######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadShakl.CopernicusDarwinFreud.Hindawi40583936 #META# Tags: science :: philosophy #META# ID: 40583936 #META# Title: كوبرنيكوس وداروين وفرويد: ثورات في تاريخِ وفلسفةِ العلم #META# AuthorID: 42084937 #META# Author: فريدل فاينِرت #META# EditorID: 18571738 #META# Editor: محمد فتحي خضر #META# TranslatorID: 85031404 #META# Translator: أحمد شكل #META# Related_books: 1450FriedelWeinert.CopernicusDarwinFreud (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - نيكولاس كوبرنيكوس: فقدان المركزية‏ # 2 - تشارلز داروين: فقدان التصميم الرشيد‏ # 3 - سيجموند فرويد: فقدان الشفافية‏ # الملاحظات‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - نيكولاس كوبرنيكوس: فقدان المركزية‏ # 2 - تشارلز داروين: فقدان التصميم الرشيد‏ # 3 - سيجموند فرويد: فقدان الشفافية‏ # الملاحظات‏ # | كوبرنيكوس وداروين وفرويد # | كوبرنيكوس وداروين وفرويد # | ثورات في ~~تاريخ وفلسفة العلم # تأليف # فريدل فاينرت # ترجمة # أحمد شكل # مراجعة # محمد فتحي خضر # | شكر وتقدير # يقدم المؤلف والناشر الشكر على منح الإذن بإعادة نشر الصور التالية: # Aristotle (354-322 BC). # Source: # Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo: # Foto Deutsches ~~Museum. # Claudius Ptolemy (AD 100-75). # Source: # Wikimedia. # Nicolaus Copernicus (1473-1543). # Source: # Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo: # Foto Deutsches ~~Museum. # Tycho Brahe (1546-1601) # Source: Nature # 15 ~~(1876-7), p. 406. # Johannes Kepler (1571-1630). # Source ~~: Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # Galileo Galilei (1564-1642). # Source: # Wikimedia. # Isaac Newton (1642-1727). # Source ~~: Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # Gottfried Wilhelm Leibniz (1646-1716). # Source ~~: Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # William Paley (1743-1805). # Source: # Wikimedia. # Robert Boyle (1627-91). # Source ~~: Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # Jean Baptiste Lamarck (1744-1829). # Source ~~: Wikimedia. # Charles Darwin (1809-82). # Source: ~~Nature # 10 ~~[1874], ~~Frontispiece. # Alfred Wallace (1823-1913). # Source ~~: Wikimedia. # Louis Agassiz (1807-73). # Source: Nature # 19 ~~[1879], ~~Frontispiece. # Julia Pastrana. # Source ~~: E. ~~Haeckel, # The Evolution of Man ~~[London ~~1906], Vol. I, 161. # Thomas Huxley (1825-95). # Source: Nature # 9 ~~[1874], p. 256. # Ernst Haeckel (1834-1919). # Source ~~: E. Haeckel, # Last Word on ~~Evolution ~~[London 1910], Frontispiece. # Francis Bacon (1561-1626). # Source ~~: Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # John C. Adams (1819-32). # Source: Nature # 34 ~~[1886], ~~Frontispiece. # Immanuel Kant (1724-1804). # Source ~~: Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # Friedrich Nietzsche (1844-1900). # Source ~~: Wikimedia. # Sigmund Freud (1856-1938). # Source: # Deutsches Museum (German Museum, Munich). Photo ~~: Foto Deutsches ~~Museum. # Johann Gustav Droysen (1808-84). # Source ~~: Wikimedia. # Wilhem Dilthey (1833-1911). # Source ~~: Wikimedia. # Max Weber ms001 (1864-1920). # Source ~~: Mohr Siebeck Verlag. # Le Livre Noir de la Psych-analyse. ~~Source: # Les Arènes, Paris. # | تمهيد # هذا الكتاب وليد ندوات ألقاها المؤلف لأول مرة في جامعة فيكتوريا في ويلينجتون ~~(نيوزيلندا) وبعد ذلك في جامعة برادفورد (المملكة المتحدة). تعود فكرة هذه الندوات والكتاب ~~إلى زعم فرويد أنه أتم الثورة التي أحدثها كوبرنيكوس، وقد صيغت الندوات والكتاب في ضوء ~~اقتناع المؤلف بوجود رابط متين بين الأفكار العلمية والفلسفية. # تيسر الانتهاء من المسودة النهائية للكتاب بالحصول على منحة زمالة زائر في قسم الفلسفة ~~والمنطق والمنهج العلمي في كلية لندن للاقتصاد (من يونيو إلى ديسمبر 2006). وأود أن أشكر ~~أعضاء هذا القسم على حسن الضيافة، كما أدين بشكر خاص إلى ستيفان هارتمان لتشجيعه لي على ~~تقديم طلبات المنح البحثية ومشاركته في تقييمها. وأقدم امتناني للمساعدة المالية التي ~~تلقيتها من كلية الدراسات الدولية والاجتماعية بجامعة برادفورد، كما أنني استفدت من المنحة ~~البحثية الصغيرة التي تمنحها الأكاديمية البريطانية، التي جعلت زيارتي لكلية لندن للاقتصاد ~~ممكنة من الناحية المالية. قرأ روبرت نولا من جامعة أوكلاند (نيوزيلندا) المسودة الأولى ~~للكتاب، وقدم لي نصائح قيمة حول كيفية تحسينه. وأعبر هنا عن امتناني له لتشجيعه ولتقييمه ~~طلبات المنح البحثية التي قدمتها، كما أنني ممتن لعدد من القراء المجهولين الذين قدموا ~~تعليقات مفيدة حول الكتاب. وأخيرا، أدين بالشكر لنيك بيلوريني، منسق التحرير الأول في ~~بلاكويل، على دعمه لهذا المشروع. وأود أيضا أن أشكر أنيت آبيل، محررة الكتاب، على القراءة ~~المتأنية للمسودة النهائية والتحسينات الأسلوبية التي أضافتها. # آمل أن يستمتع القارئ بقراءة هذا الكتاب بقدر ما استمتعت بكتابته. # فريدل فاينرت # جامعة برادفورد # | مقدمة # يتناول هذا الكتاب قضايا تقع في النطاق المشترك بين تاريخ وفلسفة العلوم، ويهدف إلى إظهار ~~وجود رابط متين بين العلم والفلسفة باستخدام المدرسة الكوبرنيكية والداروينية والفرويدية ~~كمدارس علمية. ثمة روابط عديدة تجمع بين كوبرنيكوس وداروين وفرويد أكثر من مساهماتهم في ~~استكمال الثورة التي أحدثها كوبرنيكوس. وتبين دراسة الكوبرنيكية والداروينية والفرويدية أن ~~المناهج العلمية لدراسة العالم تؤدي على نحو طبيعي وحتمي ms002 إلى نتائج فلسفية. # رأى فرويد أن الأفكار العلمية تغير طريقة تفكيرنا بشأن العالم؛ فقد أزاح كوبرنيكوس - من ~~خلال نظرية مركزية الشمس - البشر من المركز المادي للكون (1543). ووضع داروين - من خلال ~~نظرية النشوء والارتقاء - البشر في وضعهم الطبيعي بين الكائنات (1859). ويرى فرويد أن ~~كوبرنيكوس وداروين سددا ضربات قاسية للصورة التي يفخر بها البشر بوصفهم سادة الكون. ورأى ~~فرويد أنه يكمل دائرة تصحيح هذه الصورة من خلال تدمير الاعتقاد بأن البشر «مسيطرون على ~~أنفسهم» (1916). # غير أن تأثير الأفكار العلمية على الصور الذاتية للبشر ليس سوى جزء صغير من النتائج ~~الفلسفية التي تؤدي إليها النظريات العلمية عادة. هذا الكتاب عبارة عن دراسة لثلاث ثورات في ~~الفكر ونتائجها الفلسفية، وهو تطبيق لنهج متكامل لتاريخ وفلسفة العلوم. يتناول الفصل الأول ~~الانتقال من مفهوم مركزية الأرض إلى مفهوم مركزية الشمس. ويركز الفصل الثاني على التغير ~~الشديد الأهمية في وجهات النظر حول طبيعة الحياة العضوية، الذي سيرتبط إلى الأبد باسم تشارلز ~~داروين. ويناقش الفصل الثالث انتقال فرويد من عقلانية التنوير إلى الدوافع اللاواعية كقوة ~~دافعة للسلوك البشري. ومن شأن إلقاء نظرة واحدة فقط على جدول محتويات الكتاب أن يوضح للقارئ ~~أن كل فصل يختار عددا من القضايا الفلسفية النابعة من دراسة تقاليد محددة في تاريخ الأفكار ~~العلمية. # ينقل عنوان هذا الكتاب - كما هو موضح في مناقشة الكوبرنيكية والداروينية والفرويدية - ~~رسالة ثلاثية؛ أولا: أن وجهات نظر الإنسان نحو الطبيعة المحيطة به والعالم الاجتماعي تتكيف ~~باستمرار مع الاكتشافات العلمية الجديدة. ثانيا: كلما تقدم العلم خضعت إنجازات العصور ~~السابقة لمزيد من التدقيق. ثالثا: أن النتائج الفلسفية بالضرورة مشمولة في هذه التغيرات. ~~لا أقصد الزعم بحدوث عملية اقتلاع وإعادة بناء مستمرة لصرح المعرفة؛ إذ إن النظرة ~~المتقطعة هذه لنمو المعرفة العلمية خاطئة، كما ستحاول مناقشة الثورات العلمية أن تبين. بل ~~ما أعنيه هو أن المعرفة الراسخة ستخوض مواقف إشكالية جديدة؛ مما سيؤدي إلى تعديلات على ~~العديد من المستويات. كان بوبر محقا في قوله إن كل المعرفة العلمية معرفة تخمينية. وما ~~دام ms003 البشر يسكنون في المجموعة الشمسية، فمن المتوقع أن تظهر طرق جديدة للتفكير وسيعاد تقييم ~~مكانة البشر في الكون الأوسع. على الرغم من أن البشر اليوم يمتلكون معرفة أكبر على المستوى ~~الكمي، ويتباهون بامتلاكهم براعة تكنولوجية أكبر من معاصري نيوتن، فإن تشبيه نيوتن الخالد ~~سيظل صحيحا: ما زلنا كالأطفال، نلعب بالحصى على الشاطئ، في حين يكمن أمامنا محيط شاسع ~~مجهول. # الفصل الأول # | نيكولاس كوبرنيكوس: فقدان المركزية # عالم الرياضيات الذي يدرس حركات النجوم يشبه بالتأكيد رجلا أعمى عليه أن يقوم ~~برحلة خطرة كبيرة لا نهائية وسط أماكن مقفرة لا تحصى، وليس معه سوى عصى تقوده. ~~(ريتيكوس، «المقال الأول» (1540)، 163) ~~(1) بطليموس وكوبرنيكوس # كتب المؤلف المسرحي الألماني برتولت بريشت مسرحيته «حياة جاليليو» في المنفى في عامي ~~1938 و1939، ومثلت لأول مرة في زيوريخ في عام 1943. في مسرحية بريشت، تصطدم وجهتا نظر: ~~هناك الرؤية الكونية القائلة بمركزية الأرض، التي ترى أن الأرض هي مركز لكون مغلق. ومن ~~بين العديد من أنصارها هناك أرسطو (384-322 قبل الميلاد) وبطليموس (85-165 ميلادية)، ~~ومارتن لوثر (1483-1546). على النقيض من ذلك هناك وجهة النظر المعارضة لمركزية الأرض، ~~وهي الرؤية الكونية القائلة بمركزية الشمس، والتي ترى أن الشمس تحتل مركز كون ~~مفتوح. ومن بين العديد من أنصارها هناك كوبرنيكوس (1473-1543)، وكبلر (1571-1630)، ~~وجاليليو (1564-1642)، ونيوتن (1643-1727). # يعرض عالم الرياضيات والفيزياء الإيطالي جاليليو جاليلي في الفصل الأول على مساعده ~~أندريا نموذجا للنظام البطلمي. تقبع الأرض في المنتصف، وتحيط بها ثماني حلقات. تمثل ~~هذه الحلقات الأفلاك البلورية التي تحمل الكواكب والنجوم الثابتة. تجهم جاليليو وهو ~~ينظر إلى هذا النموذج، وقال ممتعضا: «نعم، الجدران والمجالات والثبات. لمدة ألف سنة ~~والناس يعتقدون أن الشمس وجميع نجوم السماء تدور حول الجنس البشري.» ويعتقد الجميع أنهم ~~«كانوا يجلسون بلا حراك داخل هذا الفلك البلوري.» كانت الأرض ثابتة وكل شيء آخر يدور ~~حولها. وأكد جاليليو لمساعده: «لكننا الآن سنتخلص منه.» لم تعد النجوم في النموذج ~~الجديد «مثبتة في سماء بلورية»، بل سمح لها بأن «تدور في الفضاء دون دعم» ms004 (بريشت 1963؛ ~~بلومنباخ، 1981، المجلد الثالث، 762-782). # في الفصل الثاني، يزور رجلان مثقفان، عالم رياضيات وفيلسوف، جاليليو في مكتبه لإلقاء ~~نظرة على أقمار كوكب المشتري من خلال التليسكوب المكتشف حديثا. يشرح جاليليو باختصار ~~إخفاقات النظام البطلمي لهما. ببساطة، هذا النظام لا يتفق مع الحقائق؛ فالكواكب ليست ~~«في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه نظريا» وحركات أقمار كوكب المشتري حول الكوكب - ~~اكتشاف جاليليو العظيم - ببساطة لا يمكن تفسيرها من خلال النظام البطلمي. لا يمكن وصف ~~ذلك بالكلمات! رؤية العين أفضل من الكلام. وبسذاجة إلى حد ما، يسأل جاليليو ضيفيه ~~المثقفين هل كانا «مهتمين بالبدء من خلال مشاهدة أقمار كوكب المشتري تلك.» لسوء حظ ~~جاليليو، رفض عالم الرياضيات والفيلسوف كلاهما دعوته، وبدلا من المشاهدة، طلبا «مناقشة ~~رسمية» بالطريقة العلمية. سأله الفيلسوف: «يا سيد جاليليو، قبل أن نتوجه إلى تليسكوبك ~~الشهير، أتساءل هل كنا نستطيع الحصول على شرف إجراء مناظرة؟ يمكن أن يكون موضوعها: ~~هل يمكن أن يوجد مثل هذه الكواكب؟» يريدهما جاليليو ببساطة أن «ينظرا من خلال ~~التليسكوب» ويقتنعا بنفسيهما. ويقول عالم الرياضيات: «بالطبع، بالطبع، أعتقد أنك على ~~معرفة برأي القدماء بأنه لا يمكن أن توجد نجوم تدور حول مراكز أخرى غير الأرض، ولا نجوم ~~توجد دون دعم في السماء؟» أضفى بريشت فحسب بعض الدرامية على حدث حقيقي. في رسالة إلى ~~يوهانز كبلر (بتاريخ 19 أغسطس 1610)، أعرب جاليليو عن حزنه للرفض القاطع من أساتذة ~~علميين، مثل سيزار كريمونيني - أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة بادوا - لمشاهدة القمر ~~والكواكب عبر التليسكوب المخترع حديثا (بلومنبرج، 1955، 637). ~~(2) صراع رؤيتين كونيتين # يجسد بريشت في مسرحيته صراع رؤيتين كونيتين ببراعة وهو يرسم الحوار الدائر بين ~~جاليليو وزائريه المثقفين. تنتهي المناظرة بعدم رضا كلا يعرض عالم الرياضيات والفيزياء الإيطالي الطرفين، وسريعا ما يغادر ~~الزائران دون النظر عبر التليسكوب. إن الالتزام بفكرة مركزية الأرض يجعل زائري ~~جاليليو يستخفان باستناده إلى الأدلة الرصدية. والتمسك بفكرة مركزية الشمس يجعل جاليليو ~~يفقد الثقة في جدوى المناقشات العلمية. ومن أجل فهم طريقة وصول أنصار كلتا الرؤيتين ~~المتعارضتين ms005 إلى هذا التصادم العنيف - على غرار الصدام الدرامي في مسرحية بريشت - علينا ~~أن ندرس عن كثب الفرضيات الخاصة بهما. ينبغي أن ندقق في بنية الرؤية الكونية القائلة ~~بمركزية الأرض والرؤية الكونية القائلة بمركزية الشمس. # مركزية الأرض تسبق مركزية الشمس بألفية ونصف. كان كوبرنيكوس يعرف السلف القديم ~~أرسطرخس الساموسي، الذي طرح فكرة أن الأرض تتحرك، لكن مركزية الأرض ظلت التفسير الرسمي ~~لبنية الكون حتى ذبولها البطيء في القرنين السادس عشر والسابع عشر. جرى الحوار بين ~~جاليليو وزائريه في صيف عام 1610، وكانت فرضية كوبرنيكوس معروفة منذ 67 عاما. واستغرق ~~اعتراف نظرية مركزية الأرض بالهزيمة أخيرا 77 عاما أخرى؛ حتى نشر كتاب «المبادئ» ~~لنيوتن (1687). استغرقت رؤية كوبرنيكوس الكونية 144 سنة من المناقشات النشطة والبحث ~~لتصبح راسخة. هل يمكن أن تستغرق ثورة علمية كل هذا الوقت؟ ما يهم بشأن الثورة ليس طول ~~المدة التي تستغرقها، وإنما عمقها؛ فما يجعل التغيير ثوريا هو الإرباك الذي يحدثه في ~~البنية الراسخة، قلب وجهات النظر، استبدال المسلمات. إنه يمثل إعادة ترتيب عامة لعناصر ~~الشبكة، سواء أكان مفاهيميا أم سياسيا أم اجتماعيا. فتقتلع بعض عناصر النظام، ~~ويستبدل بعضها، ويبقى بعض آخر. ولكي نفهم الثورة العلمية - الكتلة المتشابكة من ~~العناصر الفلسفية والعلمية - نحتاج إلى فهم النظام «قبل» إعادة ترتيبه؛ لذلك، لكي نفهم ~~الثورة الكوبرنيكية، نحتاج أن نفهم الرؤية الكونية القائلة بمركزية الأرض. ~~(2-1) مركزية الأرض # الآن، بنى القدماء سماء فوق سماء، مثل طبقات في جدار، أو باستخدام تشبيه ~~أقرب، مثل قشر البصل: الطبقة الداخلية تدعم الخارجية (...). (كبلر، «خلاصة الفلك ~~الكوبرنيكي» 1618-1621، الكتاب الرابع، الجزء الأول) # مركزية الأرض أكثر بكثير من وجهة نظر تقول إن الأرض توجد ثابتة ~~بلا حركة في مركز الكون؛ فهي ترقى إلى رؤية كونية نشأت عبر مرحلتين. أولا : قدم ~~أرسطو علم الكونيات الفيزيائي؛ فن عمارة الكون الأكبر. تضمن علم الكونيات لديه ~~نظرية مهمة للحركة. قدم أرسطو بعض الأفكار غير المرضية عن حركات الكواكب. قدم ~~بطليموس في المرحلة الثانية علم الفلك الرياضي؛ هندسة حركات الكواكب. أعاق هذا ~~التقسيم ms006 اليوناني للعمل بين علم الكونيات الفيزيائي وعلم الفلك الرياضي تطور علم ~~الفلك لقرون (دكسترهوز 1956؛ ميترشتراسيه 1962، الفصل 4.4؛ دي سولا ~~برايس 1962). وذلك لأنه يفصل بين سؤال الديناميكا عن الأسباب الفيزيائية - لماذا ~~تتحرك الكواكب بطرق معينة؟ - وسؤال علم الحركة عن الحركة، كيف يمكن وصف حركة هذه ~~الأجرام رياضيا؟ يتبنى بطليموس في كتابه «المجسطي» (نشر حوالي 150 ميلادية) هذا ~~التقسيم صراحة. تتعامل الفيزياء مع الأجسام القابلة للفناء الموجودة على الأرض؛ ~~فلا ترقى إلى أكثر من تخمينات، وهذا بسبب «الطبيعة غير الواضحة للمادة» أما ~~الرياضيات، فهي تقدم معرفة محددة؛ لأنها تدرس طبيعة «الأشياء المقدسة والسماوية» ~~(بطليموس 1984، 36). واستمر هذا التقسيم حتى اكتشاف قوانين كبلر للكواكب في بداية ~~القرن السابع عشر. وبوصفها رؤية كونية، ادعت نظرية مركزية الأرض أنها تقدم تفسيرا ~~علميا لما كان يعتبر حينها أنه الكون، وألزمت أتباعها بعدد من الالتزامات ~~الفلسفية، كما قدمت رؤية شاملة ومتسقة عن الكون إلى المؤمنين بها. وكذلك فعلت نظرية ~~مركزية الشمس. ثمة الكثير من الأمور على المحك، وقد صورت مسرحية بريشت على نحو صحيح ~~اللقاء الفاتر بين رجال العلم الثلاثة في عام 1610 كتصادم بين رؤيتين ~~كونيتين. ~~(2-2) علم كونيات أرسطو # يبني أرسطو علم الكونيات الخاص به على أساس كون ذي فلكين ونظرية ~~الحركة. وفي وقت لاحق قدم بطليموس بعض التحسينات الرياضية. ~~(1) # يبني أرسطو كونا ذا فلكين. وهو مقسم إلى «الفلك فوق القمري»، الذي يضم ~~القمر والمنطقة الواقعة خلفه، و«الفلك تحت القمري»، وهذه هي المنطقة بين ~~الأرض والقمر. والأرض هي فلك صغير يقبع ثابتا في المركز الهندسي لفلك دوار ~~أكبر بكثير يحمل النجوم. والنجوم عبارة عن علامات على الفلك الخارجي. وفي ~~هذا التخيل يسبب الدوران المستمر للفلك الخارجي دورات النجوم اليومية. وبين ~~الفلك الخارجي والأرض توجد أفلاك أصغر متحدة المركز تحمل الكواكب الستة ~~التي كانت معروفة آنذاك، بما في ذلك الشمس (شكل # 1-1 ~~). # شكل 1-1: الأفلاك الدائرية وترتيب الكواكب في العصور القديمة. ~~تقع الشمس بين الكواكب الأخرى، وتقبع الأرض ثابتة بلا ~~حركة في المركز. # يرى أرسطو أن الفلك ms007 فوق القمري منطقة في غاية «المثالية والتماثل ~~والانتظام». رسم الإغريق هذه الدائرة كشكل هندسي مثالي؛ ولذلك تبعا ~~لمثالية الفلك فوق القمري، من المفترض أن تتحرك النجوم والكواكب في دوائر ~~مثالية. وعلى النقيض من ذلك، يمثل الفلك تحت القمري منطقة «تغيير وتقلب ~~وفناء». ويمتلئ هذا الفلك تحت القمري بأربعة عناصر: التراب والماء والنار ~~والهواء. وإذا لم تتعرض العناصر للاضطرابات، فإنها تستقر في صورة قشور ~~متحدة المركز حول المنطقة المركزية التي تشغلها الأرض، ولكن بسبب الحركة في ~~فلك القمر، تختلط العناصر في جميع أنحاء العالم تحت القمري؛ ومن ثم تعد ~~حركات الفلك القمري مسئولة عن جميع التغيرات ومعظم أوجه التنوع المرصودة في ~~العالم تحت القمري (كون، 1957، 82-83). # أرسطو (354-322 قبل الميلاد). # يبدو علم الكونيات المبني على مفهوم «البصلة الكونية» هذا غامضا للغاية ~~بالنسبة للشخص الحديث، لكن في نظر القدماء، قدم أرسطو النظرية الأكثر ~~شمولا وإقناعا لبنية الكون؛ فقد بدت مفسرة لبعض ملاحظات العين المجردة ~~التي كانت موجودة في ذلك الوقت؛ فكما بدا، يمكن الاستدلال على مركزية الأرض ~~من مسار الأجسام الساقطة على الأرض والحركة الدائرية للنجوم. # شكل 1-2: نموذج متماثل المركز بسيط. يقع كوكب الأرض في المركز، ~~وتحيط به الحلقات أو القشور المتحدة المركز (الأفلاك) ~~الحاملة للكواكب (انظر أندرسن/باركر/تشن، 2006، الفصل 4.6؛ ~~باركر 2002). وتحمل الدائرة الخارجية النجوم البعيدة. يفشل ~~هذا النموذج لأن الكواكب تتحرك على مسافات متفاوتة من ~~الأرض. # اقتداء بالفيلسوف اليوناني والفلكي إيودوكسوس (408-355 قبل الميلاد)، ~~افترض أرسطو أن الكواكب والنجوم كانت تتحرك في قشور متحدة المركز (أو ~~أفلاك) حول الأرض الواقعة في المركز (شكل # 1-2 ~~). بدراسة ~~أكثر دقة، يجب أن يفشل هذا النموذج البسيط، بل إنه حتى لم يتوافق مع ~~ملاحظات الإغريق؛ فعلى سبيل المثال، إذا كانت الشمس محمولة حول الأرض ~~المركزية في قشرة متحدة المركز، كان الليل والنهار سيبقيان دائما ~~متساويين في الطول. مع ذلك، عرف الإغريق من ملاحظاتهم أن النهار والليل ~~لهما أطوال متغيرة، اعتمادا على فصل السنة (انظر القسم 3-2). ولاحظ ~~الإغريق أيضا أن الكواكب تتحرك على مسافات ms008 متفاوتة حول الأرض. كان لا بد ~~من إسقاط نموذج الأفلاك متماثلة المركز؛ فقد كان متناقضا مع المشاهدات ~~الأولية. كان من بين إنجازات بطليموس أنه شيد نموذجا هندسيا على أساس ~~الهندسة الأكثر تعقيدا. وتضمن ذلك اختراع أجهزة جديدة هندسية: الدوائر ~~اللامتراكزة وأفلاك التدوير والمؤجلات والموازنات (دكسترهوز 1956، 147؛ روزن 1959، المقدمة؛ كوبرنيكوس، «الشرح المختصر» 1959، 57؛ ~~كوبرنيكوس 1543، الكتاب الخامس؛ دراير 1953، 143). ~~(2) # رغم الاستبدال السريع لوجهات نظر أرسطو البدائية إزاء أفلاك الكواكب، ~~كانت «نظرية الحركة» التي خرج بها هي المساهمة الأبقى أثرا بكثير. لقد ~~ابتكر أرسطو نظرية الحركة المهمة الخاصة به لدعم نموذجه للكون. فنموذج ~~«البصلة» الكونية جعل الأرض جسما مركزيا ثابتا. كيف يمكن تبرير هذه ~~المركزية؟ ادعت نظرية الحركة تقديم آلية فيزيائية لتفسير مسار كافة ~~الأجسام، الأرضية والسماوية على حد سواء. # وفقا لنظرية الحركة لأرسطو، فالأجسام إما تظل ساكنة أو تتحرك في خط ~~مستقيم: فالحجر يسقط عائدا نحو مركز الكون، الذي تقبع فيه الأرض، والدخان ~~يرتفع إلى أعلى نحو السماء؛ بحثا عن مكانه الطبيعي. تشكل الحركة صعودا ~~وهبوطا الحركات «الطبيعية» للأجسام. ويتطلب صرف الأجسام عن حركتها ~~الطبيعية دفعة أو قوة خارجية. ولكي تتحرك الأجسام فإنها تحتاج إلى محرك ~~يحركها؛ فلا حركة من دون محرك: «كل شيء يتحرك عن طريق شيء آخر» (أرسطو ~~1952أ، الكتاب السابع والثامن). بالطبع، استطاع أرسطو أن يلاحظ أن ~~المقذوفات لا تتصرف بهذه الطريقة؛ فالحجر المقذوف في الهواء أو السهم ~~المنطلق من القوس يطير عادة في مسار على شكل قطع مكافئ قبل عودته إلى ~~الأرض. واستطاع أرسطو أن يفسر حركة القذيفة؛ فبعد إطلاق الجسم من المحرك، ~~أصبح الهواء المضطرب هو مصدر الدفعة الخارجية، وأطال أمد حركة ~~القذيفة. # 1 # وفي النهاية يستسلم الجسم إلى زاوية ميله من أجل العودة إلى ~~الأرض. # الحركة الطبيعية للأجرام السماوية دائرية، والحركة الدائرية مستمرة ولا ~~تنتهي. ويرى أرسطو أن الحركة المستمرة - الحركة الدورانية للكواكب - يسببها ~~محرك ثابت؛ ذات إلهية (أرسطو 1952أ، الكتاب الثامن). # وهكذا فإن الأجسام لها حركات طبيعية وغير طبيعية، كما أنها تحتل أماكن ~~طبيعية في الكون. اعتقد أرسطو ms009 أن اللبنات الأساسية الأربعة للكون - التراب ~~والماء والنار والهواء - تشغل مواضع طبيعية في الأرض وبالقرب منها. وإذا ~~دفعت العناصر بعيدا عن مواقعها الطبيعية، فإنها «تسعى» لاستعادة موقعها ~~الطبيعي؛ فعندما يرفع حجر من الأرض ويطلق بعيدا، فإنه يسعى إلى استعادة ~~موقعه الطبيعي. وعندما تشعل النار، فإن ألسنة اللهب والدخان تقفز لأعلى ~~نحو مكانها الطبيعي في محيط المنطقة الأرضية. والمكان الطبيعي للتراب هو في ~~المركز الهندسي للكون. وبالنسبة لجسم ثابت، يجب أن يكون موجودا في مركز ~~السماوات الدوارة؛ ولذلك، يخلص أرسطو إلى حتمية وجود الأرض (أرسطو 1952ب، ~~الكتاب الثاني). وأية قطعة من الأرض ستسقط دائما إلى حيث تنتمي ~~طبيعيا؛ أي المركز الهندسي للكون. ومن خلال هذه الحجج المستمدة من ~~الفيزياء الأرضية، لم يستنتج أرسطو مركزية الأرض وحسب، ولكن استنتج أيضا ~~ثباتها وكرويتها (أرسطو 1952ب، الكتاب الثاني)، كما يشير ~~إلى أنه خلال الخسوف القمري، يكون شكل ظل الأرض على القمر «منحنيا ~~دائما»، وعندما يسافر الراصدون شمالا وجنوبا على امتداد أحد خطوط الطول، ~~فإنهم يرون نجوما مختلفة في السماء. ولاحقا أضاف بطليموس بعض الحجج ~~الأخرى. كانت الشمس والقمر والنجوم تشرق مبكرا بالنسبة لسكان المناطق ~~الشرقية من العالم عن إشراقها بالنسبة «لأولئك الذين يعيشون في الغرب» ~~(بطليموس 1984). ~~••• # يشكل كون أرسطو المادي ونظريته للحركة رابطا منطقيا؛ ~~فنظرية الحركة تجعل الكون منطقيا، ويوفر كونه الإطار اللازم للظواهر ~~المادية كي توضع في فلكين منفصلين. تحكم قوانين الحركة الأرسطية الفلك ~~تحت القمري؛ فالفيزياء الأرضية تحكم الفلك تحت القمري، وتفسر قوانين الحركة ~~المشاهدات المرصودة في هذه المنطقة من الفضاء: سقوط الأجسام الثقيلة ~~وارتفاع الأجسام الخفيفة. وتنطبق الفيزياء السماوية في الفلك فوق القمري، ~~وهذه هي منطقة الكمال، ولا تحوي سوى الأشكال الكروية والحركة الدائرية، كما ~~أنها منطقة محدودة. في مسرحية بريشت، تذمر جاليليو من «جدران» و«جمود» كون ~~مركزية الأرض. وقدرت المسافة بين الأرض والنجوم بأنها عشرون ألف ضعف طول ~~نصف قطر الأرض، وهذا التقدير أقل من المسافة بين الأرض والشمس المعروفة ~~حاليا (زيليك 1988، 29-31). ويشمل الحد الخارجي فلك النجوم الثابتة. وعلى ms010 ~~الرغم من أن هذا الفلك يدور دورة كاملة كل 24 ساعة حول الأرض الثابتة، تبدو ~~النجوم ثابتة لأنها تعود إلى الظهور في الموقع نفسه بعد كل دورة كما كانت ~~في الفترة السابقة. والكواكب مناقضة لذلك، فهي «نجوم سيارة»، لأنها تقوم ~~بحركات ملحوظة يمكن تتبعها خلال السماء. وكون أرسطو هو كون يعاني من نقص في ~~الطاقة. وهذا النقص في الطاقة نتيجة مباشرة لنظرية أرسطو للحركة؛ فلا حركة ~~من دون محرك؛ فالأجرام السماوية تتحرك في أفلاكها عن طريق محرك موجود خارج ~~الفلك الخارجي. يتطلب كون أرسطو طاقة من وراء نطاق النجوم الثابتة؛ فهو ~~كون متناه محدود. وكما سنرى فإن كون كوبرنيكوس أيضا كون محدود ولكنه لم ~~يعد يعاني نقصا في الطاقة. ~~(2-3) مركزية الأرض عند بطليموس # قدم لنا أرسطو علم الكونيات ونظرية للحركة. وكانت هذه الخطوة الأولى في بناء ~~نظرية مركزية الأرض. استكملت الخطوة الثانية بعد عدة مئات من السنين، وتطلب الأمر ~~هندسيا بارعا للقيام بذلك؛ وهو كلاوديوس بطليموس. كان بطليموس الفلكي الأول الذي ~~يصمم نظاما رياضيا كاملا للكون، وقد تنبأ بحركات الكواكب بدقة في حدود 5 درجات ~~من القيم الحديثة. كان نموذجا يعتمد على مركزية الأرض مبنيا عن طريق المنطق ~~الهندسي. ولاحقا سيبني كوبرنيكوس نظاما يعتمد على مركزية الشمس، وسيبنيه أيضا ~~معتمدا على المنطق الهندسي. استخدم بطليموس الهندسة لوصف المشاهدات الفلكية. وكان ~~يتفق مع أرسطو بأن الأفلاك السماوية، التي تحمل الكواكب، تقوم بحركة منتظمة. كما ~~افترض أن الأرض كروية، وموجودة في مركز الكون، وثابتة؛ فكان يرى أنه إن لم تكن ~~الأرض مركز الكون، لم يكن سيحدث اعتدالان، وأن «الفترات الفاصلة بين الانقلاب ~~الصيفي والشتوي لن تكون متساوية» (بطليموس 1984). قدم بطليموس أسبابا ~~وجيهة تماما لرفض الفكرة السخيفة بوجود أي حركة للأرض. ويقال إن أرسطرخس الساموسي ~~(310-230 قبل الميلاد) أشار إلى الدوران اليومي والسنوي للأرض (دراير 1953، الفصل ~~السادس، 136-148؛ دكسترهوز 1956، الفصل الأول؛ كون 1957، الفصل ~~الأول؛ كوستلر 1964، 50-52)، ولكن إذا كانت الأرض تتحرك، فسكانها سيشعرون بآثار ذلك ~~بوضوح؛ فإذا كانت الأجسام التي تلقى في ms011 خط مستقيم لأعلى في الهواء تعود في ~~خط مستقيم إلى النقطة التي أطلقت منها، والمباني تنهار تحت وطأة الحركة، وإذا كانت ~~الطيور تطير من الغرب إلى الشرق (بطليموس 1984؛ قارن كوبرنيكوس 1543، ~~الكتاب الأول)؛ كان منطقيا - بالنسبة للعقل الإغريقي - أن الأرض ~~ثابتة. # كلاوديوس بطليموس (100-175 ميلادية). # ولكن ثمة مشكلة؛ فالراصد الأرضي لا يرصد انتظام حركة الكواكب مقابل خلفية من ~~النجوم الثابتة. كان ينبغي على بطليموس - على غرار الفلكيين الآخرين من قبله - ~~تفسير اختلافين رئيسيين في حركة الكواكب من منطلق فرضياته الأساسية؛ أولا: ~~مسألة «الدوران غير المنتظم» للكواكب، وثانيا: «الدوران القهقري» لها. تنشأ ~~المشكلة بسبب أن المشاهدات لا تتفق مع الفرضيات البطلمية عن حركات الكواكب. المشكلة ~~الأساسية لعلم الفلك القديم هي بناء نماذج هندسية تؤكد الفرضيات المسبقة وتفسر ~~ظاهريا الحركات الواضحة للكواكب. إنها مشكلة الحفاظ على المظاهر البادية، وليس ~~بناء نماذج واقعية للنظام الشمسي. وعلى غرار أسلافه الإغريقيين، اعتمد بطليموس على ~~النماذج الهندسية لحل هذه المشكلات. حاول بطليموس ملاءمة المشاهدات مع فرضياته التي ~~لا جدال فيها: الحركة الدائرية للأجرام السماوية ونظرية أرسطو للحركة، ولكن بطليموس ~~حسن من فائدة النماذج. ابتكر بعض أسلاف بطليموس - على غرار هيبارخوس (190-125 قبل ~~الميلاد) - أدوات هندسية جديدة للتعامل مع هذه المشكلات، وقد استخدمت «الحركة ~~اللامتراكزة» من أجل حل المشكلة الأولى، واستخدمت «أفلاك التدوير» لحل المشكلة ~~الثانية. وأشار بطليموس في كتابه المجسطي على نحو متكرر إلى أعمال هيبارخوس، عادة ~~بقصد تحسينها، وقدم جهازا هندسيا جديدا (الموازن) للوصول إلى نموذج هندسي أفضل ~~للظواهر البادية. وكان يعالج كل مشكلة على حدة. على سبيل المثال، في تعامله مع ~~الحركة السنوية الظاهرة للشمس حول الأرض، تجاهل الحركة اليومية الظاهرة. وخلافا ~~لنموذج كوبرنيكوس، لا يقدم نموذج بطليموس نظاما تكون فيه الظواهر البادية ناتجة عن ~~عامل مشترك؛ على غرار حركة الأرض حول الشمس. # كانت المشكلة الأولى هي «الدوران غير المنتظم» للكواكب عبر دائرة الأبراج، بغض ~~النظر عن تأثير الدوران القهقري، كما أوضح كبلر لاحقا، فإن الكواكب لا تدور حول ~~الشمس بسرعة موحدة. فكلما كان الكوكب ms012 أقرب إلى الشمس، تحرك على نحو أسرع، وكلما ~~ابتعد عن الشمس كان سيره أكثر بطئا، ولكن لم يستطع الإغريق تقبل أن الدوران غير ~~المنتظم حقيقي. كان يجب أن يكون ظاهريا. # كيف يمكن لحركة دائرية منتظمة أن تفسر حركة غير منتظمة؟ الجواب هو الحركة ~~اللامتراكزة (الشكل # 1-3 ~~). # وفق ذلك النموذج كانت الشمس تتحرك حول الأرض عبر دائرة لا متراكزة بسرعة منتظمة. ~~وتوصف الدائرة بأنها «لا متراكزة» لأن الأرض لا تقبع في مركزها. فبينما تدور الشمس ~~حول مركز الدائرة اللامتراكزة، فإن الأرض تكون بعيدة قليلا عن المركز، والمسافة ~~بين هاتين النقطتين مسئولة عن ظهور الاختلاف في الحركة. وكما يرى من وسط الدائرة ~~اللامتراكزة، يتحرك الكوكب من خلال زوايا متساوية في أزمنة متساوية، ولكن كما يرى ~~من الأرض، هذا الكوكب يتحرك من خلال زوايا مختلفة في أزمنة متساوية. بالنسبة للراصد ~~الأرضي، عندما يكون الكوكب أقرب إلى الأرض، يبدو أنه يتحرك على نحو أسرع. # شكل 1-3: الحركة اللامتراكزة. تفسير الدوران غير المنتظم الظاهر من خلال ~~افتراض الدوران المنتظم. تدور الشمس على نحو منتظم حول نقطة مركز ~~الدائرة اللامتراكزة، ومع ذلك، عند النظر من الأرض، فإن الدوران ~~المنتظم يبدو غير منتظم. في الموقع 1 تظهر الشمس في أبعد نقطة عن ~~الأرض (نقطة الأوج)، بينما في الموقع 2، تظهر في أقرب نقطة لها إلى ~~الأرض (نقطة الحضيض). # المشكلة الثانية هي الحركة الشاذة الواضحة باتجاه الغرب للكواكب بالنسبة للنجوم؛ ~~أو «الدوران القهقري»، المصحوب بتغيير في درجة السطوع. بالنسبة للكواكب الخارجية، ~~تحدث هذه الحركة قرب وقت المواجهة الشمسية عندما يكون الكوكب في مواجهة الشمس في ~~السماء. وبالنسبة للكواكب الداخلية، مثل عطارد والزهرة، فإنها تحدث عند الاقتران ~~السفلي، عندما نراهما قريبين أحدهما من الآخر مع الشمس في السماء. فيبدو أن مسار ~~الكواكب العادي المتجه شرقا قد توقف؛ فلبعض الوقت، يرى الراصدون الكواكب تتجه ~~غربا (شكل # 1-4 ~~). # شكل 1-4: مخطط مبسط لحركة الدوران القهقري الظاهرية لكوكب الزهرة كما ~~ترى عن طريق راصد أرضي. «يحدد» الراصد موضع الزهرة مقابل خلفية ~~النجوم بينما ms013 يستعد الكوكب لتجاوز الأرض في مدارها؛ الموقع 1. ~~عندما يتجاوز الزهرة الأرض، يرصد الراصد ظاهرة ثانية: كما هو ~~متوقع، انتقل الزهرة من الغرب إلى الشرق؛ الموقع 2، ولكن في مرحلة ~~لاحقة، تكشف مشاهدة ثالثة عن تقهقر ظاهري وغير طبيعي في مدار كوكب ~~الزهرة نحو الغرب. في نظرية مركزية الشمس، يرجع ذلك إلى الوضع ~~النسبي للأرض بالنسبة للزهرة حول الشمس (انظر زيليك 1988، 40؛ ~~كوبرنيكوس 1543، الكتاب الخامس). # حل ظهور حركة الدوران القهقري باستخدام جهاز أفلاك التدوير الهندسي. تحمل ~~الكواكب على دوائر أصغر حجما (أفلاك التدوير) تتحرك على دوائر أكبر منها ~~(المؤجلات). على الرغم من أن الإغريق رصدوا الدوران القهقري، فإنه كان ظاهريا، ~~وليس حركة حقيقية؛ فالحركة الحقيقية للأجرام السماوية تتطلب حركة دائرية منتظمة. ~~كانت المهمة تتمثل في بناء نماذج متلائمة مع المشاهدات دون انتهاك الفرضيات ~~المسبقة. وضع نموذج للدوران القهقري عن طريق إضافة «مؤجل»، مع بقاء الأرض في ~~المركز، ووجود دائرة صغيرة - فلك التدوير - مركبة على مؤجل ~~(شكل # 1-5 # أ). ~~يتحرك نصف قطر فلك التدوير والمؤجل في الاتجاه نفسه. ~~وبالنسبة للراصد الأرضي، يقوم الكوكب بحركة دوران قهقرية بينما يمر من خلال الجزء ~~السفلي من حركة فلك التدوير، ومع ذلك، فهذا النموذج مفرط البساطة؛ فلا يمكنه تفسير ~~التغيرات المرصودة في الحركة القهقرية للكواكب. ولتفسير الاختلاف، اخترع بطليموس جهازا جديدا: «الموازن» ~~(شكل # 1-5 # ب)؛ ~~وهو نقطة وهمية على الجانب الآخر من مركز المؤجل كما يرى من الأرض. وعند الموازن، يرى الراصد الكوكب ~~يتحرك حول مداره في السماء بسرعة منتظمة بالنسبة للنجوم، ولكن عند النظر من الأرض ~~بعيدا عن مركز الدائرة، تبدو الحركة غير منتظمة. # شكل 1-5: (أ) حركة غير منتظمة. يحدث الدوران القهقري عندما يتحرك الكوكب ~~من الموضع 1 إلى الموضع 2 على فلك تدويره. (ب) الموازن. التفسير ~~الهندسي للدوران القهقري بواسطة جهاز جديد، الموازن (انظر ~~كوبرنيكوس 1543، الكتاب الثالث؛ بطليموس 1984؛ ~~أندرسن/باركر/تشن 2006، الفصل 3.6). من المفترض أن يكون هذا ~~التمثيل نموذجا أكثر توافقا مع البيانات من النموذج الأولي. من ~~وجهة نظر الموازن، تبدو حركة الكوكب في فلك التدوير ms014 منتظمة. ~~وأدخل مزيد من المرونة من خلال السماح للأرض بالوجود إما في مركز ~~المؤجل أو بجوار المركز، كما هو مبين في الرسم البياني. # من أجل دراستنا الفلسفية اللاحقة، ينبغي أن نلاحظ عدة نقاط: كان بطليموس مدركا ~~للغاية لدور النماذج التمثيلية في نظريته. وكانت طريقته المعتادة هي استخدام ~~النماذج الهندسية، ولكن من أجل تمثيل النجوم الثابتة اختار كرة مصمتة كنموذج مصغر ~~(بطليموس 1984). وفي الوقت نفسه، كان بطليموس قلقا حيال ملاءمة ~~فرضياته الخاصة بمركزية الأرض. وكان متشككا بما فيه الكفاية لتحذير قرائه بعدم ~~توقع أن يمثل نموذجه الهندسي الظواهر السماوية على نحو دقيق (بطليموس 1984، ~~600-601). وعلى غرار كون أرسطو ذي الفلكين، حذر بطليموس من أن النماذج الهندسية ~~المبتكرة على يد أحد سكان الأرض لا يمكن أن تصف بدقة كمال الظواهر السماوية. وكما ~~سنرى، فإن مسألة كيفية تمثيل النماذج للواقع المادي تعد محط اهتمام بالغ لدى ~~الفلاسفة. وأخيرا، اتفق بطليموس مع العرف الإغريقي بأن نماذج أفلاك التدوير ~~والدوائر اللامتراكزة كانت أجهزة مماثلة ~~(بطليموس 1984؛ روزن 1959، 37؛ 1984، 27؛ دكسترهوز 1956، 1). وأي من هاتين الفرضيتين ~~سوف تفسر ظهور الدوران غير المنتظم للكواكب بالنسبة للراصد الأرضي، ومع ذلك، تبنى ~~بطليموس مبدأ استخدام الفرضية الأبسط فحسب (بطليموس 1984). ~~ويثير قبول المتماثلات قضايا فلسفية مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بالتفسير والتمثيل. ~~فإذا كانت الدائرة اللامتراكزة تمثيلا جيدا مثل جهاز المؤجل-فلك التدوير، ألا ~~توجد وسيلة لتحديد أيهما يتناسب مع النظام المادي الفعلي على نحو أفضل من الآخر؟ ~~هذه المخاوف من التبعات الفلسفية للنظريات العلمية. # قبل أن نذكر بعض التطورات في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، والتي خلقت ظروفا ~~مناسبة لظهور الثورة الكوبرنيكية، ينبغي أن نضيف بعدا تاريخيا آخر؛ وهو التآلف ~~بين «النظرية الأرسطية واللاهوت». وهذا البعد التاريخي هو ما يستطيع وحده أن يوضح ~~أسباب الصدام بين جاليليو والكنيسة في القرن السابع عشر، وقد طور هذا التآلف توما ~~الأكويني (1225-1274) وألبيرتوس ماجنوس (1206-1280)، وغيرهما. # وفقا لتوما الأكويني، تعتمد المعرفة الحقيقية على التجربة الحسية. ويؤكد ~~ألبيرتوس ماجنوس أيضا أن دراسة الطبيعة تقوم على التجربة الحسية، التي تقدم ms015 أعلى ~~شكل من أشكال الإثباتات. وحيثما نفتقر إلى المعرفة، علينا أن نلتمس الوحي. فكمال ~~السماوات - المفترض في التقاليد الإغريقية - يكافئ الآن القدرة الإلهية. ونتيجة ~~لذلك، تقتصر معرفتنا على العالم على المدار تحت القمري. فكمال السماوات يتجاوز ~~قدرات التفكير لدينا. يرحب الأكويني بالدراسة المنهجية للطبيعة؛ لأنه يرى في ذلك ~~وسيلة لاكتساب المعرفة من حكمة الإله. وبعبارات أكثر حسما نقول إن توما الأكويني ~~يأمل أن تساعد الدراسة المنهجية للطبيعة في القضاء على الخرافات. وانقيادا لهذه ~~الشروط، لا يجوز نشأة صراع بين الفكر والوحي؛ لأن عقلنا ضعيف وذو نقائص، وفي مسائل ~~الشك يجب أن يخضع للحقائق الأبدية كما وردت في الوحي. كان هذا توجها ذهنيا ~~شائعا في العصور الوسطى. يدافع روجر بيكون (حوالي 1210-1292) عن فكرة مماثلة. تكمن ~~قيمة العلم في مساهمته في تفسير الكتاب المقدس؛ فهو يساعد على تمجيد الرب. وبمجرد ~~أن اعتنقت الكنيسة مذهب أرسطو، أصبحت كل الانتقادات التي وجهت إلى نظرية مركزية ~~الأرض نقدا موجها أيضا للاهوت والكنيسة. # ومع ذلك فقد حدث تقدم، وحدثت بعض التطورات قرب نهاية العصور الوسطى. بيد أن ~~التقدم اعتمد على القدرة على التغلب على الفرضيات التي لا جدال فيها، والتي تفرض ~~قيودا على النماذج المسموح بها. ويمكن التعبير عن هذه الحاجة لإزالة الفرضيات ~~المسبقة قبل أن يحدث التقدم بعبارات كانط. يسأل كانط على نحو عام للغاية متقلدا ~~دور كوبرنيكوس ولكن في الفلسفة: «ما شروط إمكانية حدوث المعرفة؟» وقياسا على ذلك، ~~يمكننا أن نسأل: «ما شروط إمكانية حدوث الثورة الكوبرنيكية والداروينية ~~والفرويدية؟» ما الفرضيات الجديدة اللازمة لتكون نظرية كوبرنيكوس قادرة على الظهور؟ ~~وقع التشكيك في الفرضيات القديمة على مرحلتين: جذبت نظرية أرسطو للحركة التدقيق ~~النقدي قبل التشكيك في فكرة الحركة الدائرية. ~~(2-4) تنحية الفلسفة جانبا: دلائل المستقبل # لنعتبر نظرية أرسطو للحركة وكونه المادي، أو أجهزة بطليموس، بمنزلة تعليمات ~~مصاحبة لمجموعة من الأدوات نحاول من خلالها بناء نموذج للكون. لبنات البناء لدينا ~~هي نجوم ثابتة وكواكب، وأفلاك دائرية، وأرض ثابتة. تتضمن ورقة التعليمات لدينا ~~شرطا إضافيا: يجب ms016 أن يكون النموذج الذي نبنيه قريبا بأكبر قدر ممكن مما ترصده ~~العين المجردة. الأكثر لفتا للنظر هو أننا نرصد حركة الكواكب على خلفية النجوم، ~~وتعاقب الفصول، والتتابع المنتظم لليل والنهار. بوجود هذه العناصر في متناول ~~أيدينا، لا يمكننا أن نبني سوى نموذج قائم على مركزية الأرض. يجب أن تتحرك الشمس ~~والكواكب وحتى خلفية النجوم الثابتة البعيدة أمام أعيننا؛ لذا يجب وضع الأرض في ~~مركز هذه الحركات، وإلا فإننا سنعجز عن أن نفسرها (شكل # 1-1 ~~). # إذا اتبعنا التعليمات، فإن قدرتنا على بناء نوع «واحد» من النماذج تمثل في الوقت ~~نفسه عجزا عن بناء نموذج «مختلف». يمكننا التفكير في مجموعة الأدوات كإنشاء فضاء، ~~على نحو أدق «فضاء محدد»، لاستيعاب النموذج الكوني. هذا الفضاء المحدد فضاء منطقي؛ ~~لأنه يخلق بعض الاحتمالات المحددة لبناء النموذج، سواء تحققت أم لا. سيسمح لنماذج ~~من النوع الهندسي أن تشغل هذا الفضاء، وستستبعد أنواع النماذج الأخرى. وتخضع لعبة ~~الاحتمالات والمستحيلات للقيود التي نقبلها. عمل أرسطو في ظل قيود نظريته للحركة ~~والكون ذي الفلكين. إذا غيرنا هذه القيود، فسيظهر فضاء منطقي آخر، ويستوعب ~~أنواعا أخرى من النماذج. ويمكن فهم «القيود» على أنها شروط مقيدة، يجب التوافق ~~مع عباراتها الرمزية من أجل أن تصبح عبارات علمية مقبولة بشأن العالم الطبيعي. وهذا ~~يعلمنا بعض الدروس التي ستثير اهتمام فيلسوف العلم. ~~(1) # تأتي النظريات العلمية مصحوبة ببعض «القيود»: قيود تجريبية ونظرية ~~يمكن تقسيمها أكثر إلى قيود حسابية ومنهجية وميتافيزيقية. وتعمل ~~النظريات العلمية في ظل هذه القيود. وباستثناء القيود التجريبية، ~~تمثل هذه القيود «فرضيات مسبقة». الفرضيات هي افتراضات أساسية محمية ~~- على الأقل في الوقت الراهن - من التحقيق النقدي، كما تقبل على أنها ~~«حقيقية»؛ فهي بمنزلة بداهات تاريخية. إنها ليست معصومة من الشكوك، ~~لكنها تظل حقائق لا جدال فيها لفترات معينة من الزمن. وسواء كانت صحيحة ~~أو خاطئة، فإنها توجه الأبحاث في اتجاهات معينة. تحتوي مجموعة أدوات ~~أرسطو مثل هذه الفرضيات؛ فالكون ذو الفلكين وأجهزته الهندسية - بما ~~في ذلك نظرية الحركة - يشكلان الفرضيات الأرسطية. يمكن ms017 أن تتعرض ~~الفرضيات للشكوك. وحدث هذا عندما استبدلت أجهزة أخرى بحلقات أرسطو ~~المتحدة المركز. ومن خلال هذا التدقيق، تعدل القيود أو ترفض. ~~وبالفعل، سوف يغير التعديل على تعليمات النموذج، مع الحفاظ على ~~العناصر، احتمالات بناء النموذج. على سبيل المثال، اعتماد أفلاك ~~التدوير خلق فضاء لنموذج بطليموس. وأحيانا التعديل على أحد القيود ~~يكون أكثر تأثيرا. حرر التشكيك في نظرية الحركة الأرسطية والاستعاضة ~~عنها بما يسمى «نظرية الزخم» الفضاء المقيد من أجل تطوير نظريات ~~جديدة. من الصعب أن نتصور كيف يمكن أن تظهر نظرية مركزية الشمس لو لم ~~تتغير بعض الفرضيات الأساسية (بلومنبرج 1965، الفصل 1). على سبيل ~~المثال، كان كوبرنيكوس قادرا على رفض بعض الاعتراضات الكلاسيكية ضد ~~حركة الأرض، لأنه لم يعد يسلم بنظرية الحركة الأرسطية. فسمح له تطور ~~نظرية الزخم باعتبار أن حركة الأرض أمر طبيعي. ~~(2) # يمكننا أن نرى أيضا أن بناء النموذج الكوني لا يقتصر على قراءته من ~~المشاهدات المتاحة وحسب. فلا يمكن أن يكون كذلك إذا كانت الفرضيات ~~واقعا للتفكير العلمي بقدر وسائله ونتائجه (فاينرت 2004). حتى وجهة ~~النظر الاستدلالية البسيطة للمنهج العلمي لن تكفي، على الأقل ليس في ~~حالة الثورات العلمية. لنسم وجهة النظر، التي ترى العلم تعميما ~~مباشرا نابعا من المشاهدات والتجارب، «الاستدلال بالتعدد». انتقد ~~فرانسيس بيكون بالفعل وجهة النظر تلك. فثمة طريقة أكثر تطورا تسمى ~~«الاستدلال الإقصائي»، وأوصى فرانسيس بيكون بوجهة النظر هذه باعتبارها ~~منهجا علميا مثمرا. لقد أطلق عليها اسم «الاستدلال الإقصائي»؛ لأن ~~النماذج البديلة أو المنافسة تواجه بالأدلة التجريبية وغيرها من صور ~~القيود. والنموذج الذي يبلي على نحو أفضل في ضوء هذه القيود سوف ~~يكتسب مصداقية، في حين أن النموذج المنافس سوف يفقدها. إذن، تتطلب وجهة ~~النظر هذه وجود نموذجين متاحين على الأقل يواجهان الأدلة. وكما سنرى، ~~حدثت الثورتان الكوبرنيكية والداروينية من خلال الاستبعاد التدريجي ~~لنماذج فاشلة في مواجهة عدد متزايد من القيود. أما وجه الصعوبة في ~~الثورة الفرويدية فهو بالتحديد أن الأدلة المتوفرة غير قادرة على ترجيح ~~كفة بعض النماذج عن كفة منافسيها . هل الأسلوب ms018 العلمي الغالب هو ~~الاستدلال الإقصائي أم مبدأ الدحض الأكثر شيوعا، كما اقترحه كارل ~~بوبر؟ # وحتى في هذه المرحلة المبكرة من المناقشة، من الجيد طرح هذه ~~الأسئلة الفلسفية؛ لأن القضايا الفلسفية لا يمكن فصلها عن الأمور العلمية ~~والتاريخية، وهذا أحد الفرضيات الرئيسية في هذا الكتاب. بعبارة أخرى: «الثورات ~~العلمية لها تبعات فلسفية.» وسنقابل هذا المنطق في كثير من النقاط على مدار الكتاب. ~~(3) # ثمة سؤال مباشر يطرأ على الذهن، وليس فقط لذوي النزعة الفلسفية. هل ~~هذه الأدوات الهندسية تمثل فعليا أفلاكا مادية، في حين أن ~~الاختلافات غير المنتظمة مجرد ظواهر؟ هل هذه الأدوات الهندسية - فلك ~~التدوير والمؤجل، والموازن والدوائر اللامتراكزة - تصف آلية ~~فيزيائية ما موجودة في الطبيعة؟ هذه هي مسألة القوة «التمثيلية» ~~للنماذج العلمية، التي شغلت بطليموس بالفعل. هل التمييز بين الظواهر ~~والواقع - بين الطريقة التي يبدو أن الكواكب تتحرك بها وفقا للرصد ~~بالعين المجردة والطريقة التي قيل إنها تتحرك بها وفقا للفرضيات ~~الإغريقية - يتوافق مع سمة فيزيائية ما للكون؟ إذا كنا مهتمين بماهية ~~العلم وما يفعله، فإن مثل هذه الأسئلة - على الرغم من أنها فلسفية ~~بطبيعتها - لا مفر منها. وأيا كان الموقف الذي نتخذه استجابة لهذه ~~الأسئلة، فإنها فعليا تؤدي دورا حقيقيا. انقسم أنصار نظرية مركزية ~~الأرض حيال هذه المسألة؛ إذ اعتقد أرسطو أن الأفلاك كانت أفلاكا مادية ~~حقيقية، كما تمتلك حركة طبيعية: دوران دائري. والحركة الطبيعية لتلك ~~الأفلاك تحرك كل الأجرام السماوية، وهي تعتمد على محرك ثابت من أجل ~~الحصول على احتياجاتها من الطاقة. كان بطليموس أقل تأكدا بكثير من ~~الواقع المادي للكرات البلورية وأفلاك التدوير والمؤجلات التي ~~استخدمها كأدوات هندسية. بالتأكيد كانت وظيفتها هي «تفسير الظواهر»، ~~ولكن بطليموس لم يعتقد أن الأدوات الهندسية ملائمة للظواهر السماوية ~~على نحو تام (بطليموس 1984، 600-601؛ دراير 1953، الفصل التاسع). حاولت ~~النماذج الإغريقية التوفيق بين ما ترصده العين المجردة وبين فرضيات ~~مسبقة بشأن العالم المادي. فلم تعتمد فرضيات وجود الحركة الدائرية ~~المنتظمة، والكون ذو الفلكين، والأدوات الهندسية على الرصد. بل على ~~العكس من ذلك ، بدت ms019 المشاهدات متعارضة مع الفرضيات. يا لسوء حظ ~~المشاهدات! لم يشجع الفصل بين علم الكون الفيزيائي وعلم الفلك الرياضي ~~علماء الفلك الإغريق على التفكير في المشاهدات كاختبارات للنماذج ~~الرياضية. كان السؤال هو هل كانت النماذج تستطيع تحقيق ما هو أكثر ~~من «تفسير الظواهر». يؤدي هذا السؤال إلى أفكار الفلسفة الذرائعية ~~والواقعية؛ التفسير والتمثيل. # عانت نظرية مركزية الأرض من حالة عدم اليقين فيما يتعلق بالواقع المادي للنماذج ~~الهندسية حتى لحظة زوالها النهائي، وقد أعرب العالم العربي تحديدا، الذي حافظ على ~~تقاليد علم الفلك الإغريقي طوال العصور الوسطى، عن كثير من المعارضة ل «واقع» ~~الأدوات الهندسية (روزن 1984)، ولكنها ظلت مستخدمة لنحو 1400 سنة، وقد تنبأت هذه ~~الأدوات بمواقع الكواكب في حدود الدقة المطلوبة من جانب علماء الفلك الذين اعتمدوا ~~على الرصد بالعين المجردة. واتبع هؤلاء العلماء نظرية الحركة الأرسطية وكون ~~أرسطو. # كما نرى، أشار وصف نظرية أرسطو-بطليموس لمركزية الأرض إلى بعض القضايا الفلسفية ~~العامة، التي يصعب فصلها عن المادة العلمية. ~~(2-5) زعزعة الفرضيات المسبقة: بعض التطورات في العصور الوسطى ~~(...) من خلال غاية الحركة ثبت «أن الحركة جزء من الأرض بوصفها وطنا ~~للمخلوق المفكر.» (كبلر، «خلاصة الفلك الكوبرنيكي» (1618-1621)، الكتاب ~~الرابع، الجزء الأول) # في مسرحية بريشت تصادم جاليليو مع ممثلي «المدرسة ~~السكولاستية» (التمسك الشديد بالتعاليم التقليدية). يؤمن جاليليو بمركزية الشمس، ~~والمشاهدات، واستقلال المنهج العلمي. يمثل عالم الرياضيات والفيلسوف عالما ~~متدهورا؛ فهما يضعان ثقتهما في العلم الموجود في الكتب، وخبرة القدماء، ويتشبثان ~~بإيمانهما بمركزية الأرض. يحاول جاليليو زعزعة معتقدات زائريه، ولكنها ليست آراء ~~ضحلة؛ فهي تستند إلى فرضيات فلسفية تحدد فضاءهما المقيد. ويمكن ملاءمة نماذج ~~معينة في هذا الفضاء المقيد، ولكن لا يمكن ملاءمة نماذج أخرى. أصبح بعض العلماء ~~البارزين في القرن الرابع عشر منتقدين للمذاهب الراسخة؛ منهم نقولا دوتركور (توفي ~~بعد 1350)، وجان بوريدان (1300-1358)، ونقولا الأورسمي (حوالي 320-382) في جامعة ~~باريس، ووليم الأوكامي (1295-1349) في جامعة أكسفورد. ثمة تطوران جديران بالملاحظة ~~على وجه الخصوص: (1) رأى نقولا دوتركور أنه يجب الفصل بين الفلسفة واللاهوت؛ وهو ms020 ~~الاقتراح الذي تبناه بعد ذلك جاليليو وباسكال. تمثلت الفكرة العامة في أن الفلسفة ~~الطبيعية ينبغي أن تتناول العالم الطبيعي واللاهوت ينبغي أن يتناول العالم الروحي. ~~(2) يجب أن تخضع النظرية الأرسطية للحركة لدراسة دقيقة. أشار نقولا الأورسمي ~~وبوريدان - كما سيفعل كوبرنيكوس لاحقا - إلى أنه لا يمكن دحض الدوران اليومي للأرض ~~من خلال الحجج المستمدة من النظرية الأرسطية للحركة. فوفقا لأرسطو، تقبع الأرض ~~ثابتة في مركز العالم، لأنها تقف في مكانها الطبيعي. فإذا كانت ستتحرك، يجب أن يشعر ~~الراصد الأرضي بتأثير هذه الحركة غير الطبيعية. كرر جان بودان - الفيلسوف السياسي ~~الشهير من القرن السادس عشر - هذا المنطق القديم في 1597، بعد مرور خمسين عاما على ~~صدور كتاب كوبرنيكوس (1547): # لا أحد في صوابه، أو يمتلك أدنى معرفة بالفيزياء، سيعتقد أبدا أن الأرض ~~الضخمة الثقيلة بسبب وزنها وكتلتها، ستتمايل صعودا وهبوطا حول مركزها ~~وحول مركز الشمس. فلو تحركت الأرض قيد أنملة، فسنرى انهيار المدن والحصون، ~~والبلدات والجبال. (مقتبس من كون 1957، 190) # كما رأينا، قدم بطليموس حججا مماثلة تنطوي على سقوط الأجسام وتدمير المباني. كان ~~الرد في جميع هذه الحالات هو صنع الدوران اليومي والسنوي للأرض الذي يشير بودين ~~إليه بأنه حركة «طبيعية». ويرى نقولا الأورسمي وبوريدان أنه إذا كنا نشارك في هذه ~~الحركة، فإننا لن نشعر بها. ويقول كوبرنيكوس إنها ليست حركة عنيفة كما كان يعتقد ~~بطليموس؛ فالحركة العنيفة تدمر الأشياء بالفعل، ولكن دوران الأرض «يتوافق طبيعيا ~~مع شكلها»، بحيث إن كل جزء من الأرض، «الغيوم وغيرها من الأشياء التي تسبح في ~~الهواء أو تهبط أو تصعد لأعلى» يشارك في هذه الحركة الطبيعية للأرض (كوبرنيكوس ~~1543، الكتاب الأول). استخدم كوبرنيكوس أفكار الزخم لدحض الحجة البديهية ~~القديمة. إذا كان غلاف الهواء يتحرك مع الأرض ويشاركها حركتها الطبيعية، فإن عدم ~~وجود رياح عنيفة أمر متوقع. ونحن اليوم لم نعد نقبل نظرية الزخم، ومع ذلك، فإننا ~~جميعا على دراية بمثل هذه الظواهر؛ ففي المركبات التي تتحرك باستمرار، تحدث ~~أفعالنا - شرب القهوة ولعب الورق وقراءة الكتب - كما لو كانت المركبة متوقفة. ms021 يمثل ~~مبدأ النسبية لجاليليو تفسيرنا لذلك. كانت نظرية الزخم خطوة مهمة نحو التفسير ~~الحديث للحركة. # طورت نظرية الزخم للحركة في القرن الرابع عشر كبديل لنظرية أرسطو للحركة. ووفقا ~~لهذه النظرية - كما أوضحها نقولا الأورسمي وبوريدان - تمارس قوة دافعة على الشيء ~~وتحمله. هنا تدحض الحجة المعارضة لحركة الأرض. ناهض بوريدان في البداية نظرية ~~أرسطو للحركة. إذا ألقيت أداة حادة وأداة غير حادة في مسار القطع المكافئ نفسه، فإن ~~الهواء لا يستطيع أن يضغط على الأداة الحادة بالطريقة نفسها كما يضغط على الأداة ~~غير الحادة. من الأفضل أن نقول إن القاذف (الطاقة الدافعة الداخلية) يمارس «زخما» ~~أو قوة دافعة معينة على الشيء المتحرك، وأن المقذوف يتحرك في اتجاه الزخم، ولكن ~~مقاومة الهواء و«جاذبية» المقذوف تقلل من الزخم؛ «فهو يقل بحيث تتفوق جاذبية الحجر ~~عليه وتحرك الحجر إلى مكانه الطبيعي». # 2 # لعبت نظرية الزخم دورا أساسيا في الثورة الكوبرنيكية؛ فكانت أحد الظروف التي ~~جعلتها ممكنة. وكذلك اعتمد نقولا الأورسمي - تلميذ بوريدان - في دحضه لحجة أرسطو ~~الرئيسية بشأن ثبات الأرض على نظرية الزخم، وقد وجه انتباهه إلى الحجة الأولى ضد ~~حركة الأرض. ادعى القدماء أنه إذا كانت الأرض تتحرك شرقا حول محورها، فإن الراصد ~~الذي يرمي حجرا لأعلى في خط مستقيم سيرى الحجر يعود إلى الأرض في ناحية الغرب من ~~قدميه. في غياب نظرية الزخم، بدت هذه الحجة منطقية؛ ففي وجهة نظر القدماء، سوف ~~يدفع الحجر بعيدا عن موقعه الطبيعي وسيسعى للعودة إليه، ولكن بينما كان الحجر في ~~الهواء، فإن الأرض ستدور نحو الشرق. وما دام الحجر لا يستطيع أن يصاحب الأرض في ~~حركتها، يجب أن يقع إلى الغرب من نقطة انطلاقه، لكن أشار نقولا الأورسمي إلى أن ~~الأرض المتحركة تمنح الحجر زخما نحو الشرق. وهذا سيجعل الحجر يتبع الأرض المتحركة ~~(كون 1957، 121؛ ماسون 1956؛ ولف 1978، الجزء الثاني، الفصل ~~7). # وسع نقولا الأورسمي وبوريدان هذه الحجة لتشمل حركة الأرض. لم تكن توجد حاجة إلى ~~«قوة سماوية» لتحريك الأجرام السماوية. لم تكن توجد حاجة إلى افتراض وجود احتكاك ms022 ~~بين الأفلاك البلورية لإبقائها متحركة وفق إيقاعها الدائم. ولم تكن توجد حاجة لمحرك ~~أرسطو غير المتحرك. ولا حاجة لكون يعاني من نقص في الطاقة. فخلال خلق الله للأرض، ~~منحها قوة دافعة تبقيها متحركة. وخلافا للمقذوفات على الأرض - التي وفقا لنظرية ~~الزخم، تتباطأ لأنها تواجه مقاومة الرياح وقوة الجاذبية الخاصة بها المرتبطة بالأرض ~~- لا توجد مثل هذه القوة لتتداخل مع الحركة الأبدية للأرض. وعلى نحو أعم، تضمنت ~~نظرية الزخم حركة دائرية مستدامة ذاتيا للكواكب أيضا (كون 1957، 121-122؛ ~~دكسترهوز 1956، الفصل الثاني). # على المستوى المفاهيمي، كان لنظرية الزخم تبعات مهمة؛ فقد رفعت الحظر المفروض على ~~إمكانية حركة الأرض؛ فالمنطق الأرسطي سبب ثبات الأرض، وبدت الحجج المعارضة ~~لحركتها - الأجسام الساقطة، والرياح العاتية، وتهدم المنازل - منطقية. ثم أوضحت ~~نظرية الزخم أن حركة الأرض كانت ممكنة من الناحية النظرية، كما أوحت نظرية الزخم ~~أيضا بتوحيد الفيزياء الأرضية والسماوية؛ لأنها فسرت مسار الأجسام على الأرض وفي ~~السماء وفقا للمبدأ نفسه؛ ومن ثم أدت إلى تدمير محتمل للكون ذي الفلكين. فصل ~~أرسطو بين الحركة الدائرية - المخصصة للأجرام السماوية - والحركة المستقيمة للأجسام ~~الأرضية، واعتبر أن الدوران هو الحركة الأساسية (أرسطو 1952أ، الكتاب الثامن). وتضمنت نظرية الزخم احتمال التخلص من الانقسام بين الفلكين فوق القمري ~~وتحت القمري. # رغم التحرر الذي تمتعت به نظرية الزخم، لم تصل الحجج المدافعة عنها إلى نتائجها ~~المنطقية. كان المفكرون في القرن الرابع عشر قانعين بدراسة البدائل المنطقية ~~للنظرية الأرسطية، ولم يكونوا مهتمين بالإطاحة بها. # إذا كانت نظرية الزخم إحدى الظروف التي مكنت حدوث الثورة الكوبرنيكية، فإن ظهور ~~«الحركة الإنسانية» في عصر النهضة كان ظرفا آخر. وجهت الحركة الإنسانية في عصر ~~النهضة ضد «المدرسة السكولاستية» القروسطية؛ فكما يبين عالم الرياضيات والفيلسوف ~~في مسرحية بريشت، تنظر المدرسة السكولاستية إلى تعاليم أرسطو كأمر مقدس. فتمثلت ~~الثقافة السكولاستية في تفسير نصوص أرسطو. فيذكر الفيلسوف في مسرحية بريشت ~~جاليليو بأن «كون المبجل أرسطو يمثل صرحا من (...) نسب متقنة.» ويعارض جاليليو بروح ~~العلم الحديث بأن «الثقة في أرسطو شيء، والحقائق الملموسة ms023 شيء آخر.» ولكن هذا ~~الاعتراض دفع الفيلسوف فحسب إلى ثورة غضب عارم قائلا: «إذا كنا سنلقي بأرسطو في ~~الوحل - الذي يمثل سلطة لا يعترف بها كل عالم كلاسيكي فحسب، ولكن أيضا يعترف بها ~~رؤساء الكنيسة - فإن أي إطالة لأمد هذا النقاش في رأيي مضيعة للوقت. لا فائدة في ~~المناقشات غير الموضوعية. هذا يكفي.» # ظهر مع الإنسانية اهتمام متجدد بالانتظام الرياضي والهندسي للظواهر الطبيعة. وهذا ~~أمر مهم لأن كوبرنيكوس كان من بين الأوائل في إحياء علم الفلك الرياضي الإغريقي، ~~الذي كان قد ازدهر في عصر بطليموس (بلومنبرج 1957؛ 1965؛ 1981). ركزت الحركة ~~الإنسانية أيضا تركيزا جديدا على التوجهات الذهنية البشرية حيال الكون، وقد عكست ~~المبدأ القديم الموجود منذ بطليموس القائل بأن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تمتد ~~إلى حد السماء. فرفعت الحركة الإنسانية عالم الفلك إلى منزلة «المفكر السماوي» ~~(بلومنبرج 1957، 77)، مؤكدة على أن بمقدور البشر أن يفهموا طريقة عمل الكون. وهذا ~~التأكيد نقل التركيز من الفهم عن طريق الملاحظة إلى الفهم عن طريق التفكير المنطقي. ~~وكان للتركيز على الفهم المنطقي على أساس الرصد الشخصي من الأرض انعكاسات مهمة على ~~نظرية مركزية الشمس. ~~(3) نظرية مركزية الشمس # ولماذا لا نعترف بأن حركة الدوران اليومية تبدو منتمية إلى السماء ولكنها في ~~الواقع تنتمي إلى الأرض؟ (كوبرنيكوس، «عن دورات الأجرام السماوية» (1543)، ~~الكتاب الأول، الفصل 8 (17)). # توفي نيكولاس كوبرنيكوس في 24 مايو 1543. وبعد موته بأسابيع قليلة، ~~نشر كتابه العظيم «عن دورات الأجرام السماوية». كان العنوان الأصلي للكتاب «عن دورات ~~الأفلاك السماوية»، وغير هذا العنوان المقصود عن طريق أندرياس أوزياندر إلى «عن ~~دورات الأجرام السماوية» (بلومنبرج 1957، 79؛ 1981، المجلد الثاني، 344). كان أوزياندر ~~رجل دين ومبشرا يعيش في نورمبيرج، وأشرف على نشر كتاب «عن دورات الأجرام السماوية»، ~~كما أضاف أيضا مقدمة مهمة فلسفيا لعمل كوبرنيكوس دون توقيع. وأشار كبلر لاحقا إلى ~~أن أوزياندر هو مؤلف المقدمة مجهولة المؤلف. كانت المقدمة مهمة فلسفيا لأن أوزياندر ~~حاول تفسير الكتاب على أنه أطروحة لا تتحدى الرؤية الكونية الشائعة؛ وهو ما يخالف ~~الانطباعات الأولى. ظل كوبرنيكوس يعمل ms024 على رائعته هذه لسنوات، ولكنه تردد في نشرها ؛ ~~فعلى غرار داروين من بعده، خشي كوبرنيكوس أن أفكاره سوف تلقى رد فعل عدائيا. ومع ~~ذلك، قبل نشر هذا الكتاب، تم تداول نسخ مكتوبة بخط اليد من «صورة لنظريته حول الحركات ~~السماوية» عرفت بعنوان «الشرح المختصر». كانت قد كتبت في الفترة بين 1502 و1514 (انظر ~~روزن 1959، مقدمة). قدم كوبرنيكوس في هذين العملين نموذجا للنظام الشمسي قائما على ~~مفهوم مركزية الشمس. ~~(3-1) نيكولاس كوبرنيكوس # لم يكن إنجاز كوبرنيكوس شيئا تفرضه المشاهدات الجديدة، بل كان انتصارا ~~للعقل في تصور ما كان في الأساس ترتيبا أجمل للكواكب. (جنجريتش، «الكتاب ~~الذي لم يقرأه أحد» (2004)، 116) # يتبين من النظرة الفاحصة أن كتاب «عن دورات الأجرام السماوية» ~~ينقسم إلى قسمين. يقدم كوبرنيكوس في الفصل الأول فكرة عامة عن نظام شمسي ~~المركز. يذهب كوبرنيكوس إلى أن اعتراضات الإغريق على فكرة أن الأرض تتحرك لا تستطيع ~~الصمود أمام النقد. ويشير إلى عدد ممن سبقوه من الإغريق إلى فكرة مركزية الشمس، وقد ~~ذهب إلى أن مركزية الشمس تقدم تفسيرا للنظام الشمسي أكثر بساطة أو أكثر اتساقا. ~~وبالنسبة لكوبرنيكوس - وكذلك الإغريق - يتألف الكون من النظام الشمسي والنجوم ~~الثابتة. ويحتوي الجزء الثاني من الكتاب على الحسابات الرياضية لحركة الكواكب. وهو ~~جزء تقني أكثر بكثير، ولكن كوبرنيكوس يستخدم الأدوات الهندسية نفسها التي استخدمها ~~الإغريق (الدوائر اللامتراكزة وأفلاك التدوير). # نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543). # أصبح من المعتاد منذ عصر كانط أن توصف نتيجة أعمال كوبرنيكوس باسم «التحول ~~الكوبرنيكي» (دكسترهوز، 1956، الجزء الرابع؛ بلومنبرج 1981، ~~الجزء الخامس). وهذا المصطلح مفيد للغاية؛ فهو يميز الإنجاز الكوبرنيكي دون ~~إعلاء عمل كوبرنيكوس إلى مصاف الثورة العلمية. # التحول الكوبرنيكي هو مفهوم الكون شمسي المركز، الذي تحمل فيه الكواكب على ~~أفلاكها حول شمس مركزية (رئيسية)، وليس حول أرض مركزية. لم تكن هذه الفكرة في حد ~~ذاتها جديدة، لأنها كانت موجودة منذ العصور القديمة؛ فقد شيد عالم الفلك الإغريقي ~~أرسطرخس الساموسي نظاما شمسي المركز للكون، فيه تدور الأرض يوميا حول محورها ~~وسنويا حول الشمس. وتصور مفكرون آخرون ms025 - في العصور القديمة (هرقليطس) وفي القرن ~~الرابع عشر (بوريدان ونقولا الأورسمي ونقولا الكوزاني) على حد سواء - حركة الأرض ~~اليومية؛ فما الجديد في أعمال كوبرنيكوس؟ رغم أن عمل أرسطرخس لم يصل إلينا، فقد صار ~~كوبرنيكوس أول عالم فلك يشيد نظاما رياضيا لحركة الكواكب من منظور مركزية ~~الشمس. حاول كوبرنيكوس استنتاج كل الظواهر السماوية من عدد قليل من الافتراضات ~~الأساسية («الشرح المختصر» 1959، 58-59). يمكن تفسير جميع المشاهدات عن طريق افتراض ~~حركة الأرض. افترض كوبرنيكوس أن الشمس ثابتة ولكن كبلر صحح لاحقا هذا الرأي مشيرا ~~إلى أن الشمس تدور حول محورها # 3 ~~(كبلر 1618-1621، الجزء الثاني). كان كوبرنيكوس أول من وضع ~~تقريرا مفصلا عن النتائج الفلكية الناجمة عن حركة الأرض (كون 1957، 142، 144). ~~فذهب إلى أنها مسئولة عن الظواهر وأنها تنشئ نظاما «مترابطا» لترتيب وأحجام جميع ~~الأفلاك والنجوم. # كان كوبرنيكوس يدرك جيدا أن «الترابط» بين الظواهر الطبيعية سيؤدي إلى نموذج ~~مترابط للكون. وفي إهدائه الكتاب إلى البابا بولس الثالث، أوضح كيف نقله تفكيره من ~~ترابط الظواهر الطبيعية إلى نموذج مركزية الشمس الأكثر ملاءمة لها: # وهكذا، بعد توضيح الحركات التي أعزوها إلى الأرض في موضع لاحق من العمل، ~~اكتشفت أخيرا - بمساعدة من المشاهدات الطويلة والعديدة - أنه إذا ما كانت ~~حركات النجوم السيارة الأخرى مرتبطة بالحركة الدائرية للأرض، وإذا حسبت ~~الحركات وفقا لحركة دوران كل كوكب، فلن يتضح أن جميع الظواهر تنبع من هذا ~~فحسب، ولكن سيتضح أيضا أن هذا الترابط يربط معا على نحو وثيق ترتيب ~~وأحجام جميع الكواكب وأفلاكها أو دوائرها المدارية والسماوات نفسها، بحيث ~~لا يمكن لشيء أن ينتقل في أي جزء منها دون الإخلال بما تبقى من أجزاء ~~وبالكون ككل. (كوبرنيكوس 1543، 6) # يزعم كوبرنيكوس وتلميذه جورج يواخيم ريتيكوس (1514-1576) أن فرضية مركزية الشمس ~~تمتلك العديد من المزايا أكثر من فرضية بطليموس. وتنبع هذه المزايا من معاملة ~~الكواكب وحركاتها ك «نظام»: # وفقا لكوبرنيكوس، تفسر فكرة الأرض المتحركة - دورانها اليومي ~~والسنوي - على نحو طبيعي كل المشاهدات السماوية. على سبيل المثال، يبدو ~~أن المعضلتين الكبريين الموروثتين من ms026 العصور القديمة تختفيان في ~~نموذج مركزية الشمس؛ إذ تصبح حركة الدوران القهقري للكواكب (الداخلية ~~والخارجية) نتيجة طبيعية لحركة الأرض حول الشمس (المركزية). فكوكب ~~داخلي على غرار عطارد له فترة مدارية أقصر من الأرض؛ فهو يدرك الأرض ~~ويتخطاها في مدارها السنوي. وبالنسبة للمراقب الأرضي، تبدو حركته كحركة ~~دوران قهقري (شكل # 1-3 ~~). أما المشكلة الثانية فكانت الدوران غير المنتظم ~~للكواكب. بدا أن الكواكب تستغرق أزمنة مختلفة لاستكمال رحلاتها ~~المتعاقبة حول المسار الظاهري للشمس. تمثل جزء من الحل في وضع ~~الكواكب على بعدها الصحيح من الشمس. تحتاج الكواكب الخارجية لإكمال ~~دورتها السنوية وقتا أطول من الكواكب الداخلية، ولكن لم يحقق حل ~~كوبرنيكوس سوى نجاح جزئي؛ لأنه كان لا يزال يفترض وجود الحركة الدائرية ~~المنتظمة. مع ذلك، يمكن تفسير كلتا «الظاهرتين» دون استخدام أفلاك ~~التدوير الكبيرة؛ فالاختلالات الرئيسية لحركة دوران الكواكب ظاهرية ~~وحسب (كون 1957، 149، 166-171؛ زيليك 1988، 49). تنتج هذه الظواهر ~~بسبب الحركة المدارية للأرض. وبما أن الشمس ثابتة في النظام شمسي ~~المركز، فلا يوجد لها حركة دوران قهقري (شكل # 1-1 ~~، ~~مربع 1-1) (انظر كون 1957، 66، 69؛ كوبرنيكوس 1543، الكتاب الثالث). # مربع 1-1: ترتيب الكواكب في النظام الشمسي المركز ~~«الشمس، عطارد، الزهرة، الأرض، القمر، المريخ، المشتري، زحل، ~~النجوم الثابتة.» # مقارنة مع ترتيب الكواكب في النظام الأرضي المركز: ~~«الأرض، القمر، عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشتري، ~~زحل.» # يحدد كوبرنيكوس أيضا المسافات «النسبية» لبعد الكواكب عن الشمس ~~مستخدما أسلوبا معروفا من العصور القديمة (كوبرنيكوس 1543، الكتاب ~~الأول؛ نوجيباور 1968؛ كون 1957، 142، 175؛ زيليك ~~1988، 40-41). إذا اعتبرنا أن المسافة بين الشمس والأرض وحدة واحدة، ~~فإن عطارد يقع على بعد 1 / 3 وحدة من المسافة بين الأرض والشمس، والمريخ ~~عند ~~، والمشتري عند 5 وزحل عند 9 وحدات من المسافة بين الأرض ~~والشمس. يقول كوبرنيكوس: «يجب أن يقاس حجم الدوائر المدارية بفترة ~~زمنية» (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول). ويعني بهذا أن بعد ~~الكوكب عن الشمس ينبغي أن يحدد من واقع فترته المدارية. وبهذا يرفض ~~ممارسة استخلاص المسافات الكونية التي تعود للقرون الوسطى من خلال ~~طريقة بطليموس الخاصة بتداخل الدوائر السماوية بعضها ms027 في بعض وفقا لنسب ~~معينة. ويشير كوبرنيكوس إلى أن النموذج الشمسي المركز هو وحده الذي يفي ~~بالعلاقة بين المسافة والفترة الزمنية؛ ففي النظام شمسي المركز، يتحدد ~~ترتيب الكواكب من خلال رصد الفترة المدارية للكواكب. فيعامل كوبرنيكوس ~~الكواكب كنظام مترابط (شكل # 1-6 ~~). # على الرغم من أن افتراض الأرض المتحركة يسمح لكوبرنيكوس بالتخلي عن ~~أفلاك التدوير الكبيرة، فإنه لا يزال بحاجة إلى أفلاك تدوير صغيرة. ~~استخدمت أفلاك التدوير الكبيرة لتفسير الظهور النوعي لحركة الدوران ~~القهقرية. أما أفلاك التدوير الصغيرة فهي دوائر صغيرة لازمة لإلغاء ~~التباينات الكمية الطفيفة بين المشاهدات والنماذج الهندسية (انظر كون ~~1957، 68). احتاج كوبرنيكوس أفلاك التدوير الصغيرة تلك؛ لأنه أيد ~~المبدأ الإغريقي الخاص بالحركة الدائرية للكواكب، حيث كتب أن حركة ~~الأجرام السماوية «دائرية منتظمة ودائمة» (كوبرنيكوس 1543، الكتاب ~~الأول). في الواقع يريد كوبرنيكوس إنقاذ المنهج الإغريقي من ~~بطليموس. فيريد «نظاما يدور كل شيء فيه على نحو منتظم حول مركزه ~~السليم كما تتطلب قاعدة الحركة الدائرية المطلقة» (كوبرنيكوس، «الشرح ~~المختصر» 1959، 57-58). فيغير الموضع الهندسي للأرض ولكنه يظل متمسكا ~~بالمثالية الأفلاطونية للحركة الدائرية المنتظمة التي يعزوها إلى ~~الأفلاك الحاملة للكواكب (شكل # 1-6 ~~). وينتقد بطليموس لإقحام الموازن، ~~على الرغم من أن نموذجه استخدم جهازا رياضيا مكافئا له وهو فلك ~~التدوير الصغير (جنجريتش 1993، 36، 175؛ نوجيباور 1968). # شكل 1-6: نموذج كوبرنيكوس للنظام الشمسي. # ثمة جانب مهم من جوانب العلم الحديث يتمثل في اعتبار المشاهدات بمنزلة اختبارات ~~للنظريات العلمية، ولكن الإغريق سعوا إلى ملاءمة الظواهر التي رصدوها مع معتقداتهم ~~المسبقة إزاء الظواهر السماوية. يدعي كوبرنيكوس أن عمله يعتمد على مشاهدات طويلة ~~وعديدة، مشاهدات خاصة به وبالمنهج الإغريقي (كوبرنيكوس 1543، «رسالة ضد نظرية ~~فيرنر» 1524؛ ريتيكوس 1540؛ انظر أيضا كوستلر 1964، 203، 581). ونحن لا ~~نريد التشكيك في صدق كوبرنيكوس، ولكن كتابه يتضمن جداول طويلة من البيانات الفلكية ~~المستمدة إلى حد بعيد من مشاهدات قديمة، ولكن كوبرنيكوس كان على علم أيضا بأن بعض ~~هذه المشاهدات القديمة قد عفى عليها الزمن بالمقارنة مع القيم الحديثة. # 4 # ويحتوي كتاب «عن دورات الأجرام السماوية» مناقشة طويلة لما يسميه أدوات ~~«مصطنعة». ms028 وتعمل أدوات الرصد تلك على تحديد «المسافة بين المدارين» و«ارتفاع الشمس» ~~و«مواضع القمر والنجوم» (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الثاني)، ومع ذلك، ~~لم تقدم مشاهدات كوبرنيكوس أي حقائق «جديدة»؛ فالمشاهدات التي أجراها كوبرنيكوس لم ~~تتخط اكتشافات الإغريق. فلم تلق بظلال الشك على الفرضيات الإغريقية المسبقة بشأن ~~الحركة الدائرية؛ ولذلك من الإنصاف القول إنه فيما يخص الناحية الرصدية، كان نظام ~~كوبرنيكوس ونظام بطليموس متكافئين (دي سولا برايس 1962؛ جنجريتش 1982؛ هايدلبيرجر ~~1980). لم توجد بيانات رصدية في ذلك الوقت ترجح كفة أحد هذين النموذجين المتنافسين. ~~عندما قدم تيكو براهي وجاليليو جاليلي اكتشافات رصدية جديدة، كان لها تبعات مهمة ~~على الكوبرنيكية. يكمن الإنجاز الرئيسي لكوبرنيكوس في إدراكه لضرورة معاملة النظام ~~الشمسي كنظام مترابط، وقد استنبط النتائج الرياضية للكون الشمسي المركز. # على الرغم من وجود العديد من المآخذ على أطروحة كوبرنيكوس «عن دورات الأجرام ~~السماوية» (1543)، فيمكن القول إنها بدأت مسيرة ظهور العلم الحديث، التي بلغت مرحلتها ~~الأولى ذروتها عند نشر نيوتن كتاب «مبادئ الرياضيات» (1687). وعلى الرغم من هذه ~~المآخذ، فقد كان لنموذج كوبرنيكوس قوة تفسيرية أكبر من منافسيه؛ فقد مثل النظام ~~الشمسي كنظام مترابط، وأظهر علاقات الترابط بين العديد من الظواهر السماوية ~~وربطها بسبب أساسي واحد. ويمكننا أن نشهد قدرته التفسيرية في تفسير فصول ~~السنة. ~~(3-2) تفسير فصول السنة # يسمي بعض الناس الشمس - على نحو غير لائق - مشكاة الكون، ويسميها آخرون ~~عقل الكون، ويطلق عليها البعض الآخر حاكم الكون. (كوبرنيكوس، «عن دورات ~~الأجرام السماوية» (1543)، الكتاب الأول، الفصل العاشر، مقتبسة في روزن، ~~«كوبرنيكوس والثورة العلمية» (1984)، 132) # أي إنسان يعرف فصول السنة، وأي نموذج فلكي يجب أن يفسر هذه ~~الظاهرة شديدة الوضوح؛ ولكن إذا كانت الأرض تقبع ثابتة في مركز الكون، والشمس تدور ~~في دائرة متراكزة حولها، فإن التباين السلس لفصول السنة لا يمكن تفسيره؛ فالشمس ~~التي تدور في دائرة منتظمة ستبقى دائما على مسافة ثابتة من الأرض، مما سيؤدي إلى ~~فصل سنوي واحد لا يتغير. كان الإغريق مدركين لهذه المشكلة، وقد عرف بطليموس من ~~مشاهدات هيبارخوس أن «الفترة من الاعتدال الربيعي ms029 إلى الانقلاب الصيفي تساوي # يوما، وأن الفترة من الانقلاب الصيفي إلى الاعتدال الخريفي تساوي # يوما» ~~(بطليموس 1984، الكتاب الثالث؛ كون 1957، 67). استخدم بطليموس الدائرة ~~اللامتراكزة، أو مختلفة المركز، من أجل حل المشكلة (شكل # 1-3 ~~). ~~فأطوال فصول السنة تختلف، ولكنها أيضا موزعة على نحو غير متماثل في أنحاء العالم. ~~عندما يسود الصيف في نصف الكرة الشمالي، يسود الشتاء في نصف الكرة الجنوبي والعكس ~~بالعكس. لنوجه تركيزنا إلى مدينتين: مدريد (إسبانيا) وويلينجتون (نيوزيلندا)، ~~ويمكن بسهولة توضيح سبب اختيار هاتين المدينتين. فلو تمكنا من حفر حفرة تمر بمركز ~~الأرض من ويلينجتون، فسنخرج في الناحية الأخرى في مدريد. كيف يمكن تحقيق تماثل فصول ~~السنة في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي في وقت واحد على نموذج أرضي المركز؟ عندما ~~رصد الإغريق أن الشمس ترتفع عاليا في السماء في الصيف وتظل منخفضة في الشتاء، ~~وعندما اعتقدوا أن الأرض ثابتة في مركز الكون، افترضوا أن المدار السنوي للشمس حول ~~الأرض مائل. وكانوا يعرفون أن الميل يقرب من 23,5 درجة. نتج حل لغز فصول السنة من ~~ميل دائرة الشمس اللامتراكزة؛ فهذا يفسر بسلاسة سبب ارتفاع الشمس عاليا في السماء ~~في الصيف وبقائها منخفضة في الشتاء. يفسر ميل المسار الظاهري للشمس اختلاف ارتفاع ~~الشمس في نفس الموقع - مثل الإسكندرية، حيث عاش بطليموس - أو في موقعين ~~مختلفين، مثل ويلينجتون ومدريد. تخيل مغتربين إغريقيين يعيش أحدهما في مدريد ~~والآخر في ويلينجتون في عام 150 ميلادية. بالنسبة لهما الأرض ثابتة وكروية، والشمس ~~تدور في دائرة لا متراكزة مائلة في مسارها الظاهري حول الأرض المركزية. عندما يكون ~~الوقت صيفا بالنسبة للإغريقي في مدريد، فإن ميل الدائرة اللامتراكزة يرفع الشمس ~~عالية في السماء. وبالنسبة لمواطنه في ويلينجتون، سيكون شتاء. إن ميل المسار ~~الظاهري للشمس يعني أن الشمس ترتفع عاليا فوق خط الاستواء، مما يؤدي إلى نهار قصير ~~وليل طويل في نصف الكرة الجنوبي. وبالنسبة لكليهما، تحتل الشمس الموقع نفسه على ~~المسار الظاهري. وبعد ستة أشهر تنعكس فصول السنة. وعندما يستخدم هذا الجهاز بدقة، ~~يبدو أن «حركة الشمس ms030 على الدائرة اللامتراكزة يمكن أن تتطابق تماما مع الطول غير ~~المتكافئ لفصول السنة.» كما يمكن أن يوضح أيضا سبب استغراق انتقال الشمس من ~~الاعتدال الربيعي إلى الاعتدال الخريف وقتا أطول بستة أيام، وفقا للقيم الحديثة ~~(روزن 1984، 26؛ نوجيباور 1968، 91، كون 1957، 67). # كيف فسر كوبرنيكوس فصول السنة؟ ثمة عدد من الظواهر التي يجب تفسيرها، والتي ترتبط ~~إحداها بالأخرى كما أصر كوبرنيكوس. هل يستطيع النظام الكوبرنيكي حل هذه المعضلة؟ ~~بصرف النظر عن حركات الأرض المألوفة - الدوران اليومي والحركة السنوية - حدد ~~كوبرنيكوس ما يسميه «انحراف محور الأرض المتحركة» (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول). وهذا يناسب حركة ثالثة إلى الأرض. وهذه الحركة الثالثة تفسر ~~تغير فصول السنة، ويسميها ريتيكوس «حركة قطبيها»: # الحركة الثالثة للأرض تسبب التغيرات الدورية المنتظمة لفصول السنة على ~~الأرض كلها، لأنها تجعل الشمس والكواكب الأخرى تبدو متحركة على دائرة مائلة ~~بالنسبة لخط الاستواء (...). (ريتيكوس 1540، 150-151) # لماذا يحتاج النظام الكوبرنيكي إلى افتراض دوران محور الأرض لتفسير فصول السنة؟ ~~وفقا لكوبرنيكوس، الأرض كوكب، ولكنها مرتبطة بفلك يحملها حول الشمس، ومع ذلك، هذا ~~يعني أن محور الأرض لا يبقى موازيا لنفسه. ثمة تجربة سهلة ستقنع القارئ بأن المحور ~~لن يحافظ على وضعه ثابتا في الفضاء. كل ما تحتاجه هو قلم وشريط مطاطي وكوب. ضع ~~القلم بزاوية مائلة في الكوب وقم بتدوير الكوب ببطء عكس اتجاه عقارب الساعة. لنفترض ~~أنه في البداية يتوجه القلم من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي. ندير الآن الكوب ~~بزاوية 90 درجة، حينها سيتوجه القلم من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. دوران ~~الكوب - الذي يتطابق مع الحركة الثانية للأرض في النظام الكوبرنيكي - لن يحافظ على ~~ثبات اتجاه محور الأرض؛ لذا افترض كوبرنيكوس وجود حركة ثالثة مخروطية الشكل تعيد ~~المحور لاتجاهه الأصلي في الفضاء (كون 1959، 165)(شكل # 1-7 # ب). # شكل 1-7: (أ) فصول السنة كما يراها راصد في نصف الكرة الشمالي وفقا ~~للنظرة الكوبرنيكية الحديثة. يميل المحور المركزي للأرض بزاوية ~~23,5 درجة ويبقى ثابتا بالنسبة لمستوى المدار حول الشمس. يوضح ~~النموذج كيف يرتبط الانقلاب الصيفي والشتوي ويؤديان إلى ms031 وجود أطوال ~~مختلفة للنهار (كوبرنيكوس، «الشرح المختصر» 1959، 63). (ب) المواسم ~~كما يراها راصد في نصف الكرة الشمالي وفقا لرأي كوبرنيكوس. يميل ~~المحور المركزي للأرض بزاوية 23,5 درجة ولكنه لا يظل ثابتا ~~بالنسبة لمستوى المدار حول الشمس. والأرض محمولة على فلك (خطين ~~مزدوجين) حول الشمس «المركزية». وكما توضح تجربة الكوب، هذا يؤدي ~~إلى تغيير في اتجاه المحور، يسميه كوبرنيكوس «انحراف محور» (محور ~~الأرض). تقوم هذه الحركة بدائرة صغيرة في الاتجاه المعاكس لحركة ~~الأرض للتعويض عن «الميل» المتغير للمحور. وفي تعديله للنظام ~~الكوبرنيكي، استغنى كبلر عن الحركة الثالثة. # تواجهنا حالة غريبة. يستطيع نموذجا مركزية الأرض ومركزية الشمس تفسير فصول السنة. ~~مع ذلك، تفسير بطليموس يبدو أكثر بساطة، حيث إن كوبرنيكوس يحتاج إلى افتراض حركة ~~دوران ثالثة للأرض. ظاهريا، لا يوجد فرق بين افتراضنا وجود دائرة لا ~~متراكزة مائلة حول الأرض الثابتة أو محور مائل للأرض المتحركة حول الشمس الثابتة. ~~مع ذلك، ليس بالضرورة أن يكون التفسير الأبسط هو الأكثر ملاءمة. إن تفسير بطليموس ~~مستمد من نموذج يتضمن جزءا ضئيلا من الواقع الفيزيائي للنظام الشمسي، لكن خلافا ~~لنموذج بطليموس، يمثل نموذج كوبرنيكوس النظام الشمسي كنظام متكامل. ونتوقع أن نظام ~~ومن خلال افتراض وجود الحركات الثلاث للأرض، يأمل كوبرنيكوس في تفسير الظواهر معا، ~~وليس على نحو منفصل. (يستطيع بطليموس حقا تجاهل الدوران اليومي للأرض، لأنه لا ~~يلعب أي دور في تفسير فصول السنة.) وبما أن نموذج كوبرنيكوس يتعامل مع الكواكب ~~كنظام، فلا يواجه صعوبة في تفسير تباين فصول السنة وأطوال النهار المتفاوتة. وفي ~~هذا الإطار، يمتلك نظام كوبرنيكوس قوة تفسيرية أكبر؛ فمن خلال اعتماد الأرض ~~المتحركة، يفسر على نحو طبيعي حركة الدوران القهقري، وفصول السنة، والمسافات ~~النسبية لبعد الكواكب عن الشمس، ولكن النظام الكوبرنيكي أقل عملية من النموذج ~~البطلمي، على الأقل في هذا الصدد، ومع ذلك، فإنه يظل أكثر تشابها مع النظام الشمسي ~~من النموذج البطلمي، وقد خضع للتعديل عندما أشار كبلر إلى أنه لا حاجة للحركة ~~الثالثة للأرض. يستطيع كبلر الاستغناء عنها لأنه لا ms032 توجد حاجة للأفلاك؛ فعلم الفلك ~~يستطيع تفسير هذه الظواهر بسهولة «دون الأثاث عديم الفائدة المتمثل في الدوائر ~~والأفلاك الوهمية» (كبلر 1618-1621، الكتاب الخامس، الجزء الأول، 124)؛ فالأرض ~~تتحرك بحرية حول الشمس، مبقية محورها دائما ثابتا بالنسبة لمحور مرسوم عبر مركز ~~الشمس (شكل # 1-7 # أ). ~~(3-3) كوبرنيكوس والتحول الكوبرنيكي # كان هذا التحول إلى حلقات الكواكب من واقع مادي إلى ظاهرة بصرية حجة لا ~~تقهر على صحة علم فلك كوبرنيكوس. (روزن، «كوبرنيكوس والثورة العلمية» ~~(1984)، 115-116) # أصبح من المعتاد الحديث عن التحول الكوبرنيكي منذ أشار كانط إلى ~~فرضية كوبرنيكوس في كتابه «نقد العقل الخالص» (كانط 1787 # 2 ~~، تمهيد). أشار كانط إلى أن الفلسفة في حاجة إلى تغيير في ~~«منظورها»؛ فالتجريبية نظرت إلى العقل بوصفه ورقة بيضاء. ومن خلال الرصد والاستدلال ~~الاستقرائي يكتسب البشر انطباعات شعورية عن العالم المادي، ومن هذه الانطباعات يشكل ~~العقل الأفكار التي تملأ ببطء هذه الورقة البيضاء. أما العقلانية فقد سلحت العقل ~~البشري بقدرات فطرية؛ فمن خلال التفكير الخالص يستطيع العقل البشري فهم البنية ~~الأساسية للعالم الطبيعي. كان الرصد لازما فحسب من أجل تأكيد الفرضيات العقلية. ~~رأى كانط أن كلا نهجي المعرفة كان مخطئا في أحد الجوانب، وكان الأمر اللازم هو ~~التوليف بينهما. كانت التجريبية محقة في الإصرار على أهمية المعرفة التجريبية، ~~وكانت العقلانية محقة في الإصرار على أهمية مبادئ التفكير العقلاني. ويمكن الوصول ~~إلى هذا التوليف من خلال تحول كوبرنيكي في الفلسفة. لا تنظر إلى المعرفة من منظور ~~علاقة العالم-العقل على غرار التجريبية، أو من منظور علاقة العقل-العالم على غرار ~~العقلانية. غير منظورك؛ فالمعرفة ليست ناتجة عن عالم نشط يحفر طابعه على عقل سلبي ~~(التجريبية)، ولا المعرفة ناتجة عن عقل نشط يضع ختمه على عالم سلبي (العقلانية)؛ ~~فالمعرفة الإنسانية تأتي عن طريق شراكة بين عقل نشط وعالم نشط؛ فالعقل يأتي بالفعل ~~مجهزا بالمبادئ الأساسية الخاصة بالسببية والمادة والمكان والزمن، لكنها مفرطة ~~التجرد بحيث لا يمكنها أن تشكل المعرفة التجريبية؛ فهي افتراضات للمعرفة الموضوعية. ~~وهي في حاجة إلى التلاقي مع العالم ms033 التجريبي لتؤدي إلى المعرفة التجريبية؛ إذ يسعى ~~العقل المنطقي إلى الاتحاد مع العالم التجريبي. هذا هو التحول الكوبرنيكي في ~~الفلسفة. # قدم كوبرنيكوس نفسه لنا تفسيرا - أساسيا للغاية - لما نعنيه بالتحول ~~الكوبرنيكي. «إنه تحول في المنظور.» يدعو كوبرنيكوس القارئ لتغيير بؤرة تركيز ~~التفسير. تخيل جسما يبدو متحركا، وتخيل راصدا يبدو ثابتا. عند الجلوس في قطار ~~متوقف عند الرصيف، غالبا لا يكون واضحا للراكب للحظات هل قطاره بدأ التحرك أو ~~القطار الموجود على السكة الحديدية المجاورة هو الذي بدأ الخروج من المحطة. إذا ~~بادلنا المنظور بين الجسم والراصد تبقى الحركة دون تغيير، ويمكننا وصفها بأنها حركة ~~قطارنا نحو الأمام أو حركة القطار الآخر في الاتجاه المعاكس. ما ينطبق على هذا ~~القطار ينطبق على الكواكب. إذا بدا أن الشمس تتحرك متخطية الراصد الثابت على الأرض ~~من الشرق إلى الغرب، فمن المؤكد الآن أن الراصد هو الذي يتحرك متخطيا الشمس ~~«الثابتة» من الغرب إلى الشرق. خلال هذا التغيير للمنظور، يجب أن تبقى بعض السمات ~~«دون تغيير»؛ فكما رأينا في تفسير فصول السنة، استعاض كوبرنيكوس عن الميل في دائرة ~~الشمس بالميل في محور الأرض. يظل الميل (23,5 درجة) ثابتا ولكن ينتقل الفلك المائل ~~من الشمس إلى الأرض. كيف يؤثر هذا التغيير في المنظور في حالة الراصد الأرضي؟ من ~~وجهة نظر الراصد الثابت الموجود على الأرض، يبدو أن النجوم الثابتة تتحرك من الشرق ~~إلى الغرب، في حين تتحرك الكواكب عموما من الغرب إلى الشرق، باستثناء فترات ~~الدوران القهقري. إذا غيرنا المنظور وجعلنا الراصد الأرضي يتحرك من الغرب إلى الشرق ~~من خلال الدوران اليومي للأرض، تبقى الحركة ولكن يتغير الاتجاه. سيبدو لنا أن الشمس ~~تشرق من الشرق وتأفل في الغرب. إذا جعلنا الشمس ثابتة وجعلنا الأرض تدور حول محورها ~~من الغرب إلى الشرق، فسيظل مدار الشمس عبر السماء كما هو ولكن حينها سيتغير ~~اتجاهها. في الواقع، تظل كل خصائص الحركة الظاهرية للشمس عبر كوكبة النجوم - المسار ~~الظاهري الشمسي - ثابتة، إلا أن منظور الحركة هو ما يتغير. وهذا ms034 - كما يرى ~~كوبرنيكوس - أقل تعقيدا بكثير. فأن تتسبب حركة الأرض في الحركة السريعة الواضحة ~~للنجوم الثابتة أمر أكثر عقلانية من أن تدور النجوم الثابتة بسرعة مرة واحدة في ~~فلكها في إيقاع مدته 24 ساعة. ذكر كوبرنيكوس تغير منظوره مبكرا للغاية في الكتاب: # رغم كثرة المرجعيات التي تقول إن الأرض تقع في مركز العالم وإن الناس ~~يعتقدون أن الافتراض المعارض لا يمكن تصوره، وحتى قد يكون سخيفا؛ فإذا ~~تأملنا هذا الأمر بانتباه، فسنرى أن هذه المسألة لم تقرر بعد، ووفقا ~~لذلك، لا يعني هذا أن تزدرى؛ «فكل تغيير ظاهر في المكان يحدث بسبب حركة ~~الشيء المرصود أو الراصد.» أو بسبب الحركة غير المتساوية بالضرورة لكليهما. ~~وعدم الحركة يمكن إدراكه نسبيا من منظور الأشياء المتحركة على نحو متساو ~~في الاتجاه نفسه؛ أعني بصورة نسبية بين الشيء المرصود والراصد. # تتناول هذه الفقرة تغيير المنظور، الذي سوف يبقي المشاهدات كما هي: # الآن ترصد الدائرة السماوية وتظهر أمام أنظارنا من الأرض. ومن ثم، ~~إذا كان يجب أن تعزى بعض الحركة إلى الأرض فسوف تظهر في أجزاء الكون ~~الخارجية، في صورة الحركة نفسها ولكن في الاتجاه المعاكس، كما لو أن ~~الأشياء الخارجية تتجاوزنا. والدوران اليومي على نحو خاص يمثل هذه الحركة. ~~فيبدو أن الدوران اليومي يحمل الكون كله معه، باستثناء الأرض والأشياء من ~~حولها. وإذا سلمت بأن السماوات لا تمتلك أيا من هذه الحركة ولكن ~~الأرض تدور من الغرب إلى الشرق، فسوف تجد - إذا أجريت دراسة متأنية - فيما ~~يتعلق بشروق وغروب الشمس والقمر والنجوم ظاهريا، أن الوضع كذلك ~~بالفعل. # ينهي كوبرنيكوس هذه المناقشة باستدعاء مستتر قليلا لمبدأ شفرة ~~أوكام، وهو مبدأ - أذكره على نحو فضفاض للغاية ودون احترام لسياقه الأصلي - يقضي ~~بأن بساطة التفسير فضيلة عظيمة في العلم؛ فمن بين تفسيرين مختلفين للظاهرة نفسها، ~~التفسير الأكثر بساطة عموما يكون مفضلا. والتفسير الأكثر بساطة ليس التفسير المخل ~~البالغ التبسيط، وإنما هو التفسير الذي يترك أشياء أقل دون ربط بعضها ببعض ويوضح ~~أشياء أكثر من خلال مبادئ أقل. ms035 # ونظرا لأن السماء هي التي تحتوي على كل شيء وتحتضنه كمكان عام لهذا ~~الكون، فإنه لن يكون واضحا أبدا لماذا لا ينبغي أن تعزى الحركة إلى ~~المحتوى بدلا من المحتوي، إلى الشيء الموضوع بدلا من الشيء الذي يمثل ~~المكان. (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول؛ الكتاب الثالث) # يلمح كوبرنيكوس إلى سمة «ثانية» للتحول الكوبرنيكي؛ إذ يجب أن ~~يكون تغيير المنظور - الذي يحدث على خلفية من بعض السمات الثابتة - مصحوبا ببعض ~~المكاسب التفسيرية. وإن لم يكن كذلك، فهذا يعني أننا نتبادل المنظورات وحسب. فسيكون ~~لدينا منظورات مختلفة، كلها صالحة على نحو متساو، دون وجود ما يفصل بينها، ولكن لم ~~يحدث هذا فعليا في تاريخ العلم، وقد بذل كوبرنيكوس جهدا عظيما ليبين أن الفرضية ~~الكوبرنيكية تمنحنا مزايا تفسيرية. وهو يستخدم حركة الأرض كمبدأ أكثر جدارة بالقبول ~~ظاهريا (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول؛ انظر أيضا المبادئ السبعة في ~~«الشرح المختصر» 1959، 58). يمكن من خلال هذا المنظور تحديد المسافة النسبية ~~للكواكب. إن حركة الدوران القهقري ليست مشكلة هندسية، بل هي انعكاس مادي لموضعنا في ~~النظام الشمسي. صحيح أن تفسير فصول السنة أكثر تعقيدا من منظور كوبرنيكوس، ولكن ~~يمكن بسهولة تعديل هذا بالتخلي عن الأفلاك. وهكذا يمثل التفسير الكوبرنيكي مقاربة ~~لظاهرة فصول السنة أفضل من التفسير البطلمي. # إن تغيير المنظور يمثل سمة مهمة للتحول الكوبرنيكي؛ فقد بدأ العديد من العلماء ~~العظام حياتهم بتغيير في المنظور. فداروين - كما سنرى - دعا إلى تغيير في المنظور ~~فيما يخص مشكلة عصره الكبيرة: «أصل» الأنواع. لقد دعا العلماء إلى تغيير المنظور من ~~أجل زيادة المكاسب التفسيرية، مع إبقاء الأشياء الأخرى ثابتة. ماذا عن المفكرين ~~المؤثرين في مجال العلوم الاجتماعية أمثال ماركس وفرويد؟ هؤلاء المفكرون، أيضا، ~~أحدثوا تغييرا في المنظور، ولكن من مواضع الخلاف مسألة هل كانت المكاسب ~~التفسيرية - التي نالوا الفضل فيها - تنشأ حقا من تغيير المنظور. وتخيم ظلال الشك ~~تلك أيضا على كوبرنيكوس. وهي تفسر سبب عدم النظر إلى كوبرنيكوس كثوري حقيقي على ~~المستوى العلمي. تتطلب الثورة العلمية تغييرا في المنظور، ولكن مجرد تغيير المنظور ms036 ~~لا يشكل ثورة علمية؛ فثمة عنصر مهم في الثورة العلمية هو بعض «المكاسب التفسيرية». ~~فإذا ظلت الشكوك حول المكاسب التفسيرية المتحققة بتغيير التفكير قائمة، فثمة شكوك ~~حول تأثيرها الثوري الحقيقي. وكانت هذه هي مشكلة كوبرنيكوس، كما سنرى، ومع ذلك، ~~فالمفكرون أمثال كوبرنيكوس وفرويد يذكروننا بنتيجة إضافية للثورة العلمية؛ أن يكون ~~لها تأثير كبير على طريقة نظر الناس إلى العالم. في حالة كوبرنيكوس، يؤدي هذا إلى ~~فقدان المركزية، وفي حالة داروين يسبب فقدان التصميم، وفي حالة فرويد يؤدي إلى ~~فقدان الوضوح. # ربما تحتاج الثورة العلمية إلى وقت لتنتشر؛ فمن الممكن أن يبدأ أحد المفكرين ~~تغييرا في المنظور ويكمل الآخرون الصورة. وتاريخ علم الفلك من كوبرنيكوس حتى نيوتن ~~يوضح هذه النقطة؛ فالمعاني الاشتقاقية لكلمة «ثورة» تتضمن «الاجتثاث»، بمعنى عكس ~~وإسقاط وجهات النظر أو الشروط القديمة الراسخة. والعمل على مفهوم «تحويل الأفكار» ~~أو «تغيير المنظور» يتيح لنا التركيز على العلماء الذين أتموا تغيير المنظور. تألف ~~التحول الكوبرنيكي من إعادة ترتيب النظام الهندسي للكواكب. بنى علماء الفلك النماذج ~~من المواد الموجودة فعليا: الكواكب الستة المعروفة من العصور القديمة حتى القرن ~~الثامن عشر. وبمجرد أن تصبح المكونات في متناول اليد، ثمة سؤال مباشر يطرح نفسه؛ ~~كيف ينبغي ترتيب هذه العناصر بعضها بالنسبة إلى بعض؟ استهل الإغريق تقليدا قديما من بناء ~~النماذج في تاريخ علم الفلك. وكان يتألف من مهمتين؛ تحديد بنية طوبولوجية للنموذج، ~~من شأنها أن ترتب الكواكب في ترتيب هندسي أو مكاني. اختار معظم علماء الفلك الإغريق ~~ترتيبا يضع الأرض في المركز (أرضي المركز). عكس كوبرنيكوس هذا التقليد من خلال ~~اختيار ترتيب يضع الشمس في المركز (شمسي المركز). بمجرد اختيار البنية الطوبولوجية، ~~لا بد من إيجاد بنية «جبرية» للنموذج. تحدد البنية الجبرية العلاقات الكمية بين ~~مكونات النماذج. استخدم الإغريق العديد من الأدوات الهندسية: الدوائر اللامتراكزة ~~أو المؤجلات وأفلاك التدوير. غير كوبرنيكوس البنية الطوبولوجية لنماذج الكواكب، ~~ولكنه أبقى الافتراضات الهندسية لأسلافه الإغريق؛ لهذا السبب لم يحقق كوبرنيكوس ~~المكاسب التفسيرية المرتبطة بالثورة العلمية. فأي تقدم تفسيري ms037 يمكن لكوبرنيكوس أن ~~يدعي تحقيقه ينشأ عن البنية الطوبولوجية للنموذج الشمسي المركز. فلم يقدم كوبرنيكوس ~~أي إسهام للبنية الجبرية لنماذج الكواكب. وتحقق المكسب التفسيري في البنية الجبرية ~~ببطء من خلال أعمال كبلر وجاليليو ونيوتن. # يمكننا أن نشيد بكوبرنيكوس لطرحه تغييرا في المنظور، ومع ذلك سنعزو الفضل ~~لخلفائه البارعين في استكمال التحول الكوبرنيكي؛ ففي الثورة العلمية، تغيير المنظور ~~على خلفية عناصر ثابتة يجب أن يضاف إليه مكسب تفسيري في البنية الجبرية. سوف نرى ~~أن نظرية داروين كانت قادرة على تقديم هذه المكاسب التفسيرية، في حين فشل فرويد ~~مثلما فشل كوبرنيكوس في ذلك. نحن لسنا مخطئين عندما نعتبر عمل كوبرنيكوس بمنزلة فجر ~~الثورة الكوبرنيكية والعلوم الحديثة؛ فكوبرنيكوس شخصية رئيسية تفوق مكانتها في ~~تاريخ الأفكار العلمية مكانتها في تاريخ الثورات العلمية (بلومنبرج 1957؛ 1981، ~~الجزء الأول؛ الجزء الثالث؛ 1965) كان لكوبرنيكوس تأثير كبير على طريقة ~~تحديد البشر لمكانتهم في الكون الأكبر. وسوف نرى أن أسئلة فلسفية كبرى تنبع من ~~التحول الكوبرنيكي والثورة الكوبرنيكية، ولكن لنكمل أولا قصة الثورة ~~الكوبرنيكية. ~~(أ) تنحية الفلسفة جانبا: من الملاءمة التجريبية إلى الصلاحية ~~النظرية # تتضمن الأقسام السابقة بعض الدروس الفلسفية؛ فتفسير فصول السنة في النماذج ~~الأرضية المركز والشمسية المركز، على الترتيب، يبين أننا في التفسير العلمي نطلب ~~أكثر من مجرد توافق النموذج مع البيانات التجريبية. لنقل إن نموذجين من النماذج ~~غير المتوافقة، اللذين يتفقان مع الأدلة التجريبية، يتمتعان بالملاءمة ~~التجريبية. يستطيع كلا النموذجين البطلمي والكوبرنيكي أن يفسر البيانات المتاحة ~~جيدا على نحو متساو، لكنهما يفعلان ذلك بافتراض بنيتين مختلفتين. يعد كلاهما ~~تفسيرا محتملا بالنسبة للأدلة المتاحة غير أن النموذج الكوبرنيكي يقدم بنية ~~طوبولوجية أفضل من النموذج الأرضي المركز. من أجل تحديد الفرق في الملاءمة سنقول ~~إنه يكتسب «صلاحية تجريبية». ونحن بحاجة أيضا إلى نموذج يجب أن تتوافق بنيته ~~الرياضية مع بنية النظام المستهدف. من أجل تحقيق هذه الملاءمة يجب أن يصبح ~~النموذج نموذجا بنيويا أو نظرية (انظر القسم 6-5، أ). وفقا لتفسير البنية ~~الرياضية للظواهر المرصودة، نقول إن النظرية التفسيرية يجب ms038 أن تكتسب «صلاحية ~~نظرية». ونرى الحاجة للصلاحية النظرية في تاريخ نماذج الكواكب. سعى الإغريق إلى ~~«إنقاذ الظواهر». فحاولوا ملاءمة المشاهدات الحسية مع الفرضيات المسبقة حول ~~حركة الكواكب. كان النموذج الأرضي المركز دقيقا إلى حد ما في توقعاته لحركة ~~الكواكب، ولكنه كان يستند إلى بنية خاطئة: أجهزة مثل أفلاك التدوير والدوائر ~~اللامتراكزة. وبما أن هذه الأجهزة لا تعكس أي آلية فيزيائية، فليس لها صلاحية ~~نظرية. ورغم أن كوبرنيكوس استخدم أيضا هذه الأجهزة، فإن نموذجه وضع الكواكب في ~~ترتيب مكاني، وهو الترتيب القريب من البنية المكانية (الطوبولوجية) للنظام ~~الشمسي. وفي هذا الصدد كان يتمتع بالصلاحية التجريبية. ويعزز نموذج مركزية ~~الشمس - في الشكل الذي صاغه به كبلر - هذا القرب من واقع النظام الشمسي؛ لأنه ~~استبدل بنية جبرية جديدة بأجهزة النموذج الأرضي المركز التقليدية. وعن طريق ~~نيوتن، يصبح النموذج أخيرا نظرية؛ فكما سنرى في الجزء التالي، اكتشف كبلر ~~قوانين رياضية لوصف حركة الكواكب بحيث لم يعد ضروريا حمل الكواكب على أفلاك ~~مساراتها دائرية. والمحصلة هي أننا نريد أن تكون فرضيات النموذج أكثر من ~~مجرد فرضيات خاصة بالأدوات. يجب أن تكون فرضيات النموذج متوافقة مع بنية النظام ~~الطبيعي (انظر القسم 6-5). وهذا الشرط الضروري يوجهنا نحو مناقشة للذرائعية ~~والواقعية (القسم 6-2). ~~(3-4) ترسيخ نظرية كوبرنيكوس: كبلر وجاليليو # إن إنجاز كبلر الرائع مثال جيد للغاية على حقيقة أن المعرفة لا يمكن أن ~~تنبع من الخبرة وحدها، بل تنبع وحسب من المقارنة بين ابتكارات الفكر ~~والواقع المرصود. (أينشتاين، «يوهانز كبلر» (1930)، 266) # أطلق كوبرنيكوس برنامج بحث جديدا اعتمد اكتماله على بعض ~~المساهمات الرائدة. تتمثل الشخصية المحورية التالية التي تعتلي مسرح الأحداث في ~~عالم الفلك الدنماركي تيكو براهي (1546-1601). كان براهي معارضا أبديا ~~للكوبرنيكية، ومع ذلك فقد كان يحتل موقعا محوريا في تاريخ مركزية الشمس؛ وذلك ~~لأن براهي طور طرق رصد بارعة وجمع كميات مهولة من البيانات الجديدة (شكل # 1-8 ~~): # شكل 1-8: مرصد تيكو براهي في جزيرة فين (المصدر: مجلة نيتشر 15 (1876-1877)، صفحة 407). # في عام 1572 اكتشف براهي نجما ms039 جديدا، كان في البداية يضيء بضوء ~~زاه جدا في السماء ولكنه اختفى لاحقا. كان براهي في الواقع قد ~~اكتشف مستعرا أعظم؛ وهو ظهور في السماء لضوء ساطع جدا نتيجة ~~الانفجار الهائل لنجم ضخم. يزيد سطوع الضوء مئات الملايين من المرات في ~~غضون بضعة أيام فقط. # بين 1577 و1596، اكتشف براهي مذنبات في السماء، من المفترض أن تقع ~~مداراتها وراء الفلك الخارجي للقمر. ربما المذنب الأكثر شهرة هو المذنب ~~هالي، الذي سمي على اسم الفلكي الملكي الذي استخدم نظرية نيوتن للتنبؤ ~~بمداره. وفي الآونة الأخيرة، تلقى سكان الأرض زيارة من المذنب هيل-بوب، ~~الذي حدث أقرب وجود له بجوار الأرض في 22 مارس 1997 على مسافة 123 ~~مليون ميل (شكل # 1-9 ~~). # تيكو براهي (1546-1601). # كانت هذه الاكتشافات مهمة للغاية؛ لأنها أثارت تساؤلات جدية حول ثبات السماوات، ~~وهي سمة خاصة بالفلك فوق القمري في كون أرسطو؛ فقد كان ظهور مستعر أعظم فيما وراء ~~الفلك تحت القمري غير متوافق مع عقيدة طبيعة السماوات غير المتغيرة أبدا. إن ~~مدارات المذنبات بيضاوية الشكل للغاية؛ فعلى سبيل المثال، فلك المذنب هالي يمر ~~بمدارات الكواكب الخارجية، حيث يبلغ تقريبا مدار بلوتو قبل أن يعود إلى الأرض. ~~واجتاز المذنب هيل-بوب النظام الشمسي من الفضاء الخارجي، عائدا من آخر زيارة له في ~~عام 2214 قبل الميلاد. ووفقا لوجهة نظر أرسطو-بطليموس، ببساطة لا ينبغي أن توجد ~~هذه المدارات. تذكر أنه لهذه الأسباب رفض زائرا جاليليو التفكير في وجود أقمار ~~لكوكب المشتري. إن التوجه الذهني البديل هو تبني نوع من الانهزامية، نجدها في الجزء ~~الختامي من كتاب «المجسطي» لبطليموس. معرفتنا بالأجرام السماوية قاصرة للغاية حتى ~~إن ما يعد مستحيلا وفقا لنموذجنا - المذنبات التي تجتاز الأفلاك - ربما يتضح أنه ~~ممكن في السماوات (بطليموس 1984، الكتاب الثالث عشر). # شكل 1-9: مشهد تخطيطي لمدار المذنب هيل-بوب بين الزهرة والمريخ وهو في ~~طريقه عابرا النظام الشمسي في يونيو 1997. مدارا المريخ والزهرة ~~مائلان نسبة إلى المسار الظاهري. # اقترح تيكو براهي حلا وسطا بين النظامين الكوبرنيكي والبطلمي. فتمثل الأرض ms040 في ~~نظامه مركز الكون مع دوران القمر والشمس حولها، ولكن تدور الكواكب الأخرى حول ~~الشمس. كان نظام براهي مهما لهؤلاء الفلكيين الذين يريدون استخدام النظام ~~الكوبرنيكي بسبب مزاياه الحسابية، ولكن لا يمكنهم الموافقة على دوران الأرض لأسباب ~~فلسفية (كون 1957، 202). ويؤدي هذا إلى جداول فلكية أفضل. # من دون بيانات براهي الفلكية، لم يكن يوهانز كبلر سيكتشف قوانينه الفلكية ~~الثلاثة. وهي أول قوانين دقيقة حسابيا في علم الفلك: ~~(1) # ينص القانون الأول على أن مدارات الكواكب ليست دائرية ولكنها تتخذ ~~شكل قطع ناقص. وبهذا القانون، أودعت حركة الدوران الدائرية المثالية ~~القديمة في مزبلة تاريخ الأفكار. ~~(2) # يتخلى القانون الثاني عن فكرة وجود حركة موحدة، كانت لا تزال مفترضة ~~في نموذج كوبرنيكوس. وهو ينص على أن الفترة المدارية لكل كوكب تختلف عن ~~الكواكب الأخرى بحيث إن «الخط المرسوم بين كوكب ما والشمس يقطع مساحات ~~متساوية خلال أزمنة متساوية» فالكوكب القريب من الشمس يتحرك أسرع من ~~كوكب آخر بعيد عنها، ولكن الخط الواصل بين كل كوكب والشمس يقطع مساحات ~~متساوية من القطع الناقص في فترات متساوية من الزمن. ~~(3) # ينص القانون الثالث على وجود علاقة بين سرعة الكواكب في المدارات ~~المختلفة P ~~، ومتوسط المسافة التي تفصلها عن ~~الشمس # A: ~~A # 3 ~~∝ P # 2 ~~. # يوهانز كبلر (1571-1630). # يعتقد البعض أن صياغة هذه القوانين تجعل كبلر الثوري الحقيقي في ~~تاريخ علم الفلك (كوستلر 1964، الجزء الرابع). تذكر التمييز بين البنية ~~«الطوبولوجية» و«الجبرية». يرفض كبلر كثيرا من النهج الإغريقي الذي ظل كوبرنيكوس ~~ملتزما به؛ فالدوائر والأفلاك الوهمية (كبلر 1618-1621، الكتاب الرابع، الجزء ~~الأول، 124)، والأهم من ذلك عقيدة الحركة الدائرية، رفضت كعناصر للبنية ~~الطوبولوجية. يقدم كبلر من خلال قوانينه الثلاثة مساهمة كبيرة في تحسين البنية ~~الجبرية للنموذج الشمسي المركز. علاوة على ذلك، يريد كبلر بناء علم فلك معتمد على ~~المسببات الفيزيائية لحركة الكواكب. ويقدم مقترحا بأن حرارة الشمس وضوءها ربما ~~يبقيان الكواكب في مداراتها الإهليجية الشكل (كبلر 1618-1619، الكتاب الرابع، الجزء ~~الثاني). كان يقصد أن يعزو حركة الكواكب إلى قوى طبيعية، بدلا ms041 من وجود «قوى ~~خارجية» هي التي «تحرك الكواكب»؛ فهو يعزو «الروح المحركة» إلى الشمس. أخفق مقترح ~~كبلر على نحو لا يثير الدهشة. ظلت هناك حاجة إلى عدة خطوات أخرى قبل إكمال الثورة ~~الكوبرنيكية. تطلب إكمالها أن يتشارك أنصار مركزية الشمس بعض القناعات الأساسية ~~وليس جميعها. # جاليليو جاليلي (1564-1642). # هذه النقطة موضحة جيدا في أعمال جاليليو جاليلي. جاليليو عالم كوبرنيكي لا يكترث ~~لإنجازات كبلر؛ فهو يتجاهل اكتشاف كبلر للمدار الإهليجي الشكل لجميع الكواكب ويعتنق ~~فكرة الحركة الدائرية كحركة طبيعية لجميع الأجرام. مع ذلك، لا يمكن التشكيك في ~~أهميته في العلم، ولذلك ثلاثة أسباب: ~~(1) # دافع جاليليو عن النظرية الكوبرنيكية وقدم أدلة جديدة - من خلال استخدام ~~التليسكوب - دحضت النظرية الأرسطية البطلمية، ومنحت المصداقية لفرضية ~~مركزية الشمس. وكما ذكرنا بالفعل، بدأ جاليليو بفرضيات جديدة. والأكثر ~~أهمية هو استخدامه للمشاهدات والوصف الرياضي للطبيعة، ذلك خلافا لأتباع ~~المدرسة السكولاستية مثل عالم الرياضيات والفيلسوف في مسرحية بريشت. ~~وقدمت كل مشاهدات جاليليو دلائل على أن السماوات ليست ثابتة. ~~(أ) # تقدم أقمار كوكب المشتري - التي كان يود أن يراها ضيفاه من خلال ~~التليسكوب بدلا من المناقشة العلمية - نموذجا مصغرا مرئيا للنظام ~~الشمسي الكوبرنيكي؛ فالأقمار تدور حول كوكب المشتري كمركز لها. فلو كان ~~المشتري محمولا على فلك بلوري، لاصطدمت الأقمار به وحطمته. وعلى النقيض من ~~رأي الفيلسوف، ثمة أجرام سماوية «تدور حول مراكز أخرى غير الأرض». ~~(ب) # تظهر دراسة تضاريس القمر التشابه بين الأرض والقمر. وهذا يلقي بظلال من ~~الشك على الأساس المنطقي للكون ذي الفلكين. ~~(ج) # يتعارض رصد البقع الشمسية - على غرار سطح القمر - مع الكمال المفترض ~~للمنطقة السماوية في الكون. ~~(د) # تقدم أطوار كوكب الزهرة معلومات مباشرة عن شكل مداره. فبما أن الزهرة يقع ~~داخل مدار الأرض، فإن الراصدين الأرضيين يرونه مضيئا في اتجاهات مختلفة. ~~وهذا يقدم دليلا مباشرا على الأقل على أن كوكب الزهرة يدور حول الشمس ~~(كوستلر 1964، 431-435؛ كون 1957، 222-224؛ كوبرنيكوس 1543، مقدمة؛ ديويت ~~2004، 156-164). ~~(ه) # تشير دراسة مجرة درب التبانة إلى اللانهائية المحتملة للكون. ~~(2) # طور جاليليو ms042 علم الميكانيكا؛ وهو ما مهد الطريق لوضع نظرية حديثة ~~للحركة تستغني عن «الدفعات» و«الزخم». وطور جاليليو قانون السقوط الذي ينص ~~على أن جميع الأجسام تسقط بالسرعة نفسها، التي يسببها تسارع الجاذبية ~~بالقرب من سطح الأرض، كما صاغ جاليليو أيضا «مبدأ النسبية» (جاليليو 1953، ~~199-201). إن النظام الثابت والنظام المتحرك باستمرار متكافئان من وجهة ~~النظر الفيزيائية؛ فالأنظمة ثابتة بالنسبة لهذا التغير في المنظور. ويقدم ~~جاليليو تجربته الفكرية الشهيرة للتدليل على تكافؤ أنظمة القصور الذاتي . في ~~قمرة تحت سطح سفينة كبيرة، ارصد سلوك «الذباب» و«الكائنات المجنحة ~~الصغيرة» الأخرى و«سمكة في وعاء». في البداية تكون السفينة ثابتة. وعند ~~اكتمال أول مجموعة من المشاهدات، دع السفينة تسير بسرعة ثابتة. سوف تكشف ~~المشاهدات عن عدم وجود أي اختلاف في سلوك هذه الكائنات (جاليليو 1953، ~~199-201). أي شيء يحدث للكائنات في هذه النظم يحدث وفقا للقوانين نفسها. ~~وهكذا، على الرغم من تغيير المنظور، فإن الانتظام ثابت. كان اكتشاف جاليليو ~~لمبدأ النسبية حيويا بالنسبة لفهم السؤال الأكثر إلحاحا في علم الفلك: ~~«كيف تتحرك الكواكب في مداراتها؟» وترك أمر تقديم الجواب النهائي لنيوتن ~~(القسم 5). ~~(3) # وأخيرا، أصبح جاليليو مدافعا متحمسا عن حرية البحث العلمي ضد تدخل ~~الكنيسة؛ فعلى غرار روجر بيكون في العصور الوسطى، طالب جاليليو بالفصل بين ~~اللاهوت والفلسفة الطبيعية؛ فمقاطع الكتاب المقدس قد لا تعني حرفيا ما ~~يبدو أنها تقوله؛ ولهذا السبب ينبغي عدم استخدام مقاطع الكتاب المقدس في ~~التشكيك فيما تعلمنا إياه المشاهدات أو التفكير الرياضي. # طور كبلر وجاليليو النموذج الشمسي المركز. وأكمله نيوتن بالاعتماد ~~على أعمالهما. وبهذا نبدأ في أن نرى بشكل أوضح السبب في أن كوبرنيكوس لم يمثل ثورة ~~علمية. ~~(4) كوبرنيكوس لم يمثل ثورة علمية # لذا، بما أن الشمس هي مصدر الضوء وعين العالم، فإنها تستحق أن توصف بالمركز ~~بحيث إن الشمس (...) قد تفكر في سطحها المقعر كله (...) وتستمتع بصورتها، وتضيء ~~نفسها من خلال التألق وتذكي نفسها بالدفء. (كبلر، «خلاصة الفلك الكوبرنيكي» ~~(1618-1621)، الكتاب الرابع، الجزء الأول (20)) # منذ أن أحدث كوبرنيكوس التحول الكوبرنيكي، طرح السؤال هل ms043 كان يمثل ثورة علمية ~~أم لا. كان كوبرنيكوس نفسه وتلميذه يواخيم ريتيكوس مدركين للطبيعة المتفجرة للتحول ~~الكوبرنيكي؛ ففي إهدائه كتابه للبابا بولس الثالث، يعترف كوبرنيكوس بأن فرضيته الخاصة ~~بمركزية الشمس ستبدو للعديد من معاصريه سخيفة. ويبدو أن ريتيكوس وجد أنه من الضروري ~~التأكيد على أن كوبرنيكوس لم يكن «منقادا بشهوة الابتداع» (ريتيكوس 1540، 187)، ولكن ~~نظرية مركزية الأرض غير قادرة على تفسير حركة الكواكب بما فيها من «تناسق وترابط ~~رائعين». لقد فشل القدماء لأنهم لم يعتبروا الكواكب وحركاتها نظاما (ريتيكوس 1540، ~~138). وكما رأينا في المناقشة السابقة، من المهم للنظرية العلمية أن تفسر كل الظواهر ~~التي تقع في مجالها. واحتكم ريتيكوس لهذا المعيار عندما أشار إلى أن هذه الفرضيات فحسب ~~هي التي يمكنها أن تفسر أن كل الانحرافات الواضحة لحركة الكواكب مقبولة (ريتيكوس 1540، ~~168). # كان يوجد إدراك واضح بأن التحول الكوبرنيكي يحمل بذور رؤية كونية جديدة، ولكن هل كان ~~التحول الكوبرنيكي ثوريا؟ درس كثير من العلماء هذا السؤال، وسيمنح بعضهم كوبرنيكوس ~~فضلا قليلا للغاية. فكتاب كوبرنيكوس ليس سوى «إصدار معاد تنظيمه قليلا من كتاب ~~«المجسطي»» (دي سولا برايس 1962، 215). ليس النظام الشمسي المركز تحسنا في الحسابات عن ~~النظام أرضي المركز، ولكنه «أكثر إرضاء للعقول الفلسفية» (نوجيباور 1968؛ ~~كوستلر 1964، الجزء الثالث). يمتلك النظام الكوبرنيكي مزايا جمالية (كون 1959، ~~171-181)، كما يفسر أيضا حالتي شذوذ كوكبي كبيرتين من دون اللجوء إلى أفلاك ~~التدوير الكبيرة؛ وهما حركة الدوران القهقري والأوقات المتفاوتة التي تحتاجها الكواكب ~~من أجل إكمال دوراتها حول الشمس (كون 1959، 165-171). وكما رأينا، فإنه يفسر أيضا ~~تواتر فصول السنة، رغم أن هذا التفسير أقل إرضاء من الناحية الجمالية من محاولة ~~بطليموس لتفسيرها. يتفق معظم مؤرخي العلوم على أن كوبرنيكوس لم يحقق ثورة ~~علمية. # 5 # ثمة أسباب كثيرة لهذا الحكم؛ أولا: لا يزال كوبرنيكوس ملتزما بالمثل الإغريقية ~~الخاصة بالحركة الدائرية. ويتمثل اعتراضه الرئيس على بطليموس في استخدام الموازن، الذي ~~ينتهك الأفلاك الدائرية المنتظمة المثالية. # ثانيا: يوجد عدم اتساق في معاملة كوبرنيكوس لحركة الكواكب، يكشف عن نفسه في التناقض ~~بين الجزء الأول ms044 من كتاب «عن دورات الأفلاك السماوية» وبقية الكتاب؛ ففي الجزء الأول، ~~يبدأ كوبرنيكوس بثقة بالتأكيد على الدوران السنوي للأرض حول الشمس. ويؤمن أن الحركة ~~حقيقية وأن لها قيمة تفسيرية، ولكن في الأجزاء الفنية من كتابه، نواجه ما سماه بطليموس ~~«تكافؤ الفرضيات». فثمة تقنيات هندسية مختلفة لوصف حركات الكواكب ينظر إليها ~~باعتبارها متكافئة. صحيح أنها قد تكون «كافية للظواهر» لكنها لا تقدم تفسيرا حقيقيا. ~~وتبين لا مبالاة كوبرنيكوس تجاه الأساليب المختلفة أنه غير معني بالتفسير المادي ~~للظواهر، ومع ذلك، هذا التفسير المادي لازم لدفع علم الفلك لما هو أبعد من مجرد وصف ~~مدارات الكواكب. ويوافق كوبرنيكوس الإغريق في أن «الكواكب ليست محمولة على دوائر ~~متماثلة المركز» (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الخامس). وتخفق هذه الأداة الهندسية ~~في تفسير الشذوذ الظاهر في حركات الكواكب، ولكنه يعتمد على التقنية التي لجأ إليها ~~الإغريق بالفعل؛ استخدام المؤجلات وأفلاك التدوير. ويرى أن هذه التقنيات البديلة معادلة ~~و«كافية للظواهر» (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الخامس). ولم يحرز كوبرنيكوس في ~~هذا الصدد أي تقدم عن بطليموس. اشتكى كبلر - وكان محقا - من أن أسلافه سعوا إلى ~~«موازنة فرضياتهم مع النظام البطلمي» (كبلر 1618-1619، الكتاب الرابع، الجزء الثاني). ولهذا السبب نحن بحاجة إلى التمييز بين الملاءمة التجريبية والصلاحية ~~النظرية. # ثالثا: ثمة أسباب أكثر ديناميكية لعدم اعتبار عمل كوبرنيكوس ثورة علمية. يستخدم ~~كوبرنيكوس نظرية الزخم لإضفاء حركة دائرية طبيعية على الأرض. وهذا ما يفسر سبب عدم ~~انهيار المباني على الأرض عندما تدور الأرض، ولكنه لا يجيب على السؤال الرئيس لعلم ~~الفلك في القرن السادس عشر: لماذا تدور الكواكب حول الشمس بسرعات متفاوتة وعلى مسافات ~~مختلفة؟ يقدم كوبرنيكوس أدوات هندسية، وتعين على كبلر أن يحل قوانين فيزيائية محلها. ~~ولكن لم يكن كوبرنيكوس يمتلك فكرة عن مفهوم القصور الذاتي أو الجاذبية. تسمح فكرة دوران ~~الكواكب حول الشمس لكوبرنيكوس بالتخلي عن أفلاك التدوير الكبيرة، ولكن فكرة الحركة ~~الدائرية الثابتة تجبره على استخدام أفلاك تدوير صغيرة. ومن وجهة النظر الرياضية، لا ~~يتمتع نظامه بكثير من البساطة. أما من وجهة النظر ms045 الفيزيائية، فإنه يترك أسئلة ~~استفسارية دون إجابة. # ومع ذلك، بدأ كوبرنيكوس «تحولا» كوبرنيكيا (دراير 1953، 342-343)؛ فقد صاحب تغيير ~~منظوره بعض المزايا الجديرة بالملاحظة لعلم الفلك؛ فكما يؤكد ريتيكوس مرارا وتكرارا، ~~الأمر الأكثر أهمية هو أن كوبرنيكوس يربط الكواكب معا في نظام متسق. فإذا أزلت أي فلك ~~من مكانه، ستسبب تعطيل النظام بأكمله (ريتيكوس 1540، 147؛ كوبرنيكوس 1543، تمهيد). ~~وكما رأينا، كان كوبرنيكوس مدركا بشدة لأهمية الاتساق: # حركة الأرض تربط معا ترتيب وحجم الدوائر المدارية للنجوم السيارة. ~~(كوبرنيكوس 1543، الكتاب الخامس ، مقدمة) # وأدرك كبلر أيضا هذه الميزة على نحو واضح للغاية: # تعامل بطليموس مع الكواكب كل على حدة، أما كوبرنيكوس وبراهي فقد قارنا ~~الكواكب بعضها ببعض. (كبلر 1618-1619، الكتاب الأول، الجزء الأول) # إن مفهوم اتساق ظواهر الكواكب يلزم الكوبرنيكيين ببناء نموذج لنظام ~~الكواكب يجب أن يستوعب جميع البيانات التجريبية المعروفة. وحقق نموذج كوبرنيكوس في هذا ~~الصدد نجاحا جزئيا؛ فعن طريق الربط بين حركة «النجوم السيارة» و«الحركة الدائرية ~~للأرض»، فإن «كل الظواهر» تتبع ذلك، هذا ما يذهب إليه كوبرنيكوس (كوبرنيكوس 1543، ~~تمهيد). وعلى الرغم من أنها لم تتبع جميعها ذلك، فإن النظام الكوبرنيكي يفسر على نحو ~~طبيعي ظاهرة حركة الدوران القهقرية للكواكب وفصول السنة، كما يحدد على نحو صحيح ترتيب ~~الكواكب والمسافات وبعدها النسبي عن الشمس (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول). ~~كما أنه يجعل الحركة اليومية والسنوية للأرض حول الشمس حقيقة واقعة، وليست جهازا ~~حسابيا (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول). وتوفر نجاحات وإخفاقات النظام ~~الكوبرنيكي مؤشرات مفيدة لمعايير الثورات العلمية. ~~(4-1) الأسلوب الكوبرنيكي # في وسط كل هذه الأجرام تقبع الشمس (...) كما لو كانت تجلس على عرش ملكي، ~~تحكم أسرة النجوم التي تدور حولها. (كوبرنيكوس، «عن دورات الأفلاك ~~السماوية» (1543)، الكتاب الأول، الفصل 10، مقتبسة في جنجريتش «عين ~~السماء» (1993)، 34) # رغم اعتماد كوبرنيكوس إلى حد بعيد على مشاهدات قديمة، فإنه كان ~~معتادا على القيام بمشاهداته الخاصة. في الوقت نفسه كان كوبرنيكوس على علم بالعمل ~~النظري الذي قدمه أسلافه؛ فهو يبدي كثيرا من الاحترام لبطليموس. ومما لا يثير ~~الدهشة وجود تنويه محفوظ خاص بأرسطرخس الساموسي الذي ms046 استبق فكرة النظام الشمسي ~~المركز. وكما كانت أعمال أسلاف كوبرنيكوس تمهيدا له، فقد كانت أعماله هو نفسه ~~تمهيدا لأعمال تشارلز داروين. ثمة نوعان من العناصر الجديرة بالذكر في قصص ~~الاكتشاف هذه. يدخل كوبرنيكوس - وينطبق هذا أيضا على داروين كما سنرى - فضاء ~~مفاهيميا تتنافس فيه بالفعل بعض الأفكار النظرية للحصول على الانتباه، وتدعي هذه ~~الأفكار النظرية أنها قادرة على تفسير «الظواهر». يصل نموذج كوبرنيكوس إلى بيئة ~~مأهولة؛ فهذا الفضاء المفاهيمي يستوعب بالفعل نظاما محكما أرضي المركز، وتقريرا ~~غير مفصل عن مركزية الشمس، ومشاهدات قديمة، ونظرية الزخم الخاصة بالحركة. وكما ~~نعلم، قام كوبرنيكوس بالمشاهدات الخاصة به، التي - مع ذلك - لم تؤد إلى اكتشافات ~~جديدة. يسمح لنا وجود فضاء مفاهيمي أن نستنتج نقطتين؛ أولاهما: أن كوبرنيكوس لم يصل ~~إلى نظامه الشمسي المركز عن طريق إجراء تعميم استقرائي على المشاهدات المتاحة، ~~وثانيهما: أننا نجد في الكتاب الأول من «عن دورات الأفلاك السماوية» وفي «النبذة ~~الوصفية الأولى» تقديرا تاما واضحا لمناقب نماذج النظام الشمسي المتناقضة ~~وعيوبها. # ترك لنا ريتيكوس بيانا مقتضبا عن الأسلوب الكوبرنيكي. فأشار إلى أن كوبرنيكوس ~~قارن في البداية المشاهدات من العصور القديمة والعصور الوسطى باستنتاجاته، «ساعيا ~~لإيجاد علاقة متبادلة تحدث توافقا بينها جميعا» (ريتيكوس 1540، 163). ثم قارن ~~تلك المشاهدات مع «فرضيات بطليموس والقدماء». وتبين من الفحص أن الفرضيات القديمة ~~لم تصمد أمام الاختبار. واضطر كوبرنيكوس لتبني فرضيات جديدة، وجد عناصرها - كما ~~اعترف بنفسه - في المعرفة الفلكية المخزونة الموجودة بالفعل. ينمق ريتيكوس الصورة. ~~رفض كوبرنيكوس فرضية مركزية الأرض لأنها مفرطة التعقيد وتتطلب أشياء كثيرة، وليس ~~لأنها كانت في تناقض مباشر مع المشاهدات. في رسمه للنظام الشمسي المركز في (كتاب «الشرح ~~المختصر») - الذي لم يكن موجودا منه سوى نسخ مكتوبة بخط اليد أثناء حياته - يعترف ~~كوبرنيكوس بأن النظام البطلمي «متوافق مع البيانات الرقمية»، ومع ذلك، فإنه يتطلب ~~أيضا الجهاز الهندسي «الموازن»، الذي يراه كوبرنيكوس مكروها من الناحية ~~الجمالية؛ فهو ينتهك إيمانه باتساق وانتظام السماوات (كوبرنيكوس، «الشرح المختصر»، ~~1959، 57؛ انظر روزن 1959، 38؛ 1984، 67). قدم كوبرنيكوس فرضية بمركزية الشمس على ms047 ~~خلفية من نظرية مركزية الأرض. ويواصل ريتيكوس قائلا إنه من خلال تطبيق الرياضيات، ~~فإن كوبرنيكوس: # يرسخ هندسيا الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منها (أي الفرضيات ~~الجديدة) عن طريق «الاستدلال» الصحيح، وبعد ذلك يحدث توافقا للمشاهدات ~~القديمة وبياناته مع الفرضيات التي تبناها، وبعد تنفيذ جميع هذه العمليات ~~يكتب أخيرا قوانين علم الفلك. (ريتيكوس 1540، 163) ~~«قوانين علم الفلك» هي الأفلاك الدائرية المنتظمة، التي استبدلها ~~كبلر. المهم في السياق الحالي هو ملاحظة أن كوبرنيكوس قدم «استنتاجات»؛ فهو يستخدم ~~البيانات المتاحة من أجل استنتاج أن النموذج البطلمي لم يكن ملائما. وفي الوقت ~~نفسه، يستنتج من البيانات أن الفرضية الكوبرنيكية أكثر ملاءمة. ولا تتكون البيانات ~~المتاحة فقط من المشاهدات؛ فيستخدم كوبرنيكوس فكرة الزخم لتفادي الحجج التقليدية ~~المقبولة ظاهريا ضد حركة الأرض؛ ومن ثم فإن الاستنتاج الكوبرنيكي ثنائي الاتجاه؛ ~~فالمشاهدات نفسها التي تشكك في النماذج الأرضية المركز تضفي بعض المصداقية على ~~النموذج الشمسي المركز. وعلاوة على ذلك، نشأت النتائج الاستنباطية من النموذج شمسي ~~المركز، وهي متلائمة على نحو أفضل مع المشاهدات؛ فعلى سبيل المثال، الترتيب الصحيح ~~للكواكب والمسافات النسبية لها يمثل نتائج استنباطية للنموذج الشمسي المركز. وكان ~~أيضا من النتائج الاستنباطية للنموذج الشمسي المركز إدراك أن حركة الدوران القهقري ~~للكواكب ما هي إلا صنيعة النموذج الأرضي المركز، كما سنرى، الممارسات الاستنباطية ذات ~~أهمية كبيرة في تاريخ العلم. ولا يجب الخلط بينها وبين الاستقراء من خلال الإحصاء. ~~واجه العلماء أمثال كوبرنيكوس الأدلة المتاحة والنماذج المتنافسة. فيستخدمون الأدلة ~~الرصدية وغيرها من المعايير، مثل احتمالية التفسير، لاستنتاج أن بعض النماذج أكثر ~~ملاءمة من غيرها. وتمثل الأدلة الرصدية، ودراسة الاحتمالات، ونظرية زخم الحركة الآن ~~قيودا مفروضة على قبول النماذج المتنافسة. وسوف نتعامل في فصل لاحق مع هذا ~~الإجراء الأساسي - استنتاج الملاءمة المعرفية لأحد النماذج من القيود المتاحة ~~والتشكيك في الوقت نفسه في نموذج منافس - على أنه طريقة «الاستقراء الإقصائي». إننا ~~نواجه منافسة بين نماذج متنافسة تدعي تفسير الأدلة المتاحة. ويستند كل نموذج إلى ~~فرضيات مختلفة - فرضية مركزية الأرض مقابل مركزية الشمس - ولكن ms048 لا يوجد نموذج يتمتع ~~بالصلاحية المطلقة. بالأحرى، هي مسألة قيمة تفسيرية. بالنظر إلى المشاهدات وغيرها ~~من القيود، أي النظامين يوفر تفسيرا «أكثر احتمالا»؟ سوف نجد هذا التوجه الذهني ~~في داروين؛ ففرضية الانتقاء الطبيعي هي تفسير أكثر احتمالا لتنوع الأنواع من حجة ~~التصميم. استخدم الكوبرنيكيون حجج «الاحتمالات» لصالح مركزية الشمس، فقالوا إن ~~دوران الأرض مرة واحدة حول محورها في 24 ساعة أكثر احتمالا على المستوى الفيزيائي ~~من دوران فلك النجوم الثابتة «بسرعة لا يمكن حسابها» في نفس الفترة حول الأرض ~~الثابتة (كبلر 1618-1621، الجزء الأول). وهكذا، يواصل كبلر قائلا: ~~(...) إن من الأكثر احتمالا وجوب أن يكون فلك النجوم الثابتة أكبر بألف ~~أو ألفي ضعف حجمه الذي أشار إليه القدماء، وليس وجوب أن يكون أسرع بأربعة ~~وعشرين ألف ضعف سرعته التي أشار إليها كوبرنيكوس. (كبلر 1618-1621، الكتاب ~~الرابع، الجزء الأول) # حركة الدوران السنوية للأرض حول الشمس تمنحنا «سببا أكثر ~~احتمالا لمبادرة الاعتدالات» (كبلر 1618-1621، الجزء الثاني، الكتاب الرابع؛ كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول). # كما أدرك كوبرنيكوس وكبلر بوضوح، أن بعض النماذج أفضل في التعامل مع الأدلة من ~~النماذج الأخرى؛ فعملية استنتاج النموذج، الأكثر توافقا مع القيود المتاحة، ليست ~~استنتاجا للنموذج الوحيد الصحيح؛ فالقيود ذاتها تخضع لفحص دقيق. لا يزال كوبرنيكوس ~~متمسكا بالحركة الدائرية المنتظمة كقيد في غاية الأهمية، وطالب بأن تحافظ الفرضيات ~~الكوبرنيكية على الظواهر (روزن 1959، 29). ويؤكد تاريخ مركزية الشمس من كوبرنيكوس ~~حتى نيوتن أن النموذج الأفضل يكون أفضل بالنسبة إلى الأدلة المتاحة والاعتبارات ~~النظرية على حد سواء، وقد أضفى كبلر من خلال القوانين التي وضعها للكواكب تغييرات ~~مهمة على النموذج الكوبرنيكي. وسجل تيكو براهي وجاليليو جاليلي مشاهدات أكثر ~~اتساقا مع مركزية الشمس من مركزية الأرض. وفي نهاية القرن السابع عشر، جمع نيوتن ~~فكرة القصور الذاتي والجاذبية للوصول إلى تفسير ميكانيكي معقول لسبب بقاء الكواكب ~~في مداراتها. وفي عام 1687 تغيرت قيود النموذج الفلكي الملائم إلى حد بعيد، ولكن ~~ثمة معضلة تواجهنا الآن. تذكر أن النموذج الأرضي المركز يفسر فصول السنة وكذلك يفسرها ~~النموذج ms049 الكوبرنيكي. لماذا يجب علينا تفضيل هذا النموذج الأخير، مع الوضع في ~~الاعتبار أنه يفترض حركة ثالثة إضافية زائدة للأرض؟ ~~(4-2) نسبية الحركة # أدخل جاليليو في الفيزياء مبدأ نسبية الحركة. (تبنى أينشتاين لاحقا هذا المبدأ ~~وعممه.) فالحشرات تطير عبر مقصورة السفينة بالطريقة نفسها، بغض النظر عن الحركة ~~القصورية للسفينة. وفقا لمبدأ النسبية، حركة الجسم يمكن وصفها إما من إطار مرجعي ~~ثابت أو متحرك. وما دامت الحركة قصورية (حيث يكون الجسم ثابتا أو يتحرك بسرعة ~~ثابتة)، فإن كلا الرأيين متماثلان، ويجب أن يؤديا إلى النتائج العددية نفسها. ~~إن مسألة اعتبار أي الإطارين ثابتا وأيهما متحركا مسألة اختيار؛ فهذا لا يصنع فارقا ~~في فيزياء الموقف. # من وجهة نظر النسبية يجب ألا يوجد فارق إذا ما تبنينا فكرة مركزية الأرض أو فكرة ~~مركزية الشمس (بورن 1962، 344؛ دي سولا برايس 1962، 198؛ روزن 1984، 183-184). ~~فيمكننا أن نتبع بطليموس: فنعتبر الأرض إطارا ثابتا والشمس إطارا متحركا. أو ~~يمكننا اتباع كوبرنيكوس: فنعتبر الأرض إطارا متحركا والشمس إطارا ثابتا. وفقا ~~لمبدأ النسبية خيارنا لا يحدث فارقا بالنسبة لفيزياء الموقف. وهذا ما يبدو عليه ~~الأمر. تدور الأرض حول محورها مرة واحدة كل 24 ساعة لتمنحنا الليل والنهار. ولو ~~دارت الشمس حول الأرض الثابتة مرة واحدة كل 24 ساعة، فسوف تمنحنا الليل والنهار. ~~وتنتج فصول السنة إما بسبب دوران الشمس حول الأرض في مدار مائل أو دوران الأرض حول ~~الشمس في مدار مائل. مع ذلك، ثمة أمور أخرى بخلاف علم الحركة المجردة (الكينماتيكا) ~~في وصف النظام الشمسي؛ فمن وجهة نظر كينماتيكية بحتة، النموذجان متكافئان. فوجهة ~~نظر الكينماتيكا معنية فحسب بالحركة النقية، بغض النظر عن أسبابها (دكسترهوز 1956، ~~الكتاب الأول؛ الكتاب الرابع). وهذا هو المنظور البطلمي ~~والكوبرنيكي، ولكن يوجد أيضا سؤال الديناميكا: ما الذي يسبب حركة الكواكب؟ تخيل ~~أنك تجلس في قطار توقف في المحطة. ولاحظت عبر النافذة قطارا يتحرك ببطء على ~~القضبان. يخبرك حدسك أنك ثابت وأن القطار الآخر يتحرك، ولكن الفيزياء تخبرنا أن ~~قطارك يمكن اعتباره متحركا والقطار الآخر ثابتا. وسوف تخبرك الكينماتيكا ms050 الأمر ~~نفسه، ولكن تخيل الآن أن القاطرة فصلت عن قطارك. هنا لم يعد الوضع الديناميكي ~~متكافئا؛ إذ يمتلك القطار المتحرك قاطرة تسبب حركته على نحو واضح. لقد فقد قطارك ~~سبب حركته. انشغل كبلر بمسألة الأسباب المادية، واشتبه في أن أشعة نشطة من الشمس ~~تقود دوران الأرض في مدارها الإهليجي الشكل؛ فعندما يوجه الكوكب «وجهه الودود» ~~للشمس، تجذبه خطوطها المغناطيسية إليها. وعندما يوجه الكوكب «وجهه غير الودود» ~~للشمس، تدفعه خطوطها المغناطيسية بعيدا. وتقيد لعبة التجاذب والتنافر الكوكب في ~~حركته المدارية حول الشمس (كبلر 1618-1621، الجزء الثاني). وكما أوضح ~~نيوتن، كان هذا التفسير الديناميكي مخطئا، ومع ذلك، قدم كبلر حججا ديناميكية ~~لصالح الحركة المدارية للأرض. وبمجرد أن أوضح نيوتن سبب بقاء الكواكب في مداراتها ~~الإهليجية حول الشمس، قدم النموذج الشمسي المركز تمثيلا للواقع المادي أفضل من ~~النموذج الأرضي المركز. حسن نيوتن من البنية الجبرية للنموذج، وقدم شرحا ~~ديناميكيا لمدارات الكواكب في النموذج الشمسي المركز. وحتى إذا ركزنا فقط على ~~الترتيب المكاني للنظام الشمسي، فإن النموذج الشمسي المركز يرسم البنية الطوبولوجية ~~للنظام الشمسي أفضل من النموذج الأرضي المركز. ونعتقد أن بنية النماذج سوف تتوافق على ~~نحو مختلف مع بنية النظام المادي. ~~(5) الانتقال إلى نيوتن # كان التليسكوب شيئا غريبا معروضا في المعرض السنوي قبل أن يتحول على يد ~~جاليلي إلى أداة لصياغة النظريات. (بلومنبرج، «نشأة العالم الكوبرنيكي» (1987)، ~~648) # كان لدى نيوتن أسباب كثيرة للاعتقاد بأنه يقف على أكتاف من سبقوه. غير أنه تقدم خطوة ~~للأمام وأنتج نظرياته الخاصة. فليست فيزياء نيوتن مجرد مجموعة من قوانين الميكانيكا ~~التي تحكم عالم الأجسام الكبيرة سواء على الأرض أو في السماء، بل هي تلخص نظرة جديدة ~~شاملة للكون؛ صورة جديدة كاملة لطريقة تصور البشر للعالم المادي من حولهم. # إسحاق نيوتن (1642-1727). # يمكننا وصف الثورة العلمية بصفتين مرتبطتين ارتباطا وثيقا: (أ) تدمير الكون القديم ~~واختفاء كل الأفكار المعتمدة على فرضياته. (ب) تحويل الطبيعة والعلوم إلى صيغ رياضية ~~(كواريه 1957، 2، 29، 43، 61-62؛ 1965، 6-8). لنلق نظرة على هاتين الصفتين بمزيد من ~~التفاصيل. ~~(أ) ~~«تدمير ms051 الكون القديم» لقد قابلنا بعض سمات النظام العالمي التقليدي ~~للكون: # بنيته الهرمية ذات الفلكين بين كمال الفلك فوق القمري ونقائص ~~وفساد الفلك تحت القمري. # تمييزه ما بين الفيزياء الأرضية والسماوية. # طبيعته المحدودة والمغلقة. # معاناته من نقص الطاقة. # لقد رأينا كيف بدأت المشاهدات الفلكية والبناء النظري ~~تدمير النظام العالمي التقليدي للكون. ويرتبط بتدمير النظام العالمي ~~التقليدي اختفاء كل الأفكار المعتمدة على فرضياته. لقد حلت العلل المادية ~~محل العلل الغائية. ليس هدف الحجر أن يسعى إلى موقعه الطبيعي في الكون. ~~الحجر يخضع لقوة تسارع نحو الهبوط. والكواكب لا تحيد عن مداراتها لأنها ~~تخضع للقوانين الفيزيائية. والنجوم في السماء لا تتلألأ من أجل متعة البشر ~~(بيرت 1932، 17-24). # وينقل جاليليو إلى تلميذه أندريا المتعة التحررية لكسر «الجدران والأفلاك ~~والثبات»؛ فبمجرد «كسر دائرة» أو «تحطيم فلك» (كواريه 1965، 7 رقم 1)، ~~يستطيع الكون الجديد أن يتخذ أبعادا لا نهائية. ~~(ب) # السمة الثانية للثورة العلمية - «تحويل الطبيعة إلى صيغ رياضية» - لها ~~تأثير، على القدر نفسه من الأهمية، على تطور الحضارة الغربية؛ فقد ألهمت ~~نموذجا للكون يعمل وفقا لقوانين حتمية. وانتشرت صورة الكون الذي يعمل ~~بدقة كالساعة بقدر انتشار الداروينية (انظر بيرت 1932، 202، 206؛ فاينرت ~~2004، الفصل الأول؛ ويندورف 1985، 144). # تنطبق لغة الرياضيات على العمليات الطبيعية. وهذا يقدم ميزة «الانضغاط ~~الحسابي» الرائعة، التي تعني أن عددا كبيرا من البيانات يمكن ضغطه في ~~معادلة رياضية دقيقة. على سبيل المثال، قانون كبلر الثالث يرسخ علاقة بين ~~الفترة المدارية لكوكب ما حول الشمس P ~~، ومتوسط المسافة التي ~~تفصله عن الشمس # A ~~(معبرا عنها بوحدات من المسافة بين ~~الأرض والشمس # AU ~~). وينص القانون على أن مربع الفترة المدارية يتناسب ~~طرديا مع مكعب متوسط بعده عن الشمس: # ويمكن استخدام هذا القانون لإيجاد متوسط المسافة من الفترة المدارية أو الفترة ~~المدارية من متوسط المسافة لأي جسم يدور حول الشمس (حتى مركبة فضائية). على سبيل ~~المثال، إذا كان متوسط المسافة عن الشمس 4 وحدات من المسافة بين الأرض والشمس، فإن ~~الفترة المدارية ستساوي 8 سنوات. وهكذا، يضغط قانون كبلر الثالث ms052 مجموعة كبيرة من ~~البيانات في معادلة واحدة أنيقة. وكل الأشياء التي تدور حول الشمس - من الكواكب إلى ~~الأقمار الصناعية - تخضع لهذا القانون. ويعبر هذا القانون عن بنية المدارات حول ~~الشمس. # بالنسبة لجاليليو ونيوتن، كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات. كان إنجاز نيوتن العظيم ~~هو تقديم توليف بين ميكانيكا السماوات (كبلر) وميكانيكا الأرض (جاليليو). دمر نيوتن ~~الكون ذا الفلكين. وسواء وقعت التفاحة على رأسه أم لا، فإن الدرس المستفاد من هذه ~~الحادثة صحيح؛ فالقوة نفسها التي تجعل التفاحة تسقط على رأسه تبقي الكواكب في ~~مداراتها. كان نيوتن قادرا على صياغة ثلاثة قوانين ميكانيكية أساسية تخضع لها العديد ~~من الظواهر الأرضية؛ من السيارات المسرعة، إلى الكرات المصطدمة والمصاعد المتحركة، حتى ~~الكواكب السيارة: ~~(1) # ينص قانون القصور الذاتي على أن الجسم يظل على حالته من الحركة أو ~~السكون ما لم تؤثر عليه قوة خارجية. ~~(2) # ينص قانون القوة على أن حركة القصور الذاتي يمكن أن تخضع لقوة تغير ~~اتجاهها وكمية حركتها. ~~(3) # ينص قانون التفاعل (الفعل ورد الفعل) على أنه لكل فعل رد فعل، مساو له ~~في القوة ومضاد له في الاتجاه. # بلغ التحويل الرياضي المتزايد للطبيعة، الذي ساهم فيه كبلر وجاليليو وهوك، ذروته في ~~تبسيط حقائق الميكانيكا الكلاسيكية لنيوتن؛ فصاغ بضعة قوانين ومبادئ أساسية يمكن من ~~خلالها استنتاج قوانين أخرى (مثل قوانين كبلر). وعلى الجانب الفلسفي، تألف عالم نيوتن ~~من أربعة عناصر: ~~«المادة»: عدد لا نهائي من الجسيمات الصلبة المنفصلة وغير القابلة ~~للتغيير. وتمتلك هذه الجسيمات صفات أولية وثانوية، ولكن الصفات الأولية ~~فحسب هي ما تهتم به الفيزياء (بيرت 1932، 235-236). ~~«الحركة»: حركة الجسيمات يمكن وصفها من خلال قوانين الميكانيكا. ~~«الفضاء المطلق»: سفينة كونية خيالية، تؤدي بين جدرانها الجسيمات ~~(والأجسام المكونة منها) حركاتها التي تتبع قوانين الميكانيكا. اعتقد نيوتن ~~بوجود الفضاء المطلق حتى عندما لا توجد مادة تملؤه. ~~«الزمن المطلق»: نهر خيالي يحدد تدفقه المستمر مقياس زمني فريد يمكن من ~~خلاله قياس جميع العمليات الطبيعية؛ فجميع الراصدين في جميع أنحاء الكون ~~يحددون الزمن نفسه للأحداث، أيا كانت ms053 المسافة الفاصلة بينهم (فاينرت ~~2004، الفصل 4). # ثمة جانب فلسفي واضح في فكر نيوتن. ~~(5-1) حول الفرضيات # على غرار معظم العلماء العظام، أظهر نيوتن وعيا فلسفيا؛ فقد تفكر في الأبعاد ~~الفلسفية للفيزياء. يشتهر نيوتن بعبارته: # Hypotheses non ~~fingo ~~. هذه العبارة اللاتينية يمكن أن تترجم إلى «أنا لا ~~أختلق الفرضيات»، أو «أنا لا أستخدم الخيالات»، أو «أنا لا أستخدم الفرضيات أو ~~الافتراضات أو التفسيرات الكاذبة.» # 6 # وقد حدد مؤرخو العلوم عدة معان يستخدم بها نيوتن كلمة «فرضية»؛ ففي ~~بعض الأحيان كان يعني فكرة معقولة وإن لم يمكن إثباتها. وفي السنوات الأخيرة من ~~حياته وصل لاعتبار الفرضية بمنزلة خيال لا مبرر له (كواريه 1965، 36-37). # ما لا يمكن أن يستمد من الظواهر يسمى «فرضية»، وهذه لا تنتمي إلى ~~الفلسفة التجريبية. (مقتبسة في دكسترهوز 1956، 537) # لم يكن نيوتن أول من شعر بالقلق حيال مصطلح «فرضية»، فقد تراسل كوبرنيكوس ~~وريتيكوس حول فائدة الفرضيات في علم الفلك مع شخص سيصبح قريبا ذا أهمية أكبر في ~~المناقشة: أندرياس أوزياندر. واعتبر كوبرنيكوس وتلميذه أن بعض الفرضيات الفلكية ~~كانت أكثر احتمالا من غيرها. فتمتلك فرضية مركزية الشمس احتمالات أكثر من فرضية ~~مركزية الأرض. ينبغي على الفرضيات المقبولة في علم الفلك أن تفسر كل الظواهر ~~المرصودة، وعليها أن تفسر الظواهر على نحو متسق. يقول ريتيكوس إن فرضية بطليموس لا ~~تكفي لإثبات تناغم الظواهر السماوية (ريتيكوس 1540، 132؛ انظر أيضا المراسلات التي ~~أعيد طبعها في روزن 1959، 31-32؛ 1984، 125-126، 193-194، 198-205). وافق كبلر ~~لاحقا على أن الفرضية الكوبرنيكية تتمتع باحتمالية أكبر من الفرضية البطلمية. كان ~~لمفهوم الفرضية تداعيات كبيرة على مر المائة وأربعين سنة التالية، وقد شجع غموض هذا ~~المصطلح - كما هو منعكس على وجهات نظر نيوتن حيال الفرضيات في العلم - ظهور تفسيرات ~~معارضة للنموذج الكوبرنيكي. في كتابه «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون» ~~(1632)، يوجز جاليليو الحالة المتناقضة للفرضيات في القرنين السادس عشر والسابع ~~عشر. تنص المقدمة على أن سالفياتي - المتحدث باسمه - سوف يدافع عن النظام ~~الكوبرنيكي، ولكن فقط كفرضية رياضية بحتة، ولكن بينما يبدأ الحوار، يجر سالفياتي ms054 ~~نحو حجج الاحتمالية. وفي نهاية المطاف يعتنق وجهة النظر الكوبرنيكية بأن قبول ~~الحركة المزدوجة للأرض كافتراض فيزيائي يؤدي إلى تفسير أكثر اتساقا للظواهر. لاحظ ~~أن حجج الاحتمالية تلك تستحضر إيمانا بالنموذج، لأن افتراضاته الفيزيائية أكثر ~~احتمالا. يقول كبلر إنه من غير المعقول أن «النجوم الثابتة تتحرك بسرعة لا يمكن ~~حسابها» # 7 ~~(كبلر 1618-1621، الجزء الثاني). الفرضيات الكوبرنيكية أشبه ~~بتخمينات من كونها تخيلات مفيدة؛ فلديها ارتباط أوثق بالظواهر أكثر مما سيقبله ~~نيوتن لاحقا. وكما يخبرنا ريتيكوس، فهي تشكل أساس الاستنتاج. # على النقيض من ذلك، وصف الفرضيات بأنها «تخيلات مفيدة» في علم الفلك طمأن خصوم ~~كوبرنيكوس بأن نموذجه الشمسي المركز لم يجبرهم على التخلي عن معتقد مركزية الأرض ~~العزيز. وذكر الكاردينال بيلارمين جاليليو أن كوبرنيكوس دائما ما تحدث من ~~«الناحية النظرية»: من الممكن استخدام حركة الأرض كأداة رياضية لإضفاء سمة ~~الاقتصادية على الحسابات، حيث توجد حاجة لتقليل أفلاك التدوير والدوائر ~~اللامتراكزة، ومع ذلك، ظل التأكيد على مركزية الشمس كفرضية فيزيائية في صراع مع ~~الكتاب المقدس. # 8 # من أجل تخفيف حدة الصدام بين الكنيسة ونظرية مركزية الشمس، أقحم أوزياندر مقدمته ~~في محاولة لتقديم الفرضيات الكوبرنيكية كأدوات حسابية فحسب؛ فمن الممكن اعتبارها ~~كاذبة أو قابلة للاستبدال ما دامت «تعيد إنتاج ظواهر الحركة بالضبط» (أوزياندر، ~~رسالة إلى كوبرنيكوس، 20 أبريل 1541، مقتبسة في روزن 1984، 193-194). وبحلول الوقت ~~الذي ظهر فيه نيوتن على الساحة، أصبحت الفرضيات أسلوبا لا يحظى بالاحترام. ومن ~~خلال رفضها، يدعي نيوتن أنه استقرائي؛ فكما يشير، استنتجت قوانين الحركة من ~~الظواهر، وجعلت عامة من خلال الاستقراء، وهذا هو أعلى دليل على أن النظرية يمكن أن ~~تتضمن فلسفة (كواريه 1965، 36-37؛ دكسترهوز 1956، 544، 546-547). الظواهر عبارة عن ~~مشاهدات رصدية أو تجريبية (موثوقة) تشتق منها القوانين أو البديهيات. ويرفض نيوتن ~~أي تفسير للظواهر الطبيعية يبنى على فرضيات ميتافيزيقية لا يمكن إيجاد أي دليل ~~لها. # لكن هذا لا يعني أن غير المرصود يجب أن يكون مشكوكا فيه تلقائيا؛ فعلى سبيل ~~المثال، المناطق الداخلية من الشمس غير مرصودة، ومع ذلك ms055 يمكن تماما عمل استنتاجات ~~محددة للغاية حول تركيبها الكيميائي عن طريق استخدام التحليل الطيفي. علينا أن نميز ~~المرصود «مباشرة» من المرصود على نحو «غير مباشر». الظواهر المرصودة مباشرة يمكن ~~الوصول إليها من خلال أبصارنا أو من خلال استخدام الأدوات. والمرصود مباشرة ليس ~~بالضرورة أن يكون الأكثر موثوقية؛ فكما يذكرنا كوبرنيكوس، حركة الدوران القهقري ما ~~هي إلا خداع بصري. والظواهر المرصودة على نحو غير مباشر هي استنتاجات من مشاهدات، ~~واستخدام لتقنيات موثوق بها، من أجل الوصول إلى الأجزاء غير المرصودة من الطبيعة. ~~فلا يمكننا أن نرصد مباشرة سبب دوران الكواكب، ولكن يمكننا أن نستنتجه من مشاهداتنا ~~وفرضية مركزية الشمس. لقد بدأنا ندرك أن قصة مركزية الشمس مشوبة بالدروس ~~الفلسفية. ~~(6) بعض الدروس الفلسفية # يعكس كوبرنيكوس التمييز الكوني بين وجهة النظر الضيقة من «ركنه» الأرضي ونقطة ~~البناء المركزية التي لا يمكن في الواقع النظر إلى الكون منها ولكن يمكن ~~التفكير فيه منها. (بلومنبرج، «نشأة العالم الكوبرنيكي» (1987)، 38) # تخلق الكوبرنيكية موقفا إشكاليا ينبع منه عدد من التبعات ~~الفلسفية. وكما سنرى في الفصلين اللاحقين، تنبع تبعات فلسفية أيضا من الداروينية ~~والفرويدية. وينشأ «الموقف الإشكالي» في العلم عندما يقدم عدد من التفسيرات المتنافسة ~~حلولا لمشكلة علمية مدركة. تقدم الحلول على خلفية عدد من الفرضيات والتقنيات ~~والنماذج المقبولة. وهذه الفرضيات والتقنيات تحدد مشكلات مقبولة ومجموعة من الحلول ~~الممكنة لكل مشكلة. تأمل مشكلتين شهيرتين في تاريخ العلم: حركة الكواكب ووجود أنواع حية ~~مختلفة. قدم كوبرنيكوس في عام 1543 حلا للمشكلة الأولى، وفي عام 1859 عرض داروين ~~حلا للمشكلة الثانية. وطأ كلا الحلين فضاء مفاهيميا ترسخت فيه بعض الفرضيات ~~والتقنيات والنماذج بالفعل. قدم كوبرنيكوس وداروين نماذج منافسة كانت تنطوي على مجموعة ~~من الحلول التي تختلف عن الحلول السابقة، كما أوجدا مجموعة من الفرضيات والتقنيات التي ~~تباينت عن الفرضيات المقبولة سابقا. كان الاختلاف بارزا في حالة داروين، ولكنه كان ~~جزئيا وحسب في حالة كوبرنيكوس. على الأقل عمل كوبرنيكوس مع نظرية حركة مختلفة عن ~~نظرية الحركة الأرسطية. قدمت مجموعة الفرضيات والتقنيات والنماذج ms056 حلولا معينة مقبولة ~~وحلولا أخرى غير مقبولة. بعض الحلول تكون ممكنة لأنها متوافقة مع مجموعة الفرضيات ~~والتقنيات المقبولة. وتقدم المجموعة أيضا حلولا أخرى غير ممكنة. على سبيل المثال، ثمة ~~صورة ناضجة من الكوبرنيكية ترى أن كل الفرضيات والتقنيات الإغريقية - الدائرة والكون ذا ~~الفلكين، والدوائر اللامتراكزة وأفلاك التدوير - باطلة؛ ومن ثم لم يعد من الممكن ~~اعتبار مركزية الأرض حلا مقبولا. من المهم أن نميز بين الحل «الممكن» والحل ~~«الحقيقي». فحل معين «س» قد يكون ممكنا فيما يتعلق بمجموعة من الفرضيات. ولا يمكننا ~~أن نقبله على أنه الحل الحقيقي؛ لأن من الممكن وجود حلول أخرى فيما يتعلق بهذه ~~المجموعة. ولكي يحول الحل الممكن نفسه إلى حل حقيقي، فإنه يحتاج إلى إثبات قدرته على ~~التحمل. فيجب على الحل الحقيقي أن يحل بعض المشكلات القديمة وبعض المشكلات ~~الجديدة. # المواقف الإشكالية العلمية لها تأثير على القضايا الفلسفية، وهذا ما سنتحول إليه ~~الآن. لاحظ أن هناك فرقا بين النتائج «الاستنباطية» و«الاستقرائية» و«الفلسفية» ~~للنظرية. تنبع النتائج الاستنباطية رياضيا أو منطقيا من مبادئ النظرية. ويمكن أن ~~تحدث النتائج الاستنباطية في شكل تنبؤات جديدة أو توفيق للحقائق المعروفة بالفعل. وفي ~~كلتا الحالتين فإنها غالبا ما تكون متوافقة مع نظرية واحدة فحسب ومتعارضة - على نحو ~~مثالي - مع منافساتها. سوف نتحدث لاحقا عن الأدلة «الداعمة» إذا كان الموقف متضمنا ~~لها. تنبع النتائج الاستقرائية من النظرية التي تتضمن احتمالات. على سبيل المثال، إذا ~~كانت النظرية إحصائية بطبيعتها، فإن نتائجها تتسم بدرجة احتمال أعلى أو أقل. تأمل ~~الفارق بين عبارة «كل الغربان سوداء»، و«معظم الغربان سوداء»، فإذا كان «كل الغربان ~~سوداء»، وعملية الرصد تقول إن «هذا الكائن غراب»، فإنه يتبع ذلك استنباطيا أن «هذا ~~الغراب أسود»، ولكن إذا كانت العبارة هي «معظم الغربان سوداء»، فإنه يتبع ذلك ~~استقرائيا فحسب أن «هذا الغراب أسود»، أما النتائج الفلسفية فهي مسائل مفاهيمية، ~~يفضلها الفلاسفة. وعلى الرغم من أنها غالبا ما تنبع من النظريات العلمية، فإنها نادرا ~~ما تخضع للاختبارات التجريبية المباشرة؛ ومن ثم فإنها لا تحظى ms057 بإجماع الخبراء الذي ~~تحفزه عادة النتائج الاستنباطية. بافتراض وجود نظرية «س»، فإنه غالبا ما تستقى منها ~~نتائج فلسفية متعارضة. على سبيل المثال، تثير الكوبرنيكية والداروينية والفرويدية ~~تساؤلات بشأن التفسيرات الذرائعية أو الواقعية لبعض افتراضاتها الأساسية. وحقيقة أن ~~وجهتي نظر فلسفيتين غير متوافقتين (ذرائعية أو واقعية) تكونان متوافقتين مع ~~نظرية واحدة لا تستبعد إمكانية أن تكون إحدى وجهتي النظر أكثر توافقا مع مبادئ النظرية ~~من وجهة النظر الأخرى. فيما يتعلق بالكوبرنيكية، تناولنا أولا تأثيرها على الرؤية ~~الكونية العامة. ثم تظهر دروس للتوجهات الذهنية المعرفية: الواقعية والذرائعية ومسألة ~~نقص الإثباتات. كذلك تثير الكوبرنيكية مسائل فلسفية تتعلق بالنماذج والنظريات ~~والقوانين. ويحث التحول الكوبرنيكي أيضا على تحليل معايير الثورات العلمية. وأخيرا ~~نتناول «المبدأ البشري» ونتساءل هل كان يمثل نقيضا للتحول الكوبرنيكي. ~~(6-1) فقدان المركزية # علم كوبرنيكوس - من خلال عمله وعظمة شخصيته - الإنسان أن يكون ~~متواضعا. (أينشتاين، «رسالة بمناسبة الذكرى 410 لوفاة كوبرنيكوس» (1953)، ~~359) # يشرع كوبرنيكوس في كتاب «عن دورات الأجرام السماوية» في إقناع ~~قرائه أن فرضية مركزية الشمس ليست سخيفة كما قد تبدو، وقد تمكن من إقناع عدد من ~~معاصريه مثل ريتيكوس ومايستلن في ألمانيا، ووجد بعض الأتباع في إنجلترا مثل توماس ~~ديجس وويليام جيلبرت، وفي إيطاليا مثل جيوردانو برونو (دراير 1953، الفصل الثالث ~~عشر)، ولكن في بداية القرن السابع عشر ظل كبلر يشير إلى أن العديد من الناس كانوا ~~يصدمون بأفكار مركزية الشمس (كبلر 1619، 175). فواصل فرانسيس بيكون (1561-1626) - ~~الذي كان معاصرا له - رفضه لقبول الكوبرنيكية. # لاقت الأطروحة الكوبرنيكية، في كثير من الأوساط، المعارضة والعداء. لم يجد معاصرو ~~كوبرنيكوس صعوبة في تقبل التفاصيل الرياضية لعمله، بل كانت اعتراضاتهم فلسفية على ~~نحو أكبر. فإذا اتبعت وجهة نظر كوبرنيكوس حرفيا، فإنها تزيل الأرض من محور ~~الكون. عانى سكان الأرض من فقدان المركزية. ووفقا لكوبرنيكوس، فإنهم شعروا أنه لم ~~يعد صحيحا أن الكون قد خلق من أجل البشر. قدمت فرضية مركزية الشمس الكوبرنيكية ~~أكثر من مجرد أطروحة رياضية في علم الفلك المقتصر فهمه على مجموعة صغيرة من البشر. ~~كانت ms058 هجوما على ما آمن به الناس حيال بنية العالم. ولم تكتسب فكرة مركزية الشمس ~~تأييدا خاصة بين رجال الدين وعلماء الدين البروتستانتيين؛ فوصف مارتن لوثر ~~كوبرنيكوس بأنه أحمق، مستشهدا بالكتاب المقدس. ووصفه فيليب ملانكتون - رفيق درب ~~لوثر - ببساطة بأنه وقح. كانت الكنيسة الكاثوليكية قد تبنت نظرية مركزية الأرض من ~~خلال عمل توما الأكويني. وكانت مقاومة الكنيسة الكاثوليكية ضد الحركة الفيزيائية ~~للأرض حول الشمس تعود جزئيا إلى الضغوط الكنسية؛ فقد رأت الكنيسة الكاثوليكية أن ~~سلطتها مهددة بسبب صعود البروتستانتية. وفرضت الكوبرنيكية تحديا إضافيا على ~~العقيدة الكاثوليكية. # وخلال سعيهما لتخفيف الصدمة الناتجة عن أفكار مركزية الشمس، كان كبلر وريتيكوس ~~حريصين على استخدام الحجج الغائية. فبينما فقدت المركزية المادية، لم ينغمس ~~البشر في غياهب الحقارة الكونية. استثمرت الظواهر السماوية بغرض محدد. فيشير كبلر ~~إلى أن الغرض من الحركة هو إثبات أن «الحركة تنتمي إلى الأرض بوصفها وطنا للمخلوق ~~المفكر» (كبلر 1618-1621، الكتاب الرابع، الجزء الأول). حتى إن ~~ريتيكوس يؤكد على أن «الفلك قد رصعه الله من أجلنا بعدد كبير من النجوم المتلألئة» ~~(ريتيكوس 1540، 143). # لم يتقبل الكوبرنيكيون الأوائل أن مجرد الإزالة المادية للبشر من محور النظام ~~الشمسي إلى الفلك الثالث تمثل حطا مؤلما للمكانة. للظواهر السماوية غاية، وهي ~~لا تتأثر بالموضع المادي للأرض بين الكواكب، فغايتها تتمثل في خدمتها للبشرية. آمن ~~أرسطو أن «الطبيعة علة تعمل لغاية ما» (أرسطو 1952أ، الكتاب الثاني، 8). و«كما أن ~~الطبيعة لا تفعل شيئا بلا غاية أو عبثا، فلا بد أنها صنعت كل الحيوانات من أجل ~~البشر» (أرسطو 1948، الكتاب الأول، 1256ب). يرى كوبرنيكوس أن وظيفته هي ~~فهم «آلية العالم الذي بني لنا عن طريق الصانع الأفضل والأكثر تنظيما» (كوبرنيكوس ~~1543، تمهيد، 6). وتتردد أصداء عقيدة الغائية - وهي أن «الطبيعة لا تفعل شيئا دون ~~غاية» - عبر تاريخ أفكار البشر حيال الطبيعة. حتى إن ريتيكوس استخدم الغائية ~~لمجابهة السكولاستية. فلا بد أن الصانع الحكيم صنع نموذجا شمسي المركز، لأنه ~~«سيتجنب إدراج أي دائرة زائدة في هذه الآلية» (ريتيكوس 1540، 137). # ظل الوضع هكذا حتى أزال نيوتن ms059 التفكير الغائي من العلوم الفيزيائية. واستغرق ~~الأمر فترة أطول في العلوم البيولوجية، كما سنرى في الفصل الثاني. فإقناع الناس أن ~~النجوم ليست مصنوعة لتلمع من أجل تسليتهم أسهل من إقناعهم بأن العيون ليست مصممة ~~لهم لكي يروا. # رأى نيتشه أنه «منذ عصر كوبرنيكوس والبشر يتدحرجون عن المركز نحو المجهول.» ~~واعتبر نفسه كوبرنيكوس ثانيا ووصف انتقاص الذات لدى «الرجل الأوروبي» كأكبر خطر ~~(كوفمان 1974، 122، 288؛ نيتشه 1887، الكتاب الأول). رأى فرويد أيضا ~~التحول الكوبرنيكي والثورة الداروينية كضربات خطيرة لصورة الذات البشرية. وقال ~~الفيزيائي ديفيد دويتش من جامعة أكسفورد: # الرأي السائد اليوم هو أن الحياة - بعيدا عن كونها مركزية، سواء كان ذلك ~~هندسيا أو نظريا أو عمليا - بلا أهمية على نحو لا يمكن تصوره ~~تقريبا. # يختلف دويتش مع هذا الرأي. مع ذلك، من الحقائق الفيزيائية أن: # النظام الشمسي جزء ضئيل من مجرتنا، مجرة درب التبانة، وهي في حد ذاتها ~~غير ملحوظة بين الكثير من المجرات في الكون المعروف؛ لذلك، وكما قال ستيفن ~~هوكينج: يبدو أن «الجنس البشري مجرد زبد كيميائي على كوكب متوسط الحجم يدور ~~حول نجم متوسط للغاية على الحدود الخارجية لواحدة من بين مئات مليارات ~~المجرات.» (دويتش 1997، 177-178؛ راجع واينبرج 1977، 148؛ بلومنبرج 1981، ~~الجزء الأول والسادس؛ 1965) # مع ذلك، ثمة فرق بين المركزية المادية والعقلية. # 9 # يرصد البشر الكون من منظور أرضي من زاوية مادية معينة، يحددها موقع ~~الأرض في مجرة درب التبانة، وقد أدى هذا المنظور الزاوي إلى مفاهيم خاطئة. فوضع ~~الإغريق نظرية مركزية الأرض من خلال الظواهر. لم يتخل كوبرنيكوس عن الارتباط ~~الوثيق بين الظواهر المرصودة والبنى الهندسية، ولكنه كان يرى أن النموذج الشمسي ~~المركز يفسر الظواهر على نحو أفضل، اعتمادا على معقوليته الكبرى. تسبب تغيير ~~كوبرنيكوس للمنظور في أثرين؛ أولهما: أن البشر لم يعودوا في المركز الهندسي للكون ~~على المستوى المادي. الآخر هو أن فرضية مركزية الشمس تتيح للبشر فهما أفضل بكثير ~~للظواهر المرصودة. ويقدم تغيير المنظور للبشر نموذجا للنظام الشمسي أكثر اتساقا. ~~إن التحول الكوبرنيكي يضع المركزية «العقلية» محل المركزية «المادية». ويستطيع ms060 ~~البشر من خلال التفكير العقلاني بناء نموذج دقيق للكون. فوجهة نظرهم حيال الكون ~~تعتمد على موقع مادي محدد في الكون. والسبب في مركزية البشر هو الفهم العقلاني ~~للكون، والذي يفوق بكثير ما تسمح لهم عيونهم برؤيته. يقول كبلر متأملا: «البصر يجب ~~أن يتعلم من العقل» (كبلر 1618-1621، الكتاب الأول، الجزء الأول). # تؤكد المشاهدات أن البشر لا يمكثون في مكان متميز هندسيا داخل الكون الشاسع. ~~ولا يوجد أي دليل على أن الأجرام الأخرى في النظام الشمسي صممت بوجه خاص لغرض ~~الحياة البشرية. وبهذا المعنى، أدت الفرضية الكوبرنيكية إلى فقدان المركزية. ومع ~~ذلك، أثبت الكوبرنيكيون أن المركزية المادية ليست ذات أهمية قصوى؛ فالعقل البشري ~~يحلق في سماء أكبر بكثير من حدود مسكنه المادي؛ فما فقده البشر في المركزية ~~الهندسية اكتسبوه في المركزية العقلية؛ فالمعرفة تحل محل الموقع، والعقل يعزز ~~البصر. # يوجد تناظر معين بين كوبرنيكوس وداروين؛ إذ أبعد كوبرنيكوس البشر عن المركز ~~المادي للكون، وأبعد داروين البشر عن ذروة الخليقة. ومؤخرا واجهت هذه الآثار ~~الفلسفية للتحول الكوبرنيكي والثورة الداروينية اعتراضا، فبعض علماء الكونيات ~~الجدد يرفضون ما يسمونه «العقيدة الكوبرنيكية»؛ فمن وجهة نظرهم، تشير هذه العقيدة ~~إلى أنه لا يوجد شيء مميز بشأن البشر وبيئتهم؛ فالأرض واحدة من كواكب عديدة تدور ~~حول جرم شمسي من الحجم المتوسط. والنظام الشمسي نفسه لا يوجد في موقع مركزي في درب ~~التبانة. ومجرة درب التبانة هي مجرد واحدة من مليارات المجرات. ويبدو أن التطور ~~الدارويني يدعم «العقيدة» الكوبرنيكية؛ فالتطور - وفقا لداروين - أنتج فرعا من ~~شجرة تطورية يسميه البشر وطنهم، ولكن التطور منوط بالصدفة. فربما لم يكن ليتسبب في ~~وجود حياة ذكية. # يرى بعض علماء الكونيات أن «المبدأ البشري» ينبغي أن يحل محل العقيدة الكوبرنيكية ~~(انظر القسم 8). في علم الأحياء التطوري، يوضع «التصميم الذكي» ضد الانتقاء الطبيعي ~~لداروين. تسعى سيناريوهات التصميم الذكي إلى إعادة التفكير الغائي إلى علم الأحياء ~~التطوري (الفصل الثاني، القسم 5-4). ويرفض المبدأ البشري الإيحاء بأن الوجود ~~الإنساني ليس مميزا بأي طريقة. فيؤكد المبدأ البشري ms061 أن البشر يعيشون في عصر مميز ~~للغاية من التاريخ الكوني. وهو مميز لأنه سمح ب «تطور الحياة الكربونية» ~~(بارو/تبلر 1986، 601). وقبل أن نتناول هذا المبدأ، ثمة عدد من المسائل الفلسفية ~~الأخرى التي تتطلب انتباهنا. ~~(6-2) هل كان كوبرنيكوس واقعيا؟ # رأينا سابقا أن كوبرنيكوس لم يكن صاحب ثورة علمية، ولكن من خلال تغييره للمنظور ~~على خلفية بعض الملامح الثابتة، غرس كوبرنيكوس بذور ثورة علمية. كان التحول ~~الكوبرنيكي - الذي هو تغير في المنظور مع بعض المكاسب التفسيرية - خطوة افتتاحية ~~كبيرة مكنت ظهور العلم الحديث. لقد وقف كوبرنيكوس عند بوابة الحداثة. # عندما نفكر في العلم الحديث، تبرز ثلاث سمات: # المشاهدات المنتظمة. # التجربة الخاضعة للسيطرة. # التحويل لمعادلات رياضية. # أورد كوبرنيكوس عددا من المشاهدات الخاصة به، التي قام بها في ~~فرومبورك في بروسيا (كوبرنيكوس 1543، الكتاب الثالث؛ ريتيكوس 1540). كما ~~أنه اعتمد على العديد من المشاهدات الإغريقية. وضع كبلر قوانينه المتعلقة بالكواكب ~~على أساس اكتشافات تيكو براهي، وقدم جاليليو إضافات مهمة لمجموعة قواعد البيانات ~~الفلكية. واستخدموا جميعا المشاهدات على نحو «منتظم». وهذا يعني أنهم استخدموها ~~لتأسيس الفرضية الكوبرنيكية. تعني «المشاهدات المنتظمة» أن المشاهدات تستخدم ~~لاختبار مدى ملاءمة نموذج معين. ووجد جميع هؤلاء العلماء أن النموذج الشمسي المركز ~~كان أكثر احتمالا مقارنة بالنموذج البطلمي. في حالة علم الفلك، لا يمكن تطبيق ~~«التجارب الخاضعة للسيطرة». تعني التجربة الخاضعة للسيطرة التلاعب المتعمد في عوامل ~~متغيرة مختارة في المختبرات العلمية. وهذا يعني أنها تنطوي على إقصاء متعمد وإدراج ~~متعمد لعوامل متغيرة في التجربة. على سبيل المثال، في تجارب التشتت الشهيرة ~~لرذرفورد (1909-1911)، استخدم رذرفورد ومعاونوه ذرات هيليوم متأينة، وأطلقوها ~~باتجاه ذرات الذهب من أجل اكتشاف أن الذرة تمتلك نواة. في هذه التجارب تجاهل ~~رذرفورد عمدا الإلكترونات؛ لأنها لا تتداخل مع مسار ذرات الهليوم الثقيلة داخل ~~ذرات الذهب. حصر مجرو التجارب تركيزهم على التفاعلات بين الأنوية. لقد رأينا بالفعل ~~أن «التحويل لمعادلات رياضية» يوفر قابلية ضغط البيانات جبريا (القسم 5). استخدم ~~علم الفلك القديم الهندسة استخداما واسع النطاق؛ فكانت الزوايا والدوائر هي ~~الأدوات الرئيسية ms062 المتاحة لعالم الفلك، حتى كوبرنيكوس. والهندسة تحد من الاستفادة ~~من الرياضيات في وصف الطبيعة. وجعل استخدام الهندسة من المستحيل على كوبرنيكوس ~~تقديم نظرية كمية دقيقة لحركة الكواكب، ناهيك عن التحليل الديناميكي، فقد كان مكسبه ~~التفسيري قاصرا على الهيكل الطوبولوجي لنموذجه. # ولكن هل يعني هذا المكسب التفسيري أنه يوجد في متناولنا تفسير فلكي أفضل؟ هذا ~~السؤال يكمن في منطق الموقف الإشكالي الكوبرنيكي؛ فعن طريق تغيير المنظور بين الأرض ~~الثابتة والمتحركة، يدعي كوبرنيكوس الوصول إلى تفسير أفضل للظواهر المرصودة. فتظهر ~~مسألة فلسفية على الفور، كان معاصروه يدركونها: بالتسليم بأن كوبرنيكوس حقق بعض ~~المكاسب التفسيرية، هل هذا المكسب التفسيري يخبرنا، ببساطة، بشيء عن بنية نظرياتنا ~~أو يقدم معلومات أكثر عن بنية العالم المادي نفسه؟ هل كان كوبرنيكوس واقعيا؟ أثار ~~أوزياندر هذا التساؤل في مقدمة كتاب «عن دورات الأجرام السماوية» التي لم يكتب اسمه ~~عليها. ويقبع هذا التساؤل أيضا وراء الاستخدام المتناقض لمصطلح «الفرضيات». وبهذا ~~فنحن نتعامل هنا مع القضية الفلسفية الخاصة بالواقعية والذرائعية. ~~(أ) دروس للذرائعية والواقعية # إن الشهادة الأكثر شهرة على وجود هذه المسألة الفلسفية في أذهان كوبرنيكوس ~~ومعاصريه مدفونة في مقدمة أوزياندر؛ فهي تقدم الكتاب لعالم عام 1543 الأوروبي، ~~ورأى أوزياندر أن من المناسب إضافة بعض الملاحظات التمهيدية لصالح «القارئ ~~المهتم بفرضيات هذا الكتاب» (كوبرنيكوس 1543، 3-4، كوستلر 1964، 169-178؛ روزن ~~1984، 195-196). لاحظ أولا أن أوزياندر تبع كوبرنيكوس في الحديث عن ~~«الفرضيات». وكما رأينا، اكتسب هذا المصطلح الحميد ظاهريا تاريخه المنقسم في ~~الفترة 1543-1687. مع ذلك، استخدم أوزياندر هذا المصطلح بمعنى واحد فقط ~~معانيه. وخلال تذكيره للقارئ بحداثة فرضية مركزية الشمس، يوضح معضلة الفلكيين. ~~فمن جهة، لا يستطيع عالم الفلك أن يعرف «الأسباب الحقيقية» للحركات السماوية. ~~من ناحية أخرى، يستطيع عالم الفلك إنشاء وصف دقيق إلى حد ما ل «تاريخ الحركات ~~السماوية». كيف ينبغي حل هذه المعضلة؟ يتمثل حل أوزياندر في الحل الكلاسيكي ~~الشائع للفلسفة الذرائعية. يستطيع عالم الفلك تفسير «كيفية» تحرك الكواكب ولكن ~~لا يستطيع تفسير «سبب» هذه الحركة. مع ذلك، فالعقل ms063 البشري يتدرب من خلال الفضول ~~النظري. ورغم عدم القدرة على تقديم تفسير حقيقي، فإن تقديم تفسير ما أفضل من ~~عدم تقديم أي تفسير؛ ومن ثم فإن مهمة عالم الفلك هي: # التفكير في أو بناء أي أسباب أو فرضيات يشاء بحيث يمكن، من خلال ~~افتراض هذه الأسباب، حساب تلك الحركات نفسها في الماضي والمستقبل أيضا ~~عبر مبادئ الهندسة. # وبالتالي فإنه ليس من الضروري بالنسبة للفرضيات أن تكون ~~صحيحة أو حتى محتملة. ولينأى بنفسه مباشرة عن مناقشة الاحتمالات المقدمة في ~~النص الرئيسي، يقول أوزياندر ما يلي: # يكفي [الفرضيات] أن تقدم حسابات تتفق مع المشاهدات. # لماذا يجب على القارئ إذن قراءة كتاب كوبرنيكوس؟ استند ~~أوزياندر إلى البساطة. بعض الفرضيات تجعل الحسابات أبسط، وتجعل المشاهدات أسهل ~~في الفهم. حتى إنها قد تؤدي إلى توقعات أكثر موثوقية. # لذلك دعونا نتح الفرصة لهذه الفرضيات الجديدة للظهور علنا بين ~~الفرضيات القديمة التي هي نفسها أصبحت أقل احتمالا، وخصوصا لأن ~~الفرضيات الجديدة رائعة وسهلة وتجلب معها كمية ضخمة من المشاهدات ~~المكتسبة. وبقدر ما تصل الفرضيات، فلا يتوقع أحد أي شيء مؤكد من علم ~~الفلك، حيث إن علم الفلك لا يمكن أن يقدم لنا شيئا مؤكدا؛ إذ إنه لو ~~أن أي شخص صدق شيئا ما على أنه صحيح رغم أنه أوجد في الأساس لاستعمال ~~آخر، فإنه سيخرج من علم الفلك أكثر حمقا مما كان عليه عندما دخله. ~~وداعا. # توقع أوزياندر شكوك نيوتن اللاحقة بشأن فرضيات علم الفلك. فأشار إلى مركزية ~~الشمس كفرضية رياضية، ولكنها ليست زعما بشأن الواقع المادي. فبوصفها زعما ~~بشأن الواقع، سوف تكون كالشوكة في عين عالم اللاهوت؛ فمن خلال تشتيت فرضية ~~كوبرنيكوس على سطور الذرائعية، سعى أوزياندر لإزالة الألم الذي تسببه؛ فكانت ~~أداة رياضية أخرى لا تزعم تقديم تفسير أفضل للواقع. وكانت تمتلك احتمالا ~~قليلا مساويا لاحتمال الفرضيات الإغريقية المعمول بها؛ فالأسباب الحقيقية ~~لحركة الكواكب لا يمكن أن تعرف، لأن العقل البشري أضعف من أن يفهم الفلك ~~السماوي. وفي غياب الفهم المادي، يحل الوحي محله. # ماذا ms064 عن كوبرنيكوس؟ هل كان واقعيا؟ تماما كما أنه لا شك في أن أرسطو آمن ~~بالمركزية المادية للأرض، لا شك في أن كوبرنيكوس آمن بالحركة السنوية واليومية ~~للأرض. آمن أرسطو أيضا بواقع الأفلاك الصلبة، التي كانت مهمتها هي حمل ~~الكواكب، ولكن كوبرنيكوس كان «غير متأكد هل كانت حقيقية أو وهمية» (روزن ~~1959، 11-21). كان كوبرنيكوس غير متأكد حيال الأهمية الفيزيائية لبنياته ~~الهندسية. ولاحظ أن بطليموس استخدم أدوات هندسية مختلفة. ومما لا يثير الدهشة ~~أنه وجد نفسه غير قادر على معرفة أي واحد منها يتفق مع الواقع. وكان حله هو ~~الموافقة على تكافؤ الفرضيات: # ليس من السهل تحديد أي منها موجود في السماء (...) إلا أن الانسجام ~~الدائم للأرقام والظواهر يدفعنا إلى الاعتقاد بأن أحدها هو الموجود ~~هناك. # 10 # لم يكن كوبرنيكوس واقعيا إزاء أدواته الهندسية؛ فقد عانى بعض الصعوبة في ~~تصديق أن البنيات النظرية المستخدمة في النموذج الشمسي المركز - الحركة الدورانية ~~اللامتراكزة وأفلاك التدوير المسئولة عن تفسير الظواهر المرصودة - لها نظير في ~~الواقع المادي. لم يكن كوبرنيكوس واقعيا إزاء البنية الجبرية لنموذجه. كان ~~كوبرنيكوس واقعيا إزاء الأجرام السماوية وحركاتها والنظام الذي يضمها معا. ~~وآمن أن المكان الذي حدده للأرض في النموذج الشمسي المركز يتوافق مع جزء من بنية ~~النظام الشمسي. كان كوبرنيكوس واقعيا إزاء البنية الطوبولوجية للنموذج الشمسي ~~المركز. وحجج كوبرنيكوس الواقعية مقدمة في مقدمة وإهداء كتابه إلى البابا ~~بولس الثالث والجزء الأول من الكتاب. ~~«أولا»: منح كوبرنيكوس دورا «سببيا» لحركة الأرض؛ فالموضع المادي للأرض ~~بين الكواكب الأخرى هو ما يفسر ظهور حركة الدوران القهقري وفصول السنة والطول ~~الطبيعي للنهار؛ فالظواهر المرصودة تفسر سببيا بالحركة المادية للأرض: # فسرنا الظواهر بوصفها ناتجة عن حركة الأرض حول الشمس، واقترحنا هذه ~~الوسيلة نفسها من أجل تحديد حركات جميع الكواكب. (كوبرنيكوس 1543، ~~الكتاب الرابع، مقدمة) # كما آمن كوبرنيكوس بالحالة السيارة للأرض؛ إذ آمن أن موقع ~~الأرض مسئول سببيا عن بعض الظواهر المرصودة. إذا ليس كوبرنيكوس واقعيا ~~إزاء موضع الأرض فحسب، فلا بد أنه واقعي كذلك بشأن النتائج الفيزيائية ms065 لهذا ~~الموضع. # تتمثل الخطوة الثانية في «حجة كوبرنيكوس بشأن الاتساق». أشرنا بالفعل إلى أن ~~كوبرنيكوس كان مدركا على نحو جيد لحقيقة أن الظواهر الطبيعية مترابطة بعدد من ~~الطرق. كان هذا يعني بالنسبة لكوبرنيكوس أن حركة الأرض والكواكب مترابطة لدرجة ~~أن أي تغيير في جزء واحد يؤدي إلى عواقب في جزء آخر من النظام. وفقا ~~لكوبرنيكوس، لا نستطيع تغيير ترتيب الكواكب اعتباطا دون الإخلال بالصورة ~~الكونية كلها. وإذا ربطنا مدارات الكواكب، يتبين لنا ترتيبها الطبيعي. ~~فالاختيار الصحيح للموضع الأولي للأرض - كوكب يدور وليست مركزا ثابتا للكون - ~~يؤدي وفقا لكوبرنيكوس إلى نموذج أكثر ملاءمة للكون. وهكذا ينتقل كوبرنيكوس من ~~الواقعية إزاء الأجرام السماوية - بما في ذلك الأرض - إلى الواقعية إزاء ~~النموذج العلمي الذي تبناه، ومع ذلك، تقتصر هذه الواقعية على التوزيع المكاني ~~للكواكب. النموذج الشمسي المركز أفضل في تمثيله للكون من النموذج أرضي المركز، ~~لأنه أكثر اتساقا. ويوفر «اتساق» معقولية محددة تشير إلى أنه يجسد بنية الكون ~~على نحو أكثر صحة من منافسه النموذج الأرضي المركز: # نتحول الآن إلى حركات النجوم السيارة الخمسة؛ فحركة الأرض تربط ترتيب ~~وحجم دوائرهم المدارية معا في تناغم رائع وبتناسب مؤكد ... (كوبرنيكوس ~~1543، الكتاب الخامس، مقدمة) # تنبع نتائج كثيرة قابلة للرصد من فرضية أن الأرض تتحرك. بمجرد أن يؤدي هذا ~~الافتراض إلى نموذج متسق، يعزز هذا الاتساق من مصداقية الفرضية الأصلية. ~~فالنموذج الشمسي المركز - اعتمادا على اتساقه - تمثيل أفضل لترابط الطبيعة من ~~النموذج الأرضي المركز. وكما أدرك كبلر ونيوتن لاحقا، يمكن تعزيز تمثيل النموذج ~~الشمسي المركز من خلال التخلي عن العديد من فرضيات كوبرنيكوس المسبقة. ~~(6-3) الواقعية الحديثة # إذن، لو أن ثمة درسا يجب أن يعلمه العلماء للواقعيين فهو أن الواقعية ~~- كلها أو أي شيء منها - لا تستحق القتال من أجلها. (سيلوس، «الواقعية ~~العلمية» (1999)، 113) # شعر بعض أصدقاء وأتباع كوبرنيكوس بغضب عارم تجاه ذرائعية ~~أوزياندر التي تشوه النموذج الكوبرنيكي. ووجههم غموض مصطلح «فرضية» نحو اتجاه ~~الواقعية. وبفضل الإدراك المتأخر، يمكن أن نمتلك توجها ذهنيا أكثر استرخاء. ~~فكوبرنيكوس لم يحسن ms066 البنية الجبرية للنماذج القديمة، كما لم يستطع كوبرنيكوس أن ~~يقدم أي دليل رصدي قاطع يدعم حركة الأرض. وبدت مقدمة أوزياندر الغارقة في الذرائعية ~~كتحذير. والجزء الفني من أطروحة كوبرنيكوس - مع قبولها لمبدأ تكافؤ الفرضيات - لم ~~يرق إلى مستوى الوعد الذي قدمه الجزء الأول. # 11 # كان النموذج الكوبرنيكي قادرا على تقديم تفسير متسق للمشاهدات المعروفة خلال ~~حياة كوبرنيكوس، كما كان متوافقا أيضا مع المشاهدات اللاحقة، ولكن افتقر النموذج ~~الكوبرنيكي الأصلي إلى آلية ذات مصداقية يمكنها تفسير المشاهدات. تمتع النموذج ~~الكوبرنيكي بصلاحية تجريبية، نظرا لبنيته الطوبولوجية، ولكن يجب أيضا أن يلبي ~~نموذج أو نظرية أكثر تطورا مطلب وجود بنية جبرية دقيقة. ويجب أن تتوافق الآلية ~~التي تفسر «الظواهر» مع بنية العالم الحقيقي. والنظرية التي تتميز ببنية جبرية ~~دقيقة تتمتع بالصلاحية النظرية. والخلاف الفلسفي بين أوزياندر وكوبرنيكوس، بين ~~الذرائعية والواقعية، له نظير حديث. فمتبع الذرائعية في العصر الحديث متردد حيال ~~الآليات والبنيات الكامنة وراء السمات المرصودة كما كان أوزياندر. ومتبع الواقعية ~~في العصر الحديث واثق حيال الآليات والبنيات الكامنة كما كان كوبرنيكوس واثقا حيال ~~واقع حركة الأرض. # قدم متبعو الذرائعية في العصر الحديث سببين لحذرهم إزاء البنيات غير القابلة ~~للرصد: من جهة، يوجد نقص في الأدلة التي تثبت النظريات (انظر القسم 6-4). وهذا هو ~~الرأي القائل بأن الأدلة التجريبية لا يمكن أبدا أن تفصل بوضوح بين نظريتين ~~علميتين متكافئتين تجريبيا ولكنهما مختلفتان بنيويا. وعبر بطليموس عن هذه ~~المشكلة بالفعل في تكافؤ الفرضيات. من الناحية الأخرى، هناك «الاستدلال المتشائم»؛ ~~وهو الرأي القائل بأن العديد من النظريات العلمية، التي كانت تعتبر سابقا ~~«صحيحة»، ألقيت فيما بعد في مزبلة الأفكار الخاطئة. ونظرية مركزية الأرض إحدى ~~أمثلة تلك النظريات. ما السبب الذي يدفعنا للثقة في النظريات الحالية؟ لذا تهتم ~~الذرائعية الحديثة «بإنقاذ الظواهر». النظريات العلمية يمكن في أحسن الأحوال أن ~~تكون ملائمة تجريبيا؛ فهي تناسب مجالها ما دامت في نطاق الظواهر المرصودة، ولكن ~~علينا أن نظل متشككين فيما يتعلق بالبنية النظرية الكامنة وراءها. ربما تستخدم ~~نظريتان علميتان ms067 آليتان غير قابلتين للرصد وغير متوافقتين، على الرغم من أن كلتيهما ~~تفسر الأدلة المتاحة. علاوة على ذلك، من الممكن دائما تفسير الأدلة ذاتها على أساس ~~بنيات نظرية مختلفة. أما متبع الواقعية فيريد أكثر من ذلك. فلا يكفي أن تكون ~~نماذجنا متوافقة مع قدر ما تصل إليه المشاهدات؛ فالبنية النظرية الكامنة وراءها، ~~التي يمكن أن تفسر المشاهدات، يجب أيضا أن تمثل بنية الواقع. ظل كوبرنيكوس مقيدا ~~بقبول تكافؤ الفرضيات الهندسية، على الرغم من أنها تقدم المشاهدات على نحو متسق. ~~مع ذلك، كان كبلر مهتما بالأسباب الفيزيائية؛ فالكواكب تتحرك بطرق منتظمة محددة، ~~عبرت عنها قوانين كبلر الثلاثة. والسؤال التالي هو: لماذا تتحرك بهذه الطريقة؟ لم ~~يصبح التفسير الفيزيائي القابل للتطبيق متاحا إلا عندما جمع نيوتن القانون الأول ~~للميكانيكا مع قانون الجاذبية (انظر شكل # 2-12 ~~). بالنسبة لمتبع الواقعية، تبين هذه ~~الأحداث أن نظرياتنا العلمية الناضجة تشكل تفسيرا تقريبيا جيدا للتفسير الحقيقي ~~للعمليات الفيزيائية. # يدعي متبع الواقعية أنها هي «الفلسفة الوحيدة التي لا تجعل نجاح العلم ~~يبدو معجزة» (بتنام 1975، 73)، ومع ذلك فإن قصة علم الفلك تبين أن معارض الواقعية ~~يبدو أن لديه وجهة نظر. كان النموذج الأرضي المركز والنموذج الشمسي المركز في البداية ~~متكافئين على المستوى الرصدي؛ إذ كان كلاهما يعتنق «تكافؤ الفرضيات»، ومع ذلك فقد ~~كانا مختلفين بنيويا. وانتهى المطاف بجزء كبير من البنية النظرية في سلة مهملات ~~الأفكار المصرة على الخطأ. لم يبالغ بطليموس في الزعم ب «واقعية» أدواته الهندسية، ~~وكان كوبرنيكوس واقعيا فحسب فيما يتعلق بالترتيب المكاني للكواكب. قدم كبلر حججا ~~قائمة على الاحتمالات لصالح النموذج الكوبرنيكي، رغم تخلصه من بعض فرضياته ~~الرئيسية. تخلى نيوتن عن أسباب كبلر «الفيزيائية»، بينما استكمل الثورة ~~الكوبرنيكية. # كيف يمكن لمتبعي الواقعية تفسير هذا الجانب المزدوج من الاستمرارية والانقطاع؟ ~~قدمت مؤخرا أطروحة «الواقعية البنيوية» لدرء الحجج المناهضة للواقعية # 12 ~~(وورال 1989؛ ليديمان 1998؛ سيلوس 1999). ولتفسير الاستمرارية وسط ~~التغيير المفاهيمي، تركز الواقعية البنيوية على الجوانب البنيوية للأنظمة. يمكننا ~~أن نتناول الفكرة من خلال التفكير في حقيقة أن العلم يهتم ms068 بالنظم الطبيعية (مثلا، ~~النظام الشمسي أو النظام البيولوجي) على نحو عام تماما. للحصول على نظام لا يكفي ~~أن تضع العناصر أحدها بجوار الآخر (المترابطات)؛ فلا تشكل مجموعة من الكواكب ~~نظاما. ولتحويلها إلى النظام، يجب أن تكون مكونات النظام مترابطة. وبفضل إنجازات ~~الكوبرنيكيين، نعلم أن الكواكب ترتبط على نحو منهجي؛ فالكواكب مرتبطة في نظام عن ~~طريق علاقات (قوانين) النظام. وما يشكل نظاما في العالم الطبيعي هو التفاعل بين ~~مكونات النظام. تمتلك الأنظمة الكوكبية الكواكب كمكونات، وقوانين كبلر ك «الغراء» ~~الذي يربطها معا. وتمتلك النظم البيولوجية الأنواع أو الأفراد كمكونات لها، وما ~~يربطهم معا هو قوانين علم الأحياء التطوري. والمجتمعات البشرية لديها الأفراد ~~والفئات الاجتماعية كمكونات، وما يربطهم معا هو القيم والمبادئ والقواعد القانونية ~~الخاصة بالمجتمعات. وبصرف النظر عن مكونات الأنظمة، يجب أن توجد علاقات مناسبة بين ~~المكونات؛ فمن الصعب أن نتصور أن مجتمعا بشريا يمكن أن يترابط معا من خلال ~~قوانين كبلر. # يتجمع العديد من المكونات في النظم الطبيعية بطريقة منتظمة؛ ومن ثم فإن النظم ~~الطبيعية تظهر بنية تتألف من مترابطات النظام والعلاقات بينها. ويحاول العلم بناء ~~نظريات ذات نماذج تمثل هذه النظم. يجب أن يكون للنماذج بنية نموذجية، تمثل بنية ~~النظام الطبيعي على نحو رمزي. إذا كان المشروع العلمي منشغلا بوصف وتفسير النظم ~~الطبيعية والاجتماعية، فإن الواقعية البنيوية تقدم أطروحة مفادها أن بنية النموذج ~~تمثل بالتقريب الجوانب البنيوية، المؤكدة جيدا، للنظام المستهدف؛ فهي تهتم ~~بالصلاحية النظرية لبنية النموذج؛ ولذلك فإن متبع الواقعية البنيوية سيرغب في أن ~~يدعي أن نماذج العلم تهدف إلى تمثيل بنيات النظم الطبيعية أو الاجتماعية ~~(الطوبولوجية والجبرية). وتتألف بنية النموذج - من أجل غرضنا الحالي - من المكونات ~~وترابطها؛ أي المترابطات والعلاقات. ولدعم وجهة النظر هذه، فإن متبع الواقعية ~~البنيوية سيرغب في توضيح طريقة توفيق الاستمرارية والانقطاع في النظريات العلمية ~~على المستوى البنيوي. يمكن تدبر هاتين السمتين على نحو تفاضلي فيما يتعلق بالبنية ~~الطوبولوجية والبنية الجبرية. عند الانتقال من بطليموس إلى كوبرنيكوس، تغيرت البنية ~~الطوبولوجية للنماذج، لكن ظلت البنية ms069 الجبرية كما هي، باستثناء الموازنات وأفلاك ~~التدوير الكبيرة. وعند الانتقال من كوبرنيكوس إلى كبلر، بقيت البنية الطوبولوجية ~~دون تغيير، ولكن خضعت البنية الجبرية لتغييرات جذرية. ومن كبلر إلى نيوتن، خضعت ~~البنية الجبرية لتحسينات، ولكنها لم تتعرض لتغييرات كبيرة. ومنذ نيوتن، لم يشهد ~~النموذج البنيوي للنظام الشمسي تغييرات جذرية. وإنها لحقيقة أن التمثيل العلمي (في ~~سياق النماذج) يواجه دائما قيودا في عمليتي التقريب والتجسيد المثالي. على سبيل ~~المثال، تعد الدائرة تجسيدا مثاليا للقطع الناقص. سيؤكد متبع الواقعية البنيوية ~~على وجود أدلة قاطعة كافية في تاريخ العلم للتسليم بالاستمرارية في البنيات ~~الأساسية. وتمتد الاستمرارية إلى البنيات الجبرية والبنيات الطوبولوجية على حد ~~سواء. وأخيرا، النماذج الناضجة فحسب هي التي يمكن أن تمثل بنية النظام المستهدف ~~تمثيلا كاملا. وعلاوة على ذلك، تتغير هذه العناصر على نحو مختلف وعادة لأسباب ~~علمية جيدة؛ ومن ثم ربما نشك في أنه حتى في المراحل الثورية في العلوم، ثمة عملية ~~معينة من تسلسل الاستدلال تربط الانتقال من النظريات القديمة إلى الجديدة، وسوف ~~نناقش هذا في (القسم 7). ~~(6-4) نقص إثبات النظريات بالأدلة # كان عدم القدرة على التخلص من تكافؤ الفرضيات واحدا من أسباب فشل أعمال ~~كوبرنيكوس في أن تصبح ثورة علمية. يجب أن يرى الواقعيون أن البنية النظرية التي ~~ينسبها العلماء إلى مجموعة من البيانات الرصدية أو التجريبية تشير إلى بعض العمليات ~~الفيزيائية التي يمكن أن تفسر المشاهدات. على النحو المثالي، يرقى هذا إلى مكانة ~~التفسير السببي (انظر الفصل الثاني، القسم 6-6). كيف يمكننا أن نتأكد من أن ~~تفسيراتنا النظرية تجسد حقيقة العالم المادي تقريبا؟ هذا في جزء منه يتعلق بمسألة ~~كيفية استطاعة التفسيرات العلمية تمثيل أجزاء من العالم الطبيعي. ويتم ذلك من خلال ~~استخدام مجموعة متنوعة من النماذج كما سنرى (انظر القسم 6-4 و6-5)، لكن قبل أن ~~ننتقل إلى هذه الأمور، يجب إزالة حجر عثرة. ثمة حجة شهيرة - أطروحة دوهيم-كواين - ~~تسعى إلى توضيح أن الأدلة لا تكون قوية بما فيه الكفاية «مطلقا» للتغلب على جميع ~~التفسيرات النظرية المنافسة. إذا ms070 نجحت هذه الحجة، ربما سيوجد دائما عدد لا نهائي ~~من التفسيرات النظرية المتوافقة مع الأدلة والمتعارضة وجوديا. ولن تكون الأدلة ~~قادرة على تحديد تفوق أحد التفسيرات على التفسيرات الأخرى. وستكون كل التفسيرات ~~النظرية ناقصة الإثبات بالأدلة المتاحة. وسيتاح لمتبعي الذرائعية حجة قوية في ~~ترسانتهم. # تخيل بعض الكائنات الفضائية التي تستطيع لفظ الرقم 9 عندما تظهر مجموعة من ~~الأشياء. كيف توصلت هذه الكائنات إلى هذا الحل؟ من الواضح أنه يوجد عدة آليات ~~يمكننا أن ننسبها إليهم: (1) 3 × 3؛ (2) 4,5 + 4,5؛ (3) ~~؛ (4) 1 + 2 + 6؛ وما إلى ذلك. لو لم نكن نعلم شيئا آخر عن قدرات ~~هذه الكائنات، فسيكون التحديد صعبا، ولكن تخيل أننا نعلم أن هذه الكائنات لا تتقن ~~سوى الأعداد الطبيعية من 1 إلى 10 وليسوا على علم بالكسور. يمكننا إذن استبعاد ~~الفرضيتين (2) و(3). بهذه الطريقة نستطيع تكوين الأدلة التي تشير بقوة إلى وجوب ~~سريان آلية معينة. يبدو أن هذا يشبه تاريخ الفرضية الكوبرنيكية؛ ففي عام 1543 لم ~~تكن الأدلة الرصدية ببساطة قوية بما فيه الكفاية لتدعم تفوق النظام الكوبرنيكي على ~~النظام البطلمي، ولكن بعد ذلك حقق تيكو براهي وجاليليو اكتشافاتهما التجريبية ~~المهمة، وكان من الصعب التوفيق بينها وبين النظام البطلمي. ومن خلال اكتشاف قوانينه ~~للكواكب، حسن كبلر النظام الكوبرنيكي كثيرا. وأخيرا، توج نيوتن النموذج ~~بالنجاح عندما أوضح أن القصور الذاتي والجاذبية يمكن أن يسببا تشكل مدارات الكواكب ~~الإهليجية. وكما سنبين بالتفصيل في الفصل المتعلق بالداروينية، تحدث عملية للقضاء ~~على التفسيرات المنافسة. عملية القضاء تلك ممكنة، لأن التفسيرات النظرية - كما يوضح ~~تاريخ الكوبرنيكية - تخضع لعدد من القيود؛ تمثل صلابة الظواهر أحد هذه القيود ويمثل ~~الاتساق واحتمالية التفسيرات قيدين آخرين. فإذا كان واقع النظام الشمسي أن الأرض ~~تدور حول الشمس، وليس العكس، فسيكون من الصعب على التفسيرات النظرية الهرب من هذه ~~الحقيقة. نجا النظام البطلمي لمدة 1500 سنة بسبب قلة الأدلة. وبمجرد أن قويت ~~الأدلة، ترنح النظام البطلمي أمام صلابة الحقائق وعدم معقولية افتراضاته. # ربما لا يغير متبع الذرائعية المتشدد رأيه متأثرا بمثل هذه ms071 الحجج. وسوف يشير ~~إلى: (أ) أن من الممكن دائما دحض الدليل بوصفه بانعدام الثقة. ويمكن القول إن عالم ~~الرياضيات والفيلسوف في مسرحية بريشت كانا محقين في كونهما متشككين في التليسكوب، ~~الذي لم يكن في عام 1610 بعد أداة موثوقا بها. (ب) وأن من الممكن دائما تغيير بعض ~~الافتراضات الأساسية لإنقاذ النظرية. (ج) وأن تاريخ العلم مليء بحالات نقص الإثبات ~~بالأدلة. حتى بداية القرن السابع عشر كانت النماذج الفلكية يعارض بعضها بعضا، ~~ولكنها كانت متفقة على نحو متساو مع الأدلة. وسادت حالة مماثلة في البيولوجيا ~~التطورية حتى بداية القرن العشرين. ولا تزال نماذج العلوم الاجتماعية المتعلقة ~~بالظواهر المجتمعية تعاني من ويلات نقص الإثبات بالأدلة. ~~(أ) أطروحة دوهيم-كواين # تأمل مخطط بوبر للدحض: نستمد من النظرية العلمية، # T ~~، فرضية قابلة للاختبار، # H # E ~~، ~~ثم تخضع هذه الفرضية لاختبارات «صارمة». إذا لم تتخط الفرضية هذه الاختبارات، ~~¬ # H # E ~~، فإن النظرية ~~التي استخلصت منها تصبح مدحضة، ~~¬ # T ~~. ومخالفة لهذا الأسلوب الدحضي، يرى ~~دوهيم وكواين أن النظرية، # T ~~، والافتراضات ~~السابقة، # A ~~، تواجه معا الاختبار. وإذا ~~فشلت الاختبارات في تأكيد الفرضية، فثمة بعض الحرية في الاختيار؛ فإما أن نرفض ~~الفرضية، # H # E ~~، أو نغير ~~الافتراضات السابقة، # A ~~، لإنقاذ ~~النظرية (انظر مربع 1-2 من أجل عبارات أكثر منطقية). # قبل أن ننتقل إلى مثال، توجد بعض الملاحظات الأولية التي يجب توضيحها؛ أولا: ~~عملية الانفصال، ~~، ليست نتيجة محددة. يجب تقديم سبب للاحتفاظ إما ب # H # E # أو # A ~~. ~~ثانيا: ينبغي أن نضع في الاعتبار أن الافتراضات السابقة، # A ~~، ~~والفرضية الخاضعة للاختبار، # H # E ~~، ربما لا ~~تمتلكان وزنا معرفيا متساويا. في كثير من الأحيان توجد في العلم نظريات أو ~~نتائج راسخة إلى حد ما، تكون مفترضة مسبقا وليست خاضعة للاختبار حاليا. ~~ثالثا: الأدلة، # E ~~، التي تستخدم لاختبار الفرضية، غالبا ما ~~تكون قوية إلى حد ما، بمعنى أنه قد جرى التوصل إليها من خلال وسائل مستقلة. ~~تتجاهل أطروحة دوهيم-كواين هذه التحفظات؛ فهي تنص على أنه من الممكن دائما ~~إنقاذ # T ~~، ~~على الرغم ms072 من ~~¬ # H # E ~~، إذا كنا ~~على استعداد لإجراء تغييرات مناسبة في المعرفة السابقة، مثلا من # A # إلى ~~. # مربع 1-2: أطروحة دوهيم-كواين بعبارات منطقية # مخطط بوبر للدحض: # أطروحة دوهيم-كواين: # لإنقاذ النظرية، # T ~~، تصور دوهيم-كواين أن الافتراضات ~~السابقة يمكن تغييرها، مثلا إلى # A ~~' ~~، ~~لكي يمكن من خلال مزج # T # و # A ~~' # استنتاج: # مفتاح الرموز: ~~= # T # نظرية، ~~= # H # E # فرضية ~~خاضعة للاختبار، ~~= ¬ # نفي، ~~= ~~∨ # انفصال منطقي، ~~= ⇒ # نتيجة استنتاجية، ~~= ~~A # افتراضات سابقة. # يقدم لنا تاريخ علم الفلك أمثلة مفيدة لتوضيح وتقييم أطروحة ~~دوهيم-كواين. # لندعم أولا مخطط بوبر للدحض ببعض الافتراضات السابقة الإضافية # A ~~. ~~لنفترض أن # T # هي علم الفلك البطلمي، ولنفترض أن # A # تمثل ثبات المجال فوق القمري في علم الكونيات الأرسطي. ونأخذ # H # E # من تأكيد عالم ~~الرياضيات من مسرحية بريشت بأنه وفقا للقدماء، «لا يمكن أن توجد نجوم تدور حول ~~مراكز أخرى غير الأرض»، وهذا يعني أنه لا يمكن أن يكون للمشتري أقمار. أخيرا ~~نفترض أن ~~¬ # H # E # تعبر عن اكتشاف ~~جاليليو لأقمار المشتري. توضح اكتشافات جاليليو، بما فيها اكتشاف أطوار كوكب ~~الزهرة، ومشاهدات تيكو براهي لظهور المستعر الأعظم في عام 1572 حدوث تغيرات في ~~السماوات. يصعب توفيق هذه الاكتشافات التجريبية مع النموذج الأرضي المركز الذي ~~يفترض صراحة ثبات السماوات. من الصعب إدراك كيف كان يمكن تغيير الافتراض ~~السابق، # A ~~، ~~من أجل التوافق مع النتائج التجريبية. إن تغيير # A # إلى # مثلا - ~~قدرة السماوات على التغير - كان سيدمر بنية النموذج الأرضي المركز. كانت ~~الاكتشافات التجريبية قوية. يقول الفيلسوف في مسرحية بريشت: «كون المبجل أرسطو ~~يمثل صرحا من نسب متقنة، يجب علينا أن نفكر مرارا قبل خلخلة هذا الانسجام.» ~~ومن ثم تمثلت استراتيجية الفيلسوف في إنكار أدلة جاليليو، ~~¬ # H # E ~~. وهذه خطوة ~~مشروعة ما دامت الأدلة غير قوية. وبمجرد أن تكون الأدلة موثوقا بها إلى حد ~~ما، تنتكس هذه الاستراتيجية بسرعة وتتحول إلى دوجمائية. ظهر زائرا جاليليو ~~بمظهر الدوجماتيين؛ لأنهما أصرا على «صحة» عقيدة أرسطو. كان من الممكن أن تصبح ~~شكوكهما مبررة لو كانا شككا ms073 في مصداقية التليسكوب. # مع ذلك، ثمة حالات يكون من المعقول فيها تماما رفض الافتراضات السابقة. ~~لنعتبر أن # T # تمثل علم الفلك الكوبرنيكي، وتمثل # A # المدارات الدائرية المنتظمة في الفلك فوق القمري، التي تشارك كوبرنيكوس في ~~افتراضها مع الإغريق. ونجعل # H # E # تمثل ~~الحركة الدائرية لكوكب ما حول الشمس المركزية. أخيرا نجعل ~~¬ # H # E # تمثل اكتشاف ~~كبلر للمدارات الإهليجية الشكل والحركة غير المنتظمة لهذا الكوكب. نحن نعلم أن ~~كبلر رفض الافتراض السابق # A # للمدارات الدائرية، وأحل محله حركة الدوران ~~غير المنتظمة # كما ~~ورد في قوانين كبلر. بما أن كبلر رأى صحة النهج الأساسي لكوبرنيكوس، فلم يستطع ~~حقا رفض النظرية # T ~~. والقيام بذلك قد يعني العودة إلى النظريات ~~السابقة مثل مركزية الأرض لبطليموس أو نظام براهي الذي يعد وسطا بين ~~النظريتين. لم تكن هذه النظريات السابقة تجذب كبلر كثيرا؛ لأنها لم تكن ~~متوافقة مع الأدلة الرصدية. صحيح أن كبلر أنقذ النظرية الكوبرنيكية # T # من خلال تغيير الافتراض السابق # A ~~. وكما تتطلب استراتيجية دوهيم-كواين، ~~فإن مزج # T # و # يؤدي الآن ~~إلى النتيجة الاستنتاجية ~~، ولكن لاحظ أن الافتراض المسبق # A # هو ما لم يستطع كبلر ~~توفيقه مع الأدلة. لم يكن الأمر مسألة إنقاذ # T # مهما كان الثمن. كانت # T # نظرية ناجحة نسبيا، ولكنها لم تتمكن من تفسير المشاهدات بالدقة التي يريدها ~~كبلر، لاستنادها على افتراض سابق مشترك مع نظرية مركزية الأرض. # يشير هذان المثالان إلى وجوب التمييز بين وجهتي النظر المنطقية والعملية؛ فمن ~~وجهة النظر المنطقية ربما يكون ممكنا في الواقع إنقاذ النظرية # T ~~- كما أشار دوهيم وكواين - من خلال عدد من المناورات: تغيير الافتراضات السابقة ~~أو إنكار الأدلة، ولكن من وجهة النظر العملية، عادة ما يواجه العلماء عددا ~~محدودا من التفسيرات النظرية التي عليهم أن يقيموها من خلال إخضاعها لقوة ~~القيود، كما أوضح أينشتاين (أينشتاين 1918؛ 1919؛ فاينرت 2006). ~~(ب) قوة القيود # ثمة حل عملي لأطروحة دوهيم-كواين يعتمد على استخدام القيود. يمكن عموما ~~اعتبار القيود كشروط تقييدية على المقبولية؛ فهي تتحكم في العوامل المتغيرة ~~التي تقبل ms074 في أي نظرية علمية أو نموذج علمي، أو تتحكم بصورة أعم في النظريات ~~والنماذج التي ينبغي قبولها كبنيات علمية. تخيل بوابا يقف خارج ملهى ليلي. ~~يقدم الملهى الليلي المشروبات الكحولية ولكن فقط للمقامرين الذين تجاوزوا حدا ~~سنيا معينا. يجب أن يتأكد البواب من أن المقامرين الذين يستوفون الحد الأدنى ~~للسن هم من يدخلون فحسب. إذا كنت مقامرا أقل من الحد السني، يفرض البواب ~~شرطا تقييديا على دخولك إلى الملهى الليلي. إذا أدى وظيفته على نحو صحيح، ~~فلن تدخل. وكما سنناقش الآن، ثمة مجموعة متنوعة من القيود التي تطبق في ~~التنظير العلمي. في الأساس، توجد قيود تجريبية وأخرى نظرية، وهذه القيود يمكن ~~تقسيمها لمستويات فرعية أكثر. # تخيل أن النماذج والنظريات العلمية مدمجة في «مساحة منطقية» ما، وهي تتشكل من ~~مجموعة من القيود التجريبية والنظرية. يعتبر عالم الرياضيات المعادلة «قيدا» ~~على مجموعة من الحلول الممكنة. تأمل معادلة القطع المكافئ: ~~. تستثني هذه المعادلة جميع الأعداد الأقل من واحد ~~( ~~> # 1) كحلول ممكنة، حيث إن الأعداد ~~الأقل من واحد لا تفي بالقيد الذي فرضته المعادلة. القيود العلمية تمثل شروطا ~~تقييدية على النماذج والنظريات، «بحيث إنه من بين مجموعة العوامل المتغيرة ~~المتاحة، فإن العوامل المتغيرة التي تفي بالقيود هي فقط التي تشكل مدخلات ~~مقبولة.» ومع تطور العلم وظهور الاكتشافات الجديدة، يمكن لهذه الشروط المقيدة ~~أن تتغير بطرق مختلفة (فاينرت 1999، 308-313). وهكذا بالنسبة للإغريق، وكذلك ~~كوبرنيكوس، كانت الحركة الدائرية قيدا قويا على بناء النماذج. ونجد في ~~العلوم فئتين عريضتين من القيود هي القيود التجريبية والنظرية. ويمكن تقسيم ~~هاتين الفئتين إلى فئات أخرى. في ظل «القيود التجريبية»، ندرك مدى توافر ~~البيانات التجريبية المستقرة القابلة للتكرار (النتائج التجريبية والرصدية)، ~~وكذلك أيضا وجود الثوابت الفيزيائية الأساسية (مثل # h # و # c ~~، انظر فاينرت (1998))، ~~التي قد تظهر في نماذج أو نظريات مختلفة تماما. ويجب أن تكون النظريات العلمية ~~قابلة للاختبار تحت هذه القيود التجريبية. وفي ظل «القيود النظرية» نفهم ~~المبادئ الفيزيائية الرياضية (مثل مبدأ النسبية)، والمعايير المنهجية مثل ~~البساطة والوحدة والاتساق المنطقي والاتساق ms075 المفاهيمي للنظرية (الذي يقصد به ~~هنا تعظيم الروابط المنطقية، والاشتقاقات الرياضية، والعلاقات المبنية على ~~البراهين)، وأخيرا، المسلمات الميتافيزيقية (اتساق الطبيعة والسببية والمدارات ~~الدائرية والحتمية والكمال والتناسق في الطبيعة). يمكن لمزيج هذه القيود ~~المختلفة أن يرسم عددا من مساحات القيود المختلفة التي يمكن دمج النماذج ~~والنظريات فيها. تشكل مركزية الأرض وقيودها مساحة قيود واحدة، بينما تشكل ~~مركزية الشمس الخاصة بكبلر بنية قيود أخرى. وتعد فكرة وجود مجموعة من القيود ~~التي تعمل على بنى علمية مفيدة للقضاء على النماذج غير الملائمة؛ إذ تتحطم هذه ~~النماذج على صخرة القيود. لقد ألمحنا بالفعل إلى إجراء الاستقراء الإقصائي، ~~الذي سنناقشه في الفصل الثاني. تكمن قوته في حقيقة أنه لا يمكنه إقصاء النماذج ~~الفردية فحسب، ولكن يستطيع أيضا إقصاء مجموعات كاملة من النماذج التي تفي ~~بمجموعة معينة من القيود (نورتون 1995؛ إرمان 1996). # ومساحة القيود عبارة عن بنية تحددها أنواع مختلفة من القيود، يمكن مزج ~~النماذج الفعلية والمحتملة فيها. تطبق القيود على البنيات المقبولة وغير ~~المقبولة. ودائما ما تكون القيود محدودة، ولكن تسمح مساحة القيود بعدد لا ~~نهائي من النماذج والنظريات المحتملة (غير المصوغة)، ومع ذلك، يمكن لعدد محدود ~~من القيود أن يحكم عددا لا حصر له من النماذج أو النظريات المحتملة، تماما ~~كما يندرج عدد لا حصر له من الحالات المحددة - الفعلية والمحتملة - تحت القانون ~~العلمي الواحد. ويمكن لعدد قليل من القيود أن يقصي عددا لا حصر له من النماذج ~~والنظريات، تماما كما يستطيع بواب واحد رد عدد كبير من المقامرين؛ ومن ثم فإن ~~بإمكان بنية شمسية المركز، بالاتحاد مع قوانين كبلر، أن تقصي كل النماذج الأرضية ~~المركز باعتبارها بنيات غير مناسبة. وينجح الإقصاء؛ لأن النماذج الأرضية المركز ~~تصبح متعارضة مع القيود الجديدة. بعبارة أخرى، تسبب محاولة إدراج النماذج ~~القديمة في مساحات القيود الجديدة تناقضات. # من أجل أغراض مناقشة أطروحة دوهيم-كواين، وفي ضوء القيود، سوف نستخدم ~~البيانات التجريبية فحسب كأمثلة على القيود التجريبية، والاتساق كمثال على ~~القيد النظري. # لنلق نظرة أولا على بعض الأمثلة حول طريقة مساعدة ms076 استخدام القيود ~~«التجريبية» على حل معضلة دوهيم-كواين، على الأقل من وجهة النظر العملية. تذكر ~~موقف مركزية الأرض في القرن السادس عشر. في 1572، كان تيكو براهي قد اكتشف ~~نجما جديدا (مستعرا أعظم)، وفي الفترة 1577-1596، اكتشف براهي المذنبات، ~~وأثبت أنها كانت تقع خارج فلك القمر. شكلت هذه المشاهدات مشكلة خطيرة لإحدى ~~العقائد الرئيسية في نظرية مركزية الأرض: ثبات الفلك فوق القمري. لا يمكن من ~~وجهة نظر منطقية استبعاد أن نظرية مركزية الأرض قد وجدت طريقة للتكيف مع هذه ~~الظواهر. في الأجزاء الأخيرة من كتابه «المجسطي»، يشير بطليموس إلى أن أي معرفة ~~دقيقة للفلك فوق القمري تتخطى فهم البشر. إن ادعاء الجهل يمثل طريقة غريبة ~~للتكيف. من المهم التأكيد على أنه كان «ينبغي» على نظرية مركزية الأرض التكيف ~~مع هذه الظواهر. كانت ظواهر عنيدة، وكان إنكارها سيؤدي إلى دوجمائية الفيلسوف. ~~السؤال هو ما التكلفة التي سيفرضها التكيف؟ (كيتشر 1993، 247-256؛ كواين 1990، ~~3-21)، كما رأينا، كان التكيف طبيعيا بالنسبة لنظرية مركزية الشمس. ومن وجهة ~~النظر العملية، فإن تكلفة التكيف كانت تفرض ضغطا شديدا على نظرية مركزية ~~الأرض؛ فليس من الاتساق أن تفترض ثبات السماوات وتقبل الدليل على ~~الحركة. # لنلق نظرة أيضا على بعض الأمثلة حول الكيفية التي تساعد بها القيود ~~«النظرية»، مثل اتساق النظرية العلمية، على حل معضلة دوهيم-كواين. يعني الاتساق ~~أن عناصر النظرية العلمية تشكل شبكة محكمة ، وهو يقيس عدد الروابط البينية ~~للمكونات والنتائج الاستنتاجية للنظرية. ويعني جعل الاتساق يعمل بمنزلة قيد لا ~~يسمح بدخول النظام إلا للعناصر التي لا تخل باتساقه. يمكن مقارنة اتساق ~~النظريات العلمية بلغز الكلمات المتقاطعة. فبينما نبدأ في ملء أعمدة وصفوف ~~اللغز بالإجابات، نبدأ في رؤية توافق محكم. يمتلك لغز الكلمات المتقاطعة حلا ~~واحدا فقط يحدد الإجابات المسموح بها. فإذا كانت إجابة العمود صحيحة، فإنها ~~تضع قيدا على كل إجابات الصفوف. ومع ملء جميع الأعمدة والصفوف، يصبح اللغز ~~نظاما قويا، وتفرض الأعمدة والصفوف الممتلئة قيودا شديدة على الإدخالات في ~~المساحات الفارغة المتبقية. وبوضع مفهوم الاتساق في الاعتبار، تفكر ms077 في الطريقة ~~التي ستمضي بها محاولة إدخال أقمار كوكب المشتري في النموذج البطلمي. سوف تخل ~~باتساق النظام، الذي يقوم على الاعتقاد الميتافيزيقي بكمال الفلك فوق القمري. ~~لم تكن المدارات غير الدائرية وإهليجية الشكل الخاصة بالمذنبات ستسبب مشكلات ~~كبيرة للبنية الهندسية للنظام فحسب (شكل # 1-9 ~~)، بل كانت ستدمر اتساقه. لماذا لم ~~يدمر إدخال كبلر لسرعات الكواكب الحقيقية غير المنتظمة اتساق النظام ~~الكوبرنيكي؟ قبل كبلر الترتيب المكاني للكواكب في النظام الكوبرنيكي. ويمكن ~~اعتبار المدارات الدائرية - على المستوى الرياضي - تقديرا تقريبيا جيدا ~~لمدارات الكواكب شبه البيضاوية، لكن كان ينبغي على كبلر التخلي عن الحاجة ~~الميتافيزيقية للأفلاك والحركة الدائرية. # نحن لا نفرض أفكارا فلسفية على الأفكار الكوبرنيكية على نحو تعسفي. لقد ~~رأينا أن كوبرنيكوس يعبر عن إيمان قوي بالاتساق في مقدمته لكتاب «عن دورات ~~الأجرام السماوية»، ويؤكد أنه إذا ما كانت حركة «النجوم السيارة» مرتبطة بحركة ~~الأرض الدائرية، فإن العديد من الظواهر المرصودة ستنجم عن ذلك. وكان تلميذه ~~ريتيكوس - بعد قبول هذه الأفكار حول الاتساق - أكثر وضوحا في هذا الشأن، فقال ~~إن علماء الفلك العظام السابقين: # صاغوا نظرياتهم وأجهزتهم لتصحيح حركة الأجرام السماوية مع عدم ~~الالتفات كثيرا إلى القاعدة التي تذكرنا بأن ترتيب وحركات الأفلاك ~~السماوية تتوافق ضمن نظام مطلق. (ريتيكوس، 1540، 145) # مع ذلك، إذا كان حقيقيا أن النظريات العلمية تميل إلى إظهار كم كبير من ~~الاتساق (الترابط) بين مكوناتها ، فمن الصعب الاعتقاد - في ظل نظرية دوهيم-كواين ~~- أن النظام العلمي يواجه حكم الأدلة ككل فحسب؛ فكما رأينا للتو، يبدو أن شرط ~~الاتساق يحد عدد التغييرات التي يمكن إجراؤها، كما أنه يحد من طبيعة التغيرات ~~التي تكون مقبولة. فيمكننا استهداف عناصر معينة من النظام، عالمين أن ذلك سيؤثر ~~على النظام بأكمله. استهدفت الفرضية الكوبرنيكية عناصر فردية من نظرية مركزية ~~الأرض، وهي الموضع الطوبولوجي للأرض، وأداة الموازن الجبرية. واستهدف كبلر ~~عقيدة المدارات الدائرية. ~~(6-5) النظريات والنماذج والقوانين # تكلمنا في الصفحات السابقة عن النظريات الفلكية والنموذجين الأرضي المركز والشمسي ~~المركز وقوانين كبلر للكواكب. يرتكز المشروع العلمي على عدد ms078 من الركائز، منها ~~النظريات والنماذج، والقوانين، والقيود. كيف ترتبط هذه الركائز بعضها مع بعض؟ كيف ~~تختلف النظرية عن النموذج؟ ما هو قانون الطبيعة؟ إن القيود، كما أكدنا، ترسم مساحة ~~مقيدة. ويمكننا توسيع مساحة القيود عن طريق إدخال مزيد من القيود، كما يوضح تاريخ ~~علم الفلك. وسع تيكو براهي الأساس الرصدي الذي ينبغي بناء النماذج الفلكية عليه. ~~وعندما رفض كبلر ميتافيزيقا الأفلاك الدائرية أصبح صاحب التغيير الأكثر ثورية في ~~مساحة قيود علم الفلك على مدار ألفي عام. ~~(أ) النظريات والنماذج # يمكننا التفكير في النظرية العلمية كنظام مفاهيمي متسق يربط عددا من العناصر ~~النظرية، التي تكون مهمة للممارسة العلمية. تنطبق النظرية العلمية على مجال ما، ~~ويتضمن هذا المجال كافة الظواهر في جميع الأنظمة الممكنة التي تنطبق عليها ~~النظرية. تضم النظرية الكوبرنيكية كل الأنظمة الكوكبية الجامدة كمجال لها. وتضم ~~النظرية الداروينية كل النظم البيولوجية الحية كمجال لها. وتزعم كلتا النظريتين ~~أنها تستطيع تفسير جميع أنواع السلوكيات ذات الصلة في النظم التي تقع ضمن ~~مجالها. ترغب النظرية الكوبرنيكية في تفسير توزيع الأنظمة الشمسية وحركات ~~الكواكب، وترغب النظرية الداروينية في تفسير جميع الظواهر التطورية، وتقدم ~~النظريات العلمية إلى حد ما أيضا رؤى كونية؛ وهذا يعني أنها تقدم منظورا ~~معينا حيال النظم الطبيعية أو الاجتماعية التي تشكل مجالها. تخبر الرؤى ~~الكونية الناس بماهية العالم ومكانة البشر فيه. تعبر نظريات مركزية الشمس ~~والداروينية والفرويدية عن هذه الآراء الميتافيزيقية إزاء العالم. وعندما تتغير ~~النظرية، تواجه تلك الرؤى الكونية تهديدا. وهذه اللحظات في تاريخ العلم تمثل ~~مناسبات للثورات العلمية. يمكن أن تفسر مقاومة تغيير النظريات العلمية ~~جزئيا بسبب ارتباطها بالرؤى الكونية. وتتضح هذه العملية على نحو جلي في ~~الانتقال من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس. وسنرى هذه العملية في الانتقال من ~~مرحلة ما قبل الداروينية إلى النظريات التطورية للأنظمة البيولوجية. # عادة ما تجسد النظريات العلمية عددا من المبادئ الأساسية، التي تكون بمنزلة ~~قيود. على سبيل المثال، ذكر كوبرنيكوس في كتابه «الشرح المختصر» سبعة مبادئ ~~لعلم الفلك، بما في ذلك ms079 حركة الأرض (كوبرنيكوس، «الشرح المختصر» 1959، 58-59؛ ~~كوبرنيكوس 1543، الكتاب الأول). وثمة مبادئ «ميتافيزيقية» مثل ~~الاعتقاد بوجود حركة دائرية ووحدة الطبيعة، والتسليم أن كل حدث طبيعي محتم ~~الحدوث. وكذلك يعد اعتقاد جاليليو أن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات أيضا ~~قناعة ميتافيزيقية، كما أنه توجد «مبادئ منهجية» مثل الاعتقاد باتساق النظام، ~~وبساطة التفسير، وإمكانية التثبت من الصلاحية التجريبية للنظرية. وثمة «مبادئ ~~رياضية» مثل الأدوات الهندسية الخاصة بالإغريق أو استخدام الجبر في الفترة التي ~~تلت كبلر. وفضلا عن هذه المبادئ، تحتوي معظم النظريات العلمية الحديثة على ~~مجموعة من «القوانين الرياضية». أصبح هذا واضحا - لأول مرة - في أعمال كبلر. ~~ولاحقا عندما أصبح النموذج الشمسي المركز أكثر تطورا، استطاعت النظرية أن تظهر ~~طريقة ارتباط القوانين المختلفة أحدها مع الآخر. أوضح نيوتن كيف يمكن أن تستمد ~~قوانين كبلر من قانون أساسي على نحو أكبر، وهو قانون الجاذبية. وأخيرا، يجب أن ~~تجسد النظريات العلمية مجموعة من «الفرضيات التجريبية». وهذه الفرضيات ~~التجريبية تواجه القيود التجريبية؛ أي الأدلة التجريبية، التي يجب أن تستقى من ~~المبادئ المجردة. ويمكن رؤية تطبيق ذلك في نظرية مركزية الشمس مثلا. تقدم ~~نظرية مركزية الشمس عبارة عامة للغاية مفادها أن «جميع» الأنظمة الكوكبية، وليس ~~فقط النظام الشمسي، تتكون من عدد من التوابع التي تدور حول جرم ذي جاذبية ~~مركزية. ومن أجل تأكيد هذه النظرية العامة، من الضروري استقاء عبارات قابلة ~~للاختبار بشأن نظام معين. كان النظام الشمسي مناسبا للغاية؛ لأنه يمكن رصده من ~~خلال الأدوات المتاحة لجاليليو ومعاصريه. يمكننا أن نعامل هذه المبادئ على أنها ~~تشكل مساحة قيود. تتكون مساحة القيود من القيود التجريبية والنظرية، وتشمل ~~النظريات العلمية أيضا عددا من النماذج، وتسمح النماذج للنظرية بتمثيل جوانب ~~معينة من العالم، وتتمثل وظيفة النظرية العلمية في إلقاء غطاء من الاتساق على ~~كل هذه العناصر، فتوضح النظرية طريقة توافق جميع هذه العناصر معا، وطريقة ~~ترابط نماذج النظرية، وتبين كيف تكون البيانات الرصدية والتجريبية من التبعات ~~الاستنتاجية أو الاستقرائية لمبادئ النظرية. ~~«النماذج» ذات أهمية خاصة، لأنها توفر للنظرية وسائل ms080 التمثيل؛ فالنظرية تحتاج ~~النماذج من أجل تمثيل جوانب معينة من العالم، ومن الممكن توضيح هذه الفكرة ~~بسرعة. يمكن بسهولة الخلط بين النظرية الكوبرنيكية والنموذج؛ لأنها نظرية لها ~~مجال محدود للغاية؛ فبالنسبة لكوبرنيكوس، كان النظام الشمسي والنجوم الثابتة ~~يشكلان الكون كله. على وجه الدقة، النظرية الكوبرنيكية ليست سوى نموذج ~~كوبرنيكي، ولكن هذا ليس سوى حالة عرضية لهذا الاكتشاف؛ فلا تقتصر النظرية ~~الكوبرنيكية على النظام الشمسي؛ فغرضها ليس إدراج كواكب النظام الشمسي المعروفة ~~فحسب في مجالها، ولكن أيضا إدراج كل النظم الكوكبية في أي مجرة؛ فإذا وسعناها ~~على هذا النحو، فإنها تصبح نظرية. وتشمل النظرية الكوبرنيكية في مجالها كل ~~النظم الكوكبية في كل المجرات، ولكنها تتسع لما هو أكبر من ذلك بكثير؛ إذ تشمل ~~أيضا جميع النظم الاصطناعية، مثل الأقمار الصناعية، التي يمكن إرسالها إلى ~~مدارات. ثمة سمة أساسية من سمات النماذج وهي أنها لا تغطي سوى نطاق محدود من ~~البيانات. ويوفر النظام الشمسي بيانات كافية لبناء نماذج فلكية مختلفة. # تعد قدرة النماذج على ربط عوامل متغيرة محددة في صورة نظام واحدة من أهم ~~وظائف النماذج. ويمكن أن نسمي هذه الوظيفة «الاتساق» أو «الترابط». كان ~~كوبرنيكوس مدركا تماما أن النموذج الشمسي المركز يجب أن يمثل نظام الكواكب. وكي ~~تتمكن النماذج من أداء هذا الدور، يجب أن تخدم ثلاث وظائف أخرى: الفصل، وإضفاء ~~المثالية، والتحويل إلى حقائق. # تركز النماذج على عدد قليل من عوامل النظام المستهدف المتغيرة التي يمكن ~~التحكم فيها بمعزل عن عدد من العوامل المتداخلة. تهمل العوامل المتداخلة من ~~أجل غرض النمذجة، وهذا ما يسمى عملية «الفصل». ربما تكون هذه العوامل ~~المتداخلة عديمة الأهمية بوضوح، وفي هذه الحالة يتجاهلها النموذج على نحو مبرر. ~~على سبيل المثال، تهمل أقمار الكواكب دوما في النماذج؛ فالنموذج يركز على ~~جرم مركزي وتوابعه، ومع ذلك، ربما يكشف التدقيق القوي أن العوامل المفصولة لها ~~تأثير ذو أهمية على العلاقة بين العوامل المتغيرة، وفي هذه الحالة يجب إدراجها ~~في النموذج؛ فقمر الأرض له تأثير مهم على المد والجزر. ms081 # قد يكون حساب العوامل الحقيقية العاملة في العالم المادي معقدا جدا، وفي ~~هذه الحالة يلزم أن يقدم النموذج تبسيطا رياضيا. تقوم النماذج ب «إضفاء ~~المثالية» على العوامل المتغيرة لجعل علاقاتها قابلة للحساب في النماذج. وتسمى ~~هذه العملية «إضفاء المثالية». # 13 # بمجرد التخلي عن عقيدة الحركة الدائرية، يصبح من الأسهل حسابيا ~~النظر للدائرة باعتبارها تجسيدا مثاليا للمدار الإهليجي. # مرة أخرى، قد تكون النماذج الأكثر تعقيدا قادرة على الحد من عملية إضفاء ~~المثالية على العوامل المتغيرة. ويطلق على إدراج العوامل ذات التأثير المهم ~~والقضاء على إضفاء المثالية على العوامل المتغيرة اسم «التحويل إلى حقائق». ومن ~~أهم عمليات التحويل إلى حقائق في تاريخ علم الفلك وضع كبلر لقوانينه ~~للكواكب. # يوجد أيضا أنواع مختلفة من النماذج، ومعظم النماذج لها وظائف «تمثيلية». ~~وعلى هذا المنوال فإن معظم النماذج في العلوم تخدم وظيفة عملية. والتمييز بين ~~أنواع النماذج المختلفة يساعد على توضيح ما يعنيه التمثيل بالنسبة للنماذج. ~~وعموما وظيفة النماذج هي تصوير الجوانب البنيوية للنظم الطبيعية الخاضعة ~~للنمذجة. تذكر أن النماذج إما تركز على الترتيب المكاني لعناصر النظام - كما ~~على سبيل المثال التوزيع المكاني للكواكب حول الشمس في النظام الشمسي - أو تضع ~~مزيدا من التركيز على العلاقات «الرياضية» بين العوامل المتغيرة؛ على سبيل ~~المثال، كما في الاعتماد الوظيفي لأحد العوامل المتغيرة على عامل آخر. عندما ~~تركز النماذج على الترتيب المكاني، فإنها تمثل «البنية الطوبولوجية» للنظام ~~الخاضع للنمذجة. وعندما تصبح العلاقة الرياضية بين العوامل المتغيرة في بؤرة ~~التركيز، فإن النماذج تمثل «البنية الجبرية» للنظام. # 14 # وغالبا ما تظهر طريقتا التمثيل هاتان في النماذج المتطورة مجتمعة، ~~كما في نموذج كوبرنيكوس الناضج. # سوف نميز باختصار بين أنواع النماذج المختلفة: ~~«النماذج التناظرية»: تمثل ما هو غير مألوف أو غير قابل للرصد في ~~سياق ما هو مألوف أو مرصود. يشير هذا النوع من النماذج إلى أنه ~~يوجد تناظر بين عناصر معينة من الأنظمة المعروفة بالفعل وبعض عناصر ~~النظم المجهولة. وتستند النماذج التناظرية على علاقات تناظر شكلية ~~أو مادية. من أجل تصور ms082 سبب مادي لحركة الكواكب، يستخدم كبلر تناظر ~~الأشعة المغناطيسية للشمس التي تربط الكواكب، لكن التناظر وحسب لا ~~يضمن أن الأنظمة الحقيقية سوف تشبه النموذج التناظري؛ فالشمس لا ~~«تقود» الكواكب بواسطة الأشعة المغناطيسية، والكواكب لا تظهر ~~وجها «ودودا» أو «غير ودود». تستغل النماذج التناظرية في كثير من ~~الأحيان التناظر البصري بين النماذج والنظام الخاضع للنمذجة. يبدو ~~أن الشمس تجذب الكواكب مثل المغناطيس الذي يجذب قطعة من المعدن. ~~والنماذج التناظرية خطوة مفيدة - وإن كانت محدودة - في محاولة ~~تحقيق الفهم الفيزيائي؛ فهي تقدم طرقا مفيدة لفهم المواقف ~~الإشكالية، ومع ذلك، نحن نريد مزيدا من النماذج أكثر من مجرد ~~التناظر وحده. فنريد أن تمثل النماذج السمات البنيوية للأنظمة ~~الطبيعية الخاضعة للنمذجة. ومن أجل تحقيق فهم فيزيائي حقيقي، نحتاج ~~نماذج أكثر تطورا. ~~«النماذج الافتراضية»؛ أو «نماذج كما لو»: تتضمن عمليتي الفصل ~~وإضفاء المثالية؛ فهي تزعم تمثيل النظام الخاضع للنمذجة «كما لو» ~~كان يتألف فقط من العوامل المتغيرة والعلاقات الواردة فحسب في ~~النموذج. وتعد التمثيلات التخطيطية للنظام الشمسي نماذج افتراضية ~~قياسية (شكل # 1-6 ~~)؛ فهي تمثل النظام الشمسي «كما لو» كان يتألف - ~~مثلا - من ستة كواكب فحسب دون أقمار و«كما لو» كانت هذه الكواكب ~~تدور حول الشمس في مدارات دائرية، ومع ذلك، ندرك أن هذه العوامل ~~المثالية هي تبسيطات رياضية وأن العوامل المفصولة موجودة في النظم ~~الحقيقية. (سنشير لاحقا إلى أن النماذج الافتراضية تلعب دورا ~~مهما في العلوم الاجتماعية.) ~~«النماذج المصغرة/المكبرة»: تمثل أنظمة واقعية سواء كانت مصغرة ~~الحجم (النظام الشمسي) أو مكبرة الحجم (النموذج الكواكبي للذرة). ~~وتعد النماذج الأرضية المركز والشمسية المركز نماذج مصغرة قياسية تمثل ~~النظام الشمسي بطرق مختلفة. وعادة ما يكون هذا النوع من النماذج ~~ثلاثي الأبعاد ويتطلب معرفة دقيقة إلى حد ما بطريقة عمل النظام. ~~ويوضح تاريخ علم الفلك أن التمثيل الدقيق للنظام الشمسي كان من ~~الصعب الوصول إليه. ~~«النماذج الدالية»: تمثل - كما يوحي الاسم - التبعية الدالية بين ~~العديد من العوامل المتغيرة. وتنتشر هذه النماذج في العلوم، بدءا ~~من دورة كارنو للغاز المثالي إلى ms083 مخططات الزمكان حتى منحنيات العرض ~~والطلب في الاقتصاد. لا توجد حاجة إلى تعيين قيم محددة للرموز التي ~~تشير إلى العوامل المتغيرة؛ فما يهم هو طبيعة العلاقة «الدالية» بين ~~بعض العوامل المتغيرة. ونحصل على نموذج دالي إذا مثلت العلاقة ~~الدالية بين بعض العوامل المتغيرة في رسم تخطيطي أو رسم بياني. ~~وتظهر العلاقة الدالية وفق «قانون بود». اكتشفت هذه العلاقة عن ~~طريق يوهان تيتيوس، ولكنها أصبحت معروفة على نحو أفضل من خلال ~~يوهان بود (1772). ينص قانون بود على أن المسافة بين الكواكب والشمس ~~(التي تقاس بوحدة قياس المسافة بين الأرض والشمس) تتبع ~~القاعدة: # ومن ثم فإن المسافة، ~~، تختلف مع اختلاف الأس ~~. على سبيل المثال، عندما ~~، نجد أن ~~، وهو ما يساوي المسافة بين الشمس والأرض ~~بوحدة القياس المختارة. وعندما ~~، فإن ~~، وحدة، وهو ما يساوي المسافة بين كوكب ~~المشتري والشمس. وفي هذه النماذج، يبدأ أساس التمثيل الانتقال من ~~البنية الطوبولوجية إلى البنية الجبرية. ~~«النماذج البنيوية»: عادة ما تجمع بين البنية الجبرية والبنية ~~الطوبولوجية من أجل تمثيل طريقة تفسير بنية أو آلية أساسية لبعض ~~الظواهر المرصودة. وتعد النماذج البنيوية مفيدة للغاية في تمثيل ~~الأنظمة الضخمة مثل الأنظمة الكوكبية، والأنظمة المجهرية مثل ~~الذرات. ويجمع نموذج كبلر الشمسي المركز البنية الطوبولوجية للنظام ~~الشمسي الكوبرنيكي مع بنية جبرية محسنة؛ فكما رأينا، كان ترتيب ~~كوبرنيكوس الهندسي للكواكب صحيحا من الناحية البنيوية، ولكن كان ~~إخفاق نموذجه يكمن في البنية الجبرية. وبمجرد الجمع بين البنية ~~الطوبولوجية وقوانين كبلر ثم نظرية نيوتن للميكانيكا، ظهر نموذج ~~بنيوي شمسي المركز دقيق إلى حد ما. وكما سنرى في الفصل الثاني، ~~يمكن أيضا استخدام النماذج البنيوية لتقديم تفسيرات ~~بنيوية. ~~(ب) قوانين الطبيعة وقوانين العلم # عادة ما تضم النظرية العلمية عددا من القوانين العلمية. وفي تاريخ العلم، ~~كان كبلر واحدا من أوائل من قدموا قوانين رياضية لحركة الكواكب (انظر روبي ~~1995). ويسمح لنا عمل كبلر بالتمييز بين «قوانين الطبيعة» و«قوانين العلم» ~~(فاينرت 1995أ، ب). إن قوانين الطبيعة هي مظاهر الانتظام التجريبية التي توجد ~~في الطبيعة، بغض النظر عن ms084 وعي البشر بها من عدمه. أما قوانين العلم فهي تعبيرات ~~رمزية عن قوانين الطبيعة. على سبيل المثال، قبل اكتشافات كبلر، كانت الكواكب ~~تدور في مدارات شبه بيضاوية حول الشمس، وكانت تتحرك تقريبا وفقا لقوانين كبلر ~~الثلاثة للحركة، ولكن قبل كبلر، افترض علماء الفلك أن الكواكب تتحرك في مدار ~~دائري، وهذه الحركة ظهرت في النماذج باستخدام الدوائر اللامتراكزة أو أفلاك ~~التدوير. كانت جميع هذه الأدوات الهندسية من صنع الإنسان، ولكن عندما كتب كبلر ~~قوانينه الثلاثة لحركة الكواكب، استخدم تعبيرات رمزية حولت الحركة الحقيقية ~~للكواكب إلى رموز. تذكر قانون كبلر الثالث: # A # 3 ~~∝ P # 2 ~~. يخبرنا ~~هذا التعبير الرمزي - بمصطلحات المتوسطات - أن مكعب متوسط المسافة بين الأرض ~~والشمس يتناسب مع مربع الفترة المدارية لها حول الشمس. يجسد هذا القانون العلمي ~~مفهوم هذه الظواهر. ويقدم ما يسمى «قابلية ضغط البيانات جبريا» (ديفيز ~~1995). وهذا يعني أن جميع المشاهدات بشأن حركات الكواكب يمكن ضغطها في صيغة ~~جبرية موجزة. تجنبنا هذه المعادلة المهمة الشاقة المتمثلة في تسجيل أو تذكر ~~جميع البيانات حول هذه الحركات. يتضمن هذا القانون لكبلر معادلة متعددة الحدود ~~تعبر عن العلاقات داخل بنية؛ فنتوقع أن يتبع مسار أي كوكب - أي جرم سماوي - ~~نمطا فيزيائيا وفقا لهذه المعادلة. وبمجرد أن تصبح المعادلة بين يديك، لا ~~توجد حاجة لرصد وقياس موضع «كل» كوكب. تخبرنا صيغ مثل قوانين كبلر أو قانون بود ~~بمسارات الكواكب في صورة جبرية مضغوطة؛ ومن ثم فإنه ليس من الصعب أن نرى ~~القوانين كقيود بنيوية على الأجرام؛ فهي تحدد طريقة يجب أن يتحرك جرم مثل كوكب ~~ما بها، وتحظر أي نوع آخر من السلوك على هذه الأجرام. بالطبع قد يكون القانون ~~العلمي خاطئا، كما بينت نظرية الزخم، ولكن الهدف هنا هو أن السلوك العادي ~~للنظم الطبيعية يمكن التعبير عنه بلغة الرياضيات. فإذا كانت الحال هي أن ~~الكواكب والأقمار الصناعية تتصرف وفقا لقوانين كبلر وأن الأجسام تسقط وفقا ~~لقوانين نيوتن، فإن القوانين العلمية تقدم لنا بنية سلوك النظم الفيزيائية في ~~صورة جبرية. تحدد ms085 العلاقة الرياضية رسما بيانيا - على سبيل المثال - يمكن ~~وضع مشاهدات حركة الكواكب فيه. وإن لم يكن ممكنا وضع الكثير من هذه البيانات ~~وفق الطريق المحدد للرسم البياني، فإن المعادلة الرياضية تكون خاطئة. ~~(ج) وجهات النظر الفلسفية للقوانين # إن قابلية ضغط البيانات جبريا التي توفرها قوانين العلم مريحة للغاية. ~~وتعبر قوانين العلم عن علاقة منهجية بين العوامل المتغيرة، مما يتيح لنا الوصول ~~لاستنتاجات حيال حالة غير معروفة من حالة معروفة. وتسمح القوانين للعلماء ~~بإيجاد إجابات لما يبدو أنه مشكلات غير قابلة للحل. على سبيل المثال، سمحت ~~قوانين نيوتن للعلماء بتحديد كتلة الأرض. وفضائل قوانين العلم عظيمة لدرجة أن ~~الفلاسفة شيدوا عددا من النماذج المفاهيمية حولها. # وجهة نظر الاستدلال # وفقا لوجهة نظر الاستدلال-الترخيص، القوانين تراخيص تسمح للعلماء باستنتاج ~~«أ» من «ب». يمتلك العالم مجموعة معينة من البيانات التجريبية - ارتفاع كرة ~~مقذوفة، والفترة المدارية لكوكب ما - وبمساعدة من القوانين المناسبة، يستطيع ~~العالم التوصل إلى مجموعة أخرى من البيانات: السرعة الأولية للكرة، ومتوسط ~~المسافة بين الكوكب والشمس. يصف فيتجنشتاين هذا بأنه وهم «أن ما يسمى قوانين ~~الطبيعة هو تفسيرات للظواهر الطبيعية» (فيتجنشتاين 1921 - 1978) ~~ويقارن النظريات العلمية مثل ميكانيكا نيوتن مع الشبكات المفاهيمية التي تتيح ~~«وصف الكون في صورة موحدة». ويضيف - مستبقا معضلة دوهيم-كواين ~~- أنه يمكن أن توجد شبكات مختلفة تتوافق معها أنظمة مختلفة لوصف العالم. إن ~~حقيقة أن العالم يمكن وصفه من خلال ميكانيكا نيوتن «لا تؤكد شيئا عن العالم» ~~وفقا لفيتجنشتاين. # 15 # تعبر وجهة نظر الاستدلال-الترخيص عن جوهر الذرائعية، لأنها تؤمن: ~~(1) أن قوانين الطبيعة هي «قوانين لطريقتنا في تمثيل الطبيعة» (هانسون، مقتبسة ~~في موسجريف (1979-1980)، 69). (2) وأن القوانين تسمح لنا أن نستنتج بيانات من ~~بيانات أخرى (على سبيل المثال، يمكننا أن نستنتج موضع كوكب ما قبل 300 سنة من ~~موضعه الحالي) (تولمين، مقتبسة في موسجريف (1979-1980)، 73). (3) وأن القوانين ~~مجرد قواعد للاستدلال؛ ومن ثم تتوقف القوانين عن كونها عبارات «تجريبية» صحيحة ~~أو خاطئة. # كيف ينبغي أن نرى وجهة النظر تلك؟ صحيح أن العلماء لا يستخرجون ms086 القوانين ~~العلمية استقرائيا من المظاهر المنتظمة للطبيعة. فبينما يدرسون العالم ~~الطبيعي، يضعون القوانين العلمية. مع ذلك، فكرة أن القوانين العلمية لا تتعلق ~~بالطبيعة، ولكن بالشبكات المفاهيمية التي نصف الطبيعة من خلالها فكرة غير مرضية ~~أبدا. والصيغ الرياضية التي ينشئها العلماء يجب أن تتوافق مع المشاهدات. ومع ~~أنه يمكن اعتبار العلماء متحررين في صياغة القوانين العلمية، فإن القوانين يجب ~~أن تتوافق مع قيود العالم التجريبي. وبهذا المعنى فإن الانتظام المقبول للطبيعة ~~يكون بمنزلة قيد على صياغة القوانين العلمية. وغالبا ما يؤدي هذا القيد ~~التجريبي إلى تعديل صيغ القوانين؛ فعلى سبيل المثال، بظهور قوانين كبلر، فقد ~~قلق القدماء حيال تكافؤ الأدوات الهندسية مبرراته. لو كانت قوانين العلم بطاقات ~~استدلال، فسنواجه دائما هذا السؤال: «لماذا بعض بطاقات الاستدلال أفضل من ~~البطاقات الأخرى؟» «لماذا تعد قوانين كبلر أفضل من أفلاك التدوير؟» مشكلة وجهة ~~النظر الاستدلال هي أن قواعد الاستدلال لا يمكن تأكيدها أو نفيها؛ فهي ببساطة ~~تكون ملائمة ضمن نطاق تطبيق معين، ولكن يمكن أن تكون القاعدة ملائمة دون أن ~~تكون صحيحة؛ فقد قدم علم الفلك القديم العديد من التنبؤات الملائمة، رغم أن ~~«قانون» الكواكب الذي استندت عليه كان خاطئا. إن ملاءمة القانون العلمي لا ~~تضعف نتيجة قدرته على تقديم تنبؤات ناجحة. فيجب أن يكون القانون صحيحا؛ إذ يجب ~~أن يصف بدقة النمط الأساسي لحالة منتظمة ضمن حدود تقريبية مقبولة. والقانون هو ~~العمود الفقري الذي يجمع العظام الرصدية معا، فيقدم بنية تحكم سلوك المشاهدات. ~~ولكن قواعد الاستدلال لا يمكن دحضها؛ فكل ما بوسعنا هو إثبات أنها غير ملائمة ~~للمهمة الحالية. إن المطرقة أداة غير ملائمة لربط برغي ولكنها ملائمة لتثبيت ~~المسامير. وليس من الضروري إقصاء القواعد. وبما أن العلم يعمل عن طريق عملية ~~إقصاء، فلا يمكن للذرائعية أن تفسر تقدم العلم (بوبر 1963، 112-114؛ موسجريف ~~1979-1980، 97). # يجب أن تكون النتيجة النهائية هي أن تفسير متبع الذرائعية لطبيعة القوانين ~~الفيزيائية غير ملائم؛ فقوانين العلم تعبر عما هو أكثر من مجرد ترخيص لاستنتاج ~~مجموعة معينة من البيانات ms087 من مجموعة أخرى. # وجهة نظر الحالة المنتظمة # تعد «نظرية الانتظام» للقوانين الطبيعية برنامجا أكثر طموحا؛ فوفقا لهذا ~~التفسير، عبارة: ~~«ثمة قانون يقضي بأن كل صور # F # صور من # G ~~.» # يجب تحليلها بوصفها مساوية لعبارة: ~~«كل # F # تساوي # G ~~.» ~~(افترض أن # F # تشير إلى «الكواكب» وأن # G # تشير إلى المحمول «الحركة الدائرية». ~~إذن، تخبرنا هذه العبارة أن جميع الكواكب تتحرك في دائرة.) إذا نظرنا إلى ~~قوانين كبلر ونيوتن، فربما نتفاجأ في البداية أن أيا منهما لا يبدو كفرضيات ~~عالمية منطقية: ~~«كل # F # تساوي # G ~~.» # أو بالرموز المنطقية: # باعتراف الجميع، لا يبدو قانون نيوتن الثاني وقانون كبلر ~~الثالث كأنهما فرضيتان علميتان في كتب العلم، ولكن كما يقول أنصار هذا الرأي، ~~فإنهما يمكن أن تصاغا برموز منطقية. كل ما علينا القيام به هو إحلال الرمزين # F # و # G # محل العوامل المتغيرة في هذين القانونين. ويعبر الشكل المنطقي عن العالمية ~~(انظر همبل 1965، 25-30، 40، 271). # تتمثل السمة المميزة لنهج الانتظام في تصويره للعالم الطبيعي بأنه محكوم ~~بنظام متسق بمعنى يتوافق مع فلسفة هيوم. بمعنى أننا إذا رصدنا أن كل حدوث ~~للظاهرة «أ» يسبق الظاهرة ~~«ب»، ~~فإن لدينا سببا للاعتقاد أنه كلما حدث «أ»، تبعه حدوث «ب». وهكذا نستنتج من شروق ~~الشمس في الماضي أن الشمس ستشرق في المستقبل. # تزعم نظرية الانتظام أن العالم تحكمه عمليات متسقة «مشروطة»، نعبر عنها ~~رمزيا في قوانيننا العلمية. وتنفي النظرية وجود أي شكل من أشكال الضرورة في ~~القوانين الطبيعية. وبصورة ما يبدو هذا النهج معقولا للغاية؛ فعلى الرغم من أن ~~الشمس «أشرقت» في السماء على مدار آلاف السنين، فإن هذا ليس سببا كافيا ~~لتأكيد أن الشمس لا بد أن تشرق غدا. كل البجعات المرصودة ~~«س» ~~قد تكون بيضاء «ض» حتى لحظة زمنية معينة، ولكن هذه المشاهدات ~~لا تمنع وجود بجعات سوداء. ولا شيء يمنع عدم حدوث «ض»، حتى عندما يحدث ~~«س»، ولكن تأمل الفرضيتين التاليتين: ~~(1) ~~«جميع أملاح الصوديوم تحترق بلهب أصفر.» ~~(2) ~~«لا شيء يتحرك بسرعة أعلى من سرعة الضوء.» # من المغري ms088 صياغة عبارات من خلال صيغ الإمكان والضرورة: ~~(1أ) «لا بد أن تحترق جميع أملاح الصوديوم بلهب أصفر.» ~~(2ب) ««ليس من الممكن» لشيء أن يتحرك بسرعة أعلى من سرعة ~~الضوء.» # ينبع هذا الإغراء من الشعور الحدسي بأن قوانين الطبيعة تتألف ~~من أكثر من مجرد عمليات متسقة مشروطة؛ فالحدس لا يخبرنا أن «أ» و«ب» و«ج» تمتلك ~~السمة «ص» فحسب، ولكن يخبرنا أيضا أنه إذا كانت بعض الأشياء تمتلك السمات «أ» ~~و«ب» و«ج»، فلا بد أنها أيضا تمتلك السمة «ص»؛ فنحن نشعر أن القوانين الطبيعية ~~يجب ألا تعطينا تعميمات عرضية، ولكن تعطينا أوجه انتظام كونية غير مشروطة. يجب ~~ألا يقتصر الأمر على أن عددا معينا من الأشياء الخاضعة للدراسة (الكواكب، ~~أملاح الصوديوم) يتشارك في سمات خاصة معينة (مدارات إهليجية، لهب أصفر)، بل يجب ~~أن يمتلك هذه السمات على نحو أساسي. هل يمكن لنظرية الانتظام أن تعبر عن هذا ~~الحدس؟ لكي تظل نظرية الانتظام قابلة للتطبيق، يجب أن تدعم تمييزا حاسما بين ~~الاتساق «العرضي» و«الكوني». لاحظ الفرق بين عبارة: ~~(3) ~~«جميع كتل الذهب لها نصف قطر أصغر من ميل واحد.» # وعبارة: ~~(4) ~~«كل الذرات لها نصف قطر أصغر من ميل واحد.» # تبدو العبارة الأولى كأنها حادث طبيعي. لا يبدو أنه يوجد شيء في الطبيعة يمنع ~~تشكيل كتل من الذهب لها نصف قطر أكبر من متر واحد. وتبدو العبارة الثانية ~~كقاعدة كونية من الطبيعة؛ فالأمر ببساطة ليس مجرد حالة أنه لا يوجد عالم لم ~~يلحظ أبدا ذرة ذات حجم أكبر ؛ فالعلم يخبرنا بأنه لا «يمكن» أن توجد ذرة إذا ~~تجاوزت حجما معينا. العمليات المتسقة الكونية هي فقط ما يجب اعتباره قوانين ~~للطبيعة. يتمثل التحدي في صياغة مجموعة من المعايير تحدث هذا التمييز. ويقضي ~~أتباع نظرية الانتظام بأن العبارة «ص» تعد قانونا من قوانين الطبيعة لو تحقق ~~عدد من الشروط: ~~(أ) # إما أن تكون «ص» فرضية كونية أو ~~إحصائية. ~~(ب) # تكون «ص» صحيحة في جميع الأوقات وجميع ~~الأماكن. ~~(ج) # تكون «ص» مشروطة. ~~(د) # تحتوي «ص» فقط على محمولات ms089 تجريبية غير ~~محلية، بعيدا عن الوصلات المنطقية ومحددات الكمية؛ أي تكون ~~«ص» وصفية بحتة. ~~(ه) # تتخذ «ص» صورة مشروطة ~~( ~~⊃ ~~). ~~(انظر شوارتز 1985، 28-29، مولر، مقتبسة في أرمسترونج 1983، ~~12) وتعد القوانين الفيزيائية، وفقا لنظرية الانتظام، وصفا لروابط تجريبية ~~متحققة مشروطة بين الحالات والأحداث في العالم المادي (شوارتز 1985، الفصلين ~~الثاني والثالث). # ووفقا لهذه الصياغة، تعاني نظرية الانتظام من عدد من نقاط الضعف، وقد أدى ~~تناول نقاط الضعف هذه إلى نظرية أقوى بكثير، نظرية مذهب الضرورة للقوانين. ما ~~نقاط الضعف تلك؟ # يتمثل أحد المخاوف في أن تفسير نظرية الانتظام لا يميز على نحو صحيح بين ~~التعميم العرضي والاتساق الكوني. فثمة تعميمات عرضية منتشرة لن نميل إلى ~~اعتبارها قوانين طبيعية. العبارة (3) تعميم عرضي، بينما العبارتان (2) و(4) ~~اتساقان كونيان حقيقيان، لكن العبارة (3) تستوفي الشروط التي تفرضها نظرية ~~الانتظام على قوانين الطبيعة. من ناحية أخرى، بعض العبارات - على غرار العبارة ~~(1) - تعبر وحسب عن اتساق مشروط. مع ذلك، مؤهلة لتكون انتظاما مسوغا، تماما ~~مثل قانون أوم: ~~(5) # V = IR, # الذي ينص على أن الجهد # V # هو ناتج ضرب شدة التيار # I # والمقاومة # R ~~. يكون قانون أوم صحيحا فقط عند درجات حرارة ~~ثابتة؛ فالكونية غير المقيدة ليست شرطا ضروريا لقوانين الطبيعة. # لذا، علينا أن نميز بين القوانين «الأساسية» والقوانين المرتبطة بالظواهر. ~~القوانين الأساسية، على غرار العبارتين (2) و(4)، صالحة لجميع النظم ~~الفيزيائية. أما قوانين الظواهر، على غرار العبارتين (1) و(5)، فتنطبق فقط على ~~النظم الفيزيائية في ظل بعض القيود الشرطية. # النتيجة الأخرى غير المرغوب فيها الناتجة عن نظرية الانتظام هي استبعادها ~~للاحتمالات الفيزيائية غير المحققة. وتعد الاحتمالات الفيزيائية غير ~~المحققة سمة مهمة من سمات العلم، تؤدي غالبا إلى الابتكارات التكنولوجية. على ~~سبيل المثال، قبل 60 عاما، كانت الأقمار الصناعية احتمالات فيزيائية غير ~~محققة. وقبل مائة سنة، كانت أشعة الليزر احتمالا فيزيائيا غير محقق. وقبل ~~نحو مائة مليون سنة، كانت معظم الأنواع الموجودة اليوم احتمالات بيولوجية غير ~~محققة. كانت كل هذه الاحتمالات الفيزيائية غير المحققة - لو أنها تحققت في ذلك ~~الوقت - ستخضع للقوانين نفسها ms090 التي تحكمها اليوم. تخضع الأقمار الصناعية ~~لقوانين كبلر، وتخضع أشعة الليزر لقوانين ميكانيكا الكم، وتخضع الأنواع لقوانين ~~التطور، ولكن وفقا لمتبع نظرية الانتظام، الاحتمالات الفيزيائية غير المحققة ~~مستحيلة فيزيائيا؛ فهذا التفسير لا يقبل كقوانين طبيعية سوى الاتساق الكوني ~~المتحقق. ولا يمكن لنظرية الانتظام التعامل مع الأوضاع «المغايرة للواقع»، ~~لأنها تحدث عند تدبر الاحتمالات الفيزيائية غير المحققة. # تواجه نظرية الانتظام - على نحو قد يثير الدهشة - عددا كبيرا من المشكلات. ~~فالنظرية الفلسفية للقوانين يجب أن تفسر الأوضاع المغايرة للواقع، والتمييز بين ~~الاحتمالات الفيزيائية غير المحققة والاستحالة الفيزيائية الحقيقية، والفرق بين ~~الاتساق العرضي والكوني. وينبغي أيضا أن تبرر ثقتنا في تقديم استدلالات من ~~الحالات المعروفة إلى غير المعروفة. وينبغي أن توضح النظرية الفلسفية طريقة عمل ~~القوانين العلمية في تفسيراتنا لسلوك النظم الفيزيائية. وهذه مهمة صعبة. لم تف ~~نظريتا الذرائعية والانتظام بالتوقعات. فهل تستطيع النظرية الأقوى - نظرية مذهب ~~الضرورة - أن تساعد في ذلك؟ # وجهة نظر مذهب الضرورة # تمتلك نظرية مذهب الضرورة إجابة واضحة لجميع هذه المشكلات. تمثل القوانين ~~الطبيعية علاقات بين المسلمات. تحول نظرية مذهب الضرورة الصيغة التي يستخدمها ~~أتباع نظرية الانتظام: ~~«ثمة قانون يقضي بأن كل صور # F # صور من # G ~~.» # إلى ادعاء أقوى بكثير: ~~«من الضروري فيزيائيا أن تكون كل صور # F # صورا من # G ~~.» # وفي سياق تمييزنا السابق بين قوانين العلم (القوانين العلمية) وقوانين ~~الطبيعة (القوانين الطبيعية)، تنص نظرية مذهب الضرورة على ما يلي: # يعبر عن القوانين بعبارة واحدة تصف العلاقات القائمة بين الصفات الكونية ~~والمكممات. # القول إن عبارة «صور # F # هي # G ~~» تمثل قانونا يساوي القول إنه لا يجب ~~فهم عبارة «كل صور # F # هي # G ~~» بوصفها عبارة تتعلق بتوسيع المحمولين # F # و # G ~~، ~~ولكن بوصفها عبارة واحدة تصف العلاقة بين الخصائص الكونية الخاصة ب # F # و # G ~~(حيث يمكن أن تكون الخصائص أحجاما أو كميات أو سمات). (دريتسكي 1957، 252-253؛ ~~راجع ليكي/بيجلو 1995؛ انظر أيضا فاينرت 1995ب) # ويستند نهج نظرية الضرورة لقوانين الطبيعة على مفهومين أساسيين: (أ) تتضمن ~~القوانين مسلمات و(ب) ms091 تمثل القوانين العلاقات بين المسلمات. ~~(أ) # وفقا لديفيد أرمسترونج - أحد أنصار نظرية مذهب الضرورة - «المسلمات إما ~~أن تكون خصائص أو علاقات أو روابط بين بعض الأشياء الحقيقية» (أرمسترونج 1983، ~~الفصل السادس). المسلمات هي السمات الزمنية المكانية العالمية القابلة ~~للتكرار. ~~(ب) # إذا قبلنا هذا التوصيف الأرسطي للمسلمات، فسيترك لنا تحديد العلاقة بين ~~المسلمات. وبالنظر إلى أن بعض الأشياء تمثل # F # ونحن نعلم أن قانون ~~الطبيعة ينص على أن ~~، يمكننا أن نستنتج أن # F # يجب أن تكون # G ~~، ما لم توجد ~~بعض العوامل المتداخلة. من الضروري فيزيائيا أن # F # تكون # G ~~، ~~تماشيا مع قانون الطبيعة. وتعد العلاقة التي يفترض وجودها بين المسلمات ~~علاقة ضرورة اعتيادية. مع ذلك، تكون علاقة الضرورة الاعتيادية حقيقية على نحو ~~محتمل فحسب، حيث إنها قد لا توجد في جميع العوالم الممكنة. # تسلط الصياغة الرمزية المنطقية الضوء على الفرق بين نظرتي مذهب الضرورة ~~والانتظام؛ فمن خلال فرضية الضرورة الاعتيادية # N(F, G) ~~، يترتب على ذلك أنه ~~بالنسبة لكل الأشياء # x ~~، إذا كانت تمتلك السمة # F ~~، ~~فإنها يجب أن تمتلك السمة # G ~~. تستلزم علاقة الضرورة الاعتيادية بين سمتي # F # و # G # الانتظام الكوني المقابل: # لكن العكس غير صحيح؛ فقد تكون كل صور # F # هي # G ~~، ولكن ~~هذا لا يعني أن وجود السمة # F # يستتبع بالضرورة وجود السمة # G ~~، ~~كما يتضح في حالة العمليات المنتظمة العرضية: # تسمح الحالات العامة العرضية بحدوث استثناءات، أما الضرورة ~~الاعتيادية فلا تسمح بها (عدا قيود المجال). ويتمثل أحد الانتقادات التي وجهت ~~ضد هذه النظرية في أن الضرورة الاعتيادية ليست قابلة للرصد. فلا يوجد في أدلتنا ~~الرصدية ما يشير إلى وجود الضرورة الفيزيائية في الطبيعة، التي تتطلب نظرية ~~مذهب الضرورة وجودها. يفترض أرمسترونج الضرورة الاعتيادية باعتبارها فكرة ~~بدائية غير قابلة للشرح في نظريته (أرمسترونج 1983، الفصل 6.4). يرصد العلم ~~السمات القابلة للتكرار بين الأحداث المكانية-الزمنية. ونحن أحرار في أن نطلق ~~على هذه السمات - على غرار الغراب والسواد - اسم المسلمات الأرسطية. وحتى إذا ~~ما سلمنا بأن العلم يرصد المسلمات، فلا يمكننا ms092 أن نقفز إلى استنتاج مفاده أن ~~الضرورة الفيزيائية تربط بينها. ولا تعني الشمولية الكونية ضمنيا الضرورة ~~الاعتيادية (يتجاوز أتباع آخرون لنظرية مذهب الضرورة أرمسترونج ويشيرون إلى ~~وجود مسلمات غير موضحة بالأمثلة، ومن ثم يعتنقون الأفلاطونية). # يجب أن نفرق بين معنيين للضرورة الفيزيائية؛ فمن ناحية لدينا معنى الضرورة ~~الخاص بالضرورة الاعتيادية بين المسلمات. وهذه الضرورة الفيزيائية بين المسلمات ~~تشكل قوانين الطبيعة؛ ومن ناحية أخرى لدينا المعنى العلمي للضرورة. ينص هذا ~~المعنى على أن بعض الأنظمة الفيزيائية تخضع لقوانين الطبيعة؛ فالكواكب يجب أن ~~تدور حول الشمس، لأنها مدفوعة إلى عمل ذلك وفق قوانين كبلر، في ضوء القيود ~~الأولية. في نظرية مذهب الضرورة، تختزل كل العمليات المتسقة في الطبيعة إلى ~~علاقة واحدة وحسب: ضرورة اعتيادية بين المسلمات، ولكن تعلمنا قوانين العلم أن ~~هناك العديد من العلاقات الرياضية المختلفة بين العديد من الأنظمة المختلفة، ~~ويمكن التعبير عنها بعوامل متغيرة محددة بدقة. علاوة على ذلك، فإن هذه النظم ~~مترابطة. تعبر قوانين العلم عن عدد من العلاقات الجبرية المختلفة بين مترابطات ~~النظم الفيزيائية. ولكي تعبر قوانين العلم عن قوانين الطبيعة، يجب أن تقترب من ~~أوجه الانتظام في الطبيعة. # لا تخبرنا نظرية مذهب الضرورة إلا بالقليل للغاية من المعلومات حول طريقة ~~استخدام القوانين في العلم. وإذا كنا مهتمين بطريقة تعبير قوانين العلم عن ~~العمليات المنتظمة في الطبيعة، فعلينا أن ننتقل إلى نظرية للقوانين، تقربنا من ~~الممارسة العلمية. لنسم هذه النظرية النهج البنيوي. وتتمثل الفكرة الأساسية ~~وراء هذا النهج في أن قوانين العلم تحول العلاقات الموجودة في بنية النظم ~~الفيزيائية إلى رموز. # وجهة النظر البنيوية # يشير كارل بوبر، عن حق، إلى أن «القوانين الطبيعية» أقوى منطقيا من ~~العبارات العامة على نحو تام. تتعامل هذه الملاحظة مع الحاجة إلى التفرقة بين ~~القوانين الطبيعية والحالات العامة العرضية، ولكنها أضعف منطقيا من الضرورة ~~المنطقية؛ ففي حين أن الضرورة المنطقية حقيقية في كل العوالم الممكنة، فإن ~~قوانين الطبيعة مشروطة. ونتوقع أن تكون قوانين الطبيعة هذه صحيحة في الكون ~~الفعلي وليس فقط على ms093 الأرض، ولكنها قد لا تكون صحيحة في كل العوالم الممكنة. ما ~~الطابع المنطقي الذي تمتله القوانين؟ ينقل بوبر الضرورة من قوانين الطبيعة إلى ~~قوانين العلم. # إذا افترضنا أن «أ» قانون طبيعي، فإننا نفترض أن «أ» تعبير عن سمة ~~بنيوية في عالمنا؛ سمة تمنع وقوع أحداث فردية معينة يحتمل أنها منطقية. ~~(بوبر، 1959، 432) # وبالتالي تعني الضرورة الفيزيائية أن القوانين تفرض قيودا ~~بنيوية على العالم الطبيعي (بوبر، 1959، 430). وفقا لبوبر، تعبر القوانين ~~العلمية عن خصائص بنيوية معينة حول العالم الفيزيائي. تتعارض نظرية بوبر ~~البنيوية للقوانين مباشرة مع نظرية الذرائعية لفيتجنشتاين. يؤكد بوبر أن قوانين ~~الطبيعة تمنع بعض الخصائص البنيوية للكون الحقيقي. تمنع القوانين الحركة ~~الدائرية للكواكب، وآلات الحركة الدائمة، والسرعات الأعلى من سرعة الضوء. ~~ويتمثل عكس هذا التوصيف في أن القوانين ستسمح أيضا بأحداث فيزيائية معينة. ~~تفرض القوانين قيودا بنيوية، يجب على الكائنات الفردية أن تتصرف وفقا لها. ~~ولكن الحقائق المفردة تواصل التمتع بحرية معينة داخل الشبكة البنيوية التي تربط ~~كل الحقائق معا. فأوراق الخريف التي تحملها الرياح، «تتحدى» قانون الجاذبية. ~~وربما يقصى كوكب يسير في مسار تصادمي مع نيزك من مداره. وتنتج الطفرات ~~التطورية بسبب الصدفة الوراثية. # تفسر النظرية البنيوية جيدا بعض السمات الرئيسية للقوانين العلمية؛ فهي تفسر ~~عمليتي الفصل وإضفاء المثالية الحتميتين الموجودتين في القوانين العلمية، كما ~~تبين أسباب عدم قدرتنا على استنتاج الضرورة الاعتيادية من الأدلة المتاحة. كما ~~تظل هذه النظرية على مقربة من الممارسة العلمية (فاينرت 1993؛ 1995أ، ب). إن ~~قوانين الطبيعة تصوغ الخصائص البنيوية للأنظمة الفيزيائية في صورة رموز. ~~وقوانين العلم هي تعبيرات رمزية عن هذه الجوانب البنيوية بلغة رياضية. تميز ~~النظرية البنيوية بين قوانين العلم وقوانين الطبيعة، وهو التمييز الذي نجده في ~~الممارسة العلمية. وهي تبرز الفارق بين الاتساق العرضي والكوني. فحالات الاتساق ~~العرضي - «كل قطع الذهب قطرها أصغر من ميل واحد» - ليست سمات بنيوية للعالم ~~الطبيعي. فلا يوجد شيء في التركيب الذري للذهب يمنع وجود قطع كبيرة من الذهب. ~~أما حالات الاتساق الكوني - «كل الذرات قطرها أصغر من ms094 ميل واحد» - فتعبر عن ~~بنية الذرة. فلا يمكن أن توجد ذرات لو كانت هذه هي أبعادها. وهي تفسر ~~الاحتمالات الفيزيائية غير المحققة بوصفها احتمالات مسموح بها عن طريق البنيات. ~~وهي تفسر الأوضاع المغايرة للواقع بالاعتماد على ما تسمح به البنيات وما لا ~~تسمح به. إن عبارة «لو كان يوجد كوكب عاشر، فإنه سيتبع قوانين كبلر» تعني أن ~~بنية النظام الشمسي من النوع الذي يجعل كوكبا عاشرا قد يدور حول الشمس وفقا ~~لقوانين كبلر. وهي تغطي التمييز بين القوانين الأساسية والقوانين المرتبطة ~~بالظواهر؛ فالقوانين الأساسية تعبر عن بنية جميع النظم أو العديد منها، بينما ~~تقتصر القوانين المرتبطة بالظواهر على عدد قليل من النظم التي تتطلب العديد من ~~الشروط الحدية. # وفقا للنظرية البنيوية للقوانين، تشكل قوانين الطبيعة قيودا مفروضة على ~~المسارات المحتملة للأشياء المادية في كوننا. والمعادلات بالنسبة لعلماء ~~الرياضيات هي القيود المفروضة على إمكانية الحلول. تخيل عالم رياضيات يدرس ~~الجبر لسنوات عديدة. أوضح عالم الرياضيات بصبر للطلاب استخدام الدوال. الدالة # f(x) # هي معادلة من درجة معينة: (أ) # هي معادلة من الدرجة الثانية بينما (ب) # هي معادلة متعددة الحدود. وكما اكتشف ديكارت، يمكن تمثيل ~~الدوال برسوم بيانية ديكارتية. وأيا كانت المعادلة، فإن الدالة الرياضية توضح ~~بنية جبرية نموذجية تعتمد على الأسس التي تحتويها. تأمل شيئين ماديين في كوننا، ~~يتصرف أحدهما وفقا للدالة (أ) والآخر وفقا للدالة (ب). حتى لو لم نكن نعرف ~~شيئا أكثر من هذا عن هذين الشيئين، فإن بنية مسارهما تكمن في الرسمين ~~البيانيين الخاصين بهما. (تتغير تفاصيل الرسمين البيانيين إذا ضمن المزيد من ~~الشروط الحدية. انظر الشكل # 1-10 # أ، ب) # شكل 1-10: (أ) تنتج الدالة من الدرجة الثانية قطعا ~~مكافئا. (ب) تنتج الدالة متعددة الحدود رسما بيانيا ~~متعدد الحدود. # يمثل هذان الرسمان البيانيان المسارين اللذين يسمح بهما للشيئين، وفق قيود ~~دالتيهما. بتعبير أدق، فإنهما يمثلان نمطا رياضيا ينص على أن أي شيء يخضع ~~للبنية الجبرية المذكورة # سوف يتبع نمط سلوك هذه البنية. وعلى نفس المنوال يحدث الأمر ~~ذاته للأشياء ms095 التي تخضع للبنية الجبرية ~~. تصف قوانين العلم الجوانب البنيوية للعالم من حولنا بلغة ~~رياضية. فتحدد القوانين العلاقات داخل البنية، التي يجب أن تتصرف الأشياء ~~المادية وفقا لها. وبهذا المعنى فإن قوانين العلم تفرض قيودا على المسارات ~~المحتملة للأشياء عبر العالم المادي. وكما أشرنا سابقا (القسم 6-3)، تتكون ~~البنية من المترابطات والعلاقات، والعلاقات تربط المترابطات معا. في حالة ~~الأنظمة الكوكبية، تتمثل المترابطات في الكواكب والأقمار والمذنبات والنيازك ~~والأقمار الصناعية، وتتمثل العلاقات في العلاقات الرياضية التي تربط ~~المترابطات. وربما تتمثل المترابطات في النظم البيولوجية التي تربط بينها ~~علاقات تطورية. في النظرية البنيوية، تحدد قوانين العلم رياضيا ارتباطات ~~معينة بين المترابطات. وكما يوضح الرسمان البيانيان، تحدد القوانين مسار ~~الأشياء المادية بينما تنسج مساراتها الخاصة عبر العالم المادي في جوار غيرها ~~من الأشياء. # ناقشنا حتى هذه اللحظة عددا من القضايا الفلسفية التي نشأت من الموقف ~~الإشكالي الناتج عن الكوبرنيكية. وقف كوبرنيكوس على عتبة العلم الحديث، وفتح ~~التحول الكوبرنيكي الأبواب أمام الثورة الكوبرنيكية. فهل يمكن أن تخبرنا ~~الكوبرنيكية شيئا عن العملية التي تحدث وفقها الثورات العلمية؟ ~~(7) كوبرنيكوس والثورات العلمية # يتمثل أحد مقاييس عمق أي نظرية فيزيائية في المدى الذي تطرح به تحديات جدية ~~أمام جوانب في نظرتنا للعالم كانت تبدو فيما سبق غير قابلة للتغير. (جرين، ~~«الكون الأنيق» (2000)، 386) # أشرنا إلى أن كوبرنيكوس أوجد تغييرا في المنظور؛ إذ استهل كوبرنيكوس ~~التحول الكوبرنيكي. وعلى الرغم من أن نظامه كان يتضمن العديد من المزايا، فإنه لم يرق ~~إلى مستوى الثورة العلمية؛ فمن ناحية، يتمسك كوبرنيكوس كثيرا بأسلافه الإغريق ~~وأساليبهم الهندسية، كما يتبنى وجهة نظر حركية بحتة، ولم يضف أي بيانات رصدية جديدة ~~مهمة إلى المشاهدات المتوفرة؛ ومن ناحية أخرى، يترك تكافؤ الفرضيات كما هو، كما يرى أنه ~~من المقبول استخدام عدد من الأدوات الهندسية على نحو متبادل، دون أن يتساءل عن أيها ~~أكثر توافقا مع الآلية الفيزيائية لحركة الكواكب، ولكن نموذجه يتوافق على نحو أفضل مع ~~البنية الطوبولوجية للنظام الشمسي، ويتمتع في هذا الصدد بصلاحية تجريبية أكبر، ومع ms096 ذلك، ~~بنيته الجبرية ناقصة، ولهذا السبب فشل النموذج الكوبرنيكي في الوصول إلى الصلاحية ~~النظرية التامة. # إذا كان التحول الكوبرنيكي خطوة أولى في اتجاه الثورة العلمية، فما المعايير المتاحة ~~للحكم على حدث علمي بأنه ثورة علمية؟ اقترحت عدة نماذج للثورات العلمية: ~~(أ) ~~«نموذج كون الإرشادي للثورات»: وفقا لتوماس كون، يتكون تاريخ العلم من ~~سلسلة من الفترات «العادية» و«غير العادية» (كون 1970،هوينينجن هونا ~~1993). تتميز الفترة العادية من العلم بوجود نموذج مهيمن. ويكون هذا ~~النموذج مقبولا كإطار صالح للأبحاث الجارية. وخلال فترات العلم العادية، ~~ينخرط العلماء في حل المشكلات. وتحدد المشكلات والحلول المقبولة من خلال ~~النموذج السائد. ومن الأمثلة النمطية للنماذج علم الفلك شمسي المركز، ~~والميكانيكا النيوتونية، والبيولوجيا التطورية الداروينية. خلال فترات ~~العلم العادية، يقبل ممارسو المجال العلمي افتراضات النموذج الأساسية. ~~ويتضمن عملهم صقل القوة التمثيلية والقدرة التفسيرية للنموذج. قبل كبلر ~~وجاليليو ونيوتن فرضية مركزية الشمس. وقبل نيوتن قوانين كبلر؛ لأن ~~جاليليو اختار أن يتجاهلها. غير أن مشاهدات جاليليو قدمت مساهمات كبيرة ~~لنظرية مركزية الشمس. صقل كل منهم النموذج وحسنه بطريقته، ومع ذلك، فإن ~~أي فترة علم عادية تواجه أزمة في نهاية المطاف، ثم تحل فترة علم غير عادية. ~~يمكن أن تحدث أزمة العلم لعدد من الأسباب. فوفقا لكون، غالبا ما ترتبط ~~بفشل النموذج في التعامل مع جميع الظواهر في مجاله. تحدث أزمة بسبب أن ~~النموذج يواجه «شذوذا» كبيرا. حالة الشذوذ ليست مجرد فشل في التنبؤ أو ~~وجود تناقض بين النظرية والمشاهدات؛ فهذه التناقضات لا يمكن تجنبها؛ فأجهزة ~~الرصد ليست مثالية، والنظرية دائما ما تقوم بعدد من عمليات الفصل وإضفاء ~~المثالية. تحدث حالة الشذوذ عندما يوجد خلاف مستمر بين النظرية وتوقعاتها. ~~تنشأ حالة الشذوذ عندما تدعي النظرية أن العالم يسير بطريقة ما وتخبرنا ~~المشاهدات أنه يسير في اتجاه آخر. واجهت نظرية الدوائر المتراكزة الإغريقية ~~سريعا حالة شذوذ. أشارت النظرية ضمنيا إلى أن الكواكب تكون دائما على ~~مسافة ثابتة من الأرض، بينما أخبرت المشاهدات الإغريق بخلاف ذلك؛ فقد كانت ~~المسافة بين الكواكب والأرض تتغير. ms097 وتمنع نظرية مركزية الأرض ظهور ~~المذنبات بعد المجال القمري. وأصر عالم الرياضيات والفيلسوف في مسرحية ~~بريشت على أنه لا يمكن لكوكب المشتري أن يمتلك أي أقمار. رغم أن مشاهدات ~~براهي وجاليليو أخبرتهما بخلاف ذلك. واجهت هذه النظريات حالات شذوذ. لم ~~تتمكن هذه النظريات من استيعاب المشاهدات التي كانت تقع على نحو واضح ضمن ~~مجالاتها. وعندما تحدث مثل هذه الأحداث، يقع النموذج الذي كان مهيمنا في ~~أزمة، ويحاول ممارسو العلم حل المشكلة بعدد من الطرق. إذا نجحوا في ذلك، ~~فقد يستمر النموذج في هيمنته، ولكن إذا فشلوا، يدخل المجال العلمي «فترة ~~ثورية». وخلال الفترة الثورية - كما يشير كون - يفكك النموذج القديم ~~ويحل محله نموذج آخر جديد؛ فالثورة العلمية هي عملية استبدال ~~للنموذج. # والنموذج هو مخطط مفاهيمي يكون وسيطا للتفاعل بين العالم والعالم؛ فهو ~~يسهل إضفاء البنيات الرمزية على العالم التجريبي. وفضل كون لاحقا ~~الحديث عن «مصفوفة نظامية»؛ وهي مجموعة مرتبة من العناصر. وتضم المصفوفة ~~عددا من العناصر المفاهيمية؛ منها تعميمات رمزية مثل القوانين الأساسية، ~~ومسائل نموذجية يستطيع الطلاب من خلال حلولها ممارسة تقنيات المجال، وقيم ~~علمية مثل الاتساق والترابط وقابلية الاختبار والتوحيد، وقناعات ~~ميتافيزيقية مثل الإيمان بأن الكون منظم، ووجود واقع خارجي مستقل وقوانين ~~حتمية. أعاد كون تسمية نموذج العلم باسم «مصفوفة المجال» للإشارة إلى أن ~~البنى المفاهيمية تشكل شبكة متسقة. ثمة سمة مميزة لنموذج كون الإرشادي ~~للثورات العلمية هي أن العلماء يعتبرون ملتزمين على نحو أساسي بنماذجهم؛ ~~فالنموذج يمنحهم موطئ قدم يمكنهم من دراسة العالم الطبيعي بطريقة منهجية. ~~وفقا لكون، يبدأ العلماء في رؤية العالم في سياق النموذج الحاكم. وكأن ~~العالم يرتدي نظارات - نظارات نيوتونية أو نظارات داروينية - يستطيع من ~~خلالها فقط رؤية العالم. ووفقا لكون، لا يستطيع العلماء سوى تبني نموذج ~~واحد فقط في ذات الوقت. وإذا كانت هذه هي الحال، فإن النماذج التي تفسر ~~مواقف إشكالية مختلفة تماما تجعل العلماء يرون العالم على نحو مختلف ~~تماما. فيجدون صعوبة في التحدث بعضهم مع بعض، لأنهم يعيشون في «عوالم ~~مختلفة»؛ ms098 فالأرسطيان في مسرحية بريشت كانا يعتنقان نظرية مركزية الأرض ~~ويسكنان عالما مركزي الأرض. ومن المنطقي بالنسبة لهما أن يرفضا النظر عبر ~~التليسكوب؛ لأن أقمار كوكب المشتري «لا يمكن أن تكون موجودة». وعلى النقيض ~~من ذلك، كان جاليليو يؤمن بمركزية الشمس، وكان يعيش في عالم شمسي المركز. ~~ولم يغير لجوءه للأدلة الرصدية رأي عالم الرياضيات والفيلسوف؛ فقد كان ~~يتحدث من منصة نموذج لا يستطيعان فهم لغته؛ فلا مجال هنا للخطاب ~~النقدي. # إذا كان هذا السيناريو يصف تاريخ العلم على نحو صحيح، فإن كون يواجه ~~مسألة كيف يصير التغيير العلمي ممكنا من الأساس. إذ يبدو أن كلا طرفي ~~النزاع مقتنع تماما بصحة نموذجه. يستخدم كون مصطلح «اللاقياسية» لوصف حالة ~~الجمود هذه. يشير هذا المصطلح إلى أنه ليس من الممكن تحويل كل عنصر من ~~نموذج ما إلى عنصر في النموذج المنافس له. من الممكن مقارنة النموذجين على ~~مستوى عام، ولكن ليس من الممكن مقارنة كل عنصر مفاهيمي في أحد النموذجين ~~مع عنصر مفاهيمي في النموذج الآخر (انظر أندرسن/باركر/تشن 2006، الفصل ~~الخامس). ربما نتساءل عن سبب اعتبار ذلك أمرا جللا أو يمثل حتى مشكلة. ~~فإذا لم يوجد ما يكافئ «فلك التدوير» في نموذج كبلر، فإن هذا يبدو مكسبا ~~وليس خسارة، ومع ذلك، يرى كون أن سمة اللاقياسية في النماذج سمة مهمة في ~~تاريخ العلم؛ لذلك كان عليه أن يشرح كيفية تغير النماذج إذا كان العلماء ~~يرتبطون بها كرؤى كونية. تتمثل إجابة كون في أن بذور التغيير الثوري ~~موجودة في كل نموذج؛ فكل نموذج يواجه في النهاية حالة شذوذ. وعدم التوافق ~~المستمر بين النظرية والبيانات التجريبية هو ما يدفع النموذج إلى حالة ~~الأزمة. # وفي النهاية يظهر نموذج جديد. ومع النموذج الجديد، تبدأ مرحلة جديدة من ~~العلم الطبيعي. ويكون معظم ممارسي العلم في هذه الفترة متفقين على نحو ~~أساسي مع فرضيات النموذج الجديد. وهو يفرض مرة أخرى رؤية على العالم تختلف ~~على نحو ملحوظ عن الرؤية السابقة. «فما كان بطا في عالم العالم قبل ~~الثورة أصبح الآن ms099 أرانب بعدها» (كون 1970، 111). وفقا لكون، النقلة ~~النوعية من نموذج ما إلى آخر لها عواقب وخيمة؛ أولا: تتغير الشبكة ~~المفاهيمية بأكملها. يوجد اختلافات كبيرة في الأنطولوجيا - الخاصة بالأشياء ~~التي من المفترض أن توجد في العالم - بين النموذجين القديم والجديد؛ فعلى ~~سبيل المثال، استبدال كبلر بالأفلاك الصلبة كواكب تسير بحرية، وحلت قوانين ~~كبلر للكواكب محل الأدوات الهندسية الإغريقية. يؤثر هذا التغيير المفاجئ ~~أيضا على مجموعة المشكلات المقبولة والتقنيات المقبولة. من كبلر لنيوتن ~~أصبحت المشكلة المهيمنة هي السؤال الآتي: «لماذا تدور الكواكب في مدارات؟» ~~أصبحت الأساليب الهندسية قديمة وحلت محلها تقنيات رياضية أكثر تطورا. ~~ثانيا: يحدث انقطاع في التواصل، كما توضح مسرحية بريشت. لم يكن كون واضحا ~~دائما فيما يخص مدى انقطاع التواصل. وبعد الانتقادات بدا أنه تقبل أن ~~انقطاع التواصل يكون جزئيا فقط (كون 1983؛ نولا 2003، الفصل 1.4.1). ~~سيتقبل العلماء على الأقل جزئيا بعض الاستمرارية بين النموذج القديم ~~والجديد، ولكن الأسباب المنطقية وحدها ليست كافية لإقناع العالم المتشكك ~~بمميزات النموذج الجديد. يفسر كون تبني النموذج الجديد كحالة تحويل ~~وإقناع. أما الواقع فهو أكثر تعقيدا، كما اعترف كون في نهاية المطاف. فثمة ~~روابط مستمرة ومتقطعة بين النماذج. وجرت مناقشة حادة بين الكوبرنيكيين ~~والبطالمة وعلماء دين. لقد ظلت المراسلات بين أوزياندر وكوبرنيكوس وريتيكوس ~~باقية، واستمر النزاع لمدة 150 سنة. كان هذا وقتا كافيا لترتيب النماذج ~~المختلفة. قدم البطالمة حججا مناهضة لحركة الأرض، وتبنى كوبرنيكوس نظرية ~~الزخم لرفض حججهم، واتخذ تيكو براهي موقفا وسطا. والمناصر المتعصب ~~للكوبرنيكية، مثل جاليليو، تجاهل ببساطة قوانين كبلر. تحول البعض إلى ~~الكوبرنيكية، مثل ريتيكوس في ألمانيا وديجز في إنجلترا. وحتى بداية القرن ~~السابع عشر لم توجد أدلة كافية على صحة فرضية مركزية الشمس حتى إن بعض ~~العلماء قبل أجزاء وحسب من النظام الكوبرنيكي (ريبكا 1977؛ دراير 1953، ~~الفصلان الثالث عشر والرابع عشر). وانتصر الكوبرنيكيون أخيرا عندما ضم ~~نيوتن قانون القصور الذاتي إلى قانون الجاذبية. # لا يتفق التحول الكوبرنيكي فعليا مع نموذج كون (هايدلبيرجر 1980)؛ فهو ~~لا يشكل نقلة نوعية؛ فالنسخة الكوبرنيكية لمركزية الشمس لا ms100 تكاد تكون في ~~حالة غير متكافئة مع مركزية الأرض بسبب التداخل الكبير بين النظامين. ~~يستخدم كوبرنيكوس العديد من المشاهدات الإغريقية، ولم يبتكر أي طريقة ~~جديدة، بل على العكس من ذلك، أراد أن يكون أنقى من بطليموس، حيث اعترض على ~~استخدام الموازن. وكما يوضح النقاش حول مصطلح «الفرضية»، من الصعب رصد مثل ~~هذا القدر الضئيل من انقطاع التواصل الجزئي. وبطبيعة الحال، فإن المعارضين ~~لم يقبلوا ذلك. يبدو أن غموض مصطلح «الفرضية» أرسى رابطة بين أنصار ~~الكوبرنيكية ومعارضيها. وبعد ذلك، لم يتفق الكوبرنيكيون حتى على بعض ~~العناصر الأساسية في مصفوفة المجال. واصل جاليليو الإيمان بوجود الحركة ~~الدائرية. والرؤية الكونية الكوبرنيكية متوافقة مع الذرائعية والواقعية؛ ~~فمن خلال التركيز على تكافؤ الفرضيات، دعم أوزياندر الذرائعية. ومن خلال ~~التركيز على بنية نموذجه الطوبولوجية (في الكتاب الأول من كتاب «عن دورات ~~الأجرام السماوية»)، وصل كوبرنيكوس إلى وجهة نظر واقعية. # لم تتغير الشبكة المفاهيمية بنقلة نوعية ولكن تغيرت عن طريق تحول بطيء. ~~فمشاهدات تيكو وحسابات كبلر ونتائج جاليليو قدمت حججا قوية لصالح ~~الفرضية الكوبرنيكية. وشكلت هذه الإنجازات قيودا قوية لم يستطع النظام ~~الأرضي المركز أن يتوافق معها؛ لذلك، فلنتناول بعض النماذج البديلة ~~للثورات العلمية. ~~(ب) ~~«نموذج كوهين ذو المراحل الأربع»: اقترح مؤرخ العلم برنارد آي كوهين نموذجا ينص ~~على أن الثورة العلمية تتكشف على أربع مراحل (كوهين 1985). تتألف المرحلة الأولى من ~~الابتكار المفاهيمي، كما نجد في الكوبرنيكية والداروينية، وقد ناقشنا هذه المرحلة ~~سابقا على أنها تغيير في المنظور. مع ذلك، ليس تغيير المنظور كافيا لتشكيل ~~ثورة. # 16 # وتتكون المرحلة الثانية من أساليب وتقنيات جديدة. رأينا أن كوبرنيكوس لم ~~يقدم تقنيات جديدة؛ ومن ثم فإنه يخفق في الوفاء بهذا المعيار الثاني. وفي هذا الصدد قدم ~~كبلر ونيوتن أعظم التحسينات. وكذلك قدم داروين أيضا طريقة جديدة: الاستدلالات ~~الداروينية؛ فكما سنرى، يتضمن مبدأ الانتقاء الطبيعي الذي قدمه بنية جبرية جديدة. أما ~~المرحلة الثالثة فسماها كوهين «النشر». وفي هذه المرحلة تحدث الثورة على الورق. فتجد ~~صدى في الساحة العامة. بعبارة حديثة، ms101 يمكننا أن نقول إن العمل يجد ناشرا. ثمة بعض ~~تواريخ النشر الشهيرة في العلم التي توضح هذه المرحلة، منها كتاب كوبرنيكوس «عن دورات ~~الأجرام السماوية» (1543)، وكتاب داروين «أصل الأنواع» (1859)، ونظرية النسبية الخاصة ~~لأينشتاين (1905). تقدم هذه المنشورات الأفكار الثورية للفحص العام. وتتكون المرحلة ~~الرابعة من اعتناق المجتمع العلمي للأفكار الجديدة. وهذه ليست مسألة تحول فوري. عادة ما ~~تجد الأفكار الجديدة بعض الأنصار لكنها تواجه أيضا شكوكا ومعارضة، وفي مثل هذه الحالة ~~تحدث مناقشات حادة، وليس من الضروري أن تشبه الصدام المؤسف بين جاليليو وعالم الرياضيات ~~والفيلسوف. غالبا ما تعتمد محاولات الإقناع على الحجج. في كتابه «النبذة الوصفية ~~الأولى» (1540) يحاول ريتيكوس إقناع معاصريه برجحان النظام الكوبرنيكي. في بداية القرن ~~السابع عشر كتب كبلر أول مرجع لعلم الفلك. يمثل كتاب «خلاصة الفلك الكوبرنيكي» ~~(1618-1621) حجة طويلة تدعم نظاما كوبرنيكيا معدلا. رأى داروين كتابه «أصل الأنواع» ~~على أنه «حجة طويلة» تدعم التفسيرات التطورية. لو لم يحدث أي تحول فوري، فإن النظريات ~~العلمية الأكثر نجاحا تحظى بتقارب في آراء الخبراء. وبعد فترة يصبح معظم ممارسي المجال ~~العلمي مقتنعين بصحة النظرية الجديدة. ووفقا للأدلة المجموعة في هذا الفصل والفصلين ~~اللاحقين، فالأمر عبارة عن مسألة إقناع بالحجج. وبالنسبة للأدلة، كما رأينا، فإنها ~~تتلاقى أيضا في نموذج واحد أو نظرية واحدة. وإضافة إلى ذلك، فالأدلة ذاتها التي تزيد من ~~مصداقية نظرية ما تبدأ في نزع مصداقية النظريات المنافسة. # يرى نموذج كوهين ذو المراحل الأربع الثورات العلمية كعمليات ممتدة زمنيا؛ فهي ~~انتقالات وليست تحولات مفاجئة. تشير المرحلتان الأوليان - الابتكار المفاهيمي والتقنيات ~~الجديدة - إلى جانب مهم من الثورات العلمية، وهو قدرات حل المشكلات الخاصة بالنماذج ~~الجديدة. وجرى التأكيد على هذا الجانب بالفعل في نموذج كون الإرشادي، كما أنه يصبح بؤرة ~~تركيز نموذج تسلسل الاستدلال . ~~(ج) ~~«نموذج تسلسل الاستدلال»: يعاني نموذج كون من عيبين عند النظر إليه في ضوء ~~الكوبرنيكية (والداروينية)؛ فمن خلال أطروحة اللاقياسية، يؤكد ذلك النموذج على الانقطاع ~~الهدام بين النماذج المتعاقبة. وغالبا ما يصور وجود انقطاع في التواصل ms102 بين العلماء، ~~كما عرض بسخرية في مسرحية بريشت، بينما يكون واقع الثورات العلمية في كثير من الأحيان ~~أكثر تعقيدا. ربما يرضي نموذج كوهين مؤرخ العلم لكنه لا يؤكد بما فيه الكفاية على ~~الاستمرارية المفاهيمية بين الثورات المتعاقبة. تظهر الثورات المتعاقبة طبيعة انتقالية ~~يمكن أن تكون أكثر دقة. لنتحدث عن «النظريات»، بدلا من النماذج الإرشادية، لتوضيح ~~الشبكات المفاهيمية في تاريخ العلم. يمكن لعناصر كل منها أن تتغير على نحو «متفرق». ~~وهذا يعني، كما هو جلي في تاريخ الكوبرنيكية، أن نظرية مركز الأرض لم تسقط مرة واحدة. ~~بدلا من ذلك، سبق التخلي عن نظرية أرسطو للحركة إعادة ترتيب كوبرنيكوس أماكن الكواكب. ~~ولم يحدث التخلي عن فكرة الحركة الدائرية إلا في وقت لاحق. هذه الجراحة التفريقية تعني ~~أننا يمكن أن نبحث عن تحولات مسببة بين المكونات المفاهيمية للشبكة (شيبر 1964؛ ~~1966؛ 1989؛ تشن/باركر 2000)؛ فنحن نستطيع تتبع تاريخ مفهوم المدارات الدائرية - مثلا ~~- من الإغريق إلى ما بعد علم الفلك الكوبرنيكي، وسنجد أنها تركت ونتساءل عن سبب حدوث ~~هذا. أو يمكننا دراسة دور نظريات الحركة في تاريخ النماذج الفلكية. أحل منظرو المدرسة ~~الباريسية نظرية الزخم محل نظرية أرسطو للحركة؛ لأنهم وجدوا أن نظرية الزخم تقدم ~~تفسيرا أفضل للحركة. وساعدت نظرية الزخم النموذج الكوبرنيكي على طول الطريق، ولكن لم ~~يطور مفهوم الزخم إلا في منتصف القرن السابع عشر (دريك 1975؛ وولف 1978، دكسترهوز ~~1956). وهذه أمثلة على التحولات المسببة، وهي تحولات مسببة لأنها تنشأ عن مواقف إشكالية ~~تقيم فيها الحلول المقترحة من خلال سلاسل وحجج منطقية. في تاريخ النماذج الفلكية ~~يمكننا تتبع تاريخ الافتراضات التأسيسية، ويحكم عليها وفق قدرتها على تقديم حلول ~~لمشكلة حركة الكواكب. تؤدي التحولات إلى إعادة تنظيم جزء على الأقل من المخطط ~~المفاهيمي. وتمثل التحولات جزءا من محاولات حل المشكلة، وتخلف هذه المحاولات خطوط ~~ارتباط يمكن تتبعها بين النماذج الفلكية؛ فهناك «عمليات حذف»: كما حدث مع نظرية أرسطو ~~للحركة، و«عمليات تعديل»: كما في التخلي عن الدائرة لصالح القطع الناقص، و«عمليات ~~إبدال»: مثل إحلال التحليل الرياضي محل الأساليب الهندسية. يمكننا ms103 تتبع خطوط الحجج عبر ~~تطور النظريات المفاهيمية ومكوناتها: مثل تطور نظريات «الحركة» وترتيب «الكواكب» من ~~نظرية مركزية الأرض إلى نظرية مركزية الشمس. ونستطيع أن نقيم هذه العمليات في السلاسل ~~المنطقية. توضح تحولات تسلسل الاستدلال التحولات البطيئة للشبكات المفاهيمية والنظريات ~~من خلال أهمية الحجج والأدلة. وبدمج هذه الأفكار، نصل إلى نموذج تحليلي ذي أربع مراحل ~~للثورة العلمية على شكل سلسلة من الأحداث المتتالية: ~~(1) # تحول أو تغير في المنظور، ينطوي غالبا على تشكيك في الافتراضات ~~القائمة. ~~(2) # تقديم أساليب وتقنيات جديدة ذات قدرة على حل المشكلة. ~~(3) # ظهور نظرية جديدة من خلال تحولات تسلسل الاستدلال التفريقية كنتيجة لنجاح ~~النظرية الناشئة في حل المشكلة. ~~(4) # تلاقي آراء الخبراء عند نظرية جديدة. وسنبين في الفصل الثاني أن هذا ~~التلاقي لا يستبعد وجود نماذج بديلة في الوقت نفسه ضمن النظرية ~~الجديدة. # لا يوجد ما يضمن أنه بمجرد أن يتخذ عنصر ما مكانا آمنا ضمن نظرية ~~ما سيظل في موقعه دون أن يواجه تحديا من الحجج الإضافية. ومن المفارقات أن حل ~~هذا المصير على المبدأ الكوبرنيكي نفسه. وإذا اتبعنا تسلسل الاستدلال المحدد هذا في ~~نقاش معاصر، فسوف يؤدي بنا إلى التشكيك في المبدأ الكوبرنيكي؛ الذي يقضي بأننا لا نحتل ~~مكانة متميزة في الكون. ~~(8) المبدأ الإنساني: هل هو عكس التحول الكوبرنيكي؟ # في إعادة صياغة لعبارة ديكارت أقول: «أنا أفكر، إذن، العالم موجود كما هو.» ~~(كارتر، «المبدأ الإنساني» (1974)، 294) # يعتبر فرويد أن الكبرياء البشري عانى ضربات خطيرة من الكوبرنيكية ~~والداروينية؛ ففي الواقع أزاحت الفرضية الكوبرنيكية البشر من العرش الوهمي للمركزية ~~المادية في الكون. ويبدو أن داروين قد سلب البشر «تاج ذروة الخلق»، ولكن تغيير ~~كوبرنيكوس للمنظور يوضح أيضا قوة العقل البشري. أوضح كوبرنيكوس وخلفاؤه أن المجال فوق ~~القمري لم يكن خفيا عن الفهم البشري إلى الأبد؛ فكما أشار كبلر بإصرار، العقل البشري ~~أكثر إدراكا من العين البشرية؛ فما يستطيع البشر رؤيته لا يمثل حدود ما يمكنهم فهمه. ~~فبما أنه يبدو أننا الكائنات الذكية الوحيدة في منطقتنا الكونية المباشرة التي تمتد ~~لعدة سنوات ms104 ضوئية في كل الاتجاهات، يمكن للإنسان على الأقل أن يدعي تمتعه بالمركزية ~~العقلانية. يوضح التحول الكوبرنيكي أن المركزية العقلانية لا تعتمد على المركزية ~~المادية. بمجرد أن فهم هذا الأمر، استطاع العلم الحديث الانطلاق؛ فالبشر لن يكونوا ~~قادرين على ترك النظام الشمسي في المستقبل المنظور. ولن يستطيعوا حتى زيارة جميع أجزاء ~~النظام الشمسي. مع ذلك، يعرف علماء الكونيات من التحليل العلمي أكثر بكثير مما قد ~~يتعلمونه من مشاهدة أجزاء الكون. لقد رسم علماء الكونيات بنية النظام الشمسي ومجرة درب ~~التبانة والكون إلى حد لا يمكن مضاهاته من خلال المشاهدات المجردة. # بالنسبة لبعض علماء الكونيات، هذه المركزية العقلانية ليست كافية. فاقترحوا «مبدأ ~~إنسانيا»، يسعى إلى إعادة بعض الكبرياء قبل الكوبرنيكي إلى الجنس البشري. يسعى المبدأ ~~الإنساني إلى عكس التحول الكوبرنيكي؛ فهو يستنبط من وجود الحياة الذكية على الأرض وجود ~~ظروف مادية خاصة تجعل وجود الحياة الذكية ممكنا. ربما لا يكون موقعنا في الكون ~~مركزيا، ولكنه متميز (كارتر 1974، 291). في الواقع ثمة نسختان من المبدأ ~~الإنساني: ~~«المبدأ الإنساني القوي»: «يجب أن يمتلك الكون الخصائص التي تسمح للحياة بالتطور داخله في مرحلة ما ~~من تاريخه.» (بارو/تبلر 1986، 21؛ كارتر 1974، 294) # هذا شرط صارم للغاية؛ لأنه يفترض أن الشكل المادي للكون يحتم على ~~الكون أن يصير كونا ذاتي الإدراك؛ فالكون سيؤدي في النهاية إلى خلق راصدين ~~بشريين أذكياء (بارو/تبلر 1986، 248، 523؛ بروير 1991، الفصل الأول). إن ~~موطن قوة هذا الشرط يمثل أيضا موطن ضعفه. من ناحية، يجسد المبدأ الإنساني ~~القوي مركزية البشر الحتمية، التي لم تعد جزءا من تفسير فيزيائي؛ فمنذ قيام ~~الثورة العلمية في القرن السابع عشر، كان يوجد ميل جوهري تجاه القضاء على ~~منطق مركزية البشر أولا من العلوم الفيزيائية، وبعد ذلك من العلوم ~~البيولوجية؛ ومن ناحية أخرى، يسير المبدأ الإنساني القوي مباشرة عكس ~~التفسيرات التطورية للحياة؛ فالمبادئ البيولوجية، مثل الانتقاء الطبيعي، لا ~~تدعي أن الأنواع الجديدة تتطور على طول مسار خطي تكون نهايته هي ظهور ~~البشر؛ فقد تمثلت إحدى النتائج المترتبة على عمل داروين في اعتبار أي تفكير ~~غائي ms105 في علم الأحياء التطوري يعامل البشر باعتبارهم غاية أخيرة للتطور ~~تفكيرا خاطئا؛ لذلك يفضل معظم علماء الكونيات نسخة ضعيفة من المبدأ ~~الإنساني. ~~«المبدأ الإنساني الضعيف»: «يجب أن نكون مستعدين لنضع في الاعتبار حقيقة أن موقعنا في الكون متميز ~~بالضرورة إلى حد يتوافق مع وجودنا كراصدين.» (كارتر 1974، 293؛ ديك 1961؛ ~~بروير 1991، 8) # ينص هذا الافتراض على أن وجود الحياة البشرية يمكن استخدامه لتفسير ~~القيم الدقيقة للثوابت الفيزيائية الأساسية: # القيم المرصودة لجميع الكميات الفيزيائية والكونية ليست ~~محتملة على نحو متساو لكنها تمثل قيما محددة بشرط أن وجودها ~~يكمن في المواقع التي يمكن أن تتطور فيها الحياة القائمة على ~~الكربون وبشرط أن يكون الكون قديما بما يكفي لفعل ذلك. ~~(بارو/تبلر 1986، 16؛ ديك 1961) # الفكرة هي أن التوازن المعقد بين الثوابت الفيزيائية ~~الأساسية لا يمكن أن يكون صدفة كونية؛ فحتى أدنى التغييرات في هذه ~~القيم كان من شأنه أن يدمر احتمال وجود الحياة البشرية. فيرى أن القيم ~~العددية الدقيقة للثوابت الأساسية قيم ضرورية كي تصبح الحياة البشرية ~~ممكنة؛ فاستقرار المادة والفضاء الثلاثي الأبعاد على سبيل المثال أمران ~~ضروريان للحياة. ومن شأن التغيير الطفيف في هذه القيم العددية أن يوجه ~~الكون نحو مسار مختلف تماما. أما الأكثر درامية من ذلك فهو أنه توجد ~~خصائص أساسية للكون كان التطور البيولوجي سيصبح مستحيلا من دونها. ~~واكتشافنا لهذه الخصائص الأساسية «قد يكون بمعنى ما عاقبة ضرورية ~~لحقيقة كوننا راصدين» لها (بارو/تبلر 1986، 383). تتمثل الفكرة ~~الأساسية في أن الوجود البشري يفرض قيودا صارمة على القيم العددية ~~للثوابت الأساسية. فيجب أن يكون للثوابت هذه القيم التي هي عليها الآن، ~~وذلك لأننا موجودون. وبصياغة العبارة بطريقة مغايرة للواقع، لو كانت ~~الثوابت الفيزيائية الأساسية قد اكتسبت قيما مختلفة قليلا، ما كان ~~للبشر أن يظهروا. وبما أن البشر قد ظهروا وتطوروا، فقد كان من الحتمي ~~أن تمتلك الثوابت هذه القيم المحددة. # تأمل على سبيل المثال عمر وحجم الكون. يؤكد أنصار المبدأ الإنساني ~~الضعيف أن هذه السمات يمكن تفسيرها بدراسة حالة الوجود البشري. من الواضح ~~أن الأرض لا بد أن ms106 تكون ملائمة ماديا لاستضافة تطور الحياة العضوية. يحدث ~~تحول الهيدروجين والهيليوم إلى جزيئات مساعدة للحياة في المقام الأول في ~~النجوم، لكن إنتاج الجزيئات الثقيلة التي تعتمد عليها الحياة يستغرق ~~مليارات السنين. يجب أن يكون الكون قديما بما فيه الكفاية لتوجد أشكال ~~الحياة؛ ومن ثم، يرى أنصار المبدأ الإنساني الضعيف أن وجود الحياة البشرية ~~يمكن أن يفسر عمر الكون. والعمر يفسر الحجم. «العديد من مشاهدات العالم ~~الطبيعي (...) يمكن أن ينظر إليها على أنها نتائج حتمية لوجودنا» ~~(بارو/تبلر 1986، 219). # بالنسبة لأنصار المبدأ الإنساني الضعيف، يعيد هذا المنطق شكلا من أشكال ~~المركزية الخاصة ويناقض التحول الكوبرنيكي؛ فلو أن ظروفا خاصة للغاية تنتج ~~كونا ذاتي الإدراك، فثمة إعادة تأسيس لصلة وثيقة بين الجنس البشري والبيئة ~~الكونية. يضع المبدأ الإنساني قيودا على بنية الكون ذاتي الإدراك. ويؤكد ~~أن الحياة الذكية بطريقة ما تختار الكون الفعلي (بارو/تبلر 1986، 510؛ ~~بروير 1991، الفصل الأول). وهذا الكون وحده هو ما ينتج راصدين أذكياء ~~يمكنهم التعرف على موقعهم المتميز. # من مشكلات المبدأ الإنساني أنه مقاربة وحسب في أحسن الأحوال. وهو يوجه الراصد مرة ~~أخرى نحو النظرية الفيزيائية، ولكن حتى حينها فإنه يشير فقط إلى القيمة الأسية للثوابت ~~الأساسية، وليس القيم على وجه الدقة. يتنكر المبدأ الإنساني الضعيف في صورة تفسير ~~فيزيائي بينما لا يزيد عن كونه استنتاجا لا اعتراض عليه؛ فمن حقيقة أن الراصدين ~~البشريين يسكنون زاوية صغيرة من الكون، يستنتج أن هذا المكان لا بد أن يكون ملائما ~~للحياة، ولكن وجودنا لا يفسر بأثر رجعي سبب امتلاك الكون للظروف المادية التي جعلت ~~الحياة الذكية ممكنة (سالمون 1998، 396). وحتى أنصار المبدأ الإنساني يعترفون بأن ~~المبدأ يمكن أن يحل محله في نهاية المطاف تفسير فيزيائي (كارتر 1974، 292، 295؛ كار/ريس ~~1979، 612). # ثمة تشابه معين بين الحجج التي ساقها أنصار المبدأ الإنساني وأنصار التصميم الذكي ~~الجدد؛ فيرى أنصار التصميم الذكي أن العديد من العمليات الكيميائية الحيوية مضبوطة بدقة ~~شديدة لدرجة تمنع الانتقاء الطبيعي من تفسيرها (انظر الفصل الثاني، القسم 5-4). ~~فيعتبرون أن أعضاء مثل العين معقدة بحيث لا يمكن أن ms107 تكون نتيجة لتكيف تطوري بطيء. ويشير ~~أنصار المبدأ الإنساني إلى توازن دقيق مماثل في الثوابت الأساسية. فيرون أن وجود راصد ~~ذكي يمكن أن يفسر دقة ضبط الثوابت الأساسية. تلعب التفسيرات الغائية في كلتا الحالتين ~~دورا مهما. ويستنتج أنصار التصميم الذكي وجود التصميم من تعقيد النظم البيولوجية ~~وعدم أرجحية وجودها بمحض الصدفة. ويستنتج أنصار المبدأ الإنساني وجود مكان وزمن خاصين ~~للبشر من القيم المحددة للمتغيرات الكونية. المشكلة هي أن الثوابت الأساسية لا تمتلك ~~قيمها الخاصة لأننا موجودون؛ فالتغيير الطفيف في قيمة الثوابت الأساسية في الماضي ~~البعيد ربما كان سيجعل بالفعل تطور الحياة على الأرض مستحيلا، ولكن وجودنا «الآن» لا ~~يعني بالضرورة أن الثوابت اكتسبت في الماضي قيمها المحددة. صحيح أن بوسعنا أن نستنتج ~~قيما خاصة للثوابت الأساسية من وجودنا، ولكن هذا لا يفسر القيم. يبدو أن المبدأ ~~الإنساني القوي يعني ضمنا أن الراصد هو هدف التطور (بارو/تبلر 1986، 28). وهذا ~~التفكير الغائي - كما سنوضح في الفصل الثاني - كان سائدا خلال معظم تاريخ الأفكار. وهو ~~يتناقض بشدة مع تاريخ الداروينية. فحتى المبدأ الإنساني الضعيف فشل في إظهار أن أحجام ~~النجوم والكواكب والناس نتائج لازمة لثوابت الطبيعة (بارو/تبلر 1986، 387). أحد ~~الأسباب هو أن التطور الكوني عرضي؛ فالأرض ليست محمية من بقية النظام الشمسي؛ فلملايين ~~السنين كانت الأرض تخضع لقصف من الفضاء الخارجي. إن الكون نظام شاسع، ووفقا لفرضية ~~ألفاريز فقد حدث انقراض الديناصورات قبل 65 مليون سنة بسبب اصطدام أحد الكويكبات ~~بالأرض. وعندما اختفت كانت حياتها قد امتدت بالفعل أكثر من 200 مليون سنة. ولو كانت ~~الديناصورات قد استمرت في الحياة، لم يكن البشر ليوجدوا. خلال عهد الديناصورات، كانت ~~الظروف ملائمة للحياة العضوية، ولكن هذا لا يعني وجوب ظهور الراصدين البشريين . ثمة سبب ~~آخر للشك في التفكير وفق المبدأ الإنساني، الذي ينتج عن الانتقاد الأول؛ فالتفكير وفق ~~المبدأ الإنساني يتجاهل تسلسل السببية. فلا يمكننا أن نفسر سببيا وقوع حدث سابق من ~~خلال وقوع حدث لاحق. مع ذلك، يقفز التفكير وفق المبدأ الإنساني من حدث بعيد في ms108 الماضي ~~إلى أحداث في الوقت الحاضر؛ فهو يجيب على أسئلة مثل: «لماذا الكون موحد الخواص؟» ~~بعبارات مثل «لأننا موجودون فيه» (بارو/تبلر 1986، 426)، ومع ذلك، فإن عرضية الأحداث ~~الفيزيائية تمنعنا من تخطي عدة حلقات في تسلسل السببية. سيكون من قبيل التفكير الخاطئ ~~الادعاء بأني موجود هنا لأن أجداد أجدادي تزوجوا في سبعينيات القرن التاسع عشر. يخبرنا ~~التفكير الفيزيائي أن الاستنتاجات يمكن أن تغير مسار الحدث «المحدد سلفا». ويخبرنا ~~التفكير التطوري بأن شجرة الحياة نمت على نحو عرضي. وإذا قبلنا هذه الأفكار، فإن البشر ~~ليسوا نتيجة ضرورية للتطور. يبدو هذا التفسير على نحو مثير للريبة مثل التطور التدريجي ~~للامارك. وكما سنرى، أدت ثورة داروين إلى الإطاحة بمفهوم التصميم الرشيد. # ربما نستنتج أن التحول الكوبرنيكي أدى إلى فقدان المركزية المادية، لكن الوجود ~~الإنساني لا يزال ثمينا في سياقين؛ فنحن النوع الذكي الوحيد في ضاحيتنا الكونية. وعلى ~~هذا النحو فإننا لا نعتمد على أي مركزية مادية. ومن خلال قوة التفكير النظري تستطيع ~~العقول البشرية أن تجوب الكون. ونحن نعرف من التفكير أكثر مما نعرفه من الرؤية. وهذا ~~نوع أثمن من المركزية؛ إنها المركزية العقلانية. # أسئلة مقالية ~~(1) # كان علم الفلك الإغريقي معنيا ب «إنقاذ الظواهر». اشرح معنى هذا والأثر ~~الذي تركه على المكانة الفلسفية للنظريات العلمية. ~~(2) # افترض علم الفلك الإغريقي وجود «كون ذي فلكين». اشرح معنى هذا وأثره على ~~المكانة الفلسفية للنظريات العلمية. ~~(3) # ما بنية نظرية «مركزية الأرض» ولماذا وجدها الإغريق مقنعة للغاية؟ ~~(4) # فسر كيف كان استبدال «نظرية الزخم» بنظرية أرسطو للحركة شرطا مسبقا ~~منطقيا لتطور الكوبرنيكية. ~~(5) # أوضح أهم إنجازات الثورة الكوبرنيكية. ~~(6) # فسر سبب عدم اكتمال الرؤية الكونية الكوبرنيكية إلا من خلال نظريات ~~نيوتن. ~~(7) # ما بنية نظرية «مركزية الشمس» ولماذا يجدها الكوبرنيكيون مقنعة ~~للغاية؟ ~~(8) ~~«الواقعية»: هي «الاعتقاد بأن مجرد وصف البيانات لا يمثل كل ما هو ~~مطلوب من النظرية» (برنار ديسبانا). ناقش أهمية هذه العبارة مستخدما أمثلة ~~مناسبة. ~~(9) # ثمة نوعان من وجهات النظر حيال النظريات: «الواقعية» و«الذرائعية». ~~اشرحهما. ما الحجج التي يقدمها الواقعيون ضد الذرائعيين؟ ~~(10) # بأي ms109 صورة يمكنك استخدام الكوبرنيكية لدعم الذرائعية والواقعية على ~~الترتيب؟ ~~(11) # أوضح كيف نشأت قضية الواقعية في مواجهة الذرائعية من التحول الكوبرنيكي ~~وناقش بعض الحجج لصالح الواقعية والذرائعية على الترتيب. ~~(12) # اشرح ووضح وقيم بعض الحجج النموذجية المؤيدة والمعارضة للواقعية ~~والذرائعية. ~~(13) # إذا كانت «النماذج» بعيدة عن «تمثيل» العالم الطبيعي والاجتماعي، فكيف ~~يتحقق هذا التمثيل؟ ~~(14) # اشرح دور النماذج في العلم. ما أنواع النماذج وما أهميتها؟ أوضح إجابتك ~~في ضوء الكوبرنيكية. ~~(15) # يفترض النموذج الاستدلالي الطبيعي «تناظر التفسير والتنبؤ». استخدم ~~أمثلة من علم الفلك لتقييم مدى ملاءمة هذا الافتراض. ~~(16) # اشرح ووضح دور «الفرضيات» في تاريخ علم الفلك من بطليموس إلى ~~نيوتن. ~~(17) # اشرح «أطروحة نقص الإثبات» (أطروحة دوهيم-كواين). ما الحجج التي يمكن أن ~~تقدم ضدها؟ ~~(18) # اشرح ووضح «عكس المنظور» في الكوبرنيكية. ~~(19) # ماذا نفهم من «الثورة العلمية»؟ هل كانت «الكوبرنيكية» و«الداروينية» ~~ثورتين علميتين؟ ~~(20) # اشرح لماذا كانت فرضية مركزية الشمس الكوبرنيكيية «تحولا كوبرنيكيا» ~~وليست ثورة علمية. ~~(21) # اشرح لماذا استغرق استكمال الثورة الكوبرنيكية أكثر من 140 عاما؛ من ~~1543 إلى 1687؟ ~~(22) # إذا كان كوبرنيكوس أطلق تحولا كوبرنيكيا وحسب، لماذا يعد كتاب داروين ~~«أصل الأنواع» (1859) ثورة علمية بينما لا يعد كتاب كوبرنيكوس «عن دورات ~~الأجرام السماوية» (1543) كذلك؟ ~~(23) # اشرح ما يميز النموذج الكوبرنيكي عن النموذج البطلمي. لماذا لا يعتبر ~~مؤرخو العلم كوبرنيكوس ثورة «حقيقية» في العلم؟ ~~(24) # ناقش على نحو نقدي قابلية تطبيق نموذج كون الإرشادي للثورات العلمية في ~~سياق النموذج الكوبرنيكي. ~~(25) # اشرح أسباب اعتبار يوهانز كبلر الثوري الحقيقي في تاريخ علم ~~الفلك. ~~(26) # حلل على نحو نقدي دور القيود في العلم بالإشارة إلى الكوبرنيكية ~~والداروينية. ~~(27) # اشرح الفرق بين قوانين الطبيعة وقوانين العلم. لماذا هذا التمييز ~~مهم؟ ~~(28) # قيم على نحو نقدي التمييز بين النظريات والنماذج. ~~(29) # ناقش على نحو نقدي الحجج المؤيدة والمعارضة للنظرية البنيوية ~~للقوانين. ~~(30) # ناقش على نحو نقدي الحجج المؤيدة والمعارضة لمذهب الضرورة ~~للقوانين. ~~(31) # ناقش على نحو نقدي الحجج المؤيدة والمعارضة لنظرية الانتظام ~~للقوانين. # قراءت إضافية # Andersen, H./P. Barker/X. Chen [2006]: # The ~~Cognitive Structure of Scientific Revolutions. # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Aristotle [1948]: Politics ~~, transl. ~~E. ms110 Barker. Oxford: Oxford University Press. # Aristotle [1952a]: Physics. # Great Books of the Western World, The Works ~~of Aristotle, Vol. I. Chicago: Encyclopaedia ~~Britannica. # Aristotle [1952b]: # On the ~~Heavens. # Great Books of the Western World. Chicago: ~~Encyclopaedia Britannica. # Armstrong, D. [1983]: # What is a ~~Law of Nature? # Cambridge: Cambridge University Press. # Barker, P. [2002]: “Constructing Copernicus,” Perspective on Science # 10 ~~, ~~208-27. # Barrow, J. D./F. J. Tipler [1986]: # The Anthropic Cosmological Principle. # Oxford: Oxford University Press. # Blumenberg, H. [1955]: “Der kopernikanische Umsturz und ~~die Weltstellung des Menschen,” # Studium ~~Generale # 8 ~~, 637-48. # Blumenberg, H. [1957]: “Kosmos und System,” # Studium Generale # 10 ~~, 61-80. # Blumenberg, H. [1965]: # Die ~~kopernikanische Wende. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp. # Blumenberg, H. [1981]: # Die ~~Genesis der kopernikanische Welt. # 3 vols. Frankfurt ~~a./M.: Suhrkamp [English translation: # The Genesis of the Copernican World ~~, transl. R. M. ~~Wallace. Cambridge, MA: MIT Press, 1987]. # Born, M. [1962]: # Einstein’s ~~Theory of Relativity. # New York: ~~Dover. # Brecht, B. [1963]: # Leben des ~~Galilei. # Berlin: Suhrkamp [English translation: # The Life of Galileo. # London: Eyre ~~Methuen, 1963]. # Breuer, R. [1991]: # The ~~Anthropic Principle: Man as the Focal Point of ~~Nature. # Boston: Birkhäuser. # Brzeziński, J./F. Coniglione/Th. A. F. Kuipers/L. Nowak # eds. ~~[1990]: # Idealization II: Forms and ~~Applications. # Atlanta, GA: Rodopi. # Brzeziński, J./L. Nowak # eds. ~~[1992]: # Idealization ~~III: Approximation and Truth. # Atlanta, GA: ~~Rodopi. # Burtt, E. A. [ # 2 # 1932]: # The ~~Metaphysical Foundations of Modern Physical Science. # London: Routledge & Kegan Paul. # Carter, B. [1974]: “Large Number Coincidences and the ~~Anthropic Principle in Cosmology,” in M. S. Longair # ed., # Confrontation of Cosmological Theories with Observational ~~Data. # Dordrecht: D. Reidel 1974, ~~291-8. # Carr, B. J./M. J. Rees [1979]: “The Anthropic Principle ~~and the Structure of the Physical World,” # Nature # 278 ~~, 605-12. # Carroll, John W., “Laws of Nature,” in # The Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~(Fall 2003 Edition), Edward N. Zalta # ed., # URL = # http://plato.stanford.edu/archives/fall2003/entries/laws-of-nature ~~. # Cartwright, N. [1999]: # The ~~Dappled World: A Study of the Boundaries of Science. # Cambridge: Cambridge University Press. # Chen, X./P. Barker [2000]: “Continuity through ~~Revolutions,” ms111 Philosophy of Science # 67 ~~, S208-S233. # Cohen, I. B. [1985]: # Revolution ~~in Science. # Cambridge, MA: Belknap Press at Harvard ~~University Press. # Copernicus, N. [1543/1995]: # On ~~the Revolutions of Heavenly Spheres. # Amherst, NY: Prometheus Books. # Copernicus, N. [1959]: The # Letter ~~Against Werner ~~, in E. Rosen # ed. ~~[1959], 93-106. # Copernicus, N. [1959]: # The ~~Commentariolus ~~, in E. Rosen # ed. ~~[1959], 55-90. # Crombie, A. C. [1961]: # Augustus ~~to Galileo. # London: Mercury. # Crombie, A. C. [1994]: # Styles ~~of Scientific Reasoning in the European Tradition. # London: Duckworth. # Cushing, J. T. [1998]: Philosophical Concepts in Physics. # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Davies, P. [1995]: “Algorithmic Compressibility, ~~Fundamental and Phenomenological Laws,” in F. Weinert # ed. ~~[1995a], 248-67. # Deutsch, D. [1997]: # The Fabric ~~of Reality. # London: Penguin. # DeWitt, R. [2004]: # Worldview # s. London: ~~Blackwell. # Dicke, R. H. [1961]: “Dirac’s Cosmology and Mach’s Principle,” # Nature Letters # 192 ~~, ~~440-1. # Dijksterhuis, E. J. [1956]: # The ~~Mechanization of the World Picture. # Oxford: Clarendon ~~1961. # Dirac, P. M. [1961]: “Dicke’s Cosmology and Mach’s Principle,” # Nature # 192 ~~, ~~440-1. # Drake, S. [1975]: “Impetus Theory Reappraised,” # Journal of the History of Ideas # 36 ~~, 27-46. # Dreyer, J. L. E. [1953]: # A ~~History of Astronomy from Thales to Kepler. # New York: ~~Dover. # Dretske, F. I. [1977]: “Laws of Nature,” Philosophy of Science # 44 ~~, ~~248-68. # Duhem, P. [1962]: # The Aim and ~~Structure of Physical Theory. # New York: ~~Athenaeum. # Einstein, A. [1918]: “Prinzipien der Forschung,” in A. ~~Einstein [1977], 107-10; English translation in Einstein [1954], ~~224-7. # Einstein, A. [1919]: “Was ist Relativitätstheorie?,” in ~~A. Einstein [1977], 127-131; English translation in Einstein [1954], ~~227-32. # Einstein, A. [1930]: “Johannes Kepler,” in A. Einstein ~~[1977], 147; English translation in Einstein [1954], ~~262-6. # Einstein, A. [1953]: “Message on the 410th Anniversary of ~~the Death of Copernicus,” in Einstein [1954], ~~359-60. # Einstein, A. [1954]: # Ideas and ~~Opinions. # London: Alvin Redman. # Einstein A. [1977]: # Mein ~~Weltbild. Hrsg. # von Carl von Seelig. Frankfurt a./M: ~~Ullstein. # Galilei, G. [1953/1632]: # Dialogue on the Great World Systems. # G. de ~~Santillana # ed. # Chicago: Chicago ~~University Press. # Gingerich, O. [1982]: “The Galileo Affair,” # Scientific American # 247 ~~(August), ~~118-27. # Gingerich, ms112 O. [1993]: # The Eye ~~of Heaven: Ptolemy, Copernicus, Kepler. # New York: ~~American Institute of Physics. # Gingerich, O. [2004]: # The Book ~~Nobody Read. # London: Heinemann. # Greene, G. [2000]: # The Elegant ~~Universe. # New York: Vintage ~~Books. # Gutting, G. # ed ~~. ~~[1980]: Paradigms & ~~Revolutions. # Notre Dame, IN: University of ~~Notre Dame Press. # Hacking, I. # ed. ~~[1981]: # Scientific Revolutions. # Oxford: Oxford University Press. # Hanson, N. [1958]: Patterns of ~~Discovery. # Cambridge: Cambridge University Press. # Heidelberger, M. [1980]: “Some Intertheoretic Relations ~~between Ptolemean and Copernican Astronomy,” in G. Gutting # ed. ~~[1980], ~~271-83. # Hempel, C. [1965]: # Aspects of ~~Scientific Explanation. # New York: The Free Press. # Herfel, W. E. et al. # eds. ~~[1995]: # Theories and ~~Models in Scientific Processes. # Amsterdam: Rodopi. # Hoyningen-Huene, P. [1993]: # Reconstructing Scientific Revolutions. # Chicago: ~~Chicago University Press [German original: # Die Wissenschaftsphilosophie Thomas S. ~~Kuhns. # Braunschweig: Vieweg & Sohn ~~1989]. # Jeans, J. [1943]: Physics and Philosophy. # Cambridge: Cambridge University Press. # Kaufmann, W. [ # 4 # 1974]: # Nietzsche. Princeton, NJ: Princeton University Press. # Kepler, J. [1619]: # The ~~Harmonies of the World, # in J. Kepler [1995], ~~1-164. # Kepler, J. [1618-21]: # Epitome ~~of Copernican Astronomy, # in J. Kepler [1995], ~~165-245. # Kepler, J. [1995]: # Epitome of ~~Copernican Astronomy & Harmonies of the World. # Amherst, NY: Prometheus Books. # Kitcher, P. [1993]: # The ~~Advancement of Science. # Oxford: Oxford University Press. # Koestler, A. [1964]: # The ~~Sleepwalkers. # London: Penguin. # Koyré, A. [1957]: # From the ~~Closed World to the Open Universe. # Baltimore, MD: ~~John Hopkins University Press. # Koyré, A. [1965]: # Newtonian ~~Studies. # Chicago: University of Chicago Press. # Koyré, A. [1978]: # Galileo ~~Studies. # Hassocks (Sussex): The Harvester Press. # Krajewski, W. [1977]: # Correspondence Principle and Growth of Science. # Dordrecht: D. Reidel. # Kuhn, T. S. [1957]: # The ~~Copernican Revolution. # Cambridge, MA: Harvard ~~University Press. # Kuhn, T. S. [ # 2 # 1970]: # The ~~Structure of Scientific Revolutions. # Chicago: The ~~University of Chicago Press. # Kuhn, T. S. [1983]: “Commensurability, Comparability, ~~Communicability” (PSA 1982). P. D. Asquith/T. Nickles # eds. # East Lansing, MI: Philosophy of Science ~~Association, 669-88. # Ladyman, J. [1998]: “What is structural realism?” # Studies in History and Philosophy of ~~Science # 29, # 409-24 # Leckey, M./J. Bigelow [1995]: “Necessitarian ms113 Perspective: Laws as Natural Entailments,” in Weinert [1995b], ~~92-118. # Mason, S. F. [1956]: # Main ~~Currents of Scientific Thought. # London: ~~Routledge. # McMullin, E. [1985]: “Galilean Idealization,” # Studies in History and Philosophy of ~~Science # 16 ~~, 247-73. # Mittelstraß, J. [1962]: # Die ~~Rettung der Phänomene. # Berlin: Walter de ~~Gruyter. # Morgan, M./M. Morrison # eds. ~~[1999]: # Models as ~~Mediators. # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Musgrave, A. [1979-80]: “Wittgensteinian ~~Instrumentalism,” # Theoria # 45/6 ~~, ~~65-105. # Neugebauer, O. [1968]: “On the Planetary Theory of ~~Copernicus,” # Vistas in Astronomy # 10 ~~, 89-103. # Nietzsche, F. [1887]: # On the ~~Geneology of Morals. # New York: Vintage 1967 ~~[Translation of # Über die Geneologie der ~~Moral ~~, 1887]. # Nola, R. [2003]: # Rescuing ~~Reason. # Dordrecht: Kluwer. # Nowak, L. [1980]: # The Structure ~~of Idealization. # Dordrecht: D. ~~Reidel. Popper, K. [1959]: # The Logic of ~~Scientific Discovery. # London: ~~Hutchinson. Popper, K. [1963]: # Conjectures ~~and Refutations. # London: Routledge & Kegan Paul. Psillos, St. [1999]: # Scientific ~~Realism. # London: Routledge. Ptolemy, C. [1984]: Ptolemy’s ~~Almagest. # G. J. Toomer # ed. # London: Duckworth [German translation: # Des Ptolemäus ~~Handbuch der Astronomie. # Bd. 1, 2, übersetzt von ~~Karl Manitius. Leipzig: B. G. Teubner, ~~1912]. Putnam, H. [1975]: # Mathematics, ~~Matter and Method. Philosophical Papers, Vol. ~~1. Cambridge: Cambridge University Press. # Quine, W. v. [1990]: # The Pursuit of Truth. # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Rheticus, J. [1540]: # Narratio Prima ~~, in E. Rosen [1959], ~~107-96. # Rickles, D./S. French/J. Saatsi # eds. ~~[2006]: # The Structural ~~Foundations of Quantum Gravity. # Oxford: ~~Clarendon Press. # Roman, P. [1969]: “Symmetry in Physics,” in R. S. ~~Cohen/M. W. Wartofsky # eds., # Boston Studies in the Philosophy of ~~Science ~~, Vol. V. Dordrecht: Reidel, ~~363-9. # Rosen, E. # ed. ~~[1959]: # Three Copernican ~~Treatises. # Mineola, NY: Dover. # Rosen, E. [1984]: # Copernicus ~~and the Scientific Revolution. # Malabar, FL: Robert ~~E. Krieger. # Ruby, J. [1995]: “Origins of Scientific 'Law’,” in F. ~~Weinert # ed. ~~[1995a], ~~289-315. # Rybka, E. [1977]: “The Scientific Reception of the ~~Copernican Theory,” # Studia ~~Copernicana # 17 ~~, 158-71 # Salmon, W. [1998]: # Causality ~~and Explanation. # Oxford: Oxford University Press. # Shapere, D. [1964]: “The Structure of Scientific ~~Revolutions,” reprinted in G. Gutting # ed. ~~[1980], 27-38. # Shapere, D. [1966]: “Meaning and ms114 Scientific Change,” ~~reprinted in I. Hacking [1981], 28-59. # Shapere, D. [1989]: “Evolution and Continuity in ~~Scientific Change,” Philosophy of ~~Science # 56 ~~, 419-37. # Sklar, L. [2000]: # Theory and ~~Truth. # Oxford: Oxford University Press. # Smolin, L. [1997]: # The Life of ~~the Cosmos. # New York: Oxford University Press. # Solla Price, D. J. de [1962]: “Contra-Copernicus,” in ~~M. Clagett # ed., # Critical Problems in the History of ~~Science. # Madison: University of Wisconsin Press, ~~197-218. # Swartz, N. [1985]: # The Concept ~~of Physical Law. # Cambridge: Cambridge University Press. # Toulmin, S. [1953]: # The Philosophy of Science. # London: ~~Hutchinson. # Watson, W. H. [1938]: # On ~~Understanding Physics. # London: Cambridge University Press. # Worrall, J. [1989]: “Structural Realism”: The Best of ~~Both Worlds?” # Dialectica # 43 ~~, 99-124 # Weinberg, S. [1977]: # The First ~~Three Minutes. # London: Deutsch. # Weinert, F. [1993]: “Laws of Nature: A Structural ~~Approach,” Philosophia Naturalis # 30 ~~, ~~147-71. # Weinert, F. # ed. ~~[1995a]: # Laws of Nature-Essays on the Philosophical, Scientific and Historical Dimensions. # Berlin: de Gruyter. # Weinert, F. [1995b]: “Laws of Nature-Laws of ~~Science,” in F. Weinert # ed. ~~[1995a], 3-64. # Weinert, F. [1995c]: “The Duhem-Quine Problem ~~Revisited,” # International Studies in the Philosophy of Science # 9 ~~, ~~147-156. # Weinert, F. [1998]: “Fundamental Physical Constants, ~~Null Experiments and the Duhem-Quine Thesis,” Philosophia ~~Naturalis # 35 ~~, 225-52. # Weinert, F. [1999]: “Theories, Models and Constraints,” # Studies in History and Philosophy of ~~Science # 30 ~~, 303-33. # Weinert, F. [2004]: # The ~~Scientist as Philosopher. # New York: ~~Springer. # Weinert, F. [2006]: “Einstein and the Representation of ~~Reality,” # Facta Philosophica # 8 ~~, ~~229-52. # Wittgenstein, L. [1921/ # 8 # 1971]: # Tractatus Logico-Philosophicus. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp. # Wendorff, R. [ # 3 # 1985]: # Zeit und ~~Kultur. # Opladen: Westdeutscher ~~Verlag. # Wolff, M. [1978]: # Geschichte ~~der Impetustheorie. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp. # Zeilik, M. [ # 5 # 1988/ # 9 # 2002]: # Astronomy. # New York: John Wiley & ~~Sons. # الفصل الثاني # | تشارلز داروين: فقدان التصميم الرشيد # القرد والإنسان شكلان متماثلان تطورا على نحو متباين من الأصل نفسه. («الإنسان»، ~~دير مينش (1870 # 2 ~~)، 107؛ ترجمة المؤلف) ~~(1) داروين وكوبرنيكوس # يبدو داروين في نظري بمنزلة كوبرنيكوس العالم العضوي. (دوبوا ريمون، «داروين ~~وكوبرنيكوس» (1882-1883)، 557) # تحدثنا في ms115 الفصل الأول عن كوبرنيكوس، الذي وضع نظرية مركزية الشمس ~~التي أدت إلى فقدان البشر للمركزية المادية، وقد سبب هذا تغيرا خطيرا في المنظور ~~البشري حتى إنه ليس من المستغرب أن يقارن بين داروين وكوبرنيكوس كثيرا (هيكل 1929، ~~207؛ هكسلي 1860، 79). فلقد سبب داروين هو الآخر تغييرا في المنظور، حيث أزال فكرة ~~التصميم، ووضع جميع أشكال الحياة العضوية، بما في ذلك البشر، تحت وطأة التفكير التطوري. ~~بمجرد أن نشر داروين كتابه «أصل الأنواع» في 24 نوفمبر 1859، سرى شعور بالتأثير الهائل ~~لنظريته بين معاصريه. كتب ألفريد راسل والاس - الذي شارك داروين في اكتشاف مبدأ ~~الانتقاء الطبيعي - معترفا بالإمكانيات الثورية لنظرية داروين: # لم تحدث - ربما قط - في تاريخ العلم أو الفلسفة كله ثورة في الفكر والرأي في ~~عظم تلك التي حدثت في فترة الاثني عشر عاما من 1859 إلى 1871، وهما عاما نشر ~~كتابي السيد داروين «أصل الأنواع» و«أصل الإنسان» على الترتيب. (والاس 1891، ~~419؛ هيكل 1882، 534) # وبعد ما يقرب من 150 عاما من نشر داروين لكتابيه، لا يزال الباحثون في علم الأحياء ~~متفقين على الثورة التي أحدثتها الداروينية في التفكير البشري. كتب جاك مونو في عام ~~1974 أنه واثق تماما: # أنه لا توجد نظرية علمية أخرى كان لها من الآثار الفلسفية والأيديولوجية ~~والسياسية الهائلة مثل ما لنظرية التطور. (مونو 1974، 389) # ويؤكد عالم الأحياء التطورية الشهير إرنست ماير أن نشر كتاب «أصل الأنواع» «ربما يمثل ~~أعظم ثورة فكرية شهدتها البشرية» (ماير 2001، 9؛ ماير 2000، 67-71). وانعكاسا للأهمية ~~المتزايدة لعلم الأحياء في القرن الحادي والعشرين، يمنح ستيفن جاي جولد داروين تأثيرا ~~أكبر من كوبرنيكوس. # من بين أعظم ثورتين في الفكر العلمي، يتفوق داروين بالتأكيد على كوبرنيكوس في ~~التأثير العاطفي الخام ... (جولد 2002، 46؛ بوشنر 1868، 267) # يهدف هذا الفصل إلى تقديم وصف موجز للداروينية؛ مبادئها ونتائجها. لن يكون من الممكن ~~دراسة كم المؤلفات الهائل الموضوع عن داروين والداروينية. ويتناول كثير من الأعمال ~~المكتوبة عن الداروينية مبادئ علم الأحياء التطوري. يركز هذا الكتاب على تأثير الفكر ~~العلمي في المسائل الفلسفية، ولذلك سنركز على الجوانب المهملة نسبيا من الداروينية؛ ~~وهي ms116 نتائج تفكيره التطوري على الصور الذاتية للإنسان والمسائل الفلسفية. ومن أجل فهم ~~الانقلاب في الفكر الإنساني، الذي سوف نصفه فيما بعد بأنه فقدان للتصميم الرشيد، فإننا ~~بحاجة إلى دراسة وجهات النظر المختلفة للحياة قبل كتاب «أصل الأنواع» وبعده. ولكي نفهم ~~تأثير الداروينية على مسألة أصل الإنسان، نحتاج إلى دراسة الأعمال التي تتناول العصور ~~القديمة للبشرية وفكرة التحدر مع التعديل الجديدة. تسير هذه الخيوط معا في كتاب داروين ~~«أصل الإنسان» (1871). ومن خلال دراسة هذه المواد سوف نتبوأ موقعا أفضل نعالج من خلاله ~~المسائل الفلسفية التي تبزغ من بين ثنايا عمل داروين. وسيقودنا هذا إلى دراسة تاريخ ~~الفرضيات الفلسفية في الداروينية وصولا إلى أسئلة المنهج العلمي وفلسفة العقل والتفسير ~~والتنبؤ. ~~(2) نظريات الحياة العضوية # النقد العلمي للحياة «يعترف أن كل تفسيراتنا للحقيقة الطبيعية تقريبا ناقصة ~~ورمزية، وتوجه المتعلم الباحث عن الحقيقة نحو الأشياء وليس الكلمات.» (هكسلي، ~~«مقالات في العلوم والثقافة ومقالات أخرى» (1888)، 15) # لنبدأ بتاريخ ما قبل الداروينية. سنتناول خليط التخمينات النظرية عن ~~الحياة العضوية وظهور البيانات التجريبية التي خلقت الفضاء المفاهيمي الذي وجدت فيه ~~نظرية التطور لداروين بيئة ملائمة. وسرعان ما قلصت نظرية داروين نفوذ النظريات المنافسة ~~ورسخت نفسها في نهاية المطاف بوصفها النظرية السائدة. ~~(2-1) الغائية # إذا كانت الثورة العلمية - بمعناها البسيط - إعادة ترتيب للشبكات المفاهيمية، إذن ~~كانت الداروينية ثورة حقيقية في العلوم؛ فقد غيرت الداروينية نظرتنا للحياة ~~العضوية، ويتعلق أبرز تغيير بزوال التفكير الغائي. يتضح ذلك جليا في الازدواجية ~~التفسيرية لكانط. يطبق كانط معايير مختلفة في شرح الطبيعة العضوية وغير العضوية. في ~~كتاب «نظرية السماء» (1755) يقدم كانط نظرية ميكانيكية بحتة لأصل وتطور العالم غير ~~العضوي. وأوضح تاريخه الكوني ظهور النظام من الفوضى الأصلية من خلال تطبيق أسباب ~~ميكانيكية بحتة. يوجد في أعمال كانط توقع مبكر للغاية لنظرية الانفجار العظيم. في ~~البداية توجد حالة من الفوضى، وفي الوقت الحاضر يوجد نظام. والنظام الأكثر وضوحا ~~هو نظام الأنظمة الكوكبية، ولكن الأنظمة الكوكبية تتجمع داخل مجرات، وتتجمع المجرات ~~في عناقيد. كان كانط من أوائل ms117 من خمنوا أن نقاط الضوء في السماء ليلا تمثل في ~~الواقع مجرات أخرى في الكون مشكلة بطرق مشابهة لمجرتنا درب التبانة. كيف ينشأ ~~هذا النظام؟ لم يحتج كانط إلا لقوانين نيوتن لتفسير النظام الكوني. يكمن جمال فرضية ~~كانط الكونية في أنها تصور الكون كله بمنزلة شبكة واسعة من النظم والنظم الفرعية، ~~كلها تخضع للانتظام النيوتوني. ويؤكد كانط على أنه يمكن تفسير نشأة النظام الكوني ~~اليوم من الفوضى الأصلية عن طريق اللجوء إلى القوانين «الميكانيكية» وحدها؛ فالتطور ~~الكوني، كما صوره كانط، يفتقر إلى الهدف، والقوانين الميكانيكية لا تسعى لأي هدف. ~~وينكر كانط فرضية الأهداف النهائية في تفسير التاريخ الكوني؛ فالطبيعة غير العضوية ~~لا تسير وفق أي تصميم سابق الوجود. # ولكن الطبيعة العضوية مختلفة على نحو مذهل. يرى كانط أن الطبيعة العضوية لا يمكن ~~تفسيرها من دون تصور وجود تصميم. يأتي التصميم مصحوبا بهدف، وتصمم الأداة ~~للقيام بهدف معين. وعلى نحو مشابه، لا يمكن تفسير الطبيعة العضوية دون تصميم؛ ~~فاستخدام الأهداف الميكانيكية وحدها لتفسير نبات أو حشرة سيفشل في مرحلة مبكرة؛ ~~فلتفسير الطبيعة العضوية نحتاج إلى أهداف نهائية. توقع كانط في 1755 أنه من المرجح ~~أن التفسير الميكانيكي لتشكيل «جميع» الكواكب ومداراتها وأصل البنية الكونية ~~سيكتشف قبل «أن يمكن تفسير عشبة أو يرقة واحدة ميكانيكيا» (كانط 1755، تمهيد، ~~237). يستبعد تفسير كانط التطوري للتاريخ الكوني تطور الأنواع. وبعد 104 أعوام ~~بالضبط، قدم داروين آلية لتفسير أصل العشب واليرقات وغيرها من الكائنات. لم يدع ~~كانط أن الهدف قابل للرصد في الطبيعة، ولكن الوصف الميكانيكي وحده لبنية طائر - ~~مثلا - من شأنه أن يترك انطباعا بالصدفة البحتة. لا تستطيع الصدفة البحتة تفسير ~~تعقيد العالم العضوي. ومن أجل تجنب التفسيرات من خلال الآليات العمياء، يجب أن ~~يحدد الهدف في الطبيعة كمبدأ تنظيمي. هذه هي فرضية الغائية (كانط 1790). فيجب أن تفسر الآليات القابلة للرصد «كما لو» أنها كانت تعمل وفقا ~~لمخطط خفي (تصميم)، الهدف من هذا المخطط هو السماح بوجود تفسير معقول للنظام المعقد ~~للكائنات الحية. يشير كانط إلى ms118 أن الآليات العمياء ليست كافية لتفسير طريقة بناء ~~الكائنات العضوية؛ فعند دراسة مخلوق عضوي ما، من الممكن دائما أن نسأل: لماذا يوجد ~~في هذا المكان؟ ما وظيفته؟ والتفسيرات الميكانيكية لا تقدم إجابة شافية. ثمة حاجة ~~إلى الأهداف النهائية لتكملة التفسيرات الميكانيكية، وثمة حاجة أيضا إلى هذه ~~الأهداف النهائية لفهم الوجود الإنساني والأخلاقيات. لقد رأى البشر، قبل كانط ~~وبعده، أنفسهم بمنزلة الهدف النهائي على الأرض. # كانت الازدواجية التفسيرية لكانط مفهومة في ذلك الوقت. فبحلول نهاية القرن الثامن ~~عشر، كانت العلوم الفيزيائية قد قضت على التفكير الغائي، وقدم كانط نفسه تفسيرا ~~ميكانيكيا لتطور الكون، ولكن كان من الصعب أن نرى - كما توضح ازدواجية كانط ~~التفسيرية - كيف يمكن لدراسة العالم العضوي أن تتخلى عن الهدف والتصميم. # في وقت وفاة كانط (1804)، كان علم الأحياء أقل تطورا بكثير من علم الفلك ~~والفيزياء؛ فكان يفتقر إلى القوانين الأساسية والمشاهدات الدقيقة، كما كان يفتقر ~~إلى البنية المؤكدة. بدا واضحا لعلماء الفلك الإغريق على نحو بدهي أن الأرض ثابتة ~~والكواكب تدور حول موقعها المركزي. وكان واضحا لعلماء الأحياء في القرن الثامن عشر ~~على نحو بدهي أن تعقيدات العالم العضوي كانت تكشف عن وجود نظام مبني على هدف ~~وتصميم. وقبل داروين عكست عدة مخططات هذا الاعتقاد بالطبيعة التي تتضمن وجود هدف. ~~سوف نتناول قريبا «سلسلة الوجود العظمى» ونظريات لامارك التطورية، لكن يجب أن ندرك ~~أن ثورة داروين لم تمح كل المعتقدات القديمة بشأن الطبيعة العضوية؛ إذ اتضح أن ~~الغائية فرضية عنيدة؛ فقد عادت في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ومرة أخرى في ~~تسعينيات القرن العشرين تحت مسمى «التصميم الذكي ». ويرجع انبعاث سيناريوهات التصميم ~~كليا إلى الضعف المتصور لآلية الانتقاء الطبيعي لداروين. حتى بعض أشد مؤيدي ~~داروين تشبث بقشة الغائية. لم يكن داروين ليتمنى مؤيدا أكثر حماسا من أوجست ~~وايزمان (1834-1914). توصل وايزمان إلى اكتشاف هائل؛ وهو أن الخلايا «الجنسية» فقط ~~هي التي تنقل المعلومات الوراثية. وأوضح وايزمان - ضد رأي لامارك بشأن انتقال ~~السمات المكتسبة - أن الخلايا «الجسدية» لا يمكن أن ms119 تنقل السمات من الآباء إلى ~~الأبناء. وأوضح ألفريد والاس هذه النقطة: # لم يزعم قط (...) أن أطفال الآباء البكم يواجهون أي صعوبة غير عادية في تعلم ~~الكلام، كما كان ينبغي أن يحدث لو كانت آثار عدم استخدام أعضاء التحدث لدى ~~الآباء تورث. (نيتشر 48، 1893، 267) # مع ذلك، وجد وايزمان صعوبة في التخلي عن النظريات الغائية، تماما مثل والاس. في ~~شرحه الدارويني للنظرية الميكانيكية للطبيعة، يسأل: «ولكن كيف يمكن أن نقر بمبدأ ~~غائي دون التخلي عن مفهوم ميكانيكي بحت للطبيعة؟» والجواب الكانطي الجوهري هو: من ~~خلال افتراض «غائية جوهرية للكون». إن وايزمان - العالم - يعتنق مفهوما ميكانيكيا ~~للطبيعة، أما وايزامن - الفيلسوف - فمرعوب من المادية الصرفة، ولذلك يحاول جمع ~~مفهوم ميكانيكي مع مفهوم غائي للكون. وعلى غرار كثير من معاصريه، كان وايزمان يخشى ~~أن التخلي عن الغائية سيؤدي إلى فقدان الثقافة والروحانية (وايزمان 1882، 710-718). ~~في نظر معارضي داروين، كان لنظرية التطور نتيجة فلسفية غير مرحب بها، وهي المادية. ~~كانت نظرية التطور أكثر من مجرد أطروحة علمية أخرى؛ فقد هددت القناعات الفلسفية ~~الراسخة. لم يتغير الدافع وراء السعي لإيجاد هدف وتصميم في الطبيعة منذ عصر ~~وايزمان؛ فكما سنرى، لا يزال التعقد الشديد للنظم والوظائف البيولوجية يجعل ~~المعارضين المعاصرين لنظرية التطور يخلصون إلى وجود تصميم ذكي. ومن أجل التعرف على ~~هذا التفكير، لنستعرض أولا بعض وجهات النظر الغائية النموذجية للحياة العضوية في ~~بداية القرن التاسع عشر. ~~(أ) سلسلة الوجود العظمى ~~(...) لا يمكننا أن نفهم كيف أن سمك السلمون المرقط في شمال جبال الألب ~~يمكن أن ينتمي إلى نفس الأصل مثل أسماك السلمون المرقط في جنوب جبال ~~الألب، رغم أن النوعين مفصولان على الدوام بجبال لا يمكن تخطيها (...). ~~(فوكت، «محاضرات حول البشرية» (1864)، المحاضرة الثامنة، 216) # ثمة فكرة تمثيلية لبنية الطبيعة العضوية تسمى «سلسلة الوجود ~~العظمى»، تعود هذه الفكرة إلى زمن الإغريق (لوفجوي 1936). كان العالم الطبيعي ~~يصور في صورة سلم تتراص على درجاته جميع أشكال الكائنات من ألمع الملائكة ~~الناصعة إلى الدودة الوضيعة بترتيب تنازلي. جسد الإله في أعلى شكل من ms120 أشكال ~~الكمال، واحتل كل مخلوق درجة على هذا السلم الهرمي. استخدم شكسبير هذا التدرج ~~في مسرحياته التاريخية (تيليارد 1943). وبما أن البشر يمتلكون غرائز وأحاسيس ~~جسدية وقدرات التفكير النظري، فإنهم يحتلون منزلة وسطا بين عالم الحيوان (الذي ~~تحكمه الغرائز) وعالم الملائكة (الذي يحكمه العقل الخالص). كان ينظر إلى ~~السلسلة بأكملها على أنها «سلم متدرج للكمال». كانت السلسلة تامة ومستمرة ~~ومتناغمة، ولا توجد بها صدوع أو ثغرات. وثمة عدد من السمات البارزة لهذه ~~السلسلة: # لا تسمح بالتحولات التطورية؛ بل على العكس من ذلك تؤكد سلسلة ~~الوجود في صورتها النقية على ثبات الأنواع. إن التدريج ثابت، وكل ~~نوع - بما في ذلك البشر - موضوع في درجته الخاصة من السلم. لا يوجد ~~مجال للتحدر مع التعديل. # يعتقد أن السلسلة بأكملها أنشئت بشكلها الحالي. لم يكن التشابه ~~بين الإنسان والقرد مثيرا لقلق الأشخاص في القرن الثامن عشر (كما ~~سيكون بالنسبة للأشخاص في القرن التاسع عشر). وكان هذا التشابه ~~مجرد تذكير لقرب الدرجتين اللتين يحتلهما القرود والبشر على ~~التوالي. واستمرارية السلسلة لم تش بشيء عن الأصول؛ فلا يوجد ~~مكان للتطور في السلسلة، حيث كان يعتقد أن عمر العالم بضعة آلاف ~~سنة وحسب. # لا مجال لخلق الأنواع أو انقراضها؛ فقد كانت السلسلة ~~كاملة. # كانت سلسلة الوجود العظمى رسما توضيحيا، وواجهت حكم ~~الأدلة على غرار نظرية مركزية الأرض. في نهاية القرن الثامن عشر، عانت فكرة سلم ~~الوجود من العديد من الصعوبات: # أولا: استقل علم الجيولوجيا، وقد اكتشف هذا العلم الجديد العديد من ~~الحفريات التي وثقت عمليات انقراض متعاقبة للأنواع. في كتابه «القاموس الفلسفي» ~~(1764)، عبر فولتير عن عدم رضاه عن ثبات سلسلة الوجود (انظر لينبيس 1978، 47؛ ~~لوفجوي 1936، 252). فلاحظ أنه كان واضحا وجود نباتات وحيوانات منقرضة، وأن ~~البشر أوضحوا قدرتهم على القضاء على جميع أفراد مجموعة من الحيوانات، مثل ~~الذئاب في إنجلترا. ثانيا: كان من الواضح لفولتير وجود فجوات في السلسلة: «ألا ~~يوجد على نحو واضح فجوة بين القرد والإنسان؟» وانكب العلماء على العمل على عدم ~~الاستمرارية والفجوات في عالم الحيوان. ومن ms121 أجل أغراضنا، كان الاختلاف والتشابه ~~الأكثر إثارة للدهشة بين القرد والإنسان ذا أهمية خاصة (جليسبي 1959، 17-18؛ ~~آيزلي 1959، 5-10؛ جولد 1988، 6). ثالثا: بدأ علماء مثل جيمس هوتون وتشارلز ~~لايل في الشك في وجهة النظر التقليدية بأن عمر الأرض مجرد بضعة آلاف سنة. زادت ~~الحسابات المبدئية عمر الأرض من آلاف إلى ملايين السنين، وبدأ يتضح للعلماء أن ~~عمر الأرض كان أكبر بكثير مما كان متصورا سابقا. غالبا ما يوصف هذا الاكتشاف ~~بأنه اكتشاف «الزمن السحيق». وكان كانط قد خمن في كتابه «نظرية السماء» (1755) ~~بأن «ملايين السنين والقرون» قد مرت قبل أن يرى الترتيب الحالي للكون. وخلال ~~حياة داروين، قدر عالم الفيزياء جورج طومسون - الذي عرف فيما بعد باسم ~~اللورد كلفن - عمر الأرض بأنه حوالي 98 مليون سنة (بارو/تبلر 1986، 160-161؛ ~~جولد 1988؛ انظر المربع 2-1). # المربع 2-1: عمر الأرض ووجود الحياة ~~«عمر الأرض»: 4,6 مليارات سنة. ~~«الكائنات المجهرية» في السجلات الحفرية الأولى: 3,5 مليارات سنة. ~~«أقدم الحفريات الحيوانية»: 700 مليون سنة. ~~«الفقاريات الأولى»: 400 مليون سنة. ~~«الثدييات الأولى»: 200 مليون سنة. ~~«الإنسان الماهر»: 1,8 مليون سنة. ~~«الإنسان المنتصب»: 500 ألف-مليون سنة. ~~«الإنسان العاقل»: 25 ألف سنة. # جوتفريد فيلهلم لايبنتس (1646-1716). # وفي مواجهة هذه الصعوبات، لم تعد سلسلة الوجود وصفا للكون كما كانت دائما، ~~وخضعت السلسلة لمراجعة مفاهيمية. أصبحت السلسلة ترتيبا زمنيا: فتحولت صورة ~~مدرج التحدر إلى سلم تصاعدي (كرومبي 1994، المجلد الثالث، 1698؛ ليبنيز 1978، ~~52-77). وأعيد تفسير السلسلة على أنها عملية خلق تحدث على مدى فترات طويلة من ~~الزمن. صاغ الفيلسوف الألماني وعالم الرياضيات جوتفريد فيلهلم لايبنتس تعبيرا ~~بليغا لتفعيل التسلسل الزمني على سلسلة الوجود: # علاوة على ذلك، نحن ندرك أن ثمة تقدما دائما وأكثر حرية للكون كله نحو ~~تحقيق جمال وكمال عالمي لكائنات الله، بحيث تتقدم دائما نحو مزيد من ~~التطور (...). # على الرغم من أن سلسلة الوجود قد تحولت إلى سلم تصاعدي، فإنها احتفظت ببعض ~~معالمها الأساسية. يتطور الكون نحو الكمال، وتقدمه هادف ويتبع خطة إلهية. لم ~~تعد السلسلة ثابتة، لكنها تواصل النمو على نحو غائي ms122 نحو هدف معين. # لمواجهة الاعتراض الذي ربما يقدم ضد هذا الأمر بأن العالم كان سيصبح ~~جنة منذ فترة طويلة، فإن الجواب في متناول اليد: على الرغم من أن ~~كثيرا من المواد قد أحرز كمالا كبيرا، فإنه نظرا للانقسام ~~اللانهائي لما هو مستمر، يظل دائما في لجة الأشياء أجزاء هامدة، وهذه ~~الأجزاء تحتاج إلى التحفيز والحث لكي تكون شيئا أكبر وأفضل؛ باختصار، ~~لكي تصبح حالة متطورة أفضل؛ ومن ثم ليس لهذا التقدم نهاية أبدا. ~~(لايبنتس 1697) # مع تفعيل التسلسل الزمني لسلسلة الوجود، ظهر حس بالتطور في التفكير ~~البيولوجي. لم تمتد سلسلة الوجود على نحو ثابت كجسر من بداية الزمن حتى نهايته. ~~بدلا من ذلك، نبتت كشجرة حياة من جذور بسيطة في لحظة الخلق وتحولت إلى معجزات ~~عضوية بعد فترة كافية من الزمن. مع ذلك، ظلت «فكرة أن خلق الحياة العضوية كان ~~مسرحا على نحو بارز لرصد العناية الإلهية وهي تعمل» قائمة كما هي (جليسبي ~~1959، 19). كانت العناية الإلهية - الرعاية المفيدة من الرب لسكان الأرض - ~~افتراضا رئيسيا قبل داروين. كان يوجد تصور عام بأن الرب صانع ماهر أشرف ~~شخصيا على خلق حتى أصغر الكائنات الحية في العالم الطبيعي. ولم يحد ~~لايبنتس عن هذا المفهوم؛ فقد كان يتبع مبدأ الازدواجية التفسيرية مثل كانط، ~~فكان يرى أن القوانين الميكانيكية كافية لتفسير سلاسة سير العالم غير العضوي. ~~كانت قوانين الحركة التي تحكم جميع الأشياء التي ترى بالعين المجردة دقيقة حتى ~~إنه لا توجد حاجة لتدخل الرب في آليتها. كان الكون أشبه بساعة عملاقة. كان ~~الكون آليا بالكامل. أما العالم العضوي فكان مختلفا؛ فقد كان يتطلب تصميما ~~وهدفا وتطورا غائيا. وسيتطلب الأمر جهودا مفاهيمية جادة للتغلب على ~~الإيمان بالتكشف التدريجي لتعقيد العالم العضوي . وفي محاولة لبناء نظرية للعالم ~~العضوي في بداية القرن التاسع عشر، كان افتراض التطور التدريجي لبنة لا جدال ~~فيها في النظرية. جعل لامارك التطور التدريجي ركنا أساسيا من أركان نظريته. ~~احتاج لامارك تصميما على غرار لايبنتس، ولكن الرب المصمم لعب دورا متواضعا ~~في نظريتيهما. لدى ms123 لايبنتس وبويل، يقتصر دور الرب على تشغيل ساعة الكون. ويقبل ~~لامارك في أحسن الأحوال أن الرب يضع خطة التصميم الأساسية. لقد خطا لامارك ~~خطوات عملاقة نحو النظرة الحديثة للحياة العضوية، وكان صوتا وحيدا؛ إذ ظل ~~النموذج المهيمن قائما على حجج التصميم. ~~(ب) حجج التصميم # وفقا للغائية، كل كائن يشبه رصاصة بندقية أطلقت مباشرة نحو هدف، ~~ووفقا لداروين، الكائنات مثل طلقات الخرطوش يصيب أحدها ويطيش الباقي. ~~(هكسلي، «الانتقادات» (1864)، 84) # في مناقشات أوجه التناقض بين نظرية التطور وحجج التصميم، من ~~المعتاد أن أشير إلى رئيس الشمامسة بيلي. كان وليام بيلي شخصية شهيرة ألف ~~كتابا بعنوان «اللاهوت الطبيعي، أو أدلة وجود الرب وصفاته مجموعة من الظواهر ~~الطبيعية» (1802). يقدم الكتاب «حجة صانع الساعة» الشهيرة: فمن وجود الساعة ~~نستدل على وجود صانع الساعة. وقياسا على ذلك، نستنتج وجود رب مصمم من نظام ~~الطبيعة، لكن بيلي نفسه يحتل مكانا في التراث الطويل للتفكير الغائي. وهذا ~~النموذج التصميمي يستنتج من الترتيب والكمال الواضحين في الطبيعة وجود رب ~~مصمم، مهندس إلهي موهوب. حاول الأبيقوريون تفسير جمال وتناسق الطبيعة كنتيجة ~~للصدفة البحتة. عادة ما يرفض أنصار حجة التصميم مثل هذه المحاولات لأنها غير ~~محتملة على نحو كبير؛ فهي تتناقض مع خبراتنا الحسية. لم يستطع الإغريق تصديق أن ~~الأرض تدور حول الشمس. وبدا أن الأدلة الحسية تدعم مركزية الأرض. فلو كانت ~~الأرض تدور، لحدثت عواصف عنيفة على الأرض. ولم تكن الأشياء لتقع في خط مستقيم. ~~وبطريقة مماثلة تعتمد حجة التصميم على ما يبدو بدهيا للإدراك الحسي البشري. ~~كانت نظرية مركزية الشمس لأرسطرخس رأي الأقلية، وكذلك كان تفسير الأبيقوريين. ~~شكلت مركزية الأرض وحجة التصميم رأي الأغلبية، واعتمدت كلتاهما على المنطق ~~الصرف وشهادة الحواس؛ فحواسنا تخبرنا بأن الأرض تقبع ثابتة في مركز الكون. كما ~~تقول لنا أيضا إن النظام والتماثل في العالم العضوي لا بد أنه عمل خالق ~~ذكي. # وليام بيلي (1743-1805). # روبرت بويل (1627-1691). # شعر روبرت بويل بالاستفزاز من أبيقوريي القرن السابع عشر حتى إنه نشر دليلا ~~موسعا على التصميم: «مقالة عن ms124 الأسباب النهائية للأشياء الطبيعية» (1688). ~~فتناول أولا حجة التصميم من وجهة نظر الجمادات. انغمس معاصروه في الاعتقاد ~~الدارج بأن النجوم والشمس أنشئت بوجه خاص لإلقاء الضوء والدفء على سكان الأرض. ~~على سبيل المثال، يقول كبلر عن القمر؛ «الكوكب الثانوي»: # خصص هذا النجم للأرض كملكية خاصة لها، لكي يساعد في نمو الكائنات ~~الأرضية ويرصد عن طريق المخلوق المفكر على الأرض، وكي يبدأ به رصد ~~النجوم. (كبلر 1618-1621، الكتاب الرابع، الجزء الأول) # كان هذا إفراطا في التبسيط. أشار بويل إلى أن نظام العالم ~~كان شديد التعقيد حتى إنه كان من الخطأ أن نستنتج هدفا معينا للبشر من انتظام ~~حركات الكواكب. آمن بويل - على غرار لايبنتس - بكون يعمل كالساعة. ولا حاجة ~~لتدخلات تصحيحية من جانب الصانع. كان هذا رأي ميكانيكي أكثر راديكالية من رأي ~~نيوتن، الذي كان يفترض أن الرب سيضطر إلى إجراء تعديلات أحيانا على الكون الذي ~~يعمل كالساعة، ولكن في مجال الحياة العضوية، لم ير بويل إمكانية تجنب ~~الازدواجية التفسيرية على غرار لايبنتس وكانط. فحتى الشيء الشديد التعقيد كالساعة ~~لا يمكن أن يضاهي تعقيد الكائنات الحية في العالم البيولوجي: ~~(...) ثمة آلية في عضلات الإنسان أكثر إثارة مما في (...) «أفلاك الأجرام ~~السماوية»، وتنطوي عين الذبابة (...) على براعة أكثر إثارة للدهشة من ~~براعة صنع جسم الشمس. (بويل 1688، 43-44) # كان تعقيد وتصميم النباتات والحيوانات شديدا حتى إن استنتاج غايات معينة كان ~~مبررا. وكان واضحا لبويل أن المهندس الإلهي قد خلق العيون لتمد حاملها ~~المحظوظ بالرؤية. وكان لهذا الصانع من الحكمة ما يكفي لتزويد كل حيوان بزوج من ~~العيون، احترازا لموقف أن تستسلم إحدى العينين للمرض. لا يستطيع البشر ~~الاستدلال على وجه اليقين أن الرب خلق كل هذه العجائب الطبيعية لهدف وحيد هو ~~خدمة البشر وإسعادهم، ومع ذلك، يمكنهم أن يكونوا على يقين من أن هذا أحد أهداف ~~وجودها. وسيكون من ذروة اللاعقلانية أن نستنتج، من جمال الطبيعة وكمالها، أن ~~الصدفة وحدها كانت هي الخالق. # ومع ذلك، رفض الفيلسوف الفرنسي بيير لويس مورو دي موبرتيوس (1698-1759) ms125 قصر ~~تأثير حجة التصميم على نظام الكواكب أو البنية العضوية. ويشير في كتابه «بحث في ~~علم الكونيات» (1750) إلى أن الرياضيات يمكنها إثبات وجود الإله. إن الانتظام ~~الصارم للكون نفسه يستند على مبدأ الفعل الأدنى العام. يشير موبرتيوس إلى وجود ~~مبادئ الفعل الأدنى في الفيزياء، التي تثبت أن الطبيعة تتصرف بالطريقة الأكثر ~~اقتصادا. في بداية القرن السابع عشر أثبت بيير فيرما أن أشعة الضوء تتحرك بين ~~أي نقطتين بالطريقة التي تجعل مساراتها تستغرق أقل وقت. ربما لا يكون هذا ~~المسار أقصر المسارات ولكنه المسار الذي يستغرق وقتا أقل من أي مسار آخر. ~~وينطبق الشيء نفسه على الجسيمات، التي تتحرك وفقا لقوانين نيوتن للحركة. من ~~بين عدد من المسارات الممكنة، التي يمكن للجسيمات اتخاذها في الفراغ، فإن ~~المسار الحقيقي هو الذي تكون فيه كمية تسمى الفعل # S # في حدها الأدنى. # 1 # لذا تعمق موبرتيوس أكثر في نظام الطبيعة، فوجد أن الاقتصاد الرياضي ~~للطبيعة - المعبر عنه بمبدأ الفعل الأدنى - يشير إلى وجود مصمم إلهي؛ فالجمال ~~الرياضي الذي يكشف عن نفسه في نظام الطبيعة لا بد أنه صنيعة يد ذكاء ~~متفوق. # عندما طرح بويل وموبرتيوس حججهما المرتبطة بالتصميم، كانت النظرية ~~الميكانيكية قد رسخت تفوقها في العلوم الفيزيائية. كان نيوتن لا يزال يعتقد أن ~~الكون الذي يعمل كالساعة في حاجة إلى تدخل من حين لآخر من الإله لمواصلة العمل ~~بانتظام تام، ولكن رأى بويل ولايبنتس كلاهما أن الحاجة لأعمال إصلاح أحيانا ~~تشير إلى انتقاص من قدرة الخالق؛ فبمجرد تشغيل الكون الذي يعمل كالساعة عن طريق ~~خالقه، تبقيه القوانين العامة في حركة منتظمة، ومع ذلك، في نظام الكواكب ~~والمجرات لا يمكن رصد ما هو أكثر من نوايا التصميم العامة. قدم العالم العضوي ~~أدلة ملموسة أكثر بكثير على الأعمال الإلهية. يقر بويل بأن الصدفة وحدها ربما ~~تخلق الحجارة والمعادن، ولكنها لا تخلق الخضروات والحيوانات. # ثمة فن منقطع النظير في بنية قدم الكلب أكثر مما هو موجود في تلك ~~الساعة الشهيرة في ستراسبورج. (بويل 1688، 47) # نجد في أعمال بيلي ms126 تفضيلا مماثلا لدى علم الأحياء نحو استخدام حجة التصميم. ~~يقول بيلي إنه من الصحيح أن الساعة تكشف عن قدر كبير من التصميم، ولكن العالم ~~العضوي يقدم الكثير من حالات التصميم الأكثر إثارة للدهشة. فنكتشف كثيرا من ~~الجمال والنظام والانتظام حتى إنه لا يمكن إنكار أن مصمما ذكيا قد خلق ~~العالم. # 2 # لا يمكن أن يوجد تصميم من دون مصمم، ولا اختراع من دون مخترع، ولا ~~نظام من دون خيار. (مقتبس من جليسبي 1959، 36) # مع توجيه كثير من الاهتمام للنباتات والحيوانات، بدا أن كل نوع مخلوق لهدف ~~معين. رثى بويل الميل القوي لدى معاصريه نحو تفسير كل الأحداث الكونية كما لو ~~أنها تحدث خاصة لأهداف بشرية. كان هذا التحذير مفهوما لأن حجج التصميم تؤكد ~~على ميول البشر لقراءة نية الخالق في الطبيعة العضوية. رغم ذلك، يبدو أن العالم ~~العضوي يقدم رخصة أكثر أمنا للوصول لاستدلالات حول وجود مصمم. كان علم اللاهوت ~~الطبيعي في مهمة إثبات «النية النهائية للخالق فيما يتعلق بكل بنية» (آيزلي ~~1959، 178)، ومع ذلك، ينشغل اللاهوت الطبيعي بالظواهر. لقد وجدنا مركزية بشرية ~~مماثلة في مركزية الأرض؛ فيبدو أن الظواهر تشير إلى أن الأرض تقع في مركز ~~الكون. دمرت مركزية الشمس هذا الاعتقاد، والآن أكد اللاهوت الطبيعي مركزية ~~الوجود البشري في العالم العضوي. # رغم أن فكرة سلسلة الوجود الثابتة خبت وتلاشت، فإن البحث عن التصميم استمر. ~~أفادت اقتراحات في القرن الثامن عشر بأن عمر الأرض أكبر بكثير من ال 6000 سنة ~~المذكور في الكتاب المقدس. مع ذلك، كان الدليل المأخوذ من الصخور ما يزال ~~ضعيفا للغاية لدرجة تمنع أن ينفي القصة التوراتية؛ فبالنسبة لعقل المؤمنين، ~~بدت الأدلة الجيولوجية تأكيدا على ذلك: حدث طوفان عالمي ولا يمكن أن يكون ~~الوجود الإنساني أقدم مما هو منصوص عليه في الكتاب المقدس. كانت هذه ميزات ~~أساسية في القصة التوراتية للخلق؛ فكانت متوافقة جيدا مع الاعتقاد الغائي ~~السائد والتطور التدريجي (جليسبي 1959، 107). وفي مثل هذه الحالات، عندما لا ~~تستطيع الأدلة إثبات أحد النموذجين ونفي الآخر على نحو حاسم، ms127 يشير الفلاسفة إلى ~~نقص الإثبات (انظر الفصل الأول، الجزء 6-4). فيبدو الدليل نفسه متوافقا مع ~~مفاهيم متنافسة، فيما يتعلق بعمر الأرض على سبيل المثال. في بداية القرن السادس ~~عشر، تشبث كوبرنيكوس بتكافؤ الفرضيات البديلة. وفي بداية القرن التاسع عشر، ~~ظهرت نماذج متنافسة لأصل الأنواع. ولقد تحدت هذه النماذج نموذج التصميم الحالي. ~~ولكن مرت خمسون سنة أخرى قبل أن تتمكن الأدلة من تقييم النماذج المتنافسة على ~~نحو تفريقي. بعبارات فلسفية، كانت حجة التصميم بمنزلة رخصة للاستدلالات المسموح ~~بها. تأخذنا الاستدلالات من وجود النظام الواضح في العالم الطبيعي إلى التصميم، ~~ومن التصميم إلى خالق معطاء. تعمل حجة التصميم على نحو أساسي من خلال قوة ~~التمثيلات. # بدا أن كل نوع مصمم بدقة لهدف معين؛ فالعصفور له أجنحة من أجل أن يطير. ~~والبشر لديهم عقول من أجل التفكير. بإجماع الآراء، يحتل البشر مكانة متفوقة في ~~مخطط الخلق. وضمنيا، خلق عالم الحيوان والنبات من أجل البشر، ولكن علينا أن ~~نفكر هل كانت الاستدلالات «المباحة» أيضا استنتاجات «مقبولة» أم لا. ~~تأمل نقاشا في بداية القرن التاسع عشر بين أحد المؤمنين بوجود إله وأحد معتنقي ~~فكرة التطور. يعتمد المؤمن بالإله على حس العقل ومظهر النظام الطبيعي للاستدلال ~~على وجود الإله. ويعتمد معتنق التطور على القوانين الطبيعية والتفسيرات ~~الميكانيكية للاستدلال على الانتظام في الطبيعة، ويتجنب الاستدلالات التي تشير ~~إلى عامل خارق. بالنسبة للمؤمن بالإله، الوظيفة تأتي أولا، ثم يخلق العضو من ~~أجلها. إذا كان الخالق يريد لمخلوق أن يرى، فإنه يمنحه عينين من أجل ذلك. ومن ~~ثم فإنه لا معنى في هذا المخطط للسماح بحدوث تبديل وتغيير. تحتل الكائنات ~~أماكن دائمة في ترتيب الأشياء؛ فثمة سلم متدرج. # بالنسبة لأنصار التطور، ينشأ العضو أولا، ثم يشكل وظيفته. وضع هذا ~~المنظور المعاكس بين يدي هكسلي نقضا داروينيا لحجة التصميم: # مع ذلك، لنفترض أن أحدا كان قادرا على أن يبين أن الساعة لم تصنع ~~مباشرة ولم يصنعها أي شخص، ولكن ذلك كان نتيجة لتعديل ساعة أخرى كانت ~~تدل على الوقت ولكن ms128 على نحو سيئ، وأن هذه الساعة نشأت من بنية يمكن ~~بالكاد تسميتها ساعة؛ نظرا لعدم وجود أي أرقام على قرصها، وأن عقاربها ~~كانت بدائية، وأنه بالعودة إلى الوراء في الزمن نصل في الأخير إلى ~~أسطوانة دوارة هي أقدم مادة بدائية يمكن تتبعها لهذه البنية بأكملها. ~~وإذا تصورنا أيضا أن من الممكن إيضاح أن كل هذه التغيرات نتجت؛ أولا: ~~عن ميل البنية إلى التغير بلا نهاية، وثانيا: عن شيء في العالم المحيط ~~ساعد على توجيه جميع التغيرات نحو اتجاه شيء يبين الوقت بدقة، واستبعد ~~كل التغييرات في الاتجاهات الأخرى، حينئذ يصبح من الواضح أن قوة حجة ~~بيلي قد تبددت؛ فلسوف يتبين أن الجهاز المتكيف جيدا بدقة لهدف معين قد ~~يكون ناتجا لطريقة التجربة والخطأ التي اتبعتها قوى غير ذكية، مثلما ~~قد يكون ناتجا مباشرة من تطبيق الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الغاية عن ~~طريق قوة ذكية. (هكسلي 1864، 83) # استفاد هكسلي من اقتراح داروين لآلية يمكن من خلالها تفسير الوظائف سببيا. ~~(انظر الجزء 6-7، ج). كان يوجد قبل داروين تخمينات جامحة كثيرة بشأن الطريقة ~~التي يمكن أن يتشكل بها العضو لأداء وظيفته. قدم لامارك محاولة جريئة لتقديم ~~شرح ميكانيكي. وكانت هذه الفرضيات الميكانيكية تعلن في بعض الأحيان وتنتقد ~~بشدة. أشار بول ثيري دي هولباخ في كتابه «نظام الطبيعة» (1770) إلى أن البشر ~~نتاج للطبيعة، فيما يتعلق بنشأتهم وقدراتهم الأخلاقية والفكرية. تكيفت النباتات ~~والحيوانات وفقا لظروف مناخية محددة على الأرض؛ فكما يشير، لو تغيرت الظروف ~~البيئية على الأرض «لتغيرت جميع منتجات الكرة الأرضية أيضا.» من المعقول أن ~~نشك أن جميع الأنواع عرضة للتغيير؛ فالطبيعة لا تعرف أشكالا دائمة. والبشر ~~ليسوا هم ذروة الخليقة؛ فكل هذه تكهنات غامضة؛ خيال فلسفي جامح، ومع ذلك، علينا ~~ألا نقلل من قوة الأفكار؛ فالأفكار تفرض نظاما على مشاهداتنا. وهي تجعل ما ~~يبدو متفاوتا متماسكا، كما تخلق نماذج جديدة للواقع، ولكن عندما تكون الحقائق ~~نادرة، تطوف الأفكار بحرية كبيرة في الفضاء المفاهيمي. كانت هذه قوة فرضية ~~لامارك، التي أدت إلى دمارها. ~~(ج) ms129 جان باتيست لامارك # مما لا شك فيه أن أعظم خلل في عمل لامارك هو عدم كفاية المشاهدات ~~والتجارب التي أوردها في دليل مبادئه العامة. (هيكل، «الطبيعة» 26 ~~(1882)، 540) # جان باتيست لامارك (1744-1829). # يرتبط اسم نيوتن في أذهان كثير من الناس بسقوط التفاحة ~~وقانون الجاذبية. هذا ارتباط إيجابي لأنه يعد دليلا على عبقرية نيوتن. أما ~~اسم جان باتيست لامارك فيثير رابطا سلبيا؛ إذ يثير في الأذهان صورة الزرافة ~~التي تمد عنقها للوصول إلى أوراق الأشجار العالية، ويزداد طول الرقبة وتنقل ~~الزرافة طول العنق إلى الجيل التالي من الزرافات. هذا هو السبب في امتلاك ~~الزرافات رقبة طويلة. ويمتلك البط أقدام مكففة لأنه يبسط أصابع قدميه ليدفع ~~نفسه إلى الأمام في الماء. لقي لامارك سخرية كثيرة لأفكاره بشأن توريث الصفات ~~المكتسبة بالاستخدام؛ بحيث تنتقل السمات التي اكتسبها أفراد الجيل الواقعين تحت ~~ضغط شديد بأعجوبة لأبنائهم. لم يعر داروين إنجازاته أي احترام. مع ذلك، يضم ~~عمل لامارك ما هو أكثر بكثير من «اكتشاف» وراثة الخصائص المكتسبة. كان لديه ~~مستقبل مهني ناجح؛ فكان أستاذ علم الحيوان في متحف التاريخ الطبيعي في باريس، ~~وعضوا في «معهد فرنسا» والعديد من الجمعيات العلمية الأوروبية الأخرى. مع ذلك، ~~كان تأثيره ضئيلا. فلم يفهم في عصره إلا قليلا؛ إذ عاش في ظل الرجل الشهير ~~جورج كوفييه (1769-1832)، وقد أفلت شمس أفكاره مع بزوغ شمس نظرية التطور ~~لداروين، لكن لا ينبغي أن نسمح لتألق عمل داروين بأن ينسينا إنجازات لامارك. ~~فقبل خمسين عاما من نشر كتاب «أصل الأنواع» بالضبط، نشر لامارك كتابه «فلسفة ~~علم الحيوان» (1809)، الذي قدم فيه نظرية التحولية. يحتوي هذا الكتاب على مذهبه ~~المعيب كثيرا الخاص بالوراثة فوق الجينية، ولكن لنقارن أخطاءه بإنجازاته. طور ~~لامارك وسيلة لإضفاء التسلسل الزمني على «سلسلة الوجود العظمى». وبقيامه بذلك، ~~تخلى لامارك عن فكرة ثبات الأنواع ونظرية الخلق الخاص. كان ثبات الأنواع عنصرا ~~أساسيا في تدرج الوجود وحجج التصميم. وظل هذا الثبات موجودا من خلال أعمال ~~كوفييه حتى نقضه داروين في نهاية الأمر. بدلا من ms130 ثبات الأنواع، يقترح لامارك ~~آلية «التعديل التدريجي». بل إن لامارك لم يفترض وجود فعل الخلق الإلهي في ~~بداية الحياة العضوية؛ فتبدأ الحياة من خلال التوالد الذاتي. ومن خلال هذه ~~العملية تولد كائنات بسيطة جدا. ولو تركت في هدوء، فإن تعقيد حجم الحياة ~~سيتطور ببطء من خلال تعديلات تدريجية. ألن تختفي الكائنات الأكثر بساطة؟ لا، ~~لأن التوالد الذاتي يعمل على نحو مستمر، ودائما ما يجدد العالم. وستحول القوة ~~الدافعة الداخلية الضرورية هذه الكائنات الأبسط إلى كائنات أكثر تعقيدا. تحدث ~~تعقيدات، وتعطل التغيرات البيئية آلية التعديل التدريجي وتتحدى قدرة الكائنات ~~على تكييف نفسها. وتؤدي الظروف البيئية المتغيرة إلى تغييرات في الكائنات ~~الحية. سيستخدم بعض الأعضاء كثيرا بينما يعاني بعضها من عدم الاستخدام. ~~وتورث الأعضاء المعززة من خلال توريث السمات المكتسبة. تتغير الكائنات في ~~غضون بضعة أجيال، وينشأ تعقيد العالم العضوي ببطء. هذا تطور «خطي»، لأن فكرة ~~التسلسل الهرمي باقية. بالنسبة للامارك، الإنسان نموذج للكمال، وتقاس جميع ~~الكائنات الأخرى في مقابل الإنسان. وعلى الرغم من أن لامارك أضفى التسلسل ~~الزمني على «سلسلة الوجود العظمى» وتخلى عن فكرة ثبات الأنواع، فإنه لا يزال ~~ملتزما بالغائية. وهذا يعني أن لامارك يعتقد أن تطور سلم الوجود يتبع هدفا ما ~~محددا مسبقا. والهدف الأخير هو إنتاج البشر؛ فالطبيعة تتطور من كائنات أبسط ~~إلى كائنات أكثر تعقيدا بهدف الوصول إلى أكثر الكائنات كمالا على الإطلاق: ~~الإنسان العاقل، وقد أثبتت هذه الصورة أنها مقنعة حتى إن نظرية التطور في ~~الوقت الحالي غالبا ما تقترن بالتعديل التدريجي؛ وهو الالتباس الذي يشهد عليه ~~العديد من الوثائق المعاصرة. (شكل # 2-1 ~~) # شكل 2-1: الأعمار السبعة للشخص الأكاديمي. إعلان في صحيفة الجارديان ~~(2002/4/23)، يلفت الانتباه إلى الوظائف الأكاديمية الشاغرة في ~~طبعات الثلاثاء (المصدر: صحيفة الجارديان. جميع الحقوق محفوظة ~~جارديان نيوز آند ميديا ليمتد 2002). # كان لامارك أيضا معتنقا متشددا لمبدأ المادية. والمادية لها العديد من ~~الدلالات، وتعبر في هذا السياق عن الاعتقاد بأن كل ظواهر الحياة العضوية يمكن ~~تفسيرها باللجوء لأسباب ميكانيكية. وهذا يشمل القدرات ms131 العقلية العليا لدى ~~البشر. لم يكن كانط معتنقا للمادية، بل إنه شكك في أن اليرقة يمكن تفسيرها ~~ميكانيكيا، لكن المذهب كان له باع طويل في فرنسا (دي هولباخ، هلفتيوس، لا ~~متري)، وقد أدى إلى صورة الإنسان كآلة التي ذكرها في كتابه «الإنسان آلة»؛ ~~فبالنسبة لمعتنق المادية، القدرات العقلية والوعي ليسا سوى تعبير عن حالات ~~دماغية. # سنرى أن المادية كانت أحد الاعتراضات الفلسفية الرئيسية ضد نظرية داروين. ~~وكما سيكتشف الداروينيون، فإن التحدي الأكبر أمام المادية هو تفسير ظواهر العقل ~~والوعي. # من التأثيرات المؤسفة للثورات العلمية أن الأفكار المؤدية لها تتلقى فضلا ~~قليلا للغاية من جيل ما بعد الثورة. مع ذلك، فإننا نتعلم من أخطائنا، كما أشار ~~بوبر بإصرار. فحتى الأخطاء تساهم في التقدم العلمي. ألقت تحولية لامارك على ~~ثبات الأنواع حملا ثقيلا من الشكوك. وكانت ماديته محاولة أولى للتغلب على ~~ثنائية كانط التفسيرية. مع ذلك، تبين أن تحولية لامارك نموذج غير كاف؛ ~~فالوراثة فوق الجينية لا وجود لها، ولا التعديل التدريجي. ظلت تحولية لامارك في ~~حاجة إلى أسس تجريبية. وكما حدث في حالة مركزية الأرض، أنقذت التحولية الظواهر، ~~كما واجهت مسألة الواقع. يحدث في العلم أن تبحث الحقائق عن نظرية. عندما توفي ~~لامارك، كان لا يزال يوجد الكثير من الأفكار البيولوجية الباحثة عن دعم الأدلة. ~~في إنجلترا، أعلن إراسموس داروين - جد تشارلز - والمؤلف المجهول لكتاب «الآثار ~~الباقية للتاريخ الطبيعي للخلق» (1844) روبرت تشامبرز أفكارهما التطورية. وفي ~~فرنسا، استبق إيزيدور جوفري سانت هيلير اتحاد التجريبية والعقلانية في دراسة ~~الطبيعة العضوية، التي تبناها لاحقا هيكل. ودافع عن تحولية لامارك ضد إصرار ~~كوفييه بشأن ثبات الأنواع، ولكنه صحح تركيز لامارك الشديد على التغير من خلال ~~استخدام الأعضاء؛ فكان ينبغي وضع المناخ بعين الاعتبار (جوفري سانت هيلير 1847؛ ~~انظر جرين 1980، 300-301). وبينما اكتشف علم التشريح وعلم الأجنة والجيولوجيا ~~وعلم الحفريات حقائق جديدة، بدأت هذه التكهنات النظرية تغرس جذورها في أرض ~~صلبة. ~~(3) اكتشافات الحفريات # عندما تتنافس مجموعة نماذج على تفسير الظواهر المرصودة، يحاول كل نموذج التوافق مع ~~الحقائق ms132 المتاحة. ولا تأتي الحقائق مرتبطة على نحو جاهز بالنموذج التفسيري الصحيح؛ ~~فالحقائق تحتاج إلى تأويل. وتعمل النماذج على وضعها في نظام متسق. وعندما تكون الحقائق ~~قليلة ومتباعدة، يكون من السهل على النماذج المتنافسة ادعاء نجاح التوافق. كانت هذه هي ~~الحال بين نظريتي مركزية الأرض ومركزية الشمس لما يربو عن خمسين عاما، ولكن في نهاية ~~المطاف تظهر حقائق جديدة تتوافق مع أحد النماذج على نحو أفضل من غيره. وستمنح الحقائق ~~القديمة والجديدة مزيدا من المصداقية لأحد النماذج أكثر من غيره. ربما لا تكون هذه ~~نهاية النموذج الذي فقد مصداقيته، لا سيما عندما تحدث تطورات نظرية جديدة. مع ذلك، يحظى ~~النموذج المنتصر بكثير من الاهتمام لفترة من الوقت. لقد رأينا أن مركزية الأرض لم تمت ~~موتا مفاجئا، ولكن جعلت مشاهدات براهي وقوانين كبلر واكتشافات جاليليو حياتها غير ~~مريحة على نحو أكبر. ونشهد في علم الأحياء التطوري صراعا مشابها بين وجهة النظر ~~الغائية القديمة ووجهة النظر الميكانيكية الناشئة. فلا يمكن أن يكون النظام الشمسي أرضي ~~المركز وشمسي المركز في الوقت نفسه، ولا يمكن أن تكون الحياة العضوية ناتجة عن تصميم ~~معين وصدفة «عبثية» في الوقت نفسه. إذا كان النظام الكوكبي شمسي المركز حقا، فإن ~~النموذج الشمسي المركز سيكون أكثر ملاءمة معرفيا من النموذج الأرضي المركز. ولو كانت ~~الطبيعة العضوية برمتها تشكلت في غياب التصميم، فإن النموذج الآلي سيكون أكثر ملاءمة ~~معرفيا من النموذج الغائي. ولو كانت الكواكب تدور حول الشمس وتطورت الكائنات المعقدة، ~~فلا بد من وجود حقائق تشهد على هذه السمات. وهذه الحقائق ستتوافق مع مخطط تفسيري ما ~~بشكل أفضل من غيره. في خلال الخمسين عاما بين صدور كتاب لامارك «فلسفة علم الحيوان» ~~(1809) وكتاب داروين «أصل الأنواع» (1859) ظهرت اكتشافات جديدة في مختلف المجالات. في ~~الجيولوجيا - على سبيل المثال - زيد عمر الأرض تدريجيا من عمر ستة آلاف سنة القليل ~~المذكور في الكتاب المقدس إلى ملايين وملايين السنين من التطور الكوني الذي ذكره كانط. ~~فقد اكتشف أن الطبقات الصخرية تحتوي على تدرج زمني مخفي. ms133 وكلما كانت الطبقات أعمق، ~~زاد عمر الصخور. في علم الحفريات، أضافت اكتشافات الحفريات إلى التسلسل الزمني للأرض. ~~فحفريات الحيوانات المنقرضة وحفريات أشكال الحياة غير المعروفة كشفت عالم أحياء العصور ~~القديمة. على سبيل المثال، أصبح الكائن القديم أركيوبتركس - الذي كان وسيطا بين ~~الديناصورات والطيور - موضع مناقشات مكثفة. اكتشفت رتبة الزواحف تلك في أوائل القرن ~~التاسع عشر، ولكن بدأ فهمها على نحو صحيح في ستينيات القرن التاسع عشر فقط. ولم يبدأ ~~استخراج الهياكل العظمية لأنواع مختلفة من الديناصورات مثل إجوانودون إلا على يد أوثنيل ~~تشارلز مارش في عام 1881. ونشرت مجلة نيتشر رسوما توضيحية رائعة لأشكال الحياة القديمة ~~تلك (شكل # 2-2 ~~). وجدت اعتراضات فولتير على «سلسلة الوجود العظمى» في ~~نهاية المطاف دعما من البيانات التجريبية الملموسة؛ إذ أظهر التشريح المقارن التشابه ~~التشريحي الوثيق بين البشر والقردة، وكشف علم الأجنة تشابها مثيرا للدهشة بين أجنة ~~الأنواع المختلفة في المراحل الأولى من النمو (شكل # 2-3 ~~). # شكل 2-2: إجوانودون (المصدر: نيتشر 55 (189)، 463). # شكل 2-3: مقارنة الأجنة (من اليسار إلى اليمين). في الأعلى: الكلب (4 أسابيع)؛ ~~الإنسان (4 أسابيع). في الأسفل: الكلب (6 أسابيع)؛ الإنسان (8 أسابيع). ~~(المصدر: هيكل (1876)، المجلد الأول، 306-307). # بما أننا مهتمون على نحو خاص بالنتائج الفلسفية للنظريات العلمية، سنركز على اكتشافات ~~الحفريات البشرية وما تعنيه لعصور البشرية القديمة. حدث بعض هذه الاكتشافات قبل نشر ~~داروين لكتابه «أصل الأنواع». ينبغي أن نلاحظ أن مسألة ظهور البشر مستقلة عن مسألة تحدر ~~الإنسان من القردة الشبيهة بالإنسان. إن النقاش حول العصور القديمة للبشرية متوافق مع ~~نظرية الخلق الخاص؛ فمن الممكن إعادة تأويل التزام الكتاب المقدس بستة آلاف سنة من ~~الوجود الإنساني بأنه أمر مجازي فحسب، ولكن نظرية تحدر الإنسان من القردة الشبيهة ~~بالإنسان تتنافى مع عقيدة الخلق الخاص للبشر. عندما يجمع هذان السؤالان الخاصان ~~بالعصور القديمة والأصل معا، فإنهما يشكلان الخليط المتفجر الذي صدم العامة بعد وقت ~~قصير من نشر كتاب داروين؛ إذ إن المزيج يجعل البشر عرضة للانتقاء الطبيعي كما هي حال ~~الأعشاب واليرقات عند ms134 كانط. وبمجرد أن أصبحت صيغة التطور لداروين - المدعومة بالانتقاء ~~الطبيعي - متاحة كحل لمسألة الأنواع، صار لها منطق خاص بها. وسارع معاصرو داروين إلى ~~بسط نموذج داروين التطوري من النباتات والحيوانات إلى عالم الإنسان. ~~(3-1) العظام والهياكل العظمية # لا وجود لحفريات بشرية. (كوفييه، «وجهات نظر من عالم ما قبل التاريخ» ~~(1822)، 101، مقتبسة في رول، «الإنسان» (1870)، 265) # كيف يمكنك تحديد العصور القديمة للبشرية في غياب تقنيات التأريخ ~~الدقيقة؟ ستقوم باستدلالات. أعرب كاتب في مجلة نيتشر عن شكوك هائلة في أننا «لن ~~نكتشف أبدا مهد جنسنا الصحيح.» ومع ذلك، يمكن لفن الاستنتاج أن يقطع بنا شوطا ~~طويلا. كان جون إيفانز - رئيس قسم الأنثروبولوجيا بالجمعية العلمية البريطانية ~~(1890) - واثقا من: # أنه من وقت لآخر ربما نكتشف أغراضا فنية بشرية، وفي ظل هذه الظروف ~~والأحوال ربما نستنتج يقينا أنه في مرحلة معينة في تاريخ العالم وجد ~~البشر (...). (نيتشر 42، 1890، 507؛ قارن رول 1870، الفصل الثاني ~~والسادس) # شكل 2-4: رسم للهيكل العظمي للماموث (المصدر: رول 1870، 286). # ربما لم يكن ممكنا تحديد العمر الدقيق أو حتى التقريبي للهياكل العظمية في فترة ~~ما قبل اكتشاف رذرفورد لقانون الاضمحلال الإشعاعي (1901)، لكن التقديرات النسبية ~~يمكن على الأقل أن تقدم بعض استدلالات ذات احتمالية أكبر من غيرها؛ فقد عثر على ~~حفريات بشرية بين حفريات الحيوانات المنقرضة مثل دب الكهف والماموث والرنة والحصان ~~البري (شكل # 2-4 ~~)، كما عثر أيضا على أدوات وأسلحة مصنوعة من ~~حجر الصوان. وهذا يشير إلى أن كائنات شبيهة بالبشر استوطنت مناطق أوروبا التي كانت ~~سابقا موطنا لحيوانات انقرضت في الوقت الحالي، كما أشار أيضا إلى أن العصرين ~~البرونزي والحديدي لم يكونا قد حلا بعد؛ ومن ثم لا بد أن الجماعات البشرية عاشت ~~في أوروبا خلال العصر الحجري. هذا استنتاج مرجح على نحو أكبر من رأي كوفييه بأنه لا ~~يمكن أن توجد أي حفريات بشرية. وهو مرجح على نحو أكبر؛ لأنه أكثر توافقا مع ~~الحقائق. أقنعت عدة اكتشافات لبقايا بشرية العديد من علماء الحفريات أن البشر ~~وجدوا في وقت أبكر بكثير مما كان يفترض حتى ذلك ms135 الوقت. استكشف فيليب تشارلز ~~شميرلينج الكهوف الموجودة تحت الأرض بالقرب من مدينة لييج البلجيكية ووجد جماجم ~~بشرية وعظام حيوانات منقرضة. كان شكل الجماجم البشرية مختلفا نوعا ما عن جمجمة ~~الإنسان الحديث، لكن ظل هذا الدليل ينظر إليه على أنه غير مؤكد، ولكن في ~~أربعينيات القرن التاسع عشر، اكتشف بوشيه دو بيرث أدوات حجرية بدائية قرب أميان في ~~فرنسا بين بقايا حيوانات منقرضة. أثبت كوفييه وآخرون بالفعل على نحو مستقل أن هذه ~~الحفريات الحيوانية تنتمي إلى ما يسمى فترة الطوفان أو العصر الجليدي. ويشار اليوم ~~إلى هذه الفترة على أنها العصر البليستوسيني (انظر جدول # 2-1 ~~). اكتشف هيكل عظمي ~~بشري في وادي نياندر بالقرب من دوسلدورف (ألمانيا)، واشتهر باسم إنسان نياندرتال ~~(1856). لم يعثر على بقايا حيوانات منقرضة، ولكن الطبقات الجيولوجية (الطين) كانت ~~تنتمي إلى فترة «الطوفان». وكان أكثر ما أصاب علماء الحفريات المعاصرين بالدهشة ~~حينها هو شكل الجمجمة (شكل # 2-5 ~~)؛ إذ بدا أنها تحمل مخا ~~متخلفا نوعا ما يظهر تشابها قويا مع مخاخ القردة الشبيهة بالإنسان. (ولكن لاحظ ~~أن إنسان نياندرتال لا يزال قيد التقييم حتى اليوم.) حدثت كل هذه الاكتشافات قبل ~~نشر كتاب داروين. وحدث اكتشاف آخر مهم قرب نهاية القرن هو إنسان جاوة (1891 -1892) ~~وكان يمثل «الإنسان المنتصب». كان إنسان جاوة مرشحا ليمثل الحلقة المفقودة. لم يكن ~~لفكرة الحلقة المفقودة معنى قبل داروين؛ ففي المخططات القديمة كان البشر مخلوقين ~~خلقا خاصا أو كانوا ذروة التطور التدريجي. أدرج داروين سلالة البشر في شجرة ~~الحياة. أصبح البشر عرضة لتحدر السلالة مع التعديل، ولذلك أصبح من الضروري التحقق ~~من وجود أشباه البشر الأوائل. كان الباحثون يعرفون سلسلة النسب البشرية قبل داروين ~~على نحو أفضل مما كانوا يعرفون عن وجود الديناصورات. # شكل 2-5: جمجمة إنسان نياندرتال (المصدر: رول (1870)، ~~309). ~~(3-2) بشر العصور القديمة # لا يمكن أن يكمن هدف الإنسانية في النهاية، ولكن يكمن فقط في أفضل نموذج ~~لها. (نيتشه، «تأملات في غير أوانها» (1873-1874)، الجزء الثاني، ~~مقتبسة في كوفمان (1974)، 149) # جدول 2-1: تطور أشباه البشر. ~~* # الاسم ms136 # الفترة # الوقت # السمات # أوسترالوبيثيكوس، رشيق وقوي (القرد الجنوبي) # أواخر فترة الميوسين إلى أوائل فترة البليوسين # منذ 4-2 مليون سنة # سعة الجمجمة: 430-450سم # 3 ~~، وضع ~~منتصب. # الإنسان الماهر (هومو هابيليس) # أوائل فترة البليستوسين # منذ 2-1,5 مليون سنة # زيادة سعة الجمجمة (640سم # 3 ~~)، أنياب ~~وأسنان طاحنة أصغر، يد قادرة على معالجة الأشياء على نحو دقيق، ~~القدرة على تصنيع أدوات حجرية. # الإنسان المنتصب (هومو إريكتوس) (إنسان هايدلبيرج (هومو هايدلبيرج)، الإنسان العامل (هومو إرجاستر)، إلخ) # أوائل إلى أواسط فترة البليستوسين # منذ 1,5 مليون-900 ألف سنة # سعة الجمجمة 883-1043سم # 3 ~~، السيطرة على ~~النار، نقص في حجم الأسنان، أدوات حجرية؛ إنسان جاوة، إنسان ~~بكين. # إنسان نياندرتال (هومو نياندرتال) # أواخر فترة البليستوسين (العصر الحجري) # منذ 200-15 ألف سنة # زيادة حجم الدماغ، وجه طويل كبير، الاحتفاظ بالنتوء عند منطقة ~~الحاجبين، نتوء الأسنان والأنف وغياب الذقن الكامل، قواطع وأنياب ~~كبيرة، أدوات حجرية بدائية، أول من دفن الموتى عمدا، حل محله ~~الإنسان الحديث منذ 50 ألف-30 ألف سنة. # الإنسان العاقل (هومو سيبيان) # العصر الحجري # متوسط سعة الجمجمة ~~1350سم # 3 ~~، الجبين العمودي، تقوس قاع ~~الجمجمة، صغر حجم الأسنان الماضغة. القدرة على صنع الأدوات الازمة ~~لصنع أدوات وقبضة قوية ودقيقة حقا ناتجة عن الإبهام الطويل. # أوائل العصر القديم # 400-200 ألف سنة # أواخر العصر القديم # 200-100 ألف سنة # العصر الحديث # 100 ألف-الحاضر ~~* # هذه البيانات معاد تجميعها من الموسوعة البريطانية 18 (1991)، ~~803-854 ومجلة ساينتيفيك أمريكان 13 (2003)، مع نصائح من الدكتور ~~هولجر شوتكوفسكي، قسم الآثار في جامعة برادفورد. # كان واضحا قبل داروين أن أصل البشرية جذوره ضاربة في العصور ~~القديمة. مع ذلك، لا يوضح هذا أي شيء بشأن أصل الإنسان، ولكن متى عاش أجداد البشر ~~هؤلاء؟ لم يكن لدى الباحثين أي مقاييس مطلقة للعصور على الأرض، فقط تسلسل نسبي ~~(جدول # 2-1 ~~). لم يكن واضحا طول المدة التي استمر فيها العصر الجليدي على الأرض. ~~ولكن كان يوجد ترتيب تنازلي في الماضي: من العصر الحديدي إلى العصر البرونزي إلى ~~العصر الحجري، وقبل ذلك، فترة البليستوسين، وفترة البليوسين، ms137 وفترة الميوسين. ومرة ~~أخرى لعبت الممارسات الاستدلالية دورا رئيسيا. عندما عثر مع الحفريات البشرية ~~على أدوات وأسلحة حجرية بدائية، استدل على أن البشر الأوائل كانوا مضطرين ~~للتعامل مع مثل هذه الأدوات البدائية. وبالنسبة للمراحل اللاحقة، حلت الأدوات ~~البرونزية والحديدية محل الأدوات الحجرية؛ لذا لا بد أن أشباه البشر المكتشفين مع ~~أدوات حجرية أقدم من أشباه البشر المكتشفين مع أدوات أكثر تطورا. حدد معظم ~~الباحثين ظهور أشباه البشر في فترة البليستوسين (العصر الجليدي). لم يكن الكتاب ~~في ستينيات القرن التاسع عشر متأكدين بشأن مدى امتداد العصور الجيولوجية في تاريخ ~~الأرض، لكن أصول البشر أشارت إلى أنها تتخطى الحدود التوراتية (رول 1870، 159). لم ~~يكن تحديد عصور الأرض من خلال التأريخ بالنشاط الإشعاعي قد طور بعد. في عام 1868 ~~قدر طومسون (على نحو خطأ) عمر الأرض بأنه لا يزيد عن مائة مليون سنة. كان داروين ~~فقط هو من انزعج بشدة من هذا التقدير. واعتنق هكسلي ووالاس الرأي القائل بأن ~~الجيولوجيا يجب أن تحدد عمر الأرض، وأن على علماء الأحياء وضع شجرة الحياة في ~~المساحة المتوفرة. وبما أن تقدير طومسون كان إجماليا، فإنه لم يخبرنا بشيء بشأن ~~العصور الجيولوجية للأرض وطول مدتها. أعلن فريدريش رول عن العثور على هيكل عظمي ~~بشري في دلتا المسيسيبي (1852-1853)، وكان عمره يقدر بسبعة وخمسين ألف سنة. # كان للجدال بشأن عصور البشر القديمة أهمية رئيسية قبل صياغة داروين نظريته ~~للانتقاء الطبيعي. أظهر الإثبات التجريبي لعصور البشر القديمة أمرين؛ الأول: هو أن ~~البشر كانوا أقدم بكثير من العمر المذكور في الكتاب المقدس المقدر بستة آلاف سنة. ~~فقد وجد أشباه البشر بالفعل خلال العصر الجليدي، كما كان يوجد أيضا دليل على ~~هجرة الجماعات البشرية في أوروبا. ألقى كل هذا شكوكا خطيرة على مقولة كوفييه أنه ~~لا وجود لحفريات بشرية، كما أشار أيضا إلى أن الأنواع يمكن أن تنقرض وتفسح المجال ~~لأنواع جديدة. (في عام 2003 اكتشف على جزيرة نائية في إندونيسيا ما يعتبره البعض ~~نوعا بشريا جديدا أطلق عليه اسم «الهوبيت».) وأصبح ms138 التشابه الهيكلي بين البشر ~~وآباء البشر والقرود موضوعا علميا جادا. وتحدت كل هذه الاكتشافات نظرية ثبات ~~الأنواع. أما الأمر الثاني: فهو أنه قوض فكرة التعديل التدريجي التي تستلزم ظهور ~~أنواع معينة من الكائنات على الأرض قبل أن تظهر الكائنات الأكثر تعقيدا. فلو أن ~~البشر عاشوا على الأرض مع حيوانات انقرضت في الوقت الراهن، فإن التعديل التدريجي لا ~~يمكن أن يكون تفسيرا ملائما. تشير كل هذه الأمور بوضوح إلى أن ثورة داروين حدثت ~~على خلفية الاكتشافات التجريبية المتاحة وعدد من التفسيرات النظرية المتنافسة، وقد ~~حاولت جميعها تفسير المشاهدات والاكتشافات. # صورة لتشارلز داروين (1809-1882). ~~(4) ثورة داروين ~~(...) حول داروين التطور من تكهنات إلى علم عملي (...). (جولد، «نظرية التطور» ~~(2002)، 23) # لم يكن داروين أبا نظرية التطور؛ فمحاولات استخدام التطور في تفسير ~~تنوع الحياة تركت بالفعل بصماتها على المشهد الفكري في أوروبا. لم تكن نظرية لامارك ~~مؤثرة ولكنها لم تدخل طي النسيان أيضا. وكان داروين على علم بمن سبقوه؛ ففي الطبعات ~~اللاحقة من كتابه الذي صدر في عام 1859، أضاف ملخصا تاريخيا لنظريات أصل الأنواع من ~~بدايات القرن التاسع عشر كتمهيد. وجد داروين 34 مؤلفا عبروا عن اعتقادهم في تعديل ~~الأنواع، كما قدم داروين أيضا مشاهداته المهمة بشأن تنوع الأنواع؛ فخلال رحلته على متن ~~السفينة «بيجل»، اكتشف أصنافا مثيرة للدهشة من العصافير وعظام الحفريات من ثدييات ~~منقرضة كبيرة في الأرجنتين. وعندما ألف كتابه «أصل الإنسان» (1871)، استفاض في ذكر ~~المواد التجريبية المتعلقة بعصور البشر القديمة. تمتد هذه المواد من ثلاثينيات القرن ~~التاسع عشر إلى سبعينيات القرن التاسع عشر. كان داروين بمنزلة كبلر علم الأحياء أكثر من ~~كونه كوبرنيكوس علم الأحياء. قبل كبلر فرضية كوبرنيكوس لكنه رفض فكرة الحركة الدائرية ~~المنتظمة. واستخدم البيانات التجريبية الخاصة ببراهي وبه لصياغة القوانين الرياضية ~~لحركة الكواكب، ولكن كبلر لم يستطع أن يفسر على نحو صحيح سبب بقاء الكواكب في مداراتها. ~~قبل داروين النظرية التطورية، لكنه رفض آلية لامارك بشأن وراثة السمات المكتسبة. ~~بالنسبة لداروين، كانت الآلية هي الانتقاء الطبيعي؛ فهي تعمل على صلاحية ms139 السمات ~~المتغايرة لدى الأفراد، لكن داروين لم يفهم الآلية الجينية للوراثة، التي جعلت تباين ~~الأفراد ممكنا. إن الكتاب الذي طرح فيه داروين نظريته كان بعنوان «أصل الأنواع»، ونشر ~~في 24 نوفمبر 1859. والعنوان الكامل للكتاب معبر تماما لأنه يعبر باختصار عن جوهر ~~أفكار داروين: «أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، أو الحفاظ على التغايرات ~~المواتية خلال الصراع لأجل الحياة.» # ألفريد والاس (1823-1913). # كملاحظة تاريخية بشأن الاكتشافات المتعددة، يجب أن يضاف أن داروين دفع إلى نشر عمل ~~هذا. كان يقصد به فقط أن يكون ملخصا لعمل أوفى حول التطور سوف يكتب لاحقا. إن ما ~~دفع داروين إلى نشر الكتاب هو ورود ورقة بحثية من شخص يدعى ألفريد والاس قدم فيها ~~مؤلفها أفكارا حول التطور مشابهة للغاية لأفكار داروين. كان عنوان الورقة البحثية: «عن ~~نزعة المتغايرات إلى الابتعاد إلى ما لا نهاية عن النمط الأصلي»، ونشرت في عام 1858. ~~أثار هذا قلق داروين لأنه كان قد طور نظريته الخاصة عن التطور بالفعل في عام 1838، بعد ~~رحلة لمدة خمس سنوات على متن السفينة «بيجل»، ولكنه لم ينشرها. لا أحد يحب أن يسبقه ~~غيره في نشر أفكاره؛ ولذا رغم أن داروين كان أول من قدم آلية تطور قابلة للاختبار، فإن ~~والاس وصل إلى نفس الأفكار على نحو مستقل، ولكن بعد 20 عاما. كان والاس قد نشر بالفعل ~~في عام 1855 مقالا ربط فيه «الانقراض التدريجي وخلق الأنواع» بالتغيرات التدريجية في ~~البيئة (والاس 1855). حتى إنه أشار إلى أن الحواجز الجيولوجية، كما هي الحال في جزر ~~جالاباجوس، من شأنها أن تؤدي إلى ظهور أنواع مختلفة. ولكي ينأى بنفسه عن أفكار لامارك، ~~أشار والاس إلى أنه لا يقترح نظرية ارتقاء ولكن نظرية للتغير التدريجي. قدمت هذه الورقة ~~الأولى نظرية للتطور، ولكنها لم تقدم أي آلية تدفع التطور. كانت ورقته البحثية في 1858 ~~هي التي كررت كثيرا من أفكار داروين العزيزة. أصر والاس في هذه الورقة البحثية اللاحقة ~~على أهمية الصراع من أجل الحياة بوصفه «مؤشرا قويا على الزيادة الكبيرة ms140 للأنواع.» ~~وأشار إلى أن وفرة الأنواع أو ندرتها إنما تعتمد على مدى «التكيف المثالي مع ظروف ~~الحياة.» تواجه الأنواع تحديا ثلاثيا: الإمدادات الغذائية، والأعداء الطبيعيين، ~~والظروف المناخية. وفي هذا الصراع، التعديلات المفيدة تميل إلى زيادة عدد الأفراد الذين ~~يملكونها، بينما التعديلات عديمة الفائدة سوف تميل إلى تقليل أعدادهم. إذا كان ثمة فرق ~~بين داروين ووالاس فإنه يكمن في موضع التركيز. أشار والاس صراحة إلى أنه لا يمكن القيام ~~باستدلال مفيد من الحيوانات المستأنسة إلى الحيوانات البرية، بينما كان الاستدلال من ~~الانتقاء المصطنع إلى الانتقاء الطبيعي واحدا من أهم استدلالات داروين. كذلك كان والاس ~~أكثر اهتماما بالأنواع من الأفراد، بينما شغل الأفراد ذهن داروين. وأخيرا، استبعد ~~والاس البشر من تأثير الانتقاء الطبيعي. ~~(4-1) النظرة الداروينية للحياة # كان المفتاح الأساسي لاكتشاف الانتقاء الطبيعي هو إدراك أن المجموعات ~~البيولوجية قد تشكل جماعات أو وحدات تفاعل داخل الطبيعة. (جيسيلين، «انتصار ~~المنهج الدارويني» (1969)، 56) # ثمة فكرة فظة وخاطئة للغاية بشأن نظرية التطور تقضي بأن التطور ~~يعني البقاء للأصلح. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن داروين لم يستخدم في الطبعة ~~الأولى من كتاب «أصل الأنواع» مصطلحي «التطور» ولا «البقاء للأصلح». كان الفيلسوف ~~هربرت سبنسر هو من ربط التطور بالبقاء للأصلح. كان لداروين معارضون نافذون من ~~مصلحتهم ربط التطور بشكل من أشكال التقدم الحتمي نحو صورة حياة أسمى. وهذا سوء فهم ~~للداروينية، فلا يوجد أي تقدم حتمي، لكن التقدم الحتمي كان قاعدة يقينية قبل ~~داروين. كان يقينا خاصا بالغائية. كان عقيدة التصميم. وهذه العقيدة هي التي ~~هاجمها داروين، ومع ذلك، من النادر لثورة علمية أن تقضي تماما على الأفكار الراسخة ~~بضربة واحدة. حتى الأفكار الثورية لا تؤدي إلى تغير حماسي، تحول جشطالتي مفاجئ. ~~إليك على سبيل المثال واحدا من المدافعين عن جورج كوفييه وألكسندر فون همبولت: ~~لويس أجاسيز (1807-1873). ولد أجاسيز في سويسرا ولكنه هاجر إلى بوسطن في 1846. ~~وكأستاذ لعلم الحيوان في جامعة هارفرد، كان له تأثير هائل على التفكير البيولوجي في ~~أمريكا وسمعة عالمية كباحث. كان يعتبر ms141 فون همبولت أمريكا، كما نشر دراسات مهمة عن ~~الأنهار الجليدية وكان أحد مكتشفي العصر الجليدي. كان أجاسيز أيضا معارضا لدودا ~~لنظرية التحدر. # أصر على أن الأنواع كانت «فئات فكرية تجسدت في صور حية فردية»، ويمثل ~~التاريخ الطبيعي جوهريا «تحليل أفكار خالق الكون، كما تتجلى في المملكة ~~الحيوانية والنباتية.» # 3 # صورة لويس أجاسيز (1807-1873). # كان أجاسيز حريصا على هدم فرضية «النشوء» التي رآها غير متوافقة مع «الحقائق ~~العظيمة للأخلاق والدين السماوي.» واحتفى بنشر كتاب هيو ميلر «آثار الخالق» (1849، ~~1861). وأشاد به «لمزيجه الناجح من المذاهب المسيحية والحقائق العلمية البحتة» ~~(ميلر 1861، 1-35، إليجارد 1958، 336-337). أراد أجاسيز إعادة التصميم في مقابل ~~مفهوم داروين الميكانيكي للطبيعة. لم يجد معاصرو داروين فكرة الانتقاء الطبيعي ~~مقنعة، حتى إن أفكار لامارك بشأن وراثة السمات المكتسبة ظهرت من جديد. بل إن داروين ~~ذاته راودته الشكوك؛ ففي كتاب «أصل الإنسان» (1871) أعرب عن بعض الأسف على رفضه ~~التام السابق لأفكار لامارك بشأن الوراثة فوق الجينية. كان من الواضح أنه صدم بسبب ~~غياب الحماس حيال مبدأ الانتقاء الطبيعي. # لماذا تجنب داروين مصطلح «التطور»؟ كما رأينا بالفعل، كان لهذا المصطلح ارتباط ~~قوي بالتعديل التدريجي للامارك؛ وهو يعني تقدم النمو من حالة بدائية إلى حالة ناضجة ~~أو كاملة. وكان لهذا المصطلح أيضا معنى تقني آخر في علم الأجنة. كان ألبرشت فون ~~هالر - أستاذ الطب وعلم النبات - يعلم في منتصف القرن الثامن عشر أن الأجنة ~~تنمو من إنسان ضئيل مشكل موجود في البويضة أو الحيوان المنوي. # يتحدث داروين عن تحدر السلالة مع التعديل. والقوة الدافعة لتحدر السلالة مع ~~التعديل هي الانتقاء الطبيعي، وكان يقصد بهذا الحفاظ على التغايرات المواتية في ~~الكائنات الفردية. إذا كانت التغايرات مواتية للبقاء على قيد الحياة في بيئة معينة، ~~فإنه توجد نزعة للحفاظ عليها. لاحظ داروين أن سبنسر أعرب عن فكرة الحفاظ على ~~التغايرات المواتية بمصطلح «البقاء للأصلح»، ولكنه دافع عن استخدام مصطلحه الخاص، ~~رغم أنه يبدو متضمنا لاختيار واع، لأنه يجمع بين إنتاج الأعراق المستأنسة بواسطة ~~قدرة البشر على الانتقاء، ms142 والمحافظة الطبيعية على النسخ والأنواع في حالة الطبيعة ~~(انظر كرومبي 1994، المجلد الثالث، 1751). # لم يفكر داروين أن تطور الحياة العضوية يمكن أن يصور على أنه تطور ضروري من ~~الأشكال «الدنيا» إلى الأشكال «الأسمى». كان التطور يعني بالنسبة لداروين تكيف ~~الكائنات على نحو أفضل مع بيئتها الطبيعية وحسب. وخلال هذه العملية يمكن أن يحدث تطور ~~إلى أشكال أكثر تعقيدا؛ فهناك ديدان وهناك الومبت (أو السحمور). يمكن تفسير ذلك ~~من خلال عملية الانتقاء الطبيعي. أو هكذا أمل داروين. لا يتبع التطور أي خطط، وهو ~~ليس موجها نحو هدف. مع ذلك، فإنه لا يحدث عن طريق الصدفة العمياء، بل يجب أن يحافظ ~~على السمات المواتية. وهو يعمل عن طريق الانتقاء التراكمي. ووفق عبارة فرنسوا جاكوب ~~اللبقة، التطور كالعامل الحرفي، وليس مهندسا موهوبا. # 4 # وعلى نحو متوقع، واجه الداروينيون أكبر تحد لهم عندما طبقوا فكرة ~~الانتقاء الطبيعي على نشأة البشر؛ الكائنات المالكة لأعلى أشكال الوعي. وكما سنرى، ~~كان الاعتراض هو أن الانتقاء الطبيعي لا يمكن أن يفسر الوظائف العقلية الأعلى لدى ~~البشر. لم يتحد الداروينيون قط المكانة العليا للبشر في تدرج الحياة العضوية. ~~ولكن ما يصنع الفارق الجوهري هو هل كان هذا مفهوما بمعنى مكاني، كما في «سلسلة ~~الوجود العظمى»، أم بمعنى زمني كما في نظرية التطور (ويندورف 1985، 403)؛ ومن ثم ~~فإن نظرية التطور لها انعكاسات كبيرة على فلسفة العقل: كيف نفسر ظهور الوظائف ~~العقلية العليا الخاصة بالأنشطة العصبية في المخ؟ ~~(أ) مبادئ التطور # يتواصل التطور وكأنه عامل حرفي يعيد تغيير شكل أعماله على مدار ~~ملايين السنين (...). (جاكوب، «لعبة الإمكانات» (1981)، 66، ترجمه ~~المؤلف) # قبل تناول داروين لأصل الإنسان، تعامل أولا مع أصل الأنواع. ~~إن عنوان كتاب داروين «أصل الأنواع» مضلل؛ فليس مقصد الكتاب تفسير أصل الحياة ~~في فجر التاريخ ولكن تفسير كيفية ظهور الأنواع الجديدة. حاولت نظرية داروين ~~تقديم تفسير طبيعي لبقاء الكائنات العضوية وما مرت به من تعديلات في الماضي ~~القريب وفي الحاضر. فبدلا من الإشارة - على غرار لامارك - إلى أن سلسلة ~~الأنواع تميل نحو نوع ms143 من الكمال وتبلغ ذروتها في ظهور الجنس البشري، كانت فكرة ~~داروين أن التغير العضوي يؤدي إلى تكيف محلي استجابة للبيئة المتغيرة. تؤدي ~~الاستجابات التكيفية للظروف البيئية المتغيرة إلى التنوع ، وقد تؤدي هذه العملية ~~إلى تطور ضمن السلالة (التخلق التجددي) أو إلى تقسيم السلالة (التخلق التفرعي). ~~وتصبح بعض الكائنات أكثر تعقيدا من غيرها. زادت سعة الجمجمة البشرية كثيرا مع ~~تطور الإنسان من «الإنسان الماهر» إلى «الإنسان العاقل»، ولكن ليس حتميا أن ~~يكون هذا انتقالا نحو الكمال. فربما يفقد كائن حي وظيفة البصر لو كان يتكيف مع ~~ظروف المعيشة في الكهوف المظلمة؛ لذلك ليس الأصلح هو الأفضل بالمعنى المطلق. ~~إنما تكتسب الكائنات ببساطة تكيفا أنسب مع البيئة المحلية. يستشهد علماء ~~الأحياء بالعديد من أمثلة تعديل أجزاء الجسم: من فقدان الآذان الداخلية ~~والخارجية إلى فقدان الأطراف الأمامية لدى الثعابين، ومن تبسيط العيون لدى ~~الثعابين (فقدان الجفون) إلى فقدان البصر لدى أسماك الكهف (راف 1996، 207-209؛ ~~جولد 2002، 203-204، 218-219). # لفهم الأفكار الرئيسية للتطور، تأمل ثلاثة مستويات: مستوى الأنواع، ومستوى ~~الكائنات الفردية، ومستوى الجينات. # على مستوى الأنواع، قدم لامارك وجهة نظر «خطية» متدرجة للتطور. تولد ~~الطبيعة سلسلة من أشكال الحياة متزايدة التعقيد، وتنتهي السلسلة بالبشر، ذروة ~~الخليقة. رد الداروينيون بوجهة نظر «متفرعة» للتطور. يحتاج البقاء على قيد ~~الحياة إلى دفع الكائنات إلى أنماط حياتية معينة. وهذه الأنماط الحياتية تفرض ~~قيودا على الكائنات على المستوى المورفولوجي والبنيوي. وتوفر الاستجابات ~~التكيفية درع الحياة الواقي النابض بالحيوية. # كان تركيز والاس منصبا على نمو وتضاؤل الأنواع. وهذا ألهمه بالفعل في عام ~~1855 بصياغة صورة مجازية جديدة: شجرة الحياة العضوية المتفرعة. من منظور عين ~~الطائر، يعني تطور الأنواع التكيف المحلي مع الظروف البيئية المتغيرة. وتكون ~~النتيجة تنوعا كبيرا في الأنواع. تحمل شجرة الحياة العديد من الفروع ~~والأغصان. صور تي إتش هكسلي - الرائد الأول لنشر العلم بين العامة - جوهر ~~التغيير في صورة مجازية: # بدلا من تخيل الكائنات الحية على أنها مرتبة مثل درجات السلم، تجبرنا ~~الدراسات الحديثة على ترتيبها كما لو كانت ms144 أغصان وفروع شجرة. تمثل نهاية ~~الأغصان الأفراد، وتمثل أصغر المجموعات الأنواع، وتمثل المجموعات الأكبر ~~الأجناس، ويمثل الفرع الرئيسي مخطط بنية مشترك. (هكسلي 1888، 300) # كلما زاد تنوع الأنواع، زاد استغلالها لما يقدمه النمط الحياتي المحلي من حيث ~~الموارد؛ إذ تعمل البيئة بمنزلة قيد. يمثل دب الكوالا شكلا متطرفا من أشكال ~~التنوع؛ إذ إنه يعتمد فقط على مصدر غذائي واحد. وتسمى دراسة تنوع الأنواع تلك ~~باسم «التطور الكبروي». يمتلك التطور على هذا المستوى اثنتين من الخصائص ~~الأساسية؛ أولاهما هي الانتواع: بمعنى انقسام السلالة وتطور أنواع ~~جديدة. # 5 # والثانية هي التباين المورفولوجي في السلالات: بمعنى تغيير الأنواع ~~لمظهرها وبنيتها الداخلية حتى تصبح غير قادرة على التهاجن. وهذه هي العملية ~~التي أطلق عليها داروين اسم «تحدر السلالة مع التعديل»، وهي موضوع مخطط الشجرة ~~الوحيد الوارد في كتاب «أصل الأنواع». واتباعا لهذا السبيل، قدم أحد أنصار ~~داروين، الألماني إرنست هيكل، أشجار الأنساب، لتمثيل تحدر السلالة مع التعديل ~~(شكل # 2-6 ~~). # شكل 2-6: شجرة أنساب الحياة. المصدر: إي هيكل، «الكلمات الأخيرة في ~~التطور» (لندن 1910)، 32. # ولكن لنترك منظور عين الطائر ونهبط إلى «مستوى الكائن الفردي». كيف يبدو ~~التطور من هذا المنظور؟ على هذا المستوى، يحتدم الصراع من أجل الحياة. ولتفسير ~~هذا الصراع من أجل الحياة، يقدم داروين بعض المبادئ التفسيرية؛ في البداية، ~~يولد عدد كبير من الأفراد، أكثر ممن يمكنه البقاء على قيد الحياة. # 6 # وهي تختلف عن الآباء اختلافات طفيفة. هذا هو «مبدأ الوراثة، وتباين ~~الصفات». فبين الذرية سوف يولد بعض الأفراد وهم يمتلكون تغايرات مواتية، ~~والبعض الآخر تغايرات ضارة. لا يمكن لأي بيئة معينة أن تدعم سوى عدد محدود من ~~الأفراد من نوع معين. وهذا له تأثير ينتج عنه استمرار الصراع من أجل البقاء. في ~~أي بيئة، يمتلك الأفراد ذوو الأفضلية الطفيفة مقارنة بالآخرين فرصة أفضل للبقاء ~~على قيد الحياة والمشاركة في إنجاب نوعهم. ويكون الأفراد ذوو التغايرات الأقل ~~ضررا أكثر احتمالا للموت. هذا هو «مبدأ الانتقاء الطبيعي»: الحفاظ على ~~التغايرات المواتية ورفض التغايرات الضارة. تتبع معظم ms145 التغيرات الصراع من أجل ~~الحياة: ليس فقط بقاء الفرد على قيد الحياة ولكن أيضا النجاح في ترك ذرية. «لا ~~يمكنك الحصول على تعقيد تكيفي من دون الانتقاء الطبيعي» (روس 2003، ~~333). # لقد نزلنا حتى الآن من تطور الأنواع إلى بقاء الأفراد على قيد الحياة. إذا ~~كان صحيحا أن بعض الأفراد يولدون بسمات مواتية وآخرين يولدون بسمات غير ~~مواتية، فمن الطبيعي أن نسأل: «ما الذي يسبب هذه التغايرات في الأفراد؟» الجواب ~~الحديث هو: الطفرات الوراثية العشوائية. وهذا يسمح بتحديد مستوى ثالث؛ «مستوى ~~الجينات». # تمثل هذه المستويات الثلاثة وحدات التطور والانتقاء والتغايرات. (شكل # 2-7 ~~): # الأنواع هي وحدة التطور. # الكائنات الفردية هي وحدة الانتقاء. # الجينات هي وحدة التغايرات. # لم يقدم داروين سوى تكهنات فحسب بشأن وحدة التغايرات. ~~وكثيرا ما تحدث عن «جهلنا» بسبب كل تغاير معين (في الأفراد). لم يكن داروين ~~يمتلك أدنى معرفة بقوانين مندل، لكنه شك في أن «الاضطرابات في الجهاز التناسلي» ~~- على حد تعبيره - تسهم على نحو رئيسي في حالات التغايرات أو الاختلافات في ~~النسل (داروين عام 1859، 173). # وفقا لداروين، عملية التطور عملية شديدة البطء تؤدي إلى تعديلات طفيفة غير ~~محسوسة. وهذا غالبا ما يسمى «التدرج» (يناقش جولد (2002) وينتقد التزام ~~داروين بالتدرج). # لا أستطيع أن أرى أي صعوبة في إنتاج الانتقاء الطبيعي للبنية الأكثر إتقانا، ~~إذا كان يمكن الوصول لهذه البنية من خلال «التدرج». (داروين 1859، 435، ~~153) # شكل 2-7: تمثل هذه المستويات الثلاثة وحدات التطور والانتقاء ~~والتغايرات. # يستطيع الانتقاء الطبيعي أيضا منع التعديل البطيء للأنواع على مدى آلاف ~~الأجيال. يقضي الانتقاء الطبيعي على «المنحرفين عن التطور المثالي الحالي» ~~لسمات الكائنات الحية. على سبيل المثال، اكتشف هيرمان بامبوس في عام 1899 أن ~~العصافير التي اختلف متوسط أطوال أجنحتها عن الطبيعي قتل منها في إحدى العواصف ~~أعداد أكبر من تلك التي تمتلك أجنحة عادية. ويطلق على ميزة وجود سمة عادية ~~(طول الجناح، اللون) «تطبيع» أو «انتقاء تثبيتي» (ويليامز 1996، 32-34). ~~(4-2) أصل الإنسان # الإنسان أكثر شبها بالغوريلا من شبه الغوريلا بالليمور. (هكسلي، ~~«المقالات المجمعة»، الجزء الثاني: الداروينية (1907)، المقالة ms146 الثانية، ~~61) # ذكرنا سابقا اكتشاف حفريات بشرية. وكان ذلك مرتبطا بمسألة ~~البشر في العصور القديمة. استبدل عمل داروين آلية الانتقاء الطبيعي بالحاجة القديمة ~~للغائية. ثمة عبارة واحدة فقط في كتاب «أصل الأنواع» ذكر فيها داروين البشر: «سوف ~~يلقى الضوء على أصل الإنسان وتاريخه » (داروين 1859، 458). بعد اثني عشر عاما من ~~نشر كتاب «أصل الأنواع» تناول داروين أخيرا مسألة أصل البشر في كتاب بعنوان «أصل ~~الإنسان» (1871)، ولكن لم ينتظر معاصرو داروين كل هذا الوقت؛ فبمجرد أن نشر داروين ~~فكرته الأصلية، التي قرنت فكرة التطور بآلية الانتقاء الطبيعي، أسرع معاصروه ~~لاستخلاص استنتاجات بشأن أصل البشر؛ فخلال ستينيات القرن التاسع عشر قدمت مجموعة من ~~الكتب المهمة ما اشتهر في أوساط الصحافة الشعبية بأنه نظرية القرود. وشهد عام 1863 ~~نشر كتاب توماس إس هكسلي «الأدلة على مكانة الإنسان في الطبيعة» وكتاب تشارلز لايل ~~«الأدلة الجيولوجية على عصور البشر القديمة». وتلاه كتاب إدوارد تايلر «أبحاث تاريخ ~~البشرية القديم وتطور الحضارة» (1865)، وبعد ذلك كتابه «البيئة البدائية» (1871) ~~وكتاب «علم الإنسان» (1881). وفي القارة الأوروبية، نشر فريدريش رول «الإنسان، أصله ~~وحضارته في ضوء نظرية داروين» (1865، 1870 # 2 ~~). قدم ~~الكتاب سلسلة من اكتشافات الحفريات البشرية ودافع عن الرؤية الكونية الداروينية ~~بشأن تحدر الجنس البشري من أشكال سابقة شبيهة بالإنسان. نشر كارل فوجت كتابه ~~«محاضرات عن الإنسان» (1863)، الذي ترجم في عام (1864). أوضح فوجت أصل الأجناس من ~~خلال ربط أصلها بأسلاف مختلفين من أشباه البشر. رفض معظم الداروينيين نظريته متعددة ~~الجينات تلك؛ فكانوا يرون أن جميع الأجناس تنحدر من السلف المشترك نفسه (براون ~~2003، «ساينتيفيك أمريكان» 289، 2003، 50-57؛ ميناند، 2001). نشر إرنست هيكل ~~كتابه المكون من مجلدين «التشكل العام للكائنات» (1866)، تلاه كتاب «التاريخ ~~الطبيعي للخلق» (1868). كان هيكل واحدا من أكثر المدافعين عن الداروينية إصرارا ~~وحماسا. فجمع الفطنة العلمية مع الرؤية الفلسفية، وحول الداروينية إلى رؤية كونية. ~~كان المهم بشأن هذا الطوفان من الأعمال المنشورة عن مسألة أصل الإنسان هو استنادها ~~جميعا إلى النظرية الداروينية. وكما لاحظنا بالفعل، فإن التشكيك في التسلسل الزمني ~~التوراتي لم يشكل خطرا حقيقيا ms147 على الرؤية الكونية التقليدية. فلم تكن الستة آلاف ~~سنة مهمة، حرفيا. فربما تكون مقياسا زمنيا مجازيا. بل كان المهم هو الفرضيات ~~الأساسية الموروثة من «سلسلة الوجود العظمى» وحجة التصميم. كان البشر مختلفين بوضوح ~~عن الحيوانات الأخرى؛ فلا يمكن أن يكون لأصلهم الجذور نفسها، ولكن نظرية داروين عن ~~الأصول فتحت فضاء مفاهيميا يمكن أن تربط فيه مسألة أصل الإنسان بآلية الانتقاء ~~الطبيعي. # جوليا بسترانا - «المرأة الغوريلا» - كانت من غرائب ستينيات ~~القرن التاسع عشر. لم يعتبرها داروين دليلا على تحدر البشر من ~~القرود. # كانت مسألة أصل الإنسان حساسة للغاية، حيث كان العرف القديم يقضي بتفرد البشر. لم ~~ترتبط هذه الفرضية بنموذج غير تطوري، بل كانت قائمة على الغائية. كان بالفعل من ~~الصعب تصور أن المخ البشري تطور بالطريقة نفسها مثل «الأعضاء» الأخرى. بدا أن العقل ~~البشري وظاهرة الوعي بعيدين تماما عن متناول التفسيرات الطبيعية. وتماما كما بدا ~~طبيعيا للإغريق أن ينسبوا موضعا فريدا للأرض، بدا طبيعيا لمعظم علماء الأحياء ~~قبل الداروينية أن ينسبوا مكانة فريدة للبشر في قصة الخلق. كان يوجد عزوف كبير عن ~~قبول وجود ارتباط متواصل بين جميع الكائنات. انشغل المفكرون قبل الداروينية بإنقاذ ~~الظواهر بقدر انشغال علماء الفلك الإغريق به، وقد تطلب الأمر تغييرا في المنظور ~~لكسر هذا السحر. أخبر كوبرنيكوس معاصريه المرتابين بالتفكر في حركة الكواكب والنجوم ~~من منظور أرض متحركة، لا أرض ثابتة. ومن منظور تطوري، أوصى الداروينيون باعتبار ~~المخ البشري عضوا طبيعيا، كمقر للعقل البشري. # 7 # لا تنظر إلى الذكاء البشري من منظور إلهي، تصوره على أنه نتاج ~~للتطور. # من الطبيعي الاعتراض بأن العقل البشري أسمى بكثير من أي «عضو» آخر، ومن ثم لا ~~يمكن أن يكون نتيجة للتطور؛ فهو لم يتكيف بنفس طريقة تكيف «الأعضاء» أو «الكائنات ~~الحية» الأخرى. عاتب والاس قراءه بقوله: قارن فحسب اليد البشرية والعقل البشري. ~~اعتنق والاس وجهة نظر ثنائية، تذكرنا بتيكو براهي. لم يستطع براهي تقبل فقدان ~~المركزية المادية للأرض، الذي ينتج عن الكوبرنيكية؛ فأبقى الأرض في موضعها الأرسطي ~~المركزي ms148 وجعل القمر والشمس يدوران حول الأرض المركزية، ومع ذلك، تدور الكواكب ~~الأخرى في مدارات حول الشمس. أخضع والاس الجسم البشري إلى آليات المبادئ التطورية، ~~لكنه اشترط لخلق العقل البشري مصدرا إلهيا. أراد الداروينيون التخلي عن هذا ~~الرأي الثنائي بقدر رفض الكوبرنيكيين للكون ذي الفلكين. فإذا كان لا بد أن يتتبع ~~البشر أثر أصلهم إلى أشكال الحياة الحيوانية البدائية، فإن ظهور المخاخ والعقول يجب ~~أن يذعن للتفسيرات التطورية. كان هذا مرة أخرى مسألة استدلال. # كان من الأسهل بالطبع البدء بالجسد البشري، وهذا هو المكان الذي بدأ منه ~~الداروينيون. كان جيل سابق قد استنتج بالفعل أن الإنسان موجود على الأرض منذ زمن ~~بعيد. كان التحدي الآن هو إيجاد رابط بين الهياكل الجسدية للإنسان والقردة الشبيهة ~~بالإنسان. بمجرد إيجاد هذا الرابط، يمكن محاولة إيجاد تفسير يعامل العقل البشري على ~~أنه نتاج للمخ البشري. وهكذا انتقل الداروينيون من علم الأحياء إلى الفلسفة، من ~~التطور إلى فلسفة العقل. # كانت الاستراتيجية العامة هي التأكيد على الرابط المتواصل بين عالمي الحيوان ~~والبشر. في ذلك الوقت لم تكن توجد دراسات جينية متاحة تعلمنا أن البشر والشمبانزي ~~يتشاركون 95 بالمائة من المادة الجينية. وبالنسبة للداروينيين، حمل علم الأجنة ~~والتشريح وعلم الحفريات الرسالة نفسها. فكشفت دراسة أجنة الأنواع المختلفة أنه على ~~الأقل خلال المرحلة الأولى من تطور الأجنة يكاد يكون من المستحيل التمييز بين البشر ~~والدجاج (شكل # 2-3 ~~). وأوضح التشريح للداروينيين أوجه التشابه في البنية الجسدية بين ~~البشر والرئيسيات الأخرى؛ فمن الرأس إلى أخمص القدمين، أظهرت الهياكل العظمية للبشر ~~والقردة تشابها مثيرا للدهشة. فأنماط تلافيف مخاخ البشر والقردة الشبيهة بالإنسان ~~هي نفسها، وكذلك ترتيب العضلات في القدم (شكل # 2-8 ~~). وترتيب ~~أعضاء البطن مشابه، كما يوجد تشابه وثيق في الأسنان الطاحنة. # شكل 2-8: مقارنة بين القدم واليد لدى الإنسان والشمبانزي. (المصدر: تايلر، ~~«علم الإنسان» (1881)، صفحة 42). # صورة لتوماس هكسلي (1825-1895). # كانت الدراسات التي تتناول مسألة إنسان العصور القديمة قد كشفت بالفعل عن حفريات ~~مثل إنسان نياندرتال، الذي يختلف في الشكل عن الإنسان ms149 الحديث. تضع الداروينية الآن ~~تركيزا شديدا على الروايات التاريخية. فوفقا للنظرية التطورية لداروين، بما أن ~~الكائنات الحية ترتبط من ناحية الأصل، فليس من المبالغة أن نستنتج من التشابه ~~التشريحي وجود أصل مشترك. لقد كشفت دراسة الحياة في الماضي الجيولوجي عن حدوث ~~التحدر مع التعديل. في كتاب «الأدلة على مكانة الإنسان في الطبيعة » (1863)، أثبت ~~هكسلي هذه النقطة بوضوح عندما بين العلاقة التشريحية بين مختلف الرئيسيات. قارن ~~صور الهياكل العظمية لقرد جيبون وإنسان الغاب والشمبانزي والغوريلا والإنسان (شكل # 2-9 ~~). كان هدف مثل هذه الدراسات التفصيلية هو العثور على ~~أدلة تدعم نظرية التحدر. وكانت أيضا وسيلة لدحض سيناريو الخلق. زعمت نظرية التحدر ~~أنها تستطيع تفسير هذه الظواهر بمبدأ تفسيري واحد؛ فقد جلب مبدأ الانتقاء الطبيعي ~~التوحيد. كان الداروينيون حريصين على التأكيد على أن قدرة الدماغ البشري لم تكن ~~تختلف كثيرا عن الحيوانات. كان الاختلاف في الدرجة وليس في النوع. وفي نهاية القرن ~~التاسع عشر تناول العديد من الكتب مسألة ذكاء الحيوان. نشر لودر ليندساي كتاب ~~«العقل عند الحيوانات الدنيا» (1879)، ونشر جورج رومانز كتابه «التطور العقلي لدى ~~الحيوانات» (1883)، وعرض آر سي لويد مورجان وجهات نظره في كتاب «الحياة الحيوانية ~~والذكاء الحيواني» (1890-1891). وفتحت مجلة نيتشر صفحاتها أمام الحكايات المسلية ~~التي تتناول ذكاء الحيوانات (نيتشر 29 (1883-1884)، 336؛ انظر المربع 2-2). # شكل 2-9: العلاقة التشريحية بين قرد جيبون وإنسان الغاب والشمبانزي ~~والغوريلا والإنسان وفقا لتي إتش هكسلي (المصدر: تايلر، «علم ~~الإنسان» (1881)، صفحة 39). # كانت إحدى التهم المتكررة من جانب الداروينيين أن نظرية الخلق تتطلب حدوث عمليات ~~خلق خاص متعددة لتفسير تنوع الحياة. وأعرب داروين عن رأيه في هذا قائلا: «أنا لا ~~أؤمن بعمليات خلق لا حصر لها.» تمتلك الكائنات الحية العديد من السمات بعضها ليس ~~تكيفات ولا تعزز البقاء على قيد الحياة على نحو مباشر. وافترض داروين نوعا آخر من ~~الانتقاء - الانتقاء الجنسي - لا يعتمد على الصراع من أجل البقاء ولكن على الصراع ~~من أجل حيازة الإناث (داروين 1859، 136؛ داروين 1871، الفصل الثامن). وأوضح مصدر ~~السمات التي بدت غير ms150 ذات أهمية أو ضارة في الصراع من أجل الوجود - قرون الغزلان، ~~وريش الطاووس - كأدوات لزيادة النجاح في التزاوج: # عندما يكون لذكور وإناث الحيوانات عادات الحياة العامة نفسها، ولكن ~~يختلف الجنسان في البنية الجسدية أو اللون أو الزخارف الجسدية، فإن هذه ~~الاختلافات يسببها على نحو رئيسي الانتقاء الجنسي. (داروين 1859، 137؛ ~~جولد 1987، 46) # مربع 2-2: الذكاء الحيواني # قدم شخص ما يدعى إف جيه فاراداي من مانشستر الحكايات التالية لقراء ~~مجلة نيتشر دليلا على الذكاء الحيواني: # ثمة سمكة كانت غير قادرة على الحصول على قطعة من الطعام تقبع في الزاوية ~~التي شكلها الزجاج الجانبي وزجاج قاع الحوض. رفعت نفسها بوضعية مائلة، بحيث ~~يكون رأسها مائلا لأعلى والسطح السفلي لجسمها نحو الطعام. ثم من خلال ~~تحريك زعانفها صنعت تيارا في الماء رفع الطعام مباشرة إلى فمها. # ألقيت كعكة في بركة، وسقطت في زاوية بعيدة عن متناول دب. بدأ الحيوان ~~عند ذلك تحريك المياه بكف يده، بحيث أنشأ تيارا دورانيا أدى في النهاية ~~إلى تحريك الكعكة حتى متناوله. # على الرغم من أن داروين كان يعتقد أن الانتقاء الجنسي عملية منفصلة عن الانتقاء ~~الطبيعي، فإن كثيرا من علماء الأحياء الحديثة يعتبرونه فئة خاصة من الانتقاء الخاص ~~بالمكانة الاجتماعية، وهو نوع من الانتقاء الطبيعي (وليامز 1996، 28-31). كذلك آمن ~~داروين أيضا بأن الانتقاء الطبيعي هو الوسيلة الرئيسية وليس الوحيدة للتعديل ~~(داروين 1859، 69). وتظهر هذه الملاحظة أهميتها الحقيقية في التفسيرات الداروينية ~~للمسائل العقلية. # وهكذا نرى أن الداروينيين انخرطوا في الوقت نفسه في العلم والفلسفة، في مسائل علم ~~الأحياء ومسائل الفلسفة. فليس كافيا للعالم أن يجمع البيانات التجريبية، بل يجب ~~أن توضع هذه البيانات في نظام متسق. وكما كان الداروينيون يدركون تماما، واجهت ~~نظريتهم التطورية للحياة منافسة. لم تهيمن نظرية لامارك الخطية للتطور مع إصرارها ~~على وراثة السمات المكتسبة. صحيح أنها رفضت ثبات الأنواع، ولكنها التزمت بالغائية، ~~وهو ما تشاركت فيه مع سيناريوهات الخلق. رفضت نظريات الخلق فكرة تنوع الأنواع. ورغم ~~أن فكرة التطور أصبحت مقبولة على نحو عام، فقد ظل مبدأ داروين ms151 للانتقاء الطبيعي ~~خلافيا. في عام 1859، دخل كتاب داروين مشهدا مفاهيميا دعم عدة تصورات متنافسة ~~لأصل الأنواع، كانت كلها تستند على أساس تجريبي واه نوعا ما. واحتاجت الداروينية ~~دعما تجريبيا وفلسفيا على حد سواء. لننتقل إلى المسائل الفلسفية لتوضيح أن ~~الداروينية ورثت عن المنهج الفلسفي بعض الفرضيات. وهذا أكسبها اتهامات بعدم احترام ~~الأساليب العلمية الراسخة؛ اتهامات بالمادية واللاأخلاقية. ~~(5) مسائل فلسفية # كل العلم الحقيقي هو فلسفة، وكل الفلسفة الحقيقية هي علم. وبهذا المعنى فإن ~~كل العلم الحقيقي هو فلسفة طبيعية. (لامارك، «فلسفة علم الحيوان» (1963)، الفصل ~~الثاني، 33؛ ترجمة المؤلف) # قال أينشتاين ذات مرة: إن العلم من دون فلسفة يكون مشوشا، والفلسفة ~~دون علم تكون نظاما فارغا. قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى غريبة. تعودنا على ~~التفكير في العلم والفلسفة كمجالين منفصلين. صحيح أن معظم ما نسميه علما اليوم كان ~~يطلق عليه يوما ما فلسفة طبيعية؛ فقد صار مصطلح «العلم» يستخدم استخدامه الحالي في ~~وقت ثورة داروين تقريبا. ومنذ ذلك الحين أدى التخصص المتزايد في جميع مجالات المعرفة ~~إلى إقامة الحدود بين التخصصات. سعى الفلاسفة، وخاصة في الآونة الأخيرة، إلى التقارب مع ~~العلوم وأنشئوا تخصصات مثل فلسفة العلوم وفلسفة الفيزياء وفلسفة البيولوجيا، ولكن ~~الحقيقة هي أن العلماء كثيرا ما كانوا مهتمين بالفلسفة، وهذا ينطبق خصوصا على العلماء ~~العظام الذين دفعتهم ابتكاراتهم إلى تأمل الآثار الفلسفية للاكتشافات العلمية. كان يوجد ~~الكثير منهم حتى إننا قد نشك، ولنا الحق في ذلك، في أن «ولع» العالم الفلسفي أكثر من ~~مجرد هواية. لا بد أنه يوجد بعد ما في النشاط العلمي ذاته يغري العلماء بالتفكير ~~فلسفيا. والجواب العام - الذي ورد في الفصول الثلاثة لهذا الكتاب - هو أن العلوم لا ~~تعمل مع تقنيات رياضية متخصصة وحسب، ولكنها تلتجئ أيضا إلى مفاهيم أساسية تماما، ~~تساعد على بناء نظرية متسقة متماسكة لعالم خاص من الظواهر. ربما تتخذ هذه المفاهيم ~~شكل افتراضات غير معلنة بشأن طبيعة الواقع أو طبيعة النظريات، ولكن في كثير من الأحيان ~~يجعل العلماء فرضياتهم الفلسفية علنية. علاوة على ms152 ذلك، تكون هذه الفرضيات عامة للغاية ~~لدرجة إمكانية تطبيقها على العديد من التخصصات؛ ولذلك من الممكن أن تجد مسائل فلسفية ~~مثل الفرصة والضرورة، والمادية والآلية، والكينونة والصيرورة، والزمن والمكان في ~~مناقشات علماء الفيزياء والأحياء والاجتماع على حد سواء. عادة ما تكون هذه المسائل ~~أيضا مثار اهتمام كبير لدى الفيلسوف. وفي محاولة لتوضيح هذه المفاهيم الأساسية، يتلاقى ~~الفيلسوف والعالم على أرضية مشتركة. وكما سنرى في الأجزاء التالية، وضعت فرضيات ~~فلسفية أساسية في عالم التفكير التطوري. كان من نتائج نظرية داروين الجديدة للحياة ~~العضوية أن هذه الفرضيات الفلسفية وقعت في بعض الأحيان من التجريد الفلسفي الواهي على ~~أرض العلم التجريبي الصلبة. تؤدي الثورة في الفكر في كثير من الأحيان إلى التشكيك في ~~الفرضيات الفلسفية، وهذا ما قصده أينشتاين. يتشوش العلم إذا ظل غامضا حيال التزاماته ~~الفلسفية تجاه الواقعية والمنهج العلمي. وتحتاج الفلسفة من العلم أن يلقي مرساة تجعلها ~~على اتصال دائم بالعالم الحقيقي؛ فالفلسفة تحتاج إلى تبني نتائج العلم لكيلا تشيد بناءها ~~على أساس واه (فاينرت 2004). ~~(5-1) فرضيات فلسفية: وجهة النظر الميكانيكية والحتمية والمادية # من جانبي أود أن أكون من نسل هذا القرد الصغير البطل، الذي تحدى عدوه ~~اللعين من أجل إنقاذ حياة حارسه، أو من هذا البابون العجوز، الذي حمل رفيقه ~~الشاب أثناء هبوطه من الجبال بانتصار وسط حشد من الكلاب المشدوهة؛ أفضل من ~~أن أكون من نسل وحش يسعد بتعذيب أعدائه، ويقدم ذبائح دموية، ويئد دون ندم، ~~ويعامل زوجاته كالعبيد، ولا يعرف أخلاقا، ويكون مسكونا بأفظع الخرافات. (داروين، ~~«أصل الإنسان» (1871)، الجزء الثاني، الفصل الحادي والعشرون، ~~404-405) # رأينا أن نظرية التطور لداروين دخلت حيزا تجريبيا أخبرتنا فيه ~~الحفريات قصة منقحة عن عصور البشر القديمة. لتوضيح عصور البشر القديمة والأصل ~~المشترك، اعتمد الباحثون على أدلة من علم الأجنة والتشريح المقارن وعلم الحفريات. ~~أضاف داروين خلال رحلته على متن السفينة «بيجل» قدرا كبيرا من المشاهدات المتعلقة ~~بالتوزيع الجيولوجي وتنوع الأنواع. كانت المواد الواقعية لا تزال ضعيفة بما فيه ~~الكفاية للسماح بتعايش عدة مخططات ms153 مفاهيمية في الوقت نفسه؛ فقد كانت سيناريوهات ~~الخلق التي تؤمن بثبات الأنواع لا تزال موجودة (كوفييه، أجاسيز). # مربع 2-3: لغز الطفرات الوراثية # تتمثل إحدى الأفكار الرئيسية للداروينية، كما أشار إرنست ماير مرارا ~~وتكرارا، في «فكر الجماعات». لا ينبغي النظر للأنواع على أنها أنواع مثالية ~~وإنما بوصفها مجموعة من الأفراد (انظر ماير 2001؛ جيزلين 1969، 56؛ بوشنر 1868، ~~المحاضرة الأولى). هؤلاء الأفراد يختلف أحدهم عن الآخر قليلا، ويختلف الآباء ~~عن ذريتهم. وهذا يتيح لبعض أفراد الذرية أن يكونوا أفضل في السمات من غيرهم. ثمة ~~كثير من القصص في الدراسات السابقة عن جراتيو كيليا؛ المالطي الذي ولد بستة ~~أصابع في اليد وستة أصابع في القدم (انظر تي إتش هكسلي، «المقالات المجمعة 2» ~~(1907)، 37، 406؛ إف رول 1870 # 2 ~~، 82-84، 102-103). ~~تزوج جراتيو بامرأة عدد أصابع يديها وقدميها طبيعي. رزق الزوجان بأربعة أطفال، ~~فولد الطفل الأول بستة أصابع في القدم وستة أصابع في اليد مثل والده. وكان الطفل ~~الثالث طبيعيا مثل أمه. وكان الطفلان الآخران لهما خمسة أصابع في اليد وخمسة في ~~القدم ولكن كانت أطرافهما مشوهة قليلا. وعندما أصبح هؤلاء الأطفال بالغين ~~وتزوجوا، فإنهم أنجبوا مرة أخرى أطفالا بعضهم لديه ستة أصابع في اليد وستة في ~~القدم والبعض الآخر لديهم خمسة أصابع على نحو طبيعي. # ويناقش داروين (نيتشر 24، (1881)، 257) حالة السيد الأميركي الذي بدأ يتحول ~~لون شعره إلى الرمادي في سن العشرين. وعندما تزوج أنجب أربع بنات، بدأ شعر ~~اثنتين منهن أيضا يتحول إلى الرمادي في نفس العمر مثل والدهما، في حين احتفظت ~~الأخريان بشعر أمهما الداكن. # كان يوجد أيضا العديد من المؤلفات عن التطور (لامارك، سانت-هيلير، «بقايا ~~التاريخ الطبيعي للخلق»)، التي كان عنصرها الأكثر تقدما هو تنوع الأنواع، لكنها ~~وجدت صعوبة في تقديم آلية موثوقة يمكن أن تفسر اختلافات الأنواع. # تقدم داروين خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح عن طريق مقترح الانتقاء الطبيعي، ولكن ~~ظل سبب الاختلاف الوراثي لغزا، وقد جذبت الطفرات العفوية الكثير من الاهتمام في ~~دراسات التطور (انظر مربع 2-3). # وقعت هذه الاستراتيجيات التجريبية والمفاهيمية المختلفة على خلفية ms154 لوحة فلسفية ~~رسمها عصر التنوير؛ لذلك ليس من المستغرب أن نجد العصر الفيكتوري مشبعا بثلاثة ~~التزامات فلسفية؛ الأول: هو «وجهة النظر الميكانيكية»، والثاني: هو «الحتمية»، ~~والثالث: هو «المادية». لا حاجة بنا للبحث عن قنوات خفية تربط علم العصر الفيكتوري ~~بفلسفة العصر الفيكتوري؛ فالفرضيات الفلسفية مدمجة في كتابات العلماء الفيكتوريين. ~~فقد ورثوها من المنهج الفلسفي. ~~(1) # أطلق توماس كارلايل في عام 1829 على القرن التاسع عشر اسم عصر الآلات ~~(كارلايل ، مقالة «لافتات العصور» (1829)، مقتبسة في باشمان 1995، 11). ~~ضرب هذا اللقب وترا حساسا حيث إنه في نهاية القرن عارض هيكل لقب ~~«قرن الأنثروبولوجيا» السابق وأطلق على القرن لقب «القرن الطبيعي». ~~منحت المحركات البخارية والكهرباء للقرن التاسع عشر «ختما ~~ميكانيكيا» (هيكل 1929، 279، 307). ورث الالتزام ب «وجهة النظر ~~الميكانيكية» من الثورة العلمية وعصر التنوير؛ فوفقا للآباء المؤسسين ~~للعلوم، يتكون العالم المادي من المادة والحركة. أطلق روبرت بويل عليها ~~اسم وجهة النظر الجسيمية. وفسرت هذه النظرة جميع الظواهر ~~الطبيعية بالرجوع إلى قوانين الحركة التي تنطبق على أصغر وحدات المادة؛ ~~الذرات أو الجسيمات (انظر الفصل الأول، 5). # إرنست هيكل (1834-1919). ~~(2) # نبع الالتزام ب «الحتمية» أيضا من الثورة العلمية. في الأعمال ~~الفلسفية، غالبا ما تتسم الحتمية بأنها اعتقاد بالقدرة على التنبؤ ~~المباشر بالظواهر الطبيعية من خلال معرفة القوانين القطعية والظروف ~~الأولية. وصورتها الدائمة هي «شيطان لابلاس»، الذي يكشف نظره للتاريخ ~~الكوني الحالة الديناميكية لجميع الأحداث، في الماضي والمستقبل، وكأنها ~~خرز في سلسلة لا تنتهي. وتظهر الدراسة الأكثر دقة أن شيطان لابلاس ~~يعتنق أيضا فكرة أنطولوجية للحتمية. فشيطان لابلاس يستطيع معرفة ~~التاريخ الكوني والتنبؤ به، لأن الأحداث الكونية مربوطة في سلسلة فريدة ~~من الأسباب المسبقة والآثار اللاحقة. فلا تقع أي أحداث بالصدفة. ~~فالأحداث السببية التي وقعت يوم أمس تؤدي إلى آثار اليوم، والتي تصبح ~~سببا لآثار الغد (فاينرت 2004، الفصل الخامس). وينعكس هذا الالتزام ~~بالحتمية الأنطولوجية في كتابات الفيزيائيين والممارسين الطبيين، وكذلك ~~في كتابات علماء الأحياء. ووفقا لإرنست هيكل: # أوضح علم التطور أن القوانين الثابتة الأبدية نفسها التي ~~تحكم العالم غير العضوي تنطبق ms155 أيضا على العالم العضوي ~~والأخلاقي. (هيكل 1929، 285؛ 1866، الفصل الرابع؛ 1878، ~~509) # كانت هذه وجهة نظر هكسلي أيضا. # 8 # ينبغي أن نلاحظ في هذا الصدد أن داروين شارك في الالتزام بالمادية، ~~ولكنه لم يلتزم بالحتمية الصارمة. التطور عملية عشوائية، حيث تكون ~~الصدفة هي السمة الأهم وليس الضرورة. يعمل مبدأ الانتقاء الطبيعي على ~~الاختلاف المتناحي؛ فهو يميل إلى انتقاء الاختلافات المواتية والتخلص ~~من الاختلافات غير المواتية. ولا ينبغي أن يساء فهم ذلك على أنه ~~مصادفة عمياء عشوائية. إذ يجب أن يحافظ التطور على الاختلافات المواتية ~~وأن يراكمها، ولكن مصير الكائن الحي دائما ما يكون تحت رحمة الطفرات ~~الجينية العشوائية والقيود البيئية. يعمل التطور في سياق محلي على نحو ~~صارم، تشكله بيئة متغيرة. ترك داروين قراءه في شك قليل حيال ~~احتمالات التطور: # لا أؤمن بأي قانون ثابت للتطور (...). إن تنوع كل نوع مستقل ~~تماما عن كل الأنواع الأخرى. وإمكانية أن يستفيد الانتقاء ~~الطبيعي من هذا التنوع أم لا، وهل كانت الاختلافات تتراكم ~~على نحو أكبر أو أقل (...)، تعتمد على العديد من الاحتمالات ~~المعقدة ... (داروين 1859، 318؛ دينيت 1995، الفصل ~~العاشر) ~~(3) # وهكذا فإن الداروينيين ملتزمون ب «المادية»، التي تمثل مرة أخرى ~~تراثا من الثورة العلمية، وقد أصبح هذا الالتزام واضحا على نحو خاص ~~عندما طبق نموذج داروين التطوري على ظهور البشر على الأرض. وجد معاصرو ~~داروين أنه من الصعب على نحو خاص قبول التحدر الأرضي المشترك للبشر. ~~وقد اعتقد أن نظرية داروين للتغير مبنية على حقائق «وهمية»، والأسوأ ~~من ذلك أنها اعتبرت هرطقة ضد المسيحية وخلود الروح. كان عمل داروين ~~خطرا لأنه ألغى الحاجة إلى التصميم الخاص. # 9 # لماذا شعروا بالنفور عندما أصبحت المادية موضوعا بارزا ~~بين فلاسفة التنوير؟ (لامتري 1747؛ هلفيتيوس 1758). # كان لامارك، أيضا، ماديا؛ ففي كتابه «فلسفة علم الحيوان» يقول: # جميع القدرات من دون استثناء بدنية بحتة؛ أي إن كل واحدة منها تظهر ~~أساسا بسبب أنشطة التنظيم، من أبسط الغرائز إلى القدرات الفكرية. # وكما يعترف لامارك، تواجه المادية الاعتراض القائل بأن العلاقة ~~بين المخ والعقل لا يمكن فهمها. # ما ms156 العقل؟ هو مجرد اختراع لغرض حل الصعوبات التي تنبع من عدم كفاية ~~المعرفة بقوانين الطبيعة. المادية والأخلاقية لهما أصل مشترك؛ فالأفكار ~~والفكر والخيال ما هي إلا ظواهر طبيعية. (لامارك 1809، الجزء الثاني، ~~مقدمة؛ لانج 1873، الجزء الثالث) # ذهب الماديون الفرنسيون أبعد من ديكارت؛ ففي كتابه «الإنسان» (1664)، كان ديكارت ~~قد درس الجسم البشري وكأنه آلة أرضية، ولكن بدا هذا تقليلا لتفوق العقل البشري. ~~وكان حل ديكارت هو ثنائية الجوهر؛ إذ كان الجسم جوهرا ماديا ممتدا، بينما كان ~~العقل جوهرا غير مادي، متصلا بجسم الإنسان من خلال الغدة الصنوبرية. يتدفق الدم ~~في الأوردة، وعندما يصل إلى المخ، فإنه يتحول إلى أرواح حيوانية. والأرواح ~~الحيوانية قادرة على تحريك الأطراف. يسكن العقل والجسم عالمين منفصلين، ويتصلان من ~~خلال سوائل غامضة. لم يرض ورثة ديكارت الفلسفيون عن حله الثنائي. ينبغي أن تخضع ~~الظواهر العقلية أيضا لتفسير ميكانيكي، وقد بذل الماديون الفرنسيون قصارى جهدهم ~~لتفسير جميع العمليات العقلية كمظاهر للعمليات البدنية. # يتمثل التحدي الأكبر للمادية في تفسير ظاهرتي العقل والوعي. هل العقل والمخ ~~متطابقان؟ هل العقل مجرد ظاهرة ثانوية؟ هل تظهر العمليات الذهنية من العمليات ~~المخية؟ تعد هذه الأسئلة الفلسفية نتيجة مباشرة للالتزام بالمادية، التي أيدها معظم ~~الداروينيين. بمجرد أن قبلوا آلية الانتقاء الطبيعي، التي وحدت العديد من الظواهر ~~المتنوعة، فإنهم كرهوا إعادة استخدام حل ثنائي من أجل حل لغز العقل. يمكن أن يعزى ~~ظهور الجسم البشري إلى آلية الانتقاء الطبيعي، وإذا استثني العقل من مجال ~~التفسيرات التطورية، فسيعود التصميم والغائية للظهور. كان الداروينيون ملتزمين ~~للغاية بالمادية لدرجة لا تسمح بترك ثغرة لثنائية العقل والجسم. ومن خلال تبني ~~نظرية مادية للعقل، كانوا مضطرين للانتقال من علم الأحياء التطوري إلى فلسفة ~~العقل. ~~(5-2) من علم الأحياء إلى فلسفة العقل # لا يزال الإنسان يحمل في إطار جسده الدليل غير القابل للمحو على أصله ~~البسيط. (داروين، «أصل الإنسان» (1871)، الجزء الثاني، الفصل الحادي ~~والعشرون، 405) # مع نشر كتاب داروين «أصل الأنواع»، اكتسبت مسألة أصل وطبيعة ~~البشرية فجأة إطارا نظريا جديدا. تناول عدد من ms157 الباحثين على الفور وعد داروين ~~الشهير بإلقاء الضوء على أصل الإنسان، وحاول هؤلاء تقديم إجابة في سياق الانتقاء ~~الطبيعي. # 10 # عندما نشر داروين أخيرا كتاب «أصل الإنسان» (1871) لم يكن قد دخل في ~~نطاق مجهول، كما رأينا بالفعل، أوضح هيكل وهكسلي وليل ورول وتايلر وفوجت بالفعل ~~دروس تطبيق الانتقاء الطبيعي على ظهور البشر على الأرض. ويعاني أي تطبيق لنظرية ~~الانتقاء الطبيعي على أصل البشر على الأقل من مسألتين؛ أولا: ثمة تحد «تجريبي» ~~في وضع أصل البشر في نطاق النظام العضوي. ثانيا: ثمة تحد «فلسفي» أمام استيعاب ~~القدرات العقلية والأخلاقية العليا للبشر داخل الإطار التطوري. وحتى نشر كتاب ~~داروين «أصل الإنسان»، كانت هذه المحاولات تتم دون تغيير كبير في الفرضيات الفلسفية ~~الأساسية الخاصة بالحتمية والمادية والآلية. ~~(أ) التجريبية # تكمن الحجة «التجريبية» الأكثر أهمية لصالح وضع أصل الإنسان في عالم الحيوان ~~في أوجه التشابه البنيوية. في ستينيات القرن التاسع عشر كانت حجة التشابه تعتمد ~~على علم الأجنة، وعلم التشريح المقارن، وعلم الحفريات. أجرى الباحثون مقارنات ~~تشريحية مضنية، وخاصة بين الهياكل العظمية لقرود وبشر العالم القديم. أطلق ~~فريدريش يوهان بلومنباخ (1752-1840) على القرود اسم «كوادرومانا»، أي كائنات ~~رباعية الأيدي، والبشر «بيمانا»، أي كائنات ثنائية الأيدي. كان هذا التمييز ~~شائعا حتى أظهر هكسلي أنه غير كاف، ولكن التشابهات بين مخطط الجسم والأطراف ~~والجماجم كانت واضحة للعين المجردة (انظر الشكلين # 2-8 # و # 2-9 ~~). # كان قدم البشر وتشابههم البنيوي الوثيق مع القردة واضحا. وبمجرد أن أصبح ~~مبدأ الانتقاء الطبيعي متاحا، كانت فرضية تحدر الإنسان من القرد نتيجة طبيعية. ~~ولكن ما الشكل الذي اتخذه هذا التحدر؟ كان لامارك قد قدم بالفعل نظريته عن ~~التعديل التدريجي، التي عرفت الإنسان بأنه ذروة التطور الخطي؛ ولذلك، بدا ~~الإنسان أكثر أشكال الحياة تعقيدا وأعلاها. ثم مضى لامارك وقارن بين كمال ~~البشر والنقائص المتدرجة للأشكال العضوية الأقل، ومع ذلك، فإن الحفريات لم تدعم ~~التعديل التدريجي. على الرغم من أن هكسلي وهيكل رفضا نظرية لامارك للتعديل ~~التدريجي من خلال توريث الصفات المكتسبة بالاستخدام، فإنهما ms158 اعتقدا بوجود شكل ~~من أشكال التحدر المباشرة للبشر من أشكال عضوية أدنى. وفقا لهكسلي، من ~~المعقول أن الإنسان قد نشأ من خلال التعديل التدريجي لقرد شبيه بالبشر: # ولكن لو لم يفصل البشر عن الحيوان بأي حاجز بنيوي أكبر من ذلك الذي ~~يفصل الحيوانات بعضها عن بعض، فيبدو أن ذلك يستتبع أنه إذا اكتشفت أي ~~عملية من السببية المادية نتجت من خلالها أجناس ورتب الحيوانات ~~العادية، فإن عملية السببية هذه كافية على نحو كبير لتفسير أصل ~~الإنسان . # 11 # في خطاب إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم (1878)، أنهى هيكل سوء الفهم الشائع ~~الذي نبع من ربط الداروينية ب «نظرية القرد»: الاعتقاد بتحدر الإنسان مباشرة من ~~قرود حالية شبيهة بالبشر. كانت الصورة الأكثر دقة هي أن «البشر والقردة من ~~العالم القديم والجديد ينحدرون من سلف مشترك» (هيكل 1878، 509؛ انظر شكل # 2-9 ~~). ~~ولكن في تعميم فلسفته - الواحدية - قدم هيكل ادعاء أكثر ثورية، وهو «حقيقة ~~تاريخية لا جدال فيها»: # أن الإنسان ينحدر مباشرة من القرد، وثانويا من سلسلة طويلة من ~~الفقاريات الدنيا. (هيكل 1929، 69) # ونجد لدى هكسلي تذبذبا مماثلا؛ ففي عبارة أكثر حذرا أشار إلى أن: # الإنسان ربما نشأ (...) كشعبة من السلالة البدائية نفسها مثل تلك ~~القرود. (هكسلي 1863أ، 125) # كان الفكر الرصين الذي يقضي بأن الإنسان ربما ينحدر مباشرة من القرود مفيدا ~~لأصدقاء داروين وأعدائه. كره العديدون الحوارات المحتدمة في ذلك الوقت التي ~~تغذت على افتراض «التخلق التجددي» الخاطئ: تطور البشر من القرود الحالية. ~~استخدم هيكل هذا الافتراض ليصدم جمهوره ويدفعهم نحو التواضع. وحتى في الوقت ~~الراهن تستغل صورة غوريلا ضخمة تحدق بغضب من ملصق وتحمل العنوان البلاغي: «هل ~~هذا جدك؟» العلاقة الخطية من أجل السخرية من الرؤية الكونية الداروينية الخاصة ~~بالأصل (انظر أيضا شكل # 2-1 ~~). # بأسلوبه الأكثر ثورية، عزا هيكل إلى داروين وهكسلي نظرية تحدر الإنسان ~~مباشرة من القرود، ولكن داروين كان حذرا كهكسلي؛ ففي كتابه «أصل الإنسان» ~~(1871) تردد حيال صورة الاشتراك في الأصل. وفي غضون عدد قليل من الصفحات في هذا ~~الكتاب الطويل، تحدث عن «تحدر» الإنسان ms159 من شكل أدنى (1871، الجزء الأول، القسم ~~السادس، 185)، وكذلك «الاشتراك في الأصل» مع ثدييات أخرى من شكل غير معروف أو ~~أدنى (1871، 186)، وكذلك «التشعب» من قرود العالم القديم (1871، 199، 201). ثم، ~~أخيرا اقترح صورة «التفرع» (شكل # 2-10 ~~). # ثم تفرعت القرود القديمة إلى فرعين كبيرين: قرود العالم الجديد وقرود ~~العالم القديم. ومن الفرع الثاني، في فترة نائية، نشأ الإنسان، أعجوبة ~~الكون ومفخرته. # 12 # شكل 2-10: شجرة نسب الإنسان لهيكل (1874) توضح فكرة التطور «التفرعي». ~~(المصدر: ويكيميديا). # ولكن حتى إذا قبلنا فكرة التفرع - وليس فكرة أن البشر ينحدرون مباشرة من ~~القرود ولكن يشترك كلاهما في سلف واحد - فسيظل حجر عثرة هائل موجودا. فحتى ~~أكثر الماديين تعصبا للمادية لا يمكنه أن ينكر وجود فجوة فكرية بين الإنسان ~~والحيوانات؛ فالقدرات العقلية والأخلاقية للبشر أعلى بكثير من القرود؛ لذلك لا ~~يمكن أن ينحدر البشر من القرود. لقد أصبح شرح ظهور القدرات العقلية والأخلاقية ~~في حدود الانتقاء الطبيعي والمادية تحديا كبيرا أمام داعمي داروين. ~~(ب) فلسفة العقل # البقاء للأصلح أدى إلى البقاء للأذكى. (نوزيك، «الثوابت» (2001)، ~~296) # واجه العديد من الماديين قبل الداروينية هذا التحدي ~~«الفلسفي»؛ فرفضوا الثنائية الديكارتية، وعلى غرار لامارك قبلوا المادية ~~التامة. واتباعا لمنهج قديم في الفلسفة الفرنسية، عامل بول تيري دولباك ~~الإنسان كآلة. واستنتج من هذا الافتراض أن القدرات الفكرية والسمات الأخلاقية ~~للبشر يجب أن تستمد من الأسباب المادية نفسها التي تؤثر أيضا على جسم الإنسان ~~(دولباك 1770، 1978، 110). اعتنق دولباك نتائج ماديته اعتناقا كاملا. فلا ~~يمتلك البشر أسبابا لاعتبار أنفسهم كائنات متميزة في النظام الطبيعي (1770، ~~81)، وليس الإنسان الهدف النهائي للخلق (1770، 452). لم يستطع آخرون حمل أنفسهم ~~على قبول مثل هذا الاستنتاج المتطرف. شعر ألفريد والاس، المشارك في اكتشاف مبدأ ~~الانتقاء الطبيعي، بعدم رضا متزايد حيال قدرة هذا المبدأ على تفسير جوهر ~~البشرية، فقد كان يميل لحجج التصميم. فقبل الحقيقة الواقعة للعصور القديمة للبشر، ~~ورأى أن جسم الإنسان قد نشأ من سلف بدائي، لكنه لم يستطيع أن يقبل أن ~~العقل البشري تطور نتيجة للانتقاء الطبيعي. رصد والاس في الوعي البشري والنزاهة ~~الأخلاقية ms160 دليلا على التصميم. وأضاف سريعا جلد الإنسان الذي لا يغطيه الشعر ~~ويداه وقدماه وصوته كمظهر آخر للتصميم الذكي. وفي بعض كتاباته الأخيرة ادعى أن ~~«الحياة على الأرض تتوج بالبشر» وأن «وجوده كان هدف الكون» (والاس 1903؛ ~~1891). يعود والاس هنا إلى ثنائية العقل والجسم الديكارتية؛ ففي حالته الشبيهة ~~بالقرود، كان الإنسان معرضا لقوى الانتقاء الطبيعي، ولكن بعد ذلك، حدثت ثورة ~~في الماضي البعيد؛ فجلبت مخلوقا ذا عقل ينعم بهبة الوعي. توقف التطور الجسدي ~~للإنسان، وتركز ارتقاؤه من وقتها على ازدهار قدراته العقلية. وتحول الانتقاء ~~الطبيعي إلى انتقاء ثقافي، تحل فيه الأعراق الأسمى محل الأعراق الأدنى. وتجاوزت ~~القدرات العقلية للبشر ما كان مفيدا لبقائه على قيد الحياة بكثير. # لم يكن في مقدور الانتقاء الطبيعي إلا أن يهب الإنسان الهمجي مخا ~~أعلى ببضع درجات من القرد، في حين أنه يملك في الواقع مخا أقل قليلا ~~للغاية من مخ فيلسوف. (والاس 1870، 202، قارن 1891، 474) # إذن، خلص والاس إلى أنه لا بد أن كائنا أسمى وجه «تطور ~~الإنسان في اتجاه محدد» (والاس 1870، 204). # ولكن التفسير المادي للوظائف العقلية لا يمكن أن يشمل أسبابا خارقة للطبيعة. ~~فهي ستشكل خرقا للحتمية، التي قدم علماء القرن التاسع عشر جميعهم تقريبا لها ~~سلسلة فريدة من الأحداث الفيزيائية تمتد من الماضي إلى المستقبل، كما أنها ~~ستشكل أيضا خرقا للمادية، لأنها تتعارض مع اختزال القدرات العقلية إلى قدرات ~~بدنية. وعلى أساس هذه الفرضيات، يجب على متبع المادية أن يسعى إلى تفسير معقول ~~للوظائف العقلية، دون أن يخرج عن نطاق حدود المجموعة. كان الماديون حريصين على ~~تجنب الازدواجية. وعكست صفحات مجلة نيتشر مرة أخرى التفكير التقدمي لهذه ~~الفترة. نشر جورج هنري لويس كتاب «الأساس المادي للعقل» (1877)، الذي اقترح فيه ~~وجهة نظر مفادها أن العمليات العقلية والعصبية تمثل ببساطة جوانب مختلفة من ~~الواقع «نفسه»، لكن الماديين الداروينيين فقدوا بعض ثقتهم في أسلافهم ~~الفرنسيين. كان التركيز منصبا على العقل والمادة؛ أي اعتماد الوعي على ~~التنظيم العصبي. وافترض هكسلي أن «التغير الجزيئي في الجهاز العصبي يسبب حالة ~~من الوعي.» ms161 ولكن - كما واصل حديثه - لا تزال «طريقة ارتباط الوعي والكائن ~~المادي» تمثل لغزا (هكسلي 1874، 365؛ قارن نيتشر 15، 1876-1877، 78-79). كيف ~~ينبغي التعامل مع هذا اللغز؟ تحمل أوجه الشبه بين الإنسان والكائنات الحية ~~الأدنى - كما هو ثابت من خلال دراسات علم الأجنة والتشريح المقارن وعلم ~~الحفريات - الكثير من الثقل الإثباتي. يشير التشابه البنيوي إلى نشأة البشر من ~~أشكال الحياة الأدنى، من سلف شبيه بالقردة، ومع ذلك، لا يمكن إنكار الفجوة ~~الفكرية بين الإنسان والحيوانات. يجب على متبعي المادية إيجاد جسر بينهما: قبول ~~الفجوة ولكن تفسيرها من مستويات أدنى، وقدم هكسلي مرة أخرى تشبيه الساعة. جميع ~~القدرات تعتمد على البنية؛ فالعضو يشكل الوظيفة، ولكن اختلافا معينا في ~~البنية لا يقابل باختلاف خطي في الوظيفة؛ فالوظيفة تعبير عن الترتيبات ~~الجزيئية. والتغيير البسيط في البنية يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير في الوظيفة. ~~إن أصغر حبة رمال ستؤثر سلبا على عمل آلية الساعة. وعلى نفس المنوال، أدت ~~الاختلافات في بنية جسم الإنسان - الوقفة المنتصبة وتحرير اليدين وزيادة حجم ~~الدماغ - إلى اختلافات وظيفية كبيرة بين البشر والقردة: ظهور الوظائف العقلية ~~وتطور اللغة والأشكال الرمزية الأخرى (انظر داروين 1871، الجزء الأول، الفصل ~~الثاني؛ هكسلي 1863أ، 112-125؛ 1863ب، 470-475؛ 1909، 51؛ دينيت 1995، 117، ~~287). في كتابه «أصل الإنسان»، يرى داروين أنه لا يوجد فرق أساسي في النوع بين ~~الوظائف العقلية للبشر والكائنات الحية الأعلى؛ فالحيوانات المعقدة تشعر بعواطف ~~وتظهر علامات الذكاء. ووفقا لداروين، فإن مبدأ الانتقاء الطبيعي قادر على ~~تفسير تطور القدرات العقلية والأخلاقية. فبلغة اليوم، المخ هو عضو العقل، ولكن ~~العقل البشري عضو متطور ومعقد بحيث إنه من غير المعقول أن تكون كل وظيفة من ~~وظائفه جرى انتقاؤها على نحو خاص. بالنسبة إلى داروين، لم يكن الانتقاء الطبيعي ~~الوسيلة الوحيدة للتعديل (داروين 1859، 136). لقد ذكرنا بالفعل أنه قدم مبدأ ~~الانتقاء الجنسي لشرح أصل السمات، مثل قرون الغزلان، التي تبدو ضارة لاحتمالات ~~البقاء على قيد الحياة للفرد. يقول داروين: إن القدرات العقلية والأخلاقية، على ~~الأرجح، «صقلت عن طريق الانتقاء الطبيعي»، مضيفا «إما مباشرة أو ms162 على نحو غير ~~مباشر، وهي الصورة الأكثر شيوعا» (داروين 1871، الجزء الأول، الفصل الثاني، ~~80). ويستطيع الداروينيون تفسير التعديلات غير التكيفية من خلال تقديم وجهتي ~~نظر: ~~(1) ~~«تمثل الكائنات الحية أنظمة متكاملة والتغيير التكيفي في جزء ~~واحد يمكن أن يؤدي إلى تعديلات غير تكيفية للسمات الأخرى» (جولد ~~1987، 45). يطلق داروين على هذا «مبدأ ارتباط النمو» (داروين 1859، ~~182؛ 1871، الجزء الأول، الفصل الثاني). تؤدي الاختلافات الطفيفة ~~في بنية جسم الإنسان إلى تغيرات موازية في أماكن أخرى من النظام. ~~وهذا يمكن أن يفسر تضاعف حجم الجمجمة في الدماغ البشري (انظر جدول # 2-1 ~~). ~~(2) ~~«العضو الذي بني تحت تأثير الاختيار لدور معين ربما يكون قادرا ~~على أداء العديد من الوظائف الأخرى غير المختارة أيضا نتيجة ~~لبنيته» (جولد 1987، 50). وهذا يمكن أن يفسر تطور القدرات العقلية. ~~ربما يكون مخنا الكبير نشأ «من أجل» مجموعة من المهارات اللازمة ~~في عملية جمع الغذاء والتفاعل الاجتماعي وما إلى ذلك، ولكن هذه ~~المهارات لم تصل إلى حدود ما يمكن لهذا العضو المعقد تحقيقه ~~(داروين 1859، الفصل الخامس؛ 1871، الجزء الأول، الفصل الخامس؛ ~~أيالا 1987؛ كرومبي 1994، المجلد الثالث، 1759). «يجعل الانتقاء ~~الطبيعي المخ البشري كبيرا، ولكن معظم السمات والقدرات العقلية قد ~~تكون «سمات ثانوية»؛ أي نتائج ثانوية جانبية لا تكيفية لبناء عضو ~~بهذا التعقيد البنيوي» (جولد 2001، 104). # ومن ثم فإن البشر بالنسبة لداروين نتاج التطور مثل أي كائن حي ~~آخر. رفض الداروينيون بشدة الالتجاء إلى «قوى إبداعية جديدة» لتفسير المخ ~~البشري، وبهذا اتبعوا مبدأ التوحيد الذي يشير إلى أن الظاهرة نفسها يجب أن ~~تفسرها المبادئ نفسها. ~~(ج) العقول الناشئة # ما المادة؟ لا يهم. ما العقل؟ لا يهم. (جولد، «بنية نظرية التطور» ~~(2002)، 97) # يأمل الماديون في تفسير كيف أنتج المخ العقل. كان هذا في عصر ~~داروين خطة بحثية أكثر من كونه برنامجا مفصلا. وحتى اليوم لا يزال واحدا من ~~الأسرار الكبيرة، ونقطة تركيز لأبحاث مكثفة. قدمت فلسفات العقل والعلوم ~~المعرفية معا عددا من الإجابات الممكنة، وكلها لا تزال غير مثبتة بدقة ~~بالأدلة. ولا يسعنا مراجعة هذه النماذج هنا (انظر بلاكمور/جرينفيلد 1987؛ ليونز ~~2001؛ بلاكمور 2003؛ سيرل 2004)، ومع ms163 ذلك، يمكننا أن نتساءل عن الموقف الحديث ~~الذي تتسق معه هذه التأملات الداروينية بشأن العقل على نحو أكبر. # وفق الرؤية الداروينية، الحالات العقلية هي سمات مخية «ناشئة». و«السمة ~~الناشئة» لا يمكن اختزالها إلى الأساس الذي ظهرت منه، فهي تشكل ظاهرة جديدة ~~نوعيا تتطلب مستويات جديدة من الأوصاف وربما قوانين فيزيائية جديدة. امزج ~~الدقيق والزبد والبيض والسكر، وضع الخليط في الفرن، وستحصل على كعكة كظاهرة ~~ناشئة. إذا كان هذا حقيقيا بالنسبة للكعكة، فربما يكون حقيقيا بالنسبة ~~للعقل. والعمليات العقلية الذاتية - التخطيط الواعي، والتفكير، وحل المشكلات - ~~تشكل ظواهر جديدة. ويمثل المخ نظاما ذاتي التنظيم ينتج عمليات عقلية جديدة ~~أسمى. العمليات العقلية هي السمات الناشئة لتفاعل شبكات الخلايا العصبية. وعلى ~~هذا النحو، توزع الوظائف العقلية عبر المخ. وتنتمي السمات الناشئة إلى النظام ~~بأكمله وليس لمكوناته. طبق الداروينيون مبدأ ارتباط النمو على المخ، وأشاروا ~~إلى أن المخ ربما يكتسب وظائف ذهنية لم يحدث أي انتقاء مباشر لها؛ وهذا قد يؤدي ~~بالفعل إلى تأثير كرة الثلج (بانج 1977؛ 1980؛ سبيري 1983؛ تشالمرز 1996؛ كلارك ~~1997؛ داماسيو 1999؛ إديلمان 1992؛ همفريس 1997؛ سيبرايت 1987؛ «سينتيفيك ~~أمريكان» 2004) كان هكسلي قد أشار بالفعل إلى أن التغيرات الصغيرة في المخ ~~ربما تؤدي إلى تغييرات كبيرة في العقل. ربما تؤدي الزيادات الصغيرة في ~~التشابكات العصبية - التي استفاد منها البشر في ماضيهم التطوري - أولا إلى ~~اختراع أدوات ثقافية جديدة مثل اللغة الرمزية. وبمجرد توافر هذه الأدوات، فإن ~~استغلالها السريع في التفاعل مع العالم المادي منح البشر ميزة تطورية رئيسية. ~~والتجليات الموضوعية للعمليات الذهنية الذاتية - الثقافة، واللغة الرمزية، ~~والعلوم - تتخطى منشئيها الأصليين، ويتضمن النشوء حقيقة السمات العقلية. علاوة ~~على ذلك، تغلف السمات الناشئة بحلقات سببية، كما يتضح في ظاهرة سلوك ~~المجموعة. # يمكن للمجموعة أن تؤثر على طريقة تصرف أفرادها. وكما سنرى في الفصل الثالث، ~~ذهب دوركايم إلى وجود شمولية ناشئة فيما يتعلق بوجود الفئات الاجتماعية ~~والمجتمع. يعزو فرويد أيضا في عمله في مجال علم النفس الجماعي قوى سببية إلى ~~الحشود، وهذه القوى لا يمكن اختزالها إلى مجموع الأفراد الذين يشكلون الحشد. ms164 ~~ووفقا لهذا الرأي، فإن التفاعل بين الأفراد يؤدي إلى ظواهر أسمى، مثل العلاقات ~~الاجتماعية. إذا كانت الظاهرة العقلية ظاهرة ناشئة أسمى من حالات المخ التي ~~نشأت منها، فمن المفترض أن نكون قادرين على إيجاد مثل هذه الحلقات السببية في ~~العمليات العقلية. تعتمد العمليات العقلية اعتمادا كبيرا على الوسائل ~~الرمزية، سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى المجتمعي؛ فنحن نتحدث مع ~~أنفسنا والآخرين بلغة عامة. والحياة الاجتماعية مدعومة بأطر مؤسسية؛ فعلى سبيل ~~المثال، الأموال وسيلة رمزية تسمح بتبادل السلع. إذا كان العقل قادرا على ~~إنتاج أهداف شخصية ومنتجات ثقافية ، بدورها يمكن أن تؤثر على السلوك الفردي ~~والجماعي، فلا يمكن أن يكون العقل مجرد ظاهرة ثانوية. لا بد أن توجد سببية ~~عقلية؛ فكما أصر فرويد، الاضطرابات العقلية تؤدي إلى أفراد مضطربين. وعادة ما ~~يتسبب القرار العقلي في القيام بعمل مادي. وتكشف لنا الآثار التي تطرحها الأفكار ~~الموضوعية على وجهات نظرنا العامة وأعمالنا الاجتماعية ما يكافئ ذلك؛ فبلا ~~شك، لم يعد البشر يتصرفون وكأنهم مركز الكون، وذروة الخلق. إن الأفكار المتجسدة ~~في الكوبرنيكية والداروينية وجهت توجهاتنا الذهنية العملية نحو العالم الطبيعي ~~والاجتماعي في اتجاهات جديدة؛ فقد غيرت الفرضيات الفلسفية. وتمثل المؤسسات ~~العامة (التعليم، والعدالة، والسياسة، والسوق) أيضا كيانات رمزية تؤثر بشدة ~~على سلوك الجماعة التي تبنتها. ويختلف سلوك العناصر الاقتصادية الفردية ~~اختلافا كبيرا تبعا لما إذا كانت تعمل ضمن إطار مؤسسي لسوق حرة أو سوق ~~موجهة. # إذا كانت السببية العقلية حقيقية، فلا بد أن تصور في أي نموذج للعقل ~~البشري. ويبدو أن السمات الناشئة تفي بهذا الشرط؛ فهي تتيح وجود الحلقات ~~السببية. يمكن للسمات الناشئة أن تتداخل مع العناصر التي نشأت منها، ويمكن ~~للعمليات العقلية أن تؤثر على العمليات العقلية الأخرى، وكذلك أيضا على ~~العمليات المخية والعمليات البدنية، وقد تولد الفكرة الجيدة أفكارا جيدة ~~أخرى. ويؤثر الإجهاد العاطفي على الحالات الفسيولوجية للفرد، بينما يدفع ~~الاكتئاب بعض الأشخاص إلى الانتحار. ومن بين الأفكار المهمة في العلوم ~~الاجتماعية فكرة أن الأفكار والمؤسسات يمكن أن توجه ms165 العمل الاجتماعي (فيبر ~~1948، 280). # على الرغم من أن الماديين الداروينيين لم يكن لديهم مفاهيم النشوء والعقل ~~المتجسد، ففي مناقشاتهم وصفوا العقل بأنه سمة ناشئة، واعتبروا العقل قوة مهمة ~~في الطبيعة والمجتمع. يمكن للعقل تطوير وظائف جديدة، مثل اللغة الرمزية، التي ~~تعطي أي كائن حي ميزة كبيرة في الصراع من أجل الوجود. ويصنع العقل أيضا ~~أفكارا أخلاقية - على سبيل المثال - تنظم العلاقات الاجتماعية. وبهذه الطريقة، ~~خفف التطور الثقافي القوة القاسية للانتقاء الطبيعي. # ولكن لا يزال العديد من تلك الأسئلة القديمة دون إجابة حتى اليوم. لنفترض أن ~~الحالات العقلية «تنشأ» من نشاط الخلايا العصبية. كيف يفسر العلم التجريبي نشأة ~~العقول الواعية؟ اكتشف علم الأعصاب الشبكات العصبية في المخ، وهي مرتبطة ~~بالوظائف العقلية. ويمكن تحديد موقع للترابط. على سبيل المثال، يبدو أن الكلام ~~يقع في منطقة بروكا. وترتبط مناطق أخرى في قشرة الدماغ بالحركة والرؤية. أطلقت ~~الداروينية برنامجا بحثيا، وجرى التخلي عن ثنائية الجوهر الديكارتية، وصار ~~ينظر إلى المخ على أنه عضو بيولوجي، وهو مقر العقل. يشجع تركيز الداروينية على ~~تساؤلات بشأن نمو الوظائف العقلية الجديدة والميزة التطورية الخاصة بالوعي ~~(بارلو 1987؛ نوزيك 2001). (سوف نتناول في القسم الخامس من الفصل الثالث تطور ~~علم النفس التطوري؛ وهو محاولة لتفسير الوظائف العقلية من خلال تطبيق المبادئ ~~التطورية على العقل.) وللداروينية أيضا انعكاس على صورة الذات لدى البشر؛ فقد ~~تسببت في فقدان التصميم الرشيد. ~~(5-3) فقدان التصميم الرشيد # دراسة مستقبل الجنس البشري أكثر إرضاء لغرورنا من دراسة الماضي. (بوشنر ~~1868، 256؛ ترجمة المؤلف) # يشكل التفسير الطبيعي الدارويني لظهور البشر فقدانا تاما ~~للتصميم الرشيد؛ فلم يحدث تدخل من قوى خارقة مهد الساحة لميلاد البشرية. رفض ~~الماديون الداروينيون موقف والاس الوسطي؛ فإذا كان الانتقاء الطبيعي يستطيع تفسير ~~ظهور جسم الإنسان، فلا بد أن يفسر أيضا ظهور العقل البشري؛ فالبشر، «بالمعنى ~~الحرفي»، ليسوا ذروة الخلق. ورفض الداروينيون حل لامارك بتصوير البشر هدفا للتطور ~~التدريجي؛ فالتطور التدريجي كآلية ليس موجودا؛ فلم تصل العملية التطورية إلى ~~ذروتها مع ظهور البشر. إن البشر لا يمثلون ذروة ms166 الكمال، التي يقارن بها جميع ~~الكائنات الأخرى على نحو غير ملائم؛ ففي نماذج التصميم والتطور الخطي، كان البشر ~~إضافات متأخرة نسبيا إلى حلة الطبيعة. فينبغي إعداد الأساس المناسب لتعقيد ~~البشر؛ ولذلك سخرت الحيوانات والنباتات من أجل الهدف النهائي للخلق، وهو البشر ~~المعقدون. ومن ثم، يمكن للبشر أن ينظروا إلى النباتات والحيوانات على أنهم مذللون ~~من أجل احتياجاتهم. كان ذلك يشبه مركزية الأرض ولكن في عالم الأحياء. قضى كل من ~~كوبرنيكوس وداروين على هذه المركزية البيولوجية الوقحة. فقد التصميم الرشيد، ~~واحتلت القوى المادية مكانه. كانت المشكلة، كما أشار كارل فوجت ، أن: # الغرور المتأصل في الطبيعة البشرية عارض فكرة أن سيد الكائنات ينبغي أن ~~يعامل مثل أي مخلوق طبيعي آخر. (فوجت 1864، المحاضرة الأولى، 10) # فهل يمكن على الأقل اعتبار البشر ذروة الخلق بالمعنى «المجازي»؟ حتى بين ~~الماديين، اختلفت ردود الفعل حيال فقدان التصميم الرشيد كثيرا. كان إرنست هيكل ~~الأكثر تشاؤما؛ فقد ساوى فقدان التصميم الرشيد بانعدام الأهمية الكونية للبشر، ~~ورفض منح البشر أي راحة، حتى بالمعنى المجازي. بل على العكس من ذلك، شهد ~~اكتشاف أصل الإنسان المتواضع سقوط البشر من درجة السلم العالية في سلم الخلق: # إن «طبيعتنا البشرية» - التي مجدت نفسها في صورة رب في وهمها الأنثروبي - ~~تنحط إلى مستوى الثدييات المشيمية، التي لا قيمة لها في الكون عموما أكثر ~~من قيمة النمل أو ذبابة الصيف أو النقاعيات المجهرية أو أصغر ~~العصيات. (هيكل 1929، 199-200) # على النقيض من ذلك، لم ير كل الداروينيين عدم أهمية كونية في أصل الإنسان ~~المتواضع. رفض هكسلي نسخة المادية الخام واعتبر العقل قوة ثالثة من قوى الطبيعة. ~~وكثيرا ما ذكر أن هكسلي يتبع مذهب الظاهراتية المصاحبة الذي يرى أن الوعي عاجز ~~على مستوى السببية (هوندريش 1987؛ تشالمرز 1996؛ بلاكمور 2003)، ومع ذلك، إذا كانت ~~الحالات الواعية تمثل فئة فرعية من الحالات الذهنية، فإن هكسلي لم يكن متبعا ~~لمذهب الظاهراتية المصاحبة فيما يتعلق بالحالات الذهنية. يؤكد هكسلي أن الحالات ~~الذهنية تنتج الأفكار، التي يمكن أن تغير العالم (هكسلي 1874؛ 1886؛ 1893). ويضم ~~تطور الحضارة الانحراف ms167 التدريجي لقوى الانتقاء الطبيعي؛ فالحياة الاجتماعية في ~~المجتمعات المتحضرة معزولة عن عملية الطبيعة الكونية التي يسود فيها الصراع الوحشي ~~من أجل الوجود؛ فالحياة المتحضرة تشبه عملية البستنة التي يقضى فيها على الصراع من ~~أجل الوجود إلى حد بعيد. وعلى غرار البستاني الجيد، عدل البشر ظروف الوجود ~~لتتناسب مع احتياجاتهم. وتعد الداروينية الاجتماعية امتدادا زائفا للتطور إلى ~~المجال البشري. # كما لو أن الطبيعة نفسها أدركت غطرسة الإنسان، وبكل قسوة قضت بأن قدراته ~~العقلية - بكل ما حققته من انتصارات - يجب أن تبرز مظهره الضعيف، مذكرة ~~إياه بأنه ليس سوى تراب. (هكسلي 1863أ، 125) # وافق داروين على هذه الآراء. ولم ير تحدر الإنسان من أشباه ~~البشر اكتشافا مهينا. وبينما سعى المناهضون للداروينية لزيادة الفجوة بين القرد ~~والإنسان بأقصى قدر، كان الداروينيون حريصين على تضييقها؛ فلم يروا سوى اختلافات ~~نوعية؛ فقد كانت الحيوانات تمتلك ذكاء وإحساسا، ولم يكن من المهين اعتبارهم ~~أسلافنا. # حول الداروينيون الأكثر تفاؤلا انتباههم من النشأة إلى الارتقاء. تنشأ الحالات ~~الذهنية من الحالات المخية؛ وهذا يؤدي إلى اللغة الرمزية وإلى الثقافة وإلى القيم. ~~وتبقى حجة أن القيم الإنسانية، حتى لو كانت جذورها تكمن في الغرائز الاجتماعية، ~~تمتلك حياة وديناميكية خاصة بها مفتوحتين للماديين. توجه القيم الحياة الاجتماعية في ~~اتجاه معاكس للصراع من أجل الوجود. رأى داروين الأهمية الكونية للبشر في ارتقائهم ~~من البدايات المتواضعة إلى قمة السلم العضوي، من خلال التطور الثقافي. # تمتلك سلسلة الوجود العظمى في شكلها المضاف إليه التسلسل الزمني ديناميات مدمجة ~~تدفع التطور نحو أعلى مستوى من الكمال، وهي جزء أصيل من تكوين الجنس البشري. وهكذا ~~يصبح الإنسان حرفيا «ذروة الخلق». رفض داروين والداروينيون الغائية، التي تعد ~~أساسية للتعديل التدريجي. لا يشكل ظهور البشر ذروة التعديل التدريجي، فالبشر تشعب ~~ناتج عن التفرع التطوري؛ فكان يمكن أن تنمو شجرة الحياة دون أن تنبت فرع البشر؛ ~~فالصدفة هي التي مهدت الساحة للبشر وليست الضرورة. ويجب أن يتغير تقييم مكانة البشر ~~في الكون بالضرورة. فلا ينبغي أن يكون الأمر كئيبا كرأي هيكل؛ ms168 فكما أكد كثير من ~~الداروينيين، كرامة البشر مستمدة من تطورهم الثقافي: # إن احترامنا لنبل البشرية لن يقل بسبب معرفة أن الإنسان - من حيث المضمون ~~والبنية - أحد الحيوانات. (هكسلي 1863أ، 132) # رغم الأهمية التي حظي بها - ولا يزال يحظى بها - الصراع من أجل الوجود، ~~عندما يتعلق الأمر بأسمى جزء من الطبيعة البشرية، توجد عوامل أخرى ~~أكثر أهمية؛ فالصفات الأخلاقية تطورت (...) من خلال تأثيرات العادة، وقدرات ~~التفكير، والتعليم، والدين وما إلى ذلك، أكثر بكثير من تطورها عن طريق ~~الانتقاء الطبيعي. (داروين 1871، الجزء الثالث، الفصل الحادي والعشرين، ~~688-689) # اتفق الداروينيون مع المركزية العقلانية التي أشار إليها كوبرنيكوس . بالنسبة ~~لمعاصريهم الأكثر اتساما بالفكر العلمي، أدت ثورة داروين في العلم إلى فقدان ~~التصميم الرشيد. فشلت حجج التصميم القديمة في التعامل مع المهمة التفسيرية الخاصة ~~بتقديم تفسير متماسك لتنوع شجرة الحياة. والتفسيرات التابعة لنظرية الخلق المتبعة ~~لأسلوب الكتاب المقدس شديدة الخصوصية حتى إنها غير قادرة على ادعاء مصداقية كبيرة. ~~تأمل، على سبيل المثال، عمر الأرض. ثمة أدلة مستقلة على أن الأرض تشكلت قبل نحو 4,5 ~~مليارات سنة. ولن يكون مقبولا الزعم بأن الأرض تشكلت حقا من 6000 سنة فقط، كما ~~يقول الكتاب المقدس. يتطلب التشبث بهذه العقيدة وجود خالق مخادع زرع على نحو خفي ~~الأدلة الجيولوجية لجعل الأرض تبدو كما لو كانت أقدم بكثير. إن التعصب الديني لا ~~ينجح عندما تكون النظرية العلمية منافسا جادا له. # وحتى خلال عصر داروين، ابتعد بعض خصومه عن سيناريوهات الخلق الواردة في الكتاب ~~المقدس؛ فقد أخذوا العلم على محمل الجد، واستدلوا من الاستنتاجات العلمية على ~~التصميم، وليس المصمم. دعمت سيناريوهات التصميم الذكي كنماذج منافسة لإصرار داروين ~~على الانتقاء الطبيعي. يجب ألا ننسى أن الانتقاء الطبيعي أصبح موضع شك كبير خلال ~~سبعينيات القرن التاسع عشر. حتى إن تي إتش هكسلي أبدى بعض الشكوك بشأن القدرة ~~التفسيرية للانتقاء الطبيعي. وبالنظر إلى جلد الإنسان الأملس، ويديه وقدميه، وصوته، ~~ناهيك عن قدراته الفكرية، شك والاس في عمل التصميم الذكي. وأشار كتاب ميلر المناهض ~~للداروينية «آثار ms169 الخالق» (1861) إلى أنه يمكن استخلاص مؤشرات التصميم المتناغم ~~والعناية الإلهية الأبدية من الحقائق الجيولوجية. واتفق المناهضون للداروينية على ~~أن الأدلة لم تدعم الانتقاء الطبيعي على نحو كاف. فلا يمكن أن تكون سببا ماديا ~~حقيقيا، كما أنها فشلت في تفسير دليل التعقيد على نحو مناسب. وأكد معارضو ~~الداروينية، مثل دوق أرجيل وهيلر ميلر وسانت جورج ميفارت، أنه يلزم وجود الكثير من ~~التنسيق في نمو الكائنات الحية، وبهذا لا يمكن أن ينسب إلى عمل الصدفة «العمياء». ~~كان رفض الانتقاء الطبيعي، وإن لم يكن رفضا للتطور، طعنة في الفلسفة ~~الميكانيكية. # 13 # ولكن إذا أخفق الانتقاء الطبيعي والفلسفة الميكانيكية، فإن اللجوء إلى ~~التصميم يستعيد بعضا من المكانة. لا بد أن خطة ذكية تكمن في جذور التعقيد العضوي؛ ~~فالتطور العضوي كله يجب أن يتضمن اتجاهية كامنة فيه. # تظهر سيناريوهات الخلق المتبعة لأسلوب الكتاب المقدس من وقت لآخر، ولكن التحدي ~~الموثوق للداروينية يجب أن يأخذ الأساليب العلمية والحقائق على محمل الجد. في ~~تسعينيات القرن العشرين ظهرت نظرية حديثة للتصميم الذكي، وهي تهدف إلى أن تثبت ~~علميا أن الانتقاء الطبيعي لا يمكن أن يقوم بالعمل التفسيري الذي يدعي القيام به. ~~من وجهة النظر الفلسفية، تعد نظرية التصميم الذكي مثيرة للاهتمام؛ لأن الحجج تصاغ ~~في صورة أسئلة تثار عن الاستدلالات المسموح بها. ولقد رأينا بالفعل أن الاستدلالات ~~تلعب دورا رئيسيا في التاريخ الدارويني. ~~(5-4) التصميم الذكي # كل ثورة في العلوم الطبيعية أنتجت قضايا فلسفية جديدة. (روزنبرج، «فلسفة ~~العلوم الاجتماعية» (1995)، 212) # استنتجت حجج التصميم القديمة من النظام المرئي وجود تصميم، ومن ~~الكمال الظاهري وجود مصمم إلهي. وأكد داروين أنه يوجد نظام في الطبيعة، ولكن لا ~~يوجد كمال. وتستنتج حجج التصميم الجديدة، من التعقيد العضوي وعدم الاحتمالية، وجود ~~تصميم ذكي. ويعتبر استدلال بيلي الإضافي من التصميم، الذي يقضي بوجود مصمم، ~~استدلالا غير ضروري. إن التعقيد ناتج عن الدراسات العلمية، وليس التأمل الديني. ~~وتأخذ نظرية التصميم الذكي - على غرار سابقاتها من القرن التاسع عشر - العلم على ~~محمل الجد. فتعتمد على وجه التحديد ms170 على الاكتشافات العلمية للبيولوجيا الجزيئية ~~والنتائج الرياضية لنظرية الاحتمالات. وهكذا نقلت المعركة إلى أرض التطوريين. كانت ~~تتفق مع الداروينيين في عدم تسامحها المطلق مع دعاة نظرية الخلق. وكانت توافق على ~~أن عمر الأرض حوالي 4,5 مليارات سنة، وتوافق على أن الانتقاء الطبيعي يلعب دورا في ~~التطور، ولا ترى حاجة للالتجاء إلى وجود مصمم؛ فهي تعامل التصميم الذكي باعتباره ~~فرضية «الذكاء غير المتطور» (ديمبسكي/روس 2004، 3) أو حتى كاستدلال لأفضل تفسير ~~(مينوج 2004، 32؛ ماير 2004، 371-372). ومن وجهة نظر منطقية، يبدو أنها تستخدم ~~ممارسات استدلالية تماما مثل الداروينيين. # من أجل التبسيط، لنفترض وجود تفسيرين: القصة الدراوينية (الجديدة) المألوفة ~~وتفسير التصميم الذكي، ولكن علماء الأحياء التطورية لم يعودوا يعتمدون على التشريح ~~وعلم الأجنة وعلم الحفريات؛ فقد اتسع نطاق الأدلة إلى العالم الجيني والجزيئي. يركز ~~منظرو التصميم المعاصرون تحديدا على: (أ) التعقيد على المستوى الجزيئي. (ب) ~~الانتقال من الحياة غير العضوية إلى الحياة العضوية وظهور تصميمات أجسام حيوانية ~~جديدة. (ج) الاحتمالات الرياضية الداعمة للتصميم الذكي. لنتناول هذه الحجج بإيجاز ~~ثم نلق نظرة على بعض الانتقادات الموجهة لنظريات التصميم الذكي الحديثة. ~~(أ) # حجة التعقيد غير القابل للاختزال (بيهي 1996؛ 2004): وفقا لبيهي، ~~أثبتت البيولوجيا الجزيئية الحديثة وجود تعقيد غير قابل للاختزال في ~~النظم الموجودة داخل الخلية. وتشير أمثلة بيهي العلمية الواقعية إلى ~~تخثر الدم، والكيمياء الحيوية للرؤية، وما يسمى السياط البكتيرية كجزء ~~من كيمياء الخلية (وهو محرك دوار يعمل بالطاقة الأيونية، بحسب ميلر ~~(2004، 82)، وهو «متصل بالأغشية المحيطة بالخلية البكتيرية»). ويعني ~~التعقيد غير القابل للاختزال أن «إزالة أي من الأجزاء المتفاعلة يؤدي ~~إلى توقف النظام عن العمل» (بيهي 2004، 353). ووفقا لبيهي، تتمثل ~~النقطة المتعلقة بالتعقيد غير القابل للاختزال في أنه لا يمكن تفسيره ~~بعملية التعديل التدريجي الداروينية. وإذا أخفق الانتقاء الطبيعي ~~والتدرجية في تفسير التعقيد، فإنه يبدو من المعقول بالنسبة لبيهي ~~استنتاج التصميم الذكي لتفسير هذا النوع من التعقيد الجزيئي. يكشف ~~التعقيد عن التصميم الذكي. من وجهة النظر الفلسفية، من المدهش أن منظري ~~التصميم الذكي - أمثال بيهي - على استعداد للانتقال من مسألة ms171 ~~الاستدلالات المقبولة التي يوافق عليها جميع الأطراف إلى مسألة ~~الاستدلالات المسموح بها. وهكذا، يعلن بيهي أن «عملية التصميم ربما لا ~~تنتهك أي قوانين طبيعية على الإطلاق» (بيهي 2004، 357). ~~(ب) # حجة ظهور الحياة وتصميمات الأجسام الجديدة: حاول علماء الأحياء تفسير ~~التحول غير المحتمل من الحياة غير العضوية إلى الحياة العضوية. كانت ~~المشكلة هي أن الجزيئات الأولى كانت معقدة جدا بالفعل، ويحتاج أصل ~~هذا التعقيد إلى تفسير. ووفقا لمنظري التصميم الذكي، اللجوء إلى ~~الصدفة والقوانين الطبيعية غير كاف. «يبدو أن أصل الحياة هو المثال ~~الأقوى للتعقيد غير القابل للاختزال» والمثال «الأكثر إقناعا بالحاجة ~~إلى التصميم الذكي في الطبيعة» (برادلي 2004، 350). لاحظ مرة أخرى ~~الشكل الذي تتخذه الحجة: «تفشل» التفسيرات التقليدية؛ ومن ثم يبدو أن ~~استدلال التصميم الذكي يفرض نفسه. وفي تطور آخر للحجة، لم يقدم ~~التصميم الذكي كحل مناسب لمسألة «أصل الحياة» وحسب، ولكن أيضا لظهور ~~تصميمات الأجسام الحيوانية الجديدة في فترة انفجار العصر الكامبري ~~(ماير 2004، 372). يقبل منظرو التصميم الذكي أن «الآلية الداروينية ~~يمكنها تفسير التكيف التطوري الصغير»، مثل مجموعة المناقير المتنوعة ~~لدى عصفور الدوري التي ذكرها داروين. ما يعارضونه هو أن التطور يستطيع ~~أن يفسر «ظهور معلومات محددة معقدة في الكائنات الحية» (ماير 2004، 386؛ ~~ولكن قارن ذلك مع جولد 1991؛ 2001 من أجل التفسير التطوري). نلاحظ مرة ~~أخرى الاستعداد للانتقال من الاستدلالات المقبولة إلى الاستدلالات ~~المسموح بها: # إن تحديد التفسير الأفضل بين مجموعة من التفسيرات المحتملة ~~المتنافسة يعتمد على أحكام الكفاية السببية أو «القوى السببية» ~~للكيانات التفسيرية المتنافسة. (...) وتمتلك العوامل الذكية قوى ~~سببية كافية لإنتاج زيادات في المعلومات المحددة المعقدة، إما ~~في صورة خطوط تسلسل محددة للكود أو النظم المرتبة هرميا ~~للأجزاء. (ماير 2004، 386-387) # لا يلجأ ماير فقط إلى استنتاج أفضل تفسير؛ فمن السهل نسبيا ادعاء ~~أن نظرية المرء المفضلة هي أفضل تفسير لبعض الأدلة المتاحة. يشير ماير ~~إلى استنتاج أفضل تفسير «مقارن». في هذا النوع من الاستنتاج، تقدم ~~الأدلة دعما تجريبيا لواحدة من عدة فرضيات متنافسة. فتثبت إحدى ~~الفرضيات وتشكك في منافسيها. ~~(ج) # حجة ms172 التعقيد المتخصص: إن حجة التعقيد غير القابل للاختزال ليست سوى ~~«حالة خاصة من المعلومات المحددة المعقدة» (مينوج 2004، 47). تتميز ~~المعلومات المحددة المعقدة بأنها معلومات ذات قيمة احتمال منخفضة ووجود ~~نمط مستقل، وهي قادرة على القضاء على الصدفة (انظر ديمبسكي 1998، الفصل ~~الثاني؛ 2004). يرى دمبسكي التعقيد المتخصص كمعيار إحصائي يساعد على ~~تحديد آثار الذكاء. للتوضيح، تخيل سفرك إلى الخارج مع صديق لا تعرف ~~شيئا عن قدراته اللغوية. وعندما تصل إلى البلد المقصود، تلاحظ أن صديقك ~~يجيد لغة البلد المضيف. من الواضح أن احتمالية أن صديقك تعلم هذه اللغة ~~الأجنبية في يوم وصولك تقترب من الصفر. إن الفرضية الوحيدة المعقولة هي ~~أن صديقك كان يتحدث لغة ذلك البلد بطلاقة قبل وصولك. في هذا المثال ~~لدينا نمط محدد؛ القدرة على التحدث بلغة أجنبية «ل» التي تفسر طلاقة ~~صديقك في اللغة أفضل بكثير من فرضية أنه تعلمها عن طريق الصدفة في يوم ~~وصولك «و». وإتقان صديقك غير المتوقع للغة الأجنبية «ل» منفصل - أي ~~مستقل - عن الحدث المحدد «و»، على الرغم من أن «و» بالطبع يمثل نمطا ~~أو تصميما. # التخصيصات هي تلك الأنماط التي تضمن - بالإضافة إلى احتمالية قليلة - القضاء على ~~الصدفة. (ديمبسكي 1998، 136) # بمجرد استبعاد الصدفة والانتظام من التفسيرات الممكنة لحدث تظهر عليه جميع الصفات ~~التي تجعله يبدو «كما لو» كان مصمما، بدا أن استنتاج التصميم هو الخيار الوحيد ~~الباقي. طبقت فكرة التعقيد المحدد تلك على علم الأحياء التطوري بعد ذلك؛ فالأنظمة ~~الجزيئية، مثل السوط، غير محتملة، حتى إن الآليات الداروينية فشلت في تفسير ظهورها. ~~إذا فشل الانتقاء التراكمي، فإن الانتقاء العشوائي غير مرجح على نحو أكبر، نظرا ~~للاحتمالات المعنية. ولجأ ديمبسكي إلى إجراء الاستقراء الإقصائي (ديمبسكي 2004): حيثما تفشل التفسيرات الميكانيكية المتنافسة في إثبات الدليل «د»، حينها ~~يؤخذ هذا الدليل نفسه لدعم التفسير، الذي يبدو أنه يفسره. # ثمة كمية هائلة من الأدلة الوراثية والجزيئية. هل تؤيد هذه الأدلة التفسير ~~الدارويني أم أنها تدعم التصميم الذكي؟ يتجلى هذا في مسألة الاستدلالات «المقبولة»، ~~وليس مجرد الاستدلالات المسموح بها. يتفق ms173 المعسكران على أن الأدلة تكشف عن نظام ~~وانتظام. فهل الانتقاء الطبيعي يكفي لتفسير التعقيد؟ الجواب الدارويني هو «نعم»؛ ~~فالانتقاء الطبيعي، كنظرية، ضروري وكاف على حد سواء لتفسير نسيج الحياة الغني ~~(دوكينز 1988؛ دينيت 1995؛ ريدلي 1997؛ جونز 1999؛ ماير 2001؛ جولد 2002؛ أيالا ~~2004). لم يوافق منظرو التصميم الذكي على هذا الجواب. # من على صواب؟ هل ينبغي أن نختار استدلالا تصميميا أم تطوريا؟ يجب أن يحدد ~~العلم التجريبي طبيعة تعقيد النظم العضوية (على سبيل المثال، تخثر الدم، وكيمياء ~~الخلايا، والكيمياء الحيوية للرؤية. انظر ميلر 2004؛ كوفمان 2004؛ فيبر/ديبيو ~~2004)، ولكن هذا ليس مجرد مسألة تجريبية. يعكس تفضيل نوع معين من الاستدلال توجها ~~ذهنيا فلسفيا تجاه العلم أيضا. سوف يجادل التطوريون الحديثون بأن الاستدلال ~~على التصميم الذكي، رغم أنه مسموح به، فإنه يعود بنا إلى تفسيرات خارقة للطبيعة. ~~أما الداروينية فتهدف دائما إلى التوحيد والتفسير الطبيعي للظواهر البيولوجية. ~~وحتى لو كان الانتقاء الطبيعي لا يستطيع تقديم تفسير كامل للظواهر التطورية، فإن ~~النهج الطبيعي لا يزال أفضل من الاستدلال على التصميم (بينوك 2004)؛ فالتصميم يقع ~~خارج نطاق الاختبار. # قابلية الاختبار فكرة مقارنة؛ فنحن نستخدم الأدلة نفسها لتقييم القيم الخاصة ~~بنظيرتين متنافستين (انظر صوبر 1999، 2002، 2004). وفي هذه الحالة، النظريتان ~~المتنافستان هما التصميم الذكي والداروينية. وتصبح مسألة قابلية الاختبار سؤالا ~~هل كانت قوة الأدلة تدعم فرضيتي التصميم الذكي والتطور على نحو تفاضلي. # في نظر الداروينيين الحديثين، يتجاهل الإصرار على التعقيد الأصلي للنظم ~~البيولوجية رؤية نيتشه. رأي نيتشه أنه لا يمكننا أن نستدل من طبيعة الوظيفة الحالية ~~للعضو على طبيعة وظيفته السابقة. فثمة فرق بين «أصل أو ظهور الشيء وفائدته ~~النهائية» (نيتشه 1887، القسم الثاني عشر؛ دينيت 1995، 470؛ جولد 2002، 1216)، ولكن ~~علماء الأحياء التطورية يصرون على أن الأعضاء الأولية - مثل الأجنحة البدائية أو ~~الخلايا الحساسة للضوء - كانت تقدم بعض المزايا التطورية للكائن الحي في الماضي. ~~كما أنهم وجدوا في البيولوجيا الجزيئية دعما للتفسيرات التطورية. فدراسة التطور ~~الجزيئي تكشف عن معلومات قيمة، وغالبا ما تكون قابلة للقياس، حول معدل ونطاق ~~التغيرات التطورية. ويمكن بناء الأشجار التطورية للجينات والأنواع من خلال التحليل ms174 ~~الدقيق للتسلسلات الجزيئية. # هذه ليست مجرد مسائل تجريبية، فالبيانات التجريبية تتطلب فهما. كيف يمكن دمجها ~~في نظرية علمية متسقة؟ على هذا المستوى، تظهر الأسئلة الفلسفية الخاصة بالطريقة. ~~فمن بين الاستدلالات المسموح بها، ما الاستدلالات المقبولة؟ ~~(6) مسألة المنهجية # نحن العقبات الحقيقية في طريق الطبيعة. (لامتري، «الإنسان آلة» (1747)، 79؛ ~~ترجمة المؤلف) # لاحظنا أن الداروينيين يعملون في فضاء مفاهيمي تتنافس فيه وجهات ~~النظر المختلفة الخاصة بالحياة العضوية على خلفية اكتشافات تجريبية وفرضيات فلسفية. كما ~~رأينا أيضا أن الثورة الداروينية لها تبعات كبيرة على مكانة البشر في الطبيعة العضوية؛ ~~فقدان التصميم الرشيد. تنبع المعارضة الشائعة للداروينية جزئيا من الرابط السطحي بين ~~نظرية التحدر ونظرية القرد. كان يدعى أن المادية ستؤدي إلى اللاأخلاقية. أما ~~المعارضة الدينية للداروينية فكانت أكثر اهتماما بمنطق الحجة الداروينية؛ فعلى سبيل ~~المثال، شكك سانت جورج ميفارت ووالاس في كون آلية الانتقاء الطبيعي كافية لشرح ~~تعقيد البشر. ربما كانت معتقداتهما الدينية هي الدافع وراء شكوكهما، غير أنه كان يتعين ~~أن تتحول الدوافع إلى حجج مضادة من أجل النقاش العلمي. فلا يكاد يوجد هجوم أكثر فعالية ~~على النتيجة العلمية من التشكيك في المنهج العلمي الذي نتجت عنه. مثل الأسقف ~~ويلبرفورس مخاوف المعسكر المناهض للداروينية عندما اتهم الداروينيين بعدم الولاء ~~للاستقراء البيكوني (كوهين 1985ب؛ إليجارد 1958، الفصل التاسع). ويتهم أنصار التصميم ~~الذكي في الوقت الراهن الداروينيين باستقاء استنتاجات خاطئة من التعقيد الجزيئي. # إن هدفنا هو استكشاف النتائج الفلسفية للنظريات العلمية؛ ومن ثم فإن علينا أن نتحرى ~~مسألة المنهج. ما المناهج العلمية التي استخدمها الداروينيون؟ هل حادوا عن المسار ~~الحقيقي للمنهج البيكوني؟ ما الاستقراء البيكوني؟ كيف يقارن الاستقراء البيكوني مع ~~قابلية الاختبار لبوبر؟ ~~(6-1) الاستنتاجات الداروينية # في حين أن طرح الأسئلة العامة أدى إلى إجابات محدودة، فإن طرح أسئلة ~~محدودة تبين أنه يقدم مزيدا من الإجابات العامة. (جاكوب، «التطور ~~والإصلاح» (1977)، 1162) # رأينا بالفعل عددا من الاستنتاجات العاملة؛ فمن خلال وجود ~~اكتشافات حفريات الأنواع المنقرضة والعظام البشرية والأدوات القديمة، استنتج ~~الباحثون في أربعينيات القرن التاسع عشر العصور القديمة للإنسان. ms175 قدم داروين ~~استنتاجات مماثلة، فمن خلال التأكيد على القوة المعروفة للانتقاء الاصطناعي بين ~~مربي الحيوانات، استنتج مبدأ الانتقاء الطبيعي؛ فكان يرى أنه يستطيع تفسير تنوع ~~الأنواع. ويعد مبدأ الانتقاء الطبيعي مبدأ تفسيريا، كما يمكن تقسيمه إلى عدد من ~~المبادئ الفرعية: # مبدأ الاختلاف (الطفرات العشوائية). # مبدأ الاختلاف في القدرات البدنية (التعديلات المواتية/غير ~~المواتية). # مبدأ الصراع من أجل الوجود. # المبدأ القوي الخاص بالتوريث (كيتشر 1993، 19). # وبفضل تلك المبادئ، استطاع داروين توحيد مجالات البحث المتنوعة، ~~التي كانت حتى هذا الوقت متفرقة. إن «التوحيد» مبدأ منهجي قوي في البحث العلمي. ~~ولقد قابلناه بالفعل في الانتقال من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس؛ فاختفاء الكون ~~ذي الفلكين وفرضياته الأساسية ونظرية الحركة الأرسطية أتاح توحيد الفيزياء ~~الأرضية والسماوية. قدمت مبادئ داروين تقنيات قوية للتفسير البيولوجي، وتسمح لنا ~~باستنتاج تاريخ التحدر من ظواهر بيولوجية عديدة. # 14 # تأمل ثلاث ظواهر منها: ~~(1) # دهش داروين بالتوزيع البيولوجي الجغرافي للأنواع وأصنافها في جزر ~~جالاباجوس. كيف كان من الممكن أن يتسم نفس النوع من عصافير الدوري ~~بخصائص مختلفة قليلا من جزيرة إلى جزيرة؟ كان الرأي السائد قبل داروين ~~هو نظرية الخلق الخاص. كان جواب داروين هو التعامل مع تعديلات كل ~~مجموعة «ج» من الكائنات الحية عن أسلافها كرد فعل للكائنات الحية تجاه ~~التغيرات في البيئة. ويمكن توسيع نطاق هذا الأمر ليوضح مثلا ~~الاختلافات المرصودة بين جماجم إنسان نياندرتال وجماجم الإنسان ~~الحديث. ~~(2) # ترسخ أصل الإنسان من خلال أبحاث في التشريح المقارن. وكما أكد ~~هكسلي، لم يوجد سوى اختلافات تشريحية بسيطة بين البشر والقردة. فإذا ~~كان البشر والقردة - الذين ينتمون إلى أنواع مختلفة - يتشاركون في ~~خصائص عامة في بنية عظام الأطراف، فكيف يفسر ذلك؟ # من أجل معالجة مثل هذه الأسئلة، فرق الداروينيون بين «التنادد» ~~و«التناظر». «التنادد» هو وجود نفس الجهاز في كائنات مختلفة بمجموعة ~~متنوعة من الأشكال والوظائف، مثل أجنحة الطيور وذراعي البشر. يرجع ~~التنادد إلى التحدر مع التعديل. ويمكن الاستدلال على وجود التنادد في ~~الكائنات الحية المختلفة من خلال تاريخ التحدر من سلف مشترك. أما ms176 ~~«التناظر» فهو وجود أعضاء متشابهة ذات وظائف متشابهة لدى حيوانات غير ~~مرتبطة بعضها ببعض، مثل أجنحة الطيور والحشرات. ويعزى التناظر إلى ~~التطور المقارب، أي نتيجة لضغوطات بيئية مماثلة. ويمكن تفسير وجوده ~~عن طريق تتبع تاريخ ظهور السمة التناظرية على مدار سلسلة النسب ~~المختلفة للأنواع المختلفة. فليس لديها أصل تطوري مشترك حديث. ورغم أن ~~هذا التمييز واضح من الناحية النظرية، فقد يكون من الصعب إثباته ~~عمليا (داروين 1859؛ رول 1870، 151-152؛ كرومبي 1994، المجلد الثاني، ~~1291؛ دينيت 1995، 357؛ راف 1996، 34-36؛ دي بير 1997، ~~213-221). ~~(3) # وأخيرا ثمة أسئلة تخص التكيف: لماذا تظهر الكائنات الحية التي ~~تعيش في بيئات معينة خصائص معينة، تسهم في صلاحيتها لهذه البيئة ~~تحديدا. يمكن الإجابة على هذه الأسئلة أيضا عن طريق إعادة إنشاء ~~العملية التاريخية التي حدثت خلالها عملية التكيف. تحل هذه الإجابات ~~محل حجة التصميم القديمة، كما أنها ترفض الإصرار على الكمال المطلق. ~~وكما يؤكد داروين، التكيف مسألة تتعلق بالدرجة بالأساس: # يميل الانتقاء الطبيعي فقط لجعل كل كائن عضوي كاملا، أو ~~أكثر كمالا بقليل من السكان الآخرين في المكان نفسه الذين ~~يتصارع معهم من أجل الوجود. (داروين 1859، 229) # تسبب آلية التحدر مع التعديل الكمال النسبي الخاص بتكيف الكائنات ~~العضوية مع بيئتهم المادية، ولكن الكائنات الأخرى، التي تدخل معها هذه الكائنات في ~~المنافسة، تسكن أيضا بيئتها المادية. ثمة صراع عنيف حول الغذاء والمأوى، ولتجنب ~~الإصابات والموت. وللصراع من أجل الوجود «نتيجة طبيعية ذات أهمية قصوى»؛ إذ ترتبط ~~بنية كل كائن على نحو أساسي «بكل الكائنات العضوية الأخرى» (داروين 1859، ~~127). # كان من الواضح بالفعل لمعاصري داروين أن نظرية التحدر مع التعديل تتمحور حول ~~استقاء استنتاجات مقبولة. السؤال الحقيقي ليس ببساطة: ما الاستنتاجات «المسموح ~~بها»؟ ولكن ما الاستنتاجات «المقبولة» في ضوء الأدلة المتاحة؟ ينعكس هذا التأكيد في ~~الفرق بين الحلول الممكنة والفعلية. بالنسبة لأصدقاء داروين وخصومه، يتلخص الأمر في ~~بديل بسيط: هل أدلة التكيف الرائع تسوغ الاستدلال على وجود مصمم خارق أم عملية ~~الانتقاء الطبيعي؟ (انظر نيتشر 27 (1882-1883)، 362-364، 528-529). بالنسبة ~~للداروينيين، الاستدلال الكامن وراء حجة التصميم ms177 - من نظام الطبيعة إلى الرب المصمم ~~- غير مقبول؛ لأنه لا ينتمي إلى عالم العلوم الطبيعية، ولكن كما توضح نظرية التصميم ~~الذكي، لا توجد عقبة من الناحية المنطقية تمنع استنتاج التصميم على الأقل. ويتفق ~~مؤيدوها مع الداروينيين على أن الأمر يتلخص في مسألة الدعم. أي فرضية من الفرضيتين ~~- التصميم أم الانتقاء الطبيعي - تتلقى دعما أفضل من الأدلة؟ لم يدع الداروينيون ~~قط أن فرضية الانتقاء الطبيعي صحيحة تماما وأن فرضية التصميم خاطئة تماما. العديد ~~من الاستنتاجات مسموح بها منطقيا، ولكن هل هي مقبولة؟ الاستنتاجات المقبولة تمثل ~~مسألة دعم بالأدلة. وسنميز عما قريب بين الأدلة «الإيجابية» و«الداعمة». وهنا يكفي ~~أن نميز الدليل الداعم كدليل يثبت فرضية واحدة على حساب الأخرى. وبالنظر إلى ~~الأدلة، من المقبول استنتاج معقولية نموذج تفسيري واحد على حساب النماذج المنافسة ~~له. هذه هي الطريقة التي جادل بها الداروينيون. في بعض الحالات تمنح الأدلة دعما ~~لفرضية واحدة وتضعف منافستها. لم يجادل داروين في سياق فكرة التصميم المثالي ~~الغامضة نوعا ما؛ فقد درس التوزيع البيولوجي الجغرافي للأنواع، وأصنافها وأوجه ~~التشابه بينها والتكيفات، وقال إن هذه المجموعة من الأدلة يمكن تفسيرها من خلال ~~اللجوء للانتقاء الطبيعي. فإذا كان يوجد تشابه تشريحي بين القرود والبشر، فإن ~~نشأتهما من سلف مشترك أكثر ترجيحا من نشأتهما على نحو منفصل (داروين 1859، الفصل ~~الثالث عشر، الرابع عشر). إذا كانت السجلات الحفرية تكشف عن العصور القديمة ~~للإنسان، فمن المعقول أن نستنتج أن البشرية أقدم من التأريخ الزمني الذي يقدمه ~~الكتاب المقدس. لاحظ أن هذا يجعل المحاولات التفسيرية من جانب المؤمنين بنظرية ~~الخلق قديمي الطراز أكثر صعوبة، ولكن ليست مستحيلة. فيمكن للمؤمن بنظرية الخلق أن ~~يجادل دائما بقوله إن الرب زرع المكتشفات الحفرية منذ حوالي 6000 سنة. ويضطر ~~المؤمن بنظرية الخلق إلى خوض هذه المناورات؛ لأن عمر المكتشفات الحفرية يتعارض من ~~النظرة الأولى مع الأدلة. ويتجنب منظرو التصميم الذكي مثل هذه المناورات؛ فهم ~~يفضلون استنتاج التصميم. تشير نظرية الانتقاء الطبيعي إلى أسباب مادية، وتعتمد حجج ~~التصميم على قوة خارقة ms178 للطبيعة. تسمي حجج التصميم المتعصبة هذه القوة، أما حجج ~~التصميم الحديثة فتتركها دون تسمية. ويتفق منظرو التصميم الحديث مع الداروينيين على ~~الحاجة إلى توافر أدلة داعمة. ولا يوجد منطقيا أي خطأ في الانتقال من الأدلة إلى ~~التصميم، ولكن ذلك يتطلب كسرا لسلسلة التفسير الطبيعي. فيطلب منا أن نقفز قفزة ~~واسعة من الاستدلالات المقبولة إلى الاستدلالات المسموح بها. # دخلت الداروينية فضاء مفاهيميا مزدحما بالنماذج التفسيرية المتنافسة. كان ~~الداروينيون دائما يشاركون في تفسيرات معارضة (انظر مربع 2-4). نظرا لنتائج ~~وايزمان السلبية بشأن وراثة الخصائص المكتسبة، أصبح من الأقل احتمالا أن يحظى ~~تفسير لامارك بدعم كبير من الأدلة. وعلى النقيض من ذلك، كان الانتقاء الطبيعي يعمل ~~على الأنماط الظاهرية للاختلافات الجينية العشوائية. فقط لو أن الخلايا الوراثية ~~تنقل، فإن هذا يتوافق مع اعتقاد داروين بالاختلاف المتناحي. ونظرا لعدم وجود ~~تكيفات مثالية وترتيب متناغم في الطبيعة، تضاءلت قوة حجة التصميم. عانت النظرية ~~الداروينية نفسها من صعوبات متنوعة؛ فكانت هناك حجة «الحلقة المفقودة»، التي عزاها ~~داروين - في هذه الحالة وحدها - إلى فقر سجل الحفريات. ثم جاءت حسابات طومسون لعمر ~~الأرض. لم تكن تسعون مليون سنة كافية لأداء عملية التطور التدريجي البطيء الخفية ~~التي تخيلها داروين. وكانت ثمة شكوك حول القيمية التفسيرية للانتقاء الطبيعي نفسه. ~~ورغم أن الداروينيين اعترفوا بالصعوبات، فإنهم ظلوا يعتبرون النموذج الدارويني ~~متفوقا على نظرية الخلق الخاص. # أما منتقدو داروين فقد اتهموه بإهمال مخجل للمبادئ البيكونية؛ فكانوا يرون أن ~~الطريقة الصحيحة هي رصد الطبيعة والتعميم من مشاهدات بعض الحالات على جميع الحالات. ~~وانغمس داروين في تخمينات جامحة. رد هكسلي بأنه قد كتب الكثير من «الرياء الزائف ~~علميا» عن الفلسفة البيكونية (هكسلي 1907، 364-365؛ هيكل 1866، الفصل الرابع؛ ~~جرين 1980، 314). أصبح هكسلي وهيكل على بينة من أهمية تأكيد مصداقية الأساليب ~~الداروينية. ورأى كلاهما أن ذلك يتطلب مزيجا من الاستقراء والاستنباط النقدي. ~~ونسبا الفضل في اكتشاف هذا المزيج إلى جون ستيوارت ميل. # مربع 2-4: الاستدلال على أفضل تفسير أو الإقصاء # إذا كان الاستدلال على أفضل تفسير يعني فحسب ms179 أننا نستنتج من الأدلة المتاحة ~~تفسيرا نعتبره أفضل تفسير لهذه الأدلة، فإنه لا ينبغي الخلط بين الاستدلال على ~~أفضل تفسير والاستقراء الإقصائي. سوف نرى في الفصل الثالث أن فرويد استدل من ~~الظواهر المرصودة، مثل السلوك العصبي والأحلام، على تفسير بشأن اللاوعي ~~الديناميكي، ومع ذلك، لا يمكن أن يقدم هذا تفسيرا كافيا ما لم نقارنه مع عدد ~~من التفسيرات المتنافسة (ليبتون ~~2004 # 2 ~~)؛ فنحن بحاجة إلى الاستدلال على أفضل تفسير «معارض»، بحيث ~~يمكن للأدلة تقديم قيمة احتمالية للتفسيرات المتناقضة. وفي هذه النقطة على وجه ~~التحديد يعد إجراء فرويد معيبا على نحو حزين؛ فهو يستخدم الأدلة الهزيلة ~~لتأكيد نموذج اللاوعي، دون تقييم احتمالية التفسيرات المنافسة. # ادعى داروين أنه وصل استقرائيا إلى مبدأ الانتقاء الطبيعي ، ولكن هذا لا يثبت ~~أنه نظرية صالحة. قدم داروين عددا من المشاهدات التي أوحت إليه أن تنوع الأنواع ~~وتكيفها مع البيئة الطبيعية يمكن تفسيره من خلال الآلية المادية للانتقاء الطبيعي. ~~ولكن مثل هذه التعميمات من عينة صغيرة نسبيا قد تكون مضللة على نحو خطير. استدل ~~الأوروبيون عادة من ملاحظتهم للبجعات البيضاء أن جميع البجعات كانت بيضاء، وقد دحض ~~هذا التعميم الاستقرائي تماما عندما اكتشف المستوطنون بجعات سوداء عند وصولهم إلى ~~أستراليا. وفي الحقيقة فإن فرانسيس بيكون - الذي هاجم منتقدو داروين أسلوب داروين ~~«الهش» على خلفية منهجه - وصف: # الاستقراء، الذي يتبع إحصاء بسيطا (...) بأنه طفولي؛ استنتاجاته غير ~~مستقرة، ومعرض لخطر حالة من التناقض، كما أنه يحدد عموما وفق عدد ~~قليل للغاية من الوقائع، وعلى الحقائق الوحيدة المتاحة. (بيكون 1620، ~~الكتاب الأول) # سنرى في الجزء التالي أن فرانسيس بيكون وجون ستيوارت ميل اقترحا ~~كلاهما طريقة أكثر تعقيدا من الاستقراء بالإحصاء، وأطلقا عليه الاستقراء ~~الإقصائي. ~~(6-2) التجريبية الفلسفية # ولكن دعونا نكمل أولا الخطوات التي دافع بها هيكل وهكسلي عن طريقة داروين. ~~ربما نصل إلى نموذج، مثل الانتقاء الطبيعي أو مركزية الشمس، من خلال خطوة استقرائية ~~من عدد معين من المشاهدات، بمساعدة من مبدأ نظري معين، ولكنها تظل مجرد تخمينات أو ~~فرضيات. وبمجرد ms180 توافر هذه النماذج تصبح خاضعة للاختبارات، وهنا يبدأ دور الجزء ~~الاستنباطي. وفقا للمعرفة القياسية، فإننا نستمد من النموذج تنبؤات معينة، يجب ~~اختبارها. يمكن الوفاء بهذه المطالبات في الكوبرنيكية ولكن لا يمكن ذلك في ~~الداروينية. لم تكن الداروينية قادرة على تقديم تنبؤات رقمية دقيقة عن السلوك ~~المستقبلي للكائنات البيولوجية. وكان داروين قادرا على تضمين الحقائق المعروفة ~~حينها، التي ظلت محيرة في نظر النظريات المنافسة. على سبيل المثال، فإن التشابه ~~التشريحي الكبير لدى القردة والبشر - وجود أعضاء بدائية - وجد تفسيرا طبيعيا في ~~الفرضيات الداروينية. ظل هذا التشابه محيرا في نظرية الخلق الخاص. قدمت نظرية ~~التطور إطارا يمكن استخدامه لاستخلاص الحقائق المستوعبة. ثمة ما هو أكثر من ذلك؛ غالبا ما تميز المناقشات الحديثة بين الأدلة أو ~~فبمجرد توافر الإطار النظري، يمكن استخدامه للاستدلال على النتائج الاستنباطية أو ~~الاستقرائية. وكانت الحقيقة الأكثر إثارة التي استخلصها الداروينيون من نظرية ~~التحدر هي احتمالية نشأة الإنسان الحديث من البشر الأوائل، وفي النهاية من القرود ~~الشبيهة بالبشر من خلال التفرع. أنشأت الداروينية رابطا جديدا بين عصور البشر ~~القديمة ومسار التحدر. لا يمكن التعامل مع هذا الاستنتاج كتنبؤ جديد، لأنه يدرج ~~حقيقة معروفة على نحو مستقل في النظرية الجديدة. ركز عالم الأحياء الألماني فريتز ~~مولر على التاريخ التطوري للقشريات. وجد العديد من التفاصيل الفسيولوجية - التي ~~وصفها بتفصيل شديد - تفسيرا طبيعيا في نظرية التحدر، ولكنها أضفت سرعة تصديق على ~~نظرية الخلق الخاص. وجد مولر في التفاصيل الفسيولوجية المعقدة للقشريات أدلة قليلة ~~على «خطة الخالق الثابتة». وأشار إلى أن التفاصيل التشريحية للقشريات يمكن أن ~~تستمد من وجهة نظر داروين. تشكل هذه العواقب الاستقرائية دليلا داعما ~~للداروينية (مولر 1864). كان داروين معجبا للغاية بعمل مولر - ~~واصفا له بأنه «إثبات رائع» لعقيدته - حتى إنه رتب لترجمة إنجليزية نشرت في عام ~~1869 (براون 2003، 259-260). # فرانسيس بيكون (1561-1626). # يطلق هيكل على هذا التفاعل بين الاستقراء والاستنباط «التجريبية الفلسفية». إنه ~~تفاعل بين الخبرة والعقل، توليفة من التجريبية والعقلانية، ولكن كما أشار العديد من ~~العلماء في ذلك الوقت ms181 أيضا، لا توجد مشاهدات جيدة من دون نظرية سابقة. وكما رأينا، ~~عمل كوبرنيكوس وداروين على خلفية من التفسيرات المنافسة. ينبغي أن نضيف شرطا ~~مهما آخر في هذا التفاعل؛ أي نظرية جيدة تكسب قبولا - إما عن طريق تأكيد التنبؤ ~~الجديد أو عن طريق التلاؤم الناجح - يجب أن تنفي النظرية المنافسة. إن الطريقة ~~البيكونية أو الميلية (نسبة إلى ميل) الحقيقية هي طرق للإقصاء، كما أشار ميل: # يؤمن معظم الناس باستنتاجاتهم بدرجة من الراحة تتناسب مع حجم الخبرة التي ~~يبدو أنهم يستريحون معه، ولا يدركون أنه عبر إضافة حالات إلى حالات، كلها ~~من النوع نفسه (...) فإنه لا شيء يضاف إلى دليل الاستنتاج؛ فمن شأن حالة ~~واحدة أن تقصي بعض الحالات السابقة، التي كانت موجودة على نحو شائع، أن تكون ~~أكثر قيمة من العدد الأكبر من الحالات. (ميل 1843، الكتاب الثالث، الفصل العاشر) # على سبيل المثال، استمتع عشرون شخصا بوجبة في مطعم ولكن ثمانية منهم أصيبوا بتسمم غذائي. ~~وبالتحقيق وجدنا أن هؤلاء الثمانية تناولوا طبق الدجاج، في حين أن الاثني عشر شخصا ~~المتبقين تناولوا أطباقا أخرى مختلفة، وتناول العشرون جميعا حلويات مختلفة. يحق ~~لنا أن نستنتج أن طبق الدجاج، ربما، يكون السبب. لقد أقصينا الأطباق الأخرى لأنه لا ~~أحد من الاثني عشر شخصا شعر بالمرض. وهذه هي طريقة ميل المسماة «منهج الاتفاق». ~~كان جميع الضحايا سيئو الحظ مشتركين في شيء واحد؛ أنهم أكلوا طبق الدجاج. يقدم ميل ~~عددا من أساليب الإقصاء، بما في ذلك «منهج الافتراق». إن المبادئ «البيكونية» ~~الحقيقية تعمل عن طريق الإقصاء كما أقر هيكل وهكسلي وميل؛ فقد كان منتقدو داروين ~~مخطئين. لنتناول قوة الإقصاء. ~~(6-3) بعض مبادئ الإقصاء # هل كدس داروين حقيقة فوق حقيقة، أم أنها كانت حقيقة فوق نظرية؟ ~~(جيزلين، «انتصار الطريقة الداروينية» (1969)، 232) # ادعى داروين في سيرته الذاتية أنه قام بعمله وفق مبادئ استقرائية ~~حقيقية: «يبدو أن عقلي قد أصبح نوعا من آلات استخلاص القوانين العامة من مجموعات ~~الحقائق الكبيرة (...)» (داروين 1958، 54؛ هكسلي 1907، الفصل العاشر، 284). في ~~الواقع، اتبع داروين مبادئ «بيكونية» حقيقية. ms182 لم يكن الاستقراء يعني بالنسبة لبيكون ~~ولا لميل فعليا استقراء بسيطا بالإحصاء؛ فالاستقراء مسألة ذات حدين: ففي حين ~~أنه يدعم نموذجا ما، فإنه ينفي في الوقت نفسه نموذجا منافسا. وهذا يسمى ~~«الاستقراء الإقصائي» (نورتون 1994، 1995؛ فاينرت 2000). توجد لدينا ظاهرة «ظ». في ~~كثير من الأحيان في تاريخ العلوم تقدم نماذج التفسير المتنافسة تفسيرات لهذه ~~الظاهرة. ما النموذج الصحيح؟ لنفترض أن «ظ» هي وقوع جريمة وحشية، كما هي الحال في ~~رواية لي هاربر «أن تقتل طائرا بريئا». قبل أن يجمع المحققون الأدلة حول «ظ»، فإن ~~أي إنسان حي على الأرض يمكن منطقيا أن يكون الجاني، ولكن سرعان ما تبدأ الأدلة في ~~إقصاء أعداد هائلة من المشتبه بهم المحتملين. حدثت «ظ» في مكان معين، «ك # 1 ~~»، وفي وقت ~~معين «ق # 1 ~~». تستبعد الحقائق الأولية الغالبية العظمى من الجناة المحتملين؛ ففي «ق # 1 ~~» ~~كان معظمهم في موقع آخر «ك # 2 ~~». وتزداد الأدلة دقة. وبعد مرور فترة قصيرة، لا يتبقى ~~في القائمة سوى أسماء قليلة. لنفترض أن اثنين من المشتبه بهم، «ش # 1 ~~» و«ش # 2 ~~»، لا ~~يزالان في القائمة. سيحاول المحققون جعل الأدلة دقيقة بحيث تشير على نحو مؤكد إلى ~~«ش # 1 ~~» أو «ش # 2 ~~». ولنفترض أن أدلة الحمض النووي ربطت المشتبه به «ش # 1 ~~» بالجريمة. يجعل ~~هذا «ش # 1 ~~» المشتبه به الرئيسي ويقلل من احتمال أن يكون «ش # 2 ~~» ارتكب الجريمة. إن ~~إجراءات العلماء لا تختلف كثيرا عن عمل المحققين؛ فالعالم مثل المحقق الذي يرغب ~~في ربط الأدلة المتاحة - على نحو مفضل - بنموذج واحد من النماذج التفسيرية. يجب أن ~~تحدد قيمة الأدلة احتمالية التفسير. ويمكننا أن نستنتج مصداقية النموذج التفسيري من ~~مدى قوة إشارة الأدلة إليه. # من أين تأتي الأدلة؟ تأتي من المشاهدات، كما هي الحال لدى كوبرنيكوس وداروين، وقد ~~تأتي من التجارب المعملية. وربما تقدم المبادئ الفيزيائية أيضا أدلة. تخبرنا ~~الفيزياء أنه لا يمكن أن توجد «حركة أبدية»، وأنه لا يمكن لأي مادة أن تتحرك بسرعة ~~أكبر من سرعة الضوء. من أين تأتي هذه ms183 النماذج؟ ربما جرى التوصل إليها من خلال خطوات ~~استقرائية بسيطة؛ من خلال فرضية أو تخمين. وبمجرد توافر النماذج، فإننا نحتاج إلى ~~أدلة لها القدرة على دعم أحد النماذج أكثر من منافسيه. كان بيكون على دراية تامة ~~بإجراءات الإقصاء تلك. فبعد أن رفض الاستقراء بالإحصاء ووصفه بأنه «طفولي»، شرع في ~~تحديد تفسير أكثر إيجابية: # ولكن الاستقراء، الذي ينبغي أن يكون متاحا لاستكشافات العلوم والفنون ~~وإثباتها، يجب أن يحلل الطبيعة من خلال الرفض والاستثناء المناسبين؛ ثم بعد ~~عدد كاف من النتائج السلبية، يتوصل إلى استنتاج بشأن الحالات الإيجابية ... ~~(بيكون 1620، الكتاب الأول) # ويذكرنا ميل بأنه يجب علينا تكرار التجارب والمشاهدات لاستبعاد أخطاء الرصد أو ~~القياس. ويجب أن تكون نتائجنا التجريبية والرصدية موثوقة، ولكن بمجرد فعل ذلك، # فإن تكرار الحالات، الذي لا يستبعد أي ظروف أخرى، لا طائل منه تماما ... ~~(ميل 1843، الكتاب الثالث، الفصل العاشر) # ولكن الرفض والإقصاء وحدهما لن يحققا ذلك؛ فنحن مهتمون ببعض ~~النماذج العاملة، التي يمكنها التوافق على نحو كاف مع الأدلة. إذا قوضت مصداقية ~~أحد النماذج التفسيرية، يجب أن تثبت الأدلة نفسها النموذج المنافس. ماذا يعني القول ~~إن نموذجا يمكنه أن «يتوافق» مع الأدلة؟ # يجب أن نناقش أربع سمات أساسية للاستقراء الإقصائي: (1) التمييز بين الأدلة ~~الإيجابية والداعمة، و(2) استكشاف فضاء الاحتمالات، و(3) التمييز بين النماذج ~~البديلة والمنافسة، و(4) ملاءمة الحقائق المعروفة مقابل التنبؤ بالحقائق ~~الجديدة. ~~(6-4) السمات الأساسية للاستقراء الإقصائي ~~(1) # غالبا ما تميز المناقشات الحديثة بين الأدلة أو الحالات «الإيجابية» ~~و«الداعمة». الأدلة «الإيجابية» هي نتيجة استقرائية لبعض النماذج ~~التفسيرية المتنافسة. وتنبع الحالات الإيجابية استقرائيا من مبادئ ~~نظرية ما. وعلى العكس من ذلك، تأتي الأدلة «الداعمة» على نحو مثالي في ~~شكل تنبؤات جديدة، تتفق مع نموذج واحد فقط من النماذج المتنافسة. تشكل ~~الحالات الداعمة اختبارات للنظريات المتنافسة. ربما تتخذ أيضا شكل ~~التوفيق الناجح للحقائق المعروفة في إطار عمل أحد النماذج، بينما تقاوم ~~هذا الاندماج في النموذج الآخر. واحتكم بيكون للتجارب الحاسمة التي تقف ~~عند مفترق الطرق بين أي تفسيرين متعارضين (بيكون ms184 1620، الكتاب الثاني). فهذه التجارب تمتلك القدرة على التأثير في الحجة لصالح أحد ~~التفسيرين على حساب التفسير الآخر. طبق بيكون هذا على الفرضية ~~الكوبرنيكة؛ هل كان دوران الأرض حقيقيا أم ظاهريا. فاقترح ~~نتائج تجريبية عديدة قابلة للاختبار، يمكن أن تقر - على سبيل المثال - ~~بمركزية الأرض أو بمركزية الشمس. تدبر بعض الأمثلة: # الحالات الإيجابية لكل من مركزية الأرض ومركزية الشمس هي الحركة ~~المنتظمة للكواكب وسلوك الأجسام على الأرض. أما الحالات الإيجابية لكل ~~من اللاهوت الطبيعي والداروينية فهي تنوع الأنواع وبعض السجلات ~~الحفرية. وتتوافق الحالات الإيجابية مع الإطار المنطقي للنماذج ~~المتنافسة؛ فهي لا توزع قيم الاحتمال على نحو غير متساو على هذه ~~النماذج، وهذا يخلق صعوبة تفسيرية شديدة. فلو كان يوجد نماذج متنافسة ~~تدعي تفسير الظواهر، رغم الأدلة المتاحة، فلن يكون لدينا أي تفسير على ~~الإطلاق. إذا كان يمكن تفسير جميع الظواهر الأرضية من خلال مركزية ~~الأرض أو مركزية الشمس على حد سواء، وإذا كان يمكن تفسير جميع الظواهر ~~البيولوجية على نحو متساو باستخدام نظرية الخلق الخاص ومبدأ الانتقاء ~~الطبيعي، فلن يكون لدينا حقا أي تفسير نقدمه؛ فالنظام الشمسي لا يمكن ~~أن يكون أرضي المركز وشمسي المركز في الوقت نفسه، ولا يمكن أن تكون ~~الأنواع ناتجة عن الخلق والتطور في الوقت ذاته. إننا نعلم على وجه ~~اليقين أن النظام الشمسي شمسي المركز، وهذا يجعل مركزية الأرض غير ~~متفقة مع الحقائق. ومعظم علماء الأحياء واثقون إلى حد ما من أن الأنواع ~~قد تطورت، وهذا يجعل نظرية الخلق غير قابلة للتصديق؛ فعلى غرار المحقق ~~تماما، يحتاج العالم إلى أدلة تشير نحو نموذج واحد وتنأى به عن ~~منافسيه. # تلعب الأدلة الداعمة دورا مزدوجا يتمثل في التأكيد والدحض. وكما ~~أكد بيكون، فإن التجارب الحاسمة يمكن أن تزيد من مصداقية نموذج ما على ~~حساب النموذج المنافس له. ويمكن أن يلعب رصد الحقائق الجديدة دورا ~~مماثلا. في تاريخ مركزية الشمس، كانت هذه الأدلة الداعمة تدعم بشدة ~~الفرضية الكوبرنيكية؛ فقد كان رصد براهي للمذنبات والمستعرات العظمى، ~~ورصد جاليليو لأقمار المشتري، ms185 والتنبؤ المشترك بين آدامز وليفيريه ~~بوجود نبتون (1846) يتفق مع الكوبرنيكية وليس مع مركزية الأرض. كما ~~أيدت الأدلة الداعمة نظرية داروين للانتخاب الطبيعي ضد التفسيرات ~~المنافسة؛ مثل اكتشاف الأنواع البشرية والحيوانية المنقرضة في السجل ~~الحفري، والتشابهات التشريحية بين القردة الشبيهة بالبشر والإنسان، ~~والتشابه في التطور الجنيني، وتنوع الأنواع في توزيعها البيولوجي ~~الجغرافي. # من المهم إدراك أن النموذج الباقي على قيد الحياة هو النموذج الأنسب ~~المتاح فيما يتعلق بالأدلة المتاحة. لا يلزم أن يكون النموذج الصحيح. ~~ومهما كانت ما تعنيه الصحة، من الصعب جدا على النظريات العلمية تجنب ~~التجريدات والمثاليات. وليس من الممكن الوصول إلى نظريات علمية معقدة ~~عن طريق استقراء بالإحصاء بسيط. فجميع النظريات تخمينية، ومن وجهة نظر ~~منطقية، ربما يوجد عدد لا حصر له من النظريات. يجب أن نكون دائما على ~~دراية بفضاء الاحتمالات؛ أي فضاء النماذج الممكنة والفعلية، التي يمكن ~~- على نحو متساو - أن تفسر الأدلة. من ناحية أخرى، في تاريخ العلم لم ~~تتح نماذج متنافسة في الوقت ذاته إلا بعدد قليل. واجهت مركزية الشمس ~~مركزية الأرض وبعض التنويعات الأخرى. وواجهت الداروينية نماذج التصميم، ~~وبعض النماذج التطورية البديلة. كيف يمكننا أن نفسر ندرة النماذج في ~~الممارسة العملية؟ ~~(2) # لنتصور «فضاء من الاحتمالات». يشكل هذا الفضاء من الاحتمالات فضاء ~~منطقيا أو مقيدا؛ لأنه يحتضن نماذج فعلية وغير فعلية. تخيل الفضاء ~~المقيد كشبكة مجردة تتضمن خلايا تنتظم في صفوف وأعمدة. يمكن اعتبار ~~المخططات الملونة من مصنع الدهانات فضاءات منطقية. يوجد، على سبيل ~~المثال، العديد من الخلايا الملونة بدرجات اللون الأصفر. ربما لا تكون ~~هذه الدرجات هي جميع الدرجات الصفراء التي يمكن تصنيعها. وفي الواقع ~~تقدم درجات جديدة في كل موسم. يحتوي المخطط الأصفر على مساحة للعديد ~~من درجات اللون الأصفر، ولكنه يستبعد جميع درجات الألوان الأخرى؛ فهي ~~تنتمي إلى فضاء منطقي مختلف. يسمح بدخول بعض العناصر لأحد الفضاءات ~~المقيدة ولكن لا تدخلها كلها. إن اللوحة الكبيرة ذات الثقوب المثلثة ~~والمستطيلة تسمح بمرور المثلثات والمستطيلات الأصغر من فتحاتها. وسوف ~~تحظر جميع الأشكال الأخرى ms186 التي يتجاوز حجمها حجما معينا. يمكن أن ~~نفكر في «القيود» على أنها تحدد هذه الفضاءات المنطقية. انظر للقيود ~~مرة أخرى على أنها شروط تقييدية من النوع التجريبي والنظري. إنها تؤدي ~~دور «حراس المرمى». تسمح القيود لبعض العوامل المتغيرة بالدخول إلى ~~النطاق مع استبعاد العوامل الأخرى. ويوضح إجراء اختيار بسيط في مدينة ~~الملاهي قوة القيود. إذا لم يكن طولك يصل لارتفاع معين # h ~~، فإنك صغير ~~لدرجة تمنعك دخول اللعبة. هذا قيد تجريبي. وثمة قيود نظرية أيضا؛ فإذا ~~لم تتمكن من حل المعادلات التفاضلية، فإن حياتك المهنية كفيزيائي سوف ~~تكون قصيرة. تخيل القيود كرسم حدود حول الفضاءات المقيدة (انظر الفصل ~~الأول، القسم 6-4، ب). ~~(3) # يمكننا أن نستخدم القيود للقيام بتمييز ضروري في فضاء النماذج ~~المقيد. تحدثنا حتى الآن بحرية عن النماذج المتنافسة، دون تحديد هل ~~كانت «بدائل» أم «منافسة». في مجال مفاهيمي ما ستكون بعض النماذج ليست ~~إلا بدائل، وفي مجالات أخرى ستكون منافسة حقيقية. و«النماذج البديلة» ~~متنافسة ولكنها متوافقة منطقيا؛ لأنها تشترك في قيود متماثلة. ~~وغالبا ما تفي «التفسيرات المتنافسة» بقيود متباينة ولا تشترك إلا في ~~بعض الفرضيات المتداخلة. على سبيل المثال، جميع نماذج مركزية الشمس ~~منافسة لنماذج مركزية الأرض. جميع نماذج التطور غير الغائية منافسة ~~لنظريات التطور الغائية. وجميعها تنتمي إلى فضاءات مقيدة مختلفة. وتضع ~~القيود، التي تحدد هذه الفضاءات، معايير مختلفة للعضوية فيها. والتفكير ~~في الموقف في سياق التنافس له ميزة مباشرة. فوجود مجموعة معينة من ~~القيود لا يقصي نظرية تفسيرية واحدة فحسب، بل فئة كاملة من النظريات ~~التفسيرية المتنافسة بضربة واحدة. على سبيل المثال، التأكيد على مركزية ~~الشمس يلغي جميع نظريات مركزية الأرض؛ فالبنية الجبرية الطوبولوجية ~~لمركزية الشمس غير متوافقة مع البنية الجبرية الطوبولوجية لمركزية ~~الأرض. بعبارة أخرى، إذا كان نظام الكواكب الشمسي المركز وتحكمه قوانين ~~نيوتن، فإنه لا يمكن لنظرية أرضية المركز أن تفي بالقيود التي يفرضها ~~نظام كوكبي شمسي المركز. ونظريات التطور الداروينية تلغي جميع النظريات ~~الغائية، سواء كانت في شكل حجج التصميم أو التطور التدريجي؛ ms187 فالبنية ~~الجبرية الطوبولوجية للتاريخ الدارويني لا تتوافق مع النظريات الغائية. ~~تكمن البنية الطوبولوجية في نموذج التطور التفرعي، والبنية الجبرية ~~في آلية الانتقاء الطبيعي. وهذا يعني أنه إذا كان التطور مدفوعا ~~بالانتقاء الطبيعي، فإن هذا لا يمكن توفيقه مع أي فكرة للتصميم أو ~~التطور التدريجي؛ فالنماذج المتنافسة غير متوافقة منطقيا، وهي غير ~~متوافقة لأنها تقع في فضاءات مقيدة مختلفة. # قلنا إنه اعتمادا على القيود العاملة، فإنها تشكل فضاءات مقيدة ~~مختلفة. ويمكننا استخدام الكوبرنيكية والداروينية لتقديم توضيحات ~~للفضاءات المقيدة والنماذج المتنافسة والبديلة. تتفق اللاماركية ~~والداروينية على عدم ثبات الأنواع، ولكنهما تختلفان بشأن الطبيعة ~~الغائية للتطور وآلية الانتقاء. ويتفق كبلر وكوبرنيكوس على الموضع ~~المركزي للشمس ولكن يختلفان بشأن شكل مدارات الكواكب. ويمكن اعتبار ~~الدائرة - بعد تجريدها من أغلفتها الميتافيزيقية - بمنزلة إصباغ ~~للمثالية الرياضية على المدار الإهليجي. إن النماذج الكوبرنيكية نماذج ~~«بديلة ». والنماذج الكوبرنيكية الناضجة تتعارض جذريا مع النموذج ~~البطلمي؛ لأنها لا تشترك معها في البنية الجبرية والطوبولوجية نفسها، ~~ومن ثم ليست لها القيود نفسها. إنها نماذج متنافسة، وليست نماذج ~~بديلة. أما نموذج لامارك التطوري فهو منافس «بديل» لنموذج داروين ~~التطوري؛ لأنهما يتفقان على تنوع الأنواع، ولكن النماذج التطورية تختلف ~~جذريا عن نماذج التصميم الغائي؛ وهي متنافسة، وليست بدائل. # 15 # ثمة معيار مفيد لتحديد هل كان النموذجان بديلين أم متنافسين، وهو ~~يكمن في درجة التغيير المسموح به. يمكن تعديل النظام اللاماركي ~~والنماذج الكوبرنيكية. وما عدل في كلتا الحالتين كان البنية ~~الجبرية: من الوراثة فوق الجينية إلى الانتقاء الطبيعي، ومن المدارات ~~الدائرية إلى الإهليجية. في حالة النماذج الكوبرنيكية، لم يؤثر هذا ~~التغيير على البنية الطوبولوجية الشمسية المركز، ولكنه كان يعني تحويل ~~الدائرة من أداة ميتافيزيقية إلى أداة رياضية. وفي حالة النماذج ~~اللاماركية، أدى التغيير في البنية الجبرية إلى تغيير في البنية ~~الطوبولوجية، من التطور الخطي إلى التطور التفرعي، ولكن لا يمكن ~~تعديل نماذج التصميم ومركزية الأرض بهذه الطريقة؛ فكلتا بنيتيها ~~الطوبولوجية والجبرية تتعارضان مع تبني الانتقاء الطبيعي والمدارات ~~الإهليجية على الترتيب، رغم الأدلة المتاحة. # عندما ms188 نفكر في فضاء الاحتمال، يجبرنا المنطق على اعتباره لا ينضب؛ ~~فيمكننا دائما إجراء تغييرات على النماذج الحالية لإنشاء نماذج محتملة ~~جديدة. عمليا، يعمل العلم دائما مع مجموعة محدودة من النماذج ~~المتاحة. وعندما ننخرط في استقراء إقصائي، فإننا نستخدم البيانات ~~التجريبية، والنتائج الفيزيائية الرياضية، والفرضيات الميتافيزيقية، ~~والمعتقدات المنهجية كقيود لتوجيه اختيارنا. لقد رأينا كيف يضع استدلال ~~التصميم أو نماذج التطور أمامنا خيارا فلسفيا؛ وهو أن نضع ثقتنا في ~~نظرية التطور أو نماذج التصميم. ويعني وضع الثقة في نظرية التطور ~~اعتناق مذهب الطبيعانية. ويشمل هذا التعبير عن الثقة والأمل في أن ~~تحل المشكلات المعلقة في المستقبل. وتعني الثقة في نماذج التصميم ~~إعلان أن الانتقاء الطبيعي غير قادر على تفسير التعقيد وعدم احتمالية ~~البنى. الأمل هو أن استدلال التصميم من النظام سوف ينال الاحترام على ~~المستوى العلمي. وبينما نستبعد نموذجا واحدا لصالح نموذج منافس له - ~~لنفترض أننا نستبعد سلسلة الوجود الكبرى لصالح التحدر مع التعديل - ~~فإننا نستبعد فئة كاملة من النماذج المنافسة، مثلا كل تلك النماذج ~~التي تفترض ثبات الأنواع. إننا نستبعد فئة، وليس نماذج فردية منافسة ~~وحسب؛ لأن جميع النماذج في هذه الفئة (المحتملة والفعلية) تخالف القيود ~~الموضوعة. وهذا يترك لنا فئة من النماذج البديلة، ولكنها ليست ~~مهددة على نحو خاص؛ لأنها تتشارك في عدد كبير من القيود. وفي كثير ~~من الأحيان يمكن فرزها وفق مقياس من المعقولية مع اكتشاف أدلة ~~جديدة. ~~(4) # تمثل «الملاءمة» إحدى المشكلات المقلقة. غالبا ما يوافق الفلاسفة ~~على أن التنبؤات الجديدة تشكل أنقى أنواع الاختبارات التي يمكن أن ~~تتعرض لها النماذج التفسيرية. وكثيرا ما ينظر للملاءمة بعين الشك. ~~يخشى أن تبنى النماذج مع وضع الحقائق المعروفة في الاعتبار، مما ~~يعرضها إلى نقيصة الظرفية (سيلوس 1999، الفصل الخامس؛ هوسون/وورباخ ~~1993، 147-160). على سبيل المثال، عندما واجه داروين حجة الرابط ~~المفقود، أجاب بادعاء أن السجل الحفري كان فقيرا جدا. في عصر داروين ~~كان هذا الدفاع ملائما لهذا الوقت وحسب، وقد حمى نموذج داروين من ~~الاعتراضات الخطيرة. لحسن حظ داروين، تحسن السجل الحفري، ms189 وأزال حجة ~~الرابط المفقود، ومع ذلك، فإن ملاءمة النماذج مع الأدلة الموجودة ~~والمعروفة دائما ما يسبب مشكلات خاصة، كما سيوضح تحليلنا للفرويدية ~~لاحقا. ومع هذا، ثمة أمثلة مشهورة للملاءمة في تاريخ العلم. كان تقدم ~~الحضيض الشمسي لعطارد معروفا بالنسبة للفيزياء الكلاسيكية ولكن لا ~~يمكن تفسيره في النموذج النيوتوني. الحضيض الشمسي هو أقرب نقطة في مدار ~~الكوكب إلى الشمس. في حالة عطارد، تتقدم هذه النقطة على مدى فترة من ~~الزمن؛ فبدلا من عودة الحضيض دائما إلى نفس النقطة بعد المدار ~~السنوي، يشكل مدار عطارد نمطا يشبه الوردة. تمكن أينشتاين من استيعاب ~~هذه المشكلة داخل نظريته النسبية العامة (1916). وعندما بنى نيلز بور ~~نموذجه الشهير لذرة الهيدروجين (1913)، بناه بحيث يتلاءم مع العديد من ~~الظواهر الذرية المعروفة في ذلك الوقت: تجارب التشتت، وتمايز الأطياف ~~الذرية. لم يقدم كوبرنيكوس تنبؤا واحدا جديدا، ولا داروين . كان ~~عملهما هو تحقيق التوافق مع عدد ضخم من المشاهدات؛ فوفرا إطارا ~~متسقا تكون فيه المشاهدات منطقية. ومثل هذه الحالات من الملاءمة لا ~~تسبب المشكلات لسببين: (1) في جميع هذه الحالات قدمت النماذج الجديدة ~~على خلفية النظريات المنافسة. فإذا كان النموذج يفسر حقيقة معروفة، ~~تهدد اتساق نموذج منافس، فإن الملاءمة لا تشكل خطرا جسيما. لقد ~~واجهنا عدة أمثلة؛ فالكوبرنيكية تفسر على نحو طبيعي الحركة القهقرية، ~~التي أجبرت مركزية الأرض على تبني حل غير طبيعي. والداروينية تفسر ~~بأناقة تنوع الأنواع، الذي أجبر حجج التصميم على تبني العديد من أعمال ~~الخلق. (2) كان لهذه النظريات نتائج قابلة للاختبار، حتى لو كانت تعاني ~~قصورا في التنبؤات الجديدة. بمجرد أن توفر النظرية إطارا متسقا ~~للحقائق المعروفة، تتبعها النتائج الاستنتاجية والاستقرائية. إنها لا ~~تمتلك تأثير التنبؤات الجديدة، ولكنها، رغم ذلك، ربما تعزز الدعم ~~التجريبي للنظرية. تستطيع الكوبرنيكية تفسير تعاقب فصول السنة، كنتيجة ~~استنتاجية لبنيتها. وينتج تفسير عصور الإنسان القديمة على نحو طبيعي من ~~التحدر مع التعديل. # ميزنا بين أربع سمات أساسية للاستقراء الإقصائي. كان النموذج الكوبرنيكي ~~والدارويني جيدا للغاية في هذا الصدد. وتستطيع النظرية الكوبرنيكية، من بين أمور ms190 ~~أخرى، تقديم تقدير دقيق للترتيب النسبي للكواكب من الشمس. ويمكن للنظرية ~~الداروينية، من بين أمور أخرى، تفسير تكيف الأنواع مع بيئاتها المحلية. هذه النتائج ~~الاستنتاجية والاستقرائية تعزز التوحيد، وينبغي اعتبارها دليلا داعما. استكشف ~~كوبرنيكوس وداروين كلاهما النماذج المنافسة لنموذجيهما، لكنهما رأيا أن فضاء ~~الاحتمالات استنفده المنافسون. سعى كوبرنيكوس إلى دحض مركزية الأرض، وكان داروين ~~مشغولا في الغالب باستكشاف نقاط ضعف نظرية الخلق المنفصل. بالنظر إلى السمات ~~الجبرية والطوبولوجية لمركزية الشمس ومركزية الأرض، من السهل تماما التمييز بين ~~النماذج المنافسة والنماذج البديلة. وبالنظر إلى العملية الجبرية للانتقاء الطبيعي ~~في الداروينية، مقابل الانتقاء الإلهي في اللاهوت الطبيعي، من السهل مرة أخرى ~~التمييز بين المنافسين والبدائل. واقترحنا، كمعيار، درجة التغيير المقبول في نموذج ~~ما في ضوء الأدلة. لقد كان الكوبرنيكيون والداروينيون منشغلين بملاءمة الحقائق ~~المعروفة على نحو أكبر بكثير من انشغالهم بتقديم تنبؤات جديدة. ~~(6-5) قابلية الدحض أم قابلية الاختبار؟ # قبل بوبر تماما انتقاد هيوم للاستقراء البسيط؛ الاستقراء بالإحصاء. لا يوجد ~~دليل منطقي على أنه يحق لنا أن نستنتج من رصد بعض حالات «ص» العبارة العامة «جميع ~~ص» كما أنه لا يوجد دليل تجريبي. ولا يمكننا أن نستنتج من نجاح ممارساتنا ~~الاستقرائية في الماضي نجاحها في المستقبل؛ لأن هذا يفترض مسبقا نفس مبدأ ~~الاستقراء، الذي نهدف إلى إثباته. وخلص بوبر من هذه الحالة إلى أنه من المستحيل ~~إثبات حقيقة نظرية علمية عامة على أساس عدد محدود من المشاهدات. فلا يمكن استخلاص ~~النظريات العامة في العلم من خلال الاستدلال الاستقرائي. قلب بوبر هذه الحالة. ~~فلا يمكننا التحقق من حقيقة نظرية عامة عن طريق المشاهدات أو التجربة، ولكن يمكننا ~~أن نظهر على الأقل أن نظرية ما خاطئة. فإذا طرحت نظرية عامة في صورة قد تتناقض مع ~~بعض المشاهدات، التي استخلصت منها، فإننا عندئذ لدينا سبب للاعتقاد بأن النظرية ~~خاطئة. هذا هو الاختلاف بين الإثبات والدحض. فلا يمكن إثبات النظرية العلمية ولكن ~~يمكن دحضها؛ فالنظرية تدحض عندما تتعارض إحدى نتائجها الاستنتاجية مع اكتشافاتنا ~~التجريبية بشأن العالم ms191 (بوبر 1959؛ 1963؛ 1973). يعد قانون كبلر الأول للمدارات ~~الكوكبية الإهليجية اكتشافا يدحض فرضية المدارات الدائرية في نظرية مركزية الأرض ~~ونظرية مركزية الشمس الكوبرنيكية. وفي الوقت نفسه يشكل رفضا لمركزية الأرض ~~وتعديلا لمركزية الشمس؛ لأن المدارات الإهليجية تضع الشمس كنقطة محورية. وتتناقض ~~اكتشافات الحفريات في القرن التاسع عشر مع ثبات الأنواع في النظريات غير التطورية. ~~وفي الوقت نفسه تمثل رفضا ل «سلسلة الوجود الكبرى» وتعديلا للنظريات التطورية ~~السابقة لأنها ظلت ملتزمة بالغائية. # ادعى بوبر أنه استبعد الممارسات الاستقرائية في العلم نهائيا، وقد خلق تأثير ~~بوبر الشديد على فلسفة العلوم في القرن العشرين انطباعا بأن الممارسات الاستقرائية ~~أحداث غير مهمة في تاريخ العلم، في حين أن الممارسات الاستدلالية هي القاعدة. كان ~~بوبر معجبا للغاية بالنظرية النسبية لأينشتاين؛ فقد كانت تخمينا جيدا مبتكرا ~~بحرية أدى إلى ثلاثة تنبؤات دقيقة قابلة للاختبار (تقدم الحضيض الشمسي لعطارد ، ~~وانزياح الضوء نحو الأحمر في مجالات الجاذبية، وانحناء الضوء بالقرب من الأجسام ~~الجاذبة)، ولكن دراستنا للكوبرنيكية والداروينية أقنعتنا بأن الممارسات الاستقرائية ~~منتشرة في العلوم، ولكنها تتخذ صورة الاستقراء الإقصائي بدلا من الاستقراء ~~بالإحصاء. ورد الفيزيائي ستيفن واينبرج على هيمنة الدحض بطريقته الخاصة؛ فلم يجد ~~حالة واحدة من الدحض «خلال المائة سنة الماضية» (واينبرج 1993، 102). وإنصافا ~~لبوبر، ينبغي أن نتذكر أنه يتطلب قابلية دحض النظريات وليس دحضها الفعلي. # هل يجب أن نقرأ معيار بوبر بأنه قابلية للدحض أم قابلية للاختبار؟ فإذا أخذنا ~~كلام بوبر حرفيا للغاية - فالإصرار على أن النظريات تكون علمية فقط إذا كانت قابلة ~~للدحض - فسيقودنا هذا إلى استنتاجات غير متناسقة. فلا يمكن دحض العبارات العلمية ~~المحترمة تماما بشأن استحالة وجود آلات دائمة الحركة. ولا يمكن دحض الأبحاث ~~الكونية عن وجود المادة المظلمة. يستبعد معيار القابلية للدحض البحث بشأن الوجود ~~الإيجابي لبعض الكيانات أو القوى، كما يجعل النظريات التي يعتبرها تاريخ العلوم ~~علمية غير علمية. أراد علم الفلك البطلمي إنقاذ الظواهر من خلال البنى الهندسية ~~الرائعة. ولم يكن يوجد التزام بحقيقة الأدوات الهندسية، ولا تنبؤات جديدة. فشل علم ~~الفلك البطلمي ms192 كنظرية علمية وفق بوبر، ومع ذلك، فإنه يصنف كمنافس جاد ضمن نماذج ~~الفلك الإغريقية؛ فقد تنبأ بالظواهر المعروفة ونظمها، ولم يصبح قابلا للاختبار إلا ~~على المدى الطويل. ما رأينا في نظريات مثل التنجيم والتحليل النفسي الفرويدي، ~~التي يمكن أن تكون لها نتائج قابلة للدحض؟ إذا كان التنجيم ونظرية فرويد قابلين ~~للدحض من حيث المبدأ، من خلال تقديم تنبؤات يثبت خطؤها، هل يجب أن نعتبرهما علميين؟ ~~وماذا نفعل بشأن النظريات المعتمدة على النماذج، مثل ميكانيكا نيوتن، التي تواجه ~~شذوذا، مثل تقدم الحضيض الشمسي لعطارد؟ وقع تقدم الحضيض الشمسي لعطارد ضمن مجال ~~نظرية نيوتن، ولكن لم يكن من الممكن تفسيره، ولم ترفض نظرية نيوتن بسبب هذا ~~الفشل. # يفرض بوبر بعض القيود الصارمة على النظريات الجديدة التي ~~تحل محل النظريات القديمة. يجب أن تقدم ~~النظرية الجديدة تأكيدات أكثر دقة من النظرية القديمة؛ فيجب أن تفسر حقائق أكثر من ~~النظرية القديمة ويجب أن تفسرها بمزيد من التفصيل، كما يجب أن تتخطى النظرية ~~الجديدة الاختبارات التي فشلت فيها النظرية القديمة، ويجب أن تتخطى اختبارات جديدة، ~~وكذلك يجب أن توحد النظرية الجديدة أيضا الظواهر غير المرتبطة بعضها ببعض حتى لحظة ~~تقديمها (بوبر 1963، الفصل العاشر). وبوجه خاص، يجب أن تحدد النظرية العوامل التي ~~تقيم العلاقات بينها. ويجب أن تكون العوامل والعلاقات قابلة للقياس الكمي. وكما ~~رأينا، فإن هذه العلاقات القابلة للقياس الكمي بين العوامل غالبا ما تشكل أساس ~~قوانين العلم. يتعذر على علم التنجيم الوفاء بهذا الشرط؛ إذ يمكن تحديد مواضع ~~النجوم في السماء بدقة عددية، ولكن لا ينطبق الأمر نفسه على صفات الشخصية. ويجعل ~~هذا الإخلال من الصعب قياس أي ارتباط مفترض بين صفات الشخصية ومواضع النجوم. # يمكننا تلخيص هذا المعيار تحت مسمى «قابلية الاختبار». يمكننا طرح قابلية ~~الاختبار كوسيلة للإقصاء أو كنشاط «مقارن» (انظر صوبر 1999) فرغم كل شيء، ~~تستند معايير بوبر على مقارنة بين النظرية القديمة والنظرية الجديدة. تحدث أسهل ~~حالة عندما تقدم النظرية القديمة التنبؤ الأول وتقدم ~~النظرية الجديدة تنبؤا ثانيا مختلفا. وفق نظام ms193 ~~بوبر، إذا لم يحدث التنبؤ الثاني، تعتبر النظرية الجديدة مدحضة، وتؤكد ~~النظرية القديمة لو رصد التنبؤ الأول، لكن ماذا يحدث لو قدمت النظرية القديمة ~~والنظرية الجديدة التنبؤ نفسه - مثلا تنبؤ يتعلق بحركة المريخ - وكانت النظرية ~~القديمة والنظرية الجديدة تستندان إلى مبادئ مختلفة على الترتيب؟ وفقا للاستقراء ~~الإقصائي، تعتبر هذه التأكيدات إيجابية ولكن ليست دليلا داعما؛ فعلينا انتظار ~~دليل داعم يميز بين النظريتين. إن نموذج بوبر التطوري للنمو المنطقي للمعرفة ~~العلمية يملأ فضاء الاحتمالات بعدد من التفسيرات البديلة والمتنافسة؛ إذ يسمح ~~بتنافس عدد من الحلول المؤقتة المعنية بمشكلة معينة، حتى تقصي عملية إزالة الأخطاء ~~بعض الحلول المؤقتة، وتترك عددا من الحلول المؤقتة الأكثر تعقيدا التي تعالج في ~~هذه اللحظة مشكلة أكثر دقة. في نقده لقابلية الدحض، أكد كون أيضا على الحاجة إلى ~~عدد من النظريات المنافسة يختار بينها وفقا لمعايير معينة (هوينينج-هين 1993). وتخبرنا طريقة الاستقراء الإقصائي عن النماذج التي ينبغي أن نعتبرها ~~الأفضل من حيث القوة التفسيرية وفي ضوء الأدلة المتاحة. فنتوقع أن النموذج الباقي ~~لن يصف الظاهرة وحسب، ولكن يفسرها أيضا. وينبغي أن يسمح لنا باستخلاص ظواهر جديدة ~~أو ملاءمة حقائق معروفة. وبمجرد أن تختار طريقة الاستقراء الإقصائي نموذجا كأفضل ~~مرشح للتعامل مع الأدلة المتاحة، يطرح هذا السؤال: كيف يفسر النموذج الدليل؟ ما ~~التفسير العلمي؟ يمكننا الإجابة على هذا السؤال بأفضل طريقة من خلال دراسة بعض ~~نماذج التفسير. ~~(6-6) التفسير والتنبؤ # تفسر الظاهرة عندما يتبين أنها إحدى حالات قانون عام للطبيعة (...). ~~(هكسلي، «أصل الأنواع» (1860)، 57) # هل أنت راصد صبور؟ تخيل أنك تعيش بجانب البحر ويثار فضولك بشأن ~~نمط المد والجزر، فتقرر أن تضع جداول تدخل فيها أوقات انحسار وارتفاع المياه. بعد ~~فترة من الوقت سوف تميز بلا شك النمط وتقدم تنبؤات بشأن المد العالي المقبل. ربما ~~لا تكون توقعاتك دقيقة لدرجة تحديد الدقيقة والثانية، ولكنك ستكون قادرا على ~~التنبؤ بالمد والجزر بدقة كافية لا يصل هامش الخطأ فيها إلى ساعات. تشعر بالتشجيع ~~بسبب نجاحك، فتحول انتباهك إلى القمر. ترصد مراحل القمر، ms194 وترسم أفضل ما تستطيع من ~~رسومات. تلاحظ أن الأمر يستغرق حوالي 28 يوما بين البدرين. وخلال فترة قصيرة، تكون ~~قادرا على التنبؤ بمراحل القمر مع هامش خطأ مقبول. # يمكنك التنبؤ بمراحل القمر والمد والجزر. هل هذا يعني أنه يمكنك تفسيرها؟ ~~بالتأكيد لا! كونك قادرا على التنبؤ لا يعني كونك قادرا على التفسير، وكونك ~~قادرا على التفسير لا يعني بالضرورة أن تكون قادرا على التنبؤ. # تسمح لك النتائج المجدولة لمراحل القمر والمد والجزر بتقديم تنبؤات دقيقة إلى حد ~~ما. ربما لا يكون لديك أي فكرة عن كيفية نشأة هذه الظواهر الطبيعية. لست وحدك في ~~هذا الأمر. لقد تنبأ الإغريق القدماء بحركات الكواكب بدقة تبلغ نحو 5 بالمائة من ~~القيم الحديثة. كان لدى الإغريق نموذج «تفسيري» استندت إليه توقعاتهم، ولكن نموذجهم ~~- نموذج مركزية الأرض - كان خاطئا. فليس العالم المادي أرضي المركز. كان الإغريق ~~قادرين على تقديم تنبؤات جيدة ولكن كان لديهم تفسير خاطئ تماما. ومن خلال نموذج ~~مركزية الشمس، اقترب التنبؤ والتفسير أحدهما من الآخر. تعد مركزية الشمس ~~الكوبرنيكية تقريبا جيدا للبنية الطوبولوجية للنظام الكوكبي، ولكن البنية الجبرية ~~خاطئة. وظل كوبرنيكوس يعمل ضمن نموذج الحركة الدائرية المثالية الإغريقي، ومع ذلك، ~~فإن النموذج الكوبرنيكي استوفى بعض القيود المفروضة على الفضاء المنطقي الذي يقبع ~~فيه. وفي هذا الفضاء المقيد، شهد عددا من التحسينات المهمة التي ارتبطت بكل من ~~كبلر وجاليليو ونيوتن. ومن خلال هذه الخطوات العملاقة، تحسنت البنية التفسيرية ~~لنموذج مركزية الشمس على نحو كبير. وأظهر النموذج النيوتوني للنظام الشمسي بنية ~~جبرية وطوبولوجية تتناسب مع بنية النظام المادي على نحو أفضل. وبهذا فقد قدم ~~النموذج النيوتوني تفسيرا جيدا للنظام الكوكبي. وأدى ذلك إلى تحسين دقة التنبؤات ~~بهذا النموذج الكوبرنيكي المتطور، وقد توج هذا النجاح بالتنبؤ بوجود كوكب جديد؛ ~~وهو نبتون. حسب جون سي آدامز وجيه جيه لوفيرييه (1811-1877) من خلال الميكانيكا ~~النيوتونية أن الاضطرابات الملحوظة في مدار أورانوس لا بد أن تعود إلى وجود كوكب ~~آخر. وشرع يوهان جال (1812-1910) في برلين في البحث ms195 عن الجرم الجديد واكتشف كوكب ~~نبتون في عام 1846، ولكن استعصى تقدم الحضيض الشمسي لعطارد على أي تفسير نيوتوني ~~له. # صورة لجون سي آدامز (1819-1892). # يميل المرء إلى الاعتقاد بأن الكفاية التفسيرية للنظرية سوف تؤدي إلى القدرة على ~~التنبؤ، ولكن مثال علم الفلك يمكن أن يقودنا إلى اتجاه خاطئ. عندما يكون العالم ~~معقدا للغاية فإن توافر مبادئ تفسيرية جيدة لا يضمن استقاء تنبؤات جيدة. فإذا كنت ~~راصدا جيدا لمراحل القمر والمد والجزر، ربما تكون راصدا جيدا للحالات المزاجية ~~البشرية. ثمة زميل لك يتمتع بود غامر لا يقل عن أدبه الجم، ولكنه تجاهلك بينما عبرت ~~أمامه في الحرم الجامعي. وعلمت لاحقا من صديق أن زميلك عانى نوبة من الأخبار ~~السيئة في ذلك اليوم بالذات. فقمت بوضع تفسير: كان في هذا المزاج السيئ حتى إنه لم ~~يرغب في النظر إلى أي شخص، ناهيك عن التحدث مع أي شخص . هذا أمر مفهوم! لقد عزوت ~~جفاء زميلك غير العادي إلى انزعاجه الشديد في ذلك اليوم. يمكنك التعاطف معه، كما يمكنك ~~تفسير ذلك. هل يعني هذا أن بإمكانك التنبؤ بأن زميلك سيظهر الجفاء مرة أخرى إذا ~~وصلته أخبار سيئة مرة أخرى؟ مستحيل! البشر معقدون للغاية حتى إنه يستحيل تقديم هذه ~~الاستدلالات السهلة. ربما يكون زميلك في المرة التالية ودودا للغاية عندما تعبر ~~أمامه مرة أخرى وذلك لتوقه إلى نسيان الأخبار السيئة؛ لذلك من الممكن أن تفسر دون ~~أن تكون قادرا على التنبؤ. # بصورة ما، هذا هو موقف نظرية التطور الداروينية؛ فالتطور بالمعنى الدارويني هو ~~نظرية إحصائية. وتتحدث نظرية الانتقاء الطبيعي عن «ميل» السمات المواتية إلى البقاء ~~والسمات غير المواتية إلى الاختفاء. إن نجاح الأنواع - أي مجموعة من الأفراد - لا ~~يعتمد وحسب على سماتها المواتية؛ فالسمات المواتية تعتمد على نوعية البيئة التي ~~تنتمي إليها الكائنات. إن صلاحية الأنواع ناتجة عن البيئة التي تحاول الأنواع ~~البقاء فيها على قيد الحياة والتكاثر؛ ولذلك من المستحيل التنبؤ بدقة كبيرة بمسار ~~الأنواع خلال إحدى مراحل الحياة، ولكن بما أن النظرية التطورية ms196 نظرية إحصائية، ~~فإنها قادرة على إصدار تنبؤات إحصائية. تشير التنبؤات الإحصائية إلى السلوك ~~المستقبلي لمجموعات الأفراد وليس إلى أفراد المجموعة. وبمعنى معين، من الصحيح أن ~~نقول إن نظرية التطور يمكن أن تفسر ولكنها لا تتنبأ، ولكن بعد ذلك نطبق فكرة القدرة ~~على التنبؤ الدقيق، وهي مستمدة من علم الفلك، حيث يمكن التنبؤ بمدار الأجرام ~~الفردية بدقة كبيرة. يستطيع علم الفلك التنبؤ بالمستقبل والتنبؤ بالماضي، ولكن ~~ينبغي ألا ننسى أن التنبؤات الإحصائية مصدر ثمين للمعلومات. يضع الاقتصاديون تنبؤات ~~بشأن الأداء الاقتصادي لبلدان كاملة على مدى فترات محددة. ويضع علماء الاجتماع ~~تنبؤات عن تأثير الظروف الاجتماعية على المعايير الصحية أو الأداء التعليمي لبعض ~~الفئات العمرية. ويتنبأ متخصصو علم الإجرام بحدوث ارتفاعات في الجرائم الجنائية على ~~الأقل خلال فترة زمنية محددة. # وبما أن التفكير في التجمعات السكانية هو النموذج السائد في علم الأحياء التطوري ~~في الوقت الراهن، فمن المتوقع فقط أن يؤدي إلى تنبؤات إحصائية. تأمل نسبة ~~هاردي-واينبرج (التي تنص على أن تواترات الألائل وتواترات النمط الجيني تبقى ~~ثابتة في التجمع): # p # 2 ~~: 2pq: ~~q # 2 ~~، حيث # p # و # q # تمثلان ~~اثنتين من ألائل أحد الجينات في تجمع سكاني. ستبقى هذه النسبة بين السكان من جيل ~~إلى جيل إذا لم يحدث تدخل من بعض العوامل. وربما تتمثل هذه التدخلات في فقدان جينات ~~موجودة أو وصول جينات جديدة. فإذا حدث هذا فسوف تضطرب النسبة وقد يحدث التطور (انظر ~~ماير 2001، 96-97؛ فيشر 1930، 22؛ ويليامز 1973؛ رايس/هوستيرت 1993). على سبيل ~~المثال، تأمل التأثير القابل للتنبؤ به الخاص بإدخال سناجب رمادية على مجموعة من ~~السناجب الحمراء. سيكون تأثير الانتقاء الطبيعي أن يكون من المرجح أن تنخفض أعداد ~~السناجب الحمراء. وستحدث تغيرات مماثلة في أعداد التجمع السكاني إذا حدثت تدخلات ~~اصطناعية أو طبيعية في السلسلة الغذائية لأحد الأنواع. وتتعلق التنبؤات الأخرى ~~بعملية الانتواع. لماذا تتشعب التجمعات السكانية وتتطور إلى سلالات مختلفة؟ يتنبأ ~~أحد النماذج المقنعة بأن العزلة الجغرافية التي تقسم التجمع السكاني إلى ~~مجموعتين فرعيتين يمكن أن يؤدي إلى تقسيم السلالة. ms197 ومن التبعات التنبئية للانتواع ~~التبايني وجود بعض الأشكال الانتقالية. وينبع وجود الأشكال الانتقالية من منطق حجة ~~داروين. وكما ذكرنا سابقا، وجد الباحثون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر ~~بقايا لأشباه البشر، اختلفت قليلا عن الإنسان الحديث. وتدعم هذه الأشكال ~~الانتقالية المتماثلة فرضية التحدر مع التعديل، التي تفهم هنا على أنها الانتواع ~~التبايني. وأظهر اكتشاف البقايا الحفرية للطيور البدائية مثل «الأركيوبتركس» ~~و«هيسبيرورنيس ريجاليس» مزيدا من الأشكال الانتقالية، وقد كانت تشبه الزواحف في ~~أحد الجوانب المهمة؛ إذ كان لديها أسنان قوية (هكسلي 1876، 94-113؛ ماير 2001، 14، ~~67؛ الشكل # 2-11 # أ ~~و # 2-11 # ب). # يؤدي نقاشنا إلى استنتاج أنه يوجد اختلاف معين بين التنبؤ والتفسير. من الناحية ~~المثالية، تسمح لنا مبادئنا التفسيرية بوضع تنبؤات دقيقة، ولكن ثمة العديد من ~~مجالات المعرفة البشرية لا توجد فيها هذه الحالة المثالية. فلا يمكننا أن نتنبأ ~~دائما رغم قدرتنا على التفسير. ولا يمكننا التفسير دائما رغم قدرتنا على ~~التنبؤ. ~~(6-7) بعض نماذج التفسير العلمي # تنعكس بعض نماذج التفسير العلمي الأكثر أهمية في النهج الكوبرنيكي ~~والدارويني والفرويدي. # شكل 2-11: (أ) يبلغ طول «هيسبيرورنيس ريجاليس» خمس وست أقدام ~~ويشبه الزواحف في الأسنان الناتئة (المصدر: تي إتش هكسلي، ~~«المقالات المجمعة»، المجلد الرابع (1898)، 96)؛ (ب) مقطع جانبي ~~وعلوي لنصف الفك السفلي ل «هيسبيرورنيس ريجاليس»، وكذلك صور للفقرة ~~وسنة منفردة. (المصدر: تي إتش هكسلي، «المقالات المجمعة»، المجلد الرابع (1898)، 97). ~~(أ) نماذج هيمبل # ما التفسير العلمي؟ يشتهر كارل هيمبل بنموذجيه للتفسير. قدم هيمبل النموذج ~~الاستدلالي الطبيعي والنموذج الاستقرائي الإحصائي (هيمبل 1965). وفقا لهيمبل، ~~يتمثل تفسير الظاهرة P # في إدراجها تحت الحالة القياسية # R ~~. ~~على نحو أكثر دقة، تتمثل فكرة هيمبل العامة في أننا نقدم تفسيرا لحدث ما # E ~~، ~~إذا كنا نستطيع إيضاح أنه يتبع قوانين عامة وشروطا أولية إما استنتاجيا ~~(استدلالي طبيعي) أو باحتمالية كبيرة (استقرائي إحصائي). يتكون أي مخطط تفسير ~~من عنصرين؛ الظاهرة التي ينبغي تفسيرها (أو «المفسر»)، والمبادئ التي ~~تقدم التفسير (أو «الأسباب»). ويتألف التفسير نفسه من جزءين: القوانين العامة ~~والشروط الأولية. ويعبر عن القوانين العامة بأشكال ms198 رمزية عامة (على سبيل ~~المثال، قانون نيوتن الثاني # F ~~= ma ~~). ومن أجل استخلاص المفسر، نحتاج إلى ~~إدراج قيم معينة في الصورة العامة. وتنبع هذه القيم المعينة من الشروط الأولية ~~(على سبيل المثال، قيمة الكتلة والتسارع). ثم ينتج التفسير إما كنتيجة منطقية ~~من السبب (النموذج الاستدلالي الطبيعي) أو باحتمال كبير (النموذج الاستقرائي ~~الإحصائي). لنفترض أن P # هي فترة دوران عطارد حول الشمس. P # هي المفسر. وفقا للنموذج الاستدلالي الطبيعي لهيمبل، نفسر P # من خلال إظهار أنها تقع تحت الأسباب. وفي هذه الحالة، تتكون الأسباب من قانون ~~كبلر الثالث # A # 3 ~~∝ P # 2 ~~( # A # هي متوسط المسافة بين الكوكب والشمس، و P # هي فترة الكوكب، التي تمثل المفسر) ~~والشروط الأولية المعينة (متوسط المسافة بين عطارد والشمس). تنبع قيمة P # من الأسباب. ولنفترض أن # R # تمثل تعافي شخص معين من العدوى بعد العلاج ~~بالبنسلين. يمكننا تفسير هذا التعافي (المفسر) من خلال معرفة (أ) أن 95 ~~بالمائة من المرضى الذين يعانون الالتهابات يستجيبون جيدا للبنسلين، و(ب) ~~يعاني مريضنا المذكور من عدوى يمكن معالجتها بالبنسلين (تشكل (أ) و(ب) ~~الأسباب). على النموذج الاستقرائي الإحصائي، كما هو مذكور في المخطط، من المرجح ~~أن يتعافى المريض. وهذا هو تفسير إحصائي لسبب تحسن صحة المريض. ومن المفيد أن ~~نفكر في العوامل المتغيرة المادية والقوانين العامة، التي تدخل المخططات ~~التفسيرية، على أنها قابلة للقياس. القوانين هي حالة قياسية (دقيقة أو إحصائية) ~~بشأن العالم الطبيعي. تحمل قوانين العلوم رموزا للمعلومات البنيوية الخاصة ~~بالعالم الطبيعي. اقتنع هيمبل بأن التفسير والتنبؤ متماثلان في ظل ظروف معينة. ~~وبمجرد توافر القوانين العامة، تصبح أطروحة التماثل بين التفسير والتنبؤ مغرية؛ ~~فنحن «نفسر» ظاهرة موجودة من خلال إظهار أن وقوعها الحالي يقع تحت القانون، ~~و«نتنبأ» بظاهرة لا وجود لها حتى الآن من خلال اشتقاق حدوثها في المستقبل من ~~القانون. و«نتنبأ» بماضي ظاهرة سبق أن حدثت من خلال اشتقاق حدوثها «الماضي» من ~~القانون. # تعرضت نماذج هيمبل للانتقاد بشأن عدد من القضايا الخاصة، مثل التناظر بين ~~التفسير والتنبؤ (أشينشتاين ms199 1985، 169-181)، وافتراض أن الاحتمالية الكبيرة ~~ضرورية وكافية للتفسير الإحصائي، والفكرة العامة التي مفادها أن إدراج الظاهرة ~~تحت قانون ما يفسر هذه الظاهرة (انظر كيتشر/سالمون 1989). # يمكن تقديم تفسيرات علمية لأحداث «معينة»، مثل ظهور المذنب هالي في 1759 أو ~~طفرة جين معين. وفي كثير من الأحيان يحاول العلم تفسير سمات «عامة» للعالم ~~الطبيعي، مثل المدارات شبه البيضاوية للكواكب أو «أصل الأنواع». وتشير ~~التفسيرات الأكثر عمومية إلى أن العلم لا يهتم حقا باستنباط أو استدلال أحداث ~~معينة من القوانين العامة، كما يشير نموذج هيمبل، كما نستطيع أن نرى من ~~الكوبرنيكية والداروينية، مهمة العلم هي تحديد البنيات الأكثر عمومية في العالم ~~المادي: بنية النظام الكوكبي، وبنية العالم العضوي. تؤدي القوانين دورا مهما ~~في تحديد مثل هذه البنيات. والنظم المادية هي مظاهر لهذه البنيات، وهي تتكون من ~~عناصر، مثل كواكب النظام الشمسي، وعلاقاتها. وتصور الطريقة التي ترتبط بها ~~المكونات معا عن طريق قوانين العلم، مثل قوانين كبلر للكواكب. أبدى داروين ~~تقديره لأهمية بنية النظم الطبيعية عندما قال: «بنية كل كائن عضوي ترتبط (...) ~~بكافة الكائنات العضوية الأخرى» (داروين 1859، 127؛ فاينرت 2004، الفصل 2-5، 1). # بما أن التفسير في العلوم الطبيعية والاجتماعية ينطوي على أنواع مختلفة من ~~الظواهر، فإنها قد تتطلب أنواعا مختلفة من التفسير. لا يوجد نماذج مختلفة ~~للتفسير وحسب، بل يمكن تفسير الظاهرة نفسها عبر وجهات نظر تفسيرية ~~مختلفة. ~~(ب) النماذج الوظيفية # تتكيف الكائنات الحية على نحو رائع مع بيئاتها المحلية، ما يجعل التصميم ~~المتعمد يبدو أنه التفسير الوحيد الممكن. وتفترض النماذج الغائية - سواء أكانت ~~قائمة على التصميم أم التطور التدريجي - أن الأغراض النهائية موجودة في ~~الطبيعة. والوظيفة تسبق البنية. فبنية العضو تستمد من الوظيفة التي يجب أن ~~يؤديها. أراد الصانع أن يدور الدم في أجسام الكائنات، ووظيفة القلب هي تدوير ~~الدم، ولذلك خلق الصانع القلب. وأراد الخالق العظيم أن ترى الكائنات، ولذلك ~~خلق العيون. لم يلتزم لامارك بالتصميم الإبداعي. مع ذلك، استخدام العضو يحدد ~~البنية (لامارك 1809، 113؛ جولد 2002، 177). تتمثل إحدى الصعوبات التي تكتنف ~~هذا التفكير الغائي في أن ms200 العيون بنيات متناظرة، تطورت على نحو مستقل 40 مرة في ~~تاريخ الحياة. وهذا يقلل من احتمالية أن الوظيفة تأتي أولا. يعكس التطوريون ~~سلسلة التفكير تلك؛ فالوظيفة نتيجة العضو، وليست السبب في وجوده. يتطور العضو ~~وبنيته قبل الوظيفة. يقول هكسلي (1863أ، 115-123) إن كل الاختلافات الوظيفية ~~تنبع من اختلاف البنية. بعدها يتكيف العضو مع الحالة الجديدة، بل إنه ربما ~~يكتسب وظائف لم يختر من أجلها أصلا. هذا هو التفسير الدارويني لظهور العقول ~~الواعية. تفسر نظرية داروين التطورية تكيف وتنوع الكائنات الحية من خلال ~~نظرية التحدر مع التعديل؛ لذلك، غالبا ما ينظر إلى الداروينية على أنها نظرية ~~وظيفية، «مؤدية إلى تكيف محلي تقترحه البيئة وينظمه الانتقاء الطبيعي» (جولد ~~2002، 31؛ دينيت 1995، 228؛ روز 2003، 264-270). إن صلاحية الكائنات الحية تنتج ~~عن خصائصها المورفولوجية والظروف البيئية، وليس عن تصميم مقدر على نحو ~~مسبق. # يصبح من الممكن مع الاستدلالات الداروينية النزول من الارتفاعات المسببة ~~للدوار الخاصة بالوظائف المحددة مسبقا إلى مستوى الوظائف المكتسبة المنخفض. في ~~التصور الغائي، تحتاج الوظيفة الموجودة مسبقا إلى عضو، أما في التصور التطوري ~~فالعضو هو الذي يكتسب الوظيفة . على سبيل المثال، كانت القدرة على المشي منتصبا ~~ميزة انتقائية لأشباه البشر الأوائل الذين خرجوا من الغابات لاحتلال السافانا. ~~يعد اختيار السمات المواتية استجابة من الكائن الحي نحو الظروف البيئية. وتعد ~~الوظائف استجابات للضغوط الانتقائية. يمكن تفسير الوظيفة سببيا، وليس ~~غائيا. ثمة مجموعة من العوامل المسببة - منها الصلاحية التفاضلية للكائنات ~~وبنية البيئة - تجعل التأثير محتملا: القدرة على الطيران (وظيفة الأجنحة)، ~~الرؤية (وظيفة العينين)، التنفس (وظيفة الرئتين)، التفكير (وظيفة العقل ~~البشري). من أجل تجنب التفسيرات في سياق الأغراض النهائية، يتوجه عالم الأحياء ~~إلى الاستدلالات الداروينية. تعرض الاستدلالات الداروينية مجموعة من الظروف ~~السببية، التي من المرجح أن تكون قد أنتجت التأثير المرصود. لا يدعي عالم ~~التطور الدارويني أن مجموعة معينة من الظروف ستحدد التأثير الناتج. فنظرية ~~التطور ليست علم الفلك النيوتوني. فلا يمكن تحديد التطور المستقبلي للأنواع من ~~خلال الظروف السابقة والحالية للنسل بدقة تضاهي الدقة الفلكية؛ فالاستدلالات ms201 ~~الداروينية تعيد مناقشة الماضي. يمكن - على نحو كاف - تفسير تنوع الحياة، ~~وتكيف الكائنات الحية في بيئاتها من خلال ربط هذه الآثار الملحوظة ببعض الظروف ~~السببية السابقة. ومن غير المرجح أن تشمل هذه المجموعة السابقة رابطا سببيا ~~يمكن تتبعه. توجد الظروف السببية السابقة على مسار النسل الذي ينتمي إليه كل ~~نوع. إن الوظائف ليست غامضة؛ فهي تحظى بتفسير طبيعي شامل (أيالا 1995). بل يمكن ~~في الواقع اختزالها إلى تفسيرات سببية. ~~(ج) النماذج السببية # عند دخول المنزل، تشغل الإضاءة. يسبب الضغط على الزر - كما يبدو - توهج ~~المصباح الكهربائي. لا يمكنك أن ترى طريقة جعل التيار الكهربائي المصباح يتوهج. ~~ولكن من الممكن دائما إنشاء دائرة في المختبر توضح طريقة إغلاق مفتاح الإضاءة ~~للدائرة الكهربائية، والسماح للإلكترونات بالتدفق من خلاله ومقابلة المقاومة في ~~السلك، الذي يبدأ بالتوهج. الشيء الجيد بشأن دائرة المختبر هو أن المجرب ~~يستطيع السيطرة على جميع العوامل التي تدخل الموقف المادي. وهذه السيطرة تجعل ~~من غير المحتمل كثيرا - وإن لم يكن مستحيلا منطقيا - أن تكون ثمة عوامل ~~أخرى مسئولة عن الظاهرة المرصودة. # السببية قضية مهمة في الشئون الإنسانية بسبب آثارها العملية؛ فالسببية هي ~~الغراء الذي يربط الأحداث معا. من المهم في الشئون الطبيعية والاجتماعية فهم ~~سبب حدوث بعض الأحداث؛ فهذا يتيح لنا معالجة العلل الطبية والاجتماعية التي ~~تحيق بنا، كما يساعدنا على السيطرة على البيئة والتأثير فيها. ومن المفهوم أن ~~الفلاسفة كانوا مهتمين بتطوير بعض النماذج المفاهيمية التي تساعد على تفسير هذه ~~المسألة. وكما هي الحال مع النماذج العقلية، فإننا سوف نقصر اهتمامنا على نماذج ~~السببية، التي تعد ذات أهمية في المشكلات التي تواجهنا في الكوبرنيكية ~~والداروينية والفرويدية بعد ذلك (انظر بسيلوس (2002) لقراءة مناقشة حول ~~النظريات الفلسفية للسببية). # تمثلت رؤية هيوم في أن السببية كانت مسألة تسلسل منتظم للأحداث: نتيجة تتبع سببا ~~على نحو منتظم. كان السبب موجودا دائما قبل النتيجة، وكان السبب ~~والنتيجة متقاربين مكانيا. من الواضح أن مثل هذه التوصيفات غير كافية، وذلك ~~لعدة أسباب: (1) ليس من الصحيح أن كل ms202 نتيجة تنبع بانتظام من حدث ما - سبب - ~~يمكن اعتبارها نتيجة للحدث السابق مباشرة؛ فالنهار يتبع الليل بانتظام، ~~والجزر يتبع المد بانتظام، ومع ذلك ليس الليل سببا للنهار والمد ليس سببا ~~للجذر. (2) بعض النتائج تتبع سببها فقط بتواتر إحصائي معين، قد يكون منخفضا ~~للغاية. تأمل الحالة التي تسمى «تدلي الجفون». تصيب حالة تدلي الجفون كبار ~~السن ولكن بتواتر منخفض. وفي حين أنه من الحقائق الإحصائية أن تدلي الجفون هو ~~نتيجة للشيخوخة، فإنه ليس من الصحيح أن الشيخوخة هي السبب الدائم لتدلي ~~الجفون. # أدت رؤية هيوم الأصلية إلى تعديلات أو بدائل، كما هي الحال في نظرية ماكي ~~«للأسباب الضرورية غير الكافية» (ماكي 1980)، وكما هي الحال في تحليل لويس ~~المناقض للواقع (لويس 1986). سنتناول أولا النهج المناقض للواقع، الذي لا ~~يعتمد على مفهوم لويس للعوالم الممكنة ولكن على فكرة وودوارد للتدخلات ~~الافتراضية. ثم نعمم نظرية ماكي بحيث تصير نظرية مشروطة للسببية؛ وذلك لأسباب ~~تتعلق بمدى قابلية تطبيق السببية على الحالات المطروحة. # نظرية التدخلات المناقضة للواقع # يؤكد وودوارد (2003) - وهو محق في ذلك - على أن النماذج السببية يجب أن تكون ~~عملية؛ بمعنى أنها يجب أن تعكس ممارساتنا السببية. نحن نواجه السببية في ~~الحوادث عندما تكون الحالة السببية خارجة عن إرادتنا، ولكن في محاولات الإنسان ~~للتعلم من الحوادث ومنعها في المستقبل، تبرز سمة رئيسية للسببية. هذه السمة ~~الرئيسية هي أننا نحلل المواقف السببية بعبارات مناقضة للواقع. تجيب التفسيرات ~~السببية على أسئلة «ماذا لو كانت الأمور مختلفة» (وودوارد 2003، 12). وفقا ~~لوودوارد، فإننا نتخيل تجارب أو تدخلات افتراضية، نجيب من خلالها على الأسئلة ~~المناقضة للواقع: (1) «ماذا كان سيحدث للطائرة «لو» لم تشتعل محركاتها؟» (2) ~~«ماذا كان سيحدث للكويكب «لو» كان مداره إهليجي الشكل على نحو أكبر؟» (3) «ماذا ~~كان سيحدث لمجموعة السناجب الحمراء في بريطانيا «لو» لم يقحم السنجاب الرمادي ~~بينها؟» وأخيرا، (4) «ماذا كان سيحدث للحياة البرية في بريطانيا «لو» لم تحدث ~~إبادة للذئاب في هذا البلد؟» في وجهة النظر السببية المناقضة للواقع، سنكون قد ~~استوعبنا الظروف السببية لوضع فعلي، إذا كان ms203 التغيير المتخيل في العوامل ~~المختارة - بسبب التدخل الافتراضي - يبين لنا «كيفية ومدى» اختلاف الحالة ~~السببية عن طريقة حدوثها الفعلية. وفيما يتعلق بأول سؤالين للمنهج المناقض ~~للواقع: لو أن محركات الطائرة لم تشتعل فيها النيران، ولو كان مدار الكويكب ~~إهليجيا على نحو أكبر، لم تكن الطائرة ستتحطم فوق الجبل ولم يكن الكويكب ~~سيصطدم بكوكب المشتري. يستطيع علماء الفلك حساب مدى الاختلاف الذي يجب أن يكون ~~عليه المدار الافتراضي للكويكب عن المدار الفعلي بحيث يصطدم مع المشتري. يمكن ~~الإجابة على السؤال الثالث من خلال دراسة الدول القارية: لم تكن فصيلة السنجاب ~~الأحمر في بريطانيا ستهلك لو لم يضف السنجاب الرمادي إليها، في ظل بقاء جميع ~~الظروف الأخرى كما هي. يستطيع علماء الأحياء في بعض الأحيان حساب تأثير إدخال ~~مفترس في بيئة جديدة إذا كان يمكن إجراء تجارب خاضعة للسيطرة. # 16 # ويشمل تقييم الأسئلة الأربعة المناقضة للواقع النظام البيئي برمته. ~~إن العلاقات متنوعة الأنواع، بين سكان النظام الإيكولوجي والطبيعة الإحصائية ~~لمبدأ الانتقاء الطبيعي، تجعل من الصعب للغاية الإجابة على هذا السؤال المناقض ~~للواقع. # إذا تتلخص النظرية المناقضة للواقع في وجهة النظر القائلة بأن شرطا معينا ~~يصير العامل السببي «ع»، وله تأثير معين «ر»، إذا كان يوجد اختلاف افتراضي محدد ~~في العامل السببي يبين أنه من دونه لن يحدث التأثير أو كان سيحدث على نحو مختلف. ~~يجب أن يكون هذا الاختلاف كبيرا بما فيه الكفاية وثابتا ليكون له تأثير على ~~الوضع المناقض للواقع. إن التغيير البسيط، مثلا في الظروف البيئية، قد لا يهدد ~~حياة الأنواع. حتى الحدث المناخي غير العادي، مثل ثوران بركان نادر، قد لا يقضي ~~على نوع من الكائنات الحية. وفق نظرية وودوارد، السببية هي مسألة تبعية مناقضة ~~للواقع بين ظروف سابقة ونتائج لاحقة، ومع ذلك، لا يمكن للعالم أن يسأل: «ماذا ~~لو كانت الأمور مختلفة؟» قبل أن تتوفر إجابات معقولة عن الأسئلة السببية ~~الفعلية. وما دامت لم تعرف أي حالات قياسية قوية، فستظل الأجوبة على الأسئلة ~~المناقضة للواقع مجرد تكهنات؛ ومن ms204 ثم ينبغي أن يسأل العالم عن ماهية العالم ~~الفعلي قبل أن يتمكن من أن يستنتج مما هو معروف عن العالم الفعلي عالما ~~افتراضيا؛ فالحالات القياسية الفعلية تنطوي على حالات مناقضة للواقع. # كيف نقيم - على سبيل المثال - الأسئلة المناقضة للواقع في العلوم ~~الاجتماعية؟ هل كان فرويد سيستطيع الإجابة على سؤال: «ماذا كان سيحدث لمريضي لو ~~لم يمر بهذا الحدث المحفز عصبيا في طفولته؟» قال فرويد ذات مرة: # نجد أكثر ردود الفعل اختلافا لدى الأفراد المختلفين، ونجد لدى الفرد ~~نفسه توجهات ذهنية موجودة جنبا إلى جنب مع عكسها. (فرويد 1931، ~~233) # لم يمنع هذا الاعتراف فرويد من الزعم بأن التحليل النفسي علم ~~قادر على تقديم عبارات عامة عن الطبيعة البشرية. إذا كانت الحال هكذا، فكيف - ~~على سبيل المثال - سيقيم المؤرخون الأسئلة المناقضة للواقع بشأن المواقف ~~التاريخية؟ «هل كانت ستندلع الحرب العالمية الثانية لو قتل هتلر في مسيرة في 9 ~~نوفمبر 1924؟» ما دامت لا توجد حالات قياسية، فمن الصعب تقييم هذه الأسئلة ~~بدرجة من الثقة. سنشير في الفصل التالي إلى أن العلوم الاجتماعية يمكن أن تعتمد ~~على أنماط الحالة القياسية في العالم الاجتماعي، ولكن من وجهة نظر فلسفية، فإن ~~هذه الأنماط لها منزلة «النزعات» وليس منزلة القوانين، ومع ذلك، ما دام يوجد ~~أنماط سلوك موثوقة نسبيا في العالم الاجتماعي، فسيصبح ممكنا إجراء بعض ~~التقييم النوعي للأسئلة المناقضة للواقع على الأقل. وبالنظر إلى أنماط السلوك ~~البشري والأدلة حول الأحداث التاريخية، فسيكون من الممكن للمؤرخين تقييم ~~المواقف المناقضة للواقع، ولكن يختلف هذا التقييم عن المواقف الافتراضية التي ~~يضعها وودوارد في الاعتبار. # يشير انشغال عالم الطبيعة وعالم الاجتماع بالحالات السببية الفعلية إلى ~~وجود نهج مختلف إزاء موضوع السببية. إن ما سنطلق عليه نظرية السببية المشروطة ~~يمثل تعميما وتعديلا لنظرية ماكي «للأسباب الضرورية غير الكافية» (ماكي ~~1980). # نموذج السببية المشروط # لنبدأ بالنموذج السببي الميكانيكي، الذي - وفقا له - يجب أن يوجد رابط ~~قابل للتتبع بين السبب والنتيجة، وهو الأكثر إشباعا لحس التفسير لدينا. ~~فنستبدل بفكرة هيوم، الخاصة بالتتابع المنتظم بين السبب ms205 والنتيجة، فكرة وجود ~~علاقة سببية قابلة للتتبع بين سبب ما، مثل الضغط على مفتاح الإضاءة، وما يترتب ~~عليه من نتيجة، إضاءة المصباح. إنه النموذج الأكثر إشباعا ولكنه أيضا النموذج ~~الأكثر تقييدا (سالمون 1984؛ 1998؛ داو 2000؛ قارن وودوارد 2003، الفصل ~~8.1-8.5). وبالمثل بالنسبة لنظرية هيوم، تفرض ثلاثة شروط على الحالة السببية: ~~أن يكون السبب «ع» سابقا للنتيجة «ر» مؤقتا، وأن يكون السبب «ع» قريبا ~~مكانيا من النتيجة «ر»، وأن يوجد آلية قابلة للتتبع تربط السبب «ع» بالنتيجة ~~«ر». تبين التحقيقات العرضية أن هذه الشروط تستوفى في كثير من الأحيان، ولكن ~~ثمة أيضا العديد من الحالات الواقعية التي لا يمكن فيها إيجاد رابط قابل ~~للتتبع. بينما تستلقي على شاطئ بحر في الصيف الحار، هل ترى كيف تهاجم الأشعة ~~فوق البنفسجية خلايا جلدك؟ هل يرى علماء الأحياء كيفية انقسام السلالات؟ هل ~~يمكن لعلم الأعصاب تفسير كيفية ظهور الوعي من العمليات المخية؟ هل رأى نيوتن ~~كيف أن الجمع بين القانون الأول وقانون الجاذبية يبقي الكواكب في مدارها؟ ~~الجواب هو «لا»، ولكن في كل هذه الحالات نشعر براحة بينما نتحدث عن حالة سببية. ~~لماذا؟ لأننا قادرون على تحديد مجموعة من الظروف والشروط السببية الفعلية، التي ~~يمكن اعتبارها كافية على نحو مشترك للتسبب في النتيجة، على الأقل بدرجة مقبولة ~~من الاحتمالية؛ بمعنى أنه بالنظر إلى النتيجة، فإن احتمالية ألا تكون هذه ~~الظروف والشروط مسئولة سببيا عن النتيجة احتمالية ضئيلة للغاية. في الحالات ~~التجريبية في العلوم الطبيعية، يمكن في كثير من الأحيان استبعاد أي تأثيرات ~~خارجية بدرجة يكاد ينعدم معها تأثيرها. ويمكن أيضا حساب التأثير المحتمل ~~للعامل المستبعد. على سبيل المثال، إذا أطلقت نواة ذرة على ذرة أخرى، فإن ~~«الانحرافات» المرصودة لن تكون ناجمة عن وجود الإلكترونات، بسبب الطاقات ~~الموجودة في العملية. وفي البيئة الطبيعية، ربما يكون تأثير بعض الظروف على ~~النتيجة المرصودة أيضا أمرا مستبعدا للغاية؛ فمن غير المرجح للغاية أن قهوتك ~~الصباحية ستسهم في إصابتك بسفعة شمس. ويمكن بسهولة اختبار هذا الأمر؛ تناول ~~القهوة في الصباح وابق بعيدا ms206 عن الشمس. لن تصاب بسفعة شمس. على النقيض من ~~ذلك، فإن التعرض للأشعة فوق البنفسجية من المرجح كثيرا أن يسبب سفعة ~~الشمس. # إن أي حالة - قد تكون نتيجة لظروف سابقة معينة - مغروسة ضمن عدد كبير من ~~الظروف. وليست كل هذه الظروف ذات صلة سببية بها. تسمح ظروف الخلفية بحدوث ~~الأشياء على نحو عادي؛ فالطيور تطير، والنباتات تنمو، والأنهار تتدفق. تحدث هذه ~~العمليات وفقا لأنماط منتظمة، ولا نسأل عادة «لماذا؟» ولكن الطائرات تتحطم ~~والنباتات تذبل والأنهار تفيض عن ضفافها. هذه الأحداث تتداخل مع الحدوث العادي ~~للأشياء. وعادة ما نسأل عن أسباب حدوث هذا الاضطراب. ومن بين ظروف الخلفية ~~العادية، نختار مجموعة من الظروف السببية (الضرورية والكافية). # يمثل النموذج الشرطي للسببية تعميما لنموذج ماكي من حيث الظروف الضرورية ~~والكافية # 17 ~~(فاينرت 2004؛ 2007). ويتضمن هذه النموذج ثلاث ~~سمات رئيسية؛ أولا: يدعي أن العلاقات السببية يمكن أن توجد بين بعض الظروف ~~السابقة وبعض الظروف المترتبة عليها حتى عندما نفتقر إلى آلية سببية قابلة ~~للتتبع، تسمح لنا بالانتقال من السبب إلى النتيجة والعكس. وربما نفتقر أيضا ~~إلى ميزة التتابع المنتظم، حيث يعني التتابع المنتظم وجود قانون طبيعي (انظر ~~الفصل الأول، القسم 6-5، ج). وكما سنرى في الفصل الثالث، يمكن أن تنشأ العلاقات ~~السببية بين الأحداث الاجتماعية في العلوم الاجتماعية، رغم عدم وجود «قوانين» ~~اجتماعية وآليات قابلة للتتبع إلا في بعض الأحيان. وثانيا: يهتم النموذج ~~الشرطي بالظروف السببية الفعلية، التي يحصل عليها في المواقف السببية، لا ~~المواقف المناقضة للواقع. وكما ذكرنا سابقا، فإن السيناريوهات المناقضة للواقع ~~تمثل إسقاطات من الحالات القياسية الشرعية. ويبدو أن العلوم الطبيعية ~~والاجتماعية تهتم في الغالب بالظروف السببية «الفعلية». وثالثا: يرى النموذج ~~الشرطي العلاقات السببية على أنها أسئلة بشأن التبعية «الشرطية» بين الظروف ~~السابقة والتالية. # وفي حالة عدم وجود آلية قابلة للتتبع ووجود تتابع منتظم، ربما نكون قادرين ~~رغم ذلك على تحديد التبعية الشرطية بالتركيز على مجموعة الشروط (الضرورية ~~والكافية) التي تكفي معا لتفسير النتيجة. يمكننا تسمية السبب الشرط السالف (أو ~~السابق) والنتيجة ms207 الشرط التالي (أو اللاحق). وسوف نتناول بعض الأمثلة من عالم ~~الفلك وعلم الأحياء، وسيحلل القسم الرابع في الفصل الثالث أمثلة من العالم ~~الاجتماعي. ~~(1) ~~«حركة الكواكب»: سيكون من الصعب علينا أن نصف النموذج الكوبرنيكي ~~بأنه تفسير سببي. لم يقدم كوبرنيكوس نظرية ديناميكية لمدارات ~~الكواكب. ظل النموذج الكوبرنيكي وصفا حركيا حتى قدم نيوتن ~~نظرية ديناميكية لحركة الكواكب. ويمكن إلى حد ما اعتبار هذه ~~النظرية تفسيرا سببيا. فبطريقة ما، تفسر مدارات الكواكب عن ~~طريق الحصول على حاصل ضرب القوتين الموجهتين في قانون نيوتن للقصور ~~الذاتي وقانون الجاذبية. أشار نيوتن إلى أنه في عالم من دون قوى ~~الجاذبية، فإن الكواكب ستتحرك بحركة مستقيمة ثابتة. يجعل تأثير سحب ~~الجاذبية الكواكب تسقط باستمرار نحو الشمس. ويصنع مزيج الحركة ~~المستقيمة والسقوط نحو الشمس المدارات الإهليجية للكواكب، ولكن ~~الجاذبية ليست آلية سببية تسمح لنا بتتبع آثار الجاذبية الشمسية ~~على الكوكب. اعتبر نيوتن الجاذبية قوة، لكنه كان متحيرا بشأن ~~كيفية تأثير الشمس على كوكب بعيد. فسيكون عليها أن «تبسط» تأثيرها ~~لمسافات هائلة في الفضاء الفارغ. وعلى الرغم من أن الجاذبية تفتقر ~~إلى آلية سببية قابلة للتتبع، فإن التأثير المشترك لقانون القصور ~~الذاتي وقانون الجاذبية أفسح المجال أمام تفسير السبب في تحرك ~~الكواكب في مدارات إهليجية حول الشمس (شكل # 2-12 ~~)، ولكن رسخ هذا ~~التفسير «اعتمادا مشروطا» للظروف التالية على الظروف السببية ~~السابقة. ويمكن تقسيم الظروف السببية في هذا المثال على نحو أكبر ~~إلى ظروف ضرورية وظروف كافية. تتمثل «الظروف الكافية» في الأجسام ~~الجاذبة، وليس بالضرورة أن تكون كواكب؛ لأن الأقمار الصناعية تقع ~~أيضا تحت تفسير نيوتن. وتوجد الظروف «الضرورية» في الحالة ~~القياسية الشرعية التي تحكم الظواهر ذات الصلة. # شكل 2-12: حالة كلاسيكية للتفسير السببي؛ مدارات الكواكب ~~المثالية. ~~(2) # هل يمكن أن يصاغ تاريخ الداروينية، الذي قدمناه كاستنتاجات ~~لمسار تحدر الكائن الحي من حالته الراهنة، بلغة الاعتماد ~~المشروط؟ ربما توجد مشكلة، وهذه المشكلة سيكون حضورها قويا ~~للغاية في العلوم الاجتماعية. ربما لا يكون ممكنا تحديد مجموعة ~~محددة من هذه الظروف السببية السابقة. ms208 يستند التطور الدارويني على ~~مبدأ إحصائي، مما يؤدي إلى تواريخ احتمالية. والظروف الضرورية ~~للتكيف والتنوع هي وجود الأكسجين والموارد الغذائية للحياة القائمة ~~على الكربون. ويبدو أن هذه الشروط الضرورية تافهة إلى حد ما، ولكن ~~من الممكن أحيانا أن تكون أكثر تحديدا. على سبيل المثال، هل ~~العزلة الجغرافية شرط ضروري لتقسيم السلالة، كما يعتقد داروين؟ إذا ~~رصد حدوث انتواع تماثلي (بواسطة تفضيلات التزاوج)، فلا يمكن أن ~~تكون العزلة الجغرافية شرطا ضروريا للانتواع. هل التدرج شرط ~~ضروري للتطور؟ لا تزال الأهمية الحقيقية للتدرج أمرا خلافيا حتى ~~اليوم. وعلى الرغم من أن ذلك جزء لا يتجزأ من الداروينية المتعصبة، ~~فإن وضعها الخلافي في نظرية التطور يمنع اعتبارها ببساطة شرطا ~~ضروريا. تشكل هذه الظروف تحديات للبحوث المستقبلية في علم ~~الأحياء التطوري. ماذا عن الظروف الكافية؟ يوضح الداروينيون أنه في ~~ظل وجود عدد من الظروف البيئية والكائنات العضوية، فإن تكيف الكائن ~~الحي يمثل نتيجة محتملة. إن لمعرفة هذه الظروف الكافية أهمية كبيرة ~~في المواقف التي يريد فيها البشر التدخل في النظام البيئي للأنواع. ~~فقد أوقف انقراض نوع ما مثل ثعلب الماء؛ لأن شروط التناسل ~~التفاضلي - النظرة الحديثة للانتقاء الطبيعي - معروفة على نحو ~~كاف. # في سياق توافر مجموعة من الظروف الضرورية والكافية، فإن الداروينية في وضع ~~مماثل لوضع عالم اجتماع أو مؤرخ تاريخ سياسي. وكما سنرى، يمكن للمؤرخ تحديد ~~مجموعة من الظروف الاجتماعية والسياسية التي «من المرجح» أنها سببت حربا في ~~بلد ما، ولكن من الصعب للغاية على عالم الاجتماع أن يحدد مجموعة من الشروط ~~الضرورية والكافية التي يمكن اعتبارها ضرورية وكافية معا لحدوث حدث تاريخي أو ~~اجتماعي معين، ومع ذلك، توجد تفسيرات سببية في العلوم الاجتماعية، كما سنرى. ~~ولشرحها نحتاج إلى نموذج فلسفي معدل للسببية يتوافق مع العلاقات الاجتماعية. ~~طور ماكس فيبر تفسيرا لما سماه «السببية الكافية». يمثل هذا التفسير نسخة من ~~النموذج الشرطي، الذي تناولناه في هذا الجزء. ويعد كافيا للعلوم الاجتماعية ~~لأنه يخلو من أي فكرة للتتابع المنتظم أو العلاقات السببية بين حدثين ms209 ~~اجتماعيين. ويبين أن وظيفة عالم الاجتماع هي بناء نماذج سببية من البيانات ~~الاجتماعية الموجودة بحيث يمكن موضوعيا اعتبار مجموعة من الشروط المسبقة ~~ظروفا أكثر احتمالا لإحداث التأثير في العالم الاجتماعي. # على غرار بعض تفسيرات العلوم الاجتماعية، التواريخ الداروينية تفسيرية. ربما ~~تفتقر إلى آلية سببية قابلة للتتبع بالمعنى الدقيق للكلمة؛ ففي ظل الظروف ~~المختبرية، يمكن رصد حدوث الطفرات الجينية في الفيروسات - مثل فيروس الإيدز - ~~على نحو مباشر، ولكن خارج المختبر، لا يمكن رصد عمل الانتقاء الطبيعي إلا على ~~نحو غير مباشر، كما هي الحال مثلا في حالة اسوداد الجلد الصناعي (اسوداد العث ~~في المناطق شديدة التلوث في بريطانيا في القرن التاسع عشر). ويرجع هذا الافتقاد ~~للرد «المباشر» إلى الفترات الزمنية التي تنطوي على التغيرات التطورية. تفشل ~~معظم المسارات الداروينية في تحديد مجموعة محددة من الشروط الضرورية والكافية ~~التي تحدد معا وقوع بعض الأحداث التطورية، ومع ذلك، فإن الاستدلالات ~~الداروينية تعتبر بحق تفسيرية. ما نوع النموذج التفسيري الذي تستوفيه التواريخ ~~الداروينية؟ لنقل إن الداروينيين يعتبرونها نماذج سببية مشروطة، لأن مجموعة ~~الشروط الضرورية والكافية تشير إلى تفسير كاف للأحداث التطورية. # ولكن يمكن أيضا النظر إلى تفسيرات مركزية الشمس والتفسيرات التطورية من وجهة ~~نظر «نماذج التفسير البنيوية»، التي ستعامل هنا كشكل من أشكال التوحيد. ~~(د) التفسيرات البنيوية # في البحث العلمي، يسمح بابتكار أي فرضية، وإذا كانت الفرضية تفسر ~~فئات متعددة كبيرة ومستقلة من الحقائق، فإنها ترقى إلى رتبة نظرية ذات ~~أساس راسخ. (داروين، «تغاير الحيوانات والنباتات بتأثير تدجينها»، ~~مقتبسة في سمولين، «حياة الكون» (1997)، 161) # لا يوجد نظرية تفسيرية تتميز بشيء متفرد. وسيتعين على مجالات ~~واسعة من البحث العلمي أن تعمل من دون تحديد الآليات السببية. وبينما نقترب من ~~العلوم التاريخية، فإننا نفقد القدرة على تحديد مجموعة محددة من الظروف ~~الضرورية والكافية، ومع ذلك، فإن التوحيد المعزز يمثل سمة من سمات العلوم ~~راسخة القواعد، مثل علم الفلك والفيزياء وعلم الأحياء. ويحدث التوحيد عندما ~~تندرج الظواهر التي تبدو غير مرتبطة - مثل سقوط تفاحة ومدارات الكواكب أو ~~الأوضاع ms210 البيئية المناسبة والتوزيع البيولوجي الجغرافي للأنواع - تحت مجموعة من ~~المبادئ المؤكدة على نحو جيد. ومن خلال تتبع تاريخ التنادد إلى التحدر مع ~~التعديل، مدفوعا بالانتقاء الطبيعي، تحقق التفسيرات الداروينية التوحيد. ~~ويعزز التوحيد أيضا عن طريق تتبع تاريخ التناظرات الخاصة بالتطور ~~المقارب. لقد تقدم النموذج الكوبرنيكي خطوة نحو توحيد الظواهر الأرضية ~~والسماوية عن طريق إسناد بنية شمسية المركز إلى المشاهدات واعتناق نظرية الحركة ~~المرتبطة بالزخم. ويمكن وصف التوحيد في سياق الدمج (فريدمان 1981؛ كيتشر 1989)؛ ~~حيث تدمج الظواهر المرصودة في بنية نظرية أكبر مجردة نسبيا؛ فنحن نفسر ~~الحركات الأرضية والسماوية من خلال دمجها في الميكانيكا النيوتونية. ونفسر ~~الظواهر البيولوجية المختلفة عن طريق دمجها في نظرية التطور الداروينية. تمتلك ~~هذه البنيات النظرية قوة موحدة كبيرة. # يعد التفسير البنيوي شكلا من أشكال التوحيد. وتشدد النماذج البنيوية على ~~السمات البنيوية للتفسير. بالمعنى الأساسي، يحدث التفسير البنيوي عندما يمكن ~~نمذجة خصائص أو سلوك نظام معقد؛ أي يمكننا بناء نموذج يمثل بنية النظام. فنحدد ~~بنية أساسية للظواهر المرصودة (ماكمولين 1985؛ هيوز 1989، 256-258). والقول هنا ~~أسهل بكثير من الفعل؛ فغالبا ما يكون لدينا مجموعة من المشاهدات، وينبغي وضعها ~~في بنية متسقة لكي تكون منطقية. يمتلك النظام الشمسي بنية، وكذلك جزيء الحمض ~~النووي. وتمثل النظم المادية عموما تجسيدا للبنية. وتتكون البنية من مجموعة ~~من العناصر والعلاقات المنتظمة بينها. يتكون النظام الشمسي من تسعة كواكب وشمس ~~مركزية، وهذه العناصر في حد ذاتها لم تشكل بعد بنية؛ فبمجرد جمع هذه العناصر، ~~فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بكيفية ترتيبها. رتب الإغريق الكواكب في نظام ~~أرضي المركز، ورتبها الكوبرنيكيون في نظام شمسي المركز. للوصول إلى بنية، يجب ~~الإجابة على السؤال: كيف ترتب هذه العناصر بعضها نسبة إلى البعض الآخر؟ ~~يعبر عن العلاقات بين الكواكب والشمس بقوانين كبلر. وعادة ما نبحث عن علاقات ~~قابلة للقياس الكمي. وفي النموذج الدارويني، العناصر هي الكائنات الحية وترتبط ~~بعضها مع بعض عن طريق مسارات التحدر. وبمجرد أن نحدد عناصر البنية والعلاقات ~~المنتظمة بين هذه العناصر، نكون قد حددنا بنية ms211 النظام. وتتمثل وظيفة نموذج في ~~تمثيل بعض جوانب بنية النظام المادي. وكما رأينا في الفصل الأول، فإن هذه ~~الملاحظة تثير تساؤلات عن الواقعية البنيوية والتمثيل العلمي. وعلاوة على ذلك، ~~ميزنا بين البنية «الطوبولوجية» والبنية «الجبرية» للنماذج. وربما يكون التركيز ~~في البداية منصبا على البنية الطوبولوجية، أي الترتيب المكاني للعناصر. ~~دائما ما تثير النماذج مسألة كيفية ارتباط العناصر بعضها ببعض. واختيارنا ~~للبنية الطوبولوجية له عواقب على الترتيب الجبري للعناصر. # شكل 2-13: النموذج الكوبرنيكي المبسط للنظام الشمسي: يركز النموذج على ~~البنية الطوبولوجية، ولكنه يتضمن بعض العناصر الجبرية بسبب ~~إدراج طول الفترات المدارية. # تضع البنية الجبرية مزيدا من التركيز على العلاقات الرياضية بين عناصر ~~البنية. ويمكن ملاحظة هذا الانتقال من البنية الطوبولوجية إلى البنية الجبرية ~~في الكوبرنيكية (الشكلان # 2-12 # و # 2-14 ~~) ~~والداروينية (الشكلان # 2-9 # و # 2-11 ~~). إن نموذج مركزية الشمس ~~ونموذج التطور التفرعي للحياة من النماذج الطوبولوجية. وهما يضعان تركيزا ~~قويا على الترتيب الهندسي للعناصر (الأشكال # 2-13 # و # 2-6 # و # 2-10 ~~). # شكل 2-14: قانون المساحات لكبلر. المنطقتان «أ» و«ب» لهما نفس ~~المساحة. يقطع الكوكب في مداره حول الشمس مساحات متساوية خلال ~~أزمنة متساوية. وكلما اقترب الكوكب من الشمس، تحرك بسرعة أكبر ~~من سرعته وهو أبعد عنها. # ويمكن تعزيز البنيات الطوبولوجية من خلال قوانين الكواكب والمسارات الجينية، ~~على الترتيب؛ فهي أكثر تفصيلا على المستوى الرياضي وتضيف بنية جبرية للنموذج. ~~ويتضمن التفسير البنيوي تخصيص بنية نموذج لنظام في العالم الحقيقي. وكما هي ~~الحال بالنسبة للتوحيد، فإن مجرد تخصيص بنية لا يكفي للوصول إلى مستويات ~~تفسيرية حقيقية. فيجب أن تتلاءم بنية النموذج مع بنية النظام الحقيقي. فلا بد ~~أن يفشل النموذج أرضي المركز؛ لأن البنية التي يخصصها للعالم الحقيقي لا تتناسب ~~مع البنية الحقيقية لنظام الكواكب. وتفشل نماذج التصميم أيضا لأن البنيات ~~الهرمية الغائية التي تخصصها للعالم العضوي لا تتوافق مع الحقائق. ويستند الشرط ~~القائل بأن بنية النموذج يجب أن تمثل بنية النظام الخاضع للنمذجة إلى الافتراض ~~الواقعي الذي يقضي بأن النماذج العلمية يجب أن تتضمن ms212 تشابها بنيويا معينا ~~مع جزء من العالم الحقيقي. ماذا يعني أن النموذج يتلاءم مع العالم؟ يمكننا ~~تناول هذا السؤال في سياق مفهومنا للقيود. يجب أن تفي بنية النموذج بالقيود في ~~سياق المشاهدات والنظرية الرياضية والمبادئ النظرية. ويفي نموذج مركزية الشمس ~~ونموذج التطور بالقيود على نحو أكثر تلاؤما من النماذج المنافسة لهما. ويعد ~~النموذج أفضل تمثيلا للمجال التجريبي إذا كان يفي بقيود أكثر من النماذج ~~المنافسة له و«إذا» كانت القيود مبررة. # تمثل النماذج البنيوية إجابات نموذجية للأسئلة البنيوية. وتمثل النماذج ~~السببية إجابات نموذجية ل «أسئلة لماذا». في الحالة المثالية، يمكننا تتبع آلية ~~سببية. وعندما نفشل في ذلك، فربما نظل قادرين على تحديد مجموعة من الظروف ~~السببية. إن النماذج السببية والبنيوية متوافقة تماما بعضها مع بعض. يمكننا أن ~~نسأل: لماذا توجد أنظمة كواكب؟ يبدو هذا السؤال وكأنه طلب للحصول على تفسير ~~سببي. وعلى الرغم من أن النموذج النيوتوني غير قادر على تقديم آلية سببية قابلة ~~للتتبع، فإن إجابته تأتي في سياق مجموعة من الظروف، تشمل قانون نيوتن للقصور ~~الذاتي وقانون الجاذبية. لماذا تتكيف الأنواع؟ يبدو هذا أيضا طلبا للحصول على ~~تفسير سببي. مرة أخرى لا توجد آلية سببية قابلة للتتبع. ولا يزال بالإمكان ~~استخلاص إجابة من النموذج الدارويني. فإذا حدث تغير في البيئة لا يهدد الظروف ~~الحياتية للأنواع، واستوفيت شروط الاختلاف المتناحي، فإن الانتقاء الطبيعي ~~يقدم إجابة سببية على هذا السؤال. # ربما لا نهتم بعلاقات السبب والنتيجة. ربما يكون تركيزنا على فهم بنية ~~النظام. وهذا هو طلب التفسير البنيوي. سأل كوبرنيكوس: ما بنية النظام الشمسي؟ ~~وبعد مائتي سنة سأل كانط: ما بنية المجرات؟ وما بنية الكون؟ يمكن للنموذج ~~الكوبرنيكي النيوتوني أن يقدم تفسيرات بنيوية. سأل لامارك: ما بنية التطور؟ ~~وأجاب - من منظور بنيوي - بنموذجه للتطور التدريجي، الذي يتضمن وراثة السمات ~~المكتسبة. وأراد داروين أيضا أن يعرف ماهية البنية وراء تنوع الحياة. قدمت ~~نظريته للتحدر مع التعديل تفسيرا بنيويا. وبمجرد أن تصل النماذج البنيوية ~~إلى مستوى مرض من الملاءمة، فإنها توفر التوحيد. # ليس ms213 من المستغرب أن نماذج التفسير تعيدنا دائما إلى المسألة الفلسفية ~~المرتبطة بالواقعية؛ فالعلم يتمحور حول العالم الحقيقي. وأي اشتراط، لبنية ما ~~وآلية سببية وتوحيد، إنما يطرح مسألة التلاؤم بين البنية المشترطة وبنية النظم ~~في العالم الطبيعي. علينا أن نعود في إيجاز إلى مسألة الواقعية. ~~(6-8) عودة قصيرة إلى الواقعية # كثيرا ما أضفيت سمات بشرية على كلمة الطبيعة؛ لأنني وجدت صعوبة في تجنب هذا الالتباس، ولكنني أعني بالطبيعة فقط العمل والناتج الكلي للعديد من ~~القوانين الطبيعية، وأعني بالقوانين فقط النتائج المؤكدة للأحداث. (داروين، ~~مقتبسة في كرومبي 1994، المجلد الثالث، 1751؛ لمزيد من المراجع انظر ~~إليجارد 1958، 181) # لقد تحدثنا عن القيم التفسيرية للداروينية، وهي تقبع في مقترح ~~بنية توحد العديد من الظواهر التي لم تكن مترابطة حتى هذه الفترة. وكذلك قدمت نظرية ~~داروين أيضا تفسيرا سببيا، في سياق الظروف الضرورية والكافية؛ فمن خلال الطفرات ~~العشوائية والحفاظ على التعديلات المواتية، يمكن تفسير وجود السلالات والقدرة على ~~تكيف الأنواع مع بيئاتها، ولكن تعاود الظهور الآن مسألة الواقعية والذرائعية ~~المتعلقة بهذه الآلية. # كان داروين نفسه حذرا؛ فلم يكن ممكنا اختبار نظرية الانتقاء الطبيعي عن طريق ~~الاستدلال المباشر من الأدلة (داروين 1859، مقدمة المحرر، 15؛ لويد 1983). لم يكن ~~داروين في وضع يمكنه من إثبات أن التطور حدث على نحو قاطع؛ فحاول أن يثبت أن هذا هو ~~التفسير الأنسب الذي يتلاءم مع الحقائق على نحو أفضل من النظريات المنافسة. كان ~~الاستدلال المقبول الوحيد وفق قوة الأدلة المتاحة هو التحدر مع التعديل، ولكن عندما ~~تعلق الأمر بالتفاصيل، لم يتمكن من إظهار كيفية حدوث الطفرات العشوائية، والسبب في ~~تغير بعض الأنواع في حين لم تتغير أنواع أخرى، والمدى الدقيق لعملية الانتقاء ~~الطبيعي. أضاف داروين الانتقاء الجنسي كمبدأ إضافي لتفسير التغير غير التكيفي ~~الظاهر. بل إنه بدأ يتحدث عن وراثة السمات المكتسبة، معتقدا أنه بالغ في التركيز ~~على دور الانتقاء الطبيعي (داروين 1871، الجزء الأول، الفصل الثاني، 81). # في بدايات القرن الحادي والعشرين، زال العديد من الصعوبات الأصلية التي قابلت ~~داروين، كما اتسع نطاق النظرية لتفسير ظواهر ms214 متنوعة مثل التكاثر الجنسي واللاجنسي، ~~ومشكلة النسبة بين الجنسين (لماذا توجد أعداد متساوية تقريبا من الذكور والإناث)، ~~والميزة التطورية للإيثار. ويرى علم النفس التطوري نطاقا أكبر للنظرية، لأنه يريد ~~أن يفسر الحقائق الذهنية بالرجوع إلى المبادئ التطورية (انظر الفصل الثالث، القسم ~~5-2). # كان نموذج الانتقاء الطبيعي في عصر داروين يمتلك «صلاحية تجريبية» وحسب؛ إذ يمكن ~~استخلاص مجموعة نماذج من النظرية، وهذه النماذج تشترك في البنية الأساسية نفسها، ~~وتوجد جميعها في الفضاء المقيد نفسه. تسمح هذه النماذج للاستدلالات الداروينية ~~بمعالجة مشكلات محددة، مثل التوزيع البيولوجي الجغرافي للأنواع وأصنافها. تعطي ~~النماذج نتائج تتفق مع البيانات التجريبية، وتقدم نظرية التطور توافقا جيدا بين ~~نماذجها والبيانات. والنظرية صحيحة من الناحية التجريبية؛ لأن بنياتها الأساسية ~~تقدم تفسيرا معقولا وتنفي التفسيرات المنافسة، ومع ذلك، نريد أكثر من توافق ~~نماذجها مع البيانات التجريبية. ويظهر تاريخ الكوبرنيكية والداروينية أن العلماء ~~كانوا يرغبون في معرفة هل كانت المبادئ الأساسية - البنيات الجبرية - صالحة أم ~~لا. كانوا يطمحون إلى «الصلاحية النظرية». لا بد أن يوجد تمثيل دقيق لبنية النموذج ~~مع بنية المجال التجريبي، ولكن في نهاية القرن التاسع عشر كان من الصعب الادعاء بأن ~~النظرية كانت صحيحة من الناحية النظرية أيضا. فلم يكن قد ترسخ بعد أن الآلية ~~والبنية المخصصتين للبيانات تمثلان أيضا الآلية والبنية المنطبقتين في الطبيعة. ~~تذكر أن آلية داروين الأساسية - الانتقاء الطبيعي - كانت موضع شك؛ فكان مصدر ~~التغاير الوراثي العشوائي والإطار الزمني اللازم لحدوث التطور التدريجي في موضع ~~الشك. ولتحسين القيمة التفسيرية للنظرية، وللانتقال من الصلاحية التجريبية إلى ~~الصلاحية النظرية، يجب أن تتوفر اختبارات مستقلة لكل من فرضيات النموذج (الاستقراء ~~الخارجي، والتدرج، والتغير المتناحي) والآلية المفترضة كشرط سببي كاف. ولحسن الحظ ~~بالنسبة إلى الداروينية، أكدت تقنيات التأريخ الجديدة سريعا أن عمر الأرض مليارات ~~السنين، وقد أتاح اسوداد الجلد الصناعي - تكيف العث في إنجلترا في القرن التاسع عشر ~~مع سواد لحاء الأشجار في المناطق الصناعية الملوثة بشدة - مؤشرات أولية على أن ~~الانتقاء الطبيعي نشط في الطبيعة. واليوم، تعد الطفرات ms215 المرصودة لفيروس نقص ~~المناعة المكتسبة - في ظل ظروف مختبرية - من أقوى الأدلة على أن الانتقاء الطبيعي ~~يعمل في الطبيعة (جونز 1999). وللأسف بالنسبة للداروينية، فإن كل افتراضاتها ~~النموذجية تعرضت للتحدي، سواء من قبل أولئك الذين يتبعون النهج الدارويني (جولد ~~2002؛ كوفمان 2004) أم أولئك الذين رفضوا استنتاجاتها ووصفوها بأنها غير ملائمة ~~(بيهي 1996؛ ديمبسكي 1998). كانت الداروينية - على غرار الكوبرنيكية - في البداية ~~متوافقة مع الذرائعية، وقد قبل التطور كحقيقة طبيعية، ولكن الانتقاء الطبيعي ~~كآلية سببية حصرية وقع تحت سحابة من الشكوك، ومع ذلك، بدأت الداروينية ببطء في ~~التخلص من شراك الذرائعية؛ فقد وفر اندماج علم الوراثة والداروينية وتطور ~~البيولوجيا الجزيئية دفعات إضافية دفعت نظرية التطور نحو تفسير واقعي. ~~(6-9) داروين والثورات العلمية # عندما تقبل وجهات النظر الموجودة في هذا الكتاب عن أصل الأنواع، أو ~~عندما تقبل وجهات النظر المماثلة عموما، يمكننا أن نتوقع على نحو مبهم ~~حدوث ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي. (داروين، «أصل الأنواع» (1859)، ~~455) # ثمة اتفاق بالإجماع على أن داروين كان سببا في حدوث ثورة كبيرة ~~في العلوم؛ إذ يستوفي داروين معايير الثورية العلمية: ~~«أولا»: غير داروين المنظور؛ فهو لم يفسر الظواهر البيولوجية المرصودة من منظور ~~المصمم الذكي، بل فسرها من منظور مذهب الطبيعانية. وأدى تغيير المنظور إلى تغيرات ~~هائلة في الشبكة المفاهيمية؛ منها رفض التصميم وثبات الأنواع، والتركيز الشديد على ~~تأثير البيئة على مسار الأنواع، وأهمية الطفرات العشوائية والتأثير المفيد للانتقاء ~~التراكمي. ولكي ينظر إليه بوصفه أحدث ثورة، فهناك حاجة إلى ما هو أكثر من مجرد ~~تغيير المنظور، وما يصاحب ذلك من إعادة تنظيم الروابط المفاهيمية في النظرية ~~الكامنة؛ فرغم كل شيء، غير لامارك أيضا المنظور فيما يتعلق بحجة التصميم. يكمن ~~الفرق بين لامارك وداروين في قابلية الآلية الطبيعية المقترحة للاختبار؛ فقد قدم ~~داروين الانتقاء الطبيعي كآلية قابلة للاختبار. ~~«ثانيا»: يجب أن تكون النظرية الجديدة أيضا تفسيرية؛ إذ يجب أن تحل بعض المشكلات ~~المعلقة. وهي تفعل ذلك من خلال تبني أساليب وتقنيات جديدة. بالتأكيد، قدم داروين ~~حلا كافيا للمشكلة الأساسية في عصره: تنوع ms216 الأنواع، كما قدمت نظريته أيضا ~~تفسيرا ممتازا للسجل الحفري لأشباه البشر. فشل لامارك في حل هذه المشكلات؛ لأن ~~آليته المقترحة لم تستطع الحصول على مصداقية كبيرة. ربما لا يحصل النموذج الجديد في ~~البداية على ما هو أكثر من الملاءمة التجريبية؛ أي إنه ربما يكون واحدا من بين عدد ~~من التفسيرات النظرية التي يمكن أن تتوافق مع الأدلة، ولكن قابلية الاختبار تتطلب ~~أن تكون بنية النموذج صالحة تجريبيا ونظريا على حد سواء؛ وهذا يعني أن النظرية ~~تتناسب مع الأدلة، وأنها تخطت اختبارات مستقلة لمبادئها، واكتسبت هذه المصداقية عن ~~طريق دحض نموذج منافس. غالبا ما يكون الالتزام بطرق بديلة للتفسير نتيجة لتغير ~~النظرية. استخدم الداروينيون الاستدلالات التاريخية بكثرة، ومارسوا الاستقراء ~~البيكوني، وذلك بمعناه الصحيح كاستقراء إقصائي. ليست الداروينية مثالا جيدا ~~للاستنباطية الافتراضية؛ فليس صحيحا أن جميع العلوم المهمة يجب أن تتقدم عن طريق ~~قابلية الدحض التي أشار إليها بوبر. هل نطلب أن تكون القوة التنبئية عنصرا ~~ضروريا للتغيير الثوري في العلم؟ سيكون هذا أمرا شديد التقييد؛ لأنه سيستبعد ~~ثورة داروين، ولكن ينبغي علينا أن نطلب ملاءمة الحقائق المعروفة بالفعل. يجب أن ~~تلائم النظرية الجديدة بعض الحقائق المعروفة على نحو مستقل، ويجب أن يكون لها بعض ~~النتائج الاستنباطية الجديدة، حتى لو فشلت في وضع تنبؤات دقيقة. استوفت الداروينية ~~معيار الكمال هذا؛ فالملائمة يجب أن تنجح في الحالة التقييدية التي مفادها أن أي ~~نماذج منافسة ستفشل في استيعاب الحقائق المعروفة. ~~«ثالثا»: تظهر نظرية جديدة من خلال عملية تسلسل الاستدلال. بدأ داروين بالتأكيد ~~تسلسل الاستدلال هذا، الذي أدى في نهاية المطاف إلى الداروينية الجديدة، ولكن ~~«رابعا»: لم يحظ المنهج التطوري بعد بالإجماع. كانت تجري مناقشة نماذج أخرى في علم ~~الأحياء في القرن التاسع عشر، هذه النماذج شكلت تطورات موازية (نظام «فلسفة ~~الطبيعة» الألماني لبوفون). ترك تركيز «فلسفة الطبيعة» الألمانية (جوته، أوكن) على ~~الشكل، وليس الوظيفة - «الشكل يصوغ الوظيفة» - أصداء في المناهج البنيوية الحديثة ~~للتطور، وعارض نهج التصميم الذكي النهج الدارويني، وداخل هذا النهج لا يوجد ms217 توافق ~~في الآراء حول جميع عناصر القالب المبحثي. ثمة عدد من النماذج المتنافسة، ولكن لا ~~يوجد سوى عدد قليل من البدائل. في البداية، اتفق الجميع على التطور التفرعي وعدم ~~ثبات الأنواع، ولكن الآلية الرئيسية - الانتقاء الطبيعي - إما أنها لم تكن مقبولة ~~تماما أو تم التشكيك في مداها. وبالقرب من مطلع القرن، فضل بعض الداروينيين ~~(هكسلي، دي فريس) «التطور القافز» على تدرج داروين. واليوم يقترح بعض الداروينيين ~~أن يحل مفهوم «التوازن النقطي» محل فكرة التغيرات التدريجية غير المحسوسة (جولد ~~2002)، كما لم يوجد اتفاق على وحدة الانتقاء الطبيعي. عادة ما يعتبر الداروينيون ~~الكائن الحي هو وحدة الانتقاء، ولكن اقترح المزيد من المرشحين: الجين (دوكينز ~~1976؛ 1988) وانتقاء الأنواع (جولد 2002؛ انظر ماير 2001). أيضا لا يوجد توافق عام ~~في الآراء بين الداروينيين فيما يتعلق بمدى التكيف. لاحظنا بالفعل أن داروين ~~قبل التغييرات غير التكيفية، خاصة في وجهات نظره حيال الطبيعة البشرية، ولكن كان ~~بعض الداروينيين أكثر ثورية وتصوروا بدائل مثل البنيوية والقيود الداخلية. تقاوم ~~هذه المناهج محاولة الداروينية المتعصبة تفسير أكبر عدد ممكن من الميزات قدر ~~الإمكان؛ فيؤكدون بدلا من ذلك أن التكيفية ينبغي أن تعترف بوجود قيود، في شكل ~~حدود مادية، على قدرة الكائنات على التكيف مع الضغوط البيئية الجديدة؛ فعلى سبيل ~~المثال، ثمة حد مادي يقيد الطول الذي يمكن أن تصل إليه الكائنات الثنائية الأرجل ~~والرباعية الأرجل (انظر جولد (2002) للحصول على لمحة عامة). إذن، لا يوجد عموما ~~اتفاق حتى الآن بشأن تفاصيل النهج الدارويني كما هو الحال مع نموذج النظام الشمسي ~~الكوبرنيكي-النيوتوني. # ليس بالضرورة أن تنجح الثورة من خلال شكل جديد للعلوم العادية، كما ادعى كون، ~~وينبغي أن نلاحظ هذا الاختلاف مع الثورة الكوبرنيكية. وعلى الرغم من أن الداروينية ~~تستوعب عددا من النماذج البديلة في فضاء قيود مشترك، فإنه لا يزال بالإمكان اعتبار ~~عمل داروين ثورة حقيقية في العلم. # ولكن ثورة داروين لا تناسب صورة كون حقا (جرين 1980). لا يوجد كثير من الأدلة ~~في الثورة الداروينية على «تحول جشطالتي» أو انقطاع في التواصل أو ms218 حتى فترة من ~~العلم العادي. ركز داروين كثيرا من اهتمامه النقدي على نظرية الخلق الخاص، وبدرجة ~~أقل على تطور لامارك التدريجي. درس داروين النماذج المنافسة بعناية ووجد أنها غير ~~كافية، على أسس تجريبية ونظرية. كان لنموذج داروين خصومه ومؤيدوه، وقد تجادل بعضهم ~~مع بعض، وخاض أصدقاء داروين مناقشات مع منتقدي داروين. ومن جانبهم، تداول المعارضون ~~والمؤيدون إيجابيات النظرية وسلبياتها. وكما هي الحال في تاريخ الكوبرنيكية، ثمة ~~توافق متفاوت بشأن المبادئ الأساسية والتحولات الاستدلالية (شابير 1966، 1989؛ ~~كوهين 1985أ؛ تشن/باركر 2000). # أعاد هذا الفصل بناء تسلسل الاستدلال الذي يؤدي من مرحلة ما قبل الثورة إلى مرحلة ~~ما بعد الثورة. إذا اعتبرنا عناصر النموذج وحدات، ترتبط في بنية من خلال علاقات ~~محددة، يمكننا أن نتصور ممارسة الألعاب مع بنية النموذج. أضف بعض العناصر وارفض ~~البعض الآخر، وانقل عناصر أخرى إلى مواقع مختلفة، وستغير البنية الجبرية ~~والطوبولوجية للنموذج. إذا كنا على استعداد لتخطي قيود الفضاءات المنطقية، يمكننا ~~التوجه للخلف من نموذج مركزية الشمس إلى نموذج مركزية الأرض، من نموذج التطور إلى ~~نموذج التصميم. تؤكد هذه اللعبة المفاهيمية نقطة مفاهيمية: الثورات في العلوم هي ~~أشبه بتحولات في تسلسل الاستدلال منها إلى الهدم وإعادة البناء؛ فتسمح لنا تحولات ~~تسلسل الاستدلال بين فترتي ما قبل الثورة وما بعدها بتتبع التغيرات التي تربط بين ~~القديم والجديد، وتستند التغييرات إلى حجج تؤدي إلى تعديلات في المناهج القديمة. ~~يؤدي هذا الإجراء إلى خطوط قابلة للتتبع تربط بين النظريات والنماذج، وستشتمل هذه ~~العمليات على عمليات إضافة وحذف واستبدال في الشبكة المفاهيمية. وتظهر تحولات ~~تسلسل الاستدلال خطوط استمرارية وانقطاع خلال فترات الثورات العلمية، كما تهتم ~~بإعادة بناء الموقف الإشكالي الراهن، وكذلك تقيم الحلول في ضوء المشكلة ~~المقبولة. ~~(أ) النتائج الفلسفية # ما النتائج الفلسفية للثورة الداروينية؟ # 18 ~~(ديوي 1909؛ هيكل 1866، الفصل الرابع؛ دينيت 1995، 201-202) تتمثل ~~النتائج الفلسفية عموما في «فقدان التصميم الرشيد». استبدل داروين الطبيعانية ~~بالغائية؛ الانتقاء الطبيعي بالتصميم. لم يعتبر داروين الأنواع مواد أساسية، بل ~~كانوا تجمعات سكانية من أفراد ذوي تغايرات طفيفة. يمكن أن ms219 تكون التغايرات مفيدة ~~أو ضارة، ولا يمكن أن يحدث التطور إلا في إطار هذا الافتراض الأساسي للاختلاف ~~المتناحي. حرر داروين علم الأحياء من عقيدة الجوهرية وأحل محلها التفكير في ~~التجمعات السكانية. كانت المادية نتيجة أخرى من الداروينية، وإن لم تكن بالمعنى ~~الصريح؛ فشدد داروين على أهمية الأدلة التجريبية في التفسيرات البيولوجية، ولم ~~يشارك في الاعتقاد بالحتمية التي أقسم كل من هكسلي وهيكل بالولاء لها. ~~تؤدي المادية واللاحتمية البيولوجية إلى رؤية سلسة للعالم البيولوجي. من ~~المؤكد أن الداروينيين يعتقدون أن عالم الكائنات الحية في حالة من ~~التغير. # كان للثورة الداروينية أيضا تأثير على فلسفة العقل. وبما أن الداروينيين ~~ضمنوا البشر في عالم الطبيعة، فقد اضطرهم منطق حجتهم إلى تفسير التفوق الواضح ~~للمخ البشري، وشمل ذلك تفسيرا طبيعانيا لوجود الظواهر العقلية. # ومن ثم، كان للداروينية تأثير كبير على علم النفس؛ لأنها تفسر ظواهر العقل ~~بوصفها حقائق طبيعية (داروين 1859، 458؛ مجلة نيتشر 26، 1882). كان فرويد ~~حريصا طوال حياته المهنية على تقديم التحليل النفسي كمجال علمي؛ فكان يرى أنه ~~يستحق المصداقية العلمية نفسها مثل الفيزياء. في بعض الأحيان، يزعم أن داروين ~~أتم «المرحلة النهائية من الثورة الكوبرنيكية التي بدأت في القرنين السادس عشر ~~والسابع عشر تحت قيادة رجال مثل كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن» (الموسوعة ~~البريطانية، المجلد 18، 1991، 856). اختلف فرويد مع هذا الادعاء؛ فكان يعتقد أن ~~اكتشافه لما أطلق عليه «فقدان الوضوح» فتح مرحلة ثالثة من الثورة الكوبرنيكية، ~~التي سننتقل إليها الآن، وكان يرى فيها هجوما آخر على نبل الجنس ~~البشري. # أسئلة مقالية ~~(1) # اشرح الاختلافات الرئيسية بين نظريتي «لامارك» و«داروين». ما الطريقة ~~التي تجعل النظرية الداروينية تمثل تقدما عن نظرية لامارك؟ ~~(2) # اشرح وقيم الفرق بين «حجج التصميم» و«حجج التطور». ~~(3) # ناقش «الفرضيات» الفلسفية المتأصلة في الداروينية. ما الدور الذي تقوم به ~~هذه الفرضيات؟ ~~(4) # اشرح الفرق بين «التطور التدريجي» و«التطور التفرعي». ~~(5) # لماذا شكلت «الثغرات» في «السجل الحفري» مشكلة لنظرية داروين؟ ~~(6) # ما الطريقة التي شكلت بها «العصور القديمة للإنسان» مشكلة للمؤمنين ~~بنظرية الخلق؟ ~~(7) # كيف تغيرت فكرة ظهور «الأنواع» تحت تأثير الداروينية؟ ~~(8) # اشرح ms220 ما يعنيه: أن «داروين» أنتج بنيات تفسيرية، ووضح ما حققته. ~~(9) # ما الخطأ في الرأي الواسع الانتشار القائل إننا «ننحدر من القردة»؟ ما ~~«الرأي الدارويني» الصحيح؟ ~~(10) # ما بنية «الداروينية» و«التفسيرات الداروينية»؟ وتناول الفرق بين ~~التفسير والتنبؤ. ~~(11) # اشرح الإنجازات الرئيسية ل «الثورة الداروينية». ~~(12) # ما الذي نفهمه من مصطلح «ثورة علمية»؟ وهل كانت الكوبرنيكية والداروينية ~~ثورتين علميتين؟ ~~(13) # ناقش على نحو نقدي قابلية تطبيق «نموذج كون الإرشادي» للثورات العلمية في ~~سياق النموذج الدارويني. ~~(14) # كيف يمكن أن تستخدم الداروينية لدعم «الذرائعية» و«الواقعية»، على ~~الترتيب؟ ~~(15) # اشرح كيف أدى كتاب «أصل الأنواع» إلى كتاب «أصل الإنسان». ما جوانب ~~التطور ذات الأهمية الخاصة؟ ~~(16) # ماذا يعني الداروينيون ب «تفسير مادي» للقدرات العقلية والأخلاقية ~~للبشر؟ ~~(17) # هل يمكن اعتبار الداروينية داعمة لنظرية «انبثاقية» للعقل؟ ~~(18) # هل التمييز مبرر بين «قابلية الدحض» و«قابلية الاختبار» في سياق ~~الداروينية؟ ~~(19) # هل يجب أن توصف نظرية داروين بأنها تتبع منهج «الاستقراء الإقصائي» أم ~~منهج «الاستدلال الافتراضي»؟ ~~(20) # كيف تعتبر النظرية الداروينية «تفسيرا بنيويا» للعالم الطبيعي؟ ~~(21) # كيف تعتبر النظرية الداروينية «تفسيرا سببيا» للعالم الطبيعي؟ ~~(22) # هل يعد مفهوم «المسارات الداروينية» مفهوما منطقيا؟ ~~(23) # ما «الاستدلالات الداروينية»؟ ~~(24) # ما الحجج التي يستخدمها داروين ضد المؤمنين بنظرية «الخلق»؟ ~~(25) # هل «التصميم الذكي » منافس جاد للداروينية؟ ~~(26) # اشرح التركيز في «علم النفس التطوري» على الجوانب الخاصة والعامة للعقل ~~البشري. ~~(27) # كيف تفسر «الداروينية» نشأة العقل من المخ؟ ~~(28) # كيف يطبق الداروينيون «الانتقاء الطبيعي» على الطبيعة البشرية؟ ~~(29) # ماذا كان يعني داروين عندما كتب أن «علم النفس سوف يقوم على أساس ~~جديد»؟ ~~(30) # إذا كانت «النماذج» هي طرق تمثيل العالم الطبيعي والاجتماعي، فكيف يتحقق ~~هذا التمثيل؟ ~~(31) # يفترض النموذج الاستدلالي الطبيعي «تناظر التفسير والتنبؤ». استخدم أمثلة ~~من علم الأحياء لتقييم مدى ملاءمة هذا الافتراض. # قراءت إضافية # Achinstein, P. [1985]: # The ~~Nature of Explanation. # Oxford: Oxford University Press. # Ayala, F. [1987]: “The Biological Roots of Morality,” # Biology and Philosophy # 2 ~~, ~~235-52. # Ayala, F. [1995]: “The Distinctness of Biology,” in F. ~~Weinert # ed. ~~[1995], ~~268-85. # Ayala, F. [2004]: “Design without a Designer,” in W. A. ~~Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~56-73. # Argyll, ms221 Duke of [1867]: # The ~~Reign of Law. # London: Strahan. # Argyll, Duke of [1886]: “Organic Evolution,” # Nature # 34 ~~, 335-6. # Bachmann, G. [1995]: “Mechanische und Organische ~~Denkformen im viktorianischen Zeitalter,” in # Die Mechanische und die Organische Natur. # Konzepte ~~SFB 230 Heft 45 (März 1995), 9-32. # Bacon, F. [1620]: # Novum ~~Organum. # L. Jardine/M. Silverstone # eds. # Cambridge: Cambridge University Press 2000. # Barlow, H. [1987]: “The Biological Role of ~~Consciousness,” in C. Blakemore/S. Greenfield # eds. ~~[1987], ~~361-74. # Barrow, J. D./F. J. Tipler [1986]: # The Anthropic Cosmological Principle. # Oxford: Oxford University Press. # Behe, M. J. [1996]: # Darwin’s ~~Black Box. # New York: The Free Press. # Behe, M. J. [2004]: “Irreducible Complexity,” in W. A. ~~Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~351-78. # Blackmore, S. [2003]: # Consciousness. # London: Hodder & ~~Stoughton. # Blakemore, C./S. Greenfield # eds. ~~[1987]: # Mindwaves. # London: Blackwell. # Boyle, R. [1688]: # A ~~Disquisition about the Final Causes of Natural ~~Things ~~. London: John Taylor. # Braubach, W. [1869]: # Religion, ~~Moral und Philosophie der Darwin’schen Artlehre nach ihrer Natur ~~und ihrem Charakter. # Leipzig: ~~Neuwied. # Browne, J. [2003]: # Charles ~~Darwin-The Power of Place. # London: Pimlico. # Bradley, W. L. [2004]: “Information, Entropy and the ~~Origin of Life,” in W. A. Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], 331-50. # Büchner, # L. [1868]: # Sechs Vorlesungen über die Darwin’sche ~~Theorie von der Verwandlung der Arten. # Leipzig: ~~Theodor Thomas. # Bunge, M. [1977]: “Emergence and the Mind,” # Neuroscience # 2 ~~, ~~501-9. # Bunge, M. [1980]: # The Mind-Body Problem. # Oxford: Pergamon. # Chalmers, D. [1996]: # The ~~Conscious Mind. # Oxford: Oxford University Press. # Chen, X./P. Barker [2000]: “Continuity through ~~Revolutions,” Philosophy of ~~Science # 67 ~~, S208-S233. # Cohen, I. B. [1985a]: # Revolution in Science. # Cambridge, MA: The Belknap Press. # Cohen, I. B. [1985b]: “Three Notes on the Reception of ~~Darwin’s Ideas on Natural Selection,” in D. Kohn # ed. ~~[1985], # The Darwinian ~~Heritage. Princeton, NJ: Princeton University Press [1985], ~~589-607. # Clark, A. [1997]: # Being ~~There. # Cambridge, MA: MIT Press. # Crombie, A. C [1994]: # Styles of ~~Scientific Thinking in the European Tradition # London: ~~Duckworth, Vol. III. # Damasio, A. [1999]: “How the Brain creates the Mind,” # Scientific American ~~(December), 74-9. # Darwin, Ch. [1859]: # The ms222 Origin ~~of Species. # J. W. Burrow # ed. # London: Pelican Classics ~~[1968]. # Darwin, Ch. [1871]: # The Descent ~~of Man. # Introduction by James Moore and Adrian ~~Desmond. London: Penguin [2004]. # Darwin, Ch. [1876]: “Sexual Selection in Relation to ~~Monkeys,” # Nature # 15 ~~, ~~18-9. # Darwin, Ch. [1878-79]: “Fritz Müller on a Frog having ~~Eggs on its Back,” # Nature # 19 ~~, ~~462-3. # Darwin, Ch. [1881]: “Inheritance,” # Nature # 24 ~~, 257. # Darwin, Ch. [1954/1892]: # The ~~Autobiography of Charles Darwin and Selected ~~Letters. # Francis Darwin # ed ~~. ~~New York: Dover. # Dawkins, R. [1976/ # 2 # 1989]: # The ~~Selfish Gene. # Oxford: Oxford University Press. # Dawkins, R. [1988]: # The Blind ~~Watchmaker. # London: Penguin. # De Beer, G. [1971]: “Homology: an unsolved problem,” in ~~M. Ridley # ed. ~~[1997], ~~213-21. # De Vries, H. [1907]: “Evolution and Mutation,” # The Monist # 17 ~~, ~~6-22. # Dembski, W. A. [1998]: # The ~~Design Inference. # Cambridge: Cambridge University Press. # Dembski, W. A./M. Ruse # eds. ~~[2004]: # Debating ~~Design. # Cambridge: Cambridge University Press. # Dennett, D. [1995]: # Darwin’s ~~Dangerous Idea. # London: Penguin. # Descartes, R. [1664]: # Traité de ~~l’Homme, # in # Œuvre et ~~Lettres. Paris: Gallimard [1953], ~~807-73. # Dewey, J. [1909]: “The Influence of Darwin on Philosophy,” in # The Influence of Darwin on Philosophy. # Bloomington: Indiana University Press ~~[1965], 1-19. # D’Holbach, P. Thiry [1770]: # Système de la Nature ~~[English translation: # The System of Nature ~~, London, 1817; ~~German translation: # System der ~~Natur. # Frankfurt a./M.: Suhrkamp, ~~1978]. # Dowe, Ph. [2000]: Physical ~~Causation. # Cambridge: Cambridge University Press du ~~Bois-Reymond, E. [1882-83]: “Darwin and Copernicus,” # Nature # 27, ~~557-8. # Eiseley, L. [1959]: # Darwin’s ~~Century. # London: Gollancz. # Edelman, G. [1992]: # Bright Air, ~~Brilliant Fire. # London: Penguin. # Ellegård, A. [1958]: # Darwin and ~~the General Reader. # Göteburg: Acta Universitatis ~~Gothoburgensis. # Evans, J. [1890]: “Anthropology,” # Nature # 42 ~~, ~~507-10. # Fisher, R. A. [1930]: “The Nature of Inheritance,” in ~~M. Ridley # ed. ~~[1997], ~~22-32. # Flower, W. H. [1883]: “The Evolutionary Position,” # Nature # 28 ~~, ~~573-5. # Friedman, M. [1981]: “Theoretical Explanation,” in R. ~~Healey # ed. ~~[1981] # Reduction, Time and Reality. # Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1-16. # Freud, S. [1905]: # Three Essays ~~on Sexuality ~~, in # The Standard ~~Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund ~~Freud. # James ms223 Strachley # ed. # London: The Hogarth Press, Vol. VII [1953], ~~130-243. # Freud, S. [1931]: “Female Sexuality,” in # The Standard Edition of the Complete Psychological ~~Works of Sigmund Freud. # James Strachley # ed ~~. London: The Hogarth Press, Vol. XXI ~~[1927-31], 221-43. # Geoffroy Saint-Hilaire, M. Isodore [1847]: # Vie, Travaux et Doctrine Scientifique d’Étienne ~~Geoffroy Saint-Hilaire. Paris: P. Bertrand, ~~1968. # Ghiselin, M. T. [1969]: # The ~~Triumph of Darwinian Method. # Berkeley, CA: University ~~of Press. # Gillispie, C. G. [1958]: “Lamarck and Darwin in the ~~History of Science,” # American ~~Scientist # XLVI ~~, 388-409. # Gillispie, C. G. [1959]: # Genesis and Geology. # New York: Harper & ~~Row. # Gould, S. J. [1980]: # Even Since ~~Darwin. # London: Pelican. # Gould, S. J. [1987]: # The Panda’s Thumb. # London: Penguin. # Gould, S. J. [1988]: # Time’s ~~Arrow, # Time’s ~~Cycle. # London: Penguin. # Gould, S. J. [1991]: # Wonderful ~~Life. # London: Penguin. # Gould, S. J. [2001]: “More Things in Heaven and Earth,” ~~in H. Rose/St. Rose # eds. ~~[2001], # Alas Poor Darwin. # London: ~~Vintage, 85-105. # Gould, S. J. [2002]: # The ~~Structure of Evolutionary Theory. # Cambridge, MA: The ~~Belknap Press of Harvard University Press. # Greene, J. C. [1980]: “The Kuhnian Paradigm and the ~~Darwinian Revolution in Natural History,” reprinted in G. Gutting # ed. ~~[1980], Paradigms and Revolutions ~~, 297-32. ~~Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press. # Haeckel, E. [1866]: # Generelle ~~Morphologie der Organismen # II. Berlin: Georg ~~Reimer. # Haeckel, E. [1876]: # The History ~~of Creation. # London: Henry S. King & Co. ~~[Translation of # Natürliche ~~Schöpfungsgeschichte ~~, 1868]. # Haeckel, E. [1877]: “Present Position of Evolutionary ~~Theory,” # Nature # 16 ~~, ~~492-96. # Haeckel, E. [1878]: “Prof. Haeckel on the Doctrine of ~~Evolution,” # Nature # 18 ~~, ~~509-10. # Haeckel, E. [1882]: “Professor Haeckel on Darwin, ~~Goethe and Lamarck,” # Nature # 26 ~~, ~~534-41. # Haeckel, E. [1929]: # The Riddle ~~of the Universe. # London: Watts & Co. ~~[Translation of # Die Welträtsel ~~, ~~1899]. # Helvétius, C-A. [1758]: # Sur ~~l’Esprit. Paris: Chez Durand. # Hempel, K. [1965]: # Aspects of ~~Scientific Explanation. # New York: The Free Press. # Honderich, T. [1987]: “Mind, Brain and Self-conscious ~~Mind,” in C. Blakemore/S. Greenfield # eds ~~. [1987], 445-58. # Howson, C./P. Urbach [ # 2 # 1993]: # Scientific Reasoning-The Bayesian Approach. ms224 # Chicago: Open Court. # Hoyningen-Huene, P. [1993]: # Reconstructing Scientific Revolutions ~~. Chicago: ~~Chicago University Press. # Hughes, R. I. G. [1989]: # The ~~Structure and Interpretation of Quantum Mechanics. # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Humphreys, N. [1997]: “The Inner Eye of Consciousness,” ~~in C. Blakemore/S. Greenfield # eds. ~~[1987], 377-81. # Huxley, T. H. [1860]: “The Origin of Species,” in # Collected Essays. # Vol. II: ~~Darwiniana [1907], 21-79. # Huxley, T. H. [1862]: “Geological Contemporaneity and Persistent Types of Life,” in # Collected Essays. # Vol. VIII [1894], ~~272-304. # Huxley, T. H. [1863a]: # Man’s Place in Nature ~~(Chicago: The University of Chicago Press, 1959); reprinted in # Collected ~~Essays. # Vol. II. London: Macmillan 1910, ~~77-156. # Huxley, T. H. [1863b]: “On Our Knowledge of the Causes of ~~the Phenomena of Organic Nature,” in # Collected Essays. # Vol. II: Darwiniana [1907], ~~303-475. # Huxley, T. H. [1864]: “Criticisms of “The Origin of ~~Species”,” in # Collected Essays. # Vol. II: Darwiniana [1907], 80-106. # Huxley, T. H. [1874]: “On the Hypothesis that Animals ~~are Automata and its History,” # Nature # X ~~, 362-66. # Huxley, T. H. [1876]: “Lectures on Evolution,” in # Collected Essays. # Vol. IV ~~[1898], 46-138. # Huxley, T. H. [1880-81]: “Professor Huxley on ~~Evolution,” # Nature # 23 ~~, 203-4, ~~227-31. # Huxley, T. H. [1886]: “Science and Morals,” in # Collected Essays. # Vol. IX ~~[1911], 117-46. # Huxley, T. H. [1888]: # Science ~~and Culture and other Essays. # New York: Macmillan ~~& Co. # Huxley, T. H. [1893]: “Evolution and Ethics,” in # Collected Essays. # Vol. IX ~~[1911], 46-86. # Huxley, T. H. [1894]: # Collected ~~Essays. # Vol. VIII. London: Macmillan & ~~Co. # Huxley, T. H. [1894-95]: “Past & Present,” # Nature # 51 ~~, ~~1-3. # Huxley, T. H. [1898]: # Collected ~~Essays. # Vol. IV: Science and the Hebrew Tradition. ~~London: Macmillan & Co. # Huxley, T. H. [1907]: # Collected ~~Essays. # Vol. II: Darwiniana. London: Macmillan ~~& Co. # Huxley, T. H. [1909]: # Collected ~~Essays. # Vol. V: Science and the Christian Tradition. ~~London: Macmillan & Co. # Huxley, T. H. [1910]: # Collected ~~Essays. # Vol. VII. London: Macmillan & ~~Co. # Huxley, T. H. [1911]: # Collected ~~Essays. # Vol. IX. London: Macmillan & ~~Co. # Jacob, F. [1977]: “Evolution and Tinkering,” # Science # 196 ~~, ~~1161-6. # Jacob, F. ms225 [1981]: # Le Jeu des Possibles. Paris: Fayard. # Jaeger, G. [1869]: # Die ~~Darwin’sche Theorie und ihre Stellung zu Moral und ~~Religion. # Stuttgart: Julius ~~Hoffmann. # Jones, S. [1999]: # Almost like a ~~Whale. # London: Doubleday. # Kant, I. [1755]: # Allgemeine ~~Naturgeschichte und Theorie des Himmels ~~, in I. Kant, # Werkausgabe. Hrsg. # von W. ~~Weischedel. Frankfurt a./M.: Suhrkamp. Band I, 226-396 ~~[English translation: # General History of ~~Nature and Theory of the ~~Heavens ~~]. # Kant, I. [1790/1968]: # Kritik ~~der Urteilskraft. # Hamburg: Felix Meiner. [English ~~translation: # The Critique of ~~Judgement ~~, 1952]. # Kauffman, St. [2004]: “Prolegomenon to a General ~~Biology,” in W. A. Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], 147-72. # Kaufmann, W. [ # 4 # 1974]: # Nietzsche. Princeton, NJ: Princeton University Press. # Kepler, J. [1618-21]: # Epitome ~~of Copernican Astronomy ~~, in J. Kepler [1995], ~~5-164. # Kepler, J. [1619]: # Harmonies of ~~the World ~~, in J. Kepler [1995], ~~167-245. # Kepler, J. [1995]: # Epitome of ~~Copernican Astronomy ~~& # Harmonies of the World ~~, transl. C. ~~G. Wallis. Amherst, NY: Prometheus. # Kitcher, P. [1993]: # The ~~Advancement of Science. # Oxford: Oxford University Press. # Kitcher, P. [1989]: “Explanatory Unification and the ~~Causal Structure of the World,” in P. Kitcher/W. C. Salmon # eds. ~~[1989], # Scientific Explanation. # Minnesota Studies ~~in the Philosophy of Science Vol. # XIII ~~. Minneapolis: ~~University of Minnesota Press, 410-506. # Kuhn, T. S. [ # 2 # 1970]: # The ~~Structure of Scientific Revolutions. # Chicago: The ~~University of Chicago Press. # LaMettrie, Julien Offray de [1747]: # L’Homme Machine. Paris: Mille et une ~~Nuits 2000. # Lamarck, J. B. [1809]: Philosophie Zoologique ~~, transl. with an introduction ~~by Hugh Elliot. New York: Hafner, 1963. # Lange, F. A. ~~[ # 2 # 1873/ # 7 # 1902]: # Geschichte des Materialismus. # Leipzig: Verlag von J. Baedeker. # Leibniz, J. G. [1697]: “On the Ultimate Origination of ~~Things,” G. H. R. Parkinson # ed. ~~[1973], # Leibniz, Philosophical ~~Writings. # London: Rowman and Littlefield, ~~136-44. # Lepenies, W. [1978]: # Das Ende ~~der Naturgeschichte. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp. # Lewis, D. [1986]: “Causal Explanation,” Philosophical Papers # II. Oxford: Oxford ~~University Press [1986], 214-240. # Lipton, P. [ # 2 # 2004]: # Inference ~~to the Best Explanation. # London: ~~Routledge. # Lloyd, E. [1983]: “The Nature of Darwin’s Support for ~~the Theory of ms226 Natural Selection,” Philosophy ~~of Science # 50 ~~, 112-29 # Lovejoy, A. O. [1936]: # The ~~Great Chain of Being. # Cambridge, MA: Harvard ~~University Press. # Lyons, W. [2001]: # Matters of ~~the Mind ~~. Edinburgh: Edinburgh University Press. # Mackie, J. L. [1980]: # The ~~Cement of the Universe. # Oxford: Clarendon Press. # Marsh, O. C. [1896-97]: “Dinosaurs,” # Nature # 55 ~~, ~~463-6. # Maupertuis, P. L. Moreau de [1750]: # Essai de Cosmologie, # in # Œuvres. # New York: Georg Holms [1974], ~~4-78. # Mayr, E. [1986]: “The Philosopher and the Biologist,” Paleobiology # 12 ~~, ~~233-39. # Mayr, E. [2000]: “Darwin’s Influence on Modern ~~Thought,” # Scientific American ~~(July), 67-71. # Mayr, E. [2001]: # What Evolution ~~Is. # New York: Basic Books. # McMullin, E. [1985]: “Galilean Idealization,” # Studies in History and Philosophy of ~~Science # 16 ~~, 247-73. # Menand, L. [2001]: # The ~~Metaphysical Club. # New York: Farrar, Strauss and ~~Giroux. # Menuge, A. [2004]: “Who’s Afraid of ID? A Survey of the ~~Intelligent Design Movement,” in W. A. Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~32-49. # Meyer, St. [2004]: “The Cambrian Information ~~Explosion,” in W. A. Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], 371-88. # Mill, J. S. [1843/1898]: # A ~~System of Logic. # London: Longmans, Green & ~~Co. # Miller, H. [1849, 1861]: # Footprints of the Creator. # London: Hamilton, Adams ~~& Co., with Memoir by Louis Agassiz. # Miller, K. R. [2004]: “The Flagellum Unspun: The ~~Collapse of 'Irreducible Complexity’,” in W. A. Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~81-97. # Mivart, St. George [1871a]: # On ~~the Genesis of Species. # London: Macmillan & ~~Co. # Mivart, St. George [1871b]: “Ape Resemblances to Man,” # Nature # III ~~, ~~481. # Mivart, St. George [1896]: “Are Specific Characters the ~~Result of 'Natural Selection?’” # Nature # 54 ~~, 246-47. # Monod, J. [1974]: “On the Molecular Theory of ~~Evolution,” in M. Ridley # ed. ~~[1997], 389-95. # Müller, F. [1864]: “Für Darwin,” in Fritz Müller, # Werke, Briefe und Leben. # A. ~~Moller # ed. # Jena: Gustao Fischer, ~~200-63 [English translation: # Facts and ~~Arguments for Darwin. # London: John Murray, ~~1869]. # Nietzsche, F. [1887]: # On the ~~Geneology of Morals. # New York: Vintage, 1967 ~~[Translation of # Über die Geneologie der ~~Moral ~~, 1887]. # Nilsson, Dan-E./S. Pelger [1997]: “A Pessimistic ~~Estimate of the Time ms227 Required for an Eye to Evolve,” in M. Ridley # ed. ~~[1997], ~~293-301. # Norton, J. D. [1994]: “Science and Certainty,” # Synthese # 99 ~~, ~~3-22. # Norton, J. D. [1995]: “Eliminative Induction as a ~~Method of Discovery: How Einstein Discovered General Relativity,” in ~~J. Leplin # ed. ~~[1995], # The Creation of Ideas in Physics. # Dordrecht: Kluwer, 29-69. # Nozick, R. [2001]: # Invariances. # Cambridge, MA: The Belknap Press. # O’Hear A. [1999]: # Beyond ~~Evolution. # Oxford: Oxford University Press. Pennock, R. T. [2004]: “DNA by Design?” in W. A. ~~Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~130-45. Planck, M. [1933]: “Ursprung und Auswirkung ~~wissenschaftlicher Ideen,” in # Vorträge und ~~Erinnerungen. # Darmstadt: Wissenschaftliche ~~Buchgesellschaft, 1965, 270-84. Popper, K. [1959]: # The Logic of ~~Scientific Discovery. # London: Hutchinson [English ~~translation of # Die Logik der ~~Forschung ~~, 1934]. Popper, K. [1963]: # Conjectures ~~and Refutations. # London: Routledge & Kegan Paul. Popper, K. [1973]: # Objective ~~Knowledge. # Oxford: Clarendon Press. Psillos, St. [1999]: # Scientific ~~Realism. # London: Routledge. Psillos, St. [2002]: # Causation ~~and Explanation. # Chesham: ~~Acumen. # Raff, R. A. [1996]: # The Shape ~~of Life. # Chicago: University of Chicago Press. # Rice, W. R./E. E. Hostert [1993]: “Laboratory ~~Experiments on Speciation,” in M. Ridley # ed. ~~[1997], 174-86. # Ridley, M. # ed. ~~[1997]: # Evolution. # Oxford: Oxford ~~University Press. # Rolle, F. [ # 2 # 1870]: # Der Mensch, ~~seine Abstammung und Gesittung im Lichte der Darwin’schen ~~Lehre. Prag: Verlag von Friedrich ~~Tempsky. # Romanes, G. [1882-83]: “Natural Selection and Natural ~~Theology,” # Nature # 27 ~~, 362-4, ~~528-9. # Romanes, G. [1883]: “Natural Selection and Natural ~~Theology,” # Nature # 28 ~~, ~~100-1. # Rosen, E. # ed. ~~[1959]: # Three Copernican ~~Treatises. # Mineola, NY: Dover. # Rosenberg, A. [ # 2 # 1995]: Philosophy of Social Science ~~. Boulder, CO: Westview Press. # Ruse, M. [2003]: # Darwin and ~~Design. # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Salmon, W. C. [1984]: # Scientific Explanation and the Causal Structure of the ~~World. Princeton, NJ: Princeton University Press. # Salmon, W. C. [1998]: # Causality ~~and Explanation. # Oxford: Oxford University Press. # Seabright, P. [1987]: “The Order of the Mind,” in C. ~~Blakemore/S. Greenfield # eds. ~~[1987], 209-33. # Searle, J. [1984]: # Minds, ~~Brains and Science. # London: BBC Publications. # Searle, J. [1987]: “Minds and Brains without Programs,” ~~in C. ms228 Blakemore/S. Greenfield # eds. ~~[1987], 209-33. # Searle, J. [2004]: # Mind-a ~~Brief Introduction. # Oxford: Oxford University Press. # Shapere, D. [1966]: “Meaning and Scientific Change,” ~~reprinted in I. Hacking # ed., Scientific ~~Revolutions. # Oxford: Oxford University Press, 1981, ~~28-59. # Shapere, D. [1989]: “Evolution and Continuity in ~~Scientific Change,” Philosophy of ~~Science # 56 ~~, 419-37. # Smolin, L. [1997]: # The Life of ~~Cosmos. # New York: Oxford University Press. # Sober, E. [1999]: “Testability,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association # 73 ~~, ~~47-76. # Sober, E. [2002]: “Intelligent Design and Probability ~~Reasoning,” # International Journal for the Philosophy of Religion # 52 ~~, ~~65-80. # Sober, E. [2004]: “The Design Argument,” in W. ~~Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~99-129. # Sperry, R. [1983]: # Science and ~~Moral Priority. # New York: Columbia University Press. # Tillyard, E. M. W. [1943/1972]: # The Elizabethan World Picture. # Harmondsworth: Penguin. # Tyler E. B. [1881]: # Anthropology. # London: Macmillan & ~~Co. # Vogt, C. [1864]: # Lectures on ~~Man. # London: Longman, Green, Longman, & ~~Roberts [English translation of # Vorlesungen ~~über den Menschen ~~, 1863]. # Wallace, A. R. [1855]: “On the Law which has regulated ~~the Introduction of New Species,” in A. R. Wallace [1891], ~~3-19. # Wallace, A. R. [1858]: “On the Tendency of Varieties to ~~Depart Indefinitely from the original Type,” in A. R. Wallace ~~[1891], 20-33. # Wallace, A. R. [1870]: “The Limits of Natural Selection ~~as Applied to Man,” in A. R. Wallace [1891], ~~186-214. # Wallace, A. R. [1891]: # Natural ~~Selection and Tropical Nature. # London: Macmillan and ~~Co. # Wallace, A. R. [1893]: “Reason # versus # Instinct,” in # Nature # 48 ~~, 73-4, 267. # Wallace, A. R. [1903]: # Man’s Place in the Universe. # London: Chapman & ~~Hall. # Weber, B. H./D. J. Depew [2004]: “Darwinism, Design and ~~Complex Systems Dynamics,” in W. A. Dembski/M. Ruse # eds. ~~[2004], ~~173-86. # Weber, M. [1948]: “The Social Psychology of the World ~~Religions” (1913), in # From Max ~~Weber ~~, with an introduction by H. H. Gerth/C. Wright ~~Mills # eds. # Boston, MA: Routledge ~~& Kegan Paul [1948], 267-301. # Weismann, A. [1882]: “On the Mechanical Conception of ~~Nature,” in # Studies in the Theory of ~~Descent. # London: Sampson Low, Marston, Searle ~~& Rivington. 2 vols. ms229 [1882], 634-718. # Weinert, F. # ed. ~~[1995]: # Laws of Nature. # Berlin: ~~Walter de Gruyter. # Weinert, F. [2000]: “The Construction of Atom Models: ~~Eliminative Inductivism and its Relation to Falsificationism,” # Foundations of Science # 5 ~~, ~~491-531. # Weinert, F. [2004]: # The ~~Scientist as Philosopher. # New York: ~~Springer. # Weinert, F. [2007]: “A Conditional View of Causality,” ~~in # Causality and Probability in the ~~Sciences. # F. Russo/J.Williamson # eds. # London: College Publications 2007, ~~415-37. # Weinberg, St. [1993]: # Dreams of ~~a Final Theory. # London: ~~Vintage. # Wendorff, R. [ # 3 # 1985]: # Zeit und ~~Kultur. # Opladen: Westdeutscher ~~Verlag. # Williams, G. C. [1996]: Plan ~~and Purpose in Nature. # London: Weidenfeld & ~~Nicolson. # Williams, M. B. [1973]: “Falsifiable Predictions of ~~Evolutionary Theory,” Philosophy of ~~Science # 40 ~~, 518-37. # Woodward, J. [2003]: # Making ~~Things Happen. # Oxford: Oxford University Press. # الفصل الثالث # | سيجموند فرويد: فقدان الشفافية # سيستند علم النفس على أساس جديد، أساس الاكتساب اللازم للقوى والقدرات العقلية عن طريق ~~التدرج. (داروين، «أصل الأنواع» (1859)، 458) ~~(1) كوبرنيكوس وداروين وفرويد # يمتلك البشر ميلا غريزيا لدرء المستجدات الفكرية. (فرويد، «محاضرات تمهيدية في ~~التحليل النفسي» (1916أ)، 214) # كان فرويد يعرف أسلافه البارزين كوبرنيكوس وداروين على نحو تام. تعود ~~الصورة الذاتية المهيمنة في القرن العشرين للبشر بأنهم «حالات نفسية» إلى حد بعيد إلى ~~فرويد، الذي كان له تأثير كبير على لغتنا وفكرنا. اخترقت المصطلحات الفرويدية مفرداتنا، ~~ووفرت لنا طرقا محكمة ل «فهم» الأحلام والزلات الفرويدية. على الرغم من طلبات فرويد ~~بالاحترام على المستوى العلمي، فإن نظرية التحليل النفسي لم تقبل بالإجماع كمساهمة في ~~الفكر العلمي. وثمة أسباب وجيهة لهذا التردد. ينتمي فرويد إلى مجموعة من المفكرين في ~~العالم الغربي كان تأثيرهم على طريقة تفكيرنا مهما، لكن كان ينظر إلى إسهاماتهم في ~~العلم بوصفها قليلة الأهمية. إذا كانت النظريتان الكوبرنيكية والداروينية ممثلتين ~~مقبولتين للثورات العلمية، فإن نظرية فرويد مرشحة كثورة في الفكر؛ فقد ثارت الشكوك ~~بشأن فرويد بانتظام في المقالات الرئيسية في مجلات الأخبار الدولية. # في ثمانينيات القرن التاسع عشر وصف إرنست هيكل وإميل دو بوا ريمون داروين بأنه ~~كوبرنيكوس العالم العضوي. وفي عام 1877 أطلقت دورية ms230 جديدة في ألمانيا تدعى «كوزموس»، ~~وكرست من أجل رؤية كونية موحدة قائمة على أساس نظرية التطور لداروين. وفي طبعتها ~~الأولى ربطت كوبرنيكوس وداروين: فقد سلب كلاهما البشر مكانتهم المتميزة في الكون. وفي ~~الطبعة الخامسة عشرة من الموسوعة البريطانية نجد الادعاء بأن داروين أتم الثورة ~~الكوبرنيكية؛ لأن داروين أخضع تنوع وتعقيد الحياة لقوانين الطبيعة. # لم يتفق فرويد مع هذا التوصيف؛ إذ اعتبر فرويد أن إسهامه الخاص هو الجزء الأخير ~~المتمم للثورة الكوبرنيكية. يفسر فرويد أنه على المستوى الظاهري، ترجع مقاومة التحليل ~~النفسي إلى عدم معرفته: # ولكن من خلال التأكيد على اللاوعي في الحياة العقلية استحضرنا أكثر أرواح ~~الانتقاد شرا ضد التحليل النفسي. لا تتفاجأ بهذا، ولا تفترض أن المقاومة التي ~~نقابلها قائمة فقط على صعوبة اللاوعي أو عدم القدرة النسبية على إجراء التجارب ~~التي توفر دليلا عليه. أعتقد أن مصدرها أعمق. # وهذا المستوى الأعمق هو الذي يفسر المقاومة؛ فالمستوى الأعمق له علاقة بالتاريخ ~~الثقافي: # على مر القرون تعين على حب الذات الساذج لدى البشر التعرض لضربتين كبيرتين ~~على يد العلم. كانت الضربة الأولى عندما علموا أن أرضنا ليست مركز الكون ولكنها ~~فقط جزء صغير من نظام كوني ذي اتساع لا يمكن تخيله. يرتبط هذا الأمر في عقولنا ~~باسم كوبرنيكوس، على الرغم من التأكيد على شيء مماثل بالفعل في علوم الإغريق. ~~وجاءت الضربة الثانية عندما دمرت الأبحاث البيولوجية مكانة البشر المفترضة بين ~~الخلق وأثبتت تحدرهم من مملكة الحيوان وطبيعتهم الحيوانية التي لا يمكن ~~استئصالها. وأنجزت هذه الثورة في أيامنا على يد داروين ووالاس وأسلافهما، رغم ~~المعارضة المعاصرة الأكثر عنفا. # ستعزز هاتان الضربتان - اللتان سميناهما «فقدان المركزية» و«فقدان ~~التصميم الرشيد» - بضربة أخرى يضربها فرويد: # لكن جنون العظمة البشري سوف يتلقى الضربة الثالثة والأكثر ضررا من الأبحاث ~~النفسية الحالية التي تسعى إلى أن تثبت للأنا أنه ليس المسيطر حتى على زمام ~~الأمور في جسده، وإنما يجب أن يرضى بالمعلومات الهزيلة بشأن يجري في عقله على ~~مستوى اللاوعي. لم نكن نحن - المحللين النفسيين - أول من ms231 طرح هذا الموضوع ~~للنقاش ولسنا الوحيدين، ولكن يبدو أن مصيرنا هو منحه التعبير الأقوى ودعمه ~~بالمواد التجريبية التي تؤثر على كل فرد؛ ومن ثم تنشأ الثورة العامة ضد علمنا، ~~وتجاهل جميع اعتبارات الآداب الأكاديمية وتحرر المعارضة من كل ضوابط المنطق ~~المحايد. (فرويد 1916ب، 284-285) ~~«الأنا المسيطرة على زمام الأمور في جسده» - الأنا مدفوعة بدوافع اللاوعي، التي لا ~~يعلم عنها شيئا. إن الدوافع ليست واضحة بالنسبة للاوعي، على الرغم من أن التحليل ~~النفسي يدعي القدرة على كشفها؛ ومن ثم يعاني البشر من ضربة أخرى هي: «فقدان ~~الوضوح». # كان أتباع فرويد سعداء للغاية على نحو مفهوم بهذا التسلسل من أفكار فرويد. سيمجد ~~فرويد ليس لاكتشافاته التجريبية وحسب، ولكن أيضا لثورة الفكر التي سيحدثها: # على غرار كوبرنيكوس وداروين - الرجلين اللذين قارن نفسه بهما - سيحدث فرويد ~~ثورة في نظرتنا لأنفسنا، ومثلهما قد ينظر إليه على أنه صائغ للفكر أكثر من ~~اعتباره مكتشفا للحقائق. (براون 1962، 2) # المشكلة هي أن الكثير من الناس لا يتفقون مع ذلك. إن عدم وجود توافق في الآراء حول ~~إنجازات فرويد العلمية دليل على أنه لا ينبغي معاملتها على أنها ثورة علمية من دون ~~تحليل دقيق لنظريته. في عام 1946، عبر فيتجنشتاين بإيجاز عما سيصبح بعد ثلاثين عاما ~~الرأي السائد: # من خلال تفسيراته الزائفة الخيالية (وتحديدا لأنها عبقرية) سبب فرويد ضررا ~~كبيرا. (فيتجنشتاين 1980، 55) # بعد انقضاء مائة عام على كل من النظرية الكوبرنيكية والداروينية، حدث توافق كبير في ~~الآراء حول مصداقية كل منهما العلمية، لكن بعد مائة عام من النظرية الفرويدية لا يزال ~~يوجد خلاف كبير حول مصداقيتها العلمية. وتعزز الشكوك التي توجه لإسهام فرويد في ~~العلم من خلال المقارنة مع كوبرنيكوس وداروين. وتمثل دراسة الوضع العلمي لنظرية فرويد، ~~وخاصة من وجهة نظر الممارسات الاستدلالية التي لاحظناها من قبل، أحد أهداف هذا الفصل. ~~وتتعلق الأهداف الأخرى بالمكانة المعرفية للعلوم الاجتماعية. وكما سنرى، فإن نظرية ~~فرويد تتخذ موقفا وسطا على نحو غريب بين الالتزام بالتجريبية والتفسيرية. وعلى الرغم ~~من رغبة فرويد في ممارسة التحليل النفسي ms232 كعلم طبيعي، كان عليه باستمرار أن يقترض تقنيات ~~من العلوم الاجتماعية. وفي هذا الفصل تكون الفرويدية بمنزلة منصة انطلاق للدراسة ~~الفلسفية للعلوم الاجتماعية. وكما هي الحال في الفصول السابقة، نستخدم المواد الملموسة ~~من دراسة الفرويدية من أجل تناول القضايا الفلسفية التي تنشأ عن مواقفها الإشكالية. سوف ~~نهتم بتوضيح أوجه التشابه والاختلاف بين العلوم الطبيعية والاجتماعية، وسيكون من ~~الضروري الذهاب إلى ما هو أبعد من فرويد ودراسة مساهمات فيبر في منهجية العلوم ~~الاجتماعية، كما سنعود أيضا إلى مسألة الطبيعة البشرية، التي توفر رابطا حقيقيا بين ~~داروين وفرويد، بين التطور وعلم النفس. ~~(2) بعض وجهات النظر بشأن الجنس البشري # وهكذا فإن الإنسان لا يمكن الوصول إليه إلا من الجانب الفكري أيضا، بقدر ما هو قادر ~~على توظيف الرغبة الجنسية نحو الأهداف (توظيف الطاقة النفسية) (...). (فرويد، «محاضرات ~~تمهيدية في التحليل النفسي» (1916ب)، 446) # لقد فسرنا زعم فرويد بإكمال الثورة الكوبرنيكية باعتباره فقدانا ~~للوضوح. وبما أن البشر يبدو أنهم لا يملكون زمام الأمور في أجسادهم، فإن ادعاء فرويد ~~يتفق مع الرأي القائل بأن السلوك البشري يستند إلى عقلانية أقل مما كان مفترضا حتى هذا ~~الوقت. لا ينكر فرويد أن الدوافع العقلانية تلعب دورا في السلوك البشري، لكنه اعترف ~~بأفكار عقلية للسلوك البشري بقدر أقل من فلاسفة عصر التنوير، الذين كانوا مهتمين كثيرا ~~بالطبيعة البشرية، وقد عزا فرويد طوال حياته المهنية باستمرار إلى الدوافع دورا في ~~السلوك البشري أكبر من دور الأفكار العقلية، فكتب في نظريته الأولى بشأن الميول ~~الجنسية: # غالبا ما يكون سلوك الإنسان في الأمور الجنسية «نموذجا أوليا» لطرقه ~~الأخرى للتفاعل مع الحياة. (فرويد 1908، 93) # وكرر هذا الرأي في محاضراته في فيينا عن التحليل النفسي: # ولكن المعقول هو جزء فقط من الحياة العقلية، فثمة عدد من الأشياء التي تحدث ~~ليست معقولة (...). (فرويد 1916أ، 211) # وفي عمله المتأخر نسبيا عن تطور الثقافة ومستقبل المعتقدات الدينية، أكد مرة أخرى ~~على ذلك: # لا يمكن الوصول للرجال عبر الحجج المعقولة، فالرجال تحكمهم الرغبات الغريزية ~~تماما (...). (فرويد 1927أ، 47) # وبالنظر إلى اتساق وجهات ms233 نظره عن دور الدوافع اللاواعية في السلوك البشري، فلا شك في ~~أن فرويد خرج عامدا عن حركة التنوير في الفلسفة؛ ففي حين أنذر فرويد ب «فقدان» الوضوح، ~~أكد فلاسفة التنوير على «اكتساب» الوضوح. لنتناول بإيجاز بعض وجهات نظر التنوير بشأن ~~الطبيعة البشرية ونتناول نيتشه كسلف لفرويد. ~~(2-1) وجهات نظر حركة التنوير عن الطبيعة البشرية # رأى ديفيد هيوم أن دوافع الأفعال الإنسانية هي رغبات في الغالب، لا يستطيع العقل ~~تغييرها. وباستثناء هيوم، كان معظم فلاسفة التنوير يعتبرون البشر محكومين عن طريق ~~العقل على نحو أساسي. لم ينكروا أن الرغبات تلعب دورا في السلوك البشري. على سبيل ~~المثال، يعترف كانط أن البشر ممزقون بين الرغبات والمشاعر والعقل، ولكن العقل ~~يستطيع التغلب على إملاء المشاعر. ومن المعروف أن كانط يعرف التنوير بأنه ~~«الخروج من عدم النضج الذاتي.» ويمثل عدم النضج الفكري «عدم القدرة على استخدام ~~العقل دون توجيه خارجي.» ويعتبر كانط عدم نضج الأفراد ذاتيا؛ لأنه غالبا ما يرجع ~~إلى الكسل والجبن من جانبهم. واقترح كانط شعارا للتنوير هو: «لتكن لديك الشجاعة ~~لاستعمال عقلك» (كانط 1784). ويعترف كانط بأن عدم نضج العامة غير المستنيرين يرجع ~~أحيانا إلى أغلال يفرضها المجتمع. فربما يوجد افتقاد للحرية السياسية، كما في ~~الديكتاتورية، أو قد تكبت الموانع الاجتماعية والثقافية، التي يفرضها الاستبداد ~~الديني أو الأيديولوجيات، ازدهار النضج، ومع ذلك، يعتقد كانط أن حرية استخدام عقل ~~المرء الخاص، بدلا من الثورة السياسية، «تسمح للعامة جميعهم بتنوير أنفسهم»، ولكن ~~عمليات التنوير تلك تستغرق وقتا. على المستوى الشخصي، يجب على الأفراد اعتناق شعار ~~«لتكن لديك الشجاعة لاستعمال عقلك». وعلى المستوى المجتمعي، فإن ازدهار التعليم ~~والثقافة شرطان مسبقان لدفع المجتمع نحو عصر مستنير. وينظر كانط إلى عرقلة هذا ~~التقدم الثقافي والسياسي عن طريق حاكم سلطوي على أنه انتهاك للطبيعة البشرية. إن ~~تحقيق مشروع التنوير - التغلب على الجهل، وعرقلة التقاليد العمياء، وزيادة المعرفة ~~- حق أساسي من حقوق الإنسان بالنسبة لكانط. # إيمانويل كانط (1724-1804). # تأتي تسمية عصر التنوير بهذا الاسم استغلالا لسمة من سمات الضوء. ms234 يعني تسليط ~~الضوء على موقف ما أن الموقف يصير أوضح. والهدف العام من وراء التنوير هو أن اكتساب ~~المعرفة يزيل الفرضيات المظلمة، التي تعرقل التقدم. تأمل مسألة المرض؛ فما دامت لا ~~توجد معرفة تجريبية بما يسبب مرضا معينا، فإن علاج المرض يكون مسألة عشوائية، ~~وتعتمد العملية كليا على افتراضات جامحة بشأن أسباب المرض، ولكن عندما اكتشف ~~باستور في عام 1879 أن البكتيريا تسبب المرض، أصبح التطعيم وسيلة ضبط فعالة ضد ~~أنواع معينة من الأمراض. ربما تكون الحالة التي تتطلب إضاءة أيضا سياسية أو ~~مجتمعية أو دينية. يتطلب التنوير تسليط الضوء على سلطة غير مبررة، على افتراضات ~~لا مبرر لها. إن المطالبة بمبررات السلطة السياسية أو الدينية هي المطالبة بأسباب ~~وجودها. وطلب تبرير الافتراضات غير المبررة يعد طلبا للأسباب الكامنة وراء ~~الافتراض. وتوفير الأسباب يجعل الافتراضات أكثر شفافية، كما رأينا، شككت المدرسة ~~الباريسية في الافتراضات التي لا جدال فيها وراء نظرية الحركة الأرسطية، وشكك ~~داروين في الافتراضات الكامنة وراء «سلسلة الوجود العظمى». في رأي كانط، تمنح سيادة ~~العقل الوضوح للسلوك البشري. على المستوى الشخصي شجاعة المرء لاستخدام عقله ستجعل ~~الدوافع وراء سلوكه أقل غموضا. وعلى الصعيد المجتمعي، سيجعل استخدام العقل ~~الافتراضات التي تستند إليها حياة المجتمع أكثر شفافية، كما كان يعلم كانط، كان ~~مشروع التنوير مفهوما فلسفيا مثاليا. لم يكن كانط يعتقد أن مجتمعه البروسي في ~~القرن الثامن عشر قد وصل إلى عصر مستنير، ولكن وفق قوة تطور العلم وفلسفة التنوير ~~كان يعتقد أنه عاش في عصر التنوير. اعتقد كانط - بسذاجة إلى حد ما - أن المسيرة ~~العامة نحو عصر مستنير لا يمكن وقفها، ولكن ألقى فرويد بظلال الشك الخطيرة على ~~الافتراض العقلاني للتنوير. يبدو أن الضوء لا يمكنه أن يخترق الأعماق المظلمة لفضاء ~~دوافع الفرد. وفقا لفرويد، نحن مدفوعون بدوافع ديناميكية لاواعية. ويبدو أن ~~العقول تلعب دورا صغيرا في إدارة شئوننا العقلية. إذا كان فرويد محقا بشأن ~~القوى اللاواعية الكامنة وراء أعمالنا، فإننا نعاني من فقدان الوضوح كأفراد، ولكن ~~ألا يسترد ms235 الوضوح بالمعرفة النفسية؟ ربما يكون صحيحا أن كل فرد لا يكون المسيطر ~~على زمام الأمور في جسده، لكن ألا يملك علم النفس الفرويدي القدرة على إنارة الضوء؟ ~~يعتقد فرويد، والفرويديون، والعديد من المعلقين الثقافيين ذلك. ومما يؤسف له أن ~~هذه الادعاءات تثير الخلاف؛ فقد تعرض وجود قوى اللاوعي، والقيمة العلاجية للتحليل ~~النفسي، وأساليب الدراسة الفرويدية كلها للهجوم. ~~(2-2) وجهة نظر نيتشه بشأن الطبيعة البشرية # لم يكن علم النفس موجودا من قبلي. (نيتشه، «هو ذا الإنسان» (1888)، «لم أنا ~~قدر»، الجزء 6) # تجنب فرويد - باعترافه - قراءة أعمال نيتشه. على الرغم من أنه ~~كان يحترمه احتراما شديدا من أجل رؤاه النفسية الحاسمة، فإنه كان حريصا على ~~تطوير وجهات نظره النفسية الخاصة دون انحياز (كوفمان 1974). صور نيتشه نفسه ~~كمفكر نفسي وتاريخي هدفه الأخلاق المسيحية؛ قيمها ومثلها. ويصف نفسه بأنه ~~«اللاأخلاقي الأول»، وهو المدمر بامتياز (نيتشه 1888، «لم أنا قدر»، الجزء 2). ~~كان ما يهدف نيتشه إلى تدميره هو المثل العليا المسلم بها في مجتمعه. وكان يعتبر ~~الأخلاق المسيحية أخلاقا منحلة، ورفض مثل السامري الصالح (نيتشه 1888، الجزء 4). ~~واشتهر نيتشه بإعلانه موت الإله المسيحي. أصبح الإيمان بالأخلاق المسيحية مشكوكا ~~فيه: فلا ينبغي اعتبار الخير والشر قيما مطلقة. تمثل هذه الأخلاق المطلقة طغيانا ~~ضد الطبيعة، وقدم نيتشه ثلاثة اعتراضات ضد المسيحية: إنها عقيدة، وإنها تقلل من شأن ~~حياة الإنسان على الأرض، وأنها تدعو لتبعية الإنسان للإله. من الخطأ أن نفكر أن ~~نيتشه ينكر كل القيم، فهو يزدري القيم التقليدية فقط، والتي في رأيه سببت انهيار ~~الإنسان الغربي. ويطالب نيتشه بإعادة تقييم القيم، وليس التخلي عن جميع القيم؛ ~~فمهمة الفيلسوف هي «إيجاد» القيم. ولا ينبغي اعتبارها ممنوحة من الإله وغير قابلة ~~للتغيير؛ فالأخلاق، في رأي نيتشه، وسيلة للراحة، وليست مثلا عليا. بل جميع القيم ~~مشروطة. وينبغي للقيم الأخلاقية أن تعزز حياة البشر، ولا تعرقل وجودهم. يرى نيتشه - ~~عالم النفس الفلسفي - أن شخصيات السامري الصالح والمسيحي الصالح ضعيفة وفاسدة. ~~ويدعي أنه لم يوجد علم نفس قبله، لأنه يعتبر نفسه الفيلسوف الأول الذي ms236 يشكك في ~~الأخلاق المسيحية والأنواع البشرية التي صنعتها: # لم يشعر أحد حتى الآن بالأخلاق المسيحية أدنى مرتبة منه، ولتحقيق هذه ~~الغاية يلزم ارتفاعا، ونظرة من بعيد، وعمقا نفسيا شديدا، وهي الأمور ~~التي لا يعتقد أنها ممكنة حتى هذه اللحظة. كانت الأخلاق المسيحية حتى ~~الوقت الحاضر كالساحرة كيركا التي تغوي جميع المفكرين، فيعملون على خدمتها. ~~من من الأشخاص قبلي نزل إلى الكهوف السرية التي يخرج منها الدخان السام ~~لهذا المثال الأعلى؛ هذا الافتراء على العالم؟ من الشخص الذي تجرأ حتى على ~~افتراض وجود كهوف سرية؟ هل كان أحد من الفلاسفة الذين سبقوني عالما ~~نفسيا أصلا، ولم يكن نقيضا للعالم النفسي؛ أي لم يكن «دجالا بارعا»، ~~«مثاليا»؟ (نيتشه 1888، «لم أنا قدر» الجزء 6) # فريدريك نيتشه (1844-1900). # من ناحية، كان نيتشه أقرب إلى تنوير كانط من التحليل النفسي لفرويد. فيكشف ~~افتقادا للوضوح بشأن الأسس الأخلاقية للمجتمع الغربي في نهاية القرن التاسع عشر. ~~ويدعو إلى إعادة تقييم النظام القيمي، الذي سيكون أقرب إلى الطبيعة البشرية (كما ~~يراها نيتشه)؛ ومن ناحية أخرى، كان يرى نفسه صوتا وحيدا، أول عالم نفسي يمتلك ~~رؤى فرويدية: # تقول ذاكرتي: «فعلت ذلك.» ويقول كبريائي: «لم أكن لأقدر على القيام ~~بذلك.» ويظل عنيدا. وأخيرا، تستلم ذاكرتي. (نيتشه 1886؛ ~~قارن جيلنر 1993، الفصل الأول) # وعلى نفس المنوال، رأى فرويد أن الثقافة تفرض أعباء الامتناع عن ~~ممارسة الجنس التي لا يمكن تحملها تقريبا على البشر. وفقا لفرويد، جعلهم هذا ~~يمرضون. وبينما نشأ نيتشه ككلاسيكي، نشأ فرويد كعالم؛ فكان يهدف إلى ترسيخ التحليل ~~النفسي كعلم جديد. ~~(3) العلموية والنموذج الفرويدي للشخصية # ربما يقال عن التحليل النفسي أنه إذا مد أي شخص خنصره نحوه، فإنه يجذب اليد بأكملها ~~سريعا. (فرويد 1916أ، 193) # تلقى فرويد تدريبه الطبي في أواخر القرن التاسع عشر. لقد كان قرن ~~العلموية؛ أي الاعتقاد بأن معظم المشكلات في العلوم الطبيعية والاجتماعية يمكن معالجتها ~~باستخدام أساليب الفيزياء. ليس من المستغرب أن فرويد، منذ أول غزواته في مجال علم ~~النفس، اعتنق توجها ذهنيا علميا لدراسة الظواهر العقلية؛ فمن «مشروع ms237 علم النفس ~~العلمي» (1895) حتى كتاب «مخطط التحليل النفسي» (1938)، يقارن فرويد بانتظام التحليل ~~النفسي بالعلوم. # 1 # ولكن لم يكن فرويد أول من صور علم النفس كفرع من العلوم الطبيعية. فقد ~~رأى داروين وهيكل (1929، الفصل السادس) أن النظرية التطورية مهدت الطريق لظهور نهج ~~علمي لعلم النفس. وصف فرويد في محاضراته في فيينا مذهب التحليل النفسي بأنه بنية فوقية، ~~سوف تغرس يوما ما في أساس عضوي، لا يزال مجهولا (فرويد 1916ب، 389). سعى فرويد ~~بطرق متعددة لمنح نظريته مصداقية علمية. وبمجرد تحمل مسئولية مثل هذا الالتزام، تبع ذلك ~~بعض العواقب. ويجب أن تكون هذه العواقب متوافقة مع الالتزام الأصلي. إذا كان التحليل ~~النفسي علما - وفقا لفرويد - فإننا نتوقع رؤية مادية معينة للعقل. ونتوقع تقديم نماذج ~~ميكانيكية، وافتراض حالات قياسية شرعية، وكمية معينة من الحتمية بشأن الأحداث العقلية. ~~كان فرويد ثابتا على مبدئه حيال قبول هذه العواقب المترتبة على التزاماته العلمية. ومع ~~ذلك، بينما نلخص نموذج فرويد للعقل، نلاحظ أنه لم يتمكن من تجنب الأدلة الإنسانية في ~~نظريته. وكما سنرى لاحقا، طالب فرويد بتفسير الظواهر العقلية لكنه لم يستطع التخلي عن ~~الأفكار المتعمدة. ~~(3-1) نموذج فرويد للعقل # الإنسان باحث لا يكل عن السعادة. (فرويد 1905ب، 126) # ترجع الصورة الذاتية المهيمنة في القرن العشرين ل «الإنسان على ~~المستوى النفسي» إلى حد بعيد إلى تأثير عمل فرويد. ولد فرويد في 6 مايو 1856 في ~~فريبيرج (مورافيا). وفي عام 1859، في السنة التي نشر فيها داروين كتاب «أصل ~~الأنواع»، انتقلت العائلة إلى لايبزيج وبعدها بسنة استقرت في فيينا. مكث فرويد في ~~فيينا حتى عام 1937، وهو عام الاحتلال النازي. كان فرويد يكره فيينا، ويرجع ذلك ~~جزئيا إلى معاداتها للسامية، ولكنه تأثر أيضا بمجتمع فيينا وتوجهه الذهني حيال ~~الحياة الجنسية. وفي عام 1873 بدأ فرويد عمله في مجال الطب وأصبح محاضرا في علم ~~الأمراض العصبية في عام 1885. وفي أواخر 1885، ذهب فرويد إلى باريس للعمل تحت إشراف ~~جان مارتن شاركو. عرف عمل شاركو على ما يسمى «الهستيريا» فرويد باحتمالية أن ~~الاضطرابات النفسية ربما ms238 يكون مصدرها العقل، وليس المخ. اعتقد شاركو أنه أثبت وجود ~~رابط بين الأعراض الهستيرية - مثل شلل أحد الأطراف - والإيحاء التنويمي. واشتمل هذا ~~الرابط ضمنا على القوة العقلية. وفي وقت لاحق تصادق فرويد مع جوزيف بريور، الذي ~~كانت مريضته برتا بابنهايم («آنا أوه») تعاني من أعراض هستيرية. استخدم بريور تقنية ~~لفظية (تعرف أيضا باسم «العلاج بالحديث» أو «العلاج الحواري») لعلاج أعراضها. وفي ~~عام 1896 صاغ فرويد عبارة «التحليل النفسي». # سيجموند فرويد (1856-1938). ~~(أ) ملخص لنظرية التحليل النفسي # تخلى فرويد عن التنويم المغناطيسي وطور تقنية جديدة هي «تداعي الأفكار الحر» ~~(فرويد/بريور 1895). تشجع هذه التقنية المرضى على التعبير عن أي أفكار عشوائية تطرأ ~~ارتباطيا على أذهانهم. وتهدف هذه التقنية إلى الكشف عن المواد غير المعبر عنها ~~حتى هذه اللحظة من عالم النفس. واتباعا للعرف القديم، سمى فرويد هذا العالم الخفي ~~«اللاوعي». أشار فرويد إلى أن مرضاه واجهوا صعوبات في التداعي الحر للأفكار؛ فكان ~~يحدث صمت مفاجئ، وتلعثم، ورفض لمواصلة جلسات التحليل النفسي. وأشارت هذه الأعراض ~~إلى فرويد أن المادة التي تعاني من أجل التعبير عنها كانت مهمة. كانت لدى المرضى ~~أيضا دفاعات قوية ضد التعبير عن المواد الخفية. وكان من الضروري تدمير هذه العوائق ~~(أو المقاومة) من أجل الكشف عن الصراعات الخفية. وعلى النقيض من شاركو وبريور، توصل ~~فرويد إلى استنتاج أن المصدر الأكثر إصرارا للمواد المقاومة كان جنسيا بطبيعته. ~~والأهم من ذلك أنه ربط الأعراض العصبية بالصراع نفسه، بين المشاعر الجنسية ~~والدفاعات النفسية. في رسالة مهمة إلى فيلهيلم فليس تخلى عما يسمى نظرية الإغواء ~~(فرويد 1897). وخلص إلى أن المواد التي يجري تذكرها تحت التحفيز النفسي كانت ~~أوهاما، وأمنيات بدائية خفية، وليست خبرات حقيقية. وهذا يعني أن الأوهام والتوق ~~الغريزي للطفل يعد أصل الصراعات اللاحقة. وعلى مدى السنوات التالية، حسن نظام ~~فرويد وعدل بعدة طرق: # رأى فرويد وفاة والده (1896) بمنزلة الصدمة التي سمحت له بالتعمق في ~~نفسه، وقدم التحليل الذاتي لفرويد رؤى مهمة لنظرية التحليل ~~النفسي. # قدم فرويد في كتاب «تفسير الأحلام» (1899) الأحلام ms239 كطريق ممهد لمعرفة ~~اللاوعي. # ومن ثم تصبح دراسة الأحلام الوسيلة الأكثر ملاءمة للوصول إلى معرفة ~~اللاوعي المقموع، الذي تشكل الرغبة الجنسية المنعزلة عن الأنا جزءا ~~منه. (فرويد 1916ب، 456) # تفسر جميع الأحلام - باستثناء أحلام الأطفال - على أنها إرضاء لرغبات جنسية في ~~الغالب. «من الواضح أن الحلم حياة عقلية أثناء النوم!» (فرويد 1916أ، 88؛ 1916أ، ~~الفصل الثاني). ويقدم فرويد ادعاء سببيا : يمكن أن تعزى معظم أحلام البالغين إلى ~~رغبات جنسية صبيانية (فرويد 1901ب، 682-683)، حتى إن جميع الميول نحو الانحراف لها ~~جذورها في مرحلة الطفولة (فرويد 1916ب، 311). وبما أن الأحلام تعبيرات خفية عن ~~إرضاء الرغبات، ميز فرويد بين المحتوى «الواضح» و«الكامن» للأحلام. ومحتوى الحلم ~~الواضح هو تسلسل الصور الفعلي الغريب في كثير من الأحيان التي يراها الحالمون في ~~أحلامهم. ويتضمن محتوى الحلم الكامن الدافع الخفي اللاواعي للحلم. ويشتبه فرويد في ~~وجود صلة شرعية بين الطبيعة المربكة للأحلام الكامنة والصعوبات التي تواجه في ~~التعبير عن أفكار الأحلام (فرويد 1901أ، 643). ويتمثل عمل الحلم في تحويل الأحلام ~~الكامنة إلى أحلام واضحة، ومهمة التحليل النفسي هي عكس هذا التحول. # تضطر الأحلام لإخفاء أشياء وتتخلى عن أسرارها للتفسير وحسب (...). ~~(فرويد/أوبنهايم 1911، 181) # يمكن أن يحول عمل الحلم الأحلام بعدد من الطرق: (1) التكثيف: مثلا، يكون الحلم ~~الواضح شكلا مختصرا مكثفا للحلم الكامن. (2) الإبدال: ويعني أن المعنى الكامن ~~للحلم يظل مخفيا، ويركز عمل الحلم على العناصر غير المهمة أو النائية، وتلمح ~~الأحلام الواضحة عن معناها الحقيقي على نحو غامض، ويخفى المحتوى الكامن. (3) ~~التمثيل: ويعني حدوث تحول للأفكار إلى صور (فرويد 1916أ، الفصل الحادي ~~عشر). # يتناول كتاب «علم النفس المرضي للحياة اليومية» (1900) ما أصبح يعرف ~~باسم «الزلات الفرويدية». وهذه ليست مجرد زلات اللسان ولكن أيضا زلات ~~القلم، والقراءة الخاطئة للكلمات، ونسيان الأسماء. # في كتابه «ثلاثة مباحث في نظرية الجنس» (1904-1905)، نسب فرويد دوافع ~~جنسية للأطفال، وشدد على القوة السببية للأوهام، وأثبت أهمية الرغبات ~~المكبوتة. وسع فرويد في هذه المباحث مفهوم الحياة الجنسية لأبعد من ~~استخدامه التقليدي كي يشمل مجموعة كبيرة من النزوات الشهوانية. ms240 وأصبحت ~~الحياة الجنسية المحرك الرئيسي على الأقل - إن لم تكن المحرك الوحيد - ~~لقدر كبير من الشئون الإنسانية، كما حدد فرويد أيضا ثلاث مراحل في ~~التطور الجنسي للطفل: المرحلة الفموية، المرحلة الشرجية، الطور ~~الوذري. ويحدد فرويد علاقة سببية مباشرة بين مكونات الغريزة ~~الطفولية وسمات الشخصية البالغة: # يمكننا أن نضع صيغة للطريقة التي تتشكل بها الشخصية في ~~شكلها النهائي من الغرائز التأسيسية؛ السمات الشخصية ~~الدائمة هي إما امتداد لا يتغير للغرائز الأصلية أو تسام ~~عن هذه الغرائز أو تشكيل ردود فعل ضدها. (مقتبسة في وبستر ~~1996، 288) # في عام 1908 تأسست جمعية فيينا للتحليل النفسي. # في أعماله اللاحقة، يحل نموذج العقل الثلاثي الأجزاء محل التقسيم ~~الثنائي إلى وعي ولاوعي: تعمل «الهو» وفق مبدأ اللذة، وتعمل «الأنا» ~~وفق مبدأ الواقع، وتمثل «الأنا العليا» تجسيدا للمعايير والقيم ~~الاجتماعية المغروسة في عقل الطفل عن طريق التربية الثقافية. وفي ~~أعماله اللاحقة، حدد فرويد أن الهو يتألف من جزءين: «أمنية الموت» ~~بالإضافة إلى «الغريزة الجنسية» الموجودة (فرويد 1938؛ انظر وبستر ~~1996، 334-335). # تشغل دراسات فرويد الاجتماعية والثقافية المرحلة الأخيرة من أعماله. ~~درس فرويد أصل الظواهر الثقافية، التي تتبعها حتى آلية التسامي. قال ~~فرويد: إن تقدير أو إنشاء المنتجات الثقافية متأصل في الدافع الجنسي ~~البدائي الذي تغير بطرق مقبولة ثقافيا. يعد التسامي حلا للقمع دون ~~صراع، يؤدي إلى الأعمال الثقافية المتاحة على نحو مشترك. ويعبر فرويد ~~في أعماله اللاحقة «الطوطم والحرام» (1913) و«علم نفس الجماهير» ~~(1921) عن كمية كبيرة من التشكك تجاه المعتقدات الدينية. يمكن أن تعزى ~~هذه المعتقدات في الألوهية في نهاية المطاف إلى الحاجة إلى عبادة أسلاف ~~الإنسان. ولا يمكن لجميع الحضارات، مهما كانت جيدة التخطيط، أن توفر ~~سوى راحة جزئية من الدوافع الجنسية؛ فالعدوان بين الرجال ليس بسبب ~~علاقات الملكية غير المتكافئة أو الظلم السياسي؛ إذ يمكن إصلاح هذه ~~المشكلات عن طريق الإصلاح الاجتماعي. بالأحرى هذا العدوان هو بسبب ~~غريزة الموت عميقة الجذور. ويعد التوفيق بين الطبيعة والثقافة أمرا ~~مستحيلا؛ لأن ثمن أي عملية حضارية هو إنتاج شعور بالذنب لدى أعضاء ms241 هذه ~~الحضارة. إن أي حضارة تقيد الغرائز الجنسية البشرية، وهذا الكبت للمتعة ~~سيخلف مشاعر استياء تجاه المجتمع. # لقد رأينا أن الصورة الكوبرنيكية للعالم ساهمت في ميكنة العالم؛ إذ شارك ~~الكوبرنيكيون في الحركة التي تعاملت مع الطبيعة ككيان رياضي مجرد يتبع علاقات قابلة ~~للقياس تشبه القوانين. إن الاعتقاد بأن جميع أشكال المعرفة يجب أن تقترب من الصورة ~~المثالية للمعرفة الكمية يعرف باسم «العلموية». # كان نجاح العلم في نهاية القرن التاسع عشر مثيرا للإعجاب حتى إن العديد من الناس ~~اعتنقوا «العلموية» كفلسفتهم الرسمية. وليس من المستغرب أن نرى فرويد يتبع الحجة ~~نفسها. بل إنه ادعى في الواقع أن علم النفس يمكن وضعه على قدم المساواة مع ~~الفيزياء. كيف برر هذا الادعاء؟ ~~(ب) التناظر مع الفيزياء # بدأ فرويد بافتراض أن النفس يمكن صياغتها في صورة جهاز وظيفي موسع يحتوي على ~~ثلاثة أجزاء: الأنا العليا، والأنا، والهو. ولكل مكون من مكونات العقل هذه وظائف ~~محددة، شرع فرويد في وصفها. # لنحلل معقولية الرأي القائل بأن علم النفس علم محكم مثل الفيزياء. كتب ~~فرويد: # لا يوجد في تعبيرات النفس شيء تافه، أو شيء اعتباطي أو فوضوي. (فرويد 1910، ~~22) # بعبارة أخرى، آمن فرويد أنه سيكون من الممكن اكتشاف قوانين التحليل النفسي (فرويد ~~1910، 19). وهذا هو أول افتراض له: ~~(1) # حتمية الحياة النفسية: التي تنص على عدم حدوث أي أحداث عقلية غير ~~مقصودة (براون 1962، 3). «الحتمية النفسية» هي افتراض فرويد أن كل ~~ما نفعله أو نفكر فيه أو نشعر به له معنى وهدف. فجميع أحداث ~~الحياة النفسية محتومة؛ فزلات اللسان والإيماءات، والأحلام والعصاب ~~كلها لها معنى وأصول محددة في خبرة الفرد. # لا شيء في العقل اعتباطي أو غير مقرر. (فرويد 1901ب، ~~242) # ولكن، بالطبع، لا يوجد في العقل شيء يسمى حتمية ~~اعتباطية. (فرويد 1901أ، 680) ~~(بالمعنى الدقيق للكلمة، فإن معظم السلوك له محددات متعددة، ~~وفقا لفرويد: تعد الدوافع خليطا من اثنين من القوى الأولية: ~~الغريزة الجنسية وغريزة الموت.) ~~(2) # الافتراض الثاني: هو أن اللاوعي قوة ديناميكية، وليس مجرد سلة ~~مهملات مليئة بالأفكار والذكريات: # لم يعد ms242 «اللاوعي» اسما لما هو كامن في الوقت الراهن، ~~فاللاوعي عالم عقلي محدد بدوافعه التواقة، وطريقة التعبير ~~الخاصة به وآلياته الذهنية الغريبة التي لا تكون سارية في ~~مكان آخر. (فرويد 1916أ، 212) # انتقل فرويد بهذا التأكيد لما وراء الفهم التقليدي للاوعي ~~باعتباره وعاء سلبيا للمواد غير المرغوب فيها، كما تغلب أيضا ~~على المطابقة التقليدية بين العقل والوعي، التي تتضح على نحو بارز ~~في ثنائية ديكارت. وتعني نظرية فرويد الديناميكية للاوعي أن ~~اللاوعي يلعب دورا مهيمنا في الحياة العقلية، فهو يضفي معنى على ~~الأحداث التي تبدو عشوائية مثل الزلات الفرويدية والأحلام ~~الغريبة. ~~(3) # يتمثل الافتراض الثالث في أن جزءا كبيرا من السلوك البشري ~~مدفوع بدوافع لاواعية. ويعبر «الدافع اللاواعي» عن اقتناع فرويد ~~بأن جزءا كبيرا من سلوكنا وأفكارنا ومشاعرنا تتحدد بدوافع لا ~~نعلم عنها شيئا. فلسنا المسيطرين على زمام الأمور في أجسادنا. ~~عانى البشر من ضربة أخرى: فقدان الوضوح. وفقا لنظرية الغريزة ~~الجنسية، توجه كل السلوكيات نحو تلبية الاحتياجات البيولوجية، ~~إما بطريقة جنسية مباشرة أو بطريقة متسامية. ثمة العديد من دوافع ~~السلوك البشري مدفونة في اللاوعي (الهو)؛ ومن ثم فهي خفية عن ~~الشخص. وتتمثل وظيفة الأنا في توجيه هذه الطاقة إلى أشكال تعبير ~~تكون أكثر انسجاما مع مطالب المجتمع (الأنا العليا). يمثل الهو ~~الجزء العميق الذي لا يمكن الوصول إليه من الشخصية، وهو على اتصال ~~مباشر مع العمليات الجسدية، كما يمثل مخزنا لكل شيء موروث وثابت ~~في العالم الحقيقي. لا يتصل الهو بالعالم الحقيقي، ونتعرف على ~~الهو من خلال تحليل الأحلام ومن خلال أشكال مختلفة من السلوك ~~العصبي. # 2 # ثمة سبب لوجود الهو، وهو الإشباع الفوري للغرائز دون ~~قيود. ويخضع الهو لمبدأ اللذة. # الأنا هي مدير الشخصية؛ فالأنا هي نظام الشخصية المنظم ~~العقلاني المدفوع بالواقعية. وتعمل وفقا لمبدأ الواقع؛ فترجئ ~~إشباع الدوافع الغرائزية حتى العثور على موضوع وطريقة مناسبين. ~~وتعد الأنا نفعية تماما وبلا قيم. وبينما يتمثل هدفها في إرضاء ~~الهو، فإنها لن تفعل ذلك إلا في سياق مطالب الواقع، كما أنها مكلفة ~~أيضا ms243 بالحفاظ على استقامة الكائن الحي. # تنشأ الأنا العليا من الأنا نتيجة التحرر من عقدة أوديب. وهي ~~تمثل أفكار المجتمع وقيمه كما تقدم إلى الطفل من خلال كلمات ~~وأفعال الوالدين. (تؤدي العقوبات إلى الضمير، وتؤدي المكافآت على ~~السلوك إلى الأنا المثالية). باختصار، فإن وظيفة الأنا العليا هي ~~إعلام الأنا بقيمة الأخلاق، فبدلا من الاستسلام للشهوات أو ~~النفعية، تذكر الشخص بالسعي نحو الكمال. ~~(4) # الافتراض الرابع: هو أنه لا يمكن الكشف عن سبب أنماط السلوك ~~الحالية للمرضى إلا باستخدام نهج تطوري أو تاريخي. يبدو أن الأعراض ~~الحالية ترتبط بالتجارب السابقة (سواء كانت متخيلة أو ~~حقيقية). # 3 # ويعد هذا الافتراض الرابع مهما لممارسات فرويد ~~الاستنتاجية، لأن فرويد استنتج عمل اللاوعي من تجلياته الظاهرة في ~~الحياة الحالية لمرضاه: # بالنسبة للطفولة، فإن مصدر اللاوعي والعمليات الفكرية ~~اللاواعية ليس سوى تلك الأفكار - تلك الأفكار وحسب - التي ~~أنتجت في مرحلة الطفولة المبكرة. (فرويد 1905ب، ~~170) # لم يكن فرويد مهتما بالكيفية التي عليها سلوك البشر وحسب، ~~ولكنه كان مهتما أيضا بأسباب ذلك السلوك. يبدو أن أسباب السلوك البشري تكمن ~~في تجارب الماضي، ولو كان الحال كذلك، فإن نظرية فرويد سوف تضطر إلى الاعتماد ~~كثيرا على استنتاج بعض البنيات العقلية الكامنة من البيانات الرصدية الحالية ~~(براون 1962، الفصل الأول). من أجل فهم علل مرضاه استدل فرويد على الأحداث ~~الماضية من الأعراض الحالية، ولكن ليست كل أشكال السلوك البشري تؤدي إلى مثل ~~هذه الاستدلالات. من خلال الإصرار على أن الأحلام هي المسار السهل للوصول إلى ~~اللاوعي، يخبرنا فرويد أن أشكالا معينة وحسب من الأعراض - إضافة إلى الأحلام، ~~تمنح الزلات الفرويدية والسلوك العصبي مكانة أفضل - تقدم لمحات بشأن الأعمال ~~اللاوعية للعقل، كما يفترض أن السلوك العادي يقدم القليل من اللمحات بشأن ~~الدوافع الخفية للسلوك البشري. # نحن مدينون بالفضل لدراستنا للاضطرابات العصبية في الحصول على ~~المؤشرات الأكثر قيمة لفهم الحالات العادية. (فرويد 1930، 135) # على أساس هذه الافتراضات، يرى فرويد أن التحليل النفسي يقف على ~~«قدم المساواة» مع الفيزياء. لنر كيف يجادل المحلل النفسي بالمقارنة مع ~~الفيزيائي ms244 (مربع 3-1أ، 3-1ب). # تؤدي الفرضية الأولى في حجة المحلل النفسي إلى الاعتقاد بأن علم النفس كان فرعا ~~جديدا من العلوم (فرويد 1938، 19، 52). هل هذه الفرضية صحيحة؟ من المهم أن نلاحظ ~~أن فرويد يجادل بالقياس. وكما سنرى، كان التفكير التناظري في الواقع جزءا مهما ~~من طريقة فرويد. # يبدو أن التناظر بين علم النفس والفيزياء يصمد في الخطوات القليلة الأولى، ولكن ~~بينما توجد تشابهات توجد أيضا اختلافات، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. ومع افتراض ~~فرويد لعدم معرفة الواقع في حد ذاته، تبدأ حجة التناظر في التداعي. وبينما يستطيع ~~الفيزيائي مواصلة تقديم الحجة، وخاصة اللجوء لاختبارات مستقلة، فإن المحلل النفسي ~~عادة ما يواجه صعوبة في تلبية معيار قابلية الاختبار المستقلة لفرضيات النظرية ~~الأساسية (تذكر من الفصل الثاني، الجزء 6-5 أننا فسرنا قابلية الدحض على أنها ~~قابلية الاختبار). # مربع 3-1أ: يناقش المحلل النفسي والفيزيائي الوضع المنهجي للتحليل النفسي # المحلل النفسي # الفيزيائي ~~• # يخضع اللاوعي للقوانين. ~~• # تخضع الأنظمة الفيزيائية ~~للقوانين. ~~• # يمكننا إعادة بناء هذه ~~القوانين من الخصائص السلوكية، على سبيل المثال من الأشخاص ~~الذين يعانون من العصاب. (فرويد 1938، 32، 40) ~~• # يمكننا إعادة بناء هذه ~~القوانين من المشاهدات والتجارب. ~~• # يمكننا بناء نماذج ~~للاوعي. ~~• # يمكننا بناء نماذج للنظم ~~الفيزيائية. ~~• # لا يمكننا أبدا معرفة ~~اللاوعي مباشرة. ~~• # لا نستطيع أن نعرف «الواقع ~~المادي» مباشرة، كما يقول فرويد. # مربع 3-1ب: يواصل المحلل النفسي والفيزيائي مناقشتهما حول الوضع المنهجي للتحليل النفسي # المحلل النفسي # الفيزيائي ~~• # حتى لو لم نتمكن من معرفة ~~اللاوعي مباشرة، فإن لدينا تقنيات لفحصه. ~~• # لدينا أساليب مختلفة ومستقلة ~~لتأكيد النماذج والقوانين. ~~• # تشمل هذه التقنيات تحليل ~~الأحلام والسلوك العصبي والزلات الفرويدية. ~~• # على سبيل المثال، قطر شعر ~~الإنسان يمكن قياسه مباشرة تحت المجهر، وعلى نحو غير مباشر من ~~أنماط الانحراف التي يسببها عندما يوضع في مسار ضوء الليزر. ~~«لكن سيحصل الفيزيائي على استثناء الآن.» ~~• # هذه التقنيات لا تكشف اللاوعي على نحو فريد ومستقل. ~~• # لدينا اختبارات مستقلة للنماذج. ~~• # يمكننا تقديم تنبؤات عددية دقيقة. ~~• # يمكننا تقديم تفسيرات حقيقية ~~لسلوك النظم المادية. ~~• # يمكننا أن نمتلك - ونحن ~~نمتلك بالفعل ms245 - عددا وافرا من نماذج اللاوعي المتباينة، ~~وأحيانا حتى تكون متناقضة ~~• # كثيرا ما يكون لدينا دليل ~~قاطع على أن نموذجا ما أكثر مصداقية من النموذج المنافس. ~~• # كمثال على ذلك، يمكن ~~للفيزيائي الاستشهاد بالكوبرنيكية والداروينية. # هل كان الفيزيائي ظالما للمحلل النفسي؟ أليس من الواضح أن الفيزياء تختلف عن ~~التحليل النفسي؟ لا يجب أن نلوم الفيزيائي ولكن نلوم فرويد. ادعى فرويد طوال حياته ~~العملية أنه يمكن وضع التحليل النفسي على قدم المساواة مع أي علم طبيعي؛ لذلك ربما ~~لم يكن الفيزيائي يرغب في الانجرار إلى ذلك الجدال، لكن ادعاء فرويد هو الذي سبب ~~المقارنة. رفض الفيزيائيون تلميح علم النفس أنه من الممكن استنتاج واقع اللاوعي من ~~التقنيات المتاحة. ويؤكد الفيزيائي على الحاجة إلى قابلية اختبار «مستقلة». وعند ~~هذه النقطة انهار التناظر. تمثل قابلية الاختبار المستقلة سمة مهمة من سمات التفكير ~~العلمي، وهي طريقة لتجنب التفسيرات «المخصصة»؛ وهي التفسيرات التي تقدم فيها ~~أداة توضيحية للتوفيق بين التفسير والمظهر الخارجي. على سبيل المثال، استخدم ~~بطليموس أفلاك التدوير والمؤجلات والموازنات للتوفيق بين الافتراض المسبق بوجود ~~حركة دائرية منتظمة والسرعات غير المنتظمة المرصودة للكواكب، ولكن لا يوجد دليل ~~مستقل على وجود هذه الأدوات الهندسية. ويحافظ مذهب الخلق على نفسه من الدحض عن طريق ~~الأدلة الحفرية الجيولوجية من خلال الادعاء بأن الخالق زرع الحفريات في لحظة الخلق ~~منذ 6000 سنة. ويبدو أن فرويد عانى من المشكلة نفسها، فالدليل الوحيد الذي كان ~~يمتلكه (على حد تعبير بوبر) للأسباب (اللاوعي) هو المفسر نفسه (الزلات الفرويدية ~~والأحلام الغريبة والسلوك العصبي (انظر المربع 3-2)). وفقا لبوبر، فإن ما يجعل ~~النظرية - المجموعة المتماسكة من البيانات - علمية هو قابليتها للدحض. يشترط بوبر ~~أن يكون الشكل المنطقي للنظرية في صورة يمكن دحضها من خلال التجربة: فيجب أن يكون ~~من الممكن لنظام علمي تجريبي أن يتعارض مع الحالة المادية للعالم. # مربع 3-2: نموذج بوبر للحجج «المخصصة» # إليك مثال بوبر للحاجة إلى قابلية الاختبار المستقلة: # إليك صورة مناظرة من التحليل النفسي: # البحر هائج اليوم. # يعاني المريض من ms246 أعراض عصبية. # لماذا؟ # لماذا؟ # لأن (الرب) كوكب المشتري غاضب! # لأن الخبرات الماضية قد أثرت على لاوعي المريض. # كيف تعرف أن المشتري غاضب؟ # كيف تستطيع معرفة أن اللاوعي يؤثر على حياة المريض ~~الحالية؟ # ألا ترى أن البحر هائج؟ # ألا ترى أن المريض يعاني من أعراض عصبية؟ # ما نريده هو تأكيد تجريبي مستقل على أن كوكب المشتري في الواقع مسئول سببي عن ~~حالة البحر، وسيكون من الصعب الوصول لذلك. للأسف، من الصعب أيضا الحصول على تأكيد ~~مستقل لفكرة فرويد بشأن الحتمية النفسية. والجزء الرئيسي لهذا التفسير هو افتراض ~~وجود اللاوعي وخصائصه. هذا الشرط بوجود اللاوعي يطرح العديد من المشكلات؛ أولا: ~~يبدو مخصصا من وجهة نظر قابلية الاختبار. ثانيا: يفشل هذا في تخطي طريقة ~~الاستقراء الإقصائي (انظر أدناه). وهنا ينهار تحليل فرويد مع حيث تشابهه مع ~~الفيزياء على نحو محزن. وكما يقول أحد النقاد: # تظاهر فرويد وخلفاؤه بأنهم يستمعون إلى «لاوعي» مرضاهم. في الواقع قد ~~جعلوه يتحدث كما جعل الآخرون الأرواح تتحدث. (بورش-جاكوبسن 2005، 388؛ ~~ترجمة المؤلف) # لا يمثل هذا الفشل كارثة إذا كنا على استعداد للتخلي عن الادعاء بأن التحليل ~~النفسي علم دقيق. يمكننا التعامل معه بطريقة تعامل أوزياندر مع مركزية الشمس ~~ومركزية الأرض. يمكننا القول إن التحليل النفسي التقليدي يمثل نموذجا محتملا ~~للحياة العقلية؛ فهو يقدم قصة متسقة، ولكن الاتساق ليس شرطا كافيا للتفسير ~~الناجح. هذا الإقرار يساوي قبول وجود نماذج بديلة ومنافسة. ولسنا في وضع يسمح لنا ~~بتحديد أي النماذج المتنافسة هو الأكثر ملاءمة في ضوء القيود المختلفة؛ فالأدلة ~~التجريبية المتاحة متوافقة مع العديد من نماذج العقل المتنافسة، ولكن رغبتنا التي ~~شعرنا بها بالفعل في حالة الكوبرنيكية، في أن نتحقق أكثر ونقيم نماذجنا من حيث ~~مصداقيتها، يجب أن تظل دون إشباع؛ فمن الممكن أن تظهر في يوم ما أدلة من شأنها أن ~~تساعدنا على إعادة توزيع المصداقية على مساحة النماذج النفسية، ولكن في الوقت ~~الراهن، من الأفضل اتباع توجه ذرائعي واقعي. إذا كان لنموذج فرويد للعقل قيمة ~~علاجية، يمكن استخدامه لإعادة الحالة ms247 النفسية للأشخاص للوضع الطبيعي. لا يهم هل ~~كان النموذج صحيحا أم لا، ما دام الناس الذين يعانون من العصاب يظهرون تحسنا. ~~ومن ثم فإننا نخلص إلى أن النموذج الفرويدي يتسم بالملاءمة التجريبية ولكن ليس ~~بالصحة النظرية. فلا يمكننا الادعاء بأن النموذج «صحيح» أو «يفسر» الأعراض، ولكنه ~~في أفضل الأحوال يساعدنا على فهم ما يحدث داخل المريض، فنعتبره نموذجا تماثليا. ~~ونقول - على مستوى نفعي - إنه ناجح، ولكن لا يمكننا أن نحدد سبب نجاحه. ولو لم ~~نفرض شروطا كثيرة على أدائه الجيد، فإن نموذج فرويد يمكن أن يقال إنه يشترك في ~~منصة واحدة مع النموذج البطلمي للكون. فإذا لم نطلب الكثير من النموذج أرضي المركز، ~~فإنه يساعدنا على فهم الظواهر الكوكبية على نحو مبدئي. وعلى نحو مماثل يمنحنا نموذج ~~فرويد صورة لما يمكن أنه يحدث في عقل المصاب بالعصاب، ولكننا في كلتا الحالتين لا ~~نحصل على أي تفسير حقيقي. وفي الحالات التي تدعي فيها النماذج المنافسة أنها تفسر ~~الأدلة، ولا تستطيع الأدلة أن تختار بينها، لن يكون لدينا تفسير حقيقي. لنقرر ~~إذن عدم اتباع فرويد في ادعائه الواثق بأن التحليل النفسي يمكن أن يكتسب المكانة ~~السامية للعلوم الأساسية مثل الفيزياء. ينعكس هذا القرار سلبا على نموذجه للعقل ~~إذا تمسكنا بعقيدة العلموية التي انتشرت في القرن التاسع عشر، ولكن ربما نكون ~~مهتمين بهذا النموذج دون التفكير في أنه يجب أن يفسر بنية العقل البشري. ~~(ج) فرويد كمفكر تنويري # كما ذكر فرويد في ادعائه الكوبرنيكي، كان يوجد رد فعل «عدائي» تجاه مذهبه في ~~فيينا في أوائل القرن العشرين. أغضبت العديد من سمات هذا المذهب الناس: ~~(1) # افتراض وجود الحياة الجنسية في الطفولة، كجزء من تطور ~~الشخصية. ~~(2) # افتراض وجود الدوافع الجنسية والعدوانية كدوافع رئيسية للسلوك ~~البشري؛ أي الحتمية النفسية. ~~(3) # افتراض وجود اللاوعي والدور الديناميكي الذي يلعبه في سلوكنا. # كان يرى أن فرويد يعمد إلى تقييد العقل المنطقي بدوافع غريزية. ~~وافتراض وجود اللاوعي الديناميكي جعل العقل البشري غير واضح. لقد تحدث الناس عن ~~«ثورة فرويدية». ولا بد ms248 أن تقتضي فكرته أن سلوكنا ليس نتيجة دوافع عقلانية (محضة). ~~وهكذا يمكن اعتبار الثورة الفرويدية تقييدا لصورة عصر التنوير بشأن عقلانية ~~البشر. # هذه الصورة للعقلانية يمكن أن تعزى إلى عدة عوامل، اثنان منها: ~~(1) # تطور العلم ونموذج العقلانية الخاص به. ~~(2) # إرث التنوير ورؤيته للطبيعة البشرية. # كان تطور العلم من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر مسيرة ~~ناجحة للنيوتونية من الظواهر الميكانيكية، مثل حركة الكواكب، إلى ظواهر مثل ~~الكهرباء والمغناطيسية والحرارة، وقد تسبب إضفاء الصبغة الميكانيكية والرياضية على ~~العلم في رسم دوائر متزايدة باستمرار، بحيث أصبح العلم نموذجا إرشاديا للعقل. ~~وبسط التنوير هذا النموذج إلى عالم المجتمع. # وكما رأينا مع كوبرنيكوس ونيوتن وداروين، فإن المعتقدات التقليدية قد صارت بالية ~~بسبب اكتشافاتهم العلمية؛ أي معتقدات مركزية الأرض وسمو البشر على جميع الكائنات ~~الأخرى. يؤكد النشاط العلمي على الجانب العقلاني للبشر؛ ومن ثم كان ثمة شعور ~~بأنه مع زيادة العلوم، فإن البشر سيزيدون من سيطرتهم على العالم. وبينما دمر العلم ~~المعتقدات التقليدية، فإنه أدى أيضا إلى المزيد والمزيد من سيطرة الطبيعة، على ~~سبيل المثال في: ~~(1) # الثورة الصناعية وتطوير المحركات البخارية. ~~(2) # نظرية باستور الجرثومية للمرض، التي أدت إلى إنتاج أول لقاح للإنسان ~~ضد داء الكلب. # وبهذا أكد نجاح العلم على أهمية العقلانية لدى البشر، وقد وجدت ~~العقلانية بالفعل تفسيرا فلسفيا فيما سمي «عصر العقل» أو «عصر ~~التنوير». # على الرغم من أن فرويد لم يبن أكثر من مجرد نموذج تماثلي للعقل، فلسنا بحاجة ~~إلى أن نقلل من شأن إنجازاته. طبقا لبعض منتقدي فرويد، فقد وضع رؤية متينة داعمة ~~لا تعتمد على التخمين (جيلنر 1993، 126). ورغم أنها لم تخضع لاختبار صارم، فإنها ~~يمكن أن تخدم وظيفة ثقافية. كان لنظرية فرويد تأثير محرر على الثقافة الغربية ~~(جيلنر 1993، 83؛ وبستر 1996، 283؛ سيوفي 2005، 46؛ ريلير 2005ب، 241). ومن خلال ~~تناوله الصريح وغير المتحيز للحياة الجنسية، ساعد فرويد على تحرير البشرية من سلاسل ~~القمع الجنسي. وبقدر ما ألقى الضوء على الدوافع البشرية المظلمة، أصبح شخصية ~~تنويرية. أظهر فرويد في كتابه «ثلاثة مباحث في نظرية الجنس» ms249 (1905) صراحة وصدقا ~~بشأن الممارسات الجنسية التي من شأنها أن تكون مصدر فخر لأي مفكر تنويري. فوصف ~~أشكال الحياة الجنسية في الطفولة بتفاصيل كبيرة وصادمة للجمهور في فيينا، وناقش ~~ممارسة الجنس «الطبيعية» و«الشاذة» بانفتاح رائع. وفي مقال سابق عن الأخلاق الجنسية ~~قال بالفعل إن «ثقافتنا تقوم على قمع دوافعنا الغريزية» (فرويد 1908، 82). وأشار ~~إلى أن الطاقات الجنسية يمكن توجيهها نحو أشكال إشباع غير جنسية. وشك في أن ~~عملية تكمن في جذور الإنجازات الثقافية يطلق عليها «التسامي». ويعود في كتابه «مستقبل ~~الوهم» (1927) إلى التعارض بين الطبيعة والثقافة. ويرى أن كل ثقافة تقوم على ~~الإكراه والتخلي عن الغرائز (فرويد 1927أ، 7). الثقافة تحمينا من الطبيعة. ثمة ~~أيضا قبول مدهش بالنسبة لطلاب فرويد. فطالما أكد على أهمية الدوافع الغريزية في ~~الشئون الإنسانية، ولكنه الآن يطالب بمبرر منطقي للامتثال للثقافة. يمكننا وحسب أن ~~نحتوي طبيعتنا الغريزية عن طريق ذكائنا. وتعد أولوية العقل مثالية نفسية؛ فعلى ~~المدى الطويل لا شيء يمكن أن يصمد أمام العقل والخبرة. ويمكن تحسين شروط الوجود ~~الإنساني من خلال توظيف المعرفة العلمية (فرويد 1927أ، الجزء التاسع). # كانت نظرية التحليل النفسي بالنسبة لفرويد جزءا من المعرفة العلمية. لقد رأينا ~~بالفعل أن أحد ادعاءات فرويد لا أساس له؛ فالتحليل النفسي ليس على قدم المساواة مع ~~الفيزياء؛ فالتناظر بين التحليل النفسي والفيزياء، الذي بناه فرويد، عبارة عن وهم. ~~ولكن هذه الحجة التناظرية استندت إلى فهم خاطئ لكيفية عمل العلوم في المقام الأول. ~~وعلم الأحياء التطوري كذلك - كما رأينا - ليس على قدم المساواة مع الفيزياء. فهل ~~يوجد سياق آخر يمكن أن يبين هل كان التحليل النفسي لفرويد علميا أم غير علمي؟ ~~ينبغي علينا تحليل إجراءات فرويد، وليس ادعاءاته البلاغية. ويجب أن نطبق منطق ~~التقييم على مجموعة التحليل النفسي. ~~(د) المكانة العلمية للنموذج الفرويدي # ليس من السهل التعامل علميا مع المشاعر. (فرويد 1930، 65) # كيف يمكن للفرويديين أن يبينوا أن التحليل النفسي علمي؟ وكيف يمكن لنقادهم أن ~~يبينوا أن نظرية فرويد لا تفي بالمعايير العلمية؟ تأمل أولا أساليب فرويد ثم إجراء ms250 ~~الاستقراء الإقصائي. # أساليب فرويد # نظرا لتدريب فرويد الطبي، يجب ألا نستغرب أنه كان على علم تام بالمسائل ~~المنهجية. ولن يكون من الخطأ القول إن فرويد دافع - على الأقل دون وعي - عن شكل من ~~أشكال الاستقراء الإقصائي كأفضل أسلوب للعلوم. كثيرا ما تحدث فرويد بالطبع عن ~~«الاستدلالات» النفسية واللجوء إلى تفسيرات «بديلة». ويدعي أحيانا أن الاستدلالات ~~التي يجب على المحلل النفسي تقديمها يجب أن تؤدي إلى استنتاجات حتمية: # مما يبعث على الارتياح أن نتمكن من إعلان أن الملاحظة المباشرة (للأطفال) ~~قد أكدت تماما الاستنتاجات التي توصل إليها التحليل النفسي، وهذا يعد ~~بالمناسبة دليلا جيدا على موثوقية هذا الأسلوب البحثي. (فرويد 1905أ، ~~193-194؛ راجع 201، 205) # تعد إمكانية منح معنى للأعراض العصبية من خلال التفسير التحليلي دليلا ~~راسخا على وجود العمليات العقلية اللاواعية، أو ضرورة وجود فرضيتها، إذا ~~كنت تفضل ذلك. (فرويد 1916ب، 279) # ولكنه في أوقات أخرى لا يقدم ادعاءات ديكارتية بشأن يقين المعرفة ~~النفسية. حتى إنه أظهر استعدادا لقبول اللاوعي باعتباره مجرد فرضية (فرويد 1905ب، ~~177-178). وتذمر - مؤكدا مرة أخرى التناظر مع العلم - من أن الاستدلالات في ~~الكيمياء تقبل بلا تشكك، ولكن الاستدلالات التحليلية النفسية تكون موضع خلاف. ~~يقبل فرويد أنه لا توجد أدلة مباشرة على معنى الأحداث النفسية، ومع ذلك، ثمة «درجات ~~من الاحتمالية» لتحليلات كل منها. ومن الواضح أنه يعتبر التحليل النفسي للأعراض ~~أكثر احتمالا من التفسيرات المنافسة، وقد يتذكر القارئ من الفصول السابقة أن ~~كوبرنيكوس وداروين ادعيا أيضا أنه من الممكن استخلاص استنتاجات لنموذج التفسير ~~الأكثر احتمالا من الأدلة المتاحة. واعتبراها استدلالات مقبولة. ويعتبر فرويد ~~أيضا - وإن كان على نحو أقل صراحة - أن الاستدلالات المستقاة من الأدلة الداعمة ~~لنموذج التحليل النفسي للعقل بمنزلة أكثر الاستدلالات المقبولة احتمالا (انظر شكل # 3-1 ~~). # تقدم الحياة العقلية للأفراد لنا - عندما يتعرضون للدراسة النفسية - ~~التفسيرات التي يمكننا من خلالها حل عدد من الألغاز في حياة المجتمعات ~~البشرية، أو على الأقل إظهار حقيقتها. (فرويد 1916أ، 168) # شكل 3-1: اتجاه الزمن، من اليسار إلى اليمين. يوضح هذا الرسم ms251 البياني ~~المستويات المختلفة المذكورة في الاستنتاجات الفرويدية (جيلنر ~~1993، 224): 2 و3 لا يمكن ملاحظتها مباشرة؛ ومن ثم لا يمكن ~~نظريا اختبارها على نحو مستقل؛ أولا: لأن النظرية تؤكد تفرد ~~أداة الدراسة الخاصة بالتحليل النفسي، وثانيا: لأنها تخضع ~~للتفسيرات التي لا يمكن التحقق منها على نحو مستقل مقابل البيانات ~~الأولية. ليست 4 قابلة للاختبار بسهولة؛ فليست الأحداث العامة هي ~~ما يهم ولكن معناها بالنسبة للمريض. ويمكن بسهولة بتر الروابط من ~~4 إلى 3 ومن 3 إلى 2 والتخلي عنها (المصدر: جيلنر (1993)، ~~224). # من ناحية، تساهم الاستدلالات في إضفاء بنية عقلية على الظواهر، كما هي الحال في ~~أي علم طبيعي آخر (فرويد 1938، 196). ومن الناحية الأخرى، فإن الاستدلالات لا تمتلك ~~جميعها درجات متساوية من الاحتمالات. يعتقد فرويد بوضوح أن بعض الاستدلالات أكثر ~~احتمالا من غيرها في ضوء الأدلة. (فرويد 1916أ، 51، 238؛ 1916ب، 300-302) # أبدى فرويد على الأقل فهما جزئيا للحاجة إلى النظر في النماذج المنافسة؛ ففي ~~خلال عمله على الأحلام والنكات والحياة الجنسية وزلات اللسان والمحرمات درس النماذج ~~المنافسة ولكنه وجد أنها غير ملائمة. وفقا لفرويد، فإنها لا تفسر الأدلة على نحو ~~كاف. وخلص فرويد، متعجلا، من هذا الرفض للنماذج المنافسة إلى أن نموذجه التحليلي ~~النفسي لا بد أنه النموذج الصحيح. ولسوء الحظ فإن الأساس الإثباتي لادعائه محدود ~~للغاية؛ فهو يتألف من تفسير الأحلام والزلات الفرويدية وتحليل نتائج التداعي الحر، ~~الذي ألهمه بناء نموذج التحليل النفسي في المقام الأول (فرويد 1910، 17-18). لا ~~يقبع النموذج الفرويدي من حيث الممارسات الاستدلالية على نفس مستوى النموذجين ~~الكوبرنيكي والدارويني؛ فهو يخفق في استخلاص نتائج جديدة قابلة للاختبار من نموذج ~~العقل. إنه منشأ بحيث يتوافق مع الحقائق المعروفة مسبقا على نحو مستقل، وهي ~~السلوك العصبي وزلات اللسان والأحلام الغريبة. وعلى مستوى نموذج الاستقراء ~~الإقصائي، لا يوجد شيء خاطئ في بناء نموذج يتلاءم مع الحقائق المعروفة، ولكن نموذج ~~العقل لفرويد لا ينبغي أن يدعي أنها أدلة داعمة له. ولا يمكن أن تكون الأدلة ~~المذكورة داعمة للأسباب التالية: (أ) الفكرة الأساسية للاوعي ليست ms252 قابلة للاختبار ~~على نحو مستقل. (ب) لا توجد أي حقائق معروفة على نحو مستقل - بخلاف تلك التي تشكل ~~أساس النموذج - متلائمة مع النماذج الفرويدية، ولم يبين فرويد قط أن نموذج التحليل ~~النفسي مدعوم بوضوح بالأدلة المتاحة على حساب النماذج المنافسة، ولم يتبين أن ~~النماذج المنافسة لا تتفق مع الأدلة. (ج) لا تنبع نتائج استنتاجية من النموذج ~~الفرويدي بسبب عدم اتساقه. # تذكر وجهات النظر المنهجية لهيكل وهكسلي بشأن المناهج الملائمة في علم الأحياء ~~التطوري. ربما نستخدم خطوات استقرائية من الأدلة المتاحة لبناء نموذج، ولكن هذا ~~يجعل النموذج مجرد فرضية، ويجب اختبار هذا النموذج بعد ذلك، وقد تأخذ الاختبارات ~~شكل تنبؤات دقيقة، أو نتائج استنتاجية أو استقرائية، أو ملاءمة حقائق معروفة على ~~نحو مستقل. كان فرويد بارعا في صياغة نموذج معقول للعقل ولكنه كان سيئا فيما ~~يتعلق باختبار النموذج. ادعى فرويد أن نموذجه كان استدلالا لأفضل تفسير، ولكنه ليس ~~استدلالا لأفضل تفسير «مقارن» (انظر سولواي 2005أ، ب). # اعتقد فرويد أنه يستطيع تعزيز مصداقية التحليل النفسي من خلال التناظر مع ~~الفيزياء، ولكن التناظرات تأتي دائما بالترافق مع الاختلافات، وقد أخفق منطق فرويد ~~لأنه لم يول اهتماما كافيا للاختلافات مع الفيزياء. # إن نموذج فرويد للعقل نموذج تماثلي (في ضوء مناقشتنا السابقة لدور النماذج)، ولكن ~~فرويد عامل نموذجه للعقل كنموذج ميكانيكي واقعي. كان في محاضراته في فيينا يرى أن ~~المحلل النفسي يجب أن يعمل مع اللاوعي كما لو كان «شيئا ملموسا بالنسبة للحواس» ~~(فرويد 1916ب، 279). ورسم نموذجه الثلاثي للعقل كبنية موسعة، جهاز عقلي، يحتل فيه ~~الهو والأنا والأنا العليا مناطق محددة تحديدا تاما (فرويد 1916ب، 283؛ 1938، ~~الفصل الثامن؛ انظر شكل # 3-2 ~~). إن مفهوم الفرويدية للعمق، كما يصفه أحد ~~الكتاب: # يؤدي إلى خطأ؛ لأنه يشجعنا على تحويل النزعات والآليات المعرفية والعاطفية إلى ~~مواد. (ريلير 2005أ، 224، راجع 219، 228، ترجمة المؤلف) # شكل 3-2: تمثيل من كتاب تعليمي للنموذج الفرويدي للعقل (المصدر: مقتبس من ~~فاريس (1988)، 80). # إن دور الاستدلال التناظري واسع الانتشار كثيرا في كتابات فرويد. على سبيل ~~المثال، يدعي فرويد أن ms253 دراسة العصاب تقدم للمحلل النفسي أهم المؤشرات القيمة لفهم ~~الحالة الطبيعية (فرويد 1930، 135؛ 1927ب، 165). لم يؤكد على دور التفكير ~~التناظري بما فيه الكفاية في أعمال فرويد. لنلق نظرة على بعض الأمثلة: ~~(1) # ثمة مقارنة بين «الاقتصاد النفسي» والمشاريع التجارية (فرويد 1905ب، ~~156). ~~(2) # يوجد تناظر بين عمل الحلم وعمل النكات بسبب التشابهات في التقنيات ~~(فرويد 1905ب، 165، 171؛ 1927ب، 165). ~~(3) # يوجد تشابه بين الدين والعصاب لدى الأطفال؛ فيرى فرويد أن الطفل لا ~~يمكنه أن يتطور نحو الثقافة دون المرور عبر مرحلة العصاب. وعلى نحو ~~مشابه، لا بد أن تمر البشرية نفسها، في تطورها نحو الحضارة، عبر مرحلة ~~دينية تشبه العصاب (فرويد 1927أ، 43، 53). ~~(4) # يقارن نظام اللاوعي بقاعة استقبال كبيرة، حيث تتصادم الدوافع ~~العقلية بعضها مع بعض مثل الأفراد (فرويد 1916ب، 295). # بالطبع لا شيء خاطئ في استخدام المنطق التناظري إذا كان يخدم ~~أغراضا استكشافية، ولكن لدى فرويد ميل لبدء منطقه بتناظر يتحول خلسة إلى تأكيد. ~~فيميل إلى نسيان أن المنطق التناظري ليس «بديلا» للإثبات. # طريقة الاستقراء الإقصائي، مرة أخرى # تذكر الإجراء العام للاستقراء الإقصائي؛ فمن بين عدد من النظريات التفسيرية ~~المتنافسة، يختار الاستقراء الإقصائي النظريات التي تتفق على أفضل وجه مع القيود ~~المتاحة. ويستند هذا إلى الفكرة الرئيسية القائلة بأنه ليس كل الحالات «الإيجابية» ~~للنظرية تمثل أيضا حالات «داعمة» لتلك النظرية؛ فالحالات الإيجابية مجرد تطبيقات ~~ملموسة للمبادئ العامة للنظرية، لكن النظريات المنافسة تدعي أيضا أنها يمكن أن ~~تفسر هذه الحالات. إن أي بناء لجسر جديد يعد حالة إيجابية لميكانيكا نيوتن. وتختبر ~~الحالات الداعمة ادعاءات النظريات. وبالنسبة لقابلية الدحض، يأتي ذلك في شكل تنبؤات ~~من النظرية جديدة ودقيقة وقابلة للاختبار. تم التنبؤ بوجود كوكب نبتون من نظرية ~~نيوتن. وعندما اكتشف الكوكب، اعتبر ذلك حالة داعمة لميكانيكا نيوتن للأجرام ~~السماوية. تخيل أنه لا يمكن إجراء مثل هذه التنبؤات الدقيقة؛ لأن المتاح هو عدد ~~قليل فقط من النماذج التقريبية. سيظل من الممكن لأحد النماذج أن يجد الدعم في ~~الأدلة على حساب النماذج الأخرى. (يمكن تشبيه ذلك بقائمة للمشتبه بهم في قضية قتل، ms254 ~~وغالبا ما تتجمع الأدلة المتزايدة حول أحد المشتبه فيهم وتقصي الآخرين جميعا.) قد ~~تأتي الأدلة في صورة تجارب حاسمة، وتقيم مصداقية عدد من النماذج المتنافسة مقابل ~~وزن الأدلة التجريبية المستمدة من التجارب الحاسمة. من الناحية المثالية، يتوافق ~~نموذج واحد فقط من النماذج مع الأدلة، في حين لا تتوافق النماذج الأخرى. وفي هذه ~~الحالة، يقال إن الأدلة «تدعم» النموذج المتبقي وتدحض النماذج المنافسة له. تدحض ~~الأدلة نموذجا ما؛ لأنه لا يستطيع أن يفسرها، وتدعم نموذجا آخر؛ لأنه يستطع أن ~~يفسرها. على سبيل المثال، إذا كانت توجد أدلة مؤكدة للغاية حول المدارات البيضاوية ~~للمذنبات، فإن أي نماذج كوكبية، لا تستطيع تفسير هذه الأدلة، تعاني في مصداقيتها. ~~وتعود هذه الأفكار الأساسية إلى فرانسيس بيكون وجون ستيوارت ميل. # ناقشنا مجموعة من «ملامح» هذا الشكل المتطور من الاستقراء في فصل سابق. وتتمثل ~~السمات الرئيسية في: # التمييز بين الأدلة «الإيجابية» و«الداعمة». # استكشاف «فضاء الاحتمالات». وهذا هو المجال المفاهيمي للتفسيرات ~~المتنافسة الفعلية أو المحتملة، التي يمكن أن تفسر البيانات التجريبية ~~على نحو متساو للغاية، وربما تكون هذه النظريات غير متوافقة بعضها مع ~~بعض. # مشكلة «ملاءمة الحقائق المعروفة» مقابل «التنبؤ بحقائق ~~جديدة». # تصور لما يشكل «التفسيرات المتنافسة» التي تتضمن مساحات قيود مختلفة، ~~مقابل «التفسيرات البديلة» التي توجد في مساحة القيود ذاتها. # لنقس معيار نظرية فرويد من خلال طريقة الاستقراء الإقصائي. ~~ويمكننا أن نفعل ذلك من خلال دراسة بنيات القيود، التي تبدأ منها عملية الإقصاء. ~~على سبيل المثال، تأمل طريقة تطبيق الجانب العلاجي من نظرية فرويد. # تذكر أن فرويد ادعى تحقيق بعض النجاح العلاجي على الأقل لطريقته، ولكن طريقة ~~الاستقراء الإقصائي تمنعنا من دعم عبارة أن التحليل النفسي علاجي وحسب؛ لأن بعض ~~المرضى يتحسنون بعد العلاج ~~(جرونباوم 1977أ، 222؛ 1985). ~~فلا يمكن إثبات هذا الادعاء القوي من خلال أسلوب الاستقراء الإقصائي. لا تقدم ~~الحالات «الإيجابية» للمرضى الذين يتعافون من العصاب بعد تلقي العلاج؛ الدعم للقيمة ~~العلاجية للعلاج الفرويدي، ربما يكون مجرد ارتباط وهمي، مثل ذلك الرابط بين تناول ~~القهوة والتعافي من ms255 البرد. ولتجنب مثل هذه الارتباطات الوهمية علينا استبعاد ~~النظريات المنافسة من بين مجموعة التفسيرات المحتملة؛ ومن ثم، فإنه من أجل إثبات ~~التأكيدات القوية التي قدمها الفرويديون بشأن الفعالية العلاجية، ينبغي وضع عدد من ~~إجراءات السيطرة موضع التنفيذ (جرونباوم 1977أ): # العلاج الوهمي في المجموعات الضابطة. # أشكال علاج غير التحليل النفسي (على سبيل المثال، استخدام ~~الأدوية). # دراسة الشفاء العفوي. # لم يضع الفرويديون إجراءات الضبط هذه موضع التنفيذ. وإذا لم ~~تستبعد هذه التفسيرات المحتملة، فلا يمكن للعلاج الفرويدي أن يدعي مصداقية أكثر ~~من منافسيه. إن ميل فرويد إلى الاستدلال على دقة منهجه من فشل النماذج المنافسة أمر ~~غير منطقي ما دامت لا توجد أدلة داعمة للتحليل النفسي. # أظهرت الدراسات السريرية أن موثوقية العلاج بالتحليل النفسي ليست مثيرة ~~للإعجاب كما يدعي الفرويديون (انظر ماير (2005)، الجزء الثالث والرابع)، ولكن ~~لن يكون علميا من خلال طريقة الاستقراء الإقصائي؛ لأن الحالات الإيجابية ~~لنجاح العلاج لم يثبت أنها حالات داعمة (للتحليل النفسي)؛ ومن ثم لم تزد ~~مصداقية النظرية العلاجية الفرويدية وتنخفض مصداقية منافسيها. فقط مجموعة من ~~الحالات الإيجابية، مع حالات فشل طرائق العلاج الأخرى غير التحليل النفسي وعدم ~~وجود حالات شفاء عفوي وعدم تحقيق حالات العلاجات الوهمية للنتيجة نفسها، يمكن ~~أن تشكل حالات داعمة استقرائيا للنظرية العلاجية الفرويدية؛ ومن ثم فإن ~~الاحتمالية المنطقية لهذه الحالات الداعمة تسير جنبا إلى جنب مع الاحتمالية ~~المنطقية للحالات الداحضة (جرونباوم 1977أ، 232؛ جيلنر 1993، 199-203، ~~208-209). # يبدو أن فرويد قد نسي درسا أشار إليه بوضوح في بداية حياته المهنية: # أي شخص (...) يعمل علميا في بناء الفرضيات سوف يبدأ في أخذ نظرياته على ~~محمل الجد فقط إذا كان يمكن ملاءمتها مع معرفتنا من أكثر من اتجاه واحد، ~~وإذا كان يمكن تجنب «البناء المخصص» فيما يخص هذه النظريات. (فرويد 1895، ~~302) # ثمة نطاق آخر يغطي فيه المنطق التناظري الفرويدي البنية العميقة لنظامه بدلا من ~~الكشف عنها. إن التفكير من خلال التناظر مع العلوم الطبيعية ساعد فرويد على إخفاء ~~حقيقة أن نظامه لا يستطيع الاعتماد على الأدلة التجريبية وحدها؛ ms256 بل يجب أن يقترض من ~~علاقات المعنى، وهي سمة من سمات العلوم الإنسانية. وتتضح هذه الحاجة إلى اقتراض ~~العلاقات الرمزية من حقيقة أن الأعراض العصبية والأحلام وزلات اللسان تخضع ~~للتأويل. # 4 # وتسترشد التأويلات ب «الصحة» المقبولة مسبقا لنظرية التحليل ~~النفسي. ~~(ه) فرويد بين النماذج التجريبية والتفسيرية # في عصر العلموية كان فرويد متحمسا على نحو مفهوم لترسيخ أوراق الاعتماد العلمية ~~للتحليل النفسي، ولم يتوقف قط عن مقارنة التحليل النفسي مع العلوم ذات الثقل. وإذا ~~لم تكن المقارنة مع الفيزياء، فهي مع الرياضيات: # التحليل النفسي في الواقع هو طريقة للبحث، أداة محايدة، مثل حساب التفاضل ~~والتكامل. (فرويد 1927أ، 36) # إذن، وضع فرويد التحليل النفسي بقوة في جانب النماذج التجريبية ~~للعلوم الاجتماعية؛ فهو علم - على غرار العلوم الطبيعية ذات الثقل - يعمل ~~بالفرضيات، والأدلة التجريبية، والقوانين، والإثباتات. وفقا لفرويد، فإن هذا الوضع ~~للتحليل النفسي ممكن؛ لأن علمه يعتمد على الحتمية النفسية باعتبارها واحدة من ~~أركانه. «العشوائية النفسية لا وجود لها» (فرويد 1901أ، 680). إذا لم تكن العشوائية ~~موجودة في الظواهر العقلية، يجب إذن أن نتوقع أنها خاضعة لقوانين الطبيعة، مثل ~~الكواكب. وكما سنرى، فإن الاقتناع بأن السلوك البشري الذي تحكمه القوانين ~~الاجتماعية والنفسية كان شائعا لدى الآباء المؤسسين للنموذج التجريبي للعلوم ~~الاجتماعية؛ فمن كتاب «تفسير الأحلام» (1901) الشهير إلى كتابه الأخير «الموجز في ~~التحليل النفسي» (1938)، يصر فرويد على أن الحياة العقلية تقوم على الانتظام ~~القانوني؛ فمهمة التحليل النفسي هي اكتشاف القوانين النفسية، وقد تمثلت مشكلة فرويد ~~في أنه لا الأحلام ولا زلات اللسان ولا أنماط السلوك تشكل بيانات موضوعية خاما؛ فيجب ~~تأويل البيانات، والتحليل النفسي هو مجرد أداة واحدة لتقديم هذا التأويل. وتوجه ~~الحاجة إلى تأويل المادة النفسية فرويد بوضوح نحو اتجاه النموذج التفسيري للعلوم ~~الاجتماعية؛ ووفقا لهذا النهج، فإن السلوك البشري له أبعاد رمزية، الأمر الذي ~~يتطلب الحاجة إلى الفهم. ما الشكل الذي يأخذه الفهم لدى فرويد؟ إنه يأخذ شكل ~~الاستدلالات. يستدل فرويد من الأعراض الملحوظة على سبب كامن، يمثله نموذج اللاوعي ~~(شكل # 3-2 ~~). وعلى الرغم ms257 من أن فرويد يدعي أن اللاوعي موجود كجزء من جهاز أكبر، فإن ~~هذا النموذج يمثل بالفعل تأويلا، ولكن: # التأويل لا يسكن إلى نواة أخيرة من المواد اللاواعية، التي تكشف عن ~~المعنى الكامل للحلم الذي لا جدال فيه. (كوهين، 2005، 41) # واعترف فرويد بهذه المشكلة على مضض عندما أشار إلى أن: # التحليل النفسي يصبح صعبا من خلال حقيقة أنه لا يستطيع أن يصل إلى ~~بياناته وكذلك استنتاجاته إلا باتباع طرق غير مباشرة. (فرويد 1905أ، ~~201) # تذكر أن فرويد يقارن الإجراء التحليلي بإجراء مماثل في العلوم المادية. وفي كلا ~~المجالين نحاول الوصول إلى فهم لبعض الظواهر من خلال بناء نموذج. تتمثل المشكلة في ~~أن الفرضية الأساسية للنموذج الفرويدي لا يمكن اختبارها على نحو مستقل؛ فهي ~~بطبيعتها مخبأة في أعماق العقل. ولا يستطيع التحليل النفسي تقديم حقائق صلبة كدليل ~~على وجود اللاوعي، بل يستطيع وحسب تقديم بيانات قبل تأويلها، كما تكشف عن نفسها في ~~الأحلام والزلات الفرويدية والسلوك غير الطبيعي. كان فرويد محقا في الإشارة إلى ~~أن العلوم الطبيعية أيضا تقوم باستدلالات لأشياء غير قابلة للرصد. على سبيل ~~المثال، يستدل العلماء على العمليات النووية في الشمس من التحليل الطيفي لأشعة ~~الشمس على الأرض. واستدل كبلر على المدارات البيضاوية من بيانات براهي. لماذا تجذب ~~الاستدلالات الفرويدية هذا العداء؟ من ناحية، قدم فرويد عددا محدودا من ~~التقنيات وحسب، وأخفق في توضيح الكيفية التي تدعم بها الأدلة نهجه، بينما تدحض في ~~الوقت نفسه النهوج الأخرى. ومن الناحية الأخرى، لا يستطيع فرويد ترسيخ أوراق ~~الاعتماد العلمية لنموذجه للعقل دون اقتراض تقنيات تنتمي إلى تحليل الكلام ذي ~~المغزى في العلاقات الإنسانية، وقد استنتج هابرماس أن التحليل النفسي الفرويدي هو ~~في الأساس مسألة تأويلية. إنه ليس علما تجريبيا ولكن مشروع تفسيري (هابرماس ~~1968، الفصل الثالث، 10؛ 1983، 214، 230)، ولكن، كما سنقول، فإن العلوم الاجتماعية ~~عموما، وليس فقط منهج فرويد، تقبع في موضع وسط بين النماذج التجريبية ~~والتفسيرية. ~~(و) دور العقل في العالم الاجتماعي # مشكلة العقول الأخرى هي محور العلوم الاجتماعية. (هوليس 1994، 160) # أدى تقييم التحليل النفسي كعلم ms258 تجريبي إلى حكم سلبي؛ فبدلا من التوجه نحو العلوم ~~الطبيعية، يتوجه التحليل النفسي نحو العلوم الاجتماعية؛ ففي العلوم الاجتماعية ~~نواجه جوا فلسفيا مختلفا نوعا ما. يتمثل السؤال الأساسي هنا هل كانت ~~العلوم الاجتماعية تشكل مجالا للدراسة من تلقاء نفسها - كما يدعي النموذج التفسيري ~~- أم هل كان مجال الدراسة هذا يظهر بعض التداخل مع العلوم الطبيعية؛ كما يشير ~~النموذج التجريبي؛ ولذلك فإننا نمتلك مبررا لدراسة فرويد في سياق العلوم ~~الاجتماعية. وكما رأينا، لعب العقل اللاواعي دورا رئيسيا في رؤية فرويد للشئون ~~الإنسانية، وساعد على تفسير السلوك البشري الفردي وكان أساس الثقافة. وسواء اعتمدنا ~~نهجا تفسيريا أم نهجا تجريبيا في العلوم الاجتماعية، فمن الصعب إنكار أن ~~الأبعاد الرمزية تلعب دورا مهما فيهما. وسواء كان الأمر يتعلق بإيماءات بسيطة في ~~اللقاءات اليومية أو في أطر مؤسسية كاملة، فإن السلوك البشري يميل إلى أن يكون أكثر ~~من مجرد فعل مادي؛ فهو ينحو إلى أن يكون ذا معنى بحيث يعمل الفاعل الاجتماعي ~~باستمرار، ودون قصد، على تأويل سلوك البشر الآخرين. وكما يشير سيرل: # عندما ننخرط في أعمال إنسانية طوعية، نبدأ عادة على أساس المبررات، وهذه ~~المبررات تعمل سببيا على تفسير سلوكنا، ولكن الشكل المنطقي لتفسير السلوك ~~البشري في سياق المبررات يختلف جذريا عن الأشكال المعيارية للسببية. ~~(سيرل 2004، 212) # بإدراك دور العقول الأخرى في العالم الاجتماعي فإنه يحين الوقت أيضا لتخطي ~~فرويد. يتألف العالم الاجتماعي من الفاعل الرمزي الذي تمثل تفاعلاته موضوع دراسة ~~التخصصات المتنوعة مثل الأنثروبولوجيا والاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع. وهي ~~تشكل مجموعة التخصصات التي تسمى العلوم الاجتماعية. وعلى غرار العلوم الطبيعية ~~تماما، فإنها تولد مشكلات فلسفية بارزة. ~~(4) العلوم الاجتماعية بعيدا عن فرويد # أمور العقل هي أمور العالم، وهكذا فإن دراسة بنية العالم الغنية تمدنا بطريق ملحوظ ~~بوضوح وممهد تجريبيا - إن لم يكن طريقا سهلا - للوصول لبلدان العقل الخفية. ~~(توبي/كوزميدس، «الأسس النفسية للثقافة» (1995)، 72-73) # إن التوتر الذي يمر عبر عمل فرويد يميز تاريخ العلوم الاجتماعية؛ فعلى غرار التحليل ~~الفرويدي، ظهرت العلوم الاجتماعية في مناخ العلموية ms259 في نهاية القرن التاسع عشر، وقد طرح ~~هذا الموقف الإشكالي على الفور تحديا فلسفيا على متخصصي العلوم الاجتماعية. هل يجب ~~أن تميل العلوم الاجتماعية - التي يتمثل موضوع دراستها في المجتمع - نحو العلوم ~~الطبيعية أم العلوم الإنسانية؟ لا يزال هذا السؤال الفلسفي الذي لا مفر منه يحير ~~العقول. ولكي نقدر الأبعاد الفلسفية للعلوم الاجتماعية، ونرى أوجه التشابه والاختلاف مع ~~العلوم الطبيعية، من المهم أن نتجاوز التحليل النفسي ونلقي نظرة على آراء أخرى للحياة ~~الاجتماعية. سنناقش جذور ومبادئ نموذجين معياريين في العلوم الاجتماعية، وهما نموذجان ~~مفاهيميان وضعا تماشيا مع العلوم الطبيعية ومعارضين لها. وبعد هذه المناقشة سوف ~~نوجه انتباهنا إلى بعض المشكلات الفلسفية النموذجية في العلوم الاجتماعية. ~~(4-1) خلفية تاريخية لنموذجين معياريين للعلوم الاجتماعية # 5 # من الأمور الأساسية للعلم أن الآراء تكون مدفوعة بالأدلة. (إيرمان، «البايزية أو ~~الإخفاق» (1996)، 201) # أصبحت العلوم الاجتماعية متحررة من الفكر الفلسفي قبيل نهاية ~~القرن التاسع عشر؛ فكان المناخ الفكري في القرن التاسع عشر تهيمن عليه الفيزياء ~~الكلاسيكية والداروينية وردود الفعل الفلسفية حيال التنوير. وتعكس النماذج الفلسفية ~~للعلوم الاجتماعية - سماتها الأنطولوجية وأساليبها وأهدافها - هذه التيارات ~~الفكرية. وبرز نموذجان متنافسان. (بين ثلاثينيات القرن العشرين وسبعينياته، ظهر ~~نموذج ثالث هو النموذج النقدي، أو مدرسة فرانكفورت، الذي ربط بين المنهج الماركسي ~~ومنهجية فيبر.) وسوف ندعو النموذجين المتنافسين «النموذج الطبيعي» و«النموذج ~~التفسيري» على الترتيب. ويأتي كلاهما من أصول مختلفة. رأى النموذج الطبيعي - كان ~~يطلق عليه في بعض الأحيان أيضا «النموذج التجريبي» - جذوره في الفيزياء ~~الكلاسيكية، وقد رأى النموذج التفسيري - الذي كان يسمى أحيانا «النموذج التأويلي» ~~- أصله في مجال التاريخ. وسنركز في هذا الجزء على جذورهما ومبادئهما ~~الأساسية. ~~(أ) النموذج الطبيعي # تكمن الجذور الفكرية للنموذج الطبيعي في فرنسا، في بداية القرن التاسع عشر (هايك ~~1955، الفصل الثاني). كانت فرنسا قد خاضت نسختها الخاصة من التنوير. وركز فلاسفة ~~التنوير الفرنسيون على التجريب كمصدر لكل المعرفة، وتقسيم القوى السياسية، وأعربوا ~~عن إعجابهم القوي بالفيزياء النيوتونية. فرضت الثورة الفرنسية انقلابا جذريا على ~~الهيكل المؤسسي للمجتمع الفرنسي، وقدم اثنان ms260 من المفكرين الاجتماعيين في هذا المناخ ~~أفكارهما بشأن نموذج فلسفي للعلوم الاجتماعية: هنري دي سان سيمون (1760-1825) ~~وأوجست كونت (1798-1857). # ونجد في مخطط سان سيمون الخصائص الرئيسية لبرنامج طبيعي للعلوم الاجتماعية: ~~«وحدة الأسلوب»: توحيد المعرفة العلمية والأساليب في إطار برنامج ~~واحد. ~~«المذهب الفيزيائي»: استخدام العلوم الفيزيائية وأدواتها كأدوات ملائمة ~~للعلوم الطبيعية والاجتماعية. ~~«وحدة المنهج»: منهج للطبيعة والمجتمع على أساس المنطق العلمي. # كان منهج سان سيمون جديدا: يجب أن تعامل مشكلة التنظيم ~~الاجتماعي «تماما بالطريقة نفسها التي يعامل بها المرء الأسئلة العلمية الأخرى» ~~(هايك 1955، 135). توقع سان سيمون بوضوح الموضوعات التي كانت ستهيمن على الفكر في ~~العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر. وفي عام 1813 أشار سان سيمون بالفعل إلى أن ~~جميع العلوم يجب أن تصبح «إيجابية». تحدث أوجست كونت لاحقا عن «الفلسفة الوضعية »، ~~ووفقا لبرنامج الوضعية، كان ينبغي أن يصبح علم الاجتماع علما طبيعيا (هايك ~~1955، 138-142، 168-188؛ يوناس 1968، المجلد الثاني، 95-115). ويعني أن يصبح علم ~~الاجتماع وضعيا أنه يجب أن يتعامل مع موضوعه كنظام من الحقائق الطبيعية. وعلى هذا ~~النحو فإنه يجرد من النوايا والأغراض والقيم. كان أحد الموضوعات الرئيسية في هذه ~~الحقبة هو البحث عن القوانين الطبيعية للسلوك البشري (جون ستيوارت ميل) أو التنمية ~~المجتمعية (أوجست كونت، كارل ماركس، آدم سميث). # غير أن أوجست كونت يؤكد على أن الحقائق التي يشير إليها التفسير العلمي لا توجد ~~إلا في ترتيب تاريخي معين. وفي إطار هذا الترتيب تشكل كحقائق. ويجب أن تضع ~~الفلسفة الوضعية القوانين الأساسية للترتيبات ذات الصلة التي توجد فيها الحقائق. ~~ومفتاح علم الاجتماع بالنسبة لكونت هو فلسفة التاريخ. وميز كونت بين جزءين من علم ~~الاجتماع: الاجتماع الثابت والاجتماع المتغير، وهما معا يشكلان القانون الأساسي ~~للنظام المجتمعي الذي يستند إليه التفسير الإيجابي (جدول # 3-1 ~~). # ثمة علاقة بين الاجتماع الثابت والفيزياء الاجتماعية. يصبح علم الاجتماع علميا ~~من خلال إظهار كيف أن النظام الاجتماعي الحالي يمثل نتيجة لتطور الحضارة. يرى كونت ~~أنه «توجد قوانين واضحة تحكم تطور الجنس البشري مثل القوانين التي ms261 تحتم سقوط ~~التفاحة» (كونت 1853، الفصل الأول؛ هايك 1955، 178، 138). وعلاوة على ذلك، فإن ~~الطابع الأساسي في كل الفلسفة الوضعية هو اعتبار جميع الظواهر خاضعة ل «قوانين ~~طبيعية ثابتة». ويجب أن تكون القوانين، بدورها، موحدة في أصغر عدد ممكن (هايك 1955، ~~171، 175)، ومع ذلك، لم يكن كونت يعتقد أن جميع العلوم يمكن أن توحد عن طريق ~~اختزالها إلى الفيزياء، بل بدلا من ذلك، يوجد تسلسل هرمي وضعي بين العلوم. فظهور ~~علم الاجتماع يفترض مسبقا تطور الرياضيات وعلم الفلك والفيزياء والكيمياء وعلم ~~الأحياء بترتيب خطي. وهكذا، فإن علم الاجتماع يرتبط مع الأحياء على نحو أكبر من ~~الفيزياء، كما قد يشير استخدام مصطلحي «الكائن الاجتماعي» و«التكافل العضوي» في ~~جدول ( # 3-1 ~~). لا يتشارك كونت في رأي سان سيمون في المجتمع ~~باعتباره آلة حقيقية على أساس صناعي. وفي شرحه للفلسفة الوضعية، يلجأ كونت على نحو ~~متكرر للظواهر المرصودة. ويرفض البحث عن أسباب «نهائية» أو «رئيسية». فجميع العلوم ~~تتعامل مع الحقائق المرصودة. وشكل هذا اللجوء بالنسبة لكونت تتويج علم الاجتماع ~~كعلم وضعي. بيد أن هذا الرأي أصبح سببا للخلاف. هل يمكن التعامل مع موضوعات العلوم ~~الاجتماعية كحقائق خارجية؟ هل الحقائق الاجتماعية متطابقة مع الحقائق الطبيعية؟ هل ~~يمكن أن تكون الحقائق الاجتماعية مرتبطة بنفس طريقة ارتباط الحقائق المادية؟ هل ~~تشرب العلوم الاجتماعية للعلوم المادية مناسب؟ يعتبر سايمون وكونت أنه من المسلم ~~به أن هذه الأسئلة يمكن الإجابة عليها بالإيجاب، ومع ذلك، فإن هذه الأسئلة تخفي ~~افتراضات، سرعان ما ستكون موضع شك. سعى النموذج التفسيري إلى جعل أساس العلوم ~~الاجتماعية دراسة التاريخ، وليس فلسفة التاريخ. وغالبا ما أشار أنصار النموذج ~~التفسيري في نهاية القرن التاسع عشر إلى العلوم الاجتماعية كعلوم أخلاقية أو دراسات ~~بشرية أو علوم الروح. وتكشف هذه الدلائل البديلة رفض أنصار النموذج التفسيري معادلة ~~الحقائق الاجتماعية مع الحقائق الطبيعية؛ ففي حين أن الحقائق الطبيعية خالية من ~~المعنى والغرض والقيمة، فإن هذه الأشياء تمثل سمات جوهرية للحقائق ~~الاجتماعية. # جدول 3-1: أوجست كونت: الاجتماع الثابت والفيزياء الاجتماعية. # الثبات الاجتماعي # التغير الاجتماعي أو ms262 الفيزياء الاجتماعية # مرحلة المجتمع # الحاضر # المواد الضرورية والتطور الفكري للبشرية # المبدأ الأساسي # التكافل العضوي # قانون المراحل الثلاثة # الوحدات الأساسية # الأفراد أو الأسرة أو المجتمع (كمجمل الأسر) أو الكائن ~~الاجتماعي # المراحل: ~~• ~~«الدينية»: كل الظواهر تحكمها قوى ~~خارقة للطبيعة. ~~• ~~«الميتافيزيقية»: الأشياء لها ~~جوهر، والطبيعة تحكمها مبادئ غير قابلة للرصد. ~~• ~~«الإيجابية»: البحث عن القوانين ~~الحقيقية للظواهر المرصودة. # الآلية الأساسية # تقسيم العمل # الخلافة أحادية الاتجاه للمراحل الثلاث # البنية الاجتماعية السياسية # الإذعان للسلطة الحكومية # من الوجود العسكري إلى الصناعي ~~(ب) النموذج التفسيري # أعتقد أننا يجب أن نخلص إلى أن الفراغ التقنيني بين العقلية والمادية ضروري ما ~~دمنا نتصور الإنسان حيوانا عقلانيا. (ديفيدسون 1970، 223) # لكي نتعرف على أصل النموذج التفسيري، علينا الانتقال من فرنسا إلى ألمانيا، حيث ~~كان للتنوير تركيز مختلف. في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، كانت ~~ألمانيا موطنا للمثالية . وفي منتصف القرن التاسع عشر، حدث نهوض للوعي التاريخي: ~~فعارض ماركس المثالية الموضوعية الهيجيلية وانتقد نيتشه الإخلاص الأعمى للتقاليد. ~~وشجع الوعي التاريخي على التفكير في دور اللغة والتاريخ في الشئون الإنسانية. وكان ~~يتفق مع تقاليد التنوير الألمانية أن وضع الفلاسفة والمؤرخون الألمان تركيزا ~~قويا على مسألة الأسلوب. يشير مصطلح «التفسير» في الأصل إلى فن الفهم، ولا سيما ~~تأويل النصوص المقدسة والوثائق التاريخية، ولكن شرع المؤرخون الألمان أيضا في ~~التفكير في طبيعة مجالهم. وشهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولادة «مذهب ~~التاريخانية» في ألمانيا. أكدت التاريخانية على أهمية التطور التاريخي للأحداث، ~~الذي كانت تراه فريدا من نوعه. اعتبرت الأحداث التاريخية والاجتماعية أحداثا ~~خاصة، بسبب ارتباطها بالتقاليد الثقافية والسياقات القومية. وكانت الدراسات البشرية ~~- كما كانت معروفة - منشغلة في ذلك الوقت بالمناقشات الفلسفية للطرق المناسبة ~~لمجالها. وبالنسبة لفلسفة العلوم الاجتماعية، تبرز مساهمات رجلين؛ أولهما كان يوهان ~~درويسن، الذي ربما كان أول من يميز بين مصطلحي التفسير والفهم (درويسن 1858؛ أبيل ~~1979، 15-16؛ جادامر 1975). عمل هذا التمييز على التفرقة بين العلوم الطبيعية - ~~خاصة الفيزياء الرياضية التي كان يعد هدفها «التفسير» - والعلوم التاريخية التي ~~كان يعد هدفها «الفهم». وفقا ms263 لدرويسن، يعد الفهم استدلالا من التعبيرات ~~الخارجية على الأحداث الداخلية. اتبع فرويد، بطبيعة الحال، إجراء مماثلا؛ وهو أن ~~البشر يعبرون عن أحداث عقلية بأقوال خارجية أو عامة بحيث إن كل «قول يعكس حدثا ~~داخليا.» وتستخدم هذه الأقوال العامة وسيلة اللغة، تماما مثل الوثائق التاريخية. ~~ويستدل عالم الاجتماع من التعبيرات العامة معناها المقصود. وتتضمن كل من الأقوال ~~العامة والوثائق التاريخية أبعاد المعنى. # يوهان جوستاف درويسن (1808-1884). # ومع ذلك، يقع مؤول العبارات العامة في «دائرة تفسيرية»؛ إذ تفهم عبارة ما (أو ~~«تشتق») من سياق كلي، ويستدل على معنى هذا السياق الكلي (أو «يستنتج») من هذه ~~العبارة (أو عدد من هذه العبارات). وربما يشير «السياق الكلي» إلى ثقافة أو لغة أو ~~حتى نموذج أو رؤية كونية. ومن ثم، يجب أن يفهم الرمز أو الإيماءة ضمن الثقافة ~~المندمجة فيها، ويجب إعادة بناء «الثقافة » من تعبيرات مفردة عنها. ليست هذه الدائرة ~~التفسيرية مجرد سمة غريبة لمنهج درويسن. إنها من السمات المهمة للظواهر العقلية، ~~كما يقول ديفيدسون: «نحن نفهم معتقدات معينة فقط لأنها تتحد مع معتقدات أخرى، مع ~~تفضيلات، مع نوايا وآمال ومخاوف وتوقعات وما إلى ذلك. (...) إن محتوى التوجه ~~الافتراضي مستمد من مكانه في النمط» (ديفيدسون 1970، 221؛ راجع جادامر 1975، الجزء ~~الثاني، الفصل الأول). # في معارضة مباشرة للوضعية، قدم درويسن ادعاء بالاستقلالية «المنهجية» للعلوم ~~التاريخية؛ فالبحث التاريخي لا يسعى إلى التفسير؛ أي استنتاج الأحداث اللاحقة من ~~أحداث سابقة بمساعدة القوانين «الضرورية». فلو أمكن اختزال البحوث التاريخية إلى ~~التفسير، فإن الحياة التاريخية والاجتماعية ستكون من دون أبعاد أخلاقية، ومن دون ~~حرية ومسئولية. # كان الرجل الثاني في فلسفة العلوم الاجتماعية هو فلهلم دلتاي. وهو الشخص الذي ~~أثار نغمة نقاش التفسير-الفهم (دلتاي 1883؛ 1894؛ 1906). إن تفكير دلتاي في موضوع ~~«الفهم» مهم لسببين: (1) تسعى فلسفة دلتاي لتبرير ادعاء الاستقلال للعلوم ~~الاجتماعية. (2) تغير موقف دلتاي من وجهة نظر ذاتانية مبكرة إلى وجهة نظر موضوعية ~~لاحقة بشأن مفهوم الفهم. ونتيجة لهذا التغير انتقل نموذجه للعلوم الاجتماعية من علم ~~النفس الاستبطاني إلى التاريخ الموضوعي. # فلهلم دلتاي ms264 (1833-1911). # لنتناول أولا مبرر دلتاي لادعاء استقلال العلوم الاجتماعية. يرى دلتاي أن ثمة ~~فارقا جوهريا بين العلوم الطبيعية والاجتماعية. ويمكن رؤية الفارق من خلال ~~التفكير في العلاقات البنيوية التي يتمتع بها متخصصو العلوم الطبيعية والاجتماعية، ~~على الترتيب، بموضوع دراستهم. وتقدم تفاصيل المصفوفة مبرر دلتاي لاستقلالية العلوم ~~الاجتماعية (جدول # 3-2 ~~). # جدول 3-2: مصفوفة دلتاي. # العلم # القائم بالدراسة # هدف الدراسة # العلاقة البنيوية # المنهج # العلوم الطبيعية # عالم الطبيعة # الكائنات الحية والجمادات # علاقة القائم بالدراسة-هدف الدراسة # التفسير # العلوم الاجتماعية # عالم الاجتماع # الشئون الإنسانية الرمزية # علاقة القائم بالدراسة-هدف الدراسة # الفهم # من ناحية، هناك علاقة القائم بالدراسة بهدف بالدراسة، التي تعتبر من سمات العلوم ~~الطبيعية. يشكل عالم العلوم الطبيعية جزءا من مجموعة من الأشخاص الذين يتشاركون ~~نموذجا فكريا مشتركا. وفقا لكون، يتكون النموذج الفكري من تعميمات رمزية، ~~وحلول لمشكلات تمثيلية، ووجهات نظر معينة حيال الطبيعة والواقع، ونظام قيمي مرتبط ~~بالعلم. وباستخدام النموذج الفكري، يدرس العالم العالم الطبيعي بمساعدة بعض ~~الخرائط الرمزية من أجل وصف وتفسير العمليات الطبيعية. ويمكننا أن نفكر في جهد ~~العالم كمحاولة ل «ملاءمة» الفكر الرمزي - الذي يعبر عنه في النظريات والنماذج ~~والقوانين الرياضية - مع النظام الطبيعي. وكما نعلم من كبلر، فإن النظم الطبيعية ~~تخضع لانتظام معين نسميه قوانين الطبيعة. يدرس العلماء هذا الانتظام ويعبرون عنه في ~~صورة رمزية (على سبيل المثال، ~~). وهذه التعبيرات الرمزية هي قوانين العلم. ويدرس العلماء أيضا ~~النظام السببي للطبيعة: لماذا تبقى النجوم مستقرة؟ ولماذا تتحرك الكواكب في مدارات؟ ~~ولماذا يحدث تنوع الأنواع؟ # وفقا لدلتاي، فإن ما يميز العلوم الطبيعية عن العلوم الاجتماعية ليس أنها «تغطي ~~نطاقات حقائق مختلفة» (دلتاي 1906؛ 1883). ~~يتناول علم الأحياء والكيمياء وعلم وظائف الأعضاء جوانب بشرية، مثل العلوم ~~الإنسانية، ومع ذلك فهي علوم طبيعية. ليس الأمر أن العلوم الاجتماعية والطبيعية ~~تتعامل مع أهداف دراسة متباينة تماما؛ بل إن طريقة ارتباط هذه التخصصات بأهداف ~~الدراسة - حقائقها - هي التي تحدد الفرق. # ولا تنطوي دراسة العالم «المادي» إلا على جوانبه الخارجية، مثل دراسة انتظامه ~~القانوني ونظامه السببي. ويسمي دلتاي هذه ms265 الجوانب «الواقع الخارجي» (دلتاي 1900، ~~247). # من ناحية أخرى، تنخرط الدراسات البشرية في علاقة قائم بالدراسة-قائم بالدراسة. ~~فعالم الاجتماع يشكل أيضا جزءا من مجموعة من الأشخاص الذين يتشاركون نموذجا ~~فكريا مشتركا، ولكن في العلوم الاجتماعية، تكون هذه النماذج أقل تجانسا بكثير ~~وتفرض سيطرة أقل مما هي عليه في العلوم الطبيعية. يدرس عالم الاجتماع أيضا ~~العالم الاجتماعي بمساعدة بعض الخرائط الرمزية (أنواع مثالية) من أجل وصف وفهم ~~العمليات الاجتماعية. ويتأثر المنهج الذي يتبعه عالم العلوم الاجتماعية تأثرا ~~شديدا بالموقف المنهجي المعتمد مسبقا. وتوضح هذه المواقف المنهجية في ~~النماذج الطبيعية أو التفسيرية أو النقدية على الترتيب، ولكن في رأي دلتاي ترتبط ~~العلوم الاجتماعية بالعالم الاجتماعي على نحو مختلف عن ارتباط العلوم الطبيعية ~~بالعالم الطبيعي. # تتضمن دراسة «العالم البشري» جوانبه الداخلية؛ دراسة معناه الرمزي ونظامه ~~الهادف. ويقصد دلتاي بالنظام الهادف «الواقع العقلي الداخلي » للبشر، الطبيعة ~~المتعمدة للأفعال البشرية. حدد فرويد مكان كثير من النظام الهادف للسلوك البشري في ~~اللاوعي الخفي. والهدف من الدراسات البشرية أو العلوم الاجتماعية يكمن في «فهم» ~~الظواهر الاجتماعية. وتشمل هذه العملية فئات مختلفة تماما، منها المعنى والغرض ~~والقيمة والتطور والمثل العليا (دلتاي 1906، 172، 235-236). يرى دلتاي الفهم ~~«تقنية» جديدة ومهمة في العلوم الاجتماعية. أولا: ثمة سبب لاعتماد الدراسات ~~البشرية على الفهم؛ ففي الفهم فقط يمكن استيعاب العلاقة بين الحياة الداخلية ~~وتعبيراتها الخارجية؛ لأن الأفعال البشرية تتأثر - أو كما يقول فرويد «تتحدد» - من ~~خلال بنية الحياة العقلية. ووفقا لدلتاي، فإن البنية العقلية هي ما يشكل الموضوع ~~المنطقي للعلوم الاجتماعية. ويستخلص عالم الاجتماع «بنية الخبرات هذه من نمط حياة ~~الإنسان» (دلتاي 1906). وبسبب كون الواقع الداخلي وراء ~~التعبيرات الخارجية للحياة فإن العلوم الاجتماعية تنخرط في علاقة في قائم ~~بالدراسة-قائم بالدراسة؛ فالمعنى الرمزي يقابل معنى رمزيا. # يتعامل متخصصو العلوم الطبيعية والاجتماعية على حد سواء مع النظام. ويحاول كلاهما ~~ترتيب البيانات الرصدية في مخطط مفاهيمي (نموذج أو نظرية) ~~(دلتاي 1906، 173-175). ~~يظهر الفرق بينهما في هدف الدراسة ~~(جدول # 3-3 ~~). # يشكل إصرار دلتاي على عالم اجتماعي «عقلاني البنية» فارقا ms266 مهما بين العلوم ~~الطبيعية والاجتماعية (دلتاي 1906، 191-195). واللجوء إلى عالم اجتماعي عقلاني ~~البنية مهم لأهدافنا؛ ففي توصيف العالم الاجتماعي باعتباره عالما عقلي البنية، ~~يكشف دلتاي عن تحول مهم من وجهة نظر ذاتانية إلى وجهة نظر أكثر موضوعية بشأن فكرة ~~الفهم. # ادعى درويسن أن دراسة العالم البشري تنطوي على استنتاج الأحداث الداخلية من ~~التعبيرات الخارجية. وهو يشير إلى «الجوانب الداخلية» من حياتنا العقلية، كما قال ~~دلتاي. إذا كان ينبغي على العلوم الاجتماعية الاستدلال على البنية المتعمدة للفعل ~~البشري، فإن فكرة الفهم تأخذ دلالة نفسانية (انظر أبيل 1948). أكد دلتاي في أعماله ~~الأولى أن الدراسات البشرية وجدت مرسى ثابتا فقط في الخبرة الداخلية، في حقائق ~~الوعي (دلتاي 1883، 161). واستند فهم الفاعلين الاجتماعيين الآخرين إلى الخبرة ~~المكتسبة وفهم الذات (دلتاي 1927، 123)، ومع ذلك، خفف دلتاي في أعماله اللاحقة ~~تركيزه على استبطان معرفة الذات كنموذج للدراسات البشرية (دلتاي 1906، 176). وبدلا ~~من ذلك، يجب أن يفهم البشر من خلال ما هو مشترك بينهم وبفضل ترابطهم (دلتاي 1894، ~~131). يتخذ السياق المشترك، الذي يوجد فيه البشر، أشكالا موضوعية، وذلك بسبب ~~استخدام اللغة الرمزية وإنشاء المؤسسات الاجتماعية. وتشمل الأشكال الموضوعية، التي ~~يطلق عليها دلتاي «الروح الموضوعية» (دلتاي 1927، 126)، أنماط الحياة، وأشكال ~~التفاعلات الاقتصادية، والإظهار العام للأخلاق، ووجود القانون، والدولة، والدين، ~~والفن، والعلوم، والفلسفة. بعض هذه الأشكال أكثر موضوعية من غيرها؛ ربما يكون من ~~الصعب تحديد طريقة الحياة الفرنسية ولكن يمكن ترتيب أشكال التفاعلات الاقتصادية على ~~طول سلسلة متصلة من الأسواق الحرة إلى الاقتصادات الموجهة. وكثيرا ما تكتب ~~اللوائح الأخلاقية والقانونية في صورة عامة دستورية، وتعمل الدولة والأديان والفنون ~~والعلوم والفلسفة في أطر مؤسسية واضحة. ويحافظ على أشكال الحياة الجماعية هذه ~~وتعدل في الوقت الحاضر ولكن جذورها تعود إلى الماضي ووجودها يمتد إلى المستقبل. ~~يجب الإشارة إلى إن دلتاي لم يحرر نفسه تماما من وجهة النظر القائلة بأن «الفهم ~~يعتمد على علاقة تعبيرات الحياة بالمعنى الداخلي، الذي يأتي معبرا عنه فيها» ~~(دلتاي 1927، 137)، ولكنه لم يغرق في النزعة النفسانية. ويؤكد دلتاي أن العالم ~~عقلي البنية هو ms267 نظام من التفاعلات يخلق قيما ويحقق أهدافا. وفي هذا الصدد، فإن ~~العالم الاجتماعي ليس نظام طبيعة سببيا. إن كل حقيقة اجتماعية مصطنعة عن طريق ~~البشر؛ فلها بعد تاريخي (دلتاي 1906، 192؛ راجع جادامر 1975). تكشف عملية الفهم ~~«إضفاء طابع الشيئية» على الحياة؛ أي الجوانب الخارجية وليس الداخلية. ويمكن أن ~~تصبح النوايا البشرية - «الجوانب الداخلية» للوجود البشري - خارجية. ويتضح إضفاء ~~السمات الخارجية في العديد من أنواع النظم البنيوية؛ فالنظم الثقافية والاقتصادية ~~والسياسية متضمنة في أطر مؤسسية واضحة. # جدول 3-3: الفرق بين العلوم الطبيعية والاجتماعية وفقا لدلتاي. # العلوم الطبيعية # العلوم الاجتماعية ~~• # تتعامل مع عالم محدد مسبقا من ~~النظم المادية المترابطة. ~~• # تتعامل مع عالم عقلي البنية من ~~النظم الاجتماعية المترابطة. ~~• # تتعامل مع نظام سببي. ~~• # تتعامل مع نظام هادف. ~~• # تحدث التغيرات المادية نتيجة ~~لقوى عمياء، وتوصف بقوانين العلم. ~~• # تحدث التغييرات الاجتماعية نتيجة ~~للتدخلات الإنسانية الواعية ولكنها لا تستند إلى قوانين. # توقع موقف دلتاي في العلوم الاجتماعية العديد من الموضوعات الرئيسية في فلسفة ~~العلوم الاجتماعية في القرن العشرين. يؤكد العديد من الفلاسفة على استقلالية العلوم ~~الاجتماعية عن العلوم الطبيعية بحكم طبيعة الوجود البشري القائمة على السبب (هوليس ~~1994، 160؛ ديفيدسون 1970، 223؛ سيرل 2004، 212)، ولكن بدأ علماء وفلاسفة الاجتماع ~~التشكيك في رأي دلتاي بأن الفهم هو «التقنية» التي تحدد إجراءات العلوم الاجتماعية. ~~وبدلا من ذلك، وصفوا الفهم ك «أسلوب» للوجود الاجتماعي (هابرماس، جادامر، جيدنز). ~~ما العواقب المترتبة على ذلك بالنسبة للوضع المنهجي للعلوم الاجتماعية؟ ثانيا: كان ~~عجز دلتاي عن إزالة الصفات النفسية لفكرته بشأن الفهم يرى أنه يؤدي إلى التهديد ~~بظهور مذهب النسبوية في العلوم الاجتماعية (أبيل 1979، 36). هل مذهب النسبوية مشكلة ~~لا يمكن التغلب عليها في العلوم الاجتماعية؟ وثالثا: طرح سؤال بشأن مدى كون تقسيم ~~دلتاي للتفسير والفهم توصيفا مناسبا لأوجه التشابه والاختلاف بين العلوم الطبيعية ~~والاجتماعية. وفي ضوء هذه المناقشة يمكننا أن نرى أن فرويد لم يستطع تجنب محاولة ~~الموازنة بين نموذج تجريبي ونموذج تفسيري. وبالنظر إلى الجذور التاريخية للعلوم ~~الاجتماعية (في فرنسا وألمانيا، على الترتيب) لم يكن من الممكن تجنب محاولة ms268 ~~الموازنة؛ فهي تكمن في منطق الموقف الإشكالي الذي توجد فيه العلوم الاجتماعية. وثمة ~~عدد من الأسئلة «الكلاسيكية» نشأ عن هذا الموقف: ~~(1) # هل يمكن القضاء على التوتر بين التفسير والفهم؟ ~~(2) # هل يتعين على العلوم الاجتماعية أن تعتنق النسبوية أم أنها يمكن أن ~~تتبنى الواقعية؟ ~~(3) # هل يمكن أن تكون العلوم الاجتماعية نشاطا خاليا من القيمة؟ ~~(4) # من أي وجهة نظر يجب أن تفسر العلاقات الاجتماعية (الفردية أم ~~الشمولية)؟ # إننا نتناول هذه الأسئلة من خلال دراسة السمات الأساسية للإصدارات الحديثة من ~~النماذج الطبيعية والنماذج التفسيرية، على الترتيب. وبمجرد أن ننتهي من مناقشة هذه ~~السمات الأساسية، تظهر أسئلة منهجية أخرى كعواقب للموقف الإشكالي للعلوم ~~الاجتماعية: ~~(5) # مسألة استقلالية العلوم الاجتماعية في ضوء دور العقل في العالم ~~الاجتماعي. ~~(6) # دور التنبؤات والتفسيرات في العلوم الاجتماعية. ~~(7) # دور النماذج في العلوم الاجتماعية. ~~(8) # مسألة وجود قوانين في العلوم الاجتماعية. ~~(9) # مسألة نقص إثبات نماذج العلوم الاجتماعية بالأدلة فيما يتعلق بالأدلة ~~التجريبية. ~~(10) # وجود علاقات سببية في العلوم الاجتماعية. ~~(4-2) السمات الأساسية لنماذج العلوم الاجتماعية # تلقت النظرة التفسيرية للتحليل النفسي دعما فلسفيا عن طريق التمييز بين ~~الأسباب والعلل. (ستيفنسون/هابرمان، «عشر نظريات» (2004)، 170) # ظهرت النماذج الطبيعية والنماذج التفسيرية في مناخ العلموية، وهي ~~ردود فعل لنجاح العلوم الطبيعية، لا سيما الفيزياء الكلاسيكية، وعلم الأحياء ~~التطوري بدرجة أقل. ويشهد تذبذب موقف فرويد بين التفسير والفهم على هذه المشكلة. ~~ويقع عالم الاجتماع الحديث في نفس موقف فرويد؛ فالالتزام الفلسفي بنموذج للعلوم ~~الاجتماعية أمر لا مفر منه ~~(روزنبرج 1995)، وهذا الالتزام يكمن في منطق ~~العلوم الاجتماعية. إن موضوعها الرئيسي على نحو عام هو المجتمع، وبذا فإن مسألة ~~كيفية التعامل مع هذه المسألة الكائنة تظهر على الفور. وكما رأينا، فإن السؤال سبب ~~انقساما بين علماء الاجتماع من البداية. بالنسبة للنموذج الطبيعي، كان النهج ~~الصحيح هو اتباع مسار العلوم الطبيعية واعتماد أساليب العلوم الطبيعية، مع إدخال ~~تعديلات عليها. وبالنسبة للنموذج التفسيري، فإن أساليب العلوم الطبيعية لا تتفق مع ~~الموضوع الرئيسي للعلوم الاجتماعية. تتطلب العلوم الاجتماعية أسلوبا مميزا، وصفه ~~أنصار هذا النموذج بأنه «الفهم». ms269 وتلت جميع المشكلات الفلسفية للعلوم الاجتماعية ~~على الفور هذا الاختيار الأساسي للاتجاه. وكما سنرى، حاول ماكس فيبر والكتاب ~~اللاحقون مثل بوبر اتخاذ موقف وسط، وهو ما أدى إلى صورة ضعيفة من مذهب الطبيعانية. ~~فمنهجيتهم الأساسية هي منهجية الأنماط المثالية. ~~(أ) السمات الأساسية للنموذج الطبيعي # السمة الحاسمة «الأولى» للنموذج الطبيعي أو التجريبي هي الالتزام ب «وحدة ~~الأسلوب». ونعني بهذا الاعتقاد أن أساليب العلوم الطبيعية والاجتماعية متشابهة. ~~ويعني هذا التشابه ضمنا أن التعديلات المناسبة يمكن أن تحول أساليب العلوم ~~الطبيعية إلى أساليب مناسبة للعلوم الاجتماعية؛ ومن ثم يشترط دوركايم، كقاعدة أولى ~~وأساسية لعلم الاجتماع، اعتبار الظواهر الاجتماعية كأشياء، أي أشياء خارجية ~~(دوركايم 1895، الفصل الثاني، 1). بالنسبة لدوركايم لا توجد حاجة لوضع الحالات ~~المتعمدة للأفراد الفاعلين - دوافعهم وأسبابهم - في الاعتبار. يجب أن يكون تحليل ~~المجتمع موضوعيا، ويجب استخدام مفاهيم موضوعية يمكن تحديدها كميا، كما يجب على ~~عالم الاجتماع أن يسعى جاهدا لوصف المظاهر العامة للحياة الاجتماعية وليس المظاهر ~~الفردية. وتشكل البنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلا عن المؤسسات ~~القانونية والدينية، أهدافا للأبحاث الاجتماعية. ويعد الالتزام بوحدة الأسلوب سمة ~~مشتركة للعديد من مؤيدي النموذج التجريبي. ويؤكد بوبر أنه ربما توجد اختلافات في ~~الدرجة بين العلوم الاجتماعية والطبيعية ولكن لا توجد اختلافات في النوع (بوبر ~~1957). ويتبنى كلاهما أسلوب الفرضية الاستنتاجية المستوحى من النموذج الاستدلالي ~~الطبيعي أو النموذج الاستقرائي الإحصائي للتفسير. # لا يمكننا أن نفترض، كما فعل الآباء المؤسسون للنموذج التجريبي، أن العلوم ~~الاجتماعية تمتلك تعميمات متاحة تشبه القوانين. غالبا ما تعمل العلوم ~~الاجتماعية بتعميمات إحصائية؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للاقتصاديين أن يحددوا ~~النسبة المئوية للأسر في بلد معين تحصل على راتب متوسط وأن يحددوا متوسط ~~الراتب. غالبا ما تكون هذه التعميمات محلية الطابع وتعج باستثناءات. تأمل - ~~على سبيل المثال - تفسيرا طبيا تكون فيه الاحتمالية # p ~~، للتعافي # R ~~، للمرضى # S ~~، الذين يتعاطون البنسلين P # كعلاج، مرتفعة للغاية # p(R, S.P) > 0.8 ~~. تخيل فترتين زمنيتين: # T # 1 # وهي لحظة في # عام 1950 و # T # 2 # وهي لحظة ~~في عام 2000. من ms270 المعروف أن احتمالية التعافي بالعلاج بالبنسلين انخفضت من # T # 1 # إلى # T # 2 ~~. يعزى هذا ~~الانخفاض إلى تطور البكتيريا المقاومة للبنسلين. بينما في الفترة الزمنية ~~الأولى توجد بالفعل علاقة احتمالية كبيرة بين P # و # S # و # R ~~، فإن ~~هذه الاحتمالية ربما تكون قد انخفضت بنسبة تصل إلى 50 بالمائة. توجد حالات ~~مماثلة في العلوم الاجتماعية. غير أنها عبارات من نوع عام، مثل الدورات ~~الاقتصادية، ومنحنيات إجمالي العرض والطلب، ونزعات الانتقال لدى السكان، وتصنيف ~~الأسر وفقا للمعايير الاجتماعية والاقتصادية. وعلى أساس هذه التعميمات، يقدم ~~علماء الاجتماع تنبؤات نموذجية. وهذه التنبؤات هي: # تنبؤات ببعض السمات العامة للبنيات التي ستشكل نفسها ولكنها لا تحتوي ~~على عبارات محددة عن العناصر الفردية التي ستشكل هذه البنيات. (هايك، ~~مقتبس في بارو/تبلر 1986، 140؛ راجع وودوارد 2003، الفصل 6.4) # ولكن يجب ترسيخ حالة هذه الأنماط: هل تشبه القوانين في العلوم ~~الطبيعية؟ # تتمثل السمة الحاسمة «الثانية» للنموذج التجريبي في إصراره على «التحليل السببي». ~~أصر دوركايم - مؤسس علم الاجتماع الحديث - بالفعل على الحاجة إلى تحليل سببي. ويؤكد ~~مؤيدو النموذج التجريبي على أن العلوم الاجتماعية يجب أن تكون قادرة على تقديم ~~تفسيرات سببية للظواهر الاجتماعية تماما مثلما تقدم العلوم الطبيعية التفسيرات. ~~تعامل فرويد بالتأكيد مع الأحلام وزلات اللسان والأعراض العصبية كآثار للظروف ~~السببية الماضية في حياة الفرد. وبالمثل، يسعى علماء الاجتماع إلى شرح وجود تقسيم ~~العمل في العديد من المجتمعات وأشكال التقسيم الطبقي الاجتماعي. يبني الاقتصاديون ~~نماذج لتفسير سلوك المستهلكين وأنواع مجتمعات السوق، والغرض من هذه البنيات هو ~~الإجابة على الأسئلة التي تبحث عن السبب. ويمكن للتحليل السببي في العلوم ~~الاجتماعية أن يغطي ظواهر متنوعة للغاية. على سبيل المثال: # في عام 1999، توقعت وزارة الداخلية في بريطانيا أن عدد جرائم السطو والسرقات ~~سيزداد بمقدار الثلث تقريبا في فترة قصيرة من سنتين إلى ثلاث سنوات. وسيكون ~~الارتفاع المتوقع في الجريمة نتيجة لارتفاع عدد الشباب الذكور في بريطانيا. لدينا ~~في هذه الحالة تحليل سببي وتنبؤ في عبارة واحدة. يعود السبب في زيادة عدد عمليات ~~السطو والسرقات ms271 إلى زيادة عدد الشباب وتزايد كمية السلع القابلة للسرقة. وهذه ~~العبارة الأخيرة هي الظروف السببية التي يقال إنها تؤدي إلى التأثير، إذا لم ~~تتداخل أي ظروف أخرى. # ناقشنا في فصل سابق نماذج التفسير السببية، ولكن ما نموذج السببية الأكثر ملاءمة ~~للعلوم الاجتماعية؟ يظهر التفكير للحظة أننا لا يمكن أن نفسر الأحداث الاجتماعية ~~سببيا باستخدام نموذج السببية الميكانيكية للأحداث المادية. يسعى هذا النموذج إلى ~~تتبع الظروف الفيزيائية التي تؤدي من الظروف السببية السابقة إلى التأثيرات ~~الميكانيكية اللاحقة. ربما يفسر نموذج السببية الميكانيكية سبب دوران كوكب ما حول ~~الشمس، ولكن لا يستطيع أن يفسر سبب وقوع الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك، فإن ~~المثال السابق يوضح أن علماء الاجتماع يبحثون عن تفسيرات سببية للأحداث الاجتماعية. ~~وتعد مسألة صياغة نموذج فلسفي سببي مناسب يمكن من خلاله التعبير عن هذه النتائج ~~مسألة منفصلة. # قبل أن نتناول مثل هذه الأسئلة حول كون القوانين «الاجتماعية» موجودة أم ~~لا أو كيف تحدث السببية في العالم الاجتماعي، يطرح سؤال آخر نفسه . فهل تنبع ~~التغييرات التي نرصدها، نتيجة للتطورات التاريخية أو الاجتماعية الطويلة الأجل أو ~~القصيرة الأجل، على المستوى الفردي أم الجماعي؟ توجهنا هذه السمة «الثالثة» إلى ~~التمييز بين النزعة «الفردية» و«الشمولية». تبنى العديد من الباحثين موقف ~~الفردية. وتتمثل الفرضية في وجود انتظام (سببي) كامن وراء الظواهر الاجتماعية، التي ~~تعكس الحقائق بشأن الأفراد. تعبر هذه الحقائق بشأن الأفراد عن نواياهم وأسبابهم ~~ودوافعهم. ويفترض بعض الباحثين، مثل جيه إس ميل وفرويد، أن «القوانين» النفسية ~~موجودة على مستوى الأفراد، ولكن مناقشة أعمال فرويد جعلتنا نشك في مثل هذا الافتراض ~~(انظر ديفيدسون 1970؛ ليتل 1991، 18). وتعد الفردية بالتالي نهجا تصاعديا. ويقال ~~إن أي آثار اجتماعية واسعة النطاق يمكن أن تقتصر على الحقائق المتعلقة بأفراد ~~المجتمع. وعلى المستوى الفردي، ربما تكون الآليات النفسية نافذة، مثل تجنب التنافر ~~المعرفي أو رغبة الفرد في تحسين ظروفه الاجتماعية. # لم يعتقد دوركايم أن من شأن تفسير سببي فردي أن يكفي، واتخذ توجها شموليا. ~~فرفض دوركايم فكرة أن جميع التغيرات الاجتماعية ms272 الكلية يمكن اختزالها إلى عوامل ~~فردية، وأشار إلى أن النشاط الاقتصادي للمجتمع لا يمكن أن يقصر على رغبة الأفراد ~~في اكتساب الثروة (دوركايم 1895، الفصل الخامس). لا يمكن تفسير الحقائق الاجتماعية ~~بالرجوع إلى حقائق فردية أو حتى مجموعة من الحقائق الفردية. إذا لم يكن ممكنا ~~تفسير الظواهر الاجتماعية واسعة النطاق «من أسفل إلى أعلى»، فإن الفردية لا يمكن أن ~~تفسر الظواهر الاجتماعية. وفضل دوركايم نهجا من أعلى إلى أسفل. وأشار إلى أن ~~الظواهر الاجتماعية تفرض ضغوطا على الأفراد؛ ومن ثم لا بد أن يكون لها طبيعة خاصة ~~بها. ويجب التماس تفسير الحقائق الاجتماعية في طبيعة المجتمع؛ فالمجتمع يتجاوز ~~الفرد في المكان والزمن، والكل أكبر من مجموع أجزائه. على سبيل المثال: # زعم وجود علاقة سببية بين انخفاض معدل الجريمة وتقنين الإجهاض (ساينتيفيك ~~أمريكان، ديسمبر 1999). اقترح اثنان من الاقتصاديين الأمريكيين الفرضية السببية ~~القائلة بأن الانخفاض السنوي في معدلات الجريمة، الذي لوحظ في جميع أنحاء الولايات ~~المتحدة منذ أوائل التسعينيات، يرتبط سببيا بتقنين الإجهاض في عام 1973. أدى ~~التقنين إلى خفض عدد الأطفال غير المرغوب فيهم، ووفقا للاقتصاديين، فإن الأطفال ~~غير المرغوب فيهم أكثر عرضة لارتكاب الجرائم. # لجأ فرويد إلى تفسيرات مماثلة لفهم سلوك الجماعة. وبما أن الجماعة تمارس تأثيرا ~~على سلوك الأفراد، فإن سلوك الجماعة يختلف نوعيا عن السلوك الفردي. ويرى فرويد أن ~~الأفراد في الجماعة يظهرون «افتقادا للمبادرة وضعفا في القدرات الفكرية وافتقادا ~~لضبط النفس العاطفي والتأخير والميل إلى تجاوز كل حد في التعبير عن العواطف.» ~~و«الإنسان ليس حيوانا يعيش في قطيع، ولكنه يعيش في جماعات»؛ أي إن الأفراد يقودهم ~~رئيس (فرويد 1921، 117، 121). ولا يزال يتعين مناقشة هل كان يجب أن تعامل ~~الشمولية المجتمع والمؤسسات الاجتماعية ككيانات منفصلة أم لا ~~(القسم 4-4، و). ~~(ب) السمات الأساسية للنموذج التفسيري # في الحقيقة، ليس من الممكن تقديم وصف يتمتع بصلاحية عامة. فنجد أشد ردود الفعل ~~اختلافا لدى الأفراد المختلفين، ويمتلك الفرد نفسه توجهات ذهنية معاكسة جنبا إلى ~~جنب. (فرويد 1931، 233) # يقف النموذج التفسيري (أو التأويلي) - كما لاحظنا من ms273 قبل - في موقف معارض ~~للنموذج التجريبي في العديد من الأمور المحددة، ويمكن أن تستمد هذه المعارضة - ~~جزئيا على الأقل - من المعارضة العامة لوحدة الأسلوب. يرى مؤيدو النموذج التفسيري ~~أن من الخطأ تحليل المجتمعات البشرية والعلاقات الإنسانية في سياق القوانين العامة ~~والعلاقات السببية. وهذا أمر خاطئ لأن المفاهيم التي نفسر في سياقها الأحداث ~~الاجتماعية لا تتفق منطقيا مع المفاهيم التي نفسر في سياقها الأحداث الطبيعية ~~(وينش 1958، 95)، وقد أشار فلهلم دلتاي - أحد الآباء المؤسسين لهذا النهج - إلى أن ~~الحياة البشرية لا يمكن فهمها إلا في فئات لا فائدة منها في معرفة العالم المادي. ~~يجب فهم السلوك البشري في سياق فئات ذات معنى؛ أي «الغرض» و«القيمة» و«النمو» ~~و«المثالية» (دلتاي مقتبسة في هوليس 1994، 17). # يمكننا استخلاص عدة نقاط من هذا الموقف العام، وهي تتعارض مع تلك التي قدمت ~~لصالح النموذج الطبيعي: ~~(1) # يجب ألا تعتبر الظواهر الاجتماعية بمنزلة أشياء خارجية، كما رأى دوركايم. ~~فالعلاقات الاجتماعية علاقات داخلية، ويبني الفاعلون الاجتماعيون صورا ذهنية ~~لسلوكهم في سياق المفاهيم الهادفة. ويجب على عالم الاجتماع تضمين هذه المفاهيم في ~~وصفه للحياة الاجتماعية. ويعد مفهوم الفهم ضروريا في هذا الوصف. إذا لم تفهم ~~معنى الفعل الاجتماعي، فإنك لن تفهم الحياة الاجتماعية. وينبغي تحليل الظواهر ~~الاجتماعية في سياق النوايا والأسباب والقواعد الاجتماعية والمعايير والأعراف (وينش ~~1958، 42). وتمثل المفاهيم الرمزية التي يصف علماء الاجتماع الظواهر الاجتماعية من ~~خلالها جزءا من العمل الاجتماعي نفسه، كما يعد مفهوم فعل اجتماعي معين، مثل ~~التحية المتعمدة - وأيضا شبكة المفاهيم التي تحيط بمفهوم السلوك المدني - جزءا ~~داخليا من الفعل الاجتماعي للأفراد، الذي يصف علماء الاجتماع وجوده بأنه «مدني». ~~ومن ثم فلا بد من وجود تداخل بين مفردات عالم الاجتماع والفاعل الاجتماعي. يجب أن ~~يكون عالم الاجتماع راصدا مشاركا؛ فالفاعل الاجتماعي يتصور فعليا الفعل ~~الاجتماعي، بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود عالم الاجتماع، ويجب على علماء ~~الاجتماع التعرف على هذا التصور. ~~(2) # في هذا الصدد، يؤكد مؤيدو النموذج التفسيري على مزيد من التمييز بين علاقات ~~مثل السبب والنتيجة، وهي «خارجية»، ms274 من ناحية، وعلاقات مثل الدافع والفعل، وهي ~~«داخلية»، من ناحية أخرى. ويقال إن الأحداث الطبيعية تحكمها علاقات السبب ~~والنتيجة، في حين يقال إن السلوك البشري يحكمه علاقات الدافع والفعل. وتتمثل ~~الفرضية في أن ما يحفز السلوك البشري هو الدوافع، وليس أسبابا ميكانيكية (ريان ~~1970، 117-122). إن العلاقة بين السبب والنتيجة في الأحداث الطبيعية تختلف تماما ~~عن العلاقة بين الدافع والفعل. يساعد هذا التمييز مرة أخرى في التأكيد على الفرق ~~بين النهج الطبيعي والنهج التفسيري. ووفقا للطبيعانية، فإن الرابط بين الدوافع ~~(الرغبات والمعتقدات) والفعل رابط «سببي». ووفقا للتفسيرية، فإن الرابط بين العمل ~~والدافع رابط «منطقي». # يربط الرابط المنطقي بين الدوافع والأفعال. وتعمل الدوافع على تفسير سبب حدوث ~~الفعل: «رفعت ذراعها لأنها ترغب في تحية شخص ما.» «تحدث بوقاحة لأنه كان ينوي إهانة ~~شخص ما.» إن تقديم الدافع يمثل إعادة وصف للفعل. يبدو أن الدافع والفعل ليسا ~~مستقلين منطقيا أحدهما عن الآخر، كما يجب أن يكونا إذا كانا سببا ونتيجة، ولكن ~~على الرغم من أنه قد يكون صحيحا أنه لا يمكن فصل الفعل عن محتواه المقصود؛ فعندما ~~نعيد وصفه، لا يعني هذا أن الدوافع لا يمكن أن تلعب دورا سببيا في حدوث الفعل. ~~يتسبب الدافع في قيام العنصر بالفعل. غالبا ما يكون في الدوافع عنصر سببي (روزنبرج ~~1995، الفصل الثاني؛ ديفيدسون 1963؛ ماكي 1980، 120-121، 287-296؛ ليفيسون 1974، ~~الفصلان الرابع والخامس). # إن مؤيدي النموذج التفسيري محقون بشأن وجود اختلافات بين الدوافع والأسباب، ولكن ~~لا ينبغي لنا أن نستنتج من هذه الاختلافات أن السلوك البشري لا يمكن تفسيره ~~سببيا. تذكر أمثلة التفسيرات السببية المذكورة في الجزء الخاص بمناقشة النموذج ~~التجريبي (العلاقة بين الارتفاع المتوقع في معدلات الجريمة والزيادة في عدد الذكور ~~الشباب أو انخفاض معدل الجريمة وتقنين الإجهاض، على الترتيب). تضع التفسيرات ~~السببية فرضيات بشأن العلاقات الاحتمالية، وليس العلاقات الحتمية، مشيرة إلى ~~المجموعات الاجتماعية وليس العناصر الاجتماعية الفردية، ولكن يبدو أن لدينا مجموعة ~~من الشروط الكافية، التي ربما تكون غير كاملة، وتعد مرشحة كشروط سببية سابقة تجلب ~~نتائج ms275 مترتبة قابلة للرصد (انخفاضات أو ارتفاعات في معدلات الجريمة)، في ظل ثبات ~~الافتراضات الأخرى. تشير الأمثلة إلى أنه من الممكن تماما في العلوم الاجتماعية أن ~~تشير إلى شروط كافية، تميل إلى زيادة احتمالية النتيجة. # لدينا في الأفعال المتعمدة العادية شرطان ضروريان: (1) يجب أن توجد علاقة منطقية ~~بين الدافع والفعل. فنية القيام بالفعل «س» والقيام بالفعل «س» يرتبطان منطقيا، ~~ونصوغ هذه العلاقة في إعادة وصفنا للفعل، ولكن عزونا النية إلى العنصر يمكن أن يكون ~~خاطئا. (2) يجب أن يكون الدافع قد لعب دورا سببيا في حدوث الفعل. وربما لا يكون ~~هذا العنصر السببي في الدافع مطابقا للدافع المعلن من قبل العنصر الاجتماعي. في ~~حالة حدوث الفعل، ثمة عنصر سببي في تفسير الدافع. وعلاوة على ذلك: (3) يمكن أن تكون ~~لدينا نية للقيام بالفعل «س» ولا نفعله. «الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا ~~الحسنة.» (4) يقوم الأفراد والجماعات الاجتماعية في كثير من الأحيان بالأفعال لأنهم ~~ببساطة يتبعون المعايير والقواعد الاجتماعية (برايبروك 1987، الفصل 3؛ سالمون ~~2003). وهي توجد على نحو مستقل عن الفاعل الاجتماعي الفردي. # يخطئ نموذج دوركايم التجريبي الصارم في إهمال عنصر المعنى في التفسيرات السببية. ~~ويخطئ النموذج التفسيري النقي أيضا في إهمال العنصر السببي في تفسيرات الدوافع. ~~ثمة حاجة إلى نموذج للعلوم الاجتماعية مدروس على نحو أكبر، يكون قادرا على الجمع ~~بين معنى العلاقات وإسناد الأسباب. سوف نقابل هذا النموذج التوفيقي في منهجية فيبر ~~للأنواع المثالية. # ثمة بعض الاختلافات الملحوظة الأخرى بين المناهج الطبيعانية والتفسيرية. ~~(3) # ينكر المنهج التفسيري وجود ظواهر اجتماعية عالمية أو مشتركة بين الثقافات، وهو ~~يقر فقط بالتفاوت الثقافي للنظم الرمزية (ليتل 1991، الفصل الرابع). فبدلا من ~~البحث عن وجود قوانين اجتماعية، أو انتظام اجتماعي، يصر هذا المنهج على أهمية ~~القواعد المحلية. كثيرا ما يفسر السلوك الفردي بالرجوع إلى نوايا معينة، ولكن ~~السلوك الاجتماعي يفسر بالرجوع إلى القواعد والمعايير والأعراف الاجتماعية، التي ~~تخص كل مجتمع بمفرده؛ فعلى سبيل المثال، ربما يكون الفعل الاجتماعي حالة من اتباع ~~القواعد (برايبروك 1987؛ ليتل 1991). تخلق هذه المعارضة تباينا بين الشمولية ~~الكامنة ms276 في النموذج الطبيعي وخصوصية النموذج التفسيري. ~~(4) # على الرغم من أننا أصبحنا الآن متفقين تماما بشأن جانب الفهم، فإنه لا يزال ~~من الممكن التساؤل هل كان ينبغي أن يستند التحليل إلى المستوى الشمولي أم ~~الفردي. والسؤال المطروح هو هل كان فهمنا للظواهر الاجتماعية ينبغي أن يرتكز ~~على الأفعال الفردية أم المؤسسات الاجتماعية. يميز فيبر بين الفعل الهادف والفعل ~~الاجتماعي، ويعتبر الفعل الاجتماعي مجموع الأعمال الهادفة للأفراد. # 6 # ومن الممكن أيضا اتباع النهج الشمولي ووصف السلوك الهادف بأنه اجتماعي ~~بطبيعته. ولا يمكن أن يكون هادفا إلا إذا كان محكوما بقواعد، وتفترض القواعد وجود ~~بيئة اجتماعية (وينش 1958، 116). وهكذا فإن التقسيم نفسه بين «الفردية» و«الشمولية» ~~موجود كما هو موجود في المنهج التجريبي. # بالنظر إلى الاختلافات بين النموذج الطبيعي والنموذج التفسيري، فإننا نرى إلى أي ~~مدى وازن فرويد بين هذين الموقفين؛ فمن ناحية، أظهر فرويد ميولا للطبيعانية؛ ~~فالحقائق النفسية حقائق خارجية، تخضع لقوانين اللاوعي الديناميكي، ولكن هذا النهج ~~لم ينجح لأن فرويد قام باستنتاجات خاطئة ولم يستطع الاعتماد على مجموعة من البيانات ~~الخام الموضوعية؛ ومن ناحية أخرى، كان ينبغي على فرويد اللجوء إلى تقنيات التفسير. ~~كانت نظرية فرويد للمعنى الخفي محاولة لتفسير السلوك الفردي - الأعراض العصبية ~~والزلات الفرويدية ورموز الأحلام - في سياق الدوافع الجنسية الكامنة. ومن ثم ~~يعكس العصاب القمع غير الصحي للهو من قبل الأنا. يجب أن تكشف الرغبات الجنسية ~~للشخص في تحليل المعنى من أجل تفسير سلوكه الحالي. ووسع فرويد هذا النهج لتفسير ~~وجود العديد من المؤسسات الاجتماعية والأشكال الثقافية. وفسر فرويد وجود المنتجات ~~الثقافية - إضفاء طابع الشيئية لدلتاي - كنتيجة لفعل التسامي. وتوصف عملية التسامي ~~بأنها القدرة على تحويل الطاقة الجنسية من الإشباع الجنسي المباشر إلى أشكال غير ~~مباشرة من الإشباع. وتظهر هذه الأشكال غير المباشرة نفسها كمنتجات ثقافية. # من الواضح أنه توجد حاجة إلى موقف توفيقي يكون قادرا على نسج خيوط من النهجين ~~التجريبي والتفسيري في نموذج متماسك للعلوم الاجتماعية. وبينما ننتقل إلى التساؤلات ~~بشأن المنهجية، سنرى أن نهج فيبر المثالي للعلوم ms277 الاجتماعية يمثل حلا توفيقيا ~~بناء. ~~(4-3) تساؤلات بشأن المنهجية # من الأفضل في العمل العلمي مهاجمة كل ما هو أمام المرء مباشرة، وتوفير فرصة ~~للبحث. (فرويد 1916أ، 27) # يظهر من مناقشتنا أن استخدام الخرائط الرمزية أمر ضروري لعالم ~~الاجتماع كما هي الحال بالنسبة لعالم الطبيعة. إن العالم الاجتماعي معقد على نحو ~~غير عادي، ولذلك يجب على عالم الاجتماع أن يستخدم إضفاء المثالية والفصل من أجل ~~وصف الواقع الاجتماعي وتفسيره. تثير الخرائط الرمزية التي يستخدمها عالم الاجتماع ~~عددا من الأسئلة المنهجية، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعلوم الاجتماعية. يتعلق ~~أحد الأمور بمحاولات توضيح فكرة «الفهم». وثمة مسألة أخرى يتعين تناولها هي نوع ~~النماذج التي تستخدمها العلوم الاجتماعية. لقد أوضحنا بالفعل استخدام التفسيرات ~~السببية في العلوم الاجتماعية، ولكن ما الشكل الذي يأخذه النموذج الفلسفي للسببية ~~في العلوم الاجتماعية؟ يرتبط هذا السؤال ارتباطا وثيقا بمسألة القوانين ~~الاجتماعية. ويؤثر وجود هذه القوانين من عدمه بدوره على دور التفسيرات والتنبؤات في ~~العلوم الاجتماعية. وأخيرا، تطرح أسئلة حيال مسائل الواقعية والنسبية ونقص ~~الإثبات بالأدلة، فضلا عن مسألة الوظيفية والاختزالية. ~~(أ) ما الفهم؟ # أوضحنا بالفعل أن الفهم في النموذج التفسيري يعني أنه يجب تحليل الفعل الاجتماعي ~~بالرجوع إلى القواعد الاجتماعية (المعايير والأعراف) والفعل الفردي بالرجوع إلى ~~النوايا (الدوافع والأسباب)، ولكن إذا كان الفهم منهجا في العلوم الاجتماعية، كما ~~قصد دلتاي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: «ما هذه العملية التي تسمى الفهم؟» ثمة ~~ثلاث طرق لتوصيف الفهم: (أ) في سياق التعاطف. (ب) وفي سياق الأنماط المثالية. (ج) ~~وفي سياق الظروف الاجتماعية. # لنتناول بإيجاز هذه الطرق الثلاث لفهم «الفهم». إن نموذج التعاطف (أ) له جذوره في ~~النظرية التاريخية للقرن التاسع عشر. وكما أكدنا، فإن التاريخية هي الرأي القائل ~~بأن مختلف العصور والثقافات يجب أن تفهم وفق شروطها الخاصة. والطريقة الموصى ~~بها لتحقيق هذا الهدف هي «التعاطف». التعاطف هو القدرة المفترضة على عودة المرء ~~للماضي وغمر نفسه في ثقافة وحامليها وفهمهم من الداخل (أبيل 1948)؛ فنحن نفهم ~~موقفا بشريا معينا - سواء كان فعلا ms278 فرديا أو ارتباطا بين أحداث عامة - إذا ~~استطعنا أن نطبق عليه تعميما يستند إلى التجربة الشخصية. رأينا بالفعل ضعف هذا ~~النهج من المرحلة المبكرة من فكرة دلتاي بشأن الفهم. والاعتماد على المعرفة الشخصية ~~هو وجه القصور الأول لهذا النهج. فسيظل معظم التفسيرات مجرد تعبير عن الرأي، لا ~~تخضع إلا ل «اختبارات» المقبولية. أما وجه القصور الثاني لهذا الاستخدام للفهم فهو ~~أنه ليس وسيلة للتأكيد. وكما علمنا من تناولنا لفرويد، لا يمكننا أن نستنتج من ~~تأكيد الاستدلال المسموح به أنه استدلال مقبول أيضا. يقدم فرويد وصفا متماسكا ~~للظواهر النفسية، رابطا محتملا بين الأعراض الحالية والظروف السابقة، لكنه فشل في ~~إيضاح أنه أيضا رابط محتمل. من وجهة نظر نموذج التعاطف، أي علاقة محتملة بين ~~الدوافع والأفعال تميل إلى أن تكون رابطا مؤكدا. وعلى أي حال، فإن اختبار ~~الاحتمال الفعلي للتفسير يستدعي تطبيق أساليب رصد موضوعية، مثل التجارب والدراسات ~~المقارنة والحسابات الإحصائية (أبيل 1948). # وضع ماكس فيبر نموذجا مختلفا للفهم (ب)، لا يعتمد على التعاطف. غير أن ما يثير ~~الاهتمام هو أن مفهوم الفهم لا يهجر ببساطة؛ ويصر فيبر على أن هذا المفهوم محوري ~~للعلوم الاجتماعية. يبدأ فيبر بالقول إن الفعل الاجتماعي يتسم بالانتظام، ولكن ما ~~يميز الانتظام في الفعل البشري هو أنه يظهر معنى رمزيا، يجب تفسيره، ولكن، كما ~~يشير فيبر، عزو معنى للفعل البشري - وادعاء «فهم» هذا الفعل - لا يبين رغم ذلك أن ~~له صلاحية تجريبية. فيمكن أن يستند نوعان متطابقان من الأفعال، يمكن رصدهما، إلى ~~دوافع مختلفة تماما، ولا يكون الدافع الأكثر وضوحا بالضرورة هو الدافع الفعلي؛ ~~لذلك يطالب فيبر بأن توازن طريقة الفهم عبر طريقة الإسناد السببي. وتتضمن هذه ~~الطريقة وصف أنواع الدوافع العقلانية للفعل (فيبر 1913، 97). ولتحقيق هذه التفسيرات ~~السببية، نحتاج إلى بنيات عقلانية أو أنماط مثالية مع الإشارة إلى الواقع التجريبي ~~الذي تمت مقارنته (فيبر 1914، 303-304). تخيل على سبيل المثال خبيرا اقتصاديا ~~يرغب في فهم السلوك الشرائي للعناصر الاقتصادية. سيضع الخبير الاقتصادي نموذجا ~~استنادا لفهمه للسلوك البشري في مجتمع ms279 معين، الذي يفترض أن العناصر الاقتصادية ~~العادية لها تفضيلات مستقرة، وتستفيد من المعلومات المثلى عن السوق، وأن هذه السوق ~~في حالة توازن (بيكر 1986). تجدر الإشارة إلى أن نموذج العنصر الاقتصادي يقدم ~~بيانا بشأن ما سيفعله المستهلكون النموذجيون في مثل هذه الحالات المثالية بافتراض ~~ثبات العوامل الأخرى. وعالم الاجتماع يهدف إلى بناء بنيات مثالية افتراضية يمكن ~~مقارنة الواقع التجريبي معها في سياق الانحرافات (فيبر 1914، 304-305). يجب تأكيد ~~الافتراضات التي يقوم بها الخبير الاقتصادي لأنها قد لا تكون صحيحة في جميع ~~الأسواق. باختصار، هذه هي منهجية فيبر للأنماط المثالية (انظر القسم 4-3، ب). # ماكس فيبر (1864-1920). # وفقا لفيبر، تحتاج العلوم الاجتماعية إلى فهم قواعد وقيم مجتمع معين، وعلى هذا ~~الأساس تبني سلوكا مثاليا نموذجيا. ثم تقارن هذه الأنماط المثالية ~~بالواقع التجريبي. إذا كانت تنحرف عنها كثيرا، فإن النماذج تحتاج إلى تعديل. ~~ويقترح فيبر سلسلة من المثاليات التي يمكن من خلالها دراسة الحالات التجريبية. وهي ~~تقدم «درجات فهم» للأفعال الاجتماعية (مومسن 1974، 221). تأمل واحدا من أهم أنماط ~~مثاليات الفعل الاجتماعي (بصرف النظر عن السلوك العاطفي والتقليدي): # الفعل العقلاني المتعمد. وفي هذا النوع من الأفعال: # ربما يستخدم العنصر توقعاته لسلوك الأشياء الخارجية وغيره من البشر ك «شروط» أو ~~«وسائل» لتحقيق أهدافه التي يلاحقها على نحو عقلاني ومحسوب. (فيبر 1978، 28؛ قارن ~~فيبر 1968، 24-26) # وفقا لنظرية الاختيار العقلاني، فإن العنصر الاقتصادي يدرك بوضوح الأهداف ~~ويختار الوسائل التي يعتبرها ذاتيا أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف. ويعامل سلوك ~~الاستفادة القصوى لدى العناصر الاقتصادية أو الشركات الفردية في السوق المحددة كما ~~لو كان يسعى بعقلانية لتحقيق أقصى قدر من العوائد المتوقعة (فريدمان 1953، 21). ~~ووفقا لفيبر، يمتلك فهم الفعل البشري في سياق العقلانية الهادفة أعلى درجة من ~~«الأدلة» (فيبر 1913، 107؛ مومسن 1974، 221). # تتمثل وظيفة الأنماط المثالية في فهم الفعل الاجتماعي في سياق هذه النماذج. ويجب ~~تقييم السلوك الفوضوي للعناصر الاجتماعية الفعلية في ضوء الأنماط المثالية: # على سبيل المثال، عند تفسير حالة من الذعر في البورصة، يكون من المناسب ~~أولا تحديد طريقة تصرف الأفراد المعنيين لو لم ms280 يتأثروا بدافع عاطفي غير ~~منطقي، ثم يمكن دمج هذه العناصر غير العقلانية في التفسير كاضطرابات. (فيبر ~~1978، 9؛ 1968، 6) # يعد النمط المثالي بمنزلة نموذج افتراضي يمكنه أن يفسر الحالات التجريبية، ~~عندما يحدث الفصل من الانحرافات، بسبب عوامل غير عقلانية (نزوات عاطفية، أخطاء. ~~فيبر 1913). ولا يمكن للعلوم الاجتماعية، التي تهدف إلى وصف وتفسير ~~الجوانب العامة للحياة الاجتماعية، أن تجمع ما يفعله الأفراد الفعليون؛ إنما يجب أن ~~تصل لمعدل متوسط لما يفعله الأفراد العاديون ويفكرون فيه. وتهتم العلوم الاجتماعية ~~بالمستهلك العادي، والسائق العادي، والناخب العادي، الذي يصاغ في الأنماط ~~المثالية. # يأمل فيبر في تحقيق الفهم التفسيري من خلال الجمع بين التفسير والفهم (فيبر 1913، ~~107-109؛ فيبر 1968، 8؛ قارن 1978، 11). ويتمثل الهدف من عمل فيبر في صياغة موقف ~~وسط بين النماذج التجريبية والنماذج التفسيرية. يرفض فيبر التضاد بين التفسير ~~والفهم الذي أشار إليه دلتاي، والذي كان من المفترض أن يكون الفرق المميز بين ~~العلوم الطبيعية والاجتماعية. تأمل فعلا اجتماعيا يحدث بتكرار معين، كدخول عدد ~~كبير من الناس مبنى معينا ومغادرته بانتظام يمكن التنبؤ به. إن ذكر هذا التكرار ~~من خلال الأعداد لا يساعد على فهم هذا الفعل. وبناء نمط مثالي من السلوك العقلاني ~~الهادف لا يفسر شيئا بشأن تكرار الفعل في المجتمع. يجب على عالم الاجتماع الجمع ~~بين كلا الجانبين. ويعتبر التكرار الإحصائي لفعل ما «مفسرا» عند فهم معناه ~~وتوضيحه. ربما يكون المبنى المذكور جامعة، وهذا يحدد الإطار الرمزي الذي تكون فيه ~~حركة الناس منطقية. إن تفسير السلوك الهادف، حتى عندما يبدو واضحا، يكون في ~~البداية مجرد فرضية، تخضع للاختبارات (فيبر 1913، 108). ونحقق الفهم التفسيري للفعل ~~الاجتماعي بطريقتين: إما في سياق الدوافع المنطقية التي يعزوها النموذج للأفراد ~~والتي يصدق عليها على نحو عام، أو في سياق المعايير والقيم الاجتماعية التي تحكم ~~المجتمع وتوجه الفعل الاجتماعي عادة. كتب فيبر: # يشير مصطلح «الفهم» في كل هذه الحالات إلى الفهم التفسيري لمعنى أو ~~نمط من المعاني، يكون إما (أ) مقصودا حقا في حالة معينة (كما هو ~~طبيعي في الدراسة التاريخية)، أو (ب) مقصودا ms281 من قبل العنصر العادي ~~بدرجة من التقريب (كما هي الحال في الدراسات الاجتماعية للمجموعات ~~الكبيرة) أو (ج) مبنيا علميا بغرض ملاءمة نوع «نقي» أو «مثالي» ~~لظاهرة تحدث على نحو متكرر (وهذا يمكن أن يسمى معنى ~~«مثاليا-نموذجيا»). (فيبر 1978، 12؛ 1968، 9) ~~(ج) في الإسهامات الأخيرة في منهجية العلوم الاجتماعية، انتقل التركيز على الفهم ~~من مفهوم دلتاي المبكر كطريقة كان من المفترض أن تكون مميزة للعلوم الاجتماعية، ~~إلى تفهم جديد للفهم كطريقة عامة لجميع التفاعلات الاجتماعية (جيدنز 1993؛ هابرماس ~~1970 (1988)؛ 1981 (1984)؛ جادامر 1975). لا يزال هناك تباين بين العلوم الطبيعية ~~والاجتماعية، ولكنه ليس تباينا في الأساليب، بل تباين بين تفسير منفرد ~~ومزدوج. # إذا كان للفعل الاجتماعي معنى رمزي، يجب إذن أن تمتلك العلوم الاجتماعية سمات ~~غائبة عن العلوم الطبيعية. تأمل التباين بين «الطبيعة» و«المجتمع» وعلى نطاق أوسع ~~بين العلوم الطبيعية والاجتماعية (جيدنز 1993، 20-21، 9، 86-87؛ هابرماس 1970، 87 ~~(1988، 13-14)). إذا كنا نفهم من مصطلح «الطبيعة» مجموعة العمليات الطبيعية التي ~~تتطور بغض النظر عن الإرادة والتخطيط البشريين، فإن الطبيعة ليست منتجا بشريا؛ ~~فهي لم تنشأ عن فعل بشري. # كتب داروين أنه كان يقصد بالطبيعة «العمل الكلي والناتج عن العديد من القوانين ~~الطبيعية» (كرومبي 1994، المجلد الثالث، 1752). وإذا كنا نفهم من مصطلح «المجتمع» ~~مجموعة العلاقات الاجتماعية التي يتمتع بها البشر، فإن المجتمع ينشأ ويعاد إنشاؤه ~~من خلال المشاركين في كل علاقة بشرية. ويتضمن هذا الإنتاج للحياة الاجتماعية عن ~~طريق الفاعل العادي إطارات للمعنى. وهذا المعنى الرمزي مستمد من التقاليد ~~الثقافية في المجتمع، كما أنه يستمر أيضا ويتغير بتفاعل الفاعل الاجتماعي (جادامر ~~1975، الفصل الثاني). # وبالتالي فإن البيانات التي تتعامل معها العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، على ~~نحو منفصل، ليس لها نفس البنية. تتعامل العلوم الاجتماعية مع عالم سبق تفسيره؛ فهي ~~تكون في علاقة «قائم بالدراسة-قائم بالدراسة» فيما يخص «مجال دراستها». ويتمثل مجال ~~دراستها في عالم الفاعل الاجتماعي الذي سبق تفسيره؛ فالفاعل الاجتماعي يدعم ويطور ~~العالم الاجتماعي الرمزي، ويدخل العالم الرمزي للفاعل الاجتماعي في بناء وإنتاج ~~هذا العالم. وبهذا المعنى، فإن بناء النظرية الاجتماعية ينطوي ms282 على تفسير مزدوج ~~(جيدنز 1993، 154؛ هابرماس 1981، 159، 162 (1984، 107، 110)). ويجب على عالم ~~الاجتماع أن يفسر العالم الاجتماعي الذي يظهر بالفعل معنى رمزيا. وبهذا المعنى ~~يجب أن يصبح عالم الاجتماع راصدا مشاركا. تنشأ مشكلة الفهم بالفعل تحت عتبة ~~إعادة البناء النظرية للبيانات. وتظهر هذه المشكلة على مستوى إنتاج البيانات ~~والحصول عليها. إن حالة التفسير المزدوج، التي تواجهها العلوم الاجتماعية، لها ~~تأثير على التوجه الذهني لعلماء الاجتماع تجاه موضوع دراستهم؛ أولا: يجب على عالم ~~الاجتماع أن يرسم بنياته الرمزية (الأنماط المثالية) على أطر المعنى التي ينطوي ~~عليها إنتاج الحياة الاجتماعية من قبل الفاعلين العاديين. ثانيا: يمكن إعادة طرح ~~المفاهيم والنظريات التقنية التي اخترعها علماء الاجتماع بدورها مرة أخرى في ~~العالم الاجتماعي. وتصبح عناصر أساسية في موضوع الدراسة ذاته الذي كانوا يصوغونه ~~من أجل وصفه، ومن خلال هذه الرمزية، يغيرون سياق تطبيقهم (جيدنز 1993، 86)؛ أي إن ~~المصطلحات التقنية (الطبقة الاجتماعية، العولمة)، التي اخترعها عالم الاجتماع لفهم ~~الواقع الاجتماعي، يمكن أن تخصص في العالم الاجتماعي، لتصبح جزءا من ~~التعاملات الرمزية للعوامل الاجتماعية. وتعتمد المفاهيم التي يستخدمها علماء ~~الاجتماع على فهم مسبق لتلك التي يستخدمها الناس العاديون للحفاظ على عالم اجتماعي ~~هادف (جيدنز 1993، 59، 155-162). ومن ثم، لا يمكن للراصد الاجتماعي بناء قاموس ~~تقني للغة الاصطلاحية غير متصل بفئات اللغة الطبيعية (هابرماس، 1970، 202، 263 ~~(1988، 105، 152)). # وفقا لجيدنز، لا يوجد لهذا التفسير المزدوج نظير في العلوم الطبيعية (جيدنز ~~1993، 154)؛ فهي تعتمد على علاقة القائم بالدراسة بهدف بالدراسة في مجال دراستها. ~~والعالم الطبيعي ليس عالما مسبق التفسير مغمورا بالمعاني الرمزية. يتكون ~~العالم الطبيعي من نظم طبيعية، وعمليات بيولوجية وفيزيائية، خالية من الأبعاد ~~الرمزية. يحدد عالم الطبيعة ملامح البنيات الرمزية (معادلات ونماذج ونظريات) لهذا ~~العالم. ولهذا السبب يمثل هذا التحديد «تفسيرا مفردا». وتعد المعادلات والنماذج ~~والنظريات بنيات رمزية ولكنها ترسم على العالم دون أبعاد رمزية (الشكل # 3-3 # أ، ب). # شكل 3-3: (أ) التفسير البسيط. (ب) التفسير المزدوج. # إذا كان الفهم التأويلي ظاهرة كلية الوجود في الحياة الاجتماعية، وإذا كان هذا ~~ينعكس على عمل عالم الاجتماع، فكيف ms283 يمكن أن تظل العلوم الاجتماعية موضوعية؟ يجب أن ~~توازن الحاجة إلى دراسات موضوعية في العلوم الاجتماعية مع الحاجة إلى الفهم ~~التأويلي. وكما يضيف فيبر، يجب أن توازن أيضا مع الفهم التفسيري. سنتناول في ~~الجزء التالي أولا منهجية فيبر للأنماط المثالية، ثم نتناول مسألة توافق الفهم مع ~~الموضوعية. ~~(ب) منهجية فيبر للأنماط المثالية # إن «النمط المثالي» وفق فهمنا (...) ليس له أي صلة على الإطلاق بأحكام القيمة، ولا ~~علاقة له بأي نوع من الكمال إلا من الناحية «المنطقية» البحتة. ثمة أنماط مثالية ~~لبيوت البغاء وكذلك للأديان (...). (فيبر 1904، 98-99) # وفقا لفيبر، ينقسم الهدف من العلوم الاجتماعية إلى أربعة أهداف: (أ) دراسة ~~الواقع الاجتماعي في سياقه الثقافي، وتفسير السلوك الاجتماعي بمساعدة الانتظام ~~الافتراضي. يبدو أن فيبر ينكر وجود قوانين صارمة في العلوم الاجتماعية؛ لذلك فإن أي ~~انتظام اجتماعي له طابع افتراضي فقط. (ب) من سمات الفعل الاجتماعي أن انتظامه ذو ~~معنى. يمكننا أن نفهم الفعل الاجتماعي عندما نفهم معناه الرمزي، ومع ذلك، قد نخطئ ~~في تفسير الفعل الاجتماعي؛ مثلا أن نعزو معنى أو نية خاطئة له. ويجب أن يخضع عزو ~~المعنى عن طريق عالم الاجتماع، أو حتى فاعل اجتماعي عادي، لبعض الاختبارات ~~التجريبية. وفقا لفيبر، من الممكن أن نفهم بعض الأفعال الاجتماعية من خلال عزو ~~دوافع عقلانية لها. ويميز فيبر بين دوافع عقلانية عديدة، لكنه يرى أن العقلانية ~~المقصودة تتمتع بأعلى قدر من الأدلة (فيبر 1913، 97؛ مومسن 1974، 221). إذا كان ~~العزو يعين عقلانية مقصودة للفعل، بموجبها يسعى العنصر الاجتماعي إلى أفضل الوسائل ~~لتحقيق غاية ما، ينبغي أن يكون من الممكن اختبار هذا العزو للمعنى. هذا هو مزيج ~~فيبر للأنماط التجريبية والتفسيرية من العلوم الاجتماعية. ويفيد النمط التجريبي في ~~تفسير الفعل الاجتماعي مع مساعدة من الانتظام الافتراضي المؤكد. ويفيد النمط ~~التفسيري في تقديم معنى لهذا الانتظام الاجتماعي (فيبر 1904، 216؛ هابرماس 1970، ~~83-91 (1988، 10-16)). عمم هابرماس لاحقا هذه الفكرة بالادعاء بأن جميع الأفعال ~~الاجتماعية ترتبط بادعاءات صحة (انظر ما يلي). (ج) ثمة هدف آخر للعلوم الاجتماعية ~~هو تقديم تفسير تاريخي ms284 لظهور النظم الاجتماعية. وتمثل أطروحة فيبر الشهيرة ~~للعقلانية محاولة لتفسير ظهور الرأسمالية الحديثة من اعتماد نمط الحياة البيوريتاني ~~(فيبر 1904-1905؛ تاوني 1922). (د) أخيرا، يرى فيبر أن العلوم الاجتماعية قادرة ~~على تقديم تنبؤات محدودة بشأن الآثار المستقبلية للأفعال الاجتماعية. يتنبأ علماء ~~الاجتماع بارتفاع معدلات جرائم الأحداث، ويتنبأ الاقتصاديون بتأثير انخفاض أسعار ~~الفائدة على الاقتصاد. إنها ليست تنبؤات طويلة الأجل، وتأتي مرفقة بشرط ثبات جميع ~~العوامل الأخرى. # يرى فيبر بوضوح «الفهم» كشرط للحياة الاجتماعية، ولكن حتى إذا كانت الأبعاد ~~الرمزية ترتبط بالحياة الاجتماعية مثل شبكة العنكبوت، يجب أن يكون الفهم أيضا ~~عملية موضوعية، وهي ليست منهجا مقتصرا على العلوم الاجتماعية؛ فعمل عالم ~~الطبيعة يتطلب بالفعل فهم الظواهر الطبيعية في سياق بناء النموذج (فاينرت 2004، ~~الفصل الثالث). ويشارك عالم الاجتماع في بعد تفسيري مزدوج يرسم فيه المعنى على ~~بنى رمزية موجودة مسبقا. يمنحنا محور التفسير المنفرد/المزدوج وسيلة لتفسير إصرار ~~فيبر على الفهم «التفسيري». يجب أن نتصور الفهم كبنية نموذج. ونحن نجد استخداما ~~واسع النطاق له في العلوم الطبيعية والاجتماعية على حد سواء، وفي العلوم الاجتماعية ~~يتخذ شكل الأنماط المثالية. # يعتبر فيبر الأنماط المثالية بنيات نظرية؛ فهي «أنواع نموذجية» سواء من الناحية ~~المنطقية أو العملية (فيبر 1904، 97؛ انظر الفصل الأول، القسم 6.5). ولا يقصد من ~~الأنماط المثالية أن تكون وصفا للواقع الاجتماعي. ولا تكون بمنزلة مخططات يمكن ~~بموجبها تصنيف موقف أو فعل حقيقي كحدث واحد (فيبر 1904، 92؛ فاينرت 1996). بل تعد ~~بمنزلة نماذج تسمح لعالم الاجتماع أن يصرف نظره عن التفاصيل غير ذات الصلة أو ~~الخاصة؛ من أجل التركيز على السمات الأساسية لظاهرة ثقافية أو اجتماعية. وهذه ~~الأنماط تمثل إضفاء للمثالية من حيث التركيز على بنية الظاهرة الاجتماعية قيد ~~الدراسة. ووفقا لفيبر، عالم الاجتماع مهتم بما هو نموذجي بشأن عنصر اجتماعي، أو ~~موقف اجتماعي، أو نظام اجتماعي معين. يبرز النمط المثالي النواة الأساسية لظاهرة ~~اجتماعية ما مثل السلطة أو الرأسمالية أو الإقطاعية. تسمح الأنماط المثالية بوضع ~~توصيف منهجي لما هو مشترك بين العديد من الحالات الفردية في العالم ms285 الاجتماعي. ~~وتبرز ما هو مهم بنيويا في الظواهر الاجتماعية. وتتميز الأنماط المثالية بالاتساق ~~المنطقي والدقة المفاهيمية، وهي أنواع «نقية»؛ على سبيل المثال: ~~«السلطة الكاريزمية» تشير إلى سيطرة على الناس، سواء أكانت سيطرة خارجية ~~أم سيطرة داخلية، يخضع فيها الأشخاص المحكومون بسبب إيمانهم بالسمات ~~الاستثنائية ل «الشخص» المعني. (فيبر 1915، 295-296) # يشير فيبر إلى أن استخدام الأنماط المثالية إلزامي لاستخراج المعاني الثقافية من ~~التفاعلات الاجتماعية (فيبر 1904، 90-93)؛ ومن ثم فإن العملية التي تسمى ~~«الفهم» تفهم على النحو الأمثل بوصفها عملية بناء للنماذج؛ ومن ثم يصبح النمط ~~المثالي نوعا ما من «النماذج». # يميل فيبر إلى اعتبار الأنماط المثالية مجرد أدوات إرشادية، وهي محددة بدقة، ~~ولكن نقاءها يأتي بتكلفة. فليس مهما هل كان الواقع التاريخي أو الاجتماعي ~~يتوافق فعليا مع الأنماط المعنية أم لا؛ فالأنماط المثالية مقاييس يمكن من خلالها ~~تقييم الواقع التاريخي أو الاجتماعي على أنه انحراف. ووفقا لفيبر، للأنماط ~~المثالية أربع وظائف: # تسلط الضوء على العناصر الأساسية للظواهر التاريخية والاجتماعية ~~(«الإقطاعية»، «الإمبريالية»، «السلطة»، «العقلانية»، ~~«العلمانية»). # تعمل كمفاهيم محددة. فتعد المجتمعات الغربية الحديثة «أسواقا ~~حرة» أو لديها «بنية سياسية ديمقراطية» في حدود الظروف المثالية. ~~ويمكننا أن نحدد نموذج المجتمع الديمقراطي بمبادئه الأساسية المتمثلة ~~في الحرية والمساواة. ويمكن وصف المجتمعات الملموسة بأنها تقريب ~~للمفهوم المحدد. وتقترب المجتمعات المختلفة من المفهوم المحدد ~~بدرجات متفاوتة، ولكن لا يوجد مجتمع مطابق للنمط المثالي للمجتمع ~~الديمقراطي. # تعمل على إعادة بناء «التسلسل التطوري» للأحداث في التاريخ. كرس فيبر ~~الكثير من عمله لإعادة بناء نمو الرأسمالية الحديثة من الأخلاق ~~البروتستانتية. وحاول ماركس إعادة بناء تطور المجتمع من الإقطاع مرورا ~~بالرأسمالية ثم الاشتراكية. ورأى كونت تطور المجتمع من اللاهوتية إلى ~~الميتافيزيقية إلى الموضوعية. # تساعد على تحديد مفهومي «السببية الكافية» و«الاحتمالية الموضوعية» ~~في العلوم الاجتماعية. يعتقد فيبر، مع مؤيدي النموذج التجريبي، أنه كان ~~من الممكن وضع تفسيرات سببية في العلوم الاجتماعية. ويسعى علماء ~~الاجتماع إلى الوصول إلى تفسيرات سببية للأحداث الاجتماعية. وكما سنرى، ~~فإن الاعتقاد بوجود تفسيرات سببية في العلوم الاجتماعية يعتمد ms286 على ~~ملاءمة نماذج السببية الفلسفية. هل كانت دكتاتورية هتلر هي الشرط ~~السببي الذي أسقط العالم في الحرب العالمية الثانية؟ كما سنذكر، فإن ~~فكرة فيبر للسببية الكافية تغلف نموذجا فلسفيا للسببية في سياق ~~الشروط الضرورية والكافية، التي تسمح للمؤرخ بالتحدث عن الشروط السببية ~~التي دفعت ألمانيا نحو الحرب. بهذا المعنى، توضح الأنماط المثالية ~~الحالات الممكنة موضوعيا. # كان فيبر يدرك جيدا الطبيعة المتغيرة للأنماط المثالية. وكما هي الحال في العلوم ~~الطبيعية، يجب أن تكون النماذج في العلوم الاجتماعية قابلة للتكيف مع الأدلة ~~الجديدة؛ ولذلك لا يمكن أن تكون الأنماط المثالية مجرد أنماط مفروضة على البيانات ~~الاجتماعية من جانب عالم الاجتماع. وعلى غرار النماذج في العلوم الطبيعية، يجب أن ~~تكون نماذج الفرضيات في العلوم الاجتماعية قابلة للتكيف مع العالم الاجتماعي ~~المتغير. قد تكون الأنماط المثالية، مثل «المجتمع الطبقي»، ملائمة في بريطانيا ~~الصناعية في القرن التاسع عشر، ولكن تغير العالم الاجتماعي إلى حد أن هذه ~~المصطلحات لم تعد ناجحة في نمذجة المجتمع البريطاني على نحو ملائم (دهرندورف 1959). ~~وعلى النقيض من ذلك، فإن ظاهرة جديدة مثل العولمة تتطلب بناء نمط مثالي جديد قادر ~~على نمذجة تلك الظاهرة . تتغير الظروف الاجتماعية، وهذا يجب أن ينعكس في اختيار ~~عالم الاجتماع للنموذج. وفي حين تمكن علماء الاجتماع في الماضي من وصف المجتمعات ~~الأوروبية من حيث التسلسل الهرمي للطبقات الاجتماعية، فإن نظراءهم المعاصرين يفضلون ~~وصف مجتمعاتهم من حيث التقسيم الطبقي الاجتماعي. ويعكس هذا التغير في المفاهيم ~~تغيرا في الواقع الاجتماعي. ولا يختلف هذا من حيث المبدأ عن تعديلات النموذجين ~~الكوبرنيكي أو الدارويني مع ظهور المزيد من الأدلة. # على غرار العلوم الطبيعية، تستخدم العلوم الاجتماعية عددا من النماذج المختلفة. ~~يمثل منحنى العرض والطلب للاقتصادي نموذج «دالي»، لأنه يبين كيفية اعتماد متغير ~~واحد (السعر) داليا على التفاعل بين متغيرين آخرين (العرض والطلب). وحيثما يلتقي ~~منحنيا العرض والطلب، يحدد هذا التقاطع السعر (شكل # 3-4 ~~). استخدم فرويد التفكير ~~«التماثلي» ونماذج ميكانيكية «مصغرة» للعقل، كما رأينا، وجادل على أساس التماثل مع ~~الفيزياء لصالح الصحة ms287 العلمية للتحليل النفسي، ولكن استخدم فرويد أيضا البنية ~~الثلاثية للعقل كنموذج مصغر. ومن المفترض أن يكون نموذجا ميكانيكيا يتضمن روابط ~~ديناميكية بين الأجزاء الثلاثة. وبما أن فرويد يتحدث غالبا عن الطاقة الجنسية، ~~التي يجب على الجهاز النفسي أن يوجهها ويسيطر عليها، فإن التشبيه المناسب لهذا ~~الجهاز هو المحرك البخاري (انظر ريلير 2005ج، 430؛ فرويد 1916ب، الفصل الثاني ~~والعشرون). # أي نوع من النماذج تعد أنماطا مثالية؟ الأنماط المثالية نماذج بالمعنى ~~الافتراضي؛ فهي نماذج من نوعية «كما لو». وهي ترسم ملامح الواقع الاجتماعي ~~والاقتصادي «كما لو» كانت تتألف «فقط» من المتغيرات المدرجة في النموذج. «الكائن ~~الاقتصادي» و«الكائن الاجتماعي» و«الكائن النفسي» جميعا «تختزل» البشر إلى عدد ~~قليل من المتغيرات التي تعتبر ذات صلة بالأغراض الوصفية والتفسيرية لعالم ~~الاقتصاد، أو عالم الاجتماع، أو عالم النفس؛ فهي جميعا مجردة من سمات البشر غير ~~ذات الصلة، وتضفي المثالية على السمات ذات الصلة لدرجة تمنحها الأهمية، وتنظم ~~المتغيرات ذات الصلة لتشكيل تفسير متسق لجوانب السلوك البشري. عند فهم الأنماط ~~المثالية كنماذج فرضيات، ربما تعبر عن بنية جبرية، ولكنها تتعلق في الغالب بالبنية ~~الطوبولوجية التي تشبه بنية الواقع التجريبي. # على الرغم من تأكيدنا على تشابه النماذج في العلوم الاجتماعية والطبيعية، فإن ~~مشكلة الإغلاق في العلوم الاجتماعية تفرض بعض القيود على هذا التشابه؛ أولا: من ~~الأصعب كثيرا الوصول إلى تمييز بين السمات الأساسية والسمات العرضية، بين الظروف ~~ذات الصلة وغير ذات الصلة، في العلوم الاجتماعية. غالبا ما يكون الفيزيائي ~~التجريبي في وضع يحدد فيه الظروف التجريبية ذات الصلة وغير ذات الصلة؛ فعلى سبيل ~~المثال، اكتشف رذرفورد وزملاؤه في بداية القرن العشرين نواة الذرة، وفعلوا ذلك عن ~~طريق قياس تبعثر ذرات الهيليوم المتأينة عبر ذرات الذهب الموجودة في رقيقة من ~~الذهب. واستطاعوا افتراض أن وجود الإلكترونات داخل الذرات الذهبية ليس له أي تأثير ~~على المسار المقيس لذرات الهيليوم المشتتة، وقد برر هذا الافتراض من واقع اعتبارات ~~الطاقة في الفيزياء الكلاسيكية. ويؤكد فيبر أن وظيفة النمط المثالي هي «مقارنته ~~بالواقع التجريبي من ms288 أجل تحديد الاختلافات أو أوجه التشابه» (فيبر 1914، 43)، ولكن ~~أنماط فيبر المثالية ليست مفاهيم علمية كمية. لن يوجد في كثير من الأحيان أكثر من ~~مجرد إجماع نوعي بين المؤرخين - على سبيل المثال - بشأن العوامل التي يرجح أن تكون ~~ذات صلة بالحالات التاريخية الملموسة. وكما سنرى، فإن هذه المشكلة خطيرة على نحو ~~خاص في الاعتبارات السببية في العلوم الاجتماعية، ومع ذلك، غالبا ما ستساعد الأدلة ~~التاريخية المؤرخين على تحديد مجموعات العوامل المهمة، مع بعض التداخل بينها؛ ولذلك ~~ينبغي أن نتوقع وجود بعض القيود التجريبية على مقبولية النماذج المثالية. ثانيا: ~~من الصعب تحديد هل كانت بعض الانحرافات في النموذج عن الواقع التجريبي انحرافات ~~حقيقية أم ظاهرية. عندما ترفع الرياح ورقة شجرة خلال نسيم الخريف، فمن الواضح ~~للفيزيائي والشخص العادي، على حد سواء، أن مسار الورقة يمثل فحسب انحرافا واضحا ~~عن قانون نيوتن للجاذبية. إن مسار الورقة متوافق مع قانون الجاذبية. لا تسمح ~~القوانين المادية الحازمة باستثناءات حقيقية. وفي حين أن العلوم الاجتماعية تتعامل ~~مع الانتظام الاجتماعي، فإنه ليس من الواضح إن كانت تشكل قوانين حقيقية أم ~~لا. وكما سنتناول لاحقا، فإن هذا الانتظام الاجتماعي مجرد نزعة ، ولكن النزعات تتفق ~~مع الاستثناءات الظاهرية والحقيقية. عندما يحدث استثناء من نزعة ما، يصعب القول ما ~~إذا كان يشكل انتهاكا لنمط الانتظام أم لا. وأخيرا، فإن درجات المثالية ~~والتقريب التي يمكن أن يحققها النموذج ترتبط بمدى إمكانية فصل العوامل ذات الصلة عن ~~العوامل غير ذات الصلة. في مختبر الفيزياء، تخضع العوامل إلى حد بعيد لسيطرة مجري ~~التجربة، بما في ذلك وجود «الضوضاء»، ولكن عالم الاجتماع لا يتمتع بهذا المستوى من ~~السيطرة على العوامل. هذه هي مشكلة الإغلاق. وحتى في التجارب المختبرية التي تنطوي ~~على البشر لا يمكن تحديد جميع العوامل التي تدخل في بيئة التجربة والسيطرة عليها. ~~فللبشر في هذه الحالات تاريخ ويشكلون جزءا من تقليد لا يمكن تقدير آثاره على ~~الحالة الراهنة بسهولة. تصور النماذج ما سماه فيبر الحالات «النموذجية». وفي غياب ~~المعلومات الكمية، يصعب قياس ms289 درجات التقريب والمثالية؛ فعلى سبيل المثال، من ~~المستهلك النموذجي؟ وكم ينحرف المستهلك الحقيقي عن المستهلك النموذجي؟ # رغم عدم القدرة على القياس الدقيق في بناء النماذج في العلوم الاجتماعية، فإنه ~~توجد طرق موضوعية - كما يؤكد فيبر - لبناء أنماط مثالية ونماذج أخرى في العلوم ~~الاجتماعية. تعتمد النماذج الدالية على البيانات الإحصائية على نحو صرف، وقد بنيت ~~نماذج الفرضيات عن طريق التجارب النفسية، وكذلك من خلال الأدلة الإحصائية، ومقارنة ~~العمليات التاريخية والمعاصرة (شريف 1936؛ ميلجرام 1974؛ فيبر 1904-1905). يعتبر ~~فيبر بناء النماذج عملية موضوعية؛ ومن ثم فإن الفهم التفسيري في علم الاجتماع ~~التأويلي قابل للمقارنة مع منهجيات العلوم الطبيعية. وخلافا لنتائج النماذج ~~التجريبية والتفسيرية، يجب أن نخلص إلى أن العلوم الاجتماعية تتسم ب «طبيعانية ~~ضعيفة» (ليتل 1991، الفصل الحادي عشر؛ بوبر 1957، 121-123). وهي تعد طبيعانية ضعيفة ~~لأنها (على عكس النموذج الطبيعي) لا تفترض وجود قوانين اجتماعية وانطباق النموذج ~~الاستدلالي الطبيعي التفسيري والنموذج الاستقرائي الإحصائي التفسيري. ثمة بعض ~~الترابط بين العلوم الاجتماعية والطبيعية، على الرغم من الاختلافات الواضحة، وهو ~~يكمن في استخدام بعض البنيات النموذجية المثالية التي تنطوي على انتظام افتراضي. ~~وهي توفر للعلوم الاجتماعية الفرصة لتقديم فهم تفسيري للظواهر الاجتماعية. ~~(ج ) الفهم والموضوعية # أنشأ فيبر علاقة منطقية بين الفهم والتفسير. عمل الفهم كوسيلة لبناء أنماط مثالية ~~للفعل الاجتماعي، لا سيما الفعل العقلاني الهادف. يوفر الفهم تكوينا فرضيا، يجب ~~تأكيده تجريبيا. ويجب الوصول إلى الحقائق الاجتماعية من خلال علم الاجتماع ~~التأويلي (هابرماس 1970، 164 (1988، 73-74)). وبمجرد تأكيد النمط المثالي ~~تجريبيا، فإنه يشير إلى انتظام اجتماعي، يكون بمنزلة تفسير للأفعال الاجتماعية ~~(هابرماس 1970، 84 (1988، 11))؛ ومن ثم فإن الفهم ليس بديلا عن تفسير الفعل ~~الاجتماعي (هابرماس 1970، 146 (1988، 59)). # إذا كانت المعاني الرمزية تتخلل الحياة الاجتماعية، فكيف يمكن للعلوم الاجتماعية ~~أن تأمل في تقديم بيانات موضوعية عن العالم الاجتماعي؟ يجيب علم الاجتماع التأويلي ~~بأن عالم الاجتماع يجب أن يضع افتراضات عقلانية، ويعبر عنها في التكوينات ~~الفرضية، مثل فئات فيبر للأفعال الاجتماعية. ومن المفترض أن توضح دوافع ونوايا ~~العنصر الاجتماعي «العادي». وفي توسيع لنهج ms290 فيبر، يربط هابرماس مختلف أنواع الفعل ~~الاجتماعي بمختلف جوانب العالم. فيميز بين عالم «موضوعي» و«اجتماعي» و«ذاتي». ~~تفترض الأنواع المختلفة للفعل الاجتماعي مسبقا أنواعا مختلفة من العلاقات مع ~~العالم المعني. وتحدد طريقة ارتباط الفاعل الاجتماعي بجوانب العالم المختلفة ~~جوانب العقلانية المختلفة وعقلانية تفسير هذه الأفعال عن طريق الباحث الاجتماعي ~~(هابرماس 1981 (1984)، الفصل الأول؛ قارن فاينرت 1999). # على سبيل المثال، ينطوي الفعل الغائي/الاستراتيجي على علاقة بين الفاعل وعالم ~~موضوعي من الحقائق. وثمة نوعان من العلاقات العقلانية لهذا العالم ممكنة: (أ) يمكن ~~للفاعل أن يقدم تأكيدات بشأن هذا العالم، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، ويمكن الحكم ~~عليها عقلانيا وفقا ل «صحتها». (ب) يمكن للفاعل أيضا أن يتدخل في العالم ~~الموضوعي لتحقيق أهداف محددة، ويمكن أن يفشل تدخله أو ينجح. ويمكن الحكم عليه وفقا ~~ل «فعاليته». إن العقلانية التي ينطوي عليها هذا النوع من الفعل تذكرنا بفعل فيبر ~~الهادف الموضوعي والهادف العقلاني، على نحو منفصل، ولكن أحد الانتقادات التي وجهها ~~هابرماس إلى فيبر هو أن هذا الأخير قد ضيق أنواع العقلانية إلى العقلانية ~~المقصودة أو عقلانية الوسيلة والغاية. ووفقا لهابرماس، فإن تصنيف فيبر للفعل ~~الاجتماعي يقمع بعض جوانب العقلانية التي كانت جزءا من مشروع التنوير. وهكذا، فإن ~~هابرماس يميز بين الأفعال المنظمة والدراماتورجية والتواصلية ويربطها بالصحة ~~المعيارية والصدق الذاتي والتوافق الجماعي العقلاني كمعيار لصلاحيتها على ~~الترتيب. # كيف يمكن لدور المشارك الافتراضي الخاص بعالم الاجتماع الإجابة على شرط ~~الموضوعية في فهمه للتفاعل الاجتماعي؟ (هابرماس 1981، 168 (1984، 114)). يفترض ~~هابرماس وجود صلة بين الأنواع الأساسية للفعل الاجتماعي ومنهجية فهم الأفعال ~~الاجتماعية. ويقترح أن مشكلة العقلانية تطرح نفسها مع إمكانية الوصول التأويلي إلى ~~مختلف أنواع العوالم (هابرماس 1981، 152، 157 (1984، 102، 106)). إن الجوانب ~~العقلانية للأنواع الأساسية للفعل الاجتماعي - إحالة الأفعال الغائية/الاستراتيجية، ~~والمنظمة، والدراماتورجية، والتواصلية إلى العوالم الموضوعية والاجتماعية ~~والذاتية، على الترتيب - مفتوحة أساسا أمام حكم موضوعي من جانب الفاعل الاجتماعي ~~والراصد الاجتماعي على حد سواء. من أجل فهم الفعل الاجتماعي أو الشكل اللغوي ~~المعادل له، يجب على المفسر أن يفهم شرط صلاحيته. يجب ms291 أن يفهم الشروط التي في ~~ظلها يكون ادعاء الصلاحية المرتبط بالفعل - الصحة الظرفية، والصحة المعيارية، ~~والصدق الذاتي، والتوافق الجماعي - مقبولا. وهذا يعني أنه يجب على المفسر أن ~~يفهم الأسباب التي يدافع بها الفاعل الاجتماعي عن صلاحية أي فعل إذا طلب منه ذلك ~~(هابرماس 1981، 169 (1984، 115)). ويجب عليه أن يفسر الفعل الاجتماعي عقلانيا ~~فيما يتعلق بادعاء الصلاحية المرتبط به؛ فعلى سبيل المثال، يمكن قياس فعالية الفعل ~~الاستراتيجي مقابل الهدف الذي يسعى إليه. ولإبراز موضوعية الفهم أكثر، يدعي هابرماس ~~أن أنواع العقلانية (الفعالية والحقيقة والصحة، وما إلى ذلك) لها أبعاد عالمية ~~(هابرماس 1981، 188، 193، 197-198 (1984، 130، 134، 137-138))، كما يميز بين ~~«عالمية» ادعاءات الصلاحية المستقلة عن السياق، والوسائل اللغوية الملموسة التي ~~تعتمد على السياق والتي يصاغ من خلالها ادعاء الصلاحية (هابرماس 1988، 179، 182 ~~(1992، 139، 142)). يجاهر الفاعل الاجتماعي بادعاء الصلاحية أو يضمره في مواقف ~~ملموسة، وبأفعال كلامية ملموسة، وهذه الادعاءات تقبل أو ترفض على حد سواء في ~~مواقف ملموسة، ولكن أيا كان السياق وأيا كانت وسيلة التعبير عنها، فإن ادعاءات ~~الصلاحية هذه تتجاوز هذه المواقف الملموسة. وهذا أكثر وضوحا في ادعاءات الصحة: ~~فأيا كانت الوسيلة اللغوية التي يعبر بها عن الحقيقة «ص»، فإن «ص» صحيحة أو ~~خاطئة، وهذه الحقيقة تتجاوز الموقف الكلامي المحدد. وبهذه الطريقة يعارض هابرماس ~~جميع أشكال النسبوية، وهي الأمر المقدس في التفكير ما بعد الحداثي. وهو يعيد ~~التأكيد على التمييز بين سياق الاكتشاف وسياق التبرير؛ فادعاءات الصلاحية تنتمي إلى ~~سياق التبرير. وكما سنرى، يستخدم هابرماس «عالمية المنطق في تنوع أصواته» كحجة ضد ~~النسبوية. # بدأنا هذا الفصل بمناقشة ظهور نموذجين في العلوم الاجتماعية وعناصرهما الأساسية. ~~وقد نبعت هذه المناقشة طبيعيا من دراسة التوازن بين التفسير والفهم في منهجية ~~فرويد. أدت دراسة مفهوم الفهم من تجسيده المبكر بوصفه تعاطفا، إلى أحدث تجسيد له ~~كشرط للحياة الاجتماعية لا مفر منه. وبمجرد أن تتضح كلية وجود البعد الرمزي للحياة ~~الاجتماعية، فإن مسألة الموضوعية في معرفة العلوم الاجتماعية تفرض نفسها. ينبع جواب ~~هابرماس بشأن ادعاءات الصلاحية من وجهة نظر التنوير حيال الطبيعة ms292 البشرية. وهو يلزم ~~علماء الاجتماع بدراسة جوانب العقلانية في الأفعال البشرية، عندما يكونون مهتمين ~~كثيرا بعواقب السلوك البشري غير العقلاني. # من المفترض أن يكون علم الاجتماع التأويلي قادرا على التعامل مع المشكلات التي ~~وصفها دلتاي بتشيؤ الحياة الاجتماعية: عمل المنظمات المؤسسية وعجزها عن العمل، ~~وعلاقات القوة، وكفاح الفئات الاجتماعية المختلفة ضد «السلطات» (جيدنز 1993، ~~الفصلان الرابع والخامس). ربما يرى هابرماس أنواع العقلانية وادعاءات الصلاحية، ~~المتأصلة في أنواع الفعل الاجتماعي، كأنماط مثالية (فيبر) أو طريقة الصفر (بوبر)، ~~التي يمكن قياس الانحرافات بالمقارنة معها. وكثيرا ما ستكون هذه «القياسات» نوعية ~~وليست كمية، بسبب انتشار البنيات الرمزية في الحياة البشرية. إن وجود عقول أخرى أو ~~عناصر بشرية أخرى أمر أساسي في العلوم الاجتماعية؛ لأنه لا يؤثر فقط على النهج ~~التأويلي للعلوم الاجتماعية في تناول الحياة الاجتماعية، بل يؤثر أيضا على بناء ~~الأنماط المثالية وموضوعيتها، كما أنه يمد روافده، كما سنناقش الآن، إلى عدد من ~~المسائل المنهجية الأخرى، التي تنشأ عن الموقف الإشكالي المحدد للعلوم الاجتماعية. ~~إن مسألة كون البيانات في العلوم الاجتماعية صحيحة بالنسبة لعالم نموذجي ~~وليس لعالم خاضع للنمذجة أكثر أهمية مما هي عليه في العلوم الطبيعية بالفعل. ~~(4-4) السببية في العلوم الاجتماعية # كما لاحظنا سابقا ، فإن النموذج التجريبي أو الطبيعي يؤكد أن التحليل السببي ~~للأحداث الاجتماعية ليس مرغوبا فيه فحسب، بل هو أساسي للعلوم الاجتماعية، وقد ~~ناقشنا بعض الأمثلة على التفسيرات السببية، المعتمدة على افتراضي الفردية ~~والشمولية على حد سواء. والسؤال هو: كيف يمكننا التفكير في السببية في العلوم ~~الاجتماعية من وجهة نظر فلسفية؟ إذا كنا نعتنق وجهة النظر الميكانيكية بشأن ~~السببية، التي تشكل وفقا لها عمليات الجذب والدفع المادية وآثارها السببية المناسبة القابلة ~~للتتبع، فإن تقييمنا للتفسيرات السببية في العلوم الاجتماعية سوف ~~يبدو قاتما إلى حد ما. يجب ألا نعتنق أفكار السببية الفلسفية التي تؤدي إلى نتائج ~~خاطئة عند تطبيقها على أبحاث العلوم الاجتماعية. يبدو أن علماء الاجتماع لا يملكون ~~أي شكوك بشأن ربط حدثين في التاريخ أو المجتمع - على سبيل ms293 المثال - بحيث يكون الحدث ~~السابق الوقوع مؤهلا كسبب للحدث اللاحق الحدوث، الذي يكون مؤهلا لأن يعتبر نتيجة. ~~قدم فيبر مساهمة كبيرة في هذا الموضوع من خلال مفهوم السببية الكافية كنموذج ~~للسببية في العلوم الاجتماعية. ~~(أ) أعمال فيبر حول السببية # كما أوضح فيبر، فإن إعادة بناء النظرية أو الأنماط المثالية في العلوم الاجتماعية ~~يمكن أن تغطي ظواهر متنوعة مثل أنواع السلطة، وتسلسل الأحداث التاريخية، والسلاسل ~~السببية للأحداث. وفي ضوء اعتقاده أن العلوم الاجتماعية يمكنها ترتيب بعض الأحداث ~~في صورة تسلسل تفسيري، ابتعد فيبر كثيرا عن النموذج التفسيري الخالص للعلوم ~~الاجتماعية، ولكن غالبا ما يكون التفسير مرتبطا بتوافر الانتظام. بعد ذلك تطرح ~~أسئلة بشأن طبيعة هذا الانتظام في العلوم الاجتماعية، ووجود القوانين الاجتماعية، ~~وتوافر التفسيرات السببية. وبمجرد أن نجيب على هذه الأسئلة، ستكون مناقشة طبيعة ~~التفسير والتنبؤ في العلوم الاجتماعية أيسر. ويثير هذا الجانب المزيد من التساؤلات ~~حول الواقعية والنسبوية، وكذلك الاختزالية والوظيفية. # يقترح فيبر فكرة «السببية الملائمة»، التي يعتبرها وجهة نظر مناسبة للسببية في ~~العلوم الاجتماعية. تقوم هذه الفكرة بالنسبة إلى فيبر على منهجيته للأنماط ~~المثالية، كما رأينا، يمكن فهم الأنماط المثالية على أنها نماذج افتراضية (أو نماذج ~~«كما لو») في العلوم الاجتماعية (فيبر 1905؛ فاينرت 1996). ويؤكد استخدام الأنماط ~~المثالية حاجة عالم الاجتماع لاستخدام الفصل وإضفاء المثالية في إعادة البناء ~~السببية للحدث الاجتماعي. وفي حين أن هذه العمليات تجعل النماذج تشير إلى بنية عالم ~~نموذجي، فإن النموذج يقدم أيضا ميزة ربط عدة عوامل على نحو قابل للإدارة. ويسعى ~~النموذج السببي إلى ربط حدث ما في العالم الاجتماعي، يعتبر نتيجة، بظروف سببية ~~سابقة. وبالنظر إلى عمل فيبر نفسه، فإن محاولته لتفسير ظهور الرأسمالية في الغرب ~~نتيجة لاعتماد أنماط الحياة البيوريتانية؛ مثال واضح للتحليل السببي في العالم ~~الاجتماعي، ولكن يسعى علماء الاجتماع أيضا إلى تفسير أمور مثل منشأ تجارة الرقيق، ~~واندلاع الحرب العالمية الثانية، وجنوح الأحداث، والأداء التعليمي المتفاوت. يتمثل ~~الهدف في كل حالة في عزل العوامل المحددة الفعلية بأكبر قدر ممكن، التي من ms294 المحتمل ~~أنها تسببت في حدث ما في التاريخ أو في العالم الاجتماعي. غير أن النظم الاجتماعية ~~ليست منغلقة. يواجه عالم الاجتماع مجموعة من العوامل المحددة المحتملة، التي ~~يمكن أن تكون ظروفا سببية ممكنة. ومن بين مجموعة العوامل المحددة المحتملة، ~~يجب على عالم الاجتماع أن يستخرج مجموعة من العلاقات السببية، التي «يجب أن تتطور ~~إلى مجموعة سببية «حقيقية»» (فيبر 1905، 173). يتحدث فيبر عن «السببية الملائمة» ~~عندما يلبي نموذج العلوم الاجتماعية عدة شروط: (أ) عزل عالم الاجتماع عددا من ~~الشروط التي تعتبر ذات صلة إحصائية بالنتيجة المعنية. (ب) من المحتمل أن تعزل ~~إعادة بناء الحدث الاجتماعي أو التاريخي، من جانب عالم الاجتماع، «السبب المحتمل ~~لحدث تاريخي فعلي أو أحداث من هذا النوع.» ومن ثم، فإن نموذج الأنماط المثالية ~~للتسلسل السببي للأحداث الاجتماعية يظهر احتمالية موضوعية؛ أي إنه من الممكن ~~موضوعيا - وربما حتى من المرجح - أن تكون الظروف المعزولة مسئولة سببيا عن وقوع ~~الحدث. ويقدم نموذج عالم الاجتماع، الذي يدعي بعض الاحتمالية، الظروف السببية ~~الأكثر ملاءمة التي من المرجح أن تكون قد أدت إلى الحدث الاجتماعي المعني. كيف يمكن ~~لعالم الاجتماع أن يكون متأكدا نسبيا أن النموذج السببي المقترح - على سبيل ~~المثال، اندلاع الحرب العالمية الثانية - يقدم الظروف الأكثر ملاءمة التي من المرجح ~~أن تكون قد سببت هذا الحدث؟ يصر فيبر على أنه «من الممكن أن نحدد، حتى في مجال ~~التاريخ، الظروف التي من المرجح أن تؤدي إلى نتيجة ما أكثر من غيرها بدرجة معينة من ~~اليقين» (فيبر 1905، 183). ويتمثل طريق تحقيق هذا الهدف في إخضاع نموذج النمط ~~المثالي الخاص بتسلسل سببي ما إلى المعرفة الواقعية لحدث تاريخي أو اجتماعي. وهكذا ~~يختبر فيبر النموذج مقابل الواقع. ويأمل فيبر بهذه الطريقة أن يلقي الضوء على ~~«الأهمية التاريخية» للعوامل المحددة الفعلية في ظهور حدث تاريخي ما. من ~~المعروف أن المؤرخين وعلماء الاجتماع يختلفون حول العوامل ذات الصلة التي يمكن أن ~~تكون مسئولة عن بعض الأحداث في التاريخ أو المجتمع. وستكون بعض العوامل غير محتملة ~~بحيث يمكن حذفها ms295 من التفسير السببي؛ فعلى سبيل المثال، من غير المعقول أن انفجار ~~بركان كان له تأثير على اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ ومن ناحية أخرى، فإن ~~البيانات التجريبية الجديدة المتعلقة باندلاع الحرب العالمية الثانية قد تثبت أن ~~بعض العوامل عوامل ذات صلة وتنفي عوامل أخرى باعتبارها غير ذات صلة. # ناقشنا في القسم 6-7، ج، من الفصل الثاني السببية في سياق مجموعة من الشروط ~~الضرورية والكافية. ومن المتوقع من طبيعة العلوم الاجتماعية والاهتمام بالعوامل ~~المسببة الفعلية أن يهتم التحليل السببي في العلوم الاجتماعية غالبا بالشروط ~~الكافية. هذه هي الظروف الفعلية التي وقعت قبل وقوع الحدث والتي يجب إعادة بناء ~~التفسير السببي منها. غير أن فيبر رأى أن الأنماط المثالية يمكن أن توضح أيضا ~~الشروط الضرورية للظواهر الاجتماعية مثل الإقطاع والسلطة. على سبيل المثال، في غياب ~~الإيمان ب «الصفات الاستثنائية» للقائد، لم يكن فيبر ليتحدث عن «السلطة ~~الكاريزمية». # على الرغم من إمكانية تفسير الأفعال الاجتماعية سببيا في سياق الشروط الضرورية ~~والكافية، فثمة اختلافات بين التفسيرات السببية في العلوم الطبيعية والاجتماعية: ~~(1) # في العلوم الاجتماعية نتعامل مع الدوافع بدلا من الأسباب ~~الميكانيكية. والدوافع هي الأسباب، ولكن لا يمكننا أن نصوغ القوانين ~~الحتمية أو حتى الاحتمالية التي تربط الدوافع بالأفعال (ديفيدسون 1974؛ ~~ولكن انظر فاي 1994 للحصول على تقييم بديل). أي انتظام في العلوم ~~الاجتماعية يأخذ شكل اتجاهات بدلا من كونه انتظاما يشبه القانون. ~~(كما نذكر فيما يلي، ما الاتجاهات إلا أوجه انتظام تجريبي جرى توليدها ~~على نحو استقرائي، وهذا يسمح بوجود استثناءات وانعكاسات على حد ~~سواء). ~~(2) # لا يسعنا أن نذكر مجموعة مغلقة من الشروط الضرورية والكافية اللازمة ~~للتصرف على أساس من الأسباب. سيتفق علماء الاجتماع على عدد من الشروط ~~«الكافية» التي تفسر على نحو معقول وقوع حدث اجتماعي، ولكن سيوجد خلاف ~~حول القائمة «الكاملة» لهذه الشروط الكافية. سيكون من المستحيل إثبات ~~أن جميع الشروط المتفق عليها كانت ضرورية وكافية معا لهذا الحدث، ~~وتمنع مشكلة الإغلاق التقييم الكمي للعوامل التي تدخل في الحالة ~~السببية. ~~(3) # لنفترض أن علماء الاجتماع ms296 وافقوا على مجموعة من الشروط التي ~~يعتبرونها التفسير السببي الأكثر احتمالا لحدث اجتماعي ما. تظل هذه ~~الاحتمالات مختلفة عن الأحداث الاحتمالية في العالم الطبيعي. تمتلك ~~مجموعة من ذرات الراديوم احتمال 50 بالمائة للتحلل خلال 1600 سنة. ليس ~~من الممكن التنبؤ بالذرات المحددة التي سوف تتحلل في فترة زمنية معينة، ~~ولكن من الممكن القول، وفقا لما يسمى قانون التحلل، إن نصف مجموعة ~~الذرات سوف تتحلل خلال 1600 سنة، ولكن في العالم الاجتماعي لا توجد ~~مثل هذه القوانين التي تسمح لنا بالقول إنه في ظل شروط معينة سابقة، ~~فإن الحدث اللاحق سيحدث باحتمالية معينة. كل ما يمكننا قوله هو أن ~~مجموعة معينة من الشروط تجعل الحدث الاجتماعي أكثر احتمالية على نحو ~~كمي. # يمكننا أن نلخص نقاشنا بالقول إن علماء الاجتماع يحاولون عزل ~~مجموعة من الشروط الضرورية والكافية التي يعتبرونها كافية لتفسير وقوع حدث معين في ~~التاريخ أو المجتمع باعتباره نتيجة تعقب شروط سابقة. هذا النموذج يبين إمكانية ~~موضوعية، وسيتأثر اختيار الشروط السابقة باهتمام عالم الاجتماع، لكن أصر فيبر على ~~أن هذا الاختيار لا يجعل التفسيرات السببية في العلوم الاجتماعية ذاتية، ويسلم ~~فيبر أنه ليس من الممكن إقامة علاقات عددية بين الشروط السببية ذات الصلة المختارة ~~واحتمالية حدوث النتيجة، كما أنه ليس من الممكن تقييم تأثير الظروف المحيطة كميا، ~~في المجال السببي، ومع ذلك: # نستطيع (...) تقدير درجة «الدعم» الذي تتلقاه نتيجة معينة من «شروط» معينة؛ ~~رغم أننا لا نستطيع فعل ذلك على نحو لا لبس فيه تماما أو حتى وفقا ~~لإجراءات حساب الاحتمالات. (فيبر 1905، 183) # في تقديرنا لدرجة احتمال أن تكون شروط سببية معينة مسئولة ~~موضوعيا عن نتيجة ما، فإننا نسترشد بمعرفتنا التجريبية بوقائع حالة تاريخية ~~أو اجتماعية معينة، ونحصل على مزيد من المساعدة من: # معرفة بعض القواعد التجريبية المعروفة، ولا سيما تلك المتعلقة بالطرق ~~التي يكون البشر عرضة للاستجابة بها في ظل حالات معينة. (فيبر 1905، ~~174) # يشير فيبر بوضوح إلى قدرة عالم الاجتماع على «تفهم» ~~السلوك البشري من خلال اللجوء إلى عملية «الفهم»؛ فهي ms297 تمكن عالم الاجتماع من ~~فهم النوايا، وتحفيز السلوك الفردي، وفهم المعايير والقيم، وتحفيز السلوك ~~الجماعي؛ حينئذ يمتلك البشر معرفة القواعد التجريبية العامة التي تسمح لهم ~~باجتياز طريقهم عبر الحياة الاجتماعية. لدينا - كما أكد بالفعل دلتاي - توقعات ~~استقرائية حول الثبات النسبي للعالم الاجتماعي من حولنا. ما البنية التي نتوقع ~~أن تكون لهذه التعميمات التجريبية؟ هل هي مماثلة للانتظام القانوني في العلوم ~~الطبيعية، أم أنها أشبه بالقواعد والأعراف الاجتماعية التي يلتزم بها الفاعلون ~~الاجتماعيون؟ وبالحديث عن القواعد التجريبية العامة (فيبر 1905، 174، 187)، يبدو أن فيبر يميل نحو الرأي القائل بأن عالم الاجتماع يتعامل مع العموميات ~~التجريبية بدلا من الانتظام «المجرد» (فيبر 1905، 168). والمسألة التي نحتاج ~~إلى معالجتها هي هل كانت توجد قوانين اجتماعية أم لا. ~~(ب) حول وجود قوانين اجتماعية # ثمة نهج قديم في الفكر الاجتماعي يلتزم بالرأي القائل بأن العالم الاجتماعي يخضع ~~بالقدر عينه للانتظام القانوني شأنه شأن كواكب النظام الشمسي. أشار فرويد - كما ~~رأينا - في «التعبير عن النفس» إلى أنه لا يوجد «شيء عبثي، ولا اعتباطي ولا فوضوي»؛ ~~فالنفس تخضع لقوانين نفسية حتمية، وكان فرويد حريصا على اكتشافها. وقف فرويد وحسب ~~في سلسلة طويلة من المفكرين - بدأت من عصر التنوير - الذين اعتبروا أن العالم ~~الاجتماعي والفردي خاضعين لقوانين الطبيعة المتعددة. آمن ماركس وكونت بوجود تسلسل ~~للأحداث التاريخية يشبه القانون، وكذلك فعل آدم سميث؛ ولذلك ليس التفكير هل ~~كان من الممكن اعتبار الانتظام التجريبي الموجود في العالم الاجتماعي بمنزلة قانون ~~من قوانين طبيعية مسألة تافهة. والعديد من الأسئلة الفلسفية الأخرى، التي تظهر في ~~العلوم الاجتماعية، تطرح مسألة هل كان يوجد انتظام قانوني في العالم الاجتماعي ~~أم لا. وهذا يؤثر على مسائل السببية، وعلى المنهجية، وعلى التنبؤات ~~والتفسير. # تناولنا بالفعل الآراء الفلسفية بشأن قوانين الطبيعة في فصل سابق. وعلى وجه ~~التحديد، ميزنا بين «قوانين الطبيعة» و«قوانين العلم»؛ فالأولى هي الانتظام ~~القانوني في العالم الطبيعي، بغض النظر عن معرفتنا بها. والأخيرة تشكل التمثيل ~~الرمزي لقوانين الطبيعة كما نجدها في كتب العلوم. ودافعنا عن أطروحة أن قوانين ms298 ~~الطبيعة تشكل قيودا بنيوية على سلوك النظم الطبيعية. كان يطلق على هذا الرأي ~~النظرية «البنيوية» للقوانين. ووفقا لهذا الرأي، فإن قوانين الطبيعة تصوغ السمات ~~البنيوية للنظم الطبيعية (فاينرت 1993؛ 1995). تعبر «قوانين العلم» عن علاقات ~~رياضية بين مترابطات الأنظمة، كما أشرنا أيضا إلى أن الأنواع المختلفة من النماذج ~~تمثل البنية (الجبرية والطوبولوجية) للنظم الطبيعية. وكانت وظيفة النماذج فصل عوامل ~~النظم وإضفاء المثالية عليها وتنظيمها. يمكن إذن اعتبار قوانين العلم بيانات محددة، ~~فهي تعمل في ظل شروط مثالية معينة أو لنماذج مبسطة، وقد تفقد صلاحيتها لصالح أنظمة ~~معقدة جدا ذات شروط غير ممثلة في النموذج. هل يمكن تطبيق هذا التوصيف على ~~الانتظام الاجتماعي؟ الفكرة العامة هي أن القوانين الاجتماعية يجب أن تعتبر بيانات ~~محددة (كينكيد 1994؛ ماكنتاير 1994؛ انظر فاينرت 1997). ربما نجد في كتاب اقتصادي ~~مثل هذه الادعاءات: # تحاول العلوم الاقتصادية - على غرار العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية ~~الأخرى - العثور على مجموعة من قوانين الطبيعة. (باركين/كينج 1992، ~~23) # تتمثل وجهة النظر في أن العلوم الاجتماعية قادرة على صياغة ~~بيانات عامة مرشحة على نحو حقيقي لأن تكون بمنزلة انتظام قانوني في العالم ~~الاجتماعي. وتعد هذه البيانات أكثر من مجرد تعميمات تجريبية أو اتجاهات إحصائية؛ ~~فهي تعبر عن تعميمات شبيهة بالقوانين في العالم الاجتماعي، وإن كانت ذات شكل ~~مثالي. # ربما تكون القوانين الاجتماعية بيانات محددة، ومع ذلك، فإن هذا لن يضمن أنها ~~قوانين حقيقية. ثمة رأيان يناهضان الرأي القائل بأنه ينبغي قبول البيانات العامة في ~~العلوم الاجتماعية كبيانات قانونية حقيقية: (1) ربما تكون «القوانين الاجتماعية» ~~مجرد تعميمات تجريبية تصف عددا كبيرا من الحالات. ويمكن ببساطة أن تكون ناتجة ~~استقرائيا من الشروط الأولية # 7 ~~(بوبر 1957؛ فاينرت 1997؛ قارن ~~وودوارد 2003، الفصل الرابع). إذا كان من الممكن إيجاد هذه الحالة، فإننا سنشهد اتجاهات اجتماعية ~~وليس قوانين حقيقية. من سمات الاتجاهات أنها تمثل تعميمات استقرائية على عدد من ~~الحالات المرصودة. وإذا كانت تعتمد على الشروط الأولية، فلا ينبغي اعتبارها قوانين ~~حقيقية. ثمة عدة مؤشرات على أن التعميمات الاجتماعية تحمل معالم الاتجاهات. ومن ~~أمثلة هذه العلامات أن ms299 التداخل مع الظروف الأولية سيغير طبيعة الانتظام. إذا كانت ~~هذه هي الحال، فإن هذا يشكل تناقضا صارخا مع القوانين المادية. عندما تختلف ~~الشروط الأولية من بلد إلى آخر، ومن ثقافة إلى ثقافة، فإن الانتظام الاجتماعي يتغير ~~معها. والقوانين الحقيقية، على غرار قوانين كبلر، لا تعتمد على الشروط الأولية؛ ~~فالشروط الأولية تكون ببساطة مثالا عليها. استغل بوبر (1957، 128) اعتماد الانتظام ~~الاجتماعي على الشروط الأولية كي يطرح أن هذا الانتظام اتجاهات وليس قوانين حقيقية. ~~وينبع من هذا الاعتماد فرق آخر بين القوانين الحقيقية والاتجاهات الاجتماعية؛ إذ ~~يمكن أن تتغير الاتجاهات، وربما حتى تنعكس، في حين أن القوانين الحقيقية لا يمكن ~~تغييرها أو عكسها. ويمكن استخدام المعرفة بالظروف الاجتماعية في خدمة تغيير الاتجاه ~~الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، إذا كان من المتوقع حدوث زيادة هائلة في معدل الجريمة ~~نتيجة لزيادة عدد الأطفال، يمكن استخدام الهندسة الاجتماعية لكسر هذا الرابط. قد ~~يكون للفرص التعليمية وفرص العمل للشباب تأثير على سلوك الشباب الجانحين المحتملين. ~~الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن معرفة الاتجاهات الاجتماعية يمكن أن تستخدم لعكس ~~هذا الاتجاه ذاته. وإذا وضع علماء الاجتماع علاقة بين الاستهلاك المفرط للكحوليات ~~وزيادة الوفيات على الطرق، يمكن لصناع القرار السياسي أن يستخدموا هذا الرابط نفسه ~~للتدخل في هذا الاتجاه وعكسه، ولكن لا يمكن لأي تدخل بشري أن يغير قانونا طبيعيا ~~على نحو مادي. وفي حين أن قوانين الطبيعة تمثل قيودا بنيوية على سلوك النظم ~~المادية، فإن الاتجاهات الاجتماعية تمثل قيودا «عملية» في معظم الحالات، ولكن ~~الانتظام الاجتماعي يتأثر كثيرا بالأبعاد الرمزية والاجتماعية للحياة البشرية مثل ~~تأثره بالعلاقات الاجتماعية الأخرى. وعلى وجه الخصوص، فإن الانتظام الاجتماعي يخضع ~~للتفسير المزدوج. ومن ثم، فإن أي انتظام لا يكون مؤهلا لأن يمثل قانونا ~~حقيقيا. ~~(2) من المسلم به عموما أن التعميمات في العالم الاجتماعي «مليئة ~~بالاستثناءات». وعلى غرار الاتجاهات، يتوافق الانتظام الاجتماعي مع الاستثناءات ~~بطريقة لا تتوافق بها القوانين الحقيقية معها. لا تسمح القوانين الحقيقية إلا ~~بالاستثناءات الظاهرية، التي يمكن تفسيرها من خلال انتظام آخر. ms300 (لا تسقط الريشة على ~~الأرض بنفس سرعة سقوط الحجر لأن الأمر يخضع لمقاومة الهواء). يجب أن تظل استثناءات ~~القوانين الحقيقية متوافقة مع القوانين، ولكن الاتجاهات تسمح باستثناءات حقيقية لا ~~يمكن تفسيرها من خلال تعميمات أخرى. حافظ فرويد على وجود قوانين ديناميكية نفسية ~~بين سلوك الشخص وحالاته العقلية. رغم ذلك، فقد قبل أنه «من الصعب تقديم وصف ~~يتمتع بصلاحية عامة» (فرويد 1931، 233). # وبالتالي توجد اختلافات حقيقية بين العلوم الاجتماعية والطبيعية. ووفقا لجون ~~سيرل: # عندما ننخرط في أعمال إنسانية طوعية، فإننا نشارك عادة على أساس من ~~الأسباب، وهذه الأسباب تعمل على تفسير سلوكنا سببيا، ولكن الشكل ~~المنطقي لتفسير السلوك البشري في سياق الأسباب يختلف جذريا عن ~~الأشكال القياسية للسببية. (سيرل 2004، 212) # ومع ذلك، توجد أيضا أوجه تشابه كافية بين العلوم الطبيعية والاجتماعية للدفاع عن ~~وجهة نظر «الطبيعانية الضعيفة»، كما هو موضح في الجزء التالي. وعلى الرغم من عدم ~~وجود قوانين اجتماعية حقيقية، فإن العلوم الاجتماعية لديها القدرة على تفسير ~~الأحداث الاجتماعية والتنبؤ بها. ~~(ج) التفسير والتنبؤ في العلوم الاجتماعية # كما رأينا في القسم 6-6 من الفصل الثاني، من الممكن تفسير الأحداث دون التمكن من ~~التنبؤ بها. وبالمثل، من الممكن التنبؤ بالأحداث دون التمكن من تفسيرها. وعدم وجود ~~قوانين حقيقية في العلوم الاجتماعية سيكون له تأثير على قدرتها على تفسير الأحداث ~~الاجتماعية والتنبؤ بها. وإذا لم يوجد أي انتظام تجريبي على الإطلاق، فإن التفسير ~~والتنبؤ سيكونان مستحيلين تقريبا، ولكن ثمة اتجاهات وأنماط اجتماعية ذات موثوقية ~~جيدة إلى حد ما. وعلى أساس هذه التعميمات الاجتماعية، يمكن للعلوم الاجتماعية أن ~~تفسر وتتنبأ على حد سواء. # مثلما تعد الأنماط المثالية نماذج في العلوم الاجتماعية، فإن أنواعا مختلفة من ~~التفسير متاحة لعلماء الاجتماع. يضع استخدام النماذج الوظيفية التركيز على ~~التفسيرات «الوظيفية». ويوجد النوع الأكثر مباشرة من التفسيرات الوظيفية في ~~الاقتصاد. ويعد تحديد الأسعار من خلال تقاطع منحنيي العرض والطلب أوضح مثال على ~~ذلك (شكل # 3-4 ~~). يوجد أيضا نماذج وظيفية للطبقية الاجتماعية في المجتمع، التي يؤدي ~~التقسيم الطبقي الاجتماعي وفقا ms301 لها وظيفة إيجابية للحفاظ على المجتمع. تستفيد ~~العلوم الاجتماعية أيضا من التفسيرات «النظرية» (أو تفسيرات كما لو). على سبيل ~~المثال، أشار فيبر إلى تحليل السلطة في سياق الانقسامات المثالية إلى سلطة كاريزمية ~~وتقليدية وعقلانية. تستند السلطة العقلانية إلى القواعد والأنظمة والبنيات ~~المؤسسية. وفي هذه النماذج تعامل السلطة «كما لو» أنها تتألف فقط من العناصر التي ~~ينسبها النموذج لهذا النوع. والعلوم الاجتماعية قادرة أيضا على استخدام التفسيرات ~~«البنيوية»، التي تقوم على النماذج البنيوية. ما بنية مجتمع السوق الحرة، ~~الرأسمالية؟ تهتم هذه الأسئلة بالبنية الطوبولوجية أكثر من اهتمامها بالبنية ~~الجبرية. وبما أن البنية تتكون من العلاقات والمترابطات، فإن التفسير البنيوي ~~للرأسمالية سوف يفسر كيفية ارتباط العناصر الاقتصادية أحدها مع الآخر في المجتمعات ~~الرأسمالية. وإذا قبلنا فكرة فيبر عن السببية الكافية، يمكن للعلوم الاجتماعية أن ~~تدعي وجود تفسيرات «سببية» للأحداث الاجتماعية. ويتحقق ذلك من خلال وجود اتجاهات ~~موثوقة وأنماط عقلانية في العالم الاجتماعي. وعلى الرغم من التمييز المنطقي بين ~~التفسير والتنبؤ، فإنه يوجد بالطبع بعض الارتباط بينهما؛ فتوافر التفسيرات يسهل ~~القيام بالتنبؤات. إذا أظهر العالم الاجتماعي وفاعليه أنماط انتظام، فإن العلوم ~~الاجتماعية تستطيع بناء ما سماه عالم الاجتماع روبرت ميرتون «نظريات المدى ~~المتوسط» (ميرتون 1968، الجزء الأول، الفصل الثاني). # شكل 3-4: منحنى العرض والطلب . # تؤدي هذه النظريات إلى استنتاجات، مثل ما يمكن أن يطلق عليه «تنبؤات المدى ~~المتوسط» المستمدة من أنماط الانتظام في الحياة الاجتماعية. على سبيل المثال، يتنبأ ~~الاقتصاديون بدورات اقتصادية واتجاهات سوقية بقدر معين من الموثوقية على المدى ~~القصير. وبهذا المعنى يمكن مقارنة القدرة التنبئية للعلوم الاجتماعية مع علم ~~الأحياء التطوري. ليست التنبؤات دقيقة كميا، كما هي الحال في علم الفلك مثلا، ~~ولكنها تؤدي إلى تنبؤات بأنماط ذات درجات متفاوتة من الموثوقية. # ولكن ينبغي على العلوم الاجتماعية أن تعالج مشكلة محددة، سماها بوبر مشكلة ~~«التخطيط غير المخطط له» (بوبر 1957، الفصل 21). استخدم بوبر حجة التخطيط غير ~~المخطط له كاعتراض على إمكانية التخطيط للاتجاه المستقبلي لمجتمع كامل؛ ففي سياق ~~دفع المجتمع إلى اتجاه سياسي ms302 معين، مثلا تجاه مجتمع شيوعي، سوف تحدث مشكلات لم تكن ~~متوقعة في الخطة الأصلية. تجبر هذه المشكلات غير المتوقعة السلطات السياسية على ~~تعديل خطتها الأصلية لمراعاة الاضطرابات غير المتوقعة. وبطبيعة الحال، فإن الخطة ~~الجديدة المعدلة ستواجه أيضا مشكلات التخطيط غير المخطط له، التي تجعل فكرة ~~التخطيط الطويل المدى لتطوير مجتمع بأكمله غير مجدية، كما أشار بوبر. وضمنيا، فإن ~~التنبؤات الطويلة المدى مستحيلة لنفس السبب؛ التداعيات المستمرة على الدوام ~~للفاعلية الإنسانية. تأمل على وجه التحديد مشكلات مثل النبوءات «ذاتية التحقق» ~~و«ذاتية النفي» وصنع القرار في غياب توازن مستقر. تحدث النبوءة ذاتية التحقق عندما ~~يجعل التنبؤ الناس تتصرف بطريقة تجعل التنبؤ يتحقق. (الشائعة بأن أسعار الخبز سوف ~~ترتفع تجعل الناس يشترون مزيدا من الخبز ونتيجة لذلك يرتفع سعر الخبز.) وتحدث ~~النبوءة ذاتية النفي عندما يجعل التنبؤ الناس تتصرف بطريقة تجعل التنبؤ لا يتحقق. ~~(يأمل معظم الناس في أن التحذيرات العلمية بشأن آثار الاحترار العالمي سوف تجعل ~~الناس يتصرفون على نحو يمكن من تجنب الكارثة. ميرتون 1968، الفصل الثالث عشر). ~~يمكن أيضا أن يكون لصنع القرار في غياب التوازن المستقر تأثير على التنبؤ بالسلوك. ~~على سبيل المثال، عدم وجود خيارات أفضل واضحة بشأن أفضل استراتيجية لتحقيق هدف ما ~~سيجعل التنبؤ بسلوك الإنسان صعبا . ويمكن أيضا أن تصير الخيارات العقلانية مبهمة، ~~كما أشار فرويد، من خلال وجود دوافع غير منطقية في السلوك البشري (إلستر 1989، ~~الفصل الرابع). تحدث هذه المشكلات بسبب عدم اليقين الكامن في الفاعلية الإنسانية؛ ~~فهي تحدث لأن التنبؤات في العلوم الاجتماعية تقوم على الاتجاهات، وليس قوانين ~~حقيقية، وتحدث بسبب التفاعل المعقد بين الراصد والمرصود في العلوم ~~الاجتماعية. ~~(د) نقص الإثبات بالأدلة # ناقشنا مشكلة نقص الإثبات في الفصل السابق، واقترحنا أيضا بعض الحلول لهذه ~~المشكلة في سياق توافر القيود. وكما رأينا، كان فيبر مدركا تماما للحاجة إلى ~~توفيق بنياته المثالية مع البيانات المتوفرة، ولكن تتضاعف مشكلة نقص الإثبات في ~~العلوم الاجتماعية بسبب عدد من العوامل؛ أولا: توجد مشكلة التفسير المزدوج. يصوغ ~~عالم الاجتماع النماذج ms303 على عالم موجود بالفعل، وهذا العالم مليء بالمعاني ~~الرمزية. وعلاوة على ذلك، فإن انتظام العلوم الاجتماعية يعتمد على الشروط الأولية ~~ومن ثم فهو يعتمد على محض اتجاهات. تتفق هذه الاتجاهات مع استثناءات غير قابلة ~~للتعليل. وكما أظهر تناولنا لفكرة فيبر بشأن السببية الكافية، يجب على عالم ~~الاجتماع فرض التفسير السببي الأكثر احتمالا على البيانات المتاحة دون أن يكون ~~قادرا على التعامل مع النظم المغلقة. تعني هذه المشكلات أن العلوم الاجتماعية ~~تعاني من درجة من نقص الإثبات بالأدلة أعلى من علم الفلك أو علم الأحياء التطوري ~~على سبيل المثال. ثمة قيود أقل لإقصاء النماذج غير المناسبة. فلا توجد قوانين ~~حقيقية في العالم الاجتماعي، ولن يتفق علماء الاجتماع إلا على قلة قليلة من ~~المبادئ النظرية الأساسية. تنشأ القيود المفروضة على النماذج في الغالب من الأدلة ~~التجريبية، ومع ذلك، فإن تقدم العلوم الاجتماعية يجب تقييمه على نحو تفاضلي؛ فهناك ~~العديد من العلوم الاجتماعية، منها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد. وفي ~~علم النفس يتنافس العديد من النماذج المتباينة بعضها مع بعض دون أي علامة على ~~التقارب. يبدو أنه في الذكرى المائة والخمسين لميلاد فرويد (6 مايو 2006)، أخذت ~~الأفكار الفرويدية تستعيد مكانتها (انظر ساينتيفيك أمريكان 2006)، لكنها لا تزال ~~بعيدة عن إجماع آراء الخبراء. ومن ثم، فإن التقدم المعرفي ضئيل فيما يتعلق ~~بالوضع العلمي للتحليل النفسي في سياق الترجيح التفاضلي للأدلة، ومع ذلك، يمكن ~~القول إن دراسة الظواهر الاجتماعية يمكن أن تشهد تقدما بسبب زيادة حجم الأدلة، ~~التي يمكن مقارنتها مع النماذج المثالية للواقع الاجتماعي؛ ومن ثم فإن تراكم ~~الأدلة سيؤدي إلى حد ما إلى التخفيف من الشكل المتطرف لنقص الإثبات بالأدلة لنماذج ~~العلوم الاجتماعية. وكما هي الحال في مجالات العلوم الأخرى، فإن الأدلة المتزايدة ~~تميل إلى توزيع المصداقية على نحو تفاضلي على النماذج المتنافسة. إن موضوع العلوم ~~الاجتماعية، كما رأينا، قد يمنعها من تحقيق الحالة الموجودة في الفيزياء حيث يحدث ~~إجماع بين الأدلة على نموذج محتمل واحد على نحو عام. تستكمل الأدلة التجريبية في ~~الفيزياء بمبادئ ms304 نظرية قوية، مثل القانون الثاني للديناميكا الحرارية أو مبادئ ~~النسبية. ويمكن رؤية هذا التقارب منطبقا في قصة الكوبرنيكية والداروينية، ولكن هذا ~~لا يعني أن العلوم الاجتماعية يجب أن تتخلى عن موضوعية نماذجها تماما. يزداد الوضع ~~تعقيدا جراء طبيعة العالم الاجتماعي، ولكن البنيات المثالية تخضع إلى حد بعيد ~~للاختبار مثل النماذج في العلوم الطبيعية. # تؤثر مشكلة نقص الإثبات بالأدلة على مسألة الواقعية مقابل النسبوية، وذلك بسبب ~~العوامل التي تسببها. لم يهرب دلتاي قط على نحو تام من النسبوية الكامنة وراء وجهة ~~نظره، رغم إصراره على تشييء النظم الاجتماعية. وعلى الرغم من أن العلوم الاجتماعية ~~أكثر عرضة لمشكلة النسبوية، فمن الممكن الدفاع عن وجهة نظر واقعية في العلوم ~~الاجتماعية. ~~(ه) الواقعية والنسبوية # تنشأ مشكلة النسبوية في العلوم الاجتماعية أساسا من خلال حقيقة أن الفاعلين ~~الاجتماعيين يتشاركون معنى رمزيا؛ فهي تنشأ من التفسير المزدوج. وهذا يجعل عالم ~~الاجتماع راصدا مشاركا، راصدا يشارك في التفسير المزدوج. ورغم أن دلتاي في وقت ~~لاحق من حياته أكد على عمليات تشييء الحياة الاجتماعية، فإنه لا يزال ينظر لها ~~ككيانات تحددها الثقافة. وأشار إلى أن لكل مجتمع «نقطة تركيز» خاصة به. ومن ثم، ~~فإن المعنى في الحياة الاجتماعية يختلف من مجتمع إلى مجتمع، ومن ثقافة إلى ثقافة، ~~ومن عصر إلى عصر. يطرح تساؤل هنا هل كانت هذه المعاني الرمزية قابلة ~~للترجمة، وقابلة للنقل، وقابلة للمقارنة مع السياقات الاجتماعية الأخرى أم لا. ~~وتربط جميع أشكال النسبوية المعتقدات التي يعتنقها الناس بإطار أو خلفية غير عامة ~~تعتبر هذه المعتقدات صحيحة. # يجب أن يحكم على صحة هذه المعتقدات في مقابل معتقدات الخلفية المحلية أو الإطار ~~المحلي. ربما يكون هذا الإطار حقبة تاريخية معينة (العصور القديمة، العصور الوسطى) ~~أو شكلا من أشكال الثقافة (المجتمع البدائي، المجتمع الصناعي). يوجد العديد من أشكال ~~النسبوية (المفاهيمية والأخلاقية والإدراكية)، وتعد النسبوية المفاهيمية ذات صلة في ~~السياق الحالي؛ إذ تنظم المخططات المفاهيمية العالم الطبيعي أو الاجتماعي وفقا ~~لمعاييرها الخاصة، ولا يمكن الحكم على صحة هذه المعايير من ms305 خارج المخطط المفاهيمي. ~~من وجهة نظر معاصرة، كان لداروين وجهات نظر عنصرية نوعا ما حيال التسلسل الهرمي ~~للجماعات العرقية، وقدم فرويد آراء فيكتورية بشأن المرأة. وفي نظر النسبوية، سيكون ~~من المفارقات التاريخية اعتبار هذه الآراء «خاطئة»؛ لأنها مستوحاة من الفرضيات ~~المسبقة التي قبلها الناس في عصرهم. وهكذا، فإن معظم الناس قبلوا، من العصور ~~القديمة وحتى التنوير، الرق وتجارة الرقيق بوصفهما «طبيعيين». وبالمثل، فإن ما ~~يعتبر «حقيقيا» في ثقافة ما لا يمكن اعتباره «حقيقيا» في ثقافة أخرى، بل لا ~~يمكن أن توجد أحكام مشتركة بين الثقافات بشأن ما هو «حقيقي». إذا كانت الأفلاك ~~السماوية بالنسبة لأرسطو «حقيقية» فإننا نقبل حكمه. قد يكون هذا مثالا سيئا ~~للدفاع عن النسبوية، حيث لم يكن هناك توافق بين الإغريق حول «واقعية» الأفلاك. ~~وتعرض هذا الاعتقاد لانتقاد شديد من قبل الفلاسفة العرب، ومع ذلك، يقدم بيتر وينش ~~(1964) الدفاع النسبوي التالي بشأن «الواقع» و«العقلانية»: ما يعتبر «حقيقيا» ~~و«عقلانيا» يعتمد على السياق والثقافة. # موقف النسبوي من العقلانية هو أن معتقدات الثقافات الأخرى عقلانية وفق رؤية هذه ~~الثقافات لها؛ لأن هذه الآراء تستند إلى مبادئ مرتبطة بالسياق. قارن هذا الرأي مع ~~وجهة نظر الواقعي حيال عقلانية المعتقدات؛ فهي: # تخضع لقواعد المنطق (نظم البيانات يجب أن تكون غير متعارضة، ومتسقة، ~~ومتماسكة، وصحيحة). # تخضع للاختبار والتأكيد التجريبي. # تخضع للتمييز بين عالم خارجي (طبيعي أو اجتماعي) مستقل عن العقل ~~ومعرفتنا العرضة للخطأ بهذا العالم. # بنيات اجتماعية تمتلك استقلالية نسبية عن اعتقادات الأفراد، كما أكد ~~دوركايم؛ لأن لديها سمة «الشيئية». # يختلف الواقعي والنسبوي في تقييمهما للمعتقدات الحقيقية والخاطئة، للمعتقدات ~~العقلانية وغير العقلانية. بالنسبة للواقعي، ثمة تمييز مهم بين المعتقدات الحقيقية ~~والعقلانية من ناحية، والمعتقدات الخاطئة وغير العقلانية من جهة أخرى، بغض النظر عن ~~السياقات المحلية. وكلاهما يتطلب تفسيرات مختلفة. يمكن اعتبار المعتقدات العقلانية ~~صحيحة؛ لأنه يمكن تبريرها بالأسباب. وربما تكون المعتقدات غير العقلانية ذات ~~مصداقية بالنسبة لأولئك الذين يعتنقونها، ولكن معتقداتهم تتطلب تفسيرات نفسية أو ~~اجتماعية. اعتقد فرويد بالتأكيد أن زلات اللسان والأحلام ms306 والسلوك العصبي يمكن ~~تفسيرها من خلال اللجوء إلى الدوافع اللاواعية. بالنسبة لفرويد، كانت معتقدات مرضاه ~~ذات مصداقية على خلفية سماتهم النفسية، ولكن الخوف المروع من المساحات المفتوحة أو ~~الذئاب ليس سببا يبرر هذه المخاوف. # وبالتالي فإن الواقعي يميز بشدة بين سياق «الاكتشاف» وسياق «التبرير». يشمل سياق ~~الاكتشاف الطرق العقلانية أو غير العقلانية التي قد تطرأ بها الأفكار في أذهاننا. ~~ربما يوجد دور لجميع أنواع الدوافع غير المنطقية، التي تنتج أفكار الشخص، ولا يمكن ~~تكرار هذه الدوافع. خرج أرخميدس من حمامه وصرخ: «وجدتها». كان هذا هو سياق اكتشافه. ~~ولكن لا يمكن أن يكون حمامه مبررا لاكتشافه أن كتلة معينة من مادة ما تساوي الحجم ~~المزاح. يتطلب التبرير سياق تدقيق عقلانيا، يكون متاحا من حيث المبدأ للجميع. ~~هذا هو سياق التبرير. وكما رأينا، فإن هذا يفسر جزئيا الصعوبات التي تواجه نموذج ~~فرويد للعقل. وبالنسبة للنسبوي، لا يوجد تمييز شديد بين سياق الاكتشاف وسياق ~~التبرير. يجب التمييز بين المعتقدات الموثوقة والصحيحة في مقابل افتراضات خلفية ~~محلية؛ فما هو مقبول ويعتبر أسبابا إنما يتحدد من خلال ما هو مقبول في السياقات ~~المحلية. على سبيل المثال، فإن الإصرار على «قابلية الاختبار بين العناصر»، التي ~~تعد سمة مميزة للعلوم الحديثة، يصبح حينئذ قيمة محددة في العلوم الحديثة، كما أن ~~ما يعتبر دليلا إنما يستند هو ذاته إلى افتراضات محلية. على سبيل المثال، تأمل ~~الثقة في الخبرات الشعورية عبر العصور. بالنسبة للإغريق، لدى الغالبية العظمى، كانت ~~الرؤية العينية مصدرا جديرا بالثقة يدعم ثبات الأرض. وبالنسبة للاهوتيين ~~الطبيعيين، قبل داروين، كشفت الحواس عن التعقيد البارع للعالم الطبيعي. إن سياق ~~الاكتشاف - استخدام ملاحظات العين المجردة - يتداخل مع سياق التبرير؛ فيبدو أن ~~ملاحظات العين المجردة شاهدة على ثبات الأرض ووجود الغرض الإلهي. # ربما لا يقنع الواقعي النسبوي المتشدد، ومع ذلك ثمة عدد من الحجج المؤيدة ~~للواقعية. وثمة ملاحظة عامة ربما تكون مناسبة. إن تطور المعرفة عملية ديناميكية. ~~وحتى داخل ثقافة معينة أو مجتمع معين توجد غالبا أصوات معارضة. لم يؤمن ms307 الإغريق ~~بأكملهم بالرؤية الكونية القائلة بمركزية الأرض، كما لم يكن هناك توافق عام مناهض ~~للتطور بين الأوروبيين في القرن التاسع عشر. يوجد دائما نماذج تفسير متنافسة، مما ~~يؤدي إلى وجهات نظر متباينة إزاء الكون. # ثمة نقطة مناهضة للنسبوية هي «الحجة القوية». تمتلك كل الثقافات جوهرا مشتركا ~~من المعتقدات الحقيقية وأنماط استدلال مبررة منطقيا. في دراسة حديثة، قارن ~~علماء النفس في جامعة هارفرد القدرات الهندسية للأمريكيين مع قدرات القبائل ~~البدائية. ووجد الباحثون أن الأحكام الهندسية للمجموعتين لا تختلف اختلافا كبيرا؛ ~~فالاستدلالات الأولية حول الظواهر الطبيعية - الغيوم الكثيفة تبشر بهطول المطر - ~~يجري التوصل إليها أيضا على نحو مستقل عموما عن السياقات الثقافية. توجد حقائق ~~مستقلة بشأن العالم، مهما كان حكم الناس بشأنها. ومن المؤكد أن هذه الحقائق ~~المستقلة ستؤدي إلى تلاقي أحكام الناس في جميع أنحاء العالم. يبدو أن الحقائق ~~الاجتماعية تفتقر إلى الاستقلال عن الإرادة الإنسانية الذي يبدو أن الحقائق ~~الطبيعية تتمتع به، ومع ذلك، فإن تشييء المؤسسات الاجتماعية يعني أنها تتمتع ~~باستقلال نسبي عن الأفعال اليومية للعناصر الاجتماعية. تظل معظم المؤسسات ~~الاجتماعية قائمة بعد شاغليها الحاليين. وتتمتع معظم المؤسسات الاجتماعية باستقلال ~~نسبي عن الأفراد الذين يحافظون عليها في أي وقت معين (ساير 2000، 33-35). # تستند «حجة التطور» إلى وجود سلف مشترك لجميع البشر. ثمة استجابة مماثلة للضغوط ~~البيئية تقدم المادة الأساسية التي تضمن التكافؤ بين الثقافات. فيكمن تشابه في تحدر ~~اللغات الحديثة من اللغات القديمة. ونجد في أعمال داروين وهكسلي وتلر دفاعا عن ~~فكرة أن المخ البشري تطور استجابة لظروف بيئية مماثلة. وتؤدي أحجام المخ الكبيرة ~~إلى وظائف ذهنية أعلى، مثل تطوير لغات رمزية. وكما سنرى لاحقا، فإن علم النفس ~~التطوري يشير إلى أن الأصل المشترك للجنس البشري أدى إلى بنيات مخية نموذجية عامة. ~~وقد طور البشر قدرات حل المشكلات استجابة للبيئة المشتركة. # وأخيرا هناك حجة «ادعاء الصحة». فيشير الواقعيون إلى وجود تمييز أساسي بين ~~«المقبولية الاجتماعية» و«الصحة العقلانية» للأفكار (هابرماس 1988 (1992)، ~~الفصل الثالث). تأمل بعض الأفكار الرئيسية التي ناقشناها. اعتبرت ms308 مركزية الأرض ~~صحيحة لمدة ألفي سنة، ويمكن أن تفخر «سلسلة الوجود العظمى» بتاريخ مماثل. ومع ~~ذلك، فالمغالطة الأساسية (الاحتكام للأغلبية) هي الاعتقاد بأن بعض الأفعال أو ~~الأفكار لا بد أنها صحيحة لأن غالبية الناس يؤيدونها؛ فمقبوليتها الاجتماعية لا ~~تثبت صحتها العقلانية، وإلا سيكون من الصعب فهم كيف يمكن أن تحدث اكتشافات ~~تتعارض مع التوقعات. تظهر استقلالية العقل عن العالم على وجه التحديد من خلال ~~قابلية خطأ معرفتنا (ساير 2000، الفصل الأول؛ باسكار 1978، الفصل الأول). يضع ~~الواقعي تمييزا أساسيا بين الحقائق والمفاهيم، بين العالم الخارجي ومعرفتنا ~~به القابلة للخطأ. ودون هذا التمييز الأساسي سيكون من الصعب تفسير التحسينات ~~المفاهيمية التي رأيناها في قصص الكوبرنيكية والداروينية. ويعترف الواقعي بأن ~~مخططاتنا المفاهيمية توجه وجهات نظرنا إزاء العالم. وغالبا ما تحمل مخططاتنا ~~المفاهيمية فرضياتنا الأساسية، التي قد لا تتعرض للتشكيك لفترات طويلة. ومع ~~ذلك، فإن مخططاتنا المفاهيمية لا تحدد طريقة رؤيتنا للعالم؛ ففي نهاية المطاف ~~واجهت مخططات ما قبل الكوبرنيكية وما قبل الداروينية تناقضات واسعة بين الحقائق ~~والمفاهيم. صاغ هابرماس عبارة «المنطق الموقفي» لتسمية هذا التوجه غير الحاسم ~~(هابرماس 1988، 179 (1992، 139))؛ فالمنطق يعتمد على السياق في استناده إلى ~~اللغة وتكوين المفاهيم. يظهر نمو المعرفة العلمية أن الأدلة الجديدة كثيرا ما ~~تتطلب مفاهيم جديدة (فاينرت 2004، الفصل الأول )، ولكن في خضم إثبات ادعاء ~~الصحة، يجب اعتبار المنطق مستقلا عن السياق. «تكمن وحدة المنطق في تنوع ~~أصواته.» وتعد بعض الادعاءات أكثر ملاءمة إدراكيا من غيرها في مواجهة ~~الأدلة. ويتضح ذلك على نحو لافت للنظر في قصة الكوبرنيكية والداروينية. حتى ~~العلوم الاجتماعية التفسيرية - كما دأب فيبر على تكرار ذلك - قادرة على تقديم ~~بيانات موضوعية؛ فمطلوب من الأنماط المثالية أن «تتلاءم» مع البيانات ~~التجريبية. وكما يشير هابرماس، فإن الملاءمة المعرفية للمخططات المفاهيمية ~~تنعكس أيضا في الطريقة العملية للحياة (هابرماس 1981 (1984)، المجلد ~~الأول، الفصل الأول). يجب أن يثبت المخطط المفاهيمي قدراته من خلال التعامل مع ~~التباينات والتناقضات التي قد تواجهه على المستوى العملي. # إذا كانت الملاءمة المعرفية للمخططات المفاهيمية لها تأثير ملموس ms309 على الطريقة ~~التي نعيش بها حياتنا، فينبغي أن تكون هذه حجة داعمة للواقعية في العلوم الاجتماعية. ~~يمكن استخدام المعرفة التي تنتجها نظريات العلوم الاجتماعية للتدخل في الحياة ~~الاجتماعية؛ فعلى سبيل المثال، ربما تساعد على عكس الاتجاهات الاجتماعية غير ~~المستساغة؛ ولذلك فإنه من المهم تحديد هل كانت تفسر بالمعنى الواقعي أم ~~الذرائعي. وبما أن نظرية فرويد للتحليل النفسي تفشل أمام نقد الرؤية الواقعية ~~للعقلية، فقد نادينا بأنه ينبغي قراءتها على نحو ذرائعي، ولكن عموما، إذا كانت ~~العلوم الاجتماعية تهدف إلى فهم تفسيري، يجب أن تقرأ نظرياتها بمعنى واقعي؛ فهي ~~بيانات عن العالم الاجتماعي الحقيقي، وملاءمتها المعرفية مهمة للغاية من أجل ~~القرارات المتعلقة بالسياسات. # ولكن ما دام التساؤل ظل مثارا عن استقلالية العلوم الاجتماعية، بالنسبة للنموذج ~~التفسيري، فإن استقلالية العلوم الاجتماعية تفرض نفسها من خلال التفسير المزدوج. ~~ولكن الأمور أقل وضوحا بالنسبة للنموذج التجريبي. توقع الداروينيون وضع علم النفس ~~تحت مظلة علم الأحياء التطوري. لم يعتقد أنصار الوضعية - على غرار أوجست كونت - أن ~~علم الاجتماع يمكن وضعه تحت مظلة الفيزياء؛ لأنهم يفترضون وجود تسلسل هرمي إيجابي ~~بين العلوم. # بينما نظرنا في الأجزاء السابقة إلى الفردية والشمولية كمستويات توضيحية للتفسير، ~~فإن الجزء التالي يدرس هل كان يمكن إخضاع العلوم الاجتماعية لاستراتيجيات ~~الاختزالية أم لا . ~~(و) الاختزالية والوظيفية # كان فرويد اختزاليا متطرفا، بمعنى مزدوج. اعتقد فرويد أن جميع السلوك البشري ~~يمكن اختزاله ميكانيكيا إلى قوى الديناميكا النفسية الكامنة، كما آمن فرويد أيضا ~~أن علم النفس يمكن أن يختزل في نهاية المطاف إلى علم الأحياء إن لم يكن للفيزياء. ~~لقد ناقشنا بالفعل «حسد فرويد للفيزياء»؛ رغبته في وضع التحليل النفسي على قدم ~~المساواة مع الفيزياء. حتى إنه اعتبره وسيلة تضاهي حساب التفاضل والتكامل للقيم ~~متناهية الصغر (فرويد 1927أ، 136)، كما نجد أيضا في كلمات فرويد تكرارا لتنبؤ ~~داروين إذ قال إن «علم النفس سوف يوضع على أساس جديد.» ومن ثم أشار في محاضراته في ~~فيينا إلى أن: # البنية النظرية للتحليل النفسي (...) هي بنية فوقية، يجب أن ms310 توضع يوما ما على ~~أساسها العضوي، لكننا ما زلنا جاهلين بذلك. (فرويد 1916ب، 389) # رأينا أنه من الحتمي أن تخفق اختزالية فرويد الصرفة؛ فلكي ينفذ فرويد برنامجه ~~التحليلي النفسي، يجب أن يلجأ للنهج التفسيري. ونظرا لدور العقل في العالم ~~الاجتماعي وفشل الإغلاق في العلوم الاجتماعية ووجود الاتجاهات البحتة، فإن أي ~~اختزال للعلوم الاجتماعية إلى الفيزياء يبدو وكأنه علاقة يائسة. مع ذلك، فتأسيس علم ~~النفس على أساس تطوري خيار يسعى إليه بنشاط برنامج علم النفس التطوري (انظر الجزء ~~5)، ولكن إذا كان مقدرا لهذا المشروع أن ينجح، يجب أن يفسر ظهور العقل في العالم ~~المادي. رأى الداروينيون هذا التحدي بوضوح، كما أشرنا سابقا. وقبل أن نعود إلى هذه ~~المسألة، ثمة شكل أكثر قابلية للاختزال يمتد موضوعه عبر العلوم الاجتماعية. إنه ~~مسألة «الفردية» و«الشمولية». # تشارلز داروين، مطلقا لحية مثيرة للإعجاب مثلما كان شائعا في ~~عصره. # كمحلل نفسي، يميل فرويد على نحو طبيعي نحو الفردية (ريلير 2005ج، 438). وبصفة ~~عامة، فإنه يفسر الظواهر الجماعية في سياق ما يفعله الأفراد، ويختزل ما يفعله ~~الأفراد إلى دوافعهم اللاواعية. على سبيل المثال، يفسر فرويد الإنجازات الثقافية ~~كنتيجة لانحراف الدوافع الجنسية بعيدا عن الإرضاء المباشر. ويرجع هذا الانحراف إلى ~~عملية التسامي، كما يتبع فيبر أيضا مذهب الفردية الذي يختزل «الظواهر الاجتماعية» ~~إلى «الأفعال الفردية» (فيبر 1913، 110). وبالنسبة لمتبع الفردية، وباستخدام ~~المصطلحات التي استخدمناها من قبل، فإن «الظواهر الاجتماعية تلي الأفعال والمعتقدات ~~الفردية» هناك «قابلية تحقق متعددة» للظواهر الاجتماعية بسبب اعتمادها على الأفراد ~~(إلستر 1989، الفصل الثاني والخامس عشر؛ ليتل 1991، الفصل التاسع؛ هوليس 1994، ~~الفصل الخامس)، ولكن تحليل فرويد لعلم النفس الجماعي يظهر أيضا أنه ليس من السهل ~~التعامل مع السلوك الجماعي كمجموع بسيط للسلوك الفردي؛ فالعديد من الظواهر ~~الاجتماعية تختلف نوعيا عن السلوك الفردي. ويعترف دوركايم بأن الأفراد عناصر ~~ضرورية ولكن ليست كافية لتشكيل النظم الاجتماعية. تتألف الكيانات الاجتماعية من ~~الأفراد والعلاقات الاجتماعية بينهم. وتظهر ديناميات سلوك المجموعات أن السلوك ~~الفردي يتأثر بشدة بسلوك المجموعة التي ينتمي إليها الفرد. في الواقع، ما يفعله ms311 ~~الأفراد ويفكرون فيه يتأثر أيضا بثقافتهم المحيطة. عكست آراء داروين الإمبريالية ~~بشأن الأجناس البشرية ووجهات نظر فرويد القديمة إزاء الجنس الأنثوي ببساطة المواقف ~~الثقافية السائدة في حياتهما. إن طريقة ظهور الناس وتقديم أنفسهم تعكس ثقافتهم. وفي ~~كتابه عن علم النفس الجماعي، ينحرف فرويد عن النزعة الفردية؛ فيفسر السلوك الجماعي ~~من خلال تأثير الجماعة على الاقتصاد النفسي للفرد (فرويد 1921، 117). ويشير إلى أن ~~السلوك الجماعي يختلف نوعيا عن سلوك الأفراد، حتى لو نتج عن العديد من الأفراد. ~~وتنتج طريقة تفاعل الأفراد بعضهم مع بعض فرقا في سلوكهم، يمكن ملاحظته كسلوك ~~جماعي أو كسلوك للمجموعة. لا يختلف فرويد - مؤلف كتاب «علم نفس الجماهير» (1921) - ~~على نحو أساسي مع دوركايم بشأن هذه النقطة. ويمكننا تفسير رأي دوركايم بالقول إن ~~السلوك الجماعي «ينبثق» من السلوك الفردي. وهو يتبع قواعده الخاصة، ولا يمكن ~~اختزاله إلى انتظام فردي. وهكذا فإن دوركايم يتبنى موقفا وسطا بين الفردية النقية ~~وشكلا مشكوكا فيه من الشمولية الأفلاطونية. # يمكن أن توجد المؤسسات الاجتماعية والتقاليد والنظم القيمية مستقلة عن أي عناصر ~~فردية معينة نتيجة التشييء. لاحظ أن المؤسسات الاجتماعية يمكن أن توجد حتى في غياب ~~أي شاغل لها، على الأقل لفترة قصيرة. وتستطيع المؤسسات الاجتماعية مثل الديمقراطية ~~البقاء في عالم الأفكار، من دون أي تفعيل من جانب العناصر في أي مرحلة زمنية معينة. ~~ويرى دوركايم أن وجود مؤسسات اجتماعية أو سياسية يتطلب إيجاد تمثيل لها من جانب ~~العناصر الاجتماعية الفردية. إن وجود العناصر الاجتماعية ضروري ولكن ليس كافيا ~~لوجود نظم اجتماعية. # غالبا ما يقال إن نوعا غير مرغوب فيه من الشمولية يمثل التكلفة التي تدفع ~~مقابل اعتناق الوظيفية (انظر ناجل 1961، الفصل الرابع عشر؛ هابرماس 1970، الفصل الثاني؛ هوليس 1994، الفصل الخامس؛ روزنبرج 1995، الفصل الخامس). وتؤكد ~~الوظيفية على أن العناصر الاجتماعية - الأفراد والجماعات والمؤسسات - تسهم في ~~عمل وصيانة المجتمع بأسره؛ فالعناصر أو المنظمات الاجتماعية التي لا تسهم في ~~أداء المجتمع ككل تعتبر مختلة وظيفيا. تأمل، على سبيل المثال، التفسير ~~الوظيفي للطبقية الاجتماعية أو تقسيم العمل؛ فهو يفسر ms312 التقسيم الاجتماعي ~~لمجموعات الأفراد وفقا للدخل والسلطة والعوامل الأخرى كمساهمة مفيدة في عمل ~~النظام بأكمله. وبهذا المعنى يبدو أن الوظيفية تتطلب وجود كيان يتخطى الأفراد ~~يسمى «المجتمع»، يوزع الوظائف اللازمة لبقائه. ويفسر دوركايم (1897) معدلات ~~الانتحار بالرجوع إلى مستويات التماسك الاجتماعي. يبدو أن وجود المجتمع يفرض ~~المهام التي سيقوم بها الأفراد. ويبدو أننا نواجه نفس المشكلة، التي واجهناها ~~في النقاش بين الربوبيين والتطوريين (الفصل الثاني، القسم 2-1، ب)؛ فقد اشترط ~~الربوبي أن الوظيفة تأتي أولا من خلال الإرادة الإلهية، بحيث يصمم العضو ~~خاصة لها، لكن تعين على التطوري أن يعتمد على آلية الانتقاء الطبيعي من أجل ~~تفسير طريقة اضطلاع الأعضاء بوظائف معينة مع مرور الوقت. # هل التزمت الوظيفية بنوع ميتافيزيقي من الشمولية، يفترض مسبقا وجود كيانات ~~اجتماعية في عالم خاص بها؟ من وجهة النظر الدوركايمية، لا توجد الكيانات الاجتماعية ~~كمجموعات مجردة من الأفراد؛ فالعناصر الاجتماعية ضرورية للكيانات الاجتماعية. ~~وبدلا من التفكير في المجتمع ك «كائنات» يمثل أعضاؤها من الأفراد «أجهزتها»، فإن ~~علم الأحياء يقترح التفكير فيها على أنها «أنظمة ذاتية التنظيم»: # يمكن التخطيط للمنظمات الاجتماعية وتوجيهها، ولكنها بعد ذلك تقوم بإعادة ~~إنتاجها نفسها في صورة أنظمة ذاتية التنظيم. (...) وتوفر المنظمات الاجتماعية ~~نموذجا للإطار النظري لأبحاث النظم. (هابرماس 1970، 170 (1988)، ~~77) # هذه الكيانات الاجتماعية، إذا أضفنا رؤية دلتاي الحاسمة ، يرتبط بعضها ببعض من ~~خلال سلاسل رمزية. وبما أن الكيانات الاجتماعية رمزية إلى حد بعيد في طبيعتها، فإن ~~متبع الشمولية لا يحتاج إلى اللجوء إلى تفسير تطوري لنمو المجتمعات من أجل تفسير ~~خلق الوظائف المجتمعية؛ فالتفسير متأصل في البعد التفسيري. لا شك أن المؤسسات ~~الاجتماعية تمارس وظائف مختلفة؛ فمهمة السلطة التشريعية (على غرار البرلمان) هي سن ~~تشريعات، ووظيفة السلطة التنفيذية (مثل الشرطة) هي الحفاظ على عدم انتهاك القوانين، ~~ووظيفة السلطة القضائية (مثل المحاكم) هي معاقبة مخالفي هذه القوانين. وعندما بدأ ~~فلاسفة التنوير بالتفكير في تقسيم السلطة إلى أذرعها الثلاثة (لوك، مونتسكيو)، كانت ~~هذه الوظائف المنفصلة موجودة فقط في أذهانهم، أو على الورق. إن العقل البشري ms313 يستطيع ~~خلق سيناريوهات وهمية وتوقع المستقبل. احتاج الربوبيون إلى افتراض وجود كائن أسمى ~~ملأت أعماله الإبداعية العالم الطبيعي بوظائف بيولوجية. يستطيع الفيلسوف الاجتماعي ~~أن يعتمد على إبداع العقل البشري؛ فيخلق العقل البشري الوظيفة توقعا لتحقيقها. ~~ويستطيع عالم الاجتماع رصد تركيب هذه الوظائف في المجتمع، ويبدو أن هذا سمة عادية ~~من سمات الحياة البشرية؛ أولا: تخلق الأفكار مساحة احتمالات، ثم توضع الاحتمالات، ~~التي يمكن توقع نتائجها، موضع التنفيذ. إذا أخذت الأبعاد الرمزية للوجود البشري في ~~الاعتبار، فإن الوظيفية لا تحتاج إلى افتراض كل وظيفي موجود مسبقا. توجد ~~الوظائف كخطط، ثم تنسب إلى الأدوار الاجتماعية. ولا تصبح الأدوار الاجتماعية فعالة ~~إلا إذا قامت بها عناصر اجتماعية ملموسة. وخلال أداء أدوارهم الاجتماعية، تفي ~~العناصر الاجتماعية بوظائفها. وبمجرد التخطيط للوظيفة - كما هي الحال في التشريع، ~~أو تنفيذ القانون، أو القضاء، أو التدريس مثلا - وإنشاء الأدوار الاجتماعية للقيام ~~بهذه المهام - البرلمان، ضابط الشرطة، القاضي، المعلم - تظهر حاجة إلى أفراد ~~حقيقيين لتنفيذ هذه الأدوار الاجتماعية، ولكن لاحظ أن الدور الاجتماعي لا يعتمد على ~~أي فرد بعينه. وتشير هذه المهام المتوقعة أو المخطط لها ضمنيا أيضا - وفقا ~~لمشكلة بوبر الخاصة بالتخطيط غير المخطط له - إلى أن التخطيط ربما يفشل. فلا ترقى ~~الأدوار الفردية أو المؤسسية إلى توقعات الوظائف المتوقعة. وإذا أريد الحفاظ على ~~الوظيفة، فلا بد من إصلاح الأدوار الفردية والمؤسسية. يحدث كل هذا على مستوى ~~الأفراد في المجتمع؛ مثلا أعضاء البرلمان، ولكن تتمثل وجهة نظر دوركايم في أنه ~~بمجرد تحديد الوظيفة والدور الاجتماعي، فإنه يتجاوز بعد ذلك إرادة شاغله. # هل توجد المجتمعات على نحو منفصل فوق مكوناتها الفردية؟ بالنسبة لمتبعي الفردية، ~~يوجد الأفراد وأفعالهم وحسب، ولكن كما توضح مقدمة فيبر للأنماط المثالية، تعاني ~~الفردية البحتة من صعوبات في تفسير سلوك المجموعة، وتعاني بدرجة أكبر في تفسير ~~المجتمعات الحديثة المعقدة. فلا يمكن تفسير البنيات الاجتماعية بسهولة على أساس ~~الأفعال الفردية. بالنسبة لمتبع الشمولية، البنيات الاجتماعية موجودة إلى جانب ~~الأفعال الفردية، ولكن في أي سياق توجد هذه البنيات ms314 الفردية الفوقية؟ يتحدث ماركس ~~عن بنية فوقية على قاعدة مادية، ويستخدم دوركايم الروح الجماعية. وإذا كان تحليلنا ~~صحيحا، فلا يمكن النظر لبنيات ماركس الفوقية ولا الروح الجماعية لدوركايم على أنها ~~كيانات أفلاطونية. وتعد القاعدة المادية والعناصر الاجتماعية الفردية شروطا ~~ضرورية لوجود الكل الاجتماعي. لاحظ أن الوجود الأفلاطوني للكل الاجتماعي في مجال ~~فوق فردي لا يتفق مع استنتاجنا أن أوجه الانتظام الاجتماعي توجد فقط كاتجاهات. ~~فيتطلب اعتمادها على الشروط الأولية وقابلية العكس تمثيلها عن طريق العناصر ~~الاجتماعية. وبهذا المعنى فإن العناصر الاجتماعية الفردية ضرورية للحياة ~~الاجتماعية. # في ضوء كره الشمولية الأفلاطونية، ثمة موقف فلسفي يطرح نفسه؛ خلط الفردية ~~«الأنطولوجية» مع الشمولية «المنهجية». على الأساس الأنطولوجي، يوجد الأفراد وحسب. ~~ولكن وجود الأفراد لا يكفي لتفسير الانتظام الاجتماعي؛ ولذلك، فإننا نعتنق شمولية ~~«منهجية». يستحضر علماء الاجتماع التعميمات الاجتماعية لتفسير الحقائق الاجتماعية ~~دون حشد التعميمات «الفردية» المناسبة. فشلت العلوم الاجتماعية في الارتقاء إلى حلم ~~ميل وفرويد باكتشاف القوانين النفسية التي يفترض أنها تحكم السلوك الفردي، وقد ~~أظهرت منهجية فيبر للأنماط المثالية كيف يمكن لعالم الاجتماع تقديم بيانات عامة عن ~~السلوك الاجتماعي برغم ذلك، ولكن هذه التعميمات الاجتماعية المثالية تعتبر تعبيرا ~~عن أنماط «نموذجية» أو «معيارية» للسلوك. ولا يوجد أي ادعاء بأن التعميمات ~~الاجتماعية تعكس الكيانات الاجتماعية التي يمكن أن توجد إلى جانب الأفراد في ~~المجتمع، ولكن وجهات نظر ماركس ودوركايم تسمح باعتماد شمولية «ناشئة». يمكن للأنظمة ~~الاجتماعية، بحكم طبيعتها القسرية، أن تدعي بعض الاستقلالية عن أفرادها الذين ~~يشكلون مترابطات النظام الاجتماعي. فلا يظهر النظام الاجتماعي إلا عندما يبدأ أفراد ~~المجتمع في الارتباط والتفاعل فيما بينهم. # 8 # فالكواكب منفردة لا تشكل نظاما شمسيا حتى تدخل في علاقات تحكمها ~~القوانين (كما هو معبر عنها رمزيا في قوانين كبلر). وبالمثل، فإن العناصر ~~الاجتماعية منفردة لا تشكل نظما اجتماعية حتى تبدأ في ممارسة علاقات اجتماعية فيما ~~بينها. ويمكن أن تترسخ هذه العلاقات في صورة عادات ومؤسسات واتجاهات وتقاليد؛ أي ~~التشييء وفقا لدلتاي. وتظل النظم الاجتماعية معتمدة على أعضائها ms315 الأفراد ولكن فقط ~~بوصفهم مكونات ضرورية. تتخذ الكيانات الاجتماعية أشكالا عديدة: جوهر اجتماعي ~~(فرنسا)، وأنماط اجتماعية (رأسمالية)، وأحداث (انهيار وول ستريت في عام 1929)، ~~وعمليات (ذبول الإمبراطورية الرومانية)، وحالات اجتماعية (عبودية) (روبن 1985، ~~8-9). ويمكن النظر إلى هذا على أنه أنظمة متداخلة (انظر مربع 3-3). # مربع 3-3: الأنظمة المتداخلة # من أجل إظهار عدم قابلية اختزال السمات الاجتماعية إلى سمات فردية، يوضح إتش ~~دي روبن أربعة مكونات ضرورية وكافية على نحو متساو للنظم المتداخلة (روبن ~~1985، 105-107)، ويبدأ بادعاء أن: # الشرط الضروري والكافي للسمة العلائقية «ع» لكي تكون سمة علائقية ~~اجتماعية يتمثل في أنه إذا كان «س» و«ص» يقفان في العلاقة «ع»، فإنه ~~ينتج عن ذلك وجود نظام متداخل من المعتقدات والتوقعات ~~المتشابكة. # وينتج عن ذلك أربعة عناصر ضرورية وكافية على نحو متساو لنظام متداخل: ~~(1) إذا كانت توجد أي علاقات اجتماعية بين س وص، فإن س وص سيكون لديهما ~~معتقدات وتوقعات متشابكة بشأن الأفعال. ~~(2) توجد معتقدات وتوقعات من الدرجة الثانية. # هذان الشرطان كافيان لتفسير الفرق بين الجاذبية و«خوض حرب»، إذا عدنا ~~إلى مثال وينش. إن سحب جاذبية الأرض للقمر لا ينطوي على معتقدات مشتركة ~~بشأن الجاذبية ولا توقعات من الدرجة الثانية بأن الأرض ستواصل إبقاء ~~القمر في مجال جاذبيتها، ومع ذلك، إذا كانت الدولة «س» في حالة حرب مع ~~البلد «ص»، فستوجد توقعات بأعمال عدائية وتوقعات بإمكانية إحباط الفعل ~~المتوقع، من خلال تدمير مواقع العدو مثلا. ~~(3) بعض العلاقات التناظرية موجودة بين مجموعة من المعتقدات والتوقعات. ~~على سبيل المثال، يتأثر سبب تصرف عنصر اجتماعي ما بطريقة معينة جزئيا ~~على الأقل بالطريقة التي يتوقع الآخرون أن يتصرف العنصر وفقا لها. ~~وتعد هذه الحالة نموذجية للتوقعات أو المعايير المرتبطة بالأدوار ~~الاجتماعية. سيواجه العنصر الاجتماعي، الذي يمارس دورا اجتماعيا، ~~توقعات اجتماعية بشأن كيفية التصرف في هذا الدور. وسيتوافق مع هذه ~~التوقعات بأقصى درجة. وإذا فشل العنصر في الأداء وفقا للشكل المتوقع ~~للسلوك المرتبط بالدور، كأب أو ضابط مثلا، فإن المجموعة الاجتماعية أو ~~المجتمع سيفرض عقوبات على العنصر، يمكن ms316 أن تتراوح من اللوم الخفيف ~~إلى السجن القاسي. ~~(4) يعتقد «س» أن «ص» أحيانا يفعل ما يفعله بسبب اعتقاد «ص» بشأن ما ~~يعتقد «س» أن «ص» سيفعله، ويعتقد «ص» أن «س» أحيانا يفعل ما يفعله ~~لنفس الأسباب. وهذا يشير إلى توقعات الدرجة الثانية من جانب العناصر ~~الاجتماعية. يتوقع العنصر الاجتماعي أن الآخرين يؤمنون ببعض المعتقدات ~~بشأن كيفية تصرف العنصر والطريقة التي يجب أن يتصرف وفقا لها ويكيف ~~سلوكه وفقا لذلك. وتعد معتقدات الدرجة الثانية هذه ضرورية للحفاظ على ~~الثقة بين أعضاء المجتمع. ~~(5) التطور والعلوم الاجتماعية # يرتبط علم الأحياء التطوري جوهريا بدراسة السلوك والفكر البشري؛ لأن نوعنا نتاج ~~لعمليات أرضية طبيعية - عمليات تطورية - وليس خلقا إلهيا أو تدخلا من خارج كوكب ~~الأرض. (توبي/كوزميدس، «الأسس النفسية للثقافة» (1995)، 50) # ظلت العلوم الاجتماعية غير متأثرة نسبيا بنشر كتاب «أصل الأنواع» ~~(1859). تفاعل النموذج التفسيري سلبيا مع الطبيعانية الصارمة لهذا النموذج، لكنه ظل ~~يتخذ الفيزياء كعلم نموذجي استرشادي. أكد مؤيدو النهج التفسيري على أهمية الأبعاد ~~الرمزية في الحياة الاجتماعية. وكانت حجتهم من أجل استقلالية العلوم الاجتماعية تعني ~~أنه لا يمكن الحصول على الإلهام من العلوم الطبيعية أو البيولوجية. في فرنسا، وضع ~~النموذج التجريبي ثقته بالعلوم الفيزيائية. ويقر دوركايم بأن السمات العامة للطبيعة ~~البشرية تلعب دورا في الحياة الاجتماعية، ولكن العقل عنصر ثانوي في الشئون الإنسانية : # لا تمتلك التمثيلات والعواطف والاتجاهات الجماعية في أسبابها حالات معينة ~~للوعي لدى الأفراد، بل الظروف التي توجد فيها الجوانب الاجتماعية ككل. # هذا هو تأييد دوركايم للشمولية. إنه يوافق على أن هذه الأفعال الاجتماعية لا يمكن ~~تجسيدها إلا «إذا كانت الطبيعة الفردية لا تعارضها.» ومن ثم فإن الأفراد شرط ضروري ~~لتشكيل الكيانات الاجتماعية، ولكنه ليس شرطا كافيا: # ولكن تعد هذه الطبائع الفردية مجرد مسألة غير محددة يصوغها العامل الاجتماعي ~~ويحولها. تتكون مساهمتها حصرا من حالات عامة للغاية، واستعدادات غامضة ومن ثم ~~طيعة، لا تستطيع بحد ذاتها أن تتخذ الأشكال المحددة والمعقدة التي تميز الظواهر ~~الاجتماعية إذا لم تتدخل عناصر أخرى. (دوركايم 1895، 131) # هذا الإهمال للطبيعة ms317 البشرية مفهوم إلى حد ما، حتى من قبل تجريبي مثل ~~دوركايم. على الرغم من أن التجريبية توصي العلوم الاجتماعية باتباع نهج مستوحى من ~~العلوم، فإنها لا تشكك في استقلال العلوم الاجتماعية. وطوال فترة القرن العشرين ~~تقريبا، كانت العلوم الاجتماعية - بصرف النظر عن النهج الذي اتبعته - تدير شئونها ~~كتخصصات مستقلة، ولم تلعب وجهات النظر التطورية دورا مهما في أبحاثها. صحيح أن ~~هابرماس - إضافة إلى آخرين - تناول مسألة هل كان يمكن تفسير نمو المجتمعات الحديثة ~~في سياق تطوري أم لا (هابرماس 1976، الفصل الثالث)، ولكن لم يقدم أي اقتراح، حتى وقت ~~قريب، لتطبيق المبادئ التطورية على موضوع العلوم الاجتماعية التقليدية. تغير هذا فجأة ~~في عام 1975، عندما نشر إدوارد أوسبورن ويلسون كتابه «علم الأحياء الاجتماعي». في كتاب ~~«أصل الإنسان» (1871)، استخدم داروين مبادئ تطورية لتفسير السمات الأخلاقية والاجتماعية ~~للمجموعات البشرية. سبب كتاب ويلسون ضجة كبيرة لأنه حدث أفكار داروين. ~~(5-1) «علم الأحياء الاجتماعي»؛ هل هو الثورة الرابعة؟ # أعاد كوبرنيكوس الحياة للفكرة التي آمن بها إغريقي وحيد - أرسطرخس الساموسي - بأن ~~الأرض لم تكن محور الكون. وجادل داروين على نحو مقنع أن أبناء الأرض يشتركون في ~~أصل واحد مع جميع الكائنات الحية الأخرى. وآمن فرويد أنه دمر صورة الإنسان العقلاني ~~النابعة من التنوير. هل أظهر عالم الحشرات الأمريكي إدوارد أوه ويلسون أن كل السلوك ~~الاجتماعي لدى الحيوانات والبشر له جذور بيولوجية؟ لو كان علم الأحياء الاجتماعي قد ~~حقق هدفه، لكان قد أحدث ثورة رابعة. كان ادعاء فرويد الجريء بالتنافس مع الثورة ~~العلمية سيصبح سابقا لأوانه، وكانت جائزة هذا الإنجاز ستذهب إلى ويلسون. وعلى ~~الرغم من أن علماء الاجتماع يكتبون في ثقة كما لو أن الأساس البيولوجي للسلوك ~~الاجتماعي قد أثبت بالفعل، فإن الواقع يبدو أقل طمأنة، وغالبا ما تحل التكهنات ~~الجريئة محل الأدلة التجريبية الصلبة. يبدو أن مسألة كون علم الأحياء الاجتماعي فرعا ~~من نظرية التطور الحديثة مسألة لا جدال فيها إلى حد ما (ويلسون 1978، 16-17؛ كيتشر ~~1985، 118؛ روس 1979، الفصل الثاني)، ولكن من غير الواضح هل كان هذا ms318 الفرع ~~يستطيع أن يحمل التأكيد القوي الذي ألقي عليه. لا سيما أنه لم تحدد بعد الطبيعة ~~الدقيقة للصلة التي يفترض وجودها بين السلوك الاجتماعي والبنية البيولوجية. ربما ~~تعثر برنامج أبحاث ويلسون ولكن أفكاره تعيش في علم النفس التطوري. # وفقا لإدوارد ويلسون، فإن علم الأحياء الاجتماعي هو «دراسة منهجية للأساس البيولوجي ~~(لجميع أشكال) السلوك الاجتماعي (لدى جميع أنواع الكائنات الحية، بما في ذلك ~~الإنسان)» (ويلسون 1980، 4؛ 1978، 16). هذه عبارة عامة شاملة تحتاج إلى دعمها ~~بتفاصيل تجريبية؛ فلا يمكن أن يعني ويلسون أن كل سلوك اجتماعي محدد وراثيا تماما ~~أو على الأقل له جذور بيولوجية. إن الكثير من سلوكنا يتبع المعايير والتقاليد، ~~وتلهمه قيم اجتماعية (سالمون 2003). وتميل هذه التقاليد والمعايير والقيم إلى ~~الاختلاف من مجتمع إلى آخر. يتناول الإنجليز الحلوى قبل الجبن، ويقدم الفرنسيون ~~الجبن قبل الحلوى، ولا يريد أحد أن يدعي أن هذا الاختلاف في العادات الثقافية محدد ~~جينيا. قد يكون فرويد محقا في قوله إن بعض سلوكنا تسببه دوافع خفية، ولكن ~~الكثير من السلوك البشري يقوم على التقييم المدروس للأفعال البديلة. إذا كان دافع ~~الفعل هو أيضا سببه، فإنه ربما يكون سلوكا عقلانيا (ديفيدسون 1982). ولكي يحقق ~~برنامج ويلسون النجاح، يجب أن يبقى بعيدا عن الحتمية البحتة، التي تقضي بإسناد جين ~~محدد لكل نوع من أنواع السلوك، كما يجب على علم الأحياء الاجتماعي أن يتجنب الوقوع ~~في الفرضية المبتذلة التي مفادها أن تشكيلنا البيولوجي يفرض قيودا على سلوكنا ~~الاجتماعي (ستيرلني 1988، 539)؛ فبما أن البشر لا يستطيعون التسلق على نحو جيد ~~للغاية، فإنهم يفضلون أكل وجباتهم تحت الأشجار وليس فوقها. يجب على علم الأحياء ~~الاجتماعي القابل للتطبيق أن يشير إلى أكثر من تلك القيود البيولوجية. من الواضح ~~إلى حد ما أن تشكيل كل كائن حي يضع قيودا على مجال أفعاله؛ فما الاتجاه الأكثر ~~فائدة الذي ينبغي اتباعه؟ # كرس ويلسون نفسه من خلال تعريفه لعلم الأحياء الاجتماعي لبرنامج قوي، يشير إلى أن ~~الرابط الوراثي دائما أفضل من التفسير غير البيولوجي. وبناء على ذلك: # لا يمكن استبعاد ms319 تأثير العوامل الوراثية في تبني أدوار «كبيرة» معينة. ~~(ويلسون 1980، 279) # على الرغم من وجود الكثير من التذبذب في كتابات ويلسون بشأن ثبات السلوك البشري، ~~فإن التوصيف الأكثر تجانسا مع برنامجه يكمن في الفكرة الإطارية: # لا تملى التفاصيل الإثنوجرافية على نحو وراثي، مما يؤدي إلى قدر كبير من ~~التنوع بين المجتمعات. ولا يعني هذا أن الثقافة تحررت من الجينات؛ فما تطور ~~هو القدرة على صنع الثقافة؛ في الواقع، الاتجاه السائد لتطوير ثقافة واحدة ~~أو أخرى. (ويلسون 1980، 284) # هذا التأكيد على «الفكرة الإطارية» لعلم الأحياء الاجتماعي ~~يذكرنا بآراء داروين في «أصل الإنسان»: # يصاغ كل شخص من خلال التفاعل بين بيئته - لا سيما بيئته الثقافية - مع ~~الجينات التي تؤثر على السلوك الاجتماعي. (ويلسون 1978، 18) # ويفترض ويلسون أنه على الرغم من العدوانية الفطرية (المفترضة) لدى البشر، فإنه ~~يمكن عكس تطور الحرب وإخضاعها لسيطرة الإدارة العقلانية للصراع (ويلسون 1978، ~~119-120). وهكذا، يبدو ويلسون نفسه متوجها نحو منطقة وسط بين الطبيعة والتنشئة ~~(انظر بينكر 2004؛ ريدلي 2003). ويصوغ هذا الموقف الوسط الجينات في دور الإطار ~~العام المتوافق مع الأنواع المختلفة من المظاهر الثقافية. على سبيل المثال، جميع ~~البشر قادرون على تعلم لغة ما، ولكن اللغة التي يتعلمونها تعتمد على الظروف ~~الثقافية. لم يتتبع ويلسون عواقب هذا الموقف الوسط. كان هذا من شأنه أن يؤثر على ~~فهمه للجذور البيولوجية للسلوك الاجتماعي. ومن شأنه أيضا أن يؤدي إلى تعديل ~~أطروحاته المتطرفة بشأن دمج العلوم الاجتماعية في علم الأحياء الاجتماعي. يميل ~~متخصصو علم الأحياء الاجتماعي المؤمنون بأفكار ويلسون إلى إساءة فهم موضوع العلوم ~~الاجتماعية؛ إذ يفشلون على سبيل المثال في التمييز المناسب بين أنواع السلوك ~~المختلفة. # تأمل التمييز بين السلوك «القهري» و«الاجتماعي»؛ فالسلوك الاجتماعي وحده له بعد ~~أخلاقي ورمزي؛ لأنه يحتوي على عنصر اختيار الفعل. يستطيع البشر تقييم النتائج ~~المحتملة لأفعالهم. وحيثما تؤثر اختياراتهم على رفاهية الآخرين، يمكن اعتبار ~~أفعالهم صحيحة أو خاطئة أخلاقيا. ويعد السلوك الاجتماعي أيضا قابلا للتكيف مع ~~البيئة الطبيعية والثقافية، ومن ثم يمكن تعلمه. بيد أن السلوك القهري يفتقر على ~~نحو ms320 رئيسي إلى هذا البعد الخاص بالاختيار والقدرة على التكيف؛ فمن غير الصحيح ~~الإشارة (كما هي الحال لدى روس (1979)) إلى أن الفصام والاكتئاب الهوسي ~~أمثلة للسلوك الاجتماعي الذي يقدم دليلا إيجابيا لعلم الأحياء الاجتماعي. لا شك ~~في امتلاك هذين المثالين للسلوك القهري مكونات وراثية قوية ولكنهما ليسا من أنواع ~~السلوك الاجتماعي؛ فهما لا يتغيران بتغير البيئة ولا يمثلان موضوعين لعمليات ~~التعلم، وهما ليسا جزءا من أنظمة داخلية. # بعد أن تدربنا على سرد حجج النهج التفسيري، يمكننا إعادة بناء رد عالم الاجتماع ~~على علم الأحياء الاجتماعي. عارض عالم الأنثروبولوجيا مارشال سالينز علم الأحياء ~~الاجتماعي مشيرا إلى أن الحدث الرمزي يمثل انقطاعا جذريا بين الثقافة والطبيعة ~~(سالينز 1976، 12). يعرف البشر في سياق الصفات الرمزية، بحيث يوجد تداخل أساسي ~~بين الطبيعة البشرية وتعبيرها الثقافي (سالينز 1976، 61). إذا كانت الثقافة عبارة ~~عن «بيولوجيا بالإضافة إلى قدرات رمزية»، كما يقترح سالينز، فإن البيولوجيا ليست ~~إلا شرطا ضروريا - وليس شرطا كافيا أبدا - للسلوك الاجتماعي لدى البشر ~~(سالينز 1976، 65-67). # يبدو أن ويلسون في العديد من فقراته يستبق الموقف الوسط الذي يقترحه العديد من ~~نقاده (انظر روس 1979، 8-2؛ ستيرلني 1988، 552-554؛ بينكر 2004؛ ~~ريدلي 2003). الفكرة مقنعة؛ فالجينات لا تحدد السلوك الاجتماعي أو حتى أنواع السلوك ~~الاجتماعي؛ بل توفر القدرات التي يمكن في إطارها ملاءمة مختلف مظاهر السلوك. يرى ~~اللغوي نعوم تشومسكي أن البشر يمتلكون قدرات لغوية فطرية، تظهر نفسها بمئات من ~~الطرق الملموسة المختلفة للتحدث بلغة بشرية. وهكذا، فإن الجينات تصوغ القدرات ~~البشرية، في حين تحدد الثقافة السمات الفردية: # وهكذا يمكن النظر إلى السلوك البشري على أنه تكيف بيولوجي، وهو ما يريده ~~متخصصو علم الأحياء الاجتماعي، ولكنه يتأثر سببيا على نحو حيوي بالتعلم، ~~وهو ما يريده مؤيدو الثقافوية. (روس 1979، 160) # وتتكرر هذه العبارات في أعمال ويلسون؛ إذ يقول: # يتحدد شكل وشدة الأعمال الإيثارية إلى حد بعيد ثقافيا. ومن الواضح أن التطور ~~الاجتماعي البشري ثقافي أكثر من كونه وراثيا. المغزى هو أن المشاعر الكامنة، التي ~~تجلت بقوة في جميع المجتمعات البشرية تقريبا، هي ما يتطور ms321 عن طريق الجينات. ~~(ويلسون 1978، 153) # تفرض الجينات قيودا على السلوك الاجتماعي البشري؛ لأنها «تربط الثقافة برسن ~~طويل» (ويلسون 1978، 167). يجب فصل العام عن الخاص، مثلما تتمايز القواعد اللغوية ~~العامة - التي يتشارك فيها جميع البشر المتكلمين - إلى قواعد لغاتنا الأم الخاصة. ~~يكمن الضعف القاتل لبرنامج ويلسون الشامل في تذبذبه بين المواقف غير المتوافقة: هل ~~تفرض طبيعتنا البيولوجية قيودا قوية أم ضعيفة على السلوك الاجتماعي؟ لنقل إن ~~الفكرة الإطارية تظل قائمة: الجينات مسئولة عن القدرات، ولكن الجينات لا تحدد ~~السلوك العقلاني. يمكن لعلماء الاجتماع التسليم بهذه النقطة دون الاعتراف بأن هذا ~~القبول يقلل من أهمية العلوم الاجتماعية. على العكس من ذلك؛ فالقدرات تحتاج إلى ~~صياغة، والعلوم الاجتماعية ستحتاج إلى توضيح جميع الشروط الكافية اللازمة لتحويل ~~القدرات إلى أشكال ثقافية. وخلافا لاقتراح ويلسون (1980، 4) فالعلوم الاجتماعية ~~ليست «الفروع الأخيرة لعلم الأحياء التي تنتظر أن تدرج في النظرية التركيبية ~~الحديثة.» ومع ذلك، فإنه من المفيد متابعة مسألة هل كان السلوك الاجتماعي له ~~جذور بيولوجية أم لا. في نهاية ثمانينيات القرن العشرين لم تكن ثورة «علم الأحياء ~~الاجتماعي» بادية في الأفق. وسرعان ما فقد علم الأحياء الاجتماعي جاذبيته؛ فقد كان ~~في العقلية الشعبية حافلا للغاية بالحتمية الوراثية، ولكن أفكار هذا البرنامج لم ~~تذبل. وسريعا عاد البرنامج تحت مسمى جديد: علم النفس التطوري. وحمل مشعل الدفاع ~~عن علم الأحياء الاجتماعي. وفي عملية التكيف هذه، قدم التزامات فلسفية أكثر ~~اتساعا. ~~(5-2) علم النفس التطوري ~~(...) كل شيء - من أكثر الفروق دقة في أداء ريتشارد شتراوس الأخير ~~للسمفونية الخامسة لبيتهوفن إلى وجود أملاح الكالسيوم في عظامه عند ~~الولادة - محدد تماما وبالدرجة نفسها بالضبط وراثيا وبيئيا. ~~(توبي/كوزميدس 1995، 83-84) # لم يكن لدى علماء الاجتماع أمثال دوركايم وفيبر مساحة لعلم ~~الأحياء في نظرياتهم الاجتماعية. على النقيض من ذلك، يبدو أن فرويد استمع إلى تنبؤ ~~داروين؛ فقد قدم التحليل النفسي كنظرية تستند في النهاية إلى أسس بيولوجية. يدين ~~علم النفس التطوري بالفضل كثيرا للمبادئ الداروينية. ويسعى علم النفس التطوري إلى ~~إنشاء رابطة وثيقة بين التطور والعلوم ms322 الاجتماعية. في الواقع، يلتزم كل من علم ~~الأحياء الاجتماعي وعلم النفس التطوري بتوحيد العلوم الاجتماعية مع علم الأحياء ~~التطوري. لا يزال حلم الثورة الرابعة حيا؛ فإذا أصبحت العلوم الاجتماعية فرعا ~~متخصصا في علم الأحياء، فإن الاستقلال التقليدي للعلوم الاجتماعية سينتهي. هل ينجح ~~علم النفس التطوري فيما فشل فيه برنامج ويلسون بسبب التذبذب؟ على المستوى الفلسفي، ~~يستخدم علم النفس التطوري إجراء أكثر كفاءة، رأينا تطبيقه من قبل. يدعي علم النفس ~~التطوري أن العلوم الاجتماعية التقليدية قد فشلت. ما الخطأ في نموذج العلوم ~~الاجتماعية القياسي؟ كما رأينا، فإن الفرضية المركزية للعلوم الاجتماعية هي أن ~~الحقائق الاجتماعية تصوغ طبيعة بشرية مرنة. بالنسبة لنموذج العلوم الاجتماعية ~~القياسي فإن التنشئة أكثر أهمية بكثير من الطبيعة. ولا يلتزم نموذج العلوم ~~الاجتماعية القياسي بالضرورة بوجهة نظر لوك التي تقضي بأن العقل البشري سجل فارغ، ~~تترك الثقافة بصماتها عليه. تحت فكرة ويلسون الإطارية يستطيع نموذج العلوم ~~الاجتماعية القياسي أن يقر بوجود آليات ذات أغراض عامة في العقل، ومع ذلك، فهذه ~~القدرات الوراثية العامة لا تصرف الانتباه عن دور الثقافة، ولكن وفقا لعلم النفس ~~التطوري، تواجه العلوم الاجتماعية التقليدية مشكلة لا يمكن التغلب عليها؛ فلا ~~يستطيع نموذج العلوم الاجتماعية القياسي أن يفسر كيف تحل العناصر الاجتماعية مجموعة ~~من المهام المعقدة. استخدم نعوم تشومسكي حجة مماثلة في نقده للتفسيرات السلوكية ~~لتعلم اللغة. وقال تشومسكي إنه لا يمكن تفسير إتقان طفل صغير اللغة البشرية في سياق ~~آليات التغذية الراجعة والاستجابة. وتتمثل العقبة التي تعترض سبيل آليات التعلم هذه ~~في التعقيد النحوي والدلالي للغات البشرية. ويستنتج أنصار علم النفس التطوري من ~~الفشل المزعوم لنموذج العلوم الاجتماعية القياسي الحاجة إلى نموذج جديد للعلوم ~~الاجتماعية، ويطلقون عليه «النموذج السببي المتكامل». ما القدرات والملكات البشرية ~~التي تمكنهم من حل المهام المعقدة في العالم المادي والاجتماعي؟ يذكر أنصار علم ~~النفس التطوري (كوزميدس/توبي 1998، 9، 11؛ توبي/كوزميدس 1995، 121، 123) القدرات ~~الآتية على سبيل المثال: # القدرة على تعلم اللغات الرمزية. # القدرة على التفكير واستخلاص الاستنتاجات. # القدرة على فهم العالم المادي. # القدرة على توقع ms323 المستقبل. # القدرة على تنظيم الحياة الاجتماعية. # القدرة على ممارسة تفضيلات التزاوج وتناول الأطعمة. # قدرة الرضع على التعرف على الوجوه. # يتمثل الادعاء المعرفي لعلم النفس التطوري في أن النموذج السببي ~~المتكامل وحده هو الذي يستطيع تفسير المهام المعقدة التي يقوم بها البشر على نحو ~~روتيني. # قبل أن نتناول الادعاءات الواقعية لعلم النفس التطوري، لنتناول بإيجاز نسخة ~~«معدلة» من نموذج العلوم الاجتماعية القياسي. ينبغي أن نلاحظ أن ثمة مجالات واسعة ~~من الحياة الاجتماعية يمكن دراستها بعيدا عن أي أسس بيولوجية للطبيعة البشرية ~~(الحياة الاقتصادية، البنية الاجتماعية، المؤسسات الثقافية). تقبل هذه النسخة ~~المعدلة - التي ظهرت بالفعل كرد فعل تجاه علم الأحياء الاجتماعي - أن الطبيعة ~~البشرية ربما يكون لها دور أكبر في العلوم الاجتماعية من الدور الذي كان دوركايم ~~على استعداد لقبوله. تخضع الحيوانات لسيطرة تامة من قبل طبيعتها البيولوجية ~~(الغرائز)، ولكن السلوك البشري تحدده الثقافة إلى حد بعيد، وإن كان ذلك في حدود ~~القيود البيولوجية. وفي هذا السياق، تعرف الثقافة على نحو فضفاض بأنها وجود نظم من ~~القواعد والقيم والرموز مستقلة إلى حد بعيد. يكون بعض هذه المنتجات الثقافية محددا ~~في سياق معين، ولكن كما أظهرت الحجج ضد النسبوية، تتشاطر الإنسانية أيضا مجموعة ~~مشتركة من القدرات والممارسات؛ فالبنية الجينية للبشر تفرض قيودا، تقدم نفسها ~~كقدرات ونزعات تتطلب مدخلات ثقافية كي تظهر نفسها. ثمة سبب للاعتقاد بأن وجهة ~~النظر المعدلة تلك بشأن نموذج العلوم الاجتماعية القياسي يمكن أن تؤدي المهمة ~~المطلوبة منها (ريدلي 2003). # هذه هي النواة المشتركة للقدرات البشرية التي تركز عليها ادعاءات علم النفس ~~التطوري. يرى علم النفس التطوري أن العلوم الاجتماعية التقليدية فشلت بسبب إهمالها ~~للأبعاد البيولوجية للوجود البشري؛ ولذلك ينبغي أن تستند العلوم الاجتماعية إلى ~~نظرية التطور، ولكن بينما اعتنق علم الأحياء الاجتماعي التزامات فلسفية بالاختزالية ~~غامضة إلى حد ما، يعد علم النفس التطوري أكثر دقة فلسفيا لسببين؛ أولا: يتبنى ~~أنصار علم النفس التطوري التوجه الذهني الاستدلالي الصحيح؛ فمن وجهة نظر الاستقراء ~~الإقصائي، الاستدلال على النموذج السببي المتكامل يمثل استراتيجية صحيحة، ms324 إذا فشل ~~نموذج العلوم الاجتماعية القياسي بالفعل (شكل # 3-5 ~~)، ولكن فشل نموذج ما، مثل نموذج ~~العلوم الاجتماعية القياسي، لا يعطي تلقائيا مصداقية للنموذج المنافس. يحتاج ~~النموذج المنافس، مثل علم النفس التطوري، إلى تقديم أدلة مستقلة على ادعاءاته؛ أدلة ~~لا تتفق مع النموذج المنافس. فرقنا في فصل سابق بين «الاستدلالات المقبولة والمسموح ~~بها». واعتبرنا الاستدلال على التصميم الذكي استدلالا مسموحا به لكنه غير مقبول؛ ~~لأنه لا يمكن أن يوجد دليل تجريبي على وجود مصمم ذكي. وبما أن علم النفس التطوري ~~يستند إلى نظرية التطور، فإنه يسمح لنفسه باستدلال مقبول من السلوك «المرصود» إلى ~~بنيات عقلية «غير قابلة للرصد». إذا كان يمكن إثبات أن الأدلة تنفي مصداقية نموذج ~~العلوم الاجتماعية القياسي وتؤكد مصداقية النموذج المنافس - علم النفس التطوري - ~~فإن هذا يمثل استدلالا مقبولا، ومع ذلك، فإننا نتذكر من المناقشات المنهجية ~~لهكسلي وهيكل أن النموذج المفضل يجب أن يجد أدلة داعمة، على سبيل المثال في شكل ~~نتائج استنتاجية أو استقرائية. # شكل 3-5: استدلالات من الأدلة للنماذج المتنافسة. # ثمة سبب آخر وراء كون علم النفس التطوري حل محل علم الأحياء الاجتماعي، وهو أنه ~~يقر بفلسفة للعقل. وفلسفته للعقل افتراض مسبق، منفتح على النقد. ويمكن التعبير عن ~~وجهة نظره إزاء العقل على أفضل وجه عن طريق القياس؛ وجهة نظر تعدد الاستخدامات حيال ~~العقل (دينيت 1995). ووفقا لهذا الرأي، جهز المخ البشري بالعديد من الآليات ذات ~~الأغراض المخصصة (دوائر عصبية)، وتسمى أيضا «وحدات». يؤيد علم النفس التطوري ~~أيضا المادية القوية للداروينيين. ويدعي الداروينيون أن هذه الآليات تطورت لحل ~~المشكلات التكيفية التي واجهها أسلافنا في ماضينا التطوري. تأمل على سبيل المثال ~~غريزة التفكير. تطورت هذه الغريزة كاستجابة لمشكلات معينة في بيئة أسلافنا ~~البعيدين: # العقل هو مجموعة من آلات معالجة المعلومات التي صممها الانتقاء الطبيعي ~~لحل المشكلات التكيفية التي واجهها أسلافنا الذين عاشوا على الجمع ~~والالتقاط. (كوزميدس/توبي 1998، 1؛ انظر روز/روز 2001 للاطلاع على هجوم ~~مستمر على علم النفس التطوري من وجهات نظر مختلفة.) # شحذت الدوائر العصبية - أو الوحدات - المختلفة لحل ms325 مشكلات التكيف المختلفة. إن ~~افتراض وجود شبكة من الدوائر العصبية في المخ أبعد ما يكون عن قبول الآليات ذات ~~الأغراض العامة في النسخة المعدلة من نموذج العلوم الاجتماعية القياسي. بسبب بطء ~~التطور، تأوي جماجمنا، الحديثة، عقلا من العصر الحجري؛ ولذلك فإن مؤيدي علم النفس ~~التطوري يعتبرون أن بنيتنا الذهنية نصبتها القوى التطورية. إن تدرج الآلية ~~التطورية يجعل الحضارة الغربية الممتدة على مدار ألفي عام مجرد طرفة عين في السياق ~~التطوري. وفي استناد واضح لفرويد، يرى أنصار علم النفس التطوري أيضا أن معظم ما ~~يدور في أذهاننا مخفي عن نظرتنا الواعية، ولكن اللاوعي ليس شيطانا شريرا، بل هو ~~عبارة عن شبكة من الدوائر العصبية. # كان فرويد سيتعاطف مع العالمية المتأصلة في هذا الرأي؛ فكل الأنواع لديها بنية ~~عالمية نموذجية متطورة. إنها بنية فطرية، بمعنى أن التطور هو الذي صاغها. إن علم ~~النفس التطوري موقف يتبنى رأي كانط لكن في عباءة تطورية؛ لأنه يفترض وجود بنيات ~~«فطرية» عالمية سابقة الوجود (انظر راتكليف 2005، 53-54)، ولكن يتجنب علم النفس ~~التطوري شكلا صريحا من أشكال الحتمية. تتطلب البنية الذهنية العالمية خصوصية ~~معينة لتنفيذها. وتؤدي الظروف الاجتماعية المختلفة إلى مظاهر ثقافية مختلفة لعلم ~~النفس الأساسي الناشئ. إن علم النفس التطوري يتبع نهجا يسير من أسفل إلى أعلى، ~~تكون فيه البنية الناشئة هي الأساس الذي تقوم عليه الخصائص السلوكية. # إن الإجراء المنهجي الذي اعتمده أنصار علم النفس التطوري يذكرنا بالممارسات ~~الاستدلالية في تاريخ العلم. يدعى أن علم النفس التطوري استدلال لأفضل تفسير. ~~وكما رأينا، توصل فرويد لاستدلالات مماثلة: من السلوك المعقد الظاهر إلى البنية ~~الذهنية اللاواعية، كما أوضحت حجج فرويد أيضا الخطأ الكامن في الاستدلال لأفضل ~~تفسير؛ فيجب ألا يكون استدلالا لأفضل تفسير وحسب، ولكن لأفضل تفسير مقارن. # يتأثر علم النفس التطوري على نحو خطير بمشكلة الكيانات غير المرصودة، مثل قريبه ~~الفرويدي. وهو على شفا انتهاك مبدأ شفرة أوكام: «الكيانات لا يجب أن تتضاعف أكثر ~~مما هو ضروري.» بعبارات حديثة، تتلخص شفرة أوكام في التوصية بأنه يجب ms326 على الباحثين ~~اختيار أبسط فرضية تناسب الحقائق. ويضاعف المدافعون عن علم النفس التطوري الوحدات ~~العقلية لتتبع القدرات البشرية. ربما كان صحيحا أنه لا يمكن فهم العقل دون علم ~~الأحياء، ولكن ثمة طرق بديلة لقبول هذا الاكتشاف. يتورط علم النفس التطوري في ~~مغالطة مركزية (دوبري 2005، 81-87). تذكر أن أحد الانتقادات الموجهة ضد ~~التصميم الذكي - المستوحى من نيتشه - هو أننا لا نستطيع أن نستدل من وظيفة عضو ~~بيولوجي اليوم على ما كانت عليه وظيفته الأصلية. وعلى نحو مماثل، لا يمكننا أن ~~نستدل بسهولة من سمة «متكيفة» على التطور الجيني؛ فبالقيام بهذا الاستدلال نستبعد ~~إمكانية التطور «الثقافي»؛ أي انتقال السلوك والصفات من خلال عمليات التعلم. ومن ~~خلال تبني وجهة نظر وظيفية في فلسفة العقل كفرضية مسبقة، فإن علم النفس التطوري ~~يفترض وجود تطابق بين الدوائر العصبية والقدرات البشرية الخاصة بحل المشكلات بنسبة ~~واحد إلى واحد. المرء «يستطيع أن ينظر إلى المخ على أنه مجموعة من أجهزة كمبيوتر ~~مصغرة مخصصة «تتكامل عملياتها وظيفيا» لإنتاج السلوك» (كوزميدس/توبي 1998، 8-9). ~~ومع ذلك، هذا يستلزم وجود ثنائية العقل والمخ بدلا من حلها. يعرف البشر إلى حد ~~بعيد في سياق الصفات الرمزية. ولا يمكننا ببساطة أن نفترض ربط جزء من الآلة العصبية ~~بنوع معين من البنيات العقلية، مما يؤدي إلى سلوك اجتماعي هادف. يمثل علم النفس ~~التطوري برنامجا بحثيا بديلا لا يزال مضطرا لتقديم أوراق اعتماده. ~~(6) فرويد وثورات الفكر # هذا الرجل العجوز (...) كان لديه بصر حاد، فلم يخدعه إلا وهم الإيمان المبالغ ~~فيه بأفكاره. (أينشتاين متحدثا عن فرويد، مقتبسة في بايز 1982، 515) # ثمة تناقضات مذهلة في استقبال الجمهور للأفكار الخاطئة في تاريخ ~~العلم، ومن النادر أن تجتذب فكرة علمية منزوعة المصداقية انتباه الصحفيين، وقد تعرضت ~~شخصيات مهمة في تاريخ العلم، مثل بطليموس ولامارك، للتجاهل لصالح أبطال العلم الرسميين. ~~يظهر الاستعراض الأخير لأفكار فرويد - بمناسبة الذكرى المائة والخمسين لميلاده (6 مايو ~~1856) - أن فرويد اكتسب تاريخه الصحفي الخاص. لم يثن الوضع العلمي المشكوك فيه ~~لأفكار فرويد الكتاب الصحيفين وفي المجلات عن الاحتفاء ms327 بإنجازات فرويد؛ فعلى مدى ~~سنوات عديدة أخبرت المجلات الإخبارية الدولية - لو بوينت، ودير شبيجل، وداي زيت، وتايم ~~- وصحيفة صانداي وساينتيفيك أمريكان القراء بثروات نظرية فرويد. وعلى مدى العقود ~~الثلاثة الماضية كان الاتجاه العام هو إعلان زوال نظرية فرويد، وقد دفع نشر كتاب ~~«الكتاب الأسود للتحليل النفسي» (ماير 2005) مجلة لو بوينت إلى طرح سؤال: «هل ينبغي أن ~~نتخلص من فرويد؟» ولكن المقالات التي نشرت بمناسبة الذكرى المائة والخمسين لميلاد ~~فرويد قدمت تقييما أكثر تفاؤلا. على ما يبدو أن أفكار فرويد أصبحت أكثر رواجا مرة ~~أخرى. من المتفق عليه أن بعض أفكاره، مثل آرائه بشأن الحياة الجنسية للأنثى، منزوعة ~~المصداقية، ولكن يقال إن بعض أفكاره الأساسية قابلة للاختبار (انظر سولمز 2004؛ كروز ~~1997؛ جرونباوم 1977أ، ب؛ 1979). على سبيل المثال، يرجع الفضل إلى فرويد في اكتشاف ~~الآليات اللاواعية للكثير من سلوكنا. ويدعي بعض الباحثين، مثل مارك سولمز (2004)، أن ~~نظرة فرويد للأحلام على أنها إشباع للرغبات ربما تكون صحيحة رغم كل شيء. ما أنقذ من ~~فرويد هو إطار عام؛ نموذج. فعلى سبيل المثال، يتحدث علماء النفس التطوريون عن الآليات ~~العصبية الكامنة وراء سلوكنا الواعي، لكن تفاصيل نماذجهم تختلف كثيرا عن أفكار فرويد ~~الأصلية، والبعض الآخر لا يزال معاديا لفرويد كما كان دائما. بالنسبة لهم إعادة إحياء ~~أفكار فرويد لا تستحق الجهد المبذول؛ فقد جردت من المصداقية وحري بنا أن نبدأ ~~بداية جديدة . # أحدث نشر هذا الكتاب في عام 2005 تحولا كبيرا في فرنسا بعيدا عن ~~القبول الأعمى للتحليل النفسي لفرويد. # مهما كان الموقف الذي يتخذه الفرد تجاه فرويد «العالم»، فمن المتفق عليه عموما أنه ~~كان شخصية عظيمة في تاريخ الأفكار. أعلن توماس مان أن «فكرة التحليل النفسي فكرة ~~مغيرة للعالم» (مان 1936، 150). ترك تأثير فرويد كصائغ للأفكار آثارا في عالم الفنون ~~(جيمس جويس، وفيرجينيا وولف). لو أن فرويد أعاد رسم الخريطة النفسية للطبيعة البشرية، ~~فهل سيعتبر - رغم كل شيء - ركيزة من ركائز فكر التنوير، وليس مخادعا بالعلوم الزائفة؟ ~~(سيوفي 1970). عنون هذا الفصل بأكمله بعنوان فرعي هو «فقدان ms328 الشفافية». كان هذا ~~العنوان الفرعي يشير إلى أن فرويد قلص مجال التفكير العقلاني - بوصفه مسرحا للفعل ~~الإنساني - إلى حجم وجده العديد من فلاسفة التنوير غير مقبول، ولكن هابرماس والمعلقون ~~الثقافيون غالبا ما يربطون إنجاز فرويد بمشروع التنوير (هابرماس 1968؛ 1970). تكمن ~~أهمية نموذج فرويد بالنسبة لهابرماس في طريقة جمعه بين الفهم والتفسير؛ فمن ناحية، يوجد ~~مستوى التأويل، الذي يدفعه المظهر الرمزي للدوافع اللاواعية؛ ومن ناحية أخرى، هذه ~~الدوافع ليست متاحة للمريض على نحو واع؛ فوفقا لفرويد، تعد هذه الدوافع بمنزلة أسباب ~~تتطلب تفسيرا (هابرماس 1968 (1972)، الجزء الثالث، الفصلان العاشر والحادي عشر؛ 1970، 297-298 ~~(1988، 180-181)؛ 1983، 214). ليس «الفهم» في حد ذاته منهجا كافيا، بل إنه في الواقع ~~ليس منهجا خاصا بالعلوم الاجتماعية على الإطلاق، ولكن التفسير لا يمكن أن يكون ~~كافيا لموضوع العلوم الاجتماعية أيضا، بسبب كلية وجود التفسير المزدوج في العالم ~~الاجتماعي (هابرماس 1970، 281، 289 (1988، 167، 174))، ولكن هابرماس يأخذ إصرار فرويد ~~على الطبيعة العلمية لنموذج الشخصية الخاص به على محمل الجد كثيرا. وكما رأينا، فإن ~~مستوى تفسير البيانات يسبب بالفعل مشكلات كبيرة؛ لأن تفسير الأحلام والأعراض الأخرى ~~للاضطرابات النفسية ليس ثابتا، ولا تخضع الدوافع اللاواعية لعلاقات إثباتية غير ~~مفسرة. # ولكن ربما يتواصل عزو الفضل إلى فرويد في أنه بين لنا كيفية إجراء حوار متحرر وخال ~~من الشعور بالذنب بشأن الحياة الجنسية البشرية دون خجل، كما حررنا من أغلال القمع ~~الجنسي، وقد فتح تحليله النفسي أعيننا على الدافع اللاواعي للسلوك البشري، الذي غالبا ~~ما يكون دافعا جنسيا؛ فرغم كل شيء، كان تسليط الضوء على الأركان المظلمة في وجودنا ~~هو التركيز الرئيسي للتنوير. بأي معنى إذا يمكننا أن نتكلم عن فقدان الشفافية؟ يوجهنا ~~الجواب على هذا السؤال مرة أخرى إلى تقييم الوضع العلمي لنظرية فرويد. الفرويديون الجدد ~~يعاملون نظرية فرويد على الأقل كنظرية إطارية جادة، كنموذج يقدم شيئا إضافيا من أجل ~~تأمل الذات (هابرماس 1968 (1972)، الجزء الثالث؛ سولمز 2004). ويرى مناهضو ~~الفرويدية أن جهود فرويد ليست سوى خداع مبني على علم زائف. من على حق؟ تجنبنا في هذا ~~الفصل ms329 تقديم إجابة مسبقة على هذا السؤال. لقد درسنا ممارسات فرويد الاستدلالية ووجدنا ~~أنها ناقصة. ذهب فرويد إلى أن دراسات حالته قدمت أدلة داعمة لنموذجه التحليلي النفسي، ~~ولكن دلائله ضعيفة وغامضة على حد سواء؛ فالزلات الفرويدية، وتحليل الأحلام، والتداعي ~~الحر ليست لاواعية ولا تحدث بين العقول الواعية، وبيانات الأحلام ليست حقائق تجريبية ~~صلبة؛ فالحلم يظل في حاجة إلى تفسير. وإذا كان التفسير يقدمه التحليل النفسي، فإن ~~بيانات الحلم لا يمكن أن تكون بمثابة تأكيد أو نفي. كان فرويد سيسهم في تحقيق اكتساب ~~للشفافية بدلا من فقدان الشفافية لو كانت آراؤه قد حظيت بالمصداقية العلمية، ولكن كما ~~يتضح، لم يقدم فرويد أي دليل داعم لنظريته. يمكن الحصول على مثل هذه الأدلة يوما ما في ~~المختبر، ولكن ما دمنا لم نشهد هذا اليوم بعد، يبقى فرويد ثوريا في تاريخ الفكر وليس ~~تاريخ العلم. ~~(6-1) ثورات في الفكر مقابل ثورات في العلم # تناولنا في الفصلين السابقين بعض معايير الثورة العلمية، وتفي الفرويدية ببعض هذه ~~المعايير؛ أولا: غير فرويد المنظور؛ فقال إن علينا أن ننظر إلى البشر من وجهة نظر ~~دوافعهم اللاواعية، وليس من ناحية عقلانيتهم. وحقق ابتكارا مفاهيميا غير مسبوق، حيث ~~أشار إلى أن اللاوعي يتسم بالدينامية. ثانيا: بالمعنى الواسع، يمكن القول إن فرويد قدم ~~بعض التقنيات الجديدة في دراسة الظواهر العقلية، لكن بالحديث عن العلاج، فإن التداعي ~~الحر والتفسيرات إجراءات نوعية محفوفة بالصعوبات. لا يبدو أن هذه التقنيات مستقلة عن ~~النظرية التي تستخدمها لدعم ادعاءاتها. وفيما يتعلق بهذه المعايير، فإننا أشرنا إلى ~~وجوب أن تكون النظرية الجديدة تفسيرية أيضا؛ فيجب أن تحل بعض المشكلات المعلقة، وتقدم ~~بعض المكاسب التفسيرية. كانت قدرة نظرية فرويد على حل المشكلات هي التي جذبت الكثير من ~~الانتقادات. وتؤثر ندرة الأدلة الداعمة لادعاءات فرويد على توزيع المصداقية على مساحة ~~النموذج. تفشل الأدلة النوعية في إضفاء المصداقية على النموذج الفرويدي مع نزع ~~المصداقية عن النماذج المنافسة. ولا يمكن أن يوصف نموذج فرويد بأنه نموذج تفسيري. ~~ويتعلق الجانب الثالث من الثورة ms330 العلمية بظهور نهج جديد من خلال تحولات تسلسل ~~الاستدلال، ومع ذلك، يفتقر هذا النهج الجديد إلى قدرات حل المشكلات التي تتمتع بها ~~الكوبرنيكية والداروينية. رابعا: كان يوجد تقارب بين آراء الخبراء بشأن النهج الجديد. ~~تختلف حالة فرويد عن حالة كوبرنيكوس وداروين؛ فبعد مائة وخمسين عاما على ميلاد فرويد، ~~لا يزال العالم منقسما إزاء ادعاءاته، وهذا يعني أن الجانب الرئيسي لتقارب الآراء لا ~~يزال مفقودا من تاريخ نظرية فرويد. ولا تجمع الأدلة على صحة نموذج فرويد ولا على صحة ~~أي نماذج بديلة على الأقل في المجتمع العلمي. إذا فشل فرويد بوصفه صاحب ثورة علمية، فقد نجح ~~بوصفه صاحب ثورة في الفكر؛ فقد اخترقت مصطلحات فرويد وأفكاره بالتأكيد المجال الثقافي، ~~وأوجد فرويد «الإنسان النفساني». # أسئلة مقالية ~~(1) # اشرح فرضية فرويد بشأن «الحتمية النفسية»، وقيم الآثار المترتبة على ~~هذه الفرضية بالنسبة للمكانة العلمية للتحليل النفسي الفرويدي. ~~(2) # هل يفي «النموذج الفرويدي» للعقل بأي معايير للمكانة العلمية؟ ~~(3) # اشرح وقيم «ادعاء فرويد» بأنه أكمل الثورة الكوبرنيكية. ~~(4) # اشرح بنية «الفرويدية». ما الذي يدعم النظرية وما الذي يناهضها؟ ~~(5) # هل توصف الكوبرنيكية والداروينية والفرويدية على نحو أفضل عندما توصف ~~بأنها مثال على «قابلية الدحض» أم «الاستقراء الإقصائي»؟ ~~(6) # ماذا يعني الالتزام ب «العلموية» بالنسبة لنظريات فرويد للتحليل ~~النفسي؟ ~~(7) # لماذا يوجد خلاف بشأن كون «نظرية فرويد» علمية أم لا؟ ~~(8) # ألا يمكن أن نعتبر نظرية فرويد مجرد «نموذج»؟ ما الآثار المترتبة على ~~هذا القرار بالنسبة لمكانة التحليل النفسي؟ ~~(9) # ناقش على نحو نقدي «ادعاء فرويد» أننا «لسنا مسيطرين على زمام الأمور ~~حتى في أجسادنا». ~~(10) # ناقش على نحو نقدي فكرة «اللاوعي» في سياق نظرية فرويد. ~~(11) # هل من المعقول التمييز بين «الثورات العلمية» و«الثورات الفكرية»؟ اشرح ~~إجابتك. ~~(12) # اشرح الإنجازات الرئيسية «للثورات الكوبرنيكية» و«الداروينية» ~~و«الفرويدية»، على الترتيب. ~~(13) # اشرح كيف تنشأ قضايا «الذرائعية» و«الواقعية»، على نحو منفصل، في ~~الكوبرنيكية والداروينية والفرويدية. ~~(14) # لماذا تظهر قضية «الواقعية مقابل الذرائعية» في الكوبرنيكية والداروينية ~~والفرويدية على حد سواء؟ ~~(15) # حلل التحدي الذي يطرحه النموذج الفرويدي للعقل على آراء «التنوير» بشأن ~~الطبيعة البشرية. ~~(16) # اشرح ms331 بنية «علم النفس التطوري». ~~(17) # اشرح لماذا يؤكد «علم النفس التطوري» على عالمية العقل البشري. ~~(18) # ناقش أوجه التشابه والاختلاف بين «علم الأحياء الاجتماعي» و«علم النفس ~~التطوري». ~~(19) # اذكر الاختلافات الرئيسية بين النموذج «التفسيري» والنموذج «التجريبي» في ~~العلوم الاجتماعية، وقيم نقاط القوة والضعف في كل منهما. ~~(20) # ناقش ووضح أهمية «الأنماط المثالية» كأداة في العلوم الاجتماعية. كيف ~~ترتبط الأنماط المثالية بالنموذج «التجريبي» و«التفسيري»؟ ~~(21) # استخدم أمثلة من علم الفلك وعلم الأحياء والعلوم الاجتماعية لتقييم مدى ~~ملاءمة الاستقراء الإقصائي. ~~(22) # ناقش مشكلة «نقص الإثبات بالأدلة» فيما يتعلق بثلاث ثورات في ~~الفكر. ~~(23) # كيف تنشأ مشكلة «النسبوية» في سياق العلوم الاجتماعية؟ هل هي مشكلة ~~زائفة؟ أم أن لها تأثيرا على العالم الاجتماعي؟ ~~(24) # ناقش على نحو نقدي التمييز بين «التفكير الذرائعي» و«التفكير الموضوعي» ~~في «النموذج النقدي» للعلوم الاجتماعية. ~~(25) # ناقش على نحو نقدي آراء فيبر بشأن «الموضوعية» و«حياد القيم» في العلوم ~~الاجتماعية. ~~(26) # هل سيكون صحيحا أن نقول، وفقا للشمولية: إن «المجتمع أكبر من مجموع ~~أعضائه»؟ ~~(27) # هل سيكون صحيحا أن نقول، وفقا للفردية: إن «المجتمع ليس سوى مجموع ~~أعضائه»؟ ~~(28) # هل من الممكن الإجابة على «الأسئلة السببية» في العلوم ~~الاجتماعية؟ ~~(29) # ناقش ما تعنيه «العلموية»، كما دافع عنها كونت ودوركايم. تناول مسألة ما ~~إذا كانت نهجا مناسبا للعلوم الاجتماعية أم لا. ~~(30) # اشرح منهج «الفهم» لدلتاي. ~~(31) # ما الآثار التي قد تترتب على «النسبوية» في ممارسات العلوم ~~الاجتماعية؟ ~~(32) # تناول بالشرح المبادئ الرئيسية «للنموذج النقدي» في العلوم الاجتماعية ~~وناقش هل كان بإمكانه تقديم مساهمات أكثر من النماذج القياسية. ~~(33) # اشرح «النموذج الاستدلالي الطبيعي» و«النموذج الاستقرائي الإحصائي» ~~للتفسير العلمي. هل يمكن استخدامهما في العلوم الاجتماعية؟ ~~(34) # لماذا يجب أن يشعر علماء الاجتماع على نحو خاص بالقلق إزاء التمييز بين ~~«الحقائق» و«القيم» في البحث الاجتماعي؟ ~~(35) # هل يمكن أن توجد «قوانين» في العالم الاجتماعي؟ # قراءت إضافية # Abel, Th. [1948]: “The Operation called # Verstehen ~~,” # American Journal of Sociology # 54 ~~, ~~211-18. # Apel, K. O. [1979]: # Die ~~Erklären: Verstehen-Kontroverse in transzendetnal- pragmatischer Sicht. # Frankfurt ~~a./M.: Suhrkamp. # Barrow, J. D./F. J. Tipler [1986]: # The Anthropic Cosmological Principle. # Oxford: Oxford University ms332 Press. # Becker, G. [1986]: “The Economic Approach to Human ~~Behaviour,” in J. Elster # ed. ~~[1986], # Rational Choice. # London: ~~Blackwell, 108-22. # Bhaskar, R. [1978]: # A Realist ~~Theory of Science. # Sussex: The Harvester Press. # Borch-Jacobsen, M. [2005]: “La querelle de la ~~suggestion,” in C. Meyer [2005], 381-8. # Braybrooke, D. [1987]: Philosophy of Social Science. # Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall. # Brown, J. A. C. [1962]: # Freud ~~and the Post-Freudians. # Harmondsworth: Penguin. # Bunge, M. [1996]: # Finding Philosophy in Social Science. # New Haven, CT: Yale ~~University Press. # Cioffi, C. F. [1970]: “Freud and the Idea of a Pseudo-Science,” in # Explanations in the ~~Behavioural Sciences. # F. Cioffi/R. Borger # eds. # Cambridge: Cambridge University Press, 471-515. # Cioffi, C. F. [2005]: “Freud, était-il un menteur?”, in ~~C. Meyer [2005], 42-6. # Cohen, J. [2005]: # How to Read ~~Freud. # London: Granta Books. # Comte, A. [1853]: # Cours de Philosophie Positive. Paris: ~~Bachelier. # Cosmides, L./J. Tooby [1998]: “Evolutionary Psychology. ~~A Primer.” Available at ( # http://cogweb.ucla.edu/ep/EP-primer.html ~~). # Crews, F. et al. [1997]: # The ~~Memory Wars-Freud’s Legacy in Dispute. # London: ~~Granta Books. # Crombie, A. C. [1994]: # Styles ~~of Scientific Reasoning in the European Tradition. # 3 ~~vols. London: Duckworth. # Dahrendorf, R. [1959]: # Class ~~and Class Conflict in an Industrial Society. # London: ~~Routledge. # Davidson, D. [1963]: “Actions, Reasons and Causes,” ~~reprinted in D. Davidson [1980], 3-19. # Davidson, D. [1967]: “Causal Relations,” reprinted in ~~D. Davidson [1980], 149-62. # Davidson, D. [1970]: “Mental Events,” reprinted in D. ~~Davidson [1980], 207-25. # Davidson, D. [1974]: “Psychology as Philosophy,” ~~reprinted in D. Davidson [1980], 229-39. # Davidson, D. [1980]: # Essays on ~~Actions and Events. # Oxford: Clarendon Press. # Davidson, D. [1982]: “Paradoxes of Irrationality,” in ~~R. Wollheim/J. Hopkins # eds. ~~[1982], Philosophical Essays on ~~Freud. # Cambridge: Cambridge University Press, ~~289-305. # Delanty, G./P. Strydom # eds. ~~[2003]: Philosophy of ~~Social Science. Philadelphia, PA: McGraw-Hill. # Dennett, D. [1995]: # Darwin’s ~~Dangerous Idea. # London: Penguin. # Dilthey, W. [1883]: # An ~~Introduction to Human Sciences ~~, in W. Dilthey [1976], ~~159-67. [Translated from # Gesammelte ~~Schriften ~~, Vol. I, xv-xix, ~~14-21]. # Dilthey, W. [1894]: “Ideas Concerning a Descriptive and ~~Analytic Psychology,” in # Descriptive Psychology and Historical Understanding ~~, transl. M. ~~Zaner/K. L. ms333 Heiges. The Hague: Martinus Nijhoff [1977], 21-120 ~~[Translated from # Gesammelte ~~Schriften ~~, Vol. V. 139-240]. # Dilthey, W. [1900]: “The Development of Hermeneutics,” ~~in W. Dilthey [1976], 247-63. [Translated from # Gesammelte ~~Schriften ~~, Vol. V. 317-37]. # Dilthey, W. [1906]: “The Construction of the Historical ~~World in the Human Sciences,” in W. Dilthey [1976], 168-245 [Translated from # Gesammelte Schriften ~~, Vol. II, ~~79-88, 130-66, 189-200; Vol. VII, ~~228-45]. # Dilthey, W. [1927]: “The Understanding of Other Persons ~~and their Expressions of Life,” in # Descriptive Psychology and ~~Historical Understanding ~~, transl. M. Zaner/K. L. ~~Heiges. The Hague: Martinus Nijhoff [1977], 123-44 [Translated ~~from # Gesammelte ~~Schriften ~~, Vol. VII, 205-27]. # Dilthey, W. [1976]: # Selected ~~Writings. # H. P. Rickman # ed. # Cambridge: Cambridge University Press. # Droysen, J. G. [1858]: # Grundriß ~~der Historik. # Reprinted in # Historik. # R. Hübner # ed. # München: Oldenburg. # Dupré, J. [2005]: # Darwin’s ~~Legacy. # Oxford: Oxford University Press. # Durkheim, D. [1895/1982]: # The ~~Rules of Sociological Method. # London: ~~Macmillan. # Durkheim, D. [1897]: # Suicide. Paris: Felix Alcan [English translation: # Suicide. # London: Routledge & Kegan Paul, ~~1952]. # Earman, J. [1996]: # Bayes or ~~Bust? A Critical Examination of Bayesian Confirmation ~~Theory. # Cambridge, MA: MIT Press. # Elster, J. [1989]: # Nuts and ~~Bolts for the Social Sciences. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Elster, J. [2007]: # Explaining ~~Social Behavior. # Cambridge: Cambridge University Press. # Fay, B. [1994]: “General Laws and Explaining Human ~~Behaviour,” in M. Martin/L. C. McIntyre # eds. ~~[1994], 91-110. # Freud, S. [1953-74]: # The ~~Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund ~~Freud. # James Strachley # ed. # London: The Hogarth Press. # Freud, S. [1895]: “Project for a Scientific Psychology,” Vol. I. [1966], 295-387. # Freud, S. [1897]: “Letter to Fliess” (September 21, ~~1897), Vol. I [1966], 259-60. # Freud, S. [1900]: # The ~~Interpretation of Dreams ~~, Vols. IV-V [1953], 1-338, ~~339-621. # Freud, S. [1901a]: “On Dreams,” Vol. V [1953], ~~631-686. # Freud, S. [1901b]: # The Psychopathology of Everyday Life ~~, Vol. VI [1960], ~~1-279. # Freud, S. [1905a]: # Three Essays ~~on Sexuality, # Vol. VII [1953], ~~130-243. # Freud, S. [1905b]: # Jokes and ~~their Relation to the Unconscious ~~, Vol. VIII [1960], ~~9-236. # Freud, S. [1908]: “'Civilized’ Sexual Morality ms334 and ~~Modern Nervousness,” # Collected Papers # II, transl. J. Riviere. London: Hogarth Press [1957], ~~76-99. # Freud, S. [1910]: “The Origin and Development of Psychoanalysis,” transl. in # A General ~~Selection from the Works of Sigmund Freud. # J. Rickman # ed. # New York: ~~Liveright Publishing Corporation [1957], ~~3-36. # Freud, S. [1913]: # Totem and ~~Taboo ~~, Vol. XIII [1953], 1-161. # Freud, S. [1916a]: # Introductory ~~Lectures on Psycho-Analysis ~~, Part I, II, Vol. XV ~~[1961], 9-239. # Freud, S. [1916b]: # Introductory ~~Lectures on Psycho-Analysis ~~, Part IIII, Vol. XVI ~~[1963], 243-463. # Freud, S. [1921]: # Group Psychology and the Analysis of the Ego ~~, Vol. XVIII ~~[1955], 69-143 # Freud, S. [1927a]: # The Future ~~of an Illusion, # Vol. XXI [1961], ~~5-56. # Freud, S. [1927b]: “Humour,” Vol. XXI [1961], ~~161-6. # Freud, S. [1930]: # Civilization ~~and its Discontents, # Vol. XXI [1961], ~~64-145 # Freud, S. [1931]: “Female Sexuality,” Vol. XXI ~~[1927-31], 221-43. # Freud, S. [1937]: “Constructions in Analysis,” Vol. ~~XXIII [1937-39], 257-69. # Freud, S. [1938]: # An Outline of Psychoanalysis ~~, Vol. XXIII [1964], ~~144-207. # Freud, S./J. Breuer [1895]: # Studies on Hysteria ~~, Vol. II [1955], ~~1-305. # Freud, S./E. Oppenheim [1911]: “Dreams in Folklore,” ~~Vol. XII [1911-13], 180-203. # Friedman, M. [1953]: “The Methodology of Positive ~~Economics,” in # Essays in Positive ~~Economics. # Chicago: University of Chicago Press, ~~3-43. # Gadamer, H. G. [ # 4 # 1975]: # Wahrheit und Methode. # Tübingen, Germany: Mohr ~~[English translation: # Truth and ~~Method. # London: Sheed and Ward, ~~1979]. # Gellner, E. [ # 2 # 1993]: # The Psychoanalytic Movement. # London: Fontana Press. # Giddens, A. [1993]: # New Rules ~~of Sociological Method. # Cambridge: Polity Press. # Grünbaum, A. [1977a]: “How Scientific is Psychoanalysis?” in R. Stern/L. S. Horowitz/J. ~~Lynes # eds. ~~[1977], # Science and Psychotherapy. # New York: Haven Publishing Corp., 219-54. # Grünbaum, A. [1977b]: “Is Psychoanalysis a Pseudo-science?” # Zeitschrift für ~~philosophische Forschung # 31 ~~, ~~333-53. # Grünbaum, A. [1979]: “Is Freudian Psychoanalytic Theory Pseudo-Scientific by Karl Popper’s Criterion of Demarcation?” # American Philosophical Quarterly # 16 ~~, ~~131-41. # Grünbaum, A. [1985]: # The ~~Foundations of Psychoanalysis-A Philosophical ~~Critique. # Berkeley: University of California Press. # Habermas, J. [1968]: # Erkenntnis ~~und Interesse. # Frankfurt a./M.: Suhrkamp ~~[English translation: # Knowledge and ~~Human Interests. # London: Heinemann, ~~1972]. # Habermas, J. ms335 [1970]: # Zur Logik ~~der Sozialwissenschaften. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp [English translation: # On the ~~Logic of the Social Sciences. # Cambridge, MA: MIT Press, 1988]. # Habermas, J. [1976]: # Zur ~~Rekonstruktion des historischen Materialismus. # Frankfurt a./M.: Suhrkamp. # Habermas, J. [1980]: “Rekonstruktive # versus # verstehende ~~Sozialwissenschaften,” in J. Habermas, # Moralbewußtsein ~~und kommunikatives Handeln. # Frankfurt ~~a./M.: Suhrkamp 1983, 29-51. # Habermas, J. [1981]: # Theorie ~~des kommunikativen Handelns. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp [English translation: # The ~~Theory of Communicative Action. Vol. 1: Reason and the ~~Rationalization of Society. # Boston: Beacon Press, ~~1984). # Habermas, J. [1983]: # Die Neue ~~Unübersichtlichkeit. # Frankfurt a./M.: ~~Suhrkamp. # Habermas, J. [1988]: # Nachmetaphysisches Denken. # Frankfurt a./M.: Suhrkamp ~~[English translation: Postmetaphysical ~~Thinking. # Oxford Polity Press, ~~1992). # Haeckel, E. [1929]: # The Riddle ~~of the Universe. # London: Watts & Co. ~~[Translation of # Die Welträtsel ~~, ~~1899]. # Hayek, F. A. [1955]: # The ~~Counter-Revolution of Science. # New York: The Free Press. # Hollis, M. [1994]: # The Philosophy of Social Science. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Jonas, F. [1968-9]: # Geschichte ~~der Soziologie. # 4 vols. Hamburg: ~~Rowohlt. # Kant, I. [1784]: “Was ist Aufklärung?” # Berlinische Monatsschrift ~~(Dezember ~~1784), 481-94 [English translation: “What is the Enlightenment?” in ~~Immanuel Kant, Political ~~Writings. # Cambridge: Cambridge University Press, ~~1991]. # Kaufmann, W. [ # 4 # 1974]: # Nietzsche: Philosopher, Psychologist, Antichrist. Princeton, NJ: Princeton University Press. # Kincaid, H. [1994]: “Defending Laws in the Social ~~Sciences,” in M. Martin/L. C. McIntyre [1994], 111-30. # Kitcher, Ph. [1985]: # Vaulting ~~Ambition: Sociobiology and the Quest for Human ~~Nature. # Cambridge, MA: MIT Press. # Levison, A. B. [1974]: # Knowledge and Society. # New York: Pegasus. # Little, D. [1991]: # Varieties of ~~Social Explanation. # Boulder, CO: Westview Press. # Mackie, J. L. [1980]: # The ~~Cement of the Universe. # Oxford: Clarendon Press. # Mann, Th. [1936]: “Freud und die Zukunft,” in S. Freud, # Abriß der Psychoanalyse/Das Unbehagen in ~~der Kultur ~~. Frankfurt a./M.: Fischer 1970, ~~131-51. # Martin, M./L. C. McIntyre # eds. ~~[1994]: # Readings in the Philosophy of Social Science. # Cambridge, MA: MIT Press. # McIntyre, L. C. [1994]: “Complexity and Social ~~Scientific Law,” in M. Martin/L. C. McIntyre [1994], 131-43 # Merton, R. K. [1968]: # Social ~~Theory and Social Structure. # New York: The Free Press. ms336 # Meyer, C. # et al. ~~[2005]: # Le Livre Noir de la Psychanalyse. Paris: Les ~~Arènes. # Milgram, S. [1974]: # Obedience ~~to Authority. # New York: Harper ~~Torchbooks. # Mommsen, W. [1974]: # Max Weber: ~~Gesellschaft, Politik und Geschichte. # Frankfurt ~~a./M.: Suhrkamp. # Motley, M. T. [1985]: “Slips of the Tongue,” # Scientific American # 253 ~~(September), ~~114-8. # Nagel, E. [1961]: # The Structure ~~of Science. # London: Routledge & Kegan Paul. # Nietzsche, F. [1888]: “Ecce Homo,” in # The Complete Works of F. Nietzsche. # O. ~~Levy # ed. # Vol. 17. New York: Russell & Russell ~~[1964]. # Nietzsche, F. [1886]: “Beyond Good and Evil,” in # The Complete Works of F. ~~Nietzsche. # O. Levy # ed ~~. Vol. 12. ~~New York: Russell & Russell [1964]. Papineau, D. [1979]: # For ~~Science in the Social Sciences. # New York: St. ~~Martin’s Press. Parkin, M./D. King [1992]: # Economics. # Reading, MA: ~~Addison-Wesley. Pais, A. [1982]: # Subtle is the ~~Lord. # Oxford: Oxford University Press. Phares, E. J. [1984/ # 2 # 1988]: # Introduction to Personality. # New York: ~~HarperCollins. Pinker, S. [2004]: “Why Nature and Nurture Won’t Go ~~Away,” # Dædalus ~~(Fall), ~~1-13. Popper, K. [1957]: # The Poverty ~~of Historicism. # London: Routledge & Kegan Paul. Popper, K. [ # 3 # 1971]: “Die Logik der ~~Sozialwissenschaften,” in Th. W. Adorno et al., # Der Positivismusstreit in der deutschen ~~Soziologie. # Neuwied/Berlin: Luchterhand 1971, 103-23 ~~[English translation: # The Positivist Dispute ~~in German Sociology. # London: Heinemann, 1976, 87-104]. # Ratcliffe, M. [2005]: “An Epistemological Problem for ~~Evolutionary Psychology,” # International Studies in the Philosophy of Science # 19 ~~, ~~47-63. # Ridley, M. [2003]: # Nature via ~~Nurture. # London: Fourth Estate. # Rillaer, J. van [2005a]: “La mythologie de la thérapie ~~en profondeur,” in C. Meyer [2005], 216-33. # Rillaer, J. van [2005b]: “Psychanalyse populaire et ~~psychanalyse pour initiés,” in C. Meyer [2005], 235-41. # Rillaer, J. van [2005c]: “Les mécanismes de défense de ~~la psychanalyse,” in C. Meyer [2005], 414-41. # Rose, H./S. Rose # eds. ~~[2001]: # Alas, Poor Darwin: ~~Arguments Against Evolutionary Psychology. # London: ~~Vintage. # Rosenberg, A. [ # 2 # 1995]: Philosophy of Social Science. # Boulder, CO: Westview Press. # Rosenberg, A. [2004]: “Lessons from Biology for Philosophy of the Human Sciences,” Philosophy of the Social ~~Sciences # 35 ms337 ~~, 3-19. # Ruse, M. [1979]: # Sociobiology: ~~Sense or Nonsense? # Dordrecht: ~~Reidel. # Ruben, D. H. [1985]: # The ~~Metaphysics of the Social World. # London: Routledge ~~& Kegan Paul. # Ryan, A. [1970]: # The Philosophy ~~of the Social Sciences. # London: ~~Macmillan. # Sahlins, M. [1976]: # The Use and ~~Abuse of Biology. An Anthropological Critique of ~~Sociobiology. # Ann Arbor, MI: University of Michigan Press. # Salmon, M. H. [2003]: “Causal Explanations of ~~Behaviour,” Philosophy of Science # 70 ~~, 720-38. # Sayer, A. [2000]: # Realism and ~~Social Science. # London: Sage. # Searle, J. [2004]: # Mind. # Oxford: Oxford University Press. # Sherif, M. [1936]: # The Psychology of Social Norms. # New York: Harper ~~Torchbook, 1966 # Shils, E. A./H. A. Finch # eds ~~. [1949]: # The Methodology ~~of the Social Sciences: Max ~~Weber. # Glencoe, IL: The Free Press. # Smith, M. J. [1998]: # Social ~~Science in Question. # London: ~~Sage. # Solms, M. [2004]: “Freud Returns,” # Scientific American ~~(May), ~~56-63. # Sterelny, K. [1988]: “Critical Notice. Kitcher, Philip, # Vaulting Ambition # 1985,” # Australasian Journal of Philosophy # 66 ~~, 538-55. # Stevenson, L./D. L. Haberman [ # 4 # 2004]: # Ten Theories of Human Nature. # New York: ~~Oxford University Press. # Sulloway, F. J. [1979]: # Freud, ~~Biologist of the Mind. # Cambridge, MA: Harvard ~~University Press 1992. # Sulloway, F. J. [1991]: “Reassessing Freud’s Case ~~Histories: The Social Construction of Psychoanalysis,” # Isis # 82 ~~, 245-75. # Sulloway, F. [2005a]: “Freud recycleur: cryptobiologie ~~et pseudoscience,” in C. Meyer [2005], 49-66. # Sulloway, F. [2005b]: “Qui a peur de l’homme aux ~~loups?” in C. Meyer [2005], 81-6. # Sulloway, F. [2005c]: “L’Homme aux rats comme vitrine ~~de la psychanalyse,” in C. Meyer [2005], 95-100. # Tawney, R. H. [1922/1990]: # Religion and the Rise of Science. # London: Penguin. # Thomas, D. [1979]: # Naturalism ~~and Social Science. # Cambridge: Cambridge University Press. # Tooby, J./L. Cosmides [1995]: “The Psychological ~~Foundations of Culture,” in # The Adapted ~~Mind. # J. H. Barkow/L. Cosmides/J. Tooby # eds ~~. Oxford: Oxford University Press ~~1995, 19-136. # Weber, M. [1904]: “Die 'Objektivitat’ ~~sozialwissentschaftlicher Erkenntnis,” in M. ~~Weber [1973], 186-262 [English translation: “Objectivity in ~~Social Science,” reprinted in E. A. Shils/H. A. Finch, 1949, ~~50-112]. # Weber, M. [1904-5]: # Die ~~protestantische Ethik ms338 und der Geist des Kapitalismus ~~[English translation: # The Protestant ~~Ethics and the Spirit of Capitalism. # London: Unwin ~~University Books, 1930]. # Weber, M. [1905]: “Objective Possibility and Adequate ~~Causation in Historical Explanation,” reprinted in E. A. Shils/H. A. Finch, 1949, ~~164-88. # Weber, M. [1913]: “Über einige Kategorien der ~~verstehenden Soziologie,” in M. Weber [1973], 97-150. # Weber, M. [1914]: “Der Sinn der 'Wertfreiheit’ in den ~~Sozialwissenschaften,” in M. Weber [1973], 263-310 [English translation: “The Meaning of ~~Ethical Neutrality,” reprinted in E. A. Shils/H. A. Finch, 1949, ~~1-49]. # Weber, M. [1915]: “The Social Psychology of World ~~Religions,” reprinted in # From Max Weber: ~~Essays in Sociology. # H. H. Gerth/C. Wright # eds ~~. London: Routledge & ~~Kegan Paul, 1948, 267-301. # Weber, M. [1968]: # Economy and ~~Society. # New York: Bedminster Press [English ~~translation of # Wirtschaft und ~~Gesellschaft ~~. Tübingen, Germany: J. C. B. Mohr, # 5 # 1972]. # Weber, M. [ # 5 # 1973]: # Soziologie, ~~Universalgeschichtliche Analysen, Politik. # J. ~~Winckelmann # ed ~~. Stuttgart: Körner. # Weber, M. [1978]: # Selections in ~~Translation. # W. G. Runciman # ed ~~. Cambridge: Cambridge University Press. # Webster, R. [1996]: # Why Freud ~~was Wrong. # London: Fontana Press. # Weinert, F. [1993]: “Laws of Nature: A Structural ~~Approach,” Philosophia Naturalis # 30/2 ~~, 147-71. # Weinert, F. [1995]: “Laws of Nature-Laws of Science,” ~~in F. Weinert # ed. ~~[1995], # Laws of Nature. # Berlin: ~~Walter de Gruyter, 3-64. # Weinert, F. [1996]: “Weber’s Ideal Types as Models in ~~the Social Sciences,” in A. O’Hear # ed. ~~[1996], # Verstehen and Humane ~~Understanding. # Royal Institute of Philosophy. Supplement: 41. Cambridge: Cambridge University Press, ~~73-93. # Weinert, F. [1997]: “On the Status of Social Laws,” # Dialectica # 51 ~~, ~~225-42. # Weinert, F. [1999]: “Habermas, Science and Modernity,” ~~in A. O’Hear # ed. ~~[1999], # German Philosophy Since Kant. # Royal Institute of Philosophy Supplement: 44. Cambridge: Cambridge ~~University Press, 329-55. # Weinert, F. [2004]: # The ~~Scientist as Philosopher: Philosophical Consequences of Great ~~Scientific Discoveries. # New York: ~~Springer. # Wilson, E. O. [1978]: # On Human ~~Nature. # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Wilson, E. O. [1980]: # Sociobiology. # The Abridged ~~Edition. # Cambridge, MA: The Belknap Press. # Winch, P. [1958]: # The Idea of a ~~Social Science ms339 and its Relation to Philosophy ~~. ~~London: Routledge & Kegan Paul. # Winch, P. [1964]: “Understanding a Primitive Society,” # American Philosophical Quarterly # I ~~, 307-24, reprinted in # Rationality. # B. R. Wilson # ed ~~. London: Blackwell 1979, ~~78-111. # Wittgenstein, L. [1980]: # Vermischte Bemerkungen/Culture and Value. # Oxford: ~~Blackwell. # Woodward, J. [2003]: # Making ~~Things Happen. # Oxford: Oxford University Press. # Wright, G. H. von [1971]: # Explanation and Understanding. # Ithaca, NY: Cornell ~~University Press. # | الملاحظات # الفصل الأول: نيكولاس كوبرنيكوس: فقدان المركزية # الفصل الثاني: تشارلز داروين: فقدان التصميم الرشيد # الفصل الثالث: سيجموند فرويد: فقدان الشفافية ms340