######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadMuhammadRubi.RousseauMuqaddimaQasira.Hindawi83029581 #META# Tags: biographies #META# ID: 83029581 #META# Title: روسو: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 59275091 #META# Author: روبرت ووكلر #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 19607415 #META# Translator: أحمد محمد الروبي #META# Related_books: 1427RobertWokler.RousseauShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # 1 - حياة وعصر مواطن من جنيف‏ # 2 - الثقافة والموسيقى وفساد الأخلاق‏ # 3 - الطبيعة البشرية والمجتمع المدني‏ # 4 - الحرية والفضيلة والمواطنة‏ # 5 - الدين والتربية والجنس‏ # 6 - أحلام يقظة جوال‏ # المراجع المقتبس منها‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - حياة وعصر مواطن من جنيف‏ # 2 - الثقافة والموسيقى وفساد الأخلاق‏ # 3 - الطبيعة البشرية والمجتمع المدني‏ # 4 - الحرية والفضيلة والمواطنة‏ # 5 - الدين والتربية والجنس‏ # 6 - أحلام يقظة جوال‏ # المراجع المقتبس منها‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | روسو # | روسو # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # روبرت ووكلر # ترجمة # أحمد محمد الروبي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إحياء لذكرى أشعيا برلين # | شكر وتقدير # لم يتطلب إنجاز هذا العمل وقتا يتجاوز الأسابيع الثمانية التي رصدت من أجله من الأساس، ~~لكن ما أنجز في هذه الأسابيع جمع على مدار فترة لا تقل عن ثماني سنوات. لقد اقتبست ~~في هذا الكتاب بضع صفحات من أعمال سابقة عن روسو مع إعادة صياغتها بحيث تتلاءم مع النص؛ ~~وذلك على النحو التالي: المقالة الخاصة بروسو في كتاب «الفكر السياسي من أفلاطون حتى ~~الناتو» (لندن، 1984)، في الفصل الأول، و«خطاب حول الفنون والعلوم» وإرهاصاته، من كتاب ~~«تقييمات جديدة لروسو»، تحرير إس هارفي وإم هوبسون، وآخرين (مانشستر، 1980)، و«روسو عن رامو ~~والثورة»، من كتاب «دراسات عن القرن الثامن عشر»، المجلد الرابع، تحرير آر إف بريسيندن وجيه ~~سي إيد (كانبيرا، 1979)، في الفصل الثاني، و«مفهوما روسو عن الحرية» من كتاب «الحيوات ~~والحريات والمصلحة العامة»، تحرير جي فيفر وإف روزين (لندن، 1987) في الفصل الرابع. وحيثما ~~أمكن، حاولت إدخال التصحيحات أو التنقيحات التي اقترحها علي أو لفت نظري إليها جون هوب ~~ميسون وكوينتن سكينر. وإنني أدين بالفضل للسير كيث توماس لصبره الذي لا يتخيله عقل؛ إذ ~~سمح لي بأن أعلم بمشكلات نشر الكتاب بمجرد أن تحدث وأعمل على حلها، ولتنقيحاته الدقيقة ~~جدا لأسلوبي. وأتقدم أيضا بخالص الشكر والتقدير لمحرري العمل - سوزي كيسمنت وكاثرين ~~كلارك - بمطبعة جامعة أكسفورد لتشجيعهما الشديد لي بما يتجاوز أي نداء لأداء الواجب. أدين ~~بالفضل أيضا لمارلين دان ms001 وكارين هول لإعدادهما نسخة مكتوبة على الآلة الكاتبة من الكتاب ~~وإخراجها بالتنسيق المطلوب. # نوفمبر 1993 # لقد اغتنمت الفرصة التي أتاحتها لي إضافة الصور لهذا النص لتعديل بعض ~~التفاصيل، بعضها لأغراض الإيضاح، وكذلك لتصحيح خطأين لفت نظري إليهما مترجم اللغة ~~اليابانية الخاص بي شوجي ياماموتو. ولقد شجعني ظهور طبعات جديدة خلال السنوات الأخيرة من ~~كتابات روسو بالفرنسية والإنجليزية على تنقيح أو إضافة العديد من المراجع. فقد أسهبت في ~~عرض أفكار بعينها، ولا سيما في الفصول الأول والثالث والرابع. وضمنت في الفصل السادس، الذي ~~حاكيت فيه أسلوب روسو نفسه قدر الإمكان، والذي كان عرضة أيضا لقيود لغة أخرى ~~ومتطلبات التفسير السياقي، مادة أكبر عن الموسيقى. # مارس 2001 # الفصل الأول # | حياة وعصر مواطن من جنيف # كان لروسو - وكذا لمونتسكيو وهيوم وسميث وكانط من بين معاصريه - أكبر الأثر في التاريخ ~~الفكري الأوروبي المعاصر، ربما بما يتجاوز أثر جميع معاصريه. فلم يساهم مفكر مثله من ~~مفكري القرن الثامن عشر بكم أكبر من الكتابات المهمة في نطاق كبير جدا من الموضوعات ~~وبأشكال مختلفة من أشكال الكتابة، ولم يضارعه أحد في كتابته من حيث الحماس المتقد ~~والفصاحة البليغة. ولم يتمكن أحد غيره - من خلال أعماله وحياته - من أن يثير الخيال العام ~~أو يربكه بهذا القدر من العمق. ويكاد يكون روسو وحده بين أبرز رموز التنوير الذي عرض ~~التيارات الأساسية للعالم الذي عاش في جنباته إلى أكثر الانتقادات إلهاما، حتى حين كانت ~~غايته الطعن في مسارها، وعندما اغتنم قادة الثورة الفرنسية لاحقا الفرصة لمحاولة وضع ~~النظريات السياسية محل التطبيق العملي، فقد كانت بوصلتهم في المقام الأول موجهة تجاه أفكار ~~روسو. # وشأنه شأن غيره من أبرز كتاب عصره، كان لروسو بطبيعة الحال العديد من الاهتمامات بخلاف ~~السياسة. فقد كان مؤلفا موسيقيا محبوبا جدا، ومؤلفا لقاموس كبير ومهم للموسيقى، ~~وهو الموضوع الذي ربما استرعى انتباهه أكثر من غيره طيلة حياته. ورغم أن عددا من أبرز ~~كتاباته المبكرة المهمة تعاطت مع الفنون والعلوم وفلسفة التاريخ، فمن الواضح أن شغفه ~~الأساسي خلال ms002 سنواته الأخيرة انصب على علم النبات الذي خصص له مجموعة من الرسائل أمست ~~بعد ترجمتها للإنجليزية مرجعا شهيرا في هذا العلم في إنجلترا. ولقد أشعل مؤلفه ~~«أحلام يقظة جوال منفرد» ثورة من الطبيعية الرومانسية في شتى أرجاء أوروبا في أواخر القرن ~~الثامن عشر، بينما حظيت روايته «إلواز الجديدة» بأوسع انتشار بين القراء في زمانه. ~~علاوة على ذلك، يعد مؤلفه «اعترافات» أهم عمل للسيرة الذاتية منذ السيرة الذاتية ~~للقديس أوغسطين، وكذا مؤلفه «إميل» عد أهم عمل عن التربية بعد كتاب «الجمهورية» ~~لأفلاطون. ومع ذلك، فقد حقق روسو أوسع شهرة له كفيلسوف أخلاقي ومفكر سياسي. # لقد قدر لمحل ميلاده وطفولته المبكرة أن يتركا انطباعات عميقة على حياته ونموه الفكري. ~~ولد روسو عام 1712 في جنيف، وكانت مدينة صغيرة يعتنق أهلها الكالفينية وتحيط بها ~~مجتمعات كبيرة كاثوليكية في الأغلب الأعم؛ فكانت دولة جبلية تحميها من أي غزو حدودها ~~الطبيعية والثقافة السياسية لمواطنيها، والأهم من ذلك أنها كانت جمهورية في وسط دوقيات ~~وممالك. وعندما وصف روسو لاحقا كاهن سافوي في روايته «إميل» وهو يدين بالإيمان لرب تصل ~~إليه من خلال الفطرة لا الوحي المنزل من السماء، على تل يطل على إحدى المدن، تخيل ~~صورة لتواصل مباشر بين رجل وخالقه كذلك الذي يمكن أن يشاركه إياه قليل من سكان المدن ~~الأخرى التي يعرفها. وفي معارضتهم للحكم الاستبدادي والامتيازات التي تمنح للمنتمين ~~للطبقة الأرستقراطية والتي تقوم على الفساد والرشوة، اعتبر كثير من مفكري القرن الثامن عشر ~~الملوك التقدميين حلفاء لهم في قضية الإصلاح. لكن روسو لم يبد أيا من الثقة التي تحلى ~~بها معاصروه في احتمال وجود حكم مطلق مستنير. وبينما دفع وجود التزام راديكالي، وهو الذي ~~قلل منه الخوف من الرقابة، لدى ديدرو وفولتير وغيرهما لنشر مؤلفاتهم دون وضع أسمائهم ~~عليها، استغل روسو كل فرصة سانحة له لينشر أعماله بتوقيع «مواطن من جنيف»، ولم يكف عن ~~ذلك إلا بعد أن اقتنع بأن بني وطنه فقدوا بوصلتهم بشكل كامل. ولم يكن أي من ~~رموز التنوير أكثر ms003 من روسو عداء للمسار الذي اتخذته الحضارة السياسية، ولم يكن أي منهم ~~في الوقت نفسه فخورا بهويته السياسية شأنه. # شكل 1-1: منظر لجنيف حوالي عام 1720 بريشة روبرت جارديل. # توفيت أم روسو بعد أن أنجبته مباشرة، فتعهده أبوه بالرعاية وتحمل مسئولية تربيته. وكان ~~يعمل في إصلاح الساعات، وكان صاحب مزاج رومانسي متقلب وسريع الغضب. وقد ألهم روسو حب ~~الطبيعة وعشق الكتب، ولا سيما الأعمال الكلاسيكية والتاريخ. لم يحصل روسو على تعليم رسمي ~~قط، وبدا بين الفينة والأخرى أنه يعوض هذا القصور بتذييل كتاباته بحواش مطولة أقر ~~فيها مصادر لم يجشم أقرانه المتعلمون تعليما جيدا أنفسهم عناء الاستشهاد بها. لكن ~~أم روسو ورثت مكتبة كبيرة، وقد شجع انبهار روسو الصغير بالأدب أبوه المثقف بطريقة ~~تثقيفية وصفها لاحقا روسو في مؤلفه «اعترافات» بأنها مميزة لحرفيي جنيف بالمقارنة ~~بحرفيي غيرها من البلدان. وورث من أبيه أيضا جل إخلاصه الشديد لمحل ميلاده؛ حيث «كل ~~الناس إخوة» و«مقر السعادة والفردوس»، كما قال لاحقا. ولقد خصص روسو على الأقل اثنين من ~~مؤلفاته الرئيسية - «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» (1758) و«رسائل من الجبل» (1764) ~~- في المقام الأول لتناول ثقافة بلده الأم أو نظامه السياسي، وألمح إلى أن عقده الاجتماعي ~~المشار إليه في كتابه «العقد الاجتماعي» وضع بحيث يصور المبادئ النبيلة لهذا البلد. ولم ~~يصور روسو في أي من مؤلفاته مفهومه للإخاء السياسي بقدر أكثر ثراء مما فعل في «رسالة ~~إلى السيد دالمبير عن المسرح» حيث استرجع الاحتفالات البهيجة التي كانت تقام في الخلاء ~~لكتيبة عسكرية جنيفية والتي ألهبت خياله وهو صبي (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ ~~السياسة والفنون: رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح). # لكن تعلقه بأبيه وبمحل ميلاده لم يساعده على تجاوز فقدانه لأمه. فعندما بلغ الخامسة عشرة ~~من عمره، تعرف على بارونة سويسرية تسمى السيدة دي وارين، كانت تعيش في آنسي بدوقية ~~سافوي التي توجد غرب جنيف تماما. ولقد اشتهرت هذه السيدة وهي لم تزل في التاسعة ~~والعشرين من عمرها ببراعتها في إقناع اللاجئين البروتستانتيين باعتناق الكاثوليكية، ms004 وقد ~~استقبلت روسو في بيتها وقربته منها بحفاوة ضيافتها التي التقت مع حماسه الشديد. وعلى ~~مدار السنوات العشر التالية، أولا في آنسي ومن بعدها في شامبري وأخيرا في المختلى المثالي ~~بوادي لي شارميت، أمسى روسو عشيقها وتلميذها. وبتوجيهها وببعض الدعم من تابعيها ~~والمتحولين للكاثوليكية على يدها، أكمل روسو تعليمه، خاصة في الفلسفة والأدب الحديث اللذين ~~لم يكن يعرف عنهما إلا القليل من قبل، وبدأ يفكر في امتهان مهنة الكتابة. وجزئيا أيضا ~~بإلهام من الحماس الديني للسيدة دي وارين، ارتبط روسو بالرب ومعجزات خلقه، الأمر الذي ميز ~~معتقداته الدينية عن معتقدات معظم معاصريه من المفكرين الذين كانوا إما ملاحدة وإما ~~متشككين، ومرتابين في حماسه المفرط؛ حيث بدا لهم أشبه بالخرافات الصوفية للكنيسة ~~الإكليريكية التي كان غايتهم هدمها. وطيلة فترة عشقهما، ولبقية حياته كان روسو ~~ينادي السيدة دي وارين بلقب «أمي»، نسبة إلى خصال العذوبة والبهاء والجمال التي تاق، ~~وهو طفل يتيم الأم، للعثور عليها في جميع النساء اللائي وقع أسيرا لسحرهن لاحقا. # كانت تيريز لوفاسور التي عاش معها روسو منذ عام 1745 تقريبا وحتى وفاته، وانتهى الأمر ~~به إلى الزواج منها، أقل جاذبية وفتنة بعض الشيء وأدنى تعليما بكثير من السيدة دي وارين. ~~ورغم عذوبتها الفاتنة الغضة أصلا، لم تستطع أن تملك عواطفه كما فعلت السيدة دي وارين. ~~ورغم أنه كان بحاجة إلى حنان الأم وكذا إلى الإشباع الجنسي من المرأتين الأبرز في حياته، لم ~~يكن روسو يحتمل فكرة تكوين عائلة خاصة به حتى إنه هجر أبناءه الخمسة الذين أنجبتهم له ~~تيريز، تاركا مصيرهم المجهول في أيدي إحدى دور الأيتام العامة. وزعم روسو لاحقا أنه كان ~~مدقع الفقر لدرجة تحول دون إعالته أطفاله على النحو الملائم، لكن سلوكه نحوهم جعله ~~يشعر بالأسى والخزي الشديدين. ولا شك أن ذلك جعل القراء يتساءلون كيف أمكنه أن يخط ~~أطروحته الرائعة عن تربية الأطفال؛ «إميل»، التي يمكن أن يراها القراء في بعض جوانبها على ~~أنها محاولة للتكفير عن أخطائه تجاه أطفاله؟! وحتى يومنا هذا، وصم ms005 هجر روسو لأطفاله ~~الصورة العامة لشخصيته أكثر مما فعلت أي من خصاله الأخرى . # شكل 1-2: صورة ظلية لتيريز لوفاسور. # اتضح أيضا أنه كان أقل اكتراثا من المفترض باحتياجات السيدة دي وارين؛ إذ ألمت ~~بها أزمة مالية طاحنة في خمسينيات القرن الثامن عشر حتى إنها اضطرت إلى تسجيل اسمها ضمن ~~قوائم الفقراء الذين هم بحاجة لإعانة من الحكومة. ووافتها المنية دون أن تفر من مستنقع ~~الفقر الذي سقطت فيه، ودون أي اتصال من روسو، في صيف عام 1762 بينما كان منشغلا بقلقه ~~حيال تأمين نفسه إثر استنكار السلطات الدينية أو العلمانية لكتاباته في فرنسا وسويسرا. ~~وفي أحد الشعانين، أو الثاني عشر من أبريل عام 1778، وقد دنا أجله ولم يفصله عنه سوى أسابيع ~~قلائل، خط روسو واحدة من أفصح صفحاته على الإطلاق، ألا وهي الجولة العاشرة في كتابه «أحلام ~~يقظة جوال منفرد»؛ حيث تأمل مرور 50 عاما على اليوم الذي التقى فيه السيدة دي وارين التي ~~ارتبط مصيره بمصيرها، واستمتع بين ذراعيها بفترة قصيرة وعذبة من حياته كان فيها على سجيته ~~تماما «دون قيود أو مشاعر مختلطة، واستطاع فيها الجزم حقا بأنه عاش أفضل أيام حياته» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). # عندما شرع روسو في أواخر العشرينيات من ~~عمره في الاستقلال بحياته، كان يحصل على أجر متواضع من اشتغاله بالتدريس الخاص في المقام ~~الأول، وكذلك من تدوينه للموسيقى، وعزم على أن يغزو باريس بمسرحية كوميدية، بعنوان ~~«نرسيسس»، وبشكل جديد للنوت الموسيقية. وبعد وصوله إلى باريس عام 1742 بفترة وجيزة، اتخذ ~~روسو من ديدرو صديقا له. كان ديدرو في مثل عمر روسو، ويتمتع بنفس الخلفية والطموح. ~~ودامت رفقتهما 16 عاما. لكن لم يكن لهما نفس المزاج في واقع الأمر؛ حيث كان ديدرو لبقا ~~ولطيفا أكثر، بينما روسو أكثر حساسية ودأبا. لكنهما تقاسما اهتمامات مشتركة في المسرح ~~والعلوم، ولا سيما الموسيقى. وعندما تعاون ديدرو ودالمبير معا وقاما بتحرير «الموسوعة»، ~~كلف روسو بكتابة أغلب المقالات المتعلقة بالموضوعات الموسيقية، ومقالة عن الاقتصاد ~~السياسي. ms006 وفي عام 1749، إثر نشر مقالته المعنونة ب «رسالة عن الأكفاء»، كابد ديدرو مأساة ~~الاعتقال لفترة وجيزة في سجن فانسين، وكان يزوره روسو بصفة يومية تقريبا، وسعى لدى السلطات ~~للإفراج عنه. وذات يوم وهو في طريقه إلى زيارة صديقه من مسكنه في باريس، صادف روسو إعلانا ~~عن مسابقة لكتابة مقالة عن الفنون والعلوم وأثرهما الأخلاقي على البشرية. وكان من المقدر ~~أن تغير هذه المسابقة مسار حياته. شارك ديدرو روسو في بداية الأمر حماسه بالأفكار ~~المعارضة للحضارة التي تشكل «الخطاب» الأول، لكن حماسه كان مرجعه وحسب أنه أعجب ~~بالفكرة المستفزة أن أحد المساهمين البارزين في موسوعته للفنون والعلوم ينبغي أيضا أن ~~يتولى مهمة التشكيك فيها. وكان منه أن تبنى لاحقا بعض الأفكار الأخلاقية الراديكالية، ~~ومنها ما كان قريب الشبه جدا بأفكار روسو نفسه، ولو أنه ظل دوما على قناعة بما أنكره ~~روسو؛ ألا وهو أن تطور المعرفة والثقافة يفضي إلى الارتقاء بالسلوك البشري كلما نبع من ~~الفضول الحقيقي الذي يتسق مع طبيعة الإنسان. # تخللت فترة إقامة روسو في باريس انتقاله لفترة وجيزة للبندقية وتعيينه في 1743-1744 ~~سكرتيرا للسفير الفرنسي هناك. في شبابه، قام روسو بزيارة مدينة تورينو، وتعلم الإيطالية ~~هناك حيث استمتع بالموسيقى الإيطالية التي سمعها كثيرا بحماس متقد لما تتسم به من ~~انسيابية ووضوح لا يشوشهما أي زيادات في التنقيح كتلك التي تتسم بها الأنماط الموسيقية ~~الفرنسية. في تورينو، وجد روسو الأداء الأوركسترالي الممتع المصاحب للطقوس الدينية أكثر ~~جاذبية من الترانيم الجامدة التي عدت، تجاوزا، ضربا من الموسيقى في كنائس جنيف. وفي ~~البندقية، تحمس روسو أيضا للموسيقى العلمانية والدارجة التي غمرت حواسه بالأنغام الشعبية ~~المستخلصة من الشوارع والحانات بالقدر الذي غمرتها الموسيقى المسرحية. ولاحقا، بعد عودته ~~إلى باريس، قارن بين الأوبرا الإيطالية والفرنسية، مرجحا الأولى على الأخيرة، على أساس أن ~~اللغة الفرنسية أقل انصياعا وطواعية للتعبير الموسيقي، والأسلوب الفرنسي للموسيقى الغنائية ~~يفتقر أصلا إلى التتابع النغمي الواضح، وتثقل كاهله بشدة الجماليات الموسيقية والإضافات ~~المتآلفة السطحية. # شكل 1-3: صفحة العنوان المنقوشة لأوبرا ms007 «عراف القرية» (باريس، 1753). # أدى الخلاف الذي نشب في منتصف القرن الثامن عشر بين روسو ورامو، أبرز المؤلفين ~~الموسيقيين بفرنسا والمنظر الموسيقي الأشهر في عصره، إلى الهجوم بعنف على أفكار روسو ~~هذه الخاصة بالموسيقى. وكانت مقالة روسو المعنونة ب «رسالة عن الموسيقى الفرنسية» عام 1753 ~~- التي شنق العامة على إثرها تمثالا لروسو تعبيرا عن كراهيتهم له؛ وذلك لأن التأملات ~~الواردة فيها عن الموسيقى الفرنسية عدت مثيرة للفتن - أحد أكثر مؤلفات روسو إشعالا ~~للشقاق، والمؤلف الوحيد، بحسب زعم روسو نفسه في كتابه «اعترافات» (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الأول؛ اعترافات)، الذي عرقل اندلاع ثورة سياسية في فرنسا. كان طرد الملك لقضاة ~~برلمان باريس في نوفمبر من ذلك العام في أزمة وطنية اندلعت إثر الصراع بين الينسينيين ~~واليسوعيين؛ قد أحدث اضطرابات عنيفة، لكنها لم ترق، بحسب زعم روسو، إلى الاضطرابات التي ~~أشعلها مؤلفه عن الموسيقى الذي صرف انتباه العامة عن القيام بثورة ضد الدولة وتحولت إلى ~~ثورة ضد شخص روسو. ومن المفارقة أن الأيام أثبتت أن «رسالة عن الموسيقى الفرنسية» هو ~~المؤلف الوحيد لروسو الذي حظي بالتأييد الكامل تقريبا للمفكرين الذين انشغلوا بقضية ~~الموسيقى الإيطالية بحماس لا يقل عن حماس روسو نفسه. في عام 1752، ألف روسو أوبرا بعنوان ~~«عراف القرية» أنتجها بأسلوب إيطالي، ولاقت إعجابا شديدا من الناس حتى إن كلا من جلوك ~~وموتسارت قلداها وتفوقا على روسو في جودة عملهما. وعندما نشر روسو «قاموس الموسيقى» عام ~~1767 الذي استقاه إلى حد كبير من مقالاته المخصصة ل «الموسوعة»، كان عليه أن يستعرض ~~أفكاره المبكرة حول الموسيقى والأوبرا بتفصيل أكبر مما سبق، بينما في عمله «مقالة عن أصل ~~اللغات»، الذي يرجع إلى أوائل ستينيات القرن الثامن عشر، استطاع أن يربط بين تلك الأفكار ~~وفلسفته التاريخية، ناسبا حيوية موسيقية أكبر للغة اللاتينية القديمة مقارنة بالفرنسية ~~المعاصرة، وعازيا فضائل وحرية أكثر لمواطني الجمهوريات القديمة الذين عبروا، بحسب رأي ~~روسو، عن مشاعر الإخاء في جمل موسيقية فضفاضة من النوع الذي لم يعد شائعا بين رعايا ~~الحكم الملكي المعاصرين. # في ms008 كتابه «اعترافات»، علق روسو على اكتشافه أيضا، ~~في البندقية، أن «كل شيء يعول بالكامل على السياسة»؛ ولذلك فإن «الشعوب في كل مكان هي نتاج ~~ما يريده من يحكمونهم منهم» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). وكان روسو ~~مقتنعا بأن البشر ليسوا أشرارا بطبيعتهم، لكنهم باتوا كذلك بشكل متكرر جدا تحت وطأة ~~الحكومات العقيمة التي أنتجت الرذائل. وإذا كان كل شيء يعول على السياسة، فمن الممكن ~~عزو الشخصية السوية لبني وطنه الجنيفيين من ناحية، والفساد الأخلاقي لجمهورية البندقية ~~التي كانت لها مكانة مرموقة في فترة من الفترات من ناحية أخرى، لنفس السبب. إثر إقامته في ~~البندقية وعودته إلى باريس، عاصمة أعظم الممالك آنذاك، كان روسو في موقف يسمح له ~~بالمقارنة بين أعمال ثلاثة أنظمة سياسية مختلفة جدا، يتحمل كل منها مسئولية تشكيل شخصية ~~شعبها. ولاحت أول فرصة له للربط بين أفكاره عن اضمحلال الثقافة والجذور السياسية للرذيلة ~~في عام 1749 عندما كتب مقالته «خطاب حول الفنون والعلوم». قال روسو في مقالته إنه بينما كان ~~أسلافنا أقوياء، نجد أن الغلو في الفخامة والرخاء استنفد حيويتنا وجعلنا عبيدا للمظاهر ~~الخارجية للحضارة. لقد أنتجت أسبرطة أمة قوية؛ لأنها لم تكن مهتمة بالفنون والعلوم، بينما ~~عجزت أثينا الدولة العتيقة الأكثر تحضرا عن الحيلولة دون تحولها لدولة استبدادية، ولازمت ~~الأبهة المتزايدة لروما وغيرها من الإمبراطوريات تراجعا في قوتها العسكرية والسياسية. في ~~كل مكان، كان روسو يرى أن «الفنون والآداب والعلوم تنتشر انتشار أكاليل الزهور حول القيود ~~الحديدية التي تثقل كاهل الرجال وتكبلهم» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات ~~والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وبقدر غيره من الأفكار الأخرى الواردة في مؤلفاته ~~اللاحقة، ظل هذا المبدأ - ألا وهو تحديدا أن «المعرفة» تنبع من «القوة» - بعد ذلك ركنا ~~أصيلا في فلسفته. كان روسو قد استلهم هذا المبدأ من السفسطائيين القدماء ثم أعاد كل من ~~ماركس ونيتشه صياغته بعد روسو، ومن ثم صار مبدأ محوريا للنقد ما بعد الحداثي لعصر ~~التنوير بصفة عامة. # حصل روسو من خلال مقالته «خطاب حول الفنون والعلوم» ms009 على الجائزة الأدبية التي ألف ~~المقالة لأجل الحصول عليها، وبين ليلة وضحاها تقريبا حولته الجلبة التي أحدثتها تلك ~~المقالة من أديب مغمور شارف على منتصف العمر إلى أشهر سوط موجه للحضارة الحديثة. ~~ومن بين العوامل الأساسية وراء سمعة تلك المقالة السيئة الطريقة التي قلب بها الرؤية ~~السائدة في القرن الثامن عشر للصراع الملحمي بين الفضيلة والرذيلة. تحدث فولتير نيابة عن ~~كثير من الرجال ذوي الآراء المستنيرة في عصره عندما ربط، في مؤلفه «رسائل فلسفية» وفي ~~أعمال أخرى، ما بين الفضيلة وتقدم العلم والتعلم، وصور التحسن التدريجي للسلوك البشري ~~في ضوء الصحوة البطيئة لأوروبا الحديثة من مستنقع عصور الظلام التي اتسمت بالخرافات والجهل. ~~ولقد وضع ديدرو ودالمبير مؤلفهما «الموسوعة» على نفس هذا المنوال تقريبا. وفي ~~المقابل، نجد أن روسو أشاد بمزايا العصر الذهبي القديم الهمجي الذي حرم منه البشر ~~وضيعوه بسبب شهوتهم العمياء للتعلم. وبذلك لم يعط روسو الانطباع وحسب بميله إلى الهمجية ~~وتفضيلها على الحضارة، بل بدا أيضا لمعاصريه المستنيرين وكأنه نسي أن المصدر الأساسي ~~للشقاء والقنوط في العالم المعاصر، ألا وهو الكنيسة المسيحية، استقى قوته من الصوفية ~~نفسها تقريبا التي عززها الجهل الذي أثنى عليه روسو في العالم القديم. شجب فولتير ~~وأتباعه هذه الرؤية الخاصة ببراءتنا القحة، واتهموا روسو بالتخلي عن قضايا الإصلاح السياسي ~~والديني التي كان حريا به أن يساندها لينتكس إلى حالة من الغباء الفج. لقد كان هذا ~~التقييم لنظريته عن طبيعة الإنسان من عدة أوجه بعيدا كل البعد عن الصواب، لكنه ركز ~~على أحد المبادئ المحورية لفلسفته، الذي أقر كثيرا بكونه المشكاة التي تستنير بها ~~أعماله، ألا وهو أنه بينما يفعل الخالق كل ما هو خير، فإن البشر يفعلون كل ما هو شر وخسيس. ~~لقد كان روسو يؤمن أن الشر هو التبعة الأساسية لأعمال البشر، إن لم يكن دوما غاية النيات ~~البشرية. # في أوائل خمسينيات القرن الثامن عشر، ~~انشغل روسو بشكل أساسي بكتاباته عن الموسيقى، ومواجهة اعتراضات بعض نقاد مقالته «خطاب ~~حول الفنون والعلوم». ولقد كان ms010 يدين على نحو ما لهؤلاء الذين صرفوا انتباهه عن انحدار ~~الثقافة ووجهوه بدلا من ذلك إلى الأثر الوخيم للعوامل السياسية والاقتصادية على الأخلاق ، ~~ما دام أنهم رددوا، بحسب ما تراءى له، حقيقة اكتشافه المتعلق بالفساد الأخلاقي لجمهورية ~~البندقية. بحلول خريف عام 1753، شرع روسو في صياغة نسخة جديدة وأكثر إحكاما من فلسفته ~~التاريخية والتي فيها حمل مسئولية فسادنا الأخلاقي للسعي وراء اللامساواة لا الرفاهية، ~~وفي هذه النسخة الجديدة أيضا تعاطى روسو مع علاقات السلطة التي تعمل على تأسيس الملكية ~~الخاصة باعتبارها السبب الرئيسي للاضمحلال الأخلاقي للبشرية. فلا بد أن التخصيص المرخص به ~~حكوميا للأراضي من قبل البعض على حساب الآخرين أفضى لا محالة إلى تأسيس المجتمع المدني ~~بالمكر والإجحاف، هكذا زعم روسو في مقالته «خطاب عن اللامساواة» عام 1755 حيث استعرض هذا ~~الطرح في سياق تاريخ افتراضي للجنس البشري حاول فيه أيضا تفسير الأصل الاجتماعي للعائلة ~~وللزراعة، وصور أصول الأنواع المختلفة للحكم فيما يتعلق بالتوزيعات المجحفة للملكية ~~الخاصة التي لا بد أنها كانت لها داعما. # في عملية الاستعراض الافتراضي للماضي هذه، طرح روسو ~~العديد من الملاحظات المهمة لنظريته السياسية والاجتماعية التي لم يكن قد أفصح عنها من قبل. ~~كانت الغاية من تأكيده الجديد على اعتبار تأسيس الملكية الخاصة، بدلا من السعي وراء ~~الثقافة والتعلم، المصدر الرئيسي لفسادنا الأخلاقي؛ الطعن على ما اعتبره روسو أسس التشريع ~~القانوني الحديث بدءا من جروشيوس وهوبز وحتى بوفندورف ولوك. لم يعارض أي مفكر قط من ~~عصر التنوير هذا التقليد بشكل مباشر كما فعل روسو في «الخطاب» الثاني، ولم يطرح أي نقد ~~خلال القرن الثامن عشر للآراء السابقة عن الطبيعة البشرية مثل هذا المفهوم الدرامي للتحول ~~التطوري في سماتنا المجتمعية. علاوة على ذلك، فتفرقة روسو بين الإنسان البدائي والمتحضر في ~~هذا العمل أمست تدور في فلك فكرة التمييز ما بين خصالنا الطبيعية والأخلاقية التي لم ~~يتناولها من قبل. أصر روسو الآن على أن الأخلاق لا تنبع من الطبيعة البشرية، بل من ~~تغير طبيعة الإنسان في المجتمع في ms011 ظل حالات اللامساواة الصارخة التي شكلت حياتنا على نحو ~~مختلف تماما نوعيا عن التفاوتات الطبيعية البسيطة بيننا. يقول روسو في «خطاب عن ~~اللامساواة» إن تأسيس الملكية الخاصة، أبعد ما يكون عن التعبير عن أفضل ما هو دفين في ~~الطبيعة البشرية؛ شوه هذه الطبيعة وحول السعي وراء الشرف وتقدير الناس إلى ضرب خسيس ~~ومحبط من المنافسة. إن التصوير الافتراضي لخصالنا الأساسية التي طرحها هنا لأول مرة جعلت ~~الهمجي حقا يدنو من الحيوانات الأخرى بدلا من أن يقترب إلى الإنسان المتحضر، الأمر ~~الذي أعطى روسو مجالا لتأمل الاختلافات بيننا وبين القردة العليا وغيرها من ~~الرئيسيات. وصار روسو مؤمنا بأن البشر هم النوع الوحيد في العالم الطبيعي الذي يستطيع أن ~~يصنع تاريخه الخاص، وأن سوء استغلال قدراتنا جعلنا بلا شك نحيا في المجتمع حياة أكثر ~~توترا وبؤسا من غيرنا من المخلوقات. # لقد صادف «الخطاب» الثاني الوقت المناسب لممارسة أثر عميق على تطور الفكر الأوروبي في ~~مجموعة متنوعة من المجالات، لكنه كان له في البداية أثر أقل عمقا على قرائه من عمله «خطاب ~~حول الفنون والعلوم» أو «رسالة عن الموسيقى الفرنسية». ولكن، بالنسبة إلى المفكرين الذين ~~كان متوافقا معهم في الرؤية قبل ذلك، فقد أكدت مقالته هذه وضاعفت مخاوفهم من أن خطابه ~~الأول كان تعبيرا عن إيمان حقيقي من جانبه، وأنه لم يعد من الممكن النظر إليه كعضو في ~~معسكر حلفاء التنوير أو التطور. ولا شك أن ضرورة تخلي روسو عن رفقة بعض أصدقائه القدماء ~~أصبحت واضحة له، وهو الشخص الذي كان يشعر دوما بعدم الراحة وسط الملحدين والمتشككين. ولا ~~مراء أن حماسه غير المألوف الذي كان يخفيه فقط بعض الاستحياء الذي كان يبديه وسط ~~الناس مستلهم إلى حد ما من السيدة دي وارين، واعتبره بعض أصدقائه الباريسيين، وكذلك ~~ديدرو نفسه في نهاية المطاف، دليلا على تظاهره بالورع وتكبره الشديد. # عندما بدأت الصراعات تشتعل بينه وبين رفاقه في أواسط خمسينيات القرن الثامن عشر، زعم ~~أنه لم يعد يحتمل لامبالاتهم الأخلاقية. في البداية، أراد العودة ms012 إلى جنيف، لكن قرار ~~فولتير بالاستقرار فيها أثناه عن هذه الخطوة. فبعد أن سجن مرتين في سجن الباستيل، كان ~~فولتير يبحث فقط عن ملجأ يستطيع فيه متابعة اهتماماته دون أن يعرض نفسه لخطر كبير، وفي ~~بيئة أكثر ملاءمة من عالم الملك فريدريش العظيم، ملك بروسيا، حيث الحراب لها الأفضلية ~~على الكتب. لكن روسو أحس بأن ثمة دوافع خبيثة في هذا التعدي على مدينته الأم. وخشي روسو أن ~~يحدث فولتير تحولا في الأخلاق الحميدة لبني وطنه، فيمسوا فاسدين شأنهم شأن الباريسيين، ~~وأنه إذا عاد لمحل ميلاده فكان سيتعين عليه مواجهة الرذائل نفسها التي جعلته يفر من فرنسا. ~~ولذا، فقد استقر رأيه على القبول بمعتزل ريفي اسمه ليرميتاج، يقع شمال باريس مباشرة في ~~غابة مونتمورنسي، عرضته عليه السيدة ديبيني صديقة ديدرو التي كانت لفترة وجيزة راعيته ~~وأقرب أصدقائه، رغم أنها تحولت لاحقا إلى واحدة من أشرس خصومه الذين عرفوه حق المعرفة. ~~وبالتزامن مع وصوله إلى ليرميتاج في التاسع من أبريل عام 1756، بدأ روسو في الانفصال عن ~~جميع المفكرين تقريبا الذين كانوا رفاقا له منذ أوائل أربعينيات القرن الثامن عشر. وسرعان ~~ما حدث خلاف بينه وبين ديدرو الذي ألف مسرحية خلال تلك الفترة بعنوان «الابن غير ~~الشرعي»، وكانت تتناول في جزء منها شرور العزلة، فاعتبرها روسو بادرة ازدراء شخصي من جانب ~~ديدرو له. وعندما ألف فولتير في عام 1756 أشعاره عن القانون الطبيعي وزلزال لشبونة الذي ~~حدث في العام المنصرم والتي سخر فيها من سذاجة الإيمان الأعمى بالعناية الإلهية وبأن كل شيء ~~على الحال التي ينبغي أن يكون عليها، رد عليه روسو في مقالته «رسالة حول العناية الإلهية» ~~بأن الرب ليس مسئولا عن الشر، وأن عالم المعاناة البشرية الذي يتذمر منه فولتير صنيعة ~~البشر وحدهم. واتخذ الرد الساخر لفولتير على روسو (وكذلك على لايبنتس وبوب) شكل رواية ~~أخلاقية ساخرة أطلق عليها اسم «كانديد». # بحلول عام 1758، كان روسو قد قطع كل علاقاته بشكل كامل برفاقه السابقين. وقبلها بعام ~~واحد، خط دالمبير مقالة مهمة عن ms013 جنيف في المجلد السابع من «الموسوعة» دافع فيها عن تأسيس ~~مسرح في تلك المدينة، ذكر فيها أن المسرح من شأنه الارتقاء بثقافتها، ومن ثم تعزيز ~~التطور الأخلاقي لأهلها. واعتقد روسو بأن فولتير تآمر مع دالمبير في كتابة هذه المقالة، ~~فوضع مقالته «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» لمواجهة محاولة إفساد أخلاق أهل مدينته، ~~وفي نفس الوقت لمواجهة دالمبير نفسه. وهاجم روسو فن المسرح باعتباره يتنافى مع روح الحب ~~الأخوي التي كانت شائعة، ويتعين استرجاعها الآن في مدينته الأم. وكما قرر أفلاطون استبعاد ~~الجماليات الفاتنة ولكن المتكلفة في الوقت نفسه لملحمتي هوميروس من جمهوريته الفاضلة، كذلك ~~فعل روسو في مقالته «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» حيث حاول الحفاظ على جنيف من ~~السخرية الماكرة جدا لموليير الذي كان باستطاعته ببراعة أن يحيل استقامة أهلها وورعهم ~~إلى شيطنة ونفاق عبر عروض ترفيهية ذات حيل خبيثة جاعلا أبناء المدينة فريسة لنواياه ~~المراوغة، ومن ثم يستنفد حماس الأمة المندفع القح الذي تقوم عليه قوتها. # شكل 1-4: صورة ل «ليرميتاج» نقشها ديزيريه بناء على رسم لجوتييه. # وحدث أنه في الفترة التالية مباشرة لرحيله من باريس كتب روسو روايته «جولي أو إلواز ~~الجديدة»، وهي الرواية الأشهر على الإطلاق في فرنسا خلال أواخر القرن الثامن عشر. لقد ~~استلهم جزئيا هذه الرواية المكتوبة على هيئة رسائل عن آلام الحب المحبط في صراعه مع ~~الواجب من روايات ريتشاردسون وبريفو، وتحتوي على بعض أرق المقاطع الغنائية عن الحب ~~الرومانسي والرغبة العذبة، والبساطة الريفية. وإذا كانت مسرحية «كانديد»، إلى حد ما، ~~استجابة فولتير الروائية لمقالة روسو «رسالة حول العناية الإلهية»، يجوز اعتبار مقدمة رواية ~~«إلواز الجديدة» ملحقا لمقالة «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» التي أراد روسو في واقع ~~الأمر توجيهها إلى فولتير. كتب روسو: إن «المسرح مهم في المدن الكبيرة، والشعب الفاسد بحاجة ~~إلى مسرحياته. لقد كنت شاهدا على الأخلاق في زمني، ونشرت هذه الرسائل. ليتني أستطيع العيش ~~في قرن يتسنى لي فيه أن أتخلص من تلك الرسائل!» (الأعمال الكاملة، ms014 المجلد الثاني؛ جولي أو ~~إلواز الجديدة). # في الفترة ذاتها، أنهى روسو روايته «إميل» التي تضارع في الحجم تقريبا روايته «إلواز ~~الجديدة»، وترتبط بها إلى حد ما ، ولا سيما أنها تنتهي كرواية، رغم أنها بدأت كأطروحة عن ~~التربية. يبدأ الكتاب الأول من النص ببيان مبدأ عده روسو في أواسط خمسينيات القرن الثامن ~~عشر عماد فلسفته بصفة عامة: «كل شيء يصنعه الخالق حسن، وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لقد كانت الفكرة الرئيسية لرواية ~~«إميل» هي وضع خطة تربوية استنادا إلى الطبيعة لا الفن، يسمح فيها لميول ورغبات الطفل ~~بالنمو، كل في الوقت المناسب لها، بدلا من أن تجبر على أن تتشكل قبل أوانها أو ~~تعرض لسيطرة خارجية، بالتوجيه أو بالتلقين. رسم روسو هنا سردا وراثيا للنمو الروحي ~~للفرد عبر خطوط تعكس منظوره الثوري، الذي عرضه في «الخطاب» الثاني، الخاص بانتقالنا من حالة ~~الهمجية إلى حالة التحضر، رغم أنه صور هذا النمو في روايته «إميل» عبر صور للعاطفة والرغبة ~~الجنسية بدلا من المنطق والسلطة. ولكن أثناء تشكل قدرات الطفل، فإن القاعدة التي تشير إلى ~~أنه لا بد أن يعول أولا على الأشياء لا البشر تفتح أمامه إمكانية وجود نوع من التربية ~~مختلف تماما عن ذلك الذي أفضى لا محالة إلى فساد الجنس البشري في الماضي. كانت رواية ~~«إميل» أول أعمال روسو التي تشير إلى شكل من الاستقلال ما زال بالإمكان أن يحصل عليه ~~الأفراد حتى داخل المجتمع الفاسد الذي هكذا يمكن الفكاك من قبضته عن طريق غرس الاعتماد على ~~الذات. بالتالي، يقدم هذا العمل رؤية متفائلة حذرة، وإن كانت غير متحققة، حيال احتمال حدوث ~~النمو المتصور، الأمر الذي لم يكن متجليا في كتاباته السابقة. لا شك أن هذا التغير ~~الكبير في نبرته كان نابعا جزئيا من نجاح روسو في تحرير نفسه من بهرجة المجتمع ~~الباريسي. # شكل 1-5: الصورة الموجودة في صدر كتاب «ملاحظات على كتابات وسلوك جان جاك روسو» ~~(لندن، 1767) لهنري فيوزيلي، وفيها يظهر ms015 روسو مشيرا إلى فولتير جاثما فوق ~~البشرية، بينما العدالة والحرية على المشنقة. # ولكن، وفقا لمؤلفه «اعترافات»، كان أول ~~عمل يؤلفه روسو في بيته الجديد هو «العقد الاجتماعي »، وهو مؤلف شرع في وضع خطة له بالفعل ~~بينما كان في البندقية، وأمسى في ذلك الوقت عازما على جمع مادته في أفضل ما ألفه على ~~الإطلاق. ولعل من الأفضل فهم مبادئ العقد الاجتماعي الحقيقي في مقابل صيغة الاتفاق ~~المشئومة الواردة في «الخطاب» الثاني. فهذا العقد، إذا فهم الفهم الصحيح، سنراه يحقق ~~للمواطنين حريتهم الحقيقية بدلا من أن يدمرها؛ وذلك بالمساواة بينهم تحت مظلة القانون ~~بدلا من إخضاعهم لحكامهم السياسيين المعينين. فهو يرى في هذا الكتاب أن الحرية ~~والمساواة معا هما المبدآن الجديران بأن يكونا أهم مكونات أي نظام تشريعي، وجزء كبير من ~~هذا الكتاب مخصص لتفسير علة ذلك. وبعد أن ميز روسو بالفعل ما بين النطاقين الأخلاقي ~~والسياسي من ناحية والطبيعي والمادي من ناحية أخرى لحياتنا، زعم أن الأشكال المميزة للحرية ~~أو التحرر ملائمة لكل من الجانبين. وقال روسو إنه من دون الحكومة، يمكن للناس أن يكونوا ~~أحرارا بشكل طبيعي بمعنى عدم الخضوع لإرادة الآخرين، لكن حريتهم سترتبط وحسب بإشباع ~~رغباتهم الأساسية. وفي المجتمع السياسي الذي يقتضي إقامته التخلي عن حريتنا الطبيعية - في ~~هذا المجتمع وحده - يمكننا إدراك الحرية المدنية أو الأخلاقية. والأولى تجعلنا معتمدين ~~على المجتمع بأسره، بينما تخضعنا الثانية إلى القوانين المعبرة عن إرادتنا الجمعية. ~~في «العقد الاجتماعي»، زعم روسو أن الدولة يمكن أن تكون أداة للحرية إذا كانت لرعاياها ~~جميعا السيادة في الوقت نفسه؛ لأنه حينئذ وحسب يمكن القول بأن الناس يحكمون أنفسهم حقا. ~~ولاحظ روسو أنه فقط عندما يشارك كل المواطنين بالدولة في العملية التشريعية، يستطيعون معا ~~منع إساءة استخدام السلطة التي قد يسعى بعضهم إلى استغلالها. ورغم أن بعض معاصريه، مثل ~~مونتسكيو وفولتير، أثنوا على المبادئ الليبرالية المنصوص عليها في الدستور الإنجليزي، حكم ~~روسو، استنادا إلى هذه الأسس، على نظام الحكم البرلماني الإنجليزي بأنه لا يتوافق مع حرية ms016 ~~الناخبين فيما يتعلق بتفويض السيادة من جانب الشعب لنوابه. # بعد أن نشر روسو «العقد الاجتماعي»، كتب «دستور كورسيكا» عام 1765، ومقالة «حكومة بولندا» ~~حوالي عام 1771، بدعوة في المرتين من مواطنين بارزين في هذين النظامين الناشئين ليكون ~~روسو مشرعا لهما. لو كانت كورسيكا نجت من الغزو، وبولندا من انقسامها، لكان من ~~الممكن، في أواخر القرن الثامن عشر، أن نشهد كيف يمكن تطبيق مبادئ «العقد الاجتماعي» على ~~دساتير دول حقيقية. لقد كان قصده دوما أن هذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال، هكذا زعم روسو، ~~فيما يتعلق بالسعي للجمع ما بين النظرية والممارسة السياسية، وهكذا كانت نية معجبيه ممن ~~قاموا بالثورة الفرنسية لاحقا، ولو بطريقة مختلفة. وبمقابلة فلسفته بفلسفة أفلاطون ومور ~~أيضا، أكد روسو أنه لم يطرح رؤية مثالية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع. على العكس من ~~ذلك، فالغاية من «العقد الاجتماعي» بيان الأسس النظرية لشيء أقرب ما يكون إلى المراد، ~~ويظهر هذا تحديدا في دستور جنيف، واعتقد روسو أنه لأن ذلك الدستور لم يتم تطبيقه، فقد ~~استثار غضب السلطات الحالية لدولته الأم (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث). لقد كانت هذه ~~واحدة من بين الحجج الرئيسية لعمله الثالث المكرس إلى حد بعيد للسياسة، ألا وهو «رسائل ~~من الجبل» عام 1764. # لكن الجزء الذي أثار، في حياته، غضب ~~العامة الشديد نحو مؤلفه «العقد الاجتماعي» كان الفصل قبل الأخير الذي يتناول الدين ~~المدني. أكد روسو هنا على أهمية الأساس الديني وكذا السياسي لمسئولياتنا المدنية الذي بناء ~~عليه يؤدي المواطنون ويحبون واجبهم باعتباره مسألة تتعلق بالإيمان الوطني مع ضمهما معا في ~~إيمان بإله قدير وخير وغفور. إن هذا الجانب من فكره، الذي استلهمه جزئيا من مكيافيللي ~~الذي كان معجبا بأفكاره، زج بروسو في صراع مع كلا المؤسستين الدينية والسياسية ~~المعاصرتين له وكثير من نقادهما البارزين. بالنسبة إلى المفكرين المهتمين بإصلاح نظام الحكم ~~القديم، بدا حماسه الديني مرة أخرى خيانة للتنوير واستنهاضا خبيثا للإيمان الأعمى في فجر ~~عصر العقل. من ناحية أخرى، فإن إدانته السريعة للمسيحية التي وصفها ms017 بأنها تناسب الحكومة ~~المستبدة أكثر من غيرها أثار ثائرة الكنيسة والسلطات السياسية على حد سواء. علاوة على ذلك، ~~فقد كان قسم «عقيدة كاهن سافوي» في روايته «إميل » التي نشرها روسو تقريبا في الوقت نفسه ~~الذي نشر فيه مؤلفه «العقد الاجتماعي»، بمثابة التعبير الأكمل والأكثر بلاغة عن فلسفته ~~الخاصة بالدين الطبيعي بالمقارنة بالدين المنزل من السماء، الأمر الذي أثار استياء تلك ~~السلطات بقدر أكبر. # ولم يسلم روسو قط في واقع الأمر من الاستهجان؛ فقد حظر مؤلفاه «إميل» و«العقد ~~الاجتماعي» أو صودرا في باريس، وأحرقا في جنيف. وجد روسو نفسه مضطرا للفرار من إحدى ~~المدينتين وعرضة للاعتقال في الأخرى، وبذا كان في عام 1762 مطاردا وهاربا من العدالة، وقد ~~اندهش من سرعة ردة الفعل الرسمية لآرائه التي كان يراها مجرد رؤى مختلفة متعلقة بالمسيحية ~~مقارنة بالرؤى الإلحادية للكثير من المفكرين، وكذلك من الإخفاق المبدئي لأبناء وطنه في ~~إغاثته. في مايو 1763، وهو في قمة القنوط، وبعد أن وجد ملاذا مؤقتا في موتييه، على مقربة ~~من نوشاتيل، الخاضعة للولاية الاسمية لفريدريش العظيم، ملك بروسيا، تخلى روسو عن جنسيته ~~الجنيفية. بعدها ظل مشردا، واضطر أن يسافر عادة متخفيا وتحت اسم مستعار، وأصبح تحت رحمة ~~الذين عرضوا عليه حمايته الذين كان هدفهم الأساسي، كما كان روسو يظن أحيانا، نصب ~~فخاخ له وتشويه سمعته. كان ديفيد هيوم من بين هؤلاء، حيث صحب روسو في يناير 1766 شخصيا ~~إلى إنجلترا، واستقر فيها حوالي 18 شهرا، وتحديدا في ووتون في ستافوردشير. وغلبت عليه في ~~تلك الفترة شكوك في وجود مؤامرة دولية لتشويه سمعته، ألقت به في بحر من الأسى، وتسببت ~~لهيوم في إزعاج شديد. وفاقم الاضطهاد الحقيقي من جنون الاضطهاد الذي أصيب به روسو لا محالة ~~على الأقل بداية من أواسط ستينيات القرن الثامن عشر، ولبقية حياته ظل مقتنعا بأن رفاقه ~~القدماء في طليعة عصر التنوير - ديدرو ودالمبير ودولباك وجريم - بمساعدة فولتير وأصدقائه ~~النبلاء الذين طالما مقتوه، اتحدوا مع أعدائه السياسيين في شبكة ضخمة من أجل التآمر ضده. ~~وبعد ms018 أن عاد إلى فرنسا بعد تعهده بالامتناع عن نشر كتاباته، وجد راحته في الانعزال، ~~ودراسة علم النبات، وتوحده الغنائي الرومانسي مع الطبيعة، بحسب ما ورد في آخر أعماله ~~البارزة ، وأفضلها على الإطلاق لدى بعض القراء «أحلام يقظة جوال منفرد»، الذي ظهر بعد وفاته ~~بالتزامن مع ظهور الجزء الأول من مؤلفه «اعترافات». في عام 1778، وبعد أن انتقل مرة أخرى ~~إلى ملتجأ في شمال باريس تماما بفترة وجيزة، في إيرمنوفيل، الذي وفره له الماركيز دي ~~جيراردان، توفي متأثرا بسكتة دماغية «دون أن ينطق بكلمة واحدة»، بحسب ما جاء على لسان ~~أرملته (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم 8344)، مما يناقض الادعاءات الواهية بأنه مات ~~منتحرا. # شكل 1-6: بورتريه لروسو منسوب إلى جروز. # ولكن، رغم أن روسو أمسى منعزلا عن مفكري عصر التنوير الكبار، فقد كان له الكثير من ~~المريدين الشغوفين به أيضا في شتى أرجاء فرنسا وبين الدوائر الراديكالية في جنيف، والأهم ~~من ذلك ربما في الدول المستنيرة الموجودة على أطراف أوروبا، ألا وهي: إيطاليا واسكتلندا ~~وألمانيا؛ حيث كان كانط وجوته أبرز المعجبين به من الجيل أو الجيلين التاليين. وأثناء ~~الثورة الفرنسية، عندما عرضت مخطوطة كتاب روسو «اعترافات» على المؤتمر الوطني، ونقل ~~جثمانه رسميا إلى باريس، كان أثره على الحياة والفكر في القرن الثامن عشر في ذروته. ولا ~~توجد أية شخصية بارزة في عصره مثل روسو عبرت بقدر أكبر من الوضوح عن التزام الثوريين ~~بمبادئ الحرية والمساواة والإخاء، ولا يوجد من أبدى إخلاصا أعمق لنموذج السيادة الشعبية ~~الذي بشر تبنيه في فرنسا بنهاية نظام الحكم القديم. ويعد المسار المهني السياسي ~~لروبسبيير الملقب بالنزيه - بالتحديد معارضته للمحسوبية واللاهوت الكهنوتي ووطنيته وترويجه ~~لعبادة الكائن الأسمى، وكذا الكثير من الممارسات خلاف ذلك - أعظم تجل عملي على الإطلاق ~~لمبادئ روسو. لم يدع روسو نفسه قط إلى الثورة، وكان حكمه على الثورات السياسية بأنها ~~أسوأ من الداء الذي تعتزم علاجه، ولم يعقد آمالا كبيرة على الخلاص السياسي للبشرية. لكنه ~~تنبأ بأزمة وشيكة ستحل بأوروبا، وحلول عصر ثوري، وتمنى تفادي هذا ms019 التحول الثوري. ~~وعندما اندلعت الثورة الفرنسية بعد عقد من وفاته، خط كثير من قادتها رغم ذلك ~~برامجهم ودساتيرهم في ظل الضوء الساطع لفلسفته. وبسبب هذا، لقي روسو نقدا لاذعا واعتبروه ~~أحقر مفكري القرن الثامن عشر بأسره عندما انهارت الثورة وتمخض عنها في بداية الأمر إرهاب ~~اليعاقبة، ومن بعده البونابرتية، وبحسب النقاد، أفضت في نهاية المطاف إلى شمولية حديثة ~~بصفة عامة. # الفصل الثاني # | الثقافة والموسيقى وفساد الأخلاق # قال روسو في مؤلفه «اعترافات» إنه ذهل عندما قرأ إعلان أكاديمية ديجون بمجلة ميركور دي ~~فرانس في عددها الصادر في أكتوبر 1749 عن مسابقة أفضل مقالة تجيب عن السؤال التالي: «هل ~~يساهم إحياء الفنون والعلوم في تهذيب الأخلاق؟» كتب روسو يقول: «فور أن قرأت هذا ~~الإعلان، تجلى لي عالم آخر وأمسيت رجلا مختلفا» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ ~~اعترافات). توقف روسو عند شجرة ليلتقط أنفاسه، وانفعل إلى حد الهذيان تقريبا بفعل رؤية ~~متحمسة للخيرية الطبيعية للبشر والتناقضات الخبيثة للنظام الاجتماعي؛ مما أشعل في عقله معظم ~~الأفكار الأساسية للأعمال التي ستصبح بعد ذلك أعماله الرئيسية، ولو أنه لم يستعد منها ~~قط سوى خيال باهت لها. ورغم ذلك، بينما يشكل «خطاب حول الفنون والعلوم» التعبير الفوري ~~الأول عن تلك الرؤية، صار روسو في نهاية المطاف يعتبره واحدا ضمن أسوأ كتاباته الرئيسية. ~~فالنص الذي استهل به مشواره الأدبي لم يكن يتمتع بنظام ولا بترتيب منطقي ولا بهيكل محدد، ~~على حد وصف روسو له متحسرا. ورغم أنه كان حافلا بالدفء والقوة، فإنه كان، بشهادة روسو ~~نفسه، أوهن أعماله المحتفى بها وأدناها اتساقا (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ ~~اعترافات). ولقد كان هذا المؤلف أيضا، وهو ما لاحظه القادحون فيه سريعا، أقل أعماله ~~أصالة. # الفكرة الرئيسية لهذه المقالة هي أن ~~الحضارة مفسدة للبشرية، وأن كمال فنوننا وعلومنا صاحبه فساد أخلاقنا. وقبل أن نكتسب ~~مهارات المتحضرين وخصالهم، وقبل أن تشكل أنماط حياتنا القيم الزائفة والاحتياجات ~~المصطنعة، كانت أخلاقنا «بدائية لكنها طبيعية». ولكن مع ميلاد المعرفة وانتشارها، فسد ~~نقاؤنا الفطري تدريجيا بفعل الذوق والعادات ms020 المخادعة، وبسبب «القناع الغادر للدماثة»، ~~وكذلك «كل البهرجة الخبيثة» للموضة، حتى ذوت فضيلتنا الغضة تماما وكأن المد أطاح بها ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). اعتقد روسو ~~أننا ليس بوسعنا إلا أن نندم على فقدان بساطة هذه الحقبة البدائية، عندما كان أسلافنا ~~يعيشون معا في أكواخ، ولم يرجوا أكثر من رضا أربابهم. في البداية، كانت الجماليات ~~الوحيدة الموجودة في العالم هي تلك التي تشكلها الطبيعة نفسها، وبعدها كانت الحضارات التي ~~ظلت الأقرب للطبيعة، والتي كانت الأقل حملا لأعباء بهرجة الثقافة والتعلم، هي الأقوى ~~والأكثر حيوية. ولاحظ روسو أن فنوننا وعلومنا لا تلهم الأفراد الشجاعة أو روح الوطنية، بل ~~على العكس فهي تسلب الرجال إخلاصهم للدولة وقدرتهم على حمايتها من الغزو. ومنذ أن أخفقت ~~الاختراعات الصينية المذهلة في حمايتهم من التتار الهمج الجاهلين، عدت سعة اطلاع حكمائهم ~~غير ذات جدوى. ومن ناحية أخرى، نجد أن الفرس الذين دربوا على الفضيلة لا العلم استطاعوا ~~بسهولة غزو آسيا، بينما كانت عظمة الألمان والسكوثيين قائمة بشكل كبير على بساطتهم وبراءتهم ~~وروحهم الوطنية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). # والأهم من ذلك، يدلل تاريخ أسبرطة، عند مقارنته بتاريخ أثينا، كيف أن المجتمعات التي ~~جنبت نفسها الآثار العقيمة للثقافة كانت أكثر قوة وقدرة بكثير على مقاومة رذائل ~~الاستبداد. ولقد حذر سقراط، أحكم حكماء أثينا، أبناء وطنه من التبعات الخطيرة لجهلهم، ~~ولاحقا، سار على دربه كيتو في روما، وهاجم بعنف المتع المغرية بشكل عابر للفن والبهرجة ~~التي قوضت من حيوية أبناء وطنه. لكن أحدا لم ينتبه إلى تحذيراتهما، وتدريجيا ساد شكل ~~زائف بالكامل من التعلم في كل من أثينا وروما؛ مما أضر بالانضباط العسكري والإنتاج الزراعي ~~واليقظة السياسية. وأضحت الجمهورية الرومانية، على وجه الخصوص، التي كانت في فترة من ~~الفترات منارة الفضيلة مرتعا للجريمة حيث رزحت رويدا رويدا تحت نير الاستعباد الذي ~~أخضعت له من قبل أسراها من البرابرة. وأضاف روسو أن معظم نمط الاضمحلال نفسه أيضا ميز ~~انهيار الإمبراطوريات القديمة ms021 في مصر واليونان والقسطنطينية، مؤكدا أن هناك قاعدة عامة ~~مفادها أن الحضارات العظيمة تضمحل تحت وطأة تقدمها العلمي والفني (الأعمال الكاملة، الجزء ~~الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # لكن «الخطاب» الأول يقدم تفسيرا ~~مقتضبا لهذه التطورات؛ حيث رسم بالكاد الخطوط العريضة التي تبين كيف للفنون والعلوم أن ~~تكون مسئولة بشكل شامل هكذا عن الاضمحلال الأخلاقي للإنسان. من ناحية، رأى روسو أن كل ~~العلوم تشكلت بسبب التكاسل، حيث انبثق كل تخصص من الرذائل التي يتسبب فيها التكاسل؛ فعلى ~~سبيل المثال، علم الفلك منشؤه الخرافات، والهندسة منشؤها البخل والتقتير، والفيزياء الفضول ~~المفرط. ومن ناحية أخرى، ففنوننا في كل مكان تعززها الرفاهية الناجمة بدورها عن كسل البشر ~~وخيلائهم. وتطرح الرفاهية باعتبارها سمة أساسية حيث أكد روسو أنها نادرا ما تستطيع ~~الازدهار في غياب الفنون والعلوم، بينما الفنون والعلوم لا مكان لهما من دونها. وفقا لحجة ~~روسو، من الواضح أن انحلال الأخلاق كان تبعة ضرورية لا محالة للرفاهية التي نبعت بدورها من ~~التبطل والتكاسل، مع كون فساد واستعباد البشر اللذين كانا سمتين لتاريخ جميع الحضارات عقوبة ~~مناسبة لسعينا المبالغ فيه للتقدم بما يتجاوز مرحلة نعمة الجهل التي كنا سننعم بالبقاء فيها ~~إلى الأبد (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). # شكل 2-1: صفحة العنوان والصورة في صدر كتاب روسو «خطاب حول الفنون والعلوم» ~~(1750). # من كل هذه الجوانب، يشمل «خطاب حول الفنون والعلوم» الفكرة الأساسية الأولى لفلسفة ~~التاريخ عند روسو - ومفادها أن تقدمنا الثقافي والاجتماعي الظاهر أفضى فقط إلى انحلالنا ~~الأخلاقي الحقيقي - والتي ستصبح بعد ذلك واحدة من أبرز الأفكار المحورية لأعماله. ولكن في ~~«الخطاب» الأول، تظهر فلسفة التاريخ هذه رغم ذلك بدائية وغامضة، وتتكون على الأقل من ثلاث ~~أطروحات متمايزة عن مسار فسادنا وظروفه؛ الأولى: مفادها أن البشرية انحدرت تدريجيا من ~~براءة حالتها البدائية الأولى، أما الثانية: فتشمل الزعم بأن الأمم المتخلفة فنيا ~~وعلميا متفوقة أخلاقيا على نظيراتها المتحضرة، أما الأخيرة: فتحوي الادعاء بأن الحضارات ~~العظيمة أمست منحلة بسبب تقدمها الثقافي. بالنسبة ms022 إلى قرائه، بدا أن هذه الافتراضات لا تتسق ~~بسهولة بعضها مع بعض، خاصة أن الإشادة التي يبديها روسو لأسلوب حياة الإنسان البدائي من ~~ناحية، وللحضارة القوية التي تخلف المجتمع الهمجي من ناحية أخرى اجتمع معها ~~افتراضه - الذي كان رائجا جدا في عصر التنوير ~~- بأن التاريخ البشري قاطعته انتكاسة، في ظل عدة قرون من بربرية العصور الوسطى وخرافاتها، ~~انحدرت به إلى حالة أدنى من حالة الجهل الأولى التي كنا عليها. في نهاية خطابه، أطلق روسو ~~أطروحة جديدة كليا مفادها أنه ليست العلوم والفنون بحد ذاتها هي المصدر الحقيقي لمصائبنا، ~~بل استغلال أصحاب المواهب العادية لها استغلالا سيئا، واختتم روسو مؤلفه بملاحظة أن ~~العلماء والفنانين العظماء ينبغي أن تكون مهمتهم بناء آثار للاحتفاء بمجد الروح البشرية. ~~وقال روسو إن على بقيتنا نحن البشر العاديين ألا نطمح إلى أكثر من جهالتنا وقدراتنا ~~المتوسطة التي كتبتها لنا الأقدار. من الصعب فهم علة اعتقاد روسو بأن مثل هذه الأفكار ~~مناسبة لنقد الفنون والعلوم، والدفاع عن فضائل الجهل والبراءة والإنسانية العامة (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # ولم يكن روسو واضحا فيما يتعلق بالطبيعة المحددة للإسهام الذي يعتقد أن تطور الثقافة ~~قدمه لاضمحلالنا الأخلاقي. فقد أبدت أطروحته ببساطة شديدة أن تقدم الفنون والعلوم مسئول ~~عن اضمحلال الأخلاق، لكنه أيضا افترض أن الفنون والعلوم عززها التراخي والخيلاء والرفاهية ~~التي يطمح إليها الناس ويستمتع بها البعض. فهل كان تطور الثقافة السبب وراء فساد أخلاقنا ~~إذن؟ أم نتيجة له؟ من الواضح أن روسو الذي كان همه الأساسي في مؤلفه هذا تصوير الشرور ~~النابعة دوما من السعي وراء الثقافة والمعرفة، لكنه في الوقت نفسه زعم أن فنوننا وعلومنا ~~تدين لآثامنا بأصلها (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى)؛ يبدو عاجزا عن اتخاذ قراره في هذا الشأن. # ولعل من بين أسباب تردده حقيقة أن الكثير من سمات رؤيته مستعار من مفكرين سابقين، مثل ~~مونتسكيو وفينلون ومونتين وسينيكا وأفلاطون، والأهم منهم جميعا بلوتارك، الذين اطلع روسو ~~على ms023 كتاباتهم اطلاعا وافيا، وأيد أو لخص ملاحظاتهم حول سمو الفطرة على المهارة المكتسبة، ~~أو وطأة اللامساواة أو اضمحلال الحضارة في مؤلفه. وفي «مقالة عن حكمي كلودياس ونيرون»، ~~لاحظ ديدرو لاحقا أن «ثمة مائة تأس على عصر الجهل قام بها آخرون قبل روسو في مواجهة تقدم ~~الفنون والعلوم»، ولا شك أنه كان على حق. لكن «الخطاب» الأول لروسو يفتقر إلى الأصالة؛ ليس ~~فقط لأنه يحمل في طياته الأثر العام لأعمال أخرى في سياق مثيل للذي استرشد به روسو، أو لأن ~~معرفة روسو مستقاة من مصادر ثانوية بشكل واضح - فروايته عن السكوثيين مثلا مستخلصة أصلا ~~من هوراس، ووصفه للألمان من تاسيتس، ورسمه الخطوط العريضة للفرس من مونتين، ومقارنته بين ~~أسبرطة وأثينا مستخلصة من عدة كتاب، ولا سيما القس بوسويه والمؤرخ تشارلز رولين - بل ~~أيضا لأن سمة المقالة الاشتقاقية مرجعها بادئ ذي بدء حقيقة أن الكلمات نفسها التي يوظفها ~~روسو للتعبير عن أفكاره الأساسية كانت مستعارة غالبا من مراجعه. # شكل 2-2: بورتريه لديدرو بريشة فان لو. # وبخلاف الإشارات المرجعية المتعددة الواضحة مصادرها بشكل جلي، هناك على الأقل فقرة واحدة ~~في «خطاب حول الفنون والعلوم» مستعارة، دون إقرار، من مؤلف مونتسكيو «روح القوانين» وأخرى ~~من مؤلف القس بوسويه «خطاب حول التاريخ العالمي»، وهناك العديد من المقتطفات من عمل ~~بلوتارك المعنون «سير»، وقرابة 15 مقتطفا من مؤلف «مقالات» لمونتين، قليل منها وحسب لمح ~~إلى مصدرها؛ بينما السطر الأخير من نص روسو مستخلص بتصرف من بلوتارك ومونتين معا. ولعل ~~مؤلف دوم جوزيف كاجو «انتحالات روسو» المنشور عام 1766، كان قاسيا بشكل مفرط - وغير ~~صحيح في أغلب المواضع - في اتهاماته، لكنه يظل شاهدا على أن «خطاب حول الفنون والعلوم» هو ~~المؤلف الوحيد لروسو الذي تحيط به مثل هذه الشكوك. ورغم النبرة والسمة الجدليتين لحجة ~~المقالة، فهي ليست موجهة ضد أي عمل آخر بعينه، ويبدو أن روسو لجأ إلى مصادره بغية تلخيصها ~~أكثر من إضفاء ثقل على أفكاره الخاصة. والفارق بين خطابيه الأول والثاني فيما يتعلق بهذه ~~النقطة واضح ms024 أشد الوضوح؛ إذ إنه في «خطاب عن اللامساواة» بادر بدحض أفكار أغلب الشخصيات ~~الواردة فيه، بينما في «خطاب حول الفنون والعلوم» تمكن بقدر أكبر بعض الشيء أن يعكس، وإن ~~كان بلغة أقوى خاصة به ، وجهات النظر المتباينة التي طرحها بالفعل أسلافه. أعلن عمله الرئيسي ~~الأول عن فلسفة تاريخية التزم بها روسو لبقية حياته، وأدرك معاصروه، على الأقل، تدريجيا ~~أنها رؤيته الأكثر محورية على الإطلاق. لقد كان هذا العمل هو باكورة أعماله الموقعة باسم ~~«مواطن من جنيف»، معلنا بذلك عن فخره بهويته الشخصية والأدبية. ولكن، في تدشينه لمشواره ~~الأدبي، ثبت أنه إنجازه الأدنى تمييزا له وبيانا لشخصه. # رغم ذلك، دان روسو في تطوره ككاتب بالفضل الكثير إلى الجدل الذي أثير حول «خطاب حول ~~الفنون والعلوم» إثر نشره مباشرة، والذي استمر لثلاث سنوات تالية. أثناء ذلك الجدل، وإذ ~~حاول أن يبرئ عمله من انتقادات الناقدين، شرع روسو في جمع مزاعمه الأصلية وبيانها ~~وتهذيبها بطريقة كانت عادة مختلفة عن طريقة صياغتها الأولى. لم يبذل روسو جهدا للرد على ~~كل الذين حاولوا الانتقاص من قدر عمله، لكنه حاول تفنيد ستة أعمال على الأقل استرعت ~~انتباهه. زعم العديد من نقاده أنه أخفق في تحديد النقطة الزمنية المحددة لاضمحلالنا ~~الأخلاقي، فأعطى بذلك الانطباع بأنه يفضل عصور البربرية في أوروبا على نهضة العلوم التي ~~تبعتها. واستنكر قليلون افتقاره العام للاطلاع والمعرفة، وتحديدا فيما يتعلق بسوء فهمه ~~للطبيعة القاسية للسكوثيين القدماء، أو إهماله لحقيقة أن بعض الرموز الذين أثنى عليهم، مثل ~~سينيكا، اعتقدوا أن الآداب تعزز الفضيلة لا تحط من قدرها. قال روسو ردا على هذه ~~المزاعم، وخاصة في «رسالة إلى الأب رينال»، بأن غايته كانت عرض أطروحة عامة عن العلاقة بين ~~التقدم الفني والعلمي، من ناحية، والاضمحلال الأخلاقي، من ناحية أخرى، لا أن يقتفي أثر أي ~~مجموعة محددة من الأحداث، وبالتالي فقد أساء هؤلاء النقاد فهم الغرض من مؤلفه (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # كان مقدرا لروسو الاستمرار بقدر أكبر في هذه العمومية ms025 في «خطاب عن اللامساواة»؛ حيث ~~حول انتباهه من الحضارات البكر للعالم القديم إلى طبيعة الرجل البدائي، ومنها إلى حالة ~~البشرية العصية جدا على الكشف، حتى إن الأبحاث التاريخية لم تستطع قط أن تميط اللثام ~~عن سماتها الحقيقية. بعد نشر «الخطاب» الأول، أصبح روسو تدريجيا أكثر اعتناء بالمصادر ~~المطلقة لاضمحلالنا، وأقل عناية بالتجليات المحددة لهذا الاضمحلال في الثقافات المختلفة. ~~ولكن، من المفارقة أنه بينما وضع نصب عينيه تدريجيا ماضينا السحيق، بدا أن دليله مستقى ~~من عالم معاصر بشكل متزايد، مأهول فعليا بالهمج الذين تملصوا من تعاسات التاريخ البشري ~~وليس من أبطال وحكماء من الماضي البعيد. بحلول أواسط خمسينيات القرن الثامن عشر، وازن ~~إخلاصه لمؤلف بلوتارك الجليل «سير» على الأقل حماسه الجديد لكتاب «التاريخ العام ~~للرحلات» الذي حرره الأب بريفو، مؤلف رواية «مانون ليسكو». وبينما زادت الانقسامات بين ~~طبيعة الإنسان وثقافته التي أحس روسو أنها تزداد حدة ووضوحا، ينطبق الأمر على الحجج ~~التي ساقها لتصوير تلك الانقسامات، وخلال مسار تطور نظريته الاجتماعية المبكرة، سرعان ما ~~غلب امتداد نطاق أفكاره المتعمقة التأملية في المأساة العامة لجنسنا ككل ومداها على أوجه ~~القصور التي شابت معرفته التاريخية. # اتهمه أيضا العديد من نقاد «الخطاب» الأول بإحياء أوهام الحنين إلى عصر ذهبي قديم كان له ~~وجود فقط في الأساطير والأشعار، لكنه لم يكن يمت للواقع بصلة قط. ورد روسو على هذا ~~الاعتراض، ولا سيما في سياق رده على «خطاب حول مزايا الفنون والعلوم» الذي ألفه بورد عام ~~1751، بأن فكرة العصر الذهبي القديم لم تكن وهما تاريخيا، بل تجريدا فلسفيا ليس أكثر ~~وهمية في جوهره ولا أقل أهمية لفهمنا لذواتنا ولسعادتنا من مفهوم الفضيلة نفسه (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). لم يتناول روسو ~~حقبا ماضية وحاضرة من تاريخنا جنبا إلى جنب للحث على إنقاذ فضائل خيالية أو البراءة ~~المفقودة للعصور القديمة. في مؤلفين من مؤلفاته المستندة إلى «الخطاب» الأول، وهما ~~«ملاحظات» الموجه إلى ستانيسواف ملك بولندا ومقدمة مسرحيته «نرسيسس»، ذكر أن البشر، عند ~~فسادهم، ms026 ليس بوسعهم العودة إلى حالة الفضيلة أبدا، وهي الفكرة التي التزم بها طوال ~~حياته. والأهم من ذلك أنه استاء بشدة من التلميح الذي أشار به أولا العالم الرياضي ~~والمؤرخ جوزيف جوتييه بأنه أمسى شخصا تواقا لعصر الجهل ويبدو أنه يؤمن بضرورة سحق ثقافتنا ~~وإشعال النيران في مكتباتنا. رد روسو أنه بالطبع لا يجب أن نعيد أوروبا إلى حالة البربرية ~~التي كانت تعيشها، وأنه لم يكن يؤيد إحراق المكتبات أو الأكاديميات أو الجامعات، وبالطبع لم ~~يدع إلى هدم المجتمع نفسه (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). تكاد تكون العودة إلى الحالة ~~الطبيعية مستحيلة بالنسبة إلى الإنسان المتحضر، وكذا استعادة البراءة أو الجهل بالرذيلة. ~~بعد هذه الاعتراضات على مقالته «خطاب حول الفنون والعلوم»، حرص روسو دوما على التشديد على ~~أن المواطن المستقيم أخلاقيا يجب أن يحاول شق طريقه في «هذا» العالم لا في فردوس ~~عتيق من شطحات الخيال. لم يكن هذا المسار البديل من العزلة والتواصل مع الطبيعة الذي اعتنقه ~~روسو شخصيا قرب نهاية حياته مسارا يوصي به كاستراتيجية للمتحررين من سحر الدول الحديثة، ~~وظل مصمما على أن أفكاره لم تكن مثالية جدا أو عنيفة في مضامينها. # لقد أعجب بقوة ببعض الاعتراضات التي أثارها ناقدوه، وقام بين الفينة والأخرى بتعديل أو ~~التخلي عن نقاط بعينها من نظريته في ضوء تلك الاعتراضات. ولذا، فعندما طعن الملك ~~ستانيسواف في رؤيته الخاصة بالعلاقة بين الفضيلة والجهل، على أساس أن الجاهلين الذين أثنى ~~عليهم روسو نزعوا أحيانا إلى القسوة والهمجية أكثر من اللطف، قبل روسو وجهة النظر هذه، ~~واقترح تمييزا بين شكلين من الجهل؛ أحدهما بغيض ورهيب والآخر طبيعي ونقي (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ومع ذلك، ومن دون المزيد من ~~الشرح والإيضاح، كان هذا الرد بالكاد مقنعا، وفي كتاباته اللاحقة، ثبت أن روسو أكثر ترددا ~~في عزو البراءة الأخلاقية للبشر البدائيين لافتقارهم فقط إلى التعلم. زعم الفيلسوف شارل ~~بورد الذي أقام معه روسو علاقة ms027 صداقة في أوائل أربعينيات القرن الثامن عشر بأن مؤلف «خطاب ~~حول الفنون والعلوم» لم يكن أيضا حكيما عندما أثنى على الشجاعة العسكرية لغير المتحضرين ~~الذين كانت غزواتهم البربرية دليلا على ظلمهم لا على براءتهم . وسارع روسو بالموافقة على ~~هذه الحجة، حيث سلم بأن قدرنا الطبيعي لا يقضي بتدمير بعضنا بعضا. ولو أنه أشار في ~~بداية الأمر إلى أن التكريس للحرب لغاية الغزو هو نقيض الاستعداد للقتال دفاعا عن الحرية ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، غير أنه لم ~~يبادر ثانية لتصوير نموذج البسالة العسكرية بالوضوح الشديد الذي صوره به في «الخطاب» ~~الأول. لم يتخل روسو عن اعتقاده، المستوحى من مكيافيللي، بأن حريات الجمهورية الرومانية ~~حافظت عليها ميليشيات من مواطنيها، ولكن في «خطاب عن اللامساواة» وما بعده، نزع روسو إلى ~~تصوير الحروب كلها على أنها إجرامية ودموية ولعينة، وحتى بالنسبة إلى المقاتلين أنفسهم لا ~~مغزى لها. # رغم أن روسو بهذه الطريقة غير من بعض آرائه استجابة لآراء النقاد، فإنه استغل اتهامات ~~أخرى وجهت إليه استغلالا مثمرا في تطوير نظريته. وينطبق ذلك تحديدا على ردوده على ~~مزاعم ستانيسواف وبورد بأن الانحلال الأخلاقي للإنسان يعزى إلى فرط الثروة لا التعلم، وكذا ~~على رده على زعم بورد بأن اضمحلال الأمم يمكن أن يعزى في نهاية المطاف وحسب إلى أسباب ~~سياسية. في مؤلفه «ملاحظات»، أقر روسو بأن العادات والأجواء والقوانين والاقتصاديات ~~والحكومات المختلفة (وهي النقطة التي لفت إليها دالمبير الانتباه في اعتراضه على أطروحة ~~روسو في مقدمته لكتابه «الموسوعة» المعنونة ب «خطاب تمهيدي» الذي ظهر في عام 1751) لا بد ~~أنها كان لها دور في تشكيل الخصال الأخلاقية للبشر (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، وبعدها قدر له أن يتعاطى مع أثر مثل هذه ~~العوامل بطريقة أكثر مباشرة. ففي «الرد الأخير» على بورد عام 1752 على سبيل المثال، أوضح ~~روسو أن الرفاهية، التي أشار إليها قبل ذلك على أنها السبب الأساسي لانحدارنا الأخلاقي، ~~تعزى بقدر كبير إلى تدهور الزراعة في ms028 العالم الحديث (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وفي العمل نفسه، ولاحقا في مقدمته لمسرحيته ~~«نرسيسس»، لفت روسو الانتباه لأول مرة في كتاباته إلى الأثر الفظيع للملكية الخاصة. وفي ~~«الرد الأخير» تعاطى روسو بشكل أساسي مع مفهوم الملكية، والتقسيم الظالم للأرض بين الأسياد ~~والعبيد الذي ينطوي عليه التطبيق العملي لهذا المفهوم، وذلك إلى حد كبير للطعن في رؤية بورد ~~التي مفادها أن البشر في أكثر حالاتهم بدائية لا بد أنهم كانوا بالفعل وحشيين وعدائيين. في ~~هذا الشأن قال روسو: «قبل اختراع الكلمتين المروعتين «ملكك» و«ملكي»، وقبل وجود ~~بشر على قدر من البشاعة يجعلهم يتوقون لما يفيض عن حاجتهم بينما يتضور آخرون جوعا، ~~أود أن أعرف ماذا كان يمكن أن تكون آثام أسلافنا» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). في مقدمته لمسرحيته «نرسيسس»، انصب تركيزه ~~بدلا من ذلك على حقيقة أن السمات الأخلاقية للشخص الهمجي كانت أسمى بشكل ملحوظ من تلك ~~الخاصة بالأوروبيين؛ وذلك لأن الهمج لم يتشبعوا بالرذائل المعتادة مثل الطمع والحسد ~~والخداع التي أدت بالبشر في العالم المتحضر إلى أن يحتقر الواحد منهم الآخر ويستعديه. قال ~~روسو إن «كلمة «ملكية» لا يكاد يكون لها معنى بين الهمج؛ فهم ليس لديهم أية مصالح متعارضة ~~بخصوصها؛ فما من شيء يدفعهم لخداع بعضهم بعضا»، كما يفعل المتحضرون الطماعون دوما ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). في هاتين ~~الفقرتين الموجهتين لنقاد «خطاب حول الفنون والعلوم»، نجد أوائل بيانات روسو الرئيسية حول ~~الأطروحة التي سيسهب في بيانها لاحقا في شكل تحد - في تلك المناسبة لتحدي نظرية الملكية ~~الخاصة بلوك - في مقالته «خطاب عن اللامساواة». # كان روسو حينئذ قد بدأ ينظر بقدر أكبر من التمحيص إلى الدور الذي تلعبه العوامل السياسية ~~أيضا. أشار روسو في مقدمة مسرحيته «نرسيسس» إلى أن استعراض شرور المجتمع المعاصر تم من ~~قبل على يد مفكرين كثر، ولكن بينما أحس هؤلاء بالمشكلة، كشف هو الستار عن أسبابها. ~~والحقيقة الجوهرية التي توصل إليها ms029 بحلول عام 1753 هي أن كل آثامنا لا تنبع أساسا من ~~طبيعتنا بل من سبل الحكم المجحفة التي نحكم بها (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وقد أشار إلى النقطة نفسها بعدها بعامين في ~~مقالته «خطاب عن الاقتصاد السياسي» حيث أورد أن «الناس على المدى الطويل هم صنيعة حكوماتهم» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). وشدد على ~~ذلك مرة أخرى في العقد التالي في مقالته «رسالة إلى كريستوف دي بومون» حيث أعلن أن السلوك ~~الزائف للرجال المتحضرين سببه «نظامنا الاجتماعي» الذي يمارس إجحافا مستمرا على طبيعتنا ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع). وقرابة عام 1770، قال روسو في مؤلفه «اعترافات» إن حقيقة ~~هذا المبدأ تجلت بالفعل له منذ ثلاثين عاما، وتحديدا خلال إقامته في البندقية، عندما شهد ~~التبعات الوخيمة التي حلت بشعبها والمترتبة على عيوب حكومتها؛ وبذا، فإن مقدمة مسرحيته ~~«نرسيسس» تتضمن التصريح الأول عن فكرة شغل تطويرها في سياقات متعددة وبأشكال مختلفة جزءا ~~رئيسيا من حياة روسو وأعماله. # وفيما يخص الدور الذي لعبته الثروة في اضمحلالنا الأخلاقي، أوضح روسو لاحقا أنه متفق، ~~جزئيا فقط، مع أفكار ستانيسواف وبورد. في العديد من الكتابات المتفرقة التي ظهرت له في ~~أوائل خمسينيات القرن الثامن عشر، ولا سيما في مقالة قصيرة عنوانها «الرفاهية والتجارة ~~والفنون»، أقر روسو بأن جشع الإنسان دليل على رغبته في التعالي على جيرانه؛ ولذا لازم إقحام ~~الذهب في الشئون البشرية حتما اللامساواة في توزيعه، ومن ثم نشأت رذيلة الفقر وإذلال ~~الأغنياء للفقراء (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث). ولكن حتى في إدراك الدور الذي يلعبه ~~كنز الثروات في الفساد الأخلاقي للبشرية، أصر روسو على أنه لم يكن السبب الرئيسي ~~لانحدارنا الأخلاقي. على العكس من ذلك، كما أعلن في «اعترافات»، فالثروة والفقر اصطلاحان ~~نسبيان يعكسان مدى اللامساواة في المجتمع، لا يحددانه. وبعد أن أعاد روسو ترتيب أسباب ~~الرذائل التي رسم خطوطها العريضة في «الخطاب» الأول، اقترح أن مكان الصدارة في الترتيب ~~المشئوم لأسباب فسادنا ينبغي أن تحتله اللامساواة ms030 ثم تأتي بعد ذلك الثروة التي جعلت ~~بدورها بالإمكان زيادة الرفاهية والكسل اللذين ساعدا على نشأة الفنون من ناحية، والعلوم من ~~ناحية أخرى (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ~~وهكذا وردت هنا نسخة جديدة من حجته جاءت فيها الفنون والعلوم في المرتبة الأخيرة، لا الأولى ~~كما افترض نقاده. # إن جانبا على الأقل من السبب الداعي لتعديله لآرائه ربما يمكن استخلاصه من مؤلفه ~~«ملاحظات» ومقدمة مسرحيته «نرسيسس» حيث أوضح أنه رغم أن تطور الثقافة كان مسئولا عن مجموعة ~~كبيرة من الرذائل، فإن «رغبتنا» في الأساس في التفوق عبر التعلم وليس أعمال المثقفين هي ~~التي قوضت أخلاقنا في المجتمع المتحضر؛ وذلك لأن سعينا وراء الثقافة أكثر من أي شيء آخر ~~يعبر عن إصرارنا على تمييز أنفسنا عن جيراننا وأبناء وطننا، هكذا زعم روسو مسهبا في ~~العملين في استعراض ملاحظة موجزة عن «التهافت على التميز» وردت في «الخطاب» الأول نفسه؛ حيث ~~ربما استرجع الدافع الأساسي لإسهام فينلون، الذي أدى إلى الصراع الذي اندلع بين القدماء ~~والمحدثين في فرنسا لأكثر من ثلاثين عاما قرابة نهاية القرن الثامن عشر. إن ما يحثنا على ~~تصنيع الأدوات والمعدات التي تستخدم في المجتمعات المتقدمة ليس رغبتنا في التميز بقدر ما هو ~~رغبتنا في اكتساب احترام الآخرين، بحيث تبدو الحضارة مجرد إشباع لمحاولاتنا ترسيخ توزيع غير ~~عادل للتقدير العام (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). يستحيل أن يكون للفضيلة الأخلاقية وجود ~~حقيقي، هكذا زعم روسو، ما لم تكن الحظوظ الفردية من الموهبة تقريبا متكافئة. إن صمام ~~الأمان الذي كان لدينا ضد الفساد، بحسب زعم روسو في «ملاحظات» هو المساواة الأصلية التي ~~ضاعت الآن بلا رجعة، والتي صانت في فترة من الفترات براءتنا، وكانت المصدر الحقيقي للفضيلة ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وبهذا ~~انتهى روسو إلى أن توقنا للتميز في الفنون والعلوم هو تجل للشعور الزائف نفسه ~~تقريبا الذي يكتنفنا عندما تشتعل بداخلنا الرغبة في السيادة ms031 في مجال السياسة، وهي الفكرة ~~التي سرعان ما سينصب تركيز روسو عليها في عمله «خطاب عن اللامساواة». # وهكذا، في جميع هذه الجوانب أدت ردود روسو على نقاد مقاله «خطاب حول الفنون والعلوم» به ~~إلى وضع يده على الخطوط الأكثر تركيزا على الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية لحجته ~~التي تتبعها في «الخطاب» الثاني والأعمال التالية عليه. ومع ذلك، فهو لم يتخل قط عن آرائه ~~السابقة حول أهمية الفنون والعلوم باعتبارها عوامل مسببة للفساد البشري. على العكس، ~~فطوال الصراع الذي اكتنف «خطاب حول الفنون والعلوم»، أعاد روسو دوما تأكيد مزاعمه التي ~~طرحها في مقالته الحاصلة على جائزة تقديرية حول الصلات المتداخلة بين الخيلاء والكسل ~~والرفاهية والثقافة، حتى عندما وسع نطاق حجته بحيث تستوعب عوامل أخرى. استطاع أحد نقاد ~~روسو، ويدعى كلود-نيكولا لو كات، وهو أستاذ في التشريح والجراحة وسكرتير دائم لأكاديمية ~~روان، أن يمد روسو بجبهة جديدة كليا لتطوير أفكاره؛ إذ تحداه بأن طلب منه تحديد أي ~~جوانب الثقافة هي العرضة لاتهاماته. لا شك أن روسو لم يكن ليقترح تضمين الموسيقى ضمن الفنون ~~والعلوم التي أفضت إلى انحطاطنا، هكذا قال لو كات الواثق بأن المساهم الأبرز في الموضوعات ~~الموسيقية في «الموسوعة» لا بد أنه أدرى من غيره بفائدة ومزايا هذا الفن، وكيف أنه، على ~~الأقل، يمثل استثناء لأطروحته العامة. # كان افتراض لو كات أبعد ما يكون عن ~~الحقيقة. ففي عام 1753، وتحديدا إبان ذروة ما يعرف ب «الخلاف بين الممثلين الهزليين»، ~~وهو الجدل الذي دار حول أوبرا «الخادمة السيدة» لبيرجوليسي و«الأوبرا الهزلية» الإيطالية ~~الذي أدى إلى انقسام رعاة أوبرا باريس والبلاط الفرنسي إلى فصائل موسيقية، كتب روسو مقالته ~~«رسالة عن الموسيقى الفرنسية» التي ثارت حولها موجة من الجدل والاعتراض أكبر مما أحدثته ~~مقالته «خطاب حول الفنون والعلوم» التي ظهرت قبلها بثلاث سنوات. ذهب روسو في مقالته إلى أن ~~بعض اللغات أنسب للموسيقى من البعض الآخر؛ لأن لها أحرفا متحركة أكثر عذوبة، وتحولات نغمية ~~أكثر روعة، وصورا بلاغية موزونة بقدر أكبر من الدقة. وزعم أن ms032 تلك اللغات، وفي مقدمتها ~~اللغة الإيطالية على وجه الخصوص، مناسبة أكثر للتنغيمات اللحنية والتعبير الغنائي، وأن ثمة ~~لغات أخرى، كالفرنسية مثلا، تتميز بافتقارها للأحرف المتحركة الرنانة، وبأحرف ساكنة غليظة ~~جدا لدرجة أن الألحان العذبة يستحيل أن تنشد بها؛ مما يجعل المؤلفين الموسيقيين المنتمين ~~للدول المتحدثة بمثل هذه اللغات يضطرون إلى تجميل موسيقاهم ببعض الضوضاء الحادة لقطع ~~موسيقية مصاحبة. وبذا، انتهى روسو في السطر الأخير من مقالته إلى أن نطق الفرنسية في أغنية ~~بسيطة خالية من المجملات مستحيل، وإذا سعى الفرنسيون إلى وضع شكل من الموسيقى خاص بهم، ~~فسيكون هذا من سوء طالعهم. وبعد هذا العمل المستفز، وهذه الملاحظات التي تحط من قدر ~~الموسيقى الفرنسية، تعرض روسو لهجوم واسع النطاق لإساءته إلى الذوق العام. وإذ لم يشعل روسو ~~ثورة حقا بمؤلفه «رسالة عن الموسيقى الفرنسية»، فقد جعله يبدو لأول مرة في حياته عدوا ~~للدولة الفرنسية. وكما أقر فولتير لاحقا، لم يكن روسو في أعماله كلها مستفزا من الناحية ~~السياسية كما كان في تعليقه على الموسيقى الفرنسية. # شكل 2-3: صفحة عنوان الطبعة الثانية من مقالة روسو «رسالة عن الموسيقى الفرنسية» ~~(باريس، 1753). # لو استطاع لو كات قراءة القسم المخصص لهذا الموضوع الذي كتبه روسو أصلا كجزء من مؤلفه ~~«خطاب عن اللامساواة»، والذي ظهر في نهاية المطاف بعد وفاته عام 1781 على هيئة فصلين من ~~«مقالة عن أصل اللغات»، لفهم لم لا يمكن أن تشكل الموسيقى أي استثناء لأطروحة روسو ~~العامة الخاصة بمقالته «خطاب حول الفنون والعلوم». على العكس من ذلك، فقد تجلى فساد ~~الأخلاق البشرية أيما تجل، بحسب روسو، في تاريخ تطور الموسيقى. جادل روسو في مقالته بأن ~~لغاتنا الأولى ربما نشأت في المناطق الجنوبية من العالم حيث المناخ المعتدل والأرض الخصبة. ~~ولا بد أنها كانت تتمتع بسمة إيقاعية ونغمية مميزة، وكان طابع الحديث بها شعريا أكثر منه ~~نثريا، ويتغنى بها الناس أكثر من أن يتحدثوا بها. ولذا، فلا بد أن أسلافنا في تعبيرهم ~~الأول عن المشاعر التلقائية، باختصار، كانوا يغنون (الأعمال الكاملة، ms033 الجزء الخامس؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). لكن اللغات التي قدر لها أن تنشأ لاحقا ~~في الظروف القاسية للشمال عبرت أولا عن احتياجات البشر لا عن عواطفهم، واتسمت بأنها أقل ~~جهورية وأكثر حدة (الأعمال الكاملة ، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). ومع الغزو المحتم لمنطقة البحر المتوسط إثر موجة من الغارات البربرية، لا بد أن ~~طريقة الكلام الحلقية والمتقطعة لأهل الشمال طغت على التنغيمات العذبة التي ساعدت على ~~التعبير عن المشاعر البشرية من قبل، وفقدت كل حلاوة لغاتنا الأصلية واتزانها وأناقتها ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). زعم روسو ~~أنه لا بد أن الأشكال اللحنية للكلمات قد ذوت، وحرمت تعبيراتنا تدريجيا من سحرها ~~الأولي. وتحت نير الحكم البربري والعمالة الزراعية، طغى الطابع النثري الرتيب فعليا ~~على الطابع الشعري الغنائي، وبالتزامن مع نشأة النثر، أمست اللغات، ولا سيما الأشكال الأولى ~~للفرنسية والإنجليزية والألمانية تبعا لذلك، نثرية الطابع (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # والموسيقى، من ناحية أخرى، لا بد أنها ~~فقدت طابعها الحسي بفعل فقدان المكون الدلالي اللفظي الذي يحدث في اللغات النثرية، ولا بد ~~أنها قد شهدت المزيد من التطور وحسب بفعل الابتكار القوطي للإيقاع بحيث تم إقحام أنماط ~~وترية على ألفاظ البشر لتتمخض عن متع متكلفة عوضا عن المتع الطبيعية للأغاني المتداولة. ~~تحت هذه الضغوط، لا بد أن الموسيقى أصبحت أكثر اعتمادا على الآلات الموسيقية منها على ~~الغناء؛ ولا بد أن حساب الفترات الفاصلة حل محل عذوبة التحولات اللحنية (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ولا بد أن النثر كان يتم ~~تهذيبه كتابة لا حديثا، ولم يكن ليتم توصيله بقوة تعبيرية، بل فقط بإحكام القواعد النحوية ~~وباستخدام دقيق للألفاظ، التي كانت الضرورة تقتضى الاحتكام إليه كي يتأكد المرء من مشاعره ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # وكأنه يواجه تحدي لو كات الذي وجهه ~~لفلسفته التاريخية، سمى روسو الفصل الأخير من مقالته «علاقة اللغات بالحكومة»، وزعم فيه ms034 ~~أن اللغات التي انفصلت تدريجيا عن الموسيقى معادية للحرية. إن البلاغة النثرية تلهم المرء ~~خلق الخنوع، والكلام الذي يمسي خاويا بسبب افتقاره للنغم والإيقاع، بحسب تأكيد روسو، ~~يساعد أيضا على خلق بشر خاوين من الداخل . لقد أمست لغات أوروبا الحديثة مناسبة وحسب للحديث ~~العادي على مسافات قصيرة، كالثرثرة العقيمة للذين يتمتمون وحسب بوهن بعضهم لبعض ~~بأصوات تفتقر إلى التنغيم، ومن ثم تعوزها الروح والعاطفة أيضا. وبينما استسلمت لغتنا إلى ~~فقدان سماتها الموسيقية، فقدت حيويتها ووضوحها الأصليين، وأضحت لا تتجاوز كونها محض همهمات ~~واهنة لأشخاص يفتقرون إلى قوة الشخصية أو الغاية. وإذا كان هذا هو الجانب الخاص للغاتنا ~~المعاصرة، فما زال تجليها العام، بحسب روسو، أثقل وطأة وأكثر تعسفا. فبالنسبة إلى الذين ~~يحكمون آخرين وليس لديهم ما يقولونه هم أنفسهم، ليس بوسعهم الكثير عندما يجتمعون بالناس غير ~~الصياح فيهم ووعظهم، بألفاظ مغالى فيها وعصية على الفهم. إن بيانات حكامنا ومواعظ ~~رجال ديننا تسيء باستمرار استغلال أحاسيسنا، وتصيبنا بخدر المشاعر، وأمست الخطب ~~والمواعظ الملتوية التي يلقيها الحواة من العلمانيين والمتدينين الشكل الوحيد للخطابة ~~الشعبية في العالم الحديث (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). # ولذا، فإن الوجهين الخاص والعام للغة، بحسب ما انتهى إليه روسو، يشكلان صورة دقيقة للحالة ~~المتردية تماما التي وصلت إليها مجتمعاتنا. فقد أمسى الحوار مستترا، وأضحى الخطاب السياسي ~~عقيما، ونجحنا جميعا في الوصول بأسلوبنا الأصلي في الحديث إلى شكل عصري؛ إذ أمسينا وحسب ~~مستمعين صامتين للذين يحكموننا بمساجلات وتلاوات من منبر الحكم أو الوعظ. وحقيقة الأمر أنه ~~حتى منذ أن أمست تلك الأشكال من البلاغة المشوهة غير ضرورية لإبقائنا في أدوارنا المخصصة ~~لنا، أدرك حكام الدول الحديثة على نحو صحيح أن باستطاعتهم الحفاظ على سلطتهم دون عقد أية ~~اجتماعات أو تجمعات شعبية بالمرة. كل ما في الأمر أنه باستطاعتهم صرف انتباه رعاياهم إلى ~~الأمور الكثيرة التي قد يتبادلونها فيما بينهم، وعن القليل من الأفكار التي ربما يودون ~~إيصالها رغم كل شيء؛ لذا فإن التنغيمات الصوتية في ms035 شكلها الأخير التي عبرت قبل ذلك عن ~~متعنا أعيد تشكيلها باعتبارها الألفاظ التي تشير إلى أعمالنا. وبينما أنه لا بد من أن ~~التعبير «ساعدوني» # aidez-moi # حل في الماضي محل «أحبوني» # aimez-moi ~~، فإن كل ما نحدث به بعضنا بعضا الآن هو ~~«أعطوني المال» # donnez de l’argent ~~(الأعمال الكاملة، ~~المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). في الفصل الخامس عشر من ~~الكتاب الثالث لمؤلفه «العقد الاجتماعي»، واصل روسو التأكيد على الفكرة نفسها، مقتطعا منها ~~البعد الموسيقي، ومبقيا على البعد السياسي. # وبالطبع، لا بد أن عمل روسو «مقالة عن أصل اللغات» استلهم من أمور أكثر من مجرد اعتراض ~~لو كات على «خطاب حول الفنون والعلوم». فاستنادا لشهادة روسو نفسه، كانت هذه المقالة تعد ~~في الأساس جزءا من «خطاب عن اللامساواة»، لكنه تراجع عن ذلك؛ لأن المقالة كانت أطول من ~~اللازم ولا تتسق مع موضوع الخطاب، ثم عاد فأرفقها عام 1755 بدراسة عنوانها «مبدأ اللحن» ~~كتبها جزئيا ردا على انتقادات رامو لمقالاته حول الموسيقى التي خصصها لمؤلف ~~«الموسوعة»، ثم ما كان منه إلا أن سحبها منها مرة أخرى. إن تأكيد المقالة على أولوية اللحن ~~على الانسجام في الموسيقى محوري للقضية التي عرضها روسو معارضا بها رامو الذي أصر طوال ~~حياته على أولوية الانسجام، التي فسرها في ضوء فكرته المبتكرة عن «الجهير الأساسي» للجسم ~~الرنان. لكن معالجة روسو للموسيقى واللغة في مقالته تشكل جزءا جوهريا من فلسفته ~~التاريخية أيضا، وتضم شرحا أكثر ثراء لزعمه بأن تقدم الحضارة أفضى إلى فساد الأخلاق مما ~~يحويه نقاشه لأي من الفنون أو العلوم الأخرى. إلى هذا الحد تقبل المقالة تحدي لو ~~كات لأطروحته الأصلية بأكبر قدر من المباشرة. في ملاحظة في «الرد الأخير» على بورد، زعم ~~روسو أنه تنبأ مقدما وتعامل مع كل الاعتراضات المنطقية للناقدين التي يمكن أن توجه ~~إلى رؤيته (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، ~~لكنه بذلك لا يعطي إبداعهم حقه إلا قليلا، ولا يولي دقة ردوده السريعة غير المحسوسة ~~أفكارها الجديدة إلى ms036 حد بعيد في نصه الأصلي قدرها الحقيقي. # شكل 2-4: صفحة عنوان مخطوطة «مبدأ اللحن». # ولكن ثمة اعتراض وحيد على الأقل على «الخطاب» الأول قدر له أن يظل معلقا دون ~~إجابة في الكتابات الأولى لروسو. فقد اشتكى أحد النقاد - ربما كان الأب رينال الذي تعاون ~~لاحقا مع ديدرو وآخرين في جمع مؤلف ضخم بعنوان «تاريخ الهندين» - من أن روسو قد أخفق في ~~تقديم أي استنتاجات عملية مترتبة على أطروحته، وتجاهل اقتراح علاج للحالة التي وصفها. في ~~«الرد الأخير» على بورد، أقر روسو بصحة هذا الانتقاد، وعلق بأنه رأى الشر وحسب، وحاول أن ~~يضع أصابعه على أسبابه. زعم روسو في هذه المرحلة من حياته أن البحث عن علاج مهمة يجب أن ~~يتركها للآخرين (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). فهو لم يقبل التحدي في مقالته «خطاب عن اللامساواة»، ولا في غيرها من كتاباته التي ~~ظهرت في أوائل خمسينيات القرن الثامن عشر وأواسطها، لكنه لم يدر له ظهره كليا أيضا. ~~ففي أعمال بعينها خلال تلك الفترة أو بعدها بفترة وجيزة والتي لم يقدر لها النشر، سمح ~~روسو لخياله بأن يشطح في أحلام اليقظة السياسية التي قد تبدو وكأنها توعز إلى ضرورة ~~التغيير الجذري، كما في الفصل الثاني من الكتاب الأول لمؤلفه «مخطوطة جنيف»، وهي نسخة مبكرة ~~لمؤلفه «العقد الاجتماعي» الذي كان يشمل رده على بعض ملاحظات ديدرو في «الموسوعة» حيث كان ~~يدعو إلى إقامة «جمعيات جديدة لتصحيح ... عيوب المجتمع بشكل عام» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). وبالتالي، ففي «رسالة إلى السيد ~~دالمبير عن المسرح»، وفي النسخة الأخيرة من «العقد الاجتماعي»، في محاولة لإحياء مثل ~~المجتمع المدني التي فقدتها البشرية، اقترح مجموعة من المبادئ التي من شأنها أن تؤدي إلى ~~سمو مشاعرنا الأخلاقية لا إلى انحطاطها، لكنه اكتشف فجأة أن السلطات في بلده جنيف ومستضيفته ~~فرنسا منزعجة بشدة مما كتب لدرجة أنها رأت في وجوده على أرض بلادها تهديدا للنظام ~~العام. # الفصل الثالث # | الطبيعة البشرية والمجتمع ms037 المدني # يعتبر «خطاب عن اللامساواة» أهم كتابات روسو المبكرة وأبرزها على الإطلاق، وبالإضافة إلى ~~«العقد الاجتماعي» و«إميل»، كان لهذا العمل أوسع أثر بين أعماله كلها. ولكن أثره على ~~قرائه لم يكن فوريا أو قويا جدا كرد الفعل العام تجاه عمله «خطاب حول الفنون ~~والعلوم» أو «رسالة عن الموسيقى الفرنسية»؛ حيث إنه - على النقيض من «الخطاب» الأول - لم ~~ينل جائزة أكاديمية ديجون التي دخلها روسو به طمعا في الحصول على جائزة جديدة، وافتقر ~~إلى إسهام روسو في جدال كان مثيرا للاهتمام مثل «الخلاف بين الممثلين الهزليين» الذي أثار ~~مشاعر قوية بين أنصار السياسة والموسيقى الفرنسية والإيطالية على حد سواء. حاول هذا العمل، ~~الأقل اهتماما في أسلوبه بالزخارف البلاغية من أعماله السابقة، تقديم تحليل أعمق للحضارة ~~وسماتها المميزة بواسطة حجة أقوى، للمرة الأولى بأسلوب سياسي واجتماعي يمثل حقا إشراق ~~فلسفة روسو التاريخية في أكثر أشكالها نضجا. وبينما حاز هذا العمل بعض الثناء وأيضا قدرا ~~أكبر من العداء من النقاد الفرنسيين، فإن أثره الأعظم أمكن لمسه ربما أولا في اسكتلندا، ~~حيث صاغ آدم سميث «نظرية المشاعر الأخلاقية» خاصته جزئيا كرد على مؤلف روسو، وبنى ~~اللورد مونبودو حجته الخاصة ببشرية القردة العليا في عمله «أصل اللغة وتطورها» في ضوء ~~الافتراضات المتعلقة بهذا الموضوع التي حواها عمل روسو. وفي ألمانيا، استلهم كانط في «فكرة ~~لتاريخ عالمي» وهيردر في «أفكار حول فلسفة ~~تاريخ البشرية» أيضا من مبادئ ذلك الخطاب التطورية؛ فاستلهم كانط تحديدا تمييزه بين تهذيب ~~الثقافة وغرس الأخلاق، بينما استلهم هيردر بصفة أكثر خصوصية رؤيته للتشكل الاجتماعي للغة. ~~وفي عصرنا الحالي، اعتبر كلود ليفي-ستروس هذا العمل الإسهام التنويري الافتتاحي لعلم ~~الأنثروبولوجيا. ورغم أن هذا العمل يستعرض عصورا أقدم مما تناولته أعمال روسو الأخرى، فقد ~~اعتبر أكثر أعماله راديكالية وتقدمية بين أعماله الرئيسية، وبالتأكيد بين الأعمال التي ~~نشرت في حياته. # يرجع جزء من السبب وراء اكتساب هذا العمل تلك المكانة إلى الأسلوب النقدي لتقييمه للمبادئ ~~السياسية السابقة، بما في ذلك المفهومين القديم والحديث للقانون الطبيعي والنظريات ms038 ~~المعاصرة للعقد الاجتماعي. وبينما كان هناك تركيز كبير من جانب روسو في هذا العمل على ~~فلسفة اللغة عند كوندياك والتاريخ الطبيعي عند بوفون، وتعرض بالنقد الشديد لبعض أفكارهما، ~~فإن الأفكار السياسية والاجتماعية لكل من هوبز وبوفندورف ولوك، في المقام الأول ، هي التي ~~نالت أكبر قدر من التمحيص والهجوم من جانبه. فقد كان روسو على قناعة بأن هؤلاء المفكرين ~~قدموا رؤية لمصادر الفساد الأخلاقي البشري بشكل كان صحيحا إلى حد كبير بصفة عامة، لكنهم ~~أساءوا فهم الدلالة الحقيقية لأفكارهم. فمن ناحية، فسروا كيف أن الناس في الماضي تعرضوا ~~للتضليل حتى قبلوا المؤسسات التي أفسدتهم أخلاقيا، ولكنهم من ناحية أخرى اعتقدوا أن واجب ~~كل إنسان أن يدعم مثل هذه المؤسسات؛ نظرا لتقديمها حلولا لمشكلة أخرى، وهي مشكلة مختلفة ~~بالكامل من وجهة نظر روسو. ودحضه لأفكار كل من هوبز وبوفندورف ولوك سار تقريبا على نفس ~~الخطوط الأساسية. # في تصدير «خطاب عن اللامساواة»، زعم روسو أنه لا بد أن هناك نوعين من اللامساواة أو ~~التفاوت بين البشر؛ أحدهما طبيعي، ومن ثم فهو خارج عن إرادتنا، والآخر أخلاقي أو سياسي ~~لأنه يعول على الاختيار البشري (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات ~~السياسية المبكرة الأخرى). لاحظ روسو أنه ما من رابط جوهري بين هذين النوعين من اللامساواة؛ ~~وذلك لأن مزاعم الهيمنة التي يطرحها القلة التي تحكم الأغلبية لا يمكن أن تكون ذات تأثير ما ~~لم يتم الإقرار بصحتها، وهذا الإقرار لا يكون هبة من الطبيعة للحكام وإنما يمنحه ~~الناس لهم. ولذا، فإن الشكلين الأخلاقي والسياسي للامساواة اللذين يسودان شتى أرجاء ~~العالم لا يجوز تبريرهما مطلقا بالإشارة إلى أي من الخصال الطبيعية التي تميز الأفراد ~~بعضهم عن بعض. ولو كان العكس صحيحا، لخلقت ممارسة القوة نفسها إلزاما بالامتثال، ولنال ~~البشر حينئذ بشكل ما احترام جيرانهم للسبب نفسه الذي يثير خوفهم منهم. في «العقد ~~الاجتماعي» فسر روسو بإسهاب أكثر أن القوة ليست أساس الحق، وهذا هو موقفه في «خطاب عن ~~اللامساواة» أيضا. فقد اعتقد هو وغيره من منظري ms039 العقد الاجتماعي أن القواعد التي تميز ~~بين الأشخاص في المجتمع لا تسود إلا من خلال موافقتهم وحسب؛ ولذا فلا بد أن حالات ~~اللامساواة، بحسب زعم روسو في الجزء الأول من نصه، التي خلقتها الطبيعة «تحولت» إلى حالات ~~اللامساواة التي فرضها البشر (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). # شكل 3-1: صفحة العنوان والصورة الموجودة في الصفحة المقابلة لها (لوحة «عاد ~~لأنداده») لمقالة «خطاب عن اللامساواة» (أمستردام، 1755). # تصور روسو الفكرة المحورية ل «الخطاب» الثاني خاصته على أنها سرد للكيفية التي ربما شهد ~~بها الجنس البشري تحولا من هذا النوع. فما دام أن أسلافنا في حالتهم الطبيعية لم يكن ~~ليتاح لهم سوى تواصل عارض ونادر فحسب بعضهم مع بعض، فقد زعم أن عناصر التمييز المبكرة ~~بين الأفراد لم تكن لتتمتع بأي حيثية. لكن حالات اللامساواة التي خلقها البشر أنفسهم شكلت ~~السمات السائدة لكل مجتمع (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). في حالتهم الأصلية، كان من الممكن ألا يتمتع أسلافنا «بأي صلات أخلاقية ~~أو واجبات محددة بعضهم تجاه بعض» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات ~~السياسية المبكرة الأخرى)، وبما أن الإنسان البدائي لم يكن بحاجة لصحبة المخلوقات الأخرى من ~~أقرانه، ولم يكن لديه رغبة في إلحاق الضرر بهم، لم يتحول ضعفه إلى جبن أو قوته إلى خطر ~~محدق بجيرانه إلا مع ميلاد المؤسسات الاجتماعية وحسب. إن حالات اللامساواة التي نشأت بين ~~الناس في المجتمع، في المقابل؛ حيث تسود العلاقات الثابتة والمحددة، تربط بين الأفراد بعضهم ~~بعضا بشكل دائم عبر قنوات التبعية والسلطة. # ولأنهم، هوبز وبوفندورف ولوك، أخطئوا تماما في تصوراتهم للحالة الطبيعية للبشر، فقد ~~أخطئوا، في المقابل، عندما افترضوا أن كل الأفراد يجب أن يكونوا متساوين في قدراتهم، وتخيل ~~كل من هؤلاء المفكرين أنه كتبعة لهذه المساواة، فإن كل شخص كان سيخشى جيرانه وسيعجز عن ~~العيش في أمان بينهم. إن البشر ذوي القدرات المتكافئة، بحسب زعم هوبز، يمكن أن يسعوا ~~لتحقيق الغايات نفسها على مسئوليتهم الشخصية وحسب؛ لأنه ms040 من دون قوة مشتركة تجعلهم يخافون ~~ويحترم بعضهم بعضا، كانوا سيعيشون في حالة حرب دائمة (المواطن، الفصل العاشر، ليفايثن، ~~الفصل الثالث عشر). ولإقرار السلام، كان يجب على البشر تأسيس فكرة الكيان السامي المختلق أو ~~«الإله الفاني»، بحسب افتراضه، الذي يمارس سلطة مطلقة لحماية كل شخص من غيره، بحيث يمكن ~~التغلب على الآثار المدمرة للمساواة عبر إخضاع الأغلبية كلها «لليفايثن». ولذا، بما أن ~~حالات اللامساواة الناتجة عن الحالة الطبيعية لدى روسو كانت غير ذات أهمية بالمرة للبشرية، ~~فبحسب هوبز حقيقة أنه لا بد أن تكون هناك مساواة في عالم ليس له سيد كانت لها أهمية عظيمة، ~~وكانت من بين الأسباب التي جعلت تحقيق السلام في ذلك العالم مستحيلا بطبيعة الحال. # بالنسبة إلى بوفندورف، بالمثل، لا بد أن البشر كانوا متساوين بشكل مثير للقلاقل في حالتهم ~~الأصلية. وعلى الرغم من أنه اتفق مع هوبز على أن الأنانية هي الدافع الأساسي الذي كان ~~يقودنا، لا الإيثار أو الرفقة، فقد حاج بأننا في الحالة الطبيعية وقعنا تحت رحمة عناصر ~~الطبيعة والحيوانات المفترسة؛ مما دفعنا للتكتل معا بسبب ضعفنا وترددنا، لا بشكل إيجابي بل ~~بشكل سلبي، كي نبقى على قيد الحياة (قانون الطبيعة والأمم، الباب الثاني، الفصل الثالث). ~~كان هذا مذهب بوفندورف الخاص ب «النزعة الاجتماعية الطبيعية»؛ وهي الخصلة التي أفضت، بحسب ~~زعمه، بأسلافنا إلى تشكيل مجتمعات تزداد تعقيدا وتطورا باستمرار نظرا للإمكانات ~~اللامحدودة والرغبات النهمة التي يتفرد بها جنسنا. وبالتالي، كان نمو المجتمع السياسي ~~تدريجيا أكثر مما تخيل هوبز، ولكن بالنسبة إلى بوفندورف، فقد وجد بالمثل للتغلب على حالة ~~عدم الاستقرار الخطرة التي تسببت فيها حالة المساواة الطبيعية الخاصة بنا عبر قبولنا بقاعدة ~~الحاكم المطلق. قدم المجتمع المدني أو الحضارة، المتخيلة على هذا النحو، علاجا للشقاء ~~البربري لحالتنا الهمجية. لاحقا، سيسمي كانط نظرية نشأة المجتمع هذه بمبدأ «النزعة ~~الاجتماعية للاجتماع». # وبالنسبة إلى لوك أيضا، لا بد أن المساواة الطبيعية بين البشر في حالتهم الأصلية، «التي ~~تكون فيها السلطات والنفوذ كلها متبادلة» (الأطروحة الثانية عن ms041 الحكومة، الفصل الثاني)، هي ~~التي جعلت حيازة الممتلكات غير مؤكدة وغير مأمونة. فلا يمكن، بحسب فرضيته، حماية الملكية ~~الخاصة وضمان حقنا الطبيعي فيها إلا في المجتمع المدني حيث تقوم بحمايتها دوما سلطة أعلى ~~مكلفة بالعناية بها. وبينما كان تركيز هوبز الأساسي البعد السياسي للسلام، وبوفندورف الحاجة ~~الجمعية للأمن، ولوك الحماية المدنية للملكية، بدا أن الكتاب الثلاثة متفقون على أن ~~الأفراد كانوا بفطرتهم عاجزين عن الاستمرار في الحياة في غياب الحكومة، ومن ثم لا بد ~~دوما من خلق سلطة حاكمة للحد من الأخطار التي تصاحب المساواة المطلقة بين البشر. # كانت رؤية روسو لأصول اللامساواة في «الخطاب» الثاني على الأقل موجهة جزئيا لمعارضة هذه ~~المزاعم. ففي رأيه، لا بد أن السلطات العليا التي تخيلها هوبز وبوفندورف ولوك عززت من ~~الاختلافات التي تفرق الناس بعضهم عن بعض، ولم تتجاوز مثل هذه الاختلافات. لقد اعتقد روسو ~~أنه يستحيل أن يكتشف المرء من أعمال أي من هؤلاء أو غيرهم من المفكرين السياسيين لماذا ~~كان ينبغي على البشر في حالتهم الطبيعية التماس الحماية من جيرانهم، لكنه اعتقد أن أفكارهم ~~مجتمعة فسرت مع ذلك كيف اعتبر البشر هذه العلاقات المحددة والثابتة التي تشكل الاختلافات ~~فيما بينهم شرعية في المجتمع الفاسد. وبحسب روسو، تحديدا في مواجهة هوبز، صحيح أن البشر لا ~~بد أنهم استحدثوا كل التزاماتهم الاجتماعية من أجل حماية حياتهم وممتلكاتهم، ولكن ما دام ~~أنه من الممكن أنهم لم يكونوا في حالة حرب، أو أنهم حازوا أي ممتلكات، أو كانت لديهم أي ~~طموحات للهيمنة أو أي سبب يدعو الواحد منهم للخوف من الآخر، في حالتهم الطبيعية، فقد كان من ~~غير المتصور أن يشعروا أصلا بالحاجة إلى مثل هذا الأمن (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). كان من الممكن ألا تنطوي الحالة الطبيعية ~~على عوامل داخلية تقصي من يعيشون تحت مظلتها خارجها، ولم تكن مشاعر الحسد أو الريبة التي ~~تجعل الناس يخشون على أمانهم أو يهابون خسارة ممتلكاتهم، في رأيه، ملائمة ببساطة للبشر ~~الذين كانوا ms042 يعيشون وحدهم راضين. # في «خطاب عن اللامساواة» أقر روسو بأن فكرة الملكية الخاصة لا بد أنها شكلت المبدأ ~~«الأكثر» جوهرية للالتزام ضمن مجتمع ما، وعلى الرغم من أنه من المستبعد أصلا أن يصوغ الهمج ~~مبادئ من أي نوع، أصر روسو على أن مثل هذه الفكرة لا بد أنها قد نشأت في فترة ما بعد أن ~~شرعوا في الاستقرار في مجتمعات. أخطأ بوفندورف عندما افترض أن النزعة الاجتماعية الطبيعية ~~للبشر لا بد أنها دفعتهم إلى العيش معا، بما أن المجتمع نفسه غير طبيعي ويعول على مفردات ~~رمزية متفق عليها، أي لغة، وهي التي تجعل إطار الخطاب المفهوم المشترك ممكنا. لكن اللغة ~~بدورها لم يكن يمكن أن تنشأ دون مجتمع موجود مسبقا قام بتشكيلها وأعطاها معنى مقبولا ~~عموما للألفاظ المفردة. وفي ظل حاجة اللغة إلى مجتمع بنفس قدر حاجة المجتمع إلى لغة، انتهى ~~روسو - في فقرة تتناول أصول اللغة الموجهة فوق كل شيء للفلسفة اللغوية لكوندياك - إلى أنه ~~يعجز عن إثبات أيهما سبق الآخر (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات ~~السياسية المبكرة الأخرى). # في رأي روسو، توصل كوندياك، في عمله «مقالة عن المعرفة البشرية» الصادر عام 1746، بشكل ~~صحيح إلى أنه من غير الممكن أنه كانت هناك لغات قائمة على المنطق في الحالة البدائية ~~للبشرية، أيا كانت الوسيلة التي تشكلت بها، ما دامت المهارة اللغوية يمكن اكتسابها وحسب ~~بمجهود كبير في غضون فترة تدريب طويلة. أدرك كوندياك، وكذا روسو، أن اللغات البدائية للبشر ~~لا بد أنها كانت مجرد صرخات طبيعية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات ~~السياسية المبكرة الأخرى؛ مقالة عن المعرفة البشرية، الجزء الأول، القسم الثاني). ولكن على ~~العكس من روسو، تخيل كوندياك أن هذه التعبيرات العفوية كانت رموزا بدائية للفكر، تمثل ~~الترابط البدائي للأفكار لدى أسلافنا؛ لأنه حتى في أقدم العصور لا بد أن استخدامهم للرموز ~~اللغوية الاعتباطية كان يشير إلى شيء آخر بخلاف اللغة. في «خطاب عن اللامساواة» عارض روسو ~~هذه الأطروحة زاعما أن الأفراد في حالتهم الطبيعية لم يكونوا ms043 ليشرعوا في تصور أفكار دون ~~لغة، تماما كما لم يكن باستطاعتهم إقامة مجتمع دون لغة (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). زعم روسو أن الهمج كانوا بحاجة إلى خبرة في ~~التاريخ الطبيعي والميتافيزيقا لكي يفهموا المعاني العامة للاصطلاحات التي تقتضيها حتى أكثر ~~الرموز اللغوية بدائية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى)، بما أن اللغة لا تمثل الأفكار والصور وحسب، بل تبين وتشكل جزءا ~~أساسيا منها، إذ لا تمتلك وضعا مستقلا خاصا بها. # في غياب المجتمع واللغة في أكثر حالاتنا همجية، كان تأسيس حق الملكية، بوصفه الذي أشار ~~إليه لوك، مستحيلا أيضا هناك. فلم يكن من الممكن أن يعبر الرجال والنساء عن ادعاءاتهم ~~الخاصة بالملكية أو يفهموها حتى توضع أولا القواعد اللغوية للحياة الاجتماعية؛ لأنه دون ~~شكل ما من اللغة لم يكن ليتشكل لدى الأفراد تصور عما ينضوي تحت ملكيتهم تحديدا، ولما كان ~~باستطاعتهم احترام أي شيء يملكه الآخرون. وحقيقة الأمر أن تأسيس الملكية الخاصة، بحسب ~~اعتقاد روسو، لا بد أنه اعتمد على مجموعة متنوعة كاملة من الأعراف والممارسات التي تطورت ~~على مدار التاريخ البشري. ولم يتطلب لغة وحسب، بل صناعة وأعمالا وتطورا وتنويرا بحيث ~~شكل فعليا ما أطلق عليه «الحد الأخير في الحالة الطبيعية»، والحد الأول لنشأة المجتمع ~~المدني (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). # لكن إذا كانت فكرة امتلاك حق حصري في حيازة بعض الأراضي لم يكن من الممكن اكتسابها إلا ~~بعد أن شرع البشر في إقامة علاقات ثابتة بعضهم مع بعض، فما زال من المهم لروسو أنه من ~~الواجب علينا إدراك أن التأسيس الذي تم استنادا إلى هذه الفكرة يعتبر محوريا في جميع ~~العلاقات الاجتماعية اللاحقة. لاحظ روسو أن «الإنسان الأول الذي سور قطعة أرض، وفكر في ~~عبارة «هي ملكي»، ووجد من البسطاء من يصدقونه ... كان مؤسس المجتمع المدني الحقيقي.» إن هذا ~~المدعي، السلف الهمجي لجنسنا البشري المستلهم من بلاغة لوك البارعة، زج بالبشرية إلى ~~التبعية الاجتماعية، طامسا الحقيقة، ms044 التي أقرها لوك نفسه قبل أن يطرح قضيته المتعلقة ~~بالملكية الخاصة، التي مفادها أن «ثمار الأرض لنا جميعا، والأرض نفسها ليست ملكا لأحد» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). لو كان ~~المجتمع المدني قد تشكل من الأساس لتبرير علاقات الملكية البشرية، فلا بد إذن أن «هذه ~~العلاقات»، علاوة على ذلك، هي التي أشعلت أتون الحرب. ولا بد أن الأراضي أمست شحيحة من ~~خلال الاستئثار الفردي والميراث، بينما لا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد السكان؛ مما أفضى ~~إلى حالات اغتصاب للأراضي من قبل الأثرياء، وسرقة من قبل الفقراء، وأهواء لا كابح لها ~~من قبل الطرفين (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). ولذا، كما أخطأ لوك في افتراضه أن البشر كان بإمكانهم تأسيس حقوق إقليمية ~~للاستخدام والحيازة الحصريين قبل أن يقيموا أي مؤسسات اجتماعية، أخفق هوبز في إدراك أن ~~علاقات الملكية التي أقامها البشر في مجتمعاتهم لا بد أنها كانت السبب الرئيسي في اندلاع ~~الحرب، بحسب زعم روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). وبما أن البشر كان من الممكن أن يضر بعضهم بعضا فقط بعد أن يقيموا ~~علاقات ملكية تقسيمية، وبسبب هذه العلاقات، لم يكن لديهم ببساطة في حالتهم الطبيعية الخالية ~~من فكرة الملكية أي داع لإلحاق الضرر بعضهم ببعض أو ليعاني أحدهم على أيدي الآخرين. # لذا، اعتقد روسو أن العقد الاجتماعي الذي وضعه البشر لتأمين ممتلكاتهم لم يكن ليصاغ في ~~الحالة الطبيعية، ولكن، على النقيض، لا بد أنه حيلة احتال بها الأثرياء في المجتمع ليخدعوا ~~الفقراء. ربما بدت بنوده مقنعة ظاهريا؛ لأن من وضعوه أشاروا إلى سيادة القانون غير ~~المتحيزة وإلى أمن كل البشر، لكن غايته الحقيقية كانت تأسيس نظام كانت تقتضيه الضرورة ~~لحماية أملاك البعض على حساب البعض الآخر. وكانت تعني موافقة الفقراء (أي السواد الأعظم من ~~الناس) على هذا العقد أنه مطلوب منهم التخلي عن حقهم في مشاركة الثروة التي يتمتع بها أصحاب ~~الأملاك، وترتب على ذلك ms045 أنه في مقابل العيش في سلام وحماية أرواحهم، بحسب تعبير روسو، ~~«تهافت الجميع على قيودهم، ظنا منهم أنهم بذلك يضمنون حريتهم» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). إن فكرة أن «الملكية سرقة»، التي روج ~~لها برودون وغيره من الاشتراكيين في القرن التاسع عشر، تدين بالكثير لهذه الحجة. # كما رآها روسو من وجهة نظره، فقد خدمت الرؤى السياسية لكل من هوبز وبوفندورف ولوك وحسب ~~غاية توفير إقرار قانوني للامساواة الأخلاقية بين البشر، وترسيخ تلك العلاقات الاجتماعية ~~الظالمة وحسب في القانون وبقوة السلطة القائمة بشكل غير طبيعي، تلك العلاقات التي تتطلب في ~~واقع الأمر قواعد العدالة الخاصة بالمجتمع المدني للسيطرة عليها. قال روسو في الفصل الثاني ~~من الكتاب الأول من «مخطوطة جنيف»، لم يكن الخطأ الذي وقع فيه هوبز افتراضه المسبق بوجود ~~حالة حرب بين البشر فور أن اجتمعوا في مجتمع، بل افتراضه أن هذا الوضع طبيعي وأنه يرجع إلى ~~الرذائل النابعة منه حقا لا المفضية إليه (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد ~~الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). لقد نظر كل من هؤلاء المفكرين الثلاثة فعليا إلى ~~أفكارهم باعتبارها حلولا لبعض المشكلات التي كانت تلك الحلول في حقيقة الأمر سببا فيها ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). إن ~~افتراضات هوبز وبوفندورف حيال خصالنا الأساسية جعلتنا نبدو بائسين جدا، لدرجة أنه لا ~~يسعنا إلا الإعجاب بالسلام والعدالة اللذين تجلبهما لنا حكوماتنا التي تحولنا من همج إلى ~~مواطنين. غير أننا عندما نبادر بتنحية الأعمال الرائعة لمثل هؤلاء الكتاب القانونيين ~~جانبا، وتأمل حال البشر بعمق خارج إطارها، ماذا سنرى؟ هكذا سأل روسو في مقالة موجزة له ~~بعنوان «حالة الحرب»، التي ربما كتبها في أواخر خمسينيات القرن الثامن عشر، والتي ربما كانت ~~ذات صلة بتعليقاته على مساعي الأب دي سان-بيير في أوائل القرن الثامن عشر للترويج للسلام ~~الدائم. أجاب روسو عن ذلك بقوله: إننا نرى كل البشر «يئنون تحت نير حديدي، والبشرية ~~كلها تسحقها حفنة من الطغاة»، والمعاناة والجوع في كل ms046 مكان، بينما الأثرياء يعيشون دون أي ~~تأنيب ضمير على معاناة الآخرين وآلامهم؛ وفي شتى أنحاء العالم لا نجد شيئا سوى «التسلط ~~الشديد على الضعيف من جانب القوي، والمدعوم بقوة القانون المهيبة» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). وبرؤى كهذه عبر عنها بألفاظ ~~عميقة مماثلة، عبر أتباع روسو ومعجبوه الراديكاليون خلال الثورة الفرنسية عن ازدرائهم ~~الشديد لمؤسسات النظام الفرنسي القديم. # اعتقد روسو أن هوبز وبوفندورف ولوك قد تغافلوا عن الدلالة الحقيقية لأفكارهم؛ غالبا ~~لأنهم كانت لهم آراء مغلوطة عن الطبيعة البشرية. فقد نسبوا للإنسان الهمجي مجموعة من الخصال ~~لم يكن ليكتسبها إلا عندما يكون عضوا في مجتمع، وبما أنهم أخفقوا في التمييز بين سماتنا ~~الاجتماعية وخصالنا الفطرية، فإن تصوراتهم لسلوكنا الأصلي تشكلت بسرعة مبالغ فيها، وتلبست ~~بتراكمات تطورنا. وبعد أن اضطلعوا بمهمة تفسير الحالة الطبيعية، بحسب زعم روسو في حاشية ~~مهمة ومطولة في «الخطاب» الثاني، لم يتوانوا في نقل أفكارهم عبر قرون من الزمان، وكأن ~~البشر في عزلتهم عاشوا بالفعل مع جيرانهم (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات ~~والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). والأدهى من ذلك أنهم اقترحوا أن بعض أكثر رذائلنا ~~جسامة ينبغي أن يجيزها القانون. # السؤال الآن: كيف كان حال أسلافنا إذن دون كابوس تاريخنا الاجتماعي، كشأن تمثال جلوكوس ~~الذي وصفه أفلاطون في الكتاب العاشر من «الجمهورية»، قبل أن تشوهه آثار الزمن المدمرة ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)؟ لقد كانت ~~غاية «خطاب عن اللامساواة» الأساسية تفسير تغير طبيعة جنسنا البشرية بسبب التحولات التي ~~تعرض لها في المجتمع، على غرار الاعتقاد الذي ساد في أواخر القرن العشرين الذي وصف ما حدث ~~للبشرية بأنه انتقال من الطبيعة إلى الحضارة. زعم روسو هنا أن أسلافنا الهمج لا بد أنهم ~~اشتركوا مع غيرهم من الحيوانات الأخرى في خصلتين في حالتهم الطبيعية؛ الأولى: هي حب الذات ~~أو النزعة الدائمة لحفاظ المرء على حياته، والثانية: هي الرأفة أو التعاطف مع معاناة غيره ~~من أبناء جنسه. كتب روسو في مقدمة ms047 عمله يقول: «بتدبر أول أعمال الروح البشرية وأبسطها على ~~الإطلاق، أعتقد أنه بإمكاني أن أرى فيها مبدأين سابقين للعقل»، يعنى أحدهما برفاهيتنا ~~وحفاظنا على نوعنا، والآخر يوحي بوجود نفور طبيعي عند رؤية أي من الكائنات الأخرى وهي ~~تتألم أو تموت . وزعم روسو أنه يبدو أن كل قواعد الحقوق الطبيعية مستقاة من هذا الاتفاق بين ~~هذين المبدأين، دون الحاجة إلى إقحام فكرة بوفندورف عن النزعة الاجتماعية الطبيعية (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ولا بد أن هاتين ~~الخصلتين كانتا سابقتين للعقل والنزعة الاجتماعية الطبيعية؛ ذلك لأن هاتين السمتين ~~اللاحقتين كانتا ستحتاجان إلى فترة طويلة جدا كي تنضجا، ولم يكن من الممكن أن يكون لهما ~~أي وجود في حالتنا الطبيعية. وبينما زعم فلاسفة القانون الطبيعي الذين جاءوا قبله أن السبب ~~الأساسي الذي جعل البشر يجتمعون معا هو وجود نزعة اجتماعية لديهم، وهي التي أمكن إشباعها ~~من خلال امتلاكهم العقل، رفض روسو في «خطاب عن اللامساواة» تأسيس المجتمع على القانون ~~الطبيعي. فهو لم يوافق على فكرة أن البشر يختلفون عن الحيوانات بسبب امتلاكهم لأي خصلة أو ~~مبدأ طبيعي سام؛ ولذا فردا على سؤال المسابقة الذي طرحته أكاديمية ديجون - «ما أصل ~~اللامساواة بين البشر؟ وهل يجيزها القانون الطبيعي؟» - أجاب مرة أخرى بالنفي تماما كما فعل ~~من قبل في «خطاب حول الفنون والعلوم». تعجب روسو في ختام «الخطاب» الثاني بأنه «مما ينافي ~~قانون الطبيعة» أن قلة من البشر يعيشون متخمين بما يفيض عن حاجتهم بينما يفتقر السواد ~~الأعظم إلى أبسط الضروريات (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). لا يخول القانون الطبيعي اللامساواة، بحسب ظن روسو؛ لأن القانون الطبيعي ~~لا يملي قواعد السلوك البشري في الحالة البدائية للبشر. ويشكل الجزء المتبقي من «الخطاب» ~~الثاني لروسو محاولة لاقتفاء أصل وتاريخ اللامساواة الأخلاقية. # كان روسو مقتنعا بأن هوبز تحديدا تجاهل الرأفة أو التعاطف الطبيعي عند البشر؛ لأنه كان ~~لديه انطباع خاطئ عن حبهم لذاتهم. فقد تخيل أنه لكي يحافظ الأفراد على حياتهم، ms048 فإنهم كانوا ~~مضطرين إلى مقاومة محاولات الآخرين القضاء عليها؛ ولهذا كان من المستحيل في الحالة الطبيعية ~~لأي إنسان أن يكون متعاطفا وآمنا في الوقت نفسه. لكن بالنسبة إلى روسو، في المقابل، لا ~~يتعارض اهتمام المرء بذاته على النحو الملائم مع اهتمامه برفاهية الآخرين، على العكس من ~~ذلك، فقد اعتقد روسو أن الرغبة التي لا تعرف الرأفة والتعاطف في التمتع بالأمن على حساب أي ~~إنسان آخر تتسبب في نشأة مشاعر الغرور والازدراء التي تحيل الغرباء إلى أعداء. لاحظ روسو ~~أن ماندفيل، الذي تشابهت نظريته عن الطبيعة البشرية في كتابه «قصة النحل» الصادر عام 1714 ~~مع نظرية هوبز، اتفق مع هذا التصور، على عكس هوبز (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ولم يكن تصوره عن حب الذات يعني اهتمام المرء ~~بذاته على النحو الملائم بل الخيلاء، وهو شعور نسبي ومصطنع يثير في المجتمع لدى الأفراد ~~رغبة في إعلاء ذواتهم على الآخرين، ويعتبر، كما يشير روسو في حاشية أخرى مهمة (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، مصدرا «للشعور ~~بالفخر» الذي نسبه هوبز بشكل جوهري وخاطئ للطبيعة البشرية عامة. # وبينما يرعى البشر والحيوان على حد سواء أنفسهم في حالتهم الطبيعية أو غير المتحضرة ~~ويتعاطفون مع الآخرين من بني جنسهم، فإن الأشخاص المنحرفين أخلاقيا وحسب هم الذين يرعون ~~أنفسهم بالنظر إلى الآخرين متمنين أن يكونوا مثلهم أو أفضل منهم. في الحالة الطبيعية ~~الحقة، لم يكن للخيلاء وجود. وكان حب الذات والرأفة اللذان تشاركنا فيهما بقية ~~المخلوقات كافيين لضمان بقائنا. وباستبعاده الخيلاء من تعريفه للطبيعة البشرية في ~~«الخطاب» الثاني، انفصل روسو عن تقليد قائم على التخمين الذي كان سائدا في بدايات الفلسفة ~~الحديثة والمتعلق بالدوافع التي تجعل البشر ينزعون إلى الاجتماع. إن الهيمنة المزعومة ~~للعواطف الأنانية على العقل البشري، من ناحية، وتعرضها لتحكم محمود بطرق تدعم الصالح العام، ~~من ناحية أخرى، كانت فرضية آمن بها أتباع باسكال من بين فلاسفة اللذة الأوغسطينيين، ~~وكذا هيوم وغيره من فلاسفة الأخلاق المحسوبين على ms049 حركة التنوير الاسكتلندية، بهدف جعل فكرة ~~«التجارة المسالمة» ممكنة، وبهذا يجعلون في نهاية المطاف السبب وراء ثروة الشعوب هو السعي ~~وراء الرفاهية. وعلى نفس هذا النسق جاء تحول علم اللاهوت في القرن السابع عشر إلى علم النفس ~~الاجتماعي في القرن الثامن عشر لدعم روح الرأسمالية، وخلع مصداقية على المؤسسات التي ~~ترعاها. لكن مثل هذه الحجج كانت، بحسب تفسير روسو، مغلوطة بالمرة بسبب عزوها لفكرة مصطبغة ~~بصبغة اجتماعية بالفعل عن حب الذات لأفراد لم يكن لهم أصلا أن يتأثروا بها. في الجنة ~~كما صورت في «خطاب عن اللامساواة»، لم يعان الإنسان من أي إغراءات من شأنها أن تؤدي ~~إلى سقوطه وصعوده اللاحق. # ومع ذلك، افترض روسو أيضا أن البشر كان لديهم قدرة فريدة على تغيير طبيعتهم. وبينما أن ~~غيره من الأجناس الأخرى من الحيوانات منحها الله بشكل طبيعي الغرائز والقدرات التي تحتاج ~~إليها للبقاء، نجد أن البشر في المقابل أحرار قادرون على الاختيار. وتمييزا لنا عن ~~المخلوقات المنساقة دوما وراء غرائزها، فإننا نتمتع بإرادة حرة، وبالتالي نحظى على الأقل ~~بإمكانية تحمل مسئولية تحديد كيف نعيش حياتنا. لقد رفض هوبز بالفعل هذا التصور العتيق ~~للحرية الذي أحياه روسو بتمييزه بين السلوك القهري والمتعمد. في رأي هوبز، ليست الحيوانات ~~أسيرة شهواتها؛ لأن تلك الشهوات شجعتها على الحركة بدلا من أن تكبحها، ومن ثم كانت السبب ~~الذي يدفع سلوكها، لا الكابح الذي يثبط من عزيمتها. ولقد ظن أيضا أن فكرة حرية الإرادة ~~سخيفة، ما دامت الأجسام وحسب يمكن أن تكون حرة أو مقيدة، أما الإرادة، بما أنها ليست عرضة ~~لأي حركة، فلا يمكن أن تعاني من أي عائق خارجي يمكن أن يعطلها عن الحركة (ليفايثن، الفصل ~~الحادي والعشرون). لكن روسو - المدين في هذه النقطة إلى تقليد الفلسفة الكلاسيكية الذي ~~سعى هوبز للإطاحة به - كان مقتنعا بأن الطبيعة مارست قيدا داخليا على السلوك الحيواني، ~~وأن أسلافنا، لأنهم كانوا قادرين دوما على إشباع دوافعهم الطبيعية بعدة سبل متنوعة؛ لم ~~يكونوا مقيدين بالغرائز التي كانت تدفع وتسيطر ms050 على كل المخلوقات الأخرى (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وكان كل فرد ليس معاقا ~~ذهنيا من جنسنا حرا في الأساس في أن يحكم نفسه. # ظن روسو أنه نظرا لأن البشر في حالتهم الطبيعية كانوا قادرين على تمييز أنفسهم عن غيرهم ~~من الحيوانات، لا لأنهم وهبوا أي خصال خاصة أو مميزة من البداية، فلا بد أن أسلافنا كانت ~~لديهم دوما ميزة تسمو بهم على غيرهم من المخلوقات بكافة أنواعها. افترض بوفندورف أن الضعف ~~البدني للبشر وجبنهم لا بد أنهما جمعا بينهم في الأساس، وهو بذلك يناقض تصور هوبز الخاص ~~بحالة الحرب الفطرية. ورغم ذلك، افترض روسو أن تخمين بوفندورف مغلوط شأنه شأن تخمين هوبز. ~~لم يكن المجتمع البشري ضروريا لتفادي الحرب أو التغلب على الضعف، وإقامة هذا المجتمع لم ~~تكن ممكنة إلا بالإرادة الحرة، والقدرة البشرية - لا الحيوانية - على الاختيار، بحسب ~~زعمه. كانت إقامة المجتمع اختيارية لا ضرورية، حيث نبعت من لاحتمية الطبيعة البشرية، ولم ~~تكن مفروضة على البشر بفعل الطبيعة. ولا بد أن أسلافنا كانوا قادرين على اتخاذ القرار ~~بأنفسهم، حتى في حالتهم الطبيعية، فيما يتعلق بأفضل وسيلة للتعامل مع كل موقف. فكان نظامهم ~~الغذائي المرن يتألف من الفاكهة أو اللحوم، وكان بإمكانهم العدو برفقة الحيوانات البرية، ~~وتسلق الأشجار في الوقت نفسه، وكان بإمكانهم الاختيار بين مواجهة الخطر والفرار منه ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). في «خطاب ~~عن اللامساواة» كتب روسو تعليقا على الهمجي أن «روحية نفسه تتجلى تحديدا في وعيه بهذه ~~الحرية» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). # علاوة على ذلك، لا بد أن الجنس البشري كان دوما مميزا عن غيره من الأجناس بطريقة أخرى ~~وهي أننا وحدنا نتحلى بسمة «الاستعداد للكمال»، وهو اصطلاح قدمه روسو هنا لفلسفة التاريخ ~~وتاريخ الفكر السياسي. في حالته الأصلية، كل إنسان لا بد أنه كان لديه القدرة لا على تغيير ~~خصاله الأساسية وحسب، بل وتحسينها أيضا. وفور تبني عادات لا يمكن أن ms051 يشاركه إياها ~~الحيوانات الأخرى، استطاع الإنسان أن يجعل من هذه العادات سمة دائمة من سمات شخصيته، وفي ~~رأي روسو، لأن البشر كانوا قادرين تحديدا على الارتقاء بأنفسهم بشكل تدريجي التماسا ~~للكمال باعتبارهم كائنات أخلاقية لا انطلاقا من كونهم مختلفين وحسب عن غيرهم من الكائنات، ~~فمن الممكن أنهم قد شهدوا «تاريخا» من التغيير. وبعد ألف سنة، ظل كل كائن بخلاف الإنسان ~~يتسم بالغرائز والأنماط الحياتية نفسها التي تحلى بها جيله الأول، بحسب تعبير روسو ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، مقترحا ~~بالفعل الأطروحة البيولوجية التي مفادها أن علم تطور السلالات يستعرض وحسب تاريخ التطور ~~الفردي للكائنات. لكن الإنسان، نظرا لامتلاكه ملكة تطوير الذات، قادر على تحسين طبيعته ~~ومحاولة إيصالها للكمال، وبالمثل فهو يتميز عن الحيوانات من حيث امتلاكه للملكة نفسها ~~التي تجعله يتخذ خطوات رجعية تؤدي به إلى إفساد الذات. # بذا انتهى روسو إلى أن خصلتي الحرية والاستعداد للكمال المنقوصتين الداخليتين جعلتا ~~التطور التاريخي للجنس البشري ممكنا. وإذ افترض روسو أنه لا بد أننا بطبيعتنا كنا أكثر ~~«شبها» بالحيوانات مما تصور هوبز وبوفندورف ولوك، فقد زعم أيضا أن الفارق بين الرجل ~~الهمجي والمتحضر أكبر من عدة جوانب من الفارق بين الهمج والحيوانات الأخرى (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، وهو الزعم الذي ~~تناوله بإسهاب بطريقة تتعارض مع الأفكار الخاصة بالموضوع نفسه التي قدمها بوفون في مؤلفه ~~الضخم «التاريخ الطبيعي»، الذي بدأ يظهر على الساحة عام 1749. في «خطاب عن اللامساواة» أسهب ~~روسو في الثناء على هذا العمل العلمي والأدبي المبدع؛ حيث استقى منه العديد من الرؤى التي ~~ألهمته أفكارا خاصة بتاريخ الحياة الطبيعية، والهوية التكاثرية والتوارثية للأجناس ككل، ~~وخاصة أنماط التطور في الطبيعة. وما من عمل حظي بمثل هذا الاهتمام العظيم من روسو في ~~خطابه كهذا المؤلف، ولم يعجب روسو بأي من معاصريه كما أعجب ببوفون. وحقيقة الأمر أن ~~«الخطاب» الثاني نظر إليه إلى حد كبير على أنه مجموعة من التخمينات في سياق التاريخ البشري ~~والمدني، ms052 على غرار رواية بوفون، في سياق التاريخ الطبيعي، لأصول الأرض ومولد الحيوانات ~~ونموها وتحللها (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة ~~الأخرى). # شكل 3-2: بورتريه لبوفون. # ورغم ذلك، اختلف روسو مع بوفون في النقطة التي قد يبدو التاريخ الطبيعي والبشري عندها ~~أنهما يتلاقيان، وقد قام بهذا في المقام الأول بتبنيه منظورا خاصا بقابلية جنسنا ~~للتغير التي رآها ملائمة جدا مع وصف بوفون للمخلوقات الأخرى، والتي أعرض بوفون نفسه عن ~~مدها عند دراسته للبشر. بحسب بوفون، ولا سيما في المجلدات الثاني والثالث والرابع من مؤلفه ~~«التاريخ الطبيعي»، شقت الطبيعة فجوة يتعذر تجاوزها بين عالمي الحيوانات والإنسان، وهو ~~شق نوعي في تسلسل الكائنات أو «سلم الارتقاء الطبيعي» الذي ضمن تفوق البشر على ~~الحيوانات كلها، نظرا لامتلاكنا لعقل أو روح. في عام 1766، قدر لبوفون، سيرا في ~~المقام الأول على نهج إدوارد تايسون، عالم التشريح الإنجليزي في القرن السابع عشر، وضع هذه ~~الأطروحة فيما يتعلق بقردة الشمبانزي التي أسماها هو وتايسون «أورانجوتان» (وهو اصطلاح بلغة ~~الملايو يعني «إنسان الغاب»). وصار هذا الاصطلاح اسما عاما لأغلب القردة العليا، حتى ~~تم تمييز هذين الجنسين الأفريقي والآسيوي، على التوالي، على نحو ملائم في سبعينيات القرن ~~الثامن عشر. وبينما اعتبر تايسون وبوفون أن قردة الأورانجوتان تشبهنا نحن البشر ~~بقدر كبير جسمانيا في شكلها الخارجي، أصرا على أنها يستحيل أن تنتمي للجنس البشري ما ~~دامت تفتقر بشكل واضح إلى القدرات البشرية الخاصة بالتفكير والكلام. لكن روسو، حتى في ~~تأييده أن طبيعة الإنسان روحية بشكل متفرد، عارض أطروحة بوفون وتطبيقها على قردة ~~الأورانجوتان في «الخطاب» الثاني؛ حيث زعم أن تنوع أنواع البشر في شتى أنحاء العالم يوحي ~~بأنه على مدار فترة زمنية طويلة من التطور، ربما شهد جنسنا تحولات أكثر دراماتيكية عن ~~«الجنين الأول» له من تلك التي حدثت بسبب التغيرات المعاصرة للمناخ أو النظام الغذائي ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # وبما أن اللغة لم تكن فطرية لدى البشر بقدر ما كانت قدرة إعمال العقل ms053 التي عبرت عنها ~~اللغة، لم يكن بوسعنا، كما فعل تايسون ومن بعده بوفون، الإشارة إلى لغات البشر المتحضرين ~~باعتبارها دليلا على دونية قردة الأورانجوتان عن البشر. إن هذا الخطأ، بحسب تصور روسو له، ~~أشبه إلى حد كبير بالخطأ الذي وقع فيه كل من هوبز وبوفندورف ولوك وكوندياك عندما أشاروا ~~بشكل خاطئ إلى أن السلوك المعقد في المجتمع دليل على الطبيعة البشرية. وزعم روسو أنه سواء ~~أكانت قردة الأورانجوتان بشرا بدائيين أم جنسا آخر أمر لا يتسنى التدليل عليه إلا ~~بالتجربة، الأمر الذي كان يعني، وفقا لتعريف بوفون للأجناس القابلة للحياة، إجراء اختبار ~~خصوبة السلالة، إن وجدت، الناجمة عن المخالطة الجنسية بين رجل أو امرأة مع مثل هذا المخلوق ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). أشار روسو ~~إلى أنه من الواضح أن القردة لم تكن أفرادا في جنسنا، ويرجع ذلك إلى حد كبير لافتقارها ~~للملكة البشرية الخاصة بوجود استعداد لديها للكمال. ولكن روسو، كما أوضح في رده على شارل ~~بونيه المنادي بالمذهب الطبيعي، الذي انتقد هذه النقطة تحديدا لديه، حسب على الأقل أنه من ~~الجائز أن تلك القردة تتمتع بتلك الملكة (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات ~~والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # شكل 3-3: شكل رقم 1 من كتاب إدوارد تايسون المعنون «أورانجوتان، أو هومو ~~سيلفيستريس: أو تشريح شامبنزي قزم» (لندن، 1699). # لم يؤيد روسو قط أي وجهة نظر تقول بتحول نوع إلى نوع آخر، وهي وجهة النظر التي ستمسي ~~الفكرة المحورية للرواية الداروينية عن التطور الطبيعي بعد أكثر من قرن من نشر «خطاب عن ~~اللامساواة». فقد كان مقتنعا كل الاقتناع بثبات الأنواع في تسلسل المخلوقات التي خلقها ~~الله، وعندما افترض أن الأورانجوتان قد يكون نوعا محتملا من أنواع الإنسان البدائي، فقد ~~خمن أن هذا المخلوق كان يمشي منتصبا، وأن شكله كان أشبه بنا، وأنه كان متمايزا من ~~الناحية الحيوانية عن القردة والقردة العليا. انصب اهتمامه بشأن هذه القردة حقا على ~~اللغة، وفي مقابل بوفون وغيره من المؤرخين الطبيعيين وعلماء التشريح، ms054 أراد روسو وحسب أن ~~يشدد على أنه، ما دامت اللغة تعبر عن التقاليد الاجتماعية ويتعين تعلمها، لا بد لنا ألا ~~نعتبر المخلوقات التي تشبهنا جسمانيا لكنها تفتقر إلى إتقاننا للكلام الواضح البين أنها ~~تنتمي للسبب هذا وحده إلى جنس متمايز عنا بالكامل (الأعمال الكاملة ، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ومع ذلك، ففي تأملاته حول قردة الأورانجوتان، ~~كان لروسو بعض الأثر على التاريخ المبكر للأنثروبولوجيا الطبيعية، وعلم الأحياء التطوري؛ ~~وذلك لأن فرضيته أن الأجناس المتمايزة ظاهريا قد تكون متماثلة أو حتى متطابقة وراثيا ~~فتحت احتمالية وجود علاقة تسلسلية للروابط في تسلسل الخلق، التي ستحل في نهاية المطاف ~~محل فكرته عن الثبات، وتستبدل بها فكرة التحول. لم يتخيل أحد في القرن الثامن عشر الطبيعة ~~البشرية باعتبارها أكثر عرضة للتغير في مسار تطورها. ولم يفترض أحد أن الإنسان الهمجي أقرب ~~شبها بكثير إلى الحيوانات منه إلى الإنسان المتحضر. وما من أحد قبل روسو كان أقرب منه ~~تصورا للتاريخ البشري باعتباره انحدارا للبشر من أحد القردة العليا. علاوة على ذلك، تصادف ~~أن صورته التخمينية بالكامل لقردة الأورانجوتان باعتبارها نوعا من الهمج غير المتكلمين في ~~حالتهم الطبيعية رسمت بدقة تجريبية أكبر من أي وصف لسلوك تلك القردة على مدار المائتي ~~عام التالية على الأقل؛ أي حتى ظهرت الأعمال الميدانية التي اضطلع بها في جنوب شرق آسيا في ~~أواخر ستينيات القرن العشرين بيروتي جالديكاس وجون ماكينون وبيتر رودمان. فتعليقا على حياة ~~الترحال التي تعيشها هذه المخلوقات، ونظامها الغذائي النباتي، وعلاقاتها الجنسية المتباعدة، ~~وحياتها المنعزلة الكسولة إلى حد كبير، سلط روسو الضوء على الفجوة الاجتماعية التي تفصل ~~بيننا وبين أنواع معينة من القردة العليا التي تخفق أوجه الشبه البيولوجية بينها وبيننا، ~~بما في ذلك فوق كل شيء تركيبة جيناتها، في إخفاء أوجه الاختلاف الشديدة في الخصال السلوكية. ~~وعن طريق تصوير الطبيعة البشرية منزوعة من المجتمع على أنها تشبه حالة أكثر القردة العليا ~~استقلالية، فإن تخميناته الخاصة بالحدود الحيوانية لجنسنا تشير إلى مدى تعقيد البعد ~~الاجتماعي ms055 لحيواتنا بقدر ما تشير إلى بساطة حالتنا الأصلية. # وبالطبع لم يضمن وجود استعداد للكمال لدى البشر البدائيين في حالتهم الطبيعية تطورهم ~~الأخلاقي؛ وذلك لأن التطور «الحقيقي» لهذه الخصلة اعتمد على الاختيارات الفعلية التي لا بد ~~أن الأفراد قد استقر رأيهم عليها في تبنيهم لمؤسساتهم المجتمعية والسياسية المتعددة. لقد ~~ضمنت هذه الخصلة وحسب أنه يمكن أن يكون هناك تغير تراكمي في اتجاه أو آخر، وكانت متسقة مع ~~تاريخ فساد الإنسان الأخلاقي بقدر ما كانت متوافقة مع تاريخ تطوره. وبحسب روسو، فقد أساء ~~الإنسان حقا استخدام حريته فيما يتعلق بالخصال التي تشاركها مع جميع المخلوقات ~~الأخرى، بحيث إنه، خلال مسار تطوره، كبت تعاطفه وحبه لذاته؛ مما أدى إلى فساد أخلاقه. ~~وبينما تراجع تدريجيا تعويل الهمج على الطبيعة، فقد عودوا أنفسهم بالقدر نفسه وبشكل ~~متزايد على اعتماد بعضهم على بعض؛ بحيث عبر الواحد منهم عن استعداده الأصلي للكمال بطريقة ~~تتعارض مع حريته الطبيعية، إثر اختياره في المجتمع ليكون عبدا لنوازع جديدة فرضها هو على ~~نفسه. لقد أدى كمال الفرد في واقع الأمر إلى «تقويض الجنس البشري»، بحسب ما انتهى إليه ~~روسو؛ مما يثبت أن الاستعداد الذي نمتلكه للكمال هو مصدر كل مصائب البشر (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). لقد كان سوء استغلال هذه ~~القدرة على الارتقاء بالذات لا القانون الطبيعي هو الذي أدى إلى تحول اختلافاتنا الجسمانية ~~وحسب إلى فروق أخلاقية مهولة، ومن ثم لعب الدور الأكبر على الإطلاق في تأسيس اللامساواة ~~الاجتماعية. # لو كانت الطبيعة هي التي خلقت الفروق الأولى المهملة بين الهمج، فلا بد أن المصادفة هي ~~التي جمعت بينهم في بادئ الأمر. في العديد من الفقرات الواردة في «الخطاب» الثاني، وكذا في ~~الفصل التاسع من «مقالة عن أصل اللغات»، خمن روسو أن ثمة حوادث وكوارث طبيعية مثل ~~الفيضانات أو الثورات البركانية أو الزلازل لا بد أنها في المقام الأول ألفت بين الهمج ~~المنعزلين وجمعتهم في مناطق قريبة بعضها من بعض، ربما عبر تشكل الجزر (الأعمال ~~الكاملة، ms056 المجلد الثالث؛ الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). وبعيشهم على مقربة بعضهم من بعض، هجر أسلافنا حياة الترحال، وبصنعهم ~~الأكواخ وغيرها من الملاجئ بالأدوات التي كانت الضرورة تستدعي اختراعها، شرعوا في التوطن ~~وتكوين العائلات، وبهذا يكونون قد استهلوا حقبة التحول الأول في التاريخ البشري، ~~مستحدثين معها فكرة بدائية عن الملكية، بحسب زعم روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)، على غرار الأفكار نفسها التي تناولها لاحقا ~~إنجلز بإسهاب في مؤلفه «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة». ولكن على فرض أن هذا هو ما ~~كان عليه الحال، كان روسو مقتنعا بأن مثل هذا التحول في أسلوب حياة الهمج من الصعب أن ~~يفضي إلى تطور اللامساواة الاجتماعية نفسها، ولو فقط لأن القوى التي أجبرتنا أصلا على ~~الاجتماع بعضنا مع بعض، بحسب ملاحظته في الفصل الثاني من «مقالة عن أصل اللغات»، لا يمكن أن ~~تطابق تلك التي لا بد أنها أبعدتنا بعضنا عن بعض لاحقا (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). إن الاختلافات الأخلاقية المنتشرة في المجتمع ~~كانت من صنع البشر أنفسهم لا من صنع الطبيعة أو المصادفة، واللامساواة الاجتماعية لم تكن ~~لتنشأ وحسب بسبب عيشنا على مقربة بعضنا من بعض. # والأرجح، بحسب مقترح روسو، أنها نبعت من الطريقة التي اتبعها الهمج ل «تحديد» جيرانهم، ~~فور أن بدءوا يلتقون بتواتر غير معتاد. فعندما بدأ أسلافنا، في مستوطناتهم البدائية، في ~~مصادفة الأشخاص أنفسهم يوما بعد يوم، لا بد أنهم بدءوا يلاحظون إلى حد ما تلك الخصال ~~التي ميزتهم بعضهم عن بعض. ولا بد أنهم أدركوا تدريجيا من بينهم الأقوى أو الأكثر مهارة ~~أو بلاغة أو وسامة، على سبيل المثال. وبصفة عامة، لا بد أنهم شرعوا في ملاحظة الفروق في ~~بنية أجسامهم التي ترجع إلى الطبيعة. ولا بد أن كل إنسان أيضا حدد ذاته في ضوء السمات التي ~~بدا أن الآخرين أقروا بها باعتبارها معبرة عن سلوكه. ولا بد أنه شرع في مقارنة نفسه ~~بالأشخاص الذين أصبحوا ms057 تدريجيا أكثر ألفة بالنسبة إليه، ولا بد أنه بدأ يرى بعض الأهمية ~~في الفروق التي لاحظها. وفي عزو قيمة لخصائص بعينها وإعلائها على غيرها، حول أسلافنا ~~تبايناتهم الطبيعية إلى فروق أخلاقية، وصرفوا انتباههم إلى مواهب جيرانهم، وودوا ~~أيضا لو ينالون الإعجاب لمهاراتهم الخاصة. ويبدو أنهم حسدوا الذين يتمتعون بخصال تختلف عما ~~يملكونه من سمات أو احتقروهم؛ وبذلك بدأ التوزيع غير العادل للتقدير العام في التفريق بينهم ~~في طبقات اجتماعية. وبينما «يعيش الهمجي متقوقعا داخل ذاته، فإن الإنسان الاجتماعي يعيش ~~خارج ذاته دوما، ولا يقدر على العيش إلا في نفوس الآخرين» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وفي تصنيفاتهم للسمات التي حددوا بها ~~جيرانهم، لا بد أن البشر البدائيين حولوا النظام الأساسي لتمييز الصفات الطبيعية إلى نظام ~~ترتيبي لتصنيف التفضيلات الأخلاقية؛ «حيث نتج عن هذه التطورات الجديدة»، بحسب نص روسو، ~~«توليفات قاتلة للبراءة والسعادة» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات ~~السياسية المبكرة الأخرى). بالنسبة إلى مونتسكيو أو سميث، لا بد أن الرغبة في نيل احترام ~~الآخرين خلقت احتياجات مشتركة ومصالح تجارية خففت من وطأة الرغبات النهمة للإنسان ~~البدائي، ولكن بالنسبة إلى روسو لا بد أن هذه المحاكاة وما يلازمها من سعي لتحسين الذات عن ~~طريق مزاولة التجارة كانت بدلا من ذلك مسئولة عن التقويض الاجتماعي للاكتفاء الذاتي البشري ~~في الحالة البدائية لجنسنا. # وبالطبع ما كانت الخصال البشرية المتعددة التي قدرها أسلافنا الهمج لتتجلى كلها في ~~الوقت عينه. ولا بد أن أسلافنا ميزوا من بينهم من يتمتعون بأعظم قوة (وهي صفة جسدية) قبل ~~أن يحكموا أيهم أكثر وسامة أو بلاغة (وهي صفات اجتماعية كما هو واضح تعتمد على الذوق)، ~~وبحسب رواية روسو فإنه من الصعب أن نعرف السبب وراء اعتبار الأفراد لبعض السمات الشخصية ~~أجدر بالإجلال والاحترام من غيرها. لكنه كان مقتنعا بأنه فور أن شرع البشر في عزو أهمية ~~لاختلافاتهم، فلا بد أنهم بذلك هموا بتشكيل مؤسساتهم الاجتماعية. إن براعة وبلاغة البشر ~~البدائيين تحديدا اللتين يشير إليهما روسو ms058 في أولى هذه الفقرات من الجزء الثاني من ~~«الخطاب» الثاني لا بد أنهما جعلتا تأسيس فكرة الملكية الشخصية ممكنا. ولا بد أن المؤسس ~~الحقيقي للمجتمع المدني؛ إذ وجد الناس على قدر كاف من السذاجة لتصديق زعمه بأن قطعة الأرض ~~التي سيجها تخصه، استغل براعته في التعامل مع الأرض وبلاغته في التعاطي مع جيرانه ~~بطريقة تصبغ شرعية على أكثر علاقاتنا الحاسمة أساسية التي تربط بعضنا ببعض. # بعد تأسيس فكرة الملكية الخاصة، لا بد أن التعدين والزراعة تطورا للارتقاء بإنتاجية ~~الأرض، وفي الوقت نفسه زيادة الفروق الأخلاقية بين الذين يملكونها والذين لا يملكونها. ~~وبينما يرى الشعراء أن الذهب والفضة هما اللذان جعلا البشر متحضرين في البداية، اتبع روسو، ~~واصفا هنا التحول الثاني الكبير في التاريخ البشري، الفلاسفة الذين يزعمون بأن هذا التحول ~~لا بد أنه حدث تقريبا إبان زراعة الذرة والتنقيب عن الحديد، وهو ما جعل الأوروبيين بالفعل ~~أسرى احتياجات جديدة، لكنهم لم يدمروا أمريكا الهمجية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). في «مقالة عن أصل اللغات» التي تتبنى وجهة ~~نظر مختلفة نوعا ما عن المجتمع البدائي في فصلها التاسع، تجاهل روسو رواية التحولين ~~الكبيرين في التاريخ المبكر للإنسان، مفضلا، على غرار تيرجو والمؤرخين الاسكتلنديين ~~المعاصرين له القائمة أعمالهم أساسا على التخمين، التعليق على مراحل الصيد والرعي والزراعة ~~من تطورنا التي يقابلها الإنسان الهمجي والبربري والمتحضر على الترتيب، بحسب ملاحظة روسو ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). لكن، لا ~~يوجد ذكر محدد لبوفندورف أو كوندياك أو بوفون في أي موضع في مقالته، التي لا تتبع عكس ترتيب ~~رؤى هوبز ولوك وهو الأمر المحوري جدا لحجته في «الخطاب» الثاني. وهنالك، زعم أنه عندما ~~خضعت كل الأرض المتوافرة بشكل واضح بفعل التوريث وزيادة عدد السكان لحقوق الملكية، ما من ~~أحد كان يستطيع أن يحصل على ملكيته أو يزيد من رقعتها إلا على حساب الآخرين. ولا بد أن ~~حالة المجتمع المدني بالتبعية أدت إلى اندلاع الحرب، وجعلت الأثرياء من ms059 أسلافنا عرضة لخطر ~~أكبر من الفقراء، ما دام أنهم لم يخاطروا وحسب بحياتهم، بل وبممتلكاتهم أيضا؛ لذا، تشكل ~~لديهم حافز قوي على نحو خاص للتفاوض من أجل الوصول لحالة من السلام ظاهريا يفرضها ~~القانون، وتنفذها قوات الشرطة. وحفاظا على حياتهم، لا بد أن الفقراء تخلوا عن حقوقهم في ~~الحصول على أي نصيب من ممتلكات الأثرياء، وبهذا تمكن الأفراد المهرة والفصحاء بالمجتمع، ~~الأقرب شبها بالأشخاص «المجتهدين والعقلانيين» الذين وصفهم لوك في الفصل الخامس من مؤلفه ~~«الأطروحة الثانية عن الحكومة»، من تأمين ثروتهم بالكامل وحمايتها من الغير؛ إذ مارسوا حيلة ~~«أحالت اغتصابا بارعا إلى حق نهائي» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات ~~والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). إذا كان قد ثبت خطأ الفلاسفة القانونيين حيال الطبيعة ~~البشرية، فقد كانوا رغم ذلك دقيقين إلى حد كبير في توصيفاتهم للتاريخ البشري، على فرض أن ~~تصور لوك للملكية الخاصة لا بد أنه سبق تصور حالة الحرب لهوبز، وكان سببا رئيسيا له ~~حقا. # إن الأشكال المتمايزة للحكومة التي لا بد أن البشر تبنوها ~~في البداية - الملكية والأرستقراطية وحتى ~~الديمقراطية - كلها تدين في ظهورها، بحسب اقتراح روسو، للدرجات المختلفة للامساواة ~~السائدة إبان تأسيسها (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). ولكن حيث إن كل شكل من أشكال الحكومة كان الهدف منه إضفاء المشروعية على ~~تفاوتنا الأخلاقي والتأسيس له، لا بد أنه اتبع في كل حالة نمطا مماثلا من أنماط التطور. ~~ولا بد أنه وسع تدريجيا سلطان الأثرياء، وفي الوقت نفسه زاد من التزامات الفقراء، حتى ~~تحولت غالبية العلاقات بين البشر في المجتمع إلى علاقات بين سادة وعبيد. ولا بد أن المؤسسات ~~التي تأسست في بداية الأمر بالاتفاق أفسحت في نهاية المطاف المجال لوجود سلطة تعسفية، ولا ~~بد أن الحكومات بعد فترة أصبحت ترهق رعاياها بأعباء ثقيلة جدا لدرجة أنها لم تعد ~~تستطيع الحفاظ على السلام الذي أقيمت من أجل ضمانه؛ لذا، خضع المجتمع المدني للتغير الثوري، ~~ولا بد أن البشر فروا من الأزمات الدورية لتطورهم السياسي فقط ms060 باللجوء إلى سادة جدد ~~أقنعتهم بلاغتهم الملتوية بتبني المزيد من مبادئ الاستعباد والاستبداد التي توضع أطرها ~~في خضم الفوضى والثورة (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). علق روسو على هذا قرابة ختام مؤلفه قائلا: «وهنا آخر حد للامساواة ~~وأقصى نقطة تغلق الدائرة» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية ~~المبكرة الأخرى). تأسست حالة طبيعية جديدة حيث الهيمنة والسيادة للأقوى، لكنها حالة طبيعية ~~ليست بنقائها الأول، بل حالة تعتمد بدلا من ذلك على الفساد المفرط. # إن هذا التصوير للمراحل الثورية لتاريخنا الاجتماعي التي لا بد أنها أنتجت في بداية ~~الأمر حكم الطغاة وقضت عليه بعد ذلك قدر لإنجلز أن يصفه لاحقا في كتابه «الرد على ~~دورينج» باعتباره «نفيا للنفي»، ومن ثم فهو تأويل جدلي للتاريخ البشري مهد الطريق للتأويل ~~الخاص بماركس في نفس الإطار. وحقيقة الأمر أن ماركس نفسه لم يوافق قط على هذا الحكم، ~~وفضل، شأنه شأن هيجل، أن ينظر لروسو باعتباره فيلسوفا تنويريا ملتزما تجاه الحقوق ~~الطبيعية المجردة للبشر التي كان تحقيقها إبان الثورة الفرنسية بمثابة إيذان بانتصار سياسي ~~للطبقة البرجوازية. لكن، لو كان قد قرأ «خطاب عن اللامساواة» بالعناية التي أولاها إنجلز ~~للجزء الثاني منه تحديدا، لربما لاحظ وجود نظرية لتطور الملكية الشخصية واللامساواة ~~الاجتماعية قريبة بشكل مدهش من مفهومه الشخصي عن التاريخ باعتباره تتابعا من الصراعات ~~الطبقية خفف من وطأته حكم القانون الأيديولوجي. لم يكن روسو ثانية ماركسيا جدا في ~~تفسيره للمجتمع كما كان في الصفحات الختامية من «الخطاب» الثاني. # رغم ذلك، ينبغي أن نضع في الاعتبار أن روسو، على النقيض من ماركس، تصور حجته كاستعراض ~~«تخميني» لأصول اللامساواة. لم يكن الهدف من أفكاره طرح تاريخ للبشرية بقدر ما كان وضع ~~نظرية للطبيعة البشرية، وقد استقى وصفه للماضي من فهمه للحالة الأخلاقية التي أصبح عليها ~~جنسنا. وكان روسو يرى أن السمات الأساسية لطبيعتنا يمكن الكشف عنها فقط إذا كان بالإمكان أن ~~نتأملها بمعزل عن السمات المعاصرة السطحية لسلوكنا، بحيث ينبغي نزع الإنسان الطبيعي من ms061 ~~المواطن، بدلا من أن يتشكل الإنسان المتحضر من الهمجي. وحيث إن روسو بدأ بحثه من خلال ~~منظور الحالة الحالية للبشرية، فمن المنطقي ألا تعتمد محاولته لبناء صورة الماضي القائمة ~~على الافتراض كثيرا على أي تاريخ لأحداث فعلية. فقد أشار إلى أنه قد نحى كل الحقائق ~~جانبا (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى)؛ حيث ~~إنها لا تؤثر على المسألة. وكانت استقصاءاته افتراضية لا تاريخية، وتسعى لتفسير طبيعة ~~الأشياء دون أن تؤكد أصلها الفعلي. ولذا كانت الحالة الطبيعة التي عرضها مصممة باعتبارها ~~عالما خياليا أقصيت منه السمات الفاسدة للمجتمع، ولم تكن نقطة انطلاقه الماضي ~~السحيق الذي لم يتبق منه سوى معلومات محدودة على أي حال، بل العالم الحاضر الذي نعرفه ~~جميعا تمام المعرفة. لقد صيغ «خطاب عن اللامساواة» بقدر أقل كتاريخ عام للجنس البشري وبقدر ~~أكبر كنظرية للطبيعة البشرية طرحت في شكل تاريخ، ولم يكن من المرجح العثور على الهمج ~~المنعزلين الذين وصفهم روسو بأنهم أسلاف الإنسان الحديث بين البشر البدائيين الذين عاشوا في ~~الماضي السحيق تماما كما كان من المستبعد العثور على الكائنات الحديثة كليا لهوبز ~~وبوفندورف ولوك. آمن روسو بأنه لم يكن هناك إنسان طبيعي قط حقا، لكنه استطاع طرح نظرية عن ~~تغيرنا الأخلاقي نسبة إلى مثل هذه الشخصية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الخطابات ~~والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). # بالطبع إذا كانت الحالة الطبيعية محض خيال، فمن المنطقي أنه لن يجدي أن نحاول العودة ~~إليها، وذلك كما أوضح روسو نفسه في أطول حاشية في مقالته (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). وزعم روسو لاحقا في مؤلفه «محاورات» أن ~~«الطبيعة البشرية لا تخطو خطوة للوراء قط» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول). وما إن نهجر ~~براءتنا المفقودة حتى لا يمكننا استعادتها فيما بعد. وحتى هذا النوع من المجتمع البدائي ~~الذي لا بد أنه نشأ فيما يصفه روسو ب «أكثر الحقب سعادة واستقرارا» (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الثالث؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى) كان مجتمعا لا يمكن أن يأمل ~~الإنسان ms062 المتحضر في استعادته. إن تلك الحالة البدائية التي كان أسلافنا يعيشون فيها ببساطة ~~وفي سلام ووئام بعضهم مع بعض هي في مكان ما بين ماض خيالي وحاضر واقعي، وتحوي عناصر من ~~الزمانين. ولو كان البشر قد عاشوا في هذه الحالة، لربما كان من الأفضل لهم ألا يفارقوها، ~~لكن العالم الذي فقد من المستحيل استعادته، والحالة المستخلصة من الحاضر لم تقدم المبادئ ~~الأخلاقية الملائمة للأجيال القادمة. وكما اتضح في رده على الهجوم الموجه إلى «الخطاب» ~~الأول من قبل الملك ستانيسواف، في محاولتنا العودة إلى حالتنا الطبيعية، من الممكن أن ~~نغرق في الفوضى والدمار، وليس بالإمكان محو شرور المجتمع الفاسد بادعاء الجهل. # بهذه الطريقة وظف روسو بعض المبادئ ~~السياسية لهوبز وبوفندورف ولوك في مناقشته لأصول اللامساواة. فقد كان يرى أن أفكارهم طرحت ~~رواية دقيقة تماما، لا لالتزاماتنا الحقة، بل لماضينا على النحو الذي لا بد أنه كان عليه، ~~وأن الصلات التعاقدية التي عرضت في نظريات كل من هؤلاء وغيرهم من المفكرين ساعدت على ~~تفسير كيف تسنى للبشر إبرام هذه الاتفاقات التي أفسدتهم أخلاقيا. ومع ذلك، اعتقد روسو ~~أنه بما أن الأعراف الاجتماعية التي أفسدت البشر فرضها الأفراد على أنفسهم، لم يكن من ~~المستحيل بالنسبة إليهم قط، حتى في المجتمعات الفاسدة، أن يقيموا مؤسسات من نوع مختلف ~~بالكلية. وإذا ضاعت حريتنا الطبيعية بلا رجعة، فإن قدرتنا على تحسين أنفسنا، من ناحية أخرى، ~~ظلت دون مساس، وكما يزعم لاحقا في «العقد الاجتماعي» (الكتاب الثالث، الفصل الثاني عشر)، ~~فإن الممكن في علاقاتنا الأخلاقية أقل تقييدا بشكل حاد مما هو مفترض. لا بد أن الإنسان ~~أساء استخدام ملكة الاستعداد للكمال بطريقة قيدت حريته عندما أسس للملكية الخاصة، وانتقل ~~من الهمجية إلى الحضارة. لكن، إذا كان الإنسان يتمتع باستعداد للكمال بطبيعة الحال، لكان ~~بالإمكان تصحيح الأخطاء التي اقترفها على الأقل نظريا والتغلب عليها. في الجمهوريات ~~العتيقة كما تخيلها روسو، تشكلت المجتمعات المتحضرة في إطار جعل المواطنين أحرارا ~~أخلاقيا ومتساوين سياسيا تحت مظلة القانون، وفي «العقد الاجتماعي»، ركز ms063 روسو انتباهه ~~على الطريقة التي يمكن بها إقامة مؤسسات بديلة تراعي مثل هذه الحرية والمساواة في العالم ~~الحديث، كما تأسست في وقت من الأوقات داخل دستور جنيف. # الفصل الرابع # | الحرية والفضيلة والمواطنة # في أوائل خمسينيات القرن الثامن عشر، وتحديدا من خلال «الخطاب» الأول والثاني و«رسالة عن ~~الموسيقى الفرنسية»، ذاع صيت روسو في شتى أرجاء أوروبا كناقد للتنوير والمجتمع المدني. لم ~~تقربه كتاباته التي تناولت هذين الموضوعين من أبرز معاصريه الذين توقعوا مساندته ~~لهم في حملاتهم ضد الوثنية الدينية والظلم السياسي، وشجب فولتير - وهو رائد دعاة الثقافة ~~العالمية - سعي روسو الرجعي في ظاهره للترويج لضرورة العودة للحياة البربرية. علاوة على ~~ذلك، في عام 1756، عارض آدم سميث، الذي أمسى أبرز دعاة المجتمع التجاري في القرن الثامن عشر ~~والمؤسسات المهذبة أخلاقيا المرتبطة به، في مجلة إدنبره ريفيو أيضا تفضيل الهمجية ~~على الحضارة الذي عبر عنه روسو تحديدا في «الخطاب» الثاني. وفي حين أن فولتير وسميث ~~وغيرهما من المفكرين قدموا برامج تربوية وسياسية واقتصادية يمكن أن تسهم في التطور الأخلاقي ~~للبشر، بدا روسو، في معارضته لهذا التوجه، عدوا للتطور بكل أشكاله. ومع ذلك، وكما لاحظ ~~سميث في تعليقاته على «الخطاب» الثاني، فقد كرس روسو هذا العمل لجمهورية جنيف، وأقر ~~بالإحساس العميق بالشرف الذي خلعه عليه كونه مواطنا في هذه الدولة. وقد أعلن روسو عن ~~هويته المدنية والجمهورية بصفحة عنوان «الخطاب» الأول أيضا، ورغم أنه اشتكى لاحقا من أن ~~معاصريه خانوا مبادئ دستورهم، ظل روسو فخورا بأصوله وبالمدينة التي أشعلت جذوة حماساته ~~الأولى، حتى بعد أن استنكر بعض أبناء وطنه مبادئه على اعتبار أنها مثيرة للفتن. # أيد روسو أكثر من غيره من أبرز الشخصيات في القرن الثامن عشر وجهة النظر التي تقول بوجود ~~علاقة بين السياسة والأخلاق والتي استقاها من اليونان القديمة. وافترض أنه إذا كان بالإمكان ~~عزو فساد أخلاق أهالي البندقية المعاصرين إلى فساد حكومتهم، فإن فساد غيرهم من الشعوب ~~بالمثل يرجع إلى حد كبير للجرائم السياسية والاضطهاد اللذين تمارسهما حكوماتهم. وفي كتاباته ~~الأولى، ms064 حاول روسو أن يتعقب أصول ذلك الانحطاط الأخلاقي على مدار فترات زمنية أوسع وأكثر ~~تباعدا تاريخيا من خلال التجريد الفلسفي للظلم السياسي الراهن. لقد كان على قناعة بأنه ~~ما دامت أزمة الإنسان الحديث في ظل أغلب الحكومات المعاصرة خلقتها ظروف سياسية، فإن الدول ~~التي تتبنى مبادئ سياسية مغايرة يمكنها في المقابل جعل مواطنيها ينتهجون سلوكا أفضل؛ مما ~~يتمخض عنه إحلال الفضيلة محل الرذيلة. وفي مؤلفه «العقد الاجتماعي» المنشور في ربيع عام ~~1762، رسم روسو بناء على ذلك سيناريو ملهما للاجتماع السياسي يختلف تماما في طبعه عن ~~رؤيته للمجتمع المدني في «الخطاب» الأول والثاني. والحقيقة أن «العقد الاجتماعي» يبدو أنه ~~يتناول الفكرة المحورية ل «خطاب عن اللامساواة» ولكن بطريقة عكسية؛ حيث يرسم الخطوط العامة ~~لعقد للاجتماع السياسي يجمع بين المواطنين بدلا من أن يفرقهم، ويحافظ على قيم المشاركة ~~العامة العادلة التي تدعم حريتهم بدلا من أن تدمرها. وبعد أن عرض روسو من قبل مراحل الفساد ~~الأخلاقي للبشر في المجتمع المدني، طرح هنا بالتفصيل على نحو توجيهي لحجته السابقة ولكن ~~بشكل عكسي عن طريق رسم صورة للمؤسسات الضرورية لحصول المواطنين على حريتهم. وبوضع الأسس ~~الدستورية للسلطة السياسية الشرعية بأشكال مختلفة ملائمة للظروف المتباينة، استطاع أكثر ~~مواطني جمهورية جنيف فخرا بانتمائه لها شجب النظم الاستبدادية الملكية الحاكمة في عصره، ~~وفي الوقت نفسه تقديم مخطط للدول التي ربما تتحقق فيها الفضيلة السياسية من خلال تجمع ~~رعاياها معا كي يحكموا أنفسهم بأنفسهم. # شكل 4-1: صفحة من الفصل الثالث من الكتاب الأول لمؤلف روسو «مخطوطة جنيف» التي ~~تتضمن الفقرة الافتتاحية للفصل الأول من الكتاب الأول من كتاب «العقد ~~الاجتماعي». # تظهر العبارة الأشهر من «العقد الاجتماعي»، وربما الأكثر اقتباسا من بين أعمال روسو ~~كلها، في بداية الفصل الأول من الكتاب الأول، بعد ثلاث فقرات قصيرة تمهيدية أرسى فيها روسو ~~خبرته التي تخوله تناول مسائل الحق والعدالة والمنفعة، لا من منطلق كونه أميرا أو ~~مشرعا، ولكن لأنه أحد أبناء أو مواطني دولة حرة، ومن ثم فهو صاحب سيادة فيها. ms065 قال روسو ~~وكأنه يوجز الملحمة الرهيبة لتحولنا السياسي السابق إيرادها في عمله «خطاب عن اللامساواة»: ~~«يولد الإنسان حرا، ولكنه مكبل في كل مكان بالقيود.» تتناول الفصول الأولى من «العقد ~~الاجتماعي» في واقع الأمر موضوعات شبيهة جدا بالموضوعات التي يرتكز عليها «الخطاب» ~~الثاني، من حيث إنها تسعى مرة أخرى لبيان أنه لا يمكن أن يكون هناك أساس طبيعي للمجتمع ~~المدني، سواء على مستوى العائلة أو على مستوى أي حق مفترض نابع من استخدام القوة الوحشية. ~~زعم روسو أن الحق لا يمكن أن ينبع من القوة، كما زعم قبل ذلك أن اختلافاتنا الجسمانية لا ~~تقدم أي مسوغ على تفاوتاتنا الأخلاقية. وإذا كان للقوة أن تخلق الحق، فإنما هو حق ~~سيكون عابرا شأنه شأن كل تغير في نزعة القوة، ولتحول العصيان إلى تصرف شرعي فور ~~توفر قوة كافية. وزعم هوبز في الفصلين الخامس والسادس من كتابه «المواطن»، والفصل الثامن ~~عشر من «ليفايثن»، وفي مواضع أخرى أن القوة والحق لا بد أن يتلازما، ما دامت «الكلمات» (أي ~~القوانين) من دون «السيف» (أي الوسيلة اللازمة لتطبيقها) ليست ملزمة بشكل كاف. ولكن في ~~«العقد الاجتماعي» كرر روسو التمييز بين القوة والسلطة (وهما في اللغة اللاتينية # potestas # و # auctoritas ~~) ~~وهو أمر لم يكن يعني الكثير بالمرة بالنسبة إلى هوبز، ولكنه عنى الكثير بالنسبة إلى مواطني ~~الجمهورية الرومانية. # إن إعادة ذكر روسو للتمييز بين الطبيعة والأخلاق في «العقد الاجتماعي» أيضا جعلته ينكر ~~أن الروابط الأسرية عملت كنموذج للعلاقات بين المواطنين في الدولة. وقبل ذلك بألفي عام، ~~وفي الكتاب الأول لمؤلفه «السياسة»، علق أرسطو بالفعل على الفرق بين الصلات غير المنصفة ~~التي تربط بين أفراد الأسرة والمساواة الأساسية بين الرعايا والحكام في سياق الاجتماع ~~السياسي - ومن ثم الطوعي - وأقر روسو، في كل من «العقد الاجتماعي»، وخاصة في الصفحات الأولى ~~من «خطاب عن الاقتصاد السياسي»، بأنه يدين بشدة إلى أرسطو بخصوص هذا الموضوع، وبأنه يعيد ~~صياغة ما قاله أرسطو بالفعل إلى حد بعيد. والواقع أن مقابلته بين النطاقين العام والخاص ms066 في ~~«خطاب عن الاقتصاد السياسي» تتبع أيضا تمييز لوك الذي أورده في «الأطروحة الثانية عن ~~الحكومة» بين السلطة السياسية والسلطة الأبوية؛ فشأنه شأن لوك، وضع روسو في بادئ الأمر ~~تمييزه الخاص هذا من أجل تفنيد ما وصفه ب «النظام المضاد للصواب» الذي أورده السير روبرت ~~فيلمر في كتابه «السلطة الطبيعية للملوك» الذي زعم روسو أن أرسطو إذا اطلع عليه لكان سيرفضه ~~أيضا (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). لقد ~~شارك روسو كلا من أرسطو ولوك اعتقادهما بأن الحكومة الشرعية بين أشخاص متساوين أخلاقيا ~~تأسست بالاتفاق فيما بينهم ولم تكتسب بشكل طبيعي، وفي «العقد الاجتماعي»، وبقدر لا يقل عن ~~كتاباته السياسية السابقة، كان روسو مصرا على أن سلطة الإنسان على أخيه الإنسان في ~~المجتمع المدني - سواء بالخير أو بالشر - تأسست، وحري بها أن تتأسس، بالاختيار لا ~~بالضرورة. # في الفصلين الثاني والثالث من مؤلفه، عبر روسو عن هذه الأفكار الجليلة بأسلوب جديد ~~مميز، ومن ثم فقد خلع عليها زخما جديدا عبر محاولته الثورية تفنيد منطق تقليد العقد ~~الاجتماعي بأكمله السابق عليه، كما استوعبه هو. وأثارت فلسفة جروشيوس تحديدا هنا ثائرته، ~~كما فعلت من قبل فلسفة هوبز وبوفندورف ولوك في «الخطاب» الثاني. فبينما أشار جروشيوس إلى ~~أن موافقة الرعايا هي التي أدت إلى التأسيس الصحيح للسلطة السياسية، فقد حاج، سائرا ~~على نهج شيشرون وغيره من الكتاب القدماء، في مؤلفه «عن قانونية الحرب والسلام» (الباب ~~الأول) الذي ظهر في عام 1625، أن موافقة شعب بأكمله على طاعة أحد الملوك تشبه بالضبط جعل ~~الفرد من نفسه عبدا لغيره طواعية؛ أي بواسطة التنازل عن حريته أو نقلها إلى الأبد إلى سيد ~~يرتضيه. ولم يكن جروشيوس وحده، بل هوبز وبوفندورف أيضا، في طرح الأطروحة التي مفادها أن ~~خضوع الأفراد أو الجموع الطوعي لحاكمهم أدى إلى التأسيس الشرعي للدولة، من خلال إجازة أو ~~تخويل طاعة الرعايا إلى سلطة مطلقة بواسطة نقل للحقوق لا رجعة فيه. وأصر جروشيوس على أنه ~~يمكن للمقاتلين المهزومين التنازل عن سلطتهم ms067 على أنفسهم للغزاة المنتصرين عليهم، متجاهلين ~~بذلك حقيقة أن الحرب في واقع الأمر علاقة بين دول لا بين أشخاص؛ ولذا رفض روسو الافتراض ~~الأساسي الذي يقوم عليه تقليد العقد الاجتماعي قبله، الذي لم يكن هناك فارق جوهري فيه بحسبه ~~- وبتعبير هوبز - بين السيادة التي تكتسب بموافقة الناس والسيادة التي تكتسب عن طريق ~~الاستحواذ أو الغزو. زعم هوبز أنه رغم أن سلطة الدولة كانت غير محدودة، فقد كانت هي أو ~~الحاكم مجرد وكيل أو قائم مقام أو ممثل لإرادة الشعب، مجرد ممثل يمثل رعاياه الذين هم ~~بالتبعية المؤلفون الحقيقيون لكل عرض يقدمه باسمهم (ليفايثن، الفصل السادس عشر). # اعتبر روسو فكرة الخضوع الطوعي هذه حجر الأساس للتشريع القانوني الحديث، وإذ شجب عواقبها ~~الجائرة وأفكارها المغلوطة بشأن الطبيعة البشرية في «خطاب عن اللامساواة»، نراه الآن، في ~~«العقد الاجتماعي»، يطعن في شرعيتها، ويقترح رواية مختلفة تماما لتدعيم سلطة الدولة عبر ~~الاختيار الجمعي لمواطنيها. لقد اقترف جروشيوس وأتباعه من المؤمنين بفكرة العقد الاجتماعي ~~خطأين أساسيين في فلسفاتهم الخاصة بالخضوع الطوعي، بحسب ظن روسو. الخطأ الأول هو: الخلط بين ~~العقد الاجتماعي الخاص بالدولة وعقد الخضوع، على فرض أن تأسيس السيادة وتأسيس الحكومة، اللتين ~~أساءوا فهم أساسهما ومسئولياتهما، لا يختلف أحدهما عن الآخر. وكما حاج في الفصل السادس ~~عشر من الكتاب الثالث في «العقد الاجتماعي»، لا تتشكل الحكومة وفقا لعقد، ولا يجوز قط ~~تمرير السيادة التي لا تتجزأ التي للشعب إلى الملك. وعندما اختار جروشيوس إهداء أعظم ~~إبداعاته للملك لويس الثالث عشر، لم يبد أي تأنيب للضمير عندما سلب الناس جميع حقوقهم، ~~بحسب زعم روسو في إضافة ناقمة له في نهاية الفصل الثاني بالكتاب الثاني، الأمر الذي يرسم ~~مقابلة بشكل واضح بين تاريخه الفكري وتاريخ سلفه الخادم لمصلحته بوضوح. قال روسو إن الحقيقة ~~لا تؤدي إلى الثروة، والناس لا يجعلون من أحد سفيرا أو يعطونه كرسي أستاذية في الجامعة، ~~ولا يعطون أحدا معاشا تقاعديا. وبدلا من تحديد دور التأسيس الشرعي للدولة في العملية ~~التي بموجبها يسلم الناس ms068 مقاليدهم للملك، كان من الأفضل لو حدد جروشيوس العملية التي ~~يصبح بموجبها الشعب شعبا؛ وذلك لأن في هذا، بحسب تصريح روسو، يكمن «الأساس الحقيقي ~~للمجتمع» (العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل الخامس). # كان الخطأ الثاني الذي وقع فيه جروشيوس وأشار إليه روسو، وارتكبه بدوره هوبز وبوفندورف ~~بالمثل ، هو افتراضه أن الأشخاص ربما تنازلوا فرادى أو جماعات عن حريتهم بخضوعهم بإرادتهم ~~لإرادة حاكمهم. على العكس، فإن التخلي عن الحرية تخل عن بشريتنا، بحسب تصريح روسو، ~~وبالتالي نزع للأخلاق من سلوكنا. إن العقد الذي يرسخ، من ناحية، للسلطة المطلقة، ومن ناحية ~~أخرى للطاعة العمياء واه وباطل؛ وذلك لأنه يستقي العبودية من الحرية، ويضع المشارك فيه في ~~تعارض مع نفسه في الأداء المفترض لإرادته الخاصة (العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل ~~الرابع). في هذا النقد للعبودية الطوعية، والموجه تحديدا ضد آراء جروشيوس، وافق روسو على ~~الحجة الواردة في الفصل الرابع من «الأطروحة الثانية عن الحكومة» للوك التي مفادها أن ~~الإنسان لا يمكن أن يجعل من نفسه عبدا لأي أحد بمحض إرادته. لكن مصدره الأساسي في هذا ~~الشأن لم يكن لوك نفسه بقدر ما كان جون باربيراك، المشرع الهوجونوتي الفرنسي المعروف ~~ومحرر الكتابات السياسية الأساسية لكل من جروشيوس وبوفندورف، الذي وبخه روسو أيضا في ~~«العقد الاجتماعي» لإهدائه عمله (ترجمته لعمل جروشيوس «عن قانونية الحرب والسلام») لأحد ~~الملوك (جورج الأول ملك إنجلترا)، لكنه تردد ووارب في التعبير عن ذلك تفاديا لإثارة حفيظة ~~سيده. ومن بين الملاحظات الضخمة التي أرفقها باربيراك في نسخته الفرنسية المحكمة لمؤلف ~~بوفندورف «قانون الطبيعة والأمم» المنشور لأول مرة عام 1706، الملاحظة المضافة إلى الفصل ~~الثامن بالباب السابع، التي ألمحت إلى زعم لوك السابق بأنه «ما من إنسان يمكن أن يتنازل ~~عن حريته بحيث يخضع نفسه بالكلية لسلطة تعسفية؛ لأن ذلك سيكون بمثابة تخلصه من حياته ~~التي لا سلطان لنفسه عليها.» في تأملاته النقدية في كل من «خطاب عن اللامساواة» و«العقد ~~الاجتماعي»، كان يدين روسو بالكثير لتعليقات باربيراك على أعمال كل من جروشيوس وبوفندورف، ~~ومن ms069 الواضح أن معرفته الأولى على الأقل بلوك تمت في بادئ الأمر عبر تعليقات باربيراك على ~~بوفندورف. وفي «العقد الاجتماعي» تحديدا، قام روسو بتطوير نسخة باربيراك لنقد لوك الشخصي ~~للعبودية الطوعية؛ بغية تحدي أسس الفلسفة السياسية الحديثة التي تم وضعها في القرن السابع ~~عشر، موظفا اصطلاحاتها هنا لكي يضمن الإدراك الجمعي للناس لحريتهم، لا القرار المتعمد ~~لهم بإخضاع أنفسهم للملك. ولقد بنى روسو الكثير من أفكار الحرية والمساواة والسيادة في ~~«العقد الاجتماعي» على خلافه مع جروشيوس وبوفندورف وهوبز. # في قلب هذا التقليد التخميني الطوعي، ~~كما تصوره روسو، استقر الاعتقاد بأن البشر الذين لا سيد لهم كانوا بطبيعة الحال بحاجة إلى ~~دولة لحمايتهم. وكانت ممارسة الحرية غير المقيدة تعرض الأمان الشخصي للأفراد للخطر، بحيث ~~إنه حتى يحصل هؤلاء الأفراد على الأمان الذي اعتبروه - عن حق - أهم من حريتهم، كان يتعين ~~عليهم التنازل عن حقوقهم لسلطة مخولة بموجب القانون وقوة السلاح لحفظ السلام فيما بينهم، ~~علاوة على إبعاد خطر الأعداء. ولم تتطلب المواطنة في الدولة وحسب التنازل الإرادي من جانب ~~كل شخص عن حريته، ولكن لتأسيس التفوق الظاهري للحاكم على الجميع، حولت تلك المواطنة ~~المساواة الطبيعية بين كل البشر إلى تسلط وخضوع سياسيين. في الفصلين الثامن والتاسع من ~~الكتاب الأول ل «العقد الاجتماعي»، حاول روسو أن يقلب كل هذه الافتراضات رأسا على عقب. إن ~~انتقالنا الملائم من الحالة الطبيعية إلى حالة التحضر يجب ألا يكبت حريتنا الحقيقية، ~~بحسب زعم روسو، بل يتعين عليه تحقيقها بتحويل الغرائز لدينا إلى خضوع لقانون نوجبه على ~~أنفسنا. ولا ينبغي أن يؤسس هذا الانتقال مبادئ هرمية للخضوع في تجاوزه لمساواتنا ~~الطبيعية المزعومة. على العكس، فهو يحل المساواة الأخلاقية والقانونية محل لامساواتنا ~~الطبيعية المستندة إلى القوة أو الذكاء وحسب. والصلات التي يشترطها روسو بين هذين المبدأين ~~- الحرية والمساواة - هي التي تمثل أغلب الأفكار المحورية في عمله «العقد ~~الاجتماعي». # وكما أوضح في الفصل الثامن من الكتاب الأول والفصل السابع من الكتاب الثاني من «العقد ~~الاجتماعي»، فإن تأسيس الدولة بالاتفاق المشترك ms070 لرعاياها ينتج عنه تغير ملحوظ في الإنسان؛ ~~وهو التحول الذي يوصف هنا فيما يتعلق بأهمية التنازل عن الاستقلال الطبيعي لكل شخص الذي ~~نتج عن هذا التحول، والذي صوره روسو في «خطاب عن اللامساواة» باعتباره خطوة مدمرة أدت إلى ~~الفساد الأخلاقي والرذيلة. وبالزعم أن سوء استغلال الحالة الجديدة للبشر كثيرا ما يفضي إلى ~~أزمة أسوأ من حالتهم الأصلية، ألمح روسو إلى جوهر حجته السابقة، لكنه هنا بدلا من ذلك شدد ~~على الروح المشرفة والسامية لهذا التغيير، عندما يبرم العقد الاجتماعي، ومن ثم يتأسس ~~المجتمع المدني، على النحو السليم. وعوضا عن الحرية الطبيعية التي ربما امتلكها البشر في ~~غياب المجتمع المدني، يكتسب البشر حرية مدنية وأخلاقية؛ ويمكن وصف الأولى بأنها مقيدة بفعل ~~الإرادة العامة، بينما تجعلهم الثانية، بإلزامهم بطاعة القوانين التي شاركوا جميعا في ~~وضعها، أسياد أنفسهم حقا. وبعد أن وصف الحرية الأصلية للبشرية في «خطاب عن اللامساواة» ~~فيما يتعلق بالإرادة الحرة وغياب السيطرة علينا بفعل غرائزنا الحيوانية، كان من الممكن وحسب ~~أن يربك روسو قراءه المتابعين لأعماله بتعريفه الجديد للحرية الطبيعية التي يصورها ~~الآن على أنها عبودية لمثل هذه الغرائز. وعلى النقيض من «الخطاب» الثاني، لا يأتي «العقد ~~الاجتماعي» مطلقا على ذكر الحالة الطبيعية للبشر، وتعليقاته عن الحيوانات على وجه الخصوص ~~قليلة، ولم يذكر الكثير عن خصالها الحميدة كما فعل في مناقشته السابقة. # لكن الغرض من حجة روسو أصبح الآن مختلفا. فقد كان يأمل في إثبات أن المشاركة الجمعية ~~للبشر في الحكم الذاتي من الممكن أن تزيد من حريتهم بشكل كبير يتجاوز ما يكفله الاستقلال ~~الطبيعي للهمج في حالتهم الأصلية، الموصوفة هنا بالمقيدة داخليا بغرائزهم، إن لم تكن ~~مقيدة أيضا خارجيا باعتمادهم على الآخرين، بينما في «خطاب عن اللامساواة» زعم روسو أن ~~البشر البدائيين لم تحكمهم غرائزهم. بخلاف المفكرين المؤمنين بفكرة العقد الاجتماعي قبله، ~~صور روسو عقد الاجتماع الأساسي بين البشر في سياق تحقيقهم طموحات لم تكن لتخطر لهم على ~~بال في غياب هذا العقد، بحيث إن حرية العيش دون الخضوع ms071 لسيطرة بعضهم على بعض، التي ~~يستنكرونها بطبيعة الحال، تجلب بعدا إيجابيا آخر عند فقدانها، حيث يكتسب المواطنون ~~شخصيات أخلاقية ومصالح تعاونية لا يمكن أن يتخيلها الهمج المنعزلون. وعلى النقيض من زعم ~~هوبز بأن الحرية في الدولة تتمثل في «صمت» القوانين، التي يقيد إصدار الحاكم لها ~~بالتبعية حرية الأشخاص من خلال إلزامهم بطاعتها، اعتقد روسو أن القوانين والحرية من الممكن ~~أن تمضيا قدما معا شريطة أن يشارك في وضعها أيضا الخاضعون لها، فلا يعلو بذلك ~~الحاكم أو ينفصم عن عموم المواطنين. وبينما الحرية بالنسبة إلى هوبز تستبدل بها السلطة من ~~خلال إحالة البشر حقوقهم الطبيعية إلى حاكمهم، فإن الحرية بالنسبة إلى روسو، شريطة أن يحكم ~~المواطنون أنفسهم، تكتسب داخل الدولة بدلا من أن تصان منها. وبهذا اللجوء للمثل ~~الجمهورية القديمة التي تلزم بقوانينها الإنسان الحر في المدن المتحررة، سعى روسو إلى إعادة ~~تعريف النظرية الحديثة للسيادة بما يناقضها بحيث يتم استحضار ألفاظها لاستعادة ما وضعت من ~~أجل هدمه تحديدا. # إذا كانت الحرية محورية لمفهوم روسو عن الدولة الشرعية، فالمساواة لا غنى عنها لتحصيل ~~الحرية، بحسب زعمه، ولا سيما في الفصل التاسع من الكتاب الأول والفصل الحادي عشر من الكتاب ~~الثاني. وكما شجب الآثار السلبية للتوزيع غير المتكافئ للملكية في «الخطاب» الثاني، فقد ~~عارض بشدة في «العقد الاجتماعي» فرط الثراء وفرط الفقر اللذين يرى كلا منهما ~~«مدمرا للصالح العام» حيث تعرض الحرية في المزاد، فيزيد مشتروها من سلطات الطغاة، ~~ويتخلى بائعوها عن حريتهم طلبا لرفقة الطغاة. ولعل أكثر الأفكار تواترا بإصرار في جميع ~~كتابات روسو السياسية، وبالطبع في حياته الشخصية أيضا، تجلت في رغبته في إنهاء علاقات ~~التبعية والخضوع بين البشر، تلك العلاقات التي تسيطر على الأشخاص وتجعلهم لا يبرحون مكانهم ~~في الحياة، وتدمر حريتهم. إن الاعتماد على البشر، بحسب زعم روسو في الكتاب الثاني من كتابه ~~«إميل» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، تمييزا له عن الاعتماد على ~~الأشياء، يتسبب في كل الرذائل، فيفسد السيد والعبد على حد سواء. ms072 وعلى الرغم من أن روسو ~~كان على قناعة بأن المساواة لا غنى عنها للحرية، فقد ظل مصرا على أنه يتعين السعي ~~وراءها لذاتها. ورغم حدة نقده للملكية الخاصة، لم يسع قط إلى إلغائها، كما ستحاول ~~أجيال من علماء الاجتماع من بعده؛ وكان سببه في ذلك أنه تصور أن العالم المنزوع منه الملكية ~~الخاصة من الممكن أن يجعل مبدأ المساواة يدخل في صراع مع مبدأ الحرية. فإذا منع الأفراد من ~~حيازة الممتلكات من خلال عملهم وسعيهم، فإن خضوعهم سينتقل وحسب من الأثرياء إلى الدولة، ولن ~~تكبت حريتهم بأقل من ذي قبل. ولأنه اعتبر أن الملكيات المحدودة من الأراضي دليل على ~~اعتماد البشر على أنفسهم، فقد أقر بوجود الجمهوريات الزراعية. وفي «خطاب عن الاقتصاد ~~السياسي» لاحظ أن «الملكية هي أساس العقد الاجتماعي»، مع الإشارة إلى أن الشرط الأول لذلك ~~أن «يكفل لكل شخص حق التمتع تمتعا هادئا بكل ما هو خاص به» (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). في الفصل الحادي عشر من ~~الكتاب الثاني من «العقد الاجتماعي» زعم روسو أن فرط الثراء والفقر يجب أن يخضع للسيطرة ~~السياسية، بحيث لا يكون أي مواطن ثريا جدا بشكل يمكنه من شراء مواطن آخر، ولا يعاني ~~أي مواطن فقرا مدقعا فيبيع نفسه. وبما أن «قوة الظروف تميل دوما للقضاء على ~~المساواة»، بحسب ما انتهى إليه روسو، «فإن قوة التشريع عليها دوما أن تميل إلى ~~صونها.» # وشدد روسو هنا على البعد السياسي للمساواة ~~أكثر مما يتعلق بعلاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية، فقد زعم أن كل قانون يكون ملزما ~~للمواطنين جميعا دون تمييز؛ حيث لا تميز الدولة بين الأشخاص المشمولين به (العقد ~~الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصلان الرابع والسادس). وزعم أيضا من قبل في «خطاب عن ~~الاقتصاد السياسي» أن «أول القوانين هو أن تحترم القوانين» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، مضيفا في «العقد الاجتماعي» أن كل ~~المواطنين يخضعون لتلك القوانين سواء بسواء؛ لأن القوانين بهذا الشكل تتجاهل كل الاعتبارات ~~والاختلافات ms073 الفردية التي تهتم بها الحكومة عند تنفيذ تلك القوانين، لكنها لا تسترعي اهتمام ~~المجتمع ككل لها. ولعل استبعاد روسو لأي مزايا أو أضرار فردية ممكنة من تشريعات الدولة هو ~~الذي حدا به أن يعلق على هذا الأمر، في الفصل السابع من الكتاب الأول من كتاب «العقد ~~الاجتماعي» قائلا: «إن الحاكم، بموجب ماهيته، دائما ما يكون ما ينبغي عليه أن يكون»، ولو ~~أن المعنى الذي يرمي إليه في هذا الجزء الذي كثيرا ما يستشهد به ملتبس. لكن اهتمامه ~~بالمساواة المدنية يتضح بجلاء شديد في تأكيده الحماسي على المسئولية المتساوية للمواطنين ~~المتعلقة بالمشاركة الفعالة في المجلس التشريعي الذي له السيادة في كل دولة (العقد ~~الاجتماعي، الكتاب الأول - الفصل السادس، والكتاب الثاني - الفصل الثالث، والكتاب الثالث - ~~الفصل الخامس عشر). وافترض روسو، شأنه شأن غيره من المؤيدين المعاصرين للديمقراطية ~~التشاركية الذين كثيرا ما يرجعون لمؤلفاته لاستلهام الأفكار، أن سلطة أي حاكم - التي زعم، ~~شأنه شأن جروشيوس وهوبز وبوفندورف، أنها لا بد أن تكون مطلقة - تكتسب صفة الشرعية فقط إذا ~~لعب كل المواطنين دورا نشطا بالكامل في إطارها. وهنا يكمن لب فكرته عن السيادة الشعبية ~~التي تشكل علاقاتها، خاصة بنموذجه المثالي عن الحرية في الدولة، حجر الأساس للمذهب السياسي ~~الذي اشتهر به روسو منذ الاحتفاء به، وكذلك تشويهه، خلال مسار الثورة الفرنسية. # يعد ربط روسو بين كل من الحرية والمساواة والسيادة عنصرا أصيلا بشكل مدهش في ~~كتاباته، الأمر الذي يميز فلسفته عن فلسفة أفلاطون ومكيافيللي ومونتسكيو وغيرهم ممن انشغلوا ~~مثله بالحرية السياسية لا الشخصية وحسب. وقبل رؤية روسو لمفهوم السيادة في «العقد ~~الاجتماعي»، ارتبط هذا المفهوم من قبل مفسريه بفكرة القوة أو السلطة أو الإمبراطورية، ~~وكان يرتبط بصفة عامة بسيادة الملوك على رعاياهم، أيا كانت الطريقة التي اكتسب بها الملوك ~~تلك السيادة، لا بحرية المواطنين. وبالنسبة إلى بودين وهوبز تحديدا - وهما أشهر أنصار ~~السيادة المطلقة قبل روسو - كان مقابل كلمة سيادة، سواء الفرنسي # souveraineté # أو الإنجليزي # sovereignty ~~- المشتقان من العبارة اللاتينية # summa potestas # أو # summum ms074 ~~imperium ~~، يشير إلى السلطة المهيمنة - أي المطلقة - للحاكم. أما ~~بالنسبة إلى روسو، في المقابل، تعتبر فكرة السيادة بالأساس مبدأ للمساواة، التي يراها ~~العنصر الخاضع للحكم، أو الرعايا أنفسهم، باعتبارها السلطة المطلقة، وترتبط هذه الفكرة ~~بمفهومي الإرادة أو الحق، بحسب تعريفه لهما، لا بالقوة أو السلطة؛ مبينا مرة أخرى ~~التمييز بين البعدين الأخلاقي والطبيعي للأمور البشرية الذي دار حوله مؤلفه «خطاب عن ~~اللامساواة»، والذي يتجلى بقدر لا يقل وضوحا، ولو أن أولوياته أمست الآن معكوسة، في ~~«العقد الاجتماعي». # شكل 4-2: صفحة عنوان كتاب «العقد الاجتماعي» (أمستردام، 1762). # وبوصفه للشعب بأكمله - الذي قوامه المواطنون، إن لم يكن السكان جميعا - بأنه صاحب ~~السيادة (العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل السادس)، سعى روسو علاوة على ذلك، شأنه شأن ~~باين من بعده، إلى أن يقوم عامة الناس في كل أمة بالإدارة المطلقة لشئونهم العامة. ونادرا ~~ما وصف روسو سيادة الشعب هذه بأنها ضرب من «الديمقراطية»، ولم يصفها بذلك مطلقا في «العقد ~~الاجتماعي»، حيث إنه اعتبر الديمقراطية شكلا لا للسيادة المباشرة بل للحكومة المباشرة؛ مما ~~استدعى من الناس أن يظلوا في حالة تشاور دائم لتنفيذ السياسة العامة وإدارتها، على غرار ما ~~يقوم به الموظفون الحكوميون أو البيروقراطيون الذين يعملون بدوام كامل، وبذلك جعلوا الدولة ~~عرضة تحديدا للفساد والحرب الأهلية (العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل الرابع). وعلى ~~فرض أن ممارسة المواطنين لسيادتهم الشعبية كان مرجحا جدا في الدول الصغيرة المنعزلة ~~جغرافيا بحيث لا تتعرض لأي غزو خارجي، وهي التي وزعت ثرواتها بالتساوي بشكل أو بآخر ~~بين أشخاص يقدرون حريتهم، رأى روسو أن جزيرة كورسيكا قد تكون الدولة الوحيدة في أوروبا ~~التي ما زالت مناسبة للتشريع الجديد (العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصل العاشر). ولكن ~~حتى في الدول الكبرى، كان للناس لا المسئولين التنفيذيين الذين يختارونهم السلطة العليا، ~~وهو الأمر الذي حاول أن يضمنه لبولندا، عن طريق الانتخابات الدورية للنواب المفوضين في ~~مجلسهم النيابي الوطني، عندما كلف بإعداد دستور لحكومتهم المرتقبة. وفي كل مكان كان فيه ~~للناس السيادة لا بد أنه ms075 كانت هناك مجالس دورية لم يكن بالإمكان حلها، هكذا حاج روسو في ~~«العقد الاجتماعي» (العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل الثالث عشر)، مبينا في أطول ~~فصول عمله عن المجالس الشعبية الرومانية (العقد الاجتماعي، الكتاب الرابع، الفصل الرابع) ~~كيف أكدت هذه المجالس، التي يشارك فيها كل المواطنين، على أنه تحت مظلة جمهوريتهم كان لأهل ~~روما بالفعل السيادة على بلادهم، قانونا وواقعا على حد سواء. وأضاف روسو (العقد ~~الاجتماعي، الباب الثالث، الفصل الخامس عشر) أن ممثلي الشعب، الذين استأمنهم الناس على ~~مناصبهم المقدسة، لم يسعوا في تلك الدولة أبدا لاغتصاب سلطات الناس لأنفسهم الذين ~~باستطاعتهم إذا اقتضت الضرورة أن يقرروا الحكم مباشرة بالاستفتاء العام. في وجود ~~الممثل، لا يمكن أن يكون هناك تمثيل؛ وذلك لأنه «لحظة أن يجتمع الناس قانونا كصاحب ~~سيادة، تتعطل الولاية القضائية كلها للحكومة» (العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل ~~الرابع عشر). ورغم ذلك، فما لم يسارع الناس إلى مجالسهم بحماس في مثل هذه الظروف، وما لم ~~يخدم كل منهم بلده بشخصه لا بماله، فستضيع الدولة. لم يبد أي مفكر سياسي قبل روسو ~~قط مثل هذا الإخلاص لفكرة التعبير الذاتي الجمعي أو الحكم الذاتي الشعبي. ورغم أنه افترض ~~أنه من الممكن أن يتعرض العامة للخداع أو التضليل، فقد آمن بأن السيادة الشعبية نفسها هي ~~الإجراء الوقائي الوحيد الممكن من الاستبداد. فقط عندما يشارك الناس جمعيهم في التشريع ~~يمكنهم ردع إساءة استخدام السلطة التي قد يسعى البعض لممارستها. وإذ تظاهرت السلطات الحاكمة ~~التي أوردها جروشيوس وهوبز وبوفندورف وتلامذتهم بتمثيل المواطنين باعتبارها ممثلة لهم، ~~اغتصبت حريات الحكام الحقيقيين لكل دولة الذين عكسوا دورهم، إذ قاموا به بأنفسهم ~~باعتبارهم بدلاء لأسيادهم، وبالتالي أمسوا صانعي إخضاع الناس وتبعيتهم. # كان روسو قد وضع من قبل أطروحة مماثلة في سياق الفنون عندما دعا في «رسالة إلى السيد ~~دالمبير عن المسرح» في عام 1758، ردا على اقتراح إقامة مسرح في جنيف، وهو ما رآه روسو ~~مفسدة لحرية أبناء بلده، إلى إقامة احتفالات عامة وأخوية للناس كبديل للعروض المسرحية ~~الاحترافية ms076 التي يقدمها الممثلون، بحيث تعج جمهوريته الأم بالكامل، لا في جانب واحد من ~~جنباتها وحسب، بالمواكب الفنية والفنانين، وذلك على غرار ما كان يشاهده في شبابه. في العالم ~~القديم، وخاصة بين شعب أسبرطة، زعم روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ السياسة والفنون: ~~رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح) أن «المواطنين، الذين كانوا يجتمعون باستمرار، كانوا ~~يهتمون بشدة بوسائل الترفيه التي كانت الشغل الشاغل للدولة، والألعاب التي لم يتوقفوا عن ~~ممارستها قط إلا للخروج للحرب.» في العالم الحديث، فقدت روح المشاركة العامة هذه، وضاعت ~~معها حرية الناس. ومن خلال الفنون والعلوم والدين، وبالقدر نفسه السياسة، خدر الناس ~~وصاروا سلبيين، بحسب ظنه، وأخرجوا من قلب الحياة الثقافية، وسيقوا لأطرافها لاهثين وراء ~~عروضها. وإذ تحولنا من عناصر فاعلة فيما نقوم به من أفعال إلى شهود على ما يحدث لنا، فقد ~~صرنا جمهورا صامتا، وتعلمنا الرضوخ والجبن وكأننا مشاهدون لقصة كنا من قبل شخصياتها ~~الرئيسية. ولقد تعلم الممثلون الذين لعبوا أدوارنا؛ أي ملوكنا وبرلماناتنا وغير ذلك من رءوس ~~الدولة، أن الرعايا يجب عزلهم عن الحكم والسياسة. وذكر روسو في الفصل الأخير من «مقالة عن ~~أصل اللغات» حيث فصل هذه الأفكار أن «هذا هو المبدأ الأول في السياسة الحديثة» (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الخامس؛ الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى). ولا شك أن شدة ~~انجذاب روسو لما تصور أنه نموذج مثالي قديم للمشاركة العامة جعلته يؤمن بأن المواطنين ~~ينبغي ألا يشجعوا بالمرة على إعلاء طموحاتهم الخاصة على مصلحة الدولة. وينبغي أن تكون ~~المشاركة في المجلس التشريعي للدولة إجبارية، بحسب ظن روسو، وهو الاعتقاد الذي ربما استند ~~إليه في زعمه، في الفصل السابع من الكتاب الأول من «العقد الاجتماعي»، بأن «كل من يرفض ~~طاعة الإرادة العامة ... يجب أن يجبر على أن يكون حرا.» ومعنى هذه الملاحظة الغريبة، ~~التي تعرضت لهجوم شديد من جانب نقاد روسو الليبراليين وذلك عن حق لما لها من آثار سيئة ~~محتملة، غامض، رغم أنه يبدو وكأنه يتبنى فكرة أن القانون يجبر رعايا الدولة على التصرف ms077 ~~بما يتفق مع ضمائرهم وإرادتهم كمواطنين، ومن ثم مع حريتهم الشخصية. ومع ذلك، فلا يبدو أن ~~روسو في أي موضع آخر في كتاباته السياسية كان غافلا جدا هكذا عن الفارق، الذي يصر عليه ~~في مواضع أخرى، بين القوة والحق. # كانت «الإرادة العامة» الاصطلاح الذي استخدمه روسو لممارسة السيادة الشعبية، والذي ~~استخدمه لأول مرة في «خطاب عن الاقتصاد السياسي» عام 1755 المنشور مع مقالة ديدرو عن «الحق ~~الطبيعي» في «الموسوعة»، حيث ورد هذا الاصطلاح أيضا، الذي استشهد به روسو بالتالي كإشارة ~~مرجعية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، بعد ~~أن اطلع على مخطوطة نص صاحبه. ويرجع الفضل في المقام الأول لمالبرانش في أن هذا الاصطلاح ~~كان له بعض الرواج بشكل أساسي في الكتابات الفلسفية واللاهوتية الفرنسية بداية من منتصف ~~القرن السابع عشر، وقد استخدمه ديدرو في العديد من إسهاماته في «الموسوعة» التي كان محررا ~~لها أيضا. لكن روسو، أكثر من أي شخصية بارزة أخرى قبله أو بعده، هو الذي أخذه وأعطاه معنى ~~جديدا خاصا به، ذا صبغة سياسية. وفي «خطاب عن الاقتصاد السياسي»، عرف روسو هذا ~~الاصطلاح باعتباره إرادة الدولة ككل، التي تعد مصدر قوانينها ومعيارها الخاص بالعدالة. ~~وفي «العقد الاجتماعي»، قال روسو إن هذا الاصطلاح يشير إلى الصالح العام أو المصلحة العامة ~~التي يتعين على الدولة تحقيقها، وإلى الإرادة الفردية لكل مواطن التي يجب أن تحقق هذا ~~الصالح العام، الذي كثيرا ما يتعارض مع المصلحة الخاصة للمواطن نفسه كإنسان أو كعضو ~~بمؤسسات أخرى داخل الدولة. زعم روسو أن تكون جمعيات جزئية على حساب الجمعية العامة للشعب ~~يمثل دوما خطرا جسيما على تحقيق الإرادة العامة لأية جمهورية، مستشهدا كدليل على ذلك ~~(العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصل الثالث) بفقرة من كتاب «تاريخ فلورنسا» لمكيافيللي. ~~ولذلك كان مصرا على أن الإرادة العامة، في تركيزها على الصالح العام، ينبغي ألا يخلط ~~بينها وبين مصلحة الجميع التي هي وحسب مجموع المصالح الشخصية ومن ثم المتعارضة بضرورة ~~الحال، والتي خلق تفوقها عبر ms078 عدد الأصوات وحسب جمعيات جزئية غير مستقرة، وجمعيات سرية ~~وشقاقا سياسيا. وأحيانا ما كان يقترح روسو أنه لتحقيق الإرادة العامة ينبغي ألا يكون ~~هناك أية جمعيات جزئية من أي نوع بالدولة، لكنه في الغالب كان يفترض أن مثل هذه الجمعيات لا ~~مناص منها، وينبغي حقا زيادة عددها حتى يقل خطر الواحد منها قدر الإمكان، بحيث لا ~~تستثنيها الإرادة العامة بقدر ما تعارضها. وفي إشارة لفقرة في مؤلف الماركيز دارجنسون ~~عن حكومة فرنسا الذي لم ينشر حتى عام 1764 لكنه اطلع على مخطوطته، لاحظ روسو أنه «إذا لم ~~تكن هناك أية مصالح مختلفة، فإنه لا يكاد يشعر بالمصلحة المشتركة التي لا تجد عائقا مطلقا ~~... ولن تمسي السياسة فنا فيما بعد» (العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصل ~~الثالث). # بما أن عدد الأصوات كان ضروريا لإثبات ~~الإرادة العامة وكذلك إرادة الجميع (العقد الاجتماعي، الكتاب الرابع، الفصل الثاني)، فمن ~~غير الواضح كيف تخيل روسو أن المواطنين سيستطيعون التمييز بين الإرادتين، ولا سيما في ضوء ~~زعمه بأن الإرادة العامة يمكن حسابها باعتبارها مجموع فوارق ما هو موجب وما هو سالب لإرادة ~~الجميع. لكن الصدام بين الإرادة العامة والخاصة أمسى بعد ذلك محوريا لمحاجته، وتجلى ~~أيما تجل في روايته للتوتر الذي يحدثه في عقل كل مواطن، والذي يجعله يفرق بين ما هو مفيد ~~له وما هو مفيد للمجتمع (العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل السابع). كثيرا ما شجب ~~نقاد روسو الليبراليون فكرته عن الإرادة العامة نظرا لنظرتها الجماعية الواضحة، ولكن في ~~«العقد الاجتماعي»، من الواضح أن هذه الفكرة كانت مصممة لتفادي الترسيخ الاجتماعي للأفراد، ~~لا لتحقيقه. ولأننا فقدنا الكثير من روحنا العامة، كانت الإرادة العامة لكل شخص في العالم ~~المعاصر أضعف بكثير من إرادته الخاصة، بحسب اعتقاد روسو، الذي أشار إلى أنه يمكن تقوية تلك ~~الإرادة أو إحياؤها لا بالترديد غير المتروي لكل مواطن لما يقوله جيرانه في أي تجمع عام، ~~بل بالعكس تماما؛ أي بتعبير جميع الناس عن آرائهم كل على حدة، دون أي تواصل فيما بينهم ms079 ~~من شأنه جعل أحكامهم المنفصلة متحيزة لمصلحة المجموعة هذه أو تلك. وقد اعترض جون ستيوارت ~~ميل لاحقا على الاقتراع السري هذا، ولربما وافق روسو أيضا على أن نواب الشعب، حيثما تقتضي ~~الضرورة، ينبغي أن يكونوا مسئولين دوما أمام ناخبيهم. ولكن، في الاستفتاء الشعبي أو ~~الاستفتاء العام أو التجمع العام لجميع المواطنين، ولضمان أن عدد الأصوات يضارع عدد ~~الأفراد، يجب أن يتصرف كل مواطن دون اعتبار للآخرين، بحسب اعتقاد روسو، بحيث يسترشد بإرادته ~~العامة كعامل مستقل؛ وبذلك ينزل على رغبة نفسه دون سواها. إن تمييز روسو، فيما يختص ~~بالسياسة الدولية، بين «المصلحة الحقيقية» المتصورة بشكل غير واضح للدولة في إرساء سلام ~~اتحادي تحت لواء القانون الدولي من ناحية و«المصلحة الظاهرة» المستمسك بها بإصرار في الحفاظ ~~على استقلالها المطلق من ناحية أخرى، صيغ في السابق بألفاظ شبيهة في عمله «الحكم على مشروع ~~السلام للأب دي سان-بيير» الذي خط حوالي عام 1756 (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ روسو ~~عن العلاقات الدولية). # بعد أن فصل روسو «مبادئ الحق السياسي» (وهو العنوان الفرعي ل «العقد الاجتماعي») في ~~الكتابين الأول والثاني، انتقل بعد ذلك إلى تطبيق تلك المبادئ، عاكسا أولوياته بين ~~الجانبين الفعلي والأخلاقي للدولة، لكي يتعاطى مع سلطتها التنفيذية بدلا من سلطتها ~~التشريعية، مع الحكومة بدلا من السيادة الشعبية، ومع القوة بدلا من الحق، كما أوضح في ~~الفصل الأول من الكتاب الثالث. فعلى العكس من السيادة التي لا يمكن تمثيلها مطلقا، تتشكل ~~الحكومة - التي وصفها روسو باعتبارها «كيانا وسيطا» بين المواطنين بصفتهم السيادية ~~وكرعايا يحكمهم القانون - دوما من ممثلين للشعب. وبينما تكون السيادة عامة دوما في ~~تشريعاتها، فإن القوة التنفيذية للحكومة تمارس فقط فيما يخص حالات بعينها (العقد ~~الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل الأول). وبينما تتخذ السيادة شكلا واحدا وحسب، تعتمد ~~الحكومة على الظروف؛ ومن ثم فهي تتخذ عدة أشكال مختلفة مناسبة لسد احتياجات خاصة. ومؤسساتها ~~محلية ومشروطة ومحددة. # إن العامل الأكثر محورية الذي يحدد طبيعة الحكومات التي يتعين أن تؤسسها الدول هو سكانها، ~~حيث تتطلب الدول ms080 ذات الكثافة السكانية العالية الحكومات الأكثر تركيزا، بينما تتطلب الدول ~~ذات الكثافات السكانية الأقل الحكومات الأكثر انتشارا، تبعا للتناسب العكسي بين السلطات ~~الحكومية، من ناحية، ونصيب كل مواطن من السيادة من ناحية أخرى، بحسب زعم روسو في الفصلين ~~الأول والثاني من الكتاب الثالث من «العقد الاجتماعي». وتوجهه هذه القاعدة نحو إيراد ~~التصنيف القديم للحكومات من حيث عدد القائمين عليها أو مسئوليها - أي من حيث كونها تتمثل في ~~شخص واحد أو عدد قليل من الأشخاص أو عدد كبير من الأشخاص، أو الملكية والأرستقراطية ~~والديمقراطية (أو نظام الحكم) على التوالي - الذي اشتهر بوصفه أرسطو، وذلك في الكتاب الثالث ~~من كتابه «السياسة». وبالمثل على نفس خطا أرسطو، وجه روسو اهتمامه للبناء الطبقي للدول، ~~وتوزيع الثروات الأنسب لكل شكل من أشكال الحكومات، مشيرا تحديدا إلى المساواة في المكانة ~~والثروة الأنسب للديمقراطية (العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل الرابع) وللنبلاء ~~والطبقات الوسيطة ما بين الأمير والرعايا في الحكومة الملكية. أشار روسو إلى أنه في دولة ~~كبيرة، ساعدت القوى المتضادة هذه على تقويض السلطة الملكية التي قد يبدو تركزها في يد شخص ~~واحد كميزتها الرئيسية فقط عندما تمارس بما يخدم الصالح العام، وهو الوضع الذي ظنه روسو ~~نادرا. # زعم بودين وبوسويه وغيرهما من فلاسفة ~~الحكم الملكي المطلق أن تجانس الدولة يمكن الحفاظ عليه بأفضل ما يكون تحت سلطة القوة ~~المتفوقة بشكل متفرد لشخص واحد، لكن روسو لم يكن مقتنعا بمثل هذه المزاعم، حيث حاج، ~~بالمقابلة بفكرته عن السيادة، أنه من الخطأ افتراض أن «الأمير هو كل ما ينبغي أن يكونه» ~~(العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل السادس). فالحكم الملكي في شكليه الانتخابي ~~والوراثي ليس عرضة بشكل خاص وحسب إلى أزمات التعاقب على الحكم، لكنه أيضا عرضة لدسائس ~~المرتشين وانعدام الكفاءة، بحسب زعم روسو، في ظل مكائد ضعاف المواهب أصحاب الطموحات ~~العريضة. في «الحكم على مشروع السلام للأب دي سان-بيير»، صب روسو احتقاره أيضا على الخطط ~~الأميرية للتوسع الإقليمي سعيا لإقامة إمبراطورية وحيازة المال، مثنيا على حكمة هنري ~~الرابع ms081 ملك فرنسا الذي كان بروتستانتيا في فترة من الفترات، على سبيل المقابلة، وجهوده ~~الدءوبة من أجل إنشاء كومنولث مسيحي دولي قرب نهاية القرن السادس عشر. لكنه أشار إلى أن ~~سان-بيير من المستبعد أن يستطيع النجاح في تكرار هذه الجهود بعدها بمائتي عام، ويرجع ذلك ~~جزئيا إلى قدراته الأقل بكثير، وبشكل أساسي للتغير المهول الذي طرأ على المؤسسات ~~الدبلوماسية والعسكرية لدرجة أنه ما من اتحاد كونفدرالي للدول الأوروبية كان يمكن تأسيسه ~~إلا عن طريق الثورات (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ روسو عن العلاقات الدولية). وافترض ~~هوبز أن الحكومة الملكية أفضل عموما من غيرها من أشكال الحكومات نظرا للتماهي بين الصالح ~~العام والخاص الذي تضمنه. ورغم ذلك، كان روسو مقتنعا بقدر أكبر بكثير بتقييم مكيافيللي أن ~~«الشعب أكثر تعقلا واتزانا، ويتمتع بحكم أفضل وأكثر حكمة من الأمير» (نقاشات، ~~الباب الأول). وشأنه شأن مكيافيللي، آمن روسو بأن الحكومة الجمهورية أفضل من الملكية، وحتى ~~في «العقد الاجتماعي» زعم روسو أن كتاب «الأمير» لمكيافيللي، في تصويره للحكم البغيض حقا، ~~كان يراد أن يكون «دليلا للجمهوريين» (العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل السادس)، ~~مخفيا عشق مؤلفه العميق للحرية الذي كان يشاركه روسو إياه. # في ضوء تلك الانتقادات الحادة، قد يبدو روسو وكأنه كان يرى أن الديمقراطية الشكل الأفضل ~~للحكم، لكنه كان في واقع الأمر مصرا على أن الديمقراطية بالقدر نفسه خطرة؛ وذلك ~~غالبا لأنها بطبيعتها تؤدي إلى الخلط ما بين صاحب السيادة الذي هو الشعب والحكومة في ~~الدولة. ويجب ألا يقوم واضعو القوانين أنفسهم بتنفيذها، بحسب زعم روسو (العقد الاجتماعي، ~~الكتاب الثالث، الفصل الرابع)؛ لأن ذلك من شأنه أن يجعل صاحب السيادة يلهيه تنفيذ الجزئيات ~~عن المقاصد العامة، ويخلط ما بين الصالح الخاص والعام بقدر أكثر خبثا مما يحدث تحت الحكم ~~الملكي. وزعم روسو أنه «عندما يحدث ذلك، تفسد الدولة من الداخل، ويستحيل إصلاحها.» ونظرا ~~«لفضيلة التمييز بين صاحب السيادة والحكومة» التي تتمتع بها الأرستقراطية (العقد الاجتماعي، ~~الكتاب الثالث، الفصل الخامس)، بدا أن روسو ميال أكثر إليها، أو ms082 بالأحرى الأرستقراطية ~~الانتخابية، بما أنه كان يعتبر الأرستقراطية الطبيعية لا تناسب سوى الشعوب البدائية، وكان ~~يرى أن الأرستقراطية الوراثية «أسوأ أنواع الحكومات على الإطلاق». ذهب روسو إلى أن ~~الأرستقراطية الانتخابية لا تعتمد على أمانة كل مواطن وحكمته؛ ولذلك فهي بحاجة إلى فضائل ~~أقل من الحكومة الديمقراطية. ورغم أنها يمكن أن تنجح فقط إذا وزعت الثروات بشيء من ~~المساواة والاعتدال، فإن حقيقة أن المساواة الصارمة لا يمكن تحقيقها عموما يناسب هذا ~~النوع من الحكم، حيث يتيح تكليف الإدارة اليومية للشئون العامة لأشخاص ذوي مواهب مناسبة ~~تسمح لهم مواردهم المستقلة بتكريس كل وقتهم للدولة باتزان مالي. افترض روسو أنه تحت مظلة ~~الأرستقراطية الانتخابية يستطيع أكثر المواطنين استقامة وذكاء وخبرة على الصعيد السياسي أن ~~يضمنوا استقرار الدولة عندما يكونون أعلى مسئوليها وموظفيها الحكوميين. # اعتقد روسو هنا أن أهم حقيقية تتعلق بكل أشكال الحكومات المتنوعة تتمثل في اختلافها ~~الجوهري عن صاحب السيادة في كل أمة. فإذا عجز الناس عن وضع وتنفيذ قوانينهم بشكل ملائم في ~~الديمقراطية، فلن يستطيع حكامهم، في ظل الملكية أو الأرستقراطية على حد سواء، أن يحكموا ~~بالنيابة عنهم. لقد استشعر روسو خطر إساءة استغلال السلطات التي تنتمي للشعب وحسب من قبل ~~الحكومة بالقوة نفسها التي استشعرها لوك من قبله، ومن السائد جدا أن تميل الحكومات في ~~الأعم الأغلب لإحلال إرادتها الخاصة محل الإرادة العامة لصاحب السيادة، الأمر الذي عده ~~روسو ضربا من الاستبداد. فالشعب الإنجليزي لا يمارس الحرية إلا أثناء انتخابه لأعضاء ~~البرلمان، بحسب ملاحظة روسو في الفصل الخامس عشر، بالكتاب الثالث من «العقد الاجتماعي»، وفي ~~الفصل السابع من مقالته «حكومة بولندا». ففي تفويضهم الخاطئ لسلطتهم التشريعية كصاحب سيادة ~~لهيئة عامة كان ينبغي أن تقوم على خدمتهم وحسب باعتبارها سلطة تنفيذية، أثبتوا أنهم غير ~~مؤهلين للحرية التي كان حريا بهم ممارستها بأنفسهم مباشرة. # وأيضا، في جنيف، أمست السلطة التنفيذية (الممثلة في المجلس الصغير) تدريجيا أكثر ~~هيمنة؛ إذ انتزعت سلطات كان من المفترض أنها تنتمي للمجلس العام للمواطنين (الممثل في ~~المجلس العام)، ms083 لدرجة أنها منعت حتى اجتماع هذا المجلس صاحب السيادة. وفي ظل إقصاء القوة ~~التنفيذية لبلده الأم للإرادة الشعبية، فسد الحق المطلق وتحول إلى قوة مطلقة. قال روسو ~~تعليقا على هذه التطورات في «رسائل من الجبل»، مستعينا هنا بلفظ «الديمقراطية» إشارة إلى ~~صاحب السيادة إنه «حيثما تسود القوة وحدها، تتفكك الدولة. وهكذا ... تنهار الدول الديمقراطية ~~كلها في نهاية المطاف» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث). وإذ خصص روسو «خطاب عن ~~اللامساواة» لجمهورية جنيف التي طبقت مثلا للسيادة الشعبية أكثر عداء للحكومة ~~الاستبدادية من أي دستور آخر لدولة حديثة، شهد روسو في حياته فساد المبادئ التي ربط بها ~~هويته الشخصية. ولقد حولت فكرة التجارة المسالمة التي روج لها دعاة التنوير في جنيف ~~نظاما ديمقراطيا عادلا إلى حكم أقلية حرم أبناء بلده من حقوقهم المدنية؛ ولم تكن ~~التحولات الطارئة على الطبيعة البشرية كتلك التي وصفها روسو من قبل في تاريخه التخميني ~~للبشرية في أي مكان آخر قطنه في العالم أكثر تجليا بشكل واضح في السياق السياسي كما ~~تجلت في بلده. # ولقد سعى المعلقون الأوائل مرارا وتكرارا لتقديم ضمانات ضد تهديدات الاستبداد ~~باستدعاء مبادئ خاصة بالقانون الطبيعي يمكن أن يخالفها الحكام فقط على حساب أرواحهم أو حتى ~~حياتهم، مخاطرين بتعرضهم للقتل أو اندلاع ثورات ضدهم. ومن بين معاصري روسو، فصل مونتسكيو ~~مذهبا لحكم القانون، الذي ظهر أنه كان له تأثير عميق في الفكر الليبرالي الغربي، والذي ~~ميز بين سلطة الملوك ورغبات المستبدين في سياقه، وعزز أيضا فكرته، فيما يتعلق ~~بإنجلترا، عن النظام القضائي المستقل. لكن روسو، الذي اتضح أن إقامته القصيرة في إنجلترا ~~بعد صدور «العقد الاجتماعي» بسنوات قلائل مرهقة لاستقلاله الشخصي إرهاق البرلمان للإنجليز ~~بحسب رأيه، وجد مفهوم مونتسكيو للقانون غير مقنع أيضا. وعلى العكس من النقاد الذين ~~سيخشون لاحقا سوء استغلال سلطات السيادة التي رسمها روسو، فقد آمن بأن الممارسة الحذرة ~~لهذه السلطات من قبل الناس أنفسهم هي الضمانة الوحيدة ضد الاستبداد. وبموجب مبادئ فلسفته ~~السياسية، ما من قوة يمكن ممارستها ضد أشخاص بعينهم ms084 في أي دولة من قبل صاحب السيادة نفسه ~~المقيد بطبيعته بحيث لا يقدر على تنفيذ إرادته الخاصة. فهذه المسئولية كانت منوطة ~~بالحكومة وحدها. ولذا فإن الحرية لا يحميها وجود قانون طبيعي شامل أو كيان قضائي مستقل داخل ~~الحكومة، بل يكفل لها الحماية الفصل البنيوي للسلطات، المتصور بشكل مختلف عن منظور ~~مونتسكيو ، بين الحكومة والسيادة. # في الفصل الثاني من الكتاب الأول من «العقد الاجتماعي» زعم روسو أن جروشيوس أعطى شرعية ~~زائفة للعبودية والاستبداد بتقديمه حقيقة محضة على أنها دليل على الحق. وفي الكتاب الخامس ~~من «إميل» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، حيث كرر هذا الادعاء، ~~ادعى روسو أن مونتسكيو أخفق كذلك في تناول مبادئ الحق السياسي، واكتفى بدلا من ذلك ب ~~«مناقشة الحق الإيجابي للحكومات القائمة». وأصر روسو على أنه ما من شيء في عالم السياسة ~~يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة أكثر من الحق؛ مما أشعل نزاعا بين الفلاسفة والعلماء أدى ~~إلى انقسام محبيه، وغيرهم، من تلامذة جروشيوس ومونتسكيو حتى يومنا هذا. لكن روسو في ~~«العقد الاجتماعي» كان أيضا تواقا للتعاطي مع حقائق الحياة السياسية، وما يدين به ~~لأسلوب مونتسكيو في تفسير تلك الحقائق كبير. فشأنه شأن مونتسكيو، كان روسو معنيا بالتاريخ ~~الطبيعي للحكومات وتحليل أمراضها، وبالطريقة التي نشأت بها الدول وتوسعت وتفككت؛ وذلك أن ~~«الأمة كجسم سياسي»، بحسب زعمه، «شأنها شأن جسد الإنسان، تبدأ في الاحتضار فور ميلادها، ~~وتحمل في طياتها دواعي انهيارها» (العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصلان العاشر والحادي ~~عشر). وأقر روسو، سائرا على خطا مونتسكيو أيضا، بأثر العوامل المادية على طبيعة الحكومة ~~ودساتير الدول، ملاحظا، بالإشارة إلى الكتاب الرابع عشر من مؤلف مونتسكيو «روح القوانين»، ~~أن «الحرية ليست ثمرة كل الأقاليم»؛ ومن ثم فهي ليست في متناول كل الشعوب (العقد ~~الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل الثامن). وبينما أكد على مدى إمكانية تفسير أخلاق الأشخاص ~~في المجتمع المدني بالرجوع إلى القوانين والعوامل السياسية، فقد شدد بالقدر نفسه ~~تقريبا على الطريقة التي تحدد بها الأخلاق القوانين الإيجابية، ms085 واصفا قوى العادة ~~والتقليد والإيمان، المحفورة، ليس على الرخام أو النحاس، بل في قلوب المواطنين وكأنها نوع ~~رابع من القوانين (إضافة إلى القوانين السياسية والمدنية والجنائية)، معتبرها «النوع ~~الأهم على الإطلاق منها جميعا» (العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصل الثاني عشر). وفي ~~«إميل»، أثنى روسو على مؤلف «روح القوانين» تحديدا لتناوله علاقة الأخلاق بالحكومة ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ورغم الاختلافات الفكرية بين روسو ~~ومونتسكيو، فقد تأثر روسو كثيرا برواية مونتسكيو عن القيود الأخلاقية على التشريع التي ~~تشكل اتجاهه، وتصبغه بروحها. وبينما تدبر في القوانين بحسب ما قد تكون عليه، فقد انشغل في ~~«العقد الاجتماعي»، كما تجلى في عبارته الأولى، بتناول البشر كما هم. ورغم أن حقائق ~~السياسة ومعاييرها شيئان مختلفان، فلا بد أن يتناولهما معا حتى يستطيع تقييم ما هو ممكن في ~~الشئون البشرية، وكذلك ما هو حق. وشأنه شأن مونتسكيو، محص روسو الدساتير من أسسها، في ضوء ~~الأعراف الاجتماعية والتقاليد الشعبية التي تعززها، وبالقدر نفسه من قمتها في سياق ~~المبادئ الأولى. # إن حساسية روسو الواضحة في «العقد الاجتماعي» تجاه العادات المحلية والتقاليد الوطنية، ~~إلى جانب تعلقه بمعايير ما هو حق دوما، جعلاه يحظى بمعجبين في شتى أرجاء أوروبا، وخاصة في ~~الدول التي تكافح الاستعمار الأجنبي، أو التي تسعى للحفاظ على حريتها الطبيعية خلال الحروب ~~الأهلية بعد أن كانت فريسة لقوى خارجية. وعندما دعا البطل الكورسيكي ماتيو بوتافوكو روسو ~~عام 1764 ليكون المشرع الخاص بدولة حرة، التي قال روسو عنها بالفعل إنها مناسبة بشكل ~~متفرد للتشريع، وعندما دعاه الكونت ميشيل فيلهورسكي عام 1770 للتعليق على جهود اتحاد بار ~~البولندي لتحرير بولندا من استبداد روسيا، استجاب روسو في كلتا الحالتين بحماس. وإذ كان ~~حريصا دوما على ألا تبدو كتاباته مثيرة للقلاقل سياسيا، تردد روسو في أخذ زمام المبادرة ~~في الأزمة السياسية التي حلت بمدينته الأم في منتصف ستينيات القرن الثامن عشر، حيث بدا ~~كارها لتقديم الكثير من الدعم للجمهوريين الراديكاليين المحبطين من بين أبناء بلده، الذين ~~احتشدوا رغم ms086 ذلك في نهاية المطاف للدفاع عنه ضد الحكومة التي حظرت أعماله. اعترف روسو ~~لتلميذه وكاتب سيرته برناردين دي سان-بيير قائلا: «إنني أتمتع بطبيعة جريئة، ولكن شخصيتي ~~مترددة.» ولما لم يكن جسورا قط لتجاوز أي عراقيل، شأنه شأن باكونين، أو لتوجيه مصير ~~الأحزاب الثورية من غرف اللجان، شأنه شأن ماركس، رفض روسو توريط نفسه مباشرة في الصراعات ~~السياسية في عصره، على الأقل، كما ذكر ذات مرة في رسالة أرسلها إلى كونتيسة وارتنسليبين؛ ~~لأن «حرية البشرية بأسرها لا تبرر إراقة دم إنسان واحد» (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ~~5450). لكن وضع دساتير بناء على خيال مدني خصب، وهي ما ليست بحاجة لوضعها محل التجربة ~~السياسية، كان بالنسبة إليه مسألة أخرى، أكثر جاذبية. # بالنسبة إلى الكورسيكيين، الذين وضع لهم في عمله «المشروع الدستوري» دستورا لبلدهم، أوصى ~~روسو بتعزيز اقتصادهم القائم على الزراعة بشكل أساسي لأجل تحقيق الاكتفاء الذاتي وليس تحقيق ~~فائض، ومشاركة أراضيهم ومحاصيلهم فيما بينهم والتمتع بهما بالتساوي وباقتصاد قدر الإمكان، ~~وجمع ضرائبها العامة المستحقة بشكل عيني أو عملي بدلا من الشكل النقدي. وبالنسبة ~~للبولنديين الذين أثنى روسو على عشقهم للحرية، أوصى بخطة للتربية تشمل الألعاب والمنح ~~الدراسية الوطنية، والاكتفاء بالمربين البولنديين؛ من أجل جعل الطلاب «أبناء الدولة» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، إضافة إلى ~~خطة للتشريع تتبنى وجود التزام شديد من جانب أعضاء المجلس النيابي الوطني الواحد تجاه ~~ناخبيهم. يشير كل نص من النصين أو يلمح إلى أفكار سبق أن أعرب عنها روسو في «العقد ~~الاجتماعي»، وعمله «حكومة بولندا» يعرض تحديدا مقابلات عديدة بين المجلسين النيابيين ~~البولندي والإنجليزي، وهي التي تأتي دائما في غير صالح مجلس العموم الإنجليزي الذي أثبت ~~إقصاؤه عام 1764 حتى لشخص مثل جون ويلكس، كما هو موضح هنا (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ ~~العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، مرة أخرى مدى السيطرة المحدودة التي كان ~~يمارسها الشعب الإنجليزي على برلمانه. # شكل 4-3: صفحة العنوان لكتاب «حكومة بولندا» (1782). # لم ينشر أي من هذين العملين أو ms087 ينتشران على نطاق واسع في حياة روسو؛ ولذا لم يكن ~~من الممكن إلقاء اللوم عليه بأي حال لاستحواذ فرنسا الكارثي على كورسيكا (في عام 1769، وهو ~~العام الذي ولد فيه نابليون في أجاكسيو) أو التقسيم الأول لبولندا (في 1772)، في كلتا ~~الحالتين مباشرة بعد أن شرع في الدفاع الدستوري عن حريات مواطني الدولتين. ولا يمكن أن يكون ~~هناك سبب وجيه لمشاركته الهاجس، الذي استحوذ عليه في لحظة من لحظات جنون الاضطهاد الشديدة، ~~بأن الهدف من غزو كورسيكا النيل منه. لكن لعله وبعض أنصاره المعاصرين له، أخطئوا؛ إذ ~~افترضوا أن أفكاره السياسية كمشرع للدول الجديدة لم يكن ليصبح لها أي تداعيات ثورية. ~~وعلى فرض أن البشر يجب التعاطي معهم دوما كما هم، حاج روسو رغم ذلك في «العقد ~~الاجتماعي»، كما فعل من قبل بالضبط في «خطاب عن اللامساواة»، بأن الطبيعة البشرية يمكن أن ~~تتغير. في الفصل الذي يتناول فيه المشرع (العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصل ~~السابع)، ذكر روسو أن مهمة مثل هذا الشخص المميز، الذي يعد المؤسس الحقيقي للأمة أو ~~الدين، تتلخص في تحويل الأشخاص المنعزلين إلى أجزاء من كيان أكبر منهم بكثير يستقي منه ~~المواطنون بعدئذ حياتهم ووجودهم. واقترح روسو أن ليكرجوس من بين القدماء، وكالفين من بين ~~المعاصرين ينطبق عليهما توصيف المشرع، مضيفا إليهما النبي موسى بين اليهود ونوما بين ~~الرومان وذلك في الفصل الثاني من عمله «حكومة بولندا». شغل كل من هؤلاء الرموز مكانة ~~استثنائية في الدولة، على ما يبدو بوازع من وحي رباني، مثل الملك الفيلسوف من وجهة نظر ~~أفلاطون أو الأفراد التاريخيين العالميين بحسب هيجل، ووجهوا الجهال والحيارى نحو فجر جديد ~~لم يكن باستطاعتهم تخيله دون عون خارجي. وفور وصولهم إلى الأرض الموعودة سياسيا، لم يضطلع ~~المشرعون بأي جزء آخر من شئونها، كما لمح روسو بالفعل في «خطاب عن فضيلة البطولية» عام ~~1751 (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، الذي ~~خطه متأثرا بأفكار استلهمها من كتاب «المنافع» لشيشرون في محاولة للحصول على جائزة أدبية ms088 ~~أخرى تقدمها أكاديمية كورسيكا، لكنه تخلى عنه لاحقا. لم تكن وظيفة المشرعين ممارسة ~~الحكم، بل تعزيز تمجيد كل من العقل والعمل للمصلحة العامة بين المواطنين بشكل من أشكال ~~الإغواء السامي، بحسب زعم روسو. إنهم يتظاهرون بأنهم مفسرون للكلمة الإلهية، ويحثون دون ~~إقناع. وهم لا ينتمون للحكومة ولا لصاحب السيادة. لكن شأنهم شأن بروميثيوس؛ إذ أهدى البشرية ~~النار، فهم يجعلون التحول الأخلاقي للبشر ممكنا. إن مثل هذا المجاز، الذي أعاد نيتشه ~~الكاره لروسو صياغته، سيأخذ ليس شكل التوجيه وحسب، بل الطاقة والقوة الإبداعيتين؛ حيث ~~سينتقل إلى مجال يتجاوز معايير الخير والشر المبتذلة للحضارة. # في «العقد الاجتماعي»، قدر لروسو نفسه أن يلهم المشرعين المستقبليين في أواخر القرن ~~الثامن عشر. ففي الفصل الخامس عشر من الكتاب الثالث، لاحظ روسو أن ثمة مؤسستين: المؤسسة ~~المالية والمؤسسة النيابية، كانتا مجهولتين للبشر البدائيين الذين لم تكن لديهم حتى ~~اصطلاحات للتعبير عن مثل هذه الأفكار. ولقد أدت الأولى، التي سماها «كلمة العبودية» وشجبها ~~أيضا باعتبارها بدعة حديثة في كل من عمليه «دستور كورسيكا» و«حكومة بولندا»، إلى نشأة ~~الإلزام بدفع بعض أموالهم - تلك الآفة المهيمنة الناجمة عن المجتمع التجاري، والتي انتقدها ~~بالمثل في «مقالة عن أصل اللغات» - الذي يحث المواطنين على سداد الضرائب، حتى يمكن تعيين ~~الجنود والنواب ليتسنى للمواطنين أنفسهم البقاء بالبيت. أما الثانية التي تمخضت عن فكرة ~~الحكومة الإقطاعية عبر مفهومها الخاص بالسلطة المفوضة كما تتحقق في الأوامر المختلفة ~~الصادرة من مجلس الطبقات العام، ومن بعد ذلك عبر الصلات التعاقدية التي وضع جروشيوس ~~وتلامذته أفكارهم المتعلقة بالسيادة بناء عليها، تبعد بالقدر نفسه الأفراد في العالم ~~الحديث عن واجباتهم العامة كأعضاء بالدولة، حيث إن ذاتها المشتركة أو هويتها المؤسسية تتخذ ~~شكل «هيئة معنوية» لا تعدو كونها المواطنين أنفسهم يعملون بشكل جمعي، وذلك بحسب زعمه في ~~الفصل السادس من الكتاب الأول، والفصل الرابع من الكتاب الثاني. إن الحرية المدنية، التي ~~تقيدها وحسب الإرادة العامة، والحرية الأخلاقية، بحسب تجليها في استقلال المواطنين أو ~~إذعانهم للقوانين التي يلزمون أنفسهم بها، ms089 في المقابل مبادئ عتيقة؛ فالأولى مبدأ روماني ~~والثاني مبدأ يوناني، استبعد تعريفهما الذي أورده روسو في الفصل الثامن من الكتاب الأول من ~~«العقد الاجتماعي» كلا من المؤسستين المالية والنيابية. # رغم سعي المشرعين القدماء إلى إقامة صلات ~~من شأنها ربط المواطنين بدولتهم وبعضهم ببعض، فقوانين الأمم الحديثة تسعى فقط لإخضاع ~~المواطنين للسلطة، وبذلك فإنها تقصي سعينا وراء الحرية من النطاق العام وتزج به في ~~النطاق الخاص. تساءل روسو في «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» أين اليوم «التوافق بين ~~المواطنين»؟ أين «الإخاء العام» (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ السياسة والفنون: رسالة ~~إلى السيد دالمبير عن المسرح)؟ في «حكومة بولندا» بالمثل، دعا روسو الشباب البولنديين ~~لإعادة إذكاء «روح المؤسسات القديمة» (الذي هو عنوان الفصل الثاني لهذا العمل) كي يعتادوا ~~على «المساواة» و«الإخاء» (الفصل الرابع: الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي ~~وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، كمواطنين بدولة حرة حقا. وبينما كانت الحرية مرتبطة قبل ذلك ~~بالمساواة والإخاء، دمرت المؤسسة النيابية الإخاء، وأهدرت المؤسسة المالية المساواة، بحسب ~~ظن روسو، بحيث إنها أمست فعليا في العالم الحديث، بعد انقطاعها عن صلاتها القديمة، لا ~~تعني شيئا أكثر من السعي وراء المنافع الشخصية. # وبالربط بهذه الطريقة بين أفكار الحرية والمساواة والإخاء، قد يبدو أن روسو بشر بثورة ~~فرنسية مرتقبة، حتى وإن كان يتحدث عن عالم بائد. ويرجع جانب كبير من تقديره للحرية ~~الجمهورية القديمة إلى مؤلف مكيافيللي «نقاشات»، لكن في أعماله أشعل هذا التقدير حماسا ~~جديدا من جانبه، بما أنه على النقيض من مكيافيللي افترض أن الطبيعة البشرية كانت عرضة ~~دائما للتغيير، وبينما تعرضت للفساد، كان بالإمكان رغم ذلك تحسينها، على الأقل نظريا. ~~«لنستخلص من الشر نفسه الدواء الذي ينبغي أن يداويها»، هكذا صرح روسو في الفصل الثاني ~~من الكتاب الأول من «مخطوطة جنيف» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي ~~وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، مضيفا بعدها ببضع سنوات في الكتاب الثالث من «إميل» أننا ~~«شارفنا على حالة الأزمة ودنونا من عصر الثورات.» وقال أيضا: «أعتقد أنه من المستحيل ms090 أن ~~تصمد الممالك العظيمة لأوروبا لفترة أطول» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). لم يكن من المقصود الإعراب عن أي تحذير سياسي في هذا الزعم الذي أعلن عنه بقوة ~~مماثلة غيره من رموز عصره الذين تمنوا عدم حدوث ثورات في العالم المتحضر. لكن، إذا كان ~~روسو نفسه قد تاق لمستقبل سياسي متغير بالكامل للبشرية، وفي الوقت نفسه لم يعلق آمالا ~~عريضة على ذلك، فإن مبادئ «العقد الاجتماعي» لاقت تقديرا عظيما خلال مسار الثورة الفرنسية ~~وكأنها شكلت الوصايا العشر لجمهورية فرنسا الجديدة. # ولقد أقر بذلك لوي سباستيان ميرسييه الذي يرجع عمله ~~«روسو، كأحد أوائل كتاب الثورة» إلى عام 1791، وكذلك بيرك الذي أدان في عمله «رسالة إلى ~~عضو بالمجلس الوطني» في العام نفسه «سقراط المجنون» الذي ألهم إحياء مدمرا بالمرة ~~لأخلاق البشر، والذي كان حينئذ مثالو باريس يصوغون تماثيلهم تخليدا لذكراه «بقدور ~~الفقراء وأجراس الكنائس». إن النقاشات الثورية التي أفضت إلى تأسيس المجلس الوطني الفرنسي ~~في يونيو 1789 دارت بقدر كبير حول مسائل المساءلة العامة التي أصر عليها روسو في «حكومة ~~بولندا» لضمان شعور نواب البرلمان البولندي بالالتزام تجاه تفويض ناخبيهم لهم بالتعبير عن ~~إرادة الشعب (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة ~~أخرى). وبينما فرض الأب سيياس وغيره من أنصار التمثيل النيابي غير المقيد رأيهم على ~~النواب الذين وافقوا على وجهات النظر هذه، كانت جاذبية مبادئ روسو بشكل عام قوية للغاية ~~طوال مسار الثورة الفرنسية لدرجة أنه في عام 1801، وبعد 12 عاما من التحولات السياسية ~~الكبرى على الإطلاق في العالم الحديث، نشرت مجلة جازيت دي فرانس أن «العقد الاجتماعي» كان ~~كتاب الحياة الذي أدى إلى وقوع هذه الأحداث وأنار لها الطريق. حتى صعود نجم نابليون ~~بونابرت، الذي لم يخف عليه إشادة روسو بكورسيكا في ذلك النص، ألهم إصدار طبعة جديدة من ذلك ~~العمل مهداة إلى الرجل الذي أمسى أبرز مواطني فرنسا، وكأن إشاراته المرجعية للإرادة العامة ~~كان يراد بها في واقع الأمر إرادة الجنرال. لم يكن هناك ms091 أي مفكر سياسي آخر، قديما كان أو ~~حديثا، في تلك الفترة يحظى بتوقير كذلك الذي حظي به روسو، وفي عام 1794، بعد فترة ~~الإرهاب الثوري، أخرج رفاته من قبره بجزيرة بوبلرز بإيرمنوفيل، ونقلت إلى مقبرة العظماء ~~بباريس حيث توج وسط احتفالات مهيبة بطلا للأمة التي كره سياستها وثقافتها ودينها ~~أكثر من أي شيء، والأدهى من ذلك ، تأبيدا لعذابه، أنه دفن قبالة فولتير. # ولكن في عام 1762، لم يكن روسو ليتوقع حدوث مثل ذلك التقدير. فعندما ظهر «العقد ~~الاجتماعي» إلى النور، تسبب في فضيحة فورية، وحظر توزيعه في فرنسا، واضطر روسو إلى ~~الفرار من البلد خشية أن يزج به في السجن، ليجد الطريق أمامه مسدودا إلى جنيف نظرا ~~للغضب العام المماثل الذي ماجت به المدينة. ورغم ذلك، لم تكن أفكاره عن الحرية أو السيادة ~~هي التي أثارت القلاقل الحقيقية آنذاك. فقد نظر إليه أنه خطر على النظام المدني خاصة لأن ~~الفصل قبل الأخير من «العقد الاجتماعي» الذي تناول الدين المدني، إضافة إلى أفكار شبيهة ~~في كتاب «إميل» الذي نشر تقريبا في الفترة نفسها، عدت تجديفا، فاعتبر نظامه السياسي ~~بناء على ذلك مجرما ومحرضا على الفتنة والشقاق فقط بسبب إساءته للمسيحية. # شكل 4-4: قبر روسو بجزيرة بوبلرز، من نقش لمورو الأصغر. # الفصل الخامس # | الدين والتربية والجنس # أشار روسو في الفصل الثامن من الكتاب الرابع من «العقد الاجتماعي» أنه في العصور القديمة ~~الوثنية، كان لكل دولة آلهتها، وأن سلطة آلهتها تحددها حدود الدولة السياسية. لكن اليهود ~~أولا ومن بعدهم المسيحيون قدسوا إلها مملكته ليست على هذه الأرض، إلها أخفقت سطوته ~~الدنيوية أحيانا في مضارعة هيمنته الروحانية؛ مما أدى إلى انقسام بسبب فصله النظام ~~اللاهوتي عن النظام السياسي في الدولة. وإذ وسع الرومان عقيدتهم مع اتساع رقعة ~~إمبراطوريتهم، فقد شكوا في عدم الاكتراث بالسياسة الذي أبداه المسيحيون الروحانيون، وخوفا ~~من ثورتهم عليهم في نهاية المطاف، فقد قاموا باضطهادهم. ولاحظ روسو أنه في الوقت المناسب ~~تخلى المسيحيون حقا عن خضوعهم، وشددوا على حقهم في السيطرة على الجوانب ms092 الدنيوية، ~~فأسسوا أعنف الدول الاستبدادية على الإطلاق في العالم الحديث. في عصر روسو، حدث خلط بين ~~الهويات السياسية والدينية في كل مكان، حتى بين المسلمين، لدرجة أن «الروح المسيحية سادت ~~تماما». وحيثما اكتسب رجال الدين سلطة مؤسسية، كانوا يسعون إلى بسط نفوذهم على الأمراء ~~بموجب الأحكام التي تفرضها مكاناتهم المقدسة، ومن خلال حقوق الحرمان الكنسي التي يتمتعون ~~بها، بينما في إنجلترا وروسيا في المقابل، جعل الأمراء أنفسهم سادة على الكنيسة مخاطرين ~~بإحداث شقاق مماثل محفوف بالمخاطر بين الادعاءات المقدسة والدنيوية للسيادة. أدرك هوبز ~~وحده بين الكتاب المسيحيين مثل هذه المخاطر التي تتهدد السلام المدني، وكان على حق إذ ~~اقترح وضع السلطة الدنيوية والدينية في يد واحدة. لكنه أخفق في أن يضع في الحسبان الأخطار ~~التي تمثلها المسيحية على نظامه، وحقيقة، أيا كانت الجهة المحصورة فيها السلطة، فإن ~~المصلحة الخاصة لأي حاكم ستراعيها حكومته أكثر بكثير من المصلحة العامة للدولة. # بعد هذه التأملات حول تقويض المسيحية للأسس المقدسة للسلطة المدنية، ميز روسو بين ثلاثة ~~أنواع أساسية للمعتقد الديني في بعده الاجتماعي: دين الإنسان، ودين المواطن، ودين القس. ~~يقوض النوع الأول، وهو دين الإنجيل البسيط، أي ولاء للدولة، أما الثاني، بمزجه بين ~~العبادة الإلهية وحب القانون، فيصيب الناس بالسذاجة والتعصب، أما الثالث، بإخضاع الناس ~~لالتزامات متضاربة تجاه الكهنوت والحكومة الأميرية، فيغرس الشقاق بين المرء وذاته وبينه ~~وبين جيرانه. وكل من هذه الأنواع مضر للدولة ككيان سياسي، بحسب استنتاج روسو، وما من ~~نوع أكثر ضررا من النوع الأول الذي يفترضه الآخرون، وهم واهمون في افتراضهم، أفضل نوع على ~~الإطلاق نظرا لمعتقداته المجمعة وصلاحه العميق. وحقيقة الأمر أن مجتمعا من المسيحيين ~~الحقيقيين سيتسم بالكمال الروحاني الشديد لدرجة أن أعضاءه لن يكترثوا كثيرا بالنجاح أو ~~الفشل الدنيوي. وسيؤدي المواطنون واجباتهم باعتبارها نوعا من الإذعان الديني وحسب، وهدفهم ~~هو ضمان خلاص أرواحهم وحسب. تساءل روسو كيف يمكن لجمهورية مسيحية مواجهة المحاربين الوطنيين ~~لأسبرطة أو روما «المفعمين بحب المجد وعشق بلادهم»؟ كيف يمكن حقا لجمهورية حقيقية أن ms093 تكون ~~مسيحية إذا كان «المسيحيون الحقيقيون يتحولون إلى عبيد»، وإذا كانت عقيدتهم أكثر انقيادا ~~للاستبداد منها إلى السعي وراء المصلحة العامة؟ # فلكي تستقي الدولة قوة حقيقية من أعضائها، يجب أن تقوم على عقيدة تجعل كل مواطن يعشق ~~واجبه دون التطفل على معتقداته بشرائع وطقوس وتعاليم. ويجب أن تطلب الدولة من رعاياها ~~اعتناق دين مدني بحت، يفرضه صاحب السيادة فقط لإثارة المشاعر العامة للارتباط الاجتماعي، ~~وينبغي أن تضم عقائده وحسب وجود إله قاهر لبيب وخير، وقداسة العقد الاجتماعي ~~والقانون، وتحريم التعصب. وبما أن الإيمان ليس بحد ذاته عرضة للإجبار، فليس بمقدور صاحب ~~السيادة إلا أن يقصي من أراضيه كل الذين يهدد تعصبهم تجاه الآخرين لا محالة نسيج المجتمع. ~~وقد يسمح حتى صاحب السيادة بإعدام الذين يخونون يمين ولائهم المدني؛ أي الذين يحنثون ~~بأيمانهم ويبدون استعدادهم لمخالفة القانون، ومن ثم استعدادهم لا لارتكاب المعاصي بل ~~لغرس بذور الفتنة، بحسب تأكيد روسو أكثر ما يكون في ملاحظاته على الموضوع نفسه في رسالته ~~إلى فولتير عن العناية الإلهية عام 1756 (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم 424)، متنبئا ~~بتلك الفكرة التي سيذكرها لاحقا في «العقد الاجتماعي». وذهب روسو إلى أن التعصب الديني من ~~شأنه أن تكون له تبعات سياسية مشئومة. وفي ملاحظة أرفقها بالفصل قبل الأخير لهذا العمل، ~~التي ربما حاول روسو أن يكبتها بدافع الحذر غير المعتاد، حتى أثناء طباعة عمله، شكا روسو ~~من التهديد الذي يحدق بأسس الدولة نفسها، في تنظيمها للمناصب العامة والمواريث الخاصة، بسبب ~~السيطرة الدينية على عقود الزواج المدنية. إن الفقرة المقابلة في «مخطوطة جنيف» أكثر وضوحا ~~في هجومها على التعصب الذي تعرض له البروتستانتيون في فرنسا إثر إلغاء مرسوم نانت عام 1685، ~~وتشريع عام 1724 الذي فرض ضرورة حصول الزيجات والتعميدات البروتستانتية على المباركة ~~الكاثوليكية. ونظرا لأن البروتستانتيين في فرنسا لم يكن يمكنهم الزواج دون ترك دينهم، فإنه ~~كان يتم التسامح معهم وحظرهم في الوقت نفسه، بحسب زعم روسو، وكأن السياسة الرسمية تقضي ~~بأنه ينبغي عليهم العيش والموت في إطار علاقة زوجية ms094 محرمة، وإنجاب أطفال غير شرعيين محرومين ~~من ممتلكاتهم. انتهى روسو إلى أنه «من بين جميع الطوائف المسيحية، البروتستانتيون هم الأكثر ~~حكمة ورقة ومهادنة ومخالطة للآخرين.» وهي الكنيسة المسيحية الوحيدة التي تسمح بسيادة حكم ~~القانون وسلطة القوى المدنية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث). # وإذ شدد روسو على عدم ملاءمة الكاثوليكية الرومانية باعتبارها دينا للدولة، فإن دعوته ~~للتسامح في «العقد الاجتماعي » تشبه بعض الشيء «رسالة عن التسامح» للوك التي خطها عام 1689، ~~ولو أن عرض فصله للعلاقات الداعمة سياسيا التي يخلقها مشرعو الجمهوريات القديمة يدين ~~بقدر أكبر بعض الشيء إلى كتاب «القوانين» لأفلاطون، والأهم من ذلك «نقاشات» مكيافيللي الذي ~~وجد بالمثل الدين المدني لروما أكثر جاذبية بكثير من طائفة المسيحية الرومانية لمدينة الرب. ~~لم يبهر أي مفكر حديث روسو كما أبهره مكيافيللي، لا لعشقه للحرية وحسب، بل وأيضا ~~لفهمه الثاقب لمكانة الدين في الشئون العامة. ولكن، على الأقل بقدر ما كان التشابه بينهما ~~شديدا، كذلك كان الاختلاف الأساسي بين فلسفتهما المتعلقة بالدين؛ فبينما استحسن مكيافيللي ~~العقيدة الدينية؛ لأنها تعزز وطنية المواطنين، كان روسو أيضا منشغلا بشغف بطبيعة المعتقد ~~الديني. وعلى النقيض من مكيافيللي، فقد رأى روسو في حياة المسيح والمثال الذي ضربه إلهاما، ~~وكذلك الإنجيل وتعاليم بعض الحواريين على الأقل. ولقد حار وراودته التساؤلات حيال مكانته في ~~عالم الرب، تلك المكانة التي أرقت القديس أوغسطين الذي سيتردد صدى كتابه «اعترافات»، في ~~كتاب روسو الخاص بسيرته الذاتية ولكن بلغة جديدة. إذا كان روسو في استيعابه للآثار السياسية ~~للدين واقعا بوضوح تحت تأثير مكيافيللي، ففي معتقداته الدينية نفسها، وفي تصوره للرتب ~~الكهنوتية والكنائس، كان روسو بالقدر نفسه ابنا لحركة الإصلاح الديني البروتستانتية. في ~~المجتمع الفكري (جمهورية الآداب) العلماني نسبيا بالفعل لأوروبا الغربية، كان روسو ~~متفردا تقريبا في حدة معتقداته الدينية. وبينما لم يؤمن بالسقوط الأصلي للبشر من ~~الجنة، فقد صور «خطاب عن اللامساواة» و«مقالة عن أصل اللغات»، وكذا عدد من الأعمال ~~الأصغر حجما صناعة الخطيئة طوال التاريخ البشري بأسلوب يقدم بوضوح عرضا حديثا لنزولنا ~~من الجنة ms095 وإقامتنا لمدينة بابل في سفر التكوين، بينما سارت ملاحظاته حول المشرعين وإنشاء ~~الدول الحديثة بدورها في «العقد الاجتماعي» و«حكومة بولندا» وغيرهما من أعمال على نهج سفر ~~الخروج. وشأنه شأن عالم اللاهوت المسيحي بلاجيس، كان روسو مقتنعا بالخيرية الجوهرية ~~للطبيعة البشرية بالشكل الذي خلقها الرب عليه. وشأنه شأن أبلارد، الذي صاغ روسو أكثر ~~الروايات الفرنسية نجاحا في القرن الثامن عشر حول حبه المحرم لإلواز، اقتنع روسو بقوة ~~العقل في فهم مغزى الرب. وشأنه شأن باسكال، فقد أضاء نور داخلي عميق الطريق لإيمان ~~روسو الراسخ في غمرات عالم مضطرب. # فيما خلا شغفه بالموسيقى، لم يؤثر موضوع في نفس روسو بعمق كما أثر حبه للرب. فقد شكل ~~فكرة ثابتة في كتاباته، بداية من الصلوات التي خطها في شبابه حوالي عام 1739 عندما كان ~~واقعا تحت الأثر الكاثوليكي للسيدة دي وارين، وحتى دفاعه عن عقيدته البروتستانتية ضد ~~منتقديه في عمله «رسائل من الجبل» عام 1764، وانتهاء بالدين الطبيعي الوارد في عمله «أحلام ~~يقظة جوال منفرد» الذي كتبه عام 1777 قرابة نهاية حياته، والذي صور فيه إحساسه المكتفي ~~بذاته بالكامل بوجوده وكأنه الإحساس الخاص بالرب (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام ~~يقظة جوال منفرد). كما لم يحظ أي موضوع آخر بتعليقات أكثر وفرة في مراسلاته الضخمة، وخاصة ~~في رسالته الثالثة المؤرخة بتاريخ 26 يناير 1762 إلى مدير النشر، ماليزيرب (المراسلات ~~الكاملة، الرسالة رقم 1650)، وفي أخرى بتاريخ 15 يناير 1769 إلى لوران إيمون دو فرانكييه ~~(المراسلات الكاملة، الرسالة رقم 6529)، احتفى روسو بإخلاصه لعقيدته الباعث على البهجة؛ في ~~الأولى: بالانتشاء لوجود كيان مقدس يجعله امتلاكه لعجائب الطبيعة اللانهائية في حالة سعادة ~~غامرة؛ وفي الثانية: عبر تأملات في المشاعر الداخلية التي ينجذب من خلالها الأفراد بتلقائية ~~لكل من الرب والحقيقة، وفي الشر الذي نتحمل نحن وحدنا مسئوليته إذ نسيء استغلال إمكاناتنا. ~~لكن مفهوم روسو عن الرب لم يتم التعبير عنه بالكامل وبأكبر قدر من البلاغة كما في قسم طويل ~~من «إميل»، بعنوان «عقيدة كاهن سافوي». وقبل ذلك في عام 1761، في ms096 نهاية روايته «إلواز ~~الجديدة»، أعلنت بطلة رواية روسو على فراش الموت بعد أن أنقذت حياة ابنها من الغرق عن عقيدة ~~امرأة عاشت معتنقة «المذهب البروتستانتي الذي يستقي أحكامه فقط من الكتاب المقدس ومن العقل» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة). لكن هوية جولي كانت خيالية وحسب، ~~وأجاز لها مبتكرها أن تعبر عما تؤمن به. وفي «إميل»، تحول هذا الإعلان عن العقيدة الدينية ~~ليكون على لسان كاهن مبعد (والذي رسمه روسو على غرار قسين كان يعرفهما في شبابه)، وذلك ~~على منحدرات خارج إحدى المدن التي تشرف على جبال الألب والذي ينقله لشاب نازح، وذكر روسو ~~أن قصة هذا الشاب هي قصته هو شخصيا، ضاربا مثلا للتلميذ الذي هو الشخصية الرئيسية داخل ~~العمل، ولقراء العمل كلهم باعتباره «موعظة الجبل» (إشارة لموعظة الجبل الخاصة بالمسيح ~~المذكورة في إنجيل متى التي تعد عظة جامعة) الخاصة بالمؤلف. # شكل 5-1: ورقة من «مخطوطة فافر» لقسم «عقيدة كاهن سافوي» من كتاب «إميل». # ينقسم «عقيدة كاهن سافوي» إلى جزأين يتخللهما الظهور المتكرر لروسو بشخصه كراو ومعلم ~~لإميل، عارضا ردة فعل إميل الصبيانية للتبصر السامي للكاهن عندما رأى عالما آخر، وهو الذي ~~يشبه ذلك الذي لمحه روسو في الواقع خلال رحلته لزيارة ديدرو في سجن فانسين. وفي الجزء ~~الأول، وصف روسو ازدواجية الطبيعة البشرية، وقصور الإحساس، وضرورة وجود رب مسير لحركة كل ~~الأشياء وحكيم، والمسئولية التي يتحملها البشر وحدهم عن الشر الذي يقومون به، وقدرتهم على ~~نيل السعادة والتحلي بالفضيلة. وفي الجزء الثاني، هاجم روسو الإيمان بالمعجزات والعقائد ~~الجامدة، والادعاءات المتعصبة للكنائس الطائفية بالسلطة العالمية عبر الكتاب المقدس ~~والأسرار التي تتعارض مع العقل. ويقدم لنا الجزء الأول، المصمم لدحض تشكك ومادية بعض أبرز ~~المفكرين المعاصرين لروسو، رؤية روسو للدين بما يتفق مع الفطرة، ويطرح الجزء الثاني، إذ ~~يهاجم التعصب والخرافات أكثر من أي شيء آخر الخاصة بالكاثوليكية الرومانية، نقد روسو ~~للدين بتصوره كوحي. # في الكتاب الرابع من «مقالة عن الفهم البشري» (الفصلان الثالث والسادس)، زعم لوك أنه ms097 من ~~المتصور على الأقل أن الرب، إن شاء، يستطيع «أن يعطي» للمادة ملكة التفكير، وبذلك ~~يضخ الحياة في الجزيئات عديمة الإحساس بقدرة التفكير. وفي الفصل المخصص لاحقا ل «معرفتنا ~~بوجود الرب» (الكتاب الرابع، الفصل العاشر)، الذي يتنبأ في واقع الأمر ببعض حجج روسو، أصر ~~لوك على أنه يستحيل أن تحفز المادة وحدها أبدا للتفكير، وأغلب تعليقاته حول الموضوع ~~وضعت من أجل الرد على مزاعم الماديين، ولا سيما أنصار سبينوزا المعاصرين له الذين أكدوا ما ~~أنكره. لكن اقتراحه أنه من خلال إرادة الرب يجوز حمل المادة على التفكير أثار الكثير من ~~الاعتراضات من جانب علماء اللاهوت والفلاسفة في أوائل القرن الثامن عشر، أغلبهم ربط ما بين ~~هذا الزعم واعتقاد لوك الإضافي في القسم نفسه من عمله أن حقائق الأخلاق والدين لا تعتمد على ~~لامادية الروح. وعلق فولتير على حجة لوك في عمله «رسائل فلسفية» عام 1734، واستلهم ~~الماديون الفرنسيون في منتصف القرن الثامن عشر، بمن فيهم موبيرتوي ولاميتري، أفكارهم منه؛ ~~حيث أكد البعض (مثل ديدرو) على القابلية للاستجابة أو النشاط الداخلي للمادة الطبيعية، وحصر ~~البعض الآخر (مثل دولباك) الواقع بأكمله في العالم المادي وحده، وبذلك اعتبروا المادة ~~الروحية، ويراد بها الروح، وحتى الرب، وهمية. في «مبحث في الأحاسيس» عام 1754، حاول كوندياك ~~بناء نظرية عن تشكل الذكاء البشري من التجربة الحسية البحتة؛ بينما في مقالة بعنوان ~~«الدليل»، ربما خطها فرنسوا كيناي، ونشرت في المجلد السادس من «الموسوعة» عام 1756، طرحت ~~حجة مماثلة لبيان أن الحكم صادر عن الحس؛ وفي عام 1758، في «عن الروح»، الذي كان صادما ~~للكنسية وأثار الغضب العام أكثر مما فعل «إميل» لاحقا، جعل هلفتيوس التماهي ما بين الحكم ~~والحس حجر أساس عمله كله. يمثل اقتراح لوك بأن المادة يمكن حملها على التفكير وافتراض ~~هلفتيوس أن مصدر الحكم هو الحس، معا الركيزة الأساسية للنقد ونقطة الانطلاق المحورية لدليل ~~روسو على وجود الرب في قسم «عقيدة كاهن سافوي» من كتاب «إميل». # وفي ذلك القسم (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) وكذا ms098 في رسالة ~~لاحقه له إلى السيد فرانكييه (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع)، استنكر روسو افتراض المادة ~~المفكرة باعتباره «سخافة حقيقية، بغض النظر عما يقوله لوك عنه.» وزعم الكاهن أنه ليس ~~بالإمكان حث المادة على التفكير؛ وذلك لأنه ما من حركة تتعرض لها المادة يمكن أن تساعدها ~~على التدبر والتفكير. وعلى العكس من هلفتيوس تحديدا، أكد روسو أن الأحكام التي يصدرها ~~الناس لا تنبثق من حسهم؛ وذلك لأنه بينما يمكن أن تطبع الأشياء نفسها على حواسنا السلبية، ~~فلا يمكن أن تتشكل لدينا انطباعات تلقائية للعلاقة بين الأشياء. وما لم نصغ أحكامنا ~~باعتبارنا فاعلين مسئولين بوعي منا عن تفسير خبرتنا، فلن يستقيم أبدا أن نقع في أخطاء أو ~~نتعرض للتضليل ما دامت حواسنا ستعكس دوما الحقيقة؛ ولذا، تخفق فلسفة هلفتيوس في أن تمنحنا ~~«شرف التفكير» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). والماديون جانبهم ~~الصواب؛ لأنهم لا ينصتون إلى الصوت الداخلي الذي أقنع روسو بأن إحساسه بوجوده الشخصي لا ~~يمكن أن ينشأ بفعل مادة غير منظمة، لا تملك بطبيعتها ملكة إنتاج الفكر التي يجب أن تنشأ ~~من باعث يتحرك في حد ذاته، أو فعل طوعي أو تعبير تلقائي عن الإرادة. هذه، كما زعمت الأنا ~~الأخرى لروسو، هي الركن الأول لعقيدته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). # أقر روسو بأنه كان في البداية في حالة من الشك الذي طالب به ديكارت سعيا للحقيقة، هائما ~~دون دفة ولا بوصلة في بحر شاسع من الآراء، تتلقفه عواطف جامحة في غياب إرشاد كاف من ~~الفلاسفة الذين أجمعوا وحسب على أنهم يجب أن يخالف الواحد منهم الآخر، حتى المتشككين ~~المعلنين عن موقفهم والمتشددين بعناد في نقدهم المدمر (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ ~~إميل، أو عن التربية). ولما وجد في الفلسفة دواعي للعذاب أكثر من الخلاص من ذلك الشك، ~~لجأ روسو بدلا من ذلك إلى النور الذي بداخله، والحب البسيط للحقيقة الذي سمح لقلبه بأن ~~يرشده إليها. وبهذه الطريقة، سرعان ما اكتشف وجوده، وأنه يمتلك حواس لا ms099 بد أن علتها ~~خارجة عنه ما دامت لم يستدعها بفعل إرادي منه. استطاع روسو أن يرى من خلال حواسه نفسها أن ~~كلا من موضوعها ومصدرها مستقلان عنه؛ مما يعد دليلا على وجود كيانات أخرى بخلافه. ~~وبالنظر إلى المادة التي تكون منها الكون وهي تتحرك، أدرك روسو أنه لا يستقيم أن تكون ~~هناك حركة دون اتجاه، ولا يمكن أن يكون هناك اتجاه دون علة تحدده. وتشير الحركة الحتمية إلى ~~وجود إرادة، والإرادة تشير إلى وجود ذكاء. قال الكاهن إن هذا هو الركن الثاني من عقيدته. ~~وزعم أن مثل هذه الإرادة حكيمة وقوية بشكل بديهي، ومنتشرة في السموات التي تتعاقب، والأحجار ~~التي تسقط، وأوراق الأشجار التي تحملها الريح. وادعى قائلا: «أرى الرب في كل مكان في ~~أعماله، وأحس به في نفسي» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # وعلى الرغم من أنه لم يكن على دراية بأي شيء عن نظام الكون بخلاف ضرورة وجوده، استطاع ~~الكاهن مع ذلك أن يقدس خالقه لجمال صنعته. علاوة على ذلك، استطاع أن يرى من خلال تفحصه ~~لعقله أن إرادته مستقلة عن حواسه، وعلى فرض الاستقلال المتساوي لإرادة الآخرين، استطاع أن ~~يرى فوضى «الشر على الأرض»، متمايزة عن انسجام الطبيعة، المنبثقة منها؛ أي من حرية تصرف ~~البشر الذي يشكل قبولها الركن الثالث للعقيدة بالنسبة إلى الكاهن (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ينبع سوء السلوك البشري من حرية الاختيار، ولا يمكن ~~عزوه إلى العناية الإلهية، بحسب تأكيده؛ وذلك لأن الرب خير وعادل (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وادعاء أن الرب أخفق في منعنا من ارتكاب الشر احتجاج ~~على غرسه للأخلاق في البشر؛ وذلك لأن الرب، كما لاحظ روسو بالفعل في رسالته إلى فولتير عام ~~1756، منحنا الحرية بحيث يمكننا اختيار الخير ونبذ الشر. وجعله إيانا قادرين على ~~الاختيار يستبعد اختياره نيابة عنا. وعندما نسيء استغلال قدراتنا، ونقترف الشرور، ~~فإننا لا ننفذ مشيئة الرب بل مشيئتنا نحن. قال الكاهن: «أيها الإنسان، لا تبحث ms100 بعد ذلك ~~عن خالق الشر؛ فهو أنت!» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، وكأنه ~~يكرر الألفاظ التي نطق بها الشيطان في «الفردوس المفقود» لميلتون التي سجلها روسو بنفسه في ~~النقش الخاص باللوحة العاشرة في «إلواز الجديدة»: «إلى أين المفر؟ الشبح داخل قلبك» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة). # على النقيض من لوك، أصر كاهن سافوي على لامادية الروح، وكذلك على خلودها، ولو أنه أقر ~~بالجهل فيما يتعلق بما إذا كان الشرير سيلعن لعنا أبديا، وأقر كذلك بلامبالاته بمصير ~~هذا الشرير. وإذ استشار حسه الداخلي فقط، اكتشف أنه يستطيع على الأقل أن يصدر أحكاما ~~أخلاقية من شأنها تحديد مصيره. «كل الشر الذي تسببت فيه خلال حياتي كان بدافع التأمل ~~والتدبر. الخير اليسير الذي فعلته كان بدافع الغريزة»، هكذا أعرب روسو عن تحسره لاحقا ~~في رسالة غير مكتملة كان من المقرر إرسالها إلى الماركيز دي ميرابو (المراسلات الكاملة، ~~الرسالة رقم 5792)، مسترجعا أبياتا شهيرة من أوفيد وبولس إلى الرومان. في قسم «عقيدة كاهن ~~سافوي» من كتاب «إميل» وفي رسالة روسو اللاحقة إلى السيد فرانكييه وفي مواطن أخرى، أطلق ~~روسو على الغريزة الطبيعية هذه اسم «الضمير»، مستلهما ذلك تحديدا من «خطاب عن وجود الله ~~وصفاته» (الفصل الثاني) للفيلسوف وعالم اللاهوت الإنجليزي صامويل كلارك، ويصفه بأنه «مبدأ ~~فطري للعدالة» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) أو الصوت الداخلي ~~للروح الذي يقف منها على المسافة نفسها التي تقفها الغريزة من الجسد. الضمير هو ذلك الصوت ~~الخالد الإلهي، المرشد الذي لا يخطئ أبدا الفضيلة، هكذا زعم الكاهن الذي مجد الرب ~~لمنحه لكنه لم يكن يصلي له. فإذا صلى له، فماذا كان يمكن أن يطلب؟ لم يكن ليطلب ~~القوة لفعل الخير التي وهبها له الرب بالفعل، ولا أن ينجز له عمله نيابة عنه؛ عمله الذي ~~حصل على مقابله. ألم يمنحه الرب بالفعل الضمير ليحب الخير، والعقل لتمييزه، والحرية ~~لاختياره (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)؟ # شكل 5-2: اللوحة العاشرة («إلى ms101 أين المفر؟») للفنان جرافلو من رواية «إلواز ~~الجديدة» (أمستردام، 1761). # في الجزء الثاني من «عقيدة كاهن سافوي»، الذي يختتم بإعلان الكاهن عن رغبته في أن يظل ~~كاهنا بأبرشية، ودعوة لروسو الشاب بأن يتحلى بالصدق ويعزز روح الإنسانية بين المتعصبين، ~~وضع روسو الدين الطبيعي في مقابل الإيمان العقائدي والمعجزات والوحي. وذكر روسو أننا إذ ~~نتعرض إلى المشهد العظيم للطبيعة التي تخاطب أبصارنا وقلوبنا وحكمنا على الأمور وضميرنا، ~~يبدو لنا من الغريب أن الأمر لا يستدعي وجود أي دين آخر على الإطلاق. ورغم ذلك، يقال لنا ~~إن الوحي ضروري لتعريف البشر بالطريقة التي أمر الرب بها أن يعبد (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الرابع؛ إميل، أو عن التربية). في أوروبا وحدها، لدينا ثلاث ديانات أساسية، واحدة منها ~~تعترف بوحى واحد، والثانية باثنين، والثالثة بثلاثة، وكل ديانة تمقت الديانتين الأخريين ~~وتلعنها، بالإشارة إلى الكتب التي نادرا ما تكون مفهومة حتى للمتعلم، فاليهود لا يفهمون ~~العبرية القديمة، ولا يفهم المسيحيون العبرية القديمة أو اليونانية القديمة، ولا يفهم ~~الأتراك العربية. ورغم ذلك، في كل حالة، فإن ما يتعين على كل إنسان أن يعرفه محصور في ~~الكتب، الكتب دائما وأبدا، تلك التي تعج بها أوروبا (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ ~~إميل، أو عن التربية). وفي كل مرة أخذ رسل الرب على عاتقهم مهمة تفسير معانيه، دبروا أن ~~يجعلوه ينطق بما يشاءون بواسطة الإشارات والمعجزات الغامضة بالنسبة إلى الآخرين، والمستدعاة ~~عامة لتبرير اضطهاد المهرطقين. إن العالم الخالي من المعجزات على نحو خارق هو أكبر معجزة ~~بحد ذاته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # وعندما لا يطارد ناقلو وحي الرب ~~المهرطقين في بلدهم، فإنهم يرسلون بعثات للتبشير بعقيدتهم بالخارج، منذرين كل الذين لا ~~يتبعونهم باللعن الأبدي. ونادرا ما تواتيهم الجرأة على الحديث عما هو أبعد من هذا. فأي ~~مصير ينتظر أرواح الزوجات الشرقيات المستعبدات في الحريم؟ هل سيدخلن النار عقابا لهن على ~~عزلتهن الشديدة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)؟ أقر الكاهن بأن ~~قداسة الإنجيل بطبيعة الحال كانت ms102 تخاطب قلبه. وبالطبع هناك فضيلة سامية في تعاليم المسيح لا ~~تقل نبلا عن حكمة سقراط. وحياة وموت المسيح تثبتان أنه كان إلها. لكن هناك مواطن عدة ~~في الإنجيل نفسه لا يصدقها عقل، وينفر منها المنطق، ويستحيل أن يتقبلها أي إنسان عاقل ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لنجعل كلمة الرب أقل غموضا. هل ~~وهب لنا الرب ملكة العقل ليحرمنا من استخدامها؟ ألا يفترض أن نخدمه على أفضل ما يكون دون ~~مساعدة؟ قال الكاهن بإصرار: «إن الرب الذي أعبده ليس روح الظلال» المستترة في الكتب ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لنغلق كل الكتب، ونتبنى بدلا ~~منها حقيقة الرب البسيطة؛ لأنها محفورة في كل اللغات، ويسهل للناس أجمعين الوصول إليها في ~~كتاب الفطرة المفتوح (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). كان روسو ~~يعتقد أن رب الوحي يتكلم بألسنة متعددة جدا؛ لذا قال: «إنني أفضل لو أسمع الرب نفسه ... ~~فهناك بيني وبين الرب عدد كبير جدا من الوسطاء!» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، ~~أو عن التربية). # كان ينبغي أن يكون روسو أقل اندهاشا مما كان عليه من أن مثل هذه التأملات حول جوهر ~~الدين والمسيحية في «العقد الاجتماعي» و«إميل» لم تحظ على الإطلاق بترحيب الكنيسة في ~~فرنسا. لقد أخذ فولتير حذره بشكل كاف ببث نقده العنيف للكاثوليكية الرومانية من الجانب ~~الأكثر أمنا للحدود الفرنسية، لكن روسو كتب بحماس شديد، ودون أن يتأهب لردة الفعل الرسمية، ~~في الدولة التي أقام فيها لاحقا، متكئا على الحرية الفنية لصوره الراقية إثر نشر كتابه ~~«العقد الاجتماعي» في هولندا و«إميل» بالتزامن معه في كل من هولندا وفرنسا. ولقد ملأه ~~حظر أعماله في جنيف الذي حال دون فراره إلى وطنه بحزن أكبر. وفي أغسطس 1762 عندما أصدر ~~رئيس أساقفة باريس منشورا يدين فيه المبادئ المدمرة الواردة في «إميل» بعد أن أدانت ~~السوربون العمل رسميا، وأمر برلمان المدينة كبير الجلادين بحرقه، كان روسو قد فر ~~بالفعل من فرنسا. واحتج روسو في رده الذي ms103 يشكل أطول كتاباته المخصصة لعلم اللاهوت، «رسالة ~~إلى كريستوف دي بومون» المنشورة في أوائل عام 1763 قائلا: «قرينتكم الوحيدة ضدي هي ~~الاستشهاد بالخطيئة الأصلية.» وتساءل روسو: كيف يمكن أن يجعلنا الرب أبرياء ليتبين ببساطة ~~أننا مذنبون وبذلك نساق إلى الجحيم؟ أليس مبدأ الخطيئة الأصلية القاسي صنيعة القديس ~~أوغسطين وعلماء اللاهوت في المقام الأول وليس الإنجيل؟ ألا نتفق معا على أن البشر جبلوا ~~على الخيرية ، بينما تزعمون أنهم جبلوا على الشر؛ لأنهم خلقوا كذلك، فأثبت أنا بدلا من ~~ذلك أنهم في واقع الأمر أصبحوا أشرارا؟ أي منا أقرب إلى المبادئ الأولى؟ وأصر روسو ~~أن عمله «إميل» كان بشكل أساسي موجها للمسيحيين، الذين يتم تطهيرهم من الخطيئة الأصلية ~~بالتعميد، فيمسون أنقياء القلب كما كان آدم عندما خلقه الرب (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الرابع). # عقد روسو الأمل على أن يجد في جنيف ملاذا ~~له، ولكن عندما أحرقت حكومتها، ممثلة في المجلس الصغير، عمليه «إميل» و«العقد ~~الاجتماعي» في يونيو 1762 - لما فيهما من معصية مشينة وتهديد للنظام العام وكذلك للدين - ~~اضطر روسو للفرار، أولا إلى يفردون، في إقليم برن، ومنها إلى موتييه القريبة منها، وهي ~~التي طرده منها أهلها لاحقا بعد أن قذفوا بيته بالحجارة. ورغم أنه كان في البداية ~~متطلعا إلى أن يعيد إليه أبناء بلده، في بياناتهم دفاعا عنه، مكانته بينهم، اكتشف ~~روسو أن أنصار الحكومة أو «السلبيين» أقوى في معارضتهم من هؤلاء «الممثلين»، وسرعان ما خاب ~~أمله في أي استرداد سياسي لحقوق مواطنته، فتخلى عنها بنفسه. وفي سبتمبر 1763 عندما جمعت ~~الإدانات الموجهة ضده في عمل خطه المدعي العام في جنيف جون-روبرت ترونشان بعنوان «رسائل من ~~الريف»، سعى روسو وحسب لإبراء ذمته والدفاع عن نفسه في رده العام التالي من خلال عمله ~~«رسائل من الجبل». وبما أن المذهب البروتستانتي كان متسامحا مبدئيا، وشأنه شأن الدين ~~المدني الذي دعا إليه روسو في «العقد الاجتماعي»، كان حاسما وحسب في إدانته للتعصب، تساءل ~~روسو كيف يمكن للمجلس الصغير لدولة بروتستانتية أن يتبنى الوحشية الاضطهادية للقديس ms104 بولس ~~والصرامة القضائية لمحاكم التفتيش؟ (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث) وبعد أن عرض روسو ببعض ~~الإسهاب لتاريخ اجتماعات المجلس العام الذي كان بمثابة «الخلاص للجمهورية» عندما هددتها ~~المجاعة والطغاة والحروب (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، أدان، بدافع الإخلاص الوطني، ~~درجة الانحطاط التي وصل إليها الكيان السياسي الذي اعتبره مثالا نموذجيا لأوروبا كلها، ~~ونموذجا رائعا كتب «العقد الاجتماعي» للحفاظ عليه. بالطبع، كما أوضح روسو بنفسه من قبل ، ~~من المستحيل الحيلولة دون حدوث التفكك السياسي لأي نظام حكم. فقد غيرت حكومة جنيف، ~~بواسطة «التطور الطبيعي»، من شكلها حيث «تحولت تدريجيا من حكم الأكثرية إلى الأقلية»، ~~بحسب تعليق روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، وكأنه يتنبأ بالقانون الحديدي لحكم ~~الأقلية الذي وضعه روبرت ميشيلس مع تقديم مثال محدد عليه. وانتهى روسو إلى أنه «ما من شيء ~~أكثر حرية من دولتك الشرعية؛ وما من شيء أكثر خضوعا من دولتك على حالتها الفعلية» (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الثالث). # لاقت تلك الردود المعبرة عن الإيمان الصادق لمواطن مخلص ثناء وتأييدا في ربوع كثيرة ~~بجنيف وفي بقاع أخرى، وأصبحت لاحقا مصدر إلهام لهيجل في شبابه وغيره من عشاق الحرية ~~المؤمنة بالمثل بإله غير غامض يتجلى في الطبيعة. لكنها لم تكن لتقرب روسو من السلطات ~~المهيمنة في عصره، واعتبر رئيس أساقفة باريس والمجلس الصغير لجنيف عن حق «إميل» و«العقد ~~الاجتماعي» تهديدا لكل أشكال السلطة القائمة. لقد كانت جميع الكنائس في العالم المسيحي هي ~~التي تحول دون روسو والرب، وكانت كل حكومات الدول الحديثة تحول بين الشعب ونفسه باعتباره ~~صاحب السيادة. لقد كان الاستبدال المؤسسي لكل من الإرادة الفردية والعمل الجمعي بقوى ~~حرمت الناس من هويتهم الروحية والمدنية الكارثة الأخلاقية الكبرى التي حاقت بالحضارة ~~المعاصرة، بحسب فرض روسو؛ وذلك لأن حرية الضمير تقتضي ربا لا توجد وساطة بينه وبين العبد ~~بقدر ما تقتضي الحرية التشريعية للمجلس النيابي صاحب سيادة غير ممثل. وقد جعل علم ~~اللاهوت الظلامي والسلطة الاستبدادية معا الناس يعولون على إرادة الآخرين؛ ولذلك كان ~~ممثلو تلك القوى، انطلاقا من إدراكهم في ms105 ضوء فلسفته بأن دعوات روسو للحرية تمثل تحديا ~~لهم، الأكثر حرصا على قمع تلك الدعوات. # وللتغلب على الاعتماد على الآخرين وتحقيق الاعتماد الذاتي، رسم روسو خريطة برنامج تربوي ~~في «إميل» غايته الأساسية تحرير الأطفال من استبداد توقعات الكبار، بحيث تتطور قدراتهم ~~وملكاتهم دون قيد، وفي الوقت المناسب لها. وفي بداية الكتاب الأول من هذا العمل، ميز روسو ~~بين ثلاثة أنواع من التربية بحسب مصادرها المختلفة؛ ألا وهي تربية الطبيعة والأشياء والناس. ~~ذكر روسو أن الشخص الذي تتلاقى فيه وحسب أشكال التربية هذه كلها يمكن أن ينشأ تنشئة رشيدة، ~~لكنه لاحظ لاحقا كم سيكون هذا النوع من التربية الشاملة صعبا بما أن الإنسان الطبيعي يعيش ~~بالكامل من أجل نفسه، بينما الإنسان المتمدن الذي يعيش من أجل المجتمع ككل يجب أن تغير ~~طبيعته، وتستحيل هويته المستقلة إلى شكل من أشكال الوجود النسبي؛ مما يجعله جزءا من كل ~~أكبر. ولكن، إذا أمكن إعادة دمج تربية الطبيعة أو الفطرة بشكل ما مع التربية المدنية، بحسب ~~اقتراح روسو، فيمكن حينئذ التخلص من التناقضات الموجودة في الإنسان، وهي التي ستزال معها ~~عقبة كبرى تحول دون سعادة البشرية (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). افترض بعض مفسري أعمال روسو أن محاولة إعادة الجمع هذه هي الغرض الأساسي من ~~عمله «إميل» الذي يمكن وفقا لذلك أن يقرأ على اعتبار أنه دليل إرشادي لنمو الأطفال باتجاه ~~المواطنة، المرسومة ملامح مسئولياتها باختصار في هذا النص، والمبينة تفصيلا في «العقد ~~الاجتماعي». لكن الجزء القصير المخصص في «إميل» لموضوع السياسة، الذي امتد لحوالي 20 صفحة ~~وذلك قرب نهاية الكتاب الخامس (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، ~~ليس من الواضح أن روسو أراد به تتويج الخطة المفصلة بدقة للتنشئة الطبيعية في سياق ~~تربية راقية تأهيلا للحياة العامة. ورغم أنه يعرض أفكارا بعينها ذكرت في «خطاب عن ~~اللامساواة» و«العقد الاجتماعي»، فإنه يفعل ذلك برسم مسار للدراسة سيسلكه إميل (الشخصية ~~الرئيسية في عمله) لاحقا بدلا من وضع الأبعاد الكاملة للتربية السياسية ms106 الذي كان لا يزال ~~غير مؤهل لها، وأقر المعلم بأنه لن يتفاجأ إذا اشتكى تلميذه من أنه بنى صرحه من ~~الخشب لا من الرجال (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن جانبا ~~كبيرا من هيكل رواية «إميل» المتشعب، وربما أيضا محتوياتها الكثيرة، بما في ذلك الجزء ~~الملتبس نوعا ما الذي يتحدث عن السياسة، ربما يرجع إلى خوف روسو، بعد فترة من المرض في ~~أواخر خمسينيات القرن الثامن عشر، من أن يكون هذا هو عمله الكبير الأخير. وعندما شرع بعد ~~النشر في كتابة تتمة لهذا العمل، التي نشرت بعد وفاته تحت عنوان «إميل وصوفي، أو الوحيدان» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع)، صور روسو إميل لا كمواطن منغمس في الشئون العامة، بل ~~كرجل راشد يراسل معلمه يائسا قائلا إن عالمه قد انهار، وإن زوجته هجرته، وإن تربيته ~~ثبت أنها لا تضارع عيوبه البشرية. # ورغم أن النمو الفكري والأخلاقي لإميل يراد منه اندماجه في المجتمع وارتباطه بالناس، فهو ~~يحقق ذلك بطريقة تلقائية عن قصد ومصممة دوما بحيث تكون متوافقة مع ميوله الطبيعية. فهو لا ~~يعيد قط صياغة شخصيته أو يعده لهوية جديدة كجزء من كل أعظم منه شخصيا، على النحو الذي ~~اشترطته رواية روسو للمواطنة والسيادة الشعبية في «العقد الاجتماعي». على العكس من ذلك، ~~فهو يظل مخلصا للفكرة المحورية الواردة في «رسائل أخلاقية» التي خطها روسو عام 1757 لصوفي ~~دوديتو، أخت زوج السيدة دبينيه التي كان مفتونا بها آنذاك، وكان بالنسبة إليها مرشدا ~~روحيا ومعلما فيما يتعلق بمسائل الحب. خط روسو ست «رسائل أخلاقية» وحسب لصوفي، تقوم إلى ~~حد كبير على نموذج البحث الروحي لديكارت في كتابه «مقال عن المنهج». ولو أن روسو كان قد ~~أسهب في هذه الرسائل وأعاد تجميعها، لصارت مكتملة شأنها شأن نص «إميل». وبما أنها موجهة ~~إلى امرأة وبحثها عن السعادة، فهي لا تكاد تمت بصلة للجوانب الإيجابية والسلبية المتعلقة ~~بالهوية المدنية، حيث تشير بدلا من ذلك إلى مجال الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتي الذي ~~يركز على الفرد ms107 المنفرد. قال روسو في الرسالة السادسة من هذه الرسائل: «لنبدأ بأن نصبح ~~أنفسنا مجددا، بالتركيز وحسب على أنفسنا. لنسع إلى معرفة أنفسنا على طبيعتها كما هي، ~~وفصل أنفسنا عن أي شيء خلافنا؛ وذلك لأن هذا الفهم للنفس البشرية وطبيعة وجود المرء ينير ~~الطريق إلى معرفة البشرية» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع). # قدر لذلك أيضا أن يكون الخط الإرشادي لتربية إميل، بحسب طبيعته الخاصة، لكنه ليس ~~الفكرة المحورية ل «العقد الاجتماعي». أما بالنسبة إلى خطة روسو للتربية المدنية، فيتعين ~~على القراء الرجوع إلى أعمال أخرى لروسو، خاصة «خطاب عن الاقتصاد السياسي» و«حكومة ~~بولندا» اللذين تأثر فيهما بشدة بمؤلف أفلاطون «الجمهورية». في عمل «إميل» نفسه، أثنى ~~روسو على مؤلف «الجمهورية» باعتباره «أجمل أطروحة كتبت عن التربية» (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، ولو أنه أعلن صراحة أن فكرة التربية العامة تراوده، ~~وزعم أن «العبقري النبيل» يجب أن يلام بسبب «الاختلاط المدني» في مؤلفه «الجمهورية» الذي ~~أدى إلى إرباك الجنسين بإشراكهما في أنشطة بدنية واحدة دون أي تمييز، طالبا من النساء أن ~~يلعبن دور الرجال؛ لأنه بعد إقصائهن من ألفة الحياة المنزلية، لم يعد يعرف الدور الذي يجب ~~أن يلعبنه (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وبالمقارنة ب «إميل»، ~~يعنى «خطاب عن الاقتصاد السياسي» و«حكومة بولندا» أساسا بشئون التربية العامة؛ ومن ثم ~~فهما، على خلاف «إميل»، يحاكيان إلى حد كبير الصورة الموجودة في مؤلف «الجمهورية». في ~~«خطاب عن الاقتصاد السياسي»، تكلم روسو عن فن حث الناس على حب واجباتهم والقوانين، وتعليم ~~المواطنين الصلاح بضرب أمثال لهم خاصة بالفضيلة المدنية والوطنية (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). وفي هذا العمل، وباسم التربية ~~المدنية التي تفرضها الحكومة، نجد أن تنشئة الشباب على المساواة تعتبر واحدة من أهم مهام ~~الدولة؛ وذلك لأن «المواطنين لا يمكن تشكيلهم بين ليلة وضحاها، ولكي يمسوا رجالا من ~~الضروري تربيتهم وهم أطفال»، بحسب تعليق روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد ~~الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة ms108 أخرى). في الفصل الرابع من «حكومة بولندا»، وصف روسو عدم ~~حاجة الأطفال منذ لحظة ولادتهم لرؤية أي شيء إلا وطنهم بحيث يختلط اللبن الذي يرضعونه من ~~أمهاتهم بعشق لا ينمحي لبلدهم والذي سيظلون مرتبطين به حتى الموت (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). تحدث هنا روسو عن التدريبات البدنية ~~التي تمارس على الملأ ومن الجنسين على حد سواء ، مع وجود جوائز للمتميزين تتحدد من خلال ~~هتاف المتفرجين (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة ~~أخرى). إن الإشارات المرجعية لأفلاطون في شتى أعمال روسو أكثر من أي إشارات لشخصية أخرى ~~فيما خلا بلوتارك والإنجيل، وفي تلك الأجزاء المكرسة للتربية المدنية، إضافة إلى «رسالة ~~إلى السيد دالمبير عن المسرح»، يتجلى بشدة أثر مؤلف «الجمهورية»؛ أفلاطون على ~~فلسفته. # وهذه الأعمال أيضا، علاوة على «رسائل من الجبل»، هي التي تدلل بوضوح على أثر كتاب ~~«القوانين» لأفلاطون عليه. فعندما لاحظ روسو في الرسالة الثامنة في «رسائل من الجبل» أن ~~الشعب الحر قد يكون لديه قادة لا سادة في طاعته للقوانين الحكيمة (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الثالث)، أو عندما تحدث في «خطاب عن الاقتصاد السياسي» عن العمل القانوني السامي الرائع ~~الذي يدين له البشر فيما يتعلق بالعدالة والحرية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد ~~الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، فقد كان يشير لمفهوم أفلاطون للقانون الذي تأثر به ~~روسو أكثر من أي شيء. وحكم القانون في فلسفته يمثل للمواطنين ما يمثله إلى حد كبير الرب ~~للذين يحبونه، وما تمثله الدولة لرعاياها. إنه وجود مشرف روحاني يرى أن سلطته مفروضة من ~~الخارج وفي الوقت نفسه محسوسة بأعمق ما يكون داخل الروح البشرية. لقد أضاف روسو لهذا ~~المفهوم الأفلاطوني ثم المسيحي لاحقا للمبدأ المقدس الخاص بالالتزام بالنظام الملزم من ~~الداخل، بعد الحرية وعنصرا محوريا من الإرادة، وهو الذي شكل لب نظريته عن الإرادة ~~العامة، واستلهم منه كانط الكثير في فكرته عن الاستقلال الذاتي وفلسفته الأخلاقية ككل. ولكن ~~في «إميل»، الذي يرسم الخطوط العامة للتربية ms109 الطبيعية وحسب، تشكل تلك الخصائص المتعلقة ~~بالحياة العامة والمشاركة المدنية جزءا مهما من حجة روسو. # وككثير جدا من أعماله الرئيسية، صيغت «إميل» بقدر كبير كدحض لوجهات نظر بديلة حول ~~الموضوع نفسه. فإذا كان قسم «عقيدة كاهن سافوي» يعمد إلى دحض آراء لوك وهلفتيوس، فإن الحجة ~~الأكثر شمولا للعمل بأكمله عن التربية عامة تتصدى لأفكار هذين الكاتبين؛ فيما يتعلق ~~بهلفتيوس، مرة أخرى كتابه «عن الروح»، وفي حالة لوك كتابه «آراء في التربية» الصادر عام ~~1693. تعلن الصفحة الأولى من مقدمة كتاب «إميل» عن حداثة الموضوع الذي سيعمد روسو إلى ~~تناوله بعد عمل لوك (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، وبعدها يزخر ~~نصه بالإشارات المرجعية والتلميحات لكتاب لوك، وأهمها على الإطلاق تلك الواردة في الكتاب ~~الثاني ومفادها أن «مجادلة الأطفال هي مبدأ لوك الأساسي». إن هذا الأمر، بحسب ما ورد في ~~«آراء في التربية» (آراء في التربية)، يجب أن يكون متناسبا وحسب مع قدرات الأطفال، لكن ~~روسو حكم على فكرة المجادلة مع الأطفال للوك بأسرها بالسخافة؛ حيث إنه ما من شيء أخطر من ~~تشكيل العقول غير الناضجة، ولا سيما من الولادة حتى البلوغ، وما من شيء أكثر غباء من تعريض ~~الأطفال إلى منطق الحوار العقلاني المرهق (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). # شكل 5-3: صفحة العنوان والصورة صدر عمل روسو «إميل» (1762). # أصر روسو في كل من «إميل» و«إلواز الجديدة» على أن «الطبيعة تريد للأطفال أن يمروا ~~بمرحلة الطفولة قبل أن يمسوا رجالا. فمعرفة الخير والشر، وإدراك علة واجبات البشر ليس ~~من شأن الأطفال» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، ~~أو عن التربية؛ جولي أو إلواز الجديدة). لاحظ لوك (آراء في التربية) أن عادة السخاء يمكن ~~غرسها في الأطفال بتنظيم تعاملاتهم لضمان أن التجربة تقنعهم بأن أكثر الناس سخاء هم ~~أفضلهم دوما (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ولكن في «إميل»، أوضح ~~روسو أنهم يكونون أدرى بذلك من خلال المعرفة المباشرة. وربما بدمج ثلاثة أحداث ms110 مختلفة معا ~~حدثت له ما بين عامي 1735 و1742، في كل من شامبري وليون وباريس، عندما عمل معلما ~~لمجموعة من الصغار الجامحين الذين أحالت أفعالهم حياته إلى جحيم، علق روسو أنه تعلم ~~بنفسه وبشكل مؤلم أن الوسيلة الوحيدة لحمل الأطفال على تنفيذ أوامر الكبار هي عدم فرض أو ~~تحريم شيء عليهم، وتفادي تقديم النصح والإرشاد لهم، وتجنب إصابتهم بالملل بدروس عقيمة ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وهذه نصائح مختلفة نوعا ما ~~مستخلصة من أفكار واعية بجد ومراعية لشعور الآخرين بشكل فيه وعي ذاتي، وهي التي طرحها روسو ~~في اثنتين من مذكراته كتبهما في شبابه لجون بونو دي مابلي، والد أحد تلاميذه البشعين وشقيق ~~كل من المؤرخ مابلي وكوندياك (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع)؛ ولكن في منتصف عمره، وبعد ~~أن هجر أطفاله ولم يعد مثقلا بمثل هذه المسئوليات الكبيرة، أصبح روسو قادرا على الحديث ~~بحرية أكبر. رأى لوك أنه من المنطقي ملء غرفة الطفل بالأشياء التي يمكن استخدامها في ~~تعليمه القراءة بينما يتخيل أنه يلهو ويلعب وحسب، على سبيل المثال بلصق أحرف على النرد ~~(آراء في التربية). للأسف أنه نسي أن رغبة الطفل في التعلم، فور أن يتم إلهامها له، يمكن أن ~~تحل محل اللعب بالنرد، بحسب بيان روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). وأضاف في الكتاب الثاني قائلا: «إنني أبعد ما أكون عن افتراض أن الأطفال يجب ~~ألا يجادلوا أبدا.» على العكس، فهم يمكن أن يجادلوا على نحو مفيد في الأمور التي ~~تكون ذات اهتمام فوري وملموس لهم. ولكن من الخطأ حملهم على المجادلة على غرار رؤية لوك بشأن ~~ما لا يفهمونه أو ما لا يمسهم بأي طريقة، كسعادتهم المستقبلية أو سعادتهم في الكبر أو ~~التقدير الذي سينالونه. بالنسبة إلى العقول غير الناضجة التي تفتقر للتبصر، هذه المخاوف ~~غريبة وغير ذات أهمية ولا تستحق الاهتمام (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). # لقد كان لوك بالطبع وغيره من التربويين على حق، حين وصف التمارين ms111 البدنية لتقوية أجسام ~~الأطفال، التي ينبغي ألا تفسدها الملابس الضيقة والأحزمة والملابس المميزة لطريقة ~~اللبس الفرنسية على وجه الخصوص، والتي تعد مقيدة بشكل غير صحي، لا للأطفال وحسب، بل ~~للرجال الراشدين أيضا. «اعتبر جسمي كله وجها»، كان هذا هو التعليق الجذاب الذي نسبه ~~لوك لفيلسوف سكوثي خرج عاريا في الثلج عندما سأله رجل من أثينا كيف يمكنه أن يعرض أي ~~شيء من جسده غير وجهه للبرودة القارصة (آراء في التربية). ولكن، لم لا يترك لوك إذن أقدام ~~الأطفال تعاني من الأخطار الطبيعية للحرارة العالية (آراء في التربية)؟ اقترح روسو أنه ~~يمكن أن يرد على لوك قائلا: «إذا أردت أن يكون جسم الإنسان كله وجها، فلم تلومني ~~لأنني أريده أن يكون كله أقداما؟» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). لقد كان «لوك الحكيم»، بعد أن درس الطب، على حق أيضا عندما أوصى بعدم إعطاء ~~الأطفال أدوية إلا فيما ندر (آراء في التربية). لكنه كان ينبغي أن يتوسع في حجته بقدر أكبر، ~~وأن يشير إلى أن الأطباء لا ينبغي استدعاؤهم مطلقا ما لم تكن حياة مريضهم في خطر شديد؛ ~~لأنه حينئذ فقط لا يمكن أن يؤذي هؤلاء الأطباء المحترفون مريضهم بما هو شر من الموت الذي ~~هو مشرف عليه بالفعل (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # رغم أن فلسفة لوك التربوية ككل تستحق الإعجاب في بعض تفاصيلها، فقد كانت قائمة على افتراض ~~خطأ، بحسب روسو؛ لأنه تعامل مع الأطفال وكأنهم راشدون غير ناضجين ويعيشون فترة إعداد ~~لرشدهم، مصقلين مهاراتهم ومتعلمين أعمالا من شأنها تأهيلهم لمستقبلهم كنبلاء، ولا سيما ~~مسك الحسابات (آراء في التربية) الذي برع فيه لوك نفسه براعة لا يضارعه فيها أحد من أبرز ~~مفكري الحضارة الغربية. لكن أن يكون المرء نبيلا يعني أن يكون «ألعوبة في يد الرأي العام» ~~متزلفا ومنافقا، بحسب تعليق روسو الذي أضاف في الصفحة الأولى من الكتاب الخامس أنه ~~«لا يحظى بشرف تنشئة رجل نبيل»، وسيتوخى لذلك الحذر لئلا يحاكي لوك في ms112 تلك النقطة. وكأنه ~~تقريبا يتنبأ بما سيقوله ماركس في «الأيديولوجية الألمانية» حيث شكا من كون الرجال فقط ~~صيادين أو صيادي أسماك أو رعاة أو نقادا، حاج روسو، على العكس من لوك، أنه لا يريد ~~لتلميذه أن يكون مطرزا أو عامل تذهيب أو موسيقيا أو ممثلا أو كاتبا، ولو أن غايته ~~أساسا تمييز المهن المفيدة والمحفزة أخلاقيا من الفاسدة والمهينة لا الاحتجاج، على غرار ~~ماركس ، على التقسيم القسري للعمل بصفة عامة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). إن منهج لوك المشوب بالكثير من الخرافات والتحيز والخطأ، بحسب ملاحظة روسو، هو ~~تحقيق الغاية المطلقة من التربية أولا، بداية من تكوين فكرة عن الرب والاطلاع على التاريخ ~~في الإنجيل، وبصفة عامة تدعيم الجانب الروحاني للطبيعة البشرية، وبعدها فقط يمكن الانتقال ~~إلى الجانب المادي (آراء في التربية). ولتكوين فكرة مناسبة عن الروح، يجب أن يتم البدء ~~بالأجساد، ولكن لوك في فلسفته التربوية الموغلة في اللامادية، تمكن وحسب من إرساء أسس ~~المادية (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # علاوة على ذلك، كان روسو مقتنعا، فيما يتعلق بموضوع التربية الطبيعية، بأن كتاب «عن ~~الروح» لهلفتيوس شكل أكثر النماذج المعاصرة سوءا لهذه المادية. وفي رسالة خطها ~~لجون-أنطوان كومباريه في سبتمبر 1762 (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم 2147)، وفي ملاحظة في ~~أولى رسائله في «رسائل من الجبل» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، زعم روسو أنه كان يعتزم ~~أصلا الهجوم على هذا العمل المشهور، لكنه تخلى عن انتقاداته بعد ذلك كي لا يربط اسمه ~~بمهاجمي الكتاب. وتوحي المخطوطات المتبقية لرواية «إميل» بأن أغلب عدائه لهلفتيوس ربما نبع ~~من إعادة قراءته للنص في خريف وشتاء عام 1759-1760 أكثر مما نشأ من اطلاعه الأول عليه الذي ~~تم قبلها بعام. ولكن، علاوة على الإشارات الضمنية الواضحة بشكل جلي لكتاب «عن الروح» التي ~~تظهر في قسم «عقيدة كاهن سافوي»، هناك اعتراضات صريحة على الفلسفة الحسية لهلفتيوس في مسودة ~~رواية «إميل» التي خطت في أوائل عام 1759، والمعروفة ب «مخطوطة فافر»، والتي لا توجد ms113 بالنص ~~النهائي، إضافة إلى العديد من التعليقات الهامشية، التي لها الغرض نفسه، في نسخته لكتاب ~~هلفتيوس الموجودة حاليا بالمكتبة الوطنية في باريس (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ ~~إميل، أو عن التربية). وينصب تركيز كل هذه الفقرات على فكرة أن «الحس هو مصدر الحكم» أو ~~اشتقاقاتها، المذكورة في الصفحات الافتتاحية للمقالة الأولى لكتاب «عن الروح»، التي اعتبرها ~~روسو مغلوطة بالكلية في الخلط ما بين الانطباع السلبي والفوري عن الأشياء والإدراك ~~المفسر بفاعلية لعلاقاتها. # في الجزء الخامس من «إلواز الجديدة»، حيث قدم روسو المعالجة الأكمل لموضوع التربية في ~~كتاباته الناضجة بخلاف «إميل»، هاجم روسو كتاب «عن الروح» أيضا لزعمه أن العبقرية ناتجة ~~وحسب عن الظروف، على أساس أن هذا الزعم يفترض أن عقولنا لا تعدو كونها صلصالا طيعا. ومن ~~خلال تبادل للآراء بين سان-برو وجولي، من ناحية، وولمار زوج جولي من ناحية أخرى، وضع روسو ~~المقابلة بين فلسفته التربوية وفلسفة هلفتيوس التربوية، بحسب فهمه لها، في أكثر أشكالها ~~حدة. فقد أصر وولمار، متحيزا إلى حد كبير لهلفتيوس، على أنه في غياب الرذيلة أو الخطأ في ~~الطبيعة، فإن أي تشوه في شخصية الإنسان لا يمكن أن يرجع إلا للتربية غير القويمة، وهي ~~الفكرة التي أرفق روسو لها تعليقا بمخطوطته، شاكا في أن مؤلف كتاب «عن الروح»، لو كان ~~بحث المسألة بعناية، لكان من الممكن حقا أن يفترض أن كل البشر يكونون متماثلين عقليا ~~عند الولادة، ولا يختلفون إلا في تنشئتهم. إذا كانت أوجه الاختلاف بيننا ترجع دوما ~~وبالكلية لأثر التربية، بحسب تأكيد سان-برو، لكان من الضروري وحسب أن نغرس في الأطفال وحسب ~~تلك السمات التي يريد معلموهم لهم أن يتحلوا بها (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو ~~إلواز الجديدة). ولما اتفق مع زعم جولي بأن الطفولة لها طبائعها ومشاعرها التي لا يجب ~~التعجيل بها قبل الأوان، احتج سان-برو، على خلاف وولمار، بأن كل طفل يولد بشخصية ومواهب ~~تختص به وحده دون غيره. لقد كانت المقولة المأثورة «التربية بمقدورها فعل كل شيء»، التي ~~صارت عام ms114 1773 عنوانا لفصل من فصول كتاب «عن الإنسان» لهلفتيوس المنشور بعد وفاته، والتي ~~أثارت أيضا اعتراضات ديدرو على أسس مختلفة بعض الشيء، غير متفقة بالنسبة إلى روسو مع أي ~~فهم ملائم لطبيعة نمو الإنسان، وذاتيته، وحريته. # في رواية «إميل»، وبالقدر نفسه من خلال تبادل الآراء الأدبية في «إلواز الجديدة»، وصف ~~روسو فن التربية الصعب دون تعاليم، وإنجاز كل شيء عن طريق عدم فعل شيء (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) الذي يعتبر نقيض تدريب العقول أو الارتقاء بالشخصية. ~~أوضح روسو لقرائه أن أهم قاعدة في التربية كلها ليست كسب الوقت بل فقدانه، وسلك المسار غير ~~المعتاد لضمان ألا تترك التربية الأولى للطفل أي أثر عليه، بل يكون أثرها بدلا من ذلك ~~«سلبيا تماما» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن التربية ~~الإيجابية، على غرار ما ينادي به هلفتيوس، هي التربية التي يدينها روسو، في «رسالة إلى ~~كريستوف دي بومون»، باعتبارها محاولة لتشكيل عقول شبابية قبل الأوان؛ مما يثقل كاهل الأطفال ~~بصفات لا يتحلى بها سوى الراشدين. وفي المقابل، وصف روسو في تلك الرسالة «التربية السلبية»، ~~مرة أخرى، بأنها تمكن الأطفال من تشكيل عقولهم في الوقت المناسب؛ ومن ثم فهي نوع التربية ~~الوحيد الصالح (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع). وحتى في خطته الخاصة بالتربية العامة في ~~«حكومة بولندا»، طرح روسو بالضبط الافتراض نفسه مجددا. فالتربية السلبية وحدها التي تتفق ~~مع الميول الطبيعية للأطفال يمكنها الحيلولة دون ظهور الرذيلة، بحسب زعمه (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). ولذلك، فإن دحضه لهلفتيوس ~~جعله يميل في «إميل» وفي مواطن أخرى نحو مفهوم للصفات الطبيعية للإنسان أقل طوعا في بعض ~~جوانبه منه في «خطاب عن اللامساواة». # وفي سعيهم لوضع برنامج للتربية السلبية، نصح روسو المربين بأن ينحوا الكتب جانبا، ~~ويقدموا دروسا بدلا من ذلك يستطيع الأطفال من خلالها التعلم بالتجربة المباشرة، أحيانا ~~في مواقف مصممة بالكامل مقدما بحيث تطمس الإحساس الذي يفترض فيه بأنهم حملوا على التعويل ~~على ms115 الأشياء لا البشر، وبالتالي تحفظ لهم حريتهم، بحسب توضيح روسو للأمر في «إميل». لاحظ ~~روسو أن القراءة هي عموما لعنة الطفولة، وحتى القصص الخيالية الساحرة للافونتين يجب ~~تجنبها؛ فالغرض الأخلاقي لمثل هذه الحكايات الشعرية عقيم بالنسبة إلى الأطفال الذين يخفقون ~~على الأرجح في فهم مغزاها ويتشبهون بالشخصيات الخاطئة داخلها (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وبما أننا ولدنا غير مكتملين جسمانيا وروحيا، ينبغي أن ~~يسمح لنا بالمرور بشكل طبيعي بمراحل نمونا الطبيعي؛ من مرحلة الرضاعة إلى مرحلة الطفولة ~~إلى مرحلة البلوغ إلى مرحلة المراهقة ومنها إلى مرحلة الرشد، وهي المراحل التي تشاكلها ~~تقريبا كتب رواية «إميل»، التي تعتبر عملا متخصصا في التربية الطبيعية. علق روسو في ~~الكتاب الأول (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) أنه مع الحياة تظهر ~~الاحتياجات، لكنها تختلف عن رغبات الأطفال التي تستثار جدا بفعل الخيال لدرجة يستحيل ~~معها إشباعها؛ مما يجعل الأطفال مستبدين في طموحاتهم وشكسين في إحباطاتهم، لأسباب وصفها ~~أتباع فرويد لاحقا باسم الانحراف متعدد الأشكال للأطفال. سيجد الطفل ما يشبعه، لا في ~~التوسيع اللامحدود لإمكاناته، ولا في كبت رغباته، بل في تحجيم فرط رغباته على قوة إمكاناته؛ ~~مما يحقق التوازن بين إرادته وقوته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). # وبينما ينمو عقل الطفل وجسده، كذلك تترسخ رغباته الناشئة داخله. ولد إميل لا ليكون ~~وحيدا، بل، شأنه شأن غيره من بني جنسه، ولد ليدلف إلى النظام الأخلاقي أو نطاق الحياة ~~الاجتماعية (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن ضعفنا يجعلنا ~~اجتماعيين، هكذا اقترح هنا روسو متأسيا ببوفندورف، ومصائبنا المشتركة تؤلف بيننا ~~بالمودة، بالضبط كما توحد بيننا احتياجاتنا المشتركة بفعل المصلحة (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ومن ردود الأفعال الغريزية للشفقة، وهو الشعور النسبي الأول، ~~سينبع تماهي الأطفال مع معاناة الآخرين، في افتراض وجودهم نفسه (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الرابع؛ إميل، أو عن التربية). في الكتاب الرابع، قدم روسو تبعا لذلك روايته للشفقة من ~~خلال ثلاث ms116 قواعد؛ الأولى: أننا لا نضع أنفسنا محل الأسعد منا حالا، بل الأكثر منا بؤسا، ~~والثانية: أننا نأسى لحال الآخرين فقط بسبب المعاناة التي لا نعتقد أننا محصنون ضدها، ~~والثالثة: أننا نشعر بالتعاطف، لا مع حجم المعاناة التي يعيشها الآخرون، بل مع عمق تعاستهم ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وفي صحبة الراشدين أولا، ومن ~~بعدهم أطفال مثلهم، يكتشف الصغار أيضا أن رغباتهم الملحة يشبعها الذين يدعمون احترامهم ~~الوليد لأنفسهم عبر الأثر الذي يتركونه عليهم، ولاحقا تصورهم لكيفية نظر الآخرين إليهم. ~~دعانا روسو لأن نمد حبنا لذاتنا إلى الآخرين، فنجعل إحساسنا بمكانتنا مهما لمن حولنا، ~~الأمر الذي نستطيع تحقيقه فقط إذا نلنا التقدير؛ مما يحيل حبنا الطبيعي لذاتنا إلى فضيلة ~~أخلاقية. بمثل هذه الحجة المختلفة بشكل شديد عن حجته في «خطاب عن اللامساواة»، تتضح فائدة ~~حب الذات المتمايز عن الفخر والخيلاء اللذين يبدوان الآن من الآثار الفاسدة لا من صور ~~تجسيد هذا الحب (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # علاوة على ذلك، فإن خروجنا من مرحلة الطفولة تفرضه علينا بالقدر نفسه الطبيعة. وخلال ~~نمونا الجسمي، ننتقل تدريجيا من براءة الرغبة التي ما زالت غائبة إلى الرغبات الوليدة ~~لمرحلة البلوغ التي، مع زيادة وضوح مظاهر الاختلاف الجنسي، وبعزو العقل للأهمية له، تمثل ~~الميلاد الثاني للأطفال (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). كتب روسو ~~في الكتاب الرابع أن «نيران المراهقة لا تعد بالمرة عقبة أمام التربية، بل وسيلة لاستكمالها ~~وإتمامها»، موصيا المعلمين أن يجيبوا أسئلة الشباب عن الجنس دون إلغاز أو إحراج أو ضحك، ~~فهم بذلك يعدون وسيلة لإشباع الفضول الجنسي لدى المراهق وليس إثارتها (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وإثارة الرغبة الوليدة يفرض أيضا، إذا كان للمرء أن ~~يستلذ بها بالكامل، وجوب توجيهها بحيث يكتشف، إذا أراد الشاب أن يحظى بحب الآخرين، أنه يجب ~~أن يجعل نفسه محبوبا؛ وبذلك تنمي حاجته لممارسة الجنس نفسها اهتماما بعمل صداقات ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو ms117 عن التربية). هنا تحديدا، وكذلك في مواضع أخرى ~~من هذا العمل، يتعرض القراء لصور للتحول الداخلي للرغبات البشرية، تصل إلى ذروتها في ظل ~~أدنى قدر من المعوقات عندما لا يتدخل معلم إميل ليمد يد المساعدة. افترض روسو أن الباعث ~~الأناني للرغبة الجنسية تقوى شوكته إذ يسمو بفعل عاطفة الحب المتبادلة. وفي المقابل، ~~اختتم لوك، بعد تعليقه على منافع السفر إلى البلاد الأخرى، كتابه «آراء في التربية» والشاب ~~النبيل الذي يصوره على أعتاب الزواج، تاركا إياه بعدها في كنف زوجته وتحت رعايتها (آراء في ~~التربية). واختتم روسو أيضا جزءا يتناول الأسفار قرب نهاية كتاب «إميل»، ملاحظا أن كل ~~من رأى شعبا واحدا وحسب لا يعرف البشرية حق المعرفة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ ~~إميل، أو عن التربية). لكنه لا يضاهي لوك خجلا من تناول الجنس، بل كرس قسما من الكتاب ~~الرابع ومعظم الكتاب الخامس من «إميل» لاكتمال الجنس بالحب، ولإشباع الرجل والمرأة كل ~~لرغباته في الآخر. # شكل 5-4: «أول قبلة حب»، بريشة مورو الأصغر، وهي صورة تمثل عمل «إلواز الجديدة» ~~لطبعة بوبر من «الأعمال الكاملة» لروسو (بروكسل، 1774-1783). # قال روسو في الكتاب الخامس من «إميل» وهو يقدم إميل لرفيقته صوفي التي وعده إياها معلمه، ~~وكأنه يذعن، كالرب، لحاجة آدم إلى حواء: «خلقت المرأة خصيصى لإمتاع الرجل.» وإذ أنعم ~~عليها الرب بكل السمات التي تناسب حال جنسها ونوعها، جسميا وأخلاقيا (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، فهي متقلبة المزاج بطبيعتها، وتتعلم بالإخلاص البسيط ~~أيضا كيف تمسي متدينة. ولكن، بينما هي على دراية بمواهبها الفطرية، فلا تتوافر لها الفرصة ~~الكافية لصقلها، وترضى بدلا من ذلك بتدريب صوتها الجميل لتنشد بنغم عذب، وتعود قدميها ~~على المشي بسلاسة ولطف (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ورغم أن ~~صوفي، شأنها شأن غيرها من النساء، تنضج مزاجيا أسرع من الرجال، حيث تتشكل قدرتها على ~~الحكم على الأمور في فترة أسبق، فليس في مقدورها كالرجال بطبيعتهم البحث عن الحقائق المجردة ~~والتأملية، حيث إنها أكثر براعة ms118 في السفسطة. وبدلا من سبر أغوار العلوم القائمة على ~~الاستدلال، ينبغي على المرأة أن تمر عليها مرور الكرام، موظفة قدراتها الكبيرة في الملاحظة ~~بدلا من عبقرية الرجل الأكبر، وتولي القراءة اهتماما أقل من الاهتمام الذي توليه ~~للعالم على العموم الذي يعتبر «كتاب المرأة» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو ~~عن التربية). الجنس الناعم ليس ناقصا بأي حال من الأحوال؛ لأن النساء منذ الميلاد مساويات ~~للرجال ، وحتى سن البلوغ يتعذر إلى حد كبير التمييز بين الفتيات والصبية. لكن النساء ~~يختلفن عن الرجال جسميا، وفي نموهن الجنسي يبدون، إذا جاز التعبير، وكأنهن يحافظن دوما ~~على طفولتهن، ويعشن في حالة طبيعية باستمرار، وإن كانت ليست بريئة على الدوام، وغايتهن ~~الأساسية هي إنجاب الأطفال (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). فإعلان ~~إميل لمعلمه، في الفقرة الأخيرة من عمل روسو، أن صوفي حامل لا يبشر وحسب بسعادة ~~الأب، ولكن أيضا بتحقيق صوفي للغرض من حياتها خاصة بإنجابها تلميذا جديدا، يفترض إميل، ~~إن لم يكن روسو نفسه، أنه صبي وسيكلف معلم جديد شبيه بمعلم إميل بتربيته (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن صوفي ذات العقل الجميل لا العبقري، ~~والشخصية الرزينة لا العميقة، تجد تشجيعا فقط على أداء مهام بنات جنسها التي تحيط بها ~~علما (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وإذ تختلف النساء عن الرجال ~~في المزاج والشخصية، فلا ينبغي أن يشتركا في نوع التربية نفسه، بحسب استنتاج روسو (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # كان استقبال دعاة تحرير المرأة من نير عبودية الرجل وطغيانه لتلك التأملات، مماثلا ~~لذلك الخاص برئيس أساقفة باريس تجاه قسم «عقيدة كاهن سافوي». خلال الثورة الفرنسية، وإثر ~~إقرار «إعلان حقوق الإنسان» عام 1789، زعمت ماري وولستنكرافت أن تمييز روسو الزائف بين ~~الجنسين عضد إنكار الرجال على النساء الحقوق نفسها التي يتمتعون بها. وفي عملها «دفاع عن ~~حقوق المرأة» الصادر عام 1792، أعربت وولستنكرافت عن خيبة أملها فيمن كانت من المعجبين ~~بشدة بفلسفته التربوية، معتبرة ms119 تعليقاته على النساء في «إميل» متعارضة مع هجومه، في «خطاب ~~عن اللامساواة»، على الذين يخلطون ما بين الإنسان المدني والهمجي. لقد حول روسو النساء ~~إلى كائنات تستحق الشفقة التي تصل حد الازدراء، بحسب زعمها، مع شيء من الإنصاف الظاهري، إذ ~~استند إلى الحالة التي يرثى لها التي وصلن إليها كدليل على طبيعتهن الفطرية، وبذلك ~~شوه مشاعره القوية حيال الجنس البشري بملاحظات ساذجة عن قدمي صوفي الرقيقتين. # لكن وولستنكرافت جانبها الصواب عندما افترضت أن روسو نظر إلى النساء، استنادا إلى ~~نوعهن، بشفقة أو احتقار. على العكس تماما، فقد كان يعشق النساء، ويفتتن بصحبتهن، ~~وسحر لبه الحوار الممتع مع السيدة دي لوكسمبرج ولفتاتها الطيبة التي أسبغتها عليه في ~~مونتمورنسي، وتأثر أيما تأثر بالعاهرة زوليتا في البندقية التي أشارت عليه بازدراء أن «اهجر ~~النساء، يا جاكو، وادرس الرياضيات» عندما أحبط رغبته تأففه الجنسي من ثدييها ~~غير المستويين في لقاء وصفه في عمله «اعترافات» بأنه أكثر واقعة موحية وكاشفة عن شخصيته في ~~حياته كلها (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). ولدت رواية «إميل» إلى حد ما من ~~واقع عشق روسو لصوفي أخرى - صوفي دوديتو - التي كان لها مزاج مختلف وطبيعة متباينة عن صوفي ~~بطلة روايته، وكانت في واقع الأمر، أكثر من أي امرأة أخرى أثرت فيه، أبعد ما تكون عن متناول ~~يديه، ولم يصل إليها إلا بكلماته. كان روسو عادة ينظر إلى المرأة نظرة هيبة لا تهكم ~~وسخرية، حيث افترض أن أثرهن على الرجال كبير جدا لدرجة أنه عندما تتدنى طبيعتهن، كأن ~~يصبحن ممثلات، فإنهن يتحملن مسئولية انحطاط الأخلاق عند الرجال. ولقد كانت هذه ~~الفكرة المحورية لعمله «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» وهو أمر أسر به إلى ~~توسان-بيير لينييبس في رسالة بتاريخ 8 نوفمبر 1758 (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم 730). ~~قال روسو في هذه الرسالة إن «الرجال في كل مكان هم صنيعة النساء»، ناسبا للمرأة تأثيرا ~~على الحياة الأخلاقية للرجال يعزوه في عمله «اعترافات» بالقدر نفسه تقريبا إلى الحكومة. ~~وأكد روسو على أنه لا يجب ms120 الفصل بين الجنسين مطلقا؛ وذلك لأن كلا منهما يعول على الآخر. ~~وهي المسألة التي تتجلى بالقدر الكافي في عمله «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» ~~نفسه، حيث يؤكد على أن «المنزل الذي تغيب عنه ربته كالجسد الذي تغيب عنه روحه الذي سرعان ~~ما يصيبه العطب» (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ السياسة والفنون: رسالة إلى السيد ~~دالمبير عن المسرح). # في «إلواز الجديدة»، تمثل الرسالة رقم 18 من الجزء الثالث ، التي تتناول زواج جولي من ~~وولمار، الذروة الرومانسية والقسم المحوري للرواية كلها. وبالمثل في «إميل»، فإن الغاية ~~الأساسية للقسم الذي يتناول صوفي والنساء هي استكمال صورة تشكل هوية الإنسان من عزلته ~~الجنينية حتى الرابطة الزوجية الناجمة عن الاختلاف الجنسي. وغاية روسو الأساسية ليست إنكار ~~الحقوق المدنية لصوفي أو التربية الحرة لزوجها، بل بيان كيف أن الروح البشرية يستحوذ عليها ~~الحب، على غرار ما ذكره أفلاطون، «الفيلسوف الحقيقي للعشاق»، كما وصفه روسو في «إلواز ~~الجديدة» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة). غاية روسو أن يبين ~~لقرائه «كيف أن ما هو جسدي يفضي بنا، على نحو عفوي، إلى ما هو أخلاقي، وكيف أن أجمل قواعد ~~الحب تولد شيئا فشيئا من رحم التوحد الخشن بين الجنسين» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، حيث يتكون كيان أخلاقي، كامل النمو من الخصال التكاملية ~~للزوج والزوجة، لم يكن ليتحقق له التماسك لو تحدد دور المرأة فيه بشكل مستقل. وهذا التوحد ~~تحت مظلة الزواج، الذي يتحقق في بيئة طبيعية مدفوعة بحاجة جسدية وحب روحي للذات، يختلف ~~تماما عن تجمع المواطنين على الملأ في جمعية عامة سياسية، بحسب الوصف الوارد في «العقد ~~الاجتماعي»؛ فالحب في هذا التوحد يربط ما بين كل شريك وشريكه لا بينهما وبين الدولة. لاحظ ~~روسو في بداية الكتاب الأول من «إميل» أنه «عندما يخير المرء بين معارضة الطبيعة أو ~~المؤسسات الاجتماعية، يتعين عليه الاختيار ما بين أن يكون رجلا أو مواطنا»، معلنا، ~~بأسلوب شبيه، في بعض الملاحظات المتفرقة حول موضوع السعادة العامة: «قدم ms121 رجلا بالكامل ~~للدولة، أو اتركه بالكامل لطبيعته، ولكن عندما تشتت قلبه بين الاثنين، فإنك بذلك ~~تمزقه تمزيقا» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، ~~أو عن التربية). يجب أن ينزع تلميذ الطبيعة من المجتمع، ويترك لطبيعته، كما لو كان ~~يتيما (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). والكتاب الوحيد المناسب له، ~~وهو الذي سيشكل لفترة طويلة مكتبته بالكامل، هو رواية دانيال ديفو «روبنسون كروزو » (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). # الفصل السادس # | أحلام يقظة جوال # استنادا إلى دليل مستخلص من رواية «إلواز الجديدة» التي تصور أحداثها على اعتبار ~~أنها وقعت على مدار فترة تمتد لأكثر من 12 عاما بدءا من حوالي عام 1732، عرف أن روسو ~~ابتكر بطلا خياليا، يدعى سان-برو، يضاهيه عمرا بالضبط. ونسب روسو لهذه الشخصية ~~المحورية في قصته، كما أوضح في عمله «اعترافات» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات)، ~~أحاسيس راقية ونقاط ضعف في الشخصية ترجع إلى طبيعته، وإذ صوره باعتباره معلما جوالا ~~يراه والد جولي لا يستحق حبها لكونه أدنى منها منزلة، فقد أعطى الانطباع بوجود بطل ~~رومانسي منبوذ اجتماعيا، محكوم عليه بالتعاسة، ويستطيع القراء أن يروا فيه بسهولة ~~مؤلف النص. ولقد أثار هذا التوازي، إضافة إلى عدد من أوجه التشابه الظاهرية الأخرى بين شخوص ~~الرواية والشخصيات التي سكنت عالم روسو الخارجي، الشكوك من أن أشهر أعمال روسو في القرن ~~الثامن عشر وضع كتمثيل خيالي لأحداث عاشها روسو بالفعل، وإضفاء للمثالية على سيرته الذاتية ~~المعبر عنها في شكل رسائلي شائع آنذاك للأعمال الروائية الرومانسية. ولكن الأكثر دقة أن ~~نفسر العشق الثلاثي المتقطع بالرواية بين سان-برو وجولي وولمار، إضافة إلى الأحداث التي ~~تدور في فلكها علاقاتهم، باعتبارها تعبيرات عن أشواق دفينة لم يكد يستطيع روسو الإفصاح ~~عنها في واقع الأمر، ولم يشبعها بالقدر الكافي في حياته الشخصية. لقد سمح روسو، شأنه إلى ~~حد ما شأن معاصره ديدرو - الذي كثيرا ما اشتهر بكونه في قمة أوجه عبر شكل من أشكال ~~الإسقاط ينطوي على الإفضاء عن ms122 مكنون صدره وكأنه ينقل مزاعم أناس آخرين - لخياله الخصب على ~~نحو مميز بإضفاء شكل ملموس بقدر أكبر على العوالم التي يمكن أن يسكنها، والمشاعر التي ~~يقدر أن يسيطر عليها، في الخيال وحسب. # عندما شرع روسو في تأمل روايته، علق بأنه سمح لخياله، إلى حد كبير بسبب أن أوان الحب ~~قد فات، وجل آماله في إشباع رغبته الجنسية التي عجزت تيريز في أن تثيرها بداخله والتي ~~تبددت في منتصف عمره؛ بأن يأخذه إلى «عالم من الخيال»، عالم راق تسكنه أكمل المخلوقات ~~السامية فضيلة وجمالا، والتي تتحلى بموثوقية مخلصة لم يشهد مثلها بين أصدقائه على ~~الأرض. ولقد ولدت روايته «إلواز الجديدة» من رحم تلك الجاذبية السامية لمثل هذا «العالم ~~المسحور» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). وتكشف الرواية عن أسرار حب غامر، وقد ~~تمنى لاحقا أن يكون فعليا المفتاح للوصول إلى قلب صوفي دوديتو؛ ولكن رغم الشائعات التي ~~اكتنفت طبيعة هيامه بها - والتي اختلقتها السيدة ديبينيه الغيور، والتي سرعان، إلى جانب ~~عوامل أخرى، ما أفضت إلى أكثر أزمات حياته صعوبة، بما في ذلك انفصاله عن ديدرو وعزلته ~~في نهاية المطاف عن معظم أصدقائه الباريسيين - لم يستطع روسو اقتحام قلب صوفي كما سمح، في ~~مخيلته، لسان-برو وجولي أن يغوي كل منهما الآخر. ولقد ألهمت «الرغبة المتأججة» ~~و«الهذيان العاطفي» اللذان زعم روسو في عمله «اعترافات» أن صوفي هي التي أثارتهما فيه ~~تأليفه لاثنين من أكثر رسائله المحركة للمشاعر في روايته (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ ~~اعترافات)؛ واحدة عن البستان الخفي لوولمار وجولي بالملاذ الذي أسمته «الفردوس»، والثانية ~~عن اليوم الذي أمضاه سان-برو مع جولي في غياب وولمار في المياه وعلى ضفاف بحيرة جنيف ~~(الرسالتان رقم 11 و17 بالجزء الرابع، على الترتيب). قال روسو في «اعترافات» (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات) إنه بحلول شتاء عام 1756، هام بالفعل عشقا بالشخصية التي ~~ابتكرها في يونيو، حيث أغدق حبه عليها وعلى ابنة عمها كلير، وكأنها بجماليون ثانية. وألهمه ~~الظهور المدوي في حياته لصوفي في العام التالي، بعد لقاء عابر سابق ms123 لم يكن مؤثرا، استثمار ~~كل مفاتن جولي في رفيقته الجديدة أيضا؛ مما جعله لا يحلم إلا بصوفي نفسها حيث بدأ يشعر ~~بخفقات قلبه المتصاعدة وعاطفته المشبوبة لشيء أمسى الآن حقيقة وواقعا. # لم تكن صوفي من ناحيتها، رغم أنها تأثرت بوجوده الحميم بقدر ما تأثر هو بوجودها، مهتمة ~~به بالقدر نفسه. واختلطت آهاتهما وعبراتهما معا بينما غرقا في الحب، بحسب روسو؛ ~~غرق هو في حبها وهي في حب عشيقها الغائب، سان-لامبرت الذي التقى به روسو منفردا وبدأت في ~~الوقت نفسه براعم صداقة تنمو بينهما بالفعل. ولذا، لازم حبه لصوفي الذي كان من طرف واحد ~~دوما طرف ثالث أضفى مرارة على الفور على احتياج صوفي لروسو كشخص ثقة؛ مما جعل من المستحيل ~~بالنسبة إليه في الوقت نفسه، مع حبه لها الممزوج باحترام شديد، أن يسعى إلى امتلاكها. ولكن ~~بعد أن أثارت صوفي في نفسه كل الشوق الذي أحست به تجاه سان-لامبرت إثارة هي أشبه بضرب من ~~العدوى، استطاع روسو الآن أن يشبع رغبة مضاعفة فقط من خلال التفريغ العاطفي إذ وجه تلك ~~الرغبة إلى جولي، المرأة التي كان بإمكانه امتلاكها وحسب في مخيلته والتي نشأت من صوفي؛ ~~ولذا قال روسو إن عاطفة صوفي الحقيقية تجاهه كانت كأسا حلوة مسمومة تجرعها بجرعات كبيرة ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ اعترافات). لقد حصرت الأشهر الأربعة التي أمضاها الاثنان ~~معا، في حميمية عذبة يخفق لها القلب، بحسب تصريح روسو، والتي لم يشهدها مع أي امرأة أخرى، ~~في حدود الواجب الذي ترك فرضه لإنكار الذات روحه في حالة من التحفظ الواضح للبراءة ~~الجبرية، بحسب كلماته لها في الرسالة الرائعة التي أرسلها لها في أكتوبر 1757 (المراسلات ~~الكاملة، الرسالة رقم 533)، والتي صاغ لاحقا هذا القسم من «اعترافات» بناء عليها. ورغم ~~ذلك، كانت أحاسيسه متأججة جدا بتصورات لقبلة منتظرة منها لدرجة أنه عندما كان يمشي ~~بمحاذاة منحدرات آندلي قاصدا بيتها في أوبون الذي يبعد خمسة كيلومترات تقريبا عن ~~ليرميتاج، كانت أوصاله تتخبط، وجسده ينهار، ويعجز عن صرف انتباهه عنها والتفكير ms124 في شيء آخر، ~~فيريق منيه ويصل إلى بيت عشيقته التي لم يظفر بها خاويا من رغبته، متطهرا من النشوة ~~الغامرة لخياله الخاص، ليستثار مجددا فور أن تقع عليها عيناه بفعل «حيويته العقيمة دوما» ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). # شكل 6-1: السيدة دوديتو، بريشة كورو. # إذا كان بإمكان روسو في أعماله الروائية أن يختلق عالما متطهرا من مثل هذه التوترات ~~والإحباطات المرهقة، فقد سعى في كتاباته الأخرى وراء متع تبعث على السعادة بالقدر نفسه ~~بتطهير الحياة الأخلاقية من المؤسسات السيئة والمعتقدات المنحرفة التي اعتبر أنها تقف في ~~طريق الإشباع الذاتي للبشر لرغباتهم. ولقد كان للعالم الخيالي الذي بناه روسو في روايته ~~«إلواز الجديدة» والذي كان واهنا على الفور بسبب التوتر الدراماتيكي ولكنه كان أيضا ~~ساطعا برونق لا زخرفة فيه، نظير في موضع آخر بتفكيكه للعوالم المبهمة والقمعية التي كانت ~~مثاليات رواياته بديلا لها. في «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» التي خطها روسو ~~تقريبا إبان فترة تأليفه روايته «إلواز الجديدة» والتي كانت تحوي العديد من الأفكار ~~المتداخلة، قابل روسو بين سبل الترفيه النافعة ~~لجمهورية - تشبه جنيف إلى حد بعيد - تقام فيها ~~الاحتفالات البهيجة في الخلاء تحت غطاء السماء، وسبل اللهو الضارة لسكان مدينة كبرى - تشبه ~~كثيرا باريس - التي أفسد التراخي أهلها الخبثاء الكسالى، والتي تتحول بغية إمتاعهم إلى ~~وسائل للإلهاء تقوم على النفاق تؤدى على خشبة المسرح. لندع المشاهدين يمسون مصدر تسلية ~~لأنفسهم! هكذا علق روسو، بحيث يمنح كل منهم دور الممثل المشارك بقوة لا المشاهد المأسور ~~لبه وحسب، الذي يحب أن يرى نفسه في الآخرين، «بحيث يتوحد الجميع توحدا أفضل» (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الخامس؛ السياسة والفنون: رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح). لقد ~~أسفت شخصية جاك الحزينة في مسرحية شكسبير «كما تشاء» لأن «ما الدنيا كلها إلا مسرح»، ~~لكن جان جاك روسو كان سيسعد لو كان الأمر كذلك. # في «خطاب عن اللامساواة»، كان روسو قد شكل صورة للإنسان الهمجي لا تقل تطهرا بشكل ~~خيالي من شوائب وملوثات المجتمع عن تطهر ms125 جولي من العيوب الدنيوية لبنات جنسها. وفي «إميل»، ~~قدر لروسو لاحقا أن يبتكر شخصية كاهن خيالي بالقدر نفسه، وذلك عن طريق التجريد من ~~شخصيات حقيقية، تطرح فكرة تقديسه لرب غير غامض في الطبيعة باعتبارها تطهيرا روحيا ~~للإيمان الديني الحق من كل المظاهر الاحتفالية لأية كنيسة وثنية. وبينما «عالم الواقع له ~~حدوده، فإن عالم الخيال لا حدود له»، بحسب تعليق روسو في الكتاب الثاني من «إميل »، مضيفا ~~في الكتاب الرابع منه، ردا على قرائه الذين افترضوا أنه لا يحيا إلا في عالم الخيال ~~لدرجة أنه يراهم «دوما في أرض التعصب» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن ~~التربية). وأغلب أعمال روسو الرئيسية، الروائية منها وغير الروائية، دليل على صحة ملاحظة ~~جيمس بوزويل الواردة في رسالة بتاريخ 15 أكتوبر عام 1766 إلى ألكسندر دولير، بأن روسو كان ~~لديه أفكار «خيالية بالكامل، ولا تناسب شخصا في مكانته» (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ~~5477). إن هذه «الإثارة غير الطوعية» أو «الرغبة الشديدة» أو «الجنون السامي» أو «النار ~~المقدسة» أو «الهذيان النبيل» أو «الحماس الطاهر» التي يتحدث عنها روسو في فقرة واحدة وحسب ~~من الرسالة الرابعة في «رسائل أخلاقية» الموجهة إلى صوفي (الأعمال الكاملة، ~~المجلد الرابع)، تشعل انفصام قدراتنا عن صلاتها الدنيوية. ولاحظ روسو أنه بينما يزحف ~~عقلنا، تحلق روحنا. ولم يلهم أي كاتب من كتاب القرن الثامن عشر الحركة الرومانسية ~~التي ظهرت، ولا سيما في ألمانيا وإنجلترا، مع أفول عصر التنوير، بقوة مشاعره ونشوة أحلامه ~~وتلقائية خياله كما فعل روسو. # وحتى قبل أن تستحوذ أحلام يقظة روسو ~~الجوال على انتباهه في الأعمال الرئيسية التي يذكره العالم بها، فقد جذبته على نحو مثمر ~~جدا باتجاه الموسيقى، وهي الموضوع الذي أصر في عمليه «اعترافات» و«محاورات» أنه ~~خلق ليتناوله (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). وفي تأملاته عن عدم ملاءمة ~~اللغة الفرنسية للتعبير الموسيقي، وفي اعتراضاته على مزاعم رامو عن أولوية الانسجام على ~~اللحن، تصور روسو أن الموسيقى كانت في فترة من الفترات الشكل الغني الذي اتخذته لغة البشر ~~الطبيعية، ms126 الشكل غير المتكلف التلقائي، الفاتن في نطقه فتنة جمال جولي كلما تصورها في ~~مخيلته. إن الجملة الموسيقية الواضحة، التي تنشد بثقة بعبارات مصرفة وخالية من الجماليات ~~الأوركسترالية وأوبرالية ومنغمة، كانت في بعض الأوجه أشهر الصور الخيالية الشعبية التي ~~استدعاها روسو على الإطلاق لسبل التعبير الذاتي العتيقة للبشر؛ اللغة البدائية المفقودة ~~للكلام الحر. وإذ إنها مجردة من الزعم بأن النظامين السائد ودون السائد للسلم ~~الموسيقي الغربي كانا راسخين في كل شكل من أشكال الموسيقى، فمن الممكن إرجاع طبيعتها ~~الأصلية في فلسفته إلى جذورها الشعرية أساسا، وتحولاتها التدريجية من فن قديم إلى علم حديث ~~يمكن إعادة تحديدها على غرار معالجته للتدجين الذاتي للبشرية بطرق أخرى. # لكن أصول الموسيقى الحديثة والغربية لم تكن بعيدة جدا كأصول اللامساواة، وبالتالي كان ~~روسو قادرا على تقييم مسار تطورها بأسلوب أقل تخمينا بكثير. لقد نمت إسهامات روسو ~~بالفعل ل «الموسوعة» عن إلمام كامل بتاريخ الموسيقى وللأنواع الموسيقية المختلفة، ولا سيما ~~النظرية الموسيقية المعاصرة، حيث تناول أفكارا في مقالاته «الموسيقى المصاحبة» و«التنافر ~~الموسيقي» و«الجهير الأساسي» التي أسهبت إلى حد كبير في عرض آراء رامو الخاصة حول التعديل ~~النغمي ورنين النغمات التوافقية لنغمة موسيقية مفردة؛ مما دفع بديدرو ودالمبير للزعم، في ~~المجلد السادس من «الموسوعة»، بأن رامو هاجم بفظاظة رجلا كان في واقع الأمر مخلصا إلى حد ~~كبير لمبادئه. وحتى في النسخ المطولة من هذه المقالات التي ضمنها «قاموس الموسيقى» عام ~~1767، لم يخف روسو أنه يدين بشدة لعمل رامو «نظرية الانسجام» الذي نشر عام 1722. ولكن ~~لكي يلتزم بالموعد النهائي المبدئي لديدرو، اضطر روسو إلى الانتهاء من مقالاته الأصلية في ~~غضون ثلاثة أشهر وحسب، وسعى طويلا لاغتنام فرصة للعودة إليها والإسهاب فيها، وتناول أوجه ~~الاختلاف بينه وبين رامو حيثما وجدت، والإسهاب في الأفكار التي كان عاجزا عن بحثها في ~~السابق. # وضع روسو «قاموس الموسيقى» كمرجع، ولم يثر هذا العمل فيه شطحات خيال كما فعلت أغلب ~~مشروعاته الأخرى التي التفت إليها في ليرميتاج بعد أن رحل عن باريس. ولهذا السبب، كما ms127 أعلن ~~في «اعترافات»، نحى هذا العمل جانبا بينما كان يخرج للتجول يوميا، مما أفرخ أحلام ~~يقظته، وبشكل استثنائي طور أفكاره الخاصة بهذا العمل وهو جالس داخل معتزله في وقت هطول ~~الأمطار (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ اعترافات). ورغم ذلك، فإن هذا العمل يعد ~~واحدا من أبرز أعماله، حيث يتسم بالشمول في معالجته للموضوعات التاريخية والفنية والنظرية، ~~ولم ينحصر وحسب في تبسيط تعقيدات مبادئ رامو للقارئ العادي، كما حاول دالمبير أن يفعل ~~أيضا، بل قدم تعليقات مهمة ومنقحة تنقيحا دقيقا حول الممارسات القديمة والوسطى والحديثة ~~للتدوين الموسيقي في مقالته «النوتات الموسيقية»، ودراسة جديدة حول تاريخ الدراما الغنائية ~~(التي خصصت في «الموسوعة» بدلا من ذلك لجريم تحت عنوان «القصيدة الغنائية») في مقالته ~~«الأوبرا»؛ وتحليل للنظرية الموسيقية لتارتيني في مقالته «النظام». لقد كتب تشارلز بيرني، ~~الذي سبق أن ترجم النص الأوبرالي لأوبرا روسو «عراف القرية» إلى الإنجليزية، وسماها ~~«الداهية»، في مؤلفه «التاريخ العام للموسيقى» دفاعا عن روسو ضد نقاد كل من «رسالة عن ~~الموسيقى الفرنسية» و«قاموس الموسيقى»، بينما قيل إن روسو نفسه، الذي لا شك في أنه وضع ~~تقييما مختلطا لأوبرا «ألسيست» لجلوك (1767)، اقترح أن مسرحية «إيفيجينيا في أوليس» ~~(1774) لجلوك، بنصها الفرنسي، ربما دحضت زعمه بأنه من المستحيل تأليف موسيقى لكلمات ~~فرنسية. # ولكن، حتى في «قاموس الموسيقى» كرر روسو وأضاف زخما لأفكار ألهبت مخيلته لأول مرة في ~~أواخر أربعينيات القرن الثامن عشر وأوائل خمسينياته. ففي مقالة جديدة تسمى «الترنيمة ~~الدينية»، لاحظ أنه عندما شرع المسيحيون في بناء الكنائس وإنشاد المزامير والتراتيل فقدت ~~الموسيقى القديمة كل حيويتها. ومن الكتاب المقدس والمصادر الكلاسيكية، ولا سيما ~~الفيثاغورثيين، أضاف روسو في مقالته «الموسيقى» - مكررا تعليقات سبق أن ذكرها في ~~«الموسوعة» ومسترجعا أفكار كتاب «القوانين» لأفلاطون - أننا نعرف أن كلا من القانون ~~الإلهي والبشري، وكذا العظات التي تحض على الفضيلة، كانت تنشدها الجوقات شعرا، حيث لم تكن ~~هناك وسيلة أخرى أكثر فاعلية لتعليم الناس حب الفضيلة. إن أي شيء يمكن استثارته في الخيال ~~ينبع من قوة الشعر التي نشأت ms128 منه الموسيقى قبل ذلك، هكذا زعم روسو في مقالتيه «المحاكاة» ~~و«الأوبرا»، ذاكرا في كل مقالة افتقاره لتقدير القوى الانفعالية للرسم وتمييزه العقيم لها ~~في مقابل حساسيته تجاه الموسيقى؛ ولعل هذا أكثر أوجه الاختلاف تجليا بين حكمه الجمالي ~~وحكم ديدرو. على العكس من الرسم الذي يلهم حاسة البصر لدينا وحسب، بحسب زعم روسو، تنقل ~~الموسيقى العين إلى داخل الأذن، وتصور حتى أشياء خفية ، كالليل والنوم والعزلة والسكوت، ~~وأحيانا ما تخلق الضوضاء أثر السكينة المثالية بينما ينتج السكون أثر الضوضاء، الأمر الذي ~~يعلمه تمام العلم الذين تأخذهم سنة من النوم أثناء محاضرة مملة ويستيقظون لحظة أن تنتهي. ~~استمر اهتمام روسو بالموسيقى طوال حياته، ولا سيما أنه، بعد أن قرر حوالي عام 1750 أن ~~ينسخ النوتات الموسيقية كي يضمن دخلا منتظما ومستقلا، اعتمد على هذه الوظيفة، وحتى ~~نهاية حياته تقريبا، كمصدر من مصادر الدخل القليلة التي استطاع التعويل عليها ككاتب حريص ~~على أن يرفض كل أشكال الإحسان أو الإعانات، فتفادى بذلك الديون التي كان من الممكن أن تقيد ~~حريته. وفي حالة الضياع الشديدة التي هرب وهو يعانيها أخيرا من إنجلترا ربيع عام 1767، ~~أقنعه هيوم رغم ذلك بقبول هدية من الملك جورج الثالث الذي أمسى في نهاية المطاف أكثر ~~جنونا، وفي الوقت المناسب، وبما يتعارض مع مبادئه، تلقى روسو مبلغ 50 جنيها إسترلينيا ~~دون أن يقدم شيئا في المقابل. وظهر تدوينه لنغمات صينية في «قاموس الموسيقى»، المستقاة ~~من عمل «وصف الصين» لجون-باتيست دو هالد عام 1735، في كل من مقدمة ويبر لأوبرا «توراندوت» ~~وأوبرا هيندميث «تحولات سيمفونية». # شكل 6-2: «نغمات صينية» من «قاموس الموسيقى» (باريس، 1767). # ومرة أخرى، أصبح روسو في فرنسا، على مدار ~~السنوات الثلاثة التالية، في مخيلته وفي الواقع جوالا رهينة للحظ، مسافرا سرا باسم ~~السيد «رينو» وبرفقته مديرة منزله التي قيل إنها أخته. أصبح الآن أكثر عشاق الحقيقة في عصر ~~التنوير صراحة ووضوحا، الذي كرس كل طاقاته لإماطة اللثام عن النفاق، يعيش متخفيا ~~مسافرا من تري على حدود نورماندي إلى بورجوان ومونكان في ms129 دوفين ومنها إلى ليون وأخيرا ~~باريس؛ حيث عرج في طريقه إلى قبر السيدة دي وارين في شامبري، وسرعان ما تزوج بعدها من ~~تيريز، وهو في حالة من الضياع والتنقل صارت أكثر خفية بكثير بفعل راعيه الرئيسي آنذاك، ~~الأمير دي كونتي - الذي كان سجانا في واقع الأمر متخفيا في هيئة راع - بينما تجاهلت ~~السلطات التي كان روسو يسعى لتجنبها الأخير ظنا منها أنه أحمق وليس خطيرا. في تلك الفترة ~~تحديدا التفت روسو إلى موضوع علم النبات، وهو أكثر ما أولع به خلال سنواته الأخيرة. في ~~موتييه، وبعد رحلته من مونتمورنسي، كان قد تعرف بالفعل على عالم نباتات بارز يدعى ~~جون-أنطوان ديفيرنوا، وقام هناك بالعديد من الجولات النباتية المطولة في الريف المحيط ~~بالمدينة بصحبة البارون المجري المزيف إجناز دي سوترسهايم، بيير لوتي عصره، الذي كانت ~~حياته أكثر خيالا من جميع خيالات «إلواز الجديدة». وفي ستافوردشير، جمع روسو نباتات ~~السرخس والطحالب. ولكن في أواخر ستينيات القرن الثامن عشر، وسواء وحده أو بصحبة مجموعة من ~~الرفاق، في المناطق النائية من تري وليون وجرونوبل وبورجوان ومونكان، شرع روسو في تخصيص ~~أغلب وقته لدراسة النباتات؛ الأمر الذي أثار شكوكا أحيانا بأنه مشعوذ. # شكل 6-3: روسو يتعاطى مع الأعشاب، بريشة ماير. # إبان عودته إلى باريس صيف عام 1770، باشر مهنة النسخ الموسيقي كل صباح، وفي فترات ما ~~بعد الظهيرة كان يدرس النباتات والأعشاب خلال جولاته الطويلة سيرا على الأقدام خارج ~~المدينة. وفي تواريخ متعددة بين عامي 1771 و1773، كتب روسو ثماني رسائل طويلة عن ~~موضوعات نباتية للسيدة مادلين-كاثرين دولوسير، التي بدأ في مصادقتها إثر لقاء جمع ~~بينهما سابقا في ليون، وكان يتمنى أن يثير الفضول الطبيعي لابنتها ذات الأربع سنوات ~~بتشجيعها على الاهتمام بالنباتات. لقد أثارت تلك الرسائل، المتبوعة على مدار السنوات الأربع ~~التالية بست عشرة رسالة أخرى تتناول أفكارا شبيهة لأشخاص أخرين (نشرت كلها مع الأعمال ~~الكاملة لروسو عام 1782) اهتمام توماس مارتن، أستاذ علم النبات بجامعة كامبريدج الذي احتل ~~منصبه لثلاثة وستين عاما، وخلال جزء من تلك ms130 الفترة على الأقل استخدم ترجمته الخاصة لتلك ~~الرسائل في مناهجه التربوية؛ واستعان بها أيضا الرسام بيير جوزيف رودوتيه الذي رسم صورا ~~لها لطبعة فاخرة من الكتابات النباتية لروسو نشرت أوائل القرن التاسع عشر. وخلال تلك ~~الفترة تقريبا، جمع روسو أيضا قاموسا للمصطلحات النباتية، لكنه لم ينته منه قط. وواصل ~~أيضا جمع عينات الأعشاب للمعشبة التي انكب على إنشائها بالفعل في السابق، والتي لم ~~يبق منها إلا القليل، ولو أن المجموعة الأكبر على الإطلاق، وتشكل 11 مجلدا، دمرت مع ~~المتحف النباتي ببرلين في الحرب العالمية الثانية. # يبدو الاهتمام المكتسب لروسو بعلم النبات خيارا مهنيا منطقيا لرجل تجلت إمكاناته ~~وقدراته أيما تجل بينما كان يمشي، فلا يعمل عقله إلا مع حركة رجليه، بحسب ~~ملاحظته في «اعترافات» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). هنا، أخيرا، استطاع ابن ~~الطبيعة المتقدم في السن أن يتفاعل مباشرة مع مشهد الخلق العظيم الذي طالما وقف قبالته ~~في هيبة؛ شأنه شأن إميل الأصغر سنا، على مشارف الرضا، وقوته وإرادته في حالة توازن. ~~كان هنا موضوع يمكن أن يملأ ألوانه وعبقه مخيلته، فردوس طبيعي من حب النباتات كذلك الذي ~~أغوى بالمثل الشاعر أندرو مارفيل قبل قرن من الزمان. في الجولة الثانية من عمله «أحلام يقظة ~~جوال منفرد»، تذكر روسو المتعة العذبة التي أحسها وهو يرى ويعدد النباتات التي ما زالت ~~مزهرة في المروج الواقعة بين مينيلمونتون وشارون على مقربة من باريس، والتي يشغل الآن جزءا ~~منها مقبرة بير لاشيز (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). وفي الجولة ~~السابعة التي خصصها إلى حد كبير للأشجار والنباتات التي تعتبر «لباس الأرض»، تغنى ~~روسو بذكرى صدع جبلي حيث عثر على نباتات مثل حشيشة الأسنان وبخور مريم، وسمع نعيق العقاب ~~والبومة القرناء، وذلك في ركن بالأرض خفي بشكل كبير لدرجة أنه عندما جلس على حشيات من ~~الليكوبوديوم راوده حلم بأنه عثر مصادفة على أكثر ملذات الكون برية وأبعدها على ~~الإطلاق، بعد أن أماط اللثام، ككولومبوس ثان منفرد، عن مأوى لن يسعى مضطهدوه ms131 للبحث عنه ~~فيه أبدا (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). هنا كان «الفردوس» ~~الخاص بروسو، الملاذ الذي اكتشفه في رحلة استكشافية نباتية قام بها على مقربة من موتييه ~~حوالي عام 1764، الملاذ الذي استلهمه أصلا في ربيع عام 1757 بظهور صوفي دوديتو في حياته، ~~ووصفه في «إلواز الجديدة»، بألفاظ شبيهة بشكل مدهش، باعتباره البستان السري لجولي، معتبرا ~~إياه «أكثر أركان الطبيعة برية وعزلة» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز ~~الجديدة). لقد انتقل حبه لصوفي من قلب ظلمة آسر إلى آخر، على نحو جعل حياته الشخصية تحاكي ~~فنه. فبداية من الإثارة الحسية والرواية واسترجاع الصور المنقولة حاليا، استطاع روسو - في ~~هذه الجوانب وفي جوانب أخرى عدة يعتبر مارسيل بروست القرن الثامن عشر - أن يجعل علم ~~النبات خاصته وأحلام يقظته يتردد صداهما في صوت واحد. # لم يكن روسو ميالا بشدة هكذا لدراسة النباتات. فلو كان قد سار في ركب كلود أنيت، متخصص ~~الأعشاب الشاب الذي وظفته السيدة دي وارين في شامبري والذي شاركه حبها، لكان قد أمسى ~~عالما بارزا في النباتات، بحسب تعليقه. ولكن، نظرا لغفلته عن سحر هذا العلم ومفاتنه، فقد ~~ترك نفسه فريسة للتحيز الشعبي بأن علم النبات شأنه شأن علم الكيمياء أو علم التشريح يرتبط ~~بالطب أو علم الصيدلة ولا يناسب إلا الصيادلة، بحسب زعم روسو في «اعترافات» و«أحلام يقظة ~~جوال منفرد»، وحتى في مقدمة قاموسه للمصطلحات النباتية (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ ~~الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ اعترافات؛ أحلام يقظة جوال منفرد). لكن روسو أدرك لاحقا ~~أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. وأي علم آخر كان يمكن أن يقضي فيه وقته؟ وكيف كان له أن ~~يطارد الحيوانات لكي يخضعها بالقوة وحسب إن استطاع أن يمسك بها، وبعد ذلك يقوم بتشريحها كي ~~يفهم كيف تجري؟ ولو كان أضعف من اللازم، لقام بلا شك باصطياد الفراشات بدلا من ذلك؛ ولو ~~كان أبطأ من اللازم، لبحث عن القواقع والديدان. لكن كل هذه الجثث المتعفنة، والهياكل ~~العظمية المروعة والأدخنة الضارة لم ms132 تكن تناسبه. ولم يتمن أيضا، بمساعدة الأدوات ~~والآلات، دراسة النجوم. لكن الأزهار زاهية الألوان والظلال المنعشة والجداول والغابات ~~والمروج والمساحات الخضراء طهرت خياله، بحسب ملاحظته في الجولة السابعة من «أحلام يقظة ~~جوال منفرد». وجعلت الطبيعة نفسها النباتات في متناول البشر، حيث نبتت تحت أقدام الإنسان ~~الذي استقر عقله عندها بالفعل (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال ~~منفرد). # شكل 6-4: صورة للسيدة دي وارين في نقش من القرن التاسع عشر للورو. # وبالطبع يجب عدم الخلط بين الدراسة ~~الدقيقة والمنضبطة للنباتات والأحاسيس المحببة التي تلهمها، بحسب اعتراف روسو في قاموسه ~~(الأعمال الكاملة، المجلد الرابع). لقد كان علم النبات، بحسب فهم روسو له، علما تصنيفيا ~~بشكل جوهري، وهو إن لم يحلل الأشياء التي تدرسها بضرورة الحال فهو يسعى رغم ذلك إلى ~~تصنيفها وتحديد الغاية من تنظيمها الداخلي، وذلك وفقا لملاحظات روسو في «أحلام يقظة جوال ~~منفرد». وفي كل من قاموسه ورسائله النباتية يصرف روسو بالتالي انتباهه إلى أجزاء الفاكهة ~~والأزهار - مدقات الأزهار، وكئوسها وعناقيد النباتات - التي تعرف على اسمها ووظيفتها ~~من العديد من المراجع، ولا سيما «نظام الطبيعة» و«فلسفة النباتات» و«مملكة النباتات» ~~للينيوس، عالم النباتات البارز في القرن الثامن عشر الذي راسله روسو ذات مرة، علاوة على ~~مقالة بقلم أبرز محرري لينيوس، ويدعى يوهان أندرس موراي. وأحيانا كان روسو يخلط ما بين ~~وصف نبات أو جزء ما بآخر، وكان في بعض الأحيان يسيء فهم المبادئ التي اقتبسها من الآخرين. ~~وبالإضافة إلى ذلك، ربما لأنه فضل دراسة النباتات على الحيوانات، لم يخطر أبدا بباله ~~أنه يجوز التمحيص فيها هي الأخرى من حيث تاريخ تكاثرها الطبيعي أو الصناعي، على نفس النسق ~~الذي اتبعه من قبل بوفون في تعليقاته على اضمحلال الأجناس الذي سحر لبه بشدة في روايته ~~لتطور البشرية في «خطاب عن اللامساواة». وبالنسبة إلى الاستقصاءات النباتية، وإن لم يكن ~~لعلم الطبيعة البشرية، كان مثله الأعلى لينيوس لا بوفون. ومع ذلك، فقد كان إلهامه ~~إلهام رجل يصل عقله وأحاسيسه لأوج نشاطها عندما يكون منعزلا ms133 وفي الخلاء يجول محتفيا ~~بالطبيعة. قال روسو في «أحلام يقظة جوال منفرد» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة ~~جوال منفرد): إن علم النبات المادة الدراسية المثالية للإنسان الكسول المنعزل العاطل عن ~~العمل. # لكن علم النبات لم يكن المجال الوحيد ~~الذي التفت إليه روسو في عزلته التي فرضت على الفور عليه بفعل قطيعته عن المجتمع، والتي ~~استلذها في الوقت نفسه بسبب الحرية التي كفلتها لشطحات خياله . وظل هناك موضوع آخر في ~~سنواته الأخيرة شعر بجاذبيته واستقطابه له بقوة أكبر؛ لأنه لم يكن مفر منه، ولأن التأمل فيه ~~طالما أمده بالعين الناقدة التي سعى وراء كل شيء خلافها من خلالها؛ ألا وهو نفسه. زعم ~~روسو أنه حوالي عام 1760 فكر في كتابة سيرته الذاتية لأول مرة، وبحلول عام 1765؛ حيث كانت ~~كل الأعمال الرئيسية التي أنجزها منذ عقد مضى تقريبا في ليرميتاج إما تحت الطبع وإما ~~جاهزة للطبع وإما مهجورة، التفت روسو لكتابة عمله «اعترافات» بجدية ودأب وجمعها أساسا من ~~مراسلاته الضخمة، بما في ذلك نسخ أو مسودات من رسائله الخاصة التي احتفظ بها. ولما كان ~~بعض أصدقائه السابقين الموقنين بأنهم لن يسلموا من أذاه على دراية بأساليبه وبلاغته ~~وتحيزه، فقد تحوطوا محاولين التشهير به على نحو مسبق أو ردا عليه، وعلى رأسهم السيدة ~~ديبينيه التي اتهمها روسو بغير حق بالرياء والخيانة رغم مواساتها له وعاطفتها تجاهه بعد أن ~~وفرت له أول ملاذ في حياته. لم تستدع قط رعونتها التي تدور في فلك هيام روسو بصوفي ~~اتهاماته البشعة لها، لكنها كالت له الصاع صاعين بسبب فظاظته حيث وضعت يدها في يد ~~ديدرو وطالبت بحظر رسمي لقراءات روسو العامة من مخطوطة «اعترافات»، وحصلت عليه، بعد ~~عودته من باريس، وبعون من جريم وديدرو، كما يتضح لنا من الأوراق الوحيدة المتبقية منها، ~~أعادت تجميع، بل وأعادت صياغة الرسائل التي تبادلتها مع روسو خلال انفصالهما، بحيث يظهر ~~بمظهر الغدار المخادع طوال فترة علاقتهما، في الرواية التي أوردتها في أعمالها الشبيهة ~~بالمذكرات والمنشورة بعد وفاتها عام 1818 باسم ms134 «قصة السيدة دي مونبريان». شرع خصوم روسو، ~~إلى حد ما في محاولة لحماية أنفسهم من اتهاماته اللاذعة، ولكن أيضا بدافع الازدراء الحقيقي ~~والمتزايد لرجل بدا غروره الصارخ بالنسبة إليهم لا حدود له، في ممارسة مجموعة مختلفة من ~~الحيل للقدح فيه والنيل من سمعته، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال لا لتأكيد ارتيابه ~~الأصلي وحسب في شخصيتهم، بل وكذلك شكوكه المتعلقة بوجود مؤامرة تحاك ضده لتشويه سمعته. في ~~تاريخ الحضارة الغربية، لم تفق أي شخصية بارزة قط روسو في قدرته على الخلط ما بين ~~الرعونة والنوايا السيئة؛ مما أفضى لاحقا إلى تبعات متصاعدة بشكل مخيف. # شكل 6-5: بورتريه لروسو بريشة رامزي. # وفي مؤلفه «روسو يحاكم جان-جاك»، المشهور بعنوانه الفرعي «محاورات»، والمكتوب بشكل أساسي ~~في الفترة ما بين عامي 1772 و1774، ترك روسو لجنون اضطهاده الذي أمسى مرعبا آنذاك ~~العنان. قال روسو عن نفسه على لسان متحدث يدعى «الفرنسي» إنه كدب يجب تكبيله بالأصفاد ~~كي لا يفترس الفلاحين (الأعمال الكاملة، المجلد الأولى). وبما أن قلمه المسموم أصبح مخيفا ~~بهذا القدر، فكيف للنبلاء الذين يخشون عدو البشر الوحشي هذا ألا يتآمروا بكد ودأب ~~شديدين من أجل مطاردته (الأعمال الكاملة، المجلد الأول)؟ وإذ يحاول أن يتكلم عن نفسه من ~~خارجها، شيد روسو هنا شخصية مغايرة لا تستطيع استعادة تلقائية مشاعرها ولا البرهنة على ~~أصالة دوافع الرجل الذي كانت عليه، ما دام الولوج إلى شخصيته معدوما بفعل إقصائها عن ذاته ~~كمؤلف أمسى الآن متمايزا حتما بغيريته عن موضوع عمله نفسه. ولقد قدر أن ينشر مؤلف ~~«محاورات» عام 1780 في ليتشفيلد، محل ميلاد صامويل جونسون. وإذ وضع روسو المحاورات ~~استنادا، بقدر أكثر اضطرابا، إلى الجانب الأكثر جموحا للعقل مقارنة بأي من أعماله ~~الأخرى، نراها تشكل نصا حاول روسو نقله للبشرية من طريق إزالة الأثقال عن الكاهل، ~~ساعيا إلى تركها في يد القدر بوضعها على مذبح كنيسة نوتردام، ليكتشف فجأة أن الجوقة ~~محبوسة، فكبت التماسه للعالم بذلك في مهده، حتى إنه حرم من التملص من نفسه. في ~~السنوات ms135 الأخيرة، جذبت تلك المحاورات انتباه ميشيل فوكو خاصة الذي قدمها في طبعة حديثة. ~~لكنها نادرا ما تجد لها قراء الآن، ونادرا ما يقرؤها القارئ دون أن يحس بالألم. # العمل الأخير الرئيسي لروسو، «أحلام يقظة جوال منفرد» الذي بدأه في عام 1776، ولم يكن قد ~~انتهى منه إبان وفاته، له طبيعة مختلفة اختلافا جذريا. ففقرته الافتتاحية، وهي من بين ~~أكثر ما كتبه إثارة للمشاعر، ترصد محن حياة تخلصت الآن من توتراتها، وقدمها روسو وكأنها ~~الأسطر الأخيرة من عمله، مسترجعا فيها كل ما حدث من قبل: «الآن، أنا وحدي إذن في هذا ~~العالم، بلا أخ ولا جار ولا صديق، ولم يبق لي رفيق سوى نفسي. أكثر الناس اختلاطا بالناس ~~وأكثرهم حبا لهم نبذه الآخرون جميعا باتفاق جماعي بينهم» (الأعمال الكاملة، المجلد ~~الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). وفي سلسلة من عشر نزهات أو جولات، تختتم بالرجوع إلى «أمه» ~~المحبوبة والسلام الرائع الذي استمتع به معها في شبابه، كرر روسو عدة أفكار عن اغترابه ~~وعزلته عن المجتمع مستخلصة من كتاباته الأخرى؛ حيث صور العقل الجوال لرجل عجوز وقد استعاد ~~كل قدراته، منقلبا على عقبيه إلى الأبد. وتمثل جولتاه السابعة والتاسعة، والخامسة بخاصة، ~~القلب الروحاني لعمله - فتكشف السابعة برية فردوسه النباتي، وتشكل التاسعة أسفه على ~~عدم ديمومة السعادة، ويسترجع في الخامسة جنة مائية على معتزل في جزيرة - وتلك الجولات تؤلف ~~في واقع الأمر على التوالي السيمفونيات الرعوية والملحمية والكورالية لأحلام يقظة روسو. وفي ~~الجولة التاسعة، حاول روسو أن يجد لنفسه عذرا لهجرانه أطفاله، ويصف التهور الصبياني ~~لشخصيته، وكذا السعادة التي لا تقاوم التي تنتابه إذ تقع عيناه على الوجوه السعيدة. لكن ~~طوال الجولة، تبنى روسو نبرة استسلام كئيب لقدره، مصرا على أن كل خططنا لتحقيق السعادة ~~محض خيال؛ لأنه ما من طريقة دائمة يضمن بها الإنسان الرضا. # شكل 6-6: «بسطت الطبيعة أمام أعيننا كل عظمتها»، بريشة مورو الأصغر، وتمثل صورة ~~لمؤلف «إميل» لطبعة بوبر من «الأعمال الكاملة» لروسو. # وفي الجولة الخامسة، بدا أنه يطرح مشاعر مماثلة ms136 بتأكيد أكبر، قائلا إن «كل شيء في حالة ~~تبدل مستمر على هذه الأرض»، ومشاعرنا، انطلاقا من كونها مرتبطة بأشياء خارجنا، تتغير لا ~~محالة وتموت مع ما ترتبط به، ومتعنا الدنيوية ما هي إلا مخلوقات عابرة لحظية (الأعمال ~~الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). ورغم ذلك، ففي الجولة نفسها، إذ يسترجع ~~رحلته من موتييه في سبتمبر 1765، عندما اتخذ من جزيرة سان-بيير ملجأ في وسط بحيرة بيين، ~~استحضر روسو صورا لملاذ محمي بديع المنظر جدا لدرجة أنه كان من الممكن أن يكتب عن كل ~~ورقة عشب في مروجه، وكل أشنة تغطي الصخور، حيث كان يمضي فترات الظهيرة في استكشاف نباتات ~~الصفصاف والبرسيكاريا والشجيرات بكل أنواعها، أو كان يستلقي ممددا في قارب جانح حيثما ~~تسوقه المياه، «منغمسا في آلاف أحلام اليقظة المشوشة والممتعة رغم ذلك»، في معتكف من ~~السعادة الشديدة التي كان سيرضى بالعيش فيه طوال حياته، «دون رغبة ولو للحظة في أي مكان ~~آخر» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). وكما تستبدل جولته السابعة ~~بفردوس جولي ماضيا يفترض الآن أنه كان خاصا به، تفعل جولته الخامسة حيث تنقل نزهة يوم ~~خيالي على ضفاف بحيرة جنيف - الذي وصفه سان-برو بالمثل بتفصيل مماثل بشكل مذهل باعتباره ~~«اليوم الذي عاش فيه أكثر المشاعر حيوية في حياته كلها» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ ~~جولي أو إلواز الجديدة) - إلى معتزل بجزيرة ذي جمال شديد معزول بفعل الطبيعة نفسها عن ~~الاضطرابات المختلقة للحضارة المعاصرة. وإذ فر روسو من الأزمات الدنيوية لحياته عبر ~~أحلام اليقظة، استطاع أن يذيب كل الاختلافات بين التذكر والاختلاق. وإذ انتقل روسو بفعل ~~خياله الشخصي، وحمل معه إلى عالم روحي من النعم النقية كالتي وصفها في رسالته الثالثة ~~لماليزيرب، فقد استطاع أن يسكن عوالم بديلة ذات صفاء مثالي تناسبه بشكل ~~متفرد. # في كتاباته الرئيسية، وفي المجالات ~~المتعددة التي تتناولها، سعى روسو إلى محاولة تحقيق تلك المثل بالإطاحة بكل المؤسسات التي ~~حالت دون تحققها، بحيث استطاع من خلال عملية السلبية السامية إنارة عوالم من ms137 الخطاب غير ~~النثري والموسيقى غير المزخرفة، والطبيعة البشرية في غياب المجتمع، والتربية من دون مربين، ~~ومدينة من دون مسارح، ودولة بلا قوانين، وكيان مقدس دون كنيسة. وبواسطة مثل هذه الارتدادات، ~~لم يفترض روسو رؤى متنوعة للتحقيق الذاتي للإنسان في حالة من الحرية غير المقيدة فحسب، بل ~~وفصل نفسه أيضا بشكل أكثر دراماتيكية عن عصر التنوير الذي كان يعيش فيه؛ حيث بدا أقل ~~تقييدا بالفرضيات المسبقة لخطابات ذلك العصر وتقاليده من أي مفكر بارز آخر في عصره. وما ~~زال صوته الناقد بعناد في بعض تجلياته يتكلم بحماسة لم تتزعزع بعد أكثر من مائتي عام على ~~وفاته. وكثيرا ما يدين الفلاسفة والكتاب الحداثيون وما بعد الحداثيين على حد سواء بشكل ~~كبير لأعماله، أحيانا يأنفون الإقرار به، وفي أكثر الأحيان بالفعل يعتنقون وجهات نظر، في ~~صيغ سابقة، سبق أن اعترض عليها بنفسه. في مسعى روسو وراء لغة تتسم بالصدق المحض، في نموذجه ~~المثالي للفاعلين المتواصلين حقا الذين يشتركون بأفعالهم الخطابية، ويساهمون بالكامل في ~~التعبير عن الاختيار العام، يمكن العثور على تنبؤات بالفلسفة السياسية ليورجن هابرماس على ~~سبيل المثال. وفي تصوره لأشكال الاستبداد الخانقة والمشوهة والمذلة للمجتمع التجاري ~~الحديث، الذي رسمه وكأنه سجن لوحش مستبد سيجمعه دكتور فرانكنشتاين في المستقبل متخفيا في ~~قناع الفيلسوف بنثام، فإنه يمهد الطريق بعض الشيء باتجاه فوكو. ولكن، باعتباره مميزا عن ~~أغلب مفكري ما بعد الحداثة ونقادهم على حد سواء، وجد روسو لنفسه ملجأ وتحققت له السكينة، ~~حتى وإن لطمته أمواج عالم شخصي وسياسي من الاضطرابات المستمرة. ومن الاستبطان والتميز ~~الفطري، آمن أكبر نقاد القرن الثامن عشر لزخارف الحضارة، والمصور الأكثر وضوحا لجوانب ~~يأسها وسخطها، طوال حياته، كما فعلت آن فرانك بالقدر نفسه في أحلك لحظات التاريخ الحديث، ~~بأن الطبيعة البشرية ما زالت خيرة في جوهرها أساسا. # | المراجع المقتبس منها # روسو، «السياسة والفنون: رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح»، ترجمة وتقديم ~~وتعليق ألان بلوم (إثاكا، نيويورك: مطبعة جامعة كورنيل، 1977) (نشر لأول مرة ~~بهذا الشكل عام 1960). # روسو، «اعترافات»، ترجمة وتقديم ms138 جيه إم كوهين (لندن: دار نشر بنجوين بوكس، ~~1953). # روسو، «إميل، أو عن التربية»، تقديم وترجمة وتعليق ألان بلوم (نيويورك، دار ~~نشر بيسيك بوكس، 1979). # روسو، «الخطابات والكتابات السياسية المبكرة الأخرى»، تحرير وترجمة وحواشي ~~فيكتور جوريفيتش (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1997). ~~«روسو والعلاقات الدولية»، تحرير ستانلي هوفمان وديفيد فيدلر (أكسفورد: دار ~~نشر كلاريندون برس، 1991). # روسو، «جولي أو إلواز الجديدة»، ترجمة وحواشي فيليب ستيوارت وجان فاش ~~(هانوفر، نيوهامبشير: مطبعة جامعة نيو إنجلاند، 1997). # روسو ، «المراسلات الكاملة»، تحرير وحواشي آر إيه لي (جنيف وأكسفورد: مؤسسة ~~فولتير فاونديشن، 1965-1998). # روسو، «الأعمال الكاملة»، تحرير بي جاجنبين وإم رايموند، وآخرين (باريس: ~~جاليمار، بيبليوتيك دي لا بلياد، 1959-1995). # روسو، «أحلام يقظة جوال منفرد»، ترجمة وتقديم بيتر فرانس (لندن: دار نشر ~~بنجوين بوكس، 1979). # روسو، «العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى»، تحرير وترجمة وحواشي ~~فيكتور جوريفيتش (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1997). # لقد اقتبست نصوصا من النسخ الإنجليزية الأكثر انتشارا لأعمال روسو فقط، وعادة ما كنت ~~أفضل ترجمتي الشخصية لها، ورغم ذلك كنت أشير في الوقت نفسه لترجمات أخرى. # | قراءات إضافية # SVEC: Studies on Voltaire and the eighteenth ~~century. # مجموعات الأعمال والكتب النقدية وكتب السير ~~الذاتية العامة # Indispensable to Rousseau scholarship today are two major publishing ~~ventures of the past forty years, the Pléiade edition of his # Œuvres complètes ~~, compiled by B. Gagnebin, M. ~~Raymond, and others (Paris, 1959-95), and the Voltaire Foundation edition of his # Correspondance complète ~~, by R. A. Leigh ~~(Geneva and Oxford, 1965-98). Each is drawn from the original manuscripts and is ~~richly documented with editorial notes, illustrating Rousseau’s sources and ~~parallel passages across his writings. The long-awaited fifth volume of the Pléiade # Œuvres complètes # embraces most of his ~~works on music and language, including the # Dictionnaire ~~de musique # and other texts never before published with a ~~scholarly introduction or footnotes, although its fine edition of the # Essai sur l’origine des langues # by Jean Starobinski ~~has been available for some time ms139 separately (Paris, 1990) and the same text was ~~even earlier accorded extensive annotation by Charles Porset (2nd edn, Bordeaux, ~~1970). Of Rousseau’s principal works incorporated in the Pléiade edition, ~~perhaps only the # Discours sur les sciences et les ~~arts # is presented with more compelling command of its sources ~~elsewhere, by George Havens (New York, 1946). Equally noteworthy is the edition, ~~including a German translation, of the # Discours sur ~~l’inégalité # by Heinrich Meier (Paderborn, 1984). The extensively ~~annotated translation of Rousseau’s # Collected ~~Writings ~~(Hanover, NH, 1990- ) currently in progress under the ~~general supervision of Roger Masters and Christopher Kelly, when finished, ~~should provide the best, and in several instances the first, editions of his ~~works for English readers. Of the major writings, including the # Discours sur l’inégalité ~~, the # Contrat social ~~, the # Confessions ~~, and the # Rêveries ~~, there are numerous, often fine, translations into English, ~~including those contained in the series of Texts in the History of Political ~~Thought (Cambridge University Press) and the World’s Classics series (Oxford ~~University Press). Leigh’s edition of the # Correspondance ~~complète ~~, in fifty-two volumes, is one of the most remarkable ~~works of modern scholarship in any field-its annotation majestic, its powers of ~~resuscitating Rousseau’s world, and even the spontaneity and refinement of the ~~composition of his ideas, unsurpassed. # This correspondence, and Rousseau’s own # Confessions ~~, have helped make it possible for Raymond Trousson ~~and Maurice Cranston to produce perhaps the finest biographies of Rousseau in ~~any language (Paris, 1988 and 1989; and London, 1983, 1991, and 1997), although ~~Cranston did not survive to complete his third volume. Jean Guéhenno’s # Jean-Jacques Rousseau ~~(Eng. trans., 2 vols, London, ~~1966) and Lester Crocker’s # Jean-Jacques ~~Rousseau ~~(2 vols, New York, 1968 and 1973) form substantial and ~~notable biographies as well. Ronald Grimsley’s # Jean-Jacques Rousseau: A Study of Self-Awareness ~~(2nd edn, ~~Cardiff, 1969) offers a particularly sensitive treatment of the development of ~~Rousseau’s personality through his ms140 writings, while Kelly’s # Rousseau’s Exemplary Life: The 'Confessions’ as Political Philosophy ~~(Ithaca, NY, 1987) shrewdly interprets the ~~autobiography in the light of Rousseau’s principles. # Among English-language commentaries on his thought in different ~~genres, Ernst Cassirer’s # The Question of Jean-Jacques ~~Rousseau ~~(2nd edn, New Haven, Conn., 1989), Judith Shklar’s # Men and Citizens: A Study of Rousseau’s Social ~~Theory ~~(2nd edn, Cambridge, 1985), and C. W. Hendel’s more ~~comprehensive # Jean-Jacques Rousseau: Moralist ~~(2nd edn, Indianapolis, 1962) excel, Hendel’s work in particular being among the ~~most subtly detailed accounts of Rousseau’s philosophy in any ~~language. Of comparable quality, ~~showing equal mastery of Rousseau’s writings across several disciplines, is ~~Timothy O’Hagan’s # Rousseau ~~(London and New ~~York, 1999). In French, the most remarkable treatments of his thought are ~~probably Bronisław Baczko’s # Rousseau: Solitude et ~~communauté ~~, originally published in Polish (Paris 1974), Pierre ~~Burgelin’s # La Philosophie de l’existence de J. J. ~~Rousseau ~~(2nd edn, Paris, 1973), and Starobinski’s classic study, ~~dating from 1957, now available in English, # Jean-Jacques ~~Rousseau: Transparency and Obstruction ~~(Chicago, 1988), which is ~~dazzling in its images of Rousseau’s inner experience and metaphors of opaque ~~reflection. # John Hope Mason, in # The Indispensable ~~Rousseau ~~(London, 1979), offers English readers a skilful ~~single-volume commentary, interwoven with selections from almost all of ~~Rousseau’s major writings, while N. J. H. Dent, in # A ~~Rousseau Dictionary ~~(Oxford, 1992), provides a well-conceived ~~thematic treatment of Rousseau’s works, with useful pointers in each case to the ~~pertinent secondary literature. The massively authoritative # Dictionnaire de Jean-Jacques Rousseau ~~(Paris, ~~1996), published under the direction of Trousson and Frédéric Eigeldinger, is ~~comprised of 700 entries by almost one hundred authors, addressed to writings, ~~subjects, places, and persons. The Société Jean-Jacques Rousseau, based in ~~Geneva, has since 1905 produced a journal of remarkable erudition, the # Annales ~~, and for those who find that they can never ~~have enough of Rousseau, there is a computer-generated # Collection des index ms141 et concordances # of his writings still in ~~progress (Geneva and Paris, 1977- ), under the general supervision of Michel ~~Launay and dedicated colleagues at the University of Nice and elsewhere. ~~Scholars who consult the two volumes thus far published of the # Bibliography of the writings of Rousseau to 1800 # by ~~Jo-Ann McEachern (Oxford, 1989 and 1993) will be richly ~~rewarded. # دراسات عن الفكر السياسي والاجتماعي لروسو # Still the most authoritative interpretation of Rousseau’s political ~~works in their historical context is Robert Derathé’s # Rousseau et la science politique de son temps ~~(2nd edn, Paris, ~~1970), which offers a richly detailed account of the jurisprudential background ~~to his philosophy. Masters, in # The Political Philosophy ~~of Rousseau ~~(Princeton, NJ, 1968), provides one of the ~~best-documented and most closely argued readings of Rousseau’s political and ~~educational writings, in so far as they form parts of a systematic doctrine ~~which unfolds from the first # Discours ~~, while ~~in # Jean-Jacques Rousseau: Écrivain politique ~~(1712-1762) ~~(Cannes and Grenoble, 1971), Launay, writing from an ~~essentially Marxian perspective, also shows a profound command of major and ~~minor texts alike. Grace Roosevelt’s # Reading Rousseau in ~~the Nuclear Age ~~(Philadelphia, 1990) offers a fresh assessment of ~~Rousseau’s reflections on war and international relations within the wider ~~context of his political and educational writings. # Among significant treatments of the # Discours ~~sur les sciences et les arts ~~, either independently or in ~~connection with Rousseau’s other writings which spring most immediately from it, ~~are Mario Einaudi’s # The Early Rousseau ~~(Ithaca, NY, 1967); Victor Gourevitch’s 'Rousseau on the Arts and Sciences’, # Journal of Philosophy, # 69 (1972); ~~Havens’s 'The Road to Rousseau’s # Discours sur ~~l’inégalité ~~’, # Diderot Studies, # 3 (1961); and Hope Mason’s 'Reading Rousseau’s First Discourse’, # SVEC # 249 (1987). The # Discours sur l’inégalité ~~, central as it is to Rousseau’s ~~political theory, has in recent years received perhaps even closer scholarly ~~attention for its philosophy of history, for instance ms142 in Asher Horowitz’s # Rousseau: Nature and History ~~(Toronto, ~~1986), and above all for its philosophical or historical anthropology, most ~~notably in Michèle Duchet’s # Anthropologie et histoire au ~~siècle des lumières ~~(Paris, 1971); Victor Goldschmidt’s # Anthropologie et politique: Les principes du système de ~~Rousseau ~~(Paris, 1974); and Arthur M. Melzer’s # The Natural Goodness of Man: On the System of Rousseau’s ~~Thought ~~(Chicago, 1990). I have attempted to deal with the ~~several contexts of Rousseau’s argument at some length in my # Rousseau’s 'Discours sur l’inégalité’ and its ~~Sources ~~, now destined for publication by the Centre international ~~d’étude du dix-huitième siècle in Ferney-Voltaire. Differing perspectives on his ~~account of mankind’s savage nature, and on his claims about apes and ~~orang-utans, can be found in Arthur O. Lovejoy, 'Rousseau’s Supposed Primitivism’, in Lovejoy, # Essays on the History of ~~Ideas ~~(Baltimore, 1948); Gourevitch, 'Rousseau’s Pure State of ~~Nature’, # Interpretation, # 16 (1988); Francis ~~Moran III, 'Natural Man in the # Second ~~Discourse ~~’, # Journal of the History of ~~Ideas, # 54 (1993); and my 'Perfectible Apes in Decadent Cultures: ~~Rousseau’s Anthropology Revisited’, # Daedalus, # 107 (1978). Jacques Derrida’s # De la ~~grammatologie ~~(Paris, 1967) embraces one of the subtlest ~~treatments available of the # Essai sur l’origine des ~~langues ~~. # Notable discussions of the argument of the # Contrat social # range from Andrew Levine’s sympathetic Kantian ~~perspective in # The Politics of Autonomy ~~(Amherst, Mass., 1976), passing through John W. Chapman’s balanced # Rousseau-Totalitarian or Liberal? ~~(New York, 1956), ~~Zev Trachtenberg’s discriminating # Making Citizens: ~~Rousseau’s Political Theory of Culture ~~(New York, 1993), and John Plamenatz’s judicious # Man and Society ~~, vol. ~~ii (2nd edn, London, 1992). Patrick Riley’s # Will and Political Legitimacy: A Critical Exposition of Social Contract Theory in ~~Hobbes, Locke, Rousseau, Kant and Hegel ~~(Cambridge, Mass., 1982) ~~offers an especially salient treatment of Rousseau’s conception of the general ~~will as part of a tradition of political voluntarism, while Richard Fralin’s # Rousseau and Representation ~~(New York, ~~1978) attempts to bring the ms143 heady political principles of Rousseau down to earth ~~in their application to actual states. By contrast, Baczko’s # Lumières de l’utopie ~~(Paris, 1978) raises them ~~skywards again in its commentary on # The Government of Poland ~~; as does James Miller’s # Rousseau: ~~Dreamer of Democracy ~~(New Haven, Conn., 1984), which identifies ~~Rousseau’s alpine visions of Genevan democracy with his naturalistic reverie; ~~and Paule-Monique Vernes’s # La Ville, la fête, la ~~démocratie: Rousseau et les illusions de la communauté ~~(Paris, ~~1978), which locates images of fraternal assembly throughout his political ~~writings in general, including the # Lettre à d’Alembert ~~sur les spectacles ~~. Among the more striking commentaries on the ~~political significance of theatre in that work is Patrick Coleman’s # Rousseau’s Political Imagination: Rule and Representation in ~~the 'Lettre à d’Alembert’ ~~(Geneva, 1984). # On Rousseau’s influence upon the course of the French Revolution, the ~~documents and notes of volumes 46 to 49 of the Leigh edition of the # Correspondance complète ~~(which ends not with the ~~death of Rousseau but with that of Thérèse Levasseur in 1801) provide at least ~~as much illumination as any of the separate works, among which the fullest ~~treatment can be found in Roger Barny’s # L’Éclatement ~~révolutionnaire du rousseauisme ~~(Paris, 1988), with more broadly ~~sketched perspectives in Carol Blum’s # Rousseau and the ~~Republic of Virtue: The Language of Politics in the French ~~Revolution ~~(Ithaca, NY, 1986) and Joan McDonald’s # Rousseau and the French Revolution: 1762-1791 ~~(London, 1965). # دراسات تقييمية لأعمال روسو الأخرى ~~وعلاقاته الفكرية ومصادره # On Rousseau’s philosophy of education in # Emile ~~, Dent’s treatment of # amour-propre # in that work in # Rousseau: An Introduction to his Psychological, Social and Political Theory ~~(Oxford, 1988) is ~~compelling, while Peter D. Jimack’s # La Genèse et la ~~rédaction de l’Emile # in # SVEC # 13 (1960) is specially informative on the stages of # Emile ~~’s composition. Pierre-Maurice Masson, the greatest ~~Rousseau scholar of his day, remains a ~~towering presence in ms144 his treatment of Rousseau’s Christian and natural theology ~~in # La Religion de Rousseau ~~(3 vols, Paris, ~~1916), although Ronald Grimsley’s more modest # Rousseau ~~and the Religious Quest ~~(Oxford, 1968) is also helpful. On ~~Rousseau’s ideas of sexuality, Allan Bloom’s # Love and ~~Friendship ~~(New York, 1993) addresses the miraculous ~~metamorphosis of sex into love by way of the imagination, while Joel Schwartz’s # The Sexual Politics of Rousseau ~~(Chicago, ~~1984) identifies two distinct lines of argument about sexual difference in his ~~writings, a subject further pursued from a critical theorist’s perspective by ~~Judith Still in # Justice and Difference in the Works of ~~Rousseau ~~(Cambridge, 1993). Henri Guillemin, in # Un homme, deux ombres (Jean-Jacques - Julie - ~~Sophie) ~~(Geneva, 1943), offers a lyrical account of Rousseau’s ~~passion for Sophie d’Houdetot. # Jean-Louis Lecercle provides a particularly sensitive reading of # La Nouvelle Héloïse # in # Rousseau et l’art du roman ~~(Paris, 1969), and the ~~novel is also subjected to close analysis by Lionel Gossman, in 'The Worlds of # La Nouvelle Héloïse ~~’, # SVEC # 41 (1966), and by James F. Jones, in # La Nouvelle Héloïse: Rousseau and Utopia ~~(Geneva, ~~1977). Jones, in turn, offers a commentary on Rousseau’s most distressed work, ~~described as particularly inspired by his stay in England, in # Rousseau’s 'Dialogues’: An Interpretive Essay ~~(Geneva, 1991). Françoise Barguillet, in # Rousseau ou ~~l’illusion passionnée: Les rêveries du promeneur solitaire ~~(Paris, 1991), and Marc Eigeldinger, in # Jean-Jacques ~~Rousseau et la réalité de l’imaginaire ~~(Neuchâtel, 1962), address ~~mainly the overarching form and specific imagery, respectively, of Rousseau’s ~~last major work, the # Rêveries ~~, while Marcel ~~Raymond, in # Jean-Jacques Rousseau: La quête de soi et la ~~rêverie ~~(Paris, 1986), investigates that text’s illuminations of ~~Rousseau’s character. # Despite a rapidly growing number of treatments of particular themes ~~within and around his philosophy of music, there is still much scope for ~~original research in this field, and room for a major study of Rousseau’s ideas ~~on music as ms145 a whole, to supplant Albert Jansen’s formidable # Rousseau als Musiker ~~(Berlin, 1884) and enlarge ~~upon Samuel Baud-Bovy’s musicologically well informed but less theoretically ~~focused # Jean-Jacques Rousseau et la musique ~~(Neuchâtel, 1988), especially now that most of his writings on the subject are ~~accessible as separate volumes of the principal modern editions of his works, in ~~both French and English. Philip Robinson’s # Jean-Jacques ~~Rousseau’s Doctrine of the Arts ~~(Berne, 1984) is particularly ~~helpful on the # Dictionnaire de musique # and ~~certain musical themes throughout ~~Rousseau’s writings in general, which are also treated at some length in the ~~fourth chapter and appendix of my # Rousseau on Society, Politics, Music and Language: An Historical Interpretation of his Early ~~Writings ~~(New York, 1987). Michael O’Dea in # Jean-Jacques Rousseau: Music, Illusion and Desire ~~(London and New York, 1995) considers how the passionate inflections of the ~~human voice described in Rousseau’s early texts on music were articulated in the ~~transports of imagination of his fictional and autobiographical works. On the ~~subject of botany, excellent as is the commentary of Gagnebin in his edition of ~~Rousseau’s # Lettres ~~sur la botanique ~~(Paris, ~~1962), Jansen’s # Rousseau als Botaniker ~~(Berlin, 1885), of which some fragments have been translated into English by Sir ~~Gavin de Beer in 'Jean-Jacques Rousseau: Botanist’, # Annals of Science, # 10 (1954), remains the touchstone for all ~~serious students. Perhaps the most remarkable and meticulous treatments of ~~Rousseau’s Swiss inheritance, preoccupations, and anxieties are those of F. ~~Eigeldinger’s ' # Des pierres dans mon jardin’: Les années ~~neuchâteloises de J. J. Rousseau et la crise de 1765 ~~(Geneva, ~~1992); François Jost’s # Jean-Jacques Rousseau Suisse: ~~Étude sur sa personnalité et sa pensée ~~(2 vols, Fribourg, 1961); ~~and Helena Rosenblatt’s # Rousseau and Geneva ~~(Cambridge, 1997). # Yves Touchefeu’s # L’Antiquité et le ~~christianisme dans la pensée de ~~Rousseau ~~(Oxford, 1999) provides a finely balanced account of ~~Rousseau’s interpretation of classical and Christian sources. For Rousseau’s ~~debt to ms146 Machiavelli, Maurizio Viroli’s # Jean-Jacques ~~Rousseau and the 'Well-ordered Society’ ~~(Cambridge, 1988) is ~~particularly helpful, as is the treatment of his confrontation of Hobbes in ~~Howard Cell’s and James MacAdam’s # Rousseau’s Response to ~~Hobbes ~~(Berne, 1988). I ~~have assessed his appreciation of Pufendorf in my 'Rousseau’s Pufendorf: Natural ~~Law and the Foundations of Commercial Society’, # History ~~Of Political Thought, # 15 (1994). Henri Gouhier’s # Rousseau et Voltaire: Portraits dans deux miroirs ~~(Paris, 1983) is masterful in its unravelling of the differences between the two ~~principal antagonists of the age of Enlightenment, while still unsurpassed as a ~~treatment of Rousseau’s early intellectual development against the background of ~~the # Encyclopédie # is René Hubert’s # Rousseau et l’Encyclopédie: Essai sur la formation des idées ~~politiques de Rousseau (1742-56) ~~(Paris, ~~1928), a theme I have pursued ~~specifically with reference to Diderot in 'The Influence of Diderot on the Political Theory of Rousseau: Two Aspects of a Relationship’, # SVEC # 132 (1975). Mark Hulliung’s # The Autocritique of Enlightenment: Rousseau and the Philosophes ~~(Cambridge, Mass., 1994) both amply and subtly traces ~~the intellectual tensions between Rousseau and leading thinkers of his ~~world. # On Rousseauism in France at the end of the eighteenth century, Jean ~~Roussel’s # Rousseau en France après la Révolution, ~~1795-1830 ~~(Paris, 1972) provides the most comprehensive ~~treatment; as, with respect to Germany, does Jacques Mounier’s # La Fortune des écrits de Rousseau dans les pays de langue ~~allemande de 1782 à 1813 ~~(Paris, 1980); with regard to ~~Italy, Silvia Rota Ghibaudi’s # La fortuna di Rousseau in ~~Italia (1750-1815) ~~(Turin, 1961); and, in English thought, Henri Roddier’s # J. J. Rousseau en Angleterre au XVIIIe siècle ~~(Paris, 1950) and ~~Jacques Voisine’s # Rousseau en Angleterre à l’époque ~~romantique ~~(Paris, 1956). Guillemin’s ' # Cette affaire infernale’: L’affaire J. J. Rousseau-David Hume, ~~1766 ~~(4th edn, Paris, 1942) offers a lively reading of Rousseau’s ~~year of torment in the hands of a man who meant him well. For anticipations ms147 of ~~Kant in Rousseau’s philosophy, the classic text remains Cassirer’s # Rousseau, Kant and Goethe ~~, first published in 1945 ~~(New York, 1963). Among the most notable accounts of Rousseau’s literary or ~~philosophical reputation in assessments of later commentators are Trousson’s # Rousseau et sa fortune littéraire ~~(Bordeaux, 1971) and Tanguy L’Aminot’s # Images de ~~Jean-Jacques Rousseau de 1912 à 1978 ~~(Oxford, ~~1992). # | مصادر الصور # (1-1) Bibliothèque de Genève. Photo: Foliot. ~~(1-2) Institut de France, Musée de Chaalis. Photo: ~~Foliot. ~~(1-3) Photo: Foliot. ~~(1-4) Photo: Foliot. ~~(1-5) British Library 11826.aaa.14. ~~(1-6) Collection Gérald Maurois, Paris. Photo: ~~Foliot. ~~(2-1) Photo: Foliot. ~~(2-2) Musée du Louvre © Archivo Iconografico, ~~SA/Corbis. ~~(2-3) From the library of Robert Wokler. ~~(2-4) Bibliothèque de Neuchâtel, Ms R 60. ~~(3-1) Photo: Foliot. ~~(3-2) © Bettmann/Corbis. ~~(3-3) Bridgeman Art Library, London. ~~(4-1) Bibliothèque de Genève, Ms.fr.225. Photo: ~~Foliot. ~~(4-2) Photo: Foliot. ~~(4-3) Photo: Foliot. ~~(4-4) Photo: Foliot. ~~(5-1) Bibliothèque de Genève, Ms R 90, reproduced from Pierre-Maurice Masson (ed.), # La 'Profession de ~~foi du vicaire Savoyard’ de Rousseau ~~(Fribourg and Paris, ~~1914). ~~(5-2) From the library of Robert Wokler. ~~(5-3) From the library of Robert Wokler. ~~(5-4) Photo: AKG London. ~~(6-1) Bibliothèque Nationale, Paris. Photo: ~~Foliot. ~~(6-2) From the library of Robert Wokler. ~~(6-3) Photo: Foliot. ~~(6-4) Bibliothèque Nationale, Paris. Photo: AKG ~~London. ~~(6-5) National Gallery of Scotland, Edinburgh. Photo: Annan, ~~Glasgow. ~~(6-6) From the library of Robert Wokler. ms148