######OpenITI# #META# URI: 1450AmiraCaliCabdSaduq.HubbImraaTayyiba.Hindawi51693975 #META# Tags: literature #META# ID: 51693975 #META# Title: حب امرأة طيبة #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 59292641 #META# Editor: إيمان عبد الغني نجم #META# TranslatorID: 27426846 :: 31862463 #META# Translator: أميرة علي عبد الصادق :: شهاب ياسين #META# Related_books: 1450AliceMunro.LoveOfGoodWoman (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # شكر وتقدير‏ # حب امرأة طيبة‏ # جاكارتا‏ # جزيرة كورتز‏ # عدا الحاصدين‏ # ستبقى الطفلتان‏ # ثراء فاحش‏ # قبل التغيير‏ # حلم أمي‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # شكر وتقدير‏ # حب امرأة طيبة‏ # جاكارتا‏ # جزيرة كورتز‏ # عدا الحاصدين‏ # ستبقى الطفلتان‏ # ثراء فاحش‏ # قبل التغيير‏ # حلم أمي‏ # | حب امرأة طيبة # | حب امرأة طيبة # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # أميرة علي عبد الصادق # شهاب ياسين # مراجعة # إيمان عبد الغني نجم # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # مجموعة قصصية رائعة ... أخاذة ... إن الإحساس العالي الذي تتعامل به مونرو مع ~~شخصياتها لا يقل أصالة ونقاء عن إحساس تشيكوف. # ذا نيويورك تايمز بوك ريفيو # تثبت لنا مونرو فهمها العميق للطبيعة البشرية الذي يتجاوز حدود قدراتنا الطبيعية على ~~الفهم، في صفحات هذه المجموعة الرائعة ... المعجزة في تفاصيلها وتطابقها المذهل مع ~~الواقع. # ذا وول ستريت جورنال # رائعة ... عظيمة ... إنها كاتبة لكل العصور. # نيوزداي # نبيلة ... آسرة للألباب ... يبدو أنها تكتب روايات بأكملها ببضعة آلاف من الكلمات فحسب، ~~ثم تتركنا في حيرة نتساءل عما يفعل الروائيون التقليديون في صفحاتهم الكثيرة المبالغ ~~فيها. # ذا فيلادلفيا إنكوايرر # أليس مونرو واحدة من أفضل كتاب القصة القصيرة الحاليين، وتدفع قصصها المرء إلى ~~التفكير مليا في سر سحرها الخلاب. # ذا واشنطن تايمز # جذابة ... مثيرة للعاطفة ... تستهدف أليس مونرو موضوعات مهمة - كالحب والموت، العاطفة ~~والخيانة، الطموح وخيبة الأمل - بأسلوب نثري سلس ثري بالتفاصيل. # ذا سان دييجو يونيون-تريبيون # مذهلة ... ومثيرة ... ويصعب التنبؤ بأحداثها ... مونرو ليست فقط واحدة من أعظم كتاب ~~العالم، وإنما هي أيضا أحد المؤلفين الصادمين الذين لا يخشون أبدا كشف الستار عن ~~الحقائق المعقدة لتجارب المرأة. # فرانسين بروز، مجلة «إل» # رواية مونرو أشبه بالعمل الاستخباراتي الذي يضم معلومات وفيرة تفي بحاجة القارئ إلى ~~المعرفة، دون أن تتعدى على - أو تقلل من قدر - الغموض المحوري الذي هو مصدر عظمة كل ~~الفنون. # شيكاجو تريبيون # تعد تلك المجموعة أشبه بالنجوم النابضة؛ فالقليل من الكلمات البراقة يزن الكثير ... فكل ~~هذا التعقيد الذي تنطوي عليه الرواية منظوم في ms001 عشرات من الصفحات فحسب. # ذا بلين ديلر # أليس مونرو هي تشيكوف هذا العصر، ولسوف يبقى ذكرها أطول من أي من معاصريها. # سينثيا أوزيك # لا جدال في أن أليس مونرو «أستاذة» فن القصة القصيرة ~~... يصعب أن نتخيل أن هناك مجموعة قصصية أفضل ~~من هذه. # ذا واشنطن بوست بوك وورلد # مجموعة قصصية رائعة ... آسرة للألباب ... تتخلل فيها اللحظات الشاعرية السرد القصصي ~~الواقعي بمقادير مضبوطة ليس فيها زيادة أو نقصان. # سان فرانسيسكو كرونيكل # إلى آن كلوس # محررتي القديرة وصديقتي الدائمة. # | شكر وتقدير # فيما يتعلق ببعض المعلومات المتخصصة التي كانت ضرورية لهذه القصص، أتوجه بعميق الشكر ~~والتقدير إلى كل من روث روي، وماري كار، ودي سي كولمان. كذلك أتقدم بخالص الشكر إلى ريج ~~تومبسون لبذله جهدا بحثيا بارعا كان مصدر إلهام لي في الكثير من المواضع. # | حب امرأة طيبة # على مدى العقدين الماضيين، كرس متحف في والي لحفظ الصور، ومماخض اللبن، وعدد الخيل، ~~إضافة إلى كرسي عيادة أسنان قديم، ومقشرة تفاح ضخمة وغريبة الشكل، وغير ذلك من المقتنيات ~~النادرة مثل العوازل الكهربائية الصغيرة جميلة الشكل المصنوعة من الخزف والزجاج التي كانت ~~تستخدم على أعمدة التلغراف. # احتوى ذلك المتحف كذلك على صندوق أحمر منقوش عليه «دكتور ويلينس، أخصائي بصريات»، وملحوظة ~~بجانب الاسم نصها: «يتمتع هذا الصندوق الذي يحتوي على أدوات أخصائي بصريات - بالرغم من عدم ~~قدمه - بأهمية كبيرة على المستوى المحلي؛ إذ إنه يخص الدكتور ويلينس الذي غرق في نهر ~~بيريجرن عام 1951. ولم يتأثر هذا الصندوق بالحادث المؤسف، وعثر عليه - فيما يبدو - متبرع ~~مجهول الهوية، وهو الذي أرسله إلى المتحف لضمه إلى مجموعة التحف المعروضة لدينا.» # قد يذكرك منظار العين الموجود في هذا ~~الصندوق برجل الثلج؛ فالجزء العلوي منه - وهو الجزء المثبت فوق مقبض مقعر - عبارة عن قرص ~~كبير يعلوه قرص أصغر حجما. ويحتوي هذا القرص الكبير على ثقب للنظر عبره عند تحريك العدسات ~~المتعددة. أما المقبض، فهو ثقيل الوزن؛ لأنه لا يزال يحتوي على البطاريات بداخله. وإذا ~~أخرجت هذه البطاريات منه، ووضعت - بدلا منها ms002 - قضيب التوصيل المزود مع المجموعة، الذي ~~يحتوي على قرص بكلا طرفيه، فسيمكنك توصيل سلك كهربي به. لكن ربما كان من الضروري استخدام ~~هذه الأداة في أماكن تخلو تماما من الكهرباء. # يبدو منظار الشبكية أكثر تعقيدا من ذلك؛ فأسفل أداة تثبيت الجبهة الدائرية يوجد شيء شبيه ~~برأس الجني الصغير المصور في حكايات الجن، له واجهة مسطحة مستديرة وغطاء معدني مستدق ~~الطرف. ويميل هذا الشيء بزاوية مقدارها خمس وأربعون درجة ناحية عمود رفيع من المفترض أن ~~ينبعث من أعلاه مقدار بسيط من الضوء. والواجهة المسطحة مصنوعة من الزجاج، وهي أشبه بمرآة ~~داكنة. # طغا اللون الأسود على كافة الأدوات، لكنه لم يكن سوى طلاء. وفي بعض المواضع التي احتكت ~~بها يدا أخصائي البصريات كثيرا، زال هذا الطلاء، وصار من الممكن رؤية رقعة من المعدن الفضي ~~اللامع أسفله. ~~(1) جوتلند # اسم هذا المكان جوتلند. وقد ضم في السابق طاحونة ومستوطنة صغيرة، لكن كل هذه ~~الملامح اختفت بحلول نهاية القرن الماضي. ولم يحظ هذا المكان بأي أهمية في أي مرحلة من ~~تاريخه على الإطلاق. واعتقد الكثير من الناس أنه سمي بهذا الاسم تيمنا بالمعركة ~~البحرية الشهيرة التي اندلعت أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن الحقيقة هي أن هذا ~~المكان بأكمله قد تحول إلى أطلال قبل تلك المعركة بسنوات. # لكن الصبية الثلاثة، الذين ذهبوا إلى ~~ذلك المكان في الصباح الباكر من أحد أيام السبت في ربيع عام 1951، ظنوا - شأنهم شأن ~~معظم الأطفال آنذاك - أن هذا الاسم الذي يعني «الأرض الناتئة» مستوحى من الألواح ~~الخشبية القديمة الناتئة من الأرض على ضفة النهر، وغيرها من الألواح الأخرى السميكة ~~المستقيمة التي برزت عموديا في المياه بالقرب من الضفة لتصنع سياجا غير مستو من ~~الأوتاد الخشبية (كانت هذه الأخشاب في الواقع بقايا سد قديم شيد قبل عصر السدود ~~الأسمنتية). الألواح الخشبية، وكومة من أحجار البناء، وشجيرة ليلك، وبعض أشجار التفاح ~~الضخمة التي شوهها مرض العقد السوداء، والقناة الضحلة التي كانت تزود الطاحونة بالمياه ~~وتمتلئ بأعشاب القراص في فصل الصيف، كانت هذه هي ms003 الآثار الوحيدة الأخرى المتبقية ~~التي تدل على ما كان موجودا في ذلك المكان فيما مضى. # كان هناك طريق، أو بالأحرى مسار ضيق، متفرع من طريق البلدة، لكنه لم يرصف قط ~~بالحصى، وبدا على الخرائط كخط منقط فقط؛ فقد كان أرضا احتفظت بها الحكومة لإقامة ~~طريق عام عليها. اعتاد الناس قيادة سياراتهم على هذا الطريق في فصل الصيف وصولا إلى ~~النهر لممارسة السباحة، كذلك كان مهما للأحبة الذين يبحثون عن مكان لإيقاف سياراتهم ~~ليلا. وكان هناك منعطف قبل الوصول إلى القناة، لكن المنطقة بأكملها اجتاحتها أعشاب ~~القراص ونباتات الهرقلية الصوفية وأعشاب الشوكران البرية الخشبية في السنوات كثيرة ~~الأمطار، الأمر الذي أجبر بعض السيارات أحيانا على الرجوع للخلف للخروج من ذلك الطريق ~~واستخدام الطريق المهيأ للسير عليه. # كان من اليسير في صباح ذلك اليوم الربيعي ملاحظة آثار السيارة التي وصلت إلى حافة ~~المياه. بيد أنها لم تلفت نظر الصبية الثلاثة الذين لم يشغل تفكيرهم سوى السباحة فقط، ~~أو هكذا سيسمونها على الأقل، عندما يعودون للبلدة ويخبرون الناس بأنهم سبحوا في ~~جوتلند قبل ذوبان الجليد. # اتسم ذلك المكان الموجود أعلى النهر بأنه أكثر برودة من المسطحات المتكونة من رواسب ~~النهر والقريبة من البلدة. لم تكن قد نمت بعد أي أوراق على الأشجار الموجودة على ضفة ~~النهر، واللون الأخضر الوحيد الذي كان من الممكن رؤيته هو لون رقع الكراث على الأرض، ~~ونباتات قطيفة الأهوار النضرة مثل السبانخ، التي انتشرت بطول أي مجرى صغير شق طريقه ~~وصولا إلى النهر. وعلى الضفة المقابلة تحت بعض أشجار الأرز، رأى الصبية ما كانوا ~~يبحثون عنه على وجه التحديد، ألا وهو كتلة ثلجية متصلبة، ممتدة لمسافة طويلة ومنخفضة ~~الارتفاع، رمادية اللون مثل الحجارة. # لم يكن الثلج قد ذاب بعد. # عزم الصبية على القفز في الماء واستشعار الصقيع كطعنات خناجر ثلجية تخترق أجسادهم ~~لتصل إلى ما وراء أعينهم وإلى أعلى جماجمهم من الداخل، وبعدها يحركون أذرعهم وسيقانهم ~~بضع مرات، ثم يخرجون بصعوبة من الماء، مصدرين أصواتا كأصوات البط من أفواههم ms004 وصريرا ~~من أسنانهم، ويدفعون أطرافهم الخدرة في الملابس، فيشعرون بألم عودة الدماء تجري في ~~أجسادهم؛ ومن ثم الارتياح لتحقيق ما سيتباهون به. # امتدت آثار السيارات التي لم يلاحظها هؤلاء الصبية إلى القناة المائية التي خلت من أي ~~أعشاب أو نباتات آنذاك، ولم تحتو إلا على بعض حشائش العام الماضي الميتة التي استحال ~~لونها إلى الصفرة وطفت على السطح. امتدت الآثار عبر القناة وحتى النهر دون أي شيء يدل ~~على محاولة دوران السيارة للخلف. خطا الصبية فوقها، لكنهم كانوا قد اقتربوا للغاية ~~حينذاك من الماء، الأمر الذي حال دون أن يلفت انتباههم أي شيء، حتى وإن كان أكثر غرابة ~~من آثار سيارة على الأرض في هذا المكان. # كانت هناك لمعة من اللون الأزرق الباهت في الماء، لكنها لم تكن منعكسة من السماء، ~~وإنما كانت لسيارة غارقة في وضع مائل في البركة التي تزود الطاحونة بالماء، بحيث غرز ~~الإطاران الأماميان والمقدمة في الوحل بالقاع، في حين برز الجزء العلوي من السيارة ~~بالكاد فوق سطح الماء. كان اللون الأزرق الفاتح لونا غير مألوف كطلاء للسيارات آنذاك، ~~كذلك شكل تلك السيارة ذات المنحنى البارز أيضا، الأمر الذي ساعد الصبية في التعرف ~~عليها على الفور. إنها السيارة الإنجليزية الصغيرة - طراز أوستن - والوحيدة من نوعها ~~بلا شك في المقاطعة بأسرها. كانت سيارة السيد ويلينس، أخصائي البصريات، الذي كان يشبه ~~الشخصيات الكرتونية عند قيادته لها؛ إذ كان قصيرا، مكتنز الجسم، عريض المنكبين، وكبير ~~الرأس. بدا دوما محشورا في سيارته الصغيرة كما لو كانت بذلة تكاد تتمزق فوق ~~جسده. # احتوى سقف السيارة على جزء متحرك اعتاد السيد ويلينس فتحه في الطقس الدافئ، وقد كان ~~مفتوحا عند عثور الصبية على السيارة، لكنهم لم يتبينوا جيدا ما كان بالداخل. ولون ~~السيارة جعل شكلها واضحا في الماء، لكن هذا الماء لم يكن نظيفا تماما، حتى إنه أعتم ~~الأجزاء غير الواضحة من السيارة. جثم الصبية على ضفة النهر، ثم استلقوا على بطونهم ~~ودفعوا رءوسهم للخارج مثل السلاحف محاولين النظر داخل السيارة . رأوا ms005 شيئا داكن اللون ~~ومكسوا بالفراء يشبه ذيل حيوان كبير، وكان ذلك الشيء مدفوعا عبر الفتحة الموجودة ~~بالسقف، ويتحرك بتراخ في الماء، وسرعان ما اتضح لهم أنها ذراع مغطاة بكم معطف داكن ~~اللون مصنوع من نسيج ثقيل كثير الزغب، وبدا أن ثمة جثة داخل السيارة - بالتأكيد جثة ~~السيد ويلينس - في وضع غريب؛ فلا بد أن قوة المياه - التي كانت شديدة في ذلك الوقت من ~~العام؛ حتى في بركة المياه الصغيرة التي تزود الطاحونة بالماء - رفعت السيد ويلينس ~~على نحو ما من مقعده ودفعته في ناحية أخرى بحيث صارت إحدى كتفيه قرب سقف السيارة فخرجت ~~منه إحدى ذراعيه. أما رأسه، فقد ارتطم بالتأكيد بالنافذة والباب المجاورين لمقعد ~~السائق، وانغرز أحد الإطارين الأماميين لعمق أكبر في قاع النهر من الإطار الآخر، ما عنى ~~أن السيارة كانت مائلة على أحد جانبيها، مثل ميلها من الخلف للأمام. ولا بد أن النافذة ~~كانت مفتوحة ويبرز منها رأس الجثة ليكون ذلك وضع باقي الجسم. لم يتمكن الصبية من رؤية ~~ذلك، لكنهم تصوروا وجه السيد ويلينس كما يعرفونه؛ وجها مربعا ضخما ارتسم عليه عادة ~~نوع من العبوس المتكلف الذي لم يخف أحدا قط بحق. أما شعره المجعد الخفيف، فكان ~~مائلا للون الأحمر أو النحاسي في الجزء العلوي منه، وكان يصففه على نحو مائل فوق ~~جبهته، وكان لون حاجبيه أغمق من شعره، كما كانا كثيفين ومجعدي الشعر كما لو كانا ~~يرقانتين ملتصقتين أعلى عينيه. كان وجها قبيحا بالفعل في نظر الصبية، شأنه شأن الكثير ~~من وجوه البالغين الآخرين، ولم يخشوا رؤيته غارقا، لكن كل ما تمكنوا من رؤيته هما تلك ~~الذراع واليد الشاحبتين. واستطاعوا رؤية اليد بوضوح ما إن اعتادوا النظر عبر الماء، ~~كانت تطفو هناك مترنحة كالريشة، وإن بدت كعجينة متصلبة. ومع اعتيادهم على رؤيتها، صار ~~مظهرها عاديا؛ فبدت الأظافر كالوجوه الصغيرة الجميلة التي ترتسم عليها نظرة ترحيب ~~عادية مدركة، تبرأ من الظروف المفروضة عليها. # قال الصبية في ذهول: «يا للهول!» قالوها بقوة وبنبرة تدل على احترام عميق، ms006 بل وامتنان ~~أيضا. «يا للهول!» ~~••• # كانت تلك هي المرة الأولى التي يخرجون فيها ذلك العام. عبروا الجسر الذي يعلو نهر ~~بيريجرن - وهو جسر من حارة واحدة ومقطعين - والذي يعرف محليا باسم «بوابة جهنم» أو ~~«شرك الموت»، مع أن الخطر الحقيقي كان في المنعطف الحاد في الطرف الجنوبي من الطريق ~~أكثر من الجسر نفسه. # كان هناك ممر مستو للمشاة، لكنهم لم يستخدموه، أو بالأحرى لم يتذكروا قط استخدامهم ~~له؛ فربما كانوا يفعلون ذلك قبل ذلك الحين بسنوات، عندما كانوا صغارا يحملون على ~~الأيدي. لكن ذلك العهد قد ولى في نظرهم؛ وكانوا يرفضون الإقرار به حتى وإن عرضت عليهم ~~أدلة مشيرة إليه في صور التقطت لهم أو أجبروا على الاستماع إلى هذه الأدلة في إحدى ~~المحادثات العائلية. # أما الآن، فقد صاروا يسيرون بمحاذاة الرصيف الحديدي الممتد على الجانب الآخر من الجسر ~~المقابل لممر المشاة. بلغ عرض ذلك الرصيف ثماني بوصات، وبلغ ارتفاعه قدما أو نحو ذلك ~~فوق أرضية الجسر. دفع نهر بيريجرن ثلوج الشتاء وجليده - الذي ذاب بحلول ذلك الوقت - نحو ~~بحيرة هورون. وأصبحت المياه محصورة بالكاد بين ضفتيه بعد الفيضان السنوي الذي حول ~~المسطحات المترسبة بجانبه إلى بحيرة، واقتلع الأشجار الصغيرة من جذورها، وأطاح بأي قارب ~~أو كوخ مر عليه. وبسبب الرواسب الفيضانية التي أتت من الحقول وعكرت صفو المياه ~~بالوحل، وضوء الشمس الباهت المنعكس على صفحة النهر، بدت المياه كبودنج الباترسكوتش الذي ~~يغلي على النار، لكنك إذا نزلت فيها، فسوف تجمد الدم في عروقك وتقذف بك في البحيرة، هذا ~~إذا لم تهشم رأسك على الدعامات الخشبية أولا. # أطلقت السيارات نفيرها - تحذيرا أو توبيخا للصبية الثلاثة - لكنهم لم يلقوا لها ~~بالا، وواصلوا سيرهم صفا واحدا بهدوء كالسائرين نياما. ثم في الطرف الشمالي للجسر، ~~سلكوا طريقا مختصرا وصولا إلى الأراضي المسطحة، مع محاولة تحديد أماكن المسارات التي ~~يتذكرونها من العام السابق. لم يمر وقت طويل على الفيضان، ما صعب اتباع هذه المسارات، ~~فكان عليهم شق طريقهم فيها بين الأغصان المقطوعة، والقفز بين ms007 أكوام الحشائش الملتصقة ~~بفعل الوحل، وكان أولئك الصبية يقفزون أحيانا بلا مبالاة، فيهبطون في الوحل أو برك ~~المياه التي خلفها الفيضان. وعندما كانت أرجلهم تبتل، كانوا لا يبالون بعد ذلك ~~بموطئها. أخذوا يخوضون في الوحل، وينثرون المياه بإنزال أرجلهم في البرك، ما جعل المياه ~~تصل إلى أعلى أحذيتهم الطويلة الرقبة المصنوعة من المطاط. كانت الرياح دافئة؛ فمزقت ~~السحب مكونة أشكالا تشبه خيوط الصوف القديم، وكانت طيور النورس والغربان تتشاجر ~~وينقض بعضها على بعض فوق النهر. حامت الصقور الجارحة أيضا فوقهم مراقبة إياهم من ~~أعلى؛ وطيور أبو الحناء أيضا عادت لتوها، وطيور الشحرور ذات الأجنحة الحمراء انطلقت في ~~أزواج، عاكسة ألوانا براقة كأنها غمست في طلاء ما. ~~«ليتنا أحضرنا بندقية الصيد عيار 22.» ~~«ليتنا أحضرنا بندقية الصيد عيار 12.» # لقد كانوا أكبر من أن يرفعوا العصي الخشبية ويقلدوا صوت إطلاق الرصاص؛ فكانوا يتحدثون ~~بنبرة آسفة اعتيادية، كما لو كانت هذه الأسلحة متوفرة لديهم بالفعل. # تسلقوا الضفاف الشمالية وصولا إلى مكان مغطى بالرمال المكشوفة التي من المفترض أن ~~تضع فيها السلاحف بيضها. لكن الأوان كان مبكرا على ذلك، كما أن هذه القصة الخاصة ببيض ~~السلاحف يرجع تاريخها إلى سنوات عديدة سابقة، ولم يرها أي من هؤلاء الصبية قط من ~~قبل. لكنهم مع ذلك ركلوا الرمال وداسوا عليها؛ تحسبا لاكتشاف أي من هذا البيض. ~~تلفتوا، بعد ذلك، حولهم بحثا عن المكان الذي عثر فيه أحدهم العام الماضي - برفقة صبي ~~آخر - على جزء من هيكل عظمي لبقرة جرفه الفيضان من مخلفات أحد المجازر، فكان من المعتاد ~~كل عام أن يجرف النهر عددا كبيرا من الأشياء المدهشة أو التافهة، العجيبة أو العادية، ~~ويرسبها في مكان آخر. ومن الأمثلة على ذلك لفائف من الأسلاك، أو سلم نقال سليم، ~~أو مجرفة منثنية، أو إناء صنع الفشار. وقد عثر الصبيان على عظم البقرة معلقا في ~~أحد فروع شجرة سماق - الأمر الذي بدا ملائما؛ لأن كل هذه الأفرع اللينة بدت مشابهة ~~لقرون الأبقار أو الغزلان، وكان لبعضها أطراف مخروطية صدئة اللون. ms008 # أخذوا يتجولون في المكان بعض الوقت، فأشار سيسي فيرنس إلى فرع الشجرة الذي عثر على ~~العظم عليه بالضبط، لكنهم لم يعثروا على أي شيء. # كان سيسي فيرنس ورالف ديلر هما من اكتشفا العظم، وعند سؤالهما عن مكانه الآن، قال ~~سيسي فيرنس: «لقد أخذه رالف معه.» علم الصبيان، اللذان كانا مع سيسي الآن - وهما جيمي ~~بوكس وباد سولتر - السبب وراء صدق سيسي في حديثه، فما كان بوسعه اصطحاب أي شيء معه إلى ~~المنزل، إلا إذا كان بحجم يسمح له بإخفائه من والده. # تبادلوا أطراف الحديث، بعد ذلك، عن الأشياء الأكثر نفعا التي يمكن العثور عليها أو ~~عثر عليها بالفعل في السنوات الماضية؛ فألواح الأسياج الخشبية يمكن استخدامها في صنع ~~الأطواف؛ وقطع الأخشاب المتناثرة يمكن جمعها لتصميم كوخ أو قارب، وإذا حالفك الحظ، ~~فستعثر على بعض أشراك فئران المسك المفككة. يمكنك حينئذ بدء مشروعك الخاص؛ فيمكنك ~~جمع ما يكفي من الأخشاب لصنع ألواح لشد الجلود، وسرقة السكاكين لنزع هذه الجلود من على ~~الفئران. كذلك تحدث الصبية عن الاستيلاء على حظيرة فارغة يعرفونها في الزقاق المظلم ~~الموجود خلف ما كان يستخدم في السابق كإسطبل للخيول. كانت تلك الحظيرة مغلقة بالقفل، ~~لكن يمكن الدخول إليها عبر النافذة بعد إزالة الألواح الخشبية عنها في الليل ووضعها ~~ثانية مع بزوغ الفجر. يمكن كذلك اصطحاب كشاف كهربائي لاستخدامه هناك. لا، ليس كشافا ~~كهربائيا، وإنما قنديل. يمكن بذلك نزع الجلود عن فئران المسك، وشدها، وبيعها مقابل ~~الكثير من المال. # عاش الصبية في تصور هذا المشروع كأنه واقع، لدرجة جعلتهم يبدءون في القلق بشأن ترك أي ~~جلود ذات قيمة في الحظيرة طوال اليوم، وكان على أحدهم مراقبة المكان، بينما يخرج ~~الآخرون للبحث عن الأشراك (لم يذكر أحد المدرسة). # هكذا كانت طبيعة حديث أولئك الصبية عند ابتعادهم عن البلدة؛ كانوا يتحدثون كما لو ~~كانوا أفرادا مستقلين، أو شبه مستقلين، وكأنهم لا يذهبون إلى المدرسة، أو يعيشون مع ~~أسرهم، أو يعانون من أي صور للمهانة والذل بسبب سنهم الصغيرة. كانوا يتحدثون ms009 كذلك كما ~~لو كان الريف والمنشآت التي تخص أشخاصا آخرين ستوفر لهم ما يحتاجون إليه لتنفيذ ~~مشروعاتهم ومغامراتهم، مع أقل قدر ممكن من المخاطرة والجهد من جانبهم. # من الملامح الأخرى للتغير في حديثهم خارج البلدة أنهم كانوا يتخلون جزئيا عن ~~استخدام الأسماء؛ فلم يناد بعضهم بعضا بأسمائهم الحقيقية كثيرا على أي حال، ولا حتى ~~بألقاب أسرهم، مثل باد. لكن كان لأغلب الأشخاص في المدرسة أسماء أخرى، ارتبط بعض هذه ~~الأسماء بمظهر الشخص أو طريقة حديثه، مثل الجاحظ أو المتلعثم، والبعض ~~الآخر - مثل مغتصب الدجاجات وذي المؤخرة ~~المتقرحة - ارتبط بأحداث حقيقية أو متخيلة في حياة من تطلق عليهم هذه الأسماء، أو ~~حياة إخوانهم أو آبائهم أو أعمامهم وأخوالهم، وتكون الأسماء في هذه الحالة قد تداولتها ~~الألسنة على مدار عقود من الزمان. كانت هذه الأسماء هي التي يتخلون عنها عند خروجهم ~~إلى الأحراش أو ضفاف النهر. وعند الحاجة للفت بعضهم نظر بعض، كانوا يصيحون: «يا صاح!» ~~حتى استخدام الأسماء البذيئة والفاحشة التي من المفترض أنها لم تتردد إطلاقا على مسامع ~~الكبار كان سيفسد تلك الحالة التي كانت تنتابهم في تلك الأوقات؛ حالة التسليم بمظهرهم، ~~وعاداتهم، وأسرهم، وتاريخهم الشخصي بالكامل. # ومع ذلك، فقد كانوا لا يعتبرون أنفسهم أصدقاء، ولا يتخذ بعضهم من بعض أخلاء مقربين أو ~~أخلاء مقربين بدلاء، أو يستبدلونهم كما تفعل الفتيات؛ فأي صبي من بين عشرة صبية على ~~الأقل يمكن استبداله بأي من أولئك الثلاثة، ويتقبله الآخرون على النحو نفسه بالضبط. ~~تراوحت أعمار هؤلاء الصبية بين التاسعة والثانية عشرة؛ أي أكبر من أن يقيدوا باللعب ~~في الأفنية والأحياء السكنية، وأصغر من الاشتغال بأي وظيفة، بما في ذلك كنس الأرصفة ~~أمام المتاجر أو توصيل طلبات البقالة بالدراجات. عاش أغلبهم في الطرف الشمالي من ~~البلدة، ما عنى أنه كان من المتوقع اشتغالهم بهذا النوع من الوظائف بمجرد وصولهم إلى ~~السن المناسبة، وعدم إرسالهم إلى كلية آبلبي أو كلية كندا العليا. ولم يعش أي منهم في ~~كوخ، وما كان لهم أقرباء في السجن. ms010 كانت هناك اختلافات بارزة أيضا بين طبيعة حياتهم في ~~المنزل وما هو متوقع منهم في الحياة، لكن هذه الاختلافات سرعان ما كانت تتلاشى ~~بابتعادهم عن سجن المقاطعة وصومعة الغلال التي تعمل بالآلات، وأبراج الكنيسة، وأجراس ~~ساعة قاعة المحكمة. ~~••• # أسرع الصبية الثلاثة في خطاهم في طريق عودتهم إلى منازلهم، هرولوا، لكن دون ركض. لم ~~يقفزوا، أو يتسكعوا، أو يرشوا المياه. لقد نسوا كل ذلك، وكذلك الأصوات التي كانوا ~~يصدرونها من صياح وعواء. وأي شيء جرفته مياه الفيضان لاحظوه، لكنهم تجاوزوه دون اكتراث. ~~لقد ساروا، في الواقع، كما يفعل الكبار، بسرعة ثابتة قليلا، وباتباع أكثر السبل ~~عقلانية؛ فقد شغلهم أين سيذهبون وماذا ستكون خطوتهم التالية. كانت ثمة صورة تلوح أمام ~~أعينهم وتحول بينهم وبين العالم؛ الأمر الذي يبدو عليه الكبار أغلب الوقت. إنها صورة ~~البركة والسيارة والذراع واليد. فكروا أنهم عند وصولهم إلى بقعة معينة، سيبدءون في ~~الصياح، سيدخلون البلدة وهم يصرخون معلنين عما لديهم من أنباء، وسيتسمر الجميع في ~~أماكنهم ليستوعبوا ما حدث. # عبروا الجسر بطريقتهم المعتادة؛ على الرصيف الحديدي، لكن لم تراودهم أي مشاعر مخاطرة ~~أو شجاعة أو عدم اكتراث، ولربما أيضا ساروا على الممشى. # وبدلا من الطريق ذي المنعطف الحاد الذي يمكن الوصول منه إلى المرفأ والميدان، صعدوا ~~ضفة النهر مباشرة متبعين طريقا قريبا من مرائب السكك الحديدية. دقت أجراس الساعة ~~معلنة انقضاء ربع ساعة بعد الساعة الثانية عشرة. ~~••• # كان ذلك موعد عودة الناس إلى منازلهم لتناول وجبة الغداء، ومن كانوا يعملون في ~~المكاتب كانوا يحصلون على إجازة بقية اليوم، أما من يعملون في المتاجر، فكانوا يحصلون ~~على ساعة الراحة الاعتيادية؛ إذ كانت المتاجر تظل مفتوحة حتى الساعة العاشرة أو الحادية ~~عشرة مساء السبت. # كان أغلب الناس في طريقهم إلى منازلهم لتناول وجبة ساخنة مشبعة من شرائح اللحم أو ~~السجق أو اللحم البقري المسلوق أو اللحم المملح، إلى جانب بعض البطاطس بالتأكيد، سواء ~~المهروسة أو المقلية؛ وبعض الخضراوات الجذرية المخزنة من الشتاء أو الملفوف أو البصل ~~بالكريمة (وبعض الزوجات، ms011 الأيسر حالا أو الأقل مهارة، كن يفتحن علبة من البازلاء أو ~~الفاصوليا البيضاء)، هذا إلى جانب الخبز وكيك المافن والأطعمة المحفوظة والفطائر. حتى ~~أولئك الذين لا يملكون منزلا في البلدة يرجعون إليه في هذه الساعة، أو من كان لديهم ~~سبب ما يجعلهم لا يرغبون في العودة إليه؛ كانوا يتناولون نفس نوع الطعام تقريبا في ~~مطعم ديوك أوف كمبرلاند أو فندق ميرشانتس هوتيل، أو يحصلون عليه مقابل قدر أقل من المال ~~وهم جالسون خلف النوافذ الضبابية لحانة شيرفيلز ديري بار. # كان أغلب من يسيرون عائدين إلى منازلهم لتناول هذه الوجبة من الرجال، أما السيدات، ~~فكن بالمنزل بالفعل - فقد كن هناك على الدوام - لكن ثمة سيدات، ممن كن في ~~منتصف العمر وعملن أيضا في المتاجر أو المكاتب لسبب ما ليس بأيديهن حيلة بشأنه - كوفاة ~~أزواجهن أو مرضهم أو عدم تزوجهن في الأساس - كن صديقات أمهات هؤلاء الصبية؛ ومن ثم، ~~اعتدن إلقاء التحية عليهم، حتى لو كانوا يسيرون على الجانب الآخر من الطريق على نحو ~~معين يوحي بالمرح والاستمتاع يذكر الصبية بأن هؤلاء السيدات يعلمن كل شيء عن شئون ~~أسرهم أو مرحلة طفولتهم البعيدة (وأكثر من تأثر سلبا بهذا الأمر هو باد سولتر الذي ~~اعتادت هؤلاء السيدات مناداته باسم بادي؛ وتعني «يا رفيق»). # أما الرجال، فلم يتجشموا عناء إلقاء التحية على الصبية بالاسم، حتى وإن كانوا ~~يعرفونهم حق المعرفة؛ فكانوا يطلقون عليهم «الأولاد» أو «الصغار» أو أحيانا ~~«السادة». ~~«صباح الخير يا سادة.» ~~«هل أنتم في طريقكم إلى المنزل الآن يا أولاد؟» ~~«ما المصيبة التي تدبرونها هذا الصباح أيها الصغار؟» # انطوت كل تحية من هذه التحيات على درجة من المزاح، لكن ثمة اختلافات بينها؛ فمن ~~أطلقوا عليهم وصف «الصغار»، كانوا ينعمون بحالة مزاجية أفضل ممن أطلقوا عليهم وصف ~~«الأولاد» - أو رغبوا في أن يبدوا بهذه الحالة؛ فتعبير «الأولاد» يدل على أن الصبية ~~سيتعرضون بعد قوله إلى تأنيب وتوبيخ بسبب أي إساءة اقترفوها، سواء أكانت مبهمة أم ~~محددة، وتعبير «الصغار» يوحي بأن المتحدث مر من ms012 قبل بهذه المرحلة من صغر السن، أما ~~«السادة»، فقد كانت استخفافا وسخرية صريحة منهم، لكنها لا تفتح المجال أمام أي توبيخ؛ ~~لأن من قال هذا الوصف شخص لا يمكن إزعاجه. # وعند الرد على هذه التحيات، كان الصبية بالكاد يرفعون أعينهم للنظر إلى حقيبة يد ~~السيدة أو إلى عنق الرجل، ويقولون بوضوح: «مرحبا»؛ لأنهم قد يجلبون على أنفسهم المتاعب ~~إذا لم يردوا. وتمثلت إجاباتهم عن الأسئلة السابقة في «نعم يا سيدي»، و«كلا يا ~~سيدي»، و«لا شيء»، ولم يختلف هذا الحال في ذلك اليوم، فتسببت الأصوات المتحدثة ~~إليهم في بعض الانتباه والارتباك من جانبهم، وأجابوا أصحابها بتحفظهم المعتاد. # كان عليهم الانفصال عند وصولهم إلى ناصية معينة، وكان سيسي فيرنس الأكثر قلقا دوما ~~بشأن الرجوع إلى المنزل؛ فسبقهم وهو يودعهم قائلا: «أراكم بعد الغداء.» # ورد عليه باد سولتر: «نعم، وسنذهب إلى وسط المدينة حينئذ.» # عنى ذلك، كما فهموا جميعا: «قسم البوليس بوسط المدينة»؛ فبدون استشارة بعضهم بعضا، ~~بدا الأمر وكأنهم قد وضعوا خطة جديدة للإبلاغ عما رأوه بأسلوب أكثر وعيا، لكنهم لم ~~يصرحوا بوضوح عن عدم الإفصاح عن أي شيء في المنزل، فما كان من سبب مقنع يحول دون ~~إفصاح باد سولتر أو جيمي بوكس عما شاهداه في المنزل. # أما سيسي فيرنس، فلم يخبر أحدا في المنزل بأي شيء من قبل قط. ~~••• # لقد كان سيسي فيرنس ابنا وحيدا، وكان والداه أكبر سنا من آباء الصبية الآخرين ~~وأمهاتهم، أو هكذا بدا عليهما بسبب حياتهما البائسة معا. عندما ترك سيسي الصبية ~~الآخرين، أخذ يهرول كعادته عند وصوله إلى المنطقة التي يقع فيها منزله. لم يكن السبب ~~وراء ذلك هو تلهفه للعودة إلى المنزل، أو اعتقاده بأنه من الممكن أن يفعل شيئا أفضل ~~عند وصوله، ولكن ربما كان السبب هو رغبته في جعل الوقت يمر سريعا؛ لأن اقترابه من ~~المنزل كان يملؤه بالخوف. # وجد سيسي والدته في المطبخ عند وصوله. هذا أمر جيد. لقد نهضت من السرير، وإن كانت لا ~~تزال ترتدي إزار النوم. لم يكن ms013 والده في المنزل، وهذا أمر جيد أيضا؛ لقد كان يعمل في ~~صومعة الغلال التي تعمل بالآلات، ولا يعمل بعد ظهيرة أيام السبت؛ لذا، فإن عدم وجوده في ~~المنزل بحلول ذلك الوقت كان معناه على الأرجح أنه قد ذهب مباشرة إلى كمبرلاند، ما عنى ~~بدوره أنهم لن يضطرا للتعامل معه حتى وقت متأخر من اليوم. # كان والد سيسي يدعى سيسي فيرنس أيضا، وقد كان اسما مشهورا ومحبوبا بوجه عام في ~~والي. وعندما يروي أحد قصة تدور أحداثها حول شخص بهذا الاسم - حتى بعد مرور ثلاثين أو ~~أربعين عاما من ذلك الحين - كان سيسلم بأن الجميع سيعرفون أنه يتحدث عن الأب، وليس ~~الابن. وإذا كان المستمع وافدا جديدا نسبيا على المدينة، وعقب على الحديث قائلا: ~~«لا يبدو أنك تتحدث عن سيسي»، فكان يقال له إن سيسي الابن ليس هو المقصود من ~~الحديث. ~~«ليس هو، إننا نتحدث عن والده.» # تحدث الناس عن المرة التي ذهب فيها سيسي فيرنس إلى ~~المستشفى - أو بالأحرى تم نقله إلى هناك - ~~لإصابته بالالتهاب الرئوي أو داء آخر ميئوس منه. فلفته الممرضات في مناشف وملاءات ~~مبللة لمعالجة الحمى التي كان يعاني منها، وأخذ جسده يتعرق مع انخفاض درجة حرارته حتى ~~استحالت جميع المناشف والملاءات إلى اللون البني. لقد كان لون النيكوتين الذي يمتلئ به ~~جسده. لم تر الممرضات شيئا كهذا من قبل. شعر سيسي بالغبطة؛ إذ ادعى أنه اعتاد شرب ~~السجائر والكحوليات منذ أن كان في العاشرة من عمره. # تحدث الناس، كذلك، عن المرة التي ذهب فيها إلى الكنيسة. من الصعب تصور السبب وراء ~~فعله ذلك، لكنها كانت كنيسة معمدانية، وكانت زوجته تتبع هذا المذهب؛ لذا، ربما فعل ذلك ~~لإرضائها؛ وإن كان ذلك أصعب في التصور. وقد كانت الكنيسة تقدم القربان المقدس في يوم ~~الأحد الذي ذهب فيه، وفي الكنائس المعمدانية، يقدم الخبز، لكن بدلا من النبيذ يقدم ~~عصير العنب. وعند تقديم العصير لسيسي فيرنس، صاح بصوت عال: «ما هذا؟ إن كان هذا دم ~~الحمل، فقد كان بلا ريب ms014 مصابا بفقر الدم.» # أعدت وجبة الظهيرة في مطبخ آل فيرنس؛ فوضعت شرائح الخبز على المائدة، وفتحت ~~علبة من مكعبات الشمندر، وقليت بعض شرائح السجق الإيطالي، قبل البيض، مع أنه من ~~المفترض قليها بعده، وأبقيت أعلى الموقد للحفاظ عليها دافئة. وكانت والدة سيسي قد بدأت ~~حينذاك في قلي البيض. انحنت السيدة على الموقد وهي تمسك بملعقة البيض في إحدى يديها، ~~بينما ضغطت باليد الأخرى على معدتها لشعورها بألم فيها. # فأمسك سيسي الملعقة من يدها، وخفض درجة حرارة الموقد الكهربائي العالية للغاية، وأبعد ~~المقلاة عن الشعلة حتى تنخفض درجة حرارتها، وذلك لمنع بياض البيض من أن يجمد أو يحترق ~~من الجوانب. لم يكن قد وصل في الوقت المناسب لتنظيف المقلاة من الدهن القديم ووضع بعض ~~الدهن الجديد فيها، فلم تكن أمه تزيل الدهن القديم قط، وإنما تتركه في المقلاة ~~لاستخدامه في وجبة بعد أخرى، وتضع القليل من الدهن الجديد عند الضرورة. # عندما صارت درجة الحرارة مناسبة من وجهة نظر سيسي، وضع المقلاة على الموقد وأخذ يلملم ~~جوانب بياض البيض المتشعبة صانعا منها دوائر مرتبة، وعثر على ملعقة نظيفة وضع بها بعض ~~الدهن الساخن على الصفار لطهيه. أحب هو ووالدته البيض بهذا الشكل، لكنها لم تتمكن ~~عادة من طهيه على النحو الصحيح. أما والده، فأحب تناول البيض مقليا من الجانبين ~~فيتم قلبه وتسويته كفطائر البان كيك، ويفضله شديد النضج حتى يصير كجلد الأحذية، وأسود ~~اللون لامتلائه بالفلفل الأسود. وكان بوسع سيسي طهي البيض كما يفضله والده ~~أيضا. # لم يعرف أي من الصبية الآخرين مدى براعة سيسي في المطبخ، كما لم يعرف أي منهم ~~أيضا المكان الذي كان يختبئ فيه خارج المنزل في الزاوية المظلمة الموجودة بجوار نافذة ~~غرفة الطعام خلف شجرة البرباريس اليابانية. # جلست والدته على الكرسي بالقرب من النافذة، في حين انتهى هو من إعداد البيض. أخذت ~~تراقب الطريق من النافذة؛ فلم يفت الأوان بعد على وصول والده للمنزل لتناول الطعام. ~~وربما لم يسكر بعد، لكن سلوكه لم يعتمد دوما على مدى ms015 سكره؛ فإن دخل إلى المطبخ ~~الآن، فسيطلب من سيسي على الأرجح إعداد بعض البيض له أيضا، ثم سيسأله عن مئزر المطبخ ~~الخاص به، ويقول له إنه سيصير زوجة بارعة في المستقبل. هكذا يكون سلوكه عندما يكون في ~~حالة مزاجية جيدة، أما إذا كان في حالة مزاجية أخرى، فسيحدق في سيسي على نحو معين يعكس ~~تعبيرا تهديديا عبثيا ومبالغا فيه، ويقول له إنه يجدر به الاحتراس. ~~«تظن نفسك غلاما ذكيا، أليس كذلك؟ حسنا، لن أقول لك سوى أنه يجدر بك ~~الاحتراس.» # وإذا نظر إليه سيسي - أو ربما أيضا إذا لم يفعل - أو إذا أسقط ملعقة البيض أو وضعها ~~على نحو جعلها تصدر صوتا - أو حتى إذا توخى الحذر الشديد لعدم إسقاط أي شيء وإصدار ~~أي ضوضاء - كان والده يكشر عن أنيابه ويزمجر كالكلب. قد يرى البعض مظهره مضحكا - بل ~~إنه كذلك بالفعل - لكنه يكون جادا حين يفعل ذلك؛ فبعد دقيقة، يكون الطعام والأطباق ~~على الأرض، والكراسي أو المائدة مقلوبة، وقد يطارد سيسي أيضا في أرجاء الغرفة وهو يصيح ~~موضحا كيف سينال منه هذه المرة، ويسوي وجهه على الموقد الساخن، ويسأله عن رأيه فيما ~~سيحدث له. وأي شخص يراه سيظن أنه مجنون. بيد أنه إذا طرق الباب في تلك ~~اللحظات - ليعلن مثلا عن حضور أحد أصدقائه ~~لاصطحابه إلى الخارج - كان وجهه يعود إلى طبيعته في الحال، ويفتح الباب، وينادي صديقه ~~باسمه بصوت مازح. ~~«سأكون معك في لحظات. كنت سأدعوك للدخول، لكن زوجتي ترمي الأطباق في أرجاء المنزل ~~كعادتها.» # لم يكن يعتقد أن أحدا سيصدق ذلك، لكنه كان يقول مثل هذه الأشياء ليحول ما كان ~~يحدث في منزله إلى مزحة. # سألت الأم سيسي عما إذا كان الطقس يزداد دفئا وأين ذهب ذلك الصباح. # فأجابها: «نعم، إنه يزداد دفئا، وقد ذهبت إلى الأراضي المسطحة بجوار النهر.» # فقالت له إنها بإمكانها شم رائحة الريح به. # واستطردت: «أتعلم ماذا سأفعل بعد تناولنا الطعام مباشرة؟ سآخذ زجاجة مياه ساخنة ~~وأعود إلى السرير؛ لعلي أستعيد بعضا من عافيتي، ms016 وأشعر بأنني أفعل شيئا ذا ~~قيمة.» # كان هذا ما تقوله عادة، لكنها كانت تصرح به دوما كما لو كان فكرة طرأت لها فجأة، ~~مجرد قرار مفعم بالأمل. ~~••• # كان لباد سولتر أختان أكبر منه لا تفعلان شيئا نافعا في الحياة إلا إذا أجبرتهما ~~والدتهما على ذلك؛ فلم تقصرا ما تفعلانه من تصفيف الشعر، وطلاء الأظافر، وتنظيف ~~الأحذية، ووضع مساحيق الزينة، بل وكل ما يتعلق بملابسهما أيضا، على غرف نومهما أو دورة ~~المياه، وإنما كانتا تلقيان بالأمشاط وأدوات عقص الشعر وبودرة الوجه وطلاء الأظافر ~~وملمع الأحذية بجميع أرجاء المنزل، وتملآن كذلك كل مساند الكراسي بالفساتين والبلوزات ~~المكوية، هذا إلى جانب تجفيف السترات على المناشف على كل بقعة فارغة على الأرض (ثم ~~تصرخان في وجه من يخطو بالقرب منها). اعتادتا، أيضا، تأمل نفسيهما في العديد من ~~المرايا - مرآة حامل المعاطف، ومرآة بوفيه غرفة الطعام، والمرآة المعلقة بجوار باب ~~المطبخ التي يمتلئ الرف الموجود أسفلها دوما بالدبابيس المشبكية، ودبابيس الشعر، ~~والعملات المعدنية، والأزرار، وما تبقى من أقلام الرصاص. وأحيانا، كانت تقف إحداهما ~~أمام إحدى هذه المرايا عشرين دقيقة كاملة أو نحو ذلك لتتأمل نفسها من عدة زوايا، وتفحص ~~أسنانها، وتجذب شعرها للخلف ثم تنفضه للأمام، ثم تسير مبتعدة عن المرآة وقد بدا عليها ~~الرضا بمظهرها، أو على الأقل الانتهاء مما كانت تفعله، لكنها ما إن تصل إلى الغرفة ~~المجاورة وتمر بمرآة أخرى حتى تبدأ في تكرار كل ما فعلته مجددا كما لو كانت قد بدلت ~~رأسها برأس جديد. # وفي اللحظة التي دخل فيها باد إلى المنزل، كانت أخته ~~الكبرى - المفترض أنها جميلة - تنزع ~~الدبابيس من شعرها أمام مرآة المطبخ، وقد لفته على شكل تموجات لامعة كالحلازين. أما ~~أخته الأخرى، فكانت تهرس البطاطس؛ بأمر من والدتها، وكان أخوه، الذي يبلغ من العمر خمسة ~~أعوام، يجلس في مكانه على المائدة، ويقرع بالشوكة والسكين بقوة لأعلى وأسفل، وهو يصيح: ~~«أرغب في بعض الخدمة ... أرغب في بعض الخدمة.» # تعلم الفتى الصغير هذه العبارة من والده الذي كان يرددها ms017 أحيانا على سبيل ~~الدعابة. # مر باد بجوار كرسي أخيه وقال هامسا: «انظر! إنها تضيف قطع البطاطس الكبيرة على صحن ~~البطاطس المهروسة ثانية.» # كان باد قد أقنع أخوه في السابق أن قطع البطاطس الكبيرة من الإضافات الموجودة في ~~خزانة المطبخ وتوضع في البطاطس المهروسة، شأنها شأن الزبيب الذي يوضع في حلوى الأرز ~~باللبن. # فتوقف الأخ الأصغر عن الغناء، وبدأ في التذمر. ~~«لن أتناول هذه البطاطس إذا وضعت فيها القطع الكبيرة. يا أمي! لن أتناول البطاطس إذا ~~وضعت فيها القطع الكبيرة.» # فقالت له الأم التي أخذت تقلي شرائح التفاح وحلقات البصل مع شرائح اللحم: «يا إلهي! ~~كفاك سخفا! توقف عن التذمر كالطفل الصغير.» # فقالت الأخت الكبرى: «باد هو السبب؛ لقد أخبره بأنها تضع القطع الكبيرة في البطاطس. ~~إنه يقول له ذلك دوما، ولا يفلح إلا في ذلك.» # وعقبت دوريس - الأخت التي كانت تهرس البطاطس - بقولها: «إن باد يستحق تهشيم وجهه.» ~~لم تقتصر مثل هذه العبارات دوما على كونها تهديدا فحسب، وإنما أصابت دوريس باد ذات ~~مرة بندبة في وجنته بأحد أظافرها. # تحرك باد نحو خزانة الأطباق حيث استقرت أعلاها فطيرة راوند تركت لتبرد. التقط ~~شوكة، وبحرص شديد أخذ يفحصها سرا، والبخار يتصاعد منها حاملا رائحة القرفة الشهية. ~~حاول فتح أحد الشقوق الموجودة أعلاها ليتمكن من تذوق الحشو، فرأى الأخ الأصغر ما كان ~~باد يحاول فعله، لكن خوفه الشديد منعه من أن يفتح فاه. كان أخوه مدللا، وتدافع عنه ~~الأختان دوما؛ لكن باد كان الشخص الوحيد الذي يحترمه الأخ الأصغر في المنزل. # فكرر ما كان يقوله لكن بصوت خفيض رصين: «أرغب في بعض الخدمة.» # تحركت دوريس نحو خزانة الأطباق لتحضر وعاء للبطاطس المهروسة، فتحرك باد على نحو ~~أهوج، وهبطت قطعة من الطبقة الخارجية للفطيرة نحو الداخل. # فقالت دوريس: «والآن، إنه يفسد الفطيرة. يا أمي! باد يفسد الفطيرة.» # قال باد: «فلتغلقي هذا الفم اللعين!» # فقالت الأم بحدة توحي بالتمرس والهدوء إلى حد ما: «ابتعد عن الفطيرة. وتوقفوا عن ~~السباب. كفوا عن اللغو وتصرفات الصغار!» ms018 ~~••• # جلس جيمي بوكس على مائدة مزدحمة لتناول وجبة الغداء، كان يعيش مع والده ووالدته ~~وأختيه البالغتين من العمر أربعة وستة أعوام في منزل جدتهم الذي سكنته أيضا الجدة ~~وأختها ماري وخاله الأعزب. امتلك والده ورشة لإصلاح الدراجات في السقيفة الموجودة خلف ~~المنزل، وعملت والدته في متجر هونيكرز متعدد الأقسام. # وقد كان والده أعرج بسبب إصابته بفيروس شلل الأطفال الذي هاجمه في الثانية والعشرين ~~من عمره، ما جعله يسير منحنيا للأمام ومتكئا على عكاز. لكن ذلك لم يبد واضحا أثناء ~~عمله في الورشة؛ لأن طبيعة العمل تطلبت منه في الغالب الانحناء للأمام؛ بيد أنه عند ~~سيره في الشارع، كان يبدو غريبا للغاية، لكن ما من أحد أهانه أو قلد حركاته ~~متهكما. فقد كان في السابق لاعب هوكي وبيسبول بارزا في البلدة، وحتى الآن ظل ~~محتفظا ببعض من رونق الماضي وبطولاته؛ مما جعل الناس ينظرون إلى حالته الحالية ~~بعقلانية على أنها مجرد مرحلة يمر بها (وإن كانت نهائية). وقد ساعد والد جيمي في تكوين ~~هذه النظرة لدى الناس بإطلاقه النكات دوما ونبرة حديثه التفاؤلية، منكرا الألم الذي ~~بدا واضحا في عينيه الغائرتين وأرق جفنيه في كثير من الليالي. هذا فضلا عن عدم ~~تغييره أسلوبه في الحديث عند عودته إلى المنزل، على عكس والد سيسي فيرنس. # لكن هذا المنزل لم يكن منزله بالطبع؛ فقد تزوجته زوجته بعد إصابته بالعرج، لكنهما ~~كانا مخطوبين قبل ذلك الحين، وبدا من الطبيعي أن ينتقلا بعد الزواج إلى منزل والدتها كي ~~تتمكن الجدة من رعاية الأحفاد أثناء خروج الأم لعملها. وبدا من الطبيعي أيضا لوالدة ~~الزوجة أن ترعى أسرة أخرى، ولأختها ماري أن تنتقل للعيش معهم في نفس المنزل بعد فقدان ~~بصرها، وأن يظل ابنها فريد - الذي اتسم بخجله الشديد - معها في المنزل إلى أن يجد ~~مكانا آخر يستريح فيه أكثر من هذا المنزل. كانت عائلة تتقبل شتى صور الأعباء بأقل قدر ~~ممكن من التذمر. وفي الواقع، ما من أحد في ذلك المنزل تحدث من قبل عن إعاقة ms019 والد جيمي ~~أو فقدان أخت الجدة ماري لنظرها كأعباء أو مشكلات تفوق مشكلة خجل فريد مثلا. وما كانت ~~العلل والشدائد بالأمور الملاحظة بينهم، أو البارزة بمقارنتها بنقائضها. # ساد في تلك العائلة اعتقاد بأن جدة جيمي طباخة ماهرة؛ ولعل ذلك كان حقيقيا في وقت ~~من الأوقات، لكن في الآونة الأخيرة كان هناك تراجع في هذه البراعة؛ فحرصت الجدة على ~~الاقتصاد عند إعداد الطعام على نحو لم تعد العائلة بحاجة إليه آنذاك؛ فقد كانت والدة ~~جيمي وخاله يحصلان على رواتب جيدة، وأخت جدته ماري كانت تحصل على معاش، وكان العمل يسير ~~على نحو جيد أيضا في ورشة الدراجات؛ ومع ذلك، كانت الجدة تستخدم بيضة واحدة، بدلا من ~~ثلاث بيضات، وتضيف إلى رغيف اللحم كوب شوفان إضافيا، وتحاول تعويض الأمر بطهي صوص ~~ورسيسترشير جيد أو رش الكثير من جوز الطيب على الكاسترد. لكن ما من أحد تذمر، بل ~~مدحها الجميع. فكاد ذلك المنزل يخلو من أي نوع من الشكوى على الإطلاق. واعتاد الجميع ~~أيضا الاعتذار بعضهم لبعض، حتى الفتاتان الصغيرتان كانتا تعتذران إحداهما للأخرى إذا ~~اصطدمتا خطأ. مرر الجميع الطعام للآخرين، ورضي كل منهم بما قدم له، وتبادلوا ~~عبارات الشكر على المائدة كما لو كان هناك ضيوف معهم كل يوم. هكذا سارت الحياة في ذلك ~~المنزل المكتظ بالسكان الذي تكومت فيه الملابس على كل حامل، وتعلقت المعاطف على ~~درابزين السلم، وأعدت الأسرة النقالة دوما في غرفة الطعام لجيمي وخاله فريد. ~~هذا فضلا عن اختفاء البوفيه تحت أكوام من الملابس في انتظار كيها أو إصلاحها. ولم ~~يكن أحد يحدث ضوضاء بصعوده أو نزوله السلم، أو يغلق الأبواب بقوة، أو يرفع صوت ~~المذياع، أو يتفوه بأي كلمة سيئة. # لكن هل يفسر ذلك عدم إفصاح جيمي عما حدث ذلك اليوم عند تناوله الغداء مع عائلته؟ في ~~الواقع، لم يفصح أي من الصبية الثلاثة عما حدث. ومن اليسير فهم السبب في حالة سيسي؛ ~~فما كان والده ليتقبل أبدا ادعاء جيمي هذا الاكتشاف الخطير، وكان سيتهمه بلا شك ms020 ~~بالكذب. ووالدته أيضا - التي كانت تحكم على كل شيء من منظور تأثيره على والده - كانت ~~سترى - وستكون صائبة في ذلك - أنه حتى ذهاب سيسي إلى قسم الشرطة للإبلاغ عن الحادث ~~سيتسبب في مشكلات في المنزل؛ ومن ثم، كانت ستطلب منه عدم الإفصاح عما رآه. لكن ~~الصبيين الآخرين كانا يعيشان في أسرتين تتسمان بالعقلانية إلى حد بعيد، وبوسعهما ~~الإفصاح؛ ففي منزل جيمي، كانت القصة ستسفر عن ذعر وبعض الاستنكار، لكن أسرته كانت ستقر ~~في النهاية أن ما حدث لم يكن لجيمي يد فيه. # أما باد، فكانت أختاه ستتهمانه بالجنون، وربما تحرفان الأمر ليبدو أن اكتشافه لجثة ~~رجل ما أمر يليق به وبعاداته الكريهة؛ بيد أن والده كان عقلانيا وصبورا واعتاد سماع ~~الكثير من الهراء العجيب في عمله بوصفه وكيل شحن في محطة القطار؛ ومن ثم، كان سيسكت ~~أختيه، وبعد التحدث معه بجدية بعض الوقت للتأكد من أنه لا يكذب ولا يبالغ، كان سيتصل ~~بالشرطة. # لكن ما حال دون تحدث الصبية الثلاثة هو أن منازلهم بدت ممتلئة للغاية، وثمة أمور ~~كثيرة تحدث فيها. ولا يستثنى من ذلك منزل سيسي؛ فحتى في ظل غياب والده، يسود المنزل ~~دوما شعور بالتهديد وذكرى وجوده وما يصاحبه من اهتياج. ~~••• ~~«هل أبلغتهم؟» ~~«هل فعلت أنت؟» ~~«لم أبلغهم أنا أيضا.» # سار الثلاثة في وسط البلدة على غير هدى حتى وصلوا إلى شارع شيبكا، ليجدوا أنفسهم ~~يمرون بمنزل مبني من الجص ومكون من طابق واحد حيث كان يعيش السيد ويلينس وزوجته. لم ~~يتعرفوا عليه إلا بعد وصولهم أمامه مباشرة. كان للمنزل نافذة بارزة صغيرة على كل ~~جانب من جانبي الباب الأمامي، وكانت آخر درجة في السلم من أعلى تكفي لمقعدين اعتاد ~~السيد ويلينس وزوجته وضعهما عليها في ليالي الصيف، لكنها خلت منهما آنذاك. كان هناك ~~أيضا جزء ملحق بأحد جوانب المنزل ذو سطح مستو، وله باب آخر يطل على الشارع وممشى ~~منفصل يؤدي إليه، وثمة لافتة بجوار الباب مكتوب عليها: «دكتور ويلينس، أخصائي بصريات». ~~لم يكن أي من الصبية ms021 الثلاثة قد زار تلك العيادة من قبل، لكن أخت جدة جيمي - ماري - ~~كانت تتردد عليها بانتظام للحصول على قطرات العين الخاصة بها، وجدته أيضا حصلت على ~~نظارتها من هذه العيادة، وكذا فعلت والدة باد سولتر. # كان الجص الذي بني به المنزل من اللون الطوبي، وكانت أطر النوافذ والأبواب مطلية ~~باللون البني، ولم تكن النوافذ الواقية من العواصف قد أزيلت بعد، كما هو الحال في معظم ~~منازل البلدة، ولم يكن هناك أي شيء مميز في ذلك المنزل على الإطلاق، لكن فناءه ~~الأمامي اشتهر بزهوره؛ فقد ذاع صيت السيدة ويلينس لبراعتها في أعمال البستنة؛ إذ لم تكن ~~تزرع الزهور في صفوف طويلة مجاورة لحديقة الخضراوات، مثلما فعلت جدة جيمي ووالدة باد، ~~وإنما كانت تزرعها في أحواض مستديرة وهلالية الشكل، وفي كافة أرجاء الحديقة، وفي دوائر ~~تحت الأشجار. وكان من المنتظر أن تملأ هذه الحديقة في غضون أسابيع قليلة أزهار النرجس ~~البري، لكن في ذلك الوقت، لم يكن شيء قد أزهر بعد في المكان سوى شجيرة زيتون كادت تصل ~~إلى الإفريز في أحد أركان المنزل، وكانت تنثر أوراقها الصفراء في الهواء مثلما تنثر ~~النافورة مياهها. # اهتزت أوراق الشجيرة، لكن ليس بفعل الرياح، وإنما لمرور شخص خرج من المنزل بجانبها. ~~كان منحني الظهر ويرتدي ملابس بنية اللون. لقد كانت السيدة ويلينس في ملابس البستنة ~~القديمة الخاصة بها. كانت سيدة قصيرة ممتلئة الجسم ترتدي بنطالا فضفاضا، وسترة ممزقة، ~~وقبعة ذات حافة، وكانت واسعة على رأسها فنزلت إلى عينيها حتى كادت تخفيهما، لعلها كانت ~~تخص زوجها، وحملت في يديها مجزا. # تقدموا ببطء للأمام؛ فما كان أمامهم خيار سوى ذلك أو الهرب. ولعلهم اعتقدوا أنها لن ~~تلاحظهم، وأنهم سيقفون دون حراك كأنهم أعمدة، لكنها كانت قد رأتهم بالفعل؛ وكان هذا سبب ~~خروجها مسرعة من المنزل. # قالت لهم السيدة ويلينس: «لقد رأيتكم تحدقون في شجيرة الزيتون في حديقتي. هل تريدون ~~الحصول على بعض من أزهارها لتصطحبوها معكم إلى المنزل؟» # لكنهم لم يحدقوا في الشجيرة، وإنما في المشهد بالكامل؛ ms022 فالمنزل كان كعادته، واللافتة ~~معلقة بجوار باب العيادة، والستائر تسمح بدخول الضوء إلى المكان. لم يكن هناك أي شيء ~~يستحق التأمل أو ينذر بسوء، أو يدل على أن السيد ويلينس لم يكن موجودا بالداخل أو أن ~~سيارته ليست في الجراج خلف العيادة، وإنما في بركة جوتلند. والسيدة ويلينس أيضا ~~خرجت للعمل في حديقتها كما هو متوقع في ذلك الوقت من العام بعد ذوبان الجليد. نادت ~~عليهم بصوتها المألوف الذي صار خشنا بسبب السجائر، بنبرة مباغتة وتحد، لكنه خلا في ~~الوقت نفسه من العدائية. كان صوتا يسهل التعرف عليه من على بعد. # قالت لهم: «انتظروا، سوف أحضر لكم بعضا منها.» # أخذت تقطف بعض الأفرع ذات اللون الأصفر الزاهي منتقية إياها ببراعة، وعندما حصلت على ~~كل ما تريده، تقدمت نحو الصبية خلف ستار من الأزهار. # وقالت لهم: «تفضلوا، خذوها إلى المنزل لأمهاتكم. إن رؤية هذه الزهور تدخل السرور ~~دوما إلى النفس؛ فهي أول ما يزهر في الربيع.» وقسمت الأفرع بينهم، وهي تقول: ~~«نقسمها إلى ثلاثة أقسام، مثل بلاد الغال قديما. لا ريب أنكم تعلمون ما أعني إذا ~~كنتم تدرسون اللغة اللاتينية.» # فرد عليها جيمي، الذي كان أكثر تأهبا للتحدث مع السيدات مقارنة برفيقيه بسبب ~~طبيعة حياته في المنزل: «لم نلتحق بالمدرسة الثانوية بعد.» # فقالت له: «حقا؟ حسنا، في انتظاركم أشياء كثيرة لتطلعوا إليها. اطلبوا من ~~أمهاتكم وضع هذه الأزهار في ماء فاتر. بل لا تقولوا لهن شيئا؛ فأنا موقنة أنهن يعلمن ~~ذلك بالفعل. لقد أعطيتكم أغصانا لم يكتمل نضجها بعد؛ ولذلك ستظل مزهرة فترة ~~طويلة.» # شكرها الصبية؛ جيمي في البداية، ثم تبعه الآخران، وساروا تجاه وسط البلدة وأذرعهم ~~محملة بالأغصان. لم تكن لديهم أي نية للرجوع والعودة بها إلى المنزل، وإنما اعتمدوا على ~~جهل السيدة ويلينس بأماكن منازلهم. وبعد أن ابتعدوا بعض الشيء عنها، اختلسوا النظر ~~وراءهم ليروا ما إذا كانت تراقبهم. # لم تكن تراقبهم، كما أن المنزل الكبير القريب من الرصيف حجب الرؤية بينهم وبينها على ~~أي حال . # منحتهم الأزهار شيئا ms023 ليفكروا فيه؛ فكروا في الإحراج من حملها، وفي مشكلة التخلص ~~منها، ولولا ذلك، لفكروا في السيد ويلينس وزوجته، وانشغال الزوجة في الحديقة بينما ~~زوجها غارق في سيارته. هل كانت تعلم مكانه أم لا؟ بدا الأمر وكأنها لا تعلم. هل كانت ~~تعلم حتى باختفائه؟ لقد تصرفت كأن كل شيء على ما يرام. وعندما كانوا واقفين أمامها، ~~بدا لهم أن تلك هي الحقيقة بالفعل؛ فشعروا بأن ما يعلمونه وما رأوه يزوي وينهزم أمام ~~جهل الزوجة به. # مرت بهم فتاتان تقودان دراجتيهما عند ناصية الشارع. كانت إحداهما دوريس، شقيقة باد، ~~وعند رؤية الصبية، أخذتا في الصياح عاليا. ~~«يا لها من أزهار جميلة! ترى أين حفل الزفاف؟ كم تبدن جميلات يا وصيفات ~~العروس!» # فصاح باد بأفظع ما اهتدى إليه من كلمات. ~~«انظري، الدماء تغرق مؤخرتك.» # بالطبع، لم تكن هناك أي دماء، لكن هذا ما حدث ذات مرة أثناء عودتها من المدرسة عندما ~~بللت الدماء تنورتها، ورآها الجميع. كان موقفا لن يمحى من ذاكرتها إلى الأبد. # كان باد موقنا من أنها ستشي به في المنزل، لكنها لم تفعل؛ فخزيها من ذلك الحادث ~~كان هائلا على نحو حال دون ذكرها أي شيء عنه، حتى وإن كان الغرض هو إيقاعه في ~~المتاعب. ~~••• # أدرك الصبية حينذاك أن عليهم التخلص من الأزهار على الفور؛ فما كان منهم إلا أن ~~ألقوا بها تحت إحدى السيارات المتوقفة بجانب الطريق، ونفضوا عن ملابسهم أي بتلات ~~متساقطة عليها أثناء توجههم نحو الميدان. # كانت أيام السبت لا تزال مهمة آنذاك؛ إذ كان يحضر أهل الريف إلى البلدة خلالها. كانت ~~السيارات قد توقفت بالفعل حول الميدان وفي الشوارع الجانبية. وشباب الريف من الجنسين - ~~والأطفال الأصغر منهم سنا من سكان البلدة والريف - يتوجهون للسينما لحضور الحفلة ~~النهارية. # وجب على الصبية الثلاثة المرور بمتجر هونيكرز في المربع السكني الأول. وهناك، رأى ~~جيمي والدته وقد بدت واضحة للجميع في إحدى واجهات المتجر. كانت قد عادت للعمل حينذاك، ~~وأخذت تضع القبعة على رأس تمثال العرض، وتضبط البرقع الشبكي، ثم ms024 كتفي الفستان. كانت ~~امرأة قصيرة؛ لذا لزم عليها الوقوف على أطراف أصابعها لفعل ذلك على نحو صحيح. خلعت ~~حذاءها لتسير على السجادة المفروشة على أرضية الواجهة. وكان من الممكن رؤية كعبيها ~~الممتلئين المتوردين عبر الجوارب التي كانت ترتديها. وعندما بسطت جسمها واقفة على ~~أطراف أصابعها، كان من الممكن رؤية باطن ركبتيها عبر فتحة التنورة الخلفية. وأعلى ذلك ~~كانت مؤخرتها العريضة، والمتناسقة في الوقت نفسه مع قوامها، ثم حافة ملابسها الداخلية ~~أو المشد. كان بوسع جيمي سماع تذمرها الخافت في رأسه، وشم رائحة جواربها التي كانت ~~تخلعها فور وصولها المنزل للحفاظ عليها من البلى. الجوارب والملابس الداخلية - حتى ~~الملابس الداخلية الحريمي النظيفة - كانت لها رائحة باهتة من نوع خاص، جذابة ومثيرة ~~للاشمئزاز في الوقت نفسه. # تمنى جيمي أمرين حينذاك؛ الأمر الأول هو ألا يكون رفيقاه قد لاحظا أمه (لكنهما ~~لاحظاها بالفعل؛ بيد أن فكرة تأنق الأم كل يوم وخروجها للحياة العامة في البلدة كان ~~أمرا غريبا للغاية بالنسبة إليهما، ما حال دون تعليقهما عليه، فتجاهلاه فحسب). والأمر ~~الثاني هو ألا تستدير والدته وتراه؛ فإن فعلت ذلك، كانت ستطرق على زجاج الواجهة، وتلقي ~~التحية عليه؛ فقد كانت تتخلص عند ذهابها إلى العمل من التحفظ الصامت والدماثة ~~المتأنية التي سادت المنزل، ويتحول لطفها وكرمها مع الآخرين من إذعان إلى حيوية وجرأة. ~~واعتاد جيمي أن يسعد بهذا الجانب المرح من شخصيتها، كما كان يسعد بمتجر هونيكرز وما به ~~من مناضد بيع ضخمة مصنوعة من الزجاج والخشب اللامع، ومرايا كبيرة أعلى السلم حيث تمكن ~~من رؤية نفسه وهو يصعد إلى قسم الملابس الحريمي بالطابق الثاني. # كانت والدته تقول عند رؤيته: «ها قد جاء شيطاني الصغير»، وتلقي له أحيانا بعشرة ~~سنتات. ولم يتمكن قط من البقاء معها أكثر من دقائق معدودة؛ إذ من المحتمل أن يكون السيد ~~هونيكر وزوجته يراقبان ما يحدث. ~~«شيطاني الصغير.» # كلمات أسعده سماعها في السابق، شأنها شأن رنين السنتات، لكنها صارت مصدر خجل له الآن ~~عليه إخفاؤه. # فقد أصبحت ماضيا منسيا. # وفي ms025 المربع السكني التالي، كان عليهم المرور بمطعم ديوك أوف كمبرلاند، لكن سيسي لم ~~يكن قلقا؛ لأن عدم حضور والده إلى المنزل في موعد الغداء يعني أنه سيظل في ذلك المطعم ~~عدة ساعات تالية، لكن كلمة «كمبرلاند» كان لها دوما وقع ثقيل في نفسه؛ حتى قبل أن يعرف ~~معناها، كانت تنزل عليه كالحمل الثقيل المقبض للصدر، مثل الثقل الذي يرتطم بقاع ~~المياه المظلمة. # وبين مطعم كمبرلاند ومبنى البلدية زقاق غير ممهد، وخلف هذا المبنى كان قسم الشرطة. ~~دخل الصبية الزقاق، وسرعان ما سمعوا ضوضاء عالية غير تلك الصادرة من الشارع. لم تكن هذه ~~الضوضاء صادرة من المطعم الذي كتمت الأصوات داخله؛ إذ لم يحتو البار إلا على نوافذ ~~صغيرة عالية، مثل المراحيض العامة، وإنما كانت صادرة عن قسم الشرطة، الذي فتح بابه في ~~ظل اعتدال الطقس، وفاحت منه رائحة السيجار وتبغ الغليون التي كان من الممكن شمها من ~~الزقاق في الخارج. ولم يكن رجال الشرطة وحدهم الجالسين بالداخل، لا سيما في فترات بعد ~~الظهيرة أيام السبت، مع تشغيل المدفأة في فصل الشتاء والمروحة في الصيف، وترك الباب ~~مفتوحا للسماح للهواء العليل بالدخول في أيام الطقس المعتدل مثل ذلك اليوم. فكان من ~~المتوقع وجود كولونيل بوكس بالداخل، بل إن الصبية تمكنوا في الواقع من سماع صوت حشرجة ~~أنفاسه الطويلة التي كانت تلي ضحكته المشوبة بآثار الربو الذي كان يعاني منه. كان ~~الكولونيل بوكس أحد أقارب جيمي، لكن ثمة برودا ساد في العائلة تجاهه بسبب عدم موافقته ~~على زواج والد جيمي. وكان يتحدث مع جيمي - عندما يتعرف عليه - بنبرة ساخرة مندهشة. ~~وقد أوصت والدة جيمي الفتى قائلة: «إذا قدم لك ربع دولار أو أي شيء من هذا القبيل، ~~فأخبره أنك لست بحاجة إليه.» لكن الكولونيل بوكس لم يعرض عليه أي أموال قط. # كان السيد بولوك، الذي عمل في الصيدلية قبل تقاعده، بالداخل أيضا على الأرجح، وكذلك ~~السيد فيرجس سولي، الذي لم يكن غبيا، لكن مظهره أوحى بذلك بسبب تعرضه للغازات في ~~الحرب العالمية ms026 الأولى. قضى هؤلاء الرجال وآخرون يومهم بالكامل في لعب الورق، والتدخين، ~~ورواية القصص، وشرب القهوة على نفقة البلدة (كما كان والد باد يقول)، وأي أحد يرغب في ~~تقديم شكوى أو بلاغ ما، كان عليه فعل ذلك على مرأى - وربما أيضا على مسمع - منهم ~~جميعا. # لقد وقعوا في الفخ. # وصل الصبية الثلاثة بالكاد أمام الباب الأمامي، لم يلاحظهم أحد، وهناك سمعوا كولونيل ~~بوكس يقول: «إنني لم أمت بعد.» مكررا العبارة الأخيرة لقصة ما يرويها؛ فبدءوا في ~~السير ببطء بعيدا عن المكان، وقد طأطئوا رءوسهم وأخذوا يركلون الحصى بالطريق. وعند ~~الوصول إلى زاوية المبنى، أسرعوا في خطاهم، وعند مدخل مرحاض الرجال العام، وجدوا خطا ~~من القيء الحديث المتكتل على الحائط، وعددا من الزجاجات الفارغة على الأرض. لزم عليهم ~~السير بين صناديق القمامة والنوافذ العالية - التي كشفت المكان بالكامل - لمكتب أمين ~~سجلات البلدية، ليخرجوا من الطريق المليء بالحصى عائدين إلى الميدان. # قال سيسي لرفيقيه: «معي نقود.» أشعرهم الإفصاح عن امتلاكه المال بالراحة، وخشخش ~~سيسي بالعملات المعدنية في جيبه. لقد كانت الأموال التي منحته إياها والدته بعد غسيله ~~الأطباق وذهابه لها في غرفة النوم الأمامية ليخبرها بأنه سيخرج. قالت له: «خذ خمسين ~~سنتا من على منضدة الزينة.» امتلكت والدته بعض المال أحيانا، مع أنه لم ير والده ~~يمنحها أي أموال قط، وعندما كانت تقول له «خذ» كذا، أو تعطيه بعض العملات المعدنية، كان ~~سيسي يدرك أنها خجلة من حياتهم وخجلة من أجله، ومنه. وفي تلك اللحظات، كان يكره رؤيتها ~~(وإن كان يسعد برؤية المال)، لا سيما عندما كانت تقول له إنه فتى صالح ويجب ألا يظن ~~أبدا أنها لا تشعر بالامتنان له لكل ما يفعله. # سلك الصبية الثلاثة الطريق المؤدي إلى المرفأ. وبجوار محطة بنزين باكيت، كان هناك كشك ~~تبيع فيه السيدة باكيت الهوت دوج والآيس كريم والحلوى والسجائر. وقد رفضت في السابق بيع ~~السجائر لهم، حتى بعد أن قال لها جيمي إنه يشتريها لخاله فريد. لكنها لم تتحامل عليهم ~~بسبب هذه المحاولة. كانت ms027 امرأة كندية من أصل فرنسي، جميلة وممتلئة القوام. # اشتروا بعض حلوى عرق السوس الأسود والأحمر، واعتزموا شراء الآيس كريم لاحقا، عندما ~~يخف شعورهم بالامتلاء بسبب وجبة الغداء. توجهوا نحو مقعدي سيارة قديمين موضوعين ~~بجوار السور تحت شجرة تظلل المكان في فصل الصيف، وتشاركوا معا حلوى عرق السوس. # جلس كابتن تيرفيت على المقعد الآخر. # عمل كابتن تيرفيت قبطانا حقيقيا لأعوام عديدة على متن القوارب في البحيرة، أما ~~الآن، فقد حصل على وظيفة مسئول أمن خاص؛ إذ كان يوقف السيارات للسماح للأطفال بعبور ~~الطريق أمام المدرسة، ويحميهم من الانزلاق بالشوارع الجانبية في الشتاء. كان ينفخ في ~~صافرة يحملها في إحدى يديه، في حين يرفع يده الأخرى الضخمة التي بدت كيد المهرج وهي ~~مغطاة بالقفاز الأبيض. كان لا يزال طويلا مشدود البنية وعريض المنكبين، بالرغم من كبر ~~سنه وشعره الأبيض. وامتثلت السيارات لأوامره، وكذلك الأطفال. # وفي الليل، كان يتفقد أبواب جميع المتاجر ليتأكد من غلقها بالأقفال، ومن خلوها من ~~أي أحد يحاول سرقتها، أما نهارا، فكان ينام عادة في الأماكن العامة؛ ففي الطقس السيئ، ~~ينام في المكتبة، وعندما تتحسن الأحوال الجوية، كان ينتقي أي مقعد في الهواء الطلق. لم ~~يقض الكثير من الوقت في قسم الشرطة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ضعف سمعه الذي حال دون ~~متابعته للمحادثات التي كانت تجري هناك إلا إذا ارتدى السماعة الخاصة به، التي كرهها ~~شأنه شأن كل ضعاف السمع؛ هذا فضلا عن اعتياده العزلة، بالتأكيد أثناء عمله قبطانا ~~وتحديقه في الخلاء من فوق قوارب البحيرة. # أغمض الكابتن عينيه ومال برأسه للخلف كي يسمح لأشعة الشمس بالتدفق على وجهه، وعندما ~~ذهب الصبية للتحدث معه (اتخذ هذا القرار دون أي مشاورة، ولم يتبادلوا سوى نظرة واحدة ~~توحي بالإذعان والتردد) كان عليهم إيقاظه من غفوته. استغرق وجهه لحظة ليدرك المكان ~~والزمان والأشخاص من حوله، ثم أخرج ساعة كبيرة عتيقة من جيبه، كما لو كان اعتاد على ~~سؤال الأطفال له دوما عن الساعة، لكنهم بدءوا في التحدث معه وقد بدا ms028 على ملامحهم ~~الارتباك وبعض الخجل. قالوا له: «السيد ويلينس في بركة جوتلند»، و«لقد رأينا ~~السيارة»، و«لقد غرق.» فحينها وجب على الكابتن رفع يده والتلويح لهم ليصمتوا، بينما بحث ~~بيده الأخرى في جيب بنطاله ليخرج سماعة أذنه. أومأ برأسه بجدية وعلى نحو تشجيعي، كما لو ~~كان يقول لهم «مهلا، مهلا»، بينما كان يضع السماعة في أذنه. ثم، رفع كلتا يديه ليطلب ~~منهم الانتظار حتى يختبر تشغيلها. وفي النهاية، أومأ برأسه ثانية على نحو أكثر نشاطا، ~~وقال لهم «فلتتحدثوا الآن» بصوت حازم، وإن كان يمزح إلى حد ما بشأن هذا الحزم. # كان سيسي - الأكثر هدوءا بين رفيقيه، في حين كان جيمي الأكثر أدبا، وباد الأكثر ~~ثرثرة - هو الذي غير مجرى الحديث تماما. # فقال للكابتن: «سحاب بنطالك مفتوح.» # ثم صاحوا جميعا بمرح، وفروا سريعا. ~~••• # لم يختف مرحهم في الحال، لكنه لم يكن بالشيء الذي يمكنهم مشاركته مع الآخرين أو ~~التحدث عنه؛ لذا، لزم عليهم الافتراق. # عاد سيسي إلى منزله ليعمل على تجهيز مكان اختبائه. كانت الأرضية المغطاة بالورق ~~المقوى التي غطاها الثلج في فصل الشتاء قد صارت مبتلة الآن وبحاجة لاستبدالها. أما ~~جيمي، فقفز إلى علية المرأب حيث اكتشف مؤخرا صندوقا به مجلات دوك سافيدج قديمة تخص ~~خاله فريد. عاد باد أيضا إلى المنزل حيث لم يجد سوى والدته التي أخذت تلمع أرضية ~~غرفة الطعام بالشمع، فتصفح بعض الكتب الهزلية مدة ساعة أو نحو ذلك، ثم باح لها بسره. ~~اعتقد باد أن والدته ليست لها أي خبرة أو سلطة خارج المنزل، وأنها لن تتخذ أي قرار بشأن ~~ما يجب فعله إلا بعد اتصالها بوالده، لكن ما أدهشه هو أنها اتصلت على الفور بالشرطة، ثم ~~بوالده. وذهب شخص ما لإحضار سيسي وجيمي. # توجهت إحدى سيارات الشرطة إلى جوتلند متبعة طريق البلدة الرئيسي، وتأكد الخبر. ~~ومن ثم، ذهب أحد رجال الشرطة وقس الكنيسة الأنجليكية للسيدة ويلينس. # ورد في التقارير أنها قالت لهما: «لم أرغب في إزعاجكم؛ كنت سأمهله حتى حلول ~~الظلام.» # وأخبرتهما أن السيد ويلينس ms029 قد قاد سيارته متوجها إلى الريف ظهيرة اليوم السابق ~~لإيصال بعض قطرات العين إلى رجل ضرير مسن. وأضافت أنه كان يتعطل أحيانا في طريق عودته ~~بسبب زيارته لبعض الناس أو تعطل السيارة في الطريق. # سألها الشرطي إن كان مكتئبا أو أي شيء من هذا القبيل. # فأجاب القس: «كلا بالتأكيد. لقد كان يلعب دورا رئيسيا في جوقة المنشدين ~~بالكنيسة.» # وقالت السيدة ويلينس: «لم يعرف الاكتئاب قط.» # كون الناس انطباعا عن الصبية الثلاثة الذين عادوا إلى منازلهم، وتناولوا الغداء، ~~ولم ينبسوا ببنت شفة عما رأوه، ثم اشتروا حلوى عرق السوس، فأطلقوا عليهم اسما ~~مستعارا، وهو «الميت»، وظل هذا الاسم ملازما لهم. حمله جيمي وباد إلى أن غادرا ~~البلدة، أما سيسي، الذي تزوج وهو في سن صغيرة وعمل في صومعة الغلال، فشهد انتقال الاسم ~~إلى ابنيه. وبحلول ذلك الوقت، لم يعد أحد يفكر فيما يرمز إليه الاسم. # أما إهانتهم للكابتن تيرفيت، فظلت سرا. # توقع كل منهم أي نوع من التذكير بما حدث من جانب ~~الكابتن - كنظرة توحي بالاحتقار أو الإدانة ~~- في المرة التالية التي مروا فيها تحت ذراعه المرفوعة ليعبروا الطريق إلى المدرسة، ~~لكنه رفع يده المغطاة بالقفاز الأبيض، تلك اليد النبيلة الأشبه بأيدي المهرجين، برزانته ~~الخيرة المعتادة، ليعلن عن سماحه لهم بعبور الطريق. ~~(2) سكتة قلبية ~~«التهاب كبيبات الكلى»، هكذا كتبت إنيد في مفكرتها. كانت تلك أول حالة تراها مصابة ~~بهذا المرض. في الواقع، كانت كليتا السيدة كوين تعانيان تلفا شديدا، وما من شيء ~~يمكن فعله حيال ذلك. أصيبت الكليتان بالجفاف، وصارتا كتلتين صلبتين وحبيبيتين لا فائدة ~~منهما، كما أصبح بولها شحيحا ولونه غير صاف، وكانت رائحة أنفاسها وبشرتها نفاذة ~~ومنذرة بالسوء. وانبعثت منها أيضا رائحة أخرى أقل حدة، تشبه رائحة الفواكه العطنة، رأت ~~إنيد أنها مرتبطة بالبقع ذات اللون البني الباهت الموجودة على جسدها. ارتعشت ساقاها ~~بفعل تشنجات الألم المفاجئ، وصارت بشرتها معرضة للحكة العنيفة، ما جعل إنيد تدعكها ~~بالثلج الذي كانت تلفه في المناشف، وتضغط به على البقع المصابة. # سألت أخت ms030 زوج السيدة كوين: «كيف يصاب المرء بهذا المرض؟» كانت تدعى السيدة أوليف ~~جرين (ويعني الاسم بالعربية «الزيتون ~~الأخضر») (لم يخطر ببالها قط ما سيبدو عليه ~~اسمها إلا بعد أن تزوجت وصار الجميع يسخرون منها فجأة، على حد قولها). عاشت في مزرعة ~~تبعد بضعة أميال عن الطريق السريع، وكانت تعرج على منزل السيدة كوين كل بضعة أيام لتأخذ ~~الملاءات والمناشف وملابس النوم إلى منزلها لتغسلها، وكانت تغسل ملابس الأطفال أيضا، ~~ثم تعيد كل شيء بعد كيه وطيه. كانت تكوي أشرطة ملابس النوم أيضا. شعرت إنيد ~~بالامتنان لها؛ إذ عملت قبل ذلك بوظائف أجبرتها على غسل الملابس بنفسها، أو فعل ما هو ~~أسوأ من ذلك، وهو أن تحملها إلى والدتها التي كانت تدفع المال مقابل تنظيفها في البلدة. ~~لم ترغب إنيد في الرد بوقاحة على سؤال السيدة جرين، لكنها استشفت ما سيئول إليه ~~الحوار بعد ذلك، فأجابت: «يصعب تحديد ذلك بالضبط.» # فردت السيدة جرين عليها: «السبب وراء سؤالي هو أننا نسمع أمورا كثيرة؛ فأي سيدة ~~يمكن أن تتعاطى بعض الحبوب أحيانا، مثل تلك التي تؤخذ عند تأخر الدورة الشهرية. وإذا ~~التزمت بإرشادات الطبيب عند تعاطيها، وكان الغرض منها حسنا، فلا بأس. لكن السيدات ~~يأخذن أحيانا أعدادا كبيرة من هذه الحبوب ولأغراض سيئة، فتتعرض الكلى للتلف في ~~أجسامهن. أليس كذلك؟» # فقالت إنيد: «لم يسبق لي التعامل مع حالة كهذه من قبل.» # كانت السيدة جرين امرأة طويلة وبدينة، وشأنها شأن أخيها ~~روبرت - زوج السيدة كوين - كان وجهها ~~مستديرا متجعدا ولكنه مقبول، وأنفها أفطس، وكانت والدة إنيد تشبه الشخص الذي يمتلك ~~هذه الملامح بالبطاطس الأيرلندية. لكن خلف ذلك التعبير البشوش الذي ارتسم على وجه ~~روبرت، توارى الارتياب والتحفظ. وخلف وجه السيدة جرين، توارى التوق، وإن لم تعلم إنيد ~~إلى أي شيء تتوق السيدة جرين، لكنها سعت إلى معرفة المزيد في أي محادثة بسيطة. لعلها ~~كانت تتوق لمعرفة المزيد من الأخبار عن شيء ما مهم، أو بالأحرى عن حدث مهم. # وبالطبع ، كان هناك حدث مهم على ms031 وشك الحدوث؛ حدث جلل على الأقل في هذه الأسرة؛ فقد ~~كانت السيدة كوين على وشك الموت وهي في سن السابعة والعشرين (وهي السن التي توقعتها ~~لنفسها، وإن كانت إنيد قد توقعت أن تزيد عن ذلك ببضعة أعوام، لكن عندما يستمر المرض حتى ~~هذه السن، يصير من الصعب التكهن بالعمر الذي سيصل إليه المريض). فعندما ستتوقف كليتاها ~~عن العمل تماما، سيتوقف كذلك القلب، وتموت. قال الطبيب لإنيد: «ستظلين تراعينها حتى ~~فصل الصيف، لكنك ستحظين على الأرجح بإجازة قبل انتهاء الفصل.» # وفي إحدى المرات، قالت السيدة جرين ~~لإنيد: «قابلها روبرت عند ذهابه إلى الشمال. كان قد انتقل إلى هناك وحده حيث عمل في ~~الغابات. وكانت تعمل في أحد الفنادق. لست متأكدة من طبيعة عملها، ربما عاملة تنظيف ~~للغرف، لكنها لم تنشأ في ذلك المكان؛ وإنما تقول إنها نشأت في ملجأ للأيتام في ~~مونتريال. أمر لا ذنب لها فيه. وقد تتوقعين تحدثها الفرنسية لهذا السبب، لكنها إن ~~كانت تتحدثها فعلا، فهي تبقي الأمر سرا عن الآخرين.» # فردت إنيد: «حياة مثيرة.» ~~«قوليها ثانية!» # كررت إنيد قولها: «حياة مثيرة.» لم تستطع إنيد أحيانا كبح جماح نفسها؛ فكانت تطلق ~~النكات في مواقف يصعب أن تؤثر فيها هذه النكات على من أمامها. وفي ذلك الموقف، رفعت ~~إنيد حاجبيها على نحو تشجيعي، وابتسمت السيدة جرين بالفعل. # لكن هل جرح ذلك مشاعر السيدة جرين؟ لقد تشابهت ابتسامتها مع ابتسامة روبرت عند ~~محاولته تجنب استهزاء الآخرين به عندما كان في المدرسة الثانوية. # قالت لها السيدة جرين: «لم يكن لروبرت رفيقة من قبل.» # كانت إنيد في نفس الفصل مع روبرت، لكنها لم تخبر السيدة جرين بذلك. وقد أشعرها ذلك ~~ببعض الإحراج؛ لأن روبرت كان أحد الصبية - أو بالأحرى أهمهم - الذي تعمدت هي ~~وصديقاتها مضايقته وإزعاجه؛ فكن يضايقنه بملاحقته في الشارع وسبه، فيبتئس وتنتفخ ~~شرايين عنقه، فيقلن: «روبرت يعاني من الحمى القرمزية؛ يجب الحجر عليه صحيا.» وكن - ~~إنيد وجوان ماكوليف، وماريان ديني - يتظاهرن ~~أيضا بأن إحداهن مفتونة به، ويقلن له: «إنها تريد ms032 التحدث معك يا روبرت. لم لا تطلب ~~الخروج معها؟ يمكنك، على الأقل، مهاتفتها. إنها تتحرق شوقا للتحدث معك.» # في الواقع، لم تتوقع الفتيات أن يستجيب روبرت لتلك المناشدات من جانبهن، لكنهن كن ~~سيمرحن حقا إن فعل؛ فكان سينبذ في الحال، ويذاع الخبر في جميع أنحاء المدرسة. ~~لماذا؟ لماذا كن يعاملنه على هذا النحو وتحدوهن رغبة شديدة في إذلاله؟ الجواب ببساطة ~~هو: لأنه كان بإمكانهن فعل ذلك. # من المحال أن يكون روبرت قد نسي ذلك، لكنه مع ذلك تعامل مع إنيد كأنه لم يعرفها من ~~قبل؛ مجرد ممرضة لزوجته أتت إلى منزله من أي مكان؛ وتعاملت هي معه على هذا ~~الأساس. # اتسمت الأمور دوما بالتنظيم على نحو غير اعتيادي لإعفاء إنيد من بذل أي جهد إضافي؛ ~~فكان روبرت ينام ويتناول الطعام في منزل السيدة جرين، في حين كان من الممكن أيضا ~~انتقال الفتاتين الصغيرتين إلى هناك، لكن كان لا بد من نقلهما إلى مدرسة أخرى في هذه ~~الحالة. ولم يكن قد بقي على انتهاء الدراسة سوى قرابة الشهر، قبل أن تغلق المدارس ~~أبوابها لحلول فصل الصيف. # واعتاد روبرت المجيء إلى المنزل في المساء للتحدث مع طفلتيه. # فيسألهما: «هل كنتما فتاتين مطيعتين؟» # وكانت إنيد تقول لهما: «فلتريا والدكما ما فعلتماه بالمكعبات»، أو «لترياه ما ~~فعلتماه في كتاب التلوين.» # كانت إنيد هي التي أحضرت كل تلك المكعبات وأقلام الألوان، وكتب التلوين؛ إذ اتصلت ~~بوالدتها هاتفيا، وطلبت منها البحث في الصناديق القديمة عما يمكن للأطفال اللعب به. ~~وفعلت أمها ذلك بالفعل، وجلبت لها كذلك كتابا قديما يحتوي على صور مقصوصة من كتب أخرى ~~كانت قد حصلت عليه من شخص ما. وضم ذلك الكتاب صورا للأميرتين إليزابيث ومارجريت روز، ~~والكثير من الأزياء الخاصة بهما. ولم تتمكن إنيد من إجبار الفتاتين على شكرها إلا بعد ~~أن وضعت تلك الأشياء فوق رف عال، وقالت لهما إنها ستظل هناك بالأعلى إلا أن يشكراها ~~عليها. بلغت لويس وسيلفي من العمر سبعة وستة أعوام، لكنهما كانتا جامحتين كالقطط ~~البرية الصغيرة. ms033 # لم يسأل روبرت عن مصدر تلك الألعاب. لكنه كان يطلب من ابنتيه أن يحسنا التصرف، ~~ويسأل إنيد عما إذا كان هناك أي شيء تريده من البلدة. وذات مرة، قالت له إنيد إنها قد ~~استبدلت مصباح الإضاءة الموجود في مدخل القبو، وطلبت منه إحضار بعض المصابيح ~~احتياطيا. # فقال لها: «كان بوسعي أن أفعل ذلك.» # فقالت إنيد: «ليست لدي أي مشكلة في تغيير مصابيح الإضاءة أو الصمامات الكهربائية أو ~~دق المسامير؛ فقد مرت فترة طويلة على حياتي مع والدتي في المنزل دون أي رجل معنا.» ~~كانت إنيد تحاول ممازحته بود، لكنها لم تنجح في ذلك. # ففي نهاية الحوار، كان روبرت يسأل عن حال زوجته، وإنيد ترد عليه بأن ضغط الدم منخفض ~~قليلا، أو أنها قد تناولت طعامها وتركت بعضا من بيض الأومليت للعشاء، أو أن أكياس ~~الثلج ساعدت في التخفيف من الحكة بجلدها وتحسن نومها. وفي تلك المرة، قال لها روبرت ~~إنه يجدر به عدم الدخول إليها إن كانت نائمة. # فأثنته إنيد عن ذلك، موضحة له أن رؤية الزوج تنفع أي امرأة أكثر من الغفو قليلا، ~~وأخذت الطفلتين إلى غرفتهما لتمنح الرجل وزوجته بعض الخصوصية، لكن روبرت لم يبق معها ~~في أي مرة أكثر من بضع دقائق قليلة. وعند عودة إنيد إلى الطابق السفلي ودخولها الغرفة ~~الأمامية - التي صارت الآن غرفة المريضة - لتجهيز المريضة للنوم في المساء، وجدت السيدة ~~كوين مستلقية على السرير وقد أسندت ظهرها على الوسائد، وقد بدا عليها الانفعال وإن لم ~~تكن مستاءة. # قالت لها السيدة كوين: «لم يطل بقاؤه، أليس كذلك؟ إنه يضحكني. هاهاها، كيف حالك؟ ~~هاهاها، سأرحل. لعله يسأل نفسه: لماذا لا نخرجها من المنزل ونلقيها بين روث الحيوانات؟ ~~لماذا لا نتخلص منها بالخارج كالقطة النافقة؟ أليس كذلك؟» # أجابتها إنيد وهي تحضر وعاء المياه والمناشف والكحول الطبي وبودرة الأطفال: «لا أظن ~~ذلك.» # ردت السيدة كوين بشيء من القسوة: «لا أظن ذلك»، ثم استسلمت سريعا لخلع إنيد رداء ~~النوم الخاص بها عنها، وإبعاد شعرها عن وجهها، ووضع المنشفة ms034 تحت فخذيها. اعتادت إنيد ~~احتجاج الناس عند تعرية أجسادهم، حتى عندما يكونون طاعنين في السن أو يعانون من مرض ~~شديد، ولزم عليها أحيانا مضايقتهم ليعودوا إلى رشدهم؛ فتقول للمريضة: «هل تعتقدين أنني ~~لم أر عورة أحد من قبل؟ لقد رأيت الكثير، وصار الأمر مملا للغاية بعد فترة؛ فنحن ~~إما رجال أو نساء.» لكن السيدة كوين لم تتسم بالحياء؛ إذ كانت تباعد بين ساقيها وترفع ~~جسمها قليلا لتسهل الأمر على إنيد. اتسمت بنية جسمها العظمية بصغرها ورقتها، والتي ~~صار شكلها غريبا الآن في ظل تورم بطنها وأطرافها، وانكماش ثدييها ليصيرا كالكيسين ~~الضئيلين بحلمتين جافتين مثل حبات العنب المجفف. # قالت السيدة كوين: «جسد متورم كالخنازير، فيما عدا ثديي اللذين كانا دوما بلا ~~قيمة. لم أتمتع يوما بثديين كبيرين مثلك. ألم تملي من رؤيتي؟ ألن يسعدك ~~موتي؟» # فأجابتها إنيد: «إذا كان هذا هو شعوري، فما كنت لأوجد هنا الآن.» # قالت السيدة كوين: «فلتذهب إلى الجحيم. هذا ما ستقولونه جميعا. فلتذهب إلى الجحيم. ~~لم تعد لي أي فائدة لروبرت الآن، أليس كذلك؟ لم تعد لي أي فائدة لأي رجل. إنه يخرج من ~~هنا كل ليلة ويذهب لاصطياد النساء، أليس كذلك؟» ~~«إنه يذهب إلى منزل أخته، على حد علمي.» ~~«على حد علمك؛ لكنك لا تعلمين الكثير.» # اعتقدت إنيد أنها تعلم ما كان وراء ذلك الحقد والعداوة والتأهب للتشاجر؛ ألا وهو بحث ~~السيدة كوين عن عدو للتعارك معه. يشعر المرضى بالاستياء من الأصحاء، وينطبق ذلك أحيانا ~~على الأزواج والزوجات، بل وعلى الأمهات والأبناء أيضا. وكان ذلك الاستياء من الزوج ~~والأبناء في حالة السيدة كوين؛ ففي صبيحة أحد أيام السبت، نادت إنيد على لويس وسيلفي ~~اللتين كانتا تلعبان تحت الشرفة لتريا والدتهما بعد أن تجملت. كانت السيدة كوين قد ~~حصلت على حمامها الصباحي لتوها، وارتدت رداء النوم النظيف، وصفف شعرها الناعم ~~الخفيف الأشقر وعقد إلى الخلف بشريط أزرق (كانت إنيد تصطحب معها عددا من هذه الأشرطة ~~عند ذهابها لتمريض سيدات مريضات، بالإضافة إلى زجاجة كولونيا وقطعة من ms035 الصابون المعطر). ~~بدت السيدة كوين جميلة بالفعل - أو على الأقل كانت كذلك فيما مضى، بما تتمتع به من ~~جبهة عريضة، وعظام وجنتين واسعتين (كادت تبرز من الجلد الآن، وصارت تشبه مقابض الأبواب ~~الخزفية)، وعينين كبيرتين تميلان للون الأخضر، وأسنان ناصعة البياض تشبه أسنان الأطفال، ~~وذقن صغير بارز. # دخلت الطفلتان الغرفة طوعا، لكن دون تحمس. # قالت السيدة كوين: «أبعديهما عن سريري؛ فهما متسختان.» # وردت إنيد: «إنهما تريدان رؤيتك فحسب.» # فقالت السيدة كوين: «حسنا، وقد فعلتا. الآن، يمكنهما المغادرة.» # لم يبد أن هذا السلوك قد فاجأ الطفلتين أو أحبطهما، فما كان منهما إلا أن نظرتا ~~لإنيد التي قالت لهما: «حسنا، إن أمكما بحاجة لنيل قسط من الراحة الآن.» فخرجتا من ~~الغرفة راكضتين ودخلتا إلى المطبخ وأغلقتا الباب بعنف وراءهما. # قالت السيدة كوين: «ألا يمكنك نهيهما عن فعل ذلك؟ في كل مرة تصفعان فيها الباب على ~~هذا النحو أشعر كما لو أن قالبا من الطوب قد ألقي على صدري.» # بدا الأمر وكأن ابنتيها طفلتان يتيمتان مشاكستان تفرضان نفسيهما عليها في زيارة غير ~~محددة المدة، لكن هكذا حال بعض الناس إلى أن يرضوا بفكرة الموت، بل إلى أن يلقوا ~~حتفهم في بعض الأحيان؛ فمن هم أكثر رفقا من السيدة كوين يمكن أن يقولوا إنهم يعلمون ~~مدى كراهية أشقائهم وشقيقاتهم وأزواجهم وأبنائهم لهم دوما، ومدى الإحباط الذي تسببوا ~~فيه للآخرين، والذي تسبب فيه الآخرون لهم، ومدى السعادة التي سيشعر بها هؤلاء الآخرون ~~بعد رحيلهم. وقد يقولون ذلك في نهاية حياة اتسمت بالسكينة والنفع وسط عائلات محبة حيث ~~لا يكون هناك أي تفسير لمثل هذه النوبات. وتمر هذه النوبات عادة، لكن غالبا، أيضا، ~~في الأسابيع، أو حتى الأيام، الأخيرة قبل الوفاة، يجول في خاطر المريض نزاعات أو إهانات ~~قديمة، أو يتذمر بشأن عقاب غير عادل وقع عليه قبل سبعين عاما. وفي إحدى المرات، طلبت ~~سيدة من إنيد أن تحضر لها طبقا خزفيا من الخزانة، وظنت إنيد أنها ترغب في الاستمتاع ~~برؤية هذا الطبق الجميل للمرة الأخيرة ms036 قبل وفاتها، لكنها اكتشفت أنها أرادت استخدام آخر ~~ما تبقى لها من قوة مدهشة في تكسير ذلك الطبق في عمود السرير. # وقالت: «بذلك تأكدت أن أختي لن تحصل عليه أبدا.» # علاوة على ذلك، يشير المرضى عادة إلى أن الناس كانوا يزورونهم للتشفي فيهم، وأن ~~الطبيب هو المسئول عن معاناتهم، بل إنهم كرهوا رؤية إنيد نفسها، وما تمتعت به من قوة ~~وتحمل لقلة النوم ويدين صبورتين وحيوية وطاقة لا تنقطع تسري في جسدها على نحو رائع. ~~وقد اعتادت إنيد على ذلك، وكان بوسعها تفهم المحنة التي يمر بها هؤلاء المرضى؛ محنة ~~الاحتضار، بل ومحنة حياتهم أيضا التي طغت على تفكيرهم في تلك اللحظات. # لكنها كانت في حيرة من أمرها في حالة السيدة كوين. # ولم يكن السبب في ذلك هو أنها لم تستطع توفير الراحة لها، وإنما أنها لم ترغب في ذلك. ~~فلم تستطع إنيد التغلب على كراهيتها لتلك الشابة البائسة المحكوم عليها بالهلاك. لقد ~~كرهت ذلك الجسد الذي وجب عليها غسله ووضع البودرة عليه وتهدئته بالثلج وفركه بالكحول ~~الطبي. وقد أدركت الآن ما كان يعنيه الناس عند قولهم لها إنهم كرهوا المرض والأجسام ~~المريضة؛ وتفهمت السيدات اللاتي تساءلن كيف يمكنها تحمل ذلك، وأنهن لا يمكن أن يعملن ~~بمهنة التمريض أبدا. لقد كرهت ذلك الجسم بالتحديد، وكل علامات المرض التي تتضح عليه من ~~رائحة وتغير للألوان، وحلمتين صغيرتين ذواتي مظهر مؤذ، وأسنان مثيرة للشفقة تشبه ~~أسنان ابن مقرض. ورأت موقفها هذا علامة على تعمد عدم أمانتها في أداء عملها؛ فهي لم ~~تقل سوءا عن السيدة جرين في تقصي الحقائق الكريهة للأحداث التي يصعب السيطرة عليها. ~~وبالرغم من كونها ممرضة تتمتع بقدر أكبر من المعرفة، وبالرغم من أنه من مهام وظيفتها - ~~وبالتأكيد طبيعتها - أن تتسم بالرفق، فإنها لم تعلم لماذا كان يحدث ذلك معها. لقد ~~ذكرتها السيدة كوين إلى حد ما بالفتيات اللاتي عرفتهن في المدرسة الثانوية؛ أولئك ~~الفتيات اللاتي ارتدين ملابس رخيصة، وبدا عليهن المرض والمستقبل البائس ، وأظهرن رضا ~~مخزيا بحالهن، ومكثن ms037 في المدرسة عاما واحدا أو اثنين، ثم حملن، وتزوج أغلبهن. وقد ~~مرضت إنيد بعضا منهن في السنوات الأخيرة عند إنجاب أطفالهن في المنزل، واكتشفت ~~فقدانهن لثقتهن بأنفسهن، وتحول نزعتهن الجريئة إلى حلم، بل وخنوع أيضا. شعرت بالأسى ~~حيالهن، حتى عند تذكرها مدى تصميمهن على الحصول على ما حصلن عليه بالفعل. # أما السيدة كوين، فكانت أكثر عنادا؛ فقد تتعرض لانكسارات عدة، لكن لا يتبقى دوما ~~بداخلها سوى الأذى وحدة الطباع، وحالتها المتدهورة. # والأسوأ من حقيقة شعور إنيد بذلك الاشمئزاز هو أن السيدة كوين كانت تعلم به. وما من ~~صبر أو لطف أو ابتهاج يمكن أن تعبر عنه إنيد حال دون معرفة السيدة كوين لهذه ~~المشاعر. وشعرت السيدة كوين بالانتصار لمعرفتها ذلك. ~~«فلتذهب إلى الجحيم.» ~~••• # عندما كانت إنيد في العشرين من عمرها، وأوشكت على الانتهاء من تدريبها لتصبح ممرضة، ~~كان والدها يحتضر في مستشفى والي. حينذاك، قال لها والدها: «لا أوافق على عملك في هذه ~~الوظيفة. لا أريدك أن تعملي في مكان كهذا.» # فمالت إنيد عليه وسألته عن المكان الذي يظن أنه موجود فيه. وقالت له: «هذا ليس سوى ~~مستشفى والي.» # فقال لها والدها بصوت هادئ وعقلاني كعادته دائما (إذ كان وكيل عقارات وتأمين): «أعلم ~~ما أتحدث عنه. والآن، عديني ألا تفعلي ذلك.» # فسألته إنيد: «أعدك بماذا؟» # فأجاب والدها: «بألا تمارسي هذا العمل.» ولم تستطع الحصول على توضيح أكثر من ذلك منه. ~~ثم زم شفتيه كما لو أن أسئلتها تصيبه بالاشمئزاز. وقال لها فقط: «عديني.» # فسألت إنيد والدتها: «لم كل ذلك؟» وردت عليها: «هيا! عديه. ما الفارق الذي ~~سيحدثه ذلك؟» # رأت إنيد ما قالته والدتها صادما، لكنها لم تعلق عليه؛ فكانت تلك عادة والدتها في ~~النظر للعديد من الأمور. # وقالت لها: «لن أقدم أي وعود بشيء لا أفهمه؛ ولعلني لن أعد على الأرجح بأي شيء ~~على الإطلاق، لكن إذا كانت لديك أي فكرة عما يتحدث عنه، فينبغي لك إخباري به.» # فردت والدتها: «الأمر يتعلق بفكرة طرأت عليه الآن، وهي أن التمريض يجعل ms038 المرأة ~~فظة.» # فقالت إنيد: «فظة!» # أوضحت لها والدتها أن الجزء الذي يعترض عليه والدها في مهنة التمريض هو اعتياد ~~الممرضات على أجسام الرجال. ورأى والدها - ~~بل قرر - أن هذا الاعتياد يغير الفتاة، ويغير أيضا من نظرة الرجال لها، ويضيع ~~الفرص الجيدة المتاحة أمامها، ويتيح لها العديد من الفرص الأخرى السيئة؛ فبعض الرجال ~~سيفقدون اهتمامهم بها، والبعض الآخر سيهتمون بها على النحو الخاطئ. # قالت والدتها: «أعتقد أن الأمر كله يتعلق برغبته في تزويجك.» # وردت إنيد: «أمر مؤسف إن كان يقصد ذلك.» # لكنها وعدته في النهاية، وقالت لها والدتها: «حسنا، أتمنى أن يكون ذلك قد أسعدك.» ~~لم تقل: «قد أسعده»، وإنما «أسعدك». يبدو أن والدتها قد عرفت قبل إنيد كم يكون هذا ~~الوعد جذابا؛ ذلك الوعد الذي يمنحه المرء لشخص على فراش الموت، ذلك النوع من إنكار ~~الذات، والتضحية الكاملة. وكلما زاد الوعد عبثا، كان ذلك أفضل. كان هذا ما أذعنت له، ~~ليس لحبها لوالدها، وإنما (كما أشارت والدتها) لما فيه من إثارة؛ وعد على عكس التوقعات ~~يشي بنبل أخلاق تام. # قالت لها والدتها: «لو كان قد طلب منك الامتناع عن شيء لا تهتمين به بشكل أو بآخر، ~~لاعترضت على ذلك. إذا طلب منك، مثلا، الامتناع عن وضع أحمر الشفاه، فما كنت ستلبين ~~طلبه.» # أنصتت إنيد لهذا الحديث بصبر. # فسألتها والدتها بحدة: «هل استخرت الله قبل اتخاذ هذا القرار؟» # فردت إنيد بالإيجاب. # تركت مدرسة التمريض؛ وبقيت في المنزل وانشغلت بأمور أخرى؛ فقد كان هناك ما يكفي من ~~المال لتجنيبها الحاجة للعمل. وفي الواقع، لم تكن والدتها راضية عن التحاقها بمدرسة ~~التمريض من البداية؛ إذ رأت أنها مهنة الفتيات الفقيرات اللاتي لا يستطيع آباؤهن التكفل ~~بهن أو إرسالهن إلى الجامعة. لكن إنيد لم تذكر والدتها بهذا التناقض، فانشغلت بطلاء ~~سور المنزل، وحماية شجيرات الورود استعدادا لفصل الشتاء بضم فروعها معا حتى لا ~~تجرفها الرياح. وتعلمت الخبز، ولعب الورق، فحلت محل والدها في الألعاب الأسبوعية ~~التي كان يلعبها والدها ووالدتها مع جيرانهما، السيد ويلينس ms039 وزوجته. وما لبثت أن صارت ~~لاعبة ماهرة للغاية، كما وصفها السيد ويلينس. واعتاد أن يجلب لها الشوكولاتة أو زهرة ~~وردية معه ليعوض عدم كفاءته كشريك لها في اللعب. # اعتادت إنيد أيضا الذهاب للتزلج في مساء أيام الشتاء، ومارست لعبة تنس ~~الريشة. # لم تفتقر قط إلى الأصدقاء، ولا يزال هذا حالها إلى الآن. معظم من كانوا معها في العام ~~الأخير بالمدرسة الثانوية أوشكوا على الانتهاء من الدراسة الجامعية الآن، أو صاروا ~~يعملون بالفعل في أماكن بعيدة في مهن مثل التدريس أو التمريض أو المحاسبة القانونية، ~~لكنها مع ذلك أقامت صداقات مع أشخاص آخرين ممن لم ينهوا دراستهم الثانوية ليعملوا في ~~المصارف أو المتاجر أو المكاتب، أو ليعملوا بالسباكة أو صناعة القبعات. والفتيات من هذه ~~الفئة كن يسقطن كالذباب - مثلما كن يقلن بعضهن عن بعض - في شرك الزوجية. عملت إنيد ~~أيضا على تنظيم الحفلات التي تقام للعروس لتقديم الهدايا لها وتنظيم حفلات الشاي ~~السابقة للزفاف لرؤية جهاز العروس. وفي غضون بضعة أعوام، ستحتفل مع أولئك الفتيات ~~بتعميد أبنائهن، ومن المتوقع أن تكون أما في العماد لهؤلاء الأطفال الذين سيطلقون ~~عليها لقب الخالة عندما يكبرون. وقد كانت هي نفسها ابنة روحية لسيدات من عمر والدتها أو ~~أكبر سنا، وكانت هي الشابة الوحيدة التي لديها وقت لنادي الكتب وجمعية البستنة؛ لذا، ~~انزلقت إنيد بسرعة ويسر وهي لا تزال شابة في هذا الدور المحوري والمنعزل في الوقت ~~نفسه. # لكن، في الواقع، كان هذا دورها دوما؛ ففي المدرسة الثانوية، كانت دوما أمينة الفصل ~~أو الداعية إلى الأحداث الاجتماعية. وكانت محبوبة للغاية وتتسم بالحيوية وحسن المظهر ~~والجمال، لكنها كانت منعزلة قليلا. فقد كان لها أصدقاء من الشباب، لكنها لم تحظ يوما ~~بحبيب. وبدا أنها لم تختر ذلك، لكنها لم تقلق حياله أيضا؛ فقد انشغلت بطموحها؛ وهو ~~أن تكون مبشرة دينية - كان ذلك في إحدى المراحل المحرجة في حياتها - ثم ممرضة. لم ~~تفكر يوما في التمريض كشيء تفعله إلى أن تتزوج، وإنما كانت تطمح في أن تكون جيدة ms040 وأن ~~تبرع فيما تفعله، وليس بالضرورة أن تكون زوجة وتعيش حياة تقليدية معتادة. # وفي احتفالات العام الجديد، كانت تذهب للرقص في قاعة مبنى البلدية، وكان الرجل الذي ~~يرقص معها في الغالب ويرافقها إلى المنزل ويتمنى لها ليلة سعيدة هو مدير مصنع الألبان. ~~وهو رجل في الأربعينيات من عمره، لم يتزوج قط في حياته، وكان راقصا ماهرا، وصديقا ~~أبويا للفتيات اللاتي لا يجدن رفقاء لهن في الغالب، وما من امرأة أخذته على محمل الجد ~~قط. # قالت لها والدتها ذات مرة: «ربما ينبغي لك الحصول على دورة تدريبية في إدارة الأعمال، ~~أو ما رأيك في الالتحاق بالجامعة؟» # كانت والدتها تفكر في المكان الذي قد يتسم فيه الرجال بقدر أكبر من حسن ~~التقدير. # فأجابتها إنيد: «لقد كبرت على ذلك.» # فضحكت والدتها وقالت: «هذا يثبت صغر سنك.» بدا عليها الارتياح لاكتشافها أن ابنتها ~~لديها فكرة حمقاء طبيعية لمن في مثل سنها، وهي أنها تظن أن الحادية والعشرين تبعد ~~كثيرا عن الثامنة عشرة. # قالت إنيد: «لن أخرج مع شباب تخرجوا لتوهم في المدرسة الثانوية. أعني ما أقوله. ~~لماذا ترغبين في التخلص مني على أي حال؟ فأنا على ما يرام هنا.» بدت والدتها أيضا ~~سعيدة ومطمئنة بهذا العبوس والحدة من جانب إنيد، لكنها تنهدت بعد لحظات، وقالت لها: ~~«سيدهشك انقضاء سنوات العمر سريعا.» # وفي شهر أغسطس، كان هناك العديد من حالات الإصابة بالحصبة وبضع حالات شلل الأطفال في ~~الوقت نفسه. وسألها الطبيب، الذي كان يتابع حالة والدها ولاحظ كفاءتها في المستشفى، عما ~~إذا كانت ترغب في مساعدته بعض الوقت في تمريض الناس في منازلهم، وقالت له إنها ستفكر في ~~الأمر. # قالت لها والدتها: «هل تعنين الصلاة لهم؟» فارتسم على وجه إنيد تعبير عنيد ومتحفظ كما ~~لو كانت تنوي لقاء حبيبها. # وقالت لوالدتها في اليوم التالي: «ذلك الوعد الذي قطعته على نفسي لوالدي كان يتعلق ~~بالعمل في المستشفيات، أليس كذلك؟» # وأجابتها والدتها بأن هذا ما فهمته. # واستطردت إنيد: «ويتعلق أيضا بالتخرج في مدرسة التمريض وبأن أصير ممرضة ms041 ~~مسجلة؟» # فصدقت والدتها على كلامها. # لذا، إذا كان هناك أشخاص بحاجة لتمريضهم في المنزل، ولا يستطيعون تحمل نفقة الذهاب ~~إلى المستشفى أو لا يرغبون في ذلك، وإذا ذهبت إليهم إنيد في منازلهم لتمريضهم، ليس ~~كممرضة مسجلة وإنما كممرضة ممارسة - كما يطلقون عليها - فلن تنقض بذلك عهدها مع ~~والدها، أليس كذلك؟ وبما أن معظم من سيحتاجون لرعايتها سيكونون من الأطفال أو السيدات ~~اللائي لديهن أطفال أو الأشخاص الطاعنين في السن الذين يحتضرون، فلن تكون عرضة لخطر ~~التحول إلى امرأة فظة، أليس كذلك؟ # فقالت والدتها: «إذا كان الرجال الذين سترينهم لن ينهضوا من أسرتهم ثانية، فمعك ~~حق فيما تقولين.» # لكنها لم تستطع منع نفسها من إضافة أن معنى ما كانت تفعله إنيد هو أنها قررت التخلي ~~عن فكرة الحصول على وظيفة محترمة في أحد المستشفيات لتقبل بوظيفة بائسة قاصمة للظهر في ~~منازل بدائية تملؤها التعاسة والبؤس مقابل مبلغ زهيد لا يذكر من المال. وأوضحت لها ~~أيضا أنها قد تضطر لضخ المياه بنفسها من آبار ملوثة، وكسر الثلج في أحواض الماء في ~~الشتاء، ومطاردة الذباب في الصيف، واستخدام دورة مياه خارج المنزل. هذا فضلا عن ~~استخدام ألواح تنظيف الملابس ومصابيح زيت الفحم بدلا من غسالات الملابس والكهرباء، ~~ومحاولة رعاية المرضى في ظل هذه الظروف والتكيف مع أعمال المنزل والأطفال المشاكسين ~~المساكين في الوقت نفسه. # وأضافت: «لكن إذا كان هذا هو هدفك في الحياة، فأرى أنني كلما جعلت الأمر يبدو أكثر ~~سوءا، يزداد تصميمك على خوضه، لكنني سأطلب منك أن تعديني ببعض الأشياء أيضا، وهي أن ~~تغلي الماء الذي ستشربينه، وألا تتزوجي من مزارع.» # فقالت لها إنيد: «يا لها من أفكار مجنونة!» # كان ذلك قبل ستة عشر عاما. أثناء الأعوام الأولى من تلك الفترة، ازداد الناس فقرا، ~~ومن ثم، زاد عدد من لا يمكنهم تحمل تكاليف دخول المستشفى، والمنازل التي عملت فيها إنيد ~~تدهور حالها عادة حتى وصلت إلى الحالة التي وصفتها والدتها، ولزم عليها غسل الملاءات ~~والحفاضات بيديها في بعض المنازل حيث كانت ms042 الغسالة معطلة ولا يمكن إصلاحها، أو قطعت ~~الكهرباء عنها، أو لم تكن هناك كهرباء في الأساس. لم تعمل إنيد بدون أجر؛ لأنها بذلك ~~ستظلم السيدات الأخريات اللاتي يعملن بنفس المهنة ولم يتمتعن بالخيارات التي تتمتع هي ~~بها، لكنها كانت تعيد معظم تلك الأموال للأسرة في صورة أحذية ومعاطف شتوية للأطفال، ~~وزيارات لطبيب الأسنان، وألعاب للكريسماس. # وكانت والدتها تجمع من أصدقائها أسرة الأطفال القديمة، وكراسي الأطفال العالية، ~~والبطاطين، بالإضافة إلى الملاءات المهترئة التي كانت تمزقها بنفسها وتحيكها لتصنع ~~منها حفاضات للأطفال. وكان الجميع يخبرها بأنها فخورة بلا شك بإنيد، وكانت تجيبهم بأنها ~~كذلك بالتأكيد. # ثم تضيف: «لكن كوني أما لقديسة مثلها يتطلب مني قدرا هائلا من الجهد في بعض ~~الأحيان.» ~~••• # تلا ذلك الحرب، وما شهدته تلك الفترة من نقص شديد في الأطباء والممرضين، وصارت إنيد ~~موضع ترحيب أكثر من ذي قبل، وظلت كذلك لفترة من الوقت بعد الحرب مع تزايد عدد المواليد. ~~لكن الآن في ظل ما شهدته المستشفيات من توسعات وما شهده العديد من المزارع من رخاء، بدا ~~أن مسئولياتها بدأت تضمحل لتقتصر على من يعانون من أمراض غريبة أو ميئوس منها، أو من ~~أمراض نفسية لا يمكن علاجها، ولم تعد المستشفيات تقبل بوجودهم فيها. ~~••• # وفي صيف ذلك العام، كانت الأمطار الغزيرة تهطل كل بضعة أيام، ثم تشرق الشمس ليصير ~~الجو قائظا فتفقد الحشائش وأوراق الأشجار المبللة لمعانها. وكان الصباح يغمره الضباب ~~بالقرب من النهر، وحتى عند انقشاعه تتعذر الرؤية من على أي بعد في أي اتجاه بسبب ~~الأمطار الغزيرة وكثافة الهواء. وتعلقت القطوف بالأشجار الكثيفة والشجيرات؛ من عناقيد ~~عنب برية ونباتات الكرمية المتسلقة، ومحاصيل ذرة وشعير وقمح وقش. نما كل شيء قبل ~~الأوان، كما قال الناس؛ فكان القش جاهزا لحصده في شهر يونيو، وتعجل روبرت لإدخاله ~~الحظيرة قبل أن تفسده الأمطار. # كان يتأخر في عودته للمنزل في المساء؛ إذ اضطر للعمل حتى آخر خيط من الضوء في السماء. ~~وفي إحدى الليالي، دخل المنزل ليجده غارقا في الظلام، خلا شمعة ms043 واحدة تحترق على مائدة ~~المطبخ. # هرعت إنيد لفتح الباب الشبكي. # فسألها روبرت: «هل انقطع التيار الكهربي؟» # فطلبت منه إنيد أن يخفض صوته، ثم همست له بأنها سمحت للطفلتين بالنوم في الطابق ~~السفلي لشدة الحرارة في الغرف بالطابق العلوي، فسحبت الكراسي لتقرب بعضها من بعض وتصنع ~~منها أسرة لهما، ووضعت عليها الألحفة والوسائد. وبالطبع، لزم عليها إطفاء الأنوار ~~حتى تتمكن الفتاتان من النوم. وقد عثرت على شمعة في أحد الأدراج، وهذا كل ما كانت بحاجة ~~إليه للكتابة على ضوئها في مذكرتها. # وأضافت: «ستتذكران دوما النوم هنا؛ فنحن نتذكر دائما الأوقات التي نمنا فيها في ~~مكان مختلف ونحن صغار.» # أنزل روبرت من يده صندوقا احتوى على مروحة سقف لغرفة المريضة؛ كان قد ذهب إلى والي ~~لشرائها، واشترى أيضا جريدة ناولها لإنيد. # وقال لها: «ظننت أنك قد ترغبين في معرفة ما يجري من أحداث في العالم.» # فتحت إنيد الصحيفة بجانب مذكرتها على المائدة، وكانت هناك صورة لكلبين يلعبان في ~~نافورة. # فقالت: «تذكر الجريدة أن موجة حارة تضرب البلاد. أليس من الجيد معرفة ذلك؟» # انشغل روبرت برفع المروحة بعناية من الصندوق. # قالت إنيد: «هذا رائع! وبالرغم من انخفاض الحرارة في الغرفة، فسوف تشعرها هذه ~~المروحة بالراحة غدا.» # ورد عليها روبرت: «سأستيقظ مبكرا لتركيبها.» ثم سأل عن حال زوجته ذلك ~~اليوم. # فقالت له إنيد إن الآلام في ساقيها بدأت تقل، والحبوب الجديدة التي قدمها لها الطبيب ~~تمنحها فيما يبدو بعض الراحة. # وأضافت: «المشكلة الوحيدة أنها تجعلها تنام مبكرا؛ ومن ثم، يصعب عليك ~~رؤيتها.» # ورد روبرت: «الراحة أفضل لها.» # ذكرت هذه المحادثة الهامسة إنيد بمحادثاتهما معا في المدرسة الثانوية، عندما كانا ~~في السنة الأخيرة بالمدرسة، وتوقفت عن مضايقته أو التحرش به أو أيا كان اسم ما تفعله. ~~جلس روبرت خلفها طوال ذلك العام، واعتادا التحدث معا عادة باقتضاب ولغرض محدد دوما، ~~وكانت الأسئلة المتداولة بينهما من قبيل: «هل معك ممحاة للحبر؟ كيف تنطق كلمة «تجريم»؟ ~~أين يقع البحر التيراني؟» وكانت إنيد غالبا هي التي تبدأ الحديث ms044 بعد أن تستدير نحوه ~~قليلا، وتتمكن من الشعور بمدى قربه، وإن لم تكن تراه. كانت ترغب بالفعل في اقتراض ~~الممحاة، أو بحاجة للمعلومة، لكنها أرادت أيضا توثيق أواصر الصلة بينهما. هذا فضلا عن ~~رغبتها في إصلاح ما فعلته في الماضي؛ إذ شعرت بالخزي من الأسلوب الذي عاملته هي ~~وصديقاتها به. ولم يكن الاعتذار ليجدي، وإنما سيتسبب في إحراجه مجددا، ولم يكن يشعر ~~بالارتياح إلا عندما كان يجلس خلفها ويعلم أنها لا تستطيع النظر في وجهه. وإن تقابلا في ~~الشارع، كان يشيح بوجهه بعيدا إلى أن يلتقيا، ثم يهمس لها بتحية خافتة، في حين تصيح ~~هي: «مرحبا روبرت» بصوت عال، لتسمع صدى الأصوات المعذبة القديمة التي أرادت ~~محوها. # لكنه عندما كان يربت بإصبعه على كتفها للفت انتباهها، أو عندما يميل عليها حتى يكاد ~~يلمس، أو ربما - لم تكن متأكدة - يلمس بالفعل شعرها الذي اتسم دوما بجموحه حتى عند قصه ~~قصيرا، كانت تشعر بأنه قد سامحها بالفعل. وبصورة ما، كانت تشعر بالفخر، وبعودتها إلى ~~الجدية والاحترام. # أين بالضبط يقع البحر التيراني؟ # تساءلت إنيد عما إذا كان يتذكر أيا من هذه الأمور الآن. # فصلت إنيد الصفحات الأمامية والخلفية للصحيفة بعضها عن بعض. رأت خبرا عن مارجريت ~~ترومان في زيارة لإنجلترا، وتنحني - في الصورة - محيية العائلة الملكية. ومن الأخبار ~~الأخرى، محاولة الأطباء علاج الملك من داء بورغر باستخدام فيتامين ه. # قدمت إنيد الصفحات الأمامية من الصحيفة لروبرت، وهي تقول: «سوف أحل الكلمات ~~المتقاطعة. أحب حلها؛ إذ تمنحني الراحة في نهاية اليوم.» # جلس روبرت، وشرع في قراءة الصحيفة، وسألته إنيد إن كان يرغب في احتساء كوب من الشاي، ~~فطلب منها، بالطبع، ألا تكلف نفسها عناء إعداده؛ بيد أنها أعدته على الفور، مدركة ~~أن هذا الرد قد يعني «نعم» في لغة أهل الريف. # نظرت إنيد إلى مربع الكلمات المتقاطعة، وقالت: «رقم 1 أفقيا؛ اسم رئيس للولايات ~~المتحدة، الاسم الأول قديس شهير والثاني عاصمة الولايات المتحدة. يا إلهي. كم أنا ~~محظوظة الليلة! جورج واشنطن.» # وقالت له: «هل ms045 ترى مدى حمق هذه الأشياء؟» ثم نهضت وصبت الشاي. # لو كان يتذكر الماضي، فهل كان يكن لها أي ضغينة لهذا السبب؟ لعل ودها المرح في ~~السنة الأخيرة بالمدرسة لم يكن مرغوبا فيه، بسبب أنها كانت أعلى منه شأنا في نظره، ~~وبسبب تعليقاتها الساخرة السابقة منه. # عندما رأته للمرة الأولى في هذا المنزل، لم تر أنه تغير كثيرا؛ فقد كان صبيا ~~طويلا وقوي البنية ومستدير الوجه، وهكذا حاله أيضا كرجل. واعتاد دوما قص شعره قصيرا ~~للغاية؛ لذلك لم يكن هناك فارق كبير حال عدم وجود سوى القليل منه الآن، وتحوله من ~~اللون البني الفاتح إلى البني المائل للرمادي. وحلت سفعة شمس دائمة محل تورد ~~وجهه. وأي شيء كان يزعجه وينعكس على وجهه كان على الأرجح نفس ما كان يزعجه في الماضي؛ ~~وهو أن يشغل مساحة في العالم، ويمتلك اسما ينادي عليه الناس به، ويصبح شخصا جديرا ~~بأن يتعرف عليه الآخرون. # أخذت تتذكر جلوسهما معا في فصل المدرسة الثانوية الذي كان صغيرا آنذاك، وتحول فيه ~~الطلاب في خمس سنوات من أطفال مستخفين بالدراسة وخالي البال، غير مكترثين بأي شيء، ~~إلى أفراد مطيعين ووقورين وناضجين يدرسون حساب المثلثات ويتعلمون اللغة اللاتينية. أي ~~حياة ظنوا أنهم مقبلون عليها؟ أي شخصيات ظنوا أنهم سيتحولون إليها؟ # تذكرت الغلاف الناعم ذا اللون الأخضر الداكن لكتاب يحمل اسم «تاريخ النهضة ~~والإصلاح». كان مستعملا، ربما للمرة العاشرة؛ فما من أحد يشتري كتابا دراسيا ~~جديدا. وفي الداخل، كتبت جميع أسماء مالكيه السابقين، بعضهم ربات بيوت في منتصف ~~العمر وآخرون تجار بأنحاء البلدة. ما كان من الممكن تصور قراءة أولئك الأشخاص لهذه ~~الموضوعات، أو وضع خط تحت «مرسوم نانت» بالحبر الأحمر، وكتابة «ملاحظة» في ~~الهامش. ~~«مرسوم نانت»؛ إن عدم فائدة وغرابة ~~هذه الأشياء التي تحتوي عليها هذه الكتب ورءوس الطلاب، ورأسها عندما كانت في المدرسة ~~الثانوية، ورأس روبرت أيضا، جعلاها تفكر وتتعجب. لم تتعجب من أنهما أرادا أن يحققا ~~شيئا لكنهما فشلا في تحقيقه عندما كبرا، لم يكن الأمر كذلك قط؛ ms046 فما كان روبرت يتخيل أي ~~شيء سوى العمل في الزراعة بمزرعته الجميلة، وقد كان ابنا وحيدا. إنيد أيضا انتهت بها ~~الحال فاعلة ما كانت تريده بالتأكيد. لا يمكن القول إنهما أخطآ اختيار طريق حياتهما أو ~~اختاراه ضد رغبتهما أو لم يدركا ما كان أمامهما من خيارات؛ كل ما هنالك هو أنهما لم ~~يدركا أن الوقت سيمر تاركا إياهما أقل - وليس أكثر - مما كانا عليه. # قالت: «غذاء أهل منطقة الأمازون.» وكررت: «غذاء أهل منطقة الأمازون؟» # فقال روبرت: «المنيهوت؟» # عدت إنيد عدد الخانات المشيرة لعدد حروف الكلمة المطلوبة، وقالت: «خمسة حروف، ~~خمسة.» # فقال: «كسافا؟» ~~«كسافا؟ إنها فعلا خمس حروف، كسافا.» ~~••• # ازداد تقلب السيدة كوين يوميا بشأن طعامها؛ فأحيانا تطلب خبزا محمصا أو موزا ~~باللبن. وفي يوم ما، طلبت بسكويتا بزبدة الفول السوداني. أعدت إنيد كل هذه الأشياء؛ ~~فكان بإمكان الطفلتين تناولها على أي حال. وعند تقديمها للسيدة كوين، ما كانت تتحمل ~~رؤيتها أو رائحتها، حتى الجيلي كان له رائحة لم تستطع تحملها. # وفي فترة ما، كرهت السيدة كوين الضوضاء؛ فلم تكن تسمح حتى بتشغيل المروحة. وفي فترة ~~أخرى، كانت ترغب في تشغيل الراديو، وضبطه على المحطة التي تذيع طلبات أعياد الميلاد ~~والزواج، وتتصل بالناس لطرح بعض الأسئلة عليهم، ومن يجب إجابة صحيحة، يفز برحلة ~~إلى شلالات نياجرا، أو بملء خزان الوقود الخاص بسيارته، أو بمقدار كبير من مشتريات ~~البقالة، أو تذاكر إلى السينما. # قالت السيدة كوين: «كل هذا مرتب له، كل ما في الأمر أنهم يتظاهرون بالاتصال بأناس ~~موجودين في الغرفة المجاورة بالمحطة، وقد لقنوا بالفعل الإجابات الصحيحة. لقد كان لي ~~معارف يعملون في الإذاعة، وما أقوله حقيقي.» # في مثل هذه الأيام، كان نبضها سريعا، وكانت تتحدث بسرعة هائلة وبصوت خافت ولاهث. ~~سألت إنيد في إحدى المرات: «ما نوع سيارة والدتك؟» # فأجابتها: «لونها أحمر داكن.» # فسألتها السيدة كوين: «ما طرازها؟» # فأجابتها إنيد أنها لا تعلم، وهي الحقيقة؛ فقد كانت تعلم طرازها من قبل، لكنها ~~نسيت. ~~«هل كانت جديدة عند شرائها لها؟» # فقالت ms047 إنيد: «نعم، لكن ذلك كان منذ ثلاثة أو أربعة أعوام مضت.» ~~«وتعيش في ذلك المنزل الصخري الكبير المجاور لآل ويلينس، أليس كذلك؟» # أجابتها بالإيجاب. ~~«كم عدد الغرف به؟ ست عشرة غرفة؟» ~~«غرف كثيرة.» ~~«هل ذهبت إلى جنازة السيد ويلينس عند وفاته غرقا؟» # فأجابت إنيد بالنفي: «لا أحب الجنازات.» ~~«كان من المفترض أن أذهب إليها، فلم يكن المرض قد اشتد علي آنذاك، وكنت سأذهب مع ~~آل هيرفي في سيارتهم على الطريق السريع؛ لقد عرضوا علي توصيلي، لكن والدة السيدة ~~هيرفي وأختها أرادتا الذهاب أيضا، ولم يعد هناك مكان لي في السيارة في المقعد ~~الخلفي، ثم ذهب كلايف وأوليف في الشاحنة، وكان بإمكاني حشر نفسي معهما في المقعد ~~الأمامي، لكنهما لم يفكرا قط في دعوتي. هل تعتقدين أنه انتحر؟» # تذكرت إنيد السيد ويلينس وهو يعطيها وردة، كما تذكرت وده معها وخفة ظله، ~~ما جعلها تشعر بألم في أعصاب أسنانها وكأنها تناولت قدرا كبيرا من السكر. ~~«لا أعلم، لا أظن ذلك.» ~~«هل كانت علاقته جيدة بزوجته؟» ~~«كانت علاقتهما طيبة جدا على حد علمي.» # قالت السيدة كوين: «حقا؟» وأضافت: «طيبة» وهي تحاول تقليد لهجة إنيد المتحفظة ~~ببطء. ~~••• # نامت إنيد على الأريكة في غرفة السيدة كوين، التي هدأت عنها الحكة المؤلمة حتى كادت ~~تختفي، وكذا حاجتها للتبول. نامت معظم ساعات الليل، وإن كانت تصاب بنوبات من صعوبة ~~التنفس. وما أرق جفني إنيد مشكلة تتعلق بها شخصيا؛ فقد صارت ترى أحلاما كريهة لم ~~تشبه أيا من الأحلام التي كانت تراها من قبل، كانت تظن في السابق أن الحلم السيئ يكون ~~على شاكلة الوجود في منزل لا تعرفه، حيث تتغير الغرف باستمرار، وتكلف هي فيه دائما ~~بأعمال أكثر مما يمكنها تنفيذه، بالإضافة إلى أعمال غير منجزة ظنت أنها انتهت منها؛ ~~وهكذا يتشتت انتباهها في الحلم بين عدد لا حصر له من المواقف. وبعد ذلك أخذت تراودها، ~~بالطبع، ما ظنته أحلاما رومانسية، حيث يطوقها رجل ما بذراعيه وربما يقبلها أيضا. ~~قد يكون هذا الرجل غريبا أو شخصا تعرفه، ms048 وكان أحيانا رجلا من المضحك تصورها معه في ~~هذا الوضع. جعلتها هذه الأحلام كثيرة التأمل، وربما حزينة قليلا، لكنها شعرت بالراحة ~~إلى حد ما لعلمها أن بإمكانها التفكير في هذه المشاعر. قد تكون أحلاما محرجة، لكن لا ~~وجه للمقارنة على الإطلاق بينها وبين الأحلام التي صارت تراودها الآن؛ إذ أصبحت تحلم ~~بإقامتها - أو محاولتها إقامة - علاقات جنسية مع أكثر الأشخاص حرمة واستبعادا (مع ~~الحيلولة أحيانا دون فعل ذلك بسبب المتطفلين أو حدوث تغيرات في الظروف المحيطة)؛ فكانت ~~تحلم بإقامة هذه العلاقات مع أطفال رضع ممتلئي الأجسام يحاولون التملص منها، أو مرضى ~~تلفهم الضمادات، بل وأمها أيضا. سيطرت عليها في تلك الأحلام شهوة جنسية عارمة كادت ~~تفتك بها، وكانت تلبيها بغلظة وأسلوب عملي خبيث؛ فتقول لنفسها: «نعم، هذا سيفي بالغرض، ~~إن لم يتوفر ما هو أفضل.» وقد كان افتقارها إلى العاطفة وحرمانها الواقعي هما ما يدفعان ~~شهوتها الجنسية. كانت تستيقظ من هذه الأحلام غير نادمة، وجسمها مبلل بالعرق ومنهك، وتظل ~~مستلقية كالجثة الهامدة إلى أن تستعيد نفسها وتتملكها مشاعر الخزي والاستنكار. كانت ~~قطرات العرق تبرد على بشرتها، وهي مستلقية في مكانها مرتعدة في الليل الدافئ، وقد ~~سيطرت عليها مشاعر الاشمئزاز والمهانة. وما كانت تجرؤ على العودة للنوم مجددا. اعتادت ~~الظلام، والأشكال المستطيلة الطويلة للنوافذ التي تنسدل عليها الستائر الشفافة لينعكس ~~عليها ضوء خافت، وصرير تنفس المرأة المريضة الذي كان يعلو ويحتد، ثم يكاد يختفي بعد ~~ذلك. # هل كانت هذه الأحلام من الأمور التي ~~يمكنها الإفصاح عنها في طقس الاعتراف، لو أنها كانت كاثوليكية؟ فكرت إنيد في ذلك، ورأت ~~أنها لا يمكنها الإفصاح عن هذه الأحلام حتى في صلاة سرية بينها وبين ربها. لم تعد ~~تصلي كثيرا، فيما عدا المناسبات الرسمية، وفكرة أن تعترف للرب بما تمر به بدت مهينة ~~وعديمة الفائدة تماما؛ فبالتأكيد سيشعر الرب بالإهانة. هي نفسها تشعر بالإهانة مما ~~يدور في عقلها؛ فدينها عقلاني ويفيض أملا، وما من مجال فيه لهذا النوع من الهراء، ~~المتمثل في غزو الشيطان لأحلامها. ms049 كانت هذه القذارة التي تراودها موجودة بداخلها، ولا ~~حاجة لتضخيم الأمر وإضفاء الأهمية عليه؛ فلا قيمة له البتة، وما هو إلا قاذورات ذهنية ~~لا أكثر. # في المرج الصغير الممتد بين المنزل وضفة النهر، كانت ثمة أبقار تمكنت إنيد من سماع ~~أصواتها ليلا وهي تتحرك بعضها بجوار بعض وتجتر الطعام. وأخذت تفكر في أشكالها الضخمة ~~الرقيقة وكأنها تتهادى على عزف سيمفوني وسط نباتات الهندباء والحشائش المزهرة. وقالت ~~لنفسها: يا لها من حياة جميلة تعيشها تلك الأبقار! # حياة تنتهي، بالطبع، في المجزر؛ نهاية كارثية. # لكن ذلك ينطبق على الجميع. يتملكنا الشر عند نومنا، وينتظرنا الألم والانحلال، وأهوال ~~وحشية أسوأ مما يمكن لأي عقل تصوره. متع الفراش، وأنفاس الأبقار، وأشكال النجوم في ~~سماء الليل؛ كلها أمور كانت تطرأ على ذهن إنيد في لحظة، وها هي تعيش حياتها مدعية ~~عدم حدوث أي من ذلك، ساعية لتخفيف آلام الآخرين، ومحاولة أن تكون فتاة طيبة أو ~~ملاك رحمة، مثلما اعتادت أمها وصفها - مع تراجع جانب السخرية في هذا الوصف بمرور ~~الوقت - وكذا المرضى والأطباء. # لكن كم عدد من رأوها فتاة حمقاء على الدوام؟ لعل من عملت على خدمتهم أكنوا لها ~~سرا مشاعر الازدراء، مع تفكيرهم في أنهم لن يسلكوا سلوكها أبدا؛ فلن يكونوا بهذا ~~القدر من الحماقة مطلقا. # تذكرت إنيد حينذاك كلمات من كتاب الصلوات: «العصاة الأشقياء»، وتردد صدى الكلمات ~~في رأسها. ~~«يرد الرب التائبين.» # ومن ثم، نهضت وذهبت للعمل؛ فهذه أفضل وسيلة للتوبة نظرا لحالها. أخذت تعمل بهدوء ~~شديد ودون كلل طوال الليل. غسلت الأكواب الزجاجية الغائمة والأطباق المتسخة المحفوظة في ~~الخزائن، بالإضافة إلى تنظيم المكان الذي افتقر لأي نوع من النظام؛ إذ تناثرت فناجين ~~الشاي بين الكاتشاب والمسطردة، ووضعت أوراق المناديل فوق دلو العسل، وخلت الأرفف من أي ~~مشمع؛ أو حتى جرائد. والسكر البني صار صلبا كالحجر في كيسه. كان من المفهوم تدهور ~~الأحوال في المنزل على مدار الشهور القليلة الماضية، لكن يبدو أن المكان لم يشهد أي ~~رعاية أو تنظيم من قبل على ms050 الإطلاق؛ هذا فضلا عن تحول الستائر الشفافة إلى اللون ~~الرمادي بسبب ما تراكم عليها من دخان، والأوساخ الزلقة كست زجاج النوافذ، ونما العفن ~~على بواقي المربى التي تركت داخل البرطمان، ولم يتغير قط الماء كريه الرائحة الذي كان ~~يحوي باقة قديمة من الزهور. بالرغم من كل ذلك، كان المنزل لا يزال في حالة جيدة، ويمكن ~~تجديده بالتنظيف والطلاء. # لكن ما الذي يمكن فعله في الطلاء البني القبيح الذي طليت به أرضية الغرفة الأمامية ~~من فترة ليست ببعيدة على نحو يفتقر للإتقان؟ # عندما سنحت لإنيد الفرصة في وقت لاحق من اليوم، أزالت الأعشاب الضارة من أحواض الزهور ~~الخاصة بوالدة روبرت، وأخرجت نباتات القرطب منها، وانتشلت الحشائش التي غطت النباتات ~~المعمرة بكثافة. # علمت الطفلتين أيضا كيف تمسكان بالملعقة على النحو الصحيح، وعلمتهما تلاوة صلاة ~~المائدة: # نشكرك أيها المسيح إلهنا، # لأنك ملأتنا من خيراتك الأرضية ... # علمتهما أيضا غسل أسنانهما وتلاوة الصلاة بعد ذلك. ~~«اللهم بارك في أمي وأبي وإنيد والعمة أوليف والعم كلايف والأميرة إليزابيث والأميرة ~~مارجريت روز»، ثم تضيف كل منهما اسم الأخرى. اعتادتا فعل ذلك فترة طويلة إلى أن سألت ~~سيلفي ذات مرة: «ما الذي يعنيه ذلك؟» # فقالت إنيد: «ما الذي يعنيه ماذا؟» ~~«ماذا تعني عبارة: «اللهم بارك»؟» ~~••• # أعدت إنيد شراب البيض دون إضافة أي نكهات إليه - حتى الفانيليا - وأطعمت السيدة ~~كوين إياه بالملعقة. أعطتها قدرا قليلا من هذا الشراب الغني في كل ملعقة، وتمكنت ~~السيدة من بلع هذه الكميات الصغيرة. وعندما كانت لا تستطيع ذلك، كانت إنيد تقدم لها جعة ~~زنجبيل فاترة بدون أي نكهة. # صارت السيدة كوين في هذه الفترة تكره ضوء الشمس، وأي ضوء آخر، قدر كرهها للضوضاء، ~~واستلزم ذلك من إنيد تعليق ألحفة سميكة على النوافذ، حتى عندما تكون الستائر منسدلة ~~عليها. ومع إيقاف تشغيل المروحة تلبية لرغبة السيدة كوين، صارت الغرفة حارة للغاية، ~~وتقطر العرق من جبين إنيد عند ميلها على السرير للعناية بالمريضة التي باتت تنتابها ~~نوبات من الارتجاف، وافتقدت القدرة على الشعور بالدفء. # قال ms051 الطبيب: «إنها تحتضر؛ لا ريب أن ما يبقيها على قيد الحياة حتى الآن هو مخفوق ~~الحليب الذي تعطينه لها.» # فردت إنيد: «تقصد شراب البيض.» كما لو كان التصحيح سيحدث فرقا. # وصلت السيدة كوين إلى درجة من الإنهاك والضعف حالت دون تحدثها في أغلب الأحيان، ~~وكانت تدخل أحيانا في غيبوبة يضعف فيها تنفسها وتفقد نبضها، ولو كان يراعيها شخص ~~أقل خبرة من إنيد لاعتبرها قد فارقت الحياة. لكنها كانت تستعيد نشاطها في أحيان أخرى، ~~وتحدوها رغبة في تشغيل الراديو، ثم إطفائه. ومع ذلك، ظلت تعي من هي جيدا، ومن هي ~~إنيد، وكانت تبدو أحيانا وكأنها تراقب إنيد بنظرة تأملية أو فضولية. شحب وجهها وشفتاها ~~منذ أمد بعيد، لكن لون عينيها الأخضر بدا أكثر وضوحا مما كان؛ كان أخضر فاتحا ~~ضبابيا في الماضي. حاولت إنيد الاستجابة للنظرة التي رمقتها بها السيدة كوين؛ ~~فسألتها: ~~«هل تودين أن أحضر لك قسا كاثوليكيا ليتحدث معك؟» # فارتسمت نظرة على وجه السيدة كوين كما لو كانت ترغب في البصاق. ~~«هل أبدو كاثوليكية في نظرك؟» # فقالت إنيد: «ماذا عن قس بروتستانتي؟» كانت تعلم أن هذا هو السؤال الذي ينبغي لها ~~طرحه، لكن الأسلوب الذي طرحته به لم يكن صحيحا؛ إذ اتسم بالبرود وبعض الخبث. # لكن لم يكن هذا ما أرادته السيدة كوين، فأصدرت صوتا يدل على الاستهجان. كانت لا تزال ~~تتمتع بقدر من الطاقة، وشعرت إنيد بأنها تدخرها لغرض ما. سألتها على نحو تعمدت فيه ~~إظهار الشفقة والتشجيع: «هل ترغبين في التحدث مع طفلتيك؟ أهذا ما ترغبين ~~فيه؟» ~~«كلا.» ~~«ماذا عن زوجك؟ سيصل بعض قليل.» # لم تكن إنيد متأكدة من ذلك؛ إذ كان روبرت يصل إلى المنزل متأخرا في بعض الليالي بعد ~~أن تكون السيدة كوين قد أخذت آخر جرعة من حبات الدواء وخلدت إلى النوم. وكان يجلس مع ~~إنيد، ويحضر لها دوما الصحيفة. سألها ذات مرة عما كانت تكتبه في مفكرتيها - بعد أن ~~لاحظ أن لديها مفكرتين - وأجابته؛ فقالت له إن إحدى المفكرتين تخص الطبيب؛ إذ تسجل ms052 ~~فيها قياس ضغط الدم والنبض ودرجة حرارة الجسم، بالإضافة إلى ما تناولته المريضة من ~~طعام، وما تقيأته، وما أخرجه جسدها من فضلات، وما حصلت عليه من أدوية، وبعض الملاحظات ~~العامة التي تلخص حالتها. أما المفكرة الأخرى، فكانت تخصها؛ فتكتب فيها العديد من ~~الأمور المشابهة، وإن لم يكن بالضبط؛ إذ كانت تضيف بعض التفاصيل المتعلقة بالطقس، وما ~~يدور من أحداث بوجه عام. هذا بالإضافة إلى بعض الأمور التي ترغب في تذكرها فيما ~~بعد. # وقالت له: «دونت، على سبيل المثال، في أحد الأيام، شيئا قالته لويس. كانت لويس ~~وسيلفي قد دخلتا إلى هنا أثناء وجود السيدة جرين التي أخذت تتحدث عن شجيرات التوت التي ~~نمت بطول الممر وامتدت عبر الطريق. فقالت لويس: «كما كانت في قصة «الأميرة النائمة».» ~~لأنني كنت قد رويت لهما هذه القصة. فدونت ملاحظة عما قالته في المفكرة.» # قال روبرت: «سوف أتولى أمر هذه الشجيرات وأشذبها.» # شعرت إنيد بأنه سعد بما قالته لويس وبتدوينها لذلك في مفكرتها، لكنه ما كان من الممكن ~~أن يفصح عن ذلك. # وفي إحدى الليالي، أخبرها بأنه سيغيب بضعة أيام لحضور مزاد للماشية، وأنه سأل الطبيب ~~عن رأيه في ذلك، فلم يمانع. # وصل روبرت إلى المنزل في تلك الليلة ~~قبل أن تحصل السيدة كوين على آخر جرعة من حبات الدواء، وافترضت إنيد أنه أراد بذلك رؤية ~~زوجته قبل أن يبتعد لتلك الفترة عن المنزل؛ فأخبرته بأن يدخل إلى غرفة السيدة كوين ~~مباشرة، ففعل، وأغلق الباب خلفه. التقطت إنيد الصحيفة، وفكرت في الصعود إلى الطابق ~~العلوي لقراءتها، لكنها فكرت في أن الطفلتين ربما لم تناما بعد؛ وستناديان عليها ~~متحججتين بأي عذر. فكرت أيضا في الخروج إلى شرفة المنزل الأمامية، لكنها تذكرت ~~البعوض الذي يملؤها في ذلك الوقت من اليوم، لا سيما بعد الأمطار التي هطلت بعد ظهر ذلك ~~اليوم تحديدا. # خشيت إنيد من سماعها بعض الكلام الخاص بين روبرت وزوجته، أو ربما بداية شجار بينهما؛ ~~ومن ثم سيكون عليها مواجهته عند خروجه من الغرفة. فكانت السيدة ms053 كوين تنوي الإفصاح عن ~~مكنون دواخلها. كانت إنيد موقنة من ذلك، وقبل أن تقرر إلى أين ستذهب لقراءة الصحيفة، ~~سمعت بالفعل شيئا مما كان يدور بالداخل. لم يكن تبادلا للاتهامات، أو غزلا (إن كان ~~ذلك ممكنا)، بل ولم يكن نحيبا أيضا، وهي الأشياء التي توقعت حدوثها إلى حد ما، ~~وإنما كانت ضحكة. سمعت إنيد ضحكة واهنة من السيدة كوين؛ ضحكة امتلأت بالسخرية والتشفي ~~كعادتها، لكن ثمة شيئا آخر شاب هذه الضحكة، شيئا لم تسمعه إنيد من قبل قط في ~~حياتها؛ إنها الخسة المتعمدة. لم تتحرك، مع أنه كان ينبغي لها ذلك، وظلت جالسة على ~~المائدة دون حراك، تحدق في باب الغرفة الذي خرج منه روبرت بعد لحظات. لم يتجنب عينيها، ~~أو ربما هي التي لم تتجنب عينيه، فما كان بوسعها ذلك، لكنها مع ذلك لم تكن موقنة من ~~رؤيته لها؛ فقد وقعت عيناه عليها فحسب، ثم غادر. بدا وكأنه قد أمسك بسلك كهربائي، ويطلب ~~الصفح - ممن؟ - لتعرض جسده لهذه الكارثة الحمقاء. # وفي اليوم التالي، دبت الحياة من جديد في جسد السيدة كوين، على نحو مخادع وغير ~~طبيعي سبق لإنيد مشاهدته بضع مرات لدى مرضى آخرين. أرادت السيدة كوين النهوض لتجلس ~~مستندة إلى الوسائد خلفها، وأرادت أيضا تشغيل المروحة. # قالت لها إنيد: «يا لها من فكرة جيدة!» # سألتها السيدة كوين: «ألا أخبرك بشيء سيصعب عليك تصديقه؟» # فأجابتها إنيد: «يخبرني الناس بالكثير من الأمور.» وردت السيدة كوين: «كلها أكاذيب ~~بالتأكيد. أراهنك على ذلك. هل تعرفين أن السيد ويلينس كان موجودا في هذه ~~الغرفة؟» ~~(3) خطأ # جلست السيدة كوين على الكرسي الهزاز ليفحص السيد ويلينس عينيها. اقترب السيد ويلينس ~~منها من الأمام مع تقريبه جهاز الفحص من عينيها، ولم يسمع أي منهما روبرت عند دخوله ~~المنزل؛ لأنه كان من المفترض أن يعمل بتقطيع الخشب بالقرب من النهر، لكنه عاد خلسة من ~~المطبخ دون أن يحدث أي صوت. لا بد أنه قد رأى سيارة السيد ويلينس بالخارج قبل أن يفعل ~~ذلك ، وعند دخوله، فتح باب ms054 الغرفة ببطء إلى أن رأى السيد ويلينس راكعا على ركبتيه ~~وممسكا بجهاز الفحص أمام عيني السيدة كوين، بينما أسند يده الأخرى على ساقها ليحافظ ~~على توازنه. كان قد أمسك بساقها ليحفظ توازنه، فارتفعت تنورتها، وبذلك تعرت ساقها. ~~لكن هذا ما حدث، ولم يكن بوسعها فعل أي شيء حياله، فكان عليها التركيز على الحفاظ على ~~ثباتها. # دخل روبرت الغرفة دون أن يسمعه أي منهما، وقفز ليهبط فوق السيد ويلينس على حين غرة. ~~لم يستطع السيد ويلينس النهوض أو الاستدارة، بل سقط قبل أن يدرك شيئا. أخذ روبرت يضرب ~~رأسه في الأرضية إلى أن فقد وعيه، وقفزت السيدة كوين بسرعة شديدة جعلت الكرسي يسقط ~~خلفها، كما سقط أيضا صندوق السيد ويلينس الذي احتفظ فيه بأجهزة فحص العين التي تطايرت ~~منه عند سقوطه. لكمه روبرت بعنف، وربما ضرب رجل المدفأة أثناء ذلك أيضا، لكن السيدة ~~كوين لم تكن متأكدة من ذلك، وفكرت أن الدور سيكون عليها بعد ذلك، لكنها لم تستطع ~~الالتفاف حولهما للهروب من الغرفة، ورأت بعد ذلك أن روبرت لم يكن يسعى وراءها؛ فقد ~~أنهكت قواه، وأعاد الكرسي إلى موضعه، وجلس عليه، فتوجهت هي نحو السيد ويلينس، ~~وأدارت جسده الذي كان ثقيلا للغاية لتجعل وجهه مواجها لها. لم تكن عيناه مفتوحتين، ~~ولم تكونا مغلقتين تماما أيضا، وثمة سائل يخرج من فمه. لم تكن هناك أي جروح في وجهه ~~أو كدمات يمكن رؤيتها، ربما لم تكن قد ظهرت بعد. ما خرج من فمه لم يكن يشبه الدم، وإنما ~~كان سائلا ورديا يشبه تماما الزبد الذي يتصاعد إلى السطح عند غلي الفراولة لصنع ~~المربى. كان ورديا فاتحا. لطخ السائل وجهه من الجانب الذي أسقطه عليه روبرت. ~~وعندما أدارته السيدة كوين، أصدر صوتا كالقرقرة، ثم استلقى دون حراك كالصخرة. # قفز روبرت عن كرسيه فجأة؛ فظل الكرسي يهتز، وشرع في التقاط كل الأشياء التي تناثرت في ~~أرجاء المكان ووضعها في مكانها بصندوق السيد ويلينس، واستغرق وقتا طويلا لوضع كل شيء ~~في مكانه الصحيح؛ إذ كان ms055 الصندوق من نوع خاص مبطن بقماش مخملي أحمر اللون، ومقسم إلى ~~أماكن مخصصة لكل أداة من الأدوات التي استخدمها السيد ويلينس؛ ومن ثم، إذا لم يتم وضعها ~~على النحو الصحيح، فما كان يمكن إغلاق الصندوق. وضعها روبرت كلها على نحو سمح بإغلاق ~~غطاء الصندوق، ثم عاد للجلوس على الكرسي، وبدأ يضرب ركبتيه بقوة. # كان على المائدة مفرش عديم الفائدة؛ كان أحد الهدايا التذكارية التي جلبها والدا ~~روبرت معهما من رحلتهما إلى الشمال لرؤية «توائم ديون الخمسة». التقطت السيدة كوين هذا ~~المفرش من على المائدة ولفته حول رأس السيد ويلينس لامتصاص السائل الوردي الذي كان ~~ينزف منه، وليتوقفا كذلك عن النظر إليه. # ظل روبرت يضرب بيديه الكبيرتين المسطحتين على ركبتيه، فقالت له زوجته: «يجدر بنا ~~دفنه في أي مكان يا روبرت.» # فما كان منه إلا أن نظر إليها وكأنما يتعجب من قولها. # فقالت له إنه بإمكانهما دفنه في القبو حيث الأرضية الترابية. # ورد روبرت عليها: «نعم، لكن أين سندفن سيارته؟» # فأجابته بأنه من الممكن وضعها في الحظيرة وتغطيتها بالقش. # فقال لها إن الحظيرة يتردد عليها أناس كثيرون. # ثم بادرتها فكرة التخلص منه في النهر. تخيلته - كصورة مرسومة أمامها - وهو جالس في ~~سيارته تحت الماء. لم يقل روبرت أي شيء في البداية، فذهبت إلى المطبخ وأحضرت بعض ~~الماء ونظفت السيد ويلينس بحيث لا تسيل أي قطرات من السائل الذي خرج من فمه على أي ~~شيء. وكانت المادة اللزجة قد توقفت عن النزول من فمه. أخرجت مفاتيحه من جيبه، وشعرت ~~بملمس ساقه، التي لا تزال دافئة، عبر قماش بنطاله. # ثم قالت لروبرت: «هيا، تحرك!» # فأخذ المفاتيح. # رفعا معا السيد ويلينس؛ فأمسكت هي بساقه، في حين أمسك روبرت برأسه؛ وكان ثقيلا ~~للغاية. وأثناء حمل السيدة كوين له، اصطدمت إحدى فردتي حذائه بها لتضربها بين ساقيها، ~~وأخذت تفكر: لا يزال شيطانا عجوزا؛ حتى بعد أن مات تتحرش بها قدمه العجوز. لم يعن ~~ذلك أنها سمحت له بفعل أي شيء من هذا القبيل، لكنه كان دائما ms056 متأهبا لفعل ذلك إن ~~استطاع، مثل إمساكه بساقها من تحت تنورتها بينما كان يمسك بجهاز الفحص أمام عينها، ولم ~~تستطع إيقافه، فدخل عليهما روبرت خلسة، وأساء فهم ما يحدث. # حملا معا السيد ويلينس فوق عتبة الباب، مرورا بالمطبخ، ثم الشرفة الأمامية، ثم ~~نزولا به على درجات سلم الشرفة. لم يعرقلهما أي شيء في الطريق، لكن اليوم كان عاصفا؛ ~~فعصفت الرياح بالمفرش الذي لفت به السيدة كوين وجه السيد ويلينس. # ومن حسن حظهما أن فناء المنزل لم يكن من الممكن رؤيته من الطريق. ما كان مكشوفا فقط ~~من المنزل هو قمة السقف، والنافذة الموجودة بالطابق العلوي؛ ومن ثم، لم يكن من الممكن ~~رؤية سيارة السيد ويلينس. # فكر روبرت في باقي الخطة، وهي أن ~~يأخذا السيد ويلينس إلى بحيرة جوتلند، حيث المياه العميقة والطريق الموصل إليها، ما ~~سيجعل الأمر يبدو وكأن السيد ويلينس قد قاد سيارته من الطريق الرئيسي، ثم ضل طريقه. ~~لعله انعطف إلى الطريق الموصل إلى البركة، وكان الظلام قد حل، فسقط في الماء قبل أن ~~يدرك المكان الذي وصل إليه. سيبدو الأمر كأنه قد أخطأ. # وهذا ما فعله السيد ويلينس بالتأكيد؛ لقد أخطأ. # لكن المشكلة تمثلت في أنه لزم عليهما قيادة السيارة إلى خارج الممر، ثم على الطريق ~~وصولا إلى المنعطف المؤدي إلى بحيرة جوتلند. لكنه ما من أحد كان يعيش هناك، وكان ~~الطريق مسدودا بعد هذا المنعطف؛ لذا، كان عليه فقط الدعاء بألا يراه أحد طوال هذا ~~الطريق البالغ طوله قرابة النصف ميل. وبعد ذلك، كان على روبرت وضع السيد ويلينس في مقعد ~~السائق، ودفع السيارة لإنزالها في الماء. تطلب الأمر جهدا كبيرا، لكن روبرت كان ~~شابا قويا؛ ولولا هذه القوة، ما وقعت هذه الفوضى في المقام الأول. # واجه روبرت بعض الصعوبة في تشغيل السيارة؛ إذ لم تسبق له قيادة سيارة مثلها من قبل، ~~لكنه أدارها في النهاية، واستدار بها ليقودها إلى نهاية الممر، عندما تحركت جثة السيد ~~ويلينس لتميل عليه. كان روبرت قد وضع فوق رأس القتيل ms057 قبعته التي كانت موضوعة على مقعد ~~السيارة. # لماذا خلع السيد ويلينس القبعة قبل دخوله المنزل؟ ليس من باب التهذيب فحسب، وإنما لكي ~~يتمكن من الإمساك بها على نحو أيسر وتقبيلها، هذا إن كان بإمكانه وصف ما كان يفعله ~~بالتقبيل؛ إذ كان يتهجم عليها، حاملا الصندوق في إحدى يديه، بينما يمسك بها باليد ~~الأخرى فيمص فمها - على نحو مقزز - بفمه العجوز الذي يتقاطر منه اللعاب. يمص ويمضغ ~~شفتيها ولسانها، ويدفع نفسه نحوها، وحافة الصندوق تضرب مؤخرتها وتوكزها. أصابها ما كان ~~يفعله بالدهشة الشديدة، لكنه أمسك بها بقوة حالت دون تخلصها منه. كان حيوانا عجوزا ~~قذرا؛ يتهجم عليها ويمص شفتيها ويتقاطر اللعاب على وجهها ويوكزها في مؤخرتها ويؤلمها؛ ~~كل ذلك في آن واحد. # أحضرت السيدة كوين المفرش الذي لفت به وجه القتيل، والذي عصفت به الرياح ليستقر فوق ~~سور المنزل، وأخذت تفتش بدقة عن أي آثار للدماء على درجات السلم أو أي أوساخ أخرى ~~بالشرفة الأمامية أو المطبخ، لكن كل ما وجدته كان في الغرفة الأمامية والبعض أيضا على ~~حذائها؛ فدعكت ما كان موجودا على الأرض وعلى حذائها الذي خلعته. وإلى أن انتهت من كل ~~ذلك، لم تكن قد لاحظت بعد وجود بقعة أسفل بلوزتها. تساءلت من أين جاءت هذه البقعة؟ وفي ~~اللحظة ذاتها سمعت صوت جلبة جعلها تتسمر في مكانها. كان صوت سيارة؛ سيارة لا تعرفها ~~تتقدم نحو المنزل من آخر الممر. # ألقت نظرة عبر الستارة الشفافة، وتأكدت من الأمر. كانت سيارة تبدو جديدة وذات لون ~~أخضر داكن. كانت بلوزتها ملطخة، وحذاؤها مخلوعا، والأرضية مبللة، فتراجعت للخلف بحيث ~~لا يمكن لأحد رؤيتها، لكن تفكيرها لم يهدها إلى أين يمكنها الاختباء. توقفت السيارة، ~~وفتح بابها، لكن المحرك لم يتوقف. سمعت بعد ذلك صوت إغلاق الباب، ثم استدارت السيارة ~~وسمعت صوت عودتها نحو أول الممر. وسمعت أيضا صوت لويس وسيلفي بشرفة المنزل ~~الأمامية. # لقد كانت سيارة صديق معلمة الفتاتين. كان يصطحب المعلمة بعد ظهيرة كل يوم جمعة، وكان ~~ذلك يوم جمعة؛ فطلبت منه ms058 المعلمة توصيل الفتاتين إلى المنزل؛ إذ إنهما أصغر الأطفال ~~سنا، ومنزلهما أبعد من الأطفال الآخرين، وبدت الأمطار وشيكة في السماء. # أمطرت السماء بالفعل. بدأ ذلك مع عودة روبرت، وسيره إلى المنزل على ضفة النهر؛ فقالت ~~له زوجته إن ذلك أمر جيد؛ إذ سيخفي الوحل الآثار التي خلفتها قدماه عند دفعه السيارة ~~في الماء. فقال لها إنه خلع حذاءه وعمل بقدميه المغطاتين بالجوارب فقط. فاستحسنت السيدة ~~كوين ما فعله، وقالت له إنه عاد يعمل عقله مرة أخرى. # بدلا من محاولة نقع المفرش التذكاري والبلوزة التي كانت ترتديها في الماء لإزالة ما ~~بهما من بقع، قررت أن تحرقهما في الفرن؛ الأمر الذي جعل رائحة كريهة للغاية تنبعث منه، ~~وأصابتها تلك الرائحة بالغثيان. وكانت تلك بداية مرضها. هذا بالإضافة إلى الطلاء. فبعد ~~أن نظفت الأرضية، ظلت تلاحظ مكان البقعة؛ حسب ظنها، فأحضرت الطلاء البني المتبقي من ~~طلاء السلم الذي استخدمه روبرت، وطلت به الأرضية بأكملها. تسبب ذلك في تقيئها، ~~وانحناء ظهرها، واستنشاقها الطلاء. وكانت تلك بداية شعورها بآلام الظهر أيضا. # وبعد انتهائها من طلاء الأرضية، كادت تقرر عدم الدخول إلى الغرفة الأمامية بعد ذلك، ~~لكنها فكرت في أحد الأيام أنه من الأفضل وضع مفرش آخر على المائدة لكي تبدو الأمور ~~طبيعية على نحو أكبر؛ فقد كانت موقنة بأنها إن لم تفعل ذلك، فسوف تقحم شقيقة زوجها ~~نفسها في الأمر، وتبدأ في طرح الأسئلة عن المفرش الذي جلبه والداها معهما عند عودتهما ~~من زيارة التوائم الخمسة، لكنها إن وضعت مفرشا جديدا على المائدة، فسوف تتحجج بأنها ~~رغبت في بعض التغيير، لكن عدم وجود أي مفرش على الإطلاق سيثير الشكوك. # ومن ثم، أحضرت السيدة كوين مفرشا كانت والدة روبرت قد طرزته بأشكال من سلال ~~الزهور، وجلبته إلى الغرفة، لكنها ظلت تشم الرائحة التي طغت على المكان. استقر على ~~المائدة أيضا الصندوق ذو اللون الأحمر الداكن الذي يحتوي على أدوات السيد ويلينس ويحمل ~~اسمه عليه. لقد ظل في ذلك المكان طوال الوقت ، حتى إنها لم تتذكر ms059 أنها وضعته في هذا ~~المكان، ولم تر روبرت كذلك يضعه هناك؛ فقد نسيته تماما. # فأخذت الصندوق، وخبأته في مكان ما، ثم غيرت هذا المكان. ولم تخبر أحدا قط بمكان ~~إخفائها له، ولم تكن تنوي فعل ذلك قط. كانت ستحطمه بالكامل، لكن كيف يمكنك تحطيم كل هذه ~~الأدوات الموجودة بداخله؟ أدوات الفحص. «هل تسمحين لي يا سيدتي بفحص عينيك؟ اجلسي هنا ~~فقط واسترخي وأغمضي إحدى عينيك وافتحي الأخرى جيدا.» كانت هذه هي اللعبة التي يكررها ~~السيد ويلينس في كل مرة، وكان من المفترض ألا تشك في أي شيء. وعندما كان يخرج إحدى ~~هذه الأدوات لفحص عينها، كان يطلب منها أن تصبر حتى ينتهي ولا تحثه على العجلة. ذلك ~~العجوز القذر اللاهث كان يتسلل بأصابعه ليتحسس جسدها ويلتقط أنفاسه بصعوبة، وكان من ~~المفترض ألا تنبس ببنت شفة حتى ينتهي من عمله، ويعيد أداة الفحص إلى صندوقه، وحينئذ ~~كان عليها أن تقول له: «والآن يا سيد ويلينس، بكم أدين لك لهذا اليوم؟» # كانت هذه إشارة له لكي يطرحها أرضا ويضاجعها كذكر الماعز العجوز؛ يطارحها الغرام على ~~تلك الأرضية العارية ويكاد يمزقها إربا. وكان له ذكر طويل مثير. # كيف كنت تحبين ذلك؟ # وبعد ذلك، نشرت الصحف خبر العثور على السيد ويلينس غارقا في البحيرة. # وقيل إن رأسه تهشم إثر اصطدامه بعجلة القيادة. وقيل أيضا إنه كان على قيد الحياة عند ~~نزول السيارة في الماء. يا له من أمر مضحك! ~~(4) أكاذيب # ظلت إنيد مستيقظة طوال الليل، بل إنها حتى لم تحاول النوم. لم تستطع الاستلقاء على ~~الأريكة في غرفة السيدة كوين؛ فجلست في المطبخ عدة ساعات. وكان مجرد تحركها من مكانها ~~مجهودا عليها، حتى عند إعدادها فنجانا من الشاي أو ذهابها إلى دورة المياه؛ فتحريك ~~جسدها كان يشوش في عقلها المعلومات التي حاولت ترتيبها والاعتياد عليها. لم تخلع ~~ملابسها، أو تفك شعرها، وعندما غسلت أسنانها، بدت وكأنها تفعل شيئا مرهقا وغير معتاد. ~~تسلل ضوء القمر من نافذة المطبخ - إذ كانت تجلس في الظلام - وشاهدت بقعة ms060 من الضوء تتحرك ~~أثناء الليل على مشمع المائدة حتى اختفت. اندهشت من اختفائها ثم من استيقاظ الطيور، ~~وبدء يوم جديد. فبدا الليل طويلا، ثم بدا قصيرا جدا؛ وذلك لأنها لم تتوصل إلى ~~قرار بعد. # نهضت من مكانها بصعوبة، وفتحت الباب، وجلست في الشرفة الأمامية مع بزوغ أول ضوء ~~للشمس. حتى هذه الحركة البسيطة تسببت في تشويش أفكارها، ولزم عليها فرزها مجددا ~~وتصنيفها إلى قسمين؛ القسم الأول يتمثل فيما حدث - أو بالأحرى ما قيل لها إنه حدث - ~~والقسم الثاني يتمثل في التصرف حيال هذا الأمر، وهذا ما لم تتوصل إلى قرار بشأنه ~~بعد. # كانت الأبقار قد نقلت من المرج الصغير الممتد بين المنزل وضفة النهر؛ ومن ثم، كان ~~بإمكان إنيد فتح البوابة إن أرادت والسير في هذا الاتجاه. كانت تعرف أنه ينبغي لها ~~العودة، بدلا من فعل ذلك، وتفقد أحوال السيدة كوين، لكنها وجدت نفسها تفتح مزلاج ~~البوابة. # لم تلتهم الأبقار كل الأعشاب التي كانت مبللة، والتي أخذت تحتك بجوارب إنيد. كان ~~الطريق خاليا في ظل الأشجار المصطفة على ضفة النهر - أشجار الصفصاف الكبيرة - التي ~~تعلقت بها ثمار العنب البري كأذرع قردة كثيفة الشعر. أخذت الشبورة تتصاعد حتى صار من ~~الصعب رؤية النهر؛ وكان ينبغي - لرؤيته - تثبيت العينين نحوه والتركيز لتظهر مساحة من ~~الماء، وكأنها قدر من الماء في إناء. لا ريب أنه كان هناك تيار متحرك، لكنها لم تستطع ~~العثور عليه. # رأت إنيد بعد ذلك حركة، لم تكن في الماء، وإنما كانت صادرة عن زورق مربوط في أحد ~~الأغصان؛ كان زورق تجديف قديما وبسيطا تم رفعه قليلا ثم تركه يسقط متدليا نحو ~~الماء. وعندما عثرت عليه إنيد، ظلت تشاهده كما لو كان يخبرها بشيء ما. وكان هذا ما يحدث ~~بالفعل؛ فقد قال لها شيئا حاسما برفق: ~~«أنت تعلمين. أنت تعلمين.» ~~••• # عندما استيقظت الطفلتان، وجدتا إنيد في حالة معنوية مرتفعة، وقد اغتسلت لتوها وارتدت ~~ملابسها وتركت شعرها منسدلا. كانت قد أعدت الجيلي الممتلئ بالفواكه الذي سيكون ~~جاهزا لتتناوله الطفلتان في الظهيرة، ms061 وأخذت تمزج مخيض اللبن لإعداد الكعك المحلى ~~الذي يمكن خبزه قبل أن تشتد حرارة الجو على نحو يصبح معه استخدام الفرن صعبا. # سألت إنيد الطفلتين: «هل ذلك الزورق يخص والدكما؟ الزورق الموجود عند النهر.» # فأجابت لويس بالإيجاب، ثم قالت: «لكننا ممنوعتان من اللعب فيه. لكنك إذا ذهبت معنا، ~~فسيمكننا فعل ذلك.» أدركت الفتاتان على الفور لمحة من الامتيازات التي ستنالانها ذلك ~~اليوم، واحتمالات الاستمتاع بالإجازة، والمزيج غير المعتاد من التراخي والتحمس الذي ~~اتسم به سلوك إنيد. # قالت إنيد: «سنقرر ذلك لاحقا.» أرادت أن تجعل ذلك اليوم يوما مميزا للطفلتين، بغض ~~النظر عن الحقيقة التي تيقنت منها إلى حد بعيد بالفعل؛ وهي أن هذا اليوم سيكون الأخير ~~في حياة والدتهما. أرادت إنيد أن تخلف ذكرى من شأنها التعويض عما سيحدث في وقت لاحق ~~من ذلك اليوم، وتجعلهما يتذكرانها ويتذكران تأثيرها في حياتهما فيما بعد. # تعسر العثور على نبض السيدة كوين ذلك الصباح، ولم تكن ~~قادرة - فيما بدا - على رفع رأسها أو فتح ~~عينيها. تغيرت حالتها تغيرا هائلا مقارنة بالبارحة، لكن ذلك لم يدهش إنيد؛ فقد كانت ~~تعرف أن هذه الطاقة الهائلة المفاجئة، والاندفاع في الحديث على هذا النحو الفظ، ما هو ~~إلا صحوة الموت. أمسكت بملعقة من الماء ووضعتها على شفتي السيدة كوين، فارتشفت منه ~~القليل، وأصدرت صوتا كالمواء الذي كان بالطبع آخر تعبير لها عن كل شكواها. لم تتصل ~~إنيد بالطبيب؛ لأن موعد زيارته المحدد كان في وقت لاحق من ذلك اليوم، على الأرجح بعد ~~الظهيرة. # رجت إنيد بعضا من رغوات الصابون في برطمان، وثنت قطعة من السلك، ثم قطعة أخرى، ~~لتصنع عصيا لصنع الفقاقيع. علمت الفتاتين كيف تصنعان الفقاقيع، وأخذت تنفخها بثبات ~~وعناية حتى تصل إلى أكبر حجم ممكن، ثم تهزها لتحررها برفق من السلك. أخذت الفتاتان ~~تلاحقان الفقاقيع بأنحاء الفناء، وجعلتاها تطير إلى أن تمسك بها الرياح وتعلقها في ~~الأشجار أو على إفريز الشرفة الأمامية. وبدا أن ما جعلهما على قيد الحياة آنذاك هو ~~صيحات الإعجاب وصرخات الفرحة ms062 التي تنبع من داخلهما. لم تضع إنيد قيودا على ما قد يصدر ~~منهما من ضوضاء، وعند نفاد رغوات الصابون، أعدت المزيد. # اتصل الطبيب بها هاتفيا أثناء تقديمها الغداء للطفلتين. قدمت لهما الجيلي، ~~وطبقا من الكعك المحلى المنثور عليه السكر الملون، وكوبين من شراب الشوكولاتة ~~باللبن. قال لها الطبيب إنه مشغول مع حالة لطفل سقط من على شجرة ولن يستطيع على الأرجح ~~المغادرة قبل موعد العشاء. فقالت له إنيد بهدوء: «أظن أنها تحتضر.» # فقال لها الطبيب: «حسنا، فلتحاولي منحها الراحة قدر الإمكان؛ أنت تعلمين مثلي بالضبط ~~كيفية فعل ذلك.» # لم تتصل إنيد بالسيدة جرين؛ فكانت تعلم أن روبرت ما كان ليصل من المزاد في ذلك الحين، ~~وتعتقد أن السيدة كوين - هذا إن كانت ستحظى بأي لحظات من الوعي - لن ترغب في رؤية شقيقة ~~زوجها أو سماع صوتها في الغرفة، ولن ترغب على الأرجح أيضا في رؤية ابنتيها. وما من ~~فائدة في جعل الفتاتين تريان والدتهما وتتذكران هذه اللحظة فيما بعد. # لم تكلف إنيد نفسها عناء محاولة قياس ضغط الدم للسيدة كوين بعد ذلك، أو درجة ~~حرارتها، وما كان منها سوى أن أخذت تمسح بالإسفنجة على وجهها وذراعيها وتقدم لها الماء ~~الذي لم تعد تلاحظه، وقامت بتشغيل المروحة التي اعترضت السيدة كوين على صوتها عادة، ~~وبدا أن هناك تغيرا في الرائحة المتصاعدة من جسد المريضة؛ إذ فقد حدة رائحة النشادر ~~به، وتحول إلى رائحة الموت المعتادة. # خرجت إنيد، وجلست على درجات السلم. خلعت حذاءها والجوارب، ومددت ساقيها في الشمس. ~~بدأت الطفلتان في إزعاجها بحذر؛ فسألتاها إن كانت ستصحبهما إلى النهر، أو تسمح لهما ~~بالجلوس في الزورق، أو التجديف إذا عثرتا على المجدافين، لكنها كانت تدرك أنه لا ينبغي ~~الابتعاد بهذا القدر عن المريضة، لكنها عرضت عليهما إحضار حمام سباحة، بل اثنين؛ فجلبت ~~حوضين من أحواض غسل الملابس، ووضعتهما على الحشائش، وملأتهما بالمياه من مضخة الصهريج، ~~فخلعت الفتاتان ملابسهما ما عدا الداخلية واستلقتا في الماء متظاهرتين بأنهما الأميرة ~~إليزابيث والأميرة مارجريت روز. # سألتهما ms063 إنيد وهي تجلس على الحشائش وقد أمالت رأسها إلى لخلف وأغمضت عينيها: «هل ~~تعتقدان أن الشخص الذي ارتكب خطأ شنيعا ينبغي عقابه؟» # فأجابت لويس على الفور: «نعم، يجب أن يجلد بالسوط.» # وسألت سيلفي: «من فعل ذلك؟» # فأجابت إنيد: «لا أحد على وجه التحديد، لكن ما رأيكما إذا كان الخطأ شنيعا، لكن ما ~~من أحد يعلم أن هذا الشخص هو من ارتكبه؟ فهل يجب عليه الاعتراف بجرمه والتعرض ~~للعقاب؟» # قالت سيلفي: «كنت سأعلم أنه ارتكبه.» # وقالت لها لويس: «لا، لن تعلمي؛ فأنى لك هذا؟» ~~«كنت سأراه.» ~~«لن تفعلي.» # سألتهما إنيد: «أتعلمان لماذا أعتقد أنه ينبغي أن يعاقب؟ لأنه يشعر بأنه شخص سيئ ~~شرير بينه وبين نفسه، حتى إذا لم يره أحد، ولم يعرف أحد قط بالأمر. إذا ارتكب الإنسان ~~خطأ شنيعا ولم يعاقب عليه، فسيتفاقم هذا الشعور لديه، بقدر أكبر بكثير مما إذا كان ~~قد عوقب.» # قالت سيلفي: «سرقت لويس مشطا أخضر.» # فقالت لويس: «كلا لم أفعل.» # قالت إنيد: «أريدك أن تتذكري ذلك.» # فقالت لويس: «لقد كان ملقى على جانب الطريق.» # ترددت إنيد على غرفة التمريض كل نصف ساعة أو نحو ذلك لمسح وجه السيدة كوين ويديها ~~بقطعة قماش مبللة. لم تتحدث معها أو تمس يديها مطلقا إلا بقطعة القماش. لم يسبق أن ~~ابتعدت عن شخص يحتضر على هذا النحو من قبل. وعندما فتحت الباب نحو الساعة الخامسة ~~والنصف، علمت أنه لم يعد هناك أي روح حية في الغرفة. كانت الملاءة قد سحبت من ~~مكانها، وكان رأس السيدة كوين متدليا بجانب السرير، الأمر الذي لم تسجله إنيد أو ~~تذكره لأي أحد؛ فأعادت الجسد لوضعه على السرير، ونظفته، ونظمت السرير قبل حضور ~~الطبيب. وكانت الطفلتان لا تزالان تلعبان في الفناء. ~~••• ~~«5 يوليو: أمطار في الصباح الباكر. ~~لويس وسيلفي تلعبان تحت الشرفة. فتح المروحة وإغلاقها، شكوى من الضوضاء. نصف فنجان من ~~شراب البيض، ملعقة في المرة. ضغط الدم مرتفع، النبض سريع، لا توجد شكوى من أي ألم. هدأت ~~الأمطار قليلا . قياس معامل التنفس ms064 في المساء. نفد القش.» ~~«6 يوليو: يوم حار للغاية. إغلاق النوافذ. محاولة فتح المروحة، لكنها رفضت. مسح ~~بالإسفنجة كثيرا على جسدها. قياس معامل التنفس في المساء. البدء في جز القمح غدا. ~~كل شيء سابق لأوانه بأسبوع أو اثنين بسبب الحرارة والأمطار.» ~~«7 يوليو: استمرار الحرارة. رفض تناول شراب البيض. جعة زنجبيل بالملعقة. ضعيفة ~~للغاية. أمطار غزيرة الليلة الماضية، رياح. قياس معامل التنفس. تعذر الجز، ملأت ~~الحبوب بعض الأماكن.» ~~«8 يوليو: رفض شراب البيض. جعة زنجبيل. قيء في الصباح. أكثر انتباها. قياس معامل ~~التنفس. الذهاب إلى مزاد الماشية مدة يومين. الطبيب موافق.» ~~«9 يوليو: انزعاج شديد. حديث مفزع.» ~~«10 يوليو: وفاة المريضة السيدة كوين (جانيت) زوجة روبرت اليوم في حوالي الساعة 5 ~~مساء. سكتة قلبية نتيجة لليوريميا (التهاب كبيبات الكلى).» ~~••• # لم تنتظر إنيد من قبل حتى موعد جنازة المرضى الذين تكفلت بمهمة تمريضهم في منزلهم. ~~فكانت ترى أنه من الأفضل مغادرة المنزل في أسرع وقت ممكن في حدود اللياقة؛ فوجودها لن ~~يفيد أحدا؛ لأنها ستذكر الجميع بالوقت السابق للوفاة مباشرة، الذي قد يكون كئيبا ~~ومليئا بالكوارث الصحية، وسيتم تهميشه الآن والتغطية عليه بمراسم الدفن واستضافة ~~الزوار والورود والكعك. # علاوة على ذلك، تتولى عادة في هذه الظروف سيدة من العائلة مسئولية المنزل بالكامل، ~~ما يجعل إنيد فجأة في موقف الضيف غير المرغوب فيه. # وفي الواقع، وصلت السيدة جرين إلى منزل ~~آل كوين قبل الحانوتي، ولم يكن روبرت قد عاد بعد، في حين كان الطبيب في المطبخ يحتسي ~~فنجانا من الشاي ويتحدث مع إنيد عن حالة أخرى يمكن أن تتولى رعايتها بما أنها قد أنهت ~~مهمتها في هذا المنزل. تجنبت إنيد منحه جوابا قاطعا؛ إذ قالت له إنها كانت تفكر في ~~الحصول على إجازة من العمل بعض الوقت. أما الطفلتان، فكانتا بالدور العلوي؛ وقد قيل ~~لهما إن والدتهما قد ذهبت إلى الجنة، الأمر الذي وضع النهاية لهذا اليوم النادر والحافل ~~في حياتيهما. # ظلت السيدة جرين متحفظة إلى أن غادر الطبيب. وقفت بجوار النافذة ms065 وشاهدته وهو يدير ~~سيارته وينطلق بها مغادرا، ثم قالت: «لعله لا ينبغي لي قول ذلك الآن، لكنني سأفعل. أنا ~~سعيدة بأن ذلك حدث الآن، وليس في وقت لاحق بعد انتهاء فصل الصيف، وعودة الفتاتين ~~للمدرسة؛ فالوقت متاح أمامي الآن لأجعلهما تعتادان على العيش في منزلنا، وعلى فكرة ~~المدرسة الجديدة التي ستلتحقان بها. روبرت، أيضا، سيعتاد الأمر.» # كانت تلك المرة الأولى التي تدرك فيها إنيد أن السيدة جرين عزمت على أخذ الطفلتين ~~للعيش معها، وليس فقط للإقامة في منزلها فترة من الوقت. كانت السيدة جرين متشوقة لهذا ~~الانتقال، وتتطلع إليه على الأرجح منذ فترة. ومن المرجح أيضا أن تكون قد أعدت غرفتي ~~الطفلتين وابتاعت الأقمشة لتفصيل ملابس جديدة لهما؛ فقد كانت تملك منزلا كبيرا وليس ~~لديها أطفال. # استطردت السيدة جرين مع إنيد قائلة: «لا بد أنك ترغبين في مغادرة هذا المنزل أنت ~~أيضا.» فما دام هناك امرأة أخرى في المنزل، فسيبدو المنزل منافسا لمنزلها، الأمر الذي ~~قد يصعب على أخيها رؤية ضرورة انتقال الفتاتين إلى الأبد. «سوف يحتجزك روبرت هنا ~~عندما يحضر.» # فقالت إنيد إن والدتها ستحضر لاصطحابها. # وردت السيدة جرين: «نعم، لقد نسيت والدتك وسيارتها الصغيرة السريعة.» # ابتهجت السيدة جرين، وأخذت تفتح في أبواب الخزائن، وتتحقق من الأكواب الزجاجية ~~وفناجين الشاي لترى ما إذا كانت نظيفة لمراسم الجنازة أم لا. # وقالت: «يبدو أن ثمة شخصا انشغل بتنظيفها من قبل.» شعرت السيدة جرين آنذاك بالراحة ~~الشديدة تجاه إنيد، وصارت مستعدة لمنحها بعض عبارات الإطراء. # انتظر السيد جرين بالخارج في الشاحنة، مع كلب الأسرة واسمه جنرال. نادت السيدة جرين ~~على لويس وسيلفي الموجودتين بالدور العلوي واللتين نزلتا تركضان على السلم وتحملان بعض ~~الملابس في أكياس ورقية بنية اللون. ركضتا عبر المطبخ، وصفقتا الباب بقوة خلفهما دون ~~أن يلاحظا وجود إنيد. # قالت السيدة جرين: «هذا شيء لا بد أن يتغير.» مشيرة إلى صفق الباب. وسمعت إنيد ~~الطفلتين وهما تحييان جنرال الذي أخذ في المقابل ينبح متحمسا لرؤيتهما. ~~••• # وبعد يومين، عادت إنيد إلى المنزل ms066 وهي تقود سيارة والدتها بنفسها. وصلت في وقت متأخر ~~من فترة بعد الظهيرة بعد انتهاء مراسم الجنازة. لم تكن هناك سيارات بالخارج، ما عنى أن ~~كل السيدات اللاتي قدمن المساعدة في المطبخ قد عدن إلى منازلهن، وأخذن معهن الأشياء ~~التي تخص كنيستهن من الكراسي الزائدة وفناجين الشاي وإبريق القهوة الكبير. وظهرت ~~بالحشائش آثار سير السيارات وبعض الزهور المتساقطة المهشمة. # وجب عليها طرق الباب الآن، والانتظار حتى يسمح لها بالدخول. # سمعت خطوات روبرت المتثاقلة الثابتة، فألقت عليه التحية، بينما كان واقفا أمامها ~~بالجانب الآخر من الباب الشبكي، لكنها لم تنظر في وجهه. كان يرتدي قميصا، لكنه لا يزال ~~بسروال البذلة. فتح خطاف الباب. # قالت إنيد: «لم أكن متأكدة من وجود أحد هنا، وظننت أنك ربما ستكون في ~~الحظيرة.» # فقال لها روبرت: «حضر الجميع وقدموا المساعدة في المهام اللازم أداؤها.» # كان بوسعها شم رائحة ويسكي تفوح منه أثناء تحدثه، لكنه لم يبد مخمورا. # قال لها: «ظننت أنك إحدى السيدات جاءت لأخذ شيء نسيته.» # فقالت إنيد: «لم أنس أي شيء. كنت أتساءل فقط عن حال الفتاتين.» ~~«إنهما بخير، وموجودتان في منزل أوليف.» # لم يكن واضحا ما إذا كان سيدعوها للدخول أم لا. كان الاندهاش هو ما أوقفه عن فعل ~~ذلك، وليس العداء تجاهها. لم تتأهب إنيد لهذا الجزء الأول الغريب من المحادثة؛ ومن ثم، ~~لم تنظر إليه، وإنما نظرت إلى السماء. # وقالت: «يمكنك الشعور بقصر المساء شيئا فشيئا، مع أنه لم يمر شهر على أطول ~~الأيام.» # قال روبرت: «هذا صحيح.» وفتح الباب وأفسح الطريق، فدخلت إنيد المنزل. رأت على المائدة ~~فنجانا دون طبق تحته. جلست في الجهة المقابلة للجهة التي جلس فيها روبرت على المائدة. ~~ارتدت في ذلك اليوم ثوبا من الكريب الحريري لونه أخضر داكن، وحذاء من الجلد السويدي ~~ليتلاءم معه. عندما ارتدت هذه الملابس في وقت مبكر من اليوم، فكرت أن هذه قد تكون ~~المرة الأخيرة التي تتأنق فيها، وأن هذه الملابس قد تكون آخر ملابس ترتديها على ~~الإطلاق. صففت شعرها ms067 على هيئة ضفيرة فرنسية، ووضعت مسحوق تجميل على وجهها. بدا هذا ~~الاهتمام بمظهرها وهذه الزينة تصرفا أحمق، لكنه كان ضروريا لها؛ فهي لم تنم مدة ~~ثلاث ليال متتالية، لم تذق النوم دقيقة واحدة، كما أنها لم تستطع تناول الطعام، حتى ~~لخداع والدتها. # قالت لها والدتها: «هل كان الأمر صعبا إلى هذا الحد هذه المرة؟» كرهت والدتها التحدث ~~عن المرض أو فراش الموت، وحقيقة أنها وصلت لهذه المرحلة التي تطرح فيها مثل هذا السؤال ~~كانت تعني أن انزعاج إنيد كان واضحا. # واصلت والدتها طرح الأسئلة: «هل السبب هو الطفلتان اللتان ارتبطت بهما؛ هاتان ~~المشاكستان الصغيرتان المسكينتان؟» # أجابتها إنيد بأن كل ما في الأمر هو حاجتها للاستقرار والراحة بعد وفاة هذه الحالة ~~التي استمرت في رعايتها وقتا طويلا، والحالة التي لا أمل فيها تسبب توترا من نوع ~~خاص. لم تخرج من منزل والدتها أثناء النهار، لكنها كانت تذهب للتمشية في الليل الذي ~~تتأكد فيه من عدم الالتقاء بأحد أو الاضطرار إلى التحدث مع أحد. وفي إحدى المرات، وجدت ~~نفسها تسير بجوار جدران سجن المقاطعة. كانت تعرف أن ثمة فناء بالسجن خلف هذه الجدران ~~كانت تجرى فيه عمليات الإعدام شنقا قديما، لكنها لم تعد تجرى فيه منذ سنوات ~~طوال، ولا بد أنها صارت تجرى الآن في أحد السجون المركزية الكبيرة، ذلك إذا كان عليهم ~~إجراء أي منها على الإطلاق؛ فقد مر وقت طويل منذ أن ارتكب أحد في هذا المجتمع أي ~~جريمة على هذا القدر من الخطورة التي تؤدي إلى عقوبة الإعدام. ~~••• # بجلوس إنيد في الجهة المقابلة لروبرت على المائدة، في مواجهة باب غرفة السيدة كوين، ~~كادت تنسى حجتها والخطة التي أعدتها لذلك اليوم، لكنها شعرت بحقيبتها التي وضعتها ~~على حجرها والكاميرا الموجودة بداخلها، فذكرها ذلك بما جاءت من أجله. # قالت: «ثمة شيء أود أن أطلبه منك، وأظن أنه من الأفضل فعل ذلك الآن؛ لأنه لن تسنح لي ~~فرصة أخرى.» # سألها روبرت: «ما هذا الشيء؟» ~~«أعلم أنك تملك زورق تجديف؛ لذا أردت أن ms068 أطلب منك أن تأخذني في جولة به إلى منتصف ~~النهر حتى أتمكن من التقاط صورة هناك. أرغب في التقاط صورة لضفة النهر. المكان جميل ~~هناك بما يحويه من أشجار الصفصاف الممتدة بطول الضفة.» # قال روبرت بشيء من عدم الاندهاش الحذر: «حسنا.» وهو رد الفعل الذي يظهره أهل الريف ~~عادة تجاه عبث - بل ووقاحة - زوارهم. # هذا ما صارت عليه إنيد الآن ... زائرة. # تمثلت خطتها في الانتظار حتى يصلا إلى منتصف النهر، ثم إخباره بأنها لا تستطيع ~~السباحة. ستسأله، أولا، عن مدى عمق الماء في ذلك المكان، وسيجيبها، بالتأكيد، أنه بعد ~~كل هذه الأمطار التي شهدتها المنطقة، ربما يكون العمق قد وصل إلى سبعة أو ثمانية، بل ~~وربما عشرة أقدام. وبعد ذلك، ستخبره بأنها لا تستطيع السباحة. ولن تكون هذه كذبة؛ فقد ~~نشأت إنيد في والي على ضفاف البحيرة، ولعبت على الشاطئ كل صيف في طفولتها، وكانت فتاة ~~قوية وماهرة في الألعاب، لكنها كانت تخاف الماء. ولم تجد معها نفعا محاولات الإقناع ~~أو الشرح أو الشعور بالخزي قط؛ ومن ثم، لم تتعلم السباحة. # حينئذ، لن يكون عليه سوى دفعها بأحد المجدافين ليطيح بها في الماء، ويدعها تغرق، ثم ~~يترك القارب في الماء، ويسبح وصولا إلى الشاطئ، ويغير ملابسه، ويقول إنه عائد من ~~الحظيرة أو أنه كان يتمشى ووجد سيارة إنيد أمام المنزل، لكنه لم يجدها هي. وإن عثر ~~على الكاميرا خاصتها، فسيضفي ذلك مزيدا من المصداقية على ما يدعيه؛ فسيعتقد الناس ~~أنها قد خرجت إلى النهر بالقارب لالتقاط صورة، ثم سقطت في الماء بطريقة أو ~~بأخرى. # وعندما يدرك ما يتمتع به من فرص، ستفصح له عما تعرفه، وستسأله عن مدى صحته. # وإن لم يكن صحيحا، فسيكرهها لطرحها هذا السؤال. وإن كان صحيحا - وهذا ما تعتقده ~~طوال الوقت - فسوف يكرهها أيضا، لكن على نحو مختلف وأكثر خطورة، حتى وإن قالت له على ~~الفور - وكانت تعني ما تقول؛ وهي تعنيه حقا - إنها لن تخبر أحدا قط. # ستتحدث بهدوء شديد طوال الوقت، متذكرة كيف ينتقل ms069 الصوت الصادر عند الماء في ليالي ~~الصيف. # ستقول له إنها لن تخبر أحدا، لكنه هو من سيفشي السر؛ فلا يمكنه العيش مع هذا ~~السر. ~~«لا يمكنك العيش في هذا العالم متحملا هذا العبء بداخلك. لن تستطع تحمل ~~حياتك.» # إذا وصلت إلى هذا الحد، ولم ينكر روبرت ما قالته له، أو يدفعها في النهر، فستعلم ~~أنها قد فازت بالرهان. سيستغرق الأمر بعض الوقت من الحديث معا، سيكون حديثا صارما، ~~لكن مع الإقناع، ستصل بروبرت إلى مرحلة يبدأ فيها التجديف بالقارب للعودة إلى ~~الشاطئ. # وربما سيشعر روبرت بالضياع ويسألها: «ماذا ينبغي لي فعله؟» فتسير معه خطوة بخطوة، ~~وتطلب منه أن يجدف عائدا إلى الشاطئ أولا. # وستكون تلك هي الخطوة الأولى في رحلة طويلة مرعبة. ستخبره بكل خطوة فيها، وستظل معه ~~فيها بقدر ما يمكنها ذلك. ستطلب منه أن يربط الزورق، ويسير على ضفة النهر وعبر المرج، ~~ثم يفتح البوابة. ستسير خلفه أو أمامه، أيهما سيكون أفضل له. وسيسيران بعد ذلك عبر ~~الفناء، ثم الشرفة الأمامية، ومنها إلى المطبخ. # سيودع أحدهما الآخر، ويركب كل منهما سيارته، وستكون الوجهة التي سيذهب إليها ~~أمرا يخصه وحده. أما هي، فلن تتصل بقسم الشرطة في اليوم التالي. سوف تنتظر، وسيتصلون ~~هم بها، وستذهب لرؤيته في السجن. ستذهب كل يوم، أو بقدر ما سيسمحون لها. ستجلس معه، ~~وتتحدث إليه في السجن، وسترسل له الخطابات أيضا. وإذا نقل إلى سجن آخر، فسوف تذهب ~~إلى هناك؛ حتى وإن لم يسمح لها بزيارته سوى مرة واحدة في الشهر، سوف تظل بجواره، ~~وستكون معه في المحكمة أيضا. نعم، كل يوم من أيام محاكمته، ستجلس حيث يمكنه ~~رؤيتها. # اعتقدت إنيد أنه لا يمكن أن يصدر أحد حكما بالإعدام كعقوبة لمثل هذه الجريمة التي ~~تعد بشكل أو بآخر غير متعمدة، وهي بلا شك جريمة انفعال عاطفي. لكن ثمة احتمالا ~~لحدوث ذلك، وهو الاحتمال الذي كان يفيقها عندما كانت تشعر بأن هذه الصور من الإخلاص، ~~أو هذه الرابطة التي تشبه الحب لكنها تتعدى حدود الحب، ms070 صارت غير لائقة . # والآن، فقد بدأ الأمر بطلبها منه اصطحابها إلى النهر، وتحججها برغبتها في التقاط ~~صورة هناك. نهضت هي وروبرت، وكانت تواجه باب غرفة التمريض التي عادت الآن الغرفة ~~الأمامية للمنزل، وكان الباب مغلقا. # نطقت بعبارة حمقاء: «هل أنزلت الألحفة من على النوافذ؟» # بدا على روبرت للحظة أنه لا يعلم ما تتحدث عنه، ثم قال: «الألحفة. نعم، أعتقد أن ~~أوليف أنزلتها؛ فقد أقيمت مراسم الجنازة في هذه الغرفة.» ~~«لقد كنت أفكر فقط في أن الشمس كانت ستتسبب في بهتان ألوانها.» # فتح روبرت الباب، ودارت إنيد حول المائدة، ووقفا لينظرا معا إلى الغرفة، فقال لها: ~~«يمكنك الدخول إذا أردت. لا بأس من ذلك، تفضلي.» # نقل السرير بالطبع من الغرفة، وأزيح الأثاث في اتجاه الجدران، أما منتصف الغرفة - ~~الذي وضعت فيه الكراسي لمراسم الجنازة - فكان فارغا، وكذا المساحة بين النافذتين ~~الشماليتين حيث وضع التابوت بالتأكيد. والمائدة، التي اعتادت إنيد استخدامها لوضع حوض ~~الاغتسال والأقمشة والقطن الطبي والملاعق والأدوية، دفعت الآن إلى أحد الأركان، ووضعت ~~عليها باقة من زهور العائق. ولا تزال النافذتان الطويلتان تدخلان الكثير من ضوء ~~النهار إلى الغرفة. ~~«أكاذيب» كانت تلك الكلمة التي ترددت على أذن إنيد في تلك اللحظة، دونا عن كل ~~الكلمات التي نطقت بها السيدة كوين في هذه الغرفة. «كلها أكاذيب بالتأكيد. أراهنك على ~~ذلك.» ~~••• # هل يمكن لأحد اختلاق شيء بهذا القدر من الشر بهذه التفاصيل؟ الإجابة هي نعم. إن عقل ~~الشخص المريض، أو بالأحرى المحتضر، يمكن أن يمتلئ بهذا النوع من الهراء، وينظمه بأكثر ~~السبل إقناعا. عقل إنيد نفسه، عندما كانت تنام في هذه الغرفة، امتلأ بأقذر التخيلات. ~~مثل هذا النوع من الأكاذيب يمكن أن يظل كامنا في أركان عقل الإنسان، يتعلق بها ~~كالخفافيش، منتظرا استغلال فرصة أي ظلام يحل على العقل ليظهر؛ لذا، لا محل ~~لعبارة: «لا يمكن لأحد اختلاق ذلك»، فانظر إلى مدى الإتقان الذي يمكن أن تتسم به ~~الأحلام، طبقات فوق طبقات من الأحلام، والجزء الذي يمكنك تذكره منها ووصفه بالكلمات ~~ليس ms071 سوى الجزء الضئيل الذي يمكنك نزعه عن السطح. # عندما كانت إنيد في الرابعة أو الخامسة من عمرها، أخبرت والدتها أنها دخلت إلى مكتب ~~أبيها، ورأته جالسا خلف المكتب وامرأة تجلس على رجليه. وكل ما تمكنت من تذكره عن ~~المرأة - آنذاك والآن - هو أنها كانت ترتدي قبعة مليئة بالورود الكبيرة وينسدل منها ~~برقع شبكي (قبعة لا تتماشى مع الموضة حتى في ذلك الزمن البعيد)، وأن أزرار البلوزة أو ~~الثوب الذي ترتديه كانت مفتوحة، وبرز منها أحد ثدييها العاريين ليستقر طرفه في فم ~~أبيها. قصت إنيد ذلك على والدتها بثقة مذهلة في رؤيتها له بالفعل، وقالت لها: «كانت ~~إحدى مقدمتيها الأماميتين في فم أبي.» لم تكن تعلم كلمة «ثدي» آنذاك، لكنها كانت تعلم ~~أن ثمة اثنين منه في جسم المرأة. # ردت عليها والدتها: «والآن يا إنيد، ما هذا الذي تتحدثين عنه؟ ماذا تقصدين بالمقدمة ~~الأمامية؟» # فأجابت إنيد: «إنها تشبه مخروط الآيس كريم.» # هكذا رأته إنيد بالضبط، وما زالت تراه بهذا الشكل إلى الآن؛ مخروطا من البسكويت ~~الملون؛ الجزء الممتلئ بآيس كريم الفانيليا مدفوع في صدر المرأة، والطرف الآخر في فم ~~والدها. # وفي تلك اللحظة، فعلت والدتها شيئا غير متوقع على الإطلاق؛ إذ فتحت أزرار ثوبها، ~~وأبرزت شيئا شاحب البشرة يتدلى من يدها، وسألتها: «مثل هذا؟» # فأجابت إنيد بالنفي، وقالت لها: «بل كمخروط الآيس كريم.» # فقالت والدتها: «إذن، فقد كان ذلك حلما، والأحلام تكون أحيانا سخفا محضا. لا ~~تخبري والدك بذلك؛ فالأمر سخيف للغاية.» # لم تصدق والدتها على الفور، لكن بعد عام أو نحو ذلك، رأت أن هذا التفسير لا بد أن ~~يكون صائبا؛ لأن مخروط الآيس كريم لا يظهر بهذا الشكل على صدور السيدات، كما أنه لا ~~يكون بهذا الحجم الكبير أبدا. وعندما كبرت إنيد، أدركت أن القبعة التي رأتها لا بد ~~أنها كانت قد رأتها في صورة ما. ~~«أكاذيب.» ~~••• # لم تسأله بعد، لم تنبس ببنت شفة، لم يدفعها شيء لطرح السؤال؛ فلم يحن الوقت بعد. ~~لقد سقطت سيارة السيد ويلينس في ms072 بحيرة جوتلند، عمدا أو دون قصد، ولا يزال الجميع ~~يعتقدون ذلك. واعتقدت إنيد ذلك أيضا، هذا ما كان روبرت يظنه. وطوال استمرار هذه ~~الفكرة، فهذه الغرفة وهذا المنزل وحياتها بالكامل تمثل احتمالا مختلفا تماما عن ذلك ~~الاحتمال الذي تعايشت معه (أو ضخمته؛ أيا كانت الطريقة التي تريد صياغة الأمر بها) ~~على مدى الأيام القليلة الماضية. وصار هذا الاحتمال أقرب إليها، وكل ما كانت بحاجة ~~لفعله هو التزام الهدوء والسماح له بالاقتراب. من خلال صمتها، أو مشاركتها في الصمت، ما ~~النفع الذي قد يعود عليها وعلى الآخرين؟ # كان ذلك ما يعلمه أغلب الناس؛ وهو شيء بسيط استغرق منها فهمه وقتا طويلا؛ وهذا ما ~~كان يجعل العالم صالحا للعيش فيه. # بدأت في النحيب، ليس حزنا، وإنما شعورا براحة بالغة لم تكن تعلم أنها تبحث عنها. ~~نظرت في تلك اللحظة إلى وجه روبرت، ورأت أن عينيه قد احتقنتا بالدماء والبشرة حولهما قد ~~تجعدت وجفت، كما لو كان يبكي بدوره. # قال لها: «كانت تعيسة الحظ في حياتها.» # استأذنت إنيد وذهبت لإحضار منديلها الذي كان في الحقيبة على المائدة. شعرت بالخجل في ~~تلك اللحظة لتأنقها استعدادا لهذا المصير المأساوي. # قالت لروبرت: «لا أعلم فيما كنت أفكر. لا يمكنني السير إلى النهر بهذا ~~الحذاء.» # أغلق روبرت باب الحجرة الأمامية. # وقال لها: «إذا كنت ترغبين في الذهاب، فلا يزال بإمكاننا ذلك. هناك حذاء مطاطي طويل ~~الرقبة سيلائم قدميك في مكان ما هنا.» # تمنت إنيد ألا يكون حذاءها؛ فحذاؤها سيكون صغيرا جدا. # فتح روبرت صندوقا في سقيفة الحطب الموجودة بجوار باب المطبخ من الخارج. لم تنظر إنيد ~~في ذلك الصندوق من قبل قط؛ فقد اعتقدت أنه يحتوي على حطب، وهو ما لم تكن بحاجة إليه ~~بالتأكيد في ذلك الصيف. أخرج روبرت عددا من فرد الأحذية المطاطية طويلة الرقبة، وبعض ~~أحذية الثلج طويلة الرقبة أيضا، محاولا العثور على زوج كامل. # وأخيرا قال لها: «يبدو أن هذا الحذاء قد يناسبك. لعله كان يخص والدتي، أو يخصني قبل ~~أن تكبر قدماي.» ms073 # وأخرج شيئا أشبه بقطعة من خيمة، ثم حقيبة مدرسية قديمة بحزام مقطوع. # قال: «لقد نسيت وجود كل هذه الأشياء هنا.» وسمح للأشياء بالسقوط مرة أخرى في ~~الصندوق، وألقى بالأحذية عديمة الفائدة فوقها. أغلق الغطاء، وتنهد - على نحو جاد - ~~تنهيدة خاصة شجية. # منزل كهذا عاشت فيه أسرة واحدة فترة طويلة من الزمن، وأهمل على مدى عدة سنوات ~~ماضية، لا بد أن يحتوي على الكثير من الصناديق والأدراج والأرفف والحقائب وأماكن ~~الاحتفاظ بالأمتعة، كالسندرة، الممتلئة بأشياء كانت إنيد ستفرزها، فتحتفظ ببعضها ~~وتصنفه، وتعيد استخدام البعض الآخر، وترسل البعض في صناديق إلى مقلب القمامة. عندما ~~ستسنح لها هذه الفرصة، فلن تعترض عليها، وستحول هذا المنزل إلى مكان لا يخفى فيه شيء ~~عليها، ويخضع كل شيء فيه للنظام الذي تضعه. # وضع روبرت الحذاء أمامها، في حين انحنت هي لفك إبزيم حذائها. شمت خلف رائحة الويسكي ~~رائحة النفس المريرة التي تفوح من المرء بعد ليلة عجز فيها عن النوم، وقضائه يوما ~~صعبا وطويلا؛ شمت كذلك رائحة عرق رجل كادح لم يفد الاستحمام - أو على الأقل ~~الطريقة التي يستحم بها - في إزالتها. لم تكن هناك رائحة تصدر عن جسد الإنسان - بما في ~~ذلك رائحة المني - تجهلها إنيد، لكن ثمة شيئا جديدا واجتياحيا بشأن رائحة جسد ليس ~~لها سلطة عليه ولا ترعاه. # وكانت ترحب بهذه الرائحة. # قال لها: «جربي ما إذا كنت تستطيعين السير به.» # تمكنت من السير بالحذاء. سارت أمامه إلى البوابة، فانحنى من خلف كتفها ليفتح ~~البوابة. وانتظرت حتى فعل ذلك، ثم تنحت جانبا لتدعه يتقدمها في السير؛ لأنه كان قد ~~أحضر بلطة صغيرة من سقيفة الحطب لإزالة الأعشاب من طريقهما. # قال لها: «كان من المفترض أن تمهد الأبقار هذه الأرض، لكن هناك أشياء لا تأكلها ~~الأبقار.» # فقالت له: «لم آت إلى هنا سوى مرة واحدة فقط. كان ذلك في الصباح الباكر لأحد ~~الأيام.» # بدا الإحباط الذي شعرت به في تلك المرة طفوليا الآن في نظرها. # واصل روبرت جز النباتات الضخمة كثيرة الشوك. وعكست الشمس ms074 خطا مستويا من الضوء ~~الترابي على كتلة الأشجار الموجودة أمامهما. كان الهواء صافيا في بعض الأماكن، ثم ~~باغتتهما سحب من الحشرات دقيقة الحجم التي تظهر بين الحين والآخر. كانت حشرات لا ~~يتجاوز حجمها حجم ذرات التراب، وظلت تتحرك باستمرار، لكنها حافظت على بقائها معا في ~~شكل عمود أو سحابة. كيف تمكنت من فعل ذلك؟ وكيف اختارت بقعة دون غيرها لفعل ذلك؟ لا ~~بد أن الطعام يلعب دورا في ذلك، لكنها لم تثبت قط - فيما يبدو - في مكان واحد على نحو ~~يمكنها من الحصول على ما يكفيها من طعام. # عندما وصلت إنيد بصحبة روبرت إلى مكان ما أسفل أوراق نباتات الصيف، حل الغسق، وأوشك ~~الليل على أن يسدل ستاره على السماء، ولزم الانتباه للخطوات لتجنب التعثر في الجذور ~~التي برزت من الطريق، أو اصطدام الرأس بالنباتات المعترشة المتدلية، ذات السيقان التي ~~أثارت متانتها دهشتهما. بدا الماء، بعد ذلك، لامعا عبر الأغصان المظلمة، لكن بالقرب من ~~الضفة الأخرى من النهر، كان الضوء لا يزال منعكسا على الماء والأشجار. وعلى هذا الجانب ~~- حيث كانا يتجهان نحو الضفة الآن عبر أشجار الصفصاف - كان لون الماء كالشاي، لكنه ~~صاف في الوقت نفسه. # كان الزورق لا يزال في مكانه بين الظلال، مثلما رأته إنيد أول مرة. # قال روبرت: «المجدافان مخبآن.» وذهب بين أشجار الصفصاف لإحضارهما. وفي لحظة، لم ~~تعد إنيد تراه. اقتربت من حافة الماء حيث غرز حذاؤها في الطين قليلا، وأعاق حركتها. ~~لو أنصتت لتمكنت من سماع صوت تحركات روبرت بين الأحراش، ولو ركزت على حركة القارب، ~~تلك الحركة البسيطة الكتومة، لشعرت بأن كل شيء اتسم بالهدوء في تلك الأرجاء منذ زمن ~~بعيد. # | جاكارتا # 1 # كان لكاث وسونيه مكانهما الخاص على الشاطئ؛ خلف بعض جذوع الأشجار الضخمة. لم يكن ~~الدافع وراء اختيارهما هذا المكان هو الاحتماء فحسب من الرياح العاتية التي كانت تهب ~~على المكان بين الحين والآخر - لا سيما في ~~ظل اصطحابهما ابنة كاث الرضيعة معهما - وإنما أرادتا أيضا التواري عن أنظار مجموعة من ms075 ~~السيدات اعتدن ارتياد الشاطئ كل يوم، وهي المجموعة التي أطلقت عليها كاث وسونيه اسم ~~«سيدات مونيكا». # كانت كل سيدة من أولئك السيدات لديها طفلان أو ثلاثة أو أربعة أطفال، وكانت تقودهن ~~جميعا سيدة تدعى مونيكا، وهي من أطلقت كاث وسونيه اسمها على المجموعة بالكامل. عندما ~~رأت مونيكا كاث وسونيه والطفلة الرضيعة للمرة الأولى، سارت في اتجاههما على الشاطئ، ~~وقدمت نفسها لهما، ودعتهما للانضمام إلى باقي المجموعة. # فتبعتاها، وهما تحملان حقيبة الطفلة بصعوبة بينهما. ماذا غير هذا كان بوسعهما فعله؟ ~~ولذا منذ ذلك الحين وهما تتواريان عن الأنظار خلف جذوع الأشجار. # احتوى تجمع «سيدات مونيكا» على مظلات للشاطئ، ومناشف، وحقائب للحفاضات، وسلال ~~تنزه لحمل الأغراض، وحيتان وأطواف قابلة للنفخ، وألعاب للأطفال، وغسول، وملابس ~~إضافية، وقبعات واقية من الشمس، وأوان حافظة للحرارة لاصطحاب القهوة، وأطباق وأكواب ~~ورقية، وزجاجات حافظة للحرارة يضعن فيها مصاصات مثلجة منزلية الصنع من عصير ~~الفواكه. # أما السيدات أنفسهن، فكن إما حوامل بالفعل أو يبدين كذلك لعدم رشاقتهن. كن يمشين ~~بصعوبة نحو حافة المياه، ويصحن بأسماء أطفالهن ليسترعين انتباههم وهم في الماء على ~~ألواح التزلج أو الحيتان القابلة للنفخ، أو بعد أن يسقطوا من فوقها. ~~«أين قبعتك؟ أين كرتك؟ لقد قضيت وقتا طويلا على هذا الطوف. كفاك، فلتدع ساندي ~~تلعب به قليلا.» # حتى عندما كن يتحدثن معا، انبغى عليهن رفع أصواتهن لتعلو فوق صيحات الأطفال ~~وصرخاتهم. ~~«يمكنك شراء اللحم المفروم بسعر رخيص مثل الهامبورجر إذا ذهبت إلى وودوردز.» ~~«لقد جربت مرهم الزنك، لكنه لم يجد نفعا.» ~~«أصيب الآن بخراج في أربية ساقه.» ~~«لا يمكنك استخدام مسحوق الخبز، ينبغي لك استخدام صودا الخبز.» # لم تكن أولئك السيدات أكبر سنا بكثير من كاث وسونيه، لكنهن وصلن إلى مرحلة من ~~الحياة كانت كاث وسونيه تخشيانها؛ فقد حولن الشاطئ بالكامل إلى مسرح لحياتهن. تلك ~~الأعباء، والأعداد الكبيرة من الأطفال، والزيادة في الوزن نتيجة الحمل والولادة، ~~وسيطرتهن، كلها أشياء بإمكانها القضاء على متعة المياه المتلألئة، والخليج الصغير ~~الرائع بما فيه من أشجار القطلب ذات ms076 الأفرع الحمراء، وأشجار الأرز التي تنمو متعرجة ~~من بين الصخور العالية. ازداد شعور كاث بالتهديد الذي تمثله أولئك السيدات بوجه خاص؛ ~~نظرا لأنها صارت أما الآن؛ فقد اعتادت عند إرضاع طفلتها قراءة كتاب ما، أو تدخين ~~سيجارة في بعض الأحيان؛ كي لا تشعر بالانحدار الذي توحي به هذه الوظيفة الحيوانية. ~~وكانت ترضعها بدافع تقليص حجم رحمها وتسطيح بطنها، وليس فقط لتزويد ابنتها - نويل - ~~بالأجسام المضادة الثمينة التي يحتوي عليها لبن الأم. # اصطحبت كاث وسونيه إلى الشاطئ أواني القهوة الخاصة بهما، والمناشف الإضافية التي ~~لفت فيها نويل لحمايتها، إلى جانب السجائر والكتب. كان مع سونيه كتاب لهوارد فاست؛ ~~إذ كان زوجها قد أخبرها أنها إذا كانت ستقرأ الأدب الروائي، فهذا هو الكاتب الذي عليها ~~أن تقرأ له. أما كاث، فكانت تقرأ قصصا قصيرة لكاثرين مانسفيلد وديفيد هربرت لورانس. ~~اعتادت سونيه وضع الكتاب الذي تقرؤه جانبا، والتقاط أي كتاب من كتب كاث التي لا تقرؤها ~~في ذلك الحين، وكانت تقصر قراءتها على قصة قصيرة واحدة فقط، ثم تعود إلى هوارد ~~فاست. # وعند شعورهما بالجوع، كانت إحداهما تصعد إلى المنزل مسرعة على درجات خشبية موجودة ~~على مسافة من الشاطئ لتحضر الطعام؛ إذ كانت المنازل تحيط بهذا الخليج الصغير فوق الصخور ~~التي تظللها أشجار الصنوبر والأرز. كانت جميعها أكواخا صيفية في السابق يعود تاريخها ~~إلى ما قبل تشييد جسر ليونز جيت، عندما كان الناس يجيئون من فانكوفر عبر المياه لقضاء ~~إجازاتهم، وكان بعض الأكواخ - مثل كوخي كاث وسونيه - لا يزال بدائيا إلى حد بعيد ~~وزهيد الإيجار، بينما كان البعض الآخر - مثل كوخ مونيكا - أكثر تطورا. لكن ما من أحد ~~نوى البقاء في هذا المكان؛ إذ خطط الجميع للانتقال إلى منزل مناسب، فيما عدا سونيه ~~وزوجها اللذين كانت خططهما أكثر غموضا من خطط الآخرين. # لم يكن يربط بين هذه المنازل أعلى الخليج سوى طريق هلالي الشكل غير ممهد، وكان يتصل ~~كلا طرفيه بطريق مارين درايف، وكان هذا الطريق - الذي اتخذ شكل نصف الدائرة - محاطا ~~بأعداد ms077 وفيرة من الأشجار الطويلة وشجيرات السرخس الصغيرة وشجيرات التوت، والعديد من ~~المسارات المتقاطعة التي يمكن اجتيازها كطرق مختصرة للوصول إلى المتجر الموجود على طريق ~~مارين درايف. وفي المتجر، اعتادت كاث وسونيه ابتياع البطاطس المقلية للغداء، وكانت كاث ~~هي التي تقوم بهذه الجولة عادة؛ لأنها كانت تستمتع بالسير تحت الأشجار، الأمر الذي لم ~~يعد بإمكانها فعله مع اصطحابها عربة الطفلة. # عند مجيئها للعيش في هذا المكان للمرة الأولى قبل ولادة نويل، كانت تسير بين الأشجار ~~كل يوم تقريبا دون أن تفكر في حريتها قط. وفي إحدى المرات، التقت بسونيه. كانت ~~كلتاهما تعملان في مكتبة فانكوفر العامة قبل ذلك الحين بفترة، لكنهما لم تعملا في القسم ~~نفسه، ولم تتحدثا معا قط. وكانت كاث قد استقالت من العمل في الشهر السادس من الحمل وفق ~~الإجراءات المتبعة في هذه الأحوال؛ خشية أن يزعج مظهرها العملاء، بينما استقالت سونيه ~~بسبب فضيحة. # كانت فضيحة، أو على الأقل قصة تناقلتها الصحف وجاءت أحداثها على النحو التالي: ذهب ~~زوج سونيه - واسمه كوتر وكان يعمل صحفيا في مجلة لم تسمع عنها كاث من قبل - في رحلة ~~إلى الصين الشيوعية، فأشير إليه في المجلة بأنه كاتب يساري. وظهرت صورة سونيه بجوار ~~صورته، بالإضافة إلى معلومات عن عملها في المكتبة. وكانت هناك مخاوف من احتمال ~~استغلالها هذه الوظيفة للترويج للكتب الشيوعية والتأثير على الأطفال الذين يترددون على ~~المكتبة، الأمر الذي يدفعهم ليصيروا شيوعيين. لم يقل أحد إنها فعلت ذلك، وإنما قيل ~~فقط إن ثمة خطرا من احتمال حدوث ذلك. لم تكن، أيضا، زيارة أحد من كندا للصين بالأمر ~~المخالف للقانون، لكن اتضح بعد ذلك أن سونيه وكوتر أمريكيان، ما جعل سلوكهما أكثر ~~إثارة للقلق، وزاد من احتمالية وجود أهداف له. # قالت كاث لكنت زوجها عندما رأت صورة سونيه في المجلة: «أعرف هذه الفتاة. على الأقل، ~~أعرف أنني رأيتها من قبل. يبدو عليها دائما الخجل، وستشعر بالإحراج حيال هذا ~~الأمر.» # قال كنت: «كلا، لن تفعل؛ فهذا النوع من الناس يحب الشعور بالاضطهاد؛ ms078 فهذا ما يعيشون ~~من أجله.» # نقل عن رئيسة أمناء المكتبة أنها قالت إن سونيه لا علاقة لها باختيار الكتب أو ~~التأثير على رواد المكتبة من صغار السن؛ فهي تقضي معظم وقتها في كتابة القوائم على ~~الآلة الكاتبة. # وفي إحدى المرات، بعد تعرف كاث على سونيه، وتحدثهما معا، وقضائهما نحو نصف ساعة ~~يتحدثان في الطريق، قالت لها سونيه أمرا مضحكا؛ فهي تجهل استخدام الآلة ~~الكاتبة. # لم تطرد سونيه من المكتبة، لكنها استقالت على أي حال؛ فقد رأت أن هذا هو التصرف ~~الصائب؛ لأنها وكوتر كانا يترقبان بعض التغييرات في حياتهما مستقبلا. # وتساءلت كاث عما إذا كان أحد هذه التغييرات هو انتظارهما طفلا، فبدا لها أنه بعد ~~الانتهاء من الدراسة تستمر الحياة كسلسلة من الاختبارات المتتابعة التي ينبغي للمرء ~~اجتيازها، وأول هذه الاختبارات هو الزواج؛ فإذا بلغ المرء خمسة وعشرين عاما ولم يتزوج، ~~فقد فشل في هذا الاختبار بكافة المعايير (كانت كاث توقع دوما باسم «السيدة كنت ~~مايبيري» مع شعورها بالارتياح وبعض الابتهاج)، وبعد ذلك، تأتي مرحلة التفكير في أول ~~طفل. الانتظار مدة عام قبل الحمل فكرة جيدة، والانتظار عامين قرار صائب وإن لم يكن ~~ضروريا، أما الانتظار ثلاثة أعوام، فسيجعل الناس يبدءون في التساؤل. وبعد ذلك، يكون ~~التفكير في الطفل الثاني، ثم تسير أمور الحياة على نحو أكثر إبهاما، ويصبح من الصعب ~~على المرء، عندما يصل إلى أي من هذه المراحل، التيقن من أنها هي المراحل التي كان ~~يسعى لبلوغها. # لم تكن سونيه من النوع الذي يفصح لصديقاته عما تبذله من محاولات للحمل، ومنذ متى ~~تحاول ذلك، وما الأساليب التي تتبعها في هذه المساعي. لم تتحدث قط عن الجنس على هذا ~~النحو، أو عن دورتها الشهرية أو أي سلوك آخر لجسدها، مع أنها سرعان ما أخبرت كاث بأمور ~~يعتبرها أغلب الناس أكثر إثارة للاشمئزاز. تمتعت سونيه، كذلك، بجسم رشيق جميل؛ فقد ~~أرادت أن تكون راقصة باليه، لكنها صارت أطول مما ينبغي، ولم تتوقف عن الندم على ذلك حتى ~~التقت بكوتر الذي ms079 قال لها: «يا إلهي ! فتاة برجوازية أخرى تريد التحول إلى بجعة محتضرة.» ~~كان وجهها عريضا، هادئا، ورديا. لم تضع قط أي مستحضرات تجميل، فقد كان كوتر ضدها. ~~وكان شعرها أشقر كثيفا ترفعه لأعلى بالدبابيس وتشبكه حول بعضه. كانت كاث تراها جميلة ~~المحيا، ويجمع مظهرها بين الملائكية والذكاء. # بينما كانت كاث وسونيه تتناولان البطاطس المقلية على الشاطئ ذات مرة، تناقشتا حول ~~شخصيات القصص التي تقرآنها. كيف لم تقع امرأة قط في حب ستانلي برنل؟ ما خطبه؟ كان ~~كالصبي في حبه المندفع، ونهمه على المائدة، واعتداده بذاته. أما جوناثان تروت ... فكم كان ~~حريا بليندا، زوجة ستانلي، الزواج من جوناثان تروت الذي يعوم بخفة في الماء، في حين ~~ينثر ستانلي الماء هنا وهناك من حوله ويصدر أصواتا معبرة عن سخطه. يقول جوناثان: ~~«مرحبا يا فراشتي الملائكية» بصوته العميق الرقيق، ويتسم بشخصية ساخرة وبارعة وضجرة ~~تتذكر دائما قصر الحياة. أما ستانلي، فسريعا ما ينهار عالمه الهش ليكشف عن شعوره ~~بالخزي. # انزعجت كاث من شيء ما لم تستطع التصريح به أو التفكير فيه. هل ثمة تشابه بين كنت ~~وستانلي؟ # في أحد الأيام نشب خلاف مزعج وغير متوقع بين كاث وسونيه بشأن قصة لديفيد هربرت لورانس ~~بعنوان «الثعلب». # في نهاية هذه القصة، جلس الحبيبان (جندي وامرأة تدعى مارش) على جرف مطل على ~~المحيط الأطلنطي يتطلعان لمنزلهما المستقبلي في كندا. كانا سيتركان إنجلترا لبدء حياة ~~جديدة في مكان آخر. كانا ملتزمين بعلاقتهما، لكنهما لم ينعما بسعادة حقيقية ... أو ~~بالأحرى لم يحدث ذلك بعد. # عرف الجندي أنهما لن ينعما بهذه السعادة إلا عندما تسلم له المرأة حياتها على نحو ~~لم تفعله بعد. كانت مارش لا تزال تقاومه، وتتمسك باستقلالها عنه، فتجعل علاقتهما بائسة ~~على نحو مبهم من خلال ما تبذله من جهد للتمسك بروح وعقلية المرأة بداخلها. لا بد أن ~~تتوقف مارش عن ذلك، لا بد أن تتوقف عن التفكير وتتوقف عن الرغبة وتدع وعيها ينغمر في ~~وعيه، مثلما يتحرك القصب تحت سطح الماء. فيدعو الجندي حبيبته للنظر ms080 إلى أسفل لرؤية ~~القصب الذي يتحرك تحت سطح الماء، فهو حي، لكنه لا يبرز أبدا على السطح. هكذا ينبغي أن ~~تعيش طبيعتها الأنثوية داخل طبيعته الذكورية؛ عندئذ، ستشعر هي بالسعادة، ويشعر هو ~~بالقوة والرضا؛ ومن ثم، سينعمان بزواج حقيقي. # قالت كاث إنها تعتبر هذا غباء. # وبدأت في توضيح وجهة نظرها: «إنه يتحدث عن الجنس، أليس كذلك؟» # فأجابت سونيه: «ليس ذلك فحسب، وإنما عن حياتهما بالكامل.» ~~«نعم، لكنه يعني الجنس. والجنس سيجعلها تحمل؛ أعني إن اتخذت الأمور مسارها المعتاد؛ ~~وبذلك، ستصبح مارش أما، وربما ستنجب أكثر من طفل، وسينبغي لها رعايتهم. كيف يمكنك ~~فعل ذلك وعقلك منغمر تحت سطح الماء؟» # فقالت سونيه بلهجة متعالية بعض الشيء: «هذا تفسير حرفي للغاية.» # فردت كاث: «أمامك خيار من اثنين؛ إما أن يكون لك أفكارك الخاصة وتتخذي قرارات ~~بنفسك، أو لا. على سبيل المثال، إذا التقط الطفل الرضيع شفرة حلاقة، فماذا ستفعلين؟ هل ~~ستقولين لنفسك إن عليك الانغمار تحت السطح حتى يصل زوجك إلى المنزل ويتخذ القرار - أو ~~بالأحرى قراركما - بشأن ما يحدث؟» # قالت سونيه: «إنك تبالغين.» # احتدت لهجتهما، وصارت كاث منفعلة ومتهكمة، وسونيه جادة وعنيدة. # قالت كاث: «لم يرغب لورانس في الإنجاب، وإنما شعر بالغيرة من أطفال فريدا الذين ~~أنجبتهم من زواجها السابق.» # نظرت سونيه ما بين ركبتيها، وسمحت للرمال بأن تنسل بين أصابعها. # وقالت لكاث: «أعتقد أن الإنجاب أمر جميل، إذا كان باستطاعة المرأة فعله.» # تعرف كاث أن ثمة خطأ في جدالها. لماذا شعرت بهذا الغضب والانفعال الشديدين؟ لماذا ~~تحولت للحديث عن الرضع والأطفال؟ هل لأن لديها طفلة، وسونيه ليس لديها أطفال؟ هل ما ~~قالته عن لورانس وفريدا كان بسبب اعتقادها أن قصتهما تشبه قصة حياة كوتر وسونيه؟ # عندما يتناقش المرء عن الأطفال، وضرورة عناية المرأة بأطفالها، يكون حديثه واضحا ولا ~~يمكن لأحد لومه، لكن عندما فعلت كاث ذلك، كانت تحاول إخفاء شيء ما؛ فلم تستطع تحمل ~~ذلك الجزء من القصة الذي يتحدث عن القصب والماء، وشعرت أنها تختنق باحتجاجات عديدة غير ~~متسقة. ms081 لقد كانت تفكر في نفسها، وليس في أي أطفال. إنها المرأة التي ينتقدها لورانس، ~~ولا يمكنها التصريح بذلك بوضوح؛ لأن ذلك قد يجعل سونيه تشك - بل يجعل كاث نفسها تشك - ~~في افتقار كاث لشيء ما في حياتها، لا سيما أن سونيه قد قالت من قبل أثناء محادثة أخرى ~~مزعجة: «سعادتي تعتمد على كوتر.» ~~«سعادتي تعتمد على كوتر.» # صدم هذا التصريح كاث؛ فما كانت لتقول ذلك عن كنت أبدا. لم ترد أن ينطبق ذلك ~~عليها. # لكنها لم ترد أن تعتقد سونيه أنها امرأة فشلت في حبها؛ امرأة لم تتعرض لكمد الحب، ~~أو لم يعرض عليها. # 2 # تذكر كنت اسم المدينة التي تقع في أوريجون وانتقل إليها كوتر وسونيه، أو بالأحرى ~~التي انتقلت إليها سونيه في نهاية فصل الصيف. كانت قد ذهبت إلى هذه المدينة لرعاية ~~والدة كوتر عندما رحل كوتر إلى الشرق الأقصى في جولة صحفية أخرى. كانت هناك مشكلة ~~حقيقية أو متخيلة بشأن عودة كوتر إلى الولايات المتحدة بعد رحلته إلى الصين. وعندما ~~عاد في المرة التالية، خطط مع سونيه للالتقاء في كندا، وربما نقل والدته أيضا إلى ~~هناك. # لكن من المستبعد أن تكون سونيه مقيمة في المدينة الآن، وإن كان ثمة احتمال ضئيل في ~~إقامة الأم هناك؛ لذا، قال كنت لديبورا إنه ما من فائدة من التوقف للتحقق من ذلك، لكن ~~ديبورا رأت أنه يجدر بهما التوقف. واستفسرا من مكتب البريد عن الاتجاهات التي ~~سيسلكانها. # خرج كنت وديبورا بسيارتهما من ~~المدينة عبر الكثبان الرملية، وتولت ديبورا القيادة، مثلما فعلت أغلب الوقت أثناء هذه ~~الرحلة الطويلة بطيئة الإيقاع؛ فقد زارا نويل، ابنة كنت التي كانت تعيش في تورونتو، ~~وابنيه من زوجته الثانية بات - كان أحدهما يعيش في مونتريال والآخر في ماريلاند - ~~وأقاما مع بعض أصدقاء كنت وبات القدامى الذين يعيشون الآن في مجمع سكني محاط ببوابات ~~في أريزونا، ومع والدي ديبورا - اللذين كانا قريبين في السن من كنت - في سانتا ~~باربارا. أما الآن، فهما متوجهان إلى الساحل الغربي حيث تقع ms082 فانكوفر، لكن بتمهل كي لا ~~ترهق الرحلة كنت. # غطت الحشائش الكثبان الرملية؛ فبدت كالتلال العادية، عدا المناطق التي برزت منها ~~أجزاء رملية ليبدو المنظر الطبيعي ثريا وأشبه بالبنى الضخمة التي يشيدها الأطفال ~~بالرمال. # وقع في نهاية الطريق المنزل الذي أرشدا إلى البحث عنه. ما كان يمكن أن يختلط عليهما ~~الأمر؛ فكانت هناك لافتة تحمل عبارة «مدرسة باسيفيك للرقص»، واسم سونيه، وتحته لافتة ~~أخرى تحمل عبارة «للبيع». كانت هناك امرأة عجوز تجز الشجيرات في الحديقة باستخدام مقص ~~جز حملته في يديها. # إذن، لا تزال والدة كوتر على قيد الحياة، لكن كنت تذكر بعد ذلك أن والدة كوتر ~~ضريرة؛ ولهذا، كان من الواجب أن ينتقل أحد للعيش معها بعد وفاة والد كوتر. # ماذا كانت تفعل إذن بمقص الجز إذا كانت ضريرة؟ # وقع كنت في الخطأ نفسه الذي اعتاد الوقوع فيه، وهو عدم إدراك عدد السنوات - أو ~~بالأحرى العقود - التي مرت عليه، وعدم إدراك مدى كبر والدة كوتر إن كانت على قيد ~~الحياة إلى الآن، ومدى كبر سونيه، بل وكبره هو نفسه. كانت المرأة التي تجز الشجيرات ~~هي سونيه، وفي البداية لم تتعرف عليه هي الأخرى. انحنت أمامه لغرز المقص في الأرض، ~~ومسحت يديها في البنطلون الجينز الذي كانت ترتديه. شعر بتيبس حركاتها في مفاصل جسمه. ~~كان شعرها أبيض وخفيفا يتطاير مع نسيم المحيط الذي وصل إلى المكان عبر الكثبان. ذهب ~~بعض اللحم الذي كان يكسو عظامها في السابق. لقد كانت سونيه دوما صغيرة النهدين، لكنها ~~لم تكن نحيلة الخصر. كانت أشبه بأبناء الشمال بما اتسمت به من وجه وظهر عريضين، لكن ~~اسمها لم يرجع إلى هذه الأصول. تذكر كنت القصة وراء تسميتها سونيه؛ كان حب والدتها ~~لأفلام سونيا هيني. لكن الفتاة غيرت نطق اسمها بنفسها ليصير سونيه، وسخرت من تفاهة ~~والدتها. اعتاد الشباب جميعا في هذا الجيل السخرية من آبائهم لسبب ما. # لم يستطع كنت رؤية وجهها جيدا في أشعة الشمس الساطعة، لكنه رأى بعض البقع البيضاء ~~الفضية اللامعة حيث أصيبت على ms083 الأرجح بسرطان في الجلد، وتم استئصاله. # قالت سونيه: «كنت! يا لسخرية القدر! اعتقدتك شخصا جاء لشراء منزلي. هل هذه ~~نويل؟» # وقعت سونيه في الخطأ بدورها. # كانت ديبورا في الواقع أصغر من نويل بعام واحد، لكن ما من شيء فيها أوحى بأنها تلعب ~~دور الزوجة المدللة صغيرة السن. كان كنت قد التقى بها بعد العملية الأولى التي خضع ~~لها. كانت أخصائية علاج طبيعي لم يسبق لها الزواج، وكان هو أرمل. رآها امرأة هادئة ~~رصينة، لا تهتم بالموضة وتحتقر التهكم - كان شعرها مضفرا في جديلة مرسلة للخلف على ~~ظهرها. عرفت كنت على اليوجا، بالإضافة إلى التمرينات الموصوفة له طبيا، وأقنعته ~~الآن بتناول الفيتامينات والجنسنج أيضا. كانت كيسة وغير فضولية لدرجة تكاد تصل إلى ~~حد اللامبالاة. لعل امرأة من جيلها رأت أنه أمر مسلم به أن الجميع لديهم ماض غير ~~قابل للتفسير وزاخر بالشخصيات المختلفة. # دعتهما سونيه إلى المنزل، فقالت ديبورا إنها ستتركهما معا، وإنها ترغب في البحث عن ~~أحد متاجر الأطعمة الصحية (أخبرتها سونيه بمكان أحدها)، والتنزه على الشاطئ. # أول شيء لاحظه كنت في المنزل أنه بارد، بالرغم من أن اليوم كان صيفيا والشمس ~~مشرقة. لكن المنازل في الساحل الشمالي الغربي المطل على المحيط الهادئ نادرا ما تكون ~~دافئة مثلما تبدو. فما إن يبتعد المرء عن الشمس حتى يشعر على الفور بالرطوبة. ولا ريب ~~أن الضباب وصقيع الشتاء الممطر قد دخلا هذا المنزل فترة طويلة من الزمن دون أدنى مقاومة ~~من أصحابه. كان منزلا خشبيا كبيرا من طابق واحد، متداعيا لكنه لم يخل من مباهج ~~الزينة؛ فقد احتوى على شرفة ونوافذ ناتئة من السقف. كان هناك الكثير من المنازل ~~المشابهة لهذا المنزل في غرب فانكوفر حيث لا يزال كنت يعيش، لكن معظمها بيع كمبان ~~متهدمة. # خلت الغرفتان الأماميتان الكبيرتان اللتان لم يفصل بينهما باب من أي أثاث، فيما عدا ~~بيانو منتصبا في مكانه. تحولت الأرضية إلى اللون الرمادي في المنتصف لكثرة احتكاك ~~الأحذية بها، بينما كانت الأركان مكسوة بمشمع داكن. امتد درابزين ms084 بطول أحد الجدران، وفي ~~المقابل كانت هناك مرآة يكسوها التراب رأى فيها كنت انعكاس مرور شخصين نحيلين أشيبين ~~يسيران معا. قالت سونيه إنها تحاول بيع المكان - الأمر الذي كان بإمكان كنت ملاحظته ~~من اللافتة - وبما أن هذا المكان كان مخصصا لتدريبات الرقص، فقد فكرت أنه من الأفضل ~~تركه على هذا الحال. # أضافت سونيه: «ربما يستطيع أحد تحويله إلى مكان جميل.» روت لكنت أنها قد افتتحت ~~المدرسة في عام 1960، تقريبا بعد وصول الأنباء بوفاة كوتر بفترة قصيرة. كانت ديليا، ~~والدة كوتر، عازفة بيانو. وظلت تعزف حتى قاربت التسعين عاما، وفقدت تركيزها (قالت ~~سونيه: «معذرة، فالمرء يفقد اهتمامه بما حوله مع التقدم في السن»)؛ ولذا لزم على سونيه ~~إيداعها في إحدى دور المسنين حيث تذهب إليها كل يوم لإطعامها، مع أن ديليا لم تعد ~~تتعرف عليها. حاولت سونيه الاستعانة بآخرين للعزف على البيانو، لكنها لم تنجح. هذا ~~فضلا عن أنها وصلت إلى مرحلة لم تعد تشرح للطلاب فيها الخطوات عمليا، وإنما تخبرهم ~~بها شفهيا فقط. ومن ثم، رأت أنه قد حان الوقت للتقاعد عن هذا العمل. # اتسمت دوما سونيه بالرزانة وعدم الإفراط في الحديث. وفي الواقع، لم تكن ودودة إلى ~~حد بعيد، أو هكذا ظن كنت. لكنها الآن لا تكف عن الثرثرة سريعا شأنها شأن كل من ~~يعانون الوحدة طويلا. ~~«سارت الأمور على ما يرام عند بدء العمل في المدرسة؛ فقد كانت كل الفتيات الصغيرات ~~متحمسات وقتها للباليه، ثم اختفى كل ذلك فيما بعد؛ فالباليه فن منهجي للغاية كما تعلم. ~~لكنه لم يختف بشكل كامل، ثم في الثمانينيات انتقلت عائلات شابة إلى هنا. كانوا أثرياء ~~على ما يبدو. من أين أتوا بكل هذه الأموال؟ وكان من الممكن تحقيق النجاح مجددا، لكنني ~~لم أستطع إدارة الأمور جيدا.» # أوضحت السبب بأنها ربما فقدت الحماس للمدرسة، أو لم تعد هناك حاجة إليها بعد وفاة ~~حماتها. # قالت: «لقد كنا دائما صديقتين حميمتين.» # بدا المطبخ كحجرة ضخمة أخرى لم تملأها الخزانات والأدوات المنزلية على نحو ملائم. ~~كانت ms085 الأرضية تكتسي ببلاط رمادي وأسود ؛ أو لعله أبيض وأسود، وتحول لون البلاط الأبيض ~~إلى الرمادي نتيجة لمياه التنظيف المتسخة. اجتازا معا رواقا تصطف على جانبيه أرفف ~~تصل في ارتفاعها إلى السقف مكدسة بالكتب، والمجلات الممزقة، وربما الصحف أيضا. فاحت ~~من المكان رائحة ورق عتيق للغاية، وكسا الأرضية في هذا الرواق حصير من ألياف السيزال. ~~ومن الرواق دخلا شرفة جانبية حيث تمكنا أخيرا من الجلوس. اشتمل المكان على أريكة ~~وكراسي من الخيزران الأصلي التي كانت ستساوي مبلغا من المال، لو لم تكن متداعية. كانت ~~هناك أيضا ستائر من الخيزران - ليست في أفضل حالاتها - مرفوعة لأعلى أو منسدلة حتى ~~المنتصف، وفي الخارج ضغطت على النوافذ شجيرات لزم جزها. لم يعرف كنت الكثير من أسماء ~~النباتات، لكنه عرف أن هذه الشجيرات من النوع الذي ينمو في التربة الرملية. اتسمت هذه ~~الشجيرات بأوراقها القوية اللامعة؛ إذ بدت وكأنها نقعت في الزيت. # وعند مرورهما بالمطبخ، لاحظ أن سونيه قد وضعت غلاية على النار لإعداد الشاي. ألقت ~~سونيه بجسمها الآن على أحد الكراسي، كما لو كانت سعيدة هي الأخرى بالجلوس أخيرا. رفعت ~~يديها المتسختين ذات المفاصل الإصبعية الكبيرة. # وقالت: «سأنظفهما سريعا. لم أسألك إن كنت ترغب في احتساء الشاي. يمكنني إعداد ~~القهوة أيضا. أو لا هذا ولا ذاك؛ ما رأيك في بعض الجن المخلوط بماء التونك لكلينا؟ ما ~~المانع في ذلك؟ تبدو لي فكرة جيدة.» # رن جرس الهاتف؛ وكان جرسا قديما عاليا مزعجا، بدا وكأنه صادر من الردهة ~~بالخارج، لكن سونيه عادت مسرعة إلى المطبخ للرد عليه. # تحدثت بعض الوقت، ثم توقفت لإنزال الغلاية عن النار عندما أصدرت صوت صفير. سمعها ~~كنت تقول: «لدي زائر الآن»، وتمنى ألا تكون قد أجلت موعدا مع شخص يرغب في معاينة ~~المنزل. لهجتها العصبية الجريئة جعلته يعتقد أن هذه لم تكن مكالمة ودية، فربما تتعلق ~~بأمور مالية؛ ولذا لم يحاول سماع المزيد. # ذكرته الكتب والصحف المتكدسة في رواق ~~الردهة بالمنزل الذي عاشت فيه سونيه مع كوتر أعلى الشاطئ. في الواقع، ms086 الإحساس العام ~~بعدم الراحة والإهمال ذكره بذلك المنزل، وبغرفة المعيشة فيه التي كانت تدفئها مدفأة ~~حجرية منتصبة في أحد الجوانب. وبالرغم من اشتعال النيران في تلك المدفأة - في المرة ~~الوحيدة التي ذهب فيها إلى هناك - تناثر الرماد القديم منها، بالإضافة إلى قطع من قشر ~~البرتقال المحروق وبعض القمامة. امتلأ المكان بالكتب والكتيبات التي تناثرت هنا وهناك. ~~وبدلا من الأريكة، كان هناك سرير خفيف نقال؛ وكان على الزائر الجلوس وقدماه ~~متلامستان مع الأرض - مع عدم إسناد ظهره - أو الرجوع إلى الخلف والاستناد إلى الحائط مع ~~رفع قدميه عن الأرض وتشبيكهما أسفله. هكذا جلست كاث وسونيه في تلك المرة؛ ولم تشاركا ~~على الإطلاق في الحديث الدائر. جلس كنت على مقعد بعد أن أزاح عنه كتابا ذا غلاف باهت ~~اللون يحمل عنوان «الحرب الأهلية في فرنسا». تساءل كنت: هل هذا هو ما يطلقون عليه الآن ~~الثورة الفرنسية؟ ثم وقعت عيناه على اسم المؤلف؛ كارل ماركس. وحتى قبل أن يرى الاسم، ~~شعر بالعدائية والإرهاب الفكري يغشيان الغرفة. كان شعورا مماثلا لما ينتاب المرء في ~~غرفة مليئة بآيات من الإنجيل، وصور للمسيح على ظهر أحد الحمير، أو سائرا عند بحر ~~الجليل؛ الشعور بالإرهاب الفكري ذاته. لم يدفعه إلى هذا الشعور الكتب والصحف فحسب، ~~وإنما الفوضى التي رآها عند المدفأة، والبساط الذي انمحى الرسم من عليه، والستائر خيشية ~~النسيج. كان ثمة خطأ في قميص كنت وربطة عنقه. شك في ذلك من النظرة التي رمقتهما بها ~~كاث، لكن بما أنه ارتداهما بالفعل، فما كان ليغيرهما على أي حال. أما كاث، فكانت ~~ترتدي واحدا من قمصانه القديمة وسروالا من الجينز تغلقه فوق السحاب بمجموعة من دبابيس ~~المشبك بدلا من الزر. رأى كنت أن ملابس زوجته لا تليق بالذهاب إلى دعوة على العشاء، ~~لكنه استنتج أن هذه الملابس هي الوحيدة التي كان بوسعها ارتداؤها. # كان ذلك قبل ولادة نويل مباشرة. # أعد كوتر وجبة العشاء؛ كانت وجبة رائعة من الكاري، وشرب الجميع الجعة. كان كوتر في ~~الثلاثينيات من عمره؛ أي ms087 أكبر من سونيه وكاث وكنت . كان طويل القامة، ضيق الكتفين، بارز ~~الجبين، أصلع الجبهة، وذا سوالف نحيلة وشعثاء، كذلك كان يتحدث بنبرة واثقة سريعة ~~وهادئة. # حضر العشاء أيضا زوجان أكبر سنا؛ امرأة بثديين متدليين وشعر أقرب للشيب مرفوع ~~لأعلى من الخلف، ورجل قصير منتصب القامة غير مهندم الثياب، وإن كانت به لمحة من الرقي ~~في أسلوبه، وصوته الحاد، وحديثه الدقيق، واعتياده تشبيك أصابعه على هيئة مربع منتظم. ~~كان هناك أيضا شاب أصهب بعينين دامعتين منتفختين، وبشرة مبقعة. كان طالبا غير متفرغ ~~يعول نفسه بالعمل سائقا لشاحنة تلقي بالصحف للصبية الذين يعملون على توصيلها بعد ذلك. ~~كان من الواضح أنه قد بدأ لتوه هذه الوظيفة، وأخذ الرجل الأكبر سنا - الذي كان على ~~معرفة به - يضايقه بتذكيره بخزي توصيل مثل هذه الصحيفة؛ تلك الأداة المستخدمة من ~~الطبقات الرأسمالية، والناطقة باسم علية القوم. # وبالرغم من أن ذلك قد قيل على سبيل المزاح إلى حد ما، فإن كنت لم يستطع منع نفسه ~~من التعليق، ورأى أن باستطاعته الإدلاء بدلوه ومقاطعتهما مثلما سيفعل فيما بعد أيضا. ~~فقال إنه لا يجد عيبا في تلك الصحيفة. # كان الحضور يتوقعون منه مثل هذا القول. كان الرجل الأكبر سنا قد عرف قبل ذاك أن ~~كنت يعمل صيدلانيا في إحدى سلاسل الصيدليات. وسأل الشاب كنت على نحو يوحي بأن ~~الآخرين سيعتبرون ذلك مزحة: «هل تعمل في الإدارة؟» لكن كنت لم يعتبرها كذلك، وقال إنه ~~تمنى أن يعمل في الإدارة. # قدم الكاري، وتناول الجميع الطعام، وشربوا المزيد من الجعة، وزودت النار بالحطب، ~~وأظلمت السماء الربيعية، وتلألأت أضواء حي بوينت جراي على الجانب الآخر من خليج بورارد. ~~وأخذ كنت على عاتقه مسئولية الدفاع عن الرأسمالية، والحرب الكورية، والأسلحة النووية، ~~وجون فوستر دالاس، وإعدام جوليوس وإيثيل روزينبيرج، وأي شيء آخر وجهه الآخرون إليه. ~~هزأ من فكرة إقناع الشركات الأمريكية للأمهات الأفريقيات بشراء اللبن الصناعي وعدم ~~إرضاع أطفالهن طبيعيا، ووحشية شرطة الخيالة الكندية الملكية مع الهنود، وفوق كل ذلك ~~هزأ من احتمالية أن يكون ms088 هاتف كوتر مراقبا. اقتبس حديثه من صحيفة «تايم»، ولم يخف ~~عليهم هذه الحقيقة، بل صرح بها أمامهم. # أخذ الشاب الجالس بينهم يضرب ركبتيه بيديه، ويهز رأسه من جانب إلى آخر، واصطنع ضحكة ~~متشككة. ~~«لا أصدق هذا الرجل. هل تصدقونه؟ لا أستطيع تصديقه.» # عمل كوتر على تحريك النقاش، وحاول كبح جماح أي غضب؛ فكان يرى نفسه رجلا عقلانيا. ~~أما الرجل الأكبر سنا، فقد غير دفة المناقشة إلى موضوعات أكاديمية، والمرأة ذات ~~الثديين المتدليين قاطعت الحديث بين الحين والآخر بنبرة مهذبة خبيثة. ~~«لماذا تسرع على هذا النحو للدفاع عن السلطة كلما أطلت برأسها اللطيف على ~~حديثنا؟» # لم يعرف كنت الإجابة عن هذا السؤال. لم يعرف ما كان يدفعه لفعل ذلك. لم يكن حتى يأخذ ~~هؤلاء الأشخاص على محمل الجد كأعداء له؛ فقد كانوا يعيشون على هامش الحياة الواقعية، ~~يلقون بالخطب على الآخرين بعنف ظنا منهم أنهم ذوو أهمية، شأنهم شأن أي متعصبين آخرين. ~~افتقروا إلى الصلابة، مقارنة بالأشخاص الذين عمل معهم كنت؛ ففي عمله، كان للأخطاء ~~أهمية، والمسئولية أمر دائم، وما كان هناك وقت للتفكير فيما إذا كانت سلاسل الصيدليات ~~فكرة سيئة أو في التشكيك في شركات الأدوية. كان ذلك هو العالم الواقعي الذي كان كنت ~~يخوضه كل يوم حاملا على عاتقه عبء المستقبل وعبء كاث. لقد قبل ذلك، بل وكان فخورا ~~به أيضا، وما كان ليعتذر عنه أمام غرفة مليئة بالمتذمرين. # قال لهم: «إن الحياة تتحسن بالرغم مما تقولونه. ليس عليكم سوى النظر حولكم لتروا ~~ذلك.» # لم يختلف رأيه الآن عن رأيه آنذاك عندما كان شابا. رأى أنه ربما كان طائشا، لكنه ~~لم يكن مخطئا. وتساءل عن نتيجة كل هذا الغضب الذي ملأ تلك الغرفة، وكل تلك الطاقة ~~الجارحة. # انتهت سونيه من التحدث عبر الهاتف، ودعته للانتقال إلى المطبخ. قالت له: «سوف ألغي ~~الشاي بكل تأكيد، وأعد لنا بعضا من الجن المخلوط بماء التونيك.» # عندما أحضرت الشراب، سألها كم مر من الوقت على وفاة كوتر؟ وأجابته بأنه قد مر ما ~~يزيد ms089 عن ثلاثين عاما؛ فالتقط نفسا عميقا، وهز رأسه. هل مضى حقا كل هذا ~~الوقت؟ # قالت سونيه: «لقد مات سريعا للغاية بسبب بعوضة استوائية. حدث ذلك في جاكارتا، ودفن ~~قبل حتى أن أعلم بمرضه. هل تعلم أن جاكارتا كانت تدعى في الماضي باتافيا؟» # فأجابها كنت: «ربما أكون قد سمعت هذا من قبل.» # قالت له: «إنني أتذكر منزلك. كانت غرفة المعيشة أشبه بالشرفة؛ شغلت الواجهة ~~الأمامية بالكامل، كما كان الحال في منزلنا. كانت هناك ستائر مصنوعة من قماش الظلة، ~~وكانت لها أشرطة خضراء وبنية اللون. أحبت كاث مرور الضوء عبر هذه الأشرطة، وكانت تقول ~~إنه أشبه بضوء الغابات. أما أنت، فكنت تطلق على المنزل اسم «الكوخ العظيم». في كل مرة ~~تذكره فيها تصفه بهذه الصفة.» # قال كنت: «كان مشيدا على أعمدة مثبتة في الأسمنت، وكانت قد أوشكت على البلى حينها. ~~من العجيب أنه لم ينهر.» # قالت سونيه: «اعتدت أنت وكاث الذهاب لمعاينة المنازل؛ ففي يوم عطلتك، تذهبان إلى ~~تقسيمات الأراضي المخصصة للبناء، مصطحبين نويل معكما في عربة الأطفال. كنتما تعاينان كل ~~المنازل الجديدة. تعلم كيف كان حال هذه المناطق آنذاك بكل تأكيد؛ لم تكن هناك أي أرصفة ~~للمشاة؛ لأنه من المفترض في تلك الأيام أن الناس لم يعودوا يسيرون على أقدامهم. هذا ~~فضلا عن قطع كل الأشجار، والتصاق المنازل بعضها ببعض كما لو كان كل منها يحدق في ~~الآخر عبر النوافذ الضخمة التي تظهر ما بداخلها.» # فسألها كنت: «هل كان من الممكن لشخص في مستهل حياته أن يتحمل تكلفة شيء غير ~~هذا؟» ~~«أعلم، أعلم. لكنك كنت تسأل كاث: «أيها تفضلين؟» ولم تكن كاث تجيب مطلقا. وفي ~~النهاية، كنت تغضب وتسألها أي المنازل تفضل في أي مكان، فتجيب: «الكوخ ~~العظيم».» # لم يتذكر كنت ذلك، لكنه افترض حدوثه بالفعل؛ فقد كان ذلك - على أي حال - ما حكته كاث ~~لسونيه. # 3 # أقام كوتر وسونيه حفل وداع قبل أن يغادر كوتر إلى الفلبين أو إندونيسيا أو أيا ما ~~كان المكان الذي كان متوجها إليه. وكانت سونيه ms090 ذاهبة أيضا إلى أوريجون للبقاء مع ~~والدة كوتر. دعي إلى الحفل كل من كانوا يعيشون على الشاطئ؛ كان ذلك هو التصرف ~~الوحيد المعقول، بما أن الحفل كان سيقام خارج المنزل. دعي، كذلك، بعض الأشخاص الذين ~~عاش معهم كوتر وسونيه في أحد المنازل الشيوعية في السابق - قبل انتقالهم إلى الشاطئ - ~~بالإضافة إلى صحفيين كان كوتر على معرفة بهم، وأشخاص عملت معهم سونيه في ~~المكتبة. # قالت كاث: «الجميع مدعوون.» فسألها كنت بابتهاج: «مزيد من مناصري اليسار؟» فأجابته ~~بأنها لا تعرف؛ كل ما تعرفه أن الجميع مدعوون. # استأجرت مونيكا جليسة الأطفال التي اعتادت الاستعانة بها، ورتبت إحضار جميع الأطفال ~~إلى منزلها على أن يتشارك الآباء في التكلفة. أحضرت كاث نويل إلى منزل مونيكا في عربة ~~الأطفال الخاصة بها مع بدء حلول الليل. أخبرت جليسة الأطفال بأنها ستعود لاصطحاب نويل ~~قبل انتصاف الليل، وهو الوقت الذي ستستيقظ فيه نويل على الأرجح للحصول على رضعتها. كان ~~بإمكانها إحضار زجاجة اللبن الإضافية التي أعدتها في المنزل، لكنها لم تفعل، فلم تكن ~~موقنة مما سيكون عليه حال الحفل، ورأت أنها قد تفضل اغتنام أي فرصة للمغادرة. # لم تكن كاث قد تحدثت مع سونيه عن العشاء الذي أقيم في منزل سونيه وتعارك فيه كنت ~~مع جميع الحضور. كانت تلك هي المرة الأولى التي تلتقي فيها سونيه بكنت، وكل ما قالته ~~فيما بعد إنه وسيم للغاية. فشعرت كاث بأن الوسامة بديل ترضية تافه. # جلست ذلك المساء - أثناء العشاء في منزل سونيه - ظهرها إلى الحائط، محتضنة وسادة على ~~بطنها؛ فقد كانت معتادة على احتضان وسادة حيث اعتاد الجنين ركل بطنها. كانت الوسادة ~~باهتة اللون مغطاة بالأتربة، شأنها شأن كل شيء آخر في منزل سونيه (الذي استأجرته هي ~~وكوتر مؤثثا). كان مرسوما عليها أوراق أشجار، وأزهار زرقاء تحول لونها إلى الفضي. ~~ثبتت كاث عينيها على هذه الرسوم، بينما كان الحضور يثيرون حفيظة كنت - لكنه لم يدرك ~~حتى ذلك. تحدث الشاب معه بغضب مفتعل كغضب ابن يتحدث مع والده، في حين تحدث ms091 كوتر بصبر ~~نافد كأستاذ مع طالب لديه. أما الرجل العجوز، فقد كان مستمتعا بشدة، بينما فاض شعور ~~المرأة بالاشمئزاز منه أخلاقيا، كما لو كانت تحمل كنت شخصيا مسئولية قنبلة ~~هيروشيما، وحرق الفتيات الآسيويات أحياء في المصانع المغلقة، وكل الأكاذيب الكريهة ~~والنفاق المتبجح. لكن كنت كان هو من يجلب كل ذلك على نفسه، كما رأت كاث. لقد خشيت ~~من حدوث ذلك عندما رأت القميص وربطة العنق اللذين ارتداهما كنت، وقررت هي ارتداء ~~الجينز بدلا من تنورة الحمل الأنيقة الخاصة بها. لكن بوصولها إلى هناك لم يكن من مفر ~~ولزم تحمل العواقب. وما كان منها سوى الضغط بالوسادة على هذا النحو أو ذاك والنظر إلى ~~البريق الفضي لرسوماتها. # كان الجميع في الغرفة على يقين حاسم وثقة شديدة بكل شيء يفعلونه. حتى عندما توقفوا ~~لحظات لالتقاط أنفاسهم، كان ذلك لاجتذاب قدر هائل من القوة الخالصة واليقين ~~الصرف. # الوحيدة التي لم تشاركهم هذا كانت سونيه؛ فلم تنطق ببنت شفة، لكنها اعتمدت على كوتر؛ ~~كان هو يقينها. نهضت من جلستها لتقديم المزيد من الكاري، وتحدثت مرة واحدة أثناء إحدى ~~فترات الصمت الغاضبة القصيرة. ~~«يبدو أنه لا أحد يرغب في جوز الهند.» # فقالت السيدة الأكبر سنا: «يا إلهي! هل ستلعبين الآن يا سونيه دور المضيفة اللبقة، ~~مثل إحدى شخصيات فيرجينيا وولف؟» # لذا، يبدو أن ثمة اعتراضا على فيرجينيا وولف أيضا. كانت هناك أمور كثيرة لم تفهمها ~~كاث، لكنها على الأقل عرفت أن هذه الأشياء موجودة؛ مع أنها لم تكن مستعدة للتصريح بأنها ~~هراء. # بيد أنها - مع ذلك - تمنت لو يأتيها المخاض في ذلك الوقت؛ فإذا ما اندفعت الآن ~~وأغرقت الأرضية أمام الجميع بماء الولادة، فلعلهم يتوقفون عن العراك. # بعد انتهاء الأمسية، لم يبد على كنت الانزعاج بشأن ما حدث؛ وكان من أسباب ذلك ~~اعتقاده بأنه قد انتصر عليهم؛ إذ قال لكاث: «جميعهم مناصرون لليسار، ولا بد أن يكون ذلك ~~هو أسلوبهم في الحديث؛ فهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنهم فعله.» # تمنت كاث من كل قلبها عدم ms092 التحدث عن السياسة مجددا، فغيرت الموضوع . قالت له إن ~~الزوجين الأكبر سنا عاشا مع سونيه وكوتر في المنزل الشيوعي، وإنه كان هناك زوجان ~~آخران معهما لكنهما كانا قد غادرا المنزل في ذلك الوقت. وكان هناك تبادل منظم بين ~~الأفراد في المعاشرة الجنسية؛ وذات مرة، اتخذ الرجل العجوز عشيقة من خارج المنزل، بينما ~~خضعت زوجه لهذا التبادل أيضا. # فسألها كنت: «أتعنين أن هناك من الشباب من يرضى بمعاشرة تلك المرأة العجوز؟ إنها في ~~الخمسين من عمرها!» # فأجابته كاث: «كوتر يبلغ ثمانية وثلاثين عاما.» # قال كنت: «وليكن. هذا مثير للاشمئزاز.» # وبالمثل أيضا، وجدت كاث هذه الفكرة المتعلقة بالمعاشرة الجنسية المشروطة والإلزامية ~~أمرا مثيرا ومقززا في الوقت نفسه؛ ففكرة أن تمنح نفسك، طواعية ودون أن يقع عليك أي ~~لوم، لأي شخص يحين دوره في القائمة أشبه بالدعارة المقدسة؛ حيث تمثل الشهوة الجنسية ~~واجبك. ومنحها التفكير في هذا الأمر شعورا بالإثارة البذيئة الفاحشة. # لكنه لم يثر سونيه؛ فهي لم تخض تجربة الإشباع الجنسي. سألها كوتر إن كانت قد شعرت ~~به عندما عادت إليه، لكنها أجابته بالنفي. فشعر بالإحباط، وشعرت هي أيضا به من أجله. ~~وأوضح لها أنها شديدة الاستئثار والتعلق بفكرة الملكية الجنسية، وكانت تعلم أنه على ~~حق. # قالت لكاث: «أعلم أنه يعتقد أنني لو كنت أحبه بما يكفي لشعرت بالإشباع، لكنني أحبه ~~بالفعل ... أتعذب بلوعة حبه.» # بالرغم من كل الأفكار المثيرة التي وردت على ذهن كاث، رأت أنها لا تستطيع مضاجعة أي ~~رجل آخر على الإطلاق سوى كنت؛ فالجنس في نظرها أشبه بجهاز اخترعاه بينهما، ومحاولة ~~ممارسته مع شخص آخر يعني تغيير «دوائره»، الأمر الذي سيسفر عن «انفجار» حياتها بالكامل ~~أمام عينيها. لكنها، مع ذلك، ما كانت لتقول إنها تحب كنت وتتعذب بلوعة حبه. ~~••• # أثناء سير كاث على الشاطئ من منزل مونيكا إلى منزل سونيه، رأت أشخاصا في انتظار ~~الحفل، وقد تجمعوا معا في مجموعات صغيرة أو جلسوا على جذوع الأشجار ليشاهدوا اللحظات ~~الأخيرة لمغيب الشمس، ويشربوا الجعة. كان كوتر ورجل آخر معه ms093 يغسلان إحدى الصفائح ~~المستعملة ليصنعا فيها شراب البنش المسكر. وكانت آنسة كامبو، رئيسة أمناء المكتبة، ~~تجلس وحدها على أحد جذوع الأشجار. لوحت لها كاث بيديها في حماس، لكنها لم تذهب للجلوس ~~معها. فإذا انضم المرء لشخص ما في تلك المرحلة من الحفل، فسيقع في الشرك ويظل مع هذا ~~الشخص وحدهما. الخيار الأمثل في هذه الأحوال هو الانضمام إلى مجموعة تضم ثلاثة أو أربعة ~~أشخاص، حتى وإن كانت المحادثة بينهم - التي بدت حيوية عن بعد - مخيبة تماما للآمال. ~~لكنها لم تستطع فعل ذلك بعد أن لوحت للآنسة كامبو؛ فكان عليها التوجه نحو أي مكان. ~~فمضت في طريقها، ومرت بكنت الذي كان يتحدث مع زوج مونيكا عن الوقت الذي استغرقه نشر ~~أحد جذوع الأشجار على الشاطئ. صعدت، بعد ذلك، درجات سلم منزل سونيه لتدخل إلى ~~المطبخ. # كانت سونيه منشغلة بتقليب وعاء ضخم من صلصة الفلفل الحار، في حين أخذت المرأة الأكبر ~~سنا - التي عاشت معها في المنزل الشيوعي - تعد شرائح خبز الجودار والسلامي والجبن على ~~أحد أطباق التقديم. كانت تلك المرأة ترتدي في الحفل الملابس نفسها التي ارتدتها في عشاء ~~الكاري؛ تنورة فضفاضة وسترة باهتة اللون ضيقة، بدا منها تدلي ثدييها حتى خصرها. اعتقدت ~~كاث أن لذلك علاقة بالماركسية؛ إذ كان كوتر يفضل ألا تخرج سونيه مرتدية حمالة ~~الصدر، وكذلك الجوارب، وعدم التزين بأحمر الشفاه. وتعلق الأمر أيضا بالعلاقات الجنسية ~~المتحررة التي تخلو من الغيرة، والاشتهاء المتقد الذي لا يقف عائقا أمامه وصول ~~المرأة الخمسين من عمرها. # كان بالمطبخ أيضا فتاة - كانت تعمل في المكتبة - تقطع الطماطم والفلفل الأخضر، في ~~حين جلست امرأة لم تعرفها كاث على كرسي المطبخ، تدخن السجائر. # قالت فتاة المكتبة لكاث: «هل أسأنا لك في شيء؛ نحن العاملين جميعا في المكتبة؟ ~~سمعنا أنك أنجبت فتاة جميلة، ولم تحضريها لنا كي نراها. أين هي الآن؟» # أجابت كاث: «نائمة على ما أرجو.» # كانت تلك الفتاة تدعى لورين، لكن سونيه وكاث عند تذكرهما أيام عملهما في المكتبة ~~أطلقتا عليها اسم ديبي ms094 رينولدز؛ إذ كانت مفعمة بالحيوية. # قالت لكاث: «يا لسوء الحظ!» # رمقت السيدة ذات الثديين المتدليين تلك الفتاة وكاث بنظرة نفور عميقة. # فتحت كاث زجاجة جعة وأعطتها لسونيه التي قالت: «شكرا لك، لقد انصب كل تركيزي على ~~صلصة الفلفل الحار ونسيت أنه بإمكاني احتساء بعض الشراب.» شعرت سونيه بالقلق؛ لأنها لم ~~تكن تجيد الطبخ بقدر ما كان كوتر يجيده. # علقت فتاة المكتبة على ذلك قائلة لكاث: «أحسنت صنعا بعدم شرب هذه الجعة؛ فهي ~~مضرة بالرضاعة.» # فقالت السيدة التي تجلس على كرسي المطبخ: «لقد كنت أفرط في شرب الجعة أثناء الرضاعة، ~~وأظن أنها يوصى بها للمرأة المرضعة. فأنت تتخلصين من أغلبها مع البول على أي ~~حال.» # خطت عينا تلك المرأة بالكحل الأسود الذي امتد حتى الأطراف، بينما تزين جفناها ~~بالظل الأزرق المائل إلى الأرجواني حتى حاجبيها الأسودين المشذبين. أما باقي وجهها، ~~فكان شاحبا للغاية - أو زين ليبدو شاحبا - وكذلك شفتاها الورديتان الشاحبتان ~~اللتان كانتا أقرب إلى البياض. سبق لكاث رؤية أوجه كهذه من قبل، لكن في المجلات ~~فقط. # قالت سونيه: «هذه إيمي. إيمي، هذه كاث. آسفة لعدم تعريف كل منكما بالأخرى.» # قالت المرأة الأكبر سنا: «سونيه، أنت دائما آسفة.» # التقطت إيمي قطعة من الجبن الذي قطع لتوه، وتناولتها. # كانت إيمي عشيقة زوج السيدة الأكبر سنا. شعرت كاث فجأة بأنها ترغب في التعرف عليها ~~ومصادقتها، مثلما تاقت من قبل لمصادقة سونيه. ~~••• # أسدل الليل ستائره على الأمسية، وباتت مجموعات الناس الموجودة على الشاطئ أقل وضوحا؛ ~~وصاروا على الأرجح يتحركون معا. وعند حافة المياه، خلعت السيدات أحذيتهن، ونزعن ~~جواربهن - هذا إن كن يرتدينها في الأساس - ولمسن الماء بأطراف أصابع أقدامهن. توقفت ~~الأغلبية عن شرب الجعة، وصاروا يشربون البنش المسكر الذي تغيرت طبيعته بالفعل بحلول ~~هذا الوقت؛ إذ كان أغلبه في البداية من الرم وعصير الأناناس، لكن الآن أضيفت إليه أنواع ~~أخرى من عصير الفواكه والمياه الغازية والفودكا والنبيذ. # تشجعت السيدات لخلع ما هو أكثر من أحذيتهن، فركض بعضهن إلى المياه بمعظم ملابسهن، ~~ثم أخذن يخلعنها ms095 ويلقينها للأخريات على الشاطئ، في حين خلعت أخريات ملابسهن حيثما وقفن ~~على الشاطئ، مشجعات إحداهن الأخرى بأن السماء أكثر ظلمة من أن يراهن أحد. بيد أنه، في ~~الواقع، كان من الممكن رؤية أجسام عارية تندفع في المياه المظلمة فتنثرها حولها وتركض ~~وتسقط فيها. جلبت مونيكا كومة كبيرة من المناشف من منزلها، ونادت الجميع للف أنفسهن ~~بها عند خروجهن من الماء كي لا يصبن ببرد يودي بحياتهن. # ارتفع القمر في السماء بين الأشجار المظلمة على قمة الصخور، وبدا ضخما ومهيبا ~~وأخاذا إلى حد جعل البعض يصيح مذهولا: ما هذا؟ حتى عندما صعد لأعلى في السماء، ~~وتضاءل إلى حجم أكثر اعتيادا، التفت الناس إليه من حين لآخر واصفين إياه ب «قمر ~~الحصاد» أو متسائلين «هل رأيتموه عندما صعد للمرة الأولى؟» ~~«لقد ظننته، في الواقع، منطادا ضخما.» ~~«لم أستطع تخيل ما هو. ما ظننت أن القمر يمكن أن يكون بهذا الحجم أبدا.» # وقفت كاث بالقرب من المياه، متبادلة أطراف الحديث مع الرجل الذي كانت زوجته وعشيقته ~~في مطبخ سونيه منذ قليل. كانت زوجته تسبح الآن في البحر، بعيدا بعض الشيء عن النساء ~~الصاخبات ومن ينثرن المياه. وقال لها الرجل إنه كان قسا في الماضي. # قال مازحا: ««بحر الإيمان كان ممتلئا أيضا من قبل. انبسط حول شواطئ الأرض كطوق ~~براق يحيط بها»، كنت حينها متزوجا من امرأة مختلفة تماما.» # تنهد، فظنت كاث أنه يحاول تذكر بقية المقطع الشعري. # فقالت: «لكني لا أسمع الآن سوى صخب صوته المتراجع في حزن نحو أطراف العالم الموحشة ~~والصخور المكشوفة.» ثم توقفت لأنها شعرت بأنه سيكون تجاوزا منها أن تواصل إلقاء ~~القصيدة حتى البيت: «أيها الحب! فلتجعلنا صادقين.» # سبحت زوجته نحوهما، وجرت نفسها لأعلى حين وصلت المياه إلى ركبتيها. تأرجح ثدياها من ~~جانب لآخر، وقذفا قطرات من الماء حولها أثناء خروجها من الماء. # فتح زوجها ذراعيه، وقال مرحبا بها بود: «الإلهة أوروبا!» # قالت كاث بجرأة: «هذا يجعل منك زيوس.» رغبت في تلك اللحظة أن يقبلها رجل كهذا، رجل ~~تعرفه ms096 بالكاد، ولا تهتم به على الإطلاق . وقد قبلها بالفعل محركا لسانه داخل فمها ~~بنعومة. # قال لها: «تخيلي قارة مسماة على اسم بقرة.» وقفت زوجته على مقربة منهما تتنفس الصعداء ~~بعدما بذلته من جهد في السباحة. اقتربت منهما للغاية حتى إن كاث خشيت من ملامسة جسدها ~~العاري لها. # أشعل شخص ما نارا، وخرجت السيدات من الماء، ولففن أنفسهن بالبطاطين والمناشف، أو ~~انحنين خلف جذوع الأشجار لارتداء الملابس. # وشغلت الموسيقى أيضا في الحفل. وكان جيران مونيكا يملكون رصيفا ومرفأ للمراكب، ~~ولما أحضر مشغل الموسيقى إلى المكان، شرع الناس في الرقص على الرصيف، وبصعوبة أكبر ~~على الرمال، بل وحاول البعض أيضا التمايل ببعض الخطوات الراقصة على جذوع الأشجار قبل ~~أن يتعثروا ويسقطوا أو يقفزوا من عليها. أما السيدات اللاتي ارتدين ملابسهن مجددا أو ~~لم يخلعنها من الأساس - أولئك اللاتي لم يطقن البقاء في مكان واحد؛ مثل كاث - فقد ذهبن ~~للتمشية على حافة المياه (لم يعد أحد يسبح في الماء الآن، ونسي الجميع أمر السباحة ~~تماما)، وسرن في طريق مختلف بسبب الموسيقى؛ متأرجحات بخيلاء ومرح، ثم بغطرسة وقحة، ~~كجميلات الأفلام السينمائية. # لم تزل الآنسة كامبو جالسة في نفس المكان مبتسمة. # جلست الفتاة التي أطلقت عليها كاث وسونيه اسم ديبي رينولدز على الرمال وأسندت ظهرها ~~على أحد جذوع الأشجار، وبكت. ابتسمت لكاث وقالت لها: «لا تظني أنني حزينة.» # كان زوجها لاعب كرة قدم سابقا بإحدى الفرق الجامعية، ويدير الآن ورشة سمكرة سيارات. ~~عندما كان يدخل إلى المكتبة لاصطحاب زوجته، بدا دوما كلاعب كرة قدم تقليدي متغطرس ~~ومتعال على كل من حوله، لكنه في الحفل شوهد جاثيا على ركبتيه بجانبها لما رآها باكية ~~وأخذ يعبث بشعرها. # قال: «إنها بخير. هذا ما يئول إليه حالها دوما في مثل هذه الحفلات، أليس كذلك يا ~~حبيبتي؟» # فقالت: «بلى، هذا صحيح.» # رأت كاث سونيه تتجول حول الضيوف المحيطين بدائرة النار المشتعلة، وتوزع حلوى الخطمى ~~عليهم. تمكن البعض من وضعها في أعواد وشيها؛ في حين أخذ آخرون يتقاذفونها فيما بينهم ~~وفقدوها ms097 في الرمال. # قالت كاث لها: «ديبي رينولدز تبكي، لكنها على ما يرام. إنها سعيدة.» # فضحكتا، واحتضنت إحداهما الأخرى، فسحقتا كيس الخطمى فيما بينهما. # قالت سونيه: «يا إلهي، كم سأفتقدك! سأفتقد صداقتنا.» # قالت كاث: «نعم، نعم.» وأخذت كل منهما قطعة خطمى باردة وأكلتاها وهما تضحكان ~~وتتبادلان نظرة تملؤها مشاعر الود والحزن على الفراق. # قالت كاث: «هذا لتتذكريني. أنت أعز صديقة لي حقا.» # فقالت سونيه: «وأنت كذلك، صديقتي المخلصة. يقول كوتر إنه يرغب في مضاجعة إيمي ~~الليلة.» # قالت لها كاث: «لا تسمحي له بذلك. لا تسمحي له إذا كان ذلك سيغضبك.» # فقالت سونيه بشجاعة: «ليست المسألة مسألة سماح.» ثم صاحت: «من يرغب في صلصة الفلفل ~~الحار؟ يقدم كوتر الأطباق هناك. صلصة فلفل حار؟ صلصة فلفل حار؟» # أنزل كوتر قدر الصلصة على درجات السلم ووضعه في الرمال. # أخذ يقول على نحو أبوي: «احذروا من القدر! احذروا من القدر، إنه ساخن!» # جلس القرفصاء ليقدم الصلصة للناس. لم يتدثر آنذاك إلا بمنشفة ترفرف من نسيم المياه ~~لتكشف عن جسده. جلست إيمي بجواره تناوله الصحون. # مدت كاث يديها أمام كوتر كما لو كانت تمسك بصحن. # وقالت له: «رجاء يا سيدي! ألا أستحق صحنا؟» # فقفز كوتر ناهضا، وترك المغرفة من يده ليضع يديه الاثنتين على رأسها. ~~«باركك الرب يا ابنتي، الأخير يجب أن يكون في المقدمة.» وقبل عنقها المنحني. # تأوهت إيمي كما لو كانت هي التي منحت القبلة أو تلقتها. # رفعت كاث رأسها، ونظرت خلف كوتر. # وقالت: «أود التزين بهذا النوع من أحمر الشفاه.» # فقالت لها إيمي: «فلتأتي معي.» ووضعت الصحون من يدها لتمسك بكاث بخفة من خصرها، وسارت ~~بها إلى درجات السلم. # وقالت: «فلنصعد إلى البيت؛ سأزين وجهك بالكامل لا شفتيك فحسب.» # في دورة المياه الضيقة خلف غرفة نوم كوتر وسونيه، أخرجت إيمي عبوات صغيرة وأقلام زينة ~~من حقيبتها، ولم تجد مكانا لوضعها عليه سوى مقعد المرحاض. جلست كاث على حافة حوض ~~الاستحمام، ووجهها يكاد يلامس بطن إيمي. وضعت إيمي مسحوق تجميل سائلا على وجنتي كاث، ms098 ~~وفوق جفنيها ظلا ملونا، ثم وضعت البودرة على وجهها بالفرشاة. مشطت حاجبي كاث ~~ولمعتهما، ثم وضعت ثلاث طبقات منفصلة من الماسكرا على رموشها لإبرازها. حددت شفتيها ~~ولونتهما، ثم مسحتهما ولونتهما مجددا. رفعت رأس كاث بين يديها، وأمالته ناحية ~~الضوء. # طرق شخص ما الباب، ثم هزه. # فصاحت إيمي: «انتظر! ما بالك؟ ألا تستطيع الذهاب لقضاء حاجتك خلف أحد جذوع ~~الأشجار؟» # لم تسمح لكاث بالنظر في المرآة حتى انتهت. # قالت لها: «لا تبتسمي؛ فسيفسد ذلك المظهر.» # فغرت كاث فمها، وحدقت متجهمة في انعكاس صورتها في المرآة. بدت شفتاها كبتلات ~~الزنابق الممتلئة. جذبتها إيمي بعيدا عن المرآة، وقالت لها: «لم أعن ذلك. يستحسن ~~ألا تنظري لنفسك على الإطلاق، لا تنظري في المرآة على أي حال، فستبدين جميلة.» # صاحت بعد ذلك في الشخص الجديد - أو لعله نفس الشخص - الذي أخذ يطرق الباب بقوة: ~~«تمالك نفسك قليلا! سنخرج حالا.» لملمت أدواتها في الحقيبة، وزجت بها تحت حوض ~~الاستحمام، وقالت لكاث: «هيا أيتها الفاتنة!» ~~••• # رقصت إيمي وكاث على الرصيف، وهما تضحكان وتتحدى إحداهما الأخرى. حاول الرجال إقحام ~~أنفسهم بينهما، لكنهما تمكنتا من عدم السماح بذلك لفترة من الوقت، ثم استسلمتا وانفصلت ~~إحداهما عن الأخرى، بتعبير وجه جازع، ولوحتا بذراعيهما - كالطيور التي تهبط على الأرض ~~- عندما ابتعدت كل منهما عن الأخرى بصحبة رفيق آخر. # رقصت كاث مع رجل لم تتذكر رؤيتها له من قبل أثناء الأمسية. بدا في نفس عمر كوتر ~~تقريبا. كان طويلا بخصر غير نحيف مترهل، وشعر مجعد خفيف، وهالات سوداء حول ~~عينيه. # قالت له كاث: «ربما أقع؛ أشعر بدوار، وقد أقع من فوق الرصيف.» # فقال لها: «سوف أمسك بك.» # قالت: «أشعر بالدوار، لكنني لست مخمورة.» # فابتسم، وجال بخاطرها أن هذا ما يقوله دوما المخمورون. # فقالت له: «حقا، لست مخمورة.» وقد كان ذلك صحيحا؛ إذ لم تنه زجاجة جعة واحدة ~~بالكامل، ولم تمس البنش المسكر أيضا. # قالت: «إلا إذا كنت قد سكرت عن طريق البشرة؛ بالتناضح.» # لم يرد عليها. جذبها إليه، ثم حررها ناظرا إلى ms099 عينيها. # اتسم الجنس الذي مارسته كاث مع كنت بالقوة والتوق، لكنه كان صامتا في الوقت نفسه؛ ~~فلم يعمد أحدهما إلى إغراء الآخر، وإنما مارسا العلاقة الحميمية - أو ما اعتبراها ~~حميمية - مباشرة دون مقدمات، ولم يغيرا من هذا الموقف قط. فإذا كان المرء ملتزما ~~بمضاجعة شخص واحد فقط طوال حياته، فلا حاجة لإضفاء تميز على أي شيء؛ فالأمر مميز ~~بالفعل. كانا يتبادلان النظر وهما عاريان في الماضي، لكن أعينهما لم تتلاق في هذه ~~الآونة إلا مصادفة. # ما افتقرت إليه كاث مع زوجها تفعله الآن راقصة مع رفيقها المجهول: يتقدمان للأمام، ~~ويتراجعان، ويدوران، ويتفلت كل من الآخر، ويستعرض أحدهما أمام الآخر، وينظر كل ~~منهما في عيني الآخر. فضحت عيناهما أن هذا الرقص لن يعني شيئا البتة مقارنة بما ~~يمكنهما فعله إذا اختارا اللقاء الجسدي. # بيد أن كل ذلك لم يكن سوى هزل؛ بمجرد أن يتلامسا، يفلت كل منهما من الآخر مجددا. ~~يقتربان، فيفغران فمهما، وتداعب الألسنة الشفاه، ثم يتراجعان متظاهرين ~~بالاستمتاع. # كانت كاث ترتدي سترة قصيرة الأكمام من الصوف المصقول تناسب الرضاعة؛ نظرا لفتحة ~~رقبتها الواسعة مثلثة الشكل، والأزرار الأمامية حتى طرفها السفلي. # في المرة التالية التي اقتربت فيها من شريكها في الرقص، رفع ذراعه كما لو كان يحمي ~~نفسه، وحرك ظهر كفه، ومعصمه وساعده العاريين على ثدييها المشدودين تحت الصوف ~~المثير. أدى ذلك إلى ترنحهما، وكاد يوقفهما عن الرقص، لكنهما واصلا رقصتهما، وقد ~~أنهكت كاث وأخذت تتعثر في خطواتها. # سمعت أحدا ينادي اسمها. ~~«السيدة مايبيري. السيدة مايبيري.» # كانت جليسة الأطفال؛ نادتها وهي تقف في منتصف درجات سلم منزل مونيكا. ~~«إنها طفلتك. لقد استيقظت. هل يمكنك المجيء لإرضاعها؟» # توقفت كاث عن الرقص. تلمست طريقها بترنح بين الراقصين الآخرين. قفزت من على ~~الرصيف بعيدا عن الأضواء، وتعثرت في الرمال. علمت أن شريكها في الرقص خلفها مباشرة؛ ~~فقد سمعته يقفز خلفها. كانت مستعدة للسماح له بتقبيلها، لكنه أمسك بفخذيها، وأدارهما ~~تجاهه، وجثا على ركبتيه، وقبل ما بين ساقيها عبر السروال القطني الذي كانت ترتديه، ms100 ~~ونهض بعد ذلك برشاقة غريبة على رجل في ضخامته، واستدار كل منهما مبتعدا عن الآخر في ~~نفس اللحظة. أسرعت كاث نحو الضوء، وصعدت درجات سلم منزل مونيكا. أخذت تلهث، وتصعد ~~بصعوبة مستندة إلى الدرابزين، كما لو كانت امرأة مسنة. # كانت جليسة الأطفال في المطبخ. # قالت لها: «وصل زوجك لتوه ومعه زجاجة الرضاعة. لم أكن أعرف ترتيبكما، وإلا كنت قد ~~وفرت على نفسي عناء الصياح.» # توجهت كاث إلى غرفة معيشة مونيكا. كان الضوء الوحيد في المكان هو القادم من الردهة ~~والمطبخ، لكنها تمكنت من ملاحظة أنها كانت غرفة معيشة حقيقية، وليست شرفة معدلة ~~مثل غرفة المعيشة في منزلها ومنزل سونيه. احتوت الغرفة على مائدة قهوة دنماركية عصرية، ~~وأثاث منجد، وستائر أنيقة. # كان كنت جالسا على كرسي بذراعين، يطعم نويل من زجاجة الرضاعة الإضافية. # قال لها: «مرحبا» بصوت خفيض، مع أن نويل كانت تمص اللبن بقوة تدل على أنها أبعد ما ~~يكون عن النوم. # فردت كاث التحية، وجلست على الأريكة. # قال لها: «رأيت أنها ستكون فكرة جيدة، أن أحضر زجاجة الرضاعة، تحسبا لشربك ~~الخمر.» # فقالت كاث: «لم أشرب ... خمرا.» ورفعت يدها إلى ثدييها للتحقق من امتلائهما باللبن، ~~لكن ملمس الصوف جعلها تشعر بالإثارة وأيقظ رغبتها على نحو حال دون استمرارها في الضغط ~~عليهما. # قال كنت: «حسنا، يمكنك إرضاعها الآن، إن أردت.» # جلست على حافة الأريكة، ومالت إلى الأمام، متلهفة لسؤاله إذا كان قد حضر إلى المنزل ~~من الناحية الأمامية أم الخلفية؟ أي مرورا بالطريق أم الشاطئ؟ إذا كان قد مر على ~~الشاطئ، فلا ريب أنه رآها وهي ترقص. بيد أنه كان هناك أناس كثيرون يرقصون على الرصيف؛ ~~ولذا ربما لم يلحظ الراقصين الفرديين. # لكن جليسة الأطفال رأتها، ولعل كنت سمعها وهي تنادي اسمها؛ ومن ثم نظر إلى حيث ~~وجهت جليسة الأطفال النداء. # هذا إن كان قد مر بالشاطئ. أما إذا كان قد مر بالطريق، ودخل المنزل عبر الردهة، ~~وليس المطبخ، فلعله لم ير الراقصين على الإطلاق. # سألته كاث: «هل سمعتها وهي تنادي ms101 علي؟ هل هذا ما جعلك تذهب إلى المنزل وتحضر ~~الزجاجة؟» # فأجابها: «كنت قد فكرت في الحضور بالفعل. كان وقت الرضاعة قد حان.» ورفع الزجاجة ليرى ~~مقدار اللبن الذي تناولته نويل. # وقال: «جائعة.» # فقالت كاث: «نعم.» ~~«إنها فرصتك الآن لإرضاعها، إذا كنت ترغبين في السكر.» ~~«هل هذا ما أنت عليه؟ مخمور؟» ~~«لقد نلت نصيبي. فلتذهبي أنت، إن أردت، واستمتعي بوقتك.» # رأت كاث أن ثقته في نفسه يشوبها الحزن والادعاء. لا بد أنه قد رآها وهي ترقص، وإلا ~~لسألها: «ماذا فعلت في وجهك؟» # قالت له: «سأنتظرك.» # فقطب جبينه وهو ينظر للطفلة ويميل الزجاجة لأعلى في فمها. # وقال: «أوشكت على الانتهاء. حسنا، كما تشائين.» # قالت كاث: «أحتاج فقط للذهاب إلى دورة المياه.» وهناك، مثلما توقعت أن يكون الحال ~~في منزل مونيكا، كان هناك الكثير من المناديل الورقية. فتحت صنبور الماء الساخن، وأخذت ~~تبلل المناديل وتدعك بها وجهها مرارا وتكرارا، مع التخلص بين الحين والآخر من لفائف ~~المناديل الورقية الملطخة باللونين الأسود والأرجواني في المرحاض. # 4 # في منتصف الكأس الثانية، وبينما تحدث كنت عن الأسعار الصاعقة، بل والفادحة، ~~للعقارات في هذه الأيام في غرب فانكوفر، قالت له سونيه: «إن لدي نظرية في هذا ~~الشأن.» # قال كنت: «تلك المنازل التي اعتدنا العيش فيها، لقد بيعت من زمن طويل بسعر زهيد ~~مقارنة بالأسعار الآن. لا أعلم كم من المال يمكن الحصول عليه في مقابلها الآن؛ مقابل ~~العقار نفسه، لكي يتم هدمه وبناء مبنى كبير مكانه.» # ترى ماذا كانت نظريتها؟ هل كانت عن أسعار العقارات؟ # كلا، لقد كانت عن كوتر. فكانت تعتقد أنه لم يمت. # قالت: «ظننته مات في البداية، ولم يخطر ببالي قط الشك في موته. ولكن فجأة استيقظت من ~~حالة اللاوعي التي انتابتني؛ فليس من الضروري أن يكون الخبر صحيحا. ليس ضروريا على ~~الإطلاق.» # قالت: «فلننظر إلى الظروف المحيطة بوفاته.» فقد راسلها طبيب من جاكارتا - قال من ~~راسلها إنه طبيب - ليخبرها في خطابه أن كوتر توفي، وذكر سبب وفاته مستخدما المصطلح ~~الطبي للحالة؛ لكنها لا ms102 تستطيع تذكره الآن. كان مرضا معديا على أي حال. لكن أنى ~~لها أن تعرف إن كان هذا الرجل طبيبا بحق؟ حتى وإن سلمت جدلا بأنه طبيب، فكيف لها أن ~~تعرف إن كان يصدقها القول؟ لم يكن من الصعب على كوتر التعرف على أحد الأطباء، ومصادقته؛ ~~فكان كوتر يصادق كافة صنوف البشر. ~~«أو ربما يكون قد دفع له مالا أيضا؛ فهذا احتمال ليس بالمستبعد.» # سألها كنت: «ولم يفعل ذلك؟» ~~«لن يكون أول طبيب يفعل شيئا من هذا القبيل. ربما كان بحاجة للمال للإبقاء على ~~استمرار العمل في عيادة تخدم الفقراء، ما أدرانا؟ وربما يكون قد أراد المال لنفسه؛ ~~فالأطباء ليسوا ملائكة.» # قال كنت: «لا، أقصد كوتر. ما الذي يدفعه لفعل ذلك؟ وهل كان يملك أي أموال؟» ~~«كلا، لم يكن يملك أي أموال، لكن ... لا أعلم. ليس هذا سوى افتراض، على أي حال. أقصد ~~مسألة المال. وكما تعلم، فقد كنت هنا أرعى والدته. كان يهتم بوالدته حقا، ويعلم أنني ~~ما كنت لأتخلى عنها؛ لذا، فقد كان الأمر على ما يرام في نظره.» # استطردت قائلة: «وقد كان على ما يرام بالفعل؛ فقد كنت أحب ديليا، ولم أشعر بأن ~~رعايتي لها عبء على عاتقي. لعلني كنت أكثر ملاءمة لرعايتها عن الزواج من كوتر. والغريب ~~في الأمر أن ديليا رأت ذلك أيضا. أقصد بخصوص كوتر؛ فقد كانت لديها نفس الشكوك، ولم ~~تذكرها لي قط، وأنا أيضا لم أصارحها بشكوكي؛ فكلانا رأى أن ذلك سيكسر قلب الأخرى. لكن ~~ذات مساء قبل رحيلها بفترة بسيطة، كنت أقرأ لها قصة بوليسية تدور أحداثها في هونج كونج، ~~فإذا بها تقول لي: «لعل هذا هو المكان الذي يوجد فيه كوتر؛ هونج كونج.» # قالت لي إنها ترجو ألا تكون قد أزعجتني بهذا الحديث. فصارحتها بأفكاري، وضحكت. كلانا ~~ضحك. لعلك تتوقع من أم عجوز أن يغلبها الأسى والحزن بهروب ابنها الوحيد وهجرانه لها، ~~لكن هذا لم يحدث. لعل هذا ليس حال كبار السن، أو بالأحرى الطاعنين في السن؛ فهم يتوقفون ~~عن الشعور ms103 بالأسى والحزن؛ لا ريب أنهم يكتشفون أنه ما من شيء يستحق حزنهم. # علم أنني كنت سأرعاها، وإن لم يكن يعلم على الأرجح إلى متى سيدوم ذلك. كنت أتمنى أن ~~أطلعك على خطاب الطبيب، لكنني تخلصت منه. كان ذلك غباء شديدا مني، لكنني كنت مشتتة ~~الفكر آنذاك. لم أتصور حينها كيف كنت سأواصل حياتي. لم أفكر في متابعة الأمر والبحث عن ~~مؤهلات هذا الطبيب أو طلب شهادة وفاة منه أو أي شيء من هذا القبيل. لم أفكر في كل ذلك ~~إلا لاحقا، وحينذاك لم يعد معي العنوان. لم أستطع مراسلة السفارة الأمريكية؛ لأنها ~~آخر مكان قد يكون لكوتر علاقة به. ولم يكن كذلك مواطنا كنديا. لعله كان لديه اسم آخر ~~أيضا؛ هوية مزيفة يمكنه الاختفاء وراءها، وأوراق مزيفة أيضا. فقد كان يلمح كثيرا ~~لأمور من هذا القبيل، وكان ذلك جزءا من سحره وجاذبيته، في نظري.» # قال كنت: «ربما كان ذلك من قبيل إضفاء الأهمية على نفسه، ألا تعتقدين ذلك؟» # فأجابته سونيه: «بلى، بالطبع.» ~~«ألم يكن هناك أي تأمين؟» ~~«لا تكن سخيفا!» ~~«لو كان هناك تأمين، لكشفت شركة التأمين عن الحقيقة.» # ردت سونيه: «نعم، لكنه لم يكن هناك تأمين؛ ولذا فهذا ما أنوي فعله بنفسي.» # قالت له إن هذا من الأمور التي لم تذكرها لحماتها قط؛ فقد قررت أنها بعد أن صارت ~~وحدها، سوف تذهب للبحث عن كوتر، أو بالأحرى اكتشاف الحقيقة. # وسألته: «أعتقد أنك ترى هذا نوعا من التوهم؟» # ظن كنت - وقد صدمه قولها - أنها فقدت عقلها. في كل زيارة قام بها أثناء هذه ~~الرحلة، مر بلحظة من خيبة الأمل الشديدة؛ فالشخص الذي كان يتحدث معه، ومن سعى للقائه، ~~لن يمنحه أيا مما كان يسعى إليه. وصديقه القديم الذي زاره في أريزونا كان مهووسا ~~بالمخاطر التي تفرضها الحياة، بالرغم من مسكنه باهظ الثمن في مجتمع مؤمن. وزوجة صديقه ~~العجوز، التي تجاوزت السبعين من عمرها، رغبت في أن تريه صورا لها مع صديقة عجوز أخرى ~~ترتديان فيها ملابس رقص كفتيات مراقص منطقة ms104 كلوندايك، استعدادا لعرض موسيقي ~~أقامتاه. وأطفاله الناضجون انشغل كل منهم بحياته. كان ذلك طبيعيا، وليس مفاجئا ~~بالنسبة إليه. ما فاجأه هو أن هذه الحياة التي كان ابناه وابنته يعيشونها بدت منغلقة ~~الآن، ومتوقعة إلى حد ما. حتى التغييرات، التي كانت تطرأ عليها وكان بإمكانه توقعها ~~أو قيل له إنها ستحدث - أوشكت نويل، مثلا، على ترك زوجها الثاني - لم تكن مثيرة ~~للاهتمام. لم يعترف قط بذلك لديبورا - بل ولنفسه أيضا - لكن هذا هو ما حدث. والآن ~~سونيه، التي لم ترق له بشكل خاص وكان يحذر منها، لكنه كن لها الاحترام كشخصية ~~غامضة، تحولت إلى امرأة عجوز ثرثارة أصابها الجنون. # لقد كان لديه سبب لزيارتها، لكنهما لم يقتربا منه بسبب كل هذا الحديث المضطرب عن ~~كوتر. # قال لها: «حسنا، كي أكون صريحا معك؛ لا يبدو ذلك بالفعل المتعقل. هذا كي أصارحك ~~القول.» # فقالت سونيه ببهجة: «يبدو كمطاردة إوزة برية.» ~~«ثمة احتمال أن يكون متوفى الآن على أي حال.» ~~«صحيح.» ~~«وربما يكون قد انتقل للعيش في أي مكان آخر. هذا إن صحت نظريتك.» ~~«صحيح.» ~~«لذا، فإن الأمل الوحيد هو أنه إذا كان قد توفي حقا، وكانت نظريتك خاطئة، فسوف ~~تعرفين ذلك، ولن تحرزي بذلك أي تقدم مقارنة بحالك الآن.» ~~«لا، أظن أنني سأفعل.» ~~«يمكنك فعل ذلك ببقائك هنا وإرسالك بعض الخطابات.» # قالت سونيه إنها لا تتفق معه في ذلك؛ فهي لا تستطيع اللجوء لقنوات التواصل الرسمية في ~~هذا الشأن. ~~«لا مفر من أن يصير المرء معروفا في الشوارع.» # تعني في شوارع جاكارتا؛ حيث من المفترض أن تبدأ رحلة بحثها؛ ففي أماكن كجاكارتا، لا ~~ينغلق الناس على أنفسهم، وإنما يعيشون في الشوارع، ويعرف عنهم الكثيرون - كأصحاب ~~المحلات - أشياء كثيرة. هناك دوما من يعرف شيئا عن أي شخص، وتتناقل الأخبار؛ ولذا ~~سوف تطرح سونيه الأسئلة، وسينتشر الخبر بوجودها في المكان. وشخص مثل كوتر لا يمكن أن ~~ينسى بسهولة، فثمة من يتذكره بالتأكيد، حتى بعد مرور كل هذا الوقت. وستكون هناك ~~معلومات من أي نوع عنه. ms105 قد يكون بعضها باهظ الثمن، ولكن لن يكون جميعها صحيحا. # فكر كنت أن يسألها عن المال الذي ستنفق منه في رحلتها. هل ورثت أي أموال من ~~والديها؟ فقد تذكر أنهما قد حرماها من المال عند زواجها. ربما اعتقدت أنها ستحصل على ~~مبلغ كبير من المال مقابل هذا المنزل. احتمال مستبعد، لكنها قد تكون على حق. # حتى وإن كان الأمر كذلك، فسوف تنفق المال كله في غضون شهرين، وسينتشر الخبر بأنها ~~موجودة في المكان بالفعل. # كل ما قاله لها: «لقد تغيرت هذه المدن كثيرا.» # فقالت له: «لا يعني ذلك أنني سأستبعد قنوات التواصل المعتادة؛ فلسوف أسعى للتأكد من ~~كل ما يمكنني الوصول إليه؛ السفارة، سجلات الدفن، السجل الطبي - هذا إن وجد. والواقع ~~أنني كتبت خطابات بالفعل، لكنك لا تحظى في هذه الأحوال إلا بمراوغات. ولا بد من ~~المواجهة الشخصية. يجب أن تذهب إلى هناك، توجد في المكان، تتجول، وتزعج الآخرين، ~~وتكتشف نقاط ضعفهم، وتكون على استعداد لأن تكون راشيا إذا اضطررت إلى ذلك. إنني لا ~~أتوهم أن الأمر سيكون سهلا. # على سبيل المثال، أتوقع أن تكون الحرارة هناك مهلكة. لا يبدو أن موقع هذه المدينة - ~~جاكارتا - جيد، كما أنها مليئة بالمستنقعات والوهاد. لست غبية. سوف أحصل على التطعيمات ~~اللازمة، وأتخذ كل الاحتياطات، وسوف آخذ معي الفيتامينات التي أتناولها. وبما أن ~~الهولنديين هم من أسسوا جاكارتا، فلن يكون هناك أي نقص في شراب الجن؛ إنها الهند ~~الشرقية الهولندية، وليست بالمدينة العتيقة؛ فقد شيدت في العقد الأول من القرن السابع ~~عشر على ما أعتقد. انتظر لحظة؛ لدي كل ... سوف أريك ... لدي ...» # وضعت كأسها - وقد صارت فارغة منذ فترة - ونهضت مسرعة، وبعد خطوتين تعلقت قدمها في ~~البساط الممزق المصنوع من السيزال، وترنحت فجأة للأمام، لكنها استعادت توازنها بالإمساك ~~بإطار الباب، ولم تقع. قالت: «علي التخلص من هذا البساط.» ثم أسرعت إلى داخل ~~المنزل. # سمع كنت صوت صراعها مع بعض الأدراج المستعصية على الفتح، ثم صوت سقوط كومة من ~~الأوراق. وأثناء كل ذلك، كانت تتحدث ms106 معه بتلك النبرة المطمئنة شبه الجنونية لشخص يسعى ~~جاهدا لعدم فقد اهتمام من يتحدث معه. لم يتبين حديثها، أو بالأحرى لم يحاول ذلك؛ فقد ~~استغل الفرصة لابتلاع حبة دواء، الأمر الذي كان يفكر في فعله على مدار نصف الساعة ~~الماضية. كانت حبة صغيرة لم تتطلب احتساء شراب معها - إذ كانت كأسه فارغة أيضا - وكان ~~يستطيع على الأرجح وضعها في فمه دون أن تلاحظ سونيه. لكن شيئا كالخجل أو معتقد يفتقر ~~إلى المنطقية منعه من المحاولة. لم يكن يمانع معرفة ديبورا دائما بحالته الصحية، وكان ~~لا بد من معرفة أبنائه بها بالطبع أيضا، لكن ثمة مانعا يحول دون كشفه عن هذه الحالة ~~أمام من هم في نفس سنه. # أخذ الحبة في التوقيت المناسب؛ إذ خيم عليه تدريجيا شعور بالإغماء وحرارة مزعجة ~~وتعب عام، وتبدى تدهور الحالة في صورة قطرات عرق على صدغيه. ولبضع دقائق، شعر بأن ~~حالته تزداد سوءا، لكن بالتنفس الهادئ المنظم والتحريك العفوي لأطرافه، تغلب على هذه ~~الحالة. وأثناء ذلك، ظهرت سونيه مجددا ممسكة بمجموعة من الأوراق؛ كانت خرائط وأوراقا ~~مطبوعة نسختها بالتأكيد من كتب المكتبة. بعضها انزلق من يديها عند جلوسها، وتناثر على ~~بساط السيزال. # قالت: «يطلقون عليها الآن باتافيا القديمة. تخطيطها منظم هندسيا تنظيما دقيقا على ~~نحو هولندي حقا. ثمة ضاحية هناك تدعى فيلتفريدن، وهي كلمة هولندية تعني «الرضا ~~التام». ألن يكون من المثير للضحك أن أعثر عليه هناك؟ وهناك كنيسة برتغالية قديمة شيدت ~~في أواخر العقد الأول من القرن السابع عشر. إنها دولة إسلامية، بالطبع، وبها أكبر مسجد ~~في جنوب شرق آسيا. رسا القبطان كوك فيها لإصلاح سفنه، وأشاد بأحواض بناء السفن وإصلاحها ~~أيما إشادة، لكنه ذكر أن الخنادق الموجودة في المستنقعات كانت قذرة. لعلها لا تزال كذلك ~~على الأرجح. لم يبد كوتر قويا قط، لكنه كان يعتني بنفسه أكثر مما قد يبدو لك. فما ~~كان ليتجول حول المستنقعات الموبوءة بالملاريا أو يشتري مشروبات من الباعة الجائلين في ~~الشوارع. أتوقع بالطبع أن يكون قد تأقلم تماما ms107 مع الحياة هناك، إذا كان لا يزال حيا. ~~لا أعلم ما يمكنني توقعه. يمكنني أن أتخيله قد صار شبيها بأبناء البلد، أو مسترخيا ~~بجوار حمام سباحة يتناول الفاكهة، وامرأة سمراء قصيرة القامة قائمة على خدمته. أو ربما ~~يتجول مستجديا المال للفقراء.» # في الواقع، ثمة شيء تذكره كنت. في ليلة حفل الشاطئ، توجه إليه كوتر - وهو لا يرتدي ~~شيئا سوى منشفة لا تستر جسده على نحو كاف - وسأله عما كان يعلمه عن الأمراض ~~الاستوائية؛ بصفته صيدلانيا. # لكن ذلك لم يبد غريبا؛ فأي شخص سيذهب إلى حيث كان كوتر ذاهبا كان سيفعل نفس ~~الشيء. # قال لسونيه: «أنت تفكرين في الهند.» # استقرت حالته الآن، وأعادت حبة الدواء بعض الثبات لوظائف جسمه الداخلية، وأوقفت ما ~~بدا وكأنه حالة إعياء شديدة. # فقالت له سونيه: «أتعرف ما السبب الآخر الذي يجعلني أعتقد أنه لم يمت؟ إنني لا أحلم ~~به. فأنا أحلم بالموتى. أحلم دوما بحماتي.» # قال كنت: «أنا لا أحلم.» # ردت سونيه: «الجميع يحلمون. أنت فقط لا تتذكر.» # فهز رأسه. # لم تمت كاث. كانت تعيش في أونتاريو بضاحية هاليبورتون التي لا تبعد كثيرا عن ~~تورونتو. # سأل كنت نويل عندما زارها: «هل تعلم والدتك بوجودي هنا؟» وأجابته: «نعم، أظن ذلك. ~~بالتأكيد تعلم.» # لكنه لم يطرق بابها. وعندما سألته ديبورا عما إذا كان يرغب في تغيير مسارهما لرؤيتها، ~~قال لها: «لا داعي لتغيير مسار رحلتنا؛ فالأمر لا يستحق.» # عاشت كاث وحدها على ضفاف بحيرة صغيرة، والرجل الذي عاشت معه فترة طويلة من الزمن ~~وشيد هذا المنزل، توفي، لكن نويل قالت إن لديها أصدقاء، وإنها على ما يرام. # عندما ذكرت سونيه اسم كاث في وقت سابق من المحادثة، انتابه شعور بالدفء وكذلك الخطر - ~~في الوقت نفسه - بأنهما لا تزالان على اتصال فيما بينهما، فكان يخشى سماع شيء لا يرغب ~~في معرفته، وراوده في الوقت نفسه أمل أحمق في أن تخبر سونيه كاث كيف بدا في حالة جيدة ~~(وكان كذلك - من وجهة نظره - نظرا لثبات وزنه إلى حد ما وسمرة ms108 بشرته التي اكتسبها في ~~جنوب غرب البلاد )، وأنه سعيد في زواجه. ربما تكون نويل قد قالت لها شيئا كهذا، لكن ~~حديث سونيه معها سيكون ذا أهمية أكبر من حديث نويل. انتظر من سونيه التحدث عن كاث ~~مجددا. # لكنها لم تفعل. وإنما تحدثت طوال الوقت عن كوتر، والحماقات، وجاكارتا. ~~••• # كان الاضطراب الآن خارجيا؛ خارج النوافذ - وليس بداخل كنت - حيث اشتدت الرياح التي ~~كانت تهز أغصان الأشجار طوال لقائهما وبدأت تعصف بها الآن. ولم تكن تلك الأغصان الطويلة ~~الضخمة لتميل أمام أي رياح؛ فقد كانت أفرعها جامدة وأوراقها ثابتة إلى درجة أنها يجب أن ~~تهز من الجذور. وفي هذا الوقت من اليوم، انعكست أشعة الشمس على الأوراق الخضراء زيتية ~~المظهر، ولأن الشمس ما زالت مشرقة، لم تصاحب الرياح أي سحب؛ ما عنى أن السماء لن ~~تمطر. # قالت سونيه: «هل ترغب في كأس أخرى، وسأقلل لك الجن؟» # أجابها بالنفي. فما كان بوسعه ذلك، بعد تناول حبة الدواء. # مضت كل الأحداث سريعا، فيما عدا الأوقات التي حدث فيها كل شيء بإيقاع بطيء للغاية. ~~ففي رحلتهما بالسيارة، طال وقت انتظار كنت وصول ديبورا إلى المدينة التالية بصفتها ~~سائق السيارة. ثم ماذا؟ لا شيء. لكن بين الفينة والأخرى، حانت لحظات شعر فيها أن كل شيء ~~يحمل له رسالة تود إخباره بشيء ما؛ الشجيرات المهتزة، والضوء الباهر. حدث كل شيء بسرعة ~~البرق مما سلبه القدرة على التركيز. وفي مثل هذه المواقف، عندما ترغب في تلخيص هذه ~~الأشياء، تمر جميعها أمام عينيك على نحو سريع في مشهد مشوش، كأنك تراها من فوق إحدى ~~ألعاب الملاهي السريعة، فتتخذ فكرة خاطئة بلا شك عنها، مثل احتمالية أن يكون شخص ميت ~~على قيد الحياة في جاكارتا. # لكنك عندما تعلم أن شخصا ما على قيد الحياة، وأن بإمكانك الذهاب إليه لزيارته في ~~منزله، فإنك تضيع الفرصة من يديك. # ما الذي يمنعه من ذلك؟ هل يخشى أن يرى امرأة غريبة لا يمكنه أن يصدق أنه كان متزوجا ~~منها يوما ما؟ أم أنه لا ms109 يراها غريبة على الإطلاق، لكنها خرجت من حياته دون أي ~~سبب؟ # قال كنت: «لقد هربا كلاهما.» # تركت سونيه الأوراق الموضوعة على حجرها تنزلق على الأرض لتستقر هناك مع بقية ~~الأوراق. # استطرد كنت حديثه: «كوتر وكاث.» # فقالت له: «يحدث ذلك كل يوم تقريبا. كل يوم تقريبا في هذا الوقت من العام، تهب هذه ~~الرياح في ساعة متأخرة من فترة بعد الظهيرة.» # انعكس الضوء على البقع الموجودة بوجهها أثناء تحدثها، كما لو كانت انعكاسات ~~مرآة. # قالت سونيه: «لقد مر وقت طويل على خروج زوجتك للتسوق. هذا سخف، ولكن لا يبدو الشباب ~~مهمين في نظري؛ فإن اختفوا تماما من على وجه الأرض، فلن يهم.» # قال كنت: «بل على العكس، نحن من تتحدثين عنهم.» # بسبب الحبة التي تناولها، أضحت أفكاره أشبه بالآثار الطويلة التي تخلفها الطائرات في ~~خطوط من الدخان الأبيض في السماء. فجالت بخاطره فكرة تتعلق باستمرار بقائه حيث يجلس ~~مستمعا إلى حديث سونيه عن جاكارتا، والرياح تعصف بالكثبان الرملية. # إنها فكرة تتعلق بعدم ضرورة المواصلة، والعودة إلى الديار. # | جزيرة كورتز # كنت عروسا صغيرة. حينما تزوجت كنت في العشرين من عمري، طولي خمسة أقدام وسبع بوصات، ~~ووزني يتراوح بين المائة والخمسة والثلاثين والمائة والأربعين رطلا، لكن البعض، مثل زوجة ~~رئيس تشيس في العمل، وسكرتيرة مكتبه الأكبر سنا، والسيدة جوري التي تسكن في الطابق ~~العلوي، كن يطلقن علي لقب العروس الصغيرة؛ وأحيانا عروسنا الصغيرة. وكنت أنا وتشيس ~~نتندر على هذا الموضوع، إلا أن رد فعله لهم كان يظهر في نظرة افتتان واعتزاز، أما رد فعلي ~~فكان في ابتسامة حيية مستسلمة. # كنا نعيش في فانكوفر في قبو أحد المنازل؛ أسفل الدور الأرضي. لم يكن المنزل ملكا لآل ~~جوري - كما ظننت في البداية - وإنما كان ملكا لراي ابن السيدة جوري، وكان يأتي أحيانا إلى ~~القبو لتصليح بعض الأشياء. فيدخل من باب القبو تماما كما ندخل أنا وتشيس. كان نحيلا، ليس ~~عريض الصدر، ربما في العقد الرابع من عمره، وكان دائما يحمل صندوق أدوات ويعتمر قبعات ~~العمال. ms110 وكان منحني الظهر دوما؛ ربما بسبب الانحناء معظم أوقاته، بينما يزاول أعمال ~~السباكة والكهرباء والنجارة. أما وجهه فكان شاحبا، وكان كثير السعال، وكانت كل سعلة تصدر ~~منه تعبيرا مستقلا متحفظا يدل على شعوره بأن وجوده في القبو تطفل لا بد منه. غير أنه ~~لم يعتذر عن دخوله المكان، لكنه أيضا لم يتجول في الأرجاء وكأنه صاحبه. لم أتكلم معه قط ~~إلا حين يطرق بابي كي يبلغني أن الماء أو الكهرباء سوف تنقطع بعض الوقت. أما إيجار السكن، ~~فكان يدفع نقدا كل شهر للسيدة جوري. ولا أدري ما إذا كانت تسلمه المبلغ كاملا أم تقتطع ~~جزءا منه لنفسها لتستعين به على نفقاتها؛ فما كان لها والسيد جوري من مصدر دخل سوى معاش ~~الزوج. أما هي فلم يكن لها معاش؛ لأنها - كما أخبرتني - لم تبلغ السن التي تستحق بها المعاش ~~بعد. # كانت السيدة جوري دائما ما تنادي راي من أعلى - وهو يعمل في القبو - لتسأل عن أحواله وما ~~إذا كان يرغب في احتساء فنجان من الشاي. وعادة يرد بأنه على ما يرام ولا وقت لديه لاحتساء ~~الشاي، فأسمعها تقول إنه يكدح في عمله، مثلها تماما. وكانت تتلمس الحيل كي يتناول المزيد ~~من الحلوى التي تعدها بنفسها؛ من حلوى محفوظة أو كعك صغير أو خبز زنجبيل، وهي نفس الحلوى ~~التي كانت تلح علي أن أتناولها. وكان هو يرفض قائلا إنه قد أكل لتوه، أو إن لديه ~~الكثير من الطعام في البيت، وكنت مثله أقاوم إلحاحها هذا، مع أنني كنت أرضخ في محاولتها ~~السابعة أو ربما الثامنة. كنت أتحرج أن أواصل رفضي أمام تعبيرات وجهها الملحة المداهنة، ~~وقسماتها التي تبدو عليها خيبة الأمل. وكم أعجبتني الطريقة التي يصر بها راي على رفضه؛ فهو ~~حتى لا يقول: «لا يا أمي»، وإنما يكتفي فقط بقول «لا». # غير أنها ما كانت تستسلم؛ فتحاول أن تفتح أي مجال للحوار. ~~«إذن ما الجديد في حياتك؟» # فيكون رده: لا جديد، لا أدري. لم يكن فظا أو سريع الغضب قط، ولكنه ms111 لم يعطها أي فرصة؛ ~~فدائما صحته جيدة ، ونزلة البرد التي يعانيها تحسنت، والسيدة كورنش وأيرين على ما ~~يرام. # السيدة كورنش هي المرأة التي يعيش راي في بيتها؛ في حي ما شرق فانكوفر. كان راي دائم ~~الانشغال بأعمال في بيت السيدة كورنش وأخرى في هذا البيت؛ ولذا لزم عليه سرعة الرحيل فور أن ~~ينهي عمله هنا. وكان دائما يساعد السيدة كورنش في العناية بابنتها أيرين التي كانت حبيسة ~~كرسي متحرك بسبب إصابتها بشلل دماغي؛ ولذا تقول السيدة جوري عندما يخبرها راي أن أيرين بخير ~~حال: «يا للمسكينة!» واعتادت أمه ألا تنتقده وجها لوجه بسبب الوقت الذي يمضيه مع تلك ~~الفتاة التعسة وتنزهه معها في ستانلي بارك، أو خروجه معها مساء لشراء الآيس كريم (كانت ~~تعلم هذه الأمور؛ لأنها أحيانا تتحدث مع السيدة كورنش عبر الهاتف)، لكنها كانت تقول لي: ~~«لا أستطيع التوقف عن التفكير في مظهرها والآيس كريم يسيل على وجهها. لا أستطيع التوقف عن ~~تخيله؛ فلا بد أن الناس لا يكفون عن التحديق فيهما بلا شفقة.» # قالت لي إنها حين ترافق السيد جوري إلى الخارج على كرسيه المتحرك (والسبب في شلله سكتة ~~دماغية)، ينظر إليهما الناس، لكن الأمر يختلف مع أيرين؛ لأن زوجها حين يكون بالخارج لا تصدر ~~عنه حركة أو صوت، وكانت هي دائمة الحرص على أن يكون مظهره لائقا. أما أيرين فتجلس بجسد ~~متراخ، مكررة كلمات غير مفهومة؛ تلك المسكينة ما بيدها حيلة. # أخبرتني السيدة جوري أن السيدة كورنش ربما تفكر في أمر ما، فمن سيرعى تلك الفتاة المعاقة ~~عندما ترحل هي عن هذه الحياة؟ ~~«لا بد أن يسن قانون يحظر على الأصحاء الزواج من مثل هؤلاء الناس، لكن حتى الآن لا ~~يوجد مثل هذا القانون.» # طلبت إلي السيدة جوري أن أصعد إلى شقتها لارتشاف القهوة، لكنني لم أحبذ قط زيارتها ~~لانشغالي بحياتي الخاصة في القبو. أحيانا كنت أتظاهر بأنني خارج المنزل حين تطرق بابي، ~~ولأجل هذا كان يتعين علي أن أطفئ الأنوار وأوصد الباب بمجرد أن أسمعها ms112 وهي تفتح بابها، ~~وكذلك أبقى ساكنة بينما تنقر هي بأظافرها على بابي منادية اسمي بصوتها العالي. كذلك فإنني ~~أضطر أن أظل هادئة ساعة على الأقل بعد أن تصعد شقتها، وأمتنع عن غمر المرحاض. وحتى حين ~~أتحجج لها بأن لا وقت لدي، فهناك أمور أريد أن أنجزها، تضحك قائلة: «أي أمور تلك؟» # فأقول: «خطابات أريد أن أكتبها.» # فتقول لي: «دائما تكتبين الخطابات، لا بد أنك مشتاقة إلى وطنك.» # كان حاجباها ذوي لون زهري يقارب لون شعرها الأحمر المائل للوردي. كنت أظن أن لون شعرها لا ~~يمكن أن يكون طبيعيا، لكن أنى لها أن تصبغ حاجبيها؟ وكان وجهها نحيلا متوردا ينبض ~~بالحياة، وأسنانها كبيرة ومتلألئة. أما ميلها الفطري للود والصحبة، فما كان ليتزعزع مهما ~~كانت المقاومة. ففي صبيحة اليوم الأول الذي أحضرني فيه تشيس إلى الشقة بعد أن استقبلني في ~~محطة القطار، وجدتها تطرق بابي وفي يدها طبق من الكعك وعلى وجهها ابتسامة خداعة. لم أكن ~~قد خلعت قبعتي بعد، وكان تشيس يفك حزام وسطي. كان الكعك جافا وصلبا ومغطى بكريمة ذات ~~لون وردي براق، احتفالا بعرسي. اقتضب تشيس حديثه معها؛ إذ كان عليه العودة إلى عمله ~~خلال نصف ساعة، لكنه حين تخلص منها وجد أن الوقت قد انقضى ولن يستطيع أن يكمل ما بدأه، ~~فاكتفى بأن يأكل الكعك واحدة تلو الأخرى، متذمرا من مذاقها الذي يشبه مذاق نشارة ~~الخشب. # قالت لي ذات مرة: «زوجك ذو شخصية جادة جدا، وهذا يضحكني؛ فهو دوما ينظر إلي بتلك ~~النظرة الجادة في رواحه وغدوه؛ أود نصحه بأن يهون على نفسه، فهو لا يحمل الدنيا على ~~عاتقه.» # أحيانا كنت أضطر أن أتبعها إلى الطابق العلوي بعد أن تنتزعني من الكتاب الذي أقرؤه أو ~~الفقرة التي أكتبها، فنجلس في غرفة الطعام على المائدة التي كانت تزينها بمفرش من ~~الدانتيل، وتضع عليها مرآة ثمانية الأضلاع تعكس تحفة من السيراميك على شكل بجعة. وكنا ~~نرتشف القهوة من فناجين خزفية، ونأكل (المزيد من الكعك، أو تورتة الزبيب، أو الحلوى الدسمة) ms113 ~~في أطباق صغيرة تحمل ذات النقوش، ونمسح شفاهنا بمناديل قماشية صغيرة مطرزة لنزيل عنها آثار ~~الكعك. كنت أجلس أمام خزانة الأواني الخزفية التي تتراص فيها الكئوس الفاخرة، ومجموعات ~~أواني اللبن والسكر، والملح والفلفل، وكانت كلها أنيقة وبارعة بطريقة لا تسمح باستخدامها ~~يوميا الاستخدام العادي. وكذلك المزهريات الطويلة الضيقة من أعلى، وإبريق شاي على شكل كوخ ~~مسقف بالقش، وشمعدانات على أشكال زهور السوسن. وكانت السيدة جوري تفتح خزانة الأواني ~~الخزفية مرة كل شهر وتغسل كل ما فيها. هي من أخبرتني بهذا؛ أخبرتني أيضا عن أمور تتعلق ~~بمستقبلي، عن المنزل الذي سأعيش فيه - حسب ظنها - وعن المستقبل الذي ينتظرني، وكلما ~~تكلمت، يزداد شعوري بأثقال حديدية تجثم على أوصالي، وأحتاج إلى التثاؤب مرارا وتكرارا ~~في منتصف الفترة الصباحية، وأشعر برغبة ملحة في أن أزحف لمكان قصي لأختبئ وأنام، لكنني ~~كنت أحرص على أن أبدي لها إعجابي بكل شيء؛ من محتويات خزانة الأواني الخزفية، إلى نظام ~~تدبير المنزل الذي تتبعه في حياتها، إلى تناسق ملابسها كل صباح؛ كالتنورات والسترات بدرجات ~~ألوانها البنفسجية والحمراء، والأوشحة المتناسقة معها المصنوعة من الحرير الصناعي. # قالت لي ذات يوم بعد أن رأتني أكثر من مرة مرتدية الروب: «احرصي على أن ترتدي ثيابك ما ~~إن تستيقظي من النوم، كأنك ستخرجين للعمل، وكذلك صففي شعرك وضعي زينة وجهك. وإذا ما أردت ~~أن تقومي بأعمال المنزل من غسيل أو خبز، فيمكنك ارتداء مئزر فوق ثيابك. إن هذا سيحسن ~~حالتك المعنوية جدا.» # كانت السيدة جوري تخبز الكعك والحلوى دوما تحسبا لأي زائر يطرق بابها (وعلى حد علمي لم ~~يزرها أحد سواي، ولا يمكن القول بأني كنت أطرق بابها)، ولم تكن قط تقدم القهوة في أكواب ~~فخارية. # لم تتكلم بفظاظة وإنما كانت دوما تبدأ جملها بكلمات رقيقة مثل: «دائما ما ...» أو «أحب ~~دائما أن ...» أو «أعتقد أنه من الأفضل أن ...» ~~«حتى حين كنت أعيش في البرية، كنت دائما أحب أن ...» وهنا تراجعت رغبتي في التثاؤب أو ~~الصراخ. أين تلك البرية التي كانت تعيش فيها؟ ms114 ومتى؟ # قالت: «على مسافة من الشاطئ، كنت حينها عروسا أيضا. عشت هناك سنوات في مدينة يونيون ~~باي، التي لم تكن الطبيعة فيها شديدة البرية. عشت في جزيرة كورتز.» # سألتها أين يقع هذا المكان؟ فقالت: «بعيد للغاية.» # قلت: «لا بد أن الحياة هناك مشوقة.» # قالت: «مشوقة. إنها كذلك إذا كنت ترين الدببة مشوقة، إذا كنت ترين أسود الجبال مشوقة. ~~عن نفسي أفضل الحياة الحضرية.» # كان هناك باب جرار من خشب البلوط يفصل غرفة الطعام عن غرفة المعيشة، وكان دائما ما ~~يفتح قليلا كي تتمكن السيدة جوري من أن تبقي عينيها على السيد جوري الجالس على مقعده ~~الريكلاينر أمام نافذة غرفة المعيشة، وهي تجلس على الكرسي في نهاية المائدة. كانت تتحدث عنه ~~قائلة: «زوجي القعيد على الكرسي المتحرك»، لكنه في الحقيقة لم يجلس على الكرسي المتحرك إلا ~~حين تصطحبه إلى الخارج للتنزه. لم يكن لديهما جهاز تليفزيون؛ حيث إنه، وقتها، كان من ~~الصيحات الحديثة. وكان السيد جوري يجلس ليشاهد الطريق ومنتزه كيتسيلانو الذي يقع على الجانب ~~الآخر من الشارع ويقع خلفه خليج بورارد. وكان يذهب بمفرده إلى دورة المياه متكئا على ~~عصاه بإحدى يديه، وممسكا باليد الأخرى ظهور الكراسي أو متخبطا بالجدران. وفي الداخل كان ~~يتدبر أموره بمفرده وإن كان قضاء حاجته يستغرق منه وقتا طويلا، وقالت لي السيدة جوري إنها ~~أحيانا تنظف الأرضية بعض الشيء بعد أن يخرج. # عادة ما كنت لأرى من السيد جوري سوى ساقه الممتدة في بنطاله على مقعده الريكلاينر الأخضر ~~الفاتح، لكنني رأيته مرة أو مرتين وهو يترنح بصعوبة بالغة ليصل إلى دورة المياه. كان رجلا ~~ضخما ذا رأس كبير وكتفين عريضتين وعظام عريضة. # لكني لم أنظر إلى وجهه؛ فأولئك الذين تتسبب السكتات الدماغية أو الأمراض في إعاقة حركتهم ~~أراهم نذير شؤم، أو رسائل تذكيرية قاسية. لم يكن ما أتجنب رؤيته هو شكل أطرافهم المعطلة أو ~~أيا من علامات الإعاقة الجسدية الدالة على حظهم العاثر، وإنما أعينهم. # لا أظن أنه قد نظر إلي، مع أن السيدة جوري ms115 نادته لتخبره أنني حضرت من شقتي في القبو ~~لزيارتهم، فصدرت عنه زمجرة ربما كانت أفضل ما بوسعه القيام به كتحية أو تذمر. ~~••• # كانت شقتنا مكونة من غرفتين كبيرتين وحجرة صغيرة للمهجع، وكنا قد استأجرناها مؤثثة، لكن ~~الشقق في مثل هذه المناطق لم تكن مؤثثة بالمعنى المتعارف عليه؛ إذ اشتملت شقتنا على أثاث ~~بال. فأنا أتذكر أرضية غرفة المعيشة التي كانت مغطاة ببواقي مشمع جاء تصميمه على هيئة ~~مربعات ومستطيلات؛ فاجتمعت فيه كل الألوان والتصميمات المختلفة والتحمت معا فبدت أشبه ~~بلحاف عجيب به شرائط لامعة. وكذلك الموقد الذي يعمل بالغاز الطبيعي كان باليا؛ كان يلقم ~~العداد الملحق به بعملات معدنية حتى نستطيع تشغيله. أما الفراش، فكان في فجوة في الجدار ~~المقابل للمطبخ، وكان موضوعا بإحكام داخل الجدار، لدرجة أننا كنا نقفز إليه من موضع ~~الأقدام لننام. وقد قرأ تشيس ذات مرة أن تلك الطريقة هي التي كانت تصعد بها فتيات الحريم ~~إلى فراش السلطان، ليمسدن قدميه في البداية، ثم يتقدمن ببطء لأعلى للعناية بسائر أجزاء ~~جسمه؛ ولذا كنا نلعب هذه اللعبة أحيانا. # دوما ما كنا نسدل الستار على الفراش عند موضع الأقدام، حتى نفصله عن المطبخ. وفي واقع ~~الأمر، كان الستار مفرش سرير قديما من نسيج غير متماسك له أهداب، لونه بيج ضارب إلى الصفرة ~~من أحد الجانبين، ويعلوه تطريز لورود حمراء وأوراق شجر خضراء. أما الجانب الآخر المقابل ~~للفراش فكان مزينا بشرائط حمراء وخضراء، وزهور ونقوش لأوراق شجر تبدو كأشباح على الخلفية ~~البيج. ذاك الستار هو أكثر ما أتذكره في الشقة بوضوح، ولا عجب في ذلك. فقد كان يتمدد ~~أمام ناظري في فورة الجنس وخلال ما يعقبه من شعور بالإشباع، وأصبح يذكرني بما أحببته في ~~الزواج؛ بالجائزة التي عانيت من أجلها مهانة كوني العروس الصغيرة، وتحملت الرهبة المرتبطة ~~على نحو عجيب بخزانة الأواني الخزفية. # نشأت أنا وتشيس في بيوت ترى الجنس خارج إطار الزواج مقززا ولا يمكن التسامح معه، أما ~~الجنس في إطار الزواج فلم يكن يذكر البتة وسرعان ما ms116 كان يذهب طي النسيان. كنا على وشك ~~النظر إلى الأمور بالطريقة نفسها، لكننا لم نكن نعرف ذلك؛ فعندما وجدت والدة تشيس واقيات ~~ذكرية في حقيبته، هرعت إلى أبيه باكية (وقد قال تشيس إنها وزعت عليه عندما كان في المعسكر ~~يؤدي التدريب العسكري الذي أرسلته إليه الجامعة - وكان هذا حقيقيا - وأنه قد نسي وجودها ~~في الحقيبة، وهو ما كان كذبا)؛ لذا فقد كان امتلاكنا لمكان خاص وفراش خاص نستطيع أن نمارس ~~فيه الجنس كما يحلو لنا أمرا بديعا. وكانت صفقة رابحة عقدناها، لكننا لم يخطر ببالنا قط ~~أن من يكبروننا سنا - آباءنا وأعمامنا وأخوالنا وعماتنا وخالاتنا - قد أقبلوا على الصفقة ~~ذاتها تلبية لرغباتهم الجنسية. فقد بدا لنا أن حاجتهم الأساسية كانت للمنازل والممتلكات ~~وماكينات جز الأعشاب والمجمدات والجدران الساندة للمنشآت. وبالطبع، بالنسبة إلى النساء، ~~كن يملن نحو إنجاب الأطفال. كانت كل هذه الرغبات هي ما فكرنا في اختيارها أو عدم اختيارها ~~في المستقبل، ولم نفكر قط أنها ستداهمنا لا محالة كالعمر أو الطقس مثلا. # والآن حين أفكر في الأمر بصدق مع نفسي أجد أنها لم تفعل؛ فلم يحدث أن داهمنا شيء دون أن ~~نختاره؛ حتى الحمل كذلك؛ إذ خضنا مخاطرته لسبب واحد؛ أن نتأكد أننا نضجنا بالفعل، ونرى إذا ~~ما كان الحمل ممكن الحدوث. # الأمر الآخر الذي كنت أفعله خلف هذا الستار هو القراءة؛ كنت أقرأ الكتب التي أحضرها من ~~مكتبة كيتسيلانو التي تبعد عنا مسافة بضعة مربعات سكنية. وعندما كنت أبعد ببصري عن الكتاب ~~وأنا في حالة من الإثارة الممزوجة بالدهشة التي تكسبني إياها القراءة - حالة الانتشاء التي ~~أقع تحت تأثيرها بعد أن أقتني من الكتب الغالي والنفيس - تقع عيناي على شرائط الستار. وخلال ~~هذا، تمتزج الشخصيات والقصة بل وكذلك روح الكتاب مع الزهور المطرزة، وتتدفق مع تيار ~~النبيذ الأحمر الغامق، ممثلا في شرائط الستار، أو الأوراق الخضراء الداكنة. قرأت الكتب ~~الكبيرة التي كانت عناوينها مألوفة بالنسبة إلي على نحو سلبني عقلي - بل إنني حاولت قراءة ~~رواية «الخطيبان» - وقرأت فيما ms117 بينها أيضا روايات ألدوس هكسلي وهنري جرين ، وروايات «إلى ~~الفنار» و«نهاية شيري» و«موت القلب». كنت أستزيد من هذه الكتب، واحدا تلو الآخر، دون أن ~~أفضل هذا على ذاك، فأسلم نفسي لكل في دوره، تماما كما كنت أقرأ الكتب في طفولتي. وخلف ~~الستار، كنت لا أزال في تلك المرحلة من الاشتهاء المتزايد، والنهم الأقرب إلى الألم. # لكن طرأ علي تغيير منذ طفولتي زاد الأمر تعقيدا؛ إذ بدا من الضروري أن أصير كاتبة إلى ~~جانب كوني قارئة، فابتعت دفترا مدرسيا وحاولت الكتابة؛ وكتبت بالفعل. أبدعت في كتابة ~~سطور قلائل في البداية، ثم جفت أحباري وكففت، فما كان مني إلا أن أمزق الأوراق وأعتصرها ~~كنوع من العقاب الأليم، ثم ألقيها في سلة القمامة. فعلت ذلك مرات ومرات حتى لم يتبق من ~~الدفتر سوى غلافه. ثم ابتعت دفترا جديدا وكررت المحاولة مرة أخرى، ولففت بالدائرة ~~نفسها: إثارة ثم يأس، إثارة ثم يأس، وهكذا دواليك. فكان الأمر أشبه بحمل وإجهاض سريين ~~يحدثان بصفة أسبوعية. # لكن أمري لم يكن سريا بالكامل؛ فقد كان تشيس على علم بأنني كثيرة القراءة ولي محاولات ~~في الكتابة. لم يحاول أن يثبطني على الإطلاق، بل رأى أنه من المنطقي فعل ذلك، وربما ~~يمكنني تعلمه. صحيح أنه يتطلب ممارسة جادة، لكنه سهل الإتقان كلعبة البريدج أو التنس. ~~لم أشكره على هذه الثقة العارمة، فلم تزد مأساتي إلا هزلا. ~~••• # كان تشيس يعمل في متجر بقالة لبيع الجملة، غير أنه تمنى من قبل أن يصبح مدرسا لمادة ~~التاريخ، لكن أباه أقنعه بأن دخل التدريس لا يكفي لإعالة زوجة وإحراز تقدم في الحياة. وكان ~~أبوه هو من ساعده في العثور على هذه الوظيفة، لكنه أخبره أنه بعد أن ينال هذه الوظيفة عليه ~~ألا ينتظر أي خدمات أخرى منه. وبالفعل لم يقدم غيرها. وخلال أول شتاء قضيناه معا بعد ~~الزواج، كان تشيس يغادر المنزل قبل بزوغ الضوء ويعود مساء بعد أن يسدل الليل ستائره. كدح ~~في عمله دون أن يبالي بما إذا كان عمله يلبي اهتماماته ms118 السابقة أو كان له هدف ذو شأن ~~عظيم. ولم يكن له هدف سوى أن ينقلنا إلى حياة ننعم فيها بامتلاك ماكينات جز الأعشاب ~~والمجمدات؛ وهي التي كنا نعتقد أنها لا تعنينا. كنت أتعجب من انصياعه وإذعانه كلما فكرت في ~~إدارته لشئون حياته؛ ذلك الإذعان المبتهج، أو فلنقل: النبيل. # لكنني أدركت بعدها أن هذا هو ما يفعله الرجال. ~~••• # خرجت أنا نفسي بحثا عن العمل؛ ففي الأيام التي لا يشتد فيها هطول الأمطار كنت أذهب إلى ~~الصيدلية وأبتاع الجريدة لأطالع إعلانات الوظائف بينما أحتسي قهوتي. ثم أنهض وأبدأ رحلة ~~البحث، حتى ولو كانت السماء تمطر رذاذا، فأتوجه نحو أماكن العمل حيث أشار الإعلان إلى ~~الحاجة إلى نادلة أو بائعة أو عاملة في مصنع؛ أي وظيفة لا تشترط القدرة على الكتابة على ~~الآلة الكاتبة أو الخبرة. أما إذا هطل المطر بغزارة، فكنت أستقل الحافلة. وذات مرة، نصحني ~~تشيس بأن أستقل الحافلة دائما وألا أسير كي أوفر النقود؛ فبينما أنشغل بتوفير المال قد ~~تنال فتاة أخرى الوظيفة. # لكن هذا، في الواقع، هو ما كنت آمله؛ إذ لم آسف قط على أي وظيفة فقدتها. فأحيانا كنت أصل ~~إلى المكان الذي أريد، ثم أقف على الرصيف أتطلع إلى متجر الثياب النسائية وإلى مراياه ~~وسجاده البالي، أو أنظر إلى الموظفات وهن ينزلن على درجات السلم في طريقهن لتناول الغداء ~~أثناء الاستراحة التي يتيحها المكتب الذي كان قد أعلن عن الحاجة إلى وظيفة كاتب محفوظات. ~~حتى إنني لم أكن لأدخل المكتب؛ إذ كنت أعلم أن شعري وأظافري وحذائي الخفيض البالي سيقفون ~~عائقا أمام إمكانية حصولي على الوظيفة. وكذلك المصانع، كانت تبعث في نفسي ذات الرهبة؛ فكنت ~~أستمع إلى هدير الماكينات المنبعث من داخل المباني التي تعبأ فيها المشروبات الغازية، أو ~~تجمع زينة أعياد الميلاد، وأرى مصابيحها غير المزخرفة متدلية من أسقفها التي تشبه أسقف ~~الحظائر. لم تكن أظافري أو فردتا حذائي الخفيضتان ذوي أي شأن هناك في المصانع، لكن عدم ~~إتقاني العمل وغبائي فيما يتعلق باستخدام الماكينات كانا ms119 سيجلبان علي السباب والنهر (كنت ~~أسمع صيحات زاعقة بأوامر تطغى على أصوات الماكينات). كنت سأطرد شر طردة ويلحقني الخزي. ~~فلم أر نفسي حتى قادرة على تعلم تشغيل آلة تسجيل المدفوعات النقدية. وقد ذكرت ذلك ذات ~~مرة لأحد مديري المطاعم حين فكر جديا في تعييني؛ إذ أجبته بالنفي حينما سألني: «هل ~~ترين نفسك قادرة على التعامل معها؟» وحينها، نظر إلي كأنه لم يسمع في حياته اعترافا ~~كهذا من قبل؛ فبالرغم من كل شيء، كنت أقول الصدق؛ فلم أظن أن لدي القدرة على التعامل مع ~~الأشياء بسرعة وعلى الملأ. ولو حاولت لتسمرت قدماي. فالشيء الوحيد الذي أستطيع فهمه ~~بسهولة كان على شاكلة التفاصيل المعقدة لحرب الثلاثين عاما على سبيل المثال. # الحقيقة هي أنني لم أضطر إلى العمل، فقد كان تشيس يوفر لنا الاحتياجات الأساسية جدا؛ ~~ولذا لم يكن هناك ما يجعلني ألقي بنفسي في هذا الجحيم؛ لأن زوجي فعل ذلك نيابة عني؛ فهو ~~أمر واجب على الرجال. # جال بخاطري أنني قد أستطيع العمل في المكتبة؛ ولذلك سألت هناك عن حاجتهم إلى موظفات مع ~~أنهم لم يعلنوا عن أي وظائف خالية. مع ذلك، أدرجت سيدة تعمل هناك اسمي في قائمة الانتظار؛ ~~كانت سيدة مهذبة لكنها غير مشجعة. بعد ذلك، توجهت نحو متاجر بيع الكتب، وانتقيت منها ~~المتاجر التي لم يبد أنها تحصل المال باستخدام آلة تسجيل المدفوعات النقدية. وكلما كان ~~المتجر فارغا وغير منظم، كان هذا أفضل. كان أصحاب هذه المتاجر يدخنون أو يغفون على ~~مكاتبهم، أما متاجر الكتب المستعملة فقد كانت تفوح منها دوما رائحة قطط. # كانوا يقولون: «الإقبال علينا ليس مهولا خلال الشتاء لنستعين بموظفات.» # وقالت لي إحدى العاملات ذات مرة ربما علي العودة في الربيع. ~~«مع أننا لا نعمل كثيرا في الربيع أيضا.» ~~••• # لا يشبه شتاء فانكوفر أي شتاء آخر مر بي؛ شتاء بلا ثلوج، بلا أي شيء حتى على شاكلة ~~الرياح الباردة. في منتصف النهار، عندما أتجه نحو وسط المدينة، كنت أشم رائحة تشبه رائحة ~~السكر المحترق؛ وأعتقد أن ms120 منبعها الأسلاك العلوية التي توصل التيار الكهربائي إلى الحافلات. ~~كنت أمشي في شارع هستينجز ولا أرى امرأة أخرى غيري؛ لم أر سوى السكارى والمتشردين ~~والعجائز المساكين والصينيين الذين يجرون أقدامهم على الطريق جرا. لم يسئ إلي أحد منهم ~~بكلمه. كنت أمر على المستودعات والأراضي التي تغطيها الحشائش حيث لا يوجد أي رجل على مرمى ~~البصر، أو كنت أمشي عبر حي كيتسيلانو، أشاهد منازله الخشبية الشاهقة التي تعج بأناس يعيش ~~بعضهم بالقرب من بعض، كما كنا في مقاطعة دنبار الراقية، ذات المنازل أحادية الطابق المبنية ~~من الجص، والأشجار المبتورة فروعها. أو كنت أمشي عبر حي كيريزديل، حيث تزرع الأشجار الأكثر ~~فخامة - كأشجار البتولا - في المروج. أمشي عبر هذا الحي وأشاهد العوارض الخشبية التي تعلو ~~المباني المشيدة على غرار العمارة التيودورية، وأستمتع بتناسق العمارة الجورجية، والبيوت ~~ذات الأسطح الشبيهة بأسطح بيوت قصة بيضاء الثلج المبنية بالقش، أو ربما كانت أسطحا من ~~القش الحقيقي. أنى لي أن أعرف؟ # في كل هذه الأماكن التي يعيش فيها الناس، كانت مصابيح منازلهم تضاء بحلول الرابعة عصرا، ~~ثم تضاء بعدها مصابيح الشوارع، ثم أضواء الحافلات الكهربائية. وكانت السحب غالبا ما ~~تتفرق في السماء غربا فوق البحر لتنفذ من خلالها الأشعة الحمراء وقت الغروب. وفي المنتزه ~~- الذي أستدير حين أصله عائدة للمنزل - تتلألأ أوراق شجيرات الشتاء التي يداعبها الهواء ~~الرطب المصاحب لحمرة الأفق الباهتة عند الغروب. كان ذلك هو وقت عودة المتسوقين إلى منازلهم، ~~والوقت الذي يفكر فيه العاملون والموظفون في العودة إلى بيوتهم، ووقت خروج من ظلوا في ~~بيوتهم طوال اليوم ليحظوا بقدر قليل من النزهة تجعلهم يتوقون أكثر لبيوتهم. وفي طريق عودتي، ~~كنت أقابل نساء يدفعن عربات أطفال أمامهن، وأخريات بصحبتهن صغار متذمرون، ولكنني لم أظن ~~قط أنني سأمر بما يمرون به قريبا. قابلت عجائز مع كلابهم، وعجائز آخرين يتحركون ببطء ~~أو يجلسون في مقاعد متحركة، يدفعهم رفاق أو قائمون على رعايتهم. قابلت السيدة جوري تدفع ~~أمامها السيد جوري. كانت ترتدي رداء على كتفيها وقبعة من ms121 الصوف الناعم أرجواني اللون (علمت ~~منها أنها تحيك معظم ثيابها بنفسها)، وكانت قد وضعت على وجهها مقدارا كبيرا من الزينة ~~الوردية. أما السيد جوري، فكان - حين رأيتهما - يرتدي قبعة بسيطة ويدثر رقبته بوشاح ثقيل. ~~وعندما رأتني السيدة جوري، ألقت علي تحية صاخبة توحي بأنني من ممتلكاتها، أما هو فلم ~~يلق التحية. لم يبد مستمتعا بجولته، لكن القعداء نادرا ما نجد على وجوههم تعبيرا سوى ~~الإذعان، وإن كان يبدو على بعضهم المهانة أو الحقد الصريح. # قالت لي السيدة جوري بعدها: «عندما قابلناك في المنتزه منذ بضعة أيام، ما كنت في طريقك ~~للعودة إلى المنزل بعد أن بحثت عن عمل، أليس كذلك؟» # كذبت عليها وأجبتها بالإيجاب؛ إذ كنت أميل لإخفاء الحقيقة عنها بخصوص أي شيء. ~~«حسنا. كنت سأقول لك إن كنت تبحثين عن وظيفة، فعليك تحسين مظهرك قليلا. تتفقين معي، ~~أليس كذلك؟» # أجبتها ببلى. ~~«لا أفهم كيف تخرج النساء في أيامنا هذه بالطريقة التي يخرجن بها! فعن نفسي لا يمكن أن ~~أخرج من بيتي منتعلة حذاء خفيضا، دون أن أضع أي زينة على وجهي، حتى إن كانت وجهتي هي متجر ~~البقالة، ناهيك عن طلب الحصول على وظيفة من أحدهم.» # كانت تعلم أنني أكذب. تعلم أنني أقف ساكنة خلف باب شقتي في القبو ولا أجيب نقرها عليه. لم ~~أكن لأندهش إذا ما علمت أنها فتشت في قمامتنا ووجدت أوراقي المتكمشة المتسخة التي سجلت ~~فيها كوارثي باستفاضة، بل وقرأتها. لماذا لم تيأس مني؟ لم تستطع؛ فقد كنت حالة مناسبة لها ~~- ربما يعود ذلك إلى أن طباعي الغريبة وغير اللائقة لم تختلف بالنسبة إليها عن إصابة السيد ~~جوري، وما لا يمكن تصحيحه لا بد من احتماله. # ذات يوم نزلت السيدة جوري الدرج، بينما كنت في وسط القبو أغسل ثيابنا؛ فقد سمحت لي أن ~~أستخدم غسالتها وأحواض الغسيل كل يوم ثلاثاء. # سألتني حينها: «هل عثرت على فرصة عمل؟» فقلت لها دون تفكير إن المسئولين بالمكتبة قالوا ~~إنهم قد يحتاجونني في المستقبل. وفكرت بالفعل أن أتظاهر بالعمل ms122 في المكتبة مستقبلا - ~~يمكنني أن أذهب هناك كل يوم وأجلس على إحدى طاولاتها الطويلة كي أقرأ أو حتى أحاول أن أكتب ~~كما كنت أفعل بين الفينة والأخرى في الماضي. بالطبع سينكشف أمري إذا ما ذهبت السيدة جوري ~~إلى المكتبة يوما ما - لكنها لن تستطيع دفع السيد جوري أمامها كل تلك المسافة لأعلى التل - ~~أو إذا ذكرت الموضوع أمام تشيس؛ لكنني لم أظن أن هذا قد يحدث أيضا؛ فقد قالت لي ذات مرة ~~إنها تخشى في بعض الأحيان من أن تلقي عليه التحية؛ لأنه يبدو متجهما. # قالت السيدة جوري: «حسنا لكن في الوقت الحالي ... لقد خطر لي أنك في الوقت الحالي قد ~~تفضلين القيام بوظيفة بسيطة؛ أن تجالسي السيد جوري خلال فترات بعد الظهيرة.» # قالت إنها قد عرضت عليها وظيفة في متجر هدايا مستشفى سانت بول لثلاث أو أربع مرات في ~~الأسبوع خلال فترة بعد الظهيرة، واستطردت: «إنها ~~بلا مقابل مادي، وإلا لأرشدتك لتسألي عنها، وإنما هي عمل تطوعي. يقول الطبيب إن الخروج من ~~المنزل أمر جيد بالنسبة إلي، وإلا - حسب زعمه - فستخور قواي. الأمر ليس له علاقة بحاجتي ~~للمال، حيث إن راي ولد بار. إنما الوظيفة بسيطة وتطوعية، حتى إنني فكرت أن ...» ثم نظرت ~~إلى أحواض الشطف فرأت قمصان تشيس مغمورة في الماء النظيف نفسه مع الروب الخاص بي المزخرف ~~بالزهور، والملاءات ذات اللون الأزرق الباهت. # قالت: «أوه، عزيزتي، لا تقولي إنك وضعت الملابس البيضاء مع الملونة في الحوض ~~نفسه.» # قلت: «نعم. الملابس الفاتحة فحسب؛ ألوانها لا تصبغ الملابس البيضاء.» # فردت: «الملابس الفاتحة ملابس ملونة، ربما تظنين أن القمصان ستظل على بياضها، لكنها لن ~~تكون بيضاء كما كانت.» # قلت لها إنني سأتذكر هذه النصيحة المرة القادمة. # فقالت وهي تضحك ضحكتها المقتضبة الفاضحة: «هذه هي الطريقة التي تعتنين بها بزوجك.» # قلت: «تشيس لا يبالي.» ولم أدرك كيف ستأخذ مصداقية هذه العبارة في النقصان بمرور ~~السنين، وكيف ستحتل تلك المهام التي بدت عرضية وأقرب إلى العبث - وعلى هامش حياتي - مكان ~~الصدارة وتتبلور ms123 أمام عيني. ~~••• # قبلت وظيفة مجالسة السيد جوري خلال فترات بعد الظهيرة. كان يوجد بأحد جانبي مقعده ~~الريكلاينر الأخضر طاولة صغيرة، أعلاها منشفة مفترشة - لامتصاص السوائل المنسكبة - وعبوات ~~دوائه من أقراص وشراب، وساعة صغيرة ليعرف الوقت. وعلى الجانب الآخر من الكرسي، اكتظت طاولة ~~أخرى بمواد ليقرأها من صحف ومجلات؛ كصحيفة صباح اليوم، والصحيفة التي صدرت مساء أمس، ~~وإصدارات من مجلات «لايف» و«لوك» و«ماكلينز»، التي لم يكن لها ثقل وقتئذ. وعلى أسفل رف ~~في الطاولة، رأيت مجموعة من الكتب المحتوية على قصاصات مقتطعة من صحف ومجلات - كالتي ~~يستخدمها الأطفال في المدارس - وكانت أوراقها سميكة تميل إلى اللون البني وذات حواف خشنة، ~~وبرز منها بعض أجزاء مقتطفات الأخبار والصور. وكانت هذه الكتب تحوي قصاصات جمعها السيد ~~جوري واحتفظ بها على مر الأعوام إلى أن أصيب بالسكتة الدماغية وتوقف عن اقتطاعها من ~~مصادرها. وأيضا كانت هناك خزانة كتب في هذه الغرفة، تشتمل بالمثل على المزيد من المجلات ~~وكتب القصاصات، وشغلت كتب مدرسية خاصة بالمرحلة الثانوية نصف رف؛ لعلها كانت كتب ~~راي. # ذكرت لي السيدة جوري ذات مرة: «دائما ما أقرأ له الصحيفة. إنه لم يفقد قدرته على القراءة ~~لكنه لا يستطيع الإمساك بها بيديه الاثنتين، كذلك فإن عينيه تؤلمانه حينما يقرأ.» # لهذا كنت أقرأ للسيد جوري في الوقت الذي تسرع فيه زوجته برشاقة إلى المحطة لاستقلال ~~الحافلة، مستظلة بمظلتها المزخرفة بالورود. قرأت له صفحة الرياضة، والأخبار المحلية ~~والدولية، وكل ما يتعلق بجرائم القتل والسرقات، والطقس السيئ، وقرأت له أيضا خطابات القراء ~~إلى المحرر، وإلى الطبيب الذي يعطيهم نصائحه الطبية، وإلى آن لاندرز، وكذلك الرد عليها، ~~وبدا لي أن أكثر ما كان يثير اهتمامه هو أخبار الرياضة وآن لاندرز. كنت أحيانا أخطئ في نطق ~~اسم أحد اللاعبين أو يختلط علي اسم مصطلح ما، فيصير ما أقرؤه عديم المعنى؛ ولذا كان يتذمر ~~وهو يوجهني غير راض عني لأحاول مرة أخرى. حين أقرأ له صفحة الرياضة، ينفعل ويغدو منتبها ~~وعابسا، أما حين أقرأ صفحة آن لاندرز، فيتبدى ms124 استرخاؤه على وجهه ويصدر أصواتا - تشبه ~~الخرخرة والغطيط العميق - أظن أنها تنم عن شكره وامتنانه. كان يصدر هذه الضوضاء تحديدا ~~عندما تشير هذه الخطابات إلى بعض الأمور النسوية أو التافهة (مثلا كتبت إحدى السيدات أن ~~أخت زوجها ادعت أنها صنعت كعكة بنفسها، مع أن المنديل الورقي الذي يحمل اسم محل المخبوزات ~~كان لا يزال موجودا تحت الكعكة حين قدمتها للزائرين)، أو حين تمس أي موضوع جنسي بحذر ~~كالعادة في تلك الفترة. # حين كنت أقرأ له صفحة المحرر أو أي مقال مليء بهراء عما قاله الروس أو ما قاله الأمريكيون ~~في الأمم المتحدة، كان يغلق عينيه - أو بالأحرى ~~يخفض جفن عينه السليمة بالكامل تقريبا، على عكس جفن عينه الأخرى الضعيفة الذي يخفضه قليلا ~~- وتصير حركات صدره أثناء تنفسه ملحوظة. وعندها، أتوقف للحظات لأرى إذا ما كان قد نام، لكنه ~~كان يصدر صوتا من نوع آخر؛ صوتا موبخا ومقتضبا على نحو فظ. وبمرور الوقت، إذ اعتدت ~~عليه واعتاد علي، أخذ هذا الصوت يبدو أقل توبيخا، بل ومطمئنا؛ ليس فقط بأنه ليس ~~نائما وإنما لا يحتضر في هذه اللحظة. # كان التفكير في أنه يحتضر أمامي مروعا في البداية؛ فلماذا لا يموت وهو يبدو شبه ميت ~~بالفعل؟ كانت عينه الضعيفة أشبه بصخرة قابعة أسفل مياه مظلمة، وكان فمه مرفوعا لأعلى ~~ومفتوحا من أحد جانبيه، فظهرت أسنانه الطبيعية (إذ كان معظم الناس وقتها يركبون أسنانا ~~صناعية) كريهة المنظر بحشوها الغامق الواضح فيما بين المينا الضعيفة. كان بقاؤه على قيد ~~الحياة في هذا العالم يبدو لي خطأ يمكن أن يصحح في أي لحظة، لكنني بعد ذلك - كما قلت من ~~قبل - اعتدت عليه. كان رجلا ضخما، له رأس ضخم ينم على نبل أصله، وصدر عريض متعب، وكانت ~~يده اليمنى المشلولة تتمدد على بنطاله فوق فخذه الطويلة. كلما أقرأ تغزو هذه الصورة مجال ~~رؤيتي؛ بدا كأثر، كمحارب قديم آت من العصور البربرية. بدا لي مثل أريك بلود آكس أو الملك ~~كانوت: # قال ملك البحار لرجاله: قوتي تخور بسرعة، ms125 # لن أبحر غازيا مرة أخرى. # كان هذا هو الشكل الذي بدا عليه، بضخامة جسده شبه المشلول التي تهدد أثاث ~~المنزل وتعرضه للتلف، وتخبطه في الجدران خلال انتقاله إلى دورة المياه. أما عن رائحته، ~~فلم تكن عفنة إلا أنه لم تفح منه أيضا رائحة الأطفال بعد الاستحمام بالصابون واستخدام ~~البودرة المعطرة، وإنما كانت تفوح منه رائحة ملابس ثقيلة علقت بها بقايا رائحة تبغ (على ~~الرغم من أنه لم يعد يدخن)، ورائحة جلد - تخيلته سميكا - يطرح إفرازات مثيرة، ويبعث ~~حرارة تنم عن أنشطة جسده الوظيفية. بالإضافة إلى رائحة بول طفيفة ودائمة، والواقع أن هذه ~~الرائحة كانت ستصيبني باشمئزاز إن فاحت من امرأة، لكنها في حالته أمكن التسامح معها، بل ~~وبدت تعبيرا عن هبة قديمة كان يتمتع بها. وحين كنت أدخل دورة المياه بعده، أشعر أنني في ~~عرين حيوان أجرب وإن كان لا يزال قويا. # قال لي تشيس إنني أهدر وقتي بمجالسة السيد جوري وكأنه طفل. كان الطقس قد أضحى صحوا وصار ~~النهار أطول، وبدأت المتاجر تعرض بضائع جديدة منتفضة من بياتها الشتوي، وأضحى جميعها أكثر ~~قابلية للتفكير في إتاحة وظائف لديها؛ لذا كان علي أن أخرج باحثة بجد عن عمل؛ فالسيدة ~~جوري لم تدفع لي سوى أربعين سنتا في الساعة. # قلت: «لكنني وعدتها.» # وذات يوم، قال لي إنه رآها - من نافذة مكتبه - تترجل عن حافلة، ولم يكن ذلك بالقرب من ~~مستشفى سانت بول على الإطلاق. # قلت: «ربما كانت في استراحة.» # قال تشيس: «لم أرها قط في منتصف النهار من قبل. يا إلهي!» # اقترحت أن أصطحب السيد جوري في نزهة على كرسيه المتحرك بما أن الطقس قد تحسن، لكنه رفض ~~الفكرة بجلبة أنبأتني عن يقين بأنه يبغض أن يدفع على الكرسي المتحرك على الملأ، أو ربما ~~لأن من يدفعه شخص مثلي يأخذ راتبا ليقوم بهذه المهمة. # توقفت عن قراءتي للصحيفة لأطرح عليه هذا الاقتراح، وحينما حاولت مواصلة القراءة لوح ~~بيده وأحدث جلبة أخرى ليخبرني بأنه قد سئم الاستماع إلي. وضعت الصحيفة جانبا، فأشار ms126 ~~بيده السليمة نحو كومة من كتب القصاصات الموجودة على الرف السفلي للطاولة بجواره. ومرة أخرى ~~أصدر مزيدا من الأصوات وجلبة أشد. كنت دوما أصف هذه الأصوات بأنها زمجرة أو غطيط أو نحنحة ~~أو نباح أو غمغمة، لكنها هذه المرة بدت لي أشبه بالكلمات؛ بل كانت كلمات. لم يكن وقعها على ~~مسامعي - فقط - كعبارات وطلبات حاسمة (على شاكلة «لا أريد»، أو «ساعديني في النهوض»، أو ~~«دعيني أر كم هو الوقت الآن»، أو «أريد شرابا»)، لكنها بدت جملا أكثر تعقيدا، مثل: «يا ~~إلهي! لماذا لا يكف هذا الكلب عن النباح؟» أو «يا له من جو حار!» (يقولها بعد أن أقرأ له ~~مقالا ما في الصحيفة.) # لكن ما سمعته الآن كان: «دعينا نر إذا كان هناك ما هو أفضل مما في الصحيفة.» # تناولت مجموعة من الكتب من على الرف، ووضعتها على الأرض بالقرب من قدميه. ووجدت على ~~أغلفتها الأمامية تواريخ أعوام قريبة مكتوبة بأقلام الشمع السوداء بخط كبير. تصفحت عام ~~1952، وطالعت جزءا مقتطفا من جريدة يتناول جنازة جورج السادس، وكان مكتوبا أعلاه بقلم ~~الشمع: «ألبرت فريدريك جورج (1885-1952)»، وبجانبه صورة للثلاث ملكات في ملابس ~~الحداد. # وفي الصفحة التي تليها طالعت خبرا عن طريق ألاسكا السريع. # قلت: «إنه سجل شائق، هل تريد مني مساعدتك في ملء صفحات سجل جديد؟ يمكنك أن تختار ما تريد ~~قصه ولصقه، وسأقوم بالمهمة.» # أحدث جلبة تعني «إنه لمجهود شاق» أو «ما فائدته الآن؟» أو حتى «كم هي حمقاء تلك الفكرة!» ~~أزاح كتاب الملك جورج السادس جانبا ليرى التواريخ المكتوبة على أغلفة كتب أخرى، لكنه لم ~~يجد ضالته. فأشار نحو خزانة الكتب، وأحضرت له مجموعة أخرى من كتب القصاصات. فهمت أنه يريد ~~كتابا يضم أحداث سنة معينة، فأخذت أرفع كل كتاب حتى يتسنى له رؤية الغلاف. وأحيانا كنت ~~أفتح الصفحات بالرغم من اعتراضه. رأيت مقالا عن الأسد الأمريكي في جزيرة فانكوفر، وآخر عن ~~موت لاعب ترابيز، وثالث عن طفل نجا مع أنه قد علق في انهيار ثلجي. تصفحنا ما كتب ms127 عن سنوات ~~الحرب، ورجعنا إلى الثلاثينيات، والعام الذي ولدت فيه، ثم نحو عشر سنوات قبله حتى نصل إلى ~~التاريخ الذي كان يريد. وبعدها أصدر لي الأمر، طالعي هذا العام؛ 1923. # بدأت أتصفح قصاصات هذا العام منذ بدايته. ~~«تساقط الجليد في يناير يطمر القرى في ...» # ليس هذا. أسرعي، واستمري في المطالعة. # فبدأت أقلب الصفحات. # ببطء. تمهلي. ببطء. # فأخذت أقلب الصفحات - الواحدة تلو الأخرى - دون توقف لأقرأ أي شيء، حتى وصلنا إلى ~~الصفحة التي أرادها. ~~«هي ذي، فلتقرئي.» # لم يكن بالصفحة أي صورة أو عنوان، وإنما حروف مكتوبة بقلم الشمع لتوثيق: «فانكوفر، الأحد، ~~17 أبريل، 1923.» # قرأت: «جزيرة كورتز، حسنا؟» ~~«فلتبدئي.» ~~••• # جزيرة كورتز. باكر صباح الأحد أو في ساعة متأخرة من مساء السبت، شبت النار في منزل ~~آنسون جيمس وايلد عند الطرف الجنوبي للجزيرة ودمرته. كان هذا المنزل يبعد بمسافة كبيرة عن ~~أي منزل أو مسكن آخر؛ ولذا لم يلحظ أحد على الجزيرة ألسنة اللهب المتصاعدة منه. تواترت ~~أنباء أن ركاب قارب صيد قد شاهدوا النيران في أول ساعات صباح يوم الأحد، وكان قاربهم يتجه ~~نحو منطقة ديسوليشن ساوند، لكنهم ظنوا أن النار ناتجة عن حرق أحد الأشخاص الحطب. ولأنهم ~~يعلمون أن نار حرق الحطب لا تمثل أي خطر بسبب رطوبة الغابة في ذاك الوقت، واصلوا رحلتهم ولم ~~يبالوا. # كان السيد وايلد مالك بستان فواكه وايلد فروت، وكان يعيش على الجزيرة منذ قرابة خمس عشرة ~~سنة. عاش على أرضها وحيدا، لكنه كان يتعامل مع من يقابلهم بود، وكان له تاريخ في الخدمة ~~العسكرية. كان متزوجا منذ أمد، وله ولد، وشاع أنه ولد في المقاطعات الأطلنطية. # حولت النيران المنزل إلى حطام وانهارت أعمدته، وتم العثور على جثمان السيد وايلد بين ~~الأطلال المتفحمة، وكان محترقا لدرجة لا تسمح بالتعرف عليه. # وعثر بين هذه الأطلال على عبوة من الصفيح متفحمة، قيل إنها كانت تحتوي على ~~كيروسين. # أما زوجة السيد وايلد، فلم تكن في المنزل وقت نشوب الحريق؛ إذ كانت قد لبت يوم الأربعاء ~~السابق للحادث دعوة الذهاب ms128 على متن قارب في رحلة إلى مدينة كوموكس لشحن حمولة تفاح من بستان ~~زوجها. كانت تنوي الرجوع في نفس اليوم الذي انطلق فيه القارب، لكنها ظلت هناك ثلاثة أيام ~~وأربع ليال بسبب عطل في محرك القارب. وفي صباح الأحد، عادت مع صديقها الذي عرض عليها هذه ~~الرحلة، ومعا اكتشفا هذه المأساة. # أثيرت المخاوف بشأن الصبي الصغير - ابنهما - الذي لم يكن بالبيت وقت احتراقه؛ فأجري ~~البحث عنه على وجه السرعة، وقبل أن يحل الظلام مساء الأحد تم العثور عليه في الغابة، على ~~بعد أقل من ميل من منزله. كان مبتلا يشعر بالبرد بسبب بقائه في الأدغال عدة ساعات. لكن ~~بخلاف هذا لم يصبه أي أذى. واتضح حينها أنه حمل معه بعض الطعام عندما خرج من البيت؛ إذ ~~وجد معه بعض الخبز عندما عثروا عليه. # سوف تجرى التحقيقات في كورتيناي للوقوف على أسباب الحريق الذي دمر منزل عائلة وايلد، ~~وأسفر عن وفاة رب الأسرة. ~~••• # قلت: «هل تعرف هؤلاء الناس؟» ~~«اقلبي الصفحة.» ~~••• # 4 أغسطس 1923: بإجراء التحقيق في كورتيناي بجزيرة فانكوفر حول أسباب الحريق الذي تسبب ~~في موت آنسون جيمس وايلد، القاطن بجزيرة كورتز، في أبريل من هذا العام، تبين أن شبهة ~~إشعال الحريق عن عمد بواسطة الفقيد أو مجهول أو مجهولين لا تقوم على حجة دامغة. ولم يقبل ~~وجود عبوة كيروسين فارغة في مكان الحريق كدليل كاف. فحسبما قال السيد بيرسي كيمبر - صاحب ~~متجر في منتزه مانسونز لاندنج بجزيرة كورتز - كان السيد وايلد يبتاع الكيروسين ويستخدمه ~~بشكل منتظم. # لم يكن لدى ابن الفقيد البالغ من العمر سبع سنين أي دليل يقدمه حول الحريق. وقد عثر ~~عليه فريق بحث على مسافة غير بعيدة عن منزله بعد تجوال استمر عدة ساعات في الغابة. وقال ~~الصبي في الاستجواب إن أباه أعطاه خبزا وتفاحا، وطلب إليه التنزه في مانسونز لاندنج، لكنه ~~ضل طريقه. ومع ذلك، قال بعد أسابيع إنه لا يذكر أن هذا هو ما قد حدث، وإنه لا يعرف كيف ~~ضل طريقه، مع أنه قطع هذا ms129 الطريق عدة مرات من قبل. وذكر الطبيب أنتوني هلويل - الذي حضر ~~من مدينة فيكتوريا للنظر في أمره - أنه بالكشف على الصبي، تبين أنه قد هرب ما إن شاهد ~~الحريق، وربما أتيح له الوقت ليأخذ معه بعض الأطعمة؛ وهو ما لا يذكره الآن. على الجانب ~~الآخر، قال أنتوني إن قصة الصبي قد تكون صحيحة، لكن ذكراها ربما تكون قد شوهت في وقت ~~لاحق، وإن مواصلة استجواب الصبي لن تفيد؛ لأنه على الأرجح لا يستطيع التمييز بين ما حدث في ~~الواقع وبين خياله المتعلق بالحادث. # أما السيدة وايلد، فلم تكن في المنزل وقت اندلاع الحريق، بل كانت في جزيرة فانكوفر ~~مستقلة قاربا ملك جيمس تومبسون جوري من مدينة يونيون باي. # وقيدت وفاة السيد وايلد على أنها حادث مأساوي نتج عن حريق مصادره مجهولة. ~~••• ~~«أغلقي الكتاب الآن.» ~~«أرجعيه إلى مكانه. أعيدي كل الكتب على الرف.» ~~«لا، لا، ليس هكذا. ضعي الكتب على الرف مرتبة وفقا للسنة. هذا أفضل. تماما كما ~~كانت.» ~~«هل هي في الطريق؟ انظري من النافذة.» ~~«حسنا. إنها على وشك العودة.» ~~«ماذا عنك؟ ما رأيك في هذا؟» ~~«لا أبالي. لا أبالي برأيك فيه.» ~~«هل فكرت يوما أن حياة الناس قد تكون على هذا المنوال، أو ينتهي بها المطاف على هذا ~~النحو؟ حسنا، هذا ليس من المستبعد.» ~~••• # لم أخبر تشيس بأي مما جرى، مع أنني اعتدت إخباره بأي شيء حدث وأظن أنه سيثير اهتمامه أو ~~يسليه، إلا أنه دوما ما كان يتجاهل أي ذكر لآل جوري، وكان يصفهم ب «غريبي الأطوار». # أزهرت كل الأشجار الصغيرة التي بدت ذابلة من قبل في المنتزه، وتفتحت أزهارها وردية لامعة ~~كأنها حبات فشار ذات ألوان اصطناعية. # في ذلك الحين، بدأت أعمل في وظيفة بالمعنى الحقيقي. # هاتفني أحد الأشخاص من مكتبة كيتسيلانو، وطلب إلي الحضور بضع ساعات عصر يوم سبت. وهناك، ~~وجدت نفسي جالسة خلف المكتب، أختم الكتب التي يستعيرها الناس بتواريخ استردادها. كانت وجوه ~~مستعيري الكتب مألوفة لي؛ إذ كنت أراهم وأنا أستعير الكتب من المكتبة ms130 نفسها، لكنني الآن صرت ~~أبتسم لهم نيابة عن المكتبة، وأقول: «أراك بعد أسبوعين.» # كان بعضهم يضحك قائلا: «أوه، بل قبل هذا بكثير.» كانوا مثلي مدمني قراءة. # تبين لي أن هذه الوظيفة يمكنني التعامل معها؛ فلم يكن بها آلات تسجيل المدفوعات ~~النقدية، كل ما هنالك أنني حين أحصل غرامات تأخير الكتب من مستعيريها، أعطيهم الفكة من ~~درج مكتبي. كذلك كنت أعرف مكان معظم الكتب على الأرفف، أما فيما يتعلق ببطاقات الاستعارة، ~~فقد كنت أعرف الأبجدية. # مع الوقت، عرضت علي المزيد من ساعات العمل، ولم يمض وقت طويل حتى أضحيت أعمل في وظيفة ~~مؤقتة بدوام كامل؛ فقد تعرضت إحدى العاملات الدائمات لإجهاض، واضطرت للتوقف عن العمل ~~شهرين. وقبل أن تنتهي تلك المدة مباشرة، حملت مرة أخرى، فنصحها الطبيب بألا تعود إلى ~~العمل. وبذلك انضممت إلى فريق العمل الدائم بدوام كامل، وظللت أعمل معه حتى صرت في منتصف ~~فترة حملي الأول. عملت مع سيدات كنت أعرفهن لفترة طويلة شكلا فقط - مثل ميفيس وشيرلي ~~والسيدة كارلسون والسيدة يوست - وكلهن يذكرن أنني كنت مواظبة على ارتياد المكتبة، حيث أهيم ~~على وجهي - حسب زعمهن - ساعات كثيرة. تمنيت لو لم ينتبهن إلي هذه الانتباه الشديد، لو لم ~~أتردد كثيرا على المكتبة. # كم كانت متعة بسيطة؛ حيث أجلس في مكاني، وأواجه الناس من وراء مكتبي، وأتعامل بكفاءة ~~ونشاط وود مع زبائني، وأظهر في أعينهم شخصا يعرف خبايا الأمور - شخصا ذا نفع في نظر ~~الجميع - وأن أكف عن التواري عن الآخرين، والتجوال والتخيل، وأصير الفتاة العاملة في ~~المكتبة. # بالطبع، بعد هذه الوظيفة، لم يتح لي الآن وقت كبير للقراءة، وأحيانا كنت أمسك بالكتاب ~~في يدي للحظة وأنا على مكتبي - أمسك به كشيء وليس كإناء لا بد أن أتجرعه على الفور - ثم ~~تنتابني لحظة خوف؛ كما يحدث عندما يحلم المرء بأنه موجود في مكان غير مكانه، أو أنه نسي ~~ميعاد الامتحان، فيدرك أن ما رآه في الحلم ليس سوى جزء ضئيل من مصيبة مجهولة بالنسبة إليه ~~أو غلطة يمكن أن ms131 تؤثر على حياته إلى الأبد. # لكن هذه الرهبة سرعان ما كانت تتلاشى. # كذلك تذكرت زميلاتي في المكتبة أيضا رؤيتهن لي وأنا أكتب حيث أعمل الآن. # فقلت لهن إنني كنت أكتب خطابات. ~~«أتكتبين خطاباتك في مفكرات؟» # قلت: «بالطبع؛ فهذا أرخص.» # أهملت مفكرتي الأخيرة، وظلت مختبئة في أحد الأدراج مع أكوام من جواربي وثيابي الداخلية ~~غير المرتبة. ظلت مهملة، وصارت رؤيتي لها تملؤني ريبة وامتهانا. ومع أنني نويت التخلص ~~منها، لم أفعل. # لم تهنئني السيدة جوري على الوظيفة. # بل قالت لي: «لم تخبريني أنك لم تكفي عن البحث عن عمل.» # فقلت لها إنني كنت على قائمة الانتظار في المكتبة منذ وقت طويل، وإنني أخبرتها أيضا بذلك ~~من قبل. # ردت قائلة: «كان هذا قبل أن تبدئي في العمل لدي. فما مصير السيد جوري الآن؟» # قلت: «آسفة.» ~~«لن يفيده الأسف في شيء، أليس كذلك؟» # رفعت حاجبيها الزهريين وهي تخاطبني بأسلوبها المتغطرس الذي اعتدت أن أسمعها تتحدث ~~به مع الجزار أو البقال عبر الهاتف عندما يخطآن فيما طلبت. # قالت: «ما عساي أن أفعل الآن؟ لقد تخليت عني وليس بيدي حيلة، أليس كذلك؟ أتمنى أن تفي ~~بوعدك لرؤسائك أفضل مما فعلت معي.» # كان هذا هراء بالطبع. لم أعدها بأي شيء فيما يتعلق بمدة بقائي معها، لكنني مع هذا ~~خالجني شعور بالقلق يشوبه بعض الذنب؛ إن لم يكن شعورا بالذنب. صحيح أنني لم أعدها بشيء، ~~لكن ماذا عن المرات التي لم أستجب فيها لطرقها على بابي، أو تلك المرات التي كنت أتسلل ~~فيها من المنزل وإليه دون أن تلحظني، خافضة رأسي دون مستوى نافذة مطبخها؟ وماذا عن تظاهري ~~الفاتر بالإخلاص في مصادقتها في مقابل عروضها السخية؟ # قالت: «لكن من الرائع أن حدث ذلك، فأنا لا أريد شخصا لا يعتمد عليه يرعى السيد جوري، ~~كذلك فإنني لم أكن راضية بالكامل عن طريقة رعايتك له، أؤكد لك هذا.» # وسرعان ما وجدت جليسة أخرى؛ وكانت امرأة كثيفة شعر الجسم، ضئيلة الحجم، شعرها أسود تغطيه ~~ببونيه شبكي. لم أسمعها تتكلم قط، ms132 لكنني كنت أسمع السيدة جوري تكلمها ؛ فقد كان بابها ~~مفتوحا أعلى الدرج وكان من المنطقي سماعها. ~~«لم تغسل حتى الفنجان الذي احتسى فيه الشاي، بل وكانت تنسى في معظم الأوقات أن تعد له ~~الشاي. لا أدري ما كانت فائدتها. تجلس وتقرأ الصحيفة.» # في تلك الأيام، حين كنت أغادر المنزل ذهابا إلى العمل، كانت نافذة المطبخ تصفع ورائي، ~~ويرن صوتها في أذني مع أنها كانت تتحدث ظاهريا مع السيد جوري. ~~«هي ذي تمضي في طريقها دون أن تكلف نفسها عناء التلويح لنا وتحيتنا. لقد منحناها ~~وظيفة وقت لم يقبلها أحد، لكنها لا تبالي بذلك. بالطبع، لا تفعل.» # لم ألوح لهما، وكنت مضطرة أن أسير أمام النافذة الأمامية حيث كان السيد جوري جالسا، ~~لكن راودني التفكير أنني إذا لوحت أو حتى نظرت له، فقد يشعر بالإهانة، أو حتى الغضب؛ فأي ~~شيء سأفعله قد يشعرهما بالإهانة. # لكنني ما كنت أبلغ نهاية المربع السكني الذي يلينا حتى أنسى أمرهما بالكامل. كانت الفترات ~~الصباحية خلال ذلك الوقت من السنة مشرقة. وفي طريقي إلى العمل، كنت أمشي وملئي شعور ~~بالارتياح، معتزمة على تحقيق هدفي. وفي مثل هذه اللحظات، يبدو لي ماضي القريب مشينا ~~بشكل غامض. ساعات قضيتها خلف ستائر المهجع، وساعات قضيتها على طاولة المطبخ أملأ صفحة تلو ~~الأخرى بالفشل، وساعات قضيتها في حجرة قائظة مع رجل هرم؛ السجادة الخشنة، والمفروشات ~~المخملية، ورائحة ثيابه وجسده، وقصاصات الورق الملصقة الجافة، وأوراق الصحف التي تغطي ~~الأرضية فأضطر أن أشق طريقي خلالها؛ والقصة المروعة التي احتفظ بها وجعلني أقرؤها له (لم ~~أفكر للحظة أن ذلك من المآسي الإنسانية التي كنت أعشق قراءتها في الكتب). إن تذكر كل ~~هذا كان أشبه بتذكر فترات مرضي أثناء طفولتي؛ عندما كنت حبيسة - عن طيب خاطر - في فراشي ~~وعلى ملاءتي القطنية الوثيرة التي تنبعث منها رائحة زيت الكافور، حبيسة الإعياء والحمى، ~~وواقعة في شرك رسائل - لم أفك رموزها - حملتها لي أغصان الشجر التي أطللت عليها من ~~نافذتي بالدور العلوي. لم أندم على هذه الأوقات، ms133 وإنما كنت أنبذها بطبيعة الحال، لكنها بدت ~~جزءا مني - أكان جزءا مريضا؟ - بدأت الآن أنبذه. قد يظن أحد أن الزواج هو ما أدى إلى ~~هذا التحول، لكن هذا لم يحدث لفترة؛ ففي البداية كبت رغباتي وأعدت الكرة وأبقيت على ~~شخصيتي القديمة؛ شخصيتي العنيدة الكتومة التي لا تليق بامرأة. لكنني الآن خلعت هذا الثوب ~~وأضحيت أشكر ربي على هذا التحول، فقد صرت زوجة وعاملة حسنة المظهر وعلى قدر كاف من الكفاءة ~~لمواجهة الصعاب. وهذا ليس بالغريب، فقد غدوت قادرة على النجاح. ~~••• # طرقت السيدة جوري بابي وبيدها كيس وسادة، وسألتني - وهي ترسم على وجهها ابتسامة عدائية ~~شنيعة تظهر أسنانها - إذا ما كان هذا الكيس يخصني. فأجبتها دون تردد أنه لا يخصني، فكيسا ~~الوسادتين اللذان أملكهما تحشوهما الوسادتان على السرير. # فقالت بلهجة معذبة: «حسنا، فهو ليس ملكي بكل تأكيد.» # قلت: «كيف تجزمين بهذا؟» # صارت ابتسامتها الشيطانية أكثر ثقة شيئا فشيئا. ~~«لأنه ليس مصنوعا من القماش الذي يمكن أن أضعه أبدا تحت رأس السيد جوري أو ~~رأسي.» # ولم لا؟ ~~«لأنه ... رديء ... الخامة.» # لذا اضطررت أن أذهب إلى مهجعي لأنزع الكيسين عن وسادتيهما وأحضرهما لها، وعندئذ تبين لي ~~أن الكيسين ليسا متطابقين كما بدوا لي من قبل؛ فأحدهما من نسيج فاخر - وكان يخصها - وبذلك ~~اتضح أن الكيس الذي في يدها كان يخصني. # قالت: «لا أصدق أنك لم تلحظي الأمر، ما كان ليلحظه أحد غيرك.» ~~••• # سمع تشيس عن شقة أخرى يمكننا استئجارها - شقة حقيقية وليست «جناحا» - بها حمام كامل ~~وغرفتي نوم. كان أحد رفاقه في العمل على وشك تركها؛ لأنه وزوجته قد ابتاعا منزلا. وكانت ~~الشقة تقع في بناية تطل على ملتقى شارعي فيرست أفينيو وشارع ماكدونالد. لن يمنعني هذا ~~الموقع من أن أذهب إلى العمل سيرا على الأقدام، أما هو فسيستقل الحافلة نفسها التي يستقلها ~~الآن. وإذا جمعنا مرتبينا، فيمكننا أن نتدبر قيمة إيجارها. كان رفيقه وزوجته سيتركان ~~بعض الأثاث وسيبيعانه بثمن بخس؛ فلن يناسب بيتهما الجديد، لكن بالنسبة إلينا كان سيبدو ~~أثاثا على قدر ms134 كبير من الفخامة. تجولنا في غرف الشقة الجميلة التي تقع في الطابق الثالث، ~~وأعجبتنا جدرانها المطلية باللون الأصفر الباهت، والأرضيات الباركيه من خشب البلوط، وخزانات ~~الأواني الفسيحة الموجودة في المطبخ، وأرضية الحمام المبلطة بالقرميد. وكانت هناك أيضا ~~شرفة صغيرة تطل على أشجار منتزه ماكدونالد. حينئذ، وقع كل منا في حب الآخر بشكل جديد، ~~وقعنا في حب وضعنا الجديد، حيث ارتقاؤنا إلى حياة البالغين صاعدين من القبو الذي لم يكن إلا ~~محطة مؤقتة في طريق حياتنا. وصرنا نأتي على ذكره كمزحة، كاختبار لقوة تحملنا لما سنشهده ~~خلال السنوات القادمة. فكل خطوة خطوناها - المنزل المستأجر، أول منزل امتلكناه، ثاني منزل ~~امتلكناه، أول منزل امتلكناه في مدينة أخرى - كانت تمنحنا شعورا بالتقدم يملؤنا سعادة، ~~فتقوي صلتنا وتوثق رباطنا. وذلك حتى آخر البيوت - وأكبرها حتى الآن - التي دخلتها؛ إذ ~~كان لدي هاجس بوقوع كارثة وشيكة ورغبة في الهرب. # أخبرنا راي بشأن رحيلنا المزمع دون أن نخبر السيدة جوري؛ مما تسبب في زيادة عدائها ~~تجاهنا، بل إنها كادت تفقد عقلها. ~~«يا إلهي! تظن نفسها بارعة وهي لا تستطيع الحفاظ على نظافة حجرتين، وعندما تنظف الأرضية ~~لا تفعل شيئا سوى جر القاذورات إلى أحد الأركان.» # عندما اشتريت مقشتي الأولى، نسيت أن أشتري جاروفا وفعلت ما تحدثت عنه بعض الوقت، ~~لكنها ما كانت لتعرف هذا إلا بدخول غرفتينا بمفتاحها الخاص، ونحن في الخارج، وهو ما اتضح ~~أنه حدث بالفعل. ~~«إنها جبانة تتسلل كاللصوص. عرفت هذا منذ رأيتها لأول مرة. وكاذبة أيضا، ومختلة ~~عقليا؛ فقد كانت تجلس متظاهرة بأنها تكتب الخطابات، لكنها كانت تكتب الكلام نفسه مرارا ~~وتكرارا؛ لم تكتب خطابات، بل تخط نفس الكلام مرة تلو الأخرى. مختلة.» # تأكدت الآن أنها كانت تأخذ الأوراق المتكمشة من سلة قمامتي؛ فعادة ما كنت أحاول أن ~~أبدأ القصة نفسها بنفس الكلمات مرارا وتكرارا، كما قالت. # أضحى الطقس دافئا، وصرت أذهب إلى العمل دون سترتي الثقيلة. وذات مرة، ارتديت سترة ضيقة ~~ووضعت أطرافها في تنورتي، وحزاما محكما علي عند أضيق ثقوبه. ms135 # وحينها فتحت السيدة جوري الباب الأمامي وصاحت تجاهي. ~~«الساقطة. انظروا إلى الساقطة، إنها تبرز صدرها إلى الأمام، وتتمايل بمؤخرتها. أتظنين ~~نفسك مارلين مونرو؟» # وأضافت: «لا نريدك في بيتنا. كلما أسرعت بالرحيل كان هذا أفضل.» # ثم هاتفت راي وقالت له إنني حاولت سرقة ملاءة سريرها، وشكت له أنني أتحدث عنها في جميع ~~أرجاء الشارع. كانت قد فتحت الباب حرصا منها على أن أسمع ما تقول، كما كانت تصيح بأعلى ~~صوتها في الهاتف، وهو ما لم يكن ضروريا؛ لأن هاتفنا كان على نفس الخط وكان بإمكاننا سماع ~~ما تقول متى أردنا، لكنني لم أفعل ذلك قط، بل كنت أسد أذني بحركة غريزية كي لا أسمعها وهي ~~تتحدث من أعلى، لكن ذات مساء كان تشيس في المنزل ورفع سماعة الهاتف وتكلم. ~~«لا تلتفت لما تقول يا راي؛ إنها عجوز مخبولة. أعلم أنها أمك، لكني أؤكد لك أنها ~~مخبولة.» # سألته عما قاله راي، وعما إذا كان هذا الكلام قد أغضبه. ~~«لم يقل إلا: «بالطبع، حسنا».» # أغلقت السيدة جوري الخط، وصاحت من أعلى مباشرة: «سأخبرك الآن من هي المخبولة، سأعلمك ~~من الكاذبة المجنونة التي تنشر الأكاذيب عني وعن زوجي ...» # قال تشيس: «لا نسمع ما تقولين. دعي زوجتي وشأنها.» لكنه سألني فيما بعد: «ماذا كانت تعني ~~بقولها إنك تنشرين الأكاذيب عنها وعن زوجها؟» # قلت: «لا أدري.» # قال: «إنها تتعمد مضايقتك؛ لأنك شابة جميلة وهي عجوز شمطاء.» # ثم استطرد: «فلتنسي الأمر.» وسألني على سبيل الدعابة ليسري عني: ~~«ما فائدة العجائز أصلا؟» ~~••• # انتقلنا إلى شقتنا الجديدة مستقلين سيارة أجرة، لا نحمل شيئا سوى حقائب ثيابنا. وقفنا ~~في انتظار السيارة على الرصيف - ظهورنا إلى المنزل - وتوقعت حينها أن تصدر السيدة جوري ~~صياحا أخيرا، لكن لم نسمع أي صوت. # قلت: «ماذا لو كان معها مسدس، ستطلق علي الرصاص في ظهري؟» # فقال تشيس: «لا تتكلمي مثلها.» ~~«أود أن ألوح للسيد جوري؛ لو كان يطل من النافذة.» ~~«الأفضل ألا تفعلي ذلك.» ~~••• # لم ألق نظرة أخيرة على المنزل، بل ولم أمش بعدها قط ms136 في هذا الشارع، في هذا المربع ~~السكني الذي يقع في شارع آربيوتس في مواجهة المنتزه والبحر. لم أعد أتذكر بوضوح كيف كان ~~يبدو، رغم أن أشياء قليلة لا تزال عالقة في ذهني، مثل ستار المهجع، وخزانة الآنية الصينية، ~~ومقعد الريكلاينر الأخضر. # تعرفنا على أزواج شباب بدءوا حياتهم - كما فعلنا - بالسكن في أماكن زهيدة الإيجار في ~~بيوت أناس آخرين. سمعنا منهم حكايات عن الفئران والصراصير، والمراحيض التي تقذف الفضلات على ~~مستخدميها، ومالكات البيوت ناقصات العقل. وحكينا لهم بالتأكيد عن صاحبة بيتنا التي كانت ~~مصابة بجنون الارتياب. # لم أفكر في السيدة جوري في غير تلك الحالات. # أما السيد جوري، فكنت أراه في منامي؛ رأيته في أحلامي وقابلته قبل أن يقابل زوجته. كان ~~رشيقا قويا، لكنه لم يكن شابا، ولم يختلف مظهره قط عما بدا عليه وقتما كنت أقرأ له في ~~الغرفة الأمامية. ربما كان يستطيع الكلام، لكن كلامه لم يتجاوز تلك الأصوات التي تعلمت أن ~~أفسرها. كانت أصواتا مبتورة وحاسمة، كانت تعليقا أساسيا - وربما مشمئزا - على ما يحدث ~~في الأحلام. أما الأحداث، فكانت عنيفة وصارخة؛ أحداث أحلام جنسية. فعلى مدار حياتي وأنا ~~زوجة شابة - ولم يمض وقت طويل حتى حملت؛ فما كان هناك ما يدعو للتأجيل - ثم أم دائمة ~~الانشغال والإخلاص لزوجي، الذي حرص على إشباع رغباتي بصورة منتظمة، ظلت الأحلام الجنسية ~~تراودني بين الفينة والأخرى، وفيها تجاوزت المبادرة والاستجابة والاحتمالات أي شيء وهبتني ~~إياه الحياة. كانت أحلامي تخلو من الرومانسية، وكذلك من الاحتشام. كان فراشنا - أنا والسيد ~~جوري - شاطئا مغطى بالحصى، أو متن قارب متينا، أو لفائف من الحبال الناعمة والموجعة. ~~وكنت أشعر - إن شئت فقل - بلذة القبح، حيث رائحة جسده النفاذة، وعينه المريضة، وأسنانه ~~التي تشبه أسنان الكلب. كنت أفيق من هذه الأحلام المحظورة غير عابئة بشيء - حتى الدهشة أو ~~الخزي لم يطرآ على بالي - وإذ بي أغط في النوم مرة أخرى، ثم أنهض في الصباح بذاكرة ~~تعودت إنكارها. ظل السيد جوري يقوم بهذا الدور في حياتي الليلية سنوات طوالا ms137 امتدت بكل ~~تأكيد إلى ما بعد وفاته. ظل ذلك يتكرر إلى أن أهلكت الرجل تماما وقضيت عليه، كما يهلك ~~الموتى. لكن هذا لا يعني أنني كنت المسئولة عن استدعائه إلى أحلامي؛ فقد بدا لي أننا شركاء ~~في الأمر؛ وكأنه استدعاني كما استدعيته، وكأنها تجربته كما كانت تجربتي. # أما القارب، ورصيف الميناء، والحصى الذي يغطي الشاطئ، والأشجار الناظرة إلى السماء أو ~~المائلة نحو الأرض أو التي تظلل الماء، ومشهد الجزر المحيطة المعقد، والجبال المعتمة ~~بالرغم من سهولة تمييزها، فكل هذه الأشياء بدت موجودة معا في مشهد طبيعي مربك؛ يزيدني ~~إبهارا - وإن كان يبدو عاديا - بصورة أكبر من أي شيء يمكن أن أحلم به أو أن أختلقه. كان ~~هذا المشهد أشبه بمكان سيظل باقيا سواء وجدت فيه أم لم أوجد، وبالفعل هو باق. # لكنني لم أر قط الأعمدة المتفحمة التي تهاوت على جسد الزوج؛ إذ حدث هذا منذ زمن بعيد قبل ~~أن تنمو أشجار الغابة حول المكان. # | عدا الحاصدين # كانت اللعبة التي يلعبانها هي نفسها ~~تقريبا اللعبة التي كانت إيف تلعبها مع ابنتها صوفي أثناء سفرياتهما الطويلة والمملة ~~بالسيارة، عندما كانت صوفي فتاة صغيرة. وقتها، كانت تسمى لعبة الجواسيس، أما الآن فتسمى ~~لعبة الكائنات الفضائية. كان صغيري صوفي، فيليب وديزي، يجلسان في مقعد السيارة الخلفي. ~~ديزي لم تتجاوز السنوات الثلاث ولا تكاد تدرك ما يجري، أما فيليب ففي السابعة، وكان يسيطر ~~على مجريات الأمور؛ فكان هو من اختار السيارة التي سيتبعانها وكانت - في اللعبة - تقل ~~مسافرين عبر الفضاء وصلوا لتوهم وكانوا في طريقهم إلى المقر السري؛ عرين الغزاة. كان ~~المسافرون يعرفون الاتجاهات من الإشارات التي يلوح بها بعض الأفراد مقبولي الشكل من ~~سياراتهم أو من شخص يقف بجانب صندوق بريد أو من شخص يقود جرارا زراعيا في حقل. كثير من ~~الكائنات الفضائية قد وصل بالفعل كوكب الأرض وجرت لهم عمليات ~~التحويل - كما قال فيليب - ولهذا يمكن أن يكون ~~أي ممن حولهما كائنا فضائيا؛ كعمال محطة الوقود أو السيدات اللاتي يدفعن أمامهن عربات ms138 ~~الأطفال أو حتى الرضع داخل عرباتهم ؛ جميعهم يمكن أن يكونوا يرسلون إشارات. # عادة ما كانت إيف وصوفي تلعبان هذه اللعبة على طريق سريع مزدحم، حيث يكون هناك زحام ~~مروري كاف يحول دون اكتشاف مراقبتهما (بالرغم من أنهما ذات مرة حادتا عن طريقهما، فوجدتا ~~نفسيهما على الطريق في اتجاه إحدى الضواحي). لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة على الطرق ~~الزراعية التي قطعتها إيف في ذاك اليوم؛ فحاولت أن تحل هذه المشكلة بنصحهما بأن يغيرا ~~المركبة التي يتتبعانها إلى مركبة أخرى؛ لأن الهدف من بعض تلك المركبات هو خداعهما، حيث لا ~~تتجه إلى المقر السري وإنما تضللهما فحسب. # قال فيليب: «كلا، ليس صحيحا؛ فهم يقومون بسحب الناس من سيارة لأخرى تحسبا لأن يكون ~~هناك من يتبعها. فقد يكونون في جسد ما ثم يسحبون ببطء شديد عبر الهواء إلى جسد آخر في ~~سيارة أخرى. ولا يزالون يدخلون في أجساد مختلفة طوال الوقت دون أن يعرف الناس ما حل ~~بهم.» # قالت إيف: «حقا؟ لكن أنى لنا أن نعرف أي سيارة يستقلونها؟» # قال فيليب: «كود السيارة موجود على اللوحة المعدنية، لكنه يتغير عن طريق الحقل الكهربائي ~~الذي تنشئه الكائنات داخل السيارة، حتى يتسنى للمتعقبين في الفضاء تتبعهم. إنه مجرد ~~شيء بسيط لكنني لا أستطيع أن أخبرك إياه.» # قالت إيف: «حسنا، لا تفعل. أعتقد أن قليلا من الناس يعرفونه.» # قال فيليب: «إنني الوحيد في أونتاريو الذي يعرفه.» # كان يجلس حانيا ظهره للأمام بشدة ورابطا حزام مقعده، وأحيانا تصطك أسنانه وهو يركز، ~~ويصدر أصوات صفير خافتة وهو ينبه إيف. # قال: «أوه أوه، انتبهي. أعتقد أن عليك الانعطاف. نعم، نعم. أعتقد ذلك.» # كانوا يتبعون سيارة مازدا بيضاء، وفيما يبدو، عليهم الآن تتبع سيارة شحن خضراء، ماركة ~~فورد. سألته إيف: «هل أنت متأكد؟» ~~«بالطبع.» ~~«هل شعرت بهم وهم يسحبون في الهواء إلى هذه السيارة؟» # قال فيليب: «إنهم يتبدلون في وقت واحد من صورة لأخرى. ربما أكون قد قلت «يسحبون»، لكني ~~ما فعلت هذا إلا ليفهمني الآخرون.» # في البداية، كانت ms139 إيف تخطط لأن يكون المقر الرئيسي للكائنات الفضائية هو متجر البلدة الذي ~~يباع فيه الآيس كريم أو الملعب. ويمكن الكشف عن أن جميع الفضائيين يجتمعون هناك في صورة ~~أطفال تغريهم متع تناول الآيس كريم أو اللعب على الزحاليق والأرجوحات، مع تعليق قواهم ~~مؤقتا. ولا خوف من أن يخطفك هؤلاء الفضائيون - أو يدخلوا جسدك - إلا إذا اخترت نكهة الآيس ~~كريم الخاطئة، أو تأرجحت على أرجوحة معينة لعدد مرات غير محدد لك (لا بد أن يكون هناك خطر ~~ما آخر، وإلا فسيشعر فيليب بالإحباط والخزي). لكن فيليب تولى مهمته بالكامل، لدرجة أنه ~~صار من الصعب التحكم في النتائج. كانت سيارة الشحن الآن تنحرف عن الطريق الزراعي السريع ~~الممهد إلى الطريق الجانبي المغطى بالحصى؛ وكانت سيارة شحن بالية غير مغطاة، أكل الصدأ ~~أجزاءها؛ ولهذا فلن تذهب بعيدا. الأرجح أنها متجهة لمزرعة ما؛ وقد لا يقابلون أي مركبة ~~أخرى لتتبعها قبل أن يصلوا لوجهتهم. # قالت إيف: «هل أنت واثق من هذا؟ إنه رجل واحد فحسب ليس بصحبته أحد. فأنت تعلم أنهم لا ~~يسافرون بمفردهم.» # قال فيليب: «معه كلب.» # كان هناك كلب في مؤخرة السيارة المكشوفة، يجري من جانب لآخر وكأن هناك أحداثا تجري عليه ~~أن يتابعها. # قال فيليب: «الكلب واحد منهم أيضا.» ~~••• # في صباح ذلك اليوم، عندما غادرت صوفي لتقابل إيان في مطار تورونتو، أبقى فيليب ديزي ~~منشغلة في غرفة الأطفال. تأقلمت ديزي كثيرا مع ذاك البيت الغريب - فيما عدا أنها كانت ~~تبلل فراشها كل ليلة من ليالي الإجازة - لكن تلك كانت المرة الأولى التي تتركها فيها أمها ~~وتخرج؛ لذا فقد طلبت صوفي من فيليب أن يلهيها، وهو ما فعله بحماس (أكان سعيدا بالمنحى ~~الجديد الذي اتخذته الأمور؟) أخذ يدفع السيارات اللعبة بشدة على الأرضية حتى تغطي أصواتها ~~المزعجة صوت تشغيل محرك السيارة التي استأجرتها صوفي وهي تقودها مبتعدة. وبعدها بفترة قصيرة ~~صاح قائلا لإيف: «هل ذهبت «أ. ح.» الآن؟» # كانت إيف في المطبخ تنظف ما خلفه الإفطار من فتات وغيره، وتفكر فيما ستفعل ms140 بعد ذلك. ~~فدخلت إلى غرفة المعيشة ، ورأت شريط فيديو داخل علبته، وكان لفيلم شاهدته مع صوفي الليلة ~~الماضية. ~~«جسور مقاطعة ماديسون.» # قالت ديزي: «ماذا تعني «أ. ح.»؟» # كانت حجرة الأطفال متصلة بحجرة المعيشة؛ فقد كان المنزل صغيرا وضيقا ويشتمل على أثاث ~~رخيص نظرا لأنه يستأجر فترة الصيف. وكانت إيف قد فكرت في استئجار كوخ على ضفة البحيرة ~~لقضاء الإجازة. وكانت تلك هي المرة الأولى لقضاء الإجازة مع صوفي وفيليب منذ خمس سنوات ~~تقريبا، وكذلك أولى المرات على الإطلاق مع ديزي. وقد اختارت هذا الجزء من شاطئ بحيرة ~~هورون؛ لأن والديها كانا يحضرانها إلى هذا المكان مع شقيقها عندما كانا في مرحلة الطفولة. ~~لكن الآن تغيرت الأحوال؛ فصارت كل الأكواخ قوية البناء شأنها شأن المنازل الحضرية، وصارت ~~الإيجارات عالية جدا. كان المنزل يقع في قلب البلدة على بعد نصف ميل من المنطقة الصخرية ~~- التي ما كان أحد ليفضل السكن فيها - شمال الشاطئ الذي كان من الملائم ارتياده، لكنه كان ~~أفضل مكان تستطيع أن تجده. وكان يقع في منتصف حقل ذرة؛ ولذا أخبرت الطفلين بما ذكره لها ~~أبوها من قبل؛ أن بإمكانهم ليلا سماع صوت الذرة وهي تنمو. # وكل يوم، عندما تأتي صوفي بملاءات ديزي - التي تغسلها بيديها - من على حبال الغسيل، كانت ~~تنفض حشرات الذرة من عليها. # قال فيليب وهو ينظر لإيف نظرة تحد ماكرة: «تعني «الأداة الحربية».» # توقفت إيف عند مدخل الباب. وفي الليلة الماضية، كانت قد رأت مع صوفي ميرل ستريب وهي تجلس ~~في شاحنة زوجها تحت المطر؛ تضغط بيديها على مقبض الباب، ويخنقها الشوق بينما يقود حبيبها ~~سيارته مبتعدا. ثم استدارت كل منهما إلى الأخرى، وكانت أعينهما مغرورقة بالدمع، فهزتا ~~رأسيهما وشرعتا في الضحك. # قال فيليب بلهجة استرضائية: «وتعني أيضا «الأم الحنون». أحيانا يسميها أبي هذا ~~الاسم.» # قالت إيف: «حسنا. إذا كان هذا هو ما تسأل عنه، فالإجابة هي نعم.» # تساءلت بينها وبين نفسها عما إذا كان فيليب يعتقد أن إيان هو والده الحقيقي. لم تسأل صوفي ~~عما ms141 قالت له هي وإيان، ولم تكن لتسأل عن هذا بالطبع. كان والده الحقيقي رجلا أيرلنديا ~~كثير الأسفار حول أمريكا الشمالية محاولا أن يقرر مصيره بعد أن قرر أنه لن يصبح قسا. ~~كانت إيف تفكر فيه كصديق عابر لصوفي، وقد بدا أن صوفي فكرت به بنفس الطريقة أيضا إلى أن ~~أغوته (قالت: «كان شديد الخجل، حتى إنني ما ظننت قط أن هذا قد يحدث»)، ولم تستطع إيف أن ~~تتصور ملامح فيليب إلا بعد أن رأته، وحينها رأته صورة طبق الأصل من أبيه؛ صبيا أيرلنديا ~~ذا عينين لامعتين، متحذلقا، حساسا، هازئا، متصيدا للأخطاء، متورد الوجنتين، خجولا، ~~مجادلا. قالت إنه يشبه صمويل بيكيت، حتى في تجاعيده، لكن الطفل الآن أكبر سنا فتلاشت ~~التجاعيد. # كانت صوفي في ذلك الحين طالبة متفرغة تماما لدراسة علم الآثار، وكانت إيف تعتني بفيليب ~~عندما تحضر صوفي المحاضرات. وكانت إيف ممثلة - ولا تزال تمثل حين تتاح لها الفرصة - وحتى في ~~الأيام التي لم تكن تعمل فيها أو كانت بروفات العمل نهارا، كانت تصطحب فيليب. ظلوا يعيشون ~~معا عامين - إيف وصوفي وفيليب - في شقة إيف في تورونتو، وكانت إيف هي التي تجر فيليب في ~~عربة الرضع - وبعدها في عربة الأطفال الصغار - بين شارع كوين والجامعة، وشارع سبادينا ~~وشارع أوسينجتون. وخلال تلك النزهات، اكتشفت منزلا صغيرا ممتازا - مع أنه بدا عليه عدم ~~الاعتناء به - معروضا للبيع في شارع مسدود لم تكن تعرفه من قبل، يبعد عن بيتها بمربعين ~~سكنيين، وتحفه الأشجار. أرسلت صوفي لتعاينه، بل وذهبتا معا وتفقدتاه مع وكيل عقارات، ~~وتحدثتا معه عن شرائه بنظام الرهن العقاري، وعن التجديدات التي ستتحملان ثمنها، وأي منها ~~يمكنهما فعله بنفسيهما. تارة تترددان وتارة تغرقان في الخيالات إلى أن بيع المنزل لمشتر ~~آخر، أو إلى أن تملكت إيف نوبة من البخل الشديد التي كانت تنتابها بين الحين والآخر، أو ~~إلى أن أقنعهما أحدهم أن هذه الشوارع الجانبية الضيقة اللطيفة لن توفر لهم - كسيدتين وطفل - ~~الدرجة نفسها من الأمان التي يوفرها مثل ذلك الشارع الحيوي ms142 المزعج الصاخب الذي ظلوا يعيشون ~~في أحد منازله. # أما إيان، فلم تكن إيف توليه نفس الاهتمام الذي كانت توليه للشاب الأيرلندي. كان مجرد ~~صديق، ولم يأت مطلقا إلى الشقة إلا بصحبة الآخرين. لكنه سافر ليعمل بوظيفة في كاليفورنيا ~~- كان عالم جغرافيا مدنية - ولذا ارتفعت قيمة فاتورة الهاتف، وهو ما حتم على إيف أن تتحدث ~~مع صوفي بهذا الشأن، وتسبب هذا في تغير الحالة العامة في الشقة (هل كان من الأفضل ألا ~~تطرح إيف موضوع فاتورة الهاتف؟) وسرعان ما تم التخطيط لزيارة لكاليفورنيا - بعد أن سافر - ~~فاصطحبت صوفي فيليب معها؛ لأن إيف كانت تؤدي دورا في مسرحية صيفية على المسرح ~~المحلي. # لم يمض وقت طويل بعدها حتى تواردت الأخبار من كاليفورنيا بأن صوفي وإيان ~~سيتزوجان. # قالت لها إيف عبر الهاتف من النزل الذي كانت تقيم فيه: «أليس من الحكمة أن تجربا ~~العيش معا بعض الوقت؟» فقالت لها صوفي: «أوه، كلا إنه غريب، لا يؤمن بذلك.» # قالت إيف: «لكنني لا أستطيع أن أترك المسرحية من أجل حضور العرس، فالعرض سيستمر حتى منتصف ~~سبتمبر.» # قالت صوفي: «لا بأس؛ فلن يكون عرسا بمعنى الكلمة.» # ولم ترها إيف بعدها حتى هذا الصيف. في البداية كانت كلتاهما في حاجة ماسة إلى المال. ~~عندما كانت إيف تعمل، كان لديها حس دائم بالالتزام نحو ابنتها، لكن عندما توقفت عن العمل لم ~~تعد تستطيع أن تتحمل أي نفقات إضافية؛ فسرعان ما التحقت صوفي هي الأخرى بوظيفة؛ عملت ~~موظفة استقبال في عيادة أحد الأطباء. وذات مرة، كادت إيف أن تحجز تذكرة طيران عندما هاتفتها ~~صوفي قائلة إن والد إيان قد مات، وإن إيان سيسافر جوا إلى إنجلترا كي يحضر الجنازة ويعود ~~بأمه إلى كاليفورنيا. # قالت: «وليس لدينا سوى غرفة واحدة.» # قالت إيف: «يا لها من فكرة مفزعة! اثنتان من الحموات في منزل واحد، فضلا عن غرفة ~~واحدة.» # قالت صوفي: «ربما بعد أن ترحل.» # لكن أم إيان ظلت في المنزل حتى ولدت ديزي، بل ظلت حتى انتقلوا إلى المنزل الجديد؛ أي ms143 ~~ثمانية أشهر إجمالا. في ذلك الوقت ، كان إيان قد بدأ في تأليف كتابه، وما كان سيتيسر هذا مع ~~وجود زوار في البيت. لم يكن أمرا يسيرا على أي حال. وبذلك، ولى الوقت الذي شعرت فيه إيف ~~أنها واثقة بنفسها بما يكفي لأن تدعو نفسها إلى زيارة بيتهم. وانتهى الأمر بأن أرسلت صوفي ~~لها صورا لديزي وللحديقة ولجميع غرف المنزل. # وبعد ذلك، أعربت صوفي عن نيتهم - هي وفيليب وديزي - العودة إلى أونتاريو في هذا الصيف؛ ~~سيقضون ثلاثة أسابيع مع إيف، بينما يعمل إيان في كاليفورنيا بمفرده. ومع نهاية الأسابيع ~~الثلاثة، سيلحق بهم إيان، ويسافرون جوا من تورونتو إلى إنجلترا ليقضوا شهرا مع ~~أمه. # قالت إيف: «سأستأجر كوخا على شاطئ البحيرة. كم سيكون هذا رائعا!» # قالت صوفي: «بالفعل، لم أرك منذ فترة طويلة جدا.» # وهكذا جرت الأمور؛ وكانت رائعة بحق كما ظنت إيف. لم يبد أن صوفي انزعجت أو اندهشت من ~~أن ديزي تبلل فراشها. أما فيليب، فظل مهذبا ومتحفظا بضعة أيام، كما كان رد فعله لطيفا ~~عندما أخبرته إيف بأنها تعرفه منذ أن كان رضيعا، لكنه كان يشكو من البعوض الذي يهاجمهم وهم ~~يسرعون عبر غابة الأشجار المتراصة على الساحل في اتجاه الشاطئ. أراد الذهاب إلى تورونتو ~~ليزور المركز العلمي، لكنه ما لبث أن هدأ وبدأ يسبح في البحيرة دون أن يشكو من برودة ~~مياهها. وبعدها شغل نفسه ببعض المشاريع التي كان ينفذها بمفرده؛ مثل سلق سلحفاة ميتة - كان ~~قد أتى بها إلى المنزل - وكشط لحمها حتى يستطيع أن يحتفظ بصدفتها. وكان بطن السلحفاة الميتة ~~يحتوي على جراد بحر غير مهضوم، كما أن صدفتها تكسرت إلى أجزاء؛ لكن أيا من هذا لم ~~يفزعه. # في تلك الآونة، وضعت إيف وصوفي نظاما ممتعا، حيث أداء المهام اليومية صباحا، وقضاء ~~فترة بعد الظهر على الشاطئ، واحتساء النبيذ مع العشاء، ومشاهدة الأفلام في ساعات متأخرة من ~~المساء. كما انشغلتا ببعض الأفكار غير الجادة قليلا بشأن المنزل: ماذا عسانا أن نفعل فيه؟ ~~أولا ننزع ورق الحائط ms144 عن جدران غرفة المعيشة - وكان نقشه يشبه الخشب - وننزع مشمع ~~الأرضية المرسومة عليه أشكال سخيفة من زهور الزنبقة الذهبية التي استحالت بنية بفعل ~~الرمال المتشبثة به وماء المسح المتسخ. انهمكت صوفي في الأمر بحماس، حتى إنها نزعت جزءا ~~متعفنا منه أمام الحوض، ووجدت تحته ألواحا من خشب الصنوبر في حاجة إلى السنفرة. وأخذتا ~~تتكلمان أيضا عن تكلفة استئجار ماكينة سنفرة (بافتراض أن المنزل صار ملكهما) وعن الألوان ~~التي ستختارانها لطلاء الأبواب وخشب المنزل، كمصاريع النوافذ والأرفف المكشوفة في المطبخ، ~~مع تجاهل الخزانات المتسخة المصنوعة من الخشب الرقائقي. ماذا عن موقد يعمل بالغاز؟ # ترى من سيعيش في هذا المكان؟ إنها إيف؛ فالمتزلجون على ~~الجليد - باستخدام الزلاقات الآلية - الذين ~~عاشوا في هذا المنزل باعتباره ناديا شتويا، كانوا يشيدون مبنى خاصا بهم لهذا الغرض في ~~تلك الآونة، وبالطبع سيسر مالك المنزل إذا ما أجره طوال العام، أو قد يبيعه بثمن بخس ~~بسبب حالته الرثة. ويمكن أن يكون منتجعا للاسترخاء، إذا ما حصلت إيف على الوظيفة التي ~~تأملها في الشتاء القادم. وإذا لم تحصل عليها، فلم لا تؤجر الشقة من الباطن وتعيش فيها؟ ~~سيختلف الإيجار، وكذلك قيمة معاش كبار السن الذي بدأت تتقاضاه في أكتوبر، والنقود التي ما ~~زالت تحصلها من إعلان روجت فيه - باعتبارها ممثلة - لمكمل غذائي. وبذلك يمكنها أن ~~تتدبر أمرها. # قالت صوفي: «وحين نأتي في الصيف، يمكننا أن نسهم في الإيجار.» # سمعهما فيليب، فقال: «كل صيف؟» # قالت صوفي: «أرى أنك أحببت البحيرة. لقد أحببت المكان.» # قالت إيف: «كما أن البعوض لا يكون بهذا السوء كل عام، عادة لا يحدث هذا إلا في بداية ~~الصيف، في شهر يونيو، قبل أن تصلوا؛ إذ تتكون مستنقعات كثيرة في الربيع - وتكون موحلة - ~~فينمو حولها البعوض، ثم تجف تماما من الماء فيختفي البعوض. أما هذه السنة، فقد هطلت ~~أمطار كثيرة، ولم تجف المستنقعات بالكامل، فنال البعوض فرصة ثانية ونما جيل جديد.» # اكتشفت إيف كم يحترم فيليب المعلومات التي ذكرتها، وفضلها على آرائها وذكرياتها. # لم تكن صوفي ms145 مولعة بالذكريات بالمثل؛ وكلما جاء ذكر الماضي الذي يجمعها بإيف - حتى خلال ~~تلك الأشهر التي أعقبت ميلاد فيليب والتي كانت تراها إيف أسعد وأصعب وألطف الأوقات وأكثرها ~~إثمارا في حياتها - كان وجه صوفي يكتسي بنظرة جادة تضمر شيئا ما خفيا عن قول تسره ~~في نفسها ولا يكاد يتحرر من قبضتها عليه. أما الماضي الأبعد، حيث طفولة صوفي، فكان يتطلب ~~الحذر ولكن على نحو إيجابي - كما اكتشفت إيف - بينما كانتا تتحدثان عن مدرسة فيليب. وفيما ~~يتعلق بالمدرسة، كانت صوفي ترى أنها صارمة نوعا ما، لكن إيان لم تكن له تحفظات ~~عليها. # قالت إيف: «يا لها من طفرة! اختلاف كبير عن بلاك بيرد.» فقالت صوفي على الفور وبلهجة تكاد ~~تكون عنيفة: «أوه، بلاك بيرد! إنها لمهزلة أن أفكر أنك دفعت تكلفة تعليمي في بلاك بيرد. ~~دفعت أموالك مقابل خدماتها.» # بلاك بيرد مدرسة بديلة ارتادتها صوفي، ولم يكن الطلاب يلتحقون فيها بسنوات دراسية وإنما ~~بمجموعات وفقا لتقييم المدرسين لهم (واسم المدرسة مستوحى من ترنيمة «أشرق الصباح»). ~~كلفت هذه المدرسة إيف أكثر مما تطيق، لكنها كانت تعتقد أنها هي الخيار الأفضل لفتاة تعمل ~~أمها ممثلة وأبوها غير موجود في الصورة. وعندما كانت صوفي في التاسعة أو العاشرة من عمرها، ~~أغلقت المدرسة بسبب خلافات وقعت بين أولياء الأمور. # قالت صوفي: «درست الأساطير اليونانية ولم أعرف أين هي اليونان، بل إنني لم أعرف ما هي. ~~وكنا نقضي حلقة الفنون في صنع شارات مناهضة لاستخدام الأسلحة النووية.» # قالت إيف: «أوه، لم يحدث هذا بالطبع.» ~~«بل حدث، وكانوا يتحرشون بنا لفظيا - تحرشوا بنا بالفعل - كي نتحدث عن الجنس. كان ~~تحرشا لفظيا، وكنت تدفعين مقابل هذا.» ~~«لم أكن أعرف أنها بهذا السوء.» # قالت صوفي: «على كل فقد نجوت بنفسي.» # قالت إيف بارتجافة: «هذا هو المهم، أن تنجي بنفسك.» ~~••• # كان والد صوفي من ولاية كيرلا التي تقع في الشطر الجنوبي من الهند. قابلته إيف وأمضت كل ~~وقتها معه على متن قطار مسافر من فانكوفر إلى تورونتو. كان طبيبا شابا يدرس ms146 في كندا ~~للحصول على درجة الزمالة ، وكان متزوجا وله طفلة في موطنه بالهند. # استغرقت رحلة القطار ثلاثة أيام، وعندما توقف مدة نصف ساعة في كالجاري، هرعت إيف والطبيب ~~باحثين عن صيدلية كي يبتاعا منها واقيات ذكرية، لكنهما لم ينجحا في سعيهما. وعندما وصلا ~~وينيبيج - حيث توقف القطار مرة أخرى مدة ساعة كاملة - كان الأوان قد فات. والواقع - كما ~~ذكرت إيف كلما روت قصتهما - أن الأوان قد فات بمجرد تجاوز القطار حدود مدينة ~~كالجاري. # كان الطبيب يستقل عربة قطار عادية؛ فلم تكن منحة الزمالة مجزية للغاية. أما إيف، فكانت ~~مسرفة في هذه الرحلة واستأجرت لنفسها قمرة خاصة. كان هذا الإسراف - الذي اتخذ قراره في ~~اللحظات الأخيرة - وما وفرته القمرة من راحة وخصوصية، هما السببان الأساسيان في وجود ~~صوفي وفي أكبر تغيير طرأ على حياة إيف. هذا بالإضافة إلى أنه ليس بإمكان أحد أن يبتاع ~~واقيات ذكرية من أي مكان بالقرب من محطة كالجاري تحت أي ظرف من الظروف. # وعندما وصلا محطة تورونتو، لوحت بيدها مودعة حبيبها القادم من كيرلا - كما يودع أي ~~أحد شخصا عرفه في القطار - فقد قابلت لتوها رجلا أضحى في ذلك الوقت اهتمامها الرئيسي ~~ومشكلة حياتها الأساسية. كانت اهتزازات وتمايلات القطار هي العلامة التي ميزت الأيام ~~الثلاثة التي استغرقها القطار في رحلته، حتى إن الحركات الجنسية كانت تلقائية وغير متعمدة ~~على الإطلاق، وربما لهذا استسلما لها - فيما يبدو - ولم يصاحبهما أي شعور بالذنب. ولا بد أن ~~شعورهما وحديثهما قد تأثرا بالمثل بهذه التلقائية؛ فقد كانت إيف تتذكر كم كانت هذه المشاعر ~~والأحاديث عذبة وسخية، غير تقليدية أو فاترة. فمن الصعب أن تكون تقليديا عندما تتعامل مع ~~أبعاد ومقاييس قمرة قطار. # أخبرت إيف صوفي باسم والدها الذي عمد به - وهو توماس؛ تيمنا بالقديس - ولم تكن إيف ~~تعرف أن هناك مسيحيين في جنوب الهند قبل أن تقابله. وحين كانت صوفي دون العشرين، شغلت لبعض ~~الوقت بولاية كيرلا؛ إذ كانت تأتي بكتب من المكتبة عن هذه الولاية إلى المنزل، واعتادت أن ms147 ~~تذهب إلى الحفلات مرتدية الساري. وعندما كبرت قليلا، كانت تتحدث عن الذهاب إلى هناك للبحث ~~عن أبيها، وبدا لها أن معرفتها باسمه الأول وبتخصصه - أمراض الدم - كافية لأن تجده. لكن إيف ~~أكدت لها أن عدد سكان الهند هائل، وأنه من الممكن ألا يكون قد استقر هناك، غير أن ما لم ~~تستطع أن تشرحه لها هو كم سيكون وجودها عرضيا بكل تأكيد، وغير محتمل بالمرة، في حياة ~~والدها. ولحسن الحظ، تبخرت هذه الفكرة من ذهن الفتاة، وتوقفت عن ارتداء الساري بعدما شاعت ~~تلك الأزياء المثيرة العرقية في كل مكان. ولم تذكر أبيها بعدها إلا حين حملت لأول مرة؛ ~~متندرة على الحفاظ على تقاليد العائلة بخصوص غياب الآباء. ~~••• # لكن الآن لا مجال لهذه النكات؛ فقد نضجت صوفي وصارت تتصف بالرقي والأنوثة المتحفظة. وذات ~~مرة - بينما كانوا يتوغلون في غابة الأشجار بالقرب من الشاطئ للوصول إليه - انحنت صوفي ~~لتحمل ديزي من الأرض كي يتحركوا بسرعة أكبر مبتعدين عن البعوض. وحينها انبهرت إيف بمقومات ~~الجمال التي طرأت على ابنتها مؤخرا؛ جمال فائق هادئ بسيط، ليس نتاج العناية به أو استخدام ~~مستحضرات التجميل، وإنما نتاج إيثارها وانغماسها في الواجبات. أمست تبدو أكثر ميلا لملامح ~~الهنود، فقد أكسبت شمس كاليفورنيا بشرتها الخمرية سمرة أغمق، وظهرت تحت عينيها هالات من ~~أثر إرهاق بسيط ومتواصل. # لكنها ظلت سباحة ماهرة؛ فالسباحة هي الرياضة الوحيدة التي اهتمت بها على الإطلاق. لم ~~يتغير مستواها بمرور الوقت، وكانت تسبح باتجاه منتصف البحيرة - فيما يبدو - أثناء هذه ~~الزيارة. وفي أول يوم سبحت فيه، قالت: «كان هذا رائعا، غمرني شعور قوي بالحرية.» لم يكن ~~السبب وراء قولها هذا أن إيف كانت تعتني بطفليها؛ مما منحها هذا الشعور بالحرية؛ إذ أدركت ~~إيف أن ابنتها ليست في حاجة للإقرار بذلك. وقالت إيف: «إنني سعيدة»؛ مع أنها في الواقع كانت ~~تشعر بالخوف الشديد عليها، فأخذت تناديها مرات ومرات خلال السباحة بينها وبين نفسها: ~~استديري الآن وارجعي. لكن صوفي استمرت في ~~السباحة متجاهلة تلك الرسالة التخاطرية الملحة. وتبدى ms148 رأسها الأسود أمام ناظري إيف ~~كبقعة في الماء، ثم كأثر بقعة، ثم كسراب تتقاذفه الأمواج المتلاطمة. لم يكن ما خشيته إيف ~~ولم تستطع التفكير فيه هو تداعي قوتها، وإنما رغبتها في العودة؛ وكأن صوفي الجديدة - تلك ~~المرأة الناضجة التي تقيدها المسئوليات - لا تكترث بحياتها أكثر من الفتاة التي تعرفها إيف؛ ~~صوفي الصغيرة التي تعج حياتها بالمخاطر والرومانسية والأحداث الدرامية. ~~••• # قالت إيف لفيليب: «علينا أن نعيد شريط الفيديو الذي استأجرناه إلى المتجر.» ~~«ربما علينا فعل ذلك قبل أن نذهب إلى الشاطئ.» # قال فيليب: «لقد سئمت الشاطئ.» # لم تكن إيف ترغب في الجدال؛ فبعد أن ذهبت صوفي وتبدلت كل الخطط - لأنهم سيرحلون، كلهم ~~سيرحلون اليوم بعد ساعات - شعرت هي الأخرى أنها سئمت الشاطئ، وسئمت البيت أيضا، وكل ما ~~رأته الآن هو الصورة التي ستبدو عليها الحجرة غدا. ستلملم أقلام الشمع الملونة والسيارات ~~اللعبة والقطع الكبيرة المكونة للعبة الألغاز المبسطة الخاصة بديزي، وتحزم في الأمتعة، ~~وترحل هي الأخرى. ستختفي القصص التي حفظتها عن ظهر قلب. لن تجفف الملاءات على عتبة ~~النافذة، وستبقى إيف بمفردها ثمانية عشر يوما أخرى في هذا المكان. # قالت: «ما رأيك في الذهاب اليوم إلى مكان آخر؟» # قال فيليب: «إلى أين؟» ~~«دعني أفاجئك.» ~~••• # في اليوم السابق ليوم الرحيل، أتت إيف من القرية محملة بالمؤن - وقد صار متجر القرية ~~كبيرا وأنيقا هذه الأيام، وصار بإمكانك العثور فيه على كل متطلباتك - فابتاعت جمبري ~~طازجا لصوفي، وقهوة ونبيذا وخبز الجاودار الخالي من بذور الكراوية؛ لأن فيليب لا يحب مذاق ~~الكراوية، وبطيخة طازجة، والكرز الأسود الذي يحبونه جميعا - مع الحذر من أن تبتلع ديزي ~~بذوره - وعلبة آيس كريم بنكهة الفدج والموكا، بالإضافة إلى الأشياء المعتادة الأخرى التي ~~تكفي أسبوعا آخر. # فصاحت صوفي وهي تنظف ما خلفه الأطفال من فتات وغيره أثناء تناول وجبة الغداء: «أوه، ~~ماذا سنفعل بكل هذه الأشياء؟» # قالت إن إيان اتصل هاتفيا ليخبرها بأنه سيحضر إلى تورونتو غدا جوا؛ لقد أحرز تقدما ~~في كتابه على نحو أسرع مما توقع، ما دفعه ms149 إلى تغيير خطته. فلن ينتظر حتى نهاية الأسابيع ~~الثلاثة، وإنما سيأتي غدا ليصطحب صوفي والطفلين في رحلة قصيرة. كان يريد أن يذهب إلى مدينة ~~كيبيك؛ فهو لم يزرها من قبل، وجال بخاطره أنه يجدر بالأطفال أن يزوروا ذاك الجزء الكندي ~~الذي يتحدث سكانه الفرنسية. # قال فيليب: «لقد شعر بالوحدة.» # فضحكت صوفي وقالت: «نعم، افتقدنا.» # دار بخلد إيف أن اثني عشر يوما قد مضت؛ اثني عشر يوما من الأسابيع الثلاثة، لكنها ~~استأجرت المنزل شهرا كاملا. أما عن شقتها، فتركتها لصديقها ديف ليعيش فيها خلال هذا ~~الشهر، وكان هو أيضا ممثلا عاطلا عن العمل، وكان محفوفا بمخاطر مالية جمة - حقيقية أو ~~متخيلة - حتى إنه كان يجيب الهاتف مغيرا صوته بأكثر من نبرة. كانت إيف مولعة بديف، لكنها ~~لا تستطيع العودة إلى شقتها ومشاركته إياها. # قالت صوفي إنهم سيستأجرون سيارة ليذهبوا بها إلى كيبيك، ثم سيستقلونها إلى مطار تورونتو ~~مباشرة، ومن هناك ستعاد السيارة حيث أخذوها. لم تذكر أي شيء بخصوص ذهاب إيف معهم؛ فلم يكن ~~هناك متسع في السيارة المستأجرة. لكن أليس بإمكانها أن تقود سيارتها الخاصة؟ من الممكن أن ~~يركب فيليب معها ليؤنس وحدتها، أو ربما صوفي. فمن الممكن أن يصطحب إيان الطفلين - إذا كان ~~يفتقدهما بشدة - ويترك صوفي مع إيف لتنال قسطا من الراحة بعيدا عن الطفلين. وقد تذهب إيف ~~وصوفي معا في رحلة بالسيارة، كما اعتادتا السفر في الصيف معا إلى مدينة لم تزوراها من ~~قبل، عندما كانت إيف تحصل على دور في عمل جديد. # لكن لم يكن هذا منطقيا؛ إذ إن إيف اشترت سيارتها منذ تسع سنوات، ولم تكن السيارة في ~~حالة تسمح لها بالذهاب في رحلة طويلة. كذلك فإن صوفي هي التي يفتقدها إيان، وبدا هذا واضحا ~~من وجهها الدافئ الذي يتحاشى النظرات، وكذلك لم يطلب أحد من إيف أن تأتي معهم. # قالت إيف: «رائع أنه يتقدم في تأليف كتابه.» # قالت صوفي: «بالفعل.» كانت تميل دوما إلى التحفظ والحذر قليلا عند التحدث عن كتاب إيان، ~~وعندما سألتها ms150 إيف عن موضوع الكتاب، اكتفت بقول : «الجغرافيا المدنية.» ربما كان هذا هو ~~السلوك الصحيح لزوجات الأكاديميين؛ ولم تكن إيف تعرف أيا منهن. # قالت صوفي: «على كل، سيتسنى لك الانفراد بنفسك بعض الوقت بعد فض هذا السيرك، وستقررين ~~إذا ما كنت فعلا تريدين الإقامة في الريف، في أحد المنتجعات.» # شرعت إيف في التحدث عن شيء آخر - أي شيء - حتى لا تستعطف صوفي بسؤالها عما إذا كانت لا ~~تزال تفكر في أن تأتي الصيف القادم. # فقالت: «ذهب صديق لي إلى أحد المنتجعات الحقيقية؛ إنه بوذي أو ربما كان هندوسيا، لكنه ~~ليس هنديا.» (عند ذكر الهنود، ابتسمت صوفي بطريقة دلت على أنه يجب تجنب مناقشة هذا ~~الموضوع.) «على كل حال، في هذا المنتجع، لا يمكنك التحدث مدة ثلاثة أشهر. طوال الوقت، يحيطك ~~كثير من الناس، لكنك لا تستطيعين أن تتحدثي معهم. وقال لي هذا الصديق إن أحد الأمور التي ~~كانت تحدث دائما - ويحذر الرواد منها - هو أن يقع المرء في حب أحد هؤلاء الناس الذين لم ~~يتحدث معهم قط؛ فيشعر أنه يتواصل معهم بطريقة خاصة وهو لا يحادثهم. بالطبع هذا الحب روحاني ~~لا حيلة للمرء فيه، لكن المسئولين هناك كانوا صارمين بشأن وقوعه، أو هكذا يزعم ~~صديقي.» # قالت صوفي: «إذن! ماذا يحدث حين يسمح للمرء بالكلام أخيرا؟» ~~«خيبة أمل كبيرة؛ فالشخص الذي ظننت أنك تواصلت معه روحانيا لا يكون قد تواصل معك ~~روحانيا بالمثل على الإطلاق. ربما يظن أنه يتواصل مع شخص آخر، وهذا الشخص يظن أنه ~~...» # غمر صوفي شعور بالارتياح وضحكت، قائلة: «وهكذا دواليك.» شعرت بالسعادة؛ لأنه لن تكون ~~هناك خيبة أمل مع أمها ولن يكون هناك إيذاء للمشاعر. # ظنت إيف أن الزوجين ربما يكونان قد تشاجرا، وأن هذه الزيارة ربما كانت لحاجة في نفس ~~ابنتها صوفي؛ ربما تكون قد أخذت طفليها ورحلت لتوضح له أمرا ما. رحلت لتقضي بعض الوقت مع ~~أمها، فقط لتوضح له أمرا ما. ربما تخطط لإجازات مستقبلية بدونه كي تثبت لنفسها أنها قادرة ~~على فعل ذلك. ربما ms151 تكون وسيلة لتلهية نفسها. # لكن السؤال الملح هو: من الذي هاتف الآخر؟ # قالت إيف: «لماذا لا تتركين الطفلين هنا؛ فقط حتى تذهبي إلى المطار؟ وبعدها عودي ~~واصطحبيهما لتبدءوا رحلتكم. هكذا سيتسنى لك أن تقضي وقتا قليلا بمفردك، وبعض الوقت مع ~~إيان. ذهابهما معك إلى المطار سيكون غاية في الصعوبة.» # قالت صوفي: «فكرة رائعة.» # ونفذتها. # جعل هذا إيف تتساءل في نفسها عما إذا كانت قد دبرت لهذا التغيير البسيط حتى يتسنى لها أن ~~تنفرد بفيليب وتتحدث معه. ~~(ألم تكن مفاجأة مذهلة أن يتصل والدك من كاليفورنيا؟ # لم يتصل، أمي هاتفته. # حقا؟ لم أكن أعلم. وماذا قالت له؟ # قالت: لم أعد أطيق المكان هنا، لقد سئمته، دعنا نضع خطة ما لتبعدني عن هنا.) ~~••• # خفضت إيف صوتها على نحو يوحي بجدية حديثها كإشارة إلى مقاطعة اللعب، وقالت: «فيليب. ~~فيليب، اسمعني. أعتقد أن علينا التوقف عن اللعب. هذه السيارة تخص أحد المزارعين، ولا بد ~~أنها ستنعطف عند مكان ما ولن نستطيع تتبعها.» # قال فيليب: «بل نستطيع.» ~~«كلا، لا نستطيع. إذا استمر الأمر سيتساءلون عما نفعل، وسيستشيطون منا غضبا.» ~~«سنستدعي الطائرات الهليكوبتر كي تقصفهم.» ~~«كفى سخفا؛ تعلم أنها مجرد لعبة.» ~~«ستقصفهم طائراتنا.» # قالت إيف في محاولة جديدة: «لا أعتقد أن الطائرات مجهزة بأي أسلحة - لم يصنع المسئولون ~~أسلحة - قادرة على تدمير الفضائيين.» # قال فيليب: «غير صحيح.» ثم شرع يصف لها بعض أنواع الصواريخ، لكنها لم تسمع ما ~~يقول. ~~••• # حين كانت إيف طفلة تعيش في القرية مع شقيقها وأبويها، كانت تذهب أحيانا في نزهة مع أمها ~~إلى الريف. لم تكن بحوزتهم سيارة - فقد كان زمن حرب - وإنما كانوا يستقلون القطار إلى هذا ~~المكان. وكانت السيدة التي تدير النزل الذي كانت تعيش فيه في القرية صديقة لأم إيف، ~~وأحيانا كانت تدعوهما ليصاحباها في سيارتها عندما تنوي الذهاب إلى الريف لشراء الذرة أو ~~التوت أو الطماطم. وأحيانا كن يتوقفن لاحتساء الشاي وينظرن إلى الصحون القديمة وبعض قطع ~~الأثاث المعروضة للبيع في مدخل بيت إحدى المزارعات اللاتي يدرن مشروعاتهن ms152 الخاصة. أما والد ~~إيف، فقد كان يفضل ألا يذهب معهما ليلعب الداما مع رجال على الشاطئ؛ حيث كانت هناك مصطبة ~~كبيرة من الأسمنت على شكل مربع مرسوم عليها لوحة داما، لها سقف للحماية من أشعة الشمس ~~والمطر وليس لها جدران. وهناك - حتى في ظل المطر - كان الرجال يحركون قطع الداما الكبيرة ~~بتأن مستخدمين عصيا طويلة. أما شقيق إيف، فكان يراقبهم أو يتركهم ليسبح دون مراقبة من ~~أحد، فقد كان يكبرها سنا. لكن كل هذا اختفى الآن، حتى المصطبة الأسمنتية، لربما شيد ~~أعلاها مبنى ما. اختفى - أيضا - النزل ذو الشرفات الممتدة فوق الرمال، واختفت محطة ~~القطار التي كان اسم القرية مكتوبا عليها بالزهور، واختفت خطوط السكة الحديدية أيضا، ~~وشيد مكانها مركز تجاري على طراز يتصنع القدم، يشتمل على محل بقالة كبير يلبي حاجات ~~الناس، وحانة، ومحلات ملابس منزلية ومشغولات ريفية. # عندما كانت إيف صغيرة جدا وترتدي على رأسها مشبك شعر كبيرا على شكل فراشة، كانت مولعة ~~بتلك الرحلات الاستكشافية في الريف. فكانت - ~~عندما تذهب إلى هناك - تأكل كعكات صغيرة محشوة بالمربى، وأخرى تغطيها طبقة من الصوص ثم طبقة ~~من الكريمة المتماسكة المتناثرة عليها حبات الكرز. ولم يكن مسموحا لها أن تلمس أيا من ~~الأطباق أو وسائد الدبابيس المصنوعة من الستان والدانتيل، أو الدمى القديمة باهتة الألوان. ~~وكانت أحاديث النساء تمر من فوق رأسها، فتعتريها حالة من الكآبة المؤقتة؛ كأنها سحابات لا ~~سبيل للهرب منها. لكنها كانت تستمتع بالركوب في المقعد الخلفي للسيارة متخيلة نفسها تمتطي ~~صهوة جواد أو تجلس في عربة ملكية. لكن فيما بعد، صارت ترفض الذهاب إلى هذه الرحلات. بدأت ~~تكره السير ظلا لأمها، ومعرفة الناس لها من خلالها؛ فعندما تقول الأم «ابنتي إيف»، يتردد ~~صوتها على مسامع الفتاة ليشي بنبرة تعال وغرور وكأنها - زيفا - من ممتلكاتها (غير أن إيف ~~كانت تستخدم هذه العبارة - أو ما شابهها - في بعض من أكثر عروضها التمثيلية فظاظة وأقلها ~~نجاحا). كذلك كانت تكره الطريقة التي تتأنق بها أمها في العادة وهي ذاهبة إلى ms153 الريف؛ ~~القبعات الكبيرة، وقفازات يديها، والفساتين المصممة من أقمشة رقيقة تعلوها نقوش بارزة لزهور ~~بدت كالثآليل. وأخيرا، بدت أحذيتها الخفيضة ذات الأربطة - التي كانت تريح التهاب مسامير ~~الأقدام التي تعانيها - ضخمة ورثة بشكل يسبب الحرج. # وفي السنوات الأولى التي قضتها إيف بعيدا عن المنزل، كانت تلعب مع صديقاتها لعبة «ما ~~أكثر شيء تكرهينه في أمك؟» # قالت إحدى الفتيات: «مشدات الخاصرة.» وقالت أخرى: «المآزر المبتلة.» # بونيه الشعر الشبكي. الذراعان الممتلئتان. الاقتباس من الكتاب المقدس. أغنية «الولد ~~داني». # بينما تقول إيف: «مسامير قدميها.» # كانت قد نسيت هذه اللعبة منذ فترة طويلة ولم تتذكرها إلا مؤخرا، وكانت ذكراها بمنزلة ~~الضغط على جرح عميق. # أبطأت السيارة التي تسير أمامهم، وانعطفت دون أي إشارة تحذيرية إلى حارة طويلة تحفها ~~الأشجار. قالت إيف: «لا يمكن أن أتبعهم لأكثر من هذا يا فيليب.» وواصلت القيادة. لكن وهي ~~تتجاوز الحارة، لمحت أعمدة البوابات. كان شكلها غريبا يشبه المنارات على حالتها الأصلية، ~~لا يزينها سوى حصى مطلي بماء الكلس وقطع من الزجاج الملون. لم يكن أي منها مستقيما، ~~وكانت جميعها شبه مغطاة بنبات عصا الذهب والجزر البري؛ مما أفقدها المظهر الواقعي لأعمدة ~~البوابات، وأحالها إلى عناصر مسرحية محتجبة في أوبريت صارخ الديكور. وما إن رأتها إيف حتى ~~تذكرت شيئا آخر؛ تذكرت سورا يسيج منزلا، سورا مطليا بماء الكلس الأبيض، عليه بعض ~~الصور لمشاهد ثابتة رائعة وطفولية: كنائس ذات قمم مستدقة، وقلاع ذات أبراج، ومنازل مربعة ~~الهيكل ذات نوافذ صفراء مائلة على شكل مربع، وأشجار عيد ميلاد مثلثة الشكل، وطيور ذات ألوان ~~استوائية يبلغ حجمها نصف حجم الأشجار، وجواد سمين ذو أرجل هزيلة وعينان شديدتا الحمرة، ~~وأنهار زرقاء متموجة تبدو كأشرطة طويلة، وقمر ونجوم متناثرة، وزهور عباد شمس كبيرة تميل على ~~أسطح المنازل. كل هذه الصور بارزة على السور بقطع من الزجاج الملون الملصقة في الأسمنت أو ~~الجص. رأت إيف هذا السور من قبل، ولكنه لم يكن في مكان عام، بل في الريف، وكانت وقتها مع ~~أمها. لاحت صورة أمها ms154 أمام السور في ذهنها؛ كانت تتحدث مع مزارع عجوز في نفس عمرها، وبدا ~~بالطبع هرما في عين إيف. # كانت أمها ومديرة النزل تذهبان في تلك الرحلات لمشاهدة أشياء غريبة وليس فقط التحف؛ ~~فذهبتا ذات مرة لمشاهدة شجيرة مشذبة على شكل دب وحديقة تفاح أشجارها متناهية في ~~القصر. # لم تتذكر إيف أعمدة البوابات هذه قط، لكنها ظنت أنها لا تنتمي لأي مكان سوى مكانها هذا. ~~رجعت بالسيارة ثم استدارت لتدخل الطريق الضيق الذي تتخلله الأشجار. كانت أشجار صنوبر بري ~~قديمة وضخمة - وربما خطيرة - وكانت تتدلى منها ~~أغصان شبه ميتة، وتفترش الأرض أغصان أخرى عصفت بها الرياح أو تساقطت عن الأشجار، فأضحت ~~ملقاة وسط الحشائش والعشب على جانبي الطريق. أخذت السيارة تتأرجح للأمام والخلف بفعل حفر ~~الطريق، وبدت ديزي سعيدة بتأرجحها؛ فبدأت تصاحبها بأصوات متكررة تشي بابتهاجها. # قد تتذكر ديزي هذا الموقف فيما بعد؛ قد يكون هذا هو كل ما ستتذكره من اليوم. الأشجار ~~الحدباء، واستظلال السيارة تحتها فجأة، وحركاتها الشائقة. وربما تذكرت بياض زهور الجزر ~~البري المحتكة بالنوافذ، وإحساسها بفيليب الذي يجلس بجانبها، وتشوقه الشديد غير المبرر، ~~وتحكمه غير الطبيعي في شعوره بالإثارة المنعكسة على صوته الطفولي، وإحساسها الأكثر غموضا ~~بإيف؛ ذات الذراعين العاريتين المغطاتين بالنمش والتجاعيد الناتجة عن التعرض للشمس، وشعرها ~~الأشقر المتموج - الذي يتخلله الشيب - المشدود للخلف بعصابة سوداء. وربما تذكرت رائحتها ~~أيضا. لم تكن رائحة سجائر - كسابق العهد - أو كريمات ومواد تجميل معروفة أنفقت إيف أموالها ~~عليها في السابق، بل رائحة - فلنقل - بشرة عجوز؟ ثوم؟ نبيذ؟ غسول فم؟ لعل الجدة ستكون في ~~عداد الأموات حين تتذكر ديزي هذا. قد تتباعد المسافات بين فيليب وديزي؛ مثلما حدث مع إيف ~~التي لم تتحدث مع شقيقها منذ ثلاثة أعوام، منذ أن قال لها عبر الهاتف: «لا يجدر بك الاشتغال ~~بمهنة التمثيل، ما لم تملكي ما يؤهلك لأن تتميزي في هذا المجال.» # لم تكن هناك أي إشارة على وجود منزل في ~~الطريق أمامهم، لكن من خلال فرجة بين الأشجار ظهر هيكل حظيرة ms155 قائمة، زالت جدرانها وإن بقيت ~~أعمدتها سليمة لم تمس، وسطحها كامل لكنه مائل تجاه أحد جانبيه، فبدا كقبعة غريبة الشكل. ~~تبين لإيف أيضا أن هذا المكان يحتوي على بعض الماكينات وقطع غيار سيارات وشاحنات قديمة ~~متناثرة هنا وهناك على مساحة من الأعشاب اليانعة الكثيفة. ولم تكن إيف في سعة كي تلقي نظرة ~~على المكان؛ فقد كانت مشغولة بالتحكم في السيارة على هذا الطريق الوعر. اختفت السيارة ~~الخضراء من أمامها؛ إلى أي مدى ابتعدت؟ انعطفت سيارة إيف مع انعطاف الطريق؛ فخرجوا من ظل ~~أشجار الصنوبر وسارت السيارة في ضوء الشمس. لكن ظلت زهور الجزر البري - التي تشبه زبد البحر ~~في بياضها - ممتدة أمام ناظريهم، ولم تفارقهم رؤية الخردة الصدئة المتناثرة حولهم. وعلى ~~أحد جانبي الطريق، اصطفت الشجيرات البرية كأنها سياج أخضر يختبئ خلفه المنزل، وأخيرا ~~رأته؛ كان منزلا كبيرا، من طابقين، مبنيا بطوب رمادي مائل للصفرة، وأسفل سطحه مباشرة ~~رأت علية خشبية بها نوافذ تنتأ منها قطع من الإسفنج القذر، بينما لمحت رقائق الألمنيوم ~~تلمع على زجاج نوافذ المنزل من الداخل. # لم يكن هذا هو المكان الذي ظنت أنه هو؛ فهي لا تتذكر هذا البيت على الإطلاق؛ فلم تسيج ~~الحشائش المجزوزة حوله بسور، بينما تناثرت شجيراته فوق العشب بغير ترتيب. # وجدت إيف السيارة واقفة أمامها في هذا المكان، وبعدها مباشرة رأت قطعة أرض خالية من ~~النبات مفروشة بالحصى؛ يمكنها أن تنعطف بالسيارة عندها. لكنها لم تستطع أن تتجاوز السيارة ~~كي تفعل هذا؛ فكان عليها أن تتوقف أيضا. تساءلت عما إذا كان الرجل الموجود في تلك السيارة ~~قد توقف بها في هذا المكان عن عمد حتى تضطر إلى تبرير وجودها هناك. وها هو قد ترجل عن ~~السيارة بتأن، ودون أن ينظر إليها حرر كلبه من رباط رقبته، وكان من قبل يتحرك في السيارة ~~وينبح بغضب شديد. وما إن وضع الكلب أقدامه على الأرض، حتى واصل النباح دون انقطاع لكنه لم ~~يبرح جانب الرجل. كان الرجل يرتدي قبعة تغطي وجهه؛ ولهذا لم تستطع ms156 إيف رؤية تعبيرات وجهه. ~~وقف بجانب السيارة ينظر إليهم دون أن يقرر إذا ما كان سيقترب. # حلت إيف حزام مقعدها. # قال فيليب: «لا تخرجي، ابقي في السيارة، استديري وابتعدي عن هنا.» # قالت إيف: «لا أستطيع، الأمر على ما يرام، هذا الكلب لا يفعل شيئا سوى النباح ولن ~~يؤذيني.» ~~«لا تخرجي.» # لم يكن يجدر بها أن تترك اللعبة تخرج عن نطاق السيطرة إلى هذا الحد؛ فطفل في مثل عمر ~~فيليب قد يتطور الأمر معه لأكثر من ذلك. قالت: «هذا ليس جزءا من اللعبة، إنه مجرد ~~رجل.» # قال فيليب: «أعرف، لكن لا تخرجي.» # ردت إيف: «كفى.» ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها. # قالت: «مرحبا. آسفة؛ لقد ضللت الطريق، وظننت هذا الطريق يؤدي إلى مكان آخر.» # رد الرجل التحية بكلمة شبيهة. # قالت إيف: «كنت أبحث في الواقع عن مكان آخر؛ مكان أتيته مرة حين كنت صغيرة. كان فيه سور ~~عليه صور من قطع من الزجاج المكسور. أعتقد أنه سور أسمنتي مطلي بماء الكلس الأبيض. عندما ~~رأيت تلك الأعمدة على جانب الطريق اعتقدت أنه المكان ذاته. لا بد أنك ظننتنا نتبعك، كم ~~يبدو الوضع سخيفا!» # سمعت صوت باب السيارة يفتح؛ خرج فيليب وسحب ديزي خلفه من يدها. ظنت إيف أنه جاء ليكون ~~بالقرب منها، فمدت ذراعيها مرحبة به، فابتعد عن ديزي ودار حول إيف مخاطبا الرجل؛ فقد ~~حرر نفسه من خوفه اللحظي وبدا الآن أكثر ثباتا من إيف. # قال بلهجة يشوبها التحدي: «هل كلبك أليف؟» # قال الرجل: «إنها كلبة؛ لن تؤذيك ما دمت موجودا. إنها طيبة، دائمة النباح فقط لأنها ~~مجرد جرو، ما زالت جروا.» # كان رجلا صغير البنية، لا يزيد طوله عن طول إيف، وكان يرتدي بنطالا من الجينز وسترة ~~مفتوحة ملونة - تبدو من منسوجات بيرو أو جواتيمالا - وعلى صدره الأسمر العاري، حتى من ~~الشعر، القوي العضلات، تلمع سلاسل وقلائد ذهبية. وعندما تكلم، أزاح رأسه إلى الخلف، فبدت ~~ملامحه، ورأت إيف أن وجهه يعطيه سنا أكبر مما يوحي به صغر بنيته. وكانت بعض أسنانه ms157 ~~الأمامية مخلوعة. # قالت: «لن نزعجك ثانية . فيليب، لقد أخبرت هذا الرجل لتوي أننا دخلنا هذا الطريق بحثا عن ~~مكان أتيته عندما كنت فتاة صغيرة، وكانت به صور من الزجاج الملون معلقة على سور، لكنني ~~أخطأت، وليس هذا هو المكان المقصود.» # تساءل فيليب: «ما اسم الكلبة؟» # قال الرجل: «تريكسي.» وما إن سمعت الكلبة اسمها حتى قفزت وضربت ذراعه؛ فرد لها الضربة كي ~~تتوقف عن القفز، وقال: «لا أعرف أي شيء عن أي صور؛ فأنا لا أعيش هنا، هارولد قد يعرف ما ~~تتحدثين عنه.» # قالت إيف وهي ترفع ديزي من على الأرض: «لا بأس. أرجو منك فقط أن تحرك السيارة للأمام ~~قليلا حتى أنعطف بالسيارة.» ~~«لا أعرف شيئا عن هذه الصور. لو كانت في الجزء الأمامي من المنزل لما استطعت أن أراها؛ ~~لأن هارولد أغلق ذلك الجزء بالكامل.» # قالت إيف: «كلا. كانت الصور في الخارج. لا يهم؛ كان هذا منذ سنين عديدة.» # قال الرجل متحمسا للحوار: «لا. لا، ولم؟ فلتدخلي لهارولد وتتحدثي معه لتسأليه عنها. ~~أتعرفين هارولد؟ إنه مالك هذا المكان. كانت ماري من قبل من تملكه، لكن هارولد ألحقها بدار ~~للمسنين، وصار هو الآن صاحب المنزل. لم يتسبب في ذلك، كان لا بد أن تعيش هناك.» ثم اتجه نحو ~~سيارته والتقط منها صندوقي جعة وقال: «عدت لتوي من البلدة. هارولد أرسلني إلى هناك. ~~فلتدخلي له. ادخلي، سيسر بلقائك.» # قال فيليب متجهما: «إلى هنا يا تريكسي.» # أتت الكلبة تنبح وتقفز حولهم؛ فصرخت ديزي صرخة رعب واستمتاع في آن واحد، وكانوا جميعهم ~~في طريقهم إلى المنزل؛ ديزي على كتف إيف، بينما يسرع فيليب وتريكسي يثبان فوق المطبات ~~الأرضية التي كانت من قبل درجات سلم. تبعهم الرجل ومشى بالقرب منهم، وانبعثت منه رائحة جعة؛ ~~لا بد أنه كان يتجرعها في السيارة. # قال: «تفضلي بالدخول. تقدمي. لا تنزعجي بالفوضى التي تعم المنزل؛ فماري في دار المسنين، ~~ولا أحد يأتيه لتنظيفه وترتيبه كسابق العهد.» # دخلوا منزلا غارقا في الفوضى العارمة التي استغرقت سنوات بالضرورة كي تتراكم ms158 بهذا ~~الشكل. تألفت أولى طبقات الفوضى من مقاعد وطاولات وأرائك، وربما موقد أو اثنين، بالإضافة ~~إلى ملاءات قديمة، وأوراق جرائد، وستائر نوافذ، ونباتات ميتة موضوعة في أصص، وقطع أثاث ~~خشبي، وزجاجات فارغة، وأدوات إضاءة مكسورة. فوق كل ذلك طبقة أخرى، وكانت لأعمدة ستائر ~~متراكمة حتى السقف في بعض الأماكن، حتى حجبت ضوء الشمس القادم من الخارج؛ ولتعويض هذا الضوء ~~المحجوب، أضاء المكان مصباح بجانب الباب الداخلي. # ترك الرجل الجعة وفتح الباب ثم صاح مناديا هارولد. كان من الصعب تخمين أي غرفة دخلوها ~~الآن؛ إذ كانت مليئة بخزانات مطبخ ذات أبواب غير مثبتة في مفصلاتها، وبعض المعلبات على ~~الأرفف، وسريرين بلا مفارش، عليهما بطاطين مكرمشة. وكانت النوافذ مغطاة تماما بأثاث أو ~~ألحفة معلقة لا يمكنك تحديد أين كانت في الأساس. كذلك فاحت من تلك الغرفة رائحة محل خردة أو ~~حوض مسدود أو ربما مرحاض مسدود، ورائحة طبخ ودهون وسجائر وعرق وفضلات كلاب وقمامة ~~متراكمة. # لم يجب أحد نداءه، فاستدارت إيف - كان هناك متسع في هذا المكان كي تستدير على عكس ما ~~كان في المدخل - وقالت: «لا أعتقد أنه يصح أن ...» لكن تريكسي وقفت في طريقها، وأسرع الرجل من ~~خلفها كي يطرق بابا آخر. # وقال - دون أن يخفض صوته - صائحا مع أن الباب قد فتح: «ها هو، ها هو هارولد.» في نفس ~~اللحظة، اندفعت تريكسي للأمام وعلا صوت رجل آخر يقول: «اللعنة، أخرج الكلبة من ~~هنا.» # قال الرجل الصغير البنية: «تريد هذه السيدة رؤية بعض الصور.» أنت تريكسي متألمة بعد أن ~~ركلها شخص ما. وهكذا لم تملك إيف أي خيار سوى أن تدلف إلى الغرفة. # كانت غرفة طعام تحتوي على مائدة طعام قديمة وضخمة ذات مقاعد فخمة، جلس حولها ثلاثة رجال ~~يلعبون الورق؛ ورابعهم كان معهم لكنه نهض ليركل الكلبة. وكانت درجة حرارة الغرفة تدنو من ~~التسعين درجة فهرنهايت. # قال أحد الرجال الجالسين حول المائدة: «أغلقوا الباب، أشعر بتيار هواء في الغرفة.» # جر الرجل الصغير البنية تريكسي من تحت المائدة، وألقى بها ms159 في الغرفة الخارجية، ثم أغلق ~~الباب خلف إيف والأطفال. # قال الرجل الذي كان قد نهض ليركل الكلبة: «يا إلهي؛ عليها اللعنة!» كان صدره وذراعاه ~~منقوشين تماما بالوشوم حتى بدا لها جلده بنفسجيا أو مائلا للزرقة. هز رجله كما لو ~~كانت تؤلمه؛ ربما ركل رجل المائدة عندما ركل تريكسي. # كان من بين أولئك الرجال شاب مول ظهره إلى الباب؛ كان ذا منكبين ضيقين نحيلين وعنق دقيق. ~~افترضت إيف أنه شاب؛ لأن شعره مصبوغ أشقر ذهبيا ومثبت لأعلى، وكان يرتدي قرطا ذهبيا. ~~لم يستدر هذا الشاب ليواجههم، أما الرجل الجالس قبالته، فكان مسنا في عمر إيف نفسها، ~~وكان حليق الرأس، ذا لحية رمادية مشذبة، وعينين زرقاوين محتقنتين. نظر إلى إيف دون ود من أي ~~نوع، لكن نظرته شابها شيء من الذكاء والحصافة، وبذلك حاد عن سلوك الرجل الموشوم الذي نظر ~~إليها كما لو كانت هلوسة قرر أن يتجاهلها. # وعلى رأس الطاولة - في مقعد المضيف أو الأب - جلس الرجل الذي أصدر الأمر بغلق الباب؛ ~~وفيما عدا هذا لم ينظر أمامه ولم يول مقاطعتهم لهم أي اهتمام. كان سمينا، ذا بنية عريضة ~~ووجه شاحب وشعر مجعد بني مبلل بالعرق، وكان - كما ذكرت إيف - عاريا بالكامل. وكان الرجل ~~الموشوم والشاب الأشقر يرتديان الجينز، أما الرجل ذو اللحية الرمادية فكان يرتدي بنطالا من ~~الجينز أيضا وقميصا منقوشا بمربعات - أزراره كلها مغلقة - وربطة عنق يتدلى منها شريطان ~~على صدره. وعلت المائدة زجاجات وكئوس؛ وكان الرجل الجالس على مقعد المضيف - لا بد أنه ~~هارولد - يشرب الويسكي مع الرجل ذي اللحية الرمادية، والآخران يشربان الجعة. # قال الرجل الصغير البنية: «قلت لها قد تكون هناك بعض الصور في الجزء الأمامي من المنزل، ~~لكنها بالطبع لم تستطع الدخول لأنك قد أغلقته.» # قال هارولد: «اخرس.» # قالت إيف: «إنني جد آسفة.» ما كان أمامها من سبيل - فيما يبدو - سوى التحدث مرارا ~~وتكرارا عن إقامتها في نزل القرية عندما كانت فتاة صغيرة، ورحلاتها بالسيارة مع أمها، ~~والصور التي كانت معلقة على السور وذكرياتها عنها ms160 اليوم، وأعمدة البوابات، وخطئها - الذي ~~تبين في النهاية - واعتذارها عنه. تحدثت مباشرة مع ذي اللحية الرمادية، وكان الوحيد الذي ~~أبدى استعدادا للإنصات، وأظهر قدرته على تفهم الوضع. شعرت بألم في كتفها وذراعها من ثقل ~~ديزي، ومن التوتر الذي تملك جسدها كله. وجال بخاطرها كيف يمكن أن تصف موقفها هذا وسطهم؛ ~~لعله يشبه مسرحية صامتة من مسرحيات بنتر، أو كابوسا يداهمها دوما عن جمهور متبلد الحس ~~صامت وعدواني. # تكلم ذو اللحية الرمادية في لحظة لم تجد فيها أي كلام معسول أو ينم عن اعتذار يمكن أن ~~تقوله. قال: «لا أعلم. عليك أن تسألي هارولد. هارولد، هل تعرف أي شيء عن صور مصنوعة من زجاج ~~مكسور؟» # قال هارولد دون أن يرفع عينيه: «أخبرها أنني لم أكن قد ولدت بعد حين كانت تطوف بالسيارة ~~وتشاهد الصور.» # قال ذو اللحية الرمادية: «الحظ ليس حليفك اليوم يا سيدتي.» # أصدر الرجل الموشوم صوت صفير مخاطبا فيليب: «أيها الصبي، هل تستطيع أن تعزف على ~~البيانو؟» # اشتملت الغرفة أيضا على بيانو خلف مقعد هارولد، لكن لم يكن أمامه مقعد دون ظهر أو حتى ~~مقعد عادي يكفي لأكثر من شخص - إذ كان هارولد يحتل معظم المساحة بين البيانو والمائدة - ~~وفوقه تكومت أشياء لا تمت له بصلة كأطباق ومعاطف؛ كما كان الوضع فوق سطح أي شيء في ~~المنزل. # ردت إيف بسرعة: «كلا. لا يستطيع العزف.» # قال الرجل الموشوم: «أسأله هو. هل تعزف أي لحن؟» # قال ذو اللحية الرمادية: «دعه وشأنه.» ~~«إنني أسأله فحسب إن كان يستطيع أن يعزف أي لحن، ما المشكلة في ذلك؟» ~~«دعه وشأنه.» # قالت إيف: «لن أستطيع أن أمضي بسيارتي إلا بعد أن يحرك أحد السيارة الأخرى.» # ظنت إيف أن رائحة مني تنبعث من هذه الغرفة. # كان فيليب صامتا لم يبارح جانبها. # قالت وهي تستدير متوقعة أن تجد الرجل الصغير البنية خلفها: «أرجو أن تحرك ...» لم تكمل ~~الجملة حين رأت أنه ليس موجودا، لم يكن في الحجرة على الإطلاق، لقد خرج ولا تعرف متى فعل ~~هذا. ماذا ms161 لو كان قد أغلق رتاج الباب ؟ # أمسكت بمقبض الباب وأدارته، فانفتح الباب بصعوبة وشعرت بحركة سريعة على الجانب الآخر منه؛ ~~كان الرجل الصغير البنية جالسا القرفصاء يتنصت. # مضت إيف - دون أن تحادثه - من الغرفة إلى الخارج عبر المطبخ، وهرول فيليب بجانبها كأنه ~~أكثر أطفال العالم طاعة وانصياعا. ساروا عبر الممر الضيق المؤدي إلى المدخل وسط الخردة، ~~وعندما خرجوا إلى الهواء الطلق ملأت صدرها به؛ فهي لم تستنشق هواء حقيقيا منذ وقت ~~طويل. # صاح الرجل الصغير البنية من خلفها: «يمكنك أن تسيري للأمام في هذا الطريق، وتسألي عن بيت ~~ابن عم هارولد؛ يملك مكانا جميلا به منزل جديد، ربة المنزل هناك ترتبه دوما وتحافظ على ~~نظافته. وسيريك أهل البيت صورا أو أي شيء تريدينه. سوف يرحبون بك؛ سيجلسونك ويقدمون لك ~~الطعام. إنهم لا يتركون أحدا يمضي خالي المعدة.» # لا يمكن أن يكون قد ظل كل هذه الفترة جالسا القرفصاء خلف الباب، فلا بد أنه قد خرج ~~وحرك السيارة، ولربما حركها شخص آخر؛ فقد اختفت من المكان، وذهب بها شخص ما لمرأب أو أي ~~مبنى بعيد عن الأنظار. # تجاهلته إيف وربطت حزام مقعد ديزي، بينما ربط فيليب حزامه بنفسه دون أن يذكره أحد. ~~وظهرت تريكسي من مكان ما، وأخذت تحوم حول السيارة بحزن تشتم إطاراتها. # ركبت إيف السيارة وأغلقت الباب خلفها ووضعت يدها المتعرقة على المفتاح. دارت السيارة ~~فانطلقت بها للأمام فوق الحصى؛ وكانت تلك المنطقة محاطة بشجيرات كثيفة - حسبتها شجيرات توت ~~- وشجيرات ليلك قديمة وأعشاب. لكن سويت بعض هذه الشجيرات بالأرض بسبب تراكم أكوام كثيرة ~~من الإطارات القديمة والزجاجات والعلب الصفيح عليها. كان من الصعب تخيل أن كل تلك الأشياء ~~قد ألقيت من ذلك المنزل، في ظل وجود كل ما في داخله من حاجيات، لكنها ظنت أن هذا هو ما ~~حدث. وبينما كانت تنعطف بالسيارة، رأت من وراء تلك الشجيرات المسواة بالأرض بعض أجزاء سور ~~لا يزال ماء الكلس الأبيض عالقا به. # ظنت أنها ترى قطعا متلألئة من الزجاج معشقة فيه. ms162 # لكنها لم تبطئ سرعة القيادة كي تطل عليه، وتمنت ألا يكون فيليب قد لاحظه؛ فقد يرغب في ~~أن يتوقفوا لاستطلاع الأمر. وجهت السيارة نحو الحارة وقادتها أمام درجات السلم المغطاة ~~بالقاذورات التي تصل إلى المنزل. وقف الرجل الصغير البنية يلوح بكلتا ذراعيه لهم، وهزت ~~تريكسي ذيلها وقد أفاقت من حالة الانصياع الناتجة عن خوفها الشديد - بعد أن ركلت - ما ~~جعلها قادرة على النباح مودعة إياهم ثم ملاحقتهم بعض الشيء في الحارة. كانت تلك الملاحقة ~~تقليدا لها، وكانت تستطيع اللحاق بهم إذا أرادت. واضطرت إيف لأن تبطئ سرعتها فجأة عندما ~~ارتطمت بحفرة في الطريق. # قادت السيارة ببطء شديد مكن شخصا من الخروج بسهولة من بين الحشائش الطويلة المتراصة ~~على جانب السيارة - ناحية المقعد الذي يقع بجوار مقعد السائق - ثم فتح باب السيارة والقفز ~~داخلها؛ إذ لم تفكر إيف في قفل السيارة قبل أن تتحرك. # كان هذا الشخص هو الرجل الأشقر الجالس على المائدة في المنزل؛ ذاك الرجل الذي لم تر ~~وجهه. ~~«لا تخافي. لا تفزعوا. إنني فقط أتساءل عما إذا كنتم تستطيعون توصيلي معكم يا رفاق، هل ~~توافقون؟» # لم يكن رجلا أو صبيا، بل فتاة؛ فتاة ترتدي في ذلك الحين فانلة قذرة. # قالت إيف: «لا بأس.» واستطاعت التحكم في السيارة وحرصت ألا تخرج عن الطريق. # قالت الفتاة: «لم يكن باستطاعتي أن أطلب منك هذا الطلب حين كنت في البيت. لقد دخلت ~~دورة المياه وهربت من النافذة ثم جريت إلى هنا. الأرجح أنهم لم يعرفوا حتى الآن أنني هربت. ~~إنهم يستشيطون غضبا.» جذبت فانلتها بقبضة يدها - وكانت أكبر من مقاسها بكثير - وشمتها ثم ~~قالت: «عفنة الرائحة؛ جذبتها بسرعة من بين ثياب هارولد الموجودة في دورة المياه. رائحتها ~~عفنة.» # تركت إيف المطبات وخرجت من ظلمة الحارة وانعطفت إلى طريق عادي، فقالت الفتاة: «إلهي! كم ~~أنا سعيدة أنني خرجت من ذلك المكان. لم أعرف أي شيء عن ذلك المكان؛ لم أعرف حتى كيف دخلته. ~~كان ذلك ليلا، ولم يكن المكان مكاني. تعرفين ما أقصده؟» ms163 # قالت إيف: «بدوا مخمورين للغاية.» ~~«نعم . آسفة لو كنت أخفتك.» ~~«لا عليك.» ~~«ظننت أنك لن تقفي من أجلي لو لم أقفز داخل السيارة، أليس كذلك؟» # قالت إيف: «لا أدري، ربما كنت سأقف لو علمت أنك فتاة؛ فلم أرك جيدا قبلها.» ~~«نعم. لا أبدو كفتاة الآن، بل أبدو قذرة. لا أقول إنني لا أحب الاحتفال، بل أحبه، لكن ~~شتان بين احتفال وآخر. أتفهمينني؟» # استدارت في مقعدها وأخذت تنظر بثبات إلى إيف، حتى اضطرت إيف أن ترفع عينها عن الطريق لحظة ~~وتبادلها النظر؛ فرأت أن الفتاة أكثر ثملا مما تبدو. كانت عيناها البنيتان الغامقتان ~~باهتتين بلا بريق - وإن كانتا واسعتين، بل ومستديرتين، فيما يبدو، لشعورها بالإرهاق والتعب ~~- كما بدتا لإيف أنهما كسائر عيون السكارى تنقلان لها نفس الرسالة الاستعطافية، وإن كانت ~~بعيدة المنال، في إصرارهما - كمحاولة أخيرة - على خداع من أمامهما. كان جلدها مغطى ~~بعلامات وبقع في بعض المناطق، وجافا في مناطق أخرى أكسبها الجفاف لونا مختلفا عن لون ~~بشرتها، ووجهها بأكمله مجعد من فرط الشراب. كانت فتاة بيضاء البشرة غامقة الشعر - إذ كان ~~لشعرها الذهبي الصبغة المثبت لأعلى جذور غامقة متروكة عن عمد ومثيرة للاشمئزاز - ولها من ~~الجمال، إذا تغاضينا عن مظهرها القذر الحالي، ما يجعل المرء يتساءل ما سلكها مع هارولد ~~ورفاقه. كذلك فإن أسلوب حياتها والذوق السائد في تلك الأيام لا بد أنهما سلبا من وزنها ~~الطبيعي خمسة عشر أو عشرين رطلا، لكنها لم تكن طويلة، ولم تكن قط أكثر ميلا إلى طباع ~~وسلوك الرجال، بل كانت تنزع في الواقع لأن تكون فتاة قصيرة جذابة، كقطعة حلوى. # قالت الفتاة: «هيرب هذا مجنون؛ كيف يدخلك هذا البيت بهذه الطريقة؟ لقد فقد عقله.» # قالت إيف: «أدركت هذا.» ~~«لا أعرف ماذا يعمل هناك، أظنه خادما لدى هارولد، لكنني لا أعتقد أن هارولد يستفيد منه ~~خير استفادة.» # لم تعتقد إيف يوما أنها قد تنجذب إلى ~~النساء انجذابا جنسيا، كما أن تلك الفتاة بحالتها الرثة القذرة لم تكن لتجذب أي شخص. ~~لكن ربما لم ms164 تعتقد الفتاة أن هذا صحيح؛ فلا بد أنها اعتادت على أن ينجذب الناس إليها؛ ففي ~~لحظة ما، ألقت يدها لتمسح على فخذ إيف العارية - بعد حافة سروالها القصير - في حركة مدروسة ~~بالرغم من كونها ثملة كصاحبتها؛ إذ كان سيصبح من المبالغة الشديدة أن تفرد أصابعها وتمسك ~~بفخذها من المرة الأولى. كانت حركة مدروسة آملة وتلقائية، لكنها مع هذا تفتقد أي شهوة ~~حقيقية عنيفة حميمية تمزقها إربا، حتى إن إيف شعرت أن يد الفتاة ستسقط من فخذها بتلقائية ~~شديدة على حشية مقعد السيارة وتلامسه. # قالت الفتاة، وقد بدا صوتها - مثل يدها - يشق طريقه بجهد عبر حنجرتها لنقلها هي وإيف إلى ~~مستوى جديد من الحميمية: «إنني جيدة. تعرفين عما أتحدث عنه؟ جيدة.» # قالت إيف سريعا: «بالطبع.» بعدها عادت اليد التي لاطفتها إلى صاحبتها العاهرة المتعبة، ~~لكنها لم تفشل في مهمتها كلية؛ فبالرغم من جرأتها وافتقادها للمشاعر فإنها كانت كافية ~~لتحرك بعض المياه الراكدة. # كم امتلأت إيف شكا بسبب احتمال حدوث هذه العلاقة بطريقة أو بأخرى، ذلك الاحتمال الذي ~~ألقى بظل على الماضي الذي سبق تلك اللحظة، على كل ما حدث في حياتها من علاقات مثيرة ~~للمتاعب تتسم بالتهور من ناحية، وعلاقات جادة تفيض أملا من ناحية أخرى، إلى جانب علاقاتها ~~الأخرى التي لم تندم عليها إلى حد ما. لم يكن شعورا حقيقيا فاجأها بالخزي أو الخطيئة؛ ~~وإنما مجرد ظل مشين. كم ستكون دعابة سخيفة إذا ما بدأت تعبث الآن بعد أن كان سجلها نقيا ~~وصفحتها بيضاء! # لكن قد لا يؤثر هذا على سجلها؛ إذ كانت دائما تواقة للحب. # قالت: «إلى أين تريدين الذهاب؟» # أرجعت الفتاة رأسها للخلف ناظرة للطريق، وقالت: «أين وجهتك؟ هل تسكنين بالقرب من هنا؟» ~~تغيرت نبرة صوتها الإغوائية المشوشة - كما تتغير بالطبع بعد ممارسة الجنس - وتحولت إلى ~~نبرة ثابتة وواثقة وإن بدت متبجحة. # قالت إيف: «هناك حافلة تتنقل بين أرجاء القرية وتتوقف عند محطة الوقود، لقد رأيت ~~لافتتها.» # قالت الفتاة: «نعم، لكن هناك أمرا آخر، ليس معي أي نقود، ms165 فكما رأيت خرجت من البيت على ~~عجل ولم يكن هناك وقت لآخذ منهم نقودي؛ لذا فما جدوى أن أستقل الحافلة دون نقود؟» # لم تكن إيف في هذه اللحظة تفكر أن الفتاة يمكن أن تمثل مصدر تهديد. فلتخبرها بأن ~~تشير إلى أي سيارة مارة - ذاهبة إلى وجهتها - إن لم تكن تملك المال. لكنه أيضا ليس من ~~المرجح أن يكون بحوزة الفتاة مسدس تخفيه في سروالها الجينز، وإن أرادت أن تبدو وكأنها تملك ~~مسدسا. # ماذا إذا كانت تخفي سكينا؟ # التفتت الفتاة للمرة الأولى إلى المقعد الخلفي. # وقالت: «أيها الطفلان، هل أنتما بخير في الخلف؟» # لم تتلق إجابة. # قالت: «إنهما لطيفان، هل يخجلان من الغرباء؟» # كم كانت إيف غبية وهي تفكر في الجنس، بينما مكمن الخطر في اتجاه آخر! # كانت حقيبة إيف ملقاة على أرضية السيارة أمام قدمي الفتاة، لكن إيف لم تكن تعرف بالضبط ~~كم بها من النقود؛ ربما ستون أو سبعون دولارا أو أكثر بقليل. إذا عرضت عليها نقودا لشراء ~~تذكرة، فستختار الفتاة وجهة عالية التكلفة، كمونتريال أو على الأقل تورونتو، وإذا قالت لها: ~~«خذي كل ما في الحقيبة»، فقد ترى في هذا استسلاما، وستستشعر خوف إيف وربما تتمادى. ما أكثر ~~ما تستطيع فعله؟ تسرق السيارة؟ إذا ما تركت إيف والأطفال على جانب الطريق، فلسوف تسرع ~~الشرطة بمطاردتها، وإذا ما قتلتهم ثم تركت جثثهم بين الشجيرات الكثيفة، فقد تستطيع أن تهرب ~~لمسافة أبعد، أما إذا اصطحبتهم معها حيث تحتاجهم، فستضع سكينا في جانب إيف أو على رقبة أحد ~~الطفلين. # إن مثل هذه الأشياء تحدث، ولكن ليس كثيرا مثلما يعرض في التليفزيون أو في الأفلام ~~السينمائية. هذه الأشياء لا تحدث في العادة. # انعطفت إيف إلى الطريق الزراعي الذي كان مزدحما إلى حد ما. لماذا جعلها هذا تحس ببعض ~~الارتياح؟ فالأمان الذي يشعرها به هذا الطريق هو مجرد وهم؛ فمن الممكن أن تقود سيارتها على ~~الطريق السريع في وضح النهار فتلقي بنفسها والطفلين إلى حتفهم. # قالت الفتاة: «إلى أين يؤدي هذا الطريق؟» ~~«يؤدي ms166 إلى الطريق السريع الرئيسي.» ~~«دعينا نخرج إليه.» # قالت إيف: «سأخرج إليه بالفعل.» ~~«إلى أي اتجاه يؤدي هذا الطريق السريع؟» ~~«يتجه شمالا نحو أوين ساوند أو إلى توبرموري حيث يمكنك أن تستقلي قاربا، أو جنوبا ~~إلى ... لا أدري، لكنه يلتقي مع طريق سريع آخر يوصل إلى سارنيا، أو لندن، أو ديترويت، أو ~~إلى تورونتو إذا أكملت في هذا الطريق.» # لم تتبادلا أي كلمة أخرى حتى وصلوا إلى الطريق السريع، فانعطفت إيف إليه وقالت: «ها ~~هو.» ~~«إلى أي طريق ستتجهين الآن؟» # قالت إيف: «شمالا.» ~~«إذن فأنت تعيشين هناك؟» ~~«إنني ذاهبة إلى القرية، سوف أتوقف للتزود بالوقود.» # قالت الفتاة: «لديك وقود؛ أكثر من نصف الخزان ممتلئ.» # ما هذا الغباء؟ كان على إيف أن تقول إنها ذاهبة لشراء بقالة. # أصدرت الفتاة بجانبها زفيرا طويلا يشي بأنها قررت أو ربما تنازلت. # وقالت: «لعله من الأفضل أن أنزل هنا وأشير إلى أي سيارة مارة؛ فمن السهل أن أجد من ~~يقلني هنا كما في أي مكان آخر.» # أوقفت إيف سيارتها على جانب الطريق المغطى بالحصى، وبدأ ما شعرت به من ارتياح يتحول إلى ~~نوع من أنواع الخزي. من المحتمل أن تكون الفتاة قد هربت فعلا دون أن تأخذ معها أي نقود، ~~وأنها لا تملك شيئا. كيف سيكون حال شخص ثمل فاقد الاتزان ولا يملك أي مال وهو واقف على ~~جانب الطريق؟ ~~«أي اتجاه قلت إننا فيه؟» # كررت إيف قولها: «شمالا.» ~~«أي اتجاه قلت يؤدي إلى سارنيا؟» ~~«جنوبا، ما عليك إلا أن تعبري إلى الجهة المقابلة من الطريق، وستجدين السيارات المتجهة ~~جنوبا. احترسي من السيارات.» # قالت الفتاة: «بالطبع» بصوت خبا عنهم بالفعل وبالكاد سمعوه؛ إذ كانت تفكر في الفرص ~~المتاحة لها. كان نصف جسدها خارج السيارة وهي تقول: «إلى اللقاء.» ثم نظرت إلى المقعد ~~الخلفي حيث الطفلان جالسان، وقالت: «إلى اللقاء يا صديقي، فلتكونا مطيعين.» # قالت إيف: «مهلا.» ثم مالت للأمام وتحسست مكان حافظة نقودها في حقيبتها والتقطت منها ~~ورقة بعشرين دولارا، ثم خرجت من السيارة ولفت من ms167 أمامها إلى حيث الفتاة تنتظرها، وقالت ~~لها: «تفضلي، سوف تحتاجين هذه النقود.» # قالت الفتاة وهي تدس الورقة النقدية في جيبها، بينما عيناها تنظران إلى الطريق: «حسنا، ~~شكرا.» # قالت إيف: «اسمعي، فلربما لا تستطيعين التصرف؛ لذا سأخبرك أين يقع منزلي لتأتي إلي. إنه ~~على بعد ميلين شمالي القرية، والقرية نفسها على بعد نصف ميل شمالا من هنا. شمالا حيث هذا ~~الاتجاه. أسرتي معي الآن في المنزل، لكنهم سيرحلون في المساء؛ إذا كان وجودهم سيضايقك. ~~ستجدين مكتوبا على صندوق البريد اسم فورد. ليس اسمي ولا أدري سبب وجوده على الصندوق. منزلي ~~هو الوحيد وسط أحد الحقول؛ له نافذة عادية على جانبه الأمامي ونافذة صغيرة غريبة الشكل على ~~الجانب الآخر، هي نافذة دورة المياه.» # قالت الفتاة: «حسنا.» ~~«لقد فكرت فقط، أنك إن لم تجدي من يقلك ...» # قالت الفتاة: «حسنا، بالتأكيد سأفعل.» # عندما استكملوا مسيرتهم بالسيارة، قال فيليب: «كم كانت رائحتها كالقيء!» # وبعد فترة أضاف: «إنها حتى لا تعرف أن عليها النظر للشمس لكي تحدد الاتجاهات. حمقاء، أليس ~~كذلك؟» # قالت إيف: «بلى، أظن هذا.» ~~«شيء مقزز، لم أر في حياتي أحدا بهذه الحماقة.» # وعندما دخلوا القرية سألها إن كان يمكنهم التوقف لشراء آيس كريم، لكن إيف رفضت. # قالت: «كثير من الناس واقفون لشراء الآيس ~~كريم، ومن الصعب أن نجد مكانا نوقف فيه السيارة، كما أن لدينا ما يكفي من الآيس كريم في ~~بيتنا.» # قال فيليب: «لا تقولي بيتنا؛ ما هو إلا مكان نقيم به. الأصح أن تقولي المنزل.» # شرقي الطريق السريع حيث ساروا، رأوا أكواما من القش مربوطة في حزم كبيرة ومتراصة في ~~مواجهة الشمس في أحد الحقول، فبدت لهم كدروع أو أجراس قرصية أو أوجه الأقراص المعدنية ~~المميزة لحضارة الأزتيك. بينما رأوا حقلا بعده انتشر به نبات ذهبي اللون يشبه الريش أو ~~الذيول. # قالت لفيليب: «يطلق على هذا شعير؛ ذاك الشيء الذهبي المذيل.» # فقال: «أعلم.» # استرسلت قائلة: «أحيانا يطلق على هذه الذيول ذقونا.» ثم بدأت تلقي كلمات شعرية: ~~«والحاصدون؛ الحاصدون مبكرا، عبر حقول ms168 الشعير ذات الذقون ...» # قالت ديزي: «ما معنى شعير؟» # قال فيليب: «شعير.» # حاولت إيف تذكر كلمات القصيدة: «وحدهم الحاصدون؛ الحاصدون مبكرا ... عدا الحاصدين؛ ~~الحاصدين مبكرا ...» بدت «عدا» لها أفضل من «وحدهم». عدا الحاصدين. ~~••• # ابتاعت صوفي وإيان الذرة من بائع يقف على جانب الطريق ليتناولوها على العشاء. تغيرت ~~الخطة؛ سيبيتون الليل في المنزل مع أمها ولن يرحلا إلا بحلول الصباح. كذلك ابتاعوا قنينة جن ~~وبعض التونيك والليمون. أعد إيان المشروبات بينما قشرت إيف وصوفي الذرة، وقالت إيف: ~~«عشرون كوز ذرة؟ هذا جنون.» # قالت صوفي: «انتظري وشاهدي ما سيحدث؛ فإيان يعشق الذرة.» # انحنى إيان وهو يقدم الشراب لإيف، فقالت له بعد أن تذوقته: «شراب طيب المذاق؛ ~~رائع.» # لم يشبه إيان كثيرا الصورة التي تذكرتها إيف أو كانت في مخيلتها عنه؛ فلم يكن طويلا ~~وما كان يشبه التيوتونيين، وكذلك لم يكن خفيف الظل. كان نحيفا أشقر متوسط الطول سريع ~~الحركة حلو المعشر. ومنذ أن جاء، بدت صوفي أقل ثقة بنفسها وأكثر ترددا في كل ما تقول ~~وتفعل، لكنها بدت أسعد. # روت إيف قصتها؛ بدأت بلوح الداما الموجود على الشاطئ، والنزل الذي اختفى، ورحلاتها ~~الريفية. بعدها انتقلت إلى أزياء أمها التي تشبه أزياء أهل المدن وفساتينها ذات الأقمشة ~~الرقيقة وقمصانها الداخلية التي تتماشى معها، لكنها لم تحك عن ملابسها باشمئزازها القديم. ~~ثم تكلمت عن الأشياء التي كانوا يذهبون إلى الريف لمشاهدتها؛ حديقة التفاح ذات الأشجار ~~المتناهية في القصر، ورف الدمى القديمة، والصور البديعة المؤلفة من الزجاج الملون. # قالت إيف: «تبدو شبيهة برسوم شاجال؟» # قال إيان: «نعم، حتى نحن الجغرافيين المدنيين نعرف شاجال.» # قالت إيف في خجل: «آسفة.» ثم ضحكا كلاهما. # استكملت حديثها لهما، فحكت عن أعمدة البوابات والذكريات المفاجئة والحارة المظلمة ~~والحظيرة المتهدمة والماكينات الصدئة ومنزل الخرائب. # قالت إيف: «كان مالك البيت في الغرفة أيضا يلعب الورق مع أصدقائه، ولم يكن يعرف أي شيء ~~عما أسأل. لم يعرف أو لم يبال. وكلما تذكرت أقول لنفسي: يا إلهي، مرت قرابة الستين ~~عاما على وجودي في المكان ms169 الذي أستفسر عنه!» # قالت صوفي: «كم هو أمر محرج يا أمي!» وبدت في غاية الارتياح للتفاهم الذي استشعرته بين ~~إيان وإيف. # وأضافت: «هل أنت متأكدة أنه المكان الذي قصدته؟» # قالت إيف وكررت: «ربما لا.» # لم تذكر لهما الأجزاء التي رأتها من السور خلف الشجيرات؛ وما الجدوى؟ فقد تراءى لها أنه ~~من الأفضل ألا تأتي على ذكر كثير من الأشياء: مثلا اللعبة التي جعلت فيليب يلعبها، وجعلته ~~يتحمس بشكل مبالغ فيه. وكذلك كل شيء تقريبا يتعلق بهارولد ورفاقه، وكل شيء مهما صغر عن تلك ~~الفتاة التي قفزت داخل السيارة. # هناك أناس يتحلون دوما بالتهذيب والتفاؤل، ويلطفون أي أجواء يوجدون فيها، ولا ~~يمكنك أن تقول مثل هذه الأشياء لأناس مثل هؤلاء؛ لأنها قد تفسد تلك الأجواء اللطيفة. اندهشت ~~إيف لاكتشاف أن إيان من أولئك الناس - بالرغم من دماثته اللحظية معها - وأن صوفي هي التي ~~تشكر أقدارها السعيدة التي جمعتها به. في الماضي، كان من المعتاد أن يطلب كبار السن منك ~~الحماية، لكن بدأ الآن أناس أصغر سنا يطلبونها، وكان على شخص مثل إيف كبت شعورها وعدم ~~إظهار كم هي عالقة بين هذا وذاك؛ فحياتها بأكملها عرضة لأن توصم بالتخبط والخطأ ~~الجسيم. # كان بإمكانها ذكر أن رائحة المنزل كانت نتنة أو أن مالكه ورفاقه بدوا في قمة السكر ~~والعربدة، لكنها ما كانت لتقول إن هارولد كان عاريا، وبالطبع ما كانت لتذكر خوفها، وقطعا ~~ما أثار خوفها. # تولى فيليب مسئولية جمع قشور الذرة وحملها لإلقائها بطول حدود الحقل. وبين الحين والآخر، ~~كانت ديزي تلتقط قليلا منها لتوزعها حول المنزل. لم يضف فيليب شيئا لرواية إيف، ولم ~~يبد مهتما بالرواية من الأساس، لكن ما إن أنهت إيف رواية قصتها، وسألها إيان (الذي اهتم ~~بربط هذه النوادر المحلية بمجال دراسته المهنية) عن معلوماتها حول انهيار الأنماط القديمة ~~للحياة القروية والريفية، وانتشار ما يسمى بالأعمال التجارية الزراعية، حتى نظر فيليب لأعلى ~~متوقفا عن جمع القشور منحنيا وزاحفا حول أقدام الكبار ورفع عينيه إلى إيف. نظر إليها ~~نظرة ms170 خاوية في لحظة تآمر أجوف، وابتسم ابتسامة دفينة تلاشت قبل أن يلاحظها أحد. # ماذا يعني هذا؟ لا يعني سوى أنه بدأ تخزين الأحداث وكتمان الأسرار، وقرر من تلقاء نفسه ما ~~يجب حفظه في طي النسيان وكيفية حفظه، وماذا ستعني له هذه الأمور فيما بعد، في مستقبله ~~المجهول. ~~••• # إذا حضرت الفتاة لتبحث عنها، فسيكون الجميع حاضرا - فهم لن يرحلوا ليلا - وحينها لن ~~يجدي حرص إيف. # ولكن ما كانت الفتاة لتأتي؛ فلسوف تعرض عليها فرص أفضل قبل أن تمر عشر دقائق على ~~وقفتها على الطريق السريع. ولربما تسنح لها فرص أكثر خطرا لكنها أكثر إثارة للاهتمام، بل ~~والأرجح أكثر ربحا. # ما كانت لتأتي، إلا إذا التقت شابا طائشا متشردا بلا مأوى عديم الشفقة في مثل عمرها ~~(وحينها كانت ستقول له: أعرف مكانا يمكن أن نقيم فيه إذا ما استطعنا التخلص من المرأة ~~العجوز). # ليس الليلة؛ ولكن الليلة التالية، سوف تستلقي إيف في هذا البيت الخاوي بين جدرانه العريضة ~~تتجهز لتخفيف عبء نفسها والتحرر من التفكير في أي عواقب، ومن أي فكرة تدور في ذهنها، خلا ~~حفيف عيدان الذرة الطويلة التي ربما ستتوقف عن النمو لكنها ستواصل إصدار تلك الضوضاء ~~النابضة بالحياة بعد أن يسدل الليل ستائره عليها. # | ستبقى الطفلتان # منذ ثلاثين عاما، كانت هناك عائلة تقضي إجازة على الساحل الشرقي لجزيرة فانكوفر؛ هذه ~~العائلة تتكون من أب وأم وابنتيهما الصغيرتين وزوجين أكبر سنا؛ هما والدا الزوج. # كم كان الجو بديعا! في كل صباح - في هذا الطقس الجميل - ينفذ أول ضوء ذهبي للشمس من بين ~~أغصان الأشجار العالية مبددا الضباب الذي يتكاثف فوق مياه مضيق جورجيا الراكدة. انحسر المد ~~- في ذلك الوقت من العام - تاركا وراءه مساحة هائلة من الرمال الخاوية التي ما زالت مبللة ~~بالرغم من سهولة السير عليها وكأنها طبقة من الأسمنت في آخر مراحل جفافه. الواقع أن المد لم ~~يتراجع كثيرا؛ فكل صباح تتقلص مساحة الرمال لكنها ما زالت تبدو شاسعة. كان الجد مهتما ~~للغاية بمسألة تغير المد، ولم يبد ms171 أن أي أحد آخر شاركه هذا الاهتمام. # بولين، الأم الشابة، لم تكن في الحقيقة تحب الشاطئ كما كانت تحب ذلك الطريق الذي يمتد ~~شمالا خلف الأكواخ مسافة ميل أو نحو ذلك ليتوقف عند ضفة النهر الصغير الذي يصب في ~~البحر. # لولا المد، لكان من الصعب تذكر أن هذا هو البحر؛ فالناظر عبر الماء يستطيع أن يرى سلاسل ~~الجبال الواقعة على الضفة الأخرى؛ وهي تمثل الحدود الغربية لقارة أمريكا الشمالية. لمحت ~~بولين من بين الأشجار هذه المرتفعات والقمم التي تبرز من بين الضباب بينما كانت تدفع أمامها ~~عربة طفلتها على الطريق. وتلك الجبال أيضا كانت تثير اهتمام الجد، ~~وكذلك ابنه براين - زوج بولين - فقد كان ~~الرجلان يحاولان باستمرار تحديد أي من هذه المعالم هو بالفعل جبل قاري، وأيها مرتفع ~~عارض على الجزيرة بارز على الشاطئ. من المتعذر تحديد هذه الأمور مع تداخل عدد هائل منها ~~بعضها مع بعض، وكذلك لأن ضوء النهار المتغير يؤثر على رؤيتها من حيث القرب والبعد. # لكن هناك خريطة معلقة أسفل مرآة بين الأكواخ والشاطئ، ويمكن للمرء أن ينظر إلى الخريطة ثم ~~يرفع عينيه إلى المرآة ليرى ما أمامه، ثم يعيد النظر إلى الخريطة مرة أخرى حتى يتمكن من ~~تبين ما يراه. لا يزال الجد وبراين يفعلان ذلك كل يوم، وغالبا ما يدفعهما هذا إلى ~~الجدال؛ مع أنه لا داعي للجدال مع وجود الخريطة بين أيديهما. يرى براين أن الخريطة غير ~~دقيقة، في حين لا يقبل أبوه أي نقد لأي شيء في هذا المكان الذي اختاره لقضاء الإجازة؛ ~~فالخريطة والسكن والطقس كلها أمور مثالية من وجهة نظره. # أما أم براين، فما كانت لتنظر إلى الخريطة، قائلة إنها تربكها، وهو ما يضحك الرجلين ~~منها؛ لأنهما يريانها بالفعل دوما مرتبكة. والسبب كما يراه زوجها أنها أنثى، بينما يرى ~~براين أن السبب وراء ارتباكها هو أنها أمه. فهي لا تهتم إلا بالسؤال عما إذا كان أحدهم ~~جوعان أو عطشان، وهل ارتدت الصغيرتان قبعتيهما للوقاية من الشمس، وهل دهنتا مستحضرات ~~الحماية ms172 منها، وعن تلك العضة الغريبة على ذراع كيتلن التي لا تبدو كلدغة بعوضة. كما أنها - ~~في هذه الإجازة - أرغمت زوجها على أن يرتدي قبعة كبيرة من القطن تغطي وجهه، وكانت ترى أن ~~براين يجب أن يرتدي قبعة مثلها، مذكرة إياه بإصابته بضربة الشمس في ذاك الصيف الذي قضوه في ~~أوكاناجان عندما كان طفلا. وأحيانا يقول براين لأمه بنبرة يغلب عليها الانفعال: «فلتهدئي ~~يا أمي؛ كفي عن الثرثرة.» لكن أباه يوبخه على تلك الطريقة غير المناسبة التي يخاطب بها ~~أمه هذه الأيام. # فيقول براين: «إنها لا تمانع.» # ويرد أبوه: «أنى لك أن تعرف؟» # فتقول أمه: «أوه، يا إلهي.» ~~••• # في كل صباح، ما إن تستيقظ بولين حتى تنهض من الفراش مبتعدة عن ذراعي وساقي براين، ~~الطويلة الكثيرة الحركة أثناء النوم. تستيقظ على أول ما تصدره طفلتها الرضيعة مارا من همهمة ~~وصراخ متقطع في غرفة الأطفال، ثم على صوت صرير مهدها - هي الآن في شهرها السادس عشر وعلى ~~وشك الانتهاء من فترة الرضاعة - بينما تشد جسدها لأعلى محاولة الوقوف متعلقة بحافة المهد. ~~وتواصل الرضيعة همهمتها اللطيفة الناعمة بينما ترفعها بولين خارج المهد لتذهب بها إلى ~~المطبخ كي تغير حفاضتها على الأرض، في حين تتحرك كيتلن التي دنت من الخامسة من عمرها في ~~فراشها المجاور دون أن تفيق من نومها. بعد ذلك، توضع مارا في عربتها ومعها قطعة من البسكويت ~~وزجاجة من عصير التفاح، في حين ترتدي بولين ثوبها عاري الذراعين المناسب للطقس الحار وتنتعل ~~صندلها، ثم تدلف إلى دورة المياه لتمشط شعرها، بقدر ما تستطيع من سرعة وهدوء. وبعدها، ~~تخرجان من الكوخ متجاوزتين بعض الأكواخ الأخرى لتسيرا على الطريق الوعر غير الممهد الذي لا ~~يزال يخيم على معظمه الظل الصباحي، ليبدو كأرضية نفق تظلل عليها أشجار الأرز ~~والتنوب. # كذلك يعتاد الجد أن يفيق مبكرا، فيراهما من شرفة كوخه، وتراه بولين بالمثل فتلوح له ~~بيدها فحسب. فما من كلام كثير بينهما ليتبادلا أطرافه (مع أنهما في بعض الأحيان يشعران ببعض ~~من التآلف الروحي حين ms173 يقوم براين ببعض تصرفاته الغريبة لوقت طويل أو تصدر الجدة بعض الجلبة ~~التي تأسف لها لكن - في الوقت نفسه - تصر عليها؛ وحينها يحرص كلاهما على ألا ينظر أحدهما ~~للآخر حتى لا تشي نظراتهما باستياء قد يسيء للآخرين). # في هذه الإجازة، اختلست بولين وقتا لنفسها؛ ولا يختلف قضاء الوقت مع مارا كثيرا عن ~~قضائه بمفردها؛ فتتنزه في الصباح الباكر، ثم تختلي بنفسها في ساعة متأخرة من الصباح لغسل ~~الحفاضات وتعليقها على الحبال لتجف. وقد تستطيع أن تقتنص ساعة أخرى أو نحو الساعة بعد ~~الظهيرة، حين تغفو مارا. لكن براين أقام مظلة على الشاطئ وكان يحمل سرير اللعب إليها كل يوم ~~حتى تغفو مارا ولا تضطر بولين أن تغيب عنهم؛ إذ يقول إن والديه قد يشعران بإهانة إذا ما ~~تسللت مبتعدة عنهما كل يوم. لكنه مع هذا يرى أنها تحتاج وقتا تراجع فيه دورها في المسرحية ~~التي ستمثلها في سبتمبر المقبل حين يعودون إلى فيكتوريا. # بولين ليست ممثلة، وليس هذا إلا عرضا للهواة مع أنها ليست حتى ممثلة هاوية، كذلك فإنها ~~لم تختبر لأداء هذا الدور، لكن تصادف أنها كانت قد قرأت المسرحية بالفعل. إنها مسرحية ~~«يوريديس» لجان أنويه. وفيما بعد قرأت بولين كل ما يخطر ببال. # تلقت بولين عرضا للاشتراك في هذه المسرحية من رجل كانت قد التقته في يونيو الماضي في ~~حفل شواء. وكان معظم من حضروا الحفل معلمين، ومعهم زوجاتهم أو أزواجهن؛ إذ كان مقاما في ~~بيت ناظر المدرسة التي يعمل بها براين. أتت مدرسة اللغة الفرنسية الأرملة بصحبة ابنها ~~البالغ الذي كان يقيم معها خلال الصيف ويعمل موظفا ليليا في فندق بوسط البلدة. أخبرت ~~الحضور أن ابنها قد حاز وظيفة ليدرس في جامعة بولاية واشنطن الغربية، وأنه سوف يسافر إلى ~~هناك في الخريف. # اسمه جيفري توم، وقال بخصوص اسمه: «توم وليس توم»، وكأنه لا يحتمل أي مزاح بشأن ~~اسمه الذي يختلف عن اسم أمه؛ لأنها ترملت مرتين، وكان هو ابن زوجها الأول. تحدث عن وظيفته ~~قائلا: «لا ضمان ms174 أن تلك الوظيفة ستدوم، فالتعاقد محدد بعام واحد.» # ماذا سيدرس؟ # قال: «دراما» ماطا شفتيه بأسلوب ساخر. # وتحدث أيضا عن وظيفته الحالية بأسلوب لا يقل استخفافا. # قال: «إنه مكان موحش؛ ربما تكونون قد سمعتم عن غانية قتلت هناك الشتاء الماضي. كذلك فإنه ~~يعج بالبؤساء المعتادين الذين يلتحقون بالدراسة فيه ليفرطوا في تعاطي المخدرات أو يقتلوا ~~أنفسهم.» # لم يجد الناس أي فائدة مما يقول ولذا انصرفوا عنه، فيما عدا بولين. # قال لها: «إنني أفكر في إنتاج مسرحية، هل تحبين أن تشاركي في تمثيلها؟» وسألها عما إذا ~~كانت قد سمعت عن مسرحية تسمى «يوريديس». # ردت عليه بولين: «تعني المسرحية التي ألفها أنويه؟» الأمر الذي أثار دهشته دون ~~تملق أو مجاملة. وعلى الفور قال إنه لا يعرف إذا كانت هذه المسرحية ستنجح، مستطردا: «كل ~~ما هنالك أنني رأيت أنه من الشائق أن أفعل شيئا مختلفا هنا في بلاد نويل كوارد.» # لم تتذكر بولين متى عرضت مسرحية لنويل كوارد في فيكتوريا، لكنها افترضت أن هذا قد حدث ~~عدة مرات، وقالت: «الشتاء الماضي شاهدنا مسرحية «دوقة مالفي» حين عرضت في الجامعة. كما ~~عرضت على المسرح الصغير مسرحية «رنين مدو» لكننا لم نحضر عرضها.» # قال وقد تورد وجهه: «نعم، حسنا.» ظنت بولين أنه يكبرها سنا، على الأقل في سن براين ~~(الذي كان في الثلاثين من عمره، مع أن الناس يقولون له كثيرا إنه لا يتصرف بما يتناسب مع ~~سنه)، لكنه ما إن بدأ يكلمها بأسلوبه المرتجل المستخف متحاشيا النظر إلى عينيها، حتى ~~شكت أنه أصغر مما يبدو عليه. أما الآن، بعد أن تخضب وجهه بهذه الحمرة، فقد صارت متيقنة ~~من هذا. # اتضح بعدها أنه يصغرها بعام واحد؛ فقد كان في الخامسة والعشرين من عمره. # قالت إنها لا تستطيع أن تكون يوريديس؛ لأنها لا تستطيع التمثيل، لكن في تلك اللحظة أتى ~~براين ليستعلم عن موضوع هذا الحديث، ثم قال لها إنه عليها أن تجرب الأمر. # قال براين لجيفري: «إنها في حاجة لدفعة، لا شيء سوى ذلك؛ فهي عنيدة ms175 جدا ومن الصعب ~~حثها على فعل شيء. كذلك هي لا تحب لفت الأنظار إلى نفسها، وأنا لا أفتأ أخبرها بذلك طوال ~~الوقت. لكنها ذكية، بل هي في الواقع أذكى مني بكثير.» # حينها نظر جيفري مباشرة في عيني بولين بجرأة وكأنه يحاول أن يتقصى عما بداخلها، ~~فكانت هي من تورد وجهها هذه المرة. # انتقاها جيفري على الفور لتمثل دور يوريديس بسبب مظهرها، وليس لأنها جميلة؛ إذ قال: «ما ~~كنت لأعطي الدور لفتاة جميلة، لا أعتقد أنني قد أعطي أي دور مسرحي لفتاة جميلة، فستكون ~~مبالغة كبيرة تشتت انتباه الجمهور.» # إذن، ماذا كان يعني بمظهرها؟ قال إنه يعني شعرها الطويل الغامق الكثيف (الذي لم يكن ~~الموضة السائدة تلك الأيام) وبشرتها الشاحبة (ما دفعه إلى أن يقول لها حفاظا عليها: ~~«ابتعدي عن الشمس خلال هذا الصيف») وعلى وجه الخصوص حاجبيها. # قالت بولين كذبا: «لم يعجباني قط.» كان لها حاجبان متساويان غامقان وكثيفان يغلبان على ~~وجهها، لكنهما - مثل شعرها - لم يتفقا والموضة السائدة. لكن إذا لم تكن بالفعل معجبة بهما، ~~فلم لم تشذبهما؟ # لم يبد أن جيفري قد سمعها؛ إذ قال: «إنهما يكسبانك مظهرا متجهما، وهو أمر يثير ~~انفعال الجمهور، كما أن فكك عريض، وهو ما يجعلك أقرب إلى الإغريق. لعله من الأفضل تمثيل ~~الأسطورة في فيلم سينمائي؛ إذ سيتسنى لي حينها أن آخذ لك لقطة قريبة؛ فمن المعتاد أن يكون ~~ليوريديس مظهر ملائكي، وأنا لا أريد هذا المظهر.» # أخذت بولين تراجع دورها بينما تمشي مع مارا على طول الطريق. كان دورها يتضمن في نهايته ~~بعض السطور التي تقلقها؛ ولذا دفعت العربة أمامها مكررة إياها: «إنك رائع، تعلم هذا، إنك ~~في روعة الملائكة. أتظن أن كل من يمشي للأمام في شجاعتك وروعتك ... أوه، لا تنظر إلي يا ~~حبيبي، رجاء، لا تنظر إلي ... ربما لست ما تمنيت أن أكون عليه، لكنني هنا؛ دافئة، وطيبة، ~~وأحبك. وسأمنحك السعادة على قدر استطاعتي. ولكن لا تنظر إلي. لا تنظر. دعني أعش.» # سقطت منها بعض الكلمات سهوا: «ربما لست ms176 ما تمنيت أن أكون عليه، لكنك تشعر بي هنا، أليس ~~كذلك؟ دافئة، وطيبة ...» # قالت لجيفري إن المسرحية رائعة. # فسألها: «حقا؟» لم يسره ما قالت ولم يفاجئه، ويبدو أنه شعر أنه رأي متوقع وعديم ~~الأهمية. لم يكن ليصف أي مسرحية بهذا الوصف، فقد كان يتحدث عنها وكأنها عقبة عليه أن ~~يتجاوزها، أو تحد عليه أن يخوضه للانتصار على أعداء متعددين؛ أعداء على غرار المتعجرفين ~~الأكاديميين - كما يسميهم - الذين عرضوا مسرحية «دوقة مالفي»، وأيضا على غرار الأغبياء ~~الاجتماعيين - كما يسميهم - ممثلي المسرح الصغير. كان يرى نفسه دخيلا يفرض سيطرته على ~~أولئك الأعداء، بتمثيل مسرحيته - كان يسميها مسرحيته - بالرغم من مقتهم ومعارضتهم. في ~~البداية، ظنت بولين أن كل هذا يدور في مخيلته، وأن الأرجح أن هؤلاء الناس لا يعرفون شيئا ~~عنه. ثم حدث أمر ما، قد يكون - لكنه قد لا يكون - مصادفة. كان لا بد من إجراء إصلاحات في ~~قاعة الكنيسة التي ستعرض بها المسرحية، وهو ما جعل عرضها غير ممكن. وكذلك كانت هناك زيادة ~~غير متوقعة في تكلفة طبع الملصقات الدعائية. فوجدت بولين نفسها تنظر للأمر من منظوره؛ فمن ~~يقترب منه وقتا طويلا لا بد أن يرى الأمور من منظوره؛ فالجدال معه خطير ومرهق. # قال جيفري كازا على أسنانه، وإن كان بقليل من الرضا: «الأوغاد. لا أستغرب ما ~~حدث.» # كانت بروفات المسرحية تتم في أحد الأدوار العليا بمبنى قديم بشارع فيسجارد. كان عصر يوم ~~الأحد هو الوقت الوحيد الذي يجتمع فيه الجميع، لكن كانت هناك بروفات جزئية تقام على مدار ~~الأسبوع. كان مرشد السفن المتقاعد الذي يؤدي دور السيد هنري قادرا على حضور جميع البروفات، ~~وكان يثير أعصاب البقية بمعرفته أدوارهم جميعا. لكن مصففة ~~الشعر - التي لم تكن لها أي خبرة إلا بأعمال ~~جيلبرت وسوليفان لكنها الآن وجدت نفسها تؤدي دور أم يوريديس - لم تستطع ترك صالونها فترة ~~طويلة في أي وقت آخر سوى عصر الأحد. وكذلك، كان سائق الحافلة الذي يؤدي دور حبيبها يشتغل ~~بوظيفة يومية، مثله مثل النادل الذي يؤدي ms177 دور أورفيوس (وكان الوحيد الذي يأمل بينهم في أن ~~يصبح ممثلا حقيقيا). أما بولين، فقد كانت تضطر أحيانا لأن تعتمد على جليسات أطفال في ~~المرحلة الثانوية لا يعتمد عليهن؛ لأن براين خلال الأسابيع الستة الأولى من الصيف كان ~~منشغلا بالتدريس في المدرسة الصيفية. وكذلك جيفري نفسه كان يتعين عليه أن يوجد في عمله ~~بالفندق بحلول الثامنة مساء. لكن في عصر يوم الأحد، كانوا يوجدون جميعا. وبينما كان ~~غيرهم في الوقت نفسه يسبحون في بحيرة ثيتيس، أو يمشون في منتزه بيكون هيل بارك تحت الأشجار ~~ويطعمون البط، أو يذهبون بسياراتهم خارج البلدة إلى شواطئ المحيط الهادئ، كان جيفري وفريقه ~~يكدحون في غرفة مغبرة ذات سقف عال في شارع فيسجارد. كانت نوافذها مقنطرة، كنوافذ بعض ~~الكنائس البسيطة العريقة، وكانت تفتح في الجو الحار، وتسند بأي غرض يجده أعضاء الفريق ~~أمامهم؛ مثل سجلات حسابات تعود إلى عشرينيات القرن العشرين وتخص متجر قبعات كان مفتوحا في ~~السابق في الطابق السفلي، أو قطع من الخشب متخلفة عن إطارات لوحة زيتية رسمها فنانون على ~~القماش وقد أضحت مكدسة الآن ومهملة عند أحد الجدران. وكان الزجاج متسخا لكن في الخارج ~~انعكس ضوء الشمس على الأرصفة وأماكن ركن السيارات المفترشة بالحصى والمباني الجصية الخفيضة، ~~فيما بدا بريقا خاصا بيوم الأحد. ولم يكد يمر أحد في شوارع وسط المدينة، ولم تكن هناك ~~محال مفتوحة عدا المقهى - أحيانا - محدود المساحة، ومحل البقالة الذي يستعمره ~~الذباب. # كانت بولين هي التي تذهب في الاستراحة لتبتاع المشروبات غير الكحولية والقهوة، وكانت هي ~~أقلهم كلاما عن المسرحية وعن كيفية سيرها - مع أنها الوحيدة التي قرأتها من قبل - وذلك ~~لأنها الوحيدة التي لم تمارس التمثيل من قبل؛ لذا فقد بدا الأفضل لها أن تتطوع لهذا الأمر، ~~وكانت تستمتع بالتمشية القصيرة في الطرقات الخالية؛ وكانت تشعر في تلك الأوقات أنها قد ~~أصبحت شخصا حضريا يعيش في عزلة عن الآخرين وإن سلطت عليه الأضواء في حلم عظيم. أحيانا ~~كانت تفكر في براين وهو يعمل في الحديقة ويراقب ms178 الأطفال في المنزل. أو ربما يكون قد أخذهم ~~إلى طريق دالاس؛ إذ وعدهم ذات مرة بأن يتنزهوا بمركب في البركة. بدت لها هذه الحياة مزرية ~~ومملة بالمقارنة بما يحدث في بروفات المسرحية؛ تلك الساعات التي يقضونها في العمل والتركيز ~~والأحاديث الحادة والعرق والتوتر، بل وحتى مذاق القهوة الساخنة المر التي اختارها الجميع ~~وفضلوها على المشروبات الأشهى، غير أنها كانت تفضل المشروبات الباردة الأكثر حفاظا على ~~الصحة. كذلك كانت تحب نوافذ العرض في المتاجر المجاورة. لم يكن الشارع الذي ترتاده للوصول ~~إلى قاعة البروفات واحدا من الشوارع المبهرجة التي تقع قرب الميناء؛ فقد كان يعج بمحال ~~إصلاح الأحذية والدراجات، ومتاجر الأصواف والأقمشة زهيدة الثمن، ومعارض الملابس والأثاث ~~التي ظلت في نوافذ العرض حتى بدت مستعملة، وإن لم تكن كذلك. كذلك كانت بعض نوافذ العرض ~~مغطاة من الداخل بطبقة من البلاستك الرقيق المجعد الذهبي اللون - الشبيه بالسلوفان - لحماية ~~البضاعة المعروضة من أشعة الشمس. غير أن كل هذه المتاجر والمحال كانت تغلق أبوابها في هذا ~~اليوم، الأحد، وإن بدت كما هي - لا تتأثر بتغيير الأيام - كرسوم على جدران الكهوف أو آثار ~~مكتشفة تحت كثبان الرمال. ~~••• # عندما قالت إنها مضطرة أن تتغيب عن البروفات في إجازة لمدة أسبوعين، صعق جيفري - وكأنه ~~لم يتخيل يوما أن حياتها قد تتخللها الإجازات - ثم بدأ يتعامل مع الفريق بجدية وقليل من ~~السخرية؛ وكأن هذه ضربة أخرى كان ينبغي له توقعها. غير أن بولين أوضحت له أنها لن تتغيب عن ~~البروفات سوى يوم واحد - ذاك الأحد الذي يتوسط الأسبوعين - لأنها وبراين سيذهبان بالسيارة ~~إلى الجزيرة يوم الإثنين ثم يعودان صباح يوم الأحد الذي يليه، وقطعت على نفسها عهدا أن ~~تعود في الميعاد المحدد المزمع إقامة البروفة فيه. لكنها تساءلت فيما بينها كيف يمكنها ~~الوفاء بذلك العهد؛ فدائما ما يستغرق الأمر أكثر من المتوقع لحزم الحقائب ومغادرة المكان، ~~وتساءلت أيضا إن كان يمكنها العودة بمفردها، مستقلة الحافلة التي تغادر في الصباح. ولكن قد ~~يكون هذا الطلب مبالغا فيه؛ لهذا لم ms179 تذكره لعائلتها. # ما استطاعت أن تسأله هو هل المسرحية هي جل ما يفكر فيه؟ هل مجرد غيابها عن البروفة هو ~~السبب وراء هذه الزوبعة؟ في هذه المرحلة، كان ذلك هو الأقرب إلى الحقيقة؛ فعندما كان يتحدث ~~إليها خلال البروفات، لم يكن هناك أي إشارة إلى أنه يتحدث معها بطريقة تشي بغير ذلك. ~~والاختلاف الوحيد في معاملته إياها مقارنة بالفريق كان انخفاض سقف توقعاته منها ومن أدائها ~~التمثيلي عما يتوقع من الآخرين. وكان هذا أمرا مفهوما للجميع. لقد كانت هي الوحيدة التي ~~اختيرت فجأة لأجل مظهرها، أما الآخرون فقد تقدموا لاختبار أداء بعد أن قرءوا اللافتات ~~الإعلانية التي علقها في المقاهي والمكتبات المنتشرة في أرجاء المدينة. كان يتوقع منها ~~الجمود والارتباك الذي لم يرده من بقيتهم؛ ربما لأنها في أجزاء لاحقة من المسرحية من ~~المفترض أن تمثل دور امرأة قد ماتت بالفعل. # لكنها ظنت أنهم جميعا يعرفون؛ بقية الممثلين كلهم يعرفون ما يجري بالرغم من أساليب جيفري ~~الفظة غير المتوقعة التي لا تتميز بكثير من التحضر. كانوا يعرفون أنه بعد أن يذهب كل منهم ~~لحال سبيله، يمشي عبر الغرفة ويغلق رتاج الباب المؤدي إلى الدرج (في البداية كانت بولين ~~تتظاهر بأنها تغادر مع بقية الممثلين، بل إنها كانت تستقل سيارتها وتدور حول الحي، لكن فيما ~~بعد صارت هذه الحيلة مهينة؛ ليس لنفسها ولجيفري فقط، بل أيضا للآخرين الذين كانت تثق أنهم ~~لن يغدروا بها؛ لأنهم جميعا - مثلها - يقعون تحت تأثير السحر المسرحي القوي مع أنه ~~مؤقت). # يمشي جيفري عبر الغرفة ويغلق رتاج الباب؛ وفي كل مرة يبدو الأمر كقرار جديد لا بد أن ~~يتخذه، وحتى ينتهي مما خطط له، ما كانت لتنظر إليه. صوت الرتاج وهو يندفع في فجوته اندفاعا ~~- ذاك الصوت المشئوم الحتمي لمعدن يضرب معدنا - كان يبث في نفسها صدمة مركزة تدفعها ~~للاستسلام. ما كانت لتتحرك في ذلك الحين، وما كان منها سوى أن تنتظر ليعود إليها بعد أن ~~تزول عن وجهه تعبيرات العناء والجهد والإحباط المعتاد والطبيعي. كل ms180 ذلك يتلاشى وتحل محله ~~طاقة مفعمة بالحيوية طالما أدهشتها. ~~••• # تساءل والد براين: «أخبرينا عما تدور حوله هذه المسرحية؛ أهي واحدة من تلك المسرحيات التي ~~يخلع فيها الممثلون ثيابهم على خشبة المسرح؟» # قالت أم براين: «لا تضايقها.» # قبل ذلك الحوار، كان براين وبولين قد وضعا صغيرتيهما في الفراش وتمشيا لكوخ الوالدين كي ~~يحتسيا معهما مشروبا. سارا ومن خلفهما شمس المغيب تفارق السماء أمام غابات جزيرة فانكوفر، ~~وأمام أعينهم الجبال وقد بدت شديدة الوضوح في سماء مضيئة بلون وردي؛ انعكس عليها من قمم بعض ~~الجبال الشاهقة - التي تقع داخل البلاد - وتوجت قممها بثلوج صيفية وردية اللون. # قال براين بصوته التعليمي الجهور: «لا أحد يخلع ثيابه يا أبي، أتدري لماذا؟ لأنهم لا ~~يرتدون أي ثياب في الأساس؛ أحدث صيحات العصر. وبعد هذه المسرحية سيؤدون مسرحية «هاملت» ~~عراة، ثم «روميو وجولييت» عراة. يا إلهي! مشهد الشرفة حين يتسلق روميو التعريشة فيعلق في ~~شجيرات الورد ...» # قالت أمه: «أوه، براين.» # قالت بولين: «تحكي قصة أورفيوس ويوريديس أن يوريديس ماتت، فذهب أورفيوس إلى العالم السفلي ~~محاولا استعادتها مرة أخرى. وهناك أجيب طلبه بشرط واحد؛ هو أن يعد ألا ينظر إليها، ألا ~~ينظر للخلف لرؤيتها. وكانت هي تمشي وراءه ...» # قاطعها براين: «باثنتي عشرة خطوة بالتمام والكمال.» # قالت بولين: «إنها قصة إغريقية عدلت لتناسب العصر الحديث، على الأقل هذه النسخة؛ فهي ~~حديثة إلى حد ما. فأورفيوس موسيقي رحال مع والده - وكلاهما موسيقيان - ويوريديس ممثلة، ~~والقصة تدور أحداثها في فرنسا.» # قال والد براين: «أهي مترجمة؟» # قال براين: «لا، لكن لا تقلق فهي ليست باللغة الفرنسية، إنها مكتوبة بالرومانية.» # قالت أم براين وهي تضحك ضحكة يشوبها القلق: «من الصعب أن يفهم المرء أي شيء حين يكون ~~براين موجودا.» # قالت بولين: «إنها بالإنجليزية.» ~~«وأنت تؤدين دور من؟» # قالت: «يوريديس.» ~~«وهل سيستعيدك بسلام؟» # قالت: «كلا، سينظر إلي؛ ولذا سأظل في عداد الموتى.» # قالت أم براين: «أوه، نهاية غير سعيدة.» # قال والد براين متشككا: «وهل أنت رائعة الجمال حتى لا يستطيع أن يمنع نفسه ms181 من النظر إلى ~~الخلف؟» # قالت بولين : «الأمر ليس كذلك.» لكنها أحست أن حماها حقق شيئا ما كان يريده - وطالما ~~أراده في كل مرة جرى بينهما حوار - ألا وهو معرفة تفاصيل أمر ما طلبه منها، ومع أنها تلبي ~~طلبه بطول أناة - وإن كان على مضض - يستخف هو بتفاصيلها ويسفهها بتجاهل ظاهري. فمنذ وقت ~~طويل، كان الحمو يمثل لها خطرا يهددها على هذا النحو، لكن الأمر اختلف هذه الليلة. # أما براين، فلم يكن يعرف شيئا عن ذلك، لكنه ما زال يحاول العثور على مخرج يمكن إنقاذها ~~منه. # قال براين: «بولين فاتنة.» # قالت أمه: «نعم بالفعل.» # فرد أبوه: «ربما، إن ذهبت لمصفف الشعر.» إذ كان شعر بولين الطويل يثير اعتراضه منذ زمن؛ ~~حتى إنه تحول لموضوع دعابة تتندر به العائلة. وحتى بولين ضحكت حينها قائلة: «لا أستطيع ~~تحمل نفقة الذهاب لمصفف الشعر حتى نصلح سقف شرفتنا.» وكذلك ضحك براين ضحكة صاخبة ملؤها ~~الشعور بالارتياح لتقبلها القول على سبيل الدعابة؛ فقد كان دائما يحثها على ~~هذا. # كان يقول لها: «ردي عليه مزاحه؛ هذه هي الطريقة الوحيدة للتعامل معه.» # قال الأب: «نعم معك حق، لكن إن اشتريتما منزلا مناسبا تعيشان فيه.» لكن المنزل لا ~~يختلف شيئا عن شعر بولين من حيث كونه نقطة حساسة اعتاد إثارتها ولا يمكن أن تضايق أحدا. ~~كان براين وبولين قد ابتاعا منزلا جميلا - وإن كانت إصلاحاته غير مجدية - في أحد شوارع ~~فيكتوريا التي بدأت قصورها القديمة تتحول إلى مبان مقسمة إلى شقق يسيء السكان استخدامها. ~~فكان ذاك المنزل، والشارع الكائن فيه، وأشجار البلوط القديمة المزروعة بعشوائية في المكان - ~~وكذلك عدم اشتمال المنزل على قبو أسفله - من الأشياء التي أثارت سخط والد براين. وعادة ما ~~كان براين يوافق والده، بل ويحاول أن يزيد من هذا الشعور؛ فإذا أشار والده إلى البيت ~~المجاور - الذي يتقاطع أمامه سلم الطوارئ بلونه الأسود - وسأل عن طبيعة الجيران الذين ~~يسكنون هذا البيت، يقول براين: «مساكين للغاية يا أبي؛ يدمنون المخدرات.» وعندما يسأله أبوه ~~عن كيفية تدفئة ms182 هذا المنزل، يقول: «بمدافئ الفحم؛ لم يتبق منها الكثير هذه الأيام. ومع أن ~~الفحم ثمنه بخس، فإنه بالطبع قذر كريه الرائحة.» # لهذا، كان ما قاله أبوه الآن عن المنزل المناسب بادرة سلام؛ أو يمكن اعتباره كذلك. # كان براين ابنا وحيدا، يعمل مدرسا للرياضيات، أما أبوه فهو مهندس مدني وشريك في شركة ~~مقاولات؛ ولم يذكر قط أنه تمنى يوما لو أن له ابنا مهندسا يعمل معه في الشركة. وبخصوص ~~ذلك، سألت بولين زوجها عما إذا كان يظن أن انتقاد أبيه لمنزلهما وشعرها والكتب التي تقرؤها ~~قد يكون للتغطية على خيبة أمله الكبرى - أن ابنه ليس مهندسا يشاركه العمل في الشركة - لكن ~~براين قال لها: «كلا، في عائلتي نشكو مما نريد أن نشكو منه، فنحن لا نتميز باللباقة يا ~~سيدتي.» # لكن هذا التساؤل لم يغادر ذهن بولين عندما ~~سمعت أمه تتحدث ذات مرة عن أن المدرسين أحق الناس بالتبجيل في العالم بأسره، وعن أنهم لا ~~يلقون نصف التقدير الذي يستحقونه، ولا تدري كيف نجح براين في عمله بمرور الوقت. وحينها ~~كان أبوه يقول: «هذا حقيقي»، أو «مما لا شك فيه أنني لا أرغب في العمل في هذه الوظيفة؛ فلن ~~يمكنهم دفع ما يكفي من المال.» # فيقول براين: «لا تقلق يا أبي، لن يدفعوا لك الكثير.» # إن حياة براين اليومية جعلته شخصا أكثر درامية بكثير من جيفري؛ إذ كان يسيطر على الفصل ~~الدراسي بدعاباته ونكاته وسلوكياته الغريبة المستمرة، فيما يعد امتدادا للدور الذي لا ~~يفتأ يلعبه مع أبيه وأمه؛ كما تظن بولين. كان يتصرف بشكل أخرق، لا تكسره الإهانات المزعومة، ~~بل ويرد عليها المثل بالمثل؛ كانت له اليد العليا مدافعا عن الحق غير مفسد، مزعجا لكن ~~مرحا. # قال ناظر المدرسة لبولين ذات مرة: «فتاك ترك أثرا لدينا بلا شك. لم يكتف بأن عاش ~~بيننا، وهو الشيء الصعب في حد ذاته، وإنما ترك أثرا لدينا.» # فتاك. # كان براين يسمي تلاميذه بالأغبياء، وكانت نبرة صوته معهم رقيقة ولكن متشائمة. قال إن أباه ~~كان ملك الفلسطينيين ms183 القدماء - من سلالة البرابرة الخالصة - وإن أمه كانت جميلة جذابة طيبة ~~القلب ولكن أعياها الزمن. ورغم تجاهله لهما، لم يكن يطيق البقاء وقتا طويلا بعيدا عنهما. ~~وكان يأخذ تلامذته أيضا في رحلات تخييم. وما كان يتخيل الصيف دون قضاء الإجازة مع أبيه ~~وأمه. وكل عام كان يرتعب من فكرة أن ترفض بولين الذهاب معهم، أو أنها - إذا ما وافقت - ~~تبتئس وتشعر بالإهانة مما يقول والده، أو تتذمر من طول الوقت الذي تقضيه مع أمه، وتتجهم ~~لعدم استطاعتهما الانفراد بأنفسهما أبدا. وقد تقرر أن تقضي اليوم كله في كوخهما تقرأ، ~~مدعية أنها تعاني حروقا من أثر الشمس. # كل هذه الأمور حدثت في إجازات سابقة، لكنها بدت مستريحة هذه السنة، وقد أخبرها أنه لاحظ ~~ذلك وممتن لأجله. # قال: «أعي ما تبذلين من جهد، أما بالنسبة إلي فالأمر يختلف؛ فهما أبواي وليس من عادتي ~~أخذهما على محمل الجد.» # تربت بولين في عائلة تأخذ الأمور على محمل الجد؛ مما أدى إلى طلاق الأبوين. توفيت أمها ~~منذ فترة، أما أبوها وأختاها - الأكبر سنا - فتجمعها بهم صلة ضعيفة وإن كانت صلة رحم. ~~كانت تقول إنه لا يوجد شيء مشترك بينهم، إلا أنها كانت على دراية بأن براين لا يمكنه أن ~~يفهم أن يكون ذلك سببا للبعد. ولقد لاحظت هذا العام كيف سعد بسير الأمور على ما يرام؛ ~~وكانت ترى في الإجازات السابقة أن كسله أو عدم شجاعته يمنعانه من أن يتوقف عن هذا التقليد ~~المكرر، لكنها الآن ترى أن السبب أكثر إيجابية بكثير؛ فلقد كان يريد أن يجمع زوجته وأبويه ~~وطفلتيه ويجعلهم مترابطين معا؛ أراد أن يدخل بولين إلى حياته مع أبويه، ويدفع أبويه ~~للتعرف عليها؛ مع أن معرفة أبيه بها متحفظة ومتناقضة، ومعرفة أمه سخية وسلسة. وكذلك أراد أن ~~ترتبط بولين وطفلتاه بطفولته؛ أراد أن تكون هذه العطلات متصلة بالعطلات التي كان يقضيها في ~~طفولته ما بين طقس سيئ وطقس بديع، ومشاكل ناتجة عن أعطال بالسيارة، ومخالفات مرورية، وذعر ~~يتخلل الرحلات البحرية، ولدغات النحل، وماراثون ms184 ألعاب المونوبولي، إضافة إلى كل الأشياء ~~التي كان يقول لأمه إن سماعها يضجره أيما ضجر. كان يريد أن تلتقط لهم صور هذا الصيف ثم ~~توضع في ألبوم صور أمه، استكمالا لكل الصور التي كان يتأفف من مجرد ذكرها. # لم يستطيعا خلال الإجازة التحدث إلا في آخر الليل، حين يأويان إلى الفراش، لكنهما كانا ~~يتحدثان حينها أكثر مما يتحدثان عادة في بيتهما؛ لأن براين في الغالب يكون مرهقا جدا ~~فيغط في نومه على الفور. وفي أثناء النهار، يكون من الصعب في العادة التحدث إليه بسبب ~~دعاباته المستمرة التي - كما رأت بولين - تضفي لمعانا على عينيه عندما يتلفظ بها (وكان ~~يشبهها في لون الشعر الغامق والبشرة الشاحبة والعينين الرماديتين؛ غير أن عينيها غامقتان ~~وعينيه فاتحتان، كماء صاف يجري فوق الصخور). كانت تلاحظه بينما يبحث بين الكلمات عن تورية ~~لفظية أو بدء قافية - أو أي شيء يمكن أن يخرج به المحادثة إلى حيز العبث - وجسده بأكمله ~~الطويل المرتخي، الذي لا يزال في نحافة المراهقين، يختلج بنزعة كوميدية. وقبل أن تتزوجه ~~بولين، كانت لها صديقة تدعى جراسي؛ وكانت فتاة تبدو متجهمة تكره الرجال. وكان براين يراها ~~في حاجة إلى رفع معنوياتها؛ ولهذا بذل معها أكثر من الجهد المعتاد، حتى إن جراسي قالت ~~لبولين: «كيف تتحملين هذا العرض المستمر؟» # فردت بولين: «هذا ليس براين على حقيقته، فهو يختلف حين نكون بمفردنا.» لكنها حين تتذكر ~~ما حدث، تتساءل هل كان ما قالته صحيحا؟ هل قالت هذا ببساطة كي تدافع عن خيارها كما يفعل ~~المرء حين يعقد عزمه على الزواج؟ # لذا كان الكلام معه في الظلام يتعلق بعدم رؤية وجهه، وبمعرفته أنها لا تستطيع النظر إلى ~~وجهه. # ولكنه مع ذلك كان يضايقها قليلا حتى في ظلمة الليل - غير المألوفة لهما - وسكونه. كان ~~يتحدث دوما عن جيفري واصفا إياه ب «السيد ~~المخرج» ناطقا اللقب بالفرنسية؛ مما جعل المسرحية - أو كونها فرنسية - سخيفة إلى حد ما. ~~أو ربما كان المقصود هو جيفري نفسه وجديته بشأن المسرحية. # أما عن بولين، ms185 فلم تبال بهذه المضايقات، بل كان من دواعي سرورها وارتياحها ذكر اسم ~~جيفري. # وفي الغالب لم تكن تذكر اسمه، وإنما تدور حول متعة ذكره من بعيد. فكانت تصف الآخرين ~~جميعا؛ مصففة الشعر، مرشد السفن، النادل، والرجل العجوز الذي ادعى أنه سجل في الإذاعة ~~ممثلا ذات مرة. كان يؤدي في المسرحية دور والد أورفيوس، وكان أكثر من أتعب جيفري؛ لأنه ~~صاحب آراء عنيدة حول التمثيل. # أما دور قائد الفرقة الموسيقية - السيد دولاك - الذي هو في منتصف العمر، فكان يلعبه وكيل ~~سفريات في الرابعة والعشرين من عمره. ودور ماتياس - عشيق يوريديس السابق - يؤديه مدير متجر ~~أحذية؛ متزوج وله أطفال. # تساءل براين لماذا لم يعط السيد المخرج كلا من هذين الرجلين دور الآخر. # فقالت بولين: «ذاك هو أسلوبه؛ فما يراه فينا لا يراه غيره.» # قالت على سبيل المثال إن النادل يؤدي دور أورفيوس بشكل أخرق. ~~«فهو لم يتعد التاسعة عشرة من عمره، وخجول جدا، ودوما ما يضايقه جيفري لهذا السبب؛ ~~يطلب منه ألا يؤدي دوره كأنه يمارس الحب مع جدته، ودوما ما يملي عليه ما يجب فعله، مثل: ~~«دعها بين ذراعيك فترة أطول» ... «لاطفها برفق». ولا أدري كيف سينجح هذا الأمر؛ لكن علي أن ~~أثق في جيفري، وفي أنه يعي ما يفعل.» # قال براين: «لاطفها برفق! ربما يجب أن أحضر وأراقب هذه البروفات جيدا.» # عندما بدأت بولين في ترديد كلام جيفري، شعرت باضطرابات في رحمها أو أسفل معدتها، ثم أحست ~~بالصدمة تتقدم تدريجيا لأعلى على نحو غريب حتى ضربت أحبالها الصوتية. كان عليها أن تخفي ~~هذه الرجفة في صوتها بدمدمة وكأنها تحاكي صوت جيفري (مع أن جيفري لم يدمدم قط، وكذلك لم ~~يتحدث بصخب أو بأي طريقة مسرحية على الإطلاق). # فأسرعت قائلة: «لكن هناك هدفا من كونه بهذه البراءة، وعدم جرأته على القرب الجسدي، ومن ~~طبيعته الخرقاء.» ثم أخذت تتكلم عن أورفيوس؛ الشخصية المسرحية، وليس النادل. فأورفيوس كان ~~يعاني من مشكلة مع الحب أو الواقع؛ لم يرض بغير الكمال بديلا، ويريد حبا لا ms186 يمت ~~للحياة العادية بصلة. يريد يوريديس المثالية. ~~«أما يوريديس فهي أكثر واقعية. كانت لها علاقات مشينة مع ماتياس والسيد دولاك، وكانت تعيش ~~بالقرب من أمها وعشيق أمها؛ لذا فهي تعرف طبائع الناس. لكنها تحب أورفيوس؛ تحبه بطريقة أفضل ~~من طريقة حبه لها؛ لأنها ليست بحماقته؛ ولأنها تحبه كإنسان.» # قال براين: «لكن هذين الرجلين الآخرين ضاجعاها.» ~~«الواقع أنها اضطرت لمضاجعة السيد دولاك ولم يكن بيدها حيلة. لم تكن ترغب فيه في البداية، ~~لكنها صارت على الأرجح تستمتع بالعلاقة بعد فترة؛ إذ لم تستطع في مرحلة معينة منع نفسها من ~~الاستمتاع.» # أورفيوس هو الملوم؛ حسبما قالت بولين بحزم. وفي العالم السفلي، التفت إلى يوريديس عامدا ~~قتلها والتخلص منها؛ لأنها ليست مثالية. وهكذا بسببه، تموت للمرة الثانية. # قال براين وهو مستلق على ظهره وعيناه مفتوحتان (علمت ذلك من نبرة صوته): «لكن ألا يموت ~~بذلك هو أيضا؟» ~~«نعم، هو من اختار.» ~~«إذن فقد قتل نفسه ليصيرا معا؟» ~~«نعم، مثل روميو وجولييت. «أورفيوس ويوريديس أخيرا معا.» ذاك هو السطر الأخير في ~~المسرحية، يقوله السيد هنري. إنها النهاية.» انقلبت بولين على جانبها ومست بوجنتها كتف ~~براين؛ لا لشيء سوى التأكيد على ما ستقوله: «من ناحية، هي مسرحية جميلة، لكنها من ناحية ~~أخرى سخيفة جدا؛ فهي لا تشبه في الواقع مسرحية «روميو وجولييت»؛ لأن أحداثها لا تعتمد على ~~الحظ العاثر أو الظروف السيئة، وإنما كل شيء يحدث فيها عن عمد؛ لذا فليس على بطليها خوض ~~الحياة بتطورها الطبيعي، من زواج وإنجاب وشراء منزل قديم، ثم إصلاحه و...» # قاطعها براين: «ويخون أحدهما الآخر؛ فهما على كل حال فرنسيان.» # ثم قال: «ويكونان مثل أبوي.» # ضحكت بولين وقالت: «هل يخون أحدهما الآخر؟ يمكنني أن أتخيل هذا.» # قال براين: «طبعا. أقصد مثلهما في أسلوب حياتهما. أرى أنه من المنطق أن يقتل المرء نفسه ~~حتى لا يصير كوالديه. لا أصدق أن امرأ قد يحذو حذو أبويه.» # قالت بولين حالمة: «لكل إنسان اختياراته؛ فأمها وأبوه كلاهما بغيض، لكن ليس بالضرورة أن ~~يكون أورفيوس ms187 ويوريديس مثلهما. إنهما ليسا فاسدين. هي ليست فاسدة لمجرد أنها أقامت علاقات ~~مع هذين الرجلين. لم تكن حينها قد وقعت في الحب بعد. لم تكن قد قابلت أورفيوس. هناك مشهد ~~يقول لها فيه إن كل ما فعلته يلازمها طوال الوقت، وإن هذا لأمر مقزز. الأكاذيب التي حدثته ~~عنها، والرجلان اللذان ضاجعاها؛ كل هذا سيلازمها إلى الأبد. وحينها بالطبع سيلعب السيد هنري ~~على هذا الوتر، ويقول لأورفيوس إنه لن يقل عنها سوءا، وإنه يوما ما سيمشي مع يوريديس في ~~الطرقات، وسيبدو كرجل معه كلب يحاول التخلص منه.» # ما أدهشها هو أن براين ضحك. # قالت: «كلا، هذه حماقة. ما قلت ليس حتميا، ليس حتميا على الإطلاق.» # أخذا يتأملان الأمور، ويتجادلان بأريحية بشكل لم يعتاداه؛ وإن لم يكن غريبا عليهما ~~بالكلية. لقد فعلا هذا من قبل على فترات طويلة متقطعة على مدار حياتهما الزوجية. كانا ~~يقضيان نصف الليل يتحدثان عن الرب أو الخوف من الموت، أو يتساءلان كيف يجب أن تتعلم ~~صغيرتاهما، أو عما إذا كان المال مهما. ولكن أخيرا قالا إنهما قد أرهقا على نحو يتعذر ~~معه الفهم والإدراك لفترة أطول، فاتخذا وضعا حميميا واستغرقا في النوم. ~~••• # وأخيرا، أمطرت السماء ذات يوم. استقل براين وأبواه سيارتيهم واتجهوا نحو مدينة كامبل ~~ريفر ليبتاعوا البقالة والجن، وليذهبوا بسيارة الأب إلى ورشة الإصلاح لتفقد المشكلة التي ~~طرأت عليها في الطريق من نانايمو. كانت مشكلة بسيطة جدا، لكن السيارة كانت لا تزال في ~~فترة الضمان؛ لذلك أراد والد براين أن يتم فحص السيارة على وجه السرعة. واضطر براين أن ~~يذهب معهما مستقلا سيارته تحسبا لأن يضطروا لترك سيارة الأب في الورشة. أما بولين فقالت ~~إن عليها أن تظل في البيت حتى تحظى مارا بقيلولتها. # كذلك أقنعت كيتلن بأن تأوي إلى فراشها أيضا، وسمحت لها بأن تأخذ معها صندوق الموسيقى ~~إلى الفراش، شريطة ألا تشغله بصوت عال. وبعد ذلك، فتحت بولين نص المسرحية على طاولة ~~المطبخ، واحتست فنجان قهوة، وأخذت تراجع المشهد الذي يقول فيه أورفيوس إنه ms188 من غير المحتمل - ~~في النهاية - أن يظلا جسدين منفصلين، كل منهما منغلق على ما فيه من دم ولحم، كل في ~~عزلته، فتطلب منه يوريديس أن يصمت. ~~«لا تتكلم، لا تفكر، فقط دع يدك تلمسني، دعها تستمتع.» # تقول يوريديس: يدك سبب سعادتي. تقبلها على هذا النحو. تقبل سعادتك. # وبالطبع يقول إنه لا يستطيع. # نادتها كيتلن بشكل متكرر لتسألها كم الساعة. رفعت صوت صندوق الموسيقى، فهرعت بولين إلى ~~غرفة النوم وهمست لها بأن تخفض الصوت لكيلا توقظ مارا. ~~«إذا رفعت صوته مرة أخرى فسوف آخذه منك، أتفهمين؟» # لكن مارا كانت قد بدأت بالفعل تتمتم في مهدها، وخلال دقائق قليلة أخذت كيتلن تتحدث بصوت ~~خفيض مشجعة أختها على الاستيقاظ، كما أنها رفعت صوت صندوق الموسيقى ثم خفضته بسرعة. وبعدها ~~مباشرة هزت مارا حاجز المهد - فأحدث صوتا - وشدت نفسها لأعلى، ملقية زجاجة الرضاعة على ~~الأرض، ثم شرعت تبكي بكاءها الطفولي الذي أخذ يعلو ويعلو حتى أتت أمها. # قالت كيتلن: «لم أوقظها، هي استيقظت من تلقاء نفسها. لقد توقف المطر الآن، فهل يمكن أن ~~نذهب إلى الشاطئ؟» # كانت محقة؛ لم تعد السماء تمطر. فسريعا قامت بولين بتغيير حفاضة مارا، وطلبت من كيتلن ~~أن ترتدي ملابس السباحة وتبحث عن دلو الرمال. وارتدت هي الأخرى ملابس السباحة ثم سروالها ~~القصير تحسبا لأن تصل بقية العائلة وهي على الشاطئ (قالت لها أم براين ذات مرة: «لا يحب ~~حماك الطريقة التي تخرج بها بعض النساء من أكواخهن مرتديات ملابس السباحة، أعتقد أنني ~~وإياه تربينا في زمان آخر»). أخذت نص المسرحية في يدها ليكون معها على الشاطئ، ثم أعادته ~~مكانه مرة أخرى؛ فلقد خشيت أن تنهمك في قراءته فتغفل عن صغيرتيها فترة طويلة. # لم تكن الأفكار التي تراودها عن جيفري في حقيقة الأمر أفكارا، وإنما كانت تغيرات تحدث في ~~جسدها؛ قد يحدث هذا حين تجلس على الشاطئ (محاولة أن تستظل بظل شجيرة كي تحافظ على لون ~~بشرتها الشاحب، كما أمر جيفري)، أو حين تغسل الحفاضات، أو حين تكون مع براين ms189 في زيارة ~~لأبويه، وحين تلعب المونوبولي أو لعبة الكلمات المبعثرة أو تلعب بأوراق اللعب. كانت تستمر ~~في التحدث أو الاستماع أو العمل أو مراقبة الأطفال، بينما يجول في ذهنها ذكرى حياتها السرية ~~لتزعجها وتثيرها، ثم يراودها شعور بدفء واطمئنان شديدين يغمرانها. غير أنه شعور لا يدوم، ~~بل يتسلل منها ويتلاشى ارتياحها فتصبح كالبخيل الذي فقد ثروته وظن أن لن يواتيه الحظ مرة ~~أخرى. يغالبها الشوق للقياه، فتعد الأيام والليالي، بل كانت - أحيانا - تقسم الأيام إلى ~~أجزاء كي تحدد كم مضى بالضبط منها. # فكرت أن تذهب إلى كامبل ريفر، وتختلق عذرا ما كي تذهب إلى كابينة اتصالات وتهاتفه؛ فلم ~~يكن بالأكواخ أي هواتف، والهاتف العمومي الوحيد كان موجودا في بهو النزل. لكن لم يكن معها ~~رقم هاتف الفندق الذي يعمل فيه جيفري، وأيضا فإنها لا يمكن أن تذهب إلى كامبل ريفر في ~~المساء، وكانت تخشى إذا هاتفته في البيت نهارا، أن ترد عليها أمه؛ معلمة اللغة الفرنسية؛ ~~فقد قال لها إن أمه نادرا ما تغيب عن البيت خلال الصيف، وذات مرة - لم تتكرر - ركبت البحر ~~إلى فانكوفر لقضاء اليوم على مركب في الماء، وحينها، هاتف جيفري بولين طالبا منها أن ~~تأتيه؛ وقتها كان براين في المدرسة وكيتلن تلعب مع مجموعة اللعب المشتركة فيها. # قالت بولين: «لا أستطيع؛ مارا بصحبتي.» # فقال جيفري: «من؟ أوه، كم هذا مؤسف! لكن ألا يمكن أن تحضريها معك؟» # أجابته بالنفي. ~~«ولم لا؟ ألا يمكنك أن تحضري بعض الألعاب كي تلهو بها؟» # قالت بولين: «لا أستطيع، لا يمكنني أبدا.» بدا لها أمرا خطيرا أن تجر ابنتها معها في ~~هذه الرحلة الآثمة إلى بيت لا توضع فيه سوائل التنظيف على أرفف عالية، أو الحبوب والشراب ~~والسجائر والأزرار في غير متناول الأطفال. وحتى إن لم تتسمم مارا أو تختنق، فمن الممكن أن ~~تختزن في داخلها قنابل موقوتة؛ ذكريات لمنزل غريب كانت تترك فيه وحيدة أمام باب مغلق، ومن ~~ورائه أصوات وصيحات. # قال جيفري: «كل ما أردته أن أحظى بك. أردت ms190 أن أحظى بك في فراشي.» # رددت بضعف: «لا.» # ظلت كلماته تتردد في نفسها: «أردت أن أحظى بك في فراشي.» قالها بنبرة صوت مثيرة يشوبها ~~إلحاح وتصميم وعملية، وكأن قوله: «في فراشي» يعني ما هو أكثر من الفراش المتعارف عليه، ~~وشعرت أن له أبعادا أكبر لا تمت للأبعاد المادية بصلة. # هل ارتكبت خطأ جسيما برفضها عرضه؟ هل هذا تذكير بكم هي محاصرة فيما يمكن أن تسمى ~~حياتها الحقيقية؟ ~~••• # كان الشاطئ شبه خال؛ فقد غاب عنه الناس اليوم بسبب المطر، وكانت الرمال مبللة وثقيلة بما ~~لا يمكن كيتلن من بناء قلعة أو حفر قناة ري؛ وهي أنشطة ما كانت الفتاة تمارسها على أي ~~حال إلا في وجود أبيها؛ لأنها كانت تحس بأنه يوليها اهتماما عظيما، بينما لا تبالي بها ~~بولين؛ ولذا أخذت تتجول وحيدة متجهمة على حافة الماء. الأرجح أنها كانت تفتقد وجود أطفال ~~آخرين؛ أولئك الذين تصادقهم ما إن تراهم - على غير علم بأسمائهم - وأحيانا يتحولون إلى ~~أعداء يلقون الأحجار ويركلون الماء بعضهم في وجوه بعض، ولا يتوقفون عن الصياح والعبث بالماء ~~والسقوط فيه أيضا. رأت الفتاة صبيا أكبر منها قليلا يقف وحيدا في البحر - فيما بدا لها ~~- بعيدا عن الشاطئ والماء عند ركبتيه. إذا ما اجتمع الاثنان معا، فسيكون كل شيء على ما ~~يرام؛ إذ ستستطيع الفتاة استرجاع تجاربها على الشاطئ. ولم تستطع بولين تخمين إذا ما كانت ~~كيتلن تجري مثيرة المياه حولها لأجله، وما إذا كان الصبي ينظر إليها منزعجا أم ~~مهتما. # أما عن مارا، فلم تكن في حاجة لصحبة لها على الشاطئ - الآن على الأقل - وكل ما فعلته ~~أنها تعثرت في مشيتها إلى المياه، وحينما شعرت بالماء يلمس قدميها عدلت عن رأيها، فتوقفت ثم ~~أخذت تتلفت حولها، ولما رأت بولين قالت فرحة: «بو. بو.» إذ كانت تنادي بولين بهذا ~~الاسم، بدلا من «ماما»، أو «أمي». أخل تلفتها حولها بتوازنها، فجلست حيثما ~~كانت - نصفها على الرمال ونصفها على الماء - ~~وصاحت متفاجئة للفت نظر أمها إليها. وبعدها أخذت تحاول بشيء ms191 من التصميم الذي يعوزه الخفة ~~والتوازن كي تنهض - مستندة إلى يديها - إلى أن وقفت على قدميها متمايلة ظافرة. كانت قد ~~تعلمت المشي منذ ستة أشهر، لكن السير على الرمال كان يمثل تحديا لها. وبعدها عادت إلى ~~بولين، قائلة أشياء مألوفة بلغتها الخاصة. # قالت بولين وهي تمسك في يدها حفنة من الرمال: «انظري يا مارا، إنها رمال.» # لكن مارا صححت لها الاسم ونطقت كلمة أخرى من قاموسها على نفس الوزن. كانت حفاضتها ~~السميكة المبللة - التي ترتديها تحت السروال التحتي البلاستيكي وثياب اللعب المصممة من قماش ~~المناشف القطني - تظهر مؤخرتها سمينة. وهذا كله مع وجنتيها وكتفيها الممتلئتين ونظرتها ~~المغرورة من جانب عينها، جعلها أشبه بامرأة ناضجة متحفزة. # انتبهت بولين لصوت ينادي اسمها، لكنها لم تنتبه له في المرة ~~الأولى - بل في الثانية أو الثالثة - لأنه لم ~~يكن صوتا مألوفا. فوقفت ولوحت بيدها، ووجدت صاحبة الصوت هي المرأة التي تعمل في متجر ~~النزل. كانت تطل من الشرفة وتنادي: «سيدة كيتنج، سيدة كيتنج، اتصال لك سيدة كيتنج.» # رفعت بولين مارا من الأرض وحملتها ساندة إياها على فخذها من أعلى، وصاحت منادية كيتلن ~~التي كانت قد تعرفت على الصبي وأخذا يلتقطان الحجارة من القاع ثم يقذفانها في الماء. لم ~~تسمع نداء بولين في البداية أو فقط تظاهرت بهذا. # صاحت بولين: «إلى المتجر يا كيتلن، إلى المتجر.» كانت واثقة من أن كيتلن ستتبعها إلى ~~المتجر - كانت كلمة «المتجر» تبث في نفسها سرورا بالغا؛ ذاك المتجر الصغير الموجود في ~~النزل حيث تستطيع شراء الآيس كريم والحلوى والسجائر والمشروبات غير الكحولية التي تخلط ~~بالخمر - وبدأت رحلتها عبر الرمال وصعدت الدرج الخشبي متجاوزة الرمال وشجيرات السلال. وفي ~~منتصف الدرج توقفت وقالت مخاطبة مارا: «وزنك ثقيل يا مارا.» ثم نقلت الطفلة إلى الناحية ~~الأخرى، بينما ضربت كيتلن الدرابزين بعصا في يدها. ~~«هل يمكن أن تشتري لي حلوى الفدج المثلج يا أمي؟ أمي، ممكن؟» ~~«سوف نرى.» ~~«أرجوك، هل يمكن أن أشتري الفدج المثلج؟» ~~«انتظري.» # كان بجوار الهاتف العمومي لوحة ملاحظات معلقة ms192 على الجانب الآخر من البهو الرئيسي قبالة ~~باب غرفة الطعام، وكانت هناك لعبة بينجو مفترشة بالداخل بسبب هطول المطر خارج النزل. # قالت السيدة التي تعمل في المتجر بصوت مرتفع: «آمل أن يكون ما زال في انتظارك.» ثم توارت ~~خلف الطاولة جالسة على كرسيها. # التقطت بولين سماعة الهاتف المتدلية أمام الطاولة - وهي لا تزال تحمل مارا - وقالت ~~لاهثة: «مرحبا.» كانت تتوقع أن تسمع صوت براين يخبرها عن تأخيرهم في كامبل ريفر أو يسألها ~~ماذا كانت تريد من الصيدلية؛ فقد كان شيء واحد فحسب هو ما نسي تدوينه ليجلبه لها، وهو ~~لوسيون كالامين. # غير أنه كان جيفري، وقال لها: «بولين. إنه أنا.» # أخذت مارا تضرب جانب بولين، وتتملص من يدها لتنزلها إلى الأرض، أما كيتلن فقد مشت عبر ~~البهو حتى دخلت المتجر، وطبعت قدماها آثارا رملية مبللة على الأرض. قالت بولين مكررة: ~~«لحظة واحدة.» وتركت مارا تنزلق من بين يدها، وهرعت لتغلق الباب المؤدي إلى الدرج. لا تذكر ~~أنها أخبرت جيفري باسم هذا المكان مع أنها أخبرته بموقعه تقريبا. سمعت المرأة العاملة في ~~المتجر تخاطب كيتلن بنبرة أكثر حدة من تلك التي تخاطب بها الأطفال الذين يكون ذووهم ~~معهم. ~~«هل نسيت أن تغسلي قدميك تحت صنبور الماء؟» # قال جيفري: «أنا هنا. لم أستطع العيش بدونك، لم أستطع على الإطلاق.» # اتجهت مارا نحو غرفة الطعام، وكأن الصوت الذكوري الذي صاح قائلا: «تحت ال ...» كان دعوة ~~مباشرة لها. # قالت بولين: «هنا، أين؟» # قرأت اللافتات المثبتة على لوحة الملاحظات التي تجاور الهاتف: ~~«غير مسموح لأي طفل دون الرابعة عشرة أن يستقل القوارب والزوارق دون صحبة أحد ~~البالغين.» ~~«سباق صيد.» ~~«سوق مخبوزات ومعرض مشغولات فنية بكنيسة سانت بارثولوميو.» ~~«حياتك في يديك: قراءة الكف والورق قراءة دقيقة ومنطقية؛ فقط اتصل بكلير.» ~~«في نزل بكامبل ريفر.» # عرفت بولين أين هي قبل أن تفتح عينيها، لم يفاجئها شيء؛ نامت لكن نومها ~~لم يكن عميقا حتى تنسى معه كل شيء. # انتظرت براين في مرأب النزل، ومعها البنتان، ثم طلبت منه ms193 المفاتيح. أخبرته أمام والديه ~~أنها تحتاج شيئا آخر من كامبل ريفر، فسألها عن هذا الشيء، وعما إذا كان معها نقود. # فردت عليه: «شيء ما.» لعله يظن أنها تقصد فوطا صحية أو وسيلة منع الحمل، ولا تريد أن ~~تذكرها. فقال لها: «حسنا.» # وأضاف: «لكن لا بد أن تزودي السيارة بالوقود.» # لا بد أن تهاتف زوجها فيما بعد؛ هكذا أخبرها جيفري. ~~«لأنه لن يصدق كلامي، سيظن أنني اختطفتك أو ما شابه هذا. لن يصدقني.» # لكن أغرب ما جرى ذلك اليوم أن براين - فيما يبدو - صدق هذا الأمر على الفور، وحينها كان ~~يقف في المكان نفسه الذي لم تطل هي الوقوف فيه متحدثة مع جيفري في الهاتف - في بهو النزل ~~العام - ولكن هذه المرة لم تكن لعبة البينجو مفترشة. غير أنها كانت تسمع على الهاتف أصوات ~~أناس يمرون بجانبه، وكأنهم خارجون من غرفة الطعام بعد تناول العشاء، وإذ به يقول حين ~~أخبرته: «أوه. أوه. أوه. حسنا.» قال هذه العبارات بنبرة صوت تمكن من السيطرة عليها على ~~وجه السرعة، وإن فاضت بقدر هائل من حتمية ومعرفة مسبقة غير طبيعية. # وكأنه كان يعلم جل ما كان يمكن أن يحدث معها بالكامل. # قال: «حسنا، ماذا عن السيارة؟» # وبعد تساؤله، ذكر شيئا آخر - شيئا مستحيلا - ثم أغلق الهاتف، وخرجت هي من كابينة ~~الهاتف التي تجاور بعض مضخات الوقود في كامبل ريفر. # قال جيفري: «جرت المكالمة سريعا وعلى نحو أيسر مما توقعت.» # ردت بولين: «لا أدري.» ~~«لعله كان يعرف أمرنا دون وعي؛ فالناس يحسون بهذه الأمور.» # هزت رأسها وكأنها تطلب إليه ألا يطيل الحديث عن هذا الموضوع، فاعتذر ثم سارا معا في ~~الشارع دون تلامس أو حديث. ~~••• # كان عليهما الخروج للبحث عن كابينة هاتف؛ لأنه لم يكن هناك أي هواتف في غرفة النزل حيث ~~ينامان. وحينذاك، في الصباح الباكر، حين نظرت بولين حولها لتستشعر الراحة بلا أعباء - لأول ~~مرة تحظى بهذه الراحة أو الحرية منذ أتت إلى هذه الغرفة - رأت أن هذه الغرفة لا تحوي ~~الكثير؛ لا تحوي ms194 سوى خزانة مستهلكة، وسرير بدون ظهر ، ومقعد منجد دون ذراعين، وستارة فينيسية ~~ذات ضلع مكسور تغطي النافذة، وستارة أخرى من البلاستيك برتقالي اللون - من المفترض أن تبدو ~~كالستائر الشفافة ولا تحتاج لأن تثنى أطرافها - ممزقة من أسفل. وكان هناك جهاز تكييف ذو ~~هدير صاخب، أطفأه جيفري ليلا وترك الباب مفتوحا مع غلق سلسلة الأمان؛ لأن النافذة ما كانت ~~تفتح. لكن الباب مغلق الآن - بعد أن استيقظت - ولا بد أنه استيقظ ليلا فأغلقه. # كان هذا هو كل ما تملك؛ فلقد انقطعت صلتها بالكوخ حيث يرقد براين نائما أو أرقا، ~~وانقطعت صلتها أيضا بالمنزل الذي كان تجسيدا لحياتها مع براين، ولطريقة الحياة التي أرادا ~~أن يعيشاها. لم يعد لديها أثاث؛ فلقد قطعت الصلة بينها وبين كل مكتسباتها الملموسة ~~الضخمة، كالغسالة وآلة تجفيف الملابس والطاولة المصنوعة من خشب البلوط وخزانة الثياب التي ~~تم تجديدها والثريا التي كانت تقليدا لأخرى مرسومة في إحدى لوحات فيرمير. وكذلك بالقدر ~~نفسه قطعت صلتها بمتعلقاتها الخاصة بها؛ كالكئوس المصنوعة من الزجاج المضغوط التي كانت ~~تجمعها، وبساط الصلاة الذي لم يكن بالطبع أصليا لكنه جميل. قطعت صلتها بهذه الأشياء خاصة، ~~وبكتبها أيضا، فالأرجح أنها فقدتها بالكامل، وحتى ثيابها؛ لم يعد لديها الآن سوى التنورة ~~والبلوزة والصندل، وهي الأشياء التي كانت ترتديها خلال رحلتها إلى كامبل ريفر. ما كانت ~~لتعود أبدا كي تطالب بأي من متعلقاتها. إذا ما هاتفها براين ليسألها ما يفعل بما يخصها، ~~فستقول له أن يفعل بها ما يحلو له؛ أن يتخلص من كل شيء في القمامة؛ إذا كان هذا هو ما يريد ~~(لكنها كانت تعلم أنه على الأرجح سيملأ صندوق السيارة - بأمانة شديدة - بمعطفها الشتوي ~~وحذائها ذي الرقبة وأشياء أخرى كمشد خاصرتها الذي ارتدته في حفل زفافهما ولم ترتده مرة ~~أخرى، وأنه سيضع بساط الصلاة فوق كل متعلقاتها كعلامة أخيرة على كرمه، سواء التلقائي أو ~~المرتب له؛ وهو ما قد حدث بالفعل). # أيقنت بولين أنها لن تبالي بعد الآن ~~بالمكان الذي ستسكنه أو الثياب التي سترتديها. ms195 لن تسعى أبدا لأن توضح لأي امرئ موقفها ~~وكيف كانت تعيش، بل لن توضح هذا لنفسها. يكفي ما فعلت، ما فعلته يغني عن أي شيء. # ما فعلته هو ما سمعت به وقرأت عنه؛ كان أشبه بما فعلته آنا كارنينا وما أرادت مدام بوفاري ~~أن تفعله، وما فعله مدرس - زميل براين - مع سكرتيرة المدرسة. هرب معها؛ هكذا أطلق على ~~فعلتهما. هربا معا وفرا دون ثالث. تحدث الناس عن فرارهما باحتقار وتندر وغبطة. لقد ~~تجاوزت العلاقة حدود الفحشاء؛ فلا بد أن طرفيها كانا على علاقة بالفعل منذ فترة، بل ومارسا ~~الفحشاء لفترة، قبل أن يصلا إلى قدر كاف من اليأس أو الشجاعة يمكنهما من اتخاذ تلك ~~الخطوة. فبين كل حين طويل وآخر، يدعي حبيبان أن عشقهما نقي لا ينضب، في حين ينظر إليهما ~~الناس - إذا ما صدقوهما - على أنهما جادان للغاية وهدفهما نبيل، لكنهما متهوران على نحو ~~هدام، شأنهما شأن من يغامرون ويتخلون عن كل شيء مقابل الرحيل عن البلد للعمل في إحدى ~~الدول الفقيرة الخطرة. # أما الحبيبان - الزانيان - فإن لم يجدا من يصدقهما فسيعتبرهما الناس غير مسئولين ولا ~~ناضجين، أنانيين، بل وعديمي الشفقة. وكذلك هما محظوظان؛ محظوظان لأن الجنس الذي مارساه من ~~قبل في سياراتهما المتوقفة في المرأب، أو على العشب الطويل، أو في فراش الزوجية المدنس أو - ~~وهو الأرجح - في مثل هذه الأنزال، لا بد أنه رائع، وإلا فما كان أحدهما ليتوق بهذا الشكل ~~لصحبة الآخر مهما كان الثمن، وما كانا ليوقنا أن مستقبلهما معا سيختلف بالكلية عن حياتهما ~~الماضية، بل وسيكون أفضل منها. # سيختلف المستقبل بالكلية. لا بد أن هذا ما كانت بولين تؤمن به بعد رحيلها؛ أن هناك ~~اختلافات أساسية بين أنواع الحياة المختلفة أو زيجات البشر وعلاقاتهم. آمنت أن بعضهم مصيره ~~محتوم لا مفر منه، وبعضهم ليس له هذا المصير. وبالطبع كانت ستردد الرأي نفسه قبل ما حدث ~~بسنة. وكان من سبقها يرددونه أيضا، وكانوا يؤمنون به، ويؤمنون أيضا أن حالتهم هي الأولى ~~من نوعها - حالات فريدة ms196 - حتى وإن رأى غيرهم أنهم ليسوا روادا، وإن لم يعرفوا هم أنفسهم ~~عن أي شيء يتحدثون. هي نفسها ما كانت لتعرف عن أي شيء تتحدث. ~~••• # كان جو الغرفة دافئا جدا، وكذلك جسد جيفري، وكأنه يشع ثقة ومشاكسة حتى وهو نائم. ~~كان جذعه أكثر امتلاء من جذع براين؛ إذ كان أكثر بدانة عند الخاصرة، وكان لديه لحم أكثر ~~يغطي العظام؛ وإن لم يكن متدليا. كانت بولين واثقة من أن الناس سيقولون إنه ليس وسيما ~~بشكل عام، كما أنه ليس مهندما. لم تكن تفوح أي رائحة من براين في الفراش، أما جيفري، ففي ~~كل مرة ترقد بجانبه، تفوح منه رائحة زيت - نوعا ما - أو جوز ساخن. لم يستحم الليلة ~~الماضية، وهي كذلك، لكنه اغتسل لاحقا؛ فلم يكن هناك وقت للاستحمام. ولكن هل يمكن أن تجد ~~معه فرشاة أسنان؟ لم تكن معها فرشاتها؛ لكنها لم تكن تعرف أنها ستبيت. # عندما قابلت جيفري في هذا المكان، كان يدور في خلدها ضرورة اختلاق كذبة كبيرة كي تغطي على ~~الحقيقة عندما تعود إلى المنزل، ولكن الأمور جرت معها - بل معهما - على وجه السرعة. فعندما ~~قال لها جيفري إنه قرر عدم افتراقهما، وضرورة أن تذهب معه إلى ولاية واشنطن، وحتمية التخلي ~~عن إكمال المسرحية لأن الأمر لن يتيسر لهما في فيكتوريا، أخذت تنظر إليه نظرة خاوية كتلك ~~التي ترتسم على عيني أي شخص لحظة بدء وقوع زلزال. كانت مستعدة لأن تخبره بكل الأسباب التي ~~تحول دون موافقتها، وظلت معتقدة أنها ستخبره بها، لكن حياتها سارت على غير هدى في هذه ~~اللحظة. وإذا ما حاولت التراجع، فسيكون الأمر أشبه بوضع رأسها داخل كيس يكتم ~~أنفاسها. # لم تقل سوى: «هل أنت واثق مما تقول؟» # رد عليها: «بالطبع.» ثم أردف بإخلاص: «لن أتخلى عنك البتة.» # ليس هذا من كلامه المعتاد؛ ثم أدركت بعد حين أنه يقتبس من المسرحية، ويا لها من مفارقة! ~~اقتبس عبارته من حديث أورفيوس ليوريديس خلال دقائق من لقائهما الأول في كافيتريا ~~المحطة. # هكذا انقلبت حياتها وسارت ms197 خطوات للأمام؛ أضحت من أولئك الذين هربوا، صارت امرأة تخلت عن ~~كل شيء بشكل صادم غير مفهوم. قد يقول الناس هازئين إنها هربت من أجل الحب، لكنهم يقصدون من ~~أجل الجنس. ما كان أي من هذا ليحدث لولا الجنس. # لكن هل هناك اختلاف كبير؟ ليس هناك اختلاف بالرغم من كل ما يقال. تلامس واحتكاك، حركات، ~~اتصال، ونتائج. ليست بولين من النساء اللائي يصعب التوصل معهن إلى نتائج. براين خرج بتلك ~~النتائج، الأرجح أن أي شخص كان سيخرج بتلك النتائج؛ أي شخص ليس أخرق أو مثيرا للاشمئزاز من ~~الناحية الأخلاقية. # لكن، في الواقع، ليس جميع الرجال متماثلين. مع براين - خاصة مع براين الذي منحته شعورا ~~أنانيا بالرضا والذي عاشت معه في شراكة زوجية - لم يكن ليحدث أبدا مثل هذا التعري، هذا ~~الهروب الحتمي، لم تكن لتشعر معه أبدا بهذه المشاعر التي تشعر بها الآن دون معاناة وإنما ~~تستسلم لها كما تستسلم للتنفس أو الموت. غير أنها تظن أنها ما كانت لتشعر بكل هذا إلا وهي ~~عارية في أحضان جيفري؛ نظرا للحركات التي يقوم بها جيفري، وثقل جسد جيفري الذي يحوي داخله ~~قلب جيفري، وكذلك عاداته وأفكاره وطباعه الغريبة وطموحه ووحدته (وكل ~~ذلك - حسب علمها - يرجع في جزء كبير منه إلى ~~شبابه). # حسب علمها، وليس لها من العلم الكثير. لا تكاد بولين تعرف شيئا عما يفضله في الطعام أو ~~الموسيقى، وعن الدور الذي تلعبه أمه في حياته (لا شك أنه دور غامض لكنه مهم، مثل الدور الذي ~~يلعبه والدا براين). أمر واحد فقط هو الذي تثق به ثقة عمياء، هو أن كل ما يرغبه أو يمقته ~~محدد وبدقة. # تسللت من تحت يد جيفري ونهضت من تحت الغطاء - الذي تفوح منه رائحة منظف نفاذة - ونزلت ~~إلى الأرض حيث كانت ملاءة السرير ملقاة، ولفت جسدها بذات الملاءة الصفراء المائلة للخضرة. ~~ما أرادت أن يفتح عينيه ويراها من الخلف عارية فيلاحظ تدلي مؤخرتها. صحيح أنه رآها عارية من ~~قبل، لكنه نظر إليها نظرة عامة في ms198 لحظات أخرى أكثر تسامحا. # مضمضت فمها واغتسلت بماء وقطعة صابون؛ جامدة كالحجارة، وصغيرة في سمك قالبي شوكولاتة ~~رفيعين. كان مهبلها المتورم كريه الرائحة منهكا من كثرة ممارسة الجنس. كما أنها تبولت ~~بصعوبة شديدة، وعانت أيضا الإمساك فيما يبدو. في الليلة الماضية حين خرجا وتناولا البرجر، ~~لم تجد في نفسها رغبة في الأكل. من المرجح أنها ستتعلم الاعتياد على هذه الأشياء مرة أخرى، ~~وستظل تلعب دورها المهم الطبيعي في حياتها، لكنها في تلك اللحظة لا تملك أن توليها فيما ~~يبدو انتباهها. # كان لديها في حقيبة يدها بعض النقود، فوجدت أنه من الضروري أن تخرج لتبتاع فرشاة ومعجون ~~أسنان ومزيلا لرائحة العرق وشامبو، وكذلك جيل مهبليا. ففي الليلة الماضية، استخدما ~~الواقي الذكري في المرتين الأوليين، لكنهما لم يستخدما أي شيء في الثالثة. # لم تحضر معها ساعة يدها، ولم يكن جيفري يرتدي ساعته، وبالطبع لم يكن في الحجرة ساعة. ~~فكرت أن الوقت ما زال مبكرا؛ فلا يزال ضوء النهار يبدو مبكرا بالرغم من ارتفاع درجة ~~الحرارة. والأرجح أن المتاجر لم تفتح أبوابها بعد، لكن لا بد أن هناك مكانا يمكن أن تحتسي ~~فيه القهوة. # تقلب جيفري على جانبه الآخر، لا بد أنها أيقظته من نومه للحظات. # سوف يكون لهما غرفة نوم ومطبخ وعنوان لبيتهما، سوف يذهب هو إلى العمل وستذهب هي إلى ~~المغسلة. وربما ستذهب هي أيضا إلى العمل، بائعة أو نادلة، أو مدرسة خاصة لبعض التلاميذ. ~~إنها تتقن الفرنسية واللاتينية - ولكن هل تدرس الفرنسية واللاتينية في المدارس الثانوية ~~الأمريكية؟ هل يمكن أن يحظى غير الأمريكي بوظيفة؟ فجيفري ليس أمريكيا. # تركت له المفتاح؛ لذا سيكون عليها أن توقظه حين تعود، وليس لديها قلم أو ورقة لتترك له ~~رسالة. # الوقت لا يزال مبكرا. يقع النزل على الطريق السريع على الحد الشمالي للمدينة قرب الجسر. ~~لم تبدأ حركة المرور بعد؛ ولذا سارت فترة طويلة تجر قدميها تحت أشجار الحور القطني قبل أن ~~تسمع صوت مركبة من أي نوع على الجسر؛ مع أن مرور السيارات على ms199 هذا الجسر كان يهز فراشهما ~~بين الحين والآخر في وقت متأخر من الليل. # اقترب قدوم شيء بعد حين؛ شاحنة، لكنها ليست مجرد شاحنة، بل حقيقة عظيمة قاتمة تقترب منها. ~~كذلك فإنها لم تأت من المجهول؛ بل كانت تنتظرها، تلكزها بغير شفقة منذ أفاقت من نومها، بل ~~طوال الليل. # كيتلن ومارا. # الليلة الماضية، وبعد أن حدثها براين عبر الهاتف بصوت هادئ غير منفعل لا يشي بأي عاطفة ~~- وكأن كبرياءه أبت عليه أن يبدو مصدوما أو يعترض أو يتوسل إليها - ما لبث أن انفجر ~~فيها، وحينها قال بازدراء وغضب شديد، غير مكترث بمن قد يسمعه: «وماذا عن الصغيرتين؟» # بدا ارتعاد صوته واضحا عبر الهاتف. # فقالت له: «سوف نتحدث ...» لكن لم يبد أنه سمعها. # وأضاف بذات الصوت المرتعد الناقم: «الطفلتين»؛ وبدت لها الإشارة إلى البنتين بكلمة ~~«الطفلتين» بدلا من «الصغيرتين» وكأنها صفعة على وجهها، تهديد خطير، عادل وجدي. # قال براين: «ستبقى الطفلتان معي يا بولين، هل تسمعينني؟» # قالت بولين: «لا. سمعتك لكن ...» ~~«حسنا. لقد سمعتني. تذكري دائما، ستبقيان معي.» # لم يكن بوسعه فعل شيء أكثر من هذا كي يجعلها ترى عواقب فعلتها، وما كانت ستئول إليه ~~الأمور، ويعاقبها به - إن أصرت - وما كان أحد ليلومه على هذا. ربما سيصدر منها بعض ~~التحايل والمساومات، وبلا شك ستذل نفسها في سبيل إبقائهما معها. لكن تلك المشكلة ستكون أشبه ~~بغصة في حلقها، وستظل هذه الغصة مكانها حتى تعدل عن رأيها تماما؛ ستبقى الطفلتان ~~معه. # كانت سيارتهما - سيارتها هي وبراين - لا تزال في مرأب النزل منذ أن حضرت، ولعل براين ~~سيطلب من أحد أبويه أن يوصله كي يحضر السيارة من هناك. كانت المفاتيح في حقيبة يدها، لكن ~~للسيارة مفاتيح احتياطية ولا بد أنه سيحضرها. ومع ذلك، فتحت باب السيارة وألقت المفاتيح على ~~المقعد، ثم قفلت الباب من الداخل. # فات أوان التراجع، لم يعد باستطاعتها أن تلج إلى سيارتها وتقودها عائدة له معترفة ~~بجنونها. إذا فعلت هذا، فسيسامحها لكنه لن يستطيع تجاوز الأمر ولن تتجاوزه هي أيضا. لكن ms200 مع ~~هذا، سيستكملان حياتهما معا كما فعل غيرهما. # خرجت من المرأب وسارت بجوار الرصيف متجهة نحو المدينة. # تذكرت ثقل مارا على مفصل ساقها بالأمس، وتذكرت آثار أقدام كيتلن على الأرض. ~~«بو. بو.» # لا تحتاج بولين المفاتيح كي تعود إليهما، لا تحتاج السيارة؛ يمكنها طلب توصيلة من الطريق ~~السريع. فلتستسلم؛ تستسلم وتعود إليهما مهما كانت العواقب، فكيف لا يمكنها فعل ذلك؟ # كأن رأسها داخل كيس يكتم أنفاسها، كلما فكرت في العودة. # اختيارها المتذبذب - اختيارها الواهم - ينسكب على الأرض كالماء فيتحول ثلجا على الفور ~~ويتخذ شكلا لا يمكن تجاهله. ~~••• # كم يعتصرها الألم! ألم مزمن، سيظل يصاحبها أبد الدهر وإن لم يكن متواصلا. ولعلها لن ~~تموت بسببه. لن تتحرر منه لكنها لن تموت بسببه. لن تشعر به كل دقيقة، لكن لن تمر عليها أيام ~~عدة دون أن تشعر به. ستتعلم بعض الحيل لتطفئ لهيبه أو تبدده، محاولة ألا ينتهي بها الأمر ~~إلى تدمير ما تحملت كل هذا الألم لأجله. ليس هذا خطأه؛ فهو لا يزال بريئا أو همجيا لا ~~يعلم أن في الدنيا ألما مزمنا. فلتقنع نفسها إذن أنها ستفقدهما على أي حال. ستكبران؛ وكل ~~أم تترقب دائما هذه اللحظة المأساوية، السخيفة إلى حد ما. ستنسيان هذه المرحلة، ستتبرآن ~~منها بطريقة أو بأخرى. أو - على العكس - ستظلان ~~معها إلى أن تعجز عن إدراك ما يمكن أن تفعل بشأنهما؛ كما فعل براين. # مع هذا، كم هو ألم شديد سيصاحبها وتعتاده حتى يصير ماضيها فقط هو ما تحزن لأجله، ولا يكون ~~أمامها أي حاضر يمكن أن ترثيه! ~~••• # كبرت طفلتاها ولم تكرهاها لهروبها أو بعدها عنهما، لكنهما لم تسامحاها أيضا. ولعلهما ما ~~كانتا لتسامحاها أبدا على أي حال؛ ولكن لأسباب مختلفة. # تتذكر كيتلن القليل عن ذاك الصيف الذي قضوه في النزل، أما مارا فلا تتذكر شيئا البتة. ~~وذات يوم، أتت كيتلن على ذكر النزل لبولين قائلة عنه: «المكان الذي أقام فيه جدي ~~وجدتي.» # وأضافت: «المكان الذي كنا فيه حين هربت. لم نعرف إلا بعدها بفترة أنك ms201 هربت مع ~~أورفيوس.» # قالت بولين: «لم يكن أورفيوس.» ~~«حقا؟ اعتاد أبي أن يقول هذا. كان يقول: «وبعدها هربت أمكما مع أورفيوس».» # قالت بولين: «لعله كان يمزح.» ~~«لقد ظللت أعتقد أنه أورفيوس، ذاك الذي هربت معه. إذن هو شخص آخر.» ~~«كان شخصا آخر له علاقة بالمسرحية، وقد عشت معه فترة.» ~~«ليس أورفيوس.» ~~«نعم، لم يكن هو.» # | ثراء فاحش # في مساء إحدى الليالي الصيفية عام 1974 - وحين كانت الطائرة على وشك التوقف عند صالة ~~الوصول - انحنت كارين لتلتقط بعض الأشياء من حقيبة ظهرها؛ قبعة بيريه سوداء اعتمرتها ~~وأمالتها على إحدى عينيها، وأحمر شفاه تزينت به متخذة من زجاج النافذة مرآة - إذ كان ~~الظلام قد حل في تورونتو - ومبسم سجائر طويل أسود اللون أمسكت به لتضعه بين أسنانها في ~~اللحظة المناسبة. كان البيريه ومبسم السجائر من مقتنيات زوجة أبيها، وقد سرقتهما كارين من ~~بين الأشياء التي ارتدتها زوجة أبيها عندما تنكرت في زي إيرما لادوس في إحدى الحفلات. أما ~~أحمر الشفاه، فكانت قد ابتاعته لنفسها. # كانت تعرف أنه من الصعب أن يراها الناس امرأة بالغة، لكنها كذلك ما كانت لتبدو في أعينهم ~~نفس الفتاة ذات العشرة أعوام التي سافرت على متن الطائرة في أواخر الصيف الماضي. # لم تلفت انتباه أحد، حتى عندما وضعت طرف مبسم السجائر في فمها ورسمت على وجهها تعبيرا ~~متجهما؛ إذ كان الجميع في حالة من التشويق أو الارتباك أو الابتهاج أو الحيرة، وبدا أن ~~معظمهم يرتدي زيا تنكريا. فالرجال السود كانوا يرفلون في عباءات براقة وقبعات صغيرة ~~مزخرفة، والنسوة العجائز يجلسن مقوسات الظهر على الحقائب ويلففن رءوسهن بالشيلان، وشباب ~~الهيبيز يرتدون الملابس الغريبة ويتزينون بالحلي. وما لبثت أن وجدت نفسها محاطة بمجموعة من ~~الرجال المتجهمين، يعتمرون قبعات سوداء وتتدلى على وجناتهم خصلات من الشعر المجعد. # ما كان من المفترض أن يصل أولئك الأشخاص الذين كانوا ينتظرون الركاب إلى هذا المكان، ~~لكن هذا ما حدث؛ إذ تسللوا عبر الأبواب الأوتوماتيكية. ومن بين الحشود على الجانب الآخر ~~من سير الحقائب، رأت ms202 كارين أمها - روزماري - ~~التي لم تلحظها بعد . كانت روزماري ترتدي فستانا طويلا، لونه أزرق داكن ومنقوش بدوائر ~~ذهبية وبرتقالية، وكانت قد صبغت شعرها منذ قريب؛ إذ كان شديد السواد، ومصففا لأعلى ~~وملفوفا بميل كعش الطائر. بدت أكبر سنا من الصورة التي احتفظت بها كارين في مخيلتها، ~~وبائسة قليلا. لم تتوقف نظرات كارين عندها، وإنما استمرت تجول ببصرها باحثة عن ديريك. كان ~~من السهل العثور عليه بسبب قامته الطويلة وجبهته اللامعة وشعره الفاتح المتموج الذي يصل ~~طوله إلى كتفيه. كان من السهل العثور عليه أيضا بسبب عينيه اللامعتين ذواتي النظرات ~~الثابتة، وفمه الذي يرتسم عليه تعبير ساخر، وقدرته على الثبات وعدم الحركة، على عكس روزماري ~~التي ما توقفت في هذا الحين عن التحرك وشد جسمها لأعلى والتحديق في الركاب بارتباك ~~وإحباط. # لم يكن ديريك يقف خلف روزماري، بل لم يكن بجوارها من الأساس. إن لم يكن في دورة المياه، ~~فهو لم يأت معها. # انتزعت كارين مبسم السجائر من فمها وضبطت البيريه للخلف. إذا لم يكن ديريك موجودا، فلا ~~معنى لهذه المزحة؛ إذ لن يكون لها تأثير على روزماري سوى الارتباك، وهو ما كانت تشعر به في ~~هذه اللحظة إلى جانب تعاستها. ~~••• # قالت روزماري في دهشة وعيناها مغرورقتان بالدموع: «تضعين أحمر شفاه.» وطوقت كارين ~~بأردانها التي كانت تشبه الجناحين، وانبعثت منها رائحة زبدة الكاكاو. «لا تقولي إن أباك سمح ~~لك باستخدام أحمر الشفاه.» # ردت كارين: «كنت أود المزاح معك، أين ديريك؟» # قالت روزماري: «ليس هنا.» # رأت كارين حقيبتها على سير الحقائب، فانحنت وشقت طريقها بين الناس وجرتها. حاولت ~~روزماري أن تساعدها في حملها، لكن كارين قالت: ~~«لا عليك، لا عليك.» تدافعتا حتى وصلتا إلى أبواب الخروج وتخطتا حشود المنتظرين الذين لم ~~يكن لديهم جرأة أو صبر على التدافع. لم تتحدثا معا حتى خرجتا إلى الهواء الحار ليلا، ~~وتحركتا نحو مرأب السيارات. ثم قالت كارين: «ما الأمر؟ عاصفة جديدة؟» ~~«عاصفة» هي الكلمة التي كانت روزماري وديريك أنفسهما يستخدمانها لوصف شجاراتهما التي كانا ~~يرجعانها ms203 إلى صعوبات عملهما معا في كتاب ديريك . # قالت روزماري بهدوء مخيف: «لم نعد نتقابل، لم نعد نعمل معا.» # قالت كارين: «حقا؟ أتعنين أنكما انفصلتما؟» # قالت روزماري: «ذلك إذا كان من الممكن أن ينفصل اثنان مثلنا.» ~~••• # كانت أضواء السيارات لا تزال تغمر طرقات المدينة كلها، وفي الوقت نفسه تنبعث منها حول ~~الجسور الممتدة ذات المنعطفات والجداول المائية أسفلها. لم تكن سيارة روزماري تحتوي على ~~مكيف هواء؛ ليس لأنها لا تستطيع تحمل ثمنه، بل لأنها لا تؤمن بضرورته؛ ولهذا فقد كان من ~~الضروري أن تفتح نوافذ السيارة مما أدى إلى تسلل ضوضاء السيارات الأخرى كالنهر المتدفق. ~~كانت روزماري تكره القيادة في تورونتو، حتى إنها تستقل الحافلة حين تأتي مرة أسبوعيا ~~لمقابلة الناشر الذي تعمل معه، وفي أوقات أخرى يقلها ديريك. ظلت كارين صامتة وهما تنحرفان ~~عن طريق المطار السريع، واتجهتا شرقا على طريق 401، ثم انعطفتا بعد نحو ثمانين ~~ميلا - سيطر خلالها شرود الذهن على الأم بين ~~الحين والآخر - إلى الطريق السريع الثانوي الذي يصل بهما إلى حيث تعيش روزماري. # قالت كارين: «إذن فقد رحل ديريك! هل سافر في رحلة؟» # ردت روزماري: «ليس على حد علمي. وحتى لو فعل، ما كنت لأعرف.» ~~«وماذا عن آن؟ ألا تزال هناك؟» # قالت روزماري: «هذا محتمل؛ فهي لا تذهب إلى أي مكان.» ~~«هل أخذ كل أغراضه معه؟» # كان ديريك قد أتى بأغراض تفوق بكثير ما لزمه للعمل في التأليف مستعينا برزم كثيرة من ~~النصوص، ووضعها في الكارافان حيث تعيش روزماري. وما كانت هذه الأغراض سوى كتب بالطبع؛ ~~ولكنها ليست فقط الكتب التي سيستخدمها كمراجع، بل كتب ومجلات يقرؤها في فترات استراحة تتخلل ~~عمله بينما هو مستلق على فراش روزماري، وأسطوانات موسيقى، وملابس وأحذية طويلة الرقبة ~~ينتعلها إذا ما قرر أن يتنزه سيرا على قدميه بين الشجيرات، وحبوب لعلاج اضطرابات المعدة ~~ونوبات الصداع، بل إنه أحضر معه أخشابا ومعدات لصنع مظلة خشبية. كان يحتفظ في دورة المياه ~~بأدوات الحلاقة، وكذلك الفرشاة ومعجون الأسنان المخصص للثة الحساسة. وكانت مطحنة ms204 القهوة ~~الخاصة به على طاولة المطبخ (وكانت هناك مطحنة أخرى أحدث وأفخر ابتاعتها آن ووضعتها على ~~طاولة المطبخ داخل المنزل الذي كان لا يزال يسكن فيه). # قالت روزماري: «لم يترك منها شيئا.» ثم توقفت بالسيارة بجوار متجر كعك - كان لا يزال ~~يفتح أبوابه - على أطراف أول مدينة قابلتاها على الطريق السريع. # قالت: «سأبتاع قهوة لتبقيني يقظة.» # عادة عندما كانت روزماري تتوقف أمام هذا المتجر وبصحبتها كارين وديريك من قبل، لم تكن ~~الابنة وديريك يترجلان عن السيارة؛ فديريك لم يكن يحتسي تلك القهوة، وكان يقول لكارين: «أمك ~~تدمن ارتياد مثل هذه الأماكن؛ لأن طفولتها كانت بائسة.» لم يكن يعني أن روزماري كانت تصطحب ~~لمثل هذه الأماكن، وإنما كانت محرومة من دخولها، كما كانت محرومة من كل الأطعمة المقلية أو ~~المحلاة، وأجبرت على الالتزام بحمية قوامها الخضراوات والعصيدة اللزجة. ولم يكن هذا لفقر ~~والديها - فقد كانا ثريين - وإنما لهوسهما وخوفهما من أطعمة بعينها منذ الصغر. عرف ~~ديريك روزماري لفترة قصيرة - مقارنة بالسنين التي عرفها فيها تيد، والد كارين - لكنه كان ~~يتحدث بسلاسة أكثر من تيد عن طفولتها وإفشاء أسرار تلك الفترة - مثل طقس الحقنة الشرجية ~~الأسبوعي - التي كانت روزماري تتجاهل الحديث عنها. # لم يحدث قط خلال الوقت الذي قضته كارين في المدرسة بصحبة تيد وجريس أن وجدت نفسها في مكان ~~تنبعث منه تلك الرائحة المزعجة للسكر المحروق والدهن ودخان السجائر والقهوة. أما روزماري ~~فقد طافت عيناها بسعادة بين أرفف الكعك المحلى بالكريمة - المحشو بالجيلي والمغطى بطبقة من ~~السكر البني والزبد والشوكولاتة - والبقلاوة والإكلير والحلوى المخروطية والكرواسون المحشي ~~وكعك الشوفان والشوكولاتة. لم تجد سببا لأن ترفض أيا من هذه الأصناف، ربما بالطبع فيما ~~عدا الخوف من السمنة، ولم تكن قادرة على تصور ألا تكون هذه المأكولات هي ما يشتهيه ~~الجميع. # وعلى طاولة المتجر - حيث لا يسمح لأحد بالجلوس أكثر من عشرين دقيقة كما تقول اللافتة - ~~جلست روزماري بالقرب من امرأتين شديدتي البدانة، شعرهما كثيف مموج، وبينهما رجل نحيل ~~طفولي المظهر رغم تجاعيد وجهه، ms205 كان يتحدث بسرعة وبدا يتندر بالنكات. وبينما كانت السيدتان ~~تهزان رأسيهما وتضحكان - وروزماري تلتقط الكرواسون باللوز من الطبق - غمز الرجل بعينه ~~لكارين على نحو بذيء وإيحائي؛ نبهتها هذه الغمزة إلى أن أحمر الشفاه لا يزال على شفتيها. ~~ثم قال لروزماري: «لا تستطيعين مقاومة الحلوى، أليس كذلك؟» فضحكت على اعتبار أن ما قاله ~~دال على الألفة المميزة لأهل المدينة. # ردت عليه: «بلى، لا أستطيع البتة.» ثم التفتت لكارين وسألتها: «أواثقة أنك لا تريدين ~~شيئا؟ قطعة حلوى واحدة؟» # فقال الرجل صاحب التجاعيد: «تحرص فتاتك الصغيرة على العناية بقوامها.» ~~••• # كادت شوارع ذاك الجزء الشمالي من المدينة تخلو من أي سيارات مارة. بدأ الجو يبرد وتفوح ~~منه رائحة رطوبة عطنة، وعلا صوت نقيق الضفادع حتى إنه غطى على صوت السيارة في بعض الأماكن. ~~انعطف هذا الطريق السريع ذو الحارتين أمام صف من الشجيرات الكثيفة دائمة الخضرة وحقول ~~أشجار العرعر الأقل كثافة والمزارع التي تمتد حتى الغابة، ثم انعطف مرة أخرى فأنارت مصابيح ~~السيارة الأمامية الطريق وسقط ضوءها على أول كومة من الأحجار؛ كان بعضها ذا لون رمادي ~~ووردي لامع، والبعض الآخر أحمر بلون الدم الجاف. وسرعان ما تكرر المرور بهذه الأحجار مرة ~~تلو الأخرى، وفي بعض الأماكن رأتاها بألوان رمادية أو بيضاء مائلة للخضرة؛ متراصة في طبقات ~~سميكة أو رفيعة - وكأن شخصا ما نظمها على هذا النحو - غير مكومة معا كأول مرة صادفتاها. ~~تعرفت كارين على هذه الأحجار؛ إنها أحجار الكلس التي تبنى بها الأساسات، وفي هذه الأماكن ~~كانت مختلطة بأحجار الدرع الكندي. ديريك هو من قال لها هذا. كان يقول إنه يتمنى لو كان ~~جيولوجيا؛ لأنه يحب الصخور، لكنه ما كان ليفضل ذهاب الربح لصالح شركات التعدين. وكان ~~شغوفا بالتاريخ أيضا؛ كان له مزيج غريب من الأشياء المفضلة. كان يقول إن التاريخ يصلح ~~للرجل البيتوتي، والجيولوجيا للرجل المنطلق المحب للعمل في الهواء الطلق؛ يردد ذلك بوقار ~~ورزانة يوحيان بأنه يسخر من نفسه. # الشيء الذي أرادت كارين أن تتخلص منه الآن - بل وتمنت أن ms206 تطيح به من نوافذ السيارة ~~ليتلاشى في ظلمة السماء مع الهواء المندفع - هو مشاعر الازدراء والتعالي نحو حلوى الكرواسون ~~باللوز والقهوة الرديئة التي تحتسيها روزماري خلسة، وذاك الرجل الذي كان يجلس على طاولة ~~المتجر، بل وأيضا فستان روزماري المتصابي الذي كان أقرب لثياب الهيبيز، وشعرها المشعث. ~~أرادت أيضا التخلص من شعورها بافتقاد ديريك، وبأنه خلف فراغا كبيرا، وبأن فرصة لقائه ~~آخذة في التضاؤل. لكنها قالت بصوت عال: «إنني سعيدة؛ سعيدة أنه رحل.» # قالت روزماري: «أحقا أنت سعيدة؟» # قالت كارين: «ستكونين أكثر سعادة.» # ردت روزماري: «نعم، لقد بدأت أستعيد احترامي لذاتي. لا يدرك المرء إلى أي حد قد فقد ~~احترامه لذاته، وإلى أي مدى يفتقده إلا بعد أن يبدأ في استعادته. أود أن نحظى معا بعطلة ~~صيفية طيبة بالفعل. يمكن أن نخرج في رحلات قصيرة معا. لا مشكلة لدي في الذهاب بالسيارة إلى ~~أي مكان آمن. يمكننا أن نسير في الغابة حيث كان يصطحبك ديريك. أحب أن نفعل هذا.» # قالت كارين: «حسنا» مع أنها لم تكن واثقة تماما أنهما لن تضلا الطريق دون ديريك. لم تكن ~~تلك النزهات هي ما يشغل تفكيرها، بل انشغلت بمشهد حدث الصيف الماضي. حينها كانت روزماري ~~مستلقية على الفراش، متدثرة بلحافها، تنتحب وتعض بأسنانها عليه وعلى الوسادة من الغضب ~~والحزن، بينما يجلس ديريك أمام الطاولة - حيث كانا يعملان - وفي يده صفحة من النص يقرؤها. ~~قال لكارين: «هل بإمكانك أن تفعلي شيئا لتهدئة أمك؟» # قالت كارين: «إنها في حاجة إليك أنت.» # قال ديريك: «لا أستطيع أن أتعامل معها حين تكون في هذه الحالة.» وضع من يده الصفحة التي ~~انتهى منها، ثم التقط أخرى. وبين الصفحة والأخرى، ينظر إلى كارين وعلى وجهه عبوس ومعاناة. ~~بدا مرهقا عجوزا تعبا. قال لها: «لا أستطيع تحملها. أنا آسف.» # لذا دلفت كارين لغرفة النوم حيث تستلقي روزماري وأخذت تربت على ظهرها، فاعتذرت لها ~~روزماري. # وتساءلت: «ماذا يفعل ديريك؟» # ردت كارين: «يجلس في المطبخ.» إذ لم ترد أن تقول إنه «يقرأ». ~~«ماذا قال؟» ms207 ~~«طلب إلي أن آتي لأتكلم معك.» ~~«آه يا كارين؛ كم أشعر بالخزي الشديد!» # ماذا حدث ليبدأ هذا الشجار؟ كانت روزماري دائما ما تقول ~~لها - بعد أن تهدأ وتهندم نفسها - إن السبب هو ~~خلاف بشأن العمل. وفي تلك المرة، قالت لها كارين: «إذن لم لا تتوقفين عن العمل في كتابه ~~هذا؟ لديك من الأمور الخاصة بك ما يشغلك.» كانت روزماري محررة نصوص، وهو الأمر الذي جعلها ~~تقابل ديريك؛ ليس لأنه تقدم بكتابه إلى الناشر الذي تعمل لديه - فلم يكن قد عرفه بعد - بل ~~لأنها كانت تعرف أحد أصدقائه الذي قال له: «أعرف امرأة يمكن أن تساعدك.» ولم يمض وقت طويل ~~حتى انتقلت روزماري إلى الريف، ثم إلى الكارافان - الذي لم يكن بعيدا عن بيته - كي تكون ~~قريبة منه لتنجز له عمله. في البداية، احتفظت بالشقة التي تمتلكها في تورونتو، لكنها تخلت ~~عنها؛ لأنها صارت تقضي جل وقتها في الكارافان. ولكنها في الوقت نفسه، لم تتوقف عن العمل ~~على تحرير نصوص أخرى - وإن لم تكن كثيرة - واستطاعت أن تلتزم بالعمل يوما واحدا أسبوعيا ~~في تورونتو، فكانت تخرج في الساعة السادسة صباحا وتعود بعد الحادية عشرة ليلا. # سأل تيد كارين: «ما موضوع هذا الكتاب؟» # فردت عليه: «يتحدث عن المستكشف لاسال والهنود.» ~~«أهذا الرجل مؤرخ؟ هل يدرس في الجامعة؟» # لم تكن لدى كارين إجابة عن هذا السؤال؛ فقد عمل ديريك في مهن كثيرة؛ عمل مصورا، وفي ~~منجم، وخبير معاينة، أما عن عمله في التدريس فلعله - كما ظنت كارين - قد عمل في مدرسة ~~ثانوية. وكانت آن تقول عن عمله: «إنه لا يتسم بأي نظام.» # كان تيد نفسه يدرس في الجامعة؛ إذ كان أستاذ اقتصاد. # بالطبع لم تخبر كارين تيد وجريس أي شيء عما حدث من مآس ناتجة عن الخلافات المتعلقة - ~~ظاهريا - بهذا الكتاب. كانت روزماري تلوم نفسها على هذه الخلافات وترجعها أحيانا إلى ~~التوتر، وأحيانا أخرى إلى مرورها بسن اليأس. ولقد سمعتها كارين تتحدث إلى ديريك ذات مرة ~~قائلة: «سامحني»، فرد عليها ديريك بنبرة رضا ms208 تعوزها الحماسة: «ليس ثمة ما أسامحك ~~عليه .» # حينها غادرت روزماري الغرفة. لم يسمعاها تشرع في النحيب مرة أخرى، لكنهما ظلا يترقبان ~~بكاءها. أمعن ديريك النظر في عيني كارين، وعلى وجهه تعبير هزلي يمتزج فيه الألم ~~بالحيرة. # لعله كان يقول في نفسه: «ماذا فعلت هذه المرة؟» # قالت كارين بصوت يفيض شعورا بالخزي: «إنها حساسة للغاية.» أيرجع هذا إلى سلوك روزماري؟ ~~أم لأن ديريك بدا وكأنه يقحمها - أي كارين - في ذلك الشعور بالرضا والاستخفاف الذي تجاوز ~~كثيرا هذه اللحظة؛ لأنه لا يسعها إلا أن تشعر بالفخر؟ # أحيانا كانت تخرج من البيت غير مكترثة، وتسلك الطريق قاصدة زيارة آن، ودائما ما كانت آن ~~تسعد لقدومها. لم تسأل قط عن سبب الزيارة، لكن إن قالت كارين: «جرى بينهما شجار أحمق»، أو ~~«إنهما يمران بإحدى عواصفهما» - وذلك فيما بعد عندما أصبحا يشيران إلى خلافاتهما بكلمة ~~عاصفة - فحينها لا يبدو عليها أي شيء يدل على دهشة أو استياء. ولعلها تقول: «ديريك كثير ~~المطالب» أو «أظنهما سيسويان أمورهما معا.» لكن إن أرادت كارين أن تستفيض قائلة: «روزماري ~~تبكي»، فإن آن تقول حينها: «هناك أمور أفضل عدم الحديث عنها، ألا ترين هذا؟» # لكن هناك أمورا أخرى كانت تنصت إليها بابتسامة تنم عن التحفظ. كانت آن امرأة جميلة ~~المحيا، ممتلئة القوام، شيباء الشعر منسدل على كتفيها، وعلى جبهتها. حين كانت تتحدث، كانت ~~عيناها ترمشان في العادة، ولا تنظر في عيني محدثها (قالت روزماري إن ذلك بسبب اضطراب في ~~أعصابها). وكانت شفتاها - شفتا آن - رفيعتين للغاية وتظهران بالكاد عندما تبتسم، وما ابتسمت ~~قط وفمها مفتوح، بل أغلقته دوما كأنها تحبس شيئا لا تريد إخراجه. # قالت كارين: «هل تعرفين كيف قابلت روزماري تيد؟ في محطة انتظار الحافلة وسط المطر، بينما ~~كانت تضع أحمر الشفاه.» ثم استطردت لتشرح أن روزماري كانت تضطر للتزين في المحطة؛ لأن ~~والديها لم يكونا يعرفان أنها تستخدم مساحيق التجميل؛ فالديانة التي كانوا يؤمنون بها ~~تحرم أحمر الشفاه، وكذلك الأفلام، وارتداء الكعب العالي، والرقص، والسكر والقهوة ~~والمشروبات الكحولية، ms209 والسجائر بالطبع. وكانت روزماري في عامها الأول في الجامعة، ولم تكن ~~ترغب أن تبدو متشددة. وكان تيد مدرسا مساعدا في الجامعة. # أضافت كارين: «لكن كلا منهما كان يعرف الآخر مسبقا.» ثم أخذت تشرح لها أنهما كانا ~~يعيشان في الشارع ذاته؛ تيد في بيت صغير ملحق بأكبر بيوت الأثرياء - كان والده السائق ~~والبستاني وأمه مدبرة المنزل - وروزماري في أحد بيوت الأثرياء العادية على الجهة الأخرى من ~~الشارع (مع أن حياة والديها لم تكن حياة أثرياء إطلاقا؛ فلم يكن أفراد الأسرة يمارسون أي ~~رياضة أو يذهبون إلى حفلات أو رحلات، ولسبب ما لم يكن في المنزل ثلاجة، وإنما ظلوا يستخدمون ~~صناديق ثلج لحفظ الأطعمة، إلى أن توقف متجر الثلج عن العمل). # كان تيد يمتلك سيارة اشتراها بمائة دولار، وفي تلك الليلة - حيث تقابلا - أشفق على ~~روزماري من المطر فعرض عليها أن يقلها في سيارته. # بينما كانت كارين تسرد هذه القصة على آن، تذكرت حينما كان والداها يقصانها عليها ويضحكان ~~ويقاطع أحدهما الآخر بطريقتهما المعتادة. دائما ما كان تيد يذكر سعر السيارة وطرازها وسنة ~~إنتاجها (ستودبيكر، 1947)، وتذكر روزماري أن الباب الأمامي - الملاصق للمقعد الذي يجاور ~~مقعد تيد - لم يكن يفتح، فكان تيد يضطر للخروج من السيارة حتى تركب هي في البداية عبر ~~مقعده. وكان يذكر أيضا أنه بعد لقائهما الأول تحت المطر بفترة وجيزة اصطحبها - بعد الظهيرة ~~- لدار السينما لمشاهدة أول فيلم في حياتها، واسم الفيلم «البعض يحبها ساخنة»، وأنه يومها ~~خرج من السينما في وضح النهار وأحمر الشفاه يلطخ وجهه؛ لأن روزماري لم تكن تعلم وقتها ماذا ~~كانت الفتيات الأخريات يفعلن بأحمر الشفاه. كان يردد دائما: «كانت روزماري شديدة ~~الحماس.» # بعدها تزوجا وعقدت المراسم في منزل القس؛ وكان ابنه صديقا لتيد. ما كان أهلهما يعرفان ~~بزيجتهما هذه، وبعد مراسم الزفاف مباشرة جاءتها الدورة الشهرية، فكانت أولى المهام الزوجية ~~التي اضطلع بها تيد كرجل متزوج هي شراء الفوط الصحية. ~~«هل تعرف أمك أنك تلقين على مسامعي هذه الأخبار يا كارين؟» ~~«لو علمت لن ms210 تعترض. بعدها، حين اكتشفت أمها أمر الزواج ، آوت إلى فراشها من الصدمة، ~~وتملكها شعور مروع لهذا الخبر. لو علم والداها أنها ستتزوج كافرا، لحبساها في المدرسة ~~الدينية التابعة للكنيسة بتورونتو.» # قالت آن: «كافر؟ حقا؟ وا أسفاه!» # ربما كانت تأسف لعدم استمرار الزواج بعد كل هذا العناء. ~~••• # تزحزحت كارين لأسفل على مقعدها في السيارة، فأصبح رأسها يصطدم بكتف روزماري. # قالت: «هل يضايقك هذا؟» # قالت روزماري: «لا.» # قالت كارين: «لن أنام، أريد أن أكون مستيقظة حين ندخل الوادي.» # فشرعت روزماري في الغناء: # فلتستيقظ، استيقظ يا عزيزي كوري ... # غنت بصوت خفيض متأن مقلدة صوت بيت سيجر في تسجيله للأغنية، ولم تفق كارين من ~~نومها إلا حين توقفت السيارة بعد أن صعدت طريقا منحدرا قصيرا مليئا بالحفر حتى وصلت إلى ~~الكارافان، ثم ظلت واقفة تحت الأشجار بجانبه. كان المصباح مضاء فوق الباب مباشرة. لم يكن ~~ديريك بالداخل، وكذلك أي من أغراضه. لم ترد كارين أن تتحرك من السيارة، وإنما أخذت ~~تراوغ وتحتج على نحو لطيف، ولم تكن لتتصرف على هذا النحو في وجود أي شخص سوى ~~روزماري. # قالت روزماري: «هيا اخرجي. اخرجي، ستأوين إلى الفراش بعد دقيقة، هيا.» ثم أكملت وهي ~~تجرها وتضحك: «أتظنين أنني أستطيع حملك؟» وعندما جرت كارين للخارج، ما أدى إلى تعثر ~~الفتاة بالقرب من الباب، قالت: «انظري إلى النجوم، انظري إلى النجوم، إنها رائعة.» وما كان ~~من كارين إلا التذمر وهي ما زالت تخفض رأسها. # قالت روزماري: «إلى الفراش، إلى الفراش.» دخلتا الكارافان، وانبعثت منه رائحة طفيفة ~~خلفها ديريك؛ حيث الماريجوانا وبذور القهوة والأخشاب. انبعثت منه أيضا رائحة المكان نفسه ~~الناتجة عن عدم تهويته لفترة، إلى جانب رائحة السجاد والطبخ. استلقت كارين بثيابها كاملة ~~على فراشها الصغير، وألقت لها روزماري بمنامتها التي كانت ترتديها العام الماضي وقالت: ~~«بدلي ثيابك وإلا فسيصاحبك شعور مزعج حين تستيقظين. سوف نحضر حقيبتك في الصباح.» # بذلت كارين ما بدا لها مجهودا مضنيا وهي تعتدل جالسة لتخلع ثيابها ثم ترتدي المنامة. ~~أما روزماري، فانشغلت بفتح النوافذ، ms211 وآخر ما سمعته كارين منها هو قولها : «ماذا عن أحمر ~~الشفاه؟ ماذا كان الغرض منه؟» وكان آخر ما أحست به هو ملمس قطعة القماش المبللة التي مسحت ~~به أمها فمها لإزالة أحمر الشفاه؛ فبصقت كارين ما دخل فمها من مذاق سيئ، مستمتعة بشعورها ~~الطفولي، وبرودة الفراش أسفل منها، ورغبتها الشديدة في النوم. ~~••• # كان ذلك ليلة السبت والساعات الأولى من صباح الأحد. وفي صباح الإثنين، تساءلت كارين: «هل ~~يمكنني الخروج لزيارة آن؟» فقالت روزماري: «بالطبع. اذهبي.» # كانت كارين وأمها قد نامتا في وقت متأخر ~~ليلة الإثنين، ولم تغادرا الكارافان طوال يوم الأحد. فزعت روزماري لهطول المطر وقالت: ~~«الليلة الماضية كانت النجوم متلألئة في السماء، وكذلك عندما عدنا إلى البيت، وها هي تمطر ~~في أول أيام إجازتك الصيفية.» كان على كارين أن تؤكد لها أن الأمر على ما يرام، فهي على أي ~~حال تشعر بالكسل ولا تريد الخروج. أعدت روزماري لها قدحا من القهوة بالحليب، وقطعت بطيخة ~~لتأكلاها معا غير أنها لم تكن ناضجة تماما (كانت آن تلاحظ هذا، لكن روزماري لم تلاحظ)، ثم ~~قامتا في الرابعة عصرا بإعداد وجبة عامرة من لحم الخنزير وكعك الوافل والفراولة والكريمة ~~الصناعية. وفي قرابة الساعة السادسة، غابت الشمس وهما لا تزالان ترتديان منامتيهما. وهكذا ~~انتهى اليوم بلا فائدة. قالت روزماري: «على الأقل لم نشاهد التليفزيون؛ وهذا إنجاز نهنئ ~~أنفسنا عليه.» # قالت كارين وهي تشغله: «حتى الآن.» # كانتا تجلسان وسط كومة من المجلات القديمة التي سحبتها روزماري من الخزانة. كانت هذه ~~المجلات موجودة في الكارافان عندما انتقلت إليه، وأخرجتها روزماري هذا اليوم وفي نيتها ~~التخلص منها أخيرا، لكن بعد أن تطلع عليها لتصنفها وترى إذا كان من بينها ما يستحق ~~الاحتفاظ به. غير أنها لم تصنفها كما قالت؛ بل ظلت تقرأ بصوت عال ما تجده من أخبار. ضجرت ~~كارين في بادئ الأمر، لكنها تركت نفسها لاحقا تنجذب إلى هذا الزمان الغابر، بإعلاناته ~~الطريفة وصور السيدات بتسريحات الشعر غير العصرية. # لاحظت كارين أن هناك دثارا مطويا وموضوعا ms212 فوق الهاتف، فقالت: «ألا تعرفين كيف توقفين ~~تشغيل الهاتف؟» # قالت روزماري: «لا أريد إيقاف تشغيله، وإنما أريد سماع رنينه ولا أجيبه. أود أن أمتلك ~~القدرة على تجاهله. كل ما في الأمر أنني لا أريد رنينه عاليا.» # لكنه لم يرن طوال اليوم. # في صباح الإثنين، ظل الدثار فوق الهاتف، وعادت المجلات إلى الخزانة؛ لأن روزماري لم تقرر ~~أي منها ستتخلص منه. كانت السماء ملبدة بالغيوم لكنها لم تمطر. استيقظتا في وقت متأخر ~~جدا مرة أخرى؛ لأنهما ظلتا مستيقظتين تشاهدان فيلما حتى الثانية صباحا. # فردت روزماري بعض الأوراق المطبوعة على طاولة المطبخ. لم تكن صفحات من كتاب ديريك؛ فهذه ~~الكومة الكبيرة قد اختفت. قالت كارين: «أكان كتاب ديريك شائقا بالفعل؟» # لم تفكر قبل اليوم في أن تتحدث مع روزماري عنه، فقد كان نص كتابه من وجهة نظرها يشبه كومة ~~كبيرة ومتشابكة من الأسلاك الشائكة الموضوعة باستمرار على الطاولة، وديريك وروزماري يحاولان ~~دوما فكها. # قالت روزماري: «لم يتوقف عن إضافة ~~التغييرات والتعديلات؛ كان شائقا لكنه مربك. في البداية، كان لاسال شغله الشاغل، ثم بعدها ~~تحول إلى بونتياك وحاول أن يغطي الكثير عنه، لكنه لم يستطع أن ينجز ما يرضيه.» # قالت كارين: «إذن، فأنت سعيدة بأنك تخلصت منه.» ~~«غاية في السعادة، فلم يكن إلا سلسلة لا تنتهي من التعقيدات.» ~~«لكن، ألا تفتقدين ديريك؟» # قالت روزماري منشغلة بينما تميل متطلعة في إحدى الأوراق لتضع عليها علامة: «انتهت ~~صداقتنا.» ~~«وماذا عن آن؟» ~~«وتلك الصداقة أيضا أظنها تلاشت، بل إنني فكرت ...» وضعت القلم من يدها، ثم أكملت: «فكرت ~~في الرحيل من هنا، لكنني رأيت أن أنتظرك. لم أرغب أن ترجعي لتجدي كل شيء قد تغير. السبب ~~الذي جئت هنا لأجله هو كتاب ديريك، بل هو ديريك نفسه، وأنت تعلمين هذا.» # قالت كارين: «ديريك وآن.» ~~«نعم. ديريك وآن. والآن اختفى السبب.» # كان هذا حين تساءلت كارين: «هل يمكنني الخروج لزيارة آن؟» وقالت روزماري: «بالطبع. اذهبي. ~~لسنا مضطرتين لاتخاذ قراراتنا في عجالة. إنها مجرد فكرة راودتني.» ~~••• # سارت كارين على ms213 الطريق المفترش بالحصى، وأخذت تتساءل عما تغير بخلاف الغيوم التي لم تكن ~~ضمن ما تحمل من ذكريات عن الوادي. بعدها أدركت أين يكمن التغيير؛ ففي الماضي لم تكن هناك ~~أبقار ترعى في الحقول، وأيضا نما العشب؛ مما جعل شجيرات الصنوبر تنتشر، فصار من المتعذر ~~رؤية مياه الجدول. # كان الوادي طويلا ضيقا، وعند نهايته يقع بيت ديريك وآن ذو الطلاء الأبيض. وكان سطح ~~الوادي مفترشا بالعشب المسطح المشذب الذي اخترقه الجدول صافيا رقراقا العام الماضي ~~(أجرت آن الأرض - الآن - لرجل يمتلك قطيعا من أبقار آنجس). وعلى جانبي الوادي، اصطفت ~~المرتفعات المنحدرة المغطاة بالأشجار والنباتات والتقت معا عند حدوده خلف المنزل. كان ~~الكارافان الذي استأجرته روزماري معدا في الأساس ليسكنه والدا آن، اللذان انتقلا إليه ~~عندما امتلأ الوادي بالجليد في الشتاء؛ إذ أرادا العيش بالقرب من المتجر الذي كان يقع وقتها ~~على ناصية طريق البلدة. لكن لم يتبق من المتجر الآن سوى رصيف أسمنتي به فتحتان - حيث توجد ~~أسطوانتا الغاز - وحافلة قديمة تغطي نوافذها الأعلام ويعيش بها بعض أفراد الهيبيز. وأحيانا ~~كانوا يجلسون على الرصيف ويحرصون على التلويح لروزماري وهي تمر أمامهم بسيارتها على نحو ~~يوحي باحترامهم لها. # قال ديريك إن هؤلاء الشباب يزرعون الماريجوانا بين الشجيرات، لكنه لم يكن يشتري منهم؛ ~~لأنه لا يثق في قدرتهم على اتخاذ التدابير الأمنية. # كانت روزماري ترفض أن تدخن مع ديريك. # ذات مرة قالت له: «أشعر بالارتباك حين أكون بالقرب منك؛ لا أظن أنه شيء سأشعر بالراحة ~~وأنا أفعله.» # فرد عليها: «افعلي ما يحلو لك، مع أن هذا قد يساعدك.» # لم تكن آن لتدخن هي الأخرى؛ قالت إنها لو دخنت لشعرت بالحماقة؛ فهي لم تدخن أي شيء من ~~قبل، بل إنها لا تعرف حتى كيف تستنشق الدخان. # لم تعرف أي منهما أن ديريك سمح لكارين ذات مرة أن تدخن، ولم تكن كارين نفسها تعرف كيف ~~تستنشق الدخان؛ ولذا لزم عليه أن يعلمها. بذلت مجهودا كبيرا في المحاولة، استنشقت ~~الدخان بعمق أكثر من اللازم، وكم قاومت ms214 لئلا تتقيأ. حدث ذلك في الحظيرة، حيث احتفظ ديريك ~~بكل عينات الصخور التي جمعها من المرتفعات، وحينها أخذ ديريك يحثها على الثبات بأن طلب منها ~~النظر إلى الصخور. # قال لها: «انظري إليها فحسب. انظري إليها وتأملي الألوان. لا تضغطي على نفسك وأنت ~~تحاولين. فقط انظري وانتظري.» # لكن ما بعث على شعورها بالهدوء في النهاية كانت الكلمات المنقوشة على صندوق من الورق ~~المقوى. كانت هناك مجموعة كبيرة من الصناديق المصنوعة من الورق المقوى التي حزمت آن فيها ~~الأغراض عندما انتقلت هي وديريك إلى هنا من تورونتو منذ بضعة أعوام. أحد هذه الصناديق كان ~~يحمل على جانبه رسما للعبة على شكل سفينة حربية، والكلمتين «بارجة حربية». وكانت أولى ~~هاتين الكلمتين - بارجة - مكتوبة بخط أحمر، وكانت الحروف تومض وكأنها كتبت بمصابيح نيون ~~لتحث كارين على تجاوز معنى الكلمة والانشغال بما هو أكثر؛ إذ أخذت تفكك الحروف وتكون ~~كلمات مختلفة منها. # قال لها ديريك: «ما الذي يضحكك؟» فأخبرته عما تفعل، وأخذت الكلمات تنهمر على لسانها على ~~نحو مثير للإعجاب. # بار. جرة. جبر. جرب. جراب. جر. بر. بر. تجارب. وكانت كلمة «تجارب» أفضل الكلمات؛ ~~لأنها اشتملت على كل حروف «بارجة»، باستثناء أن التاء مفتوحة. # قال ديريك: «رائع، رائع يا كارين. البار جر الجرة.» # لم يشعر بالحاجة قط لأن يطلب منها عدم ذكر أي مما حدث لأمها أو لآن. وعندما قبلتها ~~روزماري في تلك الليلة، اشتمت شعرها وضحكت قائلة: «يا إلهي، رائحته في كل مكان. ديريك ~~حشاش بمعنى الكلمة!» # كانت تلك واحدة من المرات التي شعرت فيها روزماري بالسعادة؛ فقد كانت في بيت ديريك وآن ~~يتناولون العشاء في الشرفة المغطاة. قالت آن: «تعالي معي يا كارين لنرى إذا كنت تستطيعين ~~مساعدتي في إخراج القشدة المخفوقة من القالب.» فتبعتها كارين، لكنها عادت متحججة بإحضار ~~منقوع النعناع. # كان روزماري وديريك حينها متكئين على الطاولة يداعب كل منهما الآخر - وكأنما يتبادلان ~~القبلات - ولم يرياها عندما عادت. # ربما كانت تلك الليلة ذاتها هي التي مزحت فيها روزماري عند رؤية كرسيين ms215 بجوار الباب ~~الخلفي وهي راحلة إلى الكارافان . كانا كرسيين قديمين من المعدن لونهما أحمر داكن، وعليهما ~~وسادتان. كان وضعهما تجاه الغرب، نحو آخر ما تبقى من أشعة الشمس الغاربة. # قالت آن: «أعلم أن هذين الكرسيين القديمين بشعان. إنهما ملك والدي.» # قال ديريك: «إنهما ليسا مريحين حتى.» # قالت روزماري: «كلا، إنهما جميلان؛ يشبهانكما. أنا أحبهما. انظرا. ديريك وآن. ديريك وآن. ~~ديريك وآن يشاهدان الغروب في نهاية يوم عمل شاق.» # قال ديريك: «هذا لو استطاعا مد البصر خلال عروش البازلاء.» # وفي المرة اللاحقة، عندما خرجت كارين من ~~المنزل لتجمع خضراوات تحتاجها آن، لاحظت أن الكرسيين قد اختفيا، لكنها لم تسأل آن عما ~~حدث. ~~••• # كان مطبخ آن في قبو المنزل، ويقع جزء منه تحت الأرض، حتى إن من يريد أن يدخله ينزل أربع ~~درجات إلى أسفل. نزلت كارين هذه الدرجات، ثم ألصقت وجهها بالباب الشبكي حتى تستطيع الرؤية. ~~كان المطبخ مظلما؛ إذ كانت الشجيرات تنمو أمام نوافذه العالية فتحول دون دخول الضوء، ولم ~~تأته كارين قط قبل هذه المرة والمصابيح غير مضاءة. لكنها الآن غير مضاءة، حتى إنها لأول ~~وهلة ظنت أن الغرفة خالية. لكنها بعد ذلك رأت أن هناك من يجلس على مائدة الطعام؛ كانت آن، ~~لكن رأسها كان مختلفا، وكانت تسند ظهرها إلى الباب. # لقد قصت شعرها فصار أقصر ومشعثا، فبدت كأي كهلة شيباء. وكانت تفعل شيئا وهي جالسة على ~~مائدة الطعام؛ لأن مرفقيها كانا يتحركان. كانت تعمل في العتمة؛ ولذا لم تستطع كارين التحقق ~~مما تفعل. # جربت حيلة حتى تستدير آن؛ أخذت تحدق في رأسها من الخلف، لكنها لم تفلح؛ فجربت أن ~~تحرك أصابعها بخفة على شبكة الباب. وأخيرا، أصدرت صوتا لتلفت انتباهها. ~~«ووو ... وو ... ووو ... ووو.» # نهضت آن على مضض، حتى ظنت كارين سريعا - وبما لا يتفق مع المنطق - أن آن كانت تعلم أنها ~~وراءها طوال الوقت؛ فربما رأتها قادمة ولذا جلست هكذا في هذا الوضع الحذر. # قالت كارين: «إنها أنا؛ ابنتك الضالة.» # قالت آن وهي تفتح سلسلة الباب: ms216 «لماذا فعلت ذلك؟» ولم تحي كارين باحتضانها ؛ وما فعلت ~~ذلك قط معها، وكذلك ديريك. # لقد ازدادت بدانة - أو أن شعرها القصير جعلها تبدو أكثر بدانة - وكان وجهها ملطخا ببقع ~~حمراء، كأنها لدغات حشرات. وبدت عيناها محتقنتين. # قالت كارين: «هل تؤلمك عيناك؟ ألهذا تعملين في الظلام؟» # قالت آن: «يا إلهي، لم ألحظ هذا. لم ألحظ أن المصابيح غير مضاءة. كنت أنظف بعض الفضيات، ~~وظننت أنني أراها بشكل جيد.» ثم بذلت مجهودا كبيرا لتبدو أكثر بهجة، متحدثة مع كارين ~~كأنها تخاطب طفلة أصغر بكثير من عمر كارين الحقيقي، قائلة لها: «تنظيف الفضيات عمل ممل ~~للغاية، لا بد أنني انغمست فيه، ما جعلني لا أدري بما يحدث حولي. كم سيكون رائعا أن ~~تساعديني فيه!» # وهكذا صارت كارين مؤقتا - وبتخطيط منها - الابنة الأصغر عمرا من سنها الحقيقية؛ فتمددت ~~على الكرسي المجاور للمائدة وقالت بصخب: «إذن، أين ديريك العجوز؟» جال بخاطرها أن سلوك آن ~~الغريب قد يعني أن ديريك ربما ذهب في واحدة من رحلاته الاستكشافية في المرتفعات ولم يعد ~~بعد، تاركا وراءه آن وروزماري، أو أنه ربما يكون مريضا أو مكتئبا. سبق وأن قالت آن: «ما ~~كان ديريك يشعر بنصف هذا الاكتئاب عندما تركنا المدينة.» وتساءلت كارين عما إذا كانت كلمة: ~~«الاكتئاب» هي الكلمة الصحيحة لوصف ما يمر به؛ فقد بدا لها ديريك ناقدا، وأحيانا نافد ~~الصبر. أهذا هو الاكتئاب؟ # قالت آن: «أظنه بالقرب منا بلا شك في مكان ما.» ~~«لقد انفصل هو وروزماري، هل علمت هذا؟» ~~«نعم يا كارين. علمت.» ~~«أتشعرين بالأسى لما حدث؟» # قالت آن: «هذه طريقة جديدة ابتدعتها لتنظيف الفضيات. سأعلمك إياها. ما عليك إلا أن ~~تلتقطي ملعقة أو شوكة أو أي شيء آخر وتغمسيه في هذا المحلول الموجود في هذا الحوض، وتتركيه ~~للحظة ثم تلتقطيه وتغمسيه في ماء الشطف وتجففيه بمنشفة. أترين؟ إنها تلمع تماما كما كانت ~~تلمع عندما أدعكها وأجليها. أو هكذا أظن. أعتقد أنها براقة للغاية. سوف أحضر بعض مياه الشطف ~~النقية.» # غمست كارين شوكة في المحلول وقالت: ms217 «بالأمس قضينا - أنا وروزماري - اليوم كما حلا لنا، ~~حتى إننا لم نبدل ثياب النوم. صنعنا كعك الوافل وقرأنا بعض الأخبار في المجلات القديمة؛ ~~منها أعداد قديمة من «ليديز هوم جورنالز».» # قالت آن بشيء من الغلظة: «هذه المجلات تخص أمي.» # قالت كارين: «قرأت فيها الإعلان المروج لأحد الكريمات: «إنها جميلة. إنها مخطوبة. إنها ~~تستخدم مستحضرات بوندز».» # كم أسعدها هذا الحديث! فابتسمت وردت عليها: «نعم، أتذكره.» # قالت كارين بنبرة صوت خفيضة وحزينة: «ألا يمكن إنقاذ هذه الزيجة؟» ثم تغيرت نبرتها إلى ~~المداعبة الممزوجة بالتذمر. ~~«المشكلة أن زوجي سيئ الطباع للغاية، ولا أدري كيف أتصرف معه. لقد التهم جميع أطفالنا؛ ~~ليس لأنني لا أطهو له طعاما شهيا - فأنا أطهو له ما لذ وطاب - بل إني أقف كادحة طوال ~~اليوم أمام موقد حار كي أطهو له عشاء شهيا، ليأتي هو إلى المنزل وأول ما يفعله هو خلع ساق ~~أحد الأطفال عن جسده ...» # قالت آن ولم تعد تبتسم: «كفى. كفى يا كارين.» # فقالت كارين بهدوء وإصرار: «لكنني فعلا أريد أن أعرف؛ ألا يمكن إنقاذ هذه ~~الزيجة؟» # طوال العام المنصرم، حين كانت كارين تفكر في أكثر مكان تود أن تكون فيه، كان ذهنها يوجهها ~~نحو هذا المطبخ، وهو حجرة كبيرة تظل أركانها معتمة حتى عندما توقد المصابيح، وتتخلل نوافذه ~~أوراق الشجر الخضراء وتحتك بها مع حركة الرياح. وكل ما يوجد فيه بلا استثناء لا يمكن أن ~~ينتمي لمطبخ بطبيعة الحال: ماكينة الخياطة ذات الدواسة، والمقعد ذو الذراعين الضخمتين ~~المبطنتين؛ بغطائه الكستنائي الذي استحال أخضر مائلا للرمادي عند الذراعين، وتلك اللوحة ~~الكبيرة المرسوم عليها شلال الماء التي رسمتها أم آن منذ زمن بعيد عندما كانت عروسا لديها ~~ما يكفي من الوقت الذي لم يتح لها فيما بعد. ~~(قال ديريك ذات مرة: «وهو من حسن حظنا جميعا».) # سمعت كارين وآن صوت سيارة في باحة المنزل، فتساءلت كارين؛ أيمكن أن تكون روزماري؟ هل يمكن ~~أن تكون روزماري من السيدات اللاتي يكتئبن حين يتركن بمفردهن، فقررت أن تتبع كارين طالبة ms218 ~~صحبتها؟ # لكنها حين سمعت وقع حذاء على درج السلم بالمطبخ، عرفت أنه ديريك. # فصاحت: «مفاجأة، مفاجأة، انظري من القادم.» # دلف ديريك إلى المطبخ، وقال: «مرحبا كارين.» قالها دون ذرة ترحيب. وضع على الطاولة ~~كيسين، فقالت له آن برقة: «هل أحضرت الفيلم الذي تريد؟» # قال ديريك: «نعم. ما هذه القذارة؟» # قالت آن: «كنت أنظف الفضيات.» ثم وجهت كلامها لكارين وكأنها تعتذر عما قال: «لقد ذهب ~~للمدينة لشراء فيلم فوتوغرافي للكاميرا ليلتقط صورا للصخور.» # انحنت كارين على السكين الذي كانت تجففه. أسوأ ما يمكن أن تفعل في تلك اللحظة هو أن ~~تشرع في البكاء (كان هذا مستحيلا في الصيف الماضي). سألت آن ديريك عن بعض الأشياء الأخرى - ~~البقالة - التي أحضرها، بينما رفعت كارين عينيها متعمدة وثبتتهما على الجزء الأمامي من ~~الموقد. قالت لها آن ذات مرة إنه لم يعد يصنع، فهو مزيج من الأفران الخشبية ~~والكهربائية، وعلى بابه صورة مركب شراعي مكتوب فوقها «مواقد كليبر». # هذا أيضا كانت تتذكره طوال العام المنصرم. # قالت آن: «أعتقد أن كارين يمكنها مساعدتك في ترتيب الصخور.» # سادت فترة من الصمت، ربما نظر أحدهما إلى الآخر خلالها، ثم قال ديريك: «حسنا يا كارين، ~~تعالي ساعديني في التقاط الصور.» ~~••• # كان كثير من تلك الصخور منتشرا على أرضية الحظيرة، ولم تكن قد صنفت بعد أو وضعت ~~عليها بطاقات للتعريف بها، لكن كانت هناك صخور أخرى موضوعة على الأرفف منفصلة، وأمام كل ~~منها بطاقة مطبوعة لتعريفها. ظل ديريك صامتا لفترة، بينما يحرك الصخور ويعبث بالكاميرا ~~محاولا التوصل إلى أفضل زاوية وأفضل إضاءة. وعندما بدأ في التقاط الصور، أخذ يصدر أوامر ~~مقتضبة لكارين كي تغير أماكن الصخور أو تميلها أو تلتقط صخورا أخرى من الأرض كي يصورها، ~~حتى وإن كانت بلا بطاقات تعريف. بدا لها أنه لا يحتاج - أو لا يريد - عونها بالفعل، ولأكثر ~~من مرة يتأهب ويلتقط أنفاسه وكأنه على وشك إخبارها بهذا - أو بأمور أخرى هامة وغير سارة - ~~لكن بعدها لا يقول سوى: «حركيها إلى اليمين قليلا» أو «أديريها ms219 لأرى جانبها الآخر.» # طوال الصيف الماضي، ما فتأت كارين تلح إلحاح الصبية المزعجين وتطلب بجدية الذهاب مع ~~ديريك في واحدة من رحلاته الاستكشافية، إلى أن وافق أخيرا، لكنه صعب عليها الأمر قدر ~~استطاعته، وجعل اصطحابها له هذه المرة بمنزلة الاختبار. رشا جسديهما برذاذ أوف الطارد ~~للحشرات، لكنه لم يمنع عنهما الحشرات بالكلية، فقد تسللت إلى شعريهما وإلى ما تحت ياقتيهما ~~وأساور قميصيهما. وكان عليهما أن يخوضا في الوحل وتبتل أحذيتهما طويلة الرقبة من أسفل، ثم ~~يتسلقا منحدرات شاهقة مغطاة بقصب التوت وشجيرات الورد البري ونباتات معترشة وعرة تعيق ~~مسيرتهما. وكذلك كان عليهما أن يتسلقا نتوءات صخرية ملساء ومائلة. وكان كل منهما يضع ~~جرسا حول عنقه كي يعرفا أماكنهما من على بعد إذا ما افترقا، وحتى تعرف الدببة أنهما ~~قادمان فتبتعد عنهما. # وبينما يسيران، أتيا على كومة كبيرة من فضلات الدببة، وكانت لامعة بما يشير إلى أنه لم ~~يمر وقت طويل على إخراجها، وميزا فيها قلب ثمرة تفاح نصف مهضومة. # وخلال هذه الرحلة، أخبرها ديريك أنه كانت هناك مناجم كثيرة متناثرة في أنحاء هذه البلدة، ~~وأن هذه المناجم تكاد تحوي بداخلها جميع أنواع المعادن، لكن بكميات زهيدة تحول دون جعلها ~~مربحة. وقد زار هو نفسه كل هذه المناجم المهجورة التي كادت تسقط في طي النسيان، حيث كسر ~~الصخور ليأخذ عينات، أو التقطها ببساطة من على الأرض. وفي هذا الشأن قالت آن: «أول مرة أتيت ~~به إلى المنزل اختفى في أحد المرتفعات واكتشف منجما، حينها عرفت أنه - على الأرجح - ~~سيتزوجني.» # كانت المناجم تمثل خيبة أمل لكارين، مع أنها لم تقل هذا قط؛ فقد كانت تحلم بشيء كمغارة ~~علي بابا، تتلألأ فيها الأحجار اللامعة في الظلام. لكن ما حدث أن ديريك أراها مدخلا ضيقا ~~- يبدو كشق طبيعي في الصخور - وقد صارت تسده الآن شجرة حور امتدت جذورها في هذا المكان ~~السخيف فنمت منحنية. أما عن المدخل الثاني، الذي قال ديريك إنه الأسهل، فقد كان مجرد فجوة ~~في جانب تل، وبه عوارض متعفنة - بعضها ms220 مسجى على الأرض وبعضها ما زال يدعم جزءا من ~~السقف - وقوالب طوب تحجز ثرى وحطام صخري. قام ديريك بتحديد الآثار الباهتة للقضبان ~~التي كانت تسير فوقها عربة نقل المعادن. وحول المكان تناثرت قطع من مادة الميكة فقامت كارين ~~بجمعها؛ على الأقل كانت جميلة وبدت كنزا حقيقيا، كانت أشبه برقائق من الزجاج الأسود ~~الناعم الذي يتحول لونه إلى الفضي عندما تنعكس عليه أشعة الشمس. # قال ديريك إن بإمكانها أن تأخذ قطعة واحدة منها لتحتفظ بها لنفسها وليس لتعرضها على ~~الناس: «احفظي هذا السر، فأنا لا أريد أن يتحدث أحد عن هذا المكان.» # قالت كارين: «أتريدني أن أقسم ألا أفعل؟» # قال: «فقط تذكري ما قلته.» ثم سألها إذا كانت تريد أن ترى القلعة. # وتلك خيبة أمل أخرى، ومزحة أيضا. قادها ديريك إلى مكان ذي جدران أسمنتية ألم به ~~الخراب، وقال إنه كان على الأرجح مكانا لتخزين المعادن. أراها كذلك الطريق الذي يتخلل ~~الأشجار الطويلة - الممتلئ الآن بالشجيرات - وأوضح أنه المكان الذي امتدت فيه قضبان عربات ~~نقل المعادن منذ زمن. أما المزحة، فتتمثل في أن بعض شباب الهيبيز ضلوا طريقهم في هذه ~~المنطقة منذ بضع سنوات، ثم عادوا بأخبار عن قلعة عثروا عليها. كان ديريك يكره أن يقع الناس ~~في مثل هذه الأخطاء دون أن يتحققوا مما يرونه أمام أعينهم، وما يمكن إدراكه على نحو ~~صحيح. # سارت كارين حول قمة الجدار المتداعي، ولم ينبهها ديريك كي تأخذ حذرها وتحترس في خطواتها ~~كي لا تقع فينكسر عنقها. # وفي طريق عودتهما، هبت عاصفة رعدية فاضطرا أن يأويا إلى أجمة كثيفة من أشجار الأرز. لم ~~تستطع كارين التحلي بالهدوء - ولم تستطع أن تحدد طبيعة ما تشعر به: أهو خوف أم ابتهاج؟ ~~بعدها توصلت إلى أنه ابتهاج، فأخذت تقفز وتجري في دوائر وترفع ذراعيها لأعلى وهي تصيح تحت ~~وميض البرق الذي اخترق مأواهما. طلب منها ديريك أن تهدأ وتجلس ثم تعد حتى خمسة عشر بعد كل ~~ومضة لترى هل ساعد هذا في عدم حدوث المزيد من الرعد. ms221 # مع ذلك ظنت أنه فرح بها. لم يظن أنها مذعورة. # إنها لحقيقة أن هناك من الناس من إذا سببت لهم إزعاجا إيجابيا أسعدتهم، وديريك واحد ~~من هؤلاء. وإذا ما فشلت مع مثل هؤلاء الناس، فسوف يضعونك في تصنيف في أذهانهم لن تخرج منه ~~أبدا، بل وسوف يكنون لك الاحتقار إلى الأبد. ولعل الخوف من البرق أو رؤية فضلات الدببة، ~~أو الرغبة في تصديق أن هذا الخراب اليباب هو بقايا قلعة - بل وحتى عدم القدرة على التعرف ~~على الخصائص المختلفة لكل من الميكة والبيريت والكوارتز والفضة والفلسبار - كل هذا كان ~~يمكن أن يدفع ديريك لأن ييأس منها، كما يئس بشكل أو بآخر من روزماري وآن. إنه هنا مع كارين ~~على طبيعته حقا، يولي كل شيء اهتماما جادا. فقط حين يكون معها هي، وليس حين يكون مع أي ~~منهما. ~~••• # تساءل ديريك: «أتلاحظين أن الأجواء تشوبها الكآبة هنا اليوم؟» # مررت كارين يدها على قطعة من الكوارتز، بدت أشبه بقطعة من الثلج بداخلها شمعة وسألته: ~~«روزماري هي السبب؟» # رد ديريك: «كلا، الأمر جدي. تلقت آن عرضا لشراء هذا المكان. أتى إليها أحد المحامين ~~من ستوكو وأخبرها أن شركة يابانية تريد أن تشتريه. إنهم يريدون الميكة كي يصنعوا محركات ~~سيارات من السيراميك. وهي تفكر في الأمر، يمكنها أن تبيعه إذا أرادت. فهو ملكها.» # قالت كارين: «ولم ترغب في هذا؟ في بيعه؟» # قال ديريك: «المال. لأجل المال.» ~~«ألا تدفع لها روزماري إيجارا كافيا؟» ~~«إلى متى سيدوم هذا؟ لن يؤجر المرعى هذه السنة؛ لأن الأرض مشبعة بالماء. والمنزل في حاجة ~~إلى الإنفاق عليه لترميمه وإلا فسينهار. لقد عكفت أربع سنوات على كتاب لم أنته من تأليفه، ~~وقد أوشكنا على الإفلاس. هل تعلمين ماذا قال لها سمسار العقارات ذاك؟ قال: «هذا المكان قد ~~يكون مدينة سدبري أخرى.» لم يكن يمزح.» # لم تدر كارين لماذا قد يمزح؛ فهي لا تعرف أي شيء عن سدبري. قالت: «لو كنت ثرية لاشتريت ~~المكان، وحينها ستستمر فيما تفعل كما هو الحال الآن.» # قال ms222 ديريك بجدية: «يوما ما ستصبحين ثرية، لكن هذا اليوم ليس بقريب.» وضع الكاميرا في ~~حقيبتها، وقال: «فلتبقي بجانب أمك؛ فهي ثرية ثراء فاحشا.» # شعرت كارين بسخونة في وجهها واستشعرت صدمة هذه الكلمات. كانت جملة لم تسمعها من قبل. ثراء ~~فاحش. وبدت العبارة مقيتة. # قال: «حسنا، سأذهب إلى المدينة لأعرف متى سيقبلون على ذلك.» لم يسألها إذا ما كانت تريد ~~الذهاب معه، وما كانت هي لتجيبه؛ فقد اغرورقت عيناها بالدموع؛ إذ صدمها ما قاله وطغى ~~عليها. # كانت في حاجة لأن تذهب لدورة المياه؛ ولذا سارت باتجاه المنزل. # انبعثت رائحة طيبة من المطبخ؛ رائحة لحم يطهى على نار هادئة. # دورة المياه الوحيدة في البيت كانت تقع في الطابق العلوي، وعندما صعدت كارين سمعت صوت آن ~~تتحرك في غرفتها. لم تنادها أو تنظر إليها. لكن عندما بدأت كارين تنزل بعد أن قضت حاجتها، ~~نادتها آن. # كانت قد وضعت مساحيق التجميل على وجهها؛ ولذا اختفى أثر البقع منه. # وعندما دخلت غرفتها، وجدت أكواما من الملابس ملقاة على الفراش وعلى الأرض. # قالت آن: «أحاول أن أرتبها. لدي ملابس نسيت أنني أمتلكها، وعلي أن أتخلص من بعضها إلى ~~الأبد.» # هذا يعني أنها جادة بشأن الانتقال، وتتخلص من بعض الأشياء قبل أن ترحل. عندما كانت ~~روزماري تتهيأ للانتقال من قبل، حزمت متاعها في صندوق السيارة بينما كانت كارين في المدرسة. ~~لم ترها كارين وهي تختار الأشياء التي حزمتها. لم ترها إلا حين أخرجتها في شقة تورونتو ~~ثم في الكارافان؛ وسادة، وزوج من الشمعدان، وطبق كبير يبدو شكله مألوفا لكنه دائما ما ~~يوضع في غير محله. وفي رأي كارين، كان من الأفضل ألا تحضر أي شيء على الإطلاق. # قالت آن: «أترين تلك الحقيبة؟ هناك أعلى الدولاب. أتستطيعين أن تصعدي على الكرسي وتميليها ~~على الحافة حتى أتمكن من التقاطها؟ حاولت أن أفعل هذا لكني أصبت بدوار. فقط أميليها وسوف ~~ألتقطها.» # صعدت كارين على الكرسي، ودفعت الحقيبة فمالت نحو حافة الدولاب، فالتقطتها آن. شكرت كارين ~~وهي تلتقط أنفاسها، وألقت الحقيبة ms223 على الفراش. # قالت: «لدي المفتاح، لدي المفتاح هنا.» # كان القفل متيبسا، والمشابك مستعصية على الفتح؛ فقامت كارين بمعاونتها. وعندما فتحت ~~الحقيبة، فاحت رائحة كرات العث من كومة الملابس الرطبة التي بداخلها. كانت كارين تألف تلك ~~الرائحة؛ إذ كانت تشمها في محال الملابس المستعملة التي تحب روزماري التسوق منها. # قالت: «أهذه الأشياء القديمة تخص أمك؟» # قالت آن وهي تضحك ضحكة خافتة: «إنه ثوب زفافي يا كارين ملفوفا في ملاءة قديمة.» التقطت ~~الملاءة المائلة إلى اللون الرمادي وطرحتها جانبا، ثم أخرجت ثوبا من قماش التفتة ~~والدانتيل. أخلت كارين له مكانا على الفراش لتضعه عليه؛ ثم بدأت آن تقلب الثوب بكل حرص. ~~وكان قماش التفتة يصدر صوتا كحفيف الشجر. # قالت آن وهي ترفع طبقة من نسيح رقيق ملتصق بقماش الثوب: «وطرحتي أيضا. كان يجدر بي أن ~~أعتني بها أفضل من هذا.» # كان ثوب الزفاف من أسفل تنورته به شق رفيع وطويل؛ يبدو من صنع شفرة حادة. # قالت آن: «كان ينبغي لي أن أعلقه، كان علي حفظه في إحدى الحافظات التي يؤتى بها من ~~المغسلة؛ فقماش التفتة رقيق للغاية، وهذا الشق من أثر طي الثوب. كنت أعلم هذا. يجب ألا تطوى ~~التفتة.» # ثم شرعت تفصل طبقات الثوب واحدة تلو الأخرى - رويدا رويدا - ومع كل طبقة ترفعها تصدر ~~صوتا خافتا تشجع به نفسها، إلى أن تمكنت من ضبط الطبقات كلها في شكل ثوب. أما الطرحة، ~~فكانت ملقاة على الأرض، والتقطتها كارين. # قالت: «إنها من القماش المغزول.» تكلمت كي تخرج من ذهنها صوت ديريك. # فقالت آن: «بل من التل. التل والدانتيل. كم كنت مخطئة حين لم أعتن بها بصورة أفضل. ~~إنه لمن الغريب أنها ما زالت موجودة حتى وقتنا هذا، بل من العجيب أنها لم تتمزق.» # قالت كارين: «التل، لم أسمع يوما به، وكذلك لم أسمع يوما بالتفتة.» # قالت آن: «كانت رائجة في الماضي.» ~~«هل لك صورة في هذا الثوب؟ ألديك صور من حفل زفافك؟» ~~«أبي وأمي كانت لديهما صورة، لكني لا أدري ما حل بها. ms224 وديريك ليس ممن يحبون صور الزفاف، ~~بل ليس ممن يحبون حفلات الزفاف. لا أدري كيف أفلت بهذا الحفل. عقدناه في كنيسة ستوكو، ~~وكانت معي صديقاتي الثلاث؛ دوروثي سميث وموريال ليفتون ودون تشاليراي. عزفت دوروثي على ~~الأرغن في الحفل، وكانت دون وصيفتي، بينما غنت موريال.» # قالت كارين: «أي الألوان ارتدت وصيفتك؟» ~~«لون التفاح الأخضر، كان ثوبا من الدانتيل المطعم بالشيفون. كلا، العكس؛ كان ثوبا من ~~الشيفون المطعم بالدانتيل.» # وصفت آن ثوب صديقتها بصوت يشوبه الشك، بينما تتفحص غرز الخياطة في ثوبها. ~~«ماذا غنت صاحبتك؟» ~~«موريال، غنت «أيها الحب المثالي»: «أيها الحب المثالي، يا من ظنه الناس فوق العادة ~~...» لكنها في الواقع ليست أغنية بل ترنيمة تتحدث عن نوع سام من الحب. لا أدري من اختار هذه ~~الترنيمة لتغنيها.» # مست كارين التفتة بيدها فوجدتها جافة وباردة. # قالت: «فلترتديه.» # قالت آن: «أنا؟ إنه مصمم لفتاة محيط خصرها أربع وعشرون بوصة. هل ذهب ديريك إلى المدينة؟ ~~هل أخذ معه فيلمه؟» # لم تسمع كارين وهي ترد عليها بالإيجاب، لا بد أنها قد سمعت صوت السيارة بالطبع. # قالت: «إنه يصر على أن يعد سجلا مصورا، ولا أدري فيم العجلة. بعدها، سوف يضع الصور ~~في صناديق، ويضع على كل صندوق بطاقة تعريف. إنه - فيما يبدو لي - يظن أنه لن يرى المكان مرة ~~أخرى. هل أوحى لك بطريقة ما أن هذا المكان سيباع؟» # قالت كارين: «لا، ليس بعد.» ~~«نعم، ليس بعد، ولن أفعل إلا إذا اضطررت إليه. لن أبيعه إلا إذا اضطررت لذلك، لكنني أعتقد ~~أنني سوف تدفعني الضرورة لبيعه. أحيانا تصير بعض القرارات ضرورية، ولكن يجب ألا يعتبر ~~الناس هذه القرارات مأساوية أو يأخذوها على محمل شخصي كنوع من العقاب.» # قالت كارين: «هل يمكن أن أجرب أنا ارتداءه؟» # رمقتها آن بنظرة متفحصة وقالت: «علينا أن نكون في منتهى الحرص.» # خلعت كارين حذاءها وسروالها القصير ونزعت قميصها، وأدنت آن الثوب من رأسها لتلبسها إياه، ~~فجعلتها تشعر للحظة بأنها حبيسة داخل سحابة بيضاء. كان عليهما التعامل بحذر أثناء ارتداء ms225 ~~الردنين المخيطين من قماش الدانتيل حتى أسدلا على ظهري كفي كارين، فأعطيا يديها ~~لونا بنيا مع أن بشرتها لم تكتسب السمرة بعد بسبب التعرض لأشعة الشمس. بعد ذلك، أخذت آن ~~تغلق المشابك الجانبية حتى أسفل الخصر، إلى جانب مشابك شريط زينة العنق من الخلف، وكان من ~~الدانتيل؛ ليثبت بإحكام حول عنق كارين. ولأنها لم تكن ترتدي شيئا تحت الثوب سوى سروالها ~~التحتي، فقد شعرت بملمس الدانتيل الشائك على بشرتها؛ فالدانتيل أكثر جرأة في اتصاله بالجسد، ~~أكثر من أي شيء آخر عرفته. نفرت من ملمسه على حلمتيها، لكن لحسن حظها كان الثوب واسعا عند ~~الصدر - حيث كان ثديا آن يملآنه حين الزفاف - وما كانت كارين ناهدة، إلا أن حلمتيها كانتا ~~تتورمان أحيانا وتؤلمانها، وكأنهما على وشك البروز. # بعد ذلك، أخذتا تبعدان التفتة عن ساقيها حتى تأخذ تنورة الثوب شكل الجرس، ثم أسدلتا ~~الدانتيل عليها فظهرت حلقاته. # قالت آن: «إنك أطول مما ظننت؛ يمكنك أن تمشي إذا ما رفعته قليلا.» # التقطت فرشاة شعر من منضدة الزينة، وبدأت تمشط شعر كارين لينسدل على كتفيها المغطاتين ~~بالدانتيل. # قالت: «شعرك بني بلون الجوز. أتذكر أنه في الكتب توصف الفتيات بأن شعورهن بنية في ~~لون الجوز. وقد كن بالفعل يستخدمن الجوز لصبغ شعورهن. ذكرت لي أمي أن الفتيات كن يغلين ~~الجوز لإعداد صبغة الشعر، ثم يصبغن بها شعورهن. وحينها بالطبع كانت أيديهن تتلطخ باللون ~~البني فينكشف السر، وكان من العسير إزالته.» # قالت: «قفي ثابتة.» ضبطت الطرحة فوق شعرها الناعم، ثم وقفت أمامها لتثبتها بالدبابيس، ثم ~~قالت: «لقد اختفى تاج الطرحة، لا بد أنني استخدمته استخداما آخر أو أعطيته لإحداهن كي ~~ترتديه في عرسها. لا أتذكر. لكن على أي حال، ما كان ليبدو أنيقا في الوقت الحالي؛ كان من ~~طراز الأشياء التي ترتديها ماري ملكة اسكتلندا على رأسها.» # تلفتت حولها ثم انتقت بعض الزهور الصناعية من الحرير - وكانت على شكل إكليل من زهور ~~التفاح - من مزهرية موضوعة على منضدة الزينة. لكن هذه الفكرة الجديدة - أي استخدام فرع ms226 ~~الزهور - تعني أن عليها فك الدبابيس والبدء من جديد، عن طريق طي إكليل زهور التفاح حول ~~الرأس واستخدامه بديلا للتاج. غير أن فرع الزهور كان صلبا، وبعد محاولات طوته أخيرا ~~وثبتته كما حلا لها. تحركت من أمام كارين، وجعلتها في مواجهة المرآة. # فقالت كارين: «يا إلهي! هل يمكنني الاحتفاظ به لارتدائه حين أتزوج؟» # لكنها لم تكن تعني هذا؛ فهي لم تفكر قط في الزواج، بل قالت ذلك كي تسعد آن بعد كل المجهود ~~الذي بذلته، وحتى تخفي خجلها الذي ظهر عليها حين نظرت في المرآة. # فردت آن: «حينها ستكون هناك صيحات جديدة؛ فهذا الثوب ليس مناسبا هذه الأيام.» # أشاحت كارين بصرها عن المرآة، ثم أعادت النظر مرة أخرى بعد أن هيأت نفسها. رأت أمام ~~عينيها قديسة؛ الشعر اللامع، البراعم الشاحبة، ظلال الدانتيل الخافتة على وجنتيها، الصدق في ~~إتقان الدور، الجمال المدرك لذاته على نحو يؤكد أنه عرضة لشيء ما حتمي، لشيء سخيف. حاولت أن ~~ترسم تعبيرا آخر على وجهها يغير ذلك الانطباع لكنها لم تفلح؛ وكأن العروس - الفتاة وليدة ~~المرآة - هي صاحبة القرار الآن. # قالت آن: «أتساءل عما سيقول ديريك الآن إذا ما رآك، بل وأتساءل إن كان سيعرف أن هذا هو ~~ثوب زفافي؟» رمشت عيناها في خجلها المضطرب المعهود، ووقفت بالقرب من كارين لإزالة البراعم ~~وفك الدبابيس، فشمت كارين رائحة صابون من تحت إبطيها، ورائحة ثوم في أصابعها. # قالت كارين - بنبرة جهورية مقلدة صوت ديريك - بينما تفك آن عنها الطرحة: «سيقول: أي ثوب ~~أحمق هذا؟» # تناهى إلى مسامعهما صوت السيارة قادمة عبر الوادي؛ فقالت آن: «ذكرناه، فألقت به الريح.» ~~الآن صارت في عجلة من أمرها لتفك مشابك الثوب، فأخذت أصابعها تتعثر وترتجف. وحين حاولت خلع ~~الثوب من رأس كارين، علق بشيء ما. # فقالت آن: «اللعنة!» # قالت كارين وهي ملتحفة بالثوب عالقة به: «اذهبي أنت، ودعيني أكمل. أستطيع خلعه.» # وحين خلعته، رأت ملامح آن متغيرة في حزن. # قالت: «كنت أمزح بشأن ديريك.» # لكن ربما كانت نظرة آن مجرد انتباه واهتمام ms227 بالثوب. # إذ ردت عليها: «ماذا تقصدين؟ حسنا ، صه! فلتنسي الأمر.» ~~••• # وقفت كارين ثابتة على الدرج تسترق السمع إليهما وهما يتحدثان في المطبخ. وكانت آن قد ~~سبقتها إلى أسفل. # قال ديريك: «هل سيكون شهيا؟ ذلك الطعام الذي تطهينه أيا كان؟» # قالت آن: «هذا ما أتمناه. إنها الأوسو بوكو الإيطالية؛ من اللحم والخضار.» # تغير صوت ديريك الآن وسكت عنه الغضب، فأضحى تواقا للصحبة والتودد. بدا أيضا الارتياح ~~في صوت آن، وحاولت - وهي بالكاد تتنفس - أن تواكب حالته المزاجية الجديدة. # قال: «هل لدينا ما يكفي لمن يشاركنا الطعام؟» ~~«من؟» ~~«روزماري فقط. أرجو أن يكون لدينا ما يكفي من الطعام لأنني دعوتها.» # قالت آن بهدوء: «روزماري وكارين. لدينا ما يكفي من الطعام، لكن ليس لدينا نبيذ.» # قال ديريك: «بل لدينا؛ أحضرت معي بضع زجاجات.» # سمعت كارين بعد ذلك شيئا من الهمهمة أو الهمس من ديريك لآن؛ لا بد أنه كان يقف بالقرب ~~منها ويتحدث بصوت خافت لا يكاد يسمع. يبدو أنه كان يمازحها ويرجوها ويطمئنها ويعدها بأن ~~يعوضها، كل ذلك في آن واحد. وكانت كارين تخشى من أن تتناهى إلى مسامعها كلمات قد تفهمها ~~ولا تتمكن من نسيانها، حتى إنها نزلت تدب بقدميها على درج السلم ودخلت المطبخ تصيح: «من ~~هذه الروزماري؟ هل سمعت اسم روزماري؟» # قال ديريك: «لا تتسللي هكذا أيتها الطفلة، أصدري صوتا يفصح عن قدومك.» ~~«هل سمعت اسم روزماري؟» # قال: «نعم، اسم أمك. أقسم لك إنني أقصد اسم أمك.» # لقد ذهب عنه غضبه العارم، وصار الآن مفعما بروح التحدي وارتفعت معنوياته، كما كان الصيف ~~الماضي في بعض الأحيان. # نظرت آن إلى النبيذ وقالت: «كم هو نبيذ شهي يا ديريك! سوف يناسب الطعام الذي أعده. ~~دعنا نر. كارين، هلا تساعدينني! سوف نعد المائدة الطويلة في الشرفة. وسنستخدم الأطباق ~~الزرقاء والفضيات الفاخرة - أليس هذا من حسن ~~الحظ أننا قد نظفناها لتونا؟ سنضع مجموعتين من الشموع، الصفراء الطويلة في منتصف المائدة يا ~~كارين، والبيضاء القصيرة حولها في دائرة.» # قالت كارين: «مثل زهرة الربيع.» # قالت ms228 آن: «هذا صحيح؛ عشاؤنا احتفالي بمناسبة عودتك لقضاء الصيف معنا.» # قال ديريك: «وماذا عساي أن أفعل؟» ~~«دعني أر. يمكنك أن تذهب لتحضر لنا بعض مكونات السلطة: الخس ونبات الحماض. وانظر هل ~~يوجد نبات الرشاد بالقرب من الجدول.» # قال ديريك: «موجود. رأيت بعضا منه.» ~~«فلتحضره للسلطة أيضا.» # مرر يده على كتفيها، وقال: «كل شيء سيكون على ما يرام.» ~~••• # بينما كادوا ينتهون من التجهيز لحفلهم، قام ديريك بتشغيل أسطوانة موسيقى. كانت واحدة من ~~الأسطوانات التي أخذها معه إلى منزل روزماري، ولا بد أنه أعادها معه إلى هنا. كان اسمها ~~«ألحان ورقصات قديمة على أنغام العود»، وكان لها غلاف يحمل صورة لمجموعة سيدات نحيلات ~~للغاية - في ملابس قديمة الطراز مرتفعة الخصر، وشعر متموج قصير حتى الأذن - يرقصن في دائرة. ~~كانت هذه الموسيقى دائما ما تثير في ديريك الرغبة في التمايل في رقصة احتفالية مضحكة تشترك ~~معه فيها كارين وروزماري، وكانت كارين تراقصه بنفس مستواه، على العكس من روزماري؛ مع أنها ~~بذلت مجهودا كبيرا، لكن حركتها كانت متأخرة عن ~~خطواته قليلا، وما كان منها سوى محاولة محاكاة ما يجب أن يكون تلقائيا. # بدأت كارين الرقص حول مائدة المطبخ ما إن بدأت الموسيقى، بينما كانت آن تقطع السلطة، ~~وديريك يفتح زجاجة النبيذ. أخذت كارين تغني بمرح وسعادة: «ألحان ورقصات قديمة على أنغام ~~العود»، وتقول: «ستأتي أمي على العشاء، ستأتي أمي على العشاء.» # قال ديريك: «ستأتي أم كارين على العشاء.» ثم رفع يده وقال: «صه، صه. أهذا هو صوت سيارتها ~~الذي أسمعه؟» # قالت آن: «يا إلهي، علي أن أغسل وجهي على الأقل.» ألقت ما بيدها من خضراوات، وهرعت عبر ~~البهو صاعدة الدرج. # ذهب ديريك كي يوقف أسطوانة الموسيقى، لكنه رفع إبرة الفونوغراف ثم أعادها إلى البداية، ~~وعندما شغلها مرة أخرى، ذهب لمقابلة روزماري بالخارج؛ وهو أمر لم يكن معتادا عليه. كانت ~~كارين تنوي الذهاب لمقابلتها بنفسها، لكن عندما فعل ديريك هذا، قررت ألا تذهب وتبعت آن ~~أعلى الدرج، لكنها لم تصعد الدرج كله؛ فعلى منبسط الدرج، ms229 كانت هناك نافذة صغيرة لم يكن أحد ~~يتوقف عندها أو يطل منها، وكانت مغطاة بستارة من نسيج رقيق لا يكاد يرى من خلالها من يقف ~~وراءها. # وصلت إلى النافذة بسرعة مكنتها من أن ترى ديريك يخطو على عشب الحديقة، متجاوزا الفجوة ~~التي تتخلل صف الشجيرات. قطع بخفة خطوات طويلة تواقة؛ لعله يصل في الوقت المناسب كي ينحني ~~لها ويفتح باب السيارة بحركة مسرحية ويساعدها في الترجل منها. لم تره كارين يفعل ذلك من ~~قبل، لكنها كانت تدرك أنه تعمد فعل ذلك الآن. # في ذلك الحين، كانت آن لا تزال في دورة المياه - إذ سمعت كارين صوت الدش - وبذلك ما زال ~~أمام كارين بضع دقائق تراقب فيها ما يحدث بالأسفل دون أن يزعجها أحد. # سمعت صوت غلق باب السيارة، لكنها لم تسمع صوتيهما؛ ما استطاعت سماعهما والموسيقى تتردد في ~~جنبات المنزل. كذلك فإنهما لم يصلا إلى الفجوة بين الشجيرات حتى تراهما. وقفت تنتظر وطال ~~انتظارها. ~~••• # ذات مرة، بعد أن فارقت روزماري تيد عادت مرة أخرى، لكنها لم تعد إلى البيت؛ فلم يكن من ~~المفترض أن تعود إليه. حينها أتى تيد بكارين إلى مطعم، وكانت روزماري هناك. تناولا الغداء، ~~وتناولت كارين رقائق بطاطس وعصير الرمان، وأخبرتها روزماري أنها ذاهبة إلى تورونتو؛ لأنها ~~حصلت على وظيفة هناك لدى أحد الناشرين. لم تعرف كارين وقتها معنى كلمة ناشر. ~~••• # ها هما قد أتيا ومرا معا خلال الفجوة التي تتخلل الشجيرات، في حين أنه كان من الأجدر ~~أن يمر أحدهما تلو الآخر. كانت روزماري ترتدي بنطالها الواسع - الشبيه بسروال علاء الدين ~~- من القطن الرقيق الناعم، ولونه وردي بلون التوت البري، وخلاله كانت ظلال ساقيها بادية، ~~أما قميصها، فكان من قماش قطني أكثر سمكا، به زخارف ومطرز بخرز صغير يعكس الضوء كالمرآة. ~~بدت قلقة بشأن شعرها المرفوع لأعلى؛ فقد كانت يدها تتحسسه بحركة عصبية ساحرة لإسدال بعض ~~الخصلات المتموجة، فتتدلى وترفرف على وجهها (بدت كالخصلات المتموجة المتدلية بجانب آذان ~~السيدات المصورات على غلاف الأسطوانة)، وكانت أظفارها مطلية ms230 بلون يتماشى مع لون ~~بنطالها. # لم يلمس ديريك أي جزء من جسدها، مع أنه ~~بدا دائما على وشك لمسها. ~~••• # قالت لها كارين في المطعم: «حسنا، لكن هل ستنتقلين للعيش هناك؟» ~~••• # رأت كارين ديريك وهو يحني قامته الطويلة، بالقرب من شعر روزماري الجميل الجامح، وكأنه ~~طائر يستعد لدخول العش. بدا لها أنه مصمم على ذلك، سواء لمسها أم لا، تحدث معها أم صمت. ~~كان يجذبها نحوه، ولم يأل جهدا في مهمته هذه على الإطلاق، بالرغم من انجذابه هو نفسه ~~إليها، وبالرغم من ميله إلى إسعادها. لاحظت كارين إحساس هذا الغزل الجميل. # في هذه اللحظة، ترددت روزماري بشأن ما ينبغي عليها فعله، لكنها رأت أنه ليس عليها فعل شيء ~~الآن. كم هي شديدة الاهتمام بهيئتها؛ حبيسة ملابسها الوردية، وشعرها المرفوع لأعلى - كغزل ~~البنات - ورقة حديثها، وجاذبيتها الأنيقة. # قالها ديريك ذات مرة: «ثراء فاحش.» # خرجت آن من الحمام، وشعرها الرمادي الداكن المبلل مشدود للخلف، ووجهها متورد من ~~الاستحمام. ~~«كارين، ماذا تفعلين هنا؟» ~~«أشاهد شيئا.» ~~«ماذا تشاهدين؟» ~~«عصفورين متحابين.» # قالت آن وهي تنزل الدرج: «كفي يا كارين.» # سرعان ما تعالت صيحات مبتهجة من جهة الباب الأمامي (إنها لمناسبة خاصة) ومن جهة البهو: ~~«ما هذه الرائحة الطيبة؟» (روزماري) «بضعة عظام قديمة تطهوها آن.» (ديريك). # قالت روزماري وهي تتحرك بود وانفتاح نحو غرفة المعيشة: «وهذه ... جميلة.» وتقصد باقة من ~~الأوراق الخضراء ونباتات الخويفيرة وبعض زهور السوسن البرتقالية، المقطوفة في بداية موسمها، ~~التي وضعتها آن في إناء خزفي بجوار باب غرفة المعيشة للزينة. # قال ديريك: «إنها مجرد أعشاب قديمة أحضرتها آن إلى المنزل.» فقالت آن: «نعم، ظننتها ~~جميلة.» فكررت روزماري قولها السابق: «جميلة.» ~~••• # بعد الغداء، في المطعم، قالت روزماري إنها تريد إهداء كارين شيئا، ليس بمناسبة عيد ~~ميلادها أو رأس السنة، وإنما بغير مناسبة؛ هدية جميلة. # ذهبتا إلى متجر كبير، وكلما أبطأت كارين لتتفحص شيئا ما، سارعت روزماري وتحمست ~~واستعدت لشرائه. كانت مستعدة لشراء معطف مخملي ذي ياقة وأساور من الفراء، وحصان هزاز مطلي ~~بطلاء التحف، وفيل ms231 من نسيج البلش وردي اللون؛ حجمه ربع حجم الفيل الطبيعي. ولكي تنهي ~~كارين هذه الحيرة البائسة، انتقت حلية زهيدة الثمن؛ تمثالا لراقصة باليه واقفة فوق مرآة. ~~لم تكن راقصة الباليه تدور حول نفسها، ولم تنبعث موسيقى من الحلية تتراقص عليها، ولم يكن ~~هناك قط ما يبرر هذا الاختيار. المتوقع أن تفهم روزماري هذا؛ أن تفهم أن هذا الاختيار يدل ~~على أن كارين لا يمكن إسعادها بالهدية، وأنه ما من سبيل لتعويضها، وما من سبيل لنيل ~~تسامحها. لكنها لم تفهم هذا، أو بالأحرى اختارت ألا تفهمه، وقالت: «تعجبني الهدية، راقصة ~~رشيقة وستبدو جميلة على منضدة زينتك. حقا جميلة.» # إلا أن كارين دست الهدية في أحد الأدراج، وعندما وجدتها جريس، أوضحت لها كارين أن إحدى ~~صديقاتها في المدرسة أهدتها إياها، ولم تشأ هي أن تجرح صديقتها بأن تقول لها إنها ليست من ~~الأشياء التي تروق لها. # وقتها، ما كانت جريس معتادة على التعامل مع الأطفال بعد، وإلا لشككت في هذه ~~القصة. # فقالت: «أفهم ما تقولين. سوف أتبرع بها في مزاد المستشفى؛ لا أظن أنها قد تراها هناك. ~~وعلى كل حال، يصنع المئات منها، فلن تلاحظ أن هذه هي التي أهدتك إياها.» ~~••• # سمعت كارين من الطابق السفلي صوت مكعبات الثلج بينما يلقيها ديريك في المشروبات، وسمعت آن ~~تقول: «كارين في الجوار؛ أثق أنها ستظهر في أي لحظة.» # تحركت كارين بخفة، وصعدت ما تبقى من الدرج بخفة، ثم دلفت إلى غرفة آن. رأت على الفراش ~~ثيابا متراكمة، وأعلاها ثوب الزفاف بعد أن أعيد لفه في الملاءة للاحتفاظ به. فخلعت ~~سروالها القصير وقميصها وحذاءها، وبدأت محاولتها البائسة الصعبة لارتداء الثوب. لكن بدلا ~~من أن ترتديه من أعلى، قررت ارتداءه من أسفل، فأخذت ترفعه بصعوبة عبر تنورته المقطوعة وجزئه ~~العلوي من الدانتيل. ثم أدخلت ذراعيها في الكمين بحذر خشية أن تشق قماشه بأظفارها، مع ~~أنها كانت أقصر مما يسمح بوقوع هذا، ومع هذا توخت الحذر. جذبت أطراف الدانتيل على ~~الكمين فوق كفيها، ثم عقدت كل المشابك ms232 عند الخصر. كان أصعب ما في الأمر المشابك ~~الموجودة في الرقبة من الخلف؛ مما اضطرها إلى إحناء رأسها وكتفيها للأمام بغية الوصول إلى ~~المشابك وعقدها على نحو أسهل. لكن مع هذا حدثت كارثة؛ إذ تشقق الدانتيل قليلا تحت أحد ~~الإبطين. صدمها ما حدث، بل وأوقفها عن إكمال عقد المشابك للحظة. لكن بعدها فكرت أنها قطعت ~~شوطا كبيرا بما لا يسمح بالتراجع الآن؛ فأكملت عقد باقي المشابك دون أي مشاكل أخرى. عندما ~~تخلع الثوب، فلعلها تخيط ما تمزق منه، أو قد تكذب وتقول إنها لاحظت تمزقه قبل أن ترتدي ~~الثوب. وقد لا تراه آن على أي حال. # والآن وقت ارتداء الطرحة. عليها أن تكون في منتهى الحذر معها؛ لأن أي تمزق فيها سيظهر ~~واضحا. نفضتها ثم حاولت تثبيتها بإكليل زهور التفاح؛ بالضبط كما فعلت آن، لكنها لم تستطع ~~طي الإكليل كما ينبغي، أو تثبيته بالدبابيس الناعمة المراوغة؛ ولذا فكرت أنه من الأفضل أن ~~تثبت الطرحة بشريط أو حزام. فتحت خزانة آن باحثة عن شيء من هذا القبيل، وفيها رأت مشجبا ~~لربطات عنق تخص ديريك، مع أنها لم تره يوما يرتدي ربطة عنق. # التقطت من المشجب ربطة عنق مخططة، وربطتها حول جبهتها وعقدت الربطة عند مؤخرة رأسها ~~فثبتت الطرحة بإحكام. كانت أمام المرآة حينما فعلت ذلك، وحين انتهت، نظرت إلى نفسها ورأت ~~أنها أضافت على الثوب لمحة غجرية؛ لمحة أفقدت الثوب أناقته وإن كانت كوميدية. ثم طرأت على ~~ذهنها فكرة جعلتها تفك كل تلك المشابك - بمجهود شاق - ثم تحشو مقدمة الثوب عند الصدر ~~بملاءة ملفوفة بإحكام أخذتها من على فراش آن. أخذت تحشو وتحشو صدر الثوب المتهدل عليها، ~~الذي كان مصمما وفقا لمقاس صدر آن. هكذا أفضل، وسيثير ضحكهم أكثر، ولكنها لم تستطع بعد ~~ذلك أن تعقد جميع المشابك، فعقدت ما يكفي لتثبيت النهدين القماشيين في مكانهما، وكانت أشبه ~~بالمهرجين. واستطاعت أيضا أن تحكم تثبيت شريط زينة العنق. وحين انتهت كان العرق يتفصد ~~من جسدها كله. # لم تكن آن تتزين بأحمر شفاه ms233 أو أي مساحيق للعين، لكن ما يثير الدهشة أن كارين وجدت على ~~منضدة الزينة عبوة تحوي بودرة وجه متيبسة من القدم. بصقت كارين فيها ثم لطخت وجنتيها ~~بها. ~~••• # كان الباب الأمامي يقود إلى بهو يقع أسفل الدرج، وفي هذا البهو يوجد باب جانبي يؤدي إلى ~~شرفة من الزجاج من المفترض أن تسمح بامتصاص الحرارة من أشعة الشمس المنعكسة عليها، وباب آخر ~~(في ذات الجانب) يؤدي إلى غرفة المعيشة. وهناك أيضا باب يصل مباشرة بين الشرفة وغرفة ~~المعيشة، يقع عند نهاية الشرفة. قالت آن ذات مرة إن تصميم هذا البيت غريب، أو لعله لم يبن ~~وفق أي تصميم على الإطلاق، بل إن الغرف والمساحات تغيرت عما كان مخططا له أو تحددت وفقا ~~لأهواء الناس؛ فالشرفة الطويلة الضيقة المحاطة بالزجاج لم تكن مناسبة لامتصاص الحرارة من ~~أشعة الشمس؛ لأنها كانت تقع في جانب المنزل الشرقي، بل وكانت مظللة بمجموعة من شجيرات الحور ~~القطني سريعة النمو التي يصعب جزها شأنها شأن أشجار الحور القطني. وحين كانت آن طفلة، ~~كانت الشرفة تستخدم أساسا كمكان لحفظ التفاح، مع أنها أحبت هي وأختها ذاك الطريق غير ~~المباشر الذي يصل بين الأبواب الثلاثة، أما الآن، فهي تحب المساحة التي تتيحها هذه الشرفة ~~لتقديم العشاء خلال أيام الصيف. لكن وقتما تقام المائدة هناك، لا تكاد تكون هناك مساحة ~~كافية للسير بين المقاعد وجدران الشرفة الداخلية، غير أنه عندما يجلس الجميع على جانب واحد ~~من الشرفة وفي كل من طرفيها أمام النوافذ - وهكذا أقيمت المائدة هذه الليلة - يكون هناك ~~متسع لشخص نحيل - مثل كارين - كي يمر. # نزلت كارين إلى الطابق السفلي حافية القدمين، ولم يكن بمقدور أحد أن يراها من غرفة ~~المعيشة. كذلك فإنها اختارت ألا تدخل الغرفة من الباب المعتاد، وقررت دخول الشرفة والسير ~~بمحاذاة المائدة، وبعدها تطل عليهم - أو لنقل تفاجئهم - من الشرفة من حيث لا يتوقعون ~~مجيئها. # كانت الشرفة معتمة بالفعل قليلا؛ فقد أوقدت آن الشمعتين الطويلتين الصفراوين، ولم توقد ~~الشموع الصغيرة البيضاء المتراصة حولها. وكانت ms234 الشمعتان الصفراوان تنبعث منهما رائحة ~~الليمون، وهو ما كانت آن تعول عليه كي تبدد جو الغرفة الخانق، إلى جانب أنها فتحت النافذة ~~الموجودة عند أحد طرفي المائدة. وحتى في أقل الليالي نشاطا للرياح، أصبح يهب على الشرفة ~~نسيم من شجيرات الحور. # استخدمت كارين كلتا يديها كي ترفع التنورة بينما تسير بجوار المائدة؛ إذ اضطرت لرفعها ~~قليلا حتى تستطيع السير، ولم تكن تريد أن يصدر أي صوت من احتكاك قماش التفتة بالمائدة أو ~~الجدار. ونوت أن تشرع في غناء: «ها قد أتت العروس» وهي تطل من مدخل الباب: # ها قد أتت العروس # شقراء، سمينة، ضخمة # انظروا كيف تتمايل # من جانب إلى جانب ... # هب نسيم عليها - بل تيار هواء شديد - جعل طرحتها ترفرف للخلف، لكنها كانت ~~مثبتة برأسها بإحكام، ولم تخش كارين أنها قد تطير عن رأسها. # وبينما تستدير لدخول غرفة المعيشة، رفع الهواء الطرحة فاندفعت نحو لهب الشمعتين. ما إن ~~رآها الجالسون في الغرفة حتى لاحظوا النار التي تطاردها من الخلف. وقد شمت هي نفسها رائحة ~~احتراق الدانتيل بفعل اللهب، وكانت رائحته كريهة غريبة طغت على رائحة نخاع العظم المطهو على ~~العشاء. وسريعا ما شعرت كارين بسخونة لا تحتمل، وتعالى صراخها، وأخذت تثب على قدميها ~~ألما في عتمة الليل. # كانت روزماري أول من وصل إليها، فأخذت تضرب رأسها بوسادة لإطفاء النار. وهرعت آن إلى ~~الإناء الخزفي الموجود في البهو، وألقت كل ما به من ماء وزهور سوسن وأعشاب على طرحتها ~~وشعرها المشتعلين. أما ديريك، فقد انتزع السجادة من على أرضية الغرفة - مطيحا بما عليها من ~~مقاعد وطاولات ومشروبات - واستطاع أن يلف بها كارين بإحكام، وأن يخنق آخر ألسنة اللهب. ظلت ~~بعض شذرات الدانتيل مشتعلة عالقة بشعرها المبلل، وأحرقت روزماري أصابعها وهي ~~تنزعها. ~~••• # شوهت الحروق جلد كتفيها وأعلى ظهرها وأحد جانبي عنقها، بينما أبعدت ربطة عنق ديريك الطرحة ~~عن وجهها قليلا، فجنبتها الإصابة بآثار حروق واضحة. لكن عندما نما شعرها من جديد وصارت ~~تمشطه للأمام، لم يخف آثار كل ما حل بعنقها ms235 من تشوهات. # خضعت كارين لسلسلة من عمليات ترقيع الجلد، وبالفعل تحسن مظهرها. وعندما التحقت ~~بالجامعة، صارت قادرة على أن ترتدي ثوب سباحة. ~~••• # عندما فتحت عينيها للمرة الأولى في غرفتها بمستشفى بيلفيل، رأت أمامها جميع أنواع زهور ~~الربيع: البيضاء والصفراء والوردية والأرجوانية، حتى على عتبة النافذة. # قالت آن: «أليست جميلة تلك الزهور؟ لا يتوقفان عن إرسالها، مع أن ما أرسلاه في البداية لا ~~يزال يانعا، أو على الأقل لم يصل إلى مرحلة الذبول الشديد الذي يدفعنا لنتخلص منه. كلما ~~توقفا في محطة من محطات رحلتهما، أرسلا المزيد من الزهور. لا بد أنهما في كاب بريتون ~~الآن.» # قالت كارين: «هل بعت المزرعة؟» # نادتها روزماري: «كارين.» # أغمضت كارين عينيها وحاولت مرة أخرى استعادة وعيها. # قالت روزماري: «هل ظننت أنني آن؟ آن وديريك قد ذهبا في رحلة، كنت سأخبرك لتوي. لقد باعت ~~آن المزرعة أو أوشكت على بيعها على أي حال. كم هو غريب أن تفكري في ذلك!» # قالت كارين: «إنهما يقضيان شهر العسل.» وكانت تلك خدعة منها؛ لكي ترجع آن عن مزاحها إذا ~~كانت هي فعلا من حادثتها في البداية؛ لكي تجعلها تقول بتوبيخ: «أوه يا كارين.» # قالت روزماري: «ثوب الزفاف هو ما يجعلك تقولين هذا. إنهما بالفعل في رحلة يبحثان عن ~~المكان الذي يريدان العيش فيه في المرحلة المقبلة.» # إذن، فهي فعلا روزماري. وآن قد ذهبت في رحلة. آن ذهبت في رحلة مع ديريك. # قالت روزماري: «لا بد أن هذا شهر العسل الثاني. لا نسمع أبدا عن أن أحدا يقضي شهر العسل ~~الثالث، أليس كذلك؟ أو شهر العسل الثامن عشر؟» # الآن، كل شيء على ما يرام، كل في مكانه الصحيح. أحست كارين أنها هي التي فعلت كل هذا ~~بمجهود مضن. كانت تعرف أنها سوف تشعر بالرضا، وهي الآن تشعر به، لكن بدا لها كل هذا بلا ~~جدوى؛ وكأن آن وديريك - وربما روزماري - وراء صف من الشجيرات الكثيفة يتعذر عليها ~~اختراقه. # قالت روزماري: «لكنني موجودة هنا، طوال الوقت معك، لكنهم لا يتركونني ألمسك.» ms236 # قالت تلك الجملة الأخيرة بلهجة حسرة وأسى . ~~••• # ظلت تردد هذه الجملة بين الحين والآخر. ~~«أكثر شيء أتذكره هو أنني لم أستطع لمسك، وكنت أتساءل عما إذا كنت تتفهمين أم لا.» # ردت عليها كارين مؤكدة تفهمها. ما لم تعبأ بذكره هو أنها - في ذلك الحين - كانت ترى أن ~~حزن روزماري غير عقلاني؛ بدت روزماري كمن يشكو فشله في عبور قارة؛ لأن هذا هو ما شعرت كارين ~~بأنها تحولت إليه؛ تحولت إلى قارة وامضة شاسعة المساحة - كفيلة بأن توفر كل احتياجاتها - ~~تعلو أرضها ألما في بعض الأماكن، وتهبط مسطحة عندما يسكت عنها الألم، فتمتد لمسافات طويلة ~~مملة. وعلى مسافة بعيدة منها، على الطرف الآخر للقارة، تقف روزماري. كانت كارين قادرة متى ~~شاءت أن تختزل أمها إلى مجموعة من النقاط السوداء المزعجة، بينما هي نفسها - كارين - كان ~~يمكن أن تمتد وتنكمش في الوقت نفسه في منتصف منطقتها، فتصير كحبة خرز أو كخنفساء ~~صغيرة. # لقد خرجت من هذه الحالة بالطبع. عادت إلى نفسها، عادت إلى كارين. رآها الجميع تعود إلى ~~طبيعتها بالضبط كما كانت، فيما عدا بشرتها. لم يعرف أحد كيف تغيرت، وكم صار طبيعيا ~~بالنسبة إليها أن تصبح مستقلة عن الآخرين، مهذبة، ومعتمدة على نفسها بكل براعة. لم يعرف أحد ~~شيئا عن شعور الظفر المتزن الذي كان ينتابها في الأوقات التي تتأكد فيها من مدى استقلالها ~~عن الآخرين. # | قبل التغيير # عزيزي آر، شاهدت أنا وأبي مناظرة كينيدي ونيكسون؛ لقد اقتنى أبي منذ آخر مرة كنت فيها ~~هنا تليفزيونا. إنه جهاز ذو شاشة صغيرة وله هوائيان يشبهان أذني الأرنب. التليفزيون ~~موضوع أمام الخزانة في غرفة الطعام؛ ولهذا صار الوصول إلى الفضيات الفاخرة أو مفارش المائدة ~~في الخزانة أمرا عسيرا. لماذا يضعانه في غرفة الطعام حيث لا يوجد مقعد واحد مريح؟ لأنهما ~~ما عادا يتذكران أن لديهما غرفة معيشة في المنزل، أو لأن السيدة باري تحب مشاهدة التليفزيون ~~وقت العشاء. # هل تذكر هذه الغرفة؟ لا جديد فيها سوى التليفزيون. الستائر الثقيلة لا تزال موجودة على ms237 ~~كلا الجانبين - بلونها البيج ونقوش أوراق الشجر المرسومة عليها بلون النبيذ - والستائر ~~الشفافة بينها، وكذلك صورة السير جالاهاد يمتطي صهوة جواده، وصورة غزال جلينكو الأحمر كناية ~~عن المذبحة التي حدثت بها. أما خزانة حفظ الملفات القديمة التي أتى بها أبي من عيادته منذ ~~سنين عديدة، فما زلنا نبحث لها عن مكان؛ ولذا فقد ظلت في الغرفة كما هي دون حتى أن تسند ~~إلى الجدار. ولم تبرح ماكينة خياطة أمي محكمة الإغلاق مكانها (لم يشر أبي قط إلى أمي سوى ~~مرة واحدة حين قال «ماكينة خياطة أمك»)، وكذلك نفس صف النباتات - أو ما تبدو كنباتات - في ~~أصصها الفخارية أو العلب الصفيحية؛ كما هي ليست ~~يانعة ولا ميتة. # ها أنا قد عدت إلى البيت، ولم يتساءل أحد قط عن المدة التي غبت فيها عنه. لقد ملأت ~~سيارتي الميني كوبر بكل كتبي وأوراقي وملابسي وتوجهت بها إلى هنا من أوتاوا، واستغرقت ~~الرحلة يوما واحدا. هاتفت أبي لأخبره أنني انتهيت من أطروحتي (والحقيقة أنني تخليت عنها ~~ولكنني لم أعبأ أن أخبره بهذا) وفكرت في أنني أحتاج إلى راحة. # فقال لي: «راحة؟» وكأنه لم يسمع بشيء كهذا من قبل، ثم أكمل قائلا: «حسنا، ما دمت لا ~~تعانين من انهيار عصبي.» # قلت: «ماذا؟» # فرد علي: «انهيار عصبي.» قالها بصخب محذرا؛ فهذه الكلمة لا يزال يستخدمها لوصف نوبات ~~الفزع والقلق الحاد والاكتئاب والانهيار التي تصيب مرضاه، وحينها يطلب منهم على الأرجح أن ~~يتحلوا بالقوة والإيجابية في التعامل مع حالاتهم. # هذا ظلم. غالبا ما يصرفهم بعد أن يصف لهم حبوبا مهدئة ويقول لهم بعض العبارات الرقيقة ~~الجادة؛ إنه يستطيع أن يتعامل مع ضعف الآخرين أسهل بكثير من أن يتعامل مع ضعفي. # عندما وصلت إلى المنزل، لم ألق ترحيبا حافلا، ولم أشعر بأنه قلق علي. فقط أخذ ~~يدور حول سيارتي، ثم انزعج لما رآه وأخذ يتفحص الإطارات. # قال: «متفاجئ أنك فعلتها وحضرت.» # فكرت أن أقبله؛ ادعاء أكثر منه عاطفة جياشة، هذا ما أفعله الآن، لكن ما إن لامست ~~قدماي ms238 الأرض المفترشة بالحصى، حتى أدركت أنني لا أستطيع تقبيله. هنالك كانت السيدة بي ~~(باري) واقفة بين طريق السيارات المؤدي إلى المنزل وباب المطبخ، فذهبت وطوقتها بذراعي ~~واحتك أنفي بشعرها الأسود القصير المصفف على نحو غريب يشبه شعر المرأة الصينية، الذي يحيط ~~بوجهها الصغير الذابل. شممت رائحة سترتها المبطنة من الصوف المحبوك، ورائحة مواد التبييض ~~على مئزرها، وشعرت بملمس عظامها الرفيعة الناتئة الشائخة. طولها يصل بالكاد حتى ~~ترقوتي. # قلت في ارتباك: «إنه ليوم جميل، قيادة السيارة فيه كانت ممتعة.» وقد كان يوما جميلا ~~بالفعل، وكانت القيادة فيه ممتعة بالفعل؛ فلم تكن أوراق الأشجار قد ذبلت بعد، وإنما تغيرت ~~حوافها فقط إلى لون الصدأ، وبدت الحقول بعد حصادها ذهبية اللون مما تبقى من الزرع عليها. ~~إذن، لماذا تبدد جمال الطبيعة في حضور أبي وفي منطقته (ودعنا لا ننس أيضا أنه كان في ~~حضور السيدة باري وفي منطقتها)؟ لماذا يبدو ما قلته - أو تحدثت به بصدق وتلقائية - متوافقا ~~مع احتضاني للسيدة بي؟ ففي أحد الأمرين مبالغة، وفي الآخر زيف عاطفي. # عندما انتهت المناظرة، نهض أبي وأطفأ التليفزيون؛ لأنه لن يشاهد الإعلانات الدعائية إلا ~~في وجود السيدة بي، وحين تتكلم مادحة إياها قائلة إنها تريد أن ترى الطفل الجميل ذا الأسنان ~~الأمامية البارزة، أو تلك الدجاجة تطارد ذلك الشيء الذي لا تذكر اسمه (لم تكن تحاول أن تنطق ~~كلمة «نعامة» أو أنها لا تستطيع أن تتذكرها). وكل إعلان يمتعها يسمح بمشاهدته، حتى إعلان ~~رقائق الذرة الراقصة، وقد يقول هو: «الحقيقة أن فكرة الإعلان ذكية.» أعتقد أن هذا نوع من ~~التحذير لي. # ما رأيه في كينيدي ونيكسون؟ ~~«ما هما إلا مواطنان أمريكيان.» # حاولت أن أفتح المجال للمحادثة قليلا. ~~«ماذا تعنين؟» # عندما يسأله أحد عن موضوع يظن أنه لا داعي للحديث فيه - أو عندما يطلب منه أن يدخل في ~~نقاش عن أمر لا يحتاج إلى دليل إثبات - كان يلجأ إلى طريقته المعهودة في رفع شفته العليا من ~~جانب واحد في اشمئزاز مظهرا سنين كبيرتين ملطختين بآثار ms239 التبغ. # كرر: «ما هما إلا مواطنان أمريكيان .» وكأنني أنا من نطقت هذه العبارة في ~~البداية. # وهكذا جلسنا، بلا حديث وبلا صمت أيضا؛ لأنه - كما تتذكر ~~- يتنفس بصخب؛ وكأنه يتنفس فيما يبدو من أعماق ~~أزقة مبنية بالحجر تتصاعد منها أنفاسه خلال بوابات ذات صرير، تصدر صوتا ضعيفا يشبه ~~سقسقة الطائر الصغير ثم صوت قرقرة ماء؛ وكأن جهازا غير بشري انطفأ في صدره. أتخيله من ~~أنابيب بلاستيكية وفقاعات ملونة. لا يفترض بك أن تلاحظ أنفاسه، وسأعتادها عما قريب، لكنها ~~تطغى على أي غرفة يوجد فيها، شأنها شأن كرشه الكبير وساقيه الطويلتين وتعبير وجهه. ترى ما ~~هذا التعبير؟ يبدو كأنه حصل على قائمة من الأخطاء، بعضها قديم لم يطوه النسيان وبعضها ~~متوقع، وقد رسم على وجهه تعبيرا يقصد به إنذار المرء - صاحب الأخطاء - كم هو صبور على ~~الأخطاء التي يعلم المرء نفسه أنه ارتكبها، وأيضا على الأخطاء التي لا يراوده شك أنه سيقع ~~فيها. أظن أن كثيرا من الآباء والأجداد يتكلفون كثيرا من العناء كي تكون لهم هذه النظرة - ~~حتى أولئك الذين ليس لهم أي سلطة بعيدا عن بيوتهم، على عكسه - لكنه هو الوحيد الذي يتقنها ~~تماما وبشكل دائم. ~~••• # آر، لدي الكثير هنا لأفعله ولا وقت - كما يقولون - لفتور الهمة. حجرة الانتظار قد بليت ~~جدرانها من أثر الأجيال المتعاقبة من المرضى الذين كانوا يسندون بكراسيهم محتكين بها. أعداد ~~قديمة بالية من مجلة ريدرز دايجستس موضوعة على المنضدة. ملفات المرضى محفوظة في صناديق من ~~الكرتون وموضوعة أسفل سرير الفحص، وسلال القمامة - حالها أنكى وأمر - متآكلة من أعلى، ~~وكأن الفئران قرضتها. ولم يكن حال البيت أفضل؛ ففي حوض الغسيل بالطابق السفلي شقوق بنية ~~اللون رفيعة كالشعر، وفي المرحاض بقعة صدئة مزعجة. لا بد أنك قد لاحظت أنه أمر أحمق، لكن ~~أكثر ما أزعجني هو كل تلك الكوبونات والمطبوعات الدعائية. إنها داخل الأدراج أو تحت صحون ~~فناجين القهوة أو ملقاة هنا وهناك، مع أن العروض أو التخفيضات التي تعلن عنها قد انتهت منذ ~~أسابيع أو أشهر ms240 أو سنين عديدة مضت. # ليس الأمر أنهما ما عادا يتحكمان في زمام الأمور، أو أنهما كفا عن المحاولة؛ كل ما ~~في الأمر أن كل شيء صار معقدا. فقد صارا يرسلان ثيابهما إلى المغسلة، وهو تصرف سديد، بدلا ~~من أن تظل السيدة بي عاكفة على غسل الملابس بنفسها، لكن أبي لا يستطيع أن يتذكر الموعد ~~المحدد لإحضار الثياب، فيحدث تلك الجلبة الشائنة المعهودة لعدم وجود ما يكفي من الملابس. ~~والأدهى من ذلك أن السيدة بي تعتقد أن المغسلة تغشها، وتستغرق هذا الوقت الطويل في انتزاع ~~البطاقات من على ثيابهم ثم تثبيتها على ثياب غيرها أقل منها جودة؛ ولذلك لا تفتأ تتشاجر مع ~~عامل توصيل الثياب، متهمة إياه بأنه يتعمد أن يكون بيتهم هو آخر بيت يوصل إليه الملابس، ~~وهذا - على الأرجح - هو ما يفعله. # وكذلك تحتاج الأفاريز إلى تنظيف، وكان من المفترض أن ينظفها ابن أخت السيدة بي، لكنه أصيب ~~في ظهره؛ لذلك فإن ابنه سوف يأتي ليحل محله، لكن ابنه لديه مشاغل كثيرة متأخر في تنفيذها ... ~~وهكذا الحال باستمرار. # ينادي أبي ابن ابن أخيه باسم ابن أخيه؛ إنه يفعل هذا مع الجميع. ويسمي جميع محال ومتاجر ~~البلدة بأسماء مالكيها السابقين أو ربما من كانوا يملكونها قبلهم. يعدو هذا كونه مجرد إخفاق ~~بسيط في الذاكرة، فهو أقرب للغطرسة؛ إذ إنه يضع نفسه في مكانة من لا يحتاج لأن يصحح الأمور، ~~أو يلاحظ التغيرات، أو الأشخاص. # سألته أي الألوان أطلي به جدران حجرة الانتظار: أخضر فاتح أم أصفر فاتح؟ فسألني عمن ~~سيطليها. ~~«سأطليها بنفسي.» ~~«لم أعهدك يوما تجيدين الطلاء.» ~~«لقد طليت من قبل أماكن عشت فيها.» ~~«ربما ما تقولينه صحيح، لكنني لم أر مجهودك فيها. وماذا ستفعلين بمرضاي وأنت تطلين ~~الغرفة؟» ~~«سوف أطليها يوم الأحد.» ~~«لن يهتم بعضهم عند معرفة أن الجدران ستطلى.» ~~«هل تمزح؟ في هذه الأيام وفي هذا العصر الذي نعيش فيه؟» ~~«قد لا تكون الأيام والعصر اللذين في مخيلتك. ليس في هذا المكان.» # حينها قلت إنني أستطيع أن أقوم ms241 بهذه المهمة ليلا، فأجابني بأن الرائحة ستظل حتى اليوم ~~التالي وستصيب كثيرا من المرضى بالغثيان. وهكذا لم أستطع أن أفعل شيئا، في النهاية، سوى ~~أن أتخلص من أعداد مجلة ريدرز دايجستس، وأستبدل بها أعدادا من مجلات ماكلينز وشاتيلين ~~وتايم وساترداي نايت. ثم قال إن المرضى يشكون؛ إذ يفتقدون قراءة النكات التي يتذكرونها في ~~مجلة ريدرز دايجستس، وبعضهم لا يحب الكتاب الجدد من أمثال بيير بيرتون. # قلت وأنا عاجزة عن التصديق حتى إن صوتي ارتجف: «إنه لأمر سيئ.» # بعد ذلك، صببت تركيزي على خزانة حفظ الملفات الموجودة في غرفة الطعام؛ فقد ظننت أنها - ~~على الأرجح - مليئة بملفات المرضى الذين ماتوا منذ زمن بعيد، وأنني إذا ما استطعت التخلص من ~~هذه الملفات يمكنني حينها ملؤها بملفات أخرى من الصناديق، ثم أنقل الخزانة إلى العيادة؛ حيث ~~مكانها الأصلي. # وحين رأت السيدة بي ما أفعله، ذهبت لتحضر أبي دون أن تخاطبني بكلمة. # فقال: «من قال لك إنك تستطيعين العبث كما يحلو لك في هذا المكان؟ لم أقل هذا.» ~~••• # آر، في الأيام التي كنت فيها موجودا هنا، لم تكن السيدة بي في المنزل؛ إذ رحلت للاحتفال ~~بعيد الميلاد مع أسرتها (لديها زوج قضى نصف حياته مريضا بانتفاخ الرئة، ولم يكن لديها ~~أبناء، بل قطيع من أبناء وبنات الإخوة والأخوات، إلى جانب معارفها). لا أظن أنك رأيتها قط، ~~لكنها رأتك. بالأمس قالت لي: «أين ذلك السيد الذي كان من المفترض أن يعقد خطبته عليك؟» لقد ~~رأتني، بالطبع، لا أرتدي خاتمي. # قلت: «أتوقع أن يكون في تورونتو.» # في عيد الميلاد الماضي، كنت أزور ابنة أختي، فرأيناكما تمشيان بمحاذاة ماسورة المياه ~~الرئيسية، فقالت ابنة أختي: «أتساءل، يذهب كلاهما إلى أين؟» إنها تتحدث هكذا بالضبط، بهذا ~~الترتيب العجيب للكلمات، وكلامها لا يبدو طبيعيا إلا بعد أن أدونه. أعتقد أنها كانت ~~تقصد بحديثها أننا كنا متجهين إلى مكان ما لنقيم علاقة، لكن الحقيقة أننا لم نكن نفعل ذلك ~~في هذه الأيام - كما تتذكر - وكنا نتمشى لنبتعد عن المنزل. كلا، بل ms242 خرجنا من المنزل كي ~~نستكمل شجارنا الذي كان بوسعنا السيطرة عليه وكبحه فترة طويلة. # بدأت السيدة بي في العمل لدى أبي في ذات الوقت الذي بدأت فيه الدراسة تقريبا. وقبلها ~~جاءت أكثر من امرأة شابة للعمل لدينا، لكنهن رحلن الواحدة تلو الأخرى كي يتزوجن أو يعملن في ~~المصانع الحربية. عندما كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري، وحين كنت أذهب إلى بيوت بعض من ~~صديقاتي، قلت لأبي: «لماذا تتناول الخادمة الطعام معنا؟ الآخرون لا يسمحون للخدم بتناول ~~الطعام معهم.» # فقال: «عليك أن تنادي السيدة باري بلقب ~~السيدة باري، وإذا كنت لا تحبين أن تتناولي الطعام معها، فاذهبي وتناوليه في سقيفة تخزين ~~الحطب.» # بعدها اعتدت قضاء أوقات طويلة معها في محاولة دفعها للتحدث معي، لكنها في أغلب الأحوال ~~لم تكن تتجاوب، وحين كانت تتحدث كنت أسعد بحديثها أيما سعادة؛ إذ كنت أستمتع بتقليدها في ~~المدرسة. ~~(أنا) شعرك شديد السواد يا سيدة باري. ~~(السيدة بي) كل أفراد عائلتي سود الشعر، كلهم شعورهم سوداء لا تشيب أبدا. هذا الأمر ~~وراثي من طرف أمي؛ يظل شعرهم أسود حتى وهم في الأكفان. عندما مات جدي، أبقوه في المقبرة ~~طوال الشتاء دون دفن؛ لأن أرض المقبرة ظلت متجمدة طوال الشتاء، ثم جاء الربيع فهموا بأن ~~يواروه تحت الثرى لكن أحدهم قال: «لنلق عليه نظرة لنرى ما فعل به الشتاء.» لذا، فقد جعلنا ~~أحدهم يرفع غطاء النعش، فوجدنا جثمانه بخير حال. وجهه لم يسود أو ينحل، ولم يصبه أي سوء، ~~وشعره كان أسود. أسود. # كنت أستطيع كذلك أن أقلد ضحكاتها القصيرة التي تضحكها، ضحكات قصيرة مقتضبة كالنباح، ليس ~~الغرض منها التعليق على أمر طريف، بل تستخدمها كنوع من أنواع علامات الترقيم ~~الصوتية. # لكن قرابة الوقت الذي عرفتك فيه، كنت قد ~~سئمت من فرط تقليدي لها. # بعد أن أخبرتني السيدة بي تلك المعلومات عن شعرها، قابلتها في أحد الأيام خارجة من دورة ~~المياه الموجود في الطابق العلوي. كانت تهرول كي تجيب الهاتف، ذلك الهاتف الذي كنت ممنوعة ~~من ms243 الرد عليه. كان شعرها ملفوفا في منشفة لأعلى، وعلى جانب وجهها تتقاطر قطرات مياه غامقة، ~~لونها يميل إلى الأرجواني، حتى إنني ظننتها تنزف. # وكأن دمها غريب مختلف عن دم الناس، قاتم من الخبث الذي يبدو متأصلا في طبعها في بعض ~~الأحيان. # فقلت لها: «رأسك ينزف.» وردت علي: «أفسحي الطريق.» ثم أسرعت لترد على الهاتف. ذهبت ~~إلى دورة المياه، فوجدت بقعا أرجوانية في الحوض وصبغة الشعر على الرف. لم نتبادل كلمة عن ~~هذا الموضوع، واستمرت في حديثها عن احتفاظ أفراد عائلة أمها بسواد شعرهم إلى أن يوضعوا في ~~أكفانهم، وأنها ستكون مثلهم. ~~••• # في تلك الأعوام، كان أبي يستخدم طريقة غريبة في التعامل معي ومحادثتي؛ كان أحيانا يمر ~~بالغرفة التي أجلس فيها، فيقول متظاهرا بأنه لم يرني: # أكبر عيوب هنري كينج # أنه يلوك قطعا صغيرة من الخيط ... # وأحيانا كان يخاطبني بصوت مسرحي خفيض: «مرحبا أيتها الفتاة الصغيرة، أتريدين قطعة من ~~الحلوى؟» # فكنت أرد بصوت طفلة صغيرة تتدلل: «نعم يا سيدي.» # فيرد مطيلا بعض الحروف: «حسنا، لن تنالي أي حلوى.» # كان يقول: ~~«سولومون جراندي، ولد يوم الإثنين ...» # ثم يشير لي بإصبعه كي أكمل الأغنية: ~~«عمد الثلاثاء ...» ~~«تزوج الأربعاء ...» ~~«مرض الخميس ...» ~~«ساءت حالته الجمعة ...» ~~«مات السبت ...» ~~«ودفن الأحد ...» # ثم نردد معا بصوت كأنه الرعد: «وهذه كانت نهاية سولومون جراندي.» # وحين ننتهي من هذه الأغنية، لا يعلق أحد أو يقول أي شيء. حاولت أن أناديه سولومون ~~جراندي على سبيل المزاح، لكنه بعد المرة الرابعة أو الخامسة قال لي: «كفاك، هذا ليس اسمي، ~~أنا أبوك.» # ومن بعدها، لم نغن هذه الأغنية معا مرة أخرى. # عندما قابلتك في الجامعة لأول مرة - وكنت وحيدا مثلي - بدوت كأنك تذكرتني، لكنك لم تقرر ~~أن تقولها لي؛ حينها كنت قد انتهيت لتوك من تدريسنا تلك المحاضرة الوحيدة، حالا محل ~~محاضرنا الأساسي الذي كان مريضا، وكانت المحاضرة عن الإيجابية المنطقية، وحينها تندرت ~~بشأن إحضار أستاذ من كلية اللاهوت كي يدرس مثل هذه المادة. # بدوت مترددا في إلقاء التحية علي؛ لذا قلت لك: ms244 «ملك فرنسا السابق أصلع.» # كان هذا هو المثال الذي ذكرته لنا على عبارة ليس لها أي معنى؛ لأن موضوعها لا وجود له. ~~لكنك رمقتني بنظرة اندهاش وحرج، وسرعان ما أخفيتها بابتسامة عملية. ماذا ظننت بي؟ # فتاة ذكية مزعجة. ~~••• # آر. ما زال بطني منتفخا قليلا. ليس عليه أي علامات، لكنني أستطيع أن أقبض على اللحم ~~الزائد بيدي. فيما عدا هذا، كل شيء على ما يرام. عاد وزني إلى وضعه الطبيعي أو أقل منه ~~بقليل، لكن مع هذا أعتقد أنني أبدو أكبر من سني، أعتقد أنني أبدو أكبر من فتاة في الرابعة ~~والعشرين. ما زال شعري طويلا غير مصفف على الطريقة العصرية، بل هو في الواقع فوضوي المظهر. ~~هل تركته كذلك لأجل ذكراك؛ لأنك لم تكن تحب أن أقصه؟ لا أدري. # على كل، فقد بدأت أمشي مسافات طويلة حول البلدة على سبيل التريض. اعتدت في طفولتي أن ~~أذهب في الصيف إلى أي مكان أريده. لم تقيدني أي قواعد، ولم أفكر في مراعاة الفروق الطبقية ~~بين الناس. ربما كان هذا لأنني لم أرتد أي مدرسة في هذه البلدة، أو لأن منزلنا يقع خارج ~~البلدة في آخر الزقاق الطويل. خالجني إحساس بعدم الانتماء بينما ذهبت إلى إسطبلات الخيول ~~المجاورة لمضمار سباق الخيول؛ حيث كان الرجال هناك إما مالكي خيول أو مدربين مستأجرين، أما ~~بقية الأطفال الآخرين فكلهم كانوا صبية. لم أعرف أيا من أسمائهم، لكنهم جميعا كانوا ~~يعرفون اسمي. بعبارة أخرى، كانوا مضطرين لأن يتحملوني لأجل أبي. سمح لنا بأن نضع الطعام ~~والسماد خلف الخيل، وكنا نرى في هذا ضربا من المغامرة. ارتديت إحدى قبعات الجولف القديمة ~~الخاصة بأبي، وسروالا قصيرا واسعا. كنا نصعد إلى السطح فيتصارعون ويدفع أحدهم الآخر، لكن ~~لم يقترب مني أحد منهم. وبين الفينة والأخرى، ينهرنا الرجال طالبين منا أن نغرب عن وجوههم، ~~وكانوا يقولون لي: «أيعرف أبوك أنك هنا؟» ثم يشرع الصبية يتمازحون بأصوات كأنهم يتقيئون، ~~وكنت أعرف أنهم يسخرون مني بهذه الأصوات؛ لهذا كففت عن الذهاب إلى هناك. ms245 تخليت عن فكرة كوني ~~فتاة الغرب الذهبي . ذهبت إلى المرسى وأخذت أنظر إلى القوارب التي تعبر البحيرة، لكنني لا ~~أعتقد أنني بالغت وحلمت بأن أصبح عاملة على قارب. كذلك فإنني لم أخدعهم ليظنوا أنني أكثر من ~~مجرد فتاة. ذات مرة، مال نحوي رجل وصاح قائلا: ~~«مرحبا، هل نما عليه شعر أم ليس بعد؟» # قلت: «معذرة؟» لم أشعر بالخوف أو الإهانة قدر شعوري بالارتباك من اهتمام رجل بالغ يعمل ~~عملا مسئولا بشعيرات تنمو بين فخذي، ومن اشمئزازه منها كما أوحى لي صوته بكل ~~تأكيد. # تهدمت إسطبلات الخيل الآن، ولم يعد الطريق المؤدي إلى الميناء منحدرا كما كان، وصارت ~~هناك صومعة حبوب جديدة تعمل بالآلات، وتقسيمات جديدة لضواح شبيهة جدا بضواحي البلدات ~~الأخرى؛ ولهذا أحبها الجميع. ولم يعد هناك من يسير على قدميه في الطرقات الآن؛ فالكل ~~يقود السيارات. أيضا تخلو طرقات الضواحي الجديدة من أرصفة للمشاة، والأرصفة الموجودة في ~~الشوارع القديمة لم يعد يسير عليها أحد؛ لأنها مصدعة وغير مستوية بفعل الثلج، بل ومختفية ~~تحت العشب والتراب. انطمر الطريق الطويل غير الممهد الذي تظلله أشجار الصنوبر بطول زقاقنا ~~تحت أكوام من أعواد الصنوبر والشجيرات البرية وسيقان توت العليق البري. على مدى عشرات ~~السنين، كان الناس يسيرون على هذا الطريق ذاهبين إلى الطبيب بعد أن يخرجوا من البلدة سائرين ~~على امتداد قصير لرصيف المشاة على الطريق السريع (لم يكن هنالك امتداد آخر سوى ذاك الذي ~~يؤدي إلى المقابر)، ثم يسيرون بين صفي أشجار الصنوبر في ذاك الجانب من الزقاق. كل هذا ~~لرؤية طبيب يسكن هذا المنزل منذ أواخر القرن الفائت. # طوال فترة ما بعد الظهيرة، كان يرتاد ~~العيادة جميع أنواع المرضى الصاخبين المثيرين للازدراء؛ أطفالا وأمهات وعجائز، أما المرضى ~~الهادئون فكانوا يأتون فرادى في المساء. اعتدت وقتها أن أختبئ بجوار شجرة كمثرى محاطة ~~بمجموعة من شجيرات الليلك لأتلصص عليهم؛ لأن الفتيات الصغيرات يحببن التلصص. اختفت شجيرات ~~الليلك الآن، اجتثت لتسهيل عمل ابن بنت أخت السيدة بي في جز الأعشاب بجزازة العشب ~~الكهربائية. ms246 كنت أتلصص على السيدات اللائي كن يتأنقن ، وقتها، لزيارة الطبيب. أتذكر طراز ~~الملابس السائد في تلك الفترة؛ الفترة التي تلت الحرب مباشرة: التنورات الطويلة والأحزمة ~~المربوطة بإحكام والبلوزات الأنيقة - وأحيانا كن يرتدين قفازات قصيرة بيضاء، حيث كانت ~~النساء في ذاك الزمان يرتدين القفازات في الصيف أيضا، ولا يقتصر ارتداؤها على الكنيسة فقط، ~~وكذلك القبعات لم تكن ترتدى في الكنيسة فقط - قبعات الباستيل المصنوعة من القش التي كانت ~~تحدد الوجه، والثياب الصيفية ذات الأهداب البسيطة، من أعلى عند الكتفين في شكل حرملة ~~صغيرة، ومن أسفل حزام يبدو كشريط يلف الخاصرة. وكانت الحرملة ترفرف مع الريح، فترفع السيدة ~~يدها في قفازها المشغول بالكروشيه لتشيح الحرملة عن وجهها؛ وكانت هذه الحركة رمزا لجمال ~~أنثوي يصعب الوصول إليه؛ لحظة تلاقي نسيج الثوب الرقيق بالشفاه الناعمة. ربما كان شعوري هذا ~~نتيجة عدم وجود أم في حياتي، لكنني لم أعرف أحدا له أم تشبه هؤلاء السيدات. كنت أجلس ~~القرفصاء تحت الشجيرات آكل ثمار الكمثرى الصفراء المنقطة وأتطلع غزلا في هؤلاء ~~السيدات. # كانت إحدى معلماتنا في المدرسة تجعلنا نقرأ ~~أناشيد قديمة مثل: «باتريك سبنس» و«الغرابان»، وكان في المدرسة إقبال على تأليف ~~الأناشيد: # أسير في الردهة # لأقابل صديقتي # ذاهبة إلى دورة المياه # لأقضي حاجتي ... # كانت كلمات الأناشيد تتسارع في ذهني متراصة في قوافيها قبل أن أجد فرصة كي أعرف ~~معانيها؛ لهذا كنت أؤلفها وفمي مملوء بالكمثرى الناضجة: # مشت وقطعت طريقا طويلا # تركت المدينة وراءها # تركت بيتها وغضب أبيها # ذهبت تلاقي مصيرها ... # لكن عندما كانت الدبابير تضايقني أعود إلى المنزل، لأجد السيدة باري في ~~المطبخ؛ تدخن السيجار وتستمع إلى الراديو إلى أن يناديها أبي. كانت تظل حتى ينصرف آخر مريض ~~وتتأكد من ترتيب المكان. وإذا ما صاح بها أحد من العيادة، تضحك ضحكتها الصغيرة الشبيهة ~~بالنباح، وتقول: «صح كما يحلو لك.» لم أكن أعبأ بأن أصف لها ثياب النسوة اللاتي رأيتهن أو ~~مظهرهن العام؛ لأنني كنت أعرف أنها لا يمكن أن تعجب بأي أحد لجمال شكله أو أناقة ثيابه. ms247 ~~وما كانت تعجب أيضا بقدرتهن ومعرفتهن بشيء غير ضروري، كإتقان لغة أجنبية ما، لكنها كانت ~~تعجب فقط باللاتي يجدن لعب الورق ويتقن وبسرعة صناعة المشغولات بالكروشيه. وكانت ترى أنه ~~لا توجد فائدة من كثير من الناس. كذلك قال أبي أيضا. لا فائدة منهم. جعلني هذا أريد أن ~~أتساءل: ماذا إذا كانت هناك فائدة منهم؟ فما ~~عساها تكون؟ لكنني كنت أعرف أن أيا منهما لن يجيبني، بل وسيطلبان مني أن أكف عن ~~التذاكي: # أتى عمه إلى فريدريك هايد # يترنح مخمورا في الوحل # أخذ يهزه من جنب إلى جنب # آلمه كثيرا من الضرب ... # إذا ما قررت أن أبعث بكل هذا إليك، فما الوجهة التي أرسل إليها؟ عندما أفكر ~~في كتابة العنوان كاملا على مظروف الخطاب، أعجز ولا أفعل شيئا. كم هو مؤلم أن أفكر أنك ~~موجود في ذات المكان وحياتك تسير بشكل طبيعي بدوني! والأسوأ أن أفكر أنك غير موجود وأنك في ~~مكان آخر أجهله! ~~••• # عزيزي آر، عزيزي روبين، كيف تظن أنني لم أعرف؟ لقد كان الأمر واضحا أمامي طوال الوقت. لو ~~التحقت بالمدرسة هنا، لعرفت بلا شك. لو كان لدي أصدقاء، لأخبرتني قطعا إحدى الفتيات ~~الأكبر مني سنا في المدرسة الثانوية. # رغم ذلك، كان لدي سعة من الوقت خلال العطلات، ولو لم أكن منغلقة إلى هذه الدرجة على نفسي ~~أتسكع في طرقات البلدة أؤلف الأناشيد، لخمنت الأمر بنفسي. والآن حين أفكر في الأمر، أدرك ~~أن بعض هؤلاء المريضات المسائيات؛ هؤلاء السيدات، كن يأتين على متن قطار. لقد ربطت بينهن ~~وملابسهن الجميلة بالقطار المسائي. كان هناك قطار يغادر في ساعة متأخرة من الليل لا بد أنهن ~~كن يغادرن فيه. وبالطبع، كان من السهل عليهن أن يأتين بسيارة تقلهن حتى نهاية ~~زقاقنا. # علمت - من السيدة بي، على ما أظن، وليس منه - أنهن كن يأتين لأبي ليحصلن على حقن ~~الفيتامينات. عرفت هذا لأنني كنت كلما سمعت صوت امرأة تصيح أفكر أنها الآن تأخذ الحقنة، ~~وكنت أندهش قليلا من أن هؤلاء النساء الراقيات الرزينات غير ms248 قادرات على تحمل وخزات ~~الإبر. # وحتى الآن، استغرق الأمر مني أسابيع عديدة كي أعتاد النظام الذي تسير به الأمور في هذا ~~البيت، إلى درجة أنني صرت لا أجرؤ على أن ألتقط فرشاة دهان، وأتردد قبل أن أعدل وضع درج غير ~~مستو أو أتخلص من إيصال مشتريات بقالة قديم دون أن أستأذن السيدة بي (التي لا تستطيع أبدا ~~أن تقرر ما تفعل)، إلى درجة أنني توقفت عن محاولة إقناعهما بأن يقبلا القهوة المغلية (إنهما ~~يفضلان القهوة سريعة التحضير؛ لأن لها نفس المذاق). # اليوم، الأحد، على طاولة الغداء وضع أبي شيكا بجانب طبقي. السيدة باري لا توجد هنا أبدا ~~أيام الآحاد. نتناول في هذا اليوم غداء باردا أعده بنفسي من شرائح اللحم والخبز ~~والطماطم والمخللات والجبن، وذلك عندما يعود أبي من الكنيسة. لم يطلب مني قط الذهاب معه إلى ~~الكنيسة، لعله يظن أنه إذا طلب مني ذلك، فسيتيح لي بذلك فرصة الإعراب عن بعض الآراء التي لا ~~يهتم بسماعها. # كان الشيك بمبلغ خمسة آلاف دولار. # وقال لي: «هذا لك كي يكون لديك بعض المال. يمكنك وضعه في البنك أو استثماره كيفما ~~تشائين. فلتتعرفي على الأسعار؛ إنني لا أتابع هذا الأمر. وستحصلين، بالطبع، على المنزل ~~أيضا؛ بعد عمر طويل، كما يقولون.» # رشوة؟ هذا ما ظننته. مال كي أبدأ مشروعا صغيرا أو أذهب في رحلة ما. مال أدفعه مقدما ~~لمنزل صغير يكون ملكا لي أو أعود إلى الجامعة للحصول على ما أطلق عليه درجاتي الجامعية ~~غير القابلة للبيع والشراء. # خمسة آلاف دولار للتخلص مني. # شكرته، ولإطالة الحديث معه بشكل أو بآخر سألته عما فعله بأمواله؛ فأجابني أنه لم يفعل ~~شيئا جديرا بالذكر. # واستطرد قائلا: «عليك بسؤال بيلي ~~سنايدر، إذا كنت تبغين النصح.» ثم تذكر أن بيلي سنايدر لم يعد يعمل في مجال المحاسبة؛ ~~فقد تقاعد عن العمل. # فقال لي: «ثمة شخص مستجد يحمل اسما غريبا؛ اسما مثل يبسلانتي، لكنه ليس ~~يبسلانتي.» # فقلت له: «يبسلانتي اسم مدينة في ميشيجان.» # ورد أبي: «نعم، إنه اسم مدينة ms249 في ميشيجان، لكنه كان اسما لرجل قبل أن يكون اسما ~~لمدينة.» يبدو أنه كان اسما لقائد إغريقي حارب ضد الأتراك في مطلع القرن التاسع ~~عشر. # قلت له: «نعم، تذكرت الآن ... حرب بايرون.» # فقال أبي متعجبا: «حرب بايرون؟ لماذا تطلقين عليها هذا الاسم؟ بايرون لم يخض أي حروب، ~~ولقي حتفه جراء الإصابة بمرض التيفوس، وبعد أن توفي، جعلوا منه بطلا مغوارا، وقالوا إنه ~~توفي أثناء دفاعه عن الإغريق وما إلى ذلك.» قال أبي ذلك على نحو مشاكس عنيف، كما لو كنت أحد ~~المسئولين عن هذا الخطأ وهذه الضجة المثارة حول بايرون، لكنه استعاد هدوءه فيما بعد، وقص ~~علي - أو بالأحرى ذكر نفسه - مراحل الحرب ضد الإمبراطورية العثمانية؛ فتحدث عن الباب ~~العالي، وأردت أن أخبره بأنني لم أكن على يقين قط مما إذا كان هذا الباب بابا فعليا أم ~~أنه يرمز إلى القسطنطينية أو بلاط السلطان؟ لكن من الأفضل دائما عدم مقاطعة أبي أثناء ~~تحدثه؛ فعندما يبدأ في التحدث بهذا الشكل، يسود نوع من الهدنة أو فرصة لالتقاط الأنفاس في ~~حرب سرية غير معلنة بيننا. كنت أجلس في مواجهة النافذة، وتمكنت من رؤية أكوام أوراق الشجر ~~الصفراء المائلة للون البني - متناثرة على الأرض - عبر الستائر الشفافة في ضوء الشمس الساطع ~~(لعلنا لن نشهد مثل هذا اليوم لفترة طويلة؛ إذ لا يبشر بذلك صوت الرياح الذي سمعناه في تلك ~~الليلة)، وذكرني ذلك بارتياحي وسعادتي السرية التي كنت أشعر بها في طفولتي كلما تمكنت من ~~جعله يستطرد في الحديث على هذا النحو بطرحي سؤالا ما عليه أو عن طريق الصدفة كهذه ~~المرة. # ومن الأمثلة على ذلك حديثه عن الزلازل؛ فهي تحدث في الحواف البركانية، لكن أحد أعتى هذه ~~الزلازل حدث في وسط القارة، بمقاطعة نيو مدريد في ولاية ميزوري عام 1811. عرفت ذلك منه، ~~وكذلك معلومات عن الأودية المتصدعة، وحالة عدم استقرار التربة التي لا توجد أي دلالات ~~عليها، والكهوف التي تتشكل داخل حجر الجير، والمياه الجوفية، والجبال التي تتآكل بمرور ~~الوقت وتتحول إلى حطام. ms250 # وهناك أيضا الأرقام؛ فقد سألته ذات مرة عن الأرقام، وقال لي إنها تعرف بالأرقام ~~العربية، وما من أحد يجهل ذلك. وأضاف أن الإغريق كان بإمكانهم تطوير نظام جيد للأرقام، ~~لكنهم لم يتوصلوا إلى مفهوم الصفر. ~~«مفهوم الصفر» عبارة احتفظت بها في ذاكرتي لأعود إليها يوما ما فيما بعد. # لا شك أنه عند وجود السيدة بي معنا، لا يكون هناك أي أمل في الحصول على مثل هذه المعلومات ~~من أبي. # فكان يقول لي في هذه الأوقات: «لا عليك، فلتكملي طعامك.» # كان يفعل ذلك وكأن أي سؤال أطرحه له مغزى خفي، وأظن أن هذا هو ما كان عليه الحال بالفعل. ~~فقد كنت أحاول توجيه دفة المحادثة بيننا، ولم يكن من اللياقة عدم إشراك السيدة بي في ~~الحديث؛ ومن ثم، كان علينا الإذعان لموقفها تجاه أسباب الزلازل أو تاريخ الأرقام (الموقف ~~الذي لم يقتصر على عدم الاكتراث فحسب، بل أيضا الازدراء)؛ ليكون لهذا الموقف الغلبة في ~~النهاية. ~~••• # وبذلك، نعود للحديث عن السيدة بي مجددا؛ السيدة بي في الوقت الحالي. # وصلت إلى المنزل الليلة الماضية الساعة العاشرة مساء. كنت في اجتماع الجمعية التاريخية، ~~أو بالأحرى اجتماع لمحاولة تأسيس هذه الجمعية وتنظيمها. حضر الاجتماع تلك الليلة خمسة ~~أشخاص، من بينهم اثنان يسيران على عكازين. وعندما فتحت باب المطبخ، رأيت السيدة بي في مدخل ~~الباب المؤدي إلى الرواق الخلفي الذي يصل بين العيادة من ناحية ودورة المياه والجزء الأمامي ~~من المنزل من ناحية أخرى. كانت تحمل إناء كبيرا مغطى في يديها في طريقها إلى دورة ~~المياه، وكان بوسعها المضي قدما باجتياز المطبخ الذي دخلت إليه في تلك اللحظة. وما كنت ~~لألمحها إن فعلت، لكنها توقفت متسمرة في مكانها فجأة، واستدارت ناحيتي قليلا، وقد ارتسم ~~على وجهها عبوس؛ لأنها فوجئت برؤيتي. # لقد أوقعت بها. # هرولت، بعد ذلك، مسرعة إلى دورة المياه. # اتسمت كل تصرفاتها بالافتعال والتصنع؛ المفاجأة والإجفال والإسراع في الخطى، بل ~~والطريقة التي حملت بها أيضا الإناء كي أتمكن من ملاحظته؛ كلها تصرفات متعمدة من ~~جانبها. ms251 # كان بإمكاني سماع صوت همهمة أبي في العيادة، متحدثا إلى أحد المرضى. رأيت أنوار العيادة ~~مضاءة أثناء دخولي المنزل، ورأيت سيارة المريضة بالخارج؛ فلم يعد أحد يسير على قدميه ~~الآن. # خلعت معطفي، وصعدت إلى الطابق العلوي. كان شغلي الشاغل آنذاك هو عدم السماح للسيدة بي ~~بتحقيق ما تبغيه. ما من أسئلة، أو إدراك صادم، ما من «ما الذي تحملينه في هذا الإناء يا ~~سيدة بي؟» أو «ما الذي تدبرانه أنت وأبي؟» (لم أكن أدعوه «أبي» قط)، وانشغلت على الفور ~~بالبحث في أحد صناديق الكتب التي لم أفرغها بعد. كنت أبحث عن مذكرات آنا جيمسون؛ إذ كنت قد ~~وعدت أحد الذين حضروا الاجتماع، والذي لم يكن عمره يتجاوز السبعين عاما، بإحضارها له. هو ~~يعمل مصورا ويعلم بعض الأمور عن تاريخ كندا العليا؛ وكان يراد أن يصبح مدرس تاريخ، لكنه ~~يعاني من لعثمة منعته من ذلك. أخبرني بذلك في نصف الساعة التي وقفنا فيها على الرصيف نتبادل ~~أطراف الحديث، بدلا من اتخاذ خطوة أكثر جدية بالذهاب إلى مكان ما لاحتساء القهوة. وعند ~~توديع أحدنا الآخر، أخبرني بأنه ود لو دعاني لاحتساء القهوة، لكنه يجب عليه العودة إلى ~~المنزل ليحل محل زوجته في رعاية طفلهما الذي يعاني من المغص. # أفرغت صندوق الكتب بالكامل قبل أن أصل إلى ما أريد؛ كان الأمر أشبه بالبحث عن آثار من ~~عصر قديم. أخذت أبحث فيها جميعا إلى أن رحلت المريضة واصطحب أبي السيدة بي إلى منزلها، ~~وصعد إلى الطابق العلوي؛ استخدم دورة المياه، وخلد إلى النوم. أخذت أقرأ قليلا حتى أصابني ~~النعاس، وكدت أغفو على الأرض. ~~••• # واليوم، أثناء تناولنا الغداء، قال أبي أخيرا: «من يبالي بالأتراك على أي حال؟ صاروا ~~نسيا منسيا.» # ولزم علي القول: «أعتقد أنني أعلم بما يدور هنا.» # فعاد برأسه إلى الوراء، ونخر كالحصان العجوز. ~~«تعلمين، أليس كذلك؟ ما الذي تظنين أنك على علم به؟» # فقلت له: «إنني لا أدينك بشيء. لست أمانع.» ~~«أهكذا إذن؟» # فقلت: «إنني أومن بالإجهاض، وبأنه يجب أن يكون قانونيا.» ms252 # فقال لي: «لا أريد سماع هذه الكلمة منك مرة أخرى في هذا المنزل.» # فسألته: «ولم؟» ~~«لأنني من يقرر ما يقال في هذا المنزل.» ~~«أنت لا تفهم ما أقوله.» ~~«ما أفهمه أنك صرت وقحة، وفقدت ما لديك من عقل. تعليم كثير، وعقل صغير.» # لكنني لم أصمت، وقلت له: «ينبغي أن يعلم الناس.» ~~«حقا؟ ثمة فارق بين المعرفة والثرثرة. ضعي هذا الكلام في ذهنك، ولا تتحدثي في هذا ~~الموضوع مجددا أبدا.» ~~••• # لم نتحدث مجددا طوال ما تبقى من ذلك اليوم. طهوت لحما مشويا كالمعتاد على العشاء، ~~وتناولناه دون أن ينبس أي منا ببنت شفة. لا أظن أنه وجد صعوبة في ذلك على الإطلاق، وكذلك ~~أنا؛ لأن كل شيء بدا غبيا ومهينا، وكنت أشعر بالغضب، لكنني لن أظل على هذا الحال إلى ~~الأبد، وربما أعتذر عما بدر مني (قد لا يدهشك سماع ذلك). صار من الجلي للغاية أنه قد حان ~~موعد مغادرتي المنزل. # أخبرني الرجل الذي قابلته ليلة أمس أنه عندما يشعر بالراحة والسكينة، تختفي لعثمته ~~تماما، مثلما كان الحال وهو يتحدث معي، حسبما قال. يمكنني على الأرجح إيقاعه في غرامي، إلى ~~حد ما. يمكنني فعل ذلك بغية الترفيه؛ فتلك هي نوعية الحياة التي يمكنني الحصول عليها ~~هنا. ~~••• # عزيزي آر، لم أغادر المنزل لأن سيارتي الميني كوبر لم تكن في حالة تسمح بأن تقلني، ~~فأرسلتها للفحص. هذا فضلا عن أن الطقس قد تغير، وصارت الرياح عاتية كعادتها في فصل ~~الخريف؛ تثير مياه البحيرة، وتضرب الشاطئ بقوة؛ فأصابت السيدة باري على درجات سلم منزلها ~~الأمامية، وعصفت بها على الرصيف، فكسر مرفقها؛ مرفقها الأيسر. بيد أنها قالت إن بوسعها ~~العمل باستخدام ذراعها اليمنى، لكن أبي أخبرها بأن الكسر مضاعف، وينبغي عليها الراحة طوال ~~هذا الشهر. وسألني عما إذا كان لدي مانع في تأجيل مغادرتي للمنزل. كانت هذه كلماته بالضبط ~~«تأجيل مغادرتي». لم يسألني عن المكان الذي أخطط للذهاب إليه؛ كان يعلم فقط بأمر ~~السيارة. # أنا أيضا كنت أجهل المكان الذي سأذهب إليه. # فوافقت على البقاء ms253 ما دام لي نفع في المكان ؛ ومن ثم، صار هناك احترام بيننا في الحديث؛ ~~وقد كان في الواقع أمرا مريحا. حاولت فعل ما كانت ستفعله السيدة بي في المنزل. تخليت عن ~~أي محاولة لإعادة التنظيم، أو التحدث عن إجراء الإصلاحات (كانت الأفاريز قد نظفت بالفعل؛ ~~عندما جاء قريب السيدة بي، شعرت بالذهول والامتنان)، وتمكنت من إغلاق باب الفرن مثلما ~~كانت تفعل السيدة بي بوضع كتابين ثقيلين - عن مجال الطب - على كرسي بدون مساند ودفعه قبالة ~~الفرن لإبقاء الباب مغلقا. طهوت اللحم والخضراوات كما تفعل، ولم أفكر قط في جلب ثمر ~~أفوكادو أو زجاجة من لب ثمرات الخرشوف أو رءوس الثوم إلى المنزل، بالرغم من ملاحظتي توافر ~~كل هذه الأشياء الآن في المتجر. أعددت القهوة سريعة التحضير، وحاولت احتساءها لأرى ما إذا ~~كان بإمكاني الاعتياد عليها، وتمكنت بالطبع من ذلك. نظفت العيادة في نهاية كل يوم، وتوليت ~~أمر غسل الملابس. وكان العامل بالمغسلة يفضل التعامل معي؛ لأنني لم أكن أتهمه بأي ~~شيء. # سمح لي أيضا بالرد على الهاتف، لكن إذا كان المتصل امرأة تطلب التحدث مع أبي، ولا ترغب ~~في الكشف عن أي تفاصيل عن حالتها، كان علي تسجيل رقمها وإخبارها بأن الطبيب سيعاود ~~الاتصال بها. وهذا ما كنت أفعله، وفي بعض الأحيان كانت المرأة تغلق السماعة قبل أن أنهي ~~المكالمة. وعندما أخبرت أبي بذلك، قال لي: «ستعاود الاتصال على الأرجح.» # لم يكن هناك عدد كبير من هذا النوع من المريضات، اللاتي يسميهن أبي الحالات الخاصة. لا ~~أعلم العدد بالضبط؛ ربما واحدة في الشهر. أما أغلب الحالات التي كان يعالجها أبي، فقد كانت ~~حالات التهاب في الحلق، أو تقلص في القولون، أو خراج في الأذن، أو تسارع في نبضات القلب، ~~أو حصوات على الكلى، أو قرحة في المعدة. ~~••• # آر، طرق أبي الليلة باب غرفتي. طرقه مع أنه لم يكن مغلقا تماما. كنت أطالع أحد الكتب ~~آنذاك، فطلب مني - دون توسل بالتأكيد، وإنما بنوع من الاحترام المعقول - مساعدته في ~~العيادة. # كانت تلك ms254 هي الحالة الخاصة الأولى في غياب السيدة بي. # فسألته عما يريدني أن أفعله. # قال لي: «ليس عليك سوى الحفاظ على ثباتها؛ فهي صغيرة السن، وليست معتادة على الأمر بعد. ~~فلتغسلي يديك جيدا باستخدام الصابون الموجود في الزجاجة بدورة المياه في الدور ~~السفلي.» # كانت المريضة مستلقية على سرير الفحص، تغطيها ملاءة من أول خصرها حتى أسفلها. أما الجزء ~~العلوي من جسدها، فكان مغطى بالكامل بسترة من الصوف المحبوك ذات لون أزرق داكن - مغلقة ~~أزرارها حتى أعلاها - وبلوزة بيضاء مزينة بالدانتيل عند حافة ياقتها. انسدلت هذه الملابس ~~فوق عظمة الترقوة الناتئة وصدرها الذي كاد يكون مسطحا. كان شعرها أسود، وقد أحكمت جذبه إلى ~~الخلف، وربطته على شكل جديلة، وثبتته بدبوس أعلى رأسها. وهذا الشكل المحتشم المزري جعل ~~عنقها يبدو طويلا، وأوضح بنية العظام البارزة لوجهها ذي البشرة البيضاء؛ ومن ثم، بدت عن ~~بعد وكأنها امرأة في الخامسة والأربعين من عمرها، لكن عند الاقتراب منها، اتضح أنها لا ~~تزال في ريعان شبابها، ربما في العشرينيات من العمر. كانت قد علقت تنورتها خلف الباب، ~~وبدا من خلفها طرف السروال الداخلي الأبيض الذي علقته بعناية تحتها. # أخذت ترتجف بقوة، مع أن جو العيادة لم يكن باردا. # قال أبي: «والآن يا مادلين، أول شيء يجب أن نفعله هو رفع ركبتيك لأعلى.» # تساءلت عما إذا كان يعرفها، أم أنه يسأل المريضة فحسب عن اسمها، ويدعوها بأي اسم ترد ~~عليه به؟ # قال لها: «برفق، برفق!» ووضع الركاب في المكان المخصص له، ثم أدخل قدميها فيه. كانت ~~ساقاها عاريتين، وبدتا وكأنهما لم تتعرضا لأشعة الشمس قط، وكانت لا تزال ترتدي حذاءها ~~الخفيف. # ارتجفت ركبتاها كثيرا في هذا الوضع الجديد حتى إنهما اصطكتا معا. # قال لها أبي: «عليك التزام الثبات أكثر من ذلك؛ فلا يمكنني، كما تعلمين، القيام بمهمتي ~~إلا إذا قمت أنت بما عليك فعله. هل ترغبين في وضع بطانية عليك؟» # ثم قال لي: «فلتحضري لها بطانية. ستجدينها على الرف السفلي هناك.» # أحضرت البطانية ووضعتها على الجزء العلوي من ms255 جسد مادلين. لم تنظر إلي. وكانت أسنانها ~~تصطك بعضها ببعض، وقد زمت شفتيها محكمة إغلاق فمها. # قال أبي لها: «والآن، عليك بإنزال جسمك قليلا إلى أسفل.» ثم توجه إلي بالحديث قائلا: ~~«أمسكي بركبتيها، وباعدي بينهما برفق.» # فوضعت يدي على الجزء البارز من ركبتيها، وباعدت بينهما برفق قدر الإمكان. وملأ صوت ~~أنفاس أبي الغرفة بتعليقاته المبهمة التي تدل على الانهماك. ووجب علي الإمساك بركبتي ~~مادلين بقوة كي لا تنتفضا. # سألت مادلين: «أين تلك السيدة العجوز؟» # فأجبتها: «إنها في منزلها؛ وقعت وأصيبت. وأنا أحل محلها الآن.» # لقد سبق لها، إذن، المجيء إلى هنا. # فقالت لي: «إنها قاسية.» # كان صوتها في الواقع عبارة عن دمدمة، وإن لم يكن عصبيا بالقدر الذي توقعته من ارتجاف ~~جسدها. # قلت لها: «أتمنى ألا أكون بهذه القسوة.» # فلم تجبني. والتقط أبي أداة رفيعة تشبه إبرة الخياطة. # وقال: «والآن، الجزء الصعب.» كان يتحدث بنبرة حوارية على نحو أرق من أي مرة سمعتها منه. ~~واستطرد قائلا: «وكلما زاد تشنجك، بات الأمر أصعب؛ لذا عليك الاسترخاء. نعم، هكذا! ~~أحسنت يا فتاة!» # حاولت التفكير في شيء ما أقوله لتهدئتها أو إلهائها؛ فقد أدركت في تلك اللحظة ما يفعله ~~أبي. على قطعة قماش بيضاء مفروشة على المائدة المجاورة له، اصطفت مجموعة من الأدوات، جميعها ~~لها نفس الطول، لكن سمكها متدرج. كانت تلك الأدوات التي سيستخدمها، واحدة تلو الأخرى، لفتح ~~عنق الرحم وتوسيعه. ومن موقعي خلف الحاجز، الذي صنعته الملاءة وراء ركبتي الفتاة، لم أتمكن ~~من مشاهدة التقدم الفعلي لأبي في استخدام هذه الأدوات. بيد أنه كان بوسعي الشعور بما يحدث ~~من موجات الألم التي أصابت جسدها وتغلبت على تشنجات الخوف لديها، فجعلتها أكثر هدوءا ~~بالفعل. # من أين أنت؟ ما المدرسة التي ذهبت إليها؟ هل تعملين؟ (لاحظت خاتم زفاف في يدها، لكن ~~على الأرجح، جميعهن يلبسن مثل هذه الخواتم) هل تحبين وظيفتك؟ هل لديك إخوة أو ~~أخوات؟ # ما الذي يمكن أن يدفعها إلى الإجابة عن أي من هذه الأسئلة، حتى وإن لم تكن تعاني ms256 الألم ~~في تلك اللحظة؟ # التقطت أنفاسها بصعوبة من بين أسنانها، واتسعت عيناها وهي تنظر إلى السقف. # قلت لها: «أعلم، أعلم أنك تتألمين.» # قال أبي: «لقد أوشكنا على الانتهاء. أحسنت صنعا يا فتاة! لم يعد أمامنا ~~الكثير.» # قلت لها: «كنت سأقوم بطلاء هذه الغرفة، لكنني لم أتمكن من فعل ذلك. ما اللون الذي ~~تختارينه إذا كنت مكاني؟» # فتنفست بعنف على حين غرة. # قلت لها: «أصفر؛ فكرت في الأصفر الفاتح. وما رأيك في الأخضر الفاتح؟» # بحلول ذلك الوقت، كنا قد وصلنا إلى الأداة الأكثر سمكا. دفعت مادلين رأسها بعنف إلى ~~الخلف على الوسادة المسطحة، وبسطت عنقها الطويل، ومطت شفتيها من الألم وزمتهما على ~~أسنانها. # قلت لها: «فكري في فيلمك المفضل. ما فيلمك المفضل؟» # سبق أن سألتني إحدى الممرضات هذا السؤال عند وصولي إلى مرحلة بشعة من الألم ظننتها ~~ستلازمني. شعرت في تلك اللحظات أنني لن أنال الراحة أبدا. كيف يمكن أن يكون للأفلام وجود ~~في العالم بعد هذه اللحظات؟ والآن، أقول نفس الشيء لمادلين التي نظرت إلي نظرة خاطفة ~~بتعبير ذاهل لا مبال لشخص يرى أن الإنسان لا يزيد نفعا عن ساعة متعطلة. # جازفت برفع إحدى يدي من على ركبتها، ولمست يدها. وأدهشني مدى السرعة والقوة الذي أمسكت ~~به يدي، وسحقت أصابعي معا، وأخيرا صرت ذات نفع. # همست من بين أسنانها: «قولي شيئا ... ألقي ... على مسامعي.» # قال أبي: «لقد أوشكنا على الانتهاء.» # ألقي على مسامعي. # ماذا كان يفترض مني أن ألقي على مسامعها؟ أغنية «هيكوري ديكوري دوك»؟ # ما ورد على ذهني في تلك اللحظة الأغنية التي اعتدت أنت ترديدها؛ «أغنية إينجس ~~المتجول». ~~«ذهبت إلى شجرة البندق؛ لأن نارا اشتعلت في رأسي ...» # لم أتذكر ما تلا ذلك من أبيات، ولم أستطع التفكير، ثم تذكرت المقطع الأخير ~~بأكمله: # مع أنني شبت من التجول، # في الأغوار وأعالي التلال، # سوف أعثر عليك، # وأقبل وجهك وأضم يديك ... # هل لك أن تتخيل إلقائي قصيدة أمام أبي؟ # لم أعرف رأيها فيها؛ فقد أغمضت عينيها. # ظننت أنني سأخشى الموت؛ لأن ms257 أمي ماتت على ~~هذا النحو؛ عند الولادة، لكنني ما إن وصلت إلى هذه الدرجة من الألم حتى اكتشفت أن الموت ~~والحياة مفهومان غير مرتبطين. ووصلت إلى أقصى حدود هذا التفكير، واقتنعت بأنه لا يمكنني فعل ~~أي شيء لتحريك ما شعرت بأنه بيضة عملاقة أو كوكب مشتعل، وليس طفلا على الإطلاق. لقد علق، ~~وأنا أيضا علقت، في المكان والزمان اللذين سيستمران إلى الأبد. لم يبد أمامي أي سبب ~~يجعلني أنجو من هذا الموقف، وجميع احتجاجاتي كانت قد تلاشت بالفعل. # قال أبي: «إنني بحاجة إليك الآن. أريدك هنا. فلتحضري الإناء الكبير.» # حملت نفس الإناء الذي رأيت السيدة باري تحمله من قبل، وظللت أحمله أثناء كشطه رحم الفتاة ~~باستخدام أداة مطبخ ملائمة (لا أعني أنها أداة مطبخ بالفعل، وإنما كانت تشبه قليلا الأدوات ~~المنزلية في نظري). # إن الجزء السفلي من جسد أي امرأة شابة حتى ولو نحيفة يبدو في هذا الوضع كبير الحجم ~~وممتلئا. وفي الأيام التي تعقب الولادة - في جناح التوليد بالمستشفى - ترقد السيدة غير ~~مكترثة بشيء، بل وفي حالة تمرد وعناد، بسبب الجروح الملتهبة والتمزقات العنيفة غير المضمدة، ~~والخيوط الطبية السوداء البادية، وكذلك الأنسجة المخيطة المثيرة للشفقة، ومؤخرتها وفخذيها ~~الكبيرتين البائستين. كم كان المشهد من الجانب الآخر من الملاءة مذهلا حقا! # خرجت من الرحم تكتلات - تشبه هلام النبيذ - ودماء، والجنين في مكان ما بينهما، كاللعبة ~~الصغيرة الموجودة في علبة حبوب الفطور أو الجائزة الصغيرة المخبأة وسط حبات الفشار؛ فكان ~~أشبه بدمية بلاستيكية دقيقة الحجم، تافهة لا قيمة لها كظفر الإصبع. لم أبحث عنه، وإنما رفعت ~~رأسي لأعلى، مبعدة إياها عن رائحة الدماء الدافئة. # قال أبي: «والآن إلى دورة المياه. ستجدين غطاء هنا.» كان يقصد قطعة القماش المطوية ~~الموضوعة بجوار الأدوات الملوثة بالدماء. لم أرغب في أن أسأله: «هل أتخلص من محتويات الإناء ~~في المرحاض؟» إلا أنني سلمت جدلا بأن هذا ما يقصده. حملت الإناء متجاوزة الرواق حتى ~~وصلت إلى دورة المياه في الدور السفلي، وتخلصت من محتويات الإناء، وكسحت مياه المرحاض ms258 ~~مرتين، ثم شطفت الإناء بالماء، وأعدته إلى العيادة. كان أبي يضمد الفتاة آنذاك، ويقدم لها ~~بعض التعليمات. أجاد أبي ذلك، كعادته دائما؛ بيد أن وجهه بدا متجهما ومرهقا للغاية. ~~وتبادر إلى ذهني أنه كان بحاجة إلي في ذلك المكان طوال العملية، خشية أن ينهار أثناء ~~العمل؛ فالسيدة بي، على الأقل في الأيام الخوالي، كانت تنتظر على ما يبدو في المطبخ حتى ~~اللحظات الأخيرة من العملية، لكن لعلها تنتظر معه طوال فترة العملية بعدما رأيته ~~الآن. # وإذا حدث وانهار بالفعل، فلا أعلم ما كنت سأفعل حينها. # ربت على ساقي مادلين، وأخبرها بأنها ينبغي عليها الاستلقاء على ظهرها. # وقال: «لا تحاولي النهوض لبضع دقائق. هل رتبت مع أحد ليقلك إلى المنزل؟» # فأجابت بصوت واهن، لكنه ناقم في الوقت نفسه: «من المفترض أن يكون هنا منذ البداية؛ وألا ~~يكون قد غادر المكان بالخارج.» # فخلع أبي رداءه، وذهب إلى نافذة غرفة الانتظار. # وقال لها: «إنه لا يزال هنا.» وهمهم بصوت مستنكر معقد قائلا: «أين سلة الغسيل؟» ثم ~~تذكر أنها في الغرفة ذات الإضاءة العالية حيث كان يعمل، فعاد ووضع الرداء فيها، ثم قال لي: ~~«سأكون ممتنا للغاية إن تمكنت من تولي أعمال التنظيف.» والتنظيف هنا تعني التعقيم ومسح ~~الأرضية بوجه عام. # فوافقت. # فقال أبي: «حسنا، سأودعك الآن، وسوف ترشدك ابنتي إلى الخارج عندما تكونين مستعدة.» ~~اندهشت قليلا لسماع كلمة «ابنتي» منه، بدلا من اسمي. لا ريب أنني سمعتها منه من قبل ~~عندما كان يقدمني إلى أحد الأشخاص، لكنني، مع ذلك، دهشت لسماعها. # أنزلت مادلين ساقيها عن سرير الفحص لحظة خروج أبي من الغرفة، ثم سارت مترنحة، فتقدمت ~~لمساعدتها. قالت: «حسنا، حسنا! لقد نهضت عن السرير سريعا فقط. أين وضعت تنورتي؟ لا أريد ~~الوقوف هنا بهذه الصورة.» # أحضرت لها التنورة والسروال الداخلي من وراء الباب، فارتدتهما دون مساعدة مني، لكنها ~~أخذت ترتعش أثناء فعل ذلك. # قلت لها: «يمكنك الانتظار دقيقة، وسوف ينتظر زوجك.» # فردت علي قائلة: «إن زوجي يعمل في الغابات بالقرب من كينورا، وسوف ms259 أنتقل للعيش معه ~~الأسبوع المقبل؛ فقد حصل على مكان حيث يمكنني الإقامة معه فيه.» # واستطردت: «والآن، لقد وضعت معطفي في مكان ما هنا.» ~~••• # الفيلم المفضل لدي - الذي تعلمه حسب ظني، والذي كنت سأتذكره عندما سألتني الممرضة عنه - ~~هو «التوت البري». أتذكر دار السينما الصغيرة عتيقة الطراز التي اعتدنا مشاهدة جميع ~~الأفلام السويدية واليابانية والهندية والإيطالية فيها، وأتذكر أنها كانت في ذلك الحين قد ~~تحولت لتوها عن عرض أفلام كاري أون، وأفلام فرقة مارتن ولويس، لكنني لا أتذكر اسمها. وبما ~~أنك كنت تدرس الفلسفة للقساوسة المستقبليين، فلا شك أن فيلمك المفضل هو «الختم السابع»، ~~أليس كذلك؟ أظن أنه كان يابانيا ولا أتذكر عما كانت تدور أحداثه. على أي حال، اعتدنا ~~السير إلى المنزل من السينما التي كانت تبعد عنه نحو ميلين، وكانت تدور بيننا عادة حوارات ~~محتدمة عن الحب والأنانية والرب والإيمان واليأس. وعند وصولنا إلى المنزل الذي كنت أؤجر فيه ~~غرفة مؤثثة، كان علينا التزام الصمت، وصعود الدرج بهدوء تام وصولا إلى غرفتي. # وما إن ندلف إلى الغرفة حتى تتنفس الصعداء في امتنان وإعجاب. ~~••• # كنت سأشعر بالتوتر الشديد عند دعوتي لك للمجيء إلى هنا في عيد الميلاد الماضي، لو لم يكن ~~الخلاف بيننا محتدما بالفعل. كنت سأخشى عليك من مقابلة أبي. ~~«روبين؟ أهذا اسم رجل؟» # فأجبته: «نعم، إنه اسمي.» # وادعى أبي أنه لم يسمع بهذا الاسم من قبل قط. # بيد أنكما، في الواقع، انسجمتما معا على نحو جيد، ودارت بينكما مناقشة حول الصراعات ~~الحادة بين مراتب مختلفة من الرهبان في القرن السابع الميلادي، أليس كذلك؟ وكان الخلاف بين ~~أولئك الرهبان يدور حول الكيفية التي ينبغي عليهم حلق رءوسهم بها. # دعاك أبي بالشاب الطويل النحيل ذي الشعر المتموج. وكان هذا الوصف منه أشبه ~~بالمجاملة. # وعندما أخبرته عبر الهاتف فيما بعد أننا لن نتزوج، كان رده: «يا إلهي! هل تعتقدين أنه ~~بإمكانك مقابلة شخص آخر والزواج منه؟» ولو اعترضت على ما قاله، لقال لي كعادته إنه كان ~~يمزح. وقد كانت بالفعل مزحة. ms260 لم أقابل شخصا آخر لأتزوجه، لكنني ما كنت على الأرجح في أفضل ~~أحوالي لأحاول فعل ذلك. ~~••• # عادت السيدة باري بعد أقل من ثلاثة أسابيع، مع أنه كان من المفترض أن تستمر إجازتها ~~شهرا. بيد أنه صار عليها العمل عدد ساعات أقل يوميا مقارنة بما سبق؛ فقد أصبحت تستغرق ~~وقتا طويلا للغاية في ارتداء ملابسها وأداء الأعمال المنزلية؛ ومن ثم، صار من النادر ~~مجيئها إلى هنا (كان من يقوم بتوصيلها هو ابن أختها أو زوجته) قبل الساعة العاشرة صباحا ~~تقريبا. ~~«يبدو والدك منهكا.» كانت تلك أولى كلماتها لي، وأظن أنها كانت محقة فيها. # فقلت لها: «ربما ينبغي عليه نيل قسط من الراحة.» # فقالت: «يزعجه الكثيرون.» # أحضرت السيارة الميني كوبر من ورشة الإصلاح، وها هي الأموال قد دخلت في حسابي المصرفي، ~~وما وجب علي فعله الآن هو المغادرة، لكن ثمة أفكارا حمقاء تراودني. ماذا إذا جاءت حالة ~~خاصة أخرى؟ كيف يمكن للسيدة بي مساعدة أبي؟ فهي لا تستطيع استخدام يدها اليسرى بعد في حمل ~~أي شيء ثقيل، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال حمل الإناء باستخدام يدها اليمنى فحسب. ~~••• # آر، اليوم هو أول الأيام التي تلت تساقط الثلوج بغزارة. حدث ذلك أثناء الليل، وفي الصباح ~~أضحت السماء صافية؛ لم تعد هناك رياح، وصار ضوء النهار مبهرا، فخرجت للمشي باكرا تحت ~~أشجار الصنوبر. تساقط الثلج من بين أغصانها بلونه البراق كتلك الأشياء التي تعلق على ~~أشجار عيد الميلاد، أو كالماس. كانت الثلوج قد جرفت بالفعل من على الطريق السريع، وكذلك ~~الزقاق الذي يوجد فيه منزلنا؛ ومن ثم، كان بإمكان أبي قيادة سيارته إلى المستشفى، وربما كان ~~بإمكاني أيضا قيادة سيارتي ومغادرة المنزل وقتما أشاء. # مرت بعض السيارات إلى داخل المدينة وخارجها، كما هو الحال في أي صباح آخر. # وقبل أن أدخل إلى المنزل، أردت معرفة ما إذا كان من الممكن تشغيل سيارتي، وقد دارت ~~بالفعل. وعلى المقعد المجاور لمقعد السائق، رأيت علبة؛ علبة شوكولاتة تزن رطلين وتشبه علب ~~الشوكولاتة التي تباع في الصيدليات. ms261 لم أعرف كيف وصلت إلى السيارة ، وتساءلت عما إذا كانت ~~هدية من الشاب الذي التقيته في الجمعية التاريخية. كانت فكرة حمقاء. لكن من غيره يمكن أن ~~يفعل ذلك؟ # تخلصت من الثلج المتراكم على حذائي طويل الساقين على عتبة الباب الخلفي، وذكرت نفسي ~~بضرورة وضع مكنسة بالخارج، ورأيت المطبخ منيرا بضوء النهار الباهر. # اعتقدت أنني أعلم ما كان سيقوله أبي. ~~«أكنت في الخارج تتأملين الطبيعة؟» # رأيته جالسا على كرسيه أمام المائدة، مرتديا قبعته ومعطفه. وفي ذلك الوقت عادة، يكون ~~قد غادر لمتابعة مرضاه في المستشفى. # سألني: «هل جرفوا الثلوج عن الطريق؟ وماذا عن الزقاق؟» # فأجبته بأن كليهما قد جرف منه الثلج تماما. كان بوسعه رؤية أن الزقاق قد جرفت منه ~~الثلوج بالنظر من النافذة. قمت بتشغيل الغلاية، وسألته عما إذا كان يرغب في فنجان آخر من ~~القهوة قبل خروجه. # فأجاب: «حسنا، طالما أن الثلوج قد جرفت، ويمكنني الخروج.» # قلت له: «يا له من يوم!» ~~«لا بأس به طالما أنك لم تعلقي بالثلوج في الخارج.» # أعددت فنجانين من القهوة سريعة التحضير، ووضعتهما على المائدة. جلست في مواجهة النافذة ~~والضوء النافذ إلى المنزل، في حين جلس هو على الجانب الآخر من المائدة، وعدل اتجاه كرسيه ~~موليا ظهره للضوء. لم أتمكن من تبين التعبير الذي ارتسم على وجهه، لكن أنفاسه ظلت معي ~~كالعادة. # شرعت في التحدث عن نفسي. لم تكن لدي أي نية لفعل ذلك على الإطلاق؛ كنت أنوي الحديث عن ~~مغادرتي المنزل، لكنني ما إن فتحت فمي حتى بدأت الكلمات تخرج منه. سمعتها بقدر متساو من ~~الجزع والرضا في الوقت نفسه، كما هو الحال عندما يسمع المرء ما يقوله عندما يكون ~~مخمورا. # قلت له: «لم تعلم قط أنني أنجبت. كان ذلك في السابع عشر من يوليو، في أوتاوا. لطالما فكرت ~~كم كان ذلك مثيرا للسخرية.» # أخبرته بأن أحدهم قد تبنى الطفل فور ولادته، وأنني لم أعرف هل كان ذكرا أم أنثى؛ فقد ~~طلبت عدم إخباري بنوع المولود، وألا أراه. # وأضفت: «أقمت مع جوسي. ms262 لعلك تتذكر حديثي معك عن صديقتي جوسي. إنها في إنجلترا الآن، لكنها ~~كانت تعيش وحدها في منزل أبيها آنذاك. فقد بعث والداها إلى جنوب أفريقيا. وكانت مصادفة ~~جيدة.» # أخبرته عن والد الطفل؛ فقلت له إنه أنت، تحسبا لاستفساره. وقلت إنه نظرا لأننا كنا ~~مخطوبين بالفعل - مخطوبين رسميا - فقد رأيت أنه ينبغي علينا الزواج. # لكن ذلك لم يكن رأيك، وطلبت مني البحث عن طبيب لإجهاض الطفل. # لم يذكرني أبي في تلك اللحظة بأنه ينبغي لي عدم نطق هذه الكلمة أبدا في منزله. # أخبرته بأنك قلت لي إننا لا يمكننا المضي قدما في هذا الأمر وإتمام الزواج؛ إذ يمكن لأي ~~أحد إجراء الحسابات، ومعرفة أنني كنت حاملا بالطفل قبل الزواج؛ ومن ثم، لا يمكننا الزواج ~~إلا عندما أتخلص تماما من هذا الحمل. # وإن لم أفعل، فقد تخسر وظيفتك في الكلية اللاهوتية. # يمكن أيضا أن تمثل أمام إحدى اللجان التي قد تصدر بدورها حكما بأنك غير مؤهل ~~أخلاقيا لأداء وظيفتك كمعلم لصغار القساوسة، وقد يحكم عليك بأنك شخصية طالحة. حتى وإن ~~افترضنا عدم حدوث ذلك، وأنك لن تخسر وظيفتك ويتم تعنيفك فحسب - أو حتى لا يتم تعنيفك، وإنما ~~لن تترقى أبدا - ستكون هناك نقطة سوداء في سجلك المهني. وإن لم يقل لك أحد أي شيء على ~~الإطلاق، فسوف يكون لديهم حجة ضدك، الأمر الذي لا يمكنك احتماله. والطلاب الجدد بالمدرسة ~~ستصل إلى مسامعهم أخبارك من الطلاب القدامى؛ وسوف يتبادلون النكات عنك، وستسنح الفرصة ~~لزملائك للتعالي عليك، وقد يكونون متفهمين على الجانب الآخر، لكن الأمر لن يقل سوءا عن ~~التعالي عليك. وكنت ستصبح رجلا مهانا جدا أو إلى حد ما، وستفشل في حياتك. # وقلت لك إن هذا لن يحدث بالتأكيد. # فأجبتني أن هذا هو ما سيحدث قطعا، وقلت لي إنه ينبغي علي عدم التقليل أبدا من وضاعة ~~نفوس البشر، وإن الأمر سيكون مدمرا لي أيضا؛ فزوجات الأساتذة الأكبر سنا يتحكمن في ~~الكثير من الأمور، ولن يدعوني أنسى، حتى وإن كن طيبات القلب، بل لا ms263 سيما إذا كن ~~طيبات. # فقلت لك إنه بإمكاننا الانتقال إلى مكان آخر وحسب؛ مكان لا يعرف فيه أحد بأمرنا. # فأجبتني بأنهم سيعلمون؛ فثمة شخص دائما ما يحرص على أن يعلم الناس بمثل هذه ~~الأمور. # هذا فضلا عن أن ذلك سيعني أنك ستضطر إلى البدء من الصفر مجددا، وسوف تبدأ براتب أقل، ~~راتب زهيد. كيف يمكننا إذن إعالة طفل صغير في هذه الحالة؟ # أدهشتني تلك المجادلات التي لا تتفق مع أفكار الشخص الذي أحببته. سألتك عما إذا كانت ~~الكتب التي قرأناها معا، والأفلام التي شاهدناها، والأمور التي تحدثنا عنها، تعني لك أي ~~شيء على الإطلاق؛ فأجبتني بالإيجاب، لكن ما نحن بصدده الآن هو الحياة الواقعية. سألتك عما ~~إذا كنت من الأشخاص الذين لا يتحملون سخرية الآخرين منهم، ويستسلمون أمام مجموعة من زوجات ~~الأساتذة. # أجبتني بأن الوضع ليس كذلك على الإطلاق. # فأطحت بخاتمي الماسي، وتدحرج أسفل إحدى السيارات المتوقفة على جانب الطريق؛ فقد كنا ~~نتجادل أثناء سيرنا في شارع قريب من المنزل الذي توجد به غرفتي المستأجرة. كنا في الشتاء، ~~كما هو الحال الآن؛ ربما يناير أو فبراير، لكن العراك بيننا استمر فترة طويلة بعد ذلك؛ فقد ~~كان من المفترض أن أتوصل إلى معلومات عن الإجهاض من صديقة لها صديقة شاع عنها أنها قد خضعت ~~لهذه العملية، لكنني استسلمت لك، وقررت إجراء العملية. ولم تخاطر حتى بالاستفسار عن الأمر ~~بنفسك، لكنني كذبت، وقلت إن الطبيب قد غادر المدينة. وبعد ذلك، اعترفت بكذبي، وقلت لك إنني ~~لا يمكنني الخضوع لهذه العملية. # لكن هل كان ذلك من أجل الطفل؟ إطلاقا؛ بل السبب أنني على حق في هذا النزاع. # شعرت بالاشمئزاز عندما رأيتك تنزل على ركبتيك لتدخل يدك تحت السيارة المتوقفة على جانب ~~الطريق وراء الخاتم، وأذيال معطفك ترفرف على مؤخرتك. أخذت تنبش في الثلج بأظافرك بحثا عن ~~الخاتم، وشعرت براحة شديدة عند عثورك عليه، وكنت على استعداد لمعانقتي والضحك معي، معتقدا ~~أنني سأشعر بنفس الراحة، وأننا سنتصالح في تلك اللحظة، لكنني قلت لك إنك ms264 لن تفعل أي شيء ~~يمكنني الإعجاب به في حياتك بأكملها. # ونعتك بأستاذ الفلسفة المنافق دائم التبرم. # لكن لم تكن تلك هي النهاية؛ فقد تصالحنا بالفعل، لكننا لم يسامح أحدنا الآخر، ولم نحاول ~~فعل ذلك، بل وفات الأوان على فعله، ورأينا أن كلا منا قد استثمر الكثير من الجهد في ~~التأكيد على صحة رأيه؛ فانفصلنا، وشعرنا بالارتياح لذلك. نعم، في ذلك الوقت كنت متأكدة أن ~~ذلك أشعر كلينا بالراحة، وكان نصرا مؤزرا. # سألت أبي: «أليس ذلك مثيرا للسخرية؟ أتفكر في الأمر؟» # سمعت السيدة باري في الخارج تنظف حذاءها طويل الساقين، فطرحت هذا السؤال سريعا. جلس أبي ~~طوال الوقت في مكانه بلا حركة، مع شعور بالإحراج - على ما أظن - أو نفور شديد. # فتحت السيدة باري الباب وهي تقول: «ينبغي إحضار المكنسة إلى هنا ...» ثم صاحت: «ما الذي ~~تفعلينه بالجلوس هنا؟ ما خطبك؟ ألا ترين أن الرجل ميت؟» # لم يكن ميتا؛ وإنما كان في الواقع يتنفس بصوت عال، وربما أعلى من أي وقت مضى. ما رأته ~~السيدة باري، وما كان من المفترض أن أراه حتى وأنا في مواجهة ضوء النهار، لو لم أتجنب النظر ~~إليه أثناء رواية قصتي، هو أنه تعرض لصدمة أصابته بالشلل والعمى. جلس مائلا قليلا إلى ~~الأمام، والمائدة تضغط على انحناءة بطنه المكتنز. وعندما حاولنا تحريكه من كرسيه، لم نتمكن ~~إلا من هزه، فنزل رأسه على المائدة بقوة مقاومة هائلة. لم تنخلع القبعة عن رأسه، وظل ~~فنجان القهوة في مكانه على بعد بضعة سنتيمترات من عينيه التي فقدت الرؤية والتي كانت لا ~~تزال شبه مفتوحة. # قلت للسيدة باري إنه لا يمكننا فعل أي شيء معه؛ فهو ثقيل للغاية. توجهت إلى الهاتف، ~~واتصلت بالمستشفى كي يحضر إلينا أحد الأطباء. لم تكن هناك سيارة إسعاف في البلدة بعد، ولكن ~~لم تلق السيدة باري اهتماما بما قلته، وواصلت جذب ملابس أبي، وفك أزرارها، وانتزاع ~~المعطف، والتذمر والتأوه أثناء فعل ذلك جراء المجهود. ركضت إلى الزقاق بالخارج، تاركة ~~الباب مفتوحا. عدت مرة أخرى، وأحضرت ms265 المكنسة، ووضعتها بالخارج بجانب الباب. توجهت بعد ذلك ~~إلى السيدة بي، ووضعت يدي على ذراعها، وقلت: «لا يمكنك ...» أو شيئا من هذا القبيل، فرمقتني ~~بنظرة قطة حانقة. # حضر أحد الأطباء، وتمكنت معه من جر أبي إلى الخارج نحو السيارة، وإجلاسه في المقعد ~~الخلفي، ودلفت إلى السيارة بجانبه للإمساك به والحيلولة دون سقوطه للأمام. كان صوت تنفسه ~~أقوى من أي وقت مضى، وكأنه يعترض على أي شيء نفعله، لكن الواقع هو أنه كان بإمكاننا حمله ~~الآن، ودفعه بقوة، والتحكم في جسده كيفما نشاء، الأمر الذي بدا غريبا للغاية. # تراجعت السيدة بي وهدأت لحظة رؤيتها الطبيب، حتى إنها لم تتبعنا إلى خارج المنزل لرؤية ~~أبي وهو ينقل إلى السيارة. # بعد ظهيرة ذلك اليوم نحو الساعة الخامسة، توفي أبي. وقيل لي إن ذلك من حسن حظ ~~الجميع. ~~••• # كان لدي الكثير من الأشياء الأخرى التي أرغب في الإفصاح عنها لأبي لحظة دخول السيدة باري. ~~كنت سأقول: «ماذا إذا تغير القانون؟» فقد يتغير قريبا. ربما، وربما لا. حينئذ، سيتوقف ~~عن العمل، أو بالأحرى سيتوقف عن أداء جزء من عمله. فهل سيشكل ذلك فارقا كبيرا له؟ # ما الجواب الذي كنت سأتوقعه منه؟ ~~«إن عملي ليس من شأنك.» # أو سأستمر في كسب عيشي. # وسأرد عليه بأنني لا أقصد المال. أقصد المخاطرة، والسرية، والسلطة. # هل بتغيير القانون، وتغيير ما يفعله الشخص، ستتغير شخصيته؟ # أم أنه سيبحث عن مخاطر أخرى ليخوضها، وعقدة أخرى ليصنعها في حياته، وفعل رحيم آخر سري ~~وإشكالي يقوم به؟ # وإذا تغير هذا القانون، يمكن أن تتغير أمور أخرى أيضا معه. إنني أفكر فيك الآن؛ ماذا ~~إذا لم تخجل من الزواج بامرأة حامل؟ ما كان هناك أي شيء يدعو للخجل في الأمر. وإذا تقدمنا ~~للأمام بضع سنوات فحسب، فقد يتحول الأمر إلى احتفال. عروس حامل تكلل بالورود وتقاد إلى ~~المذبح، حتى وإن كان ذلك في كنيسة الكلية اللاهوتية. # بيد أنه إذا حدث ذلك، فسيكون هناك شيء آخر على الأرجح يدعو للخجل أو الخوف، وستكون هناك ~~أخطاء ms266 أخرى يجب تجنبها. # ماذا عني إذن ؟ هل سيلزم علي دائما الثقة بصحة موقفي؟ هل سأحرص على الأخلاق الحميدة، ~~وتحمل الصعاب، والالتزام بالحق على نحو يمكنني من التباهي بخسائري؟ ~~«تغيير الإنسان» عبارة نرددها جميعا آملين في تحقيقها. # غير القانون، يتغير الإنسان. لكننا لسنا في حاجة لأن يفرض علينا كل شيء - والقصة ~~بأكملها - من خارج أنفسنا. لسنا في حاجة إلى تشكيل ما نحن عليه - كل ما نحن عليه - على هذا ~~النحو. # إلام يشير هذا الضمير «نحن» الذي أتحدث عنه؟ ~~••• # عزيزي آر، يقول محامي أبي: «هذا غريب للغاية.» وأنا أدرك أن تلك الكلمة قوية ومؤثرة عندما ~~ينطق بها محام. # يوجد ما يكفي من الأموال في حساب أبي المصرفي لتغطية مصروفات الجنازة؛ أي ما يكفي لدفنه، ~~كما يقال (لم تكن تلك كلمات المحامي بالطبع، فهو لا يتحدث على هذا النحو)؛ فيما عدا ذلك، ~~ليس هناك الكثير؛ فليست هناك أي شهادات أسهم في خزينة ودائع الأمانات، أو أي سجل استثماري. ~~لا شيء على الإطلاق؛ لا إرث موصى به إلى المستشفى، أو إلى الكنيسة التي كان يرتادها، أو ~~المدرسة الثانوية لتمويل منحة دراسية. والأكثر إثارة للصدمة هو أنه لم يترك أي أموال للسيدة ~~باري. المنزل ومحتوياته ملكي؛ وهذا كل شيء. ولدي الخمسة آلاف دولار التي منحها إياي. # يبدو المحامي محرجا للغاية، وقلقا بشأن هذا الوضع. لعله يظن أنني قد أشك في إساءة تصرف ~~من جانبه، وأن أحاول تشويه سمعته. أراد أن يعرف ما إذا كانت هناك خزينة في منزلي (منزل ~~أبي)، أو أي مكان سري على الإطلاق يمكن إخفاء كميات كبيرة من الأموال فيه؛ فأجبته بالنفي. ~~حاول أن يوضح لي - على نحو متحفظ وغير مباشر جعلني لا أدرك في البداية ما كان يتحدث عنه - ~~أنه ربما تكون هناك أسباب دفعت أبي للاحتفاظ بما يجنيه من أموال سرا؛ ومن ثم، فإن وجود ~~كمية كبيرة من الأموال مخبأة في مكان ما أمر محتمل. # فأخبرته بأنني لا أهتم كثيرا بالمال. # يا له من قول غريب! ولم يتمكن المحامي من ms267 النظر في عيني. # قال لي: «ربما يمكنك الذهاب إلى المنزل والبحث جيدا، ولا تتجاهلي الأماكن الواضحة؛ فمن ~~الممكن أن توجد الأموال في علبة الكعك، أو في صندوق تحت السرير؛ فالأماكن التي يختارها ~~الناس لإخفاء الأموال مدهشة حقا، حتى أكثرهم عقلانية وذكاء.» # وأضاف أثناء خروجي من الباب: «أو في كيس أي وسادة.» ~~••• # امرأة على الهاتف ترغب في التحدث مع الطبيب. ~~«آسفة، لقد توفي.» ~~«أقصد دكتور ستراكن، هل اتصلت بالرقم الصحيح؟» ~~«نعم، لكنه توفي. آسفة.» ~~«هل هناك شخص آخر؟ هل كان لديه أي شريك يمكنني التحدث معه؟ هل هناك أي شخص آخر يحل ~~محله؟» ~~«كلا، لا يوجد شركاء.» ~~«هل يمكنك إعطائي أي رقم آخر يمكنني الاتصال به؟ هل هناك طبيب آخر يمكنه ...» ~~«لا، ليست لدي أي أرقام، ولا أعرف أحدا.» ~~«لا بد أنك تعلمين ما أتصل بشأنه. الأمر مهم للغاية، وثمة ظروف خاصة جدا ...» ~~«آسفة.» ~~«ليست لدي أي مشكلة بشأن المال.» ~~«كلا.» ~~«رجاء حاولي التفكير في أي شخص آخر. إذا توصلت إلى أي شخص فيما بعد، هل يمكنك الاتصال ~~بي؟ سوف أترك لك رقمي.» ~~«لا يجدر بك تركه.» ~~«لا يهمني ذلك، فأنا أثق بك. على أي حال، الأمر لا يخصني. أعلم أن الكل يقول ذلك، لكن ~~هذه هي الحقيقة. إنه يخص ابنتي؛ وهي تعاني من حالة نفسية سيئة للغاية.» ~~«يؤسفني ذلك.» ~~«لو تعلمين ما مررت به للحصول على هذا الرقم لحاولتي مساعدتي.» ~~«آسفة.» ~~«أرجوك.» ~~«آسفة.» ~~••• # كانت مادلين آخر الحالات الخاصة التي عالجها أبي، وقد رأيتها في الجنازة. لم تذهب إلى ~~كينورا، أو لعلها عادت من هناك. لم أتعرف عليها في بادئ الأمر؛ لأنها كانت ترتدي قبعة سوداء ~~عريضة الحواف وعليها بعض الريش. لا ريب أنها استعارتها؛ فلم تبد معتادة على تدلي الريش ~~على عينها. تحدثت إلي في صف الاستقبال بقاعة الكنيسة، وقلت لها العبارة ذاتها التي ~~قلتها للجميع. ~~«لفتة طيبة منك أن تأتي.» # بعدها انتبهت إلى غرابة ما قالته لي. ~~«كنت أعول على أنك من محبي الحلوى.» ~~••• # قلت للمحامي: «لعله لم يكن ms268 يحصل دائما على أتعاب لقاء عمله . لعله كان يعمل بلا مقابل ~~أحيانا؛ فبعض الناس يعملون من باب الإحسان.» # اعتاد المحامي علي الآن، فقال: «ربما.» # واستطردت: «أو ربما كانت هناك جمعية خيرية يدعمها أبي دون أن يترك لنا أي سجل ~~عنها.» # نظر المحامي في عيني للحظة. # ثم قال: «جمعية خيرية.» # فقلت: «حسنا، إنني لم أحفر أرضية القبو بعد.» فابتسم مندهشا من هذا التحول المفاجئ في ~~حديثي. ~~••• # لم تقدم السيدة باري إخطارا بالاستقالة، وإنما لم تعد تأتي إلى المنزل وحسب. لم يعد ~~هناك شيء معين لتفعله؛ نظرا لأن الجنازة كانت في الكنيسة، والاستقبال في القاعة الملحقة ~~بها. لم تحضر إلى الجنازة، ولا أي فرد من أسرتها. حضر الجنازة عدد كبير من الناس، حتى إنني ~~ما كنت لألاحظ عدم مجيئهم لولا أن شخصا ما قال لي: «لم أر أيا من أقارب السيدة باري، ~~هل رأيتهم؟» # اتصلت بها هاتفيا بعد عدة أيام، وقالت لي: «لم أذهب إلى الكنيسة؛ لأنني كنت أعاني من ~~نزلة برد شديدة.» # قلت لها إن هذا ليس سبب اتصالي بها. وأضفت أنني تمكنت من تدبير الأمر بنفسي، لكنني تساءلت ~~عما كانت تخطط له. ~~«لا أرى داعيا للعودة الآن.» # فقلت لها إنها ينبغي عليها العودة للحصول على شيء ما من المنزل والاحتفاظ به كتذكار. كنت ~~قد علمت آنذاك بأمر المال، وأردت أن أخبرها بأسفي لأنها لن تحصل على شيء، لكنني لم أعرف ~~كيفية قول ذلك. # فقالت لي: «ثمة أشياء تركتها في المنزل. سوف آتي لأخذها عندما أتمكن من ذلك.» # وما كان منها إلا أن جاءت صبيحة اليوم التالي. وكانت الأشياء التي لزم عليها جمعها هي ~~مماسح ودلاء وفرش تنظيف وسلة ملابس. كان من الصعب تصديق أنها تهتم باستعادة مثل هذه ~~الأشياء. ومن الصعب أيضا تصديق أنها أرادتها لأسباب عاطفية، لكن ربما كانت هذه هي الحقيقة ~~بالفعل؛ فقد كانت أشياء ظلت تستخدمها سنوات، بل طوال كل السنوات التي عملت بها في هذا ~~المنزل حيث قضت عدد ساعات أكثر من تلك التي قضتها في ms269 منزلها. # سألتها: «هل من شيء آخر تودين الحصول عليه؟ للاحتفاظ به كتذكار؟» # فنظرت في أرجاء المطبخ، وهي تعض على شفتها السفلى، ولعلها كانت ستبتسم، ثم تراجعت في ~~الأمر. # وقالت: «لا أظن أن ثمة شيئا آخر هنا يمكنني الاستفادة منه.» # كنت قد أعددت لها شيكا، ولم يتبق سوى كتابة المبلغ عليه. لم أستطع اتخاذ قرار بشأن ~~القدر الذي سأمنحها إياه من الخمسة آلاف دولار الخاصة بي. فكرت أن يكون ألف دولار، لكن ~~يبدو ذلك الآن مخزيا في نظري، ففكرت في مضاعفته. # أخرجت الشيكات التي خبأتها في أحد الأدراج، وعثرت على قلم، وكتبت أربعة آلاف ~~دولار. # قلت لها: «هذا لك، وشكرا لك على كل شيء.» # أمسكت بالشيك في يدها، ونظرت فيه نظرة خاطفة، ثم وضعته في جيبها. ظننت أنها ربما لم ~~تستطع قراءة الرقم المكتوب، ثم لاحظت عليها حمرة الوجه الداكنة، وشعور الخزي المتدفق، ~~وصعوبة التعبير عن الامتنان. # تمكنت السيدة باري من التقاط كل الأشياء التي جمعتها باستخدام يدها السليمة. وفتحت ~~الباب لها، وكلي لهفة أن تقول أي شيء، حتى إنني كدت أقول لها: «عذرا، هذا كل ما يمكنني ~~تقديمه.» # لكنني وجدت نفسي أقول لها: «ألم يتحسن حال مرفقك بعد؟» # فأجابت: «لن يتحسن أبدا.» ثم طأطأت رأسها كما لو كانت تخشى تقبيلي لها، وقالت: «حسنا، ~~شكرا جزيلا. وداعا!» # شاهدتها أثناء سيرها إلى السيارة. افترضت توصيل زوجة ابن أختها لها إلى هنا. # لكن السيارة لم تكن سيارة زوجة ابن أختها التي اعتدت رؤيتها، فتبادر إلى ذهني أنها ربما ~~عملت مع شخص آخر، بغض النظر عن حالة ذراعها، ربما يكون شخصا ثريا، ولعل ذلك السبب وراء ~~تعجلها، وشعورها بالخزي الذي انتابها سريعا. # كانت زوجة ابن أختها هي التي خرجت لمساعدتها في حمل ما كان معها من أشياء. لوحت لها، ~~لكنها كانت مشغولة للغاية بإقحام المماسح والدلاء في السيارة. # صحت عاليا: «سيارة رائعة!» لأنني ظننت أنها ستكون مجاملة تقدرها كلتا المرأتين. لم ~~أعرف طراز السيارة، لكنها كانت جديدة تماما وكبيرة وبراقة. كان لونها أرجوانيا مائلا ms270 ~~للفضي. # فصاحت زوجة ابن الأخت: «نعم ، معك حق!» وطأطأت السيدة باري رأسها مصدقة على ~~الكلام. # بالرغم من ارتجافي في ملابس المنزل أثناء وقوفي بالباب، شعرت بأنني مجبرة على ذلك لما ~~انتابني من شعور بالأسف والحيرة، فظللت واقفة هناك ولوحت للسيارة حتى ابتعدت عن مرمى ~~البصر. # لم أستطع الاستقرار على شيء ما لفعله بعد ذلك، فأعددت بعض القهوة لنفسي، وجلست في المطبخ. ~~أخرجت شوكولاتة مادلين من الخزانة وأكلت قطعتين، بالرغم من عدم اشتهائي الحلوى بالدرجة التي ~~تجعلني أستمتع بالحشو ذي اللونين الصناعيين البرتقالي والأصفر داخلها. تمنيت لو أنني ~~شكرتها، ولا أرى سبيلا لفعل ذلك الآن؛ فأنا حتى لا أعلم اسمها بالكامل. # قررت الخروج للتزلج. كانت هناك محاجر خلف منزلنا، أظن أنني قد أخبرتك بشأنها. ارتديت ~~الزلاجات الخشبية القديمة التي اعتاد أبي ارتداءها عندما كانت الطرق الخلفية لا تجرف منها ~~الثلوج في فصل الشتاء، وكان ينبغي عليه عبور الحقول لتوليد سيدة أو استئصال الزائدة الدودية ~~لأحد المرضى. كانت هناك أربطة مثبتة بالعرض فقط بهذه الزلاجات لتثبيت قدميك بها. # تزلجت حتى وصلت إلى المحجر الذي غطت ~~منحدراته الحشائش على مر السنوات، وصارت الآن مغطاة أيضا بالثلوج. ظهرت عليها آثار سير ~~الكلاب، وآثار أخرى للطيور، ودوائر غير واضحة صنعتها خطوات فأر الحقول أثناء ركضه سريعا، ~~لكنه ما من أثر لأي بشر. تحركت صعودا ونزولا على نحو متكرر، اخترت في البداية منحدرا ~~آمنا، ثم توجهت إلى منحدرات أكثر حدة. أخذت أسقط بين الحين والآخر، لكن بخفة على الكميات ~~الكبيرة من الثلج المتساقط حديثا. وبين إحدى اللحظات التي سقطت فيها واللحظة التي تلتها ~~ووقفت فيها على قدمي، اكتشفت شيئا ما. # لقد عرفت أين ذهبت الأموال. ~~«ربما عمل خيري.» ~~«سيارة رائعة.» # وأربعة آلاف دولار من إجمالي خمسة آلاف. ~~••• # منذ تلك اللحظة وأنا أشعر بالسعادة. # شعرت بما يمكن أن ينتاب المرء من شعور عند رؤية الأموال وهي تتبعثر من فوق جسر أو تتناثر ~~عاليا في الهواء. الأموال، والآمال، وخطابات الحب، كلها أشياء يمكن أن يطاح بها في الهواء ms271 ~~وتنزل إلى الأرض بعد أن تتغير . تنزل وقد خفت وزنا وتحررت من سياقها. # الأمر الذي لم يسعني تخيله هو استسلام أبي للابتزاز؛ لا سيما لأناس لا يتسمون بقدر كبير ~~من المصداقية أو المهارة؛ وخاصة عندما يبدو أن المدينة كلها ستأخذ صفه، أو على الأقل ~~ستؤثر الصمت. # لكن ما يمكنني تخيله هو تلك البادرة الراقية غير المتوقعة التي صدرت عن أبي لاستباق طلب ~~المبتزين أو لمجرد إظهار عدم اكتراثه. والآن، بعد أن توفي، أتطلع إلى رؤية المحامي ~~مصدوما، وإلى بذلي المزيد من الجهد لاستكشاف شخصية أبي. # لا. لا أظن أنه كان سيفكر على هذا النحو، ولا أظن أنني كنت أرد على ذهنه كثيرا، ليس ~~كثيرا على الإطلاق بالقدر الذي أود تصديقه. # ما كنت أتجنبه هو احتمالية فعله ذلك بدافع الحب. # إنه الحب إذن. ينبغي علي عدم استبعاد ذلك الاحتمال أبدا. ~~••• # تسلقت منحدرات المحجر لأخرج منه، وما إن خرجت إلى الحقول حتى ضربتني الرياح. عصفت ~~الرياح بالثلج على مسارات الكلاب، وتسلسل آثار فأر الأرض غير الواضحة، والأثر الذي سيكون ~~على الأرجح آخر ما تحدثه زلاجات أبي على الثلج. # عزيزي آر، روبين، ما آخر شيء ينبغي علي قوله لك؟ # وداعا وحظا سعيدا. # مع حبي. ~~(ماذا إذا فعل الناس ذلك حقا؟ ماذا لو أرسلوا حبهم عبر البريد ليتخلصوا منه؟ في أي صورة ~~سيرسلونه إذن؟ علبة شوكولاتة محشوة بمادة تشبه صفار بيض الديك الرومي، أم دمية من الصلصال ~~بتجويفين مكان العينين، أم باقة من الورود تفوق رائحتها الجميلة رائحة التعفن، أم علبة ~~ملفوفة بورق جرائد مغطى بالدماء لن يرغب أحد في فتحها؟) # اعتن بنفسك. # وتذكر ... ملك فرنسا الحالي أصلع. # | حلم أمي # أثناء الليل - أو أثناء نومها - هطلت الثلوج بغزارة. # أطلت أمي من النافذة الكبيرة المقنطرة، التي تشبه نوافذ القصور أو المباني العامة ~~عتيقة الطراز. نظرت نحو الأسفل إلى المروج الخضراء، والشجيرات، والأسيجة، وحدائق الأزهار، ~~والأشجار، وقد غطتها جميعا الثلوج التي تراكمت عليها وطوقت حوافها، دون أن تحرك لها ~~الرياح ساكنا. ولم يكن بياضها بالذي يزعج ms272 العينين - كما هو الحال في ضوء الشمس - بل كان ~~بياضا كلون الثلج في ظل السماء الصافية قبيل الفجر. خيم السكون على كل شيء؛ وبدت الأجواء ~~كتلك التي تتغنى بها ترنيمة عيد الميلاد «يا مدينة بيت لحم الصغيرة!» فيما عدا النجوم التي ~~غادرت صفحة السماء. # بيد أن خطأ ما شاب هذا المشهد؛ فجميع ~~الأشجار، والشجيرات، والنباتات كانت وارفة الأوراق كحالها في فصل الصيف، أما الحشائش، التي ~~كانت تحت هذه النباتات في بقاع متفرقة مستظلة بها وكأنها تحتمي من الثلوج، فقد بدت خضراء ~~ونضرة. طغت الثلوج بين عشية وضحاها على رفاهة الصيف في تغير طرأ على أحد فصول العام دون ~~تفسير أو توقع. كان الجميع قد رحلوا أيضا عن المكان - وإن لم تستطع تذكر من هم ~~«الجميع» - وصارت أمي وحدها في المنزل العالي الفسيح بين أشجاره وحدائقه المنمقة. # رأت أن أيا كان ما حدث، فسوف تعلمه سريعا، لكن لم يأت أحد، ولم يدق الهاتف؛ ولم ~~يرفع مزلاج بوابة الحديقة. لم تستطع سماع أصوات أي سيارات، ولم تعرف حتى الاتجاه المؤدي ~~إلى الشارع، أو الطريق، حال كونها في الريف. ولزم عليها مغادرة المنزل حيث صار الهواء ~~خانقا وساكنا. # عندما خرجت من المنزل، تذكرت أنها تركت طفلة رضيعة في الخارج بمكان ما قبل هطول ~~الثلوج بفترة طويلة. صاحب هذه الذكرى وهذا اليقين رعب اعتراها، كما لو كانت قد استيقظت من ~~حلم. استيقظت من حلم داخل حلمها لتصطدم بمسئوليتها وخطئها. لقد تركت طفلتها الرضيعة بالخارج ~~طوال الليل، ونسيتها. تركتها دون شيء يحميها في مكان ما، كما لو كانت دمية سئمت منها. وربما ~~لم تفعل ذلك الليلة الماضية، وإنما الأسبوع أو الشهر الماضي. وربما تركتها طوال أحد فصول ~~العام أو على مدى فصول عدة. لقد انشغلت بأمور أخرى، وربما تكون قد سافرت بعيدا وعادت ~~لتوها، وقد نسيت ما عادت من أجله. # ذهبت للبحث تحت الأسيجة والنباتات عريضة الأوراق. تصورت حالة الضعف والذبول التي ستكون ~~عليها الطفلة من التجمد. لعلها ستجدها قد ماتت، ووهنت وتحولت بشرتها إلى ms273 اللون البني، وصار ~~رأسها كحبة الجوز ، وارتسم على وجهها الصغير الصامت تعبير لا يدل على الألم وإنما التفجع، ~~كعجوز مريض حزين. لن تظهر أي لوم أو اتهام لها - لأمها - وإنما نظرة صبر وعجز انتظرت ~~بهما إنقاذها أو قدرها. # كان الحزن الذي اعترى أمي حزنا على انتظار الطفلة لها، وعدم علمها بهذا الانتظار الذي ~~مثلت لها فيه أملها الوحيد، بينما نسيتها هي تماما. طفلة صغيرة حديثة الولادة عاجزة حتى ~~عن الاحتماء من الثلوج. شعرت بصعوبة في التنفس لما انتابها من أسى وحزن. لن يبقى بداخلها ~~متسع لأي شيء على الإطلاق، سوى إدراكها للجرم الذي ارتكبته. # ومن ثم، كان عثورها على طفلتها نائمة في مهدها أشبه بإرجاء تنفيذ حكم بالإعدام عليها. ~~كانت نائمة على بطنها، ورأسها إلى أحد الجانبين، وكان لون بشرتها شاحبا وجميلا كقطرات ~~الثلج، وأسفل رأسها مائلا للحمرة كضوء الشمس عند الفجر. نبت شعر أحمر، كشعرها، على رأس ~~طفلتها التي تنعم بالأمان التام ولا يمكنها أن تخطئها. شعرت بالسعادة آنذاك لاكتشاف أنها قد ~~غفر لها. # تلاشت الثلوج والحدائق وارفة الأشجار والمنزل الغريب تماما. والأثر الوحيد المتبقي من ~~اللون الأبيض الذي رأته كان لون الغطاء في المهد. كان غطاء أطفال من الصوف الأبيض الخفيف، ~~متغضنا حتى نصف ظهر الطفلة. ونظرا لأن الطقس كان حارا قائظا - كما هو الحال في فصل ~~الصيف - لم تكن الطفلة ترتدي سوى حفاضة وسروالا بلاستيكيا للحفاظ على جفاف الملاءة، ~~وزينت السروال رسوم لفراشات. # سحبت أمي - التي كانت لا تزال تفكر بلا شك في الثلوج والبرد الذي يصاحبها عادة - الغطاء ~~لأعلى لتغطي ظهر الطفلة وكتفيها العاريتين ورأسها ذا الشعر الأحمر من أسفل. ~~••• # في العالم الواقعي، حدث ذلك في الصباح الباكر من أحد أيام شهر يوليو عام 1945. كانت ~~الطفلة نائمة، مع أنها اعتادت طلب رضعتها الأولى في ذلك التوقيت من صبيحة أي يوم آخر، لكن ~~الأم، بالرغم من وقوفها على قدميها وعينيها المفتوحتين، فإنها كانت لا تزال تغط في نوم ~~عميق داخل رأسها، ما حال دون تساؤلها عن سبب ms274 عدم طلب طفلتها الرضعة. لقد أنهكت قوى الأم ~~والطفلة جراء معركة طويلة، الأمر الذي نسيته الأم حتى في تلك اللحظات. تعطلت بعض الوظائف في ~~رأسها، وسيطرت على عقلها وعلى طفلتها أقصى درجات السكون. لم تدرك الأم - أمي - ضوء الشمس ~~الذي أخذ يتزايد مع مرور كل لحظة، ولم تفهم أن الشمس تشرق أثناء وقوفها في ذلك المكان. لم ~~تحركها أي ذكرى عن اليوم السابق أو ما حدث في منتصف الليل. سحبت الغطاء لأعلى على رأس ~~الطفلة وغطت ملامحها النائمة الوديعة القانعة، ومشت بخطى خافتة عائدة إلى غرفتها، واستلقت ~~على السرير، ودخلت مرة أخرى في حالة من اللاوعي. # لم يشبه المنزل الذي حدث فيه ذلك المنزل الذي ظهر في الحلم على الإطلاق؛ إذ كان منزلا ~~خشبيا مطليا بالطلاء الأبيض، ومكونا من طابق واحد وعلية. وبالرغم من ضيق مساحته، ~~فقد كان مناسبا، وبه شرفة على بعد بضعة أقدام من الرصيف، ونافذة بارزة في غرفة الطعام تطل ~~على فناء صغير مسيج. كان المنزل بشارع خلفي في بلدة صغيرة يتعذر - على الغريب - تمييزها ~~من بين الكثير من البلدات الصغيرة الأخرى التي يفصل بينها عشرة أميال أو خمسة عشر ميلا في ~~الأرض الزراعية التي اكتظت بالسكان في السابق بالقرب من بحيرة هورون. نشأ أبي وأختاه في هذا ~~المنزل، وكانت أمه وأختاه لا يزلن يعشن فيه عندما انضمت إليهن ~~أمي - وأنا أيضا بما أنني كنت جنينا بداخلها ~~آنذاك - بعد أن لقي أبي مصرعه في الأسابيع الأخيرة من الحرب في أوروبا. ~~••• # وقفت أمي جيل بجوار مائدة الطعام في ضوء ما بعد الظهيرة الباهر. امتلأ المنزل بالناس ~~الذين دعوا إليه بعد انتهاء مراسم حفل التأبين في الكنيسة. أخذوا يحتسون الشاي والقهوة، ~~وبين أصابعهم الشطائر الصغيرة، أو شرائح خبز الموز أو خبز المكسرات أو الكعك الإسفنجي. أما ~~كعك الكاسترد أو الزبيب المخبوز من العجين سهل التفتت، فكان من المفترض تناولها بأشواك ~~الحلوى من على أطباق خزفية صغيرة مزينة برسوم زهر البنفسج التي رسمتها حماة جيل عليها عندما ~~كانت عروسا. التقطت ms275 جيل كل شيء بأصابعها، وتساقط فتات العجائن وإحدى حبات الزبيب من يديها، ~~فلطخت قماش القطيفة الأخضر الذي صمم منه فستانها. كان فستانا مثيرا على نحو لا يليق ~~بالمناسبة، وأيضا فإنه ليس فستان حمل على الإطلاق، بل رداء فضفاض مصمم للحفلات ~~الموسيقية التي كانت جيل تعزف فيها على الكمان أمام الجماهير. وبسببي، ارتفعت حاشية الثوب ~~من الأمام، لكنها لم تكن تملك من الملابس ما هو كبير وأنيق بما فيه الكفاية لارتدائه في حفل ~~تأبين زوجها سوى هذا الفستان. # ما كل هذا النهم؟ لم يسع الناس سوى الانتباه للكميات الكبيرة من الطعام التي كانت جيل ~~تتناولها. قالت إيلسا لمجموعة من ضيوفها: «إنها تأكل لشخصين»؛ كي لا يحرجوها بأي شيء ~~يقولونه أو لا يقولونه عن زوجة أخيها. # شعرت جيل بالغثيان طوال اليوم حتى أدركت على حين غرة أثناء وجودها في الكنيسة أنها ~~تتضور جوعا؛ وذلك عندما كانت تفكر في مدى سوء العزف على آلة الأرغن. وطوال عزف ترنيمة ~~«أيتها القلوب الباسلة»، أخذت تفكر في شريحة هامبورجر سميكة تتقاطر منها عصارة اللحم ~~والمايونيز، ثم صارت تفكر في بديل لما تشتهيه؛ وصفة طعام من الجوز والزبيب والسكر البني - ~~مزينة من أعلى بمسحوق جوز الهند له مذاق شديد الحلاوة - أو بعض قطع خبز الموز الذي يقلل من ~~الشعور بالتوتر أو القليل من الكاسترد. وبالطبع، ما من شيء كان سيرضيها، فواصلت التخيل. ~~فعند إرضاء جوعها الفعلي، يظل جوعها التخيلي مستمرا، وتتزايد سرعة اهتياجها إلى حد النهم، ~~ما يجعلها تتخم فمها بما لم يعد بإمكانها تذوقه. لم تجد تفسيرا لهذا الاهتياج سوى أنه ~~يتعلق بارتدائها الفرو وضيق الملابس. سياج أزهار البرباريس الكثيفة المتصلبة تحت أشعة ~~الشمس - الذي تطل عليه النافذة - وملمس الفستان ~~القطيفة الذي يلتصق بإبطيها المتعرقين، وخصلات الشعر المتموج - الذي كان بنفس لون الزبيب ~~المحشو به الكعك - المرفوعة لأعلى رأس أخت زوجها، إيلسا، بل وزهور البنفسج المرسومة على ~~الأطباق الخزفية أيضا؛ وتبدو كقشور يمكنك نزعها من على الطبق؛ كل هذه الأشياء بدت بشعة ~~وقابضة لصدرها - في نظرها ms276 - بالرغم من علمها بأنها أشياء طبيعية تماما. لكنها ربما حملت ~~رسالة ما عن حياتها الجديدة غير المتوقعة. # لماذا غير متوقعة؟ فهي تعلم منذ فترة بشأن حملها بي، كما أنها تعلم أن جورج كيركم قد يلقى ~~حتفه؛ فهو في سلاح الطيران (والناس من حولها في منزل آل كيركم بعد ظهيرة هذا اليوم يتحدثون ~~- وإن لم يكن معها بوصفها أرملته أو مع أختيه - عن أنه من ذلك النوع من الناس المتوقع موتهم ~~دوما. والسبب في نظرهم أنه وسيم ومتقد النشاط ومصدر الفخر لأسرته التي تعلق عليه كل ~~الآمال). كانت تعلم ذلك، لكنها واصلت حياتها العادية، حاملة الكمان الخاص بها في صباح أيام ~~الشتاء المظلمة، تستقل الترام إلى معهد الموسيقى حيث تتمرن ساعة تلو الأخرى - وأصوات ~~الآخرين تحيط بها - لكنها تظل وحدها في غرفة تملؤها الأوساخ لا يصحبها فيها سوى ضجيج جهاز ~~التدفئة المركزية فحسب. كانت أصابعها يتغير لونها من البرد في البداية، ثم تصير جافة نتيجة ~~للحرارة والجفاف بالداخل. واصلت حياتها في غرفة مستأجرة، بها نافذة لم تثبت كما ينبغي، ~~ما جعلها تسمح بدخول الحشرات في الصيف، ويتناثر الثلج على عتبتها في الشتاء. وواصلت أحلامها ~~- عندما لا تشعر بالغثيان - بالسجق وفطائر اللحم وقطع الشوكولاتة الداكنة الكبيرة. وفي معهد ~~الموسيقى، تعامل الناس مع حملها بحرص، كما لو كان ورما. لم يظهر الحمل عليها إلا بعد فترة ~~طويلة على أي حال، كما هو الحال مع حالات الحمل الأولى بوجه عام لدى الفتيات ذوات البنيان ~~الضخم والحوض الواسع. وحتى مع تقلباتي في بطنها، ظلت تعزف الموسيقى أمام الجماهير. فعزفت ~~عزفا منفردا لأهم مقطوعة موسيقية لها - وهي مقطوعة كونشرتو مندلسون للكمان - وهي ممتلئة ~~الجسم على نحو مهيب، وشعرها الأحمر الطويل مسترسل على كتفيها، ووجهها عريض ومشرق، والتعبير ~~المرتسم عليه يدل على التركيز الكامل الجدي. # أولت بعض الاهتمام آنذاك بالعالم من حولها، وفكرت خارج نطاق دائرتها؛ إذ علمت أن الحرب ~~أوشكت على الانتهاء، ففكرت في احتمالية عودة جورج بعد ولادتي. وكانت تعلم أنها لن تتمكن من ~~الاستمرار ms277 في العيش بالغرفة التي عاشت فيها آنذاك، وسينبغي عليها الانتقال للعيش معه في ~~مكان آخر. كذلك علمت أنني سأكون هناك معهما، لكنها رأت في ميلادي نهاية لشيء ما أكثر من ~~كونه بداية؛ فسوف يكون نهاية للركل في الجزء المؤلم دائما بجانب بطنها، والألم الذي تشعر ~~به من أسفل في أعضائها التناسلية عند وقوفها لاندفاع الدم في هذا المكان (كما لو كان بداخله ~~ضمادة مشتعلة)، ولن تصير حلمتا ثدييها كبيرتين وداكنتين وجافتي الملمس بعد الولادة، ولن ~~تطوق بالأربطة ساقيها بسبب اتساع شرايينهما وامتلائها بالدم، قبل نزولها من الفراش كل ~~صباح. ولن تضطر للتبول كل نصف ساعة أو نحو ذلك، وسوف تنكمش قدماها لتلائما أحذيتها كما كانت ~~من قبل. كانت تعتقد أنها بولادتي ستستريح من متاعبي. # وبعد أن علمت بعدم عودة جورج من الحرب، فكرت في إبقائي فترة من الوقت في نفس الغرفة التي ~~كانت تعيش فيها، واشترت كتابا عن الأطفال، بالإضافة إلى الأشياء الأساسية التي سأحتاج ~~إليها. كانت هناك سيدة عجوز في المبنى ستتولى مهمة رعايتي عند خروج أمي لتدريباتها ~~الموسيقية. وكانت أمي تحصل على معاش أرملة محارب، وفي غضون ستة أشهر ستكون قد تخرجت في ~~معهد الموسيقى. # لكن إيلسا حضرت بالقطار، واصطحبت أمي معها، وقالت لها: «لا يمكننا تركك على هذا الحال هنا ~~وحدك؛ فالجميع يتساءل عن سبب عدم مجيئك أثناء غياب جورج، وحان الوقت الآن للانتقال للعيش ~~معنا.» ~~••• # قال جورج لجيل في إحدى المرات: «أهلي مخبولون؛ فإيونا تعاني التوتر، وإيلسا كان من ~~المفترض أن تكون رقيبا أول في الجيش، أما أمي فعجوز مخرفة.» # وأضاف أيضا: «ورثت إيلسا الذكاء، لكنها اضطرت لترك المدرسة والعمل في مكتب البريد عند ~~وفاة أبي. وورثت أنا الوسامة، ولم يتبق شيء لإيونا المسكينة سوى البشرة المعيبة والأعصاب ~~المتوترة.» # التقت جيل بأختيه للمرة الأولى عندما جاءتا إلى تورونتو لتوديع جورج عند سفره. لم تحضرا ~~حفل الزفاف الذي كان قد عقد قبل ذلك الحين بأسبوعين، ولم يحضره أحد، في الواقع، سوى جورج ~~وجيل والقس وزوجة القس وأحد ms278 الجيران الذي دعي ليكون الشاهد الثاني عليه. أما أنا، فكنت من ~~بين الحضور أيضا؛ إذ كنت في أحشاء جيل، لكنني لم أكن السبب وراء الزفاف، ولم يعلم أحد ~~بوجودي آنذاك. وبعد ذلك، أصر جورج على أن يلتقط مع جيل لنفسيهما صور زفاف في إحدى كبائن ~~التقاط الصور الذاتية، متعمدين عدم إظهار أي تعبير على وجهيهما. لقد كان دوما مرحا ~~ومازحا. وعندما نظر إلى الصور، قال لها: «سوف تفي هذه بالغرض.» وتساءلت جيل عما إذا كان ~~هناك شخص معين يقصده جورج بهذه العبارة؛ هل يقصد إيلسا؟ أم الفتيات الجميلات اللطيفات ~~المرحات اللاتي كن يلاحقنه، ويكتبن له الخطابات الغرامية، وينسجن له جواربه مربعة النقش؟ ~~كان جورج يرتدي تلك الجوارب متى تمكن، ويضع الهدايا في جيوبه، ويقرأ تلك الخطابات بصوت ~~عال في الحانات على سبيل المزاح. # لم تتناول جيل أي شيء على الفطور قبل حفل الزفاف، وفي منتصف الحفل أخذت تفكر في فطائر ~~البان كيك ولحم الخنزير. ~~••• # بدت الأختان طبيعيتين على نحو فاق ما توقعته جيل. بيد أن جورج ورث بالفعل الوسامة؛ إذ ~~كان يتمتع بتموج حريري في شعره الأشقر الداكن، ولمعة مبهجة في عينيه، وملامح واضحة يحسد ~~عليها. وكان عيبه الوحيد أنه لم يكن طويل القامة؛ فبلغ من الطول ما سمح له بالنظر في عيني ~~جيل والعمل طيارا في القوات الجوية. # قال لها في إحدى المرات: «إنهم لا يتطلبون رجالا طوال القامة للعمل بمهنة الطيار؛ فقد ~~تغلبت على المتقدمين الآخرين، أولئك الملعونين طوال القامة النحاف. وأيضا فإن الكثير ~~من ممثلي السينما قصار القامة، ويقفون على صناديق في مشاهد التقبيل.» ~~(كان جورج شديد الصخب في دور السينما، وكان يبدي استياءه من مشاهد التقبيل، ولم يكن ~~محبا للقبلات في الحياة الواقعية أيضا، وإنما كان يفضل بدء الأمر دون مقدمات، على حد ~~تعبيره.) # كانت الأختان قصيرتي القامة أيضا، وتمت تسميتهما على اسم مكانين في اسكتلندا، حيث قضى ~~والداهما شهر العسل قبل أن تخسر الأسرة أموالها. كانت إيلسا أكبر من جورج باثني عشر عاما، ~~وإيونا بتسعة ms279 أعوام. ووسط الزحام في محطة قطار يونيون ستيشن، بدتا قصيرتي القامة، ~~وممتلئتين، ومتحيرتين. كانت كل منهما ترتدي قبعة وبزة جديدتين، كما لو كانتا هما ~~المتزوجتين حديثا. وشعرتا بالانزعاج لنسيان إيونا قفازيها الأنيقين بالقطار. كانت بشرة ~~إيونا معيبة بالفعل، وإن لم تظهر بها آنذاك أي بثور، وربما كانت أيام إصابتها بحب الشباب ~~قد ولت. بيد أن بشرتها امتلأت بالكتل الدهنية مع آثار ندبات قديمة، وبدت ربداء تحت بودرة ~~الوجه الوردية. أما شعرها، فانزلق من تحت قبعتها في خصلات لولبية منسدلة. كانت عيناها ~~دامعتين؛ إما بسبب توبيخ إيلسا لها أو لسفر أخيها لخوض الحرب. أما إيلسا، فكان شعرها مصففا ~~في خصل متموجة بعناية، تعلوها قبعة، وكانت لها عينان شاحبتان فطنتان ارتدت عليهما نظارة ذات ~~إطار متلألئ، ووجنتان مستديرتان متوردتان، وغمازة بذقنها. تمتعت كلتا الفتاتين بجسم ممتلئ؛ ~~وثديين ناهدين، وخصر صغير، وفخذين عريضتين. لكن هذا الجسم بدا على إيونا وكأنه شيء حصلت ~~عليه عن طريق الخطأ، وحاولت إخفاءه بالانحناء بكتفيها للأمام وعقد ذراعيها على صدرها. أما ~~إيلسا، فقد تعاملت مع انحناءات جسدها على نحو واثق وليس مثيرا في الوقت نفسه، كما لو كانت ~~مصنوعة من نوع متين من السيراميك. وكان لكلتيهما نفس لون الشعر الأشقر الداكن - مثل جورج - ~~دون لمعة عينيه، ولم يبد أنهما تشاركانه نفس حس الفكاهة أيضا. # قال جورج: «حسنا، سوف أرحل الآن لأموت بطلا بميدان باشنديل.» فقالت له إيونا: «يا إلهي! ~~لا تقل ذلك. لا تتحدث على هذا النحو.» بينما استهجنت إيلسا قوله وصاحت ساخرة مما ~~قاله. # وقالت: «بوسعي رؤية لافتة «المفقودات» من هنا، لكنني لا أعلم ما إذا كانت هذه اللافتة ~~تتعلق بالأشياء التي فقدت في المحطة أم تلك التي يعثرون عليها في القطارات. باشنديل كانت ~~في الحرب العالمية الأولى.» # فقال جورج وهو يضرب بيده على صدره: «حقا؟ هل أنت متأكدة؟ هل تأخرت على المعركة لهذا ~~الحد؟» # وبعد بضعة أشهر من ذلك اليوم، لقي حتفه بعد اشتعال الطائرة التي حلق بها في إحدى الجولات ~~التدريبية فوق البحر الأيرلندي. ~~••• # ارتسمت ms280 الابتسامة دائما على وجه إيلسا في حفل التأبين، وكانت تقول: «حسنا، أنا فخورة. ~~بالطبع فخورة. ولست الوحيدة التي فقدت شخصا عزيزا عليها. لقد فعل ما وجب عليه فعله.» رأى ~~بعض الناس روحها المعنوية المرتفعة أمرا صادما قليلا، في حين رثى آخرون لحالها؛ فبعد كل ~~هذا الاهتمام بجورج، وادخار المال لإرساله إلى كلية الحقوق، يخدعها ليشترك في الحرب ويتركها ~~ليقتل. لم يستطع الانتظار. # ضحت أختاه بتعليمهما، بل وبتقويم أسنانهما أيضا؛ فبالرغم من أن إيونا دخلت كلية ~~التمريض بالفعل، فإنه اتضح أنها كانت ستستفيد بتقويم أسنانها استفادة أكبر. والآن، انتهى ~~الأمر بها وبإيلسا أختين لأحد أبطال الحرب. الجميع يؤكد ذلك؛ جورج بطل. ويرى الشباب أن وجود ~~بطل في الأسرة أمر عظيم، ويعتقدون أن أهمية هذه اللحظة ستدوم مع إيلسا وإيونا إلى الأبد، ~~وستتعالى أنغام ترنيمة «أيتها القلوب الباسلة» حولهما دائما. أما الأشخاص الأكبر سنا، ~~ممن يتذكرون الحرب السابقة، فيعلمون أن كل ما سيتبقى لهم في النهاية هو مجرد اسم على النصب ~~التذكاري. أما الأرملة، التي تعول نفسها، فهي التي ستحصل على المعاش. # أصابت إيلسا حالة من التوتر، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى عدم نومها ليلتين متتاليتين لأداء ~~أعمال التنظيف؛ ليس لأن المنزل لم يكن نظيفا بما فيه الكفاية، بل لأنها شعرت بالحاجة لغسل ~~كل طبق وأصيص وحلية بالمنزل، وجلي الزجاج الموجود على كل صورة، وسحب الثلاجة والتنظيف ~~خلفها، وغسل درجات سلم القبو، وسكب مادة التبييض في صندوق القمامة. ورأت أيضا أنه يلزم ~~عليها تفكيك أجزاء الثريا فوق مائدة الطعام، وغمر كل قطعة منها في الماء والصابون، ثم ~~شطفها، وتجفيفها، وإعادة تركيبها. ونظرا لعملها في مكتب البريد، لم تتمكن من البدء في هذه ~~الأعمال إلا بعد العشاء. وبالرغم من أنها صارت الآن مديرة المكتب، وكان بإمكانها منح نفسها ~~إجازة في ذلك اليوم، فإنها لم تفعل؛ فهذا من شيمها. # والآن، فقد بدت مثيرة بأحمر الشفاه الذي وضعته، ومتوترة في فستانها الأزرق الداكن ~~المصمم من قماش الكريب، وياقته الدانتيل. لم تستطع البقاء ساكنة في مكانها، ms281 وإنما أخذت ~~تعيد ملء أطباق التقديم وتمررها بين الضيوف، وتستنكر أن يكون الشاي قد برد، فتسرع لإعداد ~~المزيد منه. اهتمت براحة ضيوفها، وأخذت تسألهم عن أحوالهم مع الروماتيزم وغيره من الأمراض ~~البسيطة الأخرى التي يعانون منها. ابتسمت في وجه مأساتها، وقالت مرارا وتكرارا إن مصيبتها ~~يعاني الكثيرون مثلها، وينبغي عليها عدم الشكوى بما أن هناك العديد من الآخرين في نفس ~~المركب، وأن جورج ما كان ليرغب في حزن أصدقائه عليه، وإنما كان يود أن يمتنوا لانتهاء ~~الحرب تماما. قالت ذلك بصوت عال وحازم يحمل نبرة تأنيب ودي اعتاد الناس عليها منها في ~~مكتب البريد. فجعلتهم بذلك يشكون في قولهم شيئا لا يصح قوله، كما يحدث لهم في مكتب ~~البريد حيث تشعرهم أحيانا بأن خط أيديهم سيئ للغاية، أو أن الطرود التي يودون إرسالها قد ~~ربطت على نحو غير متقن. # أدركت إيلسا أن صوتها عال، وأنها تبتسم كثيرا، وأنها قد صبت الشاي لأناس أوضحوا عدم ~~رغبتهم في الحصول على المزيد. وبينما كانت في المطبخ لتسخين إبريق الشاي، قالت: «لا أعلم ما ~~خطبي؛ إنني متوترة للغاية!» # وجهت هذا الحديث إلى دكتور شانتس، وهو جار لها يقع منزله على الجانب الآخر من الفناء ~~الخلفي لمنزلها. # قال لها: «سرعان ما سينتهي الأمر. هل ترغبين في حبة برومايد؟» # تغير صوته عندما فتح باب المطبخ الذي يؤدي إلى غرفة الطعام، وخرجت منه كلمة «برومايد» ~~على نحو يدل على الحزم والمهنية. # تغير صوت إيلسا أيضا، من البؤس إلى الشجاعة، وقالت له: «شكرا لك! سوف أحاول تحمل ~~الأمر دون أي أدوية.» ~~••• # تمثلت مهمة إيونا في مراقبة أمها، والتأكد من عدم سكبها الشاي الذي تشربه؛ الأمر الذي ~~قد تفعله ليس لحماقتها بل لنسيانها. كان عليها أيضا مراقبتها لإبعادها عن الحفل إذا بدأت ~~في البكاء. بيد أن سلوك السيدة كيركم كان، في الواقع، راقيا أغلب الوقت، وعملت على خدمة ~~الضيوف على نحو أسرع من إيلسا. وعلى مدى ربع ساعة، أدركت الموقف - أو بدا عليها ذلك - ~~وتحدثت بشجاعة واقتناع عن أنها ms282 ستظل تفتقد ابنها دائما، لكنها ممتنة لأنها لا تزال بصحبة ~~ابنتيها: إيلسا الفتاة الكفء التي يمكن الاعتماد عليها والمذهلة كعادتها دوما؛ وإيونا ذات ~~القلب الطيب الحنون. تذكرت أيضا التحدث عن زوجة ابنها، التي تزوجها حديثا، لكنها قالت ~~شيئا دل على اضطرابها، وذلك عندما ذكرت ما لا تذكره معظم النساء في سنها في أي تجمع ~~اجتماعي وفي حضور الرجال؛ إذ نظرت إلى جيل وإلي، وقالت: «وجميعنا سنستريح قريبا.» # لكن بعد تجولها بين الغرف والضيوف، نسيت تماما ما يحدث، ونظرت في أرجاء المنزل، وقالت: ~~«لماذا نحن هنا؟ يا له من جمع كبير من الناس! بم نحتفل؟» وعند إدراكها أن الاحتفال له ~~علاقة بجورج، قالت: «هل هذا حفل زفاف جورج؟» ومع إدراكها هذه المعلومة الجديدة، فقدت بعضا ~~من رشدها، فسألت إيونا: «هذا ليس حفل زفافك، أم أنه كذلك؟ كلا، لا أظن؛ فأنت لم تحظي ~~برفيق من قبل، أليس كذلك؟» طغت على صوتها نبرة تشي بحاجتها إلى مواجهة الحقائق وبأنها تأخرت ~~كثيرا عن معرفة مجريات الأمور. وعندما وقعت عيناها على جيل، ضحكت. ~~«هذه ليست العروس، أم أنها هي؟ يا إلهي! لقد اتضح الأمر الآن.» # لكنها تذكرت الحقيقة بعد ذلك فجأة، مثلما نسيتها بالضبط. # فسألت: «هل من أخبار عن جورج؟» وفي تلك اللحظة، بدأ البكاء الذي خشيت إيلسا منه. # فقالت إيلسا: «فلتبعديها عن المكان، إذا بدأت في لفت الأنظار بتصرفات تثير ~~السخرية.» # بيد أن إيونا لم تتمكن من إبعاد أمها عن المكان - فهي لم تستطع قط فرض سيطرتها على أي أحد ~~في حياتها - لكن زوجة الدكتور شانتس أمسكت بذارع السيدة العجوز. # سألت السيدة كيركم بخوف: «أمات جورج؟» فأجابتها السيدة شانتس: «نعم، لكن أتدرين؟ زوجته ~~ستنجب طفلا عما قريب.» # اتكأت السيدة كيركم عليها، وتغيرت قسمات وجهها، ثم قالت برفق: «هل لي أن أتناول بعض ~~الشاي؟» ~~••• # أينما توجهت أمي ببصرها في ذلك المنزل، رأت صورة لأبي. الصورة الأخيرة والرسمية له وهو ~~يرتدي زيه الرسمي وضعت على مفرش مطرز على ماكينة الخياطة محكمة الإغلاق بالقرب من نافذة ~~غرفة ms283 الطعام. وضعت إيونا الورود حولها، لكن إيلسا أبعدتها؛ إذ قالت إنها تجعله يبدو كقديس ~~كاثوليكي. وأعلى درجات السلم، ثمة صورة أخرى له وهو في السادسة من عمره على الرصيف خارج ~~المنزل جالسا في عربة الأطفال. وفي الغرفة التي نامت فيها جيل، هناك صورة له بجوار دراجته ~~حاملا حقيبته المطبوع عليها «فري بريس». أما غرفة السيدة كيركم، فاحتوت على صورة له وهو ~~يرتدي ملابس الأوبريت الذي شارك فيه وهو في الصف الثامن بالمدرسة، وفوق رأسه تاج ذهبي اللون ~~من الكرتون. فنظرا لعدم قدرته على الغناء، لم يتمكن من الحصول على أحد الأدوار الرئيسية ~~بالأوبريت، لكنه اختير بالطبع لأداء أفضل دور ثانوي؛ وهو دور الملك. # وفوق البوفيه، ثمة صورة أخرى له ملطخة ببصمات الأصابع كانت قد التقطت له في استوديو ~~للتصوير الفوتوغرافي عندما كان في الثالثة من عمره؛ طفلا صغيرا أشقر غير واضح الملامح ~~ويجر دمية من القماش من إحدى ساقيها. فكرت إيلسا في إبعاد هذه الصورة؛ لأنها قد تثير ~~البكاء، لكنها فضلت تركها بعد ذلك كي لا تترك بقعة فاتحة اللون في ورق الحائط في المكان ~~الذي وضعت فيه. ولم يقل أي أحد أي شيء عن هذه الصورة سوى السيدة شانتس؛ وذلك عندما ~~كفت عن الحديث، ثم قالت ما اعتادت قوله أحيانا من قبل، دون بكاء وإنما بإعجاب ~~رقيق. ~~«يا إلهي! كريستوفر روبين.» # اعتاد الناس عدم الانتباه كثيرا لما تقوله السيدة شانتس. # في جميع صوره، يبدو جورج متألقا؛ هناك دائما خصلات براقة من شعره الأشقر منسدلة على ~~جبهته، إلا إذا كان يرتدي قبعته العسكرية أو تاجه. حتى عندما كان طفلا صغيرا، بدا وكأنه ~~موقن بأنه شخص مرح وداهية وساحر، شخص لا يترك الناس وشأنهم أبدا، ويدفعهم للضحك دائما، ~~ويكون ذلك على حسابه في بعض الأحيان، لكنه في الغالب على حساب الآخرين. تذكرت جيل كيف كان ~~يشرب الخمر، ولا يبدو مخمورا أبدا، وكيف اهتم بدفع الآخرين للسكر كي يعترفوا له ~~بمخاوفهم، أو أكاذيبهم، أو عذريتهم، أو تدليسهم، وتحويله هذه الأمور فيما بعد ms284 إلى نكات، أو ~~نعت هؤلاء بألقاب مهينة ادعى أصحابها - من ضحاياه - استمتاعهم بها؛ ولذا، كان لديه عدد ~~هائل من التابعين والأصدقاء، الذين ربما رجع تعلقهم به إلى الخوف، أو ربما لأنه كان يضفي ~~حيوية على ما حوله، كما كان يقال عنه دوما. فحيثما وجد، كان محور الاهتمام، وأشاع من ~~حوله روح المخاطرة والبهجة. # ماذا كان بوسع جيل فعله حيال حبيب بهذه الطباع؟ كانت في التاسعة عشرة من عمرها عندما ~~التقت به، ولم يتقرب إليها أحد من قبل. لم تستطع فهم ما جذبه إليها، ورأت أنه ما من أحد ~~تمكن من فهم ذلك أيضا. لقد كانت بمثابة اللغز لمعظم من كانوا في سنها، لكنه لغز ممل؛ ~~فهي فتاة كرست حياتها لدراسة الكمان، ولم يكن لديها أي اهتمامات أخرى. # لكن ذلك لم يكن صحيحا تماما؛ فقد كانت تستلقي باسترخاء تحت ألحفتها الرثة وتتخيل حبيبا ~~ما. بيد أنه لم يكن قط حبيبا مهرجا متألقا مثل جورج؛ فكانت تفكر في شخص ضخم دافئ ~~المشاعر، أو موسيقي شهير يكبرها بعقد من الزمان ويتميز بالفحولة. كانت مفاهيمها عن الحب ~~أوبرالية، وإن لم يكن هذا هو نوع الموسيقى الذي تفضله. أما جورج، فقد كان يطلق النكات ~~أثناء جماعها؛ ويتبختر في أنحاء الغرفة بعد انتهائه؛ ويصدر أصواتا وقحة وطفولية. لم تشعرها ~~هذه التصرفات الطائشة من جانبه بالقدر نفسه من المتعة الذي حظيت به في تخيلاتها، لكنها في ~~الوقت نفسه لم تصبها بالإحباط التام. # ما شعرت به حقا هو الذهول من السرعة التي جرت بها الأمور. لقد توقعت أن تكون سعيدة - ~~وممتنة - عندما أدركت الواقع المادي والاجتماعي من حولها. بدا اهتمام جورج بها وزواجها به ~~امتدادا رائعا لحياتها. كان الأمر أشبه بدخولها غرفا زاخرة بالإضاءة والروعة المذهلة. ~~وبعد ذلك، وقعت الكارثة غير المتوقعة التي كانت أشبه بانفجار قنبلة أو هبوب إعصار مفاجئ ~~أطاح بهذا الامتداد الجديد لحياتها برمته. تلاشى وانهار وما عادت تملك شيئا سوى حياتها ~~القديمة نفسها والخيارات التي أتيحت لها من قبل. خسرت شيئا ما بالتأكيد، لكنه ms285 لم يكن ~~بالشيء الذي تمسكت به حقا، أو اعتبرته أكثر من مخطط افتراضي للمستقبل فحسب. # صار لديها الآن في حفل التأبين ما يكفي من ~~الطعام لتناوله. شعرت بالألم في ساقيها جراء الوقوف طويلا، وسألتها السيدة شانتس التي ~~كانت تقف بجوارها: «هل سنحت لك فرصة الالتقاء بأي من أصدقاء جورج هنا؟» # كانت تعني الشباب الذين وقفوا وحدهم عند مدخل الردهة؛ فتاتان حسنتا المظهر، وشاب لا يزال ~~يرتدي الزي البحري الرسمي، وآخرون. عندما نظرت إليهم جيل، اتضح لها أنه ما من أحد حزين ~~حقا لوفاة جورج. ربما إيلسا حزينة، لكنها لها أسبابها الخاصة. لم يحزن أحد، ولا حتى ~~الفتاة التي أخذت تبكي في الكنيسة وبدا أنها لن تكف عن البكاء بعض الوقت. تتذكر تلك ~~الفتاة الآن حبها لجورج، وتعتقد أنه كان مغرما بها أيضا - بالرغم من كل شيء - دون أن تخاف ~~مما قد يفعله أو يقوله جورج ليثبت عدم صحة ما تقوله. ولم يعد أحد منهم الآن مضطرا للتساؤل ~~- عندما تدوي ضحكات مجموعة من الناس الملتفين حول جورج - علام يضحكون أو ما الذي يخبرهم ~~به جورج. ولن يبذل أي منهم الجهد لمجاراته أو للتوصل إلى ما يجعلهم ينالون رضاه بعد ~~الآن. # لم تفكر جيل في احتمالية تغير شخصية جورج، لو أنه نجا من الموت. ويرجع السبب في ذلك إلى ~~أنها هي نفسها لم تفكر في تغيير شخصيتها. # أجابت عن سؤال السيدة شانتس على نحو يفتقر إلى الحماس: «كلا.» وهو ما جعل السيدة شانتس ~~ترد عليها قائلة: «إنني متفهمة؛ فمن الصعب الالتقاء بأناس جدد؛ لا سيما ... لو أنني مكانك، ~~لنلت قسطا من الراحة.» # كانت جيل شبه متأكدة من أن السيدة شانتس كانت ستقول: «لذهبت لاحتساء مشروب.» لكن ما من ~~مشروبات تقدم في الحفل سوى الشاي والقهوة. لم تشرب جيل الخمر كثيرا على أي حال، غير أنه ~~كان بوسعها تمييز رائحته في أنفاس من أمامها، وقد اعتقدت أنها شمته في أنفاس السيدة ~~شانتس. # سألتها السيدة شانتس: «لم لا تذهبين؟ مثل هذه المناسبات تسبب توترا ms286 شديدا. سوف أخبر ~~إيلسا بذلك. فلتذهبي الآن.» ~~••• # السيدة شانتس امرأة ضئيلة الجسم ذات شعر رمادي ناعم، وعينين لامعتين، ووجه مغطى ~~بالتجاعيد حاد الملامح. اعتادت قضاء شهر كامل وحدها في فلوريدا كل شتاء. كانت امرأة ثرية. ~~والمنزل، الذي أسسته مع زوجها، خلف منزل آل كيركم، كان ممتدا بالعرض على مساحة كبيرة وغير ~~مرتفع، وكان مطليا بلون أبيض ناصع للغاية، وله زوايا منحنية وامتدادات من قوالب الزجاج ~~المربع الصالح للبناء. وكان دكتور شانتس يصغرها بعشرين أو خمسة وعشرين عاما. وهو شاب وسيم ~~مفعم بالنشاط، قصير وممتلئ القوام، ذو جبهة مرتفعة ناعمة وشعر أشقر متموج. لم يكن لديهما ~~أي أطفال. ومن المعروف أنها لديها أطفال من زواجها الأول، لكنهم لا يأتون لزيارتها. وفي ~~الحقيقة، كان دكتور شانتس صديق ابنها الذي حضر إلى منزله أثناء دراستهما بالجامعة، ووقع في ~~غرام والدة صديقه، ووقعت هي في غرام صديق ابنها، فحصلت على الطلاق، وها هما الآن متزوجان، ~~ويعيشان عيشة رغدة في منأى عن الناس. # اشتمت جيل رائحة ويسكي بالفعل في أنفاس السيدة شانتس؛ فقد كانت تحضر معها قنينة خمر في ~~أي تجمع تذهب إليه وتشعر أنها لن تستمتع به، حسبما قالت؛ فالشراب كان يمنعها من الضحك دون ~~توقف أو تحريف ما تقوله - ما يؤدي إلى إساءة الفهم - أو اختلاق العراك أو التلويح بذراعيها ~~في وجوه الناس. والحقيقة هي أنها ربما تكون دائما مخمورة قليلا، لكنها لا تكون أبدا في ~~حالة ثمالة تامة؛ فقد اعتادت احتساء الكحول على نحو معقول ومطمئن؛ كي لا يسيطر على خلايا ~~مخها بالكامل أو تحرم خلاياها منه. وما كان يبوح بسرها فقط هو الرائحة (التي أرجعها ~~الكثير من الناس في هذه البلدة المملة إلى دواء ما لزم عليها تناوله، أو ربما مرهم تدهن به ~~صدرها). ربما فضحها أيضا تأنيها في الحديث ومباعدتها بين الكلمات ببضع ثوان. وكانت ~~تقول، بالطبع، أشياء ليس من عادة امرأة نشأت في هذه الأرجاء قولها. كانت تتحدث عن نفسها، ~~وعن أن الناس يظنون خطأ بين الحين والآخر أنها ms287 والدة زوجها. وعند علمهم بالحقيقة، يشعرون ~~بالخجل الشديد. لكن ثمة امرأة - ربما تكون نادلة - رمقتها بنظرة احتقار ولسان حالها يتساءل: ~~«ما الذي يفعله بتضييع حياته معك؟» # اعتادت السيدة شانتس الرد على مثل هؤلاء الناس قائلة: «أعلم أن هذا ليس عدلا، لكن ~~الحياة ليست عادلة، وقد تعتادون عليها أيضا بدوركم.» # لم تتمكن السيدة شانتس بعد ظهيرة ذلك اليوم من العثور على أي مكان يمكنها ارتشاف الويسكي ~~فيه على نحو ملائم؛ فمن الممكن أن تمر السيدات بالمطبخ، بل وغرفة التخزين الضيقة أيضا ~~التي تقع خلفه، في أي وقت؛ ومن ثم، لزم عليها الصعود إلى دورة المياه في الطابق العلوي، ولم ~~يحدث ذلك كثيرا. وعندما فعلت ذلك في وقت متأخر من بعد ظهيرة ذلك اليوم، بعد أن اختفت جيل ~~بقليل، وجدت باب دورة المياه مغلقا، ففكرت في احتساء الخمر في إحدى غرف النوم، وتساءلت أي ~~الغرف فارغة وأيها تشغلها جيل. سمعت، بعد ذلك، صوت جيل الصادر من دورة المياه وهي تقول: ~~«لحظة واحدة!» أو شيئا من هذا القبيل. قالت عبارة عادية للغاية، لكن نبرة صوتها شابها ~~التوتر والخوف. # ارتشفت السيدة شانتس رشفة سريعة في الرواق حيث وقفت، متحججة بالحالة الطارئة التي ~~تواجهها. ~~«جيل؟ هل أنت بخير؟ هل تسمحين لي بالدخول؟» # كانت جيل جاثمة على الأرض مستندة إلى يديها وركبتيها، محاولة مسح بركة المياه الصغيرة ~~التي أفلتت منها على أرضية دورة المياه. كانت قد قرأت عن نزول الماء عند الوضع، مثلما قرأت ~~أيضا عن الانقباضات، ومرحلة نزول الدم، ومرحلة الاندفاع، والمشيمة، لكنها فوجئت بنزول سائل ~~دافئ من مهبلها، كما فوجئت في المراحل الأخرى. اضطرت إلى استخدام مناديل المرحاض؛ لأن إيلسا ~~كانت قد أبعدت كل المناشف العادية، ووضعت مكانها قطعا صغيرة ناعمة من المناديل المطرزة ~~تسمى مناشف الضيوف. # أمسكت بحافة حوض الاستحمام لتنهض، وفتحت مزلاج الباب، وبدأ المخاض في تلك اللحظة. لم تشعر ~~بألم بسيط في البداية أو أي بشائر، ولم تمر بأي مرحلة أولية معتادة أثناء الوضع؛ وإنما ~~كان وضعها أشبه بالهجوم الوحشي ومخاضها ms288 يمزقها إربا. # قالت السيدة شانتس وهي تحاول دعمها قدر الإمكان: «هدئي من روعك ... أخبريني فقط أي من ~~هذه الغرف غرفتك، وسوف نساعدك للاستلقاء فيها.» # وقبل حتى أن تصلا إلى الفراش، غرزت جيل أصابعها في ذراع السيدة شانتس النحيلة من الألم ~~حتى تحولت بشرة ذراعها إلى اللونين الأسود والأزرق. # قالت السيدة شانتس: «يا إلهي! المخاض سريع. ليس من المعتاد أن يكون وضع الطفل الأول بهذه ~~الشدة. سوف أذهب لاستدعاء زوجي.» # وهكذا، ولدت في هذا المنزل قبل الموعد المحدد لولادتي بعشرة أيام، إن كانت حسابات جيل ~~صحيحة. تمكنت إيلسا من إخلاء المنزل من الضيوف قبل أن يمتلئ بضجيج جيل وصرخاتها ~~المستنكرة، وأنينها وتأوهاتها الفاضحة العالية التي تلت. # كان من المعتاد آنذاك نقل الأم ووليدها إلى المستشفى بعد الولادة، حتى وإن كانت الأم قد ~~وضعت فجأة في المنزل، غير أنه تفشى في البلدة في ذلك الوقت نوع ما من الأنفلونزا الصيفية، ~~وازدحمت المستشفى بأسوأ الحالات؛ لذا قرر دكتور شانتس أنه من الأفضل بقائي أنا وجيل ~~بالمنزل. وقد كانت إيونا قد أنهت جزءا من تدريبها كممرضة، وبوسعها الحصول على إجازتها التي ~~بلغت مدتها أسبوعين لرعايتنا. ~~••• # لم تعرف جيل شيئا عن الحياة وسط عائلة؛ إذ كانت قد نشأت في ملجأ للأيتام، ومن سن السادسة ~~إلى السادسة عشرة كانت تنام في مسكن جماعي تابع له، وكانت المصابيح في هذا المسكن تضاء ~~وتطفأ في أوقات محددة، والتدفئة المركزية لا تعمل أبدا قبل أو بعد موعد معين. وكانت هناك ~~مائدة طويلة مغطاة بمفرش من المشمع يتناول عليها الأيتام الطعام ويقومون بأداء واجباتهم ~~المدرسية. وعلى الجانب الآخر من الشارع الذي وجد فيه الملجأ، كان هناك مصنع. أحب جورج ~~ذلك، وقال إن هذه الظروف تصنع فتاة قوية، واثقة بنفسها، صلبة، منغلقة على ذاتها، لا تتوقع ~~أي هراء رومانسي. بيد أن المكان لم يكن يدار بقسوة كما اعتقد جورج على الأرجح، والأشخاص ~~الذين أداروه لم يكونوا بخلاء. اصطحبت جيل إلى حفل موسيقي برفقة آخرين عندما كانت في ~~الثانية عشرة من عمرها، ms289 وهناك قررت تعلم العزف على الكمان . كانت آنذاك تتسلى بالفعل ~~بالعزف على البيانو في الملجأ. واهتم شخص ما بها بالقدر الذي جعله يهديها كمانا مستعملا، ~~ويمنحها بعض الدروس للعزف عليه. وأدى ذلك، في النهاية، إلى حصولها على منحة في معهد ~~الموسيقى. وأقيم حفل حضره الرعاة والمديرون بالملجأ، ارتدت فيه النساء أفضل الفساتين، ~~وقدم فيه شراب بنش الفواكه والكعك، وألقيت فيه الخطابات. وكان من المفترض أن تلقي جيل ~~خطابا قصيرا تعبر فيه عن امتنانها، لكنها رأت في الحقيقة أن ما حدث كان أمرا مسلما ~~به. وكانت موقنة أنها والكمان مرتبطان على نحو طبيعي ومصيري، وكانا سيلتقيان دون أي مساعدة ~~بشرية. # حظيت في المسكن ببعض الأصدقاء، لكنهم غادروا المكان مبكرا للعمل في المصانع والمكاتب، ~~ونسيتهم. وفي المدرسة الثانوية، التي كان الأيتام يرسلون إليها، تحدثت معها إحدى ~~المعلمات. ووردت في الحديث كلمتا «عادية» و«متعددة الإمكانيات». بدا الأمر وكأن المعلمة ترى ~~أن الموسيقى وسيلة للهروب من شيء ما أو تعويض لشيء ما؛ ربما الإخوة والأخوات والأصدقاء ~~والعلاقات الغرامية. واقترحت على جيل توزيع طاقتها على الكثير من الأمور، بدلا من التركيز ~~على شيء واحد فقط. اقترحت عليها التخلص من توترها، ولعب الكرة الطائرة، والانضمام إلى ~~أوركسترا المدرسة إذا كانت الموسيقى هي ما تبغيه. # بدأت جيل في تجنب تلك المعلمة على وجه الخصوص؛ فكانت تصعد الدرج أو تدور حول المبنى كي ~~لا تتحدث معها. وتوقفت أيضا عن قراءة أي صفحة ظهرت بها كلمتا «متعددة الإمكانيات» أو ~~«عادية». # وفي معهد الموسيقى، سارت الأمور على نحو أكثر سلاسة؛ فالتقت هناك بأشخاص ليسوا متعددي ~~الإمكانيات، ولديهم دافع قوي لما يفعلونه مثلها. وكونت بعض الصداقات القليلة التنافسية ~~دون أن تعي ذلك. وكان لأحد أصدقائها أخ أكبر في القوات الجوية، تصادف كونه ضحية لجورج ~~كيركم ومتيما به. حضر ذلك الأخ برفقة جورج إلى عشاء عائلي بمساء أحد أيام الآحاد، وكانت ~~جيل مدعوة إليه، وكانوا سيقصدون مكانا آخر لاحتساء الخمر. وهكذا التقى جورج بجيل؛ هكذا ~~التقى أبي بأمي. ~~••• # لزم وجود شخص في ms290 المنزل طوال الوقت لمراقبة السيدة كيركم؛ لذا، عملت إيونا في النوبة ~~الليلية بالمخبز. كانت تزين الكعكات - بما في ذلك أجمل كعكات الزفاف - وتضع أول أرغفة الخبز ~~في الفرن الساعة الخامسة صباحا. ويداها، اللتان ارتجفتا بشدة على نحو حال دون تقديمها ~~كوبا من الشاي لأي أحد أثناء حفل التأبين، اتسمتا بالقوة والمهارة والتمهل، بل والإلهام ~~أيضا، عند قيامها بأي عمل وحدها. # وفي صبيحة أحد الأيام بعد أن ذهبت إيلسا إلى عملها - كان ذلك خلال الفترة القصيرة التي ~~قضتها جيل في المنزل قبل ولادتي - همست إيونا من غرفة النوم أثناء مرور جيل أمامها، نادتها ~~وكأنها ستسر لها قولا، لكن من كان في المنزل آنذاك لتخفي السر عنه؟ من المستبعد أن ~~تكون السيدة كيركم. # بذلت إيونا جهدا في فتح درج عالق بمكتبها. قالت وهي تقهقه: «تبا! ها هو ذا.» # امتلأ الدرج بملابس أطفال؛ لم تكن قمصانا وملابس نوم بسيطة كالتي ابتاعتها جيل من أحد ~~المحلات التي تبيع الملابس المستعملة وبواقي المصانع في تورونتو، وإنما قلنسوات منسوجة من ~~التريكو، وسترات صوفية، وجوارب صوفية محبوكة، وأغطية حفاضات من الصوف، وثياب صغيرة يدوية ~~الصنع. وكانت جميع الملابس ملونة بكل الألوان الفاتحة الرقيقة الممكنة، ومجموعات الألوان ~~المتداخلة أيضا دون التقيد باللونين الأزرق أو الوردي، مع حواف مزينة بالكروشيه وتطريز ~~دقيق على شكل زهور وطيور وحملان. ما كادت جيل تعلم بوجود مثل هذه المستلزمات للأطفال، ~~ولعلها كان بإمكانها أن تعلم بها، إذا أجرت بحثا دقيقا في أقسام الأطفال أو دققت النظر في ~~عربات الأطفال، لكنها لم تفعل. # قالت إيونا: «لا أعلم بالطبع ما لديك من مستلزمات الطفل، ولعل لديك الكثير من الأشياء ~~بالفعل، أو لعلك لا تحبين الأشياء يدوية الصنع، لا أعلم ...» كانت قهقهتها أشبه بعلامات ~~الترقيم في حديثها، فضلا عن كونها امتدادا لنبرة الاعتذار في صوتها. كل كلمة تقولها، وكل ~~نظرة، وكل إيماءة بدت محجوبة بمعسول الكلام أو التنفس بصوت مسموع في دلالة على الاعتذار، ~~ولم تعلم جيل كيفية التعامل مع هذا الأمر. # قالت لها بشيء من ms291 الفتور: «إنها جميلة حقا.» ~~«لم أعرف حتى ما إذا كنت بحاجة إليها. لم أعرف ما إذا كانت ستعجبك في المقام ~~الأول.» ~~«إنها جميلة.» ~~«ليست جميعها من صنع يدي؛ فقد ابتعت بعضا منها. ذهبت إلى بازار الكنيسة والبازار ~~الملحق بالمستشفى، وظننت أنها ستكون لطيفة، لكنها إن لم تنل إعجابك أو كنت لا تحتاجينها، ~~فيمكنني التبرع بها لأوجه الخير.» # فقالت جيل: «إنني أحتاجها بالفعل؛ فلم أشتر أي شيء مثلها على الإطلاق.» ~~«حقا؟ ما صنعته ليس رائعا، لكن ما صنعته السيدات في الكنيسة أو ملحق المستشفى قد يكون ~~جيدا. ربما ستجدينه كذلك.» # هل هذا ما عناه جورج عندما تحدث عن توتر إيونا؟ (وفقا لإيلسا، يرجع سبب انهيار إيونا ~~العصبي في كلية التمريض إلى حساسيتها المفرطة قليلا وقسوة المشرف عليها قليلا.) قد يظن ~~المرء أن صخبها في الحديث معها يعود إلى حاجتها للاطمئنان، لكن أيا كان الاطمئنان الذي ~~تحاول منحه إياها، فهو يبدو غير كاف أو لا يصل إليها. شعرت جيل وكأن كلمات إيونا وقهقهتها ~~وأنفاسها المسموعة وتعرقها (لا شك أن يديها كانتا تتعرقان أيضا) أشياء تتسلل إليها - إلى ~~جيل - كحشرات العث التي تحاول الانسلال تحت جلدها. # لكنها اعتادت هذه الأمور مع الوقت، أو أن إيونا هي التي قللت منها قليلا. شعرت كلتاهما ~~بالراحة عند انغلاق الباب وراء إيلسا في الصباح، كما لو كانت معلمة تغادر الفصل المدرسي. ~~واعتادتا احتساء كوب ثان من القهوة معا، بينما تغسل السيدة كيركم الأطباق. كانت تغسلها ~~ببطء شديد، مع نظرها حولها بحثا عن الدرج أو الرف الذي ينبغي وضع ما غسلته فيه أو عليه، مع ~~بعض الهفوات أحيانا. مارست بعض الطقوس أيضا أثناء ذلك، وهي الطقوس التي لم تنسها قط؛ ~~مثل نثر رواسب القهوة على إحدى الشجيرات الموجودة بالقرب من باب المطبخ. # همست إيونا: «إنها تعتقد أن القهوة تساعد الشجيرة على النمو، حتى وإن وضعتها على الأوراق، ~~وليس على التربة ذاتها. ويلزم علينا كل يوم أخذ الخرطوم وشطف ما سكبته عليها.» # رأت جيل أن إيونا تشبه الفتيات اللاتي ms292 تعرضن في أغلب الأحيان للإزعاج في الملجأ، ~~وتقن دوما لإزعاج الآخرين، لكن ما إن يدفع المرء إيونا لتجاوز عقبة اعتذاراتها المتوترة ~~أو الاتهامات البسيطة الموجهة إليها («بالطبع، أنا آخر شخص يمكن أن يستشيروه بشأن أي شيء في ~~المتجر»، «بالطبع، إيلسا لن تستمع إلى رأيي»، «بالطبع، جورج لم يخف قط مدى نفوره مني») ~~حتى يمكنها التحدث عن أمور مثيرة للاهتمام قليلا. فأخبرت جيل عن المنزل الذي كان ملكا ~~لجدهم وصار الآن الجناح المركزي بالمستشفى، وعن الصفقات المشبوهة التي جعلت والدهم يخسر ~~وظيفته، وعن العلاقة الغرامية التي جمعت بين اثنين متزوجين في المخبز. ذكرت إيونا كذلك ~~التاريخ السابق - المفترض - لآل شانتس، بل وحقيقة تعامل إيلسا الرقيق مع دكتور شانتس ~~أيضا. يبدو أن علاج الصدمات الذي تلقته إيونا بعد انهيارها العصبي قد أحدث خللا في حسن ~~تمييزها وقدرتها على حفظ الأسرار، والصوت الذي نتج عن هذا الخلل - بعد استبعاد كل ترهات ~~الادعاءات - كان شريرا وماكرا. # كان بإمكان جيل أيضا قضاء أوقاتها في الثرثرة؛ إذ كانت أصابعها متورمة آنذاك على نحو حال ~~دون محاولتها العزف على الكمان. ~~••• # جاءت بعد ذلك ولادتي، ومعها تغير كل شيء؛ لا سيما حياة إيونا. # تعين على جيل ملازمة الفراش مدة أسبوع، ~~لكن حتى بعد تركها له، كانت تتحرك كسيدة عجوز متيبسة العضلات، وكانت تتنفس بحذر في كل مرة ~~تلقي فيها بنفسها على أي كرسي لتجلس. قطب جرحها بأكمله بالغرز على نحو مؤلم، وربط ~~بطنها وثدياها بإحكام كالمومياء، كما كان معتادا آنذاك. نزل اللبن بغزارة من ثدييها؛ ~~وتسرب عبر الأربطة وعلى ملاءة السرير. أرخت إيونا الأربطة، وحاولت وضع حلمة ثدي أمي في ~~فمي، لكنني رفضت ذلك؛ رفضت ثدي أمي، ودوت صرخاتي عاليا في المكان. ربما بدا لي آنذاك ~~الثدي المتصلب الكبير كوحش بخطم ينقب في وجهي. حملتني إيونا، وأعطتني بعضا من الماء المغلي ~~الدافئ، فهدأت. بيد أن وزني بدأ يقل؛ إذ لم يكن ممكنا أن أعيش على الماء؛ لذا، مزجت إيونا ~~بعضا من حليب الأطفال الصناعي، وأخذتني من بين ذراعي ms293 جيل حيث تيبس جسدي وأخذت أتأوه. ~~وعملت على هدهدتي وتهدئتي وملامسة وجنتي للحلمة المطاطية الصناعية، وكان ذلك ما فضلته. ~~شربت اللبن الصناعي بنهم ولم أتقيأه، وصارت ذراعا إيونا والحلمة التي كانت مسئولة عنها ~~ملاذي المفضل. ولزم ربط ثديي جيل على نحو أكثر إحكاما، بالإضافة إلى إمساكها عن السوائل ~~(جدير بالذكر هنا أن ذلك حدث في الصيف الحار) وتحملها الألم حتى جف اللبن بثدييها. # دندنت إيونا: «يا لك من طفلة مزعجة، أترفضين لبن أمك اللذيذ؟» # سرعان ما زاد وزني وقوتي، وصار بإمكاني البكاء بصوت أعلى. كنت أبكي إذا حاول حملي أحد غير ~~إيونا. نبذت إيلسا والدكتور شانتس بيديه الدافئتين الودودتين، لكن نفوري من جيل كان الأكثر ~~لفتا للانتباه. # عندما كانت جيل تنزل من السرير، كانت إيونا تهم بمساعدتها للجلوس على المقعد الذي اعتادت ~~هي نفسها الجلوس عليه عادة لإطعامي؛ وكانت تضع بلوزتها حول كتفي جيل وزجاجة اللبن في ~~يدها. # بيد أن ذلك لم يكن يجدي نفعا؛ فلم أكن أنخدع به. كنت أضرب بوجنتي الزجاجة وأفرد ساقي ~~وأصلب بطني ليصير كالكرة. لم أرتض عن إيونا بديلا، وأخذت أبكي، ولم أستسلم. # كانت صرخاتي لا تزال صرخات ضعيفة لطفلة حديثة الولادة، لكنها أحدثت إزعاجا في المنزل، ~~وكانت إيونا الوحيدة القادرة على إيقافها؛ فإن لمسني أحد أو تحدث إلي غير إيونا، كنت ~~أبكي. وعند النوم، إذا لم تهدهدني إيونا، كنت أبكي حد التعب وأنام عشر دقائق، ثم أستيقظ ~~متأهبة لمواصلة البكاء. لم أمر بأوقات جيدة وأخرى مزعجة؛ وإنما أوقات بها إيونا وأخرى ~~بدونها، وكانت هذه تزداد سوءا إذا قضيتها مع أشخاص آخرين؛ لا سيما مع جيل. # كيف إذن كان لإيونا العودة إلى العمل عند انتهاء إجازتها التي امتدت أسبوعين؟ لم يكن ~~بإمكانها ذلك، وكان ذلك أمرا غير قابل للجدل، ولزم على المخبز تعيين شخص آخر. وتحولت إيونا ~~من الشخص الأكثر إهمالا إلى الأكثر أهمية في المنزل؛ فكانت الشخص الذي يفصل بين من يعيشون ~~في المنزل وبين الضجيج الدائم والشكوى المتعذر حلها. كان عليها البقاء مستيقظة ms294 طوال الوقت ~~للحيلولة دون تعرض أي من أفراد المنزل لأي نوع من الإزعاج. أصاب ذلك دكتور شانتس بالقلق؛ ~~وإيلسا نفسها شعرت بذلك أيضا. ~~«إيونا، لا ترهقي نفسك كثيرا.» # لكن ثمة تغييرا رائعا حدث؛ شحب وجه إيونا، لكن بشرتها توردت، كما لو كانت قد تخطت ~~مرحلة المراهقة أخيرا، وصار بوسعها النظر في عيني أي أحد. اختفى الارتجاف، والقهقهة، ~~والخنوع الماكر في صوتها الذي صار آمرا ناهيا كصوت إيلسا، وأكثر مرحا منها (لا سيما عند ~~توبيخها إياي بسبب موقفي من جيل). # قالت إيلسا للناس: «تنعم إيونا بسعادة غامرة؛ فهي تعشق الطفلة الصغيرة.» لكن سلوك إيونا، ~~في حقيقة الأمر، بدا طائشا على نحو يحول دون الإعجاب به؛ فلم تهتم بقدر الضوضاء التي ~~تحدثها أثناء تهدئتها لي، وكانت تصعد الدرج سريعا وهي تنادي لاهثة: «إنني قادمة! إنني ~~قادمة! كفي عن البكاء.» وكانت تحملني دون احتراس بيد واحدة، بينما تؤدي مهمة أخرى تتعلق ~~برعايتي باليد الأخرى. سيطرت على المطبخ، واستحوذت على الموقد لتعقيم الرضعات، والمائدة ~~لمزج اللبن الصناعي، والحوض لتنظيف جسم الطفلة بالماء. وكانت تسب وتشتم بمرح، حتى في وجود ~~إيلسا، عند وضعها شيئا ما في غير موضعه أو سكبها إياه. # وعند شروعي في البكاء، كانت إيونا تعرف أنها الوحيدة التي لن تنفر مني ولن تشعر بالخطر ~~المستبعد المتمثل في انهزامها أمام صيحاتي وعدم قدرتها على تهدئتي، وإنما كانت الوحيدة التي ~~يقفز قلبها من السعادة، وتشعر بالرغبة في الرقص لإحساسها بالقوة التي تملكها والامتنان ~~لذلك. # ما إن نزعت الأربطة عن جسد جيل ورأت تسطح بطنها حتى نظرت إلى يديها، فلاحظت اختفاء ~~التورم تماما؛ فنزلت إلى الطابق السفلي، وأخرجت الكمان الخاص بها من الخزانة ونزعت عنه ~~غطاءه؛ فقد صارت مستعدة لمحاولة العزف عليه. # حدث ذلك بعد ظهيرة أحد أيام الآحاد. غفت إيونا قليلا، وأذنها منتبهة كعادتها تحسبا ~~لبكائي. كانت السيدة كيركم نائمة أيضا، وإيلسا تطلي أظافر يديها في المطبخ. بدأت جيل في ~~العزف على أوتار الكمان. # لم يكن لدى أبي أو أسرته أي اهتمام حقيقي بالموسيقى، ms295 بل كانوا يجهلون هذه الحقيقة . ظنوا ~~أن التعصب، بل والعدائية التي شعروا بها تجاه نوع معين من الموسيقى (الأمر الذي اتضح في ~~الكيفية التي نطقوا بها كلمة «كلاسيكي») أمر يرجع إلى قوة الشخصية واستقامتها والعزم على ~~عدم الانخداع بأي شيء، وكأن الموسيقى التي تصدر عن لحن بسيط تحاول فرض شيء ما على المرء. ~~كان الجميع يعلم ذلك في قرارة أنفسهم، لكن بعض الناس - من باب الغطرسة وافتقارهم للبساطة ~~والأمانة - لا يعترفون أبدا بهذه الحقيقة. ومن هذا التصنع والتعصب المتزعزع ظهرت جميع ~~ألحان الأوركسترا السيمفونية، والأوبرا، والباليه، والحفلات الموسيقية التي أشعرت الناس ~~بالملل. # شعر أغلب الناس في هذه المدينة بنفس الشعور، لكن نظرا لأن جيل لم تنشأ في هذا المكان، ~~فلم تفهم عمق هذا الشعور وإلى أي مدى هو مسلم به. لم يتباه أبي به قط، أو يظهره ~~كفضيلة؛ لأنه لم يهتم بالفضائل. أحب فكرة اشتغال جيل بالموسيقى؛ ليس من أجل الموسيقى في حد ~~ذاتها، بل لأنها جعلتها اختيارا مختلفا، كما هو الحال مع ملابسها وأسلوب حياتها وشعرها ~~الغجري. باختياره لها، أظهر للناس رأيه فيهم، ولأولئك الفتيات اللاتي سعين لإيقاعه في ~~شباكهن رأيه فيهن، ولإيلسا أيضا. # أغلقت جيل أبواب غرفة المعيشة الزجاجية المغطاة بالستائر، وأخذت تعزف بهدوء تام. ولربما ~~لم يصدر أي صوت على الإطلاق. وإذا سمعت إيلسا أي شيء في المطبخ، فقد تظن أن مصدر الصوت من ~~خارج المنزل؛ ربما المذياع عند الجيران. # بدأت جيل، بعد ذلك، في عزف النغمات الموسيقية. ومع أن أصابعها لم تعد منتفخة، فقد شعرت ~~بأنها متيبسة. شعرت بهذا التيبس في جسمها بالكامل. ولم تكن وقفتها طبيعية بشكل كامل؛ إذ ~~شعرت بالآلة الموسيقية معلقة عليها على نحو يوحي بعدم الثقة، لكنها لم تهتم، وعزمت على ~~عزف النغمات الموسيقية الخاصة بها؛ فقد كانت متيقنة من أن هذا الشعور راودها من قبل، بعد ~~إصابتها بالأنفلونزا أو عند شعورها بالتعب الشديد بعد إرهاق نفسها في التمرين أو حتى بدون ~~سبب على الإطلاق. # لكنني في تلك اللحظات استيقظت من النوم ms296 دون تذمر من شيء معين ودون سابق إنذار أو ~~مقدمات. بدأ الأمر بصرخة واحدة تبعها هدير من الصرخات التي ملأت المنزل. كانت صرخة لم تشبه ~~أي صرخة أصدرتها من قبل، وكان الأمر أشبه بالتحرر من ألم مؤكد وحزن أنزل عقابه على العالم ~~بوابل من الويلات المرسلة من نفس معذبة. # استيقظت إيونا على الفور، وقد أصابها الرعب للمرة الأولى من ضجة أحدثتها، فصاحت متسائلة: ~~«ما الأمر؟ ما الأمر؟» # هرعت إيلسا لإغلاق النوافذ وهي تصيح: «إنه الكمان! إنه الكمان!» وفتحت بقوة أبواب غرفة ~~المعيشة. ~~«جيل! جيل! هذا مريع حقا. أكثر من مريع. ألم تسمعي طفلتك؟» # جذبت بعنف الستارة التي كانت خلف زجاج نافذة غرفة المعيشة كي تتمكن من إسدالها. كانت تجلس ~~برداء الكيمون لطلاء أظافرها؛ وبينما تحاول إسدالها، لمحها صبي على دراجة بالخارج، ورأى ~~الكيمون المفتوح ليكشف قميصها التحتي. # فقالت: «يا إلهي!» لم يسبق لها من قبل فقدان سيطرتها على نفسها إلى هذا الحد. وأضافت ~~موجهة حديثها لجيل: «هل يمكنك إبعاد هذا الشيء؟» # فأنزلت جيل الكمان من يديها. # وركضت إيلسا إلى الردهة وهي تنادي على إيونا. ~~«إنه يوم الأحد. ألا يمكنك إسكاتها؟» # سارت جيل في صمت وتأن إلى المطبخ، فوجدت هناك السيدة كيركم تقف على قدميها مرتدية ~~الجوارب دون حذاء، وتتشبث بالطاولة. # سألتها: «ما خطب إيلسا؟ ماذا فعلت إيونا؟» # خرجت جيل وجلست على عتبة المنزل الخلفية، ونظرت إلى الجدار الخلفي لمنزل آل شانتس الأبيض ~~البراق وقد انعكست عليه أشعة الشمس. وانتشرت تلك الأفنية والجدران الساخنة للمنازل الأخرى، ~~وبداخلها أشخاص يعرفون بعضهم بعضا جيدا بالشكل والاسم والتاريخ. وعند تجاوز ثلاثة مربعات ~~سكنية شرق هذه البقعة، أو خمسة غربا، أو ستة جنوبا، أو عشرة شمالا، تظهر حدود حقول ~~المحاصيل الصيفية التي نمت عاليا من الأرض، وسيجت حقول القش والقمح والذرة. ففي هذه ~~البلدة بأكملها، لا مجال لاستنشاق الهواء بسبب الرائحة النفاذة للمحاصيل والحظائر ~~والحيوانات المتدافعة التي تمضغ الطعام بأصوات عالية. وعلى مرمى البصر، تبدو مزارع الأشجار ~~كبرك من الظلال تنعم بالسلام وتصلح لأن تكون ms297 مأوى، لكنها في الواقع تعج ~~بالحشرات. # كيف يمكنني وصف ما تعنيه الموسيقى لجيل؟ إنها ليست - في نظرها - كالمشاهد الطبيعية والصور ~~الذهنية والمحادثات مع الآخرين، بل هي أقرب للمشكلة التي يجب عليها حلها بحزم وجرأة، ~~وحملتها على عاتقها كمسئوليتها في الحياة. ومن ثم، إذا نزعت منها الأدوات التي تخدمها في ~~حل هذه المشكلة، فسوف تظل المشكلة قائمة كما هي وسيتحملها آخرون، لكنها ستنزع منها ~~فحسب. وكانت هذه العتبة الخلفية والحائط البراق أمامها وصوت صراخي أشبه بالسكين الذي ينزع ~~من حياتها كل شيء لا فائدة منه؛ كل شيء لا فائدة منه لي. # نادتها إيلسا عبر الباب الشبكي: «ادخلي! ما كان ينبغي علي الصراخ فيك. ادخلي الآن! سوف ~~يرانا الناس.» # وعندما حل المساء، كان من الممكن تجاوز هذا الأمر برمته بسلاسة. قالت إيلسا للدكتور ~~شانتس وزوجته: «لا بد أنكما سمعتما الصراخ الذي دوى في المنزل عندنا اليوم.» كانا قد ~~دعاها للجلوس في فناء منزلهم المرصوف، بينما عملت إيونا على تهدئتي كي أنام. ~~«من الواضح أن الطفلة لا تهوى الكمان، ليست كأمها.» # ضحك الجميع، حتى السيدة شانتس. ~~«إنه ذوق مكتسب.» # سمعتهم جيل، أو على الأقل سمعت الضحكات، وتكهنت بما كان يضحكهم. كانت مستلقية في سريرها ~~تقرأ رواية «جسر سان لويس راي» التي أحضرتها لنفسها من خزانة الكتب دون أن تدرك ضرورة ~~الاستئذان من إيلسا أولا. وبين الحين والآخر، فقدت تركيزها وسمعت الضحكات بفناء آل شانتس، ~~ثم تمتمة إيونا بالغرفة المجاورة متعبدة، فأصابها التجهم وتعرق جسدها. ولو أنها في ~~قصة خرافية، لنهضت من الفراش بقوة شابة عملاقة، وهاجت في أرجاء المنزل لتكسر الأثاث ~~والأعناق. ~~••• # عندما بلغت من العمر نحو ستة أسابيع، لزم على إيلسا وإيونا اصطحاب أمهما إلى إحدى ~~الزيارات السنوية لبعض الأقارب بمدينة جويلف لليلة واحدة. وأرادت إيونا اصطحابي، لكن إيلسا ~~استعانت بالدكتور شانتس لإقناعها بأنه ليس من المستحسن اصطحاب طفلة صغيرة في مثل هذه الرحلة ~~في الطقس الحار؛ ومن ثم، فضلت إيونا البقاء في المنزل. # فقالت لها إيلسا: «لا يمكنني القيادة ورعاية أمي ms298 في الوقت نفسه.» # وأضافت قائلة إن إيونا صارت متعلقة للغاية بي، وإن رعاية الطفلة مدة يوم ونصف لن يمثل ~~عبئا كبيرا على جيل. ~~«أليس كذلك يا جيل؟» # فصدقت جيل على كلامها. # حاولت إيونا التظاهر بأن رغبتها في البقاء معي ليست هي السبب في موقفها، وإنما يرجع ذلك ~~إلى أنها عندما قادت السيارة في أحد أيام الطقس الحار، أصيبت بالغثيان. # قالت إيلسا: «لا تقودي السيارة؛ ليس عليك سوى الجلوس فيها فحسب. وماذا عني؟ إنني لا أفعل ~~ذلك بغية المتعة، وإنما لأن أقاربنا يتوقعون منا ذلك.» # كان على إيونا الجلوس بالمقعد الخلفي بالسيارة الذي زاد من شعورها بالغثيان حسب قولها، ~~لكن إيلسا قالت إنه ليس من اللائق جعل أمهما تجلس بالخلف. ومع أن السيدة كيركم أوضحت أنها ~~لا تمانع، فإن إيلسا رفضت. أنزلت إيونا زجاج السيارة عندما قامت إيلسا بتشغيل السيارة، ~~وحدقت في نافذة غرفة الطابق العلوي حيث أنزلتني من يدها لأنام بعد حمام الصباح وتناول اللبن ~~الصناعي. لوحت إيلسا لجيل التي وقفت عند الباب الأمامي للمنزل. # وصاحت: «وداعا أيتها الأم الصغيرة!» بصوت مبتهج متحد ذكر جيل قليلا بجورج. ويبدو أن ~~رؤيتها مغادرتهن المنزل، والابتعاد عما انطوى عليه المنزل من خطر الإخلال بالنظام الأسري ~~الذي طرأ مؤخرا، قد رفع من معنويات إيلسا. ولعل عودة إيونا أيضا إلى وضعها الطبيعي قد منح ~~إيلسا شعورا جيدا؛ شعورا بالاطمئنان. ~~••• # غادرت الأسرة المنزل نحو الساعة العاشرة صباحا، وكان هذا اليوم هو الأطول والأسوأ في ~~حياة جيل على الإطلاق؛ حتى إنه لا وجه للمقارنة بينه وبين يوم ميلادي وما شهدته من معاناة ~~أثناء وضعي؛ فقبل أن تصل السيارة إلى البلدة التالية، استيقظت من النوم في حالة سيئة، ~~وكأنني شعرت بابتعاد إيونا عني. كانت إيونا قد أطعمتني قبل ذلك الحين بفترة قصيرة، ما جعل ~~جيل تستبعد احتمالية أن أكون جائعة، لكنها اكتشفت، بعد ذلك، أنني مبتلة. وبالرغم من أنها ~~قد قرأت أنه لا حاجة لتغيير حفاضة الطفل الصغير في كل مرة يبلل فيها نفسه، وأن هذا الأمر لا ms299 ~~يكون دائما السبب وراء بكائه ، فقد قررت تغيير الحفاضة لي. لم تكن تلك المرة الأولى التي ~~تفعل فيها ذلك، لكنها لم تفعله بسهولة قط. وكانت إيونا، في الواقع، تتولى الأمر غالبا ~~وتنجزه. أما أنا، فبذلت أقصى ما في وسعي لإفساد الأمر عليها؛ فأخذت أضرب بذراعي ~~وساقي، وحنيت ظهري، وحاولت جاهدة الاستدارة على الجانب الآخر، ولم أنقطع عن الصراخ ~~عاليا بالطبع. ارتجفت يدا جيل، وواجهت صعوبات في إتمام الأمر. تظاهرت بالهدوء، وحاولت ~~التحدث إلي، وتقليد الطريقة التي تتحدث بها إيونا معي وتدليلها إياي، لكن دون جدوى؛ فهذا ~~الرياء غير المتقن أثار حنقي أكثر وأكثر. وبعد تثبيت الحفاضة، حملتني وحاولت وضعي على صدرها ~~وكتفها، لكنني تيبست في مكاني، وكأن جسدها مليء بالإبر المتأججة بالحرارة. فجلست وأخذت ~~تهدهدني، ثم وقفت وأخذت تأرجحني لأعلى ولأسفل. غنت لي كلمات رقيقة لإحدى أغاني الهدهدة، ~~لكنها كلمات مرتعشة ملأها الحنق والغضب اللذان شعرت بهما، بالإضافة إلى ما يمكن وصفه ~~بالاشمئزاز. # كان كل منا أشبه بالوحش في نظر الأخرى. # وأخيرا، وضعتني في الفراش برفق يفوق ما كانت ترغب فيه، وهدأت لأنني بذلك سأتخلص منها. ~~فخرجت من الغرفة على أطراف أصابعها، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت في البكاء مجددا. # واستمر الأمر على هذا الحال. ما كنت أواصل البكاء، لكنني كنت أستريح قليلا بين الحين ~~والآخر دقيقتين أو خمس أو عشر دقائق أو عشرين دقيقة. وعندما حان وقت تقديمها زجاجة اللبن ~~لي، قبلتها منها، واستلقيت على ذراعها متصلبة، أتنفس بصوت مسموع تحذيري أثناء شربي ~~اللبن. وعندما فرغت من شرب نصف الزجاجة، عدت إلى مضايقتي لها. وانتهيت، أخيرا، من شرب ~~الزجاجة بأكملها بذهن شارد، مع مواصلة النواح طوال الوقت. غلبني النعاس، وأنزلتني جيل من ~~يديها، ونزلت بخطى خافتة على السلم؛ وقفت في الردهة وكأنها تحدد سبيلا آمنا للمضي فيه. ~~تعرق جسدها جراء المحنة التي كانت تواجهها، بالإضافة إلى الطقس الحار لذلك اليوم. تحركت ~~وسط هذا الهدوء الثمين الذي كان من السهل القضاء عليه في أي لحظة، نحو المطبخ، وأقدمت على ms300 ~~وضع إبريق القهوة على الموقد . # وقبل الانتهاء من إعدادها، أنزلت صرخاتي المدوية كالصاعقة فوق رأسها. # فأدركت نسيانها شيئا ما؛ ألا وهو جعلي أتجشأ بعد شرب اللبن. فصعدت السلم ثابتة ~~العزم، وحملتني، وسارت بي وهي تربت على ظهري المنتفض من الغضب وتدلكه. وبعد فترة، ~~تجشأت، لكنني لم أتوقف عن البكاء، فاستسلمت للأمر، وأنزلتني من يدها. # ما الذي يجعل بكاء الطفل الرضيع بهذا القدر من القوة؟ ما الذي يجعله قادرا على القضاء ~~على النظام الذي يعول المرء عليه، سواء داخل نفسه أو خارجها؟ إنه أشبه بالعاصفة؛ عاصفة ~~شديدة هوجاء، لكنها صادقة وغير مصطنعة في الوقت ذاته. إنه بكاء تأنيبي أكثر منه توسليا، ~~وينتج عن غضب يصعب التعامل معه، غضب يحق للطفل عند الولادة ولا مكان فيه للحب أو الشفقة، ~~وبإمكانه سحق مخك داخل الجمجمة. # كل ما كان بإمكان جيل فعله هو التجول في أرجاء المكان، إلى أعلى وإلى أسفل على سجادة غرفة ~~المعيشة، وحول مائدة الطعام، وخروجا إلى المطبخ حيث توضح لها الساعة مدى البطء الذي ~~يمر به الوقت. لم تستطع الثبات في مكان واحد لتحصل على أكثر من رشفة واحدة من القهوة. ~~وعندما أصابها الجوع، لم تستطع التوقف لإعداد شطيرة لنفسها، وإنما أخذت تأكل رقائق الذرة من ~~بين يديها، مخلفة آثارا وراءها في جميع أنحاء المنزل. الأكل والشرب وفعل أي شيء عادي ~~آخر بدا خطرا كفعله على قارب صغير وسط عاصفة هوجاء أو في منزل تنهار أعمدته بفعل رياح ~~عاتية. لا يمكن للمرء في هذه الحالة تحويل انتباهه عن العاصفة، وإلا فسوف تطيح بآخر وسائله ~~الدفاعية. وسعيا منه للحفاظ على قواه العقلية، يحاول التركيز على بعض التفاصيل الهادئة من ~~حوله، لكن دوي صوت الرياح - أو بالأحرى دوي صرخاتي - قادر على أن يسكن في أي وسادة أو رسم ~~على السجادة أو دوامة صغيرة في زجاج النافذة. فلا هروب مني. # كان المنزل مغلقا بالكامل. انتقل بعض من شعور الخزي الذي راود إيلسا إلى جيل، أو لعلها ~~تمكنت من خلق شعور الخزي الخاص بها. ms301 أم لا تستطيع تهدئة طفلتها ، يا له من أمر مخز؟ أبقت ~~على الأبواب والنوافذ مغلقة. ولم تدر المروحة لأنها في الواقع نسيت وجودها؛ فلم تعد تفكر ~~في الراحة الواقعية. لم تفكر أن يوم الأحد في هذا الأسبوع هو أحد أيام الصيف الأكثر حرارة، ~~وربما يكون هذا سبب انزعاجي. أي أم متمرسة وتتمتع بغريزة الأمومة كانت ستوفر لي بعض ~~التهوية بالتأكيد، بدلا من إعطائي أسباب الغضب على هذا النحو. أي أم متمرسة كانت ستفكر ~~في الحر المثير للضيق، بدلا من اليأس التام. # وفي وقت ما بعد ظهيرة ذلك اليوم، اتخذت جيل قرارا أحمق، أو لعله كان بائسا فحسب؛ فلم ~~تغادر المنزل وتتركني بداخله، وإنما نظرا لأنها رأت نفسها حبيسة المنزل بسببي، فكرت في ~~خلق مساحة لنفسها كمهرب لها داخل المنزل. أخرجت الكمان، الذي لم تلمسه منذ اليوم الذي حاولت ~~العزف فيه عليه، وحولته إيلسا وإيونا إلى أضحوكة في الأسرة. لم يستطع عزفها إيقاظي؛ لأنني ~~كنت مستيقظة بالفعل، وما كان بإمكانه أيضا إثارة غضبي على نحو يفوق ما كنت عليه ~~بالفعل. # أسدت إلي معروفا بطريقة ما؛ إذ توقفت عن محاولة تهدئتي الزائفة، والتظاهر بغناء أغاني ~~الهدهدة أو الاهتمام بآلام بطني، وملاعبتي لاكتشاف ما يزعجني. وعقدت العزم، بدلا من ذلك، ~~على عزف مقطوعة كونشرتو مندلسون للكمان، وهي المقطوعة التي عزفتها في حفلها الموسيقي، ~~وعليها عزفها مرة أخرى في الاختبار الذي سيؤهلها للحصول على شهادة التخرج. # اختارت جيل مقطوعة ماندلسون بدلا من كونشترو بيتهوفن للكمان التي أكنت لها شغفا أكبر؛ ~~لأنها كانت تعتقد أن مقطوعة ماندلسون ستمنحها درجات أعلى، وأن بإمكانها إتقانها - وقد ~~أتقنتها بالفعل - على نحو أكبر. كذلك فإنها كانت موقنة من أنها ستؤدي عرضا مذهلا وتبهر ~~الممتحنين دون أدنى خوف من حدوث أي كارثة أثناء العزف. وقد توصلت إلى أن ذلك لم يكن ~~بالعمل الذي سيزعجها طوال حياتها؛ فهو ليس بالشيء الذي ستبذل فيه الجهد وتحاول إثبات نفسها ~~فيه إلى الأبد. # سوف تعزف فحسب. # أخذت تعزف بعض الألحان، وحاولت تجاهل صوتي. علمت ms302 أن جسمها يعاني من التيبس ، لكنها مستعدة ~~هذه المرة للعزف. توقعت أن تقل مشكلاتها عند انهماكها في الموسيقى. # بدأت في العزف، واستمرت حتى نهاية المقطوعة. وكان عزفها بشعا يعذب أذن من يسمعه، ~~لكنها استمرت في العزف، معتقدة أن الأداء سيتغير بالتأكيد، وأن بإمكانها تغييره، لكنها لم ~~تستطع. فكان كل شيء دون المستوى؛ عزفها سيئ للغاية مثل عزف جاك بيني في إحدى محاكاته ~~الساخرة الجريئة، والكمان كالذي نزل به السحر، فصار يكرهها ويرد عليها بألحان مشوهة ~~ومشاكسة لكل لحن تحاول عزفه. ما من شيء أسوأ من ذلك يمكن أن يحدث لها؛ إنه أسوأ من نظرها في ~~المرآة ورؤيتها لوجهها، الذي يعول على جماله، وقد نحل وبدا عليه الإرهاق وينظر إليها شزرا. ~~كان ذلك أشبه بالخدعة التي لا يمكنها تصديقها، فتحاول دحضها بالنظر بعيدا ثم معاودة النظر ~~في المرآة مرارا وتكرارا. وعلى النحو ذاته، استمرت في العزف في محاولة لدحض الخدعة التي ~~تواجهها، لكن دون جدوى؛ فعزفها يزداد سوءا، وتتساقط قطرات العرق على وجهها وذراعيها ~~وجانبي جسدها، وتنزلق يدها عن الكمان. باختصار، لم يكن هناك حد أقصى لسوء عزفها. # لقد قضي عليها تماما. والمقطوعة التي أتقنتها إتقانا تاما قبل ذلك الحين بعدة أشهر ~~ولم يعد بها أي شيء يصعب عليها أو يتطلب حذرها، قضت عليها تماما الآن، ورأت نفسها فيها ~~شخصية سلبت ونهبت ودمرت بين عشية وضحاها. # لكنها لم تستسلم، وعزفت على أسوأ نحو ممكن. ففي هذه الحالة من الإحباط، بدأت تعزف مجددا، ~~لكنها هذه المرة ستحاول عزف مقطوعة بيتهوفن. وبالطبع، لم يجد ذلك نفعا، بل زاد الأمر ~~سوءا. وبدت وكأنها تنتحب، بل وتموج كالبحر الهائج من الداخل. أنزلت القوس والكمان من يدها ~~على أريكة غرفة المعيشة، ثم التقطتهما وزجت بهما تحت الأريكة لتبعدهما عن نظرها؛ لأنها ~~تصورت نفسها تحطمهما على ظهر أحد الكراسي في عرض درامي يثير الغثيان. # لم أتوقف عن البكاء طوال هذا الوقت، وما كنت لأفعل ذلك في مواجهة هذه المنافسة. # استلقت جيل على الأريكة غير الوثيرة المغطاة ببياضات ms303 مطرزة ذات لون أزرق فاتح ، حيث لا ~~يستلقي أو يجلس أحد إلا عند استقبال الضيوف. وغطت في النوم فعليا. استيقظت بعد فترة لا ~~تعلمها، ووجهها الساخن في مواجهة بياضات الأريكة المطرزة التي طبعت رسومها على وجنتها. سال ~~بعض من لعابها على الأريكة ولطخ البياضات. استمرت الضجة التي أحدثتها، تارة عالية وتارة ~~منخفضة كالصداع الذي على هيئة دقات مطرقة. أصيبت جيل أيضا بالصداع. نهضت وشقت طريقها ~~بصعوبة - هكذا بدا الأمر - وسط الهواء الساخن وصولا إلى خزانة المطبخ حيث احتفظت إيلسا ~~بالمسكن. ذكرها الهواء الخانق بالمجاري. ولم لا؟ فبينما كانت نائمة، لوثت حفاضتي، ~~وملأت رائحتها الكريهة المنزل بمرور الوقت. # تناولت المسكن، ودفأت زجاجة لبن أخرى، ثم صعدت السلم. غيرت حفاضتي دون أن ترفعني ~~من المهد. كانت الملاءة والحفاضة متسختين تماما. لم يحدث المسكن تأثيرا بعد، وازداد ~~الصداع حدة أثناء انحنائها. أزالت الأوساخ، ونظفت أجزاء جسمي الملتهبة، ووضعت لي حفاضة ~~جديدة، ثم أخذت الحفاضة والملاءة المتسختين إلى دورة المياه لتنظفهما في المرحاض، ~~فوضعتهما في الدلو المحتوي على المطهر، الذي امتلأ عن آخره بالفعل بسبب عدم غسل ملابس ~~الطفلة كالمعتاد ذلك اليوم. وبعد ذلك، عادت إلي حاملة الزجاجة. هدأت مرة أخرى كي أرتشف ~~اللبن من الزجاجة، وكان من العجيب أن تظل لدي الطاقة لفعل ذلك، لكن هذا ما حدث؛ فقد ~~تأخرت الرضعة أكثر من ساعة عن موعدها، وشعرت بجوع حقيقي يمكنني إضافته إلى شكاواي ~~المتعددة؛ أو ربما هزم هذا الجوع كل تلك الشكاوى. انتهيت من شرب اللبن، وأنهيت الزجاجة، ثم ~~غلبني النعاس نظرا لما كنت أشعر به من إنهاك. وهذه المرة، استغرقت في النوم. # خف الصداع الذي شعرت به جيل، فغسلت الحفاضات والقمصان والثياب والملاءات الخاصة بي، ~~وهي تترنح. دعكتها وشطفتها، بل وغلت الحفاضات أيضا كي لا أصاب بالطفح الجلدي الناتج عن ~~ارتداء الحفاضات. عصرتها بيديها ونشرتها داخل المنزل؛ لأن اليوم التالي هو يوم الأحد، ولن ~~ترغب إيلسا عند عودتها في رؤية أي شيء منشور بالخارج يوم الأحد. علاوة على ذلك، فضلت جيل ~~عدم ms304 الظهور بالخارج، لا سيما الآن وقد اشتدت حلكة الليل وخرج الناس للجلوس خارج منازلهم ~~للاستمتاع بانخفاض درجة الحرارة؛ فقد خشيت من رؤية الجيران لها، بل ومن تحية آل شانتس ~~الودودين لها أيضا، بعدما سمعوه بالتأكيد اليوم. # مر هذا اليوم ببطء شديد، استغرق وقتا طويلا كي ينتهي، ويخبو ضوء الشمس الكاسح، وتختفي ~~الظلال الممتدة وتفسح الحرارة الشديدة المجال لبعض النسيم البارد اللطيف. وفجأة ظهرت ~~مجموعات من النجوم في السماء، وبدت الأشجار وكأنها تزداد حجما كالسحب في السماء، وتضفي ~~سلاما على الأرجاء، لكن ذلك لم يستمر طويلا، ولم تشعر به جيل. فقبل انتصاف الليل، علا صوت ~~بكاء ضعيف. لم يكن بكاء مترددا، لكنه ضعيف على الأقل أو تجريبي، كأنني فقدت مهارتي بالرغم ~~من ممارستي البكاء طوال اليوم، أو كأنني أتساءل عما إذا كان الأمر يستحق فعلا ما أبذله من ~~مجهود. لأنعم إذن ببعض الراحة، أو الاستجمام المزيف، أو الاستسلام، لكنني واصلت البكاء بعد ~~ذلك بكل قوتي وعلى نحو معذب وبلا شفقة. كان ذلك عندما بدأت جيل في إعداد المزيد من القهوة ~~لتتخلص من آثار الصداع التي لا تزال تشعر بها، وتصورت تلك المرة أنها قد تستطيع الجلوس إلى ~~المائدة واحتساء القهوة. # وعند سماعها البكاء، أطفأت الموقد. # حان موعد احتساء زجاجة اللبن الأخيرة لذلك اليوم. وإن لم تتأخر الرضعة السابقة، لكنت ~~مستعدة الآن لتناول هذه الرضعة. وربما أكون مستعدة بالفعل. وحين قامت جيل بتدفئة الزجاجة، ~~فكرت في الحصول على المزيد من حبوب المسكن، ثم فكرت أن هذا قد لا يفي بالغرض وأنها ~~بحاجة لشيء ما أقوى؛ لذا قصدت خزانة دورة المياه، لكنها لم تجد فيها سوى عقار بيبتو بيسمول، ~~وملينات، وبودرة للقدمين، وعقاقير لا تؤخذ إلا بإذن الطبيب ما كانت لتلمسها، لكنها كانت ~~تعلم أن إيلسا تأخذ عقارا قويا لآلام الطمث، فذهبت إلى غرفتها، وبحثت في أدراج مكتبها ~~حتى وجدت زجاجة من حبوب تسكين الآلام فوق كومة من الفوط الصحية؛ الأمر الذي بدا منطقيا. ~~كانت حبوبا لا تؤخذ أيضا إلا بأمر الطبيب، لكن ms305 الملصق الموجود عليها يشير إلى ما تستخدم ~~لعلاجه بوضوح. أخذت حبتين، وعادت إلى المطبخ لتجد الماء في الوعاء حول زجاجة اللبن قد ~~بدأ في الغليان، وصار اللبن ساخنا للغاية. # أمسكت بالزجاجة تحت مياه الصنبور لتبريدها، وصرخاتي تنزل عليها كضجيج الطيور الجارحة فوق ~~نهر هائج. نظرت إلى حبتي المسكن اللتين وضعتهما على الطاولة، وأخذت تفكر حتى توصلت في ~~النهاية إلى فكرة معينة. أخرجت السكين، وكشطت جزءا من إحدى الحبتين، ثم نزعت حلمة الزجاجة، ~~والتقطت ما كشطته من حبة الدواء على نصل السكين، ونثرته كالتراب الأبيض فوق اللبن، ثم بلعت ~~الحبة الأخرى وما تبقى من الحبة التي كشطتها، وصعدت بالزجاجة إلى أعلى. رفعت جسدي الجامد ~~على الفور من المهد، ووضعت الحلمة في فمي المليء بالاتهامات. كان اللبن لا يزال دافئا على ~~نحو لم يرق لي. ومع أول رشفة، أخرجته من فمي، لكنني بعد ذلك أحببت مذاقه وقررت أن ~~أبتلعه بالكامل. ~~••• # إيونا تصرخ. جيل تستيقظ من النوم وقد ملأت المنزل أشعة الشمس الحارقة وصرخات ~~إيونا. # كان من المخطط أن تزور إيلسا وإيونا وأمهما أقاربهم في مدينة جويلف حتى وقت متأخر من ~~فترة بعد الظهيرة كي يتجنبن قيادة السيارة أثناء حرارة النهار، لكن ما حدث هو أن إيونا ~~بعد تناول الفطور أخذت تثير ضجة؛ فقد أرادت العودة إلى المنزل من أجل الطفلة، وقالت إنها لم ~~تستطع النوم طوال الليل من القلق. وكان من المحرج الاستمرار في الجدال معها أمام الأقارب؛ ~~ومن ثم، استسلمت إيلسا لها، ووصل الثلاثة إلى المنزل في وقت متأخر من الصباح، وفتحن باب ~~المنزل ليجدن الهدوء قد خيم عليه. # قالت إيلسا: «أف! هل هذه رائحة المنزل دوما؟ أم أننا اعتدنا عليها لدرجة حالت دون ~~ملاحظتنا لها؟» # مرت إيونا مطأطئة رأسها بجوارها، وصعدت السلم. # ودوت صرخاتها. ~~«ماتت! ماتت! قاتلة!» # لم تعلم شيئا عن الحبوب، لماذا إذن تصرخ «قاتلة»؟! البطانية هي السبب؛ فقد رأتها تغطي ~~رأسي؛ لذا، فإنها تتحدث عن اختناق، وليس تسمم. وفي أقل من نصف ثانية، تحول رد فعلها من ~~«ماتت» ms306 إلى «قاتلة». يا له من تحول سريع! رفعتني من المهد وبطانية الموت ملفوفة حولي، ثم ~~حملت هذه الصرة الملفوفة في البطانية ودفعتها نحو جسدها، ثم ركضت وهي تصرخ إلى خارج الغرفة ~~لتدخل غرفة جيل. # استيقظت جيل بصعوبة - كأنها تحت تأثير مخدر - بعد اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ساعة من ~~النوم. # صرخت إيونا في وجهها: «لقد قتلت طفلتي.» # لم تصحح جيل ما قالته إيونا؛ فلم تقل لها «بل طفلتي.» مدت إيونا يدها التي تحملني ~~إلى الأمام على نحو اتهامي لتريني لجيل، لكن قبل أن تتمكن جيل من إلقاء أي نظرة علي، ~~انتزعتني إليها مجددا. أنت إيونا وانحنت للأمام في ألم كأنها ضربت بالرصاص في بطنها. ~~ظلت تحملني بين يديها وهي تنزل متعثرة على السلم حتى اصطدمت بإيلسا التي كانت في طريقها ~~إلى أعلى. وكانت إيلسا في حالة ذهول تام؛ تعلقت بدرابزين السلم، ولم تنتبه لها إيونا؛ ~~فيبدو أنها كانت تحاول دفع تلك الصرة - التي أنا بداخلها - في فجوة جديدة مخيفة وسط جسدها. ~~وخرجت منها كلمات وسط التأوهات المترتبة على إدراكها الحديث لما حدث. ~~«طفلتي. الحبيبة. العزيزة. آه. يا ويلتي! خنقتك. بالغطاء. الطفلة. الشرطة!» # كانت جيل قد نامت بدون غطاء عليها ودون تغيير ملابسها وارتداء رداء النوم؛ ومن ثم، كانت ~~لا تزال ترتدي السروال القصير والقميص عاري الظهر والذراعين اللذين ارتدتهما بالأمس. ولما ~~استيقظت، لم تكن متأكدة مما إذا كانت قد استيقظت من النوم ليلا أم من قيلولة في وسط ~~النهار. لم تكن متأكدة أيضا من المكان الذي توجد فيه أو حتى أي يوم ~~هو ذا. ماذا قالت إيونا؟ تلمست جيل طريقها من ~~تحت غطاء صوفي دافئ، وهي ترى - دون أن تسمع - صرخات إيونا التي كانت أشبه بالومضات الحمراء ~~أو العروق الساخنة في جفنيها. تعلقت برفاهية عدم الحاجة للفهم، لكنها أدركت حينذاك أنها ~~فهمت ما يحدث، وأن كل ذلك يتعلق بي. # لكن جيل اعتقدت أن إيونا مخطئة؛ فقد وصلت إلى الجزء الخاطئ من الحلم؛ فهذا الجزء قد انقضى ~~تماما. # والطفلة بخير. لقد ms307 اعتنت بها جيل. خرجت ووجدتها ودثرتها في مهدها. وكل شيء على ما ~~يرام. # في الردهة أسفل السلم، أخذت إيونا تصيح بكل ما أوتيت من قوة ببعض الكلمات في عبارة كاملة: ~~«لقد سحبت الغطاء على رأس الطفلة بالكامل، وخنقتها.» # نزلت إيلسا من على السلم مستندة إلى الدرابزين. # وقالت لإيونا: «فلتنزليها! أنزليها من يديك!» # فحضنتني إيونا بقوة وتأوهت، ثم حملتني إلى الأمام لتريني لإيلسا، وقالت لها: «انظري! ~~انظري!» # أشاحت إيلسا برأسها جانبا، وقالت: «لن أنظر إليها.» فاقتربت منها إيونا لتدفعني في ~~وجهها. كنت لا أزال ملفوفة بالكامل في الغطاء، لكن إيلسا لم تعلم ذلك، وإيونا لم تلاحظ ~~أيضا أو لم تهتم. # والآن، صارت إيلسا هي التي تصرخ. ركضت إلى الجانب الآخر من مائدة الطعام وهي تصرخ: ~~«أنزليها من يديك، أنزليها! لن أنظر إلى الجثة!» # دخلت السيدة كيركم من المطبخ، وهي تقول: «ما خطبكما أيها الفتاتان؟ لا أستطيع تحمل ~~ذلك.» # فقالت إيونا: «انظري.» تجاهلت إيلسا واستدارت حول المائدة لتريني إلى أمها. # بينما ذهبت إيلسا تجاه الهاتف في الردهة وأعطت عامل التشغيل رقم الدكتور شانتس. # فقالت السيدة كيركم وهي تزيح الغطاء بقوة: «يا إلهي، الطفلة!» # فقالت إيونا: «لقد خنقتها.» # وردت السيدة كيركم: «يا إلهي!» # تحدثت إيلسا مع الدكتور شانتس عبر الهاتف. قالت له بصوت مرتجف أن يحضر إلى المنزل على ~~الفور. وبعد أن أنهت المكالمة، نظرت إلى إيونا، وأخذت تتنفس بسرعة شديدة لتستعيد توازنها، ~~وقالت: «والآن، كفي عن الصراخ.» # فصرخت إيونا صرخة عالية في تحد، وركضت مبتعدة عنها عبر الردهة وصولا إلى غرفة ~~المعيشة. كانت لا تزال متشبثة بي. # وظهرت جيل أعلى السلم، ولمحتها إيلسا. # وقالت لها: «انزلي هنا.» # لم تكن لديها أي فكرة عما ستفعله مع جيل أو ما ستقوله لها عند نزولها من أعلى. بدت وكأنها ~~ترغب في صفعها، لكنها قالت: «لا فائدة الآن من أي تصرف هستيري.» # التف قميص جيل جزئيا حول جسدها، وتدلى جزء كبير من أحد ثدييها منه. # قالت لها إيلسا: «هندمي نفسك. هل نمت بملابسك؟ تبدين مخمورة.» # شعرت ms308 جيل بأنها لا تزال تسير في ضوء الثلوج التي رأتها في حلمها، لكن هؤلاء المخبولات ~~اقتحمن الحلم. # تمكنت إيلسا الآن من التفكير في بعض الأمور التي ينبغي فعلها. أيا كان ما حدث، فلن تكون ~~هناك جريمة قتل؛ فالأطفال يموتون دون سبب أثناء النوم، فقد قرأت عن ذلك من قبل. ولن تكون ~~هناك شرطة، أو تشريح؛ مجرد جنازة بسيطة هادئة وحزينة. لكن العقبة الوحيدة هي إيونا. يمكن أن ~~يعطي الدكتور شانتس إيونا حقنة الآن لتنام، لكنه لن يستطيع إعطاءها حقنة كل يوم. # الحل إذن هو إيداع إيونا مستشفى مورسفيل؛ وهو مستشفى للمجانين كان يسمى في السابق ~~مصحة الأمراض العقلية، وسيسمى فيما بعد مستشفى الأمراض النفسية، ثم وحدة الصحة العقلية، ~~لكن معظم الناس يطلقون عليه مورسفيل فقط، نسبة إلى القرية القريبة منه. # كان الناس يقولون إن فلانا سيذهب إلى ~~مورسفيل، أو لقد أرسلوها إلى مورسفيل، أو استمري على هذا النحو وسوف ينتهي بك الحال في ~~مورسفيل. # سبق لإيونا الذهاب إلى مورسفيل بالفعل، ويمكنها العودة إليه. يمكن للدكتور شانتس إيداعها ~~وتركها هناك حتى يبت في شأن إمكانية خروجها منه. سيقال إنها تأثرت بوفاة الطفلة وسيطرت ~~عليها الأوهام. وعندما يثبت ذلك، لن تمثل تهديدا، ولن يلقي أحد بالا لما تقوله. سوف يقال ~~إنها مصابة بانهيار عصبي، وفيما يبدو ربما يكون هذا هو ما حدث في الواقع؛ فربما تكون في ~~طريقها للانهيار العصبي بالفعل، بالوضع في الاعتبار كل هذا الصراخ والركض في أرجاء المنزل. ~~وربما لا تكون الحالة مؤقتة وتستمر معها، وربما لا يحدث ذلك، ولكن، تتوافر كافة أنواع ~~العلاج الآن؛ سوف تهدئ الأدوية من روعها، وعلاج الصدمات أيضا - إن كان الأفضل في علاجها ~~- قد يساعد في محو بعض الذكريات. وهناك كذلك العمليات الجراحية التي تجرى عند الضرورة ~~للأشخاص الذين يعانون من حالات عضال من الاضطراب والبؤس، لكنهم لا يجرون مثل هذه العمليات ~~في مورسفيل، وإنما يرسلون المريض إلى المدينة. # وفي كل تلك الأمور، التي تبادرت إلى ذهنها في لحظة واحدة، ستعتمد إيلسا على الدكتور ms309 ~~شانتس، وعلى عدم فضوله عند تقديم المساعدة ورغبته في أن تسير الأمور كما تريد، لكن ذلك ليس ~~صعبا على أي شخص يعلم ما مرت به في حياتها، وما بذلته في سبيل جعل تلك الأسرة جديرة ~~بالاحترام، والمصائب التي تعرضت لها؛ بدءا من أعمال أبيها المشبوهة واضطرابات أمها ~~العقلية، وصولا إلى انهيار إيونا العصبي في كلية التمريض وذهاب جورج إلى الحرب التي لقي ~~فيها حتفه. فهل تستحق إيلسا التعرض لفضيحة أخرى؛ فضيحة تنشرها الصحف، ومحاكمة، وربما أيضا ~~إيداع زوجة أخيها السجن؟ # سيستنكر الدكتور شانتس ويرى أنها لا تستحق ذلك؛ ليس فقط لأنه يستطيع عد هذه الأسباب مما ~~لاحظه باعتباره جارا تربطه علاقات ودية مع الأسرة، وليس فقط لأن بإمكانه تقدير فكرة أن ~~الناس الذين يعيشون بدون احترام يشعرون بالفتور في حياتهم آجلا أو عاجلا. # وإنما الأسباب التي دفعته لمساعدة إيلسا انعكست جميعها في صوته أثناء مجيئه راكضا من ~~الباب الخلفي في تلك اللحظة، عبر المطبخ، مناديا اسمها. # قالت جيل التي صارت الآن أسفل السلم: «الطفلة بخير.» # فقالت لها إيلسا: «اصمتي تماما حتى أخبرك بما يتعين عليك قوله.» # وقفت السيدة كيركم في مدخل الباب بين المطبخ والردهة، في طريق الدكتور شانتس. # قالت له: «كم أنا سعيدة برؤيتك. إيلسا وإيونا غاضبتان ويتعاركان. وجدت إيونا طفلة على باب ~~البيت، وتقول الآن إنها ميتة.» # أمسك الدكتور شانتس بالسيدة كيركم، وأزاحها جانبا، وقال مجددا: «إيلسا؟» ومد ذراعيه ~~أمامه، لكن انتهى به الحال واضعا يديه بقوة على كتفيها. # خرجت إيونا من غرفة المعيشة خاوية الوفاض. # سألتها جيل: «ماذا فعلت بالطفلة؟» # فأجابتها إيونا بوقاحة: «خبأتها.» وعبست في وجهها على النحو الذي يعبس به شخص خائف ~~ليتظاهر بالشر. # قالت إيلسا: «سوف يعطيك الدكتور شانتس حقنة؛ وسوف يضع ذلك حدا لتصرفاتك.» # تلا ذلك مشهد عبثي ركضت فيه إيونا في الأرجاء، مندفعة نحو الباب الأمامي، وقفزت إيلسا ~~لتقف في طريقها، ثم صعدت إيونا الدرج، وهناك أمسك بها الدكتور شانتس، وجعلها في قبضته ~~ممسكا بذراعيها وهو يقول: «والآن يا إيونا، فلتهدئي! ستصبحين ms310 بخير بعد قليل.» فصرخت إيونا ، ~~وتأوهت، ثم هدأت. الضجيج الذي أحدثته، وانطلاقها في كل مكان، وجهودها للهرب؛ كل ذلك بدا ~~مصطنعا زائفا. يبدو أنها - بالرغم من حيرتها وقلة حيلتها - رأت أن مجابهة إيلسا والدكتور ~~شانتس تكاد تكون مستحيلة؛ ومن ثم لا يسعها سوى تدبر أمرها عن طريق هذه التمثيلية ~~التهكمية، التي أوضحت أنها لا تجابههما على الإطلاق، وإنما تتداعى أمامهما. وربما كان هذا ~~غرضها في الحقيقة. تداعت على نحو محرج وغير لائق على الإطلاق، ما جعل إيلسا تصرخ فيها: ~~«ينبغي عليك الاشمئزاز من نفسك.» # وعند إعطائها الحقنة، قال الدكتور شانتس: «أحسنت يا إيونا! لقد انتهينا.» # وقال لإيلسا التي كانت تقف وراءه: «اعتن بأمك. دعيها تسترح.» # مسحت السيدة كيركم دموعها بأصابعها. قالت لإيلسا: «أنا بخير يا عزيزتي. كنت أتمنى فقط ألا ~~تتعاركا معا، وكان عليك إخباري بأن إيونا قد أنجبت طفلة، كما كان عليك مساعدتها في ~~الحفاظ على رضيعتها.» # دخلت السيدة شانتس - التي كانت حينها ترتدي كيمونو يابانيا فوق منامة صيفية - إلى ~~المنزل من باب المطبخ. # وسألت: «هل الجميع بخير؟» # رأت في تلك اللحظة سكينا على طاولة المطبخ، واعتقدت أنه من الحكمة إبعاده في أحد ~~الأدراج؛ فعندما يكون هناك عراك، يكون السكين آخر شيء يود المرء رؤيته في المتناول. # وسط كل ذلك، اعتقدت جيل أنها سمعت صوت بكاء خافتا، فنزلت السلم متعثرة استنادا على ~~الدرابزين لتفادي إيونا والدكتور شانتس - وكانت ~~قد ركضت، بعد أن نزلت، على الدرج في طريقها لأعلى عندما رأت إيونا تركض في الاتجاه نفسه - ~~ثم جلست على الأرض. ولما نهضت، عبرت البابين المزدوجين وصولا إلى غرفة المعيشة، حيث لم ~~تر في البداية أي أثر لي، لكن البكاء الخافت تكرر، فاتبعت الصوت حتى وصلت إلى الأريكة، ~~ونظرت تحتها. # وهناك وجدتني بجانب الكمان. # أثناء تلك الرحلة القصيرة من الردهة إلى غرفة المعيشة، تذكرت جيل كل شيء، فبدا الأمر وكأن ~~أنفاسها توقفت، ولجم الرعب فمها، ثم عادت للحياة بومضة سعادة وفرح؛ وذلك عندما عثرت على ~~الطفلة حية - كما حدث بالضبط في ms311 الحلم - وليست جثة صغيرة هامدة برأس متصلب. حملتني، ولم ~~أصلب جسدي أو أركل بقدمي أو أحن ظهري، فلا أزال أغط في نوم عميق بسبب المسكن الذي ~~وضع في اللبن وأفقدني الوعي ليلة كاملة ونصف اليوم التالي، والذي لو زادت كميته - قليلا ~~- عما حصلت عليه، لقضى علي تماما. ~~••• # لم يكن الغطاء هو السبب على الإطلاق؛ فلو ألقى أي أحد نظرة جادة عليه لرأى أنه خفيف ~~للغاية وليس منسوجا بغرز ضيقة تمنع عني الهواء الذي أحتاج إليه لأعيش؛ فكان يمكن التنفس ~~عبر غرزه على القدر نفسه من سهولة التنفس عبر شبكة صيد السمك. # لعل الإرهاق لعب دورا في الحالة التي أصبت بها، فربما يكون قضاء يوم كامل في الصياح، ~~وكأنني أحاول إثبات ذاتي بغضب وصخب، قد أنهك قواي. هذا فضلا عن المسحوق الأبيض الذي وضع ~~في اللبن الذي شربته، وأدخلني في سبات عميق لم أحرك فيه ساكنا وجعلني أتنفس برقة شديدة ~~دفعت إيونا لعدم ملاحظة أنفاسي. ولعل ما يتبادر إلى الذهن الآن هو أن إيونا كان من المفترض ~~أن تلاحظ أن جسمي ليس باردا، وأن كل هذا النواح والبكاء والركض من المفترض أن يعيدني إلى ~~وعيي سريعا، لكنني لا أعلم لماذا لم يحدث ذلك. أعتقد أن إيونا لم تلحظ ذلك بسبب هلعها، ~~والحالة التي انتابتها حتى قبل أن تعثر علي. أما سبب عدم بكائي في وقت مبكر عن ذلك، ~~فأجهله، أو لعلني بكيت، لكن لم يسمعني أحد وسط الهرج والمرج الذي ساد المكان، أو لعل إيونا ~~سمعتني، ونظرت إلي، ثم وضعتني تحت الأريكة؛ لأن بحلول هذا الوقت كان الاضطراب قد حدث ~~بالفعل. # وبعد ذلك سمعتني جيل. كانت جيل هي من عثرت علي وسمعت بكائي. # حملت إيونا إلى نفس الأريكة، ونزعت إيلسا حذاءها للحفاظ على بياضات الأريكة المطرزة، ~~وصعدت السيدة شانتس لأعلى لإحضار غطاء خفيف لوضعه عليها. # قالت: «أعلم أنها لا تحتاج إليه للتدفئة، لكنني أظن أنها ستشعر بتحسن عندما تجده عليها ~~عندما تستيقظ.» # قبل كل ذلك، بالطبع، تجمع الجميع حولي للتأكد من ms312 أنني حية، ولامت إيلسا نفسها لعدم ~~اكتشافها ذلك على الفور، وكرهت الاعتراف بأنها كانت خائفة من النظر إلى طفلة ميتة. # قالت: «لا بد أن عصبية إيونا أمر معد. كان ينبغي علي ملاحظة ذلك بالتأكيد.» # نظرت إلى جيل وكأنها على وشك إخبارها بأن تذهب وترتدي بلوزة فوق قميصها العاري، ثم تذكرت ~~القسوة التي تحدثت بها معها، ولم يكن معها حق فيها كما اتضح بعد ذلك؛ ومن ثم، لم تقل ~~لها أي شيء. لم تحاول حتى إقناع أمها بأن إيونا لم تنجب طفلة، لكنها قالت للسيدة شانتس بصوت ~~خافت: «حسنا، لعلها شائعة القرن.» # قالت السيدة كيركم: «إنني في قمة سعادتي لعدم حدوث أي كارثة؛ فقد اعتقدت للحظة أن إيونا ~~قد تخلصت من الطفلة. حاولي ألا تلومي أختك يا إيلسا.» # فقالت لها إيلسا: «لن أفعل يا أمي. تعالي لنجلس في المطبخ.» # كانت هناك زجاجة من اللبن معدة بالمطبخ، وكان من المفترض أن أتناولها في وقت مبكر من ~~ذلك الصباح. وضعتها جيل على الموقد لتسخنها، وحملتني على ذراعها طوال الوقت. # بحثت على الفور عن السكين عند دخولها المطبخ، وتعجبت من عدم وجودها هناك، لكنها تمكنت ~~من مسح الآثار الطفيفة للمسحوق المكشوط من حبة الدواء من على الطاولة؛ أو ظنت أنها ~~مسحتها. مسحتها بيدها التي لا تحملني بها قبل أن تفتح الصنبور للحصول على الماء لتسخين ~~الزجاجة. # شغلت السيدة شانتس نفسها بإعداد القهوة. وإلى أن تعد، وضعت جهاز تعقيم الرضعات على ~~الموقد، وغسلت زجاجات اللبن التي شربتها اليوم السابق. اتسمت باللباقة والكفاءة، وتمكنت من ~~إخفاء حقيقة أن ثمة شيئا ما في كل هذه الفوضى واضطراب المشاعر يجعلها تشعر بالسعادة ~~والثقة. # قالت: «أظن أن إيونا مهووسة بالطفلة؛ وشيء كهذا كان لا بد أن يحدث.» # وباستدارتها عن الموقد لتوجه آخر هذه الكلمات إلى زوجها وإيلسا، رأت الدكتور شانتس وهو ~~ينزل يدي إيلسا اللتين وضعتهما على جانبي رأسها، ثم يبعد يديه سريعا على نحو يوحي ~~بشعوره بالذنب. ولو لم يفعل ذلك، لبدا الأمر وكأنه محاولة عادية لتهدئة إيلسا، ms313 الأمر الذي ~~له الحق في فعله بالتأكيد بصفته طبيبا. # قالت السيدة شانتس بتعاطف ودون توقف: «أظن يا إيلسا أن أمك ينبغي أن تنال قسطا من الراحة ~~أيضا. سوف أذهب لإقناعها بذلك. فإن استطاعت أن تنام، فربما ستنسى كل ما حدث، وربما ستنساه ~~إيونا أيضا، إن حالفنا الحظ.» # خرجت السيدة كيركم من المطبخ بمجرد دخولها إليه، وعثرت عليها السيدة شانتس في غرفة ~~المعيشة وهي تنظر إلى إيونا وتعبث بالغطاء لتتأكد من أنه يغطيها جيدا. لم ترغب السيدة ~~كيركم في النوم، وإنما أرادت تفسير ما حدث، فكانت تعلم أن تفسيراتها ليست سليمة بعض الشيء، ~~وأرادت أن يتحدث معها الناس مثلما كانوا يفعلون من قبل، وليس بأسلوب رقيق ومرض للذات كما ~~يفعلون الآن، لكن نظرا لدماثة خلقها المعتادة، وعلمها بأنها لا سلطة لها في المنزل، سمحت ~~للسيدة شانتس باصطحابها إلى الدور العلوي. # كانت جيل تقرأ إرشادات إعداد لبن الأطفال، التي كانت مطبوعة وموضوعة بجانب علبة شراب ~~الذرة، وعندما سمعت صوت الخطوات الصاعدة على الدرج، جال بخاطرها أنها يجدر بها فعل شيء ما ~~والفرصة سانحة أمامها؛ فحملتني إلى غرفة المعيشة، ووضعتني على أحد الكراسي. # وهمست إلي بثقة: «والآن، ابقي هادئة.» # جثت على ركبتيها، وأخرجت الكمان برفق من مخبئه، ووجدت غطاءه وعلبته، ووضعتهما بعيدا. ~~وظللت هادئة - وربما لم أكن قادرة بعد على الاستدارة - وصامتة. # على الأرجح لم يستغل الدكتور شانتس وإيلسا فرصة تركهما وحدهما في المطبخ ليتعانقا، وإنما ~~تبادلا النظرات فحسب؛ النظرات التي تدل على المعرفة، لكن دون وعود أو يأس. ~~••• # اعترفت إيونا أنها لم تجس نبضي، ولم تدع قط أن جسدي كان باردا، لكنها قالت إنها ~~شعرت بأنني متيبسة، ثم قالت إنني لم أكن متيبسة وإنما ثقيلة؛ ثقيلة للغاية، ما جعلها تظن ~~على الفور أنني ميتة. شعرت بوزني الثقيل وظنت أني ميتة. # أظن أن ثمة شيئا ما في هذه القصة؛ فلا أعتقد أنني كنت ميتة أو أنني عدت للحياة بعد ~~الموت، لكنني أظن أنني كنت في مكان بعيد، ربما كنت سأعود منه وربما لا. ms314 أظن أن النتيجة لم ~~تكن مؤكدة، وأن الإرادة كان لها دور في ذلك؛ أعني أن الأمر عاد إلي فيما يتعلق بالطريق ~~الذي اخترته في تلك اللحظة. # ولكن حب إيونا، الذي كان بلا شك أصدق صور الحب التي حظيت بها، لم يكن هو الدافع وراء ~~قراري؛ فبكاؤها ودفعها لي نحو جسدها لم يجد نفعا، ولم يكن مقعنا في النهاية؛ وذلك لأنها ~~لم تكن إيونا التي كان سيقع عليها اختياري (هل كان من الممكن أنني علمت ذلك؟ هل كان من ~~الممكن أنني علمت أن إيونا لن تكون الشخصية التي ستعود علي بأكبر قدر من النفع في ~~النهاية؟) لقد كانت جيل التي ستفعل ذلك. كان علي اختيار جيل وما يمكنني الحصول عليه منها، ~~حتى وإن كان أقل القليل. # أظن أنني في تلك اللحظة فقط أصبحت أنثى. أعلم أن هذا الأمر قد تقرر قبل ولادتي بفترة ~~طويلة، وكان واضحا للجميع منذ بداية حياتي، لكني أعتقد أنه فقط في اللحظة التي قررت فيها ~~العودة، توقفت عن صراعي مع أمي (الصراع الذي كان بالتأكيد من أجل إخضاعها لي تماما)، ~~وعندما فضلت النجاة على الانتصار (كان الموت سيصبح انتصارا)، قبلت طبيعتي ~~كأنثى. # قبلت جيل أيضا طبيعتها كأنثى إلى حد ما. استعادت وعيها وشعرت بالامتنان، ولم يكن ~~بمقدورها حتى التفكير فيما نجت منه لتوها؛ فبدأ حبها لي؛ لأن بديل هذا الحب كان ~~كارثة. ~~••• # ساورت الدكتور شانتس بعض الشكوك، لكنه تغاضى عنها، فسأل جيل عن حالي في اليوم الماضي. وهل ~~كنت صعبة الإرضاء أم لا، فأجابت بأنني كنت صعبة الإرضاء للغاية. فقال لها إن الأطفال الذين ~~يولدون قبل أوانهم، ولو بقليل، عرضة للصدمات؛ لذا، ينبغي التعامل معهم بحرص. وأوصاها بأن ~~تجعلني أنام دوما على ظهري. # لم تكن إيونا في حاجة للعلاج بالصدمات؛ فقد أعطاها الدكتور شانتس الحبوب المناسبة ~~لحالتها، وقال إنها قد أرهقت نفسها للغاية في رعايتي. ولأن السيدة التي عينت مكانها في ~~المخبز رغبت في ترك العمل - إذ لم تكن تحب العمل ليلا - عادت إيونا للعمل بالمخبز. ~~••• # ما ms315 يلي هو أفضل ما أتذكره عن زياراتي الصيفية إلى عمتي عندما كنت في السادسة أو ~~السابعة من عمري. كان يتم اصطحابي إلى المخبز في وقت غريب غير معتاد بمنتصف الليل، وهناك ~~أشاهد إيونا وهي ترتدي قبعتها البيضاء ومئزرها الأبيض، وتعجن الكتلة الكبيرة البيضاء من ~~العجينة التي يتغير شكلها وتظهر فيها الفقاقيع وكأنها كائن حي، ثم تقطع الكعك، وتقدم لي ~~ما تبقى منه لأتناوله. وفي بعض المناسبات الخاصة، كنت أشاهدها وهي تعد كعكة الزفاف. كم كان ~~هذا المطبخ منيرا وساطعا وقد خيم ظلام الليل على كل نوافذه! كنت أتناول فتات زينة الكعك ~~من الوعاء؛ ذلك السكر الشهي الذي يذوب في الفم ولا يمكن مقاومته. # رأت إيلسا أنه لا ينبغي لي السهر لوقت متأخر من الليل، وألا آكل الكثير من هذه الحلوى، ~~لكنها لم تفعل أي شيء حيال ذلك، بل تساءلت عن رأي أمي في ذلك، كما لو كانت جيل هي التي ~~تعاني زيادة الوزن، وليست هي. كان لدى إيلسا بعض القواعد التي لم ألتزم بها في المنزل - مثل ~~تعليق السترة، وشطف الكوب قبل تجفيفه حتى لا تظهر به أي بقع يختلف لونها عن لون الزجاج - ~~لكنني لم أر قط شخصيتها القاسية المزعجة التي كانت جيل تتذكرها. # لم يقل أحد أي شيء يدل على الاستخفاف فيما يتعلق بالموسيقى التي تعزفها جيل؛ فهي، في ~~النهاية، تكسب قوت يومها منها. لم تهزمها مقطوعة ماندلسون في النهاية، وحصلت على شهادتها ~~وتخرجت في معهد الموسيقى، وقصت شعرها، وقد صار خفيفا، وتمكنت من تأجير منزل من طابقين ~~بالقرب من حديقة هاي بارك في تورونتو، وتعيين امرأة للعناية بي بعض الوقت؛ نظرا لأنها كانت ~~تحصل على معاش أرملة محارب. وحصلت على وظيفة، بعد ذلك، في أوركسترا الإذاعة، وكانت فخورة ~~بأنها عملت طوال حياتها موسيقية، ولم تضطر يوما لممارسة مهنة التدريس. وكانت تقول إنها ~~تعلم أنها ليست عازفة كمان عظيمة، وإنها لا تملك موهبة أو مستقبلا مذهلا، لكنها على الأقل ~~يمكنها كسب قوتها بفعل ما تريده. وحتى بعد زواجها ms316 من زوجها الثاني، وبعد انتقالنا معه إلى ~~إدمنتون (وكان يعمل جيولوجيا)، واصلت العزف في الأوركسترا السيمفوني هناك، وظلت تعزف حتى ~~قبل ولادة أختي غير الشقيقتين بأسبوع واحد. وقالت إنها كانت محظوظة؛ لأن زوجها لم يعارضها ~~قط في ذلك. # أصيبت إيونا بنكستين أخريين؛ أشدهما عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، وأودعت مستشفى ~~مورسفيل عدة أسابيع. وأظن أنها تعاطت الإنسولين هناك؛ وعادت ممتلئة الجسم وثرثارة. ذهبت ~~لزيارة المنزل حين كانت هي في المستشفى، وصاحبتني جيل وأختي الصغيرة حديثة الولادة. وفهمت ~~من الحديث الذي دار بين أمي وإيلسا أنه لم يكن مستحسنا إحضار طفلة إلى المنزل لو أن إيونا ~~كانت موجودة؛ فقد «يثيرها» ذلك. ولا أعلم ما إذا كان للسبب الذي جعلها تعود إلى مورسفيل أي ~~علاقة بالأطفال. # شعرت بالإقصاء في تلك الزيارة؛ فكانت جيل وإيلسا تدخنان معا، وتجلسان حتى وقت متأخر من ~~الليل تحتسيان القهوة وتدخنان السجائر على مائدة المطبخ، أثناء انتظارهما موعد رضعة الطفلة ~~الساعة الواحدة (أرضعت أمي تلك الطفلة من ثدييها؛ وشعرت بالسعادة لعلمي أنني لم أحصل على ~~مثل هذه الوجبات الحميمية من ثديي أمي). أتذكر نزولي الدرج عابسة لعدم تمكني من النوم، ثم ~~ثرثرتي وحديثي الجريء بعدم جدية وأنا أحاول فرض نفسي عليهما في محادثتهما، لكنني أدركت ~~أنهما كانتا تتحدثان عن أشياء لا تودان سماعي لها. لقد صارتا صديقتين حميمتين على نحو غير ~~مفهوم. # أمسكت بإحدى السجائر، فقالت أمي: «فلتذهبي الآن، واتركي هذه السجائر هنا. إننا نتحدث.» ~~وطلبت مني إيلسا أن أحضر لنفسي مشروبا من الثلاجة، مياها غازية أو جعة زنجبيل. ففعلت، ~~وبدلا من أن أصعد به إلى أعلى، ذهبت إلى الخارج. # جلست على عتبة المنزل الخلفية، لكن صوت السيدتين انخفض على الفور، ولم أتمكن من تبين ~~أي شيء من أصواتهما المنخفضة النادمة أو المطمئنة؛ ومن ثم، ذهبت للتجول في الفناء الخلفي، ~~متجاوزة بقعة الضوء التي انعكست من الباب الشبكي. # المنزل الأبيض العالي، ذو الزوايا المشيدة بقوالب الزجاج يسكنه الآن أشخاص آخرون. انتقل ~~آل شانتس بعيدا ليعيشا على ms317 الدوام في فلوريدا، وكانا يرسلان لعمتي برتقالا قالت عنه إيلسا ~~إنه سيجعلني أشعر بالتقزز من البرتقال الذي نشتريه في كندا. حفر السكان الجدد للمنزل حمام ~~سباحة استخدمته في أغلب الأحيان الابنتان المراهقتان الجميلتان - اللتان كانتا تنظران ~~إلي مباشرة عند مقابلتي لهما في الشارع - وصديقاهما الشابان. نمت بعض الشجيرات عاليا ~~بين فناء منزل عمتي وفناء هذا المنزل، لكن ظل بإمكاني مشاهدتهم وسماع صيحاتهم وهم يركضون ~~حول الحمام ويدفعون بعضهم بعضا فيه لتتناثر المياه عاليا. ازدريت هزلهم؛ لأنني كنت آخذ ~~الحياة بجدية ولدي مفهوم أكثر سموا ورقة للرومانسية، لكنني تمنيت لفت انتباههم كما ~~يفعلون، وأن يرى أحدهم المنامة الباهتة التي أرتديها وهي تتحرك في الظلام، ويصرخ بجدية ~~معتقدا أنني شبح. ms318