######OpenITI# #META# URI: 1450AhmadShakl.FalsafaQariyyaMuqaddimaQasira.Hindawi80253836 #META# Tags: philosophy #META# ID: 80253836 #META# Title: الفلسفة القارية: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 84804174 #META# Author: سايمون كريتشلي #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 85031404 #META# Translator: أحمد شكل #META# Related_books: 1450SimonCritchley.ContinentalPhilosophyShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - الفجوة بين المعرفة والحكمة‏ # 2 - أصول الفلسفة القارية: من كانط إلى المثالية الألمانية‏ # 3 - النظارات والعيون: ثقافتان في الفلسفة‏ # 4 - هل تستطيع الفلسفة تغيير العالم؟ النقد والممارسة والتحرر‏ # 5 - ما الذي يجب عمله؟ كيفية التعامل مع العدمية‏ # 6 - دراسة حالة في سوء الفهم: هايدجر وكارناب‏ # 7 - العلموية في مقابل الظلامية: تجنب المأزق التقليدي في الفلسفة‏ # 8 - تجرأ على التفكير بنفسك: استنفاد النظرية ووعد الفلسفة‏ # ملحق‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # مقدمة‏ # 1 - الفجوة بين المعرفة والحكمة‏ # 2 - أصول الفلسفة القارية: من كانط إلى المثالية الألمانية‏ # 3 - النظارات والعيون: ثقافتان في الفلسفة‏ # 4 - هل تستطيع الفلسفة تغيير العالم؟ النقد والممارسة والتحرر‏ # 5 - ما الذي يجب عمله؟ كيفية التعامل مع العدمية‏ # 6 - دراسة حالة في سوء الفهم: هايدجر وكارناب‏ # 7 - العلموية في مقابل الظلامية: تجنب المأزق التقليدي في الفلسفة‏ # 8 - تجرأ على التفكير بنفسك: استنفاد النظرية ووعد الفلسفة‏ # ملحق‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الفلسفة القارية # | الفلسفة القارية # | مقدمة قصيرة ~~جدا # تأليف # سايمون كريتشلي # ترجمة # أحمد شكل # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | مقدمة # كانت الفلسفة الأكاديمية في إنجلترا لبعض الوقت مقصورة إلى حد كبير على المنطق ~~ونظرية المعرفة، ويوجد اتجاه لقصر الفلسفة على هذا الفهم واعتبار ارتباطها التقليدي ~~بالنظم الأخلاقية والفكرية العامة خطأ. كانت هذه عادة طاغية ولكنها كانت محلية ~~للغاية. # ريموند ويليامز، «كلمات أساسية» # في الخامس من أكتوبر عام 1999، عندما ضغط على مارجريت تاتشر لتعبر عن رأيها حيال ~~إمكانية إنشاء اتحاد أوروبي، قالت: «أتت جميع المشاكل التي صادفتها في حياتي من أوروبا ~~القارية، وجاءت كل الحلول من العالم الناطق بالإنجليزية.» وعلى الرغم من البهتان الواضح في ~~هذا التصريح، فإنه يعبر عن حقيقة عميقة؛ وهي أنه بالنسبة إلى كثير من سكان دول العالم ~~الناطق بالإنجليزية - وفي الواقع، بالنسبة إلى بعض الذين يعيشون خارجه - يوجد اختلاف حقيقي ~~بين عالمهم ومجتمعات أوروبا القارية ولغاتها ونظمها السياسية وتقاليدها وجغرافيتها. تتحدد ~~السياسة البريطانية خصوصا - ولكن ليس بصفة حصرية بأي نحو فيما يتعلق بتيار اليمين ~~السياسي ms001 - في سياق التمييز بين «المحبين» و«الكارهين» لأوروبا القارية؛ وهذا يعني أنه يوجد ~~اختلاف ثقافي - يراه البعض انقساما، وربما حتى فجوة كبيرة - بين أوروبا القارية وكل ما ~~يعارضها؛ ما أطلقت عليه البارونة تاتشر، بنبرة تذكرنا على نحو متعمد بونستون تشرشل، ~~«العالم الناطق بالإنجليزية». وتعد الفلسفة القارية تعبيرا عن هذا الاختلاف الثقافي. ~~ويسعى هذا الكتاب القصير إلى تفسير سبب حدوث ذلك، وسبب أهمية هذه الحقيقة، وما قد يترتب ~~عليها حيال النشاط الفلسفي في الحاضر والمستقبل. # تعد مسألة ما إذا كانت الفلسفة القارية أحد فروع الفلسفة مكتملة الأركان أم لا مسألة ~~خلافية، وإذا رأى المرء أنها كذلك، فإن من مواضع الخلاف أيضا ما إذا كان مصطلح «الفلسفة ~~القارية» يصف هذا الفرع على أفضل نحو أم لا (بدلا - مثلا - من مصطلح «الفلسفة الأوروبية ~~الحديثة»، الذي كثيرا ما يستخدم كبديل). دعنا نقل فقط إن الفلسفة القارية مفهوم مثير ~~للجدل. وبوضع هذا في الاعتبار، فإن لهذا الكتاب ثلاثة أهداف؛ وهي: ~~(1) # إظهار السبب في كون الفلسفة القارية مجالا خلافيا من خلال إلقاء نظرة على ~~تاريخ ومعنى هذا المصطلح وكيفية تمييزه وتوضيحه من خلال ما يزعم أنه يعارضه، ~~وهو الفلسفة التحليلية أو الأنجلو أمريكية. ~~(2) # إظهار كيف أن مفهوم الفلسفة القارية يمكن أن يعرف، في الواقع، بوضوح ~~ويتضمن مجموعة مميزة من التقاليد والممارسات الفلسفية التي تتناول مجموعة جذابة ~~من المسائل التي عادة ما يتجاهلها أو يرفضها التقليد الأنجلو أمريكي. ~~(3) # إظهار كيف يمكننا في المستقبل - على الرغم من هذا - التحدث عن الفلسفة ~~بعيدا عن مثل هذه الخلافات الأكاديمية حول ما هو قاري أو تحليلي. # أبدأ باتخاذ مسار مختلف قليلا وتوضيح مشكلة أكبر تواجه الفلسفة المعاصرة؛ وهي: ~~العلاقة بين الحكمة والمعرفة؛ إذ توجد فجوة في جانب كبير من الفلسفة بين المسائل النظرية ~~الخاصة بكيفية معرفة المرء ما يعرفه، والمسائل الأكثر واقعية أو وجودية حيال ما قد يعنيه ~~عيش حياة بشرية جيدة أو مرضية. لقد تخلى جانب كبير من الفلسفة عن مهمة محاولة دمج المعرفة ~~والحكمة في رؤية شاملة واحدة. وسوف أحاول ms002 أن أبين كم الجاذبية الذي يكمن في الفلسفة ~~القارية بسبب محاولتها سد أو تقليص هذه الفجوة بين المعرفة والحكمة (أو النظرية والتطبيق)؛ ~~ومن ثم الإبقاء على بعض من صدى التعريف القديم للفلسفة بأنها حب الحكمة. ولكن، كما سنرى، ~~فإنه في هذا العالم الذي يتشكل على نحو متزايد اعتمادا على عمليات العلوم الطبيعية، هذه ~~الرؤية لا تخلو من مشاكل خاصة بها. # يمكن تقسيم الفصول التالية في ضوء تمييز فلسفي كلاسيكي آخر: التاريخي والمنهجي. يقدم ~~الفصل الثاني طرقا تاريخية مختلفة للتمييز بين الفلسفة القارية والتحليلية، فأرجع بدايات ~~الفلسفة القارية إلى استقبال أعمال إيمانويل كانط في أواخر القرن الثامن عشر، الذي يعد في ~~نواح كثيرة الشخصية العظيمة الأخيرة المشتركة لدى التقليدين: القاري والتحليلي، وهو ~~أيضا الذي أعلن بدء انفصال هذين المنهجين أحدهما عن الآخر، وسوف أتناول السبب في هذه ~~الحالة من خلال مقارنة المنهجين مع منهج كانط. كما سأتناول أيضا ببعض التفصيل الجدل الذي ~~نتج عن أعمال كانط في ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن عشر، وبعد ذلك سأوضح كيف أن هذا ~~الجدل حدد القضية الرئيسية للمثالية الألمانية لدى جيه جي فيشته وجي دابليو إف هيجل. ~~وهذه القضية على نحو بسيط هي: هل يقوض نقد كانط للعقل في نهاية المطاف، على النقيض تماما ~~من نيته المعلنة، أساس المعتقدات الأخلاقية والدينية؟ بعبارة أخرى، ألا يؤدي نقد العقل، ~~الذي لا بد أن يكون نقدا لكل المعتقدات، إلى كابوس الشك التام والعدمية؟ سوف نتتبع الآثار ~~الكبيرة لهذا الأمر في الفلسفة القارية في القرنين التاسع عشر والعشرين. # يبدأ الفصل الثالث بتناول بعض مشاكل التمييز بين الفلسفة القارية والتحليلية، قبل تناول ~~بعض التمثيلات النمطية إلى حد ما - والمثيرة للاهتمام حقا - لذلك في الأدبيات الفلسفية. ~~وبعد ذلك أناقش معنيين للفلسفة القارية؛ الأول: باعتبارها وصفا ذاتيا أكاديميا ~~يستخدمه الفلاسفة، والثاني: باعتبارها سمة ثقافية ذات تاريخ معين يستخدمها عدد أكبر من ~~الأشخاص، من بينهم مارجريت تاتشر. وأرى أن معظم العداء وسوء الفهم فيما يتعلق بالفلسفة ~~القارية من قبل الفلاسفة التحليليين يكمن في حقيقة ms003 أن هذين المعنيين يتم الخلط بينهما على ~~نحو غير مفيد، وأن الوصف الذاتي الأكاديمي يخفي السمة الثقافية بطرق ضارة في أغلب الأحيان. ~~وبعد ذلك ألقي نظرة على التاريخ والسياق الثقافي للفلسفة القارية في العالم الناطق ~~بالإنجليزية، مقدما الأطروحة القائلة بأن الصراع بين التقليدين القاري والتحليلي يفهم ~~على نحو أفضل في سياق نموذج سي بي سنو الشهير الخاص ب «الثقافتين»؛ بمعنى أن الحياة ~~الثقافية في العالم الناطق بالإنجليزية تتسم بانقسام بين العلم من جانب، والأدب أو الفهم ~~الإنساني على الجانب الآخر. بعبارة أخرى، الفلسفة القارية ليست شيئا أجنبيا يحدث «هناك»، ~~بل هي تعبير عن عداء في جوهر شيء مثل «الإنجليزية». أركز على المثال التاريخي المفيد لجون ~~ستيوارت مل في هذا الصدد وتأملاته الرئيسية حول الانقسام الثقافي الإنجليزي بين طرق ~~التفكير التجريبية والتأملية، الذي يصل مداه في الصراع بين رومانسية صامويل تيلور كولريدج ~~ونفعية جيرمي بنثام. وأتطرق في الختام إلى تعبيرات أخرى أكثر حداثة عن الصراع بين هاتين ~~الثقافتين. # وأحاول في الفصل الرابع أن أبين ما هو مميز وجذاب في الفلسفة القارية على نحو منهجي ~~أكثر؛ فبعد تقديم بعض الملاحظات حول كيف أن المرء يمكن أن يفسر اختلاف الممارسة بين ~~الفلاسفة، أركز على مفهومي التقليد والتاريخ وإيضاح كيفية فهم هذين المصطلحين على نحو ~~مثير للاهتمام لدى اثنين من الفلاسفة هما إدموند هوسرل ومارتن هايدجر. وأقترح نموذجا لوصف ~~الممارسة الفلسفية في التقليد القاري، والذي يتمحور حول ثلاثة مصطلحات رئيسية؛ هي: «النقد» ~~و«الممارسة» و«التحرر». يهدف هذا إلى إيضاح كيفية اهتمام جانب كبير من الفلسفة القارية ~~بتقديم نقد للممارسات الاجتماعية للعالم المعاصر والسبب في ذلك؛ وهو النقد الذي يطمح لتحقيق ~~هدف التحرر الفردي والمجتمعي. # بعد ذلك أعود إلى المفهوم الأساسي المتمثل في العدمية - أي انهيار أو انخفاض قيمة القيم ~~السامية، مثل الإيمان بوجود إله أو خلود الروح - والذي تجد التفصيل المحدد له في أعمال ~~فريدريك نيتشه، وأتناول السياق الروسي المثير للاهتمام لفهم نيتشه للعدمية. أحاول بعد ذلك ~~إيضاح كيف يمكن لدراسة الأمراض الثقافية والفكرية التي ms004 أدت إلى تشخيص نيتشه للعدمية أن ~~تتشعب بعده إلى حداثة رجعية وتقدمية، وكيف أن هذا يقود إلى الفهم المحدد للعلاقة بين ~~الفلسفة والمجالات غير الفلسفية في التقليد القاري. # يتناول الفصل السادس دراسة حالة معينة. إذا كان هناك صراع واحد يجسد جوانب الخلاف بين ~~الفلسفة القارية والتحليلية، فإنه ذلك الذي حدث في الفترة من أوائل ثلاثينيات القرن العشرين ~~وما بعدها بين هايدجر ورودولف كارناب. وهذا الصراع هو أساسا صراع بين التصور العلمي ~~للعالم الذي قدمه كارناب وحلقة فيينا، والتجربة الوجودية أو «التأويلية» للعالم عند ~~هايدجر. ويمكن إرجاع الكثير من جوانب الخلاف الحديثة بين فلاسفة التقليدين التحليلي ~~والقاري إلى المواجهة اللافتة للنظر بين هايدجر وكارناب؛ لذا فإن الأمر يستحق النظر في ~~الأخطاء التي حدثت بالضبط. # في الفصل السابع، قمت بتوسيع مناقشة العلاقة بين التصورين العلمي والتأويلي للعالم عن ~~طريق تناول مسألة «العلموية» في مقابل «الظلامية». إن حقيقة أن جانبا كبيرا من الفلسفة ~~في التقليد القاري يمكن أن يقال إنه استجابة للشعور بالأزمة في العالم الحديث، ومحاولة ~~لإنتاج وعي نقدي للحاضر بتوجه تحرري؛ تساعد إلى حد كبير في تحديد الفارق الأكثر بروزا ~~وإثارة الذي يميزه عن جانب كبير من الفلسفة التحليلية؛ ألا وهو «مناهضة العلموية». يكمن ~~نقد التقليد القاري للعلموية في الاعتقاد بأن نموذج العلوم الطبيعية لا يمكن - وعلاوة على ~~ذلك، لا «ينبغي» - أن يقدم نموذجا للمنهج الفلسفي، وأن العلوم الطبيعية لا توفر للبشر ~~السبيل الأساسي والأكثر أهمية لفهم العالم. يجد المرء هذا الاعتقاد معلنا عنه لدى مجموعة ~~كبيرة من مفكري الفلسفة القارية، مثل هنري برجسون وهوسرل وهايدجر والفلاسفة المرتبطين ~~بمدرسة فرانكفورت منذ ثلاثينيات القرن العشرين وما بعدها. هذا القلق حيال العلموية مشروع، ~~ولكنه أيضا تعرض في العقود الأخيرة لخطر الانصهار في توجه مناهض للعلموية، هذا الخطر هو ~~خطر «الظلامية». ومن وجهة نظري، القطبان اللذان يجب تجنبهما في الفلسفة هما العلموية ~~والظلامية، ويعكسان ميولا ضارة داخل كل من الفلسفة التحليلية والقارية، وذلك كما أوضح ~~الصراع بين كارناب وهايدجر على نحو بليغ. وأقترح كبديل ms005 لطرفي النقيض هذين «سبيلا ثالثا» ~~بينهما. # وأختتم الكتاب ببعض التأملات حول ما أرى أنه وعد الفلسفة. التقسيمات الحالية في دراسة ~~الفلسفة ناتجة عن وصف ذاتي أكاديمي معين غير مناسب ومذهبي (هل أنت فيلسوف متبع للتقليد ~~التحليلي، أم التقليد ما بعد التحليلي، أم التقليد القاري، أم التقليد الأوروبي الحديث؟) ~~إلى حد كبير، تعد الفلسفة التحليلية والقارية وصفين ذاتيين مذهبيين ناتجين عن إضفاء ~~الطابع الأكاديمي على المجال؛ الأمر الذي في رأيي أدى إلى إضعاف الوظيفة النقدية للفلسفة ~~والتهميش التدريجي لها في حياة الثقافة. ورأيي هو أن الفلسفة يجب أن تكون تعبيرا حيويا ~~عن تلك الحياة. # ثمة ملحوظتان وكلمة شكر قبل أن نبدأ. كان هدفي تقليل الإشارات المرجعية لأقصى حد من أجل ~~التركيز على نقل الأفكار الرئيسية بأكبر قدر ممكن من البساطة؛ وهذا يعني أنني في كثير من ~~المواضع أقتبس أو أستعير حجج وأفكار فلاسفة آخرين، بل وأحيانا بعضا من أفكاري التي ~~نشرتها من قبل. أرى أنه لا ضير في ذلك؛ إذ إن هذا الكتاب موجه للقارئ غير المتخصص المحب ~~للاطلاع. وخصصت قسمي «المراجع» و«قراءات إضافية» في نهاية الكتاب لعرض المصادر التي ~~اعتمدت عليها في تأليف الكتاب وتقديم بعض الاقتراحات بشأن الكتب التي يمكن للقراء الرجوع ~~إليها لمعرفة المزيد عن الموضوعات المعروضة في هذا الكتاب. # لن تجد في هذا الكتاب استعراضا أو ملخصا لجميع المفكرين والتقاليد والحركات الفلسفية ~~التي تشكل ما نعتقد أنه الفلسفة القارية؛ من ثم توجد فجوات كبيرة في تغطيتي لهذا ~~الموضوع. إن مثل هذه الكتب الملخصة متوفرة بالفعل، وبعضها جيد للغاية، ولكن لم يكن في ~~نيتي أن أضيف واحدا إلى قائمتها. بدلا من ذلك، هذا الكتاب عبارة عن تأمل مدعم بالأدلة ~~لطبيعة الفلسفة في التقليد القاري، والأسلوب المستخدم فيه يشبه الأسلوب المستخدم في كتابة ~~مقال، لا كتاب. بعبارة أخرى، ما يلي يمثل وجهة نظر ذاتية للأمور. # كتبت المسودة الأولى لهذا الكتاب بين مارس ومايو من عام 2000، عندما شرفت بالعمل ~~كمحاضر زائر في الفلسفة في جامعة سيدني، ويعتمد النص النهائي للكتاب ms006 على الملاحظات التي ~~كتبتها عن محاضراتي هناك. أذكر هذا بسبب الصدفة التالية : في اليوم الذي وصلت فيه إلى سيدني ~~- 1 مارس 2000 - أعيد دمج قسمي الفلسفة «العامة» والفلسفة «التقليدية والحديثة» في جامعة ~~سيدني في قسم واحد للفلسفة بعد 27 عاما من الانفصال. والآن، على الرغم من أن هذا الانفصال ~~- الذي لم يكن يخلو من الحدة كما يبدو؛ الحدة التي لا بد من القول إنها لم تختف دون ترك ~~أثر - ترجع أصوله إلى الخلافات السياسية التي نجمت أساسا عن مشاركة أستراليا في حرب فيتنام ~~في أوائل سبعينيات القرن العشرين، فإنه كان ناتجا أيضا عن خلافات فكرية، أهمها العلاقة ~~بين الفلسفة والسياسة، وخاصة الماركسية والنسوية. وعلى الرغم من أنه ليس من الدقة القول بأن ~~فصل القسمين كان مبررا في سياق التقسيم التحليلي-القاري، فإن هذا الأخير كسا بالتأكيد ~~هذا الفصل بجميع أنواع الطرق السيئة بنحو أو بآخر. وأود أن أشكر أصدقائي وزملائي، وبالطبع ~~طلابي في جامعة سيدني لمساعدتي على إعادة النظر في هذا التقسيم. وأخيرا، لم يكن هذا الكتاب ~~فكرتي، ولكن كان فكرة محررتي الرائعة في مطبعة جامعة أكسفورد: شيلي كوكس. أود أن أشكرها على ~~امتلاكها لمثل هذه الأفكار الرائعة. # الفصل الأول # | الفجوة بين المعرفة والحكمة # الفلسفة هي حب الحكمة؛ فإذا كنت تعتقد أنك تحب الحكمة، فإن الفلسفة هي المجال الذي ~~يفترض أن تدرسه. ولكن ما هي الحكمة التي تعلمنا إياها الفلسفة؟ بالنسبة إلى سقراط، ~~وتقريبا كل الفلاسفة القدماء الذين جاءوا من بعده، الحكمة التي تعلمنا إياها الفلسفة تتعلق ~~بما قد يعني عيش حياة بشرية طيبة. وكان بديهيا في معظم الأفكار الفلسفية القديمة أن ~~الحياة البشرية الطيبة تكون أيضا حياة سعيدة. وفي إطار هذا التصور - الذي يوجد تعبير ~~واضح عنه لدى أرسطو، ولكنه يكون مفترضا من قبل المدارس الهلينستية اللاحقة مثل المدرسة ~~الرواقية - فإن الفلسفة تسمح بتحقيق أعلى درجة من السعادة، وهي حياة التأمل الزاهد؛ ومن ~~ثم فإن الفلسفة هي الحياة التأملية، الحياة التي توضع قيد الاختبار والفحص، ويصير ~~الافتراض أن الحياة غير ms007 المختبرة لا تستحق أن تعاش. فينبغي أن تشكل الفلسفة البشر، لا أن ~~تعلمهم وتوجههم فحسب. # ولكن يجب ألا ننسى أنه على الرغم من أن الحياة غير المختبرة لا تستحق العيش، فإن الحياة ~~التي لا تعاش لا تستحق التأمل، والفلسفة عند القدماء لم تنفصل عن التقلبات الفعلية التي ~~تحدث في الحياة الاجتماعية اليومية. بل إن الفلسفة باعتبارها ممارسة تأملية لفحص ما يعتقد ~~أنه حقيقة باسم الحقيقة هي شيء كان يحدث فيما سماه الإغريق «الدولة»؛ أي المجال العام ~~للحياة السياسية. فكانت الفلسفة نشاطا «عمليا» بارزا، يختلف على نحو ملحوظ عن الشكل ~~الاستقصائي النظري على نحو كبير الذي أصبحت عليه الفلسفة بداية من القرن السابع ~~عشر. # شكل 1-1: جياسينتو براندي (1621-1691)، «رمزية الفلسفة». # في التصور القديم، الحكمة التي تعلمنا الفلسفة حبها هي السعي لتحقيق حياة طيبة، ~~حياة تفكير وتأمل، ستكون بحكم تعريفها حياة سعيدة. والآن، وربما على نحو غريب، هذا هو ~~النموذج الذي يعتقد معظم الأشخاص خارج مجال الفلسفة - أي خارج مجال الدراسة الأكاديمية ~~للفلسفة - أن معظم الأشخاص داخل مجال الفلسفة يخضعون له، وهذا هو السبب في أنهم يفترضون على ~~نحو طبيعي تماما أن المسألة الرئيسية في الفلسفة يجب أن تكون معنى الحياة. وبوضع هذه ~~الفكرة في الاعتبار، تخيل المشهد التالي: تلتقي فيلسوفة أكاديمية شخصا غريبا في حفلة ~~ويسألها: «ما عملك؟» تجيب بأنها فيلسوفة، ويتجرأ الغريب للحظة، ولافتقاده لأي شيء يقوله ~~غير ذلك يسأل: «ما معنى الحياة إذن؟» عند هذه المرحلة، يحدث بعض الضحك العصبي مع محاولة ~~قلقة من جانب الفيلسوفة إما لتغيير الموضوع بأسرع وقت ممكن، وإما للشرح بابتسامة خجلة أن ~~الدراسة الأكاديمية للفلسفة لا تتعلق في الحقيقة بمثل هذه الأمور. والآن، وبقدر ما أجد هذا ~~الموقف محرجا اجتماعيا، أعتقد أن الشخص الغريب لديه ما يبرر افتراضه تماما. بعبارة ~~أخرى، إذا لم تعالج الفلسفة مسألة معنى الحياة - ليس بالضرورة أن تتوصل لكنهها، ولكن ~~على الأقل تدرسها - فإنه يمكن القول إن الفلاسفة لا يقومون بعملهم على نحو صحيح. # في رأيي، المشكلة هنا لا ms008 تتعلق بالأشخاص خارج مجال الفلسفة أكثر من تعلقها بالأشخاص ~~داخله؛ فلاسفتنا الأكاديميين. فبالنسبة إلى معظمنا، فكرة أن الفلسفة ربما تكون متعلقة ~~بمسألة معنى الحياة أو تحقيق حياة بشرية طيبة وسعيدة تعد إلى حد ما مزحة؛ مزحة سخيفة ~~بالتأكيد. فمثل هذه المسائل يدرسها مجال ما يسمى تجاوزا «علم النفس الشعبي». عموما، ~~الفلسفة الأكاديمية سلمت عن طيب خاطر هذا المجال إلى هذا المد الكبير المتواصل الزيادة من ~~الكتب التي تدور حول «العقل والجسد والروح»؛ تلك الرفوف من كتب العصر الجديد الزاهية ~~الألوان التي تقبع على نحو محرج بالقرب من أقسام كتب الفلسفة المتواصلة التقلص في المكتبات ~~الموجودة في الشوارع الرئيسية. لقد تخلت الفلسفة الأكاديمية إلى حد كبير عن هذه المعارك ~~واختارت التقاعد المبكر. # إذن، بماذا تعنى الفلسفة بالنسبة إلى معظم الفلاسفة الأكاديميين، إذا لم تكن معنية ~~بالحكمة؟ دعنا نقل إنها معنية ب «المعرفة». معرفة ماذا؟ في أوسع معانيها، يمكننا القول إن ~~الفلسفة تعنى بمعرفة طبيعة الأشياء. ويبرز هنا المقابل اللاتيني لكلمة معرفة، وهو ~~(علم) # scientia ~~. ومسألة المعرفة - معرفة طبيعة الأشياء ~~- مسألة علمية؛ فالعلوم - العلوم الطبيعية الحديثة - هي التي توفر لنا المعرفة الأفضل ~~والأكثر موثوقية لماهية الأشياء. لماذا؟ لأن العلوم الطبيعية يمكن أن تقدم أدلة تجريبية ~~على فرضياتها، فيمكن التأكد من صحة ادعاءاتها. فإذا قلت: «المسيح هو مخلص البشرية»، ولم ~~أقدم أي دليل تجريبي، فإن قبولي لهذا الادعاء من عدمه مسألة تخص الإيمان كليا؛ ولكن إذا ~~قلت إن مادة الماء تتكون في جميع الأوقات من جزأين من الهيدروجين وجزء من الأكسجين، فإنني ~~أستطيع إثبات ذلك من خلال تجربة أقوم بها. # وكما ندرك جميعا تماما، نحن نعيش في عالم علمي؛ عالم يتوقع منا فيه تقديم أدلة ~~تجريبية على ادعاءاتنا، وإلا فسترفض تلك الادعاءات على نحو مستحق؛ فالتصور العلمي للعالم، ~~والذي يعود تاريخه إلى العقود الأولى من القرن السابع عشر في إنجلترا وفرنسا، يهيمن على ~~الطريقة التي نرى بها الأشياء، وربما أهم من ذلك، أنه يهيمن على الطريقة التي «نتوقع» أن ~~نرى بها الأشياء؛ فنحن ms009 نتوقع أن نرى الأشياء إلى حد ما مثل المتفرجين في مسرح حيث يمكننا ~~فحصها نظريا؛ الكلمة الإغريقية التي تعني المتفرج في المسرح هي (نظرية) # theoros ~~. وتقدم الأشياء ككائنات ترد تجريبيا وعلى ~~نحو مباشر في شكل أحاسيس أو تمثيلات. ويمنحنا العلم معرفة بطبيعة هذه الأشياء، وبعد ذلك ~~تسمى هذه الأشياء «حقائق». # في عالم يسيطر عليه العلم، ما الدور الذي يسنده الفيلسوف الأكاديمي للفلسفة؟ يمكن الإجابة ~~عن هذا السؤال جزئيا بالإشارة إلى الكلمة الإغريقية التي تعني معرفة وهي # episteme ~~؛ فتصبح الفلسفة إبستمولوجي؛ أي نظرية المعرفة. ~~وهذا يعني أنها تهتم على نحو كبير بالمسائل المنطقية والمنهجية؛ مثل كيفية معرفتنا لما ~~نعرفه، وكيفية التأكد أن هذه المعرفة صحيحة. تصبح الفلسفة استقصاء نظريا حول الظروف التي ~~تكون فيها المعرفة العلمية ممكنة. وفي التصور العلمي للعالم، يتغير دور الفلسفة من كونها ~~ملكة العلوم - كما كانت بالنسبة إلى أفلاطون - حيث كانت المعرفة النظرية تتوحد مع الحكمة ~~العملية لتصبح بدلا من ذلك عاملا مساعدا للعلم - وفقا لرؤية جون لوك في بداية «مقال عن ~~الفهم الإنساني» في عام 1689 - تتمثل مهمته في إزالة المخلفات التي تعترض طريق المعرفة ~~والتقدم العلمي؛ فيصبح الفيلسوف عامل نظافة في صرح العلم العملاق. # إن مهنة عامل النظافة محترمة بما فيه الكفاية، ولكن ماذا عن مسألة الحكمة؟ المشكلة هنا هي ~~أن العلم مذهل؛ إذ إنه يقدم لنا وصفا أفضل وأكثر صدقا للطريقة التي تكون عليها الأشياء، ~~وهو ما يغرم الفلاسفة المعاصرون بتسميته «الأنطولوجيا الطبيعية». علاوة على ذلك، من خلال ~~عمل قرينة العلم - التكنولوجيا - تغيرت حياتنا وتحسنت إلى حد لا يمكن تصوره مقارنة بشخص ~~من العالم القديم، أو حتى مقارنة بأجدادنا. وبناء على ذلك، فالعلم ليس مذهلا فحسب، وإنما ~~فعال أيضا. ولكن على الرغم من هذا - أو ربما بسبب هذا - لا تزال مسألة الحكمة تزعجنا؛ ~~تزعجنا مثل زائدة دودية نعتقد أننا لم نعد بحاجة إليها. # والسؤال هو: هل التصور العلمي للعالم يجعلنا في غير حاجة إلى الوصول لكنه مسألة معنى ~~الحياة؟ هل يتطلب جسد المعرفة استئصال ms010 الزائدة الدودية المتمثلة في الحكمة؟ من وجهة نظر ~~متطرفة معينة، يتطلب الأمر ذلك، وربما يجادل بعض الفلاسفة بأن جميع المسائل يجب أن تكون ~~إما قابلة لتحديدها من خلال الاستقصاء التجريبي، وإما يتم رفضها باعتبارها غير صحيحة. على ~~هذا النحو، ربما يدعى أن مسألة معنى الحياة يمكن سبر غورها على نحو سببي أو تجريبي من ~~خلال نظرية التطور الداروينية. وفي هذا الإطار، يمكن تفسير الحياة على أساس بعض الفرضيات ~~السببية، مثل الانتقاء الطبيعي؛ أي إن الإدراك البشري ناتج عن نزعات تطورية، حتى إنه يوجد ~~فرع من فروع الفلسفة يسمى «نظرية المعرفة التطورية» الذي يحاول أولا تحويل جميع المسائل ~~الفلسفية إلى مسائل معرفية، ثم الادعاء بأن كل هذه المسائل يجب أن يكشف عنها بالرجوع ~~للنزعات التطورية. # إنني أعتنق وجهة نظر أقل تطرفا حيال العلاقة بين المعرفة والحكمة، أو بين الاستقصاء ~~العلمي وما يمكن أن نسميه الاستقصاء الإنساني. أنا لا أعتقد أن مسألة معنى الحياة يمكن ~~إخضاعها للدراسة التجريبية؛ فهي ليست مجرد مسألة سببية؛ فكما أعتقد، توجد فجوة بين المعرفة ~~والحكمة؛ وهي ليست فجوة تفسيرية يمكن سدها من خلال إنتاج نظرية أفضل وأكثر شمولا، ~~وإنما فجوة «شعورية». فإذا كان يمكن حل كل المشاكل المعرفية تجريبيا من خلال الاستقصاء ~~العلمي، فإننا قد نشعر أنه حتى لو حلت كل تلك المشاكل في صباح يوم رائع وجميل، فسيظل هذا ~~على نحو ما غير ذي صلة بمسألة الحكمة؛ بمسألة معرفة ما الذي قد تتألف منه الحياة البشرية ~~الطيبة بالضبط. # والمفارقة - وإنها لمفارقة مهمة خاصة بخبرات الحياة اليومية، التي سنعرض لها في الفصل ~~الثاني في صورة مفارقة العدمية - هي أن التصور العلمي للعالم لا يسد الفجوة بين المعرفة ~~والحكمة، ولكنه يجعلنا نشعر بها على نحو أكثر حدة. حتى إنني أراهن أن هذه المفارقة تكون في ~~أقصى حدة لها في المجتمعات المتقدمة للغاية علميا وتكنولوجيا. ويبدو أن الفجوة بين ~~المعرفة والحكمة في المجتمعات الغربية المتقدمة تتسع إلى حد الهوة السحيقة. وبهذا المعنى، ~~فإن المسألة التأملية المتعلقة بمعنى الحياة تكون ms011 نتيجة للترف والثراء. ربما كانت هكذا ~~دائما؛ فالفلسفة تظهر فقط عندما تتوافر ضرورات الحياة الأساسية، فكما قال برتولت بريخت: ~~«الغذاء أولا، ثم الأخلاق.» وهذا صحيح على نحو كاف، ولكن الحقيقة الغريبة عن البشر هي ~~أنهم عندما تعطيهم طعاما - ولو طعاما أكثر مما يمكنهم أكله - وعندما تغدق عليهم كل النعم ~~الدنيوية، فإنهم سوف يبتكرون مآسي جديدة لأنفسهم، واضطرابات عصبية وأمراضا جديدة، وحتى ~~«علوما» جديدة للتعامل مع تلك الاضطرابات والأمراض الجديدة؛ على سبيل المثال، التحليل ~~النفسي أو العلاج النفسي أو العلاج بالروائح أو علم المنعكسات، أو ما شابه. وعندما يبدأ ~~الشعور بقوة هذه المفارقة وجوديا، تعود المسألة المهملة الخاصة بمعنى الحياة بحماس حقيقي ~~ومخيف: «يبدو لي أنني أمتلك كل ما أحتاج وأريد، ولكن ما هو الهدف من حياتي؟» # تعد هذه الحالة الغريبة - على الرغم من أنها شأن يومي - مصدرا مبررا للعديد من ~~المحاولات غير المبررة، من وجهة نظري، لملء «فجوة المعنى» والتعامل مع مسألة معنى ~~الحياة. ويمكن أن يتم ذلك بطرق عديدة: من خلال العودة إلى الدين التقليدي، أو من خلال ~~ابتداع دين جديد، أو من خلال السلطوية السياسية، والتي غالبا ما يصاحبها العودة إلى الدين ~~التقليدي في صورة مزيج قوي عنيف (على سبيل المثال، القومية الصربية)، أو من خلال أحد فروع ~~الروحيات السبعة والخمسين المتوافرة حاليا لسد فجوة المعنى: التنجيم أو اليوجا أو الجلوس ~~تحت حيز هرمي مع حمل بلورات أو العثور على الطفل الموجود في داخل الشخص، أو أيا ما ~~يكون. وكما سنرى في نهاية هذا الكتاب الصغير، هذه أشكال مختلفة من «الظلامية»؛ بمعنى أنه ~~إذا ما كان خطأ جانب كبير من الفلسفة المعاصرة هو الافتتان بالعلم - الأمر الذي يؤدي إلى ~~العلموية - فإن الرفض الخاطئ بالقدر نفسه للعلم يؤدي إلى الظلامية. ويتمثل أحد ادعاءاتي ~~الختامية في خطر وجود الظلامية في جانب كبير من الفلسفة القارية المعاصرة؛ إذن، إذا كان ~~الخطر الذي تتعرض له الفلسفة المعاصرة هو العلموية، فإن انعكاسه المقابل هو الظلامية. ~~وبكلمات جون ستيوارت مل: «أحد الاتجاهين يمكن أن ms012 يصنع من الرجال وحوشا، والآخر ~~مجانين.» # ولكي ألخص قليلا، فإن الفلسفة القديمة تميزت - من بين أمور أخرى - بهوية تقوم على ~~المعرفة والحكمة، أو على الأقل بمحاولة دمجهما معا؛ أي إن معرفة طبيعة الأشياء من شأنها أن ~~تؤدي إلى الحكمة في تسيير المرء لحياته. والافتراض الذي يربط المعرفة والحكمة معا هو فكرة ~~أن الكون على هذا النحو يعبر عن هدف إنساني؛ ومن ثم فإن معرفة الكون ستكون جزءا لا ~~يتجزأ مما يعنيه أن يكون المرء إنسانا. وهذا هو ما يسمى «النظرة الغائية للكون»؛ حيث يمكن ~~تفسير كل شيء طبيعي في ضوء ما أطلق عليه أرسطو سببه النهائي، هذا الهدف الذي من أجله ~~يكون أي شيء على ما هو عليه. وأدت هذه النظرة إلى وحدة ملائمة بين النظرية والتطبيق، بين ~~المعرفة والحكمة، بين التفسير السببي والفهم أو المعنى الوجودي؛ حيث يمكن على سبيل المثال ~~أن ينظر إلى الكون على أنه كتاب حي كتبه الرب. # في العالم الحديث، ومن خلال التقدم الاستثنائي للعلوم من القرن السابع عشر حتى الوقت ~~الحاضر، تصدعت هذه الوحدة. وكتب رينيه ديكارت بالفعل في عام 1641، في عمله «تأملات في ~~الفلسفة الأولى» قائلا: «البحث المألوف عن الأسباب النهائية لا طائل منه مطلقا في ~~الفيزياء.» لا يعبر الكون عن أي هدف إنساني؛ فهو يخضع ببساطة للقوانين الفيزيائية التي ~~يمكننا أن نبذل قصارى جهدنا للتحقق منها، ولكنها غير مبالية بالسعي البشري؛ فالكون واسع ~~وقاس ولا إنساني وآلي، وهذا هو السبب في كتابة بليز باسكال في وقت ظهور هذه النظرة ~~المتحولة للعالم في أواخر خمسينيات القرن السابع عشر قوله: «الصمت الأبدي للفضاء اللامتناهي ~~يملؤني بالخوف»؛ أي «معرفة» أن كون كوبرنيكوس وجاليليو المفتوح اللامتناهي دون معنى أو ~~هدف نهائي تسبب خوفا كبيرا عندما يتحول المرء للتفكير في مسألة «الحكمة». وهذا أحد ~~التعبيرات عن التجربة التاريخية والروحية التي تعرف باسم «التنوير»؛ إذ يترك ذلك لدينا ~~فجوة تجريبية بين عوالم المعرفة والحكمة، والحقيقة والمعنى، والنظرية والممارسة، والتفسير ~~السببي والفهم الوجودي. وكما عبر ماكس فيبر عن ذلك ms013 بعد حوالي قرنين ونصف القرن، فإن ~~الثورة العلمية، في حقيقتها التي لا يمكن إنكارها، تسببت في «نزع السحر عن الطبيعة »؛ فلم ~~تعد الطبيعة تعبيرا مرئيا ل «روح العالم» الذي يشارك فيه البشر أيضا، بل بدلا من ذلك، ~~الطبيعة هي «مادة» موضوعية غير شخصية على نحو صرف، تحكمها القوانين، ويمكن تفسيرها ~~سببيا، ولكن لا علاقة لها مطلقا بأهداف البشر. # إذا كان الأمر كذلك، فإن المشكلة بالنسبة إلينا - نحن المعاصرين - واضحة؛ ففي مواجهة نزع ~~السحر عن العالم الذي أحدثته الثورة العلمية، فإننا نشعر بفجوة بين المعرفة والحكمة تتسبب ~~في تجريد حياتنا من المعنى. والسؤال هو: هل تستطيع الطبيعة أو، في الواقع، الذوات البشرية ~~أن تصبح مسحورة مرة أخرى بطريقة تقلل بل تزيل فجوة المعنى وتنتج تصورا معقولا للحياة ~~الجيدة؟ تبدو هذه المعضلة غير قابلة للحل؛ فمن جهة، يبدو أن التكلفة الفلسفية للحقيقة ~~العلمية هي العلموية، وفي هذه الحالة نصبح وحوشا. ومن جهة أخرى، يبدو أن رفض العلموية من ~~خلال أنسنة جديدة للكون يؤدي إلى الظلامية، وفي هذه الحالة نصبح مجانين. ولا تتميز ~~إحدى جهتي هذا البديل بجاذبية خاصة. وفي نهاية هذا الكتاب، سأحاول اقتراح حل وسط. # شكل 1-2: فريدريكو زوكاري (1540-1609)، «الحكمة». # ربما تتساءل: ولكن ما علاقة هذا بالفلسفة القارية؟ في رأيي أن ما يجب أن يتمحور حوله ~~تفكير الفلسفة في الوقت الحاضر هو هذه المعضلة التي تهدد على أحد جانبيها بتحويلنا إلى ~~وحوش، وعلى الجانب الآخر بتحويلنا إلى مجانين؛ وهذا يعني أن مسألة الحكمة، ومسألة معنى ~~الحياة المرتبطة بها، ينبغي على الأقل أن تدخل في صلب الأنشطة الفلسفية، وألا تعامل بلا ~~مبالاة أو بحرج أو حتى باحتقار. إن جاذبية الكثير مما يقع تحت مسمى الفلسفة القارية في رأيي ~~تتمثل في أنه يحاول الجمع بين مسألتي العلم والحكمة، والحقيقة الفلسفية والمعنى الوجودي، ~~أو على الأقل التقريب بينهما. والأمثلة على هذا وفيرة، سواء فكرنا في فلسفة هيجل حول صراع ~~الإنسان حتى الموت من أجل الاعتراف به ككائن بشري له كرامة ومنزلة داخل الطبيعة ms014 باعتبار ذلك ~~جزءا لا يتجزأ من ارتقائه إلى المعرفة المطلقة؛ أو فلسفة نيتشه حول موت الرب والحاجة إلى ~~إعادة تقييم القيم؛ أو فلسفة كارل ماركس حول اغتراب البشر في ظل ظروف الرأسمالية والحاجة ~~إلى التحول الاجتماعي التحرري والعادل؛ أو فرويد حول الكبت اللاواعي النشط في الأحلام ~~والنكات وزلات اللسان وما يكشفه ذلك عن اللاعقلانية الموجودة في قلب الحياة العقلية؛ أو ~~هايدجر حول القلق، وعدم الاكتراث المميت بالحياة الاجتماعية الزائفة، والحاجة إلى وجود ~~حقيقي؛ أو سارتر حول خداع الذات، والغثيان، والشغف غير المجدي - على الرغم من أنه ضروري - ~~بحرية الإنسان؛ أو ألبير كامو بشأن مسألة الانتحار في الكون الذي أضحى عبثيا بسبب وفاة ~~الرب؛ أو إيمانويل ليفيناس حول صدمة مسئولياتنا اللانهائية تجاه الآخرين. ويمكن أن تمتد هذه ~~القائمة إلى ما لا نهاية. # هذا يعني أن أهم عوامل جاذبية الفلسفة القارية هو أنها تبدو أقرب إلى قلب وتفاصيل الوجود ~~الإنساني؛ فتبدو أكثر واقعية بالنسبة إلى دراما الحياة، والآمال والمخاوف البشرية، والعديد ~~من مواقف السراء والضراء التي نتعرض لها. وبطبيعة الحال، هذا لا يعني أن هذه المخاوف غائبة ~~تماما عن الفلسفة الأنجلو أمريكية أو التحليلية. على الرغم من أنه قد يكون من الإنصاف ~~القول، من وجهة نظري، إن جزءا كبيرا من هذا النوع الأخير تهيمن عليه مسألة المعرفة، ~~المتصورة علميا أو طبيعيا، على حساب مسألة الحكمة، فإن هذا لا يفسر شخصية مثل لودفيج ~~فيتجنشتاين - على سبيل المثال - الذي يمكن أن يقال إن جاذبيته الهائلة باعتباره مفكرا ~~تعتمد على طريقة جمعه بين الحقيقة الفلسفية وتصور معين للمعنى الوجودي، أو في الواقع، ~~طريقة معينة للحياة. وهكذا ربما يقال إن الهدف الأساسي وراء أعمال فيتجنشتاين هو هدف علاجي ~~وإرشادي؛ لذا دعنا نقل إن محاولة سد الفجوة بين المعرفة والحكمة ليست عاملا كافيا ~~للتمييز بين الفلسفة التحليلية والقارية. وليست تلك هي المشكلة؛ فنقطتي الرئيسية هي أن ~~محاولة سد هذه الفجوة يجب أن تكون أساسا ضروريا «لجميع» طرق التفلسف. # الفصل الثاني # | أصول الفلسفة القارية: من كانط إلى المثالية ms015 الألمانية # تتمثل مهمة الفصول القليلة القادمة في تعريف الفلسفة القارية ثم إيضاح ما هو مميز وجاذب ~~فيها، وأود أن أفعل هذا بطريقة ذات شقين: شق تاريخي وآخر منهجي. سوف يتناول الفصلان ~~الثاني والثالث التطور التاريخي، بينما سأقدم في الفصل الرابع عرضا أكثر منهجية ~~وجدلية للفلسفة القارية. كانت فكرة كتابة تاريخ الفلسفة بطريقة منهجية وجدلية وسيلة شائعة ~~جدا للشروع في اتباع التقليد الفلسفي القاري منذ رائعة هيجل «فنومينولوجيا الروح»، ذاك ~~الكتاب الذي ظهر في عام 1807 وجمع بين كلا النهجين. ويمكن للمرء أيضا أن يجد الأسلوب نفسه ~~متبعا في أعمال أخرى أكثر معاصرة، مثل: كتاب يورجن هابرماس «المعرفة والمصالح البشرية» ~~(1968)، وكتاب فوكو «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» (1961)، وكتاب دريدا «في علم ~~الكتابة» (1967). وهذا الأسلوب أقل شيوعا بكثير في التقليد الفلسفي الأنجلو أمريكي. ~~(1) هوسرل أم كانط؟ طريقتان لبدء الفلسفة القارية # اسمح لي أن أبدأ بتناول طريقتين مختلفتين لتمييز الفلسفة القارية عن الفلسفة ~~التحليلية. يمكن للمرء أن يتصور كتابا حول الفلسفة القارية، يبدأ تاريخ هذا الموضوع ~~في حوالي عام 1900 بنشر كتاب هوسرل «مباحث منطقية»، وهو ما يطلق عليه هايدجر العمل ~~«الثوري»، الذي بدأ التقليد الذي يسمى الفنومينولوجيا. ويمتلك هذا النهج ميزة ~~تذكير القراء بأن التقسيم المعاصر (أو في الواقع، الفجوة الواسعة) المتمثل في ~~الفلسفة التحليلية والقارية، هو في جوهره تقسيم بين التقاليد المستوحاة من الفلسفة ~~الثورية في المنطق واللغة لجوتلوب فريجه - مثل الأعمال المبكرة لفيتجنشتاين، والوضعية ~~المنطقية لحلقة فيينا وفلسفة اللغة الأنجلو أمريكية - وبين تلك المستمدة من المواجهة ~~النقدية مع فنومينولوجيا هوسرل، مثل الوجودية والتفكيكية. وكان يوجد تواصل كبير بين ~~فريجه وهوسرل، وفي عام 1894 نشر فريجه مراجعة نقدية متعمقة لكتاب هوسرل الأول؛ «فلسفة ~~علم الحساب» (1891)، أدت إلى تغير كبير في وجهات نظر هوسرل حيال العلاقة بين ~~المنطق وعلم النفس؛ بمعنى أن المنطق لا يمكن - كما كان يعتقد هوسرل في البداية - أن ~~يرد إلى علم النفس. # ما هي الفلسفة القارية؟ # الفلسفة القارية هي اسم لفترة تمتد لمائتي سنة في تاريخ الفلسفة، تبدأ ms016 بنشر ~~الفلسفة النقدية لكانط في ثمانينيات القرن الثامن عشر. وحفز ذلك ظهور ~~الحركات الفلسفية الرئيسية التالية: ~~(1) المثالية والرومانسية الألمانية وما تلاها (فيشته، وشيلينج، وهيجل، ~~وشليجل ، ونوفاليس، وشلايرماخر، وشوبنهاور). ~~(2) نقد الميتافيزيقا (أو ما وراء الطبيعة) و«سادة الشك» (فيورباخ، وماركس، ~~ونيتشه، وفرويد، وبرجسون). ~~(3) الفلسفة الوجودية والفنومينولوجيا الألمانية (هوسرل، وماكس شيلر، وكارل ~~ياسبرس، وهايدجر). ~~(4) الفنومينولوجيا، والهيجلية، واللاهيجلية الفرنسية (كوجيف، وسارتر، ~~وميرلو-بونتي، وليفيناس، وباتاي، ودي بوفوار). ~~(5) التأويلية (ديلتاي، وجادامير، وريكور). ~~(6) الماركسية الغربية ومدرسة فرانكفورت (لوكاتش، وبنجامين، وهوركهايمر، ~~وأدورنو، وماركوزه، وهابرماس). ~~(7) البنيوية الفرنسية (ليفي-شتراوس، ولاكان، وألتوسير)، وما بعد البنيوية ~~(فوكو، ودريدا، ودولوز)، وما بعد الحداثة (ليوتار، وبودريار)، والنسوية ~~(إيريجاري، وكريستيفا). # بطبيعة الحال، الغريب بشأن هذين التقليدين المتباينين ظاهريا المتمثلين في الفلسفة ~~التحليلية والفنومينولوجيا؛ هو أن كليهما له أصول مشتركة من وسط أوروبا في أعمال ~~الفيلسوف برنارد بولزانو الذي كان يعيش في براغ، وفرانز برنتانو الذي كان أستاذا ~~جامعيا في فيينا وأشار إلى أن سيجموند فرويد الشاب كان من بين طلابه. باختصار، ما ~~أخذه فريجه وهوسرل من بولزانو هو فكرة أن الأفكار ليست خبرات عقلية ذاتية، ولكن لها ~~محتوى موضوعي قادر على التحليل، في حين أن ما أخذاه من فرانز برنتانو هو أطروحة ~~القصدية؛ وهي أن كل فكرة موجهة نحو أشياء في العالم وليست حبيسة خزانة في الوعي. ~~غذت هاتان الفكرتان رفض الشكوكية والنسبوية، وما كان يسمى «النفسانية»؛ وهي وجهة ~~النظر التي تطورت في ألمانيا في أوائل القرن التاسع عشر، بأن جميع المسائل المنطقية ~~والفلسفية يمكن ردها إلى آليات نفسية. وتمسك هوسرل بتفسير نفسي للمنطق والحساب حتى ~~أقنعه فريجه بخلاف ذلك. وكان نقد النفسانية إلى جانب الرفض القاطع لأي محاولة لرد ~~الفلسفة إلى العلم التجريبي، هما الأمرين اللذين يجمعان بين فلسفة اللغة لفريجه ~~وفنومينولوجيا هوسرل. وهكذا، يتضح لنا أن الفلسفتين التحليلية والقارية لهما نفس ~~الأصول التاريخية، وتنتميان لمصدر جغرافي مماثل في دول وسط أوروبا الناطقة بالألمانية، ~~ولهما عدو فلسفي مشترك. والطريقة الوحيدة لإعادة التواصل بين الفلاسفة هي من خلال ~~العودة إلى النقطة التاريخية والمفاهيمية التي تفرع ms017 عندها هذان التقليدان. # هذه هي استراتيجية مايكل دوميت في كتابه الكبير التأثير، المنشور في عام 1993 «أصول ~~الفلسفة التحليلية». يروي دوميت تاريخ الفلسفة التحليلية بداية من فريجه فصاعدا، على ~~أمل محمود بأن تقديم فهم أكثر وضوحا للماضي الفلسفي سيكون مقدمة لنوع من الفهم ~~المتبادل بين الفلاسفة المعاصرين. ووصف دوميت الوضع الحالي بكلمات قاتمة ملائمة: # لا أقصد التظاهر بأن الفلسفة في التقليدين هي في الأساس نفسها؛ فمن الواضح ~~أن هذا سيكون سخيفا. يمكننا إعادة تأسيس التواصل فقط من خلال العودة إلى نقطة ~~التفرع؛ فلا فائدة الآن في الصياح من على جانبي هذه الهوة السحيقة. ومن الواضح ~~أن الفلاسفة لن يصلوا لاتفاق أبدا. مع ذلك، إنه لأمر مؤسف إذا لم يعد ~~باستطاعة بعضهم التحدث مع بعض أو فهم بعضهم بعضا؛ فمن الصعوبة تحقيق مثل هذا ~~الفهم، لأنك إذا كنت تعتقد أن هناك أشخاصا يسيرون على الطريق الخطأ، فربما لن ~~تمتلك أي رغبة في التحدث معهم أو خوض عناء انتقاد وجهات نظرهم. ولكننا وصلنا ~~لمرحلة كما لو أننا نعمل على مواضيع مختلفة. # وعلى هذا النحو، فإن السياق الفلسفي المعاصر يتناقض على نحو سلبي للغاية مع السياق ~~الفلسفي في بداية القرن العشرين. كتب دوميت: # كان فريجه مؤسس الفلسفة التحليلية، وكان هوسرل مؤسس المدرسة الفنومينولوجية؛ ~~وهما حركتان فلسفيتان مختلفتان جذريا. في عام 1903 مثلا، كيف كانا سيبدوان ~~لأي طالب فلسفة ألماني عرف أعمالهما؟ بالتأكيد، لن يبدوا مفكرين ~~متعارضين بشدة؛ بل كانا سيظهران متقاربين في التوجه كثيرا، على الرغم من ~~بعض الاختلاف في الاهتمامات. # ثم يمضي دوميت، على نحو مثير، في مقارنة فريجه وهوسرل بنهري الراين والدانوب، ~~«اللذين ينبع أحدهما على مسافة قريبة جدا من الآخر، ويتبعان مسارين متوازيين تقريبا ~~لفترة ما، حتى يتفرعا في اتجاهين مختلفين تماما ويصبا في بحرين مختلفين». وعلى ~~الرغم من أنه من الواضح - بالنسبة إلى دوميت على الأقل - أن راين فريجه هو المسار ~~الصحيح للفكر (في حين أن دانوب هوسرل يتدفق نحو بحر المثالية الأسود الخاص بالفلسفة ~~القارية)، فإن هذه صورة ms018 موجهة وموحية تزعزع التمييز بين تقليدي الفلسفة على نحو ~~رائع جدا. # استراتيجية دوميت مقنعة، وسأستخدمها ضمنيا في مناقشتي حول الصراع بين التصور ~~العلمي والتصور التأويلي للعالم في الفصل السادس؛ وأعني تحديدا أن إحدى طرق تحقيق ~~الفهم المتبادل بين أطراف هذا الصراع هي تتبع مصدره الفلسفي في المواجهة بين هايدجر ~~وكارناب. ومع ذلك - وهذه هي الطريقة الثانية للتمييز بين التقليدين الفلسفيين - إذا ~~أردنا أن نفهم طبيعة الفلسفة في التقليد القاري، فأعتقد أنه من الضروري أن نبدأ بكانط، ~~الذي يعد، كما ذكرت سابقا، آخر شخصية فلسفية عظيمة مشتركة بين الفلسفة التحليلية ~~والفلسفة القارية، والذي أعلن عن انفصالهما. بادئ ذي بدء، يوجد سببان بسيطان جدا ~~للبدء بكانط بدلا من هوسرل؛ أولا: التطورات التي شهدتها الفلسفة القارية خلال القرن ~~العشرين لا يمكن فهمها إلى حد كبير عند عدم الإشارة إلى بواكيرها في القرن التاسع ~~عشر، وبخاصة فكر هيجل وماركس ونيتشه. وينطبق هذا بصفة خاصة على الفلسفة الفرنسية ~~منذ ثلاثينيات القرن العشرين، التي ربما توصف على نحو جيد في سياق سلسلة من عمليات ~~الرجوع إلى هيجل (بالنسبة إلى أعمال ألكسندر كوجيف والأعمال المبكرة لجان بول سارتر)، ~~أو نيتشه (بالنسبة إلى أعمال ميشيل فوكو وجيل دولوز)، أو ماركس (بالنسبة إلى أعمال لوي ~~ألتوسير). ثانيا: تاريخ الفلسفة في الدول غير الناطقة بالإنجليزية في القرن التاسع عشر ~~- في بريطانيا على الأقل - لا يتم تضمينه للأسف على نحو كاف في المناهج الدراسية ~~بأقسام الفلسفة بالجامعات؛ حيث إنه لا يزال من الممكن الحصول على درجة علمية في ~~الفلسفة دون أن تجب عليك قراءة الكثير - إن قرأت أي شيء من الأساس - من الفلسفة ~~الألمانية بين كانط وفريجه؛ ولذا فإنه لا يزال من الضروري محاولة سد هذه ~~الثغرة. ~~(2) طريقتان لقراءة كانط # الكثير من الفروق بين الفلسفة التحليلية والقارية يعتمد ببساطة على «كيفية» قراءة ~~المرء لكانط، و«الجوانب» التي يركز عليها المرء في فكره؛ وهذا يعني ما إذا كان ~~الشخص مهتما فحسب بالقضايا المعرفية الموجودة في عمله النقدي الأول «نقد العقل المحض» ~~(1781)، أو بالطموحات ms019 المنهجية الأكبر في عمله النقدي الثالث «نقد ملكة الحكم» ~~(1790). وأود أن أستكشف هذه الفكرة بعمق أكثر قليلا. # شكل 2-1: نقش لإيمانويل كانط (1724-1804). # إذا كان الشخص يركز على كتاب «نقد العقل المحض»، فإنه عادة ما يكون مهتما بنجاح ~~حجة الاستنتاج المتعالي؛ هنا كانط يحاول أن يظهر أنه من أجل اختبار الأشياء بأي نحو، ~~يجب أن نفترض وجود عمليات ما يسميه «مقولات الفهم»؛ ومن ثم وجود ذات إنسانية ~~تفهم؛ أي تجمع الفوضى المزعجة الناشئة من الخبرة الحسية في شكل مفاهيم. وهكذا، كما ~~يقول كانط: «الأشياء تتوافق مع المفاهيم، وليست المفاهيم هي التي تتوافق مع الأشياء.» ~~وستوجه هذه القراءة لفكر كانط من خلال مسألة ما إذا كان ينجح في توفير أساس صحيح ~~للمعرفة التجريبية ومواجهة تحدي شك ديفيد هيوم، أم لا. ادعى كانط أن هيوم أيقظه من ~~«سباته الدوجماتي»، من خلال توضيح أننا إذا أخذنا تحدي الشك هذا بجدية، فإننا لا ~~يمكننا أبدا أن نكون متأكدين مما إذا كانت مفاهيمنا - الكامنة في الأحاسيس ~~والانطباعات العابرة - مقابلة على نحو كاف للأشياء في ذاتها ومنتجة للمعرفة أم لا. ~~ورد كانط هو تحويل المسألة برمتها، من خلال التأكيد على أنه على الرغم من أننا لا ~~يمكننا أبدا معرفة الأشياء في ذاتها، فإن عناصر تمثيلاتنا لها تتطابق مع مفاهيمنا لها ~~على نحو كاف للمعرفة. وهذا التحول هو ما يدعوه كانط «التحول الثوري» في الفلسفة. ~~والعالم التجريبي هو في الواقع حقيقي بالنسبة إلينا، ولكن من أجل تفسير كيفية فهمنا ~~للعالم يجب أن نفترض منطقيا، أو بلغة كانط «على نحو متعال»، وجود ذات أو وعي يوحد ~~ما ينتج عن الحدس في شكل مفاهيم. وهذا هو الشكل الأولي لأطروحة ما يسمى «المثالية ~~المتعالية»، الأطروحة التي يعتقد كانط أنها متسقة مع الواقعية التجريبية. وبالقراءة من ~~خلال وجهة النظر تلك، فإن المساهمة الفلسفية الكبرى لكانط تقع في مجال نظرية المعرفة، ~~وضمنيا فلسفة العلم. في الواقع، كانت هذه هي طريقة قراءة كانط على نحو كبير لدى ~~المدرسة الكانطية الجديدة، التي هيمنت على ms020 الفلسفة الأكاديمية الألمانية والفرنسية في ~~الفترة من عام 1890 حتى أواخر عشرينيات القرن العشرين. لقد كانت طريقة القراءة المعرفية ~~لكانط تلك لدى بيتر ستراوسون وغيره، هي التي سيطرت على فهم التقليد الأنجلو أمريكي ~~لفلسفة كانط حتى وقت قريب إلى حد ما. # ومع ذلك، فإن طموح عمل كانط «نقد ملكة الحكم» مختلف إلى حد ما؛ فقد حاول بناء ~~جسر بين ملكات الفهم (مجال نظرية المعرفة المعني بمعرفة الطبيعة) والعقل (مجال ~~الأخلاق المعني بالحرية)، من خلال نقد ملكة الحكم. وسيكون الحكم الوسيط بين ~~عالمي الطبيعة والحرية، وسينسق عناصر الفلسفة النقدية في نظام ما. وإذا ما سلك المرء ~~هذا المسار، فإن القضية الأساسية لفلسفة كانط تصبح معقولية العلاقة بين العقل المحض ~~والعقل العملي، أو الطبيعة والحرية، أو وحدة النظرية والتطبيق. كما سنرى لاحقا، هذا هو ~~بالضبط المسار الذي اتبعته المثالية الألمانية لدى فيشته، وإف دبليو جيه شيلينج، ~~وهيجل، والرومانسية الألمانية المبكرة لدى فريدريك شليجل ونوفاليس. ويمكن القول إن ~~هذا هو المسار الذي اتبعته الفلسفة القارية منذ ذلك الحين. ~~(3) كانط وهامان: نقد العقل المحض، والحاجة لنقد النقد # اسمح لي أن أحاول شرح كيف نصل من فلسفة كانط إلى الفلسفة المثالية الألمانية بشيء من ~~التفصيل، من خلال محاولة إعادة بناء بعض سياق الفلسفة فيما بعد كانط. عانى مشروع ~~التنوير الألماني بأكمله - الذي كان مستندا إلى سيادة العقل - نوعا من الانهيار ~~الداخلي. يمكن وصف المشكلة ببساطة كما يلي: سيادة العقل تتمثل في ادعاء أن العقل ~~بإمكانه انتقاد كل معتقداتنا. فكما كتب كانط في مقدمة الطبعة الأولى من عمله «نقد العقل المحض»: # عصرنا هو عصر النقد بدرجة كبيرة، ويجب أن تخضع جميع معتقداتنا للنقد؛ فالدين ~~بقدسيته، والدولة بهيبتها، لا يمكنهما إعفاء أنفسهما من الخضوع لهذا النقد دون ~~إثارة أي شكوك بشأنهما. # ولكن إذا كان ذلك صحيحا - إذا كان العقل يستطيع انتقاد كل شيء - فمن المؤكد أنه يجب ~~أيضا أن ينتقد نفسه؛ لذلك، يجب أن يوجد نقد للنقد إذا أردنا أن يكون النقد فعالا ~~حقا. هذه هي وجهة ms021 نظر يوهان جورج هامان، ناقد كانط الأول الأكثر تأثيرا، الذي كان ~~يسكن معه في مدينة كونيجسبرج، والذي صاغ مفهوم «نقد النقد»، الذي لا يزال مصطلحا ~~شائعا جدا في الفلسفة الألمانية. إذا كان كانط يمثل عقلانية التنوير ويحاول الدفاع ~~عنها، فإن هامان هو صوت مناهضة التنوير التي من شأنها أن تزدهر في الحركات الجمالية ~~والثقافية المسماة ب «العاصفة والاندفاع» والرومانسية الألمانية المبكرة. وخضع هامان ~~لتحول ديني درامي بعد بعض المغامرات المثلية المثيرة، خلال رحلة عمل فاشلة في لندن ~~عام 1758. وتعد قصة علاقة هامان اللاحقة بكانط - حيث استعان صاحب عمل هامان السابق ~~في ريجا بكانط لإعادة المتدين الذي ولد من جديد إلى طريق العقل - مادة لأفضل ~~الروايات التاريخية. # ولكن هذا ليس موضوعنا. في عام 1784، ألف هامان «نقد نقد العقل المحض»؛ حيث انتقد ~~شكلية كانط، وتحديدا مغالاته حيال الطابع الشكلي للمعرفة، والإيمان بأنه يمكن فصل ~~العقل عن الخبرة؛ أي إنه يمكن فصل ما هو قبل عما هو بعد. ويعد نقد هامان مقدمة ~~لنقد صديقه - ورفيقه لفترة طويلة في الواقع - فريدريك هاينريش جاكوبي، وكذلك نقد هيجل. ~~وهو يأخذ الشكل التالي: تنقسم فلسفة كانط النقدية إلى سلسلة من الثنائيات المعيبة ~~(الشكل في مقابل المحتوى، الإحساس في مقابل الفهم، العقل في مقابل الخبرة، الطبيعة في ~~مقابل الحرية، المحض في مقابل العملي، وما إلى ذلك)، وتعد سيادة العقل العملي مجرد ~~شكلية فارغة للواجب المجرد. بالنسبة إلى هامان - في تنبؤ غريب آخر بالتطورات ~~الفلسفية اللاحقة، التي تسمى الانعطاف اللغوي - فإن الفصل بين العقل والخبرة، أو ~~الشكل والمضمون، أمر مستحيل؛ لأن الفكر يعتمد على اللغة، التي بطبيعة الحال تكون ~~مزيجا من الاثنين معا. من أين بالضبط تستقي التمييز بين المفهوم والحدس في الاستخدام ~~الفعلي للغة؟ يقول هامان: «القدرة الكاملة على التفكير لا تعتمد على اللغة فحسب ... ~~ولكن تقبع اللغة أيضا في قلب سوء فهم العقل لنفسه.» # شكل 2-2: بورتريه ليوهان جورج هامان (1730-1788). # لذلك، إذا كان يجب أن ينتقد العقل كل الأشياء، فيجب أن يوجد نقد للعقل. ولكن إذا ms022 ~~كان الأمر كذلك، فما الذي يمنع نقد النقد هذا من الوقوع في الشك؛ الشك الجذري والتام؟ ~~كما يشير فريدريك بايزار: «ثمة كابوس يلوح في الأفق الذي يتمثل في أن النقد الذاتي ~~للعقل ينتهي إلى العدمية؛ الشك في وجود كل شيء. وكان هذا الخوف هو جوهر أزمة التنوير.» ~~وكما سأحاول وأناقش فيما يلي، فإن مفهوم العدمية هو أفضل ما يسمح للمرء بالتمييز بين ~~الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية. وكانت هذه القضية تقع في جوهر اثنين من الصراعات ~~الأكثر أهمية في أواخر القرن الثامن عشر في ألمانيا، وكان جاكوبي في قلب كليهما: صراع ~~وحدة الوجود، وصراع الإلحاد. ~~(4) صراع وحدة الوجود وصراع الإلحاد: انعكاسات عمل جاكوبي # بدأ صراع وحدة الوجود بنشر عمل جاكوبي «رسائل حول مذهب سبينوزا» في عام 1785، الذي ~~كان عبارة عن مراسلاته مع موزس مندلسون بشأن الاعتراف الصادم المتأخر لجي إي ليسينج ~~بتأثره الشديد بأفكار سبينوزا. وشارك معظم أفضل العقول في هذا العصر في هذا ~~الصراع، بما في ذلك مندلسون وكانط ويوهان هيردر ويوهان فولفجانج فون جوته وهامان. ~~كان باروخ دي سبينوزا يصور بنحو كاريكاتوري ساخر حتى وقت هذا الصراع إما في صورة ~~فيلسوف عقلاني مؤمن بوحدة الوجود وإما في صورة ما هو أسوأ؛ شيطان ملحد. وكان لهذا ~~الصراع أثر جانبي يتمثل في وضع حد لهذه الصورة الكاريكاتورية، وقد بلغ ذروته في ~~وصف نوفاليس لسبينوزا بأنه «الثمل بحب الرب»، ولكن لم تكن هذه هي المشكلة الحقيقية؛ ~~فجاكوبي يستخدم اعتراف ليسينج بتأثره الشديد بالفكر الاسبينوزي لتقديم نقد داخلي ~~للتنوير. كان جاكوبي يسعى لإيضاح أن فلسفة سبينوزا هي مثال للعقلانية، وأنه إذا التزم ~~الشخص بالعقلانية على نحو منتظم، فإنها تؤدي إلى الإلحاد؛ لذلك، على النقيض من كانط ~~«التنويري»، يؤدي العقل إلى انهيار أي أساس للاعتقاد الديني أو الحياة الأخلاقية. ~~يضيف جاكوبي أنه إذا كان الأمر كذلك، فإن لدينا خيارا واضحا وقاسيا إلى حد ما، لا ~~بد أن نتخذه: إما أن نعتنق الإلحاد العقلاني للتنوير، وإما أن نرفضه من خلال قفزة ~~إيمانية غير عقلانية. ويجد ms023 جاكوبي مصدر إلهام لهذا في قراءته لأعمال باسكال، الذي يرى ~~أنه «لا يوجد شيء متسق للغاية مع العقل مثل عملية إنكار العقل تلك»؛ بمعنى أن الإعمال ~~الصحيح للعقل يوصل إلى النقطة التي علينا أن ندرك فيها ما يكمن وراءه؛ مجال الإيمان. ~~وكانت نسخة جاكوبي من رؤية باسكال مهمة أيضا لناقد ديني آخر للعقلانية العلمانية جاء ~~لاحقا، وهو سورين كيركجور. إن مسألة وضع العقل والعقلانية في مقابل لاعقلانية كثير من ~~الوجود الإنساني؛ تمثل صراعا يقع في قلب الخلافات في التقليد الفلسفي القاري حتى ~~يومنا هذا؛ على سبيل المثال: في جدال الحداثة/ما بعد الحداثة، الذي ميز فترة كبيرة ~~من ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن العشرين. وكان بايزار محقا في قوله: «ليس من قبيل ~~المبالغة أن نقول إن هذا الجدل حدد واحدة من القضايا المميزة للتقليد الفلسفي القاري ~~ككل؛ وهي مسألة سلطة العقل. لقد بدأ ما يسمى «مأزق ما بعد الحداثة» فعليا حينها ~~في عام 1786.» # والمسألة الأخرى التي تحدد مسار الفلسفة القارية هي صراع الإلحاد، الذي بدأ في عام ~~1798، والذي أدى في عام 1799 إلى عزل فيشته عن منصبه الأكاديمي في جامعة ينا بتهمة ~~الإلحاد. ويكمن أصل هذا الصراع في نشر العديد من الكتيبات المسيئة المجهولة المصدر في ~~عام 1798، والتي أعقبت نشر مقالات في إحدى المجلات، على يد فيشته والفيلسوف غير ~~المعروف كثيرا الآن فريدريك سي فوربج، حول مكانة الدين والأخلاق. إن قصة إقالة فيشته ~~مؤسفة إلى حد كبير، وتتشابه بعض الشيء مع مشكلة إلحاد ببرتراند راسل في نيويورك في ~~عام 1940؛ حيث منع من تولي منصبه في كلية سيتي كوليدج بنيويورك، بناء على حملة ~~تشهير شنت ضده لإعلانه الإلحاد وإبدائه آراء ليبرالية حول مسألة الأخلاقيات ~~الجنسية. ووصف اللورد راسل من جانب جوزيف جولدشتاين - محامي السيدة جين كاي التي قادت ~~الحملة ضد راسل - بأنه «فاسق، وشبق، وشهواني، وداعر، ومصاب بالهوس الشبقي، ومحرض على ~~الشهوة الجنسية، ووقح، وضيق الأفق، وكاذب، ومجرد من المبادئ الأخلاقية». يا له من ~~قدح فظيع! ولكن الفلاسفة منذ زمن سقراط يتهمون بإفساد ms024 أخلاق الشباب. وعلى الرغم من ~~أن ينا في تسعينيات القرن الثامن عشر لم تكن تماما مثل مانهاتن في أربعينيات القرن ~~العشرين، فإنه ينبغي أن نتذكر أنها كانت المركز الفلسفي للحياة الفكرية في ألمانيا ~~خلال هذه الفترة، وموطن العديد من أعظم العقول في ذلك الوقت (فيشته، والأخوين شليجل، ~~ونوفاليس، وشيلينج)، والبوتقة التي ولدت منها الرومانسية الألمانية المبكرة أو ~~رومانسية ينا. # شكل 2-3: بورتريه لفريدريك هاينريش جاكوبي (1743-1819). # شكل 2-4: إميل دورستلينج، لوحة لعشاء تخيلي في منزل كانط مع هامان وجاكوبي ~~وآخرين (1801). # على الرغم من أن التفاصيل التاريخية لهذا الصراع مثيرة للاهتمام ومحبطة قليلا في ~~نفس الوقت، فإنها تصبح مهمة فلسفيا عندما يعبر جاكوبي عن رأيه في عام 1799 في عمله ~~«رسالة إلى فيشته». ونجد في هذا النص أول توظيف فلسفي لمفهوم «العدمية»؛ فكما أشار ~~جاكوبي ببساطة، وجهة نظر فيشته - المعروفة باسم مثالية فيشته - عدمية. وما يعنيه بهذا ~~يجب أن أن يفهم في ضوء تراجع النقد الكانطي للميتافيزيقا التقليدية المذكور سابقا، ~~الذي لا ينكر الإدراك المعرفي للبشر للكيانات المتخيلة من جانب الميتافيزيقا ~~الكلاسيكية (الرب والروح) فحسب، ولكن يستبعد أيضا إمكانية معرفة الذوات أو الأشياء في ~~ذاتها وما وصفه كانط بأنه الأساس «الحقيقي» للذات، والذي لا يمتلك وجودا ظاهريا. ~~تمثلت فرضية جاكوبي الأساسية في أن إحياء فيشته للمثالية المتعالية لكانط، يؤدي ~~إلى «أنا» فقيرة لا يوجد لديها معرفة بالأشياء في ذاتها. وهي عدمية لأنها لا تسمح بوجود ~~شيء خارج أو منفصل عن الأنا، والأنا في حد ذاتها ليست سوى نتاج «قوة التخيل الحرة». ~~ويحتج جاكوبي، في فقرة استثنائية، قائلا: # إذا كان أكبر ما أستطيع تأمله، وما يمكنني التفكير فيه، هو الأنا خاصتي ~~الفارغة والنقية، العارية والمحضة، باستقلالها وحريتها؛ إذن، فالتأمل الذاتي ~~العقلاني - العقلانية - سيكون بالنسبة إلي لعنة، وسأكون آسفا على ~~وجودي. # وفي مقابل ما يراه جاكوبي على أنه أحادية مثالية لفيشته، دعا لشكل من أشكال الثنائية ~~الفلسفية؛ حيث إنه وراء الانشغال الفلسفي بالحقيقة، يقع مجال الحقيقية، الذي لا يمكن ~~الوصول إليه إلا عن ms025 طريق الإيمان أو القلب. مرة أخرى، نقد جاكوبي لفيشته يذكرنا ~~بقوة بنقد باسكال لديكارت؛ حيث إن العدمية هي التهمة التي وجهتها نظرة العالم ~~المسيحي للعقلانية العلمانية؛ ومن ثم فإن الاختيار الوجودي الذي يواجهنا - والذي لا ~~يمكن إثباته بعقلانية ولكن يجب علينا أن نراهن عليه - هو بين مثالية فيشته، وهي عدمية ~~لأنها لا توفر معرفة بأي شيء خارج تقديرات الأنا، وثنائية جاكوبي، التي وصفها بسخرية ~~ذاتية بأنها «وهمية» لأنها تدعي أن الرب هو جوهر العقل دون أن تتمكن من إثبات ذلك ~~بعقلانية. ويخلص جاكوبي قائلا: # لكن الإنسان أمامه اختيار واحد: العدمية أو وجود إله. إذا اختار الإنسان ~~العدمية، فإنه يجعل من نفسه إلها؛ أي إنه يجعل من الوهم إلها؛ لأنه في حالة ~~عدم وجود إله، يستحيل أن يكون الإنسان وكل ما يحيط به إلا وهما. أعود ~~وأكرر: إما أن يكون الإله كيانا حيا قائما بذاته، وموجودا خارج نفسي، ~~وإما أن أكون أنا الإله. وهما أمران لا ثالث لهما. # عند إنكار وجود إله، فإننا نخاطر بتحويل الإنسان إلى إله؛ وهذا يعني وجود إغراء ~~كإغراء بروميثيوس في مثالية كانط وفيشته؛ حيث يتحول الإنسان إلى نسخة طبق الأصل من ~~الإله، ويخلق من العدم (تجدر الإشارة إلى أن رواية ماري شيلي «فرانكنشتاين» (1819) كان ~~عنوانها الفرعي «بروميثيوس الحديث»؛ حيث طارد شيء مشوه الخلقة العقلانية العلمية ~~للتنوير). # لإظهار بعض من آثار هذا الفكر على التقليد الفلسفي القاري، اسمح لي أن أقدم بعض ~~الأمثلة الأخرى. إذا كانت العدمية هي اتهام للأنا الفلسفية، حيث تبخر في الهواء كل ~~ما كان راسخا في النظرة العالمية التي سبقت ظهور كانط، فإن المرء يجد تأكيدا غريبا ~~لنقد جاكوبي في أنانية كتاب ماكس شتيرنر الاستثنائي «الأنا وذاتها» (1844)، وهو الكتاب ~~الذي تعرض لنقد طويل ولاذع من قبل ماركس وفريدريك إنجلز في عملهما «الأيديولوجيا ~~الألمانية» (1846). ما انتقده جاكوبي على أنه عدمية احتفى به شتيرنر على نحو فوضوي ~~على أنه تحرر للفرد. فإذا كنت عدما أو لا شيء، كما يقول شتيرنر، «فإنني لست عدما ~~بمعنى الفراغ، ms026 ولكنني العدم المبدع، العدم الذي أخلق منه أنا كمبدع كل شيء». ~~وكنتيجة خاطئة لمحاولته إظهار أن نقد هيجل ولودفيج فيورباخ للدين لا يزال متشابكا ~~بقوة مع النماذج الدينية في التفكير، يجيب شتيرنر على مسألة «ماهية الإنسان» من خلال ~~تحويل الأنا إلى نسخة طبق الأصل من الإله؛ فيصبح الإنسان السبب ذاتي التسبب، وهي ~~ذاتية التسبب الخاصة بالنظرية اللاهوتية للقرون الوسطى. ولاستباق وجودية سارتر، التي ~~وجد فيها شتيرنر صدى مثيرا بعد قرن من الزمن، في عالم ملحد عدمي، يمتلك البشر حرية ~~عاطفية ليصبحوا مثل الإله. هذا هو السبب في ختم سارتر كتابه «الوجود والعدم» بعبارة ~~«الإنسان عاطفة لا جدوى منها». # ويجد المرء أيضا صدى لنسخة جاكوبي من رهان باسكال في تصوير فيودور دوستويفسكي ~~لشخصية كيريلوف العدمي في روايته «الشياطين» (1871). # إن كل من يرغب في الحرية الأسمى يجب أن يجرؤ على قتل نفسه؛ فالذي يجرؤ على قتل ~~نفسه قد تعلم سر الخداع. فبخلاف ذلك لا توجد حرية؛ هذا كل شيء، وبخلاف ذلك لا يوجد ~~شيء. إن الذي يجرؤ على قتل نفسه هو إله. والآن يمكن للجميع فعل ذلك كي لا يوجد أي إله، ~~ولا يوجد أي شيء؛ ولكن لم يفعل ذلك أحد حتى الآن. # هذا هو الموقف الذي يصفه دوستويفسكي ب «الانتحار المنطقي»؛ وهذا يعني - كما يقول في ~~مذكراته - إنه بعد أن يرفع البشر أنفسهم فوق مستوى البهائم، فإن الفكرة «الأساسية» ~~و«الأعظم» و«الأسمى» للوجود البشري تصبح ضرورية للغاية: الاعتقاد بخلود الروح. وبمجرد ~~أن ينكسر هذا المعتقد، كما رأى دوستويفسكي في العدمية أو اللاتفريقية لدى الطبقات ~~المثقفة الروسية في ستينيات القرن التاسع عشر، فإن الانتحار هو الحل المنطقي الوحيد؛ ~~ومن ثم، وجدنا كيريلوف الذي فقد الإيمان بخلود الروح يحاول تأليف كتاب يدرس الأسباب ~~التي تجعل الناس لا يقتلون أنفسهم. # وهكذا، يمكن للمرء أن يقول إنه يوجد مسار في التقليد الفلسفي القاري من نقد كانط في ~~أعمال هامان وجاكوبي، حتى أفكار كيركجارد وشتيرنر ودوستويفسكي - الدينية والإلحادية - ~~المناهضة للعقلانية، وصولا إلى وجودية ما بعد الحرب الفرنسية ms027 لسارتر وكامو. ~~(5) توحيد ثنائيات كانط # كان التأثير المشترك لنقد فلسفة كانط في ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن عشر هو أن ~~إيمان التنوير بالعقل بدا مشكوكا فيه على نحو أكبر من أي وقت مضى؛ فكما أشار بايزار: ~~«لم يكن كانط مانعا لمسيرة التدمير الذاتي للعقل نحو الهاوية، ولكنه كان مشجعا ~~عليها.» ومن الواضح أن قضية معرفة ما إذا كانت هذه النظرة لكانط لها ما يبررها من ~~الناحية الفلسفية أم لا؛ قضية منفصلة. الهدف هنا هو أن سلسلة كاملة من المناقشات ~~التي تحدد التقليد الفلسفي القاري بدأت من هذه النقطة، ورأيي هو أن الفلسفة القارية ~~يجب أن تفهم على هذا الأساس. # اسمح لي أن أختتم هذا الفصل بالعودة إلى الجدل السابق الذي مفاده أن كانط ترك لنا ~~سلسلة من الثنائيات التي بحاجة إلى التوحيد؛ وهذا هو أحد الاعتراضات التي قدمها ~~الفيلسوف الذي اعتبره كانط أفضل ناقد له، وهو سالومون ميمون. ونشرت انتقادات ميمون في ~~عام 1790 تحت عنوان «مقال عن الفلسفة المتعالية». وتتمثل وجهة نظره الأساسية في أن ~~ثنائية كانط بين الفهم والإحساس، التي تقع في جوهر المثالية المتعالية، متطرفة ~~وعميقة الأثر لدرجة أنها تمنع إمكانية التفاعل بين المفهوم المسبق والحدس التجريبي؛ ~~وهذا يعني أن حجة الاستنتاج المتعالي تبطل عن طريق الثنائيات ذاتها التي افترضها كانط ~~من أجل تنفيذ هذا الاستنتاج. هذا ما يغرم بعض فلاسفة التقليد القاري بتسميته «التناقض ~~الذاتي الأدائي». # شكل 2-5: كانط يخلط الخردل في وعاء. (لوحة بريشة فريدريك هاجمان ~~(1801).) # المهم هنا هو إدراك كيف أثرت انتقادات ميمون على فلسفة ما بعد كانط. كيف يمكننا ~~التغلب على الثنائيات الخاطئة لنظام كانط؟ المطلوب هو مبدأ موحد أسمى من شأنه أن ~~يكون في مأمن من هذه الانتقادات. وانطلاقا من هذا السؤال بدأت مثالية فيشته والمثالية ~~الألمانية. وجد فيشته هذا المبدأ الموحد في نشاط الذات، فتوحدت ثنائية النظرية ~~والتطبيق في التأمل الذاتي للذات؛ وعيها للحرية. وكانت هذه هي وجهة النظر التي درسها ~~فيشته في كتابه المشهور «مذهب العلم» (1794). أما على النقيض، بالنسبة إلى ms028 شيلينج ~~الشاب، كان المبدأ الموحد هو مفهوم القوة أو الحياة، المذكور في فلسفته المبكرة حول ~~الطبيعة؛ وبالنسبة إلى هيجل، كان مفهوم الروح؛ وبالنسبة إلى آرثر شوبنهاور، كان مفهوم ~~الإرادة؛ وبالنسبة إلى نيتشه ، كان القوة؛ وبالنسبة إلى ماركس، كان مفهوم الممارسة؛ ~~وبالنسبة إلى فرويد، كان اللاوعي؛ وبالنسبة إلى هايدجر، كان الوجود. ويمكن أن تمتد ~~هذه القائمة إلى ما لا نهاية. الهدف هنا هو تأكيد أن القضية الأساسية للفلسفة القارية ~~نشأت من هذه الانتقادات لكانط، ويجب أن تفهم في هذا السياق. # الفصل الثالث # | النظارات والعيون: ثقافتان في الفلسفة # لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لإدراك أنه توجد مشاكل خطيرة في التمييز بين الفلسفة ~~التحليلية والفلسفة القارية. الفلسفة القارية عبارة عن سلسلة انتقائية ومتباينة للغاية من ~~التيارات الفكرية التي من الصعب أن يقال إنها تمثل تقليدا فلسفيا موحدا. على هذا ~~النحو، فإن الفلسفة القارية مصطلح «ابتدعه» الفكر الأنجلو أمريكي الأكاديمي ليميز نفسه ~~عن الفكر الفلسفي لأوروبا القارية، الذي لم يكن في الوقت نفسه ليقر بشرعيته وتميزه؛ ما ~~يشبه قليلا طلب إفطار قاري (كونتينينتال) في باريس. # ومع ذلك، إذا أخذ مفهوم الفلسفة القارية بمعناه الظاهري كتصنيف جغرافي، فحينها ستنشأ ~~مشاكل أخرى. فيوجد فلاسفة من أوروبا القارية، مثل فريجه وكارناب لا يتبعون فكر الفلسفة ~~القارية، وفلاسفة من خارج أوروبا القارية يتبعونه. وأيضا، من الناحية الجغرافية، يمكن أن ~~تصبح الأمور مختلطة إلى حد كبير، كما هي الحال عندما يدعي دوميت على نحو صحيح أن ~~مصطلح «الأنجلو أمريكية» (وهو تسمية جغرافية أخرى ليس لها مدلول أكثر وضوحا من «القارية») ~~تسبب في ضرر أكبر مما تسبب فيه من نفع؛ لأنه تجاهل جذور الفلسفة التحليلية التي ~~نشأت في الدول الناطقة بالألمانية. بدلا من ذلك، اقترح دوميت - على نحو عابث ولكن دقيق - ~~استبدال مصطلح «الأنجلو نمساوية» به. # ثمة اعتراض أعمق على التمييز بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية أثاره برنارد ~~ويليامز، عندما يدعي أن التمييز يقوم على خلط بين الجوانب الجغرافية والمنهجية، كما لو ~~كان المرء يصنف السيارات إلى سيارات دفع ms029 أمامي وسيارات يابانية. فعلى الرغم من أن ~~الفلسفة التحليلية كثيرا ما ترتبط بقوة بأماكن معينة - أكسفورد أو برنستون مثلا - فإنها ~~تدل على التزام بأسلوب تفلسف معين، وبمعايير معينة للمحاججة والوضوح والصرامة المنهجية ، ~~في حين أن الفلسفة القارية يبدو أنها تدل على التزام بمكان معين، بغض النظر عن المنهجية. ~~وهكذا، فإنه بالنسبة إلى ويليامز، التمييز بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية يقوم على ~~مقارنة تخلط بين الجوانب المنهجية والجغرافية. # ومع ذلك، لن يصحح هذا الالتباس عن طريق إعادة صياغة المصطلحات المتقابلة بدقة ~~اعتمادا على تصنيف جغرافي (أي أنجلو أمريكية في مقابل قارية)، أو منهجي (أي تحليلية ~~في مقابل فنومينولوجية). إذا أعيدت صياغة المصطلحات المتقابلة جغرافيا، فإن هذا سيزيد ~~الأمور سوءا؛ لأن ذلك يعني خطأ أن الفلسفة في المملكة المتحدة وأمريكا الشمالية ~~وأسترالاسيا غير قارية بحكم التعريف، وأن الأب المؤسس للفلسفة التحليلية (فريجه) وأن ~~أكبر ممثل لها (فيتجنشتاين) كانا من أصحاب فكر الفلسفة القارية. إذا تم إعادة صياغة ~~المصطلحات المتناقضة منهجيا، فبالكاد سيكون ذلك مسئولا عن حقيقة أنه على أحد جانبي ~~التقسيم، يمكن أن يقال إن عددا قليلا جدا من الفلاسفة يتبعون الأشكال التقليدية ~~للتحليل الفلسفي (فضلا عن الحديث عن الفلسفة «ما بعد التحليلية» في السنوات الأخيرة)، وعلى ~~الجانب الآخر، لن توجد ببساطة فئة يمكن أن تغطي كافة الأعمال المتنوعة التي أنتجها ~~مفكرون مختلفون منهجيا وموضوعيا مثل هيجل وكيركجارد، أو فرويد ومارتن بوبر، أو هايدجر ~~وتيودور أدورنو، أو جاك لاكان ودولوز. # إن ويليامز محق في كونه متشككا حيال أي تصور من هذا النوع للتمييز بين المدارس ~~والمذاهب الفلسفية؛ لأنه يخفي جدلا ممكنا أكثر عمقا وإثارة للاهتمام حول هوية الفلسفة ~~نفسها. وعلى الرغم من أنه من الواضح، من خلال نقد ويليامز، أن هوية الفلسفة بالنسبة إليه ~~تمثل على نحو أفضل من خلال الفلسفة التحليلية، التي تتمثل مزيتها الأساسية إلى حد ما ~~في «الصدق البارع»، والتي تبدو مستندة إلى مقارنة محل جدل إلى حد كبير بين الفلسفة ~~وإجراءات العلوم الطبيعية؛ فإنه من الواضح أن لديه ms030 وجهة نظر حيال هذا الموضوع، والذي سأعود ~~إليه في ختام هذا الكتاب. يوجد شيء محدود الأفق وجبان على المستوى الفكري حيال تحديد المرء ~~لانتمائه لأحد طرفي تقسيم فلسفي متصور؛ لأن ذلك يمنع ظهور التحديات الفكرية الممكنة التي ~~قد تنتج عن حوار خارج نطاق الفلسفة التي يتبناها المرء. ~~(1) نظرة على بعض الأفكار النمطية عن التمييز بين الفلسفتين # مع ذلك، لا ينبغي تنحية التمييز بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية جانبا دون ~~محاولة تشخيص بعض الأفكار النمطية الثقافية العالقة في داخله وتخليصه منها. وتواصل ~~نطاقات الفلسفات وجودها، ويتمثل الأمر الآن في محاولة معرفة سبب كون الحال كذلك، من ~~خلال تناول بعض الأمثلة. # يلخص ستانلي روزن، بسخرية شديدة وبمهارة، التمثيل النمطي للتمييز بين الفلسفة ~~التحليلية والقارية على النحو التالي: «الدقة والوضوح المفاهيمي والصرامة المنهجية هي ~~سمات الفلسفة التحليلية، في حين أن الفلسفة القارية تستغرق في الميتافيزيقا التأملية أو ~~التأويلية الثقافية؛ أو بدلا من ذلك، واعتمادا على مدى تعاطف المرء معها، تستغرق في ~~الاستسلام للأوهام والسخافات.» وأخشى أن هذه الأفكار النمطية تتأكد فقط من خلال ~~المناقشات في الصحافة وملاحظات بعض الفلاسفة الأكاديميين الذين ينبغي أن يكونوا على ~~دراية أكبر بالأمور. ولضرب مثل على هذا النوع الأخير من الفلاسفة، لا يجب علينا النظر ~~إلى أبعد مما حدث مع دريدا في جامعة كامبريدج في عام 1992؛ حيث عارض بعض الأعضاء ~~البارزين في الجامعة ترشيح جاك دريدا للحصول على الدكتوراه الفخرية. وفي اليوم التالي ~~لخسارة المعارضة في التصويت، نشرت صحيفة بريطانية ذات منزلة رفيعة خبرا تحت عنوان ~~«العدمية المعرفية تغزو مدينة إنجليزية». # ولكن ربما تم التعبير عن الهوة التي تفصل بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية على ~~نحو أكثر إحكاما أثناء المناقشة العصبية والسيئة السمعة التي تلت تقديم جيلبرت رايل ~~لبحثه في مؤتمر حول الفلسفة التحليلية في فرنسا في عام 1960، والتي أجاب فيها رايل عن ~~سؤال موريس ميرلو-بونتي «أليس برنامجنا واحدا؟» قائلا: «آمل ألا يكون كذلك.» إن هذه ~~العبارة، هذه ال «لا» الثابتة في وجه الغرابة الملحوظة في أوروبا القارية، ms031 هي الكاشفة ~~بوضوح لتحامل أيديولوجي ينبغي بالتأكيد ألا يكون له مكان في الفلسفة. كانت هذه ال ~~«لا» هي نفس ال «لا» التي قالتها البارونة تاتشر لخطط جاك ديلور الخاصة بالاتحاد ~~الأوروبي ، والتي كانت بداية سقوطها السياسي في عام 1990. والمفارقة هنا هي أن رايل ~~الشاب بدأ حياته بوصفه مؤيدا للفنومينولوجيا، فكان أول عمل منشور له هو مراجعة دقيقة ~~جدا لكتاب هايدجر «الوجود والزمان»، الذي نشر في دورية «مايند» في عام 1930، وألقى ~~الكثير من المحاضرات في جامعة أكسفورد في ثلاثينيات القرن العشرين حول بولزانو ~~وبرنتانو وفريجه وماينونج وهوسرل. وكما أشار دوميت على نحو أضعف مما تقتضيه ~~الحقيقة: «إنه لأمر مؤسف حقا أن قليلا فحسب من علمه حول هؤلاء المبدعين حفظ ~~مطبوعا، وبالمثل - من وجهة نظري - أن استمر قليل مما تعلمه منهم في أعماله ~~اللاحقة.» # وبمناسبة إشارتنا لميرلو-بونتي، يوضح إيه جيه آير ببراعة الهوة التي تفصل ~~فلاسفة التقليد التحليلي عن فلاسفة التقليد القاري، من خلال الذكرى التالية التي وردت ~~في سيرته الذاتية: # ربما كان من المتوقع أن نجد أنا وميرلو-بونتي أرضية مشتركة للنقاش. ولقد ~~حاولنا فعل ذلك حقا في عدة مناسبات، ولكن لم نمض كثيرا قبل أن نبدأ في ~~النزاع حول نقطة ما لم يكن أي منا على استعداد للتنازل عنها. وبما أن هذه ~~المناقشات تميل إلى أن تكون حادة، اتفقنا ضمنيا على إيقافها واللقاء على ~~مستوى اجتماعي خالص، وهو الأمر الذي ترك لنا مادة كافية للحديث عنها. # يشبه هذا قليلا الصراخ عبر الهوة التي تحدث عنها دوميت وأشرنا إليها سابقا. ~~ثمة مثال آخر، يشمل آير أيضا، أكثر إثارة للاهتمام، وحتى غير محتمل قليلا؛ ويتعلق ~~هذا المثال باجتماع بين آير وربما المفكر الأكثر تطرفا من بين أتباع الفلسفة ~~القارية جورج باطاي، الذي كان معارضا للفلسفة التقليدية، والمعرفة، والفكر ~~الديني، وشبقيا. فقد التقيا في حانة باريسية في عام 1951، مع ميرلو- بونتي. ويبدو أن ~~المناقشة استمرت حتى الثالثة صباحا، وكانت الأطروحة قيد المناقشة بسيطة جدا: هل ~~وجدت الشمس قبل وجود البشر؟ لم يجد آير أي سبب ms032 للشك في وجود الشمس قبل البشر، في ~~حين اعتقد باطاي أن الفكرة برمتها لا معنى لها. بالنسبة إلى فيلسوف مؤمن بوجهة النظر ~~العلمية حيال العالم مثل آير؛ فمن المنطقي قول إن الأشياء المادية مثل الشمس موجودة ~~قبل تطور البشر. في حين أنه بالنسبة إلى باطاي - الأكثر دراية بالفنومينولوجيا - يجب ~~أن تدرك الأشياء المادية من منظور ذات إنسانية من أجل أن يقال إنها موجودة. ونظرا ~~لعدم وجود البشر في الوقت المفترض في الفكرة، فمن ثم لا معنى للادعاء بأن الشمس ~~كانت موجودة قبل البشر. ويخلص باطاي إلى ما يلي: # أود أن أقول إن محادثة الأمس كان لها تأثير الصدمة؛ إذ يوجد بين الفلاسفة ~~الفرنسيين والإنجليز نوع من الهوة التي لا نجدها بين الفلاسفة الفرنسيين ~~والألمان. # من أجل رؤية مثال كاشف على التحامل الذي ما زالت تعامل به الفلسفة القارية، يمكن ~~للمرء أن يأخذ كدراسة حالة مقالتين كتبهما اللورد أنتوني كوينتن حول الفلسفة ~~التحليلية والفلسفة القارية، ونشرتا على التوالي في كتاب «أكسفورد كومبانيون تو ~~فيلوسوفي» مؤخرا في عام 1995. تعد مقالة كوينتن حول الفلسفة التحليلية ملخصا ~~منصفا لمفهومي الذرية المنطقية والوضعية المنطقية، على الرغم من أنها وجيزة جدا ~~لدرجة تمنعها من أن تكون مفيدة حول التطورات التي حدثت فيما بعد الحرب في هذا ~~المجال. ويختتمها بالإشارة إلى الفيلسوفين التحليليين هيلاري بوتنام وروبرت نوزيك ~~بقوله: «هما يفكران ويكتبان بروح تحليلية، تحترم العلم، باعتباره نموذجا للمعتقدات ~~المعقولة، وبما يتفق مع صرامته الجدلية ووضوحه وتصميمه على أن يكون موضوعيا.» ومع ~~ذلك، فإن نفس هذا التصميم على الموضوعية ليس واضحا في مقالة كوينتن حول الفلسفة ~~القارية. تبدأ المقالة - على نحو معقول بما فيه الكفاية - بإشارة كوينتن الصحيحة إلى ~~كيفية ارتباط المعنى الحالي بالفلسفة القارية حديثا في بريطانيا بعد الحرب العالمية ~~الثانية. وتعرض أيضا ملاحظات مفيدة حول وحدة المسعى الفلسفي، الذي اتسمت به العصور ~~الوسطى اللاتينية وعصر النهضة، وهو حوار لم يمثل إشكالية على نحو باهر بين الفلاسفة ~~من بريطانيا وأوروبا القارية، امتد لفترة طويلة حتى وصل إلى ms033 عصر التنوير؛ حيث كان لوك ~~قارئا لأعمال ديكارت وجاسندي ومالبرانش، وكان هيوم قارئا لأعمال بايل وعرف روسو، ~~ودرس مل أعمال كونت، إلى آخره. الأمور حتى الآن جيدة جدا ، ولكن يدعي كوينتن أنه ~~«لا يوجد حقا أي تقارب ملحوظ بين عالمي الفلسفتين»، ولكي يثبت وجهة نظره (عن غير ~~قصد، بالطبع)، يقدم ملخصات صادمة جدا للوجودية والبنيوية والنظرية النقدية؛ فالأولى ~~مرفوضة، من دون إشارة كافية إلى الفنومينولوجيا، وذلك لاعتمادها «على الأسلوب الدرامي، ~~وحتى الميلودرامي، بدلا من الحجج العقلانية المثبتة». ويقال إن الثانية قد «بلغت ~~ذروتها مع فوكو، وأنها تجاوزت نفسها، وانطلقت إلى فضاء فكري خارجي مع دريدا». أما ~~الثالثة، فرفضت بنحو غريب على النحو التالي: «أبطلت النوايا السياسية الواضحة ~~لمنظري النظرية النقدية أي اهتمام من جانب الفلاسفة التحليليين الملتزمين بالحياد.» ~~إذا كان يمكن أن يقال إن مثل هذه التعليقات تظهر التزاما بالحياد، فضلا عن الفضائل ~~المذكورة أعلاه المتمثلة في الصرامة الجدلية والوضوح والتصميم على أن يكون موضوعيا، ~~فربما يكون اعتقاد كوينتن بأنه لا يوجد أي تقارب ممكن بين عالمي الفلسفتين مبررا ~~على نحو جيد. ولا داعي للقول إن مثل هذه الملاحظات ليست خاطئة فحسب، ولكنها - كما أرى ~~- متعصبة فكريا، وتعمل ببساطة على استمرار الأفكار النمطية الثقافية الضارة. ~~(2) الفلسفة القارية: وصف ذاتي أكاديمي وسمة ثقافية # إذن، كيف نفسر هذه الهوة بين الفلسفتين القارية والتحليلية وفلاسفتهما؟ تثير صفة ~~«قارية» - على الأقل بالنسبة إلى القارئ البريطاني - ارتباطات بالاستخدامات الأخرى ~~لها، مثل الإفطار القاري أو ما كانت والدتي تدعوه «لحاف قاري»؛ وهذا يعني أنه مصطلح ~~جغرافي أو «اسم مكاني» يشير إلى شيء يحدث في مكان معين، وهو أوروبا القارية. والصفة ~~تكشف عن تمييز بين القاري وما هو غير قاري؛ أي تمييز، من وجهة نظر البريطاني، غالبا ما ~~يخاطر بتوطيد اختلاف بين البريطاني والقاري؛ حيث يعرف هذا الأخير على أنه أجنبي ~~وغريب ودخيل، ويعرف الأول على أنه غير أجنبي ووطني ومألوف. على هذا النحو، فإن مفهوم ~~«قاري» يشير إلى المسائل التي تبدو مستعصية على الحل ومزعجة إلى ms034 حد ما، والخاصة ~~بالجغرافيا السياسية، والتي تتمثل تحديدا فيما إذا كانت بريطانيا هي المنفصلة عن ~~أوروبا القارية أم العكس (تذكر العنوان الرئيسي السيئ السمعة الذي ظهر بإحدى الصحف : ~~«ضباب على القناة الإنجليزية، وانعزال عن أوروبا القارية»). # شكل 3-1: لوحة لبيتر بول روبنس (1577-1640)، بعنوان «الفلاسفة ~~الأربعة». # أرغب الآن في تقديم ادعاءين حول المعنى التاريخي للفلسفة القارية؛ أولهما هو أنه ~~«وصف ذاتي أكاديمي» على نحو أساسي؛ أي إنه وسيلة ينظم بها الفلاسفة وأقسام الفلسفة ~~أبحاثهم ومحاضراتهم، ويشيرون من خلالها لانتماءاتهم الفكرية. وبهذا المعنى، الفلسفة ~~القارية هي سمة لإضفاء الطابع الأكاديمي على الفلسفة. وبهذا المعنى المحدد، مفهوم ~~الفلسفة القارية هو مفهوم حديث. وعلى الرغم من عدم وجود إجماع بشأن الأصل الدقيق لمفهوم ~~الفلسفة القارية كوصف ذاتي أكاديمي، فإنه لم يظهر كتوصيف للدورات الدراسية الجامعية ~~وتلك الخاصة بالدراسات العليا في الفلسفة قبل سبعينيات القرن العشرين. ومن الواضح أن ~~هذا حدث في الولايات المتحدة الأمريكية قبل بريطانيا؛ حيث قدمت أول دورات دراسية في ~~مرحلة الدراسات العليا في الفلسفة القارية في جامعة إسكس وجامعة وريك في أوائل ~~ثمانينيات القرن العشرين. في السياق الأمريكي، وإلى حد أقل في بريطانيا، حل مصطلح ~~«الفلسفة القارية» محل المصطلحات الأقدم «الفنومينولوجيا» أو «الفنومينولوجيا ~~والفلسفة الوجودية». وحفظت هذه المصطلحات في أسماء الجمعيات الأكاديمية المرتبطة على ~~نحو وثيق بالفلسفة القارية في العالم الناطق بالإنجليزية؛ «جمعية الفنومينولوجيا ~~والفلسفة الوجودية» التي تأسست في عام 1962، و«الجمعية البريطانية للفنومينولوجيا» ~~التي تأسست في عام 1967. إذن، يبدو أنه في فترة ما بعد الحرب كانت الفلسفة القارية ~~مرادفة على نطاق واسع للفنومينولوجيا (في رداء وجودي في كثير من الأحيان)، وهي ~~الحقيقة التي تنعكس أيضا من خلال بعض عناوين الكتب الأمريكية التقديمية من ستينيات ~~القرن العشرين: «دعوة للفنومينولوجيا» (1965)، و«الفنومينولوجيا في أمريكا» (1967). ~~وربما يدلل على ذلك أن العنوان الأخير خضع لمحاكاة وتغيير في عام 1983 بظهور كتاب ~~آخر حول نفس الموضوع ولكن بعنوان «الفلسفة القارية في أمريكا». والسبب في أن حل ~~مصطلح «الفلسفة القارية» محل مصطلح «الفنومينولوجيا» ليس واضحا تماما، ولكن ms035 يبدو ~~أنه قدم للأخذ في الاعتبار الحركات الفكرية الفرنكوفونية ما بعد البنيوية العديدة، ~~التي كانت مختلفة على نحو كبير عن الفنومينولوجيا وغالبا ما كانت معارضة لها؛ إلى ~~حد أقل في أعمال جاك لاكان ودريدا وجان فرانسوا ليوتار، وإلى حد أكبر في أعمال ~~جيل دولوز وميشيل فوكو. # ويمكن ملاحظة هذا التقسيم الموجود في الواقع بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية ~~في ظواهر ثانوية فلسفية متنوعة، مثل توصيف الوظائف الذي يطلب «متخصصين في الفلسفة ~~القارية»، وقوائم أعمال الناشرين التي تخصص عادة في الجزء الأخير منها صفحات خاصة ~~للفلسفة القارية. وكما يؤكد جون سيرل برضى، توجد هيمنة أكاديمية شبه كاملة للفلسفة ~~التحليلية في العالم الناطق بالإنجليزية؛ حيث تشعر أنواع الفلسفة غير التحليلية - مثل ~~الفنومينولوجيا - بأنه من الضروري تحديد موقفها فيما يتعلق بهذه الهيمنة. ومع ذلك، ~~على الرغم من هذه الهيمنة التي لا شك فيها، توجد جامعات في المملكة المتحدة وأيرلندا ~~وكندا وأستراليا تتخصص في الفلسفة القارية، وغيرها الكثير في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، معظمها من الجامعات الكاثوليكية، مع وجود بعض الاستثناءات البارزة. في أقسام ~~وكليات الفلسفة، حيث تكون الفلسفة التحليلية هي المهيمنة، غالبا ما توجد دورة دراسية ~~أو ورقة بحثية حول «الفلسفة الأوروبية الحديثة»، أو «فلسفة ما بعد كانط»، أو ~~«الفنومينولوجيا والوجودية»، وهي الدورات التي كثيرا ما تبدأ استجابة لرغبة الطلاب، ~~والتي عادة ما تكون كبيرة جدا في هذا المجال. وأيضا، يمكن القول إن تأثير الفلسفة ~~القارية في العالم الناطق بالإنجليزية، ولا سيما في نسخها الفرنكوفونية الأحدث، أقوى ~~بكثير خارج أقسام الفلسفة من داخلها؛ حيث إنها أثرت على نحو حاسم في العديد من ~~الابتكارات النظرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية: في النظرية الأدبية، والتاريخ، ~~والنظرية الفنية، والنظرية السياسية والاجتماعية، والدراسات الثقافية، وعلم التأريخ، ~~والدراسات الدينية، والأنثروبولوجيا، فضلا عن المناقشات في مجالات الفنون الجميلة ~~والهندسة المعمارية والنسوية، والتحليل النفسي. وعموما، يتم الترحيب بأفكار الفلسفة ~~القارية في العالم الناطق بالإنجليزية - على نحو معبر وملحوظ - خارج أقسام ~~الفلسفة. # ومع ذلك، إذا كانت هذه هي نهاية القصة، فإن المناقشات حول ms036 الفلسفة القارية ستكون ذات ~~أهمية عامة قليلة، مثل الخلافات الأكاديمية الأخرى في العلوم الإنسانية والعلوم ~~الاجتماعية. ولشرح الانفعال الشديد المستمر الذي يسود النزاعات المحيطة بالفلسفة ~~القارية التي ظهرت في رفض كوينتن وصدمة باطاي، فإنه لا بد من تقديم ادعاء ثان؛ وهذا ~~الادعاء بالتحديد هو أن مفهوم الفلسفة القارية كوصف ذاتي أكاديمي أكثر إثارة للخلاف ~~والإزعاج؛ لأنه يحجب معنى «ثقافيا» أقدم، ويعود إلى الجدل حول علاقة بريطانيا ~~والعالم الناطق بالإنجليزية بأوروبا القارية، وهو الجدل المتقد بشدة في السياسة ~~البريطانية المعاصرة على سبيل المثال. وبهذا المعنى، فإن المسائل المتعلقة بتحديد ~~هوية تقليد فلسفي ما، تصبح واقعة على نحو خطير في شرك التحيزات الأيديولوجية ~~للجغرافيا السياسية الظاهرة في مفاهيم غامضة ومضللة، مثل: «التجريبية البريطانية»، ~~و«العقلانية الفرنسية»، و«الميتافيزيقا الألمانية»، وما إلى ذلك. ~~(3) حالة جون ستيوارت مل المثيرة للاهتمام # التاريخ الفكري للعلاقة الفلسفية بين بريطانيا وأوروبا القارية يعود على الأقل إلى ~~أواخر القرن السادس عشر والقرن السابع عشر؛ حيث ظهور الفلسفة في شكل مكتوب باللغات ~~المحلية الوطنية مثل الفرنسية والإنجليزية وليس اللغة اللاتينية. ومن المعالم التاريخية ~~ذات الصلة في هذا الإطار نشر مؤلف مونتين «المقالات» بالفرنسية في عام 1580، وكتاب ~~فرانسيس بيكون «تقدم المعرفة» بالإنجليزية في عام 1605. لكن البعد الرئيسي الذي ~~يفسر ظهور شيء يمكن للمرء تعريفه بأنه «الفلسفة القارية»، يبدأ في اعتقادي بعد ذلك ~~بفترة طويلة، مع استقبال فلسفة كانط والمثالية والرومانسية الألمانية في إنجلترا في ~~السنوات التي تلت قيام الثورة الفرنسية. وتتمثل الشخصية الرئيسة في هذا الإطار في ~~الشاعر صامويل تيلور كولريدج وفهمه المؤثر - وإن كان غريبا وشاذا - للمثالية ~~والرومانسية الألمانية. ومن المهم جدا في هذا الصدد أيضا اثنتان من المقالات ~~الطويلة، كتبهما جون ستيوارت مل حول جيرمي بنثام وكولريدج، وظهرتا في دورية «لندن آند ~~ويستمنستر ريفيو» في عامي 1832 و1840 على التوالي. وفيما يتعلق بالتأثيرات الفلسفية ~~الألمانية على كولريدج، يتحدث مل عن «فلاسفة الفلسفة القارية» و«الفلسفة القارية»، ~~كما يتحدث أيضا عن «المذهب الألماني الكولريدجي» و«الفلسفة الفرنسية». يكتب مل في ~~بداية مقالته عن كولريدج ms037 قائلا: # من يستطع فهم المقدمات المنطقية لفكر كولريدج وبنثام والجمع بين ~~منهجيهما، فسوف يستوعب الفلسفة الإنجليزية بأكملها في عصرهما. اعتاد كولريدج ~~قول إن كل شخص يولد إما أفلاطونيا وإما أرسطيا؛ وربما يمكن التأكيد على ~~نحو مماثل بأن كل إنجليزي في وقتنا الحاضر يكون ضمنيا إما بنثاميا وإما ~~كولريدجيا؛ أي يحمل آراء حيال الشئون الإنسانية، والتي يمكن إثبات صحتها ~~فقط من خلال مبادئ بنثام أو تلك الخاصة بكولريدج. # الفكرة المثيرة للاهتمام هنا هي أن الجمع بين بنثام وكولريدج يمنح المرء الفلسفة ~~الإنجليزية الكاملة لعصرهما. يرجع هذان الاتجاهان إلى سؤالين: إذ يعتقد مل أن بنثام ~~يطرح السؤال التالي بشأن أي مذهب قديم أو رأي سائد: «هل هو صحيح؟» في حين يطرح كولريدج ~~السؤال التالي: «ما معناه؟» إذن، «الفلسفة القارية» معنية بالمعنى، في حين أن مذهب ~~بنثام المقابل لها معني بالصحة. ومن حيث المخطط المذكور في الفصل الأول، إذا كان ~~بنثام معنيا بمسألة المعرفة، فإن كولريدج معني بمسألة الحكمة. # بطبيعة الحال، من المغري للغاية تحليل ما يقوله مل هنا نفسيا؛ لأنه في شتاء عام ~~1826-1827، عندما كان في سن العشرين، عانى من «أزمة نفسية» شديدة. فسأل مل نفسه - مثل ~~الكثير من الشباب - ما إذا كان سيصبح سعيدا إذا تحققت كل أهدافه في الحياة، واضطر ~~للإجابة بأنه لن يكون سعيدا. إن نفعية التعليم غير العادي الذي خضع له مل أنتجت ~~معرفة ولكنها لم تكن كافية للحكمة، فضلا عن السعادة بالطبع. تغلب مل جزئيا على ~~اكتئابه من خلال قراءة قصائد وردزوورث قائلا في هذا الصدد: «يبدو أني تعلمت منها ما ~~سيكون المصادر الدائمة للسعادة.» تعلم مل - بحسب قوله - أنه «ليس شجرة أو حجرا»، ~~وأدى ذلك لمعارضته لحكم بنثام بأن «الشعر ليس أفضل من لعبة الدبابيس». وحكم مل أنه كان ~~أفضل بكثير من لعبة الدبابيس، وانغمس في قراءة أعمال أتباع كولريدج، وأسلافهم ~~الألمانيين، مثل جوته، الذي أعجب مل ب «تعدد جوانبه»، واللغوي والفيلسوف الإنسانوي ~~فيلهلم فون همبولت. وعندما سئل من قبل المؤرخ توماس كارليل عما إذا ms038 كان قد غير ~~نظرته للأمور تماما، أجاب مل مشيرا إلى المنطق الذي ربي عليه: «أنا أومن ~~بالنظارات.» ولكنه أضاف: «ولكني أومن أن العيون ضرورية أيضا.» # شكل 3-2: رسم كاريكاتيري لجون ستيوارت مل (1806-1873). # بالعودة إلى مقالتي مل، بنثام هو «المدمر» العظيم، أو «بلغة فلاسفة التقليد ~~القاري: هو المفكر «النقدي» العظيم في عصره وبلده». وهو يباشر هذا النقد المدمر ~~باستخدام طرق التحليل المنطقي والحس التجريبي السليم للسعي وراء حقيقة «الأمور ~~العملية». بالنسبة إلى مل، بنثام هو امتداد عملي التفكير لشك هيوم نقل على وجه ~~الخصوص إلى نطاقي القانون والحكم. وما يستحق بنثام الثناء عليه هو أنه استخدم هذه ~~المواهب الناقدة بروح المصلح الاجتماعي من أجل تحسين الصالح العام. من ناحية أخرى، لم ~~يكن كولريدج مهتما بالسعي وراء حقيقة الأشياء، ولكن بالسعي وراء معناها. على هذا ~~النحو، ليس هذا المنهج مدمرا للمذاهب والتقاليد الفلسفية السائدة، وإنما يقدم ~~إعادة بناء تأويلية لمعنى هذه المذاهب والتقاليد. بمصطلحات معاصرة، وبالتفكير في ~~أعمال كوينتن سكنر المهمة، فإنه يمكن للمرء أن يطلق عليها منهجا «سياقيا» لتناول ~~الأمور؛ بمعنى أنه إذا أردنا أن «نفهم» معنى ممارسة أو حدث معين أو بالطبع نص في ~~الواقع، فإن علينا تحديد نشأته التاريخية ووضعه في إطار شبكة الحياة الاجتماعية ~~والسياسية المعقدة؛ وبهذا المعنى - وربما على نحو مفاجئ - فإن «الفلسفة القارية ~~الكولريدجية» هي المحافظة على التقليد والعدو الكبير للثورات الاجتماعية، في حين أن ~~فلسفة بنثام هي المدمرة للتقليد وصديقة التغيير والتقدم الاجتماعيين. والمرء معتاد ~~على التفكير في التمييز بين هذين التقليدين أو الاتجاهين على عكس ذلك؛ حيث تكون الفلسفة ~~التحليلية محافظة ومنغلقة فيما يشبه غرفة استراحة الأساتذة الجامعيين الذين يرتدون ~~ملابس تقليدية، والفلسفة القارية هي المقابل غير التقليدي للحذق العصري. وسوف نحظى على ~~نحو مثير للاهتمام بفرصة تناول تقسيم سياسي مقابل في الصراع بين كارناب وهايدجر؛ حيث ~~الأول إصلاحي وتقدمي، في حين أن الثاني - في أسوأ أحواله - رجعي ومحافظ. # ويمكننا عرض مخطط لبعض التقابلات المستقاة من مقالتي مل على النحو التالي: # بنثام # كولريدج ms039 # الحقيقة # المعنى # التدمير النقدي # إعادة البناء التأويلية # التغيير الاجتماعي والإصلاح # المحافظة الاجتماعية # التقدم # التقليد ~~(فلسفة تحليلية) ~~(فلسفة قارية) # بالنظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فإن التمييز بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية ~~ليس تمييزا جغرافيا بين مكانين مختلفين، مثل بريطانيا وأوروبا القارية، بل هو اختلاف ~~داخلي بالنسبة إلى ما يمكن تسميته ب «العقل الفلسفي الإنجليزي». بعبارة أخرى، هو اختلاف ~~يرتبط بثقافة معينة؛ ثقافة من ثم منقسمة داخليا ومذهبية بالكامل. ويعبر مل عن هذه ~~النقطة ببراعة، مقارنا الصراع الفلسفي بالتعصب الديني بقوله: # روح الفلسفة في إنجلترا - مثل تلك الخاصة بالدين - لا تزال مذهبية على نحو ~~شديد؛ فالمفكرون المحافظون والليبراليون، وأنصار الفلسفة المتعالية والمعجبون ~~بهوبز ولوك، يرى بعضهم بعضا خارج حدود ملة الخطاب الفلسفي، وينظر بعضهم إلى ~~أفكار بعض باعتبارها فاسدة من جراء خطيئة أولى؛ مما يجعل دراستها برمتها - ~~إلا لأغراض الهجوم عليها - غير مجدية، إن لم تكن ضارة. # على الرغم من أن هذا مكتوب منذ أكثر من مائة وخمسين سنة، فإنه ربما يكون وصفا جيدا ~~للطريقة التي يرى بها كثير من الفلاسفة أعداءهم في المجال من الجانب الآخر للهوة - أو ~~الرواق بين الأقسام - التي تفصل بينهم. وتخاطر الفلسفة الأكاديمية بأن تكون مذهبية مثل ~~الصراع الديني الذي يدرس فيه المرء عدوه فحسب من أجل التحضير للهجوم عليه. ولكن ~~دعنا لا نطيل النظر في هذه التفاصيل السيئة. # ما الذي يمكن القيام به حيال ذلك إذن؟ يقدم مل الاقتراح التالي المثير للاهتمام: # من بين الحقائق التي أدركها فلاسفة التقليد القاري منذ فترة طويلة، ولكن لم ~~يتوصل إليها من الفلاسفة الإنجليز سوى عدد قليل جدا حتى الآن؛ حقيقة أهمية ~~أساليب تفكير المعارضة، في الحالة الناقصة الحالية التي عليها العلوم النفسية ~~والاجتماعية؛ والتي هي ضرورية لكل منها في التفكير، مثل الضوابط والتوازنات ~~بين سلطات الدولة في أي دستور سياسي. وفي الواقع، الإدراك الواضح لهذه الضرورة ~~هو الأساس المنطقي أو الثابت الوحيد للتسامح الفلسفي ... # ويمضي مضيفا أن الخطر الكبير في الأمور الفلسفية: # لا يتعلق بالاعتقاد بالباطل بدلا من الحقيقة، ms040 بقدر تعلقه بسوء فهم جزء من ~~الحقيقة على أنها الحقيقة بالكامل. وقد يكون من المعقول القول إنه تقريبا في ~~كل جدال من الجدالات الرئيسية، في الماضي أو الحاضر، في الفلسفة الاجتماعية، ~~كان كلا الجانبين محقين فيما أكداه، على الرغم من أنهما مخطئان فيما ~~أنكراه، وإنه لو بذل أحدهما بعض الجهد لتبني وجهة نظر الآخر بالإضافة إلى ~~وجهة نظره، لكان سيحتاج للقليل من العمل حتى يثبت صحة مذهبه. # يمكن التقاط عدد من الخيوط من هذه الفقرة؛ بداية، ثمة حقيقة شائعة فيما يتعلق ب ~~«الفلسفة القارية»؛ وهي الحاجة لأساليب تفكير معارضة؛ وهذا يعني أن الحقيقة لا يمكن ~~العثور عليها في أي جزء من الكل، ولكن من خلال تأمل الكل على ما هو عليه. وعلى الرغم ~~من أن مل لم يأت على ذكر هيجل، فإن هذه فكرة هيجلية خالصة؛ قريبة من مفهوم «الجدل» ~~عند هيجل. يقول هيجل في تمهيد كتابه «فنومينولوجيا الروح»: «الحقيقي هو الكل.» وهذا ~~يعني أنه إذا أراد المرء الوصول للحكمة والمعرفة الحقيقية في الأمور الفلسفية (ما ~~يسميه هيجل «المعرفة المطلقة»)، فلا بد أن يستعرض المجموعة الكبيرة المتنوعة من ~~الأطروحات والمواقف التي تشكل تاريخ وحاضر الفلسفة حيث يعبر كل منها عن حبة من ~~حبات الحقيقة. ويسبب اختيار حبة واحدة من هذه الكومة خطر عدم الحصول على رغيف الخبز ~~المغذي، الذي يمكن للمرء خبزه من كمية الحبوب الكاملة. # يقارن مل الحاجة لمثل هذه المعارضة أو الجدل بالضوابط والتوازنات التي تشكل جزءا ~~أساسيا من النظام الليبرالي والديمقراطي للحكم. أحد المبررات لوجود نظام حزبي تنافسي ~~في الحكم هو أنه من واجب المعارضة أن تتحقق باستمرار من سياسات وتشريعات الحزب المشكل ~~للحكومة، والعكس صحيح عندما تعكس الأدوار. من وجهة نظر مل المتفائلة، الخطأ في ~~الفلسفة هو سوء فهم جزء من الحقيقة على أنها الحقيقة بأكملها، أو كما يشير هيجل، وضع ~~الخوف من الخطأ في مكانة أعلى من الرغبة في الحقيقة. بهذا المعنى، لا يتمحور الأمر ~~حول مسألة البت فيما إذا كان بنثام أم كولريدج هو ms041 المحق، ولكن يتمحور حول رؤية كلا ~~الاتجاهين الفلسفيين بمنزلة تعبير متحد عن حقيقة أكبر - وهي أن البشر مهتمون ~~بمسألتي المعرفة والحكمة على حد سواء - وأن الأمر يتطلب النظارة للنظر من ~~خلالها، والعينين للرؤية بهما. تتطلب الفلسفة التدمير النقدي والمنطقي وإعادة البناء ~~التأويلية المتأنية؛ بمعنى أن الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية نصفان لكل ثقافي ~~أكبر، ولن تتحقق الحقيقة في الأمور الفلسفية من خلال التأكيد على جانب واحد وإنكار ~~الآخر، ولكن كما يقول مل من خلال: «تبني وجهة نظر الآخر بالإضافة إلى وجهة ~~نظره.» ~~(4) ثقافتان في الفلسفة # ذكرت باختصار ادعاءين تاريخيين حول الفلسفة القارية؛ إنها وصف ذاتي أكاديمي وسمة ~~ثقافية. وباعتبارها وصفا ذاتيا، فإن الفلسفة القارية شر لا بد منه - ولكن ربما ~~عابر - ناتج عن إضفاء الطابع الأكاديمي على المجال. وكسمة ثقافية، تعود الفلسفة ~~القارية على الأقل إلى عصر مل، وما يمكن تعلمه من آرائه هو أن الفصل بين التقاليد ~~الفلسفية هو تعبير عن صراع (وعلاوة على ذلك صراع مذهبي) داخلي لدى «الإنجليزية» وليس ~~تقسيما جغرافيا بين العالم الناطق بالإنجليزية وأوروبا القارية. وعلى هذا النحو، ~~فإن الهوة بين الفلسفة التحليلية والقارية هي تعبير عن انقسام ثقافي عميق بين عادات ~~فكر مختلفة ومتعارضة؛ دعنا نسمها البنثامية في مقابل الكولريدجية، أو ~~التجريبية-العلمية في مقابل التأويلية-الرومانسية. النقطة الأعمق التي يود مل ~~التأكيد عليها، هي أن حقيقة الأمور الفلسفية والثقافية، أيا ما قد تكون، لا يمكن ~~العثور عليها عن طريق اختيار أحد الجانبين؛ ومن ثم سوء فهم جزء على أنه الكل. بل ~~الحقيقة - بكلمات هيجل - هي كل، والكل يجب فهمه في سياق حركته المنهجية وتطوره ~~التاريخي. وآمل أن يسهم هذا الكتاب في اتجاه هذا الفهم. # في اعتقادي أن كثيرا من العداء والشك الذي يبديه فلاسفة التقليد التحليلي تجاه ~~الفلسفة القارية، يحدث بسبب خلط هذين الادعاءين - الأكاديمي والثقافي - على نحو ضار ~~وتبني أحد الجانبين. ولكن هذا العداء ليس دائما من جانب واحد؛ فبالإضافة إلى ~~البهيمية البنثامية لبعض فلاسفة التقليد التحليلي، يمكن أيضا أن يقال إنه ينشأ من ~~الجنون ms042 الكولريدجي لبعض فلاسفة التقليد القاري، عندما فشلوا في فهم أحوال موقعهم ~~الثقافي والتحدث بلغة أهلهم؛ على سبيل المثال: يعد هايدجر ودريدا من الفلاسفة ~~العظام، ولكن لا يوجد سبب على الإطلاق للكتابة مثلهما باللغة الإنجليزية. وكانت النتيجة ~~تقليدا محرجا للآخرين في أحسن الأحوال، وكلاما غير مفهوم في أسوأ الأحوال. ما ينبغي ~~على فلاسفة التقليد القاري فهمه إذن هو «إنجليزية» الفلسفة القارية. وعلى الرغم من أنني ~~لا أستطيع أن أخوض في هذا هنا، فإني أعتقد أنه يمكن تقديم ملاحظات مماثلة عن «أمريكية» ~~أو «أسترالية» أو «كندية» الفلسفة القارية - على سبيل المثال - في العالم الناطق ~~بالإنجليزية. # بعبارة أخرى، يوجد نوعان من الثقافات في الفلسفة، ولن يتغير في الفلسفة، أو في ~~الواقع في الثقافة، سوى القليل، حتى يتم النظر في هذا الوضع على نحو ملائم. وبعد ما ~~يقرب من مائة وعشرين عاما على نشر مقال مل حول كولريدج، في 7 مايو عام 1959، ألقى سي ~~بي سنو محاضرة ريدي الشهيرة في جامعة كامبريدج، وفيها حلل فقدان الثقافة المشتركة ~~وظهور ثقافتين مختلفتين: تلك التي يمثلها العلماء من جهة، وتلك التي يمثلها من ~~سماهم سنو ب «المفكرين الأدبيين» من جهة أخرى. فإذا كان العلماء يؤيدون الإصلاح ~~الاجتماعي والتقدم من خلال العلم والتكنولوجيا والصناعة، فإن المفكرين هم من سماهم ~~سنو «اللوديين الطبيعيين» في فهمهم للمجتمع الصناعي المتقدم وتعاطفهم معه. وبعبارة مل، ~~فإن التقسيم يقع بين البنثاميين والكولريدجيين. وفي كتاب «الثقافتان: نظرة ثانية» ~~(1963)، الذي كتبه سنو بعد سنوات من الجدل الشديد في بعض الأحيان، الذي سببته ~~محاضرته التي ألقاها في عام 1959، قدم الملخص التالي لحجته الرئيسية بأسلوبه ~~النثري المقتصد البارع: # في مجتمعنا (أي المجتمع الغربي المتقدم) فقدنا حتى التظاهر بوجود ثقافة ~~مشتركة؛ فالأشخاص المتعلمون الذين نعرف أنهم تلقوا تعليما مكثفا ~~للغاية، لم يعودوا قادرين على التواصل بعضهم مع بعض على مستوى اهتماماتهم ~~الفكرية الرئيسية. وهذا أمر خطير بالنسبة إلى حياتنا الإبداعية والفكرية، ~~وحياتنا الطبيعية قبل كل شيء. وذلك يقودنا إلى تفسير الماضي على نحو خاطئ، وسوء ~~الحكم على الحاضر، ms043 والحرمان من آمالنا للمستقبل. وهذا يجعل من الصعب أو من ~~المستحيل بالنسبة إلينا اتخاذ الخطوات المناسبة. # قدمت المثال الأبرز على افتقاد التواصل هذا في صورة مجموعتين من ~~الأشخاص تمثلان ما سميته «الثقافتين». تتضمن إحدى هاتين المجموعتين ~~العلماء، الذين لا حاجة بنا إلى التأكيد على قيمتهم وإنجازاتهم وتأثيرهم؛ ~~وتتضمن الأخرى المفكرين الأدبيين. وأنا لم أقصد أن هؤلاء المفكرين بمنزلة ~~صناع القرار الرئيسيين في العالم الغربي، وإنما قصدت أنهم يعبرون عن حالة ~~الثقافة غير العلمية، وإلى حد ما يشكلونها ويتنبئون بها؛ فهم لا يصنعون ~~القرارات، ولكن كلامهم يتسرب إلى أذهان من يقومون بذلك. وبين هاتين ~~المجموعتين - العلماء والمفكرين - يوجد تواصل ضئيل، وشيء من العداء، بدلا من ~~التشارك في بعض الاهتمامات. # كان القصد من هذا وصفا للحالة الراهنة للأمور، أو تقريبا أوليا بسيطا ~~جدا لها. وهذا وضع كرهته بشدة، وأعتقد أنه وضح على نحو ملائم. # التشابه هنا مع ملاحظات مل واضح، لا سيما العداء الذي يشعر به ممثلو كلتا الثقافتين ~~بعضهم تجاه بعض. وكما هي الحال مع مل، فإنه من المغري إخضاع جهود سنو للتحليل النفسي. ~~حصل سنو على شهادته الجامعية في الكيمياء بتفوق عام 1927، وفي عام 1928 بدأ العمل ~~للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة كامبريدج، وذلك في مختبر كافنديش الشهير على مستوى ~~العالم الذي كان يرأسه اللورد رذرفورد. ووصل النجاح إلى أن أصبح عالما بحثيا ~~متميزا، وأصبح في عام 1964 الرجل الثاني في وزارة التكنولوجيا المنشأة حديثا على يد ~~هارولد ويلسون. ومع ذلك، كان لديه دائما شغف بالأدب، وفي عام 1932، نشر قصة بوليسية ~~بعنوان «موت تحت الشراع»، تبعتها سلسلة «غرباء وإخوة» التي وصل عدد رواياتها إلى ما لا ~~يقل عن إحدى عشرة، حظيت بشعبية كبيرة؛ ومن ثم، وبطرق عديدة، كان تعبيره عن أزمة ~~الثقافتين يمثل صرخة استغاثة من القلب. ومع ذلك، كما هي الحال مع مل، كانت تلك ~~الأزمة أيضا جزءا من مرض ثقافي أكبر. # تعرض سنو لهجوم شرس على شخصه من قبل الناقد الأدبي والثقافي الأبرز في عصره إف آر ms044 ~~ليفيس، الذي هاجم «قدرة سنو على الإقناع الزائف المتعدد الجوانب» ونقص الفهم الأدبي ~~لديه. وتجاهل سنو على نحو صحيح تلك المحاولات النخبوية لتجاهل المشكلة، ولكن من ~~الواضح أن ما تكشف عن مناقشات سنو وليفيس كان هو الصراع الذي أصبح الآن معروفا بين ~~بنثام وكولريدج، صراع النفعية في مقابل الرومانسية. في الواقع، هذا اشتباك مألوف في ~~التاريخ الثقافي الإنجليزي. وكمثال أخير، تاريخيا، ثمة خلاف بين تي إتش هكسلي وماثيو ~~أرنولد في الفترة ما بين مل وسنو. باختصار، أيد هكسلي في محاضرة في عام 1880 ألقاها ~~في برمنجهام - التي كانت تعد حينها المحور الصناعي لبريطانيا - التعليم العلمي في ~~مقابل التعليم التقليدي السائد الذي كان يسيطر على الجامعات حينها. ورد أرنولد في ~~محاضرة ريدي في عام 1882 في جامعة كامبريدج بعنوان «الأدب والعلم»، بالزعم بأن الأدب ~~والعلم يمكن دمجهما في فهم أوسع وجرماني أكثر للعلم باعتباره المعرفة بمعناها الواسع. ~~وعلى الرغم من كونه ردا بناء، فإن المقصد الحقيقي يظهر في معارضة أرنولد الراسخة ~~لتنقيح الفكر الجامعي التقليدي؛ ومن ثم فإن نفس القصة تستمر، ومما لا شك فيه أنه ~~ستظهر صور أخرى أكثر معاصرة منها. # ومن ثم، فإن اقتراحي هو أن علينا فهم التقسيم الحالي للفلسفة في ضوء نموذج ~~الثقافتين؛ حيث إن الصراع بين قطبي هذا العداء يشكل ما نراه كثقافة. وعلى هذا النحو، ~~من غير المرجح مطلقا أن يختفي أي من هذين القطبين أو كلاهما. وكما يقول مل، توجد ~~حقيقة في هذا العداء عرفها «فلاسفة التقليد القاري» لبعض الوقت. وأفضل ما يمكن أن نأمله ~~هو أن يقتنع طرفا هذا العداء على الأقل بوجهة النظر القائلة بأن وجود الطرف الآخر أمر ~~مشروع، وأنه ربما يوجد شيء لديه يمكن مناقشته، وفي أحسن الأحوال، التعلم ~~منه. # العلاج الذي قدمه سنو للتعامل مع هذا التقسيم الفلسفي والثقافي بسيط جدا، ويمكن ~~تلخيصه في كلمة واحدة: «التعليم». ومن وجهة نظري، إنه لا يزال محقا. وقد أدى هذا ~~التشخيص الثقافي الذي قدمه سنو - على نحو مباشر إلى حد ما - إلى ms045 ظهور تقرير روبنز ~~حول التعليم العالي في عام 1963، وإلى تأسيس عدد من «الجامعات الجديدة»: ساسكس، ووريك، ~~ويورك، وكيل، وكينت، وإيست أنجليا، وجامعتي التي ارتدتها إسكس. وكان الهدف الضمني ~~لهذه الجامعات هو معالجة مشكلة الثقافتين بالإصرار على حصول الطلاب على تعليم شامل؛ حيث ~~ينبغي على علماء العلوم الطبيعية دراسة موضوعات من العلوم الإنسانية والاجتماعية، ~~والعكس صحيح. ومن الحقائق المحزنة أنه نتيجة للهجوم على الجامعات الذي شنته حكومة ~~تاتشر في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، تخلت هذه المؤسسات عن هذه المهمة إلى حد ~~كبير، واحتل مكانها طلسم «تعدد التخصصات» المبهم. # وأخيرا، ربما نتأمل حجة ستيفن تولمين في كتاب «المدينة العالمية»؛ حيث يقول بجرأة إن ~~هناك ثقافتين لأن هناك بدايتين للحداثة؛ إحداهما إنسانية، والأخرى عقلانية. إذا كان اسم ~~ديكارت يرتبط عادة بهذه الأخيرة، فإن رأي تولمين هو أن الحداثة العلمية التي تبدأ في ~~العقود الأولى من القرن السابع عشر تحجب - بل تشوه أيضا - الحداثة الإنسانية التي ~~يمكن تتبع أصلها إلى التشكك الإنساني العملي التفكير لمؤلف «المقالات» لمونتين، الذي ~~ظهر في عام 1580. بالنسبة إلى تولمين، كان هناك مسار مزدوج غير محدد للحداثة - ~~بجانبيه الإنساني والعلمي - أدى إلى انهيار أو تفكك وحدة النظرية والتطبيق، أو ~~الحقيقة والمعنى، أو المعرفة والحكمة. ويتمثل اقتراح تولمين المتفائل (مفرط التفاؤل ~~في رأيي، ولكنه مثير للإعجاب مع ذلك) في أننا بحاجة إلى أنسنة الحداثة، وللقيام بذلك ~~نحتاج إلى بعث الفلسفة العملية من جديد. ويعيد تنشيط كتابات فيتجنشتاين اللاحقة التشكك ~~الإنساني لمونتين ويجدد الدافع العملي للتفلسف. يقول تولمين في هذا الصدد: # إذا كانت الثقافتان لا تزالان منفصلتين، فإن هذا ليس سمة خاصة ببريطانيا ~~القرن العشرين وحدها؛ فهي تذكير بأنه كان للحداثة نقطتا انطلاق مختلفتين؛ واحدة ~~إنسانية متأصلة في الأدب الكلاسيكي، وأخرى علمية متأصلة في الفلسفة الطبيعية في ~~القرن السابع عشر. # ما لم يوضح حتى الآن هو السبب في عدم رؤية أن هذين التقليدين من البداية ~~متكاملان، وليسا متنافسين. مهما كان المكتسب من جهود جاليليو وديكارت ونيوتن ~~في الفلسفة الطبيعية، فإن شيئا ما ms046 فقد أيضا من خلال التخلي عن إرازموس ~~ورابليه، وشكسبير ومونتين. # الفصل الرابع # | هل تستطيع الفلسفة تغيير العالم؟ النقد والممارسة والتحرر # لا شيء يبدو لي عتيق الطراز أكثر من المثل التحرري الكلاسيكي. # جاك دريدا # بعد أن قدمت في الفصلين السابقين نوعا من السرد التاريخي للفلسفة القارية، دعني ~~الآن أحاول تقديم سرد أكثر منهجية للاختلافات بينها وبين الفلسفة التحليلية. وسوف يأخذنا ~~هذا لاستعراض الدور المهم للتقليد والتاريخ وما يسمى ب «التاريخانية». وسأنهي الفصل ~~باقتراح نموذج معين للممارسة الفلسفية يدور حول ثلاثة مصطلحات: «النقد» و«الممارسة» ~~و«التحرر». وستبدأ هذه المجموعة من المفاهيم - كما آمل - في شرح السبب في كون جانب كبير ~~من الفلسفة في التقليد القاري يهتم بتقديم نقد فلسفي للممارسات الاجتماعية للعالم المعاصر، ~~الذي يطمح نحو فكرة التحرر الفردي أو المجتمعي. بعبارة أخرى، يطلب جزء كبير من الفلسفة ~~القارية منا أن ننظر إلى العالم على نحو ناقد بقصد تحديد نوع من التحول، سواء أكان ~~شخصيا أم جماعيا. وفي رأيي، هذه هي مجموعة الافتراضات التي تعمل في الخلفية التي تربط ~~الفلاسفة الكلاسيكيين مثل هيجل ونيتشه، مع ورثتهم المعاصرين من أمثال يورجن هابرماس وفوكو ~~ودريدا. ~~(1) شخصيات أم مشكلات؟ # يعد ريتشارد رورتي واحدا من عدد قليل من الفلاسفة الناطقين بالإنجليزية، الذين ~~حاولوا على نحو مستمر ومستميت إنهاء التقسيم بين الفلسفة التحليلية والقارية، من خلال ~~العمل في كلا المعسكرين. ولذلك اتهم وعلى نحو غير مبرر من قبل كلا الجانبين أنه ~~يفهم الأمور على نحو خاطئ. وقد مال رورتي لإرجاع أصل كل من التقليدين التحليلي ~~والقاري إلى البراجماتية الأمريكية لجون ديوي. ويشير رورتي إلى أن الفارق بين ~~التقليدين يتمثل على نحو أساسي في حقيقة أن الفلسفة التحليلية تتعامل مع مشاكل، في ~~حين أن الفلسفة القارية تتعامل مع شخصيات. يبدو أن هذا بنحو أو بآخر صحيح لدرجة أن ~~الفلسفة القارية عادة ما تمثل من قبل أشخاص مثلي على هيئة تسلسل زمني لشخصيات ~~تبدأ بكانط، بدلا من النهج القائم على المشاكل الذي يميل المرء إلى ربطه بالفلسفة ~~التحليلية. ولكن يجب ms047 على المرء أن يكون حذرا هنا؛ لأن معيار رورتي للتفرقة بين ~~الفلسفتين يمكن أن يقال إنه نوع من التعميم الذي يؤكد الفكرة النمطية السخيفة، بأن ~~الفلسفة القارية غير مهتمة إلى حد ما بالمشاكل والمحاججة الخاصة بها. # ومع ذلك تعكس ملاحظة رورتي شيئا مثيرا للاهتمام؛ فالكتب والأبحاث والمناقشات حول ~~الفلسفة القارية المعاصرة - سواء أكانت في أوروبا القارية أم العالم الناطق ~~بالإنجليزية - لديها ميل للتركيز على نصوص فيلسوف رئيسي معين، أو تقديم دراسة مقارنة ~~لنصوص اثنين أو أكثر من الفلاسفة. وهكذا، بدلا من كتابة بحث بعنوان «مفهوم الحقيقة»، ~~ربما يكتب المرء بحثا حول «مفهوم الحقيقة عند هوسرل وهايدجر»؛ وبدلا من كتابة بحث ~~حول «النقد الجماعاتي لليبرالية»، يمكن للمرء أن يكتب عن «علاقة نقد هيجل لكانط ~~بالنظرية السياسية المعاصرة»؛ وبدلا من الكتابة عن «حدود النظرية الأخلاقية»، يمكن ~~للمرء أن يكتب عن «العودة الدائمة لنقد نيتشه الجينيالوجي للأخلاق»؛ وبدلا من الكتابة ~~عن «مشكلة الهوية الشخصية»، ربما يكتب المرء حول «مفهوم الذات من كانط إلى دريدا»؛ ~~وهكذا. # ومن الإنصاف أن نقول إن هذه الممارسة في كثير من الأحيان تربك وتغضب الفلاسفة ~~الذين تدربوا على التقليد التحليلي، الذين يصرون على أن فلاسفة التقليد القاري ~~يقدمون تعليقات فحسب ولا يقدمون فكرا جديدا؛ أي إنهم يقدمون فقط «تفسيرا ~~للنصوص» ذا طابع فرنسي، وليس محاججة فلسفية دقيقة. ويرى كثيرون أن هناك ميلا كبيرا ~~جدا نحو التعليق على حساب الأصالة في الفلسفة القارية المعاصرة في العالم الناطق ~~بالإنجليزية. ولكن ما ينقص مثل هذه الانتقادات (ومعيار رورتي)، هو تحديد معالم ممارسة ~~مختلفة للفلسفة بإدراك مختلف تماما لأهمية الترجمة والتعليق والتأويل والتقليد ~~والتأريخ للبحث الفلسفي المعاصر. ليس الأمر أن الفلسفة في التقليد القاري رافضة للتعامل ~~مع المشاكل؛ بل على العكس من ذلك؛ غالبا ما تتناول المشاكل «من الناحية النصية ~~والسياقية»؛ ومن ثم تتطلب أسلوبا مختلفا للتعامل معها، النوع الذي قد يبدو غير ~~مباشر على نحو أكبر. ~~(2) النصوص والسياقات # ستانلي كافيل هو فيلسوف أمريكي كبير آخر رفض على نحو دائم السماح بتصنيف أعماله ms048 تحت ~~النهج التحليلي أو القاري في التفكير. مع ذلك، وعلى النقيض من رورتي، يرى كافيل أن أصول ~~كلتا الفلسفتين تعود إلى تقليد الفلسفة المتعالية الأمريكية المهمل فلسفيا، الذي ~~يعبر عنه على نحو واضح في أعمال رالف والدو إيمرسون وهنري ديفيد ثورو. وكتب كافيل في ~~بداية أعظم أعماله «زعم العقل» (1979) يقول: «كنت أرغب في فهم الفلسفة كمجموعة من ~~النصوص وليس كمجموعة من المشكلات.» ومع ذلك، أعتقد أن هذا يوضح المقصد بقوة كبيرة. ~~وأرى، بدلا من ذلك، أن مختلف التقاليد الفكرية التي شكلت الفلسفة القارية المعاصرة ~~تشكل كوكبة محددة، على الرغم من أنها متغيرة باستمرار من النصوص، سيسطع فيها نجم بعض ~~النصوص على نحو أكبر لفترة من الوقت ثم يخبو، لينجذب انتباهنا إلى ضوء نصوص أخرى. سوف ~~يسطع نجم بعض هذه النصوص مثل النجوم العملاقة الحمراء لتغطي على كل شيء آخر في مجالها، ~~في حين أن البعض الآخر سوف يخبو مثل الثقوب السوداء ويفشل في إصدار أي ضوء. وكما نعلم ~~جميعا، فإن الطريقة التي تبدو عليها السماء ليلا تتحدد عن طريق مكاننا في العالم، ~~وشدة بريق بعض النصوص سوف تعتمد على السياق الذي ينظر إليها من خلاله، وعوامل ~~محتملة أخرى مثل كمية التلوث الفكري في المناخ الثقافي. # ولاختيار صورة واقعية أكثر، نقول إن نصوص التقليد القاري تشكل نوعا من الأرشيف ~~الوثائقي للمشاكل الفلسفية، مع وجود علاقة واضحة بينها وبين سياقها وسياقنا، وهي ~~تتميز بوعي قوي بالتاريخ. وسوف نستخدم مصادر مختلفة من هذا الأرشيف في أوقات مختلفة، ~~اعتمادا على طبيعة المشاكل التي تواجهنا، والتي نسعى إلى إيجاد حلول لها. ولكن ما ~~يميز العديد من النصوص في هذا الأرشيف هو أنها - على غرار أعمال هيجل، وماركس، ~~ونيتشه - تتميز بوعي ذاتي تاريخي قوي لن يسمح بقراءتها دون الإشارة إلى سياقها أو ~~سياقنا. وهذا النهج التاريخي هو النهج الذي اتبعته في الفصلين الثاني والثالث؛ حيث ~~سعيت لتحديد الإشكالية الفلسفية لفكر ما بعد كانط، عن طريق توضيح التاريخ النصي ~~والسياقي لتلك الفترة في العالم الناطق بالألمانية، والظروف ms049 التي وصل فيها هذا الفكر ~~إلى العالم الناطق بالإنجليزية. لا يتمتع هذا النهج فحسب بالميزة الكبيرة المتمثلة ~~في تقديم تاريخ الفلسفة في صورة جيدة للقراءة تجعل المرء راغبا في معرفة المزيد عنها، ~~ولكنها تلمح أيضا إلى أن النقاش الفلسفي المنهجي لا يمكن فصله عن الظروف النصية ~~والسياقية لنشأته التاريخية. # اسمح لي أن أقدم أربعة أمثلة حديثة على ذلك: ~~(1) # كان الاهتمام بكتاب كانط «نقد ملكة الحكم» في ثمانينيات القرن العشرين، ~~وعلى وجه التحديد الاهتمام بمناقشة مفهوم التعالي؛ سببا ونتيجة للمشاكل ~~التي طرحها خلاف الحداثة/ما بعد الحداثة. وعلى هذا النحو، اعتمدت النقاشات ~~الحادة في كثير من الأحيان بشأن ما إذا كانت الحداثة انتهت (وهو موقف ~~جان-فرانسوا ليوتار) أو ببساطة غير مكتملة (وهو موقف هابرماس)؛ على كيفية ~~قراءة المرء لكانط وأي أعماله يختار أن ينصب تركيزه عليها. ولحسن الحظ ~~أصبح هذا الخلاف مبتذلا إلى حد كبير، وتخطته المناقشات. ~~(2) # عندما كنت طالبا جامعيا في تخصص الفلسفة خلال أوائل ثمانينيات ~~القرن العشرين، كان شيلينج اسما لم نسمع به أو سمعناه فقط مرتبطا بنقد ~~هيجل المبكر لعمله. ونشأت زيادة الاهتمام الحديثة بأعمال شيلينج من المشاكل ~~الفلسفية الملموسة في الاستقبال الأنجلو أمريكي للفكر «ما بعد البنيوي» ~~الفرنسي. وأصبح من الواضح أن شكل المحاججة لدى مفكر مثل دريدا، يحمل ~~أوجه تشابه ملفتة للنظر لذلك الخاص بشيلينج، وإذا كانت هذه هي الحال، ~~فربما لم تكن «التفكيكية» طليعية جدا كما كان متصورا سابقا. ~~(3) # يعتبر إيمانويل ليفيناس في الوقت الراهن عموما واحدا من أعظم ~~الفلاسفة الفرنسيين في القرن العشرين. مع ذلك، لاقت أعماله تجاهلا على نحو ~~كبير في فرنسا حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين. ويبدو أن الفيض الحالي ~~للأعمال حول فلسفة ليفيناس كان نتيجة مباشرة للمعلومات الجديدة التي تم ~~الكشف عنها في شتاء عام 1986-1987 حول مدى تورط هايدجر المخزي مع ~~النازية؛ لذلك، ينشأ الاهتمام بأعمال ليفيناس في سياق ضيق الأفق الأخلاقي ~~والسياسي لتفكير هايدجر، وضمنيا التفكير الذي استلهم من هايدجر، لا سيما ~~تفكيكية دريدا. ~~(4) # بالاستثناء الواضح للعمل الرائد لتشارلز تيلور، ms050 كان هيجل حتى وقت قريب ~~بعض الشيء شخصية مغمورة نوعا ما في الفكر الفلسفي الأنجلو أمريكي. ~~والتجدد الحالي للاهتمام بأعمال هيجل ناتج عن المناقشات في الفلسفة ~~الأنجلو أمريكية المعاصرة في أعمال جون ماكدويل وروبرت براندوم وغيرهما، ~~حول قصور الفلسفة الطبيعية والحاجة إلى إيجاد وسيلة لمواءمة الطبيعة مع ~~الحرية أو العقل. # يمكن تقديم أمثلة أخرى من هذا النوع؛ حيث تعمل الفلسفة القارية كنوع من الأرشيف النصي ~~الكبير لمشكلات فلسفية محددة السياق؛ فأية مشكلة فلسفية معاصرة مهمة سوف تؤدي بالمرء ~~إلى استدعاء نص ومجموعة من المفاهيم من هذا الأرشيف. وطريقة مضي المرء قدما من ~~الناحية الفلسفية تكون بالنظر إلى الماضي بطريقة جديدة. # بعبارة أخرى، بالنسبة إلى الفلسفة القارية، فإن المشاكل الفلسفية لا تسقط من السماء ~~جاهزة، ولا يمكن التعامل معها كعناصر في خيال لا تاريخي من «الفلسفة الدائمة». وقراءة ~~المرء لنص فلسفي كلاسيكي من هذا التقليد لا تأخذ شكل نقاش على العشاء في الجامعة، ~~بقدر ما تكون في صورة اجتماع مع شخص غريب من أرض بعيدة بدأ المرء للتو فهم لغته، ~~وبصعوبة. أتذكر - بحرج شديد - تقديم بحث إلى بعض الفلاسفة في إحدى الجامعات ~~البريطانية الكبرى بعد بداية مسيرتي الأكاديمية بقليل، وعلى العشاء، وبعد تحمل حديثي ~~الطويل حول تغير معنى مفهوم الذات من أرسطو إلى ديكارت إلى هايدجر إلى دريدا، سئلت: ~~«لماذا لا يمكنني قراءة أعمال ديكارت كما لو كنت أتناول العشاء معه، تماما مثلما ~~أتناول العشاء معك؟» أجبت بأن ديكارت توفي قبل 350 عاما، بعد أن رأى رأي العين ~~الفوضى الشديدة التي نتجت عن حرب الثلاثين عاما، وأنه كتب باللاتينية والفرنسية، وأنه ~~استخدم أجناسا أدبية معينة مثل مقال السيرة الذاتية (في عمله «مقال عن المنهج»)، ~~والممارسة الروحية (في عمله «تأملات في الفلسفة الأولى»)؛ ولذلك، استنتجت أنه لا يمكن ~~للمرء أن يطلع ببساطة على كل تلك العوامل ليقرر ما إذا كانت حججه صحيحة أم لا. ولا ~~حاجة بي إلى قول إنني فشلت في إقناع محدثي وغيره من الضيوف على العشاء، ولكن المشهد مع ms051 ~~ذلك مفيد في توضيح وجود اختلافات بيننا في النهج الفلسفي. # وهذا يعني أن المشاكل الفلسفية - نصيا وسياقيا - «متجذرة»، وفي الوقت نفسه ~~«منفصلة». وهذا المزيج من التجذر والانفصال ربما هو ما يفسر السبب في أن المشاكل ~~التي تبدو هامشية، الخاصة بالترجمة واللغة والقراءة وفهم النص والتفسير وتأويل ~~التاريخ، لها هذه الأهمية الكبيرة في التقليد القاري. بطبيعة الحال، هذا غالبا ما يترك ~~المرء معرضا للتهمة الغريبة بأنه يسلك مسلكا «أدبيا» بدلا من المسلك «الفلسفي»، ~~كما لو كانت افتراضات الفيلسوف لها علاقة شفافة ودون وساطة بالتجربة؛ وهي الرغبة ~~التي يبدو أنها تقوم على ما سماه ويلفريد سيلرز «وهم المعرفة الموهوبة»، وهي فكرة ~~أن المعرفة الفلسفية تقوم على نحو واضح وصريح على الأمور التي نكون على دراية بها على ~~نحو مباشر أو تكون «مباشرة أمام العقل». ~~(3) التقليد والتاريخ # وهكذا، وعلى الرغم من أن الاعتماد في التفرقة بين التقليد التحليلي والقاري على ~~اختلاف سطحي يتمثل في اعتماد الأول على المشكلات والثاني على الشخصيات، لا يعد ~~كافيا؛ فهو يؤدي إلى أسئلة أعمق حول التقليد والتاريخ، وأهمية هذا الأخير بالنسبة ~~إلى التقليد القاري. ربما أسهل وسيلة وأكثرها إيجازا لتحديد الفارق بين الفلسفتين تكون ~~من حيث ما تراه كل منهما على أنه شكل تقليدها الفلسفي والفلاسفة الذين يمثلون هذا ~~التقليد؛ وهذا يعني أن ما يهم هو التقليد الذي «يشعر» الفيلسوف بالانتماء إليه، مع ~~معرفة من الذي يعتبر سلفا أو مرجعا له (وربما الأهم من ذلك، معرفة من الذي لا ~~يعتبر كذلك؛ وفي بعض الأحيان دون معرفة السبب). وهكذا، في حين أن فيلسوف التقليد ~~التحليلي ربما يرى فريجه وراسل وجي إي مور باعتبارهم مرجعيات له، فإن فيلسوف التقليد ~~القاري ربما يرى هيجل وهوسرل وهايدجر كذلك. وبهذا المعنى، يمكن التفرقة بين الفلسفة ~~التحليلية والقارية من خلال أسلافهما، مثل بورتريهات وصور العائلة القديمة؛ حيث يمكن ~~للمرء اكتشاف التشابه بين الوجوه القديمة الموجودة بتلك الصور وورثتهم في الوقت ~~الحاضر. # ولكن التفرقة بهذه الطريقة لا تدخل إلى صميم المسألة حقا؛ لأن ما هو ms052 مثير في ~~الفلسفة التحليلية - من منظور الفلسفة القارية - هو أنها حتى وقت قريب جدا لم تكن ~~لديها وعي ذاتي بتقليدها على نحو غريب. وبدأ هذا في التغير، وقدمت أعمال مهمة حول ~~أصول الفلسفة التحليلية، سواء فيما يتعلق بجذورها الألمانية لدى فريجه، كما رأينا ~~بالفعل في حالة دوميت، أم فيما يتعلق بنقد راسل للمثالية البريطانية. ويمكن النظر إلى ~~ظهور الفلسفة التحليلية في العقود الأولى من القرن العشرين على أنه يسير بالتوازي مع ~~حركات حداثية أكبر في الشعر والفنون الجميلة والهندسة المعمارية. وبوضع هذا في ~~الاعتبار، فإنه ربما ليس من قبيل المفاجأة أن فيتجنشتاين لم يكن فحسب مؤلف كتاب «رسالة ~~منطقية فلسفية»، ولكنه صمم أيضا وبنى منزلا بأقل الأساليب الحداثية تكلفة لأخته ~~في فيينا. # ثمة عرض مهم آخر في «التأريخ» الحديث للفلسفة التحليلية يتمثل في أن السيرة ~~الذاتية أصبحت مادة للاهتمام الفلسفي المشروع والفضول الثقافي الكبير. والمثال هنا ~~مرة أخرى هو فيتجنشتاين في كتاب راي مونك الرائع «لودفيج فيتجنشتاين: واجب العبقري» ~~(1990)، وفي فيلم ديريك جرمان الأقل روعة: «فيتجنشتاين» (1993). وقد تعزز هذا التحول ~~نحو السير الذاتية في عام 1996 بالسيرة الذاتية لبرتراند راسل التي كتبها مونك، والسير ~~الذاتية الناجحة الحديثة التي كتبها أشعيا برلين وإيه جيه آير. وعلى الجانب القاري، ~~تعد السيرة الذاتية الفكرية لهايدجر من تأليف روديجر زافرانسكي جديرة بالذكر. ~~وتكمن جاذبية السيرة الذاتية في أن إنتاج الفيلسوف الفكري يمكن النظر إليه باعتباره ~~تعبيرا عن توجه وجودي معين. وعلى هذا النحو - وهذا هو أهم عوامل جاذبية فكر ~~فيتجنشتاين - يمكن النظر إلى الفلسفة على أنها متجسدة في صورة أسلوب حياة. وهكذا، فإن ~~تأييد أو مناصرة وجهات نظر فيلسوف معين قد تؤدي إلى محاكاة أو محاولة مضاهاة معينة ~~لتلك الحياة، ويرى المرء كل هذا طوال الوقت على المستوى الأكاديمي؛ حيث لن يدافع طلاب ~~فيلسوف شهير ذي كاريزما عن مذهبه فحسب، ولكنهم أيضا سيقلدون إشارات يديه، وتردده في ~~الكلام، والمشكلات التي يعاني منها في الحديث، وحتى تدخينه، وشربه للخمور، وعاداته ~~الجنسية. وليست كلمة التلمذة كلمة ms053 قوية بما يكفي للدلالة على ما يجري هنا. ولكن هذا ليس ~~بالفكرة الجديدة؛ حيث إن السيرة الذاتية كانت أداة رئيسة في التعليم الفلسفي في العالم ~~القديم؛ وهي تتضح بمثال سقراط، وكذلك أيضا في مختلف المدارس الهلينستية اللاحقة، مثل ~~الرواقية والأبيقورية؛ ففي السيرة الذاتية، تندمج الفلسفة مع أسلوب للحياة. ~~(4) التاريخانية والتحرر # وبقاء مع مسألة التاريخ، أزعم أن جانبا كبيرا من التقليد القاري سيرفض صحة التمييز ~~بين الفلسفة وتاريخ الفلسفة المطبق في جزء كبير من التقليد التحليلي. وهذا هو أيضا ~~السبب في أن التركيز على تقليد ما بعد كانط مهم للغاية بالنسبة إلى الفلسفة القارية؛ ~~لأن مسألة التاريخ تصبح هنا محورية فلسفيا في أعمال هامان وهيردر، وأهم من ذلك كله ~~في أعمال هيجل، باستثناء ملحوظ لأعمال جيامباتيستا فيكو وجان جاك روسو. ويمكن القول إن ~~من أهم مزايا الفلسفة القارية هي أنها تسمح للمرء بالتركيز على الطابع التاريخي الجوهري ~~للفلسفة كممارسة، والطبيعة التاريخية الجوهرية للفيلسوف الذي يقوم بهذه الممارسة. وهذا ~~هو النظر فيما يعرف عادة ب «التاريخانية». # وهذا النظر في التاريخانية يترتب عليه أنه لم يعد من الممكن، على نحو مشروع، ~~إحالة المسائل الفلسفية العميقة حول معنى وقيمة الحياة البشرية إلى الموضوعات التقليدية ~~للميتافيزيقا التأملية - الإله والحرية والخلود - وهي المواضيع التي اعتبرها كانط خالية ~~من المعنى على المستوى المعرفي، على الرغم من أنه يمكن الدفاع عنها أخلاقيا. بدلا من ~~ذلك، يعني إدراك التاريخانية الجوهرية للفلسفة (والفلاسفة) أمرين: ~~(1) ~~«التناهي» الأساسي للذات الإنسانية؛ أي إنه لا توجد نقطة مرجعية أو ~~نقطة استشراف تشبه تلك الخاصة بالإله خارج التجربة الإنسانية، يمكن من ~~خلالها وصف خبرتنا والحكم عليها؛ أو إن كانت موجودة، فإننا لا نستطيع أن ~~نعرف شيئا عنها. ~~(2) # الطابع «العارض» أو «المبتدع» تماما للتجربة الإنسانية؛ أي إن التجربة ~~الإنسانية بشرية تماما، فنحن من نصنعها ونعيد صنعها، وظروف هذه العملية ~~بطبيعتها عارضة. # شكل 4-1: هيجل وهو يؤلف كتاب «فنومينولوجيا الروح»، غافلا عن معركة ينا ~~الدائرة خارج نافذته، في 14 أكتوبر 1806. (اللوحة بريشة فيليبس ~~وارد.) # بمجرد أن ينظر ms054 للإنسان باعتباره ذاتا متناهية متضمنة في شبكة عارضة جوهريا من ~~التاريخ والثقافة والمجتمع، حينها يمكن للمرء أن يبدأ في فهم سمة مشتركة بين كثير من ~~الفلاسفة في التقليد القاري؛ وهي المطالبة بتغيير الأمور. إذا كانت التجربة الإنسانية ~~صنعا عارضا، فيمكن إعادة صياغتها بطرق أخرى. وهذه هي المطالبة بتغيير ممارسة الفلسفة ~~أو الفن أو الشعر أو التفكير بحيث تكون قادرة على التعامل مع الحاضر وانتقاده، وفي ~~نهاية المطاف تحريره. وهكذا، فإن المطالبة التي تسري في جزء كبير من الفكر الفلسفي ~~القاري، والتي تستمر في إلهام فلاسفة مثل هابرماس ودريدا، هي أن «يحرر» البشر أنفسهم ~~من ظروفهم الحالية، وهي الظروف التي لا تؤدي للحرية. وكما قال روسو، وكان هذا هو السعي ~~الأساسي للرومانسيين الألمان والإنجليز الشباب في نهاية القرن الثامن عشر: «ولد ~~الإنسان حرا، ولكنه مقيد في كل مكان.» لذا، فالنقد والتحرر عنصران أساسيان لا يمكن ~~الفصل بينهما. # شكل 4-2: نسخة مصورة من الصفحة الأولى من «البرنامج النسقي». # العبارة الأكثر إثارة التي أعلمها حول العلاقة بين النقد والتحرر، يمكن أن نجدها في ~~شكل غريب وبسيط على نحو رائع في نص قصير مكتوب على كلا وجهي ورقة واحدة، يعود تاريخها ~~على الأرجح إلى صيف عام 1796؛ النص الذي يطلق عليه «أقدم برنامج نسقي للمثالية ~~الألمانية» (انظر الملحق في نهاية هذا الكتاب). وأثبتت الدراسات الفيلولوجية أن هذا ~~النص مكتوب من قبل هيجل الشاب، على الرغم من أن الأفكار الواردة به تعبر أكثر عن ~~أفكار شيلينج الشاب، وإلى حد أقل، عن أفكار الشاعر الألماني الكبير يوهان كريستوف ~~فريدريك هولدرلين. في الواقع، قبل بضع سنوات من ظهور هذا النص، كان الثلاثة قد درسوا ~~معا في كلية اللاهوت في توبنجين بجنوب ألمانيا، وارتقى بعد ذلك شيلينج السلم الأكاديمي ~~حتى أصبح أستاذا جامعيا في جامعة ينا عام 1798 في سن مبكرة مذهلة وهي الثالثة ~~والعشرين. ولنص «البرنامج النسقي» هذا تاريخ غريب؛ فعلى الرغم من أنه اكتشف عن طريق ~~محرري أعمال هيجل غير المنشورة فورستر وبومان، فإنه لم يتم تضمينه ms055 في مجموعتهما من ~~الكتابات الهيجلية المتنوعة التي ظهرت في عام 1834-1835؛ ربما لأن النص لم يكن منسجما ~~على نحو جيد مع وجهات النظر الأكثر تحفظا لهيجل الناضج. كان هذا النص واحدا من ~~آخر نصوص هيجل التي عرضت للبيع بالمزاد في برلين في عام 1913، عندما اشترته مكتبة ~~الدولة البروسية. وكان أول نشر للنص والتعليق عليه في عام 1917، عندما جذب انتباه ~~الفيلسوف الألماني اليهودي الكبير فرانس روزنزويج، الذي منح النص عنوانه الشهير الآن، ~~والذي بدأ النقاش الفلسفي الواسع الذي أثاره «البرنامج النسقي». # يبلور النص بدقة عددا من الموضوعات في فكر ما بعد كانط. وفيما يلي ثماني نقاط ~~نقاشية رئيسية يثيرها، ولكن يوجد غيرها: ~~(1) # الفكرة (التي عرضنا لها بالفعل في الفصل الثاني) التي تفيد بأن ما هو ~~مطلوب فلسفيا بعد كانط هو المصالحة بين ثنائيات النظام النقدي، مضافا ~~إليها الفكرة الرومانسية القائلة بأن العمل الفني هو الوسيلة لمثل هذه ~~المصالحة. فالعمل الفني يقدم صورة حسية للحرية، ويصنع انسجاما بين ~~مجالي الطبيعة والعقل. ~~(2) # فكرة أنه من أجل خلق هذا العمل الفني، يجب أن يصبح الفيلسوف مثل الشاعر، ~~ويمتلك القدرات الجمالية نفسها. فيجب أن تصبح الفلسفة والشعر - اللذان ~~انفصلا منذ كتاب أفلاطون «الجمهورية» - شيئا واحدا. ~~(3) # توحيد الفلسفة والشعر في عمل فني هو من النوع الذي يتطلب «ميثولوجيا ~~العقل»، التي من شأنها أن تسمح للناس بأن يصبحوا عقلانيين، وتسمح للفلاسفة ~~بأن يصبحوا حسيين. وعندما يحدث هذا، «سوف تسود الوحدة الأبدية بيننا». ~~الفكرة هنا هي أنه من أجل أن تصبح أفكار العقل فعالة اجتماعيا، يجب أن ~~تصبح ملموسة؛ ومن ثم، فإن الطريقة التي يجب بها تجنب شكلية العقلانية ~~الكانطية، هي من خلال تجسد العقل في شكل ميثولوجيا. وهذا هو ما يطلق عليه ~~أيضا في النص «دين حسي». ~~(4) # بعد ذلك تعمل ميثولوجيا العقل بمنزلة ما يمكن أن نسميه الأيديولوجية في ~~السياسة؛ وهي الأيديولوجية التي تكون نقدية وتحررية على حد ~~سواء. ~~(5) # نقدية لأنه من أجل تحقيق الحرية علينا تدمير ما يقف في طريقها، وهو ما ~~يعرف في النص بأنه ms056 آلية الدولة، التي تتعامل مع الشعب الحر مثل الآلات؛ ~~ولذلك، ذكر في النص على نحو تحذيري أنها «يجب أن تنتهي». وهذا التدمير ~~للدولة يعني أيضا ضمنيا القضاء على دين الدولة، الذي يتميز ب «نظرة ~~احتقار»؛ حيث يرتعد الشعب الحر «أمام حكمائه وكهنته». ~~(6) # وتحررية لأن الهدف من ميثولوجيا العقل هو الوصول لتنظيم جديد للمجتمع ~~قائم على الحرية والمساواة: «وعندها فقط يمكن أن نتوقع النمو «نفسه» ~~للقوى «جميعها».» ~~(7) # لذا، من خلال الطاقة الإبداعية للفن في شكل ميثولوجيا العقل يمكن أن نشير ~~إلى أبعاد الحياة المتحولة سياسيا. وهذا يكشف ما يمكن أن نسميه ~~«روسوية» المثالية والرومانسية الألمانية المبكرة، التي أرادت وضع شكل ~~جديد من أشكال السلوك الاجتماعي الأخلاقي، مع وجود حرية ومساواة بين جميع ~~الرجال والنساء. وبالنسبة إلى الرومانسيين على وجه الخصوص، في إنجلترا ~~وكذلك في ألمانيا، فإن هذا كان يعني مجتمعا قائما على الصداقة؛ حيث يكون ~~كل الأصدقاء أحرارا ومتساوين. ~~(8) # وهكذا، في اليوتوبية الساذجة على نحو رائع لهذا النص المنسي في السابق، ~~يرى المرء إلهام نقد كانط للميتافيزيقا ممزوجا بالروح التحررية للثورة ~~الفرنسية لعام 1789 لإنتاج بيان جمالي؛ حيث «تكون الحقيقة والخير أخوين فقط ~~في الجمال». وكما قال الناقد الماركسي العظيم جورج لوكاش عن رومانسية ينا: ~~«كانت كالرقص على فوهة بركان ثائر، كانت حلما متوهجا بعيد الاحتمال.» كان ~~بالفعل بعيد الاحتمال تماما، لكنه لا يزال متوهجا. # شكل 4-3: لوحة لأوجين ديلاكروا (1798-1863)، بعنوان «الحرية تقود الشعب»، ~~28 يوليو 1830. ~~(5) تناول التقليد بطريقة غير تقليدية بالمرة # إذن، الفلسفة القارية جزء لا يتجزأ من علاقتها بتقليدها. في الواقع، هذه فكرة ~~قابلناها بالفعل في تصنيف مل لبنثام وكولريدج في سياق التمييز بين التقدمية ~~والمحافظة. ولكن مل متسرع للغاية في ربطه بين التقليد والمحافظة. وفي واقع الأمر، ~~صحيح أن العلاقة بالتقليد يمكن أن تكون محافظة على نحو اجتماعي، كما هي الحال في ~~أعمال كولريدج الناضج أو في المحافظة السياسية الكلاسيكية لإدموند بيرك؛ ومع ذلك، فإن ~~تناول التقليد ليس من الضروري أن يكون تقليديا على الإطلاق، ما دام ms057 ما يحاول مفهوم ~~التقليد استعادته هو شيئا مفقودا أو منسيا أو مكبوتا في الحياة المعاصرة. وعلى هذا ~~النحو، تناول التقليد ليس من الضروري أن يكون انصياعا محافظا في مواجهة الماضي، ولكن ~~يمكن بدلا من ذلك أن يأخذ شكل مواجهة «نقدية» مع تاريخ الفلسفة والتاريخ على ما هما ~~عليه. وهذا التصور النقدي للتقليد هو ما يسميه هايدجر «تفكيك» أو «تجريد» تاريخ ~~الميتافيزيقا؛ وهما الكلمتان اللتان حاول دريدا الشاب إدخالهما للفرنسية بكلمة # déconstruction ~~(أي التفكيكية). ينبغي تناول مفهوم ~~التفكيكية المثير للجدل على نحو غير مثير للجدل، ثم ينظر إليه على أنه محاولة تفكيك ~~نقدية للتقليد، من حيث ما لم يخضع للتفكير داخله وما يبقى للتفكير فيه من خلاله؛ وبهذا ~~المعنى، يمكن للمرء أن يتحدث عن تجربة راديكالية للتقليد. اسمح لي أن أحاول جعل هذا ~~الأمر ملموسا على نحو أكبر باللجوء إلى طريقتين بارزتين للتفكير في التقليد ~~راديكاليا؛ وهما طريقتا هوسرل وتلميذه الأكثر شهرة، هايدجر. # يمكن القول إن التقليد له معنيان: ~~(1) # شيء موروث أو منقول إلينا دون مناقشة أو استقصاء نقدي. هذا هو المفهوم ~~المحافظ للتقليد الذي يتحدث عنه مل فيما يتعلق بكولريدج. ~~(2) # شيء مقدم أو منتج من خلال التعاطي النقدي مع المعنى الأول للتقليد؛ ~~أي تناول للتقليد ليس بأية حال من الأحوال تقليديا؛ تقليد ~~راديكالي. # شكل 4-4: بورتريه لإدموند هوسرل (1859-1938) وهو طالب. # وهذا المعنى الثاني للتقليد هو المعنى المشترك - ليس دون بعض الاختلافات الجوهرية، ~~ولكن هذا موضوع آخر - لدى هوسرل وهايدجر. بالنسبة إلى هوسرل، في كتاب «أزمة العلوم ~~الأوروبية» (1954) الذي نشر بعد وفاته، يتوافق معنيا التقليد مع التمييز بين ~~التجربة «المترسبة» والتجربة «المنشطة» للتقليد. ومن المفيد أن نفكر في الترسيب ~~من الناحية الجيولوجية باعتباره عملية ترسيخ أو تثبيت. وبالنسبة إلى هوسرل، الترسيب ~~يكمن في نسيان أصل حالة الأشياء. اسمح لي أن أستخدم مثال هوسرل الشهير حول الهندسة، ~~الذي يظهر في مقاله الذي نشر في عام 1936 بعنوان «أصل الهندسة»، كملحق لكتابه «أزمة ~~العلوم الأوروبية»، ولا ينبغي أن ننسى أن هذا المقال ms058 كان موضوع كتاب دريدا الأول، الذي ~~كان مجرد ترجمة وتعليق على مقال هوسرل. ببساطة، كانت حجة هوسرل الرئيسية هي أنه إذا ما ~~نسي المرء أصل الهندسة، فإنه سينسى الطابع التاريخي لهذا المجال. ولكن لماذا يعد ~~هذا أمرا مهما؟ إنه مهم لأن الهندسة تظهر في أكثر أشكالها نقاء ما يسميه هوسرل ~~«التوجه النظري»، وهو الموقف الذي تأخذه العلوم الطبيعية نحو أهدافها. تتمثل فكرة ~~هوسرل في أن إعادة تنشيط المعرفة بأصل الهندسة يعد تذكيرا بالطريقة التي ينتمي من ~~خلالها التوجه النظري للعلوم إلى سياق اجتماعي وتاريخي محدد، ما يطلق عليه هوسرل الاسم ~~الشهير «عالم الحياة». هدف هوسرل النقدي والجدلي هو أن نشاط العلم، منذ جاليليو، أسفر ~~عما يسميه «إضفاء الطابع الرياضي على الطبيعة»، والذي يتغاضى عن الاعتماد الضروري ~~للعلم على الممارسات اليومية لعالم الحياة؛ فتوجد فجوة بين المعرفة والحكمة، بين العلم ~~والحياة اليومية. وهذا هو الموقف الذي يدعوه هوسرل «أزمة»، والذي يحدث عندما يحدد ~~التوجه النظري للعلوم الطريقة التي ينظر بها إلى جميع الكيانات. ومهمة الفلسفة - ~~بمعناها عند هوسرل (أي الفنومينولوجيا) - هي الانخراط في تأمل نقدي وتاريخي لأصل ~~التقليد، يسمح بحدوث تجربة نشطة ومنشطة للتقليد لمواجهة الجوانب الساذجة في ~~تصورنا الحالي للماضي. # لا تختلف الأمور كثيرا في تصور هايدجر المبكر للتفكيكية؛ تفكيكية تاريخ ~~الأنطولوجيا، التي ليست مطلقا وسيلة لتدمير الماضي، ولكنها وسيلة للبحث عن الميول ~~الإيجابية للتقليد، والعمل على مواجهة ما يصفه هايدجر ب «تحيزاته الضارة». والتفكيكية ~~هي نتاج لتقليد كشيء مصنوع ومصاغ من خلال عملية تكرار أو استرجاع. الفكرة هنا هي ~~التوصل إلى علاقة أصلية مع التقليد من خلال عملية استرجاع أو تكرار؛ حيث يعيد المرء ~~المعنى الأصلي لحالة الأشياء من خلال عملية تأمل نقدي وتاريخي. ويعد المثال ~~الرئيسي لدى هايدجر هو الطريقة التي يرتبط بها الوجود - الكينونة - بالزمان، وهو ~~الارتباط الذي يدعي أنه تم إخفاؤه في تقليد الميتافيزيقا الغربية منذ وقت الإغريق؛ ~~لذلك، على المرء أن يدمر الإدراك المنقول والمبتذل حيال الماضي من أجل تجربة القوة ~~الخفية والمدهشة للتاريخ. وفي ms059 الفترة التي ظهر فيها كتاب «الكينونة والزمان» (أي أواخر ~~عشرينيات القرن العشرين)، يوضح هايدجر الفرق بين التقليد المستقبل والتقليد ~~المدمر في سياق التمييز بين التقليد والتراث؛ ومع ذلك، هذا لا يعني أن التقليد يندمج ~~مع نوع من صناعة التراث، بل يلعب هايدجر على معنى الفعل الألماني # Überliefern ~~(أي يسلم، أو ينقل)، للإشارة إلى أن ~~العلاقة الأصيلة بالماضي هي علاقة تسلم إمكاناته الخفية وتكشف عنها. وعلى هذا النحو، ~~بالنسبة إلى هايدجر، يتطلب الوجود الحقيقي كشرط مسبق له تجربة راديكالية للماضي ~~وليس تجربة منقولة. # من المهم أن نشير إلى أن الهدف من تأملات هوسرل وهايدجر حول التقليد - وهذا ينطبق ~~أيضا على تأملات هيجل حول تاريخ «الروح» ومفهوم نيتشه للعدمية كما سنوضح فيما بعد - ~~ليس الماضي في حد ذاته، ولكن «الحاضر»، وعلى وجه التحديد «أزمة» الحاضر. يشعر بالأزمة ~~الحقيقية للعلوم الأوروبية أو ما يطلق عليه هايدجر «محنة الغرب» في عدم وجود محنة: ~~«أزمة، أي أزمة؟» إن الأزمة الحقيقية تكمن في عدم وجود أزمة، والمحنة الحقيقية تكمن ~~في عدم وجود محنة. وربما يشير دوستويفسكي ساخرا إلى أنه في مثل هذه الحالة من النسيان، ~~ننزل إلى مستوى الماشية السعيدة. وهكذا، فإن المعنى المنشط أو المحطم للتقليد - أي ~~تقليد راديكالي - يتيح لنا وعيا نقديا للحاضر. ~~(6) الفلسفة كنتاج لأزمة # يمكن القول إن المسألة المحورية للفلسفة في التقليد القاري هي مسألة الممارسة؛ وهذا ~~يعني حياتنا الراسخة تاريخيا وثقافيا كأنفس متناهية في عالم من صنع أيدينا. وهذه ~~المسألة هي التي تدفع الفلسفة نحو نقد الأوضاع الحالية؛ حيث إن الظروف لا تؤدي للحرية، ~~ونحو المطلب التحرري المتمثل في تغيير وضع الأمور؛ الحاجة لإحداث تحول في ممارسة ~~الفلسفة أو الفن أو التفكير أو السياسة. ولعل هذه الحقيقة تبدأ في شرح ميزة للفلسفة في ~~التقليد القاري ربما تكون محيرة، وهي موضوع «الأزمة» الذي يجري - بأشكال مختلفة - مثل ~~نهر جوفي عبر تقاليد المثالية الألمانية والماركسية والفنومينولوجيا والتحليل النفسي ~~ومدرسة فرانكفورت. ويمكن العثور على فكر الأزمة هذا أيضا في مناطق ذاتية الوعي ~~ثقافيا وسياسيا ms060 على نحو أكبر في التقليد التحليلي؛ على سبيل المثال: يتضح هذا ~~الفكر في البيان الرسمي الرائع الذي ظهر في عام 1929 لحلقة فيينا، والذي سأناقشه في ~~الفصل السادس. ويدعو كاتبو هذا البيان إلى تصور علمي للعالم والتغلب على ~~الميتافيزيقا، معتبرين ذلك عنصرا أساسيا في التحول الديمقراطي الاجتماعي الراديكالي ~~للمجتمع. # في جزء كبير من التقليد القاري، تعد الفلسفة وسيلة لنقد الحاضر، لتعزيز وعي ~~تأملي للحاضر على أنه في أزمة، سواء أكان يعبر عن ذلك كأزمة إيمان في عالم برجوازي ~~متحفظ (عند كيركجارد)، أم أزمة العلوم الأوروبية (عند هوسرل)، أم أزمة العلوم ~~الإنسانية (عند فوكو)، أم أزمة العدمية (عند نيتشه)، أم أزمة نسيان الكينونة (عند ~~هايدجر)، أم أزمة المجتمع البرجوازي الرأسمالي (عند ماركس)، أم أزمة هيمنة العقلانية ~~الأداتية وسيطرة الطبيعة (عند أدورنو وماكس هوركهايمر)، أم أيا كان التعبير عنها. ~~وتؤدي الفلسفة باعتبارها تأملا ثاقبا حيال التاريخ والثقافة والمجتمع إلى إيقاظ ~~الوعي النقدي؛ ما يسميه هوسرل تنشيط تقليد مترسب. وبتوسيع هذا أكثر قليلا، فإن ~~مسئولية الفيلسوف - بصياغة هوسرل «خادم البشرية» - هي «إنتاج» الأزمة؛ مما يؤدي إلى ~~إرباك التراكم البطيء للرواسب القامعة للتقليد من أجل نقد تاريخي منشط، سيكون أفقه ~~عالم حياة متحررا. والفلسفة في التقليد القاري لديها هدف تحرري. وبالنسبة إلى ~~الفيلسوف، الأزمة الحقيقية ستكون الموقف الذي لا يتم فيه الوعي بوجود أزمة؛ وفي مثل هذا ~~العالم، لن يكون للفلسفة أي هدف بخلاف أن تكون نوعا من الفضول التاريخي أو الإلهاء ~~الفكري، أو وسيلة فنية لشحذ المنطق السليم لدى الفرد. # لتوضيح الأمور أكثر، اسمح لي أن أقترح النموذج البسيط التالي للفلسفة في التقليد ~~القاري، منظما حول المصطلحات التي تشكل العنوان الفرعي لهذا الفصل: # شكل 4-5: قبر جان جاك روسو (1712-1778) في مقبرة العظماء بباريس. # وهذا يعني أن النقد هو نقد للممارسة القائمة لأنها تبدو جائرة أو غير حرة أو غير ~~صحيحة أو أيا ما يكون. علاوة على ذلك، إنه نقد يهدف إلى التحرر من تلك الممارسة ~~الجائرة نحو ممارسة أخرى فردية أو جماعية؛ ms061 طريقة مختلفة لتصور الحياة الإنسانية، سواء ~~أكان ذلك الحياة النيتشوية للنبل المنعزل، أم المجتمع الشيوعي الذي تصوره ماركس، أم ~~الصيرورات المتعددة التي وصفها دولوز وجوتاري، أم شيئا مختلفا تماما عن كل ما ~~سبق. # الفصل الخامس # | ما الذي يجب عمله؟ كيفية التعامل مع العدمية # كما رأينا في الفصل الثاني، أورث كانط إشكالية لورثته من المثاليين والرومانسيين وحتى ~~الماركسيين في التقليد القاري، وهي الإشكالية التي تصارع معها هو نفسه في كتاب «نقد ~~ملكة الحكم»، والتي تمثل جوهر نقد جاكوبي لكانط وفيشته. ويمكن الآن صياغة تلك ~~الإشكالية بالطريقة التالية: نقد كانط للميتافيزيقا، إذا كان مبررا، يحقق الإنجاز ~~الرائع بإظهار اللامعنى «المعرفي» للادعاءات التقليدية للميتافيزيقا التأملية ~~الدوجماتية، بينما يؤكد على الضرورة «الأخلاقية» التنظيمية لسيادة العقل العملي (أي مفهوم ~~الحرية). وهذا يطرح السؤال التالي: كيف تمثل الحرية أو تحدث في عالم الطبيعة، إذا كان ~~هذا العالم يخضع للسببية ويسير ميكانيكيا وفقا لقوانين الطبيعة؟ كيف يوفق بين ~~سببية العالم الطبيعي وما يدعوه كانط «سببية الحرية»؟ كيف تتحول العبقرية إلى قوة عملية، ~~وذلك إشارة إلى إيمرسون الذي يشير هو الآخر إلى كلمات كانط في كتابه النقدي الثالث؟ ألم ~~يترك كانط البشر فيما سماه هيجل وماركس الشاب الوضع الوسط، بكونهم خاضعين بحرية ~~للقانون الأخلاقي ومسيرين عن طريق عالم الطبيعة الموضوعي المجرد من أي قيمة، والذي يقف ~~ضد البشر باعتباره عالم اغتراب؟ أليست الحرية الفردية مختزلة إلى فكرة مجردة في مواجهة ~~عالم غير مبال من الأشياء المتوافرة للمرء كسلع بتكلفة ما؟ # شكل 5-1: لوحة لدومينيكو فيتي (1589-1624)، بعنوان «الكآبة». # هذه هي الإشكالية التي شخصها نيتشه في ثمانينيات القرن التاسع عشر من خلال مفهوم ~~العدمية؛ وهو المفهوم المهم تماما لمجموعة كبيرة من مفكري الفلسفة القارية في القرن ~~العشرين: هايدجر، وفالتر بنجامين، وتيودور أدورنو، وكارل شميت، وحنا آرنت، وجاك لاكان، ~~وميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجوليا كريستيفا. وهذا يعني أن الاعتراف بحرية الذات يترافق ~~مع انهيار اليقين الأخلاقي في العالم. في الفصل الثاني، تتبعنا ظهور هذا المفهوم من نقد ~~جاكوبي لكانط وفيشته ms062 إلى شتيرنر ودوستويفسكي وسارتر. وأود الآن أن أعود إلى موضوع ~~العدمية بمزيد من التعمق. ~~(1) العدمية الروسية # لا بد أن فهم نيتشه للعدمية بدأ في السياق الروسي المشار إليه في الفصل الثاني مع ~~دوستويفسكي؛ ما سماه «العدمية في بطرسبرج». التقط نيتشه مفهوم العدمية من الروائي ~~الروسي إيفان تورجنيف، الذي قرأ الترجمة الفرنسية لأعماله على يد بروسبير ميريميه. ~~وبالمصادفة، مثلت رواية «كارمن» التي ألفها ميريميه في عام 1845 أيضا أساس نص ~~أوبرا بيزيه، التي ظهرت في عام 1875، والتي حملت الاسم نفسه، والتي كانت مفضلة لدى ~~نيتشه؛ وهو اختيار مثير للجدل على نحو كبير من وجهة نظري، ولكن تلك قصة أخرى. ونالت ~~العدمية على يد نيتشه تصورها الفلسفي المتكامل والتعبير الكامل عنها. # ما يميز السياق الروسي عن السياق الألماني هو أن العدمية في النسخة الألمانية مسألة ~~ميتافيزيقية أو معرفية إلى حد كبير، في حين أنها في السياق الروسي لها بعد اجتماعي ~~سياسي أكثر وضوحا. تبدأ القصة ربما بمحاولة نيكولاي شيرنيشفسكي القول بعدمية القيم ~~الجمالية التقليدية بالزعم أن الفن ليس تعبيرا عن مفهوم مطلق ما للجمال، بل يمثل ~~اهتمامات فئة معينة في مرحلة معينة في التاريخ. وهكذا، في السياق الروسي، ترتبط إشكالية ~~العدمية ارتباطا وثيقا بالسياسة الاشتراكية الراديكالية، والتي عبر عنها على نحو ~~قاطع في رواية شيرنيشفسكي ذات التأثير الكبير «ما الذي يجب عمله؟»، التي ظهرت عام 1863. ~~وتتضمن القصة الكاملة للجانب السياسي للعدمية الروسية نقد ميخائيل باكونين الفوضوي ~~للدولة، وربما تصل لذروتها في بلشفية لينين البروميثية وثورة أكتوبر عام 1917. وليس من ~~قبيل المصادفة أن الكتاب الذي ألفه لينين في عام 1902، ووصف فيه رؤيته السياسية ~~للحزب و«ديكتاتورية البروليتاريا»، كان أيضا بعنوان «ما الذي يجب عمله؟». # بهذا المعنى، العدمية الروسية تعبير عن وجهة نظر متشككة ومناهضة للجمال، ونفعية ~~وعلمية على نحو راديكالي حيال العالم. وتتعرض وجهة النظر تلك لنقد ليبرالي لطيف لكنه ~~مدمر في رواية تورجنيف «آباء وأبناء» (1862)، من خلال مصير الشخصية الممثلة للعدمية ~~بازاروف. ويقع الصراع الدرامي الرئيسي هنا بين وجهتي نظر متعارضتين حيال العالم: ms063 ~~وجهة النظر الرومانسية الليبرالية الإصلاحية المحبة لأوروبا الخاصة بالآباء ~~(نيكولاي وبافل)، ووجهة النظر الوضعية النفعية الراديكالية القومية الروسية لدى ~~الأبناء (أركادي وبازاروف). ولدينا هنا التعبير الروسي عن صراع مل بين الرومانسية ~~والنفعية؛ بنثام وكولريدج. وفي المشهد الرئيسي للرواية، وسط تلميحات غامضة حول العدمية ~~كقوة تمرد عنيف، يقول بازاروف ساخرا: ~~«نحن نتصرف وفق ما نراه نافعا لنا ... وفي هذه الأيام يعد الرفض أنفع ~~شيء؛ لذا فإننا نرفض.» ~~«كل شيء؟» ~~«كل شيء.» ~~«ماذا؟ ليس الفن والشعر فحسب ... لكن أيضا ... لا أتجرأ على نطق اسمه ...» ~~«كل شيء.» كررها بازاروف بكل هدوء. # أنهى تورجنيف الصراع الدرامي بين الليبرالية والعدمية على نحو كلاسيكي، وإن لم يكن ~~مقنعا؛ فبعد وقوع بازاروف بقوة وعلى نحو غير عقلاني في حب السيدة الأرستقراطية ~~والرومانسية أودينتسوفا - دون أن تبادله الحب - يعود إلى أرض الوطن ليعيش كطبيب ريفي ~~مثل والده. وفيما يرقى إلى الانتحار (وهو أمر منطقي في رأي دوستويفسكي)، يلتقط بازاروف ~~عدوى التيفود من جثة إحدى الفلاحات المصابة بالمرض، ويعترف بحبه للسيدة أودينتسوفا على ~~فراش الموت. وهكذا تنهزم العدمية أمام قوة الحب، وتنتهي الرواية برؤية مسيحية تتمثل ~~في «المصالحة الأبدية والحياة التي لا نهاية لها». ~~(2) العدمية النيتشوية # التعبير الأكثر بلاغة عن نسخة نيتشه من العدمية يمكن العثور عليه في الكتاب الأول من ~~مجموعة أعماله التي جمعت بعد وفاته بعنوان «إرادة القوة». فبالنسبة إلى نيتشه، ~~العدمية تعني: # أن تخفض القيم السامية قيمة نفسها. غياب الهدف، الجواب على السؤال ~~«لماذا». # ما ينبغي التركيز عليه هنا هو استخدام الفعل الانعكاسي؛ «تخفض قيمة نفسها». فنيتشه ~~لا يدعي أن القيم السامية تنخفض قيمتها من خلال النقد؛ وهو ما قد يكون زعم جاكوبي ~~أو تورجنيف، بل إنه أمر أساسي في تطورها أن تخفض قيمة «نفسها». يمكن وضع هذا القول ~~جنبا إلى جنب مع عبارة نيتشه الأشهر التي كتبت على جدار برلين السابق، وعلى جدران ~~المراحيض في جميع أنحاء العالم، وهي أنه «لقد مات الإله». وهذا لا يعني أن الإله بنحو ~~ما مات منسلا بهدوء من الباب ms064 الخلفي للكون دون أن يخبر أحدا، أو أن إلها آخر أخذ ~~مكانه؛ بل يعني ذلك أننا «نحن الذين قتلناه»؛ فإننا نحن البشر مسئولون عن موت الإله. ~~العدمية هي انهيار نظام المعنى؛ حيث يصبح كل ما كان مفترضا كمصدر متسام للقيمة في ~~ميتافيزيقا ما قبل كانط باطلا؛ حيث لا توجد شماعات معرفية يعلق عليها معنى للحياة. ~~فكل الادعاءات المتسامية عن معنى الحياة تختزل إلى مجرد قيم - في فلسفة كانط، ~~يختزل الإله وخلود الروح إلى حالة مسلمات العقل العملي الخالص - وأصبحت تلك ~~القيم غير قابلة للتصديق، تنتظر ما سماه نيتشه «قلب القيم» أو «إعادة تقييم ~~القيم». # وبعيدا عن أي تأثير من السياقين الروسي والألماني، فإن ما يجب التأكيد عليه هو ~~الجرأة والأصالة التامتان لتصور نيتشه للعدمية؛ فبالنسبة إلى نيتشه، سبب العدمية لا ~~يمكن تفسيره اجتماعيا أو سياسيا أو معرفيا أو حتى فسيولوجيا (أي فيما يتعلق ~~بقصة ما حول انقراض الجنس البشري)، ولكنه متأصل في تأويل معين للعالم، وهو: ~~«المسيحية». بالنسبة إلى نيتشه، امتلك التأويل «المسيحي الأخلاقي» للعالم الميزة ~~الواضحة المتمثلة في أنه ترياق للعدمية عن طريق منح معنى للعالم، ومنح قيمة للبشر، ~~ومنع اليأس. ومع ذلك، بالنسبة إلى نيتشه - وهذا أمر قاطع - توجد مفارقة أو تناقض داخل ~~العدمية؛ وهو أن التأويل المسيحي الأخلاقي للعالم مدفوع برغبة في معرفة الحقيقة، ولكن ~~هذه الرغبة تنقلب في نهاية المطاف ضد التأويل المسيحي للعالم من خلال اكتشاف أنه غير ~~حقيقي. بعبارة أخرى، الميتافيزيقا المسيحية تتمحور حول الإيمان بعالم حقيقي يختلف عن ~~عالم الصيرورة الزائف الذي نعيش فيه. ومع ذلك، من خلال إدراك موت الإله، يتبين أن ~~العالم الحقيقي خرافة. وهكذا - وهذا هو التناقض - الرغبة في تأويل أو تقييم أخلاقي ~~للعالم تبدو الآن رغبة في الزيف. والمسيحية - مثل التراجيديا القديمة في عمل نيتشه ~~المبكر «مولد التراجيديا» - لم تمت، بل بالأحرى انتحرت؛ ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن ~~الإيمان بالعالم الحقيقي «ضروري» ببساطة من أجل العيش لأننا لا يمكن أن نتحمل عالم ~~الصيرورة هذا. ويكتب نيتشه قائلا: # ولكن ms065 بمجرد أن يكتشف المرء كيف أن هذا العالم مصنوع فحسب من أجل تلبية حاجات ~~نفسية، وكيف أنه ليس له أي حق فيه، فإن آخر صورة من العدمية تأتي إلى حيز ~~الوجود هي التي تتضمن عدم الإيمان بأي عالم ميتافيزيقي وتحرم على نفسها ~~الإيمان بعالم «حقيقي». وبعد الوصول إلى هذه الحالة، يسلم المرء بأن حقيقة ~~الصيرورة هي الحقيقة «الوحيدة»، وينكر كل السبل الملتوية التي تؤدي إلى ~~عوالم ميتافيزيقية وإلى آلهة مزيفة؛ ولكنه «لا يمكنه أن يتحمل هذا العالم، ~~وإن لم يكن يريد أن ينكره». # شكل 5-2: فريدريك نيتشه (1844-1900) في زي عسكري. # وهذا ما يفسر سبب العداء الرئيسي للعدمية بالنسبة إلى نيتشه، وهو أننا ««لا نقدر ~~ما نعلمه، ولا «يسمح» لنا بتقدير الأكاذيب التي ينبغي أن نود أن نقولها لأنفسنا». ~~وهذا يعني أننا لم يعد بإمكاننا الإيمان بعالم حقيقي فيما وراء عالم الصيرورة هذا، ~~ومع ذلك لا يمكن أن نتحمل عالم الصيرورة هذا. أو لصياغة هذا بكلمات تذكرنا بنقد ~~جاكوبي لفيشته: «كل شيء أناني أصبح يثير اشمئزازنا (على الرغم من أننا ندرك أنه لا ~~وجود لعمل غير أناني)؛ ما هو ضروري قد أصبح يثير اشمئزازنا.» وينتج هذا العداء الشديد ~~ما يسميه نيتشه «عملية التحلل»؛ وهي أننا عندما ندرك الأصل الرث لقيمنا ~~الأخلاقية، وكيف أن التأويل المسيحي الأخلاقي للعالم مدفوع بالرغبة في الزيف، فإن ~~استجابتنا «المتفاعلة» هي إعلان أن الوجود لا معنى له. وهذا الإعلان عن اللامعنى هو ما ~~عرفه نيتشه على أنه العدمية، وكشفه في ثلاثة أشكال ناشئة: ~~(1) # في تشاؤم شوبنهاور، الذي يدعوه نيتشه «العدمية السلبية»، أو على نحو أكثر ~~عدوانية «البوذية الأوروبية»؛ بمعنى أنه إذا كان هناك خواء في قلب ~~معتقداتي الميتافيزيقية السابقة، فإنني حينها قد أؤكد أيضا هذا الخواء ~~وأمارس اليوجا أو الأوريجامي أو أي شيء آخر. ~~(2) # في الفوضوية الروسية أو «العدمية الفاعلة» التي شهدناها في أعمال ~~تورجنيف، والتي يرى نيتشه أنها مجرد «تعبير عن الانحلال الفسيولوجي». وهذا ~~يعني أنه إذا كان هناك خواء في قلب معتقداتي الميتافيزيقية السابقة، ms066 يمكنني ~~حينها أن أمضي في تدمير كل شيء من حولي في صورة أعمال إرهاب خلاق عنيف. ~~(هذا اتجاه داخل العدمية يمكن للمرء رصده في العديد من الحركات السياسية ~~المتطرفة، مثل الحركة الموقفية في باريس في ستينيات القرن العشرين، التي ~~ادعى أنصارها أنه بما أن المجتمع مجرد مشهد - صورة زائفة لمظهر فارغ - ~~فإن المهمة السياسية تتمثل في إعلان هذه الحقيقة في الأفعال السياسية ~~المختلفة والفنية على نحو كبير غالبا. وكان أحد الشعارات الشهيرة لتلك ~~الحركة هو: «تحت أحجار الأرصفة، يوجد شاطئ»، وهو ينطوي على أنه ينبغي على ~~المرء كشف هذا الشاطئ عن طريق رمي تلك الأحجار على الشرطة.) ~~(3) # في مزاج ثقافي عام من التعب واللامبالاة والإرهاق والعناء الذي لخص في ~~عبارة نيتشه الشهيرة: «المجتمع الحديث ... لم تعد لديه القوة «لطرح ~~فضلاته»»؛ بمعنى أنه إذا كان هناك خواء في قلب معتقداتي الميتافيزيقية، ~~فربما من الأفضل أن أهز كتفي بلا مبالاة وأتمتم فحسب قائلا: «أوه، ~~حسنا، أعتقد أن هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور.» ربما نرى هذا على ~~أنه «عدمية نظرية»، والتي يعبر عنها كلاسيكيا في شخصية إيور في كارتون ~~«ويني ذا بو». # لكن، جديا، النقطة الأساسية التي ينبغي فهمها هنا هي أن العدمية ليست مجرد نفي ~~التأويل المسيحي الأخلاقي للعالم، ولكن «نتيجة» له. فبالنسبة إلى نيتشه، تتحقق ~~العدمية كحالة نفسية عندما ندرك أن المقولات التي حاولنا من خلالها منح معنى للكون لا ~~معنى لها. وهذا لا يعني على الإطلاق أن الكون لا معنى له، ولكن يعني بدلا من ذلك - في ~~إشارة لفلسفة كانط، وتذكير باهت برؤية جاكوبي - أن «الإيمان بمقولات العقل هو سبب ~~العدمية»؛ ومن ثم، من وجهة نظر نيتشه، العدمية هي النتيجة غير المتوقعة لنقد كانط ~~للميتافيزيقا؛ وهذا يعني أن العدمية هي نتيجة التقييم الأخلاقي؛ فقيمي لم يعد لها ~~مكان في العالم، وهذا هو الاغتراب الذاتي للرواقية الحديثة التي سماها هيجل ساخرا ~~«وجهة النظر الأخلاقية للعالم». # والآن، «يمكن» لمثل هذا الموقف أن يؤدي إلى استسلام العدمية السلبية أو الأوهام ~~الحماسية ms067 للعدمية الفاعلة، ولكنه يمكن أن يؤدي أيضا إلى المطالبة بإعادة تقييم ~~القيم؛ المطالبة التحويلية التحررية بأن تكون الأمور مختلفة. في أعمال نيتشه، ومن ~~منظور مجموعة كبيرة من مفكري التقليد القاري في القرن العشرين، يرافق تشخيص العدمية ~~المطالبة بالتغلب على العدمية. وتعرف أعمال نيتشه بمناهضتها للعدمية؛ وهذا هو السبب ~~في أن نيتشه يصر مرارا وتكرارا على أهمية وجود مقولات جديدة وقيم جديدة، من شأنها ~~أن تسمح لنا بتحمل عالم الصيرورة هذا دون الوقوع في اليأس أو اختراع إله جديد ~~والخضوع له. # وفق رؤيتي، هذه هي وظيفة فكرة «العود الأبدي» الغامضة ظاهريا في أعمال نيتشه؛ أي ~~«الوجود كما هو، دون معنى أو هدف، مع ذلك يتكرر بنحو لا مناص منه دون الانتهاء إلى ~~العدم». يؤكد نيتشه أن ما يجري من محاولات مع مفهوم العود الأبدي هو النقيض التام لوحدة ~~الوجود؛ بمعنى أنه إذا كانت وحدة الوجود هي حضور الإله في كل شيء، فإن العود الأبدي ~~محاولة للتفكير في الكون دون وجود إله؛ فالإلحاد بالنسبة إلى نيتشه ليس مجرد بيان ~~للحالة، بل هو أيضا نتيجة لجهد كبير لتحرير البشر من الأصنام التي اعتادوا على ~~التذلل لها. # على الرغم من أن هناك آخرين سيختلفون معي، فإني أرى مفهوم العود الأبدي لنيتشه ~~باعتباره تجربة فكرية تعد نوعا من المغالاة في الفكر الكانطي؛ بمعنى أن الأخلاق ~~عند كانط تستند إلى مفهوم الواجب النقي السامي الذي لا يمكن أن يقوم على أي مصلحة ~~تجريبية، ولا يمكن النظر إليه باعتباره وسيلة لتحقيق غاية، مثل السعادة. فلا توجد غاية ~~من وراء ممارسة الفضيلة سوى الفضيلة نفسها. ومع ذلك، الأخلاق لدى كانط لا تزال تحتفظ ~~بالإله وخلود الروح كمسلمات للعقل العملي الخالص؛ لذلك، لا تزال التصرفات الأخلاقية ~~للمرء إلى حد ما مرتبطة بأمل تحقيق السعادة البعيد حيث يثاب المرء على الفضيلة. ~~ويجعل نيتشه هذه الفكرة الكانطية الأساسية كانطية أكثر من كانط نفسه؛ فبالنسبة إليه، ~~لا يوجد إله، وفكرة خلود الروح ليست سوى مزحة سيئة. ومع ذلك، ما يطلبه نيتشه منا ms068 ~~بفكرة العود الأبدي هو أن نتصور وجودنا في كون بلا معنى لاهوتي أو ضمان ميتافيزيقي ~~يعيد نفسه على نحو لا نهائي متكرر إلى الأبد. والآن، إذا كنا نستطيع أن نعرف ~~ونواصل «تأكيد» مثل هذه الصورة، فإننا قد نكون قادرين تماما على القول إننا في النهاية ~~قد تغلبنا على العدمية المتضمنة في التأويل المسيحي الأخلاقي للعالم. ~~(3) جدلية التنوير # وتلخيصا لما سبق، فإن الحالة التاريخية والاجتماعية التي تكون العدمية هي تشخيصها، ~~تكمن في الاعتراف بفشل مزدوج، وذلك كما يلي: ~~(1) # لا ترتبط قيم الحداثة أو التنوير بنسيج العلاقات الأخلاقية ~~والاجتماعية؛ أي بأمور الحياة اليومية. وهذا يعني أنها غير قادرة على ~~إنتاج كل تخيلي أو عقلاني جديد، ما رأى واضعو «البرنامج النسقي» (انظر ~~الملحق في نهاية الكتاب) أنه الحاجة إلى «ميثولوجيا العقل». بعبارة أخرى، ~~يتركنا كانط مع سلسلة من الثنائيات غير الموحدة. وتفتقر القيم الأخلاقية ~~للتنوير إلى أية فعالية (وهذا هو جوهر نقد هامان وهيجل لكانط الذي ورثه ~~ماركس الشاب؛ حيث تصبح قيم التنوير قيما برجوازية)؛ أي تفتقد أي ~~اتصال بالممارسة الاجتماعية. ~~(2) # ومع ذلك، لم تفشل القيم الأخلاقية للتنوير في الارتباط بنسيج العلاقات ~~الأخلاقية والاجتماعية فحسب، ولكن الأسوأ أيضا أنها أدت بدلا من ذلك ~~إلى التدهور التدريجي لهذه العلاقات من خلال العمليات التي يمكن أن ~~نسميها بتعبير ماكس فيبر: العقلانية؛ وبتعبير ماركس: الرأسمالية؛ وبتعبير ~~أدورنو وهوركهايمر: العقلانية الأداتية؛ وبتعبير هايدجر: نسيان الكينونة. ~~وهذه هي جدلية التنوير المحتومة والمتناقضة؛ أرى أن هذه هي إحدى الرؤى ~~الأساسية لجاكوبي، وقد رأيناها تتكشف أمامنا من خلال القصة التي ~~أرويها. # ولعرض الأمر على نحو أوسع نطاقا، فإن مشكلة الحداثة الفلسفية - كما عرضت حتى الآن ~~- هي كيفية مواجهة مشكلة العدمية بعد أن رأى المرء كيف لم تفشل قيم التنوير في ~~السيطرة على الحياة اليومية فحسب، ولكن أدت أيضا إلى تحللها التدريجي. وفي رأيي، ~~هذه هي المشكلة التي يعود إليها فلاسفة التقليد القاري مرارا وتكرارا، إما من خلال ~~محاولة إيجاد وسيلة جديدة للاستجابة لها - كما هي الحال مثلا في أعمال هابرماس ms069 ودريدا ~~- وإما من خلال رفض السياق التاريخي والفلسفي الذي تطرح فيه المشكلة؛ على سبيل ~~المثال: في أعمال رورتي. ~~(4) العلاقة بين الفلسفة والمجالات غير الفلسفية في التقليد القاري # بطبيعة الحال، تتمثل الصعوبة الإضافية هنا في أن مثل هذه المواجهة مع العدمية لا ~~يمكن ببساطة أن تتم في مجال الفلسفة، إذا كان مسلما - كما هي الحال لدى مفكرين ~~متنوعين مثل نيتشه وهايدجر وأدورنو - أن الفلسفة متآمرة مع القوى التي تنتج العدمية؛ ~~فبالنسبة إلى نيتشه، الفلسفة عدمية؛ فهي مليئة بالزهد و«الضغينة» الخاصين بالتأويل ~~المسيحي الأخلاقي للعالم. وبالنسبة إلى هايدجر - كما سنرى لاحقا - الفلسفة التقليدية ~~لا ترغب في معرفة شيء عن العدم في جوهر مبدئها الخاص بالسبب الكافي. وبالنسبة إلى ~~أدورنو، يحيط بالفلسفة خطر أن تصبح خطابا أيديولوجيا من التجريد يتآمر مع تجريد ~~المجتمع الرأسمالي السلعي المادي. # إذن، كيف يمكن للمرء التعامل مع العدمية؟ هذا هو السؤال. لدي أفكاري الخاصة في هذا ~~الشأن، كما يوجد لدى فلاسفة آخرين. كل ما سعيت إلى إيضاحه حتى الآن هو أن التعامل ~~مع العدمية يمثل الإشكالية الأساسية للفلسفة القارية ما بعد كانط، التي تسري مثل خيط ~~أريادني عبر المتاهة الفكرية في آخر قرنين من الزمان. ودفع هذا جانبا كبيرا من ~~الفلاسفة القاريين للبحث عن خطابات وممارسات غير فلسفية ربما تتعامل مع أزمة العصر ~~الحديث. ويرى نيتشه وسائل للمساعدة في التفكير التراجيدي لقدماء الإغريق، ويجدها ~~هايدجر في التفكير التأملي للإبداع الشعري، ويجدها أدورنو في استقلالية الفن الحداثي ~~الراقي، ويراها ماركس في الاقتصاد السياسي، ويجدها فرويد في ممارسة عمليات التحليل ~~النفسي. وتتمثل النقطة هنا في أن إشكالية العدمية تبدأ في شرح السبب في اهتمام جزء ~~كبير من الفلسفة القارية بالعلاقات مع المجالات غير الفلسفية، سواء أكانت الفن أم الشعر ~~أم التحليل النفسي أم السياسة أم الاقتصاد. ~~(5) الحداثة التقدمية والرجعية # تشعب هذا الاهتمام بالعدمية بعد نيتشه إلى اتجاهين مختلفين من التفكير في أزمة ~~العالم الحديث، يمكن تسميتهما الحداثة «التقدمية» والحداثة «الرجعية». من جانب، في ~~أعقاب الورثة الراديكاليين لهيجل - مثل لودفيج فيورباخ ms070 وماركس الشاب - اندمج النقد ~~الفلسفي للحداثة مع النقد الاجتماعي الألماني الأكثر تقدمية للحداثة، الذي لاقى ~~التعبير المحدد له في أعمال مفكرين مثل فيبر وجورج زيمل. استمر هذا النهج خصبا ~~للغاية فيما يسمى ب «الماركسية الغربية» والجيل الأول لمدرسة فرانكفورت من ~~ثلاثينيات القرن العشرين وما بعدها. ويعد الممثل المعاصر الأكثر تميزا لهذا ~~النهج حيال الحداثة هو هابرماس، الذي شغل - على نحو مهم - منصب أستاذ الفلسفة وعلم ~~الاجتماع بجامعة فرانكفورت. ولا يزال هذا النهج مستمرا حتى يومنا هذا في أعمال خليفة ~~هابرماس في جامعة فرانكفورت؛ أكسل هونيت. ويتميز هذا النهج من الناحية المنهجية ~~بالإيمان بالخصوبة المتبادلة للفلسفة وعلم الاجتماع؛ وهذا يعني أنه لا بد أن تنفذ ~~المقولات الفلسفية اجتماعيا إذا كنا نرغب في أن يكون لها أية فعالية؛ ولكن الأبحاث ~~الاجتماعية تتطلب الوجود النقدي والتأملي للفلسفة لمنعها من الاستغراق في الوضعية. ~~ومن الناحية السياسية، ربط هذا النهج الخاص بالحداثة التقدمية بتيارات فكرية ~~يسارية مختلفة، سواء أكانت ماركسية أم ديمقراطية اجتماعية. # على الجانب الآخر، يوجد النقد الأكثر تحفظا للحداثة، الذي يمكن إيجاده في أعمال ~~مفكرين مثل أوسفالد شبنجلر وكارل شميت وإرنست يونجر. بصياغة شبنجلر، الغرب «ثقافة ~~مسنة» دخلت في مرحلة ذبول لا يمكن إيقافها، مثل الذبول الأخير لروما القديمة. ~~والاستمرار الفلسفي لنهج النقد الاجتماعي هذا في سياق سرد التراجع والانهيار يمكن ~~إيجاده في أعمال هايدجر، لا سيما في تأملاته حول التكنولوجيا في أواخر أربعينيات ~~وخمسينيات القرن العشرين. ولكن أيضا - وربما على نحو غير متوقع - يمكن للمرء أن يجد ~~هذا النهج من النقد الثقافي المتشائم في أعمال فيتجنشتاين، الذي أظهر نفسه متأثرا ~~بقوة بشبنجلر في أعمال مثل «الثقافة والقيمة». وبينما تستند منهجية الحداثة ~~التقدمية على الاعتماد المتبادل بين الفلسفة وعلم الاجتماع، فإن علم الاجتماع بالنسبة ~~إلى الحداثة الرجعية يعد مدانا بوصفه تعبيرا عن الانهيار الديمقراطي الحديث. ثم ~~تنزل المقولات الفلسفية حينها مباشرة إلى التحليل الاجتماعي، الذي يمكن أن يؤدي ~~إلى تشخيص ثقافي متشائم متقلب. مرة أخرى، يقدم هايدجر مثالا كلاسيكيا هنا؛ حيث ~~يوسع ببساطة ms071 أطروحته حول تاريخ الميتافيزيقا على أنها نسيان الكينونة إلى نقد ثقافي؛ ~~حيث تسيطر على جميع جوانب الحياة اليومية صورة العالم التكنولوجي الذي يعد ~~تعبيرا اجتماعيا عن ذلك النسيان نفسه؛ أو كما يقول هايدجر متنهدا: «تزداد رقعة ~~الأرض القاحلة.» والنتائج السياسية للحداثة الرجعية معروفة جيدا في حالة التزام ~~هايدجر بالاشتراكية القومية، التي رأى فيها هو وآخرون مثل شميت ويونجر - وإن كان على ~~نحو وجيز - إمكانية عملية لإسقاط العدمية. ولا حاجة بي لقول إنني لا أجد هذا وسيلة ~~مفيدة جدا للإجابة على السؤال المطروح في عنوان هذا الفصل. # وجهة نظري هي أنه على الرغم من وجود اختلاف تام في وجهة النظر السياسية وخلافات ~~منهجية كبيرة بين الحداثة الرجعية والتقديمة، فإن كلا النهجين استجابة لإشكالية ~~العدمية؛ فهما متفقان في اعتقادهما أن من مهام الفلسفة الانخراط فيما أدعوه إنتاج ~~الأزمة. وهذا يعني أن الفلسفة نقد للممارسة الاجتماعية القائمة، كشكل من أشكال ~~الممارسة غير الحرة أو الجائرة، يطمح لهدف التحرر الفردي أو الجماعي. ويختلف هذان ~~النهجان - يختلفان تماما - فيما يريانه حيال شكل هذا التحرر. # الفصل السادس # | دراسة حالة في سوء الفهم: هايدجر وكارناب # النطق بكلمة وعدم إرادة أي معنى بها أمر لا يليق بفيلسوف. # بيركلي # زعمت في الفصل الثالث أن أفضل طريقة لفهم سوء الفهم بين التقليدين الفلسفيين المتعارضين ~~هي في سياق نموذج «الثقافتين». ووفقا لهذا النموذج، يمكن النظر للفلسفة التحليلية والفلسفة ~~القارية بوصفهما تعبيرين عن عادات فكرية متعارضة بعضها معاد لبعض؛ نفعية بنثام التجريبية ~~ورومانسية كولريدج التأويلية، اللتين تشكلان الفهم الذاتي الفلسفي لثقافة معينة. ورأينا ~~في حالة مل وسنو كيف يمكن أن يفهم شيء مثل «الإنجليزية» في سياق هذا العداء، وفي الواقع، ~~ربما يثبت أن هذا العداء مفيد، شريطة أن يوافق كلا جانبي الصراع على الأقل على الحديث ~~أحدهما مع الآخر. # أريد الآن استكشاف طريقة التفكير تلك أكثر من خلال تناول دراسة حالة معينة في سوء الفهم ~~بين التقليدين الفلسفيين: حالة هايدجر وكارناب. وهذا الخلاف على نحو أساسي هو خلاف ~~بين التصور العلمي للعالم، ms072 الذي قدمه كارناب وحلقة فيينا، والتجربة الوجودية أو ~~«التأويلية» للعالم في فكر هايدجر. هذا الخلاف مهم للغاية للتطورات اللاحقة في الفلسفة، ~~لدرجة أن آراء كارناب حيال فكر هايدجر توفر خلفية لمحاولة آير المنطقية الوضعية للقضاء على ~~الميتافيزيقا في السياق البريطاني، وكان لكارناب تأثير كبير على التطور الأكاديمي للفلسفة ~~التحليلية في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما من خلال تلميذه الأكثر ~~شهرة، دبليو في أوه كواين؛ على سبيل المثال: في مقدمة قصيرة عن فلسفة القرن العشرين، تفيد ~~في جوانب أخرى، يتهم آير هايدجر «بما يمكن إلى حد ما وصفه بأنه احتيال»، استنادا إلى ~~قراءة سريعة لمحاضرته التي ألقاها في عام 1929. وفي تأبين كواين لكارناب في عام 1970، يصف ~~الفلسفة في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بصفة «ما بعد كارناب»، بدلا من ~~«ما بعد فيتجنشتاين»، وهو الوصف الذي يشير على نحو مثير للجدل للفترة المقابلة في ~~بريطانيا. وعلى الجانب القاري، يعد هايدجر بلا شك مصدر إلهام رئيسي لأعمال طلابه ~~الألمان، مثل هانس-جورج جادامير وحنا آرنت، وجيلين من المفكرين الفرنسيين مثل سارتر ~~ولاكان وفوكو ودريدا. وبما أن قدرا كبيرا من سوء الفهم الحديث بين فلاسفة التقليدين ~~التحليلي والقاري، يمكن إرجاعه إلى هذه المواجهة المهمة بين هايدجر وكارناب، فإنها ~~تستحق التناول ببعض التفصيل. ~~(1) لا شيء ينتج من العدم # في 24 يوليو عام 1929 ألقى مارتن هايدجر أولى محاضراته كأستاذ في الفلسفة في جامعة ~~فرايبورج في بريسجاو، وكان في التاسعة والثلاثين من عمره، وفي أوج نضجه الفكري. كان ~~عائدا إلى جامعته الأم بعد عدة سنوات حافلة بالإنجاز في جامعة ماربورج لتولي كرسي ~~أستاذه إدموند هوسرل (الذي سينفصل عنه في نهاية المطاف). وكانت هذه لحظة انتصار شخصي ~~واضحة بالنسبة إلى هايدجر. كانت المحاضرة بعنوان بسيط على نحو خادع، وهو: «ما هي ~~الميتافيزيقا؟»، ولكنها لم تكن بسيطة على الإطلاق. توجد قصة - مشكوك في صحتها بلا ريب - ~~مفادها أنه في نهاية ما يجب أن يكون تجربة فكرية شاقة بالنسبة إلى غير العالمين بفكر ~~هايدجر، كان الصمت ms073 يعم القاعة، ثم تخلله سؤال: «سيد هايدجر، ما هي الميتافيزيقا؟» ~~فأجاب هايدجر: «هذا سؤال جيد!» # شكل 6-1: رودولف كارناب (1891-1970) وزوجته إينا، براغ عام 1933. # ولكن ما هي الميتافيزيقا؟ يعرف نيتشه الميتافيزيقا على نحو شهير بأنها تقسيم ~~العالم الواحد إلى قسمين؛ وهذا يعني تمزيق وحدة التجربة الميثولوجية قبل الفلسفية ~~للعالم، مع أفلاطون، إلى عالمي الكينونة والظاهر ، الواقع والمظهر، العالم المدرك ~~والعالم الذي يتخطى الإدراك. هذا ليس خطأ، ولكن هايدجر يريد صراحة العودة إلى فهم ~~أرسطي أكثر للميتافيزيقا. لم تستخدم كلمة «الميتافيزيقا» نفسها من قبل أرسطو، ~~ولكنها مصطلح له جذور في تصنيف أعماله في مكتبة الإسكندرية الذي أجراه أندرونيقوس ~~الرودسي في القرن الثاني؛ ففي تصنيف أعمال أرسطو، عندما رتبت أعماله على رف ~~المكتبة، كما كانت، كان يوجد الأعمال الشعرية، ودستور أثينا، والنصوص السياسية، والنصوص ~~الأخلاقية، والنصوص المنطقية والبلاغية، وما إلى ذلك. ثم كان يوجد العديد من كتب ~~الفيزياء أو الطبيعة، وبعد ذلك كانت توجد سلسلة من الكتب الموقعة من قبل أرسطو، ~~والتي تناولت أمورا يتعذر تصنيفها ضمن المخطط المحدد، وأطلق على هذه الكتب «ما ~~وراء الطبيعة». # شكل 6-2: مارتن هايدجر (1889-1976)، وهو يبدو متفاجئا. # ولكن ما حل آخرا بالنسبة إلى أرسطو جاءه أولا؛ بمعنى أن ما تناولته هذه الكتب كان ~~المبادئ الأولى التي قامت عليها جميع مجالات البحث الأخرى. ولم يكن مصطلح أرسطو لهذا ~~المجال الأساسي للفلسفة هو الميتافيزيقا، ولكن كان «الفلسفة الأولى». بالنسبة إلى ~~أرسطو، يوجد علم أو عالم خاص بالمعرفة (الإبسمتية) الذي يتعامل مع الكينونة في حد ~~ذاتها؛ وهذا يعني أنه لا يهتم بكينونة عالم معين من الأشياء، مثل الكائنات الحية ~~(البيولوجيا) أو المجتمع البشري (السياسة)، ولكن بالكينونة في حد ذاتها في عموميتها. ~~والاهتمام الرئيسي لفكر هايدجر من البداية إلى النهاية هو مسألة الكينونة؛ وهي المسألة ~~التي أثارتها الدراسات الميتافيزيقية. ويهتم هايدجر بالكينونة في حد ذاتها قبل ~~مرجعيتها إلى أي عالم معين من الكائنات أو الأشياء. والحفاظ على هذا الفارق بين ~~الكينونة في حد ذاتها وكينونات عوالم كائنات معينة هو ms074 ما يسميه هايدجر «الفرق ~~الأنطولوجي». # إذن، هل هايدجر ميتافيزيقي؟ نعم ولا؛ فبالتأكيد يبدو كذلك بالنسبة إلى كارناب وحلقة ~~فيينا، وكانا محقين ومخطئين على حد سواء في هذا الحكم. إن هايدجر مقتنع بأن ~~المسائل الفلسفية - وأهمها بالنسبة إليه مسألة الكينونة - لا يمكن إخضاعها للبحث ~~العلمي؛ لذلك لا يمكن تبرير الميتافيزيقا من خلال التحليل المنطقي: يمكن النظر إلى ~~هايدجر على أنه يسترجع المسألة الأساسية للفلسفة اليونانية القديمة؛ مسألة الكينونة. ~~ومع ذلك، هايدجر «ليس» ميتافيزيقيا؛ لأنه يعتقد أن كل نظام فلسفي، من أفلاطون وحتى ~~الوقت الحاضر، خلال سعيه لتحديد معنى الكينونة في حد ذاتها، قد مر براديكالية «مسألة» ~~الكينونة والارتباط الجوهري بين هذه المسألة وموضوع الزمان؛ ومن ثم كان عنوان أهم ~~أعماله هو «الكينونة والزمان». فبالنسبة إلى هايدجر، «التساؤل هو تقوى التفكير». ~~يعج تاريخ الميتافيزيقا السابق بمحاولات مختلفة لكشف النقاب عن مسألة الكينونة؛ ~~فبالنسبة إلى أفلاطون، تناولها من خلال مفهوم «الشكل»، أي إن معرفة شيء هي معرفة شكل ~~الشيء؛ وبالنسبة إلى أرسطو، يعبر عنها بمفهوم «المادة»؛ وبالنسبة إلى توما الأكويني، ~~يتناولها بالإشارة إلى «السبب الذي هو سبب ذاته» أي الإله؛ وبالنسبة إلى هيجل، الكينونة ~~هي «الروح». وعند نيتشه، هي «إرادة القوة»، وما إلى ذلك. بالنسبة إلى هايدجر، تاريخ ~~الميتافيزيقا هو «تاريخ الكينونة»؛ سلسلة من الإجابات على المسألة الأساسية للفلسفة ~~التي تمتد من أفلاطون إلى قلب الأفلاطونية عند نيتشه؛ ومن ثم، فإن طرح مسألة ~~الكينونة على نحو راديكالي يعني وضع الميتافيزيقا موضع التساؤل وتجاهل مسألة ~~«تجاوزها». ومع ذلك، على الرغم من استخدام هايدجر وكارناب عبارة «تجاوز ~~الميتافيزيقا»، فإنها تعني عند كليهما معنى مختلفا على نحو بارز. # يمكن التعبير عن التوجه الأساسي لحلقة فيينا في عبارة أوتو نيورات، وهو عضو بارز في ~~الحلقة: «علم خال من الميتافيزيقا»؛ فالفلسفة عامل مساعد للعلم، تهتم فحسب بالتوضيح ~~المنطقي لأطروحات ومنهج العلم التجريبي. وفي الواقع، يمكن للمرء أن يتمادى أكثر من ذلك ~~ويدعي أن حلقة فيينا لم تمارس الفلسفة مطلقا، فيما يتعلق بتقديم أطروحات فلسفية، ~~ولكنها ببساطة تركز على ms075 التحليل المنطقي الذي يوضح أطروحات العلم التجريبي وتنتقد ~~مزاعم الميتافيزيقا التقليدية. وكتب نيورات يقول: «لا يوجد شيء اسمه الفلسفة كعلم أساسي ~~أو عام بإزاء المجالات المختلفة للعلم التجريبي أو أعلى منها.» والإشارة إلى «العلم ~~التجريبي» تلمح للهدف الصريح بتحديد تصور علمي للعالم، وهو ما سماه نيورات «العلم ~~الموحد». وهذا يذكرنا بتعريف نيتشه للميتافيزيقا؛ حيث يستعيد التصور العلمي ~~للعالم وحدة التجربة الموجودة في وجهات النظر الميثولوجية للعالم. ويفترض نيورات قائلا: # يعتمد ممثلو التصور العلمي للعالم على فكرة التجربة الإنسانية البسيطة. ~~وينخرطون بثقة في مهمة إزالة الأنقاض الميتافيزيقية واللاهوتية؛ أو كما يصيغ ~~البعض ذلك، مهمة العودة - بعد فاصل ميتافيزيقي - إلى صورة موحدة لهذا العالم ~~كانت، بطريقة ما، أساسا للتفكير السحري الخالي من اللاهوت في العصور ~~الأولى. # فيما يتعلق بهذا التصور العلمي للعالم، فإن الأطروحات الميتافيزيقية ليست كاذبة ~~بقدر ما هي ببساطة لا معنى لها؛ فهي لا تمتلك أي محتوى معرفي. وعلى هذا النحو، فإنها ~~تعبير عن مشاعر مشروعة، ولكن يجب أن يكون لمثل هذه المشاعر الوسط المناسب لها، ~~المتمثل في الفن أو الموسيقى أو الشعر، بدلا من الفلسفة؛ ومن ثم ظهر حكم كارناب ~~القاطع بأن «الميتافيزيقيين موسيقيون دون قدرات موسيقية». # والآن، في تعارض صارخ مع هذا التصور للفلسفة، سيقدم هايدجر دفاعا عن ~~الميتافيزيقا ضد العلم. إن سؤال هايدجر في المحاضرة بسيط وقوي: «ماذا يحدث لنا، فيما ~~يتعلق بوجودنا، عندما يصبح العلم شغفنا؟» يتمثل جوابه في أنه عندما يصبح العلم ~~شغفنا، فإنه يوجد تفتيت وتقسيم لمجالات المعرفة المختلفة؛ الأمر الذي يؤدي إلى ضمور ~~في الأساس الميتافيزيقي للنشاط العلمي. يقول هايدجر على نحو قاطع ودون أدنى تحذلق في ~~نهاية المحاضرة: # فقط في حالة وجود العلم على أساس ميتافيزيقي يمكن أن يقوم على نحو متجدد ~~باستمرار بمهمته الأساسية، والتي هي ليست جمع وتصنيف أجزاء المعرفة، ولكن الكشف ~~في نحو متجدد باستمرار عن النطاق الكامل للحقيقة في الطبيعة والتاريخ. # يجب أن يكون للعلم أساس ميتافيزيقي، وهذا أمر واضح. ولكن ما هو بالضبط هذا الأساس؟ ~~حسنا، هو ms076 «العدم». ولكن لا شيء ينتج من العدم. إذن، ماذا يمكن أن يعني هذا؟ هذا يقودنا ~~إلى لب تأملات هايدجر المثير للجدل؛ مسألة «العدم»، والتي سيسخر منها كارناب على ~~نحو خبيث. اسمح لي أن أحاول استخلاص الفكرة الرئيسية من تعقيد الأسلوب النثري ~~المزخرف بإفراط لهايدجر. في الجزء الأول من المحاضرة، يبدأ هايدجر بزعمه - على نحو غير ~~مثير للجدل بنحو كاف - أن العلوم المحددة تتعامل مع عالم الأشياء المحدد الخاص بها، ~~ولا تهتم بأي شيء آخر إلى جانب ذلك؛ ومن ثم فإن العلم يريد أن يعرف كل شيء عن ~~الأشياء أو الكائنات ولا شيء آخر إلى جانب ذلك. ثم يسأل هايدجر على نحو خبيث: «ماذا عن ~~هذا اللاشيء أو العدم؟» ويتمثل زعمه في أن العلم لا يريد أن يعرف شيئا عن هذا العدم، ~~في حين أنه يمكن إثبات أن الميتافيزيقا تهتم على نحو رئيسي بهذا العدم، وهذا أمر مفهوم. ~~يمكن للمرء أن يتخيل كارناب وهو يضحك من هذا الكلام ضحكة مكبوتة، مثل طالب جالس في ~~الصف الخلفي في قاعة المحاضرات، والنقطة الرئيسية لديه ضد هايدجر هي أن السؤال - «ماذا ~~عن هذا العدم؟» - لا يمكن حتى صياغته بلغة متسقة منطقيا؛ لأنه يحول نفيا إلى اسم ~~مختلق. وتعد حقيقة إمكانية صياغة مثل هذا السؤال دليلا على أن الميتافيزيقا ~~تغذي بعض الالتباسات الكامنة في اللغة العادية التي يمكن - ويجب - القضاء عليها من ~~خلال الإصلاح المنطقي. وكان هذا الإصلاح المنطقي للغة جزءا من البرنامج المبكر لحلقة ~~فيينا. # خطوة هايدجر القادمة هي إلقاء نظرة على كيفية فهم مسألة العدم تلك عن طريق المنطق ~~التقليدي. القانون الأساسي للمنطق هو مبدأ عدم التناقض؛ أي إنه من التناقض أن نقول إن ~~شيئا ما يمكن أن يتواجد ولا يتواجد في الوقت نفسه. ووفقا لهذا المبدأ، يتصور المنطق ~~«العدم» على أنه نفي الكينونة في حد ذاتها أو كينونات عوالم كائنات معينة: «لا س» هو ~~نفي «س». على هذا النحو، فإن المسألة الميتافيزيقية للعدم تصبح مسألة نفي. ودون ترك ~~مساحة للنقاش، يشير هايدجر ms077 إلى أن «العدم أكثر أصالة من ال «لا» و«النفي»». ربما سيعترض ~~كارناب، ولكن ما يبدو أن هايدجر يعنيه هنا هو أن الفهم المنطقي «للعدم» باعتباره نفي ~~يفكر في النفي نظريا بالعقل. ويتمثل هدف هايدجر في المحاضرة (الذي عرض بتفاصيل ~~مذهلة في كتاب «الكينونة والزمان») في أنه توجد طرق لفهم الأشياء غير الطريقة العقلية. ~~فيدعي أنه قبل الكشف النظري للأشياء، يحدث كشف وجداني أو عاطفي فيما سماه هايدجر ~~«الحالات المزاجية»؛ وهي ترجمته لمفهوم «العاطفة» عند أرسطو. وهكذا، يكون الشخص دائما ~~في نوع من الحالات المزاجية، سواء أكان مكتئبا أم مبتهجا أم ببساطة غير مبال، وتتحدد ~~طريقة رؤيته للأشياء من خلال هذه الحالة المزاجية. وبالنسبة إلى هايدجر، هذه الحالات ~~المزاجية لا يمكن أن تفهم على أنها مجرد مشاعر، كنوع من التلوين النفسي في حياتنا ~~العقلية الأحادية اللون على نحو عقلاني؛ فالحالات المزاجية تحدد طريقة اختبار البشر ~~للحياة في العالم. # يصبح السؤال إذن: هل توجد حالة مزاجية تكشف العدم؟ إجابة هايدجر هي نعم، ويدعي أن ~~هذه هي وظيفة «القلق». ولكن بالتأكيد دائما ما يشعر المرء بالقلق حيال هذا الأمر أو ~~ذاك: الامتحانات، أو خوف مرضي من العناكب، أو الفئران، أو أيا ما كان. يصر هايدجر ~~على أنه لا يقصد ذلك؛ فمن الأفضل تسمية هذا القلق المعين باسم «الخوف»؛ فعندما يزول ~~السبب - العناكب أو الفئران أو الامتحانات - يختفي الخوف. يتمثل قصد هايدجر من فكرة ~~القلق هذه في أنه يظل ويستمر قبل كل المخاوف، مثل بعض الضوضاء الغريبة في خلفية وجود ~~الفرد؛ فالقلق هنا ليس قلقا حيال هذا الأمر أو ذاك، بل هو قلق حيال كينونة المرء ~~بأكملها. ما يحدث في القلق - ويستخدم هايدجر هنا أسلوبا وصفيا رائعا - هو أن كل ~~الأشياء المحددة تفلت من قبضة المرء ويترك المرء وحيدا، شاعرا بأنه غريب ودخيل. وفي ~~تجربة الغربة الناتجة، وفي السكون وحتى الهدوء الذي تنتجه، يشعر المرء بعدمية كل شيء ~~ويبدأ في طرح السؤال الميتافيزيقي، الذي كان لايبنيتس هو أول من طرحه: «لماذا توجد ~~كينونات أساسا، ms078 ولماذا لا يوجد بدلا من ذلك عدم؟» # إذن، بالنسبة إلى هايدجر، العدم الذي ينكشف للمرء في تجربة القلق يؤدي به إلى طرح ~~السؤال الميتافيزيقي المتعلق بمعنى الكينونة. وعلى الرغم من أن ذلك يبدو غريبا، فإن ~~مسألة العدم تدفع هايدجر مباشرة إلى قلب الميتافيزيقا، وهذا البحث لا يمكن إخضاعه ~~للتصور العلمي للعالم الذي تطرحه حلقة فيينا. الفلسفة هي أساسا ميتافيزيقية، ~~و«الفلسفة لا يمكن أن تقاس بمعيار فكرة العلم». ويخلص هايدجر إلى أن «الوجود الإنساني ~~يمكن أن يوائم نفسه مع الكينونات فقط إذا وضع نفسه في العدم. والتجاوز يحدث في جوهر ~~الوجود، ولكن هذا التجاوز نفسه ميتافيزيقي.» يجب أن يستند العلم إلى ~~الميتافيزيقا. ~~(2) المطوية الصفراء # كان عام 1929 عاما حافلا في مجال الفلسفة؛ ففي الفترة بين 15-17 سبتمبر من عام ~~1929، وبعد أقل من شهرين على محاضرة هايدجر، كان هناك اجتماع لجمعية إرنست ماخ في براغ. ~~كان قد تقرر تقديم هدية لموريتس شليك (1882-1936)؛ الرمز الكبير لما سيسمى بعد ~~ذلك - بسبب هذه الهدية - حلقة فيينا. كان شليك يعمل بعيدا في ستانفورد كأستاذ زائر، ~~وكان قد رفض للتو كرسي الأستاذية في جامعة بون. كانت الهدية نصا قصيرا - في واقع ~~الأمر بيانا - كان بعنوان «التصور العلمي للعالم. حلقة فيينا». كان واضع النص الرئيسي ~~غير معروف، ولكن كانت المقدمة موقعة من قبل ثلاثة من أعضاء الحلقة - هانس هان، ~~وأوتو نيورات، ورودولف كارناب - على الرغم من أن راديكالية مضمونها والنبرة الجدلية ~~لعباراتها كانت تعكس آراء نيورات، الأكثر توجها نحو السياسة من الوضعيين المنطقيين. ~~وسيعرف هذا النص القصير منذ ذلك الحين للمنضمين الجدد للحلقة باسم «المطوية ~~الصفراء». # أكثر ما يلفت النظر - وبالنظر إلى الاتجاه المحافظ لجزء كبير من الفلسفة التحليلية ~~التي ستدعي بعد ذلك أنها مستوحاة من فكر حلقة فيينا - هو الطابع السياسي الراديكالي ~~الحاد لنص المطوية. والتصور العلمي للعالم يقف في صراع مع النزعات الميتافيزيقية ~~واللاهوتية الرجعية في الفلسفة والسياسة؛ فبالنسبة إلى مؤلفي المطوية، حلقة فيينا ~~«تواجه العصر الحديث» من خلال رفض الميتافيزيقا واعتناق العلم التجريبي. ويرتبط ms079 هذا ~~التطور جوهريا - على نحو يذكرنا بماركس - بالإمكانية التحررية لعملية الإنتاج ~~الحديثة. وتتفق حلقة فيينا مع العامة ما دامت «تميل مواقفهم الاشتراكية إلى أن تؤدي ~~إلى وجهة نظر تجريبية عملية». وتروي المطوية الصفراء قصة مقنعة على الرغم من قصرها، ~~ترجع آراء حلقة فيينا إلى حالات التقدم المختلفة التي حدثت في العلوم، وتشارك في ~~الهجمات الجدلية على الميول الميتافيزيقية المناهضة للنزعة العلمية. وتنص عبارتها ~~الأخيرة على ما يلي: «التصور العلمي للعالم يخدم الحياة، والحياة تتقبله.» توضح مثل ~~هذه العبارات التنويرية الخطر الذي يمثله مفكر مثل هايدجر بالنسبة إلى حلقة فيينا. ~~وكما أشار آير على نحو مختصر في خطاب حماسي أرسل من فيينا إلى أشعيا برلين في عام ~~1933: «كل الفلاسفة المعاصرين في ألمانيا ضالون أو حمقى؛ فحتى مجرد التفكير في فلسفة ~~هايدجر يجعلهم يشعرون بالغثيان.» بالنسبة إلى فلاسفة حلقة فيينا الوضعيين، تمثل ~~أعمال هايدجر العودة إلى الميتافيزيقا الرجعية المناهضة للنزعة العلمية، التي تتوافق ~~سياسيا مع تطلعات الشعوب الجرمانية، وسيثبت العقد التالي صحة شكوك كارناب على نحو ~~مأساوي؛ حيث سيغادر جميع الأعضاء البارزين في الحلقة فيينا - الذين كان كثير منهم من ~~اليهود - بعد فترة قصيرة من ضم النمسا إلى ألمانيا النازية في عام 1936. وكما أشار ~~برتراند راسل: «يبدو أن التدريب المنطقي الشديد الذي أخضع هؤلاء الرجال أنفسهم له، ~~جعلهم في مأمن من الإصابة بعدوى الدوجما العاطفية ...» وفي مقابل التزام هايدجر العاطفي ~~السياسي بالاشتراكية القومية في عام 1933، التي أعقبها التصوف العميق الذي يرى أن دور ~~الفلسفة علاجي، والذي أربك أتباعه أيضا؛ اعتنق كارناب وجهات نظر يسارية طوال حياته، ~~وكان بالفعل في ستينيات القرن العشرين ناشطا في الحركة المناهضة للعنصرية في الولايات ~~المتحدة الأمريكية. قد تبدو السياسة في صراع كارناب وهايدجر محتفظة بأكثر من صدى ~~لخلاف بنثام وكولريدج الذي سبق تحليله. ~~(3) المنطق والتجريبية والشعر الجيد والسيئ # بوضع هذا في الاعتبار، دعنا نلق نظرة أكثر تمعنا على مقال كارناب في عام 1932، ~~الذي كان عنوانه «تجاوز الميتافيزيقا من خلال التحليل المنطقي للغة»؛ حيث اختار ~~محاضرة هايدجر في ms080 عام 1929 كمثال أساسي على الهراء الميتافيزيقي. لم تكن حجة كارناب ضد ~~الميتافيزيقا أن أفكارها ليست صحيحة، بل إنها ببساطة لا معنى لها؛ فبالنسبة إلى ~~الوضعيين المنطقيين مثل كارناب، المعنى متأصل في مبدأ التحقق؛ أي إن الكلمة أو ~~الجملة تكون ذات معنى فقط إذا كان يمكن التحقق منها مبدئيا. ولكن ما شروط ~~التحقق؟ إنها تنقسم إلى شقين: منطقي وتجريبي . # بالنسبة إلى حلقة فيينا، وبدءا من راسل وأعمال فيتجنشتاين المبكرة، «المنطق» نظام ~~إحالة ذاتية يسمح باختزال جميع العبارات إلى عبارات طوطولوجية أو متناقضة. دعنا نلق ~~نظرة على المثال الكلاسيكي في هذا الشأن: عبارة «كل العزاب رجال غير متزوجين» ~~طوطولجية؛ فالمحمول («رجال غير متزوجين») مساو أو متضمن في الموضوع («العزاب»). ~~ويطلق على أمثال هذه العبارات ما يسميه الفلاسفة «الأحكام التحليلية»، وهذه الأحكام ~~صحيحة ببساطة بمقتضى صيغتها، ولكنها لا تخبرنا شيئا على الإطلاق عما يحدث، عن ~~الحقائق. عكس هذا هو التناقض، مثل «كل العزاب رجال متزوجون»، وهي بطبيعتها عبارة خاطئة، ~~كما أنها لا تخبرنا شيئا أيضا. إذن، كل العبارات المنطقية تكون إما طوطولجية وإما ~~متناقضة، والتي تكون إما صحيحة بالضرورة وإما خاطئة بالضرورة، ولكن كل هذه العبارات ~~يمكن التحقق منها؛ ومن ثم لها معنى. العالم الوحيد ذو الكلمات أو الجمل ذات ~~المعنى هو عالم «الحقيقة التجريبية». وآمن فيتجنشتاين في أعماله المبكرة بأن كافة ~~الحوادث التجريبية أو الحالات المعقدة، يمكن اختزالها إلى عبارات بسيطة تعكس الحقائق ~~أو «المعلوم»؛ وإذا عكست هذه العبارات البسيطة أو الأولية الحقائق، فيمكن حينها ~~التحقق منها في مقابل الحقائق؛ فعبارتي: «هذه شجرة جاكاراندا» يمكن التحقق منها ~~بمجرد النظر إلى الشيء الأخضر الضخم الجميل الموجود أمامي. العبارات التجريبية قابلة ~~للتحقق منها؛ ومن ثم لها معنى. # ويتمثل الادعاء الرئيسي لكارناب في مقال عام 1932 في أن العبارات الميتافيزيقية ~~ليست منطقية ولا يمكن التحقق منها تجريبيا؛ على سبيل المثال: إذا قلت إن «القلق ~~يكشف كينونة أن تكون إنسانا»، فحينها سوف يسأل الوضعيون المنطقيون: هل يمكن التحقق ~~من هذه العبارة منطقيا؟ لا؛ لأنها ليست ms081 طوطولجية ولا متناقضة. إذن، هل يمكن التحقق ~~منها تجريبيا؟ لا؛ لأن «الكينونة» ليست حقيقة محددة مثل شجرة الجاكاراندا. ومن ~~ثم فإن العبارة لا معنى لها. وما ينطبق على هذه العبارة ينطبق على كل العبارات ~~الميتافيزيقية؛ فإذا لم تكن قابلة للتحقق منها، فإنها لا معنى لها ويمكن تجاوزها ~~ببساطة من خلال التحليل المنطقي. # ولكن، ربما يطرح سؤال: إذا ما تم تجاوز الميتافيزيقا، وإذا أحرقنا كل الكتب التي ~~تحتوي على عبارات لا يمكن التحقق منها - على غرار ما نصحنا به هيوم - فما هو الدور ~~المتبقي للفلسفة؟ يصر كارناب على أن ما تبقى هو أسلوب التحليل المنطقي، وفي مقال جدلي ~~يرجع لعام 1934 ذكر أن «حلقة فيينا لا تمارس الفلسفة». ولكن لو كان كارناب محقا ~~(وهذا أمر مستبعد)، فكيف إذن نفسر حقيقة أن الفلاسفة وغير الفلاسفة كانوا منشغلين ~~بالمسائل الميتافيزيقية منذ آلاف السنين؟ هل يمكن أن يكون الكثير من الناس بهذه الدرجة ~~من الغباء لفترة طويلة جدا كهذه؟ في الصفحات الختامية الرائعة من مقالته، يجيب ~~كارناب عن هذا السؤال مستندا إلى آراء فلهلم دلتاي بالقول إن الميتافيزيقا تعبير عن ~~شعور تجاه الحياة. في هذا الصدد، تشبه الميتافيزيقا الفن، الذي يقدم أيضا تعبيرا عن ~~شعور أو موقف حيال الحياة. ولكن - وهنا تكمن المشكلة - الميتافيزيقا أدنى منزلة من ~~الفن؛ لأن الشاعر أو الموسيقي لا يتصور أن كلامه أو صوره له محتوى نظري أو معرفي؛ ~~ومن ثم، فإن الميتافيزيقا فن سيئ، والميتافيزيقيون شعراء دون قدرات شعرية، وموسيقيون ~~دون قدرات موسيقية. والغريب أنه بالنسبة إلى كارناب، كان المفكر الوحيد الذي فهم هذه ~~المشكلة على أفضل نحو هو نيتشه، الذي كانت أعماله إما متضمنة بعض المحتوى التجريبي، ~~مثل تحليلاته لتاريخ الأخلاق، وإما لا تختار التعبير عن نفسها في شكل نظرية، مثل أعمال ~~هايدجر، ولكن في شكل شعر. من الواضح أن كارناب يفكر في كتاب نيتشه «هكذا تحدث ~~زرادشت»، الذي يسعى إلى التصدي لمشكلة العدمية الفلسفية باتخاذ أسلوب غير ميتافيزيقي، ~~ميثولوجي، وحتى سحري. ~~(4) لب الصراع الفلسفي الذي ما زال ms082 خفيا # يقول آرني نيس على نحو بارع: «من المعقول أن نقول إن كارناب يقرأ أعمال هايدجر ~~تماما مثلما قد يقرأ الشيطان الكتاب المقدس.» وهذا بلا شك صحيح، ولكن كما حاولت ~~التوضيح من قبل، لدى كارناب وحلقة فيينا أسباب مفهومة لانتقاد هايدجر؛ فالصراع بين ~~التصور العلمي للعالم وما يراه كارناب على أنه ميتافيزيقا هايدجر، ليس مجرد خلاف نظري ~~فحسب، ولكنه أيضا تعبير عن الصراعات الاجتماعية والسياسية التي شوهت بشدة القرن ~~الماضي. وبقدر علمي، لم يعد كارناب قط إلى صراعه مع هايدجر في أعماله اللاحقة. ~~ولكن ماذا قال هايدجر؟ # في رأيي، ليس من خصال هايدجر أنه يميل لمعاملة منتقديه بازدراء متغطرس، متجاهلا ~~مواجهتهم على نحو مباشر؛ ومن ثم، لا توجد سوى إشارة «واحدة» اعتراضية فقط لكارناب ~~في أعمال هايدجر المنشورة. ومع ذلك، توجد مواجهة غير مباشرة أكثر مع التحدي الفلسفي ~~الذي يقدمه كارناب في جميع أعماله. يميل هايدجر لتسمية هذا باسم «المنطق الرمزي» ~~بدلا من تسميته التحليل المنطقي أو الفلسفة التحليلية. وفي رأيي، يمكن للمرء أن ~~يتخيل نقاشا مع كارناب بين سطور أعمال هايدجر ربما يثير النقاط الأربع ~~التالية: ~~(1) # التحليل المنطقي هو التعبير الأكثر تطرفا عن تجربة مجسدة للغة؛ أي ~~تحول النسيج الحي للغة اليومية إلى سلسلة تقنية شكلية من الخطوات. إن ~~محاولة الإصلاح المنطقي للغة تخاطر بتحويلها إلى شيء لا يمكن التعرف عليه ~~من قبل مستخدمي اللغة؛ ففي أعمال هايدجر عن اللغة بداية من خمسينيات ~~القرن العشرين، يشجعنا على الخضوع ل «تجربة مع اللغة» لا يمكن خوضها في ~~أي لغة فوقية أو ما ورائية شكلية. وتبعد لغة كارناب الفوقية المنطقية عن ~~تلك التجربة كل ما يمكن للمرء أن يتصوره من البعد. ~~(2) # إضفاء الطابع الشكلي على اللغة في التحليل المنطقي يحول اللغة إلى أداة ~~تقنية. ووجهة النظر اللغوية التي اعتمدها التحليل المنطقي الكارنابي أطلق ~~عليها هايدجر في خمسينيات القرن العشرين «اللغويات الفوقية أو الماورائية»، ~~وهي وجهة نظر يربطها بآرائه في مجال التقنية؛ بمعنى أن التحليل المنطقي ~~الكارنابي ينتمي إلى تلك اللحظة التاريخية ms083 عندما اختزلت الفلسفة إلى ~~التفكير التقني. ويضيف هايدجر على نحو لا ينسى: «اللغة الفوقية ~~وسبوتنيك، واللغويات الفوقية وعلم الصواريخ أمر واحد.» والتحليل المنطقي ~~متوافق مع إرادة القوة والسيطرة على الطبيعة التي تميز عصر ~~التقنية. ~~(3) # من وجهة نظر هايدجر، محاولة كارناب تجاوز الميتافيزيقا ببساطة عن طريق ~~القضاء على كلمات مثل «الكينونة» و«العدم»؛ هي تعبير عن وجهة نظر ~~ميتافيزيقية غير متأملة للعالم . وكما ذكر سابقا، يتمثل رأي هايدجر في ~~أن تاريخ الميتافيزيقا هو تاريخ نسيان الكينونة. والاعتقاد بأن كلمة ~~«الكينونة» ينبغي أن تحذف من سجل المعاني يعود إلى التعبير الأكثر ~~تطرفا لهذا النسيان؛ ولذلك، فإن تجاوز كارناب للميتافيزيقا ~~ميتافيزيقي تماما مثل الميتافيزيقا التي يسعى إلى تجاوزها. ~~(4) # وهكذا، فإن ثناء كارناب على نيتشه كاشف إلى حد كبير؛ فقد يدعي أحد ~~أنصار هايدجر أن التحليل المنطقي ينتمي إلى لحظة نيتشوية في تاريخ ~~الميتافيزيقا. ربما نتذكر أن نيتشه كتب في كتاب «أفول الأصنام»: «ولكن ~~سيظل هرقليطس محقا دائما في ذلك؛ أن الكينونة خيال فارغ.» وهذا على ~~الرغم من أن نيتشه كان سيرى الوضعية المنطقية مجرد تمهيد لانقلابه على ~~الفكر الأفلاطوني. # على الأقل، هذه هي الكيفية التي يمكن للمرء من خلالها تخيل استجابة هايدجر للوضعية ~~المنطقية. ولكن دعنا نعد إلى الذكر الوحيد لكارناب في أعمال هايدجر المنشورة؛ ~~لأن ما يقوله يثير الدهشة بالفعل إلى حد ما. ظهر هذا الذكر في رسالة نشرت في عام ~~1964 كمقدمة لكتاب كتب في عشرينيات القرن العشرين، فيتحدث هايدجر ممارسا ضبط ~~نفس شديدا عن: # لب الصراع فيما بين هذين الاتجاهين - الموقفين المتضادين الأكثر تطرفا ~~(كارناب في مقابل هايدجر) - اللذين تميل «فلسفة» اليوم نحوهما؛ ما زال خفيا. ~~وندعو هذين الموقفين اليوم: وجهة النظر العلموية التقنية للغة والتجربة ~~التأملية التأويلية للغة. # والآن، أود أن أعتبر هذا الاقتباس هو تعبير هايدجر عن مشكلة الثقافتين في الفلسفة. ~~وهذا يعني أن الفلسفة المعاصرة تتفق على أن اللغة هي العالم الذي يحدث فيه التفكير، ~~ولكنها تختلف تماما حول أفضل السبل لفهم ووصف هذا العالم. بالنسبة إلى كارناب، ms084 هي ~~مسألة إصلاح جوانب الغموض والتناقضات في لغة الحياة اليومية من أجل الحصول على رؤية ~~واضحة لما يمكن وما لا يمكن أن يقال. وبالنسبة إلى هايدجر، هي مسألة الخضوع لتجربة مع ~~اللغة حساسة لما يحدث في الحياة اليومية. ~~(5) آراء كارناب # يجب ألا يتصور للحظة أن آراء كارناب وحلقة فيينا تمتعت بقبول عالمي بين ~~الفلاسفة التحليليين؛ فالأمر بعيد عن ذلك كل البعد ؛ ففي مناقشة حول المزايا النسبية ~~للوضعية المنطقية مع بريان ماجي في عام 1982، قال آير متهكما: «حسنا، أعتقد أن ~~العيب الأكثر أهمية كان أن جميعها تقريبا كان خاطئا.» وفيما يلي ذكر ثلاث نقاط ~~إشكالية في هذا الصدد على نحو وجيز: ~~(1) # معيار كارناب لتمييز العلم عن الميتافيزيقا هو نظريته التي ترى أن ~~المعنى يقوم على مبدأ القابلية للتحقق. يشير كارل بوبر على نحو مقنع إلى ~~أن فكرة المعنى تلك معيار محدود للغاية بحيث لا يستطيع عمل هذا التمييز؛ ~~لأن العديد من النظريات العلمية يتسم بطابع تأملي على نحو كبير، وكدليل ~~على ذلك قدم مثالا بنظرية أينشتاين؛ فنظرية النسبية هي تخمين تأملي ~~ببساطة لا يمكن اختزاله إلى مجموعة من عبارات الملاحظة التجريبية. في ~~الواقع، يمكن قول الأمر نفسه أيضا عن الديناميكيات النيوتونية، والتي ~~قبلت كنظرية ليس لأنها كان يمكن التحقق منها تجريبيا، ولكن لأنها كانت ~~الفرضية ذات القوة التفسيرية العظمى. وإذا تأكدت نظريات نيوتن أو أينشتاين ~~في وقت لاحق عن طريق الملاحظة، فذلك أفضل بكثير. وإن لم تؤكد، فسيكون قد ~~تم دحضها؛ فصدق التخمين يعتمد على قدرته على الصمود أمام التفنيد. ~~وهكذا، فإن معيار بوبر لتمييز العلم عن الميتافيزيقا هو القدرة على الدحض. ~~إذا كانت النظرية قابلة للدحض، فإنها نظرية علمية، وإذا لم تكن قابلة ~~للدحض، فإنها نظرية ميتافيزيقية. ~~(2) # ثمة مجموعة ثانية من المشاكل تظهر حيال مبدأ التحقق؛ بداية، في مواجهة ~~الهجوم النقدي، اختزل كارناب وجهة نظره من التحقق التجريبي الكامل إلى ~~«مبدأ القابلية للتأكيد». في وجهة النظر تلك، تكون الجمل والكلمات ذات ~~معنى إذا كانت «مبدئيا» قابلة للتأكيد من خلال ملاحظة ms085 «ممكنة». لا يزال ~~هذا معيارا تجريبيا للمعنى، على الرغم من أنه أقل تشددا من النسخة ~~السابقة. ومع ذلك، فإن المشكلة الحقيقية هنا هي حالة مبدأ القابلية ~~للتحقق نفسه: إذا كان يجب التحقق من كافة المسائل من خلال مبدأ ~~القابلية للتحقق، فكيف إذن نتحقق من هذا المبدأ نفسه؟ بمعنى، ماذا يعني ~~التحقق من القابلية للتحقق؟ تذكر أنه وفقا لمبدأ القابلية ~~للتحقق، تكون الكلمات والجمل ذات معنى فقط إذا كانت قابلة للاختزال إلى ~~كلمات أو جمل طوطولوجية، أو يمكن ملاحظتها تجريبيا. ومبدأ القابلية ~~للتحقق لا يمكن أن يكون عبارة تجريبية؛ لأنه هو الذي يكسب مثل هذه ~~العبارات معنى: فلا يمكن ملاحظة المبدأ نفسه. مع ذلك، لا يمكن أيضا أن ~~يكون طوطولوجيا؛ لأنه على الرغم من عدم كونه حقيقة في حد ذاته، فإنه ~~يتعلق بالحقائق لأنه هو المعيار الذي يحكم بموجبه عليها. ولا يمكن أن ~~تكون للعبارات الطوطولوجية المنطقية بطبيعتها علاقة بالحقائق؛ ومن ثم ~~إذا لم يكن عبارة طوطولوجية ولا حقيقة، فكيف يمكن للمرء إذن أن يتحقق ~~منه؟ الخيار الوحيد هو أنه يجب أن يكون بطريقة أو بأخرى ذاتي التحقق؛ مما ~~يعني أنه يجب أن يكون قادرا على تقديم عبارات حول نفسه وتقديم حجته ~~الخاصة. يبدأ كل هذا في أن يبدو إلى حد ما شبيها بالميتافيزيقا القديمة ~~التي أراد كارناب وحلقة فيينا تجاوزها. يمكن صياغة المشكلة على نحو أكثر ~~تبسيطا؛ مبدأ القابلية للتحقق هو نسخة حديثة من مبدأ شفرة أوكام، الذي ~~يزيل الكيانات الميتافيزيقية الزائدة من عالم الحقائق التجريبية. والسؤال ~~هو: كيف يمكن لهذه الشفرة إزالة نفسها؟ إذا لم تكن هذه الشفرة قادرة على ~~إزالة نفسها، فلا يمكننا بالأحرى التحقق من القابلية للتحقق. إن مبدأ ~~التحقق هو تناقض ذاتي أدائي. ~~(3) # ولكن كانت الاعتراضات الأكثر شراسة على كارناب هي التي قدمها تلميذه ~~كواين في بحثه الشهير بعنوان «عقيدتا التجريبية» (1951). تتمثل عقيدة ~~التجريبية الأولى في إمكانية التمييز بين العبارات الطوطولوجية المنطقية ~~وعبارات الملاحظة التجريبية؛ ما يعرف تقنيا باسم التمييز التحليلي ~~الاصطناعي. والعقيدة الثانية هي ما ms086 يسميه كواين «الاختزال الراديكالي»؛ ~~أي إن كل عبارة تجريبية يمكن اختزالها إلى عبارة عن الحقائق أو المعلوم. ~~يدعي كواين أن العقيدة الثانية لا يمكن إثباتها، وإذا كانت هذه هي ~~الحال، فإن العقيدة الأولى تسقط أيضا؛ ومن ثم، تنهار صورة كارناب حول ~~المعنى بأكملها. وبكلمات ويلفيرد سيلرز، انخدع كارناب وحلقة فيينا ب ~~«أسطورة المعلوم»؛ بفكرة أن الكلمات والجمل لها علاقة مباشرة بواقع موجود ~~في اللحظة الراهنة. يقدم كواين صورة بديلة عن علاقة المعتقدات بالتجربة، ~~مشبها مجموع معرفتنا «بنسيج من صنع الإنسان يمس التجربة فقط عند ~~الحواف». ونتيجة هذا الرأي هي صورة أكثر شمولية بكثير للعلاقة بين ~~المعتقدات والتجربة، أو المفهوم والحدس، والتي وصفها كواين بأنها ~~«البراجماتية الشاملة». وعلى الرغم من مضي كواين في أعماله اللاحقة بوصف ~~وجهات نظره الأولى بمصطلحات طبيعية أقوى بكثير، فإنه من خلال هذا النقد ~~البراجماتي للتجريبية صنع ريتشارد رورتي صلات رائعة بالتقليد الفلسفي ~~القاري. ~~(6) فيتجنشتاين يعتقد أنه يعرف ما يعنيه هايدجر # كما رأينا، فإن جانبا كبيرا من هذا الجدل ينصب على مسألة الميتافيزيقا، مع اتهام ~~كارناب لهايدجر بأنه ميتافيزيقي، وتلميح هايدجر إلى أن تصور كارناب العلمي للعالم ~~يستلزم وجود ميتافيزيقيا غير مفحوصة؛ ومن ثم، يتهم كل منهما الآخر بالخطأ ~~الميتافيزيقي نفسه. وليس هذا الأسلوب السيئ الواضح شيئا جديدا في تاريخ الفلسفة. ~~ولكن كوسيلة لتوفيق هذين الموقفين المتعارضين، اسمح لي أن أنتقل إلى مقتطف صغير كتبه ~~فيتجنشتاين أيضا في عام 1929؛ حيث يقول ردا على محاضرة هايدجر: # أستطيع بلا ريب أن أعرف بسهولة ما يعنيه هايدجر بالكينونة والقلق؛ فالرجل ~~يشعر بالحاجة للتعامل مع حدود اللغة. فكر، على سبيل المثال، في الدهشة ~~الناجمة عن عدم وجود أي شيء على الإطلاق. لا يمكن التعبير عن هذه الدهشة في شكل ~~سؤال، ولا يوجد جواب على الإطلاق؛ فبديهي أن أي شيء قد نقوله لا بد أن يكون ~~مجرد هراء، ومع ذلك فإننا نحاول التعامل مع حدود اللغة. # لعل من المفيد هنا أن ننظر لفيتجنشتاين كطرف ثالث وسيط في النزاع بين هايدجر ~~وكارناب. وعلى ms087 الرغم من أن برنامج حلقة فيينا للتحليل المنطقي استلهم إلى حد كبير ~~من كتاب فيتجنشتاين «رسالة منطقية فلسفية»، فإن العلاقات بين فيتجنشتاين وحلقة فيينا لم ~~تكن قط على ما يرام، وقطع فيتجنشتاين فجأة ولسبب غير مفهوم علاقته بكارناب في ~~عام 1929. وكذلك بعد عودة فيتجنشتاين للفلسفة في أواخر عشرينيات القرن العشرين، خضعت ~~وجهات نظره لتغيير سريع نأى به على نحو متزايد عن حلقة فيينا. واستباقا لكواين، رأى ~~فيتجنشتاين أن آراءه في كتاب «رسالة منطقية فلسفية» دوجماتية. ومن ثم، إذا اعتبرنا ~~أن فيتجنشتاين الشاب كان مأخوذا بصورة للغة تختزل إلى منطق تمكن المرء من قول ~~ما يمكن أن يقال بينما يتجاهل باقي الأمور في صمت، فإن فيتجنشتاين الأكبر سنا سعى ~~للهروب من هذه الصورة من خلال تحليل استخدام اللغة العادية. وكما يقول في كتاب «تحقيقات ~~فلسفية»: «لا تبحث عن المعنى، ابحث عن الاستخدام.» هذا يعني أن الاهتمام الفلسفي ~~الرئيسي يصبح فهم اللغة في استخدامها البراجماتي اليومي. نحن لسنا بحاجة لابتكار لغة ~~جديدة لأن اللغة التي لدينا كافية تماما. # اعتاد فيتجنشتاين رواية حكاية من حواراته مع جي إي مور في كامبريدج؛ حيث تركز ~~حوارهما حول المشكلة التالية: هل يجب أن نفهم التحليل المنطقي لكي نفهم ما نعنيه ~~بعبارات اللغة العادية؟ رد فيتجنشتاين على مور بهذه الكلمات: «يا لها من فكرة جهنمية!» ~~بهذا المعنى، مع وضع فلسفة هايدجر في الاعتبار، ربما نرى فيتجنشتاين الأكبر سنا يسعى ~~إلى الانتقال بعيدا عن اللغة الفوقية الشكلية ونحو تجربة اللغة ذاتها. لذلك، إذا كانت ~~محاولة كارناب لتجاوز الميتافيزيقا تستند إلى وجهات نظر فيتجنشتاين الشاب، فإن ~~فيتجنشتاين الأكبر سنا يمثل ما يمكن تسميته ب «تجاوز التجاوز»؛ حيث نضع جانبا ~~عقائد التحليل المنطقي ونعود إلى اللغة العادية والحياة الاجتماعية البشرية، المعبر ~~عنها بتلك اللغة بكل استخداماتها اليومية الغنية على الرغم من فوضويتها. # شكل 6-3: جاك كالو (1592-1635)، لوحة «عملاقان». # ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نتصور أن فيتجنشتاين كان بنحو ما من معتنقي فكر هايدجر ~~السعداء؛ فهذا أمر بعيد كل ms088 البعد عن الحقيقة. من الواضح أن تعليقه ينطوي على نقد كبير ~~لهايدجر؛ ففيتجنشتاين يعتقد أنه يعرف ما يعنيه هايدجر بالكينونة والقلق، ولكن يشير ~~ضمنا إلى أن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تقال دون الوقوع في الهراء. ما يحاول هايدجر ~~القيام به في محاضرة 1929 من وجهة نظر فيتجنشتاين، هو قول ما لا يمكن قوله عن طريق ~~محاولة التعامل مع حدود اللغة. وبالنسبة إلى فيتجنشتاين، يعد الهراء الآن عملا ~~جادا ويشهد لرغبات عميقة لدى البشر، وهو ما قد يصفه بأنه أمر أخلاقي. ولكن على الرغم ~~من ذلك ما يقوله هايدجر هراء، وهو ما يمثل رأي كارناب على الرغم من كل شيء. تعد ~~محاضرة «ما هي الميتافيزيقا؟» مثالا كلاسيكيا لسوء استخدام اللغة؛ لذلك، فإن حقيقة ~~أن فيتجنشتاين يعرف ماذا يعني هايدجر بالكينونة والقلق لا تعني بالضرورة أن هذين ~~المصطلحين يعنيان ما يعتقد هايدجر أنهما يعنيانه. # في رأيي، لا يكمن الاهتمام بصراع هايدجر وكارناب في تحديد من محق ومن مخطئ، ~~ولكن في النظر إلى هذا الصراع باعتباره تعبيرا واضحا عن إشكالية فلسفية ومرض ثقافي لا ~~يزالان معنا إلى حد كبير. إذا لم يكن هذا مدركا، فإننا أمام خطر جمود فلسفي عقيم؛ ~~وهو المواجهة بين العلموية من ناحية، والظلامية من ناحية أخرى. ويتمثل موضوع الفصل ~~التالي في محاولة إيجاد وسيلة لتجاوز هذه المواجهة والوصول إلى لب الفلسفة الذي لا يزال ~~خفيا، والذي يتحدث عنه هايدجر. # الفصل السابع # | العلموية في مقابل الظلامية: تجنب المأزق التقليدي في الفلسفة # الفلسفة الحقيقية تتمثل في إعادة تعلم كيفية النظر إلى العالم. # موريس ميرلو-بونتي # كما أشرت في الفصل الرابع، فإن حقيقة أن جانبا كبيرا من الفلسفة في التقليد القاري ~~يمكن أن يقال إنه استجابة لشعور بالأزمة في العالم الحديث، ومحاولة لإنتاج وعي ناقد ~~للحاضر بنية تحررية؛ تساعد إلى حد كبير في تفسير الفارق الأكثر بروزا وإثارة الذي ~~يميزه عن جزء كبير من الفلسفة التحليلية، وهو مناهضة العلموية؛ فمن منظور قاري، اعتناق ~~العلموية في الفلسفة يفشل في فهم الوظيفة النقدية ms089 والتحررية للفلسفة؛ أي إنه يخفق في إدراك ~~التواطؤ المحتمل بين التصور العلمي للعالم وما رآه نيتشه على أنه عدمية؛ فهو يفشل على نحو ~~أساسي في معرفة الدور الذي تقوم به العلوم والتكنولوجيا في اغتراب البشر عن العالم. هذا ~~الاغتراب يمكن أن يحدث بعدد من الطرق، سواء أكان من خلال تحويل العالم إلى عالم محتم ~~سببيا من الأشياء يقف ضد ذات إنسانية معزولة، أم من خلال تحويل هذه الأشياء إلى سلع فارغة ~~يمكن مسحها أو تبادلها بلا مبالاة. # يكمن نقد العلموية في الاعتقاد بأن نموذج العلوم الطبيعية لا يمكن - وعلاوة على ذلك، لا ~~ينبغي - أن يعد نموذجا للتفكير الفلسفي، وأن العلوم الطبيعية لا تعد السبيل ~~الأساسي والأكثر أهمية لفهم العالم. يجد المرء تعبيرا عن هذا الاعتقاد لدى مجموعة كبيرة ~~من المفكرين في التقليد القاري مثل برجسون وهوسرل وهايدجر، والفلاسفة المرتبطين بمدرسة ~~فرانكفورت منذ ثلاثينيات القرن العشرين وما بعدها. وفي هذا الصدد، أوصي بشدة بقراءة كتاب ~~هابرماس «المعرفة والمصالح البشرية» (1968)؛ فبالنسبة إلى هابرماس، العلموية تعني الإيمان ~~بالعلم في حد ذاته؛ أي «الاقتناع بأننا لم يعد بوسعنا أن نفهم العلم «كشكل» من أشكال ~~المعرفة، وإنما يجب اعتبار أن المعرفة هي العلم.» ويعد كتاب «المعرفة والمصالح البشرية» ~~نقدا منهجيا للعلموية التي تبدأ تاريخيا بالاعتقاد بظهور الوضعية من خلال تقبل فلسفة ~~كانط النقدية في منتصف القرن التاسع عشر، في أعمال إرنست ماخ وأوجست كونت. يروي هابرماس ~~على نحو أساسي تاريخ ما قبل تصور حلقة فيينا العلمي للعالم، ولكن مقصده نقدي وتحرري ~~على حد سواء. ويشير إلى أن الوضعية والعلموية تشكلان إنكارا لأي تأمل نقدي، وهو التأمل ~~من النوع المتجسد في أعمال كانط وفي تطور المثالية الألمانية لهذا المشروع النقدي، الذي ~~وفر أساسا لنظرية اجتماعية تحررية لدى ماركس وفيبر، ومدرسة فرانكفورت في بداياتها. ما ~~يعنيه هابرماس بهذا الادعاء هو أن فلسفة كانط النقدية هي (كما رأينا في الفصل الثاني) ~~تأمل في شروط إمكانية وجود ذات عالمة ومتحدثة وفاعلة؛ ومن ثم فإن كانط يسعى من خلال ~~ذلك ms090 إلى وضع أسس المعرفة النظرية العلمية، إلا أن بحثه المتعالي له هدف تحرري، لدرجة أنه ~~يسعى للدفاع عن مفهوم الحرية الإنسانية. وكما يشير هابرماس: «فعل التأمل الذاتي الذي ~~«يغير الحياة» هو حركة تحرر.» ويتقدم هيجل بعد ذلك بهذا المشروع النقدي إلى مرحلة ~~أخرى، عن طريق تأمل الطرق التي ينبغي من خلالها أن تفترض فلسفة كانط مقدما مجموعة ~~كاملة من الافتراضات المضمنة سياقيا، المتأصلة في عالم الحياة القائم فعليا وهياكل ~~الحياة الاجتماعية وتاريخها؛ هذا يعني أن صورة كانط عن «المعرفة» ينبغي أن تفترض مقدما ~~سلسلة كبيرة من «المصالح» التي لم تخضع لتأمل ملائم؛ وهذا هو أساس ادعاء هيجل أن ~~الأخلاق الكانطية، على الرغم من قصدها الجدير بالثناء، لا تزال شكلية مجردة خالية من ~~السياق. ويزعم هابرماس بعد هيجل أن مفهوم التأمل النقدي هذا حول علاقة المعرفة بالمصلحة ~~اختير بطريقة تمثيلية من قبل التحليل النفسي الفرويدي، على الرغم من ميل فرويد المؤسف نحو ~~العلموية الذي يبذل هابرماس قصارى جهده لاستئصاله. يعني هذا أن التحليل النفسي ممارسة ~~تأملية نقدية تسعى إلى تحرير البشر من الأوهام المختلفة التي يعتادون خداع أنفسهم بها، ~~و«من خلال فهم هذه الأوهام، تحرر الذات نفسها من نفسها». ~~(1) ممارسة الفنومينولوجيا # مع ذلك، يوجد خطر يتمثل في أن يتحول القلق المشروع حيال العلموية إلى توجه مناهض ~~للعلموية، وهذا هو خطر «الظلامية». من وجهة نظري، القطبان اللذان يجب تجنبهما في ~~الفلسفة هما العلموية والظلامية، اللذان يعكسان الميول الضارة داخل الفلسفة التحليلية ~~والقارية، كما يبين الصراع بين كارناب وهايدجر على نحو واضح. في إشارة هايدجر الوحيدة ~~لكارناب، تحدث عن «لب الصراع الذي لا يزال خفيا» في التفكير بين الطرفين ~~المتقابلين للفلسفة المعاصرة. أريد الآن أن أحاول النظر في لب الصراع هذا من خلال ~~الدفاع عن مفهوم للفنومينولوجيا يهدف إلى تقويض العلموية دون الوقوع في ~~الظلامية. # يصف ميرلو-بونتي بأسلوب بارع مهمة الفنومينولوجيا بأنها «الكشف عن الطبقة قبل ~~النظرية» للتجربة البشرية، التي يقوم عليها الموقف النظري للتصور العلمي للعالم. إن ما ~~أود الدفاع عنه هنا ms091 هو شيء يشبه مفهوم ميرلو-بونتي عن الفنومينولوجيا. من وجهة نظري، ~~المسألة مسألة ممارسة الفنومينولوجيا من أجل محاولة كشف الطبقة قبل النظرية لتجربة ~~الأشخاص والأشياء، وإيجاد صيغة وصف موفق لهذه الطبقة من التجربة مع صرامتها ومعايير ~~صحتها. إنه هذا البعد الصلب - على الرغم من أنه غير ملموس تقريبا - من التجربة قبل ~~النظرية، الذي تتمثل مهمة الفنومينولوجيا في توضيحه؛ لغز المألوف الذي حاول ~~ميرلو-بونتي توضيحه بمفهوم «الإيمان الحسي». وهذا يعني أنه عندما أفتح عيني وأنظر حولي ~~للعالم، فإن لدي ثقة تامة بأنه موجود وذو معنى على نحو كبير. المشكلة هي أن هذا ~~الإيمان ينهار عندما أبدأ في تأمله وأسأل نفسي: «حسنا، كيف يمكن أن أكون على يقين من ~~أنه يوجد عالم خارجي بالنسبة إلي، عندما لا تكون الأدلة القادمة من حواسي دائما ~~قابلة للاعتماد عليها تماما؟» كيف يمكن للمرء استعادة سذاجة الإيمان الحسي عندما يكون ~~قد بلغ بالفعل نقطة التأمل؟ يجيب ميرلو-بونتي على هذه المسألة بمفهوم يسميه «فرط ~~التأمل»؛ وهو أن الفنومينولوجيا تأمل فيما يسبق التأمل، الركيزة قبل النظرية ~~للتجربة. الهدف هنا هو أن الوصول إلى المستوى قبل النظري للتجربة الإنسانية ليس ~~بالضرورة فوريا للبشر مثلنا الذين بلغوا التوجه الذهني النظري للعلوم؛ ومن ثم، ~~فإن الفنومينولوجيا تنطوي على إعادة تعلم كيفية النظر إلى العالم بكل ما فيه من وجود ~~واضح وفعلي. ~~(2) ما قبل العلوم # إذن، كيف تستطيع الفنومينولوجيا تجنب العلموية والظلامية كلتيهما؟ اسمح لي أن أبدأ ~~بالعلموية. في رأيي، تستند العلموية لادعاء خاطئ بأن الطريقة العلمية النظرية أو ~~الطبيعية لرؤية الأمور توفر السبيل الأساسي والأكثر أهمية لفهم أنفسنا وعالمنا، وأن ~~منهجية العلوم الطبيعية تقدم أفضل شكل من أشكال التفسير لجميع الظواهر. تبين ~~الفنومينولوجيا أن التصور العلمي للعالم في أعمال كارناب ونيورات - مثلا - يعد ~~متطفلا على رؤية عملية مسبقة للعالم كسابقة للتأمل بطريقة عملية وواقعية. وهذا ~~العالم هو ما يمكن أن نسميه «البيئة»؛ العالم الذي يحيط بنا، والذي يكون الأقرب ~~والأكثر اعتيادا والأكثر معنى بالنسبة إلينا. هذا العالم المحيط ليس عالم العلم ~~الموضوعي ms092 المحايد، ولكنه العالم الذي دائما ما يلون عن طريق قيمنا المعرفية ~~والأخلاقية والجمالية؛ وهذا يعني أن العلموية - أو ما يسميه هوسرل «الموضوعية» - ~~تتغاضى عن ظاهرة «العالم المعاش» باعتبارها الشرط المخول للممارسة العلمية. يصف هوسرل ~~العالم المعاش في كتاب «أزمة العلوم الأوروبية» على النحو التالي: # ينتمي للاعتقادات المسلم بها، السابقة لكل تفكير علمي وكل التساؤلات ~~الفلسفية، الاقتناع بأن العالم موجود، بأنه موجود دائما مسبقا، وأن كل تصحيح ~~لاعتقاد ما، سواء أكان قائما على التجربة أم غيرها، يفترض دائما وجود ~~العالم، وذلك بمنزلة أفق لكل موجود له صلاحية غير مشكوك فيها ... والعلم ~~الموضوعي أيضا يطرح أسئلته فقط على أساس وجود العالم مسبقا انطلاقا من ~~الحياة قبل العلمية. # إن نقد العلموية من خلال الفنومينولوجيا لا يسعى لدحض أو نفي نتائج البحث العلمي ~~لصالح بعض الفهم الصوفي لوحدة الإنسان والطبيعة، أو غير ذلك. بدلا من ذلك، فإنه يؤكد ~~ببساطة على أن العلم لا يعد السبيل الأساسي أو الأكثر أهمية لفهم أنفسنا والعالم. ~~ومناهضة العلموية لا تستلزم على الإطلاق توجها مناهضا للعلم، كما أنها لا تعني أن ~~«العلم لا يفكر»؛ وهي عبارة متأخرة لهايدجر سببت من المشاكل أكثر مما حلت. في ~~رأيي، ما يلزم هنا هو ما أشار إليه هايدجر الشاب في عبارة يتم تجاهلها كثيرا، على ~~الرغم من أنها موحية للغاية من كتاب «الكينونة والزمان»، وهي: «مفهوم وجودي للعلم»، ~~وهذا من شأنه إظهار كيف أن ممارسات العلوم الطبيعية تنشأ من ممارسات العالم المعاش، ~~وكيف أن ممارسات العالم المعاش لا يمكن ببساطة اختزالها إلى تفسير علمي طبيعي. # اسمح لي بتفصيل هذه النقطة أكثر قليلا مع الإشارة إلى مفهوم هايدجر «ما قبل العلم». ~~في محاضرة واضحة على نحو مذهل في عام 1924، تتضمن في صورة مبدئية العديد من الحجج ~~الموجودة في كتاب «الكينونة والزمان»؛ يصف هايدجر تأملاته بأنها تنتمي إلى ما قبل ~~العلم الذي سيكون بمنزلة توضيح تأويلي لشروط إمكانية البحث العلمي. ما يعنيه هايدجر ~~بهذا هو أن ما قبل العلم يصف الأصل الاجتماعي للتوجه النظري للعلوم ms093 في ممارسات ~~العالم المعاش. وبينما سأفترض بطيبة أنه محاولة للمزاح من جانب هايدجر، يصف ما قبل ~~العلم بأنه مثل قوة الشرطة في موكب العلم، التي تجري تفتيشا منزليا من آن لآخر في ~~الأفكار القديمة، وتتحقق مما إذا كان البحث العلمي في الواقع قريبا من الأشياء نفسها ~~- ومن ثم يكون فنومينولوجيا - أو ما إذا كان العلم يتعامل مع معرفة تقليدية أو ~~موروثة خاصة بتلك الأشياء. يتخيل المرء اعتقالا جماعيا واحتجازا لحشود كبيرة من ~~الفلاسفة المعتنقين للفكر الطبيعي من قبل شرطة الفنومينولوجيا هذه. في مواضع أخرى في ~~أعمال هايدجر، تسمى شرطة الفنومينولوجيا تلك «منطق منتج»؛ أي هي كشف قبل علمي ~~للعالم المعاش الذي يمثل أساس العلوم بالقفز أمامه. ما يبدو أن هايدجر يعنيه هنا هو ~~أنه على النقيض من التصور التجريبي أو اللوكي حول الفيلسوف كعامل مساعد للعلم (كما ~~أوضحنا في الفصل الأول)، فإن المنطق المنتج يقفز أمام العلوم من خلال توضيح أساسها في ~~فنومينولوجيا الأشخاص والأشياء والعالم؛ الطبقة قبل النظرية للتجربة. # ما أسميه «ما قبل العلم الفنومينولوجي» أو «التصور الوجودي للعلم» لا يفند أو ~~يدحض عمل العلوم، إنما يوضح أن التوجه النظري للعلوم يجد شرط إمكانية وجوده في ~~ممارسات العالم المعاش خاصتنا المتعددة؛ بعبارة هابرماس، المعرفة النظرية متأصلة في ~~الاهتمامات العملية. علاوة على ذلك، وكما سيتضح فيما يلي، إنه يبين أن هذه الممارسات ~~تتطلب توضيحا تفسيريا أو تأويلا، وليس فرضيات العلوم الطبيعية السببية أو تفسيرات ~~العلوم الزائفة التي تبدو سببية. ما تقدمه الفنومينولوجيا هو إعادة وصف توضيحي ~~للأشخاص والأشياء والعالم الذي نعيش فيه. وعلى هذا النحو، لا تنتج الفنومينولوجيا أي ~~اكتشافات كبيرة، بل تعطينا سلسلة من رسائل التذكير حول أشياء كنا مطلعين عليها، ~~ولكنها تصبح غير ملحوظة عندما نتبنى التوجه النظري للعلوم الطبيعية. تقدم ~~الفنومينولوجيا ما يمكن أن نسميه «تذكيرات يومية»؛ تذكيرا بالممارسات والأعمال ~~الروتينية التي تحدث في الخلفية، والتي تشكل الشبكة الحساسة للحياة العادية. ~~(3) معضلة الملفات الغامضة # اسمح لي أن أنتقل الآن إلى الظلامية. من المهم أن نشير إلى أن ms094 مثل هذا النهج ~~الفنومينولوجي المناهض للعلموية «يمكن» أن يؤدي إلى «الظلامية» المعادية للعلموية، ~~التي تعد في نواح كثيرة المفهوم المعاكس أو المضاد للعلموية، ولكن ليس من ~~«الضروري» أن يفعل ذلك إذا كنا حذرين بما فيه الكفاية للقيام ببعض عمليات التدقيق ~~الفكري. ربما يمكن تعريف الظلامية هنا بأنها رفض التفسيرات السببية التي تقدمها ~~العلوم الطبيعية عن طريق إحالتها إلى قصة سببية بديلة، ذات مرتبة أعلى بنحو ما، ولكنها ~~غامضة في الأساس؛ بمعنى أن الظلامية هي استبدال الشكل العلمي للتفسير، الذي يعتقد أنه ~~علمي، بتفسير مناهض للعلم وغامض، ولكنه لا يزال سببيا؛ على سبيل المثال: لم يحدث ~~الزلزال بسبب الصفائح التكتونية، ولكن بسبب غضب الرب من كثرة آثامنا. # كظاهرة ثقافية، هذا شيء يمكن ملاحظته في كل حلقة من حلقات مسلسل «الملفات الغامضة»؛ ~~حيث تقدم فرضيتان سببيتان، واحدة علمية وأخرى غامضة، وحيث يثبت دائما خطأ الفرضية ~~الأولى وصحة الثانية، ولكن بطريقة تتركنا في حيرة بعض الشيء. وهذا يعني أنه يمكن ~~تفسير الظاهرة الخارقة للطبيعة محل البحث، ولكن سببها يظل غامضا؛ فهي لغز. والآن، بما ~~أن معضلة الملفات الغامضة هذه بمنزلة إلهاء ثقافي، فيمكن القول إنها لا تضر كثيرا، ~~ولكن في نطاقات أخرى يمكن أن تكون أكثر ضررا. ومن أمثلة التفسيرات الظلامية المألوفة ~~إرادة الرب، والوجود المطلق للكائنات الفضائية، وتأثير النجوم على السلوك البشري، وما ~~إلى ذلك. وثمة تفسيرات أخرى أقل وضوحا، ولكن يمكن القول إنها تساوي السابقة في الضرر، ~~منها الدوافع الفرويدية، أو الأنماط الأولية لدى يونج، أو المطلق لدى لاكان، أو السلطة ~~عند فوكو، أو «الاختلاف» عند دريدا، أو أثر الرب لدى ليفيناس، أو - بالطبع - الغياب ~~الخطير للكينونة وغيابها عن تاريخ الميتافيزيقا لدى هايدجر في أعماله الأخيرة. ويمكن أن ~~تمتد هذه القائمة إلى ما لا نهاية. # في رأيي، ما يظل بوسعنا تعلمه من الفنومينولوجيا هو أنه عندما يتعلق الأمر بالسبيل ~~الأساسي والأكثر أهمية لفهم الأشخاص والأشياء - ما يمكن أن نسميه مخزوننا الكامل من ~~المعرفة الضمنية بالعالم الاجتماعي - فإنه لا تلزمنا تفسيرات علمية ms095 سببية، أو فرضيات ~~زائفة العلمية تتعلق بأسباب غامضة، ولكن ما أسميه، على غرار فيتجنشتاين، «ملاحظات ~~توضيحية»؛ على سبيل المثال: «جوانب الأشياء التي تمثل الأهمية الكبرى بالنسبة إلينا ~~تكون خفية بسبب بساطتها وألفتها (فالمرء لا يكون قادرا على ملاحظة شيء ما لأنه دائما ~~موجود أمام عينيه).» تجلب الملاحظات التوضيحية أمام أعيننا ملامح حياتنا اليومية التي ~~كانت خفية لكنها بديهية ، وكانت خفية لأنها كانت بديهية. وهي تجعل هذه الظواهر أكثر ~~وضوحا، وتغير الجانب الذي ترى بموجبه، وتمنح الأمور نظرة شاملة جديدة ومثيرة ~~للدهشة. بهذا المعنى، تمثل الفنومينولوجيا إعادة ترتيب لما كان معروفا ضمنيا ~~لكنه أصبح غير ملحوظ؛ فهي تسمح لنا بإعادة تعلم كيفية النظر إلى العالم. وبطبيعة ~~الحال، النظر لأعمال هايدجر على هذا النحو لا يبدو مثيرا مثل التحدث عن الهبة ~~العظيمة للكينونة في حال غيابها أو أيا كان، ولكن ربما هذا النوع من الإثارة هو شيء ~~نكون أفضل حالا من دونه. # ينبغي أن يكون واضحا مما قلته أنني أحاول القيام بدراسة مصغرة لتحديد أمراض المشهد ~~الفلسفي المعاصر، التي تهدف إلى التعليق على أسوأ تجاوزات الفلسفة القارية والتحليلية، ~~وربما كبحها. من ناحية، يوجد خطر الظلامية في جانب من الفلسفة القارية؛ حيث تفسر ~~الظواهر الاجتماعية بالإشارة إلى قوى وكيانات وفئات واسعة جدا وغامضة للغاية بحيث ~~يمكن أن تفسر كل شيء ولا شيء على الإطلاق؛ على سبيل المثال: ظاهرة مثل شبكة الإنترنت ~~(أو الهواتف المحمولة أو حتى البيوت المتنقلة) يمكن أن ينظر إليها باعتبارها دليلا ~~إضافيا لدعم أطروحة هايدجر حول ما يسميه «الإطار»؛ أي التوجه المؤطر الذي يسود ~~في العالم التكنولوجي؛ ومن ثم يؤدي إلى نسيان الكينونة. وعلى هذا النحو، يبدو أن ~~الظواهر اليومية تفسر بالإشارة إلى قوى تبدو سببية، تعمل مثل الآلهة في الأساطير ~~القديمة. وربما ينظر إلى أي جانب من جوانب الحياة الشخصية والعامة باعتباره دليلا ~~على قوالب السلطة الانضباطية، أو تفكك «الآخر الكبير» أو صدمة الواقع، أو الكينونات ~~المتعددة للجسد دون أعضاء، أو أي شيء. وحيثما توجد هذه النزعات الظلامية، فإنه ms096 يجب أن ~~يكون العلاج إزالة الغموض أو إزالة الوهم؛ بمعنى أنه يجب أن يوجد نقد لهذا النوع من ~~الكلام، وتحقيق في أسباب انخراطنا في ذلك في المقام الأول. # ولكن، على الجانب الآخر من دراستي المصغرة هذه، ثمة خطر العلموية المزمن في بعض ~~مجالات الفلسفة التحليلية. إذا كنا نستطيع تصور بحث فلسفي بعنوان «التجارب الواعية ~~الذاتية والمادية: سد الفجوة التفسيرية»، فلماذا إذن لا نتصور أبحاثا بعناوين مثل ~~«الانفجار العظيم وأنا: سد الفجوة التفسيرية» أو «الانتقاء الطبيعي وأنا: سد الفجوة ~~التفسيرية»؟ يتمثل افتراض تلك الأساليب العلموية في وجود فجوة يمكن سدها من خلال ~~تفسير تجريبي أفضل. لقد كان رأيي عبر هذا الكتاب أنه توجد فجوة شعورية هنا - الفجوة بين ~~المعرفة والحكمة - لا يمكن سدها خلال الدراسة التجريبية؛ وهذا يعني أن مسألة معنى ~~الحياة لا يمكن اختزالها إلى دراسة تجريبية. وهذه الفجوة الشعورية بين المعرفة والحكمة ~~هي مساحة التأمل النقدي نفسها؛ فإننا نحتاج في الفلسفة - ولكن أيضا على نحو أكثر ~~عموما في الحياة الثقافية - إلى قص أجنحة العلموية والظلامية؛ ومن ثم نتجنب ~~أسوأ ما في الفلسفة القارية والتحليلية؛ وهذا يعني أننا بحاجة لتجنب خطأ الاعتقاد ~~بأننا نستطيع حل ما يتطلب توضيحا فنومينولوجيا من خلال تفسير سببي أو شبه سببي. ~~بطبيعة الحال، الكلام أسهل بكثير من الفعل، ولكن على الأقل يمكننا أن نبدأ. # التمييز بين العلموية والظلامية بطبيعة الحال ليس دقيقا مثلما أكون قد أشرت. بداية، ~~ربما لا تكون الظلامية شيئا واحدا؛ إذ توجد في الواقع ظلامية على أساس الإيمان بنوع ~~من الأشياء الغامضة المقدسة، سواء أكان زيوس أم يهوه أم الدافع للموت؛ ما يمكن تسميته ~~«الظلامية الغامضة». ولكن ثمة ظلاميات أخرى تدعي أنها يمكن إثباتها علميا: «أيها ~~الطبيب، ألا يمكنك أن ترى أن أرقي وعدوانيتي ينجمان عن حقيقة أنني قد اختطفت من ~~قبل كائنات فضائية عندما كنت في معسكر الصيف الماضي؟» أو «أمهلني فقط عاما آخر ~~من الأبحاث وسأثبت أخيرا أن المادة هي نتاج لتدفقات إلهية». وبالطبع هناك علمويات ~~تقبل دون نقاش؛ ومن ms097 ثم فهي تعادل الظلامية؛ على سبيل المثال: ربما أومن أن جميع ~~الحالات العقلية يمكن عزوها إلى نزعات تطورية دون معرفة كيفية ذلك أو السبب فيه. يبدو ~~هذا صحيحا فحسب. يمكننا تسمية هذا «علموية غامضة» أو ما شابه. دعنا نقل فحسب أن ~~ثمة حاجة ملحة لتصنيف أكثر تفصيلا للتمييز بين العلموية والظلامية. ~~(4) الحاجة للقليل من التدقيق الفكري # إذا أردنا أن نكون قادرين على الوصول إلى لب الصراع الذي ما زال خفيا بين ~~التقليدين الفلسفيين المعروضين في هذا الكتاب، فأعتقد أننا بحاجة إلى الانخراط في ~~القليل من التدقيق الفكري. هذا يعني أننا بحاجة للعودة إلى التمييز الكلاسيكي - الذي ~~صيغ لأول مرة على يد ماكس فيبر - بين التفسير والتوضيح، بين الفرضيات السببية أو التي ~~تبدو سببية ومطالب التوضيح أو التفسير أو أيا ما يكون. باختصار، يزعم فيبر أن ~~الظواهر الطبيعية تتطلب تفسيرا سببيا، في حين أن الظواهر الاجتماعية تتطلب ~~توضيحا عن طريق تقديم أسباب أو تقديم دوافع محتملة للسبب في كون شيء ما على ما هو ~~عليه. إحدى وظائف الفلسفة هي تذكيرنا أننا بحاجة ماسة للوقوف على هذا التمييز، وأنه إذا ~~لم نفعل ذلك فسوف ينتهي بنا المطاف بالمواجهة المبتذلة التي رأيناها بين هايدجر ~~وكارناب، والمخاطرة بالوقوع إما في العلموية وإما في الظلامية وإما في منطقة الشفق ~~المغرية لمعضلة الملفات الغامضة. وكان رأيي في هذا الفصل أن أفضل طريقة لضمان الوقوف ~~على هذا التمييز هي من خلال نسخة مقنعة - على الرغم من أنها غير مثيرة - من ~~الفنومينولوجيا، ولكن توجد بلا شك سبل أخرى لتحقيق هذه الغاية. وقد صيغت وجهة نظري ~~على نحو رائع من قبل هيلاري بوتنام، وهو فيلسوف ينتمي للتقليد التحليلي، وكان صريحا ~~على نحو متزايد في انتقاده للعلموية في الفلسفة، وذلك على النحو التالي: # أعتقد أن أرسطو كان محقا للغاية في الإيمان بأن الأخلاق معنية ~~بالطريقة التي نعيش بها وبالسعادة البشرية، وأيضا كان محقا بشدة في ~~الإيمان بأن هذا النوع من المعرفة («المعرفة العملية») يختلف عن المعرفة ~~النظرية. يبدو لي أن ms098 وجهة النظر الخاصة بالمعرفة التي تقر بأن مجال المعرفة ~~أوسع من مجال «العلم» تمثل ضرورة ثقافية إذا أردنا التوصل إلى رؤية عاقلة ~~وإنسانية حيال أنفسنا والعلم. # نحن نعيش مع فجوة بين المعرفة والحكمة، وداخلها. حان الوقت الذي ينبغي فيه على ~~الفلاسفة - والجميع - البدء في التفكير في تلك الفجوة، فربما يوجد على المحك ما هو أكثر ~~من راحة البال الشخصية. # الفصل الثامن # | تجرأ على التفكير بنفسك: استنفاد النظرية ووعد الفلسفة # من المقبول تصور مستقبل ينظر فيه «للتقسيم التحليلي القاري» الممل على أنه انقطاع ~~مؤقت مؤسف للتواصل؛ مستقبل ينظر فيه لسيلرز وهابرماس، وديفيدسون وجادامير، ~~وبوتنام ودريدا، ورولز وفوكو؛ كرفاق سفر في نفس الرحلة ... # ريتشارد رورتي # أعتقد أنه على الأقل يمكن القول إن الوضع الراهن للفلسفة يتسم على نحو مثير للاهتمام ~~باستنفاد سلسلة كبيرة من النماذج النظرية. وكما ذكرت سابقا، حققت الفلسفة التحليلية ~~لحسن الحظ بعض الوعي الذاتي التاريخي، وأصبحت مهتمة بتقليدها الخاص، وكذلك أدركت أنه توجد ~~بالفعل قصة مقنعة ينبغي أن تروى حول الفلسفة في الدول الناطقة بالألمانية؛ بدءا من ~~كانط وحتى فريجه. ولكن يتساءل المرء عما إذا كان هذا قد تأخر قليلا، وعما إذا كان ~~الاهتمام بأصول الفلسفة التحليلية أو تاريخها أو علاقتها بالفكر الهيجلي، فضلا عن الرواج ~~الحالي للفلسفة ما بعد التحليلية، يعد ببساطة محاولات متأخرة. # في السياق الألماني، تشعر مدرسة فرانكفورت بعد تقاعد هابرماس بشكوك حيال أجندتها ~~الحالية واتجاهها المستقبلي، وغالبا ما يكون من الصعب معرفة ما يميزها الآن عن الحركات ~~الرئيسية الأكبر في النظرية الاجتماعية والفلسفة الأخلاقية والسياسية الأنجلو أمريكية. ~~وبالطبع كان هذا هدفا ضمنيا في جزء كبير من الفلسفة الألمانية فيما بعد الحرب: التطبيع ~~بعد كارثة الاشتراكية القومية. فعلى نطاق أوسع، هدأت ألمانيا فلسفيا بطريقة ما، وتقريبا ~~جيل ما بعد الحرب العظيم - هابرماس، وكارل-أوتو آبل، وإرنست توجندهات، ومايكل تيونيسن، ~~وديتر هنريش، ونيكلاس لومان - إما توفوا وإما تقاعدوا، ولم يبلغ بعد خلفاؤهم ~~أوجهم الفكري. # دعنا نواجه الحقيقة، لم تعد باريس كما كانت. وأدى انهيار الكانطية الجديدة في ~~فرنسا ms099 في ثلاثينيات القرن العشرين وظهور ما يسميه الفرنسيون «الهاءات الثلاثة» (هيجل ~~وهوسرل وهايدجر) إلى إنتاج جيلين يتميزان بالذكاء الفكري المذهل. في الجيل الأول، ~~يتذكر المرء ليفيناس، وسارتر، ودي بوفوار، وميرلو-بونتي، وليفي-شتراوس، ولاكان، ~~وباتاي، وبلانشو. وفي الجيل الثاني، يتذكر المرء ألتوسير، وفوكو، ودريدا، ودولوز، ~~وليوتار، وكريستيفا. ولكن بينما دريدا لا يزال يمضي بقوة كبيرة، ويوجد الكثير من العمل ~~الفلسفي المثير للاهتمام المستمر (على وجه الخصوص نهضة الفلسفة الأخلاقية والسياسية ~~الفرنسية)، ويوجد تجديد رائع للفنومينولوجيا؛ يصل للمرء انطباع بأنه لا شيء من هذا سيثير ~~الاهتمام على نحو كبير ويحقق نجاحا باهرا. # بطبيعة الحال، هذا يسبب مشاكل للفكرة المعتادة عن الفلسفة القارية. كان الأساس المنطقي ~~الأكاديمي المبرر في السابق هو أنه كان يوجد تقليد فلسفي يمتد من المثالية والرومانسية ~~الألمانية، وصولا إلى الفنومينولوجيا والتأويلية ومدرسة فرانكفورت، وهو إما نسي وإما ~~قمع وإما ببساطة جرى تجاهله عن طريق التقليد التحليلي المهيمن. بهذا المعنى، ومع لفتة ~~إنجليزية خالصة، يمكن إرجاعها إلى مل وأرنولد، فإن الأمر أشبه بجلب أمير أجنبي عبر ~~البحار؛ تخفيف حدة النفعية الوحشية في الجزر البريطانية من خلال أعمال فلسفية قارية أكثر ~~عذوبة ورقة. لكن الفلسفة القارية نفسها، كما أفهمها وحاولت شرحها، تواجه مشكلتين ~~كبيرتين؛ أولا: وكما أشرنا من قبل، لا توجد الكثير من الأعمال المثيرة للاهتمام في أوروبا ~~القارية. وثانيا: جزء كبير من التقليد الذي تم تجاهله يجري الآن قراءته على نحو مثير ~~للاهتمام، واستخدامه على يد فلاسفة متخصصين في الفلسفة التحليلية، يعملون على أساس ~~أعده فلاسفة مثل تيلور وكافيل ورورتي. # وبالنسبة إلى شخص يفكر بطريقة جيل الألفية، فإن ما يخبئه المستقبل فلسفيا غير واضح ~~تماما، إن كان يخبئ شيئا في الأساس. لكن لننظر إلى الجانب المشرق، أود أن أختتم الكتاب ~~بمجموعة من الحلول الممكنة للوضع الحالي. دعنا نعد إلى حيث بدأت قصتي، إلى كانط. ~~لخص كانط مشروع التنوير في عبارة «تجرأ على التفكير بنفسك»؛ وهذا يعني أنه لا ينبغي على ~~فلاسفة التقليد القاري - في رأيي - توقع جلب أي أمير جديد عبر ms100 البحار؛ فلا يمكننا أن ~~نتوقع جلب نموذج الفلسفة القارية العظيم التالي من فرانكفورت أو باريس أو أي مكان ~~آخر. # علينا أن نفكر بأنفسنا فلسفيا؛ وهو الأمر الذي يعد بالطبع عملا شديد الخطورة. ~~لكني أعتقد أن هذا العمل قد بدأ، حتى إني أود أن أقول إنه - في بريطانيا وأماكن أخرى في ~~العالم الناطق بالإنجليزية - قد بدأ اهتمام أصيل وغير مذهبي بالقضايا الفلسفية العميقة ~~مستنيرا بكلا تقليدي الفلسفة الكبيرين، وإحساس بأن هذه القضايا يجب أن توجه للظروف ~~المحلية، وتتعلم كيفية التحدث بلهجة المكان ولغة السكان. يتمثل جزء من المشكلة في أن ~~الفلسفة القارية اختزلت إلى قائمة من الشخصيات، مع استخدام منهجيات متنافسة مختلفة، ~~يستطيع المرء أن يلقى استعراضها بحماس أو بحيرة أو بلا مبالاة، أثناء حضور إحدى الدورات ~~الدراسية التمهيدية أو سلسلة منها، أو من خلال قراءة كتاب مثل هذا الكتاب. من وجهة نظري، ~~لم يعد الأمر مسألة تقديس سلسلة من الشخصيات، ولكن مسألة «فعل شيء» بما قدموه؛ أي ~~القيام بعمل متخصص مبتكر وخلاق، وليس الاقتصار على الترجمة والتعليق. يجب أن تكون ~~الفلسفة إبداعا مفاهيميا ذا حجج واضحة ينقد تقاليد التفكير الحالية، وليس حدادا بائسا ~~على الفرص الضائعة أو مجرد أسلوب لشحذ حسن التمييز لدى الفرد. # كما حاولت أن أوضح، تعد التقسيمات الحالية في دراسة الفلسفة نتيجة لبعض التوصيفات ~~الذاتية الأكاديمية غير الملائمة إلى حد ما. تعد الفلسفتان القارية والتحليلية، إلى ~~حد كبير، من التوصيفات الذاتية المذهبية، الناتجة عن إضفاء الطابع الأكاديمي على مجال ~~الفلسفة؛ وهي العملية التي أدت إلى إضعاف الوظيفة النقدية للفلسفة وهدفها التحرري، وإلى ~~تهميشها التدريجي في حياة الثقافة. وعلى هذا النحو، أصبح التمييز - وفقا لتعبير رورتي - ~~مملا وإشكاليا. # القصة التي حاولت سردها في هذا الكتاب هي كيف يمكن ربط هذا التمييز بصورة تاريخية أكثر ~~إثارة للاهتمام؛ حيث يمكن رؤية الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية كتعبيرين حيويين لمشكلة ~~«الثقافتين»: التفسير العلمي مقابل التأويل الإنساني، والمنهج التجريبي العلمي المتبع ~~لبنثام وكارناب في مقابل المنهج التأويلي الرومانسي لكولريدج وهايدجر. وكان زعمي أنه ms101 ~~عندما لا يفهم هذا الوضع الثقافي على نحو صحيح، فإننا نخاطر بأن نعلق في مواجهة غير ~~مثمرة - وضارة في الواقع - بين العلموية من جهة، والظلامية من جهة أخرى. وللفهم الصحيح ~~لمشكلة الثقافتين في الفلسفة، علينا أن نفهم المسارين المتباينين اللذين اتخذتهما الفلسفة ~~بعد كانط، والمشاكل المختلفة التي اكتنفت ذلك. لقد حاولت أن أرسم مخططا للجانب القاري ~~للقصة، من خلال التركيز على موضوع أزمة التفكير بعد كانط ووصف إشكالية العدمية التي تثيرها. ~~وآمل أنه بمجرد أن تصبح هذه القصة واضحة ونكون قد تعلمنا التغلب على أي مذهبية باقية، ~~فإننا قد نبدأ في المضي قدما على المستوى الفلسفي لمواجهة القضايا ذات الاهتمام الفكري ~~العميق والدائم، مثل تلك المتعلقة بالفجوة بين المعرفة والحكمة. # وأخيرا، هذا هو ما أريد أن أقدمه على أنه وعد الفلسفة، وعد يمكن أن نأمل في الحفاظ عليه: ~~أن الفلسفة قد تشكل جزءا أساسيا في حياة الثقافة، في كيفية تحاور ثقافة ما مع نفسها ~~والثقافات الأخرى. الفلسفة هي تلك اللحظة من التأمل النقدي في سياق محدد؛ حيث يدعى ~~البشر إلى تحليل العالم الذي يجدون أنفسهم فيه، والتشكك فيما يرى أنه يقع ضمن الحس ~~السليم في المجتمع المحدد الذي يعيشون فيه، من خلال طرح أسئلة في صورة عامة بأكبر قدر: «ما ~~هو العدل؟»، «ما هو الحب؟»، «ما معنى الحياة؟» وبصياغة أكثر بساطة، يتمثل الأمل في أن ~~يكون لوجهات النظر المختلفة التي يمكن أن تولدها هذه الأسئلة - من خلال الدراسة ~~والمناقشات - تأثير تعليمي وتحريري. وكما أشار ستانلي كافيل، الفلسفة هي التعليم الذي ~~يناله البالغون. ولكن هذا ليس جديدا؛ فهو وصف للفلسفة ما كان ليكون مفاجئا بالنسبة إلى ~~سقراط. # شكل 8-1: جورجيو دي كيريكو (1888-1979)، «عقل الطفل». # | ملحق # (1) أقدم برنامج نسقي للمثالية الألمانية (1796) ~~(1-1) وجه الورقة # الأخلاق: بما أن كل الميتافيزيقا سوف تندرج في المستقبل تحت الأخلاق - التي لم يقدم ~~كانط منها إلا «مثالا» واحدا بمسلمتيه العمليتين والعدم «المستنفد»، فإن هذه ~~الأخلاق ستكون نظاما كاملا يشتمل على كل الأفكار، أو ستكون الشيء نفسه، ms102 جميع ~~المسلمات العملية. والفكرة الأولى بالطبع هي مفهوم «ذاتي» ككينونة حرة على نحو مطلق؛ ~~فمع الكينونة الحرة الذاتية الوعي [الجوهر] يظهر «عالم» كامل في الوقت نفسه من ~~العدم؛ «عملية الخلق من العدم» الوحيدة الحقيقية والقابلة للتصور. وهنا سوف أنزل إلى ~~مستوى مجالات الفيزياء؛ والسؤال هو: كيف يجب أن يكون العالم بالنسبة إلى كائن أخلاقي؟ ~~أود أن أمنح مرة أخرى أجنحة للفيزياء، التي تتقدم ببطء وبمشقة عبر ~~التجارب. # ومن ثم، إذا منحت الفلسفة الأفكار والتجربة البيانات، فيمكن أن نصل أخيرا إلى ~~الفيزياء الكبرى التي أتوقعها في الحقب اللاحقة. لا يبدو أن الفيزياء الحالية يمكن أن ~~ترضي الروح المبدعة التي تشبه أرواحنا، أو التي ينبغي أن تكون شبيهة بأرواحنا. # من الطبيعة أنتقل إلى «النشاط البشري»؛ فبوضع فكرة الإنسانية أولا، أريد أن أوضح ~~أنه لا توجد فكرة «الدولة»؛ لأن الدولة هي شيء «آلي»، تماما بالقدر الصغير نفسه مثل ~~وجود فكرة «الآلة». # فقط الشيء «الحر» هو ما يطلق عليه «فكرة»؛ ومن ثم يجب علينا تجاوز الدولة! إذ ~~إن كل دولة تعامل الأحرار كأجزاء من آلة؛ وينبغي ألا تفعل ذلك؛ ولذلك يجب أن ~~«تنتهي». # يمكنكم أن تروا بأنفسكم هنا أن كل الأفكار - أفكار السلام السرمدي - ما هي إلا ~~أفكار «ثانوية» لفكرة عليا. في الوقت نفسه أريد هنا التأكيد على مبادئ «تاريخ ~~البشرية»، وأن أفضح تماما الإنشاء البشري البائس للدولة والدستور والحكومة والسلطة ~~التشريعية. وأخيرا تأتي أفكار العالم الأخلاقي والألوهية والخلود؛ الإطاحة بجميع ~~الخرافات والسعي وراء الكهنوت التي ادعي مؤخرا أنها عقلانية، من خلال العقل نفسه؛ ~~والحرية المطلقة لكل الأرواح التي تحمل العالم المفهوم في ذاتها، والتي ربما لا تبحث عن ~~إله أو خلود «خارج نفسها». # أخيرا الفكرة التي توحد كل شيء، فكرة «الجمال»، وهذه الكلمة تؤخذ بالمعنى ~~الأفلاطوني الأسمى؛ فأنا الآن على يقين أن أسمى فعل عقلي يضم كل الأفكار، هو فعل ~~جمالي، وأن «الحقيقة» و«الصلاح» إخوة «فقط في الجمال»؛ يجب أن يتمتع الفيلسوف بقدر كبير ~~من القدرات الجمالية مثل الشاعر. ~~(1-2) ظهر الورقة # الأشخاص ms103 الذين لا يتمتعون بحس جمالي هم فلاسفتنا المتحذلقون. وفلسفة الروح هي فلسفة ~~جمالية. وبمجرد أن يتعذر على المرء أن يكون روحيا في أي شيء، لا يمكنه حتى التفكير ~~روحيا حيال التاريخ؛ دون حس جمالي. يجب أن يصبح واضحا هنا ما يفتقر إليه هؤلاء ~~الأشخاص الذين لا يفهمون أية أفكار، وأن يعترفوا بأمانة كافية أن كل شيء يبدو غامضا ~~بالنسبة إليهم بمجرد أن يتجاوز الأشكال البيانية والأرقام. # وبذلك يكتسب الشعر منزلة أعلى، وفي النهاية يصبح مرة أخرى ما كان عليه في البداية؛ ~~«معلما لتاريخ البشرية»؛ لأنه إذا لم تعد هناك فلسفة، ولا تاريخ، فإن الشعر وحده ~~سيبقى من بين جميع العلوم والفنون المتبقية. # في الوقت نفسه نسمع في كثير من الأحيان أن العامة يجب أن يكون لديهم «دين حسي». وليس ~~العامة فحسب، ولكن أيضا الفيلسوف بحاجة إلى توحيد في تفكير القلب، وتعدد في آلهة ~~الخيال والفن، وهذا هو ما نحتاجه! # أولا وقبل كل شيء، سأتكلم هنا عن فكرة لم تطرأ على ذهن أي شخص قط، وفق علمي؛ يجب ~~أن نمتلك ميثولوجيا جديدة، ولكن يجب أن تكون هذه الميثولوجيا في خدمة الأفكار، يجب أن ~~تكون ميثولوجيا «العقل». # قبل أن نجعل الأفكار جمالية - أي ميثولوجية - فإنها لا تثير اهتمام «الأشخاص»، ومن ~~جهة أخرى، قبل أن تصبح الميثولوجيا عقلانية، يجب أن يخجل الفيلسوف منها. وهكذا يجب على ~~الشخص التنويري وغير التنويري أن يصافح كل منهما الآخر في النهاية، ويجب أن تصبح ~~الميثولوجيا فلسفية والأشخاص عقلانيين، ويجب أن تصبح الفلسفة ميثولوجية من أجل أن ~~يصبح الفلاسفة حسيين. حينها، سوف تسود بيننا الوحدة الأبدية؛ فلن توجد أبدا نظرة ~~احتقار، ولا الارتجاف الأعمى للأشخاص أمام الحكماء والكهنة؛ وحينها فقط يمكننا أن ~~نتوقع التطور «نفسه» لكل القدرات «جميعها»، للفرد ولجميع الأفراد. ولن تقمع أية ~~قدرة بعد ذلك، وسوف تسود الحرية العامة والمساواة بين الأرواح! لا بد أن تؤسس روح ~~أعلى مرسلة من السماء هذا الدين الجديد بيننا، وسوف يكون هذا العمل الأخير ~~الأعظم في أعمال البشرية. # من كتاب ms104 أندرو بوي «علم الجمال والذاتية: من كانط إلى نيتشه» (مطبعة جامعة مانشستر، ~~مانشستر، 1990). ترجمة أندرو بوي # | المراجع # الفصل الثاني # Michael Dummett, # Origins of ~~Analytical Philosophy ~~(Duckworth, London, ~~1993). # Frederick Beiser, 'The Context and Problematic for Post-Kantian Philosophy’, in # A Companion to ~~Continental Philosophy ~~(Blackwell, Oxford, ~~1998). # F. H. Jacobi, 'Open Letter to Fichte’, trans. D. I. Behler, ~~in Philosophy of German Idealism ~~, ed. ~~E. Behler (Continuum, New York, 1987). # Max Stirner, # The Ego and Its ~~Own, # ed. D. Leopold (Cambridge University Press, ~~Cambridge, 1995). # Jean-Paul Sartre, # Being and ~~Nothingness, # trans. Hazel Barnes (Routledge, London, ~~1958). # Fyodor Dostoevsky, # The ~~Devils, # trans. D. Magurshak (Penguin, Harmondsworth, ~~1971). # Dostoevsky, # The Diary of a ~~Writer, # trans. B. Brasol (George Braziller, New York, ~~1954). # الفصل الثالث # David E. Cooper, 'Modern European Philosophy’, in # The Blackwell Companion to Philosophy ~~(Blackwell, Oxford, ~~1996). # Bernard Williams, 'Contemporary Philosophy: A Second ~~Look’, in # The Blackwell Companion to Philosophy ~~(Blackwell, Oxford, ~~1996). # Stanley Rosen, # The Question of ~~Being. A Reversal of Heidegger ~~(Yale University Press, New Haven, 1993). # A. J. Ayer, Part of my ~~Life ~~(Collins, London, 1977). # Georges Bataille, 'Un-knowing and its consequences’, in # October ~~, no. 36 ~~(1986). # The Oxford Companion to Philosophy, # ed. Ted Honderich (Oxford University Press, Oxford, 1995). # John Searle, 'Contemporary Philosophy in the United ~~States’, in # The Blackwell Companion to Philosophy ~~, ed. Nicholas Bunnin and E. P. Tsui James ~~(Blackwell, Oxford, 1996). # Mill and Bentham, # Utilitarianism and Other Essays, # ed. Alan Ryan ~~(Penguin, Harmondsworth, 1987). # Mill, # Autobiography, # ed. J. Stillinger (Houghton Mifflin, Boston, 1969). # C. P. Snow, # The Two ~~Cultures ~~(Cambridge University Press, Cambridge, ~~1998). # Stephen Toulmin, # Cosmopolis ~~(University of Chicago Press, Chicago, ~~Ill., 1990). # Note: I owe the discussion of Ayer and Bataille to conversations ~~with Juha Himanka, and I owe the reference to Mill’s essay on Coleridge to ~~Jonathan Rée. # الفصل الرابع # Richard Rorty, # Contingency, Irony, ~~and Solidarity ~~(Cambridge University Press, Cambridge, ~~1989). # Stanley Cavell, # The Claim of ~~Reason ~~(Oxford University Press, ms105 Oxford, ~~1979). # Richard Rorty’s Introduction to Sellars’ # Empiricism and the Philosophy of Mind ~~(Harvard University Press, Cambridge, Mass., ~~1997) # The Analytic Tradition, # eds. David Bell and Neil Cooper (Blackwell, Oxford, ~~1990). # Ray Monk, # Ludwig Wittgenstein. The ~~Duty of Genius ~~(Jonathan Cape, London, 1990) and # Bertrand Russell: The Spirit of ~~Solitude ~~(Jonathan Cape, London, ~~1996). # Michael Ignatieff, # Isaiah ~~Berlin ~~(Chatto and Windus, London, ~~1998). # Ben Rogers, # A. J. Ayer. A ~~Life ~~(Chatto and Windus, London, ~~1999). # Rudiger Safranski, # Martin ~~Heidegger. Between Good and Evil ~~(Harvard University Press, Cambridge, Mass., 1998). # Georg Lukács, # Soul and ~~Form ~~(Merlin, London, 1974). # Jacques Derrida, # Edmund Husserl’s ~~'Origin of Geometry’: An Introduction, # trans. J. P. ~~Leavey (University of Nebraska Press, Lincoln, Nebr., ~~1989). # Martin Heidegger, # Being and ~~Time, # trans. J. Macquarrie and E. Robinson, (Blackwell, ~~Oxford, 1962). ~~'Wissenschaftliche Weltauffassung: Der Wiener Kreis’ in ~~Otto Neurath, # Empiricism and ~~Sociology ~~(Reidel, Dordrecht, ~~1973). # الفصل الخامس # Kant, # The Critique of ~~Judgement, # trans. James Creed Meredith (Oxford University Press, Oxford, 1952). # Emerson, 'Experience’, in # Selected ~~Essays ~~, ed. L. Ziff (Penguin, Harmondsworth, ~~1982). # Turgenev, # Fathers and ~~Sons, # trans. R. Edmonds (Penguin, Harmondsworth, ~~1965). # Nietzsche, # The Will to Power, # trans. Walter Kaufmann and R. J. Hollingdale ~~(Vintage, New York, 1968). # Hegel, Phenomenology of ~~Spirit, # trans. A. V. Miller (Oxford University Press, ~~Oxford, 1977). # الفصل السادس # Martin Heidegger, Pathmarks, # ed. William McNeill (Cambridge University Press, Cambridge, 1998). # Rudolf Carnap, 'The Elimination of Metaphysics Through ~~Logical Analysis of Language’, in # Logical Positivism ~~, ed. A. J. Ayer (Free Press, Glencoe, ~~Scotland, 1959). # Carnap, # The Unity of ~~Science ~~(Thoemmes Press, Bristol, 1995) Arne ~~Naess, # Four Modern Philosophers. Carnap, ~~Wittgenstein, Heidegger, Sartre ~~(University of Chicago Press, Chicago, 1968). # Heidegger, # On the Way to ~~Language ~~(Harper and Row, New York, ~~1971). # Karl Popper, 'The Demarcation Between Science and ~~Metaphysics’, in # The Philosophy of Rudolf ~~Carnap ~~(Open Court, La Salle, ~~1963). # W. V. O. Quine, # From a Logical Point of View ~~(Harvard University Press, Cambridge, ~~Mass., 1980). # Wilfrid Sellars, # Empiricism and the Philosophy ms106 of Mind ~~(Harvard University Press, Cambridge, ~~Mass., 1997). # Wittgenstein, 'On Heidegger on Being and Dread’, in # Heidegger and Modern Philosophy ~~, ~~ed. Michael Murray (Yale University Press, Newhaven, Conn., ~~1978). # الفصل السابع # Jürgen Habermas, # Knowledge and ~~Human Interests, # trans. Jeremy J. Shapiro (Polity Press, ~~Cambridge, 1987). # Maurice Merleau-Ponty, 'The Philosopher and his Shadow’, in # Signs ~~(Northwestern University Press, Evanston, Ill., 1964). # Edmund Husserl, # The Crisis of the ~~European Sciences ~~(Northwestern University Press, ~~Evanston, Ill., 1954). # Martin Heidegger, # Being and ~~Time ~~(Blackwell, Oxford, 1962). # Heidegger, # The Concept of ~~Time, # transl. W. McNeill (Blackwell, Oxford, ~~1992). # Wittgenstein, Philosophical ~~Investigations, # transl. G. E. M. Anscombe (Blackwell, ~~Oxford, 1958). # Frank Cioffi, # Wittgenstein on Freud ~~and Frazer ~~(Cambridge University Press, Cambridge, ~~1998). # Hilary Putnam, # Meaning and the ~~Moral Sciences ~~(Routledge, London, ~~1978). # | قراءات إضافية # For compendious recent surveys of the entire Continental ~~philosophical tradition beginning with Kant and German idealism, see Simon Critchley ~~and William Schroeder (eds), # A Companion to Continental Philosophy ~~(Blackwell, Oxford, 1998) and Simon Glendinning (ed.), # The Edinburgh Encyclopedia of Continental Philosophy ~~(Edinburgh University Press, Edinburgh, 1999). I have ~~expanded material from the Introduction to the Blackwell’s Companion in drafting ~~this book. Chapter 7 of this book appeared in a different form in the # Times Higher Education Supplement ~~, 6 February 1998, ~~under the title 'Dare to Think’. For helpful single-volume summaries of the ~~Continental tradition, see Robert Solomon, # Continental Philosophy Since 1750 ~~(Oxford University Press, Oxford, 1988) and ~~David West, # An Introduction to Continental Philosophy ~~(Polity Press, Cambridge, 1996). For anthologies ~~containing extracts from primary texts, see Richard Kearney and Mara Rainwater ~~(eds), # The Continental Philosophy Reader ~~(Routledge, London, 1996) and Karen Feldman and William McNeill (eds), # Continental Philosophy: An Anthology ~~(Blackwell, ~~Oxford, 1997). # The argument of Chapter 1 was suggested to me by three books: Pierre ~~Hadot, Philosophy as a Way of Life ~~(Blackwell, ~~Oxford, 1995), Stephen Toulmin, # Cosmopolis ~~(University of Chicago Press, Chicago, Ill., 1990), and John Cottingham, Philosophy and ms107 the Good Life ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1998). Also, on the question of the relation of science to the ~~meaning of life, Dostoevsky’s # Notes from ~~Underground # was frequently on my mind, a text which is a better ~~introduction to philosophy than most. # The argument of Chapter 2 was strongly influenced by Michael ~~Dummett’s # Origins of Analytical Philosophy ~~(Duckworth, London, 1993) and Frederick Beiser’s # The Fate of ~~Reason: German Philosophy from Kant to Fichte ~~(Harvard University Press, Cambridge, Mass., 1987). For an overview of the shape and progress of German ~~idealism and romanticism, see the six essays in 'The Kantian Legacy’ in the ~~Blackwell # Companion to Continental Philosophy ~~. ~~See also Steven Crowell’s essay on 'Neo-Kantianism’ in the same volume. For a very ~~useful overview of German romanticism and idealism and their relevance for ~~contemporary philosophy, see the work of Andrew Bowie, especially # Aesthetics and Subjectivity ~~(Manchester University Press, Manchester, 1990). John Stuart Mill’s essays on Bentham and Coleridge, ~~discussed in Chapter 3, can be found in # Utilitarianism and ~~Other Essays ~~(Penguin, Harmondsworth, 1987). On the question of two ~~cultures, see Stefan Collini’s very helpful introduction to # The Two Cultures ~~(Cambridge University Press, Cambridge, ~~1998). # Chapter 4 begins by mentioning Rorty and Cavell. The best ~~introduction to their work is their own writings; see Rorty’s now classic book, Philosophy and the Mirror of Nature ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, 1980) and Cavell’s wonderfully rich # The Claim of Reason ~~(Oxford University Press, ~~Oxford, 1979). On the question of tradition and on much else, see Husserl’s classic # The Crisis of European Sciences and Transcendental Phenomenology ~~(Northwestern University Press, Evanston, 1970) and the ~~'Introduction’ to Heidegger’s # Being and Time ~~(Blackwell, Oxford, 1962). # Turning to Chapter 5, for a helpful discussion of nihilism before ~~Nietzsche, see Michael Gillespie’s # Nihilism Before ~~Nietzsche ~~(University of Chicago Press, Chicago, Ill., 1995). On ~~nihilism in Nietzsche, see Mark Warren, # Nietzsche and Political Thought ms108 ~~(MIT Press, Cambridge, Mass., 1988) and Keith ~~Ansell-Pearson, # Nietzsche as a Political Thinker ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1994). For my own thoughts on how to respond ~~to nihilism, see # Very Little ... Almost Nothing ~~(Routledge, London, 1997). # For the Heidegger-Carnap controversy discussed in Chapter 6, ~~Carnap’s essay can be found under the title 'The Elimination of Metaphysics through ~~Logical Analysis of Language’, in # Logical Positivism ~~, ed. A. J. Ayer (Free Press, Glencoe, 1959). The most ~~accurate translation of Heidegger’s 'What is Metaphysics?’ can be found in Pathmarks ~~, ed. William McNeill (Cambridge University Press, Cambridge, 1998). The interesting 'Postscript’ and 'Introduction’ to 'What is ~~Metaphysics?’ can also be found in the same volume. The 'Yellow Brochure’ can be ~~found in Otto Neurath, 'The Scientific Conception of the World’ (1929) in # Empiricism and Sociology ~~(Reidel, Dordrecht, ~~1973). # The argument of Chapter 7 on the problem of scientism and ~~obscurantism was inspired by the work of Frank Cioffi: see his # Wittgenstein on Freud and Frazer ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1998). See also Habermas, # Knowledge and Human Interests ~~(Polity Press, Cambridge, 1987) and Richard Bernstein, # Beyond ~~Objectivism and Relativism ~~(University of Pennsylvania Press, Philadelphia, Pa., 1983). For the classic statement of the relation between causal ~~explanation and interpretative understanding, see Peter Winch, # The Idea of a Social Science and its Relation to Philosophy ~~(Routledge, London, 1990). # On the notion of philosophy as conceptual creation alluded to ~~in Chapter 8, see the opening chapters of Deleuze and Guattari’s wonderful # What is Philosophy? ~~(Columbia University Press, New ~~York, 1994). # | مصادر الصور # (1-1) Private collection. Photo: Peter Willi/Bridgeman Art ~~Library. ~~(1-2) Biblioteca Herziana, Rome. Photo: ~~Scala. ~~(2-1) Hulton Getty. ~~(2-2) Photo: AKG London. ~~(2-3) Hulton Getty. Etching by Johann Heinrich Lips after an ~~anonymous portrait of 1765. ~~(2-4) Stadtgeschichtliches Museum ~~Königsberg. Photo: AKG London. ~~(2-5) Kant Society. Photo: AKG London. ~~(3-1) Galleria Palatina, Florence. Photo: ~~Scala. ~~(3-2) Hulton Getty. Drawing by Spy, from ms109 The Statesman No. 141. ~~(4-1) Hulton Getty. ~~(4-3) The Louvre. Photo: Giraudon/Pix. ~~(4-4) Printed with permission of the director of the Husserl ~~Archives in Leuven, Professor Rudolf Bernet. ~~(4-5) © Robert Holmes/Corbis. ~~(5-1) The Louvre. Photo: Peter Willi/Bridgeman Art ~~Library. ~~(5-2) © Bettmann/Corbis. ~~(6-1) © Archives of Scientific Philosophy. Reproduced by ~~permission of the University of Pittsburgh. All rights ~~reserved. ~~(6-2) © Pressens Bild AB. ~~(6-3) Musée des Beaux-Arts de Nancy. Photo © G. ~~Mangin. ~~(8-1) Moderna Museet, Stockholm. © DACS 2000. ms110