######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadQasimCariqi.YawmMatShaytan.Hindawi93136462 #META# Tags: novels #META# ID: 93136462 #META# Title: يوم مات الشيطان #META# AuthorID: 72836424 #META# Author: أحمد قاسم العريقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الشكر الجزيل‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الشكر الجزيل‏ # | يوم مات الشيطان # | يوم مات الشيطان # تأليف # أحمد قاسم العريقي # الإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الإلهية وجميع المراتب. أنشأ الله صورته ~~الظاهرة من حقائق العالم وصوره، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه: ~~«كنت سمعه وبصره.» وعلى الإنسان الكامل أن يمر بمراحل عدة؛ كي يصل إلى التنوير ونكران ~~الذات، وعندها يصير للبشر قلب واحد وفكر واحد، اسمه «الرجل الواحد». # الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي # 766-805 هجرية # | الفصل الأول # خلق الله الماضي والحاضر والمستقبل معا، لكل له بعده الخاص، إلا أننا نرى ~~البعد الذي نعيش فيه فقط. # 1 # كان الجو صحوا في المدينة، الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحا، سرب من النسور ~~يحلق في السماء على ارتفاع شاهق. حينها كان مروان ناجي الراعي في منزله، الكائن في حي ~~عطان، لا يزال مستلقيا على فراشه، لم يصح من نوم. # سقطت قنبلة مرعبة بالقرب من منزله، وأخذته من عالم الجحيم إلى عالم الفردوس (عالم ~~الإنسان الكامل). وجد نفسه في ذلك العالم يقلب بصره في دهشة فيما حوله، ينظر إلى ~~أشجار تتدلى منها فواكه مخالفة. يحدث نفسه: «ترى هل أنا في الجنة؟!» نهض بصعوبة من ~~مكانه وهو مستلق على سجادة من العشب الأخضر؛ ليقطف برتقالا. تفاجأ أن يده تغوص في ~~الفاكهة، وهو يحاول الإمساك بها. حاول مرة أخرى أن يقطف ثمرة جوافة، أيضا لم يستطع! ~~نظر إلى جسده العاري، حدث نفسه: «هذه يدي، لماذا لا أستطيع أن ألتقط الفاكهة؟ ترى ~~أي جسد أملك، هل أنا شبح؟! أم هكذا نبعث يوم القيامة وتتشكل أجسادنا فيما بعد؟» لم ~~يستغرب من عريه؛ فالمرء كما قيل له «يبعث على ما كان عليه عند موته»، وهو كان قبل ~~لحظة عاريا في غرفة نومه. # جلس مذهولا ينظر فيما حوله! والفاكهة تتدلى من أشجار لم ير مثلها في حياته، ms001 كل ~~منها تثمر عدة أنواع من الفاكهة؛ تفاحا، رمانا، برتقالا، جوافة .. استلقى على الأرض ~~والرائحة العطرية تشبه رائحة الريحان. نظر نحو الشمس، فرآها تقترب من كبد السماء، ~~مخلوقات في الجو تشبه الإنسان تطير بأجنحة رقيقة كأجنحة الخفاش. حدث نفسه: «إنهم ~~الملائكة. نعم، أنا في الجنة. حقا من مات قامت قيامته! ترى، هل صورهم جميلة كما قيل ~~لنا؟! كم اشتقت لمعرفة ذلك! تساءل أين حور العين؟ لماذا لا يستقبلنني؟! أين أهل ~~الجنة؟ لماذا أنا وحيد؟!» شاهد خلية نحل على شجرة، والعسل يقطر من أقراصها. مشى مسافة، ~~فإذا به يرى شجرة يتدلى منها خوخ، أناناس، مانجو. قال: «سبحان الله، هكذا الجنة، فيها ~~فاكهة الشتاء والصيف معا!» # طاف ببصره فيما حوله بدهشة، فشاهد سبع نساء جميلات يقتربن نحوه، يتدلى شعرهن حتى ~~الأرداف، يبدو من وجوههن أنهن من جنسيات مختلفة. ابتهج فرحا، وقال لنفسه: «ها قد أقبلن ~~حور العين أخيرا؛ ليأخذنني إلى قصري.» تساءل: «لماذا يلبسن ملابس رجالية؟! كنت أظن أن ~~الحور يلبسن فساتين الفرح.» توارى خلف شجرة ليستر عريه، وهو يراقب النسوة، يحدث نفسه: ~~«سبحان الله حور الجنة يشبهن نساء الدنيا، ترى، هل نساء الأرض يتحولن إلى حور في ~~الجنة؟!» تشجع ونادى الفتيات: هيه .. أنتن، أريد لباسا، أرجوكن أريد لباسا! # كان يشاهدهن وهن يقتربن نحوه أكثر، وصاح عاليا: أريد ثوبا، أنا عرياااان! .. هل ~~أنتن حور العين؟ أليست هذه هي الجنة؟ # سمعهن يتحدثن بلغة غريبة، لم يفهم منها شيئا. غطى منطقته الحساسة بكفيه، وظهر ~~أمامهن وهتف: هيه .. أنتن ألا تسمعنني؟! ألا ترينني؟ هييييه، أنتن، انظرنني! # تقدم نحوهن أكثر، وهو يهتف بصوت مرتفع .. لكنهن لم يلتفتن نحوه، وهن يعتنين بأشجار ~~الفاكهة. تراخت يداه ذهولا عن منطقته الحساسة. عرف أن جسده لا يراه الغير، وليس له ~~صوت! هكذا وجد نفسه روحا دون جسد لا يراه سوى نفسه. # 2 # حزن مروان على حاله، وهو يرى نفسه في الجنة روحا دون جسد. حدث نفسه: «ما الفائدة ~~من الجنة يا مروان، وأنت فيها روح دون جسد؟» وراح يندب حظه، ms002 إنه عذاب من نوع ~~آخر. # تتبع النسوة وهن يقمن بالعناية بخلايا النحل وأشجار الفاكهة، يضحكن بدلال فيما ~~بينهن. جلس إلى جوار شجرة عطرية عالية، وجدها تشبه شجيرة الريحان الصغيرة التي على ~~سطح منزله. وضع يده على خده بحزن، وهو يشاهد الحسن الراجل ~~أمامه. يتساءل: «هل سأبقى روحا هائمة؟ ولماذا الجنة ~~لا تبدو كما وصفت لي في الدنيا؟ ترى، هل يمكن أن أكون في الأعراف؟ # 1 # حين أدخل الجنة ستحل الروح في جسدي؟!» أسئلة كثيرة عصفت به. ثم نظر نحو ~~السماء وهتف: «أين أنا يا رب؟!» # جلست النساء يسترحن؛ فإذ به يشاهد ما يؤكد له أنه في الجنة وليس في الأعراف؛ شاهد ~~أكوابا من العصير توضع أمام كل فتاة، وفاكهة لم ير مثلها في حياته، ولم ير ثمة ~~أحدا يقدم ذلك. لم يستطع أن يسيطر على نفسه، وهو يشاهد الحسناوات أمامه، فاقترب منهن ~~والتصق بإحداهن فلم تشعر به، وهو كذلك لم يشعر بإحساس اللمس! ابتعد عنهن، ثم صاح بأعلى ~~صوته، وهو يقلب وجهه في السماء: «لماذا أرسلتني يا رب إلى الجنة روحا دون ~~جسد؟!» # مشى أمامهن بتوتر ذهابا وإيابا، يتفرج على حسنهن الخلاب، وهن يقمن بعملهن بهمة ~~ونشاط. قبل غروب الشمس سمع أصغر الفتيات تقول: «لقد أكملنا عملنا اليوم.» وإذ بمركبة ~~دائرية غريبة تهبط أمامهن فجأة، كأنها تكثفت من الهواء. ركبن جميعا، وانطلقت تلك ~~المركبة بسرعة محلقة في الجو، وهو يتساءل في ذهول: «هل توجد صحون طائرة في ~~الجنة؟!» # أزف المغيب، واستلقى على ظهره تحت الشجرة التي وجد نفسه أول مرة تحتها، وهو في حيرة ~~من أمره في أي عالم هو؟! هل هو لا يزال على الأرض؟! أم في السماء؟! أم في عالم الجن ~~الموازي لعالمنا؟! ولماذا هو روح دون جسد؟! تذكر بحزن الانفجار الرهيب بالقرب من ~~منزله، وانتقل بعده إلى العالم الذي فيه هو الآن. يتساءل: «هل انفجر مخزن أسلحة تحت ~~الجبل ودمر المنازل حوله؟! وما هو مصير أهله؟!» تخيل السكان والعابرين بين الأنقاض، ~~وصراخ الجرحى وعويل النسوة، وأناسا نجت ms003 من الهلاك، يكسوهم الغبار كأنهم قاموا من ~~الأجداث لا تكاد تعرف. وأخذ يلعن صناع الدمار، تجار الموت، وكراسي الحكم المخضبة ~~بالدماء. كانت معركة دخول الحوثيين صنعاء شرسة جدا. # بينما كان مروان في عالمه الفردوسي، كانت زوجته حميدة في تلك اللحظة أمام حمام ~~منزلهم تصرخ: «أبوكم مات يا أولادي!» أسرع الأولاد: عمر، سليم، سالم، نبيل، وابنتها ~~فاطمة، وتحلقوا حوله وهم لا يزالون في حالة ذهول من هول الانفجار. أما على ومعاوية؛ ~~فقد كانا يعملان في السوبر ماركت، وكان نادر وسامي - أولاد فاطمة - لا يزالان منبطحين ~~أرضا إثر الهزة القوية التي ضربت المنطقة. # لاحظوا البسمة مرسومة على شفتي والدهم، لم يكن هناك ثمة جرح في جسده. ألبسوه ثوبه ثم ~~حملوه إلى خارج البيت ليسعفوه. وجدوا سيارتهم مقلوبة .. إطاراتها نحو الأعلى .. الشارع ~~خال من المارة ومطمور بالحصى والأتربة. كانت العيون المرعوبة تشاهد المنازل التي ~~حولها، وقد سقطت نوافذها. بعضها في وضع مائل والسكان يهرعون بالخروج منها. بعضهم شبه ~~عراة، نساء حاسرات الرءوس دون عباءات. كل يجري لينجو بنفسه كأنه يوم القيامة. نصف ~~ساعة من الانتظار وأسرة مروان في كرب عظيم، أوقفوا سيارة مسرعة لنقل البضائع، وأسعفوا ~~والدهم على متنها إلى المستشفى .. والبسمة لا تفارق شفتيه، كأنه في حلم جميل. # لم يبال السائق بصوت حميدة، وهي تطلب منه ألا يسرع بسيارته، وهي تهتز حين تعبر على ~~الأحجار الصغيرة المتناثرة، تغطي مساحات واسعة من الشوارع المسفلتة، لم يلتفت لأناس ~~يكسوهم الغبار، كأنهم خرجوا من الأجداث، وهم يشيرون إليه لينجو بهم؛ خوفا من سقوط ~~قنابل عشوائية على المنطقة. وهناك بعض الجثث ملقاة في الشارع، أغلبها بجوار حيطان ~~المنازل؛ نتيجة لارتطامها بها. قوافل نزوح السكان إلى خارج المدينة على سياراتهم، ~~وآخرون راجلون يحملون أطفالهم. والمعركة مشتعلة بين الحوثيين والمدافعين عن ~~صنعاء. # وصلوا المستشفى، وهناك شقوا الزحام عند الباب. وضعوا مروان على سرير المعاينة، ثم ~~حضر الطبيب متأخرا. أثناء فحص مروان كان الدكتور تبدو عليه علامات التعجب! سمع قلبه لا ~~يزال ينبض رغم تنفسه البطيء، تبين أنه سليم ms004 من الناحية العضوية، ثم أجرى له فحوصات ~~أخرى، وتبين أنه لا يعاني من جلطة أو نزيف في الدماغ، التي تؤدي إلى غيبوبة. أمر بنقله ~~إلى غرفة الإنعاش لتزويده بالأكسجين. ابتسم الطبيب وقال: «لا تخافوا! سيبقى تحت العناية ~~المركزة لمراقبة تنفسه.» # أغلق علي ومعاوية السوبر ماركت، وأسرعا إلى المستشفى، لم يجدا سيارة أجرة، فركبا مع ~~الآخرين إحدى سيارات النقل العام، تنقل الراجلين العالقين في الشوارع حسب وجهتها ~~مجانا، يريدون العودة إلى منازلهم البعيدة. توقفت شبكة الهاتف، خلت الشوارع من المارة، ~~أغلقت الدكاكين والمحلات أبوابها هربا من المعارك. # مر علي ومعاوية بشارع الستين بجانب طابور طويل من السيارات، تقف منذ ثلاثة أيام ~~أمام محطة الوقود للتزود بالبترول، وقد لاذ أصحابها بالفرار وغادروا إلى منازلهم، وكان ~~هناك آخرون يفرون من منازلهم التي بنيت عشوائيا عرض جبل عطان الجهة الشرقية، مقابل ~~شارع الستين. النساء يهرعن نزولا من الجبل، لم يلبسن عباءاتهن، إلى داخل مدرسة في ~~أسفل الجبل؛ خوفا من تهدم منازلهن من سقوط القذائف عليها. # وصل علي ومعاوية إلى المستشفى للاطمئنان على والدهما. شقا زحمة المترددين ليصلا ~~إلى الباب، وكان هناك رجل يصيح: «لقد مررت بابني خمسة مستشفيات، وكلها ترفض استقباله، ~~ليس لديهم غرف عناية مركزة كافية. أرجوكم أنقذوا ابني!» استقبل المستشفى الحالات التي ~~يمكن أن يتركوها في الممرات. دخل معاوية إلى غرفة العناية، فرأى أباه مستلقيا على ~~السرير والبسمة على شفتيه. # حضر منير خطيب فاطمة يستقل دراجة نارية؛ ليزور مروان في المستشفى وبقي بجانب أسرته ~~يواسيها. كان يرشق فاطمة بنظرات العطف والحب معا. كان قد أكمل تأثيث منزل الزوجية، وقد ~~تأخر زواجهما ثلاث سنوات. اقترب من فاطمة ورأى عيني حبيبته تفيضان بالدموع. بقي مع ~~الأسرة في المستشفى حتى الساعة الثامنة مساء. ثم عاد إلى منزله يلعن الحرب التي وقفت ~~في طريق حبه، ولولا مثابرته في العمل لكان سرح من عمله في القطاع الخاص كما سرح ~~الكثيرون. # 3 # حينها كان مروان في عالمه الفردوسي يشاهد النجوم ومواقعها، شاهدها كما كان يشاهدها في ~~حياته، مما ms005 يدل على أن الجنة في الأرض، أو أنها قريبة منها. رأى أغصان الأشجار تترنح، ~~فعرف أن هناك عاصفة مقبلة، ثم أعقب تلك العاصفة مطر غزير. حاول في البدء أن يبقى ~~بجانب جذع الشجرة ليحتمي من المطر. مد يده تحت قطرات المطر، فلم يشعر بها. مشى تحت ~~وابل المطر، يحدث نفسه: «لم يخبرنا أحد عن وجود أمطار في الجنة، بل أنهار من عسل ولبن، ~~أظنني سأجدها فيما بعد.» شاهد أشجار نخيل يتدلى منها رطب كبيرة الحجم، سقطت إحداها ~~أمامه، وطفت على الماء، قدر وزن الثمرة بما يقارب ربع كيلو. شاهد الشمس تميل ~~للغروب. حدث نفسه: «هل تسقط الصلاة في الجنة؟ كيف يعبد المرء ربه وهو روح دون ~~جسد؟!» داهمه الليل فنام في البستان. # استيقظ في منتصف الليل، رأى القمر فيه منطقة صغيرة كروية الشكل بلون أخضر، عليها ~~حمامة تفرد جناحيها، وفي فمها زهرة اللوتس. حدث نفسه: «هذا القمر يشبه قمر الأرض.» ~~ثم ذهب في غفوة تحت الشجرة، وعاد المطر ينهمر دون أن يشعر به. # أقبلت النسوة في الصباح يترنمن بأصوات رخيمة. اندس بينهن وهن يتحدثن تارة بالعربية، ~~وتارة بلغة غريبة. أخذ يتأمل جمالهن الفاتن بحسرة، واستغرب من اللغة التي لم يفهمها. ~~حدث نفسه: «في الجنة لغات عدة، ليس كما قيل لنا إن لغة أهل الجنة هي اللغة العربية.» ~~سمع امرأة سمراء تبدو الأصغر سنا والأجمل منهن، شعرها ينسدل كالحرير، لكنها لا تبدو ~~سعيدة، تقول: «بستان بلقيس ينتج الفاكهة أكثر من غيره من بساتين صنعاء!» # اندهش مروان، وضع كفيه على صدغيه، يحدث نفسه: «ماذا تقول هذه الفاتنة الهندية؟! لا ~~يمكن أن أكون أنا في صنعاء، أظنني في حلم داخل حلم طال أمده.» استمع لفتاة ذات ملامح ~~صينية، وهي تقول: طبعا مدير المقاطعة «نبيلة فاتن الزبيدي» تهتم بالبستان كثيرا، ~~وتوزع الكثير من خيره للناس. # حدث مروان نفسه بدهشة: «إذا كانت هذه صنعاء حقا، فمتى أصبحت النسوة تحكم الرجال؟! ~~هذا هراء.» ثم ذهب يجري نحو نخلة باسقة. لم يصدق نفسه كيف وصل إلى النخلة ms006 بسرعة الريح! ~~لم يستغرب؛ فقد أصبح كل شيء عنده غريبا. # تسلق النخلة بخفة كأنه ريشة ترتفع إلى الأعلى، أسرع من قرد رشيق. شاهد جبلا يشبه ~~جبل «نقم» تكسوه الخضرة، وعلى قمته قصر منيف، يبدو، من رخام أخضر. ارتفع قليلا فوق ~~النخلة، وطاف ببصره في كل اتجاه، رأى أبراجا عالية، مركبات كثيرة تطير في الجو، ~~أناسا تحلق في الجو في أماكن عدة .. في غمرة دهشته اتجه ببصره نحو غرب المدينة، ~~فشاهد جبل «عيبان» بحلة خضراء، تعلوه أبراج شامخة، وكذلك الجبال المحيطة بصنعاء ~~تكسوها الخضرة كأنها أدغال. سقط من فوق النخلة وسقط إلى الأرض كالريشة. تساءل: «أين أنا ~~يا رب؟!» # 4 # عند الغروب راح مروان في نوم عميق حتى منتصف الليل. هطل المطر عليه بغزارة. ضحك وهو ~~يقول للسماء: «أمطري كما يحلو لك، فلن تبللي روحي.» ظل مستلقيا تحت وابل المطر حتى ~~الصباح. كانت الحيرة تكاد تسلب عقله «هل هو في حلم، أم في علم؟!» لكنه لم يفكر أنه في ~~حالة رؤية للمستقبل. حدث نفسه: «إنه دخل البعد الرابع، أو إنه عالم الجن الخفي!» مما ~~عزز رأيه الأخير أنه شاهد في الصباح الباكر رجلا وسيما، يرتدي نظارة أنيقة وولدا ~~صغيرا يتبعه. وقف الرجل والولد أمام شجرة عملاقة كثيفة، قدر مروان طولها بحوالي عشرة ~~أمتار، مثقلة بالثمار المختلفة. أخرج الرجل من جيبه شبكة صغيرة، وتحولت إلى سلة كبيرة، ~~يمكن أن تحمل مائة كيلو من الثمار. خاف مروان وهو يشاهد يدي الرجل تزدادان طولا ~~وتمتدان ليجمع الثمار بخفة. أما الولد الصغير فذهب يتنقل فوق فروع الشجرة كالقرد، ولم ~~يعمل شيئا غير ذلك. # أسرع مروان يواري نفسه خلف شجرة، فهو كما يرى أن الجن أرواح والروح ترى الروح، ومما ~~زاد من دهشته وكاد يذهب بعقله، حين شاهد أقدام الرجل عند جذع الشجرة ورأسه في أعلى غصن ~~في الشجرة. ملأ الرجل الغريب السلة، وحملها بخفة ويسر وغادر المكان. ذهب مروان يتجول في ~~البستان المترامي الأطراف، وهو في حيرة مما لم يجد تفسيرا له. # في اليوم الثالث ms007 قرر مروان أن يذهب مع حورياته السبع، سواء كن من عالم الإنس أو ~~الجان؛ ليعرف هذا العالم الشبيه بالجنة، ولو أنه لن يستطيع أن يستمتع بالملذات، وراح ~~يتتبعهن. قبل غروب الشمس رأى المركبة تظهر أمام النسوة فجأة. لم يندهش هذه المرة؛ فقد ~~كانت الثلاثة الأيام التي قضاها في البستان كلها مفاجأة. ركب مع حورياته وأفتى لروحه أن ~~يقبل، ويحضن ما شاء من النساء اللاتي أمامه. # ارتفعت المركبة إلى الأعلى دون أن تصدر صوتا وحلقت في الجو. عمته الفرحة والدهشة ~~وهو يطوف بنظره فوق المدينة الرائعة، بأبراجها السداسية العالية، ولونها الزاهي ~~البديع. لم ير مشهدا مثله في حياته. الزهور تتدلى من شرفات النوافذ، الجو معطر ~~برائحة زكية، كأنه في غرفة نومه مع زوجته حميدة قبل اللقاء الحميمي. شاهد الناس وهي ~~تمشي في الشوارع النظيفة المزينة بالزهور المختلفة، وخالية تماما من السيارات. ليس ~~هناك أعمدة كهرباء، لا قمامة ولا دخان في الجو. زادت دهشته من الجمال الذي لم يكن يحلم ~~برؤيته به في حياته. شاهدها مدينة كحديقة الزهور مترامية الأطراف. كانت المركبات ~~الدائرية البديعة المنظر تطوف في كل مكان في سهولة ويسر، بعضها تدخل وتهبط في نوافذ ~~كبيرة خاصة للهبوط في تلك الأبراج العالية، كأنهن نحل يدخل خلاياه. شاهد أناسا تحلق في ~~الجو كالطيور، تفرد أجنحتها الرقيقة وأخرى تضمها لتسرع في الطيران. رأى نهرا صغيرا، ~~يشق المدينة في الوسط يمتد حتى الجبال جهة جنوب المدينة. شاهد هناك مدينة صغيرة معلقة ~~في الجو، بتشكيلاتها البديعة. لم يصدق عينيه أنها مدينة فوق السحب. تمنى لو أن تلك ~~القذيفة المرعبة أخذت أسرته معه؛ ليشاهدوا العالم الفردوسي الذي يعيشه. حدث نفسه: ~~«إنها جبال صنعاء، ولكنها ليست صنعاء التي أعرفها! فأنا فارقتها منذ ثلاثة أيام فقط.» ~~مكث يفكر: «ترى، هل يمكن أن يكون لكل بلد جنتها وجهنمها؟! وأنا الآن في جنة ~~صنعاء تقع في البعد الرابع.» # 5 # عند الغروب وصلت المركبة إلى شرفة منزل بجوار حديقة صغيرة للزهور، في الدور العشرين ~~من برج عال. استقبلتهم فتاة جميلة، ms008 ليس لها ثديان بملامح غير معبرة عن بهجة ~~الاستقبال، تشبه فتاة صينية. خدها وردي، بشرتها ناعمة، تلبس ثوبا وسروالا طويلا، ~~مؤخرتها مغرية. سأل مروان نفسه: «تبدو هذه الفتاة حزينة، أهي مدبرة المنزل؟! سبحان الله ~~تبدو أجمل منهن!» # ترجلت النسوة عن المركبة، وكذلك هو. دخل المنزل، فغر فوه دهشة وهو يشاهد جدرانه ~~وأثاثه تتغير ألوانها، لم ير مثلها في حياته! زهور في الجدران تتفتح، تفوح نسيما ~~عطرا في أرجاء المنزل. رأى بأن المنزل يرحب بالنسوة، تجول في المنزل والدهشة تلفه، ~~لم يجد أبوابا للغرف حتى الحمام ليس به باب، رأى صالة أنيقة فيها ثمانية كراسي وطاولة ~~مدهشة، تتفتح الزهور على سطحها كأن الحياة تدب فيها، فراشات ترفرف فوق الزهور. في البدء ~~شاهد سطح الطاولة شاشة تليفزيون، لكن حين جال بنظره في المنزل، رأى تحفا جميلة ~~وستائر زاهية الألوان، والأسرة والفرش تدب في أسطحها الحياة، أيضا الحمام ~~واسعا، تتمايل الورود في جدرانه، في سقفه ثماني مرشاة للمياه. ظن مروان هذه المرة ~~أنه في عالم الجن، كما حدثته جدته عن مدن الجن الخفية تحت الأرض. # رأى النسوة يمرحن ويضحكن كعاشقات لبعضهن. خلعن ثيابهن فاتسعت عيناه أكثر من اللازم، ~~حدق بذهول، وأخذ يقول: «الله أكبر، ما هذه الفتنة؟!» وقف خلف عمود في الصالة حتى لا ~~يرى عريهن. وهن تحت مرشاة المياه ينهمر الماء العطر عليهن. خجل من التلصص عليهن، ~~وأغمض عينيه. كان المشهد مغريا؛ فهو لم يشهد امرأة أخرى في حياته غير زوجته حميدة ~~تغتسل. شاهد كلا منهن تصوبن الأخرى، فأعجبه كثيرا وهن يحتضن بعضهن تحت ~~رذاذ الماء، وهو يتجمع بين أثدائهن. حدث نفسه: «هكذا الجن تعيش حياة أفضل منا نحن ~~الإنس؟!» راحت عيناه تتمتع بمشاهدة ذلك الجمال، والحسرة تنهش قلبه. # أقبل رجل يشبهه في الصورة، لكنه أمرد الخدين ناعم الجلد كالنسوة. يلبس سروالا إلى ~~فوق الركبة وفانلة تظهر صدره الأمرد. شاهد مروان مرة أخرى: الكراسي، الطاولات، ~~الكنبات، التحف .. يتغير شكلها ولونها، وتعزف موسيقى مختلفة عما سمعه في المرة ~~السابقة عند دخوله المنزل من ms009 النساء! # خرجت النسوة من الحمام، وهن يلبسن ثيابا شفافة، ورائحة عطرية تملأ المنزل، ورحبن ~~بالرجل. جلس البعض بجواره ورحن يقبلنه. حسده مروان على الحور اللواتي حوله، وتمنى لو ~~يستطيع أن يحل محله. # 6 # جلسوا جميعا في صالة الطعام يتحدثون بلغة لم يفهمها مروان، وقليلا باللغة العربية، ~~حتى أقبلت مدبرة المنزل تقدم طعام العشاء. يحتوي أحد الأطباق على قطعة كبيرة تشبه ~~اللحم، وأطباق أخرى تحتوي على أطعمة نباتية، وصحن عسل وأكواب فيها سائل أبيض، وأرغفة ~~خضراء، وخضراوات لم يشاهد مثلها في حياته. تناولوا عشاءهم وهم يتحدثون عن قناة مأرب ~~المائية، التي يجرى ربطها بساحل شبوة في محيط إقليم آسيا. # بعد تناول وجبة العشاء جلسوا في الصالة معا. أخذت إحداهن شيئا يشبه القلم، وأشارت ~~به إلى سطح الغرفة، حيث يوجد بها جهاز صغير مثبت هناك. بحثت كمن يبحث عن قناة فضائية؛ ~~إذ برجل يظهر في الصالة فجأة، كأنه هبط من السطح، يتحدث بلغة لم يفهمها مروان. ثم ظهرت ~~امرأة تخطب في مجلس ضخم أمام أناس معظمهم نساء. هتف مروان غاضبا (لكن لا صوت له) وهو ~~في دهشة مما يشاهده في الصالة: «امرأة ترأس الرجال هناك في المجلس، وهنا في الصالة ~~أمامي رجل وسبع نساء، هل عالم الجن تحكمه الأنثى؟! كما هو عالم البشر يحكمه الرجل، ~~ولماذا الإناث أكثر عددا من الذكور؟!» # رأى المجلس كأنه انتقل إلى الصالة، الحضور يمشون بالقرب من النسوة، أو يدورون حولهن. ~~قامت إحدى النساء تمشي في الصالة، واخترقت الأطياف الكثيفة. فكر مروان أنهم أرواح ~~مثله! أو ربما هم من عالم الجن. شاهد إعلانات يعرضها رجال وسام بملابس مغرية لمنتجات ~~جديدة: عطور، شامبو، مواد غذائية، مركبات .. لم يشاهد امرأة تقوم بهذا الدور، هذا ~~الأمر حيره! كيف أخذت النساء دور الرجال والعكس؟! # خلع الرجل ثيابه وجلس بجوار النسوة، وبقي في سرواله الداخلي، جسده ناعم يخلو من الشعر ~~تماما، ودون عضلات تشاهد. ضحك مروان وقال كأنه يحدث الرجل: «هل تستطيع أن تلبي ~~رغبات السبع النساء؟! سأشاهدك الليلة ماذا ستفعل معهن؟!» انتهى ms010 مشهد المجلس، ثم نهضت ~~النسوة يرقصن بلباسهن الشفاف أمام الرجل. ظل مروان يستمتع بالنظر إلى الحور الحسان، ~~ويراقب الرجل الذي لم يحرك ساكنا، كأنه مصاب بفتور جنسي. دعته أكبرهن إليها، حدث ~~مروان نفسه: «لماذا لا يبدأ مع الصغرى الفاتنة؟! وهل اللقاء سيكون أمام الجميع؟!» جلس ~~الرجل أمامها وتلامست ركبتاهما، ثم أخذت المرأة سماعة ووضعتها في أذنها، وسماعة أخرى ~~أعطتها الرجل ليضعها في أذنه، وهو يضع ركبته اليمنى بين فخذيها. قبضت بيدها اليمنى على ~~ذكورته، ووضعت يدها الأخرى على صدره، والرجل وضع يده اليمنى أسفل بطنها. بقي الاثنان ~~ينظران إلى عيون بعضهما، ثم أغمض كل منهما عينيه، وأخذا يتنفسان بعمق وهدوء، والأخريات ~~يتفرجن عليهما بشبق. # كان مروان يسأل نفسه: لماذا لم ينتصب عضو هذا الرجل؟! يتنفس بسرعة، يبدو في ذروة ~~النشوة الجنسية، وكذلك المرأة. استمر الاثنان في تلك النشوة نصف ساعة. تساءل مروان: «ما ~~هذ اللقاء الحميمي الغريب، وكيف تستمر ذروة النشوة لفترة طويلة؟!»، بينما اللقاء الذي ~~يعرفه في حياته، فيه الإحساس بالذروة الجنسية، لا تتجاوز مدته ثلاث ثوان! هكذا جلست ~~النسوة الأخريات أمام الرجل واحدة تلو الأخرى، يتمتعن كل منهن مع الرجل بذروة جنسية ~~لمدة نصف ساعة. رأى مروان هذا العالم يعيش متعته الجنسية، دون هدر للطاقة أو الشعور ~~بالتعب. هذا لا يحدث إلا في الجنة مع حور العين، كما قيل له في حياته السابقة. عصره ~~الشوق ليعرف ما هذا اللقاء، وسخر من تفكيره السابق حين قال: «من أين لهذا الرجل الأنثوي ~~القوة؛ حتى يشبع رغبات السبع النساء في ليلة واحدة؟!» # 7 # غضب مروان من حرمانه التمتع في هذا العالم، الذي يرى مرة أنه في عالم الجن ومرة في ~~الجنة. مشى إلى نافذة المنزل وتفاجأ بالمدينة، وهي تغير لونها السابق، وتلبس حلة ~~ليلية جديدة، كأنها امرأة حسناء تحتفل بليلها بجوار حبيبها، ثم نظر نحو النجوم وصاح: يا ~~رب، في أي عالم أنا؟! لماذا أرسلتني إلى هذا العالم روحا دون جسد؟ أريد قالبا ~~روحيا؟! # لم ينم تلك الليلة وهو يشاهد جمالا ms011 أخاذا، يحدث نفسه بصوت عال، يتمنى أن ~~يسمعوه: «سبع نساء يرقدن مع رجل واحد، يتمتع بنشوة غامرة لمدة أربع ساعات في اليوم. ~~إنها حياة تشبه الجنة إن لم أكن أنا فيها حقا.» # طلع الفجر ولم يسمع أذانا ينادي للصلاة، انطلق إلى شرفة المنزل؛ ليشاهد إن كان هناك ~~صوامع مساجد في الجوار، لكنه لم يشاهد أي صومعة. أطلت الشمس على المدينة، وفي غمرة ~~تساؤله تفاجأ بالمدينة تستبدل لونها بلون آخر، كأنها تستقبل نهارها بثوب جديد. تنسم ~~نسيم الصباح العطر بعد ليل ماطر. كان يحدث نفسه بصوت عال: «لست أدري ماذا أرى؟! ~~عالم الجن، أم أنني أعيش حلما، سرعان ما أصحو منه؟» عاد إلى غرفة النوم، ورمى بروحه ~~فوق إحدى النساء، ثم انتقل إلى الثانية؛ عله يجد لذته المنشودة. قامت النسوة صباحا، ~~وأدين تمارين رياضية لمدة ساعة كاملة مع الرجل، بينما مدبرة المنزل الجميلة التي لا ~~تبدو السعادة على وجهها تعد وجبة الإفطار. تناول الجميع وجبة الإفطار، ثم انطلقوا ~~بمركبتهم خارج المنزل. # بقي مروان في المنزل كشبح، يشاهد أجهزة المنزل وأثاثه الغريب، ومدبرة المنزل التي لم ~~تكن تتحدث كثيرا مع النسوة، تقوم بتنظيف المنزل. ظن أنها غاضبة من عملها كمدبرة ~~للمنزل، أو أنها تشعر بالنقص وهي دون ثديين. # 8 # خرج مروان إلى الشقق المجاورة لمسكنهم في البرج؛ ليعرف أكثر عن العالم الذي انتقل ~~إليه. وقف أمام باب مغلق، حاول أن يمسك بمقبضه؛ ليفتح الباب فغاصت يده فيه، ثم وجد نفسه ~~ينفذ من خلال الباب إلى داخل المنزل! شعر بالسعادة أنه يستطيع النفاذ من خلال الحواجز ~~الصلبة. تجول في الشقة، شاهد فتاة تشبه الفتاة مدبرة المنزل التي في منزل النسوة. ~~استغرب من ذلك التشابه العجيب حتى في اللباس! وأيضا ترتيب المنزل وجدرانه وأثاثه ~~وأجهزته، كأن المنازل نسخة واحدة. تنقل من منزل إلى آخر بنفس الطريقة، شاهد نفس ~~الفتاة تقوم بترتيب وتنظيف المنزل. لم يشاهد أطفالا كثرا ولا شبابا، غير العجزة في ~~المنازل. جلس قليلا يشاهد منزلا به رجل وولد صغير يداعبه والفرح في ms012 عينيه. # عند الظهيرة شاهد المدينة وهي تغير حلة أخرى، بلون أشجار الزيتون، والجو يعبق ~~برائحة زكية. هكذا وجد المدينة تغير لونها بين الحين والآخر خلال اليوم والليلة. نظر ~~إلى الشارع، شاهد الإناث أكثر من الذكور، ومركبات تحلق في السماء، كأنها طيور عملاقة ~~أو صحون طائرة. شعر بالحزن على نفسه، فهو لا يستطيع أن يستمتع في هذا العالم الساحر! ~~شعر أن الحرمان عذاب آخر. # دخل أحد المنازل وشاهد رجلا وسيما يقوم بتنظيف المنزل، يلبس بذلة كالنساء. تساءل: ~~«لماذا يوجد هنا رجل يقوم بعمل مدبرة المنزل، غير ما شاهدته في المنازل الأخرى؟!» سار ~~يراقبه في المنزل إلى أن حضرت أربع عشرة امرأة، متوسطات العمر والجمال. جلسن يمرحن ~~ويضحكن في المنزل. قدم الرجل عصيرا لهن، ثم جلس بجوارهن دون أن يداعبهن أو ~~يقبلهن. قالت إحدى النساء للأخريات: «ما رأيكن أن نشاهد متحف التراث الروحي ~~الإنساني؟» # أخذت إحداهن ما يشبه القلم، وأشارت به نحو جهاز في سطح الغرفة، إذا برجل أسود بملامح ~~صينية يهبط، ويمشي وسط الصالة بأبعاده الرباعية. قدم نفسه دليلا سياحيا، مما أدهش ~~مروان! طلبت منه إحدى النساء أن يحدثهن عن الديانة الهندوسية لإقليم آسيا. تحرك الدليل ~~في مكان محدد من الصالة، ثم أشار إلى صورة بارزة بدت أمامه في الصالة لأحد كهنة ~~الهندوس، وبدأ يتناول الحديث عن الديانة «البراهيمية» المعروفة بالهندوسية. وأخذ يقول: ~~«ظهرت الديانة الهندوسية في مقاطعة دلهي بعد الديانة الشامانية المعتمدة على طقوس ~~سحرية، وعبادة الأرواح. يرجع تاريخها لأكثر من 4500 ق.ج. مؤسسها كان يدعى براهما، ~~بدأت بالتوحيد وانتهت بتعدد الآلهة، ثم التثليث عند معتقدي التري مورتي. ومن هذه ~~الديانة تفرعت ديانات عدة حول العالم، كل ديانة تتخذ أسماء أخر لآلهتها المتعددة ~~حسب ثقافتها، ومنها فضلت التوحيد على تعدد الآلهة وعبدت إلها واحدا.» # جلس مروان بين امرأتين ووضع يده اليمنى على إحداهن واليسرى على الأخرى، وراح يشاهد ~~الدليل، وهو يشير بقلمه في سماء الصالة، فظهر كتاب عتيق تعلق في الجو وقال: ذلك هو ~~«الفيدا» كتابها المقدس، وصحفه هي: «ريك-فيدا»، ms013 «ياجور-فيدا»، «أثارفا- فيدا»، ~~«ساما-فيدا». يقولون إنه منزل من السماء، يصفونه بأنه كتاب أزلي. كهنتها يدعون ب «البراهمة» ~~يعتقدون أنهم يتصلون في طباعهم بالعنصر الإلهي، وصفوة خلق الإله. في ديانتها ~~نزعة تعدد الآلهة ونزعة وحدانية. أثناء عبادتهم أحد الآلهة تغيب عندهم جميع الآلهة ~~الأخرى، ويصير إلههم الوحيد. يؤمنون باتحاد الآلهة الثلاثة: «براهما» الخالق، و«فيشنو» ~~الحافظ، و«شيفا» المدمر والمسيطر، في إله واحد عند معتقدي التريمورتي. يرون أن كلا ~~منهم يمثل الكل، فإذا دعوت أحدهم فكأنك دعوت الثلاثة جميعا. ثم أشار إلى رجل ~~مصلوب شبه عريان وقال: «هذا هو الإله «إنديرا» صلب للتكفير عن خطايا البشر في النيبال. ~~كان الهندوس يجلون البقرة كثيرا، كما كانت البقرة هاتور في الديانة الفرعونية ~~القديمة لها مكانتها، وكذلك هناك مكانة للثعبان في الديانة الهندوسية، كما هي عند ~~الفراعنة، يظهر وهو يحيط بالرب راع. كانوا يؤمنون بتناسخ الأرواح، وبأن جزاء الإنسان ~~يقام في الأرض، يرون أن الروح تتجسد مرة أخرى في شكل حيوان أو ثعبان إذا اقترف السيئات ~~في حياته، أو في رجل عظيم لطالما سيرة حياته الأولى كانت خيرة. يعتقدون أن الآلهة ~~مذكرة، ومؤنثة، وأخرى تدعى أفاتار، وهي آلهة تنزل من السماء إلى الأرض في شكل إنسان، ~~مثل الإله: مانسيا، كورما وغيرهم الكثيرون ...» # تقدم الدليل يمشي في مسرح الصالة، وأشار إلى تمثال ضخم له أربع أيدي، يجلس على عرش. ~~أخذ الدليل يقول: «ذاك هو الإله براهما، كان الهندوس يعتقدونه خالق الكون، سيد الآلهة، ~~يمثل إله الخير، والذي يرجى رحمته وكرمه وعطفه، أوجد شيفا وفشنو؛ ليساعدوه. وقد أدخل ~~الهندوس أساطير المجتمع إلى صحف الفيدا التي كتبها براهما الآري، ثم هاجر هو وزوجته ~~«سارا سواتي» إلى إقليم الشرق الأوسط حيث أسموه هناك «إبراهيم».» # غضب مروان وقام من مكانه، ليلطم الدليل، وحاول كسر ما يجده أمامه، لكنه لم يستطع. ~~يتساءل: «كيف يقول الدليل، إن بارهما هو إبراهيم، وسارا سواتي هي سارة؟! آه لو يعطيني ~~الله من جسدي حتى يدا واحدة!» مشى بعصبية في الغرفة، وهو يشتم الدليل. # اختفى المشهد السابق، ثم ms014 أشار الدليل إلى تمثال آخر له أربع أذرع في جلسة تأمل، يداه ~~الأماميتان مبسوطتان حتى الخصر. وافترش جلد حيوان مفترس. قال الدليل عنه: «ذاك هو الإله ~~شيفا.» ثم طغى على ذلك المشهد تمثال بلون السحاب الأزرق الغامق له أربع أذرع، الذراع ~~الأولى تمسك بزهرة اللوتس، والثانية بمشكاة، والثالثة بقوقعة، والرابعة بحلقة، إلى ~~جواره ثعبان ضخم، قال الدليل: «هو الإله فيشنو أو وشن، الإله الأعلى أو الحقيقة ~~العليا في الهندوسية الفيشنوية. يوصف بأنه الجوهر في كل الكائنات، ورب الماضي والحاضر ~~والمستقبل. خالق ومدمر كل الموجودات، زوجته الإله لاكشمي، وله منها أبناء ذكور وبنات .. ~~نجد الإله فيشنو يماثل الإله بعل في مهمته، كان ملك الآلهة عند الكنعانيين الذي انتصر ~~عليها كلها، وأصبح الإله صاحب العرش. وكذلك الإله هبل عند العرب وزوجاته اللات ومناة ~~والعزى.» # ضحك مروان عاليا، وقال: لم يكن هبل متزوجا. من أين أتيت بهذا الخبر، يا لعين؟! ~~اختفى المشهد وظهر تمثال لرجل بلون أزرق وسيم، يأتزر بفوطة ويعزف بالناي. باشر الدليل ~~يقول: «ذلك هو الإله كرشنا جاء إلى العالم، وهو يغني ويرقص ويضحك. اختار العزف على ~~الناي؛ لإدخال السرور على قلوب البشر. يماثله من خلال ولادته في الميثولوجيا اليونانية ~~القديمة الإله # Hyginus # هيجنوس ابن الإلهة جايا، خلق من ~~دون أب، كما خلق المسيح. أمسك كرشنا السيف بيد والناي بيد أخرى. ظهر هذا الإله في ~~مناطق أخرى بأسماء مختلفة في الميثولوجيا اليونانية القديمة، ظهر باسم الإله أبلو، إله ~~الموسيقى، وإيروس إله الحب والرغبة والجنس، وآمور (كوبيدو). في الديانة الفرعونية ظهر ~~باسم الإله حتحور. قيل عن شيفا: إنه ابن الله، ولد من العذراء دفاكي، التي اختارها ~~الله لعفتها. وقيل عنه ما قيل عن المسيح بعد ذلك. كان يعبد في الهندوسية على أنه ~~أفاتار نزل من السماء، وعاش إنسانا يرشد البشر إلى الطريق القويم.» # اقترب مروان غاضبا من الدليل يود أن يصفعه، ثم اخترقه عدة مرات كأنه يخترق شعاعا ذا ~~كثافة، وهو يقول: اصمت يا لعين. كيف تشبه كرشنا بالمسيح؟! أو أنك تخلط ms015 بين الأديان؟ ~~اختفى ذلك المشهد ، وظن مروان أنه أثر في الدليل، لكن ظهر أمامه تمثال عملاق غاضب مما ~~أخافه، مع صوت ريح عاصف، يحمل سيفا بيده. والدليل يقول عنه: «ذلك هو الإله إندرا، إله ~~الحرب والطقس، ظهر عند الفرعونية باسم الإله سخمت وحورس، وعند الكنعانية باسم الإلهة ~~حرون، وعند اليونانيين باسم الإله أريس، وعند ديانة المايا باسم الإله كاكوباكات، ومن ~~حيث وظيفته في الطقس ظهر عند الآشوريين باسم الإله إيل، إله المطر، وبيتيل إله منبع ~~الأنهار، وأيضا ظهر باسم الإله داجون عند الكنعانيين إله المطر والأسماك، وأحيانا ~~يوصف كإله الطقس.» # قام الرجل الجالس بين النساء وذهب إلى المطبخ، أحضر صحنا يحمل به أربعة عشر كوبا من ~~العصير. ركل مروان الصحن برجله فاهتز الصحن بيد الرجل. فكرر مروان الركلة مرة أخرى ~~فرحا بأنه يمكن أن يؤثر في الأشياء حين يكون غاضبا، يرى أنه يمكن أن يكون له جسد. ~~وزع الرجل العصير على النساء، حينها توقف الدليل عن الحديث وهن يشربن، ثم رحن يضحكن ~~وهن يشاهدن إنسانا برأس فيل يمشي في مسرح المتحف وسط الصالة. قال الدليل لهن: «لا ~~تضحكن، هذا الإله الذي لم يظهر له إله يشابهه في العالم، إنه الإله غانيش في معتقدات ~~الهندوس، ابن الإله شيفا. تقول أسطورته: إن غانيش كان يقاتل إله الشر فقطعت رأسه، ولم ~~يجد حينها والده الإله شيفا أمامه غير فيل، فقطع رأسه ووضعه مكان رأس غانيش، فعاش على ~~ذلك النحو! كان يقام له في مقاطعة الهند احتفال كبير كل سنة ويرمى في البحر، يعتقدون ~~بأنهم يرمون بالشر.» حدث مروان نفسه: «نعم، سمعت هذا في حياتي، ولا يزالون يمارسون ~~تلك الطقوس؛ لكن لماذا هذا الدليل يقول كانوا، كانوا؟! فهم لا يزالون على معتقداتهم.» ~~فجأة ظهرت امرأة بيضاء جميلة ترتدي فستانا أبيض، بأربع أذرع، تتزين بالجواهر، تطوف على ~~واجهة المسرح. باشر الدليل يتحدث عنها: «هي لكشمي إلهة المال والحظ في الهندوسية، ~~زوجة الإله فيشنو. كان معظم الهندوسيين يصلون لها في عيد الديوالي .. لها عدة ~~أفاتارات يتزوجون ms016 عادة من أفاتارات فيشنو، منهم : سيتا زوجة راما، رادها العاشقة، ~~وروكميني الملكة، وزوجة كريشنا الأولى، ستي أو داكشايني هي إلهة السعادة الزوجية ~~وطول العمر في الهندوسية. نجد أن لاكشمي ظهرت عند الفراعنة باسم إيزيس إلهة الأمومة ~~والسحر، وكذلك في الحضارة الإغريقية ظهرت باسم الإلهة أفروديت. وعند الكنعانيين ظهرت ~~باسم الإله «إيل» تزوج الإلهة «عشتار» وأنجبا الإله «بعل».» # ثم ظهر في الصالة، امرأة بعشر أذرع مما أخاف مروان من ذلك المشهد، كأنها أخطبوط، في ~~كل ذراع تحمل نوعا مختلفا من السلاح. تحدث الدليل عنها قائلا: «هي الإلهة درغا ~~التي لا تقهر، الإلهة العليا في الهندوسية، تقاوم الشيطان بتلك الأسلحة. تعتبر أم ~~غانيش وساراسواتي ولاكشمي، وهي أيضا الوجه القوي المحارب للشيطان، ظهر ذلك عند ~~الديانات الإبراهيمية باسم إبليس.» # إله الموت ظهر عند الفراعنة باسم الإله «ست»، و«أوزاريس» وعند الزرادشتية «أنجرا ~~ماينو»، وعند المايا «هون أهوا»، وعند الإغريق الإله «هدز» إلهة الموت، وعند الديانات ~~الإبراهيمية باسم «عزرائيل» .. غضب مروان أكثر، وذهب إلى المطبخ يحاول كسر الأطباق ثم ~~عاد يصفع الدليل. # بينما كان مروان غاضبا في عالمه الفردوسي، كان في عالم الجحيم مستلقيا في غرفة ~~العناية المركزة. خرج أحد الممرضين يدعي «راجح» يعمل من غرفة العناية، شق زحام الممرات ~~يبحث عن عائلة مروان خارج المستشفى. هتف لمعاوية فحضر سريعا، وهو يظن أن أباه توفي. ~~لكن الممرض أفاده بأن أباهم بخير، لكن وجهه يبدو غاضبا جدا. كانت أسرة مروان قد ~~اشترت العلاج من الصيدلية فأعطته، ومنحوه مكافأة سخية للعناية بوالدهم. # بعد ساعة عاد الممرض مسرعا إلى أسرة مروان ينادي معاوية، وقال له: يا أخي، أبوك هذا ~~مرضه غريب. ساعة يبدو غاضبا وساعة مبتسما، لم أشاهد مريضا مثل حالته خلال عملي في ~~العناية المركزة! ثم أعطى معاوية وصفة أخرى لشراء علاجات أخرى لوالدهم. # خلت الشوارع من المارة كأنها مدينة أشباح، والنازحون على المركبات لا يزالون يغادرون ~~المدينة المنكوبة. حضر منير في اليوم الرابع لزيارة عمه مروان في المستشفى. كان على ~~توافق معه، رغم أنهما من حزبين ms017 متناقضين في أفكارهما، لكن الغاية وحدتهما. وكان منير ~~معجبا بفاطمة لحماسها في ساحة التغيير أثناء الثورة الشبابية. تعرف عليها في ساحة ~~التغيير عام 2011م. حينها كان لا يعرف أنها أرملة، قتل زوجها في إحدى مسيرات ثورة ~~التغيير. كانت فاطمة - بتشجيع من أبيها - تخرج مع مسيرات النساء. تقف أمام منصة الحشود ~~في ساحة التغيير. كانت تعود مساء إلى منزلها، بينما هو يبقى مع المعتصمين الذين ~~خيموا في ساحة التغيير، لا يفارقونها ليل نهار. يرون أن الشباب هم صانعو المستقبل، ~~وعلى الكبار أن يتركوا لهم المجال الآن؛ فقد فشلوا في تسيير عجلة التطور، بل يدفعونه ~~للوراء طوال عشرات السنين. تبادلا نظرات الحسرة والحب معا، ثم جلسا يتحدثان عن تأجيل ~~الزفاف إلى أن يشفى والدها، ويسود السلام. # بينما كانت فاطمة وخطيبها منير يتحدثان عن خيبة الأمل في عالمهما، كان مروان في عالمه ~~الفردوسي يحدث نفسه أن ما يراه سحر، أو أنه في عالم الجن. يشتم ويلعن الأمم التي ما ~~زالت تعبد الأصنام، رأى ما جعله يلعن أكثر؛ فقد شاهد أصغر النسوة سنا تخلع ثيابها، ~~ودعت الرجل الذي قدم لهن العصير للقاء حميمي معه أمام النسوة. حاول مروان أن يغطي ~~عينيه بكفيه، لكنه كان يرى من بين أصابعه، وهو يقول: «عالم فاجر، فاسق، ولو أنه عالم ~~جميل. لم يخبرنا أحد أن الجن بهذا الفجور، إذن أنا في عالمهم. ترى هل سيواقعهن جميعا ~~هذا العفريت؟!» # كان صوت الرجل مثيرا وتعبيرات وجهه تدل على الإثارة. استمرا نصف ساعة والنسوة ~~ينظرن إليهما، إلى أن أشارت المرأة للرجل بالتوقف. كان مروان يحدث نفسه: «هذا اللقاء ~~الحقيقي، لكنه مستحيل لهذا الرجل أن يلبي رغبات جميع النسوة اللاتي أمامه! تقدمت ~~امرأة أخرى تبدو أكبر سنا من الأولى، ودعته إليها. استمر الرجل مع الأخريات دون كلل، ~~ومروان يذرع الغرفة ذهابا وإيابا بتوتر، يحدث نفسه: «سبع نساء إلى الآن، ولم يتعب هذا ~~الرجل، وهو يقف خلفهن على ركبتيه. مستحيل! هل أنا في الجنة حيث لا يشعر الإنسان بالتعب؟ ~~يا إلهي أين جسدي ms018 لأستمتع بهذا العالم؟! لا أستطيع أن أعيش شبحا معذبا في هذا ~~العالم، لا بد أن أمتلك جسدا. ترى ماذا لو أنفذ إلى جسد هذا الرجل، وأجعله قالب ~~روحي؟! لقد أصبحت أعرف أين مركز الروح في الجسد.» # حث مروان روحه لخوض المغامرة. نظر إلى الرجل وقد التقى بثلاث عشرة امرأة، والمرأة ~~الأخيرة تنتظر دورها وهي الأجمل فيهن. وثب مروان بقوة على سرة الرجل، لا سيما وقد عرف ~~مركز الروح هناك؛ إذ بمروان يتفاجأ بصدمة أذهلته. لم يجد داخل الرجل غير أسلاك وأجهزة ~~دقيقة وتروس صغيرة وأنابيب هيدروليكية. تخبطت روح مروان هناك بين تلك الأجهزة، محاولا ~~الخروج من هذه الآلة الشيطانية. وفي الوقت نفسه ازداد نشاط الرجل الآلي مما آلم المرأة. ~~خرج مروان، وقد أصيب بالغثيان، مندهشا مما وجده! # 9 # عاد مروان إلى المنزل مذهولا بما شاهده، كان يعبر خلال الجدران وهو يحدث نفسه: «أي ~~عالم هذا الذي أنا فيه؟ آلة تضاجع النسوة أفضل من الرجال الأشداء! أين أنا يا رب؟!» وصل ~~إلى المنزل الذي أتى منه، وقف حزينا أمام مرآة المنزل، كما كان يقف في حياته حين كان ~~يمشط شعره، أو يشذب لحيته والحزن يملأ روحه، يدعو الله ألا يعذب روحه الهائمة في هذا ~~العالم. جلس على الكنبة، يقول لنفسه: «كيف سأبقى شبحا في هذا العالم الجميل؟ لا أنا في ~~عالمي الذي أعرفه، ولا أظنني في الجنة، ولا في عالم الجن. لطالما وجدت آلة تقوم مقام ~~عشرة رجال وأكثر!» وأخذ يفكر أنه في كوكب آخر نسخة من الأرض، سماؤهما واحدة. # حضرت النسوة قبل الغروب وكذلك شريكهن. أخذوا حمامهم جميعا، ذهبوا يتناولون عشاءهم، ~~ثم قاموا إلى الرقص والمتعة. كان مروان يراهم آليين يتراقصون أمامه، لو نفذ إلى داخلهم ~~لوجدهم ملئوا بالتروس والأنابيب. يسأل نفسه: «هل هذا الكوكب يقطنه آليون، أم أنني أعيش ~~حلما جميلا؟!» # قبل منتصف الليل ذهب الجميع إلى النوم، واقترب هو من الرجل ينصت إلى تنفسه ونبض قلبه. ~~كرر ذلك كثيرا، وذهب يسرع لفحص النسوة جميعا؛ هل هن بشر أم ms019 آليون؟ فرح حين وجدهم ~~بشرا، حث نفسه أن يكرر التجربة، ليمتلك جسد الرجل الشبيه به في الصورة. وثبت روح ~~مروان إلى سرة الرجل الذي كان في سبات عميق، فوجد مروان روحه تسري في جسد الرجل، ~~وتذوب كالملح في الماء. ثم راح في سبات عميق، لم يستيقظ من نومه إلا اليوم التالي ~~ظهرا. قام يمشي عريانا وهو يشعر بالدوار وبثقل رأسه وبحرارة الجو، ليس كما كان يشعر ~~سابقا أنه نسمة هواء. مشى في الصالة فارتطم بأحد الكراسي وأحس بألم؛ فتراجع إلى الخلف ~~في دهشة! ثم حاول أن يمر عبر جدار المطبخ، كما كان يفعل سابقا؛ فإذا به يرتطم بقوة في ~~الجدار! كادت الفرحة أن تذهب بعقله، وصاح: شكرا لك يا ألله، لقد سمعت دعائي، صار لي ~~جسد في هذا العالم. # حضرت مدبرة المنزل من المطبخ تبدو مرعوبة، قالت له: «لماذا تصيح يا كريم؟!» لم ~~ينتبه لكلامها، لكنه شعر بالخزي من عريه، فذهب يفتش عما يستر عريه أولا، فوجد ملابس ~~ذلك الرجل فارتداها سريعا وهو يشعر بالإحراج؛ لارتداء ملابس تشبه ملابس النساء، الصدر ~~عار والسروال إلى فوق الركبة .. سألته مدبرة المنزل مرة أخرى بلغة لم يفهمها، ثم ~~بالعربية: «لماذا تتفرج كثيرا على ثيابك يا كريم؟! ولماذا تتصبب عرقا على غير عادتك؟ ~~هل لديك حمى؟ اقتربت منه لتحس جبينه، وقالت: «حرارتك عادية، لكنك تتعرق كثيرا، ماذا ~~أصابك يا كريم؟!» .. قال مروان لها: أنا جائع. # أحضرت له مشروبا أبيض اللون، قطعة صغيرة تشبه اللحم، خبزا أخضر اللون. التهمهما ~~جميعا، وهو لا يدري ماذا أكل، ثم طلب المزيد من القطعة التي وجدها لحما لذيذا. كانت ~~المدبرة تستغرب من طريقة أكله وشراهته على غير عادة كريم. لم يستخدم الملعقة ولا ~~السكين .. وقررت أن ترفع تقريرا للنسوة عند العودة عما جرى لشريكهن كريم ~~نورين. # جلس في بهجة كبيرة ينتظر عودة النسوة، وفضل الصمت عند مقابلتهن وهو يرتدي ثياب ~~شريكهن. وصلن وهو يقف أمام مدرج مركبتهن. قبلته الأولى، وهي تستغرب من العرق في ~~جبينه! لكنها لم تشعر أنه ms020 مصاب بالحمى، ثم قبلنه واحدة تلو الأخرى، وهو لم يبتسم، ~~كما شاهد تصرف ذلك الرجل معهن سابقا. قدمت مدبرة المنزل تقريرا للنساء عما شاهدته ~~عن شريكهن كريم. سألته إحداهن: ماذا جرى يا كريم؟ كلام المدبرة أخافنا عليك! ~~- شكرا، لم يحدث لي شيء. ~~- لماذا تغير صوتك وتتصبب عرقا؟! هل عاودتك الأحلام الليلة الماضية؟ فقد كنت تهذي ~~الليلة الماضية وتقول كلاما غريبا؛ فسلامتك تهمنا ونحن مسئولات عنك. # ظل مروان صامتا والحيرة تعصف به، يفكر إلى متى سيظل يكذب عليهن، وهو قد عاش حياته ~~يمقت الكذب ويراه من صفة الشيطان. خلعن ثيابهن أمامه فنعظت ذكورته أمامهن، ورحن ~~يتفرجن على سلوكه الهمجي لأول مرة، ينظرن إلى ما بين فخذيه وذكورته منتفخة، وهو جالس ~~وعروة الصبر تكبله. وأخيرا تحدث بضجر، وقال: «أنا لست «كريم»، أنا «مروان»، أعيش ~~معكن منذ أربعة أيام. كريم لن يعود ثانية.» # اندهشت النسوة، ماذا جرى لشريكهن؟ أخذ يحدثهن بفرح غامر، والعرق يقطر منه عما شاهده ~~منذ أن أتى إلى هذا العالم. حدثهن عن عملهن في البستان، وعن حديث تحدثن به هناك، وماذا ~~أكلن، و ... تهامست النسوة في حيرة: «كيف عرف كريم عن حديثنا في البستان، ولم يكن هناك ~~معنا؟ كيف عرف بهذا؟! هذا خطير. لا بد أن يعالج من فيروس التجسس، ومن أين أتى هذا ~~الفيروس، ولم يعد له وجود؟» خفن أن يكون أصابه فيروس جديد كالفيروس الذي هاجم البشرية ~~قبل قرون عدة، وأحدث خللا في النسل البشري. في الوقت نفسه كان مروان يحدث نفسه: ~~«ماذا أقول لهن؟ هل كنت روحا؟! لن يصدقن ذلك!» صمت وأخذ يتظاهر بالنوم، والفرح يملأ ~~قلبه، يفكر بطريقة كيف يقنع النسوة بأنه مروان، وليس الرجل المدعو «كريم»، وأفتى لنفسه ~~التقبيل والعناق فقط، إلى أن يرى في أمر الزواج منهن؛ فهو يريدهن حلالا. # بينما كان مروان في غبطة في عالم الفردوس، يفكر كيف يتزوج النساء، كان في الوقت نفسه ~~في عالم الجحيم مستلقيا على سرير في غرفة العناية، والممرض راجح يتصل بأسرته يخبرهم أن ~~مروان بخير. وجهه ms021 يبدو مشرقا، والطاقم الطبي يدرسون حالته بعناية، واشترى له علاجات ~~أخرى، وينتظر أن يسددوا المبلغ غدا. استيقظت الأسرة من نومها مبتهجين من تلك البشارة. ~~قامت غصون تصلي لشفاء ابنها، والزوجة تحمد الله بأن مروان سيعيش وينظر في أمر أملاكه؛ ~~فعلي ومعاوية لن يتفقا على إدارة السوبر ماركت، وقد بدأ النزاع بينهما وأبوهما على قيد ~~الحياة. وراحت تدعو الله أن يعيش ليقسمها بين الورثة، وهو على قيد الحياة؛ حتى لا ~~يحدث خلاف بين أولادها على التركة مستقبلا كما حدث بين أولاد خالها. تنازعوا على ~~الثروة بعد موت أبيهم، وذهبت معظمها إلى أيدي المحامين والحكام. # حضر منير إلى بيت عمه، استقبلته حميدة، كانت تبدو غاضبة مما يجري بين أولادها، ففكر ~~بأنها غاضبة منه، لكنه عذرها على سلوكها؛ فالحرب أوجدت سلوكا ليس من صفات المجتمع. ~~حين عرف سبب الشجار في البيت ضحك في سره .. جلست فاطمة بالقرب منه، وولداها نادر في ~~عمر الرابعة، وسامي في عمر الخامسة يلعبان أمامهما. # فاطمة أحبت «منير»، ترى أنها لن تجد زوجا يرتبط بها يقاربها في السن ولديها أولاد، ~~إلا رجلا كبيرا في السن، يأتي عن طريق أبيها في زمن الحرب التي وقودها الشباب. # 10 # ذهب مروان إلى النوم باكرا، وهو يحدث نفسه: «ماذا جرى لكريم؟ كيف اختفى فجأة من ~~المنزل؟!» شكر القدر الذي أحضره إلى حيث رجل يشبهه. لم يعرف أن روحه الآتية من عالم ~~همجي سيطرت على جسد ذلك الرجل، كما يسيطر بعض البشر على بشر آخرين، ويصير الجسد عبدا ~~له. # فكرت النسوة بأمر شريكهن كريم. قالت إحداهن: «لا بد من الإسراع لنبلغ الجهات الصحية ~~عما جرى لشريكهن كريم، وعن تجسسه عليهن.» نهض الجميع صباحا، وأفتى مروان لنفسه ~~التقبيل، وذكورته منتصبة، يدعوهن بالحوريات. أدهش النسوة حين حمل إحداهن بين ذراعيه، ~~وجرى بها في الصالة! من أين أتت لكريم تلك القوة فجأة؟! أمر حير النسوة ~~حقا. # تأكد للنسوة أن شريكهن كريما أصبح شخصا آخر قويا، مرحا، بطباع جديدة، صوته مختلف ~~قليلا، وكذلك بشرته. يتساءلن فيما بينهن: «ترى ms022 ماذا جرى له، وقد كان نائما معهن ؟!» ~~قالت إحداهن لمروان: «كيف نصدق أنك شخص آخر، ولست «كريم» شريكنا؟» حكى لهن قصته منذ أن ~~مات شهيدا في غرفة نومه في حي عطان، الساعة الحادية عشرة ظهرا قبل أربعة أيام، إثر ~~انفجار مرعب أخذه إلى هذا العالم، تساءل عن تاريخ اليوم قائلا: «هل نحن اليوم في ~~24/ 4 / 2015م؟» كانت النسوة تسمع بصمت وحزن، وهو يحدثهن كيف قابلهن في البستان أول ~~مرة، وكيف ركب معهن إلى أن وصلن هنا وبقي معهن!» سألته إحداهن: «وكيف لم نرك وقد ركبت ~~معنا؟!» رد فجأة: «لم يكن لي جسد حينها، كنت روحا في هذا العالم.» ضحكن من نكتته، ~~وقالت إحداهن: أنت تمزح معنا يا كريم، أصبحت رجلا ظريفا أيضا، ولك قوة لم نعهدها ~~فيك، لا ندري كيف حصل هذا؟! ماذا جرى لعضوك ينتصب مرارا؟! هل استعملت دواء شجرة ~~«الخلد»، من غير إذن الجهات الصحية؟! # لم ينتبه مروان لكلمة شجرة الخلد، ولم يعد قادرا على أن يسيطر على انفعالاته، وهن ~~لم يصدقنه. غضب وقال في صوت مرتفع: «أنا لست «كريم»، أنا مروااان، لماذا لا ~~تصدقنني وقد أثبت لكن ذلك؟!» # اندهشت النسوة بخوف من غضبه، يتساءلن من أين أتاه فيروس الغضب؟! وقد انقرضت هذه ~~الأمراض منذ مئات السنين. هذا الأمر حير النسوة. إحداهن قالت بأسى: «كريم أصيب ~~بازدواج الشخصية، يتقمص شخصية رجل يعود سلوكه إلى آخر العصور الهمجية، آخر مرحلة بشرية ~~كانت تسودها الأنانية المقيتة.» اقترحن مراقبة تصرفاته، وإخبار البروفسور ماري حنان ~~الذماري، أستاذة علم السلوك البشري. # ذهب مروان إلى النوم وهو يفكر: «من يتزوج منهن ومن يختار؟!» نام نوما عميقا، لم ~~يستيقظ إلا في الصباح وهو يتصبب عرقا. ذهب الجميع يتناول إفطارهم، وتفاجأت النسوة وقد ~~التهم ثلاثة أضعاف ما يأكله كريم؛ ثلاثة أقداح من الحليب، وعدة أرغفة من الخبز الأخضر، ~~كوب عسل لعقه بإصبعه بشراهة، كان يكفي الجميع. طريقة أكله غريبة عليهن وهو يتناول ~~الطعام بيده. تهامسن عن عزل شريكهن كريم في الشقة إلى أن يتم عرضه على ms023 البروفيسور ماري. ~~أخبرنه أن يبقى في المنزل؛ فحالته هذه لا تسمح له بالخروج إلى أي مكان آخر. # بقي مروان يتجول في المنزل، يشاهد مدبرة المنزل الجميلة في المطبخ الإليكتروني ~~الرائع، وهي تقوم بتقطيع البطاطا والطماطم بسرعة مذهلة، تؤدي عملها بخفة ومهارة. ضحك ~~مروان حين تذكر زوجته «حميدة» حين أحضر لها خدامة حبشية شابة، قالت له: «صغيرة يا ~~مروان، أريد خدامة كبيرة في السن، فأولادنا في سن الشباب.» والحقيقة هي أنها كانت تخشى ~~على الخدامة منه. # جلس مروان في صالة المنزل، يحدث نفسه: «سأتزوج بأربع نساء، والثلاث الأخريات سأطلب ~~منهن أن يكن ملك يمين.» بقي ينتظر عودة النسوة بشوق غامر. يحدث نفسه عن متعة جديدة ~~في عالم آخر. حين وصلن من العمل وقف وفاجأهن، بسؤاله: أريد أن أتزوج منكن. ها .. ما ~~رأيكن؟ ~~- يا كريم، من أين أتتك هذه الكلمة الغريبة «أتزوج»؟ وهي ليست موجودة في قاموسنا ~~اللغوي؟! ~~- كيف أثبت لكن أنني مروان، ولست المخنث «كريم» هذا. # كان غاضبا من مناداته بكريم. ذهبت النسوة في تخاطرهن على أن يعاملنه أنه مروان حسب ~~ادعائه؛ حتى يأخذنه إلى الرقابة الصحية؛ لمعرفة ما أصابه. قالت إحداهن: نعم يا مروان، ~~سنرتبط بك، وتصير شريكا لنا. ~~- شريك، دون عقد زواج؟ ما هذا الهراء؟! ~~- ما معنى عقد زواج؟! ~~- أتزوج بأربع منكن بعقد شرعي، والأخريات ننظر في أمرهن. ~~- لا، سنكون معك أسرة نحن الجميع، وليس أربع نساء! # اندهش مروان وهو يحدث نفسه: «يتحدثن بلغة غريبة وبالعربية، ولا يعرفن معنى كلمة ~~زواج. في أي زمن أنت يا صنعاء؟!» ثم قال ضاحكا: «عقد زواج يعني أن تصبحن زوجاتي ملكي، ~~لا يمسسكن غيري، وتحت إمرتي وطاعتي، وأنفق عليكن أنا.» ضحكن من كلامه، وقالت إحداهن: ~~«نحن لا نعرف ما معنى زواج. وليس في هذا العصر من يمتلك أحدا، وارتباطنا معك هو أن ~~تكون شريكا معنا في الحياة، والنسوة هن من ينفقن على الرجال وليس العكس.» ثم ذهبن ~~للتشاور فيما بينهن: «من أين أتى شريكهن كريم بهذه الأفكار الغريبة؟!» وكان مروان يحدث ~~نفسه: «ماذا ms024 يقلن هؤلاء النسوة! الرجال هم القوامون على النساء، وليس العكس، ثم كيف ~~أرتبط شرعا بسبع نساء معا؟ وما نوع هذا الارتباط؟ صحيح أن رسول الله محمد # صلى الله عليه وسلم # تزوج تسع نساء معا، لكنه رسول الله لا يماثله أحد، وكان ذلك لحكمة يعلمها الله وأنا ~~لست رسولا.» سألت إحداهن: ماذا جرى لك يا كريم، عفوا يا مروان؟! أنت تعرف أن كل سبع ~~نساء يعشن معا، ويشكلن أسرة مع رجل واحد فقط، وعلى قاضي المدينة أن يبحث لكل سبع ~~راشدات عن رجل، إن لم يجدن شريكا لهن. سأل مروان بغضب: من هذا القاضي الزنديق الذي ~~يعقد بسبع نساء معا على رجل واحد؟! ~~- ماذا؟ زنديق! ما معنى زنديق؟ ~~- معناها يحلل الحرام. # كن في دهشة من كلمات لم يسمعن مثلها من قبل. ضحكن كثيرا وتحدثن فيما بينهن: ~~«فعلا هذا الرجل ليس «كريم»، إنه لا يعرف عن عالمنا شيئا، أو أن فيروسا غريبا أصابه ~~قد يلوث هذا العالم أجمع.» قالت إحداهن له: «أنت لا تعرف معنى مصطلح قاض، هو ليس ~~إنسانا.» ~~- ومن هو إذن؟! ~~- هيوموروبوت، يقوم بتشكيل الأسر في المدينة وحول العالم أيضا، يبحث لهن عن شريك، ~~وإنه يعرف كل شيء عن الإنسان منذ مولده. نحن السبع الآن نشكل أسرة حسب قانون ~~العصر. ~~- ما هذا القانون الذي يشرع الزواج بسبع نساء؟! # بينما النسوة في حيرة من أمر شريكهن، يتخوفن من اللقاء الحميمي معه، بقي مروان يفكر: ~~«أربع زوجات وثلاث ملك يميني، لا ضير في ذلك! هكذا أجمع السبع تحت ظلي، لا يهمني أي ~~دين تدين به البلاد، سأبقى على ديني في هذا العالم وأحاول نشره؛ لأحصل على الأجر ~~والثواب من الله.» ثم سألهن وهو يبتسم هذه المرة: «ممكن أن أرتبط بأسرتين أو ثلاث؟» ~~أجبنه بما أدهشه، بأنه يستطيع ذلك تحت ظروف خاصة. شعر مروان ببهجة وفرح غامر، وأخذ يحدث ~~نفسه: «ثلاث أسر تساوي إحدى وعشرين امرأة، أربع زوجات والباقي ملك يمين، وبنفس طريقة ~~اللقاء الحميمي التي شاهدتها أستطيع لقاءهن جميعا في يوم واحد. ms025 إنها الجنة فعلا، لا ~~أظنني على وجه الدنيا.» ثم ضحك عاليا وقال: «لم يتبق لي إلا أن أتعرف على جهنم أين ~~موقعها.» # حذرته النسوة من خطورة الضحك عاليا في الأماكن العامة، لكنه لم يعر لتحذيرهن أي ~~اهتمام؛ فالضحك يعبر عن السعادة. كان يرى نفسه حينا في الدنيا، وحينا آخر في الجنة، ~~لا سيما حين يرى ما لا يخطر على بال بشر، أناس تمر من أمامه في الجو كالطيور العملاقة، ~~وهي تطوي أجنحتها دون أن تسقط، ومدينة لم تكن حتى في الخيال، وسبع نساء للرجل ~~الواحد! # 11 # تأكدت النسوة أن فيروسا جديدا هاجم شريكهن، لا سيما بعد أن شاهدن شعره بدأ ينبت في ~~ذقنه وفي صدره وسيقانه. قمن بتصويره بأبعاده الرباعية؛ لأخذ قياس ملابس جديدة له، فالتي ~~يلبسها ضيقة عليه، وخلال ساعة وصل المطلوب مما أدهش مروان. شعر مروان بالخزي وهو يرتدي ~~تلك الملابس، وأبدى ممانعة من الخروج بها، لكنه لم يجد مناصا من لبس تلك الثياب. ~~انطلقت مركبتهن برفقة مروان، وحلقت في الجو الدافئ كبساط الريح الخيالي. خاف من ~~التصادم بالمركبات اللاتي تقترب منهم مسرعة، فكان يغمض عينيه خوفا، ويقول لسائقة ~~المركبة أن تحذر، وهي تضحك قائلة: أتخاف من التصادم؟ ~~- نعم، سنسقط أرضا! ~~- لا تخف، لا يحدث تصادم. ~~- كيف؟! # أسرعت السائقة بالمركبة نحو مركبة أخرى، فأغمض مروان عينيه بقوة وازداد توتره، وضغط ~~بقدمه على أرضية المركبة، لكن المركبة توقفت آليا بالقرب منها فجاءة، دون أن يكون ~~هناك كوابح للمركبة. قالت السائقة له: «لكل مركبة مجال مغناطيسي يحميها من التصادم، حتى ~~مع المنازل، ويمكن أن تطير المركبة بدون سائق، تذهب إلى السوق وتحضر شيئا، وتعود إلى ~~المنزل.» سألها: «لماذا لا يسمع ضجيج المحركات؟!» قالت: «المركبات الهوائية تعمل ضد ~~الجاذبية الأرضية، وبطاقة الاندماج النووي؛ لدفعها للأمام، وهناك طاقة البرق، والطاقة ~~الكونية المتحولة.» # شاهد مزيدا من الأبراج الزاهية، والحدائق المعلقة تتدلى من شرفاتها ونوافذها، ~~والكثير من خلايا النحل تعرش في أماكن عدة من شرفات المنازل، لكنه لم يشاهد طيورا في ~~الجو. شاهد صحنا ms026 طائرا عملاقا يقف فوق جبل عيبان، قلن له: «ذلك هو مطار مقاطعة صنعاء ~~الدولي.» تذكر مطارها في حياته، وشعر بالأسف. شاهد ما أذهله؛ إحدى ناطحات السحاب تنكمش ~~إلى حجم كرة ملعب، كأنها خدعة بصرية. أخبرته النسوة أن هناك طاقة كونية، تسلط بواسطة ~~الأقمار الصناعية التي تنقل الطاقة الكونية على أي مبنى حين ينتهي عمرها الافتراضي، ~~تضغطها لتصبح بحجم كرة قدم، لا تستطيع أية آلة حملها. لم يكن لمروان من خيار إلا أن ~~يصدق ما يشاهده؛ حتى لا يفقد عقله. # بينما كان مروان مندهشا في عالمه الفردوسي، كان الطبيب قد نقله من غرفة العناية ~~المركزة إلى غرفة خاصة، وبقيت حميدة بجواره، وأخبرتهم عن طرد الممرض راجح الذي كان ~~يبتزهم بشراء الأدوية، ويخبرهم أن صحة أبيهم جيدة. كان أولاده يقفون أمام جسده الملقى ~~في غرفة العناية، يستغربون من علامات الدهشة المرسومة على وجه أبيهم، وذلك اللون الوردي ~~الذي طغى على جسده. ومما زاد من دهشتهم أن والدهم ساعة يبدو على وجهه الغضب، وتارة ~~ترتسم على شفتيه الابتسامة، حتى إن الدكتور اندهش من ذلك. يقول إنه لم يواجه حالة مثل ~~حالة أبيهم. القلب يعمل ببطء شديد، وكذلك الرئة، وسيظل يعتمد على جهاز التنفس ~~الاصطناعي. وجميع أطباء المستشفى لم يعرفوا حتى الآن التشخيص الحقيقي لحالته ~~الغريبة. # ذهب علي ومعاوية إلى الطبيب المعالج، يستوضحان منه الأمر أكثر. قال الطبيب: «أبوكما ~~في وضع حرج جدا، يعاني من حالة مرضية نادرة. لا يستجيب للأدوية، سنعمل بكل ما لدينا، ~~وسنستعين بخبرات أجنبية عبر النت بأطباء من الخارج. لا تقلقوا». عاد علي ومعاوية إلى ~~والدتهما مختلفين في الرأي كعادتهما. علي لا يريد أن يخبر والدته عن الخبر السيئ، ~~ومعاوية يريد أن يضع أمه أمام الأمر الواقع. كادا أن يتشاجرا في المستشفى كما يتشاجران ~~في إدارة السوبر ماركت، لا سيما والأسعار ترتفع أثناء الحرب. وصلا إلى غرفة والدتهما ~~فتوقفا عن الشجار، وهما يشاهدان وجه أبيهما مرسوما عليه علامات الذهول. أما حميدة ~~فكانت تذرف الدموع، وهي ترى زوجها يموت ببطء. تقول ms027 لهم: «أبوكم جسده بارد كالجثة ~~الهامدة، وبشرته كما ترون بدأت تتحول إلى لون أزرق. جهزوا له قبرا.» ثم جلس علي ~~ومعاوية في شرفة الغرفة ينظران إلى رحى الحرب التي تدور، ليست بعيدة منهم في ~~المدينة. # | الفصل الثاني # حين يصل الإنسان إلى أعلى مرتبة إنسانية، يكون نبي نفسه. # 1 # بينما كانت رائحة الموت تزكم الأنوف، كانت المركبة تحلق بمروان فوق مبنى ضخم ذي ~~شكل سداسي، لونه كقوس قزح، على سطحه منتزه ومسبح ورائحة عطرة تملأ الجو، وحوريتان ~~تجلسان إلى جواره. هبطت على ساحة صغيرة دائرية الشكل في فناء المبنى. نزلوا جميعا ~~واستلمت السائقة كرت برقم موقع السيارة، ثم مشوا خطوات معدودة، والتفت مروان إلى الخلف، ~~فلم ير المركبة. لم يسأل؛ فكل شيء غريب بالنسبة له في هذا العالم. كان مروان يشعر ~~بالإحراج من بنطلونه القصير إلى فوق الركبة، وصدره العاري كأنه فتاة متبرجة، وهو الذي ~~يستهجن البشر الذين يتشبهون بالنسوة. استغرب وهو يشاهد الناس من جنسيات مختلفة؛ آسيوية، ~~إفريقية، أوروبية .. كأنه في مدينة عالمية. لم ير أحدا منهم ملتحيا، كان بعضهم ينظر ~~بغرابة إلى شعر ساقيه وصدره. # دخلوا المستشفى ومروان ينظر بدهشة إلى كل ما تقع عليه عيناه. وقف مذهولا أمام أناس ~~يمشون في الهواء ويصعدون، كأنهم على سلم كهربائي يأخذهم إلى الأعلى، لا يوجد سوى ~~شريطين على جانبيه معلقا في الهواء! خاف مروان أن يضع قدمه عليه، ثم تشجع بعد صعود ~~النسوة، وصعد وهن يبتسمن من سلوك شريكهن الغريب. شعر مروان أنه يطير في الجو، يا لها ~~من روعة وهو في هذا العالم الساحر! فكر أنه في حالة رؤيا للمستقبل، كما كان النبي ~~«دنيال» يرى المستقبل في رؤياه، لا سيما بعد أن أكدت له النسوة أن المدينة هي صنعاء ~~ذاتها. وسيعرف قريبا في أي زمن هو! # وقف مروان أمام موظف التسجيل في المستشفى، الذي أخذ يبتسم من شعر مروان النابت في ~~وجهه وصدره وسيقانه، كاد أن يضحك حين سمع مروان يتحدث عن اسمه «مروان ناجي مدهش ~~الراعي» وكذلك وضعت النسوة ms028 أيديهن على أفواههن، وبلعن ضحكاتهن. ضرطت إحداهن فضحك مروان، ~~والتفت الناس إليه تعجبا. وموظف التسجيل يبحث عن اسم مروان في سجلات الحاسوب، فلم ~~يجده. قال: عفوا لا يوجد أحد بهذا الاسم. هذا الرجل غريب، كما أن اسمه وشكله وسلوكه ~~غريب أيضا. # اقتربت إحدى النسوة لتقول له ما جعلته يستغرب أكثر، وشك أنه أصيب بمرض لم يعد له ~~وجود، وهو «الجنون» مرض العصور القديمة: شريكنا أصيب بداء غريب منذ ستة أيام، يتخيل ~~نفسه شخصا آخر، حتى إنه لم يعد يعرف اللغة العالمية، يتحدث العربية فقط. يدعي أنه ~~مروان، واسمه الحقيقي «كريم نورين»، وها هو يضحك عاليا متجاهلا القوانين. # بحث الموظف في الحاسوب عن اسم كريم نورين، واندهش من الشبه الكبير بين المدعو مروان ~~وكريم، هذا ما حيره. ولم يخبر النسوة بخوفه بأن يكون مرض الجنون قد عاد إلى العالم ~~الجديد. يسأل نفسه: ترى ماذا جرى لكريم؟! # أبدى مروان غضبه وتغيرت ملامحه، فخاف الموظف وعاد إلى الخلف، ورجح أن كريم فعلا ~~مجنون، فالغضب سلوك جنوني لم يعد له وجود، كغيره من أمراض العصور الهمجية .. قال الموظف ~~وهو مرتبك: حقا إنه يعاني من مرض جديد نقل من كوكب آخر. # تحدث مروان بصوت عال قائلا بأنه غير مريض، ولماذا يستغربون من اسمه، وبأن أباه كان ~~يرعى الأغنام في «الأعروق» منطقة الحجرية، وما العيب في ذلك؟! يحدث نفسه: «لماذا هذا ~~العالم يسخر مني؟ أظنهم يرونني قردا مسليا في نظرهم. لا أحب أحدا أن يسخر مني ولو ~~كنت في الفردوس.» ومما أغضب مروان أكثر حين أخبره الموظف أنه سيشفى من مرضه. كتم غضبه، ~~وسأل النسوة والحزن يبدو واضحا على وجوههن: في أي زمان أنا؟! ~~- غير معقول ما تقوله يا كريم! هل نسيت حتى التاريخ. نحن في 5/ 1 /300ب.ج. ~~- ما هذا التاريخ؟! أكاد أجن. ~~- نحن في بداية القرن الثالث بعد «الإنسان الجديد». ~~- إنسان جديد؟! وما هذا التاريخ؟! ~~- نحن في القرن السادس والعشرين الميلادي. # ذهل مروان مما سمعه، وهو يحدث نفسه كالمعتوه: «القرن السادس والعشرون الميلادي .. ~~وكنت قبل ms029 ستة أيام في القرن الواحد والعشرين .. هل أنا أحلم، وما كل ما يدور حولي سوى ~~حلم جميل؟» ضرب رأسه بيده بقوة وشعر بالألم، وقال بصوت مرتفع: «أنا لست أحلم، أظنني في ~~حالة رؤيا للمستقبل. شعر بعدم قدرته على التركيز، وتشوشت عنده الرؤية. أخذت إحدى النسوة ~~تهزه وأخرجته ما هو فيه.» # 2 # توجهوا جميعا إلى قسم الأمراض الطارئة في المستشفى. كان معظم الطاقم الطبي من ~~الرجال، ترأسهم البروفيسور «ماري حنان الذماري»، في علم السلوك البشري، تبدو أكبرهن في ~~السن. فرح مروان لكثرة الرجال هناك. وقف أمام الطبيبة، وقامت هي من مكتبها مندهشة من ~~شعره النابت في ساقيه وصدره ووجهه، وهي تحدث نفسها: «من أي كهف خرج هذا الرجل؟!» ~~أخبرتها إحدى النسوة بلغتهم الغريبة عن مروان بخوف وقلق بالغين، إن شريكهن كريم نورين ~~فقد ذاكرته وانتحل شخصية أخرى، يدعي أن اسمه مروان، وتغير سلوكه. أصبح يغضب، نهم ~~على الأكل، قوي غير كريم الذي يعرفنه، ويريد أن يستخدم الأسلوب الهمجي عند اللقاء ~~الحميمي. # نقلته الدكتورة فورا إلى غرفة العزل، واستدعت الدكتور «فرنر» للكشف عليه. وقف مروان ~~أمام الدكتور فرنر، الذي راح ينظر إليه من رأسه حتى أخمص قدميه، ثم خرج فرنر خلال دقيقة ~~بتقرير يثير الدهشة: هذا الرجل ليس كريم نورين، جيناته تختلف تماما عن جينات كريم. ليس ~~فيه أثر لتلقيح الأديان، عضلاته قوية، فيه طاقة جنسية هائلة، نرجسيته في أعلى مستوى ~~لها، كروموسوم وأي المذكرة خمسة وتسعون في المائة نشطة. فيه طفيليات وفيروسات ~~وميكروبات، كانت في إنسان القرن الثالث ق.ج، أي إن عمره خمسمائة وستون عاما. # اندهش الجميع، وكذلك مروان، من تقرير الدكتور فرنر عن عمره الخرافي، وظنوا أنه أخطأ ~~في تقدير عمره، وأخذت البروفيسور تسأل النسوة بخوف: «هل مارس معكن التلقيح؟!» أخبرنها ~~أنهن لم يخالفن نظام التلقيح لحياة جديدة مع شريكهن. شعرت ماري بقلق، وأخبرت النسوة ~~بضرورة الإسراع في تلقيح مروان بلقاح هذا العصر. تحدث نفسها: «يا لعجب الطبيعة! كيف بقي ~~هذا الرجل على قيد الحياة طوال هذه المدة؟! ثقتنا كبيرة ms030 بتشخيص الدكتور فرنر، ولو أنه ~~خرج بتقرير غير مألوف لدينا للغاية!» # طرأت فكرة على البروفيسور في الكشف عن ذاكرة مروان؛ لتعرف ماذا فيها من أحداث مرت ~~عليه، وليكون هناك التشخيص الحاسم بالأمر. حقنته بحقنة تنشيط الذكريات .. ووضعت حول ~~رأسه أقطابا كهربائية عديدة، تؤدي إلى جهاز نسخ الذاكرة. استرخى مروان وهو بين اليقظة ~~والسبات، وبقي يستعيد سجل ذاكرة حياته كلها .. كانت البروفيسور والنسوة يشاهدن وهن في ~~حالة من الدهشة، ما سجله جهاز الذاكرة من ذكريات مروان التي تعرض على شاشة كبيرة، ~~والدكتور فرنر يقف بجوارهن مبتسما. # شاهدوا مدينة قاحلة، بنايات بدائية، شوارع ضيقة، تزحف فيها مركبات قديمة كالديدان، ~~تنفث دخانا وغبارا هنا وهناك، جبالا مجدبة، قطيعا من الخراف يمشي في الشارع، أكوام ~~قمامة، أعمدة الكهرباء وخطوطها المعلقة في الهواء، نساء يمشين بعباءات سوداء وهن ~~ملثمات، أناسا في تجمع كبير، تمضغ أوراقا خضراء، وخدودهم منتفخة. بعض الرجال يمشون ~~هنا وهناك، يحملون أسلحة عتيقة وحول الخاصرة حزام عريض مثبت فيه خنجر. شاهدوا بقرا، ~~حميرا، جمالا، طيورا .. مما أخافهن وأفزعهن هو مناظر بشعة لانفجارات ودخان في أماكن ~~عديدة في المدينة، أناس يضعون أيديهم على رءوسهم وهم يصرخون خوفا. ثم شاهدن أحداثا ~~سريعة حدثت في بيت مروان هو وأسرته وفي سوبر ماركت، وأناسا تتحدث عن الحرب، استقالة ~~الحكومة. سمعن رجلا يحدث مروان عن محاصرة الرئيس، وهروبه من منزله المحاصر في صنعاء ~~إلى عدن ...» # كانت البروفيسور في غاية الدهشة، أخبرت النسوة بحزن لما شاهدته عن عالم مروان الذي ~~أتى منه بأن ما شاهدوه ليس إلا ذكريات مروان الحديثة. ثم شاهدن خياما منصوبة في شارع ~~ضيق، امتدت إلى مسافة طويلة، وجموعا غفيرة، نساء ورجالا يمشون بين الخيام. شاهد ~~أناسا يقفون على منصة يتحدثون، وهتافات عالية: «ارحل، ارحل .. الشعب يريد إسقاط ~~النظام»، وجموعا غفيرة تزحف في الشوارع، وتصطدم بقوات عسكرية، قنابل دخانية تتساقط ~~عليهم، وخراطيم المياه وهي تسلط على الجماهير، وهم يهتفون: «الشعب يريد إسقاط النظام، ~~ارحل ...» كان هناك إطلاق رصاص، و«موترات سياكل» تنقل العديد من الجرحى. # حشد ms031 كبير من الناس يقفون صفوفا منتظمة في شارع عريض، تركع وتقوم وتسجد ثم تنصرف مرة ~~واحدة. شاهدن معركة وقتلى في الشارع، حيث تجمع فيه الناس بالقرب من الخيام، وأناسا ~~تصيح: «سقط خمسون شهيدا هذا اليوم يا شباب»، ثم سمعن ما سجلته ذاكرته السمعية في ~~المواجهات بين الجيش، وقوات القبائل في «الحصبة»، وسيطرتهم على العديد من ~~الوزارات. # دمعت عيونهن، وهن يشاهدن حربا ضروسا بين جبال جرداء وصحار، معدات حربية تزحف ~~وعربات جند وصواريخ، وطائرات تقصف الجبال، معدات حربية تقذف القذائف، وأناسا بذقون ~~طويلة بثياب سوداء يتقدمون صفوف الجند، وهم يهتفون: «الله أكبر، اهجموا على الكفرة ~~والمرتدين، الجنة أمامكم يا جند الله، تقدموا إليها، إنها الجنة. الوحدة أو الموت ...» ~~كانت هناك عربات تحمل القتلى بالعشرات، والدم يسيل منها. ثم شاهدن بحرا ومدينة بدائية ~~خلفها جبل كبير يمتد من البحر إلى البحر، لم تعد تلك الجبال أو موقع المدينة معروفا ~~لديهن. ثم سمعن شخصا يشبه صوت مروان، وهو يهتف بين الجند: «إنه النصر، ها هي مدينة ~~عدن أمامنا. هزمنا الاشتراكيين الانفصاليين الكفرة.» # قالت إحدى النسوة للبروفيسور ماري: «نود لو يصحو مروان؛ ليخبرنا هل هو ذلك الرجل ~~القاتل أم لا؟ أصبحنا نخاف منه.» ردت ماري: «لا تستعجلن، حتى ولو كان هو، فبعد اللقاح ~~الديني سيتغير تماما.» عدن إلى مشاهدة شريط ذكريات مروان. شاهدن أسرة مروان وعدة ~~عمال يعملون وكذلك طريقة البيع القديمة، وما أضحكهن فجأة، وأخرجهن عن عادات الضحك ~~المتبعة، هو مشاهدتهن لامرأة قصيرة عارية، وهي تحت جسد مروان الثقيل. قالت البروفيسور، ~~ولا يزال الجهاز يسجل ذاكرة مروان، وهو فيما يشبه الغيبوبة: إنه اكتشاف مهم، حصلنا عليه ~~عن الزمن الماضي لصنعاء، والعالم القديم أيضا. # صحا مروان من غيبوبة الذكرى، وهم يشاهدون شاشة تلفزيونية: فتيانا يلعبون، فهتف: «ذاك ~~صديق طفولتي عامر، وذاك محمود، تلك سمية، ذاك بيتنا، مسجد القرية، غير معقول! من أين ~~حصلتم على هذه المشاهد، أكاد أجن؟! .. ياااه، تلك أمي غصون، خالتي، هذا قطيع أغنام أبي، ~~تلك قريتي. مستحيل!» شاهد نفسه، وهو يضرب ms032 فتى .. ثم شاهد نفسه وهو صغير يسرق بيض «مريم ~~علي» جارتهم في القرية. شاهد نفسه، وهو يقف خلف أحد الفتيان، وهما يختليان معا بين ~~الأحراش! غطى عينيه حتى لا يرى، شعر بالخزي. كان مروان يود أن يواري نفسه عن الغير، ~~يغطي عينيه. هتف: إنه يوم الحساب .. إنها القيامة! لا أستطيع أن أرى أكثر. لا أستطيع .. ~~إنه يوم الحساب، يوم تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم. إنك بين يدي ملائكة الحساب يا مروان، ~~وهذا كتابي أقرؤه، ثم انهمرت دموعه باكيا. # بينما كان مروان يلطم خديه، ويتأسف على حياته في الدنيا كيف قضاها، يعض على أصابع ~~الندم، كانت النسوة منشغلات بمشاهدة طريقة المضاجعة الهمجية مع زوجته. ذهلت النسوة من ~~تلك الطريقة المتوحشة. # عاد مروان يتلصص بخزي على شاشة العرض، وهي تعرض غرفة ضيقة كئيبة، وامرأة عجوز تقف ~~بقميصها الفضفاض، وقد رفعت أكمامها إلى ساعديها، وكفاها ملطخان بالدم، حول رأسها مقرمة ~~حمراء منقطة بالسواد، وسروالها قطني أسود، كانت تقول بفرح: «إنه ولد أبيض وجميل يا ~~غصون، ماذا ستسمينه؟ سيفرح به أبوه حين يعود من المرعى.» قالت المرأة وهي تتألم: «قد ~~سماه أبوه «مروان»؛ فقد كان يتوقع أنه ولد.» # تأكد لمروان أنه «يوم الحساب»؛ لطالما رأى أمه وهي تلده، وأن الجنة والنار تكونان في ~~الأرض التي يتوفى فيها الإنسان، وأنه الآن بين يدي ملائكة الحساب. في نفسه تساؤل عميق: ~~«قيل لنا إن ملائكة العذاب مرعبون. كيف هذا وأنا أشاهدهم بصور جميلة ولطيفة، ذكورا ~~وإناثا! ترى هل ما قيل لنا عن الجنة والنار، وملائكة الحساب لم يكن سوى تخيل من ~~البشر؟! هل عشنا قرونا في كذبة؟!» # كان الجميع في دهشة؛ لما يشاهدونه في فيلم ذاكرة مروان، بالصوت والصورة لأحداث حدثت ~~أمامه في حياته. ذرفت البروفيسور ماري الدمع مرة أخرى، رغم أن لا أحد يبكي في هذا ~~العصر، وقالت: «لم نر في ذكريات مروان أشياء مبهجة، كانت معظمها محزنة للغاية. لقد ~~عاشت مقاطعة صنعاء فيما مضى حروبا شتى، في آخر عصر همجي عاشته البشرية تحت سيطرة ~~الرجل. كانت ms033 الأنانية المشبعة بالنرجسية الخبيثة تطغى على العقل البشري كثيرا ~~...» # تأكد للجميع أن الذي بين أيديهم رجل آخر، غير كريم نورين، الذي اختفى عن الوجود، أمر ~~حير النساء، كيف اختفى وظهر مروان فجأة إلى الوجود، الذي بقي حيا منذ القرن الثالث ~~ق.ج. «قبل الإنسان الجديد»، بداية القرن الواحد والعشرين الميلادي؟ وكيف بقي حيا إلى ~~هذا العصر؟! # 3 # كان مروان في عالمه الفردوسي في غاية الحيرة، يحدث نفسه: «ملائكة العذاب شداد غلاظ، ~~يخافهم البشر لمجرد وصفهم، وهؤلاء يبدون ملائكة رحمة. هذا ما لم أسمعه في حياتي!» سأل ~~البروفيسور بخوف: أليس هذا يوم الحساب، وأنتم ملائكة العذاب؟! أتوسل إليكم، الرحمة! كنت ~~مؤمنا بيوم الحساب، لكن كنت أفعل عكس ذلك. عشت في نفاق مع نفسي ومع الله. # أنصت بدهش لما تقوله ماري، وهي سعيدة بما اكتشفته: ماذا تقول؟! أنت في صنعاء .. وقد ~~عرفنا من أي زمن ماض أتيت، لقد حدثت لك معجزة إلهية، كيف بقيت حيا إلى هذا العصر؟! ~~أما ما قلته عن إيمانكم بيوم الحساب أظنه كان نفاقا. المؤمن بيوم الحساب لا يرتكب ~~أخطاء أو معصية مقصودة في حياته، ولو كنتم تؤمنون بيوم الحساب حقا؛ لأحلتم دنياكم إلى ~~جنة، مثل هذا الذي تراه الآن. # تهلل وجه مروان وقال بفرح: «ماذا تقولين؟! أنا ما زلت في الدنيا؟!» وزادت حيرته أكثر ~~بما أخبر به عن الدكتور فرنر، وسيعرفون كيف بقي إلى هذا العصر! ومروان يحدث نفسه: ~~«الحمد لله ليس كما تخيلت ... إذن أنا ما زلت أعيش في الدنيا، ويمكن أن أكفر عن ~~ذنوبي.» ثم أخبرته البروفيسور ماري أن الجهاز نسخ ذاكرته كلها عن حياته السابقة، حتى ~~أحلامه مسجلة في رقائق بيولوجية من ال # DNA # في الذاكرة ~~الدماغية له. ولم يشاهدوا إلا جزءا من حياته، وسيعرض ما تبقى منها في وقت لاحق. ~~وأخبرته بما لم يصدقه، بأن هناك محاكاة لدماغ الإنسان البيولوجي، وقريبا سيكون هناك ~~دماغ من صنع الإنسان. # حدث نفسه بغرابة «ما تقوله هذه المرأة لا يقدر عليه إلا الله. هذا هراء .. لكن الجهاز ~~الذي ms034 كشف ما في عقلي، لو أنه وجد في زماننا لتغير وجه الحياة . البعض سيخافه أكثر من ~~الله.» تعجب أيضا كيف أن الدكتور فرنر في برهة من الزمن عرف عنه أشياء كثيرة، لا ~~يستطيع أن يعرفها أحد بهذه الدقة والسرعة في زمنه. جلست البروفيسور ماري مع النسوة وهي ~~في حيرة، سألتهن: «كيف أتى هذا الرجل إليكن دون أن تعرفن ذلك؟!» # أفدنها بأنهن لم يعرفن كيف حل بدلا عن كريم شريكهن السابق فجأة، وبأنهن أحببن ~~مروان وسيرتبطن به قريبا، وسيكون تحت رعايتهن. فكرت ماري بالأمر ووجدت أنه من الأفضل ~~بقاؤه عندهن ليقمن بمراقبة رجل بقي حيا منذ أكثر من خمسمائة عام، وأخبرتهن أنها ~~ستقوم بتلقيحه بلقاح الأديان، وسترى مدى تأثير اللقاح فيه. فهو رجل مختلف فسيولوجيا ~~عن إنسان هذا العصر، وولد في عالم تسوده الأنانية وأخذ ذلك عنها. سيبقى لمدة أربعة أيام ~~هنا؛ لتعديل جيناته الأنانية، وكبح نرجسيته الفردية الخبيثة، ويواكب سلوكه هذا ~~العصر، وإن لم يستجب للقاح سيبقى في غرفة الحجر الصحي، وسيقوم الهيموروبوت الطبي ~~بمراقبته، حتى يتم إبلاغ رئيسة مقاطعة صنعاء بهذه الحالة النادرة. قبل عودة النسوة إلى ~~منزلهن، كشف الدكتور فرنر عليهن جميعا، لمعرفة ما إذا كن قد أصبن بأي عدوى انتقلت ~~إليهن من مروان. # في اليوم الأول لمروان وهو في المستشفى، شاهد ممرضة جميلة تبتسم له تطوف على غرفته، ~~ظن أنها معجبة به. قدمت له شرابا والبسمة العذبة لا تفارق شفتيها، وقدمت له الطعام ~~النباتي وقت الغداء. دنت منه فقبض بمعصمها الرقيق للحظة قصيرة، فدفعه شغفه بها ~~وقبلها، وجد خدها باردا، شعر أنها لم تحس بقبلته. ظن أنها غضبت؛ فراح يعتذر ~~لها. # في اليوم التالي زارته البروفيسور ماري، وقدمت لها الممرضة التي ظنها مروان بأنها ~~فتاة بشرية تقريرا مفصلا عنه، وأخبرتها أنه قبلها. كان مروان مندهشا مما تقوله ~~الممرضة، يشعر بالخزي من فعلته. سألته ماري: «هل قبلت الممرضة؟» أنكر مروان أنه ~~قبلها! ابتسمت ماري، وأخبرته بأنها هيوموروبوت طبي لمراقبة وفحص المرضى، ولديهم ~~الكثير منهم. أما الكذب الذي كان ms035 وباء العصور السابقة فسيزول عنه قريبا. بدا الخجل على ~~وجه مروان من تصرفه المشين أكثر. وهمس لنفسه: «معقول! هذه الممرضة ليست بشرا؟ أعوذ ~~بالله من الشيطان، اقترب الهيوموروبوت الطبي، وأخبر البروفيسور ماري بما همس به مروان ~~لنفسه.» التفتت ماري إلى مروان وسألته: ماذا تعني بكلمة شيطان؟ # تفاجأ مروان بالسؤال وهو يحدث نفسه: «كيف عرفت بما وسوست به نفسي؟ وكيف لا يعرفون ~~معنى كلمة شيطان؟!» تفاجأ مرة أخرى بأنهم لا يعرفون معنى كلمة «شيطان»، وفغر فوه حين ~~أخبرته أن الدكتور «فرنر» ليس بشرا أيضا! وأنه سيخرج إلى عالمه الجديد إنسانا آخر ~~بعد تلقيحه ب «لقاح الأديان». # 4 # في تلك الليلة، بقي مروان يفكر فيما أخبرته ماري حنان الذماري، عن هذا العالم الذي ~~هو فيه. تذكر ما قالت له عن معنى مصطلح «ب.ج.» بعد الإنسان الجديد، وعن نهاية عصر ~~العالم الذكوري الذي استقوى فيه على الأنثى، وانتزع حقها في انتساب المولود باسمها، ~~والمصنع البيولوجي البشري. في مقابل ذلك لا يقدم الرجل للطبيعة غير شهوته التي يريد ~~أن يتخلص منها. # في الصباح أخذته الممرضة إلى «قسم تلقيح الأديان الرباعي»، وهو يفكر: «ما هو تلقيح ~~الأديان؟ كيف جعلوا الدين لقاحا؟!» أخبر البروفيسور وهو يكبت غضبه، بأنه لا دين بعد ~~دين الإسلام، ثم إن الدين لا يعطى لقاحا، هذا هراء! وبأن قلبه عامر بالإيمان ويعرف ~~الدين جيدا. ظل حياته يدعو له ويجاهد من أجله، وعلى استعداد أن يموت في سبيله، وسبيل ~~ربه .. وأنه لم يعرف غير لقاح: الحصبة، الجدري، السعال الديكي، السل، فيروس الكبد .. ~~وقد أخذ تلك اللقاحات جميعا. لم تتفاجأ البروفيسور من تصرفه، لكنها تفاجأت من تلك ~~اللقاحات البدائية التي ذكرها، وأخبرته شيئا عن تلقيح الأديان، الذي نقل البشرية إلى ~~طور جديد «الإنسان الكامل»، وولادة جديدة للبشرية. أوجدوا مجتمعا غير أناني، شعاره ~~«أنا - أنت»، يولد فيه الطفل فلا يجد من يعلمه الأنانية، ولا النرجسية الخبيثة. وقد ~~توقف إعطاء ذلك اللقاح منذ خمسين عاما، فلم يعد هناك مجتمع أناني يتعلم الطفل منه ~~الأنانية. كما توقفت ms036 اللقاحات الأخرى كلقاح السرطان وأمراض القلب، والجنون .. كانت ~~تخبره وهو يتأمل ذلك الجمال الرائع في الممرضات الآليات، يراهن أجمل من زوجته حميدة. ~~يتساءل لو أنهن وجدن في حياته السابقة، كان سيقتني العديد منهن بما أنهن لسن بشرا، لا ~~سيما يمكن للبعض منهن النوم مع الرجال. # تلقى مروان المرحلة الأولى من تلقيح الأديان، ضد «الأنانية». ذهب بعدها في نوم عميق، ~~لم ينم مثله في حياته. استيقظ وقت الظهيرة وهو يشعر ببهجة لا يعرف مصدرها. حضرت ~~البروفيسور مساء للاطمئنان عليه، رحب بها وكان يود أن يحضنها. سألها وقال: ما هذا ~~اللقاح الذي أعطيتموني إياه؟! أشعر أنني رجل آخر. # ابتسمت البروفيسور وجلست أمامه. قالت: هذا اللقاح سيغير نظرتك لذاتك، ويكبح نرجسيتك ~~الخبيثة، لن تشعر بالغرور أو الزهو، كما كنت تشعر به في حياتك السابقة. نحن الآن نكبح ~~فيك الجين الأناني. نحن نخلقك من جديد لتناسب هذا العصر. # بقي ذلك اليوم يحلق في سماء السعادة، التي لم يشعر مثلها في حياته السابقة، يود أن ~~يهب نفسه للعالم، كما كان يهب نفسه في سبيل الله في حياته السابقة. # في صباح اليوم التالي أعيد إلى غرفة التلقيح، وأعطي جرعة أخرى (جرعة الصدق). حضرت ~~البروفسور تسأله عن شعوره بعد اللقاح، وجلست تحدثه عن الصدق الذي أمرت به كل الأديان ~~القديمة التي صارت تراثا روحيا في هذا الزمان، وأن الصدق عمود الأديان كلها. # بقي في حيرة مما تقوله ماري: «كيف جعلوا الدين لقاحا، وما كنا نقدسه صار تراثا ~~روحيا؟!» ثم أخبرها أنه شاهد فيلما عن الديانة الهندوسية لمقاطعة دلهي، أسموه الدين ~~البراهيمي. سألته: وهل شاهدت الثورات الدينية ضدها؟ ~~- ما أعرفه عن الثورات بأنها ضد الطغاة، وليس ضد الأديان! هذا لم أسمع به من ~~قبل. # أخبرته بأنهم سيشاهدون تلك الثورات التي ظهرت ضد الديانة الهندوسية المتعددة الآلهة، ~~التي ظلت باقية حتى إلى ما قبل الإنسان الجديد، واندثرت الديانات المشابهة لها، وظهرت ~~الديانات التوحيدية التي تعبد إلها واحدا فقط. اقترب الحاضرون ليشاهدوا معا، كان من ~~ضمنهم هيوموربوت. أخذ يسألها والحيرة ms037 تعصف به: لماذا يحضر الآليون؟! ~~- ليتعلموا مثل البشر. # عصفت الحيرة بمروان أكثر ، حتى إنه شك أن ماري قد تكون هي آلية! بينما هي كانت تشير ~~بريموت نحو حائط الغرفة الزجاجي، فإذا بها تفتح نافذة، وظهر ذلك الدليل الذي شاهده ~~مسبقا. أنصت الجميع إلى الدليل، وهو يقول: أعزائي، ثورات عالم ما قبل الإنسان الجديد ~~لم تقم ضد الطغاة فقط، بل كانت أيضا ضد المعتقدات؛ فكل معتقد مع الزمن يصدأ ويتداعى ~~بالتدريج جيلا بعد جيل، لكن ذلك يأخذ وقتا لتتخلله ثقافات جديدة، وتصبح تلك المعتقدات ~~إرثا روحيا إنسانيا. # أشار إلى تمثال «مهافيرا» وقال: هو مؤسس الديانة الجينية في القرن الثاني والعشرين، ~~قبل الإنسان الجديد أي 599-527ق.م. اتخذه أتباعه إلها لهم فيما بعد، ولم يشركوا معه ~~إلها آخر. رأى الكثيرون أنها إصلاح لما أفسده الكهنة الهندوس، التي ترى أن الناس غير ~~سواسية، واتخذت من الدين ما يمكنها من السيادة على الآخرين. بعد وفاته انقسمت الجينية ~~إلى مذهبين، المتشددون «ديجاميرا» والمعتدلون «سويتاميرا». كما انشقت الكونفوشية إلى ~~مذهبين. كذلك قامت الديانة المسيحية بثورة ضد الديانة اليهودية، وانشقت هي الأخرى إلى ~~مذهبين بروتستانتية وكاثوليكية. كما جاءت الديانة المحمدية التي هي آخر الديانات ~~الإبراهيمية، وثارت على كل الديانات السابقة، وأتت بإصلاحات جديدة، وانشقت هي الأخرى ~~إلى سنة وشيعة. # انتقل الدليل إلى مسرح آخر من المتحف، أشار إلى تمثال بوذا، وذهب يتحدث عنه قائلا: ~~هو الأمير سادهارتا جواتاما، الملقب ببوذا (المتنور) لم يعبد المؤمنون به سواه. كانت ~~ثورته على طقوس الكهنة البراهيمية المتشددة وتعدد الآلهة. ليس لهم كتب مقدسة، بل تعاليم ~~بوذا الأخلاقية، وهو كتاب «فينايا بيتاكا»، وكتاب «أبهيدارما بيتاكا». تتضمن نقاشات في ~~الفلسفة، وغيرها من الموضوعات التي تمس العقيدة. يقولون إن «الفيدا» الكتاب المقدس ~~للبراهمة بشر بظهور حكيم، يجدد ما طمسه الزمن من الدين البراهمي، دعا إلى قهر الشهوات ~~والمساوة بين الناس، والانصهار مع العالم إلى حيث لا وجود للأنا. وهذا ما توصل إليه هذا ~~العالم، عصر الإنسان الجديد. # تلاشى ذلك المشهد، وظهر الدليل يتحدث عن الزرادشتية: ms038 أسسها زرادشت. كانت الزرادشتية ~~تعرف بالمجوسية، كتابهم المقدس «الأفيستا». تعد واحدة من أقدم الديانات التوحيدية في ~~العالم، ظهرت في بلاد كانت تسمى فارس في «26ق.ج.» أي القرن السابع قبل ميلاد المسيح. دعا ~~زرادشت إلى عبادة إله واحد هو «اهورا مزدا» يأمر الناس بالفكر الصادق، والقول الصادق ~~والعمل الصالح، والنار والماء لطقوس الطهارة الروحية، وأن الجسد يفنى وتبقى الروح في ~~منطقة وسطى بين الجحيم والجنة حتى اليوم الآخر، فالرجل الصالح يخلد في الجنة إلى جانبه، ~~والفاسق سيخلد في الجحيم إلى جانب الشياطين. وهناك ديانات توحيدية في إقليم إفريقيا، ~~فالإنسان منذ فجر التاريخ يبحث عن خالقه الأوحد؛ فقد كان الزنوج البدائيون موحدين، ~~يعبدون إلها واحدا. في قبيلة «الماو ماو» يؤمنون بإله يسمونه «موجابي» لا يرى ولا ~~يعرف إلا من آثاره وأفعاله. وفي قبيلة «نيام نيام» كانوا يؤمنون بإله واحد يسمونه ~~«مبولي»، وفي قبيلة «الشيلوك» يؤمنون بإله واحد يسمونه «جوك»، يصفونه بأنه خفي وظاهر، ~~وفي قبيلة «الدنكا» يؤمنون بإله واحد يسمونه «نيالاك»، وكل قبيلة تزعم أن إلهها هو ~~الأقوى من الآخر. هكذا البشر لا يستطيعون العيش بدون إله. ويذهبون للبحث عنه في الكون، ~~منهم من يخترعونه وينحتونه كما يرونه في قلوبهم. وفي هذا العصر عرفت البشرية أن الرب ~~يقطن في قلب المخلوق بجوار الشيطان الذي فطسناه، وبقي الإله وحيدا في القلب. # كان مروان في عالمه الفردوسي، يسمع ما لم يسمعه في حياته، يشعر بأن الشيطان لم يعد له ~~وجود في ذلك العالم، في الوقت نفسه كانت أمه غصون تنوح في عالم يسود فيه الشيطان، لم ~~تتوقف عن البكاء على ما جرى لابنها الوحيد من زوجها ناجي مدهش الراعي في القرية. انفصلت ~~عنه بعد أن ولدت مروان بأربع سنين، تخلى عنها الراعي رغم حسنها؛ فهو لم يعد يطيقها هي ~~وابنها مروان كلما نظر إليه؛ لشبهه برجل يدعى عبد الفتاح. نام ليلة في بيت الراعي. ~~تكاد الحيرة والغيرة يقتلانه، لا سيما أن زوجته الأولى لم تحبل منه بعد ست سنوات من ~~زواجهما؟! أمر جعله يحدث ms039 نفسه كلما نظر إلى مروان، ففضل أن ينفصل عنها. # ظلت غصون بجوار ابنها، لم يفارقها الحزن وهي تراه كجثة هامدة، ولولا تلك الأجهزة التي ~~حول صدره وتزويده بالأكسجين لفارق الحياة. ظلت تبكي وهي تتذكر طفولته الشقية، عاش دون ~~أب يرعاه، فكانت له الأب والأم. تذكرته وهو صغير يرعى الأغنام معها، وكيف نشأته منشأ ~~حسنا. علمته حفظ القرآن وتجويده عند فقيه القرية «سعيد علي». أصبح مؤذن المسجد وهو في ~~الثانية عشرة من العمر. # كانت غصون ترى تلك البسمة المرسومة على شفتي مروان، هي الأمل الوحيد الذي تراه ~~لشفائه. لم تعد تخاف صوت الانفجارات. لم يعد شجار علي ومعاوية يغضب غصون في البيت الذي ~~نزحوا إليه، كما نزح جميع سكان حي العطان. بقى الحي خاويا على عروشه، حتى المركبات لم ~~تعد تمر في شوارع الحي الذي تحول إلى مدينة أشباح. كانت غصون تجلس ليلا على سجادتها ~~متجهة نحو القبلة، تدعو الله أن يشفي ابنها مروان! # اتصل منير بفاطمة، وقالت له إنها في المستشفى مع أمها، فذهب إلى هناك. انعزلا ~~بنفسيهما في شرفة الغرفة وبقيا ينظران إلى المدينة. كان هناك دخان يتصاعد إثر القصف في ~~منطقة النهدين. قال منير: «أترين ذلك الحريق والدخان؟ إنه يحرق أحلامنا، كنت أنتظر متى ~~ستتوقف الحرب لنتزوج، والآن أنتظر متى سيشفى أبوك. اشتريت الغسالة ماركة ممتازة ~~والفرن، عصارة الفواكه .. ولم أنس لعبا لأطفالك، متى يا فاطمة سنعيش تحت سقف واحد؟!» ~~اقترب منها حتى لامس كتفيها، وهما يسندان مرافقهما على شرفة النافذة. كان ينظر إلى ~~الخلف أحيانا؛ خوفا أن تشاهد أمها تلامس كتفيهما. يود أن يخطف قبلة، لكن الفرصة أتته ~~لضمها إلى صدره بقوة، حين سقطت قذيفة على معسكر التموين العسكري القريب من ~~المستشفى. # 5 # بينما كانت غصون تصلي لله لشفاء مروان، كان هو تلك الليلة في عالمه الفردوسي، يحس أن ~~حملا ثقيلا انزاح من صدره، كأن هناك أجنحة خفية ترفعه عن الأرض. في منتصف تلك الليلة ~~مرت ممرضتان جميلتان، تحمل إحداهما جهازا صغيرا بحجم قبضة اليد، خلعت ملابسه ms040 وراحت ~~تدلك ذكورته بالجهاز حتى نعظ. حدث مروان نفسه: «ماذا تفعل هذه الجميلة ، إنه منتصف ~~الليل! لماذا تصحي ديكي، هل هذا اختبار جديد؟!» ثم مضت الممرضتان بعيدا، ومروان في ~~حيرة من أمره! # حضرت البروفسور صباحا. سألته بماذا كان يفكر حين أخذت الممرضتان قياس عضوه، فقال لها ~~الحقيقة تماما، كما حدث نفسه مسبقا .. ابتهجت البروفسور بما حققه التلقيح، وقالت ~~له: «صدقت فيما قلته ولم تخف شيئا. كان الإنسان فيما مضى لا يظهر الحقيقة كاملة ~~للغير؛ فقد كانت الأنا تمنعه عن قول الحقيقة، كذلك تجعله لا يحب للآخر كما يحب نفسه، ~~يقول: «أنا - أنا»، وليس «أنا - أنت»، وهي التي تدفعنا إلى الكذب والخداع والكره ~~والإجرام، وكلما كانت الأنا أقوى ضعف الحب عند البشر، والعكس صحيح. وقد نجح عالمنا بكبح ~~الأنا والسيطرة عليها. ألا ترى يا مروان؟ إن الغضب والكره متواجدان داخل الإنسان، ولا ~~يأتيان من الخارج.» # شعر مروان أن قلبه كقلب طفل في الثالثة من عمره، واستغرب مما يسمعه، بأنه لم يعد هناك ~~عالم بما كان يسمى أولا أو ثالثا، ولم يعد في هذا العالم عنصرية، ولا سلالية، ولا ~~قبلية، ولا عقائدية. ولا الخوف الذي يجعل الإنسان غير حر، فالخوف من المجهول يجعل ~~المرء عبدا لأناه، والتي بدورها تجعله عدائيا تجاه الآخر. # في اليوم الثالث من بقاء مروان في المشفى، حضر هيوموروبوت ولطمه في الخد وشتمه، ~~مدعيا أنه يتخفى عن السلطة. ابتسم مروان بعد اللطمة ولم يغضب. حدث نفسه بتعجب: «ترى ~~لماذا لم أشعر بالغضب لكرامتي؟! لماذا لم أقاوم؟! ولماذا لم أكره هذا الرجل؟ لم أكن ~~سلبيا إلى هذا الحد يوما!» ثم راح يتأمل في ذاته، يحدث نفسه: «كيف استطاعوا أن ~~يكبحوا عنده الغضب؟ أي معرفة توصلوا لها؟ حقا إنهم قتلوا الشيطان داخلي كما قتل في ~~قلب عيسى المسيح!» # في صباح اليوم الرابع، أخذت البروفسور عينة من دمه، ونسيجا من جسمه، وقامت بفحص ~~الكروموسومات، وجدت أن الجين الإيثاري قد ارتفع إلى حده الأعلى، بينما الجين الأناني في ~~أدنى مستوى له. شعرت بالسعادة ms041 لنجاح مهمتها البيولوجية. ثم عادت إلى مروان برفقة ~~الأطباء حولها، لم يدر مروان هل هم بشر أم آليون! سألته: كيف ترى إيمانك بالله الآن؛ ~~فقد كنت تشك بأن هذا العالم ملحد؟ ~~- أشعر أن الله سكن في قلبي، وأنني أحب الذين كنت أراهم أعدائي فيما مضى! ~~- أنت الآن اجتزت طورا جديدا في البشرية، وأصبحت نبي ذاتك، كأنبياء العصور السابقة، ~~كانوا أناسا استثنائيين، أرادوا أن يكبحوا الأنا في البشرية، لكنهم لم يستطيعوا وها ~~نحن بالعلم استطعنا! # كانت البروفيسور تبدو لمروان شابة وجميلة عكس نظرته الأولى نحوها، وهي تخبره عن ~~السماح له باللقاء الروحي مع شريكاته، أما تلقيحه لحياة جديدة سيكون فيما بعد، وسوف ~~تخبره مرة أخرى حين تلتقي به في منزلهم. # 6 # أقبلت النسوة لإعادة مروان إلى المنزل، أخبرتهن البروفسور ماري عن مروان بما أدهشهن. ~~قالت: هذا الرجل ليس شريككن «كريم نورين»، الفحوصات الطبية والبيولوجية والفسيولوجية ~~المحفوظة لدى الحاسوب تشير إلى أنه رجل آخر. وقد رفض الحاسوب أن نسمي هذا الرجل بكريم ~~نورين؛ لما وجد فيه من تغير كبير؛ لهذا أسميناه كما ينادي نفسه «مروان» وأصدرنا له ~~بطاقة جديدة، وبعد تطعيمه أصبح رجلا مناسبا لهذا العصر وخاليا من فيروسات عصره، ~~القرن الثالث ق.ج. بدا عمره من خلال الحاسوب 560 عاما، لا مجال للشك في هذا الأمر. لا ~~ندري كيف بقي إلى هذا العصر، ونحن إلى الآن لم نستطع أن نطيل عمر الإنسان لأكثر من ~~مائتين وخمسين عاما. هنيئا لكن طاقته الجنسية الهائلة. وأصدرنا له بطاقة شخصيته: # الاسم: مروان غصون سعيدة. # الجنس: ذكر. # العمر: 560 عاما. # تاريخ الميلاد: 1 /1/ 250 ق.ج. # كان مروان يسمع ماري وهي تتحدث بالعربية، لكنها تكتب بحروف أخرى لا يفهمها. حين سألها ~~عن تلك الحروف التي تكتب بها، أخبرته بأنها اللغة العالمية الجديدة، يمكن لكل بلد أن ~~تتحدث بلغتها الأم، لكن الكتابة باللغة العالمية الموحدة، والتعليم كذلك ~~موحد. # 7 # خرج مروان من المشفى بثياب العصر، ولم يعرف بأنهم غرسوا في دماغه شريحة بيولوجية ~~لمراقبة أفكاره، وربطت ذاك التواصل مع ms042 مريانا إحدى شريكاته، لتعرف مدى صلاحية اللقاح. ~~ذهبوا إلى ساحة موقف المركبة، تلك المساحة الصغيرة تتسع لهبوط مركبة واحدة، وهي موقف ~~يتسع لألف مركبة تحت الأرض. عاد مروان مع النساء مشوش الفكر لم يع بطاقته الجديدة ~~«مروان غصون سعيدة». سألهن عن عمر البروفيسور ماري التي يراها في الثلاثين من العمر، ~~أخبرته إحداهن بأن عمرها 180 عاما تقريبا. اندهش مروان فقالت له: لماذا تندهش؟ ألا ~~ترى عمرك أنت غير معقول 560 عاما! ولا زلت تبدو شابا. حين تأتي البروفيسور لزيارتك ~~في منزلنا، ستندهش أكثر حين تراها. # أخبرته بما أدهشه أكثر، بأن عضو الرجل الذي كان يرى فيه رجولته، بأنه لم يعد كذلك ولم ~~يعد من خلاله يجد فيه المتعة، بعد أن اكتشفوا وسائل متعة اللقاء الروحي، ولم يعد يدفعهم ~~لإنجاب الأطفال إلا ذلك الجين الذي يتنقل من جسد إلى آخر، فيبحث ذلك الجين عن وسيلة ~~للانتقال إلى جسد آخر. وهكذا يستمر في التنقل من جسد إلى آخر حتى آخر يوم من عمر ~~البشرية، فيعود إلى خالقه بعد رحلة قدرها له الخالق نفسه، لا يعرفها إلا هو. # كانت المركبة تحلق فوق سماء المدينة والبهجة تغمره، وهو يراها في حلتها النهارية. ~~عرف أن المرأة التي تسوق المركبة اسمها «مريانا»، وهم متوجهون نحو سوق الخضراوات. شاهد ~~الجبال المحيطة بصنعاء والخضرة تكسوها. سألها: «هل الحلة الخضراء تكسو اليمن كاملا؟!» ~~أجابته بما أذهله، بأن مقاطعة صنعاء كلها خضراء، وتضم مدن تعز، مأرب، سيئون، ذمار، ~~ومنتجعات الربع الخالي ومدنا أخرى .. وبأن اليمن كان اسم البلاد فيما مضى. سألها عن ~~المملكة العربية السعودية؟ قالت: سعودية؟! لم نسمع بهذا الاسم. المقاطعة التي بجوار ~~صنعاء هي مقاطعة «شبه جزيرة العرب». تعتبر أكبر مقاطعة في «إقليم الشرق الأوسط». تشمل ~~مدنا رئيسة عديدة: الرياض، الكويت، أبو ظبي، الدوحة، مسقط، ومدنا أخرى .. فكل مقاطعة ~~تعرف باسم عاصمتها. ~~- أين ذهب آل سعود؟! ~~- ألم تخبرك البروفيسور ماري عن لقاح ضد الأنانية، وماذا حقق للبشرية. تلك الأنانية ~~المقيتة التي جعلت بعض البشر يسمون البلدان بأسمائهم، وإنهم ms043 يسعون لتحسين السلالة ~~البشرية الحالية، للتأقلم في ظروف مناخية مختلفة، وإطالة عمر الإنسان إلى ألف سنة مع ~~الأخذ بتحديد النسل. وجدوا الشيخوخة تتركز في محرك الخلية، أي «الميتوكوندريا»، وعزل ~~العلماء ما يقرب من ثلاثمائة جين، تتركز الشيخوخة حولها وقاموا بكبحها. وهناك أيضا ~~زراعة الأعضاء البشرية للإنسان من الحبل السري للمشيمة المحتفظ به منذ الولادة. # وجد مروان نفسه طفلا في عالم الفردوس، صمت عن التساؤل إلى أن هبطت المركبة داخل ~~برج موقف السيارات في سوق الخضراوات والفاكهة، وفي الوقت نفسه أخرجت إحدى حورياته قائمة ~~بطلبات المطبخ، ولفت انتباهه الكمية الكبيرة من: الفطر، وحليب الصويا، العسل، واستغرب ~~من حزم عشبة الأخضر .. سمع إحداهن تخبر الأخريات بأن تلك الطلبات لن تكفينا لمدة «عاشور»، # 1 # نظرا للشريك الأكول. # كان في السوق أناس من كل أقاليم العالم، أغلبهم من الرجال، قصات الشعر موحدة، كأن ~~الأذواق توحدت كما توحد السلوك البشري، لم يحاول شخص التميز عن الآخرين. السوق يكتظ ~~بالمتسوقين دون ضوضاء، يستطيع المرء أن ينام هناك. راح يقارنها بالأسواق التي كان ~~يرتادها في حياته. وصلوا قسم الخضراوات، وقف مندهشا أمام الفطر بحجم عجل صغير، وأحجام ~~الخضراوات وألوانها. وتلك الطحالب البحرية المختلفة الأشكال والألوان، عليها لافتات ~~«طحلب بحري، بري، نهري». شاهد الخضراوات والفواكه التي لم يشاهدها في حياته. مشى ~~مذهولا، فارتطم بهيوموروبوت، فراح الأخير يعتذر لمروان، رغم أن مروان هو المخطئ. لم ~~ير أحدا يحمل هاتفا سيارا، أو يقوم باتصال تليفوني أمامه. # اتسعت عيناه حين رأى أعشاب القات بين البقوليات. هتف بدهشة: قات شامي! .. فالتفت نحوه ~~الكثيرون من المتسوقين، أغلبهم من كبار السن والآليين، يبدون استغرابهم من الصوت العالي ~~غير المألوف في الأسواق. اعتذرت إحدى حورياته للجموع بانحناء مهذب. أخذ مروان عشبا ~~صغيرا من القات يمضغه، وهمس لنفسه: «هو قات شامي، أنا أعرفه، قاتي المفضل، يمضغه ~~الوزراء كما يمضغون ثروات البلاد ثم يبصقون بها خارج البلاد، حيث لن يرى الحساد ~~بصقتهم تلك. لماذا يهان القات هكذا بين البقوليات؟!» أخبر حورياته أن يشترين ما يكفي ~~لسهرة الليلة. ms044 تبسمت إحداهن، وأخبرته أن هذه العشبة هي عشبة: «شاهي أخضر» لا يمضغ في ~~الفم. ضحك مروان، فأسرعت إحداهن بخفة، ووضعت كفها على شفتيه تخبره: ممنوع الضحك في ~~الأماكن العامة. لا تنس! # 8 # الكثير من الهيوموروبوتات مختلفة الأحجام، يتميزون عن البشر بملابسهم الخاصة، منهم ~~باعة وموظفو استقبال. يقدمون أنفسهم للمساعدة لمروان ونسائه. تقدم أحدهم ليحمل أشياءهم، ~~فرفض مروان وحمل مشترياتهم بنفسه أمام دهشة المتسوقين، يرونه يحمل وزنا ثقيلا، لا ~~يستطيع أحدهم حمله إلا هيوموروبوت. ذهبوا لدفع فاتورة الحساب لمشترياتهم، فلم يشاهد من ~~يقوم بدور المحاسب. شعر بالدونية وهو لا يمتلك مالا، وهو يرى أكبر حورياته سنا تقوم ~~بالدفع عنه. حدث نفسه: «كم ستدفع من الريالات؟» وهي تمرر المشتريات أمام جهاز ~~التسعيرة؛ لمعرفة الثمن بنفسها، دون أن يكون هناك مراقب. عرفت ثمن المشتريات، ثم بصمت ~~في مكان خاص من الجهاز، ظهرت نافذة صغيرة في شاشة تحمل رقم 26000 م-ر-ب. أخذت تدرج ~~الرقم المالي لقيمة المشتريات، ثم رقما جديدا فيها هو 560ب.ج. # اتجهوا نحو المصعد ومروان يحمل بيده الأشياء الثقيلة، والنسوة تشعر بالبهجة لحصولهن ~~على شريك بهذه القوة، التي لم تعد في رجال عصرهن. وضعت مريانا الأشياء بجوار المصعد ~~داخل رف مخصص لحفظ الأشياء يحمل رقم 601، ثم اتجهت النسوة بصحبة مروان إلى ساحة ~~بنوافير راقصة رائعة، يقف الماء في الجو ويتجمع للحظات، ثم ينهمر كالمطر بألوان عديدة. ~~مشوا في السوق قليلا، وشاهدوا رجلا وسيما يرقص رقصة نسائية رائعة أمام كافتيريا ~~للعصائر. كان مروان سيضحك لولا أن إحدى النسوة كانت تراقبه، همست له ألا يضحك. لم يغضب ~~مروان لمثل تلك الخلاعة، بل ابتسم وصفق له، فالتفت المارة نحوه مستنكرين، وسرعان ما ~~أوقفته إحدى نسائه، وقالت: «قف! التصفيق ممنوع.» # جلس الجميع أمام نافورة، تتمايل على نغمات موسيقى كذلك الشاب الراقص. أخذ مروان ~~يحلق بإعجاب في سماء الموسيقى، التي كان يكرهها في حياته السابقة، ويصفها من عمل ~~الشيطان. دارت تساؤلات في رأس مروان فيما حيره في السوق، فأخبرته مريانا دون أن ~~يسألها: النسوة المرتبطات بشريك يكون ms045 أسرة، يدفعن ثمن ما يقمن بشرائه باسم الأسرة، ~~ويخصم ذلك من راتبهن الشهري الإليكتروني، وإذا كان المشتري ليس مرتبطا أو طفلا، يدفع ~~باسم أبويه، أو وظيفته إذا كان لديه وظيفة. نحن كونا بك أسرة في المستشفى مباشرة، ~~تحت رقم 26000 م-ر-ب. وكنا فيما سبق بنفس الرقم من دون حرف «م»، يدل على أن الأسرة ~~مرتبطة بشريك. هكذا يتم البيع والشراء بالبصمة الإليكترونية، والعملة الوحيدة في العالم ~~هي «دورال». ~~- ألا تخشين من وجود لصوص يسرقون متاعنا حيث وضعناه؟! ~~- لصوص؟ يسرقون؟! هذه الكلمات ما معناها؟ # عرف مروان أن هناك الكثير من الكلمات لم يعد لها وجود مثل كلمة: سرقة، خداع، كذب، ~~قتل، رشوة .. وكلمات أخرى تدل على سوء الأخلاق. يتساءل في نفسه: «أي عالم أنا فيه يا ~~ألله؟ هل لقاح الأديان فعل ما لم تستطع أن تفعله الأديان والأعراف والقوانين؟! هل هذا ~~الإنسان خليفة الله الحقيقي الذي أخبر الله الملائكة عنه عند خلق آدم «إني أعلم ما لا ~~تعلمون»؟ فالخليفة لا يستخلف إلا أفضل ما لديه من الخلق. لا يمكن أن يكون البشر خلفاء ~~الله وهم بهذا الفساد!» # 9 # كان مروان كطفل صغير يخرج لأول مرة إلى حديقة الألعاب، تتنقل نظراته من مكان إلى آخر، ~~استوقفته ثلاثة تماثيل ذهبية عملاقة، منتصبة في الساحة وسط بحيرة صغيرة، أحدها لرجل ~~أسمر اللون يبدو عليه التواضع، تحت إبطه الأيمن كتاب بعنوان «الإنسان الكامل» والآخران ~~لامرأتين، تتدلى على صدريهما عقود من الماس والياقوت الأخضر في سلسلة ذهبية. سأل مروان ~~عن تلك التماثيل، فقالت إحداهن له، وهي تشير إلى تلك التماثيل واحدا تلو الآخر: «تلك ~~البروفيسور «شالي شو»، من إقليم آسيا، وتلك البروفيسور «نادية تفيدة»، من إقليم الشرق ~~الأوسط. اكتشفتا الجين الأناني عام 10ق-ج. أما تمثال الرجل فهو النيبوبروفيسور «سام ~~مارجريت»، من إقليم أوروبا، عالم في هندسة الجينات البشرية. اخترع لقاح الأديان، عام ~~1ق.ج. بعد سلسلة طويلة من الأبحاث. عمل على تعديل الجينات المسئولة عن السلوك البشري، ~~وبهذا سيطر على الجين الأناني في الإنسان، وساد الجين الإيثاري ms046 الذي أخذنا إلى مرحلة ~~جديدة من الإنسانية (الإنسان الجديد)، قبل قرنين من الزمان. وهذه التماثيل لها نسخ في ~~كل عواصم الأقاليم العالمية السبعة، نحن نخلد البشر بعد وفاتهم فقط. هؤلاء يعود لهم ~~الفضل في هذا السلام والمحبة اللذين يسودان العالم. نحن اليوم 25 / 3/ 300ب.ج. أي بعد ~~الإنسان الجديد.» ابتسم مروان وراح يحدث النسوة: «لم يكن أحد من البشر يتخيل أن تقويم ~~السلوك البشري سيكون عن طريق العلم، هذا لم يخطر على بشر. هذا اللقاح جعلني أرى ما لم ~~أكن أراه فيما مضى.» ثم تساءل في نفسه عن العالم سام: «لماذا يدعى بالنبي، فلا نبي ~~بعد محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. هل كفر العرب بالرسول محمد في هذا العصر؟!» ابتسمت مريانا وقالت له: ~~«ستعرف عن عالمك الجديد خطوة بخطوة.» # حدث مروان نفسه وهو يتعجب: «ما شاء الله! هذه المرأة تقرأ الأفكار!» ابتسمت مريانا ~~مرة أخرى، وطبعت قبلة على خده. فجأة شاهد آلات غريبة تظهر في الجو وتختفي، منها مركبات ~~حديثة بأشكال عديدة، وهيموروبوت عملاقة، تحمل صخورا عملاقة، وهي تبني مدرجات جبلية. ~~صور حية لكوكب يشبه الأرض غير مسكون، وكواكب أخرى فيها مخلوقات تشبه البشر، لها أجنحة ~~تحلق في الجو. كانت حورياته يلحظن أثر الدهشة في وجه مروان، وهو ينظر إلى شاشات عملاقة ~~في الجو. # 10 # أثناء عودة النسوة من السوق، كان مروان يتساءل في نفسه: «كيف ستكون المتعة مع حورياته ~~دون اللقاء الحميمي المعتاد الذي يعرفه؟ لماذا لا توجد غيرة في هذا العالم؟! ولماذا لم ~~يعد للذهب والدر قيمة؟! تعلق على صدور التماثيل وليس على صدور النساء. إنه عالم ~~جديد حقا!» كانت المركبة تطير في الجو، وهو ينظر إلى المدينة كمن يفتش عن شيء. قال ~~لهن: لم أشاهد صومعة مسجد منذ أن أتيت إلى هذا العالم، ألم تعد هناك مساجد في صنعاء؟! ~~ماذا جرى للإسلام في هذا العصر؟! ~~- ستعرف كل شيء قريبا. # بدأت السماء تمطر وهم في الجو، فجأة رأى هالة شفافة تحيط بالمركبات، والناس في الشارع ~~يخرجون من جيوبهم ما ms047 يشبه الأقلام، تحولت إلى مظلات شفافة. أخبرته النسوة عن تلك ~~المظلات الإليكترونية، وعن موسم الأمطار الذي يستمر عشرة أشهر في السنة. تذكر حياته ~~السابقة، وهو في حيرة من أمره من فارق الزمن الذي قيل له، إنه أكثر من خمسمائة عام، وهو ~~لم يغادر حياته السابقة إلا قبل عشرة أيام. أيصدق نفسه، أم يصدق الواقع الذي هو ~~فيه؟! فجأة رأى برقة تصطدم بمركبتهم، فخاف وباشرت إحداهن تزيل دهشته، وتخبره بأنهم ~~يستفيدون من البرق، وأن هناك مراكز تمتص تلك الطاقة الكبيرة، كما أنهم يتزودون من طاقة ~~النجوم. # هبطت المركبة في شرفة منزلهم، وهو يفكر بما قيل له عن المناخ والبرق. استقبلهم ~~الهيوموروبوت خادم أو مدبرة المنزل، لم يعد مروان يدري، الذي راح يرحب به على أنه ~~كريم نورين، ويسأل هل شفي مما أصابه؟ لم يقتنع بما أخبرنه أنه مروان، وليس «كريم» وهو ~~يقول: أنا لا أراه إلا «كريم»، وسيشفى من مرضه. # رحب المنزل بعودتهم كما يحدث كل مرة عند عودة النساء من العمل. جلست النسوة والغبطة ~~في وجوههن بعودة مروان إليهن. قدم لهم الهيوموروبوت الحليب الممزوج بعصير العنب، ~~ومروان يفكر كيف يتزوج بسبع نساء، في ظل قانون هذا العصر، ما لم يسمح به شرع الله، وهو ~~يشعر بلهفة اللقاء. طلب منهن قاضيا؛ ليكتب عقد زواج بأربع منهن، والثلاث الأخريات يهبن ~~له أنفسهن ملك يمينه، ويكون بهذا العمل قد وفق بين شرع عصره القديم وقانون العصر ~~الجديد. # وافقت النسوة على طلباته، وأخبرنه أن القاضي سيصل قريبا. جلسوا يشربون الشاهي ~~الأخضر، وهم يشاهدون البث التليفزيوني، الذي يبث من سطح الغرفة إلى وسط الصالة، تبدو ~~المشاهد حية بأبعادها الرباعية. كانت النسوة ترى الذهول في عيني مروان، وهو يحتسي ~~الشاي! ثم أسرع إلى المطبخ، وعاد بحزمة منها، ومضغها، والنسوة تتعجب من تصرفه الغريب، ~~وهو يقول: «هكذا يمضغ القات» وحشا فمه بأوراقه وهو يضحك. فجأة ظهر رجل يقف في الصالة ~~تحت جهاز بث التليفزيون يتحدث بلغة لا يفهمها مروان، وهو يتقدم نحوهم. لم يستغرب مروان ~~مما يراه، ms048 وكيف ظهر الرجل فجأة في الصالة؛ فهو يعيش في عالم السحر أو عالم الجن، كما ~~يراه أحيانا. تحدثت إحدى النساء مع الرجل الطيف قائلة: لقد وصلتك المعلومات عن ~~اختفاء شريكنا السابق كريم نورين في ظروف غامضة، وارتباطنا برجل آخر اسمه مروان غصون ~~سعيدة، وتم تسجيل الأسرة في المستشفى تحت رقم 26000 م-ر-ب. واستدعيناك بحسب طلب شريكنا ~~الجديد، فهو غريب عن عالمنا. # كان الرجل الطيف ينظر إلى مروان، يتعجب من انتفاخ خده الأيسر ككرة صغيرة، وأخبرهن ~~بأنه يشبه شريكهن السابق، لولا ذلك الورم الذي في خده. تساءل عما جرى له؟! أخبرته ~~مريانا أن مروان لديه طريقة غريبة في تناول أوراق الشاي، ثم أخبرته بأن يبارك شراكتهن ~~الحالية مع مروان حسب رغبته الغريبة، ويخبره أنه أصبح زوجا لهن. قال الرجل الطيف ~~لمروان: لقد زوجتك بأربع نساء هن: مريانا، فرضانا، سيرانا، ريحانة، وأهديتك ثلاث ~~نساء، وهن: فرح، سناء، ناريس، وأصبحت شريكا في الحياة للجميع. أليس هذا ما ~~تريده؟! ~~- وأنا قبلت. # ابتهج مروان وضحك، فطار رذاذ القات من فمه، واخترق الرذاذ جسد الرجل الطيف، وقد ~~ظنه للحظة أنه إنسان، ثم اختفى الرجل الطيف فجاءة. أخبر مروان النسوان أن يزغردن لمثل ~~هذه المناسبات! وجدهن لا يعرفن معنى الزغردة، فأطلق هو زغرودة طويلة. قال الهوموروبوت ~~بروسي: «أظن أن كريم لم يشف تماما من مرضه، سأعتني به أثناء ما تكن في ~~العمل.» # جلس مروان يمضغ القات ويحدث نفسه: «أين أنت يا حميدة لترينني، وأنا مع حور العين؟ ~~كنت ستفقئين عيني يوما حين نظرت إلى جارتنا «حفصة»، وتحلفين أنك ستقطعينه وتعطينه ~~القطط لو تزوجت بامرأة أخرى.» ثم تذكر أولاده، وتجارته، وكم قتل من البشر أثناء جهاده ~~في أفغانستان، وأثناء حرب الانفصال في صيف 1994م. وهذه أول مرة يندم على تلك الأعمال، ~~وكذلك أخطاء كثيرة ندم على فعلها، وباشر يدعو الله أن يغفر له. اقتربت منه مريانا، وهي ~~ترى الحزن يكسو وجهه، وراحت تخبره بأنه تذكر شيئا أحزنه في الماضي، وأخبرته أن سيعيش ~~عالما خاليا من الأحزان. # وجد مروان ms049 أن مريانا رقيب على أفكاره، وقال في نفسه بأنه لن يفكر في شيء أمام هذه ~~المرأة مرة أخرى! تبسمت مريانا، ومضت إلى النسوة، وجدتهن مسرورات برجل كامل الفتوة، ~~لم تعد موجودة في رجال هذا العصر. أخبرته ناريس عن شعره النابت في خديه، إنه يتكاثر ~~وليس صحيا، ولا بد من إزالته. اعترض مروان على ذلك، واستغرب بأنهن لا يعرفن كلمة ~~لحى! وأنهن لم يشاهدن رجلا ذا لحية أبدا. قالت ناريس: يبدو أنك كنت تعيش في أدغال ~~مأرب، أو غابات الربع الخالي. قريبا يا شريكنا ستصبح رجلا آخر، وستنسى عالمك ~~القديم! # ذهب مروان إلى الحمام لغسل فمه من القات، وهو يتساءل بذهول: كيف تحولت الصحارى إلى ~~غابات؟! وكيف صارت مروجا وأنهارا؟ يبدو أن الساعة اقتربت وصدق رسول الله. بينما هو في ~~الحمام كن يتحدثن فيما بينهن عن طاقته الجنسية التي تبدو كبيرة، ويتوقعن معه لقاء ~~روحيا مذهلا، وقد أشادت البروفيسور ماري بذلك، وهو لم يطلب منهن شيئا مقابل أن يكون ~~شريكهن. بعد عودته من الحمام قربت منه ناريس تعانقه، وأخبرته ألا يشوه خده الجميل مرة ~~أخرى، بحشو ورقة الشاي في خده، وأخبرته أن هذه العشبة تصدر إلى كل أقاليم العالم، ~~منها طازجة ومنها جافة شاي أخضر، وعلاج منشط، وتعتبر أحد المصادر الرئيسية للدخل بعد ~~البن. ثم أخبرته أن خده سيكون أجمل بعد إزالة الشعر منه. أحضرت مرهما ووضعته حول ~~خديه، وبعد ربع ساعة سقطت لحيته بين يديه، ورأى خده لأول مرة منذ أن كان في العشرين ~~يتفاخر بطولها. # بينما كان مروان ينعم في عالمه الفردوسي، كان جسده في عالمه الجحيمي ملقى في أحد ~~مستشفيات المدينة، في غرفة خاصة، وما يزال جسده يتزود بالأكسجين. وزوجته حميدة بجانب ~~رأسه تمسد شعر لحيته الكثة لأول مرة، لم يسمح لها يوما أن تمسدها. وكان حفيداهما ~~ولدا ابنتهما فاطمة يشاهدان دخان الحرائق، ينبعث من معسكر الفرقة ومن جوار الإذاعة، ~~كأنهما يشاهدان فيلما حربيا. حين يسمعان دوي انفجار في المدينة، يسرعان لمشاهدة أثر ~~ذلك الانفجار. يهتف نادر: «ذلك ms050 الانفجار أقوى! انظر إلى سحابة الدخان؛ كم ارتفعت في ~~السماء!» وسامي يهتف، وهو يشير إلى مكان سقط عليه أحد الصواريخ: «لا، ذلك الانفجار ~~أقوى. انظر إلى العمارة التي انهارت.» # أخذت حميدة حريتها في تمسيد لحية مروان، وعينها تطرف بالدمع. اندهشت في آخر مرة وهي ~~تقوم بتمرير كفها عليها، شاهدت شعر لحيته يتساقط في كفها كلما مسدتها. سقطت اللحية ~~كاملة ولم تتبق شعرة واحدة، ورأت خده لأول مرة في حياتها. هتفت لابنتها فاطمة وهي ~~تبكي؛ لتشاهد لحية أبيها المبعثرة على الفراش، التي بدورها ذهبت تنادي الممرضة والطبيب، ~~الذي فسر تلك الظاهرة بنقص التروية الدموية إلى الجلد أدى لتساقط لحيته. لكنه تساءل ~~في نفسه عن شعر صدره وساقيه الذي لم يسقط. أمر حيره، أما حميدة فأخبرت ابنتها بأنه ~~لو صحا من الغيبوبة لغضب غضبا شديدا، ولن يخرج من بيته، إلا وقد نبتت لحيته من ~~جديد. # أما الحفيدان سامي ونادر فأخذا يضحكان، وهما يشاهدان وجه جدهما دون لحية لأول مرة. ~~وقال سامي: «لو قام جدي لغضب كثيرا من جدتي؛ لأنها حلقت له لحيته.» # عند الأصيل خرجت فاطمة وولداها من المستشفى ليعودوا إلى المنزل مشيا. راحا يلعبان ~~وسط شارع الستين بعد خلوه من السيارات، لم يبق في المدينة إلا المغامرون من السكان ~~والمتوكلون على الله. فرغت الأسواق من الكثير من الخضراوات والفواكه. # في المساء كان أولاد مروان يقفون أمام نافذة منزلهم، يشاهدون القصف على حي في ~~المدينة. اقترب نادر من النافذة يشتم المتحاربين الذين لم يعطوه فرصة للنوم. أيضا جلس ~~علي ومعاوية يشكوان لفاطمة، يتحدثان عن قلة البضائع في السوبر ماركت، وقطع طرق الإمداد ~~على المدينة. # في منتصف الليل اتصل منير بخطيبته، لم تكن نائمة في ظل القصف على المدينة. يحدثها ~~بأنه لم يعد قادرا على الصبر أكثر، ثلاث سنوات وهو ينتظر اللقاء الحميمي. قال لها: ~~الحرب لن تنتهي في البلاد، وأبوك في حالة غيبوبة، وإن الحياة لا بد لها أن ~~تستمر. ~~- لكن يا منير ماذا سيقول الآخرون عني؟! كيف أتزوج وأبي على فراش ms051 المرض؟! ~~- يا فطومتي، لو لم يصح من غيبوبته؛ هل نظل نحن أيضا معلقين بين غيبوبة أبيك ~~والوطن؟! لا بد أن نعمل حلا . لا أريد لحبنا أن يموت كما ماتت ثورتنا. # قبل منير التليفون عدة مرات، وكذلك فعلت فاطمة، وظلا يتبادلان القبل عبر سماعة ~~التليفون. # كانت حميدة في المستشفى تصم أذنيها ليلا وهي تسمع الانفجارات، وهي بجانب جسد مروان ~~الملقى بجانبها على الفراش كجثة هامدة، والبسمة لا تفارق شفتيه، وهو يجد نفسه ينعم في ~~عالمه الآخر بجانب حورياته السبع، يحلق في سماء السعادة والنسوة يتراقصن ~~أمامه. # 11 # قدم الهيموروبوت بروسي وجبة العشاء غذاء نباتيا، يحتوي على طحالب بلون الجزر. ~~تذوقه، وجد أن له طعم الجزر. أخبرته سيرينا أن الطحالب البحرية لها أنواع عدة بطعم ~~بعض الفواكه، وأيضا هناك بطعم خبز الذرة والقمح. تناول قطعة كبيرة تشبه اللحم، يصفه ~~بأنه لحم لذيذ رغم برودته. وجد النسوة لا يعرفن ما معنى «لحم»، تعجب قائلا: ألا ~~تعرفن لحم الحيوان؛ البقر، الماعز، الكباش؟! ~~- لا نعرف هذه الأسماء! هل كانت موجودة في عصركم؟! ~~- نعم، وقد ربيته وشربت حليبه، وأكلت لحمه. # قالت سيرينا: أكلت حيوانا؟! كيف؟! ~~- نذبحه ونطبخه ثم نأكله، ونشرب مرقه. # وصفت النسوة ذبح الحيوان بالوحشية. أما هو فكان يتساءل في نفسه: «ترى لو عرفن أن في ~~عصره يذبح الإنسان أيضا باسم الرب!» ضحكن. أخبرته فرضانا بأنه رجل مسل، وأن الذي ~~يظنه لحما حيوانيا هو فطر بروتيني. # 12 # تناولوا عشاءهم، ثم جلسوا يتناولون حليب الصويا، محلى بعصير العنب من مزارع الربع ~~الخالي، وجده مروان خمرا، لكنه لا يذهب العقل. عرف أنه لم يعد هناك وجود للحيوانات ~~والطيور، وأنها انقرضت منذ زمن بعيد، تساءل في نفسه: «ماذا تقول هؤلاء النسوة عن ~~الحيوانات، كيف انقرضت؟!» وعرف أيضا أن الشريك لا يستطيع أن ينفصل عن شريكاته من ~~النسوة إلا بموافقتهن جميعا، وأن هناك ديمقراطية حقيقية، تسود فيها الأنثى. # سألته ريحانة كيف عاش 560 سنة، وأين كان مختفيا طوال هذه المدة؟ وكيف أتى إلى منزلهن ~~خفية؟! أمر حقا حيرهن جميعا! ms052 صمت مروان قليلا، ثم قال: «حتى أنا في حيرة من أمري، ~~كيف أتيت إلى هذا العالم؟ هل أنا في حلم أم في علم، لست أدري ؟!» اقتربت ريحانة منه ~~وقبلته في فمه، واعتصرت شفتيه بقوة، وسألته: «هل أنت في حلم الآن؟» # أخبرهن مروان أنه وجد نفسه في هذا العالم، بعد انفجار قذيفة بجوار منزله في «فج ~~عطان»، لم يشعر بعدها إلا وهو في البستان الذي ظنه الجنة. سألهن عما أدهشه في البستان ~~وعن الرائحة العطرية في جو المدينة، وكيف قدم لهن الشراب والفاكهة في البستان، دون ~~أن يرى أحدا يقدم ذلك، وعن المركبة التي ظهرت فجأة، وعن الرجل الذي يطول ويقصر وهو ~~يجمع الثمار، واقتلع شجرة قديمة ضامرة، وعن المدينة كيف تغير لونها من وقت لآخر، وأنه ~~كان يظن أنه في عالم الجن، وأحيانا يرى أنه يحلم، وضحكن حين أخبرهن: «كيف أصبح له ~~جسد؟!» # اقتربت سناء منه، وراحت تخبره أنه لم يعرف إلا القليل عن هذا العصر، وبما حيره في ~~البستان: أما الرائحة العطرية فهي روائح الأشجار المعدلة وراثيا، وهي موجودة في كل ~~مكان. أما ذلك الرجل الذي شاهدته يجمع الثمار فهو هيوموروبوت، كان يرتدي بدلة التخفي ~~وهو يقدم لهن الفواكه، يتواصلن معه ذهنيا. قامت سناء من جواره وذهبت إلى الغرفة، ~~وحورياته ينظرن إليه بصمت. بعد بضع دقائق، شعر مروان بكف يمسح على صدره وعلى خده دون أن ~~يرى من يقوم بذلك، فقام من مكانه، والنسوة تضحك، وهو يقول: «أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم!» هناك روح تعبث بي، أظنها أتت إلى هذا العالم مثلي، ثم أظهر شجاعته يهتف: «هيا، ~~اظهري أيتها الروح!» أحس بقبلة على خده الأيسر، فتراجع إلى الخلف. كانت الأخريات يضحكن، ~~وهو يسمع صوت سناء دون أن يراها، تقول له: «أنا أمامك». تقدم مروان واصطدم بها وهو لا ~~يراها، فعاد إلى الوراء مرتبكا، وهي تقول: «لا تخف.» ثم ظهرت له أمامه فجأة، وهي تضحك. ~~حينها رآها ترتدي بدلة تغطي الجسم كاملا، وأخذت تشرح له عن تلك البدلة .. جلس مروان ms053 ~~مندهشا، يحدث نفسه: «ترى لو وجدت هذه التقنية في زماننا؟!» # 13 # أخبرته فرضانا عن المركبة وقدرتها على التخفي أيضا، وعن لون المدينة وكيف تغير ~~لونها ثلاث مرات خلال اليوم، من لون إلى لون آخر، حسب درجة حرارة الجو. كان مروان يستمع ~~لما كان يحيره سابقا، وتذكر ذلك الهيوموربوت الذي ضاجع النسوة في الشقة المجاورة. ~~سألهن عن ذلك اللقاء؟! أخبرته ناريس، وهي مشتاقة للقائه: «هناك نساء شواذ وعانسات لم ~~يجدن شريكا، فيضطررن إلى شراء ذلك النوع من الهيوموروبوت، يؤدي الغرض كالرجل في ~~العصر الهمجي.» ضحك مروان وقال لهن: «نعم لقد شاهدت ذلك! حينها شاهدت طيفا يتحدث عن ~~متحف التراث الروحي للهندوس، وتعدد الآلهة عند الشعوب.» سألته فرضانا: «وهل شاهدت ~~الثورات التي قامت ضد تلك الديانة، التي فيها أتباعها يعبدون إلها واحدا؟» رد مروان ~~قائلا بأنه شاهد ذلك مع الدكتورة. سألته مريانا: وهل في زمانكم من دعا إلى توحيد ~~الأديان؟ ~~- سمعنا عن قصيدة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، قال فيها: # لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه داني # وقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ~~ودير لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف ~~قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه ~~فالحب ديني وإيماني # أضاف مروان: كنا نرى في تلك القصيدة زندقة، وسفهنا مذهب التصوف. ~~- وكيف ترى ابن عربي الآن؟ ~~- حقا إن ابن عربي أدرك قبلنا ما لم ندركه، وتنبأ بهذا العالم! ~~- هذه القصيدة الخالدة هي إحدى ركائز هذا العالم الذي صار يدين بدين المحبة، فتعدد ~~الأديان في عالمكم والمذاهب أدى إلى تعدد الثقافات، والتي بدورها أوجدت الاختلافات ~~بينكم، ولذلك حاول «الغورو ناناك» في إقليم دلهي أن يوحد الثقافات كهذا العصر، لكن ~~محاولته باءت بالفشل. أظن أنكم كنتم مستعبدين فكريا دون أن تشعروا. وهذا هو يا مروان ~~مذهب عصرنا، كما تخيله شاعركم ابن عربي. حدث بفضل العلم الذي صار نبي هذا العصر، ~~وأوجد الإنسان الجديد منذ 300 عام ب-ج. والآن سنشاهد شيئا عن عالمك الذي ms054 أتيت ~~منه. # فتحوا جهاز البث المثبت في سطح الغرفة، وجلس مروان بجوار بروسي، ومضوا يسمعون الدليل ~~السياحي، وهو يمشي في مسرح العرض في الصالة، يتحدث عن الديانة «الكونفوشيوسية» التي ~~كانت في مقاطعة بكين. أشار إلى تمثال لرجل سمين، والدليل يقول: ذاك هو الحكيم الفيلسوف ~~«كونفوشيوس»، عاش في القرن 26ق.ج. أي في السادس ق.م. طور الفلسفة الصينية، وأسس ~~الديانة «الكونفوشيوسية». تتلمذ على يد «لاو تسو». كان حكيما، تلك الحكمة التي جعلت ~~من حوله يرونه إلها، لتحقيق العدالة. كان أتباعه يرون أن لكل من الأرض والشمس ~~والكواكب والسحاب والجبال إلها، وأن الجزاء والثواب في الدنيا كالهندوسية. انقسمت ~~الديانة بعد كونفوشيوس إلى قسمين؛ مذهب متشدد، يأخذ بآراء كونفوشيوس حرفيا، ومذهب ~~تحليلي يحللون آراءه ويختلفون مع المتشددين، هكذا ينقسم أتباع الأديان على الدوام إلى ~~متشدد وغير متشدد. حبذ كونفوشيوس الثورة على الحاكم الذي يستبد بالسلطة أو يسيء ~~استخدامها، لكنه يعترف بالحق الإلهي للأباطرة، يرى الحاكم ابن السماء. اعتبرت الأخلاق ~~والآداب أساس الدين قاعدة ذهبية: «لا تفعل بالآخرين ما لا تحب أن يفعله الآخرون ~~بك.» # رأى أن الإنسان مقدس؛ نتيجة تزاوج القوى السماوية بالقوى الأرضية. كما اعتقد ~~الكنعانيون بالكائن الإنسان، الذي ظهر بعد خلق السماء والأرض، في صورة ذكر وأنثى، هما ~~«آدم وآدمة» واكتمل نسلهما بسلالات بشرية متتابعة. وكذلك رأت بعدها الديانات ~~الإبراهيمية بخلق الإنسان. ~~- أخذ بمبدأ الشورى التقدمية .. دعا إلى اتحاد شعوب العالم جميعا في جمهورية عالمية ~~واحدة، وتحققت دعوته فعلا في عصرنا هذا؛ عهد الإنسان الجديد. # ضحك مروان وقال: «يا نسوان، هذا الدليل يخلط بين الأديان.» كان لدى مروان سؤال أخير ~~لهذه الليلة، وهو كيف يتم التواصل بين الناس، فهو لم يشاهد تليفونات أرضية أو محمولا؟ ~~لكنه أجل تساؤله؛ فقد رآهن يستعددن للرقص والمتعة. # | الفصل الثالث # العقل كون صغير متى كشفت أسراره؛ كشفت أسرار الكون الكبير. # 1 # شغلت النسوة موسيقى عذبة، وأخذت السبع الحوريات يرقصن أمام مروان، ينتظر متى ~~سيطلبنه للفراش، لا يستطيع أن يختار أيهن سيلتقي معها أولا، بل ترك لهن الاختيار، ms055 ~~إلى أن دعته «ناريس» أكبرهن سنا للجلوس أمامها، وقد كان يفكر أن الصغرى «سناء» ~~الفاتنة ستدعوه أولا. أصبح ينظر إلى القبح والجمال نظرة واحدة. # جلسا بجانب بعضهما معا، ثم أعطته «ناريس» السماعة ليضعها في أذنيه، فسمع موسيقى عذبة ~~أخذته ليحلق في فضاء ساحر. كانت ذكورته منتصبة وهي تضع كفها الأيمن على عانته، وكفها ~~الآخر فوق قلبه، وكذلك فعل هو معها. شعر بأنه يتماهى في الكون، يحلق في سماء اللذة. ~~استمر في حالة نشوة نصف ساعة، يحدث نفسه: «إنها الجنة، كما وصف لنا، التمتع بحور ~~العين لا يضاهيه متعة في الأرض.» فتح مروان عينيه وأزال السماعات عن أذنيه، لم يستطع ~~وصف تلك اللذة التي شعر بها دون استمناء. أشادت ناريس بمروان كثيرا، وقالت له: «أنت ~~كما توقعنا، اللقاء معك مذهل، لم أشعر بهذا يوما في حياتي.» وكان مروان يحدث نفسه ~~بغبطة بأن العالم الذي هو فيه جعل جنته في الأرض، ولن يحتاج إلى جنة أخرى. ثم اقتربت ~~منه «ريحانة» تبدو أقل عمرا من «ناريس». وهكذا كن يتقدمن لمروان الأكبر سنا ~~فالأصغر، إلى أن انتهى لقاؤه مع «سناء» التي هي أجمل منهن جميعا. # في الجانب الآخر من عالم مروان الجحيمي، حضر الطبيب مسرعا في منتصف الليل، هو ~~والممرضة التي دعته ليشاهد تلك الحالة الغريبة، أخبرته بأن يطرد زوجة مروان من مرافقة ~~زوجها .. لم يفهم الطبيب ماذا تريده الممرضة! وصل إلى غرفة مروان وهو مغطى ببطانية. ~~وأخبرته بأن يرفع البطانية عن مروان، وهي تلتفت إلى الخلف. رفع الطبيب البطانية فشاهد ~~ذكورة مروان منتصبة بشدة. أعاد البطانية ونظر بسخرية إلى حميدة التي أبدت حياء. قالت: ~~إيش تفكر يا دكتور؟! له أربع ساعات على هذه الحالة. ~~- أربع ساعات؟ لماذا لا تنادينني؟! ~~- ماذا أقول لك؟! .. أنا نفسي مندهشة، حتى وهو في صحته لم أره في مثل هذه الحالة. ~~أنا أشك أن جنية تزوجته! # ضحك الطبيب وقال: «أمر غريب، مرض غريب، امرأة عجيبة. أنا لم أعد أفهم ماذا يجري لهذا ~~المريض! لحية تسقط دون سبب، بسمته على ms056 الدوام، ملامح الغضب على وجهه، وأحيانا تبدو ~~عليه علامات التعجب، وهو في حالة غيبوبة.» # فجأة توقف تدفق الأكسجين إلى رئة مروان، فأسرعت الممرضة لتخبرهم بتبديل الأسطوانة ؛ ~~ظنا منها أن الأكسجين قد نفد من الأسطوانة! وضع الطبيب السماعة على صدره، لم يشعر ~~بضربات القلب، ولا تزال البسمة مرسومة على شفتيه. ثم أحضر الطبيب جهاز انعاش القلب، ~~وضعه على جانبي صدر مروان وشغل الجهاز، إلى أن عاد القلب إلى العمل. # فرحت حميدة، وقالت للطبيب: «أقول لك زوجي مزوج جنية، شوف كيف أتعبته. كان ~~شيموت وشتأخذه علي.» # خرج الطبيب من الغرفة وهو يضحك، أيسخر منها أم يشتم تلك الانفجارات في المدينة التي ~~تضيء الغرفة؟ # قالت الممرضة لحميدة: «هذه معجزة، جلد زوجك يتسلخ، وما زال على قيد الحياة.» ~~وأسرت إلى حميدة على انفراد، بأن زوجها لا فائدة من بقائه في المستشفى، وأن ذلك خسارة ~~على الأسرة. ونصحتها بإخراجه إلى البيت، وأن يشتروا له أسطوانتين أكسجين؛ ليسلموا من ~~تكاليف المستشفى. # صباحا استشارت حميدة أولادها في الأمر، فوافقت الأسرة على نقله إلى البيت، إلا أمه ~~لم توافق. قال لها معاوية: «يا جدة سنهتم به في البيت، تكاليف المستشفى كثيرة.» وراحت ~~هي تخبرهن بأن العناية في المستشفى أفضل، وبأنهم يريدون أن يرثوه وهو على قيد الحياة، ~~وشتمتهم. # كان ذلك اليوم هو الخامس من شهر إبريل، عادت فاطمة قبل الظهيرة إلى منزلهما مشيا إلى ~~المنزل، لم تجد مكانا في الباصات المزدحمة، يكتظ فيها المواطنون حتى على أسطح ~~المركبات. كانت تود أن تشتري طعام الغداء، لكنها لم تجد مطاعم مفتوحة. وصلت المنزل ~~وصعدت سطح المنزل لتطبخ بما تبقى من الحطب وقطع الكراتين، وهي تلعن الدخان ~~والحر. # عند العصر هطل المطر، فحولت مجرى مياه السطح هي وإخوتها عمر، سليم، سالم، نبيل، إلى ~~خزان المنزل الأرضي. # في المساء جلسوا يسمعون الأخبار لمعرفة إلى أي هاوية تذهب البلاد، فسمعت تصريحا ~~للرئيس بتعيين قائد للجيش .. عرفت أن الحرب ستطول، ومضت تذم تلك الاشتباكات التي تحدث ~~بين اليمنيين في مناطق عدة في البلاد. # تحدثت ms057 فاطمة مع أسرتها عن منير بأنه خاطبها منذ ثلاث سنوات، وأنه الآن جاهز للعرس، ~~لكنه يخجل أن يتحدث في هذا الأمر في ظل مرض والدهم. انقسم رأي الإخوة، منهم من رفض ~~الزواج حتى يشفى والدهم، ويعقد قرانها بنفسه، وأيدت ذلك الرأي الجدة غصون. قال علي: ~~إذا لم يشف أبونا خلال ثلاثة أشهر فليتزوجا. حرام أن نؤجل زفاف أختنا، منير سالم رجل ~~محترم، وأبونا وافق عليه سابقا. لكن معاوية كان هو الوحيد الذي وقف ضد رأي علي. # اتصلت فاطمة بمنير تبشره بالخبر، وأن يحجز صالة بعد ثلاثة أشهر، وراحا يتبادلان ~~القبل عبر التليفون، حتى سمعا ضحكة غريبة في الخط، لم يعرفا أن هناك جهة تتنصت على ~~المكالمات أثناء الحرب، لا سيما والمكالمة صادرة من بيت رجل قيادي في الحزب المغضوب ~~عليه. # 2 # كان مروان في آخر لقائه مع سناء يرى نفسه أنه في الجنة، ثلاث ساعات ونصف وهو في قمة ~~النشوة، التي لا تحدث لبشر إلا في الجنة. اقتربت مريانا منه وهي تبتسم، وطبعت قبلة على ~~خده، سألته عن شعوره باللقاء الروحي معهن، كيف وجده؟! رد مروان وهو يتعجب: يا مريانا ~~كأنك تعيشين داخلي. إن لقاء اليوم يضاهي لقائي مع زوجتي حميدة منذ أن تزوجتها قبل ~~ثلاثين عاما حتى فارقتها. كان لقاؤنا لا شيء مقارنة بهذا اللقاء الذي دون كل ~~لقاء. # نهض مروان في الصباح متأخرا ولم يجد النسوة. فتح النافذة فرأى برجا قد بني في مكان ~~البرج الذي شاهده سابقا. لطم جبينه دهشة يسأل نفسه: «أي عالم أنا فيه، كيف يبنى برج ~~خلال ليلة واحدة؟! ومتعة جنسية كمتعة العمر كله. هل أنا في الجنة أو أعيش حلما ~~غريبا؟» وعاد يسأل نفسه: «أين أنا يا إلهي؟!» وجد من يظنها مدبرة المنزل تعمل في ~~المطبخ، وهي ترقص وتغني بصوت جميل. تحدث معها، فأخبرته أنها تعد له طعام الإفطار: خبز ~~أخضر، وشراب التفاح ممزوجا بحليب الصويا وعصير العنب .. تناول إفطاره، وشعر أنه ثمل ~~لكن عقله لم يذهب. ثم نادى بروسي لتجلس بجواره. قال ms058 لها: «يا بروسي، ما رأيك أن تكوني ~~ملك يميني أيضا؟ فهذا العالم يفتقر إلى الرجال، وليغفر لي الله إن أنا ما زلت على ~~هذه الدنيا.» ثم قبلها خدها أولا ثم في فمها، وجد شفتيها رطبة لكنها باردة. وضع يده ~~فوق كتفيها، وأخبرها عن عادات وتقاليد حياته السابقة، وأنه كان يعيش في أطراف جهنم. صمت ~~وتحدث بحزن قائلا: «آه، كم كنت غبيا حين صدقتهم .. وأزهقت أنفسا كثيرة من أجلهم، ~~وكنت أظن أنني أقتل من أجل الرب، كم أنا نادم على أفعالي في حياتي السابقة يا ~~بروسي!» # كان بروسي يسمعه وهو يقبله. قال له: «أنت تعلم يا كريم، أنني لست بشرا، لماذا ~~تقبلني؟!» ذهل مروان، وقام من مكانه مفزوعا: «ماذا؟ لست بشرا! كيف تقولين إنك ~~هيوموروبوت؟ لم يبد عليك ذلك. تؤدين عملك أفضل من زوجتي حميدة، طبخك ممتاز .. صحيح لم ~~أر لك ثديين، لكن هذا لم ينقص من جمالك. لا، أنت تكذبين علي!» وضع بروسي سبابته ~~اليمنى جانب رأسه، كأنه يتذكر شيئا، وقال: «تكذبين .. لم أجد في قاموسي هذه الكلمة. ما ~~معناها؟!» جلس بروسي في الصالة، وأخذ ما يشبه القلم ليرسم مربعا، فتكونت شاشة ~~تليفزيونية، وظل يبحث في القنوات الفضائية، حتى وجد قناة اسمها «مشفى الهيوموروبوت». ~~جلس مروان بجانبه، يشاهد كيف يتم إصلاح أي خلل في الهيوموروبوت .. عندئذ صدق مروان أن ~~الذي بجانبه آلة وليس إنسانا. سأل: «يا للغرابة! هل تصلحون أنفسكم بأنفسكم؟!» # 3 # بقي مروان يبحث عن القنوات التليفزيونية بنفسه، بمساعدة بروسي. فشاهد مدنا رائعة، ~~فيها ناطحات السحاب كأن تلك المدن من وحي رسام مبدع، والمركبات تطوف في الجو كالنحل. ~~شاهد قناة اسمها «الخرطوم» وهي تظهر المدينة وأسواقها، بدت كأنها نسخة من صنعاء، والناس ~~في الشوارع من مختلف الأعراق والجنسيات، ثم بقي ~~يشاهد مدن «إقليم الشرق الأوسط» فرأى تلك البلدان كلها بنفس الروعة. شاهد انسجاما ~~كونيا في التقدم الحضاري للعالم. سار يبحث عن بعض المدن السواحلية مثل: الإسكندرية، ~~دبي، سنغافورا، عدن، الحديدة، جدة، مومباي، كراتشي .. فلم يجدها. سأل بروسي عنها. رد ms059 ~~بروسي قائلا بأن تلك المدن ليست في قاموسه، ولا يدري عنها شيئا. ظل مروان يبحث ليجد ~~قناة اليمن فسأل بروسي عنها، فأفاده بأنه لا يوجد قناة بهذا الاسم ، بل يوجد هناك قنوات: ~~صنعاء، تعز، سيئون، ذمار، الربع الخالي. فقال مروان: أظن أن برمجتك خاطئة! ~~- أنت أيضا كنت مبرمجا برمجة خاطئة في حياتك السابقة. كنت تقتل الآخرين لأجل أشخاص، ~~وتظن أنك تقتل باسم الرب! # ذهل مروان من كلام بروسي! يحدث نفسه: «فعلا كنا كذلك. سامحنا يا رب!» استمر في البحث ~~إلى أن وجد قناة صنعاء مكتوبة بلغة غريبة، وتحت تلك الكلمات باللغة العربية «قناة ~~صنعاء». شاهد امرأة تميل إلى السمرة تبدو في منتصف العمر، تلبس ملابس رجالية، شعرها ~~يتدلى حتى الكتفين، حولها عدد من النسوة ورجلان، وهي تخطب في قاعة كبيرة ملأى بالنساء ~~والقليل من الرجال. سأل بروسي عنها فقال له: هي مدير «مقاطعة صنعاء» منذ ثلاث ~~سنوات. ~~- غير معقول! امرأة تحكم صنعاء، أين الرجال؟ كيف ولوا امرأة عليهم، أين العرف؟ أين ~~الدين؟ أين شيوخ القبيلة؟ أين الأئمة؟! # ذهب يذرع الصالة ذهابا وإيابا، يتحدث بهدوء دون غضب. سأل عن اسمها فقال له بروسي: ~~اسمها «نبيلة فاتن الزبيدي»، لماذا تستغرب؟! النسوة منذ زمن بعيد هن اللاتي يدرن ~~أقاليم العالم. # ضحك مروان وقال بهدوء: متى أصبحت النساء قوامات على الرجال؟! لماذا لا يحتج الرجال؟ ~~ألم تعد فيهم رجولة؟ أين العسكر؟ ~~- لا أعرف معنى عسكر. ~~- والجيش أين هم؟ ~~- لا أعرف معنى هذه الكلمة أيضا. ~~- لا تعرف كلمة عسكر ولا جيش؟! أنت ستصيبني بالجنون، لماذا تخلى الرجال عن مكانهم ~~في المجتمع؟ أليسوا هم الأقوياء، وما النساء إلا لخدمتهم؟ ~~- لا، ليس الرجل أقوى من المرأة. ~~- ماذا تقول يا أهبل؟ ومن يحمل الأحمال الثقيلة، ويقوم بالأعمال الشاقة؟ ~~- نحن من يقوم بهذا. نحمل الأثقال عن البشر عند الحاجة. أنا الآن عمري مائة سنة، وقد ~~عملت مع أسر كثيرة. حين ولدت كان عمري عشر سنوات، وتدربت على خدمة البشر خمس سنين، ثم ~~صرت صالحا للعمل. ~~- ماذا تقول؟ ولدت؟ كيف ms060 ولدت من فرج أمك؟! يا ألله، ما هذا الهراء؟ ماذا يقول هذا ~~الأهبل؟ يسخر مني؟ يريد أن يصيبني بالجنون؟! # قال بروسي: ماذا جرى لك يا كريم؟! هل أصبت بلوثة إليكترونية، ماذا تعني كلمة ~~«أهبل»؟! ~~- طز. # نهض بروسي من مكانه، وقال لمروان وهو يبتسم: أتريد أن أحضر لك «طز»؟ # ضحك مروان عاليا، وقال: نعم، أحضر طبقا منه. # ذهب بروسي وعاد يحمل طبقا يشبه الجلي مصنوعا من الفاكهة، ثم عاد يعد وجبة طعام ~~العشاء. جلس مروان يستمتع بطبق الطز الشهي، يسأل في نفسه: لماذا بروسي هو الوحيد الذي ~~لم يصدق أنه مروان؟! # 4 # قبل الغروب أقبلت النسوة مرهقات من العمل. أخذن حماما في عجلة من أمرهن، وقدم ~~بروسي وجبة العشاء. تحدث معهن عما دار من حديث بينه وبين بروسي، أخبرهن أنه لم يصدق ~~كلام بروسي أو أنه يكذب. اقتربت منه فرضانا تلاطفه بقولها: لا يوجد من يكذب في هذا ~~العصر، يا عزيزي. ~~- لكنه يقول إن مدن الإسكندرية، دبي، سنغافورا، عدن، الحديدة، جدة، مومباي، كراتشي ~~ومدنا سواحلية أخرى اختفت من الوجود! كيف أصدق هذا؟! ~~- فعلا كلامه صحيح، وكذلك اختفت دول من خارطة العالم، مثل: هولندا، فيتنام، ~~بنجلادش؟ # حدث مروان نفسه: «يا للهول! ماذا جرى؟! كيف اختفت مدن سواحل العالم التي أعرفها؟! ~~هذا شيء لا أستطيع أن أصدقه.» وعاد يسأل: هل الرجل لم يعد أقوى من المرأة؟ هذا غير ~~معقول! ~~- لم نعد نحن بحاجة لقوة الرجل، لدينا من هو أقوى منه. انظر إلى بروسي يستطيع أن يحمل ~~مائتي كيلوجرام، وهناك غيره يحمل طنا. ويمكن للبعض أن ينام مع عشرات النساء مرة ~~واحدة. ~~- لماذا ترى أن النسوة سلبن حقوق الرجال؟ ولا ترى أنهن استرجعن حقوقهن المسلوبة. نحن ~~نحافظ على الرجل ونهتم بشئونه، ونرعاه أحسن رعاية، وهو يستمتع باللقاء الروحي أكثر ~~منا. ويمكن أن يعمل مثلنا في كل مكان إذا أراد. ولكن نفضل أن يبقى في المنزل لرعاية ~~الأطفال؛ فسبع نساء قادرات على أن ينفقن على المنزل. لماذا نراك مندهشا لمصير الرجل؟ ~~ثم إن الديموقراطية والعدالة ms061 مذهب هذا العصر. ونحن النسوة الأكثر عددا من الرجال. كان ~~العالم عالما ذكوريا، شرع فيه الرجل كل شيء لصالحه وسفك الدماء منذ الأزل. لكن في ~~عهد إدارة المرأة للعالم استطاعت أن تروض الرجل المتباهي بقوته وتسوسه. # كانت مريانا تنصت بصمت لما يفكر فيه مروان، وهو في صراع مع ذاته القديمة. اقتربت إلى ~~جواره وأخذت تسرد له نبذة عن النظام العالمي في زمن الإنسان الجديد، قالت: العالم ~~الحالي يا مروان دولة واحدة، وأمة واحدة، مقسم إلى سبعة أقاليم: المشرق الأقصى، الشرق ~~الأوسط، إفريقيا، أوروبا، كندا الأمريكية، المدن اللاتينية، وأستراليا. وعاصمة العالم ~~هي مدينة «سرجونشي». وكل إقليم مقسم إلى مقاطعات، يرأسها مدير محلي منتخب يدير ~~المقاطعة لمدة أربع سنوات فقط، وكل مقاطعة تتكون من عدة مدن، ترشح شخصا عبر الكمبيوتر ~~إلى المجلس الأعلى للأقاليم. وهذ المجلس بدوره يقوم بترشيح رئيس المجلس، وكل إقليم يدير ~~العالم سبع سنوات، وهذا المنصب هو منصب فخري، فكل فرد يعرف واجبه تماما. وهناك علم ~~واحد للدولة العالمية، رفع هذا العلم على سطح القمر أيضا. أظنك شاهدته. # تذكر مروان المنطقة الخضراء التي شاهدها على سطح القمر أول يوم له في هذا العالم. سأل ~~ببهجة: «أجدك يا مريانا تفهمين مشاعري أفضل من الغير، أخبريني كيف أصبح العالم شعبا ~~واحدا، ما لم تستطع تحقيقه جميع الأديان؟!» ردت قائلة له، وهو ينصت كطفل صغير: بدأ ~~الفلاسفة أولا في هذا الأمر أثناء عملية التأمل «المانترا»، عن طريق الممارسة المستمرة ~~والتفكير الانتمائي بالوعي الكوني، ونجحوا تدريجيا في التخلي عن النظرية الانتمائية ~~غير السليمة التي تمجد الذات، حتى تحرر فيه الإنسان من كل قيود الأنانية. وهذا التأمل ~~كان أساسا لعلماء الجنس البشري في هذا العصر، واكتشف علماء البيولوجية «الجين الأناني» ~~وقاموا بكبحه. كانت الأنا تفرق بين أجناس البشر، وتستعبدهم وتشعل الحروب. تلك الأنا ~~كانت ستضعف ذات يوم، وتكون تحت سيطرة العقل بعد آلاف السنين، لكن هذا العصر اختزل تلك ~~المسافات والسنين من عمر البشرية؛ ليعيش عالم الإنسانية الحقيقية. # قارن مروان نسفه بما جرى له ms062 بالنبي دانيال في «سفر الرؤيا»، كان يرى المستقبل بطريقة ~~رمزية ويفسر بعد ذلك، وبالنبي يوسف وهو يفسر رؤيا السنين العجاف، والسنين السمان، في ~~رؤية الملك الفرعوني «أمنحوتب»، رأى مستقبل البلاد من خلال تلك الرؤيا. قامت مريانا من ~~جواره، وهو يتساءل: «ترى ما مصير أولادي؟ هل هم أحياء بعد ذلك الانفجار؟ كيف اختفت ~~المدن السواحلية في العالم؟!» # 5 # خرج مروان من المستشفى يوم الخامس عشر من شهر مايو، على سيارة الإسعاف تنقله إلى ~~البيت الذي استأجروه في منطقة «السنينة» وكان منير حاضرا. أثناء مرورهم بجوار معسكر ~~الدفاع الجوي، سقط الصاروخ الأول على المعسكر؛ فأسرع السائق بالمركبة، وعبر على حفر ~~كثيرة فتدحرجت أسطوانة الأكسجين داخل السيارة. # سقط الصاروخ الثاني، وكانت هناك سيارة في الاتجاه المقابل، فاصطدمت بالسيارة التي ~~تقل مروان، وقذفت به والأسطوانة معا إلى خارج السيارة. تحلق العابرون الخائفون حول ~~مروان، أحدهم سأل أسرة مروان: أين سيدفنونه؟ يود مشاركتهم في الدفن. كانت القذائف ما ~~زالت تهطل على المعسكر، ولم تعد السيارات تمر في جواره، ما عدا سيارة قمامة عبرت ~~فارغة. أوقفها معاوية، وطلب من السائق أن يحمل أباه إلى البيت. # أوصلوا مروان إلى سكنهم الجديد، لم يبعد كثيرا عن المعسكر. قبلته أمه على الرأس ~~وهي تذرف الحزن، وغضبت على حلق لحية ابنها، فأخبرتها حميدة أنها سقطت من تلقاء نفسها، ~~وذهبت لتعد الطعام لمروان. بينما كان علي وإخوته يسمعون الأخبار .. فجأة نقلت إحدى ~~القنوات مشهد قصف منزل الرئيس الأسبق، وهذا أغضب معاوية. # قالت فاطمة: أنت يا معاوية غاضب على قصف بيت الزعيم الذي بناه من مال الشعب. نحن قمنا ~~بثورة لنزيحه، وأنت تريده أن يعود إلى عرشه. حدث شجار بين الإخوة، لم يظهر منير موقفه ~~في هذا النقاش، بل كان سعيدا لكلام فاطمة، يؤيدها بنظراته .. فهي ما زالت على موقفها ~~منذ اندلاع ثورة الشباب، لم يتغير رأيها كما حدث للكثيرين الذي غيروا رأيهم حسب ~~مصالحهم الشخصية، وليس حسب مصلحة الوطن. # قدمت حميدة الطعام لمروان الذي أوصى به الدكتور وخلطته بالخلاط. وكانت أمه ms063 غصون تراقب ~~حميدة، وهي تحقن الغذاء عن طريق أنبوبة التغذية الأنفية. قالت: «الآن ابني سيشفى. كان ~~شيموت (سيموت) من الجوع في المستشفى.» وراحت تدعو له بالشفاء، وهي تشم رائحة نتنة تفوح ~~من مروان، رأت أنها من الحفاضات التي لم تبدل. سمعت شجار الأخوين علي ومعاوية في ~~صالة البيت، فخرجت بعصاها لتضربهما، وهي تقول: أبوكم على فراش الموت وأنتم تتشاجرون ~~داخل البيت. وقفت أمام منير ورفعت عصاها، وقالت: وأنت تشتي تتزوج وعمك مريض. ~~- يا جدة حتى البلاد مريضة وأمة الإسلام مريضة والعرب تائهون، لكن الحياة لا بد أن ~~تستمر. نريد جيلا يصلح ما أفسده الحكام يا جدة. # بينما الجدل العقيم يدور بين أولاد مروان، كان هو في الوقت نفسه في عالمه الفردوسي، ~~يتنسم رائحة زكية تفوح من حوله، وتمنى ألا يعود إلى عالمه الذي أتى منه، إن كان هو في ~~حالة رؤية للمستقبل، وإن كان في حلم تمنى ألا يصحو منه. # لبست حورياته ثياب النوم، ورحن يرقصن أمامه بلياقة بدنية عالية، وموسيقى «السعادة» ~~تطرب مروان، وأخرجته من حزنه بسبب ذكرياته الماضية. أخذن يتناوبن على تقبيله، ويشدن ~~باللقاء الروحي معه الذي لم يجدنه مع شريكهن السابق «كريم». نادته هذه المرة سناء ~~أصغرهن سنا للجلوس معها للقاء الروحي. كن يتناوبن معه الصغرى فالكبرى، عكس الليلة ~~الماضية. أخبرهن بروسي أن كريم قبله وأعجب بمؤخرته. ضحكت النسوة، سألته ناريس: «كيف ~~تقبل بروسي؟!» شعر مروان بالخزي مما قام به من عمل مشين، وراح يخبرهن بأنه لم يكن ~~يعرف أنه آلة، وظن أنه خادمتهن، وأنه كان يريده أن يكون ملك يمينه بالحلال، ما دام هذا ~~العالم يعاني من نقص الرجال. وسألهن لماذا بروسي ما زال يناديه بكريم؟! أفادته ناريس ~~بأنهن تحدثن معه كثيرا عن اسم مروان، لكنه لم يتقبله. # وما أدهش مروان أنهن رفضن مضاجعته، أخبرته فرضانا ضاحكة بأن المضاجعة العادية ليس ~~فيها لذة ونشوة كاللقاء الروحي، ثم إنها متعبة ومهينة للمرأة، وفيها هدر لطاقة الرجل، ~~وهذه الطريقة لم تعد تستخدم إلا في حالة التلقيح لحياة جديدة، ms064 أو عند الشواذ جنسيا، ~~وحين يرغبن في التلقيح لحياة أخرى سيعالجن ذلك الأمر. # 6 # علمهن مروان كيف يطهين الفطر، فكان يطبخ منه «المضبى» و«المندي» و«المسلوق» وأعجب ~~ذلك النسوة. أما بروسي فلم يستطع أن يتعلم هذه الطريقة، فكان مروان كثيرا ما يساعده في ~~الطبخ. # ذات ليلة جلس مروان أمام البث التليفزيوني يشاهد مزارع أشجار الفطر، يصل طولها لأكثر ~~من مترين، تزن الواحدة منها مائة كيلوجرام. جلست النسوة إلى جواره، وراح يحدثهن عن ~~الصلاة .. وأنكر عدم معرفتهن بها، كذلك معنى كلمتي إسلام ومسلمين، والرسول محمد بن عبد ~~الله. وضع مروان كفه على ناصيته كمن أصيب بالصداع، وحدث نفسه: «متى كفرت اليمن بدين ~~محمد؟ الله أكبر. هل كفرت أمة الإسلام؟!» ثم تساءل في نفسه: لماذا لم يغضب لدينه الذي ~~قاتل من أجله؟ ثم لعن الشيطان. صمت قليلا وقال لنفسه: «ماذا أقول أنا؟ أين الشيطان ~~هذا؟ لم أعد أحس به أو يوسوس لي! أظنه كان داخلي، وكنت ألعن نفسي صباح مساء. هل هذا ~~اللقاح الذي أخذته قتله في داخلي؟!» قاطعت مريانا أفكاره، قائلة: يا عزيزي لا تتحير ~~في الأمر، نحن أيضا مؤمنون بالله ولنا ديننا. ديننا هو المحبة في جيناتنا أخذناه ~~لقاحا، أفضل من كل الأديان القديمة التي كانت تلقن شفهيا. أليس هذا هو مطلب الإله ~~أن يعيش العالم في محبة وسلام؟ # كان مروان ينصت وهو في حيرة. كيف أن مريانا دائما تجيب على تساؤلاته دون أن ~~يسألها؟! ثم أخذ يتعرف على أعمارهن. قالت مريانا: عمري 55 سنة، وقالت سريانا: وأنا 62 ~~سنة، وريحانة: 70، وفرح: 66، وناريس: 85، وفرضانا: 50، وسناء: 25 سنة. كان مندهشا وهن ~~يخبرنه بأعمارهن. قالت له فرح: نراك مندهشا من أعمارنا، ولم نستغرب نحن من ~~عمرك! # رد مروان بأن عمره خمسة وأربعون عاما. مما أضحك النسوة جميعا. قالت سريانا: لقد ~~نسيت كم كتب في شهادة خروجك من المشفى، 560 عاما. # 7 # جلسوا يشاهدون فيلما حيا عن ذكريات مروان، يعرض في شاشة معلقة في جو الصالة. ~~شعر مروان كأنه يقرأ كتابه بيمينه يوم القيامة، ms065 وهو يشاهد حميدة تنظف الصحون في المطبخ ~~.. حدث نفسه: «الحمد لله أنها ظهرت في المطبخ، وليس في غرفة النوم.» ثم أخذ يشير ~~ويقول: هذه زوجتي حميدة. ثم ظهرت أمه، وهي تصلي، فهتف: «تلك أمي ، يا للروعة!» ثم شاهد ~~ابنه معاوية وهو يدخل غاضبا ويشتم أخاه عليا. قال مروان: «وذاك ابني الأكبر معاوية، ~~تخرج في كلية الآداب لكنه بلا أدب، ارتمى في حضن الحزب الحاكم، دائما هو في شجار مع ~~أخيه علي.» ظهر منير، فضحك مروان وقال: ذاك خطيب ابنتي منير سالم، وافقت على خطبته من ~~ابنتي فاطمة رغم أنه من حزب تقدمي، كنا نراهم خارجين عن دين الله وأعداءنا، لكننا ~~تحالفنا معهم للمصلحة الشخصية، وليس لما يقتضي مصلحة الدين. # ضحكت النساء وهن يشاهدن حميدة في المطبخ البدائي، واللباس والأثاث .. ثم شاهدوا ~~الأسرة كلها وهم يتناولون وجبة الغداء: سلته، لحم، أرز، رغيف .. وأخذ مروان يشير إلى كل ~~واحد منهم: ذاك عمر، نبيل، والتوءمان سالم وسليم، وتلك ابنتي فاطمة، مات زوجها في جوار ~~الإذاعة وهو يدافع عن ثورة التغيير في مسيرة الشباب 2011م، ثم شاهدوا سوبر ماركت ~~كبيرا، وضحكت النسوة من عملية دفع ثمن الأشياء والعملة الورقية. قال مروان وهو يضحك: ~~«ذلك متجري، افتتحته من غنائم حرب الانفصال التي شاركت فيها.» ثم عرضت الشاشة غرفة ~~نومه، وهو يخلع ثيابه، وأمامه زوجته حميدة تخلع ثيابها أيضا، فلطم ناصيته دهشة وهو ~~يقول: «الله الله الله!» ثم شاهد نفسه في لقاء حميمي مع زوجته حميدة على الفراش .. أخذ ~~يغطي عينيه، والنسوة تتفرج على طريقة اللقاء الغريبة، تظهر فيها حميدة تحت ثقل مروان .. ~~انتقلن سريعا حسب طلب مروان لمشاهدة مشهد آخر، ظهر فيه معسكر «الفرقة» يقصف بالمدافع ~~من فوق جبال عطان القريب من سكنه. أناس وهي تخبره عن سقوط الفرقة بيد الحوثين، هروب ~~قائد الفرقة .. سمعت النساء صوت مروان، وهو يقول بأسى: «انتهى حزب الإصلاح، لقد تآمروا ~~علينا، أدخلوا الحوثيين لضربنا.» سألته فرح: لماذا تتقاتلون؟! ~~- للسيطرة على الحكم. ~~- لماذا لا تكون الديمقراطية هي خياركم؟! ~~- الشورى هي ms066 مبدأ الإسلام في الحكم، لكن لا نعمل بها، فهي غير مناسبة لمن يمتلك ~~القوة، بل يتخذها شعارا زائفا. ~~- ماذا ستعمل لو كنت أنت رئيسا في زمانك؟ ~~- كنت سأقتل كل من يعارضني .. سأتخذ جواري من الحسان سرا. سآخذ ما أشاء من ثروات ~~البلاد، وأشتري القصور في خارج البلاد، وسأعمل ديموقراطية صورية لأظل على كرسي الحكم ~~مدى الحياة، ثم أورث الحكم لأحد أولادي، من هو أشد فتكا بالخصوم، سأتحالف مع أي قوة ~~تبقيني على عرشي. # اندهشت النسوة مما يقوله مروان، كما اندهش هو لقول الحقيقة كاملة، وراحت مريانا ~~تصفق لنجاح لقاح الأديان فيه. # 8 # بقيت النساء تشاهد مشاهد أخرى من فيلم ذاكرة مروان. إحدى مسيرات ثورة 2011م، ثورة ~~الشباب السلمية في شارع الستين .. قال مروان: «يا حورياتي لم أكن أدري أنني كنت ثورا ~~يحرث به إلا الآن.» حتى ابنتي فاطمة كنت آمرها أن تشارك في المسيرات النسائية، التي ~~تخرج تهتف لإسقاط النظام. # شاهدت النسوة قتلى بأكفانهم في طابور طويل. قال بحزن: «هؤلاء هم ضحايا الصراع على ~~كرسي الحكم، كنت أرى أن قتلانا في الجنة، وقتلى النظام في النار.» ظهرت صورة الرئيس ~~الأسبق، فهتف مروان: «هذا رئيس بلادنا، انقلبنا عليه باسم ثورة التغيير، بعد أن أقصى ~~حلفاءه من الشراكة معه في الحكم. تزوج اليمن ثلاثة وثلاثين عاما ولم يكتف، وأراد أن ~~يزوجها لابنه، نصحناه: «ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم»، فلم يسمع للنصح.» # طلب مروان أوراق الشاي لمضغها، وطلبت النساء شايا أخضر. قال وهو يضحك: «هيا خزنين # 1 # معي سيجعلكن القات سلاطين زمانكن.» فطلبت النساء من بروسي أن يحضر لهن ~~أوراق القات، وكان ينظر بدهشة إلى مسيرة جماهيرية مليونية. تساءل: هل تلك الحشود ~~آليون مثلنا؟ فضحك مروان عاليا، وقال له: والله إنك «زنوة». لقد وصفتهم أدق وصف، ~~هيا أحضر حقي القات، دعني «اكيف» بجانب حورياتي، فاليوم عرفت أنني كنت آليا ~~بشريا. # قالت سناء، وهي تمسح رأس مروان وهو لا يزال يضحك: لا، لم تكن آلة؛ بل كانت النرجسية ~~الجماعية تتقمصكم وتجمعكم. # لم يفهم مروان ms067 ماذا تعني بالنرجسية الجماعية، وضحت سناء له بأنها هي التباهي بشيء ~~يجمعكم للمصلحة الشخصية، تقولون مثلا: نحن رائعون، أخيار، ديننا أفضل من كل الأديان ~~الأخرى .. وهي: قومية، سياسية، دينية، وعرقية. # اندهشت النسوة حين شاهدن حشدا هائلا من الناس ، تساءلت سناء عن تجمع ذلك العدد من ~~البشر في مكان واحد، ولماذا يدورون حول ذلك المنزل المكسو بالثياب السوداء وفي وسطه ~~حزام مذهب؟ اتسعت عينا مروان دهشة، وقال: ماذا تقولين يا حوريتي الصغيرة؟ ألم تسمعوا ~~عن الحج إلى مكة؟! ~~- لا! وما ذلك الحج؟! # صمت مروان مذهولا. أعقب مشهد الحج مشهد آخر، وهو حشد كبير في ميدان السبعين للرئيس ~~الأسبق، وهو يخطب أمام الجماهير. سألت سناء: وهل ذلك يعتبر حجا مثل الحج إلى ذلك ~~البيت أيضا؟! # لطم جبينه وهو يحدث نفسه: «لماذا لم أغضب لعقيدتي؟! هل هذا اللقاح أبعدني عن ~~عقيدتي؟!» سألته مريانا عما تعني كلمة عقيدة، فقام مروان من مكانه، وقبل شفتيها بقوة، ~~وقال: «أما أنت لا أدري كيف تقرئين أفكاري؟!» # 9 # توقفت النسوة عن مشاهدة فيلم ذكريات مروان، وذهبن للاغتسال معا بصحبته، ومن ثم ~~ذهبوا للتحليق في سماء المتعة، ثم خلدوا إلى النوم. قام الساعة العاشرة صباحا، وهو ~~يشعر بالجوع، دعا بروسي ليحضر له الطعام إلى فراشه، فقال بروسي: «حاضر يا أهبل.» حك ~~مروان رأسه وصمت عن الشتيمة. # أحضر الطعام إلى الصالة، ووضعه على الطاولة، ونادى على مروان: لقد أحضرت لك ~~الطعام. ~~- لماذا لا تحضره إلى غرفة النوم؟ ~~- لست معتادا على مخالفة النظام يا «زنوة». ~~- لماذا ناديتني يا «زنوة»؟ ~~- لأسعدك بها؛ وجدتك تضحك، وأنت تنطق هذه الكلمة. أليس كذلك؟ # صمت مروان وراح يتناول طعامه. ثم جلس أمام النافذة يشاهد المدينة الساحرة. رأى أسراب ~~الصحون الطائرة تحلق في الجو، وشاشات عملاقة في الجو، وعدة أقواس قزح على سماء ~~المدينة، دون أن يكون هناك مطر. ثم فكر في أسرته، فقطرت دمعة على خده. رآها بروسي فقال ~~له: «هل تبكي يا كريم؟ هل عدت طفلا؟!» # بينما كان مروان في عالمه الفردوسي في حالة دهشة ms068 مما يشاهده، كان حينها في عالمه ~~الجحيمي مستلقيا على فراش الموت السريري. لم تفده التغذية الجيدة في البيت وبشرته ~~تزداد جفافا، وتغير لونها إلى وردي فاتح. ولم تجد حميدة إجابة عند الطبيب لحيرتها، ~~وبلغ منها اليأس من شفائه، لكن واجبها يحتم عليها الوقوف مع زوجها حتى النهاية. ومما ~~يزيد من كربتها، هو الشجار بين علي ومعاوية، على إدارة السوبر ماركت الذي يواجه خسارة ~~كبيرة. وهما لم يلتفتا إلى ذلك بقدر تنافسهما فيما بينهما، كأنهما ليس من بطن واحدة. ~~وترى حميدة أنه إن لم يشف مروان لتناحر أولادها على التركة. # كانت أمه هي الوحيدة التي لم تيأس من شفاء مروان. راحت تبحث عن سبل أخرى لشفاء ~~ابنها. بدأت طريقة العلاج بالقرآن، فأحضرت شيخا يقرأ القرآن عند رأس مروان، ويعوذه من ~~الجن والشياطين، ورشه بالماء المقروء عليه بالقرآن الكريم. قال الشيخ للأم: «لا أظن أن ~~ابنك يعاني من مس الجان، أو الحسد، بل إنه مصاب بالسحر الأسود، هذا السحر موضوع بجوار ~~جثة أحد الموتى، قبر حديثا. وما أكثر الموتى هذه الأيام! لهذا سيبقى هكذا جثة هامدة ~~حتى يزول السحر عنه.» سمعت شجارا بين علي معاوية في صالة البيت، فخرجت بعصاها تهزها ~~نحوهما. تقول لهم: «أبوكما ينازع الموت، وأنتما تتنازعان على ثروة أبيكما دون حياء، يا ~~طراطير، تف عليكم من رجال .. ألا تستحيان؟!» بكت غصون على ولدها الملقى كجثة هامدة على ~~السرير. لكن إحساسها كان كبيرا، وهي ترى البسمة في شفتيه لم تفارقه. # بينما كانت غصون تبكي على مروان، كان هو في عالمه الفردوسي يتناول القات الذي أحضرته ~~له النساء معهن، بعد عودتهن من العمل. سألهن إذا كان هناك من يبكي في هذا العصر، فردت ~~فرضانا بأن الأطفال الذين لا يجدون وسيلة للتعبير غير البكاء هم الذين يبكون. أخبرهن ~~بأنه سيريهن مشاهد من فيلم ذاكرته، وسيرى هل سيبكين أم لا؟ # جلسن بجواره، ورحن يمضغن القات معه، وهو يبحث بنفسه في فيلم ذاكرته عن مشاهد جهاده في ~~أفغانستان. ظهر في المشهد شاب كان يجلس ms069 بجوار مروان وهو يحدثه. ثم رأينه يقف أمام دبابة ~~ويطلق عليها النار، لكنه خر صريعا. سألت سيرينا وقد انتفخ خدها بالقات: «من هو ذلك ~~الشاب؟» فأخبرها أنه صديقه ناجي عمر المدحجي، كان من ضمن الذين قادوهم معا كالقطيع إلى ~~أفغانستان. قتل اثنين ممن كنا نسميهم كفارا، ثم عرض نفسه للقتل في المعركة؛ ليلقى ~~حور العين. الله لا رحمه. أزهق روحين دون وجه حق! وباشر يدعو الله أن يغفر له؛ فقد كان ~~مخدوعا. # ضحك مروان وهو يشاهد خدودهن محشوة بالقات، وأثر الحزن على وجوههن، ويبدو عليهن ~~الانتباه. ثم أخذ يبحث عن مشاهد اشتراكه في حرب الانفصال صيف 1994م. ظهر وهو في مقدمة ~~الصفوف ضد الحزب الاشتراكي. كانت النساء تحدق إلى آلة الدمار، وهي تنفث حممها نحو ~~الجانب الآخر، وأناس قتلى وجرحى، وتراشق الطرفين بالرصاص، وقذائف هنا وهناك. ومروان ~~يهتف: «إلى الجنة يا أنصار الدين. كروا على الكفار، انصروا الله.» # بكت النسوة ولم يستطعن مشاهدة تلك المشاهد الدامية، ورحن يخرجن نثارة القات من ~~أفواههن. كان بروسي صامتا طول فترة مضغ القات، ثم نطق وقال لمروان: «يا قاتل، ستفسد ~~هذا المنزل. لماذا كنتم تتقاتلون فيما بينكم يا بشر؟!» تحدث مروان بأسف: كنت أرى أننا ~~نحارب المرتدين والكفار. ولم نكن ندري أننا ننصر أعداءنا، نصرنا الرئيس الأسبق في حرب ~~الانفصال ضد الحزب الاشتراكي، وانقلب ضدنا، نصرنا أمريكا في أفغانستان ضد الاتحاد ~~السوفيتي، فساقوا من نجا من الموت إلى سجن «جوانتانامو» .. خدعنا كثيرا عبر الأزمان، ~~خدعنا بكلمة «شهيد، وحور العين»، كنا نظن أننا ننصر الله، وما نصرنا إلا ~~الشيطان! # كانت النسوة ينظرن إلى مروان بدهشة، وهو يقول: لأول مرة أشعر بحرية وأنني ملك نفسي، ~~أقول ما لم أستطع قوله في حياتي، لست أدري يا حورياتي، هل كلما أحببنا أنفسنا كثيرا ~~كرهنا الآخرين، وكلما أحببنا ديننا أكثر كرهنا الأديان الأخرى. # قالت فرضانا: نعم، يا شريكنا! هكذا هو الحب الأعمى يقابله كره أعمى مثله، عشت عالما ~~تسوده الكراهية، أما الآن فقد انتهت النرجسية الدينية والجماعية والفردية، وأصبح ms070 العالم ~~كله أمة واحدة. # 10 # لم تنم النسوة كالعادة، فجلسن يشربن عصير التفاح، ثم عدن يشاهدن مشاهد من فيلم ذاكرة ~~مروان. كان هناك أناس يمشون في طابور طويل، بين جبال قاحلة، أمامهم ثلاثة رجال سود ~~يضربون الطبول، تمشي خلفهم امرأتان .. قال مروان: «إنه يوم عرسي، كنت قد نسيت هذا ~~الحدث، انتظرن قليلا، سترين زوجتي حميدة حين تكشف عن وجهها، سترين كيف كانت جميلة.» ثم ~~قام رجل وامرأة ليرقصا معا، والبقية يتفرجون وهم يمضغون القات، وأمامهم نرجيلة طويلة ~~وهم ينفثون دخانا من أنوفهم وأفواههم. استغرب بروسي، وقال: «كيف ينفثون كل هذا الدخان ~~من داخلهم؟ هل يحترقون من الداخل؟!» دخل مروان هو وعروسه غرفة صغيرة ضوءها خافت، أعطاها ~~مالا، فخلعت ثيابها، وأطفأت القنديل. لم تعد النسوة ترى المشهد، فسألت سناء: لماذا ~~تطفئون النور عند النوم معا؟ ~~- إنه الحياء عند المرأة في زماننا. ~~- ماذا فعلت معها يا مروان؟! ~~- سلقتها على ظهرها، ورفعت رجليها إلى الأعلى، وفضضت الخاتم. ~~- ولماذا هي لا تفعل كما تفعل نساء هذا العصر عند التلقيح لحياة جديدة؟! ما دام لم ~~يكن لديكم وسيلة اللقاء الروحي. # بقيت النسوة تنصت إلى صوت شهيق وزفير حميدة ممزوجا بالألم .. وصوت مروان وهو يقول ~~لها بصوت متذبذب: اصبري قليلا .. ثم انتقلن إلى مشهد آخر حين كان مروان يرفع صوته ~~للأذان، ويتلو القرآن في الكتاب وهو في الثانية عشرة من العمر. ثم شاهدنه وهو في ~~السابعة من العمر يرعى قطيعا من الغنم، فضحكن على تيس وهو يمارس غريزته مع النعاج. ~~استغربت سناء. قالت: إنه يمارس اللقاء كما شاهدناك مع زوجتك! # 11 # حزنت النسوة حين شاهدن مروان وهو يمشي حافيا، يلبس ثوبا قصيرا، يلعب في قريته ~~الصغيرة مع بعض أصدقاء الطفولة على ضفة واد، وأبوه الراعي ناجي مدهش وهو يلطمه، وهو في ~~عمر ثلاث سنوات، يدعوه بغضب: «يا زنوة، يا ابن الحرام ...» وتشاجر مع أمه حين أتت لتدافع ~~عنه، وأبوه يقول لها بغضب: يا غصون، أنت سمراء، وأنا كما ترين أسمر. كيف هذا الولد جاء ~~أبيض اللون؟! ms071 # كانت غصون تقول له: لا أدري، لكنه ابنك! ~~- إنه يشبه الرجل الغريب، الذي كان ذات يوم في بيتنا. # بكى مروان أمام النسوة، وغطى وجهه بكفيه حين تفاجأ بهذا الخبر، شعر بالخزي والحزن، ~~حينها عرف لماذا كان أبوه ناجي الراعي يضربه دون سبب ، ويناديه بابن الحرام. # ساد مروان الحزن حين عرف أنه ابن ظل، يسرح بفكره إلى أن قالت فرضانا: «أنت الآن يا ~~مروان ابن هذا العالم. إنسان آخر.» بينما النساء كانت تشاهد يوم مولده لحظن حزنه، ~~فرحن يعطرنه بعطر السعادة، وعاد يضحك يقبل تلك ويحضن تلك. # كان هذا اليوم هو يوم الجمعة الخامس والعشرين من يونيو. أربعة أشهر مرت على مروان وهو ~~يمرح في عالم السعادة، بينما أمه غصون تعيش في عالم التعاسة، هي الوحيدة التي تمكث ~~بجواره طوال اليوم، رغم تلك الرائحة التي تفوح من تقرحات جسده التي تزداد يوما بعد ~~يوم. عملت بنصيحة الشيخ قارئ القرآن، وأحضرت ساحرا يفتش في البيت، إلى أن أظهر ورقة ~~طويلة مطوية، وقال لغصون: «ابنك مسحور، ولا بد من فك السحر. عليكم بذبح تيس أسود، وإذا ~~لم ينفك السحر، فلا بد من محضر أرواح، وطرد الروح الشريرة التي سكنت جسده، ولن ~~تجدي محضر الأرواح الجيد إلا في الحبشة. وراحت غصون ترجوه بأن يحضره.» # اجتمعت الجدة بالأولاد، أخبرتهم عن ضرورة حضور «محضر الأرواح» من الحبشة. لم يوافق ~~الأبناء، فغضبت وأخبرتهم بأنهم لا يريدون أن يدفعوا المال لعلاج أبيهم، ولم يعودوا يرون ~~أن المال ما زال ملكه. قال علي: يا جدة، هذه شعوذة! ~~- المستشفى ما قدرش يعالج ابني، والذي يقرأ القرآن ما قدرش، والساحر ما قدرش .. ما ~~عاد في إلا محضر الأرواح. هو شيعرف أيش من روح شيطانية سكنت ابني. كل هذه الفلوس ~~التي معكم هي فلوس ابني. # 12 # كانت غصون تبحث عن وسيلة لشفاء ابنها، وفي الوقت نفسه كانت مريانا في عالم مروان ~~الآخر تخفف عنه حزنا طرأ عليه. تخبره أنه الآن في الجنة حسب ما يرى والسعادة من حوله، ~~ولا مكان للأحزان في ms072 الجنة، ففي هذا العالم لا شيء فيه يحزننا، نحن نعيش في سعادة ~~دائمة، حتى من يموت لا نبكي عليه؛ فقد عاش سعيدا، غير محروم من أي شيء، عاش جنته في ~~حياته محبا للغير، الحب هو جزء من الجنة. أما في زمانه فعاش الإنسان عالم المادة، لم ~~يعش عالم الروح، عاش بأقنعة عديدة مصابا بانفصام الشخصية والأمراض، لم يجد الهدوء ~~والاستقرار الداخلي، كانت تسوده ثقافة الكراهية. في هذا العصر استطاع الإنسان أن يوفق ~~بين رغبة الجسد والروح، وجعل كلا منهما يعشق الآخر، ووصل إلى «العالم الفاضل». كان ~~بروسي يشاهد معهن. ابتسم وقال: لقد بدلوا عقل كريم، الجسد جسد كريم، لكن العقل ليس ~~عقله! # قال مروان: لماذا لم يصدق بروسي مثلكن أنني مروان؟! ~~- هو مبرمج على معلومات سابقة، وأنت كنت كذلك مثله! ~~- لكنني الآن تغيرت. ~~- وهو كذلك يمكن أن يتغير ببرمجة أخرى تجرى له. # ذهب الجميع إلى عالم المتعة وقعد مروان أمامهن، ورحن يتناوبن معه للقاء الروحي واحدة ~~تلو الأخرى، فأخذته المتعة الروحية إلى الذوبان في الوجود. # | الفصل الرابع # الكون جسد عملاق، يموت ويحيا. # 1 # لم تنم النسوة جيدا تلك الليلة، فقررن ألا يمضغن القات مرة أخرى، استيقظن من النوم ~~بصعوبة، وذهبن إلى العمل دون أن يؤدين التمارين الرياضية المعتادة. قام مروان من فراشه ~~وذهب إلى النافذة، ملأ رئتيه بالنسيم العطر. تحدث مع نفسه بصوت مرتفع: «هذه هي الحياة، ~~عالم يتمتع في كل لحظة من حياته، حتى العمل يرى فيه متعة، لم تأخذ حورياتي عطلة بمناسبة ~~زواجهن بي، عالم يقدس العمل.» سأل بروسي عن العطلة الأسبوعية فرد بروسي: لقد غيروا ~~دماغك يا كريم، نسيت كل شيء، العطلة يوما الثلاثاء والأربعاء من كل عاشور، وأظنك نسيت ~~أن العاشور عشرة أيام في الشهر، وهناك ثلاثة أيام عطلة لرأس سنة «الإنسان الجديد». أظنك ~~سترهقني بإعادة ذاكرتك يا كريم. # ذهب بروسي ليجمع القمامة في المنزل، ويضعها في المحرقة ثم وضع الرماد في قالب خاص. ~~أما مروان فاغتسل وجلس يتناول إفطاره النباتي، أحس أنه لم يشبع، فطلب ms073 المزيد من خبز ~~الطحالب البحرية، وشرب كوبين من الحليب الممزوج بعصير التفاح. قال بروسي: «أظنهم ~~غيروا معدتك أيضا، أصبحت نهما على الطعام، وعضو تلقيحك صار ينتصب كثيرا، هل ~~غيروه أيضا؟!»، ثم سأله: لماذا لا تقوم بتمارين الصباح؟ ~~- لا أحبها. ~~- ماذا تقصد؟! ~~- أنا كسلان يا صاحبي فقط. ~~- ماذا تعني كلمة كسلان؟ ~~- ياه .. أنت لن تفهم. ~~- أنا أفهم، إنما صارت كلماتك غريبة يا كريم! ~~- سأضيف كلمة كسلان إلى قاموسك «كسلان»، هي تعني أنك لا تقوى على عمل شيء ما، وفي ~~الحقيقة هي تعني عدم الرغبة بالقيام بذلك العمل. ~~- لست أدري أيهما أضيف؛ لا تقوى، أم عدم الرغبة، «ربشتني». # 1 # ضحك مروان وقال: متى تعلمت هذه الكلمة «ربشتني»؟ ~~- قلتها أنت فحفظتها وحللتها من حديثك، وعرفت معناها، وأيضا سمعتك تقول كلمات غريبة ~~.. أنت ستفسد هذا المنزل. من أين جاءوا لك بهذا الدماغ؟! أظنك آليا مثلي، لكنك مطور ~~أكثر مني. سأتأكد بنفسي. # اقترب بروسي من مروان، وقبض على ساعده الأيمن بقوة مما أخافه، ونظر في عينيه، وقال: ~~«لا .. أنت بشر، ولست هيوموروبوت.» لم يغضب مروان من بروسي، فالغضب والكره لم يعد لهما ~~مكان في قلبه. حدث مع نفسه بصوت عال: «لا فرق بيننا وبينهم سوى أن البشر روحهم من ~~عند الله، بينما الهيوموروبوت روحهم من طاقة.» فسأله بروسي: ما معنى الروح؟ ~~- ولو أنه ليس لهذه الإجابة ضرورة؛ لكن لكي تضيف شيئا جديدا إلى قاموسك. الروح هي ~~الكائن الحي نفسه والجسد قالبها، وهي من عند الله، وهناك من يراها أنها طاقة تحرك البدن ~~حتى تنفد تلقائيا، أو بتدخل خارجي مثل القتل والمرض، فيتحول الإنسان إلى جثة هامدة ~~نتنة. # ثم مشى مروان في الصالة ذهابا وإيابا يضرب يدا بيد، يحدث نفسه بصوت عال: «أظنني ~~في حلم سأصحو منه، يمكن أن توقظني قذيفة أخرى أو صاروخ على جبل عطان. ترى هل الحرب ما ~~زالت مستعرة في البلاد؟ فنهايتها ليست بيد المتحاربين أنفسهم، وكل مخدوع في أمره.» تدخل ~~بروسي مرة أخرى يسأله: «ما معنى حلم؟!» أخبره مروان ماذا تعني ms074 تلك الكلمة. سأل بروسي ~~مرة أخرى: هل ممكن أن يحلم مثل البشر؟ أخبره مروان ~~بأنه إذا نام مثل البشر، يمكن أن يحلم. تحدث بروسي: أنا أنام مثل البشر، وأصحو بدقة ~~عالية أفضل منهم. سأحاول أن أحلم هذه الليلة. # 2 # جلس مروان يبحث في القنوات الفضائية التليفزيونية ، فوجد قناة مأرب، وقناة الربع ~~الخالي .. فرح كثيرا حين شاهد ما لم يكن يحلم به. شاهد المروج الخضراء والأنهار تجري ~~في الربع الخالي، فهتف بفرح: «نعم، عادت أرض الجنتين، وصار الربع الخالي مروجا ~~وأنهارا، لا بد من زيارتهما.» ثم وجد قناة مأرب وقناة تعز الفضائية .. قام وهو في غبطة ~~ينظر من النافذة إلى الأبراج العالية، وهي تبدل حلتها والمركبات تسبح في الهواء. رأى ~~شاشة تليفزيونية عملاقة فوق جبل نقم تعرض إعلانات لمركبات طائرة، ماركة تبع 4 تطير ~~في سماء المدينة كأنها مركبات حقيقية، وإعلانات لتكنولوجيا جديدة يؤديها رجال بأبعادهم ~~الثلاثية، يسرحون فوق سماء المدينة، كأن هناك مدينة معلقة فوق مدينة صنعاء تظهر ~~وتختفي. # لم يصل مروان منذ أن انتقل إلى عالمه الفردوسي؛ فقد كان يخيل إليه أنه في الجنة، ~~وكما قيل له إن فروض العبادة في الدنيا فقط. ذهب وتوضأ، أدى الأذان بصوت مرتفع فسمع ~~الجيران، وكذلك المسعفون ذوو الأجنحة الطائرة، فهرعوا إلى سكنه ليقدموا المساعدة .. ~~تجمعوا حوله ينظرون إليه في صمت، يتعجبون لما يقوم به وهو يصلي .. بعد أن أنهى صلاته ~~رحب بهم .. ابتسم أحدهم وهو ينظر إلى صدر مروان. سأله عما إذا كان الشعر الذي في جسمه ~~مزروعا، أم أصيب بمرض معين؟! وآخرون سألوه من أين تعلم تلك الرياضة؟ أخبرهم بروسي ~~ليعودوا إلى منازلهم، فذهبوا جميعا، إلا فتاة جميلة بقيت في المنزل، وضعت يدها على ~~شعر صدر مروان؛ للتأكد من أنه طبيعي. تألم مروان وهي تشد شعره بقبضتها. سألته: هل ممكن ~~أن نتلاقى روحيا؟ رد قائلا بأنه ممكن بعد أن تكوني ملك يميني الرابعة. وجدها لم ~~تفهم فأخبرها بأن تكون الشريكة الثامنة له. تعجبت الفتاة من طلبه! وأخبرته بأن هذا لا ~~يمكن، ms075 وبأنه نسي النظام. ثم إن اللقاء الروحي لا يرفضه الرجل مع أي امرأة تطلبه ~~منه. # تقدم بروسي واعتذر للفتاة، وقال لمروان: «لب رغبتها.» عادت النساء من العمل مساء، ~~وهو في لقاء روحي مع الفتاة، وعند الانتهاء ودعنها وداعا لطيفا. ومروان مندهش من سلوك ~~حورياته، الذي لا يظهر وجودا للغيرة! # 3 # قامت بعض النساء تعد طعام العشاء مع بروسي، وجلست الأخريات بجانب مروان وهو يسألهن ~~عما يحيره، كيف تجتمع سبع نساء معا؟ أخبرته سريانا بأنهن يتصادقن أولا، ثم يعقدن ~~عقدا اجتماعيا، ويسكن معا ثم يبحثن عن رجل ليكون شريكهن، ويعطينه ما شاء إذا طلب ~~ذلك .. فالنسوة اللاتي يدفعن للرجل مقابل الارتباط بهن. ونحن التقينا معا في البستان ~~الخيري لمدير المدينة، نبيلة فاتن الزبيدي، وسكنا معا وكونا أسرة مع كريم نورين ~~الذي اختفى، وظهرت أنت بدلا عنه. سألها: وإذا أحبت امرأة رجلا أعجبها، فهل ممكن أن ~~تتزوجه؟ ~~- لم يحدث مثل هذا؛ فهذا يعد عملا أنانيا، ويعاقب عليه القانون بطرده إلى جزيرة ~~الشواذ، في هذا العصر كل يحب الآخر كما يحب نفسه. # ثم جلسوا لمشاهدة فيلما رومانسيا يتحدث باللغة العالمية الجديدة. أخبرهن أنه يشبه ~~الأفلام الأمريكية، أخبرته فرضانا بأنه من إقليم أمريكا، وعرف أيضا بأن أمريكا لم تعد ~~تهيمن على العالم، ولم يعد هناك أي نوع من الأسلحة. وأضافت قائلة: أظنك تعرف أن الأرض ~~تعرضت لكوارث طبيعية عدة. منها العصر الجليدي وطوفانات عدة في العصور القديمة، وهناك ~~كارثة بسبب الإنسان في العصر الحديث. قبل الإنسان الجديد «100ق.ج.» انفجرت غواصة نووية ~~انشطارية يابانية، تحت ثلوج القطب الجنوبي بسبب زلزال مدمر حدث هناك في منتصف القرن ~~الأول، وغرقت معظم سواحل اليابسة، وهلك الكثير من البشر. وكان هذا نهاية العصر الهمجي ~~الذي كان فيه الرجل يسود، المتسبب في أكثر من خمسة آلف حرب كبرى في العالم. # عرف مروان أنه لم تعد هناك مشاهد عنف مثل: حلبات مصارعة، ملاكمة، رياضة تنافسية .. ~~تنمي العنف والزهو بالأنا. لعبة كرة القدم لم تعد بين البشر، بل بين الهيوموروبوتات. ~~والبشر هم ms076 المشجعون والمتفرجون على اللعبة. # 4 # ذات صباح في يوم العاشور، قامت النسوة في وقت متأخر، وكان مروان في ذلك الوقت قد أدى ~~صلاة الفجر، وأخذ يدعو النسوة إلى الصلاة فاقتربت ناريس ذات الخمسة والثمانين ربيعا ~~منه، وراحت تمرر أصابعها بين منابت شعره. تخبره أن عبادة الله تكمن بالعمل الخير وحسن ~~السلوك، وأخبرته بأنهم شاهدوا طرق عبادة للعالم القديم في متحف التراث الروحي الإنساني، ~~يظهر جوانب المسيرة الفكرية والثقافية والعقائدية لمختلف شعوب العالم القديم. كديانة ~~المايا القديمة التي اعتقدت أن هناك عوالم أخرى سكنت الأرض ودمرتها الفيضانات. وكانت ~~الأضاحي للإله بشرية، واعتقدوا أن أرواح الموتى المحاربين في القتال المقدس لأجل ~~الآلهة ترتفع إلى السماء؛ حيث الجنة (الموت المقدس)، ويرون أن الروح بعد الوفاة تبدأ ~~برحلة إلى العالم السفلي، ولديهم نبوءات متشابهة تتعلق بشأن علامات النهاية لهذا الكون، ~~مثل الشعوب الأخرى: الأزتك والإنكا والهوبي، والديانات الإبراهيمة. # سخر مروان مما سمعه وقال: «أنا لا أصدق» ونشأ قبس من الغضب فيه أول مرة بعد لقاح ~~الأديان! مما أدهش مريانا الرقيبة على أفكاره، فلم تتوصل إلى شيء، ولم تر أن فعالية ~~اللقاح بدأ يقل مفعولها في مروان. قال بروسي لمروان وقد كان يشاهد معهم: أترى يا كريم، ~~كيف كان العالم القديم لا يستطيع أن يعيش دون إلهه؟ لكنه كان غبيا حين يرى أن الإله ~~يشبه البشر جسديا، وله زوجة وأولاد. أليس كذلك يا زنوة؟ # قالت مريانا لبروسي: من أين أتيت بهذه الشتيمة؟! ~~- أخبرني بها كريم، أظنه سيفسد أخلاقي. # في المساء كانت النسوة في حالة رعب وخوف لأول مرة في حياتهن، وهن يشاهدن ما سجلته ~~ذاكرة مروان من أفلام وثائقية عن الحرب العالمية الأولى والثانية، وحرب الخليج العربي ~~.. فتوقفن عن مشاهدة تلك المشاهد. قال بروسي لمروان: «ستفسد هذا البيت يا كريم، ~~وستنفى إلى جزيرة المنبوذين!» # تلك الليلة لم ينم مروان جيدا؛ فقد احتسى الكثير من شاهي القات، يفكر بما قاله بروسي ~~عن جزيرة المنبوذين، ورأى أنه لم يكن مؤمنا حقا في حياته، وأن عبادته لم تكن ms077 إلا ~~نفاقا أمام ربه. أما نساؤه فقد نمن جيدا بجواره. في منتصف تلك الليلة قام مروان ~~مفزوعا من حلم، وهو يهتف: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» عدة مرات .. استيقظت ~~حورياته، يسألنه بخوف: ما معنى كلمة شيطان؟! أخبرهن عنه .. واستغرب أن مثل هذه الأحلام ~~لم يعد لها وجود. # 5 # في الصباح ذهبت النساء إلى العمل. أخذ مروان إفطاره وهو عريان، يشعر بحرية وبهجة، شيء ~~لم يعمل مثله في حياته. فكر في الخروج ليرى المدينة، فقد أصابه الملل من وقوفه أمام ~~شاشة التلفاز يشاهد العالم الجديد. عادت النسوة من عملهن وهو يسرح ~~عريانا في المنزل. طلب منهن ممارسة اللقاء الروحي ~~فسعدن بذلك. قدم بروسي وجبة العشاء، وقال للنسوة: مروان كان عضوه منتصبا ثم ذهب إلى ~~الحمام، وعاد قد انكمش. # ضحكت النسوة. وسألته ريحانة: ماذا عملت في الحمام؟! # أحس مروان بالخجل، كان لا يتوقع أن آلة تفضحه، فشتم بروسي في نفسه، وقال لها: قذفت ~~بذخائري المتراكمة هناك. لكنني لم أحس كلذة اللقاء الروحي. # تفاجأ مروان في قول ما يخجله، ولم يخف ذلك العمل القذر. ثم راحوا يتفرجون على ~~التليفزيون، كانت هناك مسابقة تجري في الطبخ بين العديد من الهيوموروبوتات. # ذهب مروان إلى الحمام، بينما النساء جلسن يشاهدن فلم ذاكرة مروان؛ علهن يجدن شيئا ~~مسليا. شاهدن حفلا كبيرا في صالة كبيرة، فيه أناس كثر يستمعون لرجل يخطب فيهم. ثم ~~شاهدن رجلا يقوم من مكانه، يرتدي قميصا عليه معطف، ويعتمر شالا حول رأسه، ويحتزم ~~بخنجر. وقف أمامه رجل آخر في السبعين من عمره، يرتدي بدلة أنيقة. أخرج مسدسا وقال له: ~~«خذ أيها الكافر!» وأطلق عليه الرصاص أمام الجميع. ذهلت النساء، وأوقفن مشهد القتل حتى ~~عاد مروان من الحمام؛ ليعرفن من ذلك الرجل البريء الذي قتلوه أمام العالم، وعدسات البث ~~التليفزيوني تصور المشهد. وقف مروان أمام الشاشة وقال بأسف: إنه «جار الله عمر»، قتلوه ~~في حفل ذكرى تأسيس التجمع اليمني للإصلاح. يا للأسف! ~~- ولماذا قتلوه؟! ~~- ليفتخر القتلة بأنهم قتلوه أمام العالم. ~~- وهل يفتخر القاتل بقتل الآخر؟! ms078 ~~- نعم، يرى نفسه بطلا مقداما، لا سيما لو كان يقاتل من أجل نصرة الرب. ~~- وهل الرب يحتاج إلى من ينصره؟! كيف يكون ربا إذن؟! يمكن للشخص أن ينصر شخصا ~~آخر. # 6 # نام مروان تلك الليلة دون ممارسة اللقاء الروحي، استيقظ في الساعة العاشرة صباحا. ~~قال له بروسي: «كل يوم والكسل يزداد فيك يا كريم، أصبحت غريب الأطوار ولم تعد تذهب إلى ~~العمل.» # لم يغضب مروان من مناداته باسم كريم، يرى أن بروسي آلة مبرمجة مسبقا، وقال له: «لا ~~عليك يا صديقي، أنت تشبه الكثير من البشر في حياتي السابقة.» # ذلك اليوم لم تذهب مريانا إلى العمل؛ أثناء إجازة الدورة الشهرية لمدة ثلاثة أيام في ~~الشهر. فرح لبقائها، وسألها عن أمور يجهلها، من ضمنها عن عمل الجامعات والمدارس، اندهش ~~حين قالت له: لم يعد هناك بناء خاص للمدارس أو الجامعات؛ فالتعليم أصبح عبر القنوات ~~الدراسية الفضائية، تبث دروسها وتجاربها العلمية وامتحاناتها للعالم أجمع باللغة ~~العالمية الموحدة، حتى ولو كان الطالب في الحديقة أو مسافرا، فكل إنسان يحمل قلمه ~~الدراسي الخاص، يتواصل مع الجامعة أو المدرسة في أي وقت، والتعليم ارتقائي وليس محض ~~خزانة للمعارف، وهناك اهتمام خاص بالأذكياء. ~~- ألا يوجد غش في الامتحانات؟ ~~- ماذا تقول؟! غش! لم أتصور أن تقول هذه الكلمة وقد أخذت اللقاح الديني، فالغش فرع من ~~فروع الكذب، وجزاء الكاذب هو النبذ من المجتمع إلى جزيرة الشواذ. # عادت النسوة من عملهن مساء، وأثناء تناولهن وجبة العشاء، سألهن عن الأماكن الترفيهية ~~كالمسارح والسينما والملاهي .. وتفاجأ بأنهن لم يعرفن ما معنى تلك الكلمات، حين أخبرهن ~~عن تلك الأماكن، أخبرته سناء أن تلك الأماكن لم يعد لها وجود. وأن السعادة لا تجلب من ~~خارج الجسد بل تنبع من الداخل. ثم سألنه أن يحدثهن عن حكايات حدثت أمامه مؤخرا في ~~عالمه. فحدثهن عن الربيع العربي، الذي تحول إلى الصقيع العربي، ضد الجمهوريات الملكية ~~.. توقف مروان عن سرد حكايته الطويلة، بعد أن لاحظ أن حورياته قد نمن في الصالة ما عدا ~~سيرينا لم ms079 تنم. في الصباح قال بروسي لمروان: «يا كريم، ستفسد نظام هذا المنزل، ماذا جرى ~~لك؟! أظن أن فيروسا أصابك!» # خلال الأيام الثلاثة التي بقيت فيها مريانا في البيت لم تطلب من مروان أن يمارسا ~~اللقاء الروحي وحدهما. حين سألها عن ذلك ردت قائلة: «حينما تختفي الأنانية في المرء لا ~~يفكر إلا في مصلحة الجميع، ولو طلبت منك ذلك؛ سأعاقب نفسي على طلبي الأناني! ثم إنني ~~أمارس ذلك مساء معك أمام الجميع.» # كانت مريانا تكتم حبها لمروان الذي بدأ يطرأ عليها. تشعر أن الأنانية التي بدأت تطرأ ~~على مروان، وهي تراقب أفكاره انتقلت إليها هي أيضا، وتحاول جاهدة أن تقهر سيطرة الأنا ~~فيها. # في ذلك الصباح ومروان يقبل نساءه واحدة تلو الأخرى، كانت أمه في الوقت نفسه تستقبل ~~رجلا حبشيا، يدعى «فنحاس»، يحضر الأرواح. وقف فنحاس أمام مروان، وهو يسد أنفه. ~~وأشار إلى معاوية بزيادة المبلغ المالي، وطلب منه بألا يبقى بجواره أحد غير أمه فقط. ~~راح فنحاس يتمتم بكلام غير مفهوم، ويهتف بصوت عال وهو يمرر يده فوق مروان: «أيتها ~~الروح الشريرة، اخرجي من هذا الجسد!» # كانت الأم تسمع صوتا أجش مخيفا: لن أخرج منه حتى يكتمل نموي! ~~- ستقتل هذا الآدمي يا لعين! ~~- هكذا الفرخ يخرج من البيضة. ~~- وهل أنت فرخ ومروان بيضة؟! ~~- نعم، لقد زرعني أبي في هذه البيضة. ~~- سأحرقك بالنار. ~~- لن تقدر. # قال فنحاس للأم: «لو أحرقنا إصبع رجل مروان الصغرى، ستخرج الروح الشريرة منه. دعينا ~~نحرقه قليلا.» بكت غصون وقالت: «لا تحرق حتى شعرة واحدة من ابني، حتى ولو كان جثة ~~هامدة.» # وضع فنحاس يديه على رقبة مروان، وضغط عليها، يهتف: «ستخرج أيها الشيطان وإلا سوف ~~أخنقك وتموت معه.» سمعت غصون صوتا أجش مخيفا يقول: «لن أخرج» ضغط فنحاس أكثر وكاد ~~يقتل مروان، وما زال الصوت يردد: «لن أخرج!» أخيرا قال: إذا خرجت فسوف أدخل فيك ~~أنت. ~~- لن تستطيع. ~~- سأدخل جسد أمه. # قالت الأم: اخرج يا لعين يا ابن اللعين. المهم تخرج من جسد ابني. # سحب فنحاس ms080 المسجلة سرا التي وضعها في الجانب الأيسر من مروان، وقال للأم بأن عليها ~~أن تذبح تيسا أسود، وتمسح بدمه جسد مروان. اتصلت حميدة بمنير بأن يشتري تسيا لوجبة ~~الغداء، فاشتراه على نفقته الخاصة، وفكر في إخبارهم في أمر الزواج. # خرج فنحاس من البيت بعد أن تناول غداء دسما. حدث منير الأسرة بأنه جهز نفسه ~~للزواج، وحجز صالة للعرس بنصف الثمن .. خرج وهو سعيد بموافقة الأسرة على رغبته، حتى ~~الجدة وافقت وهي تقول: يمكن أن يشفى ابني حين تدخل السعادة بيته. # 7 # ذات يوم استيقظ مروان من نومه في عالمه الفردوسي متأخرا كالعادة، وجلس على الكنبة، ~~أغمض عينيه، ومرت في مخيلته تلك الفتاة الجميلة التي حضرت ~~يوم أن قام بالأذان للصلاة في المنزل، وتمنى لو ~~يلقاها مرة أخرى. فتح عينيه بعد بضع دقائق ورآها أمامه. اندهش أيما اندهاش، وأخذ يرحب ~~بها ثم راحا يمارسان اللقاء الروحي معا لمدة ساعة. ذهبت الفتاة دون أن تخبره عن سبب ~~حضورها. أما مروان فاعتبرها صدفة؛ فغير معقول أن تتحقق أمنيته قبل أن يرتد إليه طرفه. ~~اغتسل مروان ثم خرج من الحمام، ووجد بروسي يشاهد الدليل السياحي وهو يمشي في الصالة. ~~وقف متعجبا من آلة صنعها الإنسان تحاول تثقيف نفسها! سأله: ماذا تشاهد يا ~~صديقي؟! ~~- الديانة الطاوية. ~~- ولماذا، هل تريد أن تتدين يا صديقي؟! ~~- أثقف نفسي مثلكم يا بشر. # مشى مروان في الصالة، واخترق الدليل السياحي وهو يتحدث، فأحس كأنه اخترق كتلة ماء، ~~حتى إنه شعر بصعوبة في التنفس. عاد يجلس بجوار بروسي وهو في دهشة من أمره، كيف يصير ~~الطيف كثيفا لهذه الدرجة؟! ثم راحا معا يشاهدان متحف التراث الروحي لمقاطعة «بكين»، ~~وهي الطاوية: كانت الطاوية ثاني أكبر ديانة في مقاطعة بكين، تعود نشأتها إلى القرن ~~«26ق.ج.» أي السادس 507ق.م. تبلورت على يد الفيلسوف «لاو تسو». أتباعها كانوا يرون أنه ~~إله نزل من السماء «أفتار»، كما كان الهندوس يرون ذلك. أحد أتباع طاوي اسمه (شانغ طاوي ~~لنغ)، قال إنه جاءه وحي من السماء بشأن إصلاح ms081 الدين الطاوي، وصارت سلالته هم المعلمين ~~السماويين للديانة. استمرت سلطتهم مدة ستمائة سنة في مقاطعة بكين المعروفة ببلاد الصين ~~سابقا، كانت لهم سلطة على الحياة السياسة. كتابهم المقدس يشمل قصصا عن بشر يستطيعون ~~الطيران، لا يتأثرون بالعناصر الطبيعية البرودة والحرارة، وانعدام الهواء. # تساءل مروان: «هل يقصدون الملائكة؟ .. ولديهم خلفاء أيضا. ثم كيف تدعي سلالته الحق ~~السماوي في الحكم؟!» قام غاضبا وذهب إلى غرفة النوم، وعاد بعد ربع ساعة إلى بروسي، وهو ~~لا يزال يسمع الدليل، ثم سأله عن الخروج للتنزه. # خرج مروان وبروسي للتنزه معا، مشيا بين أشكال مختلفة من البشر والآليين. أبدى ~~استغرابه لكثرة كبار السن، سأل بروسي عنهم، فأخبره أن هؤلاء بشر أغلبهم متقاعدون بعد ~~بلوغهم سن التقاعد 200 عام من العمر. كانت البسمة مرسومة على شفاه معظمهم، وهم يمشون في ~~شارع «عبد الحكيم سماح الجوفي» عالم فيزيائي. أخبره بروسي أن أسماء الشوارع لا تسمى ~~بأسماء الأحياء. شاهد مروان معارض أزياء تخلو من أزياء الزهو، ومساحيق الجمال ~~والزينة. # حفظ مروان الشارع الذي يسكن فيه، برج رقم 26 الدور العشرون شقة 4. جلس بجانب حديقة ~~صغيرة وسطها نافورة تعلو وتنخفض مياهها، حسب نغمات موسيقية، وهناك كتل مائية في الجو ~~واقفة تسبح فيها أسماك جميلة، وأطفال ينظرون إلى تلك الأسماك، يتحدثون بهدوء، وبجانبهم ~~امرأة كبيرة في السن. سلط أحدهم الضوء على وردة ففتحت أكمامها ثم أبعد الضوء ~~فأغلقتها. أخافت مروان مركبة وقفت فوقه بمسافة قريبة، لا يسمع لها صوتا. مدت خرطوما ~~ضوئيا وسحبت رجلا إلى الأعلى، وشاهد مركبة أخرى تنزل صندوقا أمام باب معرض، ~~وأطفالا ينظرون نحو شاشة معلقة في الجو فيها منظر خليع. # كبت مروان غضبه وبدأت شرارة الغضب تنمو فيه. ذهبا يمشيان في شارع عالم النانو بات ~~«عبده وردة قباطي» بين صفين من الورود، كلما حاول أن يمسك إحداها تفتح أكمامها، ~~وتفوح رائحة عطرية. وشاهدا نافورة رائعة تتشكل بأشكال عدة. سأله مروان: هل يوجد مثل هذه ~~النافورة في أماكن أخرى؟ ~~- نعم، في شارع «مجيب مريم نادية» وشارع «شان شون ms082 صفية» وشوارع أخرى. # قال بروسي إنه حلم في الليلة الماضية بأنه إنسان. ضحك مروان عاليا، وسمعه من كان ~~حوله. حاول بروسي أن يسكته فازداد مروان ضحكا، اجتمع الناس حوله مستنكرين لضحكه، فجأة ~~حضرت شرطيتان، إحداهما بملامح صينية وأخرى تبدو يمنية، وقادتاه إلى مكتب مراقبة ~~السلوك. # 8 # وصل مروان إلى قبة مرتفعة، فراشها وثير، بها كنبات عديدة، وزجاج شفاف يفصل ~~المكاتب فيما بينها، والهدوء يسود المكان. رحب المركز بمروان كضيف يزورهم. لم يشاهد ~~العلم اليمني يرفع؛ بل شاهد العلم الأخضر الذي يشاهده في أماكن أخرى. عاد يشك من جديد ~~أنه ليس في صنعاء. أين العلم الذي ضحى اليمنيون من أجله .. رحبوا به وقدم له عصير ~~الفاكهة. ثم أقبل رجل بملامح عربية يبتسم، وسأله بلغة لم يفهمها مروان، فأخبره بأنه لا ~~يتحدث غير اللغة العربية. تفاجأ الشرطي وقال وهو يبتسم: اللغة العربية هي لغتنا ~~المحلية، لم نعد نتحدث بها كثيرا، لكننا نحافظ عليها كإرث حضاري عالمي .. إنك رجل غريب ~~فعلا في سلوكك. ألا تعرف أن الضحك العالي في الأماكن العامة ممنوع؟! # فكر مروان وعلى شفتيه بسمة ساخرة: «يا سلام أظنني في كنيسة، ولست في مكتب شرطة، حتى ~~تصميم المكان هذا يشبه الكنيسة. هل هذا الشرطي يمزح معي، لا يمكن أن يكون هذا المكان ~~قسم شرطة!» سأله الشرطي: ما اسمك؟ ~~- كان اسمي مروان ناجي مدهش الراعي، والآن أنا مروان غصون سعيدة. # فتح الشرطي شاشة في الهواء، وقرأ فيها وقال: «نعم، لقد أخذت مكان كريم نورين الذي ~~شطب اسمه من السجلات. أظن أن جرمه كبير .. اسمك الآن: مروان غصون سعيدة. العمر: 560 ~~سنة. تاريخ الميلاد: 1 /1/ 250ق.ج.! ظهر فجأة، خال من أمراض عصره، لقح بلقاح ~~الأديان.» تبدو شابا وأنت في هذا العمر! كيف بقيت إلى هذا العمر؟! ما هو نوع غذائك؟ ~~أنت حالة نادرة. ثم تابع الشرطي بحثه في شاشة الحاسوب في الهواء، وأخبره بأسماء شريكاته ~~وعنوانه. فجأة أقبل رجل شاب في العشرين من العمر، ووقف أمام شرطي مراقبة السلوك يعترف ~~بخطيئته بأنه سخر ms083 من فتاة. # أخبره الشرطي بدفع عشرين دورال. وبما أنه لا يزال طالبا خصمه من رصيد والدته رانيا ~~شيرين جيتا. كان مروان مستغربا لمجيء الشاب للإقرار بذنبه (عقوبة السخرية). وخلال حديث ~~مروان مع الشرطي أتي فتى في العاشرة من عمره، وفي يده حقيبة، وقال إنه وجدها في ~~الشارع، لم يعرف لمن. ومن خلال صورة المرأة التي التقطتها عدسة الكاميرا، تم التواصل ~~مع مالك الحقيبة. سأل مروان: أهذا هو عمل القسم فقط؟ ~~- نعم، لا يأتي إلى هنا إلا من لا يعرف جزاء خطئه، أما الذين يعرفون جزاء أخطائهم ~~فيدفعونها من حساباتهم مباشرة. أراك لا تعرف عن عالمك الكثير كأنك غريب عنه. هل كنت ~~تعيش في أدغال الربع الخالي، أم تسللت من جزيرة الشواذ؟! # 9 # في إحدى عطل العاشور الشهري، حضرت البروفيسور ماري حنان صباحا إلى مروان في سكنه. ~~رآها فتاة في مقتبل العمر، كان ذلك اليوم يشعر بسعادة أكثر؛ فقد أخبرته النساء بأنهن ~~سيدعونه قريبا لتلقيحهن لحياة جديدة. حينها شعر مروان أنه أصبح فردا من هذا العالم، ~~الذي يراه مؤمنا بالله دون دين معين .. تحدثت البروفيسور مع النسوة بلغة العالم ~~الجديدة، ثم أخذت تتحدث مع مروان في أمور شتى .. وكان هناك سؤال يتلهف مروان لمعرفة ~~جوابه، وهو كيف استطاع لقاح الأديان أن يؤثر في البشر كل هذا التأثير، ما لم تستطع عليه ~~جميع الأديان. سؤال لطالما حيرني. ابتسمت ماري، وأخذت تخبره بأنهم قاموا بتعديلات ~~الجينات في كروموسوم # DNA # المسئول عن السلوك؛ للحصول على ~~سلالة بشرية جديدة، واجتازوا مئات السنين التي كان سيأخذها الإنسان ليصل إلى هذه ~~المرحلة المثالية، نتيجة التطور الثقافي من خلال الدراسة للخارطة الجينية في ~~الكروموسوم. اكتشفوا الجينات الأنانية والإيثارية، وأن الجين الأناني هو المهيمن؛ لهذا ~~نحن كنا نولد أنانيين بالفطرة، وتدفعنا تلك الجينات لنقلها إلى أولادنا. تتحكم بالجسد ~~بصورة غير مباشرة، وتحث الجسد أن يفعل ما هو أفضل للبقاء. لا يهمها الوسيلة؛ لذلك ~~فالسلوك يخضع لسيطرة الجينات، وتمارس سلطتها عن طريق الجهاز العصبي، فهي صانعة السياسة ~~الأولية، والدماغ هو ms084 المنفذ. قام العلماء بمحاكاة الانتخاب الطبيعي (البقاء للأفضل)، ~~فتم إضعاف الجين الأناني، لصالح الجين الإيثاري الذي يبرز فجأة في الإنسان، فيضحي ~~الإنسان بنفسه من أجل الآخر. واكتشفوا أيضا الجينات المسببة للشيخوخة، والأمراض ~~الخطيرة كالسرطان والسكر وغيره. # ابتسم مروان وكان وجهه مشرقا وقال: لقد حققتم للإنسان ما كنا نحلم به، لقد جعلتم ~~النفس اللوامة تسيطر على النفس الأمارة بالسوء، حتى وصلتم إلى النفس المطمئنة. كنا ~~نحن نتحدث كثيرا ونعمل قليلا. # قدم بروسي كأسا من عصير التفاح لماري حنان الذماري، وجلس يسمع مع مروان وهي تضيف ~~قائلة: كان لقاح الأديان يعطى للجنين عبر البلاسنتا للأم الحامل، بعد أن رزحت البشرية ~~عهودا تحت سيطرة الأنانية. كان يعتقد في العصور القديمة أن الشيطان هو الذي يدفعهم ~~إلى السلوك الخاطئ، والحقيقة هي الأنانية. وهكذا يا مروان كان الحكام أكثر الناس ~~أنانية ونرجسية من غيرهم، تتضخم فيهم الأنا حين يكونون في سدة الحكم. أليس كذلك يا ~~زائرنا العجيب؟ الأنا تجعلنا نخاف من الشيء الجديد، وتذكرنا بالماضي القديم المؤلم .. ~~عندما نحب الغير هذا دليل على موت الأنا فينا، التي هي عبارة عن سجن للفرد، تحميه من كل ~~شيء، تبقيه أسيرا لديها يعيش في جهل وظلمة وتبعده عن المحبة .. لا تسمح لأن يكون الفرد ~~هو ذاته، فهي كالجدار إذا نفذ المرء منه تحرر من سيطرتها، وأصبح حرا طليقا، وليس ~~عبدا لها. # سألها بروسي: هل وضعتم فينا نحن جينات وراثية؟! # ضحك الجميع فشعر بروسي بالخجل، ثم قال: سنصنع لأنفسنا يوما جينات مثلكم يا ~~بشر. # ثم ذهب إلى المطبخ. قال مروان: ديننا أتى بتعاليم تسمو بالبشر كهذا اللقاح. ~~- فعلا كانت الأديان نقلة جديدة في الحضارة الإنسانية، جاءت لتهذيب السلوك البشري، ~~وكان الدين مكونا من روح ومادة معا، كما هو الإنسان من روح ومادة. إذا ذهبت الروح ~~فسدت المادة أيضا. ومع مرور الزمن كانت الروح تتلاشى تدريجيا في الدين وتبقى المادة؛ ~~لأن الأديان جميعها لم تستطع أن تهذب الأنا عند الإنسان في العصور قبل الإنسان الجديد، ~~لم يكن الإنسان يعرف أن ms085 الكراهية والكذب والحسد والغضب والظلم والغرور وحب التملك ~~تقلل من عمر الإنسان. وبتلقيح الأديان أطلنا عمر الإنسان في هذا العصر بطرق كثيرة، ~~ليعطى فرصة للعطاء أكثر مما تعلمه من الحياة، عكس مدة العمر القصيرة التي يحاول ~~فيها الإنسان السعي خلف ملذاته ومتعته. # قامت ماري حنان تجلس مع مريانا على انفراد، سألتها عن سلوك مروان وتفكيره، وشددت على ~~مراقبته، وأخبرتها عن إمكانية أن تنتقل إليها الأنانية إذا عاودته فجأة، عن طريق ~~الشريحة البيولوجية المشتركة بينهما التي زرعت في دماغيهما. # قضت ماري وقتا ممتعا معهم، وذهبت وهي تثني على اللقاء الروحي مع مروان. قالت ضاحكة ~~عند خروجها: «هنيئا لكم بكنز المتعة.» طلب بروسي مشاهدة عالم مروان القديم، فضحك مروان ~~وقال: «هل تريد أن تتثقف؟» ~~- نعم. نريد أن نتثقف كالبشر لنكون أفضل منهم. ~~- ماذا تقول؟! والله إنك مضحك. اصمت قبل أن آتي أطفئك وأجعلك خردة. ~~- لن تقدر، أنا من يمكن أن أطفئ النور في عينيك. # قام مروان وكان يريد أن يتجه إلى بروسي، فأوقفته فرضانا، وقالت: عليك أن تعتذر ~~لبروسي. ~~- أعتذر لآلة من تروس وأسلاك؟ هذا عجيب! أين أنت يا حميدة، ضربتك عدة مرات، ورفضت ~~أن أعتذر لك. # ذهب مروان يمسح على رأس بروسي، واعتذر له، وهو يتمتم في نفسه: «ربما أنا أعيش حلما ~~رومانسيا، فكثيرا ما كنت أحلم بامتلاك الجواري الحسان.» # فتحوا الشاشة لمشاهدة ذكريات مروان، وجلسوا يشاهدون مروان وهو على سيارة نقل كبيرة، ~~كانت تقف أمام مخزن كبير، ثم نزل مروان ليكسر القفل، وراح هو وخمسة رجال مسلحين يخرجون ~~كراتين، وكان يسمع أصوات رصاص .. اعتذر مروان من المشاهدة وهو يكتم غضبه، وذهب يشاهد ~~المطر المنهمر بغزارة على المدينة. لم تعرف النسوة أنه شارك في نهب مؤسسات الدولة في ~~عدن، أثناء دخول القوات الشمالية عدن في حرب الانفصال. # بينما نساء مروان في عالمه الفردوسي يشاهدن فيلم ذاكرته، كان هو في عالم الجحيم على ~~فراش الموت، وابناه معاوية وعلي يتشاجران على انتهاء صلاحية الكثير من المواد الغذائية، ~~تقدر بخمسة ملايين ريال. كان معاوية ms086 أكثر غضبا. وفي المساء قبل إغلاق السوبر ماركت ~~هجمت عليهم عصابة مسلحة، وأخذت النقود التي في الخزينة ولاذت بالفرار. اتصلوا بالشرطة ~~التي هي مشغولة بنفسها، تفاعلت معهم، لكنهم لكي يطاردوا اللصوص طلبوا مبلغا ~~كبيرا. # في المنزل رأت الأسرة أن ما تريده الشرطة يساوي المبلغ المسروق. قالت الجدة غصون: لا ~~تدعوهم يسرقونكم مرة أخرى، أنا أعرف من أين أتى أبوكم بمال الدكان هذا. لا تنسوا أن ~~تحتفظوا بالشموع التي عندكم لنا. دخلت الجدة غرفة مروان، وبيدها شمعة مضيئة. ووقفت ~~أمامه تقول: ربنا يكتب لك الشفاء يا ولدي؛ لترى عرس ابنتك ولتستغفر ربك. لم أعلمك أن ~~تحلل الحرام وتفتي بسلب أموال أعدائك. # كانت حميدة قد جهزت ابنتها للعرس، وحجزت صالة بالقرب من القصور الرئاسية، وكذلك ~~منير قد طلب من أصدقائه أن يحضروا بسياراتهم ليزفوه في الشوارع. كان يظن أنهم لن يخرجوا ~~معه أثناء الزفة؛ خوفا من الحرب. كان حضور القاعة قليلا وكذلك قاعة النساء. أثناء ~~خروج العروسين من الصالة ليزفوهم في الشوارع كان هناك حوالي خمسة سيارات فقط، إحداها ~~فيها نساء يزغردن. بعد أن مشوا مسافة سمع منير إطلاق نار في الهواء. خاف والتفت خلفه، ~~فرأى بعده رتلا طويلا من السيارات يشارك في الزفة. ثم سمع صوت هتاف الشباب: «يهناك، ~~يا عريس يهناك»، ثم سمع مرة أخرى إطلاق رصاص كثيف في الجو، بعد ربع ساعة التفت إلى ~~الخلف، فرأى خلفه سيارات لا تحصى. قال لفاطمة بفرح: «أظن المدينة خرجت خلفنا تحتفل ~~معنا.» دخلوا شارعا يؤدي إلى الفندق الذي سيقضون ليلتهم فيه، فرأوا سيارات عدة قد ~~سبقتهم إلى هناك. # ذلك اليوم رأى منير نفسه أميرا وعريسا، تملؤه الغبطة والسرور من ذلك الحضور البهيج ~~الذي لم يكن يتوقعه، لكن فاطمة كانت تفكر بأن منير هو الذي أحضر ذلك الموكب العظيم ~~ليزفها، رغم شح المشتقات النفطية في البلاد. ذلك العرس ظل حديث المدينة لفترة، ~~والكثيرون لا يعرفون من هو العريس أو أهل العروس. # 10 # حضرت البروفيسور ماري مرة أخرى لزيارة مروان، كانت متوجسة خيفة من ms087 سلوكه إثر خطئه ~~بحق بروسي! وكان مروان أيضا يود مقابلتها؛ ليعرف منها الكثير عما لم تستطع النسوة ~~الإجابة عنه، فهو ليس لديه أصدقاء في عالمه الجديد غير بروسي، وقد اختلف معه أخيرا. ~~سألها مروان أن تخبره عن زيادة عدد الإناث على الرجال، وكذلك اختفاء الطير والحيوان. ~~جاوبت ماري قائلة: «أنت مشتاق لتعرف هذا العالم، وأنا أيضا مشتاقة للقاء الروحي الممتع ~~معك. ما رأيك أن نبدأ بمتعتنا؟» بعد اللقاء جلس الجميع يشربون شاي القات، وراحت ماري ~~حنان تجاوب عن أسئلة مروان: في بداية القرن الماضي ظهر فيروس متحول غريب، تحقق منه ~~العلماء، ووجدوا أن مصدره غير أرضي أطلقنا عليه «1ف # C ~~» ~~الفيروس الكوني، بمجرد اكتشافنا دواء لعلاجه يتحول إلى نوع آخر. هذا الفيروس هاجم خصية ~~الذكور (الإنسان والطير والحيوان ...)، مما أضعف «كروموسوم واي» في الحيوانات المنوية ~~بشكل عام. # سألها بروسي: لم أفهم ما تعنيه ب «خصية»؟! # قال مروان: يا أخي مو (ماذا) معك تسأل عن حاجة ما تخصك. # قالت ماري: نحن نعلم حتى الهيموروبوت. # سأل بروسي: وما هو عمل كروموسوم واي، وهل نحن لدينا ذلك؟ ~~- كروموسوم واي هو المسئول عن الحيوان المنوي المذكر في خصية الذكر، حين يلقح ~~بويضة المرأة يصبح المولود ذكرا، فانقرضت الطيور والحيوانات والزواحف بفعل الفيروس، ~~لكن الحياة البحرية لم تتأثر. فجأة أصبح النسل البشري إناثا، وكان هذا سيؤدي إلى ~~انقراض الجنس البشري؛ ليخلو الكوكب لغزاة من الكوكب الذي أرسل ذلك الفيروس؛ للتخلص من ~~الجنس البشري بطريقة سلمية. وكما هو معروف أن «كروموسوم واي» بالنسبة لحيويته وعددها ~~تضعف جيلا بعد جيل؛ لأسباب عدة، منها الأطعمة الملوثة والأدوية، تأثير أسلحة الحروب، ~~نقص المناعة، وأيضا إصابة كروموسوم واي بالطفرات، نتيجة تواجده المستمر في خصية الذكور ~~مدى الحياة منذ أن وجد الذكر، وهذا مكان مزعج للكروموسوم، وتلك الطفرات تقع أثناء نسخ ~~الكروموسوم، التي تنتج منه الملايين في اليوم الواحد، لا يسمح لها في الراحة، تعمل ~~عملا مفرطا. بينما «كروموسوم إكس» عند الذكر الخاص بالأنوثة لم يصب بطفرات مثل ~~كروموسوم واي؛ لهذا ms088 لم يتأثر بفيروس «1ف # C ~~» كانت مقاومته ~~جيدة. كذلك البويضة عند الأنثى لا تنقسم أكثر من أربعة وعشرين مرة، ثم تنتقل بعدها ~~للإخصاب، وينتح منها واحدة كل شهر. هناك اضمحلال تاريخي واضح «لكروموسوم واي»، وإذا ~~استمر بالضعف في الرجل فسينقرض النسل في النهاية، وستنتهي الحياة البشرية. # قال بروسي: أي إن البشر سينقرضون، وسنبقى نحن في الأرض، وسنكون نحن المسيطرين. # ابتسمت ماري، وهي تشعر بخوف من حديث بروسي عن السيطرة التي تشير إلى الأنانية! وراحت ~~تكمل حديثها مع مروان. قالت له: لكن هناك الانتخاب الطبيعي يمكن أن يتدخل، أو تطور ~~العلوم؛ ففي «كروموسوم واي» يوجد جين اسمه «جين سري» وهذا الجين زرع في «كروموسوم إكس» ~~الخاص بالأنوثة المتواجد في خصية الرجل، وتحول هذا الكروموسوم إلى كروموسوم خاص ~~بالذكورة، وبهذا وجد حل جزئي للمشكلة. وكان خيار العلماء الأخير للبقاء هو أن تعيش ~~المرأة دون رجل، وتولد الأنثى دون أب، وقد حاولنا تلقيح بويضة أنثى بأخرى. كما بدأت ~~الحياة البشرية الأنثى والذكر في جسد واحد. # كان مروان يستمع بدهشة، وهو يجلس بين فرضانا وسناء، وسيرينا كانت تسقيه شرابه المفضل، ~~شاي القات. قام من مكانه ووضع كفيه على رأسه، وقال: هذا يعني أن حواء انسلخت من آدم. ~~لله درك يا بروفيسور! ~~- هذه مرحلة ما قبل البشرية يا مروان. لا تقاطعني دعني أكمل! # وراحت تقول: أصبح النسل الجنس الأنثوي هو السائد، وإنهم في صدد إعادة التوازن بين ~~الجنسين، بإصلاح جينات الخلايا التناسلية عند الذكور، وبهذا يمرر الجين الذي يتم إصلاحه ~~إلى الجيل التالي. أما الحيوانات والطيور فانقرضت نتيجة لقانون البقاء، وبعد انقراضها ~~اختفت الكثير من الأمراض وتحسنت البيئة كثيرا. كانت الحيوانات حاضنة للأمراض وتنقلها ~~للإنسان؛ لهذا كان عمرها أقل من الإنسان بكثير. لهذ تقرر لزاما على الرجل في سن الزواج ~~أن يرتبط بسبع نساء، واخترعت البروفيسور الموسيقية «ماهي تشو فان» الموسيقى الروحية ~~التي تبث من خلال الأذن. تم تطويرها عبر «تقنية النانو» تسبح عبر الدم إلى الخلايا ~~الحسية في رأس العضو الذكري عند الرجل، وكذلك ms089 البظر عند المرأة، فتثيرها ويشعر الإنسان ~~بنشوة جنسية تجتاح كامل الجسد دون استمناء، لفترة يحددها كل من الشريكين في اللقاء ~~الرجل والمرأة، ويستطيع المرء أن يستمتع بهذا اللقاء حتى آخر يوم في حياته وإن كان ~~مريضا .. وهو أفضل من اللقاء الحميمي الذي يستلذ فيه الرجل لمدة بضع ثوان، وقد لا ~~تستمتع المرأة في كل لقاء، وبهذا حلت مشكلة نقص الرجال، ومنعنا قمع اللقاء الروحي ؛ ~~ليتفرغ الإنسان بتفكيره لما يفيد المجتمع. # حك مروان رأسه ثم سألها عن ضعف قوة الرجال، ونعومة أجسادهم كالنساء، أجابت ماري بأن ~~الفيروس «1ف # C ~~» أيضا أحدث خللا فسيولوجيا في الرجل، ~~نتيجة لانخفاض معدل هرمون «التستوستيرون» عند الذكور، فتراخت عضلاتهم. ذهب العلماء ~~لإيجاد هيوموروبوت شبيه بالإنسان القوي بعضلاته؛ ليحل محل الرجل في حمل الأحمال الثقيلة ~~الشخصية. # 11 # أخذت البروفيسور ماري قسطا من الراحة، وشربت عصيرا أثملها قليلا. ثم سألها مروان ~~عن نوع الغذاء المختلف في هذا العصر، فهو لم يتخيل أن يأكل خبزا من نبات الطحالب. قالت ~~ماري: «سأدع هذا الجواب إلى شريكاتك؛ فهن يعرفن هذا الأمر.» قالت فرضانا وهي تمرر ~~أصابعها على شعره: بعد أن ازدادت رقعة المياه على اليابسة، زرعوا طحالب معدلة وراثيا، ~~بميزات القمح وبعض الفواكه، وتم زراعتها فوق الماء # Hydroponics ~~(الزراعة من دون تربة). # ثملت البروفيسور ماري قليلا بعد أن شربت شراب التفاح والعنب، جلست بجوار مروان، ~~ووضعت يدها على صدره تتحسس شعر صدره. وتحدثه بحديث أغضبه لكنه كتم غضبه، عن إعادة ~~الحياة لبعض من رفات بعض عظماء التاريخ العالمي، الذين أثروا على مسيرة الجنس البشري. ~~حدث مروان نفسه: «غير معقول قيام الموتى قبل يوم القيامة!» وعاوده الشك من جديد فيما ~~إن كان هو في حلم أو في الجنة. كانت مريانا تراقب بما يهمس به لنفسه، فقالت لماري ما ~~وسوس به مروان لنفسه، لكنها لم تقل لها إنه كتم غضبه، وشتمت! .. عاودت ماري الحديث ~~وقالت: يا مروان، العلم هو عمود دين هذا العصر، وهناك في زمانكم من كان لا يرى تباينا ~~كبيرا بين ms090 الفيلسوف والنبي، فالفيلسوف يأخذ علومه من العقل الفعال وهو العقل الكوني ~~اللامكاني، الذي يرونه يأتي من خالق الكون، والنبي يأخذ علومه من السماء، كما قال ~~العالم «الفارابي»، وهناك من ذهب إلى أكثر من ذلك، وجعلوا الفيلسوف «كونفوشيوس» إلها، ~~وكذلك الحكيم براهما في مقاطعة دلهي .. ثم سارت تسأله: «قل يا عزيزي، هل ديانات العالم ~~السابقة وحدت البشر إلى أمة واحدة، أم فرقتهم؟ وتسببت في الكثير من الحروب بين البشر . ~~وهل استطاعت تلك الديانات أن تقضي على الشرور والفساد في النفس البشرية؟ كما وصل إليه ~~علم هذا العصر، عصر الإنسان الجديد، الذي أوصلهم إلى الإيمان الحقيقي. لا ضير أن يستنسخ ~~الموتى؛ ليعيشوا مرة أخرى، خاصة العباقرة منهم.» # تركت البروفيسور ماري مروان يخوض في بحر أفكاره القديمة، فهي تدرك أنه في صراع بين ~~ماضيه وحاضره. كانت تود أن تطلب منه اللقاء الروحي، لكنها لاحظته غير راغب في ذلك مثل ~~المرة الأولى حين زارته فيها. خرجت وهي تشدد على مراقبة سلوك مروان، وذهبت وهي تفكر ~~عما قاله بروسي من كلام خطير «سنكون نحن المسيطرين» وهذا سلوك أناني، وقد انتهى من ~~الإنسان وأكيد تعلمها من مروان، ثم أخذت تردد: «أرجو ألا نعيد مروان إلى بيئته ~~القديمة!» # كان هذا اليوم يوم الخميس السادس عشر من شهر يوليو. في اللحظة التي كان فيها مروان في ~~عالم الإنسان الكامل، يستنكر في نفسه بعث الموتى قبل يوم القيامة، كان جسده ملقى كجثة ~~على الفراش، وحميدة تحقنه بالطعام السائل عبر أنبوبة التغذية. تسحق له اللحوم، وتعطيه ~~العسل وكل أنواع الفواكه، حتى الكراث الذي كان مروان يحب أكله ليلا هو والثوم، تسحقه ~~كالعصير وتعطيه إياه. رغم كل تلك التغذية الجيدة، لم يكن لها أي فائدة، فجسمه يزداد ~~تقرحا، ولم يستطع الممرض أن يقوم بتطبيب القروح، التي صارت تغطي جسده كاملا كمصاب ~~بمرض الجدري. استغرب الممرض من تلك البسمة المرسومة على شفتي مروان، جعلته يبدو ~~للكثيرين أنه في حلم جميل. قال لحميدة: «قروح مروان غريبة، لم أشاهد مثلها بالرغم أنها ~~تزداد، لكن ms091 وجهه يبدو باسما، كبلادنا تزداد صلابة، كلما ازدادت الحرب التي تمضغها. ~~كانت غصون تنصت لما يقوله الممرض لحميدة. قامت من مكانها، وقالت للممرض: قل لي ولدي ~~سيعيش؛ والا كيف؟!» ~~- بصراحة ابنك يا حاجة حالته ميئوس منها، ولولا البسمة التي على شفتيه لقلت لكم ~~ادفنوه. # أخذت غصون عصاها، وكانت ستضرب الممرض .. ثم ابتسم وجلس مع أولاد مروان، وهم يستمعون ~~إلى الأخبار وإلى ما آلت إليه الحرب بين الإخوة الأعداء . خرج الممرض قبل الظهيرة وصعد ~~علي هو وإخوته إلى سطح المنزل؛ ليشاهدوا دخانا يعلو في الجو فوق وزارة ~~الخارجية. # | الفصل الخامس # المعرفة الذاتية إلهام من الله. # 1 # ذات مساء يوم العطلة العاشورية، خرج مروان مع حورياته في نزهة إلى المدينة، والرائحة ~~العطرية تملأ الجو. مروا على مجمع كبير فيه مكاتب لوزارات عدة منها: وزارة النانو ~~بات، وزارة الهيوموروبوت، وزارة المحبة، وزارة اللقاء الروحي، وزارة الطاقة الكونية، ~~وزارة مراقبة السلوك، وزارة الطفل، وزارة لقاح الأديان، وزارة التغذية، وزارة العلاقات ~~الكونية، وزارة إعادة الحياة. # لعن مروان وشتم في سره. يحدث نفسه: «إعادة الحياة أي بعث الموتى، هذا حرام!»، وفي ~~الوقت نفسه كانت مريانا تحدث نفسها كيف تستحوذ على مروان لنفسها! مروا على مطعم يقدم ~~وجبات سريعة. تعجب مروان وهو يشاهد هيوموروبوت يعد الوجبات الخفيفة بخفة ومهارة عالية، ~~يصعب على البشر القيام بها. شاهد المشتري يأخذ حاجته من الطعام، ويدفع القيمة عبر ~~الشبكة الإليكترونية لهاتفه، التي يرسمها في الهواء بقلمه الخاص، وقد ابتعد عن المطعم. ~~لم يشاهد مروان أحدا ينفث دخان سيجارة أو يمضغ قاتا، وعرف أيضا أنه لم تعد هناك خمور ~~أو مخدرات. وقف أمام شعار ظهر في الجو «السعادة للجميع». # دخلوا لمشاهدة لعبة كرة القدم بين الهيوموروبوتات، انبهر مروان بأسلوب اللعب والحركات ~~البهلوانية التي يقومون بها، ما لم يستطع البشر القيام بها. خلال فترة استراحة اللاعبين ~~شاهد إعلانات كثيرة، تبث في سماء الملعب هيوموروبوتات حديثة، أو نانو متحول يتشكل عدة ~~أشياء: بشر، غسالات، معدات منزلية، محرقة قمامة وأغراض منزلية كثيرة، زلاجات هوائية .. ~~كان ms092 يشعر بالخوف من سقوطها على رءوس المشاهدين؛ لأنها تبدو أشكالا حقيقية، تقف فوق ~~رءوسهم بأبعادها الرباعية. حينها تذكر عندما دخل منزلا في بداية عهده في هذا العالم، ~~ولاحظ أنه بدون أثاث، عدا كومة كبيرة مغطاة بقماش شفاف كأنه الزجاج، وظن أن أهل المنزل ~~فقراء، لم يكن يدري أن ذلك أثاث متحول يتشكل كما يريده المرء عند استخدامه. # تذكر مروان حين كان يشاهد المباريات في عالمه القديم، وهو يأكل الفول السوداني، فتمنى ~~الحصول على الفول. فجأة رأى أمامه كيسا به مطلبه! لم يصدق ذلك، فراح يأكل منه ~~ليتأكد أنه لا يحلم. كانت مريانا تضحك وهي تراقبه. أعطى منها النسوة وقال: «لا أدري من ~~أحضر الفول السوداني لي، في المرة السابقة سأتمنى جواهر.» ثم ضحك بهدوء وهو يقشر ~~الفول ويرميه على المشاهدين، لكن سرعان ما انتبهت النسوة لذلك. في آخر المباراة، أعلن ~~عن الفائز هو الفريق الخاسر. # 2 # عادوا إلى المنزل، سألهن عن الناس الذين يطيرون في الجو، أخبرنه أنه سيطير يوما ~~مثلهم وسيكون ذلك مكافأة له؛ فالحصول على تلك البدلات يكون بموافقة السلطة. فرح مروان ~~وقام يرقص رقصة «البرع» وهو يرفع سكين المطبخ الإليكترونية عاليا، وما أدهشه هو أن ~~بروسي أخذ يقلده، ولم تستطع النساء فعل ذلك. ضحك مروان، وقال له: «والله، إنك صنع ~~ذماري، يا ابن أيري.» جلسوا يشربون شاي القات، وأخذ الحديث يدور حول الأعمار. تحدث ~~مروان بأنه يمكن للبعض أن يمتد به العمر إلى 120 سنة، لكنها حياة متعبة، يتمنى فيها ~~الإنسان الموت. تساءلت مريانا قائلة: 120 عاما فقط؟! هذا هو منتصف العمر في هذا ~~العصر. ~~- يا خسارة ستترملن باكرا، فلن أعيش طويلا معكن! ~~- لا، ستعيش مثلنا. ~~- كيف؟! ~~- في المشفى قاموا بتنقية دمك من أمراض وفيروسات عصرك، وتطعيمك بلقاح الأديان التي ~~تعطي الإنسان صفاء روحيا، بالإضافة إلى الغذاء الصحي الذي تتناوله، والرياضة والنوم ~~الكافي، والسعادة والأمان الذي يحيط بك. كنتم تموتون باكرا يا عزيزي؛ فقد كان الهواء ~~والغذاء ملوثين، وكذلك وجود الحيوان والطير في عالمكم، كانت أحد مصادر ms093 الأمراض التي ~~تنقل إليكم، إضافة إلى الكراهية والغضب والخوف والحسد الذي كان يسود عالمكم. أيضا يقوم ~~العلماء بعزل الجينات المسببة للشيخوخة، وحين يتلف عضو من أجسادنا نستبدله بعضو جديد. ~~نقوم بزراعته من الخلايا الجذعية للشخص نفسه، المودعة في حبله السري المحفوظ منذ ~~الولادة حتى آخر يوم من حياته، ولو توفيت أنت يمكن أن نستنسخك، وتعيش مرة أخرى. # كان مروان ينصت جيدا واستنكر قولها عن الاستنساخ، وهي تخبره بأن هناك أقمارا بيئية ~~ترسل موجات صحية، يتم بها تطهير الجو. وهناك أقمار مناخية تبث حرارة معينة في مناطق ~~محددة؛ لهذا توجد فاكهة الشتاء والصيف في بستان واحد؛ حتى إن هناك ثلوجا للتزحلق في ~~أماكن دافئة. # كان مروان يرى نفسه أحيانا يعيش في نسخة مصغرة من الجنة، وأحيانا يفكر أن عقله هو ~~الذي يعيش هذا العالم فقط، وما يراه إلا حلما سيصحو منه. كيف يطلب شيئا في نفسه ~~ويتحقق سريعا؟ فجأة سألته ناريس: بماذا تفكر يا شريكنا؟ ~~- أفكر أنني في الجنة. ~~- هكذا حين يصل الإنسان إلى الإنسانية الكاملة، يجعل حياته جنة. # ثم راح يسألهن: لماذا ينسب المولود إلى اسم أمه؟! ومنذ فجر التاريخ كان ينسب إلى ~~أبيه؟! جاوبته ناريس بما لم ترض أناه التي تحاول أن تظهر كما كانت قبل اللقاح الديني، ~~حيث أخبرته أنه بعد تهذيب الأنا لم يعد الرجل يسعى إلى الزهو من خلال السلطة أو السيادة ~~على المرأة، وتولت المرأة زمام قيادة البشرية، وساد السلام والعدل بين البشر في العالم ~~أجمع. واستطاعت المرأة ببراعة السيطرة على سيف العلم بالحكمة، وسخرته لمصلحة ورفاهية ~~البشر. لم تتخلص المرأة من سيطرة الرجل إلا بعد قرون عديدة، وفي هذا العصر استردت حقها ~~في انتساب المولود لها. # 3 # ذهبوا يتناولون شراب التفاح الممزوج بالعنب حتى ثملوا. قالت مريانا: أظنك يا مروان ~~ترى أن المرأة لا تستطيع أن تسوس مجتمعها كالرجل. وأنت تعرف بأن هناك نساء في عصوركم ~~حكمت بلدانها، فكانت عصورهن أزهى العصور. ثم فكروا بمشاهدة متحف التراث الروحي لإقليم ~~أوروبا، قبل عبادة الرب الواحد. ms094 وقفت فرضانا وهي تشعر بنشوة الشراب، وقالت: دعنا نصير ~~هذا اليوم آلهة. أنا «أبولو» إله الفنون. # وقفت سيرينا وهي ترفع كأسها عاليا، وقالت: وأنا «أرتميس» إلهة الصيد، حامية صغار ~~الحيوانات والبشر، والقمر. # وقفت ريحانة ورفعت يدها للأعلى، وهي تترنح، وقالت: وأنا الإله «آريس» إله الحرب ~~والانتقام، أخو أثينا البطل. # هتفت فرح واحتضنت مروان، وقالت: أنا «أفروديت» إلهة الحب والجمال. # ووقفت ناريس ورفعت يديها، وقالت: أنا «بوسيدون» إله البحار، أخو هيدز وزيوس. # جرعت مريانا من كأسها، وقالت: وأنا «ديونيسيوس» إله الخمر. وراحت تملأ كئوسهم ~~بالشراب، حتى وصلت إلى مروان، قالت له: وأنت «أيروس # Eros ~~» إله الحب والرغبة والجنس. ما رأيك بهذا ~~الاختيار يا شريكنا؟ ثم نادت بروسي، وقالت له: وأنت يا بروسي ستكون الإله «هيدز». ~~تساءل: ما معنى «هيدز»؟ ~~- كان إله العالم السفلي عند الإغريق. ~~- لا أريد أن أكون إله الموت. ~~- إذن فلتكن «هيرميس» إله اللصوص والتجارة والسفر، تنازل عن منصبه للإله ~~«ديونيسيوس». بقيت معنا «هيرا» إلهة الزواج، وهي زوجة «زيوس». من سيقوم بدورها؟ آه، ~~سنستدعي قاضي المدينة، فهو إله الزواج فعلا. # ضحك مروان وهو يترنح، ثم سأل: «لماذا عملوا إلها واحدا خاصا باللصوص والتجار. هل ~~هناك قرابة بينهم؟ وكيف تتنازل الآلهة عن عرشها، وأنا جئت من عالم لا يتنازل فيه حتى ~~المدير عن منصبه! ثم كيف كانت تلك الآلهة لا تتصارع فيما بينها على السيادة. كبعض ~~الشيوخ في بلادنا؟» قالت مريانا: هناك آلهة أخرى أيضا كانت عند الإغريق، كل زمن له ~~آلهته. كانت هناك رياح عقائدية تنتقل من مكان إلى مكان، وتأخذ طابعا آخر. هندو- ~~أوروبية، هندو- عربية، حتى وصلوا إلى توحيد الآلهة إلى إله واحد. # تناول مروان آخر كأس من الشراب، وقال: «لو وجد مثل هذا الشراب في حياتي السابقة، ~~يثمل ولا يذهب بالعقل؛ لكنت جعلته شرابي المفضل قبل الصلاة؛ حتى أكون خاشعا عند ~~أدائها.» ثم ضحك، وقال: «ما أكثر عدد الآلهة التي كانت عند الإغريق!» اقتربت فرح من ~~مروان وقبلته، ثم قالت: هناك أيضا آلهة أخرى بدائية مثل الإلهة «كاوس». ms095 كانت الربة ~~الأولية التي أتت منها بقية الأرباب الأولية. وكانت «جايا» العظيمة هي الأم الكبرى، ~~والربة التي تجسد الأرض هي أم الكون. هكذا كان البشر يرون آلهتها حسب ثقافتهم. # كانت هناك عاصفة ماطرة، ذهب مروان إلى النافذة ليشاهد المطر. عاد يقول إن أحد ~~المسعفين الطيارة اصطدم بأحد الأبراج، فالتقطه مسعف آخر وأسعفه. في هذا اليوم كذب مروان ~~أول مرة. # 4 # ذات يوم ذهبوا إلى السوق، واشترت له النسوة بدلة تحمل تقنية «النانو» الخفية ، حين ~~لبسها اختفى عن الأنظار. في البدء بلغت به الفرحة والدهشة مبلغا كبيرا! فدخل متجرا ~~ليتأكد من تخفيه، ثم عاد يقبل حورياته دون أن يرينه، وهن يضحكن من تصرفه الطفولي. ~~لكن تلك الفرحة الغامرة عنده تلاشت، فهي لن تفيد في شيء، كما لو أنها وجدت في زمانه! في ~~هذه الليلة جلست النسوة يشاهدن فيلما من ذاكرة مروان. يظهر فيه مروان وهو يشاهده عبر ~~القنوات الفضائية من حرب مرعبة في العراق، ثم شاهدن حرب أكتوبر مع إسرائيل. # بكت النسوة من تلك المجازر بحق الإنسانية. أما بروسي فقال: «قد تكون حربا بين آليين، ~~من غير المعقول أن تكون بين البشر.» ضحك مروان حين سمع حديث بروسي، وهو يصف البشر بأنهم ~~آليون! أوقفوا عرض فيلم ذكرياته، وباشرت فرضانا تسأله عن إسرائيل وأين تقع؟ وجد مروان ~~نفسه لم يعد يكره اليهود. قال: «هم بنو عمومتنا، يؤمنون بدين النبي موسى، ورفضوا تصديق ~~نبينا محمد. حاربناهم في فجر الإسلام، وطردناهم من الحجاز، واضطهدناهم نحن والمسيحيون ~~والفراعنة، ومع مرور الزمن علوا علينا، واحتلوا فلسطين، وشردوا الكثير من أهلها.» تلك ~~المناظر الهمجية التي شاهدتها النسوة قضت على الرغبة في اللقاء الروحي، فذهب الجميع إلى ~~النوم، وناموا معا ومروان في وسطهن. أما بروسي فذهب إلى المطبخ، وأخذ ما يشبه ~~البندقية وقلد جنديا، وهو يطلق الرصاص بعنف! # قام مروان في العاشرة صباحا، وقد ذهبت النسوة إلى العمل دون نوم كاف. جلس في ~~الكنبة وهو يشعر أنه بحاجة إلى استمناء، وزوجاته يرفضن معه اللقاء بالطريقة التي كان ~~يمارسها ms096 مع زوجته حميدة. أغمض عينية وفكر في حميدة، وحين فتحهما رآها بثوب ليلة عرسها، ~~كما شاهدها في فيلم ذاكرته مع النسوة. ظن أنه يحلم، قام من مكانه فزعا، وسأل بروسي: من ~~هذه الفتاة؟ ~~- زوجتك حميدة. ~~- مش معقول! ماذا تقول؟ # سألها: من أنت؟! ~~- أنا زوجتك حميدة، انتقلت إلى عالمك. ~~- إذن أنت انتقلت إلى رحمة الله! هل قصفوا بيتنا؟! هل أولادي بخير؟! كيف عدت إلى ~~شبابك. # مشى في الغرفة يحدث نفسه بصوت عال: «أظنني في الجنة. ما أفكر فيه يتحقق في لحظة، ~~حميدة عادت شابة. يحيون الموتى! مستحيل أن أكون على الأرض!» # سأله بروسي: ما معنى جنة؟ ~~- جني يشلك من قدامي .. أنا ما عا دريتوش، أنا في الجنة، والا في الدنيا، أو في ~~حلم! # اقتربت منه المرأة التي رآها حميدة، وحضنته وقبلته وهو يقبلها، ثم قادته إلى ~~الغرفة وخلعت ثيابها، وقالت: «هيت لك!» أحس مروان أن هناك شيئا مختلفا معها، كانت ~~تتفاعل معه بطريقة شبقة لم يجدها في حميدة، مما أدهشه ذلك. أكمل غرضه، ولم يشعر كمتعة ~~اللقاء الروحي معها، المهم أنه استمنى. قامت الفتاة من تحته تمشي عريانة إلى الحمام. ~~كان يريد أن يسألها .. لكنها اختفت من المنزل. عادت النسوة من العمل، وهو في لهفة ~~ليخبرهن ماذا جرى أثناء غيابهن. كانت مريانا تبتسم؛ فهي تعرف كل شيء، وهي من كانت تحقق ~~له أمنياته، حين تقرأ أفكاره عن بعد. # 5 # ذات يوم خرج مروان صباحا إلى السوق، شاهد كلبا صغيرا بصحبة طفل. اقترب الكلب منه ~~يشمه، فقال الكلب لمروان: «هه، أنت لست من هذا العالم! هل أتيت من كوكب أورانوس؟ إنك ~~تشبههم في شعر جسمك، إنهم مجرمون.» لم يصدق مروان أذنيه، كيف يستطيع كلب أن يتحدث ~~معه؟! ثم إنهم قالوا له: إنه لا يوجد حيوانات في هذا العصر! صمت مروان ولم يتحدث، فهتف ~~الكلب: «هه. أنت ألا تفهم؟ ماذا تفعل هنا؟ سأبلغ عنك مكتب السلوك، ليأخذوك إلى جزيرة ~~الشواذ.» عاد إلى المنزل، وهو يرى أنه فقد عقله، كيف يسمع حيوانا يتحدث ويهدده ms097 أيضا؟ ~~أخبر النسوة عن دهشته، فقالت له سيرينا ضاحكة: «إنه «أنيموروبوت»، وهم كثيرون يستخدمون ~~للكشف على بعض الأشياء التي لا يستطيع الرجل البحث فيها، وكذلك لكشف المتسللين من كوكب ~~أورانوس، الذي نشر فيروسا في الماضي للقضاء على خصوبة الذكور؛ ليحلوا ~~محلنا.» # ذات يوم في عطلة العاشور كان يقف في شرفة المنزل، شاهد سربا من المركبات تطير ببطء، ~~والمطر ينهمر فتزداد تلك المركبات سطوعا. سأل حورياته عن ذلك السرب، فقيل له إنهم ~~ذاهبون لدفن متوفى وتلك جنازته. طلب مروان المشاركة في الجنازة لكسب الثواب. لحقت ~~النسوة بالسرب بمركبتهن، وهو يتجه إلى خارج المدينة، إلى أن وصلوا إلى بستان للفواكه ~~مترامي الأطراف. هبطت المركبات في مدرج خاص، ثم تشكلت قبة زجاجية كبيرة تحميهم من ~~المطر. تنسم مروان رائحة عطرية، أفضل من أي مكان في المدينة. نظر حوله فلم يشاهد قبرا ~~واحدا أمامه! فجأة فتحت فوهة سداسية بقطر عشرة أمتار. نظر فيها فرآها هوة سحيقة، ~~وراح يحوقل .. أعطي لتابوت المتوفى رقم «9-2009» ثم أنزل المتوفى في مصعد خاص إلى عمق ~~كبير في الحفرة. كان مروان ينظر بدهشة إلى تلك الفوهة متعجبا! قيل له إن لكل جثة قبرها ~~الخاص في جدران الحفرة، تتسع لعشرة آلاف متوفى، وبعد أن يدفن الميت تغلق الحفرة. عرف ~~مروان أن تحت البستان المترامي الأطراف مقبرة المدينة، ويمكن لمن أراد استنساخ أي إنسان ~~عليه أن يحدد رقم الجثة .. عادوا إلى المنزل، فبادره بروسي بالسؤال: كيف وجدت مقبرة ~~البشر يا كريم؟ كما وجدتها سابقا؟ # رد مروان ضجرا من مناداته بكريم، وقال له: كلهم ينادونني بمروان، إلا أنت. عقلك ~~بحاجة إلى برمجة مرة أخرى! # همست له مريانا: لا تظهر غضبك. لا تنسى أنك كنت مثله لا تتنازل عن مبادئك ~~العقائدية. # كان هذا اليوم الرابع والعشرين من شهر أغسطس، بدأ فيه جسد مروان يرفض لقاح الأديان ~~وهو في عالمه الفردوسي. كان في الوقت نفسه كجثة هامدة في عالمه الجحيمي وجسده يزداد ~~تقرحا. ولم تعد أسرته قادرة على تحمل الرائحة التي تنبعث منه. كانت ms098 حميدة تدخل تحقنه ~~بالغذاء عن طريق أنبوبة التغذية، وتخرج تجرى إلى الحمام. لم يبق بجانبه غير أمه التي ~~تمكث ليلا ونهارا. لم يستغرب الذين يزورون مروان من غيبوبته، بل من جسده الذي ملئ ~~بالقروح! # أحضروا طبيبا إليه، لم يحس نبض قلبه، ولا تنفسه. ومما جعله يصرح في دفنه تلك ~~الرائحة التي تنبعث من مروان. وافقت الأسرة على ذلك، إلا والدته، رفضت وطردت الطبيب من ~~البيت. في اليوم الثاني تودد إليها معاوية، قال لها: «سنأخذ أبانا إلى المستشفى ليحظى ~~بعناية جيدة، عسى يشفى هناك.» وافقت والدته وقالت لمعاوية: «كما شتصدقوا الدكتور، ابني ~~عائش.» حمل الأولاد والدهم خارج البيت، وكان هناك في انتظارهم مجموعة من المشيعين. ~~وهناك سيارتان ترافقانهم تمشي كل منهما بعيدة عن الأخرى. # وصلوا إلى المقبرة ونزل الملحد ليضعه في القبر. أحس بنبض قلبه بطيئا، فصاح: «حرام ~~عليكم يا ناس تقبروا رجلا وهو على قيد الحياة!» ثم فتح الكفن الملطخ بالعطر، فرأى ~~البسمة على شفتي مروان، أحدهم قال: «يا قبار، إنه ميت، أما تراه يبتسم لحور العين، ~~أنا أجزم إنه الآن يرى نفسه في الجنة.» # خرج القبار من القبر وهو غاضب: «أظن أن أهله لم يأخذوه إلى المستشفى ليتأكدوا من ~~موته، أو أنهم يريدون أن يتخلصوا منه. أستغفر الله العظيم خذوا هذا المريض إلى المستشفى ~~لا يزال حيا.» حمل المشيعون مروان إلى إحدى المستشفيات فلم يستقبلوه، ثم ذهبوا إلى ~~ثلاثة مستشفيات أخرى. أعادوه إلى منزله ففرحت أمه. قال علي لجدته: لقد رفض المستشفى ~~استقبال أبينا. حينها كانت حميدة تقف في طابور طويل للنساء، أمام سيارة نقل كبيرة ~~لتوزيع الغاز. ذهب علي إلى حيث توزيع الغاز، رأى أمه تقف في الطابور، ولم يعد أمامها ~~سوى خمس أسطوانات فارغة حتى تستلم حصتها، ونفد الغاز قبل أن تصل. # عرف منير بأن إخوة زوجته كانوا سيقبرون أباهم، وهو في حالة موت سريري. غضبت فاطمة ~~كثيرا وذهبت إلى بيت والدها. أخبرتها أمها بأنهم ظنوا أنه مات، ثم أخبرتها أن تكتم ~~الخبر على جدتها غصون، لكن ms099 نادر أخبر الجدة غصون التي أخذت تبكي بجانب ابنها وتقول: ~~«كانوا شيقبروك يا ولدي، وأنت لم تمت بعد. مستعجلين على تقاسم ثروتك يا ولدي. يفكرون ~~بثروتك أكثر منك يا ولدي.» ثم راحت تلعن الثروة والحكام، المتصارعين على كرسي ~~الثروة. # 6 # بينما كانت أسرة مروان يتحدثون عن الحرب، كان هو في عالمه الفردوسي يتحدث مع بروسي في ~~أمور شتى، لم يعد يراه رجلا آليا بل صديقا عزيزا، وكذلك بروسي صار يناديه ~~بالصديق، فقد أثر فيه مروان كثيرا . وهما في السوق للتنزه مرا على سوق بلقيس، ولم ~~يخطر بباله أنها الملكة بلقيس التي حكمت اليمن يوما. كان بروسي قد تعلم من مروان ~~كلمات كثيرة، حرب، جهاد، شهيد، جني .. سأل مروان: ما معنى شهيد؟! ~~- ماذا أقول لك يا صديقي؟ خدع المسلمون الأبرياء كثيرا وكذلك المسيحيون، وضحوا ~~بأنفسهم من أجل الحكام، وهم يظنون أنهم يجاهدون في سبيل الرب، والحصول على الحور ~~العين، وكنت أنا أحدهم. نتقاتل فيما بيننا نحن ذوي الدين الواحد، والمقتول منا يرونه ~~شهيدا. ~~- ما معنى حور عين؟! ~~- نساء جميلات جدا. ~~- وإذا استشهدت النساء، فماذا سيفعلن بحور العين؟! ~~- أفتى بعضهم بأنهن سيحصلن على ولدان مخلدين، هم أيضا فتيان وسيمون ~~جدا. # ذات يوم عطلة، خرج مروان مع حورياته إلى مكان لم يشاهده من قبل. جلسوا في حديقة تحت ~~شجرة أزهارها تضيء، تتدلى كالأجراس تفوح عطرا. قطف إحداها وأخفاها. كانت النساء تحدثه ~~عن عالمهن، تحدثت سيرينا عن الطاقة الكونية، المناخ، تسخير طاقة البحار، وعن المدن فوق ~~مياه البحار .. مروا على السوق لشراء متطلبات المنزل، وأكثروا من شراء عشبة الشاي التي ~~يحبها مروان. سألته فرضانا: «أظنك قطفت زهرة؟!» أنكر مروان في البداية ثم ادعى أنه نسي، ~~كانت مريانا تتساهل عن السلوك غير المرغوب فيه، ولم تشعر أنها قد تأثرت بسلوك مروان ~~الأناني. تناولوا وجبة العشاء وأسرع هو لمضغ القات، حتى انتفخ خده. ذهب لينام وقد سبقته ~~حورياته إلى النوم، أخذ مكانه بينهن لكنه لم ينم، ثم قام يجلس في الصالة. قال له بروسي: ~~عشبة الشاهي ms100 التي تأكلها كثيرا لا تدعك تنام جيدا، ستفقدك عقلك. لماذا ~~تأكلها؟! ~~- هذه العشبة في عصرنا كانت لها مكانة رفيعة، نفضل زراعتها أكثر من طعامنا، ونستورد ~~الطعام من الخارج. لولاها لقمنا بثورات عدة ضد الحكام، فتركونا نزرعها لنتخدر بها ~~وننساهم. # ذات يوم وهم في نزهة إلى مطار مقاطعة صنعاء، حلقن بمركبتهن في الجو وهبطن في الدور ~~السابع في صالة الانتظار ضمن مئات المركبات. شاهد المسافرين من مختلف أقاليم العالم، ~~وصحنا طائرا بحجم ملعب كرة قدم، يهبط من دون أن يسمع صوتا يصدر عنه. خرج منه حشد ~~كثير من المسافرين مقبلين من «سرجونشي» عاصمة العالم. كان مروان يظن أن المسافرين ~~سيمرون على نقط التفتيش والجمارك، لكنهم خرجوا من المطار، وكأنهم في رحلة داخلية. ~~حدثنه عن رئيسة العالم الحالية «سارة ياران» من إقليم الشرق الأوسط، مقاطعة «مقديشو». ~~حدث نفسه: «ها هو العالم يعيش كما عاش في العصور الأولى من حياته حرا طليقا ~~كالعصافير، يذهب حيث يشاء، لكنهم يا خسارة كفار! تلك النظرة بدأت تتنامى ~~فيه.» # ذات يوم ذهب مع نسائه إلى منتزه فوق جبال «جدة»، اندهش وهو يشاهد كتلة كبيرة من الماء ~~معلقة في الجو، والرجال والنسوة يسبحون فيها عرايا إلا ما يستر العانة. في البدء وضع ~~كفه على عينيه، وأخذ يشاهد من بين أصابعه. لعن النسوة في سره، وعاد مندهشا يسأل سيرينا ~~عن تعري النسوة أمام الرجال، يكتم غضبه. فأخبرته بما ازداد به غضبا. # غادر مروان المسبح وسار يشاهد منطقة بيضاء في الجبل المقابل، والناس تتزلج هناك على ~~الثلوج في الهواء الطلق، رغم أن حرارة الجو مرتفعة. مشى في المتنزه ثم توقف يشاهد امرأة ~~عجوزا تمارس اللقاء الروحي مع شاب صغير وراح يلعنهما. عاد إلى جوار المسبح ورأى ~~حورياته يسبحن مع الرجال. وضع كفه على رأسه، كاد يهتف: «ماذا تفعلن يا فاجرات؟ أعوذ ~~بالله، كنت لا أرى حميدة عريانة إلا في غرفة نومي.» أغمض عينيه وجلس يفكر ماذا يفعل، ~~ونساؤه يتمتعن بالسباحة. نادته فرح قائلة: «ستشعر أنك تطير وأنت خارج سيطرة الجاذبية ms101 ~~الأرضية. تعال معنا، صديقاتنا هنا أيضا.» ابتعد عن المسبح وهو يحدث نفسه: «هذا فسق، ~~يردنني أيضا أن أمارس اللقاء الروحي مع صديقاتهن، لم يعد هناك حياء أو دين يردعهن .. ~~الله أكبر!» # 7 # ابتعد عن المسبح وهو يكبح غضبه، ولم يعد يرى أنه يعيش في عالم الجنة كما كان يراه. ~~بقي بجنب أناس وهم ينظرون إلى نجوم السماء والمجرات عبر تلسكوب، فذهب ليشاركهم. رأى ~~أناسا يمشون على القمر. مسح عينيه عدة مرات، ثم سأل فتاة صغيرة، تقف بجواره : «هل هناك ~~فعلا أناس يمشون على سطح القمر؟!»، قالت: «نعم، هل عيناك مزروعتان لا ترى جيدا؟! إذا ~~رغبت أن تمشي على سطح القمر يمكنك ذلك.» ثم قلب التلسكوب في الفضاء، فشاهد مباني في ~~كوكب المريخ، وكذا شاهد مركبات تطوف حول كوكب المشتري، وشاهد نجما يقذف حممه مئات ~~الأميال، وكتلا من الضوء العملاقة تتلاشى في الفضاء. سأل نفسه: «ذلك النجم الذي كنت ~~أشاهده يلمع في حياتي السابقة.» ثم شاهد كوكبا أخضر يشبه الأرض، وعندما سأل عنه قيل ~~له: «ذاك الكوكب اسمه الأرض الثانية»، لكنه على مسافة بعيدة، والعلماء يعدون مركبة ~~للوصول إلى هناك؛ لينتقل البشر للعيش هناك. جلس مروان بجانب الفتاة يحدثها لينسى مشهد ~~عري نسائه. سألته الفتاة وهي تحدق إلى صدره: لماذا يوجد في جسمك شعر. هل ~~زرعته؟! # رد قائلا: «نعم.» # أخرجت الفتاة الصغيرة قلما ورسمت في الجو تليفونا، لتتصل حتى أنهت مكالمتها: سألها ~~ممكن أن أتصل بقلمك؟ ~~- نعم، يا أبي ممكن. ~~- ولماذا تنادينني يا أبي، ولا تقولين يا عم؟ # استغربت الفتاة! وقالت: أظنك نسيت أننا نحن الأطفال ننادي الرجل بالأب. # 8 # خرجت نساء مروان من المسبح، كان يود أن يصفعهن، أو يشتمهن على عملهن المشين. أثناء ~~طريق العودة وهم على المركبة تسبح في الجو، كسر صمته، وأخبرهن أن هناك طفلة دعته: «يا ~~أبي»، وأنه لم يفهم لماذا الأطفال يدعون أي رجل بالأب؟ أجابته سيرينا بما أغضبه أكثر من ~~مشهد عريهن في المسبح، بأن الأولاد ينتسبون للأم؛ لذلك ينادى الرجل بأب للجميع. عض ms102 ~~مروان على أسنانه وصمت. وصلوا المنزل، أسرع هو إلى الحمام، وأخذ يلعن في نفسه، ويشتم ~~العادات القبيحة التي وجدها في عالمه الجديد، لكنه قرر أن يلتزم بقوانين هذا العالم؛ ~~حتى لا ينبذ إلى أماكن خاصة بالشواذ. ساده الحزن والصمت. لم يعد اللقاء الروحي بينهم ~~كسابق عهده. حاولت النسوة الترفيه عليه وتعطيره بعطر السعادة. أخبرت مريانا البروفيسور ~~ماري بأمره، فأفادت أنه آت من عالم آخر، وبدأ انبهاره يقل مما حوله، والحزن كان سائدا ~~في عالمهم لتفشي فساد الحكام، لكن لحظة الفرح في ذلك العالم كانت تطغى على حزن لأيام ~~عدة، ولولا الأمل لكانت حياتهم تعسة جدا. # في الجانب الآخر من عالم مروان الجحيمي الذي تسوده الكراهية، بعد أن أعيد من المقبرة ~~إلى منزله في حي السنينة. كانت أنبوبة التغذية عبر الأنف قد أبعدت، ففتح له الطبيب ~~فتحة عبر السرة إلى المعدة. وأصبحت والدته غصون هي التي تقوم بحقن ولدها بالطعام، ~~وتكثر من البخور في الغرفة. تبقى بجانبه ليلا ونهارا تقرأ القرآن؛ لطرد الأرواح ~~الشريرة عن جسده. # تصاعد الاختلاف بين علي ومعاوية على إدارة السوبر ماركت، ولم تعد الأم قادرة على رأب ~~الصدع بينهما. قسما السوبر ماركت نصفين، كل يدير نصفا، ولم يعد الاثنان يفكران في ~~الحرب الدائرة في البلاد بقدر الحرب الدائرة بينهما؛ حتى إنهما نقلا اختلافاتهما إلى ~~البيت، وكل يهدد الآخر ويتوعد .. لم يقف مع علي من إخوته إلا أخته فاطمة وولداها نادر ~~وسامي، ووقف بقية الإخوة مع معاوية. # كان ذلك اليوم هو يوم عيد الأضحى، ملطخا بدماء الأبرياء تسيل إلى جانب دماء أضاحي ~~العيد، فقد فجر انتحاري نفسه، وقتل خمسة وعشرين مصليا أثناء تأدية صلاة العيد في ~~مسجد البليلي وسط صنعاء وجرح المئات. وفي اليوم نفسه توفي سبعمائة وسبعة عشر حاجا ~~وجرح ثمانمائة وثلاثون، نتيجة للتدافع أثناء مناسك الحج في مكة عند رمي الجمرات. وفي ~~مدينة تعز قبض على قناص وسحل في الشارع؛ كان قد قتل ثمانية وثمانين من المدنيين، ~~واشتباكات متفرقة في البلاد. # | الفصل السادس # العادة معتقد آخر، ms103 تنحني للعاصفة لكن لا تنكسر. # 1 # أدركت مريانا أن مروان يتخلله الحزن أحيانا، ففكرت برحلة مكوكية حول مقاطعة صنعاء، ~~وأخبرته أن هناك مفاجأة له وسيراها أثناء الرحلة. لبسوا جميعا بدلات ثقيلة تغطي الرأس ~~حتى أخمص قدمي المرء. وبدءوا رحلتهم إلى مدينة «تعز» الساحلية، وهم في طريقهم يحلقون ~~فوق أجواء جبال «سمارة»، فتحت ناريس الغطاء الزجاجي للمركبة، وكانت هي التي تسوق. قفزت ~~مريانا في الجو فأمسك مروان برأسه، ولم يستطع أن ينطق من الدهشة، ثم قفزن كل واحدة إثر ~~الأخرى وشاهدهن، وهن يطرن كالطيور. قالت له ناريس: «لم يبق إلا أنت.» لم يجرؤ مروان ~~على ذلك، فقلبت المركبة رأسا على عقب، وسقط من المركبة، وجد نفسه يقف في الجو، ثم ~~لحقت به ناريس وأخذت تطير به، والمركبة تطير بجوارهم. هتف مروان وهو في غاية الدهشة ~~والفرح: «تحقق حلمي في الطيران وصار الحلم حقيقة، خمسون عاما وأنا أحلم أنني أطير، يا ~~حورياتي .. الله أكبر!» لم يستطع أن يصف بهجته. مروا فوق غابات أوراق الشاي (القات) ~~والبن والعنب، مصادر الثروات المهمة للبلاد. شكلوا رقم ثمانية وظلوا يطيرون معا. تفاجأ ~~مروان وهو يشاهد هيوموروبوت عملاقا، يدفع بصخرة عملاقة ويطير بها في الجو، وهناك ~~هيوموروبوتات أخرى، تقوم بمساعدة البشر في بناء المدرجات الجبلية الخضراء، وأخرى تنقل ~~التربة الخصبة إلى قمم الجبال. # شعروا بالتعب وهم فوق سماء مدينة «إب» وعادوا إلى المركبة، بعد خمس دقائق وصلوا مدينة ~~تعز. حلقوا فوق المدينة ببطء ينظرون إلى شوارعها الواسعة، والورود المصفوفة على ~~جوانبها وميادينها الواسعة. كانت المتنزهات في جبل صبر كأنها لؤلؤ أبيض، منثورة فوق ~~المدينة، وجداول الماء تتدفق من منتصف الجبل، من أماكن عدة في قنوات خاصة، وتعبر ~~المدينة الساحرة وتتجمع في عدة بحيرات. هبطوا في أحد متنزهات الجبل وخلعوا بدلات ~~الطيران. أخبرته مريانا أنهن استعرن البدلات من السلطة احتفاء به. جلسوا قليلا ثم ~~نزلوا بالمصعد الجوي إلى المدينة، وطافوا في شوارعها وتناولوا السمك الطازج، ثم عادوا ~~إلى المنتزه. # 2 # في اليوم التالي ذهبوا يحلقون فوق القرى المحيطة ms104 بالمدينة ببدلات الطيران، كلما ~~تعبوا عادوا إلى المركبة وهي تتبعهم. مروا فوق الجبال والحقول خضراء، والجداول تنهمر من ~~عرض الجبال. أزهرت الفرحة في عينيه حين رأى موقع قريته في «الأعروق». هبط هناك هو ~~وحورياته فوق تل صغير في مكان مخصص للمركبات. لم يصدق عينيه وهو ينظر إلى منازل قريته، ~~وقد صارت تشبه المنتجعات السياحية. مشى قليلا في القرية، خيل إليه أنه سيعرف أحدا ~~من أقاربه. عبر حقول الفول السوداني، حيث كان يلعب سابقا في صغره مع أقرانه فيه. لم ~~يلتفت إليهم أحد من أهل القرية غير عجوز تلبس قميصا وسروالا، وشعرها الأشيب ينساب إلى ~~الكتفين. سألها: كيف حالك يا جدة؟ ~~- بخير، من أنت يا ابني؟! ~~- أنا مروان ناجي مدهش الراعي، وأمي اسمها غصون ثابت علي، من هذه القرية يا ~~جدة. ~~- يا ابني أنا عمري 220 عاما، لم أسمع بهذا الاسم. # أخذ مروان يذكر لها أسماء أسر القرية وأجداده؛ فاستعادت الجدة ذاكرتها، إذا بها ~~تحدق في مروان وتقول بدهشة: ماذا تقول يا بني، معقول! أنت مروان ناجي. # وذهبت تنادي في القرية: يا سارة سلوى، أقبلي بسرعة، جدك قام من قبره، أعادوه للحياة ~~مرة أخرى. # أخذت العجوز تقول له: الموت راحة لنا، لماذا عدت للحياة يا بني من جديد، وإن كان ~~هناك متعة؟! لكن الحياة لا تخلو من التعب والألم. # حضرت سارة وأخذت تحدق في مروان، وتسأله عن نسبه. تأكدت أنه جدها الخامس. احتضنته وهي ~~تقول: ابني فكري فيه شبه منك. راح تناديه وهو يحرث أحد الحقول على أنيموريبوت، وكان ~~مروان يظنه ثورا. أتي فكري يجري فسقط على الأرض، وأصيب بجرح بليغ وينزف منه الدم، ~~فأسرعت العجوز بإحضار جهاز يشبه القلم الكبير، ومررت شعاعا منه على الجرح، فخاطته ~~سريعا ولم يعد فكري يشعر بالألم. قالت له: هذا مروان ناجي أحد أجدادك، انظر إليه إنك ~~تشبهه. # احتفلت القرية بمروان ونسائه. سأل هو عن بقية أقربائه، عرف أنهم رحلوا عن القرية ~~وتوزعوا في المدن بعد أن صار العالم دولة واحدة. جلس هو وحورياته في ms105 أحد منتجعات ~~القرية، يشاهدون جبل «عصيران»، وقد أصبح كله مدرجات زراعية، وكذلك الجبال التي كانت ~~جرداء في زمانه، وعلى رءوس الجبال المصعد الجوي، توصل أهل الريف من مكان إلى مكان. ~~انطلق نادر في المصعد الجوي نحو شاطئ منطقة «الأثاور» لجلب السمك الطري. عبر فوق حقول ~~الأرز على ضفاف الوديان .. عاد بعد ربع ساعة، وأكلوا وجبة بحرية مشوية بجهاز يستخدم ~~أشعة الشمس. مكث ثلاثة أيام في قريته مع حورياته، وأهل القرية يستغربون من مروان ~~ونسائه، وهم يحتسون شاي القات. # مشى مروان في الأماكن التي كانت جرداء وهو شاب صغير. تأكد له أنه في حالة رؤية ~~للمستقبل لا شك فيها. تمنى ألا يصحو. رأى أن الله خلق الماضي والحاضر والمستقبل معا، ~~وأعطانا الله القدرة لمشاهدة الحاضر فقط. # 3 # أثناء العودة إلى صنعاء، عادوا من جهة مدينة «باجل» الساحلية من بحر شبه جزيرة العرب، ~~تارة يطيرون ببدلاتهم، وتارة يركبون المركبة. مروا فوق مدن عدة صغيرة، لا تقل روعتها عن ~~المدن الأخرى. بدا الحزن يسيطر عليه وهو يتخيل الناس تغرق في الماء. كانت النسوة ~~تراقب تصرفاته، لكنهن لم يلحظن إلا الحزن، فعطرنه بعطر السعادة، وهم يتجهون نحو ~~صنعاء. # استقبلهم بروسي وفي يده سكين المطبخ، يلوح بها عاليا يرقص رقصة «البرع». درم، برم، ~~درم برم .. وقال: «أترون أنني أرقص مثل مروان، لقد تدربت عليها أثناء غيابكم. ثم أخذ ~~عصا حديدية ووجهها ضدهن، يقول: تك تك تك ...» كمن يطلق الرصاص. # التفت مروان نحو النساء، وطلب منهن مشاهدة شيء عن متحف التراث التكنولوجي العالمي؛ ~~لكي يتأكد بروسي من أي عالم أتيت. قدم بروسي الطعام وطلب مروان منه الجلوس، ثم بقوا ~~يشاهدون معا عن الحقبة التي عاش فيها مروان، فشاهدوا وسائل المواصلات عبر العصور ~~التاريخية للبشرية .. ثم شاهدوا المتحف الحربي وأسلحته؛ صورا لبنادق، وصواريخ دبابات، ~~مدمرات، حاملات طائرات، مدافع، قنابل، ذخائر وقنابل ذرية .. كان مروان وهو يتناول طعامه ~~يخبر بروسي وهو يستغرب مما يشاهده من تخلف: «أرأيت ذلك العالم الذي أتيت منه. أنا لست ~~كريما.» # انتقلوا إلى قسم ms106 آخر من المتحف، وكان الدليل السياحي يشير إلى تماثيل علماء مراحل ~~التطور التكنولوجي للبشرية .. وبعد أن انتهى الدليل من شرحه عن العلماء، سار يتحدث عن ~~قادات العالم الذين قادوا حروبا في حياتهم ضد الإنسانية. شاهدوا تماثيل منتصبة، كأنها ~~مومياء تدب فيها الحياة لقادة. كتب تحتهم الحروب التي أشعلوها على صفحات سوداء .. وحين ~~شاهد مروان تمثال الزعماء الذين قادوا حروبا في اليمن، هتف: انظرن يا حورياتي، هؤلاء ~~القادة في زماني .. قادوا حروبا ضد بني وطنهم؛ ليبقوا في كراسيهم. ثم شاهد قادة عربا ~~آخرين وقادة آخرين منهم يهودا. # شاهد خارطة العالم الجديد، وقد أزيلت تلك ~~الحدود التي كانت مرسومة بين دول العالم. قال مروان لبروسي: أظنهم حين برمجوك، لم ~~يدخلوا لك معلومات عن المتاحف التي تظهر الجانب الروحي العقائدي، التكنولوجي، الحربي، ~~عظماء التاريخ .. هل رأيت عالمي الآن؟ ~~- ما عرفته عن العالم القديم، أنه همجي. # ثم أخذوا يشاهدون متحف قادات العالم بعد الإنسان الجديد. شاهدوا تماثيل عن علماء ~~الإنجازات العلمية والتكنولوجية، مخترع الطاقة الكونية، مخترع الهيوموروبوت، مخترع ~~التحكم في الجاذبية، مخترع نانو التخاطر الذهني، مخترع إعادة الحياة (التناسخ)، اللقاء ~~الروحي. # بينما كان بروسي يهجو العالم الهمجي، سقطت قذيفة على سوبر ماركت مروان، وتوفي معاوية. ~~لم يسمحوا لحميدة بأن تشاهد جثة ابنها؛ لهذا لم تصدق بأنه مات. وقفت حميدة بجانب مروان ~~تبكي مصير ولدها معاوية. تلعن الحرب التي خطط لها منذ سنين عدة، وتفشي البطالة ليلتحق ~~بها الكثيرون، كل يدعي أنه يحمي الوطن، وشهيد الوطن. # 4 # بينما كانت حميدة تلعن الحكام المتصارعين على السلطة، وفضح القبح اليمني أمام العالم، ~~كان مروان في الوقت نفسه يلعن حورياته العرايا، هذا الاسم ~~الذي أطلقه عليهن مؤخرا بعد مشهد المسبح، فكلما ذكر ~~عريهن في المسبح أمام العامة شعر بالغضب. ذات صباح خرجن إلى عملهن، وراح يفتش عن إحدى ~~بدلات الإخفاء في المنزل ولبس إحداها، ثم خرج إلى الشارع يتساءل: «كيف سيرى نفسه وهو ~~يمشي دون أن يراه أحد من الناس؟» تفاجأ بهيوموروبوت صغير يكتشفه، كان يظنه ولدا في ms107 ~~الرابعة من عمره. سأل مروان: «لماذا تتخفى يا بشري؟!» استغرب مروان، لماذا يوجد مثل هذا ~~الحجم من الهيوموروبوت، وما الفائدة منه؟ رآه مروان وحيدا فسأله: لماذا أنت ~~وحيد؟! ~~- إنني ضائع، لا أعرف طريق العودة إلى والدي. # اندهش مروان من الإجابة وضحك عاليا، وكان العابرون يلتفتون بحيرة ليروا من يضحك. ~~سأله: وهل لك أب أنت أيضا؟! ~~- نعم، فهو معلمي حتى أرشد. ~~- ما هو اسمك؟ ~~- توسي. # أطرق مروان برأسه قليلا مندهشا، ثم قال له: «هل يمكن أن تأتي إلى منزلي، حتى نجد ~~أباك؟» وافقه الهيوموروبوت الضائع، وراحا يمشيان معا في الشوارع .. وجده مروان يكتسب ~~المعرفة ويخزنها كطفل بشري ذكي. شعر مروان بالعطش، فدخل متجرا وأخذ شراب فاكهة غريبة ~~عليه، لم يعرف كيف يدفع ثمنه. حدث نفسه أنه سيخبر حورياته بالأمر، لكنه لم يفعل ذلك. ~~شعر بتعب شديد لا يدري لماذا! عاد إلى المنزل وخلع بدلة التخفي، فعاد إليه نشاطه. عرف ~~من حورياته أن هذه البدلات لا تلبس لفترة طويلة، فهي تمتص الطاقة وترهق البدن. # فرح مروان بصغيره «توسي». كان كلما لقنه شيئا حفظه، عرف من حورياته أن هناك ~~هيوموروبوت يصنع في عمر السنتين، كالإنسان في عمره وعقله، يتعلم بالتدريج وينمو ويكبر ~~كالبشر، حتى في مشاعره وأحاسيسه. يمكن أن ينام مع الشواذ من النسوة حين يكبر. مصنوع من ~~مواد قابلة للتمدد كلما مر الزمن، كانقسام الخلايا الحية عند البشر والحيوان. رأت ~~النسوة أن مروان فرحان به، وأخبرن شرطة مراقبة السلوك بأن الهيموروبوت الضائع سيقيم ~~لديهن وسيعتنين برعايته وتربيته، فنقلت الشرطة حضانته من أسرته السابقة إلى أسرة ~~مروان. # ذهل مروان حين عرف من فرضانا أن العلماء يفكرون في إيجاد من يحل في الأرض عوضا عن ~~البشر مستقبلا، عندما ينتقلون إلى كوكب «الأرض2»، واخترعوا هيوموروبوت شبيها ~~بالإنسان، وأن توسي هو أحدهم. هذا النوع يستطيع أن يبتكر ويقوم بصناعة هيوموروبوت آخر، ~~وهكذا تستمر الحياة في الأرض بخلق من إبداع الإنسان. # حدث مروان نفسه بدهشة: «خليفة الإنسان في الأرض يتشبه بالرب، يبدع خليفته كما أبدع ~~الله خليفته ms108 في الأرض. عالم جميل لكنه يا للأسف كافر!» كبت غضبه وذهب إلى الحمام يلعن ~~ويشتم سرا هناك؛ فقد أصبح يرى أن مريانا تقرأ أفكاره، وهو لم يعرف أنها تدري بتغير ~~سلوكه، لكنها لم تبلغ عنه، وكانت تكلفة ذلك غالية. # 5 # كان مروان يخرج بصحبة الهيموروبوت الصغير «توسي» إلى الأسواق طوال اليوم، ويعودان عند ~~غروب الشمس. تعلم من مروان الشيء الكثير. # بدأ مروان يرى أن العالم الذي يعيش فيه لا يدينون بالإسلام، فيه اختلاط الأنساب، ~~والسماح بالعري في الأماكن العامة، والارتباط بسبع نساء، والسحاق .. أصبح باطنيا ~~يظهر عكس ما يبطن؛ حتى لا ينبذ إلى جزيرة الشواذ، وزاد الصراع داخله، وتولدت ~~الكراهية عنده من جديد، كما كان في حياته السابقة. # في عيد رأس السنة للإنسان الجديد، كان مروان يظن أن المدينة ستتزين، والناس ستلبس ~~الجديد خلال الثلاثة الأيام، شاهد فقط بالونات ضخمة ارتفعت إلى السماء، مكتوبا عليها ~~«عيد الإنسان الجديد لعام 301ب-ج.» ووعدته النسوة بنزهة إلى منتجعات الربع ~~الخالي. # توجهوا إلى مدينة مأرب بصحبة توسي، مروا فوق مزارع وبساتين وجداول في أماكن عدة، إلى ~~أن وصلوا مدينة «سبأ»، شاهد مبنى كبيرا في وسط المدينة غريبا في بنائه، بني من حجر ~~به أعمدة ضخمة وساحة كبيرة. هبطت المركبة في ساحته، قيل له إنه «معبد إل مقة». سأل ~~رجلا هناك يقف إلى جوار تمثال: هل أعادوا بناءه كما كان سابقا؟ ~~- نعم. وجدوا مقبرة الملكة بلقيس، كانت في تابوتها وصولجانها في يدها، وكذلك تاجها ~~على رأسها استنسخوها وأعادوها إلى الحياة. وهي التي أعادت تصميم بناء المعبد. # تفاجأ مروان بذلك الاكتشاف الأثري العظيم الذي لم يتحقق في زمانه. ظلت آثار زمن ~~الملكة بلقيس مدفونة. لم تسع الدولة للتنقيب عنها بقدر ما كانت تسعى للتنقيب عن ~~الثروات لنفسها. سأل النساء: هل صحيح وجدوا تابوت الملكة بلقيس، وأعادوها ~~للحياة؟! ~~- نعم، وستراها في متحف العظماء. # لم يصدق مروان هذا، وقال في نفسه: «كذب، كذب. بعث الموتى عمل لا يقدر عليه إلا ~~الله.» عرفت مريانا بما حدث مروان به نفسه، ms109 لكنها لم تفصح عنه للغير. أرادت أن تستأثر ~~به عن شريكاتها، وأخذت الأنانية فيها تظهر وتجرها إلى حب الذات لأول مرة في حياتها. ~~دافعت عنه حين أخبرتها فرضانا بأن مروان رأى أن الرجل الذي حدثه عن بلقيس كاذب، وهذا ~~يشير إلى عودة مروان إلى ما كان عليه قبل لقاح الأديان. # بقي مروان بجنب الرجل وحورياته يقطفن الفاكهة. وأخذ يريه بعض النقوش التي عثر عليها ~~أحدهم فيه: # اجتمع قادات جيش سبأ وباركتهم الآلهة، وعينت عمرو ابن الهدهاد بن ذي شرح ~~قائدا لجيش سبأ، يحمي سهولها ووديانها وسواحلها، وأقسم بألا يقصر في واجبه ~~ويحافظ على وحدة البلاد. # ونقش آخر فيه: # نحن الملكة بلقيس زرنا أرض كوش الشرقية على ساحل بحر القلزم في شهر جبار 230 باراني # 1 # وأمرنا ببناء معبد الإله إل مقة في مدينة يكسوم؛ ليحج العابدون ~~إليه لحفظ بلادهم من فيضان النيل، وغزو الأعداء، وأمرنا سدنة المعبد بتقديم ~~العطايا للفقراء ولمن تقطعت بهم السبل، وخصصنا عطايا للأقيال، ولتحفظ الآلهة ~~شعبي كوش وسبأ. # بينما كان الرجل يأخذ مروان لقراءة النقوش المترجمة كان يحدثه عما حدثتهم به ~~الملكة بلقيس عن زمانها. قال: الملكة بلقيس، كانت تسافر إلى أرض «الحبش» كثيرا؛ ~~يرافقها حراسها حين تسافر إلى هناك؛ ليحكموا السيطرة عليهم. كانوا هناك يحبونها كثيرا، ~~يرونها قديسة. جمالها الباهر كان له أثر في كسب القبائل، ويحلفون باسمها. # بعد سياحتهم في مدينة مأرب، اتجهوا بسرعة مذهلة نحو غابات ومنتجعات الربع الخالي، ~~برفقة مركبات أخرى. كان مروان يحدث نفسه بأن القيامة قد قربت، فقد عاد الربع الخالي ~~مروجا وأنهارا، وصدق حديث رسول الله، لكن لم يبق لدينه مكان في هذا الزمان! كان توسي ~~يمشي برفقة مروان، يتعلم مما يقوله معلمه. ذهب يطارد الفراشات، ويدهس الورد كطفل لا ~~يلام على شيء .. شاهد مروان هناك ما جعله لا يصدق ما يرى، رأى محمية كبيرة يحيطها سور ~~شفاف يقطنها؛ ديناصورات عملاقة، ماموث .. الغزلان بجوار الأسود والنمور تأكل الأعشاب. ~~سأل ريحانة بدهشة: «كيف أعادوا الديناصورات إلى الحياة مرة أخرى؟ وكيف ms110 الحيوانات آكلة ~~اللحوم تأكل أعشابا؟! هذا مستحيل. لماذا غيروا خلق الله؟ هذا حرام حرام.» # أثناء العودة إلى المنزل، أخبرهن مروان أنه يود أن يلقحهن، وأنه لن يشعر بالسعادة ~~معهن بغير أولاد، وفرح حين وافقن. قالت له سيرينا: «نعم، يمكن أن نحمل منك الآن؛ فقد ~~أصبحت مناسبا لهذا العالم.» أما مريانا فكتمت غيرتها، تفكر في شيء ما ... # 6 # وصلوا البيت مساء وكان توسي فرحا بالنزهة، وفي المساء بدأ بتلقيح شريكاته. وجد درجة ~~حرارة ناريس مرتفعة عن معدلها الطبيعي، فبدأ بها هي الأولى. ألقاها أرضا، فضحكت النسوة ~~من هذه الطريقة البربرية. وهكذا عمل مع الأخريات. اليوم الثاني لقح سريانا، واليوم ~~الثالث ريحانة، واليوم الرابع مريانا، ثم فرح وفرضانا وسنا. # كان مروان سعيدا بأنه أصبح فردا في عالمه الفردوسي. جلسوا معا في الصالة. طلب ~~مشاهدة متحف عظماء التاريخ البشري، وهو مشتاق ليشاهد صورة الملكة بلقيس. راحت مريانا ~~تبحث من خلال تسجيل لهن عن الملكة بلقيس، حين ظهرت في المتحف تسمرت عيناه وهو يشاهد ~~تمثالا لامرأة سمراء فاتنة تقف شامخة نجلاء العينين، نظراتها غاضبة، على رأسها تاج ~~مرصع بالجواهر. تلبس بنطلونا وقميصا قصيرا يظهر أسفل بطنها. سأل مروان: كم عاشت في ~~هذا العالم؟ ~~- عشرين عاما. ~~- وهل تحدثت عن تاريخها؟ ~~- نعم، وهو محفوظ في مكتبة خاصة للإرث البشري. ونحن النساء نراها فلتة عصرها، استطاعت ~~أن تحكم الرجال في عصر سيطرة الرجل، وأعطت درسا لنساء هذا العصر. # بعد أسبوع ذهبن جميعا إلى المستشفى؛ ليتأكدن من حملهن ما عدا سنا. سألها مروان عن ~~عدم رغبتها في الذهاب. قالت: «أنا غير قابلة للحمل.» اندهش مروان حين تبين أنها ~~مستنسخة؛ فقد توفيت عن عمر ناهز الخمس السنوات؛ نتيجة سقوطها من الدور العاشر، ~~والمستنسخ غير قابل للإنجاب. قال في نفسه غاضبا: «إما أنهم يكذبون علي، أو أنا في ~~حلم طال أمده .. هذا العالم يتدخل في مشيئة الخالق. لم أعد أحتمل!» بعد الكشف على نسائه ~~تبين أنهن حاملات بذكور، فرحن كثيرا؛ فكل امرأة تحمل بذكر ستحصل على تفرغ لتربية الطفل ~~لمدة ms111 عامين. # أحس مروان بأنه فرد في ذلك العالم الفردوسي. لم يعد يفكر بأنه في الجنة، أو عالم ~~الجن، أو أنه في حالة رؤيا للمستقبل، فها هو سيصبح أبا وزادت سعادته إشراقا. يفكر بأن ~~يقنعهن لتسلمن على يديه، ويطبقن أركان الإسلام. وجد نفسه مبشرا لدينه في ذلك ~~العالم. # كذلك كانت أمه غصون، بعد حلم جميل راودها في المنام. قامت من نومها وخرجت من غرفة ~~ابنها تسرع إلى حميدة وأيقظتها من منامها، أمسكت بمعصمها وقادتها إلى غرفة مروان، لتقف ~~أمامه، تحدثت غصون بفرح: «انظري إلى شفتيه إنه يبدو سعيدا، وبسمته اتسعت أكثر، لم ~~أرها هكذا من قبل، وهذه الليلة حلمت أنه تزوج! يعني أنه سيعيش وسيدخل دنيا جديدة!» لكن ~~حميدة قالت لها بحزن بأن حلم الزواج يعني الموت! # رأت حميدة الدود يتحرك في رجله اليسرى. خافت وعادت إلى الخلف مرعوبة، وقالت باكية: ~~«يا عمة، مروان يأكله الدود، لقد مات، لا بد من دفنه ...» صاحت غصون بغضب: «ابني لم ~~يمت، بسمته تزداد إشراقا. لن تدفنوه وهو حي!» استدعت حميدة الطبيب المعالج ليؤكد صحة ~~رؤيتها. وصل الطبيب ووضع الكمامة حول فمه وأنفه. جس نبض مروان، وفتح عينيه. قال: «إنه ~~في ساعته الأخيرة من حياته، وعليكم بتطهير الغرفة من هذه الرائحة، يمكن أن تضر من يبقى ~~فترة طويلة معه في الغرفة!» # دخل جميع الأولاد لمشاهدة أبيهم، ثم خرجوا يجلسون في الديوان. شكا علي لهم خسارة ~~السوبر ماركت. واتفق الجميع على بيعه قبل أن يفلس، وكل واحد منهم يأخذ نصيبه الشرعي؛ ~~فقد خسر الكثير من التجار والمقاولين منذ أن بدأت الحرب قبل ثمانية أشهر .. سمعت غصون ~~بأن الأولاد يريدون تقسيم التركة، فأمسكت عصاها وجرت خلفهم تشتمهم، وتخبرهم بأن لن ~~يقتسموا تركة ولدها، وهو لا يزال على قيد الحياة. # بينما كانت غصون تجري خلف أحفادها؛ لتضربهم بعصاها. كان مروان ونساؤه في نزهة داخل ~~المدينة. مروا بحديقة تتدلى من أشجارها زهور مضيئة تصدر كل ألوان الطيف، فظن مروان أنها ~~قناديل. ذهب مروان يتنزه في الحديقة، شاهد رجلا كبيرا ms112 في السن يداعب زهرة، ظن أنه قد ~~شاهده من قبل. رحب ذلك الرجل بمروان، وذهبا يتحدثان معا عن أمور شتى .. قال الرجل ~~بأنهم هزموا الشيطان، ومات في نفوسهم بعد السيطرة على الأنا. استنكر مروان، وقال: لكن ~~الشيطان لا يهزم! ~~- هو بذاته لا يهزم، لكن له وسائطه يعمل من خلالها، ونحن أضعفنا تلك الوسائط، وهي ~~الأنا في الإنسان، وأصبحت تحت سيطرة العقل؛ فالشيطان لا يستطيع أن يعمل ما يريد إلا من ~~خلال جسد الإنسان، كالروح التي لا تستطيع أن تعمل إلا من خلال الجسد أيضا. ~~- أظنك فيلسوفا، هل تعرف عن الفلسفات القديمة؟ ~~- نعم، أعرف. # ثم حدثه الرجل عن فلسفة التثليث في الشعوب القديمة، قائلا: كان الإغريق يعتقدون أن ~~العالم تديره وتحركه ثلاثة أمور، هي: المنشئ الأول الأزلي، العقل المنبثق منه، ثم ~~الروح، التي هي مصدر الأرواح جميعا. ونظرية الفيض الأفلاطونية الحديثة تقول: إن الوجود ~~فاض عن الواحد، وهو العقل الأول «الإله»، ومنه النفس الكلية، ومنها الهيولى الأولى ~~للكون. سلسلة متراتب بعضها يأخذ من بعض. أي من الواحد أتت الكثرة كما تحدث فيثاغورث، ~~والفيض يعني كفيض النور من الشمس، ومنه نمت الحياة على الأرض. لقد عرف معظم الفلاسفة ~~اليونانيين الخالق دون اتصالهم بدين توحيدي. أرسطو تحدث عن الله، وقال عنه: «إنه المحرك ~~الأول للكون»، وأفلاطون قال عنه: «هو الأول الواحد، وكل شيء انبثق من الواحد.» وفي ~~نظرية الفيض لأفلاطون قال: «إن الله فاض عنه كل الموجودات.» # حدث مروان نفسه: «أظنني شاهدت هذا الرجل. لا بد أن أذكر أين شاهدته!» ثم عاد يسمع ~~حديث الرجل، وهو يتحدث عن فلسفة التثليث في الديانة الهندوسية، قائلا: كانوا يعتقدون ~~أن الإله ذو ثلاثة أقانيم، وهو الوجود الثلاثي أو الوحدة الثلاثية، وهو اتحاد الآلهة ~~(براهمة، فشنو، شيفا) غير منفكين عن الواحد، فإذا دعوت أحدهم فكأنك دعوت الكل، ويرون ~~أن روح الإنسان هي مصغرة من روح الآلهة، وتستطيع أن تتحد بالله؛ لأنها استمدت روحها من ~~الآلهة، وإذا استطاعت أن تستمد حياتها أو طاقتها من روح الله، تستطيع أن ms113 تكون إلها، ~~ولا يتم هذا الاتحاد إلا بتجربة روحية. واعتقد بعض الصوفيين المسلمين بمبدأ الاتحاد مع ~~الخالق «الحلول». وكذا البوذيون كانوا يقولون إن بوذا إله، ويقولون بأقانيمه الثلاثة، ~~وكثير من الديانات كانوا يؤمنون بالأقانيم الثلاثة، مثل الفرعونية، الفينيقية، ~~المكسيكيون، التتر والإسكندنافيون. كانوا يعبدون إلها من ثلاثة أقانيم. وكذلك بلاد سبأ ~~القديمة كان يعبدون ثلاثة؛ الشمس والقمر والزهرة. وكذلك الديانة المسيحية، كانت تقول: ~~إن الوجود له ثلاثة وجوه، تعبر عن وجه واحد «الله، الطينة، الحياة»، آدم الإنسان هو ~~الطينة، نفخ الله فيها الحياة، وهي حلول الروح في المادة، أي هي واحد في ثلاثة، فإذا ~~قلنا الله واحد، والطين اثنين، والحياة ثلاثة، فالاثنان هما المادة الأولى، والواحد هو ~~الله، والثلاثة هي الحياة أي آدم، «الله، عيسى، الروح». يسمونهم الأقانيم الثلاثة، ~~الروح والجسد والنفس. فالأب هو الروح، والجسد هو الابن، والنفس هي الروح القدس. أي ~~طاقة الانبثاق، ونتاج الانبثاق هو الابن، كانبثاق الفكر عن التفكير. # كان مروان يبتسم بسخرية وهو يحدث نفسه: «قبحهم الله، كل فلسفه تأخذ من الأخرى.» ~~وعاد يستمع إلى الرجل، وقد بدأ يتحدث عن الفلاسفة المسلمين. قاطعه مروان، وأخبره بأنه ~~يعرف عن أحدهم وأبرزهم هو الكندي، قائلا: قبحه الله، وصف الخالق كما وصفه الفلاسفة ~~الآخرون، قال عن الله بأنه المبدع الأول، فاض عنه كل شيء. وقال عن الأنبياء بأن زودهم ~~الخالق بقدرة على التواصل ذهنيا مع الكون، وعندهم قدرة كبيرة للتناغم مع القدر، وهذه ~~القدرة موجودة لدى كل البشر، لكنها بنسبة قليلة لا تتعدى قدرة هؤلاء الأنبياء. وهو علو ~~الذهن وصفاؤه فوق دماغ الإنسان العادي المحدود، ما يسمى بالفضاء الداخلي، وأدمغتنا ~~تنتهي إلى هذا النظام الطبيعي للروح الكونية، ولكن الإنسان العادي اتصاله منقطع معها، ~~الذي يتجاوز ذلك النظام والقدرة. # حضرت حوريات مروان، وهو يودع الرجل. سألته ريحانة: هل عرفت ذلك الرجل؟ ~~- لم أعرفه، لكن أظنني قد شاهدته يوما. ~~- هو فيلسوف مستنسخ، أعيد إلى الحياة قبل خمسة عشر عاما، سيعيش حتى العشرين ثم ~~يموت. توفي في زمانك، أظنك شاهدته في حياتك ms114 السابقة إنه «إشو» من مقاطعة دلهي. ~~- يا للهول! كان فيلسوف عصره في الهند، أنكر جميع الأديان! # 7 # ذات يوم عند الظهيرة، خرج مروان من البيت بصحبة توسي في نزهة إلى المدينة. مشى مروان ~~في الشارع يحدث توسي: «أنت أبدعك الإنسان وعليك أن تطيع مبدعك، كما نحن البشر نطيع ~~مبدعنا الله. ما شاء الله، لا ينقصك إلا الروح!» ثم حدثه عما أساءه في هذا العصر، وما ~~هو عقاب الخروج عن الدين والشرع .. وجد مروان أن توسي عقله يضاهي ولدا ابن خمس عشرة ~~سنة، على الرغم من المدة البسيطة التي عاشها بجانبه. وهما يمشيان في الشارع قطف مروان ~~برتقالا، وقضم منها، وكذلك فعل توسي ورمى بها أرضا. دخلا متنزها واختلى مروان في ~~مكان خال وصلى صلاة العصر، وصلى توسي إلى جانبه. # عاد توسي من نزهته في الحديقة، وقد قطف زهرتين مضيئتين وعدة ثمرات، ولم ينهره مروان، ~~رآه رجل، فقال لمروان: «إنك لم تحسن تربيته.» في طريق العودة إلى المنزل ذكر ما قاله ~~الفيلسوف له: «أما ترى أن من تحبه دائما يكون في القلب، تطيعه في كل ما يأمرك به، ~~وتنفذ ما يطلبه منك في سعادة غامرة لترضيه، ولو كلفك جهدا ومشقة، كذلك حين يكون الله ~~في القلب.» # 8 # ازدادت النسوة بهجة بحملهن؛ فتجاهلن عن الكثير من سلوك مروان الذي طرأ منه. ففي ذات ~~ليلة ومروان مع نسائه يتناولون وجبة العشاء، وحليب الصويا الممزوج بشراب التفاح والعنب، ~~لم يعد مروان يتناوله لرائحته التي تفوح كرائحة الخمر. سأل عن الانتخابات التي تحدث في ~~العالم، أخبرته ناريس بأنه ليس هناك انتخابات، بل الحاسوب هو الذي يقوم باختيار الأفضل ~~لرئاسة العالم كل أربع سنوات، لديه معلومات عن كل فرد منذ الصغر، ويقوم أيضا باختيار ~~رؤساء للإقليم، وهناك من يعتذر عن الرئاسة، فيحل محله الذي يليه في الكشف المعد من ~~قبل الحاسوب. ضحك مروان وقال: «ونحن لدينا انتخابات نزيهة، يبقى الرئيس دورتين ~~انتخابيتين، ثم يصبح مستشارا لخلفه، يقدم له خبرته!» ردت عليه سناء قائلة بتعجب: ~~«أظنك قد ms115 نسيت، أو أنك تكذب! لقد شاهدنا في فيلم ذاكرتك، وأنت تتحدث في ديوان كبير، وهم ~~يأكلون أعشاب الشاي عن تزوير الانتخابات، والانقلابات الدموية، ويستمر الحاكم في الحكم ~~حتى يتوفاه الله، وهناك من يورث منصبه إلى أبنائه .. ومنهم من يري شعبه عبيدا له، ~~ويسمي الشعب باسمه، والبلاد باسمه.» التفتت سناء نحو زميلاتها، وكانت بعضهن تمسح على ~~بطنها، وقالت: «أظن أن مروان سيعود إلى سلوكه القديم!» دافعت مريانا عن مروان، ورأت أن ~~تصرف سناء هو بسبب أنها لم تحمل مثلهن. أما بروسي فراح يساند سناء، وقال: «مروان أفسد ~~سلوك هذا المنزل.» # 9 # ذات ليلة جلسوا جميعا يشاهدون المتحف التاريخي لعظماء البشرية عبر التاريخ، الذين ~~غيروا بفكرهم مسيرة الإنسانية السلوكية والروحية. ظهر الدليل السياحي يبتسم، وقال: ~~«انتفخت بطونكن، ستلدن قريبا، أنا مسرور لذلك.» فتح بابا يؤدي إلى صالة عظيمة تنتصب ~~فيها تماثيل عدة يبدون في هيبة ووقار، وقال: «سأتحدث عن عظماء قدستهم البشرية قبل ~~الإنسان الجديد.» وهو يشير إلى تمثال عيسى وهو مصلوب، وأخذ يسرد حياته .. ثم أشار إلى ~~تمثال كل من بوذا، كونفوشيوس، بولس الرسول، زرادشت، ماهافيرا، لاو تسو، وصورة لموسى ~~منحوتة في صخر البازلت الأخضر. وحين أشار الدليل إلى تمثال .. قال الدليل عنه: «إنه ~~أعظم مؤثر روحي في تاريخ البشرية!» وقف مروان والغضب يتأجج فيه يكاد ينفجر كالبركان، ~~لكنه حاول كتم غضبه! ومشى في الغرفة ذهابا وإيابا، يضرب يدا بيد يقول: «لا حول ولا ~~قوة إلا بالله! كفرت هذه الأمة، لم أعد أحتمل، عالم أوجد جنته في الأرض، لكنه لا دين ~~له!» سألهن بصوت عال وهو يواري غضبه: كيف عرفوا أوصافه، وأوصاف الآخرين؟! # ردت مريانا: يا عزيزنا لقد أصبحت فردا من هذا العالم، أنت الآن إنسان آخر. # عاد يسألها وبركان الغضب يتأجج داخله: «كيف نبشوا قبره، واستنسخوه؟! عالم ملعون، ~~سيخسف الله به، هذا لا يجوز، بعث الموتى قبل يوم القيامة، ينحتون تماثيل للأنبياء!» ~~وعاد يسأل وهو في حالة غضب: «وكم عاش بعد ما استنسخوه؟! جاوبته مريانا وهي في غاية ~~القلق: عشرون ms116 عاما، والمستنسخ لا يستنسخ مرة أخرى أو ينجب.» بقي يمشي في الصالة ~~متوترا، يود أن يحطم كل شيء. أخذت فرضانا تهدئه تقول له: يا مروان ستفسد لقاحك. لا ~~تدع النار التي فيك تحرق الجنة داخلك. سينفيك هذا الغضب إلى خارج هذا العالم، بين ~~الشواذ. سنكون نحن أول من ينفيك، رغم حبنا لك! # انفجر مروان غاضبا وكسر الطاولة، كانت النسوة يتهامسن: «لم يعد للقاح فائدة فيه، ~~جسمه يرفض اللقاح!» وهو يقول بغضب: عالم فاسق. أباح التعري أمام العامة، والسحاق، ينسب ~~المولود للأم، والمرأة تحكم الرجل. أعاد الموتى للحياة، وهذا شأن الله، وأنكر دين ~~الإسلام. جعل الدين لقاحا، خدرتموني به، جعلتموني أرتكب الزنا بثلاث منكن. # خافت النسوة كثيرا، وبكت مريانا. كان بروسي يرقب المشهد، ثم قال لهم بغضب مما أخاف ~~النسوة: «لقد خدعني هذا الرجل مؤخرا بأنه كريم نورين، إنه يشبهه. من أين أتى؟ من ~~أرسله ليفسد هذا العالم؟! أنتم البشر عاطفيون، بعواطفكم ترتكبون الحماقات. كيف رأيتم أن ~~لقاح الأديان سيجعله إنسانا جديدا، وهو في سن متأخرة من حياته؟! من الصعب تغير ~~برمجته. أنا الآن غاضب، أظن هذا الرجل نقل إلي الغضب، هل هذا الغضب فيروس؟! أين صانعي ~~ليرى ما بي. أريد أن أقذف بهذا الرجل من النافذة، أظنه قد أفسد تربية توسي أيضا. ثم ~~ذهبوا يبحثون عن توسي، فلم يجدوه.» # ذهب بروسي إلى المطبخ، وسمعوا أشياء تحطم وتكسر. عم الخوف المنزل وأسرعت النساء ~~إلى المطبخ عدا مريانا، راحت تعطي مروان كأسا فيها شراب .. أوصت به البروفسور ماري ~~كدواء إسعافي إذا عاد إلى سلوكه الهمجي فجأة. سرى ذلك الشراب في جسد مروان كسريان الملح ~~في الماء. فجأة خرج بروسي من المطبخ وعينه كالجمر واتجه نحو مروان، وفجأة أقبلت شرطة ~~مراقبة السلوك، والمسعفون الطيارة وأحاطوا بالمنزل، يبحثون عن توسي. رأوا مروان في يد ~~بروسي معلقا في الهواء يريد أن يقذف به من النافذة، فأوقفوا بروسي وشلوا ~~حركته. # عرفت النسوة أن توسي ارتكب جرائم لم يسبق العهد بها. أسرعن لمشاهدة القنوات الفضائية ~~وهي تبث ms117 جرائمه، وهو يقتل ثلاث نساء في خدرهن، ويجرح أربعا منهن في المسبح. ثم رأوا ~~مشهدا آخر وهو يجرح ست نساء وهن يمارسن اللقاء الحميمي مع هيوموروبوت في منزلهن. كان ~~مروان يحدث نفسه: «لله درك يا توسي، لله درك، لقد عملت الصحيح.» صرخت مريانا بعد أن ~~قرأت أفكار مروان: «لا فائدة، لا فائدة. اقبضوا على مروان هو السبب، وأنا أيضا أستحق ~~العقاب. لم أبلغ عما كان يدور في فكره، لقد أحببته، وقصرت في واجبي.» # 10 # ألقت الشرطة القبض على توسي وبروسي وأرسلتهما إلى مشفى الهيموروبوت؛ لإعادة برمجتهما؛ ~~لإزالة تأثير السلبيات التي اكتسباها أثناء بقاء مروان معهما، كذلك أرسلت نساء مروان ~~ما عدا مريانا إلى المشفى للفحص الطبي، حول ما إذا كن قد تأثرن بسلوك مروان، وانتقل ~~فيروس الأنانية والغضب إليهن. تلك الفيروسات التي كانت سبب بلاء العالم القديم. # أرسل مروان ومريانا إلى جزيرة الشواذ على مركبة خاصة، كان فيها امرأة وشاب تزوجا ~~حديثا. دار الحديث بينهم، قال الشاب: «نبذت إلى الجزيرة؛ لأنني فضضت بكارة إحدى ~~شريكاتي، كانت غير موافقة، وأخذت إلى الجزيرة للتأهيل هناك، وسوف أعود مرة أخرى بعد ~~اختبارات عدة.» ثم ضحك ضحكة عالية، وقال: «منذ أن سيطرت المرأة أسست قانونا لصالحها. ~~القانون لصالح المرأة في عالمنا، أليس كذلك؟» قالت مريانا بغضب: «أنت تريد أن تعيد ~~العالم لعصر سيطرة الرجل، ونعود للحروب مرة أخرى؟ فعلا أنت تستحق النبذ. لماذا فضضت ~~خاتم زوجتك دون إذنها؟!» قال الشاب: «أنت، لماذا نبذوك؟»، أجابته: «لأنني لم أقم ~~بواجبي، ولم أوصل معلومات عن شريكي هذا؛ لأنني أحببته.» فقال الشاب: «جرمك أكبر من ~~جرمي، أنت أصبت بفيروس الأنانية، وهذا خطر جدا، ولن تعودي إلى عالمك إلا بعد عدة ~~سنوات، وستعيشين في مكان خاص مع شريكك الذي نقل إليك العدوى.» ثم سأل الشاب وهو يشير ~~إلى مروان: «وأنت ما هو جرمك؟» أجاب مروان: «فقط غرت على ديني، أخبرت توسي أن يؤدب ~~النساء العاهرات والشاذات. وجدت هذا العالم قد خرج عن دين الله، وتدخل في شئونه.» قال ~~الشاب: ms118 «أما أنت فلن تعود من الجزيرة، وستموت هناك.» ثم التفت الشاب إلى الفتاة الأخرى ~~وسألها: «وأنت لماذا نبذوك؟» أجابت: «كذبت.» قال الشاب: «أما أنت ستعودين بعد سنة من ~~العلاج.» # 11 # وصلت المركبة إلى جزيرة خضراء، بناياتها ضخمة، لكنها ليست بجمال مدن العالم الأخرى. ~~أنزل الشاب والفتاة أولا، في المكان الخاص بإعادة تأهيل السلوك. أما مروان فأخذوه إلى ~~مكان آخر من الجزيرة هو ومريانا. استقبلوهما هناك بالسخرية، لم يجد مروان المكان غريبا ~~عليه؛ فهو يشبه عالمه القديم بالفوضى وشوارع المدينة ومنازلها وناسها، حتى إنه ظن أنهم ~~أعادوه إلى زمنه القديم. دخل مطعما مزدحما بالناس مليئا بالضجيج، وجد ما كان يأكله ~~في حياته السابقة .. هتف لشاب صغير يعمل في المطعم: برمة لحم يا ورع (وسيم)، فلم ~~يفهموه، فقال: الفطر الحنيذ، يا ليد. خرجوا من المطعم ومروا على سوق لبيع القات. قال ~~لمريانا: «هكذا كان عالمي تماما.» ثم سألها هل يوجد هنا لقاء روحي؟ أجابت: «لا أظن.» ~~ذهبوا إلى مكتب الوافدين ليسجلوا أنفسهم هناك، الذين بدورهم أرسلوهم للعمل في مصنع ~~كبير، خاص لحفظ المواد الغذائية وتصديرها. وجدوها مدينة صناعية ضخمة، يعمل فيها ~~المنبوذون، يطبق عليهم قانون العالم القديم، ليس هناك لقاء روحي، أو تقدم تقني مثل ~~مدن العالم الجديد. # ولدت مريانا بولد يشبهه كثيرا، وعاش حياته كما كان يحياها في عالمه القديم .. كان ~~مروان يمضغ القات يوميا هو ومريانا. عاد مروان إلى طبيعته السابقة. ذهب يوما يمشي ~~إلى جبال الجزيرة، فرأى شجرة دم الأخوين، فصاح: «هذا جزيرة سقطرى». عاد وهو يسب ويلعن، ~~يتملكه الغضب إلى أن وصل شقته التي يعيش فيها. أخبر مريانا عن الجزيرة التي لم تتطور ~~كغيرها، وجعلوها تخدم العالم. وكان بالإمكان أن تكون مدينة حرة عالمية في ~~زمانه. # 12 # ذات يوم وهما في سوق القات قابلوا «كريم نورين» صدفة. عرف مريانا، فصاح طربا: «هل ~~لحقت بي يا حبيبتي؟!» وتعجب لماذا نبذت إلى الجزيرة! وسألها عن شريكاته .. ثم أخبرها ~~كيف وصل هو إلى الجزيرة، قائلا: في آخر مرة كنت عندكن في ms119 المنزل قبل سنة ونصف، كان ~~الوقت ليلا، أغط في النوم. شعرت بأن صخرة سقطت علي وكتمت أنفاسي. نهضت عريانا وأنا ~~أشعر أنني أنسلخ عن جسدي. وقفت أشاهد نفسي ملقيا بجانبكن، فزاد جنوني حين شاهدت نفسي ~~اثنين. خرجت إلى الشارع وكأن روحا شريرة سكنت جسدي، مشيت والغضب يتملكني، أحدث نفسي ~~بصوت عال. ضحك رجل أمامي، فلطمته، وضربته، أتت شرطة مراقبة السلوك وأرسلوني إلى هنا؛ ~~لأبقى عشر سنوات لإعادة تأهيل سلوكي. # ثم نظر لمروان وسأل مريانا: من هذا الرجل الذي يشبهني؟! # أخبرته عن قصته .. فغضب كريم واهتاج، وأقبل نحو مروان يشتمه، ويخبره أنه حل محله، ~~وبسببه طرد من الفردوس. هجم عليه واشتد العراك بينهما. فض العابرون العراك بينهما، ~~وذهب كريم وهو يهدد مروان بالانتقام منه. قال مروان لمريانا: «هذا هو عالمي الحقيقي، ~~رأيته أنت بنفسك.» # ظل كريم يترصد مروان لينتقم منه، وجده في سوق القات، وتصارعا الاثنان، كان المشاهدون ~~مندهشين للشبه الكبير بينهما. لم يفرقوا بين مروان وكريم نورين. كان الأخير يقول: أنت ~~أخذت موقعي في الحياة. طردتني من الجنة وأرسلتني إلى هنا للعقاب. لا بد أن أعيدك إلى ~~الجحيم الذي أتيت منه. روحك الشريرة سكنتني. لن أتركك تعود إلى الفردوس مرة أخرى. ستنقل ~~وباء الماضي إلى هذا العالم، كما نقلته إلي. أنت فيروس الماضي الخطير، سأخلص هذا ~~العالم منك. # استل نورين سكينا ورفعها ليطعن مروان، حينها تلاشى الأخير، ولم يعد المشاهدون يرون ~~أمامهم إلا كريم نورين. # في تلك اللحظة كانت غصون نائمة في غرفته، قامت فجأة وهي لم تدر بالمعجزة التي حدثت ~~لابنها. فقد تغير لون جسده من اللون الوردي الغامق الى لون وردي خفيف، وتوقف الصديد ~~الذي كان يسيل من القروح. نظرت إلى التقويم كان التاريخ الرابع والعشرين من شهر يناير ~~2016م. تحدث نفسها: «ابني له تسعة أشهر بين الحياة والموت، ابني سيولد من جديد.» # خرجت من الغرفة والبهجة في عينيها، تدعو حميدة، فلم تستجب الأخيرة، تظن أن غصون ~~توهمت شفاء ابنها. عادت مسرعة لترى ابنها، وقد أخرج من فمه ms120 أنبوبة التنفس الصناعي ~~وأصبح يتنفس طبيعيا، يفتح فمه ببطء ويتألم .. يحرك سبابته اليمنى. هتفت بصوت عال: ~~«ابني شفي كما شفي النبي أيوب!» سمعت حميدة هي وأولادها نداء غصون، وراحت تردد: «لا ~~حول ولا قوة إلا بالله، جنت غصون على ابنها.» ثم هرعت إلى غرفة مروان، رأته فاندهشت، ~~يحرك فمه ببطء، كذلك هرع الأولاد، وجدوا أن ما حدث لوالدهم معجزة. راحت حميدة تثني ~~مفاصل يديه ورجليه ببطء، وجدتها صعبة الحركة، فمنذ تسعة أشهر لم يستطيعوا تدليكه، كشخص ~~أصيب بالجدري المنقرض. سمعوا مروان وهو يهذي بأسماء غريبة ويتأوه من الألم يقول: ~~«مريانا، ولدي .. ناريس، سناء، فرضانا.» فتح عينيه، وتلفت يسرة ويمنة، كانت الرؤية عنده ~~غير واضحة، وبعد عشر دقائق استطاع أن يرى أمه وزوجته حميدة وأولاده، وهم ينظرون إليه ~~بفرح بهيج. كان أمامه: عمر، سليم، سالم، نبيل وابنته فاطمة. اندهش وهو يرى أولاده ~~أمامه، ثم قال: «ماذا جرى لي يا حميدة؟» حرك يده ببطء ومسح وجهه، وقال: «ماذا جرى ~~للحيتي؟!» ثم نظر إلى سرته وقال: «لماذا أعادوا لي الحبل السري؟» قالت حميدة بفرح ~~غامر ودموعها تنهمر: الحمد لله على السلامة .. لقد كنت في غيبوبة طويلة دامت تسعة ~~أشهر، وكنت أشبه بالجثة الهامدة، وأكلتك القروح. لقد ولدت من جديد! # ثم فتح مروان عينيه، وقال ما أذهلهم: لم أكن مريضا يا أولادي، أظنني كنت في الجنة، ~~وطردت منها. وا أسفاه عدت إلى الجحيم! # نظروا إليه بدهشة وهو يسأل: «أين ابناي معاوية وعلي؟» صمت الجميع ولم يجبه أحد. كانت ~~غصون تقول ببهجة: ابني عاد إلى الحياة .. جلست بجوار ابنها، وراح هو يخبرها عن طفولته ~~حتى عن لباس القابلة التي ولد على يدها، ماذا كانت ترتدي؟ .. خرجت غصون دون عصاها التي ~~تتكئ عليها دائما، ثم جلست تبكي وتهتف كالمجنونة وتلطم خديها وفخذيها، وتقول: «ابني ~~كان في الجنة، لم يكن يهذي. أبوكم كان في الجنة يا أحفادي.» ظلت تهتف، كنت أعرف أن ابني ~~سيشفى من المرض: «كان عند ملائكة الحساب .. لم يكذب!» ثم غشي عليها. # 13 # في ms121 اليوم التالي حدثهم مروان عن رؤياه كما رآها. # كل فسر تلك الرؤيا على شاكلته، منهم من قال بأنها حلم رومانسي يستحضره العقل؛ ~~لينفس عن كبته والبحث عن عالم الفضيلة. ومنهم من قال بأنها رؤيا عن المستقبل، كما ~~كان يحدث للنبي دنيال حين كان الله يريه المستقبل. ومن قال بأنها أضغاث أحلام بعد أن ~~تلبسه الشيطان وسكن جسده. # | الشكر الجزيل # للدكتور: عبد الكريم قاسم الخطيب، أستاذ الفلسفة في جامعة صنعاء، # والناقدة والروائية: نجاة باحكيم، # على إبداء رأيهما في هذه الرواية. ms122