######OpenITI# #META# URI: 1450AmiraCaliCabdSaduq.DarajatSitt.Hindawi62642491 #META# Tags: philosophy #META# ID: 62642491 #META# Title: الدرجات الست وأسرار الشبكات: علم لعصر متشابك #META# AuthorID: 50281936 #META# Author: دانكن جيه واتس #META# EditorID: 18571738 #META# Editor: محمد فتحي خضر #META# TranslatorID: 27426846 #META# Translator: أميرة علي عبد الصادق #META# Related_books: 1450DuncanJWatts.SixDegrees (TRANSL) #META#Header#End# # إشادة بكتاب «الدرجات الست» لدانكن واتس‏ # 1 - عصرنا المتشابك‏ # 2 - أصول علم «جديد»‏ # 3 - عوالم صغيرة‏ # 4 - ما وراء العالم الصغير‏ # 5 - البحث في الشبكات‏ # 6 - الأوبئة والأعطال‏ # 7 - القرارات والأوهام وجنون الجماهير‏ # 8 - الحدود والسلاسل وقابلية التنبؤ‏ # 9 - الابتكار والتكيف والتعافي‏ # 10 - نهاية البداية‏ # 11 - العالم يتضاءل: عام آخر في العصر المتشابك‏ # قراءات إضافية‏ # المراجع‏ # إشادة بكتاب «الدرجات الست» لدانكن واتس‏ # 1 - عصرنا المتشابك‏ # 2 - أصول علم «جديد»‏ # 3 - عوالم صغيرة‏ # 4 - ما وراء العالم الصغير‏ # 5 - البحث في الشبكات‏ # 6 - الأوبئة والأعطال‏ # 7 - القرارات والأوهام وجنون الجماهير‏ # 8 - الحدود والسلاسل وقابلية التنبؤ‏ # 9 - الابتكار والتكيف والتعافي‏ # 10 - نهاية البداية‏ # 11 - العالم يتضاءل: عام آخر في العصر المتشابك‏ # قراءات إضافية‏ # المراجع‏ # | الدرجات الست وأسرار الشبكات # | الدرجات الست وأسرار الشبكات # | علم لعصر متشابك # تأليف # دانكن جيه واتس # ترجمة # أميرة علي عبد الصادق # مراجعة # محمد فتحي خضر # | إشادة بكتاب «الدرجات الست» لدانكن واتس # «يجمع واتس في سلاسة بين دراسة تاريخية للمجال ونماذج واقعية مستمدة في كثير من ~~الأحيان من خبرته الشخصية. إنه عمل متقن وشامل.» # كيركس ريفيوز، مراجعة نقدية # مزودة بنجوم للتقييم ~~«مقدمة رائعة يسهل فهمها تماما لعلم الشبكات ... هذا الكتاب له أهمية كبيرة لعدد من ~~الأسباب؛ أولا: لأن واتس يعرض فيه مقدمة لمجال شديد التعقيد، وتتميز هذه المقدمة ~~برؤيتها العميقة ومتعة قراءتها. ثانيا: ... يقدم واتس من التفاصيل الكافية والفروق ~~الطفيفة ما يمنح العمل تأثيرا عميقا. يصور هذا الكتاب العوالم المادية والاجتماعية ~~على نحو مدهش يستثير التفكير.» # فيرجينيا كوارترلي ريفيو ~~«كتاب مثير بقلم أحد العلماء الشباب الرواد. إن رؤى واتس المتعمقة للعلاقات المتداخلة ~~التي تجمع بيننا - بدءا من الروابط على الشبكة العنكبوتية العالمية، مرورا ~~بالمراكز العالمية الرئيسية للمال ~~والمواصلات، وصولا إلى الشبكات الجنسية التي تنشر وباء الإيدز حول العالم - تقدم ~~إطارا جديدا مهما لفهم مجتمعنا العالمي وما يشهده من تغير نشط. يوضح واتس كيفية ~~ارتباطنا جميعا ارتباطا وثيقا في «عوالمنا الصغيرة». سيتواصل القارئ من خلال هذا ~~الكتاب مع رواد الفكر في ms001 العالم في مجال نظرية الشبكات الحديث والمثير.» # جيفري دي ساكس، # مدير «معهد الأرض» بجامعة كولومبيا ~~«قصة شخصية ومتميزة؛ نظرا لقدرتها على عرض عجائب علم معقد. إنها محاولة ~~مذهلة!» # بيل ميلر، الرئيسي التنفيذي # لشركة ليج ماسون فندز ~~«نظرة مشوقة على الشبكات المتعددة التي يزخر بها «عصرنا المتشابك»، والمؤثرات ~~والتعقيدات التي تحيط بعملية تحديد هذه الشبكات وقياس حجمها.» # آر إف كونكلين، تشويس ~~«نظرا لشرح واتس هذه الظاهرة ... بلغة يسهل فهمها، سيقبل الكثير من القراء دعوته ~~لاستكشاف آفاق مشروع فكري جديد.» # بوكليست ~~«يمنح أسلوب واتس المشوق أفكاره المنظمة انطباعا مثيرا بعيدا عن الملل.» # ذا أنيون ~~«مجهود مبهر.» # بابلشرز ويكلي ~~«نظرة مذهلة - ومن واقع خبرة شخصية غالبا - على علم الشبكات الناشئ. من خلال كتاب ~~«الدرجات الست»، سيعرف القراء بالتأكيد الكثير عن الشبكات؛ فواتس معلم موهوب. غير أن ~~هذا الكتاب أكثر نفعا باعتباره نافذة على نشأة فرع جديد من المعرفة العلمية.» # ريسيرش نيوز آند أوبرتيونيتيز # إن ساينس آند تكنولوجي # إلى # أبي وأمي # «قرأت ذات مرة أن كل فرد على هذا الكوكب يفصل بينه وبين أي شخص آخر ستة أشخاص فقط. ست ~~درجات تفصل بيننا وبين أي شخص آخر على سطح هذا الكوكب.» # أويزا، في مسرحية ~~«ست درجات من الانفصال» # بقلم جون جوار # | تمهيد # بقلم دانكن واتس ~~«نادرا ما ينتهي بي المآل إلى حيث كنت أنوي، لكنني غالبا ما أصل إلى حيث كان يجب أن ~~أكون.» # دوجلاس آدامز، # رواية «استراحة النفس الطويلة المظلمة» # من الغريب حقا الطريقة التي تسير بها الأمور؛ فقد مضى أقل من عقد من الزمان على تحديقي ~~في ذلك الرواق الطويل بجامعة كورنيل، متسائلا عن سبب عبوري نصف الكرة الأرضية لأدرس مادة ~~غامضة في مكان بدا فجأة في عيوني كالسجن. لكن في تلك الفترة الوجيزة تغير العالم، مرات عدة، ~~وتغير معه عالمي، فمن خلال الصعود شديد السرعة لشبكة الإنترنت، والمعاناة من سلسلة من ~~الأزمات المالية امتدت من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، والاصطدام بالإرهاب والعنف العرقي من ~~أفريقيا إلى نيويورك، أدرك العالم بطريقة قاسية ms002 أنه متشابك على نحو لم يتوقعه الكثير من ~~الناس، ولم يفهمه أحد. # في غضون ذلك، وبين الأروقة الهادئة للأوساط الأكاديمية، أخذ علم جديد في النشوء؛ علم ~~يتناول مباشرة الأحداث الجسام التي تقع من حوله، ونظرا لعدم وجود مصطلح أفضل، فإننا نطلق ~~على هذا العلم الجديد اسم «علم الشبكات». وبخلاف فيزياء الجسيمات دون الذرية والبنية واسعة ~~النطاق للكون، فإن علم الشبكات هو علم العالم الواقعي؛ عالم البشر والصداقات والإشاعات ~~والأمراض وصيحات الموضة والشركات والأزمات المالية. فإذا كانت هناك سمة بسيطة لوصف هذه ~~الفترة على وجه التحديد من تاريخ العالم، فقد تكون هذه السمة هي أن العالم صار متشابكا على ~~نحو أكبر وأكثر شمولية وفجائية من أي وقت مضى. وإذا أردنا فهم هذا العصر؛ «العصر المتشابك»، ~~فعلينا أن نفهم أولا كيف نصفه وصفا علميا؛ معنى ذلك أننا بحاجة إلى علم للشبكات. # يتناول هذا الكتاب قصة ذلك العلم، إنها ليست القصة الكاملة؛ فالنسخة غير المختصرة أكبر من ~~أن يتسع لها كتاب واحد صغير، وستفوق قريبا قدرة أي شخص على استيعابها خلال فترة حياته ~~بأكملها. لكن الكتاب يغطي جزءا منها؛ فهو رواية يسردها مسافر عن رحلاته في أراض غريبة ~~وجميلة. وعلى أي حال، كل قصة يجب أن تروى من منظور معين (سواء عبر عن ذلك على نحو صريح ~~أم لا)، وهذه القصة أرويها من منظوري. يرجع ذلك جزئيا إلى أنني لعبت دورا في الأحداث ~~نفسها، وهي أحداث مثلت جزءا محوريا من مسار حياتي المهنية. لكن هناك سببا آخر أعمق ~~يتعلق بسرد العلم. من السمات النموذجية للعلم في الكتب الدراسية أنه مضجر ومفزع. إن علم ~~الكتب الدراسية، الذي يظهر في صورة سلسلة منطقية متواصلة من أسئلة تبدو مستحيلة إلى نتائج ~~تبدو غير قابلة للجدل، من الصعب فهمه، ناهيك عن محاكاته. حتى عندما يقدم العلم كفعل ~~استكشافي، أي إنجاز بشري، تظل العملية التي توصل من خلالها البشر فعليا لهذا العلم ~~يكتنفها الغموض. ومن أكثر الأمور التي لا تزال عالقة في ذاكرتي منذ سنوات دراسة الفيزياء ~~والرياضيات ms003 ذلك الشعور المحزن بأنه ليس باستطاعة أي شخص عادي فعل هذه الأمور. # لكن ليس هذا حال العلم الواقعي. وفقا لما أدركته حديثا ، يظهر العلم الواقعي في العالم ~~الفوضوي الغامض نفسه الذي يجاهد العلماء لإيضاحه، وعلى أيدي أشخاص واقعيين يعانون النوع ~~ذاته من القيود والبلبلة التي يعانيها أي شخص آخر. وجميع شخصيات هذه القصة أفراد موهوبون ~~عملوا جاهدين طوال حياتهم ليحققوا النجاح كعلماء؛ لكنهم في الوقت نفسه بشر بكل ما تحمله ~~الكلمة من معان. أعلم ذلك لأنني أعرفهم، وأعرف أننا كافحنا، وكثيرا ما فشلنا معا، لنجمع ~~شتات أنفسنا بعد ذلك ونحاول مرة أخرى. قوبلت أبحاثنا بالرفض، ولم تكلل أفكارنا بالنجاح، ~~وأسأنا فهم أمور بدت جلية في وقت لاحق، وشعرنا أغلب الوقت بالإحباط أو الغباء التام، لكننا ~~واصلنا الكفاح، لتصير الرحلة مع كل لحظة هدفا في حد ذاتها. إن تأسيس علم يشبه في الواقع ~~تأسيس أي شيء آخر، لكن بحلول الوقت الذي يخرج فيه هذا العلم للنور ويقرأ الجميع عنه في ~~الكتب، يكون قد شهد قدرا هائلا من التعديل والصقل بما يضفي عليه صبغة من الحتمية لم يحظ ~~بها أثناء وضعه قط. وتتناول هذه القصة عملية تأسيس علم جديد. # ما من قصة بالطبع تدور أحداثها في الفراغ، وأحد الأمور التي أود إيضاحها في هذا الكتاب هو ~~المصدر الذي نشأ منه علم الشبكات، وكيف ينسجم مع المخطط الأكبر للتقدم العلمي، وما يمكن أن ~~يخبرنا به هذا العلم عن العالم نفسه. يتسع الحديث في هذه الأمور لما هو أكثر مما يمكنني ~~تضمينه هنا؛ ذلك لأن الشبكات شغلت تفكير الكثير من الناس وقتا طويلا. لكن بالرغم مما ~~أغفلته هذه القصة (وقد أغفلت الكثير)، فالأمل يحدوني أن توضح فكرة أنه لا يمكن فهم ~~العصر المتشابك بواسطة محاولة فرض نموذج محدد للعالم عليه - مهما بدا ذلك مطمئنا - ولا من ~~خلال دراسة فرع واحد منفرد من فروع المعرفة. إن الأسئلة، ببساطة، شديدة الثراء وشديدة ~~التعقيد، وبصراحة، شديدة الصعوبة أيضا. # وبصراحة مماثلة أيضا أقول إن علم الشبكات لا يمتلك ms004 كل الإجابات بعد؛ فعلى الرغم من إغراء ~~المبالغة في أهمية ما توصلنا إليه من نتائج، فالحقيقة هي أن الجزء الأكبر من العلم الفعلي ~~هنا يتضمن تصويرا شديد البساطة لظواهر شديدة التعقيد. يعد البدء ببساطة مرحلة ضرورية لفهم ~~أي شيء معقد، والنتائج المستمدة من النماذج البسيطة لا تكون مؤثرة فحسب، لكن مبهرة للغاية ~~أيضا. فمن خلال إبعاد التفاصيل المحيرة لعالم معقد والبحث عن أصل مشكلة ما، يمكننا في ~~كثير من الأحيان معرفة أمور عن الأنظمة المتشابكة ما كنا لندركها أبدا عن طريق دراستها ~~مباشرة. لكن ذلك له ثمن، وثمن ذلك هو أن الأساليب التي نستخدمها تكون نظرية غالبا، ~~والنتائج يصعب تطبيقها مباشرة على مواقف واقعية. وهو ثمن ضروري، ولا مفر منه في الواقع، ~~إذا كنا نرغب حقا في تحقيق التقدم. فقبل تصميم المهندسين للطائرات، كان على الفيزيائيين ~~أولا فهم المبادئ الأساسية للطيران، وذلك هو الحال أيضا مع الأنظمة المتصلة بشبكات. ~~سنتأمل في الصفحات التالية التطبيقات الواعدة لنماذج الشبكات البسيطة؛ أي إننا سنحاول تخيل ~~ما ستبدو عليه الطائرات المذهلة في النهاية. لكن في نهاية المطاف، يجب أن نتحرى الأمانة ~~ونفرق بين التأملات وبين العلم ذاته، ومن ثم، إذا كنت تبحث عن إجابات فعليك بقراءة الكتب ~~التي تدعي زيفا أنها تقدم تلك الإجابات. إن العلم لا يمكن أن يصبح فعالا ومؤثرا إلا ~~بتحديد ما يمكن لهذا العلم تفسيره، وما لا يمكنه، والنظريات التي تخلط بين الأمرين تضرنا ~~ولا تنفعنا. # ما يمكن لعلم الشبكات فعله - حتى في وقتنا الحالي - هو منحنا أسلوبا مختلفا للتفكير في ~~هذا العالم، ومن ثم مساعدتنا في إلقاء ضوء جديد على مشكلات قديمة، ولتحقيق هذه الغاية، يضم ~~هذا الكتاب قصتين في قصة واحدة؛ فهو أولا يتناول علم الشبكات نفسه: من أين أتى، وما الذي ~~اكتشف، وكيف. وثانيا: يعرض الكتاب ظواهر العالم الحقيقي التي يحاول علم الشبكات فهمها؛ ~~كالأوبئة والصيحات الثقافية الجديدة والأزمات المالية والابتكار المؤسسي. وتسير هاتان ~~القصتان بالتوازي على مدار الكتاب، لكن هناك بعض الفصول التي تؤكد على نقاط ms005 بعينها؛ فالفصول ~~من الثاني إلى الخامس، في الغالب، تتناول الأساليب المختلفة لفهم شبكات العالم الحقيقي، ~~وكيفية مساهمة فروع المعرفة الأكاديمية المتعددة في عملية الاكتشاف، وكيف بدأت علاقتي بهذا ~~الأمر من خلال عملي مع ستيف ستروجاتس على شبكات العالم الصغير، وكيف تطور هذا العمل ونما ~~على مدار أعوام منذ ذلك الحين. أما الفصول من السادس إلى التاسع، فتركز أكثر على التفكير في ~~العالم من منظور متشابك، وتطبيقه على مشكلات مثل انتشار الأمراض والصيحات الثقافية الجديدة ~~والابتكار في العمل، بدلا من التعامل مع الشبكات نفسها باعتبارها موضوعات الدراسة. # مع أن كل فصل يعتمد على الفصول السابقة له، فليس من الضروري قراءة الكتاب كله من البداية ~~إلى النهاية؛ فالفصل # الأول # يعرض السياق الذي تدور فيه القصة، في ~~حين يفصل الفصل # الثاني # خلفيتها، وإذا أردت تخطي هذين القسمين ~~والانتقال مباشرة إلى العلم الجديد، فيمكنك ذلك (لكن ثمة أمورا ستغفل عنها)، ويرتبط كل ~~من الفصل # الثالث # و # الرابع # و # الخامس # معا، فتعرض هذه الفصول إنشاء النماذج المتعددة للنظم ~~الشبكية وتأثيراتها، خاصة ما يعرف باسم نماذج شبكات العالم الصغير والشبكات عديمة ~~المعيار التي تناولتها الكثير من الدراسات الحديثة. أما الفصل # السادس # فيناقش تفشي الأمراض وفيروسات الكمبيوتر، ويمكن قراءته دون الرجوع ~~كثيرا إلى الفصول السابقة. ويتناول الفصلان # السابع # و # الثامن # موضوعا ذا صلة، لكنه مختلف في الوقت نفسه، ألا وهو العدوى ~~الاجتماعية وما تخبرنا به بشأن الصيحات الثقافية الحديثة والاضطرابات السياسية والفقاعات ~~المالية. ويناقش الفصل # التاسع # القوة المؤسسية، والدروس ~~المستفادة منها للشركات الحديثة، ويلخص الفصل # العاشر # القصة ~~بأكملها، مع تقديم نظرة عامة مختصرة عن الوضع الحالي. # يحمل هذا الكتاب تاريخا، شأنه شأن القصص التي يرويها، وهو تاريخ يتضمن عددا كبيرا من ~~الأشخاص، فعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، مثل المعاونون لي وزملائي مصدرا دائما ~~للأفكار والتشجيع والحماس والترفيه؛ أخص بالذكر هنا دانكن كالاواي، وبيتر دودز، ودوين ~~فارمر، وجون جيناكوبلوس، وآلان كيرمان، وجون كلاينبيرج، وآندرو لو، ومارك نيومان، وتشاك ~~سابيل، وجيل سترانج. كان من الصعب كتابة هذا الكتاب دونهم، ms006 لأنني ما كنت لأجد ما أكتب عنه؛ ~~فحتى أفضل الموضوعات لا تكفي وحدها. ودون تشجيع جاك ريبتشيك من دار نشر نورتون، وآماندا كوك ~~من شركة بيرسيوس، ما كنت لأبدأ أبدا، ودون التوجيه الرقيق من أنجيلا فون دير ليب، محررتي ~~بدار نشر نورتون، ما كنت لأنتهي من الكتاب أبدا. وأتوجه بالشكر أيضا إلى الكرام: كارين ~~باركي، وبيتر بيرمان، وكريس كالهون، وبريندا كوفلين، وبريسيلا فيرجسون، وهيرب جانس، وديفيد ~~جيبسون، وميمي مانسون، ومارك نيومان، وبافيا روساتي، وتشاك سابيل، وديفيد ستارك، وتشاك ~~تيلي، ودوج وايت، وبخاصة توم ماكارثي، الذين تطوعوا لقراءة المسودات المختلفة والتعليق ~~عليها. هذا وقد قدم لي جورجي كوسينتس مساعدة لا تقدر بثمن في إعداد الأشكال العديدة، كما ~~نفذت ماري بابكوك عملا شديد الدقة في تنقيح النصوص. # وعلى مستوى أكثر شمولا، فإنني شديد الامتنان لعدد من الأشخاص بجامعة كولومبيا: بيتر ~~بيرمان، ومايك كرو، وكريس شولز، وديفيد ستارك، بالإضافة إلى موراي جيلمان، وإلين جولدبيرج، ~~وإريكا جين من معهد سانتا في، وآندرو لو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ لمنحهم إياي ~~الحرية والدعم للسعي وراء اهتماماتي الأنانية التي أتت في بعض الأحيان على حساب مصلحتهم. ~~هذا وقد قدمت كل من المؤسسة الوطنية للعلوم (بموجب المنحة رقم 0094162)، وشركة إنتل، ~~ومعهد سانتا في، ومعهد الأرض بجامعة كولومبيا، دعما ماليا لعملي في التدريس والأبحاث، ~~بالإضافة إلى سلسلة من ورش العمل المتخصصة في سانتا في ونيويورك، التي انبثق منها العديد من ~~المشروعات وصور التعاون. لكن من بين العدد الكبير من الأشخاص المؤثرين، سواء في حياتي ~~المؤسسية أو الشخصية، الذين عادوا علي بالنفع، يبرز شخصان على وجه التحديد: الأول هو ستيف ~~ستروجاتس، الذي كان ناصحا ملهما، وخير معين، وصديقا مخلصا على مدار أعوام، أما الآخر ~~فهو هاريسون وايت، الذي جاء بي لأول مرة إلى كولومبيا، وقدمني لأول مرة أيضا إلى معهد ~~سانتا في، وأدخلني أخيرا في مجال علم الاجتماع؛ فدون هذين الرجلين، ما كان أي شيء من هذا ~~ليصبح ممكنا. # وأخيرا، والدي. قد يكون من الحماقة تخمين مقدار تأثير نشأة المرء ms007 على مسار حياته، لكن ~~في حالتي، تبدو بعض الأمور واضحة؛ كان والدي أول عالم عرفته في حياتي، وهو أيضا أول من ~~أرشدني إلى متع البحث الإبداعي وآلامه، فضلا عن تحفيزه، بطريقته الخاصة، لعملية التفكير ~~الكاملة التي تمخض عنها هذا الكتاب. في تلك الأثناء، لم تعلمني أمي كيف أقرأ وحسب، بل ~~طبعت في ذهني أيضا، في سن مبكرة، أن الأفكار لا تكتسب قوتها إلا عندما يفهمها الناس. وقد ~~منحاني معا، من خلال نموذج حياتهما شديد التميز، الشجاعة لتجربة أشياء ما كنت لأفكر أبدا ~~أنها من الممكن أن تنجح. ولهما أهدي هذا الكتاب. # نيويورك سيتي # مايو 2002 # الفصل الأول # | عصرنا المتشابك # كان صيف عام 1996 قائظا، ارتفعت مؤشرات موازين الحرارة بجميع أنحاء البلاد لتسجل أعلى ~~معدلاتها، وظلت على هذه الحال، ليمثل هذا دليلا بينا على التقلبات المناخية غير ~~المتوقعة. في تلك الأثناء، أخذ الأمريكيون، الذين عزلوا أنفسهم في حصونهم المنزلية، يكدسون ~~الطعام بالثلاجات، ويشغلون أجهزة التكييف، ويشاهدون - بالطبع - قدرا هائلا من البرامج ~~التليفزيونية التي تخدر العقول. في الواقع، مهما يكن الموسم أو الطقس، فقد صار ~~الأمريكيون يعتمدون على نحو متزايد على مجموعة مدهشة ومتنامية باستمرار من الأجهزة والمرافق ~~والخدمات التي حولت بيئة اتسمت فيما مضى بعدائيتها، إلى نمط حياة يشبه النسيم البارد. لا ~~يعد أي قدر من الابتكارية أو الطاقة مفرطا إذا أسفر عن فراغ أو مزيد من الحرية الشخصية أو ~~توفير الراحة البدنية؛ فبدءا من المركبات مكيفة الهواء المماثلة في الحجم لغرف المعيشة، ~~ووصولا إلى المراكز التجارية مكيفة الهواء المماثلة في الحجم للبلدات الصغيرة، بذلت أقصى ~~الجهود والتكاليف في الحملة الأمريكية الحديثة اللانهائية لفرض نظام صارم على كوكب اتسم ~~فيما مضى بالجموح، ولا يزال شامخا متغطرسا في بعض الأحيان. # يدير محرك الحضارة هذا الذي لا يعرف الهوادة كيان عادي ومألوف كالطبيعة ذاتها، لكنه عامل ~~تغيير قوي للحياة، شأنه شأن أي من الاختراعات البشرية الأخرى، هذا الكيان هو نظام الطاقة ~~الكهربائية. تمتد كخيوط العنكبوت بجميع أرجاء أمريكا الشمالية شبكة ضخمة من محطات ms008 الطاقة ~~والمحطات الفرعية، إلى جانب كابلات النقل عالية الجهد التي تربط بينها. وشبكة نقل الطاقة ~~الكهربائية، التي تتدلى كابلاتها قرب الأشجار على طول الطرق وتربط بين قمم جبال الأبلاش ~~الشاهقة وتمتد أعمدتها كما لو كانت جنودا عمالقة عبر سهول الغرب الشاسعة، تعد سر حياة ~~الاقتصاد، والجانب الواهن الحساس للحياة المتحضرة في الوقت نفسه. # يعد نظام الطاقة الكهربائية، الذي تأسس بقدر هائل من النفقات على مدار الجزء الأكبر من ~~القرن الماضي، أهم الملامح التكنولوجية للعالم المعاصر، وتمثل الطاقة الكهربائية - الأكثر ~~تغلغلا في الحياة من الطرق السريعة والسكك الحديدية، والأكثر أهمية من السيارات والطائرات ~~وأجهزة الكمبيوتر - الأساس الذي تقوم عليه جميع صور التكنولوجيا الأخرى، وأساس الصرح المهيب ~~لعصري الصناعة والمعلومات، ودون هذه الطاقة يصبح كل ما نفعله ونستخدمه ونستهلكه معدوما، ~~أو يتعذر الوصول إليه، أو شديد الغلاء، أو غير ملائم؛ فالكهرباء إحدى حقائق الحياة التي تصل ~~في جوهريتها إلى الحد الذي يتعذر معه تخيل الحياة بدونها. وإذا أجبرنا على ذلك، يمكن أن ~~يكون الأمر مدمرا تدميرا هائلا، وهو ما اكتشفته مدينة نيويورك على مدار خمس وعشرين ~~ساعة رهيبة في عام 1977، حينذاك، وفي مجتمع كان قد اكتشف لتوه الكمبيوتر، وكانت السيارات ~~والمصانع والأدوات المنزلية أقل اعتمادا على الإلكترونيات مقارنة بالحال الآن، أدى انقطاع ~~في الكهرباء، ناتج عن مجموعة غير متوقعة من الأخطاء الصغيرة ونقاط الضعف الشاملة، إلى إغراق ~~نيويورك في الظلام، وإغراق سكانها البالغ عددهم تسعة ملايين نسمة في بحر من الشغب والنهب ~~والسلب، ونشر الذعر على نطاق واسع، وعندما عادت الأضواء وأزيلت الأنقاض، بلغت الخسائر نحو ~~350 مليون دولار. أرهبت الكارثة الساسة والمنظمين على حد سواء، وهو ما جعلهم يتعهدون بألا ~~يسمحوا بحدوث ذلك ثانية، ويطبقون عددا من الإجراءات الصارمة لضمان تنفيذ تعهدهم. وحسبما ~~اكتشفنا منذ ذلك الحين، فحتى أفضل الخطط - في عالم متشابك معقد - لا يمكن أن تكون إلا عبثا ~~لا طائل من ورائه. # إن شبكة الطاقة - شأنها شأن أي بنية تحتية أخرى، بدءا من أنظمة الطرق السريعة وصولا إلى ~~شبكة ms009 الإنترنت - ليست في الواقع كيانا منفردا، بل عدة شبكات إقليمية متصلة بعضها ببعض في ~~إطار أكبر يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة. أكبر هذه الوحدات الإدارية مجموعة من المحطات ~~يصل عددها تقريبا إلى خمسة آلاف محطة وخمسة عشر ألف خط، تشكل شبكة النقل الخاصة ب «مجلس ~~تنسيق النظم الغربي»، وهو تكتل لمولدي الطاقة وموزعيها مسئول عن توفير الكهرباء لكل شخص ~~وكل شيء غرب جبال روكي، بدءا من الحدود مع المكسيك وصولا إلى المنطقة القطبية الشمالية. ~~وفي قيظ أغسطس عام 1996، أدار كل من لديه مكيف هواء ذلك المكيف بأقصى قدرة له، ونالت كل ~~زجاجة بيرة مثلجة في حفلات الشواء بالأفنية الخلفية نصيبها من الكهرباء التي تولدها هذه ~~الشبكة، أما جموع السياح المصطافين الذين عزفوا عن العودة إلى الشرق، فأخذوا يتسكعون في ~~المدن الساحلية، الأمر الذي أدى إلى زيادة مؤقتة في تعداد السكان، المتضخم بالفعل، في كل ~~من لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وسياتل، ووصول الشبكة المتقادمة والمنهكة بالفعل إلى أقصى ~~حدودها. # إذن قد لا يكون من المستغرب أن مستهل الأزمة التي وقعت في العاشر من أغسطس كان حدثا ~~ثانويا نسبيا، كالشرارة التي تتسبب في اشتعال نار هائلة؛ فقد تدلى أحد خطوط نقل ~~الكهرباء غرب أوريجون، شمال بورتلاند، قليلا، وأصاب إحدى الأشجار التي لم تكن قد قلمت ~~منذ فترة طويلة، مما أدى إلى اشتعالها. لم يكن ذلك بالحدث غير المألوف حقيقة، ولم ينزعج به ~~كثيرا المشغلون في إدارة بونفيل للطاقة، الذين أبلغوا على الفور بهذا العطل المزعج، لكن ~~غير المدمر. غير أن ما حدث بعد ذلك كان سريعا على نحو مخيف، وغير متوقع على ~~الإطلاق. # كان الخط الذي تعطل - خط كيلر-أولستون - واحدا من مجموعة من الكابلات المتوازية التي ~~تنقل الطاقة من سياتل إلى بورتلاند، وكانت الآلية التلقائية للتغلب على مثل هذا العطل هي ~~نقل الحمل إلى الخطوط الأخرى بالمجموعة، لكن للأسف، كانت هذه الخطوط مثقلة بأحمال تقارب ~~الحد الأقصى لها، وكان العبء الإضافي زائدا عن الحد. أخذت الخطوط تتداعى خطا بعد خط، ~~وكان الأول ms010 هو خط بيرل-كيلر المجاور الذي تعطل قهرا؛ نظرا لانقطاع التيار الكهربي عن ~~المحول، وبعد خمس دقائق تقريبا تعطل خط سانت جونز-ميروين عن العمل بسبب خلل في عمل ~~المرحل، وأدت الأعطال المتعاقبة إلى الدفع بكميات ضخمة من الطاقة شرقا ثم غربا عبر ~~جبال كاسكيد، والوصول بالنظام إلى شفا تذبذبات خطيرة عالية الجهد الكهربي. # عندما يزيد الحمل على خطوط الطاقة ترتفع درجة حرارتها وتتمدد. وبحلول شهر أغسطس كانت ~~الأشجار قد نمت طوال شهور الصيف، وبحلول الساعة الرابعة عصرا تقريبا، ومع وصول الضغط إلى ~~أقصى درجاته، كانت حتى أقل الخطوط حملا ترتخي في الشمس الحارقة. تمدد خط روس-ليكسينجتون ذو ~~الحمل الزائد بقدر كبير، وصدم إحدى الأشجار المنتشرة في أرجاء المكان، كما حدث منذ ساعتين ~~مع خط كيلر-أولستون. لم تتحمل مولدات ماكناري المجاورة ذلك الاضطراب الأخير، وتعطلت جميع ~~مرحلاتها الوقائية الثلاثة عشر تدريجيا، ليصير النظام غير قادر على مواجهة أي من ~~حالات الطوارئ التي صمم للتغلب عليها. بدأت التذبذبات الأولية في الجهد الكهربي، وبعد ~~سبعين ثانية توقفت الخطوط الثلاثة كلها بشبكة كاليفورنيا-أوريجون لتوزيع الكهرباء عن العمل؛ ~~وهو عنق الزجاجة الذي تمر منه الطاقة الكهربائية بين شمال الساحل الغربي وجنوبه. # إحدى السمات الأساسية للطاقة الكهربائية هي صعوبة تخزينها البالغة، فيمكنك تزويد الهاتف ~~أو الكمبيوتر المحمول بالطاقة لبضع ساعات باستخدام بطارية، لكن لم يطور أحد بعد تقنية ~~لصناعة بطاريات تزود مدنا كاملة بالطاقة، وبناء عليه، يجب توليد الطاقة عند احتياجها، ~~ونقلها في الحال إلى حيث الحاجة إليها. والجانب الآخر لهذه القاعدة هو أن الطاقة الكهربية ~~ما إن تولد حتى يجب أن تنتقل إلى مكان ما، وهذا بالضبط ما كان من المفترض أن يحدث للطاقة ~~المتدفقة إلى شمال كاليفورنيا؛ أن تنتقل إلى مكان ما، وعند انقطاعها عن كاليفورنيا، نظرا ~~لانفصال شبكة التوزيع، اندفعت شرقا من ولاية واشنطن، ثم جنوبا، كموجة مد، عبر إيداهو ~~ويوتا وكولورادو وأريزونا ونيومكسيكو ونيفادا وجنوب كاليفورنيا، فتعطلت مئات الخطوط ~~والمولدات، وانقسم النظام الغربي إلى أربع جزر منعزلة، وانقطعت الخدمة عن 7,5 ملايين شخص. ms011 ~~خيم الظلام تلك الليلة على سان فرانسيسكو، ومن رحمة الأقدار أنه لم تكن هناك أحداث شغب؛ ~~الأمر الذي يمكن أن يشير إلى سمات معينة لأهالي سان فرانسيسكو مقارنة بأهالي نيويورك. لكن ~~في خضم هذا الانهيار انقطعت 175 وحدة توليد عن الخدمة، وتطلب بعضها - المفاعلات النووية - ~~أياما عدة لإعادة تشغيلها، الأمر الذي قدرت تكلفته الإجمالية بنحو ملياري دولار. # كيف حدث ذلك؟ حسنا، من ناحية ما، نحن نعلم بالضبط كيف حدث. وعلى الفور شرع المهندسون ~~العاملون في إدارة بونفيل للطاقة ومجلس التنسيق، في العمل، وأصدروا تقريرا مفصلا عما حدث ~~من اضطراب في موعد لم يتجاوز منتصف أكتوبر. تمثلت المشكلة الرئيسية في ازدياد الطلب ~~ومحدودية الموارد. وبخلاف ذلك، حمل التقرير مسئولية ما حدث لعدد من العوامل، التي شملت ~~إهمال الصيانة، وعدم الانتباه كما ينبغي للعلامات التحذيرية. لعب كذلك الحظ السيئ دورا في ~~الأمر؛ فبعض وحدات النظام التي كان من الممكن أن تخفف من الصدمة كانت خارج الخدمة، إما ~~للصيانة أو لإغلاقها بسبب اللوائح البيئية التي تفرض قيودا على التخلص من المخلفات ~~الكهرومائية في الأنهار التي تعيش بها أسماك السلمون. وأخيرا، أشار التقرير إلى الفهم ~~القاصر لاعتماد أجزاء النظام المتبادل بعضها على بعض. # هذا التعليق الأخير، الذي صدر كزلة بريئة وسط الأخطاء سهلة الفهم والمحددة بوضوح، هو ما ~~يجب أن نركز عليه، لأنه يطرح التساؤل الآتي: ما خلل «النظام» الذي أدى إلى حدوث هذا العطل؟ ~~وهذا الجانب من المشكلة لا علم لنا به على الإطلاق. تتمثل مشكلة الأنظمة المماثلة لشبكة ~~الطاقة الكهربائية في أنها مؤلفة من الكثير من المكونات التي يسهل فهم سلوك كل مكون فردي ~~منها على نحو معقول (ترجع فيزياء توليد الطاقة الكهربائية إلى القرن التاسع عشر)، لكن ~~سلوكها الجماعي، مثل جماهير كرة القدم ومستثمري سوق الأسهم المالية، يمكن أن يكون في بعض ~~الأحيان نظاميا، وفي أحيان أخرى فوضويا ومحيرا، بل مدمرا أيضا. لم يكن الانهيار ~~المتتالي الذي ضرب الغرب يوم 10 أغسطس عام 1996 تسلسلا من الأحداث الفردية العشوائية التي ~~تراكمت ms012 ببساطة لتصل إلى حد الأزمة، لكن الأرجح أن العطل المبدئي زاد احتمالات وقوع أعطال ~~تالية، وفور أن حدثت تلك الأعطال، زادت احتمالات وقوع المزيد من الأعطال، وهلم ~~جرا. # لكن التحدث عن ذلك أمر، والفهم الدقيق للكيفية التي تجعل بعض الأعطال التي تقع في ظروف ~~معينة غير ضارة، وتجعل أعطالا أخرى أو ظروفا مختلفة تؤدي إلى كوارث، أمر مختلف تماما. ~~يحتاج المرء إلى التفكير ليس في عواقب الأعطال الفردية فقط، بل أيضا في الأعطال المجمعة، ~~الأمر الذي يصعب المشكلة حقا. لكن الأمر يزداد سوءا. ربما يكون أكثر الجوانب المحيرة ~~للأعطال المتتالية، الذي تجلى في انقطاع الكهرباء في العاشر من أغسطس، هو أن المصممين جعلوا ~~النظام «ككل»، دون قصد، أكثر عرضة لانهيار عام، كالذي حدث بالضبط، وذلك من خلال تركيب ~~مرحلات وقائية بمولدات الكهرباء، والحد فعليا من إمكانية تعرض العناصر الفردية للنظام ~~لضرر خطير. ~~(1) النشوء # كيف يتسنى لنا فهم مثل هذه المشكلات؟ أو بالأحرى، ما الذي تتسم به الأنظمة المتشابكة ~~المعقدة ويجعل من الصعوبة بمكان فهمها في المقام الأول؟ كيف يؤدي الجمع بين مجموعة ~~كبيرة من المكونات في صورة نظام إلى شيء مختلف تماما عن مجموعة غير مرتبطة من ~~المكونات؟ كيف تتمكن مجموعات سراج الليل الوامضة، أو صراصير الليل المصرصرة، أو الخلايا ~~الناظمة القلبية النابضة، من مزامنة إيقاعها دون مساعدة موصل مركزي؟ كيف يصبح التفشي ~~البسيط لأحد الأمراض وباء، أو انتشار إحدى الأفكار الجديدة هوسا؟ كيف تظهر فقاعات ~~المضاربة نتيجة لاستراتيجيات استثمارية لأفراد يتسمون بالتعقل فيما دون ذلك؟ وعندما ~~تنفجر هذه الفقاعات، كيف ينتشر ضررها في جميع أنحاء النظام المالي؟ ما مدى ضعف شبكات ~~البنية التحتية الضخمة، مثل شبكة الطاقة الكهربائية أو الإنترنت، أمام الأعطال ~~العشوائية أو حتى الهجوم المتعمد عليها؟ كيف تتطور الأعراف والتقاليد وتحتفظ بكيانها ~~في المجتمعات البشرية؟ وكيف تتعرض للاضطراب، بل الاستبدال أيضا؟ كيف يمكننا تعيين ~~مواقع الأفراد أو الموارد أو الإجابات في عالم شديد التعقيد، دون التمتع بحق الوصول إلى ~~مستودعات المعلومات المركزية؟ وكيف تتمكن الشركات التجارية ككيان ms013 كامل من الابتكار ~~والتكيف بنجاح في حين لا يمتلك أي فرد واحد ما يكفي من المعلومات لحل المشكلات التي ~~تواجهها الشركة أو حتى فهمها على نحو كامل؟ # على الرغم من الاختلاف الذي قد تبدو عليه هذه الأسئلة، فإنها جميعا صيغ مختلفة لسؤال ~~واحد، وهو: «كيف يتجمع السلوك الفردي ليشكل سلوكا جمعيا؟» مع ما يبدو عليه هذا ~~السؤال من بساطة، فإنه أحد أكثر الأسئلة محورية وانتشارا في جميع العلوم؛ فالمخ البشري ~~- من منظور ما - هو تريليون خلية عصبية مرتبطة بعضها ببعض في صورة كتلة كهروكيميائية ~~كبيرة، لكن في نظرنا جميعا، المخ أكثر من ذلك بكثير، فهو يتسم بخواص كالوعي والذاكرة ~~والشخصية، ولا يمكن وصفه على نحو بسيط كتجميعة من الخلايا العصبية. # أوضح فيليب أندرسون، الفائز بجائزة نوبل، في بحثه الشهير الصادر عام 1971 بعنوان ~~«الكثرة مختلفة»، أن الفيزياء حققت نجاحا معقولا في تصنيف الجسيمات الأساسية، ووصف ~~سلوكها الفردي وتفاعلاتها، حتى مستوى الذرات الفردية، لكن إذا وضعنا عدة ذرات معا، ~~فسيصير الأمر فجأة مختلفا تمام الاختلاف. ولهذا السبب، تعد الكيمياء علما مستقلا ~~بذاته، وليست فرعا من الفيزياء فحسب. وبالارتقاء أكثر في سلسلة التنظيم، لا يمكن ~~اختزال علم الأحياء الجزيئية في كونه كيمياء عضوية فحسب، وبالمثل علم الطب أكثر بكثير ~~من التطبيق المباشر لعلم الأحياء الجزيئية. وعلى مستوى أرقى - مستوى الكائنات الحية ~~المتفاعلة بعضها مع بعض - نواجه الآن العديد من فروع المعرفة، بدءا من علم البيئة ~~والأوبئة، وصولا إلى علم الاجتماع والاقتصاد، وهي فروع لكل منها قواعده ومبادئه الخاصة ~~التي لا يمكن اختزالها في المعارف المتعلقة بعلم النفس وعلم الأحياء فحسب. # بعد مئات الأعوام من الإنكار، تبنى العلم الحديث أخيرا هذه النظرة إلى العالم. لقد ~~ظل حلم عالم الرياضيات الفرنسي العظيم، بيير لابلاس، الذي عاش في القرن التاسع عشر - ~~بأنه يمكن فهم الكون في إجماله من خلال اختزاله إلى طبيعة الجسيمات الأساسية ودراستها ~~بواسطة حاسب قوي بما فيه الكفاية - يتردد طوال الجزء الأكبر من القرن الماضي على الساحة ~~العلمية، كما لو كان ممثلا ms014 بإحدى مسرحيات شكسبير مصابا إصابة مميتة يناجي نفسه ~~المناجاة الأخيرة قبل الوفاة. لكن ليس واضحا تماما ما الذي حل محله؛ فمن ناحية، تبدو ~~الفكرة القائلة: إن تكتيل مجموعة من الأشياء معا سينتج عنه في النهاية شيء مختلف عن ~~الأشياء المتفرقة، فكرة واضحة وبديهية، ومن ناحية أخرى، فإن إدراكنا أننا لم نحقق إلا ~~تقدما بسيطا في هذا الشأن يعطينا فكرة عن مدى صعوبته. # إن ما يجعل المشكلة صعبة والأنظمة المعقدة معقدة هو أن الأجزاء المكونة للكل لا ~~تتجمع في أي نمط بسيط، بل تتفاعل بعضها مع بعض، وفي ظل هذا التفاعل، حتى أبسط المكونات، ~~يمكن أن يصدر عنها سلوك محير. وقد أوضح التخطيط الحديث للجينوم البشري أن الشفرة ~~الأساسية للحياة البشرية بأكملها تتكون من نحو ثلاثين ألف جين فحسب، وهذا أقل بكثير مما ~~توقعه أي شخص. من أين جاء كل هذا التعقيد الذي يتسم به علم الأحياء البشرية إذن؟ من ~~الجلي أنه لم ينتج من تعقيد العناصر الفردية للجينوم، التي ما كان لها أن تكون أبسط من ~~ذلك، ولا من عددها الذي لا يزيد بالكاد عن عددها في أبسط الكائنات الحية، بل ينشأ هذا ~~التعقيد عن الحقيقة البسيطة القائلة: إن الخصائص الجينية نادرا ما تعبر عنها الجينات ~~الفردية. فمع أن الجينات - شأنها شأن البشر - توجد في صورة وحدات فردية متطابقة، فإنها ~~«تؤدي وظائفها» عن طريق التفاعل، ويمكن لأنماط التفاعلات أن تعكس تعقيدا غير محدود ~~تقريبا. # إذن ماذا عن النظم البشرية؟ إذا كانت تفاعلات الجينات فقط من شأنها إرباك أفضل ~~العقليات في مجال الأحياء، فما أملنا في فهم تجمعات من مكونات أكثر تعقيدا بكثير ~~كأفراد أحد المجتمعات أو الشركات في أحد النظم الاقتصادية؟ إن التفاعلات بين كيانات ~~تتسم في ذاتها بالتعقيد تؤدي بالتأكيد إلى تعقيد شديد للغاية، لكن لحسن الحظ، بقدر ما ~~يتسم الأفراد عادة بالتقلب والإرباك وعدم القدرة على توقع تصرفاتهم، فعندما يجتمع ~~الكثيرون منهم، يمكننا في كثير من الأحيان فهم المبادئ التنظيمية الأساسية لهم مع تجاهل ~~الكثير من التفاصيل المعقدة. ms015 هذا هو الجانب الآخر للأنظمة المعقدة؛ ففي حين أن معرفة ~~القواعد الحاكمة لسلوك الأفراد لا تساعد بالضرورة في التنبؤ بسلوك حشد منهم، فقد يمكننا ~~التنبؤ بسلوك هذا الحشد نفسه دون معرفة الكثير عن الخصائص والشخصيات المتفردة للأفراد ~~الذين يتكون منهم الحشد. # هذه قصة مختلقة توضح تلك النقطة الأخيرة: منذ بضعة أعوام في المملكة المتحدة، احتار ~~المهندسون بأحد مرافق الطاقة من حالات تصاعد متزامنة غريبة في استهلاك الطاقة، انتشرت ~~في الكثير من أجزاء الشبكة المحلية في آن واحد، مما تسبب في إنهاك قدرتها الإنتاجية ~~على نحو خطير، وإن كان ذلك لبضع دقائق فقط في المرة الواحدة. وأخيرا، توصل أولئك ~~المهندسون إلى السبب وراء ذلك عندما أدركوا أن أسوأ حالات هذا التصاعد حدثت أثناء بطولة ~~كرة القدم السنوية، التي يتسمر خلالها الجميع أمام أجهزة التليفزيون. وفي فترة ~~الاستراحة بين الشوطين، كانت هذه الجموع من مشجعي كرة القدم ينهضون من فوق أرائكهم، في ~~آن واحد تقريبا، ويضعون الغلاية على النار لإعداد كوب من الشاي. ومع أن البريطانيين ~~- كأفراد - على القدر نفسه من التعقيد الذي ~~يتسم به غيرهم، فليست هناك حاجة لمعرفة الكثير عن كل منهم للتوصل إلى سبب حالات ~~التصاعد في الطلب على الطاقة، سوى أنهم يحبون كرة القدم والشاي، وفي هذه الحالة، يعد ~~التمثيل البسيط للأفراد كافيا. # لذا، في بعض الأحيان، يمكن أن تؤدي التفاعلات بين الأفراد داخل نظام كبير إلى قدر ~~أكبر من التعقيد مقارنة بما يعكسه الأفراد أنفسهم، وأحيانا أقل. وفي كلتا الحالتين، ~~يمكن أن يكون للأسلوب المحدد الذي يتفاعلون به نتائج شديدة التأثير على الظواهر الجديدة ~~- بدءا من علم الوراثة السكانية، مرورا بتزامن وقوع الأحداث في العالم، وصولا إلى ~~الثورات السياسية - التي يمكن أن «تظهر» على مستوى المجموعات أو الأنظمة أو السكان. لكن ~~كما هو الحال في الانهيار التتابعي لشبكة الطاقة الكهربائية، فإن التعبير عن ذلك ~~بالكلام أمر، وفهمه بدقة أمر مختلف تماما. فعلى وجه التحديد، ما الذي يجب أن ننتبه ~~إليه في نماذج التفاعل بين الأفراد داخل النظم ms016 الكبيرة؟ لا يملك أحد الإجابة عن هذا ~~السؤال بعد، لكن عددا متزايدا من الباحثين في السنوات الأخيرة تتبع خيطا جديدا ~~مبشرا في هذا الشأن . وينبثق عن هذا العمل - الذي يقوم في حد ذاته على عشرات السنين من ~~النظريات والتجارب في كل المجالات، بدءا من الفيزياء ووصولا إلى علم الاجتماع - علم ~~جديد، ألا وهو علم الشبكات. ~~(2) الشبكات # بطريقة ما، ليس هناك ما هو أبسط من الشبكات؛ فعلى المستوى المجرد تماما، ليست الشبكة ~~سوى مجموعة من الأشياء المرتبطة بعضها ببعض على نحو ما، ومن ناحية أخرى، فإن التعميم ~~المطلق لمصطلح «الشبكة» يجعل من الصعب تحديدها بدقة، وهذا أحد الأسباب وراء كون علم ~~الشبكات مجالا بحثيا مهما. يمكن أن نتحدث عن أفراد في شبكة من الأصدقاء أو مؤسسة ~~كبيرة، أو موجهات البيانات على امتداد البنية الأساسية للإنترنت، أو الخلايا العصبية في ~~المخ؛ كل هذه الأنظمة شبكات، لكنها جميعا متباينة تماما من ناحية أو أخرى. ومن خلال ~~تطوير لغة للتحدث عن الشبكات تتسم بالدقة الكافية، ليس فقط لوصف ماهية الشبكة، بل أيضا ~~لوصف الأنواع المختلفة للشبكات الموجودة في العالم، يضفي علم الشبكات على المفهوم قوة ~~تحليلية حقيقية. # لكن لماذا يعد هذا الأمر جديدا؟ يمكن لأي عالم رياضيات أن يخبرك بأن الشبكات درست ~~كموضوعات رياضية تحت اسم «الرسوم البيانية» منذ عام 1736، وذلك عندما توصل ليونهارت ~~أويلر، أحد أعظم العلماء في تاريخ الرياضيات، إلى أن معضلة اجتياز الجسور السبعة لمدينة ~~كونيسبيرج البروسية دون عبور الجسر نفسه مرتين، يمكن صياغتها في صورة رسم بياني (وقد ~~أثبت، بالصدفة، أنه يستحيل فعل ذلك، وكانت تلك أول مبرهنة في نظرية الرسم البياني). ~~خطت نظرية الرسوم البيانية منذ عهد أويلر خطوات ثابتة نحو التطور لتصبح فرعا ~~رئيسيا من فروع علم الرياضيات، وامتد أثرها إلى علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم ~~الهندسة والكمبيوتر والفيزياء والأحياء والاقتصاد، فصار لكل مجال صيغته الخاصة من نظرية ~~الشبكات، مثلما لديه وسيلته الخاصة لتجميع السلوك الفردي في صورة سلوك جمعي. إذن لماذا ~~لا يزال هناك من الأمور الجوهرية ms017 ما يحتاج إلى الكشف عنه؟ # النقطة المحورية هنا هي أنه في الماضي، كان ينظر إلى الشبكات على أنها «بناء خالص»، ~~سماته «ثابتة مع الوقت »، وهذان الافتراضان بعيدان تماما عن الصحة؛ فأولا: تمثل ~~الشبكات الحقيقية مجموعات من المكونات الفردية التي «تفعل شيئا ما» في الواقع؛ تولد ~~طاقة أو ترسل بيانات أو تتخذ قرارات. ومع أن بنية العلاقات القائمة بين مكونات إحدى ~~الشبكات مثيرة للاهتمام، فإن أهميتها ترجع في المقام الأول إلى أنها تؤثر إما على سلوك ~~أفرادها أو سلوك النظام ككل. ثانيا: الشبكات كيانات ديناميكية، ليس فقط لأن ثمة أمورا ~~تحدث في النظم المتصلة بشبكات، بل أيضا لأن الشبكات نفسها تتطور وتتغير مع الوقت، ~~مدفوعة بالأنشطة أو القرارات الصادرة عن هذه المكونات ذاتها، ومن ثم، في العصر ~~المتشابك، «يعتمد ما يحدث وكيفية حدوثه على الشبكة»، والشبكة بدورها تعتمد على ما حدث ~~من قبل. وهذه النظرة للشبكة - باعتبارها جزءا لا يتجزأ من نظام مشكل لذاته دائم ~~التطور - هي الجديد حقا بشأن علم الشبكات. # لكن فهم الشبكات على هذا النحو الأشمل يعد مهمة فائقة الصعوبة، وهي ليست معقدة ~~بطبيعتها فحسب، بل تتطلب أيضا أنواعا مختلفة من المعرفة المتخصصة التي تنتمي إلى ~~تخصصات أكاديمية منفصلة، بل وفروع معرفية منفصلة أيضا. يملك علماء الفيزياء والرياضيات ~~مهارات حسابية وتحليلية مذهلة، لكنهم لا يقضون قدرا كبيرا من الوقت في التفكير في ~~السلوك الفردي أو الحوافز المؤسسية أو الأعراف الثقافية، في حين يفعل ذلك متخصصو علم ~~الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان. وعلى مدار نصف القرن الماضي أو أكثر، أخذ هؤلاء ~~يفكرون في العلاقة بين الشبكات والمجتمع على نحو أكثر عمقا ودقة، مقارنة بأي شخص آخر، ~~وهو التفكير الذي صار ينطبق الآن على مجموعة مذهلة من المشكلات، بدءا من علم الأحياء ~~ووصولا إلى الهندسة، لكن في ظل الافتقار إلى الأدوات البراقة الخاصة بعلماء الرياضيات، ~~تعثر المشروع الضخم لمتخصصي العلوم الاجتماعية عقودا من الزمان. # لذا، إذا قدر لعلم الشبكات الحديث النجاح، فيجب أن يجمع من كل فروع المعرفة ~~الأفكار الملائمة ms018 والأفراد الذين يفهمونها. باختصار، يجب أن يصبح علم الشبكات انعكاسا ~~لموضوعه، بمعنى أن يكون شبكة من العلماء يتوصلون معا إلى حلول لمشكلات لا يمكن لفرد ~~واحد - أو حتى فرع واحد من فروع المعرفة - حلها. إنها مهمة مخيفة يزيد من صعوبتها تلك ~~الحدود الراسخة التي تفصل العلماء بعضهم عن بعض. إن لغات فروع المعرفة المتعددة مختلفة ~~تماما، وكثيرا ما نجد نحن العلماء صعوبة كبيرة في فهم بعضنا البعض، وتتسم اتجاهاتنا ~~أيضا بالاختلاف؛ لذلك يجب على كل منا أن يتعلم ليس فقط كيف يتحدث الآخرون، بل أيضا ~~كيف يفكرون. لكن هذا ما يحدث بالفعل، فقد شهدت السنوات القليلة الماضية زيادة مهولة في ~~الأبحاث، والاهتمام بجميع أنحاء العالم؛ سعيا للعثور على نموذج جديد لوصف عصرنا ~~المتشابك وتفسيره، ومن ثم فهمه، لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد، ولا حتى اقتربنا ~~منها، وإن كنا نحقق تقدما مثيرا إلى حد ما، كما هو موضح في الصفحات التالية. ~~(3) المزامنة # بدأ دوري في هذه القصة - بالصدفة كما هو الحال في الكثير من القصص - في بلدة صغيرة ~~شمال مدينة نيويورك اسمها إيثاكا. أعتقد أن مكانا مسمى تيمنا بالموطن الأسطوري ~~لأوديسيوس يعد مكانا جيدا لبدء أي قصة، لكن في تلك الأثناء كان أوديسيوس الوحيد الذي ~~أعرفه هو صرصور ليل صغير أجري عليه تجربة مع أخويه بروميثيوس وهرقل عندما كنت طالبا ~~بالدراسات العليا بجامعة كورنيل مع مرشدي، ستيفن ستروجاتس. كان ستيف عالم رياضيات، لكن ~~في مرحلة مبكرة من مسيرته المهنية صار مهتما بتطبيقات الرياضيات على مشكلات علمي ~~الأحياء والفيزياء، بل على علم الاجتماع أيضا، أكثر من اهتمامه بتطبيقها في الحسابات ~~الرياضية نفسها، حتى أثناء دراسته في جامعة برنستون في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، ~~لم يمنع نفسه من إقحام الرياضيات في دراساته الأخرى. ولأن ستيف كان مطالبا بدراسة علم ~~الاجتماع، فقد أقنع معلمه أنه يجب السماح له بإقامة مشروع في الرياضيات بدلا من كتابة ~~بحث للنجاح في الفصل الدراسي، ووافق المعلم، لكنه ظل حائرا قليلا، فما نوع الرياضيات ~~التي يمكن استخدامها ms019 في مادة علم الاجتماع التمهيدي؟ اختار ستيف دراسة العلاقات ~~الرومانسية، وصاغ مجموعة بسيطة من المعادلات التي تصف التفاعل بين عاشقين، هما روميو ~~وجولييت، وحل هذه المعادلات. وعلى الرغم من غرابة الأمر، بعد خمسة عشر عاما في أحد ~~المؤتمرات في ميلان، بادرني بالتحية عالم إيطالي كانت الحماسة تملؤه بشأن عمل ستيف، ~~وكان يحاول تطبيقه على حبكات درامية لأفلام رومانسية إيطالية. # واصل ستيف مسيرته ليفوز بمنحة دراسية في جامعة مارشال، وخضع لامتحان تريبوس المهيب في ~~الرياضيات بجامعة كامبريدج، الذي خلده جي إتش هاردي العظيم في مذكرته «اعتذار عالم ~~رياضيات». لم يرق له الأمر كثيرا، وسرعان ما وجد نفسه يتوق إلى موطنه، وإلى مشكلة ~~بحثية يغرق فيها حتى أذنيه، ولحسن الحظ، التقى بعالم الأحياء الرياضي آرثر وينفري الذي ~~كانت له الريادة في دراسة «المذبذبات» البيولوجية، وهي كيانات ذات إيقاع منظوم كالخلايا ~~العصبية التي تومض في المخ، والخلايا الناظمة القلبية التي تنبض في القلب، وحشرات سراج ~~الليل التي تومض بين الأشجار. ساعد وينفري (الذي كان بالصدفة طالبا بجامعة كورنيل) ~~ستيف على استهلال حياته المهنية من خلال التعاون معه في مشروع لتحليل بنية الموجات ~~الحلزونية في القلب البشري. والموجات الحلزونية هي موجات الكهرباء التي تبدأ في الخلايا ~~الناظمة القلبية وتنتشر بعد ذلك بجميع أنحاء عضلة القلب لتستحث نبضه وتنظمه، ومن المهم ~~فهمها، لأنها في بعض الأحيان تتوقف أو تفقد ترابطها، وهو الحدث الذي قد يكون قاتلا، ~~ويعرف باسم اضطراب النظم. لم يفعل أحد أكثر مما فعله آرثر وينفري لفهم ديناميكيات ~~القلب، وعلى الرغم من ابتعاد ستيف سريعا عن ذلك المشروع تحديدا، فقد ظل مفتونا ~~بالمذبذبات والدورات، خاصة في النظم البيولوجية. # أجرى ستروجاتس في رسالة الدكتوراه بجامعة هارفارد تحليلا مفصلا (ومضنيا!) للبيانات ~~المتعلقة بدورة النوم والاستيقاظ لدى البشر، محاولا فك شفرة الإيقاعات اليومية التي ~~تؤدي إلى الشعور بالإعياء الناجم عن الفرق الزمني عند السفر عبر المناطق الزمنية، إلى ~~جانب أمور أخرى. لم يحالفه النجاح قط، ودفعته التجربة إلى التفكير في دوائر بيولوجية ~~أبسط وأكثر اتصالا بالرياضيات، ms020 وهنا بدأ العمل مع رينيه ميرولو، وهو عالم رياضيات ~~بجامعة بوسطن. كتب ستروجاتس وميرولو، اللذان ألهمتهما أبحاث الفيزيائي الياباني يوشيكو ~~كوراموتو (الذي صار آرثر وينفري نفسه هو ملهمه الأساسي)، عددا من الأبحاث المؤثرة عن ~~الخصائص الرياضية لفئة بسيطة للغاية من المذبذبات تعرف باسم يناسبها تماما، هو ~~«مذبذبات كوراموتو». تتمثل المعضلة الأساسية التي كانا يهتمان بها، وغيرهما كثيرون، في ~~المزامنة: ما الظروف التي تبدأ في ظلها المذبذبات في الحركة على نحو متزامن؟ يتعلق هذا ~~السؤال بالأساس - شأن كثير من أسئلة هذه القصة - بظهور سلوك عام من التفاعلات بين ~~الكثير من الأفراد. تعد مزامنة المذبذبات صورة شديدة البساطة والوضوح لظهور السلوك ~~الجمعي من سلوك الأفراد، ومن ثم فهي جزء من موضوع غامض بوجه عام فهم جيدا إلى حد ~~ما. # تخيل مجموعة من العدائين يطوفون حول مضمار ~~دائري (الشكل # 1-1 ~~). بصرف ~~النظر عن الظروف؛ أي سواء أكانوا مجموعة من العدائين يركضون حول مضمار محلي ظهيرة أحد ~~أيام الآحاد، أم لاعبين رياضيين يتنافسون في نهائيات الألعاب الأوليمبية، فمن المرجح أن ~~يختلف أفراد هذه المجموعة في مقدرتهم الطبيعية. معنى ذلك أنهم إذا كانوا يركضون كل ~~بمفرده، فسوف يقطع بعضهم الدورة حول المضمار أسرع بكثير من المتوسط، في حين يقطعها ~~آخرون أبطأ من المتوسط. ومن ثم، يمكنك أن تتوقع أن الفروق الطبيعية بينهم ستجعلهم ~~ينتشرون بانتظام حول المضمار، مع تجاوز السريعين للغاية من يتسمون بالبطء الشديد بين ~~الحين والآخر. لكننا نعلم من واقع الخبرة أن الحال ليست كذلك دائما، فيكون الأمر كذلك ~~عندما لا ينتبه العداءون بعضهم لبعض، ومن ثم من المحتمل أن يظل العداءون، الذين ~~يركضون حول مضمار محلي ظهيرة أحد أيام الآحاد، منتشرين حول المضمار إلى حد بعيد، كما هو ~~الحال في الشكل الأيسر. لكن في إطار الألعاب الأوليمبية، حين يكون لدى كل عداء حافز ~~كبير للبقاء على مسافة قصيرة من العداء الأول (ولدى العداء الأول حافز مماثل ألا ~~تنهك قواه مبكرا)، ينتبه العداءون كثيرا بعضهم لبعض، وتكون النتيجة تكتلهم في ~~مجموعة (كما هو ms021 موضح في الشكل الأيمن). # شكل 1-1: يمكن النظر إلى ~~المذبذبات المتصلة على أنها عداءون يركضون حول مضمار دائري. عندما ~~تكون المذبذبات مرتبطة بقوة فسوف تتزامن (على اليمين)، وعندما لا تكون ~~كذلك تكون في حالة عدم تزامن (على اليسار). # بلغة المذبذبات، يمثل التكتل «وضعا متزامنا»، ويعتمد تزامن النظام أو عدم تزامنه ~~على توزيع «الترددات الفعلية» (زمن الدورات الفردية) و«قوة الارتباط» (قدر الانتباه ~~الذي يوليه كل فرد للآخر). إذا كانت جميع المذبذبات تتمتع بالقدرة ذاتها، وبدأت معا، ~~فسوف تظل متزامنة بصرف النظر عن ارتباطها. وإذا كان توزيع قدراتها كبيرا، كما هو الحال ~~في نهائي سباق العدو السريع لمسافة عشرة آلاف متر، فمهما تكن رغبتها في البقاء معا، ~~فسيتفكك التكتل وتختفي المزامنة. على الرغم من بساطة هذا النموذج، فهو تمثيل جيد للعديد ~~من النظم المثيرة للاهتمام في الأحياء، بدءا من الخلايا الناظمة القلبية وصولا إلى ~~وميض حشرات سراج الليل وصرير صراصير الليل. درس ستروجاتس أيضا رياضيات النظم ~~الفيزيائية، مثل مجموعات موصلات جوزفسون فائقة التوصيل، وهي مفاتيح فائقة السرعة قد ~~تشكل في أحد الأيام الأساس لجيل جديد من أجهزة الكمبيوتر. # عند وصول ستيف إلى كورنيل عام 1994، كان قد حقق مكانة رائدة في مجال ديناميكيات ~~المذبذبات المتصلة، وألف كتابه الذي يعرض فيه مقدمة واضحة للديناميكيات اللاخطية ~~والفوضى، وحقق حلمه كمراهق بأن يشغل منصبا في إحدى جامعات الأبحاث الرائدة. كان قد حصل ~~على جوائز في مجالي التدريس والأبحاث، ودرس في بعض أفضل الجامعات في العالم وعمل فيها، ~~مثل برنستون وكامبريدج وهارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وببلوغه منتصف ~~الثلاثينيات من العمر، كان يتمتع بسيرة ذاتية شديدة التميز، ومع ذلك كان يشعر بالملل؛ ~~فلقد ظل يقوم بالعمل نفسه تقريبا على مدار عشر سنوات، وإن كان ذلك أسعده. شعر ستيف أنه ~~وصل إلى أقصى درجات الإتقان الممكنة في ذلك الجانب من الدراسات الأكاديمية، وكان ~~مستعدا لبدء الاستكشاف من جديد؛ لكن أين؟ # كان أول تفاعل لي مع ستيف عندما كان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكنت طالبا ~~بالسنة الأولى من الدراسات العليا ms022 في جامعة كورنيل. وشأني شأن الكثير من طلاب الدراسات ~~العليا، انتهت تماما رؤاي الحالمة عن الحياة في إحدى جامعات الأبحاث، وحررني الواقع ~~الصعب، والممل في كثير من الأحيان، من الأوهام تماما، قررت أن أي مكان سيكون أفضل من ~~كورنيل. كان ستروجاتس قد ألقى مؤخرا خطابا في قسمي - وهو الخطاب الأول الذي شعرت أنني ~~قد فهمته فعلا - فاتصلت به لأرى هل هو بحاجة لتعيين مساعد أبحاث جديد. أجابني بأنه في ~~حقيقة الأمر سينتقل إلى جامعة كورنيل، وإلى قسمي تحديدا (وتبين أن خطابه كان جزءا ~~من مقابلة العمل الخاصة به)؛ فبقيت في الجامعة. # كان الإجراء المتبع مع طلاب الدراسات العليا في قسمي هو أن يخضعوا في نهاية العام ~~الأول لامتحان قبول يعرف باسم «امتحان كيو»، وضع هذا الامتحان لاختبار معرفتهم ~~العملية بشأن كل شيء من المفترض أن يكونوا قد تعلموه أثناء دراستهم الجامعية وعامهم ~~الأول في الدراسات العليا، وهو امتحان شفهي، يدخل فيه كل طالب غرفة مليئة بالأساتذة ~~الذين يمطرونه بأسئلة يكون عليه حلها على السبورة، وفي حال نجاح الطالب يسمح له ~~بمواصلة الدراسة للحصول على شهادة الدكتوراه. لكن ماذا إن رسب؟ حسنا، ليس من المفترض ~~أن يرسب أحد. من الطبيعي إذن أن يكون هذا الامتحان تجربة مخيفة إلى حد ما (مع أن أغلب ~~الرعب يكمن في الترقب). وبالمصادفة، لم أكن راجعت السؤال الوحيد الذي سألني إياه ~~ستروجاتس على الإطلاق، وبعد التردد بضع دقائق على السبورة صار عدم استعدادي للسؤال ~~واضحا تماما، فجنبوني المزيد من الإذلال رحمة بي، وانتقلنا إلى السؤال التالي، ~~ولحسن الحظ، سار باقي الامتحان على ما يرام، وبالفعل نجحت (نجحنا جميعا). وبعد أسبوع ~~أو اثنين، بعد ندوة أخرى يصعب فهمها في القسم، اقترب ستيف مني، وأدهشني باقتراحه أن ~~نتحدث بشأن العمل معا. # أستاذ شاعر بالضجر إلى حد ما، وطالب شبه يائس، لا يبدوان ثنائيا مثاليا، لكنهما ~~كانا كذلك. وعلى مدار العامين التاليين أخذنا نتردد بين مجموعة متنوعة من المشروعات، ~~وقضينا وقتا طويلا نتناقش في الفلسفة قدر مناقشتنا للرياضيات؛ ليس ms023 الفلسفة الوجودية، ~~بل العملية. أي القضايا كانت مثيرة؟ وأيها كانت صعبة؟ من الذي نال عمله إعجابنا؟ ~~ولماذا؟ ما مدى أهمية الإتقان الفني مقارنة بالإبداع والجرأة ؟ ما مقدار الوقت الذي من ~~المفترض أن يقضيه المرء في الاطلاع على أعمال الآخرين قبل خوضه مجالا غير مألوف له؟ ~~بمعنى آخر، ما الذي يعنيه العمل في مجال علمي مثير؟ وكما أظن الحال في أغلب جوانب ~~الفلسفة، كانت الإجابات - باعتبار أننا توصلنا إلى أي منها - أقل أهمية من عملية ~~التفكير في الأسئلة ذاتها. كان لتلك العملية تأثير عميق على عملنا التالي، وقد اتضح أن ~~ذلك التردد لم يسمح لنا فقط بأن نصبح أصدقاء ومنحني الفرصة لإنهاء دراستي، بل حررنا ~~أيضا من التركيز على مشروع واحد محدد لفترة كافية تمكننا خلالها من التفكير فيما كنا ~~«نريده» حقا، بدلا مما كنا نظن أن «باستطاعتنا» فعله، وكان لذلك كل الفارق. ~~(4) الطريق الأقل ارتيادا # حين توصلنا مصادفة إلى مشروعنا ~~النهائي، كنا ندرس الصراصير دون أي شيء آخر. يبدو الأمر سخيفا، لكن نظرا لأن هذا ~~النوع من الصراصير تحديدا - وهو صرصور الأشجار الثلجية - يصدر صريرا منتظما، ولأنه ~~(على عكس الخلايا الناظمة القلبية أو الخلايا العصبية) مادة جيدة للتجربة، فإنه نوع ~~مثالي فعليا للمذبذبات البيولوجية. كنا نحاول التحقق من فرضية رياضية متعمقة كان ~~وينفري أول من طرحها، وتنص على أن أنواعا معينة فقط من المذبذبات يمكن أن تتزامن. ~~ونظرا لأن هذه الصراصير بارعة للغاية في المزامنة، فقد بدت الخطوة الطبيعية أن نحدد ~~«تجريبيا» أي نوع من المذبذبات هذه الصراصير، ومن ثم هل التنبؤات النظرية صحيحة أم ~~لا. # إن الصراصير محل اهتمام علماء الأحياء أيضا، وهو ما لا يدعو للدهشة؛ فنظرا لأن ~~الصرير يرتبط على نحو وثيق بنجاح عمليتي التزاوج والتناسل، فإن الآليات المؤدية إلى ~~المزامنة العامة تعد قضايا بيولوجية مهمة، ومن ثم عملت أنا وستيف مع عالم حشرات ~~يدعى تيم فورست، وقضيت معه ليالي صيفية عديدة نتجول بين الأشجار في حرم جامعة كورنيل ~~الضخم بحثا عن العينات، التي تضمنت أوديسيوس الذي ms024 ذكرته آنفا. وبعد أن جمعنا مجموعتنا ~~الصغيرة، عزلنا كلا منها في حجيرة عازلة للصوت، وبعثنا إليها بصوت صرير باستخدام جهاز ~~كمبيوتر كان تيم قد زوده بنظام سماعات ومكبر صوت. ومن خلال تسجيل استجابات الصراصير ~~لمنبهات الكمبيوتر المحدد توقيتها بدقة، تمكنا من وصف مدى تقدم أحد الصراصير أو تأخره ~~في الصرير التالي اعتمادا على مرحلة دورته الطبيعية التي يسمع فيها «الصرصور» الآخر، ~~الذي هو في هذه الحالة جهاز الكمبيوتر (من الواضح أنه من السهل خداع الصراصير). # لكن ذلك كان الجزء السهل؛ فالموقف الذي خططنا له كان اصطناعيا على نحو مذهل؛ صرصور ~~واحد في حجيرة عازلة للصوت يصدر صريرا في عزلة، مع حث عرضي من جهاز كمبيوتر لم يكن حتى ~~يستمع للصرصور في المقابل. ما كان ذلك ليحدث في العالم الحقيقي أبدا؛ فالصراصير لا ~~تستمع وتستجيب بعضها لبعض فحسب، بل من الطبيعي أيضا أن يوجد الكثير من الصراصير في أي ~~شجيرة أو شجرة، وجميعها تفعل الأمر نفسه. السؤال الذي أفكر فيه هو: من كان يستمع لمن؟ ~~بالتأكيد، ليس هناك صرصور رئيسي يلقن الآخرين جميعا. لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف ~~إذن تمكنت الصراصير من تحقيق المزامنة على هذا النحو البارع؟ هل يستمع كل صرصور ~~للصراصير الأخرى جميعها، أم لصرصور واحد فقط، أم ربما لعدد قليل فحسب؟ ما البنية التي ~~تتسم بها جميع الصراصير، إن كانت هناك بنية أساسا؟ وهل لها أهمية بالفعل؟ # لم أكن معتادا آنذاك على رؤية الشبكات في كل مكان أنظر إليه، لكن مع ذلك طرأت على ~~ذهني فكرة أن نموذج التفاعلات - «طوبولوجيا الارتباط» ~~بلغة نظرية المذبذبات - يمكن النظر إليه ~~كنوع من الشبكات. فكرت أيضا أن بنية الشبكة يمكن أن تؤثر على قدرة مجموعة من الأفراد ~~على المزامنة، ومن ثم قد يكون من المهم فهمها ككيان مستقل بذاته. ومن خلال التفكير كأي ~~طالب بالدارسات العليا، افترضت أن مسألة طوبولوجيا الارتباط واضحة، ومن ثم فالإجابة ~~معروفة منذ فترة طويلة، وكل ما يجب علي فعله هو البحث عنها، لكن بدلا من ms025 التوصل إلى ~~إجابة، كان كل ما توصلت إليه هو المزيد من الأسئلة. لم يقتصر الأمر على عدم البحث ~~مطلقا في العلاقة بين بنية الشبكة وتزامن المذبذبات فحسب، لكن من الواضح أنه لم يبذل ~~أي شخص جهدا كبيرا في التفكير في العلاقة بين الشبكات وأي نوع من الديناميكيات، بل ~~يبدو أنه لم ينتبه أحد قط للسؤال الأكثر أهمية المتعلق بنوع الشبكات الموجودة بالفعل في ~~العالم الحقيقي، على الأقل بين علماء الرياضيات، وبدأ يتضح لي أنني توصلت إلى ما يأمل ~~أي طالب بالدراسات العليا في العثور عليه؛ ألا وهو ثغرة حقيقية في العلم، أو باب غير ~~معروف مفتوح بقدر يسير، أو فرصة لاستكشاف العالم بأسلوب جديد. # تذكرت آنذاك أمرا كان قد أخبرني به والدي منذ عام في مكالمة هاتفية مساء أحد أيام ~~الجمعة، سألني والدي - لسبب ما لا يتذكره أي منا: هل سمعت عن فكرة أن أحدا لا ~~يبتعد «عن الرئيس أكثر من ست درجات»؟ بمعنى أنك تعرف شخصا ما، وهذا الشخص يعرف شخصا ~~آخر، وهلم جرا إلى أن تصل إلى شخص يعرف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. لم أكن قد ~~سمعت عن هذه الفكرة، وأذكر أنني أخذت أحاول تخيل كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنا أثناء ~~استقلالي الحافلة ما بين إيثاكا وروشستر. لم أحقق أي تقدم ذلك اليوم أو منذ ذلك الحين، ~~لكنني أتذكر أنني فكرت في المسألة كشبكة علاقات بين أفراد، كل فرد له دائرة من المعارف ~~- شبكة من الجيران - الذين لهم معارف بدورهم، وهكذا، بما يشكل نموذجا متشابكا ~~عاما من روابط الصداقة والعمل والعائلة والمجتمع، يمكن من خلاله تتبع المسارات التي ~~تربط بين أي شخص عشوائي وأي شخص آخر. وأرى الآن أن طول هذه المسارات قد يكون له علاقة ~~بالكيفية التي تنتشر من خلالها التأثيرات - سواء أكانت أمراضا أم شائعات أم أفكارا أم ~~اضطرابات اجتماعية - بين مجموعة من البشر، وإذا كانت سمة «الدرجات الست» تنطبق أيضا ~~على الشبكات غير البشرية، مثل المذبذبات البيولوجية مثلا، فقد يكون من المهم فهم ظواهر ms026 ~~معينة مثل المزامنة. # بدت فجأة الخرافة الحضرية الغريبة التي أخبرني بها أبي شديدة الأهمية، وقررت أن أسبر ~~أغوارها، وبعد عدة أعوام، كنا لا نزال عند النقطة نفسها، كانت الثغرة، حسبما اتضح، ~~عميقة للغاية ولن تستكشف وتستبين بوضوح إلا بعد مرور العديد من الأعوام، لكننا ~~حققنا بالفعل بعض التقدم المرضي، وعرفنا أيضا الكثير عن مسألة الدرجات الست، التي لا ~~تمثل خرافة حضرية على الإطلاق، وإنما مشروعا بحثيا اجتماعيا منطقيا ذا تاريخ ~~زاخر. ~~(5) مسألة العالم الصغير # في عام 1967 أجرى عالم النفس الاجتماعي ستانلي ميلجرام تجربة استثنائية، كان ميلجرام ~~مهتما بفرضية لم يكن قد بت فيها بعد، وكانت تنتشر آنذاك في الأوساط الاجتماعية، ~~تمثلت هذه الفرضية في أن العالم، عند النظر إليه كشبكة ضخمة من المعارف الاجتماعية، ~~يعد «صغيرا» نوعا ما؛ بمعنى أن أي شخص في العالم يمكن الوصول إليه من خلال شبكة من ~~الأصدقاء في بضع خطوات فقط. عرفت هذه المسألة باسم «مسألة العالم الصغير» نسبة إلى ~~المزحة المتداولة في الحفلات عندما يكتشف شخصان غريبان أن أحد معارفهما مشترك ويذكر ~~أحدهما الآخر كم أن «العالم صغير» (يحدث لي هذا كثيرا). # في الواقع، ليست هذه الملاحظة التي تذكر في الحفلات مساوية تماما لمسألة العالم ~~الصغير التي كان يبحث فيها ميلجرام، فنسبة صغيرة فقط من الناس في العالم يمكن أن يكون ~~لهم معارف مشتركون، وحقيقة أننا قد نقابلهم مصادفة بانتظام مدهش تتعلق بنزعتنا للانتباه ~~إلى أمور تفاجئنا (ومن ثم المبالغة في تقدير مدى تكرار هذه الأمور) أكثر من تعلقها ~~بالشبكات الاجتماعية. ما أراد ميلجرام توضيحه هو أنه حتى عندما لا أعرف شخصا يعرفك (أي ~~في كل المرات التي نقابل فيها أفرادا ولا ينتهي لقاؤنا بعبارة «يا له من عالم صغير»)، ~~فلا أزال أعرف شخصا يعرف بدوره شخصا آخر يعرف شخصا يعرفك. والسؤال الذي يطرحه ~~ميلجرام هو: كم عدد الأشخاص الذين تتضمنهم هذه السلسلة؟ # للإجابة عن هذا السؤال، ابتكر ميلجرام وسيلة مبتكرة لتوصيل الرسائل لا تزال تعرف حتى ~~الآن باسم «طريقة العالم الصغير». أعطى ms027 ميلجرام خطابات لبضع مئات من الأفراد اختيروا ~~عشوائيا من بوسطن وأوماها بولاية نبراسكا، كان من المفترض أن ترسل هذه الخطابات إلى ~~فرد واحد مستهدف، وهو سمسار أوراق مالية من شارون بولاية ماساتشوستس، ويعمل في بوسطن. ~~لكن كانت هناك قاعدة غريبة تتعلق بالخطابات، وهي أن مستلميها لا يمكنهم إرسالها إلا إلى ~~شخص يعرفونه معرفة وثيقة، وبالطبع، إذا كان المستلم يعرف الشخص المستهدف، فيمكنه إرسال ~~الخطاب إليه مباشرة، لكن في حال عدم معرفته به، وكانت تلك المعرفة أمرا غير محتمل إلى ~~حد بعيد، كان عليه إرسال الخطاب إلى شخص يعرفه ويعتقد أنه أقرب نوعا ما من الشخص ~~المستهدف. # كان ميلجرام يعمل بالتدريس آنذاك في جامعة هارفارد، ومن ثم كان من الطبيعي أن يرى ~~منطقة بوسطن الكبرى مركزا للكون. وأي مكان يمكن أن يكون أبعد عنها من نبراسكا؟ ليس فقط ~~جغرافيا، بل أيضا اجتماعيا؛ إذ بدا الغرب الأوسط بعيدا للغاية. وعندما سأل ~~ميلجرام الناس عن عدد الخطوات التي يحتاجها وصول خطاب من مكان لآخر، كان التقدير ~~المعتاد مئات الخطوات، لكن كانت النتيجة ست خطوات وحسب، الأمر الذي كان مفاجئا للغاية ~~حينها، وأدى إلى ظهور عبارة «ست درجات من الانفصال» التي استمد منها جون جوار اسم ~~مسرحيته التي عرضها عام 1990، ونتج عنها عدد من الألعاب المنزلية، ناهيك عن العدد ~~اللانهائي من المحادثات في الحفلات. # شكل 1-2: شبكة متشعبة تامة تعرف الذات فيها 5 أفراد فقط، لكن على بعد درجتين ~~من الانفصال، يمكن أن تعرف 25 فردا، وعلى بعد ثلاث درجات، يصبح العدد ~~105، وهكذا. # لكن لماذا تحديدا كانت النتيجة التي توصل إليها ميلجرام مفاجئة للغاية؟ إذا كنت ~~ميالا للرياضيات، يمكنك إجراء التجربة الفكرية التالية، بل ربما أيضا رسم صورة مثل ~~تلك الموضحة في الشكل # 1-2 ~~. تخيل أن لدي مائة صديق، وكل منهم ~~لديه مائة صديق أيضا، من ثم، على بعد درجة واحدة من الانفصال، أكون على اتصال بمائة ~~فرد، وعلى بعد درجتين يمكنني الوصول إلى ما يساوي حاصل ضرب مائة في مائة؛ أي عشرة آلاف ms028 ~~شخص، وعلى بعد ثلاث درجات، أصل إلى نحو مليون شخص، وعلى بعد أربع درجات، يكون العدد ~~حوالي مائة مليون، وتسعة مليارات على بعد خمس درجات. بعبارة أخرى، إذا كان لدى كل شخص ~~في العالم مائة صديق فقط، فعلى بعد ست درجات من الانفصال، يمكنني بسهولة الاتصال بسكان ~~كوكب الأرض جميعا. من الواضح إذن أن العالم صغير بالفعل. # لكن إذا كانت لديك أي ميول اجتماعية، فستتبين على الفور الخطأ الفادح في هذا ~~الاستنتاج؛ فمائة شخص عدد كبير يتعذر التفكير فيه؛ لذا عليك بالتفكير في أقرب عشرة ~~أصدقاء لك واسأل نفسك عن أقرب عشرة أصدقاء لهم، من المحتمل أنك ستجد الكثير من الأصدقاء ~~المشتركين، وهذه الملاحظة تمثل سمة عامة تقريبا، فلا تقتصر على الشبكات الاجتماعية ~~فحسب، بل على الشبكات عموما؛ فهي تعكس ما نعرفه باسم «التجمعات»، وهو ما يعني في ~~الحقيقة أن معظم أصدقاء الأفراد أصدقاء بعضهم لبعض أيضا. في الواقع، الشبكات ~~الاجتماعية تشبه إلى حد بعيد الشكل # 1-3 ~~. فنحن لا نميل إلى أن يكون ~~لدينا أصدقاء قدر أن يكون لدينا مجموعات من الأصدقاء، كل منها تشبه تجمعا صغيرا ~~قائما على خبرة أو موقع أو اهتمامات مشتركة، وترتبط بعضها ببعض من خلال التداخلات التي ~~تحدث عندما ينتمي الأفراد الموجودون في إحدى المجموعات إلى مجموعات أخرى أيضا. هذه ~~السمة الخاصة بالشبكات وثيقة الصلة تماما بمسألة العالم الصغير، لأن التجمعات تؤدي إلى ~~التكرار. وبوجه خاص، كلما ازدادت معرفة أصدقائك بعضهم ببعض، قلت أهميتهم لك فيما ~~يتعلق بتوصيل رسالة ما إلى شخص لا تعرفه. # شكل 1-3: تعكس الشبكات الاجتماعية الفعلية تجمعات؛ تمثل ميل شخصين لديهما صديق ~~مشترك لأن يكونا صديقين. لدى الذات هنا ستة أصدقاء، كل منهم صديق ~~لشخص آخر منهم على الأقل. # يتمثل التناقض الذي تتسم به الشبكات الاجتماعية وأوضحته تجربة ميلجرام في أنه، من ~~ناحية، يعد العالم كثير التجمعات، بمعنى أن الكثير من الأصدقاء أصدقاء بعضهم لبعض ~~أيضا. لكن من ناحية أخرى، لا يزال بإمكاننا الوصول إلى أي شخص من خلال بضع خطوات ms029 قليلة ~~فحسب. ومع أن فرضية ميلجرام عن العالم الصغير لم تصادف اعتراضا لما يزيد عن ثلاثة ~~عقود، فإنها لا تزال مثيرة للدهشة حتى يومنا هذا. تقول أويزا في مسرحية جون جوار: «كل ~~فرد على هذا الكوكب يفصل بينه وبين أي شخص آخر ستة أشخاص فقط؛ ست درجات من الانفصال ~~بيننا وبين أي شخص آخر على سطح هذا الكوكب؛ سواء أكان رئيس الولايات المتحدة، أم سائق ~~جندول في البندقية ... لا يقتصر الأمر على الشخصيات الهامة فحسب، بل ينطبق على أي شخص ... ~~أحد السكان المحليين لغابة مطيرة أو في منطقة الإسكيمو. إنني مرتبطة بكل شخص على هذا ~~الكوكب بسلسلة مكونة من ستة أشخاص. إنها فكرة عميقة.» # إنها فكرة عميقة بالفعل، لكن إذا كنا لا نفكر إلا في مجموعة فرعية محددة من الناس ~~بيننا وبينهم شيء واضح مشترك، فيمكن من ناحية أخرى أن نعتقد أن النتيجة ليست غريبة. على ~~سبيل المثال، إنني أعمل بالتدريس في إحدى الجامعات، ونظرا لأن مجتمع الجامعة يتكون من ~~عدد صغير نسبيا من الأشخاص، أكثرهم يشتركون في أمور كثيرة، فمن السهل نسبيا علي ~~أن أتخيل كيف يمكنني نقل رسالة عبر سلسلة من الزملاء إلى أي أستاذ جامعي آخر بأي مكان ~~في العالم، وبالحجة نفسها، يمكنك الاقتناع بأنه يمكنني توصيل رسالة إلى معظم المهنيين ~~خريجي الجامعات في منطقة نيويورك، لكن هذه ليست في الحقيقة ظاهرة العالم الصغير، بل ~~إنها أشبه بظاهرة المجموعة الصغيرة، فمسألة ظاهرة العالم الصغير أعمق بكثير من ذلك؛ فهي ~~تنص على أن بإمكاني توصيل رسالة لأي شخص، حتى إن لم يكن بيننا أي شيء مشترك على ~~الإطلاق. يبدو الأمر أقل وضوحا الآن؛ ربما لأن المجتمع البشري مبتلى بالكثير من ~~التصدعات التي يسببها اختلاف العرق والطبقة الاجتماعية والدين والجنسية. # على مدى ثلاثين عاما أو أكثر، وبينما ~~كانت ظاهرة العالم الصغير تتطور لتتحول من تخمين اجتماعي منطقي إلى جزء من الثقافة ~~الشعبية، ظلت الطبيعة الفعلية للعالم قيد البحث، وظلت المفارقة الكامنة في جوهرها - ~~المتمثلة في فكرة أن من يبدون ms030 بعيدين تماما يمكن أن يكونوا قريبين فعليا - كما هي ~~بالضبط؛ مفارقة. لكن شهدت الأعوام القليلة الماضية ثورة في البحث النظري والتجريبي، ~~أغلبه من خارج علم الاجتماع، الذي لم يساعد فقط في حل ظاهرة العالم الصغير، بل أشار ~~أيضا إلى أن هذه الظاهرة أعم مما يمكن لأي أحد تخيله. وإعادة الاكتشاف هذه لظاهرة ~~العالم الصغير، التي اقتصرت معرفتها فترة طويلة على علماء الاجتماع فحسب، أدت إلى ~~مجموعة أكبر من الأسئلة عن الشبكات ترتبط بمجموعة كاملة من التطبيقات في العلوم ~~والأعمال والحياة اليومية. # كما هو الحال غالبا في العلوم (بل في حل مشكلات الحياة اليومية أيضا)، أمكن التوصل ~~إلى الفكرة التي أدت إلى الخروج من هذا المأزق عن طريق تناول موضوع قديم من زاوية ~~جديدة، فبدلا من السؤال: «ما مدى صغر العالم الذي نعيش فيه؟» يمكن أن يكون السؤال هو: ~~«ما الذي يلزم أي عالم؛ ليس فقط عالمنا، وإنما أي عالم على الإطلاق، ليصبح صغيرا؟» ~~بعبارة أخرى، بدلا من الخروج إلى العالم ومحاولة قياس حجمه بتفصيل دقيق، نود إنشاء ~~نموذج رياضي لشبكة اجتماعية لتحل محل العالم الحقيقي، بحيث نستفيد من قوة الرياضيات ~~والكمبيوتر في هذا النموذج. يمكن التعبير عن الشبكات التي سنتعامل معها بالفعل ببساطة ~~تكاد تكون كوميدية من خلال نقاط مرسومة على ورقة وتربط بينها خطوط، تعرف هذه الأشكال ~~في الرياضيات بالرسوم البيانية، وكما أوضحنا من قبل، تعود دراسة الرسوم البيانية إلى ~~قرون مضت، وقد عرفنا عنها الكثير. وتلك هي الفكرة المهمة حقا؛ فعلى الرغم من أننا ~~بهذا التبسيط الشديد سنتغافل حتما عن سمات للعالم نهتم بها كثيرا، فبإمكاننا التوصل ~~إلى ثروة من المعرفة والتقنيات التي من شأنها تمكيننا من تناول مجموعة من الأسئلة ~~العامة المتعلقة بالشبكات لم نكن لنتمكن من الإجابة عنها أبدا إذا ظللنا عالقين في ~~جميع التفاصيل الفوضوية المشوشة للذهن. # الفصل الثاني # | أصول علم «جديد» # (1) نظرية الرسوم البيانية العشوائية # منذ نحو أربعين عاما اتبع عالم الرياضيات بول إيردوس أسلوبا بسيطا للغاية في دراسة ~~شبكات الاتصالات. كان إيردوس شخصا ms031 غير عادي يبدو بجواره غريبو الأطوار أفرادا طبيعيين ~~تماما. ولد في بودابست يوم 26 مارس عام ~~1913، وعاش مع والدته حتى سن الحادية والعشرين، ثم قضى ما بقي من حياته المتميزة ~~مسافرا. لم يمكث في أي مكان فترة طويلة، ولم يشغل أي وظيفة دائمة، اعتمد إيردوس على ~~حسن ضيافة زملائه المخلصين، الذين كان يسعدهم إكرامه سعادة غامرة في مقابل تمتعهم بصحبة ~~عقله شديد الذكاء دائم البحث، وقد اشتهر بنظرته لنفسه كآلية لتحويل القهوة إلى نظريات، ~~ولا يعني ذلك أنه تعلم قط إعداد القهوة أو أيا من المهام اليومية العديدة الأخرى، مثل ~~الطهي والقيادة، التي ينظر إليها عامة البشر الأقل شأنا كأمور بسيطة تماما، لكن فيما ~~يتعلق بالرياضيات، اتسم إيردوس بقوته الشديدة، فنشر نحو ألف وخمسمائة بحث على مدار ~~حياته (بل نشر بعضها بعد وفاته أيضا)، وهو ما يتجاوز ما نشره أي عالم رياضيات في ~~التاريخ، ربما باستثناء أويلر العظيم. # ابتكر إيردوس أيضا، بالاشتراك مع ~~معاونه ألفريد ريني، النظرية الأساسية للرسوم البيانية العشوائية، و«الرسم البياني ~~العشوائي»، كما يوحي اسمه، هو شبكة من نقاط التلاقي تصل بينها روابط على نحو عشوائي ~~تماما. حسب تشبيه عالم الأحياء ستيوارت كوفمان، تخيل إلقاء ملء صندوق من الأزرار على ~~الأرض، ثم اختيار أزواج منها عشوائيا وربطها معا بخيوط ذات أطوال مناسبة (الشكل # 2-1 ~~). إذا كانت لدينا أرضية كبيرة للغاية، وصندوق أزرار ضخم، ~~ووقت فراغ طويل، فما الشكل الذي ستئول إليه هذه الشبكات؟ وتحديدا، ما السمات التي ~~يمكننا إثبات أن كل هذه الشبكات لا بد أن تتسم بها؟ إن كلمة «إثبات» هي ما يجعل نظرية ~~الرسم البياني العشوائي صعبة، بل شديدة الصعوبة، فليس كافيا تجربة بضعة أمثلة فحسب، ~~وملاحظة ما سيحدث، بل يحتاج المرء إلى التفكير فيما يمكن أن يحدث وما لا يمكن أن يحدث ~~في كل ظرف محتمل الحدوث، وما الشروط التي يجب التمسك بها للتأكد. لحسن الحظ، كان إيردوس ~~أستاذا في الإثبات، وفيما يلي إحدى النتائج العميقة التي توصل إلى إثباتها مع ~~ريني. # شكل 2-1: رسم ms032 بياني عشوائي متخيل يصور مجموعة من الأزرار المربوطة معا ~~بخيوط. تتصل أزواج من نقاط التلاقي (الأزرار) معا عشوائيا عن طريق ~~روابط أو صلات. # بالعودة إلى تشبيه الأزرار، تخيل أننا ربطنا عددا من الخيوط بأزرار - أي عدد نشاء - ~~ثم التقطنا زرا عشوائيا، على أن نعد جميع الأزرار الأخرى التي ترتفع معه من على ~~الأرض. تعد كل هذه الأزرار الثانوية جزءا من «المكون المتصل» للزر المختار. وإذا ~~كررنا هذا التمرين بالتقاط واحد من الأزرار المتبقية، فسنجد مكونا متصلا آخر، ويمكننا ~~الاستمرار على هذا النحو حتى لا يتبقى أي زر على الأرض. ما الحجم الذي سيكون عليه أكبر ~~هذه المكونات؟ سيعتمد ذلك على عدد الخيوط التي ربطتها، لكن كيف سيعتمد على ذلك ~~«بالضبط»؟ # إذا كان لديك ألف زر، وربطت خيطا واحدا فقط بين زرين، فسيحتوي أكبر مكون على زرين ~~فحسب، وهو ما تقترب قيمته من الصفر نسبة إلى الشبكة الكاملة. على الجانب الآخر، إذا ~~ربطت كل زر بكل زر آخر، فمن الواضح أيضا أن أكبر مكون سيتضمن الأزرار الألف جميعها، أو ~~الشبكة بأكملها. لكن ماذا عن جميع الحالات الممكنة بين هاتين الحالتين؟ يعرض الشكل # 2-2 # مخططا لجزء من الشبكة، أو رسما بيانيا عشوائيا يشغله ~~أكبر مكون متصل في مقابل عدد الروابط الموجودة. كما هو متوقع، عندما يكون عدد الروابط ~~قليلا للغاية، لا يرتبط أي شيء بأي شيء آخر، ونظرا لأننا أضفنا الخيوط على نحو عشوائي ~~تماما، فدائما ما سنربط كل زر منفصل بآخر، وإن كان أحد هذه الأزرار متصلا بخيط ~~بالفعل، فمن المرجح ألا يؤدي هذا الخيط إلا إلى مجموعة صغيرة من ~~الأزرار الأخرى. # شكل 2-2: اتصالية الرسم البياني العشوائي. يتغير عدد نقاط التلاقي المتصلة في ~~مكون واحد فجأة عندما يتجاوز متوسط عدد الروابط لكل نقطة تلاقيا ~~واحدا. # لكن شيئا غريبا يحدث بعد ذلك، عندما نضيف عددا كافيا من الخيوط بحيث يتصل بكل زر ~~خيط واحد في المتوسط، تصعد نسبة الرسم البياني التي يشغلها المكون الأكبر مما يقترب من ~~الصفر إلى حوالي واحد ms033 على نحو مفاجئ وسريع. وبلغة الفيزياء، يعرف هذا التغير السريع ~~باسم «التحول الطوري»؛ نظرا لحدوث تحول من مرحلة مفككة إلى مرحلة متصلة، والنقطة التي ~~يبدأ فيها حدوث ذلك (حيث يصعد الخط لأول مرة في الشكل # 2-2 ~~) تسمى ~~«النقطة الحرجة». وتحدث التحولات الطورية، مثلما سنرى بعد ذلك، في الكثير من الأنظمة ~~المعقدة، وقد استخدمت لتفسير شتى الظواهر؛ مثل المغنطة، وتفشي الأوبئة، وانتشار ~~الصيحات الثقافية الحديثة. في هذه الحالة بالتحديد، يحدث التحول الطوري عن طريق إضافة ~~عدد صغير من الروابط بالقرب من النقطة الحرجة بما يعمل على الربط بين الكثير من ~~التكتلات شديدة الصغر في مكون واحد ضخم يمتد بعد ذلك ليشمل جميع نقاط التلاقي الأخرى ~~حتى يصير كل شيء متصلا. فسر إيردوس وريني وجود هذا التحول الطوري وطبيعته في عام ~~1959. # لم نهتم بذلك؟ ببساطة لأنه إذا لم تشكل نقطتا تلاق جزءا من المكون نفسه، فلن ~~يمكنهما الاتصال أو التفاعل أو التأثير إحداهما على الأخرى، يمكن أيضا أن تكونا في ~~نظامين مختلفين، بحيث لا يمكن لسلوك إحداهما التأثير بأي شكل على سلوك الأخرى، من ثم، ~~فإن وجود مكون ضخم يعني أن أي شيء يحدث في موقع واحد من الشبكة لديه القدرة على التأثير ~~على أي موقع آخر، وعلى النقيض، فإن غيابه يقتضي ضمنا أن الأحداث المحلية لا يمكن ~~الشعور بها سوى محليا. استهل إيردوس وريني عملهما المبدئي عن طريق التفكير في شبكات ~~الاتصالات، وتساءلا عن عدد الروابط التي يجب أن توجد بين مجموعة من الأجهزة قبل أن ~~يتمكن واحد منها، اختير عشوائيا، من الاتصال بالجزء الأكبر من النظام، ومن ثم يعد ~~الخط الفاصل بين الانعزال والاتصال حدا مهما لتدفق المعلومات والأمراض والأموال ~~والابتكارات والصيحات الثقافية والأعراف الاجتماعية وكل شيء آخر نهتم به في المجتمع ~~المعاصر. إن حدوث الاتصال العالمي، لا على نحو متزايد تدريجيا، بل بقفزة فجائية ~~مثيرة، يعني وجود شيء عميق وغامض بشأن هذا العالم، على الأقل إذا صدقنا أن الرسوم ~~البيانية العشوائية تمثل العالم تمثيلا جيدا. # هذه، بالطبع، هي المشكلة؛ ms034 فمع ما تتسم به نظرية الرسوم البيانية العشوائية من تعقيد ~~(وهي معقدة على نحو محير)، فإن كل شيء نعرفه تقريبا عن الشبكات الحقيقية، بدءا من ~~الشبكات الاجتماعية وصولا إلى شبكات الخلايا العصبية، يشير إلى أنها ليست عشوائية ، أو ~~على الأقل ليست كالرسوم البيانية العشوائية التي وضعها إيردوس وريني. لماذا؟ حسنا، ~~تخيل أنك اخترت أصدقاءك عشوائيا بالفعل من بين سكان العالم الذين يزيد عددهم عن الستة ~~مليارات، إن احتمالية مصادقتك شخصا بقارة أخرى أكبر من احتمالية مصادقتك شخصا بمدينتك ~~أو مكان عملك أو مدرستك. تبدو هذه فكرة سخيفة، حتى في عالم تطغى عليه الاتصالات ~~الإلكترونية والرحلات الدولية، لكن بالتمادي في هذه الفكرة، فإنه إن كان لديك نحو ألف ~~صديق، وكل منهم لديه ألف صديق بدوره، ففرصة معرفة أي من أصدقائك بالآخر لن تتجاوز ~~نسبتها واحدا في الستة ملايين! ومع ذلك، فإننا نعرف من واقع خبرتنا اليومية أن ~~أصدقاءنا يمكن أن يكونوا على معرفة ببعضهم البعض بالفعل، ومن ثم لا يمكن أن تكون الرسوم ~~البيانية العشوائية تمثيلا جيدا للعالم الاجتماعي الحقيقي. ومع الأسف، كما سنرى ~~لاحقا، ما إن نبتعد عن الافتراضات شديدة المثالية عن العشوائية التامة التي يعتمد ~~عليها واضعو نظريات الرسوم البيانية، حتى يصير من الصعب للغاية إثبات أي شيء على ~~الإطلاق، ومع ذلك، إذا أردنا فهم سمات شبكات العالم الواقعي وسلوكها، فسوف نواجه في ~~النهاية قضية البنية غير العشوائية. ~~(2) الشبكات الاجتماعية # من الظلم إلى حد ما وصف علم الاجتماع بأنه فرع المعرفة الذي يحاول تفسير السلوك ~~البشري، وليس البشر؛ ففي حين يهتم علم النفس للغاية بفهم ما يفعله الناس وفقا لسماتهم ~~وخبراتهم الشخصية، بل وفقا لفسيولوجيا أجسامهم أيضا، ينظر علم الاجتماع إلى السلوك - ~~أو الفعل - البشري على أنه مدفوع، بل محدد، بالأدوار التي يلعبها الناس داخل المؤسسات ~~الثقافية والاقتصادية والسياسية، التي تحدد بيئتهم الاجتماعية، أو كما قال ماركس: «يصنع ~~البشر تاريخهم، لكنهم ... لا يصنعونه في ظل ظروف من اختيارهم.» ومن ثم فإن الموضوع ~~الأساسي لعلم الاجتماع هو البنية، وعليه، فقد ms035 لا يكون من المدهش أن نظرية تحليل ~~الشبكات، التي انبثقت من علم الاجتماع (وفرع المعرفة المرتبط به، ألا وهو علم الإنسان)، ~~كان لها دائما طابع بنيوي قوي. # إذا ما اختصرنا خمسة عقود من الفكر في بضع صفحات ، فسنجد أن محللي الشبكات الاجتماعية ~~طوروا أسلوبين شاملين للتفكير في الشبكات؛ يتناول الأسلوب الأول العلاقة بين «بنية ~~الشبكة» - مجموعة الروابط الواضحة التي تربط أعضاء مجموعة بشرية معينة، مثل شركة أو ~~مدرسة أو منظمة سياسية - و«البنية الاجتماعية» المناظرة التي يمكن على أساسها التفريق ~~بين الأفراد وفقا لانتمائهم إلى أدوار أو مجموعات مختلفة اجتماعيا. ظهرت مجموعة ~~كبيرة من التعريفات والأساليب على مدار الأعوام تحمل أسماء من قبيل: نماذج الكتل، ~~والتكتل الهرمي، والتدرج متعدد الأبعاد، لكن جميعها وضع أساسا لاستخلاص المعلومات عن ~~المجموعات المختلفة اجتماعيا من بيانات شبكية ارتباطية تماما، سواء عن طريق قياس ~~مباشر «للمسافة الاجتماعية» بين الفاعلين، أو تجميع الفاعلين في مجموعات حسب مدى تشابه ~~علاقاتهم مع الفاعلين الآخرين في الشبكة، ووفقا لهذه الرؤية، تعد الشبكات العلامة ~~المميزة للهوية الاجتماعية، فيمثل نموذج العلاقات بين الأفراد مخططا لسمات الأفراد ~~أنفسهم وتفضيلاتهم. # أما الأسلوب الثاني، فيحمل طابعا أكثر آلية؛ إذ ينظر هنا إلى الشبكة كوسيلة لنشر ~~المعلومات أو إحداث تأثير، وموقع الفرد في النموذج الكلي للعلاقات يحدد المعلومات التي ~~يمكن لهذا الفرد الوصول إليها، أو الأشخاص الذين يمكنه التأثير عليهم. لا يعتمد، إذن، ~~دور الشخص الاجتماعي على المجموعات التي ينتمي إليها فحسب، بل يتوقف أيضا على موقعه ~~داخل هذه المجموعات، وكما هو الحال مع الأسلوب الأول، وضع عدد من المقاييس لتحديد ~~المواقع التي يحتلها الأفراد داخل الشبكة، والربط بين قيمها الرقمية والاختلافات ~~المرصودة في الأداء الفردي. # يستثنى من هاتين الفئتين العامتين المفهوم المعروف باسم «الرابط الضعيف»، الذي قدمه ~~عالم الاجتماع مارك جرانوفتر، وهو يشكل تمهيدا لبعض النماذج التي سنتناولها في مشكلة ~~العالم الصغير. بعد إتمام جرانوفتر لدراسة مكثفة لمجتمعين في بوسطن أثمرت محاولتهما ~~لحشد الرأي ضد تهديد التنمية الحضرية إلى نتائج مختلفة تمام الاختلاف، توصل جرانوفتر ms036 ~~إلى نتيجة مدهشة، وهي أن التنسيق الاجتماعي الفعال لا ينشأ من روابط «قوية» شديدة ~~التشابك، بل من وجود روابط ضعيفة عرضية بين الأفراد الذين لا يمتون في أغلب الأحيان ~~بصلة قوية بعضهم لبعض، أو ليس لديهم الكثير من الأمور المشتركة فيما بينهم، وقد أطلق ~~جرانوفتر على هذا التأثير في بحثه الهام، الذي أصدره عام 1973، «قوة الروابط الضعيفة»، ~~وهي عبارة جميلة ومنمقة دخلت منذ ذلك الحين في قاموس علم الاجتماع. # أوضح جرانوفتر فيما بعد أن ثمة علاقة ارتباط مماثلة بين الروابط الضعيفة من ناحية، ~~وتوقعات الأفراد بالحصول على وظيفة من ناحية أخرى؛ فالبحث عن وظيفة، حسبما اتضح، لا ~~يتعلق فحسب بوجود صديق يمهد لك الطريق، لكن طبيعة هذا الصديق لها أهمية كبيرة. لكن ~~المفارقة هنا هي أن من ستجني من ورائهم أقصى فائدة لن يكونوا الأصدقاء المقربين! فنظرا ~~لأن هؤلاء الأصدقاء يعرفون الكثير من معارفك، ويمكن أن يحصلوا على المعلومات نفسها، ~~نادرا ما يكونون هم من يمكنهم مساعدتك في الانتقال إلى بيئة جديدة مهما كانت رغبتهم في ~~ذلك، لكن غالبا ما يكون المعارف غير المقربين هم من يفيدونك؛ نظرا لقدرتهم على منحك ~~معلومات ما كان بإمكانك أبدا الحصول عليها بطريقة أخرى. # بالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار الروابط الضعيفة حلقة وصل بين التحليل على مستوى ~~الأفراد وعلى مستوى المجموعات؛ إذ إن الأفراد هم من ينشئونها، لكن وجودها يؤثر على حالة ~~وأداء ليس فقط الأفراد الذين «يملكونها»، بل أيضا المجموعة الكاملة التي ينتمون إليها، ~~ومن ثم، زعم جرانوفتر أنه يمكن تحديد هل الروابط قوية أم ضعيفة عن طريق النظر إلى ~~البنية على مستوى المجموعات فقط؛ أي ملاحظة البنية التي ينتمي إليها الأفراد. ومع أننا ~~سنرى أن العلاقة بين ما هو خاص (الأفراد) وما هو عام (المجموعات والمجتمعات والتجمعات ~~وما إلى ذلك) أكثر دقة إلى حد ما مما وصفه جرانوفتر منذ ثلاثين عاما، فإن عمله يمثل ~~تنبؤا ملفتا للنظر بعلم الشبكات الحديث الآن. ~~(3) للديناميكيات أهمية # إن فهم محللي الشبكات الاجتماعية العميق للبنية يفتح الباب ms037 أمام مجموعة كاملة من ~~الأسئلة البعيدة تماما في جوهرها عن النظرية المجردة للرسوم البيانية، لكن لا تزال ثمة ~~مشكلة رئيسية فيما يتعلق بتحليل الشبكات الاجتماعية، ألا وهي «غياب الديناميكيات»؛ ~~فبدلا من التفكير في الشبكات ككيانات تتطور تحت تأثير القوى الاجتماعية، تعامل معها ~~محللو الشبكات غالبا كتجسيد جامد لتلك القوى، وبدلا من النظر إلى الشبكات كقنوات ~~ينتشر من خلالها التأثير حسب قواعدها الخاصة، نظر إلى الشبكات نفسها كتمثيل صريح ~~للتأثير. ووفق أسلوب التفكير هذا، يعتقد أن بنية الشبكة، التي ينظر إليها كمجموعة ~~ثابتة من المقاييس، تجسد جميع المعلومات المتعلقة بالبنية الاجتماعية؛ تلك المعلومات ~~ذات الصلة بسلوك الأفراد وقدرتهم على التأثير على سلوك النظام. كل ما يتطلبه الأمر هو ~~جمع البيانات الخاصة بالشبكة، ثم قياس السمات الصحيحة، وسيتضح كل شيء على نحو ~~مذهل. # لكن ما الذي يجب قياسه؟ وما الذي سيتم ~~استيضاحه بالضبط؟ يمكن أن تعتمد الإجابات هنا اعتمادا كبيرا على نوع التطبيق المحدد ~~الذي يتعامل معه المرء؛ على سبيل المثال، لا يتشابه بالضرورة تفشي مرض ما مع انتشار ~~أزمة مالية أو ابتكار تكنولوجي. إن السمات البنائية للشبكة التي تمكن أي مؤسسة من جمع ~~المعلومات بفعالية يمكن أن تختلف عن تلك التي تمكنها من معالجة المعلومات التي ~~تمتلكها بالفعل أو التغلب على كارثة غير متوقعة. إن الدرجات الست التي تفصل المرء عن ~~رئيس الولايات المتحدة يمكن أن تمثل مسافة قصيرة أو طويلة، ويعتمد ذلك على ما يبتغي ~~المرء فعله. أوضح جون كلاينبيرج (الذي سنتعرض لعمله الملهم في مسألة العالم الصغير في ~~الفصل # الخامس ~~) ذلك ذات مرة لأحد الصحفيين، فقال له إنه ~~اشترك مع أحد الباحثين بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، في كتابة بعض الأبحاث، وكان ذلك ~~الباحث قد سبق له التعاون مع من أصبح بعد ذلك الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، وعلق ~~كلاينبيرج على ذلك قائلا: «للأسف، لا يجعل لي ذلك تأثيرا كبيرا على بيل ~~جيتس.» # نظرا لأن القياسات الثابتة والبنيوية الخالصة لبنية الشبكات لا تفسر أي نشاط يحدث في ~~الشبكة، فإن تلك الأساليب لا ms038 توفر أي وسيلة منهجية لترجمة مردودها إلى عبارات ذات معنى ~~حول النتائج. مثال على ذلك، تدبر ادعاء إحدى كليات الإدارة بأن القيادة مهارة عامة ~~بكل ما تحمله الكلمة من معان وتنطبق قواعدها في أي سياق؛ فإن ما تدعو إليه هذه الكلية ~~واضح، وهو: تعلم كيفية «الإدارة» وسيمكنك إدارة أي شيء، بدءا من شركة ناشئة، ~~مرورا بمنظمة غير ربحية، وصولا إلى فصيلة عسكرية، لكن من الناحية العملية لا تسير ~~الأمور بهذه البساطة؛ فالقيادة اللازمة في وحدة مشاة مقاتلة - على سبيل المثال - مختلفة ~~تماما عن تلك اللازمة في مكتب حكومي، والقائد الذي يحسن البلاء في إحدى البيئات يمكن ~~أن يكون أداؤه ضعيفا للغاية في غيرها. ولا يعني ذلك أنه لا توجد مبادئ مشتركة على ~~الإطلاق، لكن لا بد من تفسير هذه المبادئ في ضوء ما تحاول المؤسسة على وجه التحديد ~~تحقيقه، وفي ضوء أنماط البشر الذين يعملون فيها. يسري الأمر نفسه على التحليل البنيوي؛ ~~فبدون نظرية مماثلة عن السلوك - الديناميكيات - لن يمكن تفسير نظرية بنية الشبكات على ~~الإطلاق، ومن ثم لن تكون ذات فائدة عملية تذكر. # تعد «المركزية» أحد الأمثلة الهامة ~~على ما يسفر عنه تناول الشبكات بمنهج بنيوي خالص من تبني كثير من المحللين لنظرة مطمئنة ~~- لكنها مضللة تماما - عن العالم. يتمثل أحد أكبر الألغاز المتعلقة بالنظم الكبيرة ~~الموزعة - بدءا من المجتمعات والمؤسسات وصولا إلى العقول والنظم البيئية - في الكيفية ~~التي يمكن أن يظهر بها نشاط متسق على نحو كلي في غياب رقابة أو سلطة مركزية. عادة ما ~~يتم تجنب مشكلة التنسيق اللامركزي عن طريق إدماج مركز تحكم واضح، وذلك في النظم التي ~~صممت وأعدت خاصة لفرض التحكم؛ كالنظم الديكتاتورية وشبكات أجهزة الاستدعاء التي تعمل ~~بالقمر الصناعي، لكن في كثير من الأنظمة - عادة تلك التي تطورت أو ظهرت طبيعيا - ~~يكون مصدر التحكم غير واضح على الإطلاق. تحظى المركزية بقدر كبير من الجاذبية بطبيعتها، ~~وهو ما دفع محللي الشبكات إلى التركيز بشدة على ابتكار تدابير لها، سواء للأفراد داخل ~~الشبكة أو للشبكة ms039 بالكامل. # يقتضي هذا المنهج ضمنا أن الشبكات التي تبدو لامركزية هي في حقيقة الأمر ليست كذلك ~~على الإطلاق، فإذا تأملنا بإمعان بيانات الشبكات، فسيتضح لنا أنه حتى الشبكات الكبيرة ~~المعقدة تعتمد على مجموعة ثانوية صغيرة من الفاعلين المؤثرين، ووسطاء المعلومات، ~~والموارد الهامة، وتمثل هذه العناصر مجتمعة المركز الفعال الذي يعتمد عليه أي شخص آخر. ~~قد لا يكون هؤلاء الفاعلون الرئيسيون واضحين - وقد يبدون غير مهمين بالمقاييس التقليدية ~~للمكانة أو السلطة - لكنهم موجودون دائما، وما إن يحددوا حتى تتضح الأمور، ويصير ~~أمامنا نظام له مركز. شاعت مفاهيم المركزية شيوعا كبيرا في دراسات الشبكات، ومن السهل ~~إدراك السبب وراء ذلك؛ فالنظرية قابلة للاختبار والتحليل، وتؤدي إلى نتائج قابلة ~~للقياس، بل مدهشة في بعض الأحيان (مثل أن يكتشف أن أكثر مجموعات النفوذ تماسكا في أي ~~شركة هم المدخنون الذين يتجمعون بالخارج عدة مرات في اليوم، أو أن مساعد المدير، وليس ~~المدير نفسه، هو وسيط المعلومات الرئيسي)، لكنها في الوقت نفسه لا تجبرنا على استيعاب ~~أي مفاهيم شديدة الصعوبة أو منافية للبديهة. للعالم دائما مركز، ويعالج هذا المركز ~~المعلومات ويوزعها، ويحدث الفاعلون المركزيون أثرا أكبر من الفاعلين ~~الهامشيين. # لكن ماذا إذا لم يكن هناك أي مركز؟ أو ماذا إذا كان هناك الكثير من «المراكز» التي ~~ليس من الضروري أن تكون متسقة أو حتى متفقة؟ ماذا إذا لم تنشأ الابتكارات المهمة في قلب ~~الشبكة، بل في أطرافها التي ينشغل وسطاء المعلومات عن الانتباه إليها؟ ماذا إذا انتشرت ~~الأحداث البسيطة في أماكن غير واضحة عن طريق الظروف العرضية والمصادفات العشوائية، ~~لتؤثر بذلك على عدد كبير من قرارات الأفراد، التي يتخذونها في غياب أي خطة كبرى، لكنها ~~تتجمع على نحو ما في صورة حدث بالغ الأهمية لا يتوقعه أحد، بما في ذلك الفاعلون ~~أنفسهم؟ # في مثل هذه الحالات، فإن مركزية الأفراد في الشبكة، أو أي مركزية من أي نوع، لن ~~تخبرنا بالكثير أو بأي شيء على الإطلاق بشأن النتيجة؛ وذلك لأن «المركز لا يظهر إلا ~~كنتيجة للحدث ms040 نفسه». لهذه العبارة تبعات مهولة فيما يخص فهمنا للشبكات. في عدد وافر من ~~النظم، من الاقتصاد إلى الأحياء، لا تنبع الأحداث من أي مركز موجود من قبل، بل من ~~التفاعلات بين الأنداد، فلتتذكر آخر مرة كنت فيها وسط جمهور كبير بإحدى الحفلات ~~الموسيقية، ووسط التهليل الفوضوي بدأ الجمهور بأكمله في التصفيق بإيقاع واحد معا، هل ~~فكرت من قبل كيف يتمكن الجميع من الاتفاق على إيقاع واحد؟ ففي نهاية الأمر، يصفق الكثير ~~من الناس طبيعيا بإيقاعات مختلفة، ولا يبدءون جميعا في اللحظة ذاتها بالضبط. فمن ~~الذي يختار لحظة التصفيق؟ في بعض الأحيان يكون الأمر سهلا؛ تتوقف الموسيقى، ويصفق ~~الجميع مع إيقاع الطبلة الجهير، أو يبدأ المغني الرئيسي تصفيقا بطيئا من فوق المسرح ~~ليحث الجمهور على البدء في التصفيق، لكن عادة لا توجد مثل هذه الإشارة المركزية، وفي ~~هذه الحالات لا يلتقط أحد أي إشارة على الإطلاق. # ما يحدث هو أنه عندما يقترب الجمهور من المزامنة، يمكن أن يبدأ بعض الناس، بالمصادفة ~~العشوائية، في التصفيق معا، وهم لا يفعلون ذلك على نحو متعمد ومنعزل، ويمكن أن يستمر ~~ذلك بضع لحظات فحسب، لكنها تكون كافية؛ فنظرا لأن هؤلاء الأفراد يتكتلون معا، يكون ~~صوت تصفيقهم أعلى مؤقتا من أي شخص آخر على مرمى السمع، ومن ثم تزيد احتمالية جذبهم ~~آخرين للمزامنة معهم مقارنة باحتمالية حيادهم بعيدا عن المزامنة، ومن ثم ينضم آخرون ~~إليهم على الأرجح، ومن ثم يعززون إشارتهم ويجذبون آخرين إليهم أيضا، وفي غضون ثوان ~~يصبحون المركز الذي ينتظم حوله الجمهور بأكمله. لكن إذا سأل مراقب من الخارج: من بدءوا ~~تلك المزامنة كيف فعلوا ذلك؟ فالاحتمال الأقوى هو أن يندهشوا مثل أي شخص آخر لاكتشافهم ~~وضعهم الخاص هذا. علاوة على ذلك، إذا كرر ذلك المراقب التجربة مع الأفراد أنفسهم في ~~الاستاد، فسيكتشف أن الجمهور سيتآزر حول مركز اعتباطي مختلف آخر. # يمكن أن ينطبق ذلك إلى حد بعيد على العمليات الاجتماعية الأكثر تعقيدا؛ كالثورات، ~~ففي النهاية، لم تأت الإطاحة بالرئيس الصربي الديكتاتور، سلوبودان ميلوسيفيتش، ms041 على يد ~~قائد سياسي آخر، أو حتى جيشه، لكن تمثلت القوة الدافعة لسقوطه في حركة طلابية مجهولة ~~ضعيفة التنظيم عرفت باسم أوتبور (وهي كلمة صربية تعني المقاومة)، ولم تحظ هذه ~~الحركة بقيادة مركزية متماسكة إلا بعد نجاحها في حشد دعم شعبي. إن أي تحليل تقليدي ~~للشبكات الاجتماعية لتلك الحركة الطلابية من شأنه ملاحظة أصحاب الأدوار الرئيسية في ~~الحركة، وتتبع ارتباطهم بعضهم ببعض، وبتابعيهم، وبالمنظمات الخارجية أيضا، ومحاولة ~~تحديد الآليات التي أصبحوا من خلالها العناصر التنظيمية المركزية، لكن كما سنرى في ~~الفصل # الثامن ~~، عندما يتعلق الأمر بالعمل الاجتماعي المنسق ~~واسع النطاق، لا يكون تدارس الحدث بعد وقوعه سليما تماما، بل يمكن أن يكون في الواقع ~~مضللا للغاية، فبدلا من أن يرسم القادة الأحداث، يمكن أن يحدث العكس تماما؛ فيحدد ~~تسلسل الأحداث وتفاصيل توقيتها من يظهرون كقادة. وفي ظل السخط الذي جاش بصربيا في صيف ~~عام 2000، لم يتطلب الأمر سوى بضعة أحداث بسيطة وعشوائية تماما لتثور الحركة الطلابية ~~والشعب. عمل الكثير من الأفراد على الإطاحة بميلوسيفيتش، لكن بعضهم وحسب هم من صاروا ~~قادة، وليس بالضرورة أن يكون سبب ذلك أنهم كانوا أكثر تميزا من الآخرين، أو كانوا ~~يتمتعون بوضع متميز للغاية، لكن تتابع أحداث الثورة نفسها هو الذي حدد مركزها، كما هو ~~الحال بالضبط في حالة الجمهور المصفق أو المكون الكبير في الرسم البياني العشوائي ~~لإيردوس وريني. # كيف ينشأ إذن النشاط العام المترابط من التفاعلات بين الأنداد، دون وجود أي رقابة أو ~~سلطة مركزية؟ تعد بنية الشبكة - كما سنرى في الصفحات التالية - أمرا محوريا في هذا ~~الشأن، وكذلك الديناميكيات. على الرغم من استخدامنا السابق لمصطلح الديناميكيات، فهو في ~~الحقيقة يحمل معنيين يلزم التمييز بينهما، لأن كلا منهما تمخض عنه فرع كامل لعلم ~~الشبكات الحديث؛ المعنى الأول، الذي سيطغى على مناقشتنا في الفصلين # الثالث # و # الرابع ~~، هو ما يمكن أن نطلق عليه ~~«ديناميكيات الشبكة»، ووفقا لهذا المعنى، تشير الديناميكيات إلى البنية المتطورة ~~للشبكة نفسها؛ أي عملية تكون روابط الشبكة وتفككها. على سبيل المثال، ms042 نقابل على مدار ~~الزمان أصدقاء جددا ونفقد اتصالنا بأصدقاء قدامى، ومن ثم تتغير شبكاتنا الشخصية، ~~وأيضا البنية العامة للشبكة الاجتماعية التي ننتمي إليها. يمكن النظر إلى البنى ~~الثابتة لتحليل الشبكات التقليدي كلقطات فوتوغرافية التقطت أثناء عملية التطور ~~المتواصلة هذه، لكن عند النظر إلى الشبكات من الناحية الديناميكية، يمكن القول إن ~~البنية القائمة لا يمكن فهمها جيدا إلا من واقع طبيعة العمليات التي أدت إلى ~~ظهورها. # أما المعنى الثاني، الذي سيشغلنا على مدار الفصول من الخامس إلى التاسع، فهو ما يمكن ~~أن نطلق عليه «الديناميكيات القائمة على الشبكة». من هذا المنظور، يمكننا تخيل الشبكة ~~كركيزة ثابتة تربط مجموعة من الأفراد، ويتشابه ذلك مع النظرة التقليدية للشبكات. لكن ~~الأفراد يفعلون أمرا ما الآن - يبحثون عن معلومات، أو ينشرون شائعة، أو يتخذون قرارات ~~- تتأثر نتيجته بما يفعله جيرانهم، ومن ثم ببنية الشبكة. هذه هي الديناميكيات بالضبط ~~التي كنت أفكر فيها مع ستيف ستروجاتس عندما غيرنا مشروعنا عن صراصير الليل منذ عدة ~~أعوام، والتي لا تزال تسيطر على تفكيرنا بشأن العمليات الاجتماعية بصفة دائمة. # يحدث كلا نوعي الديناميكيات طوال الوقت على أرض الواقع، وعلى الفاعلين الاجتماعيين - ~~بدءا من الثوار وصولا إلى المديرين التنفيذيين - ~~الاختيار مرارا وتكرارا، ليس فقط فيما ~~يتعلق بكيفية استجابتهم للأحداث حسب إدراكهم لها، بل أيضا فيما يتعلق بمن يرتبطون به. ~~إذا كان سلوك أحد أصدقائك لا يروق لك، يمكنك أن تحاول تغيير سلوكه أو تقضي وقتك مع شخص ~~آخر. يمكن أن تتغير «بنية الشبكة» استجابة لسيناريو واحد، لكن يمكن أيضا أن تتغير ~~التفاعلات التي تجري «على الشبكة». بالإضافة إلى ذلك، يساعد كل قرار - أي كل صورة من ~~صور الديناميكيات - في إرساء السياق الذي يجب صنع القرارات التالية في إطاره. تؤثر ~~سعادتك على شبكتك، وتؤثر شبكتك على سعادتك. إنه أمر معقد، ومن ثم، لتحقيق بعض التقدم، ~~نحتاج أولا إلى فهم كل نوع من الديناميكيات على حدة، ولحسن الحظ، لدينا ركائز قوية ~~نستند إليها في معالجة هذه المهام. ~~(4) الابتعاد عن العشوائية # أناتول رابوبورت ms043 عالم رياضيات، لكن ليس بالمعنى التقليدي؛ فعلى مدار مسيرته المهنية ~~المتميزة التي امتدت لأكثر من نصف قرن، قدم إسهامات عظيمة في علم النفس ونظرية الألعاب ~~وتطور التعاون، بالإضافة إلى علم الأوبئة ودراسة الشبكات الاجتماعية. كان رابوبورت يدرس ~~في الخمسينيات من القرن العشرين انتشار الأمراض في التجمعات البشرية باعتباره عضوا في ~~مجموعة بحثية بجامعة شيكاغو عرفت باسم «لجنة الفيزياء الحيوية الرياضية». وفي الوقت ~~الذي كان معظم علماء الأوبئة يركزون على نماذج الأمراض التي تجاهلت الجوانب الاجتماعية ~~للتفاعلات البشرية، أدركت مجموعة شيكاغو البحثية أنه في حالة بعض الأمراض تمثل الشبكة ~~الفعلية عاملا محوريا، وفي أغلب الظروف، يمكن تحديد مدى خطورة انتشار مرض ما من خلال ~~توضيح من يتفاعل مع من. # سنعود لهذا الموضوع في فصول لاحقة نظرا لارتباطه ليس فقط بانتشار الأمراض، بل أيضا ~~بانتشار المعلومات كالشائعات وفيروسات الكمبيوتر. ما يجب ذكره الآن بشأن عمل رابوبورت ~~المبكر أنه مع تناوله مشكلة بنية الشبكات من منظور عالم الرياضيات، فقد تأثر تأثرا ~~شديدا بالأفكار المستمدة من علم الاجتماع وعلم النفس والأحياء، وربما يرجع السبب في ~~ذلك إلى أنه كان كبير السن نسبيا - في الثلاثينيات من عمره - حين بدأ دراساته العليا، ~~وذلك نظرا لخدمته السابقة في الجيش ومشاركته في الحرب العالمية الثانية، ومن ثم عندما ~~عزم على أن يصبح عالم رياضيات، كان قد شهد بالفعل الكثير من تقلبات الحياة، وربما قرر ~~تضمينها في عمله. # فيما يتعلق بانتشار مرض ما في شبكة اجتماعية محددة، أراد رابوبورت معرفة مدى السوء ~~الذي يمكن أن يبلغه الموقف. بعبارة أخرى، تخيل أن المرض شديد العدوى لدرجة أن كل من ~~يتصل بشخص مريض تنتقل إليه العدوى فعليا. كم سيبلغ عدد المصابين في النهاية؟ حسنا، ~~يعتمد ذلك جوهريا على مدى قوة ارتباط المجموعة البشرية. فإذا كنا نتحدث عن إحدى ~~المناطق الريفية في وسط أفريقيا على أطراف غابة مطيرة، حيث يعيش الناس في قرى صغيرة ~~منعزلة نسبيا، فقد نتصور أن انتشار المرض في قرية واحدة، مع تأثيره المدمر على هذه ~~القرية، سيظل متمركزا ms044 في مكان واحد، لكن إذا كنا نتحدث عن قارة أمريكا الشمالية التي ~~تحتوي على تجمعات سكانية ضخمة كثيفة ترتبط معا بشبكة متعددة المستويات من وسائل ~~المواصلات الجوية والبرية والسكك الحديدية، فمن الجلي أن أي شيء خبيث بهذه الدرجة يبدأ ~~في أي مكان سيتفشى تفشيا بالغا. ويتساءل رابوبورت: هل هناك مستوى حرج من الاتصالية ~~بين هذين الحدين يتحول عنده البشر من مجموعة من التجمعات المنعزلة الصغيرة إلى كتلة ~~واحدة متصلة؟ ينبغي أن يبدو هذا السؤال مألوفا؛ فهو السؤال نفسه الذي طرحه إيردوس ~~وريني عن شبكات الاتصالات وأدى إلى نشأة نظرية الرسوم البيانية العشوائية. # وبالفعل، بدأ رابوبورت ومعاونوه عملهم من خلال فحص الشبكات المتصلة عشوائيا للأسباب ~~نفسها تقريبا التي استند إليها عالما الرياضيات المجريان، ومع استخدامهم لأساليب أقل ~~دقة، فقد توصلوا إلى نتائج مشابهة إلى حد ما (قبل إيردوس وريني بعشر سنوات تقريبا!) ~~لكن نظرا لنزعة رابوبورت التطبيقية، فقد أدرك سريعا الحقيقة الكامنة وراء الجمال ~~التحليلي لنموذج الرسم البياني العشوائي، وحاول معالجة ما رآه عيوبا فيه. لكن ماذا ~~هناك غير الشبكات العشوائية؟ في الجملة الافتتاحية لرواية «آنا كارنينا»، كتب تولستوي ~~متفجعا: «الأسر السعيدة كلها متشابهة؛ أما الأسر التعيسة، فلكل منها قصتها.» من هذا ~~المنطلق نفسه، فإن الرسوم البيانية العشوائية جميعها متشابهة في جوهرها، لكن غير ~~العشوائية أصعب بكثير في تحديدها. على سبيل المثال، هل أثارت اهتمامك من قبل فكرة أن ~~بعض الصداقات غير متكافئة، بل غير متبادلة أيضا؟ هل يجب اعتبار بعض العلاقات أهم من ~~غيرها؟ كيف يمكن تفسير تفضيل الناس الواضح للارتباط بمن يشبهونهم؟ هل يمتلك معظم الناس ~~العدد نفسه تقريبا من الأصدقاء؟ أم هل يمتلك بعضهم عددا من الأصدقاء أكبر من المتوسط؟ ~~وكيف يمكن تفسير ظهور مجموعات تكون روابط الصداقة داخلها كثيفة، في حين أن العلاقات بين ~~المجموعات نفسها قليلة نسبيا؟ # أجرت مجموعة رابوبورت عدة محاولات جادة لمعالجة هذه القضية، مع التوسع في دراسة ~~الرسوم البيانية العشوائية لتشمل خصائص بشرية مثل «الانجذاب إلى المثيل»، وهو ما يعبر ~~عنه القول المأثور: ms045 «الطيور على أشكالها تقع»، الذي لا يصف مجموعات الأخوية في الجامعات ~~فحسب، بل أيضا هياكل الموظفين في الشركات، وقواعد الزبائن في المحلات والمطاعم، ~~والطبيعة العرقية للأحياء السكنية. تساعد خاصية «الانجذاب إلى المثيل» في تفسير سبب ~~معرفتك لمعارفك - نظرا لاشتراككم جميعا في أمر ما - لكن يمكن أن يتساءل المرء أيضا ~~كيف يمكن للأشخاص الذين يعرفهم الآن أن يحددوا من سيعرفهم في المستقبل، فكر رابوبورت ~~في ذلك أيضا، وقدم مفهوم «الإقفال الثلاثي». في الشبكات الاجتماعية، تكون وحدة ~~التحليل الأساسية هي «الزوج»؛ أي العلاقة بين شخصين. لكن أكثر مستويات التحليل التالية ~~بساطة، والأساس لكل بنية المجموعات، هو مثلث، أو ثالوث، يظهر كلما كان للفرد صديقان ~~بينهما علاقة صداقة أيضا. لم يكن رابوبورت أول من فكر في الثالوث كوحدة أساسية لبنية ~~المجموعة؛ فقد قدم عالم الاجتماع الألماني جيورج سيميل الفكرة منذ ما يزيد عن نصف قرن، ~~لكن الجديد في عمل رابوبورت هو تضمين الديناميكيات. من المرجح أن يتعرف غريبان، لديهما ~~صديق مشترك، أحدهما على الآخر بمرور الوقت؛ بمعنى أن الشبكات الاجتماعية (على عكس ~~الشبكات العشوائية) تتطور على نحو تميل فيه البنى الثلاثية إلى الانغلاق على ~~نفسها. # نظر رابوبورت بوجه عام إلى الخصائص التي كان يعرفها كنزعات؛ لأن كلا منها أبعد ~~نماذجه خطوة عن افتراض العشوائية الخالصة دون إغفالها تماما. إن العشوائية سمة قوية ~~وراقية تمثل في كثير من الأحيان بديلا مناسبا تماما للأمور المعقدة والفوضوية وغير ~~المتوقعة التي تحدث في الحياة الواقعية، لكنها تفشل على نحو جلي في إيضاح بعض المبادئ ~~التنظيمية الأكثر قوة التي تتحكم أيضا في القرارات التي يتخذها الناس. لذا، فكر ~~رابوبورت لماذا لا تكون هناك موازنة بين هاتين القوتين في نموذج ما؟ عليك أن تقرر أي ~~المبادئ التنظيمية هي الأهم من وجهة نظرك، ثم تخيل بناء شبكات تستجيب لهذه الخصائص، ~~لكنها دون ذلك تكون عشوائية. وقد أطلق رابوبورت على الفئة الجديدة التي وضعها من ~~النماذج اسم «الشبكات المائلة للعشوائية». # تتمثل قوة هذا المنهج في أنه من خلال تعامله مع الشبكات ms046 باعتبارها نظما متطورة ~~ديناميكيا، تجنب العيب الرئيسي في التحليل القياسي الثابت للشبكات، لكن للأسف، ~~أثناء فعل ذلك، واجه هذا المنهج عقبتين لم يمكن تخطيهما؛ إحداهما نظرية والأخرى ~~تجريبية. تتمثل العقبة الأولى في البيانات، ففي عصرنا الحالي ، وفي أعقاب ثورة الإنترنت، ~~اعتدنا رؤية بيانات عن الشبكات الضخمة وصور لها، ويشمل ذلك شبكة الإنترنت ذاتها. بل ~~الأكثر أهمية أن التكنولوجيا القادرة على تسجيل التفاعلات الاجتماعية إلكترونيا، ~~بدءا من المكالمات الهاتفية وصولا إلى الرسائل الفورية وغرف الدردشة على الإنترنت، ~~زادت من حجم بيانات الشبكة أضعافا مضاعفة في السنوات القليلة الماضية وحدها. # لكن لم يكن هذا هو الحال دائما في جمع البيانات، فحتى وقت قريب كمنتصف التسعينيات، ~~وبالتأكيد في الخمسينيات، كانت الوسيلة الوحيدة للحصول على بيانات الشبكات الاجتماعية ~~هي الخروج إلى الشارع وجمعها يدويا؛ يعني ذلك توزيع نماذج استقصاء يطلب فيها من ~~الخاضعين للدراسة تذكر معارفهم، وذكر طبيعة علاقتهم بهم. ليس هذا بالمنهج الذي يعول ~~عليه تعويلا كاملا في الحصول على بيانات عالية الجودة، ولا يرجع ذلك فحسب إلى أن ~~الناس يواجهون صعوبة في تذكر معارفهم دون حثهم على ذلك على نحو مناسب، لكن أيضا لأن ~~وجهة نظر أي اثنين يعرف أحدهما الآخر تجاه علاقتهما يمكن أن تختلف تماما من أحدهما ~~للآخر، ومن ثم يمكن أن يكون من الصعب التعبير عن الأمر بالفعل. يتطلب هذا المنهج أيضا ~~الكثير من الجهد من جانب الخاضعين للدراسة، والباحث بوجه خاص. هناك أسلوب أفضل بكثير، ~~ألا وهو تسجيل ما يفعله هؤلاء الناس بالفعل، ومع من يتفاعلون، وكيفية تفاعلهم معهم. لكن ~~في غياب وسيلة جمع إلكترونية للبيانات، يعد هذا الأسلوب أصعب في تنفيذه عمليا من ~~الاستقصاء، ومن ثم فإن بيانات الشبكات الاجتماعية، أينما وجدت، تتناول مجموعات صغيرة ~~من الناس، وغالبا ما تكون قاصرة على عدد معين من الأسئلة التي يفكر الباحث في طرحها ~~مسبقا، ومن ثم، لم يكن لدى رابوبورت هدف لنماذجه، وإذا لم يكن المرء يعلم كيف يبدو ~~العالم، فمن الصعوبة بمكان معرفة هل نجح في الوصول إلى ms047 أي شيء ذي مغزى بشأنه. # لكن رابوبورت واجه أيضا مشكلة أكثر صعوبة من ذلك، فمع فهمه للمشكلة التي كان «يحاول» ~~حلها، فإنه لم يستطع الهروب من حقيقة أنه في خمسينيات القرن العشرين لم يكن لديه بالفعل ~~سوى قلم رصاص وورقة لأداء عمله، وحتى في عصرنا الحالي أيضا، مع وجود أجهزة الكمبيوتر ~~فائقة السرعة، يعد تحليل الشبكات المائلة للعشوائية مسألة صعبة، أما حينذاك، فكان الأمر ~~مستحيلا فعليا. تتمثل الصعوبة الأساسية هنا في أنه عند دحض افتراض إيردوس وريني الذي ~~ينص على أن كل اتصال بالشبكة ينشأ مستقلا عن أي اتصال آخر، يصبح من غير الواضح ما ~~الذي يعتمد على ماذا. على سبيل المثال، من المفترض أن يؤثر الإقفال الثلاثي على الشبكة ~~على نحو خاص للغاية، عن طريق جعل الدورات الثلاثية (الثلاثيات) أكثر ترجيحا. يعني ذلك ~~أنه إذا كان (أ) يعرف (ب)، و(ب) يعرف (ج)، فمن المرجح أن (ج) يعرف (أ) أكثر من أي شخص ~~آخر يختار عشوائيا. # لكن ما إن نبدأ في استكمال الثلاثيات حتى نفاجأ بشيء آخر لم نتوقعه، ألا وهو ظهور ~~دورات بأطوال أخرى أيضا. يوضح الشكل # 2-3 # هذا الاعتماد غير المتوقع؛ ~~فنرى في الإطار الأول منه أربع نقاط تلاق تتصل معا في سلسلة نفترض أنها جزء من شبكة ~~أكبر. تخيل الآن أن نقطة التلاقي (أ) بحاجة لإقامة ارتباط جديد، لكن لديها ميلا (نزعة) ~~للارتباط بصديق صديق ما. فمن المرجح أكثر أن ترتبط هذه النقطة بنقطة التلاقي (ج) أكثر ~~من أي نقطة أخرى، لذا لنفترض أن هذا ما سيحدث بالفعل. نصل الآن إلى الإطار الثاني من ~~الشكل، حيث يمكن أن نتخيل أن نقطة التلاقي (د) بحاجة لاختيار صديق جديد. مرة أخرى، تميل ~~النقطة (د) إلى الارتباط بصديق صديق ما، وليس هناك سوى نقطتي تلاق متوفرتين، ألا وهما ~~(أ) و(ب)، فتجري (د) قرعة وتختار (أ)، الأمر الذي ينقلنا إلى الإطار الثالث. ما الذي ~~حدث هنا؟ كل ما حددناه هو تفضيل الارتباط بصديق صديق ما، أو بعبارة أخرى استكمال ~~الثلاثيات - الدورات ms048 الثلاثية - لكن أثناء ~~فعل ذلك، أنشأنا أيضا دورة رباعية (أ ب ج د). # لا تتضمن قاعدتنا أي معلومات عن الدورات الرباعية - إذ تقتصر النزعات على الثلاثيات ~~فقط - لكنها ستظهر حتما، بالإضافة إلى دورات بأطوال أخرى تنشأ بالأسلوب المتراكم نفسه. ~~يرجع السبب على وجه التحديد في ذلك إلى أن بناء الشبكة عملية ديناميكية، وإنشاء كل رابط ~~متعاقب يضع في الاعتبار الحالة الحالية للشبكة التي تتضمن كل الروابط التي أنشئت من ~~قبل. فما كان الاتصال من (د) إلى (أ) ليحدث على الأرجح إذا لم يكن الاتصال من (أ) إلى ~~(ج) قد حدث أولا. لذا، فإن النزعات المحددة تحديدا واضحا للغاية لا تؤدي إلى نتائج ~~غير متعمدة فحسب، بل احتمالية أن يقع أي حدث في أي لحظة أثناء تطور الشبكة يعتمد أيضا ~~بوجه عام على كل ما حدث وصولا إلى هذه اللحظة. # شكل 2-3: تطور شبكة مائلة للعشوائية. يؤدي النزوع لإنشاء دورات ثلاثية (نزعة ~~الإقفال الثلاثي) إلى ظهور دورات أطول أيضا (هنا يندمج كل من ~~(أ ب ج) و(أ ج د) لإنشاء (أ ب ج د)). # في زمن رابوبورت، كان هذا الإدراك كافيا لإنهاء البحث، ويمكن ملاحظة إدراك رابوبورت ~~لذلك عند قراءة أبحاثه الأصلية. ربما لو كانت المجموعة البحثية في جامعة شيكاغو تمتلك ~~أجهزة الكمبيوتر التي نمتلكها الآن، لسبروا أغوار المسألة على نحو أكبر، ولكانت نظرية ~~الشبكات قد اتخذت مسلكا مختلفا تماما. لكنهم لم يملكوها. نظرا لعدم وضوح الرؤية ~~بسبب نقص البيانات، والتقيد الناتج عن الافتقار للقدرة الحسابية، شقت نظرية الشبكات ~~المائلة للعشوائية طريقها بصعوبة إلى حيث تمكن أنصارها القليلون من الوصول بها بحدسهم ~~الرياضي، ثم اختفت فعليا. لقد كانت عن حق فكرة سابقة لأوانها، ومثل كثير من الأفكار ~~المشابهة، كان عليها أن تمر بفترة مخاض عسير. ~~(5) دور الفيزيائيين # إن الفيزيائيين، حسبما اتضح، قادرون تماما على اقتحام فروع المعرفة الأخرى، ليس فقط ~~بسبب مهارتهم الفائقة، بل أيضا لعدم إثارتهم لكثير من الجلبة عن المسائل التي يختارون ~~دراستها مقارنة بأغلب العلماء الآخرين. يرى الفيزيائيون ms049 أنفسهم سادة الأوساط ~~الأكاديمية، وينظرون إلى أساليبهم على أنها فوق إدراك أي شخص آخر، ويحمون مجال معرفتهم ~~بكل غيرة، لكن الجانب الآخر لشخصياتهم يعكس طبيعة استغلالية؛ فيسعدهم استعارة الأفكار ~~والتقنيات من أي مكان إذا لاحت إمكانية للاستفادة منها، ويسرهم التدخل في مشكلة أي شخص ~~آخر. ومع الإزعاج الذي يمكن أن يسببه هذا السلوك للآخرين، فإن وصول الفيزيائيين إلى ~~منطقة بحثية لم تصل إليها الفيزياء من قبل يبشر غالبا بمرحلة من الإثارة والاكتشافات ~~العظيمة. يفعل علماء الرياضيات الأمر نفسه من حين لآخر، لكن لا أحد ينقض على البحث ~~بالقدر نفسه من الضراوة وبالعدد الكبير مثل مجموعة تواقة من الفيزيائيين المدفوعين ~~بالإثارة التي تنطوي عليها أي مسألة جديدة. # على مدار عقود منذ عهد إيردوس ورابوبورت، وفي الوقت الذي كان علماء الاجتماع يركزون ~~فيه على التفسيرات البنيوية الثابتة للنظم المتصلة بشبكات، تجمع الفيزيائيون حول مجموعة ~~مشابهة من الأسئلة، وإن كان على نحو غير متعمد ومن اتجاه معاكس. فبدلا من قياس الخصائص ~~البنيوية للشبكات لفهم الأدوار الاجتماعية للأفراد والمجموعات، حصل الفيزيائيون معرفة ~~كاملة بخصائص الأفراد، وحاولوا الوصول إلى خصائص المجموعات من خلال وضع بعض الافتراضات ~~البسيطة للغاية بشأن البنية. وكما كان الحال مع علم الاجتماع، كان المنهج الذي اتبعه ~~الفيزيائيون مدفوعا برغبة لفهم مشكلات محددة (وإن كانت مشكلات فيزيائية، وليست ~~اجتماعية)، والمغناطيسية خير مثال على ذلك. # تعلم معظمنا في حصص العلوم بالمدرسة الثانوية أن كل قطعة مغناطيس تتكون من عدد كبير ~~من قطع المغناطيس الأصغر حجما، وأن المجال المغناطيسي المقاس هو في الواقع مجموع جميع ~~المجالات المغناطيسية الأصغر، لكن كل قطعة من قطع المغناطيس الأصغر حجما تتكون بدورها ~~من قطع أصغر، وهكذا. أين ينتهي الأمر؟ ومن أين يأتي المجال المغناطيسي أساسا؟ الإجابة ~~هي أنه يأتي، حسبما اتضح، من تكافؤ عميق بين المجالات المغناطيسية والكهربائية، وذلك ما ~~أوضحه لأول مرة جيمس كلارك ماكسويل في نهاية القرن التاسع عشر. إحدى نتائج توحيد ~~ماكسويل للكهرومغناطيسية هي أن أي جسيم مشحون يدور حول ذاته، كالإلكترون، يخلق مجاله ~~المغناطيسي ms050 الخاص، وعلى عكس المجال الكهربائي، يكون لهذا المجال المغناطيسي توجه فطري ~~يحدده اتجاه الدوران، ومن ثم فإن أي مغناطيس يكون له دائما قطب شمالي وقطب جنوبي، في ~~حين يكون للإلكترون، مثلا، شحنة سالبة واحدة فحسب . إحدى النتائج الهامة المترتبة على ~~هذه الحقيقة الفيزيائية الجوهرية هي أن المغناطيس يمكن التعبير عنه الآن رمزيا في ~~صورة شبيكة منتظمة مكونة من عدد كبير من الأسهم بالغة الصغر، يتوافق كل منها مع جسيم ~~مشحون يدور حول ذاته، ويشار إلى هذا بمصطلح «اللف المغزلي». يمكن النظر الآن إلى ~~المغناطيسية كحالة من النظام يشير فيه كل لف مغزلي (أي الأسهم) إلى الاتجاه ~~ذاته. # تميل اللفات المغزلية المغناطيسية، في ظل تساوي كل شيء آخر، إلى المحاذاة معا؛ لذلك ~~فإن جعلها تشير جميعا إلى الاتجاه نفسه قد لا يبدو أمرا صعبا، لكن قد يصعب ذلك، ~~ويرجع سبب ذلك إلى أن التفاعلات بين اللفات المغزلية تكون ضعيفة للغاية بحيث يتأثر ~~اتجاه كل لف مغزلي باتجاهات اللفات المغزلية المجاورة له مباشرة فحسب في الشبيكة. على ~~النقيض من ذلك، تتطلب المحاذاة العامة أن «يعرف» كل لف مغزلي بطريقة أو بأخرى اتجاه ~~اللفات الأخرى، بما في ذلك اللفات البعيدة عنه، ومن ثم قد تتحاذى مجموعات من اللفات ~~المغزلية محليا، بينما تشير المجموعات المجاورة إلى اتجاهات متناقضة، ولا تمتلك أي ~~مجموعة القوة الكافية لتغير المجموعات الأخرى. ومع أن الحالة المفضلة هي المحاذاة ~~العامة، فإن النظام يمكن أن يعلق في أي من هذه الحالات «العاجزة» التي لا يمكن الفرار ~~منها إلا بتطبيق مجال مغناطيسي خارجي أو تزويدها بطاقة إضافية. لذا فإن مغنطة قطعة من ~~المعدن تتطلب عادة وضعها في مجال مغناطيس قوي موجود بالفعل، ثم تسخينها أو النقر عليها، ~~لكن إذا كان هناك قدر كبير من الطاقة، فستنقلب اللفات عشوائيا مهما يكن اتجاه اللفات ~~المجاورة لها أو حتى المجال الخارجي، ومن ثم، ومن أجل تحقيق محاذاة عامة، من الضروري ~~بدء النظام عند درجة حرارة عالية، ثم تبريده ببطء، ويكون ذلك عادة في وجود المجال ms051 ~~الخارجي. # تتمثل إحدى الانتصارات العظيمة للفيزياء الرياضية في تفهم كيفية عمل التحول إلى ~~المغناطيسية بالضبط. ومن المثير للدهشة أنه عند نقطة التحول الحرجة، تتصرف جميع أجزاء ~~النظام وكأنها تتواصل بعضها مع بعض، مع أن تفاعلاتها محلية تماما. والمسافة التي يمكن ~~أن يبدو فيها أن اللفات الفردية تتواصل تعرف عادة باسم «طول ارتباط» النظام، ويمكن ~~النظر إلى النقطة الحرجة على أنها الحالة التي يمتد فيها طول الارتباط ليشمل النظام ~~بالكامل. وفي هذه الحالة، التي تعرف باسم الحالة الحرجة، يمكن للاضطرابات البسيطة - ~~التي من المفترض الشعور بها محليا فقط في أي حالة أخرى - أن تنتشر دون حد عبر النظام ~~بأسره، حتى وإن كان نظاما كبيرا لا حدود له. ومن ثم يبدو النظام وكأنه يعكس إحدى صور ~~التنسيق العام، لكنه يفعل ذلك في غياب أي سلطة مركزية. فلا حاجة لأي مركز عندما يكون ~~النظام في حالة حرجة؛ لأن كل موقع، وليس فقط المركز، يكون قادرا على التأثير على كل ~~موقع آخر. في الواقع، نظرا لأن المواقع جميعها متطابقة، ومتصلة جميعها على نحو متطابق، ~~فما من سبب يجعل أي موقع مسئولا عن غيره، ومن ثم لا يكون هناك سبب لوجود أي مركز. ~~نتيجة لذلك، لن يفيد أي قياس للمركزية في التوصل إلى السبب الجذري للسلوك الملاحظ، ~~لكن، كما كان الحال مع المثالين اللذين استعرضناهما سابقا عن الرسوم البيانية ~~العشوائية وتصفيق الجماهير، يمكن لسلسلة من الأحداث العشوائية البسيطة - أي الأحداث ~~التي يمكن عدم ملاحظتها في الظروف العادية - عند النقطة الحرجة أن تدفع النظام إلى حالة ~~منظمة بوجه عام، ليبدو بذلك أنه قد وجه إلى هذه الحالة على نحو مقصود. # يبدو كل ذلك غامضا إلى حد ما، لكنه يمثل أفضل فهم نملكه عن الكيفية التي يمكن ~~للأحداث الواقعة على أحد المستويات أن تؤثر بها على السمات النظامية على مستوى آخر، حتى ~~عندما لا يهتم كل عنصر بالنظام إلا بالعناصر المجاورة له مباشرة فحسب. أدت الإثارة ~~الناتجة عن هذا الاكتشاف إلى أن أصبحت دراسة «نظم اللفات» نشاطا ms052 رائجا نتج عنه آلاف ~~الأبحاث. يهتم الفيزيائيون كثيرا بنماذج اللفات، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها بسيطة، ~~ومن ثم يمكن توضيحها بسهولة، لكن السبب الأكبر هو أنها وثيقة الصلة بالكثير من الظواهر، ~~مثل النظم المغناطيسية وتجميد السوائل، وغيرها من التغيرات الدقيقة التي تطرأ على ~~الحالة، مثل بدء الموصلية الفائقة. ولا تكون التغيرات التي تطرأ على الحالة ثابتة أو ~~تدريجية، وهذا ما ستلاحظه إذا نظرت إلى كوب من الماء يتجمد أو مشيت عبر خط الثلج في ~~الجبال، ففي لحظة ما تمطر السماء، وفي اللحظة التالية تمطر ثلجا، والمغناطيس إما ينجذب ~~أو لا ينجذب. # إن التحول عبر النقطة الحرجة هو في الواقع التحول الطوري من وجهة نظر الفيزيائيين، ~~وهو الانتقال الذي يشبه إلى حد بعيد التحول بين المراحل المتصلة وغير المتصلة بأحد ~~الرسوم البيانية العشوائية. إن قدرتنا على المساواة بين اثنين من النظم غير المرتبطة - ~~فيزيائية قطعة المغناطيس وتواصلية شكل رياضي كالرسم البياني - ينبغي أن تعكس شيئا عن ~~مدى عمق نظرية التحولات الطورية، والظواهر الحرجة بوجه عام. وبصرف النظر عما إذا كنا ~~نناقش المغناطيسية أو تجمد الماء ليصبح ثلجا - وهي الإجراءات التي تنطوي على عمليات ~~فيزيائية مختلفة تماما، بل مواد مغايرة كلية أيضا - فقد ثبت أن طبيعة التحولات ~~الطورية المناظرة متماثلة! # يشار بوجه عام إلى قدرة النظم المختلفة تمام الاختلاف على إظهار نقاط تشابه جوهرية ب ~~«العمومية»، وتمثل الصحة الواضحة لهذا المفهوم أحد أعقد وأقوى ألغاز الفيزياء الحديثة. ~~ويرجع هذا إلى عدم وجود سبب واضح يفسر وجود أي شيء مشترك على الإطلاق بين النظم ~~المختلفة؛ مثل الموصلات الفائقة وقطع المغناطيس الحديدية والسوائل المتجمدة ومستودعات ~~البترول تحت الأرض، أما القوة، فترجع بالتحديد إلى وجود شيء مشترك بينها بالفعل، الأمر ~~الذي يوضح لنا أنه يمكن على الأقل فهم بعض سمات النظم شديدة التعقيد دون معرفة أي شيء ~~عن قواعدها الحاكمة أو بنيتها التفصيلية. تعرف فئات النظم التي يمكن تجاهل الكثير من ~~تفاصيلها ب «فئات العمومية»، ومن خلال معرفة جميع فئات العمومية لنوع معين من النماذج، ms053 ~~يمكن للفيزيائيين الخروج ببيانات قوية للغاية بشأن ما يمكن وما لا يمكن أن يحدث في ~~الأنواع المختلفة من النظم الفيزيائية، وذلك من خلال معرفة حقائقها الجوهرية وحسب. هذه ~~رسالة واعدة للغاية لأي شخص مهتم بفهم السلوك الناتج عن النظم الاجتماعية والاقتصادية ~~المعقدة؛ كشبكات الصداقات والشركات والأسواق المالية، وحتى المجتمعات. # إحدى العقبات الرئيسية التي تقف في طريق بناء نماذج بسيطة لوصف هذه الأنظمة هي عدم ~~فهم الكثير عن القواعد الأساسية التي تدفعها. قال أينشتاين ذات مرة إن الفيزياء تتعامل ~~مع المشكلات السهلة. لا يعني ذلك أن الفيزياء سهلة، لكن الفيزيائيين يبدءون عادة وهم ~~يملكون فكرة منطقية عن المعادلات الحاكمة للموضوع المدروس، حتى وإن كان ذلك مع أكثر ~~المشكلات صعوبة وعدم قابلية للحل؛ مثل اضطرابات السوائل والجاذبية الكمية، وقد لا ~~يتمكنون من حلها، أو حتى فهم جميع تبعات الحلول التي يمكن أن يتوصلوا إليها، لكنهم على ~~الأقل يمكن أن يتفقوا على ما سيتم حله في المقام الأول. يواجه علماء الاقتصاد والاجتماع ~~مستقبلا أكثر ظلمة؛ فبعد قرنين من الجهود الشاقة، تظل القواعد الحاكمة للسلوك ~~الاقتصادي والاجتماعي الفردي غير محسومة. # قد تكون أنجح المحاولات الهادفة للوصول لنظرية عامة لصناعة القرار في العلوم ~~الاجتماعية هي ما يعرف ب «نظرية التوقعات العقلانية»، أو «العقلانية» فحسب، وبعد أن ~~تطور مفهوم العقلانية على يد علماء الاقتصاد والرياضيات، بهدف إضفاء بعض الصلابة ~~العلمية على المناقشات الدائرة عن السلوك البشري، أصبح مفهوم العقلانية هو المعيار ~~الفعلي الذي يجب مقارنة جميع التفسيرات الأخرى به، ومع الأسف - وكما سنرى في فصول لاحقة ~~من هذا الكتاب - تضع العقلانية عددا من الافتراضات المخزية للغاية بشأن القدرات ~~المعرفية والميول البشرية، ويتطلب الأمر سنوات عديدة من التدريب على النظرية الاقتصادية ~~لأخذ هذه الافتراضات على محمل الجد. وما يزيد الأمر سوءا هو أنه لا يبدو أن أحدا قد ~~توصل إلى أي شيء أفضل من ذلك. # في خمسينيات القرن العشرين، اقترح هيربرت سايمون وآخرون صيغة تبدو أكثر منطقية لمفهوم ~~العقلانية، تعرف باسم «العقلانية المحدودة»، تخفف من وطأة بعض ms054 الافتراضات بعيدة ~~الاحتمال للنظرية السابقة دون التخلي عن أساسها الأكثر منطقية. ومع اتفاق معظم علماء ~~الاقتصاد على أن إحدى صور العقلانية المحدودة لا بد أن تكون صحيحة في الواقع، ومع حصول ~~سايمون على جائزة نوبل تكريما له على أفكاره، فالمشكلة تكمن في أنه ما إن يبدأ المرء ~~في انتهاك افتراض السلوك المنطقي تماما، فلا سبيل لمعرفة متى يجب التوقف. ومثلما لا ~~توجد وسيلة وحيدة لجعل الرسوم البيانية العشوائية غير عشوائية، يوجد الكثير من الوسائل ~~لتحديد العقلانية، الأمر الذي لن يجعلنا واثقين أبدا من أننا نستخدم الوسيلة ~~الصحيحة. # على هذا تكون فكرة العمومية مغرية للغاية؛ لأنها تزعم أننا لسنا في الواقع بحاجة إلى ~~معرفة القواعد المفصلة للتفاعل والسلوك على المستوى الدقيق؛ فعلى الأقل هناك بعض ~~الأسئلة التي يمكننا الإجابة عنها دون هذه القواعد. وهذه فكرة واعدة حقا، فما المشكلة ~~إذن؟ إننا نتفهم العمومية منذ عقود، إلى جانب أن نظرية الظواهر المهمة التي نشأت حول ~~تطبيقات مثل المغناطيسية والموصلية الفائقة تعد أحد مجالات الفيزياء الناضجة. لماذا إذن ~~لا نفهم الأوبئة وأعطال الطاقة وانهيارات أسواق الأوراق المالية؟ # تتمثل المشكلة الرئيسية في أن الفيزيائيين طوروا أدواتهم للتعامل مع مسائل الفيزياء، ~~وليس المسائل الاقتصادية أو الاجتماعية، وأحيانا يمثل هذا الأمر عائقا. على سبيل ~~المثال، اعتاد الفيزيائيون التفكير في التفاعلات بين الذرات في إطار شبكي واضح؛ لذا، ~~عندما يحاولون تطبيق أساليبهم على التفاعلات البشرية، يفترضون عادة أن الناس يتفاعلون ~~مثلما تفعل الذرات بالضبط، وتكون النتيجة أن المنهج يبدو مثيرا للإعجاب، ويؤدي إلى ~~الكثير من النتائج الرائعة، لكنه لا يحل المشكلة الفعلية؛ وذلك لأنه غير مرتبط بالمشكلة ~~الفعلية. ومهما تكن جميع الجوانب الرائعة للعمومية، فإن بعض التفاصيل لها أهمية بالفعل، ~~وهنا يأتي دور أشخاص مثل علماء الاجتماع؛ فنظرا لقضائهم حياتهم في دراسة العالم ~~الاجتماعي، فهم يعرفون بالفعل بعض الأشياء عن كيفية عمله، وتمثل رؤاهم عنصرا لا غنى ~~عنه في أي نموذج مفيد. # مع ما تبدو عليه هذه النقطة الأخيرة من بديهية، فإنها تثير دائما دهشة معظم ~~الفيزيائيين ms055 الذين نادرا ما يشعرون بحاجة لاستشارة أي شخص آخر قبل الاستئثار بالمسألة ~~التي يدرسونها، ومن الضروري أن يتغير ذلك لتحقيق أي تقدم حقيقي. يتسم الأكاديميون ~~بعنادهم؛ فنادرا ما ينزعون إلى تخطي حدود فروع المعرفة التي يتخصصون فيها، لكن في عالم ~~الشبكات، يكون لدى علماء الاجتماع والاقتصاد والرياضيات والكمبيوتر والأحياء والمهندسين ~~والفيزيائيين شيء ما يقدمونه بعضهم لبعض والكثير ليتعلموه، فليس هناك فرع واحد من ~~المعرفة، أو توجه واحد يحكم قبضته على علم الشبكات الشامل، وليس من المحتمل حدوث ~~ذلك. وأي فهم عميق لبنية الشبكات الحقيقية لا يمكن أن يحدث إلا من خلال تزاوج فعلي ~~للأفكار والبيانات المتناثرة بجميع أنحاء المجال الفكري، التي يمثل كل منها جزءا من ~~الأحجية بما تحمله من تاريخ وتصورات، لكن دون أن يكون أي منها مفتاحا لحل الأحجية ~~نفسها، وكما هو الحال في أحجية الصورة المقطعة، يتمثل مفتاح الحل في الطريقة التي ~~تتداخل بها جميع الأجزاء لتكون صورة واحدة متحدة، وهذه الصورة - كما سنرى في الفصول ~~التالية - بعيدة كل البعد عن الكمال، لكن نظرا لجهود الكثير من الباحثين في العديد من ~~المجالات، والمحاولات الفكرية العديدة التي يمكن البناء عليها، بدأت ملامح الصورة ~~أخيرا في الظهور. # الفصل الثالث # | عوالم صغيرة # عندما بدأ التعاون بيني وبين ستيف ستروجاتس، لم نكن على علم بأي من هذه الأمور. ولم يكن ~~لدى أي منا فكرة عن رابوبورت أو جرانوفتر، أو أي معرفة في الواقع بالشبكات الاجتماعية ~~على الإطلاق، كان لدى كل منا بعض المعلومات عن الفيزياء فحسب؛ نظرا لتخصصي فيها في ~~الكلية، لكنها كانت أكاديمية عسكرية، وما حصلته من معرفة - ما بين التدريب العسكري ~~والمغامرات الخارجية والمشاغل الدنيوية العامة لأي شاب في البحرية - كان بعيدا وليس ذا صلة ~~مباشرة قوية بأي من هذه الموضوعات. شكلت نظرية الرسوم البيانية لغزا أيضا، ونظرا لكون ~~نظرية الرسوم البيانية فرعا من الرياضيات الخالصة، يمكن تقسيمها إلى مكونين؛ الأقرب إلى ~~الوضوح والمبهم تماما، أما الجانب الواضح، فقد تعلمته من أحد الكتب الدراسية، وبعد بضع ~~محاولات غير مجدية ms056 مع الجانب الآخر، أقنعت نفسي أن الأمر لم يكن مشوقا على أي حال. # وصل بنا كل هذا القدر من الجهل الشديد إلى وضع حرج، فكان لدينا يقين مقنع بأنه لا بد أن ~~أحدا ما فكر في هذه المشكلة من قبل، وساورنا القلق بشأن إهدار وقت طويل في دراسة ما جرى ~~دراسته من قبل بالفعل، بل إننا فكرنا أيضا أننا إذا شرعنا في البحث في الأمر، يمكن أن يثبط ~~من عزيمتنا القدر الذي حققه آخرون بالفعل، أو نقع في شرك التفكير في المسألة من وجهة ~~النظر نفسها، والتعلق بالأفكار نفسها التي امتلكها آخرون، وبعد أن قضيت شهرا بالمنزل في ~~أستراليا لأفكر في الأمر، قابلت ستيف في مكتبه في يناير من عام 1996، واتخذنا القرار بأن ~~نخوض التجربة وحدنا. لم نخبر أحدا، ولم نقرأ أي شيء تقريبا، وتخلينا عن مشروع صراصير ~~الليل، وحاولنا إقامة بعض النماذج البسيطة للغاية من الشبكات الاجتماعية للبحث عن سمات مثل ~~ظاهرة العالم الصغير. لا شك أن ستيف شعر بضرورة حمايتي من نفسي، فأصر على أن نمنح الأمر ~~أربعة أشهر فحسب - أي فصلا دراسيا واحدا - وبعد ذلك إذا لم نحقق بعض التقدم الملحوظ، ~~فسنقر بهزيمتنا ونعود إلى صراصير الليل، في أسوأ الأحوال، سيتأجل تخرجي فصلا دراسيا ~~واحدا، وما دام سيسعدني ذلك، فلم لا؟ ~~(1) مساعدة بسيطة من الأصدقاء # في تلك المرحلة كان قد مر على إقامتي في إيثاكا ما يزيد عن عامين، وبدأت أشعر بأنه ~~أصبح لي وطن جديد وأصدقاء جدد، لكن ظل لدي شعور بالاتصال الوثيق بأصدقائي القدامى، لكن ~~طرأ على ذهني أنه إذا سئل أي طالب عادي بجامعة كورنيل بشأن مدى الارتباط الذي يشعر به ~~تجاه أي شخص عشوائي في أستراليا، فستكون الإجابة على الأرجح: «لا أعرفه جيدا.» في ~~النهاية، لم يقابل معظم أصدقائي الموجودين في أمريكا أستراليا من قبل، وعدد قليل فقط ~~من أصدقائي الأستراليين على معرفة بأمريكيين. تقع الدولتان بطرفين متقابلين من كوكب ~~الأرض، وعلى الرغم من بعض التشابه الثقافي، والقدر الكبير من الانجذاب المتبادل، ينظر ms057 ~~أغلب سكان كل منهما للدولة الأخرى على أنها بعيدة تماما، بل غريبة أيضا، ومع ذلك، ~~كانت هناك على الأقل مجموعة صغيرة من الأمريكيين ومجموعة صغيرة من الأستراليين على ~~معرفة وثيقة بعضهم ببعض بالفعل، مع أنهم قد لا يكونون على علم بذلك، وذلك بفضل صديق ~~واحد مشترك؛ أنا. # ينطبق الأمر نفسه على نطاق أصغر بين المجموعات المختلفة لأصدقائي في جامعة كورنيل. ~~كنت أدرس بقسم الميكانيكا النظرية والتطبيقية، وهو قسم صغير للدراسات العليا فاق فيه ~~عدد الطلاب الأجانب الأمريكيين، قضيت قدرا هائلا من الوقت في ذلك القسم، وتعرفت ~~على طلاب الدراسات العليا الآخرين جيدا، لكنني كنت معلما أيضا لتسلق الصخور والتزلج ~~على الجليد في برنامج كورنيل التعليمي الخارجي، ومعظم من لا يزالون أصدقائي من جامعة ~~كورنيل حتى الآن كانوا طلابا أو معلمين في ذلك البرنامج الخارجي. وأخيرا، فقد أقمت في ~~مسكن كبير للطلبة في عامي الأول، وكونت بعض الصداقات الجيدة هناك. كان زملائي في الصف ~~يعرف بعضهم بعضا، وأصدقائي بمسكن الطلبة يعرف بعضهم بعضا، وأصدقائي بالبرنامج الخارجي ~~يعرف بعضهم بعضا، ومع ذلك، فإن هذه المجموعات المختلفة كانت جميعها «متباينة» تماما، ~~فخلا المجيء لزيارتي، لم يكن لدى أصدقائي، في برنامج التسلق مثلا، أي سبب لزيارة القسم ~~الذي كنت أدرس فيه بقاعة كيمبل، وكانوا يعتبرون (ولهم بعض العذر في ذلك) طلاب الدراسات ~~العليا في الهندسة نوعا مختلفا من البشر. # إن إمكانية امتلاك شخصين لصديق مشترك ~~يعتبره كلاهما «مقربا»، ونظرة كل منهما للآخر مع ذلك على أنهما «غريبان»، تمثل ~~أحد مظاهر الحياة الاجتماعية التي تبدو شائعة، لكنها شديدة الغموض في الوقت نفسه. يمثل ~~هذا التناقض محور مسألة العالم الصغير، وهذا ما سنتعرف عليه في الفصل # الخامس ~~، ومن خلال حله لن نتمكن من فهم نتائج ميلجرام فقط، بل ~~أيضا فهم عدد من مشكلات الشبكات الأخرى التي تبدو ظاهريا لا علاقة لها على الإطلاق ~~بعلم الاجتماع، لكن ذلك سيتطلب مزيدا من العمل. يكفي الآن القول إننا لا نمتلك أصدقاء ~~فحسب، بل مجموعات من الأصدقاء، يحدد كل منها ms058 مجموعة معينة من الظروف - أي سياق ما، مثل ~~مسكن الطلبة بالجامعة أو مكان العمل الحالي - وتؤدي هذه الظروف إلى تعرف بعضنا على ~~بعض. وداخل كل من هذه المجموعات يوجد العديد من الروابط بين الأفراد، مع ندرة الروابط ~~عادة بين المجموعات المختلفة. # مع ذلك تتصل هذه المجموعات بعضها ببعض بالفعل، وذلك بفضل الأفراد الذين ينتمون إلى ~~أكثر من مجموعة واحدة، وبمرور الوقت، يمكن أن تزداد قوة هذه التداخلات بين المجموعات، ~~ويقل وضوح الحدود بينها، وذلك من خلال بدء أفراد ينتمون لإحدى المجموعات في التفاعل مع ~~أفراد من مجموعة أخرى عن طريق صديق مشترك. فعلى مدار الأعوام التي قضيتها في جامعة ~~كورنيل، التقت المجموعات المختلفة من أصدقائي أخيرا، وصاروا أصدقاء فيما بينهم، هذا ~~وقد حضر أيضا بعض أصدقائي الأستراليين لزيارتي، وبالرغم من عدم البقاء مدة كافية تسمح ~~لهم بإقامة أي علاقات دائمة، صارت الحدود بين الدولتين الآن، إلى حد ما، أقل بروزا من ~~ذي قبل. # بعد التفكير في هذه الأمور عدة مرات، والتجول بأرجاء حرم جامعة كورنيل قارس البرودة، ~~قررت أنا وستيف أن هناك أربعة عناصر نريد تضمينها في نموذجنا؛ العنصر الأول هو أن ~~الشبكات الاجتماعية تتضمن الكثير من المجموعات الصغيرة المتداخلة المرتبطة بعضها ببعض ~~داخليا بقوة، ويرجع تداخلها للأفراد المنتمين إلى العديد من المجموعات. والعنصر ~~الثاني هو أن الشبكات الاجتماعية تفتقر إلى الثبات؛ فتقام علاقات جديدة طوال الوقت، ~~وتقطع علاقات قديمة. وثالثا، لا تتساوى جميع العلاقات المحتملة في إمكانية حدوثها؛ ~~فتعتمد هوية من سأعرفه غدا على من أعرفه اليوم، إلى حد ما على الأقل. أما السمة ~~الأخيرة فتمثلت في أننا نقوم أحيانا بأفعال مستمدة بالكامل من سماتنا وتفضيلاتنا ~~الجوهرية، ويمكن أن تؤدي بنا هذه الأفعال إلى الالتقاء بأناس جدد لا علاقة لهم ~~بأصدقائنا السابقين على الإطلاق. على سبيل المثال، كان قراري بالانتقال إلى أمريكا ~~مدفوعا برغبتي في الالتحاق بالدراسات العليا فحسب، ولم أكن أعرف أي شخص عند ذهابي إلى ~~هناك، ولم يكن أحد يعرفني أيضا، كان قراري أيضا بتدريس تسلق الجبال ms059 غير متأثر ~~باختياري للقسم، وكذلك مسكن الطلبة الذي أقمت فيه. # بعبارة أخرى، يرجع السبب فيما نفعله - في جزء منه - إلى الوضع الذي نشغله في البنية ~~الاجتماعية المحيطة بنا، وفي جزء آخر إلى خصائصنا وتفضيلاتنا الفطرية ، وتعرف هاتان ~~القوتان في علم الاجتماع ب «البنية» و«الفاعلية»، ويكون تطور الشبكة الاجتماعية مدفوعا ~~بالتبادل بين الاثنتين. نظرا لأن الفاعلية جزء من عملية صنع القرار لدى الفرد، ولا ~~تقتصر على وضعه في البنية، فإن الأفعال الناتجة عنها تبدو كأحداث عشوائية للآخرين، لكن ~~بالطبع تعد قرارات من قبيل الانتقال إلى دولة أخرى أو الالتحاق بالدراسات العليا ~~نتيجة لمزيج معقد من الجانب النفسي والتاريخ الشخصي للمرء، وليست عشوائية على الإطلاق، ~~لكن الفكرة هي أنه ما دامت الشبكة الاجتماعية الحالية لم تحدد هذه القرارات بوضوح، ~~فيمكن أن نتعامل معها «كما لو كانت» عشوائية. # لكن ما إن تحدث هذه الارتباطات، التي قد تبدو عشوائية، حتى تدخل البنية ثانية في ~~الصورة، وتصبح التداخلات الناشئة حديثا جسورا يمكن للأفراد المرور عليها وإقامة ~~المزيد من الارتباطات الخاصة بهم، ومن ثم يكون التطور الديناميكي للعلاقات في الشبكات ~~الاجتماعية مدفوعا بالتوازن بين قوى متعارضة. من ناحية، يتخذ الأفراد ما يبدو قرارات ~~عشوائية ليدخلوا في سياقات اجتماعية جديدة، ومن ناحية أخرى، تقيدهم الصداقات الحالية ~~التي تمكنهم من تعزيز هياكل المجموعات القائمة بالفعل. السؤال المحوري هنا هو: ما مدى ~~أهمية كل جانب للآخر؟ # من الواضح أننا لم نعلم الإجابة عن هذا السؤال، بل كنا موقنين أيضا أن أحدا غيرنا ~~لا يعلمها؛ فالعالم في النهاية مكان معقد، وهذا النوع من التوازن غير الواضح الذي يصعب ~~قياسه بين القوى المتعارضة هو بالضبط ما يجعله معقدا. ولحسن الحظ، فإن هذا النوع من ~~التشابكات التجريبية هو ما تنجح فيه النظريات، وبدلا من محاولة إقامة التوازن بين ~~إرادة الأفراد والبنية الاجتماعية - أي بين العشوائية والنظام - الذي ينعكس بالفعل في ~~العالم الحقيقي، يمكننا أن نطرح السؤال الآتي: ما الذي يمكننا تعلمه من خلال ملاحظة ~~كل العوالم الممكنة؟ بعبارة أخرى، فكر في الأهمية ms060 النسبية لكل من النظام والعشوائية ~~كعامل متغير يمكننا ضبطه للتنقل بين مجموعة من الاحتمالات، بالضبط كما يسمح لنا زر ضبط ~~الإرسال في مذياع قديم بالبحث بين مجموعة من الترددات الإذاعية. # من ناحية، يقيم البعض صداقاتهم الجديدة ~~«دوما» من خلال أصدقائهم الحاليين، في حين لا يفعل البعض الآخر ذلك «مطلقا». لا تتسم ~~أي من هاتين الحالتين بالواقعية، لكن هذا هو الهدف الذي سعينا وراءه؛ فمن خلال اختيار ~~حدود قصوى غير واقعية، طمحنا في أن نعثر بنقطة ما في الأرضية المشتركة الفوضوية بين هذه ~~الحدود على صورة من الحقيقة يمكن تصديقها، وحتى إذا لم نتمكن من تحديد هذه النقطة ~~بالضبط، كان أملنا هو أن يكون الكثير مما يوجد بين هذين الحدين متماثلا على نحو محدد. ~~ما كنا نبحث عنه لم يكن نوعا واحدا من الشبكات يشكل نموذجا لشبكة اجتماعية، بل فئة ~~من الشبكات يمكن أن يختلف كل منها عن الآخر في التفاصيل، لكن سماتها الجوهرية لا ~~تعتمد على تلك التفاصيل. # استغرق البحث عن النموذج السليم بعض الوقت، فقد اتضح أن مفهوم بنية المجموعات، الذي ~~بدأنا به، أصعب في فهمه فهما دقيقا مما كنا نتوقع، لكن في النهاية جاء الاكتشاف، ~~وكالعادة، ركضت مسرعا عبر الرواق وصولا إلى مكتب ستيف، وطرقت الباب بقوة حتى توقف عما ~~كان يحاول فعله، وسمح لي بالدخول. ~~(2) من سكان الكهوف إلى أهالي سولاريا # قد لا يبدو الأمر مدهشا، لكنني كنت من أشد المعجبين بإسحاق آزيموف في صباي، ~~وتحديدا، قرأت أكثر من مرة أشهر سلسلتين له، وهما: «ثلاثية التأسيس» وسلسلة «الإنسان ~~الآلي». الغريب في الأمر أن التاريخ النفسي لهاري سيلدون، البطل الرئيسي في ثلاثية ~~«التأسيس»، كان هو على الأرجح أول ما جعل فكرة النشوء في النظم الاجتماعية تطرأ على ~~ذهني؛ يقول سيلدون إنه على الرغم من التعقيد والتقلب اللذين يتسم بهما سلوك الأفراد إلى ~~حد بعيد، فسلوك الجماهير، بل الحضارات، يتميز بالقابلية للتحليل والتوقع. بقدر ما اتسمت ~~به رؤية آزيموف من غرابة عند إدراكها في أوائل خمسينيات القرن العشرين، فقد ms061 كانت متميزة ~~أيضا؛ نظرا لتوقعها الكثير مما تسعى دراسة النظم المعقدة إلى فعله الآن. لكن ما أردت ~~التحدث مع ستيف بشأنه كان سلسلة «الإنسان الآلي». # في الجزء الأول من هذه السلسلة، «الكهوف الفولاذية»، يحلل المحقق إليجا بالي لغز ~~جريمة قتل على كوكب مستقبلي بني بالكامل تحت الأرض، وأثناء فعل ذلك، يتأمل إليجا أيضا ~~الجوانب الغامضة في حياته وعلاقاته مع غيره من البشر. من بين الجموع الغفيرة من البشر ~~المتكدسين في الكهوف المصنوعة من الفولاذ، يعرف بالي جيدا مجموعة صغيرة شديدة الترابط ~~من الناس، ولا أحد غيرهم تقريبا. لا يتبادل الغرباء أطراف الحديث، والتفاعلات بين ~~الأصدقاء جسمانية وشخصية. أما في الجزء الأخير، «الشمس المجردة»، يرسل بالي في مهمة ~~إلى كوكب سولاريا المستعمر، الذي يعكس تفاعلات اجتماعية مغايرة تماما لما اعتاد ~~عليه، الأمر الذي يزعجه. على عكس أهالي الأرض، يعيش أهالي سولاريا على سطح كوكب قليل ~~الكثافة السكانية، ويقطنون مقاطعات ضخمة في عزلة تامة، لا يصاحبهم فيها إلا أناس آليون، ~~ويتفاعل بعضهم مع بعض (بل ومع أزواجهم) افتراضيا من خلال مرفق عالمي للتواصل عن ~~بعد. على الأرض يعيش الأفراد الحياة في ظل ما توفره الروابط التعزيزية التبادلية ~~المتداخلة من أمان، ويصعب تصور بدء علاقة مع شخص غريب عشوائي، أما على كوكب سولاريا، ~~فيمكن إجراء جميع التفاعلات على حد سواء، والعلاقات السابقة غير مهمة نسبيا لإقامة ~~علاقات جديدة. # تخيل إذن عالمين - عالما من الكهوف وآخر من العلاقات العشوائية المستقلة - واطرح ~~هذا السؤال: كيف تتشكل العلاقات الجديدة في كل من هذين العالمين؟ وبخاصة، فكر في ~~احتمال مقابلة شخص معين عشوائيا بناء على عدد الأصدقاء المشتركين الحاليين بينك وبين ~~هذا الشخص. في عالم أهالي الكهوف، يشير غياب المعارف المشتركين إلى أنكما تعيشان في ~~«كهفين» مختلفين، ومن ثم من المحتمل ألا تتقابلا أبدا، لكن إذا كان لديكما صديق واحد ~~مشترك، فمعنى ذلك أنكما تعيشان في المجتمع ذاته، وتتحركان في الدوائر الاجتماعية نفسها، ~~ومن ثم يكون من المرجح للغاية أن يتعرف أحدكما على الآخر. من الواضح أن ms062 ذلك سيكون ~~مكانا غريبا للعيش فيه، لكن مرة أخرى الهدف هو البحث عن الحدود القصوى. وعلى النقيض ~~تماما - كما هو الحال في سولاريا - سيكون تاريخك الاجتماعي غير مرتبط بمستقبلك، وإن ~~كان لدى شخصين العديد من الأصدقاء المشتركين، فلا تزيد احتمالية تقابلهما عما إذا لم ~~يكن لديهما أي أصدقاء مشتركين. # شكل 3-1: نوعان متناقضان تماما ~~من قواعد التفاعل. في المنحنى العلوي (عالم الكهوف)، يشير ضمنا وجود ~~صديق مشترك واحد فحسب إلى احتمال قوي لمقابلة (أ) و(ب)، أما في المنحنى ~~السفلي (عالم سولاريا)، فتتساوى جميع التفاعلات في عدم احتماليتها، ~~بصرف النظر عن عدد الأصدقاء المشتركين بين (أ) و(ب). # يمكن التعبير بدقة أكبر عن هذه المبادئ العامة لاختيار أصدقاء جدد من خلال ما يمكننا ~~تسميته «قواعد التفاعل». في إطار نموذجنا، يمكننا بناء شبكة من نقاط التلاقي التي يتصل ~~بعضها ببعض عن طريق الروابط الاجتماعية (ولنتخيل أنها صداقات، وإن لم يكن ذلك ~~ضروريا)، ثم السماح لهذه الشبكة بالتطور مع الوقت مع تكوين الأفراد لصداقات جديدة ~~وفقا لقاعدة تفاعل محددة، ويمكن فهم نوعي العالم المتباينين؛ عالم الكهوف وسولاريا، ~~على سبيل المثال، من خلال القواعد الموضحة في الشكل # 3-1 ~~، فيمكننا ~~ملاحظة أن إمكانية إقامة علاقة صداقة بين شخصين يحددها عدد الأصدقاء المشتركين بينهما ~~في الوقت الحالي، لكن الكيفية المحددة التي يتحدد بها ذلك تختلف اختلافا كبيرا ما بين ~~قاعدة وأخرى. يعبر المنحنى العلوي عن عالم الكهوف؛ لأنه بمجرد أن يملك أي فردين صديقا ~~واحدا مشتركا فقط، تكون هناك نزعة قوية لأن يصبحا أصدقاء، وعلى النقيض من ذلك، يعبر ~~المنحنى السفلي عن عالم سولاريا الذي لا يكون فيه للعدد الكبير من الأصدقاء المشتركين ~~سوى تأثير بسيط على نزعة الناس إلى التفاعل، ومن ثم - في جميع الظروف تقريبا - يتفاعل ~~الناس عشوائيا. # شكل 3-2: تقع بين الحدين المتقابلين مجموعة كاملة من قواعد التفاعل، كل واحدة ~~منها تحددها قيمة معينة من المتغير القابل للضبط ألفا ~~. عندما يكون α = 0، فنحن في عالم الكهوف، ~~وعندما تساوي قيمة α ما لانهاية، فنحن في ms063 سولاريا. # تكمن المزية العظيمة لصياغة قواعد تطور الشبكات على هذا النحو في أنه - كما هو واضح ~~في الشكل # 3-2 ~~- يمكن التعبير عن تسلسل القواعد الوسيطة على صورة ~~منحنيات تقع بين هذين الحدين، ويعبر كل من هذه القواعد عن نزعة فردين لأن يصبحا ~~أصدقاء بناء على عدد الأصدقاء المشتركين بينهما في ذلك الوقت، لكنها تختلف من حيث مدى ~~أهمية الأصدقاء المشتركين. من الناحية الرياضية، يمكن التعبير عن هذه المجموعة الكاملة ~~من القواعد في صورة معادلة تتضمن «متغيرا واحدا قابلا للضبط»، ومن خلال تعديل، أو ~~«ضبط»، هذا المتغير بين صفر وما لا نهاية، يمكننا اختيار إحدى قواعد التفاعل الموضحة في ~~الشكل # 3-2 ~~، ثم بناء شبكة تتطور وفقا لهذه القاعدة. وما أقمناه هو ~~نموذج رياضي لشبكة اجتماعية؛ ونظرا لأن هذا كان هو نموذج الشبكة الأول الذي وضعته أنا ~~وستيف، أطلقنا عليه - نظرا لعدم وجود اسم أفضل - «النموذج ألفا»، ومن ثم سمي المتغير ~~الذي يدفع السلوك به بالاسم «ألفا». # كان النموذج ألفا قريبا للغاية في مضمونه من شبكات أناتول رابوبورت المائلة إلى ~~العشوائية، على الرغم من عدم معرفتنا بهذا في ذلك الوقت. وشأننا شأن رابوبورت، اكتشفنا ~~سريعا أنه من المستحيل حل أي شيء باستخدام قلم رصاص وورقة فحسب، لكن لحسن حظنا، كانت ~~خمسة عقود من التطور التكنولوجي قد أثمرت عن أجهزة كمبيوتر سريعة بما يكفي لأداء المهمة ~~بسرعة فائقة. إن المشكلات المتعلقة بديناميكيات الشبكات مناسبة على نحو مثالي للمحاكاة ~~بالكمبيوتر، فيمكن لقواعد بسيطة للغاية، على مستوى الأفعال الفردية، التسبب في تعقد ~~مربك عندما يتفاعل عدد كبير من الأفراد بعضهم مع بعض على مدار الوقت، فيتخذ كل منهم ~~قرارات تعتمد بالضرورة على قرارات الماضي، وتكون النتائج في أحيان كثيرة مناقضة ~~للتوقعات البديهية، ونادرا ما تنجح حسابات الورقة والقلم وحدها في تناول ذلك، لكن ~~أجهزة الكمبيوتر تعشق مثل هذه الأمور؛ فهي مصممة خاصة للتعامل مع التكرار فائق السرعة ~~اللامتناهي للقواعد البسيطة. وعلى النحو نفسه الذي يجري به الفيزيائيون التجارب في ~~المعامل، مكنت أجهزة الكمبيوتر علماء الرياضيات ms064 من التجريب، فصاروا قادرين على اختبار ~~نظرياتهم في عدد كبير من المعامل الخيالية، حيث يمكنهم تعديل قواعد الواقع حسبما ~~يشاءون. # لكن ما طبيعة الأمور التي كان يفترض بنا اختبارها؟ تذكر أن المشكلة التي أردنا ~~فهمها - أصل ظاهرة العالم الصغير - بدت أنها تعتمد على وجود سمتين متناقضتين ظاهريا ~~للشبكات الاجتماعية؛ فمن ناحية، يجب أن تعكس الشبكة معامل تكتل كبيرا؛ بمعنى أنه في ~~المتوسط تزيد احتمالية معرفة أصدقاء شخص ما بعضهم لبعض مقارنة بشخصين يقع عليهما ~~الاختيار عشوائيا، ومن ناحية أخرى، يجب أن يكون من الممكن ربط شخصين اختيرا ~~عشوائيا من خلال سلسلة مكونة من عدد قليل من الوسطاء فحسب، ومن ثم سيرتبط الأفراد ~~المنفصلون بوجه عام من خلال سلاسل قصيرة أو «مسارات» في الشبكة. كل سمة من هاتين ~~السمتين قليلة الأهمية وحدها، لكن لم يكن من الواضح على الإطلاق كيف يمكن الجمع بينهما. ~~يتسم عالم الكهوف الذي عاش فيه إليجا بالي، على سبيل المثال، بالتكتل الشديد على نحو ~~واضح، لكن حدسنا يشير إلى أنه إذا كان جميع الناس الذين نعرفهم يعرف بعضهم بعضا فقط، ~~فسيكون من العسير للغاية ربط أنفسنا من خلالهم بباقي العالم في بضع خطوات فحسب. يمكن أن ~~يكون كل هذا التكرار المحلي جيدا لالتحام المجموعات، لكن من الواضح أنه لا يجدي نفعا ~~في تعزيز التواصل العام، على النقيض من ذلك، من المرجح على نحو أكبر أن يعكس مجتمع ~~سولاريا مسارات شبكية أقصر. في الواقع، عندما يتفاعل الناس عشوائيا تماما، يكون ~~الطول المعتاد - وفق نظرية الرسوم البيانية - لأي مسار بين أي فردين قصيرا، لكن من ~~السهل أيضا توضيح أنه في أي رسم بياني عشوائي، يصبح احتمال معرفة أي من أصدقائنا ~~بعضهم بعضا بلا أهمية في ظل وجود تعداد سكاني عالمي كبير للغاية، ومن ثم سيكون معامل ~~التكتل صغيرا. لذا فإن حدسنا يشير إلى أن العالم يمكن أن يكون صغيرا أو متكتلا، لكنه ~~لا يمكن أن يكون الاثنين معا، لكن أجهزة الكمبيوتر لا تعنى بالحدس. ~~(3) عوالم صغيرة # باستخدام التكتل وطول ms065 المسار كوسيلتي ~~استكشاف، شرعنا في بناء «شبكات ألفا» على الكمبيوتر. أنشأناها أولا ثم طبقنا بعض ~~الخوارزميات المعيارية لتقدير الإحصائيات المتوافقة. كانت البرمجة المطلوبة بدائية بوجه ~~عام، لكن وجب علي تعليم نفسي لغة البرمجة في تلك الأثناء، وكانت النتيجة كودا بشعا ~~وبطيئا، وقضيت في كثير من الأحيان ساعات طويلة محاولا تتبع خطأ ما تسبب في القضاء ~~على برنامجي بعد أن كان يعمل جيدا لمدة يوم أو أكثر. قد تكون المحاكاة بالكمبيوتر أقل ~~فوضوية من العالم الواقعي، لكنها من الممكن أن تكون مضنية أيضا. مع ذلك، وبعد شهر مليء ~~بالإحباط، توصلنا في النهاية إلى بعض النتائج التي يمكن التفكر فيها. # في البداية، بدا حدسنا صحيحا؛ عندما كانت قيمة ألفا منخفضة، بمعنى أن نقاط التلاقي ~~تفضل بقوة الاتصال بأصدقاء الأصدقاء فقط، كانت الرسوم البيانية الناتجة أكثر ميلا إلى ~~التكتل الشديد، لكنها، في الواقع، جزأت نفسها إلى الكثير من المكونات، أو الكهوف، ~~الصغيرة للغاية. داخل كل كهف كان كل فرد على صلة جيدة بغيره، لكن بين الكهوف المختلفة ~~لم توجد علاقات على الإطلاق. كانت هذه النتيجة غير مريحة في حقيقة الأمر؛ ذلك لأنه عند ~~تقسيم الشبكات على هذا النحو، يكون من الصعب تحديد المسافة بين نقاط التلاقي في الأجزاء ~~المختلفة، ولحسن الحظ، يمكن تخمين طول المسار الذي يؤدي إلى تفكك الشبكة. في هذه الصورة ~~من أبسط التعديلات، يقاس أقصر طول للمسارات بين أزواج نقاط التلاقي كالسابق بالضبط، ~~لكن يحسب فقط متوسط الأزواج التي تقع في المكون المتصل نفسه، وتكون النتيجة - كما هو ~~موضح في الشكل # 3-3 ~~- أن ~~الطول النموذجي للمسار يكون صغيرا عندما تكون قيمة ألفا منخفضة، وصغيرا أيضا عندما ~~تكون قيمتها عالية، لكنه يزيد كثيرا عندما تكون قيمة ألفا في مكان ما بالمنتصف. وتفسير ~~ذلك أنه عندما تكون قيمة ألفا منخفضة، يكون الرسم البياني مجزأ على نحو بالغ، لكن ~~نظرا لأن المتوسط يحسب فقط لنقاط التلاقي الموجودة في المكونات المتصلة نفسها ~~(الكهوف)، فإن صغر حجم المكونات يتسبب في قصر طول المسارات. هذا هو ms066 عالم «الكهوف ~~الفولاذية»؛ الأشخاص الذين يمكن الوصول إليهم يمكن الوصول إليهم بسهولة، والأشخاص الذين ~~لا يمكن الوصول إليهم بسهولة لا يمكن الوصول إليهم على الإطلاق. على عكس ذلك، عندما ~~تكون قيمة ألفا عالية، يكون الرسم البياني عشوائيا إلى حد بعيد . نتيجة لذلك، يظهر ~~الرسم على صورة مكون عام واحد متصل، والانفصال النموذجي بين أي زوج من نقاط التلاقي ~~يكون صغيرا، وهو الأمر الذي نعرفه عن الرسوم البيانية العشوائية. هذا هو عالم سولاريا، ~~الذي يمكن الوصول فيه إلى «كل شخص» بالقدر نفسه تقريبا من السهولة. # شكل 3-3: طول المسار وفقا لألفا ~~. عند وصول قيمة ألفا للقيمة الحرجة، تدخل الكثير من ~~نقاط التلاقي لتصل بين الشبكة بأكملها، التي ينكمش طولها ~~سريعا. # تشير القمة الموجودة في منتصف الشكل # 3-3 # إلى مكان السلوك المثير ~~للاهتمام؛ على يسار هذه القمة، ومع زيادة قيمة ألفا، ترتبط الأجزاء سريعا معا، الأمر ~~الذي يؤدي إلى زيادة كبيرة في طول المسار الظاهر. يكبر العالم حجما، لكنه يفعل ذلك لأن ~~المكونات التي كانت منعزلة في السابق تبدأ في الاتصال بعضها ببعض. من الصعب الوصول إلى ~~الناس في المتوسط، لكن يمكن الوصول إلى المزيد منهم مع الوقت. أما على يمين القمة، ~~فتتصل جميع مكونات الشبكة في كيان واحد، وتبدأ أطوال المسارات المتوسطة في الانخفاض ~~سريعا مع ازدياد عشوائية قاعدة التفاعل، أما القمة نفسها، فهي نقطة حرجة؛ أي تحول طوري ~~يشبه كثيرا ذلك الذي تناولناه عند الحديث عن الرسوم البيانية العشوائية، والذي يصبح ~~عنده كل فرد متصلا، لكن طول المسار النموذجي بين الأزواج من الأفراد يكون كبيرا ~~للغاية. أعلى هذه القمة، في شبكة تتكون من مليون شخص مثلا يمتلك كل منهم مائة صديق، ~~يكون طول المسار بالآلاف، ومن الواضح أن الشبكة التي يبتعد فيها المرء عن الرئيس بآلاف ~~الدرجات تتناقض على نحو صريح مع مفهوم العالم الصغير، لكن - وهذا مهم - هذه الصورة من ~~العالم غير مستقرة بطبيعتها. وما إن يبدأ التحول الطوري، وتصير الشبكة متصلة بوجه عام، ~~حتى يبدأ متوسط طول المسار ms067 في الهبوط بحدة، ليقترب سريعا من أدنى حد له، ومع الغموض ~~الذي اكتنف الأمر في ذلك الوقت، كان ذلك الانخفاض السريع على نحو مدهش في الطول حاسما ~~كما اتضح. # أظهر معامل التكتل أيضا مسارا غير متوقع، وذلك من خلال الارتفاع، أولا، لأقصى حد ~~له عند وصول ألفا إلى قيمة منخفضة، ثم الهبوط سريعا أيضا، شأنه شأن متوسط طول المسار، ~~لكن الأمر الأكثر إثارة كان موقع هذا التحول بالنسبة إلى التحول المكافئ في طول ~~المسار؛ فنظرا لتوقعنا، من ناحية، رسوما بيانية شديدة التكتل ذات أطوال مميزة كبيرة، ~~ورسوما بيانية ضعيفة التكتل ذات أطوال مميزة قصيرة من ناحية أخرى، فقد توقعنا أن ~~يتوافق تحول كلا النوعين من الإحصائيات أيضا أحدهما مع الآخر، لكن بدلا من ذلك - كما ~~يوضح الشكل # 3-4 ~~- بدأ الطول في الانخفاض في الوقت الذي كان التكتل ~~يصل فيه إلى قيمته القصوى. # افترضنا في بادئ الأمر أن ثمة خطأ ما في الكود، لكن بعد فحص متأن وتفكير عميق، ~~أدركنا أن ما كان نصب أعيننا هو في الواقع ظاهرة العالم الصغير التي كنا نبحث عنها. ~~اشتمل العالم الذي حدده نموذجنا على نظام تعكس فيه الشبكات تكتلا محليا قويا ~~للكهوف غير المتصلة فيما بينها، لكنها متشابكة بحيث يمكن الوصول إلى أي نقطة تلاق من ~~خلال أي نقطة أخرى في بضع خطوات فحسب في المتوسط، وقد أطلقنا على هذه الفئة من الشبكات ~~اسم «شبكات العالم الصغير»، وهو الاسم الذي قد لا يكون أكثر التصنيفات العلمية دقة، ~~لكنه يتمتع بمزية كونه جذابا. حظيت شبكات العالم الصغير منذ ذلك الحين بالكثير من ~~الاهتمام، وفي حين غفل تماما عن نموذج ألفا الأصلي في مكان ما بين كل هذا الصخب، فلا ~~يزال هذا النموذج قادرا على تعليمنا بعض الأمور عن ~~العالم. # شكل 3-4: مقارنة بين طول المسار (ط) ومعامل التكتل (م). تمثل المنطقة بين ~~المنحنيين، حيث يكون (ط) صغيرا، و(م) كبيرا (الجزء المظلل)، وجود ~~شبكات العالم الصغير. # أول ما يخبرنا به النموذج ألفا هو إما أن العالم ms068 سيتجزأ إلى الكثير من التكتلات ~~الصغيرة، كالكهوف المنعزلة، أو سيتصل في صورة مكون واحد ضخم يمكن لأي شخص الاتصال ~~بالآخر فعليا في إطاره. ليس من الممكن، على سبيل المثال، وجود مكونين كبيرين أو حتى ~~مجموعة صغيرة من المكونات الكبيرة يقسم فيما بينها العالم بالتساوي. قد تبدو هذه ~~النتيجة مدهشة؛ لأن العالم يبدو عادة مقسما عبر الحدود الجغرافية أو الأيديولوجية أو ~~الثقافية إلى عدد صغير من الطوائف المتباينة؛ الشرق والغرب، الأسود والأبيض، الغني ~~والفقير، اليهودي والمسيحي والمسلم. ومع أن هذه الانقسامات قد توجه أفكارنا، ومن ثم ~~تؤثر على أفعالنا بطرق هامة، فإن ما يخبرنا به النموذج ألفا هو أنها لا تنطبق على ~~الشبكة نفسها، فنحن إما متصلون اتصالا وثيقا، أو غير متصلين على الإطلاق، ما من وسط ~~بين هذا وذاك. # بالإضافة إلى ذلك، اتضح أن حالة الاتصال الوثيق يزيد احتمال حدوثها بكثير عن حالة ~~الانقسام الشديد. ويجب أن نتذكر هنا أن المتغير ألفا يمثل توازنا بين قيود البنية ~~الاجتماعية وحرية فاعلية الفرد. من الصعب حاليا تفسير طبيعة ألفا كمتغير؛ لذا من غير ~~الواضح بالضبط ما يعنيه تحديد قيمة معينة له في العالم الواقعي، ومع ذلك، ما إن نتعرف ~~أكثر على الشبكات حتى يتضح أن أي زيادة ولو طفيفة في الفاعلية سيكون لها أثر كبير، ~~وتكون النتيجة أن العالم الذي نعيش فيه يقع بشكل شبه مؤكد على يمين القمة الموجودة في ~~الشكل # 3-4 ~~، مما يعني ضمنا أن كلا منا يمكن أن يتصل بأي شخص ~~آخر. ويعبر النموذج، في الواقع، عما هو أكثر من ذلك؛ فنظرا لأن الانخفاض على الجانب ~~الأيمن من القمة يكون سريعا للغاية، فليس من المرجح فقط أن يتصل العالم بشكل عام، لكن ~~الأمر شبه المؤكد هو أن العالم صغير، بمعنى أن كل فردين تقريبا يمكن أن يتصل أحدهما ~~بالآخر عن طريق سلسلة قصيرة من الوسطاء. قد تثير هذه النتيجة دهشة الكثيرين، فنحن نقضي ~~القدر الأكبر من حياتنا نتفاعل مع مجموعة صغيرة نسبيا من الأفراد - الأصدقاء والعائلة ~~وزملاء العمل - الذين ms069 يشبهوننا كثيرا في أغلب الأحيان، بل إن الأفراد الذين يتمتعون ~~بالثقافة والتميز يمكن أن يشعروا بالانعزال داخل مجتمعاتهم الصغيرة، وقد لا يزعجهم هذا ~~الأمر، لكن يظل يراودهم شعور يستحيل التغلب عليه بابتعادهم عن الغالبية العظمى من ~~العالم، والمختلفة تماما عن النسبة الضئيلة نسبيا من الأشخاص الذين يعرفونهم بالفعل. ~~كيف إذن نكون متصلين بالفعل، على الرغم من وجود هذا الإدراك (الواقعي تماما)؟ # يكمن حل هذا التناقض في أن معامل التكتل لا ينخفض بالقدر نفسه تقريبا من السرعة ~~مقارنة بطول المسار، فبصرف النظر عما تبدو عليه الشبكة على المستوى العام - أي سواء ~~أكانت مجزأة أم متصلة، كبيرة أم صغيرة - فمن المؤكد تقريبا أن معامل التكتل سيكون ~~كبيرا، ومن ثم، هناك قيود شديدة على ما يمكن للأفراد استنتاجه بشأن العالم بناء على ~~ما يمكنهم ملاحظته. ثمة حكمة شهيرة تزعم أن كل السياسة محلية، لكن الحقيقة هي أن كل ~~«الخبرة» محلية؛ فنحن لا نعرف سوى ما نعرفه، أما بقية العالم، بطبيعة الحال، فتقع خارج ~~نطاق إدراكنا. وفي الشبكات الاجتماعية، تقتصر المعلومات التي يمكننا الوصول إليها، ومن ~~ثم البيانات الوحيدة التي يمكننا استخدامها لإجراء التقييمات للعالم، على تلك التي تقع ~~في إطارنا المحلي؛ أي أصدقائنا ومعارفنا. وإذا كان معظم أصدقائنا على معرفة بعضهم ببعض ~~- أي إذا كان الإطار الذي نوجد داخله شديد التكتل - وإذا كان إطار كل شخص آخر متكتلا ~~على النحو نفسه، فسنميل إلى الافتراض أنه لا يمكن الربط بين كل هذه التكتلات. # لكن هذا ممكن بالفعل، ولذلك تعد ظاهرة العالم الصغير مجافية تماما للمنطق؛ فهي ~~ظاهرة عامة، لكن لا يستطيع الأفراد استشعارها إلا محليا فقط، فأنت تعرف من تعرفه ~~فحسب، وربما في أغلب الأحيان يعرف أصدقاؤك الأفراد أنفسهم الذين تعرفهم، لكن إذا كان ~~واحد من أصدقائك فقط صديقا لفرد واحد، يكون بدوره صديقا لشخص لا يشبهك على الإطلاق، ~~فهناك إذن مسار متصل، قد لا يكون بإمكانك استخدام هذا المسار، وقد لا تكون على معرفة ~~بوجوده، وقد يكون العثور عليه صعبا، لكنه موجود بالفعل. ms070 وعندما يتعلق الأمر بانتشار ~~الأفكار أو التأثيرات، بل الأمراض أيضا، يمكن أن يكون لهذا المسار أهمية، سواء أكنت ~~تعلم بوجوده أم لا، وكما هو الحال في هوليوود، فالمعارف مهمون كثيرا، لكن هناك جوانب ~~أخرى للأمر: فمن يعرفهم أصدقاؤك، ومن يعرفهم هؤلاء الأفراد بدورهم لهم أهمية ~~أيضا. ~~(4) بسيط قدر المستطاع # كان النموذج ألفا محاولة لفهم كيفية تكون شبكات العالم الصغير من منظور القواعد ~~التي يتبعها الناس عند إقامة صداقات جديدة، لكن ما إن عرفنا أن ظاهرة العالم الصغير ~~ممكنة حتى أردنا التوصل إلى ما أدى إلى تكونها بالضبط. لم يكن من الملائم أن نركن ~~ببساطة إلى التفسير القائل إن الأثر الذي كنا نراه هو نتيجة للمتغير ألفا، ذلك أننا لم ~~نكن نعرف في الحقيقة ماهية المتغير ألفا، ومن ثم ما يمكن أن تشير إليه أي قيمة له، ومع ~~بساطة النموذج ألفا، فقد ظل شديد التعقيد، لذلك قررنا أننا إذا أردنا حقا فهم ما كان ~~يحدث، فإن علينا اتباع قول أينشتاين المأثور حول جعل الأمور «بسيطة قدر المستطاع، لكن ~~ليس أبسط من ذلك». ومن ثم، ما هو أبسط نموذج يمكن أن يعكس ظاهرة العالم الصغير؟ وما ~~الذي يمكن أن يخبرنا به - في ضوء ما يتمتع به من بساطة - ولم يخبرنا به النموذج ألفا؟ ~~ما شرعنا في فعله بنموذجنا الثاني - بيتا - هو الابتعاد عن أبسط صور وضع نماذج للشبكات ~~الاجتماعية، والتعامل مع البنية والعشوائية بأكبر قدر ممكن من التجريد. # وكما تناولنا من قبل، تحدث غالبا التفاعلات في الفيزياء بين عناصر النظام داخل ~~شبيكة منتظمة. والشبيكات المنتظمة ملائمة تماما لدراستها؛ لأن كل موقع في الشبيكة ~~متطابق مع كل موقع آخر بها؛ فعندما تعرف موقعك، تعرف مواقع الآخرين جميعا أيضا، وهذا ~~هو السبب وراء شيوع استخدام الأنظمة الشبكية في تخطيط الطرق بالمدن أو الحجيرات بأماكن ~~العمل الكبيرة، فمن اليسير للغاية التنقل داخلها. الحالات الوحيدة التي تنطوي على بعض ~~التعقيد هي تلك الواقعة على الحدود، وذلك لأن هذه المواقع يقل عدد تفاعلاتها مقارنة ~~بنظائرها الداخلية. يسهل ms071 التغلب على مثل هذا النوع من عدم التماثل (رياضيا، ولا ينطبق ~~ذلك على المكاتب) من خلال «طي» المساحة على نفسها بحيث تتصل الأطراف المتقابلة، ومن ثم، ~~يصبح الخط المستقيم حلقة، والشبيكة المربعة طارة (الشكل # 3-5 ~~). ~~ويطلق على الحلقات والطارات «الشبيكات الدورية»؛ لأنه لم يعد بها أي حد يمكن الخروج ~~عبره من المكان، فمن المقدر لأي نقطة تتحرك من موقع لآخر بالشبيكة أن تستمر في الحركة ~~حول المكان؛ أي دوريا، كما تفعل بالضبط سفن الأعداء في ألعاب غزاة الفضاء ~~القديمة. # الشبيكات الدورية إذن تبدو كفئة طبيعية تماما من الشبكات التي تجسد مفهوم التفاعلات ~~«المنظمة»، على الجانب الآخر، فإن الشبكة العشوائية تمثل تجسيدا للتفاعلات غير ~~المنظمة، ومع أن الشبكات العشوائية ليست على القدر نفسه تقريبا من البساطة التي تتسم ~~بها الشبيكات، فإنه يمكن فهمها جيدا. وعلى نحو أكثر تحديدا، في حين يمكن تعيين خصائص ~~الشبيكات الدورية بدقة، يمكن تحديد خصائص الرسوم البيانية العشوائية إحصائيا. تخيل ~~شجرتين من الفصيلة نفسها، والحجم ذاته تقريبا، تنموان متجاورتين في التربة نفسها، من ~~الواضح أن إحداهما لن تصير مثل الأخرى بالضبط، لكن من الجلي في الوقت نفسه أنهما ~~متشابهتان بشكل ما. يمكن التنبؤ بالرسوم البيانية على النحو نفسه تقريبا: فبالوضع في ~~الاعتبار أي رسمين بيانيين عشوائيين كبيرين لهما المتغيرات نفسها، لن يمكن لأي اختبار ~~«إحصائي» التفريق بينهما. # شكل 3-5: يمكن جعل الشبيكة دورية عن طريق توصيل طرفيها المتقابلين. في ~~الرسمين العلويين تصبح الشبيكة ذات البعد الواحد (يسار الرسم) حلقة ~~(يمين الرسم)، وبالرسمين السفليين تصبح الشبيكة ذات البعدين (يسار ~~الرسم) طارة (يمين الرسم). # من ثم يمكن اعتبار الشبكة «منظمة» بقدر قربها من الشبيكة، وغير منظمة بقدر قربها من ~~الرسم البياني العشوائي. كل ما احتجنا فعله هو البحث عن طريقة لضبط كل شبيكة بين ~~النظام التام وعدم النظام التام على نحو تتبعه عبر المراحل الوسيطة المتعددة. مع أن هذه ~~الشبكات، التي تحمل طابعا منظما في جزء منها، وعشوائيا في جزء آخر، لا يزال من ~~الصعب فهمها من ناحية رياضية ms072 خالصة، فهي ملائمة تماما للكمبيوتر، وقد طورنا سريعا ~~خوارزمية بسيطة لبنائها. تخيل شبيكة منتظمة، كالموضحة بالجانب الأيسر من الشكل # 3-6 ~~، تكون فيها كل نقطة تلاق متصلة بعدد ثابت من أقرب نقاط التلاقي ~~المجاورة لها في الحلقة، في هذا النظام، إذا كان لديك مثلا عشرة أصدقاء، فستعرف الخمسة ~~المجاورين لك مباشرة عن يمينك والخمسة المجاورين لك مباشرة عن يسارك. وكما هو الحال مع ~~الحدود القصوى بالنموذج ألفا، يعد هذا النوع من الشبكات الاجتماعية غريبا تماما، كما ~~لو كان الجميع يقفون في حلقة ممسكين بعضهم بأيدي بعض، والوسيلة الوحيدة للتواصل بينهم ~~هي النداء على من هم في مرمى السمع. لكن يجب التذكر هنا أننا لا نحاول بناء شبكات ~~اجتماعية، بل التفريق بين الشبكات المنظمة وغير المنظمة ~~بطريقة بسيطة. # شكل 3-6: بناء النموذج بيتا. تمد الروابط في الشبيكة الدورية أحادية البعد ~~عشوائيا باستخدام معامل الاحتمالية بيتا ~~. عندما تكون قيمة بيتا صفرا (يسار الشكل)، تظل ~~الشبيكة بلا تغيير، وعندما تكون قيمته واحدا (يمين الشكل)، تمد جميع ~~الروابط، الأمر الذي يؤدي إلى تكوين شبكة عشوائية، وفي المنتصف تجمع ~~الشبكات بين النظام والعشوائية (على سبيل المثال، مد الرابط الأصلي ~~بين (أ) و(ب) إلى «ب جديد»). # تخيل الآن إدخال هواتف محمولة في ~~التجربة، فبدلا من التحدث مع أحد المجاورين لك، صار لديك الآن هاتف يصلك مباشرة بأي ~~شخص آخر تختاره عشوائيا من الشبكة بأكملها. في الشكل # 3-6 ~~، يعادل ~~ذلك اختيار رابط على نحو عشوائي وإعادة مده، ويعني ذلك حذف رابط بين (أ) و(ب)، ثم ~~اختيار صديق جديد، «ب جديد»، من الحلقة، مع الحفاظ على الطرف (أ) ثابتا. عمليا، ما ~~نفعله هو اختيار قيمة لبيتا (المتغير الجديد القابل للضبط) بين صفر وواحد، ثم زيارة كل ~~رابط في الشبيكة بشكل نظامي، ومده عشوائيا وفق القيمة الاحتمالية بيتا. من ثم، إذا ~~كانت بيتا تساوي صفرا، فلن يكون هناك مد (لا يمتلك أحد هاتفا محمولا)، وينتهي بنا ~~الأمر حيث بدأنا بالضبط؛ في شبيكة منظمة تماما. على الجانب الآخر، عندما تكون قيمة ms073 ~~بيتا واحدا، يمد كل رابط، وتكون النتيجة شبكة غير منظمة على الإطلاق (الرسم الأيمن ~~في الشكل # 3-6 ~~) تشبه الرسم البياني العشوائي. # هذان الحدان القصويان للنموذج بيتا يسهل فهمهما تماما مقارنة بالحدين المناظرين ~~لهما بالنموذج ألفا، اللذين يحددهما - كما نذكر - ~~قواعد التفاعل المتحكمة في نقاط التلاقي ~~الفردية. ويصعب بوجه عام تحليل الشبكات التي تنمو ديناميكيا، كالنموذج ألفا، لأنه لا ~~يكون من الواضح بالضبط في كثير من الأحيان ما تنطوي عليه القواعد السلوكية الضمنية من ~~أمور تؤدي إلى ظهور البنية المرصودة، وربما كان الأهم من ذلك هو أن الكثير من صور ~~القواعد السلوكية الضمنية يمكن أن يؤدي على نحو مفهوم إلى الأنواع ذاتها من السمات ~~البنيوية للشبكة النهائية، وكانت هذه هي المسألة التي شغلت تفكيرنا. عرفنا آنذاك كيفية ~~تكون شبكات العالم الصغير ديناميكيا، فصرنا نتساءل عن المدى الذي يمكنها الوجود فيه ~~بصرف النظر عن كيفية تكونها. # إلى جانب تناقضها التام مع الرسوم البيانية العشوائية من ناحية «النظام والعشوائية»، ~~ما الأوجه الأخرى لاختلاف الشبيكات عن الرسوم البيانية العشوائية؟ بادئ ذي بدء، تتسم ~~الشبيكة الحلقية بكبر حجمها؛ بمعنى أنها عندما تتكون من عدد كبير للغاية من الناس، ~~يكون العدد النموذجي للخطوات - المسار - بين أي فردين كبيرا. تخيل - على سبيل المثال - ~~أنك ترغب في توصيل رسالة إلى شخص ما بالجانب المقابل من الحلقة في الرسم الموجود على ~~يسار الشكل # 3-6 ~~، ولنفترض أن الحلقة تتكون من ملايين الأشخاص، وكل ~~واحد منهم لديه مائة صديق، خمسون عن يمينه وخمسون عن يساره، ستكون أسرع وسيلة لنقل ~~رسالتك هي أن تصيح بها للشخص رقم خمسين عن يسارك، وتطلب منه نقلها، حينئذ، يمكنه أن ~~يصيح بها بدوره لصديقه رقم خمسين عن يساره، ويطلب منه الأمر نفسه، وبهذه الطريقة، ~~تتجاوز رسالتك الحلقة في قفزات متخطية خمسين شخصا في المرة الواحدة، فتأخذ عشرة آلاف ~~خطوة كاملة من هذه الخطوات لتصل إلى وجهتها. لا يكون الجميع بعيدا عنك مثل الشخص ~~الموجود على الجانب المقابل لك، لكن متوسط المسافة لا يزال نحو خمسة آلاف ms074 درجة من ~~الانفصال، وهو أكبر بكثير من الدرجات الست. تكون الشبيكة الحلقية شديدة التكتل لسبب ~~بسيط، وهو أن الشخص المجاور لك، بفضل بنية الشبيكة، يعرف تقريبا جميع الأشخاص الذين ~~تعرفهم، وحتى من هو بالجانب الآخر من دائرة أصدقائك يعرف نصف أصدقائك؛ لذا فإن معامل ~~التكتل، في متوسطه على مستوى جميع أصدقائك، تبلغ قيمته تقريبا ما بين نصف وواحد، أو ~~ثلاثة أرباع. # على النقيض من ذلك، يعكس الرسم البياني، الممتدة روابطه امتدادا عشوائيا خالصا، ~~تكتلا طفيفا للغاية؛ ففي الشبكات الضخمة، تكون فرصة اتصالك عشوائيا بشخصين متصلين ~~عشوائيا بدورهما، شبه منعدمة، ولهذا السبب ذاته، يكون الرسم البياني العشوائي ~~«صغيرا» مثلما تكون الشبيكة كبيرة. هل تذكر تجربتنا الفكرية الأولى عن ظاهرة العالم ~~الصغير؟ إذا كنت أعرف مائة شخص، وكل منهم يعرف مائة شخص، فعلى بعد درجتين من ~~الانفصال يمكنني الوصول إلى عشرة آلاف شخص، وعلى بعد ثلاث درجات يمكنني الوصول إلى نحو ~~مليون شخص، وهكذا. وغياب التكتل يعني عدم وجود روابط مهدرة أو متكررة - يصل كل ارتباط ~~إضافي جديد إلى منطقة جديدة - ومن ثم يكون معدل نمو شبكة معارفي أسرع ما يمكن. نتيجة ~~لذلك، يمكنني الوصول إلى أي فرد آخر في الشبكة في بضع خطوات فحسب، حتى وإن كان عدد ~~الأفراد كبيرا للغاية. # إذن، ماذا يحدث في المنتصف؟ عندما تكون احتمالية مد الروابط ضعيفة، كما هو الحال في ~~منتصف الشكل # 3-6 ~~، سيشبه الشكل الناتج الشبيكة المنظمة للغاية، لكن ~~سيكون به بعض الروابط العشوائية طويلة المدى. ما الفارق الذي تحدثه هذه الروابط؟ إذا ~~لاحظت معامل التكتل، فستجد أن بعض الروابط العشوائية تسفر عن اختلاف ضئيل للغاية، فمع ~~كل مد عشوائي، يقل عدد من تعرفهم من المجاورين لك واحدا، ويصبح لديك بدلا من ذلك ~~صديق واحد إضافي لا يعرف جميع من تعرفهم، مع ذلك، يظل معظم أصدقائك على معرفة بعضهم ~~ببعض، ومن ثم يظل التكتل كبيرا، لكن يطرأ على طول المسار تغير هائل؛ فنظرا لأن ~~الروابط تمد من جديد على نحو عشوائي منتظم، ونظرا لأن ms075 الشبيكة الكبيرة تحوي عددا ~~من المواقع البعيدة عنك أكثر من القريبة منك، فمن المرجح أن تتصل بشخص كان بعيدا عنك ~~من قبل، ومن ثم فإن الروابط العشوائية تسفر عن «طرق مختصرة»، والطرق المختصرة، كما يشير ~~اسمها، تعمل على التقليل من أطوال المسارات بين نقاط التلاقي التي كانت بعيدة من ~~قبل . # بالعودة إلى تشبيه الهاتف المحمول، بدلا من الحاجة لنقل رسالة إلى الطرف المقابل في ~~الحلقة من خلال قفزات تتجاوز خمسين فردا، صار الآن لديك ولدى المتلقي المقصود من ~~الرسالة هاتفان، الأمر الذي يقلص المسافة بينكما إلى خطوة واحدة بدلا من عدة آلاف. ولا ~~يقتصر الأمر على ذلك فحسب، فإذا أردت نقل رسالة إلى أصدقاء صديقك الجديد، يمكنك الوصول ~~إليهم في خطوتين فحسب، بالإضافة إلى ذلك، يمكن لأصدقائهم التحدث مع أصدقائك، وأصدقاء ~~أصدقائهم يمكنهم التحدث مع أصدقاء أصدقائك، في بضع قفزات قصيرة فقط، كل ذلك من خلالك ~~ومن خلال اتصالك بالجانب الآخر من العالم. هذه هي بالضبط كيفية عمل ظاهرة العالم ~~الصغير. في الشبكات الكبيرة، من المرجح أن يصل كل رابط عشوائي بين أفراد كان الانفصال ~~بينهم كبيرا من قبل، ومن خلال ذلك فهم لا يتصلون بعضهم ببعض فحسب، لكن أجزاء كبيرة من ~~باقي الشبكة تصبح أكثر قربا بكثير أيضا. # شكل 3-7: طول المسار ومعامل التكتل في النموذج بيتا. كما هو الحال مع النموذج ~~ألفا (انظر الشكل # 3-4 ~~)، تظهر شبكات العالم الصغير ~~عندما يكون طول المسار صغيرا ومعامل التكتل كبيرا (المنطقة ~~المظللة). # الملاحظة الرئيسية هنا هي أن عددا قليلا من الروابط العشوائية القليلة فقط يمكن أن ~~يكون له أثر كبير للغاية. وكما ترى في الشكل # 3-7 ~~، عندما تزيد قيمة ~~بيتا عن الصفر، يهبط طول المسار هبوطا شديدا وبسرعة تحول دون تمييزه عن المحور ~~الرأسي. في الوقت نفسه، من خلال تقليص المسافة بين الكثير من أزواج نقاط التلاقي، يحد ~~كل طريق مختصر من التأثير الثانوي لأي طرق مختصرة تالية، ومن ثم تقل سرعة هبوط الطول ~~عندما يبدأ، ليقترب برفق من حد الرسم ms076 البياني العشوائي. وفيما يتعلق بهذا النموذج ~~البسيط، تتمثل إحدى النتائج المفاجئة في أنه في المتوسط، تقلل أول خمس عمليات مد ~~عشوائية من متوسط طول المسار للشبكة بمقدار النصف، بصرف النظر عن حجم الشبكة. وكلما كبر ~~حجم الشبكة، عظم تأثير كل رابط عشوائي، ومن ثم يصبح تأثير إضافة روابط أخرى مستقلا ~~بالفعل عن الحجم . يتسم قانون تخفيض النتائج بالقدر نفسه من إثارة الدهشة، يتطلب التخفيض ~~بنسبة 50 بالمائة أخرى (ليكون متوسط طول المسار الآن ربع قيمته الأصلية) خمسين رابطا ~~آخر تقريبا، أي ما يساوي تقريبا عشرة أضعاف ما هو مطلوب من أجل التخفيض الأول ونصف ~~المقدار المطلوب من أجل التأثير الكلي. تتطلب التخفيضات التالية قدرا أكبر من الروابط ~~العشوائية - أي المزيد من عدم النظام - لتحقيق تأثيرات أقل. في الوقت نفسه، يستمر معامل ~~التكتل، كالسلحفاة التي تطارد أرنبا، في هبوطه البطيء والمنتظم، ليلحق في النهاية ~~بالطول المميز لحالة انعدام النظام التام. # تكون النتيجة النهائية هي العثور ثانية على مساحة كبيرة في فضاء الشبكات بين النظام ~~التام وانعدام النظام التام، يكون فيها التكتل المحلي كبيرا وأطوال المسارات العامة ~~صغيرة. هذه هي شبكات العالم الصغير. وكما هو الحال في النموذج ألفا، لا يمكن للأفراد ~~الموجودين في مكان ما بشبكة العالم الصغير تحديد نوع العالم الذي يعيشون فيه؛ فهم يرون ~~أنفسهم يعيشون فحسب في تكتل محكم من الأصدقاء الذين يعرف بعضهم بعضا. إن عواقب هذه ~~العبارة مهمة، وهذا ما سنراه في فصول لاحقة من هذا الكتاب عند تعرفنا على انتشار ~~الأمراض وفيروسات الكمبيوتر، من ناحية، والبحث عن المعلومات في المؤسسات الكبيرة وشبكات ~~الند للند، من ناحية أخرى. # لكن النموذج بيتا يعكس أيضا شيئا أكثر عمقا؛ لأنه يساعدنا في حل مشكلة المتغير ~~ألفا الغامض الموجود في نموذجنا الأول. ويجب التذكر هنا أن مشكلة ألفا تمثلت في استحالة ~~تفسيره من منظور الشبكة نفسها. عندما تكون قيمة ألفا صغيرة (عالم أهالي الكهوف)، نقيم ~~شبكات يميل فيها الأفراد، الذين لا يملكون سوى صديق واحد مشترك، بقوة إلى إقامة علاقات ms077 ~~صداقة فيما بينهم، وعندما تكون قيمة ألفا كبيرة للغاية (عالم سولاريا)، ~~يتقابل الأفراد عشوائيا، سواء أكان لديهم ~~صديق مشترك أم لا. لكن كما رأينا، من المستحيل بوجه عام التنبؤ على نحو دقيق بنوع ~~الشبكة التي ستنتج من قيمة ألفا المحددة، خاصة القيم الموجودة في المنطقة المتوسطة ~~التي يصدر عنها السلوك الأكثر إثارة للاهتمام. # يمكننا الآن فهم الأمر، تحدد ألفا احتمالية أن تظهر الشبكة المكتملة طرقا مختصرة ~~عشوائية واسعة النطاق، وهذه الطرق هي التي تؤدي كل العمل. تتمثل مزية هذه النتيجة في ~~أنه صار بإمكاننا الآن إنشاء الطرق المختصرة بأي وسيلة نريدها تقريبا - عن طريق محاكاة ~~العملية الاجتماعية لإنشاء الشبكات، كما هو الحال في النموذج ألفا، أو إنشائها ببساطة ~~من خلال الاحتمالية، كما هو الحال في النموذج بيتا - وسنحصل على النتيجة نفسها تقريبا. ~~ينطبق الأمر نفسه إلى حد بعيد على التكتل. يمكننا ببساطة إضافته، كما فعلنا مع ~~الشبيكة في النموذج بيتا، أو السماح له بالتزايد طبيعيا من خلال تكرار قاعدة لاكتساب ~~أصدقاء جدد من خلال الأصدقاء الحاليين. وفي كلتا الحالتين، ما دامت لدينا وسيلة لإنشاء ~~تكتل ووسيلة للسماح بظهور الطرق المختصرة، فسنحصل دائما على شبكة من شبكات العالم ~~الصغير. # ومن ثم، مع أن النموذج بيتا كان سخيفا نوعا ما نظرا لأنه ما من نظام حقيقي يمكن أن ~~يبدو مثله بالفعل، فإن الرسالة التي أوصلها لم تكن سخيفة على الإطلاق. ما أخبرنا به هو ~~أن شبكات العالم الصغير تنتج عن توافق بسيط للغاية بين قوتين أساسيتين - النظام وانعدام ~~النظام - وليس من الآليات المحددة التي يتم التوصل من خلالها إلى ذلك التوافق. أدركنا ~~في هذه المرحلة أن شبكات العالم الصغير يجب أن تظهر ليس فقط في العالم الاجتماعي، الذي ~~انبثقت منه الفكرة في الأساس، لكن أيضا في كل أنواع النظم المتصلة بشبكات. ~~(5) العالم الواقعي # مع ما يبدو عليه الأمر من وضوح الآن، فإدراك حقيقة أن شبكات العالم الصغير يمكن أن ~~تظهر في جميع صنوف النظم المتصلة بشبكات كان بمنزلة اكتشاف مهم للغاية في ms078 نظرنا؛ لأننا ~~حتى ذلك الوقت كنا نفكر في المسألة من منظور الشبكات الاجتماعية فحسب. وعلى المستوى ~~العملي، أفسح ذلك الطريق أيضا أمام إمكانية العثور على بعض البيانات التي تمكننا من ~~التحقق من صحة تنبؤنا. ويجدر التذكر هنا أن إحدى المشكلات الكبيرة في فهم ظاهرة العالم ~~الصغير، والسبب وراء انتهائنا إلى تبني منهج الضبط بين النظام والعشوائية، كان أن ~~التحقق التجريبي من الظاهرة نفسها بدا غير ممكن على الإطلاق. فمن يمكنه الحصول على هذا ~~النوع من بيانات الشبكات؟ لكن اتسع الآن نطاق بيانات الشبكة المقبولة لنا على نحو ضخم. ~~هذا شأن أي شبكة كبيرة، ما دامت قد وثقت جيدا بما فيه الكفاية. من الناحية العملية، ~~استلزم هذا الشرط الأخير ضرورة توفر البيانات إلكترونيا، وهو المطلب الذي يبدو تافها ~~اليوم، لكن في عصور ظلام الإنترنت عام 1997، كان مجرد التفكير في نماذج جيدة مشكلة في ~~حد ذاته. # حاولنا في البداية الحصول على قاعدة بيانات «استشهادات العلوم»؛ وهي شبكة ضخمة من ~~الأبحاث العلمية المأخوذة من آلاف الدوريات الأكاديمية التي يتصل بعضها ببعض من خلال ما ~~تحتويه من استشهادات بالمراجع الببليوجرافية، فإذا استشهدت ببحث لك، فأنا متصل بك، وإذا ~~استشهدت ببحثي في بحثك، فأنت متصل بي. لم يكن ذلك ما نبحث عنه بالضبط (لأن الأبحاث ~~تستشهد عادة بأبحاث سبق نشرها، فلا تشير الروابط بينها إلا لاتجاه واحد فقط)، لكنها ~~كانت أفضل فكرة لدينا في ذلك الوقت. ومع الأسف، أراد المعهد العلمي الدولي، المالك ~~لقاعدة البيانات، أن ندفع مقابل الحصول عليها، ولم يكن لدينا ما يكفي من المال. # في الواقع، أخبرنا المسئولون بالمعهد بلطف، لكن بحزم في الوقت نفسه، أنه في حال ~~تحديدنا لبحث واحد لاستخدامه كأصل، فسيرسلون إلينا قائمة بكل الأبحاث التي استشهدت بهذا ~~البحث مقابل 500 دولار. وفي مقابل 500 دولار أخرى، سيعطوننا قائمة بالأبحاث التي تستشهد ~~بجميع تلك الأبحاث، وهكذا. رأينا الأمر عبثيا، فمن واقع معرفتنا بالشبكات كنا ندرك ~~أنه عند بدء البحث من إحدى نقاط التلاقي الأولية (في هذه الحالة، البحث الأصلي)، ms079 يزيد ~~عدد نقاط التلاقي التي يتم الوصول إليها زيادة أسية. ومن ثم، في مقابل ال 500 دولار ~~الأولى، سيكون على المعهد تقديم عدد قليل من الأبحاث، في حين أنه في مقابل ال 500 دولار ~~الرابعة، سيكون عليه البحث عن مئات أو آلاف أضعاف العدد الأول، في مقابل السعر نفسه! ~~فكرنا لبعض الوقت في إنفاق ألفي دولار من أموال ستيف الثمينة المخصصة لأبحاثه لنثبت لهم ~~الأمر فقط، لكننا عدنا إلى رشدنا في نهاية المطاف وعاودنا التفكير في شبكات ~~أخرى. # كانت محاولتنا التالية أكثر نجاحا؛ في أوائل عام 1994، ظهرت لعبة جديدة باسم «لعبة ~~كيفن باكون» في الثقافة الشعبية، وكانت ملائمة تماما لاهتماماتنا. اخترع هذه اللعبة ~~مجموعة من أعضاء الأخوية بكلية أولبرايت، من الواضح أنهم كانوا مولعين بالأفلام ~~السينمائية على نحو كبير، وتوصلوا (في حالة من غياب الوعي بلا شك) إلى استنتاج بأن كيفن ~~باكون كان المركز الحقيقي لعالم الأفلام السينمائية. في حال ما إذا لم تسمع بذلك الأمر، ~~فسأشرحه لك. تتكون شبكة الأفلام السينمائية من ممثلين يرتبط بعضهم ببعض بفضل اشتراكهم ~~في فيلم واحد أو أكثر. لا يقتصر الحديث هنا على هوليوود فحسب، لكن أي فيلم يصنع في أي ~~مكان وأي وقت على الإطلاق. ووفقا لموقع قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت، مثل نحو ~~نصف مليون فرد في الفترة ما بين 1898 و2000 أكثر من مائتي ألف فيلم. # إذا مثل المرء فيلما مع كيفن باكون، فسيكون «رقم باكون» الخاص به في اللعبة هو واحد ~~(باكون نفسه رقمه في اللعبة صفر)، ونظرا لمشاركة كيفن باكون في تمثيل عدد كبير من ~~الأفلام (ما يزيد عن خمسين فيلما وقت كتابة هذا الكتاب) ومع 1550 شخصا، وفقا لآخر ~~إحصاء، فمعنى ذلك أن 1550 شخصا يحملون رقم «واحد» في اللعبة. قد يبدو ذلك عددا ~~كبيرا، وقد مثل باكون بالتأكيد مع عدد أكبر بكثير من المتوسط (الذي يبلغ نحو ستين ~~فحسب)، لكن يظل هذا العدد أقل من واحد بالمائة من العدد الإجمالي لممثلي الأفلام ~~السينمائية. بالابتعاد عن باكون الموجود ms080 في المركز، إذا لم يمثل المرء معه قط، لكنه ~~مثل مع شخص آخر مثل معه، فسيكون رقم باكون الخاص به هو «اثنين». على سبيل المثال، ~~شاركت مارلين مونرو في فيلم «نياجرا» (1953) مع جورج إييف، الذي شارك بدوره في فيلم ~~«إثارة الأصداء» (1999) مع كيفن باكون، ومن ثم يكون رقم مارلين في اللعبة هو «اثنين». ~~يتمثل هدف اللعبة، بوجه عام، في تحديد رقم باكون الخاص بالممثل عن طريق التوصل إلى أقصر ~~مسار بينه وبين كيفن باكون العظيم. # في الجدول # 3-1 ~~، يمكنك ملاحظة ما يسمى «توزيع درجات التباعد» في ~~شبكة الممثلين، مع اعتبار باكون الأصل. يحمل نحو 90 بالمائة من جميع الممثلين في قاعدة ~~البيانات رقم باكون محدود؛ أي إن بإمكانهم الاتصال بباكون من خلال سلسلة ما من الوسطاء ~~في الشبكة. ومن ثم تتمثل إحدى النتائج التي يمكننا استنباطها على الفور في أن شبكة ~~الممثلين بها مكون ضخم يشبه الرسم البياني العشوائي عند تجاوزه حد الاتصال الحرج. من ~~الحقائق الأخرى التي تتضح على الفور أن السواد الأعظم من الممثلين يحملون أرقام باكون ~~صغيرة للغاية؛ أي إنه يمكن الوصول لكل شخص تقريبا في المكون الضخم في أربع خطوات أو ~~أقل. # جدول 3-1: توزيع الممثلين حسب رقم باكون. # رقم باكون # عدد الممثلين # العدد الإجمالي التراكمي للممثلين # 0 # 1 # 1 # 1 # 1550 # 1551 # 2 # 121661 # 123212 # 3 # 310365 # 433577 # 4 # 71516 # 504733 # 5 # 5314 # 510047 # 6 # 652 # 510699 # 7 # 90 # 510789 # 8 # 38 # 510827 # 9 # 1 # 510828 # 10 # 1 # 510829 # يمكن الاستنتاج أيضا، كما فعل أعضاء الأخوية، أن ثمة شيئا مميزا بشأن السيد باكون، ~~وأنه نقطة الارتكاز التي يدور حولها عالم الممثلين. لكن عند التفكير بمزيد من التمعن في ~~الأمر، يظهر تفسير مختلف تماما يبدو مقبولا على نحو أكبر. إذا صح أن باكون يمكنه ~~الاتصال بأي شخص تقريبا في بضع خطوات فحسب، أليس صحيحا أيضا أن أي شخص يمكنه الاتصال ~~بأي شخص آخر في العدد نفسه تقريبا من الخطوات؟ لذا بدلا من حساب رقم باكون الخاص ms081 بكل ~~فرد، يمكن حساب أرقام كونري أو أرقام إيستوود، بل أرقام بولمان أيضا (إريك بولمان ممثل ~~نمساوي مغمور عاش في الفترة ما بين 1913 و1979، ومثل في 103 أفلام، مثل «عودة الفهد ~~الوردي» و«من روسيا مع حبي»). وبالتقدم خطوة واحدة، وقياس متوسط جميع نقاط البداية ~~الممكنة (أي البدء على نحو مستقل بكل ممثل في المكون الضخم)، يمكن الحصول على متوسط طول ~~المسار الذي سبق لنا قياسه في شبكاتنا النموذجية. # كل ما كنا بحاجة إليه هو بيانات الشبكة، ولم يمثل ذلك مشكلة؛ ففي ذلك الوقت تقريبا، ~~كان بريت تشاودين وجلين واسون - وهما عالما كمبيوتر في جامعة فيرجينيا - قد أطلقا ~~موقعا إلكترونيا جديدا يحمل اسم «أوراكل أوف كيفن باكون» الذي صار سريعا واحدا من ~~أشهر مواقع الويب، يمكن للمعجبين بالأفلام كتابة اسم ممثلهم المفضل ليظهر الموقع على ~~الفور مسار الممثل، كما فعلنا بالضبط مع مارلين مونرو. تصورنا أنه لإجراء مثل هذه ~~الحسابات، لا بد أن تشاودين وواسون كانا يحتفظان بشبكة ما في مكان ملائم، فأرسلنا في ~~طلب تلك الشبكة من تشاودين، ولدهشتنا وافق على الفور، بل دربني أيضا على التعامل مع ~~السمات الخاصة للبيانات الخام، بعد ذلك بفترة ليست طويلة، حسبنا متوسط طول المسار ~~ومعامل التكتل للمكون الضخم، الذي تكون في ذلك الوقت من نحو 225 ألف ممثل، كانت ~~النتيجة واضحة، كما هو موضح في الجدول # 3-2 ~~. ~~في عالم يحتوي على مئات الآلاف من الأفراد، ~~يمكن لكل ممثل الاتصال بأي ممثل آخر في أقل من أربع خطوات في المتوسط، بالإضافة إلى ~~ذلك، كان من المرجح أن يكون الممثلون المساعدون (80 بالمائة من المرات) قد سبق لهم ~~التمثيل معا. لقد كانت شبكة عالم صغير بلا شك. # شجعتنا تلك النتيجة، فبدأت أنا وستيف على الفور في محاولة البحث عن أمثلة أخرى، ~~ونظرا لأننا كنا نريد اختبار عمومية النماذج، أخذنا نبحث عمدا عن شبكات لا علاقة لها ~~بالشبكات الاجتماعية قدر الإمكان، وسرعان ما بدأنا العمل بفضل كرم بعض زملائنا في قسم ~~الهندسة الكهربائية - جيم ثورب ms082 وكويني باي - ممن كانت أبحاثهم تتعلق بديناميكيات أنظمة ~~نقل الطاقة. جمعت بين ستيف وجيم علاقة صداقة، فحددنا موعدا للتحدث مع جيم وكويني بشأن ~~بيانات الشبكات التي قد تكون لديهم، واتضح أن لديهم الكثير، كان لديهم، على وجه ~~التحديد، خريطة إلكترونية كاملة لشبكة نقل الطاقة الكهربائية التي عرض الفصل # الأول # من هذا الكتاب انهيارها الكارثي في شهر أغسطس من عام ~~1996. شرعنا في العمل على الفور وأوليناها اهتمامنا، وسرعان ما بدأ كويني في مساعدتي في ~~استيضاح نظام التدوين المعقد الذي يستخدمه مجلس تنسيق النظم الغربي لتوثيق شبكته، وبعد ~~بضعة أيام من العمل على البيانات، صارت بالتنسيق الصحيح، وتمكنا من تطبيق الخوارزميات ~~الخاصة بنا عليها، وما أسعدنا للغاية هو أننا عثرنا على الظاهرة نفسها كما سبق بالضبط. ~~وكما هو موضح في الجدول # 3-2 ~~، يكون طول المسار قريبا من طوله في أي ~~شبكة عشوائية تحمل العدد نفسه من نقاط التلاقي والروابط، لكن معامل التكتل يكون أكبر ~~بكثير، وهو ما أشارت إليه نماذج العالم الصغير التي وضعناها. # جدول 3-2: إحصائيات شبكات العالم الصغير (ط = طول المسار؛ م = معامل ~~التكتل). # ط # فعلي # ط # عشوائي # م # فعلي # م # عشوائي # الممثلون السينمائيون # 3,65 # 2,99 # 0,79 # 0,00027 # شبكة الطاقة الكهربائية # 18,7 # 12,4 # 0,080 # 0,005 # الربداء الرشيقة # 2,65 # 2,25 # 0,28 # 0,05 # في محاولة للدفع بتنبؤاتنا إلى مستوى أبعد، كانت الشبكة النهائية التي تناولناها ~~بالدراسة مختلفة تماما. أردنا في الحقيقة العثور على شبكة عصبية لنحسب عليها ~~الإحصائيات التي توصلنا إليها، لكننا سرعان ما اكتشفنا أن بيانات الشبكات العصبية، ~~شأنها شأن بيانات الشبكات الاجتماعية، نادرة للغاية. ولحسن الحظ، تعلم ستيف بالفعل بعض ~~الأشياء عن الأحياء على مدار السنوات الطوال التي قضاها في التفكير في المذبذبات ~~الحيوية، وبعد بضع محاولات خاطئة للبدء، اقترح ستيف أن نفحص نوعا من الديدان يعرف ~~باسم الربداء الرشيقة، وقد أخبرني أنها من الكائنات الحية التي وقع عليها اختيار علماء ~~الأحياء لإجراء دراسة مكثفة عليها، وربما تناول أحدهم شبكتها العصبية بالدراسة. # ربما! بعد بحث وجيز، وبمساعدة صديق لستيف يعمل ms083 عالم أحياء تصادف كونه خبيرا في ~~الربداء الرشيقة، اكتشفت سريعا أن هذه الدودة حظيت باهتمام كبير في عالم البحث الطبي ~~الأحيائي. وإلى جانب ذبابة الفاكهة (الدروسوفيلا)، وبكتيريا إي كولاي، وربما الخميرة، ~~تعد دودة الربداء الرشيقة الخيطية التي تسكن الأرض الأكثر دراسة، والأكثر شهرة بين ~~الكائنات الحية، على الأقل بين علماء الأحياء المتخصصين في دراسة الديدان. اقترح سيدني ~~برينر، الذي عاصر العالمين واطسون وكريك، استخدام الربداء الرشيقة لأول مرة كنموذج حي ~~في عام 1965، وصارت بعد ثلاثين عاما عنصرا جوهريا في مشروع الجينوم البشري، لتكون ~~بذلك قد قضت ثلاثة عقود من الزمان تحت المجهر. سعى آلاف العلماء - بالمعنى الحرفي ~~للكلمة - لا لتعلم شيء ما عن هذه الربداء، بل كل شيء. لم يحققوا ذلك بعد، لكن سجل ~~إنجازاتهم مذهل، خاصة لشخص يتخبط في دراستها للمرة الأولى، فتتبعوا، على سبيل المثال، ~~الجينوم الكامل للربداء، وهو إنجاز قد يبدو تافها بجوار مشروع الجينوم البشري، لكن ~~حقيقة تنفيذه مبكرا وبقدر أقل بكثير من الموارد تبدو على القدر نفسه تقريبا من ~~الإثارة، وقد رسم العلماء أيضا خريطة لكل خلية في جسمها بكل مرحلة من مراحل تطورها، ~~بما في ذلك شبكتها العصبية. # من الأمور الطيبة بشأن الربداء الرشيقة أن الاختلافات بين العينات، حتى على مستوى ~~أعضاء الكائن الحي، لا تذكر على الإطلاق، وذلك على عكس البشر؛ لذا يمكن التحدث عن ~~شبكة عصبية قياسية للربداء الرشيقة، الأمر الذي يعد مستحيلا مع البشر. الأفضل من ذلك ~~هو أن مجموعة من الباحثين لم يستكملوا فحسب المهمة العظيمة لتخطيط كيفية اتصال كل خلية ~~عصبية في جسم هذا الكائن البالغ طوله ميلليمترا واحدا بالخلايا الأخرى، لكن مجموعة ~~أخرى أيضا دونت فيما بعد بيانات الشبكة الناتجة بتنسيق يمكن قراءته على الكمبيوتر. وما ~~يدعو للسخرية أنه بعد هذين الإنجازين العلميين المذهلين، قبعت النتيجة النهائية في ~~قرصين مرنين بحجم 4,5 بوصة داخل الغلاف الخلفي لكتاب في مكتبة جامعة كورنيل، أو على ~~الأصح الكتاب هو الموجود فقط في المكتبة؛ فقد أخبرتني أمينة المكتبة أن الأقراص المرنة ~~قد ms084 فقدت. عدت، يائسا، إلى مكتبي للتفكير في نموذج آخر من الشبكات، لكن بعد يومين ~~تلقيت مكالمة هاتفية من أمينة المكتبة التي نجحت في العثور على القرصين في النهاية. من ~~الواضح أنهما لم يشغلا اهتمام أي شخص، فقد كنت أول شخص يفحصهما على الإطلاق، وبعد أن ~~حصلت على القرصين وجهاز كمبيوتر قديم بما فيه الكفاية بحيث احتوى على محركي أقراص حجم ~~4,5 و3 بوصات، كان ما تبقى من العملية بسيطا نسبيا. وكما هو الحال مع شبكة الطاقة ~~الكهربائية، تطلبت البيانات بعض المعالجة، لكن دون عناء كبير تمكنا من تحويلها إلى ~~تنسيقنا القياسي. لم تحبطنا النتائج، التي ظهرت على الفور تلك المرة؛ فكما يوضح الجدول # 3-2 ~~، كانت الشبكة العصبية للربداء الرشيقة شبكة عالم صغير هي ~~الأخرى. # وهكذا صار لدينا ثلاثة أمثلة، وبعض التصديق التجريبي أخيرا على نماذجنا المصغرة. لم ~~تستوف الشبكات الثلاث جميعها شرط العالم الصغير فحسب الذي كنا نبحث عنه، لكنها فعلت ~~ذلك أيضا على الرغم من الاختلافات الكبيرة في الحجم والكثافة، بل على الرغم من تباين ~~طبيعتها الأساسية، وهو الأهم. ما من تشابه على الإطلاق بين تفاصيل شبكات الطاقة ~~الكهربائية والشبكات العصبية، وما من تشابه على الإطلاق بين كيفية اختيار الممثلين ~~السينمائيين لمشروعاتهم وبناء المهندسين لخطوط انتقال الطاقة. لكن على مستوى ما، على ~~نحو تجريدي إلى حد ما، ثمة شيء متشابه بين كل هذه الأنظمة؛ لأن جميعها شبكات عالم صغير. ~~بدأ باحثون آخرون، منذ عام 1997، في البحث عن شبكات العالم الصغير أيضا، وقد ظهرت هذه ~~الشبكات - كما هو متوقع - بجميع الأنحاء: في بنية الشبكة العنكبوتية العالمية، وشبكة ~~التمثيل الغذائي لبكتيريا إي كولاي، وعلاقات الملكية التي تربط المؤسسات والبنوك ~~الألمانية الكبيرة، وشبكة مجالس الإدارات المتداخلة لأهم 1000 شركة أمريكية وفقا ~~لقائمة مجلة فورتشن، وشبكات التعاون بين العلماء. لا تعد أي من هذه الشبكات شبكات ~~اجتماعية بالضبط، لكن بعضها، مثل شبكات التعاون، بدائل معقولة، وهناك شبكات أخرى، مثل ~~الشبكة العنكبوتية العالمية وشبكة الملكيات، مع أنها ليست اجتماعية بأي صورة فعلية، ~~فإنها على ms085 الأقل منظمة اجتماعيا، وبعض الشبكات الخاضعة للدراسة ليس لها أي محتوى ~~اجتماعي على الإطلاق. # إذن، كانت النماذج صحيحة. لا تعتمد ظاهرة العالم الصغير بالضرورة على خصائص الشبكات ~~الاجتماعية البشرية، بما في ذلك نسخة التفاعلات البشرية التي حاولنا بناءها في إطار ~~النموذج ألفا. اتضح أن الأمر أكثر عمومية، يمكن لأي شبكة أن تكون شبكة عالم صغير ما ~~دامت قادرة على تجسيد النظام، مع احتفاظها بقدر صغير من الفوضى، ويمكن أن يكون مصدر ~~النظام اجتماعيا؛ كالأنماط المتداخلة من الصداقة في شبكة اجتماعية، أو ماديا؛ ~~كالتقارب الجغرافي لمحطات الطاقة الكهربائية؛ لا يهم المصدر، كل ما يستلزمه الأمر هو ~~آلية ما تزيد بها احتمالية اتصال نقطتي تلاق متصلتين بنقطة ثالثة مشتركة مقارنة ~~بنقطتي تلاق يقع عليهما الاختيار عشوائيا. هذه طريقة جيدة للغاية لتجسيد النظام ~~المحلي، لكن يمكن ملاحظتها وقياسها من خلال فحص بيانات الشبكة فحسب، ولا تتطلب معرفة أي ~~تفاصيل بشأن عناصر الشبكات، أو العلاقات بينها أو السبب وراء ما تنتهجه من سلوك. ما ~~دامت «معرفة» (أ) ب (ب) ومعرفة (أ) ب (ج) تشير ضمنا إلى أن (ب) و(ج) بدورهما أكثر ~~احتمالا لأن يكونا على معرفة أحدهما بالآخر مقارنة بأي عنصرين آخرين يقع الاختيار ~~عليهما عشوائيا، فإن لدينا نظاما محليا. # لكن الكثير من الشبكات الحقيقية، خاصة تلك التي تطورت في غياب تصميم مركزي، تنطوي على ~~بعض الفوضى على الأقل. يتسم الأفراد في الشبكات الاجتماعية بالفعالية من خلال اتخاذ ~~خيارات بشأن حياتهم وأصدقائهم، وهذه الخيارات لا يمكن اختزالها بسهولة في التاريخ ~~والسياق الاجتماعي لهم فحسب. تنمو كذلك الخلايا العصبية في الجهاز العصبي بغير هدى، مع ~~خضوعها للقوى الفيزيائية والكيميائية، لكن دون دافع أو مخطط، ولأسباب اقتصادية أو ~~سياسية، تشيد شركات الطاقة خطوطا للنقل لم يخطط لها في أجيال سابقة من الشبكة، ~~وتقطع عادة مسافات كبيرة وتجتاز أراضي وعرة، وحتى الشبكات المؤسسية أيضا، مثل مجالس ~~إدارات الشركات الكبيرة، أو نماذج الملكية التي تربط العوالم التجارية والمالية - وهي ~~الشبكات التي قد يتوقع المرء اتسامها بالتنظيم وفقا للمخططات ms086 الميكافيلية لمنشئيها - ~~تعكس سمة العشوائية، وإن كان السبب في ذلك هو أن كثرة المصالح المتضاربة لا يمكن ~~التوفيق بينها على نحو متناسق. # النظام والعشوائية ... البنية والفعالية ... الاستراتيجية واتباع الأهواء ... هذه نقاط ~~التناقض الأساسية في النظم الشبكية الحقيقية، التي يتضافر بعضها مع بعض على نحو معقد، ~~فتدفع النظام من خلال تصارعها اللانهائي إلى هدنة مضطربة، لكنها ضرورية في الوقت نفسه، ~~فلو لم يكن لماضينا تأثير على حاضرنا، ولو كان حاضرنا غير مرتبط بمستقبلنا، لكنا قد ~~ضللنا الطريق محرومين ليس فقط من الوجهة، بل أيضا من أي إدراك للذات، فنحن ننتظم وندرك ~~العالم من خلال البنية المحيطة بنا، لكن الزيادة المفرطة للبنية والتأثير الزائد عن ~~الحد للماضي على المستقبل، يمكن أن يكون أمرا سيئا أيضا؛ فيؤدي إلى الركود والعزلة. ~~التنوع، بلا شك، هو ما يعطي الحياة مذاقا، لأنه من خلال التنوع وحده يمكن للنظام أن ~~ينتج شيئا ثريا ومثيرا. # هذا هو المغزى الحقيقي وراء ظاهرة العالم الصغير، ومع توصلنا إليه عن طريق التفكير في ~~الصداقات، ومع استمرارنا في تفسير الكثير من سمات الشبكات الحقيقية وفقا للروابط ~~الاجتماعية، فإن الظاهرة نفسها ليست قاصرة على العالم المعقد للعلاقات الاجتماعية، فهي ~~تظهر، في الواقع، في مجموعة متنوعة ضخمة من النظم المتطورة طبيعيا، بدءا من الأحياء ~~ووصولا إلى الاقتصاد، ويرجع جزء من السبب وراء كونها عامة للغاية إلى أنها شديدة ~~البساطة، لكنها لا تصل في بساطتها إلى شبيكة مضاف إليها بضعة روابط عشوائية قليلة، بل ~~هي النتيجة الحتمية لتسوية عقدتها الطبيعية مع ذاتها؛ ما بين صوت النظام العنيد ونظيره ~~المدمر الجامح المتمثل في العشوائية. # من الناحية الفكرية، تعد شبكات العالم الصغير أيضا تسوية بين التوجهات المختلفة ~~تماما لدراسة النظم الشبكية تطورت عبر عقود من الزمان في الرياضيات وعلم الاجتماع ~~والفيزياء؛ فمن ناحية، دون وجود المنظور الفيزيائي والرياضي لنستهدي به في التفكير بشأن ~~الظهور العام من تفاعلات محلية، ما كنا لنحاول قط تجريد العلاقات التي تجسدها الشبكة ~~فيما وراء العلاقات الاجتماعية، وما كنا لنلحظ قط التشابه القوي ms087 بين الأنواع الكثيرة ~~المختلفة من النظم، ومن ناحية أخرى، دون وجود علم الاجتماع كمحفز لنا، ودون إلحاح ~~الحقيقة الاجتماعية القائلة إن الشبكات الحقيقية توجد في مكان ما بين نظام الشبيكات ~~المجرد، والفوضى غير المحدودة للرسوم البيانية العشوائية، ما كنا لنفكر أبدا في طرح ~~السؤال من الأساس. # الفصل الرابع # | ما وراء العالم الصغير # بقدر ما ساعدنا تركيزنا على الشبكات الاجتماعية، فقد ضللنا أيضا إلى حد ما، وتمثلت ~~إحدى أكثر السمات المثيرة للدهشة لكثير من الشبكات الحقيقية - بما في ذلك إحدى الشبكات التي ~~كنت أعمل عليها مع ستيف - في شيء، ما كنا لنفكر في البحث عنه مطلقا؛ ففي إحدى عطلات نهاية ~~الأسبوع بشهر أبريل عام 1999، كنت أجلس في مكتبي بمعهد سانتا في، حيث كنت أستكمل دراستي ~~بمنحة جامعية لما بعد الدكتوراه، حين تلقيت رسالة ودية بالبريد الإلكتروني من لازلو ~~باراباسي، وهو فيزيائي بجامعة نوتردام، يطلب فيها مني مجموعات البيانات التي تضمنها بحث عن ~~شبكات العالم الصغير كنا قد نشرناه في العام السابق، حينذاك لم تكن لدي أي فكرة عما كان ~~ينويه باراباسي وتلميذته، ريكا ألبرت، لكني سعدت بمنحه الشبكات التي كانت معي، ووجهته ~~للاتصال ببريت تشاودين للحصول على بيانات بخصوص الممثلين السينمائيين. كان علي أن أولي ~~الأمر مزيدا من الاهتمام؛ إذ إنه بعد بضعة أشهر قليلة نشر باراباسي وألبرت بحثهما الرائد ~~في دورية «ساينس» ليطرحا مجموعة كاملة جديدة من الأسئلة عن الشبكات. # ما الذي غاب عنا؟ نظرا لأن دافعنا كان مستمدا من ظاهرة العالم الصغير، فقد كنت أنا ~~وستيف غير مهتمين نسبيا بعدد الجيران الذين يحظى بهم الأفراد عادة في شبكاتهم، كنا نعرف ~~أن علماء الاجتماع قضوا وقتا هائلا في حساب عدد الأصدقاء الذين يمتلكهم الأفراد، فضلا عن ~~أن الأعداد التي توصلوا إليها تعتمد اعتمادا كبيرا على كيفية فهم الأشخاص موضع الدراسة ~~بالضبط لمصطلح «الصداقة» في المقام الأول. فمن الجلي أنه إذا كان مصطلح «صديق» يشير إلى «من ~~يعرفه المرء باسمه الأول»، فستكون النتيجة مختلفة تماما عما إذا كان ينظر إليه بمعنى ms088 «من ~~يتناقش معه المرء في شئون شخصية» أو «من يقرضه المرء سيارته أسبوعا كاملا». ومن ثم وضعنا ~~المشكلة في عداد ما يتعذر حله، وتوقفنا عن التفكير فيها بالكامل، لكن في خضم ذلك، وضعنا ~~افتراضا بشأن توزيع الروابط في الشبكات. تخيل أنه بإمكاننا سؤال كل فرد في شبكة صداقات ~~كبيرة عن عدد أصدقائه (مع افتراض تعريف محدد)، وأنهم جميعا سيمنحوننا الإجابة الصحيحة. كم ~~عدد الأفراد الذين لديهم صديق واحد فقط؟ وكم عدد من لديهم مائة صديق؟ كم عدد من ليس لديهم ~~أصدقاء على الإطلاق؟ بوجه عام، يمكننا استخدام البيانات لرسم يسمى ب «توزيع الدرجات» في ~~الشبكة، كما هو موضح في الشكل # 4-1 ~~، يعكس توزيع الدرجات، في صورة واحدة، ~~احتمالية أن يكون لدى عضو مختار عشوائيا من مجموعة الأفراد عدد معين من الأصدقاء، أو ~~«درجة» (ينبغي عدم الخلط هنا مع درجات الانفصال). # شكل 4-1: يحدد التوزيع الطبيعي احتمالية ح(د) أن يكون لدى نقطة تلاق واحدة ~~مختارة عشوائيا عدد (د) من الجيران. وتقع الدرجة المتوسطة # د # بقمة التوزيع. # تمثل الافتراض الذي وضعته أنا وستيف بشأن الشبكات التي كنا ندرسها في أن كل هذه الشبكات ~~سيكون توزيع الدرجات بها مشابها بالتقريب لما هو موضح في الشكل # 4-1 ~~. ~~معنى ذلك أنها لن تظهر «درجة متوسطة» محددة جيدا فحسب، وهي الدرجة التي تشير إليها القمة ~~الحادة، لكن معظم نقاط التلاقي أيضا سيكون لها درجات لا تختلف كثيرا عن المتوسط، بعبارة ~~أخرى، سيتناقص التوزيع، أو يضمحل، بسرعة هائلة على جانبي المتوسط، بل إن سرعته ستصل إلى ~~الحد الذي يصبح فيه احتمال أن يكون لدى أي فرد عدد من الأصدقاء أكبر بكثير من المتوسط أمرا ~~غير ذي أهمية، حتى في شبكة ضخمة للغاية. بوجه عام، يعد ذلك افتراضا معقولا إلى حد بعيد. ~~يتسم عدد كبير للغاية من التوزيعات في العالم الحقيقي بهذه السمة بالضبط، بل إنها منتشرة ~~إلى حد أنه أصبح يشار إليها عادة بمصطلح «التوزيع الطبيعي». من منظورنا، بدت توزيعات ~~الدرجات الطبيعية افتراضا معقولا لما ينبغي أن ms089 تبدو عليه توزيعات الدرجات في العالم ~~الحقيقي، إضافة إلى ذلك، فإنها أوفت بمتطلب آخر لدينا، وهو ألا يكون أي فرد في الشبكة ~~متصلا بأكثر من جزء صغير فقط من مجموعة الأفراد الكاملة. # يجدر هنا تذكر أن اهتمامنا كان منصبا على ظاهرة العالم الصغير، ومن الجلي أنه إذا كان ~~بعض أعضاء مجموعة الأفراد متصلين بكل شخص آخر تقريبا، فستكون الشبكة صغيرة على نحو متواضع ~~للغاية. فلتتأمل، مثلا، شبكة الخطوط الجوية؛ إذا كنت تسافر جوا إلى مكان ما، أيا كان، ~~وإن كان ذلك من مطار صغير، فإن أول شيء ستفعله هو الطيران إلى مركز رئيسي، ومن هناك، إما أن ~~تسافر مباشرة إلى وجهتك أو إلى مركز آخر (إلا إذا، بالطبع، كان المركز الأول هو نفسه ~~وجهتك). وإن كنت تسافر من مدينة صغيرة إلى أخرى بالطرف الآخر من العالم، نادرا ما سيتجاوز ~~العدد الإجمالي للمحطات التي ستحتاج إلى التوقف فيها محطتين أو ثلاث محطات، ويرجع ذلك إلى ~~سبب بسيط، وهو أن كل مركز يكون متصلا بعدد كبير من المطارات الأخرى، بما في ذلك المراكز ~~الأخرى، ونظرا لأننا لم نعتقد أن الشبكات الاجتماعية تعمل بهذا الأسلوب - لأنه لا يمكن ~~لأحد أن يعرف أكثر من نسبة بالغة الصغر من إجمالي سكان العالم البالغ عددهم ستة مليارات ~~نسمة - فقد قيدنا أنفسنا عن قصد بالشبكات ذات توزيعات الدرجات الطبيعية لمعرفة كيف يمكن ~~للعالم أن يكون صغيرا، حتى في «غياب» المراكز الرئيسية. # كان كل ذلك معقولا ومقبولا ظاهريا تماما، لكننا ارتكبنا خطأ واحدا فادحا: لم نتحقق ~~من صحة نتائجنا! كنا مقتنعين بعدم ملاءمة توزيعات الدرجات غير الطبيعية، حتى إننا لم نفكر ~~مطلقا في التحقق من الشبكات التي تتضمن بالفعل توزيعات الدرجات الطبيعية وتلك التي لا ~~تتضمنها. ظلت البيانات أمام أعيننا نحو عامين، وما كان الأمر ليستغرق أكثر من نصف ساعة ~~للتحقق منها، لكننا لم نفعل ذلك قط. ~~(1) الشبكات عديمة المعيار # في تلك الأثناء، كان باراباسي وألبرت يتطرقان إلى المسألة نفسها تقريبا التي كنت أنا ~~وستيف بصددها، لكن من ms090 زاوية مختلفة تماما، فنظرا لأصول باراباسي المجرية، كان دارسا ~~متعمقا لنظرية الرسوم البيانية التقليدية، التي تضمنت نموذج إيردوس للرسوم البيانية ~~العشوائية، لكن كعالم فيزياء، كان باراباسي غير راض عن بعض أكثر المتطلبات صرامة ~~لنماذج الرسوم البيانية العشوائية، وتساءل عن الأسرار التي من المحتمل ألا يكون قد ~~كشف عنها بعد في الكميات الضخمة من بيانات الشبكات الحقيقية التي تتاح على نحو ~~متزايد. تتمثل إحدى السمات الأساسية للرسم البياني العشوائي في أن توزيع الدرجات الخاص ~~به يكون له دائما شكل رياضي محدد، وهو الشكل الذي يستمد اسمه من اسم سايمون ديني ~~بواسون تكريما له، وهو عالم رياضيات فرنسي عاش في القرن التاسع عشر ودرس فئة العمليات ~~العشوائية التي ينشأ هذا الشكل نتيجة لها. و«توزيع بواسون» ليس متطابقا مع التوزيع ~~الطبيعي، لكنهما متشابهان بدرجة كافية تغنينا عن ذكر الاختلافات بينهما هنا. جوهريا، ~~ما فعله باراباسي وألبرت هو إيضاح أن الكثير من شبكات العالم الحقيقي تتضمن توزيعات ~~درجات لا تتشابه مطلقا مع توزيع بواسون، وهي تتبع، بدلا من ذلك، ما يعرف باسم ~~«قانون القوة». # شكل 4-2: أحد توزيعات قانون القوة. مع أن هذا التوزيع ينخفض سريعا بمعدل (د)، ~~فإنه يفعل ذلك على نحو أبطأ بكثير من التوزيع الطبيعي الموضح في الشكل # 4-1 ~~، مما يشير إلى أن القيم الكبيرة ل (د) ~~تكون أكثر احتمالا. # قوانين القوة هي نوع آخر من التوزيع شديد الانتشار في النظم الطبيعية، مع أن أصلها ~~أكثر غموضا من أصول التوزيعات الطبيعية، مثل توزيع بواسون، وتتسم قوانين القوة بسمتين ~~تجعلانها مختلفة تماما عن التوزيعات الطبيعية؛ أولا، وعلى عكس التوزيع الطبيعي: لا ~~يتضمن قانون القوة قمة عند القيمة المتوسطة له، بل هو يبدأ - كما هو موضح في الشكل # 4-2 ~~- عند قيمته القصوى، ثم يقل بشدة عبر امتداده إلى ما ~~لانهاية. ثانيا: يكون المعدل الذي يضمحل به قانون القوة أبطأ بكثير من معدل اضمحلال ~~التوزيع الطبيعي، مما يشير إلى احتمال أكبر بكثير لوقوع أحداث متطرفة. فلتقارن، مثلا، ~~توزيع أحجام الأفراد في مجموعة كبيرة من ms091 البشر بتوزيع أحجام المدن. يبلغ متوسط طول أي ~~ذكر أمريكي بالغ نحو 175 سنتيمترا، ومع أن هناك الكثير من الرجال أقصر أو أطول من ذلك، ~~فلا يقترب طول أي أحد من ضعف هذه القيمة (ثلاثة أمتار ونصف تقريبا!) أو نصفها (أقل من ~~متر واحد). وعلى النقيض من ذلك، فإن عدد السكان بمدينة نيويورك، الذي يزيد عن ثمانية ~~ملايين شخص، يبلغ 300 مرة تقريبا حجم ~~مدينة مثل إيثاكا. مثل هذه الاختلافات المفرطة لا يمكن تصورها في توزيع طبيعي، لكنها ~~معتادة للغاية في قوانين القوة. # على سبيل المثال، يتشابه توزيع الثروة في الولايات المتحدة مع ~~قانون القوة، وقد كان المهندس الباريسي ~~الذي عاش في القرن التاسع عشر، فيلفريدو باريتو، أول من لاحظ هذه الظاهرة، ومن ثم ~~أطلق عليها «قانون باريتو»، وبرهن على أنها تنطبق على كل الدول الأوروبية التي تتوافر ~~عنها الإحصائيات ذات الصلة. النتيجة الرئيسية لهذا القانون هي أن عددا كبيرا من الناس ~~يملكون ثروات صغيرة نسبيا، في حين تتمتع أقلية صغيرة للغاية بالثراء الفاحش، ونظرا ~~لأن الخصائص المتوسطة لتوزيعات قانون القوة شديدة الانحراف، فيمكن أن تكون مضللة ~~للغاية. على سبيل المثال، ما من معنى على الإطلاق للتحدث عن متوسط ثروة سكان الولايات ~~المتحدة، فالمتوسط الفعلي لهذه الثروة أعلى بكثير من ثروة أي مواطن أمريكي عادي، وذلك ~~لأن هذا المتوسط تهيمن عليه ثروة عدد قليل من الأفراد فاحشي الثراء، الموجودين في طرف ~~التوزيع، هيمنة شديدة. على النحو نفسه، يمكن لكمية قليلة من نقاط التلاقي فائقة الاتصال ~~في إحدى الشبكات أن يكون لها تأثير لا يتناسب مع عددها. # تتمثل السمة الرئيسية لتوزيع قانون ~~القوة في كمية تسمى «الأس»، وهي الكمية التي تصف في جوهرها كيفية تغير التوزيع كدالة ~~للمتغير الرئيسي. على سبيل المثال، إذا انخفض عدد المدن ذات الحجم المحدد بتناسب عكسي ~~مع هذا الحجم، فمعنى ذلك أن قيمة أس التوزيع تساوي واحدا. في هذه الحالة، من المتوقع ~~أن نرى مدنا بحجم مدينة إيثاكا بمعدل يزيد ثلاث مرات عن احتمال رؤية مدن ms092 مثل ألباني ~~(عاصمة ولاية نيويورك)، التي يبلغ حجمها نحو ثلاثة أضعاف، وبمعدل يزيد عشر مرات عن مدن ~~مثل بافلو، التي يبلغ حجمها عشرة أضعاف، لكن إذا انخفض التوزيع عكسيا مع «مربع» ~~الحجم، فمعنى ذلك أن قيمة الأس تصير اثنين، ويكون من المتوقع أن يزيد عدد المدن ~~المماثلة في الحجم لمدينة إيثاكا عن المدن المماثلة لألباني بتسع مرات، وعن المدن ~~المماثلة لبافلو بمائة مرة. # بدلا من تمثيل احتمال وقوع حدث ما على الرسم البياني كدالة لحجمه (كما في الشكل # 4-2 ~~)، فإن أيسر سبيل لتحديد أس قانون القوة هو تمثيل ~~«لوغاريتم» الاحتمالية في مقابل «لوغاريتم» الحجم على الرسم البياني. ومن الملائم أنه ~~في هذا الشكل (الذي يعرف باسم «رسم اللوغاريتم-اللوغاريتم»)، يكون التوزيع الصحيح ~~لقانون القوة خطا مستقيما دائما، كما هو موضح بالضبط في الشكل # 4-3 ~~. ومن ثم، يوضح الأس ببساطة كميل لهذا الخط المستقيم. لذا، ~~عندما تتوفر البيانات الكافية، يكون كل ما علينا فعله هو وضعها على مقياس ~~لوغاريتم-لوغاريتم، وقياس ميل الخط الناتج. أوضح باريتو، مثلا، أنه بصرف النظر عن ~~الدولة التي تناولها بالدراسة، كان توزيع الثروات قانون قوة يميل في مكان ما بين اثنين ~~وثلاثة، بحيث كلما انخفض الأس زاد الاختلاف. وعلى العكس من ذلك، في حالة التعبير عن ~~توزيع بواسون أو توزيع طبيعي بيانيا على مقياس لوغاريتم-لوغاريتم، سنرى، كما هو موضح ~~في الشكل # 4-4 ~~، أنه في نقطة ما سيبدأ في الانحناء لأسفل سريعا، ~~ليعكس ما يعرف باسم «القطع». وبوجه عام، يحدد القطع حدا علويا لأي كمية يمثلها ~~التوزيع، وعندما يطبق القطع بوجه خاص على توزيع الدرجات بإحدى الشبكات، تتمثل أهميته ~~في أنه يحدد مدى قوة اتصال أي عضو بالمجموعة، وإذا كان بإمكان شخص عادي الاتصال بجزء ~~صغير فحسب من مجموعة الأفراد الكاملة، فسينطبق الأمر نفسه حتى على الشخص الأفضل ~~اتصالا. # شكل 4-3: أحد توزيعات قانون القوة على رسم بياني لوغاريتم-لوغاريتم. الأس ~~ألفا # هو ميل الخط (ينخفض الخط بمعدل α لكل وحدة ~~على المحور الأفقي). # شكل 4-4: توزيع طبيعي على رسم ms093 بياني لوغاريتم-لوغاريتم. يحدث «القطع» عندما ~~يختفي المنحنى داخل المحور الأفقي. # يمكن النظر إلى القطع أيضا على أنه يحدد ~~معيارا أساسيا للتوزيع، ونظرا لأن قانون القوة يمتد إلى ما لانهاية دون مواجهة أي ~~قطع على الإطلاق، فهو يسمى «عديم المعيار»، ومن ثم تتسم الشبكات عديمة المعيار بأن معظم ~~نقاط التلاقي بها يكون اتصالها ضعيفا نسبيا، في حين أن أقلية مختارة من المراكز ~~الرئيسية يكون اتصالها قويا للغاية، وهو ما يتناقض تماما مع الرسم البياني العشوائي ~~الشائع. بعد فحص مجموعة متنوعة من بيانات الشبكات، توصل باراباسي وألبرت إلى نتيجة ~~مذهلة، وهي أن كثيرا من الشبكات الحقيقية، بما في ذلك شبكة الممثلين السينمائيين التي ~~درستها مع ستيف، والشبكة المادية للإنترنت، وبنية الروابط الافتراضية للشبكة العنكبوتية ~~العالمية، وشبكات التمثيل الغذائي للعديد من الكائنات الحية، كانت عديمة المعيار. بعد ~~العقود العديدة التي سادت فيها افتراضات معاكسة، قد تكون هذه الملاحظة مذهلة في حد ~~ذاتها، لكن ما أثار اهتمام المعنيين بالشبكات حقا هو أن الباحثين أخذا خطوة إضافية ~~للأمام؛ وذلك بأن اقترحا آلية بسيطة أنيقة يمكن بواسطتها لمثل هذه الشبكات أن تتطور مع ~~مرور الوقت. ~~(2) الأثرياء يزدادون ثراء # ثبت أن أصل توزيع درجات بواسون في ~~الرسم البياني العشوائي، والقطع المتزامن معه، يكمن في فرضيته الأساسية، وهي أن الروابط ~~بين نقاط التلاقي تظهر للوجود على نحو مستقل تماما بعضها عن بعض. في أي مرحلة من عملية ~~البناء، من المحتمل لنقاط التلاقي ذات الاتصال الضعيف أن تقيم روابط جديدة أو تتلقاها ~~تماما كما هو الحال مع نقاط التلاقي التي تتمتع بأفضل اتصال. وكما قد يتوقع المرء في ~~هذا النظام المتساوي، تصل الأمور لمعدلها المتوسط بمرور الوقت. يمكن ألا يحالف الحظ ~~إحدى نقاط التلاقي لفترة من الوقت، لكنها في نهاية المطاف ستكون بالطرف المتلقي لأحد ~~الاتصالات الجديدة، أيضا، فإن الحظ السعيد لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، ومن ثم إذا ~~اختيرت نقطة تلاق واحدة لعدد مرات أكثر من المتوسط لفترة من الوقت، فسوف تلحق بها نقاط ~~التلاقي الأخرى في ms094 النهاية. # بيد أن الحياة الواقعية ليست على هذا القدر من العدالة؛ فخاصة فيما يتعلق بالثروة ~~والنجاح، يبدو دائما أن الأثرياء يزدادون ثراء، ويكون ذلك على حساب الفقراء عادة. ~~لقد استمرت هذه الظاهرة فترة طويلة، على الأقل منذ ظهورها في إنجيل متى: «لأن كل من له ~~يعطي فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه.» وفي إطار الشبكات، فإن مصطلح «تأثير ~~متى»، كما صاغه لأول مرة عالم الاجتماع العظيم روبرت ميرتون الذي عاش في القرن العشرين، ~~يعني أن نقاط التلاقي جيدة الاتصال تزيد احتمالية جذبها لروابط جديدة، في حين أن النقاط ~~ضعيفة الاتصال تظل ضعيفة للغاية. # وقد اقترح باراباسي وألبرت أن الحالة الخاصة لازدياد الأثرياء ثراء تدفع الشبكات ~~الفعلية إلى التطور، وبوجه خاص، إذا كان لدى إحدى نقاط التلاقي ضعف الروابط التي تتمتع ~~بها نقطة أخرى، فإن احتمال تلقيها لرابط جديد يكون الضعف بالضبط، وقد اقترحا أيضا ~~أنه على عكس نماذج الرسوم البيانية العشوائية النموذجية، التي يظل فيها عدد نقاط ~~التلاقي ثابتا، مع إضافة الروابط فحسب، فإن نموذج الشبكة الواقعي ينبغي أن يسمح ~~لمجموعة الأفراد نفسها أن تنمو مع الوقت، ومن ثم، بدأ باراباسي وألبرت بمجموعة صغيرة من ~~نقاط التلاقي، ثم أضافا على نحو منتظم كلا من نقاط التلاقي والروابط، بحيث تضاف مع ~~كل خطوة نقطة تلاق جديدة ويسمح لها بالاتصال بالشبكة الموجودة عن طريق مد عدد ثابت ~~من الروابط، وتكون كل نقطة تلاق موجودة بالفعل في الشبكة مؤهلة لأن تكون بالطرف ~~المتلقي لكل رابط، وفق احتمال يتناسب مباشرة مع درجتها الحالية، من ثم تتمتع نقاط ~~التلاقي الأقدم في الشبكة بمزية لا تملكها تلك المضافة حديثا، ونظرا لوجود عدد قليل ~~منها فحسب في البداية، فمن المرجح أن تجذب عددا قليلا من الاتصالات المبكرة، ثم تثبت ~~قاعدة ازدياد الأثرياء ثراء هذه المزية مع مرور الوقت، وتكون النتيجة، كما أوضح ~~باراباسي وألبرت، هي أنه على مدى زمني طويل بما فيه الكفاية، يتحول توزيع درجات الشبكة ~~إلى أحد توزيعات قانون القوة، على نحو يذكرنا ms095 بالتوزيعات التي لاحظاها في البيانات التي ~~فحصاها. # ما أهمية ذلك؟ أولا، يختلف توزيع درجات الشبكات عديمة المعيار عن توزيع بواسون ~~اختلافا كبيرا، حتى إن أي شخص يحاول فهم بنية الشبكات الحقيقية لا يمكنه غض الطرف عن ~~هذا الاختلاف. من الجلي أن النموذج القياسي للرسوم البيانية العشوائية، الذي طرحه ~~إيردوس وريني، يعاني بعض المشكلات الخطيرة، ليس فقط لأنه فشل في التنبؤ بالتكتل الذي ~~تحدثنا عنه سابقا، بل أيضا لأنه يعجز عن تفسير توصل باراباسي وألبرت إلى توزيعات ~~الدرجات التي توصلا إليها. إن مجرد إدراك أن العالم مختلف تماما عن الصورة المفترضة ~~عنه من قبل يمثل خطوة مهمة للأمام. أيضا يزيد شرح الارتباط التفضيلي من توضيح الأسلوب ~~الذي يسير به العالم؛ فالاختلافات الصغيرة في القدرة - بل التقلبات العشوائية تماما ~~أيضا - يمكن أن تثبت وتؤدي إلى تباينات كبيرة للغاية بمرور الوقت . وأخيرا - كما سنرى ~~في فصول لاحقة من هذا الكتاب - تتمتع أيضا الشبكات عديمة المعيار بعدد من الخصائص ~~الأخرى، مثل سهولة تعرضها للأعطال والاعتداءات، وهي الخصائص التي تميزها عن الشبكات ~~العادية ولها أهمية كبيرة من الناحية العملية. # لم يكن باراباسي وألبرت أول من طرحا نموذج النمو التفضيلي لتفسير وجود توزيعات قانون ~~القوة، وإن لم يكونا على علم بذلك آنذاك، فمنذ زمن طويل يعود إلى عام 1955، ابتكر ~~هيربرت سايمون، الحاصل على جائزة نوبل ومتعدد المعارف (الشهير بطرحه لمفهوم العقلانية ~~المحدودة)، نموذجا مطابقا تقريبا لتفسير توزيع أحجام الشركات التجارية، يعد هذا ~~التوزيع بعينه مثالا لقانون زيف؛ الذي سمي بهذا الاسم نسبة لأستاذ اللغويات بجامعة ~~هارفارد، جورج كينجسلي زيف، الذي استخدمه في عام 1949 لوصف توزيع مختلف إلى حد ما؛ ~~وهو المعدل المدرج لتكرار الكلمات في نصوص اللغة الإنجليزية (وقد ثبت أن كلمة # the # هي أكثر الكلمات المستخدمة شيوعا، يليها ~~كلمة # of ~~... إلخ). صنف زيف جميع الكلمات في عدد من ~~النصوص الكبيرة حسب معدل تكرارها، وأوضح أنه عند وضع معدل تكرارها في مقابل درجتها في ~~التصنيف على الرسم البياني، يكون التوزيع الناتج أحد توزيعات قانون القوة. ms096 تابع زيف بعد ~~ذلك عمله لإيضاح أن قانونه ينطبق أيضا (إلى جانب أمور أخرى) على التوزيع المدرج ~~لأحجام المدن (حيث ثبت أن الأس يقترب من الواحد) والشركات التجارية. # أرجع زيف نفسه هذه الظاهرة إلى ما أسماه «مبدأ الجهد الأقل»، وهو مفهوم مثير ~~للاهتمام، لكنه ظل محيرا بشكل محبط بالرغم من الكتاب (الطويل إلى حد ما) الذي ألفه ~~زيف وجعل هذا التعبير عنوانه. وبعد ست سنوات اقترح سايمون ومعاونه، يوجي آيجيري، ~~نموذجا بسيطا افترض - مثل نموذج باراباسي وألبرت - أن المدن الفردية (أو في حالة ~~سايمون وآيجيري، الشركات التجارية) تنمو عشوائيا إلى حد ما، لكن احتمال نموها بقدر ~~معين يكون متناسبا مع حجمها الحالي، ومن ثم فإن مدنا كبيرة كنيويورك يزيد احتمال ~~جذبها للوافدين الجدد مقارنة بالمدن الصغيرة مثل إيثاكا، الأمر الذي يضخم الاختلافات ~~المبدئية في الحجم، ويؤدي إلى توزيع لقانون القوة يحوز وفقه عدد قليل من «الفائزين» ~~نصيبا كبيرا لا يتناسب مع حجمه قياسا إلى العدد الإجمالي للسكان. # على أرض الواقع، ما من شيء عشوائي بشأن كبر حجم نيويورك مقارنة بإيثاكا؛ فنيويورك ~~تقع عند مصب أحد الأنهار الرئيسية بالساحل الشرقي، في حين تقع إيثاكا في قلب مجتمع ~~زراعي خامل، لكن لم يكن ذلك هو الهدف من نموذج سايمون، فما كان لينكر أهمية الجغرافيا ~~والتاريخ في تحديد المدن التي صارت عواصم حضرية، مثلما لم ينكر باراباسي وألبرت أن خطط ~~العمل الواعدة وإمكانية الوصول إلى رأس المال المخاطر كانا عنصرين أساسيين كي يكون أي ~~موقع إلكتروني متصلا ومرئيا بدرجة كبيرة، لكن الفكرة هي أنه ما إن يصبح أحد المواقع ~~الإلكترونية أو الشركات أو المدن كبيرا، فبصرف النظر عن كيفية تحقيقه ذلك، يكون احتمال ~~استمرار زيادته في الحجم أكبر من نظرائه الأصغر حجما. يملك الأثرياء العديد من السبل ~~ليصبحوا أكثر ثراء، وبعضهم يستحق ذلك في حين لا يستحقه آخرون، لكن فيما يتعلق بالتوزيع ~~الإحصائي الناتج، الأمر الوحيد المهم هو أنهم يزدادون ثراء بالفعل. # بشر الشمول العام لنموذج باراباسي وألبرت بأسلوب جديد لفهم بنية الشبكات ms097 باعتبارها ~~نظما متطورة ديناميكيا. لا يهم هل الشبكات مكونة من بشر أم محولات إنترنت، أم صفحات ~~ويب، أم جينات، ما دام النظام يتبع المبدأين الأساسيين للنمو والاتصال التفضيلي، فستكون ~~الشبكة الناتجة عديمة المعيار. لكن حسبما أشار سايمون نفسه، فإن النماذج الأنيقة ~~والجذابة من فرط بديهيتها قد تكون مضللة، ففي بعض الأحيان، تحدث التفاصيل فارقا ~~بالفعل. ~~(3) تحقيق الثراء يمكن أن يكون عسيرا # أحد التفاصيل المزعجة للغاية بشأن الشبكات عديمة المعيار هي أن توزيعات قانون القوة ~~لا تكون عديمة المعيار بالفعل إلا عندما تكون الشبكة كبيرة بشكل مطلق، في حين أنه من ~~الناحية العملية تتسم كل الشبكات التي نصادفها بمحدوديتها. تؤدي تأثيرات الحجم المحدود ~~إلى مشكلات لكل تقنية إحصائية تقريبا، لكنها مزعجة على نحو خاص لقوانين القوة؛ لأن ~~الحجم المحدود للأنظمة يفرض قطعا على التوزيع طوال الوقت. بعبارة أكثر تحديدا، لا ~~يمكن لأي نقطة تلاق في أي شبكة حقيقية أن تتصل بأكثر من باقي مجموعة الأفراد الكاملة، ~~ومن ثم حتى إن كان توزيع الاحتمالية عديم المعيار بطبيعته، فلا بد للتوزيع المرصود أن ~~ينعكس قطعا في مكان ما، ويكون عادة أقل بكثير من حجم النظام. وبناء عليه، فإن ~~توزيعات الدرجات الفعلية التي صمم نموذج الشبكات عديمة المعيار لتفسيرها أوضحت ~~فعليا منطقتين، كما هو موضح في الشكل # 4-5 ~~، وهما: منطقة عديمة ~~المعيار تظهر كخط مستقيم على رسم اللوغاريتم-اللوغاريتم البياني، وقطع محدود. # شكل 4-5: عمليا، تتضمن توزيعات قانون القوة دائما قطعا مميزا بسبب الحجم ~~المحدود للنظام؛ لذلك فإن التوزيع المرصود للدرجات يظهر دائما على ~~صورة خط مستقيم على رسم اللوغاريتم-اللوغاريتم البياني، على نطاق ~~معين. # ينشأ الارتباك لدى الملاحظ عند تحديده هل أحد القطوع المرصودة قد حدث نتيجة لحجم ~~النظام المحدود أم أنه ناتج بالفعل عن خاصية أكثر جوهرية للنظام. على سبيل المثال، لا ~~يتقيد عدد الأصدقاء بحجم السكان في العالم، فهو حجم كبير بما فيه الكفاية ليكون لدى ~~معظم الناس عدد أصدقاء يزيد مئات، بل آلاف المرات، عما لديهم بالفعل؛ فالقيد الحقيقي ~~يتعلق بالناس أنفسهم، ms098 الذين لا يملكون ما يكفي من الوقت والجهد والرغبة لإقامة صداقات ~~مع هذا العدد الكبير من الآخرين قبل أن ينهكهم الجهد الشاق اللازم لفعل ذلك، فحتى إذا ~~كان تأثير متى ينطبق على شبكات مثل الشبكة العنكبوتية العالمية، فليس من الواضح إذا ~~كان ينبغي أن يعمل على النحو نفسه في كل الشبكات، أو معظمها، والأسوأ أن القطع يكون في ~~بعض الأحيان حادا للغاية حتى إن التوزيع الموضح في الشكل # 4-5 # يصبح من الصعب تمييزه عن التوزيعات المشابهة الموجودة في الشكل # 4-4 ~~، التي ليست بتوزيعات عديمة المعيار إطلاقا. # ظهرت بعض الأدلة فيما بعد على أن الشبكات عديمة المعيار قد لا تكون منتشرة كما بدت في ~~البداية، وكان ذلك بعد بحث باراباسي وألبرت الأصلي بنحو عام. نشر عالم فيزياء شاب يدعى ~~لويس أمارال مع عدد من زملائه، من بينهم هاري يوجين ستانلي - أحد العظماء في مجال ~~الفيزياء الإحصائية (والمستشار السابق لباراباسي) - بحثا في دورية «بروسيدينجز أوف ذي ~~ناشيونال أكاديمي أوف ساينس» (أو: «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم»)، وتناولوا في هذا ~~البحث دراسة توزيعات الدرجات لعدد من الشبكات الحقيقية، وأوضحوا أنه مع أن بعضها يشبه ~~توزيعات قانون القوة (وإن كان ذلك مع قطوع محدودة)، فمن الواضح أن البعض الآخر لا ~~يشبهها. كان الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الشبكة الاجتماعية لمجتمع المورمون في ولاية ~~يوتا، التي بدت كتوزيع طبيعي قديم عادي ولم تظهر أي ملامح غريبة. جاء أحد الأدلة الأخرى ~~على الشبكات التي لا تنطبق عليها صفة عديمة المعيار مما يبدو الآن ماضيا بعيدا؛ إذ ~~ظهر في أحد أبحاث أناتول رابوبورت، الذي يتناول فيه بالدراسة شبكة الصداقات في مدرسة ~~ميشيجان الثانوية. لم يكن رابوبورت، شأنه في ذلك شأني أنا وستيف، مهتما على الإطلاق ~~بتوزيع الدرجات، لكنه على الأقل خصص الوقت لإيضاح توزيعه على الرسم البياني، ومع أنه لم ~~يشبه توزيع بواسون المألوف للرسم البياني العشوائي، فلم يكن أيضا عديم المعيار. # يجب ألا نندهش من فكرة أن العالم أكثر تعقيدا من النموذج البسيط الذي وضعه باراباسي ~~وألبرت، ms099 ولا يجب أن ينتقص ذلك من قيمة إنجازهما. إن طرح فكرة الشبكات عديمة المعيار يعد ~~إحدى الأفكار المحورية في علم الشبكات الحديث، وقد دفع إلى ظهور الكثير من الأبحاث ~~الفعلية، خاصة في مجال الفيزياء، لقد منح دخول الفيزيائيين إلى علم الشبكات هذا المجال ~~القوة الرياضية والحسابية التي افتقر إليها زمنا طويلا، الأمر الذي جعل الأعوام ~~القليلة الماضية وقتا شديد الإثارة وزاخرا بالإبداعات لنا، لكن صار من الواضح على ~~الفور تقريبا أن القوة وحدها لم تكن كافية، ومثلما غفلت نماذجنا الأصلية للعالم الصغير ~~عن عدد من سمات العالم الحقيقي، حدث ذلك أيضا مع المبادئ البسيطة لنمو الشبكات ~~والارتباط التفضيلي. # يتمثل وجه القصور الرئيسي بمفهوم الشبكات عديمة المعيار في افتراض حدوث كل شيء بلا ~~مقابل، فينظر إلى الروابط الشبكية في نموذج باراباسي وألبرت على أنها بدون تكلفة، ومن ~~ثم يمكن الحصول على أكبر قدر يمكن جمعه منها، دون الوضع في الاعتبار صعوبة تكوينها أو ~~الحفاظ عليها. يمكن أن ينطبق هذا الافتراض بالتأكيد على نماذج مثل الشبكة العنكبوتية، ~~لكنه لا يكون صحيحا عادة فيما يتعلق بالنظم البشرية أو البيولوجية، بل الهندسية ~~أيضا، مثل شبكة الطاقة الكهربائية. يفترض أيضا أن المعلومات مجانية، ومن ثم يمكن لأي ~~نقطة تلاق حديثة العثور على أي نقطة أخرى في العالم والاتصال بها، ويكون العامل الوحيد ~~ذو الصلة هو عدد الاتصالات الذي تحتفظ به كل نقطة تلاق حاليا، لكن في الحقيقة، تبدأ ~~نقاط الاتصال الوافدة حديثا في جزء معين من النظام الكبير، وينبغي عليها أن تتعرف عليه ~~من خلال عملية مكلفة من البحث والاستكشاف. عند الانتقال إلى مدينة جديدة، لا يمكننا ~~العثور ببساطة على الشخص الذي يمتلك العدد الأكبر من الأصدقاء. قد يكون من المرجح بصورة ~~أكبر مقابلة شخص لديه عدد كبير من الأصدقاء مقارنة بشخص لديه عدد قليل للغاية منهم، ~~لكن ثمة عوامل أخرى أيضا تلعب دورا في هذا الأمر، وما إن يجر المرء اتصالاته ~~الأولية حتى تعكس البنية الاجتماعية التي تضمه في الوقت الحالي فكرة أن بعض ms100 الأفراد ~~يمكن الوصول إليهم على نحو أيسر من آخرين، بصرف النظر عن مدى كثرة اتصالاتهم واتساع ~~نطاقها. # كان ذلك بالضبط هو التأثير الذي حاولنا التعبير عنه في نماذج العالم الصغير التي ~~وضعناها، وظللنا على اقتناع بأهميته، لكن النماذج عديمة المعيار لم يكن بها أي عنصر ~~للبنية الاجتماعية على الإطلاق. على الجانب الآخر، فقد أقنعتنا النتائج الأنيقة التي ~~توصل إليها كل من باراباسي وألبرت بأن الأدوات المتاحة لدراسة الشبكات العشوائية كانت ~~قوية لدرجة لا تسمح بتجاهلها. أردنا بصورة ما استغلال رياضيات الفيزيائيين لحل مشكلة ~~البنية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تجاوز الحواجز التي أحاطت بأناتول رابوبورت قبل ذلك ~~بخمسة عقود. كنا بحاجة لفكرة جديدة أكثر من أي شيء آخر. ~~(4) إعادة تقديم بنية المجموعات # في العشرين من فبراير من عام 2000، وهو التاريخ الذي لا أتذكره إلا لتوافقه مع يوم ~~ميلادي، التقيت بستيف في الاجتماع السنوي للرابطة الأمريكية للنهوض بالعلم في واشنطن ~~العاصمة لتنظيم محاضرة عن الشبكات وتاريخ مسألة العالم الصغير. حضر المحاضرة أيضا عالم ~~الاجتماع هاريسون وايت، وهو رجل يتمتع بتاريخ مشوق. في الواقع، بدأ وايت مسيرته المهنية ~~في السلك الجامعي كفيزيائي نظري، فعني بدراسة فيزياء الحالة الصلبة بمعهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا في أوائل خمسينيات القرن العشرين، وشأن الكثير من الفيزيائيين الشباب، ~~آنذاك والآن، سرعان ما أدرك أن أهم المشكلات التي لم تحل بعد في الفيزياء التقليدية قد ~~حددت جيدا بالفعل، والجميع على علم بماهيتها. كان الآلاف من أمثاله من طلاب الدراسات ~~العليا والباحثين الحاصلين على الدكتوراه الطموحين والمجدين يبذلون جهودا مضنية في ~~المعامل بجميع أنحاء العالم، آملين في التوصل إلى الاكتشاف المهم التالي، وإذا لم تكن ~~أذكى منهم جميعا، وتبذل جهدا أكبر، وحالفك الحظ بطريقة ما فوردت على ذهنك الفكرة ~~السليمة في الوقت المناسب، فإن فرصك في النجاح معدومة. يصل كل فيزيائي شاب إلى هذه ~~المرحلة من انعدام الأمل، ولم يكن هاريسون استثناء، لكن الأمر غير المعتاد هو ما اختار ~~فعله لعلاج هذا الأمر. # في العام الأول من الدراسات العليا بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ms101 درس هاريسون النزعة ~~القومية مع العالم السياسي، كارل دويتش، ووجدها موضوعا خلابا، وبتشجيع من دويتش، قرر ~~هاريسون ترك الفيزياء لدراسة العلوم الاجتماعية، فاغتنم فرصة الحصول على منحة جامعية ~~لمدة عام واحد من مؤسسة فورد، وعاد إلى الدراسات العليا بجامعة برنستون، وحصل على شهادة ~~دكتوراه أخرى، لكن هذه المرة في علم الاجتماع، غير أن الفيزيائي ظل بداخله دائما. وقبل ~~عقود من انتشار مصطلح «متعدد التخصصات» في الأوساط الجامعية ووكالات التمويل على حد ~~سواء، كان هاريسون عالما متعدد التخصصات؛ فكان أشبه بحصان طروادة غير مؤذ يمكن لأفكار ~~وتقنيات الفيزياء المعاصرة غزو علم الاجتماع وإعادة تشكيله من خلاله. في سبعينيات القرن ~~العشرين، كان هاريسون زميلا لستانلي ميلجرام، بل عمل أيضا على مسألة العالم الصغير. ~~لكنه بدأ برنامجا للرياضيات التطبيقية، وأداره. تدرب بهذا البرنامج بعض أكثر علماء ~~اجتماع الجيل التالي تأثيرا، إلى جانب تقديمه عددا من الإسهامات المؤثرة في النظرية ~~الحديثة للشبكات الاجتماعية. اشتهر هاريسون، وهو في العقد الثامن من عمره الآن، ليس فقط ~~بحدة طباعه وكتاباته المبهمة، بل أيضا بسخائه الشديد والاتساع المذهل لدائرة اهتماماته ~~وبصيرته المدهشة في بعض الأحيان. # في المؤتمر اتسم هاريسون بغموضه المعتاد، لكنه قال شيئا واحدا نجح في إثارة بعض ~~الانتباه، كان مضمون حديثه هو أن الناس يعرف بعضهم بعضا بسبب ما يفعلونه، أو بوجه أعم ~~بسبب «السياقات» التي يوجدون فيها؛ فكون المرء أستاذا جامعيا سياق، وكذلك كونه ~~ضابطا في البحرية، والسفر المتكرر جوا للعمل سياق، وتعليم التسلق سياق، والعيش في ~~نيويورك سياق؛ كل ما نفعله، وكل السمات التي تحدد هويتنا، وكل الأنشطة التي نمارسها ~~وتدفعنا إلى الالتقاء بعضنا ببعض والتفاعل معا هي سياقات، ومن ثم فإن مجموعة السياقات ~~التي يشترك فيها كل فرد منا هي عامل محدد شديد الأهمية لبنية الشبكة التي ننشئها بعد ~~ذلك. # مدفوعا بعمل رابوبورت، ظللت أعاني بعض الوقت مع فكرة إنشاء شبكات عشوائية تضم بنية ~~اجتماعية على نحو أقل فوضوية من النموذج ألفا الذي عملت عليه أنا وستيف في البداية، ~~لكنه لا يعتمد على ms102 ركائز الشبيكات الصناعية كالنموذج بيتا. تمثلت المشكلة في أنه عندما ~~تخلصنا من نظام قياس الشبيكات، لم تعد لدينا أي وسيلة لتحديد مدى قرب أي شخص من أي شخص ~~آخر، ومن ثم مدى احتمال اتصال أحدهما بالآخر. لا يمثل ذلك مشكلة في الرسوم البيانية ~~العشوائية؛ لأن احتمالات اتصال كل فرد متساوية في كل الأحوال، وفي شبكات باراباسي عديمة ~~المعيار، تعتمد احتمالات الاتصال على الدرجة فحسب، لكننا ما إن نبدأ في تقديم أي نوع من ~~البنية الجماعية أو الاجتماعية حتى نحتاج إلى أساس ما لتمييز «القريب» من «البعيد». في ~~الواقع، دون مفهومي القريب والبعيد، ليس من الواضح كيف يمكن للمرء تعريف البنية ~~الاجتماعية في المقام الأول. وفي نهاية المطاف، ماذا تكون الجماعة الاجتماعية سوى ~~مجموعة من الأفراد أقرب إليك من بقية العالم؟ # طرأت على ذهني بوادر لحل هذه المسألة أثناء استماعي لحديث هاريسون، فبدلا من البدء ~~بمفهوم المسافة، واستخدامه لإنشاء المجموعات، لماذا لا يكون البدء بالمجموعات ~~واستخدامها لتحديد مقياس للمسافة؟ تخيل أنه في أحد التجمعات البشرية بدلا من اختيار ~~الأفراد بعضهم لبعض مباشرة، يختارون الانضمام لعدد من المجموعات، أو على نحو أكثر ~~شمولا، يختارون المشاركة في عدد من السياقات، كلما زاد عدد السياقات التي يشترك فيها ~~شخصان، زاد قرب أحدهما من الآخر، وزاد احتمال اتصال أحدهما بالآخر. بعبارة أخرى، لا ~~تبدأ الكائنات الاجتماعية كالورقة البيضاء مثلما فعلت نقاط التلاقي في نماذج الشبكات ~~السابقة، وذلك لأنه في الشبكات الاجتماعية الحقيقية، يمتلك الأفراد هويات اجتماعية، ~~وبالانتماء إلى مجموعات محددة، ولعب أدوار معينة، يكتسب الأفراد سمات تجعلهم أكثر أو ~~أقل عرضة للتفاعل بعضهم مع بعض. بعبارة أخرى، تحدد الهوية الاجتماعية عملية تكون ~~الشبكات الاجتماعية. # على الرغم من البساطة التي يبدو عليها الأمر، فقد كانت تلك النظرة للشبكات مختلفة في ~~جوهرها فعليا عن النظرة التي كنا نعمل وفقها حتى تلك الفترة؛ ذلك لأنها تطلبت منا ~~التفكير على نحو متزامن في نوعين مختلفين من البنية - البنية الاجتماعية وبنية الشبكات ~~- بدلا من نوع واحد فحسب. بالطبع، تعد هذه ms103 النظرة طبيعية تماما لعلماء الاجتماع، ~~فكما أوضحنا من قبل، فكر علماء الاجتماع طويلا وباجتهاد في العلاقة بين البنية ~~الاجتماعية وبنية الشبكات، لكنها غير طبيعية على الإطلاق لعلماء الفيزياء والرياضيات، ~~الذين تبدو لهم فكرة امتلاك نقطة تلاق في الشبكة لهوية أمرا سخيفا، مع ذلك، فإن ~~الحدس كان جذابا للغاية، وقد أدهشني أنني لم أفكر فيه من قبل. في الواقع، لقد فكرت فيه ~~بالفعل من قبل، بل إنه كان أول فكرة اقترحتها على ستيف على الإطلاق لتكون نموذجا ~~للشبكة الاجتماعية، وذلك عندما بدأنا لأول مرة التفكير في الأمر برمته، لكن لعدد من ~~الأسباب الفنية، لم نتمكن من إنجاحه، فتغاضينا عنه، وانتقلنا إلى نماذج الشبكات الأسهل ~~من حيث إمكانية تصورها. بعد بضعة أعوام ظل الأمر يمثل مشكلة عويصة، لكن في هذه المرحلة ~~كنت قد اكتشفت أنا وستيف سلاحنا السري الجديد؛ مارك نيومان. # مارك نيومان هو الشخص الذي يجعلك تتساءل لماذا تزعج نفسك بمحاولة فعل أي شيء، فإلى ~~جانب كونه عالم فيزياء عبقريا وخبيرا في مجال الكمبيوتر، يعد مارك أيضا عازف بيانو ~~بارعا لموسيقى الجاز، وملحنا، ومغنيا، ومعلم رقص، بل يجيد التزلج على الجليد أيضا، ~~وقد ألف مارك، وهو لا يزال في منتصف العقد الرابع من عمره، أربعة كتب، ونشر العشرات من ~~الأبحاث في دوريات الأحياء والفيزياء، وأسس لنفسه سمعة طيبة كمدرس بارع، وابتكر عددا ~~من خوارزميات الكمبيوتر الأصلية؛ كل ذلك دون العمل ليلا أو في عطلات نهاية الأسبوع! ~~لكن الأهم من كل ذلك هو أنه سريع؛ سريع ولا يكل على نحو لا يصدق. إن العمل مع مارك ~~يشبه الصعود على متن قطار سريع دون التحقق أولا من خط سيره؛ فأنت تضمن الوصول إلى ~~«مكان ما» بسرعة كبيرة، لكن انشغالك بعدم سقوط قبعتك من رأسك يحول دون اكتشاف وجهتك إلى ~~أن تصل إليها، ويكون الإرهاق قد غلبك عادة. في تلك الأثناء يكون مارك قد انطلق بالفعل ~~لكتابة بحث آخر. # تطلبت إثارة اهتمام مارك بالمسألة التي كنا نعمل عليها بعض الجهد، لكن لحسن الحظ كان ms104 ~~قد سبق لي التعاون معه في كتابة بعض الأبحاث في معهد سانتا في، حين اكتشفنا معا بعض ~~الخصائص الرياضية للنموذج بيتا، الأمر الذي جعله يألف المشكلات المتعلقة بالشبكات. ~~وبناء على اقتراحي، دعا ستيف مارك أيضا إلى جامعة كورنيل لإلقاء خطاب، وسريعا ما ~~أعجب كل منهما بالآخر، ومن ثم لقيت فكرة التعاون قبولا لدينا جميعا. تمثلت المشكلة ~~الرئيسية في أنه في ذلك الوقت - أوائل عام 2000 - ~~كنت أعيش في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، ~~كنت قد انتقلت إلى هناك الخريف السابق للعمل مع آندرو لو، وهو عالم اقتصاد مالي بكلية ~~سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وصديق قديم لستيف منذ أيام الدراسات العليا ~~لهما بجامعة هارفارد، في تلك الأثناء، كان مارك قد عاد إلى سانتا في، وكان ستيف لا يزال ~~في إيثاكا، ومن ثم تحتم علينا تبادل أفكارنا عبر البريد الإلكتروني، الأمر الذي أثبت ~~عدم فعاليته، لكننا في النهاية تمكنا من الالتقاء في إحدى عطلات نهاية الأسبوع في ~~مايو، وكان ذلك في إيثاكا، للتحدث بشأن مشروع جديد. تجاهل ستيف ذكر أن عطلة نهاية ~~الأسبوع التي اخترناها كانت نفسها العطلة التي أقيم فيها حفل التخرج بجامعة كورنيل، ~~الذي يختفي خلاله الحرم الجامعي ومعظم المدينة وسط الحشد العظيم من الآباء والإخوة ~~والأخوات والأقارب والطلاب الفرحين، مع ذلك، فقد تمكنا من عزل أنفسنا في منزل ستيف في ~~كيوجا هايتس وإنجاز بعض الأعمال المهمة، أو بالأصح، أنجز مارك بعض الأعمال المهمة، في ~~حين جلست أنا وستيف نشاهد في إعجاب تلك الماكينة وهي تدور بأقصى سرعة لها. ~~(5) شبكات الارتباط # كانت الحيلة الفنية التي ساعدتنا في ~~تعيين مفهوم المسافة كدالة محددة لبنية المجموعة بدقة هي التعبير عنه في إطار ما ~~يطلق عليه «شبكة الارتباط»، كما هو الحال في شبكة الممثلين التي تناولناها بالشرح في ~~الفصل # الثالث ~~، والتي يعد فيها ممثلان متصلين إذا كانا قد ~~مثلا معا في أحد الأفلام، يمكن القول إن أي نقطتي تلاق في شبكة ارتباط تكونان ~~مرتبطتين معا إذا اشتركتا في «المجموعة» نفسها، أو في «السياق» ذاته، ms105 إذا استخدمنا ~~مصطلح هاريسون، ومن ثم فإن شبكة الارتباط يمكن أن تصير الركيزة التي تقوم عليها الشبكة ~~الفعلية للروابط الاجتماعية. ودون أي ارتباطات، تكون فرصة اتصال شخصين ضعيفة للغاية؛ ~~فكلما زاد عدد الارتباطات، وقوة كل ارتباط، زاد احتمال تفاعلهما كأصدقاء أو معارف أو ~~زملاء عمل، وذلك حسب طبيعة السياقات التي يوجدان فيها. لكن قبل أن نبدأ بمشكلة بناء ~~الشبكات الاجتماعية اعتمادا على شبكات الارتباط، علينا أولا فهم بنية شبكات الارتباط ~~نفسها، وكانت تلك هي المسألة التي وقع عليها اختيارنا أنا وستيف ومارك لنبدأ بها عطلة ~~نهاية الأسبوع تلك في إيثاكا. # تعد شبكات الارتباط فئة مهمة من الشبكات الاجتماعية ينبغي دراستها في حد ذاتها، ليس ~~فقط لأن الارتباطات تشكل أساس أنواع أخرى من العلاقات الاجتماعية، كروابط العمل ~~والصداقة، بل أيضا لأنها تظهر في مجموعة كبيرة من تطبيقات الشبكات غير الاجتماعية التي ~~تحمل مع ذلك أهمية اجتماعية واقتصادية. على سبيل المثال، عندما تدخل على موقع أمازون ~~الإلكتروني لشراء كتاب ما، ويدرج الموقع تحت اختيارك قائمة بعنوان «من اشترى هذا ~~الكتاب اشترى أيضا ...»، فإن هذه شبكة ارتباط، وهي تتكون من أفراد من ناحية وكتب من ~~ناحية أخرى. من خلال شراء أحد الكتب، يرتبط الأفراد بأي شخص آخر اشترى الكتاب نفسه، ~~فيختارون في حقيقة الأمر «مجموعة» جديدة ينتمون إليها. تعد شبكة الممثلين السينمائيين ~~أيضا شبكة ارتباط تتكون من ممثلين من ناحية وأفلام من ناحية أخرى، ومن خلال التمثيل ~~معا في أحد الأفلام، يصبح ممثلان مرتبطين، ويمكن أن ينطبق وصف مماثل أيضا على مديري ~~الشركات الذين يشكلون مجالس إداراتها، والعلماء الذين يشتركون في كتابة الأبحاث معا. ~~في الواقع، كانت واحدة من أولى شبكات الارتباط التي حظيت بالانتباه هي شبكة التأليف ~~المشترك في الرياضيات التي ضمت بول إيردوس، واضع نظرية الرسوم البيانية العشوائية الذي ~~ألقينا عليه الضوء في الفصل # الثاني # من هذا الكتاب. # سبب آخر لدراسة شبكات الارتباط، هو الجودة الاستثنائية للبيانات التي لدينا؛ ذلك لأنه ~~على الأقل في سياقات مثل عضوية النوادي والاشتراك في أنشطة ms106 العمل والتعاون بالمشروعات ~~المشتركة كالأفلام أو الأبحاث العلمية، يكون من الواضح بالضبط من ينتمي لماذا. حديثا، ~~أصبح قدر كبير من هذه البيانات متاحا إلكترونيا في صورة قواعد بيانات على الإنترنت، ~~ومن ثم يمكن إنشاء شبكات ضخمة وتحليلها سريعا، بل الأفضل من ذلك أنه على الأقل في بعض ~~الحالات - كمثال موقع أمازون وبعض شبكات التعاون التي سنناقشها - يسجل الأفراد أنفسهم ~~البيانات تلقائيا، وذلك حين يتخذ المستهلكون قرارات الشراء أو تقديم الباحثين للأبحاث ~~العلمية في الوقت الفعلي، ومن خلال توزيع جهد إدخال البيانات على أعضاء الشبكة أنفسهم، ~~بدلا من تركيزها في أيدي مدير قاعدة بيانات، يزول القيد الرئيسي على تسجيل البيانات ~~فعليا، ويمكن أن تنمو قواعد البيانات جوهريا بلا حدود، وهو الأمر المختلف تماما عن ~~أساليب الجمع والتسجيل التي استخدمت حتى عقد مضى. # نظرا لأن شبكات الارتباط تتكون دائما من نوعين من نقاط التلاقي - التي يمكن أن ~~نسميها «الفاعلين» و«المجموعات» - فإن أفضل طريقة لتمثيلها هي الشبكة ثنائية القسم أو ~~ثنائية النمط. في الشبكة ثنائية القسم، كما هو موضح في اللوحة الموجودة بمنتصف الشكل # 4-6 ~~، تظهر مجموعتا ~~نقاط التلاقي منفصلتين، ونقاط التلاقي التي تنتمي لأنواع مختلفة فقط هي التي يمكنها أن ~~يتصل بعضها ببعض، من خلال علاقة يمكن أن نفسرها على أنها «انتماء» أو «اختيار»، ومن ثم ~~يتصل الفاعلون بالمجموعات فقط، وتتصل المجموعات بالفاعلين فحسب. وفي حين تتسم الشبكات ~~ذات النمط الواحد (أو القسم الواحد)، كالشبكات التي تناولناها حتى هذه المرحلة، بتوزيع ~~فردي الدرجة، تتطلب الشبكات ذات النمطين توزيعين: توزيعا لأحجام المجموعات (عدد ~~الفاعلين الذين ينتمون لكل مجموعة)، وتوزيعا لعدد المجموعات التي ينتمي إليها كل فاعل. # شكل 4-6: أفضل تمثيل لشبكات الارتباط هو الشبكات ذات النمطين (الموجودة في ~~منتصف الشكل) التي يظهر فيها الفاعلون والمجموعات كنوعين مختلفين من ~~الأنماط. يمكن دائما عرض الشبكات ذات النمطين على إحدى شبكتين أحاديتي ~~النمط تعكسان الارتباطات بين الفاعلين (أسفل الشكل) أو التداخلات بين ~~المجموعات (أعلى الشكل). # مع ما تبدو عليه الشبكة ثنائية القسم من اختلاف، فيمكن دائما ms107 أن تمثل في صورة ~~شبكتين أحاديتي النمط؛ واحدة تتكون من الفاعلين، والأخرى تتكون من المجموعات، وذلك من ~~خلال عرضها في مجموعتين من نقاط التلاقي، كما فعلنا في الشكل # 4-6 ~~. يعد نمط الفاعلين هو المألوف؛ إذ يكون الفاعلان ~~متصلين (مرتبطين) إذا انتمى كلاهما لمجموعة واحدة على الأقل، لكن المجموعات يمكن أيضا ~~أن ترتبط بفضل الأعضاء المشتركين؛ فإذا كان فاعل واحد على الأقل ينتمي إلى مجموعتين، ~~فيعني ذلك أنهما متداخلتان أو متشابكتان، وتكون نتيجة حيلة العرض هذه أنه من حيث ~~المبدأ، تتضمن أي شبكة ذات قسمين كل المعلومات ذات الصلة بكل من «شبكة ارتباط ~~الفاعلين» و«الشبكة المتداخلة المجموعات»، الموضحتين في أسفل الشكل # 4-6 # وأعلاه على الترتيب. ما كنت آمل فعله أنا وستيف ومارك هو فهم ~~الخصائص الواضحة للشبكات أحادية النمط، في ظل التمثيل ثنائي الأقسام. يرجع السبب وراء ~~العمل على هذا النحو إلى كلمة هاريسون في مؤتمر الرابطة الأمريكية للنهوض بالعلم. تعكس ~~شبكات النمط الواحد تمثيلا للعلاقات التي قد يلاحظها المرء فعليا في بيانات الشبكات ~~التي يمكن قياسها، مثل البيانات التي يجمعها محللو الشبكات بصورة طبيعية، والتي في ~~جوهرها ما هي إلا قائمة توضح من يعرف من، فعليا، لكن ما لا يمكن لهذا النوع من ~~بيانات الشبكات أن يطلعنا عليه هو من أين تأتي هذه العلاقات. # كما أوضحنا في الفصل # الثاني ~~، حاول التحليل التقليدي ~~للشبكات تجنب هذه المشكلة عن طريق ابتكار أساليب لاستخلاص بنية المجموعات من بنية ~~الشبكات وحدها، وفي ضوء الشكل # 4-6 ~~، سيعني ذلك إعادة إنشاء شبكة ~~تداخل المجموعات (الموجودة أعلى الشكل) بناء على معرفة شبكة ارتباط الفاعلين (الموجودة ~~أسفله)، ويكون ذلك دون معرفة الرسم البياني ذي القسمين الموجود في المنتصف. لكن كما هو ~~ملاحظ أيضا في الشكل # 4-6 ~~، في حالة شبكة صغيرة نسبيا ذات قسمين، ~~لا يكون عرض المجموعات (الموجود أعلى الشكل) أقل تعقيدا بكثير من عرض الفاعلين ~~(الموجود أسفل الشكل)؛ لذا ليس من الصعب فحسب استخلاص العلاقة بين الشبكتين دون معرفة ~~من أين أتت كلتاهما، لكن ليس من الواضح ms108 تماما كيف يمكن للاختبار توضيح الأمور من ~~الأساس. من خلال البدء بالتمثيل الصريح للبنية الاجتماعية - أي التمثيل الكامل ذي ~~القسمين - كان يحدونا الأمل في أن نفهم بنية شبكة الارتباط وشبكة التداخل في آن ~~واحد. ~~(6) المديرون والعلماء # في الوقت ذاته تقريبا الذي التقينا فيه نحن الثلاثة في إيثاكا، تلقيت رسالة بريد ~~إلكتروني من جيري ديفيز، وهو أستاذ بكلية إدارة الأعمال بجامعة ميشيجان، يلتمس فيها ~~مساعدة حسابية تتعلق ببعض بيانات الشبكات التي كان يدرسها مع معاونه، واين بيكر. كان ~~ديفيز مهتما للغاية، لبضع سنوات، بالبنية الاجتماعية لعالم شركات القطاع الخاص ~~بأمريكا، خاصة البنية المتشابكة لمجالس إدارات الشركات. ليست هذه بالشبكة الاجتماعية ~~المتواضعة؛ فهناك ما يقرب من ثمانية آلاف مدير في مجالس إدارات الشركات التي تتصدر ~~قائمة أفضل ألف شركة في الولايات المتحدة وفقا لقائمة مجلة فورتشن، وهذا العدد القليل ~~نسبيا من الأفراد، إلى جانب الموظفين التنفيذيين التابعين لهم، يلعبون دورا محوريا ~~في تشكيل اقتصاد الدولة، والعالم ككل بدرجة أقل. نظرا لأن معظم اللاعبين في هذه اللعبة ~~يكونون مسئولين فقط أمام المساهمين في شركاتهم (هذا إن كانوا كذلك بالفعل!) وليس من ~~الضروري أن يكون الوصول بثروة الشركة إلى أقصى حد ممكن في مصلحة عامة الأفراد أو البيئة ~~أو الإدارة المستنيرة، فإن السؤال المهم يكمن فيما إذا كانت العناصر واسعة الانتشار ~~لعالم الشركات قادرة على العمل المتناسق، بما في ذلك من خرق لمبدأ منافسة السوق ~~المفترض. في أعقاب الفضائح المحاسبية واسعة الانتشار في مجالي الاتصالات وتجارة ~~الطاقة، يبدو الأهم الآن أكثر من أي وقت مضى التعرف على الآليات الممكنة للتواطؤ بين ~~الشركات. # على مر التاريخ لم يفكر علماء الاقتصاد ~~كثيرا في هذه القضية؛ لأنهم يفترضون بوجه عام أن الأسواق تتحكم دائما في التفاعلات ~~بين الشركات، لكن علماء الاجتماع، مثل ديفيز، يفكرون فيها كثيرا، فمن الطبيعي لشخص ~~يوجد بمجلسي إدارة شركتين مختلفتين أن يشكل قناة لتدفق المعلومات بين الشركتين، ومن ~~المرجح أيضا أن يحقق توافقا بين مصالحهما. توجد بالطبع قواعد بشأن العضوية المشتركة - ~~فلا يمكن ms109 لأحد الانضمام إلى مجلسي إدارة شركتين مختلفتين متنافستين بشكل مباشر مثلا - ~~لكن المصالح المشتركة تكون غالبا أقوى مما يمكن لأي قواعد التحكم فيها. هذا ولا يعد ~~التنسيق بين الشركات دائما أمرا سيئا. إذا كان من المفترض لقطاع الشركات الأمريكية ~~ككل أن يستجيب سريعا وبفعالية للبيئة الاقتصادية العالمية سريعة التغير، فمن الأفضل ~~لموظفي هذه الشركات أن يتحدثوا معا في إطارات أكثر حميمية من تقارير العمل. # يملك رؤساء الشركات ومديروها بالطبع العديد من أوساط التفاعل، سواء أكانت رسمية أم ~~غير رسمية، ولا تمثل غرف اجتماعات مجالس الإدارات سوى واحدة منها فقط، لكن نظرا لأن ~~غرفة اجتماعات مجلس الإدارة هي المكان الذي تحدد فيه معظم التغيرات الرئيسية في ~~استراتيجية الشركة أو يوافق عليها، فهي تبدو سياقا مهما للغاية ينبغي دراسته، ~~بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس التفاعلات غير الرسمية بين المديرين التنفيذيين بملعب ~~الجولف أو على الغداء، فإن عضوية مجالس إدارات الشركات هي بيانات متاحة للجميع، ومن ثم ~~يمكن تحليلها. أراد كل من ديفيز وبيكر معرفة هل شبكة مجالس الإدارات التي تناولاها ~~بالدراسة عالما صغيرا، بمعنى أنها شديدة التكتل، بحيث يتمكن أي مديرين من الاتصال ~~أحدهما بالآخر عن طريق عدد قليل من الوسطاء فحسب. لم يستغرق الأمر وقتا طويلا لإثبات ~~أنها كانت كذلك بالفعل، فتمكنا من إضافة نموذج آخر للقائمة المتزايدة لشبكات العالم ~~الصغير المعروفة، لكن هذه الحقيقة لم تعد تبدو مفاجئة لنا، فطلبت من ديفيز أن نجري ~~بعض التحليل المفصل لبيانات هذه الشبكات، وتكرم بالموافقة. # في تلك الأثناء التي كان مارك يجري فيها بعض الأعمال وحده - في منتصف تسعينيات القرن ~~العشرين - بدأ كل من بول جينسبارج وجيفري ويست - وهما عالما فيزياء بمختبر لوس ألاموس ~~الوطني - ثورة صغيرة في مجال النشر العلمي، عن طريق إنشاء مخزن إلكتروني على الإنترنت ~~للأبحاث قبل النشر التي تتناول العديد من التخصصات الفرعية في الفيزياء، وما كان من ~~العاملين في مجال الفيزياء، المحبطين كسواهم من عملية النشر التقليدية القائمة على ~~الدوريات والتواقين دائما للحاق بالموجة التالية، إلا أن تهافتوا ms110 على ذلك المنفذ ~~الجديد المعروف باسم «أرشيف المطبوعات الإلكترونية لمختبر لوس ألاموس الوطني». يقوم هذا ~~الأرشيف بوظيفتين على الأقل تجعلان منه مؤسسة علمية ابتكارية؛ أولا: يقدم للباحثين ~~خيار النشر الفوري؛ إذ لا يتطلب الأمر منهم سوى تحميل أبحاثهم على خوادم الأرشيف. ~~ثانيا: يزود باقي العاملين في مجال البحث العلمي بإمكانية وصول سريعة لأعمال الباحثين ~~الآخرين جميعا، الأمر الذي يؤدي إلى الإسراع للغاية من دورة الأفكار والابتكار. لم ~~يتضح بعد ما إذا كانت هذه الإمكانية غير المقيدة لنشر عمل المرء أمرا جيدا تماما ~~لتقدم العلم أم لا، لكن من الواضح أن معظم الفيزيائيين يؤمنون بذلك، على الأقل إذا ~~وضعنا حماسهم لتحميل الأبحاث وتنزيلها في الاعتبار. # بالإضافة إلى أهمية الأرشيف المؤسسية، فإنه يمثل أيضا وسيلة للتحقق العلمي من خلال ~~كونه شبكة للتعاون بين العلماء؛ ففي خلال نصف عقد منذ تأسيسه، نشر ما يزيد عن خمسين ألف ~~باحث نحو مائة ألف بحث به. ومن الجلي أن هذه الأرقام ليست سوى جزء صغير من إجمالي عدد ~~الفيزيائيين وأبحاثهم على مدار الزمن ككل، لكنها معبرة بما فيه الكفاية لتمثل على الأقل ~~البنية الاجتماعية المعاصرة لهذا الفرع من المعرفة. تمكن مارك بمساعدة جينسبارج من ~~الحصول على قاعدة البيانات الكاملة للأبحاث والمؤلفين، وتمكن من خلالها من إعادة بناء ~~شبكة التعاون المتوافقة في صورة رسم بياني ذي قسمين. # تمكن كذلك مارك، الذي لا يرضى عن الإتقان التام بديلا، من الحصول على بعض البيانات ~~الأكثر إثارة للإعجاب، وهي قاعدة بيانات «ميدلاين» للأبحاث والباحثين في مجال الطب ~~الحيوي، التي جمع محتواها على مدار فترة زمنية أطول بكثير من أرشيف المطبوعات ~~الإلكترونية، وتضم ما يزيد عن مليوني بحث ومليون ونصف المليون من المؤلفين. بالتأكيد ~~هذه الأرقام أكبر بكثير مما يمكن تناوله في تحليل الشبكات الاجتماعية (تعد مجموعة ~~بيانات ديفيز كبيرة، وهي بالآلاف فقط). لم يجب على مارك استخدام تطبيق «إنتل كلستر» ~~فحسب، وهو التطبيق الذي كان قد ثبت للتو بمعهد سانتا في لإجراء الحسابات، لكن كان ~~عليه أيضا تحسين بعض خوارزميات ms111 الشبكات القياسية؛ كيلا تحتاج تلك الأداة لسنوات لإتمام ~~العمل. وكما لو أن ذلك لم يكن كافيا، حصل مارك أيضا على قاعدتي بيانات أصغر حجما ~~(لكنهما لا تزالان ضخمتين بمعايير الشبكات الاجتماعية) من مجالي الحاسبات وفيزياء ~~الطاقة العالية. # من المنظور الاقتصادي، لا تتمتع شبكة التعاون العلمي بالأهمية الواضحة نفسها التي ~~تتسم بها شبكة مديري الشركات، لكن عند المتابعة على مدى زمني أطول، يكون لقدرة المجتمع ~~العلمي على الابتكار، والاتفاق أيضا، آثار عميقة (وإن كانت غامضة إلى حد ما) على إنتاج ~~وتحويل معارف جديدة تتغير بها أوجه التكنولوجيا والسياسة، ونظرا لأن البنية الاجتماعية ~~لصور التعاون تمثل آلية يتعرف بها العلماء على تقنيات جديدة ويحلمون بأفكار جديدة ~~ويحلون مشكلات ما كانوا ليتمكنوا أبدا من حلها وحدهم، فإنها مهمة لسير البحث العلمي ~~على نحو سليم. وبوجه خاص، يمكن أن يأمل الفرد أن تتصل شبكة تعاون ضخمة من العلماء في ~~صورة مجتمع واحد وليس مجتمعات فرعية منعزلة عديدة. # هكذا، حين تقابلنا في إيثاكا في عطلة نهاية الأسبوع بشهر مايو، لم يكن لدينا بعض ~~الأفكار النظرية بشأن شبكات الارتباط فحسب، بل أيضا صورة ممتازة للظاهرة التجريبية ~~التي يجب على نماذجنا تفسيرها. تمثلت إحدى أكثر السمات إدهاشا لشبكات التعاون، على ~~سبيل المثال، في أن أغلبية المؤلفين في كل من هذه الشبكات كانوا متصلين بالفعل في ~~مكون واحد يمكن ربط كل عالم عامل بداخله بأي عالم آخر من خلال سلسلة قصيرة فقط من ~~المتعاونين (أربعة أو خمسة أفراد عادة). لم نتفاجأ في الواقع بهذه النتائج؛ لأننا ~~لاحظنا هذه السمة من قبل في شبكة الممثلين السينمائيين، لكن يجب التذكر هنا أن بعض ~~مجموعات بيانات مارك قد أنشئت في خمس سنوات فحسب، وتكونت بالفعل من عشرات الآلاف من ~~المؤلفين، ومن ثم لم يتح للعلماء (الذين يتسمون بالتركيز الشديد دائما) وقتا طويلا ~~للاتصال بعضهم ببعض كما هو الحال مع الممثلين، بالإضافة إلى ذلك، يكون العدد المعتاد ~~لمؤلفي أي بحث حوالي ثلاثة فقط، وهو العدد الأقل بكثير من متوسط فريق التمثيل بالأفلام ms112 ~~(نحو ستين فردا)، وهو ما لا يسهل على كل فرد أن يتصل بنظرائه على نحو جيد. # مع ذلك، يمكن لنظرية الرسم البياني العشوائي أن تفسر هذه الظاهرة بسهولة إلى حد ما. ~~في الرسوم البيانية العشوائية - كما هو الحال في النموذج ألفا الموضح في الفصل # الثالث ~~- لا يمكن وجود مكونين كبيرين بالحجم ذاته تقريبا دون ~~أن يكونا متصلين؛ والسبب في ذلك ببساطة هو أنه إذا كان هذان المكونان موجودين بالفعل، ~~فحتما سيتصل أحد أعضاء أحد المكونين في النهاية، بالصدفة العشوائية، بعضو بالمكون ~~الآخر، وسيتوقف انفصالهما عند هذه المرحلة. ربما تكون المفاجأة هي أن هذه النتيجة عينها ~~تظهر في الشبكات غير العشوائية أيضا، حيث تعزل قوى، مثل التخصصات المعرفية، المجتمعات ~~بعضها عن بعض، لكن كما رأينا في النموذج ألفا، فإن أقل قدر من العشوائية يبدو أنه يحل ~~الأمر، ومن ثم، فإن الاتصال القوي وقصر طول المسارات العامة تنبئ على نحو جيد بنموذج ~~لشبكة عشوائية. ~~(7) تعقيدات # مع ذلك، سريعا ما كشفت دراسة البيانات على نحو أكثر دقة عن عدد من الخصائص البعيدة ~~كل البعد عن الشبكات العشوائية. بداية، كانت شبكات التعاون جميعها شديدة التكتل كشبكات ~~العالم الصغير، التي صارت مألوفة بحلول ذلك الوقت. ثانيا، التوزيعات المعبرة عن عدد ~~الأبحاث التي كتبها كل مؤلف، وعدد المؤلفين المعاونين له في كتابة كل من هذه الأبحاث، ~~بدت مشابهة لتوزيع قانون القوة لباراباسي وألبرت أكثر من توزيعات بواسون ذات القمم التي ~~تعد سمة مميزة للرسوم البيانية العشوائية. # ازدادت الأمور تعقيدا عندما بدأنا في فحص بيانات ديفيز المتعلقة بمجالس الإدارات، ~~كان «كل فرد» في شبكة المديرين بأكملها - وليس فقط عدد كبير منهم - متصلا بالآخرين، ~~وكانت توزيعات الدرجات المتوافقة بعيدة عن الشبكات العشوائية الطبيعية أو عديمة ~~المعيار. إن الانضمام إلى مجلس إدارة إحدى الشركات المدرجة في قائمة أفضل ~~1000 شركة وفق تصنيف مجلة فورتشن ~~الأمريكية، ليس بالمهمة الهينة؛ لذا فليس من المدهش أن يكون معظم المديرين - نحو 80 ~~بالمائة منهم في الواقع - ينتمون إلى مجلس إدارة واحد فحسب. يتناقص ms113 التوزيع بعد ذلك ~~تناقصا أسيا، أسرع بكثير من توزيع قانون الطاقة، لكن أبطأ من التوزيع الطبيعي أو ~~توزيع بواسون. بالمصادفة، فإن أكثر المديرين اتصالا في الشبكة هو فيرنون جوردن، أعز ~~أصدقاء الرئيس الأمريكي الأسبق، بل كلينتون، الذي اكتسب سمعة سيئة للغاية أثناء فضيحة ~~مونيكا لوينسكي (شركة ريفلون، التي يعتقد أنه عرض على مونيكا وظيفة بها، واحدة من ~~الشركات التسع التي هو عضو بمجالس إداراتها). في الوقت ذاته، كان توزيع المديرين ~~المشتركين - عدد المديرين الآخرين الذين يشاركون كل مدير في عضوية مجلس الإدارة - ~~غريبا للغاية، فلا تظهر به - كما هو واضح في الشكل # 4-7 ~~- قمة ~~واحدة فحسب، بل قمتان مختلفتان، ثم صف طويل يبدو بلا نهاية تقريبا. لا يتلاءم أي ~~توزيع قياسي في أي كتاب إحصاء مع هذه الفوضى المنبسطة كثيرة التكتلات. أي نوع إذن من ~~الشبكات كانت هذه الشبكة؟ وهل كانت هناك أي وسيلة لفهم مثل هذه التوزيعات في إطار نظرية ~~سبق لها تفسير بنية شبكات التعاون؟ # شكل 4-7: توزيع المديرين المشتركين وفق بيانات مجالس الإدارات التي تناولها ~~الشبكة، كما هو موضح فيجيري ديفيز. الدوائر هي البيانات الحقيقية، ~~والخط هو التوقع النظري. # كان الحل - كما أوضحنا سابقا - هو تشكيل شبكات الارتباط في إطار تمثيل كامل ذي قسمين ~~(نمطين) في الشكل # 4-6 ~~؛ أي عن طريق التعامل مع الفاعلين والمجموعات ~~كنوعين مختلفين من نقاط التلاقي، مما يسمح للفاعلين بالاتصال فقط بالمجموعات، والعكس. ~~ومن خلال البدء بسمات الشكل ذي القسمين يمكننا حساب السمات المتوقعة للعروض أحادية ~~النمط المتوافقة (الرسمين العلوي والسفلي بالشكل # 4-6 ~~). لكن للتعامل ~~مع ما هو أكثر من الوصف فحسب، كان علينا وضع بعض الافتراضات، وكان من المنطقي أن تكون ~~بدايتنا بسيطة. عند تناول توزيعي الشبكة ثنائية القسم (المجموعات لكل فاعل والفاعلون ~~لكل مجموعة) كما هو محدد، افترضنا أن التوفيق بين الفاعلين والمجموعات حدث عشوائيا ~~إلى حد ما. من الواضح أن هذا ليس هو الحال في العالم الحقيقي حيث تكون القرارات التي ~~تؤخذ بشأن المجموعات التي يتم الانضمام إليها مخططة بوجه ms114 عام، واستراتيجية عادة، لكن ~~كما فعلنا في أغلب الأحيان مع النماذج التي تناولناها من قبل، طمحنا أن تكون قرارات ~~الفاعلين معقدة ولا يمكن توقعها على نحو كاف، بحيث لا يمكن التمييز بينها وبين ~~العشوائية البسيطة. # من خلال استخدام تقنية رياضية قوية لدراسة خصائص التوزيعات العشوائية، أوضحنا، أنا ~~ومارك وستيف، أن الخصائص التقليدية للشبكات العشوائية أحادية النمط (التي درسها إيردوس ~~وريني من قبل على نحو أكثر رسمية بكثير) قد امتدت على نحو طبيعي للغاية إلى الشبكة ~~ثنائية النمط. إن السمات التي لاحظناها في شبكات التعاون العلمية، مثل أطوال المسارات ~~القصيرة ووجود مكون ضخم، نبعت جميعها على نحو مباشر من الافتراض القائل إن الفاعلين ~~يختارون المجموعات عشوائيا. والأمر الأكثر إثارة والأقل توقعا هو أن نموذجنا فسر ~~أيضا توزيع الدرجات الغريب لبيانات ديفيز (يشير الشكل # 4-7 # إلى أن ~~الاتفاق بين النظرية والبيانات قريب للغاية، بل مدهش) وجميع صور التكتل به ~~تقريبا. # لكن ألم نوضح من قبل أن الشبكات العشوائية لا تحتوي على أي تكتل؟ حسنا، بلى، لكن هذا ~~ما يجعل التمثيل ثنائي القسم لشبكات الارتباط مفيدا للغاية؛ فنظرا لأن كل فاعل في أي ~~مجموعة، كالمتوقع، يكون مرتبطا بكل فاعل آخر في هذه المجموعة، فإنه في العرض أحادي ~~النمط للشبكة ثنائية القسم، تعرض كل مجموعة على صورة «عصبة» متصلة بالكامل من ~~الفاعلين، ومن ثم فإن شبكات الارتباط (مثل اللوحة السفلية بالشكل # 4-6 ~~) هي شبكات من العصب المتداخلة التي ينغلق بعضها على بعض من خلال العضوية المشتركة ~~للأفراد في المجموعات المتعددة، ونظرا لأن هذه الخاصية تمثل إحدى سمات «تمثيل» ~~الشبكات، وليست سمة لأي عملية توفيق محددة، فهي تصح بصرف النظر عن كيفية توافق الأفراد ~~والمجموعات. والشبكة العشوائية ثنائية القسم نفسها - التي لا يكون بها أي بنية معينة ~~على الإطلاق - ستكون شديدة التكتل. على الجانب الآخر، تؤدي العشوائية إلى بقاء الشبكات ~~عالية الاتصال وظهور أطوال مسارات عامة قصيرة. بعبارة أخرى، ستكون شبكات الارتباط ~~العشوائية شبكات عالم صغير دائما! # كانت هذه نتيجة مشجعة للغاية، ولا يرجع ذلك ms115 إلى حاجتنا لوسيلة أخرى لإنشاء شبكات ~~العالم الصغير (فكان الأمر يسيرا إلى هذا الحد)، لكن لأن خصائص العالم الصغير ظهرت على ~~نحو طبيعي. ببساطة، من خلال تمثيل المشكلة على نحو بدا مقبولا اجتماعيا - عن طريق ~~الافتراض فعليا أن الناس يعرف بعضهم بعضا بسبب المجموعات والأنشطة التي يشاركون فيها ~~- تمكنا من التوصل إلى الكثير من خصائص الشبكات الاجتماعية الحقيقية. وعلى نحو لا ~~يثير الدهشة، لا تزال نماذجنا تعتمد على عدد من الافتراضات التبسيطية، أهمها أن ~~الفاعلين يختارون المجموعات عشوائيا، لكن هذه العيوب ليس من الممكن تصحيحها فحسب، بل ~~إنها توضح في الحقيقة مدى قوة النتائج، وإذا أمكن حتى لأبسط آليات اختيار الفاعلين ~~للمجموعات أن تنشئ بنى شبكات مقبولة على الأقل، فإن المنهج الأساسي يبدو سليما ~~إذن. # لكن لا يزال هناك الكثير من العمل، ومرة أخرى تبدو الديناميكيات هي الحل. قد يعرف ~~الناس من يعرفونهم بسبب ما يفعلونه، لكنهم يجربون أيضا أشياء جديدة بسبب من يعرفونهم؛ ~~فيدعوك أصدقاؤك للحفلات، أو يجذبونك معهم في أنشطتهم المفضلة؛ يشركك زملاؤك أيضا معهم ~~في مشروعات جديدة، أو يقترحون عليك معارف جددا قد يساعدونك في حل مشكلة ما؛ يقترح ~~الرؤساء في العمل فرصا جديدة داخل الشركة، وخارجها أيضا. بعبارة أخرى، فإنك تحصل على ~~المعلومات التي توسع بها آفاقك عن طريق ما لديك من معارف اجتماعيين حاليين، والتي ~~تغير البنية الاجتماعية التي تتحرك بداخلها وتؤدي إلى ظهور المجموعة التالية من المعارف ~~الذين ستتشارك معهم هذه المعلومات. تتمثل القوة الحقيقية للمنهج ثنائي القسم في أن كل ~~هذه العمليات - ديناميكيات الشبكة - يمكن تمثيلها ببساطة ووضوح في إطار واحد؛ إطار ~~يمكنه أن يتتبع تطور كل من البنية الاجتماعية وبنية الشبكة، إلى جانب الاحتواء ~~اللانهائي لكل بنية داخل الأخرى، الذي يشكل قلب العملية الاجتماعية. # لكن ماذا يعني كل ذلك؟ فحتى لو فهمنا كيف ينتهي الأمر بالناس إلى إنشاء بنية شبكية من ~~البنية الاجتماعية (والعكس)، فما الذي يمكنهم فعله بها بعد إنشائها؟ أيضا، من خلال ~~الحد من المعلومات المتاحة للناس وتعريضهم لتأثيرات يمكن ms116 أن تقع خارج نطاق سيطرتهم، ما ~~التأثير الذي تملكه الشبكات على الأفراد الموجودين بداخلها؟ إن الإجابات عن هذه الأسئلة ~~- كما سبق وأوضحنا في الفصل # الأول ~~- تعتمد اعتمادا كبيرا ~~على نوع الإجراء أو التأثير - الديناميكيات القائمة على الشبكة - الذي يهتم به المرء، ~~ومن ثم يجب فحص أنواع مختلفة من الديناميكيات القائمة على الشبكات بأساليب مختلفة، وهو ~~ما سيؤدي بنا أحيانا إلى رؤى جديدة حول الشبكات نفسها. ولإدراك الأمر جيدا، سنحتاج ~~للعودة مرة أخرى إلى مشكلة العالم الصغير التي تناولها ستانلي ميلجرام، والتي تبين ~~أنها أكثر صعوبة مما ظن أي شخص على الإطلاق. # الفصل الخامس # | البحث في الشبكات # أثار ستانلي ميلجرام، في الواقع، قدرا كبيرا من الجدل على مدار معظم حياته المهنية؛ ~~أظهر ميلجرام، الذي يعد أحد أعظم علماء علم النفس الاجتماعي في القرن، نبوغا في تصميم ~~التجارب التي سبرت أغوار الحد الغامض الفاصل بين عقول الأفراد والبيئة الاجتماعية التي ~~يعملون فيها عادة. كانت نتائج هذه التجارب مدهشة في أغلب الأحيان، لكنها مزعجة وبغيضة ~~أحيانا؛ ففي أشهر الدراسات التي أجراها ميلجرام، جلب إلى معمله في جامعة ييل أعضاء بمجتمع ~~نيو هيفن المحلي، بهدف ظاهري هو المساهمة في دراسة التعلم البشري، وعند وصولهم، قدم كل ~~مشارك إلى الشخص الخاضع للتجربة، وطلب منه أن يقرأ عليه مجموعة من الكلمات ليرددها وراءه، ~~وفي حال ارتكاب الشخص الخاضع للتجربة خطأ ما، فسيكون عقابه صدمة كهربائية يعطيها له ~~المشارك، ومع كل خطأ متعاقب تزيد قوة التيار الكهربي للصدمة، لترتفع في النهاية إلى مستويات ~~ضارة، بل مميتة أيضا، في تلك الأثناء يأخذ الشخص الخاضع للتجربة في التأوه والصياح والتوسل ~~طلبا للرحمة والتقلب في أغلاله، والمشاركون الذين يعترضون أو يحتجون على ما طلب منهم ~~فعله بإنسان آخر يأمرهم بالاستمرار مشرف قاس يرتدي معطفا أبيض ويحمل لوحا لتدوين ~~الملاحظات. الخطير في الأمر أنهم لم يجبروا فعليا على فعل أي شيء، ولم يهددوا أبدا ~~بتوقيع عقاب عليهم، وإذا كانوا قد رفضوا الاستمرار في أي مرحلة، كانت التجربة ستلغى دون ~~أي عواقب. ms117 # كانت التجربة برمتها مزيفة بالطبع؛ فلم تكن هناك صدمات حقيقة، وما كان الشخص الخاضع ~~للتجربة سوى ممثل. كان الهدف الحقيقي هو رؤية ما سيفعله الأفراد ذوو الإرادة الحرة لشخص آخر ~~عندما يرون أنهم ينفذون الأوامر وحسب. أخبر المشاركون في النهاية بكل ذلك، لكن أثناء ~~التجربة ظنوا أن الأمر حقيقي، مما جعل سلوكهم يثير القلق. في إحدى صور الاختبار حيث كان ~~للمشاركين دور فعال في التجربة، لكن الصدمات نفسها كان يعطيها وسيط، رفع سبعة وثلاثون من ~~المشاركين البالغ إجمالي عددهم أربعين فردا قوة التيار الكهربي إلى مستويات مميتة، الأمر ~~الذي جعل ميلجرام يتوصل إلى نتيجة مخيفة، وهي أن النظم البيروقراطية التي باعدت بين الأفراد ~~والعواقب النهائية لأفعالهم كانت الأكثر فعالية في ظهور الوحشية. وفي تجربة أخرى، كان ~~مطلوبا من المشارك تثبيت يد الشخص الخاضع للدراسة على لوح كهربائي أثناء تعرضه للصدمة! حتى ~~في الوقت الحالي تصعب قراءة تقرير ميلجرام المتميز عن عمله، الذي يحمل عنوان «طاعة السلطة »، ~~دون الشعور بقشعريرة تسري في جسدك من حين لآخر، لكن في السياق الأيديولوجي لفترة ما بعد ~~الحرب في أمريكا في خمسينيات القرن العشرين، تحدت نتائج أبحاث ميلجرام معتقدات سائدة، ~~وأثارت التجربة الغضب القومي. # مع ما تثيره هذه التجربة من جدل عظيم، فقد دفعت ميلجرام بالفعل إلى مصاف المفكرين ~~الجماهيريين الذين يتذكر الناس أعمالهم ويتحدثون باستمرار عنها على نطاق واسع، إلى أن صارت ~~جزءا راسخا من الثقافة نفسها. لا تزال نتائج تجارب ميلجرام تصعقنا (إن جاز التعبير)، ~~لكننا لا نتشكك في صحتها، مع أن تجاربه لم يكررها أحد على الإطلاق (في الواقع، لا يمكن ~~تكرارها في ظل القواعد الخاصة بإجراء التجارب على البشر في عصرنا الحالي). أيضا نحن لا ~~نتشكك بوجه عام في بحثه في مسألة العالم الصغير (الموضح في الفصل # الأول ~~)، لكن نظل ننظر لنتائجه على أنها مثيرة للاهتمام ومدهشة. لقد سمع الجميع ~~عن «ست درجات من الانفصال»، لكن أغلب الناس يجهلون أصل العبارة، وعدد قليل جدا منهم تحقق ~~بعناية من نتائج ميلجرام الفعلية، ms118 وحتى الباحثون الذين يستشهدون ببحث ميلجرام الأصلي، ~~والذين قد يظن القارئ أنهم دققوا فيه بعناية، قبلوا بنتائجه ببساطة استنادا إلى معانيها ~~الظاهرية. # ثمة نقطة مهمة تتعلق بالعلم في هذا الجانب؛ فمن ناحية، تكمن قوة أي مشروع علمي في طبيعته ~~التراكمية: يصل العلماء إلى المشكلة المحددة التي يتناولونها وهم مدعومون بقدر مقبول من ~~المعرفة المسبقة، والتي يتوقعون الاستناد إليها دون التحقق من صحة كل وسيلة أو افتراض أو ~~مجموعة حقائق يستخدمونها، وإذا حاولنا جميعا فهم كل شيء من أصوله، أو صممنا على فهم كل جزء ~~من اللغز بالقدر نفسه من التفصيل، فلن يصل أي منا إلى أي شيء؛ لذا - إلى حد ما - علينا ~~أن نقبل بأن ما سلم المجتمع ذو الصلة بصحته قد أجري على نحو صحيح ودقيق، ويمكن الاعتماد ~~عليه. # لكن من ناحية أخرى، فإن العلماء بشر، شأنهم في ذلك شأن العاملين في أي مجال آخر، ويدفعهم ~~باستمرار عدد من العوامل أكثر بكثير من البحث الخالص عن الحقيقة العلمية، ونظرا لما يتسم ~~به العلماء من عيوب بشرية من ناحية، ولأن الحقيقة نفسها قد يصعب للغاية تبينها من ناحية ~~أخرى، فإن العلماء يرتكبون أخطاء، أو يسيئون تفسير ما يتوصلون إليه من نتائج، أو يسمحون ~~لغيرهم بإساءة تفسيرها، ونظرا لتوقع حتمية هذه الأخطاء، يوظف النظام عددا من الآليات، ~~كمراجعة النظراء، والمؤتمرات والندوات الأكاديمية، ونشر الأبحاث المعارضة، التي تستبعد ~~الكثير من الأخطاء، لكن هذه العملية بعيدة كل البعد عن الكمال، وبين الحين والآخر نفاجأ ~~باكتشافنا أن جزءا من معرفتنا، التي طالما سلمنا بصحتها، موضع شك أو حتى خطأ. ~~(1) ما الذي أوضحه ميلجرام حقا؟ # توصلت عالمة النفس، جوديث كلاينفيلد، بالمصادفة إلى ما يبدو الآن نموذجا كلاسيكيا ~~للإيمان الموضوع في غير محله، وذلك أثناء تدريسها علم النفس لطلاب الجامعة. كانت جوديث ~~تقدح زناد فكرها للتوصل إلى تجربة عملية يمكن لطلابها إجراؤها وتمنحهم شعورا بإمكانية ~~تطبيق ما كانوا يتعلمونه في المحاضرات على حياتهم خارج الفصل الدراسي. بدت تجربة ~~ميلجرام عن العالم الصغير الاختيار الأمثل، فقررت كلاينفيلد ms119 أن تجعل طلابها يكررون ~~التجربة بأسلوب القرن الحادي والعشرين، باستخدام البريد الإلكتروني بدلا من الخطابات ~~الورقية، وما حدث هو أنها لم تنفذ التجربة فعليا على الإطلاق؛ فأثناء الإعداد ~~للتجربة نفسها، بدأت بقراءة أبحاث ميلجرام، وبدلا من أن تشكل نتائج ميلجرام أساسا ~~قويا لتجربتها، بدت تلك النتائج - عند فحصها بعناية - لا تؤدي إلى شيء سوى طرح أسئلة ~~مزعجة بشأنها. # تذكر أن ميلجرام بدأ السلاسل التي عمل عليها بنحو ثلاثمائة شخص كانوا يحاولون جميعا ~~إيصال خطاباتهم إلى هدف واحد في بوسطن. تشير القصة التي يرويها الجميع إلى أن الأشخاص ~~الثلاثمائة كانوا يعيشون في أوماها، لكن عند التدقيق نجد أن مائة منهم كانوا في الواقع ~~في بوسطن! بالإضافة إلى ذلك، من بين الأفراد البالغ عددهم نحو مائتي شخص في نبراسكا، لم ~~يقع الاختيار العشوائي إلا على نصف هذا العدد فقط (من قائمة البريد التي ابتاعها ~~ميلجرام)، أما النصف الآخر، فكانوا جميعا مستثمرين للسندات الممتازة، والشخص المستهدف ~~كان بالطبع سمسار أوراق مالية، والدرجات الست الشهيرة هي المتوسط المأخوذ من واقع هذه ~~المجموعات الثلاث من الأفراد، وكما هو متوقع، يتفاوت عدد الدرجات كثيرا فيما بينها، مع ~~نجاح أهالي بوسطن ومستثمري الأوراق المالية في إكمال السلاسل على نحو أكثر نجاحا وبعدد ~~من الروابط أقل من عينة نبراسكا العشوائية. # تذكر أيضا أن النتيجة المذهلة لفكرة العالم الصغير هي أن أي شخص يمكنه الوصول إلى أي ~~شخص آخر؛ ولا يقتصر ذلك على الأفراد الموجودين في المدينة نفسها فحسب، أو من لديهم ~~اهتمامات مشتركة قوية، بل أي شخص في أي مكان؛ لذا، فإن المجموعة الوحيدة التي أوفت في ~~الواقع - وإن كان من بعيد - بشروط الفرضية كما يعبر عنها عادة (بواسطة ميلجرام ~~نفسه)، تمثلت في الأفراد البالغ عددهم ستة وتسعين شخصا الذين وقع عليهم الاختيار من ~~قائمة بريد نبراسكا. في هذه المرحلة بدأت الأرقام في الانخفاض على نحو مزعج: من إجمالي ~~ستة وتسعين خطابا مبدئيا في هذه المجموعة من الأفراد، لم يصل إلى الشخص المستهدف ~~سوى ثمانية عشر خطابا! ثمانية ms120 عشر! أهذا ما أثيرت من أجله كل هذه الضجة؟ كيف يمكن لأي ~~شخص أن يستنتج من ثماني عشرة سلسلة فحسب موجهة إلى شخص واحد مستهدف مبدأ عاما ~~وشاملا كالذي بدأنا في محاولة تفسيره؟ وكيف وافق بقيتنا على هذا دون الاعتراض قط بجدية ~~على معقولية الفكرة في المقام الأول؟ # أخذت كلاينفيلد، التي أربكت هذه الأسئلة تفكيرها، تفتش عن أبحاث لاحقة بقلم ميلجرام ~~وغيره من الباحثين، مفترضة أن الفجوة غير المدعمة ظاهريا بين النتائج العملية ~~وتفسيرها اللاحق قد حظيت بدعم في مكان آخر. ومرة أخرى، أدهشها التوصل إلى أن هذا لم ~~يحدث، بل كان العكس تماما في الواقع؛ فعلى الرغم من إجراء ميلجرام ومعاونيه تجارب أخرى ~~بالفعل - أهمها كان بين السكان ذوي البشرة البيضاء في لوس أنجلوس ومستهدفين ذوي بشرة ~~سوداء في مدينة نيويورك - فقد كانت تجارب محدودة مثل الأصلية إلى حد بعيد، بل إن الأمر ~~الأكثر إثارة للدهشة هو أن عددا صغيرا فقط من الباحثين الآخرين هم من حاولوا تكرار ~~نتائج ميلجرام، وكانت نتائجهم أقل إقناعا من نتائجه. على سبيل المثال، سعت إحدى ~~التجارب إلى الربط بين مرسلين ومستهدفين داخل الجامعة نفسها الواقعة في وسط الغرب ~~الأمريكي، الأمر الذي يعد بالكاد اختبارا لمبدأ عام! # ومع تزايد انزعاج كلاينفيلد مما كانت تتوصل إليه، انتهى بها الأمر وسط أرشيف جامعة ~~ييل تبحث بعناية في ملاحظات ميلجرام الأصلية وكتاباته التي لم تنشر، ولا يزال بداخلها ~~قناعة أنها غفلت عن شيء ما بالتأكيد، وكان الأمر كذلك بالفعل؛ فاكتشفت أن ميلجرام أجرى ~~دراسة أخرى بالتوازي مع دراسة أوماها، واستخدمت هذه الدراسة مبتدئين من ويتشيتا بولاية ~~كانساس، وزوجة طالب بمدرسة اللاهوت بجامعة هارفارد كشخص مستهدف. لقد ذكر ميلجرام هذه ~~الدراسة بالفعل في بحثه الأول الذي نشر في مجلة «سايكولوجي توداي»؛ لأنها أنتجت أقصر ~~سلسلة قاسها على الإطلاق: وصل الخطاب الأول للشخص المستهدف في أربعة أيام ~~فحسب، ولم يستخدم سوى وسيطين فحسب. ما لم ~~يذكره ميلجرام في ذلك البحث أو أي بحث آخر، هو أن هذا الخطاب الأول ms121 كان أحد ثلاثة ~~خطابات فقط وصلت إلى الشخص المستهدف من إجمالي الخطابات الستين. كشفت كلاينفيلد أيضا ~~عن تقارير تتعلق بدراستي متابعة كانت فيها معدلات استكمال السلاسل منخفضة للغاية، ~~الأمر الذي أدى إلى عدم نشر أي نتائج، وكانت النتيجة النهائية لكلاينفيلد هي أن ظاهرة ~~العالم الصغير، كما تقدم لنا عادة، ليس لها أساس تجريبي على الإطلاق. # بينما يعد هذا الكتاب للإصدار، نجري حاليا ما يعتبر إلى حد بعيد أكبر تجربة عن ~~العالم الصغير على الإطلاق، وذلك في محاولة تأخرت كثيرا لحسم الأمر. يمكننا التعامل مع ~~أعداد كبيرة من المرسلين والبيانات ما كان ميلجرام ليتخيلها، وذلك بواسطة استخدام ~~البريد الإلكتروني بدلا من الخطابات، والتنسيق بين الرسائل من خلال موقع إلكتروني ~~مركزي، لدينا حاليا خمسون ألف سلسلة رسائل تصدر من أكثر من 150 دولة تحاول الوصول إلى ~~ثمانية عشر شخصا مستهدفا في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا والمحيط ~~الهادي. من أستاذ جامعي في إيثاكا (لن يمكنك أن تحرز هويته أبدا) إلى مفتش أرشيف في ~~إستونيا، ومن ضابط شرطة في غرب أستراليا إلى موظف في أوماها، يتنوع أشخاصنا ~~المستهدفون في عالم مستخدمي الإنترنت البالغ عدده نصف مليار شخص متفرقين حول العالم. ~~وفي الوقت نفسه، اختير المرسلون في هذه المهمة عن طريق التقارير الصحفية التي ظهرت عن ~~التجربة بجميع أنحاء العالم، وصار يتصل بنا المئات منهم كل يوم. # ومع أن نصف مليار قد يبدو عددا ~~كبيرا، فهو لا يزال أقل من تعداد العالم بالكامل، ومن المرجح أن من لديهم إمكانية ~~الوصول إلى جهاز كمبيوتر (وما يكفي من وقت الفراغ) يمثلون قسما صغيرا نسبيا من ~~المجتمع العالمي، ومن ثم يصبح من الجلي أن نتائج هذه التجربة، وإن كانت كبيرة، لن يمكن ~~تطبيقها عالميا، بالإضافة لذلك، تعاني التجربة مشكلة سبق أن واجهها ميلجرام أيضا، ~~لكن ليس بالقدر نفسه تقريبا، وهي عدم الاهتمام: يتلقى الناس في العصر الحالي الكثير من ~~البريد غير المهم، خاصة البريد الإلكتروني، أكثر من ستينيات القرن العشرين بكثير، ~~ويرفضون في كثير من الأحيان ms122 المشاركة (أو يكونون مشغولين للغاية فحسب)، حتى إن طلب منهم ~~أحد أصدقائهم ذلك، وتكون النتيجة معدل استكمال شديد الانخفاض؛ أقل من واحد بالمائة من ~~جميع السلاسل التي تبدأ في الوصول إلى أهدافها (يجدر التذكر أن معدل الاستكمال الذي وصل ~~إليه ميلجرام يبلغ 20 بالمائة)؛ لذا، وعلى الرغم من الآمال العريضة التي نضعها على ~~تجربتنا، فلم يحسم الأمر بعد، وقد يظل كذلك فترة طويلة، حتى عندما تحلل النتائج التي ~~توصلنا إليها بالكامل، ربما تكون الرسالة الفعلية هنا هي أن ظاهرة العالم الصغير صعبة ~~للغاية، فلا يمكن فك طلاسمها تجريبيا. ~~(2) هل الرقم ستة كبير أم صغير؟ # إلى أين يفضي بنا كل ذلك؟ في النهاية، لقد قضينا وقتا طويلا محاولين فهم ظاهرة ~~العالم الصغير. لن نشكك فيها الآن، أليس كذلك؟ ليس بالضبط، لكن هناك فارقا مهما بين ~~ظاهرة العالم الصغير التي عرفناها في نماذج الشبكات وتلك التي بحثها ميلجرام؛ فارقا ~~تجنبنا التعرض له حتى الآن. تذكر هنا أن الدافع الرئيسي لتناولنا المسألة في الأساس كان ~~صعوبة التحقق التجريبي منها، ومن ثم فإن الندرة المستمرة للأدلة التجريبية في حد ذاتها ~~لا تمثل بالضرورة مشكلة لنتائجنا. تكمن المشكلة الحقيقية في وجود اختلاف كبير بين شخصين ~~متصلين بمسار قصير (وهو ما تشير إليه نماذج شبكات العالم الصغير) وقدرتهما على العثور ~~على هذا المسار. تذكر أن الأشخاص الخاضعين لدراسة ميلجرام كان من المفترض أن يعطوا ~~الخطاب إلى شخص واحد يرون أنه أقرب للشخص المستهدف مقارنة بهم، لكن ما لم يكن من ~~المفترض منهم فعله هو إرسال نسخ من الخطاب إلى كل شخص يعرفونه، لكن هذا بالضبط هو ~~الحساب الذي أجريته أنا وستيف في تجاربنا العددية، والذي تعبر عنه ضمنيا تقاريرنا ~~عن أقصر أطوال المسارات، ومن ثم، من المحتمل جدا أننا نحيا في عالم صغير، مثل نماذج ~~شبكات العالم الصغير الموضحة في الفصلين # الثالث # و # الرابع # من هذا الكتاب، لكننا ما زلنا نشكك في صحة نتائج ~~ميلجرام. # من الطرق الأخرى للتعبير عن الاختلاف بين اختبارنا للعالم الصغير واختبار ms123 ميلجرام هو ~~التعبير عنه كتناقض بين «بحث واسع الانتشار» و«بحث موجه»؛ في البحث واسع الانتشار، تخبر ~~كل من تعرفهم ليخبروا بدورهم كل شخص يعرفونه، وهكذا حتى تصل الرسالة إلى الهدف، ووفقا ~~لهذه القواعد، إذا كان هناك ولو حتى مسار واحد قصير يصل بين المصدر والهدف، فسوف تعثر ~~إحدى هذه الرسائل عليه. يتمثل الجانب السلبي هنا في أن الشبكة قد أتخمت بالرسائل ~~تماما، فخضعت جميع المسارات للدراسة باعتبارها مسارات محتملة للوصول إلى الوجهة. لا ~~يبدو هذا جيدا، وتلك هي الحقيقة بالفعل؛ ففي الواقع، هذه هي الطريقة التي تعمل بها ~~فيروسات الكمبيوتر المزعجة بالضبط، وسوف نناقش ذلك بمزيد من الإسهاب في الفصل # السادس ~~. # أما البحث الموجه، فهو يفوق البحث واسع الانتشار بكثير في دقته، وله مزايا وعيوب ~~مختلفة؛ في البحث الموجه، مثل تجربة ميلجرام، تنقل رسالة واحدة فقط في كل مرة، ومن ~~ثم، إذا كان طول أحد المسارات بين شخصين عشوائيين ست خطوات مثلا، فسيتلقى ستة أشخاص ~~فقط الرسالة ، وإذا كان الأشخاص الخاضعون لتجربة ميلجرام قد أجروا أبحاثا واسعة ~~الانتشار من خلال إرسال الرسائل إلى كل شخص يعرفونه، فسيتلقى الخطابات كل شخص في ~~المدينة بأكملها - حوالي 200 مليون شخص في ذلك الوقت - وذلك للوصول إلى شخص مستهدف ~~واحد فقط! ومع أنه من الناحية النظرية، كان من الممكن للبحث واسع الانتشار العثور على ~~أقصر مسار إلى الهدف، فإن ذلك مستحيل من الناحية العملية؛ فمن خلال مشاركة ستة أشخاص ~~فحسب، يتجنب البحث الموجه الضغط على النظام، لكن تصير مهمة العثور على مسار قصير أكثر ~~صعوبة بقدر كبير، وحتى إن كنت، نظريا، تبتعد عن أي شخص آخر في العالم بست درجات فحسب، ~~فلا يزال هناك ستة مليارات شخص في العالم، وهذا القدر نفسه على الأقل من المسارات ~~المؤدية إليهم. كيف يمكننا العثور على المسار القصير المحدد الذي نسعى إليه في ظل ~~المعاناة من الحيرة الناتجة عن هذا التعقد المذهل؟ حسنا، إنه أمر صعب؛ على الأقل عندما ~~يكون المرء بمفرده. # قبل ظهور لعبة كيفن باكون بكثير، ms124 اعتاد علماء الرياضيات ممارسة لعبة مماثلة مع بول ~~إيردوس؛ فإيردوس، الذي لم يكن عالم رياضيات عظيم (وغزير الإنتاج) فحسب، بل أيضا أحد ~~مشاهير عالم الرياضيات، كان ينظر إليه كمركز لعالم الرياضيات على نحو يشبه كثيرا وضع ~~باكون في عالم ممثلي الأفلام السينمائية، ومن ثم إذا كان المرء قد نشر بحثا مع إيردوس، ~~فرقم إيردوس الخاص به سيكون واحدا، وإذا لم ينشر بحثا معه، لكن تعاون في كتابة بحث مع ~~شخص آخر فعل ذلك، فسيكون رقمه اثنين، وهلم جرا؛ لذا فإن السؤال هو: «ما رقم إيردوس ~~الخاص بك؟» والهدف من اللعبة هو الحصول على أصغر عدد ممكن. # بالطبع، إذا كان رقم إيردوس الخاص بك واحدا، فستكون المشكلة هينة، وحتى إن كان اثنين ~~أيضا، فليس الأمر بالغ السوء. إيردوس رجل شهير، ومن ثم من المرجح أن يذكر كل من عمل ~~معه هذا الأمر، لكن عندما يصبح رقم إيردوس أكبر من اثنين، تزداد المشكلة صعوبة؛ لأنك ~~حتى إن كنت تعلم معاونيك جيدا، فأنت لا تعلم بوجه عام كل من تعاونوا معهم. إذا كنت قد ~~قضيت فترة من الوقت في الأمر، ولم يكن معك الكثير من المعاونين، فقد يمكنك كتابة قائمة ~~وافية على نحو معقول بمعاونيهم الآخرين عن طريق تفقد أبحاثهم الأخرى أو طلب ذلك منهم. ~~لكن بعض العلماء يقضون أربعين عاما أو أكثر في كتابة الأبحاث، ويمكن أن يصل عدد ~~معاونيهم إلى العشرات خلال تلك الفترة، بعضهم لا يمكنهم تذكرهم بسهولة. يبدو ذلك صعبا ~~بالفعل، لكنه يزداد سوءا؛ ففي الخطوة التالية يصير الأمر مستحيلا تماما. تخيل محاولة ~~كتابة قائمة لا تتضمن معاونيك ومعاونيهم فحسب، بل أيضا معاوني كل هؤلاء الناس! أنت لا ~~تعرف معظم هؤلاء الناس، بل ربما لم تسمع عنهم أيضا، فكيف يمكنك معرفة مع من عملوا؟! في ~~الحقيقة، لا يمكنك ذلك. # ما حاولنا فعله هنا هو إجراء بحث واسع الانتشار في إحدى شبكات التعاون، ومرة أخرى ~~وجدنا أنه من الناحية العملية، يبدو الأمر شبه مستحيل؛ لذا، انتهى الحال بالجميع إلى ~~إجراء ms125 بحث موجه، فتختار أحد معاونيك الذين ترى أن عملهم قد يكون الأكثر تشابها مع عمل ~~إيردوس، ثم تختار أحد المؤلفين المشاركين لذلك الشخص تراه الأقرب لإيردوس، وهلم جرا. ~~تتمثل المشكلة في أنك إذا لم تكن خبيرا في أحد المجالات المتخصصة التي عمل فيها ~~إيردوس، فقد لا تعلم أيا من معاونيك هو الخيار الأمثل، وفي هذه الحالة، قد يكون ~~تخمينك المبدئي خاطئا وينتهي بك الأمر إلى طريق مسدود، وقد يكون تخمينك المبدئي ~~صحيحا، لكن تخميناتك التالية خاطئة، ويمكن أن تكون على المسار الصحيح، لكنك تستسلم قبل ~~التقدم بما فيه الكفاية. كيف يمكنك أن تعرف مدى جودة تقدم البحث؟ # لا يبدو أن هناك إجابة سهلة عن هذا السؤال؛ إذ تكمن الصعوبة الأساسية في محاولة حل ~~مشكلة عامة - وهي العثور على مسار قصير - باستخدام معلومات محلية عن الشبكة فحسب، فأنت ~~تعرف من هم معاونوك، وقد تكون على معرفة أيضا ببعض معاونيهم، لكن عدا ذلك، فأنت تتعامل ~~مع عالم من الغرباء؛ لذا من المستحيل معرفة أي من المسارات العديدة التي أمامك تؤدي إلى ~~إيردوس في أقل عدد من الخطوات. عند كل درجة من درجات الانفصال، يكون أمامك قرار جديد ~~عليك اتخاذه، وما من سبيل واضح لتقييم خياراتك؛ فمثلما قد يقود شخص ما يعيش في مانهاتن ~~سيارته شرقا إلى مطار لاجارديا ليسافر جوا إلى الساحل الغربي، يمكن للخيار الأمثل ~~لمسار الشبكة أن يأخذك في البداية إلى ما يبدو اتجاها خاطئا، لكن على النقيض من مثال ~~القيادة إلى المطار، ليس لديك خريطة كاملة للطريق في عقلك؛ لذلك قد لا تبدو فكرة ~~القيادة شرقا من أجل الطيران غربا فكرة جيدة على الإطلاق. # مع أن الرقم ستة يبدو صغيرا في البداية، فمن الممكن أن يكون رقما كبيرا. في ~~الواقع، عندما يتعلق الأمر بالأبحاث الموجهة يكون أي عدد أكبر من اثنين كبيرا للغاية، ~~وذلك ما اكتشفه ستيف ذات يوم عندما سأله أحد الصحفيين عن رقم إيردوس الخاص به، وقد ~~اكتشفه في النهاية - وكان أربعة - لكن بعد أن أضاع يومين ms126 كاملين في البحث (أذكر ذلك ~~لأنني كنت أحاول دفعه لفعل شيء آخر، لكنه كان منشغلا للغاية، حتى إنه لم يتمكن من ~~التحدث معي). إذا بدا لك ذلك كوسيلة يتجنب من خلالها علماء الرياضيات القيام بعمل ~~حقيقي، فاعلم أن الأبحاث الموجهة لها جانب جدي؛ فبدءا من تصفح الروابط على الإنترنت ~~وصولا إلى تحديد مكان أحد ملفات البيانات بإحدى شبكات الند للند، أو حتى محاولة العثور ~~على الشخص المناسب للإجابة عن سؤال إداري أو فني، كثيرا ما نجد أنفسنا نبحث عن ~~المعلومات من خلال طرح عدد من التساؤلات الموجهة التي ننتهي فيها إلى طرق مسدودة، أو ~~التساؤل عما إذا كنا قد اخترنا أقصر الطرق أم لا، وكما سنرى في الفصل # التاسع ~~، يصبح العثور على الطرق القصيرة إلى المعلومات الصحيحة ~~مهما على وجه الخصوص في أوقات الأزمات أو التغير السريع، وذلك عندما تكون المشكلات ~~بحاجة لحلها سريعا، ولا يكون لدى أحد فكرة واضحة عما يحتاجه الأمر أو من يمكنه تقديم ~~المساعدة ، وكما توصلنا من خلال مسألة العالم الصغير الأصلية فإن النظرية البسيطة يمكن ~~أن تخبرنا في بعض الأحيان عن الكثير من الأمور بشأن عالم معقد ما كنا لنحزرها أبدا عن ~~طريق النظر إلى العالم نفسه مباشرة. ~~(3) مشكلة البحث في مسألة العالم الصغير # جاء الاكتشاف الأساسي هذه المرة على يد ~~عالم كمبيوتر شاب يدعى جون كلاينبرج، درس كلاينبرج بجامعة كورنيل ومعهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا، وقضى بضعة أعوام يعمل في مركز أبحاث ألمادن التابع لشركة آي بي إم بالقرب ~~من سان فرانسيسكو، ثم عاد إلى جامعة كورنيل كأستاذ. طرح كلاينبرج سؤالا لم يرد بذهني ~~أو بذهن ستيف، مع أنه في إطار الشبكات عديمة المعيار، بدا ذلك السؤال طبيعيا للغاية، ~~حتى إننا تعجبنا كيف غفلنا عنه. بدلا من التركيز على وجود المسارات القصيرة فحسب - كما ~~فعلت أنا وستيف - تساءل كلاينبرج كيف يمكن للأفراد في الشبكات العثور على هذه المسارات ~~بالفعل. كان الدافع مرة أخرى هو ميلجرام؛ فبعيدا عن شكوك جوديث كلاينفيلد، أوصل بعض ~~الخاضعين لتجربة ميلجرام الخطابات ms127 بالفعل إلى الهدف المعني، ولم يكن من الواضح ~~لكلاينبرج كيف تمكنوا من فعل ذلك. في النهاية، كان مرسلو الخطابات في تجربة ميلجرام ~~يحاولون في الأساس إجراء بحث موجه في شبكة اجتماعية ضخمة لا يتوفر لهم عنها سوى مقدار ~~قليل للغاية من المعلومات؛ أقل بكثير مما يتوفر لأي عالم رياضيات يحاول حساب رقم إيردوس ~~الخاص به. # في الواقع، كان أول ما توصل إليه كلاينبرج هو أنه إذا سار العالم الحقيقي على نحو ~~مشابه إلى أي حد للنماذج التي طرحتها أنا وستيف، لكانت الأبحاث الموجهة - كتلك التي ~~أشار إليها ميلجرام - أمرا مستحيلا. تنبع المشكلة من إحدى سمات نماذج العالم الصغير ~~التي لم نناقشها بعد. مع أن النماذج تسمح لنا بإنشاء شبكات تعكس قدرا متفاوتا من ~~الفوضى، فإن العشوائية في الواقع شيء آخر. بوجه خاص، متى ظهر طريق مختصر من خلال إحدى ~~عمليات إعادة التوصيل العشوائية التي كنا نجريها، يتحرر أحد الأفراد المجاورين ويختار ~~فرد آخر مجاور عشوائيا لكن على نحو منتظم من الشبكة بأكملها. بعبارة أخرى، تكون فرص ~~اختيار كل نقطة تلاق كجار جديد متساوية، بصرف النظر عن مكانها أو بعدها. # بدت العشوائية المنتظمة افتراضا طبيعيا في محاولتنا الأولى للتعامل مع المسألة؛ ~~ذلك لأنها لا تعتمد على فكرة شخص بعينه عن مفهوم المسافة، لكن ما أشار إليه كلاينبرج هو ~~أن الناس، في الواقع، لديهم مفاهيم قوية عن المسافة يستخدمونها طوال الوقت لتمييز ~~أنفسهم عن الآخرين؛ فالمسافة الجغرافية واضحة، لكن المهنة والطبقة والعرق والدخل ~~والتعليم والدين والاهتمامات الشخصية كثيرا ما تمثل عاملا مؤثرا على تقييمنا لمدى ~~«بعدنا» عن الآخرين. ونحن نستخدم هذه المفاهيم المتعلقة بالمسافة طوال الوقت عند ~~تعريفنا لأنفسنا وللآخرين، ويبدو أن الخاضعين لتجربة ميلجرام قد استخدموها أيضا، لكن ~~نظرا لأن الاتصالات العشوائية المنتظمة، مثل تلك الموضحة في الشكل # 3-6 ~~، لا تستخدم هذه المفاهيم المتعلقة بالمسافة، فإن الطرق المختصرة ~~الناتجة يصعب على الأبحاث الموجهة استغلالها. وغياب أي مرجع للنظام المتناسق الأساسي - ~~الشبيكة الحلقية في حالة النموذج بيتا الموضح في الفصل # الثالث ~~- يمنع ms128 البحث من التركيز بفعالية، فينتهي الحال بالرسالة، إما ~~بالقفز عشوائيا في الأرجاء أو الانتقال ببطء في أرجاء الشبيكة. لو كان ذلك هو الحال ~~في تجربة ميلجرام، لوصلت سلاسله في طولها إلى مئات الروابط، وهو أمر أفضل قليلا عما ~~إذا كانت الرسالة قد انتقلت من باب إلى باب طوال الطريق من أوماها إلى بوسطن. # شكل 5-1: نموذج شبيكة كلاينبرج ثنائية الأبعاد. تتصل كل نقطة تلاق بجيرانها ~~الأربعة الأقرب إليها على الشبيكة وبواحد من المعارف ~~العشوائيين. # إذن، كان ما يفكر فيه كلاينبرج هو فئة أكثر شمولا من نماذج الشبكات تستمر فيها إضافة ~~الروابط العشوائية إلى شبيكة أساسية، لكن تقل فيها أيضا احتمالية الارتباط العشوائي ~~بين نقطتي تلاق بتزايد المسافة الفاصلة بينهما كما هو مقاس على الشبيكة. بتعبير أبسط، ~~مثل كلاينبرج مسألة نقل الرسالة على شبيكة ثنائية الأبعاد (الشكل # 5-1 ~~)، التي تصور أنه يضاف فوقها روابط عشوائية وفقا لتوزيع ~~احتمالات تمثله إحدى الدوال الموضحة في الشكل # 5-2 ~~. من الناحية ~~الرياضية، يعد كل خط من هذه الخطوط الموضحة على رسم اللوغاريتم- اللوغاريتم قانون قوة ~~ذا تضاعف أسي، يسمى جاما، يتغير من خط لخط، ويشير الأس الذي يساوي صفرا (الخط الأفقي ~~بالأعلى) إلى أن جميع نقاط التلاقي في الشبيكة من المحتمل على قدر متساو أن تمثل معارف ~~عشوائيين. بعبارة أخرى، يختزل نموذج كلاينبرج النموذج بيتا الموضح في الفصل # الثالث # إلى نسخة ثنائية الأبعاد، ومن ثم عندما تساوي جاما ~~صفرا يوجد الكثير من المسارات القصيرة، لكن كما رأينا، لا يمكن العثور عليها، وعلى ~~النقيض، عندما تكون قيمة جاما كبيرة، يقل احتمال ظهور طريق مختصر عشوائي سريعا للغاية ~~مع المسافة، فلا تكون هناك أي فرصة للاتصال إلا لنقاط التلاقي المتقاربة للغاية (على ~~الشبيكة). في هذا الحد، يحتوي كل اتصال عشوائي على الكثير من المعلومات عن الشبيكة ~~الأساسية، ومن ثم يمكن تصفح المسارات بسهولة. تكمن المشكلة في أنه نظرا لأن الطرق ~~المختصرة طويلة المدى مستحيلة تماما، فليس هناك أي مسارات «قصيرة» أخرى يمكن العثور ~~عليها؛ لذا لا ينتج عن ms129 النموذج شبكات يمكن البحث فيها، لكن ما أراد كلاينبرج معرفته هو: ~~ماذا يحدث في المنتصف؟ # شكل 5-2: احتمالية ظهور أحد المعارف العشوائيين وفق المسافة على الشبيكة (م). ~~عندما يساوي الأس جاما # صفرا، تتساوى احتمالات ظهور معارف من جميع الأطوال، ~~وعندما تكون قيمة جاما كبيرة، لا تتصل سوى نقاط التلاقي القريبة من ~~بعضها على الشبيكة. # شكل 5-3: يوضح الشكل نتيجة كلاينبرج الرئيسية. لا يكون للشبكة مسارات قصيرة ~~يمكن للأفراد العثور عليها سريعا بالفعل إلا عندما تبلغ قيمة الأس ~~جاما # اثنين. # في الواقع، ثمة شيء مثير للغاية يحدث. يوضح الشكل # 5-3 # العدد ~~النموذجي للوثبات اللازمة لتحدد رسالة ما هدفا عشوائيا، وفقا للأس جاما. عندما تكون ~~قيمة جاما أقل من اثنين، تواجه الشبكة المشكلة ذاتها التي تواجهها نماذج العالم الصغير ~~الأصلية، ألا وهي أن المسارات القصيرة تكون موجودة، لكن لا يمكن العثور عليها، وعندما ~~تكون قيمة جاما أكبر بكثير من اثنين، لا توجد المسارات القصيرة ببساطة، لكن عندما تساوي ~~جاما اثنين، تصل الشبكة إلى نوع من التوازن الأمثل بين الترابط الملائم المميز للشبيكة ~~وقوة تقليل المسافات المميزة للطرق المختصرة طويلة المدى. لا يزال صحيحا أن احتمال ~~الاتصال بنقطة تلاق معينة سينخفض مع المسافة، لكن صحيح أيضا أنه كلما زادت المسافة، ~~زاد عدد نقاط التلاقي التي يمكن الاتصال بها. ما أوضحه كلاينبرج هو أنه عندما تبلغ جاما ~~قيمتها المهمة البالغة اثنين، تلغي هذه القوى المتعارضة بعضها بعضا، وتكون النتيجة ~~شبكة تتسم بخاصية مميزة تتمثل في أن الأفراد يمتلكون العدد نفسه من الروابط بجميع ~~«مقاييس الطول». # يصعب إلى حد ما إدراك هذا المفهوم، لكن كلاينبرج توصل إلى صورة جيدة تعكسه، وهي صورة ~~«نظرة على العالم من الجادة التاسعة» التي رسمها سول شتاينبرج وزينت غلاف مجلة «ذي ~~نيويوركر» في عام 1976 ويعاد تقديمها في الشكل # 5-4 ~~. تشغل الجادة ~~التاسعة في هذا الرسم مساحة مجمع سكني كامل، الذي يشغل بدوره مساحة مماثلة للجزء من ~~مانهاتن الواقع غرب الجادة العاشرة ونهر هادسون مجتمعين. يخصص القسم نفسه من الصورة ms130 ~~بعد ذلك للولايات المتحدة كلها غربي هادسون، وصولا إلى المحيط الهادي، ثم أخيرا إلى ~~بقية العالم. # كان شتاينبرج يعلق تعليقا اجتماعيا على ميل أهالي نيويورك للتركيز على الشئون ~~المحلية بالقدر نفسه الذي يركزون به على قضايا العالم العظيمة - أي النظر إلى أنفسهم ~~كمركز للكون - لكن في نموذج كلاينبرج، تحمل الصورة معنى ملموسا على نحو أكبر. عندما ~~تساوي جاما قيمتها المهمة البالغة اثنين، من المحتمل أن يكون لدى شخص ما في الجادة ~~التاسعة العدد نفسه من الأصدقاء في كل منطقة أو مقياس بالصورة. بعبارة أخرى، يجب أن ~~تتوقع أن يكون لديك عدد من الأصدقاء يعيشون في الحي الذي تقطن به مساو لمن يعيشون في ~~باقي المدينة وباقي الولاية وباقي الدولة، وهكذا، وصولا إلى مستوى العالم بالكامل؛ ~~فيكون احتمال معرفتك بشخص ما يعيش في قارة أخرى مساويا تقريبا لاحتمال معرفتك بشخص ~~يعيش في الشارع الذي تقطن به. يعيش بالطبع مليارات البشر في القارات الأخرى، وبضع مئات ~~فقط على الأرجح في الشارع الذي تعيش فيه، لكن الفكرة هي أن احتمالية معرفتك بأي شخص ~~محدد بالجانب الآخر من العالم منخفضة للغاية، حتى إن «باقي العالم» و«الشارع الذي تقطن ~~به» لن يمثلا في نهاية الأمر سوى العدد نفسه من معارفك الاجتماعيين. # شكل 5-4: صورة «نظرة على العالم من الجادة التاسعة» بريشة سول شتاينبرج التي ~~ظهرت على غلاف مجلة «ذي نيويركر» في عام 1976، توضح مفهوم كلاينبرج عن ~~مراحل البحث. مجموعة خاصة، نيويورك. # يكمن جوهر نتيجة كلاينبرج في أنه عند حدوث هذه الحالة من الاتصال المتساوي على جميع ~~مقاييس الطول، لا تعكس الشبكة فحسب المسارات القصيرة بين جميع أزواج نقاط التلاقي، بل ~~يمكن أيضا للمرسلين الأفراد العثور على المسارات إذا وجه كل منهم ببساطة الرسالة ~~للصديق الذي يبدو في نظره الأقرب إلى الشخص المستهدف. إن ما يجعل مشكلة البحث قابلة ~~للحل هو أنه ما من شخص معين يجب عليه حلها وحده، لكن كل ما على مرسل معين القلق بشأنه ~~عند كل مرحلة هو توصيل الرسالة إلى المرحلة ms131 التالية من البحث، وذلك عندما تكون المرحلة ~~شبيهة بالمناطق المختلفة الموجودة بلوحة شتاينبرج؛ لذا، إذا كان هدفك النهائي هو مزارع ~~في طاجكستان، فليس عليك التوصل إلى كيفية نقل الرسالة وصولا إلى هذه الوجهة، أو حتى ~~إلى الدولة الصحيحة، بل كل ما عليك فعله هو إيصالها إلى الجزء الصحيح من العالم، ثم ترك ~~شخص آخر يهتم بالأمر. بفعل ذلك، أنت تفترض أن الشخص التالي في السلسلة، نظرا لزيادة ~~قربه من الشخص المستهدف، لديه معلومات أكثر دقة منك، ومن ثم فهو أقدر منك على التقدم ~~بالبحث إلى مرحلته التالية، وهذا هو ما يحدث فعليا حين تساوي جاما اثنين. عندما تفي ~~الشبكة بهذا الشرط، يكون مطلوبا من عدد قليل من المرسلين فحسب نقل الرسالة من مرحلة ~~إلى أخرى تالية لها؛ من أي مكان في العالم إلى الدولة الصحيحة، ومن أي مكان في الدولة ~~إلى المدينة الصحيحة، وهلم جرا، ونظرا لأن العالم - كما رآه شتاينبرج بالضبط - يمكن ~~دائما أن ينقسم إلى عدد صغير من هذه المراحل، فإن الطول الكلي لسلسلة الرسالة سيكون ~~قصيرا أيضا. # مثل شرط كلاينبرج، كما أسميناه - بالإضافة إلى إثبات كلاينبرج لاستحالة البحث في ~~شبكات العالم الصغير العشوائية بانتظام - خطوة مهمة بالفعل للأمام في تفكيرنا بشأن ~~الشبكات، تمثلت رؤية كلاينبرج العميقة في أن الطرق المختصرة فحسب ليست كافية لتكون ~~ظاهرة العالم الصغير مفيدة فعليا بأي صورة للأفراد المطلعين محليا؛ فلكي تكون ~~الروابط الاجتماعية مفيدة - بمعنى العثور على الشيء المقصود - يجب أن تتضمن معلومات ~~متعلقة بالبنية الاجتماعية الأساسية، لكن ما لا يفسره نموذج كلاينبرج هو كيف يمكن ~~للعالم أن يكون هكذا بالفعل. قد يكون صحيحا أنه إذا كانت الروابط في أي شبكة اجتماعية ~~منظمة على هذا النحو أو ذاك، فسوف يصبح العالم فجأة قابلا للبحث فيه، لكن كيف يمكن ~~للشبكة أن تنظم على هذا النحو في المقام الأول؟ في الواقع، من وجهة النظر الاجتماعية، ~~يبدو شرط كلاينبرج غير محتمل بالمرة. لم يكن كلاينبرج، بالطبع، يسعى لإقامة نموذج واقعي ~~من الناحية الاجتماعية، ومن خلال ms132 الحفاظ على نموذجه بسيطا كما فعل، تمكن من فهم ~~خصائصه على نحو كان من المستحيل أن يتحقق مع نموذج أكثر تعقيدا، لكنه ترك الباب ~~مفتوحا أمام سبيل جديد للتفكير بشأن المشكلة، وهو السبيل الذي تضمن بعض التفكير ~~الاجتماعي. ~~(4) رد علم الاجتماع # كنت أتحدث أنا ومارك بشأن مشكلة البحث الموجه في أحد الأيام أثناء زيارته لي في جامعة ~~كولومبيا، التي انتقلت إليها من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في أغسطس من عام 2000 ~~للانضمام إلى قسم علم الاجتماع، وبعد المناقشة لبعض الوقت، اقتنعنا بأن شرط كلاينبرج لم ~~يكن الطريقة الصحيحة لفهم نتائج ميلجرام. لكن كيف يمكن ذلك؟ ألم «يثبت» كلاينبرج أن أي ~~شبكة غير متصلة بالتساوي عند جميع الأطوال لا يمكن البحث فيها بفعالية؟ حسنا، بلى ونعم ~~في الوقت نفسه. ستكون الإجابة ببلى، إذا كان صحيحا أن الناس يقيسون كل المسافات التي ~~بينهم في إطار شبيكة أساسية، لكن ربما ما كانت تعبر عنه النتيجة التي توصل إليها بالفعل ~~هو أن الناس لا يحسبون فعليا المسافات على هذا النحو. أثناء تجولنا بأنحاء الحرم ~~الجامعي تحت شمس الربيع، توصلنا إلى نموذج يتضمن التحدي الأصلي للعالم الصغير، ألا وهو: ~~كيفية الوصول إلى مزارع صيني، ربما لم يكن أينا على معرفة بمزارعين صينيين، وربما لن ~~نعرف أي مزارعين منهم أبدا، بصرف النظر عن عددهم، لكننا نعرف شخصا يمكنه على الأقل أن ~~يرشدنا إلى الطريق الصحيح. # إريكا جين أمريكية من أصل صيني، وقد ظلت حتى وقت قريب تشغل منصب نائب الرئيس المختص ~~بالأبحاث في معهد سانتا في، وهي من عينني أنا ومارك هناك. درست إريكا بجامعة بكين ~~أثناء سنوات الثورة الثقافية، وذلك قبل انتقالها إلى سانتا في بكثير، بالإضافة إلى ذلك، ~~يمكن القول إنها كانت ناشطة اجتماعية آنذاك (وواحدة من أوائل الأمريكيين الذين درسوا في ~~بكين)، وقد خمنا أنها حتى إذا لم تكن تعرف أي قادة ريفيين في إقليم سيشوان (أو أيا ~~كان المكان الذي يعيش فيه المزارع الافتراضي في تجربتنا)، فربما تعرف شخصا يعرفه. على ~~أي حال، ms133 إذا كنا قد أعطيناها خطابا، فقد كنا موقنين تماما أنه سيصل إلى الصين في خطوة ~~واحدة، لم نكن نعلم بالضبط كيف، ولم تكن لدينا أي فكرة عما يمكن أن يحدث عند وصوله إلى ~~هناك، لكن كلاينبرج كان محقا؛ فليس لنا شأن بذلك، كل ما كان يلزمنا فعله هو نقل ~~الخطاب إلى المرحلة التالية في عملية توصيله (أي، إلى الدولة الصحيحة)، ثم إلقاء ~~مسئولية الوصول إلى الهدف على شخص آخر. # كان الاختلاف بين نموذج كلاينبرج وسلسلتنا الخيالية من المرسلين هو أنه على الرغم من ~~أن إريكا كانت بلا شك حلقة مهمة في السلسلة، وربما الحلقة التي ستحرك الخطاب إلى أبعد ~~مسافة، فلم تكن، بالنسبة لي أنا ومارك، أحد المعارف «بعيدة المدى»؛ فنحن الثلاثة كنا ~~ننتمي في مرحلة ما إلى المجتمع الصغير المتماسك ذاته الذي تضمن الباحثين المقيمين في ~~معهد سانتا في. لم يكن مهما، من منظورنا، أين كانت تعيش إريكا أو ماذا كانت تفعل قبل ~~عشرين عاما، كل ما كان يعنينا هو أننا عندما عرفناها، كانت مديرتنا وزميلتنا وصديقتنا، ~~فكانت تعمل في المكان ذاته وتهتم بالكثير من المشروعات الفكرية نفسها، لم تكن بعيدة عنا ~~أكثر من بعدنا نحن بعضنا عن بعض، وحسب علمنا، فإن أصدقاءها في الصين قد لا يكونون في ~~نظرها أبعد منها عنا. بعبارة أخرى، كان من الممكن لخطابنا أن يثب ما يبدو لكلا ~~الحاملين وثبتين صغيرتين - واحدة منا إلى إريكا وأخرى من إريكا إلى صديق في الصين - ~~وهذه قد تبدو نقلة كبيرة للغاية بالتأكيد إذا نظر إليها كخطوة واحدة. # كيف يمكن لخطوتين قصيرتين أن تنتجا قفزة عملاقة كهذه؟ لا يمكن ذلك في نموذج الشبيكة ~~العادي، كالذي تناولناه أنا وستيف، ومن بعدنا كلاينبرج، الأمر الذي يجعل كل هذه النماذج ~~(بما في ذلك نموذج كلاينبرج) تتطلب بعض الروابط بعيدة المدى، لكن يبدو ذلك «ممكنا» في ~~العالم الاجتماعي الحقيقي، وقد كان هذا التناقض موضع اهتمام دائم لعلماء الاجتماع ذوي ~~الميول الرياضية؛ فمنذ خمسينيات القرن العشرين، عندما تعاون عالم الرياضيات، مانفريد ~~كوشين، ms134 والعالم السياسي، إيثيل دي سولا بول، لأول مرة من أجل التفكير في مسألة العالم ~~الصغير، بدت المسافات الاجتماعية وكأنها تخالف شرطا رياضيا يعرف باسم «متباينة ~~المثلث»، والموضحة في الشكل # 5-5 ~~. تنص هذه المتباينة على أن طول أي ضلع في المثلث يكون دائما أقل ~~من مجموع طولي الضلعين الآخرين أو مساويا له. بعبارة أخرى، فإن التقدم خطوة واحدة ثم ~~خطوة أخرى لا يمكن أبدا أن يبعدك عن نقطة البداية بأكثر من خطوتين، لكن هذا بالضبط ما ~~يبدو أن رسالتنا الافتراضية فعلته. # شكل 5-5: تنص متباينة المثلث على أن المسافة س # أ ج # س # أ ب ~~+ ~~س # ب ج ~~، ومن ثم، فإن خطوتين قصيرتين لا يمكن ~~أبدا أن يساويا خطوة طويلة. # هل تخالف الشبكات الاجتماعية متباينة المثلث حقا؟ وإن لم تكن تخالفها، فلماذا يبدو ~~الأمر كذلك؟ إن أساس فهم التناقض المتعلق بالمسافة في الشبكات الاجتماعية هو أن ~~بإمكاننا قياس «المسافة» بطريقتين مختلفتين، وعادة ما نخلط بينهما: الطريقة الأولى - ~~التي تحدثنا عنها معظم الوقت في هذا الكتاب - هي المسافة عبر الشبكة، ووفقا لهذا ~~المفهوم، تكون المسافة بين نقطتين، (أ) و(ب)، هي ببساطة عدد الروابط في أقصر مسار يصل ~~بينهما، لكن ليس هذا تعريف المسافة الذي نستخدمه عادة عند التفكير في مدى قربنا أو ~~بعدنا عن شخص آخر. بدلا من ذلك - وكما ذكرني هاريسون في مؤتمر الرابطة الأمريكية ~~للنهوض بالعلم في واشنطن العاصمة العام السابق - فإننا نسعى لتعريف أنفسنا والآخرين في ~~ضوء المجموعات والمؤسسات والأنشطة التي ننتسب إليها. # نظرا لعملنا على شبكات الارتباط بعض الوقت بحلول تلك المرحلة، كنت أنا ومارك على علم ~~بفكرة الهوية الاجتماعية، لكن ما أدركناه آنذاك هو أن الأفراد لا ينتمون ببساطة إلى ~~المجموعات، فلديهم أيضا وسيلة لتنظيم أنفسهم فيما يشبه الفضاء الاجتماعي، بحيث يقيسون ~~مدى تشابههم واختلافهم مع الآخرين. إن كيفية فعلهم لذلك تتشابه بعض التشابه مع صورة ~~شتاينبرج الموضحة في الشكل # 5-4 ~~. يبدأ الأفراد على مستوى العالم ~~ككل، ثم يقسمونه، أو «يجزئونه»، إلى عدد يمكن إدارته من الفئات ms135 الأصغر الأكثر تحديدا، ~~وبعد ذلك، يقسمون كلا من هذه الفئات إلى عدد من الفئات الفرعية، وكلا منها إلى فئات ~~أصغر وأكثر تحديدا، ويستمر ذلك الأمر، وهو ما ينتج عنه صورة من شبكات الارتباط تشبه ~~الموضحة في الشكل # 5-6 ~~. # شكل 5-6: التقسيم الهرمي للعالم على مدى بعد اجتماعي واحد. المسافة بين (أ) ~~و(ب) تساوي طول أكثر مجموعات الأسلاف المشتركين انخفاضا، وهي في هذه ~~الحالة ثلاثة (يعد الأفراد الموجودون في مجموعة المستوى الأدنى ذاتها ~~على بعد درجة واحدة). # يضم المستوى الأدنى لهذا التسلسل الهرمي المجموعات التي تحدد الارتباطات الأقرب لنا؛ ~~المبنى السكني الذي نقطن به، أو مكان عملنا، أو وسائل تسليتنا، لكن على عكس شبكات ~~الارتباط الموضحة في الفصل # الرابع ~~، التي كان إما ينتمي لها ~~ممثلان للمجموعة نفسها (ومن ثم يكونان مرتبطين) أو لا، يمكننا السماح الآن للارتباطات ~~بقوى مختلفة. قد يعمل فردان في فرق مختلفة، لكن يظلان ينتميان للقسم نفسه، وربما يكونان ~~في قسمين مختلفين، لكن ينتميان للإدارة ذاتها، أو ربما الشركة نفسها فحسب، وكلما ~~ارتفعنا أكثر في التسلسل الهرمي للوصول إلى المجموعة المشتركة، ازداد الفردان ابتعادا، ~~وكما هو الحال في نموذج كلاينبرج، كلما ابتعد الفردان أحدهما عن الآخر، انخفضت احتمالية ~~معرفة أحدهما بالآخر، ومن ثم، فإن المعادل في نموذجنا لأس جاما لكلاينبرج كان ما أطلقنا ~~عليه اسم معامل الانجذاب إلى المثيل، وذلك نسبة إلى المصطلح الاجتماعي الذي يعكس ميل ~~الأفراد المتشابهين إلى الارتباط بعضهم ببعض. في الشبكات ذات الدرجة العالية من ~~الانجذاب للمثيل، لا يمكن لأحد الاتصال سوى الأفراد الذين يتشاركون أصغر المجموعات، ~~الأمر الذي ينتج عنه عالم متشظ من المجموعات المنعزلة، وعندما لا يكون هناك انجذاب ~~إلى المثيل، نحصل على مكافئ لشرط كلاينبرج؛ إذ يقيم الأفراد ارتباطات على جميع مقاييس ~~المسافة الاجتماعية بدرجات احتمالية متساوية. # من ثم تعمل المسافة الاجتماعية على نحو مماثل تقريبا لنموذج كلاينبرج، لكن الآن هناك ~~الكثير من صور المسافة التي يمكننا الإشارة إليها عند تقييم احتمالية التقاء شخصين. ~~وبينما تحدد شبيكة كلاينبرج أماكن الأفراد في ms136 إطار الإحداثيات الجغرافية لهم فحسب، فإن ~~الأفراد في العالم الحقيقي يستقون مفاهيم المسافة من مجموعة متنوعة من الأبعاد ~~الاجتماعية. يظل الموقع الجغرافي مهما، لكن العرق والمهنة والديانة والتعليم والطبقة ~~الاجتماعية ووسائل التسلية والارتباطات المؤسسية تحمل أهمية أيضا. بعبارة أخرى، عندما ~~نقسم العالم إلى مجموعات أصغر وأكثر تحديدا، فنحن نستخدم الأبعاد المتعددة على نحو ~~متزامن. في بعض الأحيان، يكون الاقتراب الجغرافي أمرا مهما، لكن في أوقات أخرى، يمكن ~~أن يكون العمل في المجال ذاته أو ارتياد الجامعة نفسها أو الإعجاب بالنوع ذاته من ~~الموسيقى أهم بكثير في تحديد من يعرفه الفرد مقارنة بمكان معيشة ذلك الشخص، بالإضافة ~~إلى ذلك، فإن الاقتراب في بعد واحد لا يشير بالضرورة إلى الاقتراب في بعد آخر؛ فالنشأة ~~في نيويورك لا تزيد من احتمال أن تصبح طبيبا وليس مدرسا مقارنة بالنشأة في أستراليا، ~~وأيضا الانتماء إلى المهنة ذاتها لا يشير بالضرورة إلى حتمية سكنك بالقرب من الآخرين ~~العاملين بالمهنة ذاتها. # وأخيرا، إذا كان فردان متقاربين في ~~أحد الأبعاد فقط، فقد يعتبران أنفسهما قريبين على نحو مطلق ، حتى وإن كانا بعيدين تماما ~~في أبعاد أخرى؛ فأنا وأنت بحاجة إلى شيء واحد مشترك فحسب - سياق واحد فقط من التفاعل - ~~وقد يكون ذلك كافيا لنا لكي يعرف كل منا الآخر. بعبارة أخرى، تركز المسافة ~~الاجتماعية على أوجه التشابه مقارنة بأوجه الاختلاف، وهنا يكمن حل متناقضة العالم ~~الصغير؛ فكما يمكننا أن نرى في الشكل # 5-7 ~~، يمكن لفردين، (أ) و(ب)، ~~أن يعتبرا أنفسهما قريبين من فرد ثالث، (ج)، بحيث يكون (أ) قريبا في بعد واحد (الموقع ~~الجغرافي مثلا)، و(ب) في بعد آخر (المهنة مثلا). نظرا لأن أقصر مسافة هي المهمة فقط، ~~فلا يهم أن (ج) بعيد تماما أيضا عن كل من (أ) و(ب) من منظور آخر، لكن نظرا لأن (أ) ~~و(ب) بعيدان أحدهما عن الآخر في كلا البعدين، فهما يريان أنفسهما بعيدين أحدهما عن ~~الآخر. يشبه ذلك عندما يكون لديك صديقان تعرفهما في ظروف مختلفة، ومع أنك تحب كليهما، ~~فإنك تشعر ms137 أنه ما من شيء مشترك بينهما، لكن هناك شيئا مشتركا بالفعل بينهما، ألا وهو ~~أنت، ومن ثم فهما قريبان سواء أكانا على علم بذلك أم لا. من الطرق الأخرى للتفكير في ~~هذه السمة أنه بينما يمكن تصنيف المجموعات بسهولة، لا يمكن فعل ذلك مع الأفراد، من ثم، ~~تعكس الهوية الاجتماعية طبيعة متعددة الأبعاد - بمعنى أن الأفراد يدورون في سياقات ~~اجتماعية مختلفة - مما يفسر مخالفة متباينة المثلث في المسافة الاجتماعية. وقد بدا لي ~~أنا ومارك أن الطبيعة متعددة الأبعاد للهوية الاجتماعية الفردية هي ما يسمح للرسائل ~~بالانتقال بواسطة شبكة في وجه ما قد يبدو حواجز اجتماعية مفزعة. # شكل 5-7: يقسم الأفراد العالم في وقت واحد حسب الأبعاد الاجتماعية المستقلة ~~المتعددة. يعرض هذا المثال التخطيطي المواضع النسبية لثلاثة أفراد - ~~(أ) و(ب) و(ج) - في بعدين (الموقع الجغرافي والمهنة مثلا). (أ) و(ج) ~~قريبان جغرافيا، و(ب) و(ج) قريبان مهنيا؛ لذا، فإن (ج) يرى نفسه ~~قريبا لكل من (أ) و(ب)، لكن (أ) و(ب) يريان أنفسهما بعيدين، مما ~~يخالف متباينة المثلث الموضحة في الشكل # 5-5 ~~. # وصلت أنا ومارك إلى هذا الحد في مناقشتنا قبل أن يضطر للعودة إلى سانتا في، فانشغلنا ~~انشغالا حال دون إجراء مزيد من العمل على المسألة. بعد نحو ستة أشهر، كان جون كلاينبرج ~~يزور جامعة كولومبيا لإلقاء محاضرة في قسم علم الاجتماع عن بحثه المتعلق بالعالم ~~الصغير، فانتهزت الفرصة لعرض أفكارنا عليه، لم يوافقنا فحسب على أن منهجنا بدا كطريقة ~~سليمة للتفكير في المسألة، بل بدأ أيضا في سلسلة مشابهة من الأفكار خاصة به. كان ذلك ~~خبرا سيئا لنا؛ ففي النهاية، جون عالم شهير بسرعة بديهته؛ من النوع الذي يسمع عن أي ~~مسألة في محاضرة للمرة الأولى وينتهي به الأمر إلى فهمها أفضل ممن يلقي المحاضرة ذاته؛ ~~لذلك، إذا كان يفكر في منهجنا - إلى جانب آخرين أيضا حسبما يقول - لم يكن أمامنا ~~الكثير من الوقت لتنظيم جهودنا. # لحسن الحظ، يتسم جون بالكرم مثلما يتسم بالذكاء تقريبا، فوافق على أن يبحث في تفاصيل ~~مناقشتنا ms138 لبضعة أشهر حتى يمنحنا الفرصة لنشر شيء ما أولا، مع ذلك، كنت أنا ومارك ~~مشغولين تماما خلال المستقبل القريب، ومن ثم كنا بحاجة إلى بعض المساعدة إذا كنا ننوي ~~إنجاز شيء ما بسرعة. لحسن الحظ، كان بيتر دودز - وهو عالم رياضيات بجامعة كولومبيا وأحد ~~أعضاء مجموعتي البحثية - حاضرا المناقشة أيضا مع جون. كنت أنا وبيتر نعمل بالفعل معا ~~على مسألة أخرى (سنتناولها في الفصل # التاسع ~~)، فعلمت أن ~~بإمكانه برمجة جهاز كمبيوتر بالسرعة نفسها تقريبا التي يقوم بها مارك. وبعودة مارك إلى ~~سانتا في، صار بيتر قريبا للغاية! وخلال أيام من زيارة كلاينبرج، تخليت أنا وبيتر عن ~~مشروعاتنا الأخرى للعمل على مسألة البحث، وبعد بضعة أسابيع فاجأنا مارك بمجموعة من ~~النتائج أفضل مما توقعناه. # كانت النتيجة الرئيسية التي توصلنا ~~إليها هي أننا عندما سمحنا للأفراد في نموذجنا باستغلال الأبعاد الاجتماعية المتعددة، ~~تمكنوا من العثور على الأهداف المختارة عشوائيا في الشبكات الضخمة بسهولة نسبية، حتى ~~عندما كانت ارتباطاتهم ذات معامل انجذاب إلى المثيل مرتفع . في الواقع، كما يمكننا أن ~~نرى في الشكل # 5-8 ~~، يتضح أن وجود الشبكات القابلة للبحث فيها لا ~~يعتمد كثيرا على معيار الانجذاب إلى المثيل، أو حتى على عدد الأبعاد الاجتماعية. من ~~منظور الرسوم البيانية، يعني ذلك أن الشبكات القابلة للبحث فيها تقع في أي نطاق لمعايير ~~النموذج داخل المنطقة المظللة بالشكل # 5-8 ~~، على النقيض من ذلك، ~~يتمثل مكافئ شرط كلاينبرج في النقطة المفردة الموجودة أقصى يسار أسفل الشكل، من ثم كانت ~~نتيجتنا مناقضة، إلى حد ما، لنتيجة كلاينبرج؛ ففي حين يوضح شرطه أن العالم يجب أن ~~يكون على شكل معين لتنجح عمليات بحث العالم الصغير، تشير النتيجة التي توصلنا إليها إلى ~~أنه يمكن أن يكون العالم على أي شكل على الإطلاق؛ فما دام الأفراد من المحتمل أكثر أن ~~يعرفوا أشخاصا مثلهم (الانجذاب إلى المثيل)، وما داموا - وهو الأمر الحاسم - يقيسون ~~التشابه على مدى أكثر من بعد اجتماعي واحد، فلن توجد مسارات قصيرة فحسب بين أي شخصين في ~~أي ms139 مكان تقريبا، بل سيكون الأفراد الذين لديهم معلومات محلية فقط عن الشبكة قادرين على ~~العثور عليهم. # شكل 5-8: تكون الشبكات الاجتماعية قابلة للبحث متى وجدت داخل المنطقة ~~المظللة لمساحة معيار النموذج. تتوافق هذه المنطقة مع انجذاب المجموعات ~~الاجتماعية للمثيل (α = 0)، لكن الأفراد يحكمون على التشابه من ~~خلال أبعاد متعددة (ب)، وعلى النقيض، يحتل شرط كلاينبرج نقطة واحدة في ~~الركن الأيسر السفلي بمساحة الشبكات. # لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه تم التوصل إلى أفضل أداء عندما لم يتعد عدد ~~الأبعاد اثنين أو ثلاثة فحسب. كان هذا منطقيا على نحو ما من الناحية الرياضية؛ فعندما ~~يستخدم الجميع بعدا واحدا فحسب (البعد الجغرافي، مثلا) لتقسيم العالم، لن يمكنهم ~~الاستفادة من الارتباطات المتعددة لتجاوز مسافات كبيرة في الحيز الاجتماعي، من ثم نعود ~~مرة أخرى إلى عالم كلاينبرج حيث يلزم تنظيم الروابط بالتساوي على جميع مقاييس الطول لكي ~~تنجح الأبحاث الموجهة، وعندما ينشر الجميع معارفهم بين الكثير من الأبعاد - أي عندما لا ~~ينتمي أي من أصدقائك إلى المجموعات نفسها التي ينتمي إليها أصدقاؤك الآخرون - نعود ~~مرة أخرى إلى عالم الشبكات العشوائية حيث توجد مسارات قصيرة لكن لا يمكن العثور عليها؛ ~~لذا من المنطقي أنه يجب على الشبكات التي يمكن البحث فيها أن توجد في مكان ما بالمنتصف؛ ~~حيث لا يكون الأفراد منتمين للغاية لبعد واحد أو مشتتين إلى حد بعيد، لكن مثلت فكرة ~~أن الأداء المثالي يجب أن يحدث عندما يكون عدد الأبعاد اثنين تقريبا مفاجأة سعيدة؛ لأن ~~هذا هو العدد الذي يبدو أن الناس يستخدمونه بالفعل. # بعد عدة أعوام من نشر ميلجرام لبحثه ~~المؤثر عن العالم الصغير، أجرت مجموعة أخرى من الباحثين بقيادة راسل برنارد (عالم ~~إنسانيات) وبيتر كيلوورث (عالم محيطات، من بين كل العلوم الأخرى) ما أطلقوا عليه اسم ~~«تجربة عكسية للعالم الصغير»؛ فبدلا من إرسال طرود وتتبع تقدمها - كما فعل ميلجرام - ~~شرح هؤلاء الباحثون التجربة لعدة مئات من الأفراد الخاضعين لها، وسألوهم عن المعايير ~~التي سيستخدمونها لتوجيه أحد الطرود إذا طلب ms140 منهم ذلك، فتوصلوا إلى أن معظم الناس لا ~~يستخدمون سوى بعدين فقط - الموقع الجغرافي والمهنة أكثرها شيوعا - لتوجيه الرسالة إلى ~~المتلقي التالي. أدهشنا للغاية أن يكون ذلك هو الرقم نفسه الذي نتوصل إليه من خلال ~~تحليلنا بعد خمسة وعشرين عاما، ودون أي فكرة مسبقة (لم تكن لدينا أي فكرة عما سيكون ~~عليه الرقم، لكننا ما كنا لنعتقد أنه سيكون اثنين)، لكننا تفوقنا في نقطة ~~إضافية. # فمن خلال إدخال تقديرات تقريبية للمعايير في نموذجنا، مثلما كانت ستطبق في تجربة ~~ميلجرام، تمكنا من مقارنة توقعاتنا بالنتائج الفعلية التي توصل إليها ميلجرام. يوضح ~~الشكل # 5-9 # المقارنة. لم تبد مجموعتا النتائج قابلتين للمقارنة ~~فحسب، لكن لا يمكن تمييز إحداهما عن الأخرى أيضا باستخدام الاختبارات الإحصائية ~~القياسية، فهما متماثلتان تماما، ومع الوضع في الاعتبار استيعاب نموذجنا لقدر كبير من ~~تعقيدات العالم، كانت هذه النتيجة مدهشة بحق. لنرى كيف يعمل الأمر، دعونا نعد إلى مثال ~~المزارع الصيني الافتراضي؛ من خلال استخدام صديقتنا إريكا كوسيط أول، فنحن نستخدم بذلك ~~مجموعتين من المعلومات؛ أولا: يؤدي مفهومنا عن المسافة الاجتماعية إلى استنتاجنا أننا ~~بعيدون تماما عن هدفنا، لكنه يخبرنا أيضا عن المجموعات التي يجب أن ينتمي إليها المرء ~~لكي يكون قريبا؛ لذلك يساعدنا مفهومنا عن المسافة الاجتماعية في تحديد الظروف التي ~~تجعل أحد الأفراد مرشحا جيدا لنقل الرسالة إليه. ثانيا: نحن نستخدم معرفتنا المحلية ~~عن الشبكة لتحديد هل أي من أصدقائنا يلبي هذه الشروط؛ أي هل ينتمي أي من أصدقائنا ~~إلى مجموعة واحدة على الأقل تجعلهم أقرب إلى الهدف؟ وحياة إريكا في الصين آنذاك جعلت ~~منها مرشحة جيدة. # شكل 5-9: نتيجة نموذج أبحاث الشبكة الاجتماعية بالمقارنة بنتائج أبحاث ميلجرام ~~في نبراسكا. تمثل الأعمدة اثنتين وأربعين سلسلة مكتملة بدأت في ~~نبراسكا، بينما يمثل المنحنى المتوسط على مر الكثير من أبحاث المحاكاة ~~المؤداة وفقا لنموذجنا. # هذا هو المنهج الأساسي الذي اتبعه الخاضعون لتجربة ميلجرام؛ لذلك فإن ما يعرضه ~~نموذجنا هو أنه ما دام لديهم بعدان على الأقل يمكنهم من خلالهما الحكم ms141 على أوجه ~~التشابه بينهم وبين الآخرين، عندئذ حتى في عالم تكون فيه كل صلاتهم بأشخاص يشبهونهم ~~كثيرا، سيظل بإمكانهم العثور على مسارات قصيرة توصلهم بأفراد بعيدين وغير مألوفين لهم. ~~إن استمرار التوافق بين نموذجنا ونتائج ميلجرام بقوة، وذلك على نحو مستقل إلى حد بعيد ~~عن كيفية اختيارنا للمعايير، يخبرنا بشيء عميق عن العالم الاجتماعي، فعلى عكس شبكات ~~المولدات الكهربائية أو الخلايا العصبية في المخ، يملك الأفراد في الشبكات الاجتماعية ~~أفكارهم الخاصة بشأن ما يجعلهم ما هم عليه. بعبارة أخرى، يكون لكل شخص في أي شبكة ~~اجتماعية هوية اجتماعية، وهذه الهوية الاجتماعية، من خلال التحفيز على إنشاء الشبكة ~~وتحديد مفاهيم المسافة التي تمكن الأفراد من التنقل عبرها، هي ما يجعل الشبكات قابلة ~~للبحث فيها. ~~(5) البحث في شبكات الند للند # بناء على ما سبق، تعد القابلية للبحث سمة عامة للشبكات الاجتماعية؛ فبتقسيم العالم ~~على النحو الذي نفعله - حسب المفاهيم المتزامنة المتعددة للمسافة الاجتماعية - وتقسيم ~~عملية البحث نفسها إلى مراحل يمكن تطويعها، يمكننا حل ما يبدو كمشكلة في غاية الصعوبة ~~(حاول فقط ممارسة لعبة الدرجات الست لكيفن باكون دون الاستعانة بكمبيوتر) بسهولة ~~نسبية، وشأن كثير من الأفكار الثاقبة، فإن إدراك أن الشبكات الاجتماعية يجب أن تنشأ من ~~مكان ما، وأن أصلها في الهوية الاجتماعية يلعب دورا حاسما في السمات التي تملكها هذه ~~الشبكات، يبدو أمرا بديهيا الآن، لكن في علم يهيمن عليه علماء الفيزياء على نحو ~~متزايد، كان دخول علم الاجتماع مرة ثانية إلى الصورة بمنزلة تطور فكري ذي دلالة، وما ~~تعلمناه هو أنه مع عدم وجود أي خطأ في النماذج البسيطة، فإن هناك الكثير من هذه النماذج ~~في أي واقع معقد، ومن خلال التفكير فقط في الكيفية التي يعمل بها العالم - أي التفكير ~~فقط كما يفكر علماء الاجتماع والرياضيات أيضا - يمكننا اختيار النموذج الصحيح. # لكن هناك سببا عمليا أيضا لفهم أن الأبحاث الموجهة داخل الشبكات، وتحديدا عملية ~~العثور على شخص مستهدف في شبكة اجتماعية، من خلال سلسلة من المعارف الوسطاء، تشبه بشكل ms142 ~~أساسي العثور على ملف أو أي معلومة أخرى محددة على نحو متفرد في قاعدة بيانات موزعة. ~~وجه الكثير من الاهتمام حديثا لإمكانيات ما يعرف باسم شبكات «الند للند»، ~~وخاصة في مجال الموسيقى، في الواقع، لم ~~يكن الجيل الأول لهذه الشبكات الموسيقية، التي تعد شبكة نابستر سيئة السمعة النموذج ~~الأولي لها، سوى شبكة ند لند على نحو محدود، وبينما توجد الملفات نفسها بأجهزة ~~الكمبيوتر الشخصية الخاصة بالأفراد - الذين يطلق عليهم اسم الأنداد - وتحدث عمليات ~~تبادل الملفات بشكل مباشر بين الأنداد، يحتفظ بسجل كامل من جميع الملفات المتاحة ~~(ومواقعها) على خادم مركزي. # من ناحية المبدأ، يجعل السجل المركزي مشكلة البحث عن المعلومات أمرا تافها، حتى إن ~~كان ذلك في شبكة ضخمة؛ فكل ما عليك فعله هو طلب المعلومات من السجل، وسوف يخبرك بمكان ~~الملف، لكن السجلات المركزية مكلفة من حيث إنشاؤها والحفاظ عليها. من وجهة نظر ~~المستخدم، تشكل محركات البحث على الإنترنت، مثل جوجل، سجلات مركزية، وتقوم بعمل معقول ~~بوجه عام في تحديد أماكن المعلومات (رغم الإحباط بين الحين والآخر )، لكن جوجل لا يشبه ~~أي موقع إلكتروني عادي آخر؛ فهو يتضمن عشرات الآلاف من الخوادم المتطورة للتعامل مع ~~طلبات المعالجة الهائلة لملايين الاستفسارات المتزامنة عن المعلومات. عندما سمعت لاري ~~بيج - أحد مؤسسي جوجل - يتحدث عن الشركة منذ عامين بمؤتمر في سان فرانسيسكو، قال إنهم ~~كانوا يضيفون نحو ثلاثين خادما كل يوم لملاحقة الطلبات فحسب! قد تكون السجلات المركزية ~~حلا فعالا لمشكلة البحث، لكنها ليست رخيصة. يمكن أيضا للتصميم المركزي أن يكون ~~ضعيفا للغاية، وذلك ما اكتشفه مستخدمو نابستر عندما أغلقت الجهات المختصة بالتسجيل ~~آليتهم المفضلة لتبادل ملفات الموسيقى، فما إن يختف المركز حتى ينهار النظام بالكامل، ~~مثل شبكة الخطوط الجوية التي لا تحتوي إلا على مركز واحد يجب أن تمر به جميع رحلات ~~الطيران. # قبل دخول نابستر إلى مراحل اضمحلالها، كانت أكثر الصور تطرفا من قواعد البيانات ~~الموزعة - التي يمكن أن نطلق عليها شبكات الند للند حقا - قد بدأت في الظهور في ms143 عالم ~~الإنترنت غير الشرعي. صمم إحدى هذه الشبكات، التي تعرف باسم «نيوتيلا»، مبرمج متمرد ~~بشركة إيه أو إل، وقد نشر البروتوكول على الموقع الإلكتروني لشركة إيه أو إل في مارس من ~~عام 2000. أزالت سلطات شركة إيه أو إل الكود المضر في غضون نصف ساعة من نشره، لمعرفتها ~~لإمكانية انتهاك حقوق النشر التي ينطوي عليها أي نظام لمشاركة الملفات، وإدراكها ~~لاندماجها المكتمل الجديد مع شركة تايم وارنر، لكنها تأخرت كثيرا في ذلك؛ إذ جرى تحميل ~~الكود بالفعل وسرى كالنار في الهشيم في مجتمع قراصنة الإنترنت، ومر بعشرات التحسينات ~~والتنويعات. كان من أوائل الداعين لاستخدام بروتوكول نيوتيلا مبرمج شاب يدعى جين ~~خان، وقد زعم أن نيوتيلا هو الاستجابة لدعوات جميع من يتبادلون الملفات، والخصم الدائم ~~لصناعة التسجيلات الموسيقية، ونظرا لأن نيوتيلا لم يكن سوى بروتوكول، فلم يكن من ~~الممكن مصادرته، ونظرا لأنه لم يوجد مركز، لم يكن بالإمكان مقاضاة أي شخص أو إغلاق أي ~~موقع. عند الاستماع إلى خان، يمكن للمرء أن يظن أن نيوتيلا شيء خالد عظيم. # بعد عام واحد ثبت أن خان لم يكن على حق تماما، فلم ينجح أحد في تدمير نيوتيلا، لكن ~~أيضا لم تكن هناك حاجة لذلك. من الواضح أن شبكة نيوتيلا قد ارتبطت أجزاؤها في نقاط ~~تلاق، وذلك بالتوافق مع البنية الموزعة التي جعلتها تبدو واعدة جدا، ونظرا لأنه ما ~~من خادم واحد يعرف أين توجد جميع الملفات - لأنه لا يوجد سجل مركزي - يصبح كل طلب ~~للمعلومات بحثا واسع الانتشار يسأل كل نقطة تلاق في الشبكة السؤال الآتي: «هل لديك ~~هذا الملف؟» ومن ثم، فإن شبكات الند للند، مثل نيوتيلا، التي تنطوي على عشرة آلاف نقطة ~~تلاق، تنتج على سبيل المثال، عددا من الرسائل يزيد بنحو عشرة آلاف مرة عن شبكة مثل ~~نابستر ذات حجم مماثل، حيث لا يرسل كل طلب للمعلومات إلا إلى خادم واحد عالي القدرة. ~~ونظرا لأن الهدف من شبكات الند للند هو أن يزيد حجمها قدر الإمكان (من أجل زيادة عدد ~~الملفات ms144 المتاحة)، ونظرا لأنه كلما زاد حجم الشبكة، ساء أداؤها، فهل من الممكن أن تكون ~~شبكات الند للند مدمرة لذاتها حقا؟ # ظهرت بالمصادفة إشارة إلى عالم شبيه ~~بشبكة نيوتيلا منذ نحو عام أو أكثر بواسطة فصل السيدة جانيت فورست للدراسات الاجتماعية ~~بالصف السادس بمدرسة تايلورزفيل الابتدائية بولاية كارولاينا الشمالية، بدأت السيدة ~~فورست وطلابها «مشروعا بالبريد الإلكتروني»، فأرسلوا رسالة قصيرة رقيقة لكل أسرهم ~~وأصدقائهم، وطلبوا من جميع متلقي الرسالة توجيهها إلى كل من يعرفونهم ليرسلوها بدورهم ~~إلى كل معارفهم (وهلم جرا)، وقد طلبوا أيضا من كل متلق أن يرد عليهم ليسجلوا عدد ~~الأشخاص الذين وصلت إليهم الرسالة ومكانهم، وكانت فكرة سيئة. بحلول الوقت الذي ألغي ~~فيه المشروع أخيرا بعد بضعة أسابيع، كان الفصل قد تلقى ما يزيد عن 450 ألف رد من كل ~~ولاية في البلاد، وثلاث وثمانين دولة أخرى، وكان هؤلاء فقط من ردوا! لك أن تتخيل محاولة ~~كل فصل للدراسات الاجتماعية بالصف السادس في العالم إجراء تجربة مماثلة في الوقت ذاته. ~~(الأمر الذي لا يصدقه عقل هو أنني قد تلقيت بالفعل رسالة أخرى مماثلة مؤخرا من مدرسة ~~في نيوزيلندا، مصدقا عليها من وزير التعليم النيوزيلندي نفسه. يبدو أن بعض الناس لا ~~يتعلمون أبدا.) الأسوأ هو أن تتخيل أن يبدأ أي شخص مثل هذا النشر العالمي عندما يرغب ~~في أي وقت في توصيل رسالة إلى شخص آخر. إن حدث ذلك، لكان عصر الإنترنت قد وصل إلى نهاية ~~سريعة ومشينة بوصوله إلى درجة من الازدحام في تدفق البيانات تفوق ازدحام المرور على ~~طريق بانكوك السريع. # إذن، السجلات المركزية، بوجه عام، باهظة التكلفة وسريعة التأثر بالهجمات، أما الأبحاث ~~واسعة الانتشار فتسفر عن مشكلات أكثر مما تحققه من ميزات، وبناء عليه، من المفترض أن ~~تكون لوغاريتمات البحث الفعالة، التي لا تتطلب سوى معلومات محلية عن الشبكة، ذات أهمية ~~عملية كبيرة. من أكثر السمات المثيرة للاهتمام لظاهرة العالم الصغير أن الأفراد ~~الموجودين في الشبكات الاجتماعية يبدون قادرين على حل مشكلة البحث في شبكات الند للند، ms145 ~~حتى إن كانوا هم أنفسهم لا يعلمون كيف يفعلون ذلك، ومن خلال فهم خصائص الصورة ~~الاجتماعية للمشكلة واستغلالها، يمكننا أن نطمح لابتكار حلول جديدة لمشكلات البحث في ~~الشبكات لا تتضمن بالضرورة أناسا على الإطلاق. ولاستكمال منهجنا في تناول المشكلة، ~~اقترحت بعض الحلول الأخرى لمشكلة البحث الموجه بشبكات الند للند لاستغلال الجوانب ~~الأخرى لبنية الشبكات. من أبرز هذه الجهود ما قام به الفيزيائي برناردو هوبرمان وطالبته ~~لادا أداميك بمعمل أبحاث (إتش بي) في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا. # من خلال ملاحظة أن درجة التوزيع لشبكة نيوتيلا تتبع أحد توزيعات قوانين القوة (إلى حد ~~ما)، اقترح هوبرمان وأداميك لوغاريتما للبحث، توجه من خلاله نقاط التلاقي طلبات ~~المعلومات لجاراتها «الأكثر اتصالا» بها، التي تبحث بدورها في السجل المحلي، وسجلات ~~نقاط التلاقي المجاورة لها، للحصول على نسخة من الملف المطلوب، مع تكرار الإجراء في حال ~~عدم العثور على الملف، وبهذا الشكل، يحدد سريعا كل استعلام عددا صغيرا نسبيا من ~~المراكز التي يشيع وجودها في الشبكات عديمة المعيار وترتبط بمعظم الشبكة، ومن خلال ~~البحث في هذه الشبكة من المراكز عشوائيا، أوضحت المجموعة أن معظم الملفات يمكن العثور ~~عليها في وقت قصير نسبيا دون إثقال الحمل على الشبكة ككل. مع ما يتسم به هذا المنهج ~~من إبداع، فإنه يعاني صورة أضعف من حل السجل المركزي؛ إذ يجب أن يكون لدى المراكز قدرة ~~أكبر من نقاط التلاقي العادية، ويعتمد أداء الشبكة بدقة على قدرة المراكز المهمة على ~~العمل، وعلى النقيض من ذلك، تبدو قابلية البحث في الشبكات الاجتماعية عملية متساوية ~~تماما. في نموذجنا، يكون الأفراد العاديون قادرين على العثور على مسارات قصيرة، فلا ~~تكون هناك حاجة لمراكز خاصة. # مع ذلك، ربما تكون الفكرة الرئيسية هي أنه عند التحفيز للحصول على حلول جديدة لمشكلات ~~مختلفة (بوضوح)، تقدم مسألة العالم الصغير النموذج الأمثل حول كيف يمكن للنظم المختلفة ~~أن تساعد بعضها بعضا في تأسيس علم شبكات جديد. بالعودة إلى الخمسينيات من القرن ~~العشرين، كان كوشين (عالم رياضيات) وبوول (عالم سياسي) ms146 أول من فكرا في ذلك، لكنهما لم ~~يتمكنا من العثور على حل دون أجهزة كمبيوتر. تناول بعد ذلك ميلجرام (عالم نفس)، بمعاونة ~~من وايت (عالم فيزياء واجتماع) المسألة عمليا، وتبعهما في ذلك كل من برنارد (عالم ~~إنسانيات) وكيلوورث (عالم محيطات)، لكنهم لم يتمكنوا من تفسير كيفية عملها بالفعل، وبعد ~~ثلاثين عاما حولت أنا وستيف (عالما رياضيات) المسألة إلى مسألة خاصة بالشبكات بوجه ~~عام، لكننا فشلنا في معرفة مكونها اللوغاريتمي، لنترك بذلك المجال لجون (عالم كمبيوتر) ~~كي يتناولها، وترك جون بدوره المجال أمام مارك (عالم فيزياء)، وبيتر (عالم رياضيات)، ~~وأنا (عالم اجتماع حاليا) لاختيار الحل الذي يبدو الآن أنه كان موجودا طوال تلك ~~الفترة. # لقد كان طريقا طويلا، استمر نحو خمسين عاما، والآن وقد صرنا نعتقد أننا فهمنا ~~أخيرا المسألة، يبدو أنه كان ينبغي على أحدهم التوصل إليها منذ فترة طويلة، لكن ما كان ~~للأمر أن يحدث بطريقة أخرى؛ فبدون جون - على سبيل المثال - ما كنا لنفهم أبدا كيف نفكر ~~في مسألة البحث؛ أي ما كنا لنعلم الطريق الذي ينبغي السير فيه، ودون عملنا المبكر على ~~شبكات العالم الصغير، ما كان جون ليفكر أبدا في المشكلة في المقام الأول، ودون ~~ميلجرام، ما كان أحد منا ليعرف ما كنا نحاول تفسيره، ولولا بوول وكوشين، لكان ميلجرام ~~يجري تجربة مختلفة. بالنظر إلى الماضي، يبدو كل شيء واضحا، لكن الحقيقة أن مسألة ~~العالم الصغير لا يمكن حلها إلا عن طريق الجهود المتضافرة لكثير من المفكرين المختلفين، ~~وذلك من خلال تناولها من الزوايا المختلفة كافة، والإسهام فيها بمجموعة هائلة من ~~المهارات والأفكار ووجهات النظر. في العلم - كما هو الحال بالضبط في الحياة - لا يمكن ~~تقديم الشريط تقديما سريعا لمعرفة ما ستكون عليه النهاية؛ ذلك لأن النهاية لا تكتب ~~سوى أثناء الوصول إليها، وكما هو الحال في أفلام هوليوود الناجحة فإن النهاية، حتى وإن ~~كانت تقدم حلا ما، ليست سوى تمهيد لجزء ثان. في حالتنا، كان الجزء الثاني هو ~~الديناميكيات، ومقارنة بالألغاز المتعلقة بالديناميكيات القائمة على ms147 الشبكة - سواء ~~تمثلت في تفشي وباء ما أو سلسلة أعطال في أنظمة الطاقة الكهربائية أو اندلاع الثورات - ~~تعد مشكلات الشبكات التي واجهتنا حتى الآن قطرة في بحر. # الفصل السادس # | الأوبئة والأعطال # (1) المنطقة الحارة # قد يكون من الإنصاف القول إن احتمال ظهور الأوبئة الفتاكة لا يقض مضاجع أغلبنا، ~~وربما يرجع ذلك إلى أن معظمنا لم يقرأ كتاب «المنطقة الحارة»، وهو قصة حقيقية بقلم ~~ريتشارد بريستون عن فيروس إيبولا القاتل الذي يهلك ضحاياه وسط فيض من نزيف دموي شديد ~~الضراوة لا تحدثه سوى الطبيعة. ظهر هذا الفيروس لأول مرة من مكمنه بالأدغال في عام ~~1976، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى نهر إيبولا الذي يجري في المناطق الشمالية من ~~جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي كانت تعرف في السابق باسم «زائير»، وقد ظهر في ~~السودان أولا، ثم بعد شهرين في زائير حيث انتشر في خمس وخمسين قرية في وقت واحد ~~تقريبا، حاصدا نحو سبعمائة روح في ذلك العام وحده. # على الرغم من عدم معرفة الكثير عن فيروس إيبولا، وهو الأمر الذي يدعو إلى الدهشة ، فمن ~~المعتقد أنه انتقل، شأنه في ذلك شأن فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، من ~~القردة إلى البشر، وله ثلاث سلالات على الأقل ذات معدلات متزايدة من القدرة على ~~الفتك. تفشى مؤخرا فيروس إيبولا في أوغندا وكان من سلالة السودان، وهي السلالة التي ~~تتسم بمعدل إماتة يبلغ 50 بالمائة فقط، ومن ثم تعد أضعف من السلالتين الأخريين (يحصد ~~فيروس إيبولا زائير 90 بالمائة من أرواح ضحاياه)، ومع ذلك، فقد توفي 173 شخصا في ~~مقاطعة جولو في الفترة ما بين أكتوبر من عام 2000 إلى يناير 2001 قبل أن ينتهي التفشي ~~نهايته الطبيعية. أدت حالات التفشي الأخرى على مدار العقود الثلاثة الماضية إلى مقتل ~~أعداد مماثلة من البشر في ظل ظروف مشابهة إلى حد ما، في قرى صغيرة معزولة ذات مرافق ~~رعاية صحية متدهورة. إن قصص الرعب المتعلقة بتفشي هذا الوباء عديدة: الضحايا يذهبون إلى ~~طبيب محلي وهم يشكون من أعراض شبيهة بالإنفلونزا؛ ms148 الانهيار والنزيف بعد عدة أيام في ~~أقرب عيادة طبية؛ الإدراك المفزع، والمتأخر عادة، لتفشي فيروس إيبولا؛ انخفاض عدد ~~المختصين الطبيين الأبطال الموجودين في خط الدفاع الأول؛ انتشار الذعر؛ اكتشاف العشرات ~~من الأجساد الدامية في أكواخ مهجورة؛ خراب القرى وهجرانها؛ ترويع مناطق كاملة. إن فيروس ~~إيبولا وحش ضار بحق، إنه قطعة من الجحيم. # من قبيل المفارقة أن البأس الشديد لفيروس إيبولا هو نفسه نقطة ضعفه الوحيدة: فهو شرس ~~لدرجة تضر به نفسه؛ فعلى عكس فيروس نقص المناعة البشرية الساكن الغادر، يكشف إيبولا عن ~~طبيعته الحقيقية المدمرة في غضون أيام، ويفتك بالمرضى بعد إصابتهم به بقليل، إلى جانب ~~ذلك، ما إن تظهر الأعراض حتى يصبح الضحايا عاجزين تماما ويبلغ بهم السقم مبلغه، ~~فيواجهون صعوبة في السفر، ويكون من الممكن حجرهم صحيا بسهولة نسبية، ومن ثم الحد من ~~قدرة الفيروس على الانتشار إلى عائلين جدد. نتيجة لذلك، تم احتواء معظم حالات التفشي في ~~المناطق النائية الواقعة بالقرب من الغابات المطيرة وبعيدا عن المراكز السكانية ~~الرئيسية. # مرة واحدة فقط، أثناء حالة التفشي الثانية في عام 1976، تمكن فيروس إيبولا من الوصول ~~إلى مدينة كبيرة، وذلك عندما قضت ممرضة شابة تدعى ماينجا إن - كانت مصابة بسلالة زائير ~~من هذا الفيروس - أحد الأيام متجولة بأرجاء مدينة كينشاسا، عاصمة الكونغو وأكبر مدنها، ~~ولحسن الحظ، أدت سمة أخرى للفيروس إلى تجنب وقوع كارثة: ففيروس إيبولا - على الأقل في ~~مراحله الأولى - ليس معديا على الإطلاق، بل حتى عندما يكون المريض في مرحلة متأخرة من ~~المرض، وجسمه ينزف داخليا ويسعل مخاطا مليئا بالدماء في الهواء، من المعتقد بوجه ~~عام أن الفيروس لا يمكنه الوصول للمضيفين الجدد سوى عبر شق في الجلد أو غشاء منفذ ~~مثل أغشية الأنف أو العين. وبوصول الممرضة ماينجا إلى هذه المرحلة، كانت قد أدركت ~~بالفعل مصيرها ووضعت تحت الحجر الصحي في المستشفى. # بقراءة ذلك، قد تعتقد أن إيبولا ليس سوى عنصر آخر بسلسلة الأهوال اللانهائية المبتلاة ~~بها البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. وأفريقيا، القارة الأكثر غرابة وتوحشا، ms149 ~~بعيدة بالطبع عن أمريكا بما يكفي بحيث لا يكون للوباء التالي - إذا حدث ومتى حدث - ~~تأثير على سكان أمريكا أكثر من الشعور بالضيق بين الحين والآخر أثناء تصفح الجريدة ~~الصباحية، لكن إذا كان ثمة شيء واحد يمكن تعلمه من كتاب «المنطقة الحارة»، فسيكون أنه ~~ينبغي التوقف عن الاسترخاء الآن. يمثل فيروس إيبولا مشكلة ليس فقط لأفريقيا، لكن للعالم ~~أجمع؛ فمن الممكن أن تحرر سلسلة صحيحة من الأحداث فيروس إيبولا من قيوده، مثلما زحف ~~فيروس نقص المناعة البشرية عبر طريق كينشاسا السريع من مكان ميلاده في الأدغال، وعثر ~~بشكل ما، ربما في إحدى المدن الساحلية، على جايتان دوجاس - المضيف الجوي الكندي الشهير ~~بالمريض صفر - الذي جلب الفيروس إلى الحمامات العامة بسان فرانسيسكو وأدخل مرض الإيدز ~~إلى العالم الغربي. # إن الجانب الأكثر إزعاجا في قصة بريستون ليس الوصف الحي لحالات الوفاة الناتجة عن ~~فيروس إيبولا، بل احتمالية انتشار الفيروس على مستوى العالم؛ فعلى مدار القرن الماضي لم ~~نتدخل نحن البشر تدخلا سافرا فحسب في النظم البيئية القديمة للغابات المطيرة ~~الأفريقية، حيث تكمن أكثر الفيروسات فتكا، لكننا أنشأنا أيضا نظاما دوليا لشبكات ~~نقل يمكن أن تنقل مرضا معديا إلى مراكز القوة والعواصم العالمية في غضون بضعة أيام؛ ~~أي في فترة تقل عن طور حضانة الإيبولا. ويصف بريستون أحد الأشخاص المحكوم عليهم بالهلاك ~~في قصته، وهو يجلس في طائرة صغيرة متوجهة إلى نيروبي ويتقيأ كميات كبيرة من الدم ~~الأسود، قائلا: «لقد دخل كل من شارل موناي والكائن الموجود بداخله إلى ~~الشبكة.» # إن إمكانية ظهور مرض إيبولا في مركز تجاري محلي أبشع مما يمكن تصوره، لكن بعد قراءة ~~كتاب «المنطقة الحارة»، سيذهلك أنه ليس أمرا مستبعدا بهذا القدر. في الواقع، تصف ~~حبكة الأحداث الفرعية في الكتاب تفشي سلالة ثالثة من فيروس إيبولا بين مجموعة من ~~القردة في أحد معامل أبحاث الجيش الأمريكي في ريستون بولاية فيرجينيا، بالقرب من ~~واشنطن العاصمة؛ لقد اكتشف أن الفيروس، المعروف الآن باسم إيبولا ريستون، لا يضر ~~بالبشر، لكنه مهلك بشكل ms150 مذهل للقردة المسكينة التي مات جميعها، لكن فيروس إيبولا ~~ريستون كان شديد الشبه بإيبولا زائير، فلم تتمكن أي من الاختبارات التقليدية آنذاك من ~~التفريق بينهما، وظل العلماء ومدربو الحيوانات، الذين تعرضوا له، يظنون أنه إيبولا ~~زائير لبضعة أيام من القلق الشديد، وإن كان الأمر كذلك بالفعل - ولحسن الحظ أنه لم يكن ~~- لكان جميعنا قد عرف عن إيبولا أكثر مما نعرفه الآن. ~~(2) فيروسات الإنترنت # ليست الفيروسات البيولوجية المصدر الوحيد المحتمل للأوبئة في العصر الحالي، وهذا ما ~~اكتشفته كلير سواير لحظها التعس قبل أعياد رأس السنة لعام 2000. كلير سواير شابة ~~إنجليزية من الواضح أنها أقامت علاقة لفترة قصيرة قبل أعياد رأس السنة ببضعة أيام مع ~~شاب إنجليزي يدعى برادلي تشايت، ونظرا لكونها سيدة معاصرة، أرسلت إليه رسالة بالبريد ~~الإلكتروني تطري عليه فيها، وراقت هذه الرسالة لتشايت كثيرا، فقرر مشاركتها مع ~~أصدقائه؛ أصدقائه المقربين فقط، وعددهم ستة أفراد، لكن من الواضح أنهم استمتعوا بدورهم ~~برسالة الإطراء، فأعادوا توجيهها للعديد من أقرب معارفهم وأعزهم، الذين شعر الكثيرون ~~منهم بالشعور ذاته، وهكذا، دارت تلك الرسالة البريدية البسيطة، مع إضافة بسيطة من ~~تشايت: «إطراء لطيف من إحدى عشيقاتي» في العالم ليستمتع بها نحو 7 ملايين قارئ في غضون ~~أيام. سبعة ملايين! تحتم على كلير المسكينة الاختباء لتجنب السعار الصحفي الناجم عن تلك ~~الفضيحة، وتعرض تشايت لإجراء تأديبي من شركة المحاماة التي يعمل بها بسبب استخدامه ~~غير المصرح به لحساب البريد الإلكتروني الخاص به (كما لو أن الناس لا يرسلون رسائل ~~شخصية عبر البريد الإلكتروني الخاص بالعمل طوال الوقت!) قد تكون قصة سخيفة، لكنها مثال ~~جيد على قوة التزايد الأسي، خاصة عند اقترانه بنقل المعلومات غير المكلف الذي ~~يقدمه الإنترنت. وحول هذا الموضوع، هناك العديد من الأمور الخطيرة التي يجب التحدث ~~عنها. # تجري الفيروسات، سواء التي تصيب البشر أو الحاسبات، بشكل أساسي نوعا مما أطلقنا ~~عليه «البحث واسع الانتشار» بجميع أنحاء الشبكة، وتمثل الأبحاث واسعة الانتشار - كما ~~ناقشنا في الفصل # الخامس ~~- أكثر الطرق فعالية للبدء من أي ms151 ~~نقطة تلاق، والعثور على كل نقطة تلاق أخرى عن طريق التفرع على نحو منتظم من كل نقطة ~~تلاق جديدة إلى كل من النقط غير المستكشفة المجاورة لها، لكن عندما يبدأ مرض ما ~~«بحثا»، فإنه لا يبحث عن شيء معين، بل يسعى ببساطة لنشر نفسه إلى أقصى مدى ممكن، ومن ~~ثم فإن «كفاءة» كيان معد كالفيروس تحمل بين طياتها دلالات للقدرة على الإيذاء، وكلما ~~كان الفيروس أكثر نقلا للعدوى، زادت كفاءته في البحث، ومن ثم يعد فيروس إيبولا أكثر ~~كفاءة من فيروس نقص المناعة البشرية من حيث نقله للعدوى (لا يتقيأ المرضى المصابون بنقص ~~المناعة البشرية دما في غرفة الطوارئ)، لكنه أقل كفاءة من حيث إنه يؤدي إلى الوفاة ~~سريعا للغاية. وكل من فيروس نقص المناعة البشرية وإيبولا أقل كفاءة بكثير من فيروس ~~الإنفلونزا، الذي لا يبقي على مضيفيه أحياء فترة أطول فحسب، بل هو قادر أيضا على ~~الانتشار عبر الجسيمات التي يحملها الهواء. ولإدراك أهمية كفاءة الأمراض على النحو ~~الصحيح، نقول إنه لو كانت عدوى إيبولا تنتقل عبر الهواء، لكان قد قضي على الحضارة ~~الحديثة في أواخر سبعينيات القرن العشرين. # على الرغم من وجوب القلق بشأن احتمال ظهور وباء جحاف بين البشر، فإن فيروسات ~~الكمبيوتر - من حيث الكفاءة فحسب - أكثر إثارة للقلق من الفيروسات البشرية. يمكن النظر ~~لأي فيروس - سواء أكان يصيب البشر أم أجهزة الكمبيوتر - على أنه ليس أكثر من مجموعة من ~~التعليمات للتوالد باستخدام مواد من المضيف كوحدات بناء. في البشر، يحجب جهاز المناعة ~~مجموعات التعليمات الغريبة، التي من المحتمل أن تنطوي على خطر ما، لكن أجهزة الكمبيوتر ~~لا تمتلك أجهزة مناعة بوجه عام. تتمثل وظيفة الكمبيوتر، أساسا، في تنفيذ التعليمات ~~بأكبر قدر من الكفاءة، بصرف النظر عن مصدر هذه التعليمات؛ لذا فإنه أكثر عرضة للتأثر ~~بالأكواد الخبيثة مقارنة بتعرض البشر للفيروسات، ومع أن وباء عالميا يصيب أجهزة ~~الكمبيوتر قد لا ينذر بنهاية الحضارة البشرية، فلا يزال بإمكانه إحداث ضرر اقتصادي ~~جسيم. لم يسبق حدوث ذلك من قبل، ms152 لكننا واجهنا بالفعل بعض الاضطرابات المزعجة؛ ففي ~~السنوات القليلة الأخيرة من القرن العشرين، حتى قبل أن تصبح مشكلة عام 2000، التي ~~يرمز إليها بالرمز # Y2K ~~، خاتمة مخيبة للآمال ~~للألفية، أحدثت سلسلة من فيروسات الكمبيوتر قدرا هائلا من الإرباك والإزعاج لمئات ~~الآلاف من المستخدمين بجميع أنحاء العالم، وبدأت الهيئات الحكومية والشركات الكبيرة، ~~وحتى عامة الناس المتضاربة آراؤهم عادة، في التأهب والانتباه. # لقد تعايشنا مع فيروسات الكمبيوتر لعقود من الزمان، فلماذا لم نبدأ في مواجهتها على ~~مستوى عالمي إلا مؤخرا؟ الإجابة عن هذا السؤال هي نفسها الإجابة عن الكثير من الأسئلة ~~المتعلقة بالنصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين: الإنترنت. قبل ظهور الإنترنت، ~~انتشرت الفيروسات، وكان مستخدمو الكمبيوتر يواجهون صعوبات بين الحين والآخر، لكن، ~~آنذاك، كان السبيل الوحيد لنقل فيروس من جهاز لآخر هو القرص المرن، الذي يجب أن يوضع ~~داخل الجهاز. بالطبع، كان من الممكن للقرص المحمل بالفيروس أن ينتشر بين الكثير من ~~أجهزة الكمبيوتر، وعندما يصاب أحدها به، تؤدي محاولة إنقاذ الملفات ذات الصلة بنقلها ~~إلى قرص غير محمل بالفيروس إلى انتقال الفيروس إلى هذا القرص أيضا، ومن ثم كانت ~~إمكانية النمو المتسارع موجودة بالفعل، لكن طبيعة الانتشار الملموسة إلى حد بعيد - ~~مثل حاجة فيروس إيبولا لشق في الجلد لينتشر - قللت بوجه عام من كفاءة الفيروسات إلى ~~الحد الذي أصبح معه الظهور البسيط للفيروسات لا يتحول إلى أوبئة متفشية. # جاءت شبكة الإنترنت، وخاصة البريد الإلكتروني، لتغير ذلك كله، وهذا ما بدأ العالم ~~في إدراكه بحلول شهر مارس من عام 1999 بظهور الفيروس ميليسا، ومع أنه كان يشار بوجه ~~عام إلى ميليسا على أنه فيروس (أو خطأ برمجي)، فقد كان يتشابه في العديد من الأوجه مع ~~نوع آخر من الأكواد الضارة تعرف باسم ديدان الكمبيوتر، لا تسبب هذه الديدان الضرر ~~لأجهزة الكمبيوتر الفردية بقدر ما تحدثه للشبكات؛ فهي تنسخ نفسها وتنتقل في أعداد كبيرة ~~من جهاز لآخر دون تنشيط من جانب المستخدم. ظهر فيروس ميليسا، الذي كان آنذاك أسرع ~~الفيروسات التي رآها الإنسان ms153 انتشارا، في صورة رسالة بريد إلكتروني تحمل العنوان ~~التالي: «رسالة هامة من (اسم)»، بحيث يشير «اسم» إلى المستخدم المرسل للرسالة، أما ~~متن الرسالة، فهو: «إليك بالوثيقة التي طلبتها ... لا تطلع أحدا آخر عليها ؛-)» ومرفق ~~بها مستند وورد يحمل اسم # list.doc ~~، وفي حال فتح المستند ~~المرفق، يرسل ماكرو ميليسا نسخا منه تلقائيا إلى أول خمسين عنوانا في قائمة عناوين ~~البريد الإلكتروني الخاصة بالمستخدم، وفي حال كان أحد هذه العناوين قائمة بريدية، فسيصل ~~الفيروس إلى كل من تضمهم هذه القائمة. # كانت العواقب وخيمة؛ فعند اكتشاف الفيروس للمرة الأولى يوم الجمعة، 26 مارس، كان قد ~~انتشر بجميع أرجاء المعمورة في غضون ساعات، وبحلول صباح يوم الاثنين كان قد أصاب ما ~~يزيد عن مائة ألف جهاز كمبيوتر في ثلاثمائة مؤسسة قاصفا بعض المواقع بعدد هائل من ~~الرسائل (وصل في إحدى الحالات إلى اثنين وثلاثين ألف رسالة خلال خمس وأربعين دقيقة!) ~~الأمر الذي أجبر تلك المؤسسات على قطع اتصال نظمها البريدية عن الإنترنت. مع ذلك، كان ~~يمكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك بكثير. كان فيروس ميليسا غير خطير نسبيا - إذ كان ~~أسوأ أثر له هو إدراج مرجع غير ضار لمسلسل «عائلة سيمبسون» في مستند مفتوح عندما تتوافق ~~الدقيقة في الساعة مع تاريخ اليوم - ولم يكن بإمكانه أيضا الانتشار إلا عن طريق برنامج ~~البريد مايكروسوفت أوتلوك. ظل وصول الفيروس إلى من لا يستخدمون برنامج أوتلوك ممكنا، ~~لكن مع عدم إمكانية انتقاله إلى آخرين. هذا هو الفارق الذي له عواقب مهمة (ربما لشركة ~~مايكروسوفت نفسها) تتعلق باحتمالية أن يصبح الفيروس فيروسا عالميا مدمرا حقا كما ~~سنوضح لاحقا، لكن، أولا، علينا أن نعرف بعض المعلومات عن الرياضيات المتعلقة بأي مرض ~~معد، وعلينا أن نفهم، على وجه الخصوص، الظروف التي يصبح فيها ظهور مرض بسيط وبائيا. # شكل 6-1: الحالات الثلاث للنموذج # SIR ~~. يمكن ~~لكل عضو بمجموعة الأفراد أن يكون قابلا للإصابة أو معديا أو ~~مبعدا، ويمكن أن يصاب الأفراد القابلون للإصابة بالعدوى عن طريق ~~التفاعل مع الناقلين لها، ms154 ويمكن أن يشفى الناقلون للعدوى أو توافيهم ~~المنية، ومن ثم يتوقف دورهم في هذه الديناميكية، وفي حال شفائهم، قد ~~يصبحون قابلين للإصابة ثانية من خلال فقد المناعة. ~~(3) رياضيات الأوبئة # ظهر علم الأوبئة الرياضي الحديث لأول مرة منذ ما يزيد عن سبعين عاما بظهور النموذج # SIR ~~، الذي صاغه عالما الرياضيات: ويليام كيرماك ~~وإيه جي ماكندريك، ولا يزال يمثل إطار العمل الرئيسي الذي تبنى عليه معظم نماذج ~~الأمراض المعدية. تشير الأحرف المكونة للاختصار إلى الحالات الثلاث الرئيسية (الموضحة ~~في الشكل # 6-1 ~~) التي يمكن أن يكون عليها أي فرد فيما يخص أي مرض ~~بعينه، وهي: # susceptible ~~(قابل للإصابة)؛ وتعني أن ~~الفرد يكون عرضة للإصابة سريعا بالعدوى لكن لم يصب بها بعد، ~~و # infectious ~~(معد)؛ وتعني أن الفرد لا يكون مصابا ~~بالعدوى فحسب، بل بإمكانه أيضا نقلها للآخرين؛ ~~و # removed ~~(مبعد)؛ وتشير إلى أن الفرد إما شفي أو ~~لم يعد يمثل أي تهديد آخر (ربما بوفاته). ولا يمكن أن تحدث حالات عدوى جديدة إلا عندما ~~يتصل شخص مصاب، يوصف عادة بالمعدي، اتصالا مباشرا بشخص قابل للإصابة، عندئذ يصبح ~~الشخص سريع التأثر معديا، مع إمكانية لنقل العدوى تعتمد على قدرة المرض على الانتقال ~~وسمات الشخص القابل للإصابة (من الواضح أن بعض الناس أكثر قابلية للإصابة من ~~آخرين). # من الجلي أن هوية الأفراد الذين يتصل ~~بعضهم ببعض تعتمد على شبكة المعارف في أي مجموعة؛ لذا، ولاستكمال النموذج، يلزم وضع بعض ~~الافتراضات بشأن الشبكة؛ تفترض النسخة القياسية للنموذج - على سبيل المثال - أن ~~التفاعلات بين أعضاء المجموعات الثلاث تحدث على نحو عشوائي تماما، كما لو أنهم مزجوا ~~في وعاء كبير، كالموضح في الشكل # 6-2 ~~. إن العشوائية التامة، كما هو موضح في الشكل # 6-2 ~~، ليست تمثيلا مثاليا للتفاعلات البشرية، لكنها تبسط التحليل ~~بالتأكيد على نحو كبير. في النموذج # SIR ~~، يشير افتراض ~~العشوائية إلى أن احتمال مقابلة شخص معد لآخر قابل للإصابة لا يحدده سوى عدد الأفراد ~~الناقلين للعدوى والقابلين للإصابة، ففي الوعاء لا توجد بنية للمجموعة البشرية يمكن ~~التحدث ms155 عنها. لا تزال المشكلة غير هينة، لكن على الأقل يمكن الآن تسجيل مجموعة من ~~المعادلات لا تعتمد حلولها إلا على حجم الظهور الأول للمرض وبعض المعايير الخاصة بالمرض ~~نفسه؛ كإمكانية العدوى ومعدل الشفاء. # شكل 6-2: في الصورة التقليدية للنموذج # SIR ~~، ~~يفترض أن تكون التفاعلات عشوائية تماما. يمكن التفكير في التفاعلات ~~العشوائية كما لو أن الأفراد يمزجون معا في وعاء كبير. تتمثل ~~النتيجة الرئيسية لافتراض المزج العشوائي في أن احتمالات التفاعل تعتمد ~~على أحجام مجموعات الأفراد النسبية فحسب، وهي السمة التي تبسط التحليل ~~بشكل كبير. # وفقا للنموذج، عند تفشي وباء ما، لا بد أن يتبع مسارا يمكن التنبؤ به يعرفه علماء ~~الرياضيات باسم «النمو اللوجيستي». كما يشير الشكل # 6-3 # على نحو تخطيطي، تتطلب كل عدوى مشاركة شخص ~~ناقل للعدوى وآخر قابل للإصابة، ومن ثم يعتمد المعدل الذي يمكن أن تظهر به حالات العدوى ~~الجديدة على حجم مجموعتي الأفراد كلتيهما. عندما يكون المرض في مراحله المبكرة، تكون ~~مجموعة الناقلين للعدوى صغيرة، ومن ثم يكون أيضا معدل حالات العدوى الجديدة صغيرا؛ ~~وكما يوضح الرسم العلوي بالشكل # 6-3 ~~، لا يوجد عدد كاف من ناقلي ~~العدوى لإحداث ضرر كبير. تعد مرحلة النمو البطيء هذه أكثر المراحل فعالية لإعاقة وباء ~~ما؛ إذ يمكن لعدد صغير من حالات العدوى يتم تلافيها أن تعود بالمرض إلى مرحلة السكون، ~~ومع الأسف، يمكن أن يصعب تمييز وباء ما في مرحلته المبكرة من خلال مجموعة عشوائية من ~~الحالات غير المرتبطة ببعضها، خاصة إذا اتسمت هيئات الصحة العامة بسوء التنسيق أو أبت ~~الاعتراف بأن لديها مشكلة ما. # شكل 6-3: في النمو اللوجيستي، يعتمد معدل نمو حالات العدوى الجديدة على حجم ~~مجموعتي الأفراد الناقلين للعدوى والقابلين للإصابة. عندما تكون أي ~~منهما صغيرة (الرسمان العلوي والسفلي بالشكل)، تندر حالات العدوى ~~الجديدة، لكن عندما تكون المجموعتان متوسطتي الحجم (الرسم الأوسط)، ~~تصل معدلات العدوى إلى أقصى حد ممكن لها. # عندما تزيد كثافة الناقلين للعدوى على ~~نحو يصبح معه من الصعب إغفالها أو تجاهلها، يدخل الوباء عادة ms156 «مرحلة الانفجار» في عملية ~~النمو اللوجيستي (الرسم الأوسط بالشكل # 6-3 ~~). يوجد الآن الكثير من ~~الأفراد الناقلين للعدوى والأفراد القابلين للإصابة، ومن ثم يصل معدل حدوث حالات عدوى ~~جديدة إلى أقصى حد له. من المستحيل عمليا إيقاف الأوبئة في مرحلة النمو المتفجر، وهذا ~~ما واجهه المزارعون البريطانيون في عام 2001 ~~عندما تفشى مرض الحمى القلاعية على مدى نصف ~~عام بجميع أرجاء إنجلترا وبعض أجزاء من اسكتلندا. عند اكتشاف الوباء في منتصف شهر ~~فبراير؛ أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من إصابة الحالات الأولى، كان المرض قد تفشى بالفعل في ~~ثلاث وأربعين مزرعة؛ قد يبدو ذلك عددا كبيرا من المزارع، لكن الوباء كان لا يزال في ~~مرحلة النمو البطيء الأولية، وبحلول شهر سبتمبر، زاد عدد المزارع المشتبه في إصابتها ~~إلى ما يزيد عن تسعة آلاف، بالرغم من الذبح الوقائي لما يقرب من 4 ملايين رأس من ~~الماشية والغنم. # لكن، في النهاية، حتى أكثر الأوبئة صعوبة في السيطرة عليها تصل إلى نهاية، حتى لو كان ~~السبب هو استنفاد نفسها، ونظرا لأن عدد الأشخاص (أو الماشية، في حالة الحمى القلاعية) ~~الذين يمكن إصابتهم بالعدوى كبير للغاية، تزداد صعوبة الوصول إلى الأفراد القابلين ~~للإصابة وتهدأ حدة المرض ثانية. هذه هي مرحلة الخمود في النمو اللوجيستي. في وباء ~~الحمى القلاعية، برزت عملية التحجيم الذاتي هذه من خلال الحجر الصحي الفعال للأراضي ~~الزراعية والإبادة الفعالة للماشية (حوالي ألفي حالة فعلية من المرض اكتشفت، وهي ~~نسبة ضئيلة من أعداد الماشية التي قتلت). وهكذا يعكس مسار الوباء، من البداية إلى ~~النهاية، منحنى على شكل حرف # S ~~، كما هو موضح في الشكل # 6-4 ~~. إن إمكانية تفسير السمات الأساسية لهذا المسار - النمو ~~البطيء والانفجار والخمود - في إطار نموذج النمو اللوجيستي يشير إلى أن القوى التي تحكم ~~وباء ما، عندما يحدث، بسيطة للغاية. # شكل 6-4: النمو اللوجيستي، الذي يوضح مرحلة النمو البطيء ومرحلة الانفجار ~~ومرحلة الخمود. # لكن الأوبئة لا تحدث طوال الوقت. في الواقع يحتوى أغلب الأمراض من خلال التدخل ~~البشري، أو (في ms157 أحيان أكثر) تستنفد نفسها قبل أن تصيب نسبة بسيطة للغاية من السكان. على ~~سبيل المثال، مع ما أثاره تفشي فيروس إيبولا عام 2000 من رعب، فلم يحمل ما يؤهله لأن ~~يكون وباء حقيقيا، ومع أن 173 ضحية عدد كبير في المطلق، ظل تفشي المرض محصورا في ~~مجموعة محددة جغرافيا من القرى، دون أن يفرض تهديدا على مجموعات الأفراد المعرضين ~~للإصابة بالمرض، على النقيض من ذلك، أصاب وباء الحمى القلاعية عام 2001 الدولة بأكملها ~~تقريبا، وفي إطار النموذج # SIR ~~، يكون إيقاف أحد الأوبئة ~~مساويا تقريبا لمنعه من الوصول إلى مرحلة الانفجار في النمو الموضحة في الشكل # 6-4 ~~، الأمر الذي لا يشير إلى التركيز على حجم الظهور المبدئي، بل على ~~«معدل نمو» هذا الحجم. يتمثل المقياس الرئيسي لأحد الأمراض من هذا المنطلق في «معدل ~~التزايد»؛ أي متوسط عدد حالات العدوى ~~الجديدة التي يؤدي إليها كل فرد مصاب حاليا بالعدوى. # يتمثل الشرط الرياضي للوباء في ضرورة ~~أن يكون معدل تزايد المرض أكبر من واحد؛ ففي حال بقاء معدل التزايد عند درجة أقل من ~~واحد، يبعد الناقلون للعدوى من مجموعة الأفراد بمعدل أسرع من ظهور ناقلين جدد، وسيبلغ ~~المرض نهايته دون أن يصير وباء، أما إذا زاد معدل التزايد عن واحد، فلن يزيد المرض من ~~انتشاره فحسب، بل سيزيد أيضا من السرعة التي سيواصل الانتشار بها، ويصير من الحتمي ~~حدوث النمو المتفجر. والوضع الحرج بين هاتين الحالتين، حيث يمرر مضيف واحد المرض لمضيف ~~جديد واحد بالتحديد، يعرف ب «حد» الوباء. والوقاية من الوباء تعني إبقاء معدل التزايد ~~أقل من هذا الحد. # في النموذج # SIR # التقليدي، حيث يغض الطرف عن بنية ~~مجموعة الأفراد، يحدد معدل التزايد، ومن ثم حد الوباء، بالكامل عن طريق سمات المرض ~~نفسه (قدرته على العدوى، وسرعة شفاء ناقليه أو وفاتهم)، وحجم مجموعة الأفراد المعرضين ~~للإصابة الذي يمكن لحاملي المرض التفاعل من خلاله، ومن ثم أدت ممارسات الجنس الآمن إلى ~~الحد من وباء فيروس نقص المناعة البشرية في بعض مناطق العالم عن ms158 طريق استهداف معدل ~~العدوى، في حين أدت الإبادة واسعة الانتشار للحيوانات في بريطانيا أثناء وباء الحمى ~~القلاعية إلى التقليل من حدته عن طريق الحد من الحجم الفعلي للحيوانات المعرضة ~~للإصابة. # يعد مفهوم مساواة معدل تزايد الحد في النموذج التقليدي للرقم واحد بالضبط إحدى نقاط ~~التقارب العميقة التي تجعل من الرياضيات أمرا مثيرا للغاية. في الواقع، يماثل حد ~~الوباء بالضبط النقطة الحرجة التي يظهر عندها مكون ضخم في شبكة عشوائية (انظر الفصل # الثاني ~~)، حيث يكون معدل التزايد مساويا من الناحية ~~الرياضية لمتوسط عدد الجيران على الشبكة، ويكون حجم مجموعة الأفراد الناقلين للعدوى، ~~باعتباره دالة لمعدل التزايد (الشكل # 6-5 ~~)، مساويا بالضبط لحجم ~~المكون الضخم في الشكل # 2-2 ~~. وبعبارة أخرى، يظهر الوباء عندما يمر ~~المرض بالتحول الطوري نفسه بالضبط الذي اكتشفه إيردوس وريني في مسألة شبكات الاتصالات ~~التي تناولاها بالبحث، والتي تبدو غير ذات صلة بالأوبئة، لكن هذا التشابه الجدير ~~بالملاحظة يشير أيضا إلى نقد واضح؛ فإذا رفضنا اعتبار نماذج رسوم بيانية عشوائية ~~تمثيلات واقعية لشبكات العالم الفعلي، سواء أكانت اجتماعية أم غيرها، أليس من المفترض ~~أيضا رفض أي استنتاجات بشأن الأوبئة تعتمد على الافتراضات ذاتها؟ إن اعتماد معدل ~~التزايد على حجم مجموعة الأفراد المعرضين للإصابة فحسب - على سبيل المثال - لا يفسر ~~أيا من سمات البنية الاجتماعية أو بنية الشبكات التي يمكن أن تكون مفيدة في مقاومة ~~الأوبئة، وكما سنرى، تظل بعض الدروس المتعلقة بالنموذج التقليدي قائمة، حتى في عالم ~~الشبكات المعقد، لكن هناك دروسا أخرى مبنية على الشبكات يجدر تعلمها أيضا. # شكل 6-5: التحول الطوري في النموذج # SIR ~~. عندما ~~يتجاوز معدل تزايد المرض (م) واحدا (حد الوباء)، يحدث الوباء. ~~(4) الأوبئة في عالم صغير # انصب اهتمامي أنا وستيف في البداية - كما يذكر القارئ - على الديناميكيات، لكن انتهى ~~بنا الحال بالعمل على الشبكات؛ لأننا كنا مهتمين بديناميكيات المذبذبات المترابطة؛ ~~صراصير الليل؛ لذا عندما أصبح لدينا بعض نماذج الشبكات التي يمكننا استخدامها، أخذنا ~~نفكر بطبيعة الحال كيف ستعمل النظم الديناميكية المختلفة بهذه الشبكات، وكان أول ms159 نظام ~~حاولنا فهمه هو نموذج مذبذبات كوراموتو (الموضح في الفصل # الأول # من هذا الكتاب) الذي تناوله ستيف بالبحث المكثف في مرحلة مبكرة من ~~مسيرته المهنية، لكن للأسف، مع ما يتسم به نموذج كوراموتو من بساطة، فإن سلوكه بشبكات ~~العالم الصغير ظل معقدا لدرجة حالت دون فهمنا له (وهو ما استمر عليه الحال سنوات عديدة ~~لاحقة)، من ثم بدأنا في البحث عن نوع أبسط من الديناميكيات، ومجددا كانت اهتمامات ستيف ~~البيولوجية ذات فائدة. قال ستيف ذات مرة في مكتبه: «يتعلق النموذج # SIR # بأبسط نوع يمكنني التفكير فيه على الإطلاق من ~~الديناميكيات غير الخطية، وأنا على يقين تام بأنه ما من أحد فكر جديا في عمل النموذج # SIR # على إحدى الشبكات؛ على الأقل ليس على شبكة ~~كهذه. لماذا إذن لا نحاول فعل ذلك؟» # وفعلنا، لكن هذه المرة أجريت بعض التحضير المسبق، وكما هو متوقع، ومع تعميم نموذج # SIR # الأساسي بطرق عديدة ليتضمن الخصائص المميزة ~~لأمراض معينة، والصور المختلفة لسرعة التأثر لدى مجموعات سكانية مختلفة، لم يظهر ما ~~يشبه شبكات العالم الصغير في الدراسات الموضوعة عن هذا الأمر. كان هذا وحده مشجعا، ~~تماما مثل التساوي العميق بين النموذج # SIR # التقليدي ~~والاتصال في الرسم البياني العشوائي؛ فأيا كان سلوك المرض في شبكة عالم صغير عامة، ~~يمكن أن نوقن بأنه يشبه سلوك النموذج # SIR # التقليدي في ~~حدود كل الصلات التي أعيد الربط بينها عشوائيا (كما هو موضح في الجزء الأيمن من الشكل # 3-6 ~~). ومن ثم، ليس لدينا نموذج شبكة فحسب، وهو الذي استوعبناه ~~جيدا بالوصول إلى هذه المرحلة، بل لدينا أيضا مقياس راسخ للمقارنة بين النتائج التي ~~نتوصل إليها. # أول مقارنة كان من الطبيعي أن نجريها من حيث الحد العشوائي، كانت المقارنة بمرض ينتشر ~~بشبيكة أحادية البعد؛ الحد المنظم لسلسلة العالم الصغير، والمبينة في الجانب الأيسر ~~بالشكل # 3-6 ~~. في الشبيكات - كما تناولنا في الفصل # الثالث ~~- تكون الروابط بين نقاط التلاقي شديدة التكتل، مما ~~يشير إلى أن الشبكة تدفع بالمرض المنتشر باستمرار إلى مجموعة الأفراد المصابين ms160 بالعدوى ~~بالفعل، وكما هو موضح في الشكل # 6-6 ~~، في شبيكة أحادية البعد، يحتوي ~~بالفعل تكتل متنام من الناقلين للعدوى على نوعين من نقاط التلاقي؛ تلك الموجودة داخل ~~التكتل (التي لا يمكن أن تصيب أي شخص جديد) والموجودة على الحد، أو «جبهة المرض». وبصرف ~~النظر عن كبر حجم مجموعة الأفراد المصابين بالعدوى، يظل حجم جبهة المرض ثابتا، ومن ثم ~~ينخفض معدل نمو مجموعة الأفراد المصابين بالعدوى «لكل شخص» حتميا مع انتشار العدوى. ~~من ثم تمثل الشبيكة سياقا للوباء مختلفا تماما عن افتراض المزج العشوائي الموضح ~~أعلاه، إلى جانب أنها تجعل من الصعب حساب معدل التزايد، لذا قررنا المقارنة بين نتائج ~~شبكاتنا المختلفة مباشرة وفق القدرة على نقل العدوى، وكان الفارق مذهلا؛ فكما هو موضح ~~في الشكل # 6-7 ~~، يصيب المرض ذاته، المنتشر في شبيكة، عددا من الناس ~~أقل بكثير مما يصيبه في الرسم البياني العشوائي، ولا يكون هناك أي حد واضح بعد ذلك، ~~والرسالة هنا هي أنه عندما يكون انتشار الأمراض قاصرا على عدد محدد فقط من الأبعاد ~~- وليكن، مثلا، جغرافيا الأرض ثنائية ~~البعد - لا يتطور إلى أوبئة حقيقية سوى أكثر الأمراض تسببا في العدوى، وحتى عندئذ ~~ستكون أوبئة بطيئة زاحفة، وليست متفجرة، مما يمنح هيئات الصحة العامة الوقت الكافي ~~للاستجابة، ومنطقة محددة للتركيز عليها. # شكل 6-6: في الشبيكة الحلقية، تكون جبهة المرض (حيث يتفاعل الناقلون للعدوى مع ~~المعرضين للإصابة بالمرض) ثابتة ، ومع زيادة حجم مجموعة الأفراد ~~المصابين بالعدوى، يزيد عدد الناقلين للعدوى في الداخل، في حين لا ~~يمكنهم الوصول إلى أشخاص جدد، ومن ثم تنتشر الأمراض ببطء في ~~الشبيكات. # شكل 6-7: الجزء المصاب بالعدوى في مقابل القدرة على نقل العدوى لحد الرسم ~~البياني العشوائي (β = 1) وحد الشبيكة (β = 0) وفق ~~النموذج بيتا الموضح في الفصل # الثالث ~~. إن ~~قيمة حد نقل العدوى تمثل القدرة اللازمة لإصابة نصف مجموعة الأفراد ~~بالعدوى. # من أمثلة هذه الأوبئة الزاحفة الطاعون الأسود الذي تفشى بجميع أنحاء أوروبا في القرن ~~الرابع عشر ليبيد نحو ربع سكانها، ومع أن هذه ms161 الإحصائية قد تبدو مذهلة، فإن وباء مثل ~~الطاعون من المرجح ألا يحدث في العصر الحالي؛ على الأقل ليس في العالم الصناعي. كما ~~تشير الخريطة في الشكل # 6-8 ~~، بدأ الطاعون في مدينة واحدة بجنوب ~~إيطاليا (حيث يعتقد أنه وصل إليها عن طريق سفينة تحمل العدوى من الصين)، ثم انتشر في ~~موجات أشبه بتموجات على سطح بركة ألقي بها حجر، ونظرا لانتقال المرض في الغالب عن ~~طريق جرذان مصابة ببراغيث محملة بالطاعون (طاعون دبلي)، استغرق الأمر ثلاث سنوات، من ~~1347 إلى 1350، ليجتاح المرض أوروبا. لم يكن باستطاعة الطب أو خدمات الصحة العامة آنذاك ~~الحيلولة دون اجتياح الطاعون، عديم الهوادة، الأرجاء، ومن ثم لم تحدث سرعته البطيئة ~~نسبيا فارقا كبيرا في النهاية، لكن في العالم المعاصر يمكن التعرف على أي مرض ~~يجبر على الانتقال بهذه الطرق البطيئة المفتقرة للكفاءة واحتواؤه. # شكل 6-8: خريطة توضح تفشي الطاعون (الموت الأسود) في أوروبا في الفترة ما بين ~~1347 و1350. # مع الأسف، تمتلك الأمراض في عصرنا الحالي آليات انتقال أفضل بكثير من الجرذان ~~المهرولة، وما إن نسمح بجزء صغير من الروابط العشوائية بدخول نماذج الشبكات حتى يتحطم ~~الاستقرار النسبي لنموذج الشبيكة. لرؤية هذا التأثير، انظر الخط الأفقي المرسوم في ~~منتصف الجزء العلوي من الشكل # 6-7 ~~؛ تمثل النقطتان اللتان يتقاطع ~~عندهما منحنيا العدوى مع الخط قيم القدرة على العدوى بالمرض، التي يصاب عندها هذا ~~الجزء من مجموعة الأفراد بالعدوى (في هذا الشكل يمثل الجزء النصف، لكن يمكن أن نختار ~~قيمة أخرى). سم هذه القيمة «حد نقل العدوى» (تذكر أنه لم يعد بإمكاننا استخدام معدل ~~التزايد لتحديد الحد الخاص بالوباء، لذلك نحن نستخدم جزءا ثابتا من مجموعة الأفراد ~~بدلا من ذلك)، ثم تساءل كيف تختلف هذه القيمة باختلاف جزء الطرق المختصرة العشوائية في ~~الشبكة. كما سنرى في الشكل # 6-9 ~~، يبدأ حد نقل العدوى عاليا - يجب ~~أن يكون المرض ذا قدرة عالية على نقل العدوى لكي يصيب عددا كبيرا من الأفراد - لكنه ~~ينخفض سريعا بعد ذلك، والأهم من ذلك أنه ms162 يقترب من أسوأ سيناريو له متمثلا في شبكة ~~عشوائية تماما في حين تظل الشبكة نفسها بعيدة تماما عن العشوائية. # قد تساعد هذه الملاحظة في تفسير لماذا تتمكن الأوبئة، كالحمى القلاعية في بريطانيا، ~~من التفجر سريعا للغاية؛ نظرا لأن مرض الحمى القلاعية ينتشر بين الحيوانات، إما عن ~~طريق الاتصال المباشر أو بصورة غير مباشرة من خلال القطرات المتطايرة بفعل الرياح، ~~الآتية من الحيوانات التي تظهر عليها الأعراض وفي التربة المشبعة بالفيروس، ربما يتوقع ~~المرء أن ينتشر الظهور الأول للوباء في مساحة جغرافية ثنائية الأبعاد بالريف الإنجليزي ~~فحسب، كما فعل الطاعون منذ سبعمائة عام مضت، لكن كلا من وسائل النقل الحديثة، ~~وأسواق الماشية الحديثة (التي تشهد تبادلا للحيوانات التي تنتمي لمناطق جغرافية ~~مختلفة)، والمسافرين تنزها على الأقدام حاملين في أحذيتهم التربة الملوثة بالفيروس، ~~أدت جميعها إلى كسر القيود الجغرافية؛ نتيجة لذلك، تتصل مزارع الماشية والأغنام ~~البريطانية بواسطة شبكة من نظم المواصلات يمكن أن تنقل الحيوانات (والأفراد) المصابة ~~بالعدوى إلى أي مكان في الدولة بين عشية وضحاها، ونظرا لأن هذه الروابط، بكل المقاييس ~~العملية، عشوائية، لم يكن على الفيروس سوى أن يعثر على عدد قليل من هذه الروابط لكي ~~ينطلق إلى منطقة جديدة. تتمثل إحدى المشكلات المبكرة الهامة - على سبيل المثال ~~- فيما يتعلق بالقضاء على الوباء، في أن المزارع ~~الثلاث والأربعين التي اكتشف فيها مرض الحمى القلاعية لأول مرة لم تكن متجاورة، ومن ~~ثم وجب مقاومة الفيروس على جبهات كثيرة في آن واحد ، مع تزايد الجبهات كل يوم. # شكل 6-9: يتراجع حد نقل العدوى اللازم لحدوث وباء تراجعا كبيرا مع الكميات ~~الصغيرة من العشوائية في الشبكة. # إن سهولة تكرار نتائج نموذج المزج العشوائي، وإن كان ذلك في الشبكات شديدة التكتل، ~~ليست في مصلحة العالم؛ فإذا كانت الأمراض تنتشر بالفعل في شبكات العالم الصغير، يبدو ~~أننا سنواجه دائما أسوأ سيناريو ممكن، والأكثر إزعاجا هو أنه نظرا لأن أغلب الناس لا ~~يعرفون ما هو أكثر من المعلومات المحلية عن شبكاتهم، فقد يكون من الصعوبة بمكان ms163 لهيئات ~~الصحة العامة أن تجعل الأفراد يدركون الطبيعة الفورية لتهديد ما قد يبدو بعيدا، ومن ثم ~~تغيير سلوكهم. يعد الإيدز مثالا جيدا على هذه المشكلة؛ فلأكثر من عقد من الزمان بعد ~~التعرف على وباء الإيدز للمرة الأولى، نظر إلى نقص المناعة البشرية بوجه عام على أنه ~~قاصر على عدد قليل فحسب من الجماعات المحددة تحديدا دقيقا؛ المثليين والعاهرات ~~ومتعاطي المخدرات عن طريق الحقن في الوريد؛ لذا إذا لم يعاشر الشخص (س) أحدا ينتمي إلى ~~هذه الفئات الثلاث جنسيا، ولم يفعل أي ممن عاشرهم جنسيا ذلك أيضا، فمعنى ذلك أن ~~الشخص (س) آمن، أليس كذلك؟ خطأ! لقد اتضح لنا من رؤية الفيروس وهو يصيب دولا بأكملها ~~تقريبا في جنوب أفريقيا أنه في العالم الصغير للشبكات الجنسية، حتى الخطر الذي قد يبدو ~~بعيدا يجب أن يؤخذ على محمل الجد. والأمر المزعج حقا هو فكرة أن فيروس نقص المناعة ~~البشرية تمكن من اختراق حدوده الأولية بسبب اعتقادنا بعدم قدرته على ذلك. # من ثم فإن أفضل موضع لتطبيق عبارة «فكر عالميا، وتصرف محليا» هو الوقاية من ~~الأوبئة. تذكر أن الأمراض المعدية، على عكس مشكلات البحث الموضحة في الفصل السابق، ~~تنتشر من خلال ما أطلقنا عليه الأبحاث واسعة الانتشار. لذا إذا كان هناك مسار قصير في ~~شبكة معارف ما بين ناقل العدوى والشخص المعرض للإصابة، فلا يهم إذا كان أي منهما يعلم ~~بوجود هذا المسار، أو حتى قدرتهما على العثور عليه إذا أرادا ذلك، فإذا لم يوقف المرض ~~بصورة ما، فسيعثر على المسار؛ لأنه يستكشف الشبكة عبر كل مسار ممكن، وعلى عكس مستخدمي ~~موقع نيوتيلا أو فصل السيدة فورست بالصف السادس في الفصل السابق، من الرائع هنا الإفراط ~~في تحميل الشبكة الكاملة بنسخ من نفسها؛ فهذا ما تفعله الأمراض المعدية. وما يبعث على ~~القلق الشديد هو أن إدراكنا للخطر الناتج عن مرض معد، سواء أكان نقص المناعة البشرية ~~أو إيبولا أو حتى فيروس غرب النيل، لا يتناسب مع الطريقة الحقيقية التي ينتقل بها ~~المرض. # ومع ms164 ذلك، فالصورة ليست على هذا القدر من القتامة؛ فكما أوضحنا من قبل، ليس من المعتاد ~~أن تتحول الأمراض إلى أوبئة، وهنا تخبرنا شبكات العالم الصغير بشيء مشجع؛ ففي شبكات ~~العالم الصغير، يكون العنصر الرئيسي للنمو المتفجر لمرض ما هو الطرق المختصرة. لا تنتشر ~~الأمراض بفعالية كبيرة في الشبيكات، ومع أن شبكات العالم الصغير تعكس بعض السمات الهامة ~~للرسوم البيانية العشوائية، فتظل هناك سمة مشتركة بينها وبين الشبيكات، وهي أنه على ~~المستوى المحلي يتسم أغلب المعارف بالتكتل الشديد؛ لذا، محليا، يتشابه نمو أحد ~~الأمراض كثيرا مع نموه بالشبيكة؛ يتفاعل الأفراد المصابون بالعدوى في أغلب الأحيان مع ~~غيرهم من الأفراد المصابين بالعدوى بالفعل، مما يمنع المرض من الانتشار سريعا بين ~~الأفراد المعرضين للإصابة، ولا يبدأ المرض في عرض أسوأ مظاهر سلوك المزج العشوائي إلا ~~عندما يصل إلى أحد الطرق المختصرة؛ سواء أكان ذلك عن طريق صعود أحد المصابين بفيروس ~~إيبولا على متن طائرة ما، أو شاحنة محملة بالماشية المصابة بالحمى القلاعية تسير على ~~أحد الطرق السريعة؛ لذا، على عكس الأوبئة على الرسم البياني العشوائي، يكون على الأوبئة ~~في شبكات العالم الصغير أن تنجو أولا من مرحلة النمو البطيء التي تكون فيها في أشد ~~درجات ضعفها، وكلما انخفضت كثافة الطرق المختصرة، طالت مدة هذه المرحلة من النمو ~~البطيء. # بناء على ذلك، لن تعمد الاستراتيجية القائمة على الشبكات والهادفة للوقاية من الأوبئة ~~إلى خفض معدلات العدوى بوجه عام فحسب، بل ستركز بوجه خاص أيضا على المصادر المحتملة ~~للطرق المختصرة. المثير للاهتمام حقا أن برنامج تبادل الحقن، الذي اتسم بالفعالية في ~~الحد من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بين متعاطي المخدرات بالحقن في الوريد، يعكس ~~هاتين السمتين. إن الحيلولة دون انتشار الإبر الملوثة يقضي على إحدى الآليات التي يمكن ~~من خلالها انتشار فيروس نقص المناعة البشرية، ومن ثم الحد من المعدل الكلي للعدوى، لكنه ~~ينجح أيضا بفضل صور العدوى المحددة التي يقي منها. تتم مشاركة الإبر الملوثة ليس فقط ~~بين الأصدقاء، بل أيضا بين الأغراب ms165 تماما الذين قد يلتقطون إبرة ما مهملة ويعيدون ~~استخدامها. بعبارة أخرى، تعد الإبر المعاد استخدامها مصدرا للاتصالات العشوائية في ~~شبكة الأمراض، ومثلما أدى الحظر المفروض على حركة الحيوانات وإغلاق ممرات المشاة بالقرى ~~بجميع أرجاء إنجلترا في عام 2001 إلى الحد من إمكانات الطرق المختصرة طويلة المدى، أغلق ~~إبعاد الإبر من النظام أحد طرق الهروب من مرحلة النمو البطيء الخاصة بالوباء، مما أتاح ~~للجهات الصحية فرصة أفضل لملاحقة المرض. # إن التفكير في بنية الشبكات قد يفسر أيضا بعض الجوانب الدقيقة الأخرى لانتشار مرض، ~~ما كانت لتظهر في غياب أسلوب تفكير قائم على الشبكات. أشار مؤخرا الفيزيائي الإسباني، ~~روموالدو باستور-ساتوراس، والفيزيائي الإيطالي، أليساندرو فيسبيناني، إلى سمة من سمات ~~فيروسات «الكمبيوتر» في العالم الواقعي واجهت النماذج # SIR # التقليدية صعوبة في تفسيرها. بعد دراسة بيانات ~~الانتشار المتوافرة بإحدى نشرات الفيروسات الشهيرة على الإنترنت، توصل هذان العالمان ~~إلى نتيجة معينة، وهي أن أغلب الفيروسات تعكس مزيجا مميزا من الاستمرارية طويلة المدى ~~ومنخفضة المستوى «في البرية»، وهذا المزيج مميز؛ لأنه وفقا للنموذج # SIR # القياسي، يجب أن يؤدي كل فيروس إما إلى إحداث ~~وباء ما (تصاب به في هذه الحالة مجموعة ليست بالصغيرة من الأفراد)، أو القضاء على نفسه ~~سريعا. بعبارة أخرى، إما أن ينفجر أو لا. لكن إذا لم يكن معدل تزايده يساوي واحدا ~~بالضبط - النقطة الحرجة في التحول الطوري الموضح بالشكل # 6-5 ~~- ~~فلا بد أن يفعل أيا من الأمرين. على ~~النقيض من ذلك، انتهج الكثير من الفيروسات البالغ عددها 814 وسجلت خطوطها الزمنية ~~بنشرة الفيروسات هذا النهج بالضبط، وقد ظل بعضها ينتشر على مدار أعوام، مع توافر برامج ~~مكافحة الفيروسات عادة في غضون أيام أو أسابيع بعد اكتشافها المبدئي. # اقترح باستور-ساتوراس وأليساندرو فيسبيناني تفسيرا تضمن بوضوح سمات لشبكة البريد ~~الإلكتروني، ثم توصلا من خلاله إلى افتراض لكيفية انتشار الفيروسات؛ فمن خلال الاعتماد ~~على نموذج الشبكات عديمة المعيار لباراباسي وألبرت كتمثيل لبنية شبكات البريد ~~الإلكتروني - وهو الافتراض الذي دعمه (وإن لم يكن على نحو حاسم) بعد ms166 عام تقرير لفريق ~~ألماني من الفيزيائيين - أوضح عالما الفيزياء أنه عند انتشار الفيروسات في الشبكات ~~عديمة المعيار، لا تعكس الفيروسات السلوك الحدي ذاته الذي تعكسه في النموذج القياسي، ~~بدلا من ذلك - كما هو واضح في الشكل # 6-10 ~~- يزيد حجم مجموعة الأفراد المصابين بالعدوى باستمرار من الصفر ~~مع زيادة قدرة المرض على العدوى. وفي شبكات البريد الإلكتروني عديمة المعيار، لا يكون ~~لدى معظم نقاط التلاقي سوى بعض الروابط فحسب؛ بمعنى أن معظم الناس يرسلون رسائل بريد ~~إلكتروني لعدد قليل من الآخرين بصورة منتظمة، لكن عددا صغيرا فحسب من مستخدمي البريد ~~الإلكتروني لديهم قوائم عناوين بريد إلكتروني ضخمة تحوي ألف اسم أو أكثر، ولديهم من ~~الاجتهاد الواضح ما يجعلهم على اتصال بكل هؤلاء! إنها هذه الأقلية التي افترض ~~باستور-ساتوراس وفيسبيناني أنها مسئولة بصورة أو أخرى عن استمرارية الفيروسات على المدى ~~الطويل؛ إذ لا نحتاج سوى إصابة أحدهم فحسب بالفيروس بين الحين والآخر كي تستمر هذه ~~العدوى في الانتشار بمستويات قابلة للقياس بين مجموعة الأفراد ككل. # شكل 6-10: مقارنة لمنحنيات العدوى في الشبكات العشوائية العادية والشبكات عديمة ~~المعيار. لا تظهر الشبكات عديمة المعيار أي نقطة حرجة يبدأ عندها ~~الوباء في الظهور على نحو مفاجئ. # بناء عليه، من الواضح أنه حتى أكثر خصائص شبكات العالم الحقيقي بساطة، مثل التكتل ~~المحلي وتوزيعات الدرجات عديمة المعيار، يمكن أن يكون لها تبعات هامة تتعلق بانتشار ~~المرض، والأهم بالظروف الحاكمة للأوبئة؛ لذلك، تعد دراسة نماذج الأمراض مجالا فرعيا ~~مهما في علم الشبكات الجديد ؛ ففي عالم مصاب فيه عدة ملايين من البشر بفيروس نقص ~~المناعة، وحيث يتنوع الانتشار، حتى داخل أفريقيا، ما بين أقل من 2 بالمائة وأكثر من ثلث ~~سكان الدولة، يكون فهم انتشار الأمراض المعدية في الشبكات أمرا بالغ الأهمية. لا يزال ~~هناك الكثير لفعله، لكن هناك بعض التوجيهات الواعدة بالفعل في المؤلفات التي تتناول ~~موضوع الشبكات، وفي حين يظل النموذج # SIR # مركزيا في ~~هذا الصدد، بدأ علماء الفيزياء، كعادتهم، في تناول المشكلة بأسلوبهم الخاص، وقد قدموا ms167 ~~لدراسة الأوبئة مجموعة من التقنيات التي تندرج تحت المسمى العام «نظرية ~~التخلل». ~~(5) نماذج التخلل للأمراض # تاريخيا، تعود نظرية التخلل إلى ~~الحرب العالمية الثانية، عندما استخدمها بول فلوري ومعاونه والتر ستوكماير لوصف عملية ~~«تهلم» البوليمرات. من سبق له سلق البيض سيكون على معرفة ببعض مظاهر تهلم ~~البوليمر؛ فعند تسخين البيضة، تتصل البوليمرات الموجودة فيها وتتحد بعضها مع بعض، كل ~~زوج على حدة، وبعد ذلك، في إحدى النقاط الحرجة، يتعرض الزلال لتحول مفاجئ قد يبدو ~~تلقائيا يعرف باسم «التهلم»، وهو التحول الذي يتحد فيه عدد ضخم من البوليمرات ~~المتفرعة فجأة معا في تكتل واحد متماسك يشمل البيضة بأكملها. بالنظر للبيضة كإفطار، ~~قبل التهلم كانت البيضة سائلة، وبعد التهلم صارت مادة صلبة. تمثل النجاح الأول ~~لنظرية التخلل في تفسير فلوري وستوكماير لكيفية حدوث هذا التحول بشكل آني تقريبا، وليس ~~ببطء وعلى نحو متراكم كما قد يتوقع البعض. مع أن نظرية التخلل قد وضعت في الأساس ~~للإجابة عن تساؤلات في مجال الكيمياء العضوية، فقد اتضح بعد ذلك أنها وسيلة نافعة ~~للتفكير في كل صور المشكلات، بدءا من أحجام حرائق الغابات، مرورا بإنتاجية حقول ~~البترول الموجودة تحت الأرض، وصولا إلى قابلية المواد المركبة لتوصيل الكهرباء، ~~وحديثا استخدمت أيضا هذه النظرية للتفكير في انتشار الأمراض. # في نهاية عام 1998، وبعد وصولي إلى ~~معهد سانتا في بفترة ليست طويلة، بدأت في التحدث مع مارك بشأن العمل المتعلق بانتشار ~~الأمراض الذي أجريته مع ستيف في العام السابق، تمكنت أنا وستيف، بالاعتماد على نموذج # SIR # بسيط، من الوصول إلى بعض النتائج بشأن اعتماد ~~حد الوباء على كثافة الطرق المختصرة، لكننا لم نتمكن من فهم كيف تعمل الآلية بالضبط، أو ~~كيف يختلف تأثير الطرق المختصرة العشوائية باختلاف كثافة الشبكة، ومنذ ذلك الحين علمت ~~نفسي بعض أساسيات نظرية التخلل، التي بدت وسيلة طبيعية لطرح الكثير من الأسئلة ذاتها، ~~وكان من الواضح أن مارك هو الشخص الذي يمكن طرح الأسئلة عليه؛ لكونه خبيرا في الفيزياء ~~الإحصائية. وما عرفته سريعا عن طبيعة مارك أنه ms168 ما إن تثر مسألة ما اهتمامه حتى ~~يتوصل إلى نتائج بعد فترة قصيرة للغاية. # تخيل مجموعة ضخمة من الأفراد (أو «المواقع» بمفردات نظرية التخلل) تصل بينهم شبكة من ~~الروابط (الصلات) يمكن أن ينتقل من خلالها مرض ما، وإما أن يكون كل موقع في الشبكة ~~قابلا للإصابة أو لا، مع شيء من الاحتمالية تعرف باسم «احتمالية الإشغال»، وإما أن ~~تكون كل صلة «مفتوحة» أو «مغلقة» باحتمالية مساوية لقدرة المرض على العدوى. تكون ~~النتيجة مشابهة للرسوم الموضحة في الشكل # 6-11 ~~(وإن كانت لشبكات أكبر ~~بكثير)، حيث يمكن النظر للمرض كما لو كان سائلا خياليا ينبع من مصدر ما. وبالبدء من ~~هذا المصدر، سوف «يتدفق» المرض عبر أي روابط مفتوحة تظهر في طريقه، لينتشر من موقع قابل ~~للإصابة إلى آخر، حتى لا يصبح هناك أي روابط أخرى مفتوحة يمكن الوصول من خلالها إلى ~~مواقع جديدة سريعة التأثر. تعرف مجموعة المواقع التي يمكن الوصول إليها على هذا النحو ~~من نقطة بدء مختارة عشوائيا باسم «التكتل»، حيث يشير بالضرورة دخول مرض ما في تكتل ما ~~إلى أن جميع المواقع في هذا التكتل ستصاب أيضا بالعدوى. # في الرسم الأيسر بالشكل # 6-11 ~~، تكون احتمالية الإشغال عالية ~~والكثير من الروابط مفتوحة، مما يشير ضمنا إلى مرض ذي قدرة عالية على العدوى يصاب به ~~سريعا أغلب مجموعة الأفراد، وفي هذه الحالة يشمل التكتل الأكبر الشبكة بأكملها ~~تقريبا، ومن ثم يشير إلى توقع تفشي المرض بموقع عشوائي في الشبكة على نطاق واسع. على ~~العكس من ذلك، في الرسمين الآخرين، تكون إما القابلية للعدوى (الرسم الأوسط) أو ~~احتمالية الإشغال (الرسم الأيمن) منخفضة، مما يشير إلى أن ظهور الأمراض سيكون على نطاق ~~ضيق ومحدد مكانيا، مهما يكن مكان ظهوره. وما بين هذين الحدين تقع سلسلة متصلة معقدة ~~من الاحتمالات يمكن أن توجد بها تكتلات من جميع الأحجام في آن واحد، ويتحدد مدى انتشار ~~المرض من خلال حجم التكتل المحدد الذي نشأ فيه. تتمثل الأهداف الرئيسية لنظرية التخلل ~~في وصف هذا التوزيع لأحجام ms169 التكتلات وتحديد كيف يعتمد على العناصر المختلفة في المشكلة. # شكل 6-11: التخلل بإحدى الشبكات. تعبر الدوائر (الروابط) المصمتة عن المواضع ~~(الصلات) المشغولة (المفتوحة)، وتشير الظلال إلى التكتلات ~~المتصلة. # بلغة الفيزيائيين، تعتمد احتمالية ظهور وباء ما على وجود ما يعرف باسم «التكتل ~~المتخلل»، وهو تكتل واحد من المواضع القابلة للإصابة (تتصل ببعضها عن طريق روابط ~~مفتوحة) التي تتغلغل في مجموعة الأفراد الكاملة، وفي حال عدم وجود تكتل متخلل، سيظل من ~~الممكن ظهور الأمراض، لكن سيكون ذلك على نطاق ضيق ومحدد مكانيا. مع ذلك، فإن المرض ~~الذي يبدأ في مكان ما بتكتل متخلل، سينتشر في جميع أرجاء الشبكة - حتى لو كانت شبكة ~~ضخمة - بدلا من أن يتلاشى تدريجيا، والنقطة التي يظهر عندها التكتل المتخلل، ويشار ~~إليها عادة بالتخلل، تبدو مماثلة تماما لمفهوم تهلم البوليمرات الذي تناوله فلوري ~~وستوكماير بالدراسة، وهي أيضا مساوية لحد الوباء في النماذج # SIR ~~؛ حيث يتجاوز معدل تزايد المرض الرقم «1» أولا ~~(ومن ثم، بالتبعية، تتحول الاتصالية للرسم البياني العشوائي)، وكما يوضح الشكل # 6-12 ~~، فإنه تحت الحد، يكون حجم التكتل الأكبر عند النظر إليه كجزء من ~~مجموعة الأفراد الكاملة، كما مهملا، لكن عند الوصول إلى النقطة الحرجة، نلاحظ الظهور ~~المفاجئ والمثير للتكتل المتخلل - من حيث لا ندري - الذي ينتشر من خلاله المرض دون ~~رادع. # شكل 6-12: أكبر تكتل قابل للعدوى في إحدى الشبكات. يشغل التكتل الأكبر، فوق حد ~~التخلل، جزءا محددا من الشبكة، مما يشير إلى أن ظهور المرض يمكن أن ~~يصير وباء. # تساوي المسافة التي ينتشر المرض عبرها داخل الشبكة في المعتاد قبل أن يتلاشى، ما يطلق ~~عليه الفيزيائيون «طول الارتباط»، وهو المصطلح الذي تناولناه في الفصل # الثاني # من هذا الكتاب في سياق الحديث عن التنسيق العام، في ~~تلك المسألة، أشار انحراف طول الارتباط إلى أن النظام قد دخل حالة حرجة يمكن أن تنتشر ~~فيها الاضطرابات، حتى المحلية منها، على نطاق عام. تنطبق النتيجة نفسها إلى حد بعيد في ~~نماذج تخلل انتشار المرض. وعند تحول التخلل يصبح طول الارتباط ms170 لانهائيا، مما يشير إلى ~~أنه حتى أكثر نقاط التلاقي بعدا يمكن أن يصيب بعضها بعضا بالعدوى، وما توصلت إليه ~~أنا ومارك، في حالة شبكات العالم الصغير، هو كيف اعتمد طول الارتباط على جزء الطرق ~~المختصرة العشوائية، وبما يتفق مع النتائج الأولية التي توصلت إليها أنا وستيف قبل ذلك ~~الوقت بنحو عامين، أوضحت أنا ومارك أن جزءا صغيرا من الطرق المختصرة العشوائية يمكن ~~أن يحدث تغييرا كبيرا في طول الارتباط، لكن الآن، من خلال الحل في ظل الشروط التي ~~ينحرف في ظلها طول الارتباط، يمكننا تحديد موضع تحول التخلل - ومن ثم حد الوباء - ~~بدقة. ~~(6) الشبكات والفيروسات ومايكروسوفت # شكلت هذه النتيجة بداية واعدة، وأوضحت أنه في حالة بعض المشكلات على الأقل، يمكن فهم ~~الأوبئة بشكل أفضل من خلال استخدام أسلوب التخلل بدلا من النموذج # SIR # القياسي. مع الأسف، يكون التخلل بالشبكات ~~الواقعية مشكلة صعبة (ويتعذر حلها)، وقد يكون من الصعب إحراز أي تقدم إضافي. على سبيل ~~المثال، للحفاظ على التحليل قابلا للإدارة، تفترض معظم نماذج التخلل إما أن كل المواقع ~~بالشبكة قابلة للإصابة، وتركز على الروابط (يعرف ذلك بتخلل الروابط)، أو أن جميع ~~الروابط مفتوحة، وتركز على المواقع (تخلل المواقع). تنجح الأساليب نفسها تقريبا مع ~~نوعي التخلل كليهما، ويكون سلوكها مشابها من عدة نواح. على سبيل المثال، درست أنا ~~ومارك تخلل المواقع، لكن بعد فترة قصيرة، مد كل من مارك وعالم فيزياء آخر بمعهد سانتا ~~في يدعى كريس موور، النتائج إلى تخلل الروابط، لكن يختلف تخلل المواقع عن تخلل ~~الروابط، في بعض الجوانب، اختلافا كبيرا، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تنبؤات ~~مختلفة تماما حول احتمالية ظهور وباء ما. # لذا، قبل التسرع في التحليل، يجب التفكير بشأن أي النوعين - تخلل الروابط أم تخلل ~~المواقع - يعكس أفضل صورة لطبيعة المرض محل الدراسة. في حالة فيروس مثل إيبولا، مثلا، ~~يبدو مقبولا افتراض أن جميع الناس قابلون للإصابة، والتركيز على المدى الذي يمكن أن ~~يصيبوا به بعضهم بعضا بالعدوى، ومن ثم تكون الصيغة المناسبة ms171 لمسألة التخلل المرتبطة ~~بفيروس إيبولا هي تخلل الروابط، لكن فيروسات الكمبيوتر، مثل ميليسا، تمر عادة بين أي ~~كمبيوتر قابل للإصابة وأي كمبيوتر آخر (تكون جميع الروابط مفتوحة فعليا)، لكن لا تكون ~~جميع أجهزة الكمبيوتر قابلة للإصابة؛ لذا فإن نموذج التخلل الخاص بأحد فيروسات ~~الكمبيوتر يجب على الأرجح أن يكون من نوع تخلل المواقع. إذا أخذنا فيروس ميليسا مثالا، ~~نجد أن جزءا محددا فحسب من أجهزة الكمبيوتر في العالم يكون قابلا للإصابة بالفيروس؛ ~~لأنه ينتشر فقط من خلال برنامج البريد الإلكتروني أوتلوك من مايكروسوفت، ولا يستخدم ~~الجميع هذا البرنامج. # لسوء حظ مستخدمي برامج مايكروسوفت، يعمل برنامج أوتلوك على عدد كبير من أجهزة ~~الكمبيوتر، الأمر الذي يؤدي بالتأكيد إلى تخلل أكبر التكتلات المتصلة لهذه الأجهزة. في ~~الواقع، إذا لم يكن هذا التخلل موجودا، فما كنا لنرى انتشارا عاما لفيروسات مثل ~~ميليسا، وتابعيه مثل فيروس «الخطاب الغرامي» وفيروس «آنا كورنيكوفا». يعود التوافق ~~العام بين البرامج ببعض الفوائد الهامة على المستخدمين الأفراد، لكن من منظور ضعف ~~الأنظمة، عندما يكون لدى الجميع البرنامج ذاته، يعاني الجميع أيضا نقاط الضعف نفسها، ~~وكل برنامج له نقاط ضعفه، خاصة نظم التشغيل الكبيرة المعقدة، كنظم تشغيل مايكروسوفت. ~~وبطريقة ما، الأمر الوحيد المدهش بشأن ظهور فيروسات مثل فيروس ميليسا هو أنها لا تحدث ~~كثيرا، وإذا بدأت في الظهور أكثر - إذا صارت برامج مايكروسوفت شهيرة بقابلية إصابتها ~~دائما - قد تبدأ الشركات الكبيرة، بل الأفراد أيضا الذين لا يمكنهم تحمل توقف أجهزة ~~الكمبيوتر الخاصة بهم عن العمل، في البحث عن بدائل. # ما الذي يجب أن تفعله شركة مايكروسوفت؟ يتمثل المنهج الواضح في جعل منتجاتها مرنة قدر ~~الإمكان في مواجهة هجوم أي فيروس يشبه ديدان الكمبيوتر، وجعل برنامج مكافحة الفيروسات ~~متاحا في أسرع وقت ممكن في حال ظهور أي فيروس. تؤدي هذه الإجراءات إلى خفض احتمالية ~~إشغال الشبكة، ومن ثم تقليص حجم التكتل المتخلل، بل ربما محوه أيضا، لكن إذا أرادت ~~الشركات الكبرى، مثل مايكروسوفت، التي تعد أهدافا طبيعية لأي متسلل يرغب في ms172 الشهرة ~~والمجد، حماية عملائها وحصتها في السوق، فقد يتحتم عليها التفكير بسرعة أكبر إلى حد ما، ~~وقد يتمثل أحد الحلول في التحويل من خط منتجات واحد متكامل إلى العديد من المنتجات ~~المختلفة التي تطور على نحو منفصل، وتصمم بحيث لا تكون متوافقة توافقا ~~تاما. # من وجهة النظر البرمجية التقليدية، التي تؤكد على التوافق واقتصاديات الحجم الكبير، ~~قد يبدو تفتيت خط الإنتاج عن عمد فكرة مجنونة، لكن على المدى الطويل (الذي قد لا يكون ~~طويلا للغاية)، يؤدي تكاثر المنتجات غير المتماثلة إلى تقليل عدد أجهزة الكمبيوتر التي ~~تتأثر سريعا بأي فيروس، الأمر الذي يجعل النظام ككل أقل تأثرا بشكل كبير لأكثر ~~الفيروسات انتشارا، ولا يعني ذلك أن منتجات مايكروسوفت لن تظل معرضة لهجمات الفيروسات، ~~لكنها على الأقل لن تكون أكثر تعرضا لها بكثير من منافسيها. من قبيل المفارقة هنا أن ~~خط الإنتاج المجزأ هو في الغالب المصير الذي يبدو أن مايكروسوفت قد تجنبته مؤخرا في ~~معركتها ضد الاحتكار مع وزارة العدل. يوما ما، قد ينظر إلى شركة مايكروسوفت على أنها ~~أسوأ أعداء نفسها. # إن إمكانية ترجمة هذه الاختلافات الدقيقة في كيفية انتشار الأمراض إلى صور متمايزة من ~~إطار التخلل العام - وهو ما قد يكون له نتائج مختلفة تمام الاختلاف - تشير إلى وجوب ~~توخي قدر معين من الحرص عند تطبيق أساليب الفيزياء على مشكلة الأوبئة. في الواقع، سنرى ~~في الفصل التالي أنه يجب إجراء بعض عمليات التمييز الأخرى إذا كنا نرغب في فهم الاختلاف ~~بين مشكلات العدوى البيولوجية والاجتماعية، كانتشار أحد الابتكارات التكنولوجية، وهي ~~العمليات التي لها تأثير مهم على ظواهر العالم الحقيقي التي نرغب في فهمها، لكن نماذج ~~التخلل تطبق على نحو طبيعي تماما على الشبكات، مما يجعلها تستمر في لعب دور مهم في ~~دراسة الأوبئة التي تنتشر عبر الشبكات، وسريعا ما أدركت أنا ومارك أن التخلل مثير ~~للاهتمام لأسباب أخرى أيضا، لكن، مرة أخرى، كان لازلو باراباسي وريكا ألبرت متقدمين ~~عنا قليلا. ~~(7) الأعطال والقوة # إن الاتصال العام، شأنه شأن أغلب ms173 سمات النظم المعقدة، ليس من الواضح وضوحا مطلقا هل ~~هو سمة جيدة أم سيئة. في سياق الأمراض المعدية وفيروسات الكمبيوتر، يشير وجود تكتل ~~متخلل في الشبكة إلى وباء محتمل، لكن في سياق شبكات الاتصالات، كالإنترنت، حيث قد نرغب ~~في ضمان وصول حزم البيانات إلى وجهتها في فترة زمنية معقولة، فإن التكتل المتخلل سيبدو ~~ضرورة حتمية؛ لذا، من منظور حماية البنية التحتية، بدءا من الإنترنت ووصولا إلى شبكات ~~الخطوط الجوية، تكون «قوة» اتصال الشبكة، في مقابل الأعطال العرضية أو الهجمات ~~المتعمدة، هي التي نرغب في الإبقاء عليها، ومن وجهة النظر هذه أيضا، يمكن أن تكون ~~نماذج التخلل مفيدة للغاية أيضا. # بعد أن أوضح ألبرت وباراباسي أن عددا من الشبكات الحقيقية، كالإنترنت والشبكة ~~العنكبوتية العالمية، يمثل ما يسمى بالشبكات «عديمة المعيار»، بدآ يتساءلان هل الشبكات ~~عديمة المعيار تحمل أي سمات تنافسية مقارنة بالتنويعات التقليدية. ويجدر التذكر هنا ~~أنه في الشبكات عديمة المعيار، يتحكم قانون قوة، لا توزيع بواسون ذو القمة المدببة الذي ~~نجده في الرسوم البيانية العشوائية الموحدة، في توزيع الدرجات؛ وهو الاختلاف الذي ~~يترجم، عمليا، إلى مجموعة صغيرة من نقاط التلاقي «الغنية» التي لها عدد ضخم من ~~الروابط، والكثير من نقاط التلاقي «الفقيرة» الأخرى التي ليس لها أي روابط تقريبا على ~~الإطلاق. أصبح الآن ألبرت وباراباسي مهتمين بالسؤال الآتي: إلى أي مدى ستحافظ شبكتان، ~~إحداهما شبكة عشوائية متسقة والأخرى عديمة المعيار، على جودة الاتصال داخلهما حين تبدأ ~~نقاط التلاقي الفردية داخلهما في التعطل. # إن التفكير في قوة الشبكة كأمر مؤثر على الاتصال جعل المشكلة مشكلة معنية بتخلل ~~المواقع، لكن في هذا التطبيق، لعبت احتمالية الإشغال دورا مناقضا لدورها في نشر ~~الأمراض؛ ففي حين اهتممت أنا ومارك بالأساس بتأثير المواقع المشغولة (القابلة للإصابة)، ~~انصب اهتمام ألبرت وباراباسي على المواقع غير المشغولة؛ بلغة الشبكات، نقاط التلاقي ~~التي تعطلت. من منظور القوة، كلما قل تأثير كل موقع غير مشغول على اتصال الشبكة، كان ~~ذلك أفضل. كانت نظرة ألبرت وباراباسي للاتصال مختلفة عن نظرتي أنا ms174 ومارك؛ ففي حين لم ~~نهتم إلا بما إذا كان هناك تكتل متخلل أم لا، أراد ألبرت وباراباسي معرفة عدد الخطوات ~~بالضبط التي ستلزم لتعبر رسالة ما من أحد جانبي التكتل إلى الجانب الآخر. لا يمثل ~~أي من هذين التعريفين السبيل الوحيد الصحيح للتفكير في القوة، لكن تعريفهما كان ~~مناسبا بوضوح لنظم كالإنترنت؛ حيث تؤدي الزيادة في العدد النموذجي للقفزات التي تقفزها ~~رسالة ما إلى زيادة كل من الوقت المتوقع لإيصالها واحتمال عدم وصولها. # كان أول ما أوضحه ألبرت وباراباسي أن الشبكات عديمة المعيار أكثر مقاومة لحالات الفشل ~~«العشوائية» مقارنة بالشبكات العشوائية العادية، والسبب ببساطة هو أن خصائص الشبكات ~~عديمة المعيار يسيطر عليها جزء صغير من نقاط التلاقي «المركزية» قوية الاتصال، ونظرا ~~لندرة هذه المراكز، فإنها أقل عرضة لأن تفشل بالصدفة العشوائية مقارنة بنظرائها الأقل ~~اتصالا والأكثر عددا منها بكثير، ومثل غياب مطار محلي صغير من شبكة الخطوط الجوية ~~الأمريكية، يكون فقدان نقطة تلاق «فقيرة» غير ملحوظ إلى حد بعيد خارج المنطقة ~~المجاورة لها مباشرة، وعلى النقيض من ذلك، في الشبكات العشوائية العادية، لا تكون نقاط ~~التلاقي الأكثر اتصالا بمثل هذه الأهمية الشديدة، ولا تكون النقاط الأقل قوة في ~~اتصالها غير مهمة تماما، ونتيجة لذلك، فإن كل نقطة تلاق مفقودة سيكون لها اعتبارها، ~~وقد لا يكون ذلك بالحدث الجلل، لكنه أكثر أهمية مما لو حدث في الشبكات عديمة المعيار. ~~وفي ضوء الأدلة الحديثة التي تؤكد أن الإنترنت هي في الواقع شبكة عديمة المعيار، تابع ~~ألبرت وباراباسي عملهما لطرح نموذجهما كتفسير لكيفية عمل الإنترنت على هذا النحو ~~الموثوق، على الرغم من تعطل المحولات الفردية طوال الوقت. # لكن هناك جانبا آخر للقوة أشار إليه ألبرت وباراباسي أيضا؛ فمع أنه في بعض الشبكات، ~~كالإنترنت، تحدث أعطال المحولات بالفعل عشوائيا، فإن الأعطال يمكن أن تكون أيضا ~~نتيجة للهجمات المتعمدة التي قد لا تكون عشوائية على الإطلاق. وفي الإنترنت أيضا، ~~تستهدف هجمات قطع الخدمة، مثلا، نقط التلاقي قوية الاتصال، وفي أمثلة أخرى، بدءا من ~~شبكات الخطوط ms175 الجوية ووصولا لشبكات الاتصالات، من الواضح أن المراكز تكون هي الأهداف ~~الرئيسية لأي مخرب محتمل. وما أوضحه ألبرت وباراباسي هو أنه نظرا لأن نقاط التلاقي ~~الأقوى اتصالا في الشبكة تكون الأولى في التعطل، فإن الشبكات عديمة المعيار تكون ~~«أضعف» بالفعل من الشبكات المتسقة، ومن قبيل المفارقة أن سرعة تأثر الشبكات عديمة ~~المعيار بالهجمات يرجع إلى السمة ذاتها التي تعزى إليها قوتها الظاهرية؛ في الشبكات ~~عديمة المعيار، تكون نقاط التلاقي الأقوى اتصالا أهم بكثير لعمل الشبكة بأكملها ~~مقارنة بنظيراتها في الشبكات المتسقة، ومن ثم فإن الرسالة العامة هنا مبهمة: تعتمد قوة ~~الشبكة اعتمادا كبيرا على الطبيعة المحددة للأعطال، فيكون للأعطال العشوائية ~~والمستهدفة نتائج متناقضة تماما. # مع أنه من المهم وضع كلا نوعي الأعطال في الاعتبار، فيبدو عطل المراكز الأكثر تأثيرا ~~ذا أهمية خاصة؛ لأنه لا يجب أن يحدث بالضرورة على نحو متعمد أو لغرض الإيذاء؛ ففي كثير ~~من شبكات البنية التحتية التي تعتمد على نحو غير متناسب على جزء صغير من نقاط التلاقي ~~قوية الاتصال، قد تكون معدلات فشل هذه النقاط، التي تتجاوز المتوسط، نتيجة حتمية بالفعل ~~لاتصالها. على سبيل المثال، في شبكة الخطوط الجوية، يؤدي القدر الهائل لحركة الطيران ~~التي تمر بالمراكز الرئيسية إلى زيادة احتمالية تعرضها للأعطال، وهي الظاهرة التي اعتاد ~~عليها المسافرون جوا في نيويورك بشكل مؤلم؛ ففي مطار لاجارديا في كوينز، تكون مواعيد ~~الرحلات القادمة والمغادرة متقاربة للغاية بعضها من بعض، مما يعني أن سلسلة بسيطة من ~~التأخيرات، التي من الممكن في أي مطار صغير استيعابها في الفترات الزمنية العادية ~~الفاصلة بين رحلات الطيران، يمكن أن تتراكم لتبقي الطائرات على الأرض لساعات، حتى في ~~الأيام التي قد تبدو مثالية. في الواقع، كان مطار لاجارديا في عام 2000 مصدر 127 رحلة ~~من إجمالي 129 رحلة طيران متأخرة في البلاد! لا تمثل التأخيرات بالمراكز الرئيسية كمطار ~~لاجارديا مشكلة للمسافرين المحليين فحسب، بل إن كل رحلة متأخرة بمركز رئيسي تؤدي إلى ~~تأخيرات متتالية أيضا بالمطار المتوجهة إليه، ومن ثم كلما ms176 زاد عدد رحلات الطيران ~~بالمركز الرئيسي، زاد احتمال تعرضه لحالات تأخير، وزادت فرصة انعكاس تأثير هذه ~~التأخيرات على النظام ككل. # ومن ثم يؤدي اعتماد شبكات الخطوط الجوية الحديثة على شبكة فرعية من المراكز الرئيسية ~~اعتمادا كبيرا إلى جعلها سريعة التأثر بالتأخيرات واسعة الانتشار التي تحدث بين الحين ~~والآخر، لكن هذا يطرح أيضا حلا؛ فبدلا من التركيز على نظام تتحمل فيه المراكز ~~الرئيسية عبء توصيل الناس من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، يمكن أن تحول الخطوط الجوية ~~بعض الروابط من المراكز الرئيسية الكبرى الأكثر تعرضا للأعطال إلى المطارات الإقليمية ~~الأصغر التي تحدث التأخيرات فيها بشكل رئيسي نتيجة لمشكلات يكون مصدرها المراكز ~~الرئيسية. في ظل هذا التنظيم، تكون المطارات في ألباكيركي وسيراكيوز - على سبيل المثال ~~- متصلة مباشرة، بدلا من الحاجة لتوجيه الرحلات عبر شيكاغو أو سانت لويس. والمطارات ~~الصغيرة للغاية، كالموجودة في إيثاكا أو سانتا في، تظل أفرع لهذه المراكز الرئيسية، ومن ~~خلال خفض درجة فعالية المراكز الرئيسية، تحتفظ الشبكة ككل بقدر كبير من الفعالية التي ~~تستمدها من حجمها الكبير، لكنها تقلل من احتمالية فشل النقاط الفردية، وفي حال فشل أحد ~~المراكز الرئيسية بالفعل، سيتأثر عدد أقل من رحلات الطيران، مما يؤدي إلى الحد من ~~معاناة النظام ككل. # مع ما يبدو عليه الأمر من وضوح، بالنظر إليه من منظورنا اليوم، فالنتيجة التي توصل ~~إليها ألبرت وباراباسي كانت أنيقة تماما، وعند ظهور بحثهما عن «هجمات الشبكات وفشلها» ~~على غلاف مجلة «نيتشر»، أحدث عاصفة صغيرة من الاهتمام الإعلامي، وعاتبنا أنفسنا ثانية ~~للتغافل عن مشكلة واضحة، ثم بمساعدة طالب آخر من طلاب ستيف - دانكن كالاواي - انطلقنا ~~للحاق بألبرت وباراباسي. في الواقع، نجح دانكن في حل مشكلة أصعب بكثير من تلك التي ~~تناولتها مجموعة باراباسي، وباستخدام الأساليب التي طورتها أنا وستيف ومارك لدراسة ~~الاتصال بالشبكات العشوائية، تمكن دانكن من حساب تحولات التخلل المختلفة بالضبط، بدلا ~~من استخدام أساليب المحاكاة بالكمبيوتر، وتمكن كذلك من حل مشكلة أعطال الروابط ونقاط ~~التلاقي، وأوضح كيف يمكن تطبيق النموذج ليس فقط ms177 على الشبكات عديمة المعيار، بل أيضا ~~على الشبكات العشوائية بأي درجة توزيع على الإطلاق. لقد كان مجهودا مذهلا بوجه عام، ~~وتمكنا نحن الأربعة من التوصل إلى بحث رائع نتيجة له، لكنه في النهاية لم يحدث اختلافا ~~كبيرا، وكانت النتائج التي توصلنا إليها، إلى حد ما، مشابهة لنتائج ألبرت وباراباسي، ~~ولزم علينا الاعتراف بأن الأسبقية كانت لهما في التفكير فيها. # لحسن حظنا، فإن تطبيق أساليب التخلل على مشكلات العالم الواقعي عمل دقيق إلى حد ما، ~~ومن ثم ظل هناك الكثير من المشكلات المثيرة. لا تعد الشبكات الواقعية أكثر تعقيدا فحسب ~~من أي نموذج عشوائي - سواء أكان عديم المعيار أم لا - لكن عادة ما تمثل طبيعة ~~العملية نفسها تمثيلا سيئا من خلال الافتراضات النموذجية لنظرية التخلل. على سبيل ~~المثال، تفترض نماذج التخلل على نحو قياسي أن جميع نقاط التلاقي لديها الاحتمالية ذاتها ~~لسرعة التأثر، لكن على أرض الواقع، يمثل التغاير سمة مهمة للجماعات البشرية والكثير من ~~الجماعات غير البشرية، وفي أمور أيضا كانتشار الأمراض، يمكن أن يختلف الأفراد اختلافا ~~كبيرا في سرعة تأثرهم الفطرية أو قدرتهم على إصابة الآخرين بالعدوى، وعند وضع العوامل ~~السلوكية والبيئية في الاعتبار، يمكن أن تكون الاختلافات بين أفراد أي مجموعة معقدة؛ ~~وذلك نتيجة وجود علاقات متبادلة قوية. على سبيل المثال، في حالة الأمراض المنقولة ~~جنسيا، يكون الأفراد ذوو معدل الخطر المرتفع أكثر احتمالا للتفاعل بعضهم مع بعض، وهي ~~السمة السلوكية التي قد يكون لها أصول اجتماعية، لكن من الواضح أن نتائجها ~~وبائية. # بالإضافة إلى ذلك، يمكن الربط بين حالات الأفراد، ليس فقط وفقا لسماتهم الجوهرية ، بل ~~أيضا ديناميكيا؛ ومثال جيد على ذلك العطل المتعاقب في شبكة نقل الطاقة الكهربائية ~~الذي تناولناه في الفصل # الأول ~~، إذا كنت ستعزو احتمالات ~~التعطل لنقاط التلاقي على نحو عشوائي، حتى لو وضعت في الاعتبار الاختلافات الفردية بين ~~نقاط التلاقي هذه، فستغفل عن جزء رئيسي من المشكلة: دور المصادفة. كما أشرنا من قبل، لم ~~يكن العطل الكبير الذي حدث يوم 10 أغسطس من ms178 عام 1996 نتيجة لأعطال مستقلة متعددة، بل ~~سلسلة متعاقبة من الأعطال، جعل كل منها الأعطال التالية عليه أكثر احتمالا. وتكون ~~السلاسل المتتالية للأعطال الطارئة التي يعتمد بعضها على بعض أكثر تعقيدا، فلا يمكن ~~وضعها في نموذج، مقارنة بمشكلات التخلل التي تناولناها حتى الآن، لكنها تحدث دائما، ~~وليس فقط في النظم الهندسية كشبكة الطاقة الكهربائية. في الواقع، إن أكثر مجموعة من ~~مشكلات السلاسل انتشارا وإثارة تكمن في دوائر صنع القرارات الاقتصادية والاجتماعية، ~~وهذه المشكلات المهمة والمذهلة وشديدة الغموض هي التي سنتحول إليها الآن. # الفصل السابع # | القرارات والأوهام وجنون الجماهير # لم يمض وقت طويل على تركي الطقس الرائع لسانتا في إلى أمطار كامبريدج بولاية ماساتشوستس ~~وصقيعها (وصلت هناك وسط إعصار فلويد بالضبط) حتى بدأت في التساؤل هل الدروس التي تعلمتها ~~أنا ومارك من دراساتنا لانتشار الأمراض يمكن أن تطبق على مشكلة العدوى في الأسواق ~~المالية أم لا. كنا في خريف عام 1999 وفقاعة الإنترنت تصل إلى ذروتها، كانت أموال رأس المال ~~المخاطر تتدفق بحرية إلى أي شخص لديه خطة عمل مقبولة بعض الشيء، وفي مسكني المؤقت بكلية ~~سلون للإدارة التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، لم يطق الطلاب صبرا للتخرج وتكوين ~~ثرواتهم؛ ارتفعت حمى بدء المشروعات، حتى إن شركة «ميريل لينش»، التي تعد واحدة من أكبر ~~الشركات التي توظف خريجي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، باتت تهدد بإلغاء عملية التوظيف ~~السنوية التي تجريها؛ لأنه ما من أحد يحضر عروضها التقديمية! # في خضم كل هذه الإثارة، اقترح آندرو لو، وهو عالم اقتصاد مالي والشخص الذي كنت أسترشد ~~بنصائحه آنذاك، أن أطلع على كتاب عنوانه «أوهام شعبية استثنائية وجنون الجماهير» بقلم ~~تشارلز ماكاي، وكما يوضح عنوان هذا الكتاب الجذاب، فهو دراسة للعديد من صور الجنون، بدءا ~~من محاكمات الساحرات وصولا إلى الحملات الصليبية، التي ينتهي فيها المآل عادة بأشخاص ~~مثقفين إلى انتهاج سلوكيات يصعب فهمها فيما بعد. والجنون، كما يوضح ماكاي، ليس له صديق أفضل ~~من المال. وبعد مرور عام واحد وانفجار فقاعة الإنترنت، صار واضحا أن كل ms179 هؤلاء الحاصلين على ~~ماجستير إدارة الأعمال (العاطلين عن العمل حاليا)، ناهيك عن العديد من المحللين ببورصة ~~وول ستريت، تملكتهم بالفعل «أوهام استثنائية». # لكن ربما يخامر المرء أيضا شعور بأن الهلاوس واسعة الانتشار عن القيمة الوهمية - ولا ~~يقتصر ذلك فحسب على الولع بالتكنولوجيا الذي انتشر في أواخر تسعينيات القرن العشرين، بل ~~ينسحب أيضا على أزمة قروض ومدخرات تكساس في ثمانينيات القرن نفسه، وانهيار سوق الأوراق ~~المالية في أكتوبر 1987، وأزمة البيزو المكسيكي، واقتصاديات الفقاعات في اليابان، ثم في ~~كوريا وتايلاند وإندونيسيا - هي سمة حديثة نسبيا للمناخ المالي الذي تتزايد غلظته وغدره ~~بشكل دائم، وقد نظن بالطبع أنه قبل ظهور نظم التجارة الأوتوماتيكية والأسواق العاملة على ~~مدار الساعة وتدفقات رأس المال الدولية دون انقطاع - بل قبل ظهور الهاتف والتلغراف والسكك ~~الحديدية العابرة للقارات أيضا - كان الانتشار السريع لمعتقد عار من الصحة، ومسارعة رأس ~~المال لدعمه، أمرا مستحيلا، على الأقل على نطاق واسع، لكن هذا ليس صحيحا، فقد نشر كتاب ~~«أوهام شعبية استثنائية وجنون الجماهير» في عام 1841، وحينئذ كان موضوع ماكاي قديما بنحو ~~قرنين من الزمان. ~~(1) اقتصاديات التيوليب # لا تقل الأزمات المالية في قدمها - كما علمت من آندي بعد فترة قصيرة - ~~عن عمر الإمبراطورية الرومانية، لكن المثال ~~الأول عليها في العصر الحديث، وإحدى القصص المشوقة التي رواها ماكاي في كتابه، يعرف ~~بفقاعة التيوليب الهولندية؛ ففي عام 1634، الذي بدأت فيه تلك الأزمة، كانت زهور ~~التيوليب قد وصلت لتوها إلى أوروبا الغربية من موطنها الأصلي؛ تركيا، ومن الواضح أنها ~~جلبت معها قدرا كبيرا من الطابع الاجتماعي لذلك الموطن؛ ارتفع سعر بصيلات التيوليب ~~ارتفاعا هائلا بالفعل في سوق الأزهار بأمستردام نتيجة لزيادة الرغبة في تلك الأزهار؛ ~~نظرا لطبيعتها الرقيقة والصعبة بوجه عام، لكن قبل أن يمر وقت طويل تدخل المضاربون ~~و«سماسرة الأوراق المالية» المحترفون ليرفعوا أسعار بصيلات التيوليب على نحو مفتعل ~~بنية إعادة بيعها في وقت لاحق مقابل أسعار أعلى. اشترك الجميع - بما في ذلك المواطنون ~~العاديون - في ذلك الجنون، لحد وصل إلى هجر الأعمال الاقتصادية الروتينية ms180 تقريبا، ~~وكان سبب ذلك افتتان الناس بوعد الغنى الفوري واطمئنانهم للتدفق الهائل لرأس المال من ~~المستثمرين الأجانب. ويقول ماكاي إن البصيلة الواحدة من نوع «فايسوري» النادر كانت ~~تستبدل في أوج تلك الأزمة ب «حوالي ألفي كيلوجرام من القمح، وأربعة آلاف كيلوجرام من ~~الجاودار، وأربعة ثيران سمان، وثمانية خنازير سمينة، واثني عشر خروفا سمينا، وبرميلين ~~من النبيذ، وأربعة أطنان من الجعة، وطنين من الزبد، وخمسمائة كيلوجرام من الجبن، وسرير ~~كامل، وطقم من الملابس، وكأس شراب فضي». وإذا بدا ذلك منافيا للعقل، فقد كان أفضل ~~أنواع التيوليب المعروف باسم سيمبر أوجستس يصل سعره إلى أكثر من ضعف ذلك. ليس ذلك شيئا ~~أختلقه. # مع استثمار هذا القدر الكبير من الأموال الفعلية في سلعة بمثل هذه القيمة الموضوعية ~~المنخفضة للغاية، كان من الطبيعي أن يبدأ الهولنديون في التصرف بشكل لا يمكن وصفه إلا ~~بأنه غريب؛ فكانوا في بعض الحالات يبيعون سبل رزقهم بالكامل في مقابل أن يمتلكوا واحدا ~~أو أكثر من جذور زهرة قيمة، وصار من اليسير شراء الأصول العينية التي لم يعد لها قيمة ~~نسبيا، ومن ثم صار كل من البيع والشراء والاقتراض والإنفاق غزيرا. ويقول ماكاي إن ~~هولندا أصبحت لفترة قصيرة مركزا لتكوين الثروات. وبالطبع، لم يكن ممكنا أن تظل كذلك ~~للأبد؛ ففي نهاية الأمر، زهرة التيوليب هي زهرة تيوليب، وأكثر الهولنديين خبلا لا يمكن ~~أن يدعي غير ذلك للأبد، فحدث الانهيار الحتمي في عام 1636؛ انخفضت أسعار التيوليب إلى ~~أقل من 10 بالمائة مما وصلت إليه من قيم مرتفعة قبل ذلك بشهور فقط، مما أدى إلى مزيد ~~من الجنون بين الحشود التي غلب عليها الغضب آنذاك وصارت تبحث دون جدوى عن أكباش فداء، ~~وسعوا للتخلص من دينهم المتزايد على نحو سريع. # بعد عدة عقود - لكن قبل أكثر من قرن من نشر كتاب ماكاي - ~~أصيبت اثنتان من الدول الاستعمارية الكبرى، ~~وهما فرنسا وإنجلترا، بشكل متزامن تقريبا بفقاعات مالية تشابهت مع أزمة التيوليب، ليس ~~فقط في أصولها ومسارها الرئيسي، بل أيضا في مستوى السخف ms181 الذي أثارته في مواطنيها، كانت ~~المضاربة هذه المرة على أسهم شركتين، وهما شركة «ساوث سي» في إنجلترا وشركة «مسيسيبي» ~~في فرنسا، اللتان كانتا تبشران بعائدات ضخمة بفضل وصولهما إلى حدود جديدة غير مستغلة ~~(جنوب المحيط الهادئ للشركة الإنجليزية، والمستعمرات الجنوبية لما سيعرف بالولايات ~~المتحدة الأمريكية للشركة الفرنسية)، وكما كان الحال مع التيوليب، تهافت المستثمرون على ~~المضاربة وارتفعت أسعار الأسهم ارتفاعا هائلا، الأمر الذي أدى إلى مزيد من المضاربة ~~ومزيد من الطلب ومزيد من الضغط المتصاعد على الأسعار، وغمرت إنجلترا وفرنسا، شأنهما شأن ~~هولندا، النقود الورقية التي كانت تستبدل بالمزيد من الأصول الفعلية، فنتج عن ذلك ~~أوهام بثروة هائلة واستمرار للارتفاع المتزايد غير المستقر للأسعار، ومثلما حدث مع ~~الهولنديين، ومستثمري شركات الإنترنت في نهاية تسعينيات القرن العشرين، وعدد كبير من ~~الحمقى وما أنفقوه من أموال بين الفترتين، انفجرت الفقاعة في النهاية، لتتبدد أوهام ~~وثروات أفراد كانوا غارقين في الأحلام السعيدة. ~~(2) الخوف والطمع والعقلانية # لماذا لم نتعلم الدرس إذن؟ بعد ما يقرب من أربعمائة عام، ما الذي تتسم به الفقاعات ~~المالية ويجعل الفقاعة التالية لا تبدو وكأنها ستنفجر إلا بعد فوات الأوان؟ الإجابة ~~السوداوية هنا هي أن الجشع والخوف سمتان غير محدودتين بمكان أو زمان، شأنهما في ذلك شأن ~~أي سمات بشرية أخرى، وما إن يثرهما أي شيء، حتى لا يمكن للتحليل العميق، بل الخبرات ~~السابقة أيضا، أن تقف أمامهما، فلولا الاحتمال المبشر بجني ثروة شخصية هائلة، ما ~~كان المحامون الناجحون سيهرعون للعمل لمصلحة شركة ناشئة تبيع البقالة على الإنترنت، وما ~~كان أي هولندي عاقل سيبيع شقته في أمستردام مقابل بصيلة تيوليب، ولولا الفزع الذي لا ~~يتسبب فيه سوى شك راسخ بانعدام تام للقيمة، ما كان الانهيار المفاجئ والمتزامن تقريبا ~~لعدد هائل من الشركات المرتبطة بالإنترنت - كان من الممكن لبعضها أن يستحق البقاء في ~~أجواء أكثر وعيا - ليحدث، لكن هذا التفسير، شأنه شأن أغلب التفسيرات السوداوية، لا ~~يفيد كثيرا، فهو يحكم علينا بأن نعيش المكافئ المالي لفيلم «عيد فأر الأرض» لكن بدون ms182 ~~النهاية الهوليوودية (تعلم بيل موراي الدرس أخيرا). يدعي المتشائمون أنه ليس ~~بإمكاننا تغيير الناس، وقد يكون ذلك صحيحا، لكن هذا الادعاء لا يخبرنا بأي شيء فيما ~~يتعلق بآليات حدوث الأزمات المالية فعلا، أو كيف تختلف كل أزمة عن الأخرى، أو كيف ~~يمكننا تصميم «مؤسسات» تساعد على الأقل الناس على التعايش بسلام مع مخاوفهم. # تعد النظريات الاقتصادية التقليدية لصنع القرار أقل فائدة في هذا الصدد. تذكر أن ~~الاقتصاد هو نقيض السوداوية؛ فهو يدعي أن الناس يتسمون بالأنانية، لكنهم «عقلانيون» ~~أيضا، ومن ثم تخفف المعرفة من وطأة الجشع ولا يكون هناك خوف على الإطلاق، والنتيجة - ~~كما جاء في نبوءة آدم سميث الشهيرة - هي أن العقلانيين، في سعيهم لتحقيق أقصى قدر ممكن ~~من مصالحهم الأنانية، «ستقودهم يد خفية» إلى نتيجة جمعية جيدة، والحكم - الذي يمكن ~~القول إنه لا يقتصر على الحكومة فحسب، بل يشمل أيضا المؤسسات واللوائح والقيود ~~المفروضة من الخارج بكافة صورها - لا يؤدي إلا إلى اضطراب العمل السليم للسوق، ومع أن ~~سميث كان يكتب بوجه خاص عن الاقتصاد السياسي للتجارة الدولية، فإن منطقه طبق بعد ذلك ~~على جميع أشكال الأسواق، بما في ذلك الأسواق المالية التي من الطبيعي ألا يكون بها أي ~~أزمات. # إن القاعدة التي تقوم عليها وجهة النظر المتفائلة هذه هي أنه من منظور التجار، ~~باعتبارهم أفرادا عقلانيين يسعون إلى ما هو أمثل، لا يمكن للفقاعات أن تحدث دون ~~مضاربين مزعزعين يدفعون إليها، ومن المفترض عدم وجود مثل هؤلاء المضاربين المزعزعين. ~~لماذا؟ لأنهم يبيعون ويشترون الأصول ليس وفقا لأي قياس لقيمتها «الحقيقية»، لكن باتباع ~~اتجاهات الأسعار، فيشترون مع انتعاش السوق ويبيعون مع ركوده، وبناء عليه، يعرف هذا ~~النوع تحديدا من المضاربين عادة ب «متبع الاتجاهات»، على النقيض من «مستثمر القيمة» ~~الذي لا يشتري أي أصل إلا عندما يدرك أن سعره أقل من قيمته (ويبيعه عندما يكون سعره ~~أعلى من قيمته)، وهكذا، إذا ارتفع سعر أحد الأصول عن قيمته الفعلية لسبب ما، فسيندفع ~~متبعو الاتجاهات ويشترونه، ومن ثم سيدفعون في ms183 هذا الأصل أكثر مما يستحقه بالفعل، ~~وسيسفر ذلك بلا شك عن رفع السعر بقدر أكبر، وعن طريق بيع الأصل بهذا السعر الأكثر ~~تضخما، يأمل هؤلاء الأفراد في تحقيق ربح ما، لكن، في مقابل كل متبع اتجاهات يبيع ~~لتحقيق ربح ما، يجب أن يوجد شخص آخر يشتري (لأنه ما من مستثمر قيمة سيهتم بالأمر)، ومن ~~ثم سيرتكب خطأ أكبر من سابقه. # وأخيرا، يتحتم أن تكون هناك نهاية لسلسلة الحمقى هذه، وهي المرحلة التي تنخفض فيها ~~الأسعار، ويخسر بعض متبعي الاتجاهات المال. وإذا انخفضت الأسعار بما فيه الكفاية، كأن ~~تصل إلى ما هو أقل من قيمتها الحقيقية، فسيأتي مستثمرو القيمة ثانية ويبدءون في الشراء ~~من جديد، ليجنوا بذلك ربحا على حساب متبعي الاتجاهات. بصرف النظر عن عدد متبعي ~~الاتجاهات الذين يحققون أرباحا، فإن هذه الأرباح لا يمكن جنيها إلا على حساب متبعي ~~اتجاهات آخرين، ومن ثم فإن متبعي الاتجاهات بوجه عام سيخسرون دائما المال ليربحه ~~مستثمرو القيمة، ونظرا لأن التحول النهائي للثروة من متبعي الاتجاهات إلى مستثمري ~~القيمة سمة جوهرية للمضاربة، فما من شخص عقلاني سيختار أن يكون من متبعي الاتجاهات، ومن ~~ثم يتحتم أن تعكس أسعار السوق دائما القيم الحقيقية للأصول المناظرة، وبلغة المال، يجب ~~أن تتسم الأسواق «بالكفاءة» دائما. لكن ماذا إذا كان الناس أغبياء وحسب؟ تحمل النظرية ~~إجابة لهذا الاعتراض أيضا: فحتى إن كان الناس أغبياء، فستدفعهم في النهاية حقيقة ~~خسارتهم للمال إلى الخروج من السوق، على نحو أشبه بالانتخاب الطبيعي الذي تنص عليه ~~نظرية داروين. يحصل مستثمرو القيمة على المال من متبعي الاتجاهات حتى يفلس هؤلاء ~~المتبعون ويرحلوا، وعلى المدى الطويل، لن يتبقى سوى مستثمري القيمة، وينتصر النظام؛ لا ~~مضاربة، لا إفراط في المتاجرة، لا فقاعات. # مع أن الانتصار الحتمي للعقلانية يبدو منطقيا، فإنه في الواقع يكشف عن تناقض في عمل ~~الأسواق المالية؛ فمن ناحية، يكون على المستثمرين العقلانيين تماما في سوق يعمل بكفاءة ~~أن يتفقوا على سعر لكل أصل يعكس على نحو صحيح قيمته الحقيقية، وذلك من ms184 خلال استغلال ~~جميع المعلومات المتاحة، ويجب ألا يتخذ أي شخص قرارات بناء فقط على تحركات السعر نفسه، ~~وإن حاول ذلك، فسوف يدفع في النهاية خارج السوق. من ناحية أخرى، إذا تصرف الجميع ~~بعقلانية، فسوف تتبع الأسعار القيم دائما، ومن ثم لن يجني أحد أي أرباح، بما في ذلك ~~مستثمرو القيمة، ولن تكون النتيجة اختفاء الفقاعات فحسب، بل لن تكون هناك أي تجارة ~~أيضا! وثمة إشكالية تحملها هذه النتيجة فيما يتعلق بنظرية الأسواق؛ فبدون تجارة لا ~~يكون أمام الأسواق سبيل لتعديل الأسعار لتصل إلى قيمها «الصحيحة» في المقام ~~الأول. # إذن، ثمة منظور آخر للتعامل مع منطق العقلانية - وهو المنظور الذي يقترحه التاريخ بلا ~~شك - وهو أن هذا المنطق لا ينطبق إلى حد بعيد على أي مما يحدث في الأسواق المالية ~~الواقعية. نعم، يحاول الناس تحقيق أقصى ربح ممكن، ونعم، كثيرا ما يخسر المضاربون ~~المال، وربما يكون صحيحا أيضا أنه على مدار فترات زمنية طويلة بما فيه الكفاية، يخسر ~~جميع المضاربين كل شيء في النهاية، بما في ذلك من يحققون أرباحا مذهلة، فكما هو الحال ~~مع المقامرين في نوادي القمار، قد يربح بعض الناس لفترة من الوقت، لكن في النهاية يكون ~~الرابح الحقيقي الوحيد هو النادي (وهو، بالمناسبة، ما يفسر الاستمرار في بناء مثل هذه ~~النوادي). مع ذلك، يستمر الناس في المضاربة، مثلما يستمرون في المقامرة. # لكن إذا لم يكن البشر عقلانيين تماما بالمعنى الاقتصادي البحت للكلمة، فهم أيضا لا ~~يخضعون بالكامل لمشاعرهم الجامحة، فحتى أكثر المضاربين تحمسا، ينطوي جنونهم على منطق ~~ما، أما بقيتنا، ففي أغلب الوقت نحاول ببساطة تدبر الأمر بتحقيق أقصى فائدة من المواقف ~~التي نمر بها وتجنب المشكلات قدر الإمكان. لا يبدو ذلك مزيجا شديد التقلب، وصراحة هو ~~ليس كذلك معظم الوقت. في الواقع، بينما تستقطب الفقاعات والانهيارات كل الاهتمام، ~~كثيرا ما يكون سلوك الأسواق المالية هادئا للغاية، حتى في مواجهة الأحداث الخارجية، ~~كالتغيرات التي تطرأ على الحكومة والهجمات الإرهابية، التي قد يتوقع المرء أن يكون رد ~~فعل ms185 هذه الأسواق مبالغا فيه تجاهها. إذن، الأمر المحير حقا بشأن الأسواق المالية لا ~~يتعلق بما إذا كانت عقلانية أم لا، بل بكونها تتسم بالسمتين معا، أو لا تتسم بأي ~~منهما. في الحالتين، عندما تجتمع أعداد كبيرة من الأشخاص العاديين معا، يتصرفون «معظم» ~~الوقت على نحو عقلاني، لكن ينتهي بهم الحال «بين الحين والآخر» إلى التصرف كالمجانين، ~~والأزمات المالية ليست سوى مثال واحد على السلوك العقلاني المعتاد، لكن غير العقلاني ~~أحيانا، الذي يمكن أن يصدر عن المجموعات والعامة والجماهير، بل المجتمعات ككل. ~~(3) القرارات الجمعية # قبل الشروع في دراسة أصول الأزمات ~~المالية بفترة ليست بالطويلة، كنت أبحث في موضوع آخر أثار اهتمامي، ألا وهو تطور السلوك ~~التعاوني. إن التعاون سمة سلوكية بشرية واسعة الانتشار إلى حد يجعل البعض يعتقد أحيانا ~~(خطأ) أنها أحد العوامل الأساسية التي تميز البشر عن الحيوانات، لكن مصدر السلوك ~~التعاوني غير الإلزامي يمثل في الحقيقة تناقضا عميقا شغل أجيالا من المفكرين، بدءا ~~من الفلاسفة ووصولا لعلماء الأحياء، ويتمثل هذا التناقض، بإيجاز، في التساؤل عن السبب ~~الذي يجعل الأفراد المدفوعين بمصالحهم الشخصية يتصرفون على نحو غير أناني في عالم يكون ~~فيه فعل الصواب أمرا مكلفا، ويجعل الفرد عرضة لاستغلال الآخرين له. # تصور الخروج لتناول العشاء في مطعم لطيف مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء بافتراض أنكم في ~~نهاية الليلة ستتقاسمون جميعا قيمة الفاتورة، تحتوي القائمة على مجموعة كبيرة من ~~الخيارات، بدءا من طبق مكرونة رخيص وبسيط، وصولا إلى شريحة لحم باهظة الثمن. إذا طلب ~~الجميع وجبة فاخرة، فستكون ليلة باهظة التكلفة على الجميع، ومن ثم من الطبيعي أن تسدي ~~الجميع معروفا إذا طلبت المكرونة. على الجانب الآخر، إذا اخترت شريحة اللحم، في حين ~~طلب أصدقاؤك المكرونة، فستحظى بوجبة رائعة بنصف الثمن تقريبا، والأهم من ذلك أنك إذا ~~لم تطلب شريحة اللحم، في حين فعل أصدقاؤك ذلك، فستدفع في النهاية قدرا كبيرا من المال ~~في مقابل طبق بسيط من المكرونة. السؤال هنا بالطبع هو: بينما تجلسون في ذلك المطعم ~~تفكرون فيما ms186 ستختارونه، إلى أي مدى ستهتم بمتعتك الشخصية في مقابل سعادة ~~أصدقائك؟ # مع أن هذه اللعبة قد تبدو طريفة في البداية، فإن أزمة تناول العشاء - كما أسماها ~~عالما الفيزياء برناردو هوبرمان وناتالي جلانس، اللذان قدما ذلك المثال - هي في الواقع ~~نموذج معتاد لما يطلق عليه «المعضلات الاجتماعية». تتعلق المعضلات الاجتماعية، التي ~~تعرف أيضا باسم «ألعاب الصالح العام»، بمنافع جماعية، كخدمات إعادة التدوير أو نظام ~~نقل عام، ويتطلب وجودها عددا ضخما من الأفراد للمساهمة في المنفعة على الرغم من وجود ~~بدائل أسهل أو أكثر ربحا أو أكثر إشباعا للمتطلبات الأنانية (مثل القيادة بدلا من ~~ركوب الحافلة). ولإدراك الصعوبة المتأصلة في المعضلة الاجتماعية، فكر في الضرائب؛ إن ~~وجود خدمات حكومية، كالمستشفيات والطرق والمدارس والمطافئ والشرطة والأسواق جيدة الأداء ~~والمحاكم القانونية، بل سيادة القانون نفسها، كل ذلك يعتمد (في أغلب الدول) على عائدات ~~الضرائب. وبقدر ما قد نشكو من عدم كفاءة الحكومة، لم يتمكن مجتمع قط من أن يحيا لفترة ~~طويلة من الزمن في غياب بعض من هذه الخدمات العامة الرئيسية على الأقل؛ لذا من الواضح ~~أن دفع الضرائب يصب في مصلحة الجميع، ويصل ذلك إلى الحد الذي يصبح فيه عدم دفعها ضربا ~~من الجنون، لكن كما أوضح هوبرمان وجلانس، لا يعد دفع الضرائب في أي من دول العالم ~~عملا تطوعيا. # ألا يمكن الوثوق بنا لفعل هذه الأمور التي من الواضح أنها في مصلحتنا (الجمعية)؟ يبدو ~~أن الإجابة عن هذا السؤال هي: نعم، لا يمكن الوثوق بنا، وذلك وفقا ل «مأساة المشاع»، ~~وهي نظرية مؤثرة طرحها العالم السياسي جاريت هاردن في سبعينيات القرن العشرين. لنتخيل ~~قرية على طراز عصر ما قبل الصناعة مقامة حول قطعة من الأرض كبيرة ومركزية ومشتركة ~~تسمى «المشاع»، يستخدم سكان القرية هذه الأرض في الغالب لرعي الأغنام والماشية، التي ~~يجزون أصوافها فيما بعد أو يحلبونها أو يذبحونها للحصول على الغذاء أو تحقيق مكسب ما، ~~ونظرا لأن الأرض «المشاع» لا يملكها أو يحكمها أحد، فمن حق الجميع استخدامها، لكن ~~الأرباح الناتجة ms187 عن رعي رأس إضافية من الغنم أو الماشية فيها لا تذهب إلا إلى القروي ~~الذي يملك هذا الحيوان، ومن ثم يكون لدى كل الأشخاص حافز لزيادة عدد قطعانهم من ~~الحيوانات، مما يؤدي إلى تحقيق قدر أكبر من الأرباح دون زيادة النفقات العامة. # يمكنك أن ترى إلى أين يتجه هذا الأمر؛ ففي النهاية، تتعرض الأرض «المشاع» لإفراط في ~~الرعي إلى الحد الذي تصبح فيه غير قادرة بعد ذلك على تحمل رعاية أي حيوانات على ~~الإطلاق، وتنهار سبل عيش الجميع. لو كان أهل القرية قد نهجوا نهجا معتدلا، ما كانت ~~لتحدث مشكلة على الإطلاق، ولتمكنت الأرض من الحفاظ على مواردها، وظل لدى الناس ما يكفي ~~للعيش عليه بشكل دائم، لكن إن افترضنا أن قرية ما في مكان ما تمكنت من تحقيق هذا ~~التوازن المثالي بالصدفة، فسيفتقر إلى الاستقرار بطبيعته. عندما يكون الجميع سعداء بفعل ~~الصواب، يكون لدى كل قروي تدفعه المصلحة الذاتية (وجميعهم كذلك) دائما حافز لإضافة ~~حيوان آخر إلى قطيعه، وما من أحد سيمنعه أو يتذمر، لن يكلفه الأمر شيئا، بل سيزداد ~~ثراء ويصبح أكثر قدرة على إطعام أسرته. ستظل الأرض «المشاع» كما هي، ولن يلاحظ أحد ~~رأسا زائدا من الغنم في المرعى، فلم لا؟ # لم لا بالفعل؟ وهذه هي المأساة، بمفهوم شكسبير للهلاك المحتوم. لا يفعل أحد أي شيء ~~جنوني، ومما لا شك فيه أنه بالنظر إلى ما يعرفه أي شخص عن العالم، سيكون من الحماقة (أو ~~على الأقل عدم العقلانية) فعل أي شيء مختلف، وبصرف النظر عن الكارثة المحدقة، يستمر ~~الأفراد في السير بخطى حثيثة نحو الهلاك، تدفعهم مصلحتهم الشخصية بلا هوادة إلى مصيرهم ~~الجماعي المشئوم. تقدم نظرية هاردن - كما هو واضح من اسمها - نظرة قاسية للعالم، لكنها ~~نظرة يصعب تجاهلها أيضا؛ إذ إنها تذكر بالعديد من المآسي الحقيقية في العالم؛ كالحروب ~~طويلة الأمد التي لا مبرر لها، والرسوم الجمركية الأبدية البغيضة، وتآكل البيئات التي ~~لا بديل لها. ومع أننا نرغب في تجنب هذه الأمور إن تمكنا، فالحقيقة المحزنة ms188 هي أنها ~~نتاج ما تصنعه أيدينا بإرادتنا. تعبر مأساة المشاع، كمعضلة تناول العشاء، عن المعضلة ~~الحتمية التي يعيشها الأفراد الذين تدفعهم مصالحهم الشخصية من الداخل والقادرين على ~~التحكم في قراراتهم، لكن يتعين عليهم أن يتعايشوا أيضا مع نتائج قرارات ~~الآخرين. ~~(4) سلاسل المعلومات # لكن ليس من الحتمي أن تنتهي كل معضلة نهاية حزينة؛ فمثلما يمكن أن تحقق الصيحات ~~الثقافية الحديثة نجاحا في مجتمع من الأفراد غير المكترثين عادة، يمكن أن تتغير ~~المؤسسات والأعراف الاجتماعية أيضا بين عشية وضحاها في بعض الأحيان، ومع أن إعادة ~~تدوير المواد المنزلية، بدءا من الزجاجات البلاستيكية ووصولا للجرائد، تبدو أمرا ~~مألوفا حاليا، فإنها ظاهرة حديثة نسبيا؛ فعلى مدار أقل من جيل واحد، غير العالم ~~الصناعي الغربي أنماط سلوكه اليومية استجابة لتهديد بيئي بعيد كان يعتقد في السابق ~~أنه لا يهم سوى مجموعة صغيرة من غريبي الأطوار المهووسين بالطبيعة. كيف تحولت عملية ~~إعادة التدوير من شيء هامشي للمجتمع إلى شيء راسخ في توقعاتنا عن أنفسنا، شيء لم نعد ~~نتشكك في جدواه مع أنه لا يزال يصيبنا بعدم الراحة؟ # ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن التغيير في العادات غير مكلف نسبيا، ومن ثم فإن ~~إعادة تدوير بضع علب معدنية بين الحين والآخر لا يسبب قدرا كبيرا من الإزعاج، لكن ~~التغير الاجتماعي المفاجئ يمكن أن يحدث، حتى إن كانت المخاطر الفردية التي ينطوي عليها ~~أعلى بكثير، مثل تظاهر مواطني لايبزيج على مدار ثلاثة عشر أسبوعا مثيرا في عام 1989، ~~عندما نزلوا إلى الشوارع كل اثنين من كل أسبوع - بالآلاف في البداية، ثم بعشرات الآلاف، ~~ثم بمئات الآلاف - للاحتجاج على ما يتعرضون له من ظلم في ظل الحكم الشيوعي لما كان ~~يعرف آنذاك بألمانيا الشرقية. ومع أن الناس لا تذكر الكثير عن مسيرات لايبزيج الآن، ~~فيمكن وصفها بنقطة تحول حقيقية في التاريخ؛ فلم تنجح فحسب في إسقاط الحزب الاشتراكي في ~~ألمانيا الشرقية، لكنها أدت كذلك إلى سقوط سور برلين بعد ثلاثة أسابيع فقط، وإعادة ~~توحيد ألمانيا في النهاية. أثبت متظاهرو ms189 لايبزيج، إلى جانب الكثير من الثوار الذين ~~يظهرون كل يوم، أن السلوك التعاوني الإيثاري يمكن أن يظهر عفويا بين الأشخاص ~~العاديين، حتى لو كانت التكاليف المحتملة - السجن أو الإيذاء الجسدي أو ربما الموت - ~~تفوق التوقعات. في الواقع، بنهاية عام 1989، اشتهرت لايبزيج في جميع أرجاء ألمانيا ~~الشرقية باسم «مدينة الأبطال». # كيف يمكن إذن لأعتى النظم المفروضة ~~عنوة، التي تشكل أقسى المعضلات، أن تنهار فجأة؟ وحتى لو كان أكثر الأوضاع الراهنة ~~ثباتا يمكن أن ينهار على نحو غير متوقع على الإطلاق، فكيف تمكن من الاستمرار بجميع ~~الأوقات الأخرى في وجه الصدمات وصور الإزعاج والاضطرابات المستمرة التي قد تكون حاسمة ~~مثل تلك التي أدت إلى انهياره؟ لقد أبهرني، شأني شأن الكثير من الباحثين قبلي، أصل ~~مفهوم التعاون والظروف السابقة عليه كمشكلة في حد ذاتها، لكن ما تكشف لي ببطء هو أن ~~كل هذه المشكلات التي كنت أقرأ عنها، بدءا من الصيحات الثقافية والفقاعات المالية ~~وصولا إلى الظهور المفاجئ للتعاون، كانت صورا مختلفة للمشكلة ذاتها. # تعرف هذه المشكلة في لغة الاقتصاد الجافة باسم «سلسلة المعلومات»، ~~في هذه السلسلة، يتوقف الأفراد في مجموعة ~~ما عن التصرف بشكل فردي، ويبدءون في التصرف على نحو يشبه المجموعة المتماسكة. في بعض ~~الأحيان، تحدث سلاسل المعلومات سريعا؛ مثلا نشأت فكرة مسيرات لايبزيج وتفجرت في غضون ~~أسابيع؛ وفي أحيان أخرى تحدث ببطء؛ على سبيل المثال، يمكن أن تتطلب الأعراف الاجتماعية ~~الجديدة، كالمساواة العرقية وحق التصويت للنساء وتقبل المثلية الجنسية أجيالا لتصبح ~~عالمية، لكن ما تشترك فيه كل سلاسل المعلومات هو أنه ما إن تبدأ إحداها حتى تصبح دائمة ~~للأبد؛ بمعنى أنها تجذب أتباعا جددا غالبا بفضل اجتذابها لغيرهم من قبل، ومن ثم يمكن ~~للصدمة الأولى أن تنتشر في نظام ضخم، حتى لو كانت الصدمة نفسها صغيرة. # نظرا لأن سلاسل المعلومات كثيرا ما تكون مذهلة أو ذات طبيعة متميزة، فعادة ما تؤدي ~~إلى أحداث تستحق أن تتصدر العناوين الرئيسية في الأخبار، مع أن ذلك قد يبدو مفهوما ~~تماما، فإن هذه النزعة ms190 تخفي حقيقة أن السلاسل يندر حدوثها فعليا، لقد كان لدى الناس ~~في ألمانيا الشرقية الكثير بالتأكيد من الأسباب ليسخطوا على حكامهم، لكنهم ظلوا على هذه ~~الحال مدة ثلاثين عاما، ولم تحدث أي انتفاضة ملحوظة سوى مرة واحدة من قبل (في عام ~~1953). في مقابل كل يوم يدمر فيه جمهور فريق كرة قدم استادا ما أو تقضي سوق للأوراق ~~المالية على نفسها، هناك آلاف الأيام الأخرى التي لا يحدث فيها ذلك، وفي مقابل كل فيلم ~~شهير، كهاري بوتر أو بلير ويتش بروجكت، يظهر من حيث لا ندري ليأسر ألباب الناس، هناك ~~آلاف الكتب والأفلام والمؤلفين والممثلين الذين يعيشون حياتهم بالكامل بعيدا عن أضواء ~~الثقافة الشعبية الحديثة؛ لذا، إذا كنا نرغب في فهم سلاسل المعلومات، فعلينا أن نفسر ~~ليس فقط كيف يمكن للصدمات الصغيرة أن تغير نظما بالكامل في بعض الأحيان، بل أيضا كيف ~~لا تفعل ذلك في أغلب الوقت. # من المهم أن نعي أنه من الناحية الظاهرية، تبدو الصور المتنوعة لسلاسل المعلومات - ~~الصيحات الثقافية والفقاعات المالية والثورات السياسية - مختلفة تماما، وللوصول إلى ~~نقاط التشابه الأساسية، يجب استبعاد تفاصيل الظروف وشق طريقنا بين غياهب اللغات غير ~~المتوافقة والمفردات المتعارضة، والتقنيات الغامضة عادة، لكن ثمة خيطا مشتركا ~~بالفعل؛ فبعد أن أنعمت النظر في كل مشكلة، واحدة تلو الأخرى، لعدة أشهر، بدأ إطارها ~~العام المبهم يتكون في عقلي كما لو كانت لوحة للفنان تشاك كلوز تتضح تدريجيا من بين ~~النقاط كلما ابتعد المرء عن الحائط المعلقة عليه، لكنها كانت صورة محيرة، وتطلبت جمع ~~الأفكار من الاقتصاد ونظرية الألعاب، بل من علم النفس التجريبي أيضا. ~~(5) مؤثرات المعلومات الخارجية # في خمسينيات القرن العشرين أجرى عالم النفس الاجتماعي سولومون آش، الذي تتلمذ على يده ~~ستانلي ميلجرام، سلسلة رائعة من التجارب؛ فبعد وضع مجموعات يتكون كل منها من ثمانية ~~أفراد في إحدى الغرف الشبيهة بدار سينما صغيرة، عرض معاونو آش على هؤلاء الأفراد سلسلة ~~مكونة من اثنتي عشرة شريحة تعرض قطاعات خطية عمودية ذات أطوال مختلفة تشبه كثيرا ~~الصورة ms191 الموضحة بالشكل # 7-1 ~~، وعند عرض كل شريحة، كان القائمون على ~~التجربة يطرحون سؤالا بسيطا يفترض أن يجيب عنه الخاضعون للتجربة، من قبيل: «أي من ~~الخطوط الثلاثة الموجودة على اليمين أقرب في الطول من الخط الموجود على اليسار؟» صممت ~~الأسئلة بحيث تكون الإجابة عنها واضحة (في الشكل # 7-1 ~~، الإجابة ~~بوضوح هي أ)، لكن كمنت الخدعة في أن الجمهور كله، فيما عدا واحدا، كانوا عناصر دسيسة ~~تلقوا تعليمات مسبقة بأن يجيبوا عن السؤال إجابة خاطئة واحدة (ب، مثلا). # شكل 7-1: رسم إيضاحي لسؤال الاختبار الذي استخدمه سولومون آش في تجاربه ~~المتعلقة بصناعة القرار البشري في مواجهة ضغط الجماعة. كان السؤال ~~المطروح بخصوص هذا الرسم الإيضاحي هو: «أي من الخطوط الثلاثة ~~الموجودة على اليمين أقرب في الطول من الخط الموجود على اليسار؟» وكانت ~~الإجابة الصحيحة مصممة لأن تكون واضحة (أ في هذه الحالة)، لكن سبعة من ~~بين ثمانية أشخاص تلقوا تعليمات بأن يجيبوا إجابة خاطئة (ب، ~~مثلا). # وضعت هذه المكيدة الشخص المسكين الخاضع للتجربة في موقف مربك أيما إرباك، ويرجع ~~السبب في معرفتي بهذا الأمر إلى أنه أثناء إلقائي محاضرة عن سلاسل المعلومات في ييل، ~~رفع أحد الحضور صوته - وهو عضو بارز الآن بكلية الاقتصاد - ليقول إنه كان في الواقع أحد ~~الخاضعين لتجربة آش أثناء دراسته بجامعة برنستون. من ناحية، كان بإمكان الخاضع للتجربة ~~أن يرى بأم عينيه ما هو واضح وضوح الشمس؛ أن (أ) أقرب في الطول من الخط الموجود على ~~اليسار مقارنة بالخط (ب)، لكن هناك سبعة أشخاص على القدر نفسه من العقلانية والوعي ~~مثله، يدعون بثقة أن الإجابة هي (ب). كيف يمكن أن يكون سبعة أشخاص مخطئين؟ من الجلي أن ~~الكثير من الخاضعين للتجربة قرروا أنه لا يمكن ذلك، وفي ثلث الحالات وافق الخاضعون ~~للتجربة على الرأي الجماعي، بما يخالف حكمهم الشخصي (جدير بالذكر أن من وقف من بين ~~الحضور في محاضرتي قد تمسك برأيه في التجربة). مع ذلك، فلم تهزم الفطرة السليمة ~~للخاضعين للتجربة دون مقاومة؛ فقد أشار آش ms192 إلى أنه رأى آثارا واضحة للانزعاج؛ ~~كالاهتياج والعرق الواضح، على الأفراد الذين كان عليهم الاختيار بين انتهاك يقينهم ~~الشخصي واليقين الظاهري لنظرائهم. # لكن لماذا يجب أن تعتمد آراؤنا إلى هذا الحد على آراء الآخرين في المقام الأول؟ مرة ~~أخرى، يقول لنا علم الاقتصاد التقليدي إن هذا ليس بالأمر الحتمي. يؤكد النموذج المعتاد ~~لصناعة القرار الاقتصادي على أن كل بديل يفكر فيه الفرد يمكن أن يتوقع منه تحقيق ربح ~~أو «منفعة» محددة تعتمد جزئيا على تفضيلات هذا الفرد، ومن ثم إذا كان لشخصين ~~التفضيلات نفسها، فسيتفقان فيما يحبان ويكرهان، لكن في حال اختلاف التفضيلات، فقد يحب ~~بعض الناس ما يكرهه آخرون، مع ذلك، يكون من الواضح تماما دائما مدى رغبة أي شخص في ~~شيء ما، وكل ما يتبقى هو تحديد هل بإمكانه الحصول على هذا الشيء أم لا. # هذا، بالمناسبة، ما تفعله الأسواق تحديدا؛ إذ إنها تحدد الأسعار على نحو يجعل ~~المعروض من السلع والخدمات يتماشى تماما مع الطلب السائد، ومن ثم تضمن حصول الجميع على ~~ما يريدونه إلى الحد الذي يرغبون (أو يتمكنون) معه من الدفع في مقابل الحصول عليه؛ فإذا ~~رغب الكثير من الناس في الشيء نفسه، فسيرتفع سعره، ربما إلى حد بعيد يجعل بعض الناس لا ~~يرغبون فيه مثلما يرغبون في شيء آخر (كنقودهم على سبيل المثال)، لكن - وهذا هو الجزء ~~المهم - رغبات الآخرين لا تؤدي في الواقع إلى زيادة أو نقص «رغبتنا» في شيء ما، ولا ~~تغير أيضا من فائدته لنا؛ فالتفضيلات تظل ثابتة، وكل ما يحدده السوق هو السعر الذي ~~يمكن تحقيق هذه التفضيلات به. في ألعاب الاستراتيجية يصبح الأمر أكثر تعقيدا؛ إذ يجب ~~على اللاعبين أخذ تفضيلات الآخرين بعين الاعتبار عند وضع خطة عملهم، ومن ثم فإن ما ~~أختار فعله قد يتأثر بما أعرف أنك تريده، لكن ما أريده سيظل دون تغيير. في مثل هذا ~~العالم المفرط في العقلانية، ما من فائدة لسؤال أصدقائك عن رأيهم في شيء ما؛ لأنه ما من ~~شيء يمكنهم إخبارك ms193 به لا تعرفه بالفعل. إن تفضيلاتهم لا يمكن أن تؤثر على ~~تفضيلاتك. # لكن على أرض الواقع يتسم الكثير من المشكلات التي نواجهها بدرجة كبيرة من التعقيد أو ~~الالتباس، فلا نتمكن من تقييم الأفضل من بين البدائل. على سبيل المثال، في بعض الأحيان ~~عند الاختيار ما بين تبني تقنية جديدة معقدة أم لا، أو توظيف مرشح معين لوظيفة ما، ~~نفتقر ببساطة للمعلومات الكافية بشأن الخيارات المتعارضة، وفي أحيان أخرى (كما هو الحال ~~في سوق الأوراق المالية)، قد نكون قادرين على الوصول إلى قدر وافر من المعلومات، لكننا ~~نفتقر إلى القدرة على معالجتها بفعالية. تخيل أنك تسير في أحد شوارع مدينة أجنبية ~~باحثا عن مكان لتناول الطعام فيه، وأبصرت مطعمين متجاورين لديهما قوائم طعام متشابهة ~~(وغير مألوفة أيضا)، وأسعار مماثلة، وديكورات متشابهة إلى حد بعيد، لكن أحدهما يعج ~~بالزبائن، في حين هجر الناس الآخر. أيهما ستختار؟ ما لم تكن لديك مشكلة معينة في ~~التعامل مع جموع الناس، أو تشعر بالأسف على النادل الذي يدعوك لدخول المطعم الفارغ، ~~فستفعل ما نفعله جميعا عند افتقارنا للمعلومات الكافية؛ ستنهج النهج الذي اتبعته جموع ~~الناس. في النهاية، كيف يمكن لهذا العدد الكبير من الناس أن يكون مخطئا؟ # مع أن نتائج آش تجعل الأمر يبدو أشبه ~~بنقيصة ما، فإن الاهتمام بأفعال النظراء ونصائحهم يمثل عادة استراتيجية يعول عليها ~~للتصرف جيدا على نحو معقول على الأقل في عالم معقد لا يمكن التنبؤ به. يفضل الكثير من ~~الناس في أمور عدة - بدءا من اختيار برامج الدراسات العليا وصولا إلى اختيار الأفلام ~~التي يشاهدونها - الحد من الخطر المحتمل إلى أقصى درجة ممكنة، سواء فيما يتعلق ~~بتوقعاتهم المهنية أو وسائل الترفيه التي يلجئون إليها في الأمسيات، وذلك من خلال ~~ملاحظة تصرفات الآخرين ومحاكاتها، وحتى لو كنا نتحاشى الأغلبية على نحو بين، فنادرا ~~ما نتصرف كأفراد منفصلين أو معارضين معارضة تامة، بل يشغل تفكيرنا في الغالب أقلية من ~~الأفراد نبتغي بالفعل محاكاتهم، ومن ثم فإن الفرق بين الفاعلين الاجتماعيين التقليديين ~~وغير التقليديين ms194 لا يتعلق في الغالب بأن غير التقليديين لا يلقون بالا للآخرين، وإنما ~~في أن الآخرين الذين تهتم بهم هذه الفئة «يختلفون» عمن يهتم بهم الفاعلون الاجتماعيون ~~التقليديون. # ومن ثم فإن ما توصل إليه آش في تجاربه يبدو كآلية راسخة لحل المشكلات يتطلب فهمها ~~التعديل قليلا من النظرة التي ينظر بها إلى العقلانية البشرية مقارنة بما يتبناه ~~علماء الاقتصاد عادة؛ ففي النهاية، تفترض العقلانية الاقتصادية الخالصة بعض الافتراضات ~~غير المعقولة تماما بشأن إمكانات الفاعلين البشر. على سبيل المثال، من المفترض أن يعرف ~~الفاعلون العقلانيون الاستراتيجيون كل شيء بشأن تفضيلاتهم الشخصية، وأيضا تفضيلات ~~الآخرين كافة، هذا فضلا عن أن كل فاعل يعرف أن كل فاعل آخر يعرف ذلك، ويعرف أنه يعرف ~~أنه يعرف ... وهكذا، وبالوصول إلى هذا النكوص اللانهائي المتمثل في معرفة الجميع لكل شيء، ~~يكون من المفترض حينئذ أن يتصرف الفاعلون العقلانيون على نحو يحقق أقصى منفعة لهم، ~~شريطة أن يفعل كل شخص آخر الأمر نفسه. # بالطبع، لا يؤمن الاقتصاديون أنفسهم بأن الناس على هذا القدر من الذكاء، لكن من ~~المفترض أن يتصرفوا كما لو كانوا كذلك. ويشبه التعليل القياسي هنا إلى حد بعيد الحجة ~~التي تناولناها سابقا ضد وجود المستثمرين المضاربين؛ فأي شخص لا يتصرف وفقا للتوقعات ~~العقلانية سيحقق نتائج أسوأ ممن يفعل؛ لذا سواء أكانت الاستراتيجيات المختلفة متعمدة أم ~~لا، فسوف «يتعلم» الناس أن يتصرفوا بعقلانية؛ لأنهم سيلاحظون أن ذلك يؤدي إلى نتائج ~~أفضل، وبناء عليه، فإن التصرفات الوحيدة التي تحظى بأهمية هي تلك المستمدة من توقعات ~~عقلانية؛ لأن ذلك هو التوازن الذي سيقترب منه النظام حتميا، وشأن النظريات المثالية ~~عن السلوك البشري ، تتمتع هذه النظرية بجاذبية رائعة مؤكدة. في الواقع، من وجهة نظر ~~جمالية خالصة، يتسم قدر كبير من علم الاقتصاد الكلاسيكي الحديث بأنه جميل للغاية، لكن ~~كما رأينا في حالة المضاربين، عادة ما لا يبدو العالم الذي يصفه هذا العلم كالواقع ~~المعاش كثيرا. # في خمسينيات القرن العشرين أشار هيربرت سايمون، الذي تناولنا أفكاره في الفصل # الرابع # من ms195 هذا الكتاب في سياق الحديث عن نماذج النمو ~~التفضيلية، إلى أنه على الرغم من أن الوصول إلى الحد الأقصى العقلاني للمنفعة هو في ~~النهاية نظرية مختلقة، ولا يمكن اعتبارها وصفا جيدا للسلوك البشري إلا في الحالات ~~المحدودة التي تتحقق فيها النظرية على أرض الواقع، وإذا كانت الأدلة التجريبية، ناهيك ~~عن الفطرة السليمة، تشير إلى أن الناس لا يتصرفون بعقلانية، فلماذا لا توضع إذن نظرية ~~أكثر قابلية للتصديق؟ بعد أن استبدل سايمون الحدس بالملاءمة الحسابية، اقترح أن الناس ~~«يحاولون» التصرف بعقلانية، لكن قدرتهم على فعل ذلك مقيدة بقيود فكرية ووصول محدود ~~للمعلومات. باختصار، يظهر الناس ما يعرف ب «العقلانية المحدودة». # ومن ثم فإن أفضل طريقة لفهم ملاحظات آش عن صناعة القرار البشري هو اعتبارها انعكاسا ~~دقيقا للعقلانية المحدودة، فنظرا لأنه كثيرا ما تنتابنا الشكوك بشأن السلوك الأمثل ~~الذي علينا اتباعه، ولافتقارنا غالبا للقدرة على التوصل إلى هذا السلوك بأنفسنا، صرنا ~~معتادين على الانتباه بعضنا لبعض بافتراض أن الآخرين يعرفون أمورا لا نعرفها، ونحن ~~نفعل ذلك بانتظام، والأمر ينجح على نحو معقول غالبا، وهو ما يجعلنا نعكس نزعة لاإرادية ~~للاهتمام كثيرا بتصرفات الآخرين، حتى لو كانت الإجابة واضحة بالفعل. # متى تأثر سلوك الفرد الاقتصادي بأي شيء يقع خارج نطاق المعاملة التجارية نفسها، يطلق ~~علماء الاقتصاد على ذلك «الأثر الخارجي». وبوجه عام، ينظر علم الاقتصاد للمؤثرات ~~الخارجية كما لو كانت استثناء مزعجا لقاعدة تفاعلات السوق الخالصة، لكن إذا أخذنا ~~النتائج التي توصل إليها آش على محمل الجد، وإذا آمنا بالخبرات اليومية، بدءا من اتباع ~~جموع الناس في إحدى محطات القطار وصولا إلى اختيار إحدى خدمات الهاتف المحمول ، فسيبدو ~~أن ما يمكن أن نطلق عليه «المؤثرات الخارجية على القرار» منتشرة في كل مكان. وفي حالات ~~مثل تجارب آش، حيث تنبع المؤثرات الخارجية من الحدود المفروضة على ما يمكن أن نعرفه عن ~~العالم وكيف يمكننا معالجة ما نعرفه بالفعل، يمكننا أن نطلق على هذه المؤثرات - إلى حين ~~التوصل إلى مصطلح أفضل - «مؤثرات المعلومات الخارجية». ~~(6) المؤثرات ms196 الخارجية القسرية # مع أن الآراء الحقيقية للخاضعين لتجربة آش تأثرت تأثرا واضحا بالآراء (الزائفة) ~~لنظرائهم، فإن بعضهم شعر بضغط دفعهم لإبداء موافقتهم، على الرغم من أنهم «في قرارة ~~أنفسهم» لم يتغير رأيهم، وقد أوضح آش لاحقا أن إدراك هذا الضغط للامتثال لما يراه ~~الآخرون لم يكن وهميا؛ في صورة مختلفة من التجربة أعطيت التعليمات لشخص واحد فقط بأن ~~يجيب إجابة خاطئة، فما كان من الأغلبية - التي لا علم لها بما يحدث - إلا أن سخرت منه ~~فعليا؛ لذا فإن المؤثرات الخارجية القسرية قد تظهر في الكثير من مواقف صناعة القرار، ~~شأنها شأن مؤثرات المعلومات الخارجية، وقد يكون من الصعب التمييز بينهما في بعض ~~الأحيان. تفسر، على سبيل المثال، نماذج الجرائم التي تقوم بها العصابات بأن من ~~يرتكبها مراهقون سريعو التأثر بما حولهم، يتعرضون لضغوط من أقرانهم وممن يعدونه مثلهم ~~الأعلى لارتكاب أفعال عنيفة أو مخربة؛ ليثبتوا جدارتهم لأن يصبحوا أعضاء بهذه العصابات، ~~لكن في هذا المثال أيضا، تلعب المعلومات دورا ما. إذا كانت النماذج الشهيرة للنجاح ~~الاقتصادي والاجتماعي لدى الشاب هي تلك المرتبطة بقيادة العصابات، فعلى الأقل سيكون من ~~المعقول أن يبدو قراره بالسير على نهجهم - وإن كان ثمنه ارتكاب جرائم يدرك أنها غير ~~أخلاقية - طبيعيا تماما وغير قسري على الإطلاق. # إن تغيير المرء لمعتقداته استجابة لمعتقدات الآخرين الواضحة لا يقتصر على سريعي ~~التأثر أو ذوي المعلومات المغلوطة من الأفراد فحسب. في دراسة مبتكرة أجريت في ~~ألمانيا الغربية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أثبتت العالمة السياسية إليزابيث ~~نويل-نيومان، أنه قبل دورتين من الانتخابات الوطنية، عكست الحوارات المتعلقة بالسياسة ~~نموذجا ثابتا؛ إذ زاد مناصرو حزب الأغلبية من تعبيرهم اللفظي الملح عن آرائهم على ~~حساب الأقلية المتصورة، لكن كلمة السر هنا هي «المتصورة»؛ فقد أوضحت نويل-نيومان أن ~~مستويات دعم الحزبين السياسيين، التي يعبر عنها المواطنون الأفراد سرا، ظلت ثابتة ~~تقريبا، لكن ما تغير هو إدراك الأفراد لرأي الأغلبية، ومن ثم توقعاتهم بشأن الحزب الذي ~~سيفوز. ومن خلال ما أطلقت عليه نويل-نيومان «الارتفاع الحاد ms197 لمستوى الصمت»، صارت ~~«الأقلية» أقل رغبة في التعبير عن آرائها علنا، ومن ثم عززت من وضعها كأقلية، وأضعفت ~~من رغبتها في التعبير عما تراه بشكل أكبر. # لكن التصويت نشاط سري، ومن ثم قد يكون التوازن في الخطاب السابق للانتخابات غير مهم، ~~لكن نويل-نيومان اكتشفت أن الأمر ليس كذلك؛ فقد كانت أكثر النتائج التي توصلت إليها ~~إثارة للدهشة أنه في يوم الانتخابات، لم يكن أقوى العوامل التي تتنبأ بالنجاح في ~~الانتخابات هو أي الحزبين يدعمه المرء سرا، ولكن أيهما يتوقع أن يحقق الفوز، وبناء ~~عليه، فإن المعتقدات المتعلقة بمعتقدات الآخرين تبدو قادرة على التأثير على صناعة ~~القرارات الفردية، حتى لو كان ذلك في خصوصية حجيرة الاقتراع (أو ربما التأثير على قرار ~~التصويت في الانتخابات من عدمه في الأساس). وكما هو الحال في تجارب آش، وكذلك التوقعات ~~بشأن انتشار الجريمة، تبدو القوى التي تدفع إلى الارتفاع الحاد لمستوى الصمت أو تؤثر ~~على قرار المرء النهائي للتصويت مبهمة قليلا، مع ذلك، ربما تلعب كل من المؤثرات ~~الخارجية القسرية ومؤثرات المعلومات الخارجية دورا في هذا الأمر، ويمكن أن تظهر ~~المؤثرات الخارجية على القرار بطرق أخرى أيضا. ~~(7) مؤثرات السوق الخارجية # أثار علماء الاقتصاد الازدهار الذي شهدته التكنولوجيا المتقدمة بدءا من سبعينيات ~~القرن العشرين، فانصب اهتمامهم على المنتجات التي تزيد قيمتها بتزايد عدد من ~~يستخدمونها. على سبيل المثال، يعد جهاز الفاكس ماكينة مستقلة بذاتها، كالسيارة أو ~~ماكينة تصوير المستندات؛ فله مجموعة من الخصائص المحددة جيدا، لكن على عكس السيارات ~~وماكينات تصوير المستندات، يعتمد تحقيق النفع من جهاز الفاكس بشكل محوري على امتلاك ~~الآخرين لأجهزة فاكس بدورهم ، فما من جدوى لشراء جهاز فاكس قبل الآخرين، إلا إذا كانت ~~هناك جائزة لأول شخص يقتني أحدث أجهزة الفاكس، لكن مع تزايد عدد من يشترون هذه ~~الأجهزة، أصبحت أكثر قيمة، لتتحول في النهاية من طرفة تكنولوجية إلى ضرورة ~~فعلية. # نظرا لأن منتجات مثل أجهزة الفاكس تستمد بعضا من نفعها الذاتي على الأقل من وجود ~~أجهزة أخرى خارجية، فإن قرار شراء ms198 أحدها يتأثر بمؤثرات خارجية، لكن المؤثرات الخارجية ~~على اتخاذ القرار المرتبط بشراء جهاز فاكس ليست هي نفسها المؤثرات المعرفية أو القسرية ~~في تجارب آش. مع أنه عند اختيار جهاز معين لشرائه بالفعل، قد نعتمد على النصائح التي ~~يقدمها لنا أصدقاؤنا ذوو الاهتمامات التكنولوجية (ومن ثم نستفيد من مؤثرات المعلومات ~~الخارجية)، فإن القرار المتعلق بشراء جهاز الفاكس أو عدم شرائه هو عملية حسابية ~~اقتصادية تماما لا تعتمد إلا على التكلفة والمنفعة. يمكننا إذن التحدث، في حالة منتجات ~~مثل جهاز الفاكس، عن «مؤثرات السوق الخارجية» لنوضح أن المنفعة العائدة من المنتج ذاته ~~- وتكلفته في كثير من الأحيان، التي تنخفض غالبا عندما تصبح التكنولوجيا أكثر انتشارا ~~- تعتمد على عدد الوحدات المباعة، ومن ثم حجم السوق. (يفضل علماء الاقتصاد، بالمناسبة، ~~مصطلح «مؤثرات الشبكات الخارجية»، لكن نظرا لأن جميع المؤثرات الخارجية على قراراتنا ~~تعتمد على شبكات من التأثيرات، يعد مصطلح «مؤثرات السوق الخارجية» أقل ~~التباسا.) # تحظى في كثير من الأحيان مؤثرات السوق الخارجية بدعم غير مباشر مما يطلق عليه علماء ~~الاقتصاد «حالات التكامل»، ويتحقق التكامل بين اثنين من المنتجات (أو الخدمات) عندما ~~يزيد كل منهما من القيمة المستقلة للآخر. على سبيل المثال، تعد تطبيقات البرامج ~~وأنظمة التشغيل منتجات مكملة بعضها لبعض، وتتسم مؤثرات السوق الخارجية - خاصة عندما ~~تعززها حالات التكامل - بقدرتها على إحداث أثر تعقيبي إيجابي يعرف باسم «العوائد ~~المتزايدة» التي تشبه تأثير متى الذي سبق لنا تناوله في الفصل # الرابع ~~. فكلما زاد عدد أجهزة الكمبيوتر المزودة بنظام تشغيل محدد، زاد ~~الطلب على تطبيقات البرامج التي تعمل عليه، وكلما زاد عدد البرامج المتاحة لنظام تشغيل ~~معين، زاد الطلب على أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بهذا النظام، ويعبر ذلك، في الواقع، إلى ~~حد ما عن كيفية ارتباط سوق أجهزة الكمبيوتر الشخصية على نحو وثيق بنظام ويندوز الذي ~~تقدمه شركة مايكروسوفت. ونظرا لريادة مايكروسوفت المبكرة في سوق نظم التشغيل ~~(باعتبارها الخيار المفضل لدى شركة آي بي إم)، ولأنها تتمتع طبيعيا بميزة معينة ~~مقارنة بأي جهة أخرى في إنتاج ms199 البرامج المتوافقة مع نظام التشغيل الذي تنتجه، فقد تمكنت ~~من أن تستأثر بحصص ضخمة في كل من سوق نظم التشغيل وسوق التطبيقات، وعلى العكس، كان ~~لزاما دائما على شركة آبل شق طريقها بجهد في ظل حقيقة أنها تتحكم في حصة صغيرة ~~نسبيا من سوق نظم التشغيل، ومن ثم لم تتح أبدا أمام مستخدمي نظام التشغيل ماكنتوش ~~نفس خيارات تطبيقات البرامج التي يتمتع بها نظراؤهم من مستخدمي نظام التشغيل ~~ويندوز. ~~(8) مؤثرات التنسيق الخارجية # بناء على ما سبق، فإن المؤثرات الخارجية على القرارات يمكن أن تنشأ لأن الشكوك التي ~~تكتنف العالم الواقعي تدفعنا لالتماس المعلومات أو النصائح من نظرائنا (مؤثرات ~~المعلومات الخارجية)، أو الاستسلام مباشرة للضغط الذي يمارسونه علينا (المؤثرات ~~الخارجية القسرية)، ويمكن أن تظهر كذلك في ظل غياب الشك، ويرجع ذلك ببساطة إلى أن موضوع ~~القرار نفسه عرضة للعوائد المتزايدة (مؤثرات السوق الخارجية)، لكن ثمة فئة متميزة أخرى ~~من المؤثرات الخارجية على القرارات تنبع من بنية ألعاب المنافع العامة، مثل معضلة ~~العشاء ومأساة المشاع. # تذكر هنا أن نجاح هذه الألعاب يكمن في أن «فعل الصواب» - سواء أكان ذلك إعادة تدوير ~~المخلفات البلاستيكية أو الزجاجية، أم عدم الانتظار صفا ثانيا في شارع مزدحم (ولو ~~لبرهة قصيرة فحسب)، أو ملء وعاء القهوة بعد الحصول على آخر كوب به - يكون مكلفا على ~~المستوى الفردي، لكنه مفيد على المستوى الجمعي؛ فمن وجهة النظر الجمعية، إذا فعل عدد ~~كاف من الناس الصواب، فسيصبح الجميع أفضل حالا؛ فلن تنفد الموارد الطبيعية في العالم، ~~ولن تعاني الشوارع الازدحام المروري، ولن يصبح وعاء القهوة فارغا أبدا، أما من وجهة ~~نظر الأفراد، إذا كان الآخرون يفعلون الصواب، فثمة إغراء دائم في الانتفاع مما يبذله ~~هؤلاء الآخرون من جهود؛ أي جني ثمار مورد عام ما دون المساهمة فيه، بل الأسوأ من ذلك ~~أنه إذا لم يكن هناك من يفعل الصواب، فما مغزى المحاولة إذن؟ سيظل الأمر يكلفك القدر ~~نفسه من الجهد، لكن دون أن ينتفع به أي شخص. # يكمن جوهر المعضلة ms200 هنا في أن الأفراد هم من يتخذون القرارات، وليس الجماعات؛ لذا فإن ~~معظم الاستراتيجيات التي تهدف للتغلب على المعضلات الاجتماعية تحاول تنظيم الأمور بحيث ~~يكون لدى الأفراد حوافز أنانية لفعل ما هو مرغوب فيه على المستوى الجمعي. تطبق الحكومة ~~ذلك بإصدار مرسوم ما؛ فتضع قوانين تهتم بالمواطنين، ثم تجبر هؤلاء المواطنين على الطاعة ~~بقوة القانون. والأسواق، من جانبها، تحل هذه المعضلة أيضا، لكن على نحو مختلف تماما؛ ~~فمن خلال وضع كل شيء رهن الملكية الخاصة، والسماح للمالكين بالمتاجرة في ممتلكاتهم ~~بحرية، تتمكن الأسواق (كما أشار آدم سميث لأول مرة) من كبح جماح الأنانية الفردية لحساب ~~المصلحة العامة. # لكن لا يمكن لكل شيء أن تنظمه الحكومة أو أن يقدم جاهزا على نحو يسهل المتاجرة ~~فيه، وليس بالضرورة أن نرغب في أن تسير الأمور على هذا النحو؛ ففي ظل غياب حكومة عالمية ~~تملك القوة لإخضاع جميع الدول، ودون اللجوء إلى أي حروب، لا وجود في الحقيقة لما يسمى ~~معاهدة دولية نافذة (فلا يمكن الزج بدولة بأكملها في السجن ببساطة لامتناعها عن ~~التعاون). ونظرا لأن الكثير من الاتفاقيات الدولية تعنى بكيانات غير قابلة للتجزئة ~~بطبيعتها، كالمناخ والمحيطات، كثيرا ما يستحيل تحقيق التوافق بين المصالح الفردية ~~والجمعية عبر قوى السوق فحسب. بالأحرى، لا بد من التوصل إلى الاتفاقيات الدولية والحفاظ ~~عليها من خلال التعاون بين دول مستقلة ذات سيادة، بحيث تعرض كل منها منطقها ومصالحها ~~على مائدة المفاوضات. ومعاقبة إحدى الدول الجانحة عن طريق تطبيق عقوبات تجارية، مثلا، ~~يتطلب تعاون الدول الأخرى من خلال عدم انتهاك هذه العقوبات لتحقيق مصلحة خاصة. # وعلى الرغم من صعوبة تحقيق التعاون الجماعي والمحافظة عليه في غياب حكومة مركزية ~~فعالة أو أسواق ذات أداء فعال، فإنه أمر ممكن، بل يحدث بالفعل، ليس فقط على الساحة ~~الدولية، بل أيضا على مستوى المجتمعات والشركات والحياة الأسرية، ومع أن الشروط اللازم ~~توافرها لظهور التعاون بين صناع القرار، الذين يتسمون بالأنانية، لا تزال موضوعا ~~للنقاش، فقد ألقت الدراسات النظرية والتطبيقية على مدار العقدين ms201 الماضيين قدرا كبيرا ~~من الضوء على هذا الأمر. تقوم كل هذه التفسيرات على متطلبين أساسيين؛ أولا: ينبغي على ~~الأفراد الاهتمام بالمستقبل، ثانيا: لا بد أن يؤمنوا بأن أفعالهم تؤثر على قرارات ~~الآخرين. فإذا كنت لا تعنى بما يحدث لك أو لغيرك في اللحظة التالية، فسيكون دافعك ~~الوحيد للتصرف هو الأنانية، لكن عندما يكون للمستقبل أهمية، حينئذ فقط تكون التضحية ~~قصيرة الأجل التي ينطوي عليها أي فعل يقوم به المرء تجاه الآخرين تستحق ما يبذل في ~~سبيلها من جهد، لكن الاهتمام بالمستقبل ليس كافيا؛ فلن يمنحك المستقبل أي حافز لدعم ~~مصلحة الجماعة، إلا إذا آمنت بأنه من خلال فعل ذلك ستتمكن من دفع الآخرين للانضمام ~~إليك، والسبيل الوحيد - لتقييم قدر الاختلاف الذي يمكنك تحقيقه، وهل هو كاف - هو ~~ملاحظة التصرفات الصادرة عن الآخرين. إذا بدا أن عددا كافيا من الناس يسيرون على ~~النهج نفسه، فقد تقرر أن الأمر جدير بالمحاولة أيضا، وإن لم يكن فلن تفعل. نتيجة لذلك، ~~فإن اتخاذ قرار بالتعاون من عدمه يعتمد اعتمادا أساسيا على ما سنطلق عليه «مؤثرات ~~التنسيق الخارجية». ~~(9) صناعة القرار اجتماعيا # دائما ما ننتبه نحن البشر بطبيعتنا، وعلى نحو حتمي، وأحيانا بلا وعي، إلى بعضنا ~~البعض عند اتخاذنا القرارات بصورها كافة، بدءا من التافهة ووصولا إلى تلك التي تغير ~~مسار حياتنا، وسواء أكان ذلك نابعا من حاجة لتعويض ما نفتقر إليه من معلومات، أو ~~انصياعا منا لضغوط الأقران، أو استغلالا لمزايا وسيلة تكنولوجية مشتركة، أو محاولة ~~منا لتنسيق مصالحنا المشتركة، غير أن هذا منظور لا نرتاح تماما عندما نرى أنفسنا من ~~خلاله؛ فنحن نفضل النظر لأنفسنا كأفراد مستقلين قادرين على اتخاذ قراراتنا بأنفسنا بشأن ~~ما نراه مهما، وبشأن الكيفية التي نعيش حياتنا بها. لقد اكتسبت فكرة الفرد المستقل، ~~خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، عددا كبيرا من الأتباع المخلصين؛ لتتحكم بذلك ~~في حدسنا ومؤسساتنا، فيجب النظر إلى الأفراد ككيانات مستقلة، والتعامل مع قراراتهم على ~~أنها تنبع من داخلهم، والنتائج التي تنعكس عليهم مؤشرات لما يتمتعون به ms202 من مواهب وخصال ~~فطرية. # هذه فكرة جيدة، لا تدل ضمنا فحسب على المفهوم الجذاب من الناحية النظرية، القائل إنه ~~يمكن للأفراد المستقلين أن يكونوا أشخاصا يسعون دائما، وعلى نحو عقلاني، إلى ما هو ~~أمثل، لكنها تنطوي أيضا على رسالة ذات بريق أخلاقي تقول إن كل شخص مسئول عن أفعاله. مع ~~ذلك، ثمة اختلاف بين أن يكون المرء مسئولا عن أفعاله، والاعتقاد بأن تفسير هذه الأفعال ~~مقتصر على الذات وحدها، وسواء أكنا نعي ذلك أم لا، فنادرا - هذا إن لم يكن مطلقا - ما ~~نتخذ قراراتنا على نحو مستقل ومنعزل تماما عما حولنا، فغالبا ما تتوقف هذه القرارات ~~على الظروف المحيطة بنا، وماضينا، وثقافتنا. لا يمكننا كذلك عدم التأثر بالكم المذهل من ~~المعلومات المتاحة دائما في كل مكان من حولنا، وتقدمها لنا في أغلب الأحيان وسائل ~~الإعلام، وعندما نحدد طبيعتنا كأفراد، والظروف المحيطة بنا في حياتنا، تحدد هذه ~~المؤثرات العامة كلا من الخبرة والتفضيلات التي نستحضرها في أي موقف نتخذ فيه قرارا، ~~لكن عندما نوضع في الموقف ذاته، قد تكون خبراتنا وميولنا غير كافية لحسم قراراتنا بشأن ~~ما نتخذه من قرارات، وهنا تتدخل المؤثرات الخارجية - سواء أكانت معلومات، أم عوامل ~~قهرية، أم متعلقة بالسوق، أم تنسيقية - لتلعب دورا محوريا، وعندما تأتي لحظة ~~الاختيار، فإن البشر كائنات اجتماعية في الأساس، وإذا تجاهلنا دور المعلومات الاجتماعية ~~في عملية صنع القرار - أي تجاهلنا دور المؤثرات الخارجية - فسوف نسيء فهم العملية التي ~~تحدد ما نقوم بفعله. # قرأت حديثا مقالا في إحدى الصحف عن الرواج المتزايد لثقب أجزاء من الجسم لوضع ~~الأقراط بها، خاصة بين المراهقين، ووفقا لما قاله الشباب المتمردون الذين أجريت معهم ~~المقابلات، فهم لم يتخذوا القرار بثقب أجسامهم لإغضاب آبائهم غير المواكبين للعصر، أو ~~حتى لأن أصدقاءهم يفعلون ذلك، لكن السبب الوحيد هو إرضاء أنفسهم! قالت إحدى الفتيات: ~~«لأنني أردت ذلك.» حسنا، ربما يكون الأمر كذلك، لكن هذا التفسير المرتجل لا يفضي في ~~الحقيقة إلا إلى السؤال: ولماذا أرادت ذلك؟ بلا شك ستدعي الفتاة ms203 المذكورة في ذلك ~~المقال أنه كان اختيارها الحر؛ نظرا لكون الاستقلالية ميزة يسعى وراءها المراهقون ~~الأمريكيون بصورة خاصة، لكن التكتل الزمني والجغرافي والاجتماعي المدهش لهذه القرارات ~~«الحرة» يوحي بأنها كانت بعيدة كل البعد عن الاستقلالية، فانتشرت النزعة لثقب أجزاء ~~الجسم كالنار في الهشيم، من مدينة إلى مدينة وبين المجموعات الاجتماعية في هيئة سلسلة ~~من القرارات، يتخذها شخص لا يعي الإطار الأكبر الذي ينتمي إليه القرار الذي اتخذه، لكن ~~الإطار موجود، وهو إطار يتشارك فيه عدد وافر من الظواهر الاجتماعية الأخرى، بدءا من ~~النظم المالية المعاصرة وصولا إلى الثورات الشعبية، لكن، لفهم هذا الإطار، علينا ~~التوغل أكثر في القواعد التي تتحكم في اتخاذ الأفراد للقرارات، وكيف، في هذه الأثناء، ~~تصبح خياراتنا التي تبدو مستقلة، مرتبطة بعضها ببعض على نحو معقد. # الفصل الثامن # | الحدود والسلاسل وقابلية التنبؤ # أذكر أنني أخبرت ستيف بشأن سلاسل المعلومات في مؤتمر الرابطة الأمريكية للنهوض بالعلم في ~~عام 2000 في واشنطن العاصمة، حيث ألقى هاريسون وايت خطابه عن السياقات الاجتماعية، الذي ~~دفعنا لبدء العمل على مشروع شبكات الارتباط مع مارك، وأثناء تجولنا بأرجاء حديقة الحيوان ~~الوطنية صبيحة أحد أيام الآحاد الباردة في انتظار استيقاظ القردة من نومها، اتفقنا على أن ~~إحدى أكثر السمات الخادعة لمشكلة السلاسل تتمثل في اتسام النظام معظم الوقت بالاستقرار ~~التام، حتى في وجه الصدمات الخارجية المتكررة، لكن بين الحين والآخر، ولأسباب لا تبدو واضحة ~~مسبقا أبدا، تتجاوز إحدى هذه الصدمات الحدود على صورة سلسلة. # يبدو أن العامل المحوري في أي سلسلة هو أنه عندما يتخذ الأفراد قراراتهم، بشأن كيفية ~~التصرف أو بشأن ما يشترونه، فهم يتأثرون ليس فقط بماضيهم ومداركهم وتحيزاتهم، بل أيضا ~~بعضهم ببعض، ومن ثم لا يمكن فهم السلوك الجمعي، بدءا من الصيحات الجديدة وصولا إلى ~~الفقاعات المالية، إلا من خلال استيعاب ديناميكيات القرارات مع المؤثرات الخارجية عليها. ~~ومرة أخرى، تكمن في أعماق المشكلة شبكة؛ تلك الشبكة المتشعبة من الإشارات والتفاعلات التي ~~ينتقل من خلالها المؤثر من شخص لآخر. وقد فكرت أنا ms204 وستيف، فيما بيننا، ~~كثيرا بشأن الكيانات المعدية التي تنتشر عبر ~~الشبكات، لكن ما ورد على ذهننا أغلب الوقت هو أن ما نتحدث عنه هو الأمراض البيولوجية؛ كنقص ~~المناعة البشرية والإيبولا، أو فيروسات الكمبيوتر. أجرينا بعض الدراسات - كجزء من بحثي ~~لرسالة الدكتوراه - عن نشوء التعاون في شبكات العالم الصغير وعن حالة خاصة تعرف باسم ~~«نموذج المقترعين» (وهي حالة مشابهة لمسألة الارتفاع الحاد لمستوى الصمت التي درستها ~~نويل-نيومان)، لكننا لم نفكر آنذاك في أي من هاتين المشكلتين باعتبارهما مرتبطتين ~~بالعدوى. # الآن يبدو جليا أن العدوى في أي شبكة تمثل عنصرا محوريا لظهور التعاون أو بروز إحدى ~~فقاعات السوق، شأنها في ذلك شأن تفشي وباء نتيجة لمرض ما، لكنها ليست النوع نفسه من العدوى. ~~وهذه النقطة مهمة للغاية؛ لأننا عادة عندما نتحدث عن مشكلات العدوى الاجتماعية نستخدم ~~مفردات الأمراض، فنصف الأفكار بأنها «معدية»، وصور انتشار الجريمة بأنها «وبائية»، ووسائل ~~الوقاية من مخاطر السوق بإقامة «مناعة» ضد الأزمات المالية. ما من شيء خاطئ في هذه الصفات، ~~عند النظر إليها كاستعارات؛ فهي، في نهاية المطاف، جزء من المخزون اللغوي، وكثيرا ما تعبر ~~عن الفكرة العامة بوضوح. لكن يمكن أن تكون الاستعارات مضللة؛ لأنها توحي أيضا بأن الأفكار ~~تنتشر من شخص لآخر بالطريقة ذاتها التي تنتشر بها الأمراض؛ أي إن كل صور العدوى متشابهة ~~جوهريا، وهذا غير صحيح، وبوسعنا أن ندركه عندما نفكر ثانية في الجوانب النفسية لصنع ~~القرار. ~~(1) نماذج حدود القرارات # تصور نفسك في إحدى تجارب سولومون آش، ومعك سبعة أفراد آخرين، تلقى بعضهم تعليمات ~~بالإجابة عن السؤال الذي سيطرح عليهم إجابة صحيحة، وهي (أ )، في حين يجيب البعض الآخر ~~الإجابة الخاطئة، (ب)، عن عمد. لست على علم بذلك، لكن لا أهمية لذلك في البداية؛ لأنك ~~ما إن تر الشريحة حتى تثق تماما أن الإجابة هي (أ). لكن قبل أن تتمكن من التعبير عن ~~رأيك، عليك أن تنتظر أن ينطق الآخرون جميعا بإجاباتهم، وفي تلك الأثناء من الجائز أن ~~تغير رأيك. تصور الآن أن ستة ms205 من بين الأفراد السبعة قد صوتوا للإجابة (أ)، الأمر ~~الذي يعزز رأيك، في حين صوت شخص واحد للإجابة (ب). ذلك الشخص أحمق بالطبع، وسيسخر منه ~~الجميع، وما من سبيل لتغير رأيك، وإذا صوت شخصان للإجابة (ب)، فمن المحتمل ألا ~~يتغير شيء؛ فستظل الأغلبية داعمة لرأيك الطبيعي، ومن ثم ليس هناك سبب لتشك في نفسك، أما ~~إذا صوت ثلاثة أو أربعة أشخاص للإجابة (ب)، فربما يبدأ القلق في التسرب إلى نفسك. ما ~~الذي يحدث؟ كيف يمكن لمجموعة من الناس أن تنقسم على نفسها إلى هذا الحد بشأن أمر على ~~هذا القدر من الوضوح؟ ما الذي غفلت عنه؟ قد تظن حينها أنك لست على يقين تام، وإن كنت ~~عديم الثقة بالذات، فقد تغير رأيك، لكن ربما تكون واثقا حقا من إجابتك، فلا يزعزعك ~~شيء عن قرارك. حسنا، والآن ماذا إذا صوت خمسة أفراد للإجابة (ب)، أو ستة، بل ماذا ~~إذا أجاب الأفراد السبعة جميعهم بتلك الإجابة؟ # ما المرحلة التي سينهار عندها يقينك؟ ما المرحلة التي ستعلن فيها إذعانك ذهنيا ~~وتسلم فيها بأنك لا تستوعب ما يفهمه الآخرون جميعا؟ ربما لن تفعل ذلك أبدا؛ فبعض ~~الناس لا يغيرون رأيهم مطلقا، لكن في المواقف التي نحمل فيها شكا ما في نفوسنا، حتى ~~لو كان بسيطا للغاية، يفعل أغلبنا ذلك؛ هذا بالتأكيد ما أشارت إليه تجارب آش. وعند ~~دراسة النتائج التي توصل إليها آش بمزيد من التعمق نكتشف أمرا أكثر إثارة؛ فقد أثبت، ~~بتغيير عدد الناس في الغرفة، أن نزعة الخاضعين للتجربة للموافقة على رأي الأغلبية كانت ~~مستقلة إلى حد بعيد عن العدد المطلق للأفراد ، فلم يكن مهما هل ثلاثة أفراد أم ثمانية ~~أجابوا إجابة معينة؛ المهم أنهم أجمعوا عليها. الأمر الثاني الذي لاحظه آش أنه في حال ~~ظهور أي صدع بسيط في حائط الإجماع هذا - أي إذا تلقى فرد واحد من الأغلبية تعليمات ~~بأن يجيب إجابة صحيحة، ومن ثم يتفق مع الشخص الخاضع للتجربة - فسوف تعود إليه ثقته في ~~الغالب، ومن ثم يشهد معدل ms206 الأخطاء تراجعا حادا. # تكشف هذه التنويعات حول نتيجة آش الرئيسية عن بعض المعاني الخفية المهمة للقاعدة ~~العامة التي تنص على أن الكائنات الاجتماعية تعير بعضها بعضا اهتماما عند اتخاذ ~~القرارات؛ أولا: ليس العدد المطلق لمن يتخذون خيارا معينا هو الذي يلزم المرء باتباع ~~نهجهم، بقدر ما هو العدد النسبي، أو الجزئي، من الناس الذين يفضلون أحد البدائل على ~~غيره. ولا يعني ذلك أن حجم العينة لا علاقة له بالأمر، فإذا التمست القليل فقط من ~~الآراء قبل اتخاذ قرار ما، فسوف يحمل كل رأي قيمة أكبر مما إذا التمست آراء الكثير من ~~الناس، لكن ما إن يحدد عدد المجاورين لك، ويعرض الخيار؛ الخيار (أ) في مقابل الخيار ~~(ب)، يكون العدد «النسبي» للمجاورين لك ممن يختارون (أ) بدلا من (ب) هو الدافع وراء ~~قرارك. ثانيا: يمكن أن يكون للتغيرات الطفيفة في نسبة المجاورين لك ممن يتخذون خيارا ~~واحدا بدلا من الآخر تأثير هائل على قرارك النهائي. على سبيل المثال، عندما نسمع ~~شائعة ملفقة، قد نرغب عن تصديقها، لكننا عندما نسمع الشائعة نفسها من مصدر ثان، وربما ~~ثالث، نميل في مرحلة ما للانتقال من الشك إلى القبول (ربما على مضض)، ومرة أخرى نتساءل: ~~كيف يمكن لهذا العدد الكبير من الناس أن يجانبهم الصواب؟ # ومن ثم، مع أن اتخاذ قرار ما يمكن اعتباره نوعا من «الإصابة بعدوى» فكرة معينة، فإن ~~آلية العدوى هنا مختلفة تماما عن العدوى بمرض ما؛ ففي الأمراض ينطوي التعرض لشخص واحد ~~مصاب بالعدوى على القدر نفسه من احتمالية الإصابة مهما يكن عدد حالات التعرض غير ~~الناجحة التي حدثت قبل ذلك . بعبارة أخرى، تحدث حالات العدوى بالأمراض على نحو «مستقل» ~~بعضها عن بعض. على سبيل المثال، في حالة الأمراض المنقولة جنسيا، إذا أقام شخص ما ~~علاقة جنسية مع آخر مصاب بالعدوى، وحالفه الحظ في ألا يصاب بها، فإن احتمالية تجنبه ~~للضرر في المرة التالية التي يتعرض فيها هذا الشخص للعدوى، لن تزيد أو تقل؛ فكل مرة ~~مستقلة بذاتها. يعرض الشكل # 8-1 ms207 # رسما بيانيا يعكس الاحتمالية ~~المتزايدة للإصابة بالعدوى، ومع أن هذه الاحتمالية تكون ثابتة في حالة الأعداد الكبيرة ~~من المتجاورين المصابين بالعدوى، فمع كل حالة تعرض إضافية تزيد الاحتمالية الكلية ~~لتعرض الأعداد الصغيرة للعدوى بالقدر نفسه تقريبا. # شكل 8-1: احتمالية الإصابة بالعدوى في نموذج انتشار الأمراض القياسي تعتمد على ~~عدد الأفراد المجاورين للمرء المصابين بالعدوى. # على النقيض من ذلك، العدوى الاجتماعية ~~مشروطة إلى حد بعيد؛ إذ يعتمد تأثير رأي شخص معين - ربما على نحو هائل - على الآراء ~~الأخرى التي تلتمس. على سبيل المثال، يمكن أن يمثل رأي سلبي بشأن أحد المرشحين ~~المحتملين لوظيفة ما القشة التي تقصم ظهر البعير إذا جاء في أعقاب ملاحظات سلبية سابقة، ~~أو قد يتجاهل تماما إذا تبعه عدد وافر من التقارير الإيجابية؛ لذا فإن قاعدة القرار ~~الاجتماعي تشبه ما هو موضح في الشكل # 8-2 ~~، حيث تزيد احتمالية اختيار ~~النتيجة (أ) ببطء شديد في البداية مع زيادة نسبة المجاورين الذين يختارون (أ)، قبل أن ~~تقفز سريعا عند تجاوز «الحد الحرج». نظرا لهذا التحول المفاجئ من بديل لآخر، نطلق على ~~هذا النوع من قواعد القرارات «قاعدة الحدود»، وهي القاعدة التي يعبر فيها موضع حد ~~الشخص عن مدى سهولة تأثره. يقع الحد، في تجارب آش، قريبا للغاية من الرقم واحد؛ ذلك ~~لأن أي شيء أقل من الإجماع المطلق أدى إلى عدد قليل للغاية من الأخطاء من جانب الخاضعين ~~للتجربة، لكن في المواقف الأخرى التي يشوبها قدر أكبر من الشك، مثل اختيار جهاز كمبيوتر ~~جديد أو التصويت لأحد الأحزاب السياسية، حيث قد يبدو أفضل بديل مبهما، يمكن أن تكون ~~قيم الحدود أقل بكثير . # شكل 8-2: احتمالية اختيار (أ) في مقابل (ب) في صناعة القرار اجتماعيا، وذلك ~~وفقا لنسبة الأفراد المجاورين الذين يختارون (أ). عند الوصول إلى ~~«الحد الحرج» للفرد، تقفز احتمالية اختيار (أ) سريعا من الصفر تقريبا ~~إلى حوالي واحد. # ثمة سبل أخرى لاستنباط قواعد الحدود، المتوافقة مع الأنواع المختلفة للمؤثرات ~~الخارجية التي تناولناها في الفصل السابق. على سبيل المثال، ms208 يمكن تمثيل قرار تبني ~~تقنية جديدة بقاعدة حدود إذا كانت هذه التقنية عرضة لمؤثرات السوق الخارجية. لا أهمية ~~هنا لاختلاف أصل المؤثرات الخارجية عن مؤثرات المعلومات الخارجية المستخدمة في تجارب ~~آش. في مثال جهاز الفاكس، كل ما يهم فيما يتعلق بقرار الشراء (بجانب التكلفة) هو أن ~~تمتلك نسبة معينة من الناس الذين تتواصل معهم (أو ترغب في التواصل معهم) أجهزة فاكس، ~~بالإضافة لذلك، فإن احتمالية تبني مثل هذه التقنية يمكن أن تتغير سريعا، إذا زاد عدد ~~الأفراد المالكين للفاكس - كنسبة من إجمالي عدد من تتواصل معهم - ليتجاوز الحد الذي ~~يصبح فيه الشراء ذا مغزى اقتصادي. # يمكن أيضا استنباط قواعد الحدود من مؤثرات التنسيق الخارجية في المعضلات الاجتماعية، ~~حيث لا تستحق تكلفة المساهمة في المصلحة العامة وحدها ما يبذل في سبيلها من عناء، إلا ~~عندما يساهم عدد كاف أيضا من الأفراد الآخرين. يعتمد الوضع الفعلي لحد الفرد بدقة على ~~مدى اهتمام ذلك الفرد بالمكاسب المستقبلية مقارنة بالربح قصير الأجل للتصرف على نحو ~~أناني، وأيضا مدى التأثير الذي يرى أنه يحدثه. من الممكن أن يكون لدى الأفراد حد مرتفع ~~يجعلهم لا يشاركون مطلقا، بصرف النظر عما يفعله الآخرون، أو حد منخفض يدفعهم ~~للمشاركة دائما. المهم هنا هو أنه مهما تكن ماهية هذا الحد أو كيفية وصوله لهذه الدرجة ~~على وجه التحديد، فكل شخص له حد ما. # ولهذا من الأهمية بمكان فهم نماذج حدود صناعة القرار. ومع أنه قد يوجد الكثير من ~~السبل لاستنباط إحدى قواعد الحدود - سواء من منطق نظرية الألعاب أو رياضيات العوائد ~~المتزايدة أو الملاحظة التجريبية - فما إن يترسخ وجودها حتى لا يكون هناك داع لأن نشغل ~~بالنا بكيفية استنباطها، ونظرا لأن اهتمامنا منصب على صناعة القرار الجماعي، فإن كل ما ~~نحتاج إلى معرفته بشأن قاعدة صناعة القرار ذاتها هو أنها تتسم ببعض السمات الأساسية ~~لصناعة القرار الفردي. ما يعنينا الآن هو «النتائج» على مستوى «مجموعة الأفراد». بعبارة ~~أخرى، عندما يبحث الجميع عن إشارات حول ما يجب فعله، وتصدر عنهم ms209 هم أنفسهم إشارات، فما ~~شكل القرار الذي من المرجح أن تجمع عليه مجموعة الأفراد ككل؟ هل سيظهر التعاون أم ~~سيظل الوضع الراهن كما هو؟ هل ستؤدي سلسلة البيع إلى تحول الأسعار إلى فقاعة غير مستقرة ~~أم سيسود حس بقيمة جوهرية ما؟ هل سينجح أحد الابتكارات التكنولوجية أم يفشل؟ هذه هي ~~نوعية الأسئلة التي يمكن أن نأمل أن تجيب عنها النماذج البسيطة القائمة على قواعد ~~الحدود. ونظرا لأن قاعدة الحدود تعبر عن العديد من مواقف صنع القرار اجتماعيا، ~~فأيا كان ما ستعبر عنه بشأن صناعة القرار الجماعي فسيطبق بصرف النظر عن كثير من ~~التفاصيل. ~~(2) تحديد نقاط الاختلاف # رغم ما ذكر سابقا، فإن بعض التفاصيل مهمة بالفعل، وأهم شيء هو أنه في مشكلات ~~العدوى الاجتماعية بكافة صورها، يجدر بنا أن نضع في حسابنا ملاحظة أساسية مفادها أن ~~«البشر مختلفون». يتمتع البعض - أيا كان السبب وراء ذلك - بإيثار يفوق ما يتسم به ~~الآخرون، ولديهم الاستعداد لتحمل تكلفة شخصية أكبر لدعم فكرة لم تحظ بعد بفرصة ~~للنجاح. هؤلاء هم متظاهرو لايبزيج، والمحتجون بميدان السلام السماوي، ومريدو القس ~~الألماني مارتن لوثر، وأتباع الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينج؛ جميعهم وضعوا حياتهم ~~وحريتهم على أكفهم في معركتهم للدفاع عما يؤمنون به، ونادرا ما ينتهي بهم المآل ~~منعمين بحياة رغدة، لكنهم يلعبون الدور المحوري في الريادة، أما البعض الآخر، ~~فيتسمون بالتعاطف والرغبة في المشاركة، لكن ليس قبل أن تتضح إمكانية نجاح الفكرة، ~~وتقل تكاليف الانضمام إليها، وثمة فئة أخرى لا تنضم إلى الفكرة إلا عندما يبدو النجاح ~~مؤكدا تماما؛ فيخشون أن يفوتهم جني ثماره. # من الأمور المهمة أيضا من منظور صناعة القرار أن الأفراد يملكون بوجه عام مستويات ~~مختلفة من المعلومات أو الخبرات المرتبطة بإحدى المشكلات، ومن ثم من السهل أن يتأثر ~~بعضهم بسهولة أكبر مقارنة بآخرين. يختلف الناس أيضا من حيث قوة قناعاتهم، بصرف النظر ~~عما إذا كانوا أكثر معرفة أم لا؛ فبعض الناس مبتكرون بطبيعتهم؛ يحلمون دائما بأفكار ~~جديدة أو استخدامات مبتكرة للمنتجات الموجودة بالفعل، أما ms210 البعض الآخر الأقل ابتكارا، ~~فيبحثون باستمرار عن أحدث الأدوات أو الصيحات، آملين في تحقيق الربح من استثمار مبكر أو ~~التفاخر فحسب أمام أصدقائهم، لكن يواصل آخرون التمسك بما يفهمونه بالفعل، رغم محاولات ~~تغيير العالم من حولهم. ومعظمنا في المنتصف بين هذا وذاك، تشغلنا حياتنا لدرجة لا تسمح ~~لنا بقضاء وقت طويل في الابتكار أو البحث عن المبتكرات، لكن يسعدنا دائما الانضمام إلى ~~الآخرين ما إن يصبح خطر الظهور بمظهر الحمقى في أدنى مستوى له. # مع أن تنوع تفضيلات الناس وأمزجتهم أمر معقد في الحياة الواقعية، فمن اليسير نسبيا ~~التعبير عنه في نموذج الحدود الذي سبق لنا تناوله، وعلى عكس معظم النماذج في الفيزياء ~~(بل في الاقتصاد أيضا) حيث يعد الأفراد متماثلين بوجه عام، يمكن للأفراد هنا في ~~شبكتنا أن يكون لهم حدود مختلفة، حيث يمكن تفسير «التوزيع العام للحدود» (الموضح مثال ~~عليه في الشكل # 8-3 ~~) كقياس للتنوع في مجموعة الأفراد ككل. وهذا ~~النوع من التنوع، الذي يمكن أن نطلق عليه «التنوع الجوهري»، يبدو مهما في انتشار ~~سلاسل المعلومات؛ بطرق مدهشة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، يؤدي وجود مجموعة متنوعة ~~كبيرة من الحدود الشخصية في مجموعة الأفراد إلى زيادة فرص المنتجات أو الأفكار الجديدة ~~في الانتشار بصورة كبيرة. # شكل 8-3: يعكس توزيع احتمالية الحدود بمجموعة الأفراد تنوع الخصائص ~~الفردية. # ثمة نوع آخر من التنوع على درجة من الأهمية: إذا كان انتباه بعضنا لبعض مهما إلى ~~هذا الحد، فلا بد أن «عدد» من ننتبه إليهم مهم أيضا. على سبيل المثال، عندما أشتري ~~ملابس جديدة، أصطحب معي في أغلب الأحيان امرأة ما، خشية أن تتسبب احتمالية اتخاذي ~~قرارات بشأن ملابسي دون رقابة في إصابتي بالفزع وهجر فكرة الشراء. من الأمثل لي أن ~~أصطحب معي أكثر من امرأة واحدة، ليس فقط لأن ذلك سيحدث العجائب في مظهري، بل أيضا لأن ~~العديد من الآراء من المحتمل أن تؤدي إلى معلومات يمكن الاعتماد عليها على نحو أكبر، ~~لكن عادة ما يعد إقناع أكثر من واحدة ms211 من صديقاتي بالمجيء معي للتسوق أمرا صعبا ~~جدا، ومن ثم يجب علي تحري الدقة عند اختياري لصديقتي؛ فرأيها - في ظل عدم تمتعي ~~بذوق راق في الملابس - يكون قاطعا، وما سينتهي بي الحال مرتديا إياه يكون تحت رحمتها ~~تماما. في مواقف أخرى، بدءا من اختيار فيلم معين، أو زيارة مطعم ما، أو شراء جهاز ~~كمبيوتر محمول جديد، أو تعيين مرشح محدد في وظيفة ما، قد نلتمس مجموعة مختلفة من الآراء ~~تعتمد على أهمية القرار لنا والوقت المتاح أمامنا، لكن لا تعد الآراء الكثيرة أفضل ~~دائما، فكلما زاد عدد الآراء التي نلتمسها لاتخاذ قرار ما، تراجع مدى تأثرنا بأي منها، ~~ومن ثم قل تأثير أي اقتراح منفرد. # يمكن اعتبار الإحصائيات الإجمالية؛ كاستطلاعات الآراء أو حصص السوق لمنتج معين، من ~~نفس نوعية المعلومات المنقولة اجتماعيا التي نحصل عليها من أصدقائنا، لكنها تنتشر بين ~~عدد أكبر من الأفراد. كثيرا ما تروج شركة فورد لسيارتها «إكسبلورر» تحت مسمى ~~«السيارة الرياضية متعددة الأغراض الأكثر مبيعا في أمريكا»، لتشير ضمنا إلى أنه إذا ~~نالت السيارة إعجاب هذا العدد الكبير من الناس، فسوف تنال إعجابك أنت أيضا. يعد سعر ~~سهم ما مثالا آخر على هذا الأمر: فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يريدون شراء الأسهم في ~~السوق كلها، ارتفع سعرها. ظاهريا، يبدو أن هذا النوع من المعلومات العامة ينبغي أن ~~يكون أكثر موثوقية من طرح الأسئلة فحسب على أصدقائك؛ فهي صادرة عن عينة كبيرة من ~~الناس. # مع ذلك، فكثيرا ما نتأثر على نحو متفاوت بالآراء أو الأفعال الصادرة عن زملاء أو ~~مصادر أو معارف أو أصدقاء مقربين لنا. على سبيل المثال، عند اتخاذ قرار بشأن شراء جهاز ~~كمبيوتر محمول شخصي أو ماكنتوش، ستبدو حقيقة تفوق الكمبيوتر الشخصي على الماكنتوش من ~~حيث المبيعات عالميا أمرا غير ذي صلة إذا كان كل من تعمل معهم يستخدمون الماكنتوش. ~~في الواقع، أشارت إحدى حملات الدعاية الحديثة لشركة آبل إلى أنك إذا كنت محاسبا (أي ~~«مضجر، ممل، يتحاشاه الآخرون في الحفلات»)، فستستخدم الكمبيوتر الشخصي ms212 على الأرجح، أما ~~إذا كنت تعمل في الفن أو التصميم أو الأزياء (أي «عصري، أنيق، دائم الانشغال»)، فأنت ~~على الأرجح تستخدم جهاز ماكنتوش. تتمثل الرسالة هنا في أن المعلومات التي يمنحها لك ~~أصدقاؤك تكون أهم من أي معلومات عامة أخرى قد تحصل عليها؛ وذلك لأنها أكثر صلة بك أنت؛ ~~لذا فإن طرح الأسئلة على عدد قليل للغاية من الأفراد قد يكون سيئا؛ وذلك لأنك تجعل ~~نفسك عرضة للأخطاء، لكن طرحها على عدد كبير للغاية من الأفراد أمر سيئ أيضا؛ لأن ~~المعلومات ذات الصلة تضيع في هذه الحالة وسط الزحام. # بالإضافة إلى ذلك، فإن شبكات المعلومات الاجتماعية مهمة، ليس فقط لأنها تساعدنا في ~~اتخاذ قرارات فردية أفضل، بل أيضا لأنها تسمح للأمور التي أدركت في أحد السياقات ~~بالانعكاس على سياق آخر، ونظرا لأن هذا النوع من الانعكاس يعد أمرا محوريا في ~~ديناميكيات السلاسل، فإن للشبكات الاجتماعية مكانة جوهرية في عملية تحول شيء بسيط إلى ~~شيء مهم. عندما طرحت شركة «ثري كوم» الإصدار الأول لها من أجهزة «بالم بايلوت»، لم ~~يشترها سوى المولعين بالتكنولوجيا، وهذه المجموعة الصغيرة من الناس - الذين انتمى ~~أغلبهم إلى فئة المهندسين والعاملين في مجال التكنولوجيا في وادي السليكون ومنطقة خليج ~~شمال كاليفورنيا المحيطة به - لم تكن بحاجة لتوجيه من أحد لكي يمتلكوا أحدث ما توصلت ~~إليه التكنولوجيا، فقد كان ما يعنيهم حقا هو الابتكار نفسه؛ فوجب عليهم امتلاكه، بصرف ~~النظر عما إذا ابتاعه آخرون أم لا. لكن المولعين بالتكنولوجيا حقا، شأنهم شأن ~~المولعين بأحدث صيحات الأزياء والمتابعين المخلصين لها، يندر وجودهم نسبيا، بل إنهم ~~نادرون لدرجة تجعل من العسير عليهم إنجاح منتج جديد وحدهم ، لكنهم إذا تمكنوا من إعلاء ~~شأن هذا المنتج في عالمهم الصغير حتى ينعكس على العوالم الصغيرة الأخرى التي يتصلون ~~بها، فقد تعطي كل هذه العوالم الصغيرة هذا المنتج الدفعة التي يحتاجها ليدخل العالم ~~الأكبر ويصبح سلسلة. لكن على أي صورة يجب أن يكون اتصالهم؟ ~~(3) السلاسل في الشبكات الاجتماعية # كان ذلك هو السؤال الذي بدأت ms213 في العمل للإجابة عنه. في النهاية، كان ما أردته هو ~~التوصل إلى السمات المحددة للشبكات الاجتماعية - مثل وجود المجموعات والمجتمعات، ونزعة ~~الأفراد للاتصال عبرها - التي تعزز من نمو أثر مبدئي بسيط إلى حركة عالمية. إذا أراد ~~شخص ما - على سبيل المثال - إشعال ثورة أو بدء صيحة جديدة، فكيف ينبغي عليه أن يبادر ~~بها؟ هل توجد نقاط ضعف في الشبكات إذا استهدفت على النحو الصحيح تماما، تتحول ~~الصدمة البسيطة إلى وباء، ويشكل كل قرار متعاقب الظروف المؤدية إلى القرار التالي؟ ~~وإن كان الأمر كذلك، فهل يمكن استغلال هذه المعرفة لتعزيز احتمال ظهور سلسلة ما؟ أو ~~الحيلولة دون ذلك الظهور؟ هل يمكن لهذا المنطق نفسه أن يتسع ليشمل نظما مصممة ~~هندسيا، كشبكات الطاقة، لتقليل احتمالية حدوث عطل متسلسل، مثل العطل الذي حدث في شهر ~~أغسطس من عام 1996؟ هل يمكن إنشاء جدران الحماية، بصورة ما، في الشبكات على النحو نفسه ~~تقريبا الذي تقام به في المباني لاحتواء الحرائق؟ # كانت هذه كلها أسئلة جيدة، لكن مع تعمقي أكثر في المشكلة، صار من الجلي أن الإجابات ~~لن تأتي بسهولة؛ فالعدوى الاجتماعية أكثر تناقضا مع المنطق من العدوى البيولوجية؛ ذلك ~~لأنه في نماذج الحدود، يعتمد تأثير تصرف شخص ما على الآخر اعتمادا كبيرا على المؤثرات ~~الأخرى التي تعرض لها هذا الشخص الآخر. أما في انتشار الأمراض - كما سبق وأوضحنا - ~~فلسنا بحاجة للقلق بشأن هذا التأثير؛ لأن كل حالة عدوى ينظر إليها على نحو مستقل عن ~~أي حالة أخرى، لكن في العدوى الاجتماعية، يمكن أن يحدث هذا الأثر اختلافا ~~هائلا. # يمكن لمجموعة منعزلة من الناس - طائفة دينية كالطائفة الداودية مثلا - أن تحافظ على ~~معتقدات غير قابلة للتصديق على الإطلاق ما دام أفرادها يظلون في سياق يمكنهم في إطاره ~~تعزيز بعضهم لبعض باستمرار، ومنع بعضهم بعضا من التفاعل مع العالم الخارجي، لكن لهذا ~~السبب ذاته، تظل أفكارهم محصورة في المجموعة ذاتها التي ظهرت فيها. على النقيض التام من ~~ذلك، يمكن للأفراد المشتركين في الكثير من المجموعات المختلفة على ms214 نحو متزامن أن يخبروا ~~أنواعا أكثر من الناس بأفكارهم، والوصول أيضا إلى مجموعة أشمل من المعلومات، لكن يقل ~~احتمال سيطرة أي رؤية عامة واحدة عليهم، وقد يضطرون أحيانا إلى إقناع الآخرين بأفكارهم ~~بأنفسهم، دون الاستعانة بدعم الآخرين إلا فيما ندر؛ لذا فإن انتشار الأفكار، على عكس ~~انتشار الأمراض، يتطلب الموازنة بين تماسك المجموعات والاتصال فيما بينها. # من الحقائق الغريبة التي عرفتها أثناء دراستي بجامعة كورنيل بشأن إيثاكا أن المدينة ~~تدعم عملة بديلة، تعرف باسم «إيثاكا آورز»، وهي عملة يمكن جنيها وإنفاقها في عدد من ~~المتاجر في وسط المدينة. ومع أن هذا النظام قد يبدو غريبا، فقد استمر ثابتا لما يزيد ~~عن عقد من الزمان، لكنه ظل أيضا قاصرا على نطاق شديد المحلية، بل لم ينتشر ليصل إلى ~~الأعمال التجارية المحيطة بحرم جامعة كورنيل. عندما تركت إيثاكا في ~~عام 1997، وانتقلت في البداية إلى نيويورك ~~(كباحث ما بعد الدكتوراه بجامعة كولومبيا)، أذكر أن بنكي سيتي بنك وتشيس مانهاتن كانا ~~يحاولان أيضا طرح نوع ما من العملات البديلة - بطاقة نقدية إلكترونية - في الجانب ~~الغربي العلوي من مانهاتن، ومع الترويج المكثف الذي أجراه اثنان من أكبر البنوك في ~~البلاد، فشل هذا البديل - الأفضل افتراضيا - للنقود الورقية في الانتشار. # هناك الكثير من الاختلافات بين هذين المثالين، لكن أكثر هذه الاختلافات ملاءمة لهذه ~~المناقشة هو أنه في إيثاكا، تتسم شبكة العملاء والباعة باتصالها الوثيق، مما يمكنها من ~~تحقيق الاستمرارية لنفسها، وعلى النقيض، تتسم منطقة الجانب الغربي العلوي من مانهاتن ~~باندماجها الوثيق مع باقي نيويورك، ومن ثم لا يرى أحد مصلحة في التعامل بالبديل المحلي ~~للنقد، لكن لو كانت البطاقات النقدية قد انتشرت بالجانب الغربي العلوي، لبدا من المعقول ~~أن ينتشر هذا الابتكار - على عكس «إيثاكا آورز» - للسبب نفسه بالضبط الذي فشل نتيجة ~~له. ومرة أخرى، يبدو أن نجاح أحد الابتكارات يتطلب تبادلا بين التعزيز المحلي والاتصال ~~العالمي، وهذا المتطلب يجعل العدوى الاجتماعية أصعب كثيرا في فهمها من العدوى ~~البيولوجية التي يكون فيها الاتصال هو الأهم. # بعد ms215 قدر لا بأس به من البحث غير المثمر، سلمت بأنه مع بساطة نموذج الحدود، كان لا ~~بد من تبسيطه أكثر إذا كنت أرغب في استبعاد التعقيدات التي يتسم بها الهيكل الجماعي من ~~مفهوم السلاسل التي تنتشر عبر شبكات الارتباط؛ لذا قررت البدء بشبكة ليس بها أي هيكل ~~جماعي على الإطلاق: رسم بياني عشوائي. ومع أن الرسوم البيانية العشوائية ليست نماذج ~~جيدة تماما للشبكات الاجتماعية الحقيقية، فهي مع ذلك نقطة جيدة للبدء بها. وعاهدت نفسي ~~بأنني ما دمت لا «أقتصر» على الرسوم البيانية العشوائية، فسيكون من الجيد استخدامها ~~نقطة انطلاق لاستكشاف التمثيلات الأكثر واقعية للشبكات، وكما سنرى، تصبح الأمور أكثر ~~تعقيدا حتى مع الرسوم البيانية العشوائية نفسها، لكن يظل بإمكاننا تعلم بعض الدروس ~~العامة المذهلة منها. # نظرا لأن النسخة الفنية لنموذج الحدود ~~تجريدية إلى حد ما، فسيكون من المفيد استخدام مصطلح «انتشار الابتكارات» المنطقي، الذي ~~قدمه إيفريت روجرز في ستينيات القرن العشرين. ومع أن كلمة «ابتكار» ترتبط عادة بطرح ~~تقنيات حديثة، يمكن استخدام المفهوم للإشارة إلى الأفكار والممارسات كذلك، ومن ثم يمكن ~~أن يكون الابتكار عميقا للغاية، مثل فكرة حديثة ثورية أو مبدأ اجتماعي جديد يدوم ~~لأجيال، أو قد يكون تافها تماما، كدراجة الأرجل (السكوتر) أو أحد تصميمات الأزياء ~~التي لن تحظى بشعبية إلا لموسم واحد فقط. ~~يمكن أن يكون أي شيء بين هذا وذاك فعليا، بما في ذلك العقاقير الطبية الجديدة، ~~وتقنيات التصنيع الحديثة، ونظريات الإدارة الحديثة، والأجهزة الإلكترونية الجديدة. ~~وبناء عليه، يمكن استخدام مصطلح «المبتكرون» للإشارة ليس فقط إلى الأفراد الذين يقدمون ~~أجهزة حديثة، بل أيضا إلى مؤيدي الأفكار الجديدة، أو بصورة أعم، أي صدمة بسيطة تهز ~~كيان أي نظام اتسم فيما مضى بالسكون. وتشمل عبارة «المعتنقون الأوائل»، التي تستخدم ~~غالبا لوصف الأفراد الذين يتبنون أي خدمة أو منتج جديد، ويرشحونه للآخرين، جميع الرواد ~~والمناصرين وأتباع الثائرين أيضا. والمعتنقون الأوائل، كهواة التقنية في وادي ~~السليكون، ليسوا سوى أفراد كان لهم أسبقية التأثر بأحد المنبهات الخارجية. # ومع ما تثيره مفردات ms216 روجرز من أفكار، فهي ليست دقيقة بما يكفي لتجنب الالتباس. على ~~سبيل المثال، قد يكون من الصعب تحديد هل الأفراد تبنوا فكرة جديدة لأنهم كانوا أكثر ~~ميلا لها مسبقا بطبيعتهم (لديهم حد منخفض)، أو لأنهم كانوا عرضة لتأثيرات خارجية قوية ~~للغاية (تصادف وجود أعداد كبيرة من المعتنقين السابقين للفكرة في الحي الذي يقطنون به). ~~قد يبرر أي من هذين التفسيرين الاعتناق المبكر للفكرة، لكن كلا منهما يحمل معنى ~~ضمنيا مختلفا تماما فيما يتعلق بالأفراد قيد البحث. في أغلب الأحيان، نقبل ببساطة ~~أن مصطلحات من قبيل «المبتكرون» و«المعتنقون الأوائل» تحمل معاني غير موضوعية، ~~ونستخدمها بأي وسيلة تناسب هدفنا وقت استخدامها، لكن نظرا لأن لدينا إطارا رياضيا ~~دقيقا نستعين به في عملنا، يمكن أن نقدم ما هو أفضل، وإذا أردنا تحقيق أي تقدم، فسوف ~~نحتاج إلى ذلك. # لذا، من الآن فصاعدا، سيشير مصطلح «المبتكر» إلى نقطة تلاق تشهد نشاطا عشوائيا ~~في بداية «دورة الابتكار». عندما تبدأ الدورة، تكون كل نقطة تلاق غير نشطة (خاملة)، ثم ~~يحفز الابتكار عن طريق الاختيار العشوائي لنقطة أو أكثر (تمثل البذرة الأولى) بحيث ~~تنشط (تتحول إلى وضع التشغيل)؛ هؤلاء هم المبتكرون. يمكن الآن أيضا تعريف «المبتكر ~~المبكر» بأنه نقطة تلاق تتحول من حالة الخمول إلى النشاط تحت تأثير جار واحد نشط. ~~نظرا لرغبتنا في فهم سرعة تأثر الشبكات بالسلاسل، نصف نقاط التلاقي التي تمثل ~~المعتنقين الأوائل في هذه الحالة بالتحديد بأنها «سريعة التأثر»؛ إذ يمكن تنشيطها بأقل ~~قدر ممكن من التأثير من نقاط التلاقي المجاورة لها في الشبكة. تكون كل نقاط التلاقي ~~الأخرى في هذه الأثناء «مستقرة» (مع أن هذه النقاط المستقرة أيضا - كما سنرى فيما بعد ~~- يمكن تنشيطها في ظل الظروف المناسبة)؛ لذا يمكن أن تتسم نقاط التلاقي بسرعة التأثر ~~على أي من النحوين التاليين: إما لأن لها حدا منخفضا (ومن ثم ميلا مسبقا ~~للتغير)، أو لأن عدد نقاط التلاقي المجاورة لها قليل للغاية، لكن كلا منها له تأثير ~~قوي. # في الواقع، يمكن أن يكون للمعتنقين ms217 الأوائل أي حد على الإطلاق، ما دام لديهم عدد قليل ~~كاف من المجاورين. قد يبدو هذا فارقا غريبا، لكنه جدير بالفهم؛ لأنه يغير توجهنا في ~~تناول المشكلة بالكامل، فبدلا من الحكم على المعتنقين الأوائل في ضوء حدودهم، يمكننا ~~التركيز على درجتهم التي - كما أوضحنا في الفصل # الرابع ~~- ~~تشير إلى عدد المجاورين لهم. على سبيل المثال، في الشكل # 8-4 ~~، ~~لنفترض أن الحد الخاص بنقطة التلاقي (أ) يبلغ الثلث. في الجزء العلوي يوجد للنقطة (أ) ~~ثلاث نقاط تلاق مجاورة، إحداها نشطة، ونظرا لأن هذه النقطة الوحيدة النشطة تشكل ثلث ~~عدد النقاط المجاورة للنقطة (أ)، يتم الوصول إلى حد النقطة (أ) وتنشط، ومن ثم يصير (أ) ~~معتنقا أولا. على النقيض من ذلك، في الجزء السفلي، تمتلك النقطة (أ) الحد نفسه، لكن ~~لديها هنا أربع نقاط تلاق مجاورة بدلا من ثلاث، ونظرا لأن النقطة النشطة الوحيدة ~~المجاورة لها لا تشكل الآن سوى ربع مجموع النقاط المجاورة، فلن تنشط النقطة (أ)، ومن ثم ~~يمكن أن يكون حد الثلث، اعتمادا على درجته، منخفضا بما فيه الكفاية لتصبح النقطة (أ) ~~معتنقا أولا، أو لا. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه في حالة حد الثلث، تكون «الدرجة ~~العليا الحرجة» لنقطة التلاقي (أ) هي ثلاثة، حيث تتحدد هذه الدرجة بوصفها الحد الأقصى ~~لعدد النقاط المجاورة التي يمكن أن تمتلكها نقطة تلاق واحدة، ويظل من الممكن تنشيطها ~~بواسطة «أي» نقطة مجاورة، وإذا كان حد النقطة (أ) أقل من ذلك (الربع، مثلا)، فسترتفع ~~الدرجة العليا الحرجة (أربعة)، والعكس. الجدير بالذكر هنا هو أنه فيما يتعلق بأي حد، ~~يمكننا دائما تعيين درجة عليا حرجة مكافئة، وإذا كان لدى نقطة التلاقي عدد من النقاط ~~المجاورة أكبر من الدرجة العليا الحرجة لها، فستكون مستقرة أمام تأثيرات النقاط ~~المجاورة الفردية، وإن لم يكن الأمر كذلك، فستكون سريعة التأثر؛ لذا فإن تغير الدرجة - ~~مثل الملاحظة التي أوضحناها من قبل بأن بعض الناس لديهم عدد أكبر من الأصدقاء أو ~~يلتمسون ببساطة عددا أكبر من الآراء مقارنة بالآخرين - أمر ms218 محوري لاستقرار الأفراد، ~~ومن ثم لديناميكيات السلاسل. # شكل 8-4: لأي حد من الحدود، يمكن تنشيط أي نقطة تلاق بواسطة نقطة مجاورة ~~واحدة إذا كانت درجتها أقل من الدرجة العليا الحرجة المكافئة لحدها أو ~~مساوية لها. يكون هنا لنقطة التلاقي (أ) حد الثلث، ومن ثم يكون مقدار ~~الدرجة العليا الحرجة هو ثلاثة. في الجزء العلوي تمتلك النقطة (أ) ثلاث ~~نقاط تلاق مجاورة، ومن ثم تنشط، أما في الجزء السفلي، فلديها أربع ~~نقاط تلاق مجاورة، ومن ثم تظل غير نشطة. ~~(4) السلاسل والتخلل # في ظل هذا الإطار، يمكن الآن تحديد مسألة ظهور سلسلة المعلومات داخل مجموعة من صانعي ~~القرار من عدمه تحديدا دقيقا. في شبكة الأفراد التي ننتمي إليها، يكون لكل فرد حد ~~داخلي ومجموعة من المجاورين بالشبكة ينتبه إليهم. في بداية أي دورة ابتكار، يطرح ~~ابتكار واحد في مكان ما داخل الشبكة، ثم لا بد أن يحدث أحد الأمرين التاليين قبل انتهاء ~~الدورة: إما أن يختفي الابتكار تدريجيا، أو ينفجر ليصبح سلسلة معلومات. # لكن ما المدى الذي يجب أن يصل إليه انتشار الابتكار قبل أن يوصف بالسلسلة؟ يتمثل ~~مفتاح الإجابة عن هذا السؤال في شيء سبق لنا التعرف عليه، وهو: مفهوم التخلل. تذكر أنه ~~في سياق الحديث عن انتشار الأمراض، كان تعريفنا للوباء هو وجود تكتل واحد متصل؛ التكتل ~~المتخلل، الذي يشغل جزءا لانهائيا من الشبكة مهما يكن حجمها. وبالمثل، عندما ينشأ ~~تكتل متخلل في سياق عدوى اجتماعية، يكون النظام عرضة لحدوث «سلسلة عامة». تنشأ سلاسل ~~أصغر حجما طوال الوقت؛ فكل صدمة، في الواقع، تؤدي إلى ظهور سلسلة بحجم معين، حتى إن ~~اقتصرت على المبتكر وحده فقط، لكن السلاسل العامة هي الوحيدة التي تنمو على نحو ذاتي ~~الاستدامة بالفعل، ومن ثم تغير من حالة النظم بالكامل، وبناء عليه، وكما انصب اهتمامنا ~~من قبل على الأوبئة أكثر من ظهور الأمراض نفسها، فإن السلسلة «العامة» هي التي تعنينا ~~الآن. # لكن، على عكس انتشار الأمراض، حيث تحمل كل نقطة تلاق القدر نفسه من احتمالية أن ms219 تكون ~~جزءا من تكتل مصاب بالمرض، لدينا الآن نوعان من نقاط التلاقي - سريعة التأثر والمستقرة ~~- علينا التفكير فيهما على نحو منفصل. إذا تخيلنا ما سيحدث عند طرح ابتكار ما على ~~مجموعة غير نشطة مبدئيا من الأفراد، فسنرى أنه لن يتمكن من الانتشار إلا عندما يكون ~~المبتكر الأول متصلا بمعتنق أول واحد على الأقل. من الواضح أنه كلما زاد عدد المعتنقين ~~الأوائل في مجموعة الأفراد، زاد احتمال انتشار الابتكار، وكلما كبر حجم التكتل المتصل ~~للمعتنقين الأوائل لهذا الابتكار، اتسعت دائرة انتشاره، وإذا تصادف أن التكتل سريع ~~التأثر الذي «يصيبه» الابتكار (أي التكتل الذي يحتوي على مبتكر ما) متخلل عبر الشبكة، ~~فسيؤدي هذا الابتكار إلى ظهور سلسلة عامة، ومن ثم إذا احتوت الشبكة على «تكتل متخلل ~~سريع التأثر»، فمن المحتمل أن تنشأ سلاسل عامة بها، والعكس صحيح؛ إن لم تحتو الشبكة ~~على تكتل متخلل سريع التأثر، فدائما ما ستختفي السلاسل تدريجيا دون أن تنشط سوى ~~جزء بسيط من مجموعة الأفراد. # ومن ثم اختزلت مسألة تحديد هل السلاسل الناجحة يمكن أن تظهر داخل أحد النظم أم لا ~~إلى مسألة إظهار هل للتكتل المتخلل سريع التأثر وجود أم لا وحسب. وصدق أو لا تصدق، فقد ~~حققنا تقدما هائلا في هذا الشأن؛ فمن خلال تحويل ما كان في الأصل ظاهرة ديناميكية ~~(مسار كل سلسلة من صدمة أولية بسيطة إلى حالتها النهائية) إلى نموذج تخلل ثابت (أحجام ~~التكتلات سريعة التأثر)، يسرنا من مهمتنا كثيرا دون أن نفقد جوهر تساؤلنا الأساسي. ~~لكنها لا تزال مشكلة صعبة. شهدت الصور المختلفة لنماذج التخلل تقدما هائلا خلال ~~الثلاثين عاما الأخيرة، لكن لم يتم التوصل إلى حل عام على الإطلاق. في الواقع، نظرا ~~لأن علماء الفيزياء هم من طوروا فكرة التخلل، ولأن تطبيقات الفيزياء تتضمن عادة شبيكات ~~منتظمة، فليس معروفا عن التخلل في بنى الشبكات المعقدة، كالشبكات الاجتماعية، سوى أقل ~~القليل. # في هذا الجانب تحديدا، أثبتت بنية الرسوم البيانية العشوائية متناهية البساطة ~~أهميتها. في الواقع، عند هذه المرحلة من التفكير في ms220 المسألة أدركت أنني بحاجة لفهم ~~السلاسل في الرسوم البيانية العشوائية أولا، وفي تلك الأثناء أيضا، عملت بالتعاون مع ~~مارك وستيف على التوصل إلى الأساليب الرياضية اللازمة لحساب خصائص اتصال الشبكات ~~العشوائية (انظر الفصل # الرابع ~~)، وهي الأساليب التي ~~عدلناها فيما بعد بمساعدة دانكن كالاواي بهدف دراسة التخلل في سياق قوة الشبكة (انظر ~~الفصل # السادس ~~)، واتضح، بالمصادفة، أن الأدوات نفسها يمكن ~~تطبيقها إلى حد بعيد على مسألة البحث عن تكتلات متخللة سريعة التأثر، لكن ليس على نحو ~~تام؛ لأننا نتعامل الآن مع نوع مختلف من التخلل، ومثلما يوضح الشكل # 8-4 ~~، فإن نقاط التلاقي ذات العدد الكبير من النقاط المجاورة تميل ~~للاستقرار أمام تأثيرات النقاط المجاورة الفردية، ونقاط التلاقي المستقرة، بطبيعتها، لا ~~يمكن أن تكون جزءا من أي تكتل سريع التأثر، ومن ثم، يحتاج التكتل سريع التأثر للنفاذ ~~بفعالية في غياب أكثر نقاط التلاقي اتصالا في الشبكة. وليس من المدهش أن يكون لهذا ~~الانحراف عن التخلل القياسي مؤثرات هامة على النتائج. # مع ما تتسم به التفاصيل الرياضية لهذا الأسلوب من فنية عالية، فإن النتائج الرئيسية ~~يسهل فهمها من خلال التفكير فيما يعرف باسم «الرسم البياني الطوري»، الذي يعرض الشكل # 8-5 # مثالا عليه. يمثل المحور الأفقي متوسط قيمة توزيع الحدود؛ ~~أي المقاومة المعتادة لأحد الأفراد لفكرة جديدة، أما المحور الرأسي، فهو متوسط عدد ~~المجاورين بالشبكة (الدرجة) الذين ينتبه إليهم المرء، ومن ثم يلخص الرسم البياني الطوري ~~جميع الأنظمة الممكنة التي يمكن تمثيلها في الإطار البسيط للنموذج. كل نقطة على السطح ~~المستوي تمثل نوعا محددا من النظم، مع كثافة معينة للشبكة من ناحية، وحد متوسط ~~للأفراد من ناحية أخرى، وكلما انخفض الحد المتوسط، زاد ميل الأفراد للتغيير، ومن ثم ~~يمكن للمرء أن يتوقع ارتفاع السلاسل على نحو أكثر تكرارا على الجانب الأيسر من الرسم ~~البياني (حيث تكون الحدود منخفضة) مقارنة بالجانب الأيمن، وهذا، بالطبع، ما نراه ~~بالفعل، لكن العلاقة هنا معقدة نظرا لوجود الشبكة التي يلزم للسلسلة الانتشار ~~بأرجائها. # شكل 8-5: الرسم البياني الطوري لنموذج ms221 السلاسل. تتساوى كل نقطة بالسطح المستوي ~~مع خيار معين من المعاملات المتغيرة (القيمة المتوسطة للحد، والعدد ~~المتوسط للنقاط المجاورة، أو «الدرجة»). يمكن للسلاسل العامة أن تحدث ~~داخل الخط المتصل (نافذة السلسلة)، لكن ليس خارجه، وتتماشى حدود نافذة ~~السلسلة مع التحولات الطورية في سلوك النظام. تمثل النقطة (ح) حالة ~~النظام التي تصبح فيها السلاسل العامة غير ممكنة، وبدءا من النقطة ~~(ح)، يمكن الحث على ظهور السلاسل العامة، إما بتخفيض الحد المتوسط ~~للأفراد (السهم الأيسر) من خلال زيادة الجاذبية المتأصلة في الابتكار، ~~أو التقليل من كثافة الشبكة (السهم السفلي). # يرجع سبب تسمية الشكل # 8-5 # بالرسم البياني الطوري إلى أن الخط ~~الأسود المتصل يفصل الحيز الخاص بجميع النظم الممكنة إلى طورين. تمثل المنطقة المظللة ~~الموجودة داخل الخط إحدى مرحلتي النظام التي يمكن للسلاسل العامة أن تحدث فيها. ليس ~~بالضرورة أن تحدث - وهذا مهم - لكنه أمر ممكن. أما خارج الخط، على العكس، لا يمكن ~~للسلاسل العامة أن تحدث على الإطلاق، ومن ثم فإن حدود «نافذة السلسلة» الجلية هذه تشير ~~إلى وجود ثلاث طرق يمكن من خلالها منع ظهور السلاسل؛ الطريقة الأولى واضحة: إذا كان ~~الحد الخاص بكل شخص عاليا، فلن يتغير أحد على الإطلاق، وسيظل النظام مستقرا مهما تكن ~~كيفية اتصاله، وعندما لا يكون الأمر كذلك، يظل من الممكن منع ظهور السلاسل عن طريق ~~السلسلة نفسها، من خلال طريقتين: إما أنها ليست جيدة الاتصال على نحو كاف، أو قوية ~~الاتصال «للغاية» (وهذا هو الجزء المثير للدهشة). # السمة الأخرى المهمة للرسم البياني الطوري هي أنه بالقرب من أي حد لنافذة السلسلة، ~~يمر النظام بتحول طوري، وتعد هذه إحدى السمات القياسية لأغلب مشكلات التخلل، لكن ما ~~يجعل هذا النوع من التخلل مختلفا عن النوع الذي تناولناه في الفصل # السادس # هو أن نافذة السلسلة لها حدان: حد علوي، حيث يكون اتصال الشبكة ~~قويا؛ وحد سفلي، حيث لا يكون الاتصال قويا على الإطلاق. هذه الخاصية وحدها تجعل ~~السلاسل مختلفة عن الأوبئة، حيث يزيد الاتصال القوي من احتمالية انتشار ms222 الأمراض دائما ~~(إذا وضعنا رسما بيانيا طوريا للأوبئة، فسيظل الحد الأدنى موجودا، في حين سيختفي ~~الحد العلوي)، ومع ذلك، تظل الاختلافات كبيرة بالفعل، وكما سنرى، فإن التحولات الطورية ~~التي تحدث عند كل حد من الحدين مختلفة جوهريا، ومن خلال دراسة طبيعة هذه التحولات ~~الطورية، يمكننا التنبؤ بأنواع السلاسل التي يمكن أن تحدث، وحجمها، ومعدل ~~حدوثها. ~~(5) التحولات الطورية والسلاسل # نلاحظ عند الحد السفلي لنافذة السلسلة، حيث يكون اتصال الشبكة ضعيفا، تحولا طوريا ~~يتشابه كثيرا مع التحول الطوري الذي تناولناه في الفصل # السادس # لنماذج العدوى البيولوجية، وتفسير ذلك هو أنه عندما يكون لنقاط ~~التلاقي جار واحد فقط في المتوسط، فستظل على نحو شبه دائم أدنى من الدرجة العليا ~~الحرجة لها، ومن ثم سريعة التأثر بالتأثيرات الجديدة، مهما يكن الحد الخاص بها. مع ذلك، ~~ونظرا لأن الاتصال منعدم في الشبكة، فلا يمكن لهذه التأثيرات الانتشار على نحو كبير. ~~نتيجة لذلك، تتسم الابتكارات بميلها للانتشار مبدئيا، لكنها دائما ما تحتوى داخل ~~التكتل المتصل الصغير الذي تبدأ داخله، ولا يظهر التكتل المتخلل سريع التأثر إلا عندما ~~تصبح الشبكة كثيفة على نحو كاف، لكن نظرا لأن «معظم» نقاط التلاقي لا تزال سريعة ~~التأثر في هذا النظام، فإن التكتل المتخلل سريع التأثر يكون في الحقيقة مماثلا للمكون ~~الضخم للرسم البياني العشوائي الذي تناولناه في الفصل # الثاني # ثم # السادس # من هذا الكتاب. # ومن ثم بالقرب من الحد السفلي، تكون العدوى الاجتماعية مساوية إلى حد بعيد للعدوى ~~البيولوجية؛ ذلك لأنها تمر بالتحول الطوري نفسه الذي تمر به الأوبئة، وهكذا يكون الدمج ~~بين نوعي العدوى صحيحا في بعض الظروف؛ نظرا لأن الاختلافات بين النوعين من النماذج ~~لا تؤثر في الناتج، وللسبب نفسه - وهو أن اتصالية الشبكات، وليس مرونة صانعي القرارات ~~الأفراد، هي العقبة الرئيسية أمام نجاح السلاسل - فمن الصحيح أيضا أنه في الشبكات ~~ضعيفة الاتصال، يتفاوت الأفراد المتصلون اتصالا قويا في تأثيرهم على انتشار العدوى ~~الاجتماعية. تعكس هذه الملاحظة الثانية التفكير المعتاد حول انتشار الابتكارات، الذي ~~وفقه يعد قادة الرأي ms223 والفاعلون المركزيون أكثر المروجين فعالية لتقنية أو ممارسة أو ~~فكرة جديدة. # على سبيل المثال، يؤكد الكاتب والصحفي مالكولم جلادويل في كتابه الصادر قريبا بعنوان ~~«نقطة التحول»، على الدور الذي يلعبه الأفراد ذوو الاتصال القوي في العدوى الاجتماعية، ~~ويستخدم مالكولم في هذا الكتاب مصطلح «نقطة التحول» بمعنى يتفق تقريبا مع مفهوم ~~السلسلة العامة، ومع أنه يبني أفكاره عن انتشار الأفكار على المقدمة المنطقية القائلة ~~إن العدوى الاجتماعية لا تختلف في كيفية عملها عن العدوى المرضية، فإن ملاحظاته تتفق ~~بوجه عام مع الملاحظات المتعلقة بنموذج الحدود، شريطة أن تكون شبكة صانعي القرار ضعيفة ~~الاتصال. وتتمثل «عوامل الاتصال» التي يتناولها جلادويل في النوعية الفريدة للأفراد ~~الاستثنائيين اجتماعيا الذين لا يحتفظون بأعداد ضخمة من المعارف فحسب، بل أيضا تمتد ~~علاقاتهم عبر العديد من المجموعات الاجتماعية المختلفة. في عالم لا يمتلك فيه الناس سوى ~~عدد قليل من الأصدقاء، أو يلتمسون عددا قليلا للغاية من الآراء عند اتخاذ القرارات، ~~يبدو عامل الاتصال العرضي ذا أهمية كبيرة حقا. # لكن يمكن أيضا إضعاف التأثيرات عندما تكون الشبكة قوية الاتصال؛ فمثلما أوضحنا من ~~قبل، كلما زاد عدد الأفراد الذين يضع المرء أفعالهم وآراءهم في الاعتبار قبل اتخاذ قرار ~~ما، تراجع تأثير أي منهم عليه؛ لذا عندما ينتبه «الجميع» لأشخاص آخرين عديدين، فلن ~~يمكن لمبتكر واحد يعمل وحده أن ينشط أيا منهم. هذه السمة هي التي تفرق بين العدوى ~~الاجتماعية والبيولوجية، التي فيها يكون لاتصال الشخص العرضة للعدوى بشخص واحد مصاب بها ~~التأثير نفسه، بصرف النظر عن عدد الآخرين الذين يتصل بهم هذا الشخص العرضة للعدوى. ~~ويجدر التذكر هنا أنه في العدوى الاجتماعية، ما يهم هو العدد النسبي للأفراد ~~المجاورين «المصابين بالعدوى» في مقابل «غير المصابين بها»؛ أي النشطاء في مقابل غير ~~النشطاء، ومن ثم مع أن الشبكات قوية الاتصال قد يبدو، ظاهريا، أنها تدعم انتشار جميع ~~أنواع التأثير، فإنها لا تدعم بالضرورة سلاسل التأثير الاجتماعي؛ لأن جميع الأفراد في ~~هذا النوع من الشبكات يتسمون بالاستقرار محليا، ومن ثم لا ms224 يمكن ظهور السلاسل في ~~المقام الأول. # إذن، الشبكات التي لا تتمتع بالاتصال الكافي تحول دون ظهور السلاسل العامة؛ لأن ~~السلسلة لا يكون أمامها سبيل للقفز من أحد التكتلات سريعة التأثر إلى آخر، والشبكات ~~التي تتمتع باتصال قوي للغاية تمنع أيضا ظهور السلاسل، لكن لسبب آخر؛ أنها تعلق في نوع ~~من الركود، حيث تقيد كل نقطة تلاق تأثير أي نقطة أخرى وتصبح هي نفسها مقيدة، ومن ثم ~~فإن الملاحظة المثيرة التي توصلنا إليها سابقا يمكن صياغتها الآن على نحو أكثر دقة: في ~~العدوى الاجتماعية لا يتعرض النظام للسلاسل العامة إلا عند تحقيق التوازن، على النحو ~~المحدد في نافذة السلسلة الموضحة في الشكل # 8-5 ~~، بين الاستقرار ~~والاتصال العام. ~~(6) تجاوز الصدع # لكن تحمل لنا العدوى الاجتماعية مفاجأة أخرى؛ فعند الحد العلوي لنافذة السلسلة، تكون ~~كثافة نقاط التلاقي سريعة التأثر كافية لأن تحتوي الشبكة على تكتل متخلل سريع التأثر، ~~وفي هذه الحالة المتقلقلة، يكون النظام مستقرا محليا في كل مكان تقريبا ما عدا حول ~~التكتل سريع التأثر نفسه، ونظرا لأنه داخل النافذة بالضبط، لا يشغل التكتل سريع التأثر ~~سوى جزء صغير من الشبكة الكلية، فإن فرصة ظهور ابتكار واحد تكون صغيرة، ومن ثم ستندر ~~السلاسل للغاية، وسيبدو النظام معظم الوقت وكأنه ليس مستقرا على المستوى المحلي فحسب، ~~بل على المستوى العام أيضا، لكن بين الحين والآخر - وقد يعني ذلك مرة في المائة أو في ~~المليون - يظهر ابتكار عشوائي في التسلسل سريع التأثر، ليحث بذلك على ظهور سلسلة ما. لا ~~يختلف ذلك كثيرا عما يحدث عند الحد السفلي، حيث تندر السلاسل العامة أيضا، لكن ما إن ~~تنتشر السلسلة حتى يختلف السيناريوهان سريعا. # تذكر أنه عند الحد السفلي ، تنتشر السلسلة حتى تشغل التكتل سريع التأثر، ثم تنفد ~~الأماكن التي يمكنها الوصول إليها، ومن ثم لا تشغل السلاسل سوى جزء صغير نسبيا فحسب ~~من الشبكة الكاملة، أما عند الحد العلوي، ونظرا لأن الشبكة تكون قوية الاتصال للغاية، ~~يندمج التكتل سريع التأثر للمعتنقين الأوائل على نحو وثيق بباقي ms225 الشبكة (أو ما يطلق ~~عليه روجرز «الأغلبية المبكرة» و«المتأخرة»). هذا العدد الأكبر من الأفراد يظل مستقرا ~~فيما يخص المبتكرين الأفراد، لكن ما إن ينشط التكتل سريع التأثر بالكامل حتى تتعرض ~~نقاط التلاقي المستقرة هذه «لعدد كبير» من المعتنقين الأوائل، ووجود هذه التأثيرات ~~النشطة المتعددة كاف لتجاوز حدود نقاط التلاقي، بما في ذلك المستقرة منها تماما، ~~فتبدأ في النشاط هي الأخرى. # هذا الحدث، عند وقوعه، هو الذي يطلق عليه الكاتب والمستشار التجاري جيفري مور «تجاوز ~~الصدع»، ويشير بذلك إلى الوثبة التي يحتاج أي ابتكار ناجح (كأجهزة «بالم بايلوت» التي ~~ذكرناها سابقا) إلى القيام بها من المجتمع المبدئي للمعتنقين الأوائل إلى العدد الأكبر ~~من عامة الناس. عند الحد الأدنى ما من صدع لتجاوزه، كل ما هنالك هو تكتلات مختلفة الحجم ~~من المعتنقين الأوائل. عند الحد العلوي فقط، يكون من المهم ليس فقط أن يعثر المبتكر على ~~معتنقين مبكرين، بل أيضا أن يكون هؤلاء المعتنقون في موضع يمكنهم من إحداث تأثيرهم ~~الجماعي على الأغلبية المبكرة والأغلبية المتأخرة، وفي نموذج الحدود يمثل تجاوز الصدع ~~تطورا مثيرا بلا شك؛ لأن أي سلسلة تنجح في الإطاحة بالتكتل سريع التأثر ستنتشر ~~بالضرورة إلى «الشبكة بالكامل»، لتحث على ظهور سلسلة ذات درجات عامة. وبلغة الفيزياء، ~~يكون التحول الطوري عند الحد العلوي تحولا طوريا غير متصل؛ لأن الحجم النموذجي ~~للسلاسل الناجحة يرتفع في الحال من صفر (وهو ما يشير إلى عدم وجود سلاسل على الإطلاق) ~~إلى النظام بالكامل. # من ثم تكون السلاسل عند الحد العلوي لنافذة السلسلة أندر وأكبر حجما من تلك الموجودة ~~عند الحد السفلي، الأمر الذي يؤدي إلى نوع مختلف نوعيا من عدم القدرة على التنبؤ. إن ~~أغلب الابتكارات التي تظهر في الشبكات بالقرب من الحد العلوي تختفي تدريجيا قبل ~~انتشارها على نطاقات واسعة، حيث يقمعها الاستقرار المحلي لنقاط التلاقي الفردية. يمكن ~~لهذه الأوضاع الاستمرار إلى الأبد تقريبا، مما يدفع أي ملاحظ إلى استنتاج أن النظام ~~مستقر بالفعل، ثم فجأة يطغى تأثير ما - كان يبدو في بادئ ms226 الأمر مشابها للتأثيرات ~~الأخرى - على الشبكة بالكامل. ليس بالضرورة أن يكون هناك أي شيء مبشر بشأن المبتكر الذي ~~أثار هذه السلسلة أيضا، على عكس الحال عند الحد السفلي - حيث تلعب عوامل الاتصال دورا ~~مهما في الربط بين التكتلات سريعة التأثر - لا تكون الاتصالية هي المشكلة في الحد ~~العلوي، ومن ثم فإن احتمالية إثارة السلاسل بواسطة فرد ذي عدد متوسط من المجاورين ~~تتساوى مع احتمالية إثارتها بواسطة فرد يثير اهتمام الكثير من الناس، وعندما يسيطر ~~الاستقرار المحلي على انتشار السلاسل بقدر أكبر مقارنة بالاتصالية، يكون الاتصال الجيد ~~أقل أهمية من الاتصال بأشخاص يمكن التأثير عليهم بسهولة. # تخبرنا هذه السمات الخاصة بنافذة السلسلة ببعض الدروس غير المتوقعة بشأن انتشار ~~الابتكارات، قد يكون أكثرها إثارة للدهشة هو أن السلسلة الناجحة ليس لها علاقة كبيرة ~~بالخصائص الفعلية للابتكار، بل للمبتكر أيضا، مثلما نظن. ففي إطار نموذج السلاسل على ~~الأقل، ما من شيء يميز الصدمة التي تسفر عن ظهور سلسلة عامة عن أي صدمة أخرى، وإنما ~~يحدث كل النشاط بفضل اتصالية التكتل سريع التأثر الذي يرتبط به المبتكر الأولي. وما ~~يزيد من صعوبة مشكلة تحديد النجاح هو أن التكتل المتخلل سريع التأثر، عند ظهوره، يكون ~~سمة عامة للنظام؛ خيط محير مجدول بجميع أنحاء الشبكة. ليس من المهم فقط أن يكون لدى فرد ~~معين جار واحد سريع التأثر أو أكثر، بل أيضا أن يكون لدى كل من هؤلاء المجاورين أيضا ~~جار أو أكثر سريع التأثر، وهكذا، ومن ثم، حتى إذا تمكنت من تعيين المعتنقين الأوائل ~~المحتملين، فلن تتمكن من معرفة ما إذا كانوا جميعا متصلين أم لا، إلا إذا كان بإمكانك ~~رؤية الشبكة أيضا. # لا يعني ذلك أن عوامل مثل الجودة والسعر والعرض ليست مهمة، فعند تغيير حدود تبني ~~الابتكارات لدى الأفراد في المجموعة، يمكن أن تؤثر السمات المتأصلة للابتكار أيضا ~~على نجاحه أو فشله. الفكرة هنا هي أنه نظرا لأن الحدود لا تحدد وحدها الناتج، فلا يمكن ~~للجودة والسعر والعرض فعل ذلك أيضا. في المناطق ms227 الموضحة بالشكل # 8-5 ~~، أعلى ويمين نافذة السلسلة (النقطة ح على سبيل المثال)، يمكن تغيير النظام لجعله ~~أكثر عرضة لظهور السلاسل، إما عن طريق تخفيض الحد المتوسط للتبني (السهم الأيسر) أو ~~تحجيم اتصالية الشبكة (السهم السفلي). بعبارة أخرى، يمكن أن يكون لبنية الشبكة تأثير ~~كبير أيضا على نجاح أحد الابتكارات أو فشله، شأنها شأن جاذبية الابتكار نفسه، بل داخل ~~نافذة السلسلة نفسها، يتعلق قدر كبير من مصير الابتكار على الصدفة العشوائية؛ فإذا أصاب ~~التكتل المتخلل فسينجح، والعكس صحيح. ومع رغبتنا في الاعتقاد أن الجودة المتأصلة للفكرة ~~أو المنتج هي التي تحدد أداءه فيما بعد، بل الأسلوب الذي يعرض به، فالنموذج يوضح أنه ~~لتحقيق أي نجاح هائل يمكن العثور دائما على محاولات على القدر نفسه من الجدارة، لكنها ~~فشلت في جذب ما يزيد عن قدر ضئيل من الانتباه، وربما تكون بعض الابتكارات - مثل هاري ~~بوتر ودرجات رازور وفيلم بلير ويتش بروجكت - قد أصابت التكتل سريع التأثر الصحيح، في ~~حين لم تفعل أغلب الابتكارات الأخرى ذلك. وبوجه عام، لن يفرق أحد بين هذا وذاك إلا بعد ~~انتهاء النشاط كله. ~~(7) وجهة نظر غير خطية للتاريخ # إن الفكرة القائلة إن النتائج لا يمكن فهمها جيدا إلا في إطار تفاعلات الأفراد، ~~الذين يصدر عن كل منهم في الوقت عينه رد فعل معين لقرارات الآخرين وأفعالهم، تقدم لنا ~~رؤية مختلفة تماما للسبب والنتيجة مقارنة بتلك التي اعتدنا عليها بوجه عام. من وجهة ~~النظر التقليدية، عند نجاح شيء أو شخص ما، نفترض أن حدود هذا النجاح ترتبط نسبيا ~~بأهمية أو ميزة ما متأصلة في هذا الشيء أو الشخص؛ فالفنانون الناجحون عباقرة مبدعون، ~~والقادة الناجحون أشخاص ذوو رؤى، والمنتجات الناجحة هي بالضبط ما يبحث عنه المستهلكون. ~~مع ذلك، فلا يمكن إطلاق صفة النجاح إلا بعد وقوع الحدث، ومن اليسير الاتسام بالحكمة عند ~~الحكم على الشيء بعد حدوثه، ومن ثم فإن نظرتنا التقليدية للعالم القائمة على النتائج ~~تدفع بنا إلى عزو نجاح شيء ما إلى الخصائص التي يعكسها أيا كانت، ms228 سواء اعتبرت هذه ~~الخصائص متميزة مسبقا أم لا. # ما لا ندركه بوجه عام هو أن الشيء نفسه بالضبط، بما يحمله من الخصائص ذاتها، يمكن أن ~~يفشل فشلا ذريعا بسهولة، إلى جانب أننا لا نضيع الكثير من الوقت في التندم على العدد ~~الكبير من الابتكارات الفاشلة التي كان من الممكن أن تتنافس على النجاح إذا اختلفت ~~الظروف التي ظهرت فيها اختلافا قليلا فحسب. بعبارة أخرى، يميل التاريخ إلى تجاهل ~~الأشياء التي «كان من الممكن» أن تحدث، لكنها لم تحدث. من الواضح أن ما حدث بالفعل يكون ~~أكثر صلة بظروفنا الحالية مما لم يحدث، لكننا لدينا نزعة أخرى للافتراض بأن الناتج ~~الفعلي كان «مفضلا» على جميع الاحتمالات الأخرى، ومن هنا يمكن للطرق التي ننظر بها إلى ~~العالم أن تجعلنا نرى العشوائية خطأ على أنها نظام، ومن ثم، من وجهة النظر العلمية، إذا ~~أردنا فهم ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ينبغي علينا التفكير ليس فقط فيما حدث بالفعل، ~~بل أيضا ما كان من الممكن أن يحدث. # ليس الدور المهم الذي تلعبه الصدفة والظروف في التاريخ بالفكرة الجديدة، لكن مفهوم ~~سلسلة المعلومات يشير إلى شيء أكثر إدهاشا؛ أن المعطيات والنتائج لا يمكن أن ترتبط على ~~نحو متناسب، أو حتى متفرد، فإذا آمن مليار شخص بدين معين، فسنفترض أنه منزل من ~~السماء، وإلا فلماذا يؤمن به مليار شخص؟ وإذا تمتع عمل فني ما بشهرة أكبر بكثير من عمل ~~آخر، فلا بد أنه أفضل بكثير، وإلا فلماذا يتحدث عنه الجميع؟ إذا احتشدت أمة ما حول أحد ~~القادة لتحقيق أهداف عظيمة، فلا بد أن هذا القائد عظيم، وإلا فلماذا اتبعه الجميع؟ ومن ~~ثم مع أن العظمة (أو الإلهام أو الشهرة) تتحقق فعليا بعد وقوع الحدث دائما، فإن ~~مفهومنا عن الأمر هو أن هذه الميزات متأصلة من البداية في مصدر التغيير العظيم، وتمثل ~~سمة متأصلة به. # مع ذلك، فقبل وقوع الحدث، نادرا ما تكون النتيجة التي يمكن لأي مجموعة من الظروف أن ~~تؤدي إليها واضحة. ولا يرجع ms229 السبب فقط إلى أن العظمة، كالعبقرية، يصعب الحكم عليها، أو ~~يساء فهمها في بعض الأحيان، بل لأنها لا تمثل أبدا سمة متأصلة من البداية؛ فهي إجماع ~~توصل إليه عدد كبير من الأفراد، يلاحظ كل منهم آراء الآخرين بقدر ما يصدر من أحكام ~~مستقلة، فقد يؤمن الناس بشيء ما ببساطة لأن آخرين مؤمنون به، وقد يتحدث الناس عن شيء ما ~~لأن آخرين يتحدثون عنه، وقد يحتشدون حول قائد ما لأن آخرين يحتشدون حوله. ينطوي هذا ~~النوع من العدوى في صناعة القرار على سلسلة معلومات، الأمر الذي يجعل العلاقة بين السبب ~~الأولي والتأثير النهائي شديدة الغموض. # من الناحية النفسية، قد يصعب قبول وجهة النظر هذه؛ فكل عصر يحتاج إلى رموزه، مثلما ~~تحتاج كل ثورة إلى قادتها، لكن نزعتنا إلى عزو تأثير ما للمبتكرين يتناسب مع النتيجة ~~النهائية التي توصلوا إليها، تتجاهل الآلية التي تحول من خلالها تأثيرهم الفعلي إلى ~~حركة جماهيرية. هذا هو الحال مع سوق الأوراق المالية؛ فعند ظهور حدث مهم في السجل ~~التاريخي، نحاول دائما العثور على ما سبقه، وعندما نعثر على شيء ما - حتى وإن كان ~~تافها - نعلق عليه أهمية كبيرة. ويشير آيزيا برلين إلى أن استياء تولستوي من التاريخ ~~المدون، خاصة التاريخ العسكري، قد نبع من رؤيته المتعمقة بأنه في خضم أحداث الحرب، لا ~~يمتلك أحد - بما في ذلك القادة العسكريون - أي فكرة عما يجري، ويعتمد التوازن بين ~~المنتصر والمنهزم على الحظ أكثر من اعتماده على قوى القيادة أو الاستراتيجية، لكن بعد ~~انتهاء الحرب، وظهور الطرف المنتصر، ينال القائد المنتصر (بالمصادفة) كل المجد. # من هذا المنظور، ما كان شعور تولستوي حيال العلم في أواخر القرن العشرين ليختلف عن ~~شعوره حيال الحرب في أوائل القرن التاسع عشر، فمنذ أن أعلنت مؤسسة سيليرا، برئاسة جيه ~~كريج فينتر، والاتحاد ذو التمويل الحكومي، برئاسة فرانسيس كولينز وإريك لاندر، عن ~~توصلهم جميعا إلى نتيجة واحدة في وضع خريطة الجينوم البشري، تنازع كل من فينتر ~~وكولينز ولاندر على استحقاق التقدير عن هذا الاكتشاف. في ms230 الحقيقة، ما من أحد فيهم يستحق ~~التقدير: فقد كان مشروع الجينوم تعاونا بين المئات، إن لم يكن الآلاف، من العلماء ~~المجدين، الذين بدونهم ما كان سيوجد أي تقدير يمكن توزيعه. وفي الهندسة المعمارية لا ~~يختلف الوضع كثيرا؛ فيحظى كل من فرانك لويد رايت وإيرو سارنين وفرانك جيري بتقدير ~~رفيع نظرا لتصميماتهم المذهلة، لكن بدون فرق العمل من المهندسين الموهوبين وعمال ~~البناء الجادين الذين حولوا رسومهم الهندسية إلى واقع، ما كان أي من هؤلاء المهندسين ~~سيتمكن من تنفيذ أي شيء على الإطلاق. إن العمل البارز يصعب فهمه على نحو مباشر، ومن ثم ~~فإن عقولنا تستجيب بتمثيل مشروع كامل أو فترة زمنية كاملة من التاريخ في صورة شخص أو ~~جزء واحد؛ رمز ما. إن صناعة الرموز حيلة معرفية معروفة (وإحقاقا للحق، فالكثير من ~~رموزنا أفراد موهوبون للغاية بالفعل)، لكنها من الممكن أن تتسبب في تضليل حدسنا عندما ~~نحاول فهم أصول السلوك الجمعي، بالمقارنة بالسلوك الفردي. # من الأمثلة الأكثر واقعية أنه في أوائل عام 1999، عندما كان شون فانينج طالبا يبلغ ~~من العمر تسعة عشر عاما في جامعة نورث إيسترن، صمم كودا لمساعدة صديق له على تنزيل ~~الملفات الموسيقية بتنسيق «إم بي ثري» من الإنترنت، كانت النتيجة أن البرنامج، الذي ~~أطلقوا عليه اسم نابستر، صار ظاهرة بين عشية وضحاها؛ إذ جذب ملايين المستخدمين وأثار ~~غضب جميع العاملين في مجال التسجيلات، ليدخل فانينج بذلك الدوامة العالمية التجارية ~~والقانونية والأخلاقية الصاخبة، ولفترة من الوقت على الأقل كان فانينج محط الأضواء؛ ~~يبجله البعض ويحقره البعض الآخر، وصارت مقولاته تقتبس في صحف الأعمال، وصورته تحتل ~~أغلفة المجلات، لكن في النهاية، وبعد إجباره على فرض رسوم مقابل خدمات مشاركة الموسيقى، ~~نجح فانينج وخدمة نابستر (التي لم يعد لها وجود تقريبا الآن) في عقد اتفاق مع شركة ~~النشر العالمية العملاقة بيرتلسمان. مجهود مذهل حقا لشاب لا يزال في مرحلة الدراسة ~~الجامعية، أليس كذلك؟! الحقيقة هي أنه ليس كذلك، لكن مجهود من هو إذن؟ # لا شك أن البرنامج الذي اخترعه فانينج ms231 كان بارعا، لكن تأثيره الهائل لم يأت نتيجة ~~أي براعة خاصة يتسم بها الكود نفسه، أو أي رؤية خاصة لفانينج؛ الذي كان يساعد صديقا له ~~فحسب؛ إن التأثير الهائل لنابستر جاء نتيجة الأعداد الهائلة من الناس الذين أدركوا أن ~~هذا هو بالضبط ما كانوا يبحثون عنه، وبدءوا في استخدامه. لم يتوقع فانينج الطلب غير ~~المسبوق على ابتكاره، وما كان بإمكانه توقع ذلك، بل على الأرجح أيضا أن الملايين من ~~الأفراد الذين استخدموا نابستر في النهاية لم يعلموا برغبتهم في تنزيل الموسيقى مجانا ~~من الإنترنت إلا عندما برزت الإمكانية أمامهم لفعل ذلك، فكيف أمكن لفانينج أن يعلم ذلك؟ ~~في الحقيقة، لم تكن هناك حاجة لذلك، كل ما كان عليه فعله هو طرح فكرته، وما إن صارت في ~~المتناول حتى التقطها القليل من الناس وبدءوا في استخدامها، ليسمع بها عدد آخر من الناس ~~ويبدءون في استخدامها بدورهم، وكلما زاد عدد الأفراد الذين استخدموا نابستر، زاد عدد ~~الأغاني المتاحة، ومن ثم صارت الخدمة أكثر جاذبية ووضوحا للآخرين. # إذا لم يبدأ شخص آخر سوى فانينج والقليل من أصدقائه في استخدام نابستر، أو إذا لم يكن ~~لديهم مجموعات جيدة من الأغاني، أو لم يعلموا ما يكفي من الأشخاص الآخرين الذين لديهم ~~مثل هذه المجموعات، فربما ما كان نابستر ليرى النور أبدا. فبصورة ما، تحتم أن تسير ~~الظروف المحيطة بنابستر على هذا النحو بالضبط ليحقق النجاح، ولو كان تنزيله مكلفا، أو ~~استخدامه مستحيلا، أو الطلب على الشيء الذي صمم من أجله منخفضا للغاية - مثل حل ~~معادلات التفاضل أو ترجمة البولندية إلى الإيطالية - ما كان سيشتهر بهذا القدر على ~~الإطلاق. وبلغة نموذج الحدود، كان لزاما على حد التبني أن يكون منخفضا بما فيه ~~الكفاية لينتشر نابستر، لكن إلى حد ما أيضا، وربما إلى حد بعيد، كان نجاح نابستر ~~مستقلا عن هيئته وأصله، ومع تلقي فانينج، باعتباره المبتكر، معظم الاهتمام، فإن ~~المحرك الحقيقي لتحول نابستر من مجرد فكرة إلى ظاهرة كان الأشخاص الذين ~~استخدموه. ~~(8) القوة للناس # إن المبتكرين ms232 والثائرين - بعبارة أخرى، من يتصرفون من منطلق الضمير والأيديولوجية ~~والإبداع والشغف - هم المكون الرئيسي في أي سلسلة عامة؛ فيشكلون البذرة أو نقطة ~~الانطلاق التي تنتشر منها السلسلة، لكن - وهذا ما يجعل السلاسل صعبة الفهم - البذرة ~~وحدها «لا تكفي». في الواقع، فيما يتعلق بنجاح السلسلة أو فشلها، فإن بذور التغيير، ~~شأنها شأن نظيراتها في عالم الأحياء، شائعة ومتوفرة، قد تحتوي البذرة التي تسقط على ~~الأرض على مخطط لشجرة وافرة الأزهار، ومن ثم فهي تتحمل، نظريا، المسئولية المطلقة عن ~~المنتج النهائي، لكن تحولها إلى شجرة يعتمد اعتمادا شبه كامل على الخصائص الغذائية ~~للمادة التي تهبط عليها. تنشر الأشجار بذورها بأعداد هائلة لسبب معين؛ أن واحدة فحسب من ~~بين هذا العدد الكبير ستنمو وتثمر، وهذه البذرة لا تحمل ميزة خاصة متفردة، بل ستنمو ~~لأنها هبطت في المكان «المناسب». ينطبق الأمر نفسه على البذور الاجتماعية؛ فالمبتكرون ~~والمحرضون السياسيون موجودون دائما، ويحاولون على الدوام بدء شيء جديد وإعادة تشكيل ~~العالم حسب مخيلتهم، لكن ما يجعل من الصعب التنبؤ بنجاحهم هو أن النجاح في كثير من ~~الحالات لا يتعلق بالأساس برؤيتهم المحددة أو سماتهم الفردية بقدر ما يتعلق بنموذج ~~التفاعلات الذي تظهر وسطه محاولاتهم المغيرة للواقع. # ليست هذه العبارة صحيحة دائما، شأنها شأن أغلب التعميمات. يحدث الأفراد في بعض ~~الأحيان أثرا عميقا للغاية، فيبدو أن تأثيرهم مسلم به حقا. عند نشر بحث أينشتاين ~~الأصلي عن النسبية الخاصة في عام 1905، قلب ~~النظام العلمي السائد طوال الثلاثمائة عام السابقة، ومنذ ذلك الوقت صارت عظمة أينشتاين ~~أمرا مؤكدا، وأحدث كل من ديكارت ونيوتن وحدهما ثورة في وجهات النظر العلمية العالمية ~~في عصريهما؛ ديكارت بالهندسة التحليلية ونيوتن بنظرية الجاذبية. بعبارة أخرى، في بعض ~~الأحيان، يتطلب الأثر العميق سببا عميقا بالدرجة نفسها، إلا أن هذا النوع من ~~الاكتشافات نادر تماما، ومعظم التغيير الاجتماعي والعلمي لا تصنعه قفزات معرفية هائلة ~~لأفراد عباقرة. إذا أراد المرء إحداث انهيار جليدي بأحد الجبال، يمكنه إسقاط قنبلة ذرية ~~عليه، لكن ليس ذلك ضروريا، ولا تبدأ الانهيارات ms233 الجليدية في العادة بهذا الشكل، ~~فبدلا من ذلك قد يتسبب اصطدام متزلج واحد على الجليد بالجبل الخاطئ في الوقت الخاطئ ~~من اليوم في انهيار عنيف لا يتناسب مطلقا مع سبب حدوثه. # من الواضح أن الأمر نفسه ينطبق على الصيحات الثقافية والابتكارات التكنولوجية ~~والثورات السياسية والأزمات المتعاقبة وانهيارات أسواق المال وغيرها من صور الجنون ~~والهوس والأعمال الجماعية. المهم هنا هو عدم التركيز على المنبه ذاته، وإنما على بنية ~~الشبكة التي يعمل عليها هذا المنبه، ولا يزال أمامنا الكثير من العمل في هذا الشأن. ~~تذكر أن الشبكات العشوائية ليست هي التمثيل الأفضل للشبكات الحقيقية، وثمة محاولات ~~جارية حاليا لتعميم أبسط نماذج السلاسل على شبكات واقعية تتضمن البنية الجمعية ~~والهوية الاجتماعية الفردية ومؤثرات وسائل الإعلام. تعد قاعدة الحدود تمثيلا مثاليا ~~إلى حد بعيد لصناعة القرار الاجتماعي، وستتطلب عددا من عمليات التجويد إذا أردنا ~~تطبيقها على أي موضوع محدد، لكن حتى في وقتنا الحالي، تعد بعض الأفكار العامة ~~ممكنة. # قد تكون السمة الأبرز لنموذج السلاسل هي أن الظروف الأولية التي لا يمكن تمييزها ~~بعضها عن بعض قبل الحدث قد يكون لها نتائج مختلفة تماما حسب بنية الشبكة، من ثم لا ~~يمكن التعويل على الجودة (التي يمكن ترجمتها هنا بحد التبني) كعامل تنبؤ بالنجاح، بل ~~حتى النجاح الهائل لا يعد بالضرورة علامة على الجودة العالية. يمكن أن يتولد الفارق بين ~~الابتكار الناجح للغاية والفشل الذريع بواسطة ديناميكيات التفاعل بين الفاعلين الذين قد ~~لا تكون لهم أي علاقة بإيجاد هذا الفارق. لا يعني ذلك أن الجودة لا أهمية لها؛ فهي مهمة ~~بالفعل، شأنها شأن الشخصيات والعرض، لكن في العالم الذي يصنع فيه الأفراد القرارات ليس ~~بناء على ما يصدرونه من أحكام فقط، بل ما يصدره الآخرون أيضا، لا تكفي الجودة ~~وحدها. ~~(9) عودة إلى القوة # بالإضافة إلى تأثير السلاسل العامة على النظم المتصلة بشبكات من ناحية إمكانية ~~التنبؤ، يمكن أيضا لفهمها أن يلقي بالضوء على مسألة قوة الشبكات التي تناولناها في ~~الفصل # السادس ~~. في بعض الأحيان، قد ms234 تتعرض النظم التي تتسم ~~بكثرة أجزائها المعتمدة بعضها على بعض والتي تتفاعل بطرق معقدة، كشبكات الطاقة ~~الكهربائية والمؤسسات الكبيرة، لأعطال كبيرة مفاجئة مع كل الاحتياطات المتخذة للحيلولة ~~دون ذلك. يطلق عالم الاجتماع تشارلز بيرو، الذي تناول بالدراسة سلسلة من الكوارث ~~التنظيمية، بدءا من الانصهار الجزئي لقلب المفاعل النووي بجزيرة ثري مايل وصولا إلى ~~انفجار المكوك الفضائي تشالنجر، على هذه الأحداث «حوادث عادية»؛ فهو يرى أن الحوادث لا ~~تقع بسبب أخطاء استثنائية أو إهمال يتعذر الصفح عنه، بل تقع لأن عددا من الأخطاء ~~المعتادة تماما تراكمت، وربما تجمعت على نحو غير متوقع نتيجة للأعمال الروتينية ~~والإجراءات المكتبية والاستجابات التي تحافظ في الوضع الطبيعي على سير الأمور بسلاسة. ~~ومع أن هذه الحوادث قد تبدو استثنائية، فإن أفضل سبيل لفهمها هو اعتبارها عواقب غير ~~متوقعة لسلوك معتاد، ومن ثم فهي ليست عادية فحسب، بل حتمية أيضا. # قد يبدو موقف بيرو، الموضح في كتابه «حوادث طبيعية»، متشائما بعض الشيء، لكنه يتشابه ~~إلى حد بعيد مع الصورة المزمنة لعدم القدرة على التنبؤ الراسخة في نموذج السلاسل، وهذا ~~التشابه ليس مجازيا فقط؛ فمع أننا استقينا قاعدة الحدود من سمات عملية صناعة القرار ~~الاجتماعي، فيمكن أن تظهر الحدود في سياقات أخرى أيضا. فمتى كان من الممكن التعبير عن ~~«حالة» نقطة تلاق في شبكة ما على صورة خيار بين بديلين - مصاب بالعدوى أو معرض للإصابة ~~بها، نشط أو غير نشط، عامل أو متعطل - يعتمد على حالة نقاط التلاقي المجاورة، فإن ~~المسألة تتعلق في جوهرها بالعدوى، ومتى عكست العدوى اعتمادا متبادلا بين حالات النقاط ~~المتجاورة، بمعنى أن نتيجة أحد التأثيرات (مثل التعطل) يزيدها أو يقللها تأثير آخر، ~~ستنشأ قاعدة للحدود، ومن ثم فإن نموذج السلاسل يمكن تطبيقه ليس فقط على سلاسل القرارات ~~الاجتماعية، بل أيضا على سلاسل الأعطال في الشبكات المؤسسية، بل شبكات الطاقة أيضا، ~~ومن ثم فإن السمة الرئيسية لنموذج السلاسل - المتمثلة في أن النظم المستقرة ظاهريا ~~يمكن أن تعكس فجأة سلسلة ضخمة - يمكن تفسيرها أيضا على أنها ms235 تعبير عن هشاشة النظم ~~المعقدة، بما في ذلك تلك التي تبدو قوية. # منذ بضعة أعوام طرح كل من جون دويل، وهو عالم رياضيات في معهد كاليفورنيا ~~للتكنولوجيا، وجين كارلسون، وهي عالمة فيزياء في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا - ~~نظرية لما أطلقا عليه «التحمل الأمثل» لتفسير توزيعات الحجم المرصودة لمجموعة كبيرة من ~~الظواهر؛ بدءا من حرائق الغابات وصولا إلى انقطاع الكهرباء، وكانت أبرز النتائج التي ~~توصلا إليها هي أن النظم المعقدة في العالم الواقعي تتسم بالقوة والضعف في الوقت ذاته، ~~فنظرا لحاجة هذه النظم إلى البقاء في العالم الواقعي، فهي قادرة على تحمل الصدمات ~~بكافة أشكالها، إما لأنها صممت لهذا الغرض أو لأنها تطورت لتفعل ذلك. وإن لم تتمكن ~~من فعل ذلك، فسيجب تعديلها أو ستنتهي من الوجود، لكن كما هو الحال مع نموذج السلاسل ~~الذي أوضحناه من قبل، يكون لدى أي نظام معقد نقطة ضعف، إذا أصيبت على النحو الملائم، ~~فستتسبب في انهيار الكيانات المصممة بعناية ودقة هائلة، وما إن تظهر إحدى نقاط الضعف ~~هذه حتى نهرع عادة لإصلاحها، وهو ما يعزز قوة النظام على نحو محدد (يتولى الانتخاب ~~الطبيعي التعامل مع نقاط الضعف بطريقته الخاصة). لكن أوضح دويل وكارلسون أن هذا لا يقضي ~~على الضعف المتأصل في النظام، بل يستبعده فقط حتى يأتي يوم آخر، وربما حادث من نوع ~~مختلف تماما. # تعد الطائرات مثالا جيدا لهذه الظاهرة المتمثلة في الجمع بين القوة والضعف في الوقت ~~عينه. عندما يظهر عيب ما في تصميم إحدى الطائرات الهامة، ويتسبب أحيانا في سقوطها، ~~يعين المحققون أصل هذه المشكلة بالتحديد، وتخضع كل طائرة من هذا النوع في العالم للفحص ~~والتعديل، إن لزم الأمر، للحيلولة دون تكرار هذه المشكلة. في العموم، يكون ذلك الإجراء ~~فعالا، وهو ما يتبدى في الندرة النسبية للعيوب المتكررة المؤدية لتحطم الطائرات، لكنه ~~لا يمنع حوادث الطائرات كلية؛ يرجع ذلك إلى سبب بسيط، وهو أن أفضل إجراءات الصيانة ~~نفسها في العالم لا يمكن أن تضمن وقوع أخطاء لم يعلم أحد بوجودها ms236 بعد. # الطائرات أمر هين للغاية مقارنة بالكيانات المؤسسية الضخمة، مثل إنرون وكيه مارت، ~~اللتين أعلنتا فجأة وعلى نحو غير متوقع إفلاسهما في غضون شهر واحد بين ديسمبر 2001 ~~ويناير 2002، وهو الوقت الذي أنهيت فيه كتابة هذا الفصل، ومن ثم، في العالم الواقعي، لا ~~يمكن لأي قدر من التخطيط الحذر، بل العلم المتطور، أن يحول دون وقوع الكوارث بين الحين ~~والآخر. هل يعني ذلك أن علينا الاستسلام؟ بالطبع لا، ولم يشر أي من بيرو أو دويل أو ~~كارسلون إلى انعدام الأمل، لكن المهم هو إثراء مفهومنا عن القوة، فلا يجب علينا تصميم ~~نظم تتجنب الأعطال قدر الإمكان فحسب، بل علينا أن نتقبل أيضا فكرة أن الأعطال تحدث مع ~~ما نبذله من جهود قصوى، وأن النظام القوي فعلا هو الذي يمكنه النجاة عند وقوع الكارثة، ~~وسنتناول مفهوم القوة باعتبارها سمة مزدوجة للمؤسسات المعقدة - تمنع الأعطال من ناحية ~~وتعد المؤسسة لها من ناحية أخرى - في الفصل التالي. # الفصل التاسع # | الابتكار والتكيف والتعافي # في يناير من عام 1999، أثناء عملي باحثا ما بعد الدكتوراه بمعهد سانتا في، كنت ألقي ~~خطابا على ممثلين من شبكة الشركات التي يتصل بها معهد سانتا في، وهي مجموعة من الشركات ~~التي تقدم الدعم المالي للمعهد. كان تشاك سابيل من بين الحضور، وهو أستاذ قانون بجامعة ~~كولومبيا التقيت به مرة أو اثنتين، لكن السبب الرئيسي لمعرفتي به هو اشتهاره بشخصيته ~~المشاكسة. سبق لي آنذاك إلقاء الكثير من الخطب عن مسألة العالم الصغير، وأثناء إلقائي خطابي ~~المعهود كان جل ما أتمناه ألا أتسبب في ضجر الحضور؛ لذا أدهشني كثيرا أن رأيت تشاك ~~يهرول نحوي، بينما كنت أهم بالرحيل بعد انتهائي من الخطاب، ملوحا بيديه إلي ومصرا ~~على ضرورة أن نتحدث معا. حسب ما كنت أدركه آنذاك بشأن عمل تشاك، فقد كان معنيا بتطور ~~العمليات التجارية والصناعية الحديثة، ومن ثم لم يكن لعمله علاقة بي، هذا فضلا عن أنني لم ~~أتمكن من فهم كلمة واحدة مما كان يقوله؛ فمع أن تشاك - كما اكتشفت ms237 لاحقا - كان صاحب فكر ~~مثير للاهتمام للغاية، فقد كان أسلوبه أسلوب شخص مثقف انفعالي تدرب بجامعة هارفارد؛ يزخر ~~حديثه بمفردات مهيبة ومنطق معقد واستنتاجات مجردة. إن الاستماع إلى تشاك وهو يفكر يشبه شرب ~~الخمر من خرطوم إطفاء الحرائق؛ فالمذاق طيب، لكنك قد تختنق إن عببت منه عبا. # بعد دقائق قليلة من التحدث معه، وعيناي توشكان أن تدمعا، تمكنت من الفرار بأن ناولته ~~مخطوطة كتاب كنت أعمل على تأليفه آنذاك، متوقعا أن تكون تلك المرة الأخيرة التي أسمع فيها ~~منه، لكن كان ذلك قبل معرفتي به، فبعدها بأيام قلائل دق جرس الهاتف، وكان المتصل هو تشاك، ~~وكان متحمسا أيما حماسة. إنه لم يقرأ المخطوطة المعقدة فحسب (وهو على الطائرة)، بل صار ~~مقتنعا آنذاك بأن ما أملاه عليه حدسه المبكر كان صحيحا، وأنه علينا أن نلتقي في وقت لاحق ~~من ذلك العام للتعاون في العمل على مشروع ما. لم تكن لدي أي فكرة عما كان يتحدث عنه، لكن ~~غمرني حماسه لدرجة جعلتني أوافق. وبحلول شهر أغسطس، قدم تشاك إلى سانتا في، وتسلل الفزع ~~إلى صدري. كيف سيتسنى لي قضاء شهر كامل في العمل مع شخص لا أعرفه تقريبا، على مشروع لا ~~أفهمه تقريبا أيضا؟ بدأت أنظر إلى الموقف برمته كخطأ مؤسف، لكن عندئذ أخبرني تشاك بقصة ~~ظلت تستهويني منذ ذلك الحين. ~~(1) أزمة تويوتا-آيسين # في ثمانينيات القرن العشرين، كانت صناعة السيارات اليابانية مثار حسد العالم؛ لقد ~~مثلت الشركات اليابانية، كتويوتا وهوندا، صورة مصغرة لمفهوم الشركات الحديثة التي تحقق ~~أقصى استفادة ممكنة مما لديها من موارد، وذلك من خلال إتقانها لمجموعة من عمليات ~~الإنتاج، مثل أنظمة التخزين الآني، والهندسة المتزامنة (التي تعين فيها الخصائص ~~التصميمية للمكونات المرتبطة بعضها ببعض على نحو متزامن وليس متعاقب)، والرقابة ~~المتبادلة. وعمد الخبراء الإداريون إلى الاستشهاد بشركة تويوتا، على وجه التحديد، أمام ~~العالم أجمع باعتبارها نموذجا ملهما للامتزاج المتناغم بين الكفاءة الشديدة والمرونة ~~الإبداعية. وعاما بعد عام، أفقدت تويوتا ديترويت هيبتها، وذلك بإنتاجها عددا كبيرا ~~من أفضل السيارات في ms238 العالم من الناحية الهندسية، التي أذهلت الجميع بما في ذلك ~~منافسوها الأوروبيون. # قد يكون من المثير للدهشة، إذن، أن يتضمن الصرح الصناعي الذي ينتج سيارات تويوتا ~~وشاحناتها أكثر من شركة واحدة بكثير. في الواقع، إنه مجموعة مكونة من نحو مائتي شركة ~~يجمعها اهتمامها المشترك بإمداد شركة تويوتا بكل شيء؛ بدءا من المكونات الإلكترونية ~~وصولا إلى أغطية المقاعد، وأيضا يجمعها ما يعرف ب «نظام إنتاج تويوتا». يتمثل هذا ~~النظام في مجموعة من بروتوكولات التصميم والتصنيع نفسها التي تبنتها معظم الشركات ~~الصناعية اليابانية (والأمريكية حاليا)، ومن ثم فهي ليست بالأمر المميز جدا. إن ما ~~يجعل هذا النظام فريدا حقا هو الالتزام الشديد بتطبيقه داخل مجموعة تويوتا؛ فالشركات ~~في المجموعة، بما في ذلك الشركات التي يتنافس بعضها مع بعض للعمل مع تويوتا، تتعاون إلى ~~حد يكاد يبدو معارضا لمصالحها، فتتبادل الموظفين فيما بينها باستمرار، وتتشارك الملكية ~~الفكرية، ويعاون بعضها بعضا على حساب ما لديها من وقت وموارد، كل ذلك دون الحاجة لعقود ~~رسمية أو الاحتفاظ بسجلات مفصلة. وتتبع هذه الشركات نهجا، في العديد من النواحي، أشبه ~~بالإخوة وليس الشركات، باذلة أقصى ما لديها من جهد لتحظى باستحسان شركة تويوتا، التي ~~تراقبها عن كثب كما لو كانت أما تحرص على التوافق بين الجميع مثلما تهتم ~~بالأداء. # قد يبدو هذا أسلوبا جيدا لإدارة أسرة، لكن ليس من الواضح على الإطلاق أنه أسلوب جيد ~~لصناعة السيارات، ومع ذلك، فمنذ ثمانينيات القرن العشرين بدأت الشركات الأمريكية؛ بدءا ~~من مصنعي السيارات وصولا إلى مصنعي المعالجات الصغيرة وأجهزة الكمبيوتر وبرامجه، ~~في تبني أساليب الإنتاج الياباني وأعرافه، واجتاحت التوجهات المستوحاة من اليابان ~~الصناعات، واحدة تلو الأخرى، مع تمتع كل من نظم التخزين الآني وإدارة الجودة الشاملة ~~وإعادة الهندسة بالشهرة لبعض الوقت، وكانت النتيجة النهائية لهذه الثورة أن الشركات ~~الأمريكية في أواخر تسعينيات القرن العشرين صارت لا تشبه كثيرا السلاسل الهرمية ~~المتكاملة عموديا التي قامت عليها صناعة السيارات، مثل هنري فورد وألفريد سلون في ~~عشرينيات القرن العشرين، وظلت تمثل الشكل النموذجي ms239 لتنظيم الشركات منذ ذلك الحين، لكن ~~مع المحاولات الجادة لشركات السيارات الأمريكية العملاقة للتغير، لم تتمكن أبدا من أن ~~تواكب نظيراتها اليابانية في أدائها، لكن منذ أعوام قلائل واجهت تويوتا أزمة كبيرة ~~أصابت صناعة السيارات العالمية بالذهول؛ ففي النهاية، لم يعرض نظام إنتاج تويوتا ~~الثوري الشركة لمشكلة عويصة وحسب، بل أخرجها منها بالسرعة نفسها أيضا. # من أهم الشركات المكونة لمجموعة تويوتا وأكثرها موثوقية شركة آيسين سيكي. صارت آيسين ~~شركة مستقلة، بعد أن كانت جزءا من شركة تويوتا نفسها في الأساس، وذلك في عام 1949، ~~لينصب تركيزها بالتحديد على صناعة مكونات الفرامل. تنتج آيسين بالتحديد فئة من ~~المعدات تعرف باسم الصمامات بي، وهي تستخدم في جميع المركبات التي تصنعها شركة ~~تويوتا لتساعد في منع الانزلاق، وذلك عن طريق التحكم في الضغط الواقع على الفرامل ~~الخلفية. ليست الصمامات بي، التي لا يتجاوز حجمها حجم علبة السجائر، بالأمر المعقد على ~~الإطلاق، لكن نظرا لدورها المحوري للغاية في مسألة الأمان، لا بد من تصنيعها بدقة، ومن ~~ثم فهي تنتج في منشآت عالية التخصص باستخدام مقاييس ومثاقب مصممة خصيصا لهذا الغرض، ~~ونظرا لما تمتعت به شركة آيسين من تاريخ مشرف من حيث الأداء، صارت بحلول عام 1997 ~~المورد الوحيد للصمامات بي لشركة تويوتا. ولأسباب تتعلق بالكفاءة اختارت شركة آيسين ~~إقامة خطوط إنتاجها للصمامات بي في مصنع واحد؛ المصنع ~~رقم 1 في مدينة كاريا، الذي بلغ إنتاجه ~~بحلول ذلك الوقت 32500 صمام يوميا. وأخيرا، نظرا لنجاح نظام الإنتاج الآني لشركة ~~تويوتا، فلم تكن تحتفظ بمخزون يومين من الصمامات بي؛ لذا كان الإنتاج بمصنع كاريا ~~عنصرا شديد الأهمية لسلسلة الإمدادات بشركة تويوتا؛ فدون المصنع، لا صمامات بي، ودون ~~صمامات بي، لا فرامل، ودون الفرامل، لا سيارات. # في الصباح الباكر ليوم السبت الأول من فبراير عام 1997، اشتعلت النيران بمصنع كاريا ~~وسوته بالأرض، حدث الأمر على نحو مباغت؛ فبحلول الساعة التاسعة صباح ذلك اليوم، دمرت ~~جميع خطوط إنتاج الصمامات بي، إلى جانب خطوط إنتاج أسطوانات القابض والأسطوانات ~~الترادفية، ومعظم الأدوات ms240 ذات الأغراض الخاصة التي استخدمتها شركة آيسين للصناعة ~~ومراقبة الجودة. وفي غضون ما لا يزيد عن خمس ساعات، تلاشت السعة الإنتاجية لشركة آيسين ~~تماما، وتطلب إحياؤها شهورا. شهورا! كانت تويوتا تصنع آنذاك ما يزيد عن خمسة عشر ~~ألف سيارة يوميا بنحو ثلاثين خط إنتاج، لكن بحلول يوم الأربعاء، 5 فبراير، توقف ~~الإنتاج تماما، ليسفر ذلك عن تعطل ليس فقط مصانع تويوتا نفسها، بل أيضا المنشآت ~~والعاملين بالكثير من الشركات التي قام عملها على إمداد تويوتا بمستلزماتها، وخيم ~~الصمت على أضخم المصانع بجميع أرجاء منطقة تشوكيو الصناعية، مع سقوط مجموعة تويوتا ~~المنيعة جراء انهيار إحدى لبناتها الأساسية. كان ذلك بلا شك كارثة مروعة، لا يضاهيها أي ~~شيء، بما في ذلك الزلزال العنيف الذي ضرب مدينة كوبه اليابانية قبل ذلك الوقت ~~بعامين. # إلا أن ما تلا ذلك لم يقل في تأثيره ~~عن الكارثة نفسها؛ ففي استجابة منسقة تنسيقا مذهلا من أكثر من المائتي شركة، ودون ~~إشراف مباشر يذكر من أي من آيسين أو تويوتا، أعيد إنتاج ما يزيد عن مائة نوع من ~~الصمامات بي في غضون ثلاثة أيام بعد الحريق، وما إن حل يوم الخميس الموافق 6 فبراير، ~~حتى أعيد فتح اثنين من مصانع تويوتا. ويوم الاثنين التالي، أي بعد ما يزيد عن الأسبوع ~~بقليل من وقوع الكارثة، عاد الإنتاج لقرابة أربعة عشر ألف سيارة يوميا، وبعد ذلك ~~بأسبوع عاد الحجم اليومي للإنتاج إلى مستواه قبل الكارثة، ومع ذلك، فقد قدرت وزارة ~~الصناعة والتجارة الدولية في اليابان أن الخسارة في الإنتاجية الناجمة عن الحريق قد ~~بلغت 1 / 12 من إجمالي صناعة وسائل النقل اليابانية في شهر فبراير. # في ظل معدل الخسارة المروع هذا، لا يمكن تصور العواقب التي كانت ستنجم عن توقف العمل ~~شهورا، بل أسابيع، ومن ثم، من الجلي أن كل شركة في مجموعة تويوتا كان لديها دافع قوي ~~للتعاون، سواء عن طريق استعادة إنتاجيتها ببساطة أو التودد للحصول على مزيد من الأعمال ~~المستقبلية مع تويوتا، لكن حتى أقوى الدوافع ليست ms241 كافية وحدها، وهذا ما أوضحه توشيهيرو ~~نيشيجوشي وألكساندر بوديه في تقريرهما المفصل عن مساعي تحقيق التعافي، فبصرف النظر عن ~~عدد الشركات في مجموعة تويوتا التي رغبت في المساعدة، كان من الضروري أن تملك هذه ~~الشركات «القدرة» على ذلك. من الجدير بالذكر أنه لم يكن لدى الاثنتين وستين شركة التي ~~تولت إنتاج الصمامات بي في تلك الحالة الطارئة، أو الشركات التي فاق عددها 150 شركة ~~وشاركت في الأمر بشكل غير مباشر كموردين، أي خبرة سابقة في صناعة الصمامات، هذا فضلا ~~عن عدم تمتعها بإمكانية الوصول لأدوات متخصصة كتلك التي قضى عليها الحريق. كانت شركة ~~براذر إندستريز مثلا إحدى الشركات التي ساهمت في جهود التعافي، وهي شركة تعمل في تصنيع ~~ماكينات الخياطة، ولم يسبق لها تصنيع أجزاء السيارات من قبل على الإطلاق! ومن ثم ~~فالسؤال المثير هنا ليس لماذا عمل الجميع بهذا الكد لتحقيق التعافي، وإنما: كيف؟ # قبل أن تخمد الحرائق شرع المهندسون بشركة آيسين في العمل؛ فأخذوا في تقييم الخسائر ~~وتحديد ما يجب فعله بالضبط، وقد أدركوا على الفور أن مهمة التعافي - لكي تتم سريعا بما ~~فيه الكفاية لتفادي الهلاك الوشيك آنذاك - تفوق إمكاناتهم كشركة منفردة وإمكانات ~~مورديهم الحاليين. تطلب الأمر مزيدا من الجهد، وهو ما لا يملكون التحكم فيه تحكما ~~مباشرا. في وقت لاحق من صباح اليوم نفسه بعثت شركة آيسين، التي كانت قد أقامت مراكز ~~للاستجابة لحالات الطوارئ، رسالة استغاثة تحدد فيها المشكلة باستخدام أكثر المصطلحات ~~الممكنة شمولا، وتطلب المساعدة، واستجابت الشركات المكونة لمجموعة تويوتا، كما لو ~~كانت طائرات مقاتلة تنتظر إشارة الانطلاق. # ومع ذلك، في هذا الموقف على وجه التحديد، لم يكن تقديم العون أمرا يسيرا؛ فنظرا ~~لافتقار الشركات التي ساهمت في جهود التعافي للأدوات والخبرات الخاصة بإنتاج الصمامات ~~بي، تعين عليها الابتكار على الفور، واستحداث إجراءات التصنيع، حتى تحل مشكلات ~~التصميم والإنتاج في آن واحد. وما زاد الطين بلة أن خبرة آيسين تعلقت في المقام الأول ~~بما تجريه من عمليات تخصها، ومن ثم لم تكن مفيدة كثيرا ms242 في التغلب على العوائق الفنية، ~~وأخيرا، في خضم الأزمة، صار من العسير للغاية الاتصال بشركة آيسين، وحتى بعد تركيب ~~الآلاف من خطوط الهاتف الإضافية، تدفق قدر هائل من المعلومات الصادرة والواردة على صورة ~~استفسارات واقتراحات وحلول ومشكلات جديدة، الأمر الذي حال في كثير من الأحيان دون ~~الوصول للشركة، وهو ما جعل الشركات المشاركة في عملية الإنقاذ تعتمد على نفسها ~~بالأساس. # لكن في مثل هذه الظروف تظهر نتائج التدريب؛ فبعد أعوام من الخبرة بنظام إنتاج تويوتا، ~~أصبح لدى جميع الشركات المشاركة في عمليات التعافي فهم مشترك لكيفية التعامل مع ~~المشكلات وحلها، فكانت عمليات التصميم والهندسة الفورية نشاطا يوميا في هذه الشركات، ~~ونظرا لأن شركة آيسين كانت على علم بذلك، تمكنت من تحديد متطلباتها بأقل قدر ممكن من ~~التفصيل، مما أتاح للموردين المحتملين أقصى قدر ممكن من الحرية بشأن كيفية متابعة ~~العمل، والأهم هو أنه بينما كان الموقف في حد ذاته غير مألوف، لم يكن التعاون كذلك؛ ~~فنظرا لأن الكثير من الشركات المشاركة في جهود التعافي سبق لها تبادل الموظفين ~~والمعلومات الفنية مع آيسين، وبعضها مع بعض أيضا، تمكنت من الاستفادة من خطوط الاتصال ~~وموارد المعلومات والروابط الاجتماعية القائمة بالفعل بينها؛ صار بينها فهم متبادل وثقة ~~مشتركة، الأمر الذي يسر ليس فقط الانتشار السريع للمعلومات (بما في ذلك أيضا وصف ~~الأخطاء التي يقعون فيها)، بل أيضا تعبئة الموارد وتخصيصها. # وصل الأمر ببعض الشركات إلى إعادة تنظيم أولويات إنتاجها بالكامل للمساعدة في جهود ~~التعافي، فاختارت ما بين الحد من المهام الأخرى أو العهد بالمهام الأقل تعقيدا من ~~الناحية الفنية لمورديها الخارجيين، واستحوذت شركات أخرى على المثاقب والمقاييس من جميع ~~أنحاء البلاد، ومن واجهات المتاجر، بل من الولايات المتحدة أيضا، دون وضع اعتبار ~~للتكاليف ، ومن ثم تمكنت الشركات في مجموعة تويوتا فعليا من إنجاح اثنين من جهود ~~التعافي على نحو متزامن، فأعادت؛ أولا: توزيع الضغط الناجم عن عطل رئيسي من شركة واحدة ~~على مئات الشركات، ومن ثم قلصت حجم الخسائر التي تتكبدها أي شركة ms243 بمفردها في المجموعة. ~~وثانيا: أعادت مزج الموارد لهذه الشركات نفسها في تكوينات متعددة متميزة ومبتكرة ~~لتحقيق ناتج مماثل من الصمامات بي. وقد فعلت ذلك دون التسبب في أي أعطال أخرى، وبقدر ~~بسيط من التوجيه المركزي، وفي غياب تام تقريبا للعقود الرسمية، وكل ذلك في ثلاثة أيام ~~فحسب. # بفضل باحثين مثل نيشيجوشي وبوديه، أصبح لدينا سجل معقول للأحداث التي أدت إلى أزمة ~~آيسين، والتي تلتها، ومن ثم عرفنا بصورة ما كيف حلت هذه الأزمة، وما الذي اتسمت به ~~شركات مجموعة تويوتا كي تتمكن من حلها، لكن مثلما لم تتمكن سلسلة الأعطال وحدها التي ~~أصابت شبكة نقل الطاقة من توضيح السبب وراء سرعة تأثر النظام بمثل هذه السلسلة في ~~المقام الأول، أو عدم كشف السرد التاريخي لإحدى الصيحات الثقافية عن سبب تفضيل مجموعة ~~كاملة من الأفراد لشيء عن آخر فجأة، لا يمكن لهذا السجل أيضا أن يخبرنا بما مكن ~~النظام من النجاة من مثل هذه الصدمة الهائلة. # وكما هو الحال في مثال شبكة الطاقة، كان لعطل مكون واحد في نظام ضخم أصداء عامة أدت ~~إلى عطل كارثي واسع الانتشار، لكن حالة آيسين تختلف في أن النظام استعاد عافيته فيما ~~بعد بالسرعة نفسها تقريبا التي انهار بها، وبقدر ضئيل من التحكم المركزي. يبدو ذلك كما ~~لو أن شبكة الطاقة، بعد تعرضها للعطل المتسلسل ذاته الذي أدى إلى تهاويها في أغسطس ~~1996، قد وقفت على قدميها من جديد في غضون ساعات قليلة، في حين ظل المراقبون في حالة ~~ذهول بشأن ما يحدث. ليست الأنظمة «ذاتية المعالجة» سوى أمل بعيد في عيني أي مهندس، لكن ~~في عالم المؤسسات يبدو أنها موجودة بالفعل. ما الذي يمكننا تعلمه إذن من أزمة آيسين ~~ويمكن أن يساعدنا على فهم تصميم النظم القادرة على التعافي حتى من الأعطال التي ربما ~~تكون مدمرة؟ على نحو أشمل، ما الذي يمكن لمجموعة تويوتا أن تعلمنا إياه بشأن بنية ~~المؤسسات الصناعية الحديثة؟ وبعبارة أخرى، كيف يرتبط أداء الشركات - أي قدرتها على ~~تخصيص الموارد والابتكار والتكيف ms244 وحل المشكلات، سواء الاعتيادية أو الجوهرية - ببنيتها ~~التنظيمية؟ ~~(2) الأسواق والهياكل الهرمية # تعد المؤسسات الصناعية، في الواقع، موضوعا قديما للغاية؛ إذ نمت هذه المؤسسات من ~~رحم الحراك الاقتصادي والاجتماعي الشديد الناتج عن الثورة الصناعية. وفي الواقع، كان ~~موضوع المؤسسات الصناعية هو ما افتتح به آدم سميث كتابه المتميز «ثروة الأمم». يناقش ~~سميث بالتحديد «تقسيم العمل»، وهو المبدأ الذي استدل عليه في الأصل من ملاحظاته للعمال ~~في المنشآت الصناعية، الذين اتسم أداؤهم دائما بالتحسن عند تقسيم المهمة الجماعية ~~المنوطة بهم إلى مهام فرعية متخصصة، وكان النموذج الذي استخدمه لشرح هذا المبدأ، من بين ~~كل المنتجات الأخرى، هو إنتاج المسامير؛ فمع أن صناعة المسمار تبدو أمرا تافها، فهي ~~تنطوي على ما يزيد عن عشرين خطوة مستقلة، مثل سحب الأسلاك وشحذ الأطراف وطرق الرءوس ~~وقطع السلك ... إلخ. عند وضع سميث لكتابه في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن بإمكان ~~الحرفي الماهر نفسه، عند العمل وحده، سوى صنع حفنة فقط من المسامير يوميا، لكن سميث ~~لاحظ أنه عند تقسيم العمل على فريق مكون من عشرة أفراد، كل منهم يؤدي خطوة أو خطوتين، ~~ويستخدم أدوات متخصصة، كان بالإمكان إنتاج آلاف أضعاف هذه الكمية. # تعد فكرة أنه يمكن لفرق من العاملين أداء خطوات متخصصة لمهمة معقدة وإنتاج أضعاف ما ~~ينتجه العدد نفسه من العاملين عند أداء كل منهم المهمة بالكامل، نتيجة أساسية للتعلم ~~البشري في واقع الأمر. تنص قاعدة عامة، تعرف باسم «التعلم بالممارسة»، على أنه كلما ~~تكرر فعلنا لشيء ما أجدناه، وإذا قل عدد المهام المنوطة بنا، ومن ثم صار بإمكاننا ~~أداء كل منها أكثر من مرة، فستكون النتيجة أنه عند أدائنا خطوة واحدة فحسب من عملية ~~الإنتاج، سنؤديها على نحو أكثر إتقانا مما إذا تحتم علينا أداء جميع الخطوات الأخرى ~~أيضا، وتسمى الفائدة التي يجنيها كل عامل من تعلم أداء مهمة واحدة بكفاءة «عوائد ~~التخصص». ومن خلال توزيع مكونات عملية معقدة على العديد من الأفراد المختلفين، الذين ~~يعملون بالتوازي، تسخر عملية تقسيم العمل عوائد التخصص ms245 مرارا وتكرارا. # ومن ثم، من منظور تقسيم العمل، كلما زادت وظيفة المرء تخصصا، كان ذلك أفضل. على سبيل ~~المثال، عند صناعة سيارة، ستتوافق المهام الفرعية الواضحة مع المكونات الرئيسية ~~للمركبة؛ البدن والمحرك وناقل الحركة والهيكل الداخلي، لكن كل مكون من هذه المكونات ~~يمثل مهمة معقدة في حد ذاته، ومن ثم يتطلب مزيدا من درجات التخصص. على سبيل المثال، ~~يمكن تقسيم المحرك إلى جسم المحرك ومصدر الوقود ونظام التبريد ونظام الكهرباء، وهي ~~العناصر التي قد يتطلب كل منها مزيدا من التقسيم، وهكذا، حتى «تتجزأ» المهمة المعقدة ~~الكاملة إلى مجموعة من الخطوات الأساسية، ونظرا لأن كلا من هذه الخطوات ينتج عنها ~~عوائد التخصص، فالمكاسب الكلية في الكفاءة ستكون هائلة. # كانت عوائد التخصص التي رصدها سميث عميقة للغاية؛ فقال إن تقسيم العمل هو إحدى السمات ~~الفارقة الأساسية للمجتمعات المتحضرة؛ ففي المجتمعات التي تفتقر للعمل المتخصص، يتحتم ~~على كل أسرة توفير جميع حاجاتها، بما في ذلك المأكل والملبس والمسكن وكافة المصنوعات ~~المستخدمة في الحياة اليومية. في مثل هذا العالم يكون البقاء الشغل الشاغل للبشر، ويكون ~~كل جيل مرغما على البدء من النقطة نفسها بالضبط التي بدأ عندها السابقون. ولا يكون من ~~الممكن ظهور المدارس أو الحكومات أو الجيوش المتخصصة أو التصنيع أو الإنشاء أو النقل أو ~~الصناعات الخدمية. لكن ومع جوهرية تقسيم العمل للمؤسسات الصناعية من وجهة نظر سميث، ~~فإنه لم يحدد فعليا قط الآلية التي يجب تجميع المهام الفرعية بها لتصبح كيانا كاملا ~~معقدا. في كتاب «ثروة الأمم» تجنب سميث هذا الموضوع، قائلا فقط إن الحد الذي يمكن ~~أن يصل إليه التخصص يعتمد على «حدود السوق»، وقد عنى بهذه العبارة أنه كلما زاد عدد ~~المستهلكين المحتملين، زادت كمية الموارد التي يمكن للشركة تحمل تكاليفها للاستثمار ~~في بناء منشآت الإنتاج، وتصميم الماكينات المتخصصة وتشييدها، وتوظيف العاملين، ومن ثم ~~تستفيد من اقتصاديات الحجم الكبير، لكن هذا الوصف لا يحدد لماذا يجب أن تكون الكيانات ~~الرسمية التي تدعى «الشركات» هي المسئولة عن الإنتاج، لا المقاولين المستقلين ms246 أو ~~العاملين المؤقتين أو المستشارين مثلا. # أيضا لا يقتضي تقسيم العمل ضمنا بالضرورة أن الشركات، عند وجودها بالفعل، يجب أن ~~تشبه هياكل السلطة الهرمية التي تشكل الصورة التي في مخيلتنا عن التصنيع في القرن ~~التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وفكرة أن المهام يمكن إنجازها على نحو أكثر كفاءة من ~~خلال تقسيمها، بشكل هرمي، إلى مكونات فرعية أكثر تخصصا، لا تقتضي ضمنا «وحدها» حتمية ~~تنظيم الشركات بالطريقة نفسها. مع ذلك، ونظرا لأن الكثير من الشركات بعد الثورة ~~الصناعية كانت منظمة بالفعل بهذه الطريقة، فقد أجمعت النظريات الاقتصادية على مدار أغلب ~~القرن الماضي على أن الصورة المثالية للمؤسسة الصناعية، ومن ثم البنية الداخلية لأي ~~شركة تجارية، هي التسلسل الهرمي. # اختصارا لقصة طويلة (للغاية)، أجمعت أكثر النظريات الاقتصادية المتعلقة بالمؤسسات ~~الصناعية والمتفق عليها عموما على تقسيم العالم إلى هياكل هرمية وأسواق. تنص هذه ~~النظريات على أن الشركات تظهر للوجود؛ لأن الأسواق على أرض الواقع تعاني مجموعة من ~~العيوب التي يطلق عليها عالم الاقتصاد الحاصل على جائزة نوبل، رونالد كواس، «تكاليف ~~المعاملات». فإذا تمكن كل شخص من اكتشاف عقود قائمة على الأسواق وإبرامها وتنفيذها مع ~~الآخرين كافة (أي إذا تمكنا جميعا من أن نكون مقاولين مستقلين مثلا)، فإن المرونة ~~الهائلة التي تتمتع بها قوى السوق ستلغي فعليا الحاجة إلى الشركات تماما، لكن في ~~العالم الواقعي، وحسبما شهدنا في عدد من السياقات، يعد اكتشاف المعلومات أمرا مكلفا ~~ومعالجتها أمرا صعبا، بالإضافة إلى ذلك، يكون الاتفاق بين أي طرفين - وإن بدا فكرة ~~جيدة في وقت ما - عرضة للشك بشأن الظروف المستقبلية والاحتمالات غير المتوقعة، وإذا ~~أبرم عقد بين طرفين ثم بدا في وقت ما لأحد هذين الطرفين فجأة أنه فكرة سيئة، فقد ~~يقرر هذا الطرف نقض الاتفاق، مما يتسبب على الأرجح في خسارة للطرف الآخر. وتنفيذ العقود ~~أمر صعب ومكلف في عالم يمكن فيه للغموض والظروف غير المتوقعة أن تطغى على أكثر النوايا ~~وضوحا. # لذا كانت الفكرة الرئيسية التي دعا إليها كواس هي أن الشركات تظهر ms247 للوجود من أجل ~~إزالة كافة التكاليف المرتبطة بمعاملات السوق، وذلك من خلال استبدال عقد توظيف واحد ~~بها. بعبارة أخرى، داخل الشركات، تتوقف الأسواق عن العمل، ويتم التنسيق بين مهارات ~~موظفيها ومواردهم ووقتهم من خلال هيكل سلطة صارم. ومع أن كواس نفسه لم يحدد مطلقا ما ~~يجب أن يبدو عليه هذا النوع من هياكل السلطة، فقد أجمعت النظريات الاقتصادية اللاحقة ~~على أنها يجب أن تكون هياكل هرمية. في الوقت نفسه تستمر الأسواق في العمل بين الشركات، ~~حيث يكون الحد بين الشركة والسوق هو الموازنة بين «تكلفة تنسيق» تنفيذ وظيفة محددة داخل ~~الشركة وتكلفة عملية إبرام عقد خارجي، وإذا صارت العلاقة بين شركتين متخصصة يوما ما ~~لدرجة سمحت لإحداهما بالتلاعب بالأخرى، فمن المفترض أن تحل المشكلة عن طريق الاندماج ~~أو الاستحواذ، ومن ثم تنمو الشركات عن طريق عملية «الدمج الرأسي»؛ إذ يذوب أحد الهياكل ~~الهرمية فعليا في هيكل آخر، مما يؤدي إلى تكون هيكل هرمي أكبر «متكامل رأسيا». ~~وعلى العكس من ذلك، عندما تقرر شركة ما أن إحدى المهام الداخلية بها مكلفة للغاية، فإما ~~أن تفصل هذا الفرع من التسلسل الهرمي لتنشئ فرعا متخصصا، أو تزيله تماما عن طريق ~~العهد بالمهمة لشركة أخرى، وفي جميع الأحوال تظل الشركات في صورة هياكل هرمية (لا يتغير ~~سوى حجمها وعددها)، وتستمر الأسواق في العمل بين الشركات. # إنها نظرية أنيقة حقا، وتحمل من المعقولية ما جعلها تسود الفكر الاقتصادي بشأن ~~الشركات لما يزيد عن نصف قرن، لكن في عام ~~1984 دق كتاب ثوري وضعه اثنان من أساتذة ~~معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - أحدهما عالم اقتصاد والآخر عالم سياسي - نواقيس الخطر ~~الأولى لما أصبح صراعا متزايد التعقيد حول الطبيعة الفعلية للمؤسسة الصناعية ومستقبل ~~النمو الاقتصادي. حمل ذلك الكتاب عنوان «التقسيم الصناعي الثاني»، وكان العالم السياسي ~~الذي شارك في تأليفه يدعى تشارلز فريدريك سابيل، وهو نفسه تشاك سابيل الذي بادرني ~~بالحديث في معهد سانتا في بعد خمسة عشر عاما. ~~(3) التقسيمات الصناعية # من منظور علماء الاقتصاد، ربما تكون النقطة الأكثر إثارة ms248 للجدل (إن لم تكن الأهم) ~~التي أشار إليها تشاك والمؤلف الذي شاركه تأليف الكتاب، مايكل بيور، هي أن نظرية ~~الشركات ظهرت بعد أن صار الأمر واقعا بالفعل؛ فلم يشرع علماء الاقتصاد في وضع نظرية عن ~~الشركات إلا بعد أن استقر نظام التصنيع واسع النطاق بالفعل على نموذج التكامل الرأسي ~~وما يتصل به من اقتصاديات الحجم الكبير، ومن ثم لم يحاول هؤلاء العلماء شرح سوى نوع ~~واحد من الشركات - ذات التسلسل الهرمي الكبير المتكامل رأسيا - كما لو أنه ما من ~~نظرية أخرى عن المؤسسات الصناعية يمكن أن تكون منطقية، لكن بالعودة إلى أواخر القرن ~~التاسع عشر، عندما ظهرت الصورة المعاصرة للشركات الصناعية للمرة الأولى، أوضح بيور ~~وسابيل أن التسلسل الهرمي لم يكن الشكل الوحيد الناجح للمؤسسات الصناعية، ولم يعتمد ~~تميزه النهائي بالضرورة على مبادئ اقتصادية عامة. # لم يصبح التكامل الرأسي، بالطبع، الشكل السائد للمؤسسات الصناعية بالصدفة، بل كان ~~الخيار الأمثل آنذاك لعدة أسباب، لكن ما قاله بيور وسابيل هو أن الأشكال المؤسسية قد ~~ظهرت كحل لمشكلات بعضها اقتصادي والبعض الآخر اجتماعي وسياسي وتاريخي، وأبلغ دليل على ~~اعتماد القرارات الاقتصادية على أمور غير اقتصادية هو أن التاريخ التكنولوجي يواجه بين ~~الحين والآخر نقاطا فرعية؛ تعرف باسم «التقسيمات»، وهي النقاط التي تتخذ عندها ~~القرارات من بين الحلول المتباينة لمشكلة عامة، وما إن يتخذ أحد القرارات حتى يستقر ~~الحل الفائز في التفكير المعاصر والتاريخي على حد سواء، فينسى العالم تماما أنه كان له ~~بديل. # أشار بيور وسابيل إلى أن التقسيم الصناعي الأول كان الثورة الصناعية نفسها؛ ففي أثناء ~~تلك الثورة تفوق النموذج المتكامل رأسيا للمصانع الضخمة وخطوط الإنتاج عالية التخصص ~~والأيدي العاملة غير الماهرة بوجه عام، على نظام الحرف السائد قبل ذلك والمتمثل في ~~الحرفيين المهرة الذين يديرون ماكينات وأدوات ذات أغراض عامة، بل قضى عليه أيضا. وعلى ~~مدى قرن بعد تلك الفترة اتبعت المؤسسات الصناعية نموذج التسلسل الهرمي، ومثلما ركز ~~الباحثون على نموذج علمي معين، افترض علماء الاقتصاد وقادة الأعمال التجارية وصانعو ~~السياسات ms249 ببساطة أنه ما من شكل آخر للمؤسسات يمكن تصوره، واعتبر أن مفاهيم تقسيم ~~العمل والمؤسسة الصناعية والتكامل الرأسي مرتبطة ارتباطا وثيقا بعضها ببعض. # لكن مع أواخر سبعينيات القرن العشرين، شرع العالم في التغير، فبدأ النمو السريع للنظم ~~الاقتصادية الصناعية في العالم لفترة ما بعد الحرب في الوصول إلى حدود طلبات الأسواق ~~الاستهلاكية المحلية، وتطلب المزيد من النمو عملية عولمة ضخمة لكل من الإنتاج ~~والتجارة. في الوقت نفسه تقريبا، وللسبب ذاته جزئيا، بدأ نظام سعر الصرف الثابت الذي ~~نصت عليه اتفاقية بريتون وودز لعام 1944 في الانهيار، وظهرت الصدوع الأولى في جدران ~~الحماية التجارية التي التجأت خلفها الكثير من استراتيجيات التعمير لفترة ما بعد الحرب ~~التي تبنتها الكثير من الدول. وما أدى إلى تفاقم هذه التغيرات الهائلة في الاقتصاد ~~العالمي كان سلسلة من الهزات الاقتصادية والسياسية - أزمتان بتروليتان سريعتا التعاقب، ~~والثورة الإيرانية في عام 1979، ومزيج من البطالة والتضخم المتناميان في الولايات ~~المتحدة وأوروبا - وهي الأمور التي محت جميعها رؤية العالم الصناعي لمستقبل باهر ممتد ~~بلا نهاية. وفي خلال عقد من الزمان صار العالم مكانا أكثر قتامة والتباسا، ولزم على ~~قادة الأعمال التجارية البدء في التفكير خارج إطار المعرفة الاقتصادية التقليدية لكي ~~يتمكنوا من البقاء، ومع أنه كان من الواضح لأي شخص مهتم بمتابعة الأمر أن رخاء ما بعد ~~الحرب قد ولى، فلم يبد أن أحدا قد أدرك أن النظام الاقتصادي القديم نفسه سقط، وأن ~~العالم كان يدخل، في الواقع، التقسيم الصناعي الثاني له. # وهكذا، كان التقسيم الصناعي الثاني في جزء منه تعبيرا عن ضرورة التفكير المستقل ~~بعيدا عن المؤثرات الخارجية، وجزء منه محاولة للتوصل إلى وجهة نظر بديلة أفضل. لم ~~يختف تماما نظام الحرف، الذي أشار إليه بيور وسابيل؛ فظل قائما في المناطق الصناعية ~~في شمال إيطاليا، بل في بعض الأجزاء من فرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة، ويرجع أحد ~~أسباب استمرار هذا النظام في تلك المناطق إلى ما تتمتع به من تاريخ متميز، وشبكات ~~اجتماعية بين نظم الإنتاج التقليدية القائمة على الأسر، ms250 والتركيزات الجغرافية للمهارات ~~المتخصصة التي تمثلها، لكن الإنتاج الحرفي استمر أيضا لما يتمتع به هو نفسه من مزايا؛ ~~إذ تفوق في أدائه على اقتصاديات الحجم الكبير المتكاملة رأسيا في الصناعات سريعة ~~التغير التي لا يمكن التنبؤ بها؛ كصناعة الأقمشة التي تعتمد في مكسبها على عالم الأزياء ~~دائم التغير. # لكن الأهم كثيرا من استمرارية نظام الحرف نفسه هو أن السمة الأساسية له، التي أطلق ~~عليها بيور وسابيل اسم «التخصص المرن»، قد تبناها بتمهل عدد وافر من الشركات، حتى في ~~أقوى الصناعات القائمة على اقتصاديات الحجم الكبير. على سبيل المثال، تخلت صناعة ~~الصلب الأمريكية على مدار الثلاثين عاما الماضية عن تقنية أفران صهر المعادن التقليدية ~~لمصلحة المصانع المصغرة الأكثر مرونة والأصغر حجما، ويعد التخصص المرن نقيض التسلسل ~~الهرمي المتكامل رأسيا من حيث استغلاله لاقتصاديات «المجال» بدلا من اقتصاديات ~~الحجم؛ فبدلا من إنفاق كميات كبيرة من رأس المال على منشآت إنتاجية متخصصة تنتج فيما ~~بعد خطا محدودا من المنتجات على نحو سريع ومنخفض التكلفة، يعتمد التخصص المرن على ~~الماكينات ذات الأغراض العامة والعاملين المهرة في إنتاج مجموعة متنوعة من المنتجات على ~~دفعات صغيرة. # تذكر أن عوائد التخصص تنشأ من التكرار الدائم لنطاق محدود من المهام، ولا يكون ~~التكرار ممكنا إلا في حالة عدم تغير المهام نفسها؛ لذا، في البيئات بطيئة التغير، التي ~~تروق فيها المنتجات العامة لعدد كبير من المستهلكين ويكون فيها نطاق الخيارات المتنافسة ~~محدودا، تكون اقتصاديات الحجم الكبير هي الخيار الأمثل، أما في أواخر القرن العشرين، ~~حين اتجه العالم نحو العولمة على نحو متسارع، وعلقت الشركات بين التنبؤات السياسية ~~والاقتصادية المبهمة من جانب، وأذواق المستهلكين متزايدة التفاوت من جانب آخر، اكتسبت ~~اقتصاديات المجال مزية هامة. بعبارة أخرى، رجح كل من الشك والغموض والتغير السريع كفة ~~المرونة والقدرة على التكيف على الحجم الضخم، وعلى مدار عقدين من الزمان منذ أن أوضح ~~سابيل وبيور هذه النقطة للمرة الأولى، لم يزد عالم الأعمال إلا غموضا. # طرحت مؤخرا على تشاك سؤالا عن رأيه بشأن تعطل ms251 ظهور الأفكار التي أوضحها في كتابه ~~لمدة عشرين عاما تقريبا منذ تبشيره بها للمرة الأولى. هل ثبت أنه وبيور كانا على حق؟ ~~حسنا، نعم ولا. نعم، لأن هيمنة ما يعرف بالأشكال المؤسسية الحديثة على التسلسلات ~~الهرمية التقليدية المتكاملة رأسيا صارت الآن أمرا غير قابل للنقاش على الإطلاق (خلا ~~في الدوريات الاقتصادية الأكثر تحفظا ربما). ونعم، من حيث الاتفاق بوجه عام على أن ~~السبب وراء هذا التحول هو الزيادة الحادة في الشك، والتغير المرتبط ببيئة العمل ~~العالمية في العقود القليلة الماضية، في الأقسام الرئيسية للاقتصاد القديم، كالأنسجة ~~والصلب والسيارات والبيع بالتجزئة، بالإضافة إلى صناعات الاقتصاد الحديث، المتمثلة في ~~التكنولوجيا الحيوية وأجهزة الكمبيوتر، لكن لسبب ما، وبخاصة على مدار العشر سنين ~~الماضية، رأى تشاك أن حل التخصص المرن الذي اقترحه هو وسابيل كان غير كامل على نحو ~~خطير. ~~(4) الغموض # تتمثل الفكرة القائم عليها التخصص المرن في أن المهام اللازم إنجازها في إحدى الشركات ~~الحديثة - سواء أكانت صناعة سيارة، أم ابتكار قماش جديد لكتالوج الربيع، أم تصميم نظام ~~تشغيل الكمبيوتر التالي - تكون عرضة للتغير السريع وعدم إمكانية التنبؤ بها على ~~الإطلاق. وفي ظل هذه الظروف، بدلا من إغراق كميات كبيرة من رأس المال في منشآت الإنتاج ~~المتخصص، تتبنى الشركة منهج اقتصاد المجال، بحيث تضم فرق عمل منظمة تنظيما مرنا من ~~العاملين ذوي المهارات العالية الذين يمكنهم إعادة مزج مهاراتهم المتخصصة على نحو سريع ~~ومتكرر لإنتاج دفعات صغيرة من مجموعة عريضة متنوعة من السلع. قد تبدو هذه معادلة قوية، ~~وهي كذلك بالفعل، لكنها تخفي نوعا ثانيا من الغموض، وهو نوع ذو طبيعة أعمق جوهريا؛ ~~فالشركات لا تواجه شكا فحسب بشأن المهمة المحددة التي يطالبهم بها السوق الخارجية، بل ~~أيضا لا تكون على يقين بشأن ما يجب عليها فعله لإتمام أي مهمة، أو ما يمكن أن تكون ~~عليه معايير النجاح المكافئة. # يكمن في أعماق هذا اللغز - وهو ما يتضح في جميع نظريات الشركات تقريبا - الافتراض ~~القائل إنه إذا كان إنجاز مهمة معقدة عملية لامركزية تتطلب ms252 جهودا منسقة متزامنة يبذلها ~~الكثير من العاملين المتخصصين، يكون تصميمها مركزيا بطريقة ما، ومفروضا إلى حد ما ~~«من أعلى». وما تمكن تشاك من إدراكه على مدار السنوات منذ «التقسيم الصناعي الثاني» هو ~~أن هذا الافتراض ليس سوى وهم مريح، أما في الواقع، عندما تباشر إحدى الشركات مشروعا ~~جديدا كبيرا، فإن المشتركين فيه فعليا لا يعلمون كيف ينفذونه. وفي الصناعات سريعة ~~الحركة بدءا من برامج الكمبيوتر وصولا إلى السيارات، نادرا ما تكون التصميمات نهائية ~~قبل بدء التصنيع نفسه بالفعل، بالإضافة إلى ذلك، لا يتحدد دور الشخص في المخطط الكلي ~~على وجه الدقة مسبقا أبدا، بل يبدأ كل فرد بمفهوم عام حول ما هو مطلوب منه، ويصقل هذا ~~المفهوم عن طريق التفاعل فحسب مع الآخرين ممن يحلون المشكلات (الذين يفعلون، بالطبع، ~~الأمر نفسه). بعبارة أخرى، لا يتمثل الغموض الحقيقي لعمليات الأعمال العصرية في أن ~~البيئة تحتم إعادة التصميم المستمر لعملية الإنتاج، بل أيضا في أن التصميم نفسه، إلى ~~جانب الابتكار واستكشاف الأخطاء وإصلاحها، يعد مهمة واجبة الأداء، ليس فقط في وقت مهمة ~~الإنتاج نفسه، بل أيضا على النحو اللامركزي ذاته. # عند تراجع «الغموض البيئي»؛ أي عندما يحدث التغيير ببطء ويكون المستقبل قابلا للتنبؤ ~~به، يختفي غموض هذه المهمة الرئيسية، مما يسمح على نحو فعال بإتمام مرحلتي ~~التصميم/التعلم والإنتاج على نحو منفصل، وفي عالم بطيء التغير بما فيه الكفاية، يكون ~~أمام الأفراد المشاركين حتى في أعقد المهام الوقت الكافي لتجاوز مرحلة التعلم ~~والاستقرار في أعمال الإنتاج الروتينية، وتكون النتيجة أن تقسيم العمل بين الأفراد ~~المكونين للشركة يعكس التقسيم الهرمي للمهمة ذاتها، ومن ثم صورة التسلسل الهرمي الثابتة ~~للشركات. # لكن ما إن تزيد البيئة من معدل التغيير اللازم للوصول إلى أداء تنافسي حتى يجب إعادة ~~تقسيم المهام المعقدة، وإعادة توزيع رأس المال البشري المتاح وفقا لها. وفي غياب مراقب ~~ذي إمكانات مطلقة، ينبغي حل هذه المشكلة المتعلقة بإعادة التقسيم على يد الأفراد أنفسهم ~~الذين يجب عليهم أداء مهمة الإنتاج، وتكون النتيجة، في الشركات الناجحة، ms253 دوامة مستمرة ~~من نشاط حل المشكلات، وتفاعلات دائمة بين من يحلون المشكلات، الذين يكون لدى كل منهم ~~معلومات تتعلق بحل مشكلة معينة، لكن ما من أحد لديه معرفة كافية بشأن كيفية التصرف ~~وحده، ولا يعلم أي فرد بالضبط من على علم بماذا، ومن ثم لا يكون حل المشكلات هو تكوين ~~تشكيلة ضرورية من الموارد فحسب (هذا ما تدور حوله فكرة التخصص المرن)، بل يتعلق كذلك ~~بالبحث عن هذه الموارد واكتشافها في المقام الأول. # ليس لهذه العملية أي أساس علمي على الإطلاق، لكنها قابلة للتنفيذ. على سبيل المثال، ~~في مصانع سيارات هوندا، تحل المشكلات، بما في ذلك مشكلات التصنيع المعتادة نسبيا، ~~على يد فرق عمل مؤقتة تتكون حسب الحاجة من أفراد ينتمون إلى جميع الأقسام في المصنع، ~~وليس فقط المنطقة المحددة التي لوحظت فيها المشكلة للمرة الأولى، وتتضمن هذه الفرق عمال ~~خطوط التجميع والمهندسين والمديرين، ويرجع السبب في ذلك إلى أن المشكلات - بما في ذلك ~~تلك التي تبدو واضحة - قد يكون لها جذور عميقة، ومن ثم يمكن أن تتطلب نطاقا عريضا على ~~نحو مذهل من المعرفة المؤسسية لحلها. على سبيل المثال، قد ينتج عيب بسيط بالطلاء ~~يلاحظ في مراحل الفحص النهائية في الإنتاج من صمام معيب، ربما يكون قد توقف عن العمل ~~نتيجة للتحميل الزائد باستمرار على إحدى محطات الرش، أو لأن محطة رش أخرى لا تعمل على ~~الإطلاق، أو لأن محطة الرش هذه تعاني مشكلة في آلية التحكم فيها بالكمبيوتر نتيجة ~~لتثبيت خاطئ لبرنامج الكمبيوتر بها، الأمر الذي يمكن تعقبه وصولا إلى مدير أنظمة منهك ~~يستغرق وقتا طويلا في مساعدة المديرين في حسابات البريد الإلكتروني الخاصة بهم ... إلخ. ~~ليس بوسع فرد واحد معرفة كل ذلك، لكن شركات مثل هوندا وتويوتا اكتشفت أنه في وجود ~~مجموعة متنوعة على نحو كاف من المشاركين، يمكن التعرف سريعا على السلاسل، بما في ذلك ~~السلاسل السببية المعقدة. # بدا لتشاك أن نشاط حل المشكلات المعتاد يعد سمة مميزة للشركات الحديثة، استجابة منها ~~لبيئة عمل دائمة الغموض، ms254 من ثم كان من الأهمية بمكان فهم كل من البنية المعقدة ~~للمؤسسات الصناعية، كمجموعة تويوتا، وقدرتها على التعافي من حالات الفشل الخطيرة، كأزمة ~~آيسين، لكن نظرية الشركات الرسمية لم تجار الظاهرة المتغيرة نفسها، وقد عزف علماء ~~الاقتصاد - مع تحمسهم لإقامة نماذج صارمة من الناحية التحليلية - عن الاعتراف بالغموض ~~المتأصل في المؤسسات الصناعية الحديثة أو تضمينه فيما يضعونه من نظريات، ومن ثم ظلت ~~النظرية الاقتصادية عالقة بالضرورة في عصر انقسام السوق/التسلسل الهرمي، وهي النظرة ~~التي تجاهلت تماما حل المشكلات والفشل. في الوقت نفسه كان علماء الاجتماع ومحللو ~~الأعمال التجارية أكثر ارتياحا لمفهوم القوة والقابلية للتكيف، لكنهم لم يكونوا قادرين ~~على إدخال عنصر التحليل في نماذجهم على النحو الذي يمكنهم من تقديم بديل ملزم من ~~الناحية النظرية للمثالية الظاهرية التي تتسم بها الأسواق والتسلسلات الهرمية. بدا ~~واضحا لتشاك أن هناك حاجة لمنهج آخر. ~~(5) الطريقة الثالثة # عندما التقيت بتشاك، كان مقتنعا ليس فقط بأن الغموض وحل المشكلات سمتان أساسيتان ~~لسلوك الشركات، بل أيضا بأنه من خلال الإطار الرياضي الصحيح، يمكنه أن يتفهم كيفية ~~حدوث ذلك، وقد قال لي ذات مرة: «أعرف ما يجب أن تكون عليه الإجابة، وإن كنت عالم ~~رياضيات لتمكنت من تدوينها، لكنني لست كذلك.» تفسر كل هذه الأمور حماسه ذلك اليوم في ~~معهد سانتا في؛ فأثناء الساعة التي كان يستمع فيها إلى حديثي عن شبكات العالم الصغير، ~~أدرك أن النماذج التي طورتها أنا وستيف تتناول بعض السمات التي شعر أنها مهمة. في ~~الشركات، كما هو الحال في الشبكات الاجتماعية بالضبط، يتخذ الأفراد قرارات بشأن من ~~يتصلون به، ومع أن هذه القرارات تقوم على أفكار الأفراد المحلية عن الشبكة، فقد يكون ~~لها نتائج عامة. وما أثار اهتمام تشاك، على وجه الخصوص ، هو التأثيرات الهائلة لإعادة ~~التوصيل العشوائية: حين يشارك الأفراد المنتمون إلى فرق (تكتلات) قوية الارتباط في ~~عمليات بحث لحل المشكلات من شأنها توصيلهم بأجزاء من المؤسسة كانت بعيدة في السابق (طرق ~~مختصرة عشوائية)، ومن ثم تعزيز إمكانية التنسيق في الشركة ms255 بوجه عام (طول مسار مصغر). ~~وقد بدت أوجه التشابه بين المسألتين مذهلة، وظننا أن شهرا واحدا سيكفي لتصنيف ~~الاختلافات الدقيقة بينها، لكن مع تحول الأسابيع إلى شهور، والشهور إلى أعوام، سلمنا ~~في النهاية بأن الاختلافات كانت أكثر أهمية وإثارة للحيرة مما كنا نتوقعه. # قررنا في النهاية أننا بحاجة إلى بعض ~~المساعدة، وقد جاء ذلك في الوقت الذي انتقلت فيه إلى نيويورك للالتحاق بقسم علم ~~الاجتماع في جامعة كولومبيا، بعد إقامتي المؤقتة مدة عامين في سانتا في وبوسطن. تصادف ~~في تلك الأثناء أيضا أن انتقل صديق لي، وهو عالم رياضيات يدعى بيتر دودز (الذي ذكر ~~باقتضاب في الفصل # الخامس # من هذا الكتاب)، ~~إلى نيويورك. أما عن تصادف وجودي أنا وبيتر ~~في المكان والوقت نفسيهما، فيشير في حد ذاته إلى صغر العالم الذي نعيش فيه. كان بيتر، ~~الأسترالي الأصل مثلي، قد هاجر إلى الولايات المتحدة بعد هجرتي إليها بعام واحد، لدراسة ~~الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مع ستيف ستروجاتس نفسه، ولسوء حظ بيتر، كان ~~ستيف يستعد للانتقال الأسبوع التالي لبدء وظيفته في جامعة كورنيل، وأذكر عندما بدأت ~~العمل مع ستيف أنه ذكر لي بالفعل أن أستراليا آخر كان قد وصل إلى معهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا بينما كان على وشك الرحيل، وكان محبطا للغاية لرحيله، لكن لم يخطر ببال ~~أينا قط أننا سنسمع عنه أي أخبار ثانية. # بعد عامين، كنت أتناول عشاء عيد الشكر في إيثاكا مع بعض الأستراليين الآخرين، وشرعنا ~~في التحدث عن بحث العالم الصغير الذي كنت قد بدأته لتوي. حضر العشاء شقيق طالب آخر ~~بجامعة كورنيل كان في زيارة من جامعة هارفارد، وبعد الاستماع إلي مدة من الوقت، ذكر ~~أن صديقه بيتر سيهتم حقا بهذا الموضوع، وأنه قد جاء إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ~~للعمل مع هذا الشخص الذي يدعى ستيف - ولم يتذكر اسمه الأخير - الذي ما لبث أن رحل إلى ~~كورنيل. قلت له حينها: «إنه مرشدي.» وظل الأمر على هذا الحال إلى أن مر عامان. أخبرني ~~أحد زملائي بالمكتب في معهد ms256 سانتا في، ويدعى جيفري ويست - وهو بريطاني مغترب وعالم ~~فيزياء متميز - أنه قد دعا أحد أبناء بلدي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتعيينه في ~~منصب باحث ما بعد الدكتوراه، وجاء ردي: «حقا! دعني أخمن ... يدعى بيتر، أليس كذلك؟» ~~وكان هو بالتأكيد. وأخيرا، التقيت ببيتر، لكنه لم يقبل بالوظيفة مفضلا البقاء في معهد ~~ماساتشوستس للتكنولوجيا للعمل مع المشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة به؛ دان روثمان ~~(الذي كان صديقا لستيف، على نحو لا يدعوك للدهشة كثيرا). مع ذلك، فقد زار دان معهد ~~سانتا في أيضا، بعد بيتر بفترة قصيرة، وهكذا التقيت بدان، وتلقيت دعوة لإلقاء خطاب ~~بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بعد ذلك ببضعة شهور، والتقيت بآندي لو، وحصلت على وظيفة ~~بالمعهد، وصرت أنا وبيتر أصدقاء أخيرا. بعد ذلك بعام حصل كلانا على وظيفة في جامعة ~~كولومبيا وانتقلنا إلى نيويورك الواحد تلو الآخر بفاصل زمني يقدر بأسابيع. # كان من المنطقي تماما بعد أعوام من دخول كل منا عالم الآخر بفضل الاهتمامات ~~والخلفيات المشتركة، بل الأصدقاء المشتركين أيضا، أن نعمل معا، فأخبرت بيتر بشأن ~~المسألة التي كنت أعمل عليها مع تشاك، ولما كان بيتر قد أجرى رسالته عن البنية ~~المتفرعة لشبكات الأنهار، كان على علم بالدراسات الرياضية التي تتناول موضوع الشبكات، ~~لكن تركيزه كان منصبا آنذاك على علم الأرض والأحياء، فعزف قليلا عن الإلقاء بنفسه في ~~عالم الاقتصاد والاجتماع الغريب عليه. مع ذلك، ما إن التقى بيتر بتشاك وبدأ في تقدير ~~حجم المشكلة حتى تملكه الفضول، وصار أحد أفراد فريق العمل. استغرق الأمر منا بعض ~~الوقت قبل أن نحرز أي تقدم، لكن أثناء ذلك بدأنا في رؤية بعض الارتباطات بين المسألة ~~المحددة التي «ظننا» أننا كنا ندرسها - دور الغموض وحل المشكلات في الشركات - والمسألة ~~الأعم المتعلقة بالقوة في النظم المتصلة بشبكات، كالإنترنت؛ تلك الشبكات التي تحتاج ~~للبقاء والعمل في وجه الأعطال غير المتوقعة وأنماط طلبات المستخدمين. ~~(6) التكيف مع الغموض # اتضح لثلاثتنا، أخيرا، أن مشكلة موضوع الغموض تتمثل في أنه ... ~~«غامض»، فكيف يمكن تعريف الغموض بدقة، في ms257 ~~حين أن طبيعته نفسها - أي سبب كونه مشكلة يتحتم التعامل معها في المقام الأول - هي أن ~~تحديده أمر شديد الصعوبة؟ مع ذلك، فنحن بحاجة لتحديده، وإلا فلن يمكننا تعيين كيف يمكن ~~لشكل تنظيمي محدد أن يتكيف معه على نحو أفضل من شكل آخر. توصلنا إلى أن مفتاح اللغز ~~يكمن في تناول الغموض تناولا غير مباشر عن طريق التركيز على «آثاره» بدلا من أصوله، ~~فعند حل مشكلات معقدة في بيئات يكتنفها الغموض، يعوض الأفراد معرفتهم المحدودة ~~بالاعتماد المتبادل بين مهامهم المختلفة وعدم يقينهم بشأن المستقبل بتبادل المعلومات - ~~المعرفة والنصائح والخبرة والموارد - مع آخرين ممن يحلون المشكلات داخل المؤسسة نفسها. ~~بعبارة أخرى، يحتم الغموض التواصل بين الأفراد الذين يوجد اعتماد متبادل بين المهام ~~المنوطة بهم؛ بمعنى أن يمتلك كل فرد معلومات أو موارد ذات صلة بالآخرين، فعندما تتغير ~~البيئة سريعا، تشهد المشكلات تغيرا سريعا أيضا، ومن ثم تصبح الاتصالات المكثفة ~~ضرورة دائمة. # وبناء عليه، تتساوى مشكلة التكيف مع الغموض البيئي المزمن مع مشكلة تشوش الاتصالات؛ ~~فالشركات التي لا تجيد تيسير الاتصالات المشوشة لا تجيد أيضا حل المشكلات، ومن ثم لا ~~تجيد التعامل مع الشك والتغيير؛ لذا تمثلت استراتيجيتنا في التفكير في المؤسسات كشبكات ~~من «معالجي المعلومات»، حيث يتمثل دور الشبكة في التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات ~~بفعالية ودون تحميل زائد على المعالجين «الفرديين». ظاهريا، بدت هذه المشكلة مشابهة ~~كثيرا للمشكلات التي سبق لنا مواجهتها في هذه القصة؛ فكثير من مشكلات الشبكات تكمن في ~~الأساس في نقل المعلومات داخل النظم المتصلة بشبكات، سواء كنا ندرس انتشار أحد الأمراض ~~أو أحد الأعراف الثقافية، أو كنا نبحث عن هدف بعيد، أو نحافظ على الاتصال في مواجهة ~~الإخفاقات. # لكن ثمة اختلافا جوهريا بين الشبكات المؤسسية ونماذج الشبكات سبق توضيحه في فصول ~~سابقة من هذا الكتاب؛ أن المؤسسات تتسم في جوهرها بطبيعة هيكلية هرمية، قد تكون النظرة ~~التقليدية للشركة كتسلسل هرمي متكامل رأسيا غير كاملة على نحو بالغ، لكن ذلك لا ~~يجعلها غير مناسبة، ومع أن ms258 الهياكل الهرمية - كما سنرى - تتجاوب تجاوبا ضعيفا مع ~~الغموض والفشل، فإنها تعد بنى رائعة لممارسة الضبط. والضبط سمة مركزية للشركات ~~التجارية والنظم البيروقراطية الحكومية على حد سواء. قد يعمل الأفراد تحت قيادة العديد ~~من الرؤساء، أو يتبعون رؤساء مختلفين في أوقات متباينة، لكن حتى في أكثر الشركات ~~الاقتصادية الحديثة حرية في الهيكل الوظيفي، لا يزال كل شخص تابعا لرئيس ما. # هذا فضلا عن أن الهياكل الهرمية لا تقتصر على تنظيم الأفراد داخل الشركة؛ فكثير من ~~المؤسسات الصناعية كبيرة الحجم - بدءا من المجموعات الصناعية كتويوتا وصولا إلى بنية ~~النظم الاقتصادية الكاملة - تقوم على مفهوم الهيكل الهرمي، بل إن الكثير من الشبكات ~~المادية تكون مصممة على مبادئ هيكلية هرمية (مع أنها ليست هياكل هرمية صرفة تماما، كما ~~سنرى). يشكل الإنترنت - على سبيل المثال - شبكة تجميع لمراكز ضخمة، تهبط نزولا عبر ~~طبقات من المزودين الأصغر حجما على نحو متعاقب وصولا إلى المستوى النهائي للمستخدمين ~~الأفراد، وشبكة الخطوط الجوية شبيهة كثيرا بذلك؛ لذا بقدر ما نحتاج للابتعاد عن وجهة ~~نظرة مقتصرة على الهيكل الهرمي للشركات، لا يعد هذا الهيكل سمة راسخة في الأعمال ~~التجارية الحديثة فحسب، بل سمة مهمة أيضا. وفكرة أن الأغلبية العظمى من نماذج الشبكات ~~إما تجاهلت الهياكل الهرمية تماما أو تجاهلت أي شيء آخر دونها يتركنا مرة أخرى في ~~منطقة مجهولة تماما. # من السمات الأخرى للشبكات المؤسسية - ~~التي تميزها عن الأنواع الأخرى من الشبكات التي تناولناها من قبل - القيود المفروضة على ~~الأفراد فيما يتعلق بكم العمل الذي يمكنهم تنفيذه، ولهذه القيود تبعات خطيرة فيما يتعلق ~~بكل من مهام الإنتاج ومعالجة المعلومات التي يلزم على المؤسسات الحديثة أداؤها. من ~~ناحية الإنتاج تتطلب الكفاءة أن تضع المؤسسة قيودا على الأنشطة غير المثمرة للعاملين ~~فيها. فكر في الأمر وكأن روابط الشبكات مكلفة من ناحية الوقت والطاقة، ونظرا لأن ~~الأفراد يتمتعون بمقدار محدود من كليهما، كلما زاد عدد العلاقات التي يحافظ عليها المرء ~~بفعالية في العمل، تراجع حجم العمل الفعلي المرتبط بالإنتاج الذي يمكن للمرء ms259 أداؤه. إن ~~الكفاءة الإنتاجية، في الواقع، هي السبب وراء هيمنة الهياكل الهرمية على المؤلفات ~~الاقتصادية التي تتناول موضوع الشركات، ومن خلال إضافة المزيد من المستويات عن طريق ~~التكامل الرأسي، يمكن لشبكة ذات هيكل هرمي صرف أن تنمو لتصبح ضخمة دون أن يضطر فرد ~~واحد فيها إلى الإشراف على أكثر من عدد ثابت من المرءوسين المباشرين، وهو القيد الذي ~~يعرف في علم الاقتصاد باسم «نطاق التحكم». # لكن الأفراد في المؤسسات القائمة على حل المشكلات لا بد ألا يشرفوا فحسب على ~~مرءوسيهم، بل عليهم أيضا التنسيق بين أنشطتهم، ومن هذا المنظور (بالغ التبسيط دون شك)، ~~لا «يفعل» المدير الحقيقي في الواقع أي شيء من وجهة النظر الصناعية التقليدية الموجهة ~~نحو الإنتاج. اعتدت التفكير في هذا الأمر بينما كنت أجلس في الحافلة بين بوسطن ونيويورك ~~مستمعا إلى كل المديرين التنفيذيين والمستشارين وهم يتحدثون بهواتفهم المحمولة باهتياج ~~ليرتبوا لاجتماعات بالغة الأهمية، وتساءلت: «ما الذي ينتجه هؤلاء الأشخاص فعلا؟» إذا ~~كان كل ما يفعله المرء هو أن يهرع من اجتماع لآخر، فما الذي يساهم به فعليا في ~~إنتاجية المؤسسة؟ تتمثل الإجابة - من وجهة نظر معالجة المعلومات - في أن مهمة المدير ~~الرئيسية ليست الإنتاج على الإطلاق، وإنما «التنسيق»؛ بحيث يعمل كمضخة للمعلومات بين ~~الأفراد الذين يؤدون مهمة الإنتاج، ومن هذا المنظور، لا تتعدى الاجتماعات كونها وسيلة ~~مؤسسية لتبادل المعلومات بين أجزاء المؤسسة المختلفة، كما هو الحال مع المؤتمرات ~~السنوية، وفرق تنفيذ المهام، واللجان التي قد تبدو مضيعة للوقت في نظر أي مراقب خارجي ~~(وأحيانا في نظر المشاركين أنفسهم)، لكن جميع المضخات، بما في ذلك مضخات المعلومات، ~~لها قدرة محدودة، فحتى أكثر المديرين كفاءة ونشاطا لا يمكنه سوى حضور عدد معين من ~~الاجتماعات، وقطع عدد معين من الأميال جوا، والاستجابة لعدد معين من طلبات الحصول على ~~المعلومات، وإذا زادت هذه الأمور عن حد قدرته، يعجز في النهاية عن أداء هذه ~~المهام. # لذا فإن شبكة معالجة المعلومات «القوية» هي التي لا توزع عبء الإنتاج فحسب، بل أيضا ~~عبء ms260 إعادة توزيع المعلومات بأكبر قدر ممكن من المساواة، ومن ثم يزيد حجم المعلومات التي ~~يمكن معالجتها دون التعرض لأعطال. وتتسم الهياكل الهرمية بضعفها الشديد في إعادة ~~التوزيع، مع أنها تمثل شبكات توزيع عالية الكفاءة. تخيل - على سبيل المثال - مؤسسة ~~ينبغي فيها مراقبة كل نشاط وتنسيقه والموافقة عليه عن طريق سلسلة رسمية من الأوامر. ~~نظريا، مثل هذه المؤسسات ذات الهياكل الهرمية موجودة بالفعل، وربما يكون الجيش أبرز ~~الأمثلة على ذلك، لكن عمليا، ما إن يظهر أي غموض في الصورة حتى تتخم سلسلة الأوامر ~~على الفور بطلبات معالجة لا حصر لها للمعلومات والإرشادات. للاطلاع على ذلك، اختر إحدى ~~نقاط تلاقي المصدر (ص) عشوائيا من الهيكل الهرمي الموضح في الشكل # 9-1 ~~، وتخيل أنها ترسل رسالة لإحدى نقاط تلاقي الهدف (ه) الأخرى، ~~وتتمثل الرسالة على الأرجح في طلب معلومات أو مساعدة. في الهياكل الهرمية الخالصة ينبغي ~~تمرير الطلب إلى أعلى سلسلة الأوامر حتى يصل إلى أدنى نقطة تلاق سابقة مشتركة (أ)، ~~وهناك يمكنها أن تنتقل لأسفل وصولا إلى الهدف. ويعتمد النجاح في نقل الطلب على أن تؤدي ~~كل نقطة تلاق في السلسلة واجبها في معالجة المعلومات، ولكن لا تتساوى كل نقاط التلاقي ~~في قدر العبء الذي تتحمله. مثلما يوضح الشكل # 9-1 ~~، كلما كانت نقطة ~~التلاقي بموضع أعلى في سلسلة الأوامر، زاد عدد أزواج نقاط تلاقي المصدر والهدف التي ~~ستمر الرسائل عبرها، ومن ثم عظم عبء معالجة المعلومات الملقى عليها. في الهياكل ~~الهرمية الصرفة التي تعمل في بيئة غامضة، يكون عبء معالجة المعلومات موزعا على نحو غير ~~متساو تماما، الأمر الذي يسفر عن فشل هذه الهياكل، إلا إذا اتخذ إجراء ما للتوفيق ~~بينها. # شكل 9-1: في الهياكل الهرمية الصرفة لا بد أن تعالج سلسلة الأوامر جميع ~~الرسائل بين نقاط التلاقي، الأمر الذي يضطر نقاط التلاقي الموجودة ~~بالقمة إلى معالجة المعلومات التي تمر بين الكثير من أزواج نقاط ~~التلاقي الموجودة بمستويات أدنى. وهنا، تمثل (أ) أدنى نقطة تلاق ~~مشتركة بين ص (مصدر الطلب) وه (الهدف). # في ms261 شبكات معالجة المعلومات المادية، كالإنترنت، يمكن تعويض العبء الزائد (وإن لم يكن ~~ذلك على نحو تام) المرتبط بوضع أعلى في التسلسل الهرمي بزيادة قدرة الخوادم ومحولات ~~البيانات ذات الصلة. على سبيل المثال، تتمتع محولات بيانات شبكة تجميع الإنترنت بقدرة ~~معالجة أعلى بكثير من الرابط الذي يصل بين جهاز الكمبيوتر الخاص بك ومزود خدمات ~~الإنترنت الذي تتعامل معه، بل من الرابط الذي يصل بين هذا المزود وشبكة تجميع الإنترنت. ~~يظهر السبب ثانية في الشكل # 9-1 ~~: حيث يحاول ملايين الأفراد مثلك ~~إرسال رسائل عبر شبكة التجميع، في حين يتشارك معك عدد أقل بكثير من الأفراد في مزود ~~خدمات الإنترنت (يكون مزود خدمة الإنترنت لنقطة تلاقي المصدر (ص) في الشكل # 9-1 # هو الأعلى منها مباشرة في التسلسل الهرمي)، لكن في الشبكات ~~المؤسسية، لا يمكن للمرء ببساطة زيادة حجم مخه وسرعته بسبب كثرة العمل الذي يجب إنجازه ~~فحسب. من الطبيعي أن يعمل بعض الأفراد بمزيد من الكد أو الكفاءة مقارنة بغيرهم، لكن ~~الحقيقة الراسخة هي أن البشر، خلافا لأجهزة الكمبيوتر، ليس بوسعهم تعديل حجم أمخاخهم ~~ليتناسب مع المهام المتزايدة، ومن ثم إذا زاد معدل نشاط حل المشكلات أو زاد ببساطة حجم ~~المؤسسة، فإن الضغط الناتج على سلسلة الأوامر ينبغي أن يخفف بصورة ما. # من الأساليب الواضحة لتحقيق ذلك تجاوز نقطة التلاقي ذات العبء الزائد عن طريق إنشاء ~~طريق مختصر، ومن ثم إعادة توجيه الازدحام عبر رابط شبكة إضافي، لكن إنشاء روابط جديدة ~~والمحافظة عليها يقلل من مقدار الوقت المتاح أمام الأفراد للإنتاج، ومن ثم يعد كل من ~~الازدحام والروابط أمورا مكلفة. والسؤال هنا: ما أكثر الطرق فعالية للموازنة بين هذين ~~النوعين من التكاليف؟ توصلت أنا وستيف أثناء عملنا على شبكات العالم الصغير إلى أن ~~إضافة طريق مختصر واحد أدى إلى تقليص المسارات بين الكثير من أزواج نقاط التلاقي ~~المتباعدة على نحو متزامن، ومن ثم أدى إلى الحد بفعالية من الازدحام بالعديد من السلاسل ~~الوسيطة الطويلة، ومن خلال الحد على نحو كبير من متوسط الانفصال ms262 بين نقاط التلاقي؛ أي ~~جعل العالم صغيرا، تبدو الطرق القصيرة العشوائية وسيلة فعالة للتخفيف من الازدحام، لكن ~~ثمة مشكلتين كبيرتين تتعلقان تماما بهذا التوجه العشوائي؛ أولا: أنه لا يعكس التقسيم ~~حسب الدرجة الذي تتسم به الهياكل الهرمية. ثانيا: أن هذا التوجه يفترض أن الطرق ~~المختصرة المعنية تتمتع بقدرة لا محدودة على نقل البيانات، وذلك من خلال السماح لكل ~~طريق مختصر بتقليص المسافة بين كل أزواج نقاط التلاقي على نحو متزامن، لكن - وكما أكدنا ~~من قبل - هناك قيود مفروضة على قدرات الأفراد في المؤسسات، ومن ثم يمكن لأي رابط ~~التخفيف من الازدحام الكلي بقدر محدود فقط، وتكون النتيجة - كما هو واضح من الخط العلوي ~~بالشكل # 9-2 ~~- أن الإضافة العشوائية للروابط تخفف من العبء الواقع ~~على معظم نقاط التلاقي الأكثر ازدحاما، لكن ببطء، ومن ثم يكون نفعها ضئيلا نسبيا في ~~الحيلولة دون الفشل. إن كون العالم صغيرا لا يستتبع بالضرورة أنه يتسم بالكفاءة أو ~~القوة. # شكل 9-2: تؤدي إضافة روابط تجاوز للهيكل الهرمي إلى تخفيف العبء الواقع على ~~نقاط التلاقي الأكثر ازدحاما، بيد أن النتيجة يمكن أن تختلف اختلافا ~~كبيرا حسب كيفية إضافة الروابط، فعندما تضاف عشوائيا (الخط ~~العلوي)، يتطلب الأمر الكثير من الروابط للتخفيف من العبء على نحو ~~ملحوظ، لكن عندما تضاف حسب الطريقة الموضحة في الشكل # 9-3 ~~، يمكن لعدد قليل من الروابط إحداث تأثير ~~كبير. ~~(7) الشبكات متعددة المستويات # إذا لم تجد إضافة الروابط عشوائيا وعلى نحو متسق نفعا في التخفيف من ازدحام ~~المعلومات، فما الذي يمكنه فعل ذلك؟ بوجه عام، هذا سؤال تصعب الإجابة عنه؛ إذ إنه يتطلب ~~توازنا بين القيود المفروضة على القدرات المحلية والأداء العام (على مستوى النظام). ~~ولحسن الحظ، تسفر الطبيعة الطبقية للتسلسل الهرمي عن استراتيجية محلية بسيطة تقترب على ~~نحو مدهش من المثالية، وهي الاستراتيجية الموضحة في الشكل # 9-3 ~~؛ ~~فنظرا لأن جميع عمليات معالجة المعلومات تنتجها نقاط التلاقي التي تمرر الرسائل إلى ~~النقاط المجاورة لها مباشرة في الشبكة، يمكن تخفيف العبء الواقع على أي نقطة تلاق ms263 ~~بأكبر قدر ممكن عن طريق ربط نقطتي التلاقي المتجاورتين اللتين يرسل لهما معظم ~~الرسائل. ليس من الجلي تماما سبب نجاح هذه الاستراتيجية المحلية تماما في الحد من ~~الازدحام العام على نحو أقرب للمثالية، ففي النهاية، لا تحذف الرسائل، بل يعاد ~~توجيهها ببساطة، وهذا قد يجعلك تظن أن الازدحام سيزيد في مكان آخر في النظام، لكن نظرا ~~لأن النظام يختار دائما نقطة التلاقي الأكثر ازدحاما للتخفيف من عبئها، ولأن نقاط ~~التلاقي التي تتصل بها تتناول هذه الرسائل بأي حال (كما يشير الشكل # 9-3 ~~)، يكون الأثر دائما هو الحد من الازدحام الكلي دون زيادة العبء ~~الواقع على أي نقطة تلاق فردية. # شكل 9-3: خوارزمية مثالية محليا. يتم تجاوز نقطة التلاقي الأكثر ازدحاما عن ~~طريق إضافة رابط بين النقطتين المجاورتين اللتين يرسل إليهما معظم ~~الرسائل (المشار إليهما بالأسهم). # كما يتضح من المنحنى السفلي في الشكل # 9-2 ~~، يبدو أن هذه ~~الخوارزمية المحلية البسيطة لإضافة الروابط تخفف من ازدحام المعلومات بفعالية في ظل ~~العديد من الظروف البيئية، وعلى نحو أكبر بكثير من الأساليب العشوائية تماما، لكن نوع ~~«بنية» الشبكات التي تنتجها أثناء العملية يعتمد اعتمادا كبيرا على «نوع» حل المشكلات ~~الذي تحتمله البيئة. عندما يكون حل المشكلات محليا تماما، كالرسائل اللازم تمريرها ~~بين أعضاء فريق العمل نفسه، أو المشتركين لدى مزود خدمة إنترنت واحد، يمكن تخفيف ~~الازدحام بفعالية بالتوازي مع عملية «تكوين الفرق». ~~يشعر دائما المشرفون، الذين يحاولون ~~الإشراف إشرافا دقيقا على مرءوسيهم، بالإنهاك كلما واجهت المجموعة إجمالا مشكلة ~~صعبة. محليا، يكون الحل - وهو السماح لأعضاء الفريق بالعمل معا دون إشراف مباشر - هو ~~نفسه تقريبا الموضح في الشكل # 9-3 ~~، وفي الوقت ذاته، يعكس الشكل # 9-4 # الصورة العامة التي تظهر نتيجة لهذه التغيرات المحلية ~~بشكل تخطيطي، وتتكون «الفرق المحلية» (الزملاء الذين يرأسهم الرئيس المباشر نفسه) ~~الموضحة في هذا الشكل على نحو مستقل في جميع مستويات التسلسل الهرمي. # شكل 9-4: عندما يكون مرور الرسائل محليا تماما، تتألف بنية الشبكات المحلية ~~من فرق محلية في جميع مستويات التسلسل ms264 الهرمي. # على الجانب الآخر، عندما يقتصر مرور الرسائل على أزواج من الأفراد البعيدين بعضهم عن ~~بعض (في قسمين مختلفين من الشركة، مثلا)، يتحول أغلب عبء معالجة المعلومات إلى قمة ~~التسلسل الهرمي، ويمكن تقسيم الشبكة الناتجة عن ذلك (على نحو تقريبي) - كما هو موضح في ~~الشكل # 9-5 ~~- إلى ~~درجتين: «مركز» قوي الاتصال، كالمقر العام أو وحدة المعالجة المركزية، و«محيط» من ~~تسلسلات التوزيع الهرمية الخالصة المكونة من نقاط تلاقي الإنتاج. حين يتحتم على المركز ~~التعامل مع كميات ضخمة من الطلبات، قد يمتد المركز ليشمل أكثر من مستوى واحد من التسلسل ~~الهرمي، ومن ثم يتطلب روابط أفقية ورأسية. وداخل المركز يجب على الجميع مساندة بعضهم ~~بعضا حتى يواجهوا الضغط الخارجي؛ فيختفي قوام التسلسل الهرمي. في هذا السيناريو ينتج ~~عن النموذج فئة متميزة من مديري المعلومات. يقضي هؤلاء الأفراد - على نحو يشبه إلى حد ~~ما المديرين التنفيذيين الذين استمعت إليهم في الحافلة - وقتهم بالكامل في معالجة طلبات ~~المعلومات التي يقدمها العاملون المعنيون بالإنتاج، ونظرا لأن واجب المديرين الرئيسي ~~هو توجيه الرسائل على نحو صحيح، فإنهم بحاجة لأن يكونوا على اتصال قوي بالمديرين ~~الآخرين (ومن هنا تأتي كل هذه الاجتماعات). # شكل 9-5: عندما يكون تمرير الرسالة عاما تماما، يتركز الازدحام في قمة ~~التسلسل الهرمي، مما يؤدي إلى ظهور مركز قوي الاتصال يضم مديري ~~المعلومات، ومحيط من عمال الإنتاج المتخصصين، له شكل التسلسل الهرمي ~~الخالص. # مع أن هذه البنية القائمة على فكرة المركز والمحيط تمثل صورة متطرفة، بل ربما شديدة ~~التطرف للمؤسسة البشرية، فهي تحمل بعض أوجه التشابه مع بنية شبكات التوزيع/إعادة ~~التوزيع؛ كشبكة الخطوط الجوية والنظام البريدي. يتألف هذان النظامان كلاهما من مراكز ~~قوية الاتصال، يعاد توزيع الركاب والخطابات، بالترتيب، في إطارها، وتمتد منها نظم توزيع ~~متفرعة. في شبكة الخطوط الجوية الأمريكية - على سبيل المثال - يمكن الطيران من أي مركز ~~إلى آخر تقريبا مباشرة، ومن ثم تشكل هذه المراكز قلب الشبكة، ويكون لكل مركز شبكة ~~محلية خاصة به من مطارات الدرجة الثانية والثالثة التي يوزع ms265 إليها المسافرين أو ~~يستقبلهم منها. تمثل خدمة البريد الأمريكية نظام توزيع جزئيا؛ فهي تجمع البريد من ~~الكثير من النقاط الصغيرة (على سبيل المثال، صناديق مكاتب البريد ومكاتب البريد ~~الفرعية) وتوزعها بدورها على المنازل والشركات، ومن ناحية أخرى، فهي نظام إعادة توزيع ~~أيضا، لكن وظيفة إعادة التوزيع منفصلة على نحو كبير عن وظيفة التوزيع؛ إذ تتم بالأساس ~~بين مراكز التبادل ومكاتب البريد الرئيسية. # يمكن أيضا ملاحظة البنية ذاتها القائمة على فكرة المركز والمحيط ~~- وإن كان بقدر أقل - في بنية الإنترنت ~~التي تشتمل على شبكة تجميع قوية نسبيا تتصل فيها المحولات بكثير من المحولات الأخرى، ~~وتمتد منها العديد من البنى المتفرعة، نزولا بعد ذلك عبر مزودي خدمة محليين، حتى ~~مستوى المستخدمين الأفراد (نقاط التلاقي الفرعية التي تنتهي عندها شجرة التفرع). مع أن ~~الأمر ليس بالوضوح نفسه الذي تتمتع به شبكة الخطوط الجوية، فإن التشابه بين نموذج ~~المركز والمحيط والإنترنت يتسم بالمنطقية؛ إذ تحدث عمليات تبادل البيانات بين ~~المستخدمين المنفصلين انفصالا كبيرا، على النقيض من المستخدمين الذين يشتركون في مزود ~~خدمة إنترنت محلي واحد، ومن ثم يكون عبء «إعادة توزيع» المعلومات مركزا في شبكة ~~التجميع. # مع ذلك، تواجه مؤسسات القطاع العام والشركات الحديثة نوعا من الغموض أكثر تعقيدا ~~عما هو الحال عليه مع الحد العام الخالص أو المحلي الخالص. علاوة على ذلك، تكون نقاط ~~التلاقي في هذه الشبكات أفرادا، وليست محولات إنترنت أو مكاتب، ومن ثم يصعب تبين ~~الفروق البسيطة بين التوزيع وإعادة التوزيع. من النتائج المطمئنة إذن لخوارزمية الحد من ~~الازدحام أن تترتب الملاحظة الثانية على الملاحظة الأولى طبيعيا. يبدو أن الغموض ~~الحقيقي يحتم حل المشكلات، ومن ثم التواصل، على جميع مستويات المؤسسة في الحال. ~~نموذجيا، يحدث الجزء الأكبر من نشاط حل المشكلات الذي يقوم به الأفراد في البيئات ~~كلها، بما في ذلك البيئات المعقدة سريعة التطور ، على النطاق المحلي؛ أي في إطار فريق ~~الزملاء المباشرين، لكن يتواصل ظهور المشكلات غير المعتادة على نحو مفاجئ دائم، وكما ~~سبق وأوضح مثال شركة هوندا ms266 الذي تناولناه من قبل، تتطلب هذه المشكلات بحثا بعيدا عن ~~إطارها للتوصل إلى المصادر والمعلومات وثيقة الصلة بها. غالبا ما لا يتجاوز البحث نطاق ~~فريق آخر في القسم ذاته. مع ذلك، ومثلما حدث في مجموعة تويوتا، لا بد أن تمتد عمليات ~~البحث في بعض الأحيان إلى ما هو أبعد من ذلك، متجاوزة الإدارة نفسها، والقسم نفسه، بل ~~تصل إلى خارج الشركة أيضا، حيث يقل معدل تكرار البحث المطلوب مع تزايد نطاقها، لكنه لا ~~يختفي تماما. # إن ما تشير إليه نتائجنا بالأساس هو أنه عندما تحتاج المؤسسات إلى معالجة المعلومات ~~على العديد من مستويات المسافات في مرة واحدة، يجب أن تكون بنية الشبكة اللازمة لمعالجة ~~الحمل متصلة على العديد من المستويات أيضا، ومع أن احتمالية تمتع فردين بمعلومات ~~تتعلق بإنتاجيتهما تقل بانفصالهما في التسلسل الهرمي، يزيد عدد حالات الاعتماد الممكنة ~~هذه، وكما هو الحال في الشبكات الاجتماعية بالضبط، يزيد عدد الأفراد البعيدين عنك في ~~المؤسسات الكبيرة مقارنة بالقريبين منك، وتكون النتيجة مماثلة لملاحظة جون كلاينبرج في ~~الفصل # الخامس ~~، وهي أن كميات كبيرة من المعلومات تتدفق بجميع ~~مستويات التسلسل الهرمي المختلفة، ومن ثم تظهر الحاجة لقنوات التجاوز ليس فقط على مستوى ~~الفرق المحلية (كما هو موضح في الشكل # 9-4 ~~)، أو على مستوى المؤسسة ~~العام (كما هو موضح في الشكل # 9-5 ~~)، بل على جميع المستويات في آن ~~واحد، لكن نظرا لأن التسلسل الهرمي يكثف بطبيعته معالجة المعلومات في مستوياته العليا، ~~فإن توزيع الرسائل التي تمرر وتوزيع روابط التجاوز الناتجة لا يتساويان. # تبدو الصورة البديهية أشبه بالشكل # 9-6 ~~، فبدلا من مركز واحد قوي ~~الاتصال في القمة، أصبح لدينا الآن روابط تمتد بجميع أرجاء التسلسل الهرمي، لكن على عكس ~~الفرق شديدة المحلية الموضحة في الشكل # 9-4 ~~، لا بد أن تشتمل ~~المؤسسات المصممة للعمل في بيئات غامضة تماما على «فرق» بالمستويات المختلفة. بالقرب ~~من قاعدة التسلسل الهرمي، يصدر الأفراد في الغالب الرسائل بدلا من معالجتها؛ فيتطلب ~~الأمر عددا أقل نسبيا من روابط التجاوز. في الوقت نفسه ms267 لا بد من معالجة الرسائل التي ~~تنتقل بين نقاط التلاقي البعيدة بمستويات أعلى في التسلسل الهرمي، مما يتطلب من ~~المديرين التفاعل ليس فقط مع نظرائهم المباشرين، بل أيضا عبر المستويات الرأسية. ويؤدي ~~ذلك إلى ظهور «الفرق متعددة المستويات»، وهي مجموعات موزعة لا تتسم بالاتصال المكثف ~~نفسه الذي يميز الفرق الأخرى الموضحة في الشكل # 9-4 ~~، أو المركز في ~~الشكل # 9-5 ~~، لكن بإمكانها توزيع عبء معالجة المعلومات على المستويات ~~المتعددة بدلا من تكثيفها في مستوى واحد فحسب. # شكل 9-6: عند تمرير الرسائل في جميع المستويات، يتطلب الأمر شبكة متعددة ~~المستويات. تعكس الظلال المختلفة كثافة متناقصة للروابط مع تزايد عمق ~~التسلسل الهرمي. # من الآثار المباشرة إذن لهذا «الاتصال متعدد المستويات» أن الفارق بين مدير المعارف ~~وعامل الإنتاج يصبح غير واضح. مع أن نشاط المعالجة يميل عادة للزيادة (على حساب ~~الإنتاج الخالص) بارتفاع موضع الفرد في التسلسل الهرمي، فعند معالجة المعلومات بجميع ~~مستويات المؤسسة، يتولى الجميع إلى حد ما إدارة المعلومات. يتمثل تفسير هذا الانهيار في ~~الفوارق بين الأدوار في أنه في البيئات المبهمة حقا - حيث لا يعرف أحد بالضبط ما ~~ينبغي عليه فعله، أو كيفية فعله - يصبح نشاط حل المشكلات جزءا لا يتجزأ من مهمة ~~الإنتاج نفسها، ومن ثم ينبغي على كل فرد تولي جزء من كل مهمة بفعالية. ~~(8) التعافي من كارثة # يمكن أن يحدث الفشل المؤسسي، شأنه شأن الغموض، في صور وأحجام عدة، مثل مرض الأفراد، ~~أو انهيار المصانع جراء الحرائق، أو تعطل أنظمة الكمبيوتر، أو الحاجة لتسريح عدد كبير ~~من الموظفين. في بعض الأحيان تأتي الكارثة من الخارج، بينما تنبع من الداخل في أحيان ~~أخرى، وفي بعض الحالات، مثل كارثة آيسين، تجمع بين هذا وذاك؛ فكان الحريق حادثا ~~طبيعيا، لكن ما ضخم من أهميته هو إنتاج آيسين الحصري لصمامات الفرامل، ونظام تخزين ~~تويوتا الآني، لكن مهما يكن منشأ الكوارث، فإنها تشترك جميعا في أنها تعطل جزءا مما ~~كان يعرف في السابق بالنظام الكلي الفعال. يتحتم عادة، وعلى المدى الطويل، إصلاح ~~الجزء ms268 المعطل أو استبداله أو الاستعاضة عنه عن طريق توزيع ما يجريه من وظائف على ~~الوحدات الأخرى بصفة دائمة، على سبيل المثال. لكن في عالم الأعمال ذي الإيقاع السريع، ~~وفي العديد من الشبكات المادية، كشبكات الطاقة والإنترنت، لا يكفي البقاء على المدى ~~الطويل؛ فلا بد للنظام من البقاء على المدى القصير أولا. # كما شاهدنا في أزمة تويوتا-آيسين، في أعقاب أي فشل، يزيد المعدل المطلوب من حل ~~المشكلات ومشاركة المعلومات زيادة عظيمة، وعند فقدان موارد هامة، يكون أهم أصل يمكن لأي ~~مؤسسة امتلاكه هو الوصول اليسير للموارد التي تركتها. من ثم، وبمفردات الحديث عن ~~الشبكات، يتمثل العنصر الرئيسي للنجاة من كارثة ما على المدى القصير في حفاظ الشبكة على ~~اتصالها، دون أن تجلب على نفسها مزيدا من الفشل. يعيدنا هذا الأسلوب في صياغة المشكلة ~~إلى طريق مألوف، إلى حد ما. إن التفكير في قوة النظام في ظل اتصالية الشبكة هو النهج ~~الأساسي الذي طرحه باراباسي وألبرت، وصقله لاحقا دانكن كالاواي، لدراسة قوة شبكات ~~كالإنترنت. حتى هذا الحد، الأمر مألوف، لكن كل هذه النتائج كانت قائمة على افتراض أن ~~الشبكات موضوع الدراسة عشوائية، ولم نعد بالطبع نتحدث عن الشبكات العشوائية. # تعمل التسلسلات الهرمية - كما هو متوقع - على نحو سيئ في حالة الأعطال، وللسبب ذاته ~~الذي يجعلها سريعة التأثر بالتعطل الناتج عن الازدحام (شدة مركزيتها) في حال تعطل أي من ~~نقاط التلاقي الموجودة أعلى التسلسل الهرمي، سوف تعزل هذه التسلسلات أجزاء كبيرة من ~~الشبكة بعضها عن بعض، وهنا يصبح الاتصال على جميع المستويات أمرا ضروريا بحق؛ لأنه ~~في الشبكات متعددة المستويات لا يصبح هناك نقاط تلاق «مهمة» يسفر فقدانها عن تعطيل ~~الشبكة من خلال قطع الاتصال بها. وبما أن هذه الشبكات مصممة خاصة لتكون لامركزية، ليس ~~فقط على مستوى الفرق، بل أيضا على مستويات أكبر، يمكنها النجاة من أعطال أكبر حجما ~~أيضا، كأن يتوقف فريق كامل عن العمل. فعليا، يمكن إزالة أجزاء بأي حجم تقريبا من ~~الشبكات متعددة المستويات، وستظل متصلة، وقادرة من ثم ms269 على الوصول إلى أي موارد لم ~~تدمر تماما. # وبناء عليه، لا يخدم الاتصال متعدد المستويات هدفا واحدا فحسب، بل هدفين؛ هما ~~الهدفان المهمان لأداء أي شركة في بيئات يكتنفها الشك، فمن خلال توزيع ازدحام المعلومات ~~المرتبط بحل المشكلات على جميع مستويات المؤسسة، تقل احتمالية الفشل إلى أدنى حد ممكن، ~~وفي الوقت نفسه يقلل الاتصال متعدد المستويات من تأثير الفشل إذا حدث ومتى حدث. وهكذا ~~تفي الشبكات متعددة المستويات بالشرط الموضح في نهاية الفصل # الثامن # من هذا الكتاب، ألا وهو أن القوة الحقيقية لا تكمن في تجنب الفشل ~~فحسب، بل أيضا في النجاة منه بأقل قدر ممكن من الخسائر التالية، ونظرا لأن الشبكات ~~متعددة المستويات تعكس هذه السمة المتمثلة في ضرب عصفورين بحجر واحد، نسميها بالشبكات ~~«ذات القوة المفرطة». # قد تبدو القوة المفرطة أروع من أن تكون حقيقة، لكنها في الواقع منطقية تماما، ويكمن ~~السر وراء تطور هذا المفهوم في أن إمكانيات حل المشكلات المعتادة والاستثنائية مرتبطة ~~بعضها ببعض ارتباطا قويا. يؤدي الغموض المعتاد - أي الشك بشأن ما ستفرضه عليك الحياة ~~غدا - إلى عملية حل المشكلات المعتادة، وتحث هذه العملية بدورها على إنشاء روابط تجاوز ~~للتخفيف من الازدحام المحلي، وهو ما يولد بدوره ازدحاما للمعلومات في نقاط التلاقي ~~الرئيسية، وعند إعادة توزيع المعلومات على جميع مستويات المؤسسة، تتكون روابط التجاوز ~~على جميع المستويات أيضا، وما إن تظهر هذه الروابط متعددة المستويات للوجود حتى تتمتع ~~بميزة إضافية، وهي الحفاظ على الاتصال الدائم للشبكة، حتى في حالات الفشل الذريع، فتكون ~~المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية نتيجة غير متعمدة لآليات التكيف المحلية التي ~~يستخدمها الأفراد بصفة دائمة. # بناء على ما سبق، يمكن اعتبار التعافي من الكوارث بمنزلة نشاط لحل المشكلات، لكنه ~~أكثر إثارة من النوع المعتاد الذي تضطر الشركات لمواجهته كل يوم، لكنه لا يختلف عنه في ~~جوهره، ومن ثم فإن القوة المفرطة لا تتعدى في الحقيقة كونها تكيفا مع الغموض في جميع ~~صوره. يكون الغموض معتادا في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى متطرفا؛ ms270 كأزمة ~~تويوتا-آيسين، لكن في جميع الحالات، يواجه الأفراد مشكلة غير مألوفة يتحتم عليهم حلها ~~سريعا. وآليات التكيف العامة التي تنجح مع مشكلة ما عادة ما تنجح مع غيرها، وهكذا يمثل ~~كل من الابتكار وتصحيح الأخطاء والتعافي من الكوارث صورا للاستجابة نفسها حيال ~~الغموض. # بالنظر للتعافي المفاجئ الذي شهدته مجموعة تويوتا من هذا المنظور، نجد أن هذا ~~التعافي، حتى وإن لم يكن مخططا له، ليس مفاجئا على الإطلاق. وجد بعض الأفراد ~~أنفسهم فجأة في مواجهة موقف لم يرد بمخيلتهم أبدا، ولم يتوقعوا على الأرجح حله، لكن ~~في ظل عدم وجود أي خيار سوى التعامل مع الواقع المتغير تغيرا بالغا، تمكنوا من حله ~~على أي حال، ومن ثم عكسوا بشكل جمعي قدرة مؤسسية لم يدركوا أبدا أنهم يتمتعون بها. ~~كانت لديهم هذه القدرة بالفعل، بيد أنها لم تظهر في الأحوال العادية. كان أداء العاملين ~~في مجموعة تويوتا متميزا في وجه أزمة كبرى، لكنه لم يكن سحريا، فلم تكن الأزمة التي ~~واجهوها سوى صورة مكثفة لاستجاباتهم المعتادة للمشكلات اليومية لا أكثر. # في التحليل النهائي لا يزال الغموض ذا طبيعة مبهمة، لكن صار بالإمكان الآن تعريفه ~~وفهمه؛ فمن ناحية، يعد الغموض البيئي المزمن مصدرا للكثير من المشكلات التي تواجهها ~~الشركات، الأمر الذي يؤدي دائما إلى اضطراب الأعمال الروتينية المعروفة ويجعل الحلول ~~الحالية عتيقة لا قيمة لها، وعلى الجانب الآخر، ومن خلال جعل عملية حل المشكلات نفسها ~~نشاطا معتادا، ودفع الشركات لإقامة هياكل قادرة على معالجة كميات ضخمة من المعلومات ~~دون تعطل - يمثل الغموض المعتاد صديقا حميما للشركات؛ فعن طريق التكيف مع الغموض ~~اليومي، تطور الشركة قدرتها على إنقاذ نفسها في حال وقوع كارثة غير متوقعة. تحقق ~~عملية حل المشكلات المعتادة كلا من توزيع عبء معالجة المعلومات على الأفراد بجميع ~~أنحاء المؤسسة، وتهيئة الظروف التي يمكن حل المشكلات الاستثنائية في ظلها. # لا تزال «الآلية» المحددة التي تولد بها استجابة الشركة للغموض المعتاد القوة المفرطة ~~لغزا غامضا، لكنها تحمل تشابها قويا مع السمة التي تتمتع بها ms271 الشبكات؛ سمة ~~القابلية للبحث، التي تناولناها في الفصل # الخامس ~~. والآلية، ~~وفقا لما نفهمه، أشبه بما يأتي: تحاول الشركات اتباع مبادئ التسلسل الهرمي في تصميم ~~هيكلها من أجل حل مشكلة التحكم، لكن في البيئات التي يكتنفها الغموض يؤدي ازدحام ~~المعلومات المرتبط بأنشطة حل المشكلات إلى إثقال كاهل الأفراد، وبخاصة من يحتلون ~~المراكز العليا في التسلسل الهرمي، ويكون رد فعل هؤلاء الأفراد على المستوى المحلي هو ~~توجيه مرءوسيهم لحل المشكلات بأنفسهم عن طريق إجراء أبحاث موجهة. # يعتمد المرءوسون، نظرا لافتقارهم إلى ~~دليل مركزي للمعرفة والموارد المؤسسية، على ما لديهم من معارف غير رسميين داخل الشركة ~~(أو ربما في شركات أخرى) لتحديد أماكن المعلومات ذات الصلة، وكما سبق أن أوضحنا في ~~الفصل # الخامس ~~، تتسم استراتيجية البحث الاجتماعي هذه ~~بالفعالية؛ فيتمتع الباحثون بالقدرة على النجاح مع أنهم قد لا يكونون على وعي بالأسباب ~~والكيفية التي ينجح من خلالها ما يتبعونه من أساليب، وبذلك تتغير كل من بنية الهيكل ~~الهرمي ووظيفته؛ فبدلا من مكافأة الأداء الإنتاجي فحسب، تكافئ سلسلة الأوامر الآن ~~الأداء البحثي كذلك، فلا يمتلك الأفراد القدرة على تحديد أماكن المعلومات ذات الصلة ~~فحسب (قدرة خفية)، بل أيضا الحافز لفعل ذلك. ومن النتائج المباشرة لذلك ابتعاد البنية ~~الداخلية للشركة عن التسلسل الهرمي الخالص بفضل الروابط الجديدة التي تتكون وتتعزز على ~~مدار الكثير من عمليات البحث المتكررة. # تكون هذه العملية في حالة توازن في الشبكة متعددة المستويات، وذلك لسبب بسيط، وهو أن ~~الازدحام الفردي - ومن ثم الضغط لإنشاء اتصالات جديدة - لا يقل إلا عند اتصال الشبكة ~~عبر العديد من المستويات، ومثلما أوضحنا في الفصل # الخامس ~~، ~~يؤدي وجود الروابط بمستويات عدة إلى تعزيز إمكانية البحث في الشبكة، ومن ثم أصبحت ~~المستويات المتعددة أمرا يفرض نفسه. وعند وقوع كارثة ما، تبدو سمات الشبكة كالقابلية ~~للبحث وتخفيف الازدحام أمورا مفاجئة، لكنها نتيجة طبيعية للاستجابات المحلية للمشكلات ~~المعتادة في البيئات التي يكتنفها الغموض على نحو مزمن. # إذن العلاقة بين قابلية البحث والقوة علاقة دقيقة، تتجسد على صورة حالة وسط ms272 بين ~~تفسيرنا المدفوع اجتماعيا عن البحث اللامركزي في الشبكات وتفسير جون كلاينبرج، وفي ~~حين يتسم حل كلاينبرج بكونه «مصمما» خاصة حتى يتمكن المهندسون من تصميم لوحات الدوائر ~~الكهربائية من الصفر، تنشأ المؤسسات الحقيقية بوجه عام نتيجة لعمليات بحث فردية وقرارات ~~مدروسة محليا، لكن على عكس الشبكات الاجتماعية الخالصة، لا تنشأ المؤسسات على نحو ~~تلقائي تماما أيضا. يعد التسلسل الهرمي، في الواقع، العلامة المميزة للحل المصمم من ~~أجل التنظيم الداخلي للشركات، وهو حل قاصر في ظل حالة الغموض، لكنه - كما رأينا - حل ~~قابل للتعديل لينجح في العديد من الظروف المتنوعة. # هكذا تستغل الشركات التجارية الحديثة القدرة على البحث اللامركزي الكامنة في الشبكات ~~الاجتماعية غير الرسمية عن طريق فرض بنية التحفيز المتأصلة في التسلسلات الهرمية عليها، ~~ومع أننا لم نصل بعد إلى فهم كامل للمشكلة، فيبدو أن الاستراتيجية الجيدة لإقامة مؤسسات ~~قادرة على حل المشكلات المعقدة هي تدريب الأفراد على التعامل مع الغموض عن طريق البحث ~~في شبكاتهم الاجتماعية، بدلا من إجبارهم على إنشاء قواعد بيانات وأدوات مصممة مركزيا ~~والمساهمة فيها بهدف حل المشكلات. تتمثل الفائدة الكبرى لهذا الأسلوب في أنه من خلال ~~فهم كيفية بحث الأفراد اجتماعيا، يمكننا أن نطمح في تصميم «إجراءات» أكثر فعالية ~~نتمكن من خلالها من إنشاء مؤسسات قوية دون الحاجة لتحديد التفاصيل الدقيقة للبناء ~~المؤسسي ذاته. # الفصل العاشر # | نهاية البداية # قياسا إلى العالم، تمثل جزيرة مانهاتن بطولها البالغ اثنين وعشرين ميلا وعرضها الأقل من ~~خمسة أميال، نقطة صغيرة؛ جوهرة واقعة على مصب نهر هادسون بشمال المحيط الأطلنطي. وعند إلقاء ~~نظرة عليها عن قرب، نجدها أشبه بملعب ضخم هائل؛ إنها موطن لمليون ونصف المليون نسمة، وهي ~~وجهة للملايين يوميا، وقد ظلت على مدار قرن من الزمان نموذجا للمدينة الحضرية التي لا ~~تنام. # لكن من منظور علمي، تعد مانهاتن أشبه بالأحجية. يستهلك ملايين البشر يوميا، وما يؤدونه ~~من أنشطة خاصة وتجارية، قدرا هائلا من الموارد؛ كالغذاء والماء والكهرباء والغاز، ومجموعة ~~متنوعة هائلة من المواد، بدءا من الأغلفة البلاستيكية، ومرورا ms273 بالعوارض الفولاذية، ~~ووصولا للأزياء الإيطالية، هذا فضلا عما يصرفونه من كميات ضخمة من المخلفات على صورة ~~قمامة ومواد قابلة لإعادة التدوير وصرف صحي ومياه صرف؛ فيصدرون بشكل جماعي قدرا هائلا ~~من الطاقة الحرارية الخام، وينشئون بذلك مناخهم الصغير الخاص بهم، لكن ما من شيء تقريبا ~~تحتاجه المدينة للبقاء ينتج أو يخزن بالفعل داخل ضواحيها، هذا فضلا عن عجزها عن تلبية ~~أي من حاجاتها للتخلص من مخلفاتها. تنقل مياه شرب مانهاتن مباشرة عبر الأنابيب من جبال ~~كاتسكيل التي تبعد عن المدينة ساعتين بالسيارة في اتجاه الشمال، أما الكهرباء، فتولد ~~بعيدا في الغرب الأوسط، في حين يصل الغذاء في شاحنات من جميع أنحاء الولايات المتحدة وسفن ~~من أنحاء العالم كافة. في الوقت نفسه يستمر نقل قمامة هذه المدينة في قوارب ضخمة إلى مقلب ~~فريش كيلز بجزيرة ستاتن آيلاند القريبة، الذي يعد أحد بناءين من صنع البشر يمكن رؤيتهما ~~من الفضاء (الآخر هو سور الصين العظيم). # بناء على ما سبق، يمكن النظر إلى مانهاتن كرابطة من التدفقات؛ أي نقطة التقاء دائمة ~~الدوران للبشر والموارد والأموال والطاقة، وما إن تتوقف هذه التدفقات عن الحركة - حتى ولو ~~مؤقتا - حتى تبدأ المدينة في الانهيار جوعا أو غرقا في فضلاتها؛ فالسعة التخزينية لمتاجر ~~البقالة فيها لا تكفي إلا لأيام قليلة فحسب، وتقل عن ذلك لدى المطاعم، وإذا لم تجمع ~~القمامة مرة واحدة على الأقل، تبدأ في التكدس بالشوارع. بعد انقطاع الكهرباء الكارثي في عام ~~1977، لا يمكن تصور ما قد يحدث حاليا إذا انقطعت الكهرباء لأكثر من بضع ساعات. يشتهر ~~أهالي نيويورك بثقتهم المشوبة بالتهور، فيظهرون شيئا من القدرة، حتى في أكثر الظروف مشقة، ~~لكنهم في الواقع أسرى للأنظمة نفسها التي تجعل الحياة في المدينة شديدة الملاءمة. إن ~~اعتمادهم يزداد كل يوم على الأداء القوي للبنية التحتية المعقدة الضخمة التي لولاها لصارت ~~تفاصيل حياتهم العادية - الطعام والشراب والتنقل - مضنية على نحو لا يحتمل. # ما الذي يمكن أن يحدث إذا توقفت هذه البنية التحتية، أو جزء منها، عن العمل؟ ms274 هل يمكن أن ~~يحدث ذلك؟ ومن يمكنه ضمان عدم حدوثه؟ بعبارة أخرى، من المسئول؟ يفتقر هذا السؤال، شأنه شأن ~~الكثير من الأسئلة المتعلقة بالنظم المعقدة، لإجابة محددة، لكن أقصر الإجابات الممكنة هي: ~~«لا أحد!» في الواقع، ما من شيء يسمى بنية تحتية واحدة ليكون هناك مسئول عنها، لكن القائم ~~هو مزيج معقد من البنى الحاكمة والأنظمة والمؤسسات والشبكات المتداخلة، يجمع بين الجوانب ~~المجتمعية والسياسية والاقتصادية العامة والخاصة. إن نقل الأفراد وحده من مانهاتن وإليها ~~وحولها مقسم على ما لا يقل عن أربع جهات لخدمات السكك الحديدية، وجهاز مترو الأنفاق، ~~والعشرات من شركات الحافلات، وعدة آلاف من سيارات الأجرة، في الوقت نفسه تمكن العديد من ~~الجسور والأنفاق التي تديرها هيئة الموانئ، إلى جانب آلاف الأميال من الطرق والطرق السريعة، ~~ملايين المركبات الخاصة - بالمعنى الحرفي للكلمة - من الدخول إلى الجزيرة ومغادرتها ~~يوميا، هذا ويتسم كل من الغذاء والبريد بدرجة أعلى من اللامركزية، فيتضمن هذان المجالان ~~المئات من خدمات التوصيل التي تدفع جميعها بالآلاف من الشاحنات والعربات، بل الدراجات ~~أيضا، في جميع أنحاء شوارع مانهاتن على مدار اليوم طوال أيام الأسبوع. # ما من كيان واحد يتولى تنسيق هذا النظام المعقد والمذهل على نحو لا يصدق، وما من أحد ~~يفهمه، لكن يوميا عندما تتوقف عند المتجر المجاور لك في الثانية صباحا لشراء المثلجات ~~بالنكهة المفضلة لديك، يكون هذا النظام موجودا، ويكدس أحدهم دائما الأرفف البراقة بمنتج ~~ما وصل حديثا. هذا النظام حقيقة من حقائق الحياة التي يعتبرها سكان مانهاتن أمرا مسلما ~~به، لكن نجاحه في المقام الأول يعد معجزة حقا. لكن حري بالفكرة التالية أن تثير اهتمام ~~سكان مانهاتن بين الحين والآخر، حتى لو لم يحدث هذا إلى الآن: فلو أن ثمة شيئا واحدا ~~تعلمناه من الفصول السابقة، فهو أن الأنظمة المتصلة اتصالا معقدا لا تظهر القوة الهائلة ~~في وجه المحن وحسب، بل تظهر ضعفا صادما أيضا، وعندما يكون النظام معقدا كمدينة مزدحمة ~~بالمباني والبشر، وحيويا لحياة ملايين البشر، ومحوريا لاقتصاد إحدى القوى العالمية ms275 ~~الكبرى، يكون التفكير في نقاط تعطله المحتملة أكثر من مجرد تأمل لا جدوى منه. وبناء عليه، ~~ما مدى قوة مانهاتن؟ ~~(1) الحادي عشر من سبتمبر # بدأت الإجابة عن هذا السؤال تتكشف لنا يوم الثلاثاء، الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. ~~أشبعت أحداث ذلك اليوم المشئوم، وآثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تحليلا ~~بالفعل، لكن ثمة سببا يدعونا للعودة إلى هذه المأساة في سياق هذه القصة؛ إذ إنها تفسر ~~الكثير من التناقضات التي واجهتنا: كيف يمكن أن تكون الأنظمة المتصلة قوية وضعيفة في ~~الوقت نفسه؟ كيف يمكن للأحداث البعيدة ظاهريا أن تكون أقرب مما نظن؟ كيف يمكن أن ~~ننعزل، في الوقت ذاته، عما يحدث بالجوار؟ وكيف يمكن للروتين العادي أن يؤهلنا لما هو ~~استثنائي؟ كشفت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بطريقة لا تفعلها سوى الكوارث الحقيقية ~~وحدها، عن الروابط الخفية الكامنة في بنية الحياة المعاصرة المعقدة، ومن هذا المنظور، ~~ما زالت هناك بعض الدروس التي ينبغي علينا تعلمها. # من منظور البنية التحتية المحض، كان يمكن لتلك الهجمات أن تكون أسوأ بالفعل، فعلى عكس ~~الانفجارات النووية أو تفشي أحد عوامل العدوى البيولوجية في الهواء، كان الهجوم ~~متمركزا نسبيا في موقعه، بل معزولا أيضا عن باقي المدينة. على سبيل المثال، عدد ~~خطوط المواصلات، التي تمر بما كان يعرف بمركز التجارة العالمي آنذاك، كانت أقل بكثير ~~منها في ميدان تايمز سكوير أو محطة قطارات جراند سنترال مثلا، ومع ذلك، فقد كان انهيار ~~البرجين كارثة مروعة، طمرت الشوارع من جرائها ودمر مترو الأنفاق، وأبيد أحد ~~مراكز الاتصالات الرئيسية بالمدينة؛ مبنى فيرايزون في 140 بالشارع الغربي، وتطلب الكثير ~~من هذه الأضرار سنوات لإصلاحها، مع تكلفة تقدر بالمليارات. # لكن في يوم الثلاثاء ذاك تسبب الضرر المادي في نتيجة مماثلة في الأهمية تمثلت في ~~التعجيل بوقوع أزمة «مؤسسية» خطيرة؛ فقد دمرت غرفة متابعة الحالات الطارئة الخاصة ~~بعمدة المدينة مع انهيار المبنى رقم 7 من ~~مركز التجارة العالمي بعد انهيار البرجين بفترة وجيزة، وبحلول العاشرة صباحا، فقد مركز ~~التحكم الخاص بقوات الشرطة جميع ms276 خطوط الهاتف، بالإضافة إلى خدمات الهواتف المحمولة ~~والبريد الإلكتروني وأجهزة الاستدعاء، ولما كانت المدينة تواجه كارثة غير مسبوقة وغير ~~متوقعة على الإطلاق، مع عدم توافر أي معلومات تقريبا يمكن الاعتماد عليها، وفي ظل ~~تزايد التهديدات بوقوع هجمات تالية، تعين على المدينة التنسيق بين عمليتين كبيرتين في ~~آن واحد؛ الإنقاذ والأمن، وفي أقل من ساعة على بدء حالة الطوارئ، أصابت الفوضى البنية ~~التحتية نفسها التي صممت خاصة للتعامل مع الحالات الطارئة. # لكن بطريقة ما، تمكنت المدينة من اجتياز الأزمة؛ ففيما يعد استجابة منظمة على نحو ~~يستحيل تصديقه في ضوء الظروف القائمة آنذاك، حول كل من مكتب العمدة، وإدارتي الشرطة ~~وإطفاء الحرائق، وهيئة الموانئ، والهيئات المتعددة المختصة بالتعامل مع الطوارئ، سواء ~~الفيدرالية أو التابعة للولاية، وعشرات المستشفيات ومئات الشركات وآلاف المتطوعين وعمال ~~البناء، جنوب مانهاتن من منطقة حرب إلى موقع للتعافي في أقل من أربع وعشرين ساعة، وفي ~~تلك الأثناء استمر كل شيء في باقي أنحاء المدينة في العمل على نحو طبيعي تماما؛ الأمر ~~الذي بدا غريبا للغاية. لم تنقطع الكهرباء، ولم تتوقف القطارات عن العمل، وظل بالإمكان ~~تناول غداء لطيف في أحد مطاعم شارع برودواي بالقرب من جامعة كولومبيا، ونظرا للإجراءات ~~الأمنية التي حتمت ملازمة المنازل أو المكاتب في الجزيرة ذلك اليوم، عاد تقريبا جميع ~~من كانوا خارج المنطقة المنكوبة إلى منازلهم تلك الليلة، وعاد سير العمل في توصيل المؤن ~~وجمع القمامة إلى حالته الطبيعية تقريبا في اليوم التالي. ظلت الشرطة تجوب المدينة، ~~واستمرت إدارة إطفاء الحرائق في الاستجابة لكل إنذار حريق، مع أنها فقدت في ساعة واحدة ~~أكثر من ضعف عدد الرجال الذي يمكن فقدانه في جميع أرجاء البلاد في عام كامل. وفي تلك ~~الليلة شاهد الأصدقاء خطاب الرئيس الذي بثه التليفزيون في الحانات التي احتشد فيها ~~الناس كعادتهم، وفي اليوم التالي عاد أغلب سكان المدينة في الواقع إلى العمل. استمرت ~~أنشطة الحياة اليومية إلى حد أصاب سكان نيويورك، في الحقيقة، بالشعور بالذنب لعدم ~~تأثرهم بالحادث بما فيه الكفاية. # بحلول ms277 يوم الجمعة، كانت الحواجز المطوقة للطرف الجنوبي من الجزيرة قد تراجعت جنوبا ~~من شارع 14 إلى شارع كانال، وفي يوم الاثنين الموافق 17 سبتمبر، كان أغلب منطقة وسط ~~المدينة جاهزا لعودة العمل به، بل إن البورصة ذاتها فتحت أبوابها من جديد، على الرغم ~~من تكبد عالم المال معظم الخسائر في كل من الموظفين والمواد. كافحت شركات التداول ~~للعمل، من المنازل والمكاتب المشتركة والأدوار المكتبية المؤجرة بجميع أنحاء مانهاتن ~~وبروكلين ونيوجيرسي وكونيتيكت في استماتة لإعادة هيكلة عملها، وإنقاذ البيانات من خوادم ~~النسخ الاحتياطي وإصلاح نظم الاتصالات مؤقتا، وذلك في مسعاها ليس فقط للتعايش مع مأساة ~~فقدان الزملاء، بل تعويضها أيضا. # كان لدى مؤسسة مورجان ستانلي وحدها ~~ثلاثة آلاف وخمسمائة فرد يعملون في البرج الجنوبي، وما يصعب تصديقه هو أنه ما من أحد ~~منهم لقي حتفه، لكن ذلك لم يقلل من حجم مشكلة إعادة توزيع آلاف الأفراد في غضون أيام؛ ~~لأنه لم يكن من الواضح بعد في تلك الأثناء كم منهم لا يزال على قيد الحياة! واجهت ~~الكثير من الشركات الأخرى، الكبيرة منها والصغيرة، مهمة مخيفة مماثلة؛ فعلى سبيل ~~المثال، لم تفقد شركة ميريل لينش، التي يقع مقرها قبالة مركز التجارة العالمي، مكاتبها، ~~لكن تعين عليها إعادة توزيع آلاف العاملين لأكثر من ستة أشهر إلى أن تمكنوا من دخول ~~المبنى مرة أخرى. وإجمالا، تعين على أكثر من مائة ألف شخص أن يذهبوا لأماكن مختلفة ~~للقيام بأعمالهم في يوم الاثنين من ذاك الأسبوع. إن توزيع هذا العدد الهائل من الأفراد ~~ما كان ليتحقق في فترة تقل عن أسبوع، حتى في الجيش نفسه المعد خاصة لمثل هذه المواقف. ~~لكن بطريقة ما، في التاسعة والنصف صبيحة يوم الاثنين؛ أي بعد ستة أيام فحسب مما بدا ~~حينها نهاية العالم، دق جرس بدء التداول ببورصة نيويورك من جديد. # كما حدث في أزمة تويوتا-آيسين، تمتعت كل الشركات والهيئات الحكومية المشتركة في جهود ~~التعافي بدوافع قوية - اقتصادية واجتماعية وسياسية - لفعل ما فعلته، لكن حسبما أشرنا ~~في الفصل # التاسع ~~، ليست ms278 الدوافع - بما في ذلك أقواها - كافية ~~لإحداث رد فعل فعال على المدى القصير، فلا بد أن تتوافر القدرة، وكما حدث مع مجموعة ~~تويوتا، ما كان من الممكن تصميم القدرة على التعافي من الكارثة بوعي، بل في الواقع، لم ~~يحقق الجزء المصمم من قبل - غرفة متابعة الحالات الطارئة الخاصة بعمدة المدينة - ~~النجاح، أو على الأقل فشل في العمل كما كان مفترضا. أيضا لم يتوافر الوقت الكافي، في ~~خضم الأزمة نفسها، لجميع الأطراف المعنية ليدركوا كل شيء كانوا بحاجة إلى معرفته، ومن ~~ثم، أيا كان ما تمتع به النظام ومكنه من التعافي بهذا القدر من السرعة، فلا بد أنه ~~كان موجودا مسبقا بالفعل، وتطور في الأساس لأغراض أخرى. # بعد أشهر قلائل من أحداث الحادي عشر من ~~سبتمبر، سمعت قصة مذهلة من سيدة تعمل بشركة كانتور فيتزجيرالد، وهي شركة لتداول الديون ~~فقدت ما يزيد عن سبعمائة من موظفيها الذين لا يتعدون الألف موظف جراء انهيار البرج ~~الشمالي، وبالرغم من الصدمة العميقة التي عاناها من تبقى من الموظفين (أو ربما بسببها)، ~~قرروا في اليوم التالي أنهم سيسعون لدعم بقاء الشركة، القرار الذي بدا غير قابل للتصديق ~~على الإطلاق نظرا للعقبات العملية المثبطة للهمم التي لزم عليهم تجاوزها. أولا: لم ~~يقع مقر أسواق الدخول الثابتة، على عكس أسواق الأسهم، في البورصة، ومن ثم لم يتم تعليق ~~العمل بها؛ لذا إذا أرادت شركة كانتور فيتزجيرالد النجاة، فعليها العمل في غضون الساعات ~~الثماني والأربعين التالية. ثانيا: مع أن خطة التعامل مع الطوارئ المصممة بعناية لديها ~~اقتضت توفير نسخ احتياطية بعيدة من كل نظم البيانات والكمبيوتر، ثمة حالة طارئة واحدة ~~لم تتوقعها، وهي أن كل من كانوا يعرفون كلمات المرور قد فقدوا في الأحداث! وفي الواقع، ~~إذا لم يكن أحد على علم بكلمات المرور، فما من قيمة للبيانات، على الأقل إذا استحال ~~الوصول إليها ليومين كاملين. # لذا ما فعلوه هو أنهم جلسوا كمجموعة، وأخذوا يتذكرون كل ما يعرفونه عن زملائهم، وكل ~~ما فعلوه، وكل مكان ذهبوا إليه، وكل ms279 ما حدث من قبل بينهم، ونجحوا بالفعل في أن يحزروا ~~كلمات المرور. يبدو ذلك أمرا يصعب تصديقه، لكنه حقيقي، وهو يفسر بشكل كبير الفكرة ~~الموضحة في الفصل السابق: التعافي من الكارثة ليس شيئا يمكن تخطيطه بما يناسب حدثا ~~محددا، أو تنسيقه مركزيا وقت وقوع الكارثة نفسه. في الكوارث الحقيقية يكون المركز هو ~~أول جزء في النظام يتعرض للانهيار، كما حدث مع مكتب العمدة وشركة آيسين من قبله؛ لذا ~~فإن استمرارية النظام، كشركة كانتور فيتزجيرالد، تعتمد على شبكة موزعة من الأعمال ~~الروتينية العادية والروابط الموجودة من قبل التي تربط المؤسسة بعضها ببعض على جميع ~~المستويات. # ما كان لافتا للنظر حقا آنذاك بشأن ~~قوة وسط مدينة نيويورك هو أن آليات النجاة والتعافي التي استخدمها الأفراد والشركات ~~والهيئات على حد سواء لم تكن استثنائية على الإطلاق، فبعد تعطل كل الإلكترونيات الرائعة ~~الموجودة بغرفة متابعة الحالات الطارئة الخاصة بالعمدة، وقع عبء الاتصالات على أجهزة ~~اللاسلكي الخاصة بجهاز الشرطة والأوراق التي كانت تنقلها سيارات الشرطة ذهابا وإيابا. ~~وفي غياب توجيهات واضحة، ما كان من رجال الإسعافات الأولية وعمال البناء ورجال الإطفاء ~~ممن هم خارج الخدمة، والمتطوعين، إلا أن وصلوا إلى مكان الحادث، وصاروا سريعا جزءا من ~~عمل روتيني تبلور في الأساس على أرض الواقع، وليس وفقا لأي خطة محددة مسبقا، وعثر ~~الناجون المتفرقون من كانتور فيتزجيرالد بعضهم على بعض بالمرور على منازل كل منهم. ~~تذكر أنه في أعقاب الحادث مباشرة، لم يكن أحد على علم بما يحدث - يستوي في ذلك القوات ~~والقادة العسكريون - ولم يعلم أحد كيف ينبغي الاستجابة له، ومن ثم فعل الجميع الشيء ~~الوحيد الذي كان بوسعهم، وهو اتباع الخطط الروتينية وتطويعها على أفضل نحو ممكن لتراعي ~~الظروف التي طرأت عليها تغيرات هائلة. كانت هذه الاستراتيجية مفجعة في بعض الحالات - ~~فرجال الإطفاء الذين هرعوا أعلى السلالم ليلقوا حتفهم كانوا يتبعون أيضا خطط عملهم ~~الروتينية - لكنها نجحت نجاحا مذهلا في أغلب الحالات. انتشر وصف «أبطال اعتياديون» ~~مرارا وتكرارا في الشهور التالية للحادي عشر من ms280 سبتمبر، لكن من وجهة النظر المؤسسية، ~~ما يجدر بنا تعلمه من جهود التعافي هو أن الاستثنائي ما هو إلا روتيني في ~~الواقع. # مع ذلك، وبعد ستة أشهر، ظهر الجانب الضعيف للنظام نفسه، مع تأثر كل مجال تقريبا؛ ~~بدءا من التأمين والرعاية الصحية، وصولا إلى النقل والترفيه والسياحة وتجارة التجزئة ~~والتشييد والتمويل، بالهجمات على نحو سيئ؛ توقف عدد من المطاعم في جنوب مانهاتن عن ~~العمل على الفور تقريبا بعد أن اضطرت لغلق أبوابها أياما، بل أسابيع، وأصاب الشلل ~~أيضا العديد من عروض برودواي نظرا لانخفاض أعداد الجماهير، وفي خلال شهر كان آلاف ~~العاملين في القطاع المالي قد سرحوا من وظائفهم، في حين خسر أغلب الآخرين علاواتهم ~~السنوية، ومن ثم انخفض أجرهم بنسبة وصلت إلى 75 بالمائة. ومع أن القطاع المالي يشكل 2 ~~بالمائة فقط من الوظائف في نيويورك، فإنه يسهم بنحو 20 بالمائة من دخل المدينة؛ لذا فإن ~~نقصا بهذا الحد من شأنه أن يطول شتى أنحاء الجزيرة، ليؤثر ليس فقط على تجارة التجزئة ~~والإيجارات، بل أيضا على الإيرادات العامة المستخدمة في تنظيف الشوارع وتأمين خطوط ~~مترو الأنفاق والمحافظة على جمال الحدائق. # ما زاد الأمر سوءا هو أن السبب الرئيسي وراء وجود هذا العدد الكبير من الشركات ~~المالية في جنوب مانهاتن هو وجود الكثير من الشركات الأخرى بالفعل هناك، لكن في العقد ~~الأخير أو نحو ذلك، ومع تحول المعاملات المالية إلى النظام الإلكتروني على نحو متزايد ~~وتراجع أهمية التقارب المادي، بدأت بعض الشركات في الانتقال بعيدا. والآن، بعد أن دمر ~~مركز التجارة، وصارت الكثير من الشركات تواجه قرار نقل مقراتها في الوقت نفسه، قد يتحول ~~هذا الابتعاد إلى نوع من الفرار الجماعي، وفي حال حدوث ذلك، فإن أغلب العائدات ذات ~~الصلة التي صارت نيويورك تعتمد عليها قد تتجه إلى مسار آخر، لتعود المدينة إلى الركود ~~المالي الذي اتسمت به في سبعينيات القرن العشرين، لكن لا يعلم أحد بعد احتمالية وقوع ~~هذا السيناريو الكئيب، وقد اقترح العديد من البدائل الأكثر تفاؤلا. ليس ms281 المقصود بهذا ~~التنبؤ بأمور معينة، بل توضيح أن المدينة متصلة بصور يصعب توقعها، ومن الأصعب ~~توجيهها. # لم يتوقف التأثير، بالطبع، عند ضفة نهر هادسون؛ إذ كان للهجمات تأثيراتها أيضا على ~~المستوى القومي؛ فقد أعلنت خطوط ميدواي الجوية (التي يقع مقرها في كارولينا الشمالية) ~~إفلاسها في اليوم التالي للهجمات، وبحلول نهاية الأسبوع، كانت كل شركة نقل في البلاد ~~تمر بضائقة مالية قاسية، وسرح في النهاية ما يزيد عن مائة ألف عامل بالخطوط الجوية، ~~وبدا اقتصاد الدولة، الذي كان على حافة الركود بالفعل، على وشك الانهيار إذا ما هجر ~~المستثمرون الاستثمارات الأمريكية، وفشل المستهلكون في تجاوز الركود. وعلى الرغم من ~~مرور الاقتصاد الآن بمرحلة تعاف واه وتراجع الاحتمالات الأكثر تشاؤما، فلا يزال حجم ~~الخسائر الثانوية كبيرا. وبعد موسم كريسماس مخيب للآمال، تقدم أحد أكبر متاجر التجزئة ~~في البلاد، وهو كيه مارت، بطلب حماية من الإفلاس، مخلفا أطنانا من الديون المعلقة، ~~التي يمكن أن تؤدي بدورها إلى المزيد من حالات الإفلاس بين الدائنين الذين لم يحصلوا ~~على مستحقاتهم بعد. # ما الذي يمكن استنتاجه مما سبق؟ هل ~~كانت الهجمات أكثر إضرارا مما بدت عليه أول الأمر، أم أقل؟ هل تجاوب النظام بقوة؟ أم ~~أن نقاط ضعفه الخفية قد اتضحت؟ في مقال شديد الإحباط، لكنه مثير للتفكير في الوقت نفسه، ~~نشر في صحيفة نيويورك تايمز بعد الهجمات بأسابيع قليلة، أعلن بول كروجمان عن تنبؤاته ~~بشأن تأثير الهجمات على الاقتصاد الأمريكي الواهن بالفعل، وقد اتسمت حجج كروجمان، ~~كعادته، بالبلاغة والمنطقية والإقناع، بيد أن ملخص ما قاله هو أنه يوجد عدد من الأسباب ~~الوجيهة لأن ينهض الاقتصاد الأمريكي من جديد ويتعافى في المستقبل القريب، هذا فضلا عن ~~عدد مساو من الأسباب التي تحمل القدر نفسه من المعقولية لأن يسير الاقتصاد الأمريكي ~~سريعا نحو ركود مدمر طويل المدى. لم يرغب كروجمان في أن يقول إنه ليس لديه أي فكرة عما ~~كان يحدث (وقد مكنه تحوطه البارع من الادعاء بالتنبؤ الصحيح بصرف النظر عن النتيجة ~~الفعلية)، لكن من الواضح ms282 تماما أنه لم تكن لديه أي فكرة بالفعل. يعد كروجمان أحد أفضل ~~علماء الاقتصاد في العالم، خاصة فيما يتعلق بشرح الظواهر الاقتصادية الحقيقية، ومن ثم ~~إذا لم يكن لدى كروجمان وزملائه في جامعة برنستون فكرة عن كيفية استجابة النظم ~~الاقتصادية للصدمات الكبيرة، فيمكنك المراهنة على أنه ما من أحد آخر يعرف ذلك. # ما الذي يمكن لعلم الشبكات إيضاحه لنا، في حين لا يستطيع كروجمان ذلك؟ للأسف، الإجابة ~~الصادقة عن هذا السؤال هي: «ليس الكثير.» من المهم إدراك أنه على الرغم من الخمسين ~~عاما التي مرت على ظهور علم الشبكات، فإنه لا يزال يخطو خطواته الأولى على أرض الواقع، ~~ولو شبهناه بالهندسة البنيوية لقلنا إننا لا نزال في مرحلة التوصل إلى قواعد ~~الميكانيكا؛ أي المعادلات الأساسية التي تحكم ثني المواد الصلبة وتمددها وكسرها، أما ~~المعرفة التطبيقية التي يمكن للمهندسين المحترفين الوصول إليها - الموائد والكتيبات ~~وحزم التصميم الحاسوبية والقواعد الأساسية الخاضعة لاختبارات كثيرة - فلا تزال قابعة ~~على المدى البعيد، وذلك وفقا لأفضل التقديرات، لكن ما يمكن لعلم الشبكات فعله هو تقديم ~~أسلوب جديد للتفكير في المشكلات التقليدية؛ الأسلوب الذي أدى بالفعل إلى بعض الرؤى ~~المدهشة. ~~(2) دروس لعصر متشابك # أولا: علمنا علم الشبكات أن المسافة مفهوم مضلل. إن الفكرة القائلة إن أي فردين ~~بطرفين متقابلين من العالم لا يجمع بينهما الكثير من الأمور المشتركة يمكن أن يتصلا من ~~خلال سلسلة قصيرة من روابط الشبكات - في ست درجات فحسب - تكشف جانبا في واقعنا ~~الاجتماعي أذهل جيلا بعد جيل، والتفسير - كما رأينا في الفصل # الثالث ~~- مستمد من حقيقة أن عددا قليلا فحسب من الروابط يمكن أن يكون له ~~تأثير كبير على الاتصالية في العالم أجمع، ومثلما رأينا، بعد ذلك، في الفصل # الخامس ~~، يكمن أصل هذه الروابط طويلة المسافات في الطبيعة ~~متعددة الأبعاد للهوية الاجتماعية؛ فنحن نميل للارتباط بأفراد يشبهوننا، لكن لكل منا ~~طرقه المستقلة المتعددة داخل إطار هذا التشابه، ونظرا لأننا لا نعرف من هم أصدقاؤنا ~~فقط، بل نعرف أيضا طبيعة شخصياتهم، يصير بمقدورنا التنقل ms283 داخل الشبكات، بما في ذلك ~~الضخمة منها، بواسطة عدد قليل من الروابط فحسب. # لكن حتى لو كان صحيحا أن بمقدور الجميع الاتصال بعضهم ببعض ~~في إطار ست درجات من الانفصال وحسب، فما ~~أهمية ذلك؟ ما مدى بعد الست درجات بأي حال؟ من منظور البحث عن وظيفة أو تحديد معلومات ~~بعينها أو الحصول على دعوة لحفل ما، يعد أي شخص أبعد من صديق أحد أصدقائك، غريبا عنك. ~~لذا، فيما يتعلق باستخلاص الموارد أو إحداث تأثير ما، فإن أي شيء على بعد أكثر من ~~درجتين قد يكون بعيدا للغاية أيضا. قد نكون متصلين حقا، لكن ذلك لا يقلل من درجة ~~غربتنا بعضنا عن بعض، ولا يجعلنا ننزع بالضرورة لتجاوز التكتلات البسيطة التي تحدد شكل ~~حياتنا الفردية. في النهاية، لدينا جميعنا أعباء علينا تحملها، وانشغالنا بعدد المسافات ~~الذي يفصلنا عن الآخرين لن يفيدنا في شيء، بل سيدفعنا إلى الجنون. # لكن أحيانا ما تظهر هذه الأعداد الهائلة في حياتنا دون سابق إنذار؛ ففي عام 1997 ~~أسفر فصل البات التايلاندي عن الدولار الأمريكي عن أزمة حقيقية في مجال العقارات في ~~تايلاند، الأمر الذي أدى إلى انهيار نظامها المصرفي، وفي غضون أشهر كان الركود المالي ~~قد انتشر للنمور الآسيوية الأخرى (إندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية)، مسببا ~~انكماشا لنظمها الاقتصادية، التي شهدت ازدهارا سابقا، ومحدثا ركودا عالميا في ~~أسعار السلع، خاصة البترول. في الوقت نفسه كان اعتماد روسيا، التي شهدت آنذاك تحولا ~~مؤلما إلى النظام الرأسمالي، على صادراتها من البترول قويا، وفجأة فقد ذلك الذهب ~~الأسود قيمته. تلا ذلك أزمة في الميزانية الروسية، وتخلفت الحكومة اضطرارا عن الوفاء ~~بدينها السيادي، وهو الأمر الذي ليس من المفترض أن تفعله أي دولة، حتى ولو كانت قوة ~~عظمى سابقة، وأدت الصدمة التي أصابت أسواق الديون العالمية إلى تجنب المستثمرين للسندات ~~من أي نوع باستثناء سندات الحكومة الأمريكية. # قبل ذلك مباشرة - وهو الأمر الذي لا يعرفه الجزء الأكبر من العالم - ضخ أحد الصناديق ~~الوقائية في جرينتش بولاية كونيتيكت، واسمه صندوق إدارة رءوس ms284 الأموال طويلة المدى، ~~مبالغ ضخمة لشراء سندات اعتبرها سيئة التسعير، لكن أصيب الصندوق بالفزع حين رأى أن ~~الأسعار التي كان من المفترض أن تتقارب بدأت في التباعد، الأمر الذي أسفر عن فقد سندات ~~تقدر بمليارات الدولارات لقيمتها في غضون أشهر قليلة. نسق رئيس مجلس إدارة بنك ~~الاحتياط الفيدرالي لمدينة نيويورك عملية إنقاذ من خلال اتحاد أكبر المصارف الاستثمارية ~~في البلاد؛ خوفا من أنه في حال اضطرار الصندوق لتسييل أصوله ستنهار الأسواق التي يعمل ~~فيها، وبهذا تفادى كارثة محتملة، وهكذا انتهت الأزمة التي اجتاحت آسيا في العام المنصرم ~~دون أن تؤثر على الولايات المتحدة إلا قليلا. # لم تتضرر الولايات المتحدة كثيرا من الأزمة الآسيوية عام 1997، لكن ما من أحد علم ما ~~يجب توقعه آنذاك. وهذا ينطبق على الحال الآن أيضا؛ فما من أحد بإمكانه توقع أي شيء في ~~ظل انعكاس الاضطرابات السياسية والدينية في الشرق الأوسط على صورة عمليات إرهابية في ~~سماء نيويورك وواشنطن العاصمة؛ ففي عالم لا يفصل بين أفراده سوى ست درجات فحسب، صار ~~تأثير أي شيء سريعا، ومن ثم ليس معنى أن شيئا ما يبدو بعيدا، وأنه يحدث بلغة لا ~~تفهمها، أنه لا صلة له بك؛ فعندما يتعلق الأمر بالأوبئة والأزمات المالية والثورات ~~السياسية والحركات الاجتماعية والأفكار الخطيرة، ثمة اتصال بيننا جميعا من خلال سلاسل ~~قصيرة من التأثير، وستؤثر عليك بأي حال من الأحوال، بصرف النظر عما إذا كنت تعرفها أو ~~تهتم بها أم لا، وإساءة فهم ذلك يعني إساءة فهم الدرس المهم الأول بشأن عصرنا المتشابك: ~~قد يكون لدينا جميعا أعباء، وسواء أحببنا ذلك أم لا، فلا بد أن يتحمل بعضنا أعباء بعض ~~أيضا. # الفكرة المهمة الثانية، التي يمكننا الحصول عليها من علم الشبكات، هي أنه في النظم ~~المتصلة ثمة صلة معقدة، ومضللة أحيانا، بين السبب والنتيجة؛ ففي بعض الأحيان يمكن أن ~~يكون للصدمات البسيطة آثار كبيرة (انظر الفصل # الثامن ~~)، وفي ~~أحيان أخرى يكون من الممكن امتصاص الصدمات، حتى العظيمة منها، دون إعاقة تذكر (انظر ~~الفصل # التاسع ms285 ~~). هذه النقطة في غاية الأهمية؛ لأننا في أغلب ~~الأحيان نعجز عن الحكم على أهمية الأمور إلا بأثر رجعي، ومن اليسير على المرء أن يكون ~~حكيما عند الحكم على شيء ما بأثر رجعي. بعد أن صار كتاب «هاري بوتر» ظاهرة عالمية، ~~سارع الجميع بإغداق الثناء على جودته كرواية للأطفال، وتصدر كل جزء تال منه على ~~الفور قائمة أفضل المبيعات. ربما تكون هذه السلسلة جديرة بالفعل بكل النجاح الذي حصدته، ~~لكن ما نغفله هو أن العديد من الناشرين رفضوا النص الأصلي للكاتبة جيه كيه رولينج قبل ~~أن تقبله بلوومزبري (التي كانت آنذاك مؤسسة نشر مستقلة صغيرة). إذا كانت جودة عملها على ~~هذا القدر من الوضوح، فلماذا لم يرها العديد من الخبراء في مجال نشر كتب الأطفال؟ وما ~~الذي يقوله ذلك بشأن جميع النصوص الأخرى المرفوضة المهملة في أدراج الناشرين العديدين ~~بجميع أنحاء العالم؟ في عام 1957 صارت رواية «على الطريق» لجاك كرواك في مصاف كلاسيكيات ~~الأدب الأمريكي بين عشية وضحاها، لكن ما يغيب عن أغلب قرائها الملهمين أنها كادت لا ~~ترى النور؛ إذ انتهى كرواك من النص الأصلي قبل موافقة دار نشر فايكينج على نشره بست ~~سنوات. ما الذي كان سيحدث إذا أصاب اليأس كرواك؟ كثير من المؤلفين يصيبهم اليأس. كم من ~~الأعمال الكلاسيكية خسرها العالم نتيجة لذلك؟ # على الجانب الآخر، ماذا إذا لم تتوصل مجموعة تويوتا إلى وسيلة للتغلب على كارثة ~~آيسين؟ يمكن تصور السيناريو بوضوح تام؛ تغلق الشركات الكبرى أبوابها - إنرون وكيه مارت ~~مثالان حديثان على ذلك - وقد يتسبب التعطل ~~المحتمل لأعمال شركة تويوتا في الدفع بها إلى الإفلاس. ما الذي كان يمكن أن يترتب على ~~ذلك؟ إذا حرم العالم بغتة من سيارات تويوتا العزيزة عليه، لكانت كارثة آيسين قد احتلت ~~العناوين الرئيسية للصحف لشهور عدة. وبقضاء تلك الأزمة ليس فقط على تويوتا، بل ربما ~~أيضا على الكثير من مورديها البالغ عددهم مائتين تقريبا، ربما كان الأمر سيتسبب في ~~انهيار حاد للاقتصاد الياباني الذي كان يعاني آنذاك الركود بالفعل، وربما ms286 صار هذا أحد ~~أهم أحداث ذلك العقد من الزمان. لكن لم يعلم أحد بأزمة آيسين قط سوى القليل من ~~المتخصصين في مجال المؤسسات الصناعية، فنظرا لعواقبها المحدودة للغاية على الاقتصاد ~~العالمي، صارت هذه الأزمة حادثا عرضيا فحسب في سجل التاريخ، لكن كان من الممكن أن ~~يكون لها نتائج مختلفة بسهولة. ينطبق الأمر نفسه إلى حد بعيد (وإن كان لأسباب مختلفة ~~تماما) على تفشي فيروس إيبولا بين القردة في مدينة ريستون بولاية فيرجينيا، الذي ~~تناولناه في الفصل # السادس ~~. ماذا إذا كان الفيروس من نوع ~~إيبولا زائير؟ كانت الولايات المتحدة ستتعرض لكارثة صحية عامة خطيرة على مقربة من ~~عاصمتها، بيد أن السبب الوحيد لمعرفتنا بالأمر هو أن ريتشارد بريستون ألف كتابه المثير ~~(وعثر على ناشر جيد!) # لذلك لا يمكن للتاريخ أن يرشدنا ونحن بصدد مستقبل لا يمكن التنبؤ به، لكننا نركن إليه ~~على أي حال؛ لأنه ما من خيار آخر أمامنا على ما يبدو، لكن ربما يكون أمامنا خيار آخر ~~بالفعل، لا للتنبؤ بنتائج معينة، بل لفهم الآليات التي تحدث وفقها هذه النتائج، ويمكن ~~أن يكون الفهم كافيا في بعض الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، لا تتنبأ نظرية الانتخاب ~~الطبيعي لداروين فعليا بأي شيء على الإطلاق، ومع ذلك، فإنها تمنحنا قوة هائلة لفهم ~~العالم الذي نلاحظه، ومن ثم اتخاذ قرارات صائبة بشأن موقعنا فيه (إذا أردنا). يمكننا أن ~~نأمل، على النحو نفسه، في أن يعيننا علم الشبكات الحديث على فهم كل من بنية النظم ~~المتصلة والطريقة التي تنتشر من خلالها أنواع التأثير المختلفة عبر هذه النظم. # نحن نعي بالفعل أن النظم المتصلة الموزعة، بدءا من شبكات الطاقة وصولا إلى الشركات ~~التجارية، بل النظم الاقتصادية الكاملة أيضا، أضعف، وأقوى في الوقت نفسه، من الكيانات ~~المنعزلة، وإذا اتصل فردان عبر سلسلة قصيرة من التأثيرات، فما يحدث لأحدهما قد يؤثر على ~~الآخر، حتى لو كان أحدهما غافلا عن وجود الآخر تماما، وإذا كان هذا التأثير مدمرا، ~~يكون كل منهما أضعف مما إذا كان وحده. على الجانب ms287 الآخر، إذا أمكن لكل منهما العثور ~~على الآخر عبر السلسلة نفسها، أو إذا كانا كلاهما جزءا من شبكة علاقات ذات تعزيز ~~متبادل مع أفراد آخرين، فقد يتمتع كل منهما بالقدرة على إحداث تأثير أعظم مما يمكنه ~~تخيله. تتشارك الشبكات في الموارد وتوزع الأعباء، لكنها تنشر أيضا الأمراض وتنقل ~~الفشل؛ فهي تحمل الخير والشر في آن واحد. من خلال تحديد كيفية اتصال النظم بدقة، ورسم ~~علاقات واضحة بين بنية الشبكات الحقيقية والسلوك (مثل الأوبئة، والصيحات الحديثة، ~~والقوة المؤسسية) الذي تتسم به النظم التي تربط بينها هذه الشبكات، يمكن أن يعيننا علم ~~الشبكات على فهم العالم من حولنا. # وأخيرا، يثبت لنا علم الشبكات أنه علم جديد بالفعل، وليس فرعا من أي فرع علمي ~~تقليدي، بل هو علم يتجاوز الحدود الفكرية ويستمد أفكاره من العديد من فروع المعرفة في ~~آن واحد، فكما رأينا من قبل، تمهد الرياضيات التي يستخدمها الفيزيائيون طرقا جديدة في ~~أرض لم يسبق اكتشافها من قبل، ويمثل كل من النمو العشوائي ونظرية التخلل والتحولات ~~الطورية والشمولية أشياء معتادة للفيزيائيين، وقد عثروا على مجموعة كبيرة مثيرة ~~للاهتمام من المشكلات في الشبكات، لكن دون خرائط علم الاجتماع والاقتصاد، وحتى الأحياء، ~~التي ترشدهم، ليس بوسع هؤلاء العلماء تمهيد الطرق لأي مكان على الإطلاق. الشبكات ~~الاجتماعية ليست شبيكات منتظمة، ولا يمكن لكل شيء أن يكون عديم المعيار، وقد ينجح أحد ~~أنواع التخلل مع بعض المشكلات، لكنه لا ينجح مع مشكلات أخرى. وتبنى بعض الشبكات على ~~صورة هرمية، في حين لا تكون أخرى كذلك، ويكون سلوك النظام، في بعض النواحي، مستقلا عن ~~التفاصيل الدقيقة للنظام، لكن هناك من التفاصيل ما يحمل أهمية. هناك الكثير من النماذج ~~البسيطة التي يمكننا ابتكارها لفهم سلوك أي نظام معقد، لكن تكمن الفكرة في اختيار ~~النموذج الصحيح. يتطلب ذلك منا التفكير بعناية في جوهر الموضوع الحقيقي، وأن نعرف عنه ~~شيئا ما. # إن الإسهاب في التأكيد على هذه الفكرة والزعم أن كل شيء يمثل شبكة عالم صغير أو شبكة ~~عديمة المعيار ms288 لا يعد إفراطا في تبسيط الحقيقة فحسب، بل يمكن أن يضلل المرء ليظن أن ~~مجموعة واحدة من الخصائص تنطبق على المشكلات كافة، لكن إذا أردنا فهم العصر المتشابك ~~على نحو بعيد عن السطحية، علينا إدراك أن الفئات المختلفة للنظم المتصلة بشبكات تتطلب ~~منا استكشاف أنواع مختلفة من سمات الشبكات. قد يكفي، في بعض الحالات، إدراك أن أي شبكة ~~تتضمن طريقا قصيرا يصل بين أي فردين، أو أن بعض الأفراد متصلون على نحو أكبر بكثير من ~~آخرين، لكن في حالات أخرى، ما قد يهم هو هل الأفراد أنفسهم يمكنهم العثور على المسارات ~~القصيرة أم لا. قد يكون من المهم للأفراد، إلى جانب اتصالهم عبر المسارات القصيرة، أن ~~يندمجوا في تكتلات معززة محليا، أو ألا يندمجوا اندماجا كبيرا. قد يكون وجود هوية ~~فردية أمرا مهما في بعض الأحيان لفهم سمات إحدى الشبكات، في حين قد لا يكون كذلك في ~~أحيان أخرى، وقد يكون التمتع باتصال قوي مهما في ظروف بعينها، وقد تكون له تبعات ~~قليلة في ظروف أخرى، وفي بعض الحالات قد يكون له نتائج عكسية، وهو ما يؤدي إلى الفشل أو ~~يزيد من تفاقم حالات الفشل التي تحدث طبيعيا. ومن شأن التصنيف المفيد للشبكات، شأنه ~~شأن تصنيف الحياة، أن يمكننا من توحيد الكثير من النظم المختلفة والتمييز بينها، حسب ~~الأسئلة المحددة التي نطرحها. # وهكذا، يتطلب تأسيس علم الشبكات دفعة منسقة قوية من جميع فروع المعرفة، بل وحتى ~~المهن، الأمر الذي يفرض صراعا ما بين التعقيد الرياضي لعالم الفيزياء، وبصيرة عالم ~~الاجتماع، وخبرة رائد الأعمال. إنها مهمة ضخمة، وأعترف أنها تبدو مستعصية أحيانا؛ فنحن ~~نكد طويلا ولا نتوصل إلا إلى أقل القليل، ومن المغري الاعتقاد بأن العصر المتشابك شديد ~~التعقيد لدرجة تحول دون فهمه بأي طريقة علمية منهجية. ربما، مع كل ما نبذله من أقصى ~~الجهود الممكنة، نضطر في النهاية إلى الاكتفاء بملاحظة لعبة الحياة المبهمة صعبة ~~المراس، والاستيقاظ كل صباح ومشاهدة ما يحدث وحسب، لكن ما من أحد أصابه اليأس ~~بعد. ms289 # قد يكون أكثر جوانب العلم إلهاما أن طبيعته نفسها تفرض طرح أسئلة لم يجب عنها بعد، ~~ومن هذا المنطلق، يعد العلم نشاطا متفائلا بشكل أساسي، فلا يؤمن العلماء دائما ~~بإمكانية فهم العالم فحسب، بل أيضا لا تردعهم القيود المفروضة على ما يمكنهم فعله، لكن ~~وراء كل مشكلة - مهما بلغت من الصعوبة - مشكلة أخرى أصعب، ولا يكتمل أبدا أي مستوى ~~للفهم؛ فكل مرض يعالج يعقبه مرض آخر، ولكل اختراع تبعاته غير المقصودة، وكل ما تسفر ~~عنه أي نظرية ناجحة هو رفع معايير التفسير لدينا فحسب. في أيام الشدة يشعر كل عالم أنه ~~مثل سيزيف الذي يدفع بحجره أعلى التل بلا نهاية، ليبدأ من جديد من قاعدة التل في اليوم ~~التالي، لكن سيزيف واصل المسير، وهذا هو الحال أيضا مع العلم؛ فنحن نستمر في كفاحنا، ~~حتى لو بدا الأمر ميئوسا منه، وسبب ذلك أننا نجد في الكفاح، كما هو الحال مع معظم ~~الطموحات البشرية، قيمة أنفسنا. # بالإضافة إلى ذلك، إن ما تبدو عليه ألغاز العصر المتشابك من استعصاء على الفهم لا ~~يعني بالضرورة أنها مستحيلة الفهم بالفعل، فقبل كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر ونيوتن، كان ~~ينظر إلى حركات الأجسام السماوية على أنها لا يعلمها سوى الرب وحده، وقبل أن يطلق ~~الأخوان رايت أول طائرة لهما في مدينة كيتي هوك، لم يكن مقدرا للإنسان أن يطير، وقبل ~~أن يتمكن متسلق يدعى وارين هاردنج من تسلق السطح الجرانيتي لصخرة الكابيتان البالغ ~~ارتفاعها ثلاثة آلاف متر بشق الأنفس، لم يكن من المعتقد أنه يمكن لأي إنسان تسلقها. في ~~كل مسعى من مساعي البشر، يوجد دائما ما هو مستحيل، وفي كل مسعى يوجد من يحاولون قهر ~~المستحيل. في أغلب الأوقات يفشلون، ويظل المستحيل كما هو؛ مستحيلا، لكن أحيانا ~~ينجحون، ومع كل قفزة من هذا النوع ننتقل جميعا إلى المستوى التالي في اللعبة ~~الكبرى. # ليس العلم بالمجال الذي يشتهر بأبطاله؛ فما من شيء باهر بشأن ما يفعله العالم كل ~~يوم؛ بكل صراحة، ليس هناك ما يصلح لأن يعرض على ms290 شاشة التليفزيون، بيد أن العلماء ~~يتحدون المستحيل كل يوم، في محاولة جاهدة منهم لفهم الأجزاء غير المفهومة من العالم، ~~سواء في الوقت الحالي أو الماضي. وعلم الشبكات ليس سوى مناوشة واحدة وسط هذا القدر ~~الكبير من الصراع، لكنها مناوشة تلفت إليها أنظار المجتمع العلمي على نحو متسارع. وبعد ~~أكثر من خمسين عاما على إطلاق رابوبورت وإيردوس الشرارة الأولى، يبدو أن الأمور أصبحت ~~تسير في مصلحتنا، أو كما ورد على لسان ونستون تشرشل بعد معركة العلمين في عام 1942: ~~«هذه ليست النهاية، بل إنها ليست حتى بداية النهاية، لكن لعلها تكون نهاية ~~البداية.» # الفصل الحادي عشر # | العالم يتضاءل: عام آخر في العصر المتشابك # قد تبدو كتابة فصل جديد لكتاب لم يمر على نشره عام واحد أمرا مستغربا، لكن الوقت يمر ~~سريعا في عالم الشبكات، وقد شهدت الشهور الاثنا عشر الماضية أحداثا عظاما، سواء على ~~المستوى العلمي أو العالم الواقعي، تواصل تذكيرنا بمدى اتصال بعضنا ببعض. لقد كان عام 2003، ~~في الواقع، خير تمثيل للعصر المتصل، وسأتناول ~~فيما يلي بعض النقاط المهمة عن هذا الموضوع. # انتقل فيروس الالتهاب الرئوي اللانمطي الحاد (سارس)، بعد ظهوره للمرة الأولى في مقاطعة ~~جوانجدونج بجنوب الصين في نوفمبر عام 2002، إلى عدد من دول العالم، ليتفشى في هونج كونج، ثم ~~في سنغافورة وتايوان وفيتنام، بل كندا أيضا، ونظرا لأن فيروس سارس شديد العدوى - إذ ينتقل ~~عبر الرذاذ المحمول في الهواء الذي يمكن استنشاقه على نحو مباشر أو غير مباشر عن طريق ~~الاتصال بالأجسام أو الأسطح - ومهلك أيضا على نحو مذهل (حوالي 10 بالمائة ممن يصابون به ~~يلقون حتفهم)، حمل هذا الفيروس في البداية جميع سمات الوباء العالمي، ليذكر كثيرين بوباء ~~الإنفلونزا الذي تفشى في عام 1918 وتسبب في مقتل ما يزيد عن 20 مليون شخص في العالم، لكن ~~لحسن الحظ، أدت التحذيرات القوية المبكرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وما تلاها من ~~تعاون (وإن كان على مضض أحيانا) بين الدول المصابة بالفيروس إلى السيطرة على الوباء ليقتصر ~~عدد الحالات المصابة ms291 على ثمانية آلاف حالة في العالم وأقل من ثمانمائة حالة وفاة، لكن كان ~~من اليسير أن يكون الحال أسوأ من ذلك بكثير؛ فنظرا لأن كل حالة تفشي لم تتطلب سوى فرد واحد ~~مصاب، كان من الممكن أن يتسبب تسرب عدد قليل من الأفراد من شبكات الحجر الصحي التي أقيمت ~~سريعا إلى التسبب في الآلاف، وربما الملايين، من حالات الوفاة الناتجة عن فيروس سارس، ومع ~~اقتراب فصل الشتاء بنصف الكرة الأرضية الشمالي، يظل التهديد بظهور حالات تفشي جديدة ~~قائما. # بعد أشهر قلائل من تراجع فيروس سارس، واجه عالم الكمبيوتر وباء فيروسيا خاصا به؛ إذ ~~أصاب فيروسا «بلاستر» و«سو بيج» الملايين من أجهزة الكمبيوتر في العالم، الأمر الذي أصاب ~~حركة مرور البيانات على الإنترنت بالشلل أياما، وكما كان الحال مع انتشار الفيروسات ~~السابقة، لم يصب المستخدمون الأفراد بقدر كبير من الضرر الدائم - كان ازدحام الشبكة هو ~~الأثر الرئيسي - لكننا تذكرنا ثانية أن أفضل جهود خبراء أمن الكمبيوتر لا يمكنها الحيلولة ~~دون تفشي مثل هذه الأوبئة بين الحين والآخر. وفقا لأحد التقديرات، تسبب فيروس «سو بيج» في ~~إصابة ثلاثة أرباع حركة مرور البيانات على الإنترنت بالشلل! ونظرا لأن كل حالات تفشي ~~الفيروسات تؤثر في المقام الأول على مستخدمي نظام التشغيل ويندوز من شركة مايكروسوفت، وإذا ~~أمكن لفيروس واحد كهذا أن ينتشر سريعا ويحدث ضررا بالغا، فإن الميزة السوقية الرئيسية ~~التي تتمتع بها برامج مايكروسوفت - وتوافقها العالمي - يمكن أن تتحول إلى عائق، وهنا، يمكن ~~أن تصبح فيروسات الكمبيوتر قوة اقتصادية حقيقية لا تشكل فقط تفضيلات المستهلكين الأفراد، بل ~~تمزق أيضا بنية الاحتكار الحالية لسوق برامج الكمبيوتر العالمي. # تزامن تقريبا مع هذين الوافدين الجديدين إلى عالم فيروسات الكمبيوتر الشهيرة أعظم انقطاع ~~للكهرباء في التاريخ؛ ففي تشابه غريب للعطل المتسلسل الذي أصاب غرب الولايات المتحدة في ~~أغسطس 1996، تفاعلت سلسلة من الأعطال البسيطة في المعدات في أوهايو على نحو غير متوقع مع ~~نمط من أنماط طلبات الطاقة المحلية، مما تسبب في حركات مفاجئة هائلة في الطاقة الكهربائية، ms292 ~~وهو ما أدى بدوره إلى غلق المولدات للحماية الذاتية، ومن ثم المزيد من الظروف غير المتوقعة، ~~ومزيد من التغيرات المفاجئة في الطلب، والمزيد من التوقفات، وكانت النتيجة سلسلة من الأعطال ~~اجتاحت جميع أنحاء الولايات والأقاليم في شمال شرق الولايات المتحدة وكندا، وإغلاق المئات ~~من محطات الطاقة، وانقطاع الكهرباء عن ملايين المستهلكين، بما في ذلك مدينة نيويورك ~~بأكملها، لما يزيد عن أربع وعشرين ساعة. مرة ثانية، خرجنا من تلك الأزمة بسهولة مع تكبد ~~قدر بسيط نسبيا من الأضرار الاقتصادية، وعدد قليل للغاية من الإصابات، ودون أي حالات ~~اضطراب مدني تقريبا، لكن مرة أخرى، كان من الممكن أن تكون الأمور أسوأ من ذلك. ثمة أمر ~~محير للغاية بشأن اطمئناننا الجماعي عند مواجهتنا أي كارثة محتملة لا نفهم أصولها ولا ~~يمكننا التنبؤ باحتمالية تكرارها. يبدو أنه إذا لم يكن الأمر يتعلق بالإرهاب، فما من شيء ~~يستدعي القلق. مع ذلك، فإن النظم التي نعتمد عليها، وتتسم بقوة الاتصال فيما بينها، بدءا ~~من شبكات الكمبيوتر، مرورا بالرقابة على الصحة العامة، ووصولا إلى المرافق الأساسية ~~كالطاقة والماء، تتعرض لأنماط لا حصر لها من الأعطال التي يتضمن بعضها فقط أعمالا تخريبية، ~~وحين تكون الأعطال، حتى العرضية منها، مؤثرة ومؤلمة، فلا يسعنا سوى أن نفهمها بأكبر قدر ~~ممكن من الشمولية. # مع ذلك، فقد شهد عام 2003 في نظر الكثيرين ظهور نوع مختلف تماما من العالم المتصل ~~بشبكات، فقد ظهر موقع خدمات المواعدة على الإنترنت، فريندستر، الذي تزايدت شعبيته على نحو ~~هائل نظرا للاستراتيجية الجديدة التي يتبعها في تسجيل الأعضاء به، حيث يدعو الأعضاء ~~الحاليون أصدقاءهم للانضمام إليه، بالإضافة إلى ذلك، ما إن ينضم الأعضاء بالموقع حتى يجب ~~عليهم إظهار أصدقائهم (وملفات تعريف هؤلاء الأصدقاء). تتمثل الفكرة ببساطة في أن العثور على ~~رفيق محتمل عن طريق الإمعان في التعرف على أصدقاء أصدقائك أقرب إلى كيفية عثورنا على ~~الرفقاء بالطريقة التقليدية مقارنة بالبحث عنهم باستخدام كلمة رئيسية ما. بالإضافة إلى ~~ذلك ، فإن معرفة معلومات عن أصدقاء شخص ما يوضح لك ms293 الكثير عن هذا الشخص مقارنة بما هو مستعد ~~للإفصاح به عن نفسه. لم يتضح بعد هل موقع فريندستر أفضل كموقع لخدمات المواعدة من المواقع ~~الأخرى المنافسة له على الإنترنت أم لا، لكن ما لا شك فيه هو الحماس الذي يقبل به الناس على ~~موقع فريندستر ويعبثون عليه؛ من خلال اختلاق شخصيات وهمية على أنهم أصدقاء لهم، وإرسال ~~اعترافات بعضهم لبعض، والمشاركة في النشرات الإخبارية، وابتكار استراتيجيات لإضافة أكبر قدر ~~ممكن من «الأصدقاء»، بل وبيع ملفات تعريفهم على موقع إي باي لأعلى سعر يعرض عليهم! ليس من ~~الواضح ما يهدف إليه كل هذا النشاط، وربما في غضون عام سينضم فريندستر إلى مصاف المواقع ~~الإلكترونية الغريبة التي فشلت في النضوج لتصبح عملا تجاريا، لكن كل ما كشفه هذا الموقع ~~هو الاهتمام الدائم الذي يوليه الكثير من الناس بالأفراد الذين يتصلون بهم، وكيفية حدوث هذا ~~الاتصال. # شهد عام 2003 أيضا أول حملة رئاسية أمريكية على الإنترنت؛ إذ اعتمد هاورد دين، الحاكم ~~السابق لولاية فيرمونت، في جزء كبير من استراتيجية حملته الانتخابية على تأثير أحد المواقع ~~الإلكترونية الجديدة الأخرى على الإنترنت، وهو موقع ميت أب دوت كوم # Meetup.com ~~. بدأ هذا الموقع كمساحة ~~على الإنترنت ذات هدف عام، وهو تنسيق اللقاءات خارج إطار الإنترنت (أي على أرض الواقع) حول ~~أي موضوع يهم أعضائه، ومنذ تدشين الموقع انضم إليه مئات الآلاف من الأفراد، من خلال ~~الاشتراك في المئات من مجموعات الاهتمامات المشتركة - بدءا من الساحرات، مرورا بمتعلمي ~~اللغة الإسبانية، وصولا إلى نوادي المعجبين بالفنانين، مثل راسل كرو - في مئات المدن بجميع ~~أنحاء العالم. وفي إحدى المرات، اقترح شخص ما (لا أحد يعرف هويته) فكرة عقد لقاء للتحدث عن ~~هاورد دين، ولأسباب غير مفهومة لأحد في الواقع، شهدت الفكرة نجاحا مفاجئا؛ حيث جذبت ~~الآلاف من المؤيدين، بل اهتمام حملة دين نفسها في النهاية، التي كانت حتى تلك اللحظة تتخلف ~~كثيرا عن منافسيها الأشهر التابعين للحزب الديمقراطي، ومن ثم صار دين رجل الساعة، وقد فاجأ ~~الجميع بجهد مثير ms294 للإعجاب في جمع التمويل (باستخدام الإنترنت أيضا) وانتزاع العناوين ~~الرئيسية بأدائه الرشيق، واكتسابه لإعجاب القاعدة الشعبية من الناس، وكما هو الحال مع موقع ~~فريندستر، ليس من الواضح هل بإمكان دين وموقع ميت أب تجاوز مرحلة الحداثة وتحويل الموجة ~~الجارفة حاليا من الاهتمام العام إلى ناتج ملموس، لكن إذا كان بإمكانهما ذلك، وإذا كان من ~~الممكن إظهار إمكانية نجاح الحملات الشعبية على الإنترنت (وهما شرطان مهمان للغاية)، فقد ~~تعيد مؤسسات، مثل موقع ميت أب، تشكيل الواقع السياسي الأمريكي جوهريا؛ ذلك من خلال تقديم ~~بديل لحملات الدعاية ذات رأس المال المكثف، ومن ثم تقليل تأثير المال على السياسة. وإن ~~فشلا، فإن نجاحهما غير المتوقع حتى الآن يشي بأن الفكرة تستحق على الأقل أخذها على محمل ~~الجد. # بدأت شركات أخرى قائمة على الشبكات الاجتماعية في العمل بنجاح في عام 2003 أيضا، غالبا ~~بالاعتماد على تحليل سجلات خوادم البريد الإلكتروني الخاصة بالشركات بغرض الوصول إلى معارف ~~أفضل للمبيعات، وتتمثل النظرية هنا في أنه إذا كان شخص ما في شركتك يعرف شخصا آخر في شركة ~~قد يمكنك التعامل معها، فقد تعينك توصيته لك على التواصل للمرة الأولى مع هذه الشركة، لكن ~~التأثير الحديث للشبكات الاجتماعية على مجريات الأحداث الحالية كان أوسع نطاقا من شعبية ~~هذه الشبكات في عالم الأعمال. مثال على تأثير الشبكات، وهو لا يتسم بقدر كبير من الوضوح، هو ~~النجاح الاستثنائي لمذكرات هيلاري كلينتون، وهو النجاح الذي تحقق مع أنها نشرت فيما ~~اعتبر بوجه عام عاما سيئا للكتب، وعدم كتابة الكثير من المراجعات النقدية الجيدة ~~عنها، وافتقارها لأي معلومات جديدة، لكن من الواضح أنه ما من هذه الأمور كان ذا أهمية؛ إذ ~~أقبل الناس على شراء الكتاب، مثلما حدث مع كتاب هاري بوتر (الذي صدر الجزء الخامس منه هذا ~~العام أيضا)، فجنت هيلاري من حقوق التأليف ما يزيد عن الثمانية ملايين دولار التي كانت قد ~~حصلت عليها مقدما من الناشر. يرجع السبب في ذلك إلى أن الناس يميلون لقراءة الكتب نفسها ~~التي قرأها ms295 أصدقاؤهم؛ لأنها تمنحهم شيئا يتحدثون عنه، ولأنهم يفترضون أنه إذا كانت هذه ~~الكتب قد نالت إعجاب أصدقائهم، فمن المحتمل أن تنال إعجابهم أيضا، وسواء أكانوا على حق أم ~~لا، فالنتيجة هي أن نجاح كتاب ما (أو فيلم أو شخصية شهيرة ... إلخ) يعتمد على من ابتاعه ~~بالفعل أكثر من اعتماده على سمات الكتاب وعيوبه في حد ذاتها. بعبارة أخرى، إنها ~~الشبكة! # ماذا حدث في علم الشبكات إذن؟ الكثير في الواقع، ويتسم إيقاع هذه الأحداث بأنه متسارع ~~بشكل دائم؛ فبحلول منتصف عام 2003؛ أي بعد خمس سنوات بالكاد من اشتراكي أنا وستيف ستروجاتس ~~في نشر أول بحث لنا عن شبكات العالم الصغير في مجلة نيتشر، نشر مئات الأبحاث، فاق عددها ~~المائة في العام المنصرم وحده، ونحو خمسين بحثا في الشهرين الماضيين. إنه معدل مذهل للنشر ~~في مجال لا يزال يتلمس طريقه إلى الأضواء - إذ يقارب المعدل بحثا واحدا في اليوم حاليا ~~- وتشير أفرع المعرفة التي تتضمنها الأبحاث (الفيزياء والرياضيات والأحياء وعلوم الكمبيوتر ~~وعلم الاجتماع والاقتصاد) إلى أن ما كنا نطلق عليه اسم علم الشبكات ليس مجرد صيحة جديدة ~~عابرة فحسب. # فضلا عن أن عام 2003 كان زاخرا بالأحداث أيضا للشخصيات الواردة بهذا الكتاب. نشرت ~~أخيرا نتائج المشروع القائم على رسائل البريد الإلكتروني والهادف لاختبار فرضية ميلجرام ~~المتعلقة بالعالم الصغير، الذي تناولناه باختصار في الفصل # الخامس ~~، ولا تزال تجرى صورة حديثة من هذه التجربة حاليا ~~( # http://smallworld.columbia.edu ~~) ~~. ~~ونشرت أنا وتشاك سابيل وبيتر دودز أخيرا أول بحث لنا عن القوة المؤسسية، والمنبثق عن ~~المشروع الذي تناولناه في الفصل # التاسع ~~. نشر أيضا مارك نيومان، ~~الذي ظهر عمله في العديد من فصول هذا الكتاب، بحثا نقديا بارزا يلخص الكثير من النتائج ~~الفنية التي نشرت على مدار السنوات العديدة الماضية، وقدم جون كلاينبرج (الذي تعرفنا عليه ~~في الفصل # الخامس ~~، في سياق الحديث عن مشكلة البحث في العالم ~~الصغير)، مع معاونيه: ديفيد كيمبي وإيفا تاردوس، بحثا ثوريا عن نشر سلاسل المعلومات، وهو ~~الموضوع الذي نوقش في الفصلين # السابع # و # الثامن ms296 ~~. هذه الأبحاث مذكورة في قسم «قراءات إضافية»، وجميعها تواصل توجيه علم ~~الشبكات نحو اتجاهات جديدة ومثيرة. # علاوة على ذلك، يستكشف العديد من الاتجاهات الأخرى أيضا على أيدينا وأيدي عشرات ~~الباحثين الآخرين في العالم، لكن ليس مقصودا بهذا الفصل تلخيص أحدث الأبحاث أو حتى تحديث ~~محتويات هذا الكتاب، بل الغرض منه ببساطة هو التأكيد على أن مرور الوقت - وإن لم يكن سوى ~~عام واحد - جعل علم الشبكات أكثر ارتباطا بشئون العالم، لا أقل، وأن الأفكار التي يحتوي ~~عليها هذا الكتاب مهمة لدرجة تستدعي التشبث بها وفهمها في النهاية. # | قراءات إضافية # The following pages are designed as a guide for readers who want to ~~expand their understanding of the science of networks, start doing their own ~~research, or simply learn some more details about the topics mentioned in the book. ~~As such, the readings are coded by difficulty, according to the simple rating scale ~~given below. Also, the readings are broken down by chapter and section, thus ~~enabling a quick association between specific topics and the relevant material. A ~~complete, alphabetized bibliography follows. As long as the reading list is, it is ~~far from comprehensive. In fact, most subjects have been covered rather sparsely, if ~~at all, and I apologize to any authors that I have erroneously excluded. Such ~~obvious omissions notwithstanding, it remains the case that by starting here, the ~~uninitiated reader can quickly find much of the major literature associated with the ~~new science of networks. And a lot more besides. # درجات الصعوبة ~~⋆ # Beginner ~~(no ~~more difficult than this book). ~~⋆⋆ # Intermediate ~~(some effort and mathematical ~~background required). ~~• # Advanced ~~(requires undergraduate-level mathematics ~~training). ~~•• # Expert ~~(impenetrable without graduate-level mathematics ~~training). # الفصل الأول: عصرنا المتشابك # The proximate causes and immediate effects of the cascading ~~failure that occurred in the Western Systems Coordinating Council ~~transmission grid on August 10, 1996, are described in: ~~⋆ WSCC Operations Committee. ms297 # Western Systems Coordinating Council Disturbance Report, August 10, ~~1996 ~~(October ~~18, 1996). Available on-line at ~~http://www.wscc.com/outages.htm. # A review of major recent power disturbances in the United ~~States that sheds some additional light on the August 10 cascade ~~is: ~~⋆ Hauer, J. F., and Dagel, J. E. # White Paper on Review of Recent Reliability Issues and ~~System Events. # Consortium for Electric Reliability ~~Technology Solutions. U.S. Department of Energy (1999). Available ~~on-line at # http://www.eren.doe.gov/der/transmission/pdfs/reliabilityevents.pdf ~~. # Some theoretical papers dealing with the problem of cascading ~~failures in power transmission networks are: ~~⋆⋆ Kosterev, D. N., Taylor, C. W., and ~~Mittelstadt, W. A. Model validation for the August 10, 1996 WSCC system ~~outage. # IEEE Transactions on Power ~~Systems, # 14(3), 967-979 (1999). ~~• Sachtjen, M. L., Carreras, B. A., and Lynch, V. E. ~~Disturbances in a power transmission system. Physical Review E, # 61(5), 4877-4882 ~~(2000). ~~•• Asavathiratham, C. The influence model: A ~~tractable representation for the dynamics of networked Markov chains ~~(Ph.D. dissertation, Department of Electrical Engineering and Computer ~~Science, MIT, 2000). ~~(1) النشوء # Although the author doesn’t call it emergence, one of the ~~earliest works to really grapple with the issue of emergent behavior ~~in complex (social) systems is: ~~⋆ Schelling, T. C. # Micromotives and Macrobehavior ~~(Norton, New York, ~~1978). # The classic paper by Phillip Anderson that outlines the ~~fundamental concept of emergence is: ~~⋆⋆ Anderson, P. W. More is different. # Science, # 177, 393-396 ~~(1972). # Some very readable introductions to the subject of ~~complex, adaptive systems in general, and emergence in particular, ~~are: ~~⋆ Gell-Mann, M. # The Quark ~~and the Jaguar: Adventures in the Simple and the ~~Complex ~~(W. H. Freeman, New York, ~~1994). ~~⋆ Holland, J. H. # Hidden ~~Order: How Adaptation Builds Complexity ~~(Perseus, ~~Cambridge, MA, 1996). ~~⋆ Waldrop, M. M. # Complexity: The Emerging Science at the Edge of Order and ~~Chaos ~~(Touchstone, New York, 1992). # A more technical read is: ~~• Casti, J. L. # Reality ~~Rules I & II: Picturing the World in Mathematics: The ~~Fundamentals, the Frontier ~~(Wiley-Interscience, ms298 New ~~York, 1997). ~~(2) الشبكات # A good introduction to the mathematical theory of graphs ~~(and one that explains Euler’s theorem in detail) ~~is: ~~⋆⋆ West, D. B. # Introduction to Graph Theory ~~(Prentice-Hall, Upper ~~Saddle River, NJ, 1996). # A more applied approach to the subject, focusing more on ~~algorithms and applications than on theorems, is presented in the ~~following general texts: ~~⋆⋆ Lynch, N. A. # Distributed Algorithms ~~(Morgan Kauffman, San ~~Francisco, 1997). ~~⋆⋆ Ahuja, R. K., Magnanti, T. L., and ~~Orlin, J. B. # Network Flows: Theory, ~~Algorithms, and Applications ~~(Prentice-Hall, ~~Englewood Cliffs, NJ, 1993). ~~•• Nagurney, A. # Network Economics: A Variational ~~Inequality Approach ~~(Kluwer Academic, Boston, 1993). ~~(3) المزامنة # The best way to learn about the subject of coupled ~~oscillators is from Steve Strogatz himself in his recent ~~book: ~~⋆ Strogatz, S. H. # Sync: ~~The Emerging Science of Spontaneous Order ~~(Hyperion, ~~Los Angeles, 2003). # Strogatz has also written two shorter accounts of his ~~(and related) work on the Kuramoto model: ~~• Strogatz, S. H. Norbert Wiener’s brain waves. In ~~Levin, S. A. (ed.), # Frontiers in ~~Mathematical Biology, Lecture Notes in Biomathematics, ~~100 ~~(Springer, New York, 1994), pp. ~~122-138. ~~⋆ Strogatz, S. H., and Stewart, I. Coupled ~~oscillators and biological synchronization. # Scientific American, # 269(6), 102-109 ~~(1993). ~~(4) الطريق الأقل ارتيادا # Winfree’s original paper on the entrainment of coupled ~~oscillators that kicked off much of the recent literature, and that ~~was my initial reference point, is: ~~• Winfree, A. T. Biological rhythms and the ~~behavior of populations of coupled oscillators. # Journal of Theoretical Biology, # 16, ~~15-42 (1967). # For those who want to learn more from the master, a ~~fascinating (albeit a somewhat challenging) read is: ~~• Winfree, A. T. # The ~~Geometry of Biological Time ~~(Springer, Berlin, ~~1990). ~~(5) مسألة العالم الصغير # The famous Psychology ~~Today # paper that everyone cites when they talk about ~~Milgram’s work is: ~~⋆ Milgram, S. The small world problem. Psychology Today, # 2, 60-67 ~~(1967). # A better reference, however, is a paper that Milgram ~~published two years ms299 later with his graduate student, Jeffrey ~~Travers. It contains considerably more detail than the Psychology Today # article, and although ~~it isn’t quite as fun, it is actually much clearer. ~~⋆ Travers, J., and Milgram, S. An experimental ~~study of the small world problem. # Sociometry, # 32(4), 425-443 (1969). # The very first study of the small-world problem was by ~~Manfred Kochen and Ithiel de Sola Pool, who circulated their results ~~as a working paper almost ten years before Milgram conducted his ~~experiment. In fact, it was this paper that stimulated Milgram’s ~~work in the first place. It was finally published, almost twenty ~~years after its inception, as the first paper in the first volume of ~~the journal # Social ~~Networks ~~. ~~⋆⋆ Pool, I. de Sola, and Kochen, M. ~~Contacts and influence. # Social ~~Networks, # 1(1), 1-51 (1978). # A number of subsequent papers, both theoretical and ~~empirical, as well as the original paper ~~by Kochen and Pool, are ~~available in a collected volume, edited by Manfred ~~Kochen. ~~⋆⋆ Kochen, M. (ed.). # The Small World ~~(Ablex, Norwood, NJ, ~~1989). # The play by John Guare that was later made into a movie, ~~and launched the phrase “six degrees of separation” into the ~~pop-culture stratosphere, is: ~~⋆ Guare, J. # Six Degrees of ~~Separation: # A Play (Vintage Books, New York, ~~1990). # الفصل الثاني: أصول علم «جديد» ~~(1) نظرية الرسوم البيانية العشوائية # Random-graph theory is not for the faint of heart. As a ~~result, there are not really any readings one might call ~~“accessible.” Nevertheless, here are some important ones. The ~~original results of Erdős and Rényi dealing with the evolution and ~~connectedness of random graphs are contained in the following series ~~of classic papers (none of which are easy to find in your average ~~library): ~~•• Erdős, P., and Rényi, A. On random ~~graphs. Publicationes ~~Mathematicae, # 6, 290-297 (1959). ~~•• Erdős, P., and Rényi, A. On the ~~evolution of random graphs. Publications ms300 of ~~the Mathematical Institute of the Hungarian Academy of ~~Sciences, # 5, 17-61 (1960). ~~•• Erdős, P., and Rényi, A. On the strength ~~and connectedness of a random graph. # Acta ~~Mathematica Scientia Hungary, # 12, 261-267 ~~(1961). # The standard textbook for the field of random graphs, and ~~one that summarizes the most significant developments since Erdős ~~and Rényi, is: ~~•• # Bollobas, B. ~~Random Graphs, # 2d ed. (Academic, New York, ~~2001). # A slightly more readable (although not as comprehensive) ~~treatment of the subject is: ~~• Alon, N., and Spencer, J. H. # The Probabilistic Method ~~(Wiley-Interscience, New York, 1992). ~~(2) الشبكات الاجتماعية # The standard textbook for social network analysis ~~is: ~~⋆⋆ Wasserman, S., and Faust, K. # Social Network Analysis: Methods and ~~Applications ~~(Cambridge University Press, Cambridge, ~~1994). # Two shorter, less comprehensive, but more readable ~~alternatives are: ~~⋆⋆ Degenne, A., and Forse, M. # Introducing Social Networks ~~(Sage, ~~London, 1999). ~~⋆⋆ Scott, A. # Social Network ~~Analysis, # 2d ed. (Sage, London, ~~2000). # Finally, a very short collection of classic papers-the ~~ones that introduced some of the central concepts in the ~~field-includes: ~~⋆⋆ Boorman, S. A., and White, H. C. Social ~~structure from multiple networks. II. Role structures. # American Journal of Sociology, # 81(6), ~~1384-1446 (1976). ~~⋆⋆ Burt, R. S. # Structural Holes: The Social Structure of ~~Competition ~~(Harvard University Press, Cambridge, MA, ~~1992). ~~⋆⋆ Davis, J. A. Structural balance, ~~mechanical solidarity, and interpersonal relations. # American Journal of Sociology, # 68(4), ~~444-462 (1963). ~~⋆⋆ Freeman, L. C. A set of measures of ~~centrality based on betweenness. # Sociometry, # 40, 35-41 (1977). ~~⋆⋆ Granovetter, M. S. The strength of weak ~~ties. # American Journal of ~~Sociology, # 78, 1360-1380 (1973). ~~⋆⋆ Harary, F. Graph theoretic measures in ~~the management sciences. # Management ~~Science, # 5, 387-403 (1959). ~~•• Holland, P. W., and Leinhardt, S. An ~~exponential family of probability distributions for directed graphs. # Journal of the American Statistical ~~Association, # 76, 33-65 (1981). ~~⋆⋆ Lorrain, F., and White, H. C. Structural ~~equivalence of individuals in social networks. # Journal of Mathematical Sociology, # 1, ~~49-80 (1971). ~~•• Pattison, P. # Algebraic Models for Social Networks ~~(Cambridge ~~University Press, Cambridge, ms301 1993). ~~⋆⋆ White, H. C., Boorman, S. A., and ~~Breiger, R. L. Social structure from multiple networks. I. ~~Blockmodels of roles and positions. # American ~~Journal of Sociology, # 81(4), 730-780 ~~(1976). ~~(3) للديناميكيات أهمية # Because the subject of networks and dynamics is such a ~~new one, there is really no text on the subject. One starting place ~~is the following edited volume-a collection of roughly forty papers ~~with introductions written by the editors: ~~•• Newman, M. E. J., Barabási, A. L., and ~~Watts, D. J. # The Structure and Dynamics of ~~Networks ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, ~~2003). # A great introduction to the field of nonlinear dynamics ~~is: ~~⋆⋆ Strogatz, S. H. # Nonlinear Dynamics and Chaos with Applications to Physics, ~~Biology, Chemistry, and Engineering ~~(Addison-Wesley, ~~Reading, MA, 1994). # And a discussion of its relevance to networks ~~is: ~~⋆⋆ Strogatz, S. H. Exploring complex ~~networks. # Nature, # 410, 268-275 ~~(2001). # A paper that points out the limitations of centrality as ~~a surrogate for social influence is: ~~⋆⋆ Mizruchi, M. S., and Potts, B. B. ~~Centrality and power revisited: Actor success in group decision ~~making. # Social Networks, # 20, ~~353-387 (1998). # The story quoting Jon Kleinberg on the connection to Bill ~~Gates is: ~~⋆ Wildavsky, B. Small world, isn’t it? # U.S. News and World Report, April # 1, ~~2002, p. 68. # And the article that suggested OTPOR as a good example of ~~decentralized action is: ~~⋆ Cohen, R. Who really brought down Milosevic? # New York Times Magazine, # November 26, 2000, p. 43. ~~(4) الابتعاد عن العشوائية # Over a period of more than a decade, Anatol Rapoport ~~produced a series of papers that laid out the theory of ~~random-biased nets. The central ideas, however, are contained in the ~~following pair of papers: ~~• Solomonoff, R., and Rapoport, A. Connectivity of ~~random nets. # Bulletin of Mathematical ~~Biophysics, # 13, 107-117 (1951). ~~• Rapoport, A. A contribution to the theory of ~~random and biased nets. # Bulletin of ~~Mathematical Biophysics, # 19, 257-271 ~~(1957). # A summary of the random-biased network approach is ms302 given ~~in: ~~• Rapoport, A. Mathematical models of social ~~interaction. In Luce, R. D., Bush, R. R., and Galanter, E. (eds.), # Handbook of Mathematical Psychology, # vol. 2 (Wiley, New York, 1963), pp. ~~493-579. # Rapoport’s own account of his life, and his life’s work, ~~is: ~~⋆ Rapoport, A. # Certainties ~~and Doubts: A Philosophy of Life ~~(Black Rose Press, ~~Montreal, 2000). ~~(5) دور الفيزيائيين # The classic text on the theory of critical phenomena ~~is: ~~• Stanley, H. E. # Introduction to Phase Transitions and Critical Phenomena ~~(Oxford University Press, Oxford, ~~1971). # A more contemporary version is: ~~• Sornette, D. # Critical Phenomena in Natural Sciences ~~(Springer, Berlin, ~~2000). # A detailed discussion of spin systems and phase ~~transitions is given in: ~~• Palmer, R. Broken ergodicity. In Stein, D. L. ~~(ed.), # Lectures in the Sciences of ~~Complexity, # vol. I, Santa Fe Institute Studies in the ~~Sciences of Complexity (Addison-Wesley, Reading, MA, 1989), pp. ~~275-300. ~~• Stein, D. L. Disordered systems: Mostly spin ~~systems. In Stein, D. L. (ed.), # Lectures in ~~the Sciences of Complexity, # vol. I, Santa Fe ~~Institute Studies in the Sciences of Complexity (Addison-Wesley, ~~Reading, MA, 1989), pp. 301-354. # If one actually wants to do work in this field, a useful ~~text is: ~~• Newman, M. E. J., and Barkema, G. T. # Monte Carlo Methods for Statistical Physics ~~(Clarendon Press, Oxford, ~~1999). # And finally, a very accessible text that uses simple ~~computer models to explain many of the central concepts of nonlinear ~~dynamics and critical phenomena is: ~~⋆⋆ Flake, G. W. # The ~~Computational Beauty of Nature: ~~Computer Explorations of ~~Fractals, Chaos, Complex Systems, and Adaptation ~~(MIT Press, Cambridge, MA, 1998). # الفصل الثالث: عوالم صغيرة # The original account of my work with Steve Strogatz was my Ph.D. dissertation, later published as: ~~⋆⋆ Watts, D. J. # Small ~~Worlds: The Dynamics of Networks between Order and ~~Randomness ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, ~~1999). ~~(1) مساعدة بسيطة من الأصدقاء # A discussion of # agency, # as the term is ms303 understood by sociologists, ~~is: ~~⋆ Emirbayer, M., and Mische, A. What is agency? # American Journal of ~~Sociology, # 103(4), 962-1023 (1998). # The computer algorithms used to do the relevant ~~calculations are quite standard and can be learned from any good ~~text on algorithms. Two good examples are: ~~⋆⋆ Aho, A. V., Hopcroft, J. E., and Ullman, ~~J. D. # Data Structures and ~~Algorithms ~~(Addison-Wesley, Reading, MA, ~~1983). ~~⋆⋆ Ahuja, R. K., Magnanti, T. L., and ~~Orlin, J. B. # Network Flows: Theory, ~~Algorithms, and Applications ~~(Prentice-Hall, ~~Englewood Cliffs, NJ, 1993). ~~(2) من سكان الكهوف إلى أهالي سولاريا # The two books from Asimov’s # Robot # series that inspired my discussion with Steve ~~are: ~~⋆ Asimov, I. # The Caves of ~~Steel ~~(Doubleday, Garden City, NY, ~~1954). ~~⋆ Asimov, I. # The Naked ~~Sun ~~(Doubleday, Garden City, NY, ~~1957). ~~(3) عوالم صغيرة # The derivation of the alpha model, and the consequent ~~identification of small-world networks, are presented ~~in: ~~⋆⋆ Watts, D. J. Networks, dynamics and the ~~small-world phenomenon. # American Journal of ~~Sociology, # 105(2), 493-527 (1999). # A simpler, but similar, version of the model was later ~~studied by: ~~• Jin, E. M., Girvan, M., and Newman, M. E. J. The ~~structure of growing networks. Physical ~~Review E, # 64, 046132 (2001). ~~(4) بسيط قدر المستطاع # The beta model and the empirical results about ~~small-world networks were first published in: ~~⋆⋆ Watts, D. J., and Strogatz, S. H. ~~Collective dynamics of 'small-world’ networks. # Nature, # 393, 440-442 ~~(1998). # Subsequent work on the beta model, and even simpler ~~related models, includes: ~~• Barthelemy, M., and Amaral, L. A. N. Small-world ~~networks: Evidence for a crossover picture. Physical Review Letters, # 82, 3180-3183 ~~(1999). ~~•• Monasson, R. Diffusion, localization and ~~dispersion relations on 'small-world’ lattices. # European Physical Journal B, # 12(4), ~~555-567 (1999). ~~• Newman, M. E. J., and Watts, D. J. Scaling and ~~percolation in the small-world network model. Physical Review E, 60, # 7332-7342 ~~(1999). ~~• Newman, M. E. J., and Watts, D. J. ~~Renormalization group analysis of the small-world network model. Physics Letters A, ms304 # 263, ~~341-346 (1999). ~~• Newman, M. E. J., Moore, C., and Watts, D. J. ~~Mean-field solution of the small-world network model. Physical Review Letters, # 84, 3201-3204 ~~(2000). # Much of this early work is reviewed in: ~~• Newman, M. E. J. Models of the small world. # Journal of Statistical Physics, # 101, 819-841 (2000). ~~(5) العالم الواقعي # In addition to exploring the theoretical properties of ~~small-world networks, researchers have identified a wide variety of ~~empirical cases. Some examples are: ~~⋆⋆ Adamic, L. A. The small world web. # In Lecture Notes in Computer ~~Science, # 1696, Proceedings of ~~the European Conference in Digital Libraries (ECDL) ’99 ~~Conference ~~(Springer, Berlin, 1999), pp. ~~443-454. ~~⋆ Davis, G. F., Yoo, M., and Baker, W. E. The ~~small world of corporate elite (working paper, University of ~~Michigan Business School, 2002). ~~⋆⋆ Ferrer i Cancho, R., Janssen, C., and ~~Solé, R. V. Topology of technology graphs: Small world patterns in ~~electronic circuits. Physical Review ~~E, # 64, 046119 (2001). ~~⋆ Kogut, B., and Walker, G. The small world of ~~Germany and the durability of national networks. # American Sociological Review, # 66(3), ~~317-335 (2001). ~~⋆⋆ Sporns, O., Tononi, G., and Edelman, G. ~~M. Theoretical neuroanatomy: Relating anatomical and functional ~~connectivity in graphs and cortical connection matrices. # Cerebral Cortex, # 10, 127-141 ~~(2000). ~~⋆⋆ Wagner, A., and Fell, D. The small world ~~inside large metabolic networks. Proceedings ~~of the Royal Society of London, Series B, # 268, ~~1803-1810 (2001). # الفصل الرابع: ما وراء العالم الصغير ~~(1) الشبكات عديمة المعيار # A highly accessible account of the science of networks ~~that focuses on the development and importance of scale-free ~~networks is: ~~⋆ Barabási, A. L. # Linked: ~~The New Science of Networks ~~(Perseus Press, ~~Cambridge, MA, 2002). # Some more mathematical treatments of random networks with ~~non-Poisson degree distributions (including power-law distributions) ~~can be found in: ~~•• Aiello, W., Chung, F., and Lu, L. A ~~random graph model for massive graphs. In Proceedings of the 32nd Annual ACM Symposium on the Theory of ~~Computing ~~(Association for Computing Machinery, ms305 New ~~York, 2000), pp. 171-180. ~~•• Molloy, M., and Reed, B. A critical ~~point for random graphs with a given degree sequence. # Random Structures and Algorithms, # 6, ~~161-179 (1995). ~~•• Molloy, M., and Reed, B. The size of the ~~giant component of a random graph with a given degree sequence. # Combinatorics, Probability, and ~~Computing, # 7, 295-305 (1998). ~~•• Newman, M. E. J., Strogatz, S. H., and ~~Watts, D. J. Random graphs with arbitrary degree distributions and ~~their applications. Physical Review ~~E, # 64, 026118 (2001). ~~(2) الأثرياء يزدادون ثراء # The paper by László Barabási and Réka Albert that ~~introduced the idea of scale-free networks, and proposed a ~~preferential attachment model of network growth to account for them, ~~is: ~~⋆⋆ Barabási, A., and Albert, R. Emergence ~~of scaling in random networks. # Science, # 286, 509-512 (1999). # Since Barabási and Albert’s original paper, a great many ~~papers have been written on the subject of scale-free networks. Many ~~of the references and relevant results are summarized ~~in: ~~• Albert, R., and Barabási, A. L. Statistical ~~mechanics of complex networks. # Review of ~~Modern Physics, # 74, 47-97 (2002). # Oddly enough, the original discovery of scale-free ~~networks predates László Barabási and Réka Albert’s paper by over ~~thirty years. The empirical observation that networks can have a ~~power-law degree distribution was first presented by Derek de Solla Price in: ~~⋆⋆ Price, D. J. de Solla. Networks of ~~scientific papers. # Science, # 149, ~~510-515 (1965). # Eleven years later, Price proposed a mathematical model ~~that was, in essence, identical to that of Barabási and Albert’s. ~~Given how popular the notion of scale-free networks has become, one ~~might wonder why no one picked up on it at the time. Perhaps the ~~title (and the journal) had something to do with it. ~~⋆⋆ Price, D. J. de Solla. A general theory ~~of bibliometrics and other cumulative advantage processes. # Journal of the American Society of Information ~~Science, # 27, 292-306 (1976). # Continuing on an historical note, Zipf’s law was ms306 first ~~proposed in: ~~⋆⋆ Zipf, G. K. # Human Behavior and the Principle of Least Effort ~~(Addison-Wesley, Cambridge, MA, 1949). # And Herbert Simon first presented the idea of ~~preferential, random growth as an explanation of power-law size ~~distributions like Zipf’s law in: ~~• Simon, H. A. On a class of skew distribution ~~functions. # Biometrika, # 42, ~~425-440 (1955). # The article was reprinted two decades later, along with a ~~significant amount of subsequent and related work, ~~in: ~~• Ijiri, Y., and Simon, H. A. # Skew Distributions and the Sizes of Business ~~Firms ~~(Elsevier/North-Holland, New York, ~~1977). # Finally, the notion of the Matthew effect in the context ~~of scientific prestige was introduced by Robert K. Merton ~~in: ~~⋆ Merton, R. K. The Matthew effect in science. # Science, # 159, 56-63 ~~(1968). ~~(3) تحقيق الثراء يمكن أن يكون عسيرا # Empirical evidence (mostly) for and (occasionally) ~~against the prevalence of scale-free networks has appeared in a ~~number of places. Some of the more interesting papers are as ~~follows: ~~⋆⋆ Amaral, L. A. N., Scala, A., Barthelemy, ~~M., and Stanley, H. E. Classes of behavior of small-world networks. Proceedings of the National Academy of ~~Sciences, # 97, 11149-11152 (2000). ~~⋆⋆ Adamic, L. A., and Huberman, B. A. Power-law distribution of the World Wide Web. # Science, # 287, 2115a ~~(2000). ~~⋆⋆ Barabási, A. L., Albert, R., Jeong, H., ~~and Bianconi, G. Power-law distribution of the World Wide Web, # Science, # 287, 2115b ~~(2000). ~~⋆⋆ Faloutsos, M., Faloutsos, P., and ~~Faloutsos, C. On power-law relationships of the Internet topology. # Computer Communication ~~Review, # 29, 251-262 (1999). ~~⋆⋆ Liljeros, F., Edling, C. R., Amaral, L. ~~A. N., Stanley, H. E., and Aberg, Y. The web of human sexual ~~contacts. # Nature, # 411, 907-908 ~~(2001). ~~• Rapoport, A. Mathematical models of social ~~interaction. In Luce, R. D., Bush, R. R., and Galanter, E. (eds.), # Handbook of Mathematical Psychology, # Vol. 2 (Wiley, New York, 1963), pp. ~~493-579. ~~⋆⋆ Redner, S. How popular is your paper? An ~~empirical study of the citation distribution. # Europhysics Journal B, # 4, 131-134 ~~(1998). ~~(4) إعادة ms307 تقديم بنية المجموعات # The paper Harrison presented that triggered our work on ~~affiliation networks is: ~~⋆ White, H. C. What is the center of the small ~~world? (paper presented at American Association for the Advancement ~~of Science annual symposium, Washington, D.C., February 17-22, ~~2000). # And two classic references dealing with the importance of ~~groups to the structure of social networks are: ~~⋆⋆ Nadel, F. S. # Theory of Social Structure ~~(Free Press, Glencoe, IL, ~~1957). ~~⋆⋆ Breiger, R. L. The duality of persons ~~and groups. # Social Forces, # 53, ~~181-190 (1974). ~~(5) شبكات الارتباط # A good basic reference for affiliation networks ~~is: ~~⋆⋆ Wasserman, S., and Faust, K. # Social Network Analysis: Methods and ~~Applications ~~(Cambridge University Press, Cambridge, ~~1994). ~~(6) المديرون والعلماء # Jerry Davis’s work on interlocking boards of corporate ~~directors is presented in: ~~⋆ Davis, G. F. The significance of board ~~interlocks for corporate governance. # Corporate Governance, # 4(3), 154-159 ~~(1996). ~~⋆ Davis, G. F., and Greve, H. R. Corporate elite ~~networks and governance changes in the 1980s. # American Journal of Sociology, # 103(1), ~~1-37 (1997). # And Mark Newman’s data on collaboration networks of ~~scientists is: ~~⋆⋆ Newman, M. E. J. The structure of ~~scientific collaboration networks. Proceedings of the National Academy of Sciences, # 98, ~~404-409 (2001). # Or in (slightly exhausting) detail: ~~⋆⋆ Newman, M. E. J. Scientific ~~collaboration networks: I. Network construction and fundamental ~~results. Physical Review E, 64, # 016131 (2001). ~~⋆⋆ Newman, M. E. J. Scientific ~~collaboration networks: II. Shortest paths, weighted networks, and ~~centrality. Physical Review E, ~~64, # 016132 (2001). ~~(7) تعقيدات # The mathematical machinery used to analyze the ~~affiliation networks is described in: ~~•• Newman, M. E. J., Strogatz, S. H., and ~~Watts, D. J. Random graphs with arbitrary degree distributions and ~~their applications. Physical Review ~~E, # 64, 026118 (2001). # And a slightly more readable version is: ~~• Newman, M. E. J., Watts, D. J., and Strogatz, S. ~~H. Random graph models of social networks. Proceedings of the National Academy of Sciences, # 99, ~~2566-2572 (2002). # الفصل الخامس: البحث في الشبكات ms308 # A compendium of Milgram’s research over his entire, ~~fascinating career is: ~~⋆ Milgram, S. # The Individual ~~in a Social World: Essays and Experiments, # 2d ed. ~~(McGraw-Hill, New York, 1992). # A detailed description of his obedience experiments is ~~in: ~~⋆ Milgram, S. # Obedience to ~~Authority: An Experimental View ~~(Harper & Row, New ~~York, 1974). ~~(1) ما الذي أوضحه ميلجرام حقا؟ # Judith Kleinfeld’s paper that exams the history and ~~empirical validity of the small-world problem is: ~~⋆ Kleinfeld, J. S. The small world problem. # Society, # 39(2), 61-66 ~~(2002). # The most significant follow-up study to the original ~~experiment is one that Milgram conducted with another student, ~~Charles Korte, in which they attempted to ~~connect a white population ~~of senders in Los Angeles with white and African-American targets in ~~New York: ~~⋆ Korte, C., and Milgram, S. Acquaintance networks ~~between racial groups-application of the small world method. # Journal of Personality and Social Psychology, # 15(2), 101 (1970). ~~(2) هل الرقم ستة كبير أم صغير؟ # The problem of Erdős numbers has been studied ~~extensively by the ~~mathematician Jerry Grossman, who maintains a Web page on the ~~subject at # http://www.oakland.edu/~grossman/erdoshp.html ~~. An ~~early summary of his work is: ~~⋆⋆ Grossman, J. W., and Ion, P. D. F. On a ~~portion of the well-known collaboration graph. # Congressus Numerantium, # 108, 129-131 ~~(1995). # Some more recent work on Erdős numbers is ~~by: ~~⋆⋆ Batagelj, V., and Mrvar, A. Some ~~analyses of Erdős collaboration graph. # Social Networks, # 22(2), 173-186 ~~(2000). # Other evidence that small-world networks can make ~~problem-solving harder, rather than easier, is presented ~~in: ~~• Walsh, T. Search in a small world. In Proceedings of the 16th International Joint ~~Conference on Artificial Intelligence ~~(Morgan ~~Kaufmann, San Francisco 1999), pp. 1172-1177. ~~(3) مشكلة البحث في مسألة العالم الصغير # Jon Kleinberg’s groundbreaking paper, which pointed out ~~and then solved the small-world search problem, is available in two ~~versions, long and short, respectively: ~~• Kleinberg, J. The small-world phenomenon: An ~~algorithmic perspective. In ms309 Proceedings of ~~the 32nd Annual ACM Symposium on Theory of Computing ~~(Association of Computing Machinery, New York, 2000), pp. ~~163-170. ~~⋆⋆ Kleinberg, J. Navigation in a small ~~world. # Nature, # 406, 845 ~~(2000). # Kleinberg later used a similar approach to study the ~~spread of information in networks via what computer scientists call ~~a # gossip protocol: ~~• Kleinberg, J. Small-world phenomena and the ~~dynamics of information. In Dietterich, T. G., Becker, S., and ~~Ghahramani, Z. (eds.), # Advances in Neural ~~Information Processing Systems ~~(NIPS), 14 (MIT Press, ~~Cambridge, MA, 2002). ~~(4) رد علم الاجتماع # The paper that resulted from my collaboration with Mark ~~Newman and Peter Dodds, ~~incorporating notions of ~~social identity and social ~~distance into the small-world search problem, is: ~~⋆⋆ Watts, D. J., Dodds, P. S., and Newman, ~~M. E. J. Identity and search in social networks. # Science, # 296, 1302-1305 ~~(2002). # The findings of the so-called reverse small-world ~~experiment that corroborated some of our theoretical predictions ~~were published in: ~~⋆⋆ Killworth, P. D., and Bernard, H. R. The ~~reverse small world experiment. # Social ~~Networks, # 1, 159-192 (1978). ~~⋆ Bernard, H. R., Killworth, P. D., Evans, M. J., ~~McCarty, C., and Shelly, G. A. Studying relations cross-culturally. # Ethnology, # 27(2), 155-179 ~~(1988). ~~(5) البحث في شبكات الند للند # A discussion of the problems facing peer-to-peer networks ~~like Gnutella is: ~~⋆⋆ Ritter, J. P. Why Gnutella can’t scale. ~~No really (working paper, available on-line at # http://www.darkridge.com/~jpr5/doc/gnutella.html ~~, ~~2000). # Two search algorithms that take advantage of Gnutella’s ~~apparent scale-free character are presented in: ~~• Adamic, L. A., Lukose, R. M., Puniyani, A. R., ~~and Huberman, B. A. Search in power-law networks. Physical Review E, # 64, 046135 ~~(2001). ~~• Kim, B. J., Yoon, C. N., Han, S. K., and Jeong, ~~H. Path finding strategies in scale-free networks. Physical Review E, # 65, 027103 ~~(2002). # And a discussion of the problems associated with creating ~~easily searchable distributed databases in the context ~~of a multinational ~~consulting firm is: ~~⋆ Mannville, B. Complex adaptive knowledge ms310 ~~management: A case study from McKinsey and Company. In Clippinger, ~~J. H. (ed.), # The Biology of Business: ~~Decoding the Natural Laws of the Enterprise ~~(Jossey-Bass, San Francisco, 1999), chapter 5. # Some other approaches that have been proposed ~~specifically for the purpose of finding information on the World ~~Wide Web are dealt with in the following: ~~⋆⋆ Brin, S., and Page, L. The anatomy of a ~~large-scale hypertextual web search engine. # Computer Networks, # 30, 107-117 ~~(1998). ~~• Gibson, D., Kleinberg, J., and Raghavan, P. ~~Inferring Web communities from link topology. In Proceedings of the 9th ACM Conference on Hypertext ~~and Hypermedia ~~(Association for Computing Machinery, ~~Networks 1998), pp. 225-234. ~~• Kleinberg, J. Authoritative sources in a ~~hyperlinked environment. # Journal of the ~~ACM, # 46, 604-632 (1999). ~~⋆⋆ Lawrence, S., and Giles, C. L. ~~Accessibility of information on the web. # Nature, # 400, 107-109 (1999). # الفصل السادس: الأوبئة والأعطال ~~(1) المنطقة الحارة # Richard Preston’s gripping account of the Ebola outbreak ~~in Reston, Virginia, along with a brief ~~history of Ebola, can be ~~found in his book: ~~⋆ Preston, R. # The Hot ~~Zone ~~(Random House, New York, 1994). # Additional Ebola facts were derived from: ~~⋆ Harden, B. Dr. Matthew’s passion. # New York Times Magazine, # February 18, ~~2001, pp. 24-62. ~~(2) فيروسات الإنترنت # The account of the e-mail sent by Claire Swire was taken ~~from a # New York Times # article: ~~⋆ Lyall, S. Return to sender, please. # New York Times, # December 24, 2000, # Week in Review, # p. ~~2. # A chronology of the Melissa virus can be found at # http://www.cert.org/ ~~advisories/CA-1999-04.html ~~. # Records of all registered computer viruses and their ~~histories, including time ~~of first detection, known number of computers infected, and first ~~release of antiviral ~~software, can be found at ~~the Virus ~~Bulletin: http://www.virusbtn.com/. ~~Virus alerts, along with other Internet-related security ~~information, are published and maintained by CERT, based in the ~~Software Engineering Institute at Carnegie Mellon University in Pittsburgh. Their Web site is # http://www.cert.org/ ~~. # A discussion of the relationship between ms311 epidemiology and ~~computer viruses in the age of the Internet is contained in the ~~following: ~~• Kephart, J. O., White, S. R., and Chess, D. M. ~~Computer viruses and epidemiology. # IEEE ~~Spectrum, # 30(5), 20-26 (1993). ~~⋆⋆ Kephart, J. O., Sorkin, G. B., Chess, D. ~~M., and White, S. R. Fighting computer viruses. # Scientific American, # 277(5), 56-61 ~~(1997). ~~(3) رياضيات الأوبئة # The classic papers of Kermack and McKendrick, on which ~~most of modern mathematical epidemiology is based, ~~are: ~~•• Kermack, W. O., and McKendrick, A. G. A ~~contribution to the mathematical theory of epidemics. Proceedings of the Royal Society of London, Series ~~A, # 115, 700-721 (1927). ~~•• Kermack, W. O., and McKendrick, A. G. ~~Contributions to the mathematical theory of epidemics. II. The ~~problem of endemicity. Proceedings of the ~~Royal Society of London, Series A, # 138, 55-83 ~~(1932). ~~•• Kermack, W. O., and McKendrick, A. G. ~~Contributions to the mathematical theory of epidemics. III. Further ~~studies of the problem of endemicity. Proceedings of the Royal Society of London, Series ~~A, # 141, 94-122 (1933). # The standard text of mathematical epidemiology, and one ~~that treats the SIR model in considerable detail, ~~is: ~~• Bailey, N. T. J. # The ~~Mathematical Theory of Infectious Diseases and Its ~~Applications ~~(Hafner Press, New York, ~~1975). # Other good references are: ~~• Bartholomew, D. J. # Stochastic Models for Social Processes ~~(Wiley, New ~~York, 1967). ~~• Anderson, R. M., and May, R. M. # Infectious Diseases of Humans ~~(Oxford ~~University Press, Oxford, 1991). ~~• Murray, J. D. # Mathematical Biology, # 2d ed. (Springer, Heidelberg, ~~1993). # A small but excellent collection of papers dealing with ~~the spread of infectious diseases on networks is: ~~•• Ball, F., Mollison, D., and ~~Scalia-Tomba, G. Epidemics with two levels of mixing. # Annals of Applied Probability, # 7(1), ~~46-89 (1997). ~~⋆⋆ Hess, G. Disease in metapopulation ~~models: Implications for conservation. # Ecology, # 77, 1617-1632 (1996). ~~⋆⋆ Kareiva, P. Population dynamics in ~~spatially complex environments: Theory and data. Philosophical Transactions of the Royal Society of ~~London, Series B, # 330, 175-190 ms312 ~~(1988). ~~• Kretschmar, M., and Morris, M. Measures of ~~concurrency in networks and the spread of infectious disease. # Mathematical Biosciences, # 133, 165-195 (1996). ~~⋆⋆ Longini, I. M., Jr. A mathematical model ~~for predicting the geographic spread of new infectious agents. # Mathematical Biosciences, # 90, ~~367-383 (1988). ~~• Sattenspiel, L., and Simon, C. P. The spread and ~~persistence of infectious diseases in structured populations. # Mathematical Biosciences, # 90, ~~341-366 (1988). ~~(4) الأوبئة في عالم صغير # The most complete account of the early work on disease ~~spreading on small-world networks is chapter 6 of: ~~⋆⋆ Watts, D. J. # Small Worlds: The Dynamics of Networks between Order and ~~Randomness ~~(Princeton University Press, Princeton, ~~NJ, 1999). # A number of subsequent results about epidemics on ~~networks have been published in the following ~~papers: ~~• Boots, M., and A. Sasaki. “Small worlds” and the ~~evolution of virulence: Infection occurs locally and at a distance. Proceedings of the Royal Society of ~~London, Series B, # 266, 1933-1938 ~~(1999). ~~• Keeling, M. J. The effects of local spatial ~~structure on epidemiological invasions. Proceedings of the Royal Society of London, Series ~~B, # 266, 859-867 (1999). ~~• Kuperman, M., and Abramson, G. Small world ~~effect in an epidemiological model. Physical ~~Review Letters, # 86, 2909-2912 (2001). # Some excellent works on the foot-and-mouth epidemic, and ~~a fine example of mathematical modeling contributing to policy ~~decisions, are: ~~⋆⋆ Ferguson, N. M., Donnelly, C. A., and ~~Anderson, R. M. The foot-and-mouth epidemic in Great Britain: Pattern of spread and impact of interventions. # Science, # 292, 1155-1160 ~~(2001). ~~⋆⋆ Ferguson, N. M., Donnelly, C. A., and ~~Anderson, R. M. Transmission intensity and impact of control ~~policies on the foot and mouth epidemic in Great Britain. # Nature, # 413, 542-548 ~~(2001). ~~⋆⋆ Keeling, M. J., Woolhouse, M. E. J., ~~Shaw, D. J., Matthews, L., Chase-Topping, M., Haydon, D. T., ~~Cornell, S. J., Kappey, J., Wilesmith, J., and Grenfell, B. T. ~~Dynamics of the 2001 UK foot and mouth epidemic: Stochastic ~~dispersal in a heterogeneous landscape. # Science, # 294, 813-817 (2001). # The discovery that ms313 diseases spreading in scale-free ~~networks don’t exhibit an epidemic threshold is reported ~~in: ~~• Pastor-Satorras, R., and Vespignani, A. Epidemic ~~spreading in scale-free networks. Physical ~~Review Letters, # 86, 3200-3203 (2001). Pastor-Satorras and Vespignani have continued to work on ~~disease spreading in scale-free networks. Their findings are ~~summarized in: ~~• Pastor-Satorras, R., and Vespignani, A. ~~Epidemics and immunization in scale-free networks. In Bornholdt, S., ~~and Schuster, H. G. (eds.), # Handbook of ~~Graphs and Networks: From the Genome to the Internet ~~(Wiley-VCH, Berlin, 2002). # Some empirical support for their assumption of a ~~scale-free e-mail network is reported in: ~~• Ebel, H., Mielsch, L. I., and Bornholdt, S. ~~Scale-free topology of e-mail networks. Physical Review E, # 66, 035103 ~~(2002). # The public health impact of needle exchange programs is ~~analyzed in a report for the # Journal of the American Medical ~~Association # by the ~~Center for AIDS Prevention Studies, University of California, San ~~Francisco, found at # http://www.ama-assn.org/special/hiv/preventn/prevent3.htm ~~. # An earlier report prepared for the Centers for Disease ~~Control and Prevention can be found at # http://www.caps.ucsf.edu/capsweb/publications/ ~~needlereport.html ~~. ~~(5) نماذج التخلل للأمراض # The best introduction to the subject of percolation is ~~the following (which even manages to be funny in places): ~~• Stauffer, D., and Aharony, A. # Introduction to Percolation Theory ~~(Taylor and Francis, London, 1992). # The details of my work with Mark Newman on a site ~~percolation approach to disease spreading on small-world network are ~~given in: ~~• Newman, M. E. J., and Watts, D. J. Scaling and ~~percolation in the small-world network model. Physical Review E, # 60, 7332-7342 ~~(1999). ~~(6) الشبكات والفيروسات ومايكروسوفت # Mark Newman and Cris Moore’s work on site and bond ~~percolation is described in the following: ~~• Moore, C., and Newman, M. E. J. Epidemics and ~~percolation in small-world networks. Physical Review E, # 61, 5678-5682 ~~(2000). ~~•• Moore, C., and Newman, M. E. J. Exact ~~solution of site and bond percolation on small-world networks. Physical Review E, # 62, ~~7059-7064 (2000). ~~(7) الأعطال والقوة # The original ms314 paper using percolation ideas to quantify ~~network robustness is: ~~⋆⋆ Albert, R., Jeong, H., and Barabási, A. ~~L. Attack and error tolerance of complex networks. # Nature, # 406, 378-382 ~~(2000). # Soon after, a series of papers examined the topic in ~~greater detail. They are: ~~• Callaway, D. S., Newman, M. E. J., Strogatz, S. ~~H., and Watts, D. J. Network robustness and fragility: Percolation ~~on random graphs. Physical Review ~~Letters, # 85, 5468-5471 (2000). ~~• Cohen, R., Erez, K., ben-Avraham, D., and ~~Havlin, S. Resilience of the Internet to random breakdowns. Physical Review Letters, # 85, ~~4626-4628 (2000). ~~• Cohen, R., Erez, K., ben-Avraham, D., and ~~Havlin, S. Breakdown of the Internet under intentional attack. Physical Review Letters, # 86, ~~3682-3685 (2001). # الفصل السابع: القرارات والأوهام وجنون الجماهير ~~(1) اقتصاديات التيوليب # Charles Mackay’s classic account of mania, financial and ~~otherwise, has been reprinted many times. A relatively recent ~~version is: ~~⋆ Mackay, C. # Extraordinary Popular Delusions and the Madness of Crowds ~~(Harmony ~~Books, New York, 1980). # Some other recent treatises on the same subject ~~are: ~~⋆ Kindleberger, C. P. # Manias, Panics, and Crashes: A History of Financial ~~Crises, # 4th ed. (Wiley, New York, ~~2000). ~~⋆ Shiller, R. J. Irrational Exuberance (Princeton ~~University Press, Princeton, NJ, 2000). ~~(2) الخوف والطمع والعقلانية # Adam Smith’s discussion of rationally optimizing agents, ~~including his reference to the invisible hand, is ~~in: ~~⋆ Smith, A. # The Wealth of ~~Nations, # Vol. 1, Book 4 (University of Chicago Press, ~~Chicago, 1976), chapter 2, p. 477. # The paradox of the efficient market hypothesis is ~~described in: ~~⋆ Chancellor, E. # Devil ~~Take the Hindmost: A History of Financial Speculation ~~(Farrar, Straus and Giroux, New York, 1999). # And some recent work on constructing a more realistic ~~vision of both investor and financial-market behavior, in which ~~dynamics is a crucial ingredient, is: ~~• Farmer, J. D. Market force, ecology, and ~~evolution. # Industrial and Corporate ~~Change, # forthcoming (2002). ~~• Farmer, J. D., and Joshi, S. The price dynamics ~~of common trading strategies. # Journal of ~~Economic Behavior and ms315 Organization, # 49(2), 149-171 ~~(2002). ~~⋆⋆ Farmer, J. D., and Lo, A. Frontiers of ~~finance: Evolution and efficient markets. Proceedings of the National Academy of Sciences, # 96, ~~9991-9992 (1999). ~~(3) القرارات الجمعية # The technical paper by Natalie Glance and Bernardo ~~Huberman, describing the diner’s dilemma and the conditions under ~~which it can be resolved, is: ~~• Glance, N. S., and Huberman, B. A. The outbreak ~~of cooperation. # Journal of Mathematical ~~Sociology, # 17(4), 281-302 (1993). # A more accessible description of the same results ~~is: ~~⋆ Glance, N. S., and Huberman, B. A. The dynamics ~~of social dilemmas. # Scientific ~~American, # 270(3), 76-81 (1994). # The literature on the evolution of cooperation is ~~gigantic and spans several disciplines-evolutionary biology, ~~economics, political science, and sociology in particular. It is ~~impossible even to provide a representative list of publications, ~~but some important contributions are: ~~⋆⋆ Axelrod, R. # The Evolution of ~~Cooperation ~~(Basic Books, New York, ~~1984). ~~⋆⋆ Axelrod, R., and Dion, D. The further ~~evolution of cooperation. # Science, # 242, ~~1385-1390 (1988). ~~• Boorman, S. A., and Levitt, P. R. # The ~~Genetics of Altruism ~~(Academic Press, New York, ~~1980). ~~⋆⋆ Boyd, R. S., and Richerson, P. J. The ~~evolution of reciprocity in sizable groups. # Journal of Theoretical Biology, # 132, 337-356 ~~(1988). ~~⋆⋆ Hardin, G. The tragedy of the commons. # Science, # 162, 1243-1248 ~~(1968). ~~⋆⋆ Huberman, B. A., and Lukose, R. M. ~~Social dilemmas and Internet congestion. # Science, # 277, 535-537 (1997). ~~⋆⋆ Nowak, M. A., and May, R. M. ~~Evolutionary games and spatial chaos. # Nature, # 359, 826-829 (1992). ~~⋆⋆ Olson, M. # The ~~Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of ~~Groups ~~(Harvard University Press, Cambridge, MA, ~~1965). ~~⋆ Ostrom, E., Burger, J., Field, C. B., Norgaard, ~~R. B., and Policansky, D. Revisiting the commons: Local lessons, ~~global challenges. # Science, # 284, ~~278-282 (1999). ~~(4) سلاسل المعلومات # The literature on information cascades is, again, ~~multidisciplinary and eclectic. Some examples are: ~~⋆⋆ Aguirre, B. E., Quarantelli, E. L., and ~~Mendoza, J. L. The collective behavior of fads: The characteristics, ~~effects, and career of streaking. # American ms316 ~~Sociological Review, # 53, 569-584 ~~(1988). ~~• Banerjee, A. V. A simple model of herd behavior. # Quarterly Journal of ~~Economics, # 107, 797-817 (1992). ~~• Bikhchandani, S., Hirshleifer, D., and Welch, I. ~~A theory of fads, fashion, custom and cultural change as ~~informational cascades. # Journal of Political ~~Economy, # 100(5), 992-1026 (1992). ~~⋆⋆ Lohmann, S. The dynamics of ~~informational cascades: The Monday demonstrations in Leipzig, East ~~Germany, 1989-91. # World Politics, # 47, 42-101 (1994). ~~(5) مؤثرات المعلومات الخارجية # A description of Asch’s original experiment is given ~~in: ~~⋆ Asch, S. E. Effects of group pressure upon the ~~modification and distortion of judgments. In Cartwright, D., and ~~Zander, A. (eds.), # Group Dynamics: Research ~~and Theory ~~(Row, Peterson, Evanston, IL, 1953), pp. ~~151-162. # Herbert Simon’s theory of bounded rationality is espoused ~~in: ~~⋆⋆ Simon, H. A., Egidi, M., and Marris, R. ~~L. # Economics, Bounded Rationality and the ~~Cognitive Revolution ~~(Edward Elgar, Brookfield, VT, ~~1992). ~~(6) المؤثرات الخارجية القسرية # The spread of crime via a network of peer pressure ~~relationships is considered (in a theoretical manner) ~~in: ~~⋆⋆ Glaeser, E. L., Sacerdote, B., and ~~Schheinkman, J. A. Crime and social interactions. # Quarterly Journal of Economics, # 111, ~~507-548 (1996). # The paper introducing the concept of a spiral of silence ~~in voting behavior is: ~~⋆ Noelle-Neumann, E. Turbulences in the climate of ~~opinion: Methodological applications of the spiral of silence ~~theory. Public Opinion Quarterly, # 41(2), 143-158 (1977). ~~(7) مؤثرات السوق الخارجية # The principal exponent of what is now called lock-in via ~~increasing returns is the economist Brian Arthur. His groundbreaking ~~paper (which took him many years to find a journal that would ~~publish it) is: ~~• Arthur, W. B. Competing technologies, increasing ~~returns, and lock-in by historical events. # Economic Journal, # 99(394), 116-131 ~~(1989). # Another, slightly different, approach to the topic of ~~increasing returns is espoused in: ~~• Romer, P. Increasing returns and long-run ~~growth. # Journal of Political ~~Economy, # 94(5), 1002-1034 (1986). # Although the authors do not link it to the subject of ~~network externalities, the ms317 importance of complementarities is ~~emphasized in: ~~• Milgrom, P., and Roberts, J. The economics of ~~modern manufacturing: Technology, strategy, and organization. # American Economic Review, # 80(3), 511-528 (1990). # Meanwhile, the prevailing economics approach to so-called ~~network externalities is described in: ~~⋆⋆ Economides, N. The economics of ~~networks. # International Journal of ~~Industrial Organization, # 16(4), 673-699 ~~(1996). ~~(8) مؤثرات التنسيق الخارجية # Although neither of these papers uses the term, the ~~relevance of externalities to decisions about cooperation is evident ~~in: ~~• Glance, N. S., and Huberman, B. A. The outbreak ~~of cooperation. # Journal of Mathematical ~~Sociology, # 17(4), 281-302 (1993). ~~⋆⋆ Kim, H., and Bearman, P. The structure ~~and dynamics of movement participation. # American Sociological Review, # 62(1), 70-94 ~~(1997). ~~(9) صناعة القرار اجتماعيا # The report on body piercing is: ~~⋆ Harden, B. Coming to grips with the enduring ~~appeal of body piercing. # New York ~~Times, # February 12, 2002, p. A16. # الفصل الثامن: الحدود والسلاسل وقابلية التنبؤ ~~(1) نماذج حدود القرارات # The earliest use of threshold models as a way of ~~understanding collective decision making is ~~probably: ~~⋆⋆ Schelling, T. C. A study of binary ~~choices with externalities. # Journal of ~~Conflict Resolution, # 17(3), 381-428 ~~(1973). # Another early classic is: ~~⋆⋆ Granovetter, M. Threshold models of ~~collective behavior. # American Journal of ~~Sociology, # 83(6), 1420-1443 (1978). # The actual derivation of a threshold model depends on ~~what kind of decision an individual is making, and what sort of ~~decision externalities pertain. Some examples of quite different ~~derivations, all of which effectively generate threshold rules ~~are: ~~• Arthur, W. B., and Lane, D. A. Information ~~contagion. # Structural Change and Economic ~~Dynamics, # 4(1), 81-103 (1993). ~~• Boorman, S. A., and Levitt, P. R. # The Genetics of Altruism ~~(Academic Press, New York, 1980). ~~• Durlauf, S. N. A framework for the study of ~~individual behavior and social interactions. # Sociological Methodology, # 31, 47-87 ~~(2001). ~~• Glance, N. S., and Huberman, B. A. The outbreak ~~of cooperation. # Journal of Mathematical ~~Sociology, # 17(4), 281-302 (1993). ~~• Morris, S. N. Contagion. # Review of ms318 Economic Studies, # 67, 57-78 ~~(2000). ~~(3) السلاسل في الشبكات الاجتماعية # Some information about # Ithaca ~~hours # can be found in: ~~⋆ Glover, P. Grassroots economics. # In Context, # 41, 30 ~~(1995). ~~⋆ Morse, M. Dollars or sense. # Utne Reader, # 99 (September-October ~~1999). # Everett Rogers’ classic reference on the diffusion of ~~innovations, in which much of the still-current terminology was ~~introduced, was first published in 1962. It is now in its fourth ~~edition: ~~⋆ Rogers, E. # The Diffusion ~~of Innovations, # 4th ed. (Free Press, New York, ~~1995). # A valiant attempt to combine Rogers’ ideas with concepts ~~from social network analysis is by one of Rogers’ students, Thomas ~~Valente: ~~⋆⋆ Valente, T. W. # Network Models of the Diffusion of Innovations ~~(Hampton Press, Cresskill, NJ, 1995). ~~⋆ Coleman, J. S., Katz, E., and Menzel, H. The ~~diffusion of an innovation among physicians. # Sociometry, # 20(4), 253-270 (1957). ~~(4) السلاسل والتخلل # The paper summarizing the threshold model approach to ~~information cascades on networks is: ~~• Watts, D. J. A simple model of global cascades ~~on random networks. Proceedings of the ~~National Academy of Sciences, # 99, 5766-5771 ~~(2002). ~~(5) التحولات الطورية والسلاسل # Malcolm Gladwell’s engaging discussion of social ~~contagion is: ~~⋆ Gladwell, M. # The Tipping Point: How Little Things Can Make a Big Difference ~~(Little, Brown, New York, 2000). ~~(6) تجاوز الصدع # Geoffrey Moore’s descriptive account of the “chasm” ~~between early adopters and the early to late majority is given ~~in: ~~⋆ Moore, G. A. # Crossing ~~the Chasm: Marketing and Selling High-Tech Products to ~~Mainstream Customers ~~(Harper Business, New York, ~~1999). ~~(7) وجهة نظر غير خطية للتاريخ # The distinction between quality and success is made ~~apparent in Art De Vany’s study of the movie industry: ~~⋆⋆ De Vany, A., and Lee, C. Quality signals ~~in information cascades and the dynamics of motion picture box ~~office revenues: A computational model. # Journal of Economic Dynamics and Control, # 25, ~~593-614 (2001). ~~• De Vany, A. S., and Walls, W. D. Bose-Einstein ~~dynamics and adaptive contracting in the motion picture industry. # Economic ms319 Journal, # 106, ~~1493-1514 (1996). ~~(9) عودة إلى القوة # The related notions of normal accidents and ~~robust-yet-fragile systems are presented in two very different ~~works: ~~⋆ Perrow, C. # Normal ~~Accidents: Living with High-Risk Technologies ~~(Basic ~~Books, New York, 1984). ~~• Carlson, J. M., and Doyle, J. Highly optimized ~~tolerance: A mechanism for power laws in designed systems. Physical Review E, # 60(2), 1412-1427 ~~(1999). # الفصل التاسع: الابتكار والتكيف والتعافي ~~(1) أزمة تويوتا-آيسين # The account of the Toyota-Aisin crisis on which my ~~description is based is: ~~⋆ Nishiguchi, T., and Beaudet, A. Fractal design: ~~Self-organizing links in supply chain management. In Von Krogh, G., ~~Nonaka, I., and Nishiguchi, T. (eds.), # Knowledge Creation: A Source of Value ~~(Macmillan, ~~London, 2000). # Another paper about the remarkable Toyota group that ~~guided our thinking on innovation is: ~~⋆ Ward, A., Liker, J. K., Cristiano, J. J., and ~~Sobek, D. K. The second Toyota paradox: How delaying decisions can ~~make better cars faster. # Sloan Management ~~Review, # 36(3), 43-51 (1995). ~~(2) الأسواق والهياكل الهرمية # The original text-and still one of the greatest-on ~~industrial organization is: ~~⋆ Smith, A. # The Wealth of ~~Nations ~~(University of Chicago Press, Chicago, ~~1976). # A precursor to Coase’s theory of transaction costs was ~~Frank Knight’s claim that firms exist to reduce uncertainty: ~~⋆⋆ Knight, F. H. # Risk, Uncertainty, and Profit ~~(London School of ~~Economics and Political Science, London, 1933). # And Ronald Coase’s original argument of transaction costs ~~as the basis for the firm is explicated in: ~~⋆ Coase, R. The nature of the firm. # Economica, # n.s., 4 (November ~~1937). # Several decades later, Coase is still trying to get his ~~ideas accepted by mainstream economics. His latest attempt ~~is: ~~⋆ Coase, R. # The Nature of ~~the Firm ~~(Oxford University Press, Oxford, ~~1991). # The chief proponent of the hierarchical structure of ~~firms is Oliver Williamson, whose views are expressed ~~comprehensively in: ~~⋆⋆ Williamson, O. # E. Markets and Hierarchies ~~(Free Press, New York, ~~1975). # A shorter version is: ~~⋆⋆ Williamson, O. E. ms320 Transaction cost ~~economics and organization theory. In Smelser, N. J., and Swedberg, ~~R. (eds.), # The Handbook of Economic ~~Sociology ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, ~~1994), pp. 77-107. # The superiority of the hierarchy has been extensively ~~formalized and developed in recent years by a small group of ~~economists, led by Roy Radner. Some of the principal works of this ~~literature are: ~~• Bolton, P., and Dewatripont, M. The firm as a ~~communication network. # Quarterly Journal of ~~Economics, # 109(4), 809-839 (1994). ~~• Radner, R. The organization of decentralized ~~information processing. # Econometrica, # 61(5), 1109-1146 ~~(1993). ~~• Radner, R. Bounded rationality, indeterminacy, ~~and the theory of the firm. # Economic ~~Journal, # 106, 1360-1373 (1996). ~~• Van Zandt, T. Decentralized information ~~processing in the theory of organizations. In Sertel, M. (ed.), # Contemporary Economic Issues, # vol. 4: # Economic Design and ~~Behavior # p. 125-160 (Macmillan, London, 1999), ~~chapter 7. ~~(3) التقسيمات الصناعية # Michael Piore and Chuck Sabel’s groundbreaking book on ~~the changing nature of the global economy is: ~~⋆ Piore, M. J., and Sabel, C. F. # The Second Industrial Divide: Possibilities for Prosperity ~~(Basic Books, New York, ~~1984). ~~(4) الغموض # The paper describing Honda’s system for identifying ~~problems in their manufacturing plants is: ~~⋆ MacDuffie, J. P. The road to “root cause”: ~~Shop-floor problemsolving at three auto assembly plants. # Management Science, # 43, 4 ~~(1997). # A variety of approaches to the theory of the internal ~~architecture of the firm have been taken within the economics, ~~sociology, and business communities. It is a vast literature. An ~~eclectic collection of readings, with no claim to being exhaustive ~~or even representative, is as follows: ~~⋆ Chandler, A. D. # The ~~Visible Hand: The Managerial Revolution in American ~~Business ~~(Belknap Press of Harvard University Press, ~~Cambridge, MA, 1977). ~~⋆ Clippinger, J. (ed.). # The Biology of Business: Decoding the Natural Laws of the ~~Enterprise ~~(Jossey-Bass, San Francisco, ~~1999). ~~• Fama, E. F. Agency problems and the theory of ~~the firm. # Journal of Political ~~Economy, # 88, 288-307 (1980). ~~⋆⋆ Hart, O. # Firms, ~~Contracts ms321 and Financial Structure ~~(Oxford University Press, New York, 1995). ~~⋆⋆ March, J. G., and Simon, H. A. # Organizations ~~(Blackwell, Oxford, ~~1993). ~~⋆⋆ Nelson, R. R., and Winter, S. G. # An Evolutionary Theory of Economic Change ~~(Belknap Press of Harvard University Press, Cambridge, MA, ~~1982). ~~⋆⋆ Powell, W., and DiMaggio, P. (eds.). # The New Institutionalism in ~~Organizational Analysis ~~(Chicago, University of ~~Chicago Press, 1991). ~~• Sah, R. K., and Stiglitz, J. E. The architecture ~~of economic systems: Hierarchies and polyarchies. # American Economic Review, # 76(4), ~~716-727 (1986). ~~(5) الطريقة الثالثة # An indication of Chuck’s understanding of the problem at ~~the time we started working together is given in the ~~following: ~~⋆ Helper, S., MacDuffie, J. P., and Sabel, C. F. Pragmatic collaborations: Advancing knowledge while controlling ~~opportunism. # Industrial and Corporate ~~Change, # 9(3), 443-488 (2000). ~~⋆ Sabel, C. F. Diversity, not specialization: The ~~ties that bind the (new) industrial district. In Quadrio ~~Curzio, A., ~~and Fortis, M. (eds.), # Complexity and Industrial Clusters: ~~Dynamics and Models in Theory and Practice ~~(Physica-Verlag, Heidelberg, 2002). ~~(6) التكيف مع الغموض Perhaps the clearest exposition of the conundrum faced by ~~firms in ambiguous environments, and their need to be both adapted ~~and adaptable, is that by David Stark in his work on # heterarchies ~~: ~~⋆ Stark, D. C. Recombinant property in East ~~European capitalism. # American Journal of ~~Sociology, # 101(4), 993-1027 (1996). ~~⋆ Stark, D. C. Heterarchy: Distributing authority ~~and organizing diversity. In Clippinger, J. H. (ed.), # The Biology of Business: Decoding the Natural Laws ~~of the Enterprise ~~(Jossey-Bass, San Francisco, 1999), ~~chapter 7. ~~⋆ Stark, D. C., and Bruszt, L. Postsocialist Pathways: Transforming Politics and Property in East Central Europe ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1998). ~~(7) الشبكات متعددة المستويات # The properties of team-based, multiscale, and ~~core-periphery networks are outlined in: ~~• Dodds, P. S., Watts, D. J., and Sabel, C. F. The ~~structure of optimal redistribution networks. Institute for Social ~~and Economic Research and Policy Working Paper, Columbia University ~~(2002). # الفصل العاشر: نهاية البداية ms322 # The use of New York City (or more precisely, the borough of ~~Manhattan) as an example of a complex system was inspired by John ~~Holland’s opening chapter in: ~~⋆ Holland, J. H. # Hidden Order: ~~How Adaptation Builds Complexity ~~(Perseus, Cambridge, MA, ~~1996). ~~(1) الحادي عشر من سبتمبر # An excellent and detailed account of the September 11 ~~attacks on the World Trade Center, and the monumental recovery ~~effort that followed its collapse, is given in: ~~⋆ Langewiesche, W. # American Ground: Unbuilding the World Trade Center ~~(North Point Press, New York, 2002). # The information about the police department’s ~~communications predicament was derived from: ~~⋆ Rashbaum, W. K. Police officers swiftly show ~~inventiveness during crisis. # New York ~~Times, # September 17, 2001, p. A7. # The story about Cantor Fitzgerald was related by one of ~~the survivors-the director of marketing and communications-who spoke ~~at a roundtable discussion of business leaders at Columbia ~~University on December 5, 2001. The roundtable was organized by ~~David Stark and John Kelly, directors of Columbia’s Center for ~~Organizational Innovation and Interactive Design Lab, respectively, ~~and sponsored by Dr. Susan Gitelson. # The article by Paul Krugman considering the economic ~~consequences of the September 11 attacks in the context of an ~~already faltering economy is: ~~⋆ Krugman, P. Fear itself. # New York Times Magazine, # September 30, 2001, p. ~~36. ~~(2) دروس لعصر متشابك # An engaging and insightful account of the 1997 Asian ~~crisis is contained in: ~~⋆ Friedman, T. L. # The ~~Lexus and the Olive Tree: Understanding Globalization ~~(Farrar, Straus and Giroux, New York, 1999). # Quite a lot of Harry Potter-related information can be ~~found at # http://www.insideharrypotter.com ~~. # And finally, a brief but illuminating account of the ~~problems that beset Long Term Capital Management in the fall of ~~1998, is: ~~⋆ MacKenzie, D. Fear in the markets. # London Review of Books, # 22(8), 31-32 ~~(2000). # الفصل الحادي عشر: العالم يتضاءل: عام آخر في ~~العصر المتشابك ~~⋆⋆ Dodds, P. S., Muhamad, R., and Watts, D. J. ms323 ~~An experimental study of search in global social networks. # Science, # 301, 827-829 ~~(2003). ~~• Dodds, P. S., Watts, D. J., and Sabel, C. F. ~~Information exchange and the robustness of organizational networks. Proceedings of the National Academy of ~~Sciences, # 100, 12516-12521 (2003). ~~•• Kempe, D., Kleinberg, J., and Tardos, E. ~~Maximizing the spread of influence through a social network. Proceedings of the 9th ACM SIGKDD International ~~Conference on Knowledge Discovery and Data Mining ~~(2003). ~~•• Newman, M. E. J. The structure and function ~~of complex networks. # SIAM Review, # 45, ~~167-256 (2003). # | المراجع # Adamic L. A. The small world web. In # Lecture Notes in Computer Science, # 1696, Proceedings of the European Conference on Digital ~~Libraries (ECDL) ’99 Conference ~~(Springer, Berlin, 1999), pp. ~~443-454. # Adamic, L. A., and Huberman, B. A. Power-law distribution of the ~~World Wide Web. # Science, # 287, 2115a ~~(2000). # Adamic, L. A., Lukose, R. M., Puniyani, A. R., and Huberman, B. ~~A. Search in power-law networks. Physical Review ~~E, # 64, 046135 (2001). # Aguirre, B. E., Quarantelli, E. L., and Mendoza, J. L. The ~~collective behavior of fads: The characteristics, effects, and career of ~~streaking. # American Sociological Review, # 53, 569-584 (1988). # Aho, A. V., Hopcroft, J. E., and Ullman, J. D. # Data Structures and Algorithms ~~(Addison Wesley, ~~Reading, MA, 1983). # Ahuja, R. K., Magnanti, T. L., and Orlin, J. B. # Network Flows: Theory, Algorithms, and ~~Applications ~~(Prentice Hall, Englewood Cliffs, NJ, 1993). # Aiello, W., Chung, F., and Lu, L. A random graph model for ~~massive graphs. In Proceedings of the 32nd Annual ~~ACM Symposium on the Theory of Computing ~~(Association for ~~Computing Machinery, New York, 2000), pp. 171-180. # Albert, R., and Barabási, A. L. Statistical mechanics of complex ~~networks. # Review of Modern Physics, # 74, ~~47-97 (2002). # Albert, R., Jeong, H., and Barabási, A. L. Attack and error ~~tolerance of complex networks. # Nature, # 406, 378-382 (2000). # Alon, N., and Spencer, J. H. # The Probabilistic Method ~~(Wiley-Interscience, New York, 1992). # Amaral, L. A. N., Scala, A., Barthelemy, M., ms324 and Stanley, H. E. ~~Classes of behavior of small-world networks. Proceedings of the National Academy of Sciences, # 97, ~~11149-11152 (2000). # Anderson, P. W. More is different. # Science, # 177, 393-396 (1972). # Anderson, R. M., and May, R. M. # Infectious Diseases of Humans ~~(Oxford University Press, ~~Oxford, 1991). # Arthur, W. B. Competing technologies, increasing returns, and ~~lock-in by historical events. # Economic ~~Journal, # 99(394), 116-131 (1989). # Arthur, W. B., and Lane, D. A. Information contagion. # Structural Change and Economic Dynamics, # 4(1), ~~81-103 (1993). # Asavathiratham, C. # The Influence Model: A ~~Tractable Representation for the Dynamics of Networked Markov ~~Chains. Ph.D. Dissertation, Department of Electrical ~~Engineering and Computer Science, MIT (MIT, Cambridge, MA, 2000). # Asch, S. E. Effects of group pressure upon the modification and ~~distortion of judgments. In Cartwright, D., and Zander, A. (eds.), # Group Dynamics: Research and Theory ~~(Row, Peterson, Evanston, IL, 1953), pp. 151-162. # Asimov, I. # The Caves of Steel ~~(Doubleday, Garden City, NY, 1954). ~~---. # The Naked Sun ~~(Doubleday, ~~Garden City, NY, 1957). Axelrod, R. # The Evolution of ~~Cooperation ~~(Basic Books, New York, 1984). # Axelrod, R., and Dion, D. The further evolution of cooperation. # Science, # 242, 1385-1390 (1988). # Bailey, N. T. J. # The Mathematical Theory ~~of Infectious Diseases and Its Applications ~~(Hafner Press, ~~New York, 1975). # Ball, F., Mollison, D., and Scalia-Tomba, G. Epidemics with two ~~levels of mixing. # Annals of Applied Probability, # 7(1), 46-89 (1997). # Banerjee, A. V. A simple model of herd behavior. # Quarterly Journal of Economics, # 107, 797-817 ~~(1992). # Barabási, A., and Albert, R. Emergence of scaling in random ~~networks. # Science, # 286, 509-512 (1999). # Barabási, A. L. # Linked: The New Science ~~of Networks ~~(Perseus Press, Cambridge, MA, 2002). # Barabási, A. L., Albert, R., Jeong, H., and Bianconi, G. Power-law distribution of the World Wide Web. # Science, # 287, 2115b (2000). # Barthelemy, M., and Amaral, L. A. N. Small-world networks: ~~Evidence for a crossover picture. Physical Review ~~Letters, # 82, 3180-3183 (1999). # Bartholomew, D. J. # Stochastic Models for ~~Social Processes ~~(Wiley, New York, 1967). # Batagelj, V., and Mrvar, ms325 A. Some analyses of Erdős collaboration ~~graph. # Social Networks, # 22(2), 173-186 ~~(2000). # Bernard, H. R., Killworth, P. D., Evans, M. J., McCarty, C., and ~~Shelly, G. A. Studying relations cross-culturally. # Ethnology, # 27(2), 155-179 (1988). # Bickhchandani, S., Hirshleifer, D., and Welch, I. A theory of ~~fads, fashion, custom and cultural change as informational cascades. # Journal of Political Economy, # 100(5), ~~992-1026 (1992). # Bollobas, B. # Random Graphs, # 2nd ed. (Academic, New York, 2001). # Bolton, P., and Dewatripont, M. The firm as a communication ~~network. # Quarterly Journal of Economics, # 109(4), 809-839 (1994). # Boorman, S. A., and Levitt, P. R. # The ~~Genetics of Altruism ~~(Academic Press, New York, 1980). # Boorman, S. A., and White, H. C. Social structure from multiple ~~networks. II. Role structures. # American Journal of ~~Sociology, # 81(6), 1384-1446 (1976). # Boots, M., and A. Sasaki. “Small worlds” and the evolution of ~~virulence: Infection occurs locally and at a distance. Proceedings of the Royal Society of London, Series ~~B, # 266, 1933-1938 (1999). # Boyd, R. S., and Richerson, P. J. The evolution of reciprocity in ~~sizable groups. # Journal of Theoretical ~~Biology, # 132, 337-356 (1988). # Breiger, R. L. The duality of persons and groups. # Social Forces, # 53, 181-190 (1974). # Brin, S., and Page, L. The anatomy of a large-scale hypertextual ~~web search engine. # Computer Networks, # 30, ~~107-117 (1998). # Burt, R. S. # Structural Holes: The Social ~~Structure of Competition ~~(Harvard University Press, ~~Cambridge, MA, 1992). # Callaway, D. S., Newman, M. E. J., Strogatz, S. H., and Watts, D. ~~J. Network robustness and fragility: Percolation on random graphs. Physical Review Letters, # 85, 5468-5471 (2000). # Carlson, J. M., and Doyle, J. Highly optimized tolerance: A ~~mechanism for power laws in designed systems. Physical Review E, # 60(2), 1412-1427 (1999). # Casti, J. L. # Reality Rules I & II: Picturing the World in Mathematics: The Fundamentals, the ~~Frontier ~~(Wiley-Interscience, New York, 1997). # Chancellor, E. # Devil Take the Hindmost: A ~~History of Financial Speculation ~~(Farrar, Straus and Giroux, ~~New York, 1999). # Chandler, A. D. # The Visible ms326 Hand: The ~~Managerial Revolution in American Business ~~(Belknap Press of ~~Harvard University Press, Cambridge, MA, 1977). # Clippinger, J. (ed.) # The Biology of ~~Business: Decoding the Natural Laws of the Enterprise ~~(Jossey-Bass, San Francisco, 1999). # Coase, R. The nature of the firm. # Economica, # n.s., 4 (November 1937). ~~---. # The Nature of the Firm ~~(Oxford University Press, Oxford 1991). # Cohen, R. Who really brought down Milosevic? # New York Times Magazine, # November 26, 2000, p. ~~43. # Cohen, R., Erez, K., ben-Avraham, D., and Havlin, S. Resilience ~~of the Internet to random breakdowns. Physical ~~Review Letters, # 85, 4626-4628 (2000). ~~---. Breakdown of the Internet under intentional attack. Physical Review Letters, # 86, ~~3682-3685 (2001). # Coleman, J. S., Katz, E., and Menzel, H. The diffusion of an ~~innovation among physicians. # Sociometry, # 20, 253-270 (1957). # Davis, J. A. Structural balance, mechanical solidarity, and ~~interpersonal relations. # American Journal of ~~Sociology, # 68(4), 444-462 (1963). # Davis, G. F. The significance of board interlocks for corporate ~~governance. # Corporate Governance, # 4(3), ~~154-159 (1996). # Davis, G. F., and Greve, H. R. Corporate elite networks and ~~governance changes in the 1980s. # American Journal of ~~Sociology, # 103(1), 1-37 (1997). # Davis, G. F., Yoo, M., and Baker, W. E. The small world of ~~corporate elite (working paper, University of Michigan Business School, ~~2002). # Degenne, A., and Forse, M. # Introducing ~~Social Networks ~~(Sage, London, 1999). # De Vany, A., and Lee, C. Quality signals in information cascades ~~and the dynamics of motion picture box office ~~revenues: A computational model. # Journal of Economic Dynamics and ~~Control, # 25, 593-614 (2001). # De Vany, A. S., and Walls, W. D. Bose-Einstein dynamics and ~~adaptive contracting in the motion picture industry. # Economic Journal, # 106, 1493-1514 (1996). # Dodds, P. S., Watts, D. J., and Sabel, C F. The structure of ~~optimal redistribution networks. Institute for Social and Economic Research ~~and Policy Working Paper, Columbia University, (2002). # Durlauf, S. N. A framework for the study of individual behavior ~~and social interactions. # Sociological ~~Methodology, # 31, 47-87 (2001). # Ebel, H., Mielsch, L. I., and ms327 Bornholdt, S. Scale-free topology ~~of e-mail networks. Preprint # cond-mat/0201476. (2002). ~~Available on-line at ~~http://xxx.lanl.gov/abs/cond-mat/0201476. # Economides, N. The economics of networks. # International Journal of Industrial Organization, # 16(4), ~~673-699 (1996). # Emirbayer, M., and Mische, A. What is agency? # American Journal of Sociology, # 103(4), 962-1023 ~~(1998). # Erdős, P., and Rényi, A. On random graphs. Publicationes Mathematicae, # 6, 290-297 (1959). ~~---. On the evolution of random graphs. Publications of the Mathematical Institute of the Hungarian Academy of ~~Sciences, # 5, 17-61 (1960). ~~---. On the strength and connectedness of a random graph. # Acta Mathematica Scientia Hungary, # 12, 261-267 (1961). # Faloutsos, M., Faloutsos, P., and Faloutsos, C. On power-law ~~relationships of the Internet topology. # Computer ~~Communication Review, # 29, 251-262 (1999). # Fama, E. F. Agency problems and the theory of the firm. # Journal of Political Economy, # 88, 288-307 ~~(1980). # Farmer, J. D. Market force, ecology, and evolution. # Industrial and Corporate Change, # forthcoming ~~(2002). # Farmer, J. D., and Joshi, S. The price dynamics of common trading ~~strategies. # Journal of Economic Behavior and ~~Organization, # 49(2), 149-171 (2002). # Farmer, J. D., and Lo, A. Frontiers of finance: Evolution and ~~efficient markets. Proceedings of the National ~~Academy of Sciences, # 96, 9991-9992 (1999). # Ferguson, N. M., Donnelly, C. A., and Anderson, R. M. The ~~foot-and-mouth epidemic in Great Britain: Pattern of spread and impact of ~~interventions. # Science, # 292, 1155-1160 ~~(2001). ~~---.Transmission intensity and impact of control policies on the ~~foot and mouth epidemic in Great Britain. # Nature, # 413, 542-548 (2001). # Ferrer i Cancho, R., Janssen, C., and Solé, R. V. Topology of ~~technology graphs: Small world patterns in electronic circuits. Physical Review E, # 64, 046119 (2001). # Flake, G. W. # The Computational Beauty of ~~Nature: Computer # Explorations of ~~Fractals, # Chaos, Complex Systems, and ~~Adaptation ~~(MIT Press, Cambridge, MA, 1998). # Freeman, L. C. A set of measures of centrality based on ~~betweenness. # Sociometry, # 40, 35-41 ~~(1977). # Friedman, T. L. # The Lexus and the Olive ~~Tree: Understanding Globalization ~~(Farrar, Straus and Giroux, ~~New York, 1999). # Gell-Mann, M. # The Quark and the Jaguar: ~~Adventures in ms328 the Simple and the Complex ~~(W. H. Freeman, New ~~York, 1994). # Gibson, D., Kleinberg, J., and Raghavan, P. Inferring Web ~~communities from link topology. In Proceedings of ~~the 9th ACM Conference on Hypertext and Hypermedia ~~(Association for Computing Machinery, New York 1998), pp. 225-234. # Gladwell, M. # The Tipping Point: How ~~Little Things Can Make a Big ~~Difference ~~(Little, Brown, New York, 2000). # Glaeser E. L., Sacerdote, B., and Schheinkman, J. A. Crime and ~~social interactions. # Quarterly Journal of ~~Economics, # 111, 507-548 (1996). # Glance, N. S., and Huberman, B. A. The outbreak of cooperation. # Journal of Mathematical Sociology, # 17(4), 281-302 (1993). ~~---. The dynamics of social dilemmas. # Scientific American, # 270(3), 76-81 (1994). # Glover, P. Grassroots economics. # In ~~Context, # 41, 30 (1995). # Granovetter, M. Threshold models of collective behavior. # American Journal of Sociology, # 83(6), ~~1420-1443 (1978). # Granovetter, M. S. The strength of weak ties. # American Journal of Sociology, # 78, 1360-1380 ~~(1973). # Grossman, J. W., and Ion, P. D. F. On a portion of the well-known ~~collaboration graph. # Congressus Numerantium, # 108, 129-131 (1995). # Guare, J. # Six Degrees of Separation: A Play ~~(Vintage Books, New York, 1990). # Harary, F. Graph theoretic measures in the management sciences. # Management Science, # 387-403 (1959). # Harden, B. Dr. Matthew’s passion. # New ~~York Times Magazine, # February 18, 2001, pp. 24-62. ~~---. Coming to grips with the enduring appeal of body piercing. # New York Times, # February 12, 2002, p. ~~A16. # Hardin, G. The tragedy of the commons. # Science, # 162, 1243-1248 (1968). # Hart, O. # Firms, Contracts and Financial ~~Structure ~~(Oxford University Press, New York, 1995). # Hauer, J. F., and Dagel, J. E. # White Paper on Review of Recent Reliability Issues and System Events. Prepared for U.S. ~~Department of Energy (1999). Available on-line ~~at # http://www.eren.doe.gov/der/transmission/pdfs/reliability/events.pdt ~~. # Helper, S., MacDuffie, J. P., and Sabel, C. F. Pragmatic ~~collaborations: Advancing knowledge while controlling opportunism. # Corporate Change, # 9, 3 (2000). # Hess, G. Disease in metapopulation models: Implications for ~~conservation. # Ecology, # 77, 1617-1632 ~~(1996). # Holland, J. H. # Hidden Order: How ~~Adaptation Builds Complexity ~~(Perseus, Cambridge, MA, 1996). # Holland, P. ms329 W., and Leinhardt, S. An exponential family of ~~probability distributions for directed graphs. # Journal of the American Statistical Association, # 76, 33-65 ~~(1981). # Huberman, B. A., and Lukose, R. M. Social dilemmas and internet ~~congestion. # Science, # 277, 535-537 ~~(1997). # Ijiri, Y., and Simon, H. A. # Skew ~~Distributions and the Sizes of Business Firms ~~(Elsevier/North-Holland, New York, 1977). # Jin, E. M., Girvan, M., and Newman, M. E. J. The structure of ~~growing networks. Physical Review E, # 64, ~~046132 (2001). # Kareiva, P. Population dynamics in spatially complex ~~environments: Theory and data. Philosophical ~~Transactions of the Royal Society of London, Series B, # 330, ~~175-190 (1988). # Keeling, M. J. The effects of local spatial structure on ~~epidemiological invasions. Proceedings of the Royal ~~Society of London, Series B, # 266, 859-867 (1999). # Keeling, M. J., Woolhouse, M. E. J., Shaw, D. J., Matthews, L., ~~Chase-Topping, M., Haydon, D. T., Cornell, S. J., Kappey, J., Wilesmith, J., ~~and Grenfell, B. T. Dynamics of the 2001 UK foot and mouth epidemic: ~~Stochastic dispersal in a heterogeneous landscape. # Science, # 294, 813-817 (2001). # Kephart, J. O., Sorkin, G. B., Chess, D. M., and White, S. R. ~~Fighting computer viruses. # Scientific American, # 277(5), 56-61 (1997). # Kephart, J. O., White, S. R., and Chess, D. M. Computer viruses ~~and epidemiology. # IEEE Spectrum, # 30(5), ~~20-26 (1993). # Kermack, W. O., and McKendrick, A. G. A contribution to the ~~mathematical theory of epidemics. Proceedings of the ~~Royal Society of London, Series A, # 115, 700-721 (1927). ~~---. Contributions to the mathematical theory of epidemics. II. ~~The problem of endemicity. Proceedings of the Royal ~~Society of London, Series A, # 138, 55-83 (1932). ~~---. Contributions to the mathematical theory of epidemics. III. ~~Further studies of the problem of endemicity. Proceedings of the Royal Society of London, Series A, # 141, ~~94-122 (1933). # Killworth, P. D., and Bernard, H. R. The reverse small world ~~experiment. # Social Networks, # 1, 159-192 ~~(1978). # Kim, B. J., Yoon, C. N., Han, S. K., and Jeong, H. Path finding ~~strategies in ms330 scale-free networks. Physical Review ~~E, # 65, 027103 (2002). # Kim, H., and Bearman, P. The structure and dynamics of movement ~~participation. # American Sociological Review, # 62(1), 70-94 (1997). # Kindleberger, C. P. # Manias, Panics, and ~~Crashes: A History of Financial Crises, # 4th ed. (Wiley, New ~~York, 2000). # Kleinberg, J. Authoritative sources in a hyperlinked environment # Journal of the ACM, # 46, 604-632 ~~(1999). ~~---. The small-world phenomenon: An algorithmic perspective. In Proceedings of the 32nd Annual ACM Symposium on ~~Theory of Computing ~~(Association of Computing Machinery, New ~~York, 2000), pp. 163-170. ~~---. Navigation in a small world. # Nature, # 406, 845 (2000). ~~---. Small-world phenomena and the dynamics of information. In ~~Dietterich, T. G., Becker, S., and Ghahramani, Z. (eds.), # Advances in Neural Information Processing Systems, (NIPS), # 14 (MIT Press, Cambridge, MA, 2002). # Kleinberg, J., and Lawrence, S. The structure of the web. # Science, # 294, 1849 (2001). # Kleinfeld, J. S. The small-world problem. # Society, # 39(2), 61-66 (2002). # Knight, F. H. # Risk, Uncertainty, and Profit ~~(London School of Economics and Political Science, ~~London, 1933). # Kochen, M. (ed.). # The Small World ~~(Ablex, Norwood, NJ, 1989). # Kogut, B., and Walker G. The small world of Germany and the ~~durability of national networks. # American ~~Sociological Review, # 66(3), 317-335 (2001). # Korte, C., and Milgram, S. Acquaintance networks between racial ~~groups-application of the small world method. # Journal of Personality and Social Psychology, # 15(2), 101 ~~(1970). # Kosterev, D. N., Taylor, C. W., and Mittelstadt, W. A. Model ~~validation for the August 10, 1996 WSCC system outage. # IEEE Transactions on Power Systems, # 14(3), ~~967-979 (1999). # Kretschmar, M., and Morris, M. Measures of concurrency in ~~networks and the spread of infectious disease. # Mathematical Biosciences, # 133, 165-195 (1996). # Krugman, P. Fear itself. # New York Times ~~Magazine, # September 30, 2001, p. 36. # Kuperman, M., and Abramson, G. Small world effect in an ~~epidemiological model. Physical Review Letters, # 86, 2909-2912 (2001). # Langewiescher, W. # American Ground: ~~Unbuliding the World Trade Center ~~(North Point Press, New ~~York, 2002). # Lawrence, S., and Giles, C. L. Accessibility of information on ~~the ms331 web. # Nature, # 400, 107-109 (1999). # Liljeros, F., Edling, C. R., Amaral, L. A. N., Stanley, H. E., ~~and Aberg, Y. The web of human sexual contacts. # Nature, # 411, 907-908 (2001). # Lohmann, S. The dynamics of informational cascades: The Monday ~~demonstrations in Leipzig, East Germany, 1989-91. # World Politics, # 47, 42-101 (1994). # Longini, I. M., Jr. A mathematical model for predicting the ~~geographic spread of new infectious agents. # Mathematical Biosciences, # 90, 367-383 (1988). # Lorrain, F., and White, H. C. Structural equivalence of ~~individuals in social networks. # Journal of ~~Mathematical Sociology, # 1, 49-80 (1971). # Lyall, S. Return to sender, please. # New ~~York Times, # December 24, 2000, # Week ~~in Review, # p. 2. # Lynch, N. A. # Distributed Algorithms ~~(Morgan Kauffman, San Francisco, 1997). # MacDuffie, J. P. The road to “root cause”: Shop-floor ~~problem-solving at three auto assembly plants. # Management Science, # 43, 4 (1997). # MacKenzie, D. Fear in the markets. # London ~~Review of Books, # 22(8), 31-32 (2000). # Mackay, C. # Extraordinary Popular ~~Delusions and the Madness of Crowds ~~(Harmony Books, New York, ~~1980). # Mannville, B. Complex adaptive knowledge ~~management: A case study from ~~McKinsey and Company. In Clippinger, J. H. (ed.), # The Biology of Business: Decoding the Natural Laws of the ~~Enterprise ~~(Jossey-Bass, San Francisco, 1999), chapter 5. # March, J. G., and Simon, H. A. # Organizations ~~(Blackwell, Oxford, 1993). # Merton, R. K. The Matthew effect in science. # Science, # 159, 56-63 (1968). # Milgram, S. The small world problem. Psychology Today # 2, 60-67 (1967). ~~---. # Obedience to Authority: An ~~Experimental View ~~(Harper & Row, New York, 1974). ~~---. # The Individual in a Social World: ~~Essays and Experiments, # 2nd ed. (McGraw-Hill, New York, ~~1992). # Milgrom, P., and Roberts, J. The economics of modern ~~manufacturing: Technology, strategy, and organization. # American Economic Review, # 80(3), 511-528 ~~(1990). # Mizruchi, M. S., and Potts, B. B. Centrality and power revisited: ~~Actor success in group decision making. # Social ~~Networks, # 20, 353-387 (1998). # Molloy, M., and Reed, B. A critical point for random graphs with ~~a given degree sequence. # Random Structures and ~~Algorithms, # 6, 161-179 (1995). ~~---. The size of the giant component ms332 of a random graph with a ~~given degree sequence. # Combinatorics, Probability, ~~and Computing, # 7, 295-305 (1998). # Monasson, R. Diffusion, localization and dispersion relations on ~~'small-world’ lattices. # European Physical Journal B, # 12(4), 555-567 (1999). # Moore, C., and Newman, M. E. J. Epidemics and percolation in ~~small-world networks. Physical Review E, # 61, 5678-5682 (2000). ~~---. Exact solution of site and bond percolation on small-world ~~networks. Physical Review E, # 62, ~~7059-7064 (2000). # Moore, G. A. # Crossing the Chasm: ~~Marketing and Selling High-Tech Products to Mainstream Customers ~~(Harper Business, New York, 1999). # Morris, S. N. Contagion. # Review of ~~Economic Studies, # 67, 57-78 (2000). # Morse, M. Dollars or sense. # Utne Reader, # 99 (September-October 1999). # Murray, J. D. # Mathematical Biology, # 2nd ed. (Springer, Heidelberg, 1993). # Nadel, F. S. # Theory of Social Structure ~~(Free Press, Glencoe, IL, 1957). # Nagurney, A. # Network Economics: A ~~Variational Inequality Approach ~~(Kluwer Academic, Boston, ~~1993). # Nelson, R. R., and Winter, S. G. # An ~~Evolutionary Theory of Economic Change ~~(Belknap Press of ~~Harvard University Press, Cambridge, MA, 1982). # Newman, M. E. J. Models of the small world. # Journal of Statistical Physics, # 101, 819-841 ~~(2000). ~~---. The structure of scientific collaboration networks. Proceedings of the National Academy of ~~Sciences, # 98, 404-409 (2001). ~~---. Scientific collaboration networks: I. Network construction ~~and fundamental results. Physical Review ~~E, # 64 016131 (2001). ~~---. Scientific collaboration networks: II. Shortest paths, ~~weighted networks, and centrality. Physical Review ~~E, # 64, 016132 (2001). # Newman, M. E. J., Barabási, A. L., and Watts, D. J. # The Structure and Dynamics of Networks ~~(Princeton University Press, Princeton, 2003). # Newman, M. E. J., and Barkema, G. T. # Monte Carlo Methods for Statistical Physics ~~(Clarendon Press, Oxford, 1999). # Newman, M. E. J., Moore, C., and Watts, D. J. Mean-field solution ~~of the small-world network model. Physical Review ~~Letters, # 84, 3201-3204 (2000). # Newman, M. E. J., Strogatz, S. H., and Watts, D. J. Random graphs ~~with arbitrary degree distributions and their applications. Physical Review E, # 64, 026118 (2001). # Newman, M. E. J., and Watts, D. J. Scaling and percolation in ms333 the ~~small-world network model. Physical Review E, # 60, 7332-7342 (1999). ~~---. Renormalization group analysis of the small-world network ~~model. Physics Letters A, # 263, 341-346 ~~(1999). # Newman, M. E. J., Watts, D. J., and Strogatz, S. H. Random graph ~~models of social networks. Proceedings of the ~~National Academy of Sciences, # 99, 2566-2572 (2002). # Nishiguchi, T., and Beaudet, A. Fractal design: Self-organizing ~~links in supply chain management. In Von Krogh, G., Nonaka, I., and ~~Nishiguchi, T. (eds.) # Knowledge Creation: A New ~~Source of Value ~~(Macmillan, London, 2000). # Noelle-Neumann, E. Turbulences in the climate of opinion: ~~Methodological applications of the spiral of silence theory. Public Opinion Quarterly, # 41(2), 143-158 ~~(1977). # Nowak, M. A., and May, R. M. Evolutionary games and spatial ~~chaos. # Nature, # 359, 826-829 (1992). # Olson, M. # The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups ~~(Harvard University Press, Cambridge, MA, 1965). # Ostrom, E., Burger, J., Field, C. B., Norgaard, R. B., and Policansky, D. Revisiting the commons: Local lessons, global challenges. # Science, # 284, 278-282 (1999). Palmer, R. Broken ergodicity. In Stein, D. L. (ed.), # Lectures in the Sciences of Complexity, # vol. I, ~~Santa Fe Institute Studies in the Sciences of Complexity (Addison- Wesley, ~~Reading, MA, 1989), pp. 275-300. Pastor-Satorras, R., and Vespignani, A. Epidemic spreading in ~~scale-free networks. Physical Review Letters, # 86, 3200-3203 (2001). ~~---. Epidemics and immunization in scale-free networks. In ~~Bornholdt, S., and Schuster, H. G. (eds.), # Handbook ~~of Graphs and Networks: From the Genome to the Internet ~~(Wiley-VCH, Berlin, 2002). Pattison, P. # Algebraic Models for Social ~~Networks ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1993). Perrow, C. # Normal Accidents: Living with ~~High-Risk Technologies ~~(Basic Books, New York, 1984). Piore, M. J., and Sabel, C. F. # The Second ~~Industrial Divide: Possibilities for Prosperity ~~(Basic Books, ~~New York, 1984). Pool, I. de Sola, and M. Kochen. Contacts and influence. # Social Networks, # 1(r), 1-51 (1978). Powell, W., and DiMaggio, P. (eds.). # The ~~New Institutionalism in Organizational Analysis ~~(Chicago, ~~University of Chicago Press, 1991). Preston, R. # The ms334 Hot Zone ~~(Random House, New York, 1994). Price, D. J. de Solla. Networks of scientific papers. # Science, # 149, 510-515 (1965). ~~---. A general theory of bibliometrics and other cumulative ~~advantage processes. # Journal of the American Society ~~of Information Science, # 27, 292-306 (1980). # Radner, R. The organization of decentralized information ~~processing. # Econometrica, # 61(5), ~~1109-1146 (1993). ~~---. Bounded rationality, indeterminacy, and the theory of the ~~firm. # Economic Journal, # 106, 1360-1373 ~~(1996). # Rapoport, A. A contribution to the theory of random and biased ~~nets. # Bulletin of Mathematical Biophysics, # 19, 257-271 ~~(1957). ~~---. Mathematical models of social interaction. In Luce, R. D., ~~Bush, R. R., and Galanter, E. (eds.), # Handbook of ~~Mathematical Psychology, # vol. 2 (Wiley, New York, 1963), pp. ~~493-579. ~~---. # Certainties and Doubts: A Philosophy ~~of Life ~~(Black Rose Press, Montreal, 2000). # Rashbaum, W. K. Police officers swiftly show inventiveness during ~~crisis. # New York Times, # September 17, ~~2001, p. A7. # Redner, S. How popular is your paper? An empirical study of the ~~citation distribution. # Europhysics Journal # B, 4, 131-134 (1998). # Ritter, J. P. Why Gnutella can’t scale. No, really (working ~~paper, available on-line # http://www.darkridge.com/~jpr5/doc/gnutella.html ~~, 2000). # Rogers, E. # The Diffusion of Innovations, # 4th ed. (Free Press, New York, 1995). # Romer, P. Increasing returns and long-run growth. # Journal of Political Economy, # 94(5), 1002-1034 ~~(1986). # Sabel, C. F. Diversity, not specialization: The ties that bind ~~the (new) industrial district. In Quadrio Curzio, A., and Fortis, M. (eds.), # Complexity and Industrial Clusters Dynamics ~~Models in Theory and Practice ~~(Physica-Verlag, Heidelberg, ~~2002). # Sachtjen, M. L., Carreras, B. A., and Lynch, V. E. Disturbances ~~in a power transmission system. Physical Review ~~E, # 61(5), 4877-4882 (2000). # Sah, R. K., and Stiglitz, J. E. The architecture of economic ~~systems: Hierarchies and polyarchies. # American ~~Economic Review, # 76(4), 716-727 (1986). # Sattenspiel, L., and Simon, C. P. The spread and persistence of ~~infectious diseases in structured populations. # Mathematical Biosciences, # 90, 341-366 (1988). # Schelling, T. C. A study of binary choices with externalities. # Journal of Conflict Resolution, # 17(3), 381-428 (1973). ~~---. # Micromotives and ms335 ~~Macrobehavior ~~(Norton, New York, 1978). # Scott, A. # Social Network ~~Analysis, # 2nd ed. (Sage, London, 2000). # Shiller, R. J. # Irrational ~~Exuberance ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, 2000). # Simon, H. A. On a class of skew distribution functions. # Biometrika, # 42, 425-440 (1955). # Simon, H. A., Egidi, M., and Marris, R. L. # Economics, Bounded Rationality and the Cognitive ~~Revolution ~~(Edward Elgar, Brookfield, VT, 1992). # Smith, A. # The Wealth of ~~Nations ~~(University of Chicago Press, Chicago, 1976). # Solomonoff, R., and Rapoport, A. Connectivity of random nets. # Bulletin of Mathematical Biophysics, # 13, 107-117 (1951). # Sornette, D. # Critical Phenomena in ~~Natural Sciences ~~(Springer, Berlin, 2000). # Sporns, O., Tononi, G., and Edelman, G. M. Theoretical ~~neuroanatomy: Relating anatomical and ~~functional connectivity in graphs and cortical connection matrices. # Cerebral Cortex, # 10, 127-141 (2000). # Stanley, H. E. # Introduction to Phase ~~Transitions and Critical Phenomena ~~(Oxford University Press, ~~Oxford, 1971). # Stark, D. C. Recombinant property in East European capitalism. # American Journal of Sociology, # 101(4), 993-1027 (1996). ~~---. Heterarchy: Distributing authority and organizing diversity. ~~In Clippinger, J. H. (ed.), # The Biology of Business: ~~Decoding the Natural Laws of the Enterprise ~~(Jossey-Bass, San ~~Francisco, 1999), chapter 7. # Stark, D. C., and Bruszt, L. Postsocialist Pathways: Transforming Politics and Property in East ~~Central Europe ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1998). # Stauffer, D., and Aharony, A. # Introduction to Percolation Theory ~~(Taylor and Francis, ~~London, 1992). # Stein, D. L. Disordered systems: Mostly spin systems. In Stein, ~~D. L. (ed.), # Lectures in the Sciences of ~~Complexity, # vol. I, Santa Fe Institute Studies in the ~~Sciences of Complexity (Addison-Wesley, Reading, MA, 1989), pp. 301-354. # Strogatz, S. H. # Nonlinear Dynamics and ~~Chaos with Applications to Physics, Biology, Chemistry, and ~~Engineering ~~(Addison-Wesley, Reading, MA, 1994). ~~---. Norbert Wiener’s brain waves. In Levin, S. A. (ed.), # Frontiers in Mathematical Biology, Lecture Notes ~~in Biomathematics, 100 ~~(Springer, New York, 1994), pp. ~~122-138. ~~---. Exploring complex networks. # Nature, # 410, 268-275 (2001). ~~---. # Sync: The Emerging Science of ~~Spontaneous Order ~~(Hyperion, Los Angeles, 2003). # Strogatz, S. H., and Stewart, I. Coupled oscillators ms336 and ~~biological synchronization. # Scientific ~~American, # 269(6), 102-109 (1993). # Travers, J., and Milgram, S. An experimental study of the small ~~world problem. # Sociometry, # 32(4), 425-443 ~~(1969). # Valente, T. W. # Network Models of the ~~Diffusion of Innovations ~~(Hampton Press, Cresskill, NJ, ~~1995). # Van Zandt, T. Decentralized information processing in the theory ~~of organizations. In Sertel, M. (ed.), # Contemporary ~~Economic Issues, # vol. 4: # Economic ~~Design and Behavior ~~(Macmillan, London, 1999), chapter 7. # Wagner, A., and Fell, D. The small world inside large metabolic ~~networks. Proceedings of the Royal Society of ~~London, Series B, # 268, 1803-1810 (2001). # Waldrop, M. M. # Complexity: The Emerging ~~Science at the Edge of Order and Chaos ~~(Touchstone, New York, ~~1992). # Walsh, T. Search in a small world. Proceedings of the 16th International Joint Conference on Artificial ~~Intelligence ~~(Morgan Kaufmann, San Francisco, 1999), pp. ~~1172-1177. # Ward, A., Liker, J. K., Cristiano, J. J., and Sobek, D. K. The ~~second Toyota paradox: How delaying decisions can make better cars faster. # Sloan Management Review, # 36(3), 43-51 ~~(1995). # Wasserman, S., and Faust, K. # Social ~~Network Analysis: Methods and Applications ~~(Cambridge ~~University Press, Cambridge, 1994). # Watts, D. J. Networks, dynamics and the small-world phenomenon. # American Journal of Sociology, # 105(2), 493-527 (1999). ~~---. # Small Worlds: The Dynamics of ~~Networks between Order and Randomness ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, 1999). ~~---. A simple model of global cascades on random networks. Proceedings of the National Academy of ~~Sciences, # 99, 5766-5771 (2002). # Watts, D. J., Dodds, P. S., and Newman, M. E. J. Identity and ~~search in social networks. # Science, # 296, ~~1302-1305 (2002). # Watts, D. J., and Strogatz, S. H. Collective dynamics of ~~'small-world’ networks. # Nature, # 393, ~~440-442 (1998). # West, D. B. # Introduction to Graph ~~Theory ~~(Prentice-Hall, Upper Saddle River, NJ, ~~1996). # White, H. C. What is the center of the small world? (paper ~~presented at American Association for the Advancement of Science annual ~~symposium, Washington, D.C., February 17-22, 2000). # White, H. C., Boorman, S. A., and Breiger, R. L. Social structure ms337 ~~from multiple networks. I. Blockmodels of roles and positions. # American Journal of Sociology, # 81(4), 730-780 ~~(1976). # Wildavsky, B. Small world, isn’t it? # U. ~~S. News and World Report, # April 1, 2002, p. ~~68. # Williamson, O. E. # Markets and ~~Hierarchies ~~(Free Press, New York, 1975). ~~---. Transaction cost economics and organization theory. In ~~Smelser, N. J., and Swedberg, R. (eds.), # The ~~Handbook of Economic Sociology ~~(Princeton University Press, Princeton, NJ, 1994), pp. 77-107. # Winfree, A. T. Biological rhythms and the behavior of populations ~~of coupled oscillators. # Journal of Theoretical ~~Biology, # 16, 15-42 (1967). ~~---. # The Geometry of Biological ~~Time ~~(Springer, Berlin, 1990). # WSCC Operations Committee. # Western ~~Systems Coordinating Council Disturbance Report, August 10, ~~1996 ~~(October 18, 1996). Available on-line at ~~http://www.wscc.com/outages.htm. # Zipf, G. K. # Human Behavior and the Principle of Least Effort ~~(Addison-Wesley, Cambridge, MA, ~~1949). ms338