلها، ولا سيما معرفة العالم الاجتماعي، يجب أن تتسق ~~وقوانين العلوم الطبيعية. وفي نهاية المطاف، استحدث هابرماس وجهة النظر القائلة بأن ~~الأنواع المختلفة للمعرفة - النظرية والعملية والنقدية - تتشكل في سياق أطر مختلفة، ~~وتخدم مصالح بشرية مختلفة. فالمعرفة النظرية تستند إلى اهتمام البشر بالسيطرة التقنية ~~على الطبيعة؛ أما المعرفة العملية والأخلاقية فترتكز على اهتمام البشر بفهم بعضهم ~~بعضا؛ بينما تستند النظرية الاجتماعية النقدية والتحليل النفساني على الترتيب إلى ~~الاهتمام الجمعي والفردي بالتحرر، وبالتحلل من الأوهام، وبالاستقلالية، وتحقيق الحياة ~~الصالحة. # ورغم أن أعماله الأولى كانت حافلة بشكل مميز بأفكار «هابرماسية»، فإنها الآن ذات ~~اهتمام بيوجرافي وتاريخي ms020 إلى حد بعيد. بدأت تأثيرات هابرماس واسعة النطاق بعمله «نظرية ~~الفعل التواصلي» (1981) في التحول إلى برنامج متسق للنظرية الاجتماعية تفتقت منه ~~نظريته الاجتماعية والأخلاقية والسياسية. إن جزءا كبيرا من الكتاب مكرس لنقاشات عن ~~علماء الاجتماع ماكس فيبر (1864-1920) وإميل دوركايم (1858-1917) وتالكوت بارسونز ~~(1902-1979) وصولا إلى جيورج لوكاتش الهيجلي الماركسي (1885-1971) وحتى النظرية ~~النقدية لأدورنو وهوركهايمر. هذا العمل ليس مراجعة للأدبيات. # يتسم نهج هابرماس بأنه إصلاحي لا تاريخي. فهو يباشر عمله بانتقاء النظريات والسوابق ~~التاريخية المتنافسة انتقاء نقديا. ودفاعا عن نهجه، يقول هابرماس إن نماذج العلوم ~~الاجتماعية (على عكس نماذج العلوم الطبيعية) لا يرتبط بعضها ببعض كمعقبات تاريخية؛ ~~فعلماء الاجتماع لا يسقطون نظرية ما لصالح نظرية أخرى أفضل منها؛ وذلك لأن النظريات ~~الاجتماعية يرتبط بعضها ببعض كبدائل تتنافس، إذا جاز التعبير، «على قدم المساواة» ~~(نظرية الفعل التواصلي، المجلد الأول). ومن ثم فمن بين معايير النظرية الاجتماعية ~~السديدة الدرجة التي تستطيع بها التعامل مع سابقاتها ومنافساتها؛ بحيث تفسر إنجازاتها ~~وتحافظ عليها وتعالج عيوبها في الوقت نفسه. وتلبية لهذه الغاية، يقدم هابرماس ما يسميه ~~«تاريخ النظرية بنية منهجية»، وهو نهج تركيبي مدروس ينسب إليه ثراء أعماله ~~الرئيسية، وكذلك إسهابها المخيب للآمال. # بدلا من التركيز على تناولات هابرماس لتاريخ النظرية الاجتماعية، الأمر قد يكون ~~متحيزا نوعا ما، سأركز على النية المنهجية في أعماله. إن هدفه المباشر في «نظرية ~~الفعل التواصلي» هو حل ثلاث مشكلات يعتقد أنها سببت إحباطا للمفكرين أصحاب المناهج ~~سالفة الذكر. ~~(2) ثلاث مشكلات في النظرية الاجتماعية ~~(2-1) مشكلة فهم المغزى في العلوم الاجتماعية # مشكلة فهم المغزى في العلوم ~~الاجتماعية هي مشكلة تفسير أفعال البشر (أو فهم مغزاها). والكلمة المقابلة للمغزى ~~في هذا السياق هي # Sinn # الألمانية. ولوقع هذه ~~الكلمة على آذان أبناء القرن العشرين استخدامان فنيان مختلفان؛ فقد استخدمها في ~~الأساس فلهلم دلتاي وغيره إشارة إلى المغزى الرمزي للأفعال البشرية. وهنا تحمل هذه ~~الكلمة المعنى الذي يحمله «المغزى» في تعبيرات مثل «مغزى الحياة». ولكن إمعانا في ~~الإرباك، كان جوتلوب فريجه (1848-1925) ms021 يستخدم الكلمة نفسها # Sinn # لبيان الطريقة التي يعطى بها الموضوع ~~الذي تشير إليه كلمة أو عبارة ما إلى الذات. وميز فريجه معنى الاصطلاح الباطن ~~لغويا، ألا وهو # Sinn ~~، عما يشير إليه، أو # Bedeutung # الكائن بالعالم الخارجي. فعبارة «نجم ~~الصباح» لها معنى يختلف عن عبارة «نجم المساء»، لكنهما يشيران إلى كوكب الزهرة. ~~مؤقتا، لنستغل استخدام فريجه لكلمة # Sinn # في جانب ~~واحد. # ذكر دلتاي أن العلوم الإنسانية، أو # Geisteswissenschaften ~~، كالتاريخ والفلسفة ~~والقانون والأدب، وهي الفروع المعنية بدراسة الأمور الإنسانية؛ مميزة منهجيا عن ~~العلوم الطبيعية؛ فالعلوم الإنسانية سبيل لفهم العالم الاجتماعي، بينما العلوم ~~الطبيعية تعنى بتفسير الأحداث الخارجية أو الظواهر الطبيعية. رأى دلتاي أن ~~التفسيرات الطبيعية-العلمية السببية كانت غير كافية لفهم الحياة الفكرية والروحانية ~~للبشر. فسر العلم الأشياء من الخارج بمساعدة النظريات المدعومة بالملاحظة ~~التجريبية. لكن أفعال البشر كان لا بد من فهمها أيضا من الداخل، من وجهة نظر ~~التجربة الذاتية. على سبيل المثال، يمكن أن يعطينا العلم تفسيرا فيزيائيا ~~وحيويا-كيميائيا وافيا لحركة الجسم البشري، لكنه لا يكشف لنا عن شيء حيال ~~أهمية فعل العدو؛ فلا يعلمنا إن كان من يعدو أمامنا هو مسرع أم فار أم ~~متدرب. ولكي نفهم مغزى الفعل، يجب أن نفسره في ضوء التجربة البشرية الذاتية ~~للفاعل. # وعلى نهج دلتاي، فكر فيبر أن على المرء المزج بين الملاحظات الخارجية للسلوك ~~البشري وفهم المغزى الذاتي «الداخلي» للفعل. ويمكن الوصول إلى المغزى الذاتي السالف ~~الذكر بتفسير السلوك البشري في ضوء السياق ذي الصلة للدوافع والقيم والاحتياجات ~~والرغبات البشرية. وقال فيبر إن الفعل ذو مغزى ذاتي؛ ومن ثم فهو مفهوم إذا تسنى ~~ربطه بسياق مناسب من الوسائل والغايات؛ أي إذا تسنى فهمه باعتباره أقدم عليه ~~لسبب. وفي المقابل، فالفعل «غير ذي مغزى»، شأنه شأن غالبية السلوكيات الحيوانية، ~~إذا لم يتسن تفسيره إلا كرد فعل لمثير خارجي. لقد ربط فيبر بين مسألة مغزى ~~الفعل ومسألة السبب الداعي للإقدام عليه. # يعيب نظرية فيبر للفعل، رغم كل مميزاتها التي تتفوق بها على نظرية دلتاي، ~~العديد ms022 من السقطات. يرى فيبر أن المفسر يمكن أن يفهم مغزى فعل شخص ما، لدرجة ~~أنه يستطيع إعادة خلق أو استنساخ ما يحدث ذاتيا «داخل» عقل ذلك الشخص بشكل فيه ~~تقمص عاطفي، لكنه لا يقدم لنا تحليلا وافيا لماهية هذا الفهم الحاصل بالتقمص ~~العاطفي. لدى فيبر مفهوم ازدواجي عن الفعل طبقا له ينفصل العقل الداخلي عن الجسد ~~الخارجي، وبذا تظل العلاقة بينهما غامضة في حد ذاتها. ومن ثم، يتعذر عليه أن يصرح ~~بالقيود التي تقيد تفسير فعل ما. وهذا يعني أنه لا سبيل لديه لتفسير سبب أن ما ~~يعد غير عقلاني أو عقلانيا من منظور الفاعل يعد أيضا غير عقلاني أو ~~عقلانيا من منظور مفسر الفعل. ولذلك، لا يستطيع فيبر تفسير علة استمرار ثبات ~~مغزى الفعل بمرور الوقت وإمكانية الكشف عنه. # ثمة طريقة أنفع وأجدى للتعاطي مع المشكلة برمتها؛ ألا وهي التمييز بين المعتقدات ~~والرغبات والتوجهات الذاتية للفاعل ومحتواها «الاقتراحي» الموضوعي. فبمجرد أن نفعل ~~ذلك، يمكننا فهم الفعل بواسطة إعادة تكوين الأغراض أو النيات الذاتية للفاعل ~~باعتبارها حدثا من أحداث المنطق العملي: ~~(1) # يود سميث الحفاظ على شعوره بالدفء. ~~(2) # يملك سميث موقدا لحرق الخشب يستخدمه في تدفئة البيت. ~~(3) # نفد الوقود الذي يستخدمه سميث لإشعال الموقد. ~~(4) # يعلم سميث أنه يستطيع الحصول على وقود للموقد إذا ما جمع الحطب ~~وقطعه. ~~(5) # ولذا، ينبغي أن يجمع سميث الحطب ويقطعه. # تبرهن هذه الحجة على أن سميث لديه سبب في ظل الظروف الحالية لجمع الحطب وتقطيعه. ~~وإذا تسنى لنا كمفسرين افتراض أن فهم سميث لهذا المنطق أدى به إلى جمع الحطب ~~وتقطيعه، فسيمكننا، على أساس سلوكه الظاهري، فهم مغزى فعله فهما وافيا. يعتمد ~~مغزى فعل سميث على حقيقة الافتراضات من 1 إلى 4، وكذا على صحة الاستنباط المفضي إلى ~~النقطة 5، وهي كلها منفصلة عن الحالات الذهنية لسميث ولمفسره. # هذا نهج قياسي نوعا ما لمهمة تفسير الأفعال يحل المشكلة المتعلقة بتفسير فيبر. ~~ورغم أن هابرماس لا يتبنى هذا الحل، فهو يوافق على أن نظرية مغزى الفعل تعول على ~~نظرية المعنى ms023 اللغوي، ويتفق مع النقاط التالية: ~~(1) # لفهم مغزى فعل من الأفعال، لا يكفي أن نطرح وصفا خارجيا من طرف ~~ثالث للسلوك. ~~(2) # الفهم السديد لمغزى الفعل يعتمد على فهم صحيح للأسباب الداعية للقيام ~~بالفعل. ~~(3) # لا يمكن تفسير الأسباب؛ ومن ثم الأفعال، تفسيرا صحيحا إلا بمساعدة ~~المعرفة المسبقة للأغراض والقيم والاحتياجات والرغبات والتوجهات ~~البشرية. ~~(4) # المغزى وراء فعل ما، والأسباب الداعية للقيام به، لها محتوى متاح في ~~الأساس لكل من المفسر والفاعل، وليس حكرا على الفاعل ~~وحده. # وبناء على ما تقدم، يرى هابرماس أن النهج القياسي معيب؛ إذ يفترض خطأ أن البشر ~~كائنات تحمل احتياجاتها ورغباتها قبل تفردها ونزوعها للتجمع. علاوة على ذلك، فهو ~~يفترض أن كل فرد يفكر بشكل أداتي من وجهة نظره الشخصية؛ ولذا فإن المعاني العامة ~~والمشتركة تعتمد على أسباب خاصة وفردية. وأخيرا، فهذا النهج يستبدل بكل من ~~المفهوم التأويلي عند دلتاي والمفهوم المنطقي النفساني عند فيبر للاصطلاح الباطن ~~لغويا شيئا آخر أكثر صلة بمفهوم فريجه عن الإشارة الكائنة بالعالم الخارجي. وفي ~~المقابل، يرى هابرماس، كما سيتبين لنا في الفصل التالي، أن المعنى اللغوي لا يمكن ~~اختزاله إلى شروط افتراضات الحقيقة. ~~(2-2) اللاعقلانية ومشكلة نقد الأيديولوجية # تساءل المنظرون الاجتماعيون منذ عهد لودفيج فويرباخ (1804-1883) وكارل ماركس عن ~~علة استعداد الفاعلين للحفاظ على مؤسسات تعوق أو حتى تحبط تحقيق مصالحهم وإعادة ~~استنساخها. لم يجاري الفقراء والمهمشون والمضطهدون المؤسسات والقوانين نفسها ~~- سواء كانت دينية أم اقتصادية أم سياسية - التي تفقرهم وتهمشهم وتضطهدهم؟ الإجابة ~~التي يقدمونها هي أن هذه الفئات تتصرف بلا عقلانية؛ لأنها تتبنى معتقدات خاطئة عن ~~ماهية مصالحها الحقيقية. استخدم ماركس اصطلاح «الأيديولوجيات» الفني (الذي تعرفنا ~~عليه في الفصل الأول) إشارة لمثل هذه المعتقدات الخاطئة. فقد رأى أنه ليس من ~~الكافي للفيلسوف الاجتماعي أن يجعل الفاعلين المضطهدين ببساطة على دراية بمعتقداتهم ~~الخاطئة. فالتغيير الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق بإحلال معتقدات سليمة محل أخرى خاطئة ~~هكذا ببساطة. فالمسألة ليست، كما كتب أفلاطون ذات مرة، بمنزلة صب البصر في أعين ~~المكفوفين. ثمة شيء في ms024 المجتمع - شيء يتعلق بتنظيمه الاقتصادي لدى ماركس - يجعل ~~الفاعلين أكثر ميلا لاكتساب هذه الأيديولوجيات والتشبث بها، رغم الجهود المثلى ~~للفلاسفة الاجتماعيين الساعية لإزالة الغشاوة من على أعينهم. والأدهى أن استمرار ~~هذه الأيديولوجيات ساعد على استنساخ الأنظمة الاجتماعية الاستبدادية نفسها التي ~~ساعدت على نشأتها، والحفاظ عليها. لقد كانت المشكلة العملية للمنظرين الاجتماعيين ~~الماركسيين تكمن في تحديد وتغيير الآليات المولدة للأيديولوجية التي جعلت ~~الفاعلين ينزعون إلى التصرف بما يتعارض مع مصالحهم الحقيقية. # لقد كانت هذه الاستراتيجية التفسيرية معيبة، مع أنها لم تخل من جاذبية بديهية ~~خاصة. أولا: يجب أن تتاح لدى الناقد الماركسي للأيديولوجية نفسه معلومات موثوقة ~~عن ماهية الآلية المولدة للأيديولوجية، وتفسير وجيه يعلل كون معلوماته الخاصة ليست ~~عرضة لأي نوع من أنواع الخطأ الأيديولوجي الذي ينسبه على نطاق واسع للآخرين. يجد ~~ناقد الأيديولوجية أمامه خيارين: إما أن يستثني نظريته الخاصة من الشك في أنها وهم ~~أيديولوجي. وفي هذه الحالة، لا بد أن تكون هناك وسيلة لتفادي تعرضه للخداع، وينبغي ~~أن تكون معرفة حدوث خداع ما كافية للحيلولة دون تكون المعتقدات الخاطئة. (فور ~~أن نرى حيلة البطاقة، نكف عن الإيمان بسحرها). وإما ألا يستثني نظريته من الشك، وفي ~~هذه الحالة لا يكون هناك أي داع لتصديق ناقد الأيديولوجية أكثر من الأيديولوجية ~~نفسها. على سبيل المثال، يدرك هوركهايمر الجانب الأول من المعضلة. وفقا لتصوره ~~الأصلي للنظرية النقدية، فإن الطبيعة المتعددة التخصصات الانعكاسية الجدلية ~~للنظرية النقدية كان من المفترض أن تحصنها من الأيديولوجية، وتمنح المنظر ~~رؤى متعمقة مميزة في الواقع الاجتماعي. وبالمثل، نجد أن أدورنو أحيانا ما يزعم ~~أنه من حسن الطالع أن واقعة خلال نشأته حصنته من آثار الأيديولوجية. ومع ذلك، ~~فالمنظر النقدي يجد نفسه في موقف مزعج؛ فكلما كان من المفترض أن تكون الآلية ~~المكونة للوهم أكثر عمقا وأكثر فسادا، كان زعمه بعدم التأثر بها أقل ~~مصداقية. # ثانيا: من المقبول حاليا وعلى نطاق واسع أنه لا يمكن تفسير المعنى إلا على فرض ~~أن الناس عقلانيون في الأساس، وأن معتقداتهم صحيحة إلى ms025 حد بعيد. إذا كان ~~المفسر على استعداد للقبول باللاعقلانية والخطأ الشائع نفسه لدى الفاعلين الذين ~~يحاول تفسير أفعالهم، فسيقبل الكثير من التفسيرات المحتملة لسلوكهم. (وربما أن ~~الشخص المار من أمامنا يعتقد أن ثمة دبا خفيا يطارده). وبذلك فإن المفسر ~~يحرم نفسه من أي وسائل موثوقة لتحديد أي التفسيرات صحيح؛ ومن ثم فهم معنى ~~الأفعال المراد تفسيرها. لا يمكن التوسع في فكرة الوهم الأيديولوجي أكثر من اللازم ~~دون الحط من شأنها. فإذا بولغ في الاحتكام إلى اللاعقلانية، فإن ذلك يهدد بأن ~~يصبح العالم الاجتماعي غير مفهوم. تستجيب النظرية الاجتماعية عند هابرماس، كما ~~سنرى في الفصل الرابع، إلى هذه المشكلة بإعادة صياغة فكرة الأيديولوجية، ومفهوم ~~النقد الأيديولوجي المرتبط بها في سياق تمييزه بين الفعل التواصلي والفعل الأداتي. ~~من وجهة نظر هابرماس، الإجابة ليست أن كثيرا من الناس، دون دراية منهم، يتصرفون ~~بلا عقلانية، بل إنهم يوجهون بفعل الأنظمة الاقتصادية والإدارية إلى أنماط ~~بعينها من السلوك العقلاني بشكل أداتي. ~~(2-3) مشكلة النظام الاجتماعي # يهتم هابرماس - شأنه شأن كثير من المنظرين الاجتماعيين من قبله - بمسألة ~~إمكانية وجود نظام اجتماعي. وتطرح هذه المسألة كثيرا كما أثارها توماس هوبز ~~(1588-1679). فقد تساءل هوبز كيف يمكن أن ينشأ نظام اجتماعي متوقع ومستقر من رحم ~~أفعال أعداد مهولة من البشر المتمايزين، قليل منهم يعرف الآخرين شخصيا، وقليل ~~جدا فقط منهم، في أي مكان أو زمان، في موقف يسمح لهم بتنسيق أفعالهم باتفاق صريح ~~بينهم. كانت إجابة هوبز هي أن النظام ينشأ بموجب قوانين وسلطة حاكم قدير يتكئ على ~~استخدام القوة والتهديد الحقيقي بإنزال العقاب. # إن المشكلات المرتبطة بحل هوبز لمشكلة النظام الاجتماعي مألوفة. فمن وجهة نظر ~~الفرد، أحيانا ما يكون الثمن المتوقع لمخالفة القوانين وانتهاك الأعراف - أي ~~العقوبة - أقل بكثير من المنفعة المتصورة للنجاة من العقاب، وفي هذه الحالة سيكون ~~من المنطقي أكثر مخالفة القانون بدلا من الامتثال له. إن النظريات التي تزعم بيان ~~أن طاعة القوانين الراسخة تعود بالنفع بشكل ما على الفرد - النظريات الاجتماعية ~~الأداتية - تصطدم ms026 بما يعرف بمشكلة «المنتفع بالمجان». فهذه النظريات لا تستطيع أن ~~تعلل لماذا يطيع الناس، أو ينبغي أن يطيعوا، القوانين حتى ولو بدا لهم أنه من ~~المنطقي ألا يفعلوا، وأن يستفيدوا شخصيا من طاعة الآخرين. ومن ثم، فمشكلة النظام ~~الاجتماعي لم يوجد لها جواب شاف. # في مواجهة هذه الاعتراضات، لجأ الفلاسفة لنظريات العقد الاجتماعي التماسا ~~لأجوبة لمشكلة النظام الاجتماعي. زعمت هذه النظريات أن النظام الاجتماعي يستند إلى ~~شبكة من العلاقات التعاقدية الضمنية أو الصريحة. ولكن هذه النظريات يصعب عليها هي ~~الأخرى - بل ويستحيل - تفسير متى وكيف تحديدا تم إبرام هذا العقد ما بين الناس ~~الذين من المفترض أن يلتزموا بشروطه. علاوة على ذلك، كما بين دوركايم، ليس كل ما ~~هو تعاقدي منصوصا عليه في العقد. بدلا من تفسير وجود القوانين والأعراف ~~الاجتماعية، تفترض فكرة العقد مسبقا أن ثمة مجموعة كاملة من الأعراف الاجتماعية - ~~وخاصة تلك التي تنص على تنفيذ العقود - موجودة بالفعل. # حاول دوركايم نفسه تفسير النظام الاجتماعي بافتراض أن الفاعلين يلتزمون بالأعراف ~~التي تشكل الوعي الأخلاقي الجمعي. وهم يفعلون ذلك لأسباب إيجابية وسلبية على حد ~~سواء. فمن خلال التطبع الاجتماعي، يربطون بين عقوبات بعينها وانتهاك الأعراف، ~~ويتعلمون كيف يتجنبون هذه العقوبات بالفعل الطوعي. وفي الوقت نفسه، يخالجهم شعور ~~تدريجي بالألفة والتماهي مع الوعي الأخلاقي الجمعي للمجتمع الذي يعيشون فيه. طور ~~عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز وجهة النظر هذه، فتحولت على يديه إلى نظرية ~~أكثر تعقيدا نوعا ما، مفادها أن امتلاك نظام من الأعراف والقيم يفضي إلى التناسق ~~والاستقرار الاجتماعي. وقال إن الفاعلين يكتسبون نزوعا لتصنيف الدواعي الأخلاقية ~~(اللاأداتية والموجهة نحو الآخرين) في مرتبة أعلى من الدواعي اللاأخلاقية (الأداتية ~~والموجهة نحو الذات)، ونزوعا إلى إنزال العقاب بمن يفشلون في ذلك. وحيث إن أغلب ~~الناس يكتسبون النزعتين معا، فمن الممكن الحفاظ على النظام الاجتماعي مع أن بعض ~~الفاعلين قد ينحرفون من آن لآخر عن الأعراف الاجتماعية. وفي حال فشل الآلية ~~المعيارية في ضمان الالتزام في بعض الحالات، تظل شبكة أمان أداتية في ms027 محلها وراء ~~هذه الآلية؛ لأن الناس سيخشون أن ينزل بهم العقاب إذا لم يلتزموا بما تلزمهم به ~~الخلقية. # يكمن حل هابرماس لمشكلة النظام الاجتماعي في إعادة صياغة جديدة لأجزاء مختلفة ~~من تلك النظريات. سأبادر برسم الخطوط العريضة للفكرة الرئيسية بإيجاز شديد. بحسب ~~هابرماس، يتم تنسيق الأفعال البشرية دوما وفي المقام الأول باستخدام الكلمات أو ~~اللغة. وإذا استخدم الفاعلون اللغة لتنسيق أفعالهم ، فإنهم يلتزمون التزامات محددة ~~بتبرير أفعالهم (أو كلماتهم) على أساس دواع وجيهة. ويطلق على هذه الالتزامات ~~«ادعاءات الصحة». سندرس ما يعنيه بكل من «ادعاء الصحة» و«الصحة» في الفصول ~~التالية. يكفينا الآن أن نلاحظ أن هذه الالتزامات لها نوع من المكانة «الأخلاقية»؛ ~~لأنها منطبقة عموما على الفاعلين ولا مناص منها، وتخلق تعهدات تجاه المستخدمين ~~الآخرين للغة. ولادعاءات الصحة أيضا مكانة «عقلانية»؛ لأنها ترتبط بدواع ~~وجيهة. ادعاء الصحة هو التزام نحو تبرير المرء لأفعاله وكلماته للآخرين. وهذه ليست ~~ظاهرة لغوية ودلالية وحسب؛ فادعاءات الصحة لها وظيفة عملية بما أنها توجه أفعال ~~الفاعلين الاجتماعيين. تقام المجتمعات الحديثة بحيث يمكن أن يطلب من أي فاعل في ~~أي موقف تفسير فعله، ويلزم مسبقا بذلك. بهذه الطريقة، توفر الدواعي الخطوط ~~الخفية التي تتجلى معها تسلسلات التفاعل، وتنأى بالفاعلين عن الصراع. وبينما يألف ~~الفاعلون الاجتماعيون توجيه أفعالهم بواسطة الكلام، والإقرار المتبادل بالدواعي ~~الوجيهة، تبدأ أنماط مستقرة نسبيا من النظام الاجتماعي في التشكل؛ أنماط لا ~~تعول مباشرة على تهديدات معقولة بإنزال العقاب أو على التقاليد العقائدية ~~المشتركة أو قيم أخلاقية سالفة. # هذا تصوير موجز للفكرة الرئيسية وراء نظرية هابرماس الناضجة. وهذه الفكرة ليست ~~أساس نظرية المعنى والعقلانية الخاصة به وحسب، بل وكذا نظريته الاجتماعية ~~والأخلاقية والسياسية والقانونية. وهذا يعني أننا لن نحصل على حل هابرماس لمشكلة ~~النظام الاجتماعي كاملا حتى الفصل التاسع. لكن هذا لا يعني أن نظريات هابرماس ~~الأخلاقية والسياسية ما هي إلا مكونات لنظريته الاجتماعية، وأن أعماله ما هي إلا ~~طريقة طويلة جدا ومسهبة للإجابة عن مسألة النظام الاجتماعي وحدها. إن برامج ~~هابرماس للفلسفة الاجتماعية ms028 والأخلاقية والسياسية مهمة كل على حدة، ولكن كما ~~نتذكر من المخطط الذي أوردناه سلفا (الشكل # 5 ~~)، فكل منها ~~يدعم الآخر. وكون النظرية الأخلاقية والسياسية لهابرماس تصب أيضا في نظريته ~~الاجتماعية يعكس حقيقة أن المجتمعات الحديثة شديدة التعقيد، وأن المعايير ~~الأخلاقية، وقوانين الدولة، والمؤسسات الاقتصادية والإدارية والسياسية جزء لا يتجزأ ~~من النسيج الاجتماعي. # الفصل الثالث # | برنامج المعنى البراجماتي # (1) التحول اللغوي ونهاية فلسفة الوعي # يزعم هابرماس أنه ابتكر طريقة جديدة ~~لتناول الفلسفة الاجتماعية؛ طريقة تبدأ بتحليل استخدام اللغة؛ مما يجعل الأساس العقلاني ~~لتنسيق الفعل يكمن في الكلام. ويربط هابرماس هذه الطريقة الجديدة بتحول أكثر عمومية ~~في الفلسفة يطلق عليه اسم «التحول اللغوي». ميزت هذه العبارة أصلا محاولات مختلفة ~~قام بها مختلف فلاسفة القرن العشرين لحل الخلافات المعرفية والميتافيزيقية المستعصية ~~ظاهرا عن طريق دراسة الحقائق المفاهيمية المتأصلة في استخدامنا للغة. قامت ~~الاستراتيجية الأساسية على معالجة أسئلة تتعلق بما هو موجود، وما يمكن التعرف عليه، ~~وكيف يمكن التعرف عليه، باعتبارها أسئلة خاصة بما نعنيه، أو ما نشير إليه، وكيف نفعل ~~ذلك. ويطبق هابرماس استراتيجية مثيلة على أسئلة متعلقة بطبيعة ما هو اجتماعي ~~وإمكانية وجود نظام اجتماعي. # التحول اللغوي عند هابرماس ليس مجرد تحول باتجاه اللغة وحسب، بل هو تحول يبتعد ~~به عما يسميه «نموذج فلسفة الوعي». وهما وجهان لعملة واحدة؛ ففلسفة الوعي تحدد ~~نموذجا فلسفيا عاما جدا يمكن اختزاله في القليل من الأفكار المميزة: ~~(1) ~~«الذاتية الديكارتية»: الفكرة المألوفة التي مفادها أن ثمة شيئا يعرف ~~باسم الذات التي هي محل العقل المتصور كعالم ذهني داخلي من الأفكار ~~والتصورات. ~~(2) # عادة ما تلازم الذاتية الديكارتية «الازدواجية الميتافيزيقية»: وهي فكرة ~~أن هناك نوعين من المادة؛ التفكير والكيان الممتد. وأحيانا ما تعرف باسم ~~«الازدواجية الديكارتية» أو «ازدواجية العقل والبدن»؛ لأن ديكارت كان يحسب ~~العقل والبدن كيانين مختلفين أساسا. ~~(3) ~~«ميتافيزيقا الذات-الموضوع»: هذه هي النظرة الأكثر عمومية ومفادها أن ~~العالم هو مجموع الموضوعات التي تقف في مواجهة تعددية التفكير والذوات ~~الفاعلة. وما يميز هذه الفكرة أن الذوات لا تعتبر أجزاء من ms029 العالم الذي ~~تعمل عليه. (ليست كل النظريات المثيلة نسخا من الازدواجية الميتافيزيقية. ~~على سبيل المثال، يحدث هيجل تحولا في نموذج الذات-الموضوع من الداخل، ~~وذلك عن طريق تصور العالم على أنه نتاج روح ذاتية مفردة عارفة للذات؛ ولذا، ~~فإنه يملك ميتافيزيقا ذات-موضوع أحادية.) ~~(4) ~~«التأسيسية»: من منظور محدود، تشير التأسيسية إلى المذهب المعرفي لمدرسة ~~فيينا أو الوضعيين «المناطقة» الذي مفاده أن المعرفة راسخة في بيانات ~~حسية أو في فئة من العبارات الرصدية البدائية. ومن منظور عام، تشير ~~التأسيسية إلى البحث المعرفي عن اليقين الذي يميز كثيرا من الفلسفات ~~الحديثة بداية من ديكارت وما بعده. ~~(5) ~~«الفلسفة الأولى»: فكرة أن الفلسفة، التي لا تفترض مسبقا الحقائق ~~الراسخة بفعل العلوم الطبيعية، مطلوبة لتقديم برهان على صحة أنماط البحث ~~العلمي. وهي شائعة بين الفلاسفة التأسيسيين بالمعنى العام، ومنهم على سبيل ~~المثال ديكارت وكانط اللذان يؤمنان بأن مهمة الفلسفة الأساسية تكمن في وضع ~~معايير للمعرفة السليمة. # هناك فكرتان أخريان يربط هابرماس بينهما وبين فلسفة الوعي؛ وهما ترتبطان بشكل أكثر ~~مباشرة بالنظرية الاجتماعية. ~~(6) ~~«الذرية الاجتماعية»: الفكرة الشائعة في قسم كبير من الفلسفة ~~الاجتماعية والسياسية بأن الأفراد سابقون منطقيا ووجوديا وتفسيريا ~~للواقع الاجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي. واستنادا لهذا الرأي، يتكون ~~المجتمع من مجموع العلاقات التي تربط بين أفراده المحددين كاملي ~~التكون السابقين للوجود الاجتماعي والسياسي. النقطة الجوهرية التي ~~تميز الذرية الاجتماعية هي أنه رغم أن الأفراد لا يتشكلون بفعل علاقاتهم ~~بعضهم ببعض أو بالمجتمع ككل، يتشكل المجتمع بفعل العلاقات التي تربط بين ~~أفراده. ويترتب على ذلك أنه لا ينظر إلى المجتمع على أنه يحمل أي قيمة ~~متأصلة فيه، وأن الانتماء إليه لا يعتبر ذا قيمة أصلا. بدلا من ذلك، نجد ~~أن المجتمع يوجد لخدمة المصالح والرغبات المسبقة لأفراده، والانتماء ~~للمجتمع ذو قيمة أداتية وحسب. ~~(7) ~~«المجتمع ذات كبرى»: يمكن العثور على فكرة كون المجتمع ضربا من ذات ~~كبرى في أعمال أفلاطون وروسو وشيلر وهيجل وماركس ودوركايم. وتقوم الفكرة ~~على أن المجتمع كل عضوي موحد، لا مجرد تعددية أو مجموع ms030 أفراده، بل شخص ~~جمعي نوعا ما. # لا يدعي هابرماس أن كل فيلسوف ينتمي إلى هذا النموذج يقبل كل أفكاره المميزة. الواقع ~~أنهم لا يستطيعون ذلك؛ لأن هذه الأفكار ليست مجموعة متسقة. الفكرتان السادسة والسابعة ~~مثلا تبدوان غير متسقتين تماما. القصد أن هذه الأفكار مؤثرة جدا وراسخة بشدة في ~~الفلسفة الحديثة، وأن هابرماس يرفضها كلها. # وبالعمل في اتجاه خارج عن تحليل التحول اللغوي ذاك، يمكننا تمييز بعض السمات العامة ~~لفلسفة هابرماس. بداية، لا تصور النظرية الاجتماعية لهابرماس العالم الاجتماعي ~~باعتباره موضوعا (أو مجموعة من الموضوعات) يقف في مواجهة مجموعة الذوات التي يتفاعل ~~معها سببيا. وليس العالم الاجتماعي موضوعا أو مجموعة من الموضوعات، وهو ليس تحديدا ~~شيئا خارجنا، بل هو وسط نعيش فيه. إنه «داخلنا» بالطريقة التي نفكر ونحس ونتصرف بها ~~بقدر ما نحن «داخله». هذا أمر تعلمه هابرماس من علاقته في شبابه بهايدجر. وثمة نقطة ~~ثانية مهمة، وهي أن هابرماس لا يرى الفلسفة تخصصا متميزا يتمتع بالأولوية على العلوم ~~الطبيعية؛ فمهمة الفلسفة العمل في تضافر مع العلوم الطبيعية والاجتماعية التي تستقي ~~منها مادتها. وحيثما دعت الضرورة، قد تلعب الفلسفة دور البديل لما يسميه هابرماس ~~«النظريات التجريبية ذات الادعاءات العمومية القوية»؛ أي إن لديها القدرة على سد ~~الفراغات في العلوم الطبيعية بتقديم فرضيات للتأكيد التجريبي (الوعي الأخلاقي والفعل ~~التواصلي). أخيرا، تعطي النظرية الاجتماعية لهابرماس أفضلية للبعد الذاتي المشترك ~~للواقع الاجتماعي. إن المجتمع ليس مجموع الذوات المفردة، كما أنه ليس وحدة عضوية ~~تيسر فيها الأجزاء غاية الكل. فما هو اجتماعي، بحسب قوله، ليس «ذاتا كلية» فحسب، ~~بل إنه ليس حتى موحدا أو متسقا. وكما سيتضح لنا في الفصل الخامس، فما هو اجتماعي يكون ~~بنية معقدة ومتعددة الأوجه بين ذواتية تشمل نطاقات متداخلة مميزة يتفاعل بداخلها ~~الفاعلون. ~~(2) نظرية المعنى البراجماتية عند هابرماس # بالنظر إلى التحول «اللغوي» عند هابرماس من وجهة نظر إيجابية، سنجده تحولا ~~«براجماتيا» أيضا بالقدر نفسه. يحاول هابرماس أن يحدث تحولا في النظرية ~~الاجتماعية بمساعدة ضرب خاص من نظرية المعنى؛ أي النظرية ms031 البراجماتية للمعنى. في ~~السبعينيات، توصل هابرماس متأثرا بكارل-أوتو آبل زميله بجامعة فرانكفورت إلى رأي مفاده ~~أن المعنى اللغوي لم يستنفده المعنى الافتراضي، وأن للمعنى «بنية مزدوجة ~~أدائية-افتراضية»، أو أن المعنى الافتراضي والبراجماتي كانا متلازمين. ولتقدير هذا ~~الموقف وأثره على نظرية هابرماس، سندرس كلا مما سبق على حدة. ~~(2-1) المعنى الافتراضي # بحسب النظرية القياسية الشائعة للمعنى حاليا، يتألف معنى الجملة من شروط صحتها، ~~وفهم معنى جملة من الجمل ما هو إلا معرفة ما يجعلها صحيحة أو خاطئة. ولقد ثبت أن ~~نظرية المعنى المشروطة بالصحة محكمة ومفيدة. فمن ناحية، هي قادرة على تفسير ~~الحقيقة المميزة المتعلقة باللغة؛ ألا وهي أنه من بين عدد محدود من المفردات ~~والعبارات ذات المغزى والقواعد النحوية التي تحكم المزج بينها، يمكن تشكيل عدد لا ~~نهائي من الجمل الجديدة المفيدة الأكثر تعقيدا. ويفسر ذلك بدوره علة فهمنا لمعنى ~~الجمل التي لم نسمعها من قبل قط. # ولكن، ثمة صعوبة واحدة تشوب نظرية المعنى النموذجية المشروطة بالصحة؛ ألا وهي ~~أنها تبدو منطقية لجزء محدود من اللغة وحسب، وهو الجزء الافتراضي أو الوصفي. ولا ~~بأس بها في تأكيدات على غرار «الثلج أبيض»، لكنها لا تناسب تعبيرات مثل «كيف حالك؟» ~~يبدو من العبث أن نزعم بأنه لمعرفة معنى التعبير «كيف حالك؟» يتعين على المرء معرفة ~~الشروط التي بموجبها تكون جملة «كيف حالك؟» صحيحة (أو خاطئة). هناك الكثير من ~~الأمثلة الشبيهة نرى فيها اللغة ذات معنى، مع أنه يبدو من الغريب الزعم بأن معنى ~~الجمل أو أجزاء الجمل يعول على شروط صحتها. ولهذا السبب، يعتقد هابرماس أن علم ~~الدلالة المشروط بالصحة موصوم ب «مغالطة وصفية»؛ فهو يقع في خطأ توسعة نطاق نظرية ~~المعنى التي تسري دون مشكلة على بعض أجزاء اللغة؛ ألا وهي الافتراضات، التي لها ~~حقا وظيفة وصفية أو تمثيلية، بحيث تناسب اللغة بأسرها. وهذا واحد من الأسباب التي ~~دعت هابرماس لتفضيل نظرية المعنى البراجماتية. ~~(2-2) المعنى البراجماتي # نظرية هابرماس للمعنى براجماتية لأنها لا تركز على ما «تقوله» اللغة، بل على ~~ما ms032 «تفعله»؛ فهي نظرية ل «استخدام» اللغة. وينطلق هابرماس من تعريف للغة عند كارل ~~بوهلر (1879-1963)، المنظر اللغوي الألماني، باعتبارها «أداة ينقل بها المرء ~~فكرة للآخر عن العالم.» وينسب بوهلر ثلاث وظائف للغة تقابل منظور المتكلم ~~والمخاطب والغائب على الترتيب؛ ألا وهي: الوظيفة «المعرفية» لتمثيل الحال، ووظيفة ~~«الالتماس» لتوجيه الطلبات إلى المتلقين، والوظيفة «التعبيرية» للإفصاح عن تجارب ~~المتكلم. ويوضح مخطط بوهلر الطبيعة الثلاثية للتواصل. # شكل 3-1: نموذج الأورجانون لدى كارل بوهلر للغة. # يزعم بوهلر أن أي حدث من أحداث استخدام اللغة ينطوي على ثلاثية قوامها المتكلم ~~والمستمع والعالم، وأن نظرية اللغة يجب أن تعاملهم جميعا بإنصاف. ويوافقه هابرماس ~~الرأي؛ فهو يعتقد أنه من الخطأ أن ينصب تركيز نظرية المعنى المشروط بالصحة ~~حصريا على الوظيفة المعرفية، بينما يتجاهل الوظيفتين الأخريين المتمثلتين في ~~العلاقة بين المتكلم والمستمع. ومن ثم، فهي لا تستطيع أن تقدم تفسيرا وافيا ~~لكيفية استخدام اللغة بعدة طرق مختلفة ليتواصل بعضنا مع بعض ولتنسيق ~~أفعالنا. # يطور هابرماس هذه الفكرة قائلا إن الوظيفة البراجماتية للكلام هي الانتقال ~~بالمتحاورين إلى نقطة فهم مشتركة، وتحقيق الإجماع الذاتي المشترك، وأن هذه الوظيفة ~~تتمتع بأفضلية على وظيفة الدلالة على واقع العالم. وبينما تتبنى نظرية المعنى ~~المشروط بالصحة الفرضيات باعتبارها الوحدات اللغوية الأساسية الحاملة للمعنى، ~~تتبنى نظرية المعنى البراجماتية الملفوظات باعتبارها الوحدات اللغوية الأساسية ~~الحاملة للمعنى. ويتكون اللفظ من كلمات ينطقها المتكلم ويتلقاها المستمع في موقف ~~بعينه ولسبب محدد؛ على سبيل المثال، «النافذة مفتوحة». والفرضية هي المحتوى أو ~~الفكرة التي تمثلها الكلمات، وهي «أن النافذة مفتوحة». في المواقف الواقعية، دائما ~~ما تطمر الفرضيات في الملفوظات. لا يرفض هابرماس نظرية المعنى المشروط بالصحة ~~بالمرة، بل إنه ينكر أولا أنها يمكن أن تكون تفسيرا عاما للمعنى، وينكر ثانيا ~~كونها الضرب الأساسي للمعنى. ويرى بدلا من ذلك أن المعنى والفهم من الأفضل ~~تناولهما عبر تحليل للوظيفة البراجماتية للكلام: # لا يعرف المرء ماهية فهم معنى تعبير لغوي إذا لم يكن يعرف أساسا كيف ~~يستغله للوصول إلى فهم مشترك مع الآخر ms033 حيال شيء ما. ~~«براجماتيات التواصل» ~~(2-3) الإجماع والاتفاق # يزعم هابرماس أن الوظيفة الأساسية للكلام هي تنسيق أفعال جمهور الفاعلين ~~المفردين، وإتاحة المسارات الخفية التي يمكن للتفاعلات أن تتجلى فيها بطريقة ~~منظمة وخالية من الصراعات. ويمكن للغة أن تفي بهذه الوظيفة نظرا لغايتها ~~(أو مرادها) المتأصلة المتمثلة في الوصول إلى الفهم أو تحقيق الإجماع. ويرى هابرماس ~~حقيقة لا مراء فيها؛ أن «الوصول إلى فهم يكمن في كلام البشر باعتباره مرادا له» ~~(نظرية الفعل التواصلي، المجلد الأول). ويستخدم هابرماس الكلمة الألمانية # Verständigung # إشارة إلى عملية الوصول إلى فهم ~~أو اتفاق، وعبارة # rationales Einverständnis # إشارة ~~إلى نتيجة هذه العملية؛ ألا وهي الإجماع أو الفهم العقلاني الذي يتم التوصل إليه. ~~وتنبع هذه الكلمات من الفعل # sich verständigen # الذي ~~يمكن أن يعني «أن يجعل المرء نفسه مفهوما للآخر»، لكنه يمكن أن يعني أيضا «الوصول ~~إلى اتفاق مع الآخر». وهذا ازدواج مهم إذا ما نظرنا إلى حقيقة أن الاصطلاح محوري في ~~تفسير النظام الاجتماعي. فيما يلي، سأستخدم كلمة «إجماع» كمراوغة مقبولة، لكننا ~~ينبغي أن نحتاط فلا نغفل عن هذا الازدواج. # تنص نظرية هابرماس على أن المعنى البراجماتي للكلام يتألف من الطريقة التي يعمل ~~بها الكلام على تشكيل إجماع بين ذواتي مشترك بين المتحاورين؛ إجماع يشكل أساس ~~أفعالهم المترتبة عليه. ورؤية هابرماس هي أن الكلام يفي بهذه الوظيفة؛ لأن معنى ~~الملفوظات يعتمد على الأسباب. وأسمي هذه الفكرة الأطروحة العقلانية؛ لأن وجهة ~~النظر القائلة إن المعاني تتكئ على الدواعي هي صورة من صور العقلانية. ويسمي ~~هابرماس وجهة النظر هذه «أساس صحة المعنى»، وهي تسمية أكثر دقة نوعا ما، لكنها ~~أيضا يمكن أن تكون مضللة بسبب الطريقة الغريبة التي يستخدم بها اصطلاح «الصحة». ~~وذلك لأن هابرماس يستخدم هذا الاصطلاح بطريقة براجماتية لا بالمعنى الصوري-المنطقي. ~~في المنطق الاقتراحي، تشير الكلمة نفسها، «الصحة»، إلى علاقة استنباطية حامية ~~للحقيقة بين العبارات المحكمة الصياغة. إن ما يطلق عليه هابرماس اسم الصحة ~~( # Getlung # أو # Gültigkeit ~~) شيء مختلف إلى حد ما؛ فهو ~~العلاقة الوثيقة بين ms034 الأسباب والإجماع، أو بحسب تعبيره، «العلاقة الداخلية مع ~~الأسباب» (نظرية الفعل التواصلي، المجلد الأول، الفصل التاسع). # النقطة المحورية فيما أسميه أطروحة هابرماس العقلانية هي أن المعنى البراجماتي ~~لأحد الألفاظ يعتمد على صحته؛ أي على الإجماع الذي يقدم أسبابا يمكن أن يستشهد بها ~~المتكلم. علاوة على ذلك، يزعم هابرماس أن معنى الأفعال والملفوظات والفرضيات عام أو ~~مشترك بالضرورة، وأن هذا يرجع إلى أن المعنى يعتمد على الأسباب التي هي بدورها عامة ~~أو مشتركة بالضرورة. وتعتمد المعاني المشتركة على أسباب مشتركة. (يمكن أن يرى المرء ~~هنا كيف تعيد نظرية المعنى البراجماتية لهابرماس صياغة فكرة الدعاية في تعبير ~~اصطلاحي مختلف كل الاختلاف، وعلى مستوى نظري أكثر تجريدا من أعماله ~~السابقة.) # لنلق الآن نظرة أكثر تمحيصا على تفاصيل النظرية. يقول هابرماس إن أي فعل ~~كلامي مخلص يطرح ثلاثة ادعاءات مختلفة لصحته: ادعاء صحة حقيقته، وادعاء صحة ~~صوابه، وادعاء صحة صدقه. هذه هي الالتزامات التي شهدناها في نهاية الفصل السابق. ~~وادعاءات الصحة «ضرورية» من حيث إنها تفهم دوما على اعتبار أنها طرحت أثناء فعل ~~الكلام؛ لا يمكننا أن نجعل الآخرين يفهموننا ونشارك في حوار هادف دون افتراضات ~~مسبقة، وإقناع الآخرين بالإيمان بأننا صادقون، وأن ما نقوله صواب وحقيقي. وانطلاقا ~~من كون ادعاء الصحة التزاما بالتبرير، فهو التزام بتقديم الأسباب المناسبة. ويدعي ~~هابرماس أنه في أي فعل تواصلي، يجب أن يقدم المتكلم ادعاءات الصحة الثلاثة كلها. ~~ووفقا لنوع فعل الكلام - سواء أكان تأكيدا، على سبيل المثال، أم طلبا أو تصريحا ~~- ثمة ادعاء صحة وحيد هو الذي يطرح كفكرة على المستمع، أو ادعاء صحة وحيد ~~يستوعبه المستمع. # عندما يطرح المتكلم ادعاء بصحة حقيقة قول ما، على سبيل المثال «الثلج أبيض»، فهو ~~يوحي بأن هناك أسبابا وجيهة لتصديق ادعائه، وأنه يستطيع، إذا دعت الحاجة، أن يقنع ~~المستمع بصحته على أساس هذه الأسباب. سيفهم المستمع التأكيد في ضوء هذه الأسباب. ~~وهذه نقطة أقل مباشرة مما تبدو في الواقع. فالسؤال هنا: عندما أطرح ادعاء بصحة ~~حقيقة عبارة «الثلج أبيض»، هل ms035 أدعي أن محتوى التأكيد - أن الثلج أبيض - صحيح، أم أن ~~الملفوظ نفسه - «الثلج أبيض» - صحيح؟ بداية، لم يحدد هابرماس؛ فالمتكلم - حسب زعمه ~~- «يستطيع بشكل عقلاني تحفيز المستمع من أجل قبول فعله الكلامي؛ لأنه ... يستطيع أن ~~يضطلع بتقديم «ضمانة» توفير ... أسباب وجيهة يرد بها على نقد المستمع لادعاء الصحة» ~~(نظرية الفعل التواصلي، المجلد الأول). موقفه الحالي هو أن الحقيقة تلتمس لمحتوى ~~ما يقال وللفظ المنطوق في آن واحد . # وادعاءات صحة الصواب - إذا وجدت - أكثر تعقيدا بكثير. يزعم هابرماس أنه عندما ~~يطرح المرء ادعاء بصحة صواب كلام ما، فإنه يدعي صواب العرف الكامن وراء الكلام. ~~على سبيل المثال، إن قلت إن «السرقة إثم»، فإنني أزعم ضمنيا أني أستطيع تقديم حجج ~~تقنع محاوري بأن السرقة إثم. ثمة مكمنان للصعوبة هنا. أولهما أن هابرماس يعتقد ~~أن التصريحات الأخلاقية مثل «السرقة إثم» ليست افتراضات حقيقية، ولا تحمل قيم ~~الحقيقة في طياتها. فالقول بأن «السرقة إثم» طريقة تضمر وراءها مقولة «لا تسرق»، ~~وليس من المنطقي القول بأن «لا تسرق» عبارة صحيحة أو خاطئة بما أننا لا نستطيع أن ~~ننسب الحقيقة أو الزيف إلى صيغة الأمر؛ ولذا، فإن محتوى المقولة الأخلاقية «القتل ~~إثم» يشبه فرضية «أن القتل إثم»، لكن هذه طريقة مراوغة للقول بأن العرف الأساسي ~~الذي تعبر عنه صيغة الأمر «لا تقتل» مبرر. ويترتب على ذلك أن ادعاء صحة الصواب ~~يجب أن يكون ادعاء بصواب العرف الأخلاقي الضمني؛ أي التزاما بتقديم الأسباب التي ~~تبرر هذا العرف. # موطن التعقيد الثاني يكمن في أن «الصواب» هنا كلمة ملتبسة؛ فمن الممكن أن تعني ~~المناسب أو المبرر أو المسموح به أخلاقيا أو المطلوب أخلاقيا. والتقدم ~~بادعاء صحة صواب شيء ما يمكن أن يوازي الادعاء بأن عرفا من الأعراف مناسب في ~~الموقف المعني؛ ويمكن أن يوازي الادعاء بأن ذاك العرف مبرر، ويمكن أن يعني ~~الادعاء بأن الأفعال التي يحددها العرف مباحة أو مطلوبة. ويبدو أن رأي هابرماس هو ~~أن التقدم بادعاء صحة صواب شيء ما يوازي الادعاء بأن العرف الكامن وراءه ms036 مبرر، ~~على أساس ضرب خاص جدا من المنطق وثيق الصلة بالخلقية. وعندما يتم تطبيق العرف ~~تطبيقا صحيحا في موقف بعينه، سيكون واضحا لجميع المعنيين إن كان الفعل مسموحا ~~به أو محظورا أو مطلوبا. # يكفي هذا القدر فيما يتعلق بادعاءات صحة الصواب الآن. سأتناولها بالنقاش مرة ~~أخرى في الفصل السابع. تنص الأطروحة العقلانية على أن المعنى يعتمد على الصحة؛ لأنه ~~لفهم معنى الكلام الملفوظ، يتعين على المستمع أن يكون قادرا على استحضار (وقبول أو ~~رفض) الأسباب المتعلقة بتبريره في ذهنه. النقطة الأساسية هنا هي أن السبب والصحة، ~~لا الحقيقة، هما اللذان ينجزان العمل كله. فبدلا من القول بأنه لفهم معنى فرضية ~~ما، يجب أن أعرف الشروط التي تجعلها إما صوابا أو خطأ، يزعم هابرماس أنه لفهم ~~معنى الكلام الملفوظ (والأمر نفسه ينطبق على الأفعال)، يجب أن أكون قادرا على أن ~~أستحضر في ذهني، وأقبل أو أرفض، الأسباب التي من الممكن الاستدلال بها لتبريره. ~~يقول هابرماس: «إننا نفهم معنى فعل الكلام عندما نعرف ما يجعله مقبولا» (نظرية ~~الفعل التواصلي، المجلد الأول). ~~(2-4) الفهم والمعنى # حتى الآن عكفت على عرض ما يسميه ~~هابرماس براجماتيته الشكلية كنظرية للمعنى. ولعلكم لاحظتم أننا أخذنا نناقش مسائل ~~خاصة بالمعنى بالتوازي مع مسائل متعلقة بالفهم. ولا عجب في ذلك إذا ما نظرنا إلى أن ~~أحد أسباب ابتكار هابرماس لنهجه الجديد للنظرية الاجتماعية هو حل مشكلة فهم المعنى. ~~يعتقد هابرماس أن نظرية المعنى ينبغي أيضا أن تكون نظرية للفهم، وإلا فستجرد ~~مسألة المعنى من السياق الذي يعطي فيه المتكلم المستمع شيئا ليفهمه. وبتعبير آخر، ~~يعتقد هابرماس أن المعنى علاقة بين ذواتية لا علاقة موضوعية. (لاحظ كيف تمثل نظريته ~~للمعنى رفضه لفلسفة الوعي. استنادا لرأي هابرماس، المعاني لا تحددها علاقة المتكلم ~~بالعالم الخارجي، بل علاقته بمحاوريه؛ فالمعنى في الأساس يوصف بأنه بين ذواتي، لا ~~موضوعي، وليس علاقة ثنائية القطب بين الكلمات والأشياء.) # استنادا لرأي هابرماس، هناك أربعة عوامل لفهم معنى الكلام الملفوظ: ~~(1) # إدراك معناه الحرفي. ~~(2) # تقييم المستمع لنيات المتكلم. ~~(3) # معرفة ms037 الأسباب التي يمكن الاستدلال بها لتبرير الكلام ~~ومحتواه. ~~(4) # قبول هذه الأسباب؛ ومن ثم ملاءمة الكلام. # لنفترض أنني قلت لجاري ذات يوم مشمس من أيام الشتاء في يورك: «الأمطار تهطل في ~~سيدني.» رغم أنه يدرك المعنى الحرفي للجملة - شروط صدقها - فإنه لا يمكن، على هذا ~~الأساس وحده، القول بأنه فهمها؛ لأنه لا يعي القصد وراء قولي إياها. لنفترض أن ~~جاري أخبرني بأنه يدرس فكرة الهجرة إلى أستراليا. سيكون لديه الآن قرينة على ~~نياتي. ربما أنني أحذره كصديق من أن الأوضاع ليست أحسن حالا على الدوام هناك. ~~ورغم ذلك، فقد ينتابه القلق إذا ظن أنني لا أستند على أساس فيما أوردته عن أحوال ~~الطقس، وقد لا يصدقني. لنفترض الآن أنه اكتشف أنني كنت أتحدث لتوي مع أخي المقيم ~~بأستراليا على الهاتف. سيستحضر حينئذ الأسباب الداعية لما تلفظت به؛ ومن ثم ~~سيفهمه فهما وافيا. ولكي يتحقق له ذلك، يتعين عليه أن يستحضر ذهنيا الأسباب ~~وراء كلامي ويقبلها، أو يدرك ادعاء صحتها بأنها حقيقية. ~~(2-5) الاعتراضات # تعرضت نظرية المعنى عند هابرماس لنقد لاذع تجاوز ما تعرض إليه أي برنامج آخر. ~~لقد سبق وأثرنا بعض الأسئلة المحيرة: بم ترتبط ادعاءات صحة الحقيقة؟ هل ترتبط ~~بالتأكيد أم بالمحتوى المؤكد أم بكليهما؟ وبم ترتبط ادعاءات صحة الصواب؟ هل ترتبط ~~بالملفوظات أم الأفعال أم بالأعراف الكامنة وراءها؟ ما هو مفهوم الصواب الساري في ~~هذه الحالة؟ لا يسعني الخوض في كل التعقيدات المتنوعة التي خرجت ردا على هذه ~~الانتقادات. ولكن، من الخطأ أن نترك النظرية البراجماتية للمعنى دون أن نتوقف ~~لتناول أبرز اعتراضين عليها. # يرتكز الاعتراض الأول على الازدواجية في معنى اصطلاحي هابرماس # Verständigung # و # Einverständnis ~~. إن الادعاء بأن النظام ~~الاجتماعي يعتمد على تفاهمات ومعان مشتركة يختلف كل الاختلاف عن الادعاء بأن ~~النظام الاجتماعي يستند إلى اتفاق بين ذواتي. فقد لا ترقى التفاهمات والمعاني ~~المشتركة إلى الاتفاقات. زعم كثير من المنظرين الاجتماعيين، كمؤيدي العقود ~~الاجتماعية، أن النظام الاجتماعي قائم على الاتفاقات، وأن ثمة أسبابا تدعو للحفاظ ~~على هذه الاتفاقات. ms038 لكن الزعم بأن النظام الاجتماعي يعول على المعاني والتفاهمات ~~المشتركة وحدها شيء آخر تماما، وأكثر إثارة للدهشة إن صح. عادة ما كان هابرماس ~~يلام على استنتاجه المفتقر إلى المنطقية والقائل إن أفراد المجتمع، بمجرد فهم كل ~~منهم مغزى الآخر، سيلتزمون بالقواعد الاجتماعية والأخلاقية نفسها. # يهاجم الاعتراض الثاني النظرة ~~المثيرة للجدل التي ترى أن هناك ثلاثة ادعاءات صحة مميزة؛ أحدها للحقيقة والثاني ~~للصواب والثالث للصدق. يرفض هابرماس فكرة أن هناك نوعا واحدا فقط للمعنى - ألا ~~وهو المعنى المشروط بالصحة - وأن الجمل التي لا تشتمل على شروط صحتها - مثل «كيف ~~حالك؟» أو «لا تسرق!» - لا معنى لها عمليا. لكن البديل - وهو أن هناك ثلاثة أنواع ~~من ادعاء الصحة - يبدو أقل جاذبية. لنفكر في إحدى الجمل المختلطة، مثل «صفعتني ~~على وجهي، الأمر الذي لم يكن مسموحا». يبدو وكأن الجزء الأول من العبارة يطرح ~~ادعاء بصحة الحقيقة، بينما يطرح الجزء الثاني ادعاء بصحة الصواب. كيف لنا إذن أن ~~نفهم معنى الجملة بأكملها؟ تمزج اللغة الطبيعية بسلاسة بين سمات معيارية ومعرفية ~~وتعبيرية: جملة «انتحل الطالب أفكار كتابي!» قد تقرر واقعا فورا، وفي الوقت ~~نفسه تعبر عن موقف استنكاري؛ نظرا لمخالفة معيار محدد، وتكشف عن مشاعر ذاتية. من ~~الواضح أن نظرية هابرماس للفهم تنتقد هذه الجوانب المتنوعة، وتنسبها إلى أبعاد صحة ~~مختلفة. # ورغم أن هذه الانتقادات هادفة، ~~فيجب ألا ننسى أن تقصيات هابرماس في اللغة والمعنى والحقيقة اعتبرت دراسة ~~تمهيدية لنظريته الاجتماعية. فقد كان اهتمامه بما تستطيع نظريات المعنى والفهم أن ~~تقدمه للنظرية الاجتماعية دوما أكثر بكثير من اهتمامه بما يمكن أن تقدمه النظرية ~~الاجتماعية لها؛ ومن ثم فقد نزع إلى أن ينتقي بعناية أجزاء من فلسفة اللغة يمكن ~~أن تخدم أغراضه. ولا ينبغي أن نخضع لإغراء إنكار فلسفة هابرماس برمتها على أساس أن ~~ثمة أخطاء أو مفاهيم خاطئة في نظريته للمعنى. يجب أن نركز بدلا من ذلك على ماهية ~~الأفكار المتعمقة التي تسمح نظرية المعنى البراجماتية بإضافتها للنظرية الاجتماعية ~~والأخلاقية والسياسية. ~~(3) التواصل والخطاب # تتيح مفاهيم ms039 الفعل التواصلي والخطاب رابطا جوهريا بين نظرية هابرماس البراجماتية ~~للمعنى ونظريته الاجتماعية والأخلاقية. تتلخص الفكرة حتى الآن في أن معنى فعل الكلام ~~يعتمد على ادعاء صحته. وتعمل ادعاءات الصحة كضمانة على أن المتكلم يستطيع أن يسوق ~~أسبابا داعمة من شأنها إقناع محاوره بقبول كلامه الملفوظ. غالبا ما يحظى الضمان ~~بالقبول ضمنيا من قبل المستمع، ويكفي لتنسيق تفاعلاتهما. ويكفل ذلك فعلا ~~تواصليا ناجحا. عندما يفهم شخص ما طلبا شفهيا بسيطا ويذعن له ، فإن المتكلم ~~والمستمع، بتوصلهما إلى إجماع، ينتقلان بسلاسة من التواصل إلى الفعل، ويتم تنسيق ~~الأفعال ضمنيا بواسطة ادعاءات الصحة. # ولكن، ماذا يحدث عندما يتعطل التواصل؟ ماذا يحدث عندما يرفض المستمع ادعاء بالصحة؟ ~~عندما يطلب المستمع من المتكلم أن يبرر ادعاء بالصحة بإبداء أسباب له، ينتقل الفاعلون ~~نتيجة الخلاف من موقف فعل إلى موقف خطاب. والخطاب تواصل عن التواصل؛ إنه تواصل يتأمل ~~الإجماع المنقطع في سياق الفعل. لنفترض أنك طلبت مني ألا أدخن في مكتبي أثناء وجودك ~~فيه، فرفضت النزول على رغبتك لأنني أعلم أنك أيضا تدخن. سوف أسألك عن الأسباب الداعية ~~لطلبك. ربما تجيب بأنك أقلعت مؤخرا عن التدخين ولا تريد أن تعود إليه مجددا. في هذه ~~الحالة، ربما أقبل سببك وأطفئ سيجارتي. استنادا لوجهة نظر هابرماس، فإننا شاركنا في ~~الخطاب (وإن كان موجزا)، وتوصلنا إلى إجماع مدفوع بالعقلانية (هذه العبارة هي الترجمة ~~الإنجليزية المقبولة للمصطلح # rationales ~~Einverständnis ~~)، وعدنا بسلاسة إلى سياق الفعل. # هناك أربع نقاط مهمة ينبغي ملاحظتها عن الخطاب. أولا: الخطاب ليس مرادفا للغة أو ~~الكلام، لكنه اصطلاح فني لشكل تأملي من الكلام يهدف إلى التوصل إلى إجماع مدفوع ~~بالعقلانية (نظرية الفعل التواصلي، المجلد الأول). ويهدف الخطاب دوما في المقام الأول ~~إلى الإجماع المدفوع بالعقلانية، حتى لو لم يكن هناك أي إجماع يلوح في الأفق. ثانيا: ~~لا يدل اصطلاح «الخطاب» على شكل نادر وغير مألوف من النشاط اللغوي الذي يمارسه في ~~المقام الأول الفلاسفة والمتحذلقون، بل يسلط الخطاب الضوء على ممارسة الجدل والتبرير ~~الشائعة التي تدخل في ms040 نسيج الحياة اليومية. ورغم ذلك، فالخطاب ليس لعبة لغوية واحدة من ~~بين ألعاب لغوية كثيرة؛ وذلك لأن الخطاب، بحسب هابرماس، يشغل مكانة مميزة في العالم ~~الاجتماعي. ويفترض هابرماس أن الخطاب هو الآلية الافتراضية لتنظيم الصراعات اليومية في ~~المجتمعات الحديثة. وهذه الفرضية تجريبية؛ إذ تستند إلى الملاحظة. إن وظيفة الخطاب هي ~~تجديد أو علاج إجماع فاشل، وإعادة ترسيخ الأساس العقلاني للنظام الاجتماعي. وهذه ~~الفرضية إصلاحية؛ إذ تستند إلى تحليل لممارسة الخطاب. # شكل 3-2: الأنواع الثلاثة للخطاب. # ثالثا: يرتبط مفهوم الخطاب ارتباطا وثيقا بمفهوم ادعاء الصحة. فالخطاب يستهل بطعن ~~من قبل المستمع للمتكلم؛ إذ يطلب إليه أن يبرر ادعاءه بالصحة. وبما أن هناك ثلاثة أنواع ~~لادعاء الصحة (الحقيقة والصواب والصدق)، فهناك ثلاثة أنواع مقابلة للخطاب: النظري ~~والأخلاقي والجمالي. # على سبيل المثال، فالخطاب الذي يسعى إلى تبرير ادعاء بصحة الصواب، بطلبك أن أكف عن ~~التدخين، يمثل بحسب نظرية هابرماس خطابا أخلاقيا-عمليا. وأي خطاب ينشأ من طعن في ~~ادعاء بصحة الحقيقة هو خطاب نظري. (يجب أن يتحرى المرء الحيطة هنا؛ فالمصطلح «نظري» ~~مستخدم بمعنى أكثر شمولا من المعتاد.) # النقطة الرابعة والأخيرة هي أن الخطاب نشاط شديد التعقيد والانضباط وليس كلاما ~~شفهيا في متناول الجميع؛ وهذا لأن المحاجة ممارسة تتشكل تبعا لقواعد قابلة للتحديد ~~والصياغة. يشير هابرماس إلى هذه القواعد باعتبار أنها «صبغ الفرضيات المسبقة ~~البراجماتية للخطاب بصبغة مثالية»، أو اختصارا «قواعد الخطاب». ~~(4) قواعد الخطاب # يحدد هابرماس ثلاثة مستويات من القواعد. على المستوى الأول، نجد القواعد المنطقية ~~والدلالية الأساسية كمبدأ عدم التعارض وشرط الاتساق (الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي). ~~وعلى المستوى الثاني، هناك المعايير التي تحكم الإجراء، كمبدأ إخلاص النية؛ أي إن كل ~~مشارك يجب أن يقوم بتأكيد ما يؤمن به صدقا؛ ومبدأ المساءلة؛ أي أن يقوم المشاركون - ~~نزولا على طلب الآخر - بتبرير ما يؤكدونه أو بتقديم أسباب لعدم تقديمهم تبريرا. وعلى ~~المستوى الثالث، هناك المعايير التي تحصن عملية الخطاب من الإرغام والكبت وعدم ~~المساواة، وتضمن أن «القوة الحرة للحجة الأفضل» هي التي ستنتصر. وتتضمن القواعد ms041 ~~التالية: ~~(1) # كل شخص لديه القدرة على الكلام والفعل يسمح له بالمشاركة في ~~الخطاب. ~~(2) ~~(أ) يسمح لأي شخص بالتشكيك في أي تأكيد أيا كان. ~~(ب) يسمح لأي شخص بطرح أي تأكيد أيا كان ضمن الخطاب. ~~(ج) يسمح لأي شخص بالتعبير عن آرائه ورغباته واحتياجاته. ~~(3) # لا يجوز منع أي متكلم، سواء بإرغامه بقوة داخلية أو خارجية، من ممارسة ~~حقوقه المنصوص عليها في البندين 1 و2 أعلاه. ~~«الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي» # يسمي هابرماس قواعد ~~الخطاب «الفرضيات المسبقة البراجماتية » لأنها فرضيات مسبقة ضمنية لممارسة الخطاب. ~~وقواعد الخطاب أقل شبها بقواعد لعبة تكوين الكلمات أو الشطرنج، المكتوبة في مكان ما، ~~وأكثر شبها بقواعد النحو اللغوية. ويستطيع المرء أن يتبع هذه القواعد تماما دون أن ~~يكون قادرا على التصريح بكنهها أو دون أن يدري أنه يتبعها. ويصر هابرماس على أن هذه ~~الفرضيات المسبقة للخطاب «ضرورية»؛ وذلك لأنه لا أحد ممن يشارك في الخطاب - في عملية ~~طرح الأسباب واستقبالها - يستطيع أن يتفادى افتراض هذه الفرضيات. إن الانخراط في الخطاب ~~يستدعي أن يلتزم المرء بإخلاص النية، وأن يبرر ما يقول، وألا يناقض نفسه، وألا يستثني ~~غيره من المشاركين، وما إلى ذلك. وهذه الفرضيات ضرورية من ناحية أخرى أيضا. فيما يتعلق ~~بالفاعلين في المجتمعات الحديثة، لا يوجد بديل متاح للتواصل والخطاب كوسيلة لحل ~~الصراعات؛ فهي وسيلة راسخة جدا في نسيج المجتمع، وفي شخصية الأفراد. # وأخيرا، فقواعد الخطاب «نزاعة إلى المثالية» من حيث إنها توجه المشاركين نحو ~~النموذج المثالي للإجماع المدفوع بالعقلانية. إن الخطاب الذي يستمع فيه إلى كل ~~المعنيين، والذي لا تستثنى أي حجة فيه من الاعتبار اعتباطيا، والذي تكون الغلبة ~~فيه لقوة الحجة الفضلى وحدها؛ سيفضي، إذا باء بالنجاح، إلى إجماع على أساس أسباب مقبولة ~~للجميع. وفي عالم الواقع حين يكون الوقت محدودا والمشاركون عرضة للخطأ، ستقرب ~~الخطابات وحسب هذه المثل بدرجة أكبر أو أقل. ومع ذلك، فمن الممكن أن يكون لها أثر ~~تنظيمي يتمثل في ضمان الإحاطة والشمولية وغياب الخداع والقسر. هذه المثل تنظيمية، ~~لكنها أيضا حقيقية ms042 بقدر ما تكون ممارسة المحاجة الراسخة فيها هذه المثل ~~حقيقية. # السؤال المتعلق بكيفية تحديد المرء لقواعد الخطاب صعب. يعتقد هابرماس أن المرء يستطيع ~~أن يدلل على أن كل قاعدة فرضية مسبقة أصيلة لا مناص منها للخطاب بفعل التناقض الذاتي ~~الأدائي. جمل مثل «الجو ممطر، لكنني لا أصدق ذلك» أو «الثلج أبيض، لكنه ليس حقيقيا ~~أن الثلج أبيض» تنطوي على مفارقة؛ وذلك لأنه فور أن يلفظها المتكلم، فإنه يطرح ضمنا ~~ادعاء بالصحة ينكره محتواها صراحة. ويزعم هابرماس بأن المعنى البراجماتي لمثل هذه ~~الجمل يتعارض مع معناها الافتراضي. وفي سياق مماثل، يرى هابرماس أن عبارات مثل «وصلنا ~~إلى إجماع مدفوع بالعقلانية باستبعاد أشخاص بعينهم من الخطاب» تحتوي على تعارض ذاتي ~~أدائي. وبهذه الطريقة، فإن ذريعة الدحض الذاتي الأدائي يمكن استخدامها لتبرير القاعدة ~~الأولى، وهكذا بالنسبة لكل قاعدة من قواعد الخطاب. ومن الممكن التحقق إن كانت إحدى ~~القواعد هي بالفعل واحدة من قواعد الخطاب أم لا بالنظر إلى ما إذا كان إنكارها الصريح ~~يولد دحضا ذاتيا أدائيا أم لا. ~~(5) نظرة عامة على الصحة والحقيقة والصواب # إذا جمعنا الأجزاء كلها جنبا إلى جنب - أطروحة الإجماع والأطروحة العقلانية وفكرة ~~الخطاب - فسنركز بقدر أكبر على المفهوم البراجماتي للصحة عند هابرماس. وأدق وسيلة ~~وأكثرها جلاء يمكننا بها تحقيق ذلك هي المعادلة الشرطية التالية للصحة- الإجماع: # الصحة ~~← # الإجماع: فيما يتعلق بأي كلام ~~ملفوظ «ك»، إذا كان «ك» صحيحا، فإن «ك» قابل للإجماع المدفوع ~~بالعقلانية. # هذه المعادلة محاولة مني لأن أقدم على نحو أكثر شكلية بنية مبدأ الصحة عند ~~هابرماس. لكن الأمر يستدعي الحذر؛ فلن تجد هذه المعادلة أو المعادلتين التاليتين في ~~كتابات هابرماس. إنها مجرد طريقة موجزة جدا (آمل ذلك) ومفيدة للإحاطة بملاحظات ~~هابرماس المبعثرة والمتشعبة نوعا ما عن الصحة والحقيقة والصواب، ولبيان العلاقة التي ~~تربط كلا منها بالأخرى. # إن التلفظ بلفظ ذي مغزى أو التواصل هو طرح ادعاء بالصحة؛ أي إن المرء يقدم أسبابا ~~يمكن أن يقبلها المشاركون في خطاب يدور وفق القواعد سالفة الذكر. لا يكتفي هابرماس ms043 بزعم ~~أن الصحة، لا الحقيقة، هي المفهوم الكامن وراء نظرية المعنى فحسب، بل يذهب إلى أن ~~الحقيقة نفسها يمكن فهمها كشرط من شروط تلك الفكرة العامة الكامنة عن الصحة. ما يعنيه ~~هو أن مفهوم الحقيقة له نفس الصلة بالأسباب ونفس الوظيفة البراجماتية للوصول إلى الإجماع: # الحقيقة ~~← # الإجماع: فيما يتعلق بأي ~~كلام ملفوظ «ك»، إذا كان «ك» حقيقيا، فإن «ك» قابل للإجماع المدفوع ~~بالعقلانية. # علاوة على ذلك، يزعم هابرماس أن الصواب يمكن أيضا فهمه كشرط للفكرة الكامنة ~~الأساسية؛ ولذا، فإن مفهوم الصواب يمكن حصره في معادلة مختلفة بعض الشيء: # الصواب ~~← # الإجماع: فيما يتعلق بأي ~~معيار «م»: إذا كان «م» صوابا، فإن «م» قابل للإجماع المدفوع ~~بالعقلانية. # عندما أقول كلاما أخلاقيا، فإنني أؤيد ضمنا المعيار الكامن وراء الفعل. وكما ~~ألزم نفسي - في فعل تأكيد الكلام - بحقيقة الكلام، فعندما ألفظ جملة «السرقة إثم»، ~~فإنني أؤيد المعيار الكامن وراءها «لا تسرق». وجهة النظر الأساسية هي أن أبعاد الصحة ~~المختلفة - التأكيدات من ناحية، والأفعال الأخلاقية وأفعال الكلام من ناحية أخرى، ~~والفرضيات والعناصر الأدائية - لها نفس البنية ونفس الوظيفة البراجماتية. # ينتهي هابرماس إلى أن مفهومي الحقيقة والصواب متناظران، وتثبت المعادلات الواردة ~~أعلاه كيف يفترض بالتناظر أن يكون؛ إنه يكمن في جزء شرطي فيه الصحة والحقيقة والصواب ~~على الترتيب على الجانب الأيمن من المعادلة، والإجماع المدفوع بالعقلانية على الجانب ~~الأيسر. وأيا ما كان يزعم صحته أو حقيقته أو صوابه، يمكن بالضرورة أن يحظى بموافقة ~~المشاركين في خطاب يجري على نحو ملائم. والعلاقة «ضرورية» بمعنى براجماتي خاص وحسب؛ ~~ألا وهو أن المتحدثين والمستمعين والفاعلين بصفة عامة لا يستطيعون الفرار من هذه ~~العلاقة. وتدلل صلة «إذا ... فإن» على معنى ضمني براجماتي، لا معنى منطقي. # وأخيرا، يقدم لنا هابرماس أيضا تفسيرا لهذا التناظر. فالحقيقة والصواب متناظران؛ ~~لأنهما شرطان لمعيار دقة واحد: الحقيقة والصواب ينتميان إلى الصحة. سأستعرض المزيد من ~~الصواب وعلاقته بالحقيقة، وسأسهب في تناول فكرة الخطاب لاحقا. والآن علينا أن ننتقل ~~إلى برنامج النظرية الاجتماعية. # الفصل الرابع # | برنامج النظرية ms044 الاجتماعية # السؤال الأساسي الذي تطرحه النظرية الاجتماعية عند هابرماس هو: كيف يكون النظام الاجتماعي ~~ممكنا؟ ويجيب هابرماس بأنه في المجتمعات الحديثة العلمانية يرتكز النظام الاجتماعي في ~~المقام الأول على الفعل التواصلي (الفعل الذي يتم تنسيقه بواسطة ادعاءات الصحة) وعلى الخطاب ~~اللذين يساعدان معا في تأسيس الاندماج الاجتماعي والحفاظ عليه؛ أي إنهما يوفران المادة ~~اللاصقة التي تجمع بين أجزاء المجتمع. ويفعل هابرماس ذلك عن طريق نظرية تتألف من جزأين يدعم ~~كل منهما الآخر، يقعان تقريبا في المجلد الأول والمجلد الثاني من «نظرية الفعل ~~التواصلي». الجزء الأول مفاهيمي في المقام الأول. يقدم هابرماس تمييزا قاطعا بين الفعل ~~التواصلي والفعل الأداتي أو الاستراتيجي، ثم يحاول أن يبرهن على أن الثاني يعول على ~~الأول. أما الجزء الثاني فهو عبارة عن علم وجود اجتماعي؛ وهي نظرية للهيئة التي عليها ~~المجتمع ومكوناته المتشكل منها. يذهب هابرماس إلى أن المجتمعات الحديثة تتكون من نطاقين ~~أساسيين من النشاط الاجتماعي، العالم المعيش والنظام، وهما نظيران ومحلان للفعل التواصلي ~~والأداتي على الترتيب. ~~(1) الحجة المفاهيمية # يميز هابرماس بين الفعل التواصلي من ناحية والفعل الأداتي والاستراتيجي من ناحية ~~أخرى. (إنني أضع الفعل الأداتي والاستراتيجي في السلة نفسها. ولكن هناك في الواقع فارق ~~مهم بين الفعل الأداتي والاستراتيجي؛ فبحسب هابرماس، يكون الفعل أداتيا عندما يقدم ~~الفاعل على فعل كوسيلة لتحقيق غاية مرجوة؛ أما الفعل الاستراتيجي فهو ضرب من الفعل ~~الأداتي ينطوي على حمل الآخرين على القيام بأفعال كوسيلة لتحقيق المرء غايته. ~~والنقطة المحورية هي أن كليهما يختلف عن الفعل التواصلي.) # الفعل الأداتي هو النتيجة العملية ~~للمنطق الأداتي؛ أي تقدير أفضل السبل للوصول إلى غاية بعينها. يقول هابرماس بأن هناك ~~معيارين للفعل الأداتي: الأول أن غاية الفعل تتحدد مسبقا وباستقلالية عن وسيلة ~~تحقيقها، والثاني أن الغاية تتحقق بتدخل سببي في العالم الموضوعي. ولا يفي الفعل ~~التواصلي بالمعيارين السابقين؛ وذلك لأن هدفه المتأصل - وهو إقرار ادعاء بالصحة وقبوله ~~- يستحيل أن يتحدد بمعزل عن وسيلة تحققه، وهي الكلام، وهو ليس بالشيء الذي يمكن إنجازه ~~سببيا. # ولندرك ms045 العلة، يجب أن نرجع إلى مثال سابق؛ لكي تمنعني من التدخين، يمكنك ببساطة أن ~~توجه مطفأة الحريق ناحيتي وتقول لي: «إذا أشعلت سيجارتك، فسأطفئها بهذه مطفأة.» ~~لنفترض أن لدي من الأسباب ما يجعلني أتعامل مع تهديدك بجدية، وأريد أن أتجنب رذاذ ~~مطفأة الكاسح. في هذه الحالة أنت نجحت في جعلي أذعن لك. ولكن، لن يكون فعل الإذعان ~~طوعيا من جانبي بالمعنى المعتاد للكلمة؛ وذلك لأن خيار الرفض ليس بالخيار الذي يمكنني ~~أن أستقر عليه جديا؛ ولذا، فقد قمت أنت بحملي أو إرغامي على الإذعان لطلبك. في ~~السيناريو البديل الموضح في الفصل السابق، ستجد أنك تنجح في إقناعي (بإذعاني لطلبك) على ~~أساس قبولي لأسبابك التي سقتها. وهذا القبول أو تحقيق الإجماع ليس بالشيء الذي تسببت ~~فيه، بل هو نتيجة عملية ثنائية دعوتني فيها، إذا جاز التعبير، إلى المشاركة. # لا يكتفي هابرماس بالدفع بأن الفعل التواصلي والفعل الأداتي نوعان متمايزان من ~~الأفعال، بل يزعم أنهما أساسيان ولا يمكن اختزالهما إلى أنواع أخرى. وهذا التمايز ~~مفاهيمي وواقعي في الوقت نفسه. وهناك طريقتان يمكن من خلالهما فهم الفعل، وطريقتان ~~مختلفتان يستطيع من خلالهما الفاعلون الحقيقيون التواصل في العالم الاجتماعي. # الخطوة الثانية في الحجة أصعب في إدراكها وفهمها؛ فالنتيجة التي يريد هابرماس أن يصل ~~إليها واضحة، لكن الحجة التي يسوقها غامضة. يريد هابرماس أن يثبت أولا: أن التفسير ~~الوافي للمجتمع يجب أن يعطي أعلى مرتبة لمفهوم الفعل التواصلي، وثانيا: أن كل الأفعال ~~الناجحة في العالم الواقعي تعتمد على القدرة على الوصول إلى إجماع. وتحقيقا لهذه ~~الغاية، يجري هابرماس تحليلا لنظرية فعل الكلام، وخاصة للفارق بين أثري «الإنطاق» ~~و«الاستنطاق». أول من تحدث عن هذا الفارق كان فيلسوف أكسفورد جيه إل أوستن ~~(1911-1960)، وهو أحد مؤسسي فلسفة اللغة العادية. وكالعادة يهيئ هابرماس الفارق لخدمة ~~أغراضه الخاصة. بحسب هابرماس، فإن أثر الإنطاق لفعل الكلام هو توليد الإجماع المدفوع ~~بالعقلانية، أو الحصول على غاية بعينها (على سبيل المثال، إقناعي بألا أدخن) عن طريق ~~الوصول إلى إجماع. يوضح المثال السابق ms046 ببراعة هذه النقطة؛ فهدف الإنطاق لما لفظته من ~~كلام ليس حملي وحسب على ألا أدخن، بل إقناعي بقبول طلبك باعتباره صحيحا أو معقولا، ~~وإذعاني له طواعية. وفي المقابل، فإن أثر الاستنطاق هو الأثر الذي يتمتع به فعل الكلام ~~بخلاف تحقيق الفهم. بتحذيري لك، قد أثير ذعرك أو ربما أدفعك للضحك. أما آثار الاستنطاق ~~فهي خفية، لكنها ربما تكون محمودة أو مذمومة، أو ربما لا تكون محمودة ولا ~~مذمومة. # يقول هابرماس إن أفعال الكلام ذاتية التفسير. فعندما أرى شخصا يجري على الطريق من ~~أمامي، فربما أنه يفر أو أنه في عجلة من أمره أو أنه يتريض. عادة ما سأفسر أفعاله بأن ~~أنسب مواقف افتراضية معينة له على أساس سلوكه أو مظهره الخارجي، كما فعلنا بالضبط في ~~حالة الحطاب في الفصل الثاني. لست بحاجة لأن أفعل ذلك في وجود أفعال الكلام؛ وذلك لأن ~~هدفها الإنطاقي معروف للجميع. فإذا طلبت من طالب يجلس إلى جوار نافذة ما في إحدى ~~الندوات أن يفتح النافذة، فسيعرف غايتي، وربما سيكون لديه فكرة جيدة عن دوافعي. يوضح ~~فعل الكلام الخاص بي نياتي وغاياتي. والآن، من الممكن استخدام الكلام أيضا ~~استراتيجيا لتحقيق غايات خفية أو آثار استنطاق؛ فقد أحاول أن أخلي المكتبة بأن أصرخ ~~«حريق!» بطريقة مثيرة للذعر وتنم عن ذعري بشكل ملائم للموقف. ولن تكلل محاولتي هذه ~~بالنجاح إلا إذا حسب الناس الذين يسمعونني أنني أحذرهم حقا من اندلاع حريق. إنهم ~~يستطيعون فهم «قولي»، لكنهم لا يدرون ما «أفعله» حقا بكلامي الملفوظ ما دامت غاية ~~الاستنطاق لما لفظته ليست واضحة للعيان. ولمعرفة المعنى الحقيقي لكلامي الملفوظ، يجب ~~على المستمع بطريقة ما أن يصل إلى غايتي الاستراتيجية الكامنة أو الخفية. ولكن وصوله ~~هذا لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق فعل الكلام الإنطاقي. إن الهدف من تحليل هابرماس ~~لأفعال الكلام هو إثبات أن غايات الإنطاق، لأنها واضحة للعيان في الأساس، أبسط ~~نظريا وبراجماتيا من غايات الاستنطاق. ويتوسع هابرماس في هذه النقطة إلى الأفعال ~~الأداتية والاستراتيجية عموما، ويستنبط أنها ms047 تعول على الفعل التواصلي، في حين أن ~~الفعل التواصلي أساسي ومستقل. واستنادا إلى رأي هابرماس، فإن تهديدك باستخدام مطفأة ~~الحريق في وجهي قد يحقق الأثر المرجو، لكنني لن أستوعب أفعالك بالكامل حتى أفهم ~~الأسباب الداعية لها وأقبلها. # ثمة خلاف على تحليل هابرماس، وطريقة استدلاله صعبة التتبع، لكننا نستطيع أن نرى ~~النتيجة التي يسعى إليها؛ وهي أن معاني أفعال الكلام والأفعال عموما لا يمكن فهمهما ~~بشكل أداتي. وهذا جزء محوري من حجة هابرماس التي يسوقها ضد الروايات الفردية والأداتية ~~للنظام الاجتماعي. ولا يمكن للتصورات الذرية والأداتية للمجتمع أن تفسر ظاهرة التواصل ~~بين الفاعلين؛ ومن ثم فهي لا تميز أثرها التكاملي على المجتمع. يمكننا الآن إدراك السبب ~~وراء ظن هابرماس أن الإجابة التقليدية على مسألة فهم معاني الأفعال تمزج بين نظرية ~~المعنى الخاطئة وتصور زائف عن العقلانية. بناء على التصور التقليدي، يعتمد معنى ~~الأفعال على شروط صحة المواقف الافتراضية المنسوبة إلى الأفراد على أساس سلوكهم ~~الخارجي، والاستنباطات المنطقية التي تجري في رأس كل منهم. والنتيجة تصور زائف ~~للمجتمع باعتباره مجموع مفكريه المفردين، يقدر كل واحد منهم الطريقة المثلى للسعي ~~وراء غاياته الخاصة. ويتفق هذا التصور مع وجهة نظر أنثروبولوجية واسعة الانتشار، مفادها ~~أن البشر يهتمون بالمصلحة الذاتية أصلا، وهي وجهة النظر الممتدة من اليونانيين القدماء ~~ومنهم إلى الفلسفة الحديثة المبكرة وصولا إلى العصر الحالي. إن النظرية الاجتماعية ~~الحديثة، في ظل تأثير هوبز أو نظرية الاختيار العقلاني، تنظر إلى المجتمع بمعطيات ~~شبيهة. في رأي هابرماس، تتجاهل هذه السبل الدور المحوري للتواصل والخطاب في تشكيل ~~الروابط الاجتماعية بين الفاعلين؛ ومن ثم فهي تشتمل على تصور قاصر للارتباط ~~البشري. ~~(2) علم الوجود الاجتماعي # علم الوجود الاجتماعي عند هابرماس هو ~~نظرية تتناول تكوين المجتمع في أواخر القرن العشرين. وفي قلب هذه النظرية يكمن الفارق ~~بين العالم المعيش والنظام؛ وهما نطاقان متمايزان للحياة الاجتماعية؛ لكل منهما ما ~~يميزه من قواعد ومؤسسات وأنماط سلوكية، إلخ. إن العالم المعيش والنظام هما محلا الفعل ~~التواصلي والفعل الأداتي على الترتيب، وهنا أيضا ms048 يزعم هابرماس أن النظام يعتمد على ~~العالم المعيش. وقبل أن نصرح بأي شيء عن علاقتهما، نحن بحاجة إلى دراسة هذين ~~الاصطلاحين عن كثب. ~~(2-1) العالم المعيش # العالم المعيش مفهوم يشير إلى الحياة اليومية التي نشاطرها الآخرين. استخدم ~~الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1859-1938) - الذي أسس علم الظواهر وتتلمذ على ~~يده مارتن هايدجر - هذا المصطلح لأول مرة من أجل المقارنة بين الموقف الطبيعي ما ~~قبل النظري لعامة الناس من العالم بالمنظور النظري، والتشييئي، والحسابي للعالم. ~~يفعل هابرماس شيئا شبيها؛ فالعالم المعيش هو الاسم الذي يستخدمه للنطاقات غير ~~الرسمية وغير المسوق لها من الحياة الاجتماعية: كالعائلة والأسرة، والثقافة، ~~والحياة السياسية خارج إطار الأحزاب المنظمة، ووسائل الإعلام الجماهيرية، ~~ومنظمات العمل الطوعي، وما إلى ذلك. # هذه النطاقات غير المنظمة للنشاط الاجتماعي توفر مخزونا من المعاني والتفاهمات، ~~وأفقا اجتماعيا للقاءات اليومية بالآخرين. وهذا الأفق هو الخلفية التي يحدث في ~~إطارها الفعل التواصلي. إن استخدام استعارة «الأفق» من علم الظواهر له هدف توجيهي؛ ~~فالأفق يرسم حدود مجال رؤية البشر تحت الظروف الطبيعية. ومجال الرؤية موحد، لكنه ~~ليس كلا كاملا ما دام يستحيل استيعابه كله مرة واحدة. ولا يسعنا استيعاب الأفق ~~بالكامل في مجال رؤيتنا؛ لأننا لا نستطيع أن نرى إلا في اتجاه واحد في كل مرة. ~~والأفق أيضا منظوري؛ فالحدود تتبدل، ولو ببطء، عندما نتحرك. وفي المقابل، فإن حدود ~~أي شكل هندسي أو قطعة أرض تكون ثابتة وقابلة للقياس. # وقياسا على ذلك، تشكل المعاني والتفاهمات المشتركة للعالم المعيش وحدة واحدة ~~وليس مجموعا كليا. وأي جزء من هذه الشبكة يمكن صياغته على هيئة فكرة، لكن يستحيل ~~صياغته كله في آن واحد. إن محتويات العالم المعيش قابلة للمراجعة والتغير، ولكن ~~التغير الذي يحدث في العالم المعيش يكون تدريجيا بالضرورة. لاحظ أن التغير، مع ~~أنه تدريجي، قد يكون مع ذلك راديكاليا وكاملا. لا يوجد أي سبب يعلل أن كل جزء من ~~العالم المعيش لا ينبغي مراجعته أو استبداله في نهاية المطاف. وهذه خاصية يشترك ~~فيها العالم المعيش مع اللغة؛ وهذا ms049 الاشتراك لم يكن وليد المصادفة؛ لأن التواصل هو ~~الوسط الذي يوجد فيه العالم المعيش. وضع الفيلسوف أوتو نويرات (1882-1945)، ~~الفيلسوف اللغوي المنتمي إلى مدرسة فيينا، تصورا واضحا لموقفنا اللغوي. إننا على ~~متن قارب في عرض البحر، ولا يمكننا أن نرسو بالقارب في حوض السفن الجاف لنفحصه من ~~الخارج، لكننا نستطيع استبدال أي لوح خشبي معطوب بالقارب مع الإبقاء على القارب في ~~حالة طفو دائم. والشيء نفسه ينطبق على العالم المعيش. استنادا إلى تصور هابرماس، ~~توكل مهمة تنفيذ إصلاحات طفيفة بالعالم المعيش إلى الفعل التواصلي ~~والخطاب. # للعالم المعيش العديد من الوظائف. فهو يوفر السياق للفعل؛ أي إنه يشمل مخزونا ~~من الفرضيات المشتركة والمعارف المسبقة، ومن الأسباب المشتركة التي على أساسها قد ~~يتوصل الفاعلون إلى إجماع. وما دام هذا السياق المشترك في الخلفية أو، على حد قول ~~هابرماس، دون أن يصاغ في شكل فكرة محددة، فسيظل أثره خفيا، لكنه سيؤدي وظيفته؛ ~~ألا وهي جعل التوصل إلى إجماع ممكنا ومعتادا حقا؛ ولذا، من ناحية، فهو قوة ~~للإدماج الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، فإن منظومة الاتفاق التي يكفلها العالم المعيش ~~هي شرط إمكانية التفكير النقدي والاختلاف الممكن. # إجمالا، إن العالم المعيش حفيظ على المعنى الاجتماعي، بمعنى أنه يحد من ~~إمكانية حدوث الشقاق والخلاف وسوء الفهم الذي يصاحب أي حدث من أحداث التواصل ~~والخطاب. كلما وقع فعل تواصلي ناجح، تم التوصل إلى إجماع يصب مرة أخرى في العالم ~~المعيش ويجدده؛ ولذا، فالعالم المعيش يدعم الفعل التواصلي، والفعل التواصلي بدوره ~~يغذي العالم المعيش عن طريق إثراء مخزون المعرفة المشتركة؛ ولذا، فالعالم ~~المعيش قادر على أن يعمل عمل حائط الصد ضد التفكك الاجتماعي؛ إذ يقاوم تشظي ~~المعاني، ويحول دون نشوء تضارب في الأفعال. # وأخيرا، العالم المعيش هو الوسط الذي يحدث فيه الاستنساخ الرمزي والثقافي ~~للمجتمع، وهو الوسيلة التي يتم من خلالها توريث التقاليد، مع أنها تمر عبر العدسات ~~الناقدة للتواصل والخطاب. في الظروف الطبيعية؛ أي في ظل غياب الاضطرابات الاجتماعية ~~الهائلة، يعمل العالم المعيش عمل الوسط في نقل ms050 كل أشكال المعرفة وتطويرها؛ ~~المعرفة الفنية والعملية والعلمية والأخلاقية. ~~(2-2) النظام # يشير النظام إلى البنى الرسوبية ~~والأنماط الراسخة للفعل الأداتي. ويمكن تقسيمه إلى نظامين فرعيين مختلفين هما المال ~~والسلطة، وفقا للغايات الخارجية التي تفرضها على الفاعلين. يشكل المال ~~والسلطة «الإعلام الموجه» الخاص بهما ~~(أي آليات التوجيه والتنسيق المتأصلة) للاقتصاد الرأسمالي من ناحية، وإدارة الدولة ~~والمؤسسات ذات الصلة كالخدمة العامة والأحزاب السياسية التي تقرها الدولة من ناحية ~~أخرى. وفقا لهابرماس، تشق أنظمة المال والسلطة لنفسها قنوات عميقة في الحياة ~~الاجتماعية؛ مما يترتب عليه أن الفاعلين يقعون بطبيعة الحال في أنماط راسخة مسبقا ~~من السلوك الأداتي. على سبيل المثال، أي شخص يعمل لدى شركة، سواء أكان من كبار ~~التنفيذيين أو موظفا بسيطا، سيقوده الدور الذي يتقلده إلى أنماط أفعال بعينها ~~سعيا لتحقيق أهداف مالية. وما دامت أهداف الفعل الأداتي تتحدد سلفا وبمعزل عن ~~التوصل إلى الإجماع، فإن أغلب الأهداف النهائية الموجهة إليها أفعال المنتمين إلى ~~النظام محددة مسبقا، وليست مختارة من قبلهم. علاوة على ذلك، فهي لن تكون دوما ~~ظاهرة للفاعلين الذين يعملون على تحقيقها. وسواء أكان مشجعي فريق مانشستر يونايتيد ~~لكرة القدم على دراية بذلك أم لا، فإن أفعالهم تخدم هدف تحقيق مكاسب للشركة المالكة ~~للفريق تكون كافية لتوزيع الأرباح على حملة الأسهم بها. # الوظيفة الأساسية للأنظمة الفرعية للمال والسلطة هي الاستنساخ المادي للمجتمع؛ أي ~~إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها. لكنها تلبي وظيفة أخرى مهمة جدا شبيهة بوظيفة ~~العالم المعيش؛ وذلك لأنها تنسق بين الأفعال، ولها أثر تكاملي خاص بها. ويطلق ~~هابرماس على هذا الأثر اسم «تكامل النظام»؛ تمييزا له عن «التكامل الاجتماعي»، وهو ~~الأثر الذي يحققه العالم المعيش. وبينما أمست المجتمعات أكبر حجما وأكثر تعقيدا ~~في فجر التصنيع والتحديث، وإذ أصبح الناس أكثر حركة، أضحى التكامل الاجتماعي أكثر ~~صعوبة يوما بعد يوم. وفي ظل هذه الظروف، خففت أنظمة كالاقتصاد وإدارة الدولة ~~العبء الواقع على التواصل والخطاب؛ فهي تساعد على الحفاظ على تماسك ~~المجتمع. # يمكننا أن نرى هنا كيف يختلف هابرماس عن ms051 أدورنو وهوركهايمر اللذين يتبنيان ~~وجهة نظر تكاد تكون سلبية بالكامل تجاه العقلانية الأداتية عامة والاقتصاد ~~الرأسمالي خاصة. هابرماس ليس عدائيا تجاه العقلانية الأداتية في حد ذاتها، ولا ~~تجاه المؤسسات التي تجسد منطقها الأداتي، وهي الدولة واقتصاد السوق؛ فهو يدرك أنهما ~~يؤديان وظائف اجتماعية ضرورية ومهمة، وأن إلغاءهما أو الاستغناء عنهما ليس خيارا ~~متاحا. ~~(2-3) بعض الاختلافات بين العالم المعيش والنظام # يقر هابرماس بإسهامات النظام في الحياة الاجتماعية، لكنه حريص كل الحرص على بيان ~~الأخطار الكامنة في تكامل النظام. أولا : أنظمة المال والسلطة توجه الفاعلين باتجاه ~~غايات لا ترتبط بالفهم أو الإجماع. وتترتب على ذلك تبعتان؛ الأولى: أننا قد نغفل ~~المعنى الكامل أو الأهمية الكاملة لأفعالنا الاقتصادية والإدارية، وهو ما يحدث ~~كثيرا؛ فالأنظمة ترسخ وتدعم أنماطا من الفعل يخفي فيها الفاعلون أهدافهم، ولا ~~يتأملون غايات فعلهم؛ ولذا، فإن لدى الأنظمة نوعا من اللانفاذية المدمجة بها، ~~تمييزا لها عن العالم المعيش (موطن الفعل التواصلي) الذي تميل فيه معاني الأفعال ~~والكلمات وغايات الفعل إلى أن تكون جلية للجميع ومفهومة. ثانيا: الغايات النهائية ~~للفاعلين في الأنظمة (على العكس من الفاعلين في العالم المعيش) لا تئول إليهم ~~حقا. فمن الممكن أن يختاروا السبل لا الغايات النهائية لأفعالهم. ومن ثم، يمكن ~~القول بأن العالم المعيش يفضي عامة إلى الاستقلال الذي يفهم باعتباره سعيا ~~لتحقيق غايات مختارة شخصيا، بطريقة لا يفضي إليها النظام. # ويستشعر الفاعلون هذا الفارق على النحو التالي: ينسق الفاعلون في العالم ~~المعيش أفعالهم عبر ادعاءات الصحة. والقيود التي تحكم أفعالهم وتنتج عن هذه ~~العملية مفروضة طواعية وداخلية المنشأ بقدر ما تنشأ من الإقرار المتبادل بادعاءات ~~الصحة. وفي المقابل، تفرض أنظمة المال والسلطة قيودا خارجية على الفعل، ليس ~~للفاعلين سلطان عليها بأي حال من الأحوال؛ ولذا، فإن النظام يتخذ هيئة يطلق عليها ~~هابرماس «كتلة الواقع شبه الطبيعي»، وهو واقع مستقل ذو منطق داخلي استقلالي يستعصي ~~على سيطرة البشر، ولا يمكن لهم تحمل مسئوليته، ولا ينبغي لهم تحمل تلك ~~المسئولية. ~~(3) استعمار العالم المعيش # يثبت هابرماس أن ms052 المجتمعات الحديثة تتألف من توازن هش بين النظام والعالم المعيش. ~~علاوة على ذلك، لأن النظام مدمج في العالم المعيش ويعتمد عليه حقا، فالأولوية للعالم ~~المعيش. وفقا لهابرماس، العالم المعيش وسط مستقل وذاتي التجدد، في حين أن النظام ~~ليس كذلك. النظام يستحيل أن يعمل إلا على أساس موارد المعنى المستخلصة من العالم ~~المعيش. هذه الأطروحة تجريبية في جزء منها، لكن هابرماس يبنيها أيضا على الحجة ~~المفاهيمية المؤيدة لأولوية الفعل التواصلي. فلأن العالم المعيش يجسد أنماط الفعل ~~التواصلي، ولأن النظام يجسد أنماط الفعل الأداتي، ولأن الفعل التواصلي سابق للفعل ~~الأداتي؛ يجب أن يكون العالم المعيش له أسبقية على النظام. # المشكلة هي أنه رغم أن النظام مدمج في العالم المعيش ويعتمد عليه، يميل النظام إلى ~~تخطي العالم المعيش، وإحلال نفسه محله، بل وتدميره. إن نزوع النظام إلى «استعمار» ~~العالم المعيش يفضي إلى قدر أكبر من الهشاشة، والمزيد من إخلال التوازن أو عدم ~~الاستقرار. وفكرة استعمار العالم المعيش تشير إلى مجموعة مركبة من العمليات التاريخية ~~والاجتماعية المؤذية في نهاية المطاف. بداية، تنفصل وسائل إعلام المال والسلطة الموجهة ~~عن العالم المعيش، ويصبح الاقتصاد الرأسمالي والنظام الإداري منفصمين تدريجيا عن ~~نطاقي الأسرة والثقافة ومؤسسات الفضاء العام كوسائل الإعلام الجماهيرية. ومع ازدياد ~~شبكات الفعل الأداتي من حيث كثافتها وتعقيدها، فإنها تتدخل تدريجيا في العالم ~~المعيش وتستوعب وظائفه. وتترك القرارات الاستراتيجية للأسواق، أو توكل إلى المديرين ~~الخبراء. وشيئا فشيئا تختفي شفافية العالم المعيش، وتحجب أسس الفعل والقرار عن ~~المراجعة العامة والرقابة الديمقراطية الممكنة. وبينما يتضاءل نطاق العالم المعيش، ~~تنشأ مجموعة كاملة مما يطلق عليها هابرماس «الآفات الاجتماعية»، تتضمن - على سبيل ~~المثال لا الحصر - الآثار السلبية للأسواق على النطاقات اللاسوقية التي ~~تستعمرها. # الآفات الناتجة عن استعمار العالم المعيش ~~(1) نقص المعاني المشتركة والفهم المتبادل (اللامعيارية). ~~(2) تآكل الروابط الاجتماعية (التفكك). ~~(3) تفاقم شعور الأفراد باليأس وعدم الانتماء (التغريب). ~~(4) إعراض تبعي عن تحمل الأفراد مسئولية أفعالهم والظواهر الاجتماعية (تثبيط ~~الهمم). ~~(5) إخلال الاتزان وانهيار النظام الاجتماعي (عدم الاستقرار الاجتماعي). # وأخيرا، بما أن النظام يعتمد ms053 حقا على العالم المعيش، فإن العملية برمتها تترتب ~~عليها حالات من عدم الاستقرار وأزمات في النظام. وبينما يوصف هابرماس بأنه ليس مناوئا ~~للسوق أو النظام، فهو أيضا على دراية كاملة بالآثار الضارة المحتملة التي يمكن أن تكون ~~للأنظمة (كالاقتصاد الرأسمالي والدولة وغير ذلك من المؤسسات الإدارية) على الحياة ~~الاجتماعية وأفراد المجتمع. ~~(4) هل نظرية هابرماس الاجتماعية نقدية؟ # من بين أهداف هابرماس الأساسية في «نظرية الفعل التواصلي» تقديم بديل أكثر نفعا، ~~وسليم تجريبيا، ومتسق منهجيا للنظرية النقدية لكل من أدورنو وهوركهايمر ؛ ولذا، ~~فإن نظريته الاجتماعية مصممة بحيث تكون نظرية نقدية. ولكن من أي جانب؟ ينكر بعض ~~المعلقين أن نظرية هابرماس الاجتماعية نقدية من الأساس؛ فهم يرون تحليله قد أسهب في ~~التبرير لنظام الاقتصاد المختلط ودولة الرفاه المؤسسية، واعتذارا لديمقراطية وسط ~~اليسار الاجتماعية الألمانية. ووجهة النظر هذه ليست متشددة وحسب، بل خاطئة أيضا. ~~فنظرية هابرماس عن استعمار العالم المعيش تقدم لنا أجوبة أصيلة ومتعمقة ودقيقة عن ~~السؤال التشخيصي: «ما الذي يعيب المجتمع الحديث؟ ولماذا؟» وتسلط الضوء على قضايا ~~اللامعيارية والتغريب والتشظي الاجتماعي التي أصابت المجتمع الحديث. # وعلى النقيض من نموذج نقد الأيديولوجية، لا تستخدم نظرية هابرماس الاجتماعية ~~الاستراتيجية الانهزامية التي تنسب الأخطاء المتفشية واللاعقلانية إلى الفاعلين كتفسير ~~مفترض لعلة قبولهم مؤسسات وممارسات اجتماعية غاشمة وتأييدهم إياها. بدلا من ذلك، ينسب ~~إليهم هابرماس غايات استراتيجية وأداتية كامنة أو خفية متأصلة في النظام. وتصمد الأنظمة ~~الاجتماعية الغاشمة، ليس لأن الأفراد تلتبس عليهم مصالحهم الشخصية، ولكن لأن أفعالهم ~~تتسم بأنماط راسخة مسبقا ومعقدة من الاستدلال الأداتي. ونظرا لانعدام الشفافية ~~المتأصل في الأنظمة الاجتماعية، تتجاوز أهمية الأفعال قدرة الفاعلين على فهمها وتحمل ~~مسئوليتها. # هل نظرية هابرماس الاجتماعية نقدية انطلاقا من كونها تستطيع تقديم علاج؟ ربما يكون ~~هذا السؤال خاطئا. فهابرماس يقدم نظرية اجتماعية، والنظريات لا تصف علاجات. بالطبع ~~إذا صحت النظرية، فمن الرائع أن تقي العالم المعيش من الاستعمار عن طريق احتواء ~~نظامي المال والسلطة، لضمان وجود نطاقات كافية للحياة الاجتماعية حرة وغير مسوق ~~لها لإحداث التكامل ms054 الاجتماعي وطمر نظامي المال والسلطة. الإجابة ليست إلغاء ~~الأسواق والإدارة (ممثلة في الاقتصاد والدولة)، بل احتواؤهما. ولكن، من غير الواضح ~~كيف يمكن، إذا صح ذلك مطلقا، تحقيق ذلك عمليا؟ ومن غير الواضح هوية أو ماهية الملزم ~~بتحقيقه. (من اللافت للنظر أن هابرماس يرى المهمة سياسية أكثر من كونها اجتماعية، وما ~~خلص إليه لا يختلف عن «التحول البنيوي»؛ حيث عقد آماله على التحرر في ضوء إعادة إحياء ~~الفضاء العام.) في «نظرية الفعل التواصلي»، يتحرى هابرماس الصراحة في تقييمه بأنه ما من ~~فاعل، سواء بصفة جمعية أو فردية، يستطيع أن يضطلع بالمهمة. فالدولة، بقدر ما هي ليست ~~جامدة بفعل الاقتصاد، جزء من النظام؛ ومن ثم فهي واحدة من مصادر المشكلة لا الحل. ~~ويطرح هابرماس ما يأمل أن يمتلكه من إصلاح في نظام دولة رفاه ديمقراطية، بقدر ما يمكن ~~أن يتأثر بالمعتقدات الأخلاقية للأفراد، وجماعات الاحتجاج السلمية الموجهة ~~سياسيا. # وتكمن المشكلة في أن مثل هذه الجماعات - التي يطلق عليها أحيانا «الحركات الاجتماعية ~~الجديدة» - لا سلطة بيديها فعليا. وإذا اكتسبت سلطة سياسية، بانتخابها لتتولى مقاليد ~~الحكم، فقد يستحوذ عليها ببساطة النظام الإداري والسياسي. الوسيلة الوحيدة للإصلاح ~~الاجتماعي التي تحددها نظرية هابرماس واهية، ومن المستبعد أن توقف عملية الاستعمار، ~~ناهيك عن إلغائها. ومن بين الاختلافات الكثيرة، يستطيع المرء أن يستشف هنا صدى ~~للتشاؤم الذي يلازم النقد الاجتماعي لهوركهايمر وأدورنو. # هل هذه علامة على أن النظرية الاجتماعية لهابرماس ليست نقدية بالقدر الكافي، أم ~~ببساطة علامة على أنه صادق وواقعي في تقييمه بأنه في العالم الرأسمالي المعاصر لن يقف ~~الكثير في طريق التوسع الذي لا يتوقف للأسواق والإدارة؟ فيما يتعلق بالنقطة الأولى، ~~ينكر هابرماس أن النظريات يمكن، أو حتى يحتمل، أن تكون نقدية بالمعنى الماركسي لإشعال ~~فتيل ثورة. لدى هابرماس مفهوم أبسط بكثير لما يمكن توقع تحقيقه من وراء النظرية ~~الاجتماعية. فالنظريات الاجتماعية ليست هي نفسها محركات التغيير الاجتماعي، بل إنها ~~تقدم ادعاءات بصحة الحقيقة. عمليا، النظريات الاجتماعية في أحسن الأحوال هي أدوات ~~تشخيصية مفيدة تساعدنا في ms055 التمييز بين النزعات الضارة والتقدمية في المجتمع الحديث. ~~وبالطبع يريد هابرماس أن يضع نهاية للاضطهاد الاجتماعي، ويمكن فهم حياته وأعماله في ضوء ~~هذه الغاية. يظل هابرماس راديكاليا وإصلاحيا، لكنه واقعي ويعرف أن أغلب ما يمكن ~~أن تحققه نظريته الاجتماعية مباشرة هو مساعدتنا في فهم أسباب الاضطهاد ~~الاجتماعي. # يمكن اعتبار نظرية هابرماس الاجتماعية غير نقدية من منظور مختلف؛ وذلك لأنه يعرض ~~عمدا عن توجيه أي انتقادات أخلاقية صراحة للمجتمع الحديث. على سبيل المثال، يحجم ~~هابرماس عن القول بأن توسع السوق يحيل الناس إلى أفراد قساة القلب ينصب اهتمامهم ~~على أنفسهم وذواتهم، يرون الغير وسائل وحسب لتحقيق غاياتهم الشخصية. وثمة سبب وجيه ~~لذلك. فنظرية هابرماس الاجتماعية، شأنها شأن النقد المتأصل لدى أدورنو وهوركهايمر، من ~~المفترض أن تكون مختلفة عن النقد الأخلاقي. من المفترض أن تكون نظريته منفتحة فيما ~~يتعلق بأسسها المعيارية، على ألا تعول على نظرية أو مفهوم أخلاقي مسبق عن الخير. إن ~~انتقادات هابرماس من هذا المنطلق للمجتمع الحديث وظيفية لا أخلاقية أو خلقية. الاستعمار ~~مؤذ لأنه يعوق القدرة الوظيفية الخيرة للعالم المعيش، ويحرم المجتمع منافع التواصل ~~والخطاب ممثلة في المعاني والمواقف المشتركة، والنظام الاجتماعي، ومشاعر الانتماء، ~~والاستقرار الاجتماعي، وما إلى ذلك. # وعلى ما تقدم، ولأن أفكار هابرماس عن التواصل والخطاب تتسم بالثراء البالغ معياريا، ~~فإن تحليله يصطبغ دوما بصبغة أخلاقية. يعتمد الفعل التواصلي على «الإدراك المتبادل» ~~لادعاءات الصحة. وفي العالم المعيش، نجد أن آلية الكلام المنسقة للفعل تجبر ~~الأفراد على أن يضعوا في اعتبارهم غيرهم من المتكلمين والمستمعين والفاعلين وأسبابهم. ~~ويتألف الخطاب من قواعد تضمن الاحترام المتساوي للآخرين جميعا والتضامن الكلي بينهم. ~~إن مثل المساواة والكلية والشمولية راسخة في الأنشطة التواصلية في العالم المعيش، ~~والفاعلون، بحكم تواصلهم وحسب، يلتزمون بها. ومن ثم، فإن الإدماج الاجتماعي في العالم ~~المعيش نوع من التهذيب الأخلاقي؛ وهي عملية الاعتياد على التصرف بما يتفق مع هذه ~~المثل. وفي المقابل، فإن الأنظمة تغرس العادات الأداتية لمعاملة الآخرين باعتبارها ~~سبلا لتحقيق غايات المرء، وتعزز اللامبالاة فيما يتعلق ms056 بغايات الآخرين. وهنا، لا ~~يستطيع المرء أن يمنع نفسه من التفكير في ملاحظة أدورنو بأن عدم اكتراث الطبقات ~~المتوسطة ولامبالاتها كانا «المبدأ الذي من دونه لم تكن أحداث معسكر أوشفيتس ستقع قط.» ~~الفارق الأساسي هو أنه، بحسب تقييم أدورنو، كان عدم اكتراث الناس ولامبالاتهم اللذان ~~أفضا في نهاية المطاف لقسوة بعضهم تجاه بعض؛ كانا تبعة غير مقصودة للجانب السلبي ~~للتحكم الذاتي العقلاني والاستقلال الأخلاقي الكانطي. يرى هابرماس أن ظاهرة شبيهة تنتج ~~عن الآثار المفسدة للأخلاق والناجمة عن استعمار النظام للعالم المعيش، لا من داخل ~~الخلقية نفسها. ومحصلة كل ذلك أن استعارة هابرماس الطبية «الآفات الاجتماعية» لها ميزة ~~خلقية ضمنية وغير معلنة. ظاهريا، تنص نظريته على أن استعمار العالم المعيش يصيب ~~المجتمع بخلل وظيفي. وباطنيا، فهي تشير إلى أن هذا الخلل الوظيفي سيسفر عن ظهور ~~أشخاص فاسدين أخلاقيا. # الفصل الخامس # | نظرية الحداثة لدى هابرماس # لفلسفة هابرماس جانب تاريخي ومنهجي في الوقت نفسه. فقد تعلم من هيجل وماركس، ومن ~~الفلسفة التأويلية القائلة بأن موضوعات النظرية الاجتماعية ونظامها لهما تواريخ. وكما قال ~~نيتشه: «الشيء الذي ليس له تاريخ هو وحده الذي يمكن تعريفه.» ولأن المجتمعات لها تاريخ، ~~فإنه لا يمكن تعريفها؛ وهذا لا يعني أنه يتعذر تفسيرها، بل يعني أن تفسيرها يجب أن يضع في ~~الاعتبار هذه التواريخ. وهذا ما تحققه فلسفة هابرماس اقتداء بأسلوب معين (مع أنه أسلوب من ~~المرجح أن يثير حفيظة المؤرخين). حتى الآن، مررت مرور الكرام على حقيقة أن النظرية ~~الاجتماعية لهابرماس تشخيص ونقد للأشكال «الحديثة» من الحياة الاجتماعية، وأن أخلاقيات ~~الخطاب تبرير وبيان للخلقية «الحديثة». والآن حان الوقت لمزيد من التركيز على نظرية الحداثة ~~والتحديث. فذلك من شأنه أن يساعد في تسليط الضوء على البعد الأخلاقي الخفي في نظرية هابرماس ~~الاجتماعية. بإثبات مدى التشابك بين الخلقية والحداثة، ستوضح النظرية السبب الذي يجعل لآثار ~~الاستعمار الاجتماعية الضارة أثرها على أخلاق مجتمع ما. # على مستوى معين، تشير الحداثة إلى فترة من الفترات (أو مجموعة من الأفكار المرتبطة ~~ارتباطا وثيقا بفترة ms057 ما) ذات بداية زمنية. وما إن كانت تلك الفترة قد ولت، أو ما زالت ~~تتكشف، أو ما إن كان من المفترض، لو كانت قد مضت، أن نودعها فرحين، كل تلك الأسئلة كانت ~~مثار كثير من الجدل في الثمانينيات مع نشر «نظرية الفعل التواصلي». (لحسن الحظ، من الواضح ~~أن الفترة التي كان فيها هذا السؤال ملحا قد انتهت.) ولكن الحداثة تتجاوز كونها فترة ~~وحسب؛ فهي تشير إلى الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية والمؤسسية والنفسية التي تنجم عن ~~عمليات تاريخية بعينها. # ترتبط الحداثة من هذا المنطلق بمختلف ~~الأعمال والأساليب الجمالية التي تنضوي تحت مسمى «الحداثوية»، لكنها تتمايز عنها. لدى ~~الفنان حرية الاختيار؛ فإما أن يتبنى «الحداثوية» أو لا. أما الحداثة فهي تخالف ذلك. فقد ~~تتجه أنت إلى الحداثوية (أو لا)، أما الحداثة فتأتي إليك. ورغم أنه من المنطقي أن نتحدث عن ~~«نظرية» هابرماس عن الحداثة، كما أفعل الآن في هذا الكتاب، فهي ليست برنامجا منفصلا، ~~كأخلاقيات الخطاب، بل مجموعة من الأفكار والفرضيات المنسوجة بداخل كل البرامج ~~المختلفة. # يمكن القول إن نظرية الحداثة تنقسم إلى نصفين. وثمة رواية تاريخية واسعة النطاق جدا ~~تتناول تطور المجتمع الغربي من نهاية فترة العصور الوسطى وحتى أواخر القرن العشرين. وللحبكة ~~الفرعية الخاصة بنشأة الحداثة العلمانية في تلك الفترة من رحم إرث ديني مسيحي أهمية خاصة. ~~علاوة على ذلك، يقدم هابرماس رواية إصلاحية شديدة الطموح لمنطق التطور الاجتماعي: نظرية ~~للتطور الاجتماعي. لنلق نظرة على كل مما سبق على حدة. ~~(1) الرواية التاريخية ~~(1-1) التحديث والتمييز بين نطاقات القيمة # لقد تعرضنا فيما سبق لبعض وجهات نظر هابرماس حول أصول المجتمعات الحديثة ~~وطبيعتها. في رواية هابرماس، نجد أن الحداثوية عملية تشمل العديد من المستجدات ~~المترابطة، سبق أن تعرضنا لبعضها. أولا: كان هناك نمو كبير في المعرفة، ولا سيما ~~في العلوم الطبيعية، من القرن السابع عشر فصاعدا. كانت علوم العصور الوسطى - وهي ~~وسيلة غير موثوقة لإسناد خصائص من المفترض أنها تفسيرية للمواد على أساس ملاحظات ~~تدريجية - تستند إلى حد بعيد إلى مرجعية أرسطو. ms058 وتدريجيا، أفسحت هذه المرجعية ~~المجال لنهج أكثر تنظيما زاوج بين التقنيات الدقيقة للقياس وصياغة النظرية ~~الرياضية، وأسلوب جديد لصياغة الفرضيات التنبئية واختبارها. لقد اتضح أن العلوم ~~الجديدة ناجحة جدا، لدرجة أن صعود نجمها أفضى (على مدار عدة قرون وبالتآزر مع ~~عوامل أخرى) إلى تراجع هيمنة المنهج الأرسطي، ووهن سلطة الكنيسة، وإحلال السلطة ~~المعرفية للعلوم الطبيعية والمنطق محلهما. ويزعم هابرماس (متأسيا بماكس فيبر) أن ~~هذه الزيادة المهولة في المعرفة المفيدة فنيا قد أفضت بدورها إلى الفصل بين ثلاثة ~~نطاقات مختلفة للقيمة . # شكل 5-1: نطاقات القيمة الثلاثة. # وليس من عجب ظهور «ثلاثة» نطاقات متمايزة للقيمة. لقد حدث التمايز بين نطاقات ~~القيمة منذ فجر نقل السلطة المعرفية والسلطة العملية من المناهج الدينية إلى ~~الصحة، وبحسب هابرماس، هناك ثلاثة أنواع متمايزة من الصحة. # شكل 5-2: أبعاد الصحة الثلاثة. # ترتبط أبعاد الصحة الثلاثة بدورها ارتباطا مباشرا بأبعاد الخطاب الثلاثة: البعد ~~النظري، والبعد الأخلاقي، والبعد الجمالي (انظر الفصل الثالث، شكل # 3-2 ~~). وتقوم الفكرة على أنه بينما تسقط رؤى العالم الديني ~~بالتزامن مع صحوة العقلنة، فإن المشكلات التي تتمخض عن ذلك السقوط يتولاها ويحلها ~~واحد من مجالات المعرفة الثلاثة: العلوم الطبيعية، والخلقية/القانون، والفنون. ~~وتستمر عمليات التعلم وتتعمق المعرفة، ولكن دائما في إطار فرع واحد منذ ذلك الحين ~~فصاعدا. فالحداثة تجلب زيادة كبيرة في كم المعرفة المتخصصة وعمقها، لكن هذه ~~المعرفة تصبح، في العملية نفسها، منفصلة عن جذورها في الحياة اليومية، وتطفو ~~بعيدا عن «تيار المنهج الذي يتطور بشكل طبيعي في تأويل الحياة اليومية» (الحداثة: ~~مشروع غير مكتمل). إن الفجوة بين ما نعرفه وبين كيفية العيش آخذة في ~~الاتساع. ~~(1-2) مشروع الحداثة غير المكتمل # في عام 1980، أحدث هابرماس جلبة بالكلمة التي ألقاها تحت عنوان «الحداثة: مشروع ~~غير مكتمل» بمناسبة حصوله على جائزة أدورنو. كانت الكلمة مثيرة لردود فعل غاضبة؛ ~~لأن هابرماس سبح ضد التيار الفكري القوي آنذاك لحركة ما بعد الحداثة التي كانت ~~تتوق لتوديع الحداثة، ومشروع التنوير الملازم لها بأكمله. إن العنوان الذي اختاره ~~هابرماس يطرح نقطتين ms059 ضمنا؛ الأولى أن الحداثة «مشروع» لا حقبة تاريخية، والثانية ~~أن هذا المشروع لم يكتمل بعد (بل يمكن وينبغي أن يكتمل). # يطلق هابرماس على الحداثة اسم «المشروع»؛ لأنه يراها حركة ثقافية تنشأ استجابة ~~لمشكلات بعينها تتسبب فيها عمليات التحديث السالف وصفها أعلاه. كانت المشكلة ~~الرئيسية هي إيجاد طريقة لإعادة ربط المعرفة المتخصصة، التي أطلقتها عملية التنوير، ~~بالفطرة السليمة والعمليات الحياتية اليومية، للسيطرة على إمكاناتها إلى الأبد ~~بربطها مرة أخرى بالعالم المعيش والمصلحة المشتركة. إن هذا المفهوم الخاص بالحداثة ~~يضع ما يطلق عليه هابرماس فلسفة «ما بعد الميتافيزيقا» التي مهمتها، بحسب زعمه، ~~أن تكون بديلا للعلوم التخصصية ومفسرة لها، في قلب الحياة الحديثة وتحدياتها. ~~(جدير بالذكر أن مفهوم هوركهايمر وأدورنو للنظرية النقدية عالج التفاوت ذاته بين ~~نمو المعرفة التي يمكن استغلالها فنيا، من ناحية، وغياب أي شكل مهم من الحياة ~~الاجتماعية من ناحية أخرى.) # ويصف هابرماس المشروع الحديث بأنه «غير مكتمل»؛ لأن المشكلات التي يتناولها لم ~~تحل بعد؛ إذ يعتقد أنه من غير المجدي تعطيل أو عكس اتجاه عملية التحديث الجارية، ~~ولأنه يعتقد أيضا أن البدائل المطروحة للحداثة والتحديث أسوأ. ومن بين هذه البدائل ~~السيئة مناوأة الحداثة. إن الأفكار المناوئة للحداثة - كالمذهب المجتمعاتي ~~لدى ألسدير ماكنتاير (مواليد عام 1929) الذي يدافع في تفسير له عن إحياء منهج توما ~~الإكويني للفضائل الأخلاقية؛ والأعمال اللاحقة لمارتن هايدجر، التي من الواضح أنها ~~ترحب بعودة أسلوب للحياة أكثر ريفية وتقليدية - ما هي سوى وسائل مختلفة لتجميل ~~انتكاسة في أشكال الحياة ما قبل الحداثية. والبديل السيئ الآخر هو ما بعد ~~الحداثوية. يشك هابرماس في أن الإعلان الصاخب العارض عن نهاية الحداثة يتخلص من ~~الصالح (المثل الإنسانية للتنوير) مع الطالح (نمو العقلانية الأداتية والإيمان ~~بالمنافع الاجتماعية للتطور التكنولوجي والعلمي). إنه ينفر من جميع أشكال النسبية ~~والتناص اللذين يخلط بينهما وبين اللامنطقية كثيرا؛ ولعل ذلك يفسر النبرة ~~الدرامية المبالغ فيها الملتفتة إلى الماضي لمعارضته الجدلية لما بعد الحداثوية في ~~كتابه «الخطاب الفلسفي للحداثة: اثنتا عشرة محاضرة». آنذاك، كان هابرماس قلقا ms060 من ~~أن فلسفة ما بعد الحداثة المؤثرة آنذاك من فرنسا ربما كانت فخا لانبعاث النزعة ~~اللاعقلانية في ألمانيا. # يعتقد هابرماس أننا يجب ألا نضحي بالمكاسب التي جلبتها لنا الحداثة؛ ألا وهي ~~زيادة المعارف، والفوائد الاقتصادية، والتوسع في الحريات الفردية. إن استكمال ~~الحداثة لا يعني فقط قبول كل ما تلقيه علينا من مستجدات، بل التخصيص الناقد ~~للإمكانات الثقافية والتكنولوجية والاقتصادية للعالم الحديث في ضوء المثل ~~الإنسانية العلمانية. وقد لا تكون هذه بالمهمة الهينة؛ ذلك أنها تتطلب، من بين ~~متطلبات أخرى، «إمكانية توجيه التحديث الاجتماعي في اتجاهات أخرى غير رأسمالية» ~~(الحداثة: مشروع غير مكتمل). ويتطلب استكمال الحداثة وقاية العالم المعيش بفاعلية ~~من الأثر المدمر للنظام، وكما رأينا في الفصل السابق، لا يوجد حاليا أي عامل أو ~~قوة كافية لإنجاز هذه المهمة. ~~(1-3) نشأة الخلقية العلمانية # بحسب التحليل التاريخي لهابرماس، يفضي ~~التحديث إلى تحرير البشر من الأدوار والقيم التقليدية، وإلى اعتمادهم المتزايد على ~~التواصل والخطاب لتنسيق أفعالهم وخلق نظام اجتماعي. ويلخص هابرماس ذلك كله فيما ~~أطلق عليه أطروحة الحداثة الخاصة بهابرماس: # لم يعد بإمكان الحداثة أن تستعير المعايير التي تسترشد بها، بل ولن تفعل، ~~من النماذج التي تقدمها حقبة أخرى؛ بل «لا بد أن تخلق معياريتها من تلقاء ~~نفسها». ~~«الخطاب الفلسفي للحداثة: اثنتا عشرة محاضرة» # يشير الحديث عن «المعيارية» هنا إلى المعاني والتفاهمات المشتركة التي تنشأ نتيجة ~~الخطابات التي تجرى بنجاح. وهذه الخطابات تخلق ذاتيا لأنها نتيجة التواصل ~~والخطاب، ومن هذا المنطلق فهي تئول إلينا باعتبارنا الفاعلين والمشاركين في الخطاب. ~~وهي أيضا خطابات عقلانية ما دامت تستند إلى الإقرار المشترك بادعاءات ~~الصحة. # ثمة حبكة فرعية لهذه الرواية العامة تتسم بأهمية كبرى لبرنامج أخلاقيات الخطاب. ~~وهذه الحبكة الفرعية تختص بنشأة الخلقية العلمانية من رحم المنهج اليهودي-المسيحي ~~التوحيدي («تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية). احتوى هذا المنهج - بحسب اعتقاد ~~هابرماس - على فكرة إيجاد أسلوب حياة صالح ومستقيم موضوعيا يمكن في ضوئه الإجابة ~~عن السؤال الأخلاقي الذي يطرح نفسه على كل فرد: «ماذا يجب أن أفعل؟» # أثناء التحول ms061 التاريخي إلى الحداثة، انفصلت أسئلة محددة وجوهرية حول الخير ~~انفصالا تدريجيا عن الأسئلة الشكلية المتعلقة بالعدالة والصواب الأخلاقي، ~~والأخلاقيات المستندة إلى منهج ديني موحد ومتماثل حل محلها مجموعة من مفاهيم ~~الخير المتنافسة. تحولت الخلقية تدريجيا من مجموعة من الأوامر إلى نظام من ~~المبادئ والمعايير السارية. والمعايير السارية للخلقية الحديثة تتصف بسمتين: ~~العمومية واللاتقيدية. يقول هابرماس إن هاتين السمتين إرث من ~~المسيحية-اليهودية. ولكن، لمجرد أن المعايير الأخلاقية لها تاريخ، فإن ذلك لا يشير ~~إلى أنها مجرد أطلال لعصر بائد. صمدت الخلقية حتى الحداثة ؛ لأن لها غاية إلى الآن؛ ~~وهي فض النزاعات والمساعدة في تجديد النظام الاجتماعي والحفاظ عليه. # حتى هذه النقطة، كان هابرماس يسرد ~~تاريخا لما يمكن أن نطلق عليه «الخلقية الموجودة بالفعل». وثمة تاريخ مواز ~~للنظرية الأخلاقية يتناول المفاهيم المتغيرة للخلقية، والتعبير النظري عنها. وبحسب ~~هابرماس، يعتبر كانط أول منظر أخلاقي تعكس نظريته المفهوم الحديث للخلقية. إن ~~صياغة كانط الأولى للأمر القطعي، «صيغة القانون العام»، تحدد مكمن السلطة ~~الأخلاقية، لا في المخزون المادي من المبادئ والواجبات، بل في المعيار الرسمي ~~للتعميم بحسب أي المبادئ تكون مندرجة في فعل الإرادة: # تصرف على أساس المبدأ الذي قد ترغب في الوقت نفسه أن تجعله قانونا ~~عاما. # ولأن الرغبة في تحويل مبدأ ما إلى قانون هو فعل حر، يتصور كانط أن الأفعال ~~الأخلاقية هي تعبير عن حرية الإرادة. ورغم ثناء هابرماس على كانط لانتزاعه المبادئ ~~الأخلاقية من المفهوم الجوهري للخير، وإعادة النظر إليها على أنها إجراء لاختبار ~~المعايير، فإنه انتقد افتراض كانط أن كل فرد منعزل يبرهن لنفسه صحة معيار أخلاقي ~~من خلال تطبيق الأمر القطعي على أحد المبادئ، كما لو كانت عملية حسابية عقلية ~~أخلاقية. على حد تعبيره، يرى كانط الاستدلال الأخلاقي إجراء «أحادي الخطاب»؛ ومن ~~ثم فهو يغفل طبيعته الاجتماعية بالضرورة. وفي المقابل، فإن نظرية الخطاب الخلقي، ~~مثلما ذكر توماس ماكارثي، ترى الخلقية عملية جمعية و«ثنائية الخطاب» تهدف للوصول ~~إلى إجماع: # يتحول التأكيد مما قد يرغب كل منا في جعله قانونا عاما ms062 دون تعارض ~~إلى ما قد نرغب جميعا وباتفاق فيما بيننا في جعله قاعدة عامة. ~~«الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي» # وتعتبر أخلاقيات الخطاب لدى هابرماس تطورا لأحد مفاهيم كانط الحديثة عن مبادئ ~~الأخلاق، الذي يسترشد منطقه الداخلي بمثل أو قواعد الخطاب. ~~(2) نظرية التطور الاجتماعي لدى هابرماس # وضع هابرماس أيضا نظرية للتطور الاجتماعي تتخذ شكل أطروحة طموحة جدا مفادها أن نوع ~~عمليات التعلم التنموية التي تم تحديدها لدى الأفراد من الممكن، بإدخال التعديلات ~~المناسبة عليها، نقلها إلى مجتمعات كاملة. بعبارة أخرى، يمكن الإبقاء جزئيا على ~~الفكرة الغائية القائلة بأن العالم الاجتماعي يتقدم، إذا ما وضعنا كل المتغيرات في ~~الاعتبار، في اتجاه بعينه، إذا أمكن الحفاظ على التناظر بين عمليات التعلم الفردية ~~والاجتماعية. ~~(2-1) نظرية التطور الأخلاقي لدى لورنس كولبرج # عند النهاية الثابتة للتناظر، نجد نظرية لورنس كولبرج للتطور الأخلاقي لدى ~~الأطفال. رأى كولبرج (1927-1987)، عالم النفس التطوري، أن الأهلية الأخلاقية ~~للأفراد تتطور عبر ثلاثة مستويات ثابتة - المستوى قبل التقليدي والمستوى التقليدي ~~والمستوى ما بعد التقليدي، بحيث ينقسم كل مستوى إلى مرحلتين. ومن المفترض أن تكون ~~هذه البنية من المستويات والمراحل «طبيعية»؛ لأنها واسعة الانتشار ثقافيا، ويمكن ~~تأكيدها جزئيا عن طريق التجريب. # نظرية كولبرج للتطور الأخلاقي لدى الأطفال # المستوى الأول: الخلقية ما قبل التقليدية # في المستوى الأول، يستجيب الطفل إلى مسميات الخير والشر والصواب أو الخطأ، ~~لكنه يفسرها في ضوء التبعات التجريبية لأفعاله. # المرحلة الأولى: # يفهم الطفل الخلقية في إطار العقاب والطاعة، وتفادي الإضرار ~~بالآخرين. # المرحلة الثانية: # يفهم الطفل الخلقية فهما أداتيا كوسيلة لتلبية مصالحه ~~والسماح للآخرين بتلبية مصالحهم. # المستوى الثاني: الخلقية التقليدية # في المستوى الثاني، يعلي الطفل من قيمة الوفاء بتوقعات عائلته بغض النظر ~~عن التبعات. وينصب الاتجاه المميز له على التكيف والولاء للنظام ~~الاجتماعي. # المرحلة الثالثة: # يفهم الطفل الخلقية على أنها أداء دور الفتى الخلوق. ويعني ~~التحلي بالخلق اتباع القواعد والوفاء بالتوقعات والاهتمام ~~بالآخرين. # المرحلة الرابعة: # تعني الخلقية وفاء المرء بواجباته والحفاظ على النظام ~~الاجتماعي، ورفاهة المجتمع أو الجماعة. # المستوى الثالث: الخلقية ms063 ما بعد التقليدية # يتميز المستوى الثالث للأخلاق بالقدرة على التمييز بين صحة المعايير ~~الأخلاقية وسلطة الجماعات أو الأشخاص الذين يؤيدونها. ولا تعتمد الصحة على ~~ارتباط المرء بالجماعة. وتعكس القرارات الأخلاقية القيم أو المبادئ المتفق ~~عليها (أو التي يمكن الاتفاق عليها) من قبل جميع أفراد المجتمع؛ لأنها تخدم ~~الصالح العام. # المرحلة الخامسة: # ينظر إلى الخلقية باعتبارها الحقوق والقيم والعقود ~~القانونية الأساسية للمجتمع، حتى لو تعارضت مع القواعد ~~والقوانين الراسخة للجماعة. ويستطيع الأفراد التمييز بين القيم ~~والمعايير النسبية للجماعة، وبعض القيم والمعايير العامة غير ~~النسبية التي يتعين حمايتها بغض النظر عن رأي الأغلبية. ~~ويمكن أن تستند القوانين والواجبات إلى حسابات المنفعة ~~الإجمالية. # المرحلة السادسة: # تفهم الخلقية على أنها كل ما يتسق مع المبادئ الأخلاقية ~~العامة المختارة ذاتيا. في هذه المرحلة، يعتبر السبب الذي ~~يستند إليه المرء للتحلي بالأخلاق هو أنه، كإنسان عقلاني، ~~يتمتع بفهم عميق لصحة المبادئ الأساسية، ويلزم نفسه بها. تضفي ~~المبادئ الكامنة صفة الصحة على القواعد أو الأفعال. وعندما ~~تتعارض القواعد أو الأفعال مع المبادئ، يحتكم المرء للمبادئ. ~~ومن أمثلة ذلك المبادئ العامة للعدالة والمساواة واحترام ~~كرامة البشر أجمعين. # يرى كولبرج أن أي مستوى وأي مرحلة هي خطوة في عملية تعلم، وكل خطوة تكون أهم من ~~سابقاتها؛ بمعنى أنها تمثل زيادة في درجة التعقيد. وكل مستوى جديد يحتفظ بقدرات حل ~~المشكلات للمستوى السابق له ويطوره؛ ومن ثم ففي كل مستوى جديد يستطيع الأفراد حل ~~المشكلات والمعضلات الأخلاقية بقدر أكثر إرضاء؛ ولذا، فإن الأفراد الخلوقين، بصفة ~~عامة، يفضلون المستويات العليا من الوعي الأخلاقي على المستويات الدنيا فور ~~انتقالهم للأعلى. # هذه النظرية فرضية تجريبية في جزء منها، وفلسفة أخلاقية في الجزء الآخر. وبعض ~~الأطروحات النفسية القائلة، على سبيل المثال، إن الفاعلين يفضلون حلول المستوى ~~الأعلى على حلول المستوى الأدنى، قابلة للقياس وتدعمها بيانات تجريبية. لكن ~~المزاعم الخاصة بالتفوق النظري لحلول المرحلة السادسة على حلول المرحلة الخامسة ~~(تفوق خلقية كانط على الخلقية النفعية) من المفترض أنها نشأت بحجة فلسفية. وحقيقة ~~أن البيانات التجريبية ms064 والحجج الفلسفية يدعم بعضها بعضا؛ يعتد بها لاحقا كدليل ~~غير مباشر على صحة النظرية. # تعرضت نظرية كولبرج إلى الكثير من الانتقادات. على سبيل المثال، ينفر النفعيون من ~~فكرة حصرهم في المركز الثاني وراء الكانطيين، وينكرون أن حلولهم للمشكلات الأخلاقية ~~أدنى «طبيعيا» أو فلسفيا. علاوة على ذلك، كثير من النسويين يدعون أن ثمة ~~بعدا أنثويا تحديدا للخلقية - ألا ~~وهو الرعاية - إلا أن كولبرج يقلل من أهميته الأخلاقية أو يتجاهلها لأسباب مختلفة. ~~إنه يفضل الحلول «العقلانية» للمشكلات الأخلاقية التي يقدمها الذكور، ويغض الطرف ~~عن الحلول البديلة المقدمة من الإناث، ويستنبط عن طريق الخطأ أطروحة عن نمو ~~الأطفال من الأدلة المتعلقة بنمو الذكور. ورغم هذه النقاط المثيرة للجدل، يؤيد ~~هابرماس نظرية كولبرج عن التطور الأخلاقي مع اختلاف وحيد وحسب. فمثلما لا يجعل ~~روايته التاريخية عن نشأة الخلقية العلمانية تنتهي بكانط بل بنظرية الخطاب الخلقي، ~~فقد أقحم نظرية الخطاب الخلقي في المرحلة السادسة لنظرية كولبرج (الوعي الأخلاقي ~~والفعل التواصلي). وربما يعبر أنصار الفلسفة الكلبية عن استهجانهم هنا؛ إذ يبدو ~~أنه ليس من قبيل المصادفة أن يئول التطور التاريخي للخلقية الحديثة، بحسب رواية ~~هابرماس، وعلم النفس الأخلاقي التنموي، بحسب تفسير هابرماس له، في نهاية المطاف إلى ~~نظرية الخطاب. ~~(2-2) التطور الاجتماعي والتحديث # تتلخص فرضية هابرماس الطموحة في أنه مثلما أن تطور الوعي الأخلاقي للأفراد هو ~~عملية تعلم يمكن تقسيمها إلى مراحل منطقية، فكذلك تطور المجتمع ككل. على أي ~~حال، إذا كانت المراحل والمستويات المذكورة أعلاه طبيعية لدى الأفراد، فلا بد أن ~~ينعكس ذلك على البنى الاجتماعية؛ ينبغي أن تكون هناك مجتمعات قبل تقليدية، وأخرى ~~تقليدية، وثالثة بعد تقليدية. يعتقد هابرماس أن كل هذه المستويات يمكن تحديدها في ~~أشكال تاريخية مختلفة من التداعي. فالمجتمعات القائمة في الغالب على صلة الرحم ~~والتقاليد الدينية المشتركة، التي ترتبط فيها الخلقية بالرموز الدينية ~~والقبلية، هي مجتمعات «تقليدية»، بينما المجتمعات الحديثة القائمة على الخلقية ~~العمومية والقانون الشرعي هي مجتمعات «ما بعد تقليدية». والنظير الاجتماعي لبنى ~~المستوى الثاني والثالث للوعي الأخلاقي الفردي ms065 يمثل أنواع القواعد المتاحة لحل ~~المشكلات الجمعي. إذا صحت فرضية هابرماس، فسيكون بالإمكان إعادة صياغة عملية ~~التحديث باعتبارها تطورا لبنى اجتماعية متزايدة التعقيد يمكنها أن تمكن ~~الأفراد من حل المشكلات والصراعات الاجتماعية بشكل أفضل. # لكن هذه الفرضية محاطة بالكثير من المشكلات الجسيمة. على سبيل المثال، ليس من ~~الواضح أي الأدلة التجريبية يمكن تأكيدها أو دحضها. وثمة مصدر قلق آخر يكتنف ~~التناظر المزعوم بين التطور المتعلق بنشأة الفرد والتطور المتعلق بالسلالات (عمليات ~~التعلم الفردية والجمعية). ومن غير الواضح هل كان السلوك الفردي له أي نظائر جمعية ~~أم لا. في نظرية كولبرج، من الواضح على الأقل الطرف القائم بالتعلم؛ والطفل الفرد. ~~ثمة وعي متحكم ليس له نظير على المستوى الجمعي. كيف لمجتمعات كاملة أن تتعلم؟ يقر ~~هابرماس بأن المجتمعات تتعلم فقط بالمعنى الاشتقاقي الذي مفاده أنها توفر الإطار ~~الذي يتعلم داخله الأفراد التعامل مع الصراعات وحل المشكلات؛ ولذا، فإن النقلة ما ~~بين المجتمعات التقليدية وما بعد التقليدية يمكن أن تسمى «عملية تعلم». # استنبط هابرماس هذه الفرضية الطموحة في السبعينيات أثناء تعاطيه النقدي مع ~~المادية التاريخية. ولقد كان من المفترض أن تتمم نظريته عن البنى الاجتماعية ~~المعيارية الرؤية الماركسية القائلة إن التطور الاجتماعي يتحدد من أسفل بالتغيرات ~~الطارئة على نمط الإنتاج. منذ ذلك الحين، أسقط هابرماس من حساباته أغلب نظرية ~~التطور في هدوء، مع أنه استمر في استخدام بعض أفكارها وافتراضاتها المحورية في ~~برامجه الأخرى. ما لم يسقطه من حساباته هو إيمانه بأن الفاعلين الذين يتصرفون ~~تواصليا والذين يسوون الصراعات عن طريق الخطاب أقدر على التكيف مع صراعات ~~الحياة الاجتماعية الحديثة وتعقيداتها. ~~(3) استكمال المشروع الحداثي # كثيرا ما يشكو نقاد هابرماس من أن أعماله ليست تاريخية الطابع مطلقا. فهو ينقب في ~~التاريخ بحثا عن نتائج موائمة لبرامجه البحثية. على سبيل المثال، يقدم لنا هابرماس ~~العمومية الأخلاقية كنتيجة تاريخية، لكنه يريد القول أيضا إنها رغم ذلك «تطور» ~~يضاف لما حدث من قبل. يرى هابرماس أنه كلما كان المجتمع متماشيا مع مثل التواصل ~~والخطاب، أي كلما ms066 كان أفراده موجهين نحو الوصول إلى إجماع، كان ذلك أفضل لهم فرادى ~~وجماعات. ويرى ناقدوه أن هذه المزاعم تذكرهم بالفكرة الهيجلية المرفوضة والقائلة إن ثمة ~~«منطقا في التاريخ». # هذه المخاوف مشروعة، لكن ليس بالقدر الذي يزعمه النقاد. ينكر هابرماس أن الأفكار ~~السياسية والأخلاقية الموجهة للمشروع الحداثي، حتى لو نشأت في مرحلة معينة في التاريخ، ~~متصلة بالسياق الثقافي المحدد الذي تسبب في نشأتها. ويقدم هابرماس دفاعا لائقا عن ~~فكرة التقدم الاجتماعي. فهو يعتقد أنه يمكن إعطاء هذه الفكرة تفسيرا مبررا تجريبيا ~~(ومعتبرا ميتافيزيقيا)؛ يمكن فهم التطور الاجتماعي باعتباره عملية تعلم من حيث إن ~~الأفراد ما بعد التقليديين بالمجتمعات الحداثية أقدر على تنسيق أفعالهم والحفاظ على ~~النظام الاجتماعي من الأفراد التقليديين أو ما قبل التقليديين بالمجتمعات ما قبل ~~الحداثية. وعلى ذلك، فإن هابرماس أبعد ما يكون عن التفاؤل الساذج؛ فهو يرفض مفهوم هيجل ~~الغائي عن المجتمع باعتباره شكلا ماديا لروح ذاتية التطور تتجه نحو غاية المعرفة ~~الذاتية. واستنادا إلى روايته، فإن آثار التحديث على النظام والعالم المعيش ~~وتوازنهما الهش متعددة، وإرثه غامض. على الجانب السلبي من التوازن، يؤدي التحديث إلى ~~ظهور الآفات الاجتماعية - كالتفسخ الاجتماعي والانفصال ومشاعر الاغتراب. وعلى الجانب ~~الإيجابي، تجلب الحداثة مكاسب معرفية واقتصادية وعملية جديرة بأن نحافظ عليها. # ويصر هابرماس على أن محاولة إيقاف أو عكس عملية التحديث، وكأن أحدا لديه القدرة على ~~الضغط على زر وعكس مجريات التاريخ، لا جدوى منها. وهذا لا يعني أن المجتمع حصين من ~~الأثر البشري. تكمن الحيلة في العمل مع ديناميكيات الحداثة لا بما يناقضها؛ وذلك لأن ~~التحديث يوفر موارد يمكن بها حل المشكلات التي يتسبب فيها واحتواء الضرر الذي تلحقه. ~~المحصلة النهائية أن استكمال المشروع الحداثي يعني إيجاد سبل ووسائل لتيسير الانتقال ~~إلى مجتمع ما بعد تقليدي ينسق الأفراد فيه أفعالهم، ويرسون نظامهم الاجتماعي على ~~أساس المبادئ الأخلاقية العامة والقوانين المشروعة. ولكي نفهم ما يتضمنه ذلك بشكل أوضح، ~~يجب أن نلتفت إلى النظرية الأخلاقية والسياسية لدى هابرماس. # الفصل السادس # | أخلاقيات الخطاب (1): نظرية ms067 الخطاب الخلقي # أخلاقيات الخطاب هي البرنامج المحوري لفلسفة هابرماس: يفترض كتاب «نظرية الفعل التواصلي» ~~وجود أخلاقيات التواصل؛ بينما يسلم بها جدلا كتابه «بين الحقائق والمعايير». والبرنامج ~~منقسم إلى مجلدين صغيرين من المقالات تحت عنواني «الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي» (1983) ~~و«التبرير والتطبيق» (1991). ولا يوجد أي عمل كبير عن أخلاقيات الخطاب يقارن بأعماله التي ~~تتناول النظرية الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك، فأخلاقيات الخطاب هي الأساس المعياري لفلسفة ~~هابرماس، وهي التي تطور الأفكار المميزة للعلانية والشمولية والمساواة والتضامن والعدالة ~~في ضوء برنامج المعنى البراجماتي وبرنامج النظرية الاجتماعية. # ورغم أن ذلك ليس واضحا من أول وهلة، فإن أخلاقيات الخطاب امتداد، بسبل مختلفة تماما، ~~للبعد الأخلاقي الضمني المهمل عادة في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت. كتب أدورنو في ~~كتابه «الجدل السلبي» عن «أمر قطعي جديد» فرضه هتلر على البشرية؛ ألا وهو «أن ينظموا ~~أفكارهم وأفعالهم بحيث لا يتكرر ما حدث في معسكر أوشفيتس مجددا، وألا تقع أي حادثة شبيهة ~~قط.» إن السبب وراء إهمال الأهمية الأخلاقية لفلسفة أدورنو، رغم مثل هذه التصريحات، هو أنه ~~ينكر احتمالية العيش بنزاهة في خضم ما يطلق عليه اسم ~~«الوجود المتضرر». بعد حادثتي معسكر أوشفيتس ~~وهيروشيما، لم يعد بالإمكان أن نحيا حياة هانئة أو نتصرف بشكل أخلاقي وبضمير مستريح. وأفضل ~~ما يمكن أن يفعله المرء هو مقاومة الخسائر التي تحدثها الثقافة الجماهيرية (مقاومة ما ~~يعرف أحيانا، بطريقة مبسطة، باسم «التبسيط»)، ورفض مسايرة الخلقية التقليدية، والتكيف مع ~~المعايير الاجتماعية؛ ولذا، مهما كان هذا الأمر الأخلاقي واضحا وجليا، فثمة هالة من ~~المفارقة تحيط به. ~~«التعلم من الكوارث» واحدة من الأفكار الأساسية في أعمال هابرماس. فقد عاصر هابرماس - ~~شأنه شأن أدورنو - الفترة النازية وتبعاتها؛ والمثل أو، إن شئنا مزيدا من الدقة، المحصلة ~~الأخلاقية التي أعرب عنها أدورنو في أمره القطعي الجديد؛ محورية فيما يتعلق بفلسفة هابرماس ~~الأخلاقية والسياسية. الفارق أن هذه المحصلة الأخلاقية لدى هابرماس لها تداعيات أخلاقية ~~واجتماعية (وكذلك تداعيات سياسية، كما سيتبين لنا لاحقا)؛ فمنع تكرار وقوع ما حدث في معسكر ~~أوشفيتس أو ما ms068 شابهه يعني الحفاظ على العالم المعيش، وخلق ظروف يندمج بموجبها الأفراد ~~اجتماعيا في الخلقية ما بعد التقليدية، ويشيدون نظاما اجتماعيا على أساس معايير صحيحة ~~بالدليل القطعي. ~~(1) الخطاب الأخلاقي والوظيفة الاجتماعية للخلقية # في هذا الفصل، ينصب تركيزي على نظرية الخطاب الخلقي وفكرة الخطاب الخلقي. لا تجيب ~~نظرية الخطاب الخلقي، وهو الغريب بالنسبة لنظرية خلقية معيارية واجباتية، عن سؤال «ماذا ~~ينبغي أن أفعل؟» بل تهدف إلى كشف الستار عن الظروف التي يستطيع في ظلها الفاعلون ~~الأخلاقيون الحداثيون الإجابة بنجاح عن السؤال بأنفسهم. يمكن فهم نظرية هابرماس ~~الأخلاقية باعتبارها تفسيرا لما يعنيه طرح ادعاء صحة سليم بالصواب. إلى هذا الحد، ~~تعتبر هذه النظرية نظرية براجماتية لمعنى الكلام الملفوظ الأخلاقي. لكن اهتمام هابرماس ~~بعلم الدلالة الأخلاقي ثانوي. فهدفه الأساسي هو معرفة كيف يمكن لنظرية ~~أخلاقية أن تساعد في الإجابة عن الأسئلة ~~التي تطرحها نظريته الاجتماعية. وهو معني في المقام الأول بأسئلة من قبيل: ما المبادئ ~~الأساسية الكامنة وراء الخلقية؟ وكيف يمكننا تأسيس معايير أخلاقية صحيحة؟ وما الوظيفة ~~الاجتماعية لها؟ إجابته هي أنه في المجتمعات الحديثة، تحل المعايير الخلقية الصحيحة ~~الصراعات بين الفاعلين، وتجدد مخزون المعايير المشتركة. # بحسب هابرماس، المعايير قواعد سلوكية عادة ما تتخذ الشكل النحوي للأوامر، مثل «لا ~~تسرق». وتعمل المعايير الصحيحة (أو المبررة) على تنسيق أفعالنا في العالم المعيش ~~واستقرار توقعاتنا المتعلقة بسلوك الآخرين. وتساعد على جعل أفعال الآخرين متوقعة، وتخلق ~~سبلا لفعل يخلو من الصراع. # إن فرضية نظرية هابرماس عن التطور الاجتماعي مفادها أن المجتمعات الحداثية هي مجتمعات ~~ما بعد تقليدية. ويعتقد هابرماس، عندما تسير عملية الإدماج الاجتماعي على خير ما يرام، ~~أن الفاعلين الأخلاقيين الناضجين يكونون بالمرحلة السادسة من مراحل كولبرج، وهي مرحلة ~~الخلقية المنضبطة. ففي المرحلة السادسة، لا يرضى الفاعلون بالالتزام وحسب بالتوقعات ~~الأخلاقية. قد يفعلون ذلك من خلال استشارة الكتاب المقدس، أو التماس نصيحة معلم حكيم، ~~أو محاكاة سلوك أقرانهم. يعلم الفاعلون ما بعد التقليديين لم ينبغي أن يفعلوا ما ~~ينبغي لهم فعله، ويتصرفون فقط استنادا إلى المبادئ ms069 التي يستطيعون تبريرها. # من وجهة نظر هابرماس، ينشأ الصراع عند رفض ادعاء صحة صواب شيء ما. ولذلك يغذي الموقف ~~معيارا مرشحا من الخلفية الضمنية للعالم المعيش داخل الوسط الصريح للخطاب. سيشعر ~~الفاعل بالإساءة بطريقة ما بسبب أفعال أو كلمات فاعل آخر، وسيواجه المسيء إليه بأن يطلب ~~إليه تفسير أفعاله. وهناك عدة وسائل يمكن بها تسوية نزاع فعلي. تفيد أطروحة هابرماس ~~بأنه بقدر ما يتسنى للفاعلين الالتجاء إلى الخطاب أو النقاش الأخلاقي، فإن غاية هذا ~~الخطاب أو النقاش الأخلاقي إصلاح الرأب الذي شاب الإجماع بإرساء معيار للفعل يستطيع كل ~~طرف من أطراف النزاع فهمه وقبوله. ~~(2) بيان هابرماس للموقف الأخلاقي # من المفيد أكثر من أي شيء أن ننظر إلى حجة هابرماس بأكملها باعتبارها تنقسم إلى ~~قسمين: بيان الموقف الأخلاقي، وتبريره. ويبدأ البيان بالظواهر الأخلاقية؛ بديهياتنا ~~الأخلاقية اليومية. إنها حجة مسبقة. فهو ينطلق من مقدمات منطقية تجريبية محتملة الصحة، ~~على سبيل المثال؛ أن الموقف الأخلاقي جزء من العالم الاجتماعي، وأن هناك معايير أخلاقية ~~صحيحة. ثم تمحص الحجة شروط هذه الاحتمالية. إذا وجد موقف أخلاقي، فيجب أن يكون ~~هناك مبدأ أو معيار للتمييز بين الاعتبارات الأخلاقية واللاأخلاقية، وهذا المبدأ يجب أن ~~تحويه ممارساتنا الأخلاقية ضمنيا. ينطلق بيان هابرماس للموقف الأخلاقي على هذا النحو، ~~وفي نهاية المطاف يميط اللثام عن مبدأين: مبدأ الخطاب، والمبدأ الأخلاقي. ~~(2-1) مبادئ أخلاقيات الخطاب # ما السبب وراء وجود مبدأين لأخلاقيات الخطاب بدلا من مبدأ واحد؟ إنه سؤال جيد، ~~لكن ليس لهابرماس إجابة قاطعة عليه. في النهاية، يصل هابرماس إلى وجهة النظر أن ~~مبدأ الخطاب أوهن من المبدأ الأخلاقي وأقل منه جدلا، وأنه أمسى منطقيا بالفعل ~~بمقتضى نظريته للتواصل. المبدأ الأخلاقي أقوى، ويجب إثباته بواسطة حجة تستفيد من ~~مبدأ الخطاب كمقدمة منطقية. # إن النقطة المحورية في نظرية هابرماس هي أن الخطاب يمكن أن يقوم بوظيفته ~~الاجتماعية والبراجماتية بشكل أفضل؛ لأنه عملية «ثنائية الحوار» تؤلف بين الناس ~~في حجة هادفة. وتنطوي دوما عملية تبرير معيار ما على أكثر من شخص واحد؛ إذ ms070 إنها ~~مسألة فيها شخص يجعل المعيار مقبولا لشخص آخر. ويقول هابرماس إن مبدأ الخطاب ~~«يعبر وحسب عن معنى متطلبات التبرير ما بعد التقليدية.» وهذه لغة اصطلاحية للادعاء ~~بأن مبدأ الخطاب يرصد حدس الفاعل الأخلاقي بأن المعايير الصحيحة يجب أن تحظى ~~باتفاق على مستوى واسع. وتسمية «مبدأ الخطاب» مضللة بعض الشيء، ما دامت لا تجعل ~~الفارق بينها وبين «المبدأ الأخلاقي» ظاهرا. فالمبدأ الأخلاقي مبدأ خطابي بالقدر ~~نفسه. فيشير مبدأ الخطاب إلى «معايير الفعل»؛ أي المعايير بصفة عامة، بما في ذلك ~~المعايير القانونية والأخلاقية. ويرتبط هذا المبدأ بالخطابات المعنية بالمعايير، لا ~~الخطاب مطلقا. لا تنطوي الخطابات كلها على معايير، على سبيل المثال؛ فالخطابات ~~النظرية والجمالية لا تنطوي على معايير. ربما كان من الأدق أن نطلق على مبدأ الخطاب ~~مبدأ صحة المعايير عامة. # ينص مبدأ الخطاب على أنه: # لا يصح من معايير الفعل سوى تلك التي يمكن أن يوافق عليها جميع ~~الأشخاص المتأثرين «باعتبارهم مشاركين في خطاب عقلاني». ~~«بين الحقائق والمعايير» # من الناحية الشكلية، لمبدأ الخطاب نفس شكل شرط (الصحة ~~← # الإجماع) الذي تعرفنا عليه في نهاية ~~الفصل الثالث. وهذا شرط بسيط؛ حيث نجد الصحة جهة اليمين والإجماع جهة اليسار. لاحظ ~~أن مبدأ الخطاب ليس واحدا من شروط (الإجماع ~~← # الصحة) أيضا، فهو لا يفيد بأنه إذا ~~كان المعيار قابلا للإجماع، فهو صحيح. ومن ثم، لا يمكن العمل بمبدأ الخطاب إلا ~~بشكل سلبي؛ إذ يشير إلى المعايير غير الصحيحة. # من المفترض أن يرصد مبدأ الخطاب، كما يوحي بذلك اسمه، إجراء الخطاب. وعلى فرض أن ~~ثمة خطابا جرى التمحيص فيه بالقدر الكافي (أي إنه لم تحدث أي انتهاكات واضحة ~~لقواعد الخطاب)، فإن الإخفاق في الوصول إلى إجماع على المعيار الجاري بحثه يشير إلى ~~أنه ليس صحيحا. على سبيل المثال، إن استطاع كل من لم يتأثر الموافقة على معيار ~~«لا تأكل اللحم»، فلا يوجد معيار صحيح يحظر أكل اللحم. يطلعنا مبدأ الخطاب أيضا ~~على من ستكون موافقته مهمة كمؤشر على الصحة. فهو ينص على أنه إذا كان ms071 معيار ما ~~صحيحا، فجميع الأشخاص «المحتمل تأثرهم» يمكنهم قبوله «باعتبارهم مشاركين في خطاب ~~عقلاني». هذا البيان ليس مباشرا كما يبدو. فكر كم يمكن أن يكون نطاق «كل ~~المتأثرين» واسعا. إذا كان المعيار عاما جدا، فإن الصعوبات العملية للسماح لكل ~~المحتمل تأثرهم بالمشاركة في نقاش ما حول هذا المعيار ستكون تعجيزية. وستعتمد صحة ~~معيار ما على الموافقة المتوقعة لكثير من الأشخاص غير القادرين عمليا على ~~المشاركة في الخطاب. بعض المعايير - لننظر على سبيل المثال إلى المعايير الضابطة ~~لسياسات تنظيم الأسرة الصينية التي تسمح بمولود واحد فقط لكل عائلة - ستؤثر حتى على ~~الذين لم يولدوا بعد. من الواضح أن الذين لم يولدوا بعد لا يستطيعون المشاركة في ~~الخطاب، ولكن ما دام «من المحتمل أن يتأثروا»، فإن صحة المعيار تعول على موافقتهم ~~المناقضة للواقع. ولأن مبدأ الخطاب يتطلب قدرا واسع النطاق جدا من الموافقة، فهو ~~يفرض شرطا شديد التقييد. ومن ثم، يكون عدد الحالات التي يمكن أن يشير فيها الخطاب ~~حقا إلى أن معيارا ما ليس صحيحا؛ محدودا إلى حد ما. # إحدى أحدث الصيغ التي وضعها هابرماس للمبدأ الأخلاقي هي: # يكون المعيار صحيحا إذا، وفقط إذا، أمكن لجميع المتأثرين بمحض ~~إرادتهم وبشكل مشترك قبول التبعات والآثار الجانبية المنظورة للالتزام ~~العام به لمصالح كل فرد وتوجهه القيمي. ~~««تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية، ترجمة ~~معدلة» # يستخدم هابرماس مصطلحا «المبدأ الأخلاقي»، أو «مبدأ القابلية للتعميم». و«المبدأ ~~الأخلاقي» ليس في حد ذاته معيارا أخلاقيا. فهو مبدأ ثانوي يختبر صحة المعايير ~~الأخلاقية الأولية بالتحقق من كونها قابلة للتعميم أم لا. وهو مصمم بحيث يرصد ~~ممارسة الحجة الأخلاقية، ولا سيما عملية التعميم التي تنطوي عليها الحجة ~~الأخلاقية. # المعايير الأخلاقية هي قواعد واجباتية تعبر عن التزامات، وتتميز بصيغة الأمر مثل: ~~«لا تقتل». وكما رأينا في الفصل السابق، يقول هابرماس إن مثل هذه الأوامر هي إرث من ~~أسلوب حياة يهودي-مسيحي. على مدار فترة التحديث، برزت مجموعة كبيرة من الخطابات ~~تدريجيا من خلال محتويات هذا المنهج؛ مما أدى إلى الاحتفاظ بالمعايير التي ما ms072 ~~زالت سارية (على سبيل المثال، «لا تسرق» و«لا تقتل»)، بينما تلك التي لم تعد ~~سارية (مثل «لا تصنع لك تمثالا منحوتا») تم تحييدها. # لأول وهلة، يبدو «المبدأ الأخلاقي» أشبه قليلا ب «مبدأ الخطاب». ولكن ثمة وجه ~~اختلاف بنيوي أساسي بين المبدأين. فالمبدأ الأخلاقي يتمتع بالشكل المنطقي للصيغة ~~ثنائية الشرط (الصحة ~~↔ # الإجماع، أو «الصحة» ~~إذا كانت، وفقط إذا كانت، «الإجماع»)، أما مبدأ الخطاب فتحدده الصيغة الشرطية ~~البسيطة (الصحة ~~← # الإجماع، أو إذا كانت ~~الصحة، إذن الإجماع)؛ ولذا، فإن المبدأ الأخلاقي أقوى بكثير من مبدأ الخطاب؛ فهو ~~ينص على أن قابلية الوصول لإجماع في الخطاب شرط ضروري وكاف لصحة المعيار الأخلاقي. ~~وما يعنيه ذلك عمليا أنه، على خلاف مبدأ الخطاب، يمكن للمبدأ الأخلاقي أن يعمل ~~بشكل «سلبي» و«إيجابي». فهو لا يبين أي المعايير الأخلاقية ليست صحيحة وحسب، بل ~~يمكنه أن يحدد بشكل إيجابي أي المعايير صحيحة، ويبين لنا، إضافة إلى ذلك، ماهية ~~الصحة الأخلاقية أو الصواب الأخلاقي. إن المعيار الأخلاقي الصحيح هو معيار يمكن أن ~~يقبله كل المتأثرين باعتبارهم مشاركين في الخطاب في ضوء قيمهم ومصالحهم. # الفارق الثاني الكبير بين مبدأ الخطاب والمبدأ الأخلاقي هو أن المبدأ الأخلاقي ~~يجعل الصحة تعتمد على إمكانية قبول «التبعات والآثار الجانبية المنظورة» لتنفيذ ~~المعيار. يضع هابرماس بهذه العبارة حدسا عواقبيا داخل نظريته الأخلاقية ~~الواجباتية. وبذلك فهو يباعد بين أخلاقيات الخطاب وبين كانط، الذي ينكر أن ~~تبعات الفعل تلعب دورا في تحديد قيمته الأخلاقية. وهذا غير مألوف نوعا ما؛ لأن ~~النظريات الأخلاقية الواجباتية عامة تفترض أن نيات الفاعل وحدها تحدد القيمة ~~الأخلاقية لفعل ما. (إذا بصقت على الأرض، فحملت الريح بصاقي وألقت به على عابر ~~سبيل، فإن النظرية العواقبية ستفيد بأن الفعل الذي أقدمت عليه خاطئ أخلاقيا، ~~بينما النظرية الواجباتية ستفيد بأن فعلي ليس كذلك ما دام أنه لم يكن طائشا ولم ~~تكن نيتي إلحاق الضرر بالآخرين.) # وأخيرا، يقدم المبدأ الأخلاقي معلومات أكثر من مبدأ الخطاب فيما يتعلق بمكونات ~~إمكانية القبول في الخطاب أو الإجماع المدفوع بالعقلانية. فهو ms073 ينص على أن كل ~~المعايير الأخلاقية الصحيحة يجب أن تعطي «اعتبارا متساويا» لمصلحة كل شخص ~~معني، ويجب أن يكون بإمكان الجميع في خطاب عقلاني قبولها (بين الحقائق ~~والمعايير). وإيجازا، ينص المبدأ الأخلاقي على أن أي معيار يكون صحيحا إذا، وفقط ~~إذا، كان يجسد بالبرهان ما يطلق عليه هابرماس المصلحة «القابلة للتعميم». ~~(2-2) الخطاب الأخلاقي باعتباره عملية تعميم # لكي نفهم ماهية المصلحة القابلة ~~للتعميم، يجب أن ننظر إلى عملية التعميم التي يكتسب المبدأ الأخلاقي اسمه منها. كان ~~كانط أول فيلسوف أخلاقي يعي المبدأ الأخلاقي باعتباره اختبارا للقابلية للتعميم. ~~ومن المفترض أن تستوعب الصيغة الأولى للأمر القطعي عند كانط (انظر الفصل الخامس) ~~الفكرة البديهية الواسعة الانتشار التي تفيد بأن المرء لا ينبغي أن يستثني نفسه. ~~ولكن نظرية كانط تفضي به إلى بعض الصعوبات المعروفة؛ لأنه يتصور قابلية التعميم ~~باعتبارها ملكية منطقية أو عقلانية للمسلمات وحسب. على سبيل المثال، قد تكون ~~الفكرة البديهية «حافظ دوما على عهودك» قابلة تماما للتعميم، لكن هذا في حد ذاته ~~لا يفسر سبب وجود التزام أخلاقي بأن يحفظ المرء عهوده. «من ينم مبكرا يستيقظ ~~مبكرا» مسلمة قابلة للتعميم، ولكن رغم أنها قد تكون نصيحة سديدة، فمن الواضح ~~أنها لا تنطوي على التزام أخلاقي. وبالمثل، فإن وجهة النظر القائلة إن الإساءة ~~الأخلاقية في فعل ما يمكن تفسيرها كنوع من التناقض المنطقي في منطق المرء هي وجهة ~~نظر يشوبها الشك. فبيان أن نقض العهد أمر فيه تناقض - لأنه ليس من الممكن أن يوجد ~~إراديا عالم ينقض فيه الجميع عهودهم - لا يظهر ما يعيب نقض العهد من الناحية ~~الأخلاقية. إننا لا نستنكر أخلاقيا الذين تعوزهم كفاءة سوق الحجج. ولهذه الأسباب، ~~فإن تصور هابرماس للتعميم يختلف كل الاختلاف عن تصور كانط له؛ حيث لا يراه الأول ~~كإجراء عقلي فردي، بل كإجراء اجتماعي. # ويستقي هابرماس تصوره للتعميم من ~~الفيلسوف الاجتماعي البراجماتي الأمريكي جورج هربرت ميد. يقول ميد في كتابه «العقل ~~والذات والمجتمع» (1934): «لكوننا كائنات اجتماعية، أصبحنا كائنات أخلاقية.» ~~ويتصور هربرت اختبار التعميم كوسيلة ms074 لإدماج الأفراد في النظام الاجتماعي يطلق ~~عليها اسم «التبني المثالي للأدوار». بالضبط كاللاعبين في لعبة جماعية، يعمل ~~الفاعلون الأخلاقيون معا؛ حيث يتصور كل منهم نفسه في مكان جميع الفاعلين ~~الأخلاقيين الآخرين. ويطلق ميد على ذلك تبني موقف «الآخر المعمم»، لكنه يعني ~~تحديدا التكيف مع بقية أعضاء الفريق. # لقد ثبت أن إدماج المرء لنفسه داخل فريق ما، هو عملية مرهقة جدا. فالإدماج لا ~~يمكن أن يتحقق فقط بالتفكير كما يفكر الآخرون، وفعل ما يفعلون. إنه عملية ~~انعكاسية تنطوي على اتخاذ مواقف ثانوية (أي مواقف تجاه مواقف الفرد نفسه)، وتعديل ~~مواقفه الأساسية في ضوء ذلك. النظير الأخلاقي لذلك هو أن كل فاعل في المجتمع عليه ~~تعديل أفعاله في ضوء توقعاته لما يفعله الآخرون، وهي التوقعات التي يكتسبها عن طريق ~~تبني منظورهم تجاهه وتجاه الآخرين. # يقول ميد إن منظور الفرد يتكون تبعا لرغباته ومصالحه الخاصة، والذوات الفردية ~~«تتشكل» من مصالحه. ومن ثم، فإن تبني موقف الآخر المعمم يعني تبني الرؤية ~~التي «تضع في الاعتبار كل مصلحة من تلك المصالح.» والسلوك الأخلاقي مسألة تنطوي على ~~تعديل المرء لمصالحه في ضوء فهمه وإدراكه لمصالح الجميع، وهي العملية التي تفضي إلى ~~اكتساب «ذات أكبر» تتسق ومصالح الآخرين. # يستخلص هابرماس عدة دروس مستفادة من ميد؛ أولها أن التبني المثالي للأدوار لا ~~ينطوي على الانتقال من منظور المتكلم إلى منظور الغائب، بل ويحظره حقا، ويجب على ~~القائم بالتعميم ألا يحاول نيل الحياد بالانفصال عن منظور المتكلم كفاعل في العالم ~~المعيش، وبتبني منظور الغائب التجريدي في موقفه. تخاطبنا الالتزامات الأخلاقية ~~من منظور المتكلم؛ ومن ثم ينبغي أن نتصورها من منظور المتكلم. إن المشاركين في ~~الخطاب الأخلاقي ليسوا متحاورين مثاليين يسوقون الحجج، أو مختارين عقلانيين وحسب؛ ~~إنهم أشخاص حقيقيون، فاعلون في العالم المعيش، يتيحون لأنفسهم الاسترشاد بقواعد ~~الخطاب؛ مما يجعلهم يتصورون أنفسهم كجزء مما يطلق عليه هابرماس اسم «منظورنا الجمعي ~~المصطبغ بصبغة مثالية»: # يجب أن يكون كل منا قادرا على أن يضع نفسه في موقف كل الذين قد ~~يتأثرون بأداء ms075 فعل إشكالي أو تبني معيار مشكوك فيه. ~~«التبرير والتطبيق» # الدرس الثاني المهم المستفاد هو أن الخطاب الفعلي يجب أن يجري إذا تم تفعيل هذا ~~التمديد المثالي للمنظور الفردي المحدود الذي سماه هابرماس المثال ~~التنظيمي ل «مجتمع التواصل اللامحدود» (التبرير ~~والتطبيق). وحتى إذا اقتضى الأمر تمديد خطاب ما بحيث يشمل أناسا لا وجود لهم، ~~يتعين أن يجري خطاب حقيقي فعلا إن أردنا تبرير معيار ما (الوعي الأخلاقي والفعل ~~التواصلي). والدرس الثالث المستفاد هو أن الخطابات «ثنائية الحوار» أصلا. على ~~العكس من اختبار كانط «أحادي الحوار» لقابلية تعميم المسلمات، لا يمكن إجراء ~~خطابات أخلاقية بمعرفة أفراد يسوقون الحجج وحدهم. ورابعا وأخيرا، ينتهي هابرماس ~~إلى أن الخطاب عملية يدمج الأفراد أنفسهم بمقتضاها داخل المجتمع. فالفاعل الأخلاقي ~~المندمج اجتماعيا بشكل ملائم يحقق الاتساق بين مصالحه الفردية وهويته من ناحية ~~والمصلحة الجمعية من ناحية أخرى. بالتصرف بناء على معايير صحيحة، يخدم الفاعلون ~~المصلحة المشتركة. يعتبر هابرماس أطروحة أن المعايير الصحيحة تحوي «مصالح قابلة ~~للتعميم» مكافئة للادعاء بأن المعايير الصحيحة «مناسبة للجميع على حد سواء». وبهذه ~~الطريقة، يتحقق ضرب من الإنصاف، لكن ليس على حساب الاستغناء عن منظوري المتكلم ~~والمخاطب. # الصورة الكلية هي أن الخطابات الأخلاقية تقتضي من المشاركين أن يضعوا أنفسهم في ~~مكان جميع الآخرين المحتمل تأثرهم بمعيار مرشح؛ وذلك من أجل اختبار كونه ~~مقبولا من منظورهم أيضا أم لا. على سبيل المثال، ربما يكون الأثرياء أو المتعلمون ~~الذين يملكون مهارة رائجة نزاعين إلى قبول إلغاء الرعاية الاجتماعية على أساس ~~أنها تفرض أعباء ضريبية مجحفة على أمثالهم. ولكن، هل كانوا سيقبلون بتلك ~~السياسة لو كانوا هم الفقراء أو غير المهرة؟ لو فرض عليهم استبدال منظورهم مع ~~الفقراء وغير المهرة، فإن المبدأ الأخلاقي يستبعد المعايير التي تعمل في مصلحة ~~أشخاص بأعينهم أو جماعات بعينها. ~~(2-3) تبرير المبدأ الأخلاقي # يتخذ بيان هابرماس للموقف الأخلاقي شكل تحليل للأفكار البديهية اليومية التي ~~يحملها الفاعلون الأخلاقيون الحداثيون؛ تحليل يميط اللثام عن مبدأي أخلاقيات ~~الخطاب؛ مبدأ الخطاب والمبدأ الأخلاقي. يعبر هذان ms076 المبدآن عن إجراء الخطاب الذي ~~يميز بموجبه الفاعلون في العالم المعيش المعايير الأخلاقية الصحيحة، وهي ~~المعلومات التي تتيح لهم الحكم على خطأ أو جواز أفعال بعينها في مواقف ~~بعينها. # إن بيان الموقف الأخلاقي ليس تبريرا فلسفيا له، ما دام هذا البيان ينطلق من ~~مقدمات منطقية أخلاقية. فهذا البيان يفترض وجود الموقف الأخلاقي، ويستفسر عن ~~إمكانية وجوده. وتبرير هابرماس للموقف الأخلاقي لا يفترض هذه الفرضية. يتخذ تبرير ~~الموقف الأخلاقي شكل اشتقاق شكلي للمبدأ الأخلاقي. ويعتقد هابرماس أنه ما لم يمكن ~~استخلاص المبدأ الأخلاقي شكليا، من مقدمات منطقية لا أخلاقية، فسيظل هناك شك بأن ~~المبدأ الأخلاقي ليس سوى «تحيز عرقي»؛ أي إنه مجرد تعبير عن مجموعة من القيم ~~الممكنة ثقافيا وتاريخيا. وللأسف، لا يقدم هابرماس نفسه اشتقاقا شكليا ~~للمبدأ الأخلاقي، رغم أنه افترض دوما (وربما بثقة مفرطة بنفسه) وجوده. # لكنه يصرح لنا بالمقدمتين المنطقيتين اللتين يتم استخلاص المبدأ الأخلاقي منهما ~~شكليا: قواعد الخطاب و«مفهوم التبرير المعياري عامة كما هو منصوص عليه في مبدأ ~~الخطاب» (نظرية الفعل التواصلي). المشكلة هي أنه ما من وسيلة يمكننا بها أن نرى كيف ~~يمكن استنباط المبدأ الأخلاقي منطقيا من هذه المقدمات المنطقية وحدها. ما من شيء ~~في قواعد الخطاب (انظر الفصل الثالث) والمبدأ الشرطي يسمح لهابرماس باستنباط المبدأ ~~الأخلاقي، الصيغة ثنائية الشرط (الصحة ~~↔ # الإجماع). تذكر عزيزي القارئ أن مبدأ الخطاب ما هو إلا شرط بسيط (الصحة ~~← # الإجماع). وما من شيء في قواعد الخطاب ~~يسمح لهابرماس بأن ينتهي إلى أنه إذا كان هناك معيار قابل للإجماع، فلا بد أن يكون ~~صحيحا (الإجماع ~~← # الصحة). والحجة ~~التبريرية، إن كان لها أن تؤتي ثمارها، بحاجة إلى مقدمات منطقية تكميلية. # من الناحية الواقعية، ثمة مكان وحيد يستطيع فيه هابرماس أن يبحث عن هذه المقدمات ~~المنطقية الإضافية؛ ألا وهو نظرية الحداثة. المشكلة أنه من المستبعد جدا أن ~~يتسنى التأكد من نظرية التحديث بمعزل عن برنامج أخلاقيات الخطاب. على أية حال، ~~فإن علاقة التبرير ستتجه في الاتجاه الآخر. وجل ما يمكن أن نعقد الآمال ms077 عليه هو ~~أن تعتبر نظرية الخطاب الخلقي، إذا وجد ما يبررها، دليلا على نظرية هابرماس ~~للحداثة. من الواضح إذن أنه في غياب أي اشتقاق شكلي للمبدأ الأخلاقي، تصمد أخلاقيات ~~الخطاب وتتهاوى بحسب معقولية بيان هابرماس للموقف الأخلاقي. ~~(3) أوجه الاعتراض على المبدأ الأخلاقي # لننظر الآن في بعض أشهر الاعتراضات التي وجهت إلى نظرية الخطاب الخلقي. ~~(3-1) الاعتراض على مسألة التكرار # رأينا توا كم هو مرهق اختبار التعميم. فبحسب المبدأ الأخلاقي، تصح المعايير ~~إذا، وفقط إذا، كانت تلبي بالبرهان مصلحة عامة لكل المعنيين، ويتبناها الجميع على ~~هذا الأساس. وما دام نطاق الإجماع الذي يستهدفه المبدأ الأخلاقي ومبدأ الخطاب ~~واسعا جدا (موافقة «كل المعنيين»)، وعملية التبني المثالي للأدوار مرهقة ~~جدا، فيجب أن يكون المبدأ الأخلاقي مقيدا جدا. لن تصمد الكثير من المعايير ~~المرشحة أمام هذا الاختبار القاسي لصحتها، والتي ستصمد منها أمام هذا الاختبار ~~ستكون عامة جدا. # كان رد هابرماس الأول على هذا الاعتراض إنكار أن هناك عددا محدودا جدا من ~~المعايير الأخلاقية الصحيحة، إذا صحت هذه الرواية. ولاحقا أقر بهذه النقطة، لكن ~~بدلا من أن يعتبرها سقطة في نظريته، صورها هابرماس على أنها نقطة قوة. تعكس ~~أخلاقيات الخطاب بدقة واقع الخلقية الحداثية. ويقول هابرماس إنه رغم صحة أن عدد ~~المعايير الأخلاقية الصحيحة يتقلص في المجتمعات الحداثية المتعددة الثقافات، فإن ~~المعايير المتبقية جميعها محورية ومهمة (التبرير والتطبيق). ويستشهد هابرماس بمثال ~~حقوق الإنسان العامة لبيان أن المعايير الأخلاقية الصحيحة محورية حقا، وذات حيثية ~~عظيمة، وأن بعضها لاقى قبولا عاما. # هل هذا رد مقنع على اعتراض التكرار؟ نعم ولا، في آن واحد؛ فمن الصحيح ~~تجريبيا أنه إذا كانت هناك معايير أخلاقية مقبولة عامة، يكون عددها محدودا؛ ~~ولذا، فالنظرية الأخلاقية يستحيل أن يعاب عليها بيان ذلك. ورغم ذلك، تنطلق نظرية ~~الخطاب لهابرماس لتفسير الوظيفة الاجتماعية والبراجماتية الحيوية للخلقية. إن إقرار ~~هابرماس بوجود معايير أخلاقية قليلة جدا يجعل من المحير كون الخطاب الأخلاقي ~~لا يزال الآلية الافتراضية لحل النزاعات في العالم المعيش، والوسيلة الأساسية ~~للاندماج الاجتماعي. كلما ms078 كانت المعايير الصحيحة أقل عددا، أمسى عدد الصراعات التي ~~يمكن حلها بالخطاب الأخلاقي أقل أيضا. وفي هذه الحالة، من الصعب أن نرى لم ينبغي ~~أن يكون الخطاب الأخلاقي محوريا جدا لتفسير النظام الاجتماعي. إن الجهود ~~الحقيقية الساعية لتحقيق تماسك المجتمع تكمن في مكان آخر، بفعل شيء آخر خلاف ~~المعايير الأخلاقية الصحيحة؛ ولذا، يجب أن يكون هناك سبب وراء بقاء الخطاب الأخلاقي ~~غير نجاحه البراجماتي في حل النزاعات. # علاوة على ذلك، لا تتضح حقيقة أن خطاب حقوق الإنسان الواسع النطاق والمتوطد ~~الجذور دليل على أن الخطاب الأخلاقي يجب أن يكون هو الذي يحقق التماسك للعالم ~~الاجتماعي. إن السبب وراء مبادرة الناس في جميع أنحاء العالم إلى تأكيد حقوقهم ~~الإنسانية ربما يكون ضمان تلك الحقوق منفعة ما لصاحب الحق. فالحقوق تضع الآخرين ~~تحت رحمة الالتزامات. ومع ذلك، نادرا ما يكون الناس تواقين لتأكيد واجباتهم ~~العامة تجاه الآخرين والوفاء بها. وهذا يفسح المجال للشك بأنه ربما تكون هناك، على ~~حد تعبير هابرماس، أسباب نظامية وأيديولوجية لتنامي خطاب حقوق الإنسان. وقد يكون ~~خطاب حقوق الإنسان نفسه مثالا على استعمار العالم المعيش، لا مصدرا ~~لمقاومته. ~~(3-2) الاعتراض على التمييز بين ثنائي الحوار وأحادي الحوار # ثمة مجموعة أخرى من الاعتراضات تختص بتمييز هابرماس القاطع بين النظريات ~~الأخلاقية ثنائية الحوار وأحادية الحوار. وسبق أن تناولنا واحدة منها بالفعل. يعتقد ~~هابرماس أن المفهوم أحادي الحوار للخلقية، كالذي يروج له كانط، يتضرر بمقارنته ~~بالمفهوم ثنائي الحوار؛ لأن الأفراد الذين يسوقون الحجج وحدهم سيكونون أكثر عرضة ~~لأخطاء وتحيزات المنظور. لكن عدد المشاركين الفعليين في حوار أخلاقي يمكن أن يكون ~~محدودا جدا، في حين يمكن أن يكون نطاق المتأثرين بالمعيار المتبع عامة ~~كبيرا جدا. ليس لدى هابرماس أسباب حقيقية تدعوه لاستنتاج أن النهج ثنائي الحوار ~~تجاه المشكلة (الخطاب) سيتفوق معرفيا من الناحية العملية على الحكم الفردي أحادي ~~الحوار (والأرجح أنه سيكون أصح منه). ومن الممكن أن نقول إنه ما دام المعيار قائما ~~على تقييم صحيح للأسباب ذات الصلة (على سبيل المثال، ms079 ماهية مصالح الجميع، وماهية ~~المعيار الذي يخدم هذه المصالح)، فهو مبرر. إذا استطاع عدد قليل جدا من ~~المشاركين الفعليين في الخطاب التدليل بشكل مقنع على صحة معيار ما، فلم لا يستطيع ~~إذن كل فرد أن يفعل ذلك بمفرده في الأساس؟ إن وجود الإجماع ربما لا يخلع صحة، بحسب ~~ظن هابرماس، ولا حتى يبين أن كل شخص على حدة أصدر حكما صحيحا. ~~(3-3) الاعتراض على حجة الدائرة المفرغة # وأخيرا، اتهمت أخلاقيات الخطاب بدورانها في دائرة مفرغة. وجهت هذه التهمة ~~تحديدا إلى اشتقاق هابرماس للمبدأ الأخلاقي ، والحجة الكلية لأخلاقيات الخطاب، ~~وكذلك لقواعد الخطاب. وينشأ الاعتراض على حجة الدائرة المفرغة لأن برنامج أخلاقيات ~~الخطاب يفترض أن الخلقية لا بد أن تبرر على أساس فرضيات لا خلقية؛ وأنها لا بد ~~وأن تكون حجة يمكنها إقناع حتى المتشككين في الأخلاق شريطة أن يتحلوا ~~بالعقلانية. من ناحية، كما رأينا من قبل، فالفرضيات اللاأخلاقية التي يطرحها ~~هابرماس ليست بالقوة الكافية لتبرير المبدأ الأخلاقي. ومن ناحية أخرى، متى طرح ~~هابرماس فرضية أكثر ثراء - نظرية الحداثة أو قواعد الخطاب - يتضح أنها تجلب في ~~طياتها فرضيات أخلاقية وتزيد من احتمال حجة الدائرة المفرغة. قواعد الخطاب مثال على ~~ذلك. تتضمن هذه القواعد القاعدة 2(ج)؛ وهي أنه يسمح للجميع بالتعبير عن مواقفهم ~~ورغباتهم واحتياجاتهم. من الواضح أن القاعدة 2(ج) ليست قاعدة خطاب بصفة عامة، ما ~~دامت تمنح الجميع الإذن بالتعبير عن مواقفهم ورغباتهم واحتياجاتهم؛ ولذا، يبدو ~~واضحا أن لهذه القاعدة مغزى أخلاقيا مقبولا، ولا يمكن اعتبارها فرضية ~~لا أخلاقية أو لا جدلية في حجة مؤيدة للمبدأ الأخلاقي. # ورغم ذلك، لا يتضح بأي حال من الأحوال أن هابرماس بحاجة إلى تبرير المبدأ ~~الأخلاقي على أساس فرضيات لا أخلاقية. بالطبع لا بد أن يتجنب حجة الدائرة المفرغة؛ ~~أي يتعين عليه ألا يدس النتيجة التي خلص إليها في الفرضيات الخاصة بحجته. وهذا لا ~~يعني أن كل فرضياته يجب أن تكون محايدة أخلاقيا. لكنه يعني أن أخلاقيات الخطاب لن ~~تكون في موقف يقنع المتشكك في الأخلاق، ms080 ولكن هذا قد يتجاوز ما يمكن أن يتمناه المرء ~~من أي نظرية أخلاقية. # الفصل السابع # | أخلاقيات الخطاب (2): الخطاب الأخلاقي والتحول السياسي # (1) تقسيم هابرماس للمنطق العملي # في البرنامج الأصلي لأخلاقيات الخطاب في الثمانينيات، استخدم هابرماس مصطلحي ~~«الخلقية # morality ~~» و«الأخلاقيات # ethics ~~» بالتناوب. ولم يشرع في التمييز بينهما إلا في وقت لاحق، ~~وتحديدا عام 1991. لكنه أبقى على مصطلح «أخلاقيات الخطاب» للإشارة إلى البرنامج ~~المعدل؛ لأن ذلك كان أسهل من أن يعيد تسميته «نظرية الخطاب الخلقي». وحقيقة الأمر ~~أنه في البرنامج المعدل لهابرماس في التسعينيات، يطرح هابرماس تمييزا ثلاثيا بين ~~الخطاب الخلقي # moral ~~، والخطاب الأخلاقي # ethical ~~، والخطاب البراجماتي # pragmatic ~~؛ حيث يحدد كل منها استخداما مختلفا للمنطق العملي. إن ~~الأهمية الحقيقية للتعديل تكمن في استحداث فئة منفصلة من الخطاب الأخلاقي إلى جانب فئة ~~الخطاب الأخلاقي، وفي الطريقة التي يعاد فيها تشكيل هذين النطاقين من الخطاب في ~~برنامج النظرية السياسية. # قبل أن نمحص في طبيعة ووظيفة الخطاب الأخلاقي بالتمايز عن الخطاب الأخلاقي، يجب أن ~~نمر في عجالة على استخدام هابرماس لصفة «براجماتي» في الخطاب البراجماتي. حتى الآن، ~~أشارت صفة «البراجماتي» إلى الوظيفة أو الاستخدام الاجتماعي لشيء ما. ومفهوم هابرماس ~~للخلقية «براجماتي»؛ لأنه يفسر الخطاب الأخلاقي باعتباره آلية اجتماعية لحل الصراعات. ~~ونظريته للمعنى براجماتية؛ إذ إنها تنظر إلى استخدام اللغة كوسيلة لتنسيق الأفعال، ~~وترسيخ النظام الاجتماعي. ولكن، في هذا السياق يستحدث هابرماس هذا المصطلح بمعنى أضيق. ~~تتعلق الخطابات البراجماتية بالاختيار العقلاني للسبل المفضية إلى غاية محددة. ولا توحي ~~تلك الخطابات بشيء حيال اختيار الغايات. الخطاب البراجماتي هو الشكل ثنائي الحوار ~~للمنطق الأداتي، وهو تحديدا وثيق الصلة بالنطاقين السياسي والقانوني؛ إذ إن السياسة ~~والقانون معنيان أساسا بما هو ممكن. ~~(2) ما هو الخطاب الأخلاقي؟ # عادة ما كان ينظر إلى مصطلحي الأخلاقيات والخلقية على أنهما مترادفين حتى عصر ~~هيجل. رغم ذلك، يمثل المصطلحان منهجي تفكير مختلفين حيال الحياة البشرية. فكلمة ~~«أخلاقيات # ethics ~~»، بحسب تفسير هابرماس، لها ~~استخدام قديم وآخر حديث. الكلمة مشتقة من كلمة # ethos # اليونانية القديمة - بمعنى «روح الجماعة» ms081 أو القيم الأخلاقية المشتركة الحاكمة لها - ~~التي أشارت إلى تقاليد المدينة-الدولة وإلى عادات أهلها ومواطنيها وشخصياتهم. وحديثا، ~~استخدم هيجل الاصطلاح # Sittlichkeit ~~(ويترجم عادة ~~«الحياة الأخلاقية») إشارة إلى أسلوب الحياة الراسخ لمجتمع من المجتمعات، بما يحفل به ~~من قيم ومثل وتفاهمات للذات، من ناحية، وأنشطة ومؤسسات وقوانين من ناحية أخرى. # لمفهوم هابرماس للخطاب الأخلاقي العديد من السمات المميزة: ~~(1) # الخطاب الأخلاقي «غائي» من منطلق أنه معني ب «اختيار الغايات» ~~و«التقييم العقلاني للأهداف» (التبرير والتطبيق). وبينما يتناول الخطاب ~~البراجماتي الغايات التي ينشدها المرء كما هي، ويدرس الوسيلة المثلى ~~لتحقيقها، يقوم الخطاب الأخلاقي بتقييم هذه الغايات. ~~(2) # يقيم الخطاب الأخلاقي الغايات عن طريق تقدير «ما يناسبني» أو «ما ~~يناسبنا» («تضمين الآخر، النسخة الألمانية»؛ التبرير والتطبيق). وهذه منافع ~~خاصة لا عامة. (الخلقية، في المقابل، تتناول مسألتي الصواب والخطأ اللتين، ~~بقدر نفعهما (أو ضررهما)، من المفترض أن تكونا نافعتين (أو مضرتين) عامة، ~~ما دام أنهما تؤثران في الجميع بالطريقة نفسها.) إن فكرة الخير التي يزرعها ~~الخطاب الأخلاقي في المعادلة ترتبط بكل من تاريخ الحياة الفردية للشخص ~~والحياة الجمعية للمجتمع. ويطلق هابرماس على الخطابات المتعلقة بحياة الفرد ~~«أخلاقية-وجودية»، وتلك المرتبطة بالحياة الجمعية أو حياة الجماعة ~~«أخلاقية-سياسية». ~~(3) # الخطاب الأخلاقي احترازي: فهو يتعلق بالسبل التي ننظم بها إشباع رغباتنا ~~وغاياتنا مع النظر للسعادة، ليس في الوقت الحاضر فحسب، بل وفي المستقبل ~~أيضا، ولسعادتنا مع اعتبار كل شيء. ~~(4) # يبرز الخطاب الأخلاقي القيم المرتبطة بتاريخ حياة الفرد، وبالتقليد أو ~~الجماعة الثقافية التي ينتمي إليها هذا الفرد. لهابرماس مفهوم محدد جدا ~~عن القيمة. فالقيمة مكون رمزي أساسي للثقافة أو الحياة الأخلاقية. والقول ~~بأن القيم أساسية يعني أنه يستحيل تحليلها إلى مكونات أبسط، أو تفسيرها ~~بكلمات أبسط، لنقل كلمات خاصة بالتفضيلات أو الرغبات أو الحاجات أو ~~الأسباب. القيم تحدد التفضيلات، لا العكس. فهي تساعد على تشكيل احتياجاتنا ~~ورغباتنا واهتماماتنا التي، بحسب زعم هابرماس، لا تقدم لنا في شكلها ~~الكامل بفعل إرثنا البيولوجي أو الاجتماعي، لكنها دوما تظل بحاجة إلى ~~التأويل. ولأن القيم مرتبطة ارتباطا ms082 وثيقا بنسيج مجتمع بعينه، فإن كل فرد ~~خلال اندماجه اجتماعيا في مؤسسات وأنشطة ذلك المجتمع سيستوعب قيمه ~~الأساسية؛ ولذا، فإن هذه القيم ستشكل تدريجيا مكونا محوريا لهوية ~~الفرد. وهكذا فالقيم ليست «بمعزل» عنا شأنها شأن الحقائق الطبيعية ~~المستقلة في وجودها. إنها راسخة فينا، ونحن نعيش في قلبها. ومن ثم، ورغم أن ~~القيم الفردية عرضة للتفسير والتغير التدريجي، فهي ليست شيئا يمكن للبشر ~~أن ينفصموا عنه بسهولة أو يجردوا أنفسهم منه. وأخيرا، فإن القيم ~~بطبيعتها تدريجية، بينما المعايير مطلقة: القيم تسمح بدرجات أعلى وأدنى، ~~بينما المعايير إما أن تكون صحيحة أو خاطئة. وبينما أنه من غير المنطقي - ~~إلى حد بعيد - الزعم بأن ثمة فعلا أكثر خطأ من الناحية الأخلاقية من ~~فعل آخر، فمن المنطقي جدا أن ثمة خيارا ما أفضل من آخر. ~~(5) # إن فهم هابرماس لمفهومي الخير والقيمة يستند إلى سمة منطقية للخطاب ~~الأخلاقي. إن النصائح والأحكام وترتيبات الأفضليات التي تنشأ في سياقها ~~الخطابات الأخلاقية تتمتع بصحة «نسبية» أو «شرطية» وحسب. (وفي المقابل، فإن ~~المعايير التي تنشأ في سياقاتها الخطابات الأخلاقية الناجحة صحيحة عامة ~~وبلا قيد أو شرط. وبينما يقصد من المعيار الأخلاقي الصحيح أن يصمد عبر ~~التقاليد الثقافية المختلفة والمتنافسة، فإن القيم لا تصمد إلا في سياق ~~تقليد بعينه أو جماعة ثقافية بذاتها.) ~~(6) # يعنى الخطاب الأخلاقي ~~بفهم الفرد أو الجماعة لذاتها. وسواء أكانت المسائل الأخلاقية تخص الفرد ~~أو الجماعة، فهي تعتبر مسائل تأويلية بصفة عامة؛ إذ تهدف إلى إيضاح الذات ~~واستكشافها، وكذلك، إلى حد ما، تشكيلها. وإذا كللت بالنجاح، فهي تصدر ~~أحكاما أو نصائح حيال أي الغايات أو القيم أو المصالح يتعين على المرء ~~السعي وراءها لمصلحته العامة («التبرير والتطبيق»؛ «بين الحقائق والمعايير»؛ ~~«تضمين الآخر، النسخة الألمانية»). # ملخص للفارق بين الخطاب الأخلاقي والخطاب الخلقي # الأخلاقيات # الخلقية # المفهوم الأساسي # الخير/الشر # صائب/خاطئ # منصف/غير منصف # الوحدة الأساسية # القيم # المعايير # السؤال الأساسي # ما المناسب لي أو لنا؟ # ما المنصف؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ ولماذا؟ ما الصواب؟ # الصحة # نسبية أو مشروطة # مطلقة أو غير مشروطة ms083 # نوع النظرية # احترازية، وغائية # واجباتية # الغايات # النصيحة، والحكم، وترتيب الأفضليات # تحديد المعايير الصحيحة، ومعرفة الواجبات ~~(7) # يطرح الخطاب الأخلاقي ادعاء بصحة الأصالة («تضمين الآخر»، النسخة ~~الألمانية). ولا يتضح بشكل كبير كيف يناسب ادعاء الصحة هذا أبعاد الصحة ~~الثلاثة الأخرى المعنية بالحقيقة والصواب والصدق. تبدو الأصالة نظيرا ~~للصدق في النطاق العملي. وهي لا تناسب مخطط هابرماس الثلاثي المنمق؛ لأنه، ~~إذ يعرض هذا التعديل على الخطاب الأخلاقي، لا يعنى كثيرا بأن يجعله ~~مطابقا لنظريته البراجماتية للمعنى. وغياب التناسب هذا يشير إلى أن ~~مفاهيمنا الأخلاقية أكثر اضطرابا مما تبدو عليه في ظل تمايزات هابرماس ~~المفاهيمية المنمقة. ~~(3) صحة الخطاب الأخلاقي ونطاقه # من بين السمات المحددة للخطابات الأخلاقية أن النصائح التي تصدر في سياقها تتمتع ~~بصحة «نسبية» أو «شرطية» وحسب. لا يصرح هابرماس بالكثير جدا حيال ماهية الصحة ~~النسبية، لكننا نستطيع أن نفترض أنها مسألة نطاق. فالمعايير الأخلاقية الصحيحة يفترض ~~أن تكون ملزمة عامة لجميع المشاركين في الخطاب أو جميع المعنيين بتنفيذه، بينما القيم ~~أو الأحكام الأخلاقية ملزمة فقط للأشخاص الذين ينتمون إلى جماعة بعينها. ومع ذلك، فإن ~~حقيقة أن أعضاء جماعة ما يستطيعون مجتمعين وبمحض إرادتهم الموافقة على حكم ما حيال ~~جانب من جوانب مفهومهم عن الخير؛ حكم يعبر عن قيمة مشتركة بينهم، من المفترض أن يكون ~~لها قوة تبريرية، مع أنها، كما سيتبين لنا فيما يلي، ليست كافية كي تفوق أي اعتبارات ~~أخلاقية مقابلة. # وعلى ذلك، فإن الجماعات الثقافية توفر أطرا ترتبط بها القيم الأخلاقية والأعمال ~~الخيرة. ويثير ذلك سؤالا يتعلق بما يمكن أن يعتبر مجموعة ثقافية؛ ومن ثم إطارا ~~شرعيا للتقييم. أعتقد أن هابرماس يفترض أن هذا سؤال اجتماعي تجريبي إلى حد بعيد. ومع ~~ذلك، فهي أيضا مسألة تقع في بؤرة اهتمام الفلسفة. على سبيل المثال، يبدو واضحا أن هذا ~~الحديث عن جماعات ثقافية محددة لا يغطي كل النساء أو كل الأشخاص العسر أو جميع مشجعي ~~نادي الأرسنال الإنجليزي. من المفترض أنهم جميعا أعضاء في مجموعة كلية، لكن عضوية ~~هذه المجموعة ليس لها ms084 أية أهمية أخلاقية-سياسية (مع أنها ربما كانت، بطبيعة الحال، ذات ~~أهمية أخلاقية-وجودية للحياة الشخصية للفرد). # إن العضوية في مجموعة ثقافية بالمعنى المقصود تعتبر علاقة من نوع مختلف كليا. ~~بداية، للمجموعات سمة مشتركة تتخلل الكثير من جوانب الحياة، وتشكل الأفراد الذين ~~ينشئون بداخلها، ويندمجون اجتماعيا في إطارها. وهذا يعني أن المجموعات الثقافية يجب ~~أن تكون كبيرة بالقدر الكافي كي تحافظ على نفسها وتستنسخها والشخصية المشتركة لها. ~~والعضوية في المجموعة أيضا مسألة إقرار مشترك؛ ولذا فإن المرء لا يعتبر عضوا بجماعة ~~إلا إذا أقرت به الجماعة عضوا بها، من بين اشتراطات أخرى. وثالثا: فالعضوية مهمة ~~جدا لتعرف الأعضاء على ذواتهم وفهمها، وهي واحدة من الطرق الجوهرية التي يتعرف بها ~~الآخرون عليهم ويفهمونهم في سياقها. وأخيرا، العضوية مسألة انتماء إلى حد بعيد. ~~المجموعات الثقافية ليست نوادي يتأتى الانضمام إليها بآلية إدارية. والانتماء إلى ~~مجموعة ما ليست مسألة سهلة هينة؛ فقد تكون نتيجة عملية طويلة وصعبة يستوعب فيها الفرد ~~ثقافة المجموعة ويلقى القبول ضمنها تدريجيا. # تبين هذه المعايير لم لا يمثل جميع مشجعي فريق الأرسنال وكل الأشخاص العسر وجميع ~~النساء، بغض النظر عن تشابه تجاربهم، مجموعات ثقافية بالمعنى الذي يتطلبه مفهوم ~~هابرماس للخطاب الأخلاقي-السياسي. وهذا أمر مهم ما دام أنه يجب ألا يسمح بأن تشكل كل ~~مجموعة من أشخاص يشتركون في اهتمام بعينه، كبيرا كان أو صغيرا، مجموعة ثقافية يمكنها ~~أن تلعب دور إطار التقييم الأخلاقي. في إنجلترا، يطيب لصيادي الثعالب وعشاق الرياضات ~~الميدانية تقديم أنفسهم للآخرين على اعتبار أنهم ينتمون إلى مجموعة ثقافية من سكان ~~الريف تسيء الغالبية المدنية فهمها. واستنادا إلى هذا السبب، فهم يعترضون على اقتراح ~~الحكومة بحظر صيد الثعالب. لكن مفهومهم عن ذواتهم مختلط ومضلل. لا شك أن كل من يهتم ~~بصيد الثعالب سيوافق بكامل إرادته على أنه ما من شيء يعيب صيدها، تماما كما يمكن لكل ~~من يهتم بلعب البريدج أو الاستماع إلى بوب ديلان أن يتفق على أنه ما من شيء يعيب ~~الاثنين. إن هذا الاتفاق لا يعني ms085 أن صيد الثعالب مبرر أخلاقيا أو بأي طريقة أخرى. ~~فالجماعات ذات الاهتمام المشترك أو جماعات الضغط هذه ليست جماعات بالمعنى المقصود. جل ~~ما في الأمر أنهم مجموعة من الأشخاص يشتركون في تفضيلات بعينها. ولا يشكلون التقاليد ~~التي تحتاج إلى إيضاح بخطاب أخلاقي. فالسؤال نفسه المعني بماهية الاهتمامات الأصيلة ~~للمجموعة يجيب عنه وجودها ذاته. قارن بين صائدي الثعالب الإنجليز للحظة وقبيلة البوشمان ~~(رجالا ونساء) التي تعيش في صحراء كالهاري وتعتبر الصيد جزءا من حياتهم اليومية. ~~بالنسبة لهؤلاء، سيهدد حظر الصيد فعلا أسلوب حياتهم وهويتهم الثقافية. ~~(4) الوظيفة الاجتماعية للخطاب الأخلاقي # تختلف الوظيفة الاجتماعية للخطاب الأخلاقي بحسب كونه يخص تاريخ حياة فرد ما أو ثقافة ~~مجموعة كاملة. وعلى اعتبار أن المجتمعات الحديثة تتألف من تقاليد متنافسة ومجموعات ~~ثقافية ذات مفاهيم مختلفة ومتناقضة عن الخير، فمن الأرجح أن تكون القيم المشتركة مصدرا ~~لخلافات الجماعات في المجتمعات الحديثة المتعددة الثقافات بقدر أكبر من كونها مفتاح ~~حل لتلك الصراعات. وكمثال عشوائي على ذلك، كثيرا ما تندلع الخلافات في بريطانيا فيما ~~يتعلق بالزيجات المرتبة لبنات الجيلين الثاني والثالث لآباء مهاجرين. يود الآباء ~~المهاجرون من ناحيتهم أن يرث أبناؤهم عاداتهم وتقاليدهم وممارساتهم التي تتشكل على ~~ضوئها آمالهم وتوقعاتهم من بناتهم. ولكن أغلب الظن أن بناتهم يكن قد شكلن ~~تفضيلاتهن وتوقعاتهن الخاصة في ضوء قيم كالاستقلال الشخصي والحب الرومانسي؛ التي ~~تشربنها من الثقافة التي ترعرعن فيها. # استنادا إلى نظرية هابرماس، وبالنظر إلى أن القيم قد تكون سببا لنزاع مستعص، من ~~الاستجابات التي يمكن التعويل عليها أن نحاول حل النزاع بتفادي أي احتكام للقيم. وهذا ~~بالضبط ما يقوم به الخطاب الخلقي بحسب المبدأ الأخلاقي. المعايير ليست قيما؛ إنما هي ~~قواعد سلوكية لها أسسها في البنية التواصلية للعالم المعيش استنادا إلى اهتمامات عامة ~~للغاية ومشتركة عموما. ومن ثم، فإن الخطاب الخلقي هو الملجأ الأول للأطراف المتنازعة ~~في العالم المعيش. ومع ذلك، فبالنظر إلى ندرة المعايير الصحيحة عامة، فإن هذه ~~الصراعات قد لا تكون خاضعة للتنظيم الخلقي، وفي هذه الحالة يمكن أن ms086 يكون الخطاب ~~الأخلاقي مفيدا. في موقف كهذا، سينطوي الخطاب الأخلاقي بشكل رئيسي على نقاش وإيضاح ~~لجميع الأمور التي تعتبر المصالح المثلى للشخص المعني. وسينطوي أيضا لا محالة على ~~تخصيص نقدي للقيم المتأصلة في ثقافة هذا الشخص، وتدبرا لموقفه الشخصي وتاريخ ~~حياته. # وشأنها شأن الخطابات الخلقية، لا يمكن أن يجري الخطابات الأخلاقية سوى الأشخاص ~~المعنيين وحدهم. ولا يستطيع أحد، على الأقل من جميع الفلاسفة الأخلاقيين، أن يحدد نتائج ~~تلك الخطابات مقدما. ورغم ذلك، يمكننا أن نتخيل اثنين من السيناريوهات المنطقية. في ~~الأول ، يتجاهل الآباء، بعد أن يلاحظوا رغبة الابنة في اختيار زوجها، تلك الرغبة، ~~ويقررون المسألة في إطار ما يعتبرونه مصلحتها ومصلحتهم المثلى، ويزوجونها على غير ~~رغبتها. حينئذ تتمثل خياراتها إما في التحدي الصريح لرغبات الآباء أو الامتثال المشوب ~~بالتردد. وثمة تصور بديل؛ ألا وهو أن المعنيين يكيفون مصالحهم وقيمهم وينقحونها ~~ويعيدون تفسيرها بشكل مشترك بما يجنبهم الصراع. على سبيل المثال، قد يسمح الآباء بترتيب ~~زيجة بالتشاور مع العروس بحيث لا تشعر أنها ضحت باستقلالها الشخصي واحتمال وقوعها في ~~الحب على مذبح تقاليد ثقافية غريبة على جيلها. وهذا السيناريو محتمل لأن الثقافات معقدة ~~داخليا ومتعددة الروافد، والمصالح الخاصة للناس عرضة للتعديل والتفسير في ضوء جوانب ~~مختلفة لها. # يشير هذا البديل إلى سمة مهمة من سمات الخطاب الأخلاقي. لنسترجع أطروحة هابرماس ~~القائلة بأن التحديث ينطوي على تخصيص نقدي للتقاليد. فالتقاليد تتبدل تدريجيا بالتدبر ~~فيها في سياق الخطاب الأخلاقي، فتستمر بعض العناصر ويطوي النسيان البعض الآخر. القيم ~~ومفاهيم الخير والتفاهمات الذاتية ليست ثابتة. فهي تخضع دوما لعملية إعادة تفسير. ~~والهويات الجمعية (وكذا الفردية) يجب أن ينظر إليها كضرب من المشروعات بالمعنى ~~الحرفي؛ إننا عالقون بين ما نجد أنفسنا عليه وما نريده لأنفسنا. ~~(5) أولوية الخلقي على الأخلاقي # يلاحظ هابرماس أنه على مدار فترة التحديث، تمايزت المسائل المتعلقة بالصواب العام ~~(العدالة) تدريجيا عن المسائل المتعلقة بالحياة الصالحة، ونشأت تدريجيا مجموعة من ~~المفاهيم المتعارضة والمتنافسة عن الخير من تراث ديني متجانس بوجه عام. وبناء على ذلك، ms087 ~~فهو يرى أنه من الخطأ اعتبار الأخلاقيات والخلقية نهجين متنافسين للمسائل نفسها؛ فهما ~~عنصران متمايزان ولكنهما مكملان لفهم ذاتنا في كل يوم. ويعتبر هابرماس أن قدرة ~~أخلاقيات الخطاب على إفساح المجال لكل من الخطاب الخلقي والخطاب الأخلاقي، بدلا من ~~تغليب أحدهما على الآخر؛ ميزة استثنائية. ~~(5-1) هابرماس وأولوية الخطاب الخلقي # تلعب فكرة الخطاب الأخلاقي دورا لا تفتأ أهميته تزداد في فكر هابرماس وهو يمسي ~~أكثر اهتماما بالنظرية الديمقراطية والقانونية. ومع ذلك، يستمر هابرماس في الإصرار ~~على أولوية الخطاب الخلقي. ويبرهن أولويته استنادا إلى عدة أسباب. أولها أن الخطاب ~~الخلقي، من الناحية البراجماتية، هو الآلية الافتراضية لحل النزاعات بين الفاعلين ~~في العالم المعيش؛ لأنه، على عكس الخطاب الأخلاقي، يستبعد القيم من عملية التبرير، ~~وبذلك فإنه يتفادى مصدر صراع عويص. وثانيها أن الخطاب الخلقي له أولوية ~~اجتماعية-وجودية معينة على الخطاب الأخلاقي، استنادا إلى حقيقة أن المبدأ ~~الأخلاقي، ومن ثم كل معيار صحيح، متجذر في البنية التواصلية للعالم المعيش. ~~الصواب المعياري ليس قيمة ثقافية، ولا حتى قيمة واسعة الانتشار جدا. إنه يجسد ~~المثل التواصلية للاحترام المتساوي للجميع والتضامن العام الذي تحويه قواعد ~~الخطاب. وهو تخصيص للصحة، ومقابل للحقيقة التي من دونها لما استطاع الفاعلون ~~المتواصلون في المجتمعات الحديثة العيش كما يعيشون. وأخيرا، فإن نموذج كولبرج ~~للتطور الخلقي ونظرية التحديث يدعمان أطروحة أولوية الخلقية. للأفراد ما بعد ~~التقليديين هويات ذاتية مجردة ليست راسخة في أي تقليد بعينه. ويتجلى ذلك في الميل ~~إلى تبني إجراءات تداولية للاستقرار على قضايا خلقية بتدبر، قبل طرح أسئلة ~~جوهرية حيال هوية المرء وماهية الحياة المثلى. # المحصلة أن الخلقية تضع حدودا على الأخلاقيات. بحسب هابرماس، الخطابات ~~الأخلاقية مصادر للتبرير تعمل بالفعل داخل حدود الجواز الخلقي. لنفترض أن التفكر ~~الأخلاقي يفضي إلى حكم ينتهك معيارا خلقيا. بالعودة إلى المثال الذي طرحناه، ~~لنفترض أن الآباء ينتهون إلى أن أفضل سيناريو هو إجبار بناتهم على العودة إلى وطنهن ~~على غير رغبتهن. في هذه الحالة، يجب دفع المشاركين في خطاب أخلاقي يتعلق بصواب هذا ms088 ~~الفعل، وربما أيضا يتعين عليهم التعامل مع فكرة خرق القانون. في مخطط هابرماس، ~~مهما كان الاعتبار الأخلاقي مبررا تبريرا وجيها، ومهما كانت أهمية قيمة ثقافية ~~بعينها، فمن الممكن دوما أن يبطلها معيار خلقي صحيح. فالمعايير الخلقية، متى كانت ~~متاحة، تتفوق على القيم الأخلاقية التي تتعارض معها. ~~(5-2) رولز وأولوية الصواب # في هذه النقطة، ثمة وجه شبه بين أخلاقيات الخطاب والأعمال اللاحقة للفيلسوف ~~السياسي الأمريكي جون رولز (1921-2002) الذي يدافع عن أطروحة أولوية الصواب على ~~الخير. ووجه الشبه بين وجهات النظر ليس من قبيل المصادفة ما دامت التنقيحات التي ~~دخلت على أخلاقيات الخطاب في التسعينيات قد تأثرت أيما تأثر برولز. يعتقد رولز أن ~~الصواب والخير مفهومان متكاملان. فالصواب يجب أن يفهم في سياق علاقته بأطروحة رولز ~~القائلة إن المفهوم الحديث العملي للعدالة على أنها الإنصاف يجب أن يكون «سياسيا ~~لا ميتافيزيقيا». ويلاحظ رولز أن المجتمعات الحديثة لم تعد متجانسة ثقافيا؛ ~~فهي تشكل مجموعة ضخمة من وجهات نظر عامة و«مذاهب شاملة» تتنافس أيها يحظى ~~بالولاء. وفي ضوء هذه الحقيقة، فإن الإطار القانوني والدستوري لمجتمع منظم يجب ألا ~~يعول على حقيقة أي وجهة نظر عامة بعينها، أو يفترضها مسبقا. وهذا هو المعنى السلبي ~~للأطروحة التي مفادها أن العدالة يجب أن تكون سياسية لا ميتافيزيقية؛ ولذا، يوصي ~~رولز ب «أسلوب مراوغة» يتم به تقليل النزاع إلى الحدود الدنيا؛ ذلك لأن القيم ~~الأخلاقية والدينية الجدلية تستبعد من عملية التبرير السياسي. # إذا نظرنا نظرة إيجابية للتبريرات السياسية، فسنراها تحتكم إلى أفكار وقيم عامة ~~تحظى بقبول واسع النطاق بين جميع الثقافات والرؤى العالمية المختلفة. إنها جزء مما ~~يطلق عليه رولز اسم «الإجماع المتداخل» الممكن للقيم. ويجب أن يتحرى المرء الحذر ~~هنا. عندما يستخدم رولز اصطلاح «الإجماع»، فهو لا يعني عملية الوصول إلى فهم أو ~~اتفاق والنتيجة المترتبة على تلك العملية. بالنسبة لرولز، يكون المعتقد أو الفكرة ~~جزءا من إجماع متداخل عندما يكون لدى الجميع، بغض النظر عن التقاليد أو الرؤى ~~العالمية، سبب لقبوله. والسبب الذي يقبلونه على ms089 أساسه لا يهم. ومن أبرز هذه ~~الأفكار فكرة المجتمع كنظام منصف للتعاون بين المواطنين الأحرار السواسية. يقول ~~رولز إن هذه فكرة خلقية، لكنها لا تتقيد بأي من المذاهب الشاملة؛ فهي تجد لنفسها ~~صدى في كل هذه المذاهب. # يقول رولز إن أي مفهوم عن الصواب (أو العدالة) يفي بهذا المعيار السياسي للتبرير؛ ~~معقول أو مبرر، مع أن هذه المعقولية أو التبرير ليس بمقتضى كونه صحيحا أو جواز ~~كونه صحيحا. فمسألة صحته أو عدم صحته لا تعول على تبريره السياسي. الأمر الذي ~~يعتبر وثيق الصلة هنا هو أنه يثير أقل قدر من الجدل ويحظى بأكبر قدر من الإخلاص. ~~بهذه الطريقة، يفرض الصواب (أو العدالة) إطارا سياسيا ليبراليا يحق لكل فرد ~~فيه المراجعة والتنقيح والسعي لصياغة مفهومه الشخصي عن الخير إلى الحد الذي يتوافق ~~وحرية الآخرين في أن يفعلوا المثل. ومن ثم، فالصواب يعول على وجود عدة مفاهيم ~~متنافسة للخير (أو مذاهب شاملة) من الممكن أن تحظى بدعم المواطنين. والصواب والخير ~~متكاملان: «العدالة ترسم الحدود، والخير يجلي الغاية.» ~~(5-3) هابرماس في مقابل رولز # من الواضح أن هناك اتفاقا كبيرا بين هابرماس ورولز؛ فكلاهما يقبل حقيقة ~~التعددية المعقولة. ويتفق الاثنان على أن هناك فارقا جوهريا بين شيء ~~الخلقية/الصواب والأخلاقيات/الخير، وأن الحاجة تقتضي وضع نظرية وافية لاستيعابهما. ~~علاوة على ذلك، فهما يتفقان على أن الصواب له أولوية على الخير. وأخيرا، فهما ~~يتفقان على أن هناك جانبا وظيفيا أو براجماتيا لأولوية الصواب. إن موضوعية ~~مفهوم الصواب تضمن أن يلقى قبولا واسع النطاق بين الثقافات والرؤى العالمية؛ مما ~~ييسر الاستقرار والانسجام الاجتماعيين. # ولكن كما يتجلى لنا من السجال الشهير بين هابرماس ورولز، هناك مواطن للخلاف ~~أيضا. يفترض هابرماس أنه في مجتمع تعددي ثقافيا، تكون الأفضلية للاعتبارات ~~الخلقية الدنيوية والعلمانية، في حين نجد رولز أكثر لاأدرية حيال هذه النقطة. إن ~~مسألة كون الخلقية دنيوية أم دينية محل خلاف ميتافيزيقي. يعترض هابرماس على أن ~~مفهوم رولز «السياسي» للعدالة يضحي بمكانته الإدراكية (مقبوليته العقلانية) لصالح ~~غايته الوظيفية أو الأداتية المعنية ms090 بضمان الاستقرار الاجتماعي. إن مبادئ العدالة ~~مبررة باعتبارها معقولة لا لسبب إلا أنه يصادف أنها تلقى قبول الجميع، بغض النظر ~~عن كون هذه المبادئ تستحق القبول. وفي المقابل، نجد أن المبدأ الأخلاقي يضمن أن ~~جميع المعايير المقبولة عقلانيا، دون سواها، هي المبررة (أي التي تستحق القبول من ~~الجميع) على أساس أنها تجسد بالدليل مصلحة قابلة للتعميم. ووفقا لأخلاقيات الخطاب، ~~يرتبط الصواب الأخلاقي بالصحة داخليا، ويناظر الحقيقة؛ ولذا، فإن هابرماس يعتبر ~~أنه قدم مسوغات «معرفية» و«إدراكية»، لا وظيفية وحسب، على أولوية الخلقية؛ فقد ~~أثبت أن الخلقية هي المعرفة، لا التعبير عن قيم من الممكن تبنيها. # ومن ناحية رولز، فهو يرد على هابرماس بأن الأخير، إذ أسند أخلاقيات الخطاب إلى ~~نظريته الجدلية للمعنى (وإذ يصر على أن الخلقية علمانية)، يطرح مبدأ ميتافيزيقيا ~~جديدا فحسب. ويمتد أسلوب رولز في الإعراض أيضا ليشمل النظريات الفلسفية وما وراء ~~الأخلاقية (أي النظريات التي تتناول ماهية الخلقية)؛ حيث لا يقتصر فقط على الرؤى ~~العالمية والمذاهب الميتافيزيقية. ويزعم رولز أن الفلسفة السياسية ينبغي أن تتفادى ~~اتخاذ أي إجراءات نظرية لا حاجة لها، من شأنها أن تجلب له المتاعب لاحقا. من جانب ~~واحد، من الواضح أن رولز محق. # يرتبط برنامج هابرماس لأخلاقيات الخطاب ارتباطا وثيقا بمجموعة كاملة من وجهات ~~النظر الفلسفية الجدلية المتعلقة بالمعنى والتواصل وما إلى ذلك. ورغم ذلك، فإن شاغل ~~هابرماس الأكبر هو إنكار كون نظرية الخطاب الخلقي ميتافزيقية، انطلاقا تحديدا من ~~كونها تعبر عن قيم ثقافية محددة. يرصد الخطاب الخلقي إجراء شكليا وعاما ليس ~~له بديل مقبول، يحدد بواسطته المشاركون مجتمعين ما يصح من الناحية الخلقية. ومن ~~ثم فهو يؤسس حدود الجواز الخلقي التي يعمل في إطارها الخطاب الأخلاقي. (هذه الحجة ~~تتعرض للتقويض إلى حد ما بفعل إخفاقه في طرح اشتقاق شكلي للمبدأ الخلقي.) # المقارنة بين رولز وهابرماس فيما يتعلق بمسألة الأولوية مفيدة، لكنها في الوقت ~~عينه مضللة بعض الشيء عندما تتجرد من سياق المشروعات الفلسفية لكل منهما؛ فأطروحة ~~رولز لأولوية الصواب ترتبط بمفهومه اللاميتافيزيقي عما ms091 هو سياسي. فهو يهدف إلى وضع ~~مفهوم مستقل لكل ما هو سياسي يدعم مفهومه للعدالة كإنصاف، وفي الوقت نفسه يحصنه من ~~أي جدل لا داعي له. أما مشروع هابرماس فهو شامل بالمقارنة، لأنه معني بجميع جوانب ~~النظام الاجتماعي، بما في ذلك أبعاده الخلقية والأخلاقية والسياسية والقانونية. ~~ورغم أنه يظن أن الاعتبارات الخلقية يجب ألا تحتكم إلى قيم ثقافية جدلية، فهو ينكر ~~أن ما هو سياسي يمكن أن يكون مستقلا بالطريقة التي يظن رولز أنه يجب أن يكون ~~عليها. وعلى النقيض ، يشكل ما هو سياسي مجموعة متنوعة كاملة من آليات مختلفة لحل ~~النزاعات، تعتمد بشكل مستقل على الأنواع الثلاثة المختلفة للخطاب العملي. ~~(6) معقولية تمييز هابرماس بين الخلقية والأخلاقيات # يؤكد هابرماس على أنه رغم أن التمييز ~~التاريخي بين الخلقية والأخلاقيات غامض وملتبس، فإن تمييزه المفاهيمي بين الاثنتين قاطع ~~وحاسم. ويصر على أن المعايير الصحيحة مختلفة جوهريا عن القيم. إن الغاية من خطاب خلقي ~~متسق مع المبدأ الأخلاقي هي استبعاد جميع القيم باعتبارها غير قابلة للتعميم. وحينئذ ~~فقط يمكنه أن يعمل كقاعدة لحجة تجعل الاتفاق ممكنا. يود هابرماس أن يبدد أي شكوك ~~متبقية في أن المبدأ الأخلاقي مجرد تحيز عرقي يستند إلى مجموعة عارضة من القيم. ويقول ~~إن المبدأ الأخلاقي يضرب بجذوره في التواصل والخطاب، ويعد جزءا من نسيج المجتمعات ~~الحديثة نفسه. وتحكم ادعاءات صحة الصواب والحقيقة التنسيق بين الأفعال، وتوفر ~~أساسا للنظام الاجتماعي. لو كان له أن يشوش التمايز بين الخلقية والأخلاقيات، وبين ~~المعايير الخلقية والقيم، من أي من الاتجاهين، لتسربت القيم التي يقر بها مصدرا ~~للنزاع المستعصي إلى النطاق الأخلاقي، ولهددت مفهومه البراجماتي عن الخلقية ~~بأكمله. # تكمن المشكلة في أن تمييز هابرماس ليس محكما كما ينبغي. يوضح توماس ماكارثي أن ~~هابرماس أثناء تسرعه لرفض المذهب الطبيعي (القائل بأن جميع القيم يمكن اختزالها إلى ~~حقائق تجريبية عن احتياجات البشر ومصالحهم)، فإنه يزعم أن الاحتياجات والمصالح دائما ~~ما تتشكل ويتم تفسيرها في ضوء القيم الثقافية. ومع ذلك، فهو يزعم أيضا أن المعايير ~~الخلقية ms092 تجسد المصالح، مع أنه يقصد المصالح القابلة للتعميم فقط؛ ولذا، فإن هابرماس ~~يقر على أية حال بأن المعايير الخلقية تعول على القيم باعتبارها الأساس الذي يفسر ~~الفاعلون والمشاركون في الخطاب مصالحهم واحتياجاتهم عليه. ومن ثم فهو يسمح للقيم، دون ~~قصد، بالدخول من الباب الخلفي، وما تحمله من احتمالات تسببها في صراع خلقي. # لدى هيلاري بوتنام اعتراض يخوض بعض الشيء في هذا الاتجاه نفسه. يقول بوتنام إن ~~التمايز بين المعايير والقيم لا يمكن أن يكون حاسما؛ لأن المعايير تفترض مسبقا وجود ~~«مفاهيم أخلاقية صلبة» أو قيم. فمعايير مثل «كن لطيفا مع أصدقائك» و«لا تكن قاسيا على ~~الأطفال» تفترض مسبقا وجود قيمتي الصداقة أو القسوة، ومن دونهما لا توجد لغة يمكن ~~تعريف هذين المعيارين ووصفهما بها. إذا كان مكارثي وبوتنام على حق، فسنجد أن المعايير ~~الصحيحة ليست نادرة وحسب، بل ومتداخلة مع القيم الثقافية المثيرة للجدل بشكل لا مناص ~~منه. وفي هذه الحالة، سيضطر الفاعلون إلى أن يجدوا آليات مختلفة لحل النزاع، وأن يبحثوا ~~عن سبل أخرى للتعاون والنظام الاجتماعيين بخلاف السبل الخلقية. ويستتبع هذا تحولا ~~كبيرا في ركيزة برنامج أخلاقيات الخطاب بعيدا عن الخلقية والأخلاقيات وباتجاه السياسة ~~والقانون. # الفصل الثامن # | السياسة والديمقراطية والقانون # يرى هابرماس أن القيم الأخلاقية المشتركة (أو ما يطلق عليه روح ~~الجماعة # ethos ~~) هي ما يمسك عرى المجتمعات التقليدية. وتسمح التنشئة والمشاركة ~~في الأنشطة الاجتماعية للناس باكتساب هويات ودوافع ملائمة للأدوار والواجبات التي تتطلبها ~~مؤسسات المجتمع كي تعمل بسلاسة. المجتمعات الحديثة معقدة ومتمايزة ومتعددة الثقافات؛ فلا ~~يوجد مركز وحيد يتحكم فيها، ولا يربط بينها أي تقليد وحيد مهيمن، أو رؤية عالمية، أو مجموعة ~~من القواعد. في المجتمعات الحديثة، تتشكل للناس هويات عامة ومجردة؛ مما يعني أنهم لا يرون ~~أنفسهم عموما باعتبارهم أبناء أو بنات فلان، أو جزءا من عائلة أو سلالة أو كمواطنين بدولة ~~في المقام الأول؛ إنهم يرون أنفسهم والآخرين أولا وأخيرا أفرادا وأشخاصا مستقلين ~~وعقلانيين يمارسون حياتهم بناء على مبادئ عامة وأسباب محددة تنطبق عليهم. وتستمر ms093 هوياتهم ~~المجردة رغم التغيرات التي تطرأ على الجنسية والثقافة وبلد الإقامة والعمل والاسم وما إلى ~~ذلك. والذاتية الحديثة أيضا تحيد عن مركزيتها؛ لأن الضغوط المستمرة التي لا مناص منها ~~للمشاركة في الخطاب (لا سيما الخطاب الأخلاقي) تتطلب تبنيا مثاليا للأدوار، وتبادلا ~~للمنظورات مع الآخرين جميعهم، وتطويرا لما أسماه ميد بالذات الأكبر (انظر الفصل ~~السادس). # في البرنامج الأصلي لأخلاقيات الخطاب، زعم هابرماس أنه تحت الظروف الحديثة يكون الخطاب ~~الأخلاقي الآلية الأساسية للاندماج الاجتماعي. فالخطاب الأخلاقي مناسب للمجتمعات المتنوعة ~~ثقافيا، ما دام أنه يسمح للناس مجتمعين بتحديد قواعد تعايشهم بأنفسهم، وهذه القواعد ~~عامة جدا وشمولية إلى أقصى درجة ممكنة. في فترة ما في أواخر الثمانينيات، أدرك هابرماس ~~أن الخلقية، حسب وصفها في البرنامج الأساسي، محدودة للغاية، لدرجة أنها تخفق في الوفاء ~~بالوظيفة الاجتماعية المركزية التي يخصصها لها. بالتزامن مع استحداث مفهوم الخطاب الأخلاقي، ~~يبدأ برنامج أخلاقيات الخطاب المعدل في مواجهة هذه المعضلة، وتستمر النظرية السياسية ~~لهابرماس في الاتجاه نفسه. فهي تقر بأن الخطاب الأخلاقي وحده لا يكفي لتنظيم النزاعات، ~~والحفاظ على النظام الاجتماعي في المجتمعات المتباينة ثقافيا. وليس ذلك لمجرد وجود القليل ~~جدا من المعايير الأخلاقية الصحيحة، ولا لأن المعايير نفسها قد تكون محملة بقيم مثيرة ~~للجدل، ولكن لأن البشر فيهم «اعوجاج» أصلا بحسب المجاز الذي ساقه كانط. إذا كانت الأمور ~~خلاف ذلك؛ أي إذا كان الفاعلون الحداثيون يميلون بدون شك إلى التصرف بشكل أخلاقي طوال ~~الوقت، فقد تكون الخلقية وحدها كافية للحفاظ على سلامة المجتمع واستمراره. ومن الواضح أن ~~هذا ليس الحال. # يبدأ برنامج هابرماس للنظرية الديمقراطية والقانونية بالإقرار بأن الأنظمة الاجتماعية ~~الحديثة لا تتشكل بالمعايير الأخلاقية فحسب، بل بالمؤسسات السياسية والقوانين أيضا. وفي ~~هذا السياق، يتمم «بين الحقائق والمعايير» أخلاقيات الخطاب، وفي الوقت نفسه يعد ~~امتدادا واستكمالا لبرنامج النظرية الاجتماعية. يجوز أن يقول المرء (ولا شك أن أحدهم ~~قالها بالفعل) إن فلسفة هابرماس اتخذت منعطفا سياسيا. وإذا صح ذلك، فلا عجب ما دامت ~~نظريته الاجتماعية والأخلاقية، بحسب زعم كثير من ms094 نقاده، كانت دوما في واقع الأمر نظرية ~~سياسية مقنعة. وحتى لو صح ذلك، فهو لا يعني أن هابرماس يمكن أن يسقط النظرية ~~الأخلاقية لمصلحة نظريته السياسية والقانونية. والواقع أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك؛ لأن ~~السياسة والقانون، من وجهة نظره، لا يتسنى لهما العمل في غير وجود الخلقية؛ ومن ثم تعتمد ~~النظرية السياسية والقانونية على النظرية الأخلاقية. ~~(1) مفهوم السياسة لدى هابرماس ~~(1-1) بنية السياسة «ذات المسارين» # يميز هابرماس بين نطاقين أساسيين للسياسة: غير الرسمي والرسمي. ويتألف النطاق ~~السياسي غير الرسمي من شبكة من المصادر التلقائية «الفوضوية» من التواصل والخطاب. ~~لنطلق على هذا النطاق «المجتمع المدني». وتشمل أمثلة المجتمع المدني المنظمات ~~التطوعية والاتحادات السياسية والإعلام. والأمارات المميزة للمجتمع المدني هي أنه ~~لا يتحول إلى مؤسسة، ولم يخلق لصنع القرار. وفي المقابل، فالسياسة بمعناها الرسمي ~~تختص بالنطاقات المؤسسية للتواصل والخطاب، وهي مصممة تحديدا لصنع القرار. وتتضمن ~~الأمثلة البارزة على السياسة الرسمية البرلمانات ومجالس الوزراء والمجالس المنتخبة ~~والأحزاب السياسية. لاحظ أنه من الخطأ الظن بأن هذا النطاق السياسي الرسمي مرادف ~~للدولة؛ وذلك لأن الدولة ليست مجموعة من المنتديات المؤسسية المسئولة عن وضع ~~السياسات وصنع القرارات فحسب، بل هي أيضا نظام إداري وكيان بيروقراطي توجهه، على ~~حد قول هابرماس، أداة السلطة. # هذا المفهوم ثنائي المسار للنطاقين الرسمي وغير الرسمي يعطينا إطارا أساسيا ~~لمفهوم هابرماس عن السياسة. في المجتمع المدني، يشارك أعضاء المجتمع السياسي في ~~الخطاب، ويصلون إلى تفاهم، ويقدمون تنازلات، ويصوغون آراء حول شئون خاصة وعامة. ~~ويطلق هابرماس على تلك العملية عملية تشكل رأي الفرد وإرادته. وفي المقابل، في ~~النطاق السياسي الرسمي يقوم الممثلون المحددون لأعضاء المجتمع السياسي باتخاذ ~~القرارات والموافقة على القوانين وصياغة السياسات وتنفيذها. # استنادا للصورة التي يرسمها هابرماس، يؤدي النظام السياسي وظيفته جيدا عندما ~~تستوعب مؤسسات صنع القرار مداخلات المجتمع المدني، وعندما يكون لديه القنوات ~~السليمة التي يمكن للمداخلات الواردة من أدنى (المجتمع المدني والرأي العام) ~~التأثير في مخرجاته (السياسات والقوانين). عمليا، تحقق الدول الديمقراطية هذا ~~التوازن أفضل من الأنظمة اللاديمقراطية. ms095 وتميل المؤسسات الديمقراطية السليمة إلى ~~وضع سياسات وسن قوانين متسقة مع الرأي العام المشكل تداوليا؛ ومن ثم فإنها ~~عقلانية ومبررة. وهذا أمر منشود بحد ذاته، ومنشود من الناحية الوظيفية أيضا ما ~~دام أن الحداثيين سينزعون إلى الالتزام بالسياسات والقوانين التي يقبلون بأساسها ~~المنطقي. من المرجح أن يكون المجتمع العقلاني مستقرا؛ ولذا، فهناك مسوغات أخلاقية ~~وأداتية وجيهة تعلل تفضيل الحداثيين العيش تحت مظلة مؤسسات ديمقراطية. # يجب أن نتحرى الحيطة الشديدة عندما نتناول قدرة الأنظمة الديمقراطية على الوصول ~~إلى قرارات مبررة. في النطاق السياسي، نجد أن فكرة ما هو مبرر أكثر شمولا منها في ~~النطاقات الفردية للخطاب النظري والخلقي والأخلاقي. تشكل التبريرات السياسية مجموعة ~~متنوعة من الاعتبارات، إضافة إلى المعايير المعرفية والأخلاقية (أبعاد صحة الحقيقة ~~والصواب) التي تحكم الخطاب النظري والأخلاقي على الترتيب. على سبيل المثال، يتم ~~تفعيل الاعتبارات الأخلاقية والبراجماتية إلى جانب العوامل الخاصة بالإدراك السليم، ~~كتلك التي يمكن تحقيقها بفعل إجراءات الوصول إلى الحلول الوسط والتفاوض. إن الخطاب ~~السياسي أشبه بورشة العمل التي يمكن فيها، فور تجربة إجراءات الخطاب الخلقي ~~والخطاب الأخلاقي الأكثر تطلبا وثبوت فشلها، إجراء مجموعة كاملة من التجارب ~~الأخرى للوصول إلى حلول عقلانية وتوافقية بشكل عام. ~~(1-2) حقوق الإنسان وسيادة الشعب # يمزج هابرماس كعادته بين مفهومين سياسيين عادة ما يعاملان على اعتبار أنهما ~~بديلان: الديمقراطية الليبرالية والجمهورية المدنية. ويقول هابرماس إن كل مفهوم ~~يتمحور حول فكرة وحيدة؛ الديمقراطية الليبرالية تقوم على فكرة حقوق الإنسان، ~~والجمهورية المدنية على فكرة سيادة الشعب. (والواقع أن المفهومين ملازمان لبعض ~~جوانب الليبرالية والديمقراطية. في الأول، نجد أن الليبرالية لها اليد العليا على ~~الديمقراطية، وفي الثاني نرى الليبرالية تخضع للديمقراطية.) ويذكر هابرماس أن كل ~~مفهوم يفضل تفسيرا معينا للاستقلال؛ تفضل الديمقراطية الليبرالية الاستقلال ~~الفردي أو الخاص (أي تقرير الفرد مصيره)، في حين تفضل الجمهورية المدنية الاستقلال ~~الجمعي أو العام أو السياسي (أي تحقيق المجتمع السياسي ذاته). # يقول هابرماس إن حقوق الإنسان تحمي الاستقلال الخاص للفرد. واستنادا لوجهة النظر ~~الليبرالية الديمقراطية، فإن للأفراد مصالح ms096 ما قبل سياسية، ومجموعة من الحقوق التي ~~تحمي حريتهم للسعي وراء تلك المصالح، بما يتوافق مع الحرية المماثلة للآخرين جميعا ~~في السعي وراء مصالحهم. ينظر للحرية هنا باعتبارها فرصة. وتكمن قيمة حريتي في ~~الفرص التي تكفلها لي، والتي يمكنني استغلالها أو تفويتها كيفما أشاء، لا في أي ~~ممارسة فعلية لهذه الحرية. وعادة ما تلازم وجهة النظر هذه فكرة دولة الحد الأدنى ~~التي تترك لكل فرد حرية عيش حياته على النحو الذي يناسبه، ولا تتدخل إلا لحل ~~النزاعات الناشئة حال طغيان حرية أحدهم على حرية الآخر؛ ولذا، لا ينظر للمواطنة ~~أو المشاركة في المجتمع السياسي باعتبارها ذات قيمة بحد ذاتها، لكنها ذات قيمة من ~~الناحية الأداتية فقط باعتبارها وسيلة لتأمين هذه الحقوق والفرص. # ولتحقيق ذلك بإنصاف، يجب على الدولة أن تظل محايدة فيما يتعلق بقيم ومفاهيم الخير ~~التي يسعى إليها مواطنوها. ورغم ذلك، فإن فكرة حقوق الإنسان فكرة أخلاقية متحيزة لا ~~محالة ضد أية قيمة أو رؤية عالمية لا تتسق مع الحقوق والحريات الأساسية للجميع. ~~ولهذا السبب، يطعن كثير من النقاد المجتمعيين والجمهوريين الذين ينتقدون ~~الديمقراطية الليبرالية، في حيادها المزعوم. وينكر أغلب الليبراليين من ناحيتهم أن ~~الدولة يجب أو حتى يمكن أن تظل محايدة فيما يتعلق بنتائج أو تبعات سياساتها ~~وقوانينها؛ ويزعمون أنها ينبغي أن تظل محايدة فيما يختص بتبرير سياساتها وقوانينها ~~كي تنأى بنفسها عن أي جدل لا داعي له؛ ولذا، فرغم أن جميع القوانين أو السياسات ~~ربما لن تفيد الجميع بالطريقة نفسها وبالقدر نفسه، فإنه لا يجوز تبرير أي قانون على ~~أساس قيم خلافية. # سيادة الشعب هي الفكرة القائلة إن السلطة السياسية للدولة تكمن في نهاية المطاف ~~في إرادة الشعب. وتفترض الفكرة أن السياسة في الأصل مسألة تتعلق بتحقيق الاستقلال ~~الشعبي جمعيا، لا تأمين الاستقلال الخاص بالأفراد؛ إن حرية «الشعب الممثل فينا» ~~هي ما يهم، لا حرية كل فرد على حدة. وعادة ما نتخيل الاستقلال العام استنادا إلى ~~نموذج مجلس الشعب؛ مما ساعد على استحداث وجهة النظر القائلة إن ms097 المواطنين أحرار ~~بقدر ما يشرعون لأنفسهم من قوانين. وبشكل أكثر عمومية، يمكن فهم السيادة العامة ~~باعتبارها فكرة أن أعضاء المجتمع السياسي أحرار إلى الحد الذي يستطيعون في إطاره ~~اعتبار القوانين الحاكمة لهم تعبيرا عن قيمهم الخاصة. # على النقيض من المفهوم الليبرالي للاستقلال الخاص، فإن الفكرة الجمهورية المدنية ~~عن الاستقلال العام ليست مفهوما لفرصة، بل مفهوم لممارسة. على سبيل المثال، ~~فالقيمة الحقيقية لحرية التعبير لا تكمن في الفرص التي تكفلها للأفراد بل في ~~تطبيقها الجمعي. فعندما يمارس عدد كاف من الناس حريتهم في التعبير، ينشأ الإعلام ~~الحر/الصحافة الحرة، وبشكل أكثر عمومية تتطور ثقافة مشتركة تعود بالفائدة والنفع ~~على جميع المواطنين. إن العضوية في المجتمع السياسي عظيمة القيمة في حد ذاتها؛ ~~ولذا، فإن الدولة أبعد ما تكون عن الحياد؛ إنها تجسد وتوصي بدأب بمجموعة من القيم ~~والمثل لمواطنيها. وأخيرا، استنادا إلى هذا الرأي، فإن أي حقوق فردية يتمتع بها ~~المواطنون تستقى من قيم المجتمع السياسي ومثله، وتعول في الوقت نفسه ~~عليها. # يوفر مفهوم هابرماس ثنائي المسار عن السياسة إطارا يمزج بين الفكرتين؛ ~~فيعدل كل واحدة منهما وينقحها بحيث تتكيف مع وقائع المجتمع الحداثي. ويثبت هذا ~~المفهوم أن حقوق الإنسان وسيادة الشعب متزامنان ومتبادلان، أي إنه لا يسبق أي منهما ~~الآخر، وكل منهما يعتمد على الآخر. وفي الوقت نفسه، يربط هذا المفهوم بين مفهومي ~~الاستقلال الخاص والعام ويعطي كلا منهما ثقلا مكافئا. فالسياسة بحسب هابرماس هي ~~التعبير عن «الحرية التي تنبع في آن واحد من ذاتية الفرد وسيادة الشعب» (بين ~~الحقائق والمعايير). يستبقي هابرماس فكرة حقوق الإنسان، ويؤيد وجهة النظر ~~الليبرالية أن الدولة ينبغي أن تستوعب الثقافات والرؤى العالمية المختلفة وتتحملها. ~~لكنه ينكر ثلاث فرضيات ليبرالية أساسية: ~~(1) # أن الحقوق تنتمي إلى الأفراد ما قبل المفهوم السياسي. ~~(2) # أن العضوية في المجتمع السياسي ذات قيمة فقط كوسيلة لحماية الحرية ~~الفردية. ~~(3) # أن الدولة ينبغي أن تظل محايدة فيما يتعلق بتبرير سياساتها أو ~~قوانينها؛ حيث يوحي الحياد بتفادي اللجوء إلى القيم والاعتبارات ~~الأخلاقية. # يقول هابرماس إن هذه ms098 الفرضيات تعكس التحيز المتأصل تجاه الموضوع الذي يميز فلسفة ~~الوعي. وعلى العكس من ذلك يقول إن الحقوق لا تكتسب إلا عن طريق الإدماج الاجتماعي، ~~وأن العضوية في المجتمع ليست قيمة بشكل أداتي وحسب، وأن التبريرات السياسية ~~ينبغي أن تستوعب الاعتبارات الأخلاقية. # في الوقت نفسه، نراه يرفض ثلاث فرضيات جمهورية مدنية أساسية: ~~(1) # أن الدولة ينبغي أن تجسد قيم المجتمع السياسي. ~~(2) # أن المشاركة في المجتمع هي تفعيل لهذه القيم. ~~(3) # أن الحقوق الذاتية تستخلص من الفهم الذاتي الأخلاقي للمجتمع ~~وتعتمد عليه. # استنادا إلى وجهة نظره، فإن هذه الفرضيات لم تعد سارية؛ لأن المجتمعات الحداثية ~~تتألف من مجموعة كبيرة من التقاليد المتنافسة والرؤى العالمية؛ ولذا، فإن مسألة ~~أي القيم ينبغي أن توصي بها الدولة وتتيحها لأفرادها ستكون في حد ذاتها مسألة ~~مثيرة للجدل. جل ما يمكننا أن نتوقعه هو أن السياسات والقرارات والقوانين يمكن أن ~~يكون لها صدى لدى الفهم الذاتي الأخلاقي لكل من مجتمعاتها المختلفة. # يدعم هابرماس نسخة حداثية من فكرة سيادة الشعب نزعت منها وجهة النظر القديمة ~~القائلة إن الأفراد يشكلون شخصية مسلطة عليها الأضواء. «سيادة الشعب لا تتجسد في ~~ذات جمعية، أو في كيان سياسي على غرار تجمع لكل المواطنين»، بل تكمن في أشكال «غير ~~موضوعية» من التواصل والخطاب متداولة في المنتديات والهيئات التشريعية (بين الحقائق ~~والمعايير). في المجتمعات الحداثية، يستقر المثال النموذجي في مدى انفتاح الهيئات ~~الرسمية الصانعة للقرار على تأثير المجتمع المدني. عندما تكون المؤسسات السياسية ~~الرسمية منفتحة على الحد الصحيح من المدخلات من أدنى، فستميل قراراتها وسياساتها ~~وقوانينها إلى العقلانية وستحظى بالقبول. وبما أن الدول الديمقراطية يجب أن تكون ~~مدمجة في المجتمع المدني بشكل مناسب، فيتعين على المجتمع المدني أن يحظى بالحماية ~~لأجل الديمقراطية. وهنا يأتي دور نظام الحقوق. يدفع هابرماس بأن «نظام الحقوق ينص ~~على الشروط التي يمكن بموجبها إجراء التأسيس القانوني لأشكال التواصل الضرورية ~~لنشأة القانون الشرعي» (بين الحقائق والمعايير). الفكرة الأساسية مفادها أن نظام ~~الحقوق الراسخ في القانون يمكن أن يساعد على تغذية أشكال المجتمع ms099 المدني التي يتعين ~~على هيئات صنع القرار الرسمية استيعابها كي تكون قادرة على سن قوانين مقبولة ~~عقلانيا. ~~(2) السياسة وشكل القانون # في عصرنا الحالي، قد يبدو من الحقائق البديهية (وإن كانت حديثة المنشأ) أنه ينبغي ~~تنظيم المجتمع في شكل دولة ذات حكومة ديمقراطية الشكل ونظام لحقوق الإنسان. ظاهريا ~~هذا أمر غريب؛ لأن الفكرة الفردية الليبرالية لحقوق الإنسان والفكرة الجمهورية لسيادة ~~الشعب متعارضتان جوهريا؛ فإحداهما توصي بأن الحكومة ينبغي عليها احترام حقي في ~~الحياة كيفما أشاء (بالطبع بما يتسق وحق الآخرين جميعهم في أن يعيشوا حياتهم كيفما ~~يشاءون)، والأخرى تؤيد حكم الشعب. # لا يحاول هابرماس أن ينكر ذلك. ويجيب بأن هذا التعارض راسخ في مفهوم القانون نفسه، ~~وأن القانون هو الوسيلة التي تساعد في المجتمعات الحداثية على تخفيف عبء الاندماج ~~الاجتماعي الواقع على التواصل والخطاب الأخلاقي. لنتذكر أنه بحسب رواية هابرماس، فإن ~~الوظيفة الاجتماعية للخلقية هي تسوية تضاربات المصالح، وتنسيق الأفعال، وإقامة النظام ~~الاجتماعي. تدعم السياسة الخلقية وترسخها؛ إذ تضعها في شكل القانون. وهذا لا يعني أن ~~القانون والخلقية لا يمكن أن ينفصلا. فمن الممكن أن ينفصلا فعلا، على سبيل المثال في ~~حالات العصيان المدني والاستنكاف الضميري. لكن هذه حالات هامشية. بصفة عامة، تعمل ~~المعايير القانونية والمعايير الأخلاقية جنبا إلى جنب من أجل تسوية النزاعات، وتنسيق ~~الأفعال، وإقامة نظام اجتماعي على أساس المعايير الصحيحة. ولكنها تحقق ذلك بطرق ~~مختلفة. ~~(2-1) البنية المزدوجة للقانون # لنفترض أنه ذات ليلة أردت أن تركب دراجتك وتذهب إلى حفل ما في الجانب الآخر من ~~المدينة، لكنك اكتشفت أن مصباح الدراجة تالف. وهناك قانون يحظر ركوب الدراجات في ~~الظلام دون مصابيح، وثمة سبب لسن هذا القانون: فركوب الدراجات دون مصابيح يعرض ~~حياة الراكب وغيره من المشاة في الطرقات للخطر. وهو أيضا مخالفة يعاقب عليها ~~القانون؛ إذا ضبطتك الشرطة على دراجتك بدون إضاءة المصابيح، فإنها مخولة باعتقالك ~~وتغريمك. مثل هذه المعايير القانونية لا تتطلب سوى الامتثال. إنها تقتضي أن تطاع، ~~لكنها لا تقتضي أن تطاع للسبب الوجيه. ومن هذا ms100 المنطلق فهي تخالف المعايير ~~الأخلاقية التي تقتضي أن تطاع للأسباب الوجيهة. فالخوف من الاعتقال أو العقاب ليس ~~سببا أخلاقيا وجيها للتصرف؛ ولذا، فمن الممكن للفاعل الملتزم بالقانون إما أن ~~يذهب للحفل سيرا على الأقدام؛ لأنه يدرك أن ركوب دراجته دون إضاءة المصابيح يعرض ~~حياته وحياة الآخرين في الطرقات للخطر، أو لأن الأمر لا يستحق المخاطرة بالاعتقال ~~أو التعرض للعقاب. إن دوافعه عمليا غير ذات صلة بالمسألة ما دام، بطاعته ~~للقانون، يتصرف استنادا لدواعي السلامة المرورية التي تنطبق عليه على أية حال. ~~تعمل المعايير الأخلاقية والقانونية جنبا إلى جنب. # يزعم هابرماس أن القوانين التي تسنها المؤسسات القانونية المنفتحة على مدخلات ~~المجتمع المدني ستميل إلى العقلانية. وأفراد المجتمع القانوني سيمتثلون عموما لمثل ~~هذه القوانين؛ لأنهم سيستطيعون أن يدركوا مغزاها، فالقوانين تقتضي أن يفعلوا ما ~~لديهم أسباب مستقلة لأن يفعلوه. ولكن أحيانا، لن يكفي مغزى القوانين للحث على ~~السلوك القانوني. وفي هذه الحالات، قد يفي الخوف من الاعتقال أو التعرض للعقاب ~~بالغرض. # يقول هابرماس إن المعيار القانوني أو القانون له جانب معياري وآخر وقائعي: فهو من ~~ناحية شرعي، ومن ناحية أخرى واقعي. ومن ثم جاء العنوان «بين الحقائق والمعايير» ~~الذي إذا ترجم حرفيا كان «الوقائعية والصحة». لا يكون القانون «شرعيا» إلا ~~عندما يكون له مغزى، أو عند وجود أسباب مستحسنة للامتثال له (بخلاف كونه القانون ~~المعمول به، وأن عصيانه مخالفة تقتضي العقاب). وتتضح حقيقة أن شرعية القانون ضرورة ~~لكنها ليست شرطا وافيا لصحته عندما نبحث سمتين أخريين للقوانين الصحيحة. ~~القانون «واقعي» عندما تضعه أو تفرضه هيئة معترف بها. وللقوانين سمة ثالثة أيضا؛ ~~فهي يجب أن تكون قابلة لأن تفرض على الآخرين. ولا يصح المعيار القانوني إلا عند ~~توافر هذه المكونات جميعا. يجب أن يكون للقانون جانب جدير بالتقدير، وأن تصدره ~~هيئة معترف بها، وأن يكون قابلا لأن يفرض على الآخرين؛ ولذا، فإن صحة القانون ~~تفرض مسبقا سلطة سياسية. وتفترض مسبقا أيضا، من بين أشياء أخرى، وجود سلطة ~~قضائية ودولة تحتكر القوة الشرعية والقدرة ms101 على إنفاذ القوانين بواسطة التنظيم ~~الشرطي للعمل بها ومعاقبة مخالفيها. ~~(2-2) شرعية القانون # رغم أن هابرماس يقر بواقعية القانون وقابلية فرضه بالقوة، فهو دوما يشدد على ~~شرعيته. فالقوانين الشرعية، أي القوانين ذات المغزى، تحث المواطنين على أن يمتثلوا ~~امتثالا عقلانيا طوعيا. لاحظ أن الامتثال العقلاني يختلف عن الولاء العاطفي، ~~مع أن كليهما يمكن أن يتبناه المرء بإرادته. فالولاء العاطفي قد يكون نتيجة دوافع ~~لا عقلانية ولا تداولية؛ كالقيم والاحتياجات والعواطف المحددة المرتبطة بالانتماء إلى ~~جماعة ثقافية بعينها. أما الامتثال العقلاني فهو يترتب على «القوة المحفزة» ~~للأسباب الوجيهة العامة (على حد قول هابرماس، الأسباب العامة بطبيعتها) التي تسري ~~مستقلة عن المؤسسات القانونية والقضائية والعقابية. ينشأ النظام الاجتماعي بسلاسة ~~دون تفعيل التهديد بالعقاب على أرض الواقع. وهذا أمر ضروري ما دام أنه لا يمكن في ~~المجتمعات الكبرى الحداثية الإجبار على جميع السلوكيات القانونية، أو الحث على ~~الالتزام بها بالتهديد بالعقوبات. يجب أن ينبع السلوك القانوني إلى حد بعيد ~~إراديا استجابة إلى الشرعية الملموسة للقانون. # يصوغ هابرماس فكرة الشرعية هذه في مبدأ الديمقراطية. يقال إن المبدأ الديمقراطي ~~شرط من شروط مبدأ الخطاب. ويحدد مبدأ الخطاب شرطا ضروريا لصحة معايير الفعل، ~~وينطبق على كل من المعايير القانونية والأخلاقية. ينص المبدأ الديمقراطي على ما يلي: # القوانين التي تعتبر شرعية هي تلك التي يتوافق عليها جميع أعضاء المجتمع ~~القانوني في عملية تشريع تداولية مشكلة بدورها قانونيا. ~~«بين الحقائق والمعايير» # وهذا شكل آخر من أشكال فكرة هابرماس الأساسية القائلة إنه إذا أمكن تبرير شيء ما، ~~فلا بد أن يستطيع الجميع الموافقة عليه في خطاب متواصل بشكل سليم. وفقا لهابرماس، ~~ينشأ المبدأ الديمقراطي من «التداخل» بين مبدأ الخطاب والشكل القانوني. وتفاصيل ~~عملية «التداخل» هذه معقدة جدا بما يحول دون الخوض فيها هنا، لكن المحصلة من ~~المفترض أن تتمثل في أن الميثاق القانوني ومبدأ الديمقراطية يخلق كل منهما ~~الآخر. # والأهم أن الشكل القانوني يثري مبدأ الخطاب عن طريق استحداث أوجه اختلاف من حيث ~~النطاق والتبرير. فالمبدأ الديمقراطي ينص على ms102 أن القوانين الشرعية يجب أن تكون ~~قابلة لقبول جميع أفراد المجتمع القانوني، لا لقبول كل من يتأثر بالمعيار، كما في ~~مبدأ الخطاب. ويتألف المجتمع القانوني من أي شخص قادر على إتيان السلوك القانوني، ~~ويحكم أفعاله للقانون موضع النقاش. وبحسب مبدأ الخطاب، فإن القابلية للإجماع ~~علامة على صحة المعيار. وعلامة شرعية أي قانون بحسب المبدأ الديمقراطي أكثر ~~تعقيدا بكثير. يجب أن تكون القوانين الشرعية قادرة على كسب موافقة جميع أعضاء ~~المجتمع القانوني. وهذه الموافقة يجب أن تكون نتاج عملية تشريع مشكلة تشكيلا ~~قانونيا. وبتعبير آخر، لا يكون المعيار شرعيا إلا إذا استطاع جميع أفراد ~~المجتمع القانوني الموافقة عليه، وبإمكانهم الموافقة عليه؛ لأنه صدر عن هيئة صانعة ~~للقرار تعتمد المداولة والخطاب، ومنفتحة على مدخلات المجتمع المدني، وتمتثل لمنظومة ~~الحقوق الموضوعة قانونا. لاحظ أن المبدأ الديمقراطي يوحي بأن القوانين الشرعية يجب ~~أن تحظى بموافقة جميع أعضاء المجتمع القانوني؛ لا أنه يتعين عليهم التماسها ~~عمليا، بل يجب على الجميع فعليا أن يوافقوا على كل قانون. في إنجلترا، سيصدر ~~قريبا قانون يحظر صيد الثعالب، بغض النظر عن وجهات نظر صائدي الثعالب الساخطين. ~~وتمت الموافقة على القانون بطريقة سليمة بمعرفة هيئة صنع قرار معترف بها كانت ~~منفتحة على مدخلات المجتمع المدني، وبحثت احتجاجات صائدي الثعالب. ومن ثم، فهو ~~قانون شرعي. وعند إنفاذ القانون، لن تكون حقيقة أن صائدي الثعالب لا يوافقون عليه ~~ويعارضون الأسباب الداعية لوجوده ذات أهمية. وعلى فرض أنه يمكن، إضافة إلى ذلك، ~~إنفاذه ومراقبته شرطيا بشكل مناسب، فسيكون القانون صحيحا. وتستند نظرية هابرماس ~~للقانون، شأنها شأن نظريته عن الخلقية، بقدر كبير على تمييزه بين ما هو قابل ~~للموافقة في الأساس وما يلتمس هذه الموافقة عمليا. ~~(2-3) الحداثة والقانون والخلقية # رغم أن مكون الشرعية لأي قانون - أي مغزاه - هو مزيج من الاعتبارات الخلقية ~~والأخلاقية والبراجماتية، فإن الخلقية هي المكون الرئيس. يقول هابرماس إن القانون ~~الشرعي «يرتبط بعلاقة ما بالخلقية الراسخة بداخله» (بين الحقائق والمعايير). لكن من ~~الصعب الجزم بماهية هذه العلاقة. بصفة عامة، كلمة ms103 «قانون» في الإنجليزية تستخدم ~~كترجمة لمرادفها الألماني # Recht ~~(كما في كلمة # Rechtswissenschaft # ومعناها فقه القانون)؛ لكن ~~الكلمة نفسها يمكن أيضا أن تعني «عدالة» أو «صوابا». ولكن يفترض أن الفكرة التي ~~تدور بعقل هابرماس هي علاقة مفاهيمية بين القانون والخلقية، لا علاقة اشتقاقية. فهو ~~يزعم على سبيل المثال أن القوانين الشرعية يجب أن تكون «منسجمة» مع المعايير ~~الخلقية والقيم الأخلاقية (بين الحقائق والمعايير). # وعلاوة على أن القوانين الشرعية تتسق والمطالب الأخلاقية، فإنها تتمتع، شأنها شأن ~~المعايير الخلقية، بتوجه داخلي نحو الصالح العام؛ ففكرة أن أي قانون يخدم بوضوح ~~المصلحة العامة هي جزء من الغاية من هذا القانون. مال هابرماس في عمل سابق له إلى ~~افتراض أن القوانين الشرعية مناظرة للمعايير الخلقية، ما دامت المعايير الصحيحة ~~«صالحة للجميع بالقدر نفسه»؛ ومن ثم فهي أيضا تخدم الصالح العام. لكن البرنامج ~~المعدل يعترض سبيل هذه الفرضية. فهو يوحي بأن الصالح العام يمكن أن يعني عدة ~~أشياء مختلفة في سياقات متباينة. الفارق هو أن المعايير الخلقية صالحة للجميع ~~«بالطريقة نفسها» (لأنها تتضمن مصالح قابلة للتعميم)، في حين أن المعايير القانونية ~~على أفضل الفروض صالحة «بطريقة ما» لجميع أفراد المجتمع القانوني. لم يعد المفهوم ~~الجامع للصالح العام للمجتمع القانوني مكافئا بعد لمفهوم الصواب الخلقي. # يبدو أن حجة هابرماس الكلية هي أن القانون الشرعي يتيح مسارا موازيا يمكن من ~~خلاله إدماج الفاعلين اجتماعيا في خلقية ما بعد تقليدية. ويعود هذا في جزء منه ~~إلى أن القانون الشرعي يتسق مع الخلقية، ولأنه أيضا يقدم للفاعلين الفرصة كي ~~يشهدوا المصلحة العامة القانونية ويعملوا على خدمتها. إن الأفعال التي تتسق مع ~~المعايير القانونية، والتي يتم الإتيان بها لأن هذه المعايير تخدم الصالح العام ~~بوضوح، مناظرة للأفعال الخلقية ما بعد التقليدية. علاوة على ذلك، فإن المواطنين ~~الذين يعيشون في الدول الديمقراطية الغربية يمكنهم النظر بشكل مبرر إلى قوانينهم ~~باعتبارها مختارة من قبلهم؛ لأن مؤسسات صنع القرار الخاصة بهم منفتحة على الخطاب ~~ومدخلات المجتمع المدني. وإلى هذا الحد، فإن طاعة القوانين الشرعية ms104 هي توجه مرهون ~~بمبادئ ذاتية الاختيار، مرة أخرى شأنها شأن خلقية ما بعد التقليدية. ومن ثم، ففي ~~المجتمعات الحداثية شديدة التعقيد، التي فقدت آصرة روح الجماعة المشتركة، يدعم ~~القانون نطاق الخلقية الهش، ويتيح قنوات قانونية «يمكن أن ينتشر المحتوى الخلقي في ~~المجتمع» من خلالها بصورة قد تشبه حتى ما يحدث مع أنظمة المال والسلطة (بين الحقائق ~~والمعايير). ~~(3) الاعتراضات على نظرية هابرماس الديمقراطية ~~والقانونية # رغم ثراء وأصالة عمل هابرماس «بين الحقائق والمعايير»، واجه الكتاب بعض الاعتراضات ~~الجادة؛ أولا: يزعم هابرماس أن الدول الديمقراطية يجب أن تسعى إلى تحقيق التوازن ~~السليم بين مدخلات المجتمع المدني ومخرجات هيئات صنع القرار الرسمية، لكنه لا يصرح ~~بماهية هذا التوازن السليم. هل ينبغي للمدخلات القادمة مباشرة من أدنى أن تحدد العملية ~~التشريعية؟ هل من الأفضل أن يدلي أعضاء البرلمان بأصواتهم على أساس التفضيلات الفعلية ~~لناخبيهم، أم أن يعتمدوا على حكمهم الشخصي في البرلمان؟ على أية حال، يقر هابرماس بأن ~~المجتمع المدني فوضوي وتلقائي وغير مقيد وغير مستقر أصلا. الكثير من المدخلات من ~~أدنى يمكن أن تقحم عناصر الفوضوية والتلقائية وعدم الاستقرار في النظام الديمقراطي، وهي ~~المشكلة نفسها التي شابت الأشكال القديمة من الديمقراطية المباشرة. # ثانيا: لا يوضح هابرماس إلى أي حد يوصي بمثال نموذجي معياري للديمقراطية التشاورية ~~أو التداولية، وإلى أي حد يقدم لنا نظرية تجريبية. فهو يقول بطبيعة الحال إن نظريته ~~مثال نموذجي معياري ووصف للديمقراطية. وهذا أمر مفهوم ما دام مصطلح «الديمقراطية» على ~~أية حال له محتوى معياري ووصفي يكاد يستحيل الفصل بينهما. ولكن، بينما نرى هابرماس ~~حريصا على الترويج للإثباتات التجريبية لنظريته (على سبيل المثال، بين الحقائق ~~والمعايير)، فإنه يبدو أقل عناية بأن يعادل بين نظريته والبيانات التجريبية ذات ~~الصلة من أن يجعلها متوافقة مع برامجه النظرية الأخرى السابقة. # وثالثا: بالنظر إلى ولع هابرماس بعلم العمارة في الفلسفة، فمن الغريب أن نظريته ~~الاجتماعية تمثل مشكلة للنظرية السياسية. يحدد عمله «بين الحقائق والمعايير» بعدين ~~للسلطة السياسية: السلطة التواصلية والسلطة الإدارية. وتكمن السلطة التواصلية في ms105 ~~المجتمع المدني، وفي منتديات التشاور والخطاب المدمجة في هيئات صنع القرار. أما السلطة ~~الإدارية فتكمن في بيروقراطية الدولة والحكومة. تقوم أطروحة هابرماس الأساسية على أن ~~المؤسسات السياسية (الديمقراطية) السليمة تترجم بنجاح، وحري بها ذلك، السلطة ~~التواصلية إلى سلطة إدارية. ولكن، بحسب النظرية الاجتماعية لهابرماس، إدارة الدولة جزء ~~من النظام الذي توجهه معايير الكفاءة الأداتية، في حين أن المجتمع المدني جزء من العالم ~~المعيش. إن الساحات المؤسسية للخطاب والتشاور امتدادات سياسية للعالم المعيش. والآن، ~~إذا كان التمايز بين العقلانية التواصلية والأداتية، والعالم المعيش، والنظام محددا ~~تحديدا واضحا ، كما تزعم النظرية الاجتماعية لهابرماس، وإذا كان تكامل العالم المعيش ~~ينهار بفعل تدخل النظام، فكيف يمكن الحصول على الترجمة المنشودة للسلطة التواصلية إلى ~~سلطة إدارية؟ لم لا يطمس الأثر التحضري للخطاب الأخلاقي والخطاب الخلقي بفعل ~~آليات العمل الجامدة للإدارة؟ ~~(4) الديمقراطية والنظرية الاجتماعية النقدية # علاوة على الرد على السؤال التوجيهي لمشروع هابرماس الاجتماعي، يمكن النظر إلى نظريته ~~الديمقراطية والقانونية لهابرماس باعتبارها امتدادا لمشروع النظرية الاجتماعية ~~النقدية. وهي امتداد للنظرية الاجتماعية النقدية؛ إذ تشخص في المقام الأول نقاط القوة ~~والضعف للدول الديمقراطية الغربية والأخطار التي تواجهها تلك الدول. وهناك خطران ~~أساسيان؛ الأول: إذا لم تتمكن حقوق الإنسان المكفولة قانونا من حماية المجتمع المدني ~~من التآكل بفعل الأسواق والأجهزة الإدارية، فإن مصادر التواصل والخطاب التي تعول ~~عليها المؤسسات السياسية ستجف وتنضب. وإذا حدث ذلك، فستكون القرارات السياسية أكثر عرضة ~~إلى التشويه الأيديولوجي والتحيز لجماعات المصالح القوية. وعندما تحرم فئات بعينها من ~~الإدلاء بدلوها في العملية التشريعية، فمن الأرجح أن تبدو القوانين التي تعيش تلك ~~الفئات تحت مظلتها غير مراعية لهم أو عدائية تجاههم، وستتفاقم مشاعر التهميش والتغريب ~~والتشاؤم لديهم، وربما يشرعون تدريجيا في أن يمثلوا خطرا على النظام ~~الاجتماعي. # ثانيا: الأسلوب الحالي الذي تتبناه الحكومة في بريطانيا والولايات المتحدة يقضي ~~بتفويض صنع القرار إلى النخبة البيروقراطية «المطلعة» من قبل الخبراء وجماعات ~~المصالح. جرى العرف على أن يوافق البرلمان ومجلس الوزراء روتينيا على السياسات، لا أن ~~يكونا ساحتين ms106 لمناقشة تلك السياسات ودراستها. وفي نهاية المطاف، اعتاد المسئولون ذوو ~~الخبرة الإعلامية أو المتحدثون الإعلاميون على استمالة الجمهور إلى هذه السياسات. ~~وصناعة القبول الشعبي هي الخطوة الأخيرة في سلسلة القرارات التي لا توصف إلا ~~بالبيروقراطية. والاتجاه هنا ليس تعزيز مؤسسات صنع القرار المنفتحة والشفافة، بل تجاهل ~~واستبعاد إجراءات التواصل والخطاب من العملية السياسية بالكامل لأجل الملاءمة أو ~~«الوضوح» الأخلاقي أو غير ذلك من المنافع المفترضة. إن القرار الأخير الذي اتخذته ~~الحكومة البريطانية لدعم التدخل العسكري الأمريكي في العراق بإرسالها قوات للعراق؛ ~~حالة تستدعي الدراسة. ففي بريطانيا ، كانت هناك احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق لا مثيل ~~لها على سياسة الحكومة البريطانية. وبدا أن التصويت البرلماني كان مجرد «تحصيل حاصل» ~~للقرار الذي اتخذه طوني بلير ومستشاروه. الخطر الثاني يكمن في أن الأثر التحضري ~~للمجتمع المدني على الهيئات القانونية وهيئات صنع القرار ينحسر، وأن دور المواطنين ~~يختزل بالكامل فيصبحون مستهلكين سلبيين. # رغم هذا التقييم السديد للأخطار التي تواجهها الديمقراطيات الليبرالية الغربية، يتمسك ~~هابرماس ببصيص أمل ممثل في قدرة المؤسسات الديمقراطية على التكيف مع المشكلات التي ~~تواجه المجتمعات الحداثية. رغم كل التوترات الكامنة بداخل الديمقراطيات الليبرالية، فهي ~~لا تزال تحتفظ بصلة وطيدة مع المثال النموذجي للحرية باعتباره تقريرا للمصير. يقول ~~هابرماس إن السياسة هي التعبير عن الحرية الإنسانية التي لا تفهم كحقيقة مثبتة بالفعل، ~~بل كمهمة متواصلة يفرضها الإقرار بأن «لا أحد حر حتى نحصل جميعا على حريتنا» (الدين ~~والعقلانية: مقالات حول العقل والرب والحداثة). # الفصل التاسع # | ألمانيا وأوروبا ومواطنة ما بعد القومية # أوضحت الفصول السابقة شيئا عن عمق التزام هابرماس وإيمانه بآثار الإدماج الاجتماعي ~~المفيدة للخلقية والديمقراطية وحقوق الإنسان الفردية. وتنبع كراهية هابرماس الأبدية للقومية ~~بكل أشكالها من تقدير حصيف ودقيق للظروف الاجتماعية المسبقة للأخطاء البشرية المتجذرة في ~~تجاربه الشخصية. على ما تقدم، وكما سيذكرنا، يجب ألا نخلط بين أصول المعتقدات ~~والقناعات وصحتها. ~~(1) الأمة والقومية ~~(1-1) فكرة الدولة القومية # لفهم تحفظات هابرماس تجاه القومية، يجب أن ندرس في عجالة مفهومه عن الأمة. يروي ~~هابرماس ms107 رواية تتغير فيها الأمة الأوروبية كردة فعل لمجموعة كبيرة من المشكلات ~~الاجتماعية التي نشأت في نهاية القرن الثامن عشر. إن الأشكال الحديثة الأولى ~~للمجتمع تعلقت بالموقع وتشكلت بنيتها بفعل التقاليد الريفية والبناء الهرمي ~~الإقطاعي الطبيعي ظاهريا، وتقيدت بعرفها الديني المشترك المؤلف من مجموعة ~~متجانسة من القيم الثقافية. وبالتزامن مع مطلع الحداثة، من نهاية القرن الثامن عشر ~~فصاعدا، حرمت مجموعة متنوعة من العوامل - التحديث والحراك السكاني وتداول البضائع ~~وتراجع تأثير الدين - المجتمع من نقاط الارتكاز هذه. وفي الوقت نفسه، بينما كانت ~~أسس المجتمع الحديث الأول تتداعى، كان هناك مجتمع ضخم من الغرباء حضري إلى حد بعيد ~~بصدد التشكل. # وفقا لهابرماس، نشأت الأمة كأساس جديد أكثر تجريدا ونجاحا للاندماج الاجتماعي. ~~وصيغت فكرة الأمة من التقاليد المبتكرة والتاريخ الخيالي لمجتمع وحيد له سلالة ~~ولغة وثقافة مشتركة. وما إن علقت الفكرة بالخيال العام، حتى أثبت الوعي القومي ~~براعته في خلق أواصر فعالة من التضامن بين المواطنين الذين كانوا أيضا غرباء ~~بعضهم عن بعض. في الوقت نفسه، أتاحت النشأة التدريجية للمشاركة الديمقراطية في ~~هياكل صنع القرار مجموعة من العلاقات القانونية القائمة على التماسك بين المواطنين. ~~وبدأت فكرتا الأمة والوعي القومي في العمل معا إلى جانب البنى السياسية للدولة كي ~~تغرس في مواطنيها حس الانتماء إلى مجتمع سياسي وحيد، وحس هويتهم الثقافية والسياسية ~~الجمعية. # وبينما يقر هابرماس بالإنجازات الاجتماعية للدولة القومية، فهو على دراية بأن ~~الفكرة تنطوي على خطورة أيضا. إن فكرة الأمة العرقية إقصائية في الأصل. فالمنتمون ~~مميزون دوما باللغة أو الأصل عن غير المنتمين. وبمجرد أن تصبح الفكرة راسخة في ~~المزاج العام، يكون من الممكن أن تفضي إلى خلق أقليات داخلية واضطهادها. ثانيا: ~~علاقات الأمة هي علاقات تماهي «عاطفي» أو «انفعالي» مع المجتمع «مستقلة وسابقة على ~~الرأي السياسي للمواطنين وتكون إرادتهم» («تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية). ~~وهذه علاقات ما قبل تداولية، وليست خاضعة لسوق الحجة المنطقية. ومع ذلك، فإن النخبة ~~السياسية تتلاعب بها بسهولة. على سبيل المثال، يمكن للزيادة المهولة في المشاعر ~~الوطنية التي تصاحب ms108 الحملات العسكرية الخارجية أن تضع حدا للقلاقل السياسية ~~الداخلية، وهو أثر معروف تستغله الحكومات مرارا وتكرارا حتى يومنا هذا. # ورغم أن هذه الأخطار موجودة في ~~جوهر فكرة «مجتمع الشعب» أو # Volksgemeinschaft ~~، ~~فإنها ليست متأصلة في نموذج المجتمع الشرعي المؤلف من المواطنين الأحرار السواسية ~~أو # Rechtsgemeinschaft ~~«المجتمع القانوني». إن كون ~~المرء مواطنا أو فردا من أفراد مجتمع قانوني ما أشبه بكون المرء طالبا بإحدى ~~الجامعات. إنه مجرد مكان يستطيع أي شخص أن يشغله. والعضوية فيه مفتوحة في الأساس، ~~والمعايير التي ينبغي أن تحدد العضوية مسألة سياسية بحتة. لكن عضوية شعب الأمة ~~حقيقة وراثية ما قبل سياسية؛ ولذا، بحسب هابرماس، فإن مفهوم الدولة القومية ينطوي ~~على صراع بين نصفيه، «بين عالمية المجتمع القانوني القائل بالمساواة وخصوصية ~~مجتمع يوحده المصير التاريخي» («تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية). إن التحدي الذي ~~تواجهه الدولة القومية يتمثل في ارتقائها لنصفها الأفضل. ~~(1-2) القومية # تتجلى القومية عادة عندما تقع ~~الأمة تحت خطر فعلي. يرى هابرماس أنه في بداية الألفية الثالثة تعرضت الدولة ~~القومية إلى تهديد من الخارج يتمثل في العولمة والضغوط الاقتصادية العالمية، ومن ~~الداخل بفعل التعددية الثقافية. # بصفة عامة، أفضت العولمة إلى موقف تكمن فيه أسباب المشكلات الاجتماعية والسياسية ~~الملحة - على سبيل المثال، الهجرة الاقتصادية، والفقر، والبطالة المتفشية، وخطر ~~الكوارث البيئية - فيما هو أبعد من متناول السياسات القومية. ومن ثم، فإن حلول تلك ~~المشكلات ليست في المتناول أيضا. تتطلب المشكلات السياسية العالمية حلولا سياسية ~~عبر قومية. وتتفاقم المشكلات لأن قدرات الدول الفردية على التصرف تراجعت ~~وانحسرت. # وفي الوقت نفسه، تجد الأمم نفسها مهددة من الداخل بفعل نشأة التعددية الثقافية. ~~فقد ساعدت الهجرة والحراك المتزايد للناس على تبديد الأسطورة القومية للمجتمع ~~الواحد المتجانس ثقافيا. تكافح الجماعات والأقليات المهمشة لتحقيق الاعتراف ~~المتساوي، وتتحدى فرضيات ثقافة الأغلبية وقناعاتها. # في هذا السياق، تمثل القومية ردة فعل قوية، مع أنها شديدة الخطورة. فهي تهدف إلى ~~تجديد التماسك الاجتماعي، وبث إحساس بالانتماء عن طريق إحياء الوعي القومي. إن ~~النزعة القومية، في رأي هابرماس، ليست ms109 وسيلة للسيطرة على الموارد الملازمة لعملية ~~التحديث - الخطاب الأخلاقي والقانون ~~الشرعي - بل هي محاولة يائسة لعكس العملية. وهي أيضا رجعية، بحسب تقدير هابرماس. ~~لنتذكر أنه، بحسب كولبرج، ينمو الأطفال الطبيعيون مرورا بست مراحل؛ فهم لا ينتكسون ~~رجوعا في تلك المراحل. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كان باستطاعتهم «عدم تعلم» ما ~~تعلموه. فكر كيف سيكون من غير المعتاد وغير الطبيعي لشخص تعلم بالفعل السباحة أو ~~تحدث إحدى اللغات «ألا يتعلم» هاتين المهارتين. وبالمثل، فإن الأشكال المعاصرة ~~للقومية تشير إلى انتكاس من الأشكال ما بعد التقليدية إلى الأشكال التقليدية من ~~الارتباط. فالقومية نوع من الانحراف الاجتماعي عن المألوف. # يجب أن يكون المرء حذرا هنا. فالمجتمعات لا «تتعلم» إلا بقدر يكاد يكون غير ~~محسوس؛ ولذا، فالقومية لا تكون «انتكاسية» أو «شاذة» إلا بالقدر ذاته الذي لا يكاد ~~يكون محسوسا. لا يقترح هابرماس أن الرغبة في الانتماء إلى جماعة ثقافية في حد ~~ذاتها انتكاسية. على العكس من ذلك، فهو يقر بأنه في ظل ظروف التعددية، يجب على ~~المواطنين أن يضعوا أنفسهم داخل سياق التقاليد، ويتحدوا بثقافتهم، ولكن تحت مظلة ~~التفكير النقدي الملائم. إن الجوانب الانتكاسية للقومية هي محاولات ~~فاشلة: ~~(1) # لاستبدال الأشكال الحداثية من الاندماج الاجتماعي - التواصل والخطاب ~~والقانون الشرعي - بصلات القرابة العاطفية. ~~(2) # للبحث عن معيار ما قبل سياسي وطبيعي لعضوية المجتمع السياسي. ~~(3) # لتخليص العملية السياسية من أثر الخطاب والتواصل. # قد يبدو العداء الذي يكنه هابرماس للقومية مبالغا فيه. ولكن، لنضع في ~~الاعتبار أنه على دراية كاملة، لا من واقع تجربته طفلا بل ومن واقع أحداث سياسية ~~أحدث في يوغوسلافيا السابقة وغيرها من الدول، بالأخطار التي تمثلها القومية. نار ~~القومية أسهل في إضرامها من إخمادها. وبمجرد أن تضرم ثانية، فمن الممكن أن تفضي إلى ~~اضطهاد الأقليات الداخلية والتمييز العرقي، وفي نهاية المطاف تؤدي إلى تطهير عرقي ~~وإبادة جماعية. ~~(2) الوطنية الدستورية # يقول هابرماس إن الشكل الوحيد الملائم في ظل الظروف الحداثية لتماهي المرء مع تقاليده ~~هو الوطنية الدستورية. استخدم هابرماس هذا المصطلح لأول مرة ms110 خلال سجال عام حامي الوطيس ~~في منتصف الثمانينيات فيما عرف لاحقا باسم «سجال المؤرخين». بالمغالاة في التبسيط، ~~أنتج مؤرخون بعينهم يرتبطون بصلات بحكومة هيلموت كول قراءات جديدة للتاريخ الألماني ~~الحديث، أعطت بعدا نسبيا لجرائم الحقبة النازية، وقللت من شأن «الحل النهائي»، وشددت ~~بقدر أكبر على بطولة الجنود الألمان الذين صمدوا على الجبهة الشرقية للسماح للمواطنين ~~الألمان بالفرار من الجيش الأحمر. # وفقا لهابرماس، لم يكن النزاع حول الأطروحة التاريخية، بل حول إساءة استخدام التاريخ ~~الأكاديمي لتلبية غايات سياسية. لم تكن هذه الروايات التاريخية المنقحة استراتيجيا ~~تطرح ادعاءات بصحة حقيقتها وحسب، بل كانت أيضا جزءا من محاولة واعية ومنظمة ~~سياسيا ل «تطبيع» التاريخ الألماني، ~~والتخلص من «الماضي الذي ما برح يلازمنا». ومن بين الغايات المتوسطة الأجل لهذه الحملة ~~الرغبة في المساعدة في خلق هوية قومية ألمانية؛ ومن ثم تعزيز شعبية هيلموت كول ~~داخليا. ولعل الغاية النهائية المتصورة كانت تمهيد الدرب السياسي لألمانيا الغربية كي ~~تكف عن دفع تعويضات مالية إلى إسرائيل، وتشرع في لعب دور جيوسياسي من شأنه أن يعكس ~~قوتها الاقتصادية. وحتى الآن، المفترض أن السبيل إلى «التطبيع» تعرقله عقبة كئود: معسكر ~~اعتقال أوشفيتس. لقد وصمت الكارثة الأخلاقية التي وقعت بين عامي 1933-1945 الوعي ~~القومي الألماني إلى الأبد. # استنادا إلى هذه الخلفية، يقول هابرماس إن خطة صناعة ماض تستطيع أن تفتخر به ~~ألمانيا رجعية ولا طائل منها. والشكل الوحيد للوطنية الملائم سياسيا وأخلاقيا هو ~~الذي يرتكز على المبادئ العالمية للدولة الدستورية: # بالنسبة لنا في الجمهورية الفدرالية، تعني الوطنية الدستورية، من بين معان ~~أخرى، الفخر بحقيقة نجاحنا في القضاء على الفاشية إلى الأبد، وإقامة نظام ~~سياسي عادل، وإرساء ذلك النظام في ثقافة سياسية ليبرالية إلى حد بعيد. ~~«ثورة اللحاق بالركب» # من المهم أن نتذكر أن القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية فرضته عليها قوة ~~محتلة أجنبية. ولم يكن تعبيرا عن تقليد السياسة الديمقراطية الألماني الأصيل. عندما ~~وضع القانون الأساسي، كان دستورا ديمقراطيا مؤقتا يبحث عن مواطنين ديمقراطيين. ~~ولكن، بحلول منتصف الثمانينيات، أمست ألمانيا ms111 الغربية واحدة من أكثر الديمقراطيات ~~الأوروبية ازدهارا. وكان هذا، بحسب ظن هابرماس، إنجازا يستحق الفخر. وبقدر وافر من ~~الحظ التاريخي والكثير من العمل الدءوب وانتهاج سياسة إعادة تعليم ناجحة، نمت لدى ~~مواطني الجمهورية الفدرالية ثقافة سياسية وهوية سياسية استنادا إلى التزام تجاه ~~الإجراءات والمبادئ الديمقراطية: # تتبلور الثقافة السياسية لدولة ما حول دستورها. وتطور كل ثقافة قومية ~~تفسيرا مميزا لتلك المبادئ الدستورية ... كسيادة الشعب وحقوق الإنسان في ضوء ~~تاريخها القومي الخاص. و«الوطنية الدستورية» القائمة على هذه التفسيرات يمكن أن ~~تستحوذ على المكانة التي كانت تحتلها أصلا النزعة القومية. ~~««تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية» # في هذا التصور، نجد أن الهوية السياسية الألمانية تنطوي على مفارقة. فلأن ماضيهم ~~القاسي كان يأبى إلا أن يكون حاضرا، اضطر الألمان الغربيون إلى اختلاق هوية سياسية ~~تدور حول فلك «المحتوى العمومي للدولة الدستورية الديمقراطية»، والنأي عن أشكال أكثر ~~سذاجة تاريخيا وأقل تأملا نقديا من الوطنية. وبإخلاصهم لتقاليدهم الألمانية الخاصة ~~(وإن كانت شديدة التناقض)، اضطروا إلى التماهي بقدر أقل لا بقدر أكبر معها. # عندما شرع هابرماس في بداية الأمر في الدفاع عن فكرة الوطنية الدستورية في ~~الثمانينيات، لم يكن قد بلور بالكامل أفكاره عن الحيثية السياسية للخطاب الأخلاقي. ~~ومال إلى ضم المبادئ الديمقراطية مع المبادئ الأخلاقية. وكما أن الذات الأخلاقية ما ~~بعد التقليدية ملتزمة، لا نحو القيم الجوهرية للمجتمع، بل تجاه الإجراء الذي يتم به ~~ترسيخ المعايير الصحيحة، كذلك فإن الوطني الدستوري يتماهى مع الإجراءات الديمقراطية لا ~~مع نتائج محددة بعينها. وكلاهما تنمو لديه هوية لامركزية ومجردة إلى الحد الذي تنطوي ~~فيه الخلقية والديمقراطية على الإقرار بالجدارة المساوية للآخرين. علاوة على ذلك، يقول ~~هابرماس إن المواطنين يتماهون مباشرة مع المبادئ الديمقراطية والأخلاقية ~~العالمية. # في عمله اللاحق، غير هابرماس رأيه. فنراه يقول إنه لكي يضرب الدستور الديمقراطي ~~بجذوره، يجب أن تدعمه ثقافة سياسية تلبي مجموعة مختلفة من الشروط؛ أولا: يجب أن يتسق ~~والخلقية ما بعد التقليدية. وثانيا: يجب أن يكون له صدى لدى الفهم الأخلاقي لجميع ~~المجموعات الثقافية في المجتمع ms112 السياسي. لا يمكن أن ترى الثقافة السياسية باعتبارها ~~تعبيرا عن القيم الجوهرية والخاصة لثقافة الأغلبية. وأخيرا: فإن الثقافة السياسية ~~بحاجة لأن تدعمها الحقوق الاجتماعية وحقوق الرفاهة لكي يستشعر المواطنون «القيمة ~~المنصفة لحقوقهم»؛ أي أن يشعروا بفائدة مشاركتهم في الثقافة السياسية العامة. ~~(3) توحيد ألمانيا # مثل التاسع من نوفمبر عام 1989 نقطة تحول في حياة الألمان جميعا؛ ففي ذلك ~~اليوم سقط جدار برلين، وانهارت جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وحينئذ أعلن هابرماس عن ~~بعض الملاحظات النقدية الهامة حول الطريقة التي تم بها تنفيذ الوحدة وتوقيتها والأساس ~~المنطقي السياسي وراء طريقة وتوقيت التنفيذ. # توجهت انتقاداته في أول الأمر إلى المسألة الإجرائية المتعلقة بما إذا كان ينبغي ~~إنجاز الوحدة على أساس المادة 23 من القانون الأساسي أم المادة 146. تنص المادة 146 على ~~أن القانون الأساسي دستور مؤقت وليس نهائيا. وجاء في نصها أن: «يتوقف العمل بالقانون ~~الأساسي يوم سريان دستور جديد يضعه الشعب الألماني بقرار حر.» وبموجب المادة 23 يسري ~~القانون الأساسي على مناطق أخرى من ألمانيا. فهي تنص على آلية لمنح الولايات الجديدة حق ~~الانضمام إلى الاتحاد الفدرالي. ولقد وضعت هذه المادة أساسا لولاية سارلاند على الحدود ~~مع فرنسا. # شكل 9-1: ألمان شرقيون يجلسون منفرجي السيقان على جانبي جدار ~~برلين. # وفضل كول ومستشاروه إسناد التوحيد إلى المادة 23 بما أنها لم تقتض أي تعديل في ~~القانون الأساسي لألمانيا الغربية. سارع هابرماس بمعارضة ذلك. ففي رأيه الوحدة على أساس ~~المادة 23 ما هي إلا مناورة إدارية محضة يمكن بواسطتها ضم ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا ~~الغربية فعليا. والأدهى أن هذه الاستراتيجية اختيرت بحيث يمكن إدارة العملية بأسرها ~~بما يخدم مصالح السياسة الداخلية والخارجية للديمقراطيين المسيحيين التابعين للمستشار ~~كول. كان استخدام المادة 23 يعني أن العملية يمكن أن تستكمل بسرعة نسبيا لتعزيز ~~الشعبية الداخلية لكول قبل الانتخابات القادمة. # ونتيجة لذلك، حرم الألمان الشرقيون والغربيون من فرصة إقامة خطاب أخلاقي- سياسي حول ~~أنواع البنى السياسية التي يفضلون العيش تحت مظلتها. وكان هابرماس واحدا من بين كثيرين ~~من المفكرين آنذاك ممن ms113 أيدوا معدل إصلاح أبطأ وعملية أكثر شمولا. كان يجب أن يكون ~~التوحيد «فعلا عاما استنادا لقرار ديمقراطي يتخذ بروية وتفكر في الألمانيتين ~~الشرقية والغربية» (الهوية الألمانية مجددا). كان يمكن للألمان الشرقيين المشاركة في ~~العملية، بدلا من أن يتولى عنهم البيروقراطيون في الغرب كل شيء، وكان يمكن للألمان ~~الغربيين التصويت على دستورهم الخاص. اعترض هابرماس على «العيب المعياري» في التوحيد؛ ~~لأن الاتحاد افتقر إلى التبرير السياسي والأخلاقي والخلقي الكافي؛ أي المدخلات من أدنى ~~التي يراها شرطا ضروريا للشرعية الديمقراطية. # وفي سياق مماثل، اعترض هابرماس على «التصفية» الإدارية لجميع المؤسسات القديمة التي ~~تؤوي بقايا المجتمع المدني الألماني ~~الشرقي - كالجامعات والكليات والمتاحف ~~والمسارح وما إلى ذلك. وحذر من أن المجتمع المدني، ويريد به شبكات التواصل والخطاب ~~العام غير الرسمية، مورد سياسي هش وثمين، تدميره أسهل بكثير من إعادة بنائه. زعم ~~هابرماس أن الوحدة ليست حقيقة إدارية واقتصادية فحسب، لكنها أيضا مهمة سياسية؛ ومن ثم ~~فلا بد من السماح بنشأة ثقافة سياسية يمكن أن تجد صدى لدى فهم الألمان الشرقيين ~~لذواتهم. # وأخيرا، اعتقد هابرماس أن الحكومة الديمقراطية المسيحية القائمة آنذاك قد تجنح إلى ~~تشريع سياساتها بتأجيج المشاعر القومية الداعية للوحدة الألمانية. في بداية الأمر، ~~رضوا بالاحتكام إلى القومية الاقتصادية. فمن ناحية، ذكروا مواطني الجمهورية ~~الفدرالية بحجم الإنجازات التي حققوها حتى ذلك الحين، وقطعوا على أنفسهم عهدا لا سبيل ~~إلى الوفاء به؛ ألا وهو أنه لن يتعين عليهم (الألمان الغربيين) أن يتكفلوا بثمن الوحدة ~~بدفع ضرائب أعلى. ومن ناحية أخرى، فقد قدموا للألمان الشرقيين رؤية لازدهار اقتصادي ~~شبيه. كان فكر هابرماس، الملخص في عمله «الهوية الألمانية مجددا»، يفيد بأنه عندما ~~اتضح له في نهاية المطاف أن إعادة البناء الاقتصادي لألمانيا الشرقية سيكون بطيئا ~~وشاقا ومكلفا، ولن يحظى بالتمويل الكامل من النمو الاقتصادي، سيشعر المواطنون ~~الألمان الشرقيون والغربيون على حد سواء بالخيانة. السبيل السهل للخروج من هذا المأزق ~~هو تأجيج مشاعر القومية الألمانية بما يلازمها من أخطار. ولقد سلط اندلاع أعمال العنف ~~الطائفي ضد العاملين الزائرين ms114 الأجانب في روستوك وهويرزفيردا بألمانيا الشرقية إثر ~~النشوة الأولى بالوحدة، سلط الضوء على هذه الأخطار بجلاء ووضوح. # حذر هابرماس المحافظين من تعريض الثقافة السياسية الهشة التي تحققت بشق الأنفس ~~لألمانيا الغربية للخطر؛ تلك الثقافة السياسية المتمثلة في هوية جمعية لا قومية، واعية ~~للذات، ما بعد قومية؛ ووطنية دستورية. وبدلا من الاحتكام المحض إلى الوطنية ~~الاقتصادية، دعا هابرماس إلى عملية «إعادة توحيد تعطي أولوية لحق المواطنين الحر في ~~تحديد مستقبلهم بالتصويت المباشر في إطار فضاء عام لا يزاحمهم فيه أحد ...» (الهوية ~~الألمانية مجددا). ستكفل عملية أبطأ، حسب المادة 146، وقتا ومجالا للخطابات ~~الأخلاقية والخلقية والسياسية الضرورية التي يمكنها أن تسمح بنمو علاقات التضامن ~~المشترك بين مواطني ألمانيا الشرقية والغربية. وسيشجع ذلك بدوره المواطنين الألمان على ~~تقييم المسألة من منظور أكثر اتساعا من منظور مصلحتهم الشخصية الفردية. ~~(4) الاندماج الأوروبي # تتسق وجهات نظر هابرماس بشأن مسألة الاندماج الأوروبي وملاحظاته حول تقادم فكرة الأمة ~~وعدائه السياسي والأخلاقي للقومية. وهو يورد عدة مجموعات مختلفة من الاعتبارات المؤيدة ~~للاتحاد الاقتصادي والسياسي للدول الأوروبية. ~~(4-1) ألمانيا والمسألة الأوروبية # أولا؛ هناك مجموعة من الأسباب التاريخية والأخلاقية بصفة عامة تندرج تحت فكرة ~~هابرماس عن «التعلم من الكارثة». ليس علينا سوى الرجوع إلى تاريخ القرن العشرين ~~الحديث، ورؤية الكوارث التي أفضت إليها الحربان العالميتان إن أردنا أن نقيم ~~أخطار وجود دول قومية ذات سيادة مستقلة في أوروبا في حالة تنافس اقتصادي وسياسي ~~بعضها مع بعض. يقول هابرماس إن الأوروبيين «يجب أن يتخلوا عن العقليات التي تتغذى ~~عليها الآليات القومية والإقصائية» («تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية). سيكفل ~~الاتحاد السياسي إطارا يمكن فيه تحقيق الاندماج الاجتماعي ما بعد القومي على أساس ~~«الشبكة التواصلية من فضاء عام سياسي شامل لأوروبا مدمج في ثقافة سياسية ~~مشتركة.» # أقترح أنه حتى هذا المشروع يمكن ~~أن يفهم باعتباره وسيلة سياسية واقعية جدا للرد على الأمر القطعي الجديد ~~لأدورنو؛ الحيلولة دون تكرار حادثة أوشفيتس أو ما شابهها من حوادث. وبالنظر إلى ~~الخصائص الدقيقة لماضي الاندماج الأوروبي الحديث، فإنه تتجلى أهميته ms115 أكثر فأكثر ~~بالنسبة لألمانيا. وجهر هابرماس بمعارضته لما اعتبره اقتراحات قميئة وخطيرة في بعض ~~دوائر المحافظين مفادها أن على ألمانيا أن توقف اندماجها في الاتحاد الأوروبي ~~للحفاظ على المارك الألماني، ولإقامة صلات سياسية واقتصادية مع دول أوروبا الوسطى ~~التي تحررت الآن من الشيوعية السوفييتية. # وتعنى مجموعة أخرى من الحجج المؤيدة للاندماج الأوروبي بآثار تبني اقتصاد ~~عولمي على الدولة القومية وحدها. بصفة عامة، تدرك حكومات الدول الصناعية المتقدمة ~~والمتطورة فنيا أن النمو الاقتصادي يأتي على حساب الجانبين الاجتماعي والسياسي ~~بقدر معين؛ ومن أمثلة ذلك الزيادات في نسب البطالة والفقر وتفاوتات الدخل. إذا ~~تركت هذه الآثار دون احتواء، فستكون أسبابا محتملة للتفسخ الاجتماعي وزعزعة ~~الاستقرار السياسي الداخلي. لكن الدول الغنية استطاعت - إلى حد ما - احتواء هذه ~~الآثار السلبية بواسطة برامج الرفاهة وتنظيم سوق العمل وسياسات إعادة توزيع الثروات ~~وغيرها من التدابير. # لقد بدلت عولمة الأسواق الاقتصادية والمالية التوازن الدقيق بين النمو ~~الاقتصادي والرفاهة الاجتماعية. وكان للعولمة أثر؛ إذ قيدت حكومات الدول القومية ~~فرادى. فالشركات الكبرى يمكنها بسهولة التهرب من قوانين العمل بتغيير مقرها إلى ~~بلدان تفتقر أسواقها للقوانين وذات عمالة رخيصة. إن خطر «هروب رءوس الأموال» هذا ~~يجبر الحكومات، أيا كانت طبيعتها، على خفض الضرائب (ولا سيما ضرائب الأعمال ~~والشركات). أصبح رفع الإيرادات مشكلة تواجهها الحكومات. فثمة حد لمقدار الأموال ~~التي يمكن جنيها عبر وفورات زيادة الكفاءة. خلاصة القول، أصبح من الصعب على ~~حكومات الدول الوحيدة تمويل وتنفيذ سياسات من شأنها احتواء الآثار الجانبية ~~الاجتماعية والسياسية المكروهة للنمو الاقتصادي الرأسمالي. # في رأي هابرماس، هناك ردان محتملان لهذه المشكلات. إن البديل الليبرالي الجديد ~~يقضي بالتكيف مع الضغوط الاقتصادية العالمية على النحو التالي: خفض التكاليف، ~~والحفاظ على «مرونة» أسواق العمل (أي عدم تقيدها بالقوانين)، وتحميل الأفراد عبء ~~تأمين أنفسهم ضد احتمالات البطالة، وتدهور الحالة الصحية، وما إلى ذلك من أخطار. ~~الدرس المرير المستفاد أن الفائزين اقتصاديا من المنافسة على رفع القيود ~~التنظيمية هم الخاسرون على المستويين الاجتماعي والسياسي. # والبديل الآخر هو أنه يجب عولمة ms116 السياسة أيضا كي تكبح جماح الاقتصاد. وتحديدا، ~~يعني ذلك إنشاء مؤسسات سياسية فوق وطنية تتمتع بسلطة ونفوذ وسبل تنفيذ قراراتها. ~~لأول وهلة، قد يبدو هذا البديل مثاليا بشكل مغالى فيه. يرد هابرماس على ذلك ~~قائلا إنه بمجرد أن يتقبل المرء التقادم الوشيك للدولة القومية ككيان سياسي، لا ~~يجد أمامه سوى بديل سانح واحد، وسيكتشف أن التوسع السياساتي إلى ما وراء الدولة ~~القومية جار بالفعل. إن الاتحاد الأوروبي مثال طموح نسبيا لما يمكن ~~إنجازه. # بالطبع الاتحاد الأوروبي سيوفر ثقلا مقابلا فاعلا للضغوط الاقتصادية العالمية ~~إذا تمكن من إيجاد نظائر عملية على المستوى ما فوق القومي لاحتواء وظائف دولة ~~الرفاه . لقد استطاعت سياسات الاتحاد الأوروبي، عبر تقديم الدعم وغير ذلك من ~~سياسات إعادة التوزيع المتواضعة، الحد من بعض الآثار الضارة للمنافسة الإقليمية ~~بين الدول الأعضاء فيه. علاوة على ذلك، قد أصدرت محكمة العدل الأوروبية مئات ~~القرارات المتعلقة مباشرة بمسائل العدالة الاجتماعية (مما أثار حفيظة نقادها من ~~الليبراليين الجدد والمحافظين في بريطانيا) تؤثر تأثيرا قويا على السوق الداخلية ~~المشتركة. ولا يقلل هابرماس من شأن الصعوبات التي تعترض مشروع الاندماج الاقتصادي ~~والسياسي الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي ما زال بحاجة إلى التعامل مع الغايات ~~المتضاربة المتمثلة في التوظيف والمنافسة والنمو الاقتصادي، ويتفاوض للوصول إلى ~~حلول وسط بشأن مطالب الدول الأعضاء الغنية المساهمة مساهمة صافية والدول الأعضاء ~~الفقيرة المنتفعة منفعة صافية. بالنسبة لهابرماس، لم يتحدد حتى الآن إن كان الاتحاد ~~الأوروبي قادرا على صياغة وتنفيذ سياسات قادرة على تصحيح أوضاع الأسواق بحيث ~~يجعلها تتسق مع مثل العدالة الاجتماعية. # يقر هابرماس بأن السياسة الأوروبية، من منظور عام، ليست سوى امتداد، لا تحول، ~~لسياسة المصلحة الذاتية القومية. إن المنافسة الإقليمية بين الدول القومية وما ~~يلازمها من مشكلات تحدث مجددا على المستوى العابر للقوميات. وتتحدى أوروبا ~~منافسيها الممثلين في الولايات المتحدة ودول الحزام الباسيفيكي والصين والهند ~~الناشئتين اقتصاديا؛ ولذا، فهناك أسباب داعية للاعتقاد بأن أوروبا لن تستطيع أن ~~تجد حلولا دائمة وشاملة للمشكلات السياسية والاجتماعية العالمية، وأنها في أفضل ~~الظروف ms117 ستطرح حلولا مؤقتة أو جزئية. يعي هابرماس منطق الحجة التي يطرحها. إذا كان ~~لنا أن نعثر على حلول سياسية دائمة وفاعلية للمشكلات العالمية، فلا بد أن نبحث عنها ~~في نهاية المطاف على مستوى السياسات العالمية الكوزموبوليتانية. وإذا كان للمؤسسات ~~السياسية فوق القومية أن تكبح جماح الأسواق العالمية، فلا بد أن تكون شمولية على ~~النحو الصحيح. الغاية النهائية هي خلق سوق داخلية عالمية، وكيان سياسي يتمتع ~~بالسلطة والنفوذ لتنظيم تلك السوق. الغاية النهائية هي خلق أمم متحدة سياسية لا ~~تتمتع بسلطة صنع القرارات وحسب، بل وبتنفيذها أيضا. ~~(4-2) عجز الشرعنة # المشكلة أن المؤسسات السياسية الأوروبية تعاني مما يعرف باسم «العجز ~~الديمقراطي». يقول المتشككون في جدوى الاتحاد الأوروبي إن الاتحاد السياسي لا يمكن ~~أن يكلل بالنجاح؛ لأنه لا يوجد «شعب» أوروبي لتمثله المؤسسات. لا يوجد شيء ~~ملموس - تاريخ أو لغة أو تقاليد أو عرق مشترك - يدعو لخلق أواصر الاندماج بين ~~المواطنين؛ التي تعول عليها الديمقراطية. # ويعترف هابرماس بأنه لا يوجد «شعب» أوروبي، لكنه ينكر أن وجود شعب أو أمة أوروبية ~~لديها تاريخ مشترك وتتحدر من أصول مشتركة؛ أساس ضروري للاندماج الاجتماعي. ويدفع ~~بأنه من الصحيح أن فكرة المواطنة على أساس الوعي القومي المشترك لا يمكن مدها إلى ~~ما يتجاوز حدود الأمة الواحدة. ولا يمكن حتى أن تمتد إلى هذا الحد. ولأسباب سبق ~~بيانها أعلاه، فإن المفهوم العتيق للفكرة لم يعد ملائما للمجتمعات الحديثة ~~المتعددة الثقافات. سرعان ما سيكتشف المشككون في جدوى الوحدة الأوروبية، الذين ~~يرفضون مشروع الاندماج الأوروبي ويفضلون اللجوء إلى عزلتهم، أن أساسهم واه وسقفهم ~~خر عليهم. المجتمعات الحديثة متعددة الثقافات ليست مجتمعات لشعب واحد؛ إنها ~~مجتمعات شرعية من مواطنين. هذا المفهوم الدقيق للمواطنة الديمقراطية كعلاقة مجردة ~~مقننة قانونا بين الغرباء يمكن أن يمتد بحيث يشمل سكان الدول الأجنبية. ولا يحاول ~~هابرماس أن ينكر أن ثمة عيبا ديمقراطيا في الاتحاد الأوروبي: # بالتزامن مع نشأة منظمات جديدة بمنأى أكثر عن القاعدة السياسية، مثل ~~بيروقراطية بروكسل، تتسع باستمرار الفجوة بين الإدارات الذاتية البرمجة ms118 ~~والشبكات النظامية من ناحية، والعمليات الديمقراطية من ناحية أخرى. ~~««تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية» # لكن يزعم هابرماس أنه ما من سبب في الأساس يعلل ضرورة سد هذه الفجوة. فالمجتمعات ~~الديمقراطية الحديثة متكاملة عبر نطاقات التواصل العام غير الرسمي والساحات ~~المؤسسية للخطاب وصنع القرار. # ثمة مشكلة ملحة، لكنها ليست عصية على الحل بالضرورة، تتمثل في كيفية التشجيع ~~على إقامة شبكة للخطاب والتواصل على اتساع أوروبا، وخلق مجتمع مدني أوروبي وثقافة ~~سياسية أوروبية. يقول هابرماس: # لا يمكن أن تكون هناك دولة فدرالية أوروبية جديرة بأن توصف بأنها ~~ديمقراطية أوروبية ما لم يوجد فضاء عام متكامل على اتساع أوروبا في نطاق ~~ثقافة سياسية مشتركة؛ مجتمع مدني يشمل اتحادات المصالح والمنظمات غير ~~الحكومية والحركات المدنية وما إلى ذلك، وبطبيعة الحال نظام حزبي مناسب ~~لإقامة ساحة أوروبية. ~~««تضمين الآخر»، النسخة الإنجليزية» # وسيساهم في تحقيق هذه الغاية كل من برامج التبادل التعليمي، وزيادة التعاون ~~الاقتصادي، وتيسير السفر بين الدول الأعضاء، وتطوير نظام حزبي أوروبي. # ثمة مشكلة أخرى عملية ومؤسسية تتمثل في التفكير في سبل لربط البيروقراطية ~~الأوروبية والبرلمان الأوروبي بهذه الثقافة السياسية الناشئة. وقد يكون ذلك صعبا، ~~لكنه ليس مستحيلا. لكن التعلق بالإيمان بالفاعلية السياسية للدولة القومية، مع ~~التجاهل الكامل للدليل على ذلك، أمر لا طائل من ورائه؛ ومن غير المعقول اجتماعيا ~~وسياسيا ترك الحبل على الغارب للأسواق الاقتصادية العالمية. # وفقا لهابرماس، قد لا يكون الاندماج الأوروبي الغاية النهائية المطلقة للسياسات ~~ما بعد القومية، لكنه على الأقل بداية مبشرة بالخير. إن الاتحاد الأوروبي تجربة ~~مستمرة على السياسات الديمقراطية ما بعد القومية. وكما يصرح هابرماس ببراعة في حوار ~~له مع مايكل هالر تحت عنوان «الفرصة ~~الثانية لأوروبا»: # لو كنت قد استبقيت النزر اليسير من بقايا اليوتوبيا، فهي بالتأكيد ~~فكرة أن الديمقراطية - وكفاحها العام للوصول إلى أفضل شكل لها - قادرة على ~~اختراق المشكلات وحل المعضلات التي قد يتعذر حلها لولا الديمقراطية. ولا ~~أزعم أننا سننجح في ذلك؛ فنحن لا نعلم حتى إن كان النجاح ممكنا. لكن لأننا ~~لا نعلم، ms119 يجب علينا أن نستمر في المحاولة. ~~«الماضي مستقبلا: يورجن ~~هابرماس في حوار مع مايكل ~~هالر» # رغم أننا لا نعلم إن كانت فكرة الاتحاد الأوروبي ستنجح في طرحها لحلول جزئية ~~لمشكلات ما بعد القومية، أو ربما حتى تمثل منبرا لنظام عالمي كوزموبوليتاني ~~محتوم، فإننا لا نستطيع الجزم بفشله أيضا. يجب أن تستمر التجربة على أية حال حسبما ~~يرى هابرماس؛ لأننا نعلم أن البديل أسوأ بكثير؛ وهو أن نودع فكرة السياسة ~~الديمقراطية باعتبارها محاولة من المواطنين الأحرار السواسية لتشكيل عالمهم ~~الاجتماعي جمعيا. # | ملحق: موجز لبرامج هابرماس البحثية الخمسة # (1) برنامج المعنى البراجماتي # أسئلة أساسية: # كيف للمرء أن يفهم معنى الكلام الملفوظ؟ ما الوظيفة البراجماتية للكلام؟ ~~كيف ينسق الكلام تصرفات الفاعلين الاجتماعيين؟ ما العلاقة بين الصحة ~~والمعنى؟ وما أنواع ادعاءات الصحة؟ # أجوبة أساسية: # للمعنى نوعان؛ أدائي (براجماتي) وافتراضي. والوظيفة البراجماتية للكلام ~~هي الحث على الوصول إلى إجماع عقلاني. وينسق الكلام التصرفات عبر ادعاءات ~~الصحة. وادعاء صحة كلام ملفوظ يحدد كيفية فهم معناه. وهناك ثلاثة أنواع ~~لادعاء الصحة؛ ادعاء صحة الحقيقة، وادعاء صحة الصواب، وادعاء صحة ~~الصدق. ~~(2) نظرية العقلانية التواصلية # أسئلة أساسية: # ما الأنواع الجوهرية للفعل؟ وما الفرق بينها؟ أي أنواع الفعل أسبق أو ~~أكثر جوهرية؟ وما سند ذلك؟ # أجوبة أساسية: # الفعل نوعان: الأول التواصلي، والثاني الأداتي والاستراتيجي. الفرق ~~بينهما يكمن في أن الأفعال التواصلية تهدف إلى ضمان الفهم وتحقيق الإجماع، ~~بينما الأفعال الأداتية والاستراتيجية تهدف إلى النجاح العملي. الفعل ~~التواصلي أكثر جوهرية؛ لأنه مستقل بذاته على عكس الفعل الأداتي ~~والاستراتيجي. ~~(3) برنامج النظرية الاجتماعية ~~(3-1) المشروع الاجتماعي # أسئلة أساسية: # كيف يمكن خلق نظام اجتماعي؟ ما الذي يحافظ على تماسك المجتمعات ~~الحديثة؟ كيف يتم التنسيق بين أفعال الملايين من الفاعلين ~~الاجتماعيين؟ # أجوبة أساسية: # يعتمد النظام الاجتماعي على المعنى والصحة، وكذا على تكامل عالم ~~معيش يتم الحفاظ عليه بواسطة التواصل والخطاب. وهو يعول أيضا على ~~درجة من القوة الدامجة للأفعال الأداتية والاستراتيجية داخل أنظمة ~~كالأسواق والإدارات. تحافظ المعاني والتفاهمات والأسباب المشتركة على ~~تماسك المجتمع، وكذلك تفعل الأنظمة ms120 المنظمة من العقلانية ~~الأداتية. ~~(3-2) الأنطولوجيا الاجتماعية # أسئلة أساسية: # ما شكل المجتمعات الحديثة؟ ومم تتكون؟ # أجوبة أساسية: # تتألف المجتمعات الحديثة من كيانين اجتماعيين؛ العالم المعيش ~~والنظام. العالم المعيش هو محل التواصل والخطاب، أما النظام فهو منشأ ~~الأفعال الأداتية والاستراتيجية. ~~(3-3) النظرية الاجتماعية النقدية # أسئلة أساسية: # ما السبب الكامن وراء أمراض الحياة الاجتماعية الحديثة؟ لم يقبل ~~الناس عموما أنظمة اجتماعية تخالف مصالحهم ويستبقونها؟ ما أكثر ~~الأخطار الحالية تهديدا لاستبقاء العالم المعيش؟ وماذا يمكن أن نفعل ~~حيالها؟ # أجوبة أساسية: # تتوسع الأنظمة - ممثلة في الأسواق والإدارات - وتستعمر العالم ~~المعيش الذي هو محل الفعل التواصلي والخطاب والذي تعتمد عليه تلك ~~الأنظمة نفسها. ويجبر الناس على اتباع أنماط من الفعل الأداتي ~~والاستراتيجي، فيمسون منفصمين عن أهدافهم الأصلية؛ ومن ثم فهم يفقدون ~~المعنى ويخسرون استقلالهم. تستدعي الحاجة الحفاظ على العالم المعيش ~~دون مساس، والحد من وطأة الآثار الضارة المترتبة على تدخل الأنظمة في ~~النطاقات غير النظامية. ~~(4) برنامج أخلاقيات الخطاب ~~(4-1) نظرية الخطاب الخلقي # أسئلة أساسية: # كيف يمكن أن يوجد نظام أخلاقي؟ وما الذي يجعل فعلا ما صوابا/خطأ ~~أخلاقيا؟ كيف نعرف، بل وكيف نتعلم، الخطأ/الصواب؟ # أجوبة أساسية: # يعتمد النظام الأخلاقي على وجود معايير صحيحة بالدليل، وعلى أن أغلب ~~الفاعلين يميلون إلى الالتزام بتلك المعايير. وما يجعل أي فعل ~~صوابا/خطأ هو إجازة/تحريم المعيار الأخلاقي الصحيح له. وما يجعل ~~المعيار صحيحا هو أنه يجسد بالدليل مصلحة عامة. وإننا نكتشف إن كان ~~المعيار يجسد مصلحة عامة باختبار المعايير المرشحة للتأكد من أهليتها ~~لتحقيق اتفاق عقلاني في سياق الخطاب الأخلاقي. ~~(4-2) نظرية أخلاقيات الخطاب # أسئلة أساسية: # ما الذي يميز القضايا الأخلاقية عن القضايا الخلقية؟ ما الأهمية ~~الاجتماعية والسياسية للقضايا الأخلاقية؟ # أجوبة أساسية: # يعنى الخطاب الأخلاقي بقضايا السعادة الفردية وصالح الجماعات. ~~وينطوي الخطاب الأخلاقي على تخصيص نقدي للتقاليد وتفسير للقيم. ~~(5) برنامج النظرية السياسية ~~(5-1) نظرية سياسات الخطاب # أسئلة أساسية: # كيف يمكن خلق نظام سياسي محكم التنظيم؟ وما الذي يجعل القوانين ~~والسياسات والقرارات السياسية شرعية؟ # أجوبة أساسية: # النظام السياسي المحكم التنظيم هو الذي ms121 يتحقق فيه التوازن السليم بين ~~الاستقلال الشخصي والعام، ويتحقق فيه الاستقرار للنظام السياسي إلى حد ~~بعيد بواسطة القرارات العقلانية التي تصدرها المؤسسات المطلعة على ~~النطاقات العامة غير الرسمية للمجتمع المدني. وتتصف القوانين بالشرعية ~~فقط عندما تتسق مع الآراء والقيم والمعايير التي تولد في المجتمع ~~المدني تداوليا. ~~(5-2) نظرية قانون الخطاب # أسئلة أساسية: # ما القانون الصحيح؟ وما دور المعايير القانونية الصحيحة؟ # أجوبة أساسية: # القانون الصحيح هو الذي يتصف بالواقعية وقابلية الإنفاذ والشرعية. ~~والقوانين الشرعية يجب أن تتسق مع الاعتبارات الأخلاقية والخلقية ~~والبراجماتية، وتخدم مصلحة المجتمع القانوني. وتخول المعايير ~~القانونية الصحيحة السلطة السياسية وتزودها بأدواتها، فضلا عن أنها ~~تدعم المعايير الخلقية وتساعد على تحقيق الانسجام بين الأفعال الفردية ~~وإقامة نظام اجتماعي. # | المراجع المقتبس منها # الاستقلال والتضامن: لقاءات مع يورجن هابرماس (تحرير بي ديوز، طبعة منقحة، لندن: ~~فيرسو، 1992). # بين الحقائق والمعايير (ترجمة ويليام ريج، كامبريدج: بوليتي بريس بالتعاون مع ~~بلاكويل، 1996). # جمهورية برلين: كتابات حول ألمانيا (ترجمة إس ريندال، لينكون: مطبعة جامعة ~~نبراسكا، 1997). # تضمين الآخر (فرانكفورت: زواكامب، 1996). # الحداثة: مشروع غير مكتمل (لايبسيج: زواكامب، 1992). # التبرير والتطبيق (كامبريدج: بوليتي بريس، 1993). # الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي (كامبريدج: بوليتي بريس، 1990). # ثورة اللحاق بالركب (فرانكفورت: زواكامب، 1990). # براجماتيات التواصل (تحرير ماييف كووك، كامبريدج، بوليتي بريس، 1998). # الخطاب الفلسفي للحداثة: اثنتا عشرة محاضرة (ترجمة إف لورانس، كامبريدج، بوليتي ~~بريس، 1987). # الدين والعقلانية: مقالات حول العقل والرب والحداثة (كامبريدج: بوليتي بريس، ~~2002). # نظرية الفعل التواصلي، المجلد الأول (كامبريدج: دار نشر بوليتي بريس، ~~1984). # نظرية الفعل التواصلي، المجلد الثاني (كامبريدج: دار نشر بوليتي بريس، ~~1987). # تضمين الآخر، ترجمة سي كرونين وبي دو جريف (كامبريدج: بوليتي بريس، 1998). # الماضي مستقبلا: يورجن هابرماس في حوار مع مايكل هالر، ترجمة ماكس بينيسكي ~~(كامبريدج: بوليتي بريس، 1994). # الهوية الألمانية مجددا (مجلة نيو جيرمان كريتيك، 1991، 84-101). # | قراءات إضافية # كافة الكتب والمقالات الواردة أدناه منشورة باللغة الإنجليزية. وتشير التواريخ داخل ~~الأقواس المربعة إلى سنة النشر الأصلية باللغة الألمانية. ~~(1) مجموعة مختارة من كتابات هابرماس الأولى # Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois ms122 ~~Society, # tr. T. Burger and F. Lawrence (Cambridge, Mass.: ~~MIT Press, 1989 [1962]). # Theory and Practice, # tr. ~~John Viertel (Cambridge: Polity Press, 1988 [1963]). An abridged ~~collection of critical thematic and historical essays on social theory ~~which includes the seminal essay on 'labour and interaction’, the key to ~~Habermas’s understanding of Hegel, and to his critique of Marx and ~~Marxism. # On the Logic of the Social ~~Sciences, # tr. Shierry Weber Nicholsen and Jerry A. Stark ~~(Cambridge, Mass.: MIT Press, 1988 [1967]). # Knowledge and Human ~~Interests, # tr. Jeremy J. Shapiro (Boston: Beacon Press, ~~1971 [1968]). In this book, Habermas examines the role of reflection in ~~critical social theory. It contains a critique of the idealist ~~philosophies of Kant and Fichte, Habermas’s engagement with pragmatism ~~and hermeneutic philosophy, and an interesting appropriation of ~~Freud. # Towards a Rational ~~Society, # tr. Jeremy J. Shapiro (Boston: Beacon Press, ~~1987 [1969]). Contains three essays on the student protests and three ~~essays on the role of technology and science. # Legitimation Crisis, # tr. ~~Thomas McCarthy (London: Heinemann, 1976 [1973]). An interesting early ~~study of crisis and legitimacy in capitalist societies in which Habermas ~~puts the distinction between lifeworld and system to ~~work. # Communication and the Evolution of ~~Society, # tr. Thomas McCarthy (London: Heinemann ~~Educational Books, 1979 [1976]). This is an important study in ~~Habermas’s reconstruction of historical materialism, in which he looks ~~at the role of moral development of individuals and social ~~structures. ~~(2) مجموعة مختارة من كتابات هابرماس النظرية ~~في مرحلة النضج الفلسفي # النظرية البراجماتية للمعنى ونظرية العقلانية التواصلية # The Theory of Communicative ~~Action, # tr. Thomas McCarthy, vol. 1 (Cambridge: Polity Press, 1984 [1981]). The pragmatic theory of meaning and the ~~theory of communicative rationality are set out in Part III, ~~'Intermediate Reflections’. Part IV contains criticisms of Weber, ~~Lukacs, and Adorno. Post-Metaphysical Thinking: Philosophical Essays, # tr. William Mark Hohengarten ~~(Cambridge: Polity Press, 1992 [1988]). A collection ms123 of essays on ~~Habermas’s conception of philosophy, some of which are relevant to ~~programmes 1, 2, and 4. # The following two collections contain mainly articles ~~on programmes 1 and 2. # On the Pragmatics of ~~Social Interaction: Preliminary Studies in the Theory of ~~Communicative Action, # tr. Barbara Fultner (Oxford: ~~Blackwell, 2003 [1984]). # On the Pragmatics ~~of Communication, # ed. Maeve Cooke (Cambridge, Mass.: ~~MIT Press, 2000). # Truth and Justification: Philosophical Essays, # tr. B. Fultner (Cambridge: Polity Press, 2003 [1999]) is a collection of Habermas’s more recent ~~studies on truth and on the pragmatic theory of meaning. Part III ~~contains a surprising revision to Habermas’s theory of truth that ~~has important ramifications for discourse ~~ethics. # النظرية الاجتماعية # The lion’s share of Habermas’s social theory is ~~contained in # The Theory of Communicative ~~Action ~~, vol. 2, tr. Thomas McCarthy (Cambridge: Polity Press, 1987 [1981]), Part VI, 'Intermediate Reflections’, and Part VIII. # أخلاقيات الخطاب # Moral Consciousness and ~~Communicative Action, # tr. Christian Lenhardt and ~~Shierry Weber Nicholsen (Cambridge: Polity Press, 1990 [1983]). This ~~is a collection of seminal essays on the programme of discourse ~~ethics. It should be read alongside the later collection, # Justification and Application, # tr. C. ~~Cronin (Cambridge: Polity Press, 1993 [1991]), an important ~~collection of essays, in which Habermas responds to criticisms and ~~develops the distinction between morality and ~~ethics. # النظرية السياسية والقانونية ~~'Law and Morality’, tr. Kenneth Baynes, in # The Tanner Lectures on Human Values ~~, ~~vol. 8, ed. Sterling M. McMurrin (Salt Lake City: University of Utah Press, 1988), pp. 217-79. The Tanner Lectures were held four years ~~before the publication of # Faktizität und ~~Geltung ~~, Habermas’s major work on political and legal ~~theory. The English translation of # Faktizität und Geltung # is # Between Facts and Norms ~~, tr. William Rehg ~~(Cambridge: Polity Press in association with Blackwell, 1996) and it ~~contains two important earlier essays in addition. Programme 5 is ~~set out mainly in chapters 3, 4, 7, and 8. # The Inclusion of ms124 the ~~Other, # tr. C. Cronin and P. De Greiff (Cambridge: Polity Press, 1998 [1996]). A collection of essays on Habermas’s ~~moral and political theory that contains his critique of Rawls and ~~three studies on the nation state. # نظرية الحداثة # The Philosophical Discourse of ~~Modernity: Twelve Lectures, # tr. F. Lawrence ~~(Cambridge: Polity Press, 1987 [1985]). In these lectures, Habermas ~~engages polemically with French poststructuralist thought, and ~~develops his critique of Adorno and Horkheimer. See also Habermas’s ~~1980 essay 'Modernity: An Unfinished Project’, tr. Nicholas Walker, ~~and reprinted in # Habermas and the Unfinished Project of Modernity: Critical Essays on the Philosophical ~~Discourse of Modernity ~~, ed. Seyla Benhabib and ~~Maurizio Passerin d’Entrèves (Cambridge, Mass.: MIT Press, ~~1997). # أعمال أخرى # The Future of Human ~~Nature ~~(Cambridge: Polity Press, 2003 [2001]) brings ~~together some of Habermas’s essays on the moral, ethical, and ~~political implications of bioethics and gene ~~technology. ~~(3) مجموعة مختارة من اللقاءات والكتابات السياسية المتفرقة # The New Conservatism: Cultural ~~Criticism and the Historian’s Debate, # ed. and tr. Shierry ~~Weber Nicholsen (Cambridge, Mass.: MIT Press, ~~1989). ~~'What Does Socialism Mean Today?’, # New Left Review, # 183: 3-21. ~~'Yet Again German National Identity - A Nation of Angry ~~DM-Burghers?’ in # When the Wall Came Down: ~~Reactions to German Unification ~~, ed. Harold James and ~~Maria Stone (New York: Routledge, 1992). # Autonomy and Solidarity: Interviews ~~with Jürgen Habermas, # ed. P. Dews, revised and enlarged ~~edn. (London: Verso, 1992). # The Past as Future: Jürgen Habermas ~~Interviewed by Michael Haller, # tr. Max Pensky (Cambridge: Polity Press, 1994). # A Berlin Republic: Writings on ~~Germany, # tr. S. Rendall (Lincoln: University of Nebraska Press, 1997). # The Post National ~~Constellation, # tr. and ed. Max Pensky (Cambridge: Polity Press, 2001). Philosophy in a Time of Terror: ~~Dialogues with Jürgen Habermas and Jacques Derrida, # ed. ~~Giovanna Borradori (Chicago: University of Chicago Press, ~~2003). # Time of Transitions, # tr. ~~Max Pensky (Cambridge: Polity Press, 2005). ~~(4) مجموعة مختارة من الدراسات الحديثة # النظرية البراجماتية للمعنى ms125 ونظرية العقلانية التواصلية # Language and Reason, # ed. Maeve Cooke (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1994). The first full ~~study in English on Habermas’s pragmatic theory of meaning and ~~theory of communicative rationality. # النظرية الاجتماعية # Communicative Action and ~~Rational Choice, # Joseph Heath (Cambridge, Mass.: MIT Press, 2001). Though not easy reading, this is a detailed and ~~impressive analysis of Habermas’s social theory and its ~~philosophical underpinnings. It brings Habermas’s philosophy into ~~dialogue with analytic philosophy of language and rational choice ~~theory, and also covers programmes 1, 2, and ~~4. # أخلاقيات الخطاب # Insight and Solidarity: The ~~Discourse Ethics of Jürgen Habermas, # William Rehg ~~(Berkeley: University of California Press, 1994). A comprehensive ~~critical elucidation and defence of Habermas’s programme of ~~discourse ethics. # Making Moral Sense: Beyond ~~Habermas and Gauthier, # Logi Gunnarsson (Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2000). A critical comparison of Habermas ~~and Gauthier’s rationalist justification of moral theory with the ~~substantivist approach attributed to John ~~McDowell. # Impartiality in Context: ~~Grounding Justice in a Pluralist World, # Shane O’Neill ~~(Albany: SUNY Press, 1997). An interesting discussion of Habermas’s ~~discourse ethics against the backdrop of sectarian conflict in ~~Northern Ireland. # النظرية السياسية والقانونية # The Normative Grounds of Social ~~Criticism: Kant, Rawls and Habermas, # Kenneth Baynes ~~(Albany: SUNY Press, 1992). An important study on Habermas’s ~~politics providing a comparison of Habermas and Rawls. See also # Reasonable Democracy: Jürgen Habermas ~~and the Politics of Discourse ~~, ed. Simone Chambers ~~(Ithaca: Cornell University Press, 1996). # نظرية الحداثة # Between Reason and History: ~~Habermas and the Idea of Progress, # David S. Owen ~~(Albany: SUNY Press, 2002). # أعمال أخرى # Another Country: German ~~Intellectuals, Unification and National Identity, # Jan ~~Werner Müller (New Haven: Yale University Press, 2000). Contains a ~~critical analysis of Habermas’s views on German ~~unification. # Jürgen Habermas: A Philosophical-Political Profile, # Martin Beck Matustík ~~(Lanham: Rowman and Littlefield, 2001). Quirky biography with an ~~emphasis on Habermas’s complex and strained relations to the student ~~movement in the 1960s. ms126 # Habermas: A Critical ~~Introduction, # William Outhwaite (Oxford: Blackwell, ~~1994). # The Philosophy of ~~Habermas, # Andrew Edgar (Teddington: Acumen, ~~2004). ~~(5) مجموعة من المقالات حول أعمال هابرماس النظرية # Habermas: Critical ~~Debates, # ed. J. B. Thompson and D. Held (London: ~~Macmillan, 1982). This is not recent, but is still a valuable collection ~~that contains Habermas’s replies to his critics. Addresses programmes 1, ~~2, and 3. # Communicative Action: Essays on ~~Jürgen Habermas’s 'The Theory of Communicative Action’, # ed. Axel Honneth and Hans Joas, tr. Jeremy Gains and Doris L. Jones ~~(Cambridge: Polity Press, 1991). Collects together some critical ~~responses to # The Theory of Communicative ~~Action ~~. Covers programmes 1, 2, and ~~3. # The Communicative Ethics ~~Controversy, # ed. Seyla Benhabib and F. Dallmayr ~~(Cambridge, Mass.: MIT Press, 1990). A useful collection of material on ~~discourse ethics. Programme 4. # Ideals and Illusions: On ~~Reconstruction and Deconstruction in ~~Contemporary Critical Theory, # Thomas McCarthy (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1991). A collection of ~~essays by Habermas’s most longstanding critic and intellectual fellow ~~traveller. Deals with programmes 3, 4, and 5. Philosophical Interventions in the ~~Unfinished Project of ~~Enlightenment, # ed. Axel ~~Honneth et al., tr. William Rehg (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992) and # Cultural-Political ~~Interventions in the Unfinished Project of Enlightenment ~~, ed. Axel Honneth et al., tr. ~~Barbara Fultner (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992). These two companion ~~volumes contain critical responses to all aspects of Habermas’s ~~philosophy. The list of contributors reads like a 'Who’s Who?’ of social ~~theory. Examines programmes 2, 3, 4, and 5. # Habermas and the Unfinished Project ~~of Modernity: Critical Essays on the Philosophical Discourse of ~~Modernity, # ed. Seyla Benhabib and Maurizio Passerin ~~d’Entrèves (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1997). # Habermas and the Public ~~Sphere, # ed. C. Calhoun (Cambridge, Mass.: MIT Press, ~~1992). Critical responses to # Strukturwandel der ~~Öffentlichkeit # subsequent to its English translation. ~~Many of these essays look at Habermas’s early book in the light of his ~~mature social theory and the programme of discourse ethics, and so are ~~relevant to programmes ms127 3, 4, and 5. # Feminists Read Habermas: Gendering ~~the Subject of Discourse, # ed. Johanna Meehan (London: ~~Routledge, 1995). Feminist responses to Habermas’s ~~philosophy. # The Cambridge Companion to ~~Habermas, # ed. S. K. White (Cambridge: Cambridge ~~University Press, 1995). An uneven collection of essays that includes ~~valuable contributions by Max Pensky, Ken Baynes, and Simone Chambers ~~(chapters 4, 7, and 8) on Habermas’s politics, and on his political and ~~democratic theory respectively. Focuses on programmes 3, 4, and ~~5. # Habermas: A Critical ~~Reader, # ed. P. Dews (Oxford: Blackwell, 1999). A ~~collection of essays that attempt to situate Habermas’s theories in the ~~context of the various philosophical traditions in which he ~~works. Perspectives on ~~Habermas, # ed. Lewis Edwin Hahn (Illinois: Open Court, ~~2000). A large collection of critical and comparative essays addressing ~~programmes 3, 4, and 5. # Habermas, Modernity and ~~Law, # ed. Mathieu Deflem (London: Sage, 1996). Looks at ~~programme 5. # Habermas on Law and Democracy: ~~Critical Exchanges, # ed. M. Rosenfeld and A. Arato ~~(Berkeley: University of California Press, 1998). Large collection of ~~critical responses to # Between Facts and ~~Norms ~~. Programme 5. # Discourse and Democracy: Essays on ~~Habermas’s Between Facts and Norms, # ed. René von ~~Schomberg and Kenneth Baynes (Albany: SUNY Press, 2002). Programme ~~5. # Habermas and Pragmatism, # ed. M. Aboulafia, M. Bookman, and C. Kemp (London: Routledge, 2002). A ~~collection of essays exploring the pragmatic aspects of Habermas’s work ~~and his idiosyncratic relation to the tradition of American pragmatism. ~~Contains material relevant to programmes 1, 3, and ~~5. ~~(6) مجموعة مختارة من كتابات المؤلف عن هابرماس ~~ومدرسة فرانكفورت ~~'Habermas’s Discourse Ethics and Hegel’s Critique of Kant’s ~~Moral Theory’, in # Habermas: A Critical ~~Reader ~~, ed. P. Dews (Oxford: Blackwell, 1999), ~~29-52. ~~'What are Universalizable Interests?’, # Journal of Political Philosophy, # 8: 4 ~~(2000): 446-72. ~~'Modernity and Morality in Habermas’s Discourse Ethics’, # Inquiry, # 3 (2000): ~~319-40. ~~'Adorno on the Ethical and the Ineffable’, # European Journal of Philosophy, # 10, 1 ~~(2002): 1-25. # Review of Logi Gunnarsson, 'Making Moral Sense: Beyond ~~Habermas and Gauthier’, # Ethics, # 112, ~~4 (2002): 828-31. ~~'Theory of Ideology ms128 and the Ideology of Theory: Habermas ~~contra Adorno’, # Historical ~~Materialism, # 11, 2 (2003): 165-87. ~~'Habermas’s Moral Cognitivism and the Frege-Geach ~~Challenge’, # European Journal of Philosophy, ~~(2005 forthcoming). # | مصادر الصور # (1) © Ullstein, P/F/H. ~~(2) © Ullstein, AKG Pressenbild. ~~(3) © akg-images. ~~(4) © Ullstein, Eckel. ~~(1-1) © Ullstein, Keystone. ~~(1-2) © Ullstein, AKG Pressenbild. ~~(2-1) © Ullstein, Ullstein Bild. ~~(9-1) © Peter Turnley/Corbis. ms129