######OpenITI# #META# URI: 1450AmiraCaliCabdSaduq.Mutasawwila.Hindawi74641397 #META# Tags: literature #META# ID: 74641397 #META# Title: المتسولة #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 18291916 #META# Editor: علا عبد الفتاح يس #META# TranslatorID: 27426846 :: 72975737 #META# Translator: أميرة علي عبد الصادق :: شيماء طه الريدي #META# Related_books: 1450AliceMunro.BeggarMaid (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # ضرب «ملكي»‏ # امتياز‏ # نصف ثمرة جريب فروت‏ # البجع البري‏ # المتسولة‏ # عبث‏ # العناية الإلهية‏ # حظ سايمون‏ # التهجية‏ # من تظنين نفسك؟‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # ضرب «ملكي»‏ # امتياز‏ # نصف ثمرة جريب فروت‏ # البجع البري‏ # المتسولة‏ # عبث‏ # العناية الإلهية‏ # حظ سايمون‏ # التهجية‏ # من تظنين نفسك؟‏ # | المتسولة # | المتسولة # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # أميرة علي عبد الصادق # شيماء طه الريدي # مراجعة # علا عبد الفتاح يس # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # مجموعة قصصية ساحرة تتميز بالدقة. إن أليس مونرو تخلق لنا عالما يبدو مألوفا ~~ورائعا على الفور. # ماكسين هونج كينجستون # مزجت أليس مونرو في هذا العمل ما بين بنية القصة القصيرة وأسلوب الرواية السردي ~~الشائق لتخرج لنا نوعا جديدا من الإمتاع الأدبي؛ فكل قصة من القصص العشر التي يضمها ~~هذا العمل هي كل قائم بذاته مفعم بالتأمل والجمال؛ كل منها يضم عالما ثريا ~~بالتعقيدات والإيحاءات، ولها صبغتها وحبكتها الخاصة. # مجلة «نيو ريبابليك» # تكمن نقطة القوة في هذا الكتاب في عمق الشخصيات التي نجحت الكاتبة في رسمها، ومن هذا ~~المنطلق نرشح هذا الكتاب لجميع القراء. # صحيفة «كولومبس ديسباتش» # هذا الكتاب يتميز بأنه مباشر وقوي ورائع وشديد الواقعية، إنه يصيب عمق تعاملاتنا ~~بعضنا مع البعض. # صحيفة «دالاس نيوز» # لست متأكدا ما إذا كان هذا العمل مجموعة من القصص القصيرة أو نوعا جديدا من ~~الرواية، ولكن أيا كان تصنيفه الأدبي فإنه عمل رائع. لقد أمتعني كثيرا ما فيه من ~~تحر للدقة فيما يخص الجوانب النفسية، كما أن التغيرات المفاجئة المدهشة - القفزات ~~الزمنية غير المتوقعة وتحولات الشخصيات المألوفة - تمنح الكتاب قدرا من الجموح ~~والغموض، وهو ما يجب أن تكون عليه كل الكتب. # جون جاردنر # القصص رائعة بحق؛ فكل كلمة تكتبها أليس مونرو مثيرة للاهتمام. # أليس آدامز # أفضل مجموعة قصصية لهذا العام. # مجلة «ذا نيشن» # | ضرب «ملكي» # «ضرب ملكي ... ستنالين ضربا ملكيا»، هكذا كان وعيد فلو. # تهادت كلمة «ملكي» على لسان فلو، معبرة عما توحي به هذه الكلمة. أرادت روز تخيل ~~الأمر ms001 ، واستكشاف معاني الكلام غير المنطقي. ورغبتها في تبين ما تعنيه كلمات فلو فاقت ~~حاجتها لتجنب المتاعب. لذا، بدلا من أن تأخذ هذا التهديد على محمل الجد، أخذت تفكر في «كيف ~~يكون الضرب ملكيا؟» فتخيلت مشهدا لطريق تصطف على جانبيه الأشجار، وحشدا من المتفرجين ~~بزي رسمي، وبعض الخيول البيضاء، والعبيد السود، وشخصا جاثيا على ركبتيه والدم ينزف من ~~جسده بغزارة. تخيلت مشهدا يجمع بين الوحشية والإبهار في الوقت نفسه. لكن على أرض الواقع، ~~لم تتمتع روز وفلو بمثل هذه المنزلة الرفيعة، وإنما أرادت فلو فحسب الإيحاء بحتمية ما ~~ستلقاه روز من عقاب وضرورة شعورها بالندم. وما حدث بين روز وأبيها بعد ذلك كان بعيدا كل ~~البعد عن أي شيء رفيع المستوى. # كان والد روز ملك الضرب الملكي. أما فلو، فلم يرتق ضربها إلى هذا المستوى؛ إذ لم ~~يتعد كونه بضع لطمات أو صفعات تمنحها لضحيتها، بينما يكون ذهنها منشغلا بشيء آخر. وكانت ~~تقول: «ابتعدي عن طريقي!» أو «لا تتدخلي فيما لا يعنيك!» أو «فلتغيري تلك النظرة المرتسمة ~~على وجهك!» # عاشت أسرة روز خلف أحد المتاجر في هانراتي بأونتاريو، وضمت الأسرة أربعة أشخاص: روز، ~~ووالدها، وفلو، وبراين أخو روز الصغير من أبيها. كان ذلك المتجر، في الواقع، منزلا اشتراه ~~والد روز ووالدتها عندما تزوجا، وأسسا فيه عملهما المتمثل في إصلاح الأثاث والتنجيد. عملت ~~والدتها بالتنجيد، وكان من المفترض أن ترث روز من والديها المهارة اليدوية، وحب التعامل مع ~~الأقمشة، والعين الثاقبة لاكتشاف أفضل لفات الأقمشة لإصلاحها، إلا أنها لم تفعل؛ وإنما كانت ~~فتاة خرقاء تسرع في كنس حطام أي شيء ينكسر والتخلص منه. # في عصر أحد الأيام، قالت الأم لوالد روز: «أشعر بشيء يصعب علي وصفه، إنه أشبه ببيضة ~~مسلوقة غير مقشرة في صدري.» وتوفيت قبل حلول الليل إثر جلطة دموية على الرئة. كانت ~~روز لا تزال طفلة رضيعة آنذاك، ومن ثم لم يكن بوسعها تذكر أي شيء من ذلك، ولكنها سمعت ~~القصة من فلو، التي لا بد أن تكون قد سمعتها ms002 بدورها من والد روز. سرعان ما دخلت فلو حياة ~~الأسرة لتعتني بروز الرضيعة، فتزوجت الأب، وفتحت الغرفة الأمامية للمنزل لتصير متجرا ~~للبقالة. وروز - التي لم تعرف من ذلك المنزل سوى كونه متجرا، ولم تعرف أما غير فلو - ~~نظرت للأشهر الستة عشر أو نحو ذلك التي قضاها والداها في ذلك المكان كعهد قديم أكثر رقة ~~وجمالا تخللته بعض لمحات الترف. لم يتبق لروز من تلك الأيام سوى بعض كئوس البيض التي ~~كانت والدتها قد اشترتها، والتي كانت تحمل رسوما دقيقة باللون الأحمر للكرمات والطيور، ~~كادت تنمحي من عليها وكأنها كانت مرسومة بالحبر الأحمر. لم تتبق أية كتب أو ملابس أو صور ~~لوالدتها. لا بد أن والدها قد تخلص منها جميعا، أو لعل فلو هي من فعلت ذلك. والقصة ~~الوحيدة التي ترويها فلو عن والدتها - وهي قصة وفاتها - كانت بغيضة على نحو غريب. أحبت ~~فلو تفاصيل الموت؛ ما يقوله الأشخاص عند احتضارهم، اعتراضهم أو محاولتهم النزول من السرير، ~~سبابهم أو ضحكاتهم (بعضهم فعل هذه الأمور بالفعل). لكن عندما كانت فلو تروي ما ذكرته والدة ~~روز عن البيضة المسلوقة في صدرها، كانت تشير إلى حماقة هذه المقارنة، كما لو كانت والدتها ~~من هؤلاء الأشخاص الذين يصدقون حقا أنه بإمكان المرء ابتلاع بيضة كاملة. # كان لوالد روز سقيفة خارج المتجر مارس فيها عمله في إصلاح الأثاث وتجديده؛ فكان ينجد ~~مقاعد الكراسي ومساندها، ويصلح منتجات الخوص، ويملأ الشقوق، ويعيد تركيب الأرجل، وكان يفعل ~~كل ذلك بأعلى درجات المهارة والبراعة وبأبخس الأسعار. فكان ذلك مصدر فخره؛ أن يبهر الناس ~~بعمله الدقيق والمبهر، وبتلك الأسعار البخسة، بل والمضحكة في بعض الأحيان. لعل السبب وراء ~~ذلك هو أن الناس أثناء الكساد لم يمكنهم دفع مبالغ أكبر، لكن والد روز لم يغير هذه الأسعار ~~أثناء الحرب، وأثناء سنوات الرخاء التي تلت الحرب، واستمر في ذلك إلى أن توفي. ولم يتناقش ~~قط مع فلو بشأن ما كان يحصل عليه من أجر مقابل عمله، وما كان يدين به من مال. لذا ms003 ، كان ~~عليها بعد وفاته فتح السقيفة، وجمع كافة قصاصات الورق وأظرف الخطابات المقطعة من على ~~الخطافات الكبيرة ذات المظهر الموحي بالشر التي كان يجمع عليها أوراقه. والكثير من تلك ~~الأوراق التي عثرت عليها لم تكن حسابات أو إيصالات على الإطلاق، وإنما تدوينات لأحوال ~~الطقس، وبعض المعلومات عن الحديقة، وأشياء أخرى ثمة ما دفعه لتدوينها: # تناولت بطاطس جديدة، 25 يونيو. تسجيل. # يوم مظلم، العقد الأول من ثمانينيات القرن التاسع عشر، ما من شيء غريب. سحب من الرماد ~~من حرق الغابات. # 16 أغسطس 1938. عاصفة رعدية مهيبة في المساء. برق. الكنيسة المشيخية، مدينة ترنبيري. أهي ~~إرادة الرب؟ # تسخين الفراولة لإزالة الحمض. # كل الأشياء حية. سبينوزا. # ظنت فلو أن سبينوزا نوع جديد من الخضراوات كان ينوي والد روز زراعته، مثل ~~البروكلي أو الباذنجان؛ فقد اعتاد تجربة أشياء جديدة. أطلعت فلو روز على قصاصة الورق، ~~وسألتها إن كانت تعلم معنى كلمة سبينوزا. وكانت روز تعلم بالفعل معناها، أو لديها فكرة عنه ~~(فقد كانت في مرحلة المراهقة آنذاك)، لكنها قالت إنها لا تعلم. بلغت روز في ذلك الوقت مرحلة ~~من العمر لم تعد تتحمل فيها معرفة أي شيء آخر عن والدها أو عن فلو؛ فكانت تغض الطرف عن أي ~~شيء تكتشفه عنهما شاعرة بالتحرج والرهبة. # احتوت السقيفة على موقد، والعديد من الأرفف غير المصقولة تعلوها علب الطلاء والورنيش، ~~وصمغ اللك، والتربنتين، وبرطمانات تحتوي على فرش مغمورة في الطلاء، وبعض زجاجات دواء السعال ~~اللزجة داكنة اللون. ما الذي يدفع رجلا عاش طوال حياته يسعل ويعاني من تأثر رئتيه بغازات ~~الحرب (المعروفة في السنوات الأولى من طفولة روز بالحرب «الأخيرة»، وليست «الأولى») أن يقضي ~~عمره بالكامل في استنشاق أدخنة الطلاء والتربنتين؟ آنذاك، لم تكن مثل هذه الأسئلة تطرح ~~كثيرا كما هو الحال الآن. وعلى المقعد الموجود خارج متجر فلو، اعتاد الكثير من الرجال كبار ~~السن من سكان الحي الجلوس للثرثرة والنوم الخفيف في الطقس الدافئ، وكان بعضهم يسعل أيضا ~~طوال الوقت، والحقيقة أنهم كانوا يحتضرون ببطء وسرية بسبب ms004 ما كانوا يطلقون عليه - دون أي ~~نوع من التذمر - مرض «المسبوكات المعدنية». عمل أولئك الرجال طيلة حياتهم في سبك المعادن في ~~المدينة، وها هم الآن متقاعدون عن العمل بوجوه ذابلة هزيلة، يسعلون، ويضحكون ضحكات خافتة، ~~وينجرفون في فحش عبثي بتعقب السيدات اللاتي مررن من أمامهم أو أية فتاة تقود عجلتها أمام ~~أعينهم. # لم تقتصر الأصوات الصادرة من السقيفة على السعال فحسب، وإنما كان هناك أيضا حديث وهمهمة ~~متواصلة، سواء تأنيبية أو تشجيعية. وعادة ما كانت هذه الأصوات خفيضة على نحو يحول دون تمييز ~~سوى بضع كلمات منها. وكان إيقاعها يقل عندما كان والدها يعمل على شيء يحتاج بعض التركيز، في ~~حين يزيد هذا الإيقاع على نحو مبهج عندما كان يؤدي عملا على درجة أقل من التركيز المطلوب، ~~مثل الصنفرة أو الطلاء. وبين الحين والآخر، كانت بعض الكلمات التي ينطق بها تخترق مسامعها ~~وتبدو دون معنى وحدها، وعندما كان يدرك ذلك، كان يسرع على الفور بإحداث تشويش ما، إما ~~بالسعال، أو الازدراد، كنوع من الإنذار، أو الصمت غير المألوف. ~~«مكرونة، بيبروني، بوتيتشيلي، حبوب ...» # ما الذي قد يعنيه ذلك؟ اعتادت روز تكرار هذه الكلمات مع نفسها. ولم تتمكن من طرح هذا ~~السؤال على والدها قط؛ فالشخص الذي نطق بهذه الكلمات يختلف عن الشخص الذي كان يتحدث معها ~~كوالدها، مع أنهما يسكنان نفس الجسم. ولم يكن من الحكمة على الإطلاق إدراك وجود ذلك الشخص ~~الذي لم يكن من المفترض وجوده؛ فهذا شيء لا يغتفر. ومن ثم، واصلت روز التسكع حول المكان ~~والإنصات. # وفي إحدى المرات، سمعته يقول: «الأبراج التي تناطح السحاب.» ~~«الأبراج التي تناطح السحاب، القصور العظيمة.» # كان وقع الأمر على روز شديدا، لكنه لم يتسبب في إيلامها، وإنما إبهارها وحبس أنفاسها. ~~شعرت في تلك اللحظة بالرغبة في الركض والهروب بعيدا، فكانت تعلم أن ما سمعته كان كافيا، ~~إلى جانب خشيتها من أن يراها والدها. فإن رآها، سيكون العقاب مروعا. # تشابه ذلك مع الأصوات الصادرة من دورة المياه. كانت فلو قد ادخرت بعض ms005 النقود، وأقامت دورة ~~مياه في المنزل، إلا أنها لم يكن لها مكان إلا بأحد أركان المطبخ، حيث الباب لم يكن ~~مثبتا جيدا، والحوائط مصنوعة من ألواح الألياف الخشبية المضغوطة فقط. وكانت النتيجة ~~أن من يعملون أو يتحدثون أو يأكلون في المطبخ كانوا يسمعون أي صوت يصدر من الحمام، مهما ~~كان خفيضا مثل قطع ورق المناديل، أو أية حركة بسيطة. واعتاد الجميع بعضهم أصوات بعض، ليس ~~فقط في دورة المياه، وإنما أيضا في التأوهات الحميمة والدمدمات والالتماسات والعبارات. إلا ~~أنهم جميعا اتسموا بالاحتشام الشديد. فلم يظهر على أحد قط ما يشير إلى سماعه أو استماعه ~~لما يحدث، كما لم يذكر أحد الأمر قط. وكأن الشخص الذي يصدر الأصوات في دورة المياه ليس هو ~~من يخرج منها. # عاشت الأسرة في الجانب الفقير من المدينة؛ فكانت هناك منطقتان: هانراتي وهانراتي الغربية، ~~يفصل بينهما نهر متدفق. والمكان الذي عاشت فيه الأسرة هو هانراتي الغربية. تدرجت البنية ~~الاجتماعية في هانراتي ما بين الأطباء وأطباء الأسنان والمحامين وصولا إلى عمال سبك ~~المعادن والمصانع وسائقي عربات نقل الأحمال. أما هانراتي الغربية، فتدرج سكانها من عمال ~~المصانع وسبك المعادن وصولا إلى العائلات الكبيرة المفككة التي تضم المتهورين، الذين ~~يعملون في تهريب الخمور، والعاهرات واللصوص الفاشلين. نظرت روز لعائلتها على أنها في ~~المنتصف بين هانراتي وهانراتي الغربية، لا تنتمي لأي منهما وكأنها تقطن النهر. لكن ذلك لم ~~يكن صحيحا؛ فالمتجر يقع في منطقة هانراتي الغربية، وهناك عاشت أسرتها أيضا في نهاية ~~الشارع الرئيسي. وعلى الجانب المقابل للمتجر، كان هناك متجر الحداد، الذي غطيت نوافذه ~~وأبوابه بألواح الخشب مع بداية الحرب تقريبا، بالإضافة إلى منزل آخر كان متجرا في السابق. ~~ولم تنزل لافتة «شاي سالادا» من على النافذة الأمامية له قط؛ وإنما ظلت تزين المكان كمصدر ~~للفخر والاهتمام، مع أن المكان بالداخل لم يكن يبيع أي شاي بهذا الاسم. أما الرصيف، فكان ~~ضيقا ومحطما ومائلا على نحو لا يسمح بالتزلج عليه باستخدام الأحذية ذات العجلات. لطالما ~~رغبت روز في اقتناء ms006 أحذية تزلج ، وتخيلت نفسها كثيرا وهي تتحرك بخفة وأناقة في تنورتها ~~مربعة النقوش. كان في الشارع، كذلك، مصباح إضاءة واحد، وزهرة مزروعة في علبة من القصدير؛ ~~وبعد ذلك تختفي وسائل الراحة وتظهر الطرق القذرة والمستنقعات، والقمامة الملقاة في الأفنية ~~الأمامية، والمنازل غريبة الشكل. ما جعل المنازل غريبة الشكل هو محاولات قاطنيها الحفاظ ~~عليها من الانهيار التام، لكن ثمة بعض المنازل الأخرى التي لم يحاول أحد الحفاظ عليها قط، ~~وهي المنازل التي بدت رمادية اللون ومائلة للأمام ونال السوس من أخشابها، تقبع في محيط من ~~الحفر المليئة بالأشجار الخفيضة، والبرك التي تعيش فيها الضفادع، والأعشاب السبخية، وأعشاب ~~القراص. لكن أغلب المنازل رقعت بورق القطران، والقليل من الألواح الخشبية الجديدة، ~~وألواح من الصفيح، ومداخن المواقد المطروقة، بل حتى بالورق المقوى أيضا. كان ذلك، ~~بالطبع، قبل الحرب، وهي الأيام التي أصبحت بعد ذلك تعرف بأيام «الفقر الأسطوري». لم تكن ~~روز تتذكر من تلك الأيام سوى المشاهد الكئيبة، مثل درجات السلم الخشبية وكثبان النمل التي ~~تبدو خطرة، والصورة القاتمة والمثيرة والجدلية للعالم. ~~••• # سادت هدنة طويلة بين فلو وروز في البداية. وأخذت شخصية روز تنمو كثمرة الأناناس الشائكة، ~~لكن ببطء وسرية، فتبلورت شخصيتها بحيث صارت تتمتع بدرجة عالية من عزة النفس والنزعة للشك، ~~الأمر الذي جاء مفاجئا، حتى لروز نفسها. وقبل أن تصل إلى سن المدرسة، وبينما كان براين ~~لا يزال في المهد، قضت روز أوقاتها في المتجر مع فلو وبراين، فكانت فلو تجلس على الكرسي ~~المرتفع خلف منضدة الخزينة، وبراين ينام بجوار النافذة؛ بينما تجثو روز على ركبتيها أو ~~تستلقي على ألواح الأرضية العريضة، التي كانت تصدر صريرا، لترسم بالألوان على قطع الورق ~~البني الممزق أو غير المنتظم الذي لا يصلح للتغليف. # كان أغلب من ترددوا على المتجر من المنازل المجاورة، إلى جانب بعض القرويين المارين على ~~المكان في طريق عودتهم من المدينة إلى ديارهم، فضلا عن عدد قليل من سكان هانراتي الذين ~~كانوا يعبرون الجسر. وجد دوما بعض الأفراد في الشارع الرئيسي، داخل ms007 المتاجر وخارجها ، كما ~~لو كان من واجبهم الظهور دوما في الشارع، ومن حقهم أن يرحب بهم؛ ومنهم على سبيل المثال، ~~بيكي تايد. # قفزت بيكي تايد لتجلس على منضدة فلو، مفسحة مكانا لنفسها بجوار علبة مفتوحة من البسكويت ~~المحشو بالمربى المتساقط منه بعض الفتات. # سألت بيكي فلو: «هل هذا مذاقه جيد؟» وأخذت تأكل منه بجرأة، واستطردت قائلة: «متى ~~ستمنحينني وظيفة، يا فلو؟» # فردت عليها فلو ببراءة: «يمكنك الذهاب والعمل في محل الجزارة مع أخيك.» # قالت بيكي بنوع من الازدراء المصطنع: «روبرتا؟ هل تظنين أنه من الممكن أن أعمل معه؟» كان ~~اسم أخيها، الذي يدير محل الجزارة، روبرت، لكنه اشتهر باسم روبرتا نظرا لأسلوبه المهادن ~~والمتململ. ضحكت بيكي تايد. كانت ضحكتها رنانة ومزعجة كمحرك مزعج. # كانت بيكي قصيرة القامة، كبيرة الرأس عالية الصوت، ذات مظهر خارجي يملؤه الغرور لا يميزها ~~كأنثى، وترتدي قلنسوة مخملية حمراء. كان عنقها ملتويا، ما أجبرها على تثبيت رأسها في اتجاه ~~واحد، بحيث تنظر دوما للأعلى وللجانبين. كانت ترتدي حذاء لماعا عالي الكعب، كان حذاء ~~يليق بسيدة حقيقية. أخذت روز تحدق في حذائها فقط؛ فكانت تخشى كل ملمح آخر في تلك الفتاة؛ ~~وخاصة ضحكتها وعنقها. علمت روز من فلو أن بيكي تايد أصيبت بشلل الأطفال وهي طفلة، وهذا ما ~~تسبب في التواء عنقها وقصر قامتها. كان من الصعب التصديق أن تلك الفتاة كانت لها هيئة أخرى ~~غير تلك التي عليها الآن، وأنها كانت طبيعية في يوم من الأيام. ذكرت فلو أنها ليست مخبولة، ~~وإنما عاقلة شأنها شأن أي شخص آخر، لكن بوسعها فعل كل ما يروق لها دون أن تلقى أي ~~عقوبة. # سألت بيكي: «تعلمين أنني كنت أعيش هنا، أليس كذلك يا فلو؟» كانت قد لاحظت آنذاك وجود روز، ~~فنادت عليها: «يا فتاة! ما اسمك؟» # فأجابتها فلو، كما لو كانت تجهل الأمر: «إن فعلت، فقد كان ذلك قبل مجيئي إلى ~~هنا.» ~~«كان ذلك قبل أن يتدهور الحال بالحي على هذا النحو. أستميحك عذرا فيما أقوله. شيد ~~والدي منزله ms008 هنا، وأقام المجزر الخاص به، وكنا نمتلك بستانا بلغت مساحته نصف فدان.» # قالت فلو بصوت مازح مليء باللطف الزائف، بل والتواضع أيضا: «حقا؟ فلم رحلتم ~~إذن؟» # أجابتها بيكي: «لقد أخبرتك للتو، تدهور حال الحي.» كانت بيكي ستضع بسكويتة كاملة في ~~فمها، إذا رغبت في ذلك، وتترك وجنتيها تنتفخان كالضفدع. وبتناولها البسكويت، سكتت عن ~~الحديث، ولم تنطق بأية كلمة أخرى. # كانت فلو على علم بما تتحدث عنه بيكي، الجميع كان على علم بذلك. عرف الجميع ذلك المنزل ~~المشيد بالطوب الأحمر، الذي يحتوي على شرفة وبستان، أو بالأحرى ما تبقى من البستان الذي صار ~~ممتلئا بالنفايات المعتادة، مثل مقاعد السيارات وغسالات الملابس، وزنبركات الأسرة ~~والخردة. وبالرغم مما حدث في ذلك المنزل، لم يبد مشئوما قط، وذلك بسبب كل ما أحاط به من ~~حطام وفوضى. # ذكرت فلو أن والد بيكي كان جزارا مختلفا عن أخيها؛ فقد كان رجلا إنجليزيا حاد ~~الطباع، ويختلف عن بيكي فيما يتعلق بكثرة الحديث؛ إذ كان صموتا. كان رب أسرة بخيلا ~~وطاغية. بعد أن أصيبت بيكي بشلل الأطفال لم يسمح لها بالذهاب إلى المدرسة، وكانت نادرا ما ~~ترى خارج المنزل، ولم تر قط خارج الفناء. لم يرغب والدها في أن يبدي الناس الشماتة ~~فيها. كان هذا ما قالته بيكي في المحاكمة. كانت والدتها قد توفيت بحلول ذلك الوقت، وتزوجت ~~شقيقتاها، ولم يتبق بالمنزل سواها هي وروبرت. كان الناس يوقفون روبرت في الطريق ويسألونه: ~~«كيف حال أختك؟ هل هي بخير الآن؟» ~~«نعم.» ~~«هل تقوم بأعمال المنزل؟ هل تعد لك عشاءك؟» ~~«نعم.» ~~«هل يحسن أبوك معاملتها؟» # شاع عن والد بيكي وروبرت أنه يضربهما، وأنه كان يضرب جميع أبنائه، بل وزوجته أيضا. وكان ~~يضرب بيكي أكثر بسبب عاهتها الجسدية، التي ظن البعض أنه هو من تسبب في إصابتها بها (كانوا ~~يجهلون مرض شلل الأطفال). استمر الناس في حبك القصص عن تلك العائلة والاستفاضة فيها؛ فقيل ~~إن السبب وراء إخفاء بيكي عن الأنظار هو حملها، وأن والدها هو والد هذا الطفل. وقيل أيضا ms009 ~~إنها وضعت طفلها، وتم التخلص منه. ~~«ماذا؟» # أجابت فلو: «تم التخلص منه. اعتاد الناس القول إن أفضل قطع للحم الحملان يكون بمجزر ~~تايد!» وأضافت بشيء من الأسف: «كان كل ذلك أكاذيب على الأرجح.» # لفتت نبرة الحسرة والشفقة والحذر التي شابت حديث فلو انتباه روز عن مشاهدة تحريك الرياح ~~للظلة القديمة المتمزقة. عندما كانت فلو تروي قصة ما - لم تكن تلك القصة الوحيدة التي ~~تعرفها، أو حتى أكثرها بشاعة - كانت تحني رأسها، ويبدو وجهها رائقا ورصينا وآسرا ~~ومحذرا. ~~«ليس من المفترض أن أتحدث معك عن هذه الأمور.» # واصلت فلو روايتها للقصة. # اجتمع ثلاثة شباب ممن يتسكعون في إسطبلات الخيول المعروضة للإيجار - أو جمعتهم معا ~~شخصيات أكثر نفوذا واحتراما في المدينة - ~~وتأهبوا لضرب تايد العجوز بالسياط، دفاعا عن الأخلاق العامة. طلا أولئك الشباب وجوههم ~~باللون الأسود، وحصلوا على سياط وربع كأس ويسكي لكل منهم ليمنحهم الشجاعة. وقد كانوا: ~~جيلي سميث، عداء في سباقات الخيل وسكير؛ وبوب تمبل، لاعب كرة مفتول العضلات؛ وهات ~~نيتلتون، الذي يعمل في نقل الأثقال بالمدينة، وحصل على اسم شهرته «هات» بسبب القبعة ~~المستديرة السوداء التي كان يرتديها من باب الخيلاء والمزاح في الوقت نفسه. كان لا يزال ~~يعمل في نقل الأثقال وظل محتفظا باسمه، وإن لم يعد يرتدي القبعة، وكان يمكن رؤيته علنا - ~~بقدر ما يمكن رؤية بيكي تايد - وهو ينقل أكياس الفحم، التي سودت وجهه وذراعيه. من المفترض ~~أن يستدعي ذلك قصة ذلك الرجل، ولكن ذلك لم يحدث؛ فالحاضر والماضي - ذلك الماضي الميلودرامي ~~المبهم لقصص فلو - كانا منفصلين تماما، على الأقل بالنسبة إلى روز، فما كان لشخصيات الحاضر ~~أن تتلاءم مع الماضي. بيكي نفسها، أعجوبة المدينة والشخصية المدللة للجميع، المسالمة ~~والخبيثة، لا يمكن ربطها أبدا بسجينة الجزار، تلك الابنة العاجزة، ذات الوجه الأبيض الذي ~~يطل من الشباك، الصامتة، المقهورة، والمغتصبة. شأنها شأن منزل الجزار، لا يمكن ربط ما كان ~~عليه في الماضي بما صار عليه في الحاضر إلا رسميا فقط. # وصل الشباب، الذين استعدوا لضرب الجزار العجوز ms010 بالسياط، أمام منزله في وقت متأخر من اليوم ~~بعد أن نام الجميع. كان معهم سلاح ناري، لكنهم استنزفوا ما معهم من ذخيرة بإطلاقها في فناء ~~المنزل. أخذوا يصيحون على الجزار كي يخرج لهم، ويطرقون الباب بقوة حتى تمكنوا في النهاية من ~~كسره. استنتج تايد أنهم يريدون المال، فوضع بعض الأوراق النقدية في منديل، وأرسلها مع بيكي، ~~ربما ظنا منه أنهم سيتأثرون أو يخافون عند رؤيتهم فتاة صغيرة قصيرة القامة ملتوية العنق ~~أمامهم. لكن ذلك لم يرضهم؛ فصعدوا الدرج وجروه من تحت السرير وهو برداء النوم إلى ~~الخارج وأوقفوه وسط الجليد. كانت الحرارة آنذاك أربعا تحت الصفر، وهو الأمر الذي ذكر ~~لاحقا في المحكمة. اعتزم أولئك الشباب عقد محاكمة صورية لتايد، لكنهم لم يستطيعوا تذكر ~~كيفية إجرائها، ومن ثم، بدءوا في ضربه، واستمروا في ذلك إلى أن سقط على الأرض. أخذوا يصرخون ~~في وجهه: «يا لحم الجزار!» وواصلوا الضرب، بينما استحال رداء النوم الذي كان يرتديه والثلج ~~الذي استلقى عليه إلى اللون الأحمر. قال ابنه روبرت في المحكمة إنه لم يشهد الضرب، في حين ~~قالت بيكي إن روبرت شاهد ما حدث في البداية، ثم هرب واختبأ. هي نفسها شاهدت كل ما حدث حتى ~~النهاية، ورأت الرجال وهم يغادرون المكان، ووالدها يتقدم ببطء وسط الجليد والدم ينزف من ~~جسده، حتى صعد درجات الشرفة. لم تخرج بيكي لمساعدته، ولم تفتح الباب حتى وصل إليه. وعند ~~سؤالها في المحكمة عن سبب ذلك، قالت إنها لم تخرج إليه لارتدائها رداء النوم فقط، ولم تفتح ~~الباب لأنها لم ترغب في دخول الصقيع إلى المنزل. # بدا بعد ذلك أن استعاد تايد العجوز عافيته، فأرسل روبرت لإعداد الحصان، وجعل بيكي تسخن ~~بعض الماء ليغتسل. وارتدى ملابسه، وأخذ كل ما معه من مال، وبدون أي شرح لأبنائه عما يفعله، ~~أخذ المركبة وقادها إلى بلجريف، حيث ترك الحصان مقيدا في الصقيع، واستقل القطار الذي ~~انطلق في الصباح الباكر إلى تورونتو. وعلى متن القطار، تصرف على نحو غريب، وأخذ يدمدم ~~ساخطا ms011 ويسب كما لو كان مخمورا. وعثر عليه في اليوم التالي في أحد شوارع تورونتو، فاقدا ~~الوعي ومحموما، فنقل إلى المستشفى حيث توفي. وكانت لا تزال معه كل أمواله. وشخص سبب ~~الوفاة بالالتهاب الرئوي. # لكن السلطات سمعت بالأمر، وفقا لرواية فلو. وأحيلت القضية إلى المحكمة، وحكم على ~~الرجال الثلاثة الذين اعتدوا عليه بالسجن مدة طويلة. مسرحية هزلية، هكذا وصفت فلو ما حدث. ~~ففي غضون عام واحد، أفرج عنهم جميعا بعد أن صدر أمر بالعفو عنهم، وكانت هناك وظائف ~~بانتظارهم، وكان السبب في ذلك هو تدخل العديد من علية القوم في هذا الشأن. وبدا كل من ~~بيكي وروبرت غير مهتمين بتنفيذ العدالة؛ فقد تركهما والدهما ميسوري الحال، واشتريا ~~منزلا في هانراتي، وأدار روبرت محل الجزارة، في حين بدأت بيكي - بعد عزلتها التي دامت ~~طويلا - في الظهور والاندماج الاجتماعي. # انتهت القصة على هذا النحو، فتوقفت فلو عن روايتها كما لو كانت قد سئمت منها، فلم تعد ~~بالخير على أحد. # قالت فلو: «تخيلي!» # كانت فلو آنذاك، بلا شك، في أوائل الثلاثينيات من عمرها؛ امرأة شابة ترتدي ملابس سيدة في ~~الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات من عمرها: فساتين منزلية كثيرة الألوان وفضفاضة حول ~~الرقبة والأكمام والخصر؛ وميدعة مطبخ كثيرة الألوان أيضا كانت تخلعها عند خروجها من ~~المطبخ ودخولها المتجر. كان ذلك الزي هو الشائع آنذاك لسيدة فقيرة، وإن لم تكن معدمة، لكنه ~~كان في الوقت نفسه اختيارا حرا يوحي بالازدراء؛ فكانت فلو تزدري السراويل الفضفاضة، ~~والملابس التي يحاول الناس التأنق بارتدائها، وأحمر الشفاه وتموجات الشعر الثابتة؛ فكانت ~~تقص شعرها الأسود مستقيما بحيث يصل طوله إلى خلف أذنيها بالضبط. كانت فلو طويلة القامة، ~~لكنها تمتعت في الوقت ذاته بتنسيق عظمي جيد، فكان عرض معصميها وكتفيها صغيرا، ورأسها صغير، ~~ووجهها شاحب منمش متقلب يشبه وجه القرد. لو كانت فلو تؤمن بأهمية الاعتناء بالذات، وكان ~~لديها الموارد اللازمة، لكان من الممكن أن تتمتع بنوع من الجمال الرقيق الذي يجمع بين سمرة ~~البشرة وشحوبها، ذلك الجمال الذي يبدو طبيعيا؛ ms012 هذا ما أدركته روز فيما بعد، لكن كي يتحقق ~~ذلك، كان على شخصية فلو أن تتبدل تماما، وأن تقاوم رغبتها في تقطيب جبينها لنفسها ~~وللآخرين. # جمعت ذكريات روز المبكرة عن فلو بين قدر هائل من النعومة والخشونة في نفس الوقت. أما ~~النعومة، فتمثلت في شعرها الناعم، ووجنتيها الطويلتين الشاحبتين الناعمتين، والشعيرات ~~الناعمة التي تكاد تكون غير مرئية أمام أذنيها وفوق فمها. أما الخشونة، فكانت في ركبتيها، ~~وحجرها، وتسطح جبهتها. # عندما غنت فلو: # كم هو جميل طنين النحل في أشجار السجائر # ونافورات المياه الغازية ... # أخذت روز تفكر في حياة فلو السابقة لزواجها من والدها، عندما كانت تعمل نادلة في المقهى ~~الموجود في محطة قطار «يونيون ستيشن»، وتذهب مع صديقتيها ميفيس وآيرين إلى جزيرة «سنتر ~~آيلاند»، ويتبعهن الرجال في الشوارع المظلمة. كانت تعلم كيفية عمل المصاعد وهواتف العملة. ~~سمعت روز في صوتها ما يوحي بالحياة الطائشة والخطرة في المدن من خلال إجاباتها الحادة ~~والعصبية. # وعندما غنت: # ثم برفق استيقظت # وبرفق اقتربت منه # ولم تنطق إلا بهذه الكلمات، # أيها الشاب، أظنك تحتضر! # تصورت روز الحياة التي عاشتها فلو لأبعد من ذلك الحد؛ حياة مليئة ~~بالأحداث وأسطورية، مع أغنية «باربارا آلين» ووالد بيكي تايد، بكل ما اختلط فيها من نوبات ~~الغضب والحزن. ~~••• # الضرب الملكي. كيف بدأ؟ # تخيل أحد أيام السبت في فصل الربيع؛ أوراق الأشجار لم تنبت بعد، لكن الأبواب مفتوحة ~~ليتخللها ضوء الشمس، والديوك تعلو أصواتها في الأجواء، والمياه تملأ المجاري المائية. طقس ~~يبعث الأمل في النفوس. اعتادت فلو أيام السبت ترك المتجر في رعاية روز - كان ذلك منذ بضعة ~~أعوام من الآن، عندما كانت روز في التاسعة أو العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة من ~~عمرها - بينما كانت تعبر هي الجسر إلى هانراتي (كانت هانراتي تسمى الجزء الأعلى من ~~المدينة) للتسوق ورؤية الناس والاستماع إليهم. ومن بين الأشخاص الذين استمعت إليهم فلو، ~~السيدة ديفيس زوجة المحامي، والسيدة هينلي سميث زوجة الكاهن الإنجليكاني، والسيدة ماكاي ~~زوجة طبيب الخيول. وعند عودتها للمنزل، كانت ms013 تقلد أصواتهن الحمقاء. جعلتهن يبدين كوحوش ~~تملؤها الحماقة والزيف والتباهي بالذات. # عندما كانت فلو تنتهي من التسوق، كانت تدخل المقهى الموجود بفندق «كوينز هوتيل» وتتناول ~~الآيس كريم. وعند عودتها للمنزل، يسألها براين وروز: «ما كانت نكهته؟» وكانا يصابان ~~بالإحباط إذا كان بالأناناس أو بحلوى السكر والزبد فقط، ويسعدان إذا كان بشراب الشوكولاتة ~~والفستق أو بالشوكولاتة والفانيليا. وبعد الآيس كريم، كانت تشعل سيجارة. حملت معها بعض ~~السجائر الجاهزة كي لا تضطر للفها أمام الناس. كان التدخين من الأمور التي كانت فلو تفعلها ~~وتطلق عليها تفاخرا عندما يفعلها أي شخص آخر. اعتادت التدخين منذ أيام عملها في تورونتو، ~~وكانت تعلم أنه يجلب إليها المشاكل؛ ففي إحدى المرات، وقف قس كاثوليكي على يمينها في فندق ~~«كوينز هوتل»، وأشعل الولاعة أمامها قبل أن تتمكن من إخراج الثقاب، فشكرته، لكنها لم تدخل ~~معه في أية مناقشة، خشية أن يحاول هدايتها. # مرة أخرى، وفي طريقها إلى المنزل، رأت فتى يرتدي سترة زرقاء ويبدو أنه ينظر في الماء عند ~~نهاية الجسر من ناحية المدينة. ربما كان في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره. لم تعرفه ~~فلو من قبل. كان نحيفا وهزيلا وبه خطب ما لمحته فلو على الفور. هل كان يفكر في القفز من ~~فوق الجسر؟ ما إن وصلت عنده فلو حتى استدار وأظهر نفسه لها، وقد فتح السترة والسروال. بدا ~~وكأن ذلك من آثار ما عانى منه الفتى نتيجة للبرد في ذلك اليوم، مثل هذا الطقس الذي دعا فلو ~~أن تطوي ياقة المعطف حول عنقها لتدفئ نفسها. # عندما رأت فلو، للوهلة الأولى، ما كان يحمله ذاك الفتى بين يديه، كل ما تمكنت من ~~التفكير فيه هو: «ما الذي يفعله هذا الفتى هنا ممسكا بقطعة السجق هذه؟» # كان بإمكانها قول ذلك، وعبرت عنه كحقيقة وليس مزحة، فلطالما أكدت فلو أنها تكره الكلام ~~البذيء؛ وكانت تخرج من المتجر لتصيح في الرجال كبار السن الجالسين أمامه، قائلة: ~~«إذا أردتم البقاء هنا، فعليكم بانتقاء ألفاظكم!» # وفي أحد أيام السبت، ms014 قررت فلو لسبب ما عدم الذهاب إلى الجزء العلوي من المدينة، والبقاء ~~في المنزل، وتنظيف أرضية المطبخ. لعل ذلك تسبب في تعكر مزاجها، وربما كان مزاجها ~~متعكرا بالفعل بسبب عدم دفع الناس ديونهم المستحقة لها، أو لعل السبب هو تأجج المشاعر ~~الذي يصيب الناس في الربيع. كان الشجار قد بدأ مع روز بالفعل، وهو مستمر إلى الأبد، كالحلم ~~الذي يتداخل مرارا وتكرارا مع أحلام أخرى، ليظهر من فوق التلال وعبر الأبواب، معتما ~~ومزدحما، مألوفا ومحيرا في نفس الوقت. كانت فلو وروز تخرجان جميع الكراسي من المطبخ ~~استعدادا لتنظيف الأرضية، وكان عليهما أيضا أن ينقلا بعض مؤن المتجر الإضافية إلى المتجر، ~~وبعض العلب الكرتونية التي تحوي السلع المعلبة، وصفائح شراب القيقب، وعلب زيت الفحم، ~~وبرطمانات الخل. وكانتا تنقلان هذه الأشياء إلى السقيفة الخشبية. وكان براين، الذي بلغ من ~~العمر خمس أو ست سنوات آنذاك، يساعدهما في جر علب الصفيح. # قالت فلو لروز، وهي تواصل حديثها الذي لم يذكر هنا: «نعم، وتلك البذاءة التي تعلمينها ~~لبراين.» ~~«أية بذاءة؟» ~~«ولا يجيد سواها.» # كانت هناك درجة سلم واحدة للنزول من المطبخ إلى السقيفة الخشبية، وكانت مغطاة بقطعة من ~~السجاد المتآكل، حتى إن روز لا تذكر النقش الذي كان مرسوما عليه في يوم من الأيام. تسبب ~~براين في تفكك هذه السجادة بسحبه إحدى العلب الصفيح عليها. # قالت روز بصوت خفيض: «اثنان من فانكوفر ...» # كانت فلو في المطبخ. أخذ براين ينظر إلى فلو ثم إلى روز، وروز تكرر بصوت مشجع أعلى ~~قليلا ولكنه بنفس النبرة: «اثنان من فانكوفر ...» # فأكمل براين المقطع، بعد أن فشل في التحكم في نفسه: «مقليان في المخاط!» ~~«مؤخرتان مخللتان ...» ~~«... مربوطتان في عقدة!» # ها هي ذي البذاءة! # اثنان من فانكوفر مقليان في المخاط! # مؤخرتان مخللتان مربوطتان في عقدة! # عرفت روز تلك الأغنية منذ سنوات عديدة، فتعلمتها عند دخولها المدرسة للمرة الأولى، وعند ~~عودتها إلى المنزل آنذاك سألت فلو عن معنى كلمة «فانكوفر». ~~«إنها مدينة بعيدة للغاية عن هنا.» ~~«هل لها أي معنى آخر؟» ms015 # فسألتها فلو عما تعنيه. ما المعنى الآخر الذي يمكن أن تحمله؟ فردت عليها روز: «أعني كيف ~~يمكن أن تكون مقلية؟» لتصل بذلك إلى اللحظة الخطيرة والمبهجة في الوقت نفسه، وهي اللحظة ~~التي تغنت فيها بالأغنية كاملة. # فما كان من فلو إلا أن صاحت فيها بغضب متوقع: «سوف تضربين! كرري ما قلته الآن، وسوف ~~تضربين ضربا مبرحا!» # لم تستطع روز كبح جماح نفسها، فأخذت تدندن بالكلمات بصوت خافت، محاولة النطق بالكلمات ~~البريئة بصوت عال، والهمهمة بباقي الكلمات. لم يكن ما يمتعها هو كلمتا «مخاط» و«مؤخرتان» ~~فحسب - وإن كانتا تفعلان ذلك بالفعل - وإنما استمتعت أيضا بالمخلل والربط والاثنين من ~~فانكوفر اللذين لم تستطع تخيلهما. أخذت تتصور شكلهما في عقلها؛ فرأتهما في صورة أخطبوطين ~~ينتفضان في مقلاة. كانت تصورات تداعى فيها المنطق، وانطلقت فيها شرارات الجنون. # ومؤخرا، تذكرت روز تلك الأغنية، وعلمتها لبراين لترى ما إذا كان لها نفس التأثير عليه، ~~وبالطبع كانت كذلك. # عندما سمعته فلو، صاحت: «يا إلهي! لقد سمعتك! وأنا أحذرك!» # كانت تحذره بالفعل. وبعد أن تلقى براين هذا التهديد فر هاربا من باب السقيفة ~~الخشبية، ليفعل ما يشاء. فكونه فتى منحه حرية الاختيار بين المساعدة والمشاركة أو لا، فلم ~~يكن ملتزما بالمشاركة في أعباء المنزل، ولم تكن الأسرة بحاجة إليه على أية حال، فيما عدا ~~استخدامها له كأداة في صراع بعضهم مع بعض. وكانوا لا يلاحظون اختفاءه؛ ويواصلون صراعهم. فلا ~~يستطيعون منع أنفسهم من المواصلة، لا يستطيع أي منهم ترك الآخر وشأنه. وحين كان يبدو ~~عليهم الاستسلام، كانت صدورهم تتأجج بالحنق في تأهب للحظة الصراع. # أخرجت فلو دلو التنظيف والفرشاة والممسحة والوسادة التي تجثو بركبتيها عليها، وهي وسادة ~~مطاطية حمراء اللون متسخة. شرعت في تنظيف الأرضية، بينما كانت روز تجلس على طاولة المطبخ، ~~وهي المكان الوحيد المتبقي للجلوس عليه. وأخذت تؤرجح ساقيها. كان بإمكانها الشعور بملمس ~~المشمع البارد تحتها؛ إذ ارتدت بنطالا قصيرا. كان ذلك بنطال الصيف الماضي الضيق باهت ~~اللون الذي أخرجته من حقيبة ملابس الصيف، وكانت تفوح ms016 منه رائحة كريهة بعض الشيء بسبب فترة ~~التخزين الشتوي. # زحفت فلو على الأرضية لتنظفها بالفرشاة، وتمسحها بالممسحة. كانت ساقاها طويلتين، بيضاوين، ~~وقويتي العضلات، وتملؤهما الشرايين الزرقاء كما لو كان أحد قد رسم عليهما أنهارا بقلم لا ~~يمحى. طاقة غير طبيعية، واشمئزاز ينفث عنفا ظهرا في احتكاك الفرشاة بمشمع الأرضية وحفيف ~~الممسحة. # ما الذي كان على كل منهما قوله للأخرى؟ لا يهم حقا. فتحدثت فلو عن تحاذق روز، ~~ووقاحتها، وسلوكها غير المسئول، وغرورها، واستعدادها لتحميل الآخرين أعباء واجباتها، وعدم ~~اعترافها بالجميل. وكثيرا ما كانت فلو تقارن بين براءة براين وفساد روز. في لحظة تقول لها: ~~«لا تظني أنك شخص مهم.» ثم تقول بعدها بلحظات: «من تظنين نفسك؟» عارضت روز هذه العقلانية ~~والمهادنة الخبيثة، وأظهرت عدم الاكتراث على نحو متكلف، فتجاوزت فلو الحد المعتاد لازدرائها ~~وضبط أعصابها، وصارت متكلفة في حديثها هي الأخرى؛ فأخذت تقول لروز إنها ضحت بحياتها من ~~أجلها، وبأنها رأت والدها وقد تحمل عبء طفلة رضيعة وحده وأخذت تفكر فيما سيفعله؛ لذلك ~~تزوجته، وها هي الآن، جاثية على ركبتيها تنظف في منزله. # في تلك اللحظة، رن جرس المتجر ليعلن قدوم أحد الزبائن، ونظرا للعراك القائم، لم يسمح ~~لروز بالدخول إلى المتجر وخدمة الزبائن، أيا كانوا. نهضت فلو، وألقت بالميدعة التي كانت ~~ترتديها، وهي تدمدم في تذمر، لكن بصوت خافت؛ فما عبرت عنه من حنق ما كان مسموحا لروز ~~بسماعه. وذهبت إلى المتجر لتلبي طلب الزبون. سمعتها روز وهي تقول بصوتها المعتاد: ~~«يا له من توقيت ممتاز حقا!» # عادت فلو إلى المطبخ، وارتدت الميدعة، وتأهبت لمواصلة العمل. ~~«إنك لا تفكرين إلا في نفسك! لم تفكري فيما أفعله قط.» ~~«لم أطلب منك قط فعل أي شيء، بل إنني أتمنى لو أنك لم تفعلي شيئا قط، فكنت سأكون أفضل ~~حالا من الآن.» # قالت روز هذه الكلمات بوجه باسم وهي تنظر مباشرة نحو فلو، التي لم تكن قد جثت بعد على ~~ركبتيها. رأت فلو الابتسامة على وجه روز، فالتقطت الممسحة التي كانت معلقة ms017 بجانب الدلو، ~~ورمتها عليها. لعلها قصدت ضربها في وجهها، لكن الممسحة وقعت على ساق روز، فرفعت الفتاة ~~قدمها وأمسكت بها، ملوحة بها دون اكتراث قبالة كاحلها. # فقالت فلو: «حسنا! لقد تجاوزت الحد هذه المرة.» # شاهدت روز فلو وهي ذاهبة إلى باب السقيفة الخشبية، وسمعت وقع خطواتها عبر السقيفة، ~~وتوقفها في مدخل الباب حيث لم يركب بعد الباب الشبكي، ولا يزال الباب الذي يحمي من ~~العواصف مفتوحا ومسنودا بأحد قوالب الطوب. أخذت فلو تنادي على والد روز بصوت محذر ~~ومنذر، كما لو كانت تعده لسماع أخبار سيئة خلافا لرغبتها. سوف يعلم السبب وراء ~~ذلك. # احتوى مشمع أرضية المطبخ على خمسة أو ستة نقوش مختلفة، فكان عبارة عن بقايا حصلت عليها ~~فلو مقابل ثمن بخس، وشذبتها ووفقت بينها ببراعة، وأحاطتها بإطار من شرائط القصدير ~~والمسامير. بينما كانت روز تجلس على الطاولة منتظرة ما سيحدث، نظرت إلى الأرضية وللترتيب ~~الجيد للمستطيلات والمثلثات وشكل آخر أخذت تحاول تذكر اسمه. وفي تلك اللحظات، سمعت روز ~~خطوات فلو وهي عائدة على اللوح الخشبي السميك ذي الصرير الموضوع على الأرضية المتسخة في ~~السقيفة الخشبية. تباطأت في خطواتها، وأخذت تنتظر هي أيضا. لم يعد بإمكانها هي وروز ~~التحمل أكثر من ذلك وحدهما. # سمعت روز والدها وهو آت نحوهما، فتسمرت مكانها، وسرت قشعريرة في ساقيها، وشعرت ~~بارتجافهما على مشمع الطاولة. بعد أن شتت انتباه والدها عن مهمته التي كان مستغرقا فيها ~~في سلام، وعن الكلمات التي كانت تدور في رأسه، وعن نفسه، كان عليه قول أي شيء. فقال: ~~«حسنا. ما الخطب؟» # وفي تلك اللحظة، تغير صوت فلو، فصار قويا ومتألما وآسفا. يبدو أنها تمكنت من ~~اصطناعه في تلك اللحظة على الفور، فعبرت عن أسفها لاضطرارها استدعاء الأب من عمله، وقالت ~~إنها ما كانت لتفعل ذلك لولا أن روز أثارت جنونها. كيف ذلك؟ بردودها الوقحة، وقلة حيائها، ~~وبذاءة ألفاظها. كانت كلمات روز لفلو على قدر من الوقاحة بحيث إنها لو كانت فلو قد قالتها ~~لوالدتها لأوسعها والدها ضربا. # حاولت روز ms018 التدخل لتوضح أن ما يقال غير صحيح. # ما الذي غير صحيح؟ # رفع والدها يده دون أن ينظر إليها، وقال: «فلتصمتي!» # عندما قالت روز إن هذا الكلام غير صحيح، كانت تعني أنها لم تبدأ العراك، وإنما ردا منها ~~على ما قيل لها فحسب، وأن فلو هي التي دفعتها إلى ذلك، وهي تتحدث الآن بأبشع الأكاذيب، ~~محرفة كل شيء ليوافق روايتها. تجاهلت روز مؤقتا علمها بأن أي شيء ستقوله فلو أو تفعله، ~~وأي شيء تقوله هي نفسها أو تفعله، لا يهم على الإطلاق. ما يهم هو الصراع، وهو الأمر الذي لا ~~يمكن إيقافه، لا يمكن ذلك أبدا، لا سيما بعد المرحلة التي وصلتا إليها في تلك ~~اللحظات. # كانت ركبتا فلو متسختين، بالرغم من الوسادة التي أسندتهما عليها. وكانت ممسحة التنظيف لا ~~تزال معلقة فوق قدم روز. # مسح والدها يديه أثناء استماعه لفلو. لم يتعجل الأمور؛ إذ كان بطيئا في استيعاب ما يحدث، ~~وضاق ذرعا مقدما. لعله كان على وشك رفض الدور الذي ينبغي عليه ممارسته. لم ينظر إلى روز، ~~ولكن مع أي صوت أو حركة تصدر عنها، كان يرفع يده. # قالت فلو: «حسنا، لسنا بحاجة بالتأكيد لإطلاع الناس على ذلك.» وذهبت لإغلاق باب المتجر، ~~واضعة لافتة «سنعود بعد قليل». كانت روز قد صنعت هذه اللافتة لفلو بكثير من الزخرفة للحروف ~~المائلة وتظليل للأحرف باللونين الأسود والأحمر. وعندما عادت فلو، أغلقت الباب المؤدي إلى ~~المتجر، ثم الباب المؤدي إلى السلم، والآخر المؤدي إلى السقيفة الخشبية. # كان حذاؤها قد ترك علامات على الجزء النظيف المبتل من الأرضية. # وعند عودتها قالت بصوت منهك بعد أن وصلت إلى قمة انفعالها: «يا إلهي! إنني لا أعلم ما ~~ينبغي علي فعله معها.» ونظرت إلى أسفل، فرأت ركبتيها المتسختين (متبعة عيني روز)، ~~فدعكتهما بعنف بيديها المجردتين، ملطخة المنطقة المحيطة بهما بالوسخ. ~~«إنها تهينني!» قالت فلو تلك الكلمات وهي تستقيم في وقفتها. لقد كان ذلك هو السبب. أخذت ~~تكرر تلك العبارة في رضا: «إنها تهينني! ولا تحترمني!» ~~«أنا لا أهينها!» ms019 # فقال والدها: «فلتصمتي، أنت!» ~~«لو لم أستدع والدك، لظللت جالسة حيث أنت، وهذه الابتسامة العريضة المستهزئة على ~~وجهك! هل من سبيل آخر لتهذيبك؟» # لاحظت روز بعض الاعتراضات على وجه والدها على حديث فلو المتكلف، وشيئا من الإحراج ~~والنفور. إنها مخطئة، ويجب أن تعلم أنها مخطئة في ظنها أنه بوسعها الاعتماد على ذلك. فحقيقة ~~أنها تعلم بما يفكر فيه والدها، وأنه يعلم أنها تعلم، لن يغير من الوضع شيئا، فقد بدأ ~~ينفعل، ورمقها بنظرة بدت في الأول فاترة ومتحدية. عكست لها تلك النظرة حكمه عليها، وانعدام ~~حيلتها. ثم، تبددت تلك النظرة، وبدأت عيناه تمتلئان بشيء مختلف، مثلما يمتلئ ينبوع المياه ~~عندما تنظفه من أوراق الأشجار؛ بالكره والبهجة في نفس الوقت. رأت روز ذلك وأدركته. هل هو ~~مجرد تعبير عن الغضب فحسب؟ هل من المفترض أن ترى عينيه وهما تمتلئان بالغضب؟ كلا. الكره ~~حقيقي، والبهجة أيضا حقيقية. فقد ارتخى وجهه، وتغير، وصار أصغر سنا، ورفع يده، لكن هذه ~~المرة لإسكات فلو. # قال: «حسنا!» وكان يعني أن ما قيل يكفي، بل أكثر مما يكفي، انتهى هذا الجزء ويمكن مباشرة ~~العقاب بالفعل. وشرع في فك حزامه. # كانت فلو قد توقفت عن الحديث بالفعل. كانت تعاني من نفس الصعوبة التي تعاني منها روز، ألا ~~وهي صعوبة تصديق أن ما تعلم بضرورة حدوثه سيحدث بالفعل، وأنه لم يعد هناك وقت ~~للرجعة. # قالت فلو، وهي تتحرك في الأرجاء بعصبية، كما لو كانت تفكر في العثور على سبيل للهروب من ~~المكان: «يا إلهي! لا تقس عليها! يا إلهي! لست بحاجة لضربها بالحزام. هل ينبغي عليك ~~استخدامه؟» # لم يجبها. استل الحزام ببطء، وأمسك به كما ينبغي. «حسنا! أيتها الفتاة.» تقدم ناحية ~~روز ودفعها من فوق الطاولة. وجهه وصوته تغيرا تماما. كان أشبه بممثل شرير يؤدي دور ~~شخصية مرعبة. بدا كما لو كان من المفترض أن يتلذذ ويصر على فعل كل ما هو مخجل ومشين في هذا ~~الشأن. ولا يعني ذلك أنه كان يتظاهر، أو يدعي، أو لا يعني ما ms020 يفعله ، وإنما هو ينفذ بالفعل، ~~ويعني ما يفعله. كانت روز تعلم ذلك، كما كانت تعلم كل شيء آخر عنه. # أخذت تفكر منذ ذلك الحين في جرائم القتل والقتلة. هل يجب ارتكاب جريمة القتل في النهاية، ~~لكي تحدث أثرا، بمعنى أن تثبت للضحية - التي لن تستطيع إبلاغ الآخرين بما تعلمته ولكنها ~~تعانيه فقط - أن مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وأنه ما من شيء مستحيل، وأن أبشع السلوكيات ~~يمكن تبريرها، ويمكن إيجاد المشاعر التي تتلاءم معها؟ # حاولت روز معاودة النظر إلى أرضية المطبخ، والتحديق في ذلك الترتيب الهندسي البارع ~~والمريح، بدلا من النظر إلى أبيها وحزامه. كيف يمكن لذلك أن يحدث أمام هؤلاء الشهود في وضح ~~النهار، مشمع الأرضية، ونتيجة الحائط المرسوم عليها طاحونة وجدول مائي وأشجار الخريف، ~~والأوعية والأواني القديمة؟ ~~«افتحي يديك!» # ما كانت هذه الأشياء لتساعدها، ما كان بوسع أي منها إنقاذها. فتحولت إلى أشياء تافهة ~~عديمة القيمة، بل ومعادية لها أيضا. فظهر على الأواني الخبث، ونقوش مشمع الأرضية صارت تنظر ~~إليها شزرا. الغدر هو الجانب الآخر للحياة اليومية المعتادة. # مع أول شعور بالألم، أو ربما الثاني، تراجعت روز؛ فلن تقبل الأمر. أخذت تركض حول الغرفة ~~محاولة الوصول للأبواب، ووالدها يعيق طريقها. لم يبد عليها أي ملمح من الشجاعة أو القدرة ~~على الصمود. أخذت تركض، وتصرخ، وتتوسل، ووالدها يجري وراءها، ضاربا إياها بالحزام متى سنحت ~~له الفرصة، ثم ألقى به واستخدم يديه. ضربة على الأذن، وأخرى على الأذن الثانية. ضربات ~~متتالية، ورأسها يطن. ضربة على الوجه. تنهض لتقف قبالة الحائط، فتتلقى ضربة أخرى على وجهها. ~~يهزها والدها، ويدفعها نحو الحائط، ويركل ساقيها. أخذت تتلعثم في الكلام، وقد جن جنونها، ~~وتصرخ: «سامحني! أرجوك، سامحني!» # أخذت فلو تصرخ أيضا: «كفى! توقف!» # لكن الأمر لم ينته بعد في نظره، فألقى روز على الأرض، أو لعلها هي من ألقت بنفسها، وأخذ ~~يركل ساقيها مجددا. لم تعد تنطق بكلمات، لكنها أخذت تصدر أصواتا عالية، الأمر الذي جعل ~~فلو تصيح: «يا إلهي! ماذا إذا سمعها ms021 الناس ؟» كان صوت المهانة والهزيمة ذلك هو ملاذ روز ~~الأخير؛ إذ يبدو أنه توجب عليها لعب دورها في هذا الأمر بنفس الفظاظة والمبالغة التي لعب ~~بها أبوها دوره. فلعبت دور الضحية مع انغماس ذاتي يثير - أو ربما تطمح في أن يثير - ازدراء ~~والدها الأخير. # بدا أنهما سيبذلان كل ما في وسعهما في هذا الأمر، وسيصلان إلى أقصى الحدود ~~الممكنة. # في الواقع، ما كانا ليصلا إلى أقصى الحدود بالفعل؛ فهو لم يتعمد إيذاءها قط، وإن كانت ~~تدعو الرب أحيانا، بالطبع، أن يفعل ذلك. فكان يضربها بباطن يده، ولم يتماد في ركلاته ~~أيضا. # توقف الآن عن الضرب؛ إذ أخذ يلهث. سمح لفلو بالتدخل، وأمسك بروز ليرفعها عن الأرض، ~~ودفعها في اتجاه فلو، مصدرا صوت اشمئزاز. تلقتها فلو، وفتحت الباب المؤدي للسلالم، ~~ودفعتها لأعلى. ~~«اصعدي إلى غرفتك الآن! أسرعي!» # صعدت روز السلالم وهي تتعثر، أو بالأحرى تسمح لنفسها بالتعثر والسقوط. لم تغلق باب غرفتها ~~بقوة؛ لأن مثل هذا الفعل قد يجعل والدها يسعى وراءها مجددا، هذا فضلا عن أنها ضعيفة ~~بالفعل. استلقت في السرير، وتمكنت من أن تسمع فلو عبر ثقب مدخن الموقد وهي تنتحب بصوت ~~مسموع، وتستنكر ما فعله والدها، في حين قال لها الأب حانقا إنها كان يجدر بها إذن السكوت، ~~إذا لم ترغب في معاقبة روز كان عليها ألا توصي بذلك. فردت فلو بأنها لم توص مطلقا بمثل ~~هذا الضرب بالحزام. # أخذا يتجادلان حول ذلك، وأخذ صوت فلو الخائف يقوى ويستعيد ثقته مجددا. وبمرور الوقت ومع ~~استمرار الجدال، عاد كل منهما لطبيعته؛ فسرعان ما صارت فلو هي التي تتحدث، بينما توقف ~~الأب عن الحديث. كان على روز مقاومة نشيجها العالي لكي تتمكن من سماعهما. وعندما فقدت ~~الاهتمام في أن تسمع، ورغبت في النشيج أكثر، وجدت نفسها غير قادرة على ذلك؛ فقد تحولت إلى ~~حالة من الهدوء أدركت فيها أن ما حدث من وحشية قد وصل إلى منتهاه وآخره. وفي هذه الحالة، ~~تأخذ الأحداث والاحتمالات منحى بسيطا لطيفا، وتصير الاختيارات واضحة ms022 على نحو رحيم. ~~والكلمات التي ترد على الذهن ليست احتجاجية، وقلما تكون شرطية أيضا. «مطلقا» كلمة يتصحح ~~بها الوضع فجأة؛ فقررت أنها لن تتحدث معهما مطلقا، ولن تنظر إليهما مطلقا فيما عدا نظرات ~~الاشمئزاز، ولن تسامحهما أبدا. سوف تعاقبهما، وتقضي عليهما. وبعد أن أحاطت نفسها بهذه ~~القرارات النهائية، وفي ظل آلامها الجسدية، شعرت براحة غريبة تجاوزت فيها نفسها، وتجاوزت ~~فيها المسئولية. # ماذا إذا توفيت الآن؟ ماذا إذا انتحرت؟ ماذا إذا هربت؟ أي من هذه الأمور سيكون ~~مناسبا. الأمر كله متوقف على الاختيار وتصور السبيل. أخذت تسبح في تلك الحالة من التسامي ~~والصفاء كما لو كانت تحت تأثير مخدر ما. # وكما هو الحال بالضبط عندما تعيش لحظة تحت تأثير المخدر تشعر فيها بأنك في أمان وسكينة ~~وبأنك بعيد عن الآخرين، ثم في اللحظة التالية مباشرة وبدون سابق إنذار تعلم أن كل ما ~~تمتعت به من حماية قد تحطم تماما، وبالرغم من أن الأمر لا يزال يبدو أنه على ما يرام، مرت ~~بروز الآن مثل هذه اللحظة - وهي اللحظة، في الواقع، التي سمعت فيها فلو وهي تصعد درجات ~~السلم - التي تجمع بين حريتها وسلامها الحالي وتيقنها من الانحدار الكامل الذي ستشهده ~~الأحداث بدءا من تلك اللحظة. # دخلت فلو الغرفة دون أن تطرق الباب، لكن بتردد يدل على أنها ربما فكرت في طرق الباب قبل ~~الدخول. أحضرت معها برطمان مرهم بارد الملمس. تمسكت روز بالميزة التي تمتعت بها قدر ~~الإمكان؛ فاستلقت بوجهها على السرير، رافضة التعبير عن إدراكها دخول فلو الغرفة، أو الرد ~~عليها. # قالت فلو بتوتر: «بالله عليك! لم يصبك سوء، أليس كذلك؟ فلتضعي هذا المرهم على جسدك ~~وستشعرين بتحسن.» # كانت فلو تتظاهر؛ فهي لم تكن متأكدة من الضرر الذي لحق بروز. أزالت فلو الغطاء عن علبة ~~المرهم البارد، وتمكنت روز من شم رائحته؛ تلك الرائحة الحميمية الطفولية المهينة. لن تسمح ~~لها بالاقتراب منها، لكن لكي تتجنب كتلة المرهم التي حملتها فلو في يدها، كان عليها التحرك؛ ~~فأخذت تقاوم وتتصدى لفلو، فخسرت ms023 كرامتها بأن سمحت لها برؤيتها وهي بخير ولم يصبها ~~سوء. # فقالت فلو: «حسنا، كما تشائين. سأتركه هنا ويمكنك وضعه متى تشائين.» # في وقت لاحق ظهرت فلو وهي تحمل صينية، ووضعتها دون أن تنبس ببنت شفة، وغادرت الغرفة. كان ~~على الصينية كوب كبير من الحليب بالشوكولاتة ممزوج بشعير «فيتا مالت» الموجود في المتجر. ~~هناك بعض آثار الشعير في قاع الكوب. كان على الصينية أيضا بعض الشطائر المعدة على نحو ~~منسق وفاتح للشهية. كانت محشوة بسلمون أحمر معلب من الدرجة الأولى الممتازة، والكثير ~~من المايونيز. كان هناك أيضا بعض كعك الزبد المأخوذ من إحدى عبوات المخبوزات، وبسكويت ~~بالشوكولاتة محشو بالنعناع. كانت تلك الأطعمة المفضلة لدى روز؛ الشطائر والكعك والبسكويت، ~~لكنها أشاحت بوجهها بعيدا، ورفضت النظر إلى الطعام. لكن ما إن تركتها فلو وحدها مع هذه ~~الأطعمة الشهية حتى أغرتها على نحو بائس، أزعجها، وأبعدها عن أفكار الانتحار أو الهروب بسبب ~~رائحة السلمون، وإغراء الشوكولاتة المقرمشة. فمدت إصبعها لتمرره حول طرف إحدى الشطائر ~~(أزالت فلو القشور!) لتحصل على ما يتساقط منها وتتذوقه، ومن ثم، قررت تناول إحدى هذه ~~الشطائر لتقوى على رفض تناول البقية؛ فلن يلاحظ أحد تناولها شطيرة واحدة. لكن بعد أن ~~أفسدت عزيمتها هذه الأطعمة الشهية، تناولت جميع الشطائر، وشربت الحليب بالشوكولاتة، وأكلت ~~الكعك والبسكويت، وأخرجت شراب الشعير من قاع الكوب بإصبعها، كل ذلك بالرغم من نحيبها بصوت ~~مسموع إثر شعورها بالخجل مما فعلت؛ لكن الأوان كان قد فات. # ستأتي فلو وتأخذ الصينية. ربما ستقول لروز: «أرى أنك قد استعدت شهيتك»، أو «هل أعجبك ~~الحليب بالشوكولاتة؟ هل كان الشراب كافيا فيه؟» وذلك حسب مدى شعورها هي بالذنب. وفي كافة ~~الأحوال، ستخسر روز ما تمتعت به من ميزة، وستدرك أن مجريات الحياة ستعود لطبيعتها، وأنهم ~~سيجلسون حول المائدة يتناولون الطعام ثانية، ويستمعون للأخبار في الإذاعة، وسيكون ذلك في ~~صباح اليوم التالي، أو ربما في المساء. وبالرغم من استبعاد ذلك وعدم ترجيحه، فسوف يشعرون ~~بالإحراج، لكن بقدر أقل من المتوقع بالوضع في الاعتبار ms024 ما صدر عنهم من سلوك. سوف يشعرون ~~بخمول عجيب، وتراخي المتماثلين للشفاء، مع بعض الرضا. # وفي إحدى الليالي، وبعد مشهد كهذا، كانت الأسرة جميعها في المطبخ. كان ذلك، بلا شك، أحد ~~أيام الصيف، أو على الأقل في أثناء الطقس الدافئ، إذ كان والدها يتحدث عن الرجل العجوز الذي ~~يجلس على المقعد أمام المتجر. # سأل والدها، وهو يلوح برأسه ناحية المتجر للإشارة إلى ما يعنيه، بالرغم من عدم وجود أحد ~~في ذلك الوقت المتأخر، إذ عاد الجميع إلى منازلهم مع حلول الظلام: «هل تعلمون ما يتحدثون ~~عنه الآن؟» # قالت فلو: «أتقصد أولئك المسنين المغفلين؟ عم يتحدثون؟» # كانت ثمة ألفة بينهما، ولم تكن زائفة تماما، لكنها كانت متكلفة بعض الشيء عما يكون ~~الحال بينهما في المعتاد وهما بمفردهما. # أخبرهم الأب حينذاك بأن أولئك المسنين قد توصلوا إلى فكرة بأن ما يبدو كالنجم في غرب ~~السماء - ذلك النجم الذي يظهر بعد الغروب مباشرة، نجم المساء - هو في الواقع منطاد بمحرك ~~يجوب سماء مدينة «باي سيتي» بولاية ميشيجان الأمريكية على الجانب الآخر من بحيرة هورون، وأن ~~هذا المنطاد هو ابتكار أمريكي أطلق في السماء لمنافسة الأجرام السماوية. واتفقوا جميعا ~~على هذه الفكرة، فقد راقت لهم. ويعتقدون أن هذا المنطاد مضاء بعشرة آلاف مصباح كهربائي. ~~اختلف والد روز مع هذه القصة بقوة، مشيرا إلى أن ما رأوه هو كوكب الزهرة الذي ظهر في ~~السماء قبل اختراع المصباح الكهربائي بسنوات طوال. لكنهم لم يسمعوا من قبل عن كوكب ~~الزهرة. # قالت فلو: «جهلة!» وكانت روز تعلم - وتعلم أن والدها يعلم - أن فلو أيضا لم تسمع من ~~قبل عن كوكب الزهرة. ولإلهائهم عن ذلك، أو حتى للاعتذار عما صدر منها، وضعت فلو فنجان الشاي ~~الذي كانت تشربه، واسترخت برأسها لتسنده على الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وألقت بقدميها على ~~كرسي آخر (وتمكنت على نحو ما من دس فستانها احتشاما بين ساقيها في الوقت نفسه)، واستلقت ~~متيبسة كاللوح الخشبي، فصاح براين مبتهجا: «لتفعليها! لتفعليها!» # تمتعت فلو بأطراف مرنة وقوية ms025 للغاية ، وفي أوقات الاحتفالات أو الطوارئ، كانت تقوم بحيل ~~باستخدام هذه المرونة. # التزم الجميع الصمت، بينما أدارت فلو جسدها دون أن تستخدم ذراعيها على الإطلاق، وإنما ~~مجرد ساقيها وقدميها، وصاح الجميع في ابتهاج، بالرغم من رؤيتهم تلك الحيلة من قبل. # وبينما كانت فلو تؤدي حيلتها، تخيلت روز صورة ذلك المنطاد ذي المحرك؛ فتخيلته فقاعة شفافة ~~طويلة، وله خيوط من الأضواء الماسية تطفو في سماء أمريكا الرائعة. # قال والد روز وهو يصفق لفلو: «كوكب الزهرة! عشرة آلاف مصباح كهربائي!» # خيم شعور بحرية التصرف، والاسترخاء في الغرفة، بل وطغت موجة من السعادة أيضا على ~~المكان. ~~••• # بعد ذلك الحين بسنوات طوال، وفي صبيحة أحد أيام الآحاد، قامت روز بتشغيل المذياع. كان ذلك ~~أثناء إقامتها بمفردها في تورونتو. # حسنا، سيدي. # لقد كان المكان مختلفا تماما في أيامنا عن الوقت الحاضر. اختلف بالتأكيد. # فكانت وسيلة المواصلات آنذاك هي الخيول؛ الخيول والعربات التي تجرها الخيول. وكانت هذه ~~العربات تتسابق في الشارع الرئيسي جيئة وذهابا في ليالي السبت. # فقال المذيع، أو المحاور، بصوت مشجع وهادئ: «مثل سباقات عجلات الخيول القديمة.» # لم أر هذه العجلات من قبل. ~~«لا، يا سيدي. أقصد سباقات عجلات الخيول الرومانية قديما. كان ذلك في قديم ~~الزمان.» # لا بد وأن هذا حدث قبل مولدي بوقت طويل. أنا أبلغ من العمر مائة عام وعامين. ~~«هذا عمر رائع، يا سيدي.» # إنه كذلك، بالفعل. # تركت روز المذياع مفتوحا، بينما تجولت في مطبخ الشقة لتعد لنفسها كوبا من القهوة. ~~بدا الأمر لروز وكأنه لقاء مسرحي؛ أي مشهد من مسرحية ما، وأرادت أن تعرف ما هي. كان صوت ~~الرجل العجوز يوحي بالغطرسة والمشاكسة، في حين بدا المحاور بائسا ومتخوفا للغاية، بالرغم ~~مما بدا ظاهريا عليه من دماثة وهدوء. فكان للمستمع أن يتصور بالتأكيد حمل ذلك المحاور ~~الميكروفون أمام معمر متفاخر أهوج عديم الأسنان، متسائلا عما يفعله في ذلك المكان، وما ~~من المفترض أن يقوله بعد ذلك. ~~«لا بد أنها كانت خطيرة للغاية.» ~~«ماذا تقصد؟» ~~«سباقات العربات التي تجرها الخيول.» ms026 # لقد كانت كذلك بالفعل؛ فكانت الخيول المستخدمة في هذه السباقات من الخيول الهاربة، وتقع ~~العديد من الحوادث. وكان البعض يتجرجرون على الحصى وتلحق الجروح بوجوههم، وما كان الأمر يهم ~~كثيرا إذا ما توفوا. # بعض الخيول كانت تستطيع القفز لأعلى، في حين تطلب البعض وضع الخردل تحت ذيولها. وبعضها ~~ما كان ليتحرك على الإطلاق. هكذا الحال مع الخيول، بعضها يعمل بكد إلى أن يسقط ميتا من ~~الإعياء، والبعض الآخر لا يقوى حتى على التزاوج. # كان لقاء حقيقيا بالتأكيد، وإلا ما كانوا ليذكروا تلك الكلمات، فلن يخاطروا بذكرها. ~~لكنها عندما تصدر من رجل عجوز، فإنها توحي بالطابع المحلي. وأي شيء يصدر عن شخص بلغ من ~~العمر مائة عام يبدو مبهجا ولا ضرر منه. # كانت الحوادث تقع دوما آنذاك؛ في الطواحين، ومسابك المعادن. لم تكن هناك احتياطات ~~للسلامة. ~~«لم تكن هناك الكثير من الإضرابات آنذاك، أليس كذلك؟ ولم تكن هناك أيضا الكثير من ~~النقابات العمالية؟» # يستسهل الجميع الأمور هذه الأيام، أما نحن، فكنا نعمل ونسعد بما نحصل عليه. هذا ما كنا ~~نفعله. ~~«لم يكن لديكم تليفزيون.» # لم يكن لدينا تليفزيون. ولم يكن لدينا مذياع. ولم تكن لدينا عروض مصورة. ~~«لقد أعددتم وسائل الترفيه الخاصة بكم.» # نعم، هكذا جرت الأمور. ~~«لقد تمتعتم بخبرات لن يحصل عليها شباب اليوم أبدا.» # نعم، خبرات. ~~«هل يمكنك ذكر أي منها لنا؟» # لقد أكلت لحم خنزير الأرض ذات مرة. كان ذلك في الشتاء. لا أعتقد أنه بإمكانك ~~تناوله. # توقف الحديث لوهلة للتقدير على ما يبدو، ثم أعلن صوت المذيع أن ما سبق كان لقاء مع السيد ~~ويلفريد نيتلتون من هانراتي بأونتاريو، أجري معه في عيد ميلاده الثاني بعد المائة، وذلك ~~قبل وفاته بأسبوعين الربيع الماضي. لقد كان حلقة وصل حية بماضينا. وعقد ذلك اللقاء في دار ~~«واواناش كنتري هوم» للمسنين. # هات نيتلتون. # الخبير بشئون الخيل يتجاوز عمره المائة عام. تلتقط له الصور يوم عيد ميلاده، وتلتف حوله ~~الممرضات، وتنهال عليه القبلات بلا شك من إحدى الفتيات الصحفيات، وفلاش الكاميرات ms027 يومض ~~حوله، ومسجل الشرائط يسجل صوته. أقدم سكان المدينة؛ أقدم خبير بشئون الخيل؛ حلقة الوصل ~~الحية بماضينا. # أطلت روز من نافذة مطبخها على البحيرة الموحشة، كانت تتوق لأن تخبر أحدا بما يدور في ~~ذهنها. كانت فلو ستستمتع على الأرجح بهذا الحديث الذي أذيع. تذكرت قولها: «تخيلي!» على ~~نحو يوحي بأن أسوأ شكوكها قد تأكد بالفعل على نحو رائع. لكن فلو كانت في نفس المكان الذي ~~توفي فيه هات نيتلتون، ولم يكن هناك أية طريقة يمكن أن تصل بها روز إليها. كانت فلو هناك ~~أيضا عند تسجيل اللقاء مع هات، مع أنها لم تسمعه، ولم تعلم شيئا عنه بالتأكيد. فبعد أن ~~أودعتها روز نفس دار المسنين بعامين، توقفت تماما عن الكلام، وانعزلت عن الآخرين، وقضت ~~أوقاتها جالسة في أحد أركان سريرها، وقد بدا عليها الخبث وسوء الطباع. لم تكن ترد على ~~أحد، وإن أظهرت مشاعرها بين الحين والآخر بعضها إحدى الممرضات. # | امتياز # ود كثير من معارف روز لو ولدوا فقراء؛ ~~لكن الحياة لم تمنحهم ما تمنوه. لذا، لعبت روز دور الفقيه بينهم في هذا الشأن؛ فكانت تقص ~~عليهم العديد من الفضائح وملامح البؤس والفحش التي شهدتها في طفولتها. دورة مياه الصبية ~~ودورة مياه الفتيات؛ السيد برنز العجوز في دورة المياه؛ شورتي ماكجيل وفراني ماكجيل عند ~~مدخل دورة مياه الصبية. لم تتعمد روز تكرار ذكر دورة المياه، وكان يدهشها كيف كانت تطرأ تلك ~~الفكرة فجأة على حديثها. كانت تعلم أن هذه الأكواخ القاتمة أو المطلية بالألوان من المفترض ~~أن تبعث على الفكاهة - هكذا كانت دوما في دعابات القرويين - لكنها رأتها في نظرها مشاهد ~~سافرة من العار والشناعة. # كان لكل من دورة مياه الصبية ودورة مياه الفتيات مدخل خاص مؤمن، ما أغنى عن تركيب باب ~~في أي منهما؛ فكان الثلج يصل، على أية حال، إلى الداخل عبر الشقوق الفاصلة بين الألواح ~~الخشبية وما يتخلل هذه الألواح من ثقوب صنعت بغرض التجسس. تكومت الثلوج على مقعد ~~المرحاض وعلى الأرضية؛ الأمر الذي عكس امتناع الناس ms028 - على ما يبدو - عن استخدام المرحاض. ~~وفي الثلج المتكوم تحت طبقة الجليد الصقيلة، حيث أخذ الثلج يذوب ويتجمد ثانية، وجد ~~الغائط مجمعا أو فرادى، محفوظا كما لو كان تحت طبقة من الزجاج، فاتح اللون كالمستردة أو ~~قاتما كالفحم النباتي، وبين هذا وذاك درجات متفاوتة أخرى من اللون. ~~أصاب ذلك المنظر روز بالغثيان، وتملك منها ~~الإحباط برؤيته، فوقفت عند المدخل، ولم تستطع إرغام نفسها على الدخول، وقررت أنه بوسعها ~~الانتظار. بللت روز نفسها مرتين أو ثلاث مرات أثناء عودتها للمنزل راكضة من المدرسة إلى ~~المتجر الذي لم يبعد كثيرا؛ الأمر الذي أثار اشمئزاز فلو. # أخذت فلو تغني بصوت مرتفع ساخرة من روز: «طفلة صغيرة تبلل نفسها ... تعود للمنزل وملابسها ~~مبللة!» # أسعد ذلك الموقف فلو للغاية؛ إذ كانت تحب أن ترى الآخرين في لحظات بساطتهم، تلك اللحظات ~~التي تفرض فيها الطبيعة سلطانها عليهم. كانت من نوعية النساء اللاتي يستمتعن بانتهاز أية ~~فرصة لفضح الآخرين. شعرت روز بالمهانة، لكنها لم تفصح عن المشكلة. لماذا؟ لعلها خشيت أن ~~تذهب فلو إلى المدرسة حاملة دلوا وجاروفا لتنظيف دورة المياه وتوبيخ الجميع. # اعتقدت روز، أيضا، أن مجريات الأمور في المدرسة لا مبدل لها، وأن القواعد السارية ~~فيها تختلف عن أية قواعد يمكن لفلو استيعابها، والهمجية بها لا حد لها، واعتبرت أن المفاهيم ~~البريئة مثل العدالة والنظافة كانا مفهومين غائبين في الفترة الأولى من حياتها. وبدأت تركم ~~في ذلك الوقت أول مخزون من الأشياء التي لا يمكنها الإفصاح عنها أبدا. # فما كان بإمكانها الإفصاح أبدا عن السيد برنز. بعد أن بدأت روز تذهب إلى المدرسة، وقبل ~~أن تعرف أي شيء عما ستراه - أو عما يمكن أن تراه، بالتأكيد - كانت تركض بمحاذاة سور المدرسة ~~برفقة بعض الفتيات الأخريات، مرورا بأعشاب الحماض والقضبان الذهبية، ليربضن خلف دورة ~~المياه التي كان يقضي فيها سيد برنز حاجته، والتي كان ظهرها مواجها لفناء المدرسة. تمكن ~~أحد الأشخاص من المرور عبر السور، وانتزع الألواح السفلية من مكانها، ليتمكن أي أحد من ~~النظر خلسة ms029 إلى داخل الدورة. سار السيد برنز العجوز - الذي كان شبه ضرير، ذا كرش، متسخ ~~الملابس، خفيف الحركة - عبر الفناء الخلفي محدثا نفسه، ومنشدا الأغاني، وضاربا ~~الأعشاب الضارة الطويلة بعصاه. وفي دورة المياه ~~أيضا، بعد بضع لحظات من الصمت والإجهاد، كان صوته يسمع من الخارج وهو يدندن بهذه ~~الكلمات: # عند تل أخضر بعيد، # خارج أسوار المدينة، # صلب يسوع ومات. # ليخلص البشرية من ذنوبها. # لم يكن غناء السيد برنز تعبديا، وإنما تهديديا، كما لو كان - حتى في تلك اللحظات - ~~يتوق للشجار. تجلى الدين غالبا في تلك الأرجاء في صورة مشاجرات، فانقسم الناس إلى ~~كاثوليك وبروتستانت متعصبين، وكان الاحتكاك بين هذين الفريقين واجبا يقتضيه الشرف. تبع ~~الكثير من البروتستانت - أو عائلاتهم - في السابق الكنيسة الأنجليكانية أو المشيخية، لكنهم ~~بلغوا من الفقر حدا حال دون حضورهم إلى تلك الكنائس، لذلك انحرفوا إلى جيش الخلاص، أو ما ~~يعرف بالحركة الخمسينية. وكان هناك آخرون كفار تماما بالمسيحية إلى أن برئوا مما كانوا ~~فيه، والبعض ظلوا على كفرهم، لكنهم كانوا بروتستانت في المشاجرات. وصفت فلو الأنجليكانيين ~~والمشيخيين بأنهم متعجرفون، ومن لم يكن منهم كذلك فهو من المنساقين، أما الكاثوليك، فوصفتهم ~~بأنهم بوسعهم تحمل أي رياء أو فسوق، طالما سيحصلون على المال الذي سيرسلونه إلى البابا. ~~لذا، لم يكن على روز الذهاب أبدا إلى أي الكنيسة. # جلست جميع الفتيات الصغيرات القرفصاء ليتمكن من المشاهدة، وأخذن يحدقن في ذلك الجزء ~~المتدلي من جسم السيد برنز في المرحاض. ظنت روز لسنوات أنها رأت خصيتيه، لكن عند تفكيرها ~~في الأمر اكتشفت أنها لم تر سوى مؤخرته. كانت أشبه بضرع البقرة، ذات سطح شائك يشبه اللسان ~~قبل أن تسلقه فلو. لذا، أعرضت روز عن تناول اللسان تماما. وبعد أن أخبرت براين بما تعرفه، ~~لم يعد يتناوله بدوره. وأثار ذلك غضب فلو؛ فأخبرتهما بأنه بإمكانهما العيش على تناول السجق ~~المسلوق فقط. # أما الفتيات الأكبر سنا، فلم يجلسن ليختلسن النظر، وإنما وقفن بالجوار، وسمعت أصوات ~~قيء متكررة. قفزت بعض الفتيات الصغيرات من مجلسهن لينضممن ms030 إلى أولئك الفتيات الأكبر سنا، ~~تلهفا منهن لتقليدهن، لكن روز ظلت تجلس القرفصاء في مكانها، مذهولة، ومستغرقة في التفكير. ~~وودت لو تمكنت من الاستغراق أكثر في التأمل، لكن السيد برنز أنهى ما كان يفعله، وخرج من ~~دورة المياه، مغلقا أزرار بنطاله، وهو يتغنى ببعض الكلمات. تسللت الفتيات بجوار الأسوار ~~لينادين عليه. ~~«سيد برنز! صباح الخير، يا سيد برنز! لقد رأينا كل شيء سيد برنز!» # فاندفع السيد برنز نحو السور مزمجرا، وملوحا بعصاه كما لو كن دجاجا يهشه من ~~حوله. # تجمع الجميع، كبارا وصغارا، صبية وفتيات - فيما عدا المعلمة، بالطبع، التي أوصدت ~~الباب في فترة الراحة وظلت في المدرسة، مثل روز التي كانت تقاوم رغبتها في قضاء حاجتها حتى ~~تصل إلى المنزل، مجازفة بذلك بما يمكن أن يقع من حوادث، ومتحملة الألم المبرح الذي كانت ~~تشعر به - تجمعوا لمشاهدة ما كان يحدث عند مدخل دورة مياه الصبية بعد انتشار شائعة حول ~~مضاجعة شورتي ماكجيل لفراني ماكجيل! # أخ وأخت. # إقامة علاقات. # هكذا وصفت فلو الأمر: إقامة علاقات. تروي فلو أنه في مزارع التلال الريفية التي انحدرت ~~منها، فقد الناس عقولهم؛ فاشتهروا بتناولهم التبن المسلوق وإقامتهم العلاقات مع أقرب ~~أقربائهم. وقبل أن تعي روز معنى هذا الكلام، اعتادت تخيل هذه العلاقات كمسرحية يتبادل فيها ~~الممثلون الأدوار، ويؤدونها على خشبة مسرح متقلقلة منصوبة في إحدى الحظائر القديمة؛ فيصعد ~~عليها أفراد الأسرة ويتغنون بأغان وأناشيد سخيفة. كانت فلو تقول في اشمئزاز ودخان ~~السجائر ينبعث من فمها: «كم كان ذلك رائعا!» في إشارة منها ليس لتصرف واحد فقط، وإنما لكل ~~شيء تشمله مثل هذه العلاقات، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وفي أي مكان في العالم؛ ~~فلطالما أذهلتها انحرافات الناس، مثلما فعلت ادعاءاتهم. # ترى من كان صاحب فكرة العلاقة بين شورتي وفراني ماكجيل؟ ربما تحدى بعض الفتيان الأكبر ~~سنا شورتي لفعل ذلك، أو لعله هو من تباهى بذلك وتحداهم. الأمر المؤكد هو أن فراني لم تكن ~~هي صاحبة الفكرة. فكان لا بد من القبض عليها ms031 أو محاصرتها لفعل ذلك الأمر. ولا يمكن، في ~~الواقع، وصف الأمر هنا بالقبض عليها؛ إذ إنها ما كانت لتهرب، أو بالأحرى ما كانت لتثق في ~~إمكانية هروبها، لكنها، مع ذلك، أظهرت عدم رغبتها فيما كان يحدث، وكان لا بد من جرها ثم ~~دفعها لأسفل حيث أراد المعتدون عليها. هل كانت تعلم ما كان سيحدث؟ كانت تعلم، على الأقل، أن ~~ما يدبره الآخرون لم يكن حسنا. # عندما كانت فراني ماكجيل طفلة صغيرة دفعها والدها المخمور بقوة قبالة الحائط. هذا ما روته ~~فلو. وثمة رواية أخرى تشير إلى أن فراني سقطت مخمورة من إحدى العربات، وركلها أحد الخيول. ~~وفي كلتا الحالتين، كانت النتيجة هي تهشم أجزاء من جسدها، لا سيما وجهها الذي تأثر على أسوأ ~~نحو؛ فالتوى أنفها، الأمر الذي جعل من كل نفس تتنفسه خنة طويلة قابضة للصدر. هذا فضلا عن ~~تكوم بعض أسنانها فوق بعض، ما حال دون إغلاقها لفمها ومنعها تماما من التحكم في كمية ~~البصاق الصادر عنها. كانت بيضاء، نحيلة، متثاقلة الخطى، وجلة كسيدة عجوز. أودعت بالصف ~~الثاني أو الثالث في المدرسة، وكان بإمكانها القراءة والكتابة قليلا، لكنها نادرا ما ~~طلب منها ذلك. ربما لم تكن بالغباء الذي اعتقده الجميع، لكنها كانت مندهشة ومتحيرة دوما ~~بسبب ما تعرضت له دوما من مضايقات مستمرة. ومع كل ذلك، كان ثمة شيء يوحي بالأمل بداخلها؛ ~~فكانت تتبع أي شخص لا يهاجمها أو يعتدي عليها على الفور؛ وتقدم له قطعا من أقلام الألوان ~~أو كرات من العلكة الممضوغة التي تنزعها من المقاعد والمكاتب. لذا، كان من الضروري على أي ~~أحد تلتقي عيناه بعينيها صدها بحزم، والتجهم في وجهها على نحو تحذيري. ~~«ارحلي يا فراني. ارحلي وإلا لكمتك. سألكمك. أعني ما أقول.» # استمر استغلال شورتي، والآخرين، لفراني. وكانت تحمل، ثم تؤخذ بعيدا، ثم تعود وتحمل ~~ثانية، ثم تؤخذ بعيدا، ثم تعود وتحمل، وهلم جرا. أثيرت الأحاديث حول إعقامها مع تحمل ~~نادي ليونز نفقة العملية، أو حبسها في المنزل، إلى أن توفيت فجأة بداء ms032 الالتهاب الرئوي ~~لتحل بنفسها تلك المشكلة. راودت روز صورة فراني لاحقا، كلما مرت بشخصية العاهرة البلهاء ~~طيبة السريرة في أي كتاب أو فيلم سينمائي. يبدو أن مؤلفي الكتب والأفلام لديهم ولع بهذه ~~الشخصية، وإن لاحظت روز أنهم يقدمونها دوما في صورة نظيفة. واعتقدت روز أن هؤلاء المؤلفين ~~يدلسون الواقع بعدم تصويرهم النفس المتثاقل والبصاق والأسنان المشوهة؛ لقد كانوا ~~يرفضون التعبير عن تلك الملامح المقززة المثيرة للشهوة الجنسية، وذلك في ظل تعجلهم ~~لمكافأة أنفسهم بفكرة الوجوه الخالية من التعابير، والترحيب الخالي من أي تمييز. # لم يكن ترحيب فراني بشورتي بريئا للغاية على أية حال؛ فكانت تصدر أصوات عواء بلغمية ~~متحشرجة بسبب مشكلات التنفس التي كانت تعاني منها. وهي تهز ساقا واحدة، وإما أن يخرج من ~~قدميها أحد حذاءيها، أو أنها لم تكن ترتدي حذاء في الأساس. كل ما استطاعت روز أن ترى منها ~~هو ساقها البيضاء وقدمها الحافية بأصابعها الموحلة، وهو ما بدا أكثر طبيعية وقوة واحتراما ~~للذات مما يليق بفراني ماكجيل. كانت صغيرة الحجم، ما سمح بدفع الحشود لها إلى الخلف. أحاط ~~بها الصبية الكبار، وهم يصيحون صيحات تشجيعية، والفتيات الكبيرات كن يحمن بالخلف أيضا، ~~وهن يقهقهن. أثار ذلك اهتمام روز، لكنه لم يفزعها؛ فالاعتداء على فراني لم يكن بالأمر ~~المهم، وليس بالأثر نفسه الذي يكون عليه الاعتداء على أي شخص آخر؛ فلم يكن سوى انتهاك آخر ~~من الانتهاكات التي تتعرض لها. # وعندما كانت روز تخبر الناس بهذه الأمور، بعد ذلك الحين بسنوات، كانوا يتأثرون بشدة، وكان ~~عليها أن تقسم بأن ما تقوله صحيح، وأنها لا تبالغ. وقد كان صحيحا بالفعل، لكن أثره كان ~~مختلفا في كل مرة. بدت أيام دراسة روز بالمدرسة بائسة، ولا بد أنها كانت تعيسة آنذاك، ~~لكنها لم تكن كذلك؛ فقد تعلمت؛ تعلمت كيفية التصرف في المشاجرات الكبيرة التي شهدتها ~~المدرسة مرتين أو ثلاث مرات في العام. وكانت تميل للحيادية، الأمر الذي كان خطأ فادحا؛ إذ ~~كان يمكن أن يثير طرفي النزاع كليهما ضدها. وما ينبغي ms033 فعله في هذه الحالات هو التحالف مع ~~أفراد يعيشون بالقرب من المرء كي لا يتعرض لخطر هائل أثناء سيره عائدا إلى المنزل. لم تعلم ~~روز قط السبب وراء تلك الصراعات، ولم تتمتع بطبيعتها بالقدرة اللازمة للاشتراك فيها، ولم ~~تفهم في الواقع ضرورة ذلك. فكانت تفاجأ دائما بكرة ثلج، أو حجر، أو حصاة تسدد إليها من ~~الخلف. علمت روز أن حالها لن يتحسن أبدا، ولن تصل أبدا إلى أي موقع آمن - هذا إن كان هناك ~~أي موقع آمن على الإطلاق - في عالم المدرسة الذي كانت تعيش فيه. مع ذلك، لم تكن روز تعسة، ~~فيما عدا ما يتعلق بعدم تمكنها من قضاء حاجتها بدورة المياه. إن تعلم مواصلة العيش - بغض ~~النظر عما يصاحب ذلك من جبن وحذر، ومن صدمات وهواجس - لا يعني التعاسة، وإنما هو أمر مثير ~~للغاية. # تعلمت روز تفادي فراني؛ تعلمت عدم الاقتراب من قبو المدرسة حيث كانت جميع النوافد ~~مكسورة وسوداء، والماء يتقطر من كل جانب كالكهف؛ وتجنب المكان المظلم الموجود تحت درجات ~~السلم وذلك الموجود بين أكوام الحطب. تعلمت روز، أيضا، ألا تلفت انتباه الصبية الأكبر ~~سنا إليها بأي شكل من الأشكال، والذين بدوا في عيونها ككلاب مسعورة؛ إذ كانوا على القدر ~~نفسه من السرعة والقوة والتقلب والاغتباط في هجومهم كهذه الكلاب. # من الأخطاء التي ارتكبتها روز في وقت مبكر من حياتها، وما كانت لترتكبها لاحقا، إخبارها ~~فلو الحقيقة بدلا من أن تكذب عليها عندما عرقلها أحد الصبية الأكبر سنا من بلدة موري ~~الفرنسية، وأمسك بها أثناء نزولها على سلم الحريق، ممزقا كم المعطف الواقي من المطر ~~الذي كانت ترتديه من ناحية الإبط. فما كان من فلو إلا أن ذهبت إلى المدرسة لإثارة زوبعة من ~~الاحتجاجات (على حد تعبيرها)، فسمعت شهودا يقسمون بأن روز هي التي مزقت كم معطفها ~~بأحد المسامير. كانت المعلمة متجهمة الوجه، ولم تقدم نفسها، وأشارت إلى أن زيارة فلو غير ~~مرغوب فيها. فلم يكن أولياء الأمور ليذهبوا إلى المدرسة في هانراتي الغربية؛ إذ اتسمت ms034 ~~الأمهات بالتعصب في شجارهن؛ فكن يقفن خلف بوابات المدارس ويصحن، وكان بعضهن يندفعن لشد ~~الشعر ورشق الحصى بأنفسهن، هذا فضلا عن إساءتهن للمعلمة سرا بإرسال أطفالهن إلى المدرسة ~~وتوصيتهم بعدم الاستماع إليها مطلقا. لكنهن ما كن ليتصرفن على النحو الذي تصرفت به فلو، ~~ما كانت أقدامهن لتطأ أرض المدرسة، وما كن ليرفعن الشكوى إلى هذا المستوى، فما كن ليصدقن ~~أبدا - مثلما صدقت فلو على ما يبدو (وهنا كانت المرة الأولى التي تراها فيها روز غير مدركة ~~للأمور ومخطئة) - أن المعتدين يمكن أن يعترفوا أو يسلموا للعدالة، أو أن العدالة يمكن أن ~~تتخذ أية صورة أخرى غير تمزيق معطف أحد الصبية الفرنسيين في غرفة إيداع القبعات والمعاطف، ~~كنوع من التخريب. # قالت فلو إن المعلمة لا تدرك مهام وظيفتها. # لكنها كانت تعلم هذه المهام؛ بل وتعلمها جيدا أيضا؛ فكانت تغلق الباب في فترات الراحة، ~~وتدع ما يحدث في الخارج يحدث، أيا كان. لم تحاول يوما استدعاء الصبية الكبار من القبو أو ~~من على سلم الحريق، فكانت تأمرهم بتقطيع الحطب اللازم لإشعال الموقد، وملء دلو مياه الشرب؛ ~~وفيما عدا ذلك، كانوا أحرارا في فعل ما يشاءون. لم يمانع أولئك الصبية في تقطيع الخشب أو ~~ضخ المياه، لكنهم كانوا يحبون غمر الناس بالماء شديد البرودة، وأوشكوا على ارتكاب جرائم قتل ~~باستخدام بلطة تقطيع الخشب. لقد كان السبب وراء وجودهم في المدرسة هو عدم وجود مكان آخر ~~يذهبون إليه. فبالرغم من بلوغهم من العمر السن القانونية التي تسمح لهم بالعمل، لم تكن هناك ~~وظائف متاحة لهم. أما الفتيات الأكبر سنا، فكان بإمكانهن الحصول على وظائف، كخادمات على ~~الأقل. لذا، لم تواصل أي منهن دراستها في المدرسة، إلا إذا كن يخططن لخوض امتحان القبول ~~بالمدرسة الثانوية، أملا منهن في الحصول على وظائف يوما ما في المتاجر أو البنوك. وبعضهن ~~حقق ذلك بالفعل. في أماكن مثل هانراتي الغربية، كان من الأيسر على الفتيات الترقي في حياتهن ~~على عكس الصبية. # كانت المعلمة تشغل الفتيات الأكبر سنا - غير أولئك ms035 اللاتي كن في فصل التأهيل للمدرسة ~~الثانوية - بالتحكم في الأطفال الأصغر سنا، بتدليلهم أو صفعهم، وتصحيح أخطاء التهجية ~~لديهم، والتقاط أي شيء قد يكون ذا أهمية في نظر أولئك الفتيات لاستخدامهن الخاص، مثل علب ~~الأقلام الرصاص، وأقلام الألوان الجديدة، والحلي التي يحصلون عليها داخل أكياس كراكر جاك. ~~وما كان يحدث في غرفة إيداع القبعات والمعاطف من سرقة حقائب الطعام، أو تمزيق المعاطف، أو ~~خلع البنطالات لم تعتبره المعلمة من شأنها. # لم تتمتع تلك المعلمة بأي نوع من الحماس أو التخيل أو التعاطف؛ إذ اعتادت عبور الجسر كل ~~يوم من هانراتي حيث كانت تعيش مع زوجها المريض. وقد عادت لمزاولة مهنة التدريس في منتصف ~~العمر؛ ربما لأنها كانت الوظيفة الوحيدة التي تمكنت من الحصول عليها، فوجب عليها المثابرة، ~~وهذا ما فعلته. لم تغط النوافذ بالورق قط، ولم تلصق نجوما ذهبية في دفاتر الطلاب. لم ~~ترسم على السبورة بالطباشير الملون قط، فلم يكن لديها نجوم ذهبية أو طباشير ملون. ولم تظهر ~~أي نوع من الحب لما تدرسه، أو لأي أحد. لعلها تمنت - هذا إن كانت تمنت أي شيء على ~~الإطلاق - أن يخبرها أحد أنه بإمكانها العودة إلى المنزل، وعدم رؤية أولئك الطلاب ثانية، ~~وعدم فتح كتاب التهجية أبدا بعد ذلك. # ومع ذلك، فقد كانت تدرس للطلبة بعض الأشياء، وربما كانت تدرس أيضا لمن كانوا ~~سيخضعون لامتحان القبول بالمدرسة الثانوية؛ لأن بعضهم نجح فيه. ولعلها حاولت تدريس كل من ~~كان يلتحق بالمدرسة القراءة والكتابة وبعض الحساب البسيط. كان الدرابزين الحديدي للسلالم ~~محطما، والمكاتب منزوعة من أماكنها بالأرضية وغير مثبتة، والموقد تنبعث منه الأدخنة، ~~والمواسير مربوطة معا بالأسلاك. لم توجد بالمدرسة أية كتب بالمكتبة أو خرائط، بالإضافة إلى ~~عدم كفاية الطباشير دوما. حتى العصا الياردية كانت دوما متسخة ومتشظية عند أحد طرفيها. ~~الشجارات والجنس والسرقات الصغيرة مثلت أهم الأحداث في المدرسة، ومع ذلك، كانت الحقائق ~~والجداول تشرح للطلاب. وفي مقابل كل تلك الاضطرابات، والقلاقل، والظروف المستعصية، ظلت ~~هناك لمحة من روتين الفصل الدراسي المعتاد؛ ms036 الأمر الذي كان أشبه بعطية تمنح للطلاب. ~~فتعلم بعضهم التهجية. # اعتادت تلك المعلمة استنشاق النشوق. لم تر روز أحدا من قبل يفعل ذلك، فكانت ترش بعضا ~~منه على ظهر يدها، ثم ترفعه إلى وجهها، وتصدر صوتا خافتا من أنفها، وتميل برأسها إلى ~~الخلف، فيظهر عنقها، ويبدو عليها الازدراء والتحدي للحظة. فيما عدا ذلك، لم يكن بها أي شيء ~~غريب أو غير معتاد. فكانت سيدة ممتلئة الجسم، كئيبة المنظر رثة الملابس. # كانت فلو تقول إنها ربما تسببت في تشوش ذهنها بسبب النشوق؛ فهو أشبه بإدمان المخدرات. أما ~~السجائر، فهي تثير الأعصاب فقط. # ثمة شيء واحد فقط في المدرسة كان ساحرا وجميلا؛ رسوم الطيور. لا تعرف روز ما إذا كانت ~~المعلمة قد صعدت وثبتت هذه الرسوم فوق السبورة في موضع أعلى مما يسمح بالوصول إليه وتخريبه؟ ~~وما إذا كانت تلك محاولتها الأولى والأخيرة عندما كان يحدوها الأمل في ذلك المكان؟ أم أن ~~هذه الرسوم يعود تاريخها إلى عهد أقدم من ذلك، عهد أكثر رخاء في تاريخ المدرسة؟ من أين أتت ~~تلك الرسوم؟ كيف وصلت إلى ذلك المكان، في الوقت الذي لم يصل فيه أي شيء آخر، لتصير نوعا من ~~الزينة أو الرسم الإيضاحي؟ # نقار خشب أحمر الرأس؛ طائر الصافر، أبو زريق أزرق اللون؛ إوزة كندية. ألوان واضحة ~~وثابتة. خلفيات من الثلج النقي، وغصون الأشجار المزهرة، وسماء صيفية مشرقة. ما كانت هذه ~~الرسوم لتبدو غريبة لو وجدت في فصل عادي، لكنها في ذلك الفصل، كانت بارزة وواضحة وتعبر ~~عن شيء ما، إذ تناقضت مع كل شيء آخر حولها؛ لم تمثل تلك الرسوم الطيور نفسها، أو تلك ~~السماوات والثلج، وإنما عكست عالما آخر من البراءة الشديدة، والمعلومات الوافرة، وخلو ~~البال من الهموم على نحو مميز. خلا ذلك العالم من سرقات حقائب الطعام، وتمزيق المعاطف، وخلع ~~البنطلونات، واستخدام العصي المؤلمة، والمضاجعة، ومن فراني. ~~••• # ضم فصل التأهيل للمدرسة الثانوية ثلاث فتيات كبيرات؛ إحداهن تدعى دونا، والأخرى كورا، ~~والثالثة بيرنيس. وقد خلا ذلك الفصل إلا منهن. ثلاث ms037 ملكات ، لكن مع تدقيق النظر، ستجدهن ملكة ~~وأميرتين. هكذا رأتهن روز. كن يسرن حول فناء المدرسة وأذرعهن متشابكة أو يحيط بعضهن بخصر ~~بعض. تتوسطهن كورا دوما، وكانت أطولهن. أما دونا وبيرنيس، فكانتا تميلان عليها لدعمها أو ~~تتقدمان أمامها لإفساح الطريق لها. # أحبت روز كورا. # كانت كورا تعيش مع جدها وجدتها، وكانت جدتها تعبر الجسر إلى هانراتي للعمل في أعمال ~~التنظيف والكي. أما جدها، فكان يعمل في تنظيف الحمامات. كانت هذه هي وظيفته. # قبل أن تدخر فلو المال لإقامة دورة مياه حقيقية بالمنزل، كانت قد اشترت مرحاضا ~~كيميائيا لوضعه في أحد أركان السقيفة، وكان ذلك أفضل من المرحاض الخارجي، لا سيما في ~~أوقات الشتاء. لكن جد كورا خالف فلو الرأي بشأن ذلك المرحاض، وقال لها: «إن الكثيرين ممن ~~استخدموا تلك المراحيض دخلت المواد الكيميائية أجسامهم، وودوا لو أنهم لم يفعلوا.» كانت لجد ~~كورا لكنة ريفية غريبة. # كانت كورا ابنة غير شرعية. كانت أمها تعمل في مكان ما، أو ربما تكون قد تزوجت. ربما عملت ~~خادمة، وكان بإمكانها إرسال بعض الأشياء المستعملة لابنتها. فكان لدى كورا الكثير من ~~الملابس، وكانت تذهب إلى المدرسة بملابس ساتانية لونها بيج ذات تمويجات من فوق فخذيها؛ أو ~~ملابس مخملية بلون أزرق ملكي وعليها وردة من نفس نوع القماش تتدلى على إحدى كتفيها؛ أو ~~ملابس من الكريب الرقيق ذات لون وردي فاتح ومليئة بالشراشيب. لم تتناسب هذه الملابس مع سنها ~~(لم يكن ذلك رأي روز)، لكنها تناسبت مع جسمها؛ فقد كانت طويلة، قوية البنية، ذات مظهر ~~أنثوي. وفي بعض الأحيان، كانت تصفف شعرها بلفه فوق رأسها، وتركه ينسدل فوق إحدى عينيها. ~~اعتادت كورا ودونا وبيرنيس تصفيف شعرهن مثل السيدات، والإفراط في استخدام أحمر الشفاه، ~~وحمرة الخدود. اتسمت ملامح كورا بالحدة. فكانت جبهتها دهنية، وأجفانها بنية متثاقلة. هذا ~~فضلا عن شعورها بالرضا عن نفسها، الذي سرعان ما سيتحول إلى قسوة ووقار، لكنها كانت رائعة ~~آنذاك، تسير في فناء المدرسة مع وصيفتيها (كانت دونا في الحقيقة هي الأجمل بينهن ms038 بما تمتعت ~~به من وجه بيضاوي شاحب وشعر أشقر متجعد بنعومة)، وأذرعهن متشابكة، ويتحدثن على نحو جدي. لم ~~تضيع كورا وقتها في الالتفات للصبية في المدرسة، لم تفعل ذلك أي من أولئك الفتيات ~~الثلاث؛ فكن ينتظرن الالتقاء برفاق شباب حقيقيين، أو لعلهن التقين بهم بالفعل آنذاك. وكان ~~بعض الصبية ينادون عليهن من باب القبو، مع توجيه بعض العبارات المهينة لهن، فكانت كورا ~~تستدير وتصيح فيهم: ~~«أكبر من النوم في المهد، وأصغر من النوم في سرير!» # لم تكن لدى روز أية فكرة عما كان يعنيه ذلك، لكنها كانت معجبة للغاية بالطريقة التي أظهرت ~~بها كورا فخذيها، وبصوتها المستهزئ القاسي والمتكاسل في الوقت نفسه، وبمظهرها البراق. ~~وعندما كانت تختلي بنفسها، كانت تقلد ما حدث، المشهد بأكمله، الصبية وهم يصيحون، مع تقمصها ~~شخصية كورا؛ فكانت تستدير، مثلما تفعل كورا، نحو معذبيها المتخيلين، وتتعامل معهم بنفس ~~الاحتقار الاستفزازي. ~~«أكبر من النوم في المهد، وأصغر من النوم في سرير!» # كانت روز تتجول في أرجاء الفناء الخلفي للمتجر، متخيلة الساتان المثير وهو يتموج فوق ~~فخذيها، وشعرها ملفوف ومنسدل على إحدى عينيها، وشفتاها حمراوان. أرادت أن تكبر لتصير مثل ~~كورا بالضبط، بل إنها لم ترغب في الانتظار حتى تكبر؛ لقد أرادت أن تكون كورا ... الآن. # اعتادت كورا ارتداء الأحذية عالية الكعب في المدرسة، لكنها لم تكن خفيفة في حركتها، فكلما ~~كانت تسير في الفصل، تبدو الغرفة وكأنها تهتز، والنوافذ ترتعد. كان من الممكن أيضا شم ~~رائحتها؛ رائحة مسحوق الطلق ومستحضرات التجميل، رائحة بشرتها الداكنة الدافئة ~~وشعرها. ~~••• # جلست الفتيات الثلاث أعلى سلم الحريق في أول أيام الطقس الدافئ. كن يطلين أظافرهن. كانت ~~رائحة الطلاء تشبه رائحة الموز، مع نفحة كيميائية غريبة. أرادت روز صعود سلم حريق المدرسة، ~~كما اعتادت، لتجنب التهديد اليومي بالمدخل الرئيسي، لكنها استدارت عندما رأت الفتيات يجلسن ~~أعلى السلم؛ فلم تجرؤ على توقع إفساحهن الطريق لها. # نادت عليها كورا. ~~«يمكنك الصعود إذا أردت. هيا، اصعدي!» # أخذت تثيرها وتشجعها كما لو كانت تفعل مع جرو صغير. ms039 ~~«هل تودين طلاء أظافرك؟» # حينذاك، قالت الفتاة التي تدعى بيرنيس، التي اكتشفت روز بعد ذلك أنها صاحبة طلاء ~~الأظافر: «إن فعلت، فسيود الجميع طلاء أظافرهن أيضا.» # فردت عليها كورا: «لن نفعل ذلك معهن؛ وإنما هي فقط. ما اسمك؟ روز؟ سوف نطلي أظافر روز ~~فقط. اصعدي هنا يا عزيزتي.» # طلبت كورا من روز مد يدها، وحينها لاحظت روز بانزعاج البقع الملونة التي غطت يدها. كم ~~كانت يداها قذرتين! وكانتا أيضا باردتين ومرتعشتين. مجرد شيء صغير مثير للاشمئزاز. وما ~~كانت لتندهش لو أبعدت كورا يدها. ~~«ابسطي أصابعك، وأرخيها. ما هذا؟ يداك ترتعشان! لن أعضك! فلتثبتي مكانك كفتاة صالحة. ~~لا تودين إفساد الطلاء، أليس كذلك؟» # غمست الفرشاة في زجاجة الطلاء. كان لونه أحمر داكنا، مثل توت العليق. أحبت روز رائحته. ~~كانت أصابع كورا كبيرة، وردية اللون، ثابتة، ودافئة. ~~«أليس ذلك جميلا؟ ألن تبدو أظافرك جميلة؟» # اتبعت كورا الأسلوب الصعب السائد آنذاك في طلاء الأظافر، ولم يعد مستخدما الآن، وهو أن ~~تترك الشكل الهلالي على أطراف الأظافر والمساحة البيضاء بلا طلاء. ~~«سأطليها باللون الوردي لتتماشى مع اسمك. اسمك جميل يا روز. يعجبني كثيرا، بل يعجبني ~~أكثر من اسم كورا. فأنا أكره اسم كورا. أصابعك متجمدة بالرغم من دفء الجو اليوم. أليست ~~متجمدة مقارنة بأصابعي؟» # كانت تتغزل في نفسها، وتتدلل، كعادة الفتيات في تلك السن؛ فكن يجربن سحرهن على أي شيء؛ ~~الكلاب أو القطط أو على صورتهن في المرآة. كان تأثير الموقف على روز قويا على نحو حال دون ~~استمتاعها بتلك اللحظات. شعرت بالوهن والانبهار، ارتعبت من ذلك المعروف الكبير الذي كانت ~~تسديه لها كورا. # منذ ذلك اليوم، صارت روز مهووسة بكل ما في كورا؛ فقضت وقتها في محاولة السير مثل كورا، ~~والتشبه بها، مكررة كل كلمة سمعتها منها. حاولت أن تكون هي، بكل ما تحمله الكلمة من ~~معنى. رأت روز سحرا في كل إيماءة من كورا، في طريقة غرزها القلم الرصاص في شعرها الكثيف ~~الخشن، في تأوهاتها أحيانا في المدرسة بسبب الملل الشديد، في ms040 لعقها لإصبعها، وصقلها ~~لحاجبيها برفق. فلعقت روز إصبعها مثلها، وصقلت حاجبيها، آملة في أن يصيرا داكني اللون، ~~بدلا مما كانا عليه من لون باهت وشكل يكاد يكون غير مرئي. # لم يكن تقليد كورا كافيا، وإنما فعلت روز ما هو أكثر من ذلك؛ فتخيلت أنها مريضة، وتم ~~استدعاء كورا بشكل ما لتتولى رعايتها؛ تمنحها عناقا قبل النوم، وتمسد على جسدها، ~~وتهدهدها. اختلقت، كذلك، قصصا عن تعرضها للمخاطر وإنقاذ كورا لها، وعن حوادث وامتنان ~~بينهما. في تلك القصص كانت تنقذ فيها روز كورا أحيانا، وكورا تنقذها في أحيان أخرى، لتسود ~~بينهما بعد ذلك حالة من الدفء والمودة والبوح بالأسرار. # هذا اسم جميل. # اصعدي هنا، يا عزيزتي. # بداية الحب، تزايده، تدفق المشاعر. حب جنسي، لم تكن متأكدة بعد مما يجب التركيز عليه ~~بالضبط. لا بد أنه كان هناك من البداية، مثل العسل الأبيض المتجمد في الدلو الذي ينتظر ~~الوقت المناسب للذوبان والتدفق. افتقر الأمر إلى بعض الحدة، بعض الضرورة الملحة؛ كانت هناك ~~اختلافات عرضية في جنس من وقع عليه اختيارها عند تفكيرها في ذلك الأمر. لكن فيما عدا ذلك، ~~كان ما يعتريها هو نفس الشيء الذي أخذ يباغتها منذ ذلك الحين؛ المد العالي؛ الحماقة ~~المستعصية؛ الاجتياح الجارف. # مع ازدهار كل شيء في الأرجاء، من أزهار الليلك، وأشجار التفاح، والبعرور البري على طول ~~الطريق، كان يحل موعد لعبة الجنائز التي كانت تنظمها الفتيات الأكبر سنا. والشخصية ~~التي من المفترض أن تلعب دور المتوفى - وهي فتاة، لأن الفتيات فقط هن من كن يلعبن تلك ~~اللعبة - كانت تستلقي أعلى سلم الحريق. أما باقي الفتيات، فكن يصعدن السلم بتؤدة، وهن يغنين ~~إحدى الترنيمات، ويلقين بالورد الذي ملأن به أذرعهن. كن ينحنين متظاهرات بالبكاء (بعضهن بكى ~~بالفعل)، ويلقين على المتوفاة النظرة الأخيرة، وبذلك تنتهي اللعبة. كان من المفترض أن تنال ~~جميع الفتيات فرصة لعب دور الشخصية المتوفاة، لكن الأمور لم تسر على هذا النحو؛ فبعد أن ~~كانت الفتيات الأكبر سنا يؤدين ذلك الدور، لم يكن ليزعجن أنفسهن بلعب ms041 دور ثانوي في ~~جنائز الفتيات الصغيرات. وبعد مغادرتهن، سرعان ما كانت الفتيات الصغيرات يدركن أن اللعبة قد ~~فقدت أهميتها وسحرها، فيرحلن بدورهن، تاركات بعض العنيدات اللاتي لا أهمية لهن ينهين ~~اللعبة. وكانت روز من بينهن؛ إذ تعلقت بأمل صعود كورا سلم الحريق في جنازتها، لكن كورا ~~تجاهلت الأمر. # كان على الفتاة التي تلعب دور المتوفاة اختيار الترنيمة التي ستتغنى بها الفتيات في ~~الجنازة، فاختارت كورا: «كم هي جميلة السماء!» استلقت كورا وحولها أكوام من الزهور، أغلبها ~~من الليلك، وارتدت فستانها الوردي المصنوع من قماش الكريب الرقيق. كان هناك أيضا بعض ~~الخرزات، ودبوس زينة منقوش عليه اسمها بالترتر الأخضر، كسا وجهها قدر كبير من المسحوق، الذي ~~ارتعش على الشعيرات الناعمة الموجودة على أطراف فمها. خفقت أهدابها. كان تعبير وجهها يوحي ~~بالتركيز، والعبوس، والموت على نحو صارم. تغنت روز بالترنيمة بصوت حزين، ووضعت الليلك من ~~يدها، وكانت على وشك القيام بطقس تعبدي ما، لكنها لم تتوصل إلى أي شيء يمكنها فعله. فما كان ~~منها إلا أن أخذت تجمع التفاصيل للتفكير فيها لاحقا. لون شعر كورا، لمعة الخصلات الداخلية ~~التي شدت لتوضع خلف أذنيها، والتي بدت ذات لون عسلي أكثر دفئا من الخصلات الموجودة ~~أعلاها. كانت ذراعاها مكشوفتين، داكنتي اللون، مسطحتين، أشبه بذراعي امرأة ثقيلتين، ~~والشراشيب منسدلة عليهما. ما كانت رائحتها الحقيقية؟ عم كان حاجباها المشذبان، العابسان ~~الدالان على رضاها عن نفسها، يعبران؟ بذلت روز جهدا كبيرا لاحقا وهي وحدها لاستدعاء تلك ~~التفاصيل، وإدراكها، وتذكرها إلى الأبد. ما كان نفع ذلك؟ عندما كانت تفكر في كورا، كانت ~~تشعر ببقعة داكنة مشرقة، بمركز ذائب، برائحة الشوكولاتة المحترقة ومذاقها، الأمور التي لم ~~تستطع نيلها أبدا. # ما الذي يمكن فعله بالحب عندما يصل إلى هذه المرحلة من الضعف وقلة الحيلة والاهتمام ~~الجنوني؟ لا بد أن يصطدم بشيء ما. # سرعان ما ارتكبت روز خطأ بسرقتها بعض الحلوى من متجر فلو لتمنحها لكورا. كان تصرفا أحمق ~~وسيئا وطفوليا، الأمر الذي أدركته حينذاك. لم يكمن الخطأ في السرقة فحسب، ms042 وإن كان تصرفا ~~أحمق بالفعل وصعبا؛ فقد احتفظت فلو بالحلوى في مكان علوي خلف منضدة الخزينة على رف مائل في ~~صناديق مفتوحة، بحيث تكون بعيدا عن متناول الأطفال، لكن في مرمى بصرهم في الوقت نفسه. ~~وتوجب على روز انتظار اللحظة المناسبة لتصعد فوق الكرسي، وتملأ إحدى الحقائب بما تمكنت من ~~الإمساك به، مثل قطع العلكة وحلوى الجيلي والعرق سوس من كل الأنواع، والشوكولاتة، وغيرها. ~~لم تحتفظ بأي من هذه الحلوى لنفسها، وإنما كان عليها أخذ الحقيبة إلى المدرسة. وهذا ما ~~فعلته بإخفائها للحقيبة أسفل تنورتها مع إدخال الجزء العلوي منها في الرباط المطاطي ~~لسروالها الداخلي. وضغطت بقوة بذارعها على خصرها للحفاظ على الحقيبة في مكانها. فسألتها ~~فلو: «ما الخطب؟ هل تعانين من مغص؟» لكنها، لحسن الحظ، كانت منشغلة للغاية، ولم تتحقق من ~~الأمر. # أخفت روز الحقيبة في مكتبها، وانتظرت الفرصة التي لم تسنح كما توقعت. # حتى لو كانت قد ابتاعت الحلوى، وحصلت عليها بشكل قانوني، كان الأمر برمته سيظل خطأ. كان ~~الأمر على ما يرام في البداية، لكن ليس الآن. ففي تلك اللحظات، أرادت روز الكثير من ~~الامتنان والتقدير، والاعتراف بالجميل، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بقبول أي شيء. أخذ ~~قلبها يخفق بقوة، وفمها مليء بمذاق مر غريب نابع من شوقها ويأسها، حتى وإن مرت كورا بجوار ~~مكتبها بخطواتها المتثاقلة المميزة، وعبق عطورها الرائع الذي فاح من حرارة جسدها، فما من ~~شيء يمكن أن يعبر عما كانت روز تشعر به، فكان من المحال أن تنال ما أرادت، وكانت تعلم أن ما ~~تفعله مثير للسخرية ومحكوم عليه بالفشل. # لم تقو على تقديم الحلوى لكورا، فلم تسنح اللحظة المناسبة قط. لذا، وبعد بضعة أيام، قررت ~~ترك الحقيبة في مكتب كورا. حتى ذلك كان صعبا. فكان عليها التظاهر بأنها نسيت شيئا ما بعد ~~الساعة الرابعة، والركض عائدة إلى المدرسة، مع علمها بأنها ستضطر للخروج منها في وقت لاحق، ~~وحدها، والمرور بالصبية الأكبر سنا عند باب القبو. # كانت المعلمة لا تزال في ms043 المدرسة ، ترتدي قبعتها. كانت ترتدي تلك القبعة الخضراء القديمة ~~التي يلتصق بها بعض الريش كل يوم أثناء عبورها الجسر. كانت دونا، صديقة كورا، تنظف السبورة، ~~حاولت روز إدخال الحقيبة في مكتب كورا، فسقط منها شيء ما. لم تلق المعلمة بالا لما حدث، ~~لكن دونا استدارت وصاحت في وجه روز: «أنت! ماذا تفعلين في مكتب كورا؟» # فأسقطت روز الحقيبة على المقعد، وفرت هاربة. # الأمر الذي لم تتوقعه على الإطلاق هو أن تذهب كورا إلى متجر فلو لتعيد الحلوى إليها، لكن ~~هذا ما فعلته كورا بالفعل. لم تفعل كورا ذلك لتسبب مشاكل لروز، وإنما لتحقق المتعة لنفسها. ~~فكانت تستمتع بالشعور بالأهمية والاحترام، إلى جانب لذة تبادل شيء ما مع شخص كبير. # قالت كورا، أو بالأحرى هذا ما قالت فلو إنها قالته: «لا أعلم لماذا أرادت إعطاءها لي.» لم ~~تحسن فلو التقليد تلك المرة؛ إذ رأت روز أن صوتها لم يبد كصوت كورا على الإطلاق. فجعلتها ~~فلو تبدو لينة الحديث وضعيفة. ~~«رأيت أنه من الأفضل المجيء إلى هنا وإخبارك بما حدث!» # لم تكن الحلوى تصلح للأكل على أية حال؛ فقد هرست كلها، وذابت بعضها في بعض، واضطرت فلو ~~للتخلص منها. # أصاب فلو الذهول. هكذا وصفت هي حالها. ولم يكن السبب هو سرقة روز للحلوى؛ فمع أنها كانت ~~ضد السرقة بطبيعتها، لكنها أدركت أن السرقة في هذا الحادث لم تكن هي الجرم الأخطر، بل إن ~~المشكلة أهم وأكبر من ذلك. ~~«ما الذي كنت ستفعلينه بها؟ تعطينها لها؟ لماذا؟ هل تحبينها أو شيء من هذا ~~القبيل؟» # كانت تلك إهانة ومزحة في الوقت نفسه. وأجابت روز بالنفي، لأنها ربطت الحب بنهايات الأفلام ~~السينمائية، والقبلات، والزواج. شعرت في تلك اللحظات بالصدمة وأن مشاعرها قد تعرت، وبدأت ~~بالفعل - وإن لم تدر - في الانزواء والتقوقع ~~حول نفسها. فكانت فلو أشبه بالعاصفة الهوجاء. # قالت فلو: «بل تفعلين! كم تثيرين اشمئزازي!» # لم تكن فلو تتحدث عن خطر الشذوذ الجنسي في مستقبل روز؛ فلو كانت قد علمت ذلك، أو فكرت ~~فيه، لبدا ms044 الأمر في نظرها أشبه بالمزحة، أو الأمر الغريب الذي يستعصي على الفهم، أكثر من ~~كونه سلوكا غير لائق. لقد كان الحب هو ما يثير اشمئزازها. تلك العبودية، وإهانة الذات، ~~وخداعها. كان هذا ما صعقها. فقد رأت الخطر، والعلة؛ الآمال المتسرعة، والتأهب، ~~والاحتياج. # سألتها فلو: «ما الرائع في تلك الفتاة؟» وأجابت بنفسها عن السؤال في الحال: «لا شيء. فهي ~~أبعد ما تكون عن الجمال. وسوف تصير كومة متحركة من الدهون فيما بعد؛ إنني أرى العلامات ~~الدالة على ذلك. سيكون لها شارب أيضا؛ بل إن لديها واحدا بالفعل. من أين تأتي بملابسها؟ ~~لعلها تظن أنها تناسبها.» # لم تجب روز عن أي من هذه الأسئلة. وأضافت فلو إن كورا ليس لها أب، ويمكن لروز التفكير ~~في وظيفة أمها. ومن هو جدها؟ منظف الحمامات! ~~••• # ظلت فلو تذكر موضوع كورا بين الحين والآخر لسنوات طوالا. # فكلما رأت كورا تمر بالمتجر بعد التحاقها بالمدرسة الثانوية، كانت تقول: «ها هي ~~معشوقتك!» # وكانت روز تتظاهر بالنسيان. # لكن فلو كانت تواصل مضايقتها: «أنت تعرفينها! لقد حاولت منحها بعض الحلوى! بل إنك سرقتي ~~الحلوى من أجلها! لقد أضحكني ذلك كثيرا.» # لم يكن ادعاء روز بالنسيان كذبا محضا؛ فقد كانت تتذكر الحقائق، لكنها نسيت المشاعر. ~~تحولت كورا إلى فتاة ضخمة البنيان داكنة البشرة متجهمة الوجه مستديرة الكتفين تحمل دوما ~~كتب المدرسة الثانوية. لم تفدها الكتب كثيرا، فقد رسبت في المدرسة الثانوية. وكانت ترتدي ~~بلوزات عادية وتنورة لونها أزرق داكن بدت فيها بدينة. لعلها لم تتحمل فقدان فساتينها ~~الأنيقة، فرحلت كورا عن المدينة، وحصلت على وظيفة أثناء الحرب. التحقت بالقوات الجوية، ~~وكانت تظهر في الإجازات بالزي العسكري المهيب. وتزوجت من طيار. # لم تنزعج روز كثيرا بهذه الخسارة، وهذا التحول؛ فالحياة برمتها سلسلة من التطورات ~~المفاجئة، هذا ما تعلمته، لكنها كانت تفكر فقط فيما كانت عليه فلو من رجعية وتخلف؛ إذ أخذت ~~تكرر تذكرها لتلك القصة وتجعل كورا تبدو أسوأ وأسوأ، فتصفها بصاحبة البشرة الداكنة، ~~وكثيرة الشعر، والمتبخترة في مشيتها، والبدينة. وبعد ذلك ms045 الحين بفترة طويلة، رأت روز فلو ~~وهي تحاول أن تحذرها وتغيرها، الأمر الذي لم يكن مجديا. ~~••• # تغيرت المدرسة بنشوب الحرب؛ فتضاءل حجمها، وفقدت كل ما بها من طاقة الشر، وروح الفوضى، ~~ونمط الحياة السائد فيها. التحق الصبية الأقوياء بالحرب. تغيرت هانراتي الغربية أيضا؛ ~~فغادر الناس للالتحاق بوظائف في الحرب. حتى من تخلفوا منهم في المدينة، كانوا يعملون، ~~ويحصلون على أجور أعلى مما حلموا به من قبل. ساد الاحترام، فيما عدا الحالات التي اتسمت ~~بأقصى صور العناد. غطيت أسطح البيوت بالألواح الخشبية بالكامل، بدلا من الرقع التي كانت ~~تكسوها. وطليت المنازل، أو غطيت بألواح تبدو على شكل الطوب. اشترى الناس ثلاجات وتباهوا ~~بها. عندما كانت روز تفكر في هانراتي الغربية أثناء الحرب وأثناء السنوات السابقة لها، رأت ~~الفترتين مختلفتين تماما، كما لو كانت قد استخدمت إضاءة مختلفة في المرحلتين، أو كما لو ~~كان كل شيء مسجلا على شريط فيلم طبع على نحو مختلف في المرتين. فبدا كل شيء نظيفا ~~ومرتبا ومحدودا وطبيعيا في مرة، وكئيبا وغير واضح، ومشوشا، ومزعجا في المرة ~~الثانية. # المدرسة ذاتها تحسنت أحوالها؛ فتم تبديل النوافذ، وثبتت المكاتب بالأرضيات، واختفت ~~الكلمات البذيئة تحت الطلاء الأحمر الباهت، وهدمت دورتا مياه الصبية والفتيات، وردمت ~~الحفر فيهما. رأت الحكومة وإدارة المدرسة أنه من الأفضل وضع مراحيض بصناديق طرد في القبو ~~الذي تم تنظيفه. # تبنى الجميع ذلك التوجه. توفي السيد برنز في الصيف، ومن اشتروا منزله أقاموا فيه دورة ~~مياه، وأقاموا كذلك سورا عاليا من الأسلاك لمنع أي شخص في فناء المدرسة من الوصول إلى ~~حديقتهم واقتلاع أزهار الليلك الخاصة بهم. أقامت فلو دورة مياه أيضا آنذاك، وقالت إنهم ~~بإمكانهم هم أيضا التمتع بتلك الرفاهية التي منحتها الحرب للناس. # لزم على جد كورا التقاعد، ولم يخلفه في تلك الوظيفة أحد بعد ذلك قط. # | نصف ثمرة جريب فروت # خاضت روز امتحان القبول بالمدرسة الثانوية، وعبرت الجسر لتلتحق بالمدرسة في ~~هانراتي. # ضم الحائط بالمدرسة أربع نوافذ كبيرة ونظيفة، فضلا عن أضواء الفلورسنت الجديدة. تناولت ms046 ~~الحصة موضوع «الصحة والإرشاد»؛ وكانت فكرة جديدة آنذاك. اختلط الصبية بالفتيات في الفصل حتى ~~انتهاء فترة الكريسماس لينتقلوا بعد ذلك لدراسة «الحياة الأسرية». كانت المعلمة صغيرة السن ~~ويملؤها التفاؤل. ارتدت بذلة حمراء أنيقة تتسع فوق فخذيها. أخذت تسير جيئة وذهابا بين ~~الصفوف، مستمعة إلى إجابات الطلاب عن السؤال الذي طرحته بشأن ما تناولوه في وجبة الإفطار؛ ~~وذلك لكي تتحقق من اتباعهم قواعد «دليل الأغذية الكندي». # سرعان ما اتضحت الفوارق بين الريف والحضر في الإجابات عن هذا السؤال. ~~«بطاطس مقلية.» ~~«خبز وشراب ذرة.» ~~«شاي وعصيدة.» ~~«شاي وخبز.» ~~«شاي وبيض مقلي ولحم مملح.» ~~«فطيرة زبيب.» # علت بعض الضحكات، وأظهرت المعلمة تعبيرات بوجهها توحي بالتوبيخ الذي لا جدوى منه. انتقلت، ~~بعد ذلك، إلى الجانب الذي يجلس فيه الطلاب القاطنون بالمدينة؛ إذ حافظ الطلاب بإرادتهم ~~الحرة على نوع من الفصل العنصري في الفصل. وفي هذا الجانب، ادعى الطلاب تناولهم الخبز ~~المحمص ومربى الفواكه، أو اللحم المقدد والبيض، أو رقائق الذرة؛ أو كعك الوافل والشراب ~~المحلى. والقليل منهم قال إنه تناول عصير البرتقال. # أقحمت روز نفسها في نهاية أحد الصفوف التي شغلها الطلاب الذين يقطنون المدينة. لم يكن ~~بالفصل أي طلاب آخرين سواها من هانراتي الغربية، ورغبت بشدة في التخلي عن أصولها والانضمام ~~إلى صفوف سكان المدينة، والانتماء إلى أولئك الذين يأكلون الوافل ويشربون القهوة، وذوي ~~الاطلاع الواسع ممن يملكون ركنا مخصصا لتناول وجبة الإفطار. # أجابت روز عن سؤال المعلمة بجرأة: «نصف ثمرة جريب فروت.» لم يفكر أحد غيرها في هذه ~~الإجابة. # في الواقع، كانت فلو سترى أن تناول الجريب ~~فروت على الإفطار أمر لا يقل سوءا عن شرب الشامبانيا، بل إنه لا يباع في المتجر من الأساس. ~~لم تهتم أسرة روز كثيرا في الحقيقة بالفواكه الطازجة، واقتصرت مشترياتهم منها على الموز ~~المرقط، والبرتقال الصغير الرديء الجودة. اعتقدت فلو - شأنها شأن الكثير من القرويين آنذاك ~~- أن أي شيء غير مطهو جيدا يضر بالمعدة. وقد اعتادت أسرة روز تناول الشاي والعصيدة في ~~وجبة الإفطار. وفي فصل ms047 الصيف ، كانوا يتناولون الأرز المنفوخ. وكان أول صباح غرف فيه ~~الأرز المنفوخ - الأشبه بحبوب اللقاح في خفة وزنه - في صحن الإفطار بمثابة العيد، وسعدت ~~الأسرة به كما تسعد بأول يوم سير على الطريق الوعرة بدون أحذية مطاطية واقية من المطر، أو ~~أول يوم يمكن فيه ترك باب المنزل مفتوحا في فترة الربيع القصيرة والجميلة التي تفصل بين ~~الشتاء والصيف. # شعرت روز بالرضا عن نفسها لتفكيرها في الجريب فروت، وللكيفية التي أجابت بها عن السؤال ~~بصوت تملؤه الجرأة وبعيد عن التكلف في الوقت نفسه. اعتادت روز اختناق صوتها دوما في ~~المدرسة، وخفقان قلبها بقوة كما لو أنه يكاد يخرج من حلقها، والتصاق ملابسها بذراعيها ~~بسبب التعرق، بالرغم من استعمالها مزيل العرق. كانت أعصابها في حالة كارثية. # بعد بضعة أيام وفي أثناء عبورها الجسر عائدة إلى المنزل، سمعت صوتا ينادي عليها. لم يذكر ~~اسمها، لكنها علمت أنها المقصودة؛ فأبطأت في خطاها على الألواح الخشبية، وأخذت تنصت. بدا ~~لها أن الأصوات تصدر من أسفل الجسر، لكنها عندما نظرت عبر الشقوق لم تر شيئا سوى الماء ~~المتدفق سريعا. لا بد أن أحدا قد اختبأ بالأسفل بجوار الركام. كانت أصواتا كئيبة، ومموهة ~~على نحو لم يسمح لها بالجزم إذا كانت صادرة عن صبية أم فتيات. ~~«نصف ثمرة جريب فروت!» # ترددت تلك العبارة على سمع روز بين الحين والآخر، واستمر ذلك لسنوات عدة؛ فكانت ~~تسمعها من أحد الأزقة أو من نافذة مظلمة، ولم تكن تفصح عما تسمعه، لكنها سرعان ما كانت تلمس ~~وجهها، وتمسح العرق من فوق شفتها العلوية. تتسبب ادعاءاتنا في تعرق أجسادنا. # كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك؛ فالخزي من أيسر الأمور التي يمكن أن تصيب ~~المرء. والحياة في المدرسة الثانوية كانت محفوفة بالمخاطر، بسبب انتشار كل شيء في الحال، ~~وعدم نسيان أي شيء فيها. كان من المحتمل أن تكون روز هي الفتاة التي نسيت فوطتها الصحية. ~~فمن فعلت ذلك كانت على الأرجح فتاة قروية تحمل الفوطة الصحية في جيبها أو ms048 في نهاية ~~دفتر ملاحظاتها لتستخدمها في وقت لاحق من اليوم، وهو تصرف متوقع من أية فتاة تعيش ~~بعيدا عن المدرسة. روز نفسها فعلت ذلك. كانت هناك آلة لصرف الفوط الصحية في دورة مياه ~~الفتيات، تبتلع العملات المعدنية ولا تخرج أي شيء في المقابل. اتفقت اثنتان من الفتيات ~~القرويات اتفاقا شهيرا على أن يبحثا عن بواب المدرسة في وقت الغداء، ويطلبا منه ~~ملء آلة الصرف. لكن دون جدوى. # سألهما البواب: «من منكما بحاجة إليها؟» ففرت الفتاتان، وقالتا إن حجرة ذلك البواب ~~الموجودة تحت السلم احتوت على أريكة قديمة متسخة وهيكل عظمي لقطة، وأقسمتا على ~~ذلك. # لا بد أن تلك الفوطة الصحية قد سقطت على الأرض، ربما في غرفة تعليق القبعات والمعاطف، ثم ~~التقطت وهربت بصورة ما إلى دولاب عرض الجوائز التذكارية الموجود في القاعة الرئيسية، ~~وصارت بذلك على مرأى من الجميع، وقد أفسد الطي والحمل مظهرها الجديد، وتسبب في حك ~~سطحها؛ ما رجح فكرة كونها فوطة مستعملة. يا لها من فضيحة! وفي اجتماع عقد صباحا، أشار ~~الناظر إلى ذلك الشيء المثير للاشمئزاز، وتعهد باكتشاف المتسبب في وضعه على هذا النحو، ~~وفضحه، وضربه بالسياط، وفصله من المدرسة. أنكرت كل فتاة في المدرسة معرفتها بهذا الشأن، ~~وتكاثرت الآراء حوله. خشيت روز من توجيه أصابع الاتهام إليها باعتبارها المشتبه به ~~الرئيسي في تلك الجريمة؛ ولذلك شعرت بالارتياح عندما ألقي باللوم على فتاة قروية أخرى ~~بدينة متجهمة الوجه تدعى مورييل ميسون، والتي اعتادت ارتداء فساتين منزلية غير مهندمة من ~~الحرير الصناعي في المدرسة، واتصفت برائحتها الكريهة. # أخذ الصبية يضايقونها بعد ذلك ويسألونها: «هل ترتدين الفوطة اليوم، يا مورييل؟» # سمعت روز إحدى فتيات الصف النهائي تقول لفتاة أخرى على السلم: «لو كنت مكان مورييل ~~ميسون، لرغبت في الانتحار ... بل لانتحرت فعلا!» لم تكن تتحدث شفقة على مورييل، وإنما ~~تعبيرا عن عدم قدرتها على تحمل ذلك الوضع. # اعتادت روز عند عودتها كل يوم إخبار فلو عما كان يحدث في المدرسة. استمتعت فلو بقصة ~~الفوطة الصحية، وأخذت تسأل ms049 روز عن أية تطورات تطرأ عليها، لكنها لم تسمع قط عن قصة نصف ~~ثمرة الجريب فروت؛ فما كانت روز لتخبرها بأي شيء لا تلعب فيه دورا عالي الشأن، أو دور ~~المشاهد. المصائب كانت للآخرين ... هكذا اتفقت فلو وروز. كان التغير الذي يطرأ على روز عند ~~ابتعادها عن المشهد المدرسي وعبورها الجسر وتحولها إلى مؤرخة إخبارية مذهلا؛ فكانت ~~تتخلص من توترها، ويعلو صوتها مشوبا بالشك، وتتحرك بحرية في تنورتها ذات النقوش المربعة ~~الملونة بالأحمر والأصفر، التي تتمايل فوق فخذيها على نحو يشير بوضوح إلى التبختر ~~والاختيال. # بدلت فلو وروز الأدوار بينهما؛ فصارت روز الآن هي من يجلب القصص إلى المنزل، وفلو هي ~~من يتعرف على أسماء الشخصيات وينتظر الاستماع إلى ما ترويه روز. # هورس نيكلسون، ديل فيربريدج، رانت تشسترتون، فلورنس دودي، شيرلي بيكرينج، روبي كاروزرس. ~~انتظرت فلو كل يوم أخبارا عن هؤلاء الأشخاص الذين أسمتهم «المهرجين». ~~«حسنا، ماذا فعل أولئك المهرجون اليوم؟» # اعتادت روز وفلو الجلوس في المطبخ، مع فتح باب المتجر على مصراعيه تحسبا لقدوم أي ~~زبون، والباب المؤدي إلى السلم أيضا تحسبا لنداء والد روز على أي منهما. كان ~~والدها طريح فراشه. وكانت فلو تعد القهوة لهما، أو تطلب من روز إحضار علبتين من الكولا من ~~المبرد. # ومن أمثلة القصص التي كانت ترويها روز لفلو عن المدرسة: # كانت روبي كاروزرس فتاة ساقطة ذات شعر أحمر تعاني من حول سيئ بعينها (أحد أهم ~~الاختلافات بين الماضي والحاضر - على الأقل في الريف وفي أماكن مثل هانراتي الغربية - هو ~~ترك حالات الحول والحول الوحشي، وتراكب الأسنان أو بروزها، دون علاج). عملت روبي كاروزرس ~~لدى آل براينت، الذين عملوا في الأدوات الحديدية والخردوات. تولت روبي أداء الأعمال ~~المنزلية مقابل الحصول على الطعام والبقاء في المنزل عند رحيل أصحابه - وهو ما كان يحدث ~~غالبا - لحضور سباقات الخيل أو مباريات الهوكي أو لسفرهم إلى فلوريدا. وفي إحدى المرات ~~التي كانت فيها روبي في المنزل وحدها، ذهب ثلاثة فتية لرؤيتها؛ وهم ديل فيربريدج، وهورس ~~نيكلسون، ورانت ms050 تشسترتون . # عقبت فلو قائلة: «لنيل ما يمكنهم نيله.» نظرت فلو إلى السقف ثم طلبت من روز خفض ~~صوتها؛ فلن يسمح والدها برواية هذا النوع من القصص. # كان ديل فيربريدج فتى وسيما ومغرورا، ويفتقر إلى الذكاء. أخبر صديقيه أنه سيدخل إلى ~~المنزل ويقنع روبي بممارسة الرذيلة معه، وإن تمكن من استمالتها لفعل ذلك معهما أيضا، ~~فسيفعل. ما كان يجهله ديل هو أن هورس نيكلسون كان قد اتفق مع روبي على الالتقاء أسفل ~~الشرفة. # قالت فلو: «توجد عناكب في ذلك المكان على الأرجح، لكنني لا أظن أنهما يأبهان ~~لذلك.» # وبينما كان ديل يتجول في أرجاء المنزل المظلم باحثا عن روبي، كانت هي أسفل الشرفة مع ~~هورس، ورانت - الذي كان مشتركا في الخطة من البداية - يجلس على درجات سلم الشرفة حارسا ~~المكان، ومنصتا بالتأكيد باهتمام لكل ما كان يحدث بالأسفل. # ما لبث هورس أن زحف من أسفل الشرفة قائلا إنه سيدخل إلى المنزل للبحث عن ديل، ليس ~~لإعلامه بما يحدث، وإنما ليرى كيف كانت الخدعة تسير. فكان ذلك هو الجزء الأهم فيما يحدث، من ~~وجهة نظر هورس. وعندما دخل إلى المنزل، وجد ديل يأكل حلوى الخطمي في حجرة المؤن، ويقول إن ~~روبي كاروزرس لا تصلح لإقامة علاقة معها، وإنه بوسعه فعل ما هو أفضل من ذلك في أي يوم آخر؛ ~~لذلك سوف يعود إلى المنزل. # وفي تلك الأثناء، زحف رانت أسفل الشرفة ليستمتع بوقته مع روبي. # فقالت فلو: «يا إلهي!» # خرج بعد ذلك هورس من المنزل، وسمعه كل من رانت وروبي وهو يسير في الشرفة أعلاهما. قالت ~~روبي: «من هذا؟» فأجابها رانت: «لا أحد، إنه هورس نيكلسون.» فردت روبي: «من أنت ~~إذن؟» # يا إلهي! # لم تهتم روز برواية ما حدث بعد ذلك، وهو أن روبي انزعجت لما حدث، وجلست على درجات سلم ~~الشرفة والوحل يغطي ملابسها بالكامل وشعرها. رفضت تدخين سيجارة أو تناول بعض الكعك (كان قد ~~هرس على الأرجح آنذاك) مما سرقه رانت من متجر البقالة الذي عمل فيه بعد الدوام المدرسي. ms051 ~~أخذ الصبية يلحون عليها بالسؤال عما يضايقها مستهزئين بها، فأجابتهم أخيرا بقولها: ~~«أظن أنه من حقي معرفة من أقيم معه العلاقة.» # علقت فلو على ذلك تعليقا فلسفيا قائلة: «ستنال ما تستحقه.» واعتقد آخرون ذلك ~~أيضا. فجرت العادة على أنه في حال التقاط أي شيء من متعلقات روبي عن طريق الخطأ - لا سيما ~~ملابس الألعاب الرياضية أو حذاء الركض الخاص بها - فيجب غسل اليدين خشية الإصابة بمرض ~~تناسلي. # أصيب والد روز، الذي كان يرقد بالدور العلوي، بنوبة من السعال، واتسمت تلك النوبات ~~بشدتها، لكن الأسرة اعتادت عليها. نهضت فلو، وذهبت إلى أسفل السلم، وأخذت تستمع إليه حتى ~~انتهت النوبة. # قالت فلو: «هذا الدواء لا فائدة منه على الإطلاق، وذلك الطبيب لا يحسن حتى وضع الضمادة ~~على الجرح.» ظلت فلو تلقي باللوم دوما في مرض والد روز على الأدوية والأطباء. # استطردت فلو قائلة: «لو حدث ذلك بينك وبين أي صبي، فستكون تلك نهايتك. وأنا أعني ما ~~أقول.» # تدفقت الدماء في وجه روز من شدة الحنق، وقالت إنها تتمنى الموت على أن تفعل ذلك. # فردت فلو: «هذا ما أتمناه أيضا.» ~~••• # ومن أمثلة القصص التي كانت ترويها فلو لروز: # عندما توفيت والدة فلو، كانت في الثانية عشرة من عمرها، وتخلى عنها والدها لأسرة ميسورة ~~الحال تعمل في الزراعة لتعمل لديهم مقابل الحصول على الطعام وإرسالها إلى المدرسة، لكنهم لم ~~يرسلوها إلى المدرسة في أغلب الأوقات؛ إذ كان هناك الكثير من العمل الذي ينبغي الانتهاء ~~منه. كانوا قساة القلب. ~~«إذا كنت تقطفين التفاح، وغفلتي عن إحدى الثمرات على الشجرة، كان عليك العودة وقطف ثمار ~~جميع الأشجار في البستان بأكمله. وانطبق نفس الشيء على التقاط الصخور الموجودة في الحقل؛ إن ~~غفلتي عن إحداها، فعليك تنظيف الحقل بالكامل مجددا.» # كانت الزوجة أختا لأحد القساوسة. حرصت دوما على العناية ببشرتها بدهنها بكريم «هيندز ~~هاني آند ألموند». اتسمت تلك المرأة بتعاليها على الجميع، وتهكمها، واعتقادها بأنها ~~تزوجت من شخص دون مستواها. # قالت فلو: «لكنها كانت جميلة، ومنحتني شيئا واحدا؛ ms052 زوجا طويلا من القفازات المصنوعة ~~من الساتان. كان لونهما بنيا فاتحا مائلا للأصفر. كانا جميلين، ولم أرد فقدانهما ~~أبدا، لكنني فقدتهما.» # كان على فلو إيصال العشاء للرجال في الحقل البعيد عن المنزل. وعندما نظر الزوج للعشاء ذات ~~مرة، قال لها: «لماذا لا توجد فطيرة في هذا العشاء؟» # فردت عليه فلو بنفس كلمات سيدتها ونبرتها عند تحدثها أثناء رصها علبة العشاء: «إذا ~~أردت فطيرا، فيمكنك إعداده بنفسك.» لم يكن تقليد فلو لسيدتها على نحو بارع بالأمر ~~المستغرب؛ فلطالما فعلت ذلك حتى أمام المرآة، لكن ما كان مستغربا هو الإفصاح عن ذلك في ~~تلك اللحظة. # أصيب الزوج بالذهول، لكنه أدرك تقليد فلو لسيدتها، فسار معها إلى المنزل، وسأل زوجته ~~عما إذا كانت قد قالت ما نقلته فلو بالفعل. كان رجلا ضخم البنيان، وسيئ المزاج للغاية، ~~فأجابت أخت القسيس بأن ذلك ليس صحيحا، وأن هذه الفتاة ليست سوى كاذبة ومثيرة للمشكلات. ~~واجهته حتى تراجع، وعندما اختلت بفلو ضربتها بعنف لتدفع بها عبر الغرفة نحو إحدى الخزانات؛ ~~فأصيبت بجرح في فروة رأسها شفي بمرور الوقت دون غرز (فلم تستدع أخت القسيس الطبيب ~~لعدم رغبتها في أن يعلم أحد بالأمر)، ولا تزال هناك ندبة بفروة رأس فلو إثر ذلك ~~الحادث. # ولم تعد فلو للمدرسة بعد ذلك قط. # وقبل بلوغها الرابعة عشرة بفترة وجيزة، فرت من المنزل. كذبت بشأن سنها، وحصلت على ~~وظيفة في مصنع القفازات في هانراتي، لكن أخت القسيس تمكنت من معرفة مكانها والوصول ~~إليها، وأخذت تزورها بين الحين والآخر، مرددة على مسامعها بعض عبارات من قبيل: «نحن ~~نسامحك يا فلو. لقد هربت وتركتنا، لكننا لا نزال نعتبرك ابنتنا وصديقتنا. ومرحبا ~~بقدومك في أي وقت لقضاء اليوم معنا. ألا تحبين قضاء يوم في الريف؟ إن مصنع القفازات ليس ~~مكانا صحيا على الإطلاق لشابة مثلك؛ فأنت بحاجة للهواء. لماذا لا تأتين لزيارتنا؟ لماذا ~~لا تأتين اليوم؟» # وفي كل مرة كانت فلو تقبل فيها هذه الدعوة تكتشف أن عملا ما ينبغي إتمامه، مثل حفظ ~~الفاكهة أو ms053 صنع الصلصة الحارة، أو تغيير ورق الحائط، أو تنظيف المنزل في فصل الربيع، أو بدء ~~أعمال درس الحنطة. واقتصرت مناظر الريف التي كانت تراها على تلك التي كانت تلمحها أثناء ~~تخلصها من ماء غسل الصحون من فوق السور. لم تستطع قط فهم السبب وراء ذهابها أو بقائها ~~هناك. كان طريق العودة للبلدة طويلا، فقد كانت تعود سيرا على قدميها، وكان أولئك القوم لا ~~حول لهم ولا قوة وحدهم. فكانت أخت القسيس تحتفظ ببرطمانات حفظ الأطعمة متسخة، وعند إحضارها ~~من القبو بعد ذلك، يكون هناك بعض العفن بداخلها، وكتل من الفاكهة النتنة بقعرها. هل يسع ~~المرء سوى الإشفاق على أناس كهؤلاء؟ # حين دخلت تلك المرأة المستشفى عند احتضارها، تصادف وجود فلو في المستشفى أيضا لإجراء ~~عملية المرارة، الأمر الذي تمكنت روز من تذكره. علمت أخت القسيس بوجود فلو في ~~المستشفى، وطلبت رؤيتها، فوضعت فلو نفسها على كرسي متحرك، ودفعوها عبر الرواق. وما إن وقعت ~~عيناها على السيدة في سريرها - امرأة طويلة ذات بشرة ناعمة، أصاب جسدها الهزال، وغطت بشرتها ~~البقع، مخدرة ومصابة بالسرطان - بدأ أنفها ينزف نزيفا شديدا، وكان ذلك النزيف الأول ~~والأخير الذي أصيبت به في حياتها. أخذت الدماء الحمراء تتدفق من أنفها بغزارة؛ هكذا وصفت ~~فلو ما حدث. # ركضت الممرضات من كافة الاتجاهات بالرواق لمساعدتها، وبدا كما لو أنه ما من شيء سيوقفه. ~~عندما رفعت السيدة المريضة رأسها، اندفعت الدماء إلى سريرها، وعندما خفضتها، تدفقت الدماء ~~على الأرض؛ لذا انبغى على الممرضات استخدام أكياس الثلج معها في النهاية، ولم تسنح لها ~~الفرصة لتوديع المرأة المحتضرة. ~~«لم أتمكن من توديعها قط.» ~~«هل كنت ترغبين في ذلك؟» # ردت فلو: «نعم، كنت أرغب في ذلك حقا.» ~~••• # اعتادت روز إحضار كومة من الكتب كل يوم إلى المنزل، وتنوعت تلك الكتب بين اللغة ~~اللاتينية، والجبر، وتاريخ العصور القديمة والوسطى، واللغة الفرنسية، والجغرافيا. كان هناك ~~أيضا «تاجر البندقية»، و«قصة مدينتين»، و«قصائد قصيرة»، و«ماكبث». عبرت فلو عن عدائها ~~لتلك الكتب، كحالها مع جميع الكتب ، وبدا أن ms054 تلك العدائية كانت تزيد بزيادة وزن الكتاب ~~وحجمه، وقتامة التغليف وكآبته، وطول الكلمات في عنوانه ومدى صعوبتها، فأثار كتاب «قصائد ~~قصيرة» غضبها؛ إذ عندما فتحته وجدت قصيدة تمتد لخمس صفحات. # أخطأت فلو في نطق عناوين الكتب، واعتقدت روز أنها تعمدت فعل ذلك. ومن أمثلة ذلك نطقها ~~لعنوان «الإلياذة والأوديسة»، والذي يوحي للمستمع بأن بطل الملحمة كان سكيرا أو شيئا من ~~هذا القبيل. # كان على والد روز النزول على السلم للذهاب إلى دورة المياه؛ فاتكأ على الدرابزين، وأخذ ~~يتحرك ببطء، لكن دون توقف. وكان يرتدي رداء حمام من الصوف بني اللون ذا عقدة مزينة ~~بالشراشيب. تجنبت روز النظر في وجهه. لم يرجع السبب في ذلك إلى ما طرأ على مظهره من ~~تغيرات تسبب فيها المرض، وإنما لما كانت تخشى رؤيته في وجهه من رأيه السيئ فيها. ولا ~~ريب أن والدها كان هو السبب الذي جلبت من أجله روز الكتب إلى المنزل، فأرادت أن تتباهى ~~أمامه. ألقى والدها نظرة على تلك الكتب بالفعل؛ فما كان بإمكانه المرور بأي كتاب في العالم ~~دون التقاطه والاطلاع على عنوانه، لكنه اكتفى بقوله: «احذري من الذكاء الذي قد يضر ~~بك.» # اعتقدت روز أنه كان يقول ذلك إرضاء لفلو، تحسبا لاستماعها إليهما أثناء حديثهما. ~~كانت فلو في المتجر آنذاك، لكن روز تصورت أن والدها - بغض النظر عن المكان الذي توجد به ~~فلو - سوف يتحدث كما لو كانت فلو تسمعه؛ إذ كان يحرص حرصا شديدا على إرضائها، والتكهن ~~باعتراضاتها. وبدا أنه قد اتخذ قرارا في هذا الشأن؛ ألا وهو أن الأمان يكمن مع ~~فلو. # لم ترد روز عليه قط، وعندما كان يتحدث، كانت تحني رأسها تلقائيا، وتزم شفتيها في ~~تعبير متحفظ، لكنه غير محقر في الوقت ذاته؛ إذ التزمت الحذر. لكن لم يخف عن أبيها كل ما ~~شعرت به من حاجتها للتباهي، وآمالها العريضة لنفسها، وطموحاتها الباهرة؛ فكان يعلمها ~~جميعا، وكانت روز تشعر بالخجل لمجرد تواجدها معه في الغرفة ذاتها؛ إذ كانت تشعر بأنها قد ~~خيبت ظنه على ms055 نحو ما منذ يوم ولادتها، وسوف تظل تخيب ظنه بصورة أكبر في المستقبل، ~~لكنها لم تكن نادمة؛ فهي على علم بمدى عنادها، ولم تكن تنوي التغير. # جسدت فلو فكرة والد روز عن المرأة كما يجب أن تكون. وقد علمت روز ذلك، وهو أيضا ردده ~~كثيرا. فعلى المرأة أن تكون مفعمة بالنشاط، عملية، ماهرة في جني الأموال وادخارها؛ عليها ~~أن تكون فطنة، وبارعة في المساومة، وترأس الآخرين، ويمكنها اكتشاف ادعاءاتهم. وفي الوقت ~~نفسه، عليها أن تكون ساذجة معرفيا، وطفولية، تحتقر الخرائط والكلمات الكبيرة وأي شيء ~~تتضمنه الكتب، وأن تسيطر عليها المفاهيم المشوشة المبهرة، والخرافات، والمعتقدات ~~التقليدية. # قال لروز ذات مرة في إحدى تلك الفترات التي سادها الهدوء - بل والود أيضا - بينهما عندما ~~كانت أصغر سنا قليلا، ولعله نسي أن روز كانت ستصبح امرأة ذات يوم: «إن عقليات النساء ~~مختلفة؛ فهن يؤمن بما ينبغي عليهن الإيمان به. لا يمكنك تتبع أفكارهن.» كان يعلق آنذاك ~~على أحد المعتقدات التي كانت تؤمن بها فلو، وهو أن ارتداء الأحذية المطاطية في المنزل يصيب ~~المرء بالعمى. واستطرد قائلا: «إلا أن لديهن القدرة على إدارة الحياة بأساليب معينة؛ هذه ~~هي موهبتهن، وهي ليست في عقولهن. ثمة شيء يبرعن فيه أكثر من الرجال.» # لذا، فقد نبع جزء من شعور روز بالخزي من كونها أنثى، مع عدم اتسامها في الوقت نفسه ~~بالسمات التي يجب أن تكون عليها المرأة، لكن كان هناك سبب آخر أيضا؛ إذ كانت المشكلة ~~الحقيقية في أنها جمعت وحملت كل ما اعتقد والدها أنها أسوأ خصاله. كل الجوانب التي انتصر ~~عليها وأخفاها بنجاح في نفسه، ظهرت مجددا في روز التي لم تظهر أي إرادة للتغلب عليها، ~~فكانت تستغرق في أحلام اليقظة، واتسمت بالغرور والتوق للتفاخر؛ تعيش حياتها بالكامل في ~~رأسها. لم ترث منه الشيء الوحيد الذي مثل مصدر فخره واعتمد عليه؛ ألا وهو مهارته ~~اليدوية، ودقته، ومراعاة ضميره في أي عمل يقوم به، فكانت، في حقيقة الأمر، خرقاء على نحو ~~غير عادي، ومتهورة، وعلى استعداد دائم ms056 لأن تسلك الطرق السهلة. ومن ثم، فإن رؤية والدها لها ~~وهي تنشر المياه أثناء غسيلها للصحون، وفكرها شارد بعيدا، وأردافها أكبر من أرداف فلو ~~بالفعل، وشعرها أشعث كثيف؛ ورؤيته لطبيعتها الكسولة المستغرقة في التفكير، كان من الواضح ~~أنه يثير غضبه وحزنه، بل واشمئزازه أيضا. # كانت روز على علم بكل ذلك؛ فكانت تقف ساكنة إلى أن يعبر والدها الغرفة، وتنظر إلى نفسها ~~بعينيه. شعرت هي أيضا بالكره تجاه المساحة التي كانت تشغلها، لكنها سرعان ما كانت تعود ~~لطبيعتها عند مغادرته المكان، فتعود لأفكارها أو إلى المرآة التي انشغلت بها كثيرا تلك ~~الأيام؛ فكانت تجمع شعرها فوق رأسها، وتلتف قليلا لتتمكن من رؤية نهدها، أو شد بشرتها لترى ~~كيف ستبدو عند انحنائها انحناءة بسيطة مثيرة. # كانت روز على يقين في الوقت نفسه من أن والدها يكن مشاعر أخرى تجاهها؛ فقد علمت أنه ~~يفخر بها، بالرغم من ذلك الانزعاج والقلق الذي يكاد يكون غير قابل للتحكم فيه. الحقيقة ~~النهائية هي أنه ما كان ليغيرها، وأنه يريدها كما هي ... أو جزء منه أراد ذلك. وتوجب ~~عليه، بطبيعة الحال، إنكار ذلك على الدوام، بسبب خنوعه وضلاله، أو بالأحرى خنوعه الضال. ~~وكان عليه أيضا أن يبدو متفقا مع فلو في الرأي. # في الواقع، لم تتمعن روز في التفكير في ذلك الأمر، أو لم ترغب في ذلك. لم تكن تشعر ~~بالارتياح - مثل والدها - بشأن العلاقة بينهما. ~~••• # عند عودة روز من المدرسة في أحد الأيام، قالت لها فلو: «أحسنت بوصولك الآن؛ فعليك ~~البقاء في المتجر.» # كان والدها سينقل إلى مستشفى المحاربين القدامى في لندن. ~~«لماذا؟» ~~«لا تسألي ... هكذا أمر الطبيب.» ~~«هل ساءت حالته؟» ~~«لا أعلم! أنا لا أعلم شيئا. ذلك الطبيب الذي لا فائدة منه لا يعتقد ذلك. فقد أتى صباح ~~اليوم، وأجرى كشفا له، وقال إنه سينقل إلى المستشفى، ونحن محظوظون بتواجد بيلي بوب ~~لنقله.» # كان بيلي بوب أحد أقرباء فلو، يعمل في متجر الجزارة، وكان يعيش في السابق في المجزر في ~~غرفتين بأرضية من الأسمنت، وتفوح ms057 منه رائحة أحشاء الحيوانات وأمعائها والخنازير الحية، لكنه ~~تمتع بالتأكيد بطبيعة محبة للحياة المنزلية؛ فزرع نبات الغرنوقي في علب التبغ المعدنية ~~القديمة التي وضعها على عتبات النوافذ الإسمنتية السميكة. انتقل بيلي آنذاك إلى الشقة ~~الصغيرة الموجودة فوق المتجر، وادخر المال واشترى سيارة طراز أولدزموبيل، كان ذلك بعد ~~الحرب بفترة وجيزة حينما كان للسيارات الجديدة طابع خاص مبهج. وفي زياراته لأسرة روز، كان ~~يسير نحو النافذة ويلقي نظرة نحو الخارج، ويقول شيئا ما للفت الانتباه. # افتخرت فلو به وبسيارته. ~~«انظري! الكرسي الخلفي بسيارة بيلي بوب كبير. سيفيد والدك إذا أراد الاستلقاء.» ~~«فلو!» # نادى عليها والد روز. عندما صار طريح الفراش في البداية، كان نادرا ما ينادي على فلو، ثم ~~صار ينادي عليها بصوت كتوم، وأحيانا يوحي بالاعتذار، لكنه تجاوز تلك المرحلة، وصار ينادي ~~عليها كثيرا، ويختلق الأسباب - كما قالت فلو - لجعلها تصعد إلى أعلى. # قالت فلو: «كيف سيتدبر حاله بدوني هناك؟ إنه لا يدعني وشأني لمدة خمس دقائق.» بدا الأمر ~~وكأنها تفتخر بذلك، رغم أنها كانت تدعه ينتظرها عادة. وفي أغلب الأحيان، كانت تذهب لتقف ~~أسفل السلم وتجبره على الصياح بمزيد من التفاصيل عن سبب حاجته لها، وكانت تقص على الناس في ~~المتجر عدم استطاعته الاستغناء عنها خمس دقائق فقط، وعن اضطرارها تغيير ملاءات السرير مرتين ~~في اليوم. كان ذلك صحيحا؛ فقد كانت الملاءات تبتل بسبب العرق. وفي وقت متأخر من الليل، ~~كانت هي أو روز أو كلتاهما تذهبان إلى غسالة الملابس الموجودة في السقيفة الخشبية، وكانت ~~روز ترى، في بعض الأحيان، بقعا بملابس والدها الداخلية. لم تكن تنظر إليها، لكن روز كانت ~~ترفعها وتلوح بها بالقرب من أنف روز، وهي تصيح: «انظري إلى ذلك ثانية!» وتصدر أصواتا ~~كأصوات الدجاج كنوع من المحاكاة الساخرة المستنكرة. # كرهت روز فلو في تلك الأوقات، وكرهت والدها أيضا، كرهت مرضه، والفقر أو الاقتصاد في ~~الإنفاق الذي حال دون إرسالهم الملابس إلى المغسلة، وعدم وجود ما يوفر لهم الحماية في ~~حياتهم. وكانت فلو هناك لتتأكد من ms058 ذلك. ~~••• # ظلت فلو في المتجر. لم يأت أحد. كان يوما عاصفا ومليئا بالرمال في الجو، الأمر ~~المعتاد بعد نزول الثلج، رغم أنه لم ينزل أي ثلج. سمعت روز فلو وهي تتحرك بالأرجاء في ~~الطابق العلوي، وتصيح بعبارات موبخة ومشجعة أثناء مساعدتها والدها في ارتداء ملابسه، ~~وإعدادها لحقيبته أيضا، وبحثها عن متعلقاته. وضعت روز كتبها المدرسية على المنضدة، ولتجاهل ~~الضوضاء التي ملأت المنزل، أخذت تقرأ قصة في كتاب اللغة الإنجليزية الخاص بها؛ كانت قصة ~~لكاثرين مانسفيلد بعنوان «حفلة الحديقة». ضمت القصة أشخاصا فقراء يعيشون في زقاق عند نهاية ~~إحدى الحدائق. عطف عليهم الآخرون. سارت الأحداث على ما يرام، لكن روز شعرت بغضب لم تهدف ~~القصة إلى إشعار القارئ به، ولم تكن تدرك في الواقع سبب غضبها، لكنه تعلق بحقيقة ~~تيقنها من أن كاثرين مانسفيلد لم تضطر يوما لرؤية ملابس داخلية متسخة، وأن أقاربها ~~ربما كانوا قساة وعابثين، لكن لهجاتهم كانت مقبولة؛ كانت شفقتها قائمة على ما شهدته في ~~حياتها من حظ حسن، وكانت ترثي لحال الفقراء، بلا شك. لكن روز شعرت بالازدراء من تلك الشفقة. ~~اتخذت روز موقفا متزمتا من الفقر، وسيظل هذا الموقف ملازما لها لفترة طويلة من ~~الوقت. # سمعت روز بيلي بوب وهو يدخل إلى المطبخ ويصيح في بهجة قائلا: «حسنا، أظن أنك تتساءلين ~~أين كنت.» # لم يكن لكاثرين مانسفيلد أقرباء يتحدثون بتلك اللهجة التي تحدث بها بيلي. # كانت روز قد أنهت قراءة القصة، وأمسكت بمسرحية «ماكبث». سبق لها حفظ بعض العبارات من هذه ~~المسرحية، وحفظت أجزاء من كتابات شكسبير وقصائد غير تلك التي من المفترض عليها حفظها في ~~المدرسة. وعند ترديدها تلك العبارات، لم تتخيل نفسها ممثلة تلعب دور ليدي ماكبث على المسرح، ~~وإنما تخيلت نفسها ليدي ماكبث. # صاح بيلي بوب إلى أعلى السلم: «لقد جئت سائرا على قدمي؛ توجب علي إرسالها إلى ~~الميكانيكي.» افترض بيلي أن الجميع يعلم أنه يعني سيارته بهذا الحديث. أكمل حديثه قائلا: ~~«لا أعلم ما المشكلة. لا يمكنني إيقافها، وتتحرك ببطء . ولم أرغب ms059 في الذهاب إلى المدينة، ~~وثمة مشكلة في السيارة. هل روز في المنزل؟» # لطالما أحب بيلي بوب روز منذ أن كانت طفلة صغيرة، واعتاد منحها عشرة سنتات قائلا لها: ~~«ادخريها لتشتري لنفسك مشدا نسائيا.» كان ذلك عندما كانت نحيلة وهزيلة. هكذا كان ~~يمزح معها. # دخل بيلي المتجر. ~~«حسنا روز، هل كنت فتاة مطيعة؟» # كان حديثها معه قليلا للغاية. ~~«هل تتفقدين كتب المدرسة الخاصة بك؟ هل تريدين أن تصبحي معلمة؟» ~~«ربما.» لم تكن لديها أية نية لأن تكون معلمة، لكن من المدهش حقا كيف يتركك الناس وشأنك ~~عندما تعترف لهم بأن لديك هذا الطموح. # خفض بيلي بوب من صوته، وقال لها: «هذا يوم حزين على أسرتك.» # رفعت روز رأسها ونظرت إليه ببرود. ~~«أعني أن والدك سينتقل إلى المستشفى، لكنهم سيعالجونه هناك؛ فلديهم جميع المعدات اللازمة، ~~ولديهم أيضا أطباء مهرة.» # فردت عليه روز: «أشك في ذلك.» كان ذلك من الأمور التي تمقتها أيضا؛ تلك الطريقة التي ~~يلمح بها الناس إلى أمور ما، ثم يتراجعون. تلك المراوغة. وكان موضوعا الموت والجنس هما أكثر ~~ما يراوغ الناس في الحديث عنهما. ~~«سوف يعالجونه ويعود إلى المنزل بحلول فصل الربيع.» # فردت روز بحزم: «إلا إذا كان يعاني من سرطان بالرئة.» لم تقل ذلك من قبل قط، ولم ~~تفعل فلو ذلك أيضا بالتأكيد. # نظر بيلي بوب إليها نظرة بائسة يلفها الخزي، كما لو أنها قالت شيئا بذيئا. ~~«ليس من المفترض أن تتحدثي على هذا النحو؛ فسوف ينزل والدك الآن، وقد يسمعك.» # ليس من شك أن ذلك الحال كان يسعد روز في بعض الأحيان. كان يسعدها سعادة موجعة، عندما لا ~~تكون جزءا منه بغسيلها الملاءات أو استماعها لنوبات السعال، فقد عاشت دورها في الموقف كما ~~تراه، ورأت نفسها فطنة وغير مندهشة، رافضة لكل التضليلات، فتاة صغيرة سنا، لكنها ناضجة في ~~الوقت نفسه بسبب ما خاضته من تجارب الحياة المريرة. وبهذه الروح، نطقت عبارة «سرطان ~~الرئة». # اتصل بيلي بوب بجراج تصليح السيارات، وقيل له إن إصلاح السيارة لن ينتهي قبل ms060 وقت العشاء. ~~وبدلا من أن يغادر آنذاك، اضطر للمبيت على الأريكة في المطبخ ليذهب مع والد روز إلى ~~المستشفى في الصباح. ~~«لا حاجة للاستعجال، لن أهرول من «أجله».» عنيت فلو الطبيب بذلك الحديث. دخلت إلى المتجر ~~للحصول على علبة سلمون لصنع شطيرة، وبالرغم من أنها لم تكن ذاهبة إلى أي مكان، ولم تخطط ~~لذلك، ارتدت جوارب طويلة وتنورة وبلوزة نظيفتين. # تحدثت فلو مع بيلي بوب بصوت عال في المطبخ أثناء إعدادها العشاء. جلست روز على ~~الكرسي العالي وأخذت تردد في رأسها - وهي تنظر من النافذة الأمامية إلى هانراتي الغربية، ~~والرمال التي تندفع عبر الشارع، وبرك الطين الجافة: # تعالوا إلى نهدي، # وارتشفوا لبني، أيتها الوحوش القاتلة! # لو أنها صاحت بتلك الكلمات في المطبخ لأصابت فلو وبيلي بصدمة مروعة. # أغلقت روز المتجر الساعة السادسة صباحا، وعندما دخلت إلى المطبخ فوجئت برؤية والدها ~~هناك. لم تسمعه، فلم يكن يتحدث أو يسعل. كان يرتدي بذلته الأنيقة ذات اللون غير المعتاد، ~~كانت بلون أخضر زيتي، لعلها كانت رخيصة الثمن. # قالت فلو: «انظري إليه وهو متأنق، إنه يعتقد أنه أنيق، ويسعده كثيرا عدم اضطراره ~~العودة إلى السرير.» # ابتسم والد روز ابتسامة متكلفة خانعة. # سألته فلو: «كيف تشعر الآن؟» ~~«على ما يرام.» ~~«لم تعان من أي نوبة سعال على أية حال.» # كان قد حلق ذقنه لتوه، ويبدو وجهه ناعما ورقيقا كأشكال الحيوانات التي نحتتها روز ~~في المدرسة من صابون الغسيل الأصفر. ~~«ربما ينبغي علي أن أنهض وأظل مستيقظا.» # قال بيلي بوب بنبرة صاخبة: «إليك النصيحة السديدة؛ لا للكسل بعد الآن. انهض وابق ~~متيقظا. عد إلى عملك.» # كانت هناك زجاجة ويسكي على المائدة أحضرها بيلي بوب، شرب الرجلان منها في كوبين صغيرين ~~سبق وأن احتويا على الجبن القشدي، وأكملا الكوبين بمقدار نصف بوصة من الماء أو ما ~~شابه. # دخل في تلك اللحظة براين، أخو روز من والدها، والذي كان يلعب في الخارج في مكان ما. دخل ~~بصوته المزعج وملابسه المليئة بالوحل، ورائحة الجو البارد بالخارج تحيط به. # وعندما ms061 دخل براين، قالت روز: «هل لي أن أشرب القليل؟» مشيرة إلى زجاجة الويسكي. # فأجابها بيلي بوب: «الفتيات لا يشربن ذلك.» # وقالت فلو: «إذا حصلت على القليل، فسوف يتذمر براين ليحصل هو أيضا عليه.» # وحينذاك، قال براين متذمرا: «هل يمكنني الحصول على القليل؟» فضحكت فلو بصوت عال، ومررت ~~كوبها خلف صندوق الخبز، وقالت له: «ها هو ذا، أرأيت؟» ~~••• # قال بيلي بوب على مائدة العشاء: «كان هناك بعض الأشخاص المعالجين في تلك الأرجاء في ~~السابق، لكننا لم نعد نسمع عنهم أي شيء الآن.» # فقال والد روز متغلبا على نوبة سعال كادت أن تبدأ: «من السيئ حقا عدم تمكننا من ~~استدعاء أي منهم الآن.» # قال بيلي بوب: «كان هناك معالج روحاني اعتدت سماع والدي يتحدث عنه. كان له أسلوب مميز في ~~الحديث؛ إذ كان حديثه يشبه الكتاب المقدس. وذات مرة ذهب إليه شخص أصم، فكشف عليه وعالجه، ثم ~~سأله: «هل سمع بها الآن؟»» # عدلت روز خطأ بيلي قائلة: «هل تسمع بها الآن؟» كانت قد شربت ما بقي من كوب فلو أثناء ~~إحضارها الخبز للعشاء، وشعرت بأنها أكثر ميلا للتحدث مع جميع أقاربها. ~~«نعم، هذا ما قاله: «هل تسمع بها الآن؟» وأجابه الرجل بالإيجاب، فسأله المعالج الروحاني: ~~«هل تؤمن إذن؟» ولم يفهم الرجل ما كان يعنيه المعالج بسؤاله ذلك وسأله: «أؤمن بماذا؟» ~~فجن جنون المعالج، وحرمه من سمعه ليعود إلى منزله أصم كما كان.» # روت فلو أيضا أنه في المكان الذي عاشت فيه عندما كانت فتاة صغيرة، كانت هناك سيدة اشتهرت ~~ببصيرتها الخارقة، حتى إن أعدادا كبيرة من العربات التي تجرها الخيول، ومن بعدها السيارات، ~~كانت تصطف أمام منزلها حتى نهاية الزقاق في أيام الآحاد؛ إذ كان يوم الأحد هو اليوم الذي ~~يأتي فيه الناس من مسافات بعيدة لاستشارتها، وأغلب استشاراتهم كانت عن أشياء فقدوها. # سألها والد روز: «ألم يرغب أي منهم في التواصل مع ذويه؟» مشجعا إياها على مواصلة ~~الحديث كعادته دوما عند روايتها أية قصة، واستطرد قائلا: «أظن أنه كان بإمكانها الاتصال ms062 ~~بالأشخاص المتوفين.» ~~«حسنا، كان أغلب الناس قد نالوا كفايتهم من أقاربهم وهم أحياء.» # واقتصرت الأمور التي شغلت اهتمامهم على الخواتم والوصايا والمواشي، ومعرفة أماكن اختفاء ~~هذه الأشياء. ~~«ذهب إليها أحد الأشخاص ممن أعرفهم، وقد فقد محفظته. كان ذلك الرجل يعمل في السكك ~~الحديدية. قالت له المرأة: «حسنا، هل تتذكر ما فعلته منذ نحو أسبوع عندما كنت تعمل على ~~أحد خطوط السكك الحديدية، ومررت بالقرب من أحد البساتين، فأردت التقاط إحدى ثمار التفاح، ~~وقفزت فوق السور للحصول عليها؟ لقد سقطت منك المحفظة هناك بين الحشائش الطويلة، لكن كلبا ~~مر عليها والتقطها، ثم أسقطها بعيدا بمحاذاة السور. يمكنك العثور عليها هناك.» كان الرجل ~~قد نسي كل شيء عن البستان وتسلقه السور، وأصيب بالذهول لما سمعه منها، ومنحها دولارا، ~~وذهب إلى حيث أرشدته، ووجد محفظته في المكان الذي وصفته بالضبط. حدث ذلك بالفعل، فأنا أعرف ~~ذلك الرجل، لكن المال كان قد تمزق كله بمضغ الكلب له، وعندما اكتشف الرجل ذلك، غضب للغاية ~~وتمنى لو أنه لم يمنحها كل هذا المبلغ من المال!» # قال والد روز: «لم تذهبي إليها قط، أليس كذلك؟ فأنت لا تؤمنين بمثل هذه الأمور.» عندما ~~كان يتحدث مع فلو، كان يستخدم عادة عبارات ريفية، فضلا عن اتباعه أسلوب الإزعاج الذي ~~اتبعه الريفيون بقولهم عكس ما كان صحيحا، أو ما يعتقد أنه صحيح. # أجابت فلو: «لا، لم أذهب إليها قط في الحقيقة لأسألها عن أي شيء، لكنني زرتها في إحدى ~~المرات؛ إذ توجب علي إحضار بعض البصل الأخضر منها. كانت والدتي مريضة وتعاني من ~~أعصابها، فأرسلت إلينا تلك المرأة رسالة تخبرنا فيها بأن لديها بعض البصل الأخضر المفيد ~~للأعصاب. كان ما تعاني منه والدتي حقا هو السرطان، وليس الأعصاب؛ لذا لا أعلم ما قدمه ~~لها البصل من فائدة.» # علا صوت فلو، وأسرعت في حديثها، خجلا من إفصاحها عن ذلك. ~~«لذا، اضطررت للذهاب إليها، والحصول على البصل. كانت قد التقطت الثمار وغسلتها، وحزمتها ~~من أجلي، لكنها طلبت مني عدم المغادرة قبل الدخول ms063 إلى المطبخ لرؤية ما أعدته لي. لم أكن ~~أعلم ما تريدني أن أراه، ولم أكن أريد الدخول؛ فكنت أظنها ساحرة، كنا جميعا في المدرسة ~~نظن ذلك؛ لذا جلست في المطبخ، وذهبت هي إلى حجرة المؤن، وجلبت كعكة شوكولاتة كبيرة، ~~وقطعت منها شريحة، ومنحتني إياها. كان علي الجلوس وتناولها، وجلست هي تشاهدني أثناء ~~تناولي للكعكة. كل ما يمكنني تذكره منها هو يداها؛ كانتا يدين ضخمتين حمراوين تبرز فيهما ~~عروق كبيرة، وكانت لا تكف عن وضعهما في حجرها واعتصارهما. أخذت أفكر كثيرا بعد ذلك في ~~أنها بحاجة لتناول البصل الأخضر؛ إذ لم تكن أعصابها في حالة جيدة أيضا. # شعرت حينذاك بطعم غريب في الكعكة، لكنني لم أكف عن تناولها حتى انتهيت منها كلها، وشكرت ~~السيدة، وأخبرتها أنني راحلة. قطعت ممر المنزل سيرا لأنني استنتجت أنها تراقبني، وعندما ~~وصلت إلى الطريق، رحت أركض، لكنني ظللت خائفة من أنها ربما كانت تتبعني، بصورة غير مرئية أو ~~شيء من هذا القبيل، أو أنها تستطيع قراءة ما يدور في ذهني، وتخيلت أنها ستمسك بي ~~وتحطم رأسي على حصى الطريق. عندما عدت إلى المنزل، دفعت الباب بقوة لفتحه، وصحت: «سم!» ~~هذا ما ظننته، ظننت أنها قد أطعمتني كعكة مسمومة. # قالت والدتي إن كل ما في الأمر أن الكعكة كانت متعفنة بسبب الرطوبة في منزل تلك السيدة، ~~وخلوه من الزوار لأيام عديدة؛ ومن ثم لم يكن هناك من يتناول الكعكة، رغم الجموع ~~الغفيرة التي يشهدها المنزل في أوقات أخرى. ومن ثم، كان من الممكن أن تبقى الكعكة لديها ~~فترة طويلة لتصاب بالعفن. # لكنني لم أكن أعتقد ذلك، وظننت أنني قد تناولت سما وسأموت. ذهبت وجلست في ذلك الركن ~~الذي اعتدت الجلوس فيه في صومعة الحبوب. لم يكن أحد يعلم بأمر ذلك المكان حيث احتفظت بكافة ~~أنواع النفايات، مثل بعض قطع الأواني الصينية المكسورة، وبعض الزهور المخملية. لا زلت ~~أتذكر تلك الزهور، كانت منزوعة من قبعة تساقطت عليها الأمطار. جلست هناك، وانتظرت.» # ضحك بيلي بوب ساخرا منها ، وسألها: «هل ms064 أتوا لجرك وإخراجك من ذلك المكان؟» ~~«لقد نسيت. لا أعتقد ذلك، أعتقد أنه ربما كان أمرا صعبا عليهم البحث عني والعثور علي؛ ~~إذ كنت أختبئ خلف أكياس العلف. لا، لا أعلم. أظن أن ما حدث في النهاية هو أنني تعبت من ~~الانتظار، وخرجت من تلقاء نفسي.» # قال والد روز، مبتلعا آخر كلمة نتيجة لإصابته بنوبة سعال طويلة: «وظللت حية لتروي لنا ~~ما حدث.» قالت فلو إنه لا ينبغي أن يظل مستيقظا أكثر من ذلك، لكنه قال إنه سيستلقي على ~~أريكة المطبخ، وهو ما فعله. نظفت فلو وروز المائدة وغسلتا الصحون، ثم جلسوا جميعا - ~~فلو وبيلي بوب وبراين وروز - حول المائدة للعب الورق، في حين غفا والدها. أخذت روز تفكر ~~في فلو وهي جالسة في أحد أركان صومعة الحبوب وحولها قطع الأواني الصينية المكسورة، والزهور ~~المخملية الذابلة، وجميع الأشياء الأخرى العزيزة عليها، منتظرة الموت في حالة من الرعب ~~الذي تلاشى تدريجيا - بالتأكيد كان ذلك شعورها - والشعور بالإجلال والرغبة في معرفة كيف ~~سيأتيها الموت. # كان والدها منتظرا أيضا. أغلقت سقيفته، ولم تفتح كتبه ثانية، كان اليوم التالي هو ~~آخر يوم يرتدي فيه حذاءه. تقبل الجميع تلك الفكرة، وما كان سيربكهم أكثر هو عدم موته، ~~وليس العكس. لم يستطع أحد سؤاله عما كان يشعر به؛ فكان سيعتبر هذا السؤال نوعا من ~~الوقاحة، والمبالغة، والتجاوز. هذا ما اعتقدته روز. كانت ترى أنه مستعد للذهاب إلى مستشفى ~~ويستمنستر، ذلك المستشفى الخاص بالمحاربين القدامى. كان متأهبا لتلك الأجواء الذكورية ~~الكئيبة، والستائر شاحبة اللون المشدودة حول سريره، والأحواض المليئة بالبقع. كان متأهبا ~~أيضا لما سيحدث بعد ذلك. أدركت روز أنه لن تسنح له الفرصة ليكون معها مثلما هو معها الآن، ~~والمفاجأة التالية هي أنه لن يكون معها بعد تلك اللحظة على الإطلاق. ~~••• # أخذت روز تتجول في أرجاء القاعات الخضراء المعتمة بالمدرسة الثانوية الجديدة وهي ترتشف ~~القهوة. كان ذلك في يوم لم الشمل المئوي بالمدرسة. لم تأت روز لهذا الغرض، لكنه تصادف ~~مع زيارتها لمنزلها للتوصل إلى حل ms065 بشأن فلو. التقت في ذلك اليوم بأشخاص قالوا لها: «هل ~~تعلمين أن روبي كاروزرس ماتت؟ استأصل الأطباء أحد ثدييها، ثم الثدي الآخر، لكن المرض كان ~~قد انتشر بجسمها كله، وتوفيت.» # وقال لها آخر: «لقد رأيت صورتك في إحدى المجلات. ما كان اسم تلك المجلة؟ إنها لدي في ~~المنزل.» # ضمت المدرسة الجديدة ورشة لتعليم ميكانيكا السيارات لتدريب الطلاب، ومعهد تجميل ~~للتدريب على هذه المهارات، ومكتبة، وقاعة مؤتمرات، وصالة ألعاب رياضية، ونافورة دوارة لغسل ~~الأيدي في دورة مياه الفتيات. كانت هناك أيضا آلة لصرف الفوط الصحية تعمل بكفاءة. # ديل فيربريدج صار حانوتيا. # ورانت تشرستون صار محاسبا. # بينما جنى هورس نيكلسون أموالا طائلة من عمله في المقاولات، ثم تركها بعد ذلك للعمل في ~~السياسة، وذكر في إحدى خطبه أن ما تحتاج إليه البلاد هو التركيز على الدين في الفصول ~~المدرسية، والاكتفاء بالقليل من اللغة الفرنسية. # | البجع البري # حذرتني فلو من تجار الرقيق الأبيض، وأوضحت لي كيفية عملهم؛ وهي أن تتعرف عليك امرأة عجوز ~~أشبه بالأم أو الجدة أثناء جلوسها بجوارك في الحافلة أو القطار، ثم تقدم لك حلوى بها ~~مخدر، وسرعان ما تصابين بالوهن وتبدئين في الدمدمة بحيث لا تتمكنين من التحدث ~~للتعبير عما بك. وفي تلك اللحظة، تصيح المرأة مدعية أن ابنتها (أو حفيدتها) مريضة، ~~وطالبة المساعدة في إنزالها من المركبة لتستعيد عافيتها في الهواء الطلق. فيقف رجل مهذب ~~عارضا المساعدة ومتظاهرا بأنه لا يعرف تلك المرأة. وفي المحطة التالية، يدفعانك كلاهما ~~بقوة لإنزالك من الحافلة أو القطار، وتكون تلك المرة الأخيرة التي ترين فيها العالم المألوف ~~لك. يبقيك الخاطفون سجينة في المكان الذي يعيش فيه الرقيق الأبيض (الذي تنقلين إليه ~~مخدرة ومقيدة على نحو يحول دون معرفتك بالمكان الذي توجدين فيه) حتى تصلي إلى ~~مرحلة تعانين فيها من المهانة واليأس التام، ويتمزق فيها جسدك إثر اعتداء الرجال المخمورين ~~عليك، وتتعرضين للأمراض الكريهة، ويتلف عقلك بالمخدرات، ويتساقط شعرك وأسنانك. يستغرق ~~الأمر ثلاث سنوات حتى تصلي إلى هذه الحالة؛ فلا ترغبين في العودة ms066 للمنزل، وربما لا تتمكنين ~~من تذكره أو الوصول إليه. عندئذ، يدفع بك الخاطفون إلى الشوارع. # أمسكت فلو بعشرة دولارات، ووضعتها في محفظة صغيرة مصنوعة من القماش كانت قد ثبتتها ~~بالحياكة في شريط قميص روز الداخلي؛ فمن الأمور الأخرى التي قد تتعرض لها روز سرقة ~~محفظتها. # حذرتني فلو كذلك ممن يرتدون ملابس رجال الدين؛ فهم الأسوأ على الإطلاق، وقد اعتاد تجار ~~الرقيق الأبيض والسارقون استخدام هذا النوع من التنكر. # قالت روز إنها لا تعرف كيف يمكنها تمييز الشخصيات المتنكرة. # عملت فلو في تورونتو في السابق نادلة في أحد المقاهي بمحطة قطار «يونيون ستيشن»، ومن هنا ~~استقت كل معرفتها. لم تر أثناء عملها ضوء الشمس قط سوى أيام الإجازات، لكنها رأت أشياء ~~أخرى كثيرة. رأت رجلا يبقر بطن آخر بسكين، ثم يهندم قميصه، ويذهب لقص شعره، كما لو كان ~~ما شقه بطيخة وليس بطنا. والمجني عليه مستلق على الأرض ناظرا لأعلى مندهشا، ولم ~~يسعفه الوقت للاعتراض. وأشارت فلو إلى أن ذلك لم يكن شيئا يذكر في تورونتو. كما رأت ~~كذلك امرأتين سيئتي السمعة (هكذا كانت تصف فلو العاهرات) تتعاركان، ورجلا يضحك ساخرا ~~منهما، ورجالا آخرين يتوقفون ويضحكون ويشجعونهما أثناء إمساك كل منهما بشعر الأخرى في ~~يديها. وأخيرا، وصلت الشرطة، وألقت القبض عليهما، وهما لا تكفان عن الصراخ ~~والعواء. # رأت فلو أيضا طفلا يحتضر إثر إصابته بنوبة مرضية، وقد استحال لون وجهه أسود ~~كالحبر. # قالت روز على نحو استفزازي: «حسنا، أنا لست خائفة. ففي النهاية هناك شرطة.» ~~«نعم، الشرطة! إنهم أول من سيحاول الاعتداء عليك!» # اعتادت روز عدم تصديق أي شيء تذكره فلو عن موضوع الجنس، ومن ذلك على سبيل المثال موضوع ~~الحانوتي. # كان رجلا أصلع قصير القامة ذا مظهر أنيق للغاية يتردد أحيانا على المتجر ويتحدث مع فلو ~~على نحو استرضائي. ~~«لا أريد سوى كيس من الحلوى، وربما بعض العلكة، وقطعة شوكولاتة أو اثنتين. هل يمكنك ~~لفها من أجلي، من فضلك؟» # كانت فلو تؤكد له بلهجتها الموحية زيفا بالاحترام أنها يمكنها ذلك. ms067 وكانت تلف ~~المشتريات في ورق أبيض متين لتبدو كالهدايا. كان الرجل يتأنى في اختياره لما يشتريه، ~~مدندنا ومتبادلا أطراف الحديث، ثم يبدد بعض الوقت سدى. فيسأل فلو أحيانا عن حالها، ~~ويسأل روز أيضا عن حالها إذا كانت موجودة. # فكان يقول لروز مثلا: «تبدين شاحبة. الفتيات الصغيرات بحاجة لبعض الهواء المنعش.» في ~~حين كان يقول لفلو شيئا من قبيل: «إنك تبذلين جهدا بالغا في العمل، وفعلت ذلك طوال ~~حياتك.» # وكانت فلو ترد عليه متفقة معه: «لا راحة للأشرار.» # وعندما كان يغادر المتجر، كانت فلو تركض نحو النافذة لتنظر إلى الخارج حيث تقف عربة نقل ~~الموتى القديمة سوداء اللون ذات الستائر الأرجوانية. # وعندما كانت العربة تسير مبتعدة بتؤدة كخطى الجنائز، كانت فلو تقول: «سوف يذهب لملاحقتهن ~~اليوم!» كان هذا الرجل القصير يعمل حانوتيا، لكنه كان قد تقاعد آنذاك، والعربة أيضا لم ~~تعد تستخدم في نقل الموتى. فتولى أبناؤه العمل، واشتروا عربة جديدة، في حين ظل هو يقود ~~العربة القديمة متجولا في أنحاء البلدة بحثا عن النساء. هكذا قالت فلو، لكن روز لم ~~تصدقها. وأضافت فلو أنه كان يعطي أولئك النساء العلكة والحلوى. فتقول لها روز إنه ربما كان ~~يأكلها بنفسه، فترد فلو بأنه قد شوهد وسمع أثناء فعله ذلك. وعندما يكون الطقس معتدلا، ~~كان يقود العربة والنوافذ مفتوحة، ويشرع في الغناء لنفسه أو لشخص آخر غير واضح للعيان في ~~الخلف: # جبينها أبيض كالثلج. # عنقها جميل كالبجعة. # قلدته فلو في غنائه. وأثناء سيره، كان يباغت برقة أية سيدة تسير في طريق خلفي، أو ~~تستريح عند مفترق طرق. وبعد المجاملة والملاطفة وتقديم الشوكولاتة، يعرض عليها توصيلها. ~~بالطبع، أية امرأة عرف أنه طلب منها ذلك كانت تقول إنها رفضت طلبه. لم يكن يزعج أيا ~~منهن، ويمضي بسيارته بتهذب. كان يزور المنازل، وعندما يكون الزوج في المنزل، كان يجلس ~~ويتبادل أطراف الحديث كعادته. وحكت الزوجات أنه لم يفعل سوى ذلك، لكن فلو لم تصدق ~~ذلك. # قالت فلو: «بعض النساء وقعن في شركه ... عدد منهن فعل.» أحبت ms068 فلو كذلك التكهن بشكل ~~العربة من الداخل. كانت مبطنة بالقطيفة ... الجدران والسقف والأرضية كلها مبطنة بالقطيفة. ~~ولون الستائر أرجواني فاتح كلون زهر الليلك الداكن. # كلام فارغ! هكذا اعتقدت روز. من يمكنه تصديق ذلك عن رجل في مثل هذه السن؟ ~~••• # كانت روز ذاهبة إلى تورونتو بالقطار للمرة الأولى في حياتها بمفردها. سبق لها زيارة ~~تورونتو مرة واحدة من قبل، لكن برفقة فلو، وكان ذلك قبل وفاة والدها بفترة طويلة. أخذت فلو ~~وروز معهما الشطائر الخاصة بهما، واشترتا حليبا من البائع في القطار. كان مذاقه حامضا؛ ~~حليب حامض بالشوكولاتة. أخذت روز ترتشف رشفات صغيرة منه، رافضة الاعتراف بعدم رضاها عن شيء ~~كانت ترغب فيه بهذا القدر. أما فلو، فشمته، ثم أخذت تبحث بكافة أرجاء القطار إلى أن وصلت ~~إلى الرجل العجوز ذي السترة الحمراء الذي يخلو فمه من الأسنان، والصينية معلقة حول عنقه. ~~طلبت منه تذوق الحليب بالشوكولاتة، ومن الأشخاص المجاورين شمه، فأعطاها بعضا من جعة ~~الزنجبيل بلا مقابل، وكانت دافئة بعض الشيء. # بعد أن رحل الرجل، قالت فلو وهي تنظر حولها: «ينبغي علي إعلامه بخطئه. ينبغي عليكم ~~جميعا إعلام أمثاله بأخطائهم.» # وافقتها إحدى السيدات في الرأي، لكن أغلب الركاب أشاحوا بوجوههم للنظر من النوافذ. شربت ~~روز جعة الزنجبيل الدافئة، لكنها تقيأت في دورة مياه القطار، سواء أكان السبب في ذلك هو ~~الجعة، أم ما حدث مع البائع، أم المحادثة التي دارت بين فلو والسيدة التي وافقتها الرأي ~~وسؤال الأخيرة حول المكان الذي أتت منه روز وفلو، وسبب ذهابهما إلى تورونتو، والإمساك الذي ~~أصاب روز صباحا مما تسبب في شحوبها، أم الكمية الصغيرة من الحليب بالشوكولاتة الذي دخل ~~معدتها. وظلت طوال اليوم خائفة من أن يشم الناس رائحة القيء على معطفها. # بدأت فلو الرحلة هذه المرة بقولها لمحصل التذاكر: «أرجو أن تشملها بعنايتك؛ فهي لم ~~تبتعد عن المنزل من قبل!» ثم نظرت حولها وضحكت لتوضح أن ما قالته كان مزاحا. توجب ~~عليها، بعد ذلك، النزول من القطار. بدا على محصل التذاكر أنه ms069 لم يكن بحاجة إلى أي مزاح، ~~شأنه شأن روز، ولم تكن لديه أية نية لأن يشمل أي أحد بعنايته. فلم يتحدث مع روز إلا عندما ~~طلب تذكرتها. جلست روز بجوار النافذة، وسرعان ما شعرت بسعادة غامرة؛ إذ أدركت أن فلو - ~~وهانراتي الغربية - تبتعدان عنها، وتخلصت من إنهاكها بسهولة تماثل سهولة تخلصها من أي ~~شيء آخر. كانت تحب المدن التي لا تعرفها. رأت سيدة تقف بباب منزلها الخلفي مرتدية رداء ~~النوم غير عابئة برؤية كل من في القطار لها. كان القطار متوجها جنوبا مبتعدا عن منطقة ~~الحزام الثلجي ومقبلا على ربيع مبكر ومناظر طبيعية أكثر رقة حيث يستطيع الناس زراعة ~~أشجار الخوخ بالفناء الخلفي لمنازلهم. # استجمعت روز في ذهنها كل الأشياء التي ستبحث عنها في تورونتو؛ أولا: أشياء من أجل فلو، ~~جوارب خاصة لدوالي الساقين، نوع خاص من الغراء للصق مقابض الأوعية، ومجموعة كاملة من لعبة ~~الدومينو. # أما فيما يتعلق بالأشياء التي رغبت فيها لنفسها، فقد أرادت شراء مزيل للشعر لاستخدامه على ~~ذراعيها وساقيها، وإن أمكن بعض بطانة الملابس القابلة للنفخ التي تهدف للتقليل من حجم ~~الأرداف والفخذين. فكرت في احتمال وجود مزيل الشعر في الصيدلية في هانراتي، لكن السيدة ~~التي تعمل فيها كانت صديقة فلو، وكانت تروي لها كل شيء؛ فروت لها من قبل عمن اشترى صبغة ~~شعر ودواء تخسيس وواقيا ذكريا. أما فيما يتعلق بالبطانة، فكان بوسعها طلب إرسالها إليها، ~~لكن من المؤكد أنه سيكون هناك تعليق في مكتب البريد على ذلك، وكانت فلو تعرف بعض الأشخاص ~~هناك أيضا. خططت روز كذلك لشراء بعض الأساور وسترة صوفية ذات وبر، وأملت في العثور على ~~أساور فضية اللون وسترة صوفية ذات وبر بلون أزرق فاتح. اعتقدت أن هذه الأشياء ستبدل من ~~حالها، وتمنحها قواما رشيقا، وتصلح التجعد في شعرها، وتجفف إبطيها، وتمنح بشرتها ~~مظهرا براقا. # حصلت روز على المال اللازم لشراء هذه الأشياء، وللقيام بتلك الرحلة، من خلال جائزة كانت ~~قد فازت بها لكتابتها مقالا بعنوان «الفن والعلم في عالم الغد». ms070 أدهشها آنذاك طلب فلو منها ~~قراءة المقال لها. وبينما كانت تقرؤه، علقت فلو بأنهم منحوا روز الجائزة بالتأكيد ~~لالتهامها القاموس، ثم استطردت خجلا: «إنه مقال مثير للغاية.» # كانت روز ستقضي الليلة في منزل سيلا ماكيني، وهي إحدى قريبات والدها. تزوجت سيلا من مدير ~~أحد الفنادق، واعتقدت أنها قد علا شأنها، لكن زوجها عاد إلى المنزل ذات يوم، وجلس على ~~أرضية غرفة تناول الطعام بين كرسيين، وقال: «لن أغادر هذا المنزل بعد اليوم.» ما من شيء غير ~~طبيعي حدث، لكنه قرر فحسب عدم الخروج من المنزل أبدا مرة أخرى، وهو ما فعله بالفعل، حتى ~~توفي. تسبب ذلك في أن أصبحت سيلا غريبة الأطوار وعصبية؛ فكانت تغلق الأبواب عليها في ~~الساعة الثامنة. هذا فضلا عن بخلها الشديد؛ فكان العشاء لديها عادة عصيدة الشوفان ~~بالزبيب. كان منزلها مظلما وضيقا وتفوح منه رائحة تشبه رائحة المصرف. # أخذ القطار يمتلئ بالركاب، وعند وصوله إلى برانتفورد، استأذن رجل روز في الجلوس ~~بجانبها. # قال لها: «الجو بالخارج أكثر بردا مما تتخيلين.» عرض عليها جزءا من جريدته، لكنها رفضت ~~شاكرة إياه. # وخشية منها أن تبدو وقحة في نظره، قالت له بعد ذلك إن الجو بارد بالفعل، وواصلت النظر من ~~النافذة مستمتعة بالصباح الربيعي. لم تعد هناك أية ثلوج في المكان الذي كان يمر به القطار. ~~وبدا لحاء الأشجار والأجمة أفتح لونا من الأشجار والأجمة الموجودة في بلدتها. حتى ضوء ~~الشمس بدا مختلفا؛ فكان مختلفا كاختلاف ساحل البحر الأبيض المتوسط أو أودية ~~كاليفورنيا. # قال الرجل الجالس بجوارها: «نوافذ متسخة، ألا تعتقدين أنه ينبغي عليهم إيلاؤها قدرا أكبر ~~من الاهتمام؟ هل تسافرين كثيرا بالقطار؟» # فأجابت بالنفي. # كانت هناك مياه في الحقول، فأشار الرجل برأسه إليها وقال إنها كثيرة ذلك العام. ~~«ثلوج غزيرة.» # لاحظت روز رقي لغته واختياره للكلمات، على عكس أهل بلدتها. ~~«لقد مررت بتجربة استثنائية في أحد الأيام الماضية. كنت أقود سيارتي في الريف متوجها ~~لرؤية سيدة تابعة للأبرشية تعاني من مرض بالقلب ...» # فنظرت روز سريعا إلى ياقة قميصه، ms071 فوجدته يرتدي قميصا عاديا وربطة عنق وبذلة كحلية ~~اللون. # قال لها: «نعم، أنا قس بالكنيسة المتحدة، لكنني لا أرتدي دوما زي القساوسة؛ فلا أرتديه ~~إلا عند إلقاء العظات في الكنيسة، وأنا اليوم في إجازة.» # ثم استطرد ما كان يرويه: «وبينما كنت أقود السيارة في الريف، رأيت بعض الأوز الكندي يسبح ~~في إحدى البرك، ودققت النظر، فوجدت بعض البجع يسبح معه أيضا؛ كان سربا كاملا وكبيرا من ~~البجع. كم كان منظرا رائعا! أظن أن تلك الطيور كانت مهاجرة هجرتها المعتادة نحو الشمال في ~~فصل الربيع. منظر خلاب حقا لم أر مثله قط في حياتي!» # لم تستحسن روز فكرة التحدث عن البجع البري؛ إذ خشيت أن تتحول المناقشة من الحديث عن ~~البجع إلى الحديث عن الطبيعة بوجه عام، ثم عن الرب، على النحو الذي يشعر أي رجل دين أنه ~~ملزم به. لكنه لم يتحدث عن تلك الأمور، واكتفى بالبجع. ~~«منظر غاية في الجمال. لو أنك كنت هناك لاستمتعت به حقا.» # تراوح عمر ذلك الرجل بين الخمسين والستين؛ هكذا ظنت روز. كان قصير القامة، وذا مظهر ~~مفعم بالنشاط، ووجه مربع متورد، وشعر رمادي لامع ومتموج مصفف بدءا من جبهته. ~~وعندما أدركت روز أنه لن يتحدث عن الرب، شعرت بضرورة تعبيرها عن تقديرها لذلك. # فقالت إنه لا بد وأن ذلك البجع كان جميلا. ~~«لم تكن حتى بركة عادية، وإنما مجرد بعض الماء تجمع وسط أحد الحقول. وكان تجمع الماء ~~في ذلك المكان، ونزول الطيور فيه، ومروري بالسيارة في الوقت المناسب، كل ذلك محض صدفة؛ صدفة ~~بحتة. أعتقد أن تلك الطيور قد أتت من الطرف الشرقي لبحيرة إيري، لكن لم يحالفني الحظ أبدا ~~في رؤيتها من قبل.» # استدارت روز بعض الشيء نحو النافذة، وعاد هو إلى جريدته. ظلت مبتسمة بعض الوقت لكي لا ~~تبدو وقحة أو رافضة للمحادثة برمتها. كان الطقس باردا حقا ذلك الصباح، فأنزلت معطفها ~~عن الخطاف الذي علقته عليه عند صعودها على متن القطار، وفرشته عليها كغطاء يدفئ ~~الساقين، ووضعت حقيبة يدها ms072 على الأرض عندما جلس رجل الدين بجانبها لتفسح له مكانا. أما ~~هو، فقد فصل أقسام الجريدة بعضها عن بعض، وأخذ يهزها لتصدر حفيفا على نحو متمهل وبه ~~تباه. وبدا لروز أنه من نوعية الأشخاص الذين يفعلون كل شيء بأسلوب متباه؛ أسلوب كهنوتي. ~~أزاح الرجل جانبا الأقسام التي لا يرغب في قراءتها آنذاك، فلمس طرف الجريدة ساق روز عند ~~حافة معطفها بالضبط. # ظلت روز معتقدة لبعض الوقت أن ما لمس ساقها هو الجريدة، لكنها تساءلت بعد ذلك: ماذا إن ~~كانت يد هي التي لمست ساقها؟ كانت هذه هي الأمور التي يمكنها تخيلها؛ فكانت تنظر أحيانا ~~إلى أيدي الرجال، والشعر يغطي سواعدهم كالزغب، ووجوههم التي يبدو عليها التركيز، وكانت ~~تفكر في كل شيء يمكنهم فعله، حتى الأمور الحمقاء. ومن بين هؤلاء البائع الذي كان يجلب الخبز ~~بعربته إلى متجر فلو، فكانت تلاحظ أسلوبه الدال على النضوج والثقة، والمزيج المستقر بين ~~الخفة والانتباه في التعامل مع عربة الخبز. ولم تكن ثنية بطنه المرتفعة فوق الحزام ~~لتزعجها. وفي مرة أخرى، لاحظت معلم اللغة الفرنسية في مدرستها، لم يكن فرنسي الجنسية على ~~الإطلاق، وكان يدعى ماكلارين، لكن روز اعتقدت أن تدريس الفرنسية قد أثر عليه، وجعله ~~يبدو كالفرنسيين. كان سريع الحركة شاحب البشرة، أكتافه حادة، أنفه معقوف، وعيناه حزينتان. ~~رأت روز أنه قد أخذ يمهد طريقه نحو المتع وكأنه الحاكم بأمره في الملذات. تاقت روز توقا ~~شديدا للدخول في علاقة مع شخص ما، تاقت لأن تمارس معها القوة، وتستمتع، وتشعر ~~بالإنهاك. # ولكن ماذا إذا كانت يدا؟ ماذا إذا كانت يدا حقا؟ تحولت قليلا وتحركت ناحية النافذة ~~قدر الإمكان، ظنت أن خيالها هو الذي صور لها هذه الحقيقة، الحقيقة التي لم تكن مستعدة لها ~~على الإطلاق؛ إذ شعرت بالإنزعاج، وأخذت تركز على ساقها، وعلى ذلك الجزء من بشرتها الذي ~~يغطيه الشراب. لم تستطع إرغام نفسها على النظر. هل كان هناك ضغط على ساقها أم لا؟ تحركت ~~ثانية. كانت ساقاها متلاصقتين بقوة، وظلتا كذلك. لقد كانت يدا ms073 بالفعل، وما كانت تشعر به ~~هو ضغط تلك اليد على ساقها. ~~«كلا، أرجوك!» كان هذا ما تحاول أن تقوله. صاغت الكلمات في عقلها، وحاولت أن تنطق بها، ~~لكنها لم تستطع. لماذا؟ أهو الإحراج أو الخوف من أن يسمعها الناس؟ كان الناس يحيطون بهما من ~~كل اتجاه؛ فما كان من مقعد فارغ في القطار. # لم يكن ذلك السبب الوحيد. # تمكنت روز من النظر له دون رفع رأسها، وإنما التفتت إليه بحذر، فرأت أنه قد أمال مقعده ~~للخلف وأغلق عينيه، وكم بذلته كحلية اللون مختف تحت الجريدة. كان قد فرد الجريدة بحيث ~~تتداخل مع معطف روز، ومن تحت الجريدة وضع يده عليها كما لو كان قد مدها دون قصد أثناء ~~نومه. # في تلك اللحظة، كان بوسع روز تحريك الجريدة، وإبعاد معطفها. وإن لم يكن نائما، سيضطر ~~لإبعاد يده، وإن كان نائما بالفعل ولم يبعدها، فيمكنها أن تهمس له: «من فضلك!» وتضع يده ~~بحزم على ركبته. إلا أن هذا الحل لم يطرأ على ذهنها، رغم وضوحه الشديد ونتيجته المضمونة. ~~لكنها تساءلت بدلا من ذلك: «ولم لا؟» لم تكن يد رجل الدين - أو بالأحرى لم تكن حتى تلك ~~اللحظة - مرحبا بها على جسدها؛ فقد جعلتها تشعر بعدم الارتياح، والامتعاض، والاشمئزاز ~~بعض الشيء، والمحاصرة، والتحفظ. لكنها لم تستطع تحمل مسئوليتها أو صدها، لم تستطع ~~التأكيد على أنها موجودة بالفعل، بينما بدا هو مصرا على عدم وجودها. كيف يمكنها تحميله ~~المسئولية وهو مستلق في ذلك المكان بمظهر واثق لا يوحي بأي أذى لينال قسطا من الراحة قبل ~~أن يبدأ يومه المشحون بوجه سليم وراض؟ إنه رجل أكبر من والدها - لو كان لا يزال حيا - ~~ومؤكد أنه اعتاد على التبجيل والاحترام، شخص يقدر الطبيعة، ويستمتع بالبجع البري. كانت ~~موقنة أنها إذا قالت له: «كلا، أرجوك!» فسوف يتجاهلها، كما لو كان يتجاهل بعض الحماقة أو ~~سوء الأدب من جانبها. علمت أنها عندما ستنطق بهذه الكلمات ستتمنى ألا يسمعها. # بيد أن ثمة أمرا آخر تدخل في قرارها ؛ ألا وهو ms074 الفضول. كان فضولها أكثر قوة ~~واستبدادا من أي شهوة. كان هو الشهوة في حد ذاته، شهوة تدفعك للتراجع والانتظار طويلا ~~والمخاطرة بأي شيء في الغالب؛ بغية أن ترى ما سيحدث، ما سيحدث فقط. # بعد عدة أميال قطعها القطار، بدأت اليد تضغط على ساقها وتتفحصها على نحو شديد الرقة ~~والحذر. لم يكن الرجل نائما، ولو كان، فإن يده لم تكن. شعرت روز بالاشمئزاز، والدوار، ~~والغثيان. أخذت تفكر في اللحم: كتل من اللحم، أنوف وردية، ألسنة كبيرة، أصابع فظة؛ كل ~~هذه الأشياء تسرع وتتسلل وتتثاقل وتفرك بحثا عن راحتها. تذكرت القطط في الأيام الحارة وهي ~~تفرك أجسادها بالجزء العلوي من الأسيجة الخشبية، وتموء معبرة عن شكواها البائسة. كل ذلك ~~الحك والدفع والضغط كان مثيرا للشفقة وكأنه حركات طفولية. أنسجة إسفنجية الشكل، أغشية ~~ملتهبة، أطراف عصبية معذبة، روائح مخزية، خزي ومهانة. # كل ذلك كان في بدايته. وأخيرا تمكنت يده - تلك اليد العنيدة الصبورة التي ما كانت روز ~~لترغب أبدا في الإمساك بها أو الضغط عليها في المقابل - من تحريك غرائز روز وإثارة ~~رغبتها. # رغم ذلك، لم ترغب في حدوث ذلك، وأخذت تردد من النافذة: «أرجوك، أنزل يدك! توقف من ~~فضلك!» قالت ذلك لأرومات الأشجار والحظائر. تحركت اليد أعلى ساقها مارة بالطرف العلوي ~~لجواربها وصولا إلى بشرتها المكشوفة، ثم انتقلت إلى أعلى لتصل إلى تحت رباط الجوارب، ثم ~~إلى سروالها الداخلي والجزء الأدنى من بطنها. كانت ساقاها حتى تلك اللحظة لا تزالان ~~متقاطعتين ومتلاصقتين. طالما ظلت ساقاها على هذا الحال، كان بمقدورها أن تدعي البراءة، ~~وعدم قبولها بأي شيء. فكانت لا تزال معتقدة أن بإمكانها إيقاف كل ذلك في لحظة واحدة. لم يكن ~~سيحدث أي شيء أكثر من ذلك؛ فما كانت ساقاها لتتباعدا أبدا. # لكنهما كانتا تتباعدان بالفعل. وبعبور القطار جرف نياجرا فوق مدينة داندس، مطلا على ~~الوادي الذي يعود تاريخه إلى ما قبل العصر الجليدي، والتلال الصغيرة بما عليها من صخور ~~متناثرة وأخشاب ذات لون فضي، ثم هبوطه إلى سواحل بحيرة أونتاريو، قامت ms075 روز بذلك الإعلان ~~البطيء والصامت والمؤكد الذي ربما أحبط صاحب اليد بقدر ما أرضاه. لم يرفع جفنيه، ولم يتبدل ~~وجهه، ولم تتردد أصابعه، لكنه نفذ ما أراده بقوة وسرية. اجتياح وترحيب تزامن مع توهج ~~ضوء الشمس في الأفق وسقوطه على مياه البحيرة والبساتين المكشوفة الممتدة لأميال حول ~~بيرلنجتون. # كان الأمر مخزيا، وكان بمثابة استجداء. لكن ما الضرر في ذلك؟ دوما نطرح على أنفسنا ذلك ~~السؤال في مثل هذه اللحظات. وما الضرر في أي شيء؟ كلما ساء الأمر، كان أفضل. هذا ما نقوله ~~لأنفسنا عند ركوبنا تلك الموجة اللامبالية من الطمع أو القبول الطامع. يد غريبة، خضراوات ~~جذرية، أو أدوات المطبخ البسيطة التي يمزح الناس بشأنها، العالم مليء بالأشياء ذات المظهر ~~البريء التي تنتظر اللحظة الملائمة للإعلان عن نفسها على نحو مراوغ وملزم. انتبهت روز ~~لأنفاسها، لم تصدق ما كان يحدث؛ ضحية وشريكة في الجرم يحملها القطار مارا بمصنع جلاسكو ~~للمربى وأنابيب معامل تكرير البترول الضخمة النابضة بالحركة. انحدر بعد ذلك القطار نحو ~~الضواحي حيث رفرفت في إيحاء خبيث ملاءات الأسرة والمناشف المستخدمة في التخلص من بقع ~~العلاقات الحميمية على حبال الغسيل، وحيث يمرح الأطفال ببذاءة في أفنية المدارس. تجلت أمام ~~عينها كل هذه التصرفات الغريبة الخبيثة والمناظر المألوفة، وظهرت بوابات أرض المعارض ~~وأبراجها، وحلقت القباب والأعمدة الملونة بشكل مذهل في السماء الوردية التي رأتها أسفل ~~جفونها، ثم تفرقت معبرة عن الاحتفال. يشبه ذلك تجمع سرب من الطيور كالبجع البري أسفل ~~إحدى القباب الضخمة، ثم إثارتها فجأة لتندفع محلقة في السماء. # حاولت روز جاهدة أن تمسك لسانها عن الكلام. وسرعان ما مر محصل التذاكر عبر القطار ~~لتنبيه الركاب وإفاقتهم. # وفي الظلام الذي خيم على القطار بوصوله المحطة، أفاق قس الكنيسة المتحدة، وفتح عينيه، ~~وطوى جريدته، ثم سأل روز إن كانت بحاجة لأية مساعدة في معطفها. عكست كياسته رضا عن الذات ~~وإبعادا لروز وكأنه يصرفها عنه. أجابت روز قائلة: «لا.» بلسان متألم، فنزل من القطار ~~مسرعا أمامها. لم تره في المحطة، ولم ms076 تره قط بعد ذلك في حياتها، لكنه ظل موجودا في ~~ذاكرتها لسنوات طوال مستعدا للظهور في اللحظات المهمة دون أي احترام، فيما بعد، محل ~~زوج أو حبيب. ما الذي كان يزكيه لديها؟ لم تستطع فهم ذلك أبدا. ربما بساطته، أو تعجرفه، ~~أو افتقاره للوسامة على نحو جذاب، بل وللذكورة الناضجة أيضا. فعندما نهض بجانبها، لاحظت ~~أنه أقصر مما كانت متصورة، وأن وجهه وردي ولامع، وكان به شيء يعلن عن عدائية وفجاجة ولكنه ~~في ذات الوقت شيء طفولي. # هل كان قسا حقا؟ أم ادعى ذلك؟ تحدثت فلو عن رجال ليسوا برجال دين، لكنهم يرتدون ~~ملابسهم، لكنها لم تذكر شيئا عن رجال دين لا يرتدون ملابس القساوسة، أو الأغرب من ذلك من ~~ليسوا قساوسة حقيقين، لكنهم يدعون أنهم كذلك ولا يرتدون ملابس القساوسة. إلا أن اقترابها ~~بهذه الدرجة مما حذرتها منه فلو جعلها تشعر بالانزعاج. سارت روز في محطة «يونيون ستيشن» ~~شاعرة بالمحفظة المحتوية على عشرة دولارات وهي تحتك بجسدها، وعلمت أنها ستظل تشعر بها طوال ~~اليوم. # لم تتوقف عن تذكر رسائل فلو لها، حتى بعد أن حدث ذلك الأمر. وهي في محطة «يونيون ~~ستيشن»، تذكرت وجود فتاة هناك تدعى ميفيس كانت تعمل في متجر الهدايا عندما كانت فلو تعمل ~~في المقهى. عانت ميفيس من بثور في جفنيها بدت وكأنها ستتحول إلى دمل العين، لكنها لم ~~تفعل واختفت. ربما تكون قد أزالتها. لم تسألها فلو عن ذلك. كانت جميلة للغاية بدون هذه ~~المشكلة وأشبه بإحدى نجمات السينما آنذاك، وهي فرانسيس فارمر. # فرانسيس فارمر. لم تسمع روز عن تلك الممثلة قط. # كان ذلك اسمها. اشترت ميفيس لنفسها قبعة كبيرة أمالتها فوق إحدى عينيها، وفستانا مصنوعا ~~بالكامل من الدانتيل، وذهبت في إحدى إجازات نهاية الأسبوع إلى خليج جورجيان، وحجزت بالمنتجع ~~باسم فلورنس فارمر لتوحي للجميع بأنها فرانسيس فارمر الحقيقية، لكنها ادعت الاسم فلورنس ~~لتستمتع بإجازتها دون أن يتعرف عليها أحد. كان لديها مبسم سجائر صغير أسود اللون ومصنوع ~~من عرق اللؤلؤ. قالت فلو إنه ms077 كان من الممكن إلقاء القبض عليها لجرأتها. # اقتربت روز من متجر الهدايا لترى ما إذا كانت ميفيس لا تزال هناك، وإذا كانت ستتمكن من ~~التعرف عليها أم لا. رأت روز ذلك شيئا لطيفا حقا؛ أن تتحول على هذا النحو، وأن تملك ~~الجرأة على الفعل وتفلت من العقاب، وأن تدخل عالم المغامرات المنيع بشخصك، لكن تحت اسم ~~جديد تماما. # | المتسولة # أحب باتريك بلاتشفورد روز، وصار ذلك الحب فكرة مترسخة بداخله، بل ومسيطرة عليه أيضا. أما ~~في نظر روز، فمثل ذلك الحب مفاجأة متواصلة لها. أراد باتريك الزواج بها، وكان ينتظرها ~~لحين انتهائها من المحاضرات، ثم يتوجه إليها، ويسير بجوارها ليدرك وجوده أي من كانت ~~تتحدث معه. وعند وجود أولئك الأصدقاء والزملاء حولها، لم يكن يتحدث، وإنما يحاول لفت ~~انتباهها ليعبر بنظرة باردة متشككة عن شعوره إزاء حوارها مع أصدقائها. منح ذلك روز شعورا ~~بالإطراء، لكنه أصابها بالتوتر في الوقت نفسه. ذات مرة، أخطأت صديقة لها تدعى نانسي فولز ~~في نطق اسم «مترنيخ» أمامه، فسأل روز فيما بعد: «كيف تصادقين أشخاصا كهؤلاء؟» # ذهبت نانسي وروز لبيع دمائهما ذات مرة في مستشفى فيكتوريا، وحصلت كل منهما على خمسة عشر ~~دولارا أنفقتا أغلبها على أحذية للمساء، وصنادل فضية اللون تشبه ما تلبسها العاهرات. ~~وتيقنا منهما بأن التبرع بالدماء سيتسبب في خسارتهما بعض الوزن، تناولتا آيس كريم بالفواكه ~~والمكسرات مزودا بصوص الشوكولاتة الساخن في بوومرز. ترى لماذا لم تستطع روز الدفاع عن ~~نانسي أمام باتريك؟ # كان باتريك في الرابعة والعشرين من عمره، وكان طالبا بالدراسات العليا، ويخطط لأن يصير ~~أستاذا في التاريخ. كان طويلا ونحيلا وأشقر ووسيما، بالرغم من الوحمة الطويلة ذات اللون ~~الأحمر الباهت التي كانت تتدلى كالدمعة على صدغه ووجنته. اعتذر باتريك عن هذه ~~الوحمة، لكنه قال إنها تتلاشى مع تقدمه في ~~العمر، وعند بلوغه الأربعين ستكون قد اختفت تماما. لم تكن تلك الوحمة هي السبب في طمس ~~وسامته من وجهة نظر روز؛ (فثمة أمور أخرى طمستها أو على الأقل انتقصت منها؛ وكان ms078 عليها ~~تذكير نفسها دوما بوجودها.) اتسم باتريك بشيء من العصبية وسرعة الاهتياج والارتباك. كان ~~صوته يتهدج عند توتره - كان على ما يبدو متوترا دوما عند وجوده مع روز - فكان يسقط ~~الأطباق والأكواب من على المائدة، ويسكب المشروبات وصحون الفول السوداني، وكأنه ممثل ~~كوميدي. لكنه لم يكن كذلك؛ وكان ذلك أبعد ما يكون عما ينوي فعله؛ فقد انحدر من أسرة ثرية ~~تعيش في مقاطعة كولومبيا البريطانية. # وصل باتريك ذات مرة مبكرا لاصطحاب روز إلى السينما. لم يطرق الباب لعلمه بوصوله قبل ~~موعده، فجلس على درجة السلم أمام منزل الدكتورة هينشو. كان ذلك في الشتاء، وقد خيم الظلام ~~على المدينة، لكن كان هناك مصباح صغير بجوار الباب. # نادت الدكتورة هينشو على روز بصوت رقيق مبتهج: «يا إلهي، روز! تعالي انظري!» وأطلتا معا ~~من نافذة غرفة المكتب المظلمة. قالت الدكتورة هينشو بصوت حنون: «يا له من شاب مسكين!» كانت ~~سيدة في السبعينيات من عمرها، عملت في السابق أستاذة للغة الإنجليزية، واتسمت بدقتها ~~وصعوبة إرضائها وحيويتها. عانت من العرج بإحدى ساقيها، ومع ذلك، كانت تميل برأسها، الذي تلف ~~فوقه جدائل شعرها الأبيض، ميلا فاتنا كالفتيات الصغيرات. # وصفت الدكتورة هينشو باتريك بأنه مسكين لأنه كان مغرما، أو ربما أيضا لأنه كان ذكرا ~~محكوما عليه بالاندفاع والتخبط. بدا باتريك وهو يجلس في الخارج بهذا الشكل في ذلك الطقس ~~البارد - حتى من تلك النافذة العالية - عنيدا ومثيرا للشفقة، حازما وتابعا. # قالت الدكتورة هينشو: «إنه يحرس الباب! يا إلهي، روز!» # وفي إحدى المرات الأخرى قالت منزعجة: «كم أخشى أن يكون اختياره لتلك الفتاة اختيارا ~~خاطئا!» # لم تحب روز ما قالته الدكتورة، لم تحب سخريتها من باتريك، لم تحب جلوس باتريك على درجات ~~السلم على هذا النحو أيضا؛ فقد استحق بذلك سخرية الآخرين منه. لقد كان أضعف شخص عرفته ~~روز على الإطلاق، وكان هو من فعل ذلك بنفسه، فلم يكن يعلم أي شيء عن كيفية حماية نفسه. ومع ~~ذلك، فقد كان مليئا بالأحكام القاسية والغرور في الوقت نفسه. ~~••• # اعتادت ms079 الدكتورة هينشو أن تقول لروز: «أنت طالبة يا روز، ستهتمين بذلك»، ثم تقرأ بصوت ~~عال شيئا ما كان مكتوبا في الجريدة، أو الأرجح من مجلة «كانيدين فورم» أو «أتلانتك ~~منثلي». ترأست الدكتورة في السابق مجلس إدارة مدرسة المدينة، كما كانت أحد الأعضاء ~~المؤسسين لحزب كندا الاشتراكي، وكانت لا تزال عضوا في بعض اللجان، وتكتب للجرائد، وتقدم ~~مقالات نقدية عن الكتب. عمل والداها في البعثات الطبية؛ وولدت في الصين. كان منزلها ~~صغيرا ومثاليا؛ أرضيات ملمعة، سجاجيد براقة، صور لمناظر طبيعية وأوان ومزهريات صينية، ~~وحواجز خشبية سوداء منحوتة. لم تستطع روز الإعجاب بكل ذلك آنذاك، فلم يكن بوسعها في الواقع ~~التمييز بين أشكال حيوانات اليشم الصغيرة الموضوعة على رف مدفأة الدكتورة هينشو وأدوات ~~الزينة المعروضة في واجهة متجر المجوهرات في هانراتي، وإن كان بإمكانها الآن التمييز بين ~~أي من هذه الأشياء وتلك التي كانت فلو تشتريها من متاجر السلع الرخيصة. # لم تستطع روز في الواقع اتخاذ قرار حاسم بشأن مدى إعجابها بالإقامة مع الدكتورة هينشو؛ ~~فكانت تشعر أحيانا بعدم الرغبة في ذلك؛ إذ كانت ستجلس في غرفة الطعام على مائدة العشاء ~~واضعة منديلا من الكتان على ركبتيها لتناول الطعام من أطباق بيضاء أنيقة موضوعة على مفارش ~~زرقاء. كان الطعام المقدم على المائدة غير كاف لها على الدوام، ووجب عليها شراء الكعك ~~المحلى المقلي وألواح الشوكولاتة، وإخفاؤها في غرفتها. أزعجها كذلك طائر الكناري المتأرجح ~~على محطه بنافذة غرفة الطعام، وتوجيه الدكتورة هينشو لدفة الحديث دائما. تحدثت عن ~~السياسة والكتاب، وذكرت فرانك سكوت ودوروثي ليفساي، مشيرة إلى ضرورة قراءة روز ~~لأعمالهما. ينبغي على روز قراءة هذا، ينبغي عليها قراءة ذاك. قررت روز غاضبة ألا تفعل ذلك؛ ~~فقد كانت تقرأ لتوماس مان وتولستوي. # لم تسمع روز من قبل عن الطبقة العاملة قبل انتقالها للإقامة مع الدكتورة هينشو، وعند ~~معرفتها بها نقلت تلك المعرفة إلى منزلها. # قالت فلو ذات مرة: «سيكون هذا آخر جزء من البلدة يصل إليه الصرف الصحي.» # فردت روز بفتور: «بالطبع ، فهذا الجزء ms080 هو الذي تعيش فيه الطبقة العاملة.» # قالت فلو: «الطبقة العاملة؟! تتحدثين كما لو كان الناس هنا في يدهم ما يمكنهم فعله ~~للحيلولة دون ذلك.» # كل ما أحدثه منزل الدكتورة هينشو شيئا واحدا؛ وهو القضاء على البساطة والأريحية ~~المسلم بهما في بلدة روز، فكانت العودة إلى تلك البلدة بمنزلة العودة لطرق الإضاءة ~~القديمة. كانت فلو قد وضعت مصابيح فلورسنت في المتجر والمطبخ. كان هناك أيضا مصباح طويل ~~ينتصب على الأرض في أحد أركان المطبخ كانت فلو قد فازت به في لعبة البينجو؛ وكان ظله محاطا ~~دائما بشرائط سلوفان عريضة. أهم ما فعله منزل الدكتورة هينشو ومنزل فلو أحدهما في الآخر هو ~~الانتقاص من قيمة كل منهما. ففي الغرف الرائعة بمنزل الدكتورة، كانت روز دائما ما تتذكر ~~المعرفة غير الناضجة التي جمعتها في منزلها، كان الأمر أشبه بغصة تقف في حلقها على ~~الدوام. وفي منزلها، كان النظام والتغير اللذان شهدتهما في الأماكن الأخرى يكشفان مدى الفقر ~~البائس والمخزي لهؤلاء الناس الذين لم يعتبروا أنفسهم فقراء قط. لم يقتصر الفقر على العوز ~~والحرمان فحسب، كما اعتقدت الدكتورة هينشو، وإنما كان يعني أيضا امتلاك أنابيب الإنارة ~~القبيحة تلك والافتخار بها؛ يعني التحدث الدائم عن المال والحديث الحاقد عما اشتراه الآخرون ~~من أشياء جديدة وإذا ما كانوا قد دفعوا ثمنها أم لا؛ يعني أيضا الغيرة والفخر بشيء مثل ~~الستائر البلاستيكية الجديدة الشبيهة بالدانتيل التي اشترتها فلو لنافذة المنزل الأمامية؛ ~~يعني أيضا تعليق الملابس على المسامير خلف الأبواب والتمكن من سماع أي صوت يصدر من دورة ~~المياه؛ يعني تزيين الحوائط بعبارات النصح الورعة والمبهجة، بل والإباحية أحيانا: # الرب راعي فلا يعوزني شيء. # آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك. # لماذا علقت فلو هذه العبارات بينما لم تكن بالمرأة المتدينة؟ هكذا فعل ~~الآخرون؛ كانوا يعلقون هذه العبارات مثلما الرزنامات. # هذا مطبخي وسأفعل به ما أشاء. # أكثر من شخصين في سرير واحد فعل خطير وغير قانوني. # كان بيلي بوب هو من جلب هذه العبارات. ترى ما سيكون ms081 رأي باتريك إذا ~~رآها؟ ما سيكون رأيه في قصص بيلي بوب وهو من أزعجه النطق الخاطئ للاسم «مترنيخ»؟ # عمل بيلي بوب في متجر جزارة تايد، وكان أكثر ما يتحدث عنه حينذاك هو المهاجر البلجيكي ~~الخارق الذي جاء للعمل في المتجر، وتسبب في توتر بيلي بوب بسبب غنائه الوقح للأغاني ~~الفرنسية، وأفكاره الساذجة عن تحقيق النجاح في هذه البلدة وشرائه متجر الجزارة الخاص ~~به. # قال له بيلي بوب ذات مرة: «لا تظن أنه بإمكانك المجيء إلى هنا وتحقيق ما لديك من أفكار. ~~فأنت من يعمل لدينا. وإياك والظن بأن هذا الوضع سينعكس؛ ونصير نحن من نعمل لديك.» أخرس ذلك ~~البلجيكي، هكذا قال بيلي بوب. # كان باتريك يطلب من روز من وقت لآخر الذهاب إلى بلدتها والالتقاء بأسرتها، خاصة وأنها لا ~~تبعد سوى خمسين ميلا فقط. ~~«لا يوجد هناك سوى زوجة أبي.» ~~«كم أنا سيئ الحظ لعدم تمكني من رؤية والدك.» # اندفعت روز في تقديم والدها لباتريك على أنه قارئ للتاريخ، ودارس هاو. ولم تكذب في ذلك، ~~لكنها لم تقدم صورة صادقة عن الوضع الحقيقي. ~~«هل زوجة والدك هي الوصية عليك؟» # فما كان من روز إلا أن قالت إنها لا تعلم. ~~«حسنا، لا بد أن والدك قد حدد الوصي عليك في وصيته. من يدير أملاكه؟» # أملاكه! ظنت روز أن الأملاك تعني الأراضي كتلك التي يملكها الناس في إنجلترا. # رأى باتريك في ظنها ذلك شيئا من خفة الظل. ~~«كلا، أعني ما كان يملكه من أموال وأسهم وما إلى ذلك. ما تركه بعد وفاته.» ~~«لا أظن أنه ترك أي شيء.» ~~«بالله عليك! لا تكوني سخيفة.» ~~••• # في أحيان أخرى، كانت الدكتورة هينشو تقول لها: «حسنا، أنت طالبة. لن تهتمي بذلك.» وتقصد ~~غالبا في هذه الأوقات حدثا ما مقاما في الكلية؛ مثل تجمع رياضي، أو مباراة كرة قدم، ~~أو حفل راقص. وتكون الدكتورة محقة عادة في افتراضها؛ فروز لم تهتم بتلك الأمور، لكنها لم ~~تحرص على الاعتراف بذلك؛ فهي لا تسعى لتعريف نفسها بهذا النحو ولا ms082 تستسيغ فعل ذلك. # علقت على حائط السلم داخل المنزل صور التخرج لجميع الفتيات الأخريات اللاتي حصلن على ~~منح دراسية وعشن مع الدكتورة هينشو. صار أغلبهن معلمات، ثم أمهات. صارت إحداهن اختصاصية ~~تغذية، واثنتان أمينتي مكتبة، وواحدة أستاذة للغة الإنجليزية مثل الدكتورة هينشو. لم تهتم ~~روز بهيئتهن، أو امتنانهن المنعكس في ابتسامتهن الخجولة، أو أسنانهن الكبيرة، أو لفائف ~~شعرهن العذراوية. بدا عليهن أنهن يفرضن عليها الورع. لم تكن من بينهن ممثلة، أو صحفية لامعة ~~بإحدى المجلات. لم تصل أي منهن لنوعية الحياة التي أرادتها روز لنفسها؛ فقد أرادت أن تكون ~~شخصية عامة. فكرت في أن تكون ممثلة، لكنها لم تحاول التمثيل قط، وكانت تخشى الاقتراب من ~~الأعمال المسرحية بالكلية. علمت أيضا أنها لا تستطيع الغناء أو الرقص، فودت حقا العزف ~~على القيثارة، لكنها لم تملك أذنا موسيقية. رغبت روز في أن يعرفها الناس ويحسدوها، في أن ~~تكون رشيقة وذكية. وقالت للدكتورة هينشو ذات مرة لو أنها كانت رجلا، لودت أن تعمل مراسلا ~~خارجيا. # فصاحت الدكتورة منزعجة: «ينبغي عليك إذن تحقيق ذلك! المستقبل كله متاح أمام النساء. يجب ~~عليك التركيز على اللغات، ودراسة العلوم السياسية والاقتصاد. ربما يمكنك أيضا الحصول على ~~وظيفة في الجريدة في الصيف. لدي بعض الأصدقاء هناك.» # خافت روز من فكرة العمل في الجريدة، وكرهت أيضا دورة الاقتصاد التمهيدية؛ وبحثت عن وسيلة ~~لإلغاء اشتراكها فيها. من الخطير الإفصاح عن مثل هذه الأفكار للدكتورة هينشو. ~~••• # كان انتقال روز للإقامة مع الدكتورة هينشو مصادفة؛ فالفتاة الأخرى التي اختيرت للإقامة ~~معها أصيبت بالسل، وانتقلت بدلا من ذلك إلى المصحة. ذهبت الدكتورة إلى مكتب الكلية في ~~اليوم الثاني لتسجيل الطلاب للحصول على بعض أسماء طلاب السنة الأولى الحاصلين على منح ~~دراسية. # وتصادف وجود روز في المكتب قبل وصول الدكتورة بفترة وجيزة لتسأل عن المكان الذي سيعقد ~~فيه اجتماع طلاب المنح الدراسية؛ إذ كانت قد فقدت الإخطار الخاص بها. كان أمين صندوق ~~الجامعة سيتحدث مع طلاب المنح الدراسية الجدد، مطلعا إياهم على سبل جني ms083 المال والعيش ~~بتكاليف زهيدة، وموضحا لهم معايير الأداء العالية المتوقعة منهم لكي يستمر إمدادهم ~~بالمال. # توصلت روز إلى رقم الغرفة، وصعدت السلم إلى الطابق الأول. اقتربت فتاة منها، وسألتها: ~~«هل تبحثين عن الغرفة رقم 3012 أنت أيضا؟» # سارتا معا، وأخبرت كل منهما الأخرى بتفاصيل منحتها الدراسية. لم يكن لدى روز مكان تقيم ~~فيه بعد، وكانت تقيم في جمعية الشابات المسيحيات. لم تملك في الحقيقة ما يكفي من المال ~~للعيش في ذلك المكان على الإطلاق. لقد حصلت على منحة دراسية لتغطية مصروفات الدراسة، وجائزة ~~الريف لشراء الكتب، ومنحة مالية تبلغ ثلاثمائة دولار لتغطية مصروفات معيشتها؛ ولم تملك ~~شيئا عدا ذلك. # قالت الفتاة الأخرى: «سيتحتم عليك البحث عن وظيفة.» حصلت تلك الفتاة على منحة مالية أكبر ~~لدراستها العلوم. «حيث يوجد المال، المال كله ينصب في العلوم.» هكذا قالت الفتاة بجدية، ~~لكنها مع ذلك كانت تأمل في الحصول على وظيفة في الكافيتريا. كانت قد حصلت على غرفة في قبو ~~أحد المنازل. أخذت روز تطرح عليها أسئلة من قبيل: «كم تدفعين في الغرفة؟ كم يتكلف طبق ~~الطعام الساخن هنا؟» ورأسها غارق في الحسابات ويعتريها القلق. # كانت الفتاة تلف شعرها فوق رأسها، وترتدي بلوزة من قماش الكريب بهت لونها ولمعت بسبب ~~الغسيل والكي. كان ثدياها كبيرين ومرتخيين. ارتدت على الأرجح صدرية وردية متسخة مثبتة من ~~الجانبين، وكانت هناك رقعة حرشفية على إحدى وجنتيها. # قالت الفتاة: «لا بد أن هذا هو الاجتماع.» # كانت هناك نافذة صغيرة في الباب، تمكنتا من النظر عبرها لتشاهدا الطلاب الآخرين الحاصلين ~~على المنح الدراسية الذين تجمعوا بالفعل وانتظروا الاجتماع. بدا لروز أنها رأت أربع أو ~~خمس فتيات يشبهن تلك الفتاة الواقفة بجوارها في الرزانة وانحناء الظهر، وعددا من الشباب ~~ذوي مظهر صبياني وعيون لامعة وملامح توحي بالرضا عن النفس. بدا لها حينها أن القاعدة ~~السائدة أن تبدو الفتيات الحاصلات على المنح الدراسية كما لو كن في الأربعين من عمرهن ~~والشباب في الثانية عشرة. من المستحيل، بالطبع، أن ينطبق ذلك على الجميع. ms084 ومن المستحيل ~~أيضا أن تتمكن روز بنظرة واحدة عبر الزجاج من ملاحظة آثار الإكزيما، وبقع الإبط، وقشرة ~~الشعر، والرواسب المتعفنة على الأسنان، والغمص الجاف بأطراف العيون. فهذا ما تصورته فحسب. ~~ومع ذلك، فلم تكن مخطئة في وجود شيء ما يغشاهم جميعا؛ لقد غشيتهم بالفعل حالة رهيبة من ~~التلهف والانقياد، وإلا فكيف يمكنهم تقديم كل هذه الإجابات الصحيحة والمرضية؟ كيف يمكنهم ~~تحقيق التميز لأنفسهم والوصول إلى هذا المكان؟ هذا ما فعلته روز أيضا. # قالت للفتاة الأخرى: «سأذهب إلى دورة المياه.» # تصورت روز نفسها وهي تعمل في الكافتيريا، وقد بدا جسدها الممتلئ بالفعل أكثر بدانة في ~~الزي القطني الأخضر الموحد للكافتيريا، وقد تحول وجهها للحمرة، وقسا شعرها نتيجة ~~للحرارة. تخيلت تقديمها صحون اليخنة والدجاج المحمر لمن هم على درجة أقل من الذكاء ومستوى ~~أعلى من الدخل، تصورت نفسها محاصرة بطاولات تقديم الطعام، والزي الموحد، والعمل الشاق ~~المحترم الذي لا يجب لأحد أن يخجل منه، ويظهر عليها الذكاء والفقر البادي للجميع. يمكن ~~للشباب التأقلم مع ذلك ... بالكاد. أما الفتيات، فهو وضع مهلك لهن. فقر الفتاة ليس بالأمر ~~الجذاب، إلا إذا صاحبه جاذبية جنسية أو غباء. والذكاء ليس جذابا أيضا، إلا إذا ارتبط ببعض ~~ملامح الأناقة والمنزلة الاجتماعية الرفيعة. هل كان ذلك صحيحا؟ وهل كانت روز بالحماقة التي ~~تجعلها تهتم بذلك؟ الإجابة في الحالتين هي «نعم». # عادت روز للطابق الأول حيث ازدحمت القاعات بالطلاب العاديين، الذين لم يحصلوا على منح ~~دراسية ولم يكن من المنتظر منهم الحصول على الامتياز دوما، والشعور بالامتنان والعيش ~~بتكاليف زهيدة. تجولوا مرتبكين بمظهرهم البريء المثير للحسد حول موائد التسجيل، مرتدين ~~ستراتهم البيضاء والأرجوانية الجديدة، وقبعات الطلاب المستجدين الأرجوانية. أخذوا يصيحون ~~بعضهم لبعض بتذكيرات، ومعلومات ملتبسة، وإهانات حمقاء. سارت روز بينهم وبداخلها شعور مرير ~~بتفوقها عليهم وقنوطها في الوقت نفسه. ظلت تنورة الطقم الأخضر الذي كانت ترتديه والمصنوع من ~~المخمل المضلع تلتصق بساقيها أثناء سيرها. كانت خامة القماش خفيفة؛ ربما كان يجب عليها ~~إنفاق مبلغ أكبر لشراء خامة أثقل . وفي ms085 تلك اللحظة، فكرت أيضا في أن تفصيل السترة كان سيئا ~~بدوره، مع أنها بدت جيدة في المنزل. الطقم بأكمله صنعته خياطة صديقة لفلو في هانراتي، وقد ~~انصب اهتمامها الأساسي في حياكته على ألا يظهر التصميم أي ملامح للجسد. طلبت منها روز ~~تضييق التنورة، فقالت لها: «لا أظن أنك ترغبين في إظهار مؤخرتك، أليس كذلك؟» ولم ترد روز ~~البوح بأنها لا تهتم. # من الأمور الأخرى التي قالتها لها الخياطة: «اعتقدت أنك بإنهاء المرحلة الثانوية ستحصلين ~~على وظيفة وتساعدين فلو في نفقات المنزل.» # أوقفت إحدى السيدات روز أثناء سيرها في القاعة. ~~«ألست إحدى فتيات المنح الدراسية؟» # كانت سكرتيرة أمين عام الجامعة. ظنت روز أنها ستوبخ لعدم حضورها الاجتماع، وعزمت على ~~القول بأنها شعرت ببعض التوعك. أعدت وجهها لتلك الكذبة، لكن السكرتيرة قالت لها: «تعالي ~~معي الآن. ثمة شخص يرغب في لقائك.» # كانت الدكتورة هينشو تحدث جلبة محبوبة في المكتب. لقد أحبت الفتيات الفقيرات ~~الألمعيات، لكنها كانت تفضلهن جميلات أيضا. # قالت السكرتيرة لروز وهي تتقدمها في السير: «أظن أن ذلك قد يكون يوم حظك، إذا استطعت رسم ~~تعبير أكثر لطفا على وجهك.» # كرهت روز أن يطلب منها أحد ذلك، لكنها ابتسمت مطيعة. # وفي غضون ساعة، نقلت إلى منزل الدكتورة هينشو، واستقرت فيه مع الحواجز الخشبية ~~والمزهريات الصينية، وقيل لها إنها طالبة. ~~••• # حصلت روز على وظيفة في مكتبة الكلية بدلا من الكافيتريا؛ إذ كانت الدكتورة هينشو صديقة ~~لرئيس أمناء المكتبة. عملت روز بعد ظهيرة أيام السبت في قسم تخزين الكتب حيث تعيد الكتب ~~لأماكنها. وكانت المكتبة تكاد تكون خالية في ذلك التوقيت بفصل الخريف، بسبب مباريات كرة ~~القدم. أطلت النوافذ الضيقة للمكتبة على الحرم الجامعي المليء بالأشجار، وملعب كرة القدم، ~~والمدينة الممتلئة طرقاتها بأوراق الأشجار المتساقطة، وتهادت أصوات الأغاني والصيحات إلى ~~المكتبة. # لم تكن مباني الكلية قديمة على الإطلاق، لكنها صممت لتبدو كذلك؛ فكانت مبنية من ~~الحجارة. وكان لمبنى كلية الآداب برج. أما المكتبة، فكانت نوافذها بابية مصممة ربما ~~لتصويب الأسهم منها. أكثر ما ms086 أعجب روز في المكتبة هو المباني والكتب، والنشاط الذي شهدته ~~عادة، وهو ما تلاشى في ذلك الوقت من العام، وارتكز حول ملعب كرة القدم الذي صدرت عنه تلك ~~الضوضاء التي بدت في نظرها غير لائقة ومشتتة للذهن. كانت الهتافات والأغاني بلهاء، إذا ركز ~~المرء في كلماتها. لماذا شيدوا تلك المباني المهيبة إذا كانوا سيغنون مثل هذه ~~الأغاني؟ # كانت روز بالحكمة التي تمنعها من التعبير عن هذه الآراء، وإذا قال لها أي شخص: «كم هو ~~كريه أن تضطري للعمل أيام السبت، وألا تستطيعي حضور المباريات»، كانت توافقه الرأي ~~بشدة. # في إحدى المرات، أمسك رجل ما بساقها العارية بين الجورب والتنورة. حدث ذلك في قسم الزراعة ~~بالجزء السفلي من منطقة أرفف تخزين الكتب بالمكتبة. لم يملك أحد تصريحا لدخول هذا المكان ~~سوى أعضاء هيئة التدريس، وطلاب الدراسات العليا، والموظفين، لكن قد يستطيع أحدهم الدخول من ~~نافذة الطابق الأرضي، إذا كان نحيلا. كانت قد رأت رجلا انحنى وهو يتفحص الكتب في رف ~~أدنى بعيدا عن مكانها بعض الشيء، وعندما مدت يدها لدفع أحد الكتب إلى مكانه، مر ذلك الرجل ~~خلفها، وانحنى ليمسك بساقها، كل ذلك في حركة مباغتة سريعة وخفيفة، ثم اختفى. ظلت تشعر لفترة ~~وجيزة بالمكان الذي غرس فيه أصابعه. لم تبد لها لمسة جنسية، وإنما كانت أشبه بالمزحة، ~~لكنها مزحة غير ودودة على الإطلاق. سمعته روز وهو يركض هاربا، أو شعرت به؛ فقد اهتزت ~~الأرفف المعدنية، ثم توقفت عن الاهتزاز. لم يعد له أي صوت يدل عليه، فسارت باحثة عنه بين ~~أرفف التخزين وأركان القراءة. لكن ماذا إذا رأته، أو تعثرت به في أحد الأركان؟ ما الذي كانت ~~تنوي فعله؟ لم تعرف. لقد شعرت فحسب بضرورة البحث عنه، كما لو كانت في لعبة صبيانية مثيرة. ~~نظرت لربلة ساقها القوية المتوردة. ما أثار دهشتها هو ظهور شخص من حيث لا تعلم يرغب في ~~معاقبتها وإصابتها على هذا النحو. # وجد عادة عدد قليل من طلاب الدراسات العليا في أركان القراءة، حتى بعد ظهيرة ms087 أيام ~~السبت، لكن نادرا ما وجد فيها أساتذة في ذلك الوقت. بحثت روز في كل ركن، فوجدته فارغا ~~حتى وصلت إلى أحد الأشخاص في أحد أركان القراءة، أطلت برأسها بحرية، إذ لم تتوقع وجود أي ~~شخص في ذلك الوقت، لكنها اعتذرت بعد ذلك عن هذا التصرف. # كان هناك شاب يحمل كتابا على حجره، وحوله الكتب مترامية على الأرض، والأوراق تحيط به من ~~كل جانب. سألته روز إن كان قد رأى أي شخص يركض بجواره، فأجابها بالنفي. # روت له ما حدث، لكن السبب لم يكن شعورها ~~بالخوف أو الاشمئزاز، مثلما اعتقد هو بعد ذلك، وإنما رجع ذلك إلى ضرورة إخبارها شخصا ما ~~بما حدث؛ فقد كان موقفا غريبا. لم تكن متأهبة على الإطلاق لرد فعل ذلك الشاب؛ إذ تحول ~~وجهه وعنقه للون الأحمر ليتداخل مع وحمة على جانب وجنته بالكامل. كان نحيلا وأشقر. نهض عن ~~كرسيه دون أن ينتبه للكتاب الموجود على حجره أو الأوراق المتناثرة أمامه، فسقط الكتاب بقوة ~~على الأرض، واندفعت حزمة ضخمة من الأوراق عبر المكتب لتحرك زجاجة الحبر. # قال لها: «يا له من تصرف وضيع!» # فنبهته: «أمسك زجاجة الحبر!» فمال ليلتقط الزجاجة، لكنها سقطت منه على الأرض. لحسن ~~الحظ، كان الغطاء فوقها، ولم تنكسر. ~~«هل ألحق بك أي أذى؟» ~~«كلا، لم يفعل في الواقع.» ~~«تعالي معي إلى الأعلى. سوف نبلغ عما حدث.» ~~«لا، لا داعي.» ~~«لا يمكن أن يفلت بفعلته. يجب ألا يسمح بذلك.» # فقالت روز بارتياح: «ليس هناك من يمكننا إبلاغه بما حدث؛ فأمين المكتبة ينصرف في ظهيرة ~~أيام السبت.» # فرد عليها بصوت عال ومنفعل: «هذا فعل مثير للاشمئزاز.» ندمت روز في تلك اللحظات على ~~إخبارها له بما حدث، وقالت له إنها مضطرة للعودة إلى العمل. ~~«هل أنت بخير؟» ~~«نعم.» ~~«سأكون هنا. فلتنادي علي فقط إذا عاد.» # كان ذلك الشاب هو باتريك. لو أن روز كانت تحاول إيقاعه في غرامها، فما كانت لتختار وسيلة ~~أفضل من تلك. كان يؤمن بالعديد من مفاهيم الشهامة، رغم أنه كان ms088 يتظاهر بسخريته منها من خلال ~~نطق بعض الكلمات أو العبارات بنبرة تعجب، مثل: «الجنس اللطيف» أو «آنسة في ~~ورطة». وبذهاب روز إليه في ركن القراءة بهذه ~~القصة، جعلت من نفسها «آنسة في ورطة». ما كانت سخريته لتخدع أحدا؛ فكان من الجلي أنه يتمنى ~~العيش في عالم الفرسان والسيدات رفيعات الشأن، ونوبات الغضب، والإخلاص. # ظلت تراه في المكتبة كل سبت، والتقت به في كثير من الأحيان أثناء سيرها بأرجاء الحرم ~~الجامعي أو في الكافتيريا. كان يلقي عليها التحية بكياسة واهتمام، متسائلا عن حالها على ~~نحو يشير إلى احتمال تعرضها لاعتداء آخر أو احتمال كونها لا تزال في مرحلة التعافي من ~~الاعتداء الأول. وكان وجهه يتحول للحمرة الشديدة عند رؤيته لها، الأمر الذي ظنت روز أنه ~~بسبب شعوره بالإحراج عند تذكره ما روته له، لكنها اكتشفت فيما بعد أن السبب وراء ذلك هو أنه ~~كان مغرما بها. # توصل باتريك إلى اسمها ومكان إقامتها. اتصل بها هاتفيا في منزل الدكتورة هينشو، وطلب ~~اصطحابها إلى السينما. في البداية، عندما قال لها عبر الهاتف: «أنا باتريك بلاتشفورد» لم ~~تستطع تذكره، لكنها سرعان ما تعرفت على الصوت العالي المحزون والمرتعد. وافقت روز على ~~طلبه، وكان من بين أسباب موافقتها ما قالته الدكتورة هينشو دوما عن سعادتها لعدم إهدار روز ~~وقتها في التسكع مع الشباب. # بعد أن بدأت روز في الخروج مع باتريك، سألته: «ألن يكون من المضحك إذا كنت أنت من أمسكت ~~بساقي في المكتبة ذلك اليوم؟» # لكن باتريك لم ير ذلك مضحكا، وأفزعه تفكيرها على هذا النحو. # قالت له إنها لا تقصد سوى المزاح، وإن ما عنته هو أن هذا الافتراض كان سيحدث تغييرا ~~هائلا في القصة، كإحدى قصص سومرست موم أو أحد أفلام هيتشكوك. كانا قد شاهدا لتوهما فيلما ~~له. ~~«أتعلم، لو كان هيتشكوك قد صنع فيلما عن موقف مشابه لذلك، لكنت لعبت أنت دور الرجل ~~المتوحش النهم الذي أمسك بساقي، ويكون ذلك جانبا من شخصيتك، والجانب الآخر هو الطالب ~~الخجول.» # لم يعجبه ذلك ms089 أيضا. # وسألها: «هل هذه صورتي في نظرك ... طالب خجول؟» بدا لها أنه خفض صوته، واصطنع بعض نبرات ~~الشكوى، ومال بذقنه إلى الداخل، كما لو كان يمزح. لكنه قلما مزح معها؛ فهو يرى أن المزاح ~~ليس لائقا عندما يكون المرء مغرما. ~~«لم أقل إنك طالب خجول أو ممسك للسيقان. إنها مجرد فكرة طرأت علي.» # فرد عليها بعد برهة قائلا: «أظنني أفتقر في نظرك لملامح الرجولة.» # صعقت روز بهذه المجاهرة، وشعرت بالغضب. إنه يغامر؛ ألم يمر بأي موقف من قبل يعلمه عدم ~~خوض مثل هذه المغامرات؟ لعله لم تبد عليه الرجولة بالفعل. علم باتريك أنها ستقول له شيئا ~~يطمئنه، لكنها لم ترغب في ذلك، وإنما رغبت في أن تقول له بتعقل: «حسنا، أنت محق في ~~ذلك.» # لكن ذلك سيكون منافيا للحقيقة؛ فقد بدا ذكوريا في نظرها. والسبب هو خوضه مثل هذه ~~المغامرات، والرجال وحدهم هم من يتسمون بهذا القدر من التسرع وكثرة المطالب. # قالت له في موقف آخر: «لقد أتينا من عالمين مختلفين؛ فأهلي فقراء، والمكان الذي يعيشون ~~فيه مقلب نفايات في نظرك.» شعرت بقولها ذلك أنها إحدى شخصيات المسرحيات الدرامية. # بهذا الحديث، صارت روز هي المخادعة؛ إذ تتظاهر بذلك لترمي بنفسها تحت رحمته، لأنها بالطبع ~~لم تتوقع منه التخلي عنها وعن طلب زواجها عندما علم بفقر أهلها وأنهم يعيشون في مقلب ~~نفايات. # فكان رد باتريك عليها: «لكنني سعيد بفقرك. أنت جميلة حقا ~~... جميلة كالفتاة المتسولة.» ~~«من؟» ~~«لوحة الملك كوفيتوا والفتاة المتسولة، ألا تعرفينها؟» # اعتاد باتريك اتباع حيلة، أو بالأحرى أسلوب - ليست حيلة، فباتريك لا علم له بالحيل - ~~للتعبير عن التفاجؤ: ذلك التفاجؤ المشحون بالازدراء عندما يجهل الناس شيئا يعلمه، وازدراء ~~وتفاجؤ مماثلين عندما يحاولون معرفة شيء يجهله. فكانت كل من غطرسته وتواضعه مبالغا فيهما ~~على نحو غريب. أما الغطرسة، فتوصلت روز بمرور الوقت إلى أن سببها هو ثراء باتريك، مع أنه لم ~~يتفاخر أبدا بهذا الأمر في حد ذاته. وعندما التقت بأختيه، اكتشفت أنهما يتسمان بنفس ~~السمات؛ إذ تحتقران أي شخص ms090 ليست لديه معلومات عن الخيل أو الإبحار، كما كان لهما نفس الشعور ~~المزدري حيال أي شخص تنصب معرفته في الموسيقى أو السياسة. فما كان يبرع فيه باتريك وأختاه ~~عند وجودهم معا هو إظهار الاحتقار والازدراء للآخرين. لكن أليس بيلي بوب بهذا القدر من ~~السوء أيضا عندما يتعلق الأمر بالغطرسة؟ أليست فلو كذلك؟ ربما. لكن ثمة فارقا، وهو أن ~~بيلي بوب وفلو لم يتمتعا بالحماية؛ فهناك أشياء تثير استفزازهم مثل المهاجر البلجيكي الفذ ~~ومتحدثي الفرنسية في الراديو، والتغيرات المختلفة. أما باتريك وأختاه، فقد كانوا يتصرفون ~~كما لو أنه من المستحيل استفزازهم بأي شيء. أصواتهم عند شجارهم على المائدة كانت طفولية على ~~نحو مدهش؛ وطلباتهم للطعام الذي يحبونه، وحدة طباعهم عند رؤيتهم أي شيء على المائدة لا ~~يحبونه، كلها سلوكيات أشبه بسلوكيات الأطفال. لم يضطر أي منهم أبدا للخضوع لأي شخص، أو ~~التجمل أمام الآخرين، أو انتظار أي استحسان من العالم، ولن يضطروا لذلك أبدا أيضا، وذلك ~~لأنهم أثرياء. # لم تكن لدى روز أية فكرة في البداية عن مدى ثراء باتريك. لم يصدق أحد جهلها بذلك؛ فظن ~~الجميع أنها ذكية وأجرت الحسابات عند الارتباط به، لكنها كانت أبعد ما يكون عن هذا النوع من ~~الذكاء، لذلك لم تهتم في الواقع بظنون الآخرين فيها. واكتشفت فيما بعد أن الفتيات الأخريات ~~كن يحاولن الوصول إليه، لكنهن لم يتمكن من ذلك مثلها. والفتيات الأكبر منها سنا العضوات ~~في نادي الفتيات بالجامعة، اللاتي لم يلاحظنها من قبل قط، بدأن في النظر إليها بنوع من ~~الحيرة والاحترام. حتى الدكتورة هينشو عندما رأت أن الأمور أكثر جدية مما اعتقدت، وجلست مع ~~روز لتتحدث معها في هذا الشأن، افترضت أنها تضع أموال باتريك نصب عينيها. # فقالت لها بنبرة ساخرة وجادة في الوقت نفسه: «إن لفت انتباه وريث إمبراطورية تجارية ليس ~~بالأمر الهين. إنني لا أكره الثروة، بل إنني أتمنى أحيانا لو امتلكت بعضا منها.» (هل ~~افترضت حقا أنها لا تملك ثروة؟) واستطردت قائلة: «إنني موقنة بأنك ستحسنين استخدامها ، ~~لكن ms091 ماذا عن طموحاتك يا روز؟ ماذا عن دراساتك وشهادتك؟ هل ستنسين كل ذلك بهذه ~~السرعة؟» # كانت هناك بعض المبالغة في تعبير «إمبراطورية تجارية» الذي استخدمته الدكتورة. امتلكت ~~عائلة باتريك سلسلة من المتاجر الكبيرة في كولومبيا البريطانية، وكل ما قاله باتريك لروز هو ~~أن والده يمتلك بعض المتاجر. وعندما قالت له إنهما ينتميان لعالمين مختلفين، كانت تظن أنه ~~يعيش على الأرجح في منزل كبير مثل منازل الحي الذي تعيش فيه الدكتورة هينشو، وكانت تفكر ~~أيضا في أكثر التجار ثراء في هانراتي، ولم تدرك مدى الانقلاب الذي حققته، لأن الانقلاب في ~~نظرها كان أن يقع ابن الجزار أو ابن الصائغ في حبها؛ وكان الناس سيقولون إنها قد حققت ~~نجاحا إن حدث ذلك. # اطلعت روز على اللوحة بعد أن بحثت عنها في أحد كتب الفن في المكتبة، ودققت النظر في ~~الفتاة المتسولة الوديعة والمثيرة بقدميها البيضاوين الخجولتين، واستسلامها الخنوع ~~وامتنانها. أهكذا رأى باتريك روز؟ أهذا ما يمكن أن تكون عليه؟ سوف تحتاج إلى ذلك الملك ~~بحدته وبشرته الداكنة وما اتسم به من براعة وهمجية، بالرغم من المشاعر الطاغية التي وقع ~~أسيرا لها. سيمكنه أن يشكلها كما يشاء في ظل ما يتمتع به من رغبة عارمة. ولن يكون هناك ~~أي اعتذار معه، أو أي إحجام، أو تشكك مثل ذلك الذي يظهر في جميع التعاملات مع ~~باتريك. # لم تستطع روز خذلان باتريك، لم تستطع فعل ذلك، ليس بسبب مقدار ما يملك من المال، وإنما ~~بسبب مقدار ما يقدمه لها من حب لا يمكنها تجاهله. لقد شعرت بالأسف حياله وبضرورة مساعدته ~~في التغلب على ذلك. كان الأمر أشبه بتقدمه نحوها وسط جمع من الناس، حاملا شيئا ضخما ~~وبسيطا ومبهرا - ربما بيضة ضخمة مصنوعة من الفضة الخالصة؛ شيء هائل في وزنه ومشكوك في ~~استخدامه - ويعطيه لها، أو بالأحرى يدفعه نحوها متوسلا إياها رفع بعض الحمل عنه. وإذا ~~ردته إليه، فكيف سيتحمله؟ لكن هذا التفسير أغفل شيئا ما؛ وهو ما كانت روز تشتهيه، والذي ~~لا يتمثل في الثروة، ms092 وإنما الحب إلى درجة العبادة. كان لزاما أن يبهرها ما قدمه لها ~~باتريك من ضخامة ووزن وبريق ما أسماه حبا (ولم تشكك هي في ذلك)، مع أنها لم تلتمسه ~~أبدا. ورأت روز أنها من الصعب أن تحصل على هذا العرض مجددا. باتريك نفسه، بالرغم من حبه ~~الشديد لها، كان يقر إقرارا غير مباشر بحظها الحسن في هذه العلاقة. # اعتقدت روز دوما في حدوث ذلك؛ أي في أن تنال إعجاب شخص ما ويقع في غرامها ويعييه هواها، ~~لكنها في الوقت نفسه، اعتقدت أنه ما من أحد سيفعل ذلك، أو يرغب فيها على الإطلاق، وهذا ما ~~بدا لها بالفعل حتى ذلك الحين. إن ما يجعل المرء مرغوبا فيه ليس ما يفعله، وإنما ما يملكه، ~~وكيف يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كان يملك هذا الشيء أم لا؟ كانت روز تنظر لنفسها في المرآة، ~~وتفكر: «زوجة ... حبيبة»؛ تلك الكلمات الرقيقة الجميلة، كيف يمكن أن تنطبق عليها؟ لقد كانت ~~معجزة؛ أو بالأحرى خطأ. كان ذلك ما حلمت به، وليس ما رغبت فيه. # أعياها الإرهاق والضيق والأرق. حاولت التفكير بإعجاب في باتريك. لقد كان وجهه النحيل ذو ~~البشرة الناعمة الشقراء وسيما للغاية. لا بد أنه كان يتمتع بقدر من المعرفة أيضا؛ فقد كان ~~يصحح الأبحاث، ويشرف على الاختبارات، وينهي رسالته. فاحت منه أيضا رائحة تبغ غليون وصوف ~~خشن أحبتها روز. كان يبلغ من العمر أربعة وعشرين عاما. ما من فتاة أخرى تعرفها روز كان ~~لديها صديق في هذا العمر. # وبعد هذه الأفكار، كانت تتذكره فجأة دون أي إنذار مسبق وهو يقول: «أعتقد أنني أفتقر في ~~نظرك إلى ملامح الرجولة»، أو «هل تحبينني؟ هل تحبينني حقا؟» وهو ينظر إليها نظرة تدل على ~~الخوف والتهديد. وعندما كانت تخبره أنها تحبه، كان يقول لها كم هو محظوظ، بل كم هما ~~محظوظان! ويذكر أصدقاءه وفتياتهم، مقارنا علاقات الحب بينهم مع توضيح أن العلاقة بينه هو ~~وروز أفضل من هذه العلاقات. تسبب ذلك في ارتعاد روز من الغضب والتعاسة ؛ لقد ms093 شعرت ~~بالاشمئزاز من نفسها بقدر ما شعرت به منه، وشعرت بالاشمئزاز أيضا من صورتهما معا في تلك ~~اللحظة، وهما يسيران عبر أحد متنزهات وسط المدينة المليئة بالثلج، ويدها موضوعة في يده ... أو ~~بالأحرى في جيبه. كانت هناك أفكار غاضبة وقاسية تصرخ بداخلها. وجب عليها فعل شيء ما، لئلا ~~تخرج تلك الأفكار وتبدو عليها، فبدأت في مداعبته وتشويقه. # أمام الباب الخلفي لمنزل الدكتورة هينشو، قبلته، وحاولت إجباره على فتح فمه، وفعلت ~~أشياء شائنة معه. شعرت عند تقبيله لها بنعومة شفتيه وخجل لسانه. تداعى بجسده عليها بدلا من ~~أن يمسك بها. لم تشعر بأية قوة فيه. ~~«كم أنت جميلة، وبشرتك جميلة، وحاجباك رائعان! أنت رقيقة جدا!» # سعدت روز بسماع هذه الكلمات، كانت أي فتاة ستسعد بذلك، لكن ردها جاء تحذيريا بأن قالت ~~له: «لست رقيقة حقا كما تظن، فأنا ضخمة.» ~~«أنت لا تعلمين مدى حبي لك. ثمة كتاب عنوانه «الإلهة البيضاء»، كلما نظرت إلى عنوانه، ~~تذكرتك.» # فابتعدت عنه، ثم انحنت وأمسكت بحفنة من الثلج المنجرف بجوار درجات السلم، ورمت بها على ~~رأسه. ~~«إلهي الأبيض!» # فهز رأسه لإنزال الثلج، واغترفت هي المزيد منه ورمته عليه. لكنه لم يضحك، وإنما أدهشه ~~التصرف وأزعجه. مسحت بعد ذلك الثلج من على حاجبيه ولعقته من على أذنيه. كانت تضحك رغم ~~شعورها باليأس، وليس المرح. لم تعرف ما دفعها إلى فعل ذلك. # همس باتريك قائلا لها: «الدكتورة هينشو!» كان من الممكن لصوته الشاعري الحنون الذي ~~استخدمه للتحدث عنها بعاطفة جياشة أن يختفي تماما، ويتحول إلى احتجاج وحنق، دون أي درجات ~~متوسطة بين الصوتين. ~~«سوف تسمعك الدكتورة هينشو!» # فقالت له روز على نحو حالم: «تقول الدكتورة هينشو إنك شاب جدير بالاحترام؛ أظن أنها مغرمة ~~بك.» صدقت روز في ذلك؛ فقد كان ذلك هو ما قالته الدكتورة هينشو بالفعل عن باتريك. ولم تخطئ ~~الدكتورة بدورها في هذا الوصف. لم يتحمل باتريك الأسلوب الذي تحدثت به روز. نفخت الثلج في ~~شعره، وقالت له: «لم لا تدخل وتفض بكارتها؟ أنا موقنة أنها ms094 لا تزال عذراء. هذه نافذتها. ~~لم لا تذهب؟» فركت شعره، ثم أدخلت يدها في معطفه، وفركت مقدمة بنطاله، وقالت بحماس المنتصر: ~~«أنت قوي! يا إلهي، باتريك! لديك الكثير لتقدمه للدكتورة هينشو!» لم يسبق لها قول شيء كهذا ~~أبدا، ولم تقترب من هذا النوع من السلوك قط من قبل. # قال باتريك لها منزعجا: «اصمتي!» لكنها لم تستطع السكوت، ورفعت رأسها، وهمست بصوت عال ~~متظاهرة بالنداء في اتجاه نافذة علوية بالمنزل: «يا دكتورة هينشو! تعالي وانظري ما يخبئه ~~باتريك لك!» ومدت يدها متحرشة إلى سحاب بنطاله. # وجب على باتريك مصارعتها لإيقافها وإسكاتها. وضع يده على فمها، ودفعها بيده الأخرى بعيدا ~~عن سحاب بنطاله، فارتطمت أكمام معطفه الفضفاضة الضخمة بها كأجنحة مرفرفة. وما إن بدأ في ~~مصارعتها حتى شعرت بالارتياح؛ فهذا ما أرادته منه، أن يصدر عنه أي فعل. لكن وجب عليها ~~الاستمرار في مقاومته إلى أن أثبت أنه أقوى منها بالفعل. كانت تخشى من ألا يتمكن من ~~ذلك. # لكنه تمكن، وأجبرها على الجثوم على ~~ركبتيها أمامه ووجهها في الثلج. جذب ذراعيها للخلف وفرك وجهها في الثلج، ثم تركها، وكاد ~~يفسد ما فعله. ~~«هل أنت بخير؟ أنا آسف، روز؟» # فوقفت مترنحة، ودفعت بوجهها المغطى ~~بالثلج في وجهه، فتراجع للخلف. ~~«قبلني! قبل الثلج! أنا أحبك!» # فسألها بتأثر: «أحقا تفعلين؟» وأزاح الثلج عن جانب فمها، وقبلها. سألها باندهاش ~~مفهوم: «هل تحبينني فعلا؟» # في تلك اللحظة، انعكس ضوء عليهما وعلى الثلج الذي وطأته أقدامهما، وسمعا صوت الدكتورة ~~هينشو ينادي من فوقهما. ~~«روز! روز!» # نادت عليها بصوت صبور ومشجع كما لو كانت روز قد ضلت طريقها وسط ضباب قريب من المنزل ~~وبحاجة لمن يرشدها إلى العودة. ~~••• # سألتها الدكتورة هينشو: «هل تحبينه يا روز؟ لا، فكري. هل تحبينه؟» كان صوتها مليئا بالشك ~~والجدية. أخذت روز نفسا عميقا وأجابت كما لو كانت روحها مليئة بمشاعر مطمئنة: «نعم، ~~أحبه.» ~~«حسنا، إذن.» # استيقظت روز في منتصف الليل، وتناولت بعض الشوكولاتة. اشتهت روز الحلوى، وكانت تفكر عادة ~~أثناء أي حصة دراسية أو ms095 فيلم سينمائي في كعك الشوكولاتة، أو البراوني أو أي نوع من أنواع ~~الكعك التي كانت الدكتورة هينشو تجلبها من المخبز الأوروبي، والتي كانت ممتلئة بقطرات ~~الشوكولاتة المرة الغنية التي تنسكب منها على الطبق. وكلما حاولت التفكير في علاقتها ~~بباتريك، أو عزمت على اتخاذ قرار بشأن ما كانت تشعر به في الحقيقة، تدخل هذا الاشتهاء ~~للحلوى في أفكارها. # بدأ وزنها يزيد، وظهرت بعض البثور بين حاجبيها. # كانت غرفة نومها باردة؛ إذ كانت فوق الجراج وبها نوافذ من ثلاث جهات. فيما عدا ذلك، كانت ~~غرفة لطيفة، وكانت هناك بعض الصور المعلقة في أطر أعلى السرير لسماوات وأطلال إغريقية ~~التقطتها الدكتورة هينشو بنفسها أثناء رحلتها إلى بلدان البحر الأبيض المتوسط. # كانت تكتب آنذاك مقالا عن مسرحيات ييتس، وكان من بين شخصيات إحدى هذه المسرحيات عروس ~~شابة اختطفتها الجنيات بعيدا مخلصة إياها من زيجة يحكمها العقل لم تتحملها تلك ~~الفتاة. # قرأت روز: «فتلهربي أيتها الطفلة البشرية ...» وعيناها مملوءتان بالدموع ابتئاسا على ~~حالها، كما لو كانت هي تلك الفتاة البتول الخجولة الرقيقة الهاربة من الفلاحين مشوشي الفكر ~~الذين حاصروها. لكن على أرض الواقع، كانت روز هي الفلاحة التي تصدم باتريك ذا المبادئ ~~السامية، لكنه لم يحاول الهرب منها. # التقطت إحدى هذه الصور وشوهت ورق الحائط بكتابة مطلع قصيدة طرأت على ذهنها أثناء تناولها ~~الشوكولاتة في السرير، ورياح متنزه جيبونز ترتطم بحوائط الجراج: # أهوج أحمله في رحمي # طفل أبوه مجنون ... # ولم تضف أية كلمة لذلك قط، وتساءلت أحيانا عما إذا كانت تقصد «أحمق»، بدلا من «أهوج»، ~~لكنها لم تحاول مسح هذه الكلمة أيضا قط. ~~••• # عاش باتريك في إحدى الشقق مع طالبين آخرين من طلاب الدراسات العليا. عاش حياة بسيطة، لم ~~يمتلك سيارة أو ينتمي إلى أي من نوادي الأخوية. واتسمت ملابسه ببعض ملامح ملابس ~~الأكاديميين العادية الرثة. وكان أصدقاؤه من أبناء المعلمين ورجال الدين. وقال لروز ذات مرة ~~إن والده كاد يتبرأ منه لاختياره طريق العلم، وإنه لن يدخل عالم التجارة أبدا. # عادا معا ذات مرة ms096 إلى تلك الشقة في فترة ما بعد الظهيرة لعلمهما بعدم وجود الطالبين ~~الآخرين فيها. كانت الشقة باردة. خلعا ملابسهما سريعا، ودخلا في سرير باتريك. تعلق ~~أحدهما بالآخر، وهما يرتعشان ويقهقهان. كانت روز هي من تقهقه؛ فقد شعرت بضرورة أن تكون مرحة ~~دائما. أفزعتها احتمالية عدم تمكنهما من المضاجعة، ومن تعرضهما لمهانة كبيرة، واتضاح مرير ~~لصور الخداع والغش، لكنها في الواقع هي من اتسمت بهذا الخداع والغش. لم يكن باتريك محتالا ~~أبدا. تمكن من مضاجعتها بالرغم من كم الإحراج الهائل والاعتذارات، ومر بمراحل اندهش لها ~~من اللهاث والتخبط إلى شعور بالارتياح والسكينة. أما روز، فلم تساعده؛ فبدلا من أن تبدي ~~استسلاما صادقا، أخذت تتحرك كثيرا متظاهرة برغبة زائفة وعاطفة ملتهبة مزيفة. وقد سعدت ~~بإتمام الأمر؛ ما كان عليها أن تزيف ذلك. لقد فعلا ما فعله الآخرون، أو بالأحرى ما فعله ~~المحبون. فكرت في الاحتفال بالحدث، وما خطر على ذهنها هو تناول شيء لذيذ، ربما آيس كريم ~~بالفواكه والمكسرات في بوومرز، أو فطيرة تفاح بصوص القرفة الساخن. لم تكن متأهبة على ~~الإطلاق لما كان يفكر فيه باتريك، وهو البقاء في مكانهما والمحاولة مرة أخرى. # وفي المرة الخامسة أو السادسة لالتقائهما، انطفأ حماسها ورغبتها تماما. # سألها باتريك: «ما الخطب؟» # فأجابته: «لا شيء!» ثم عادت لانتباهها وتوهجها مجددا، لكنها ظلت تنسى ما كان يحدث ~~بينهما، وتدخلت تطورات جديدة في تفكيرها، واضطرت في النهاية للاستسلام لذلك الصراع بداخلها، ~~متجاهلة باتريك إلى حد ما. وعندما تمكنت من التركيز معه ثانية، غمرته بمشاعر الامتنان. لقد ~~كانت ممتنة الآن فعلا، ورغبت في أن يسامحها - بالرغم من عدم قدرتها على النطق بذلك - على ~~امتنانها غير الصادق، وعلى سلوكها المتسلط، وشكوكها. # ما الذي يدفعها لهذا القدر من التشكك؟ أخذت تفكر في هذا السؤال بينما كانت مستلقية في ~~السرير، بينما ذهب باتريك لإعداد بعض القهوة الفورية. أليس من الممكن أن تتفق مشاعرها مع ما ~~تتظاهر به؟ إذا كانت هذه المفاجأة الجنسية ممكنة، أليس من الممكن أن يكون أي شيء آخر ممكنا ms097 ~~أيضا؟ لم يساعدها باتريك كثيرا؛ فأخلاقه الرفيعة وتحقيره من قدر نفسه، بالإضافة إلى ~~توبيخه لها، كلها أمور كانت تثبط من عزيمتها. لكن أليس العيب الحقيقي فيها هي؟ ألم تفكر في ~~أن أي شخص سيقع في حبها لا بد أن يكون معيبا على نحو ميئوس منه، وأن يتضح لها في النهاية ~~أنه أحمق؟ الأمر الذي دفعها لملاحظة أي شيء أحمق يتعلق بباتريك، بالرغم من ظنها أنها تبحث ~~عن الجوانب المبهرة التي يبرع فيها. في تلك اللحظة، وهي مستلقية في غرفته وعلى سريره وبين ~~كتبه وملابسه وفرشاة أحذيته وآلته الكاتبة، وصور الرسوم المتحركة المثبتة حولها - جلست في ~~السرير لتنظر إليها، وقد كانت صورا لطيفة للغاية. لا بد أنه كان يسمح ببعض المرح عندما لا ~~تكون هي موجودة في المكان - رأته شخصا جديرا بالحب، وذكيا، بل وظريفا أيضا. ليس ~~بطلا، وليس أحمق في الوقت نفسه. ربما يمكنهما أن يكونا شخصين عاديين. تمنت فقط ألا يبدأ ~~في شكرها وتحسسها والتغزل فيها عند عودته إلى الغرفة. لم تحب ذلك التغزل في الواقع، فقد ~~كانت تحب فكرة التغزل فقط. على الجانب الآخر، لم تكن تحبه أيضا أن ينتقدها ويصحح أخطاءها. ~~ثمة أمور كثيرة عزم على تغييرها فيها. # لقد أحبها باتريك، لكن ما الذي أحبه فيها؟ ليس لكنتها التي كان يحاول جاهدا تغييرها، ~~مع أنها كانت تثور عليه وتتصرف على نحو غير عقلاني في كثير من الأحيان، موضحة أنها تتحدث ~~مثل الجميع، وليس في حديثها أية لكنة ريفية، بالرغم من كل الأدلة التي تثبت عكس ذلك. لم تكن ~~جرأتها الجنسية المتوترة كذلك بالشيء الذي أحبه باتريك (فقد ارتاح لتأكده من عذريتها مثلما ~~ارتاحت هي بتأكده من كفاءته في هذا الشأن). كان باستطاعتها إجفاله بكلمة بذيئة، أو لكنة ~~متشدقة. كانت لا تكف عن الحركة والتحدث، مدمرة صورتها في نظره، لكنه مع ذلك نظر إلى ما ~~بداخلها، متجاوزا كل عناصر الإلهاء التي كانت تصنعها حول نفسها، وأحب الصورة المطيعة بعض ~~الشيء فيها، والتي لم تكن هي نفسها تراها . عقد ms098 باتريك آمالا كبيرة على روز؛ فلكنتها يمكن ~~القضاء عليها، وأصدقاؤها يمكن الانتقاص من شأنهم والتخلص منهم، ووقاحتها يمكن إثناؤها ~~عنها. # ماذا عن باقي خصالها؟ النشاط، والكسل، والغرور، والسخط، والطموح؟ لقد أخفتها كلها. لم يكن ~~لدى باتريك أية فكرة عنها. وبالرغم من كل الشكوك التي انتابتها حياله، لم ترغب قط في جعله ~~يكف عن حبه لها. # ذهبا معا في رحلتين. # كانت الرحلة الأولى إلى كولومبيا البريطانية، واستقلا فيها القطار أثناء عطلة عيد الفصح. ~~أرسل والدا باتريك المال له لشراء تذكرته، ودفع هو تذكرة روز مستهلكا كل ما لديه من مال في ~~البنك ومقترضا من أحد زميليه في السكن. وطلب منها ألا تخبر والديه بأنها لم تدفع ثمن ~~تذكرتها، ورأت في ذلك أنه يطلب منها إخفاء فقرها عن والديه. لم يكن باتريك يعلم أي شيء عن ~~ملابس السيدات، وإلا ما كان ليعتقد أن إخفاء فقر روز أمر ممكن، لكنها فعلت كل ما باستطاعتها ~~في هذا الشأن؛ فاقترضت من الدكتورة هينشو معطف المطر الخاص بها والمناسب للطقس الساحلي. كان ~~طويلا بعض الشيء، لكنه فيما عدا ذلك كان ملائما لها بسبب ذوق الدكتورة هينشو الشبابي ~~الأنيق. باعت، أيضا، المزيد من الدم لتشتري كنزة صوفية ناعمة الوبر بلون الخوخ، كانت غير ~~مهندمة على الإطلاق، وبدت فيها كفتاة ريفية تحاول التأنق. اعتادت روز إدراك هذه الأمور بعد ~~شرائها للملابس، وليس قبله. # عاش والدا باتريك في جزيرة فانكوفر القريبة من سيدني. نحو نصف فدان من المرج الأخضر ~~المشذب - أخضر في منتصف الشتاء؛ بدا منتصف مارس لروز كمنتصف الشتاء - منحدر نحو حائط ~~صخري وشاطئ ضيق كثير الحصى وماء مالح. كان المنزل نصفه من الحجارة، والنصف الآخر من الجص ~~والخشب. بني المنزل على الطراز التيودوري، إلى جانب طرز أخرى. كانت جميع نوافذ الغرف كغرفة ~~المعيشة، وغرفة الطعام، والمختلى، مطلة على البحر. ونظرا للرياح العاتية التي كانت تهب ~~على الشاطئ أحيانا، كانت هذه النوافذ مصنوعة من ألواح الزجاج السميك - هذا ما افترضته روز ~~- مثل نوافذ معرض السيارات في هانراتي . وحائط ms099 غرفة الطعام المواجه للبحر كان مصنوعا كله من ~~النوافذ المعقوفة للخارج ببروز بسيط، ما يجعلك تشعر عند الإطلال منها على الخارج بأنك تنظر ~~عبر قعر زجاجة. كان البوفيه أيضا معقوفا للخارج ومطليا بطلاء لامع، وبدا ضخما كالقارب. ~~كانت الضخامة - ولا سيما السمك - ملحوظة في كل مكان. المناشف والسجاجيد ومقابض السكاكين ~~والشوك، كلها كانت سميكة. خيم، كذلك، صمت مطبق على المكان الذي زخر بقدر هائل من الترف ~~وعدم الارتياح. بعد يوم أو نحو ذلك من وجود روز هناك، أصابها إحباط شديد جعلها تشعر بالوهن ~~في معصميها وكاحليها، فوجدت مشقة في الإمساك بالسكين والشوكة؛ كما صعب عليها للغاية تقطيع ~~اللحم البقري المشوي متقن الصنع ومضغه؛ وشعرت بانقطاع أنفاسها عند تسلقها السلالم. لم تعرف ~~من قبل قط كيف يمكن لبعض الأماكن أن تتسبب في اختناق المرء لدرجة يشعر معها بأنه سيفقد ~~حياته. لم تعرف ذلك بالرغم من كثرة الأماكن السيئة التي دخلتها من قبل. # في صبيحة أول يوم لها في المنزل، اصطحبتها والدة باتريك للتمشية في الأرض المحيطة ~~بالمنزل، وأشارت أثناء ذلك إلى دفيئة النباتات الزجاجية، والكوخ الذي عاش فيه «الزوجان». ~~كان كوخا ساحرا تتدلى من فوقه أشجار اللبلاب ويحتوي على نوافذ بمصراعين. كان أكبر من منزل ~~الدكتورة هينشو. وكان «الزوجان» - وهما الخادمان - أكثر رقة في حديثهما، وأكثر تعقلا ~~واحتراما من أي شخص يمكن أن تتذكره روز في هانراتي، وبالطبع أرقى في هذه الجوانب من أسرة ~~باتريك. # أرتها والدة باتريك حديقة الزهور المحيطة بالمطبخ. كان هناك الكثير من الحوائط الحجرية ~~المنخفضة. # وقالت لها: «لقد بنى باتريك كل هذه الحوائط.» كانت تشرح كل شيء بنوع من اللامبالاة التي ~~تقترب من النفور. # فردت روز بصوت مليء بثقة زائفة، وتلهف، وحماس غير لائق: «إذن، فهو اسكتلندي بحق.» كان ~~باتريك اسكتلنديا بالفعل، بالرغم من اسمه؛ إذ تعود أصول أسرة بلاتشفورد إلى جلاسجو. ~~واستطردت روز قائلة: «أليس أفضل عمال العمارة الحجرية اسكتلنديين؟» (كانت قد تعلمت مؤخرا ~~نطق كلمة اسكتلنديين على النحو الصحيح.) «لعل أسلافه عملوا بهذه المهنة .» # انكمشت ms100 خوفا بعد ذلك لتفكر فيما بذلته من جهد، وادعائها السلاسة في الحديث والابتهاج، ~~الأمر الذي تماشى مع الملابس الرخيصة المقلدة التي كانت ترتديها. # قالت والدة باتريك: «لا، لا أظن أن أسلافه كانوا من عمال العمارة الحجرية.» كان يشع منها ~~شيء أشبه بالضباب؛ لقد كان الاستهانة والاستنكار والجزع. ظنت روز أنها ربما تكون قد استاءت ~~مما قالته عن عمل أسرة زوجها بمهنة يدوية، لكنها عندما تعرفت عليها أكثر - أو بالأحرى ~~لاحظتها فترة أطول؛ إذ كان من المستحيل التعرف عليها بشكل أفضل - أدركت أنها كانت تبغض أي ~~شيء تخيلي أو تكهني أو افتراضي في الحديث، هذا فضلا بالطبع عن كرهها لثرثرة روز. فأي ~~اهتمام يتجاوز الاعتبار الواقعي للموضوع المعني - مثل الطعام أو الطقس أو الدعوات أو الأثاث ~~أو الخدم - يبدو في نظرها سلوكا سيئا وخطيرا ودالا على سوء الخلق. فمن الجيد النطق ~~بعبارات مثل: «الطقس اليوم دافئ»، وليس «هذا اليوم يذكرني بما اعتدنا فعله من ...» لقد كرهت ~~تذكر الناس لأي شيء. # كانت الطفلة الوحيدة لأحد أقطاب صناعة الأخشاب الأوائل في جزيرة فانكوفر، وقد ولدت في ~~إحدى المستوطنات الشمالية المندثرة، لكن كلما حاول باتريك دفعها للتحدث عن الماضي، وكلما ~~سألها عن أبسط المعلومات - مثل البواخر التي كانت تظهر على الساحل، والعام الذي ترك الناس ~~فيه المستوطنة، وأي طريق كان أول خط سكة حديد لنقل الأخشاب - كانت ترد عليه في حنق: «لا ~~أعلم. كيف لي أن أعلم؟» وكان هذا الحنق أقوى نبرة يمكن ملاحظتها في حديثها. # لم يكترث والد باتريك أيضا بهذا الاهتمام بالماضي؛ فالكثير من جوانب شخصية باتريك - بل ~~أغلبها - بدا صادما له. # صاح فيه على المائدة: «لماذا تريد معرفة كل ذلك؟» كان رجلا قصيرا عريض المنكبين متورد ~~الوجه شرسا على نحو مذهل. كان باتريك يشبه والدته، التي اتسمت بطول القامة والشعر الأشقر ~~والأناقة في أبسط صورها الممكنة، كما لو كان أسلوبها وملابسها وأدوات زينتها منتقاة للتعبير ~~عن الحيادية بشكل مثالي. # قال باتريك بصوت غاضب يوحي بالغرور، لكنه متهدج وعصبي في الوقت نفسه: ms101 «لأنني مهتم ~~بالتاريخ.» # فقلدته أخته ماريون على الفور ساخرة منه ومن تهدج صوته، وعقبت: «لأنني مهتم ~~بالتاريخ!» # كانت الأختان جوان وماريون أصغر سنا من باتريك، وأكبر من روز، لكنهما على عكس باتريك، ~~لم تظهرا أي نوع من العصبية، أو عدم الرضا عن النفس. وقد سألتا روز في مرة سابقة أثناء ~~تناول الطعام: ~~«هل تركبين الخيول؟» ~~«كلا.» ~~«هل تبحرين؟» ~~«كلا.» ~~«هل تلعبين التنس؟ الجولف؟ تنس الريشة؟» ~~«كلا، كلا، كلا.» # فقال والدهما: «لعلها مثقفة عبقرية مثل باتريك.» فبدأ باتريك في التحدث بصوت عال عن ~~المنح الدراسية والجوائز التي حصلت عليها روز، ما أصابها بالهلع والإحراج. ما الذي كان يطمح ~~فيه؟ هل افتقر لأي نوع من البصيرة، ما جعله يعتقد أن هذا التفاخر سيجعله يتغلب عليهم، ويجلب ~~عليه أي شيء آخر غير الازدراء؟ كان من الواضح أن الأسرة متفقة في اعتراضها على باتريك، ~~وصيحاته المتفاخرة، وبغضه للرياضة والتليفزيون، واهتماماته الثقافية. لكن هذا التحالف كان ~~مؤقتا فقط؛ فبغض الأب لابنتيه كان أقل فقط عند مقارنته ببغضه لباتريك. لقد كان ينتقدهما ~~بشدة أيضا عندما تسنح له الفرصة لذلك. كان يسخر من مقدار الوقت الذي تقضيانه في ممارسة ~~الألعاب، ويشكو من تكلفة المعدات والقوارب والخيول التي تمتلكانها. هذا فضلا عن التشاجر ~~معا حول موضوعات ملتبسة متعلقة بالنقاط المحرزة في المباريات والاقتراضات والخسائر. شكا ~~الجميع أيضا للأم من الطعام، مع أنه كان وفيرا وشهيا. أما الأم، فكان حديثها مقتضبا ~~قدر المستطاع مع الجميع، ولم تستطع روز لومها في ذلك في الحقيقة؛ فهي لم تتصور قط اجتماع ~~هذا القدر من التشاحن الحقيقي في مكان واحد. كان بيلي بوب متعصبا ومتذمرا؛ وفلو كانت ~~متلونة، وظالمة، ومولعة بالنميمة؛ واعتاد والدها في حياته إصدار الأحكام القاسية والاستنكار ~~الدائم، لكن مقارنة بأسرة باتريك، اتسم جميع قوم روز بالبهجة وخفة الدم. # سألت روز باتريك: «هل هذا حالهم دائما؟ هل أنا السبب في ذلك؟ أنا لا أروق لهم.» # فأجابها باتريك بشيء من الرضا: «أنت لا تروقين لهم لأنني اخترتك.» # استلقيا على الشاطئ المليء بالصخور ms102 بعد حلول الظلام، وهما يرتديان معطفي المطر. تعانقا ~~وقبل أحدهما الآخر، وحاولا ما هو أكثر من ذلك، لكن على نحو غير مريح، ودون جدوى. خلفت ~~الطحالب البحرية بعض البقع على معطف الدكتورة هينشو الذي ارتدته روز. قال باتريك: «أعرفت ~~لماذا أحتاج إليك؟ إنني في أمس الحاجة إليك!» ~~••• # اصطحبت روز باتريك إلى هانراتي، ولم يقل الأمر سوءا عما تصورت، فتحملت فلو عناء تحضير ~~وجبة من شرائح البطاطس، واللفت، والسجق الريفي الكبير الذي جلبه لها بيلي بوب من متجر ~~الجزارة كهدية خاصة. مقت باتريك الطعام ذا القوام الخشن، ولم يحاول التظاهر بأنه يتناوله. ~~فرشت الطاولة بمفرش بلاستيكي، وتناولوا الطعام في إضاءة مصباح الفلورسنت. كانت قطعة ~~الزينة الموضوعة في منتصف الطاولة جديدة، ومنتقاة خصوصا لهذه المناسبة. كانت عبارة عن بجعة ~~بلاستيكية ذات لون أخضر مائل للصفرة، بها شقوق في الجناحين حشرت فيها مناديل ورقية ملونة ~~مطوية. وعند تذكير بيلي بوب بأخذ أحد المناديل، نخر رافضا. وفيما عدا ذلك، كان سلوكه حسنا ~~على نحو بائس. فقد وصلت إليه - أو على الأصح وصلت إليه وإلى فلو - أنباء عن الفوز الذي ~~حققته روز، ونقل هذه الأنباء القوم الأعلى منهما شأنا في هانراتي؛ لولا ذلك، ما كانا ~~ليصدقا هذه الأنباء. فزبائن متجر الجزارة من السيدات - السيدات الرائعات؛ زوجة طبيب الأسنان ~~وزوجة الطبيب البيطري - أخبرن بيلي بوب عن أنهن سمعن أن روز انتقت لنفسها رفيقا مليونيرا ~~أو ابن مليونير. وعلمت روز أن بيلي بوب سيعود للعمل في اليوم التالي محملا بقصص عن ~~المليونير أو ابن المليونير، ستركز جميعها على سلوكه - أي سلوك بيلي بوب - الصريح والجريء ~~في هذا الموقف. ~~«لقد استضفناه وقدمنا له بعض السجق. ولم نهتم من أين أتى!» # علمت روز أيضا أن فلو سيكون لها تعليقاتها بدورها، وأنها لن تغفل عن عصبية باتريك، ~~وستتمكن من محاكاة صوته ويديه كثيرتي الحركة اللتين تسببتا في سقوط زجاجة الكتشاب أثناء ~~العشاء. لكن في الوقت الحالي وأثناء تناول الطعام، جلس كلاهما منحنيا بظهره على المائدة ~~على نحو بائس. حاولت روز ms103 بدء الحديث؛ فتحدثت بابتهاج وتكلف، كما لو كانت محاورة في أحد ~~البرامج وتحاول إقناع بعض الأشخاص المحليين البسطاء بالتحدث. شعرت بالخجل على عدة مستويات ~~لم يمكنها حصرها؛ فقد خجلت من الطعام والبجعة ومفرش الطاولة البلاستيكي؛ خجلت من باتريك، ~~المتغطرس الكئيب، الذي عبس وجهه متفاجئا عندما مررت له فلو علبة أعواد الأسنان؛ خجلت من ~~فلو لجبنها ونفاقها وادعاءاتها؛ وفوق كل ذلك خجلت من نفسها؛ فلم تستطع حتى التحدث والظهور ~~بمظهر يخلو من التكلف بأي شكل من الأشكال. ومع وجود باتريك، لم تستطع التراجع في لكنتها ~~للتحدث بلكنة أشبه بلكنة فلو وبيلي بوب وأهل هانراتي. لكنها صارت تسمعها بأذنيها الآن. ~~واتضح لها أنها لا تتضمن اختلافا في النطق فحسب، وإنما أيضا أسلوبا مختلفا تماما في ~~الكلام يجعله يبدو كالصياح؛ إذ تبدو الكلمات منفصلة ومفخمة ليتمكن الناس من قذف بعضهم ~~البعض بها. كان حديث الناس أشبه بسطور مقتبسة من الروايات الكوميدية الريفية المبتذلة. ~~وبرؤية ذلك من منظور باتريك، وسماعه بأذنيه، شعرت روز أيضا بضرورة الاندهاش. # حاولت جذب الحاضرين للحديث عن التاريخ المحلي، وبعض الأمور التي اعتقدت أن باتريك قد يهتم ~~بها؛ فبدأت فلو في التحدث بالفعل، فلا يمكنها أن تظل صامتة كل هذا الوقت، أيا كانت ~~هواجسها، واتخذت المحادثة منحى أبعد ما يكون عن أي شيء نوته روز. # قالت فلو: «الخط الذي عشت به عندما كنت صغيرة السن كان أسوأ مكان على الإطلاق ~~للانتحار.» # أوضحت روز لباتريك: «الخط هو أحد الطرق الريفية.» ساورتها الشكوك بشأن ما سيلي ذلك، وكانت ~~محقة في شكوكها؛ إذ بدأ باتريك يستمع لقصة الرجل الذي شق رقبته بنفسه من الأذن للأذن، ~~والرجل الذي أطلق النار على نفسه، لكنه لم يمت، فأعاد تعبئة السلاح وأطلق النار مجددا ~~ليتمكن في النهاية من قتل نفسه بالفعل، والرجل الذي شنق نفسه باستخدام سلسلة مشابهة للسلاسل ~~المستخدمة في الجرارات. لذا، كان من العجيب أن رأسه لم ينفصل عن جسده. # أخطأت فلو في نطق بعض الكلمات أثناء حديثها. # واصلت الحديث بعد ذلك عن امرأة لم ms104 تنتحر، لكنها توفيت في منزلها، ولم يكتشف أحد ذلك إلا ~~بعد أسبوع من وفاتها. كان ذلك في فصل الصيف. وطلبت من باتريك تصور الأمر. كل ذلك حدث في ~~إطار خمسة أميال فحسب من المكان الذي ولدت فيه. كانت تستعرض أدلة على ما تقوله فحسب، ولا ~~تحاول إفزاع باتريك، على الأقل بقدر يتجاوز ما هو مقبول اجتماعيا. لم تقصد أيضا إرباكه. ~~لكن كيف يمكنه إدراك ذلك؟ # قال باتريك لروز عند مغادرتهما هانراتي على متن الحافلة: «لقد كنت محقة. إنه مقلب نفايات ~~بالفعل. لا ريب أنك سعيدة بهروبك من هنا.» # شعرت روز على الفور أنه ما كان ينبغي أن يقول لها ذلك. # أضاف باتريك: «ليست هذه بالطبع والدتك الحقيقية. فأنا على يقين أن والديك لا يمكن أن ~~يكونا على هذه الشاكلة.» لم يرق لروز قول ذلك أيضا، مع أن ذلك أيضا هو رأيها. فقد رأت ~~أنه يحاول منحها خلفية اجتماعية أكثر رقيا، ربما كمنازل أصدقائه الفقراء: بعض الكتب، ~~صينية شاي، بياضات خضعت للإصلاحات، ذوق جيد في الملابس؛ وأشخاص مثقفون فخورون ومتعبون. فكرت ~~روز غاضبة في مدى جبنه، لكنها كانت تعلم أنها أيضا تتسم بالجبن؛ فهي لا تعرف كيف تتعايش ~~مع قومها أو مطبخ منزلها أو أي شيء آخر ذي صلة. بعد عدة أعوام، ستتعلم كيف تستخدم هذه ~~الأمور، وستتمكن من إمتاع أصحاب التفكير السليم أو ترهيبهم في حفلات العشاء بمنحهم لمحات عن ~~المنزل الذي عاشت فيه قديما. لكنها في تلك اللحظة شعرت بالارتباك والتعاسة. # مع ذلك، بدأت روز تشعر بالولاء؛ فبعد أن تيقنت من هروبها من ذلك المكان، تكونت طبقة أكثر ~~قوة من الولاء والحماية حول كل ذكرى لديها، وحول المتجر والبلدة، حول الريف غير المميز ذي ~~الطابع الفاتر والشجيرات الصغيرة. وصارت تقارن هذه الذكريات سرا برؤية باتريك للجبال ~~والمحيط وقصره المبني من الحجارة والأخشاب، ووجدت أن ولاءها اتسم بقدر أكبر من الفخر ~~والعناد مقارنة بولاء باتريك. # لكن اتضح لها بعد ذلك أنه لن يتخلى عن أي من هذه الأشياء. ~~••• # قدم لها ms105 باتريك خاتما ماسيا، وصرح لها بتخليه عن طموحه في أن يصير مؤرخا من ~~أجلها، وأنه سوف يعمل مع والده. # قالت له إنها اعتقدت أنه يكره عمل والده. فأجابها بأنه لا يستطيع تحمل ما يفرضه هذا ~~الموقف عليه من أعباء بعد أن صار لديه الآن زوجة ينبغي عليه إعالتها. # اعتبر والد باتريك أن رغبة ابنه في الزواج - حتى وإن كانت الزوجة هي روز - علامة على ~~تعقله. امتزجت في تلك الأسرة مسحات من الكرم بكل ما لديهم من سوء النوايا؛ فعندما علم ~~والده بقراره، عرض عليه في الحال وظيفة في أحد متاجره، وشراء منزل له ولعروسه. لم يستطع ~~باتريك رفض هذا العرض، شأنه شأن روز في عدم قدرتها على رفض عرض الزواج، وكلاهما كانت أسبابه ~~غير مادية. # سألته روز: «هل سنسكن في منزل مثل منزل والديك؟» إذ شعرت بضرورة بدء حياتهما بعيدا عن ~~ذلك النمط. ~~«حسنا، ربما ليس في البداية. فلن يكون ...» ~~«لا أرغب في منزل كمنزلهما! لا أرغب في العيش بهذا الشكل!» ~~«سوف نعيش كما تشائين، ونسكن في أي منزل تفضلينه.» # شريطة ألا يكون مقلب نفايات، هكذا فكرت روز بخبث. # كانت الفتيات، اللاتي لا تكاد روز تعرفهن، يوقفنها ويطلبن منها مشاهدة الخاتم، ويبدين ~~إعجابهن به، ويتمنين لها السعادة. وعند عودتها لهانراتي في إحدى عطلات نهاية الأسبوع - لكن ~~وحدها في تلك المرة، الأمر الذي شكرت عليه الرب - التقت بزوجة طبيب الأسنان في الشارع ~~الرئيسي. ~~«يا إلهي، روز! يا له من أمر رائع! متى ستعودين هنا ثانية؟ ترغب السيدات في القرية في ~~دعوتك إلى تناول الشاي معهن!» # لم يسبق لهذه المرأة أن تحدثت مع روز، ولم تعكس أي شيء يدل على أنها تعرفها من قبل. صارت ~~الطرق تتفتح أمام روز الآن، والعراقيل تتلاشى. وأسوأ ما في الأمر وأكثره خزيا أن روز، ~~بدلا من أن تقاطع زوجة طبيب الأسنان، تورد وجهها وأظهرت خاتمها متململة وهي توافق على ~~دعوة السيدة معبرة عن إعجابها بالفكرة. وعندما كان الناس يتحدثون عن مدى السعادة التي من ~~المفترض أن ms106 تشعر بها، كانت تفكر في أنها سعيدة بالفعل. كان الأمر بهذه البساطة؛ إذ تحولت ~~إلى فتاة مخطوبة في الحال دون أي عناء وبريق الألماس في يديها. سألها الناس عن المكان الذي ~~ستسكن فيه، وأجابت: «كولومبيا البريطانية!» فكان ذلك يضفي مزيدا من السحر على القصة. ~~وكانوا يسألونها: «هل المكان جميل حقا هناك؟ ألا يحل الشتاء هناك أبدا؟ # وكانت تجيبهم: «نعم، جميل! لا، لا يوجد شتاء!» ~~••• # استيقظت روز مبكرا، وارتدت ملابسها، وخرجت من الباب الجانبي لجراج منزل الدكتورة هينشو. ~~كان الوقت مبكرا للغاية، ولم تكن هناك أية حافلات، فمشت في المدينة وصولا إلى شقة باتريك، ~~وعبرت المتنزه. وعند النصب التذكاري للحرب في جنوب أفريقيا، شاهدت كلبين يثبان ويلعبان ~~وامرأة عجوزا تراقبهما ممسكة بلجاميهما. كانت الشمس قد أشرقت لتوها، ولمعت أشعتها على جلد ~~الكلبين الشاحبين. بلل الندى العشب، وتفتحت زهور النرجس. # فتح باتريك الباب، أشعث، ناعسا مقطب الجبين، مرتديا بيجامته المخططة باللونين الرمادي ~~والكستنائي. ~~«روز! ما الأمر؟» # لم تستطع النطق. جذبها إلى داخل الشقة، فطوقته بذراعيها، وخبأت وجهها في صدره، ثم قالت ~~بصوت مسرحي: «أرجوك يا باتريك ... أرجوك لا تتزوجني.» ~~«هل أنت مريضة؟ ما الخطب؟» # فكررت ما قالته، لكن بقدر أقل من اليقين: «أرجوك لا تتزوجني.» ~~«أنت مجنونة.» # لم تلمه على هذا التفكير؛ فقد بدا صوتها غير طبيعي على الإطلاق، ومتملقا، وسخيفا. ~~وبمجرد أن فتح لها الباب، ووقفت أمامه على حقيقته بعينيه الناعستين وبيجامته، رأت أن ما أتت ~~لفعله كان أمرا جللا ومستحيلا. كان عليها أن تشرح له كل شيء، لكنها بالطبع لم تفعل. لم ~~تستطع أن تجعله يرى احتياجها لقول ما تريد أن تقوله. لم تجد نبرة الصوت وتعبير الوجه اللذين ~~يساعدانها. # سألها باتريك: «هل هناك ما يضايقك؟ ماذا حدث؟» ~~«لا شيء.» ~~«كيف وصلت إلى هنا؟» ~~«سيرا على الأقدام.» # كانت تقاوم رغبتها في الذهاب إلى دورة المياه؛ إذ بدا لها أنها إذا ذهبت، فسيضعف ذلك من ~~قوة المسألة التي جاءت لمناقشتها، لكنها اضطرت لذلك، بعد أن قالت لباتريك: «انتظر دقيقة، ~~سأذهب إلى ms107 دورة المياه.» # وعندما خرجت، وجدت باتريك وقد أعمل الغلاية الكهربائية، وصب القهوة الفورية. بدا رقيقا ~~ومتحيرا. # قال لها: «لم أفق من نومي بعد. والآن، اجلسي. أولا، هل أنت في فترة ما قبل ~~الحيض؟» # فأجابته بالنفي، لكنها أدركت مرتاعة أنها كذلك بالفعل، وأن بإمكانه تبين ذلك، لأنهما ~~كانا قلقين الشهر الماضي. ~~«حسنا، إذا لم تكوني كذلك، وما من شيء تسبب في إزعاجك، فما سبب كل ذلك؟» # فردت: «لا أرغب في الزواج.» متراجعة عن العبارة القاسية: «لا أرغب في الزواج ~~منك.» ~~«متى توصلت إلى هذا القرار؟» ~~«منذ فترة طويلة. هذا الصباح.» # كانا يتحدثان همسا. نظرت روز في الساعة التي تخطت السابعة بدقائق قليلة. ~~«متى سيستيقظ رفيقاك؟» ~~«الساعة الثامنة تقريبا.» # توجهت روز إلى الثلاجة قائلة: «هل هناك من حليب للقهوة؟» # فقال باتريك: «افتحي الباب بهدوء.» لكن تحذيره جاء متأخرا. # فردت بنبرتها الساذجة الغريبة: «آسفة.» ~~«لقد خرجنا للتمشية الليلة الماضية، وكان كل شيء على ما يرام. وهذا الصباح، تأتين ~~لتخبريني بأنك لا ترغبين في الزواج. لماذا؟» ~~«ليست لدي رغبة في ذلك. لا أريد أن أتزوج وحسب.» ~~«فماذا إذن تريدين؟» ~~«لا أعلم.» # ظل باتريك يحدق فيها متجهما وهو يشرب القهوة. وبالرغم من اعتياده التضرع لها قائلا: «هل ~~تحبينني؟ هل تفعلين حقا؟» فلم يطرح هذا الموضوع الآن. ~~«حسنا، أنا أعلم.» ~~«ماذا؟» ~~«أعلم من تحدث معك.» ~~«لم يتحدث أحد معي.» ~~«بل هذا ما حدث. إنها الدكتورة هينشو.» ~~«كلا.» ~~«إن آراء بعض الناس عنها ليست جيدة؛ فهم يعتقدون أنها تؤثر على الفتيات اللاتي يعشن معها، ~~ولا تحب أن يكون لهن أصدقاء من الشباب، أليس كذلك؟ هذا ما قلته لي أنت أيضا. إنها لا ~~تحب أن يعشن حياة طبيعية.» ~~«لا، ليس هذا هو السبب.» ~~«ما الذي قالته لك، يا روز؟» # فأجابت وقد شرعت في البكاء: «لم تقل أي شيء.» ~~«هل أنت متأكدة؟» ~~«يا إلهي، باتريك! أنصت إلي أرجوك. لا يمكنني الزواج بك أرجوك. لا أعرف لماذا، لكنني لا ~~أستطيع. أرجوك، أنا آسفة، صدقني لا يمكنني.» أخذت تهذر أمامه ، وتبكي. ms108 فطلب منها أن تهدأ: ~~«ستوقظينهما!» ثم رفعها - أو جذبها - من على كرسي المطبخ، واصطحبها إلى غرفته حيث جلست على ~~السرير، وأغلق الباب. وطوت ذراعيها على بطنها، وأخذت تتأرجح جيئة وذهابا. ~~«ما الخطب يا روز؟ أأنت مريضة؟!» ~~«يصعب علي إخبارك وحسب.» ~~«إخباري بماذا؟» ~~«ما أخبرتك به لتوي!» ~~«أعني هل اكتشفت إصابتك بالسل أو شيء من هذا القبيل؟» ~~«كلا!» # سألها مشجعا لها على الإجابة: «هل هناك شيء في عائلتك لم تخبريني به؟ جنون ~~مثلا؟» # فأجابته: «كلا!» وأخذت تهتز وتبكي. ~~«ما الأمر إذن؟» # ردت: «لا أحبك! لا أحبك! لا أحبك!» ثم سقطت على السرير وأخفت رأسها في الوسادة. «أنا ~~آسفة، آسفة حقا. الأمر خارج عن إرادتي.» # وبعد لحظات، قال باتريك: «حسنا، إذا كنت لا تحبينني، فهذا أمر واقع. ولن أجبرك على أن ~~تفعلي.» بدا صوته متأزما وناقما، الأمر الذي ناقض عقلانية حديثه. «إنني فقط أتساءل عما ~~إذا كنت تعلمين ما ترغبين فيه حقا. لا أظن أنك تعلمين. لا أظن أن لديك أية فكرة عما ~~ترغبين فيه. فأنت فقط تمرين بحالة نفسية سيئة.» # استدارت روز وقالت: «ليس لزاما علي أن أعرف ما أرغب فيه.» شعرت بالراحة عند قولها ذلك. ~~استدارت واستطردت: «لم أحبك قط.» ~~«اخفضي صوتك، سوف توقظينهما. يجب أن نتوقف عن ذلك.» ~~«لم أحبك قط، لم أرغب في ذلك يوما. لقد كان خطأ.» ~~«حسنا، حسنا. لقد أوضحت وجهة نظرك.» ~~«لماذا ينبغي علي أن أحبك؟ لماذا تتصرف كما لو أنني من المفترض أن أعاني من مشكلة ما ~~إذا لم أحبك؟ أنت تحتقرني. تحتقر عائلتي، والماضي الذي عشته، وتعتقد أنك تقدم لي معروفا ~~عظيما ...» # قال باتريك: «لقد وقعت في غرامك، ولا أحتقرك يا روز. بل على العكس، أنا أعبدك.» # قالت روز: «بل أنت جبان، ومتفاخر.» نهضت عن السرير والسعادة تملؤها بعد أن قالت ذلك. شعرت ~~بالحماس. ثمة أمور أخرى ستقولها، أمور رهيبة. ~~«أنت لا تعلم حتى كيف تمارس الحب. لقد أردت دوما التخلص من هذه العلاقة منذ بدايتها، ~~لكنني شعرت بالأسف عليك. لا تنتبه إلى ms109 طريقك، ودائما ما تسقط الأشياء من حولك، لمجرد أنك ~~لا تكترث بملاحظة أي شيء. أنت دوما مشغول الذهن، ومتفاخر. هذا أمر سخيف للغاية، فأنت لا ~~تعرف حتى كيف تتفاخر على نحو صحيح. وإذا أردت التأثير في الناس، ما كنت لتفعل ذلك أبدا. ~~فما تفعله يجعلهم يسخرون منك!» # جلس باتريك على السرير ونظر إليها منصتا لكل ما تقوله. أرادت تسديد اللكمات له، وقول ~~أشياء أكثر سوءا وقبحا وقسوة. التقطت نفسا، وأدخلت الهواء إلى رئتيها لتحول دون التعبير ~~عما كان يعتريها بالداخل. # قالت بشراسة: «لا أرغب في رؤيتك ثانية أبدا!» لكنها استدارت عند وصولها للباب، وقالت ~~بصوت طبيعي نادم: «وداعا.» ~~••• # أرسل لها باتريك رسالة قال فيها: «لا أفهم ما حدث في ذلك اليوم، وأرغب في التحدث معك ~~بشأنه، لكنني أعتقد أنه ينبغي علينا الانتظار أسبوعين لا يرى فيهما أحدنا الآخر، ولا نتحدث؛ ~~لنتبين حقيقة مشاعرنا بنهاية تلك الفترة.» # نسيت روز تماما إرجاع الخاتم له، وعندما خرجت من المبنى الذي توجد فيه شقته ذلك الصباح، ~~كانت لا تزال ترتديه. لم تستطع العودة إلى الداخل، وأيضا كان الخاتم قيما للغاية بحيث لا ~~يمكن إرساله بالبريد، فاستمرت في ارتدائه ولم تخلعه، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو عدم ~~رغبتها في إخبار الدكتورة هينشو بما حدث. وشعرت بالارتياح عند تلقيها رسالة باتريك؛ إذ رأت ~~أن بإمكانها إرجاع الخاتم إليه عندما تلتقيه. # فكرت فيما قاله باتريك عن الدكتورة هينشو. لا ريب أن ثمة جانبا من الحقيقة فيما قاله، ~~وإلا لماذا عزفت تماما عن إخبارها بانفصالها عن باتريك، وما هو سبب عدم رغبتها في مواجهة ~~موافقة الدكتورة العقلانية على هذا القرار، وتلقي تهانيها المتحفظة التي تكشف ~~ارتياحها؟ # فكان ما قالته للدكتورة هينشو أنها ستمتنع عن رؤية باتريك أثناء استعدادها للامتحانات. ~~ولاحظت روز ارتياح الدكتورة هينشو لذلك. # أخفت عن الجميع ما حدث، فلم تكن الدكتورة هينشو وحدها هي من لا ترغب روز في معرفتها ~~بالأمر؛ فلم ترغب روز أن يتوقف الآخرون عن حسدهم لها؛ لقد كانت خبرة جديدة تماما ms110 ~~عليها. # حاولت التفكير فيما ستفعله، لم يكن من الممكن أن تستمر في الإقامة بمنزل الدكتورة هينشو. ~~كان من الواضح أنها إذا هربت من باتريك، فينبغي عليها الهروب من الدكتورة هينشو أيضا. ولم ~~ترغب كذلك في الاستمرار بالكلية مع أشخاص يعلمون بانفصالها عن خطيبها، ومع أولئك الفتيات ~~اللاتي سيهنئنها الآن ويخبرنها أنهن علمن من البداية أن علاقتها بباتريك مجرد صدفة. ستضطر ~~إذن للبحث عن وظيفة. # كان رئيس أمناء المكتبة قد عرض عليها وظيفة في فصل الصيف، لكن ربما تكون الدكتورة هينشو ~~وراء هذا الاقتراح، وقد لا يستمر هذا العرض عند تركها المنزل. وعلمت أنها بدلا من المذاكرة ~~استعدادا للامتحانات، سيتحتم عليها الذهاب إلى وسط المدينة لتتقدم للعمل كموظفة حفظ ~~الملفات في مكاتب التأمين، أو في شركة التليفونات، أو في المتاجر الكبيرة. أخافتها الفكرة، ~~وواصلت الاستذكار. كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي تجيده حقا؛ فهي في النهاية طالبة حاصلة ~~على منحة دراسية. # بعد ظهيرة يوم السبت، وبينما كانت تعمل في المكتبة، رأت باتريك. لم تكن مصادفة؛ وإنما ~~ذهبت إلى الطابق السفلي محاولة عدم إحداث أية ضجة عند نزولها على السلالم المعدنية ~~الحلزونية. وجدت لنفسها مكانا في منطقة تخزين الكتب، في ظلام شبه تام، لتتفقد ركن القراءة ~~الذي اعتاد الجلوس فيه. نظرت، ولم تستطع رؤية وجهه، لكنها رأت عنقه الطويل الوردي، وقميصه ~~القديم المنقوش بالمربعات الذي اعتاد ارتداءه أيام السبت. عنقه الطويل، وكتفاه النحيلتان. ~~لم يعد يزعجها أو يخيفها؛ لقد تحررت منه، وصار بإمكانها النظر إليه مثلما تنظر إلى أي شخص ~~آخر. كان بإمكانها أن تشعر نحوه بالتقدير؛ فقد أحسن التصرف. لم يحاول إثارة شفقتها، ولم ~~يزعجها، ولم يتحرش بها بالخطابات والمكالمات الهاتفية المثيرة للشفقة. لم يذهب إلى منزل ~~الدكتورة هينشو ويجلس أمام الباب. لقد كان شخصا جديرا بالاحترام، ولن يعلم أبدا مدى ~~تقديرها لذلك، وشعورها بالامتنان له. اعتراها في تلك اللحظة شعور بالخجل من كل ما قالته له، ~~فلم يكن صحيحا، أغلبه لم يكن كذلك؛ فقد كان يعرف كيف يمارس الحب . تأثرت ms111 عند رؤيتها له ~~وحزنت، ورق قلبها، وشعرت بالشوق له. أرادت أن تمنحه شيئا ما، وتمنت أن تمحو ~~تعاسته. # تشكلت في ذهنها صورة مقنعة لنفسها وهي تركض برقة نحو الركن الذي يجلس به باتريك، ~~وترتمي عليه لتطوقه بذراعيها من الخلف، معيدة له كل شيء سلبته منه. لكن هل سيقبل ذلك ~~منها؟ هل لا يزال يرغب في ذلك؟ تخيلتهما وهما يضحكان ويبكيان ويفسران ما حدث ويسامح كل ~~منهما الآخر. «أحبك. أحبك حقا. سيكون كل شيء على ما يرام الآن. ما قلته كان بشعا، ولم ~~أكن أقصده. كانت نوبة من الجنون. أحبك.» كان ذلك إغراء كبيرا لها؛ ولا يمكنها مقاومته. ~~شعرت بالرغبة في الاندفاع، بيد أنها لم تستطع أن تحدد ما إذا كان هذا الاندفاع أشبه بالسقوط ~~من أعلى جرف أم الولوج إلى فراش دافئ من الزهور والأعشاب الجميلة. # لم تتمكن روز من مقاومة هذا الإغراء في النهاية، وفعلت ما تخيلته. ~~••• # عندما عادت روز بذهنها إلى هذه اللحظة من حياتها وتحدثت ~~عنها - إذ مرت بمرحلة يمر بها أغلب الناس في ~~يومنا هذا، يفصحون فيها بحرية عن أكثر القرارات خصوصية في حياتهم لأصدقائهم أو أحبائهم أو ~~لغرباء تعرفوا عليهم في حفلات وربما لن يروهم ثانية مطلقا، والذين يفعلون ذلك بدورهم ~~أيضا - قالت إن عاطفة الصداقة تغلبت عليها، ولم تستطع مقاومة رؤيته جالسا أمامها بعنقه ~~المكشوف المنحني. وأوضحت أكثر أنها الرغبة. قالت إنها ركضت نحوه، وتعلقت به، وقضت على ~~شكوكه، وقبلته، وبكت، وعادت إليه لأنها لم تعلم كيف تعيش دون حبه ودون وعده لها برعايتها؛ ~~لقد كانت خائفة من العالم ولم تستطع التفكير في أي خطة أخرى لحياتها. وعندما كانت تنظر ~~للحياة من منظور اقتصادي، أو كانت مع أشخاص يفعلون ذلك، كانت تقول إن أبناء الطبقة الوسطى ~~فقط هم من يملكون حرية الاختيار، وأنها لو كانت تملك ثمن تذكرة القطار إلى تورونتو، لكانت ~~حياتها قد تغيرت. # لكنها كانت تقول أحيانا بعد ذلك إن كل ذلك ليس سوى هراء. ولم يكن إحياء باتريك وبث ~~السعادة فيه ms112 من جديد سوى ادعاء وخيلاء. كانت تريد معرفة ما إذا كانت ستتمكن من ذلك أم لا. ~~لم تستطع مقاومة هذا الاختبار لقوتها. وأوضحت فيما بعد أنها دفعت ثمن ذلك؛ فقالت إنها تزوجت ~~من باتريك لعشرة أعوام، وطوال هذه المدة، ظلت مشاهد الانفصال الأول والمصالحة بينهما تتكرر ~~على نحو دوري، وبدا أنها تعيد على مسامعه كل ما قالته في المرة الأولى، وكل ما امتنعت عن ~~قوله وقتها، وغير ذلك الكثير مما خطر لها. تمنت لو أنها لم تخبر الناس (لكنها تظن أنها ~~فعلت) بأنها اعتادت ضرب رأسها في عمود السرير، وألقت ذات مرة وعاء مرق اللحم من نافذة غرفة ~~الطعام؛ وما كان منها إلا أن شعرت بالخوف والاشمئزاز الشديد مما فعلته واستلقت على السرير ~~مرتعدة ترجو من باتريك أن يسامحها. وكان يفعل. كانت أحيانا تهاجمه، وفي أحيان أخرى كان ~~يضربها. وفي الصباح التالي يستيقظان مبكرا ويعدان فطورا خاصا ويجلسان لتناول اللحم ~~المقدد والبيض ويشربان القهوة المصفاة، منهكين ومتحيرين، ويتعامل كل منهما مع الآخر بلطف ~~خجول. # سألها الآخرون: «ما السبب وراء ردود الأفعال هذه في نظرك؟» ~~«هل تعتقدين أنه ينبغي أن يحصل الزوجان على إجازة؟ إجازة أحدهما من الآخر؟ إجازة يقضيانها ~~وحدهما؟» # وكانت تجيبهم بأنها اكتشفت أن مثل هذه الجهود كانت زائفة ومضيعة للوقت، لكنها محاولات ~~تنجح في وقتها فقط. وبعد أن يهدآ، كانا يقولان إن أغلب الناس يمرون على الأرجح بمثل هذه ~~الأمور في زيجاتهم، وكانا يعرفان بالطبع أغلب من كانوا يمرون بذلك. ولم ينفصلا إلا بعد وقوع ~~قدر كاف من الضرر، أو بالأحرى عند الوصول إلى ضرر كاد يكون قاتلا. وربما كان سبب عدم ~~انفصالهما هو الانتظار حتى حصلت روز على وظيفة، وصارت تجني مالها الخاص، وهو ما يمكن ~~اعتباره سببا طبيعيا في النهاية. # ما لم تفصح عنه لأحد قط وما لم تكشفه لأحد هو أنها فكرت أحيانا في أن سبب انفصالها عن ~~باتريك لم يكن الشفقة أو الرغبة أو الجبن أو الادعاء، وإنما شيء مختلف تماما، كالرغبة في ~~السعادة. ms113 لم تستطع الإفضاء بذلك، مقارنة بكل ما أفصحت عنه من أمور أخرى. بدا الأمر غريبا؛ ~~ولم تستطع تبريره. لم تكن تعني أنهما تمتعا بأوقات طبيعية مثالية في زواجهما، استمتعا فيها ~~معا بلصق ورق الحائط والإجازات والوجبات والتسوق والقلق عند مرض ابنتهما، وإنما ما عنته هو ~~أنه في بعض الأحيان كانت تفاجئهما السعادة - أو بالأحرى احتمالية السعادة - دون سبب أو سابق ~~إنذار، وكانا يختلفان كلية في تلك الأوقات، كما لو كان هناك روز وباتريك آخران يتسمان ~~بالبراءة وطيبة القلب، يكادان يكونان غير مرئيين، مختبئين خلف شخصياتهما المعتادة. لعل ~~ذلك كان باتريك الذي رأته في ركن القراءة بعد أن تحررت منه؛ تلك الشخصية التي لا يراها ~~باتريك نفسه. كان عليها تركه هناك. ~~••• # عرفت روز أن تلك كانت نظرتها له؛ وقد عرفتها لأن الموقف تكرر. كانت في مطار تورونتو في ~~منتصف الليل. حدث ذلك بعد تسعة أعوام من طلاقها من باتريك. وقد أصبحت مشهورة آنذاك، وصار ~~وجهها معروفا للعديد من الناس في هذا البلد. فكانت تقدم برنامجا تليفزيونيا استضافت فيه ~~سياسيين وممثلين وكتاب وشخصيات مهمة والعديد من الأشخاص العاديين ممن كانت لهم مشكلات مع ~~الحكومة أو الشرطة أو النقابة، وكانت تستضيف أيضا أشخاصا شاهدوا أشياء غريبة، مثل أطباق ~~طائرة، أو وحوش بحرية، أو أشخاصا حققوا إنجازات متميزة، أو احتفظوا ببعض التقاليد ~~العتيقة. # كانت وحدها في المطار، لم يكن هناك أحد بانتظارها. وقد وصلت لتوها على متن رحلة متأخرة من ~~يلونايف. كانت مرهقة ومتسخة. رأت باتريك واقفا موليها ظهره عند المقهى. كان يرتدي معطفا ~~واقيا من المطر، وبدا أثقل وزنا من المعتاد، لكنها تعرفت عليه في الحال، واعتراها نفس ~~الشعور بارتباطها بذلك الشخص، وأنه بإمكانهما أن يعثر أحدهما على الآخر ويثق به، بحيلة ~~معينة سحرية، لكنها ممكنة. ولتحقيق ذلك كله، كان عليها التوجه نحوه ولمس كتفه، ومباغتته بما ~~يسعده. # لم تفعل ذلك بالطبع، لكنها توقفت. ظلت متسمرة في مكانها إلى أن استدار باتريك متوجها إلى ~~إحدى الطاولات البلاستيكية الصغيرة والمقاعد المنحنية المجمعة أمام المقهى. ms114 اختفت منه ملامح ~~النحول والمظهر الأكاديمي الرث والتسلط المفرط. فقد صقل مظهره، وامتلأ جسمه، ليصير رجلا ~~أنيقا، ومقبولا، ومسئولا، وقانعا بعض الشيء. اختفت كذلك الوحمة التي كانت على وجهه. ~~أخذت تفكر في مدى الإجهاد والحزن الذي بدا عليها بالتأكيد، وهي ترتدي معطفها المجعد الواقي ~~من المطر، وشعرها الطويل الذي ظهرت به الخصل البيضاء وهو منسدل للأمام حول وجهها، وآثار ~~المسكرة تلطخ أسفل عينيها. # رمقها باتريك بنظرة قطب فيها جبينه، نظرة تدل على كره حقيقي وتحذير شرس، نظرة طفولية ~~ومتفاخرة، لكنها مدروسة في الوقت نفسه. كانت انفجارا موقوتا من الاشمئزاز والنفور. صعب ~~عليها تصديق ذلك، لكنها رأت ذلك بعينها. # أحيانا، عندما كانت روز تتحدث مع شخص ما أمام كاميرات التليفزيون، كانت تشعر برغبة من ~~أمامها في العبوس. راودها ذلك الشعور مع الناس بكافة صورهم، مع الساسة المهرة، والأساقفة ~~الليبراليين، مع العاملين في المساعدات الإنسانية، ومع ربات البيوت اللاتي شهدن كوارث ~~طبيعية، والعمال الذين أجروا عمليات إنقاذ بطولية أو حرموا ظلما من معاشات الإعاقة ~~الخاصة بهم. كانوا يتوقون لتدمير أنفسهم، أو تقطيب جبينهم، أو التلفظ بكلمة بذيئة. أكان هذا ~~الوجه هو ما أراد الجميع الإفصاح عنه؟ هل كان موجها لشخص ما، أو للجميع؟ لكنهم لن يفعلوا ~~ذلك؛ لن تسنح لهم الفرصة. يتطلب الأمر ظروفا خاصة؛ مكانا غير عادي، في منتصف الليل، عناء ~~مرتبكا مشوشا، وظهورا هذيانيا مفاجئا لعدوك الحقيقي. # في تلك اللحظة، ركضت مرتعدة مبتعدة في الرواق الطويل متعدد الألوان. لقد رأت باتريك، وهو ~~أيضا رآها، وقطب جبينه في وجهها، لكنها لم تتمكن في الواقع من فهم كيف يمكن أن تكون هي ~~عدوته، كيف يمكن لأي شخص أن يكره روز إلى هذا الحد، وهي التي كانت في هذه اللحظة مستعدة ~~للاقتراب بنيتها الصافية، واعترافها بالإرهاق المرتسم على ابتسامتها، وإيمانها المتحفظ ~~بالمكاشفة المتحضرة؟ # لقد استطاع باتريك أن يكرهها هذا الكره، استطاع ذلك فعلا. # | عبث # وقعت روز في غرام كليفورد خلال حفل أقامه كليفورد وجوسلين بحضور باتريك وروز. كانا قد ~~مضى على زواجهما في ms115 هذا الوقت ثلاث سنوات بينما كان زواج كليفورد وجوسلين قد تجاوز ذلك بعام ~~أو أكثر قليلا. # كان كليفورد وجوسلين يقيمان لبعض الوقت في منطقة تقع أقصى غرب فانكوفر، في واحد من تلك ~~الأكواخ الصيفية المصطفة على الشوارع المتعرجة القصيرة الواقعة بين الطريق السريع ~~والبحر، وقد تصادف أن كان مهيئا لقضاء الشتاء. أقيم الحفل في ليلة ممطرة من شهر مارس، ~~وكانت روز متوترة لحضوره. كانت تشعر بالضيق بينما تمضي السيارة بهما عبر غرب فانكوفر، وراحت ~~تشاهد مصابيح النيون وقطرات الماء تتساقط منها في البرك الصغيرة الموحلة المنتشرة على ~~الطريق، وتنصت للصوت المقيت لماسحات الزجاج الأمامي. وبعد ذلك كانت غالبا ما تنظر للخلف ~~لترى نفسها جالسة بجوار باتريك وهي ترتدي بلوزتها السوداء مكشوفة الصدر وتنورتها المخملية ~~السوداء، وتمنت لو أنهما كانتا الرداء المناسب. كانت تتمنى لو كانا في طريقهما إلى ~~السينما. لم يكن لديها أدنى فكرة أن حياتها سوف تتبدل. # كان باتريك متوترا أيضا وإن لم يكن ليعترف بذلك؛ فقد كانت الحياة الاجتماعية لغزا ~~محيرا، وغالبا ما كانت شيئا مقيتا لكليهما. ووصلا إلى فانكوفر دون أن يكون لهما معرفة ~~بأحد. كانا يسايران الركب فحسب. لم تكن روز تعلم ما إذا كانا حقا يتوقان لوجود ~~الأصدقاء، أم حتى يعتقدان ببساطة أن وجودهم أمر ضروري. لقد كانا يتأنقان ويخرجان لزيارة ~~الآخرين، أو يرتبان غرفة المعيشة في انتظار من دعوهم لزيارتهما. وفي بعض الأحيان كانا ~~يتبعان أنماطا ثابتة للزيارة؛ فكانوا يتناولون بعض كئوس الشراب خلال تلك الأمسيات، وفي ~~حوالي الحادية عشرة أو الحادية عشرة والنصف - وهو الوقت الذي بالكاد كان يأتي سريعا بما ~~يكفي - تتوجه روز نحو المطبخ وتعد القهوة وبعض المأكولات. كانت المأكولات التي تعدها في ~~العادة تقتصر على شرائح الخبز المحمص، تعلوها شريحة من الطماطم، ثم شريحة من الجبن ثم بعض ~~من اللحم المقدد، وكانت تقوم بشيها وتمسكها معا بعود أسنان. لم يكن بوسعها التفكير في ~~أي شيء سوى ذلك. # كان من الأسهل لهما إقامة صداقات مع الأشخاص الذين يحبهم باتريك عن أولئك ms116 الذين تحبهم ~~روز؛ لما كان لروز من قدرة كبيرة على التأقلم، أو ربما الخداع، بينما كان باتريك بالكاد ~~قادرا على التأقلم على الإطلاق. إلا أن الصديقين في هذه الحالة - حالة كليفورد وجوسلين - ~~كانا أصدقاء روز، أو بالأحرى كانت جوسلين صديقة لروز. كانت جوسلين وروز تعرفان أن عليهما ~~ألا تحاولا الترتيب لزيارات زوجية؛ فقد كان باتريك لا يحب كليفورد دون أن يعرفه لأن كليفورد ~~كان عازف كمان، ولا شك أن كليفورد بدوره لم يكن محبا لباتريك لأنه كان يعمل في أحد فروع ~~متجر عائلته الكبير. وفي تلك الأيام كانت الحواجز بين الناس لا تزال قوية ووثيقة، الحواجز ~~بين مدعي الفن والعاملين في التجارة، بين النساء والرجال. # لم تكن روز على معرفة بأي من أصدقاء جوسلين، ولكنها أدركت أنهم موسيقيون وصحافيون ~~ومحاضرون في الجامعة، بل كان من ضمنهم سيدة تعمل كاتبة كان لها رواية تم تشخيصها في ~~الراديو. فتوقعت أن يكونوا أذكياء، وظرفاء، وساخرين بلا شك؛ فكان يبدو لها أنها طوال ~~الوقت تجلس مع باتريك في غرف المعيشة، متبادلين الزيارات مع الآخرين، وأنهم أناس بارعون ~~ومرحون بحق، يحق لهم النظر إليها بازدراء، يحيون حياة غير تقليدية ويقيمون حفلات غير ~~اعتيادية في مكان آخر. والآن جاءت الفرصة للتواجد مع هؤلاء الناس، ولكن معدتها كانت مضطربة ~~رفضا لذلك، ويديها تتصببان عرقا. ~~••• # التقت جوسلين بروز في عنبر الولادة بمستشفى نورث فانكوفر العام. كان أول شيء رأته روز لدى ~~عودتها إلى عنبر الولادة بعد أن وضعت آنا هو جوسلين جالسة في فراشها تقرأ كتاب يوميات ~~أندريه جيد. كانت روز تعرف الكتاب من ألوانه، حيث كانت قد رأته على حامل الكتب والجرائد في ~~الصيدلية؛ فقد كان جيد على قائمة الكتاب الذين تنوي قراءة أعمالهم؛ فكانت في ذلك الوقت ~~لا تقرأ إلا لكبار الكتاب. # كان الشيء المدهش والمريح الذي لاحظته روز على الفور بشأن جوسلين هو مظهرها الذي بدا ~~وكأنها طالبة؛ إذ إنها لم تسمح لنفسها بالتأثر كثيرا بجو جناح الولادة الذي كانت قابعة ~~بداخله، فقد كان لجوسلين ms117 جدائل سوداء طويلة، ووجه شديد الشحوب، ونظارات سميكة، دون أدنى ~~مسحة من الجمال، وهيئتها تنبئ بتركيزها فيما تفعله بارتياح. # في الفراش المجاور لفراش جوسلين كانت هناك ~~امرأة تصف ترتيب خزانة مطبخها لأخريات، ولم تكد تنسى أن تخبرهن أين تحتفظ بشيء ما - كالأرز ~~أو السكر البني - إلا وكانت تضطر لإعادة الكرة من جديد، وتتأكد من أن من يستمعون إليها ~~يتابعونها جيدا بقول: «تذكرن على الرف الأعلى إلى اليمين بجوار الموقد أحتفظ بعلب الحساء ~~وليس الحساء المعلب؛ فأنا أحتفظ بالحساء المعلب أسفل المنضدة مع السلع المعلبة بجوار ذلك ~~ال...» # كانت النساء الأخريات يحاولن مقاطعتها لكي يصفن كيف يحتفظن بالأشياء، ولكن دون جدوى، ~~أو لم يستطعن مواصلة الحديث طويلا. كانت جوسلين جالسة تقرأ وتعبث بطرف إحدى جدائلها بين ~~أصابعها وكأنها جالسة في مكتبة داخل الكلية، أو تعد ورقة بحثية، ولم يستطع عالم هؤلاء ~~النساء أن يوقفها بتاتا. وكانت روز تتمنى لو تمكنت من ذلك هي الأخرى. # كانت لا تزال تعاني من الدوار من أثر الوضع، وكلما أغلقت عينيها كانت ترى شيئا أشبه ~~بالكسوف في شكل كرة كبيرة سوداء يحيط بها حلقة من النار. كان ذلك هو رأس الطفل يعتصره الألم ~~في اللحظة التي سبقت دفعها له إلى خارج أحشائها. ووسط هذه الصورة، تداخلت كلمات أرفف مطابخ ~~النساء الثرثارات أسفل الثقل الرهيب للعلب والصناديق، ولكنها كانت تستطيع أن تفتح عينيها ~~لترى جوسلين وجدائلها السوداء تنسدل على رداء المستشفى الأبيض وكأنها صورة بالأبيض والأسود. ~~كانت جوسلين هي الشخص الوحيد الذي رأته يبدو هادئا وجادا بما يكفي لمواكبة ~~الموقف. # سرعان ما نهضت جوسلين من فراشها لتكشف عن ساقين طويلتين بيضاوين غير حليقتين، وبطن لا ~~تزال مترهلة من أثر الحمل. ارتدت روبا للحمام مخططا، وبدلا من استعمال رباط له استعانت ~~برابطة عنق رجالية لتحكمه حول خصرها، وراحت تدب بقدميها الحافيتين على مشمع أرضية ~~المستشفى. فجاءتها إحدى الممرضات مسرعة منبهة إياها أن ترتدي خفا. ~~«ليس معي خف.» # فقالت الممرضة بفظاظة: «أمعك حذاء؟» ~~«آه نعم، معي حذاء.» # وعادت جوسلين ms118 إلى الخزانة المعدنية الصغيرة بجوار فراشها وأخرجت حذاء جلديا كبيرا بلا ~~كعب كان متسخا وباليا، ومشت محدثة نفس الضوضاء الشنيعة الوقحة كما فعلت من قبل. # كانت روز تتوق للتعرف عليها. # في اليوم التالي أخرجت روز كتابها الخاص لتقرأه. كان رواية «البيوريتاني الأخير» للكاتب ~~جورج سانتايانا، ولكن لسوء الحظ كانت نسخة مكتبية، فكان العنوان على الغلاف ممسوحا ~~وباهتا؛ ومن ثم كان مستحيلا أن تعجب جوسلين بما تقرؤه روز مثلما أعجبت روز بما ~~تقرؤه جوسلين. ولم تعلم روز كيف يمكنها أن تدفعها للحديث معها. # كانت السيدة التي تتحدث عن خزانات مطبخها تتحدث الآن عن كيفية استخدامها للمكنسة ~~الكهربائية، وتقول إن من المهم للغاية استخدام جميع الملحقات؛ لأن لكل منها غرضا، كما أنه ~~يكفي أنها قد دفعت مقابلها، ولكن العديد من الناس لا يستخدمونها. وراحت تصف كيف تنظف ستائر ~~غرفة معيشتها، فقالت امرأة أخرى إنها قد حاولت القيام بذلك ولكن القماش كان يتجعد. فقالت ~~السيدة المتسلطة إن ذلك بسبب أنها لم تقم بالأمر بالشكل الصحيح. # في تلك الأثناء ضبطت روز عيني جوسلين تنظران صوب زاوية كتابها. # قالت بنبرة هادئة: «أتمنى لو كنت تقومين بتلميع مقابض موقدك.» # قالت جوسلين: «بالتأكيد أفعل.» ~~«هل تقومين بتلميعها كل يوم؟» ~~«اعتدت أن ألمعها مرتين يوميا، ولكن أما وقد جاء المولود الجديد فلا أعرف إن كنت سأجد ~~وقتا لذلك.» ~~«وهل تستخدمين ذلك الملمع الخاص بمفاتيح الموقد؟» ~~«بالتأكيد. وأستخدم أيضا تلك المناشف الخاصة بمفاتيح الموقد التي تأتي في تلك العلبة ~~الخاصة.» ~~«رائع. بعض الناس لا يفعلون ذلك.» ~~«بعض الناس يستخدمون أي شيء.» ~~«مناشف الأطباق القديمة.» ~~«المناديل القماشية القديمة.» ~~«المناديل القديمة.» # وسرعان ما تفتحت براعم صداقتهما بعد ذلك. كانت واحدة من تلك الصداقات الحميمة الوارفة ~~كتلك التي تنمو في المؤسسات: كالمدارس، أو المعسكرات، أو في غياهب السجون. كانتا تسيران ~~معا عبر ردهات المستشفى غير مكترثات لكلام الممرضات، وكانتا مصدر ضيق وحيرة للنساء ~~الأخريات. وقد أصبحتا مثل طالبات المدارس المهووسات من أثر ما كانت تقرؤه بصوت عال إحداهما ~~للأخرى. لم تقرآ لجيد ms119 أو سانتيانا، بل كانتا تقرآن نسخا من «ترو لاف» و«برسونال رومانسيز» ~~وجدتاها في غرفة الانتظار. # قالت روز: «يذكر هنا أن بإمكانك شراء بطانات للسيقان، ولكن لا أعرف كيف ستخفينها، أعتقد ~~أنك ستربطينها حول ساقيك، أو ربما فقط توضع داخل الجوارب، ولكن ألا تعتقدين أنها ~~ستظهر؟» # فقالت جوسلين: «حول ساقيك؟ تربطينها حول ساقيك؟ تقصدين بطانات لتحسين شكل السيقان؟! ظننتك ~~تتحدثين عن سيقان اصطناعية. سيقان اصطناعية!» # كان بإمكان أي شيء كهذا أن يثير ضحكاتهما. ~~«سيقان اصطناعية!» ~~«حلمات اصطناعية، أرداف اصطناعية، سيقان اصطناعية.» ~~«ترى فيم سيفكرون بعد ذلك؟» # كانت سيدة المكنسة الكهربائية تقول إنهما كثيرا ما تتدخلان في شئون الأخريات وتفسدان ~~أحاديثهن، ولم تكن تعرف ما المضحك إلى هذا الحد في الكلام البذيء. وقالت إنهما إذا لم ~~تتوقفا عن أسلوبهما هذا في التعامل، فإن حليب الرضاعة سوف يفسد. # قالت جوسلين: «كنت أتساءل إذا كان حليب الرضاعة لدي ربما قد فسد، إن لونه مقزز بشكل ~~شنيع.» # تساءلت روز: «ما لونه؟» ~~«حسنا، أزرق نوعا ما.» ~~«يا إلهي! ربما يكون حبرا!» # كانت سيدة المكنسة الكهربائية تقول إنها سوف تخبر الممرضة أنهما تتفوهان بالسباب ~~والشتائم. كانت تردد أنها ليست متزمتة ولكنها تتساءل ما إذا كانتا تصلحان لأن تكونا أمين. ~~كيف ستتمكن جوسلين من غسل الحفاضات في حين أن بإمكان أي شخص أن يرى أنها لم تقم قط بغسل ~~ثوبها الخاص؟ # قالت جوسلين إنها تنوي استخدام الطحالب للقيام بذلك لكونها من أصول هندية. # فقالت السيدة: «أستطيع أن أصدق هذا.» # بعد ذلك راحت جوسلين وروز تستهلان العديد من التعليقات والملاحظات بعبارة: «أنا لست ~~متزمتة ولكن.» ~~«أنا لست متزمتة ولكن هلا ألقيت نظرة على هذا البودنج!» ~~«أنا لست متزمتة ولكن يبدو وكأن هذا الطفل أسنانه مكتملة.» # وقالت عنهما الممرضة: ألم يحن الوقت بعد لكي ينضجا؟ # وبينما كانتا تسيران عبر الردهات، روت جوسلين لروز أنها في الخامسة والعشرين من عمرها، ~~وأنها ستطلق على مولودها الجديد اسم آدم، وأن لها ابنا آخر في المنزل يبلغ من العمر ~~عامين يدعى جيروم ، وأن زوجها ms120 يدعى كليفورد، وأنه يتخذ من العزف على الكمان مهنة له. كان ~~يعزف في أوركسترا فانكوفر السيمفوني. كانوا أسرة فقيرة. كانت جوسلين من ماساتشوستس والتحقت ~~بويلسلي كوليدج، وكان والدها طبيبا نفسانيا ووالدتها طبيبة أطفال. فيما أخبرت روز جوسلين ~~أنها قد جاءت من بلدة صغيرة في أونتاريو، وأن باتريك من جزيرة فانكوفر، وأن والديه لم ~~يوافقا على زواجهما. # قالت روز بنبرة مبالغة: «الجميع في البلدة التي جئت منها يقولون # Yez # بدلا من # You # بمعنى ~~أنت؟ ~~«نستخدمها كجمع لكلمة # You ~~.» ~~«آه. مثل بروكلين وجيمس جويس. لحساب من يعمل باتريك؟» ~~«في متجر عائلته؛ فعائلته تملك متجرا كبيرا متعدد الأقسام.» ~~«إذن ألستما موسرين الآن؟ أعني ألستما موسرين بالقدر الذي يجعلك في غنى عن التواجد في ~~عنبر للولادة؟» ~~«لقد أنفقنا كل أموالنا على منزل كان باتريك يرغب فيه.» ~~«ألم يكن لديك رغبة فيه أنت أيضا؟» ~~«ليس بقدر رغبته.» # كان ذلك شيئا لم تبح به روز قط من قبل. # ومضتا تتعمقان في مزيد من المكاشفات العشوائية. # كانت جوسلين تكره والدتها؛ فقد أجبرتها والدتها على أن تنام في غرفة ذات ستائر من القماش ~~القطني الخفيف الأبيض وشجعتها على جمع البط. وببلوغها الثالثة عشرة، كانت جوسلين تمتلك - ~~ربما - أكبر مجموعة في العالم من البط المطاطي، والبط المصنوع من الفخار، والبط الخشبي، ~~وصور البط، والمنسوجات المطرزة برسوم البط. وقامت أيضا بتأليف ما وصفتها بأنها قصة سابقة ~~لأوانها بشكل بشع بعنوان «المغامرات الكبرى الرائعة للبطة أوليفر العظيمة»، والتي قامت ~~والدتها بالفعل بطباعتها وتوزيعها على الأصدقاء والأقارب في أعياد الكريسماس. ~~«إنها من الأشخاص الذين يغطون كل شيء بنوع من النفاق والتملق البغيض وتصبغ به كل شيء؛ ~~فهي لا تتحدث بصوت طبيعي قط، ولعوب متصنعة الخجل بشكل غاية في البذاءة. وبالطبع تحظى ~~بنجاح عظيم كطبيبة أطفال. إن لديها كل تلك الأسماء الصغيرة المزيفة لجميع أجزاء ~~جسدك.» # أدركت روز - التي كانت ستسعد بالستائر التي تحدثت عنها جوسلين - الخطوط الرفيعة، أو طرق ~~الإهانة الموجودة في عالم جوسلين الذي بدا كعالم أقل غلظة وأكثر استدامة من ms121 عالمها . كانت ~~تشك فيما إذا كان بإمكانها أن تخبر جوسلين عن هانراتي، ولكنها بدأت في المحاولة. راحت تتحدث ~~عن فلو وعن المتجر بشكل عام دون تطرق إلى التفاصيل، وتلقي الضوء على فقرها. في الواقع لم ~~تكن مضطرة لذلك؛ فقد كانت حقائق طفولتها الصحيحة بها من الدهشة ما يكفي بالنسبة لجوسلين، ~~والأهم من ذلك أنها كانت مثار حسد من جانبها. # قالت جوسلين: «يبدو هذا أكثر واقعية. أعلم أنها رؤية رومانسية من جانبي.» # تحدثتا عن طموحات الشباب (فقد كانتا تؤمنان حقا بأن الشباب قد ولى)، فقالت روز إنها ~~كانت ترغب في أن تكون ممثلة على الرغم من أنها كانت أجبن بكثير من أن تقف على خشبة مسرح. ~~أما جوسلين، فأرادت أن تكون كاتبة، ولكنها كانت تشعر بالخجل من ذلك على أثر ذكريات قصة ~~البطة العظيمة. # قالت: «بعدها قابلت كليفورد. وعندما رأيت قدر موهبته الحقيقية، أدركت أنني ربما أهدر ~~وقتي بمحاولة الكتابة، وأن من الأفضل لي أن أرعاه وأهتم به، أو أي شيء آخر أفعله من أجله. ~~إنه موهوب بحق. أحيانا ما يكون شخصا وضيعا، ولكنه يفلت بذلك لأنه موهوب حقا.» # قالت روز بحزم يشوبه الغيرة: «أظن أن تلك فكرة رومانسية حالمة أن يكون لزاما أن يفلت ~~الموهوبون بأفعالهم.» ~~«حقا؟ ولكن الفنانين العظام طالما كانوا يفلتون.» ~~«ليس النساء.» ~~«ولكن النساء عادة لسن فنانات عظيمات، ليس بنفس الدرجة.» # كانت تلك هي أفكار معظم النساء الشابات اللاتي يحظين بمستوى تعليم راق وعلى قدر من ~~الوعي، بل وأولئك غير التقليديات أو المتطرفات سياسيا في ذلك الوقت. ولعل من بين أسباب ~~عدم مشاركة روز لهن في الرأي أنها لم تكن على قدر وافر من التعليم والثقافة. وقد قالت لها ~~جوسلين في مرحلة لاحقة من صداقتهما إن من أحد الأسباب التي جعلتها ترى أن الحديث معها ~~مشوق من بداية صداقتهما هو أن روز تملك أفكارا ولكنها غير مثقفة. وقد اندهشت روز من ~~هذا؛ ما جعلها تذكر الكلية التي كانت ملتحقة بها في غرب أونتاريو. حينها رأت روز الندم ms122 على ~~وجه جوسلين التي تراجعت في ارتباك وغاب عنها فجأة صراحتها البادية دوما على وجهها - على ~~غير عادتها تماما - وأردفت جوسلين أن ذلك هو ما كانت تقصده بالضبط. # بعد اختلاف الآراء بشأن الفنانين، وبشأن الرجال والنساء في مجال الفن، ألقت روز نظرة ~~متأنية على كليفورد حين كان يأتي للزيارة في المساء. رأته إنسانا شاحب اللون، يطلق العنان ~~لأهوائه وله مظهر عصابي يوحي بالاضطراب. ومع مزيد من الاكتشافات بشأن ما تبذله جوسلين من ~~براعة، وجهد، وطاقة بدنية بحتة (إذ كانت هي من يتولى إصلاح الصنابير الراشحة، وتسليك ~~البالوعات المسدودة) في هذه الزيجة، أيقنت أن جوسلين تضيع نفسها، وأنها ترتكب خطأ. وراودها ~~شعور بأن جوسلين لم تكن ترى جدوى في زواج روز من باتريك أيضا. ~~••• # في البداية سار الحفل بيسر أكثر مما توقعته روز؛ فقد كانت تخشى أن يكون تأنقها ~~مبالغا فيه؛ كانت تود لو ارتدت بنطال مصارع الثيران الخاص بها، ولكن باتريك لم يكن ~~ليقبل ذلك مطلقا. ولكن القليل فقط من الفتيات هن من كن يرتدين البناطيل الفضفاضة، أما ~~البقية فكن يرتدين الجوارب الشفافة، ويضعن أقراطا وثيابا مثلها تماما. وكما في أي تجمع ~~للنساء الشابات في ذلك الوقت، كانت هناك ثلاث أو أربع نساء ممن كان يبدو عليهن الحمل بشكل ~~واضح، وكان معظم الرجال يرتدون بذلات، وقمصان، ورابطات عنق مثل باتريك؛ ما أشعر روز ~~بالارتياح؛ إذ إنها أرادت أن يكون باتريك مندمجا في الحفل، وأرادته أيضا أن يتقبل ~~الحاضرين هناك، وأن يقتنع بأنهم جميعا ليسوا مخلوقات غريبة الأطوار. حين كان باتريك ~~طالبا، كان يصطحبها لحضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات ولم يكن يبدو متشككا بشكل مفرط ~~فيمن كانوا يشاركون فيها، بل كان في الحقيقة يفضل هذه الأشياء؛ لأنها كانت مكروهة من قبل ~~عائلته، وفي ذلك الوقت - الوقت الذي اختار فيه روز - كان يمر بمرحلة تمرد قصيرة ضد ~~عائلته. ذات مرة اصطحب باتريك روز إلى تورونتو وجلسا في قاعة المعبد الصيني بالمتحف يشاهدان ~~رسوم الفريسكو على الجدران، وروى لها باتريك كيف أنها جلبت على ms123 هيئة قطع صغيرة من إقليم ~~شانشي، كان يبدو في غاية الفخر بما يملك من معرفة، وفي ذات الوقت متواضعا بشكل مميز يذيب ~~القلوب؛ إذ اعترف بأنه قد اكتسب كل هذه المعلومات في إحدى الرحلات. أما الآراء القاسية التي ~~كونها، والاتهامات التي كان يكيلها بالجملة للآخرين، فلم تبدأ إلا منذ أن خرج للعمل؛ فصار ~~الفن الحديث خداعا، والمسرح التجريبي بذيئا. وكان لدى باتريك طريقة خاصة متصنعة وازدرائية ~~لنطق تعبير «الفن الطليعي»، جاعلا الكلمات تبدو مصطنعة بشكل مثير للاشمئزاز. وقد كانت ~~كذلك بالنسبة لروز؛ فبشكل ما كانت تستطيع أن تدرك ما يعنيه؛ فكان بإمكانها أن ترى جوانب ~~عديدة للأمور، فيما لم يكن باتريك يعاني تلك المشكلة. # وفيما عدا بعض المشاجرات الكبيرة التي كانت تنشب بشكل دوري، كانت في منتهى الوداعة ~~والانصياع مع باتريك؛ إذ كانت تحاول أن تظل محبوبة لديه. ولم يكن ذلك بالأمر السهل؛ ~~فحتى قبل أن يتزوجا كان معتادا أن يعطيها محاضرات من التوبيخ في رد على سؤال بسيط أو ~~ملاحظة تافهة. في تلك الأيام كانت أحيانا ما توجه له سؤالا ما على أمل أن يباهي ببعض ~~من معرفته الفائقة التي قد تثير إعجابها، ولكنها عادة ما كانت تشعر بالندم على السؤال؛ إذ ~~كانت الإجابة تأتي مسهبة للغاية يشوبها نبرة تعنيف وتوبيخ، إلى جانب أن المعلومات لم تكن ~~فذة لهذه الدرجة. كانت تريد أن تبدي إعجابها به واحترامها له، فيما كان يبدو أشبه ~~بمغامرة على وشك خوضها. # بعد ذلك فكرت أنها تحترم باتريك بالفعل، ولكن ليس بالطريقة التي كان يريدها هو، وأنها ~~تحبه بالفعل ولكن ليس بالطريقة التي أرادها أن تحبه بها. ولم تكن تعرف ماهية هذه الطريقة، ~~وهي التي كانت تعتقد أنها تعرف شيئا عنه، وتعتقد أنها تعرف أنه لم يكن يرغب حقا في أن ~~يكون على الشاكلة التي يقحم نفسه إليها بحماس. ربما كان يمكن تسمية تلك الغطرسة احتراما، ~~وهذا الاستعلاء حبا. ولم يكن من شأن ذلك أن يحقق له السعادة. # كان بعض الرجال يرتدون الجينز والكنزات ذات ms124 الياقة الضيقة أو القمصان القطنية الواسعة، ~~وكان كليفورد واحدا من هؤلاء، وكان كل ما يرتديه أسود اللون. كانت تلك هي فترة انتشار ~~ثقافة البيت في سان فرانسيسكو. كانت جوسلين تتصل بروز عبر الهاتف وتقرأ عليها قصيدة ~~«عواء». كانت بشرة كليفورد تبدو في غاية الاسمرار مع ثيابه السوداء، وكان شعره طويلا ~~مقارنة بما كان سائدا في تلك الفترة، ولونه فاتحا مثل قطعة قطن لم تبيض، فيما كان لون ~~عينيه فاتحا للغاية، حيث كان لونهما أزرق لامعا مائلا للرمادي. وبدا لروز وكأنه ضئيل ~~الحجم وهادئ كالقطط، وبه بعض ملامح الأنوثة، وهو ما جعلها تتمنى ألا يصيب باتريك بإحباط ~~شديد. # كان هناك جعة وكوكتيل نبيذ للشراب، وكانت جوسلين - الطاهية الرائعة - تقلب قدرا من ~~الجمبالايا. توجهت روز إلى المرحاض لكي تفصل نفسها عن باتريك الذي بدا راغبا في أن يكون ~~ملازما لها كظلها (كانت تعتقد أنه يتقمص دور كلب الحراسة، ونسيت أن ذلك قد يكون خجلا ~~منه). وحين خرجت بدأ في التحرك. احتست روز ~~ثلاث كئوس من النبيذ في تتابع سريع، وتم تقديمها للسيدة التي قامت بتأليف المسرحية التي ~~أذيعت في الراديو. وفوجئت روز حين رأت أن هذه السيدة كانت واحدة من أكثر الأشخاص المتواجدين ~~في الغرفة كآبة وأقل من يبدو عليهم ملامح الثقة. # أخبرتها روز قائلة: «لقد أعجبتني مسرحيتك.» ولكنها في الواقع كانت تجدها غامضة، فيما كان ~~باتريك يراها مقززة ومثيرة للاشمئزاز؛ فقد كانت في ظاهرها تدور حول امرأة التهمت أطفالها. ~~كانت روز تعلم أن ذلك ضرب من الرمزية، ولكنها لم تستطع أن تعرف إلام ترمز. # قالت السيدة: «آه، لكن الإنتاج كان في غاية البشاعة!» وفي غمرة حرجها، وحماسها ولهفتها ~~للحديث عن مسرحيتها، أصاب روز منها بعض رذاذ النبيذ. «لقد جعلوها حرفية للغاية. لقد خشيت أن ~~تبدو مخيفة ووحشية وقد كنت أقصد أن تكون ذات معنى مرهف، لقد قصدت أن أجعلها مختلفة تماما ~~عن الشكل الذي أخرجوها به.» وشرعت تخبر روز بكل خطأ ارتكب في الإنتاج، من التوزيع الخاطئ ~~للأدوار، واقتطاع أهم السطور، ms125 بل وأكثرها أهمية على الإطلاق. شعرت روز بكبرياء وفخر بينما ~~كانت تستمع إلى هذه التفاصيل، وكانت تحاول أن تزيل آثار رذاذ الخمر دون أن يلحظ أحد. # قالت السيدة: «ولكنك تستوعبين ما قصدته؟» ~~«آه نعم!» # صب كليفورد كأسا أخرى من النبيذ وابتسم لها. ~~«تبدين لذيذة.» # بدت كلمة لذيذة كلمة غريبة الاستخدام بالنسبة لكليفورد. ربما كان ثملا، أو ربما لكراهيته ~~للحفلات كلية مثلما قالت عنه جوسلين، أراد أن يتقمص دورا ما؛ ربما أراد أن يقال عنه إنه ~~الرجل الذي يخبر فتاة أنها تبدو لذيذة. ربما كان ماهرا في التنكر وتقمص الأدوار، مثلما ~~كانت روز تعتقد أنها نفسها بدأت تجيد ذلك. ومضت تتحدث إلى الكاتبة وإلى رجل يقوم بتدريس ~~الأدب الإنجليزي خلال القرن السابع عشر. ربما كانت هي أيضا فقيرة وماهرة، متطرفة ووقحة كما ~~يعرف أي شخص. # في الردهة الضيقة كان هناك رجل وفتاة يتعانقان بحرارة، وكلما أراد أحد أن يمر عبر هذه ~~الردهة، يضطر العاشقان للابتعاد، ولكنهما كانا يواصلان تبادل النظرات فيما بينهما، ولم ~~يكونا حتى يغلقان فميهما. كان منظر هذين الفمين المفتوحين المبتلين يجعل روز ترتجف، فلم ~~يسبق أن عانقها أحد بهذا الشكل في حياتها، ولم ينفغر فوها بهذا الشكل من قبل. فقد كان ~~باتريك يرى التقبيل على الطريقة الفرنسية شيئا مقززا. # كان هناك رجل أصلع ضئيل الحجم متمركز خارج باب المرحاض يقبل أية فتاة تخرج منه قائلا: ~~«مرحبا يا عزيزتي، أنا في غاية السعادة لأنك استطعت الحضور، وفي غاية السعادة ~~لرحيلك.» # قالت الكاتبة: «إن سيريل إنسان بشع، إنه يعتقد أن عليه أن يحاول التصرف وكأنه شاعر. ولا ~~يستطيع التفكير في شيء سوى التسكع حول المرحاض ومضايقة الآخرين. إنه يعتقد أنه وقح.» # قالت روز: «هل هو شاعر؟» # قال محاضر الأدب الإنجليزي: «لقد أخبرني أنه أحرق كل قصائده.» # قالت روز: «يا له من سلوك متفاخر!» وقد سرت من نفسها لقولها هذا، وسرت منهم ~~لضحكهم. # وبدأ محاضر الأدب الإنجليزي في التفكير في توريات على طريقة قصص توم سويفتي. # قالت الكاتبة في حسرة: «لا ms126 أستطيع التفكير في هذه الأشياء مطلقا؛ فأنا أهتم باللغة بشكل ~~مبالغ.» # انطلقت أصوات عالية من غرفة المعيشة، وميزت روز صوت باتريك يتعالى ويتعالى طاغيا على ~~أصوات الآخرين جميعا. فهمت بفتح فمها لتقول شيئا، أي شيء للتغطية عليه - فقد أدركت ~~أن كارثة ما على وشك الحدوث - ولكن في تلك اللحظة جاء رجل طويل القامة ذو شعر مجعد وطلة ~~بشوشة يقطع طريقه عبر الردهة، فاصلا بين العاشقين ذوي العاطفة المشبوبة دون سابق إنذار، ~~ورافعا يده لجذب انتباه الحضور. # قال الرجل لجميع من في المطبخ: «أنصتوا لهذا. يوجد في غرفة المعيشة رجل لن تصدقوا حديثه ~~قط. فلتنصتوا.» # لا بد أن حوارا عن الهنود كان دائرا في غرفة المعيشة، وها هو باتريك الآن قد أخذ دفته ~~في الحوار. # قال باتريك: «فلتأخذوهم بعيدا، فلتأخذوهم بعيدا عن آبائهم بمجرد أن يولدوا وضعوهم في ~~بيئة متحضرة وعلموهم وسوف يشبون صالحين كالبيض يوما ما.» لا شك أنه كان يعتقد أنه ~~يعبر عن آراء متحررة. ولو أنهم كانوا يعتقدون أن ذلك شيء رائع، فقد كان ينبغي أن يستعينوا ~~به يوم إعدام آل روزنبرج، أو محاكمة ألجر هيس، أو في حالات الضرورة في التجارب ~~النووية. # قالت إحدى الفتيات بلطف: «حسنا، تعلمون، إنها ثقافتهم.» # فقال باتريك: «إن ثقافتهم مكتوب عليها الفناء ... ثقافة مفلسة.» كانت تلك كلمة من الكلمات ~~التي كان يكثر من استخدامها في الوقت الحالي، وكان بإمكانه استخدام بضع كلمات، وكليشيهات، ~~وعبارات افتتاحية - من بينها عبارة «إعادة تقييم ~~شامل» - باستمتاع وحجة صاعقة لدرجة تجعلك تعتقد أنه مبتكرها، أو تعتقد على الأقل أن ~~استخدامه لها قد منحها ثقلا ورونقا. # قال باتريك: «إنهم يريدون أن يكونوا متحضرين. الأشخاص الأكثر ذكاء يرغبون في ~~ذلك.» # فقالت الفتاة بوقار متحفظ لم يدركه باتريك: «حسنا، ربما لا يعتبرون أنفسهم غير متحضرين ~~بالمعنى الدقيق للكلمة.» ~~«بعض الناس يحتاجون إلى دفعة.» # دفعت النبرات المشوبة بالرضا الذاتي والنقد الناضج الرجل المتواجد بالمطبخ للاستسلام وهز ~~رأسه في سرور وعدم تصديق قائلا: «لا بد أنه من الساسة المؤيدين لحزب الائتمان ~~الاجتماعي.» ms127 # وفي الواقع أن باتريك قد صوت بالفعل لحزب الائتمان الاجتماعي. # كان يقول: «نعم، حسنا، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، لا بد وأن يشدوا إلى القرن ~~العشرين حتى ولو رغما عنهم.» # كرر أحدهم: «رغما عنهم؟!» # فقال باتريك الذي لا يرى غضاضة في ترديد أي شيء مجددا: «نعم يشدون رغما عنهم للدخول ~~إلى القرن العشرين.» ~~«يا له من تعبير مثير، وإنساني أيضا.» # ألن يفهم الآن أنه قد أحرج، وتم استدراجه ~~وتعرض للسخرية؟ ولكن باتريك بعد ما تعرض له من إحراج لم يسعه سوى أن يصبح أكثر صخبا. ~~ولم يعد بإمكان روز أن تسمع أكثر من ذلك، فتوجهت إلى الممر الخلفي الذي كان مكتظا ~~بالأحذية الطويلة، والمعاطف، والزجاجات، وأحواض الاستحمام، ولعب الأطفال التي قامت جوسلين ~~وكليفورد بإزاحتها بعيدا من أجل الحفل. وحمدا لله أنه كان خاليا من الناس. خرجت روز من ~~الباب الخلفي ووقفت غاضبة ترتجف في الليل البارد المطير. كانت مشاعرها مختلطة مثلما يمكن أن ~~يحدث لأي شخص في مكانها. كانت تشعر بالمهانة والخزي من باتريك، ولكنها كانت تعلم أن أسلوبه ~~هو أكثر ما أشعرها بالمهانة؛ الأمر الذي جعل الشك يتسرب إليها في أن بداخلها شيئا ~~فاسدا وعابثا. لقد كان غضبها أيضا من هؤلاء الآخرين الأكثر براعة ومهارة، أو على الأقل ~~الأسرع بكثير منه. كانت تريد أن تكون أفكارها عنهم سيئة. ما الذي يهتمون به بشأن الهنود ~~حقا؟ ربما لو أتيحت لباتريك الفرصة للتصرف بشكل دمث نحو أحد الهنود لتفوق عليهم. ~~كان هذا احتمالا بعيدا، ولكنها كانت مضطرة لتصديقه. لقد كان باتريك شخصا صالحا. صحيح ~~أن آراءه ليست سديدة، ولكنه شخص صالح في ذاته؛ فقد كانت روز تعتقد أن باتريك في جوهره بسيط ~~ونقي وجدير بالثقة، ولكن كيف لها أن تكتشفه وتلمسه، لتطمئن نفسها وبالطبع ليس لكشفه ~~للآخرين؟ # سمعت الباب الخلفي يغلق، وخشيت أن تكون جوسلين قد خرجت تبحث عنها. لم تكن جوسلين بالشخص ~~الذي يستطيع الإيمان بجوهر باتريك؛ فقد كانت تراه متغطرسا وعنيدا وسخيفا في ~~جوهره. # لم تكن جوسلين، بل ms128 كان كليفورد. لم تشأ روز أن تخبره بأي شيء. نظرت إليه دون ترحيب وهي ~~ثملة بعض الشيء، وكئيبة، ومبللة الوجه من أثر المطر، ولكنه طوقها بذراعيه وأخذ ~~يهزها. ~~«آه يا روز، يا حبيبتي. لا عليك يا روز.» # كان هذا هو كليفورد. # ظلا على مدى خمس دقائق أو نحو ذلك يتبادلان القبلات، ويغمغمان، ويرتجفان، ويتضامان، ~~ويتلامسان، ليعودا بعد ذلك إلى الحفل من الباب الأمامي حيث كان سيريل هناك. قال لهما: ~~«أهلا، أين كنتما؟» # أجابه كليفورد بفتور: «نسير تحت المطر.» قالها بنفس الصوت الرشيق وربما العدائي الذي خاطب ~~به روز قائلا لها إنها لذيذة. لقد توقف استدراج باتريك، وصار الحوار أكثر حرية، وثمالة، ~~واستهتارا. كانت جوسلين تقدم الجمبالايا، فذهبت روز إلى دورة المياه لتجفف شعرها وتضع أحمر ~~شفاه على شفتيها اللتين جردتا مما عليهما من أحمر الشفاه. لقد تحولت، لتصبح غير ~~قابلة للتأثر بأي شيء. كان أول شخص قابلته لدى خروجها هو باتريك. كانت لديها رغبة في أن ~~تشعره بالسعادة. ولم تعبأ بما قاله أو ما سوف يقوله. # قالت ذلك بصوت خافت لعوب تستخدمه في بعض الأحيان عندما تشعر ببعض التساهل في الحديث ~~معه: «لا أعتقد أننا قد التقينا من قبل يا سيدي. ولكن يمكنك أن تقبل يدي.» # قال باتريك بحماس قوي: «لصياحي الصاخب.» واعتصرها وقبلها بتمطق مرتفع على وجنتها؛ فقد ~~كان دائما يتمطق بشفتيه حين يقبل. ودائما ما كان مرفقاه يتوغلان في مكان ما من جسدها ~~ويؤلمانها. # قالت روز: «أتستمتع بوقتك؟» ~~«لا بأس، لا بأس.» # وبالطبع ظلت طوال ما تبقى من الأمسية تمارس لعبة النظر إلى كليفورد بينما تتظاهر بأنها لا ~~ترقبه، وبدا لها أنه يفعل نفس الشيء، والتقت أعينهما بضع مرات دون أي تعبير يذكر، في رسالة ~~واضحة تمام الوضوح تزلزل كيانها. وصارت تراه بشكل مختلف الآن؛ فجسده الذي كان يبدو ضئيلا ~~وضعيفا بدا في عينيها الآن رشيقا مفعما بالطاقة؛ كان أشبه بجسد حيوان الوشق أو الفهد. ~~لقد اكتسب كليفورد سمرته من رياضة التزلج التي يمارسها؛ فقد كان يتسلق جبال ms129 سيمور ويمارس ~~التزلج هناك. هواية مكلفة، ولكنها هواية شعرت جوسلين أنه لا يمكن حرمانه منها؛ لما كان ~~يعانيه من مشكلات بشأن صورته الاجتماعية؛ صورته الذكورية كعازف كمان في هذا المجتمع، أو ~~هكذا قالت جوسلين. كانت جوسلين قد أخبرت روز بكل شيء عن خلفية كليفورد: والده المريض ~~بالتهاب المفاصل، متجر البقالة الصغير الكائن في بلدة شمال نيويورك، في الحي الفقير المليء ~~بالقسوة. وتحدثت أيضا عن مشكلاته في طفولته؛ عن الموهبة غير اللائقة، عن والديه اللذين لم ~~يمنحاه العطف، ورفاق المدرسة المتهكمين. قالت جوسلين إن طفولته قد خلفت بداخله شعورا ~~بالمرارة، ولكن روز لم تعد تعتقد أن جوسلين لها الكلمة الأخيرة على كليفورد. ~~••• # أقيم الحفل ليلة أحد أيام الجمعة. دق جرس الهاتف في صباح اليوم التالي، بينما كان ~~باتريك وآنا على المائدة يتناولان البيض. # قال كليفورد: «كيف حالك؟» ~~«بخير.» ~~«أردت أن أهاتفك. اعتقدت أنك قد تظنين أنني كنت ثملا فقط أو شيئا من هذا القبيل. إنني ~~لم أكن كذلك.» ~~«أوه، كلا.» ~~«لقد قضيت الليل بأسره أفكر فيك، بل كنت أفكر فيك قبل ذلك أيضا.» ~~«نعم.» كان المطبخ يدور من حولها، وكان المشهد بأكمله أمامها، مشهد باتريك وآنا على ~~المائدة، وإبريق القهوة الذي تساقطت قطرات منها على جانبه، وبرطمان المربى، كل شيء كاد ~~ينفجر من فرط البهجة والفرصة والخطر. كان فم روز جافا تماما حتى إنها بالكاد استطاعت أن ~~تتكلم. # قالت: «إنه يوم جميل. ربما نتسلق أنا وآنا وباتريك الجبل.» ~~«هل باتريك بالمنزل؟» ~~«أجل.» ~~«يا إلهي! إنه لغباء مني. لقد نسيت أنني الوحيد الذي يعمل يوم السبت. فأنا هنا في ~~بروفة.» ~~«أجل.» ~~«هل يمكنك التظاهر بأن المتصل شخص آخر؟ تظاهري أنها جوسلين.» ~~«بالتأكيد.» # قال كليفورد: «أحبك يا روز.» ثم أغلق الخط. # قال باتريك: «من كان على الهاتف؟» ~~«إنها جوسلين.» ~~«وهل يجب أن تتصل حين أكون بالمنزل؟» ~~«لقد نسيت. إن كليفورد في بروفة لذا نسيت أن الآخرين في إجازة اليوم من العمل.» ~~شعرت روز بسعادة وبهجة وهي تنطق اسم كليفورد. يبدو وكأن ممارسة الخداع ms130 والكتمان قد أصبحا ~~أمرا في غاية السهولة والتلقائية بالنسبة لها؛ وقد يكون ذلك متعة في حد ذاته. # قالت روز في محاولة لعدم الخروج عن الموضوع: «لم أكن أعرف أنهم يضطرون للعمل أيام السبت. ~~لا بد أنهم يعملون لساعات طويلة للغاية.» ~~«إنهم لا يعملون لساعات أطول من الأشخاص العاديين، كل ما في الأمر اختلاف في توزيع وقت ~~العمل. إنه لا يبدو قادرا على العمل كثيرا.» ~~«من المفترض أن يكون جيدا للغاية، أقصد كعازف كمان.» ~~«إنه يبدو شخصا أحمق.» ~~«أتعتقد ذلك؟» ~~«ألا تعتقدين ذلك؟» ~~«أعتقد أنني لم أدرس شخصيته مطلقا.» ~~••• # اتصلت جوسلين في يوم الاثنين وقالت إنها لا تعرف لم تقيم الحفلات؛ إذ كانت لا تزال تخوض ~~وسط الفوضى. ~~«ألم يساعدك كليفورد في التنظيف؟» ~~«أنت تمزحين. إنني أكاد لا أراه طوال عطلته الأسبوعية؛ فقد كان لديه بروفة يوم السبت وكان ~~يعزف بالأمس. إنه يقول إن الحفلات فكرتي أنا؛ لذا فبإمكاني التعامل مع توابعها. وهذا صحيح. ~~فأنا أصاب بنوبات الشوق للتجمعات، والحفلات هي العلاج الوحيد لها. لقد كان باتريك مثيرا ~~للاهتمام.» ~~«نعم، للغاية.» ~~«إنه نمط ساحر من الشخصيات حقا، أليس كذلك؟» ~~«هناك الكثير والكثير مثله، ربما فقط لا تتاح لك الفرصة للقائهم.» ~~«تعسا لي!» # كان هذا الحوار كأي حوار آخر لها مع جوسلين؛ فقد كانت حواراتهما وصداقتهما تسير دائما في ~~نفس الاتجاه، ولم تكن روز تشعر بأنها مقيدة بأي قدر من الولاء لجوسلين؛ لأنها قد قسمت ~~كليفورد إلى نصفين؛ فكان هناك كليفورد الذي عرفته جوسلين، وهو نفس الشخص الذي طالما قدمته ~~جوسلين إلى روز، وكان هناك أيضا كليفورد الذي عرفته روز الآن. كانت تعتقد أن جوسلين ربما ~~كانت مخطئة بشأنه، والمثال على ذلك عندما قالت لها إن طفولته قد خلفت لديه شعورا ~~بالمرارة. فما وصفته جوسلين بأنه مرارة بدا لروز شيئا أكثر تعقيدا وأكثر اعتيادا؛ إنه ~~فقط المألوف لأية طبقة، من ضجر، ولين، ومراوغة، ودناءة. وقد كانت تلك أمورا مألوفة بالنسبة ~~للطبقة التي جاء منها كليفورد وكذا طبقة روز. أما جوسلين، فقد كانت ms131 معزولة بطرق ما؛ مما ~~جعلها صارمة وبريئة. لقد كانت تشبه باتريك في عدة نواح. # من تلك اللحظة فصاعدا صارت روز تنظر إلى كليفورد وإلى نفسها باعتبارهما نوعا واحدا من ~~الناس، وإلى جوسلين وباتريك كنوع آخر مختلف، رغم ما بدا من اختلافهما بشدة، ورغم نفور ~~كليهما من الآخر. فقد كانا شخصين متكاملين لا يحيط بهما أي غموض، وكانا يأخذان الحياة بجدية ~~مطلقة. وبالمقارنة بهما، كان كليفورد وروز مثالين على نوعية الأشخاص المراوغة شديدة ~~الدهاء. # لو أن جوسلين وقعت في غرام رجل متزوج، ماذا كانت ستفعل؟ ربما كانت ستطلب عقد مؤتمر حتى ~~قبل أن تلمس يديه، وكانت ستدعو إليه كليفورد، والرجل ذاته، وزوجة الرجل، وربما طبيب جوسلين ~~النفساني (على الرغم من رفضها لعائلتها، كانت جوسلين تعتقد أن الذهاب إلى طبيب نفساني أمر ~~ينبغي على الجميع أداؤه أثناء مراحل التطور أو التأقلم في الحياة، وكانت جوسلين نفسها تذهب ~~إلى أحدهم مرة واحدة أسبوعيا). كانت جوسلين ستفكر في العواقب، وكانت ستواجه الأمور بشكل ~~مباشر؛ فهي لا تحاول أبدا أن تختلس متعتها؛ إذ لم تتعلم اختلاس الأشياء قط. وكان ذلك ما ~~يجعل وقوعها في حب رجل آخر أمرا مستبعدا؛ فلم تكن بالشخص الشره، ولم يكن باتريك شرها ~~كذلك، على الأقل فيما يتعلق بالحب. # إذا كانت مشاعر الحب تجاه باتريك جاءت لإدراكها شيئا جيدا وبريئا بداخله؛ فإن مشاعر ~~الحب تجاه كليفورد كانت شيئا مختلفا تماما. لم تكن روز مضطرة للاعتقاد بأن كليفورد شخص ~~جيد، وكانت تعلم بالتأكيد أنه لم يكن بريئا أو ساذجا. ولم يكن مهما بالنسبة لها أي ~~مصارحة بشأن ازدواجيته أو قسوته تجاه آخرين سواها. إذن ماذا أحبت فيه؟ وماذا كانت تريد منه؟ ~~لقد أرادت الخداع، أرادت سرا متوهجا، أرادت احتفاءات يملؤها الحب والحنان بالرغبة، أرادت ~~تأججا دائما للفجور. كل ذلك بعد خمس دقائق تحت المطر قضتها معه. ~~••• # بعد نحو ستة أشهر من ذلك الحفل ظلت روز مستيقظة طوال الليل. كان باتريك نائما بجوارها في ~~منزلهما المبني من الحجر وخشب الأرز في ضاحية تسمى ms132 كابيلانو هايتس بجانب جبل جراوس. وفي ~~الليلة التالية كان مقررا أن يكون كليفورد هو من سينام بجوارها، في باول ريفر حيث كان ~~يعزف مع الأوركسترا الجوال. لم يكن بإمكانها أن تصدق أن هذا سيحدث بالفعل. لقد وضعت كل ~~ثقتها في الحدث، ولكنها لم تستطع أن تضعه وسط ترتيب الأشياء الذي كانت تعرفه. # لم يقدم روز وكليفورد على مدار كل هذه الأشهر على ممارسة الحب معا، ولم يمارسا الحب في ~~أي مكان آخر أيضا. كان الموقف هكذا: لم يكن جوسلين وكليفورد يملكان سيارة، بينما كان لدى ~~باتريك وروز واحدة، ولكن روز لم تكن تقودها. كان عمل كليفورد يتيح له ميزة العمل لساعات غير ~~منتظمة، ولكن كيف كان له أن يرى روز؟ هل يستطيع استقلال الحافلة عبر جسر لايونز جيت، ثم ~~يسير في وضح النهار عبر شارع الضاحية الذي تقطن فيه مارا بنوافذ الجيران؟ هل يمكن أن ~~تستعين روز بجليسة أطفال وتدعي أنها ذاهبة لزيارة طبيب الأسنان، وتستقل الحافلة إلى ~~البلدة، وتقابل كليفورد في أحد المطاعم، وتذهب معه لغرفة في أحد الفنادق؟ ولكنهما لم يكونا ~~يعرفان لأي فندق يذهبان، ويخشيان إذا ذهبا بدون أمتعة أن يتضح أمرهما في الطريق، أو يتم ~~الإبلاغ عنهما لدى شرطة مكافحة الرذيلة ويحتجزان في مركز الشرطة بينما يتم استدعاء جوسلين ~~وباتريك للحضور لاستلامهما، إلى جانب أنه لم يكن بحوزتهما مال كاف. # غير أن روز قد ذهبت إلى فانكوفر، مستخدمة عذر طبيب الأسنان، وجلسا في أحد المقاهي جنبا ~~إلى جنب في سقيفة خلفية وأخذا يتبادلان القبلات والمداعبات جهارا في مكان يتردد عليه طلاب ~~وزملاء كليفورد من الموسيقيين، يا لها من مجازفة! وبينما كانت روز تستقل الحافلة في طريقها ~~إلى المنزل راحت تنظر عبر ثوبها إلى قطرات العرق المتقطرة بين ثدييها وكادت يغشى عليها من ~~تألقها وبهائها، وكذلك من فكرة المجازفة التي أخذاها. في إحدى المرات الأخرى، بعد ظهيرة ~~يوم شديد الحرارة في شهر أغسطس، انتظرت في أحد الأزقة خلف المسرح الذي كان كليفورد يؤدي فيه ~~البروفة، واختبأت وسط ms133 الظلال ثم تشبثت به في هيام لم يشبعها. رأيا بابا مفتوحا فتسللا ~~إلى الداخل. كانت هناك صناديق متراصة في كل مكان حولهما، وكانا يبحثان عن مكان يأويان إليه ~~عندما تحدث إليهما أحد الرجال. ~~«هل يمكنني القيام بأي شيء من أجلكما؟» # كانا قد دخلا المخزن الخلفي لمحل لبيع الأحذية. كان صوت الرجل باردا مرعبا. وأخذت ~~الأفكار المخيفة تتوالى: شرطة الآداب! مركز الشرطة! وكان رداء روز قد انفك حتى ~~الخصر. # ذات مرة كان اللقاء في أحد المتنزهات حيث كانت غالبا ما تصطحب آنا وتدفعها على الأراجيح. ~~جلسا على أحد المقاعد وقد تشابكت يداهما أسفل تنورة روز القطنية الفضفاضة. كانت أصابعهما ~~متشابكة معا وراحا يعتصرانها بقوة مؤلمة، إلى أن فاجأتهما آنا حين ظهرت من خلف المقعد ~~وصاحت قائلة: «بوو! لقد أمسكت بكما!» فامتقع وجه كليفورد متحولا إلى شحوب كارثي. وفي ~~الطريق إلى المنزل قالت روز لآنا: «كان هذا مضحكا حين قفزت من خلف المقعد. كنت أظن أنك لا ~~تزالين على الأرجوحة.» # قالت آنا: «أعرف ذلك.» ~~«ماذا قصدت بأنك أمسكت بنا؟» # فقالت آنا: «لقد أمسكت بكما بالفعل.» وضحكت بصوت عال بطريقة بدت لروز متطاولة وذكية بشكل ~~مثير للانزعاج. # قالت روز بنبرة ابتهاج: «هل تودين تناول الآيس كريم؟ أنا أود!» وفي خضم أفكار ~~الابتزاز والمساومات التي دارت في عقلها، جال بخاطرها أن آنا سوف تجتر تلك الذكرى السيئة ~~لطبيبها النفسي بعد عشرين عاما من الآن؛ فقد جعلتها هذه الحادثة مهزوزة وسقيمة وتساءلت إن ~~كانت قد أثرت على حب كليفورد لها، لقد حدث ذلك بالفعل، ولكن لفترة مؤقتة فقط. ~~••• # بمجرد بزوغ أول خيط من خيوط الضوء، نهضت من ~~فراشها لمشاهدة النهار لترى إن كان اليوم مناسبا للسفر جوا. كانت السماء صافية، دون أي ~~أثر للضباب الذي يتسبب غالبا في الهبوط الاضطراري للطائرات في هذا الوقت من العام. لم يعلم ~~أحد سوى كليفورد بذهابها إلى باول ريفر؛ فقد ظلا يخططان للأمر على مدى ستة أسابيع منذ أن ~~علما بأنه سيسافر في جولة. كان باتريك يعتقد أنها ستذهب ms134 إلى فيكتوريا، حيث كان لها صديقة ~~تعرفت عليها في الكلية، وظلت على مدار الأسابيع القليلة الماضية تدعي بأنها عادت مجددا ~~للتواصل مع هذه الصديقة. وقد قالت إنها ستعود ليلة الغد. كان اليوم هو السبت ما يعني أن ~~باتريك كان بالمنزل للاعتناء بآنا. # دخلت إلى غرفة الطعام لمراجعة النقود التي ادخرتها من شيكات الإعانات الأسرية التي ~~تحصل عليها من الدولة. كانت تحتفظ بها في قاع طبق المافن الفضي. ثلاثة عشر دولارا. كانت ~~تنوي إضافتها لما أعطاها إياه باتريك للسفر إلى فيكتوريا. طالما كان باتريك يعطيها نقودا ~~حين تطلب، ولكنه كان يرغب في معرفة المبلغ الذي تحتاج إليه وفيما ستنفقه. ذات مرة بينما ~~كانا يسيران معا بالخارج، أرادت الدخول إلى الصيدلية، وطلبت منه نقودا، فقال باتريك ~~بجدية لم تتجاوز الحد المعتاد منه: «لماذا؟» وبدأت روز في البكاء؛ لأنها كانت ستشتري ~~هلاما مهبليا. أما الآن، فربما تكون قد ضحكت. وقد تضحك إذا ما حدث معها هذا الموقف ~~الآن، فمنذ أن وقعت في حب كليفورد، لم تتشاجر قط مع باتريك. # قامت مرة أخرى بحساب النقود التي ستحتاج إليها: تذكرة الطائرة، نقود من أجل حافلة المطار ~~التي ستستقلها من فانكوفر، ومن أجل الحافلة، أو ربما سينبغي عليها أن تستقل سيارة أجرة ~~للذهاب إلى باول ريفر، مع فائض من أجل الطعام والقهوة. وكان كليفورد سيتكفل بنفقات الفندق. ~~ملأتها الفكرة بإحساس من الراحة الجنسية والاستسلام، على الرغم من علمها بأن جيروم كان ~~بحاجة إلى نظارة جديدة، وأن آدم بحاجة إلى حذاء عال من المطاط. راحت تفكر في ذلك الفراش ~~المحايد الناعم الوثير الموجود بالفعل في انتظار قدومهما. منذ زمن طويل حين كانت فتاة صغيرة ~~(هي الآن في الثالثة والعشرين)، كثيرا ما كانت تذهب بخيالها إلى الأسرة المؤجرة المملة ~~ذات الألوان الحادة والأبواب المغلقة، بما يتضمنه ذلك من الأمنيات المترفة، وها هي الآن ~~تعاود الكرة مجددا، على الرغم من أن التفكير في أي شيء يتعلق بالجنس ظل لفترة - فيما ~~بين قبل الزواج وبعده - يثير حنقها، مثلما كان الفن ms135 الحديث يثير سخط باتريك. # راحت روز تجول عبر أرجاء المنزل بهدوء تخطط ليومها في سلسلة من الإجراءات. سوف تأخذ ~~حماما، ثم تضع الزيت والبودرة، وتضع مانع الحمل والهلام المهبلي في حقيبتها. ولم تنس ~~النقود، والماسكرا، وكريم الوجه، وأحمر الشفاه. اعتلت درجتي السلم المؤديتين إلى غرفة ~~المعيشة. كانت جدران غرفة المعيشة خضراء طحلبية، وكانت المدفأة بيضاء، فيما كانت الستائر ~~وأغطية المقاعد مزينة بنقوش حريرية من أوراق الشجر بألوان الرمادي والأخضر والأصفر على ~~خلفية بيضاء. وعلى رف المدفأة كانت هناك مزهريتان من ماركة ويدجوود بلون أبيض وحلقة من ~~أوراق الشجر الخضراء. وكان باتريك مغرما بشدة بهاتين المزهريتين، حتى إنه في بعض الأحيان ~~بمجرد عودته من العمل يتوجه مباشرة إلى غرفة المعيشة ويعدل وضعهما قليلا على رف المدفأة؛ ~~ظنا منه بوجود خلل في التناسق الذي وضعتا به. ~~«هل عبث أحد بهاتين المزهريتين؟» ~~«بالطبع. بمجرد أن غادرت إلى العمل هرعت نحوهما وبدلت موضعهما.» ~~«لقد كنت أقصد آنا. فأنت لا تدعيها تلمسهما، أليس كذلك؟» # لم يكن باتريك يحب أن يسمعها تشير إلى المزهريتين بأي طريقة تهكمية؛ فقد كان يعتقد أنها ~~لم تكن تقدر قيمة المنزل. لم يكن يعلم، ولكنه ربما استطاع أن يخمن ما قالته لجوسلين في ~~أول مرة جاءت فيها هنا، وكانتا تقفان حيثما كانت روز تقف الآن تجولان بناظريهما في غرفة ~~المعيشة. ~~«إنه حلم الأناقة لوريث المتجر الكبير.» # حتى جوسلين بدت خجولة من ذلك الغش؛ فلم يكن ذلك صحيحا تماما. لقد كان باتريك يحلم ~~بالمزيد والمزيد من الأناقة. ولم يكن صحيحا فيما تضمنه ذلك من إشارات إلى أن المنزل كان ~~من اختيار باتريك بمفرده، وأن روز لطالما كانت غير آبهة به. لقد كان اختيار باتريك بالفعل، ~~ولكن في وقت من الأوقات كان هناك الكثير من الأشياء تعجبها؛ فقد اعتادت أن تتسلق وتلمع ~~الكريستالات الزجاجية المتدلية من ثريا غرفة الطعام، مستخدمة قطعة من القماش مغموسة في ~~محلول من الماء وصودا الخبيز. لقد كانت تحب تلك الثريا؛ إذ كان لكريستالاتها المتدلية ضوء ~~أزرق أرجواني فاتح. ms136 ولكن الناس الذين كانوا يحوزون إعجابها لم يكن لديهم نجف في غرف الطعام ~~خاصتهم. وكان من غير المحتمل أن يكون لديهم غرف طعام من الأساس. وإذا كان لديهم، فكانوا ~~يكتفون بشموع بيضاء رفيعة مثبتة في حامل للشموع من المعدن الأسود المصنوع في إحدى الدول ~~الإسكندنافية. أو ربما كانوا ليستعينون بشموع سميكة موضوعة في زجاجات النبيذ محملة بقطرات ~~من الشمع الملون. لقد كان الناس الذين تكن لهم الإعجاب أفقر منها لا محالة؛ لذا بدا من ~~قبيل السخرية غير المقبولة منها - بعد أن قضت طيلة حياتها في مكان يخجل فيه الجميع من فقرهم ~~- أن تكون مضطرة الآن أن تشعر بالأسف والحرج من كونها في الحالة المضادة، في ظل وجود شخص ~~مثل جوسلين، على سبيل المثال، يمكن أن تقول عبارة مثل «رفاهية الطبقة المتوسطة» بنبرة غاية ~~في القسوة والازدراء. # ولكنها لو لم تكن قد احتكت بالآخرين، ولو لم تكن قد تعلمت من جوسلين، ترى هل كانت ستظل ~~على حبها للمنزل؟ كلا. كانت حتما ستشعر بالسخط والبغض تجاهه على أية حال. فحين كان الناس ~~يأتون لزيارتهما لأول مرة، كان باتريك دائما ما يصطحبهم في جولة عبر المنزل، مشيرا إلى ~~النجفة، ومرحاض الضيوف ذي الإضاءة المخفية، بجوار الباب الأمامي، وخزانات الملابس ~~والأبواب المزودة بفتحات تهوية والمفتوحة على الفناء. لقد كان فخورا بهذا المنزل وكله لهفة ~~لجذب الأنظار للسمات الصغيرة التي تمنحه التميز، وكأن هو من نشأ فقيرا وليس روز. كانت ~~روز تنزعج من هذه الجولات منذ البداية، وكانت تتبعه في صمت أو تصدر تعليقات استنكارية لم ~~تكن تعجب باتريك. وبعد فترة تمكث في المطبخ، ولكن يظل بإمكانها سماع صوت باتريك، وكانت تعرف ~~مسبقا كل شيء سوف يقوله. كانت تعرف أنه سيزيح ستائر غرفة الطعام ويشير إلى النافورة ~~الصغيرة المضيئة - التي تتخذ شكل نافورة نبتون مزينة بورقة التين - التي كان يضعها في ~~الحديقة، ثم يقول: «والآن ها هو الحل الذي ابتكرناه لهوس الضواحي بحمامات السباحة.» ~~••• # بعد أن انتهت من حمامها أخذت زجاجة اعتقدت أنها زجاجة زيت ms137 الأطفال لتسكبها على جسدها. سال ~~السائل الشفاف على صدرها وبطنها مصيبا إياها بحرقة ولسعة، فنظرت إلى الملصق على الزجاجة ~~لتكتشف أنه لم يكن زيت الأطفال، وإنما مزيل طلاء الأظافر؛ فجعلت تزيله وتغمر نفسها بالماء ~~البارد وتجفف باستماتة وهي تفكر في بشرتها وما لحق بها من دمار، والمستشفى؛ راحت تفكر في ~~ترقيع الجلد، في الندوب، في العقاب. # كانت آنا تخربش على باب المرحاض في نعاس ولكن بإلحاح؛ فقد أغلقته روز من أجل هذه ~~الاستعدادات، على الرغم من أنها كانت عادة ما لا تغلقه حين تأخذ حماما. وسمحت لآنا ~~بالدخول. # قالت آنا وهي تحاول الصعود على المرحاض: «إن صدرك أحمر تماما.» عثرت روز على زيت الأطفال ~~وحاولت أن تهدئ بشرتها به، ولكنها استخدمت قدرا كبيرا منه ما أدى إلى بقع زيتية على حمالة ~~صدرها الجديدة. ~~••• # كانت تعتقد أن كليفورد قد يكتب لها أثناء رحلته، ولكنه لم يفعل. كل ما فعله هو أنه اتصل ~~بها من برينس جورج وكان يبدو مشغولا قائلا: ~~«متى تصلين إلى باول ريفر؟» ~~«في الرابعة.» ~~«حسنا، استقلي الحافلة أو أيا ما كان متوافرا في البلدة. هل ذهبت إلى هناك من ~~قبل؟» ~~«لا.» ~~«ولا أنا. لا أعرف سوى اسم الفندق الذي ستقيمين فيه. لا يمكنك الانتظار هناك.» ~~«ما رأيك في محطة الحافلة؟ فلكل بلدة محطة للحافلات.» ~~«حسنا، عند محطة الحافلات. سوف آخذك من هناك في حوالي الخامسة على الأرجح، ويمكننا أن ~~ننقلك إلى فندق آخر. أتمنى من الله أن يكون هناك أكثر من فندق، اتفقنا إذن.» # كان يدعي أمام أعضاء الأوركسترا الآخرين أنه سيقضي الليلة مع أصدقاء في باول ~~ريفر. # قالت روز: «يمكنني الذهاب والاستماع إليك وأنت تعزف، أليس كذلك؟» ~~«بالتأكيد.» ~~«لن أكون ظاهرة للعيان تماما، سوف أجلس في المؤخرة وسأتنكر في شكل سيدة عجوز؛ فأنا أحب ~~أن أستمع إلى عزفك.» ~~«اتفقنا.» ~~«هل تمانع؟» ~~«كلا.» ~~«كليفورد.» ~~«أجل؟» ~~«أما زلت تريدني أن آتي؟» ~~«أوه روز.» ~~««أعرف. إن صوتك فقط يوحي لي غير ذلك.» ~~«أنا في بهو الفندق وهم بانتظاري، ومن المفترض ms138 أنني أتحدث إلى جوسلين.» ~~«حسنا. أعرف ذلك. سوف آتي.» ~~«باول ريفر. محطة الحافلات. الخامسة مساء.» # كانت هذه المكالمة مختلفة عن أحاديثهما الهاتفية المعتادة التي عادة ما تكون شجية وسخيفة، ~~أو يثير كل منهما الآخر بحيث لا يستطيعان الحديث على الإطلاق. ~~«هناك صوت نفس ثقيل.» ~~«أعرف.» ~~«لنتحدث عن شيء آخر.» ~~«ماذا هناك أيضا؟» ~~«هل الجو ضبابي عندك أيضا؟» ~~«أجل. هل هناك ضباب أيضا عندك؟» ~~«أجل. أتسمع صوت صافرة الضباب؟» ~~«أجل.» ~~«أليس صوتا مزعجا؟» ~~«في الواقع أنا لا أنزعج منه. فأنا أحبه نوعا ما.» ~~«جوسلين لا تحبه. أتعلمين كيف تصفه؟ إنها تقول إنه صوت ملل كوني.» # كانا في البداية يتجنبان الحديث عن جوسلين وباتريك تماما، بعد ذلك صارا يتحدثان عنهما ~~بأسلوب صارم وحاد، وكأنهما أبوان يجب خداعهما والاحتيال عليهما، أما الآن، فصار بإمكانهما ~~الحديث عنهما بأسلوب لطيف يقارب الإعجاب، وكأنهما ابناهما. ~~••• # لم تكن هناك محطة للحافلات في باول ريفر؛ فاستقلت روز ليموزين المطار مع أربعة ركاب ~~آخرين، جميعهم رجال، وأخبرت السائق بأنها تريد الذهاب إلى محطة الحافلات. ~~«أتعلمين أين تقع؟» # قالت: «كلا.» وشعرت وكأنهم جميعا يرقبونها. ~~«أكنت تريدين أن تستقلي حافلة؟» ~~«لا.» ~~«أتريدين فقط الذهاب إلى محطة الحافلات؟» ~~«كان مقررا أن أقابل شخصا ما هناك.» # قال أحد الركاب: «لم أكن أعلم حتى بوجود محطة للحافلات هنا.» # فقال السائق: «حسب علمي لا يوجد أية محطة هنا. يوجد الآن حافلة تتجه إلى فانكوفر صباحا ~~وتعود ليلا وتتوقف عند دار المسنين، أو بالأصح دار جامعي الحطب القدامى. تلك هي المحطة ~~التي تتوقف عندها. كل ما يمكنني فعله هو أن أوصلك إلى هناك. أيوافقك هذا؟» # فقالت روز إن ذلك سيكون رائعا، ثم شعرت بأن عليها المضي في شرح الأمر. ~~«لقد رتبت مع صديقتي للقائها هناك؛ لأننا لم يسعنا التفكير في مكان آخر للقاء؛ فنحن لا ~~نعرف باول ريفر مطلقا، وفكرنا فقط أن كل بلدة لها محطة للحافلات!» # فكرت أنها ربما أخطأت بقولها «صديقتي»، ربما كان عليها أن تقول «زوجي»؛ فما قالته قد ~~يجعلهم يتساءلون ماذا تفعل ms139 هي وصديقتها هنا إذا لم يكن أي منهما يعرف البلدة. ~~«صديقتي تعزف في فريق الأوركسترا الذي يقيم حفلا هنا الليلة. إنها تعزف على ~~الكمان.» # أشاح الجميع بنظرهم عنها وكأن ذلك هو ما تستحقه أية كذبة. كانت تحاول أن تتذكر إذا ما كان ~~هناك عازفات للكمان. ماذا لو سألوها عن اسمها؟ # أنزلها السائق أمام مبنى خشبي طويل من طابقين ذوي طلاء متقشر. ~~«أعتقد أن بإمكانك دخول البناية الزجاجية هناك في النهاية؛ فالحافلة تقلهم من هنا على ~~أية حال.» # كانت هناك طاولة بلياردو في البناية الزجاجية ولم يكن هناك أحد يلعب عليها. كان هناك بعض ~~المسنين يلعبون الشطرنج بينما اكتفى آخرون بالمشاهدة. فكرت روز أن تشرح لهم سبب وجودها ~~ولكنها قررت ألا تفعل؛ فقد بدوا غير عابئين بذلك، وكان في ذلك رحمة لها؛ فقد أرهقها ما ~~قدمته من إيضاحات في الليموزين. # كانت ساعة المبنى تشير إلى الرابعة وعشر دقائق، ففكرت أن تضيع الوقت المتبقي حتى حلول ~~الخامسة بالتجول عبر البلدة. # وما إن خرجت من المبنى حتى لاحظت رائحة كريهة، وساورها القلق ظنا منها أنها قد تكون ~~مصدر هذه الرائحة، فأخرجت زجاجة العطر ذات الكرة الدوارة التي اشترتها في مطار فانكوفر - ~~منفقة مالا لا تستطيع توفيره في المعتاد - وجعلت تفرك بها رسغيها وعنقها، ولكن ظلت الرائحة ~~دون أن تزول، وفي النهاية أدركت أنها قادمة من مطاحن لب الورق. كان من الصعب التجول عبر ~~أنحاء البلدة؛ نظرا لانحدار شوارعها الشديد، ولعدم وجود أرصفة في الكثير من الأماكن. ولم ~~يكن هناك مكان للتسكع وإضاعة الوقت. ظنت أن الناس يحملقون فيها لإدراكهم أنها غريبة عن ~~البلدة، وراح مجموعة من الرجال يستقلون سيارة يصيحون نحوها، بعد أن رأوا انعكاس صورتها على ~~واجهات أحد المحال، وأدركوا أنها تبدو كما لو كانت ترغب في إثارة نظرات الناس وصيحاتهم؛ فقد ~~كانت ترتدي بنطالا مخمليا أسود على طراز بنطال مصارع الثيران القصير، وكنزة سوداء ضيقة ~~ذات ياقة عالية، وسترة باللون البيج تسدلها حول كتفيها على الرغم من الرياح الباردة. صارت ~~تنجذب ms140 الآن لارتداء الملابس المثيرة وهي التي كانت يوما ما لا تختار سوى التنورات الطويلة ~~والألوان الهادئة، والكنزات المصنوعة من الصوف الوبري ذات الطراز الطفولي، وفتحات العنق ~~المطرزة بنتوءات مستديرة. وكانت الملابس الداخلية الجديدة التي ترتديها في تلك اللحظة من ~~الدانتيل الأسود والنايلون الوردي. وكانت قد زينت عينيها في غرفة الانتظار بالمطار ~~بالماسكرا الكثيفة، ومحدد العيون أسود اللون، وظل العيون الفضي، فيما كان أحمر الشفاه ~~أقرب للأبيض. كان كل ذلك يتماشى مع الموضة السائدة في تلك السنوات؛ ولذلك بدا أقل غرابة مما ~~بدا لاحقا، ولكنه كان مزعجا ولافتا بما يكفي. كانت الثقة التي حملت بها هذا التنكر ~~متذبذبة إلى حد كبير؛ فهي لم تكن لتجرؤ على الظهور به أمام باتريك أو جوسلين؛ فعندما كانت ~~تذهب لزيارة جوسلين، كانت دائما ما ترتدي أوسع ما لديها من سراويل وكنزات. ومع ذلك عندما ~~كانت جوسلين تفتح لها الباب كانت تقول: «مرحبا بالسيدة مثيرة!» بنبرة سخرية ودودة. فجوسلين ~~ذاتها كانت قد أصبحت شعثاء المظهر بشكل لافت، فلم تكن ترتدي سوى ملابس كليفورد القديمة؛ ~~فكانت ترتدي سراويله القديمة التي لم تكن تغلق عليها؛ لأن بطنها لم تعد كما كانت بعد أن ~~وضعت آدم، وكذا قمصانه القطنية البيضاء المهترئة التي كان كليفورد يرتديها يوما ما من أجل ~~العروض. كانت جوسلين فيما يبدو ترى أن مسألة الحفاظ على الرشاقة والتزين بالمساحيق ومحاولة ~~الظهور بمظهر مغر بأي شكل مضحكة إلى حد مقيت، ولا تستحق حتى الازدراء؛ كانت بالنسبة لها ~~أقرب لحديث تنظيف الستائر بالمكنسة. كانت تقول إن مشاعر كليفورد لا تختلف على أي حال؛ فقد ~~كان كليفورد، على حد تعبير جوسلين، ينجذب لغياب الحيل ومظاهر التزين الأنثوية؛ فكان يحب ~~السيقان غير الحليقة والإبط المشعر، وروائح الجسم الطبيعية. وراحت روز تتساءل إذا كان ~~كليفورد قد قال هذا حقا، ولماذا؟ هل من منطلق الشفقة، أم الود وحسن المعاشرة، أم على سبيل ~~المزاح؟ # وجدت روز مكتبة عامة فدخلت وجعلت تتطلع إلى عناوين الكتب، إلا أنها لم تستطع الانتباه ~~إليها؛ فقد كان هناك ms141 صوت معوق نوعا ما - وإن لم يكن كريها - يسري عبر رأسها وجسدها. وفي ~~الخامسة إلا الثلث عادت إلى المبنى الزجاجي وجلست تنتظر. # كانت لا تزال تنتظر بينما عقارب الساعة تشير إلى السادسة وعشر دقائق. أخذت تعد الدولارات ~~بحقيبتها. كان معها دولار وثلاثة وستون سنتا. لم يكن بإمكانها الذهاب إلى أي فندق، ولم تكن ~~تعتقد أنهم سيتركونها تقضي الليل في المبنى الزجاجي. لم يكن بوسعها فعل أي شيء إلا الدعاء ~~بأن يستطيع كليفورد الوصول إليها، ولكنها لم تكن تعتقد أنه سيفعل. ربما تغير الجدول ~~تماما، وقد يكون استدعي للمنزل لأن أحد الطفلين مريض، ربما يكون قد تعرض لكسر في رسغه ~~ولم يستطع العزف على الكمان. كانت باول ريفر مكانا مقيتا وليست سوى سراب كريه الرائحة ~~يستدرج إليه المسافرون من مرتكبي الجرائم لتوقيع عقوبات عليهم. لم تكن مندهشة في الواقع؛ ~~فقد قفزت القفزة التي لم يكن يجب القيام بها، وكان هذا هو ما آلت إليه. # قبل أن يدخل المسنون لتناول العشاء سألتهم عما إذا كانوا قد علموا بأمر حفل موسيقي يقام ~~الليلة في قاعة المدرسة الثانوية، فأجابوا بالنفي على مضض. ~~«لم نسمع مطلقا بأنهم يقيمون حفلات هنا.» # أخبرتهم بأن زوجها يعزف في الأوركسترا، وأنه في رحلة قادمة من فانكوفر، وأنها قد سافرت ~~لمقابلته، وكان من المفترض أن تقابله هنا. # هنا؟ # فقال أحد المسنين بأسلوب خبيث ذي مغزى: «ربما يكون قد ضل طريقه. ربما يكون قد ضل طريقه، ~~أليس كذلك؟ دائما ما يضل الأزواج الطريق.» # كان الظلام قد عم بالخارج؛ فقد كان ذلك في شهر أكتوبر، وكان المكان أبعد شمالا من ~~فانكوفر. حاولت أن تفكر ماذا تفعل. كان الشيء الوحيد الذي خطر لها هو أن تتظاهر بأنها قد ~~فقدت الوعي ثم تدعي فقدان الذاكرة. ولكن هل كان ذلك لينطلي على باتريك من الأساس؟ سوف ~~تضطر لأن تقول إنها لا تتذكر ماذا كانت تفعل في باول ريفر، وسوف تضطر لأن تقول إنها لا ~~تتذكر أيا مما قالته في السيارة الليموزين، ولا تعرف شيئا عن ms142 الأوركسترا ، وسوف تضطر ~~لإقناع رجال الشرطة والأطباء، وسوف يكتب عن الحادثة في الصحف. رباه، أين كليفورد؟ لماذا ~~هجرها؟ هل وقع حادث على الطريق؟ فكرت أن عليها تمزيق قصاصة الورق التي احتفظت بها في ~~حقيبتها والتي دونت عليها تعليماته. وفكرت أنه من الأفضل أن تتخلص من مانع الحمل ~~أيضا. # كانت تتفقد حقيبتها عندما توقفت شاحنة بالخارج. فكرت أنها لا بد وأن تكون سيارة الشرطة؛ ~~فقد خطر لها أن المسنين قد اتصلوا بالشرطة وأبلغوا عنها كشخص مشتبه فيه. # ترجل كليفورد من الشاحنة وتقدم مسرعا نحو درجات المبنى الزجاجي. واستغرقت لحظات لتتعرف ~~عليه. ~~••• # تناولا الجعة والبرجر في فندق غير ذلك الذي أقام فيه أعضاء الأوركسترا. كانت يدا روز ~~ترتعشان ما جعل الجعة تنسكب على الطاولة. قال كليفورد إنه كانت هناك بروفة لم يحسب حسابها، ~~ثم ظل لمدة نصف ساعة يبحث عن محطة الحافلة. ~~«أعتقد أن فكرة محطة الحافلة لم تكن بالفكرة الذكية.» # كانت يده ممتدة على الطاولة، فجعل يمسح الجعة بفوطة المائدة، ثم وضع يده على يديها، وراحت ~~تفكر في ذلك كثيرا فيما بعد. ~~«من الأفضل أن نحجز لك هنا.» ~~«ألن نقيم هنا معا؟» ~~«من الأفضل أن تقيمي هنا بمفردك.» # قالت روز: «منذ أن وطأت بقدمي هنا وكل شيء يبدو في غاية الغرابة. لقد كان إحساسا ~~مشئوما. كنت أشعر بأن الجميع يعرفون بأمرنا.» وشرعت تروي له بأسلوب تمنت لو كان ممتعا ~~عن سائق الليموزين، والركاب الآخرين، والمسنين في دار جامعي الحطب: «كم شعرت بالارتياح حين ~~ظهرت، يا له من شعور عصيب بالارتياح! لقد كنت ارتعش من الخوف.» وراحت تخبره عن خطتها ~~بتصنع فقدان الذاكرة وإدراكها أن من الأفضل أن تتخلص من مانع الحمل الخاص بها. فضحك، ~~ولكنه لم يكن ضحكا بدافع الابتهاج حسبما رأت؛ فقد بدا لها أنه قد زم شفتيه في اشمئزاز أو ~~نفور عندما تحدثت عن مانع الحمل. # قالت في عجالة: «ولكن كل شيء جميل الآن.» كانت تلك هي أطول محادثة دارت بينهما وجها لوجه ~~على الإطلاق. # فقال: «إنها فقط مشاعر ms143 الذنب التي بداخلك، وهي مشاعر طبيعية.» # راح يمسد على يدها، وحاولت هي أن تفرك بإصبعها على عرق نبضه كما اعتادا أن يفعلا، ~~ولكنه سحب يده. ~~••• # بعد نصف ساعة وجدت نفسها تقول: «أما زلت لا تمانع ذهابي إلى الحفل؟» ~~«أما زلت تريدين الذهاب؟» ~~«وهل من شيء آخر للقيام به؟» # وهزت كتفيها وهي تقول ذلك. كان جفناها متدليين، وشفتاها ممتلئتين ومضمومتين. كانت تمارس ~~نوعا من المحاكاة، ربما لباربرا ستانويك في ظروف مماثلة. بالطبع لم تكن تقصد التقليد، بل ~~كانت تحاول إيجاد طريقة ما لتبدو في غاية السحر، بل في غاية الترفع والسحر بما يدفعه ~~لتغيير رأيه. ~~«المشكلة هي أنني مضطر للعودة بالشاحنة؛ لأن علي اصطحاب الزملاء الآخرين.» ~~«بإمكاني السير. أخبرني فقط بالمكان.» ~~«أخشى أن المكان مرتفع عن هنا.» ~~«لن يضيرني ذلك في شيء.» ~~«روز، ذلك أفضل كثيرا. أفضل كثيرا حقا.» ~~«إذا كنت ترى ذلك.» ولم تستطع هز كتفيها مرة أخرى. كانت لا تزال تعتقد أن هناك طريقة ما ~~حتما لقلب الأمور والبدء من جديد. تبدأ من جديد لتصحح أي خطأ ارتكبته قولا أو فعلا، ~~لتمحو حقيقة وقوع أي من ذلك. ولكنها قد وقعت بالفعل في خطأ السؤال عما تكون قد فعلته أو ~~قالته خطأ، وقال لها لا شيء. لا شيء. لقد قال إنها لا علاقة لها بالأمر. كان الابتعاد عن ~~المنزل لمدة شهر هو ما جعله يرى كل شيء بصورة مختلفة: جوسلين، الطفلين، الضرر. # قال: «كان ذلك عبثا فقط.» # كان قد قصر شعره مثلما لم تره من قبل مطلقا، وتلاشت سمرة بشرته. كان يبدو حقا ~~وكأنه قد انسلخ من جسده، ذلك الجسد الذي كان يتحرق شوقا لجسدها، ليعود مرة أخرى ذلك الزوج ~~الشاب الشاحب الوفي الذي يشعر بواجباته، برغم عصبيته، الذي رأته في أثناء زياراته لجوسلين ~~في عنبر الولادة. ~~«أي عبث تقصد؟» ~~«ما نفعله. إنه ليس بالشيء الكبير المهم، بل مجرد عبث عادي.» ~~«لقد اتصلت بي من برينس جورج.» في تلك اللحظة اختفت باربرا ستانويك، وسمعت روز نفسها ~~تشرع في الأنين. ~~«أعرف ms144 أنني فعلت.» كان يتحدث بنبرة زوج ضاق ذرعا بالإلحاح والشكوى. ~~«هل كان هذا شعورك حينذاك؟» ~~«نعم ولا. لقد وضعنا كل الخطط. ألم يكن الأمر ليصبح أسوأ لو كنت قد أخبرتك عبر ~~الهاتف؟» ~~«ماذا تعني بالعبث؟» ~~«تبا يا روز.» ~~«ماذا تقصد؟» ~~«تعرفين ماذا أقصد. لو أننا قد استمررنا في هذا، ما الفائدة التي ستعود على أي منا في ~~ظنك يا روز؟ حقيقة؟» # قالت روز: «كلينا. كانت الفائدة ستعود على كلينا.» ~~«كلا. بل كان سينتهي بجلبة كبيرة.» ~~«لمرة واحدة فقط.» ~~«كلا.» ~~«لقد قلت مرة واحدة فقط. قلت إننا سنجعلها ذكرى بدلا من أن تبقى مجرد حلم في ~~خيالنا.» ~~«رباه. يبدو أنني قد تفوهت بالكثير من الهراء.» # كان يقول إن لسانها أشبه بحية حارة الدماء، ولكنها حية جميلة، وإن حلمتيها أشبه بثمار ~~التوت. ولم يكن ليعبأ بتذكيره بما قال. # افتتاحية لروسلان ولودميلا: جلينكا. # مقطوعة سيرينادا للوتريات: تشايكوفسكي. # السيمفونية السادسة لبيتهوفن، السيمفونية الرعوية: الحركة الأولى. # المولدو: سميتانا. # افتتاحية ويليام تل: روسيني. # لم تستطع سماع أي من هذه المقطوعات الموسيقية لمدة طويلة دون أن تجتاحها نوبة من الخزي، ~~وكان ذلك بمثابة جدار كامل ينهار فوقها وتختنق بركامه. ~~••• # قبيل مغادرة كليفورد لرحلته، كانت جوسلين قد اتصلت بروز وأخبرتها أن جليسة الأطفال لم ~~تستطع المجيء. كان ذلك هو اليوم الذي كانت تذهب فيه لطبيبها النفساني. فعرضت روز أن تأتي ~~وتعتني بآدم وجيروم، وكانت قد فعلت ذلك من قبل، فقطعت الرحلة إلى هناك مستقلة ثلاث حافلات ~~وبصحبتها آنا. # كانت التدفئة في منزل جوسلين تتم عن طريق موقد يعمل بالزيت في المطبخ، ومدفأة حجرية ضخمة ~~في غرفة المعيشة الصغيرة. كان موقد الزيت مغطى ببقع الزيت، فيما كانت قشور البرتقال وثفل ~~القهوة والحطب المحروق والرماد متساقطة من المدفأة. لم يكن هناك قبو ولا مجفف ملابس. كان ~~الجو ممطرا وكانت أرفف السقف والأرفف المتحركة مكسوة بالملاءات المبتلة الضاربة إلى ~~الرمادي والحفاضات والمناشف الخشنة. لم يكن هناك غسالة ملابس أيضا، وكانت جوسلين قد غسلت ~~تلك الملاءات في حوض الاستحمام. # قال باتريك الذي ms145 كانت روز تخبره أحيانا بأشياء تعرف أنه سيحب سماعها فيما يبدو عدم وفاء ~~منها: «لا تملك غسالة ولا مجففا، ولكنها تذهب إلى طبيب نفساني.» # قالت روز: «لا بد وأنها مصابة بالجنون.» ما أثار ضحكاته. # ولكن باتريك لم يكن يحب أن تذهب لرعاية طفلي جوسلين. ~~«لا شك أنك طوع بنانها. غريب أنك لا تذهبين لتنظيف أرضيات منزلها.» # والواقع أن روز قد فعلت ذلك بالفعل. # في وجود جوسلين، كان للفوضى التي تعم المنزل طابع خاص مؤثر، ولكن عندما انصرفت أصبحت لا ~~تطاق. بدأت روز العمل وبحوزتها سكين تكشط به طبقات طعام الأطفال المتراكمة على كراسي ~~المطبخ، وتلمع قدر القهوة، وتمسح الأرضية. وكانت تخصص بعض الوقت للبحث والتقصي؛ فكانت ~~تدخل إلى غرفة النوم - إذ كان عليها مراقبة جيروم الذي كان طفلا أكبر من سنه ومثيرا ~~للإزعاج - وتلقي نظرة على جوارب كليفورد وملابسه الداخلية التي كانت تختلط جميعا بحمالات ~~الرضاعة القديمة الخاصة بجوسلين وأربطة جواربها المهترئة. كانت تنظر لترى ما إذا كان قد وضع ~~أسطوانة على القرص الدوار، متسائلة إن كان هذا شيئا من شأنه أن يدفعه للتفكير فيها. # ووجدت أسطوانة لتيليمان. من غير المحتمل أنها تذكره بها، ولكنها أدارتها لتسمع ما كان ~~يسمعه. احتست القهوة مما اعتقدت أنه فنجانه المتسخ الذي احتسى فيه قهوة الصباح. وقامت ~~بتغطية إناء الأرز الإسباني الذي تناول منه عشاءه ليلة أمس. راحت تقتفي كل أثر لوجوده (لم ~~يكن يستخدم ماكينة حلاقة كهربائية، بل كان يستخدم صابون حلاقة تقليدي يوضع في إناء خشبي)، ~~ولكنها كانت تعتقد أن حياته في هذا المنزل، منزل جوسلين، كانت محض تظاهر وانتظار، مثلما ~~كانت حياتها في منزل باتريك. # حين عادت جوسلين إلى المنزل شعرت روز بأن عليها الاعتذار عن أعمال النظافة التي قامت بها، ~~واتفقت معها جوسلين - التي كانت في حاجة ماسة لأن تخبرها عن مشاجرتها مع طبيبها النفساني ~~الذي ذكرها بوالدتها - في الرأي في أن ذلك الهوس الذي يجتاح روز بشأن النظافة المنزلية ~~لهو بالتأكيد ضرب من الهوس الوضيع، ويا حبذا لو ذهبت ms146 هي نفسها إلى طبيب نفساني إذا أرادت ~~أن تتخلص منه. كانت تمزح، ولكن بينما كانت تستقل الحافلة عائدة إلى المنزل، وقد انتابت آنا ~~نوبة غضب ولم تعد أي شيء للعشاء من أجل باتريك، راحت روز تتساءل عن السبب وراء أنها ~~تبدو دائما على الجانب الخطأ من الأمور؛ فتجد نفسها محل استهجان من الجيران لأنها لا تولي ~~اهتماما كافيا بالأعمال المنزلية، فيما تؤنبها جوسلين لعدم احتمالها بما يكفي للفوضى ~~الطبيعية ورفضها للحياة. لقد كانت تفكر في الحب، ليس الحب المخلص تجاه الزوج، وإنما الحب ~~الجنوني الداعر، مثلما لم تكن جوسلين وجيرانها. وقد استغلت ذلك لتصالح نفسها على كل شيء: ~~تتصالح على سبيل المثال مع تقلب باتريك في الفراش مصدرا صوتا لغطيط يشبه نقيق الدجاج ~~قليلا مما كان يعني أنها قد تحللت من كل مثالبها ونقائصها في اللحظة الراهنة؛ إذ كان ~~يفترض بهما أن يمارسا الحب معا. ~~••• # لم تؤت كلمات كليفورد التي نمت من التعقل والأخلاقيات أي تأثير مع روز على الإطلاق، ~~فكانت ترى أنه قد خدعها. فلم يكن التعقل والأخلاق القويمة هما مطلبها منه. راحت تشاهده في ~~قاعة مدرسة باول ريفر الثانوية. شاهدته وهو يعزف على الكمان وقد كسا وجهه تعبير بائس ولكنه ~~منتبه، كانت يوما ترى أنه موجه لها. لم تكن تعرف كيف لها أن تعيش بدونه. # وفي منتصف الليل اتصلت به من الفندق الذي تقيم به. ~~«أرجوك، تحدث إلي.» # قال كليفورد بعد لحظة من الصمت: «لا بأس، لا بأس يا جوس.» # لا بد وأنه كان لديه رفيق في الغرفة ربما يكون رنين الهاتف قد أيقظه؛ فقد كان يتظاهر بأنه ~~يتحدث إلى جوسلين. أو ربما كان في غاية النعاس إلى حد الاعتقاد بأن جوسلين هي من كانت ~~تحادثه. ~~«كليفورد، إنه أنا.» # قال كليفور: «لا بأس. هوني عليك. فلتذهبي للنوم.» # وأغلق الخط. ~~••• # يعيش جوسلين وكليفورد الآن في تورونتو، إذ غادرهما الفقر؛ فقد صار كليفورد عازفا ناجحا ~~وصار اسمه يظهر على أغلفة الأسطوانات ويسمع عبر موجات الراديو. وظهر وجهه، والأكثر يداه، ~~على ms147 شاشة التليفزيون وهو يعزف على كمانه. أما جوسلين، فاتبعت حمية غذائية وصار لها جسد ~~ممشوق، وقامت بقص شعرها وصار له شكل أنيق؛ فهو مفروق من المنتصف ومرفوع عن وجهها، مع ~~خصلة بيضاء نقية تخرج من كل صدغ. # إنهما يعيشان في منزل كبير من الطوب على حافة أحد الأودية. يوجد في الفناء الخلفي مآكل ~~للطيور، وقاما بتركيب جهاز ساونا، حيث يجلس كليفورد لفترة طويلة من الوقت اعتقادا منه أنه ~~سوف يقيه شر الإصابة بالتهاب المفاصل مثل والده؛ فالتهاب المفاصل هو أكثر ما يخيفه في ~~حياته. # اعتادت روز أن تراهما في بعض الأحيان، فكانت تعيش في الريف، بمفردها، حيث كانت تعمل ~~بالتدريس في إحدى الكليات الأهلية، وودت أن يكون لديها مكان للمبيت فيه حتى الصباح حين تأتي ~~إلى تورونتو. وكان يبدو أنهما يسعدان باستضافتها؛ فقد كانا يقولان إنها أقدم صديقة ~~لهما. # في إحدى المرات حين كانت روز في زيارة لهما، روت لها جوسلين قصة عن آدم. كان لآدم شقة في ~~قبو المنزل، فيما كان جيروم يعيش في وسط المدينة مع صديقته. أما آدم، فكان يحضر فتياته ~~هنا. # قالت جوسلين: «كنت أقرأ في المعتكف بينما كان كليفورد بالخارج، وإذ بي أسمع صوت هذه ~~الفتاة من شقة آدم وهي تقول لا! لا. إن الجلبة التي تصدر من شقته تصل مباشرة إلى المعتكف، ~~وقد نبهناه إلى ذلك، واعتقدنا أنه سيشعر بالحرج ...» # قال كليفورد: «لم أكن أعتقد أنه سيحرج.» ~~«ولكنه اكتفى بقول إن علينا فقط أن ندير مشغل الأسطوانات. ومن ثم ظللت أسمع تلك ~~الفتاة المجهولة المسكينة وهي تصرخ وتحتج، ولم أعرف ماذا أفعل. أعتقد أن هذه المواقف جديدة ~~حقا، فلا يوجد لها سوابق، أيفترض بك أن تمنعي ابنك من اغتصاب إحدى الفتيات إذا كان هذا ~~هو ما يفعله تحت عينيك أو على الأقل تحت قدميك؟ وأخيرا نزلت إلى الطابق السفلي وجعلت ~~أخرج جميع عصي التزحلق من الخزانة الواقعة في ظهر غرفة نومه، وبقيت هناك أضرب بتلك العصي، ~~معتقدة أنني سأقول إنني سأقوم بتلميعها. ولكننا كنا ms148 في شهر يوليو. ولم يقل لي آدم أي شيء. ~~أتمنى لو غادر المنزل.» # حكت روز عما كان لدى باتريك من مال، وكيف أنه قد تزوج امرأة عاقلة تفوقه ثراء، قامت ~~بتجهيز غرفة معيشة مبهرة بالمرايا والمخمل الباهت ومنحوتة من السلك تشبه قفص طيور لعينا؛ ~~فلم يعد باتريك يعارض الفن الحديث. # قالت روز لجوسلين: «بالطبع لم يعد نفس المنزل. أتساءل ماذا فعلت بالمزهريتين ~~الويدجوود؟» ~~«ربما يكون لديها غرفة غسيل سخيفة. حيث تضع مبيض الملابس في إحدى المزهريتين، ومسحوق ~~الغسيل في الأخرى.» ~~«إنهما موضوعتان في تناسق رائع على الرف.» # ولكن وخزات الشعور بالذنب القديمة عادت تنتاب روز. ~~«ما زال حبي لباتريك كما هو.» # قالت جوسلين: «لماذا؟» ~~«إنه أكثر لطفا من معظم الناس.» # قالت جوسلين: «هذا سخف. أراهن أنه لا يحبك.» # قالت روز: «هذا صحيح.» وشرعت تخبرهم عن رحلتها على متن الحافلة. كانت تلك واحدة من المرات ~~التي لم تكن تقود سيارتها فيها؛ نظرا لوجود الكثير من الأعطال بها، ولم يكن باستطاعتها ~~تحمل تكاليف إصلاحها. ~~«راح الرجل الجالس في المقعد المقابل يخبرني كيف أنه اعتاد قيادة الشاحنات الكبيرة، وقال ~~إننا لم نر قط شاحنات في هذا البلد مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة.» وبدأت ~~تتحدث بلكنتها الريفية: «في «الويلايات» المتحدة لديهم تلك الطرق الخاصة التي نسميها طرقا ~~رئيسية ذات بوابات لسداد قيمة المرور، ولا يسمح سوى للشاحنات بالسير عليها. والخدمات ~~متوافرة على هذه الطرق من طرف البلاد إلى الطرف الآخر، وهذا هو ما يجعل معظم الناس لا ~~يرونها قط. وهي ضخمة للغاية حتى إن حجم الكابينة يعادل نصف حجم حافلة، ويكون لها سائق وسائق ~~مساعد وسائق آخر وسائق مساعد آخر يخلدان للنوم. كما يتوافر بها مرحاض ومطبخ وأسرة وكل ~~شيء. وهي تسير بسرعة ثمانين أو تسعين ميلا في الساعة؛ نظرا لعدم وجود حد للسرعة على ~~الطرق الرئيسية المخصصة لها.» # فقال كليفورد: «إنك شخص في غاية الغرابة لكونك ما زلت تعيشين هناك.» # قالت جوسلين: «دعك من الشاحنات، ودعك من الميثولوجيا القديمة، كليفورد يريد أن ms149 يتركني ~~مرة أخرى.» # جلسوا يحتسون الشراب ويتحدثون عما يجب أن يفعله جوسلين وكليفورد. ولم يكن ذلك بالحوار ~~غير المألوف. ما الذي يريده كليفورد حقا؟ هل يرغب حقا في الانفصال عن جوسلين أم أنه ~~يريد شيئا بعيد المنال؟ هل يمر بأزمة منتصف العمر؟ # قال كليفورد لروز: «لا تكوني سخيفة هكذا.» وكانت هي من قال أزمة منتصف العمر، وأردف ~~قائلا: «إنني أمر بها منذ أن كنت في الخامسة والعشرين؛ فقد كنت أرغب في الخروج منذ أن ~~دخلت.» # قالت جوسلين: «جديد على كليفورد أن يقول هذا.» واتجهت إلى المطبخ لإحضار بعض الجبن ~~والعنب، ثم صاحت من المطبخ قائلة: «جديد عليه أن يفشي ما بداخله ويقول ذلك.» وفي تلك ~~الأثناء تحاشت روز النظر إلى كليفورد؛ ليس لأن بينهما أي أسرار، ولكن لأنه بدا من التأدب ~~واللياقة تجاه جوسلين ألا ينظر أحدهما إلى الآخر وهي خارج الغرفة. # قالت جوسلين وقد عادت حاملة صحنا به الجبن والعنب في يد وزجاجة من شراب الجين في اليد ~~الأخرى: «ما يحدث الآن هو أن كليفورد أصبح صريحا للغاية. لقد اعتاد أن يتذمر ويثور وتخرج ~~منه هراءات أخرى لا علاقة لها بالمشكلة الحقيقية. أما الآن، فها هو يصرح بالحقيقة الكبرى ~~الملتهبة دون أي رتوش. إنها حقا مكاشفة شاملة.» # واجهت روز بعض الصعوبة في فهم لهجتها. شعرت وكأن الحياة في الريف قد جعلتها أكثر بطئا في ~~الفهم. هل كان حديث جوسلين من قبيل السخرية؟ هل كانت تتهكم؟ لا لم تكن كذلك. # قال كليفورد بابتسامة عريضة: «دعيني أخبرك بالحقيقة.» كان يشرب الجعة من الزجاجة؛ فقد كان ~~يعتقد أن الجعة أفضل له من شراب الجين: «حقيقي تماما أنني أردت الخروج منذ أن دخلت، وصحيح ~~أيضا أنني أردت الدخول وأردت البقاء. أردت الزواج منك وأردتك زوجة لي، ولكني لم أعد أطيق ~~هذا الزواج ولا أن أكون زوجا لك. إنه تناقض ثابت.» # قالت روز: «يبدو أنك تعيش في جحيم.» ~~«لم أقل ذلك. أنا فقط أوضح أنها ليست أزمة منتصف العمر.» # قالت روز: «حسنا ربما كان ms150 ذلك مبالغة في التبسيط.» ولكن على الرغم من ذلك، مضت تتحدث ~~بلهجة صارمة وبالأسلوب العقلاني الريفي العملي الذي كانت تتبناه في تلك اللحظة، وكان كل ما ~~سمعاه يخص كليفورد. ما الذي يريده كليفورد حقا؟ ما الذي كان يحتاج إليه؟ هل كان بحاجة إلى ~~استوديو؟ هل كان بحاجة إلى إجازة؟ هل كان بحاجة للسفر إلى أوروبا بمفرده؟ ما الذي جعله ~~يعتقد - والكلام على لسانها - أنه كان من الممكن أن تظل جوسلين منشغلة بسعادته إلى ما لا ~~نهاية؟ إن جوسلين ليست والدته لتفعل ذلك. # قالت موجهة حديثها إلى جوسلين: «وهذا خطؤك؛ لأنك لم تخبريه بأن عليه أن يتحرك في اتجاه ~~تحقيق ما يريد أو يصمت. لا تبالي بما يريده حقا. فليرحل أو يصمت. هذا كل ما ينبغي أن ~~تخبريه به.» ثم قالت موجهة الحديث إلى كليفورد بفظاظة مستعارة: «فلتصمت أو ترحل. أستميحك ~~عذرا لصراحتي المفرطة، أو بالأحرى عدوانيتي الصريحة.» # لم يكن في إقدامها على إظهار العدوانية في نبرتها أية مخاطرة على الإطلاق، وكانت تعرف ~~ذلك؛ فقد كانت ستخاطر لو بدت رقيقة وغير مبالية؛ فالأسلوب الذي كانت تتحدث به في تلك اللحظة ~~كان دليلا على أنها صديقة حقيقية لهما وأنها تأخذهما على محمل الجد. وقد كانت كذلك بدرجة ~~ما. # قالت جوسلين على سبيل التجربة: «إنها محقة أيها الحقير الداعر. فلترحل أو تصمت.» # حين اتصلت جوسلين بروز، قبل سنوات، لتقرأ عليها قصيدة «عواء»، لم تستطع التلفظ بكلمة ~~«داعر»، على الرغم من جرأتها المعهودة في الحديث. حاولت أن ترغم نفسها على قولها، ثم قالت: ~~«آه، هذه حماقة، ولكن لا أستطيع قولها. سوف أضطر لقول «وغد» بدلا منها. سوف تعرفين ما ~~أعنيه حين أقول وغد، أليس كذلك؟» # قال كليفورد: «ولكنها قالت إنه خطؤك. تريدين أن تلعبي دور الأم. تريدين أن تكوني الرشيدة ~~الناضجة. تريدين أنت تكوني الصابرة على المعاناة.» # قالت جوسلين: «اهدأ. ربما. ربما، نعم. ربما أكون كذلك بالفعل.» # قال كليفورد بابتسامته العريضة الناعمة: «أراهن أنك عندما كنت في المدرسة كنت تتعلقين ~~بأولئك الأطفال ممن لديهم ms151 مشكلات ؛ أولئك الأطفال المساكين، أو الذين يعانون من حب ~~الشباب، أو يرتدون ثيابا رثة بشعة، أو يعانون من إعاقات كلامية. أراهن أنك كنت تضطهدين ~~أولئك الأطفال المساكين بإظهارك المودة والملاطفة نحوهم.» # التقطت جوسلين سكين الجبن ولوحت به في وجهه. ~~«فلتأخذ أنت حذرك. فأنت لم تصب بحب الشباب أو إعاقة كلامية، بل تحظى بالوسامة إلى ~~حد مثير للغثيان. وموهوب. ومحظوظ.» # قال كليفورد بتغنج مبالغ: «إن لدي مشكلات شبه مستعصية في التوافق مع دور الرجل الناضج. ~~الطبيب النفساني يقول ذلك.» ~~«لا أصدقك؛ فالأطباء النفسانيون لا يقولون أي شيء من قبيل كلمة شبه مستعص تلك، ولا ~~يستخدمون هذه الاصطلاحات، ولا يصدرون تلك الأحكام. لا أصدقك يا كليفورد.» ~~«حسنا، أنا حقا لا أتردد على أي طبيب نفساني، بل أذهب إلى دور السينما القذرة في شارع ~~يونج.» # وانطلق كليفورد للجلوس في الساونا. # شاهدته روز وهو يغادر الغرفة. كان يرتدي بنطالا من الجينز وتي شيرت كتب عليه عبارة «أنا ~~أمر من هنا وحسب». كان خصره وفخذاه نحيلين كطفل في الثانية عشرة، وكان شعره الرمادي ~~قصيرا للغاية بشكل يظهر جمجمته. هل كانت هذه التسريحة السائدة بين الموسيقيين هذه الأيام ~~في الوقت الذي كان الشعر الكثيف واللحية سمة الساسة والمحاسبين، أم كان هذا انحرافا ~~تفرد به كليفورد؟ كانت سمرته تبدو مصطنعة وكأنها من كريم الأساس التجميلي، على الرغم من ~~أنها كانت طبيعية تماما. كان هناك لمحة من التصنع والتكلف فيه ككل، بما بدا عليه من ~~تألق زائف، ونحول، وميل للتهكم والاستهزاء. كان هناك لمحة من الخلاعة في نحوله ~~وابتسامته العذبة المصطنعة. # قالت لجوسلين: «أهو بخير؟ إنه يبدو نحيلا بشكل بشع.» ~~«يريد أن يبدو بهذا الشكل. إنه لا يأكل سوى الزبادي والخبز الأسمر.» # قالت روز: «لا يمكن أبدا أن تنفصلا؛ لأن منزلكما غاية في الجمال.» واضطجعت على السجادة ~~المعقوفة. كان لغرفة المعيشة جدران بيضاء، وستائر بيضاء سميكة، وأثاث قديم من خشب الصنوبر، ~~ولوحات كبيرة بألوان مشرقة، وسجاد معقوف. وعلى منضدة قصيرة مستديرة عند مستوى مرفقها وضع ~~إناء من الأحجار ms152 المصقولة لكي يلتقطها الضيوف لتمريرها عبر أصابعهم. كانت هذه الأحجار من ~~شواطئ فانكوفر، ومن ساندي كوف والخليج الإنجليزي وكيتسيلانو وأمبلسايد ودونداريف؛ حيث كان ~~جيروم وآدم قد جمعاها منذ زمن طويل. ~~••• # غادرت جوسلين وكليفورد كولومبيا البريطانية بعد فترة قصير من عودة كليفورد من جولته ~~الإقليمية، فتوجها إلى مونتريال، ثم إلى هاليفاكس، ومنها إلى تورونتو. كان يبدو أنهما ~~بالكاد يتذكران فانكوفر. ذات مرة حاولا تذكر اسم الشارع الذي كانا يسكنان فيه، وكانت ~~روز هي من اضطرت لتذكيرهما به. حين كانت روز تعيش في كابيلانو هايتس اعتادت أن تأخذ ~~الكثير من الوقت لتتذكر أسماء الأماكن في أونتاريو حيث عاشت؛ وفاء منها لذلك المكان القديم ~~الذي ضم المناظر الطبيعية الجميلة. الآن وقد أصبحت تعيش في أونتاريو صارت تبذل نفس الجهد في ~~تذكر أشياء عن فانكوفر، ممعنة التفكير لاستيضاح تفاصيل كانت في حد ذاتها تفاصيل ~~عادية للغاية. فحاولت، على سبيل المثال، أن تتذكر أين كان الراكب ينتظر حافلة باسيفيك ~~ستيدج، حين يكون متوجها من شمال فانكوفر إلى غربها، فتخيلت نفسها تصعد على متن تلك الحافلة ~~الخضراء القديمة في حوالي الساعة الواحدة - لنقل، في أحد أيام فصل الربيع - في طريقها إلى ~~منزل جوسلين لرعاية طفليها، وبصحبتها آنا في معطف المطر الأصفر وقبعة المطر. تخيلت المطر ~~البارد، والمساحة الممتدة المليئة بالمستنقعات في الطريق نحو غرب فانكوفر حيث تقف الآن ~~المراكز التجارية والبنايات الشاهقة. استطاعت أن ترى بعيني رأسها الشوارع، والمنازل، وطريق ~~سيفواي القديم، فندق سانت ماوس، أشجار الغابة الكثيفة الملتفة، المكان الذي يترجل منه ~~الركاب من الحافلة عند المتجر الصغير، اللافتة الإعلانية لسجائر بلاك كات، نداوة شجر الأرز ~~بينما كانت تسير عبر الغابة صوب منزل جوسلين، السكون الذي يسود مع بداية فترة ما بعد ~~الظهيرة، وقت القيلولة، النساء الشابات وهن يحتسين القهوة بينما يطللن من النوافذ المطيرة، ~~الأزواج المتقاعدين وهم يقومون بتمشية كلابهم، آثار الأقدام على تراب الأرض السميك، ~~الزعفران، وبراعم زهور النرجس البري، والبصيلات الباردة وهي تتفتح وتزدهر، ذلك الاختلاف ~~الشديد للهواء بالقرب من البحر، النباتات ms153 التي تتساقط منها قطرات الندى، السكون، آنا وهي ~~تجذب يدها، منزل جوسلين الصيفي الخشبي بلونه البني يلوح في الأفق، عبء الخوف والغموض الثقيل ~~وهو يتضاءل بينما كانت تقترب من ذلك المنزل. # ثمة أشياء أخرى لم تكن حريصة على تذكرها بنفس الدرجة. # كانت تبكي وهي على متن الطائرة متوارية خلف نظارتها الشمسية طوال الرحلة عائدة من باول ~~ريفر. كانت تبكي أثناء جلوسها في غرفة الانتظار بمطار فانكوفر، ولم تستطع كبح دموعها ~~والعودة إلى باتريك. كان جالسا بجوارها شرطي بملابس ملكية فتح سترته ليظهر لها شارته ~~الشرطية، وسألها إذا ما كان بإمكانه القيام بأي شيء من أجلها. لا بد أن أحدا قد استدعاه. ~~هالها أن تكون لافتة للأنظار إلى هذا الحد، فما كان منها إلا أن فرت إلى مرحاض السيدات. ~~لم تفكر في أن تعزي نفسها بكأس من الشراب، ولم تفكر في البحث عن الحانة، فلم تكن آنذاك ~~معتادة على الذهاب إلى الحانات. ولم تأخذ قرصا مهدئا؛ فلم يكن معها أية مهدئات، ولا تعرف ~~أي شيء عنها. ربما لم تكن مثل هذه الأشياء متوافرة. # المعاناة. ماذا كانت تعني المعاناة؟ الضياع التام، الذي لا يعكس أية حظوة أو مفخرة. حزن ~~مشين إلى أقصى الحدود. الكرامة المهشمة والخيال المحطم على صخرة السخرية. كان الأمر ~~وكأنها قد أخذت معولا وحطمت به إصبع قدمها الكبيرة عن عمد. هكذا كان اعتقادها في بعض ~~الأحيان. وفي أحيان أخرى ترى أن ما حدث كان ضروريا؛ فقد كان بداية الدمار والتغيرات، ~~بداية الطريق الذي أدى بها إلى حيث هي الآن، بدلا من منزل باتريك. جعجعة بلا طحن، هكذا ~~عادة الحياة. # لم يستطع باتريك أن يتحدث عندما أخبرته، ولم يكن لديه محاضرة وعظية جاهزة ليلقيها عليها. ~~ظل صامتا لفترة طويلة، ولكنه كان يتعقبها في أرجاء المنزل فيما ظلت هي تبرر موقفها ~~وتشكو. كان الأمر وكأنه يريدها أن تستمر في الحديث، على الرغم من أنه لم يستطع تصديق ما ~~كانت تقوله؛ لأن الأمر كان سيزداد سوءا لو أنها توقفت عن الكلام. # لم ms154 تخبره الحقيقة كاملة؛ فقد قالت إنها قد «أقامت علاقة» مع كليفورد، ومن خلال هذه ~~المكاشفة منحت نفسها نوعا من الارتياح الباهت بطريقة غير مباشرة، اخترقته نظرة باتريك ~~وصمته في تلك اللحظة، وإن كان لم يدمر تماما. بدا مثل هذه الحزن الذي خيم على وجهه بكل ~~صراحة وكأنه في غير وقته وغير ملائم وظلم من جانبه. # بعدها دق جرس الهاتف، واعتقدت أنه سيكون كليفورد وقد تغيرت مشاعره، لكنه لم يكن ~~كليفورد، بل كان رجلا كانت قد قابلته في حفل جوسلين. قال إنه يقوم بإخراج مسرحية إذاعية، ~~وكان بحاجة إلى فتاة ريفية، وكان قد تذكر لكنتها الريفية. # ليس كليفورد. # لم تكن لتفضل التفكير في أي من هذا؛ فهي تفضل أن ترى بعض المشاهد الصغيرة للحياة اليومية ~~المفقودة من خلال مشاهد أشجار الأرز تتساقط منها حبات الندى، وشجيرات التوت البري الأحمر، ~~والاخضرار القاتم المتزايد للغابات الممطرة التي تطل عليها عبر النافذة ذات الإطارات ~~المعدنية، معطف آنا الأصفر المقاوم للمطر، الدخان المتصاعد من مدفأة جوسلين ذات الرائحة ~~الكريهة. ~~••• # قالت جوسلين لروز: «أترغبين في رؤية الأشياء السخيفة التي كنت أشتريها؟» واصطحبتها إلى ~~الطابق العلوي، فأرتها تنورة مطرزة وبلوزة من الستان الأحمر القاني، وبيجامة من الحرير ~~الأصفر، وفستانا طويلا من نسيج محبوك خشن لا شكل له من أيرلندا. ~~«إنني أنفق أموالا طائلة. أقصد ما كنت أعتقد يوما ما أنها أموال طائلة. لقد استغرق مني ~~الأمر وقتا طويلا. بل استغرق من كلينا وقتا طويلا لكي نستطيع إنفاق المال، فلم نكن ~~نستطيع أن نحمل أنفسنا على ذلك. لقد كنا نحتقر من يمتلكون تليفزيونا ملونا. أتعرفين ~~شيئا، إن التليفزيون الملون رائع! نحن الآن نجلس حوله ونقول: ما الذي نرغب في اقتنائه؟ ~~ربما واحد من أفران التوستر الصغيرة للمنزل الصيفي. ربما أرغب في اقتناء مجفف للشعر. كل ~~تلك الأشياء التي عرفها الجميع منذ سنوات، ولكن كنا نعتقد أننا أصلح من أن نقتنيها. لقد ~~صرنا يقول أحدنا للآخر: أتدري ماذا نحن؟ نحن شخصيات استهلاكية! ولا بأس في ذلك! # وليس فقط اللوحات ms155 والأسطوانات والكتب، فلطالما كنا نعرف أنها أشياء لا بأس منها. ~~التليفزيون الملون! مجففات الشعر! محمصات الوافل!» # فصاحت روز مبتهجة: «أقفاص طيور بجهاز تحكم عن بعد!» ~~«تلك هي الفكرة.» ~~«المناشف الساخنة.» ~~«يا غبية، تقصدين حوامل المناشف الكهربائية! إنها رائعة.» ~~«سكاكين تقطيع اللحم الكهربائية، فرش أسنان كهربائية، أعواد أسنان كهربائية.» ~~«بعض هذه الأشياء ليست بالسوء الذي تبدو عليه. حقا ليست سيئة.» ~~••• # في إحدى المرات الأخرى التي جاءت فيها روز كان كليفورد وجوسلين يقيمان حفلا، وعندما غادر ~~الجميع جلس الثلاثة؛ جوسلين وكليفورد وروز، على أرضية غرفة المعيشة، وهم ثمالى نوعا ما، ~~وفي حالة من الاسترخاء الشديد. سار الحفل على ما يرام، وشعرت روز بشهوة سحيقة تدفعها الرغبة ~~تتحرك بداخلها، ربما ذكرى شهوة من الماضي. وقالت جوسلين إنها لا ترغب في النوم. # قالت روز: «ماذا يمكن أن نفعل؟ لا يجب أن نشرب أكثر من ذلك.» # فقال كليفورد: «يمكننا أن نمارس الحب.» # فقالت جوسلين وروز في نفس اللحظة: «حقا؟» ثم شبكتا أصابعهما الصغيرة معا وقالتا: ~~«الدخان ينطلق عبر المدخنة.» # بعدها جردهما كليفورد من ملابسهما. لم ترتعدا من البرد؛ إذ كانت نيران المدفأة تلف الغرفة ~~بالدفء. وظل كليفورد ينقل اهتمامه من واحدة إلى الأخرى بشكل رقيق، وتجرد من ملابسه هو ~~الآخر. كانت مشاعر روز تتأرجح ما بين الاستغراب وعدم التصديق، فلم تكن ترغب في ذلك، رغم ~~شعورها بالإثارة، حتى انتهى بها الأمر إلى أن شعرت بالذهول والحزن. وعلى الرغم من أن ~~كليفورد كان يداعب كلتيهما في البداية، سرعان ما وقع اختياره عليها في النهاية ليمارس معها ~~الحب سريعا على السجادة المعقوفة غير المتساوية. وبدت جوسلين وكأنها ترفرف فوقهما مصدرة ~~أصواتا تطمئنهم معبرة لهم عن رضاها ومباركتها. # في صباح اليوم التالي اضطرت روز للمغادرة قبل أن تستيقظ جوسلين وكليفورد، واضطرت للذهاب ~~إلى وسط المدينة بواسطة المترو، واكتشفت أنها كانت تنظر للرجال بتلك النظرة الشهوانية، تلك ~~الرغبة الباردة والمؤلمة التي تحررت منها لفترة. وبدأت في الشعور بغضب شديد؛ كانت غاضبة من ~~كليفورد وجوسلين؛ فقد شعرت أنهما قد جعلا ms156 منها أضحوكة، وخدعاها، وفتحا عينيها على نقص صارخ ~~لديها لم تكن لتعيه لولا ما حدث، وقررت ألا تراهما مرة أخرى مطلقا، وأن تكتب لهما ~~خطابا تعقب فيه على أنانيتهما، وبلادتهما، وانحطاطهما الأخلاقي. وما لبث نص الخطاب أن ~~اكتمل بالشكل الذي يرضيها، في ذهنها، حتى كانت قد عادت إلى القرية مرة أخرى وهدأت، وقررت ~~ألا تكتبه. وفي وقت لاحق قررت أن تستمر في صداقتها مع كليفورد وجوسلين؛ لأنها كانت بحاجة ~~لمثل هذين الصديقين من حين لآخر، في مثل هذه المرحلة من حياتها. # | العناية الإلهية # بعد أن رحلت روز تاركة آنا، رأت حلما عنها؛ فقد رأت أنها قابلت آنا وهي تسير أعلى تل ~~جونزاليس هيل. كانت تعرف أنها قادمة من المدرسة، فصعدت كي تتحدث معها، ولكن آنا تركتها دون ~~أن تنطق بكلمة. لا غرو. كانت مغطاة بطين بدا وكأن به أوراق شجر أو أفرع، بحيث بدا الشكل ~~وكأنها أكاليل من الزهور الميتة، وكأن الزينة قد تداخلت مع الدمار، ولم يكن الطين أو الوحل ~~جافا، بل كانت قطراته لا تزال تتساقط عليها، حتى بدت فظة وحزينة، وكأنها تمثال كئيب غير ~~متقن الصنع. # خاطبتها روز قائلة: «أترغبين في أن تأتي معي؟ هل ترغبين في البقاء مع أبيك؟» ولكن آنا ~~رفضت الإجابة، وبدلا من ذلك قالت: «لا أريدك أن تذهبي.» وكانت روز قد حصلت على وظيفة في ~~إحدى المحطات الإذاعية في بلدة في جبال كوتيناي. # كانت آنا ترقد في السرير ذي الأربعة أعمدة الذي كان روز وباتريك ينامان عليه، وصار باتريك ~~ينام فيه بمفرده الآن؛ حيث كانت روز تنام في المعتكف. # كانت آنا تذهب للنوم في هذا السرير، ثم يحملها باتريك إلى سريرها. ولم يكن باتريك وروز ~~يعلمان متى أصبح ذلك شيئا أساسيا بعد أن كان شيئا عارضا. كان كل شيء في المنزل ~~مضطربا. كانت روز تعد أمتعتها، وكانت تفعل ذلك خلال النهار في غياب باتريك وآنا. كانت هي ~~وباتريك يقضيان المساء في أجزاء مختلفة من المنزل. وذات مرة ~~دخلت غرفة الطعام ووجدته يضع شريطا ms157 لاصقا على ~~الصور الفوتوغرافية في ألبوم الصور، وتسبب قيامه بذلك في غضبها؛ فقد رأت صورة لها وهي ~~تدفع آنا على الأرجوحة في المتنزه، وصورة أخرى وهي تبتسم ابتسامة مصطنعة بلباس البحر، مجرد ~~أكاذيب. # قالت روز: «لم يكن الحال أفضل وقتئذ. لم يكن أفضل حقا.» كانت تعني أنها طالما كانت تخطط ~~في قرارة عقلها للقيام بما تقوم به الآن، حتى في يوم زفافها كانت تعرف أن هذا الوقت سيأتي، ~~وإذا لم يأت فقد تكون ميتة. كانت الخيانة قادمة منها. # قال باتريك في غضب: «أعرف ذلك.» # ولكن الحال كان أفضل بالطبع؛ لأنها لم تكن قد بدأت في محاولتها للتعجيل بلحظة الانفصال، ~~إذ ظلت ناسية فترات طويلة أن هذه اللحظة يجب أن تأتي، حتى القول إنها كانت تخطط للانفصال، ~~وإنها قد بدأت في الانفصال بالفعل، كان خطأ؛ لأنها لم تفعل أي شيء عن عمد، لم تفعل أي شيء ~~بذكاء؛ لقد حدث كل شيء بأكبر قدر ممكن من الألم والدمار، وصاحبه كل أشكال التردد والتصالح ~~والتعنيف، وها هي الآن تشعر وكأنها تسير على جسر متأرجح ولا يسعها سوى أن تضع نصب عينيها ~~الألواح التي أمامها، دون النظر إلى أسفلها أو حولها مطلقا. # قالت مخاطبة آنا بنبرة هادئة: «أيهما تريدين؟» وبدلا من الإجابة عن السؤال، نادت آنا على ~~باتريك. وعندما جاء جلست منتصبة وجذبتهما ليجلسا على السرير، كل على جانب، وتشبثت بهما ~~وبدأت في النحيب والارتعاد. كانت طفلة مؤثرة بشكل بالغ لدرجة تجعلها أحيانا كالنصل ~~المكشوف. # قالت: «لستما مضطرين لذلك؛ فلم تعودا تتشاجران مرة أخرى.» # نظر باتريك نحو روز دون أن تحمل عيناه أي اتهام؛ فقد كانت نظرته المعتادة لسنوات - حتى ~~عندما كانا يمارسان الحب - نظرة اتهامية، ولكنه شعر بألم بالغ بسبب آنا لدرجة محت كل ~~الاتهامات. كان على روز أن تنهض وتخرج تاركة إياه ليواسي آنا؛ لأنها خشيت أن يكون هناك في ~~الطريق دفعة كبيرة وخادعة من المشاعر من جانبها تجاهه. # لقد كان ذلك حقيقيا؛ فلم يعودا يتشاجران كثيرا. كان على رسغيها وجسدها ندوب ms158 صنعتها ~~بنصل شفرة (ليس في أخطر المناطق). وذات مرة حاول باتريك أن يخنقها في مطبخ هذا المنزل. وفي ~~مرة أخرى هرولت إلى الخارج وجثت على ركبتيها وهي ترتدي لباس النوم وراحت تمزق حفنة من ~~الحشائش. غير أن هذا النسيج الدموي الذي نسجه والداها من الأخطاء وعدم التوافق، والذي يمكن ~~لأي شخص أن يرى ضرورة أن يمزق ويلقى بعيدا، كان لا يزال هو نسيج الحياة الحقيقي في نظر ~~آنا، نسيج الأب والأم، نسيج البداية والمأوى. كانت روز تفكر في معنى الخديعة بالنسبة ~~للجميع؛ فنحن نأتي من ترابطات لا تضم بداخلها أي شيء مما نعتقد أننا نستحقه. # كتبت روز إلى توم لتخبره بما تعتزم فعله، كان توم مدرسا بجامعة كالجاري. كانت روز تشعر ~~بقليل من الحب تجاهه (هكذا قالت لأصدقائها ممن علموا بشأن تلك العلاقة: «قليل من الحب»). ~~كانت قد التقته هنا قبل عام - وهو شقيق السيدة التي تمثل معها أحيانا في المسرحيات الإذاعية ~~- ومنذ ذلك الحين أقامت معه مرة واحدة في فيكتوريا. كانا يتراسلان بخطابات طويلة. وهو رجل ~~لطيف ودمث، يعمل مؤرخا، واتسمت خطاباته لها بسرعة البديهة وعبارات الحب الرقيقة، وانتابها ~~بعض الخوف من أن يقلل توم من مراسلاته عندما تعلن أنها بصدد الانفصال عن باتريك، أو أن ~~يتوخى فيها مزيدا من الحذر؛ إذ ربما قد تتمنى منه أكثر مما يرغب هو فيه؛ أي «تأتيه ~~الأفكار». ولكنه لم يفعل؛ فهو لم يكن بهذا الحد من الفظاظة ولا هذا الحد من الجبن؛ وكان يثق ~~بها. # كانت تخبر أصدقاءها أن انفصالها عن باتريك لا علاقة له بتوم، وأن مقابلاتها مع توم على ~~الأرجح لن تزداد عن ذي قبل. كانت تعتقد ذلك، ولكنها كانت تفاضل بين العمل في البلدة الجبلية ~~وبين عمل آخر في جزيرة فانكوفر؛ لأنها أحبت فكرة أن تكون أكثر قربا من توم. # في الصباح كانت آنا في حالة من الابتهاج والمرح، وقالت إن كل شيء على ما يرام. قالت إنها ~~ترغب في البقاء؛ فقد أرادت البقاء في مدرستها مع أصدقائها، وعندما ms159 قطعت نصف الممشى أبطأت من ~~سرعتها لكي تلوح لوالديها وصاحت لهما قائلة: «طلاقا سعيدا!» ~~••• # ظنت روز أنها بمجرد أن تخرج من منزل باتريك، سوف تعيش في غرفة جرداء كئيبة، أو مكان متسخ ~~رث، ولكنها لم تكن لتعبأ بذلك، ولم تكن لتشغل نفسها بإعداد مكان لها؛ فقد كانت تبغض كل ذلك. ~~كانت الشقة التي عثرت عليها - وكانت عبارة عن الطابق العلوي لمنزل من الطوب البني يقع ناحية ~~الجبل عند منتصف الطريق - متسخة ورثة، ولكنها سرعان ما بدأت العمل على إصلاحها. تزين ~~الحائط بورق ذي لونين: الذهبي والأحمر، كان قد وضع على عجل (فقد اكتشفت أن هذه الأماكن ~~غالبا ما تتزين بفكرة أحد الأشخاص عن ورق حائط أنيق)، وكان شكله جميلا، ولكنه انطوى ~~قليلا فوق إزار الحائط، فاشترت بعض الغراء وقامت بلصقه، كما اشترت نباتات معلقة وكانت ~~تعتني بها لكي لا تذبل وتموت. وقامت بوضع بعض الملصقات الهزلية في المرحاض، ودفعت أثمانا ~~زهيدة لقاء غطاء سرير هندي، وبعض السلال والآنية الفخارية والأكواب المزخرفة التي اشترتها ~~من المتجر الوحيد في البلدة الذي تتوافر فيه مثل هذه الأشياء. وقامت بطلاء المطبخ باللونين ~~الأزرق والأبيض، في محاولة للحصول على ألوان الخزف الصيني المنقوش. وقد تعهد صاحب المنزل ~~بدفع تكاليف الطلاء، ولكنه لم يفعل. كما اشترت شموعا زرقاء، وبعض البخور، وباقة كبيرة من ~~أوراق النباتات والحشائش المجففة ذات اللون الذهبي. وبعد أن انتهت من كل ذلك ظهرت معالم ~~المكان وبدا واضحا أنه يخص امرأة تعيش بمفردها، ربما لم تعد صغيرة، لها صلة - أو تتمنى أن ~~تكون على صلة - بإحدى الكليات أو بالفنون، مثلما كان المنزل الذي كانت تعيش فيه من قبل؛ أي ~~منزل باتريك، يسهل تمييزه كمنزل يخص رجل أعمال أو مهني ذي إرث من المال والمعايير. # بدت البلدة الواقعة وسط الجبال بعيدة عن كل شيء، ولكن روز أحبتها، وكان بعدها جزءا من ~~أسباب هذا الحب. حين تعود للحياة في بلدة بعد أن تجرب حياة المدن يكون بداخلك فكرة مفادها ~~أن كل شيء هناك سهل ومفهوم، ms160 وكأن مجموعة من الأشخاص قد اجتمعوا معا وقالوا: «لنلعب لعبة ~~البلدة»، وتعتقد أنه لا يمكن للموت أن يقرب أحدا هناك. # كتب لها توم قائلا إنه لا بد أن يأتي لرؤيتها، وفي شهر أكتوبر (ولم تكن تتوقع أن يكون ~~ذلك بهذه السرعة) لاحت فرصة لذلك، تمثلت في مؤتمر عقد في فانكوفر؛ فقد خطط لأن يترك ~~المؤتمر في فانكوفر قبل انتهائه بيوم، ويدعي أنه سيقضي يوما إضافيا هناك حتى يتاح له ~~يومان بلا التزامات، ولكنه اتصل من فانكوفر ليبلغها أنه لن يتمكن من الحضور؛ فقد أصيب بعدوى ~~في أسنانه، وكان يعاني ألما مبرحا، وكان لا بد من خضوعه لجراحة أسنان طارئة في نفس اليوم ~~الذي كان قد خطط لقضائه مع روز. وقال إنه سيأخذ اليوم الإضافي على أية حال، وسألها عما إذا ~~كانت تعتقد أن ذلك بمنزلة حكم أصدر عليه. قال إنه يتبنى نظرة كالفينية للأمور، وإنه يترنح ~~من الألم والأدوية. # سألتها صديقتها دوروثي ما إذا كانت تصدقه. ولم يكن يخطر ببال روز ألا تصدقه. # قالت روز: «لا أعتقد أنه الشخص الذي يفعل ذلك.» وردت دوروثي بنبرة يغلب عليها المرح ~~واللامبالاة: «إنهم يفعلون أي شيء.» # كانت دوروثي هي السيدة الوحيدة الأخرى في المحطة، وكانت تعمل في برنامج لرعاية كبار السن ~~والمعوزين مرتين في الأسبوع، وتتجول لإلقاء خطب على المجموعات النسائية؛ وكان الإقبال عليها ~~كبيرا باعتبارها سيدة مراسم الاحتفال في حفلات العشاء التي تقام لتسليم الجوائز للمؤسسات ~~الشبابية، أو شيئا من هذا القبيل. وقد قامت الصداقة التي نشأت بينها وبين روز في المقام ~~الأول على عزوبيتهما المشتركة نوعا ما وطبيعتهما المغامرة. وكان لدوروثي حبيب في سياتل، ~~ولم تكن تثق به. # بينما كانت روز ودوروثي تتناولان القهوة في «هول إن وان»، وهو مقهى صغير ومحل لبيع ~~الفطائر المحلاة يقع بجوار المحطة الإذاعية، قالت دوروثي: «إنهم يفعلون أي شيء.» ومضت ~~دوروثي تروي لروز قصة عن علاقة جمعتها بمالك المحطة الذي أصبح عجوزا الآن ويقضي معظم وقته ~~في كاليفورنيا. كان قد أهداها عقدا في الكريسماس، وقال ms161 إنه من اليشم، اشتراه من فانكوفر، ~~فذهبت لإصلاح المشبك وسألت بكل فخر عن قيمة العقد المادية، فقيل لها إنه ليس من اليشم على ~~الإطلاق، وشرح لها الصائغ كيف حدد ذلك، حاملا إياه تحت الضوء. وبعد بضعة أيام حضرت زوجة ~~مالك المحطة إلى المكتب مرتدية عقدا مماثلا، وقد أخبرها هي أيضا بنفس قصة اليشم. وبينما ~~كانت دوروثي تخبرها بذلك، كانت روز تنظر إلى شعر دوروثي المستعار الأشقر الضارب إلى ~~الرمادي، ذي اللمعة والمظهر الفاخر لدرجة تجعل من ينظر إليه لا يصدق أنه طبيعي ولو للحظة، ~~ووجهها يكسوه مظهر كئيب كانت باروكتها وظل عيونها الفيروزي تؤكدانه. كانت للوهلة الأولى ~~تبدو خليعة؛ إلا أن الناس في تلك البلدة كانوا يرونها غريبة، ولكنها فاتنة، ومثالا حيا ~~لعالم عصري أسطوري. # قالت دوروثي: «كانت هذه آخر مرة أثق برجل؛ ففي نفس الوقت الذي كان يضاجعني فيه كان يضاجع ~~فتاة كانت تعمل هنا - فتاة متزوجة تعمل نادلة - ويضاجع جليسة أحفاده. ما رأيك في ~~هذا؟» # عادت روز خلال فترة أعياد الكريسماس إلى منزل باتريك. لم تكن قد رأت توم بعد، ولكنه أرسل ~~لها شالا مطرزا ذا أهداب لونه كحلي كان قد اشتراه خلال إجازة مؤتمر في المكسيك في أوائل ~~شهر ديسمبر، اصطحب خلاله زوجته معه (قالت روز لدوروثي إنه كان قد وعد زوجته بهذا على أية ~~حال). على مدى ثلاثة أشهر زاد طول آنا، ونحفت؛ إذ كانت تفضل شد معدتها إلى الداخل وإبراز ~~عضلاتها للخارج، لتبدو كطفلة من أطفال المجاعات. كانت معنوياتها مرتفعة، وفي غاية الحيوية ~~والنشاط، وتنضح بالتصرفات المضحكة والألغاز. وبينما كانت تسير مع والدتها متجهتين إلى ~~المتجر - حيث عادت روز مرة أخرى لتقوم بمهام التسوق، والطهي، حتى إنها أحيانا ما كان الخوف ~~يستبد بها من أن تكون وظيفتها وشقتها وتوم كلها أشياء لا وجود لها خارج نطاق خيالها - إذ ~~بها تقول: «دائما ما أنسى وأنا في المدرسة.» ~~«تنسين ماذا؟» ~~«دائما ما أنسى أنك لست بالمنزل، ثم أتذكر أنه لا يوجد سوى السيدة كريبر.» كانت السيدة ~~كريبر ms162 هي مديرة المنزل التي عينها باتريك. # قررت روز أن تصطحب آنا لتعيش معها، ولم يمانع باتريك في ذلك، بل قال إن ذلك هو أفضل شيء. ~~ولكنه لم يستطع البقاء في المنزل بينما كانت روز تحزم أمتعة آنا. # قالت آنا في وقت لاحق إنها لم تكن تعلم أنها ستذهب لتعيش مع روز، وإنها كانت تعتقد أنها ~~قادمة في زيارة لا أكثر. وكانت روز تعتقد أن عليها أن تقول وتفكر في شيء كهذا حتى لا تتحمل ~~ذنب أي قرار. # أبطأ القطار الجبلي السير بفعل عاصفة ثلجية عنيفة. ~~••• # كان الماء متجمدا، ووقف القطار فترة طويلة في المحطات الصغيرة وقد لفته سحب من البخار ~~على أثر إذابة الجليد المتراكم على أنابيب البخار، فكانتا ترتديان معطفيهما الثقيلين ~~وتهرولان عبر رصيف المحطة. قالت روز: «سوف أضطر لأن أشتري لك معطف مطر، وأشتري لك بعض ~~الأحذية الطويلة لتدفئك.» ففي شتاء المناطق الساحلية المظلم، كانت الأحذية الطويلة المطاطية ~~ومعاطف المطر المزودة بغطاء للرأس كافية. لا بد أن آنا قد أدركت بذلك أنها ستبقى هناك، ~~ولكنها لم تقل شيئا. # عند حلول الليل، وبينما كانت آنا نائمة، راحت روز تنظر من النافذة إلى العمق الصادم للثلج ~~وبريقه المتألق. كان القطار يزحف ببطء خوفا من الانهيارات الثلجية. لم تكن روز قلقة؛ إذ ~~أعجبتها فكرة وجودهما معا وقد أغلق عليهما هذا المهجع المظلم، أسفل أغطية القطار الخشنة، ~~وتنطلقان عبر هذه الطبيعة القاسية. كانت تشعر دائما أن تقدم القطارات في المسير، مهما ~~كان محفوفا بالمخاطر، آمن ومناسب. فيما كانت تشعر، على الجانب الآخر، بأن الطائرات قد ~~تفزع في أية لحظة مما تفعله، وتهوي عبر الهواء دون همسة احتجاج. # أرسلت روز آنا إلى المدرسة بملابسها الشتوية الجديدة، وكان كل شيء يسير على ما يرام؛ فلم ~~تجفل آنا أو تواجه أية معاناة باعتبارها غريبة عن البلدة. وفي غضون أسبوع صارت تصطحب معها ~~أطفالا إلى المنزل، وتذهب هي أيضا إلى منازل أطفال آخرين. وكانت روز تخرج لمقابلتها لتعود ~~بها إلى المنزل في بداية ظلمة الشتاء، عبر ms163 الشوارع المحاطة بجدران شاهقة من الثلج. كان ~~القلق يساور روز إذ حدث أن نزل دب من الجبال ودخل البلدة في الخريف، وتواردت الأخبار بشأن ~~تلك الواقعة عبر الراديو بهذا النص: «زائر غير مألوف، دب أسود يجوب شارع فولتون. ينصح ~~بإبقاء الأطفال داخل المنازل.» كانت روز تعرف أن من غير المحتمل أن يدخل دب إلى البلدة في ~~الشتاء، ولكن القلق ساورها أيضا، وكذلك كانت تخشى السيارات في ظل ضيق الشوارع الشديد ~~وصعوبة رؤية النواصي. في بعض الأحيان كانت آنا تعود إلى المنزل من طريق مختلف، بينما تقطع ~~روز المسافة إلى منزل الطفل الآخر حيثما توجد ولا تجدها هناك، فتركض وتركض طوال الطريق إلى ~~المنزل عبر الشوارع شديدة الانحدار، وتصعد درجات السلم الطويل وقلبها يخفق من المجهود ومن ~~الخوف الذي كانت تحاول أن تخفيه عندما تجد آنا هناك. # كان قلبها يخفق أيضا من عناء جر الغسيل والبقالة؛ فقد كانت المغسلة، والسوبر ماركت، ~~ومتجر المشروبات الكحولية، تقع أسفل التل، وكانت هي مشغولة طوال الوقت، ودائما ما كان ~~لديها خطط عاجلة للساعة التالية، من الذهاب لأخذ الأحذية التي تصلحها لأنها تحتاج إلى نعال ~~جديدة، وغسيل وصبغ شعرها، وإصلاح معطف آنا من أجل المدرسة في الغد. إلى جانب وظيفتها التي ~~كانت شاقة بما يكفي، كانت روز تقوم بنفس الأشياء التي طالما كانت تفعلها، وتفعلها تحت ظروف ~~أصعب، إلا أن المدهش في الأمر هو ذلك القدر المذهل من الارتياح الذي كانت تشعر به في هذه ~~الأعمال المنزلية الشاقة. # اشترت روز لآنا شيئين: السمك الذهبي وجهاز التليفزيون؛ إذ لم يكن مسموحا بوجود القطط أو ~~الكلاب في الشقة، فقط طيور أو أسماك. في أحد أيام شهر يناير، في ثاني أسبوع من قدوم آنا، ~~هبطت روز التل سيرا لتقابل آنا بعد المدرسة لتصطحبها إلى متجر وولورث لشراء السمك، فنظرت ~~إلى وجه آنا واعتقدت أنه متسخ، ثم أدركت أنه ملطخ بالدموع. # قالت آنا: «سمعت اليوم شخصا ما ينادي على جيريمي، واعتقدت أن جيريمي هنا.» كان جيريمي ~~صبيا صغيرا كثيرا ما ms164 كانت تلعب معه في المنزل. # ذكرت روز السمك. ~~«معدتي تؤلمني.» ~~«ربما تكونين جائعة. لا أمانع في تناول فنجان من القهوة. ماذا تريدين؟» # كان يوما عصيبا؛ كانتا تسيران عبر المنتزه كطريق مختصر إلى وسط المدينة. كان هناك جليد ~~ذائب، ثم تجمد، ومن ثم كان الثلج منتشرا في كل مكان يعلوه ماء أو وحل. كانت الشمس ساطعة، ~~ولكن ضوءها كان ذلك الضوء الشتوي الذي يجعل عينيك تؤلمانك، وثيابك ثقيلة للغاية، ويبرز كل ~~ما تعانيه من اضطراب ومشقة، مثل المشقة التي كانتا تواجهانها الآن في محاولة السير على ~~الجليد. كان كل من حولهما مراهقين غادروا المدرسة للتو، وساور روز شعور بالإحباط جراء ~~صخبهم، وصياحهم، وتزحلقهم فوق الجليد، والطريقة التي جلس بها صبي وفتاة يتبادلان القبلات في ~~تباه. # طلبت آنا حليبا بالشوكولاتة. ورافقهما المراهقون إلى المطعم. كان مكانا ذا طراز قديم، ~~مقاعده من ذلك النوع ذي الظهر الطويل على طراز الأربعينيات، وكان مالكه طاهيا ذا شعر ~~برتقالي يناديه الجميع بدري؛ كان بمنزلة الواقع الرث الذي أدركه الناس بحس من الاشتياق ~~والحنين من خلال الأفلام، وأفضل شيء أنه لم يكن هناك من شخص يعتقد بوجود أي شيء يمكن الشعور ~~بالحنين تجاهه في هذا المطعم؛ فقد كان دري يدخر لإصلاحه على الأرجح. ولكن في ذلك اليوم راحت ~~روز تفكر في المطاعم التي ذكرها بها، حيث كانت تذهب بعد المدرسة، وفكرت أنها في النهاية ~~لم تكن تشعر بالسعادة فيها. # قالت آنا: «أنت لا تحبين أبي. أعلم أنك لا تحبينه.» # قالت روز: «حسنا، إنني أحبه، إلا أننا لا نستطيع الحياة معا، هذا كل ما في ~~الأمر.» # ومثل معظم الأشياء التي تقولها وأنت مرغم، كان لحديثها وقع الكذب، إذ قالت آنا: «أنت لا ~~تحبينه، أنت تكذبين.» وبدأ وقع حديثها يبدو أكثر براعة، وبدت تتطلع للنيل من ~~والدتها. ~~«أليس كذلك؟» # كانت روز في الواقع على وشك الإجابة بالتأكيد، والاعتراف بأنها لا تحبه. كانت تود لو قالت ~~لها إذا كان هذا ما تريدين، فلك ما أردت. وكان هذا ما تريده آنا ms165 بالفعل ، ولكن هل كان ~~يمكنها أن تتحمله؟ كيف لك أن تقدر ما يمكن للأطفال تحمله؟ والواقع أن الكلمات من قبيل ~~أحب، ولا أحب، وحتى كلمة أكره، لم يكن لها معنى بالنسبة لروز حين يتعلق الأمر ~~بباتريك. # قالت آنا بنبرة بها بعض الرضا: «لا تزال معدتي تؤلمني.» ثم دفعت بكوب حليب الشوكولاتة ~~بعيدا، إلا أنها تنبهت لعلامات الخطر، ولم تشأ أن يتطور الأمر لأكثر من ذلك، فقالت: «متى ~~سنحضر السمك؟» وكأن روز قد توانت عن ذلك. # اشترتا سمكة برتقالية، وسمكة زرقاء مرقطة، وسمكة سوداء ذات جسم مخملي الشكل وعينين ~~جاحظتين بشكل رهيب، وحملتاها جميعا إلى المنزل في كيس بلاستيكي، واشترتا أيضا حوض سمك، ~~وحصى ملونا، ونباتا بلاستيكيا أخضر اللون. وعادت كلتاهما إلى طبيعتهما بعد دخولهما ~~لمتجر وولورث، ورؤيتهما للأسماك المضيئة، والطيور المغردة، والملابس الداخلية النسائية ~~بألوانها الوردية والخضراء، والمرايا ذات الإطارات المذهبة، وأدوات المطبخ البلاستيكية، إلى ~~جانب سرطان بحري كبير من المطاط ذي اللون الأحمر البارد. # كانت آنا تحب مشاهدة برنامج «محكمة العائلة» على شاشة التليفزيون، وهو برنامج عن مراهقات ~~كن بحاجة إلى عمليات إجهاض، وسيدات قبض عليهن لقيامهن بسرقة بضائع بالمحلات، وآباء ~~يظهرون بعد سنوات طويلة من الغياب لاسترداد أبنائهم بينما يفضل الأبناء دائما البقاء مع ~~أزواج أمهاتهم. وكانت تحب برنامجا آخر يسمى «عائلة برادي بانش». كانت برادي بانش عائلة ~~مكونة من ستة أطفال رائعين ومشغولين، يساء فهمهم أو يسيئون فهم الآخرين بشكل كوميدي ساخر، ~~وأم شقراء جميلة، وأب وسيم ذي بشرة داكنة، ومديرة منزل مرحة. كان برادي بانش يعرض في ~~السادسة، وكانت آنا ترغب في تناول العشاء أثناء مشاهدته. وسمحت لها روز بذلك؛ لأنها غالبا ~~ما كانت ترغب في العمل خلال وقت عشاء آنا. وبدأت في وضع الطعام في أطباق حتى تتمكن آنا من ~~تناول الطعام بشكل أسهل، وتوقفت عن إعداد وجبات العشاء المكونة من اللحم والبطاطا ~~والخضراوات؛ لاضطرارها لإلقاء قدر كبير منها؛ فكانت تعد طبقا من اللحم المفروم الحار مع ~~الفاصوليا البيضاء بدلا منها، أو البيض المقلي، أو ms166 شطائر اللحم المقدد مع الطماطم، أو ~~نقانق لحم الخنزير ملفوفة في عجينة البسكويت. وفي بعض الأحيان كانت آنا ترغب في تناول حبوب ~~الإفطار، وكانت روز تسمح لها بتناولها، ولكنها بعد ذلك بدأت تفكر أنه ربما يكون أمرا ~~كارثيا أن ترى آنا جالسة أمام التليفزيون وهي تتناول حبوب الإفطار في الوقت الذي تجتمع ~~فيه العائلات في كل مكان سواء في المطبخ أو على مائدة غرفة الطعام يستعدون لتناول الطعام ~~والتشاحن والمزاح ومضايقة أحدهم الآخر. فأحضرت دجاجة، وصنعت حساء ذهبيا ثخينا بالخضراوات ~~والشعير. أرادت آنا تناول حبوب الإفطار، فقالت إن الحساء له مذاق لذيذ، وراحت روز تصيح ~~قائلة: إنه حساء رائع، ولم يسبق لك تذوقه إلا بالكاد يا آنا، من فضلك جربيه. # غريب أنها لم تقل «من أجلي». وشعرت بارتياح بشكل عام حين قالت آنا بهدوء «لا». # في تمام الثامنة بدأت في الإلحاح على آنا لكي تأخذ حمامها ثم تذهب إلى الفراش. ولم تستطع ~~روز أن تستقر وتهنأ بكأس من الشراب أو فنجان من القهوة مضاف إليه بعض الرم وتستسلم لمشاعر ~~الرضا والتقدير إلا بعد أن انتهت من إعداد كوب من حليب الشوكولاتة لآنا، ثم جففت دورة ~~المياه، ولملمت الأوراق وألوان الشمع وقصاصات اللباد، والمقص، والجوارب المتسخة، والداما ~~الصينية، وكذا البطانية التي تلف آنا نفسها بداخلها لمشاهدة التليفزيون؛ نظرا لبرودة ~~الشقة، وأعدت غداء آنا لليوم التالي، وأطفأت نور غرفتها وسط احتجاجاتها. كانت تطفئ ~~الأنوار ثم تجلس بجوار النافذة العالية تشاهد هذه البلدة الجبلية التي لم تكد تعرف بوجودها ~~قبل عام واحد، وفكرت أن كل ما حدث كان بمنزلة المعجزة؛ أن تقطع كل هذه المسافة إلى هنا ~~وتعمل، وأن تأخذ آنا، وأن تعول آنا وتعول نفسها. وفي تلك اللحظة كان بإمكانها الشعور بثقل ~~آنا في الشقة بنفس شعورها الطبيعي بثقلها داخل جسدها، ودون الاضطرار لأن تذهب وتنظر إليها، ~~كان بإمكانها النظر بسعادة مذهلة يشوبها الخوف إلى الشعر الأشقر والبشرة الفاتحة، والحاجبين ~~اللامعين، ذلك الملمح الذي إذا نظرت عبره عن كثب، يمكنك أن ترى ms167 الشعيرات الدقيقة شبه ~~الخفية تبدو لتخطف الضوء. لأول مرة في حياتها تدرك معنى الألفة والحياة الأسرية، وتعرف معنى ~~المأوى والسكن، وتكد من أجل إدارته. # قالت دوروثي: «ما الذي جعلك تنفصلين؟» كانت هي الأخرى متزوجة منذ فترة طويلة. # لم تدر روز بأي شيء تبدأ. بالندوب على رسغها؟ أم بالخنق في المطبخ؟ أم النبش في الحشائش ~~وتمزيقها؟ كلها أمور لا صلة لها بالأمر. # قالت دوروثي: «بالنسبة لي شعرت بالملل فحسب. ولكي أكون صادقة معك، شعرت بالملل لأقصى ~~درجة.» # كانت نصف ثملة. فأخذت روز تضحك، وقالت لها دوروثي: «علام تضحكين بحق الجحيم؟» ~~«شيء مريح أن تسمعي شخصا يقول ذلك، بدلا من الحديث عن عدم تفاهمكما.» ~~«حسنا، لم يكن هناك تفاهم بيننا أيضا. لا، الحقيقة هي أن عقلي كان مشغولا بشخص آخر؛ ~~فقد كنت على علاقة بشخص يعمل بإحدى الصحف، كان صحفيا، ذهب إلى إنجلترا، أقصد الصحفي، وكتب ~~لي خطابا عبر المحيط الأطلنطي يخبرني فيه أنه أحبني بصدق. لقد كتب لي ذلك الخطاب لأنه كان ~~وراء المحيط وأنا هنا، لكنني لم يكن لدي ما يكفي من الإدراك لكي أعرف ذلك. أتعلمين ماذا ~~فعلت؟ تركت زوجي - حسنا، لم يكن في ذلك أية خسارة - واقترضت ألفا وخمسمائة دولار من ~~البنك، وطرت إلى إنجلترا وراءه. اتصلت بجريدته، فأخبروني أنه قد غادر إلى تركيا، فجلست في ~~الفندق في انتظار عودته. يا لها من فترة! لم أخرج من الفندق قط، وإذا ذهبت للحصول على بعض ~~التدليك أو لتصفيف شعري كنت أخبرهم أين يجدونني. كنت ألح عليهم بالأسئلة خمسين مرة في ~~اليوم. ألا يوجد خطاب لي؟ ألم تأتني أية مكالمات؟ رباه، رباه، رباه!» ~~«وهل عاد؟» ~~«اتصلت مجددا، وأخبروني أنه سافر إلى كينيا. بدأ الخوف يتمكن مني، ورأيت أنه لا بد أن ~~أتمالك نفسي، وقد فعلت في اللحظة المناسبة، وعدت إلى الوطن وبدأت في سداد القرض ~~للبنك.» # كانت دوروثي تشرب فودكا خالصة من كوب ماء. ~~«بعد عامين أو ثلاثة قابلته، ترى أين؟ في المطار. لا، في أحد المتاجر الكبيرة. قال لي ms168 إنه ~~آسف لأنه لم يلحق بي في إنجلترا. فقلت له لا بأس، فقد استطعت الاستمتاع بوقت طيب على أية ~~حال. كنت لا أزال أسدد القرض للبنك. كان يجب أن أخبره بأنه تافه وأحمق.» # كانت روز في العمل تتصفح الإعلانات التجارية وأحوال الطقس، وترد على الخطابات، وتجيب ~~الهاتف، وتطبع الأخبار على الآلة الكاتبة، وتقوم بأداء الأصوات في مسرحيات الأحد التي ~~يكتبها أحد القساوسة المحليين، وتخطط للقيام بمقابلات شخصية. كانت ترغب في كتابة قصة عن ~~المستوطنين الأوائل للبلدة؛ فذهبت وتحدثت إلى رجل كفيف مسن كان يقطن أعلى متجر لبيع العلف، ~~فأخبرها أنه في الزمن القديم كانت ثمار الكرز والتفاح تعلق بأغصان أشجار الأرز والصنوبر، ~~وكان يلتقط لها صورا وترسل إلى إنجلترا. وساعد ذلك في جلب المهاجرين الإنجليز لاقتناعهم ~~بأنهم قادمون إلى أرض تزدهر فيها البساتين. وعندما عادت إلى المحطة بهذه القصة، ضحك الجميع؛ ~~إذ كانوا قد سمعوها كثيرا من قبل. # لم يكن توم يغيب عن تفكيرها، فكانت تكتب له ويكتب لها، فلولا هذه الصلة التي تربطها بأحد ~~الرجال، ربما كانت قد رأت نفسها كشخص مذبذب ومثير للشفقة؛ فقد كان لتلك الصلة أثرها في ~~استقرار حياتها الجديدة. بدا لفترة وكأن الحظ يحالفهما؛ فقد أقيم مؤتمر في كالجاري عن ~~الراديو في الحياة الريفية، أو شيء من هذا القبيل، وكانت المحطة بصدد إرسال روز، وكان ذلك ~~دون أي تآمر من جانبها. كان روز وتوم متهللين من الفرحة وهما يتحدثان عبر الهاتف، وسألت ~~إحدى المدرسات الشابات عبر الردهة إذا ما كان بإمكانها أن تنتقل للإقامة بمنزلها كي تعتني ~~بآنا خلال سفرها. أبدت الفتاة ترحيبها بالقيام بتلك المهمة. كان للمدرسة صديق انتقل أيضا ~~للإقامة معهما، ما أدى إلى ازدحام المكان بشكل مؤقت. عادت روز إلى المتجر الذي كانت قد ~~اشترت منه مفرش السرير وقدور القهوة واشترت منه روبا على شكل قفطان طويل مطرزا بأشكال ~~طيور بألوان تشبه ألوان الأحجار الكريمة. كان هذا الرداء يذكرها بعندليب الإمبراطور. وقامت ~~بغسل شعرها. كان عليها أن تقطع مسافة ستين ميلا بالحافلة، ms169 ثم تستقل الطائرة. كانت على ~~استعداد لتحمل ساعة من الرعب مقابل قضاء مزيد من الوقت في كالجاري. كان العاملون بالمحطة ~~يستمتعون بتخويفها، وأخبروها بأن الطائرات الصغيرة تقلع في خط شبه مستقيم من المطار الجبلي، ~~ثم تتحطم وتتخذ طريقها سقوطا فوق جبال روكي. كانت تعتقد أنه ليس من الملائم أن تموت بهذه ~~الطريقة، أن تتحطم بها الطائرة في الجبال وهي في طريقها لرؤية توم. كانت تعتقد ذلك على ~~الرغم من لهفتها للذهاب إليه؛ فقد بدت الرحلة أتفه من أن تموت من أجلها. كان خوض تلك ~~المجازفة يبدو خيانة، ليس خيانة لآنا، وبالتأكيد ليس لباتريك، بل ربما خيانة لنفسها، ولكنها ~~كانت تؤمن بأنها لن تموت، لا لشيء سوى أن الرحلة قد عهد بها إليها بشكل عارض دونما تدبير، ~~ونظرا لأن الأمر برمته لا يصدق. # كانت معنوياتها في السماء وهي تلعب الداما الصينية مع آنا طوال الوقت، كما كانت تلعب معها ~~لعبة «آسف»، أو أية لعبة أخرى تريدها آنا. وفي الليلة السابقة لسفرها - وكانت قد رتبت ~~لاستقدام سيارة أجرة لتوصيلها في الخامسة والنصف صباحا - كانتا تلعبان الداما الصينية، حين ~~قالت آنا: «يا إلهي، لا أستطيع أن أرى بهاتين العينين الزرقاوين!» وتراخت على اللوح وهي على ~~وشك البكاء، وهو ما لم تفعله من قبل في أية لعبة. راحت روز تجس جبهتها، وقادتها إلى فراشها ~~وهي متذمرة. كانت درجة حرارتها 38,8 درجة مئوية. كان الوقت متأخرا للاتصال بتوم في مكتبه، ~~وبالطبع لم يكن بوسع روز الاتصال به في منزله، فاتصلت بسائق السيارة الأجرة وبالمطار وألغت ~~الرحلة؛ إذ حتى لو تحسنت حالة آنا في الصباح، لم تكن لتستطيع السفر. ومضت لتتصل بالفتاة ~~التي كانت ستأتي للإقامة مع آنا، واتصلت بالشخص المسئول عن ترتيب المؤتمر في كالجاري، فقال: ~~«يا إلهي، نعم. هكذا هم الأطفال!» وفي الصباح، وبينما كانت آنا متدثرة ببطانيتها تشاهد ~~الكرتون، اتصلت بتوم في مكتبه، وأخذ يقول: «أنت هنا، أنت هنا! أين أنت؟» # فاضطرت أن تخبره بما حدث. # كانت آنا تسعل، وكانت حرارتها ترتفع وتنخفض. ms170 حاولت روز أن ترفع حرارة الشقة، وراحت تعبث ~~بمنظم الحرارة، ثم قامت لتصفي محلول التبريد من مشعات التدفئة المركزية، واتصلت بصاحب ~~المنزل وتركت له رسالة، لكنه لم يتصل، فاتصلت به في منزله في السابعة من صباح اليوم التالي، ~~وأخبرته بأن طفلتها مصابة بالتهاب شعبي (وهو ما كانت تعتقده في حينها، ولكنه لم يكن صحيحا) ~~وأخبرته بأنها ستمنحه ساعة ليمنحها بعض التدفئة وإلا ستتصل بالجريدة، وتدين أفعاله عبر ~~الراديو، وتقاضيه، وأنها ستجد القنوات المناسبة لذلك. فما كان منه إلا أن جاء في التو ~~واللحظة وهو يضع قناعا مستعارا (قناع الرجل المسكين الذي يحاول تأمين نفقات المعيشة تغويه ~~نساء في حالة هستيرية)، وفعل شيئا بمنظم الحرارة في الردهة، ومن ثم بدأت المشعات تسخن. ~~أخبرت المدرسات روز أنه قد قام بإصلاح منظم حرارة الردهة بحيث يمكنه التحكم في الحرارة، ~~بالرغم من أنه لم يرضخ أبدا للاحتجاجات من قبل. شعرت بالفخر، شعرت وكأنها أم شرسة من أحد ~~الأزقة راحت تصرخ وتكيل السباب وتقاتل من أجل ابنتها. نسيت أن أمهات الأزقة والأحياء ~~الفقيرة نادرا ما يكن شرسات لما يعانينه من تعب وارتباك شديدين. لقد كانت صلاتها ~~الأكيدة بالطبقة الوسطى التي تنتمي إليها، وتوقعاتها بتحقيق العدالة هما ما منحتاها كل هذه ~~الطاقة وهذا الأسلوب المستبد في القدح والسب، ما تسبب في إخافته. # بعد يومين اضطرت روز للعودة إلى عمل. كانت حالة آنا قد تحسنت، ولكن روز كانت قلقة طوال ~~الوقت. لم تكن تستطيع ازدراد فنجان من القهوة، لما كانت تعانيه من غصة في حلقها بسبب القلق. ~~كانت آنا على ما يرام، وتأخذ دواء السعال الخاص بها، وتجلس في فراشها تلون بألوان الشمع. ~~وعندما عادت والدتها إلى المنزل، كان لديها قصة لتحكيها لها، وكانت تدور حول بعض ~~الأميرات. # كان هناك أميرة بيضاء ترتدي ثياب العرس البيضاء وتتحلى باللآلئ والجواهر. كان البجع ~~والنعاج والدببة القطبية هي حيواناتها الأليفة، وفي حديقتها تنمو أزهار الزنابق والنرجس ~~الأبيض. وكانت تأكل البطاطا المهروسة، وآيس كريم الفانيليا، وتغطي فطائرها شرائح جوز الهند ~~والمارينج ms171 الأبيض. وكانت هناك أميرة وردية تزرع الأزهار وتأكل الفراولة، وتربط مجموعة من ~~طيور البشروش (كانت تصف شكلها لعدم قدرتها على تذكر الاسم). أما الأميرة الزرقاء، فكانت ~~تقتات على العنب والمداد. أما الأميرة البنية، فكان طعامها أطيب من أية أميرة أخرى على ~~الرغم من أن ملابسها كانت رمادية ضاربة إلى البني؛ فكانت تتناول اللحم المشوي، ومرق اللحم ~~البني، وكعكة شوكولاتة مغطاة بطبقة من الشوكولاتة، وأيضا آيس كريم الشوكولاتة بصلصة فدج ~~الشوكولاتة. ترى ماذا كانت تحوي حديقتها؟ # قالت آنا: «كانت الأرض مفترشة بأشياء بذيئة على مداها.» # لم يشر توم وروز هذه المرة إلى خيبة أملهما بشكل صريح، فكانا قد بدآ في كبح جماحهما ~~قليلا، ربما لظنهما أن الحظ لا يقف في صفهما، فكانا يتراسلان بأسلوب يملؤه الحب والتروي ~~والدعابة، وكأن الكبوة الأخيرة لم تحدث. # في شهر مارس اتصل ليخبرها بأن زوجته وأبناءه سوف يذهبون إلى إنجلترا، وأنه سيلحق بهما ~~ولكن بعد عشرة أيام، فصاحت روز فرحا بأن لديهما عشرة أيام كاملة سوف تمحو كل أثر للغياب ~~الطويل الذي سيأتي لاحقا (إذ كان مزمعا أن يبقى بإنجلترا حتى نهاية الصيف). وتبين بعد ذلك ~~أنها لن تكون عشرة أيام؛ إذ كان مضطرا للتوجه إلى ماديسون بولاية ويسكونسن في طريقه إلى ~~إنجلترا. فقالت له روز إنه يجب أن يأتي إلى هنا أولا، متداركة ما أصابها من خيبة أمل، ~~وراحت تتساءل: كم يمكنك أن تمكث، أيمكنك أن تمكث أسبوعا؟ وراحت تتخيل نفسها معه وهما ~~يتناولان إفطارا طويلا مرحا. رأت نفسها في عين خيالها في رداء عندليب الإمبراطور. كانت ~~ستقدم قهوة مفلترة (إذن لا بد من شراء إناء قهوة ذي فلتر)، وتلك المربى اللاذعة ذات المذاق ~~الجيد في البرطمان الحجري. ولم تول أي تفكير لمهامها الصباحية في المحطة. # قال توم إنه لم يكن يعلم بذلك، ولكن والدته قادمة لمساعدة باميلا والأطفال في الإعداد ~~للسفر، ولم يستطع أن يحزم حقائب ويتركها هكذا، وقال إنه سيكون من الأفضل كثيرا إذا استطاعت ~~هي المجيء إلى كالجاري. # ثم غمرته السعادة وقال ms172 إنهما سيذهبان إلى بانف، حيث سيأخذان إجازة لمدة ثلاثة أو أربعة ~~أيام، وتساءل عما إذا كان بإمكانها تدبير ذلك، وعما إذا كان بالإمكان أن تأخذ عطلة أسبوعية ~~طويلة. فتساءلت إن كانت بانف مكانا يصعب الوجود فيه بالنسبة له؛ إذ ربما يلتقي أحدا ممن ~~يعرفهم. فقال: لا، لا، سيكون كل شيء على ما يرام. لم تكن سعادتها بقدر سعادته الغامرة؛ ~~لأنها لم تكن تفضل تماما أن توجد في فندق معه في فيكتوريا. ونزل إلى بهو الفندق ليحضر ~~ورقة، واتصل بغرفتهما ليتأكد من أنها لن ترد عليه كما اتفقا، وبالفعل لم ترد عليه، ولكن ~~المناورة سببت لها إحباطا، ومع ذلك فقد كان جوابها أن الأمر رائع وعظيم، وكان بحوزة كل ~~منهما على الهاتف تقويم لكي يحددا الأيام التي سيلتقيان فيها. واتفقا على ضم العطلة ~~الأسبوعية إلى أيام الإجازة؛ إذ كان لديها عطلة أسبوعية قادمة، وكانت على الأرجح ستنجح في ~~أخذ يوم الجمعة أيضا، وجزء من يوم الاثنين على الأقل. كان بإمكان دوروثي أن تقوم مكانها ~~بالمهام شديدة الأهمية؛ فقد كانت دوروثي تدين لها ببعض من وقت العمل؛ إذ سبق لروز أن حلت ~~محلها حين كانت في سياتل؛ إذ قضت ساعة على الهواء تقرأ نصائح منزلية ووصفات لم تكن تعتقد ~~أنها مجدية. # كان لديها نحو أسبوعين للترتيب للأمر، فتحدثت مجددا إلى المعلمة التي قالت إن بإمكانها ~~المجيء، واشترت سترة. كانت تتمنى ألا يكون متوقعا منها أن تتعلم التزحلق على الجليد في ذلك ~~الوقت، فلا بد أنهما يستطيعان التمشية هناك. كانت تعتقد أنهما سيقضيان معظم وقتهما في تناول ~~الطعام والشراب والحديث وممارسة الحب، وكانت الأفكار الخاصة بذلك النشاط الأخير تؤرقها بعض ~~الشيء؛ إذ كانت أحاديثهما عبر الهاتف يغلب عليها الاحتشام والخجل إلى حد كبير، ولكن ~~خطاباتهما كانت مفعمة بالوعود الملتهبة، لا سيما وهما الآن على يقين من اللقاء. كانت روز ~~تحب قراءة وكتابة مثل هذه الوعود، ولكن لم يكن بإمكانها تذكر توم بالوضوح الذي كانت ترغب ~~به. كان بإمكانها تذكر شكله، وأنه ليس طويلا ms173 للغاية، ونحيل ، وله شعر رمادي مموج، ووجه ~~طويل حسن، ولكنها لم تستطع أن تتذكر عنه الأشياء الصغيرة المثيرة، كنبرة صوته أو رائحته ~~المميزة. الشيء الوحيد الذي كانت تتذكره جيدا هو أن وقتهما معا في فيكتوريا لم يكن موفقا ~~تماما؛ كان بإمكانها أن تتذكر شيئا ما بين القذع والاعتذار، شيئا وضعهما على حافة الفشل ~~الخطرة. وقد جعلها ذلك متلهفة بشكل خاص لأن تحاول أن تنجح مرة أخرى. # كان مقررا أن تغادر يوم الجمعة في الصباح الباكر، مستقلة نفس الحافلة ونفس الطائرة التي ~~خططت لاستقلالهما من قبل. # في صباح يوم الثلاثاء بدأ الثلج في الهطول، ولكنها لم تعر الكثير من الانتباه لذلك؛ إذ ~~كان ثلجا رطبا جميلا يتساقط من السماء مباشرة في شكل رقاقات كبيرة، وراحت تتساءل إن كان ~~الثلج سيتساقط أيضا في بانف. كانت تتمنى ذلك، فقد كانت تحب فكرة الاستلقاء في الفراش ~~ومشاهدة الجليد. ظل الثلج يتساقط بشكل متواصل إلى حد ما على مدى يومين، وفي نهاية مساء يوم ~~الخميس حين ذهبت لاستلام تذكرتها من وكالة السفر، أخبروها أن المطار قد أغلق. لم تبد أو ~~تستشعر حتى أي قلق؛ بل كانت تشعر بارتياح بعض الشيء لكونها لن تضطر للسفر جوا. تساءلت في ~~نفسها عن إمكانية السفر بالقطار، ولكن القطار بالطبع لم يكن يذهب إلى كالجاري؛ إذ كان يتوقف ~~في مقاطعة سبوكان، وكانت تعلم ذلك بالفعل. إذن تبقت الحافلة، فقاموا بالاتصال للتأكد من ~~أن الطرق السريعة مفتوحة وأن حركة الحافلات مستمرة. في أثناء تلك المحادثة بدأ قلبها يخفق ~~قليلا، ولكن كل شيء كان على ما يرام، والحافلات تعمل. أخبروها بأن الرحلة بالحافلة لن ~~تكون ممتعة للغاية؛ فهي تغادر من هنا في الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، وتدخل ~~كالجاري في حوالي الثانية بعد الظهر من اليوم التالي. ~~«حسنا، لا بأس.» # قال الشاب ذو المظهر الرث: «لا بد أنك تريدين حقا الذهاب إلى كالجاري.» كانت وكالة ~~السفر تلك متهدمة وخربة إلى أقصى حد، وكانت تقع في بهو أحد الفنادق خارج باب الحانة. ms174 # ردت روز بصفاقة: «أنا ذاهبة إلى بانف في الواقع. ونعم أريد الذهاب إلى هناك.» ~~«هل أنت ذاهبة من أجل التزحلق؟» ~~«ربما.» كانت على قناعة أنه قد خمن كل شيء. لم تكن تعرف حينذاك كم كانت مثل هذه الرحلات ~~غير الشرعية للمتعة مألوفة وعادية؛ فقد كانت تعتقد أن هالة الخطيئة تتراقص حولها مثل ألسنة ~~لهب نصف شفافة على موقد غاز. # عادت إلى المنزل وهي تفكر أنه سيكون من الأفضل كثيرا حقا أن تجلس في الحافلة، تقترب ~~أكثر فأكثر من توم، من أن تستلقي في الفراش يجافيها النوم. كل ما كان عليها أن تفعله هو أن ~~تخبر المعلمة لكي تنتقل إلى منزلها في تلك الليلة. # كانت المعلمة في انتظارها تلعب الداما الصينية مع آنا، فقالت لها: «أوه، لا أعرف كيف ~~أخبرك. أنا في شدة الأسف، ولكن حدث شيء ما.» # قالت لها إن شقيقتها قد تعرضت للإجهاض وهي في حاجة لمساعدتها. وكانت شقيقتها تلك تعيش ~~في فانكوفر. ~~«سوف يقلني صديقي غدا بالسيارة إذا استطعنا التواصل معا.» # كانت تلك هي أول مرة تسمع فيها روز عن وجود صديق لها، وعلى الفور راودها الشك بشأن القصة ~~برمتها. ربما تكون الفتاة قد جاءتها فرصة للسفر مع حبيب ما؛ لعلها قد تنشقت نسيم الحب ~~والأمل هي الأخرى. ربما يكون زوج امرأة ما، أو شابا في مثل عمرها. نظرت روز إلى وجه ~~الفتاة الذي كان حب الشباب يكسوه يوما ما وقد تحول إلى اللون الوردي من أثر الخجل ~~والإثارة، وأدركت أنها لن تزحزحها عن موقفها أبدا. مضت المعلمة تزين قصتها بالحديث عن ~~طفلي شقيقتها، وكان كلاهما صبيين، وأنهما كانا يتوقان لإنجاب طفلة. # بدأت روز اتصالاتها لاستقدام شخص آخر. اتصلت بطالبات، وزوجات الرجال الذين كانوا يعملون ~~معها بالمحطة، اللاتي قد يعطينها أسماء جليسات أطفال، واتصلت بدوروثي التي كانت تكره ~~الأطفال. كل ذلك دون جدوى. اتبعت كل الإرشادات التي أعطاها إياها الآخرون، على الرغم من ~~إدراكها أن هذه الإرشادات كانت بلا قيمة على الأرجح، وأن القصد منها هو التخلص منها. ms175 شعرت ~~بالخجل من إصرارها وإلحاحها. وفي النهاية قالت آنا: «بإمكاني البقاء هنا بمفردي.» ~~«كفي عن هذا السخف.» ~~«لقد فعلتها من قبل حين كنت مريضة واضطررت للعودة إلى العمل.» # قالت روز وقد أحست بسعادة حقيقية بشكل مفاجئ لتوصلها لحل في غاية السهولة والرعونة: «ما ~~رأيك في أن تأتي معي إلى بانف؟» # وفي عجالة شديدة مضتا تحزمان حقائبهما. ولحسن الحظ كانت روز قد ذهبت إلى المغسلة ذات ~~الخدمة الذاتية في الليلة السابقة. لم تسمح لنفسها بالتفكير بشأن ما سوف تفعله آنا في بانف، ~~ومن سيتكفل بنفقات الغرفة الإضافية، وما إذا كانت آنا ستوافق من الأساس على الإقامة في غرفة ~~مستقلة. راحت روز تلملم كتب التلوين والقصص، وأدوات الزخارف المبعثرة التي تستطيع روز ~~القيام بها بمفردها، وأي شيء اعتقدت أن من شأنه تسليتها. كانت آنا سعيدة بهذا التحول الذي ~~طرأ على الأحداث، ولم تجفل من فكرة ركوب الحافلة. وتذكرت روز أن تتصل بالسيارة الأجرة ~~مبكرا لتقلهما عند منتصف الليل. # علقت السيارة وسط الزحام في الطريق إلى المحطة، وخطر لروز أن اتصالها بالسيارة قبل نصف ~~ساعة من موعد تحرك الحافلة كانت فكرة سديدة، مع أن الطريق إلى هناك عادة لا يستغرق أكثر من ~~خمس دقائق. كانت محطة الحافلات عبارة عن محطة قديمة لخدمة السيارات، وكانت مكانا موحشا. ~~تركت روز آنا على مقعد بالمحطة مع الأمتعة وذهبت لتشتري التذاكر، وعندما عادت كانت آنا قد ~~ارتمت على الحقيبة، بعد أن استسلمت للنوم بمجرد أن استدارت والدتها. ~~«يمكنك النوم في الحافلة.» # فعدلت آنا جلستها ناكرة شعورها بالتعب. تمنت روز لو كان الجو دافئا داخل الحافلة. ربما ~~كان عليها أن تحضر بطانية لتلفها حول آنا. لقد فكرت في ذلك، ولكنهما كانتا تحملان ما يكفي ~~من الأمتعة، حيث كانت حقيبة التسوق مكتظة بكتب آنا وأدواتها الترفيهية؛ كان من الصعب تحمل ~~فكرة الوصول بها إلى كالجاري شعثاء الشعر، معتلة المزاج ومصابة بالإمساك، إلى جانب أقلام ~~التلوين التي تتساقط من الحقيبة وأيضا بطانية متدلية من خلفها، فقررت ألا تأخذها. # كان هناك ms176 القليل فقط من المسافرين في انتظار ركوب الحافلة: زوجان شابان يرتديان الجينز ~~ويبدو عليهما الشعور بالبرد والهزال؛ وامرأة عجوز مسكينة وقورة ترتدي قبعتها الشتوية، وجدة ~~هندية بصحبتها طفل رضيع؛ ورجل مستلق على أحد مقاعد المحطة يبدو عليه المرض أو الثمالة. ~~تمنت روز أن يكون هذا الرجل موجودا في المحطة التماسا للدفء فقط، وليس انتظارا للحافلة؛ ~~إذ بدا وكأنه قد يتقيأ، أو أن يتقيأ الآن وليس لاحقا إذا كان سيصعد على متن الحافلة. كانت ~~ترى أنه من الأفضل لو اصطحبت آنا إلى حمام المحطة، فبالرغم من بشاعته، ربما سيكون أفضل من ~~الحمام المتاح بالحافلة. كانت آنا تجول بناظريها في المكان من حولها، تنظر إلى ماكينة بيع ~~السجائر، وماكينة بيع الحلوى، وماكينة بيع المشروبات والشطائر. تساءلت روز إن كان عليها أن ~~تبتاع بعض الشطائر وبعض الشوكولاتة الساخنة السائلة. فما إن تلبث الحافلة أن تدخل بها وسط ~~الجبال حتى تتمنى لو كانت قد فعلت. # وعلى حين غرة خطر ببالها أنها قد نسيت الاتصال بتوم لتخبره بأن ينتظرها عند الحافلة وليس ~~الطائرة، وعزمت على القيام بذلك حين يتوقفون لتناول الإفطار. # السادة المسافرون منتظرو الحافلة المتجهة إلى كرانبروك، راديوم هوت سبرينجس، جولدن، ~~كالجاري، برجاء الانتباه. تم إلغاء حافلتكم. تم إلغاء الحافلة المزمع مغادرتها من هنا في ~~الثانية عشرة والنصف. # ذهبت روز إلى شباك التذاكر وقالت: ما هذا؟ ماذا حدث؟ أخبرني، هل الطريق السريع مغلق؟ ~~فأخبرها الرجل متثائبا: «الطريق مغلق بعد كرانبروك. إنه مفتوح من هنا وحتى كرانبروك ولكنه ~~مغلق بعد ذلك، ومغلق غربا من هنا حتى جراند فوركس، ومن ثم لن يتسنى للحافلة حتى أن تصل إلى ~~هنا الليلة.» # سألت روز في هدوء عن الحافلات الأخرى التي تستطيع أن تستقلها. ~~«ماذا تعنين بالحافلات الأخرى؟» ~~«حسنا، ألا توجد حافلة أخرى إلى سبوكان؟ بإمكاني أن أتوجه من هناك إلى كالجاري.» # وعلى مضض سحب الرجل جداول الحافلات، وتذكر كلاهما أنه لا جدوى من ذلك إذا كان الطريق ~~السريع مغلقا ما بين هنا وجراند فوركس، إذ لن يتسنى لأية ms177 حافلة الوصول إلى هنا. فكرت روز ~~في أن تستقل القطار إلى سبوكان، ثم تستقل الحافلة إلى كالجاري، ولكن لم يكن بوسعها القيام ~~بذلك مطلقا؛ إذ سيكون ذلك محالا مع آنا. ومع ذلك سألت عن القطارات، وسألته هل نما إلى ~~علمه أي شي بشأن القطارات؟ ~~«سمعت أنها ستعمل بعد اثنتي عشرة ساعة.» # ظلت واقفة عند شباك التذاكر وكأنهم ملزمون بإيجاد حل لها، ولا بد أن يظهر. ~~«ليس بيدي شيء آخر يمكنني القيام به من أجلك هنا يا سيدتي.» # فانصرفت ورأت آنا عند هواتف العملة تعبث بصناديق استرداد العملات؛ إذ كانت أحيانا ما تجد ~~قطعة نقود بهذه الطريقة. # أقبلت آنا نحوها دون ركض، ولكنها كانت تسير مسرعة بطريقة متزنة مشوبة بالانفعال على نحو ~~غير طبيعي، وقالت: «تعالي إلى هنا، تعالي إلى هنا.» وراحت تجذب روز التي تسمرت في مكانها ~~نحو واحد من هواتف العملة العامة، وأمالت صندوق العملات نحوها. كان مليئا بالعملات الفضية ~~عن آخره، فشرعت تفرغها في يدها. كانت العملات متنوعة ما بين فئات الربع دولار، والخمسة ~~سنتات، والعشرة سنتات، والمزيد والمزيد من العملات الأخرى. وراحت تملأ منها جيوبها. بدا ~~الأمر وكأن الصندوق يمتلئ مرة أخرى في كل مرة تغلقه، وكأنها في حلم أو حكاية من حكايات ~~الجنيات. إلى أن جردته مما فيه في النهاية ملتقطة آخر قطعة عشرة سنتات به، ثم نظرت إلى ~~روز بوجه شاحب متعب متوهج. # قالت في لهجة آمرة: «لا تقولي أي شيء.» # أخبرتها روز أنهما لن يصعدا على متن الحافلة، واتصلت بنفس السيارة الأجرة لتقلهما إلى ~~المنزل. وتقبلت آنا التغيير الذي طرأ على الخطط دونما اهتمام. ولاحظت روز أنها تركب ~~السيارة بمنتهى الحرص حتى لا تصلصل العملات في جيوبها. # وفي الشقة أعدت روز لنفسها شرابا، أما آنا، فشرعت تنشر العملات على طاولة المطبخ وتفصلها ~~في أكوام لعدها، دون حتى أن تخلع حذاءها الطويل أو معطفها. # قالت: «لا أصدق ذلك، لا أصدق.» كانت نبرة صوتها غريبة وكأنها شخص كبير، نبرة صوت تنم عن ~~دهشة حقيقية تغلفها دهشة ms178 مصطنعة، وكأن الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها التحكم في الموقف ~~والتعامل معه هو أن تضفي عليه طابعا دراميا بهذا الشكل. # قالت روز: «لا بد أنها من مكالمة لمكان بعيد. أعتقد أن هذا المال يخص شركة ~~الهواتف.» # قالت آنا بصوت امتزج فيه الشعور بالذنب والانتصار: «ولكن لا يمكننا أن نرده، أليس كذلك؟» ~~وكانت إجابة روز بالنفي. # قالت روز: «هذا جنون.» كانت تقصد فكرة أن المال يخص شركة الهواتف. كانت متعبة ومشوشة، ~~ولكن بدأ يراودها شعور مؤقت وساذج من المرح. كان بإمكانها رؤية العملات تنهمر فوقهما كسيول ~~أو كعواصف ثلجية؛ ما أروع الرعونة التي سادت المكان! ويا لها من نزوة لطيفة! # حاولتا عد العملات، ولكنهما ظلتا ترتبكان في العد، فشرعتا بدلا من ذلك في اللعب بها، ~~بإسقاطها عبر أصابعهما بتباه وفخر. كان وقتا متأخرا من الليل طغى عليه العبث واللهو، في ~~المطبخ المستأجر على الجبال، ذلك المكان الذي وجدت فيه الوفرة والسخاء حيثما لم تكن لتبحث ~~عنها؛ لتتقاطع خيوط الخسارة مع الحظ. كانت واحدة من المرات القليلة، واحدة من الساعات ~~القليلة، التي استطاعت فيها روز أن تقول بحق إنها ليست تحت رحمة الماضي، أو المستقبل، أو ~~الحب، أو أي شخص. وتمنت أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لآنا. # كتب لها توم خطابا طويلا امتلأ حبا ودعابة وتحدث فيه عن القدر. كان خطاب هجر وانسحاب ~~امتلأ شجنا وارتياحا من الألم والعذاب، كتبه لها قبل أن يرحل إلى إنجلترا. لم يكن لدى روز ~~أي عنوان له هناك، وإلا لكان من المحتمل أن تكتب له راجية إياه أن يعطيهما فرصة أخرى. فتلك ~~كانت طبيعتها. # سرعان ما انقضت تلك العاصفة الثلجية الأخيرة لذلك الشتاء، مخلفة وراءها بعض الفيضان في ~~الأودية. كتب لها باتريك يخبرها بأنه سيأتي في يونيو، بعد انقضاء الدراسة، وأنه سيأخذ آنا ~~لتقضي معه الإجازة الصيفية. قال إنه يرغب في البدء في إجراءات الطلاق؛ لأنه قابل فتاة يريد ~~أن يتزوجها. كان اسمها إليزابيث، وقال عنها إنها إنسانة رائعة متزنة. # وتساءل باتريك إن كانت روز تعتقد ms179 أنه قد يكون من الأفضل لآنا أن تستقر في منزلها القديم ~~في العام القادم، في المنزل الذي طالما عرفته، وأن تعود إلى مدرستها القديمة وسط أصدقائها ~~القدامى (كان جيريمي دائم السؤال عنها) بدلا من التسكع معها في حياتها الجديدة المستقلة. ~~ألا يكون من المحتمل - وهنا فكرت روز أنها سمعت صوت فتاته المتزنة ينطلق من كلماته - أنها ~~تستخدم آنا لتمنح نفسها بعض الاستقرار والاتزان، بدلا من مواجهة عواقب الطريق الذي اختارته ~~لنفسها؟ بالطبع، والحديث لباتريك، يجب أن تمنح آنا حقها في الاختيار. # أرادت روز أن ترد على خطابه بأنها كانت تود أن تجعل من هذا المكان منزلا لآنا، ولكنها لم ~~تستطع القيام بذلك في الحقيقة؛ فلم تعد راغبة في البقاء هنا، فقد تلاشى سحر وصفاء تلك ~~البلدة بالنسبة لها، وكان الراتب هزيلا، بما لن يمكنها من تحمل نفقات أي شيء سوى هذه ~~الشقة الزهيدة، وربما لن يتسنى لها الحصول على وظيفة أفضل أو حبيب آخر. كانت تفكر في التوجه ~~شرقا، إلى تورونتو، لتبحث عن عمل هناك مع إحدى المحطات الإذاعية أو التليفزيونية، وربما ~~حتى بعض الأدوار التمثيلية. أرادت أن تأخذ آنا معها، وأن تستقرا مرة أخرى في مسكن مؤقت. كان ~~الأمر مثلما قال باتريك. لقد أرادت أن تعود من أجل آنا، أن تملأ حياتها بآنا، ولم تكن لتفكر ~~أن آنا لن تختار تلك الحياة لنفسها؛ فالطفولة البائسة غير المعتادة التي تتسم بكثرة التجوال ~~وعدم الاستقرار لا تروق كثيرا للأطفال على الرغم من أنهم سيدعون أنهم يقدرونها كثيرا، ~~لمختلف أنواع الأسباب، فيما بعد. # نفقت السمكة المرقطة أولا، تبعتها السمكة البرتقالية، ولم تقترح روز أو آنا الذهاب مرة ~~أخرى إلى متجر وولورث حتى يتسنى للسمكة السوداء أن يكون لها رفيق، فقد بدا وكأنها لا ترغب ~~في أية رفقة؛ فقد فرضت سيطرتها الكاملة على حوض السمك بمفردها بعينيها الجاحظتين الواسعتين، ~~ومظهرها الشرير والارتياح الذي بدت عليه. # أخذت آنا على روز عهدا بألا تلقي بها في المرحاض بعد رحيلها، ووعدتها روز بذلك، وقبل أن ~~تغادر ms180 إلى تورونتو توجهت إلى منزل دوروثي حاملة معها حوض السمك لتقدم لها تلك الهدية غير ~~المرغوبة. تقبلتها دوروثي بلطف ودماثة، وقالت إنها ستسميها على اسم الرجل الذي قابلته في ~~سياتل، وهنأت روز على الرحيل. ~~••• # ذهبت آنا لتعيش مع باتريك وإليزابيث، وبدأت في تلقي دروس الدراما والباليه؛ فقد كانت ~~إليزابيث تؤمن بضرورة أن يكون للأطفال إنجازات، وأن يظلوا منشغلين. ومنحاها السرير ذا ~~الأربعة أعمدة، وصنعت له إليزابيث ظلة شفافة ومفرشا، وصنعت لآنا رداء للنوم وقبعة تتلاءم ~~معه. # أحضرا هرة صغيرة لآنا، وأرسلا لروز صورة لها وهي جالسة مع القطة على السرير، تبدو عليها ~~ملامح الرزانة والرضا في وسط كل هذه المنسوجات المزدانة بالورود. # | حظ سايمون # كانت الوحدة رفيقة روز في الأماكن الجديدة، وكانت تتمنى لو تلقت دعوات من الآخرين. ~~كانت تخرج وتجوب الشوارع وتتطلع في النوافذ المضيئة وإلى حفلات ليلة السبت، وحفلات العشاء ~~العائلية ليلة الأحد. لا جدوى من محاولة إقناع نفسها بأنها لم تكن لتظل بمفردها كثيرا، ~~تثرثر وتعاقر الشراب، أو تغرف مرق اللحم البني، قبل أن تتمنى لو أن تجوب الشوارع. اعتقدت أن ~~بإمكانها قبول أية دعوات؛ فكان بإمكانها الذهاب إلى حفلات في قاعات علقت على جدرانها ~~الملصقات والصور، وتنيرها مصابيح عادية وتغطيها مظلات عليها شعار كوكاكولا، وكل ما هو ~~متداع ومائل؛ أو حفلات في قاعات مهنية تعج بالكثير من الكتب، واللوحات التذكارية ~~النحاسية، وربما جمجمة أو اثنتان؛ أو حتى في غرف ترفيهية، حيث لا يمكنها أن ترى - عبر نوافذ ~~القبو - إلا الأطراف العليا من أكواب الجعة، وأبواق الصيد، وقرون الشراب، والمدافع. كان ~~بإمكانها الذهاب والجلوس على آرائك محاكة بخيوط لوريكس، أسفل لوحات معلقة من المخمل ~~الأسود المطرز برسوم الجبال، والسفن الشراعية الضخمة، ودببة قطبية مصممة على الصوف ~~الزئبري. كانت تحب كثيرا أن تأخذ بعضا من حلوى البودنج الإنجليزية الفاخرة من إناء من ~~الزجاج البلوري في غرفة طعام فخمة، وخلفها يقبع بوفيه ضخم متلألئ، وصورة باهتة لخيول وأبقار ~~ونعاج تأكل على حشائش أرجوانية ملونة بشكل سيئ، أو الاكتفاء بتناول ms181 البودنج في ركن ~~الطعام بمطبخ في منزل صغير مبيض بالجص بجوار محطة الحافلات، تزين جدرانه ملصقات الدراق ~~والكمثرى، ويتدلى اللبلاب من أصص نحاسية صغيرة؛ كيف لا وروز ممثلة، يمكنها أن تكيف نفسها ~~على أي مكان. # كانت روز تدعى لحفلات بالفعل؛ فمنذ حوالي عامين، كانت في حفل في بناية سكنية شاهقة في ~~كينجستون. كانت النوافذ تطل على بحيرة أونتاريو وجزيرة وولف. لم تكن روز تعيش في كينجستون، ~~بل كانت تعيش في إحدى المناطق الداخلية، حيث عملت بتدريس الدراما على مدى عامين في إحدى ~~الكليات الأهلية. أثار ذلك دهشة بعض الناس لإقدامها على ذلك؛ فقد كانوا لا يعلمون مدى قلة ~~ما تتقاضاه الممثلة من مال؛ إذ اعتقدوا أن الشهرة تفضي تلقائيا إلى الثراء. # قادت روز السيارة إلى كينجستون من أجل هذا الحفل فقط، الأمر الذي أشعرها بقليل من الخجل. ~~ولم تكن قد قابلت مضيفة الحفل من قبل، غير أنها قابلت المضيف في العام الفائت، حين كان ~~يعمل بالتدريس في الكلية الأهلية ويعيش مع فتاة أخرى. # قامت المضيفة، وكانت تدعى شيلي، باصطحاب روز إلى غرفة النوم لتخلع معطفها. كانت شيلي ~~فتاة ذات قوام نحيف وملامح وقورة، وشقراء بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بحاجبين يقارب ~~لونهما البياض، وشعر طويل وكثيف وناعم وكأنه مقتطع من لوح خشبي. بدا وكأنها تأخذ مظهرها ~~الشبابي المائل للنحافة الشديدة على محمل الجد. كان صوتها خفيضا شجيا، ما جعل وقع ~~صوت روز، الذي كانت قد ألقت به التحية عليها قبل لحظات، مفعما بالحيوية والنشاط في أذنيها ~~إلى أقصى حد. # في سلة أسفل السرير، رأت روز قطة ذات لون مبرقع ترضع أربع قطط صغيرة عمياء غاية في ~~الصغر. # قالت المضيفة: «هذه تاشا. يمكننا النظر إلى صغارها ولكن لا نستطيع أن نلمسها، وإلا توقفت ~~عن إطعامها.» # جثت بجوار السلة وهي تدندن، وتتحدث إلى القطة الأم بحب شديد رأته روز مصطنعا. كان الشال ~~الملتف حول كتفها أسود اللون تزينت حوافه بخرز أسود، إلا أن بعض هذا الخرز بدا معوجا ~~والبعض الآخر مفقودا. ms182 ورغم أنه كان وشاحا قديما بحق إلا أنه من نوع أصلي، وليس مجرد ~~وشاح مقلد. وكان رداؤها المترهل المائل قليلا للاصفرار، ذو التطريز المثقب أصليا ~~أيضا، وإن كان من المرجح أنه كان تنورة داخلية في الأصل. كانت مثل هذه الملابس تستغرق ~~وقتا في البحث عنها. # على الجانب الآخر من السرير وجدت مرآة كبيرة معلقة عاليا بشكل يثير الريبة، ~~ومائلة. حاولت روز أن تلقي نظرة على نفسها في المرآة بينما كانت الفتاة منحنية على السلة. ~~فمن الصعب للغاية على امرأة أن تنظر في المرآة في وجود امرأة أخرى في الغرفة، خاصة إن ~~كانت أصغر منها سنا. ارتدت روز رداء قطنيا طويلا مزينا بالورود، ذا صدر به ثنايا ~~وأكمام منتفخة، خصره في غاية القصر ويضيق عند منطقة النهد لدرجة يتعذر معها أن يكون مريحا. ~~كان به لمحة غير مقبولة من التكلف والشبابية. ربما لم تعد بالرشاقة الكافية لارتداء ~~مثل هذا التصميم، كان شعرها البني الضارب إلى الحمرة مصبوغا في المنزل، وسرت الخطوط ~~الرفيعة في كلا الاتجاهين تحت عينيها، مكونة بينها كتلا من الجلد الداكن. # كانت روز قد أدركت في تلك الفترة أنها حين تجد الناس بهذا التكلف والتصنع كتلك ~~الفتاة، وغرفهم مزخرفة بهذا الشكل المتواضع، وأسلوب حياتهم بهذا الحد من الإزعاج (تلك ~~المرآة، اللحاف ذو الغطاء المرقع، الرسومات اليابانية المثيرة للغرائز المعلقة فوق ~~السرير، الموسيقى الأفريقية القادمة من غرفة المعيشة)، فإن ذلك يرجع عادة إلى عدم تلقيها ~~الاهتمام الذي تريده، وخوفها من عدم تلقيه، وعدم اختراقها للحفل، وشعورها بأنها ربما يئول ~~بها المآل للتسكع على الهامش وهي تطلق الأحكام. # شعرت بأنها في حال أفضل في غرفة المعيشة، حيث تواجد بعض الأشخاص ممن تعرفهم من قبل، ~~وبعض الوجوه التي طالتها علامات السن مثلها. تناولت روز شرابها على نحو سريع في البداية، ~~ولم يمر وقت طويل قبل أن تشرع في استخدام الهريرات الوليدة كمدخل لقصتها. كانت تقول إن ~~شيئا رهيبا قد حدث لقطها في ذلك اليوم. # قالت: «والأسوأ من ذلك أنني لم أكن أحب ms183 ذلك القط كثيرا؛ فلم تكن فكرتي أن أمتلك قطا، ~~كانت فكرته هو؛ فقد تبعني إلى المنزل في أحد الأيام وأصر على أن آخذه للداخل. كان ~~كعاطل ضخم ثقيل الحركة لا يصلح للعمل، يصر على إقناعي بأنني أدين له بإعالته. كان مغرما ~~دائما بمجفف الملابس، ويحب القفز بداخله حين يكون دافئا بمجرد أن أخرج منه الملابس. ~~عادة ما يكون لدي حمولة واحدة من الغسيل، ولكن اليوم كان لدي حمولتان، وعندما مددت يدي ~~لأخرج الحمولة الثانية، اعتقدت أنني قد شعرت بشيء غريب. فكرت: ماذا لدي من ملابس بها ~~ذلك الفراء؟» # انقسم الحاضرون بين التأسي والضحك، والتعبير عن فزعهم المحفوف بالشفقة. جالت روز بنظرها ~~بينهم وبدت جذابة، وتحسن شعورها كثيرا. ولم تعد غرفة المعيشة، بمشهد البحيرة الذي ~~تطل عليه، وزخرفها الدقيق (جهاز تشغيل الموسيقى بالعملة، مرايا الحلاق، إعلانات من مطلع ~~القرن - «دخان من أجل حلقك» - أغطية مصابيح حريرية قديمة، أطباق وأباريق ريفية، أقنعة ~~بدائية، منحوتات) لم تعد تبدو على نفس القدر الذي كانت عليه من العدوانية. تناولت كأسا ~~أخرى من الجين، وأدركت أنه لم يتبق كثير من الوقت قبل أن تشعر بالخفة والترحيب كطائر ~~طنان، وصارت على قناعة بأن الكثير من الموجودين في الغرفة ظرفاء، والكثير منهم يتسمون ~~بالعطف والطيبة، والبعض منهم يجمع بين الصفتين. ~~«قلت في نفسي: يا إلهي! كلا. ولكنه حدث. كان هناك قتيل في مجفف الملابس.» # جاء صوت رجل ذي وجه حاد الملامح قليلا يجلس بالقرب منها، كانت على معرفة سطحية به ~~لسنوات، يقول: «تحذير لكل الباحثين عن المتعة.» كان هذا الرجل يدرس في قسم اللغة ~~الإنجليزية بالجامعة، حيث كان مضيف الحفل يعمل بالتدريس، وكانت المضيفة طالبة دراسات ~~عليا. # قالت المضيفة بنظرتها المرهفة الثابتة الباردة: «شيء فظيع.» وبدا الخجل والارتباك قليلا ~~على وجوه من كانوا يضحكون، وكأنهم اعتقدوا أنهم قد يبدون عديمي الرحمة. «قطك! شيء فظيع. ~~كيف استطعت المجيء الليلة؟» # في الواقع إن الحادثة لم تكن قد وقعت اليوم على الإطلاق، بل وقعت في الأسبوع الماضي. ~~تساءلت روز إن كانت ms184 الفتاة قد قصدت أن تضعها في موقف محرج، فقالت بصدق وأسف إنها لم تكن ~~مغرمة كثيرا بالقط، وهو ما جعل الأمر يبدو أكثر سوءا بطريقة ما، وإن هذا ما كانت تحاول ~~توضيحه. ~~«شعرت وكأن الخطأ ربما يكون خطئي. ربما لو كنت أكثر حبا له، لما حدث ذلك.» # قال الرجل الجالس بجوارها: «بالطبع لم يكن ليحدث. كان الدفء هو ما يبحث عنه داخل ~~المجفف، الحب. آه يا روز!» # قال صبي طويل القامة لم تكن روز قد لاحظته من قبل: «لن تستطيعي أن تلعني القط بعد الآن.» ~~بدا وكأنه قد ظهر فجأة أمامها دون أن تلحظ. «اللعنة على الكلب، اللعنة على القط، لا أعرف ~~ماذا أنت فاعلة يا روز!» # كانت روز تبحث عن اسمه في ذهنها، وأدركت أنه قد يكون طالبا لديها، أو طالبا ~~سابقا. # قالت روز: «ديفيد. مرحبا ديفيد.» كانت سعيدة لنجاحها في التوصل لاسمه، لدرجة جعلتها ~~بطيئة في استيعاب ما قاله. # أخذ الصبي يكرر منحنيا عليها: «اللعنة على الكلب، اللعنة على القطة.» # قالت روز: «أستميحك عذرا!» ورسمت على وجهها تعبيرا جمع بين السخرية والتسامح والسحر، ~~ووجد من حولها صعوبة في التواؤم مع ما كان الصبي يقوله مثلما فعلت هي. لم يكن من السهل ~~إيقاف أجواء الألفة والتعاطف وتوقع حسن النية؛ فقد استمرت على الرغم من ظهور دلالات على ~~أن هناك الكثير في هذا المكان لن تستطيع هذه الأجواء احتواءه. كانت الابتسامة ما زالت ~~مرتسمة على وجوه الجميع تقريبا، وكأن الصبي قد ألقى دعابة أو أدى دورا تمثيليا، الأمر ~~الذي سيتم توضيحه حتما خلال لحظات. خفضت المضيفة عينيها وانسلت من وسط الجمع. # قال الصبي بنبرة غاية في الشناعة والقبح: «بل أستميحك أنا عذرا، تبا لك يا روز.» كان ~~فاتح البشرة، تبدو عليه الغلظة وصعوبة التعامل، وثملا إلى حد مميت. ربما يكون قد نشأ في ~~منزل كريم، حيث يتحدث الناس بلطف وأدب عما يريدونه، ويشمت أحدهما الآخر عند ~~العطس. # أمسك رجل قصير القامة قوي البنية ذو شعر أسود مجعد الصبي من ذراعه ms185 من أسفل كتفه ~~بالضبط. # قال له بلهجة شبه أبوية: «ابتعد من هنا.» كان يتحدث لكنة أوروبية مختلطة، تغلب عليها ~~الفرنسية كما اعتقدت روز، على الرغم من أنها لم تكن جيدة للغاية فيما يتعلق باللكنات. فقد ~~كانت تميل للاعتقاد بأن مثل هذه اللكنات تنبع من ذكورية أكثر ثراء وتعقيدا من الذكورية ~~التي توجد في أمريكا الشمالية وفي أماكن مثل هانراتي حيث نشأت. ومثل تلك اللكنة كانت تبشر ~~بذكورية مصطبغة بالمعاناة والرقة والمكر. # ظهر مضيف الحفل مرتديا ما يبدو كأفرول مخملي، وأمسك بالصبي من الذراع الأخرى، بشكل رمزي ~~إلى حد ما، مقبلا وجنة روز في الوقت ذاته؛ إذ كان لم يرها لدى حضورها، وقال لها ~~متمتما: «لا بد أن أتحدث معك.» ما كان معناه أنه يتمنى لو لم يضطر للحديث معها؛ لوجود ~~الكثير من المناطق الشائكة بينهما؛ فكانت هناك الفتاة التي عاش معها على مدار العام ~~المنصرم، من ناحية، وليلة كان قد قضاها مع روز قرب نهاية الفصل الدراسي، كان فيها الكثير من ~~الشرب والتباهي والتحسر على الخيانة والغش من ناحية أخرى، إلى جانب أن ممارسة ممتعة للحب ~~بينهما كانت مهينة إلى حد مستغرب. كان يبدو مهندما وأنيقا للغاية وحساسا، له شعر ~~انسيابي، وبذلته من المخمل الأخضر الداكن الضارب للرمادي. كان يصغر روز بثلاث سنوات فقط، ~~إلا أنه ترك زوجته، وعائلته، ومنزله، ومستقبله المحبط، وأغدق على نفسه بملابس جديدة وأثاث ~~جديد ومجموعة متوالية من العشيقات من الطالبات. بإمكان الرجال أن يفعلوا هذا. # قالت روز وهي تتكئ على الحائط: «يا إلهي، ما كل هذا الذي حدث؟» # قال الرجل الجالس بجانبها الذي كان مبتسما طوال الوقت وينظر داخل كأسه: «آه، إنه شباب ~~عصرنا المرهف، بجمال لغته، وعمق مشاعره! لا بد أن ننحني له احتراما.» # عاد الرجل ذو الشعر الأسود المجعد دون أن ينطق ببنت شفة، ولكنه ناول روز كأسا جديدة من ~~الشراب وأخذ كأسها. # وعاد صاحب الحفل كذلك. ~~«روز حبيبتي، لا أعرف كيف دخل. لقد منعت دخول الطلاب الملاعين. لا بد وأن هناك مكانا ms186 ~~آمنا منهم .» # قالت روز: «لقد كان في أحد فصولي العام الماضي.» كان ذلك حقا هو كل ما استطاعت تذكره ~~عنه، واعتقدت أنهم يظنون أنه لا بد أن الأمر ينطوي على ما هو أكثر من ذلك. # قال الرجل الجالس بجوارها: «أكان يريد أن يصبح ممثلا؟ أراهن أنه كان يريد ذلك. أتتذكرون ~~الأيام الخوالي حين كنا جميعا نرغب في أن نكون محامين ومهندسين ومسئولين تنفيذيين؟ ~~يقولون لي إن هذه الأيام بصدد العودة. أتمنى ذلك. أتمنى ذلك من كل قلبي. روز، أراهن أنك قد ~~استمعت إلى مشاكله. ما كان يجب أن تفعلي ذلك مطلقا، ولكن أراهن أنك قد فعلت.» ~~«أوه، أعتقد ذلك.» ~~«إنهم يأتون بحثا عن بديل لآبائهم. وهذا شيء مبتذل إلى أقصى درجة. إنهم يقتفون أثرك في ~~كل مكان مبالغين في شعورهم نحوك ومضايقتك، ثم يحدث الانفجار. إنه زمن رفض الوالد ~~البديل!» # احتست روز كأس الشراب، واتكأت على الحائط، وسمعتهم يتناولون الفكرة الخاصة بتوقعات الشباب ~~هذه الأيام، وكيف يقتحمون بابك ليخبرونك عن الإجهاض، ومحاولاتهم الانتحار، وأزماتهم مع ~~الإبداع، ومشكلات الوزن. كانوا دائما ما يستخدمون نفس الكلمات: هوية، قيم، رفض. # قال الرجل الحاد قليلا، مسترجعا مواجهة كانت له الغلبة فيها مع واحد من هؤلاء ~~الطلاب: «أنا لا أرفضك أيها التافه السخيف، أنا أسقطك في الامتحان.» ضحكوا جميعا على ما ~~قال، وعلى السيدة الشابة التي قالت: «شتان الفارق حينما كنت بالجامعة! لم تكن لتذكر ~~شيئا عن الإجهاض في مكتب أستاذ جامعي مثلما لم تكن لتقضي حاجتك على الأرضية.» # ضحكت روز أيضا، ولكنها شعرت في قرارة نفسها بأنها محطمة. كان من الأفضل، بشكل ما، لو ~~كان هناك شيء وراء ذلك كما كانوا يظنون؛ لو أنها قد ضاجعت هذا الفتى، لو أنها قد وعدته ~~بشيء، لو أنها خانته، لو أنها أذلته وأهانته. لم تستطع تذكر أي شيء. لقد انشقت عنه الأرض ~~ليكيل لها الاتهامات لا أكثر. لا بد وأنها قد فعلت شيئا ولم تستطع تذكره. لم تكن ~~تستطيع تذكر أي شيء يتعلق بطلابها؛ تلك هي الحقيقة. ms187 لقد كانت تبدي الاهتمام والعناية، ~~وكانت ساحرة، وكلها دفء ومودة وقبول ورضا، وطالما كانت منصتة ونصوح؛ بعدها لم تكن تستطيع ~~تذكر أسمائهم بشكل مباشر، بل لم تكن تستطيع تذكر شيء واحد كانت قد قالته لهم. # لمست امرأة ذراعها قائلة: «أفيقي.» قالتها بنبرة من الألفة والحميمية الماكرة جعلت روز ~~تعتقد أنها لا بد وأنها تعرفها. لعلها طالبة أخرى. ولكنها لم تكن كذلك؛ إذ قدمت السيدة ~~نفسها. # قالت السيدة: «أنا بصدد إجراء بحث عن انتحار النساء. أقصد انتحار الفنانات.» قالت إنها ~~قد شاهدت روز على شاشة التليفزيون وكانت تتوق للحديث معها. وذكرت ديان أربوس، وفيرجينيا ~~وولف، وسيلفيا بلاث، وآن سيكستون، وكريستيان فلوج. كانت على قدر كبير من الثقافة ~~والاطلاع. فكرت روز أنها هي نفسها بدت كمرشحة أولى للانتحار، بما كانت عليه من ~~هزال، وافتقار للحيوية، ووساوس. قالت روز إنها جائعة، ومن ثم تبعتها السيدة إلى ~~المطبخ. # قالت السيدة: «وهناك الكثير والكثير من الممثلات، مثل مارجريت سولافان ...» ~~«أنا مجرد معلمة الآن.» ~~«هراء. أنا واثقة من أنك ممثلة حتى النخاع.» # كانت مضيفة الحفل قد صنعت خبزا؛ أرغفة خبز مغطاة بطبقة لامعة، ومجدولة، ومجملة، ~~وتعجبت روز من العناء والمشقة التي تتجشمه الفتاة في هذا المنزل. الخبز، وفطائر الباتيه، ~~والنباتات المعلقة، والقطط الصغيرة، وكله في سبيل حياة أسرية غير مستقرة ومؤقتة. تمنت - ~~بل غالبا ما كانت تتمنى - لو كان بوسعها أن تتكبد هذا العناء، أن تقيم احتفالات، أن ~~تفرض نفسها، أن تصنع الخبز. # لاحظت روز مجموعة من أعضاء هيئة التدريس بالكلية صغار السن - كانت تعتقد أنهم طلاب، لولا ~~أن مضيف الحفل قد قال إن الطلاب غير مسموح لهم بالدخول - كانوا جالسين على المناضد ويقفون ~~أمام الحوض، يتحدثون بأصوات خفيضة جادة. نظر أحدهم إليها، فابتسمت ولكنه لم يرد بابتسامة ~~مقابلة. نظر إليها اثنان آخران منهم وواصلا الحديث. كانت واثقة من أنهما يتحدثان عنها، ~~وعما حدث في غرفة المعيشة. ألحت روز على السيدة كي تجرب بعض الخبز والباتيه. ربما ~~كان من شأن ذلك أن يثنيها عن الكلام، حتى ms188 يتسنى لروز أن تسترق السمع لما كان يقال. ~~«أنا لا آكل في الحفلات مطلقا.» # كان أسلوب السيدة تجاهها يتجه نحو الغموض والاتهام غير المفهوم. علمت روز أن هذه السيدة ~~زوجة لأحد المسئولين. ربما كانت دعوتها إلى الحفل حركة سياسية، وربما وعدوها بأن ~~يحضروا لها روز؛ فهل كان هذا جزءا من تلك الحركة؟ # قالت السيدة: «هل أنت جائعة هكذا على الدوام؟ ألا تمرضين أبدا؟» # فقالت روز: «أكون جائعة حين يكون هناك شيء طيب كهذا لتناوله.» كانت تلك مجرد محاولة منها ~~لضرب مثال، وبالكاد كانت تستطيع المضغ أو البلع لما كان يعتريها من قلق لسماع ما يقال ~~عنها. قالت: «كلا، غالبا ما لا أمرض.» وكانت مفاجأة لها حين أدركت أن ذلك صحيح بالفعل؛ ~~فقد اعتادت أن تصاب بنزلات البرد والأنفلونزا والشد العضلي ونوبات الصداع، وتلك العلل على ~~وجه التحديد قد اختفت الآن، وخفت حدتها متحولة إلى ما يشبه طنينا خفيضا متواصلا من ~~الاضطراب، والإجهاد، والخوف. ~~«إنها مؤسسة لعينة وغيورة.» # سمعت روز ذلك، أو اعتقدت أنها قد سمعته. كانوا يرمقونها بنظرات سريعة مليئة بالازدراء، أو ~~هكذا اعتقدت؛ فلم يكن بوسعها النظر إليهم بشكل مباشر. «مؤسسة». كانت روز هي المقصودة. أليس ~~كذلك؟ هل كانت روز هي المقصودة؟ هل كانت المقصودة بذلك روز التي قبلت بوظيفة تدريس لأنها لم ~~تكن تحصل على أدوار تمثيلية تكفي كي تعول نفسها، ومنحت وظيفة التدريس تلك بسبب خبرتها على ~~المسرح والتليفزيون، ولكن كان عليها أن تقبل أجرا منخفضا لعدم حصولها على درجات علمية؟ ~~أرادت أن تتجه نحوهم وتخبرهم بذلك. أردات أن تعرض قضيتها. سنوات العمل، الإنهاك، السفر، ~~قاعات المسرح في المدرسة الثانوية، التوتر، الملل، الجهل التام بمصدر دخلك القادم. أرادت ~~أن تدافع عن نفسها بالحجة؛ حتى يغفروا لها ويحبوها ويأخذوها إلى صفهم. لقد كان صفهم ~~هو ما تريده، وليس صف الأشخاص القابعين في غرفة المعيشة الذين تبنوا قضيتها. ولكن كان ذلك ~~اختيارا اتخذته من منطلق الخوف، وليس بناء على مبدأ. لقد كانت تخافهم. كانت تخاف فضيلتهم ~~القاسية المتحجرة، وجوههم ms189 الباردة المزدرية ، أسرارهم، ضحكاتهم، بذاءاتهم. # فكرت في ابنتها آنا. كانت آنا في السابعة عشرة، ذات شعر طويل وناعم، تزين عنقها سلسلة ~~جميلة من الذهب الرقيق. كانت سلسلتها رقيقة إلى حد يجبرك على النظر إليها عن كثب ~~للتأكد من أنها سلسلة، وليست مجرد بريق بشرتها الناعمة اللامعة. لم تكن مثل هؤلاء ~~الشباب، ولكنها كانت بعيدة عنها بنفس الدرجة. كانت تمارس الباليه وتمتطي حصانها كل يوم، ~~ولكنها لم تكن تعتزم امتطاءه في مسابقة أو أن تكون راقصة باليه محترفة. ولم لا؟ ~~«لأن ذلك سيكون سخيفا.» # ثمة شيء في أسلوب آنا، في سلسلتها الرقيقة، في صمتها، جعل روز تتذكر جدتها، والدة ~~باتريك. ولكن آنا قد لا تكون بهذا الصمت، بهذه الحساسية والصعوبة في الإرضاء، بهذا النفور ~~مع أي شخص سوى والدتها. # كان الرجل ذو الشعر الأسود المجعد واقفا في مدخل المطبخ، رامقا إياها بنظرة صفيقة ~~وساخرة. # قالت روز للسيدة التي تكتب البحث عن الانتحار: «أتعرفين من هذا؟ ذلك الرجل الذي أخذ ~~الصبي الثمل بعيدا؟» ~~«هذا سايمون. لا أعتقد أن الصبي كان ثملا، أعتقد أنه مدمن على المخدرات.» ~~«ماذا يعمل؟» ~~«حسنا، أعتقد أنه طالب أو ما شابه.» # قالت روز: «كلا. أقصد هذا الرجل؛ سايمون؟» ~~«أوه، سايمون. إنه مدرس في قسم الدراسات الكلاسيكية. لا أعتقد أنه كان يعمل دائما ~~بالتدريس طوال حياته.» # قالت روز: «شأني.» ووجهت الابتسامة التي حاولت أن تبتسمها لمجموعة الشباب إلى سايمون. ~~وبقدر ما كانت ضجرة وتائهة وحمقاء، فقد شرعت في الشعور بوخزات مألوفة ووعود جامحة: # إذا ابتسم، سوف تبدأ الأمور في السير على ما يرام. # لقد ابتسم بالفعل، وراحت سيدة بحث الانتحار تتحدث بنبرة حادة: ~~«اسمعي، هل تأتين إلى أي حفل فقط لتقابلي الرجال؟» # حين كان سايمون في الرابعة عشرة، اختبأ وشقيقته الكبرى وصبي آخر كان ~~صديقا لهما، في شاحنة بضائع بأحد القطارات للانتقال من فرنسا المحتلة إلى فرنسا غير ~~المحتلة. كانوا في طريقهم إلى ليون، حيث كان أعضاء إحدى المنظمات التي تعمل على إنقاذ ~~الأطفال اليهود سيتولون رعايتهم وتوجيههم إلى ms190 أماكن جديدة آمنة. كان سايمون وشقيقته قد تم ~~ترحيلهما بالفعل خارج بولندا، مع بداية الحرب، للإقامة مع أقارب لهما فرنسيين، والآن صار ~~لزاما أن يتم إبعادهما مرة أخرى. # توقفت الشاحنة، ووقف القطار ساكنا لا يتحرك، وكان ذلك ليلا في مكان ما في الريف. ~~كان بإمكانهم سماع أصوات تتحدث الفرنسية والألمانية. ثمة بعض الهرج في القاطرات الأمامية. ~~وسمعوا الأبواب تفتح بقوة، وسمعوا وشعروا بوقع أحذية طويلة تدب على أرضيات تلك القاطرات ~~الجرداء. إنها حملة تفتيش على القطار. فاستلقوا أسفل بعض الأجولة، ولكنهم لم يحاولوا حتى ~~تغطية وجوههم؛ فقد اعتقدوا أنه لا أمل. كانت الأصوات تقترب أكثر فأكثر، وسمعوا وقع الأحذية ~~الطويلة على الحصى المجاور للقضبان، ثم بدأ القطار يتحرك مجددا. تحرك ببطء شديد لدرجة ~~أنهم لم يلاحظوا أنه تحرك للحظة أو نحو ذلك، وحتى عندما لاحظوا، اعتقدوا أنه مجرد تحويلة ~~للقاطرات، بل توقعوا أن يتوقف، حتى يمكن مواصلة التفتيش، ولكن القطار واصل سيره، وتحرك ~~أسرع قليلا، ثم ازدادت سرعته، حتى وصل إلى سرعته المعتادة وهو ما لم يكن بالشيء الجيد ~~تماما. كانوا يتحركون، وتخلصوا من التفتيش، حتى تم نقلهم بعيدا، ولم ير سايمون ما ~~حدث؛ لقد ولى الخطر. # قال سايمون إنه عندما أدرك أنهم في أمان، شعر فجأة أنهم قد اجتازوا مرحلة الخطر، وأن ما ~~من شيء يمكن أن يحدث لهم الآن، وأنهم محظوظون ومنعمون، وأخذ ما حدث على أنه علامة من ~~علامات حسن الحظ. # سألته روز إذا كان قد رأى صديقه وشقيقته مرة أخرى. ~~«كلا. لم أرهما مطلقا بعد أن جاوزنا ليون.» ~~«إذن فقد كانت علامة حسن حظ لك أنت فقط.» # ضحك سايمون. كانا في الفراش، فراش روز في منزل قديم على أطراف قرية في مفترق طرق؛ حيث ~~اتجها إلى هناك مباشرة من الحفل. كان ذلك في شهر أبريل، وكانت الرياح باردة، وكان منزل ~~روز شديد البرودة. لم تكن المدفأة كافية، فوضع سايمون إحدى يديه على ورق الحائط خلف الفراش، ~~وجعلها تشعر بتيار الهواء البارد. ~~«إنه يحتاج إلى عزل حراري.» ms191 ~~«أعرف. إن الأمر بشع. لا بد أن ترى فواتير وقودي.» # قال سايمون إنها يجب أن تشتري مدفأة تعمل بالخشب، وأخبرها عن أنواع عديدة من الحطب، وقال ~~إن خشب القيقب من أنواع الخشب الرائعة للحرق، وانطلق يسرد العديد من أنواع العزل الحراري: ~~الستيروفوم، والميكافيل، والفايبرجلاس. ثم نهض من الفراش وراح يتجول عاريا، ممعنا النظر ~~في جدران المنزل، بينما كانت روز تصيح وراءه. ~~«تذكرت الآن. لقد كانت منحة.» ~~«ماذا؟ لا أسمعك.» # فقامت من الفراش ولفت نفسها في دثار، وقالت وهي واقفة أعلى السلم: «لقد جاءني ذلك ~~الصبي باستمارة طلب منحة. كان يريد أن يصبح كاتبا مسرحيا. الآن فقط تذكرت.» # قال سايمون: «أي صبي؟ آه.» ~~«ولكنني زكيته. أنا متأكدة.» الحقيقة أنها كانت تزكي الجميع، فإذا لم تستطع أن ترى ~~مميزاتهم، ظنت أن الأمر هو مجرد مسألة أنهم يمتلكون مميزات لم تستطع رؤيتها. ~~«لا بد أنه لم يحصل عليها؛ لذا اعتقد أني قد استبعدته.» # قال سايمون وهو ينظر إلى القبو بتفحص: «حسنا، على فرض أنك قد فعلت. إنه حقك.» ~~«أعلم. ولكنني أخشى ذلك كثيرا؛ فأنا أكره رفضهم. إنهم في غاية الطهر والاستقامة.» # قال سايمون: «إنهم أبعد ما يكونون عن ذلك. سوف أرتدي حذائي وألقي نظرة على مدفأتك. في ~~الغالب تحتاجين لتنظيف المرشحات. هذا هو أسلوبهم فحسب. ليس هناك ما يدعو للخوف منهم، فهم ~~مجرد أشخاص حمقى شأنهم شأن أي شخص آخر. إنهم يريدون بعض السلطة والنفوذ. وهذا شيء ~~طبيعي.» ~~«ولكن أيمكن أن تكون حاقدا إلى هذا الحد؟» واضطرت روز للتوقف وبدأت الكلمة من جديد: «أن ~~تكون بهذا «الحقد» بسبب الطموح فحسب؟» # قال سايمون صاعدا السلم: «وهل هناك شيء آخر؟» ثم أمسك بالبطانية ولف نفسه بها معها، ~~وداعب أنفها بأنفه. «يكفي هذا يا روز. ألا تستحين؟ أنا شخص مسكين جاء ليتفحص مدفأتك؛ ~~مدفأة قبوك. آسف لاحتكاكي بك بهذا الشكل يا سيدتي.» كانت تعرف بعضا من شخصياته بالفعل؛ كان ~~في هذه اللحظة يتقمص شخصية العامل المتواضع، وكان من ضمن شخصياته الأخرى شخصية الفيلسوف ~~العجوز الذي ينحني ms192 لها على الطريقة اليابانية، عندما يخرج من المرحاض متمتما: «تذكر ~~الموتى، تذكر الموتى.» وعندما يكون الوقت ملائما، يتقمص شخصية «الشهواني المجنون»، فيهمز ~~بأنفه ويثب عليها، ويطبع قبلات بتمطق على بطنها تنم عن البهجة والانتصار. # اشترت من المتجر الواقع في مفترق الطرق قهوة حقيقية بدلا من القهوة السريعة، وكريمة ~~حقيقية، ولحما مقددا، وبروكلي مجمدا، وقطعة كبيرة من الجبن المحلي، ولحم كابوريا معلبا، ~~وأفضل طماطم متوافرة لديهم، وأرزا طويل الحبة، وسجائر أيضا. كانت في تلك الحالة من ~~السعادة التي تبدو طبيعية تماما ولا يوجد ما يهددها. ولو سئلت عن سبب ذلك، لقالت بسبب ~~الطقس - فقد كان اليوم مشرقا على الرغم من الرياح العاصفة - وبسبب سايمون أيضا. # قالت السيدة التي تدير المتجر: «لا بد أنك قد أحضرت رفيقا بالمنزل.» لم تكن تتحدث بأي ~~نبرة دهشة أو خبث أو استنكار، كان ذلك على سبيل الحسد الودي اللطيف. # قالت روز بينما تضع المزيد من البقالة على النضد: «جاءني دون سابق إنذار. يا لهم من ضيوف ~~مزعجين! ناهيك عن التكاليف. انظري إلى ذلك اللحم المقدد، وتلك الكريمة أيضا.» # قالت السيدة: «أستطيع تحمل ذلك إلى حد ما.» ~~••• # أعد سايمون عشاء رائعا بالموارد المتاحة، فيما لم تفعل روز شيئا سوى المشاهدة، ~~وتغيير ملاءات السرير. # قالت: «لقد تغيرت الحياة الريفية، أو لعلني قد نسيت. لقد جئت إلى هنا ببعض الأفكار ~~عن الكيفية التي سأحيا بها حياتي هنا. ظننت أنني سأذهب في جولات تريض طويلة على الطرق ~~الريفية المهجورة. وفي أول مرة خرجت فيها للتمشية، سمعت سيارة مسرعة قادمة من ورائي على ~~الطريق المفترش بالحصى، وابتعدت سريعا وكنت محظوظة للغاية أن لم يصبني مكروه. بعدها ~~سمعت صوت طلقات نارية ملأني رعبا؛ فاختبأت بين الشجيرات وجاءت سيارة تعوي بنفيرها وتترنح ~~يمينا ويسارا على طول الطريق، وكانوا يطلقون الرصاص من النوافذ. فعدت عبر الحقول، ~~وأخبرت السيدة التي في المتجر أننا يجب أن نبلغ الشرطة، فقالت إن الصبية في العطلات ~~الأسبوعية يحضرون حقيبة من الجعة في السيارة ويخرجون لإطلاق الرصاص على جرذان الأرض. ms193 بعدها ~~قالت لي: ماذا كنت تفعلين على هذا الطريق على أية حال؟ استطعت أن أدرك أنها ترى الخروج ~~للتمشية بمفردك شيئا أكثر إثارة للشبهات من صيد الجرذان. وهناك الكثير من الأشياء على ذلك ~~النحو. لا أعتقد أنني سأبقى، ولكن عملي هنا والإيجار رخيص. لا أقصد أن تلك السيدة التي في ~~المتجر ليست لطيفة. إنها تقرأ الطالع بأوراق اللعب وفناجين الشاي.» # قال سايمون إنه أرسل من ليون للعمل في إحدى المزارع في جبال بروفينس. كان الناس هناك ~~يعيشون ويعملون بالزراعة بشكل يشبه للغاية من كانوا يعيشون في العصور الوسطى؛ فلم يكونوا ~~يجيدون القراءة أو الكتابة أو التحدث بالفرنسية. وعندما يمرضون، كانوا إما ينتظرون الموت ~~أو الشفاء، ولم يذهب أحد منهم إلى الطبيب قط، على الرغم من أن هناك طبيبا بيطريا يأتي ~~مرة في السنة لفحص الماشية. ذات مرة دخلت مذراة قمح في قدم سايمون، وتلوث الجرح ~~وأصيب بحمى، وواجه صعوبة جمة في إقناعهم بالإرسال في طلب الطبيب البيطري الذي كان في ذلك ~~الحين في القرية المجاورة، وأخيرا فعلوا وجاء البيطري وأعطى سايمون حقنة خيول كبيرة ~~وتحسنت حالته. وحار أفراد المنزل وأعجبهم رؤية مثل هذه الإجراءات تتخذ على صعيد ~~الحياة الإنسانية. # قال إنه بينما كان يتعافى قام بتعليمهم لعب الورق، وتعلمت الأم والأطفال؛ بينما كان الأب ~~والجد بطيئي التعلم للغاية، ولم يكن لديهما الاستعداد، فيما ظلت الجدة حبيسة قفص في ~~الحظيرة يتم إطعامها بقايا الطعام مرتين يوميا. ~~«أهذا صحيح؟ هل هذا ممكن؟» # كانا في مرحلة تبادل الأشياء فيما بينهم مثل المتع، والقصص، والدعابات، ~~والاعترافات. # قال سايمون: «إنها حياة الريف! ولكن الوضع هنا ليس بهذا السوء. هذا المنزل يمكن أن يصبح ~~مكانا مريحا للغاية؛ إذ لا بد أن يكون لديك حديقة.» ~~«كانت هذه من الأفكار الأخرى التي واتتني، وحاولت بالفعل أن يكون لدي حديقة، ولكن ~~شيئا لم يجد. كنت أتطلع لزراعة الملفوف، اعتقدت أنه جميل، ولكن أصابته إحدى ~~الديدان، والتهمت الأوراق إلى أن أصبحت مثل النسيج المخرم، ثم اصفرت جميعها وسقطت على ~~الأرض.» ms194 ~~«الملفوف من النباتات التي يصعب زراعتها. يجب أن تبدئي بشيء أسهل.» غادر سايمون الطاولة ~~واتجه صوب النافذة. «أشيري لي على المكان الذي كانت به حديقتك.» ~~«بطول السور. ذلك هو المكان الذي كانت به قبل ذلك.» ~~«هذا مكان سيئ، فهي قريبة للغاية من شجر الجوز. وأشجار الجوز لها تأثير سيئ على ~~التربة.» ~~«لم أكن أعلم هذا.» ~~«حسنا، هذا صحيح. عليك أن تجعليها أقرب للمنزل. سوف أبدأ غدا في حفر حديقة من أجلك، ~~سوف تحتاجين للكثير من السماد. إن روث الأغنام هو أفضل المخصبات الآن. أتعرفين أحدا هنا ~~لديه أغنام؟ سوف نحصل على عدة أجولة من روث الأغنام، ونرسم خطة لتحديد النباتات التي ~~سنزرعها، وإن كان ذلك لا يزال مبكرا للغاية؛ إذ قد لا يزال هناك صقيع. يمكنك أن تبدئي ~~ببعض الأشياء من داخل المنزل، ذات بذور. لتبدئي بالطماطم.» # قالت روز: «ظننت أنك ربما تكون مضطرا للمغادرة غدا في حافلة الصباح.» فقد جاءا ~~بسيارتها. ~~«يوم الاثنين يوم خفيف. سوف أتصل وألغي ما لدي من أعمال، وأخبر الفتيات في المكتب أن ~~يقولوا إنني مصاب بالتهاب الحلق.» ~~«التهاب الحلق؟» ~~«شيء من هذا القبيل.» # قالت روز بنبرة صادقة: «من الجيد أنك هنا، وإلا لقضيت وقتي في التفكير في ذلك الفتى. ~~كنت سأحاول ألا أفكر فيه، ولكن كان سيظل يخطر ببالي في لحظات عدم انشغالي. كنت لأصبح ~~في حالة من المهانة.» ~~«ذلك شيء تافه للغاية ليصيبك بحالة من المهانة.» ~~«هذا ما أراه أيضا، ولكني أتأثر بأقل الأشياء.» # قال سايمون: «تعلمي ألا تكوني بهذه الحساسية.» كان يتحدث وكأنه يحاول تولي ~~مسئوليتها إلى جانب مسئولية المنزل والحديقة، ثم أردف قائلا: «الفجل، الخس الورقي، البصل، ~~البطاطا. أتحبين البطاطا؟» # وضعا معا خطة للحديقة قبل أن يرحل، وقام بحفر التربة وإعدادها لها، على الرغم من ~~اضطراره للاكتفاء بروث الأبقار. اضطرت روز للذهاب إلى العمل يوم الاثنين، ولكنها ظلت تفكر ~~فيه طوال اليوم. رأته وهو يحفر في الحديقة، رأته وهو يتفحص القبو عاريا، رجلا قصير ~~القامة بدينا كثيف الشعر ودودا، ذا وجه ms195 أجعد كوجه الممثلين الكوميديين. كانت تعلم ما ~~سيقول حين تعود إلى المنزل، كان سيقول: «أتمنى أن ينال عملي رضاك يا سيدتي.» ويجذب خصلة من ~~شعرها. # وكان هذا هو ما فعله بالفعل، وكانت في غاية السعادة، حتى إنها صاحت تقول: «أوه سايمون، ~~أيها الوغد، أنت رجل حياتي!» غمرتها تلك اللحظات بشعور الحظوة وغطتها بنور كشعاع الشمس، ~~لدرجة جعلتها لا تفكر أنه قد لا يكون من الحكمة أن تقول شيئا كهذا. ~~••• # مع انتصاف الأسبوع ذهبت إلى المتجر، لا لشراء أي شيء، ولكن لتقرأ طالعها. نظرت السيدة في ~~فنجانها وقالت: «أوه يا إلهي! لقد قابلت الرجل الذي سيغير كل شيء.» ~~«أجل، أظن هذا.» ~~«سوف يغير حياتك. أوه، يا إلهي! لن تبقي هنا. إنني أرى شهرة، أرى ماء.» ~~«لا أعرف شيئا عن هذا. أعتقد أنه يرغب في تركيب نظام عزل لمنزلي.» ~~«لقد بدأ هذا التغيير بالفعل.» ~~«أجل، أعلم أنه قد بدأ. أجل.» ~~••• # لم تستطع أن تتذكر ما قالتاه بشأن حضور سايمون مرة أخرى، كانت تعتقد أنه قادم في العطلة ~~الأسبوعية. كانت تتوقع حضوره، ومن ثم خرجت واشترت البقالة، ليس من المتجر المحلي هذه ~~المرة، ولكن من سوبر ماركت على بعد عدة أميال، وتمنت ألا تراها سيدة المتجر وهي تحمل ~~حقائب البقالة متجهة إلى المنزل. كانت تريد خضراوات وشرائح لحم طازجة وكرزا أسود مستوردا، ~~وجبن كامومبير ودراقا. كما اشترت نبيذا، ومفرشين للسرير تكسوهما أطواق أنيقة من الورد ~~الأزرق والأصفر، اعتقدت أن وركيها الشاحبين سوف يظهران بشكل واضح عليهما. # وفي يوم الجمعة ليلا وضعت المفرشين على السرير، والكرز في إناء أزرق. كان النبيذ باردا، ~~والجبن يلين. وفي حوالي التاسعة مساء جاء صوت الطرق العالي، ذلك الطرق الدعابي المتوقع ~~على الباب. كانت مندهشة لأنها لم تسمع صوت سيارته. # قالت سيدة المتجر: «شعرت بالوحدة؛ لذا فكرت أن أقوم بزيارتك و... أوه! إنك بانتظار ~~رفيقك.» # قالت روز: «ليس بالضبط.» كان قلبها قد بدأ يخفق في فرح حين سمعت صوت الطرق، وكان لا يزال ~~يدق وكأن صوت دقاته مسموع. وأردفت ms196 قائلة: «لا أعلم متى يصل هنا. ربما غدا.» ~~«تبا للأمطار.» # بدا صوت السيدة ودودا وصادقا، وكأن روز كانت بحاجة إلى إلهاء أو مواساة. # قالت روز: «أتمنى فقط ألا يكون الآن قائدا للسيارة في هذا الطقس.» ~~«بكل تأكيد لا ترغبين في ذلك.» # مررت السيدة أصابعها عبر شعرها الرمادي القصير نافضة عنه قطرات المطر، وأدركت روز ~~أنها ينبغي أن تقدم لها شيئا. ربما كأس من الشراب؟ ربما يجعلها ثملة وثرثارة، وقد ترغب ~~في أن تبقى وتجهز على الزجاجة. ها هي شخصية تحدثت إليها روز من قبل عدة مرات، صديقة ~~نوعا ما، شخصية كانت ستدعي أنها تحبها، وبالكاد يمكن أن تتعب نفسها في التعبير عن تقديرها ~~لها. لم يكن الموقف ليتغير في تلك اللحظة مع أي شخص بخلاف سايمون؛ فقد كان أي شخص آخر ~~سيبدو مزعجا ودخيلا. # كان بوسع روز أن ترى ما هو قادم. كانت كل مباهج الحياة وتعازيها ومظاهر اللهو فيها ~~ستطوى وتطرح جانبا؛ وما تجده من متعة في الطعام، وزهور الليلك، والموسيقى، وصوت الرعد ~~في الليل كل ذلك سيزول. ما من شيء ليجدي سوى أحضان سايمون، ما من شيء ليجدي سوى الاستسلام ~~للتشنجات والوخزات. # استقرت على أن تقدم لها الشاي؛ فقد اعتقدت أنها ربما تستغل ذلك الوقت في جولة جديدة من ~~قراءة طالعها. # قالت السيدة: «ليس واضحا.» ~~«أي شيء تقصدين؟» ~~«لا أستطيع الرؤية بوضوح الليلة. كلا، للأمانة لست قادرة على رصده.» ~~«لا تستطيعين رصده؟» ~~«أعني في مستقبلك. أنا متعبة للغاية.» # ظنت روز أنها تقول ذلك من منطلق الحقد والغيرة. ~~«حسنا، أنا لست مهتمة به على أي حال.» ~~«ربما استطعت أن أفيدك أكثر لو كان لديك شيء يخصه، فقط دعيني أحصل على أي شيء وضع يده ~~عليه، ألديك مثل هذا الشيء؟» # قالت روز: «أنا.» قالتها بتأنف رديء لم تملك العرافة أمامه شيئا سوى الضحك. ~~«كلا، أنا جادة.» ~~«لا أعتقد هذا. فأنا أتخلص من أعقاب سجائره.» ~~••• # بعد انصراف السيدة، جلست روز تنتظر، وسرعان ما انتصف الليل. كان المطر ينهمر بغزارة. وفي ~~المرة ms197 التالية التي نظرت فيها إلى الساعة، كانت قد أصبحت الثانية إلا عشرين دقيقة. كيف يمكن ~~لوقت شاغر كهذا أن يمر بهذه السرعة؟ أطفأت الأنوار لأنها لم تكن تريد أن يرصدها أحد وهي ~~مستيقظة في هذا الوقت. خلعت ملابسها، ولكنها لم تستطع الاستلقاء على المفارش الجديدة، فجلست ~~في المطبخ في الظلام. ومن آن لآخر كانت تعد لنفسها كوبا من الشاي. اخترق الغرفة بعض الضوء ~~القادم من مصباح الشارع القائم على الناصية، فقد تم تركيب مصابيح بخار زئبق جديدة مبهرة. ~~كان بإمكانها أن ترى ذلك الضوء، وجزءا بسيطا من المتجر، ودرجات سلم الكنيسة عبر الطريق. ~~لم تعد الكنيسة تخدم الطائفة البروتستانتية الحكيمة والمبجلة التي قامت ببنائها، ولكنها ~~أعلنت نفسها «هيكلا للناصرة»، وكذلك «مركزا للقداسة». كانت الأمور أكثر انحرافا هنا مما ~~لاحظت روز من قبل. لم يكن هناك مزارعون متقاعدون يعيشون في هذه المنازل، بل لم يكن هناك ~~مزارع للتقاعد عن العمل بها، هناك فقط الحقول الفقيرة المغطاة بأشجار العرعر. كان الناس ~~يعملون في المصانع على بعد ثلاثين أو أربعين ميلا، أو في مستشفى المقاطعة للأمراض ~~النفسية، أو كانوا لا يعملون من الأساس، كانوا يعيشون حياة غامضة على أطراف الإجرام أو ~~حياة من الجنون المنظم في ظل مركز القداسة. كانت حياة الناس بالتأكيد أكثر قنوطا مما ~~اعتادت أن تكون عليه، وماذا يمكن أن يكون أكثر قنوطا من امرأة في عمر روز تسهر طوال الليل ~~في مطبخها المظلم في انتظار حبيبها؟ كان هذا موقفا صنعته روز بيديها، كانت هي من صنعته ~~كاملا بنفسها، وكأنها لم تتعلم أي درس على الإطلاق. لقد حولت سايمون إلى الشماعة التي ~~علقت عليها آمالها، ولم تكن تستطيع الآن أن تعيده مرة أخرى إلى نفسه. # ظنت أن الخطأ كان في شراء النبيذ، والمفارش، والجبن، والكرز؛ فقد جلبت عليها تلك ~~الاستعدادات كارثة، ولم تدرك ذلك حتى فتحت الباب وتحول اضطراب قلبها من ابتهاج إلى هلع، ~~مثل صوت برج مليء بالأجراس تحول بشكل كوميدي (ولكن ليس بالنسبة لروز) إلى نفير ضباب ~~يملؤه ms198 الصدأ. # ظلت روز ساعة بعد ساعة وسط الظلام والمطر تتنبأ بما يمكن أن يكون قد حدث، واستطاعت أن ~~تنتظر على مدار العطلة الأسبوعية، تؤازر نفسها بالأعذار ويعييها الشك، ولا تغادر المنزل ~~قط خشية أن يدق جرس الهاتف. عندما عادت إلى العمل يوم الاثنين، في حالة من الإعياء، ~~ولكنها ما زالت ملتزمة إلى حد قليل بعالم الواقع، استجمعت شجاعتها لتكتب له خطابا، وتركته ~~في قسم الدراسات الكلاسيكية ليسلموه إياه. ~~«كنت أفكر أننا قد يمكننا أن نزرع الحديقة في العطلة الأسبوعية القادمة. لقد اشتريت ~~مجموعة كبيرة من البذور (كانت تلك كذبة، ولكنها كانت ستشتريها إذا وصلها منه رد). أبلغني ~~حال قدومك، ولكن لا تقلق إذا وضعت خططا أخرى.» # عندئذ سيراودها القلق؛ ألم يكن وقع ذكر الخطط الأخرى فظا بشكل مبالغ؟ ألن يكون عدم ~~إضافتها إلحاحا مفرطا؟ كانت ثقتها بنفسها، ورقة قلبها ستتسربان منها، ولكنها ستحاول ~~ادعاءهما. ~~«إذا كان الجو بالخارج مطيرا للعمل في الحديقة، يمكننا دائما الخروج في نزهة بالسيارة. ~~وربما استطعنا صيد بعض الجرذان الأرضية. مع أطيب أمنياتي. روز.» # بعد ذلك مزيد من وقت الانتظار، ستكون العطلة الأسبوعية بالنسبة لها مجرد اختبار تجريبي ~~عارض، أو مقدمة عشوائية للطقوس الجادة العادية البائسة، ستضع يديها داخل صندوق البريد وتسحب ~~البريد منه دون النظر إليه، وترفض مغادرة الكلية حتى الخامسة، وتضع وسادة عند الهاتف للتأكد ~~من رؤيتها له؛ متصنعة اللامبالاة. كان تفكيرها لا يبرح هذا الأمر، ولكن من يراقب طويلا لا ~~يجد نتيجة. كانت تسهر طوال الليل تعاقر الشراب دون أن تعييها هذه الحماقة بما يكفي للتخلي ~~عنها؛ لأن الانتظار كان سيتخلله أحلام اليقظة التي تمنيها، تلك الحجج المقنعة المتعلقة ~~بنواياه. كانت هذه الأحلام تصل لنقطة ما تكفي لتجعلها تقرر أنه لا بد وأنه كان مريضا، ~~ولم يكن ليهجرها هكذا لسبب آخر سوى ذلك. تتخيل أنها تتصل بمستشفى كينجستون للسؤال عن صحته ~~ليخبروها أنه ليس مريضا لديهم، ربما بعدها يأتي اليوم الذي تدخل فيه مكتبة الكلية لتلتقط ~~نسخا سابقة من صحف كينجستون لتبحث وسط ms199 إعلانات النعي لتعرف ما إذا كان قد توفي بأي ~~شكل من الأشكال. بعدها، وفي استسلام تام، وشعور بالبرد والارتعاد، تتصل به في الجامعة، ~~فتقول الفتاة التي تعمل بمكتبه إنه قد رحل. ربما رحل إلى أوروبا، أو إلى كاليفورنيا؛ فقد ~~كان يدرس هناك لفصل دراسي واحد فقط. ربما يكون قد ذهب في رحلة تخييم، أو ذهب لكي ~~يتزوج. # أو قد تقول: «دقيقة واحدة من فضلك.» وتحول روز إليه بشكل غير متوقع. ~~«أجل؟» ~~«سايمون؟» ~~«أجل.» ~~«إنه أنا ... روز.» ~~«روز؟» # إنه أسوأ ما يمكن أن تتوقعه، بل قد يكون هناك أسوأ من ذلك. # قد يقول: «كنت أنتوي الاتصال بك.» أو «روز، كيف حالك؟» أو حتى «كيف حال تلك ~~الحديقة؟» # إذا كان كذلك فمن الأفضل أن تخسره الآن، ولكنها عندما اقتربت من الهاتف، راحت تضع يدها ~~عليه، ربما لترى ما إذا كان لا زال يعمل، أو ربما لحضه على الرنين. # قبل ظهور أول خيط من خيوط صباح الاثنين، جمعت كل ما اعتقدت أنها ستحتاج إليه في صندوق ~~السيارة، وأغلقت المنزل، بينما كان جبن كامومبير ما زال يسيل كفيض من الدموع على منضدة ~~المطبخ، وانطلقت بالسيارة في اتجاه الغرب. كانت تعتزم الغياب ليومين حتى تستعيد صوابها ~~وتستطيع مواجهة المفارش الجديدة وقطعة الأرض التي تم تجهيزها لزراعة الحديقة، والمكان ~~خلف السرير حيث وضعت يدها لتحسس تيار الهواء. (لماذا أحضرت حذاءها الطويل ومعطفها ~~الشتوي، إذا كان هذا هو الحال؟) وكتبت خطابا إلى الكلية - إذ كان بإمكانها إجادة الكذب في ~~الخطابات، على الرغم من أنها لا تجيد ذلك عبر الهاتف - قالت فيه إنها قد استدعيت للسفر ~~إلى تورونتو لأن صديقة لها كانت في مرضها الأخير. (ربما لم تجد الكذب هذه المرة على أية ~~حال، وربما قد بالغت.) كانت مستيقظة طوال العطلة الأسبوعية تقريبا تعاقر الشراب، ليس بشكل ~~مفرط، ولكن على نحو متواصل. وبينما كانت تضع أمتعتها في السيارة، قالت لنفسها بصوت عال ~~وبنبرة جادة وتوكيدية للغاية: «لن أتناول المزيد منه مجددا.» جلست بانحناء في مقعد ~~السيارة الأمامي تكتب ms200 الخطاب الذي كان يمكنها أن تكتبه في وضع أكثر ارتياحا في المنزل، ~~وفكرت في كم الخطابات المجنونة التي كتبتها، وكم الأعذار المبالغ فيها التي أوجدتها، في ~~اضطرارها لترك مكان ما، أو خوفها من ترك مكان ما، بسبب رجل ما. لم يكن أحد يعرف مدى ~~حماقتها، حتى الأصدقاء الذين عرفوها على مدى عشرين عاما لم يعرفوا نصف الرحلات الجوية التي ~~سافرت على متنها، ولا الأموال التي أنفقتها، ولا المخاطر التي خاضتها. # فكرت قليلا فيما بعد في موقفها؛ فها هي ذي تقود سيارة، مغلقة ماسحات الزجاج ~~الأمامي مع انحسار الأمطار أخيرا في صباح يوم اثنين في العاشرة، وتتوقف من أجل تزويد ~~السيارة بالوقود، ثم تتوقف ثانية لصرف حوالة مالية بعد أن فتحت البنوك أبوابها؛ كانت صامدة ~~ومرحة، وتذكرت ما يجب أن تفعله، من ذا الذي سيخمن ماهية الشهوات المخزية، أو ذكريات ~~الشهوات، أو التنبؤات التي تتضارب في عقلها؟ لقد كان أكثر هذه الأشياء الشهوانية المخزية ~~على الإطلاق هو ببساطة الأمل، الذي يختبئ بشكل خادع للغاية في البداية، ويخفي نفسه بدهاء ~~ومكر، ولكن ليس لفترة طويلة؛ ففي غضون أسبوع يمكن أن تجده وقد خرج يصدح ويغرد ويتغنى ~~بترانيم على باب السماء، بل إنه منشغل الآن بإخبارها بأن سايمون قد يكون في هذه اللحظة يعرج ~~إلى ممر السيارات الخاص بمنزلها، وقد يكون واقفا أمام باب منزلها عاقدا يديه معا، يتوسل ~~ويتهكم ويعتذر، مرددا عبارته «تذكر الموتى». # حتى لو كان ذلك صحيحا، ما الذي سيحدث يوما ما، في صباح أحد الأيام؟ في صباح أحد الأيام ~~يمكن أن تستيقظ وتدرك من أنفاسه أنه كان مستيقظا بجوارها دون أن يلمسها، وأن من المفترض ~~بها ألا تلمسه؛ فالكثير من لمسات الأنثى تحمل مطالب (هذا ما كانت ستتعلمه، أو ~~تعلمته مرة أخرى منه)، ورقة النساء نهمة، وشهوانيتهن خادعة. كانت ستستلقي هناك ~~متمنية لو كان لديها عيب واضح، أو شيء يمكن لشعورها بالخزي أن يتقوقع حوله ويحميه. وعلى ~~هذا الأساس، كانت ستضطر أن تشعر بالخزي من حقيقة جسدها برمته، تلك ms201 الحقيقة الممددة العارية ~~المخزية، وتتحمل عبأها. قد يبدو جسدها كالكارثة؛ فهو مسامي وسميك وباهت وتملؤه البقع. أما ~~جسده، فلن يكون محل جدل، لن يكون أبدا؛ فهو من سيكون صاحب الحق في الاستنكار والصفح، وكيف ~~لها أن تعرف إذا كان سيصفح عنها مجددا؟ فبإمكانه أن يقول لها «تعالي إلى هنا»، أو ~~«ابتعدي». فمنذ أن تركت باتريك وهي لم تكن بالإنسان الحر، ذلك الإنسان الذي يمتلك تلك القوة ~~التي ربما تكون قد استنزفتها بالكامل، استنزفت كل ما كان يواتيها منها. # أو ربما تسمعه يقول في إحدى الحفلات: «وحينها علمت أنني سأكون على ما يرام، وعلمت أنها ~~علامة على حسن الطالع.» راويا قصته لفتاة عاهرة بلا قيمة، ترتدي رداء حريريا بنقوش جلد ~~النمر، أو - ما هو أسوأ - لفتاة رقيقة ذات شعر طويل في ثوب فضفاض مطرز، ستقوده من يديه، ~~عاجلا أو آجلا، عبر باب مؤد لغرفة أو منظر طبيعي حيث لا تستطيع روز أن تتبعهما. # أجل، ولكن أليس من الممكن ألا يحدث أي من هذا، وألا يكون هناك شيء سوى العطف، وروث ~~الأغنام، وليالي الربيع الهادئة وسط غناء الضفادع؟ قد يعني عدم مجيئه في أول عطلة أسبوعية ~~لهما، وعدم اتصاله بها، مجرد حدوث تغير في جدول أعماله، وليس هناك أي نذير سوء على الإطلاق. ~~وعلى أثر تفكيرها على هذا النحو، كانت تبطئ كل عشرين ميلا أو نحو ذلك، بل وكانت تبحث عن ~~مكان لتستدير وتعود مرة أخرى. بعدها تعزف عن ذلك وتسرع خطاها، وهي تفكر أنها ستقود لمسافة ~~أبعد قليلا للتأكد من صفاء ذهنها، لتنهال عليها مجددا خيالاتها عن نفسها وهي جالسة في ~~المطبخ، وصور الفقدان والخسارة. وظلت هكذا تقطع الطريق ما بين الرغبة في العودة والمضي ~~قدما، وكأن مؤخرة السيارة معلقة بقوة مغناطيسية تتراجع وتقوى، وتتراجع وتقوى، ثم تتراجع ~~وتقوى مرة أخرى، إلا أن تلك القوة لم تكن كافية قط لتجعلها تستدير، وبعد فترة سيطر عليها ~~الفضول بشكل غير شخصي، وصارت تراها كقوة مادية حقيقية وتتساءل ما إذا كانت تزداد ضعفا ~~بالتدريج ms202 بينما تقود السيارة، وما إذا كانت عند نقطة ما على مسافة بعيدة سوف تتحرر هي ~~والسيارة من قبضة تلك القوة، وسوف تدرك اللحظة التي ستغادر فيها مجالها. # ومن ثم استمرت في القيادة. مرت بموسكوكا، وليكهيد، وحدود مانيتوبا. في بعض الأحيان ~~كانت تنام في السيارة، فكانت تتوقف على جانب الطريق لساعة أو نحو ذلك. كان الطقس في ~~مانيتوبا باردا ولم تستطع أن تنام في السيارة، فحجزت في أحد الفنادق الصغيرة، وكانت تتناول ~~طعامها في المطاعم الواقعة على جانب الطريق. وكانت قبل أن تدخل أي مطعم، تمشط شعرها ~~وتزين وجهها وترسم عليه تلك النظرة الشاردة الحالمة القليلة التمييز التي ترسمها النساء ~~حين يعتقدون أن رجلا ما قد يراقبهن. كان من المبالغة بمكان أن تقول إنها تتوقع أن يكون ~~سايمون هناك بالفعل، ولكن كان يبدو أنها لم تستبعد وجوده بشكل تام. # وبالفعل وهنت تلك القوة مع بعد المسافة. كان الأمر بتلك البساطة، على الرغم من أن ~~المسافة يمكن اجتيازها بسيارة، أو بحافلة، أو بدراجة، مثلما فكرت بعد ذلك؛ فلم يكن يمكن ~~الحصول على نفس النتائج من خلال الطيران. وفي بلدة تغطيها المراعي على مسافة قريبة من ~~سايبرس هيلز، أدركت التغيير. ظلت تقود السيارة طوال الليل إلى أن بزغت الشمس من ورائها ~~وشعرت بالهدوء وصفاء الذهن مثلما يحدث لك في تلك الأوقات. دخلت إلى أحد المقاهي وطلبت قهوة ~~وبيضا مقليا، وجلست على النضد تنظر إلى الأشياء المألوفة التي توجد خلف نضد المقاهي؛ ~~أباريق القهوة، وقطع الليمون اللامعة والفاسدة على الأرجح، وفطائر التوت، والأطباق الزجاجية ~~السميكة التي يضعون فيها الآيس كريم أو الجيلي، وكانت تلك الأطباق هي ما أخبرها بشأن تغير ~~حالتها. لم تكن تستطيع أن تقول إنها حسنة الشكل، أو أنيقة، من دون تشويه للحقيقة. كل ما ~~استطاعت قوله إنها قد رأتها بطريقة لم يكن لشخص في أي مرحلة من مراحل الحب أن يراها بها؛ ~~فقد استشعرت صلابتها بامتنان ينم عن تعافيها، استقر ثقله في عقلها وقدميها بارتياح، ~~وحينها أدركت أنها قد دخلت إلى ms203 هذا المقهى دون أدنى فكرة بعيدة الاحتمال عن سايمون، ومن ~~ثم بدا العالم وقد توقف عن أن يكون مرحلة قد تقابله فيها، وعاد ليكون نفسه. وخلال ~~نصف الساعة شديدة الصفاء تلك - قبل أن يجعلها إفطارها في حالة من النعاس الشديد، حتى إنها ~~قد اضطرت للذهاب إلى أحد الفنادق الصغيرة، حيث خلدت إلى النوم بملابسها والستائر مفتوحة ~~أمام ضوء الشمس - كانت تفكر كيف أن الحب يغير لك العالم، ففي اللحظة التي تتأكد فيها ~~من أن كل شيء على ما يرام، يمضي هو دون أن تشعر، بنفس القدر تماما، في طريق التدهور. لم ~~يكن من المفترض أن يشكل ذلك مفاجأة بالنسبة لها، ولم يكن كذلك بالفعل؛ لقد كانت المفاجأة ~~أنها كانت في أشد الرغبة والحاجة إلى أن يكون كل شيء موجودا من أجلها، وأن يكون سميكا ~~وبسيطا مثل أطباق الآيس كريم، حتى يبدو لها أنها كما تفر من خيبة الأمل، والخسائر ~~والانفصال، فهي تفر أيضا من أضدادها بنفس القدر تماما؛ الاحتفاء بالحب وصدمته، ذلك ~~التغيير المذهل الذي طرأ. حتى لو كان ذلك آمنا، لم يكن بوسعها أن تتقبله؛ ففي كلتا ~~الحالتين، يسلب منك شيء؛ نابض اتزان خاص، نواة صغيرة جافة من الاستقامة. هكذا كانت ~~تعتقد. # كتبت للكلية تخبرهم بأنها حال وجودها في تورونتو لرعاية صديقتها وهي على فراش الموت، ~~التقت مصادفة بأحد معارفها القدامى وعرض عليها وظيفة في الساحل الغربي، وأنها ستنتقل ~~إلى هناك على الفور. كانت تعتقد أنهم قد يسببون لها مشكلة، ولكنها افترضت أيضا - وكان ~~افتراضا في محله - أنهم لن يشغلوا أنفسهم بذلك، لما كانت شروط تعاقدها، لا سيما فيما ~~يتعلق بالراتب، غير قانونية إلى حد كبير. وكتبت إلى الوكالة التي استأجرت منها المنزل، ~~وكتبت لسيدة المتجر تودعها وتتمنى لها حظا سعيدا. وعلى طريق هوب برينستون السريع، ~~ترجلت من السيارة ووقفت تحت أمطار الجبال الساحلية الباردة. راودها شعور نسبي بالأمان، ~~والإرهاق، والسلامة العقلية، على الرغم من أنها كانت تعلم أنها قد تركت وراءها بعض الأشخاص ~~لم يكونوا ليوافقوا على ذلك. ms204 # كان الحظ حليفها؛ ففي فانكوفر التقت برجل تعرفه كان بصدد اختيار ممثلين لمسلسل تليفزيوني ~~جديد. كان مقررا أن يتم التصوير على الساحل الغربي، وكان يدور حول عائلة، أو من ~~يتظاهرون بأنهم عائلة، مكونة من أفراد غريبي الأطوار ودائمي التجول، يستخدمون منزلا ~~قديما على جزيرة سولت سبرينج كمنزل أو مقر رئيسي لهم. حصلت روز على دور السيدة صاحبة ~~المنزل، أو شبه الأم. تماما مثلما قالت في خطابها؛ وظيفة في الساحل الغربي، وربما تكون ~~أفضل وظيفة حصلت عليها على الإطلاق. استلزم دورها استخدام بعض تقنيات المكياج الخاص على ~~وجهها لإظهارها مسنة، كان الماكيير يمازحها بقوله إنه إذا نجح المسلسل واستمر عرضه لبضع ~~سنوات، لن يكون هناك ضرورة لاستخدام المكياج. # ثمة كلمة كان الجميع على الساحل يستخدمونها هي كلمة «ضعف»؛ فكانوا يتحدثون عن شعورهم ~~بالضعف اليوم، وأنهم في حالة من الضعف. وكانت روز تقول: ليس أنا، فأنا يراودني شعور مميز ~~بأنني مخلوقة من جلد الخيل القديم. فقد كانت الرياح والشمس في المراعي الخضراء قد أكسبت ~~بشرتها لونا بنيا وخشونة، وكانت تصفع عنقها المجعد البني لتأكيد كلمة «جلد الخيل»، ~~وكانت قد بدأت بالفعل في تبني بعض تعابير وتصرفات الشخصية التي كانت تلعبها. ~~••• # بعد عام أو نحو ذلك كانت روز تقف على ظهر أحد القوارب النهرية التابعة لشركة كولومبيا ~~البريطانية، مرتدية كنزة رثة افتقرت إلى اللون ووشاح رأس. كان عليها أن تتسلل وسط ~~قوارب النجاة وتراقب فتاة جميلة صغيرة متجمدة من البرد ترتدي بنطلونا قصيرا من الجينز ~~وصدرية نسائية. وفقا للسيناريو، كانت السيدة التي تلعب روز دورها تخشى أن تكون هذه الفتاة ~~تنوي القفز من القارب لأنها كانت حبلى. # أثناء تصوير هذا المشهد، تجمع عدد ضخم من الناس، وعندما توقف التصوير للاستراحة ~~واتجهوا نحو الجزء المسقوف من القارب لارتداء معاطفهم وتناول القهوة، مدت سيدة وسط ~~الحشد المتجمهر يدها ملامسة ذراع روز. # قالت السيدة: «لن تتذكريني.» وفي الواقع لم تتذكرها روز بالفعل، فشرعت تلك السيدة في ~~التحدث عن كينجستون، والزوجين اللذين أقاما الحفل، وعن موت قط ms205 روز. تذكرتها روز؛ ~~فهي السيدة التي كانت تعد الورقة البحثية عن الانتحار، ولكنها بدت مختلفة تماما؛ فكانت ~~ترتدي حلة باهظة الثمن بلون البيج، يلف شعرها وشاح باللونين الأبيض والبيج؛ لم تعد تبدو ~~مبهرجة ونحيلة وفظة وثائرة. قدمت لها رجلا باعتباره زوجها، والذي زمجر في وجه روز وكأنه ~~يقول لها لو كانت توقعت أن يحدث جلبة كبيرة بشأنها، لفكرت مرة أخرى بشأن مجيئها. ~~انصرف الرجل، وقالت السيدة: «مسكين سايمون. تعلمين أنه قد توفي.» # أرادت السيدة أن تعرف ما إذا كانوا سيصورون أية مشاهد أخرى، وكانت روز تعلم السبب وراء ~~سؤالها؛ لقد كانت تريد الدخول في خلفية هذه المشاهد أو حتى أمام الكاميرا حتى تتصل ~~بأصدقائها وتخبرهم بأن يشاهدوها. ولو أنها اتصلت بالأشخاص الذين كانوا في ذلك الحفل، لقالت ~~إنها كانت تعلم أن المسلسل في غاية التفاهة، ولكنهم أقنعوها بالظهور في أحد المشاهد من أجل ~~متعة الظهور في حد ذاتها. ~~«توفي؟» # خلعت السيدة وشاحها، وطيرت الرياح شعرها أمام وجهها. # قالت: «كان مصابا بسرطان البنكرياس.» ثم استدارت لتواجه الرياح حتى يتسنى لها ارتداء ~~الوشاح مرة أخرى بشكل أفضل. بدا صوتها لروز يفوح دهاء ومكرا وهي تقول: «لا أعلم مدى ~~معرفتك به.» هل كان ذلك من أجل دفع روز للتساؤل عن مدى معرفتها به. ربما كان ذلك الدهاء من ~~أجل طلب المساعدة، وكذلك لقياس الانتصارات، ربما كان يمكنك أن تشعر بالأسف لها، ولكن لا ~~يمكنك أن تثق بها مطلقا. كان ذلك هو ما كانت روز تفكر فيه، بدلا من التفكير فيما ~~أخبرتها به. قالت السيدة بنبرة تحولت الآن إلى الجدية، بينما كانت تزم ذقنها عاقدة ~~وشاحها: «أمر محزن. كان مصابا به لفترة طويلة.» # كان أحدهم ينادي على روز، فاضطرت للعودة إلى المشهد. لم تلق الفتاة بنفسها في البحر. ~~فلم يكن لديهم أشياء كهذه في المسلسل. كانت هذه الأشياء دائما ما تمثل تهديدا فحسب، ~~ولكنها لم تكن تحدث، إلا بين الحين والآخر ولشخصيات ثانوية وغير جذابة. كان المشاهدون ~~يثقون بأنهم سيكونون في مأمن من الكوارث ms206 المتوقعة، وكذلك من التحولات في التركيز والتي ~~تجعل حبكة القصة عرضة للتساؤل، تلك الاضطرابات التي تتطلب أحكاما وحلولا جديدة، وتفتح ~~النوافذ على مشاهد غير لائقة لا تنسى. # أحدثت وفاة سايمون لروز صدمة مثل ذلك النوع من الاضطرابات. كان من المحال ومن الظلم ~~أن تهمل تلك المعلومة، وأن تكون روز حتى هذه اللحظة المتأخرة قد ظنت نفسها الشخص ~~الوحيد الذي افتقد القوة بشكل خطير. # | التهجية # في المتجر، في الأيام الخوالي، اعتادت فلو أن تقول إنها تستطيع أن تحدد عندما تكون إحدى ~~النساء على وشك الانحراف. كانت العلامات الأولى على ذلك ارتداء قبعات للرأس أو أحذية مميزة، ~~ثم تأتي الأحذية المطاطية المفتوحة في الصيف. كن يختلن بالأحذية المطاطية الطويلة، أو أحذية ~~العمل الطويلة التي يرتديها الرجال. قد يقولون إن ذلك بسبب مسمار القدم، ولكن فلو كانت تعرف ~~الحقيقة. لقد كان هذا متعمدا، كان هناك مقصد من ورائها. بعد ذلك قد تأتي القبعة القديمة ~~المصنوعة من اللباد، ومعطف المطر الممزق الذي يرتدينه في جميع الأجواء، والبنطال المرفوع ~~حتى الخصر بواسطة خيط مجدول، والأوشحة الباهتة الممزقة، وطبقات من الكنزات المنسولة. # غالبا ما تكون الأمهات والبنات على نفس الشاكلة. فدائما ما كانت تلك الخصال بهن، موجات ~~من الجنون، دائمة التصاعد، لا يمكن مقاومتها كالضحكات العالية، وتنبع من موضع عميق بداخلهن ~~تنال منهن تدريجيا. # اعتادت النساء المجيء وسرد قصصهن على فلو، وكانت فلو تجاريهن وتتصنع التصديق، فتجدها ~~تقول: «حقا؟ أليس ذلك مخزيا؟» ~~«لقد ضاعت مبشرة الخضراوات خاصتي وأنا أعرف من أخذها.» ~~«هناك رجل يأتي وينظر إلي حين أخلع ملابسي ليلا. أغلق الستارة فينظر عبر الشق.» ~~«لقد سرقت كومتان من البطاطا الجديدة، وبرطمان من ثمار الدراق الكاملة، وبعض بيضات البط ~~اللذيذة.» # اقتيدت إحدى هؤلاء النساء أخيرا إلى إحدى دور المسنين. كان أول ما فعلوه بها، على حد قول ~~فلو، أن أعطوها حماما، بعد ذلك قاموا بقص شعرها، الذي كان قد نما حتى صار أشبه بكومة من ~~القش. كانوا يتوقعون أن يجدوا فيه أي شيء، طائرا نافقا أو ms207 ربما عشا من جماجم الفئران ~~الصغيرة. وبالفعل وجدوا أغلفة ثمار خشنة، ونحلة لا بد أنها قد وقعت في الشرك وظلت تطن حتى ~~الموت. وحين اقتطعوا منه جزءا كافيا وجدوا قبعة من القماش، كانت قد تعفنت على رأسها وظل ~~الشعر ينمو حتى اخترقها مثلما تخترق الحشائش الأسلاك الشائكة. ~~••• # اعتادت فلو أن تبقي المائدة منصوبة من أجل الوجبة التالية لتوفير العناء. كان المفرش ~~البلاستيكي لزجا، وكان حد الطبق وصحن الفنجان واضحين عليه كوضوح حدود الصور على جدار يغطيه ~~الشحم. كانت الثلاجة مليئة بفضلات الطعام الصلب، والفتات الداكنة، وبقايا الطعام العفنة. ~~مضت روز تنظف، وتتخلص من القمامة، وتنظف الصحون بالماء الساخن. كانت فلو تأتي بين الحين ~~والآخر بخطى متثاقلة على عكازيها. قد تتجاهل وجود روز كلية، وقد تميل إبريق شراب القيقب نحو ~~فمها وتشربه مثلما تشرب النبيذ. أصبحت الآن تحب الأشياء الحلوة إلى حد الاشتهاء؛ فكانت ~~تزدرد حفنا من السكر البني بالمعلقة، وشراب القيقب، والبودنج المعلب، والجيلي، وكتلا من ~~الأشياء ذات المذاق الحلو. وكانت قد أقلعت عن التدخين، ربما خوفا من الحرائق. # قالت ذات مرة: «ماذا تفعلين هنا خلف النضد؟ اطلبي مني ما تريدين، وسوف أحضره لك.» ظنا ~~منها أن المطبخ هو المتجر. # قالت روز بصوت عال وبطيء: «أنا روز، نحن في المطبخ. أنا أنظف المطبخ.» # كان الترتيب القديم للمطبخ غامضا، وذا طابع شخصي وغريب الأطوار؛ فكانت هناك مقلاة كبيرة ~~في الفرن، ومقلاة متوسطة تحت وعاء البطاطا على الرف الجانبي، ومقلاة صغيرة معلقة على ~~المسمار بجوار الحوض، وكان هناك مصفاة أسفل الحوض، إلى جانب مناشف للصحون، وقصاصات جرائد، ~~ومقص، وعلب قصديرية لفطائر المافن معلقة على مسامير متعددة. وكانت هناك أكوام من الفواتير ~~والخطابات على ماكينة الحياكة، وعلى رف الهاتف. ربما تعتقد أن أحدهم قد وضعها هناك منذ يوم ~~أو يومين، ولكنها كانت هناك منذ سنوات. وجدت روز صدفة بعض الخطابات التي كانت قد كتبتها ~~بنفسها بأسلوب متكلف ومتسرع. كانت الخطابات بمثابة رسل زائفين، صلات زائفة، تربطها بفترة ~~ضائعة من حياتها. # قالت فلو: «لقد ms208 رحلت روز .» كانت قد اكتسبت الآن عادة مط شفتها السفلية إلى الأمام حين ~~تكون تعيسة أو حائرة. «تزوجت روز.» # في صباح اليوم التالي استيقظت روز لتجد أن المطبخ قد انقلب رأسا على عقب، وكأن أحدهم قد ~~استخدم ملعقة لتقليبه؛ فوجدت المقلاة الكبيرة وقد استقرت خلف الثلاجة، ومغرفة البيض وسط ~~المناشف، وسكين الخبز في صندوق تخزين الدقيق، ومقلاة التحميص محشورة بين المواسير أسفل ~~الحوض. أعدت روز العصيدة لإفطار فلو، وسألتها فلو: «أنت السيدة التي أرسلوها لكي تعتني ~~بي؟» ~~«أجل.» ~~«ألست من هذه البلدة؟» ~~«كلا.» ~~«ليس لدي مال لأدفع لك. هم من أرسلوك، فليدفعوا لك.» # نثرت فلو السكر البني على عصيدتها حتى أصبحت العصيدة مغطاة تماما، ثم راحت تسوي طبقة ~~السكر برفق بملعقتها. # بعد الإفطار راحت فلو تمحص لوح التقطيع الذي كانت روز تستخدمه أثناء تقطيع الخبز لإعداد ~~الخبز المحمص لنفسها. قالت فلو بلهجة استبدادية متغطرسة: «ما الذي يفعله هذا الشيء هنا ~~ويعترض طريقنا هكذا؟» ثم التقطته وسارت - مثلما يمكن لأي شخص يسير على عكازين أن ينزل - ~~لتخبئه في مكان ما، في مقعد البيانو أو أسفل السلالم الخلفية. ~~••• # منذ سنوات، كان لدى فلو شرفة جانبية مغطاة بالزجاج بنيت كملحق للمنزل. من هناك كان ~~يمكنها مشاهدة الطريق مثلما اعتادت مشاهدته من خلف نضد المتجر (كانت واجهة المتجر الآن ~~مغطاة بألواح خشبية، وطليت اللافتات الإعلانية القديمة). لم يعد الطريق هو الطريق الرئيسي ~~الممتد من خارج هانراتي مارا عبر هانراتي الغربية ليصل إلى البحيرة؛ فقد كان هناك طريق ~~سريع جانبي. وكان ممهدا الآن، وبه بالوعات تصريف جديدة وواسعة وأعمدة إنارة جديدة تعمل ~~ببخار الزئبق. اختفى الجسر القديم وحل محله جسر جديد واسع وأقل لفتا للنظر بكثير من ~~سابقه. كان الاختلاف ما بين هانراتي إلى هانراتي الغربية لا يكاد يكون ملحوظا. أعادت ~~هانراتي الغربية تزيين نفسها بالطلاء وألواح من الألومنيوم لجدران المباني الخارجية، وكان ~~منزل فلو هو المنظر القميء الوحيد المتبقي. # بم احتفظت فلو من أشياء لتنظر إليها في شرفتها الصغيرة، حيث ظلت تجلس لسنوات، وقد ms209 تصلبت ~~شرايينها ومفاصلها؟ # تقويم يحمل صورة جرو صغير وهريرة، وجهان يتجه أحدهما نحو الآخر بحيث تتلامس الأنفان، ~~والمسافة التي بين الجسدين تتخذ شكل قلب. # صورة فوتوغرافية بالألوان للأميرة آن وهي طفلة. # مزهرية بلو ماونتن فخارية، كانت قد حصلت عليها كهدية من براين وفيبي، وضع بها ثلاث ~~زهرات زرقاء بلاستيكية، وقد غطت الأتربة التي خلفتها عدة فصول موسمية كلا من المزهرية ~~والأزهار. # ست صدفات من ساحل المحيط الهادي أرسلتها روز إلى المنزل ولكنها لم تجمعها بنفسها، كما ~~كانت فلو تعتقد، أو كانت تعتقد يوما ما، بل كانت قد اشترتها من واشنطن بشكل اندفاعي بعد أن ~~وجدتها في حقيبة بلاستيكية بجوار مكتب الصراف في أحد المطاعم السياحية. # لفافة ورقية مقطوعة كتب عليها «الرب راعي» منثور عليها اللماع، وكانت هدية مجانية من ~~موزع ألبان. # صور فوتوغرافية من جريدة لسبعة توابيت الواحد تلو الآخر، اثنان كبيران، وخمسة صغيرة. كانت ~~لوالدين وأطفالهما، قتلوا جميعا على يد الأب في منتصف الليل في منزل بمزرعة في الريف ~~لأسباب لم يعلمها أحد. لم يكن من السهل العثور على ذلك المنزل، ولكن فلو شاهدته. كان ~~الجيران قد اصطحبوها إلى هناك في نزهة بالسيارة في أحد أيام الآحاد، حينما كانت تستخدم ~~عكازا واحدا فقط. واضطروا للسؤال عن الاتجاهات في إحدى محطات الوقود عبر الطريق السريع، ~~ومرة أخرى في متجر يقع في مفترق طرق. وقد قيل لهم إنه سبق أن سأل كثيرون نفس هذه الأسئلة، ~~وكانوا على نفس القدر من الإصرار، غير أن فلو قد اضطرت للاعتراف بأنه لم يكن هناك الكثير ~~لمشاهدته؛ إذ كان منزلا كأي منزل آخر، ذا مدخنة ونوافذ وأسقف مكسوة بالألواح الخشبية وباب. ~~وكان هناك شيء ربما منشفة أطباق أو حفاض لم يرغب أحد في التقاطه، وترك ليتعفن على حبل ~~الغسيل. # لم تعد روز لرؤية فلو لما يقرب من عامين، حيث كانت منشغلة بالسفر مع الشركات الصغيرة، ~~وتحصل على تمويل من خلال المنح، لعرض مسرحيات أو مشاهد من مسرحيات، أو لتقرأ مقتطفات من كتب ~~في مدرجات المدارس ms210 الثانوية وقاعات الاحتفالات الاجتماعية، عبر جميع أنحاء البلاد. وكان ~~جزءا من عملها إجراء الحوارات في التليفزيون المحلي عن هذه الأعمال، كمحاولة لجذب ~~الاهتمام نحوها، وسرد حكايات طريفة مسلية عن الأشياء التي وقعت خلال الرحلة. لم يكن هناك أي ~~شيء مخز في كل هذا، إلا أن روز في بعض الأحيان كانت تشعر بخزي وخجل عميقين لا مبرر لهما، ~~لكنها لم تكن تدع ارتباكها يظهر للعيان، فحين كانت تتحدث أمام العامة، كانت تنضح صراحة ~~وسحرا؛ كان لها طريقة محيرة وخجولة لبدء حكاياتها الطريفة، وكأنها قد تذكرتها الآن فقط ولم ~~تسردها مائة مرة من قبل. وعندما كانت تعود لغرفتها في الفندق، غالبا ما كانت ترتجف وتئن، ~~وكأن نوبة من الحمى قد ألمت بها. كانت تعزو ذلك إلى الإرهاق، أو لقرب بلوغها سن اليأس. لم ~~يكن بإمكانها تذكر أي من الأشخاص الذين قابلتهم، والأشخاص الساحرين المثيرين الذين كانوا ~~يدعونها للعشاء، والذين كانت تخبرهم بأشياء حميمة عن نفسها وسط أقداح الشراب في عدة ~~مدن. # كان الإهمال في منزل فلو قد وصل إلى مستوى مزعج منذ آخر مرة رأته روز. كانت الغرف تعج ~~ببقايا الخرق والأوراق والقاذورات. يكفيك أن تجذب إحدى الستائر للسماح بدخول بعض الضوء ~~حتى تتمزق إلى نصفين في يدك، أو أن تهز ستارة حتى تتحول إلى خرق، مطلقة غبارا خانقا، أو ~~أن تضع يدك داخل أحد الأدراج فتغرق في شيء ناعم وداكن وقذر. ~~«لا نحب كتابة الأنباء السيئة، ولكن يبدو أنها قد تجاوزت المرحلة التي يمكنها فيها ~~الاعتناء بنفسها. نحن نحاول زيارتها بشكل سريع للاطمئنان عليها، ولكننا لم نعد صغارا، لذا ~~يبدو أن الوقت ربما قد حان.» # كان نص هذا الخطاب يتكرر إلى حد ما ويرسل إلى روز وأخيها غير الشقيق براين الذي كان يعمل ~~مهندسا ويعيش في تورونتو. كانت روز عائدة للتو من جولتها. كانت تعتقد أن براين وزوجته فيبي ~~- اللذين كانت نادرا ما تراهما - على اتصال دائم بفلو، فقد كانت فلو في النهاية والدة ~~براين، وزوجة والد روز. واتضح أنهما كانا ms211 على اتصال بها، أو هكذا كانوا يظنون. فقد ذهب ~~براين مؤخرا إلى أمريكا الجنوبية، ولكن فيبي كانت تتصل بفلو هاتفيا ليلة كل أحد. لم يكن ~~لدى فلو الكثير لتقوله، ولم تكن تتحدث إلى فيبي على أية حال؛ كانت تقول إنها على ما يرام، ~~كل شيء على ما يرام، وإنها قد ورد إليها بعض المعلومات عن حالة الطقس. كانت روز تلاحظ فلو ~~وهي تتحدث عبر الهاتف، منذ قدومها إلى المنزل، ورأت كيف أن فيبي ربما تكون قد خدعت. كانت ~~فلو تتحدث بشكل طبيعي، فكانت تقول مرحبا، أنا بخير، كانت عاصفة عنيفة تلك التي هبت علينا ~~الليلة الماضية، نعم، انقطعت الكهرباء هنا لساعات. لو لم تعش في الحي، ما كنت لتدرك أنه لم ~~يكن هناك أية عواصف. # لم تكن روز قد نسيت فلو كليا على مدى العامين الماضيين، فقد كانت تواتيها نوبات قلق ~~إزاءها، كل ما في الأمر أن هذه النوبات قد تزايدت في الفترة الأخيرة. في إحدى المرات واتتها ~~النوبة في منتصف عاصفة في شهر يناير، ما جعلها تقود السيارة لمسافة مائتي ميل وسط العواصف ~~الثلجية، متخطية السيارات التي أجبرت على التوقف بسبب العواصف، وحين توقفت أخيرا في ~~الشارع الذي تقطن فيه فلو، وتمكنت أخيرا من الوطء بقدميها على الممشى الذي لم تتمكن فلو من ~~كسح ما به من ثلوج، ملأها شعور بالارتياح إزاء نفسها وشعور آخر بالقلق إزاء فلو، حالة عامة ~~من اضطراب المشاعر جمعت بين القلق والسعادة في ذات الوقت. فتحت فلو الباب وأطلقت صيحة ~~تحذير. ~~«لا يمكنك أن تتوقفي بالسيارة هناك!» ~~«ماذا؟» ~~«لا يمكنك أن تتوقفي هناك!» # قالت فلو إن هناك قانونا محليا جديدا؛ يمنع التوقف بالسيارات في الشوارع خلال شهور ~~الشتاء. ~~«سوف تضطرين لكسح الثلج عن مكان ما لتوقفي فيه السيارة.» # بالطبع انفجرت روز غضبا. ~~«إذا تفوهت بكلمة أخرى الآن، فسوف أستقل السيارة وأعود من حيث جئت.» ~~«حسنا، لا يمكنك التوقف بالسيارة ...» ~~«ولا كلمة أخرى!» ~~«لم تقفين هنا وتجادلين والبرد يعصف بالمنزل؟» # فدخلت روز إلى المنزل. # كانت ms212 تلك واحدة من القصص التي روتها عن فلو، وقد تحملت فيها جيدا؛ إرهاقها وشعورها ~~بالفضيلة؛ صياح فلو وتلويحها بعكازها، ورفضها العنيف لأن تكون هدف إنقاذ لأي شخص. ~~••• # بعد أن قرأت الخطاب، اتصلت روز بفيبي، التي طلبت منها أن تأتي لتناول العشاء، حتى يمكنهما ~~التحدث معا. كانت روز عازمة على التصرف بشكل جيد، فقد تولدت لديها فكرة أن براين وفيبي ~~لديهما شعور مستمر بالرفض والاستنكار نحوها. كانت تعتقد أنهما يستنكران نجاحها، على الرغم ~~من أنه قد يكون محدودا، ومقلقلا، ومحليا، وأنهما يرفضانها أكثر حين تفشل. وكانت تعلم ~~أيضا أن من غير المحتمل أنها كانت سترد ببالهما كثيرا، أو أنهما يشعران بأي شيء على نحو ~~مؤكد. # ارتدت روز تنورة بلا أي نقوش وبلوزة قديمة، إلا أنها غيرت رأيها في اللحظة الأخيرة ~~وبدلت ملابسها لترتدي ثوبا طويلا مصنوعا من القطن الرفيع ذي اللونين الأحمر والذهبي ~~والوارد من الهند، الأمر الذي سيوجد مبررا لقولهما إن روز دائما ما كانت متكلفة. # ومع ذلك فقد حزمت أمرها، كما كانت عادة ما تفعل، على أن تتحدث بصوت خفيض، وأن تلتزم ~~بالحقائق، ولا تدخل في أية مجادلات عقيمة وسخيفة مع براين. وكالمعتاد بدا وكأن معظم ما ~~برأسها من صواب ورشد قد طار بمجرد أن وطئت منزلهما بقدميها، ولمست ما في حياتهما من روتين ~~هادئ، وشعرت بتدفق الرضا، أو بالأحرى الرضا عن الذات، ذلك الرضا الذاتي المبرر بشكل رائع ~~وتام، وكأنه كان يشع من الأواني والمفروشات. كانت متوترة حين سألتها فيبي عن رحلتها، وكانت ~~فيبي متوترة قليلا أيضا من جلوس براين صامتا؛ لم يكن عابسا بالمعنى الدقيق للكلمة، ~~ولكنه كان يشير إلى أن تفاهة الموضوع أمر لا يسره. فقد قال براين في حضور روز أكثر من مرة ~~إنه لا يجد نفعا للأشخاص الذين يعملون في مجالها، ولكنه في الواقع لم يكن يجد نفعا لعدد ~~كبير من الناس، ما بين ممثلين، وفنانين، وصحافيين، وأثرياء (تلك الفئة التي لم يكن ليعترف ~~أبدا بكونه أحد المنتمين إليها)، وجميع أعضاء هيئة التدريس بكليات ms213 الآداب بالجامعات . طبقات ~~وفئات كاملة كانت بلا نفع في نظره. كان هؤلاء متهمين في نظره بالعقلية المرتبكة، والسلوك ~~المبهرج الزائف، والكلام غير الدقيق، والكثير من السفاهات والتجاوزات. لم تكن روز تعرف إن ~~كان يقول الحقيقة، أم أن هذا شيء اضطر لقوله أمامها. كان يلقي طعم الازدراء خفيض الصوت، ~~لتلتقطه هي، فتنشب بينهما مشاجرات، وتترك منزله والدموع تملأ عينيها. كانت روز تشعر بالرغم ~~من كل هذا أن كليهما يحب الآخر، ولكنهما لم يستطيعا قط التوقف عن المنافسة القديمة بينهما: ~~عمن يكون الأفضل منهما، من الذي اختار العمل الأفضل؟ عم كانا يبحثان؟ ربما يبحثان عن وجهة ~~النظر الجيدة لكليهما عن الآخر، التي ربما كان كل منهما ينوي منحها كاملة للآخر ولكن لم ~~يفعل بعد. كانت فيبي امرأة تتميز بالهدوء والطاعة النابعة من الإحساس بالواجب، وكان لديها ~~موهبة رائعة في تهدئة الأمور (في تناقض شديد مع موهبة عائلة روز في تضخيم الأمور وإشعالها)، ~~وكانت تقدم الطعام وتصب القهوة وهي تنظر إليهما نظرة حيرة مهذبة؛ ربما كان التنافس بينهما، ~~وحساسيتهما، وشعورهما بالجرح والإساءة، يبدو غريبا عليها مثل التصرفات الهزلية الغريبة ~~لشخصيات القصص الكرتونية الفكاهية التي تضع أصابعها في مقابس النور. # قالت فيبي: «لطالما تمنيت لو أن فلو استطاعت العودة لزيارتنا مرة أخرى.» كانت فلو قد جاءت ~~مرة واحدة، وطلبت إعادتها إلى منزلها بعد ثلاثة أيام. ولكن بعد ذلك بدت تلك الزيارة سارة ~~بالنسبة لها، كي تجلس وتعدد الأشياء التي يمتلكها براين وفيبي، وملامح منزلهما. كان براين ~~وفيبي يعيشان حياة خالية من البهرجة والصخب إلى حد بعيد في دون ميلز، وكانت الأشياء التي ~~ركزت عليها فلو - مثل أجراس الباب، وأبواب المرأب الأوتوماتيكية، وحمام السباحة - ضمن ~~المقتنيات العادية المعتادة في الضواحي. وقد أخبرتها روز بمجموعة من الأشياء، ما دفع فلو ~~للاعتقاد أن روز تشعر بالغيرة. ~~«لم تكوني لترفضيها لو عرضت عليك.» ~~«نعم لم أكن لأفعل.» # كان ذلك صحيحا، كانت روز تعتقد أنه صحيح، ولكن كيف كان يمكنها أن تشرح ذلك لفلو أو أي ~~شخص في هانراتي؟ ms214 لو أنك مكثت في هانراتي ولم تصبح من الأثرياء، فلا بأس في ذلك؛ لأنك تعيش ~~حياتك كما كان مقدرا لك، ولكنك إذا رحلت عنها ولم تحقق الثراء، أو لم تظل ثريا مثل روز، ~~فما الجدوى إذن؟ # بعد العشاء جلست روز وبراين وفيبي في الفناء الخلفي بجوار حمام السباحة، حيث كانت صغرى ~~بنات براين وفيبي الأربع تمتطي عوامة على شكل تنين. كان كل شيء يسير في جو من الود حتى تلك ~~اللحظة. وتقرر أن تذهب روز إلى هانراتي وأن تعد الترتيبات اللازمة لإلحاق فلو بدار واواناش ~~العامة للمسنين. كان براين، أو بالأحرى سكرتيرته، قد استعلم عنها بالفعل، وقال إنه يبدو ~~أنها ليست قليلة التكاليف فحسب، بل وتدار على نحو أفضل، وتحوي المزيد من المرافق ووسائل ~~الراحة مقارنة بأي دار مسنين خاصة. # قالت فيبي: «على الأرجح أنها ستلتقي أصدقاء قدامى هناك.» # كانت دماثة خلق روز، وسلوكها الحسن، قائمين بشكل جزئي على رؤية كانت تعمل على تكوينها ~~طوال الأمسية، ولم تكن لتبوح بها لبراين وفيبي. فقد تصورت نفسها متجهة إلى هانراتي وتعتني ~~بفلو، وتعيش معها، وترعاها طالما اقتضى الأمر ذلك. وظلت تفكر كيف ستنظف مطبخ فلو وتقوم ~~بطلائه وترقع الألواح الخشبية في الأماكن التي تعاني من التسريب (وكان هذا واحدا من ~~الأشياء التي ذكرها الخطاب)، وتزرع الأزهار في الأصص، وتصنع حساء مغذيا. لكنها لم تذهب ~~بخيالها بعيدا لتتصور فلو تتواءم بيسر داخل هذه الصورة، وتستقر في حياتها شاعرة بالامتنان. ~~ولكن كلما صارت فلو أكثر نزقا، كانت روز ستصبح أكثر حلما وصبرا، حينها من ذا الذي يمكن ~~أن يتهمها بالنرجسية والتفاهة؟ # ولم تصمد تلك الصورة حتى في أول يومين لها في المنزل. ~~••• # قالت روز: «أترغبين في بعض البودنج؟» ~~«أوه، لا أهتم.» # كانت تظهر تلك اللامبالاة المسهبة التي يظهرها بعض الناس عند تقديم كأس من الشراب ~~لهم. # صنعت روز الترايفل، وكان مكونا من توت، ودراق، وكسترد، وكعك، وكريمة مخفوقة، وشراب ~~الشيري. # أكلت فلو نصف الصحن. راحت تنهل منه بنهم، دون أن تكلف نفسها عناء نقل ms215 جزء منه إلى طبق ~~أصغر. # قالت فلو: «كان ذلك رائعا.» لم تكن روز قد سمعت مثل هذا الاعتراف بالسعادة المشوبة ~~بالامتنان منها من قبل. «رائعا»، قالتها فلو ثم جلست تتذكر، وتبدي الاستحسان، وتتجشأ ~~قليلا. الكسترد اللطيف الناعم، حبات التوت اللاذع، قطع الدراق القاسي، الكعك المغموس في ~~شراب الشيري، الكريمة المخفوقة الغنية. # خطر لروز أنها لم يسبق لها أن فعلت شيئا في حياتها حقق لفلو ولو قدرا مقاربا من المتعة ~~مثلما فعل ذلك الترايفل. ~~«سوف أصنع لك واحدا آخر قريبا.» # فاستفاقت فلو قائلة: «أوه حسنا. افعلي ما تحبين.» ~~••• # قادت روز سيارتها صوب دار المسنين العامة، متبعة إرشادات الآخرين للوصول إليها. وحاولت أن ~~تخبر فلو بشأنها حين أتت. # قالت فلو: «دار من؟» ~~«لا، دار المسنين.» # ذكرت روز بعض الأشخاص الذين قابلتهم هناك. ولم تكن فلو لتعترف بمعرفة أي منهم. راحت روز ~~تتحدث عن المناظر الجميلة هناك والغرف المبهجة. بدا الغضب على فلو؛ فاكفهر وجهها، وزمت ~~شفتيها. ناولتها روز مجسما متحركا كانت قد اشترته مقابل خمسين سنتا من مركز الصناعات ~~اليدوية بدار المسنين. كان عبارة عن أشكال طيور من ورق باللونين الأزرق والأصفر تتمايل ~~وترقص على تيارات هوائية غير مرئية. # قالت فلو: «فلتحتفظي به لنفسك.» # وضعت روز المجسم في الشرفة وقالت إنها قد رأتهم في الدار يحملون صواني الطعام وعليها وجبة ~~العشاء إلى الغرف. ~~«إنهم يذهبون إلى غرفة الطعام إذا كانوا قادرين، وإذا لم يتمكنوا من ذلك، فإن لديهم صواني ~~في غرفهم. لقد رأيت ما يتناولونه هناك. # شرائح اللحم البقري المشوي، مطهوا جيدا، وبطاطا مهروسة، وفاصوليا خضراء، من النوع ~~المجمد وليس المعلب. أو أومليت. يمكنك تناول أومليت المشروم، أو أومليت الدجاج، أو أومليت ~~سادة إذا شئت.» ~~«ماذا كان هناك للتحلية؟» ~~«آيس كريم. يمكنك أن تضعي عليه الصوص.» ~~«ما نوع الصوص الذي كان موجودا؟» ~~«صوص الشوكولاتة، أو الزبد الاسكتلندي، أو الجوز.» ~~«لا أستطيع تناول الجوز.» ~~«كان هناك خطمي أيضا.» ~~••• # كان النزلاء في الدار مقسمين على الأدوار: في الطابق الأول هناك النزلاء المهندمون ~~والمتألقون، وكانوا ms216 يتجولون في أنحاء الدار بمساعدة عكاز في العادة، ويتبادلون الزيارات ~~فيما بينهم، ويلعبون الورق. وكان لديهم أغنيات ذات إيقاع رتيب يرددونها ويمارسون الهوايات. ~~وفي مركز الصناعات اليدوية، كانوا يقومون برسم صور، وحياكة اللوحات والسجاد باستخدام الصوف، ~~وصناعة اللحف. وإذا لم تكن لديهم القدرة على القيام بأشياء كهذه، كان بإمكانهم صنع دمى ~~من بقايا القماش، وكذلك المجسمات المتحركة كالتي اشترتها روز، ويصنعون أيضا مجسمات كلاب ~~بودل ورجل الثلج من كرات الستيروفوم، وكانوا يستخدمون حبات الترتر اللامعة للعيون؛ يصنعون ~~أيضا صورا ظلية بوضع دبابيس رسم على رسوم تخطيطية، وكانت تتنوع ما بين فرسان على ظهر ~~حصان، وسفن حربية، وطائرات، وقلاع. # كانوا ينظمون حفلات موسيقية، ورقصات، وكانت لديهم دورات في لعبة الشطرنج. ~~«يقول البعض منهم إنهم يعيشون هناك في سعادة لم يمروا بها قط في حياتهم من قبل.» # في الطابق التالي، كان هناك المزيد من مشاهدة التليفزيون والمزيد من الكراسي المتحركة. ~~ويقيم في هذا الطابق ذوو الرءوس المحنية، والألسنة المتدلية، وأصحاب الأطراف التي تهتز ~~لاإراديا. ومع ذلك كان هناك قدر كبير من الاختلاط الاجتماعي، والعقلانية، إلا أنهم بين ~~الحين والآخر كانوا يتوارون في غرفهم ولا ترى منهم أحدا. # أما في الطابق الثالث، فقد تقابلك بعض المفاجآت. # فالبعض منهم هناك توقف عن الكلام. # والبعض توقف عن الحركة، فيما عدا بعض الاختلاجات الغريبة واهتزازات الرأس، وتطويح الأذرع، ~~التي بدت جميعا دون هدف أو تحكم. # أما عن القلق بشأن البلل والجفاف، فقد تركه الجميع تقريبا. # كان نزلاء الدار يحصلون على الطعام والنظافة الشخصية لأجسادهم، وبعضهم يتم توثيقه في ~~الكراسي، ثم يحل وثاقهم ويوضعون في الأسرة للنوم. كان استنشاق الأكسجين وزفر ثاني أكسيد ~~الكربون هو وسيلتهم للاستمرار في المشاركة في الحياة. # كانت هناك امرأة عجوز منحنية في سريرها، ترتدي حفاضا، بشرتها داكنة مثل ثمرة الجوز، ~~تتدلى من شعرها ثلاث خصلات تشبه خيوط الهندباء، تصدر ضوضاء صاخبة مرتجفة. # قالت الممرضة: «مرحبا يا خالتي. أنت تتهجين الكلمات اليوم. الطقس جميل بالخارج.» ومالت ~~نحو أذن السيدة العجوز قائلة: «هل تستطيعين ms217 تهجية كلمة طقس؟» # كانت هذه الممرضة تكشف عن لثتيها حين كانت تبتسم، وهو ما كانت تفعله طوال الوقت؛ كان بها ~~لمحة من المرح المشوب بالخبل. # قالت السيدة العجوز: «طقس.» كانت تدفع نفسها للأمام بصعوبة، وتصدر أصواتا كالنخر لتتوصل ~~لهجاء الكلمة، ما دفع روز للاعتقاد أنها ربما تكون على وشك التبرز. ~~«ط - ق - س.» # وذكرتها تلك الكلمة بكلمة أخرى. ~~«طقوس. ط - ق - و - س.» # كانت الأمور تسير على خير ما يرام حتى الآن. # قالت الممرضة لروز: «الآن قولي لها شيئا.» # كانت الكلمات التي خطرت ببال روز في تلك اللحظة إما كلمات بذيئة أو محبطة. # ولكن دون تلقين خطرت لها كلمة أخرى. ~~«غابة. غ - ا - ب - ة.» # ثم قالت روز فجأة: «احتفال.» ~~«ا - ح - ت - ف - ا - ل.» # كان عليك أن تنصت بقوة كي تتمكن من فهم ما كانت السيدة العجوز تقوله؛ لأنها كانت قد فقدت ~~جزءا كبيرا من قدرتها على تكوين الأصوات؛ فكان ما يصدر عنها من كلمات لا يبدو قادما من ~~فمها أو حنجرتها، بل من مكان عميق في رئتيها وبطنها. # قالت الممرضة: «أليست هذه السيدة معجزة. إنها عاجزة عن الإبصار وتلك هي الطريقة الوحيدة ~~التي يمكننا أن نجزم بها بأنها تستطيع السمع. مثلا إذا قلت: «ها هو عشاؤك»؛ لن تولي أي ~~انتباه له، ولكنها قد تبدأ في تهجية كلمة «عشاء». # فقالت على سبيل الإيضاح: «عشاء»، فما كان من السيدة سوى أن التقطتها وأخذت تتهجى: «ع - ش ~~...» أحيانا كانت تتخلل الحروف فترة انتظار طويلة. كان يبدو أنها لم تكن تملك سوى خيط رفيع ~~للغاية لتتبعه، تتخبط عبر ذلك الخواء أو التشوش الذي لا يملك أحد على هذا الجانب إزاءه أكثر ~~من التخمين، ولكنها لم تكن تفقده، بل تتبعه حتى النهاية، مهما كانت الكلمة صعبة أو ثقيلة، ~~إلى أن تنتهي منها، ثم تجلس منتظرة وسط يومها الخالي من المشاهد والأحداث إلى أن تقفز كلمة ~~أخرى فجأة من مكان ما، فتحتويها وتسخر كل طاقتها من أجل إتقانها. تساءلت روز عن الشكل ~~الذي ms218 تكون عليه الكلمات حين تحتفظ بها في عقلها. هل كانت تحمل معناها المألوف؟ هل تحمل أي ~~معنى على الإطلاق؟ هل كانت مثل الكلمات التي تظهر في الأحلام أو في عقول الأطفال الصغار، ~~لكل منها روعتها وتميزها وتنبض بالحياة كحيوان صغير؟ هذه رخوة وشفافة، مثل قنديل البحر، ~~وتلك صلبة، ودنيئة، ومتحفظة، مثل حلزون مقرن. قد تكون قاسية ومضحكة مثل القبعات العالية ~~السوداء، أو ملساء وزاهية ومزينة مثل الأشرطة. لعلها أشبه بموكب من الزوار الخصوصيين لم ~~ينته بعد. ~~••• # ثمة شيء أيقظ روز مبكرا في صباح اليوم التالي. كانت نائمة في الشرفة الصغيرة، المكان ~~الوحيد الذي كانت الرائحة فيه محتملة. كانت السماء لبنية ولامعة، وكانت الأشجار المطلة على ~~النهر - التي كان مزمعا قطعها قريبا لإفساح مكان لإنشاء مرأب للمقطورات - منحنية في اتجاه ~~السماء وقت الفجر وكأنها حيوانات داكنة شعثاء، مثل الجاموس. كانت روز تحلم، وكان حلمها ~~يتعلق بالطبع بجولتها التي قامت بها في الدار في اليوم السابق. # كان هناك شخص ما يقودها عبر مبنى ضخم حيث وجد أشخاص داخل أقفاص. كان كل شيء باهتا ومغطى ~~بنسيج العنكبوت في البداية، وكانت روز تحتج على ما بدا من سوء تنظيم. ولكن كلما تابعت روز ~~المسير، كانت الأقفاص تزداد حجما وتنميقا، كانت أشبه بأقفاص طيور ضخمة من الخيزران، تلك ~~الأقفاص ذات الطراز الفيكتوري بأشكاله المزينة وزخارفه الكثيرة. كان الطعام يقدم للأشخاص ~~القابعين داخل الأقفاص، وقد تفحصته روز، ورأت أنه فاخر؛ موس الشوكولاتة، ترايفل، كعك البلاك ~~فوريست. رأت روز بعد ذلك فلو في أحد هذه الأقفاص، وقد جلست في تأنق وكبرياء على كرسي أشبه ~~بكرسي العرش، تلفظ الكلمات بصوت واضح وآمر (لم تستطع روز تذكر الكلمات التي نطقت بها عند ~~استيقاظها)، وتبدو سعيدة بنفسها، لإظهارها قدرات كانت تتكتمها حتى الآن. # أنصتت روز لتستمع إلى صوت أنفاس فلو تتحرك كالعاصفة في غرفتها المبطنة بالحصى، ولكنها لم ~~تسمع شيئا. ماذا لو ماتت فلو؟ لنفترض أنها قد ماتت في نفس اللحظة التي ظهرت فيها بذلك ~~المظهر المتألق المفعم بالرضا في ms219 حلم روز ؟ هرعت روز من فراشها، وهرولت حافية نحو غرفة نوم ~~فلو لتجد فراشها خاويا، فدخلت إلى المطبخ لتجد فلو جالسة إلى المائدة وقد ارتدت ملابسها ~~استعدادا للخروج، حيث ارتدت معطفها الصيفي ذا اللون الأزرق السماوي وقبعة تربان تتماشى ~~معه، كانت قد ارتدتها في زفاف براين وفيبي. كان المعطف جعدا وبحاجة إلى التنظيف، والقبعة ~~معوجة. # قالت فلو: «أنا جاهزة الآن للذهاب.» ~~«الذهاب إلى أين؟» # قالت فلو وهي تهز رأسها: «إلى هناك. إلى بيت الفقراء.» # قالت روز: «تقصدين الدار؟ ولكنك لست مضطرة للذهاب اليوم.» # قالت فلو: «لقد استأجروك لتأخذيني، عليك الآن أن تتحركي وتأخذيني إلى هناك.» ~~«أنا لست مستأجرة. أنا روز. سوف أعد لك كوبا من الشاي.» ~~«يمكنك أن تعديه. لن أشربه.» # جعلت فلو خيال روز يجنح إلى امرأة بدأت المخاض، من فرط تركيزها، وإصرارها، وإلحاحها. ظنت ~~روز أن فلو تشعر بأن الموت يقترب منها شيئا فشيئا كطفل، يتأهب لتمزيقها، ومن ثم تراجعت عن ~~الجدال معها، وارتدت ملابسها، وأعدت حقيبة لفلو في عجالة، واصطحبتها نحو السيارة وأوصلتها ~~إلى الدار، ولكنها كانت مخطئة فيما يتعلق بمسألة الموت الذي سيريح فلو سريعا. ~~••• # قبل ذلك بفترة ظهرت روز في إحدى المسرحيات على التليفزيون الوطني، بعنوان «نساء طروادة». ~~لم يكن لها نص، وفي الحقيقة ظهرت في المسرحية لمجرد إسداء صنيع لصديقة حصلت على دور أفضل في ~~مكان آخر. فكر المخرج في إضفاء الحياة على كل البكاء والنحيب في المسرحية بجعل نساء طروادة ~~يسرن عاريات الصدر. كن يظهرن ثديا واحدا لكل فتاة؛ الأيمن في حالة الشخصيات الملكية مثل ~~هيكوبا وهيلين، والأيسر في حالة العذارى أو الزوجات من العوام، مثل روز. لم تكن روز تفكر في ~~أن هذا التعري سيحسن من وضعها - فقد كان ثدياها يميلان للتثاقل والترهل - ولكنها اعتادت ~~الفكرة. لم تعتمد على الإثارة التي سيسببها هذا المنظر، فلم تكن تعتقد أن الكثير من الناس ~~سيشاهدونها. كانت قد نسيت تلك المناطق من الريف حيث لا يستطيع الناس ممارسة تفضيلهم لبرامج ~~المسابقات، ومطاردات سيارات الشرطة، ومسلسلات كوميديا ms220 الموقف الأمريكية ، ويكونوا مجبرين على ~~تحمل الحوارات والأحاديث حول الشئون العامة وجولات المعارض الفنية والإصدارات الدرامية ~~الطموحة. لم تعتقد أيضا أنهم سيذهلون للدرجة، بعد أن أصبحت الآن أرفف المجلات في كل بلدة ~~تعرض اللحم العاري. كيف كان يمكن لمثل هذه الإهانة أن تعلق بمجموعة نساء طروادة ذوات الأعين ~~الحزينة، اللاتي غضن البرد جلودهن، ثم يجرين وقطرات العرق تتساقط منهن تحت الأضواء، وقد ~~وضعت لهن مساحيق التجميل بشكل سيئ وباهت، ويبدون جميعا حمقى دون رفقائهن، بل ومثيرات ~~للشفقة ومتكلفات، مثل الأورام؟ # أخذت فلو ورقة وقلما وأجبرت أصابعها التي كانت لا تزال متورمة وخارج نطاق الاستخدام ~~تقريبا بسبب التهاب المفاصل على كتابة كلمة «عار». وكتبت لها خطابا تقول فيه إنه لو لم ~~يكن والد روز قد توفي منذ زمن طويل، لتمنى الآن لو كان ميتا. وكان هذا صحيحا بالفعل. قرأت ~~روز الخطاب، أو بالأحرى جزءا منه، بصوت عال لبعض أصدقائها الذين استضافتهم على العشاء. ~~قرأته لكي تحدث تأثيرا كوميديا، وتأثيرا دراميا، كي تظهر الهوة القابعة وراءها، على ~~الرغم من إدراكها - إن فكرت بشأنها - أن مثل هذه الهوة لم تكن شيئا ذا أهمية؛ فقد كان ~~بإمكان معظم أصدقائها - ممن كانوا يبدون لها أشخاصا كادحين على نحو عادي ومهمومين ومفعمين ~~بالأمل - الادعاء بأنهم مروا بمرحلة من حياتهم شعروا بأن الآخرين قد تبرءوا منهم أو دعوا ~~لهم حينما عاشوا في منزل يسيطر عليه الإحباط وخيبة الأمل. # وفي منتصف الخطاب اضطرت روز للتوقف؛ لم يكن ذلك لأنها فكرت في مدى خسة أن تعرض بفلو ~~وتسخر منها بهذا الشكل، فقد فعلت ذلك كثيرا من قبل ولم يكن في الأمر مفاجأة لها، ولكن ما ~~دفعها للتوقف، في الواقع، هو الهوة، التي تولد لديها إدراكا جديدا وجارفا لها، ولم يكن ~~بالشيء الذي يثير السخرية والضحك. لقد كانت توبيخات فلو بالنسبة إلى روز كمن يحتج على رفع ~~المظلات أو يحذر غيره من تناول الزبيب. ولكنها كانت مقصودة بشكل مؤلم وحقيقي؛ لقد كانت ~~الشيء الوحيد في جعبة حياتها الشاقة. كانت بمنزلة ms221 لعنات وخزي على ما أبدته من صدر ~~عار. # في موقف آخر، حصلت روز على جائزة، إلى جانب العديد من الأشخاص الآخرين، وأقيم حفل استقبال ~~لهم في فندق بتورونتو، فأرسلت بطاقة دعوة إلى فلو، مع أن روز لم تكن تعتقد أبدا أنها ~~ستأتي. كانت تفكر أنه يجب عليها أن تعطي منظمي الحفل اسم شخص ما حين سألوها عن أسماء أقارب ~~لدعوتهم، وبالكاد استطاعت أن تسمي براين وفيبي. من الممكن بالطبع أن تكون بالفعل قد أرادت، ~~سرا، أن تأتي فلو. أرادت أن تريها، أن تخيفها، أن تنزع نفسها نهائيا من عباءة فلو. ~~وكانت رغبتها تلك ستصبح أمرا طبيعيا. # هبطت فلو من القطار دون سابق إنذار، متجهة نحو الفندق. كان التهاب المفاصل قد نال منها ~~آنذاك، ولكنها كانت لا تزال تسير دون عكاز. كانت ملابسها دائما محتشمة ووقورة ورخيصة، ولكن ~~بدا الآن أنها قد أنفقت الكثير من المال واستشارت آخرين. كانت ترتدي بذلة ذات مربعات ~~باللونين الموف والأرجواني، ومطرزة بخرز يشبه خيوطا من الفشار الأبيض والأصفر. كان تضع ~~باروكة كثيفة باللون الرمادي الضارب إلى الأزرق، تدلت على جبهتها وكأنها قبعة صوفية. ومن ~~فتحة السترة المثلثة وكميها شديدي القصر برز عنقها ورسغاها بلون بني تكسوها الثآليل وكأن ~~لحاء شجر يغطيها. تسمرت في مكانها بلا حراك حين رأت روز. كان يبدو أنها منتظرة؛ لم تكن فقط ~~تنتظر إقبال روز نحوها، ولكنها أيضا كانت في انتظار تبلور مشاعرها تجاه المشهد الماثل أمام ~~عينيها. # وسرعان ما أقبلت كلتاهما نحو الأخرى. # قالت فلو في صوت خفيض قبل أن تقترب منها روز: «انظري إلى ذلك الرجل الأسود!» كانت نبرتها ~~نبرة دهشة بسيطة مرضية، وكأنها كانت تحملق في الأخدود العظيم أو ترى البرتقال ينمو على ~~إحدى الأشجار. # كانت تقصد جورج الذي كان يتسلم إحدى الجوائز هو الآخر. استدار ليرى ما إذا كان أحدهم ~~يلقنه عبارة كوميدية. وقد كانت فلو بالفعل تبدو كشخصية كوميدية، فيما عدا أن دهشتها ~~وصراحتها كانتا مزعجتين. ترى هل لاحظت الضجة التي أثارتها؟ محتمل. فبعد تلك النوبة ms222 من ~~الغضب ، صمتت تماما، ولم تتكلم ثانية إلا بأقصر الكلمات التي تشع غلا وكراهية، ولم تأكل ~~أي طعام أو تحتسي أي شراب يقدم لها، ولم تجلس، ولكنها ظلت واقفة في دهشة ورباطة جأش في ~~وسط هذا الحشد من الملتحين ومثليي الجنس والوقحاء الذين لا ينتمون للأنجلوساكسون، إلى أن ~~حان الوقت لاصطحابها لقطارها وإرسالها إلى المنزل. ~~••• # وجدت روز الباروكة أسفل السرير خلال حملة التنظيف الرهيبة التي أعقبت ترحيل فلو، فأخذتها ~~إلى دار المسنين، إلى جانب بعض الملابس التي غسلتها أو أرسلتها للمغسلة، وبعض الجوارب ~~النسائية، وبودرة تلك، وكولونيا، كانت قد اشترتها. أحيانا ما كان يبدو أن فلو تظن روز هي ~~الطبيبة، فكانت تقول: «لا أريد طبيبة امرأة، يمكنك أن تنصرفي.» ولكن عندما رأت روز تحمل ~~الباروكة، قالت: «روز! ما هذا الذي بيديك. أهو سنجاب رمادي ميت؟» # قالت روز: «كلا، إنها باروكة.» ~~«ماذا؟» # قالت روز: «باروكة.» وبدأت فلو في الضحك، وشاركتها روز. كانت الباروكة بالفعل تبدو كقط أو ~~سنجاب ميت، على الرغم من أنها كانت قد غسلتها ومشطتها؛ لقد كانت شيئا بشع الشكل. ~~«يا إلهي يا روز، كنت أفكر ما الذي تفعلينه ولم تأتين لي بسنجاب نافق! لو أنني ~~ارتديتها، من المؤكد أن أحدهم كان ليصوب بندقيته نحوي ليصيدني لا محالة.» # واستكمالا للكوميديا، راحت روز تثبتها على رأسها، وظلت فلو تضحك حتى تأرجحت إلى الأمام ~~والخلف في سريرها. # وعندما التقطت فلو أنفاسها قالت: «ما الذي أفعله بهذه الجوانب اللعينة على فراشي؟ هل ~~تحسنين السلوك أنت وبراين؟ لا تتشاجرا، فهذا يثير أعصاب والدكما. هل تعرفين كم حصوة مرارية ~~استخرجوها مني؟ خمس عشرة! الواحدة منها بحجم بيضة الدجاجة الصغيرة. لقد وضعتها في مكان ما. ~~سوف آخذها إلى المنزل.» وراحت تجذب الملاءات بحثا عنها. «كانت في زجاجة.» # قالت روز: «لقد حصلت عليها بالفعل، وأخذتها إلى المنزل.» ~~«حقا؟ وهل أطلعت والدك عليها؟» ~~«أجل.» # قالت فلو: «أوه، حسنا، إذن فهي هناك.» ثم استلقت على الفراش وأغلقت عينيها. # | من تظنين نفسك؟ # كانت هناك بعض الأشياء التي استطاعت روز ms223 وشقيقها براين التحدث بشأنها بأمان، دون التطرق ~~إلى المبادئ أو بيان الآراء، وكان من بين تلك الأشياء ميلتون هومر. تذكر كلاهما حين كانا ~~مصابين بالحصبة وكان هناك إخطار معلق على الباب بوضعهما قيد الحجر الصحي؛ كان ذلك منذ ~~زمن، قبل وفاة والدهما وقبل التحاق براين بالمدرسة، جاء ميلتون هومر عبر الشارع وقرأه. ~~سمعاه وهو قادم عبر الجسر، وكالعادة كان يشكو ويتذمر بصوت عال. ولم يكن يغلق فمه عن الشكوى ~~في طريقه إلى البلدة ما لم يحشه بالحلوى؛ وفيما عدا ذلك كان يصيح في الكلاب ويتحرش ~~بالأشجار وأعمدة الهاتف، وهو يجتر الشكاوى والأحزان القديمة. # صاح وهو يضرب سور الجسر: «ولم أفعل، ولم أفعل، ولم أفعل!» # أسدل روز وبراين اللحاف الذي كان معلقا على النافذة ليحجبا الضوء حتى لا يصيبهما ~~العمى. # قال براين بنبرة امتنان: «ميلتون هومر.» # حينئذ رأى ميلتون هومر الإخطار على الباب، فاستدار وصعد السلم ليقرأه، فقد كان يجيد ~~القراءة؛ كان يسير عبر الشارع الرئيسي ويقرأ جميع اللافتات بصوت عال. # تذكر روز وبراين هذا الموقف واتفقا على أن ذلك الباب كان الباب الجانبي، حيث قامت فلو ~~فيما بعد بتركيب الشرفة المغطاة بالزجاج؛ وقبل ذلك لم يكن هناك سوى رصيف خشبي مائل، وتذكرا ~~ميلتون هومر وهو يقف عليه. فإذا كان إخطار الحجر الصحي هناك وليس على الباب الأمامي، المؤدي ~~إلى داخل متجر فلو، فلا بد إذن أن المتجر كان مفتوحا؛ بدا ذلك غريبا ولم يكن له تفسير سوى ~~أن فلو كانت قد تنمرت بمسئول الصحة. لم تستطع روز أن تتذكر؛ كل ما استطاعت تذكره كان ~~ميلتون هومر وهو يقف على الرصيف ورأسه الكبير مستند إلى أحد الجانبين وقبضته مرفوعة ~~استعدادا للنقر على الباب. # قال ميلتون هومر: «حصبة؟ هه.» لم يقرع الباب في النهاية؛ بل اقترب برأسه من الباب وأخذ ~~يصيح: «لا يمكنكم تخويفي!» ثم استدار ولكنه لم يغادر الفناء. اتجه نحو الأرجوحة، وجلس ~~فوقها، وأمسك بالحبال، وبدأ في أرجحة نفسه، وكان متجهما في البداية ثم تحول بعد ذلك إلى ~~الابتهاج المتصاعد ms224 العاتي. # صاحت روز: «ميلتون هومر على الأرجوحة، ميلتون هومر على الأرجوحة.» وهرعت من النافذة إلى ~~بئر السلم. # جاءت فلو من حيث كانت كي تطل من النافذة الجانبية. # قالت فلو باندهاش: «إنه لن يضرها.» ظنت روز أن فلو ستطارده بالمقشة. بعدها تساءلت: «هل ~~يمكن أن تكون فلو قد خافت؟» ذاك أمر مستبعد. إنها مسألة امتيازات يحظى بها ميلتون ~~هومر. ~~«لا أستطيع الجلوس على المقعد بعد أن جلس عليه ميلتون هومر!» ~~«أنت! فلتعودي إلى الفراش.» # وعادت روز إلى حجرة الحصبة المظلمة كريهة الرائحة وبدأت في إخبار براين قصة كانت تظن أنها ~~لن تعجبه. ~~«حين كنت رضيعا، جاء ميلتون هومر وحملك.» ~~«لا، لم يفعل.» ~~«بل جاء وحملك وسأل عن اسمك. أذكر ذلك جيدا.» # خرج براين متجها نحو بئر السلم. ~~«هل جاء ميلتون هومر وحملني وسأل عن اسمي؟ هل قام بذلك فعلا حين كنت رضيعا؟» ~~«أخبر روز أنه قد فعل الشيء نفسه معها.» # كانت روز تعلم أن ذلك كان احتمالا واردا، على الرغم من أنها لم تكن ستذكره. لم تكن تعرف ~~حقا إن كانت تتذكر قيام ميلتون هومر بحمل براين، أم أن هناك من أخبرها بذلك. كان ميلتون ~~هومر كلما ولد طفل في أي منزل، في ذلك الماضي القريب حين كان الأطفال لا يزالون يولدون في ~~المنازل، يأتي بأسرع ما يمكن ويطلب رؤية الوليد، ثم يسأل عن اسمه، ويلقي خطبة معدة سلفا. ~~كان الهدف من الخطبة أن يرجى للطفل إذا عاش أن يحيا حياة مسيحية، أما إذا مات فيرجى له ~~دخول الجنة مباشرة. كانت نفس فكرة التعميد، ولكن ميلتون لم يكن يدعو باسم الآب أو الابن، أو ~~يفعل أي شيء بالماء. وكان يفعل كل ذلك على مسئوليته الشخصية. كان يبدو أن ثمة لعثمة تداهمه ~~في تلك اللحظة لم تكن لتداهمه في أوقات أخرى، أو كان يتلعثم عن عمد لكي يضفي على عباراته ~~ثقلا. كان يفغر فاه ويتأرجح جيئة وذهابا متناولا كل عبارة بصوت نخر عميق. ~~«وإذا قدر للطفل ... قدر للطفل ... قدر للطفل ... أن يعيش ms225 ...» # بعد ذلك بسنوات كانت روز تقلد ذلك في غرفة معيشة أخيها، متأرجحة جيئة وذهابا وهي تغني، ~~وكانت كل «إذا» تخرج منها وكأنها انفجار، لتصل إلى الانفجار الأساسي لكلمة «يعيش». ~~«سوف يحيا ... حياة صالحة ... وسوف ... وسوف ... وسوف ... لن يأثم. سوف يحيا حياة صالحة ... حياة ~~صالحة ... لن يأثم. لن يأثم!» ~~«وإذا قدر للطفل ... وإذا قدر للطفل ... وإذا قدر للطفل ... أن يموت ...» # قال براين: «يكفي ذلك الآن. يكفي ذلك يا روز.» ولكنه ضحك. كان يمكنه أن يطيق طريقة روز ~~الدرامية حين تكون عن هانراتي. # قالت فيبي زوجة براين: «كيف يمكنك تذكر ذلك؟» آملة أن توقف روز قبل أن تتمادى لأطول من ~~اللازم وتثير حنق براين، «هل كنت ترينه وهو يفعل ذلك؟ أكنت ترينه كثيرا إلى هذا ~~الحد؟» # قالت روز ببعض الدهشة: «كلا، لم أره يفعله، بل رأيت رالف جيلسبي وهو يقلد ميلتون هومر. ~~كان رالف أحد الصبية في المدرسة.» ~~••• # كانت الوظيفة العامة الأخرى التي كان ميلتون هومر يشغلها، حسبما تتذكر روز وبراين، هي ~~المشاركة في المسيرات التي تقدم عروضا. كان هناك الكثير من المسيرات في هانراتي؛ مثل مسيرة ~~أورانج ووك في الثاني عشر من يوليو؛ ومسيرة عرض المدارس الثانوية العسكرية في شهر مايو؛ ~~ومسيرة عرض لأطفال المدارس في يوم العيد القومي للإمبراطورية؛ ومسيرة عرض الكنيسة؛ ومسيرة ~~عرض سانتا كلوز؛ ومسيرة عرض قدامى نادي الليونز. كان من أكثر الأشياء التي يمكن أن تقال عن ~~أي شخص في هانراتي ازدراء وتحقيرا أنه مغرم بالمشاركة في المسيرات والعروض، إلا أن كل شخص ~~تقريبا في البلدة - في قلب البلدة، وليس هانراتي الغربية، كما هو متعارف عليه - كانت ~~ستواتيه الفرصة للمشاركة في المسيرات علنا في أحد الأحداث المنظمة والمعتمدة. وكان الشرط ~~الوحيد لذلك أنه لا بد ألا يبدو عليك الاستمتاع بذلك؛ فكان عليك أن تعطي الانطباع بأن شيئا ~~ما دعاك للمشاركة دون سبب معلوم، وأنك على استعداد لأداء واجبك، وأنك منشغل بشكل جاد ~~بالمفاهيم التي يعلي من شأنها هذا العرض. # كان عرض أورانج ووك هو أروع جميع تلك ms226 العروض؛ فكان الملك بيلي يتقدم المسيرة ممتطيا ظهر ~~حصان أقرب ما يكون للبياض الخالص، والفرسان ذوو الأحصنة السوداء في المؤخرة، بينما يمتطي ~~أنبل رتب جماعة الأورانج - وهم عادة ما يكونون مجموعة من المزارعين كبار السن نحفاء وفقراء ~~يتسمون بالإباء والتعصب - خيولا سوداء، ويرتدون قبعات سوداء عالية توارثها الأبناء عن ~~آبائهم، والمعاطف ذات الذيل المشقوق. كانت جميع الرايات عبارة عن مشاهد مجسدة - على حرير ~~رائع ومطرزات باللونين الأزرق والذهبي، أو البرتقالي والأبيض - لانتصار البروتستانت، وأزهار ~~الليلك والأناجيل المفتوحة، وشعارات التقى والشرف والتعصب الأعمى المتقد. وكانت السيدات ~~يأتين تحت مظلاتهن الواقية من الشمس، وكانت زوجات أفراد جماعة الأورانج وبناتهم يرتدين ~~جميعا ثيابا بيضاء دلالة على النقاء. تأتي بعد ذلك الفرق الموسيقية، والمزامير والطبول، ~~والراقصون الموهوبون في رقصة الخطوة ويؤدون عروضا على عربة قش نظيف تستخدم كمسرح ~~متحرك. # كان ميلتون هومر يأتي كذلك. كان بإمكانه أن يظهر في أي مكان في العرض، وكان يغير موقعه من ~~آن لآخر، فتراه يخرج من خلف الملك بيلي أو الفرسان السود أو الراقصين أو الأطفال الخجولين ~~ذوي الأوشحة البرتقالية الذين يحملون الرايات. كان يظهر بوجه قاس وصارم خلف الفرسان السود، ~~ويرفع رأسه كما لو أن قبعة سوداء عالية تعلوه؛ أو يظهر خلف السيدات يهز وركيه ويتلاعب بمظلة ~~وهمية. كان مقلدا ذا مواهب عاتية وطاقة بشعة. كان بوسعه أن يحول عرض الراقصين المنمق ~~الأنيق إلى وثبات مرحة لشخص معتوه، محافظا على الإيقاع الحركي. # كانت أورانج ووك هي أفضل فرصة له في مسيرات العروض، ولكنه كان يظهر فيها جميعا. يسير ~~مرفوع الرأس خافقا بذراعيه، بخطى شامخة خلف الضابط قائد العرض في مسيرة الكنيسة. وفي مسيرة ~~العيد القومي للإمبراطورية، كان يزود نفسه براية حمراء، وعلم الاتحاد الملكي، ويديرها فوق ~~رأسه كلعبة الخيول الدوارة. أما في عرض سانتا كلوز، فكان يخطف الحلوى المعدة للأطفال؛ ولم ~~يكن يفعلها على سبيل الدعابة. # لعلك ستفكر أن أي مسئول في هانراتي كان بوسعه وضع حد لهذا، فقد كانت مساهمة ميلتون هومر ~~في أي عرض مساهمة ms227 سلبية تماما ، معدة فقط - إن كان لدى ميلتون هومر القدرة على إعداد أي ~~شيء - لجعل العرض يبدو بمظهر أحمق. لماذا لم يحاول المنظمون والعارضون إبعاده؟ لا بد أنهم ~~قد قرروا أن القول أسهل من الفعل في هذا الصدد. فقد كان ميلتون يعيش مع خالتيه المسنتين ~~اللتين لم تتزوجا، ولأنه كان يتيم الأبوين، لم يكن أحد ليرغب في أن يطلب من السيدتين ~~المسنتين أن تلزمانه المنزل. لا بد أن الأمر قد بدا وكأن لديهما من الأعباء ما يكفي. كيف ~~يمكنهما إلزامه المنزل بمجرد سماع صوت الفرقة الموسيقية؟ ربما كان عليهما أن يحبسانه في ~~المنزل ويقيدانه. ولم يرغب أحد في جرجرته وإبعاده بمجرد أن تبدأ العروض؛ فقد كانت احتجاجاته ~~ستفسد كل شيء. فلم يكن هناك أدنى شك في أنه سيحتج؛ فقد كان قوي البنية، ذا صوت عميق، وكان ~~رجلا قويا، وإن لم يكن طويل القامة للدرجة. كان في حجم نابليون تقريبا. كان يركل ~~البوابات والأسوار حين يحاول الناس منعه من دخول أفنية منازلهم. ذات مرة حطم عربة أحد ~~الأطفال على الرصيف لمجرد أنها كانت في طريقه. لذا لا بد أن السماح له بالمشاركة كان ~~الاختيار الأمثل تحت هذه الظروف. # لم يكن ذلك يتم لكونه أفضل الخيارات السيئة فقط، فلم ينظر أحد إلى ميلتون بعين السخط في ~~أي عرض؛ فقد كان وجوده معتادا لدى الجميع، حتى قائد المسيرة كان يسمح له بأن يقلده على نحو ~~ساخر، ولم يكن الفرسان السود بما بهم من أحزان دفينة يلقون له بالا. كان الناس يكتفون ~~بقول: «أوه، ها هو ميلتون» من الرصيف. لم يكن ليثير الكثير من الضحك عليه، وإن كان الغرباء ~~الموجودون في البلدة - وهم الأقارب القادمون من المدينة ممن يدعون لمشاهدة العرض - قد ~~يشيرون إليه ويأخذون في الضحك بشكل هستيري، ظنا منهم أنه موجود بشكل رسمي وبهدف الترويح ~~الكوميدي، مثل المهرجين الذين كانوا في الواقع رجال أعمال صغارا يفشلون في تحريك ~~العجلات. # كان الزائر يقول: «من هذا؟» وكانت الإجابة تأتيه بلامبالاة وبنوع من الكبرياء غير ms228 ~~المفهوم: «هذا فقط ميلتون هومر. لن يكون العرض عرضا بدون ميلتون هومر.» ~~••• ~~«أحمق القرية.» هكذا قالت فيبي، محاولة فهم الأمور بأدبها الذي لا ينضب ولا يحمد، فقال ~~براين وروز إنهما لم يسمعاه يوصف بهذا الوصف من قبل. لم تكن نظرتهما لهانراتي بوصفها قرية، ~~فالقرية في نظرهما عبارة عن مجموعة من المنازل وسط مناظر طبيعية خلابة تحيط بكنيسة ذات برج ~~كتلك المرسومة على بطاقات التهنئة بالكريسماس. والقرويون هم الجوقة في ملابسهم الخاصة في ~~أوبريتات المدارس الثانوية. ولو اقتضت الضرورة وصف ميلتون هومر لأحد الغرباء، كان الناس ~~يقولون إنه «مختل». كانت روز تتساءل، حتى في ذلك الوقت، عن مكمن هذا الاختلال، وكانت لا ~~تزال تتساءل، وتوصلت إلى أن الإجابة الأسهل لهذا السؤال هي العقل. لا بد أن ميلتون هومر كان ~~بلا شك يحظى بمعدل ذكاء منخفض. أجل؛ ولكن كان هذا هو حال الكثير من الناس في هانراتي ~~وخارجها، ومع ذلك لم يكونوا يفضحون أنفسهم مثلما كان يفعل؛ فقد كان يجيد القراءة بلا ~~صعوبات، كما تبين في حالة لافتة الحجر الصحي؛ وكان يجيد عد قطع نقوده الباقية، كما يتضح ~~في العديد من الحكايات عن محاولة الناس الاحتيال عليه. فكرت روز الآن أن ما كان غائبا هو ~~حس الاحتراز، إنه الضبط الاجتماعي، على الرغم من عدم وجود مثل هذه المسميات في ذلك الوقت. ~~إن أي شيء يفتقده الأشخاص العاديون حال سكرهم، لم يكن لدى ميلتون هومر بالمرة، أو لعله قد ~~اختار ألا يمتلكه - وهذا هو ما يثير اهتمام روز - في مرحلة ما في بداية حياته. حتى ~~تعبيراته، نظراته اليومية، كانت تلك التي يبديها السكارى في أقصى حالاتهم سوءا من جحوظ ~~العينين، النظرات الشزرة، النظرات النهمة التي بدت جريئة بشكل محسوب، وفي نفس الوقت بدت ~~عاجزة ولاإرادية. هل شيء كهذا ممكن؟ # كانت السيدتان اللتان يعيش معهما ميلتون هومر شقيقتي والدته، كانتا توءمين تدعيان هاتي ~~وماتي ميلتون، وعادة ما كانتا تدعيان الآنسة هاتي والآنسة ماتي؛ ربما لصرف الأنظار عن أي ~~وقع سخيف قد يخلفه اسماهما. وقد ms229 سمي ميلتون على اسم عائلة والدته، وكان ذلك تقليدا ~~شائعا، وعلى الأرجح لم يفكر أحد في ربطه باسمي اثنين من كبار الشعراء؛ فلم يرد أي ذكر ~~لتلك المصادفة، وربما لم تلاحظ. ولم تلاحظها روز إلى أن جاء يوم كانت في المدرسة الثانوية ~~حين نقر الصبي الجالس خلفها على كتفها وأطلعها على ما كتبه في كتاب اللغة الإنجليزية الخاص ~~به. كان قد حذف كلمة «تشابمان» المذكورة في عنوان إحدى القصائد، وكتب بدلا منها كلمة ~~«ميلتون»، بحيث صار العنوان: «عند النظرة الأولى لميلتون هومر». # كان أي ذكر لميلتون هومر بمنزلة دعابة، ولكن هذا التغيير في العنوان كان بمنزلة دعابة ~~كذلك؛ لما تضمنه من إشارة، ضعيفة نوعا ما، إلى سلوك ميلتون هومر الأكثر خزيا. تتلخص القصة ~~في أنه حين كان يقف خلف أحد الأشخاص في طابور أمام مكتب البريد أو دار عرض سينمائي، كان ~~يفتح معطفه ويقدم نفسه، ثم يدفع نفسه للأمام ويبدأ في الاحتكاك. غير أنه بالطبع لم يكن ~~يتمادى كثيرا؛ إذ كان الشخص ضحية هذا الاحتكاك يبتعد عن طريقه. وقيل إن الصبية كانوا ~~يتحدون بعضهم البعض لكي يجعلوه يتخذ موضعه في الصف، ويبقون أمامه على مسافة قريبة، وفي ~~اللحظة الأخيرة، يقفزون جانبا ويفضحونه وهو في هذه الحالة. # وعلى أثر هذه القصة - سواء أكانت حقيقية أم لا، وما إذا كانت قد حدثت مرة واحدة فقط بدافع ~~من الاستفزاز أم كانت تحدث طوال الوقت - كانت السيدات يعبرن الشارع بعيدا حين يرين ميلتون ~~قادما، وينبه على الأطفال بالبقاء بعيدا عنه. وكانت فلو تعبر عن ذلك بقولها: «لا ~~تدعوا ذلك المعتوه يحوم حولكم.» كان يسمح له بدخول المنازل في تلك المناسبات التي تشمل ~~طقوسا وشعائر حين يكون هناك مولود جديد - وهي المناسبات التي تضاءلت مع شيوع الولادات في ~~المستشفى - ولكن في أحيان أخرى كانت الأبواب تغلق في وجهه؛ فكان يأتي ويطرق الباب، ويركل ~~ألواح الباب بقدمه، ثم ينصرف. ولكن كان مسموحا له بدخول الأفنية؛ لأنه لم يكن يأخذ ~~الأشياء، وكان بإمكانه إحداث الكثير من التلفيات ms230 إذا ما غضب. # بالطبع كان الأمر يختلف تماما حين تصطحبه إحدى خالتيه؛ ففي تلك الأوقات كان يبدو بائس ~~المظهر وحسن السلوك؛ كانت كل عواطفه وقدراته، أيا كانت ماهيتها، تختفي وتتوارى. كان يأكل ~~الحلوى التي تشتريها له خالته بدون غلافها الورقي، ويقدمها للآخرين حين يؤمر بذلك، مع أن ~~أحدا لم يكن ليلمس شيئا قد تكون أصابع ميلتون هومر لمسته، أو بورك بلعابه، سوى أكثر ~~الأشخاص نهما على وجه الأرض. رأت الخالتان أنه ينبغي أن يقصر شعره؛ فقد كانتا تبذلان ~~أقصى جهدهما لتجعلاه حسن الطلعة، فتقومان بغسل ملابسه وكيها وإصلاحها، ويرسلانه للخارج ~~بمعطف المطر والحذاء الطويل المطاطي، أو بقبعة ووشاح من الصوف المغزول، على حسب ظروف الطقس. ~~ترى هل كانتا على دراية بسلوكه حين يكون بعيدا عنهما؟ لا بد أنهما سمعتا به، وإذا كانت قد ~~سمعتا، فلا بد أن ذلك سبب لهما معاناة لما عرف عنهم من كبرياء وعزة وتمسك بالأخلاقيات ~~الميثودية؛ فقد كان جدهما هو من أنشأ مشغل الكتان في هانراتي وأجبر جميع موظفيه على قضاء ~~ليالي السبت في فصل لتعليم الإنجيل يتولى الإشراف عليه بنفسه. كذلك كانت عائلة هومر عائلة ~~كريمة. اعتقد الناس أن بعض أفراد العائلة أيدوا فكرة وضع ميلتون في مصحة علاج نفسي، لكن ~~سيدات عائلة ميلتون لم يكن ليفعلن ذلك، ولم يشر أحد إلى أن رفضهن كان نابعا من طيبة ~~القلب. ~~«إن كبرياءهن ليمنعنهن من أن يضعنه في المصحة النفسية.» # كانت الآنسة هاتي ميلتون تدرس اللغة الإنجليزية في المدرسة الثانوية، ولطول فترة ~~تدريسها هناك - إذ تجاوزت مدة جميع المدرسين الآخرين مجتمعين - كانت أهم من المدير نفسه. ~~كانت حادثة تبديل اسم القصيدة الأكثر جرأة وإمتاعا لأنها حدثت في وجودها. أكثر ما اشتهرت ~~به هو حفظ النظام، وهو ما كانت تفعله دون جهد جهيد، من خلال قوة حضورها المؤثر بصدرها ~~الكبير ونظاراتها ومسحوق التلك الذي يعطرها وبراءة ملامحها، ورفضها إدراك وجود أي اختلاف ~~بين المراهقين (لم تكن تستخدم تلك الكلمة) وبين طلاب الصف الرابع. ذات يوم كتبت قصيدة طويلة ms231 ~~على السبورة وطلبت من الجميع نسخها، ثم حفظها عن ظهر قلب، على أن يسردوها غيبا في اليوم ~~التالي. كان ذلك حين كانت روز في السنة الثالثة أو الرابعة من المرحلة الثانوية، ولم تكن ~~تصدق أن هذه التعليمات يجب أن تؤخذ حرفيا؛ فقد كانت تحفظ الشعر بسهولة، ما جعل من المنطقي ~~بالنسبة لها أن تتجاوز عن الخطوة الأولى. فقرأت القصيدة وحفظتها، بيتا بيتا، ثم رددتها في ~~عقلها مرتين، وبينما كانت تفعل ذلك، سألتها الآنسة هاتي لماذا لم تقم بنسخها. # فأجابت روز بأنها كانت تعرف القصيدة بالفعل، على الرغم من أنها لم تكن واثقة تماما من ~~كون ذلك صحيحا. # قالت الآنسة هاتي: «أحقا تعرفينها. إذن قفي واجعلي وجهك لمؤخرة الفصل.» # فعلت روز ذلك وهي ترتجف جراء ما أبدته من تفاخر. ~~«الآن رددي القصيدة أمام الفصل.» # كانت ثقة روز في محلها؛ فقد رددتها دون أدنى مشكلة. # ما الذي توقعت أن يحدث بعد ذلك؟ دهشة وإطراءات واحترام غير معهود؟ # قالت الآنسة هاتي: «حسنا، ربما تكونين على دراية بالقصيدة، ولكن هذا ليس عذرا لعدم ~~تنفيذ ما طلب منك. اجلسي واكتبيها في دفترك. أريدك أن تكتبي كل بيت ثلاث مرات، وإذا لم ~~تنتهي، فستبقي لما بعد الرابعة.» # واضطرت روز بالطبع للبقاء بعد الرابعة وهي تستشيط غضبا ومنهمكة في الكتابة بينما كانت ~~الآنسة هاتي تخرج أدوات الكروشيه الخاصة بها. وحين وضعت روز النسخة المكتوبة على مكتبها، ~~قالت الآنسة هاتي برقة كافية مغلفة بالحسم: «لا يمكنك أن تمضي وأنت تعتقدين أنك أفضل من ~~الآخرين لمجرد أن بإمكانك حفظ القصائد. من تظنين نفسك؟» # لم تكن تلك هي المرة الأولى في حياتها التي تسأل فيها روز من تظن نفسها؛ بل إن السؤال ~~غالبا ما يخطر لها كناقوس ذي رنين رتيب ولم تكن تلقي له بالا. ولكنها فهمت بعد ذلك أن ~~الآنسة هاتي لم تكن معلمة سادية تتلذذ بتعذيب طلابها؛ فقد أحجمت عن قول ما قالته الآن أمام ~~الفصل. ولم تكن انتقامية؛ فهي لم تكن تنتقم؛ لاعتقادها أن روز قد أثبتت ms232 أنها مخطئة . لقد كان ~~الدرس الذي تحاول تلقينها إياه هنا أهم بالنسبة لها من أية قصيدة، وكانت تعتقد حقا أن روز ~~بحاجة إليه، ويبدو أن كثيرين آخرين كانوا يعتقدون أنها بحاجة إليه أيضا. ~~••• # دعي جميع طلاب الفصل في نهاية السنة الأخيرة لحضور عرض لشرائح الفانوس السحري في منزل آل ~~ميلتون. كانت شرائح العرض من الصين، حيث كانت الآنسة ماتي، التوءم التي لا تعمل، في بعثة ~~تبشيرية في شبابها. كانت الآنسة ماتي في غاية الخجل، ولذا بقيت في الخلفية تقوم بتشغيل ~~الشرائح، بينما تولت الآنسة هاتي التعليق عليها. عرضت شرائح الفانوس صورا لقرية صفراء، ~~كما كان متوقعا إلى حد بعيد؛ فكانت التلال صفراء، والسماء صفراء، والناس ذوي بشرة صفراء، ~~والعربات اليدوية، والمظلات، التي كانت جميعا جافة وذات شكل أشبه بالورق، وهشة، مع خطوط ~~سوداء متعرجة حيث كان الطلاء متشققا، على المعابد والطرق والوجوه. كانت تلك هي المرة ~~الأولى والوحيدة التي جلست فيها روز في ردهة منزل آل ميلتون، وفي تلك الفترة كان ماو يتولى ~~الحكم في الصين، وكانت الحرب الكورية على أشدها، ولكن الآنسة هاتي لم تقدم أية تنازلات ~~للتاريخ، مثلما لم تقدم تنازلات لحقيقة أن أفراد جمهورها كانوا ما بين الثامنة عشرة ~~والتاسعة عشرة من عمرهم. # قالت الآنسة هاتي: «الصينيون وثنيون غير متمدنين، وهذا هو السبب في وجود متسولين ~~لديهم.» # كان هناك متسول يجلس على ركبتيه في الشارع ويمد ذراعيه لسيدة ثرية تجلس في العربة التي ~~يسوقها رجل، دون أن تلقي له بالا. # قالت الآنسة هاتي: «إنهم يأكلون أشياء لا نستطيع أن نلمسها.» كانت هناك صور لصينيين ~~يغرسون عصيا في أطباق. «ولكنهم يتبعون نظاما غذائيا أفضل حين يتحولون إلى المسيحية. ~~فقد كان الرعيل الأول من المسيحيين أطول ببوصة ونصف.» # ظهر في الصور المسيحيون من الرعيل الأول واقفين في صف فاغرين أفواههم، يغنون على الأرجح، ~~يرتدون ثيابا باللونين الأبيض والأسود. # بعد انتهاء العرض، قدمت أطباق تحمل شطائر وبسكويتا وكعكا، جميعها معدة في المنزل ~~ومذاقها غاية في الروعة. وفي أكواب ورقية صب ms233 كوكتيل من عصير العنب وجعة الزنجبيل. كان ~~ميلتون جالسا في أحد الأركان مرتديا سترته الثقيلة الصوفية الخشنة وقميصا أبيض ورابطة ~~عنق، تساقطت عليها بعض قطرات الكوكتيل وفتات الطعام. # قالت فلو بنبرة يشوبها التهديد قاصدة ميلتون: «يوما ما سوف ينفجر في وجوههم.» هل كان من ~~الممكن أن يكون هذا هو السبب في قدوم الناس، عاما بعد عام، لمشاهدة شرائح الفانوس وتناول ~~الكوكتيل الذي كان محور كل الدعابات والنكات؟ ليروا ميلتون بوجنتيه ومعدته المنتفخين وكأنما ~~كان - بسوء قصد - على استعداد لينفث ما في فمه عليهم؟ إن كل ما فعله أنه قد أتخم نفسه ~~بالطعام بكم لا يصدق. بدا وكأنه قد ابتلع مربعات التمر والكعك المحلى وقطع النانيمو وحبات ~~الفاكهة وكعك الزبد، وكعك البراوني معا، مثلما تلتهم الأفعى الضفادع. كان ميلتون منتفخا ~~مثلها تماما. ~~••• # كان الميثوديون قوما يتلاشى نفوذهم في هانراتي، ولكن ببطء؛ فقد ولت أيام فصل الإنجيل ~~الإجباري. ربما لم يدر آل ميلتون ذلك، وربما كانوا يدرون، ولكنهم كانوا يضعون قناعا ~~بطوليا على انحدارهم؛ فكانوا يتصرفون وكأن شروط التقوى لم تتغير، وكأن صلتها بالرخاء ورغد ~~العيش لم تتغير. كان منزلهم الطوبي، المتخم بالرفاهية، ومعاطفهم بياقاتها ذات الفراء الأنيق ~~الباهت، كلها تصدع بالميثودية، في افتقارها المتعمد للأناقة، وثقلها، وملاءمتها. كان كل شيء ~~يتعلق بهم يبدو وكأن لسان حاله يقول إنهم قد كدوا في العمل الدنيوي لأجل الله، وأن الله ~~لم يخذلهم. فلأجل الله كانت أرضية الردهة مصقولة بالشمع حول السجادة الطويلة، والسطور ~~مرسومة بشكل متقن بقلم واضح في دفتر الشيكات، والنباتات الاستوائية مزدهرة، والأموال وجدت ~~طريقها إلى البنك. # لكن وقعت أخطاء في تلك الأيام، وكان الخطأ الذي ارتكبته السيدتان ميلتون يتمثل في ~~صياغتهما عريضة احتجاج تمهيدا لإرسالها إلى هيئة الإذاعة الكندية تطالبان فيها بحذف ~~البرامج التي تتعارض مع مواعيد الذهاب إلى الكنيسة في ليالي الأحد من خريطة البث: إدجار ~~برجن وتشارلي ماكارثي؛ جاك بيني؛ فريد آلين. وجعلتا الكاهن يتحدث عن عريضتهما في الكنيسة. ~~كان ذلك في الكنيسة المتحدة حيث كانت الطائفة الإنجيلية المشيخية ms234 والطائفة الجماعية تفوقان ~~الطائفة الميثودية من حيث العدد، ولم تكن روز قد شهدت هذا المشهد بعينيها، بل وصفته لها ~~فلو. فبعد أن ظلتا منتظرتين، اعتزمت الآنسة هاتي والآنسة ماتي، كل على أحد جانبي الحشد ~~المجتمع، استقطاب الناس وحملهم على التوقيع على العريضة، التي كانت موضوعة على طاولة ~~صغيرة في رواق الكنيسة. كان ميلتون هومر جالسا خلف تلك الطاولة. كان لزاما عليه أن يكون ~~موجودا؛ فلم تكونا تدعانه يفلت من الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، وكلفتاه بمهمة لتشغلاه؛ ~~فكان مسئولا عن أقلام الحبر، وكانت مهمته التأكد من أنها ممتلئة ومناولتها ~~للموقعين. # جاء بعد ذلك الجزء البديهي من الخطأ؛ فقد واتت ميلتون فكرة رسم شوارب على وجهه، وقام بذلك ~~بالفعل دون الاستعانة بمرآة، فامتدت الشوارب تلتف إلى وجنتيه الكبيرتين الحزينتين، لأعلى ~~نحو عينيه المحتقنتين بالدم اللتين تطايرت منهما نذر السوء. وكان قد وضع القلم في فمه ~~أيضا، ومن ثم تلطخت شفتاه بالمداد. باختصار، جعل من نفسه مشهدا كوميديا لدرجة أنه قد ~~صار ممكنا التعامل مع العريضة التي لم يكن أحد يريدها في الواقع ككوميديا أيضا، وصار ~~بالإمكان النظر إلى نفوذ الأختين ميلتون، سلالة الميثوديين المؤسسين لمشغل الكتان، كشيء من ~~الماضي. فابتسم الناس وانصرفوا؛ لم يكن هناك شيء يمكن فعله. بالطبع لم تعنفه السيدتان ~~ميلتون أو تحاولا تهذيبه بأي شيء أمام العامة، واكتفتا فقط بتحميله العريضة وأخذتاه إلى ~~المنزل. # قالت فلو: «كانت تلك هي النهاية لاعتقادهما أن بوسعهما التحكم في الأمور.» وكما هو الحال ~~دائما، كان من الصعب تحديد أية هزيمة سعدت أكثر برؤيتها؛ هل كانت الهزيمة على الصعيد ~~الديني أم هزيمة التصنع والإدعاء؟ ~~••• # كان الصبي الذي أطلع روز على القصيدة في حصة الآنسة هاتي للغة الإنجليزية في مدرسة ~~هانراتي الثانوية هو رالف جيلسبي، وهو نفس الصبي الذي تخصص في تقليد ميلتون هومر. وحسبما ~~تتذكر روز، لم يكن قد بدأ في مسألة التقليد تلك في الوقت الذي أطلعها فيه على القصيدة، فقد ~~جاءت لاحقا، خلال الأشهر القليلة الأخيرة له في المدرسة. كان في ms235 معظم الحصص يجلس أمام روز ~~أو خلفها، لأن كليهما بدأ اسمه بنفس الحرف. وخلاف ذلك التقارب الأبجدي، كان بينهما شيء أشبه ~~بتماثل عائلي، ليس في الشكل وإنما في العادات أو الميول. وبدلا من أن يتسبب لهما ذلك في ~~الإحراج، كما كان سيحدث لو كانا أخا وأختا بالفعل، جمع بينهما في مؤامرة نافعة. كان ~~كلاهما يفقد جميع الأقلام الرصاص، والمساطر، والمماحي، وسنون أقلام الحبر، والورق المسطر، ~~وأرواق الرسم البياني، والفرجار، والمناقل، اللازمة لحياة مدرسية ناجحة، أو يضعانها في موضع ~~غير موضعها، أو لا يوفران لأنفسهما ما يكفي منها مطلقا؛ كلاهما كان يلطخ نفسه بالمداد، ~~وعرضة لحوادث السكب وتجفيف الحبر؛ كلاهما كان مهملا في أداء الفروض المدرسية، ولكن يصيبهما ~~الذعر من عدم القيام بها. لذا كانا يبذلان أقصى جهدهما ليساعد أحدهما الآخر، بمشاركة أي ~~موارد بحوزتهما، واستجداء من حولهما من الطلاب الأحسن تدبيرا، والبحث عن الفرض المدرسي ~~لأحد الطلاب لنسخه. نشأت فيما بينهما ما يشبه زمالة الأسرى أو الجنود الذين لا يقوون على ~~الخروج في الحملات، ولا يتمنون سوى البقاء وتجنب المعركة. # لم يكن ذلك هو كل شيء؛ فقد أصبحت أحذيتهما على معرفة وثيقة ببعضها، إذ كانت تشتبك وتتدافع ~~في اشتباكات اتخذت طابعا وديا وخاصا، وفي بعض الأحيان كانا يسترخيان معا للحظات في ~~محاولة للتشجيع المبدئي؛ وكان ذلك العطف المتبادل يعينهما بشكل خاص على اجتياز تلك اللحظات ~~التي كان يتم فيها اختيار طلاب لحل مسائل رياضية على السبورة. # ذات مرة دخل رالف بعد الظهر وقد غطى شعره الثلج، فانحنى للأمام ونفض الثلج على مكتب روز ~~قائلا: «ألديك مثل تلك القشرة الزرقاء؟» ~~«كلا، إن قشوري بيضاء.» # بدت تلك لحظة من الألفة في نظر روز، بصراحتها الطبيعية، ودعابات الطفولة المستحضرة. ذات ~~يوم آخر، في ساعة الظهيرة، وقبل أن يدق الجرس، دخلت روز الفصل ووجدته، وسط حلقة من ~~المتفرجين، يمارس تقليده لميلتون هومر. انتابها الدهشة والقلق؛ اندهشت لأن خجله في الفصل ~~دائما ما كان يماثل خجلها، وكان من أحد الأشياء التي جمعتهما؛ أما القلق، فكان ms236 لخشيتها من ~~أنه قد لا يستطيع النجاح في مهمته ويفشل في إضحاكهم. ولكنه أجاد بشكل رائع؛ فقد اتخذ وجهه ~~الكبير الشاحب الرقيق ملامح اليأس الأحمق الذي كان يظهر على وجه ميلتون؛ وكانت عيناه تجحظان ~~ووجنتاه تهتزان وكلماته تخرج بنبرة رتيبة تنويمية جشاء. كان ناجحا لدرجة أذهلت روز وأذهلت ~~الجميع أيضا. ومنذ ذلك الحين بدأ رالف في ممارسة التقليد؛ كان يقلد كثيرين، ولكن ميلتون ~~هومر كان بمنزلة علامته المسجلة. لم تتعاف روز قط من هاجس ودي فيما يتعلق به، كان لديها ~~شعور آخر أيضا نحوه، لم يكن حسدا وإنما نوعا متقلقلا من الحنين والتوق. كانت تريد أن ~~تفعل المثل، لا أن تقلد ميلتون هومر؛ إذ لم تكن ترغب في ذلك، وإنما أرادت أن تشبع طموحها ~~بتلك الطريقة السحرية المحررة، أرادت أن تغير نفسها؛ كانت تريد امتلاك الشجاعة ~~والقدرة. # لم يمر وقت طويل على ظهور تلك المواهب علانية قبل أن يترك رالف جيلسبي المدرسة. افتقدت ~~روز قدميه وأنفاسه وأصابعه وهي تنقر على كتفها. كانت تقابله بين الحين والآخر في الشارع، ~~ولكنه لم يكن يبدو نفس الشخص تماما. لم يكونا يتوقفان مطلقا للحديث معا، فقط يتبادلان ~~التحية وينطلقان مسرعين. ظلا سنوات قريبين ويجمع بينهما نوع من التواطؤ، أو هكذا بدا ~~الأمر، واحتفظا طوال تلك المدة بنوع من الألفة الزائفة، ولكنهما لم يكونا يتحدثان معا قط ~~خارج نطاق المدرسة، ولم يتجاوزا مطلقا حدود المعرفة بالغة الرسمية أحدهما للآخر، وبدا ~~أنهما لم يستطيعا ذلك الآن أيضا. لم تقدم روز قط على أن تسأله لم هجر المدرسة، بل لم ~~تكن تعرف حتى إذا كان قد عثر على وظيفة. كان كلاهما يعرف الآخر كملامح منفصلة، ولكن لم ~~يستطع أحدهما مواجهة الآخر ككيان كامل. # بعد فترة لم تعد روز تراه في الشارع، وسمعت أنه التحق بسلاح البحرية. لا بد أنه كان ينتظر ~~حتى يبلغ السن المناسبة للقيام بذلك. التحق رالف بالبحرية وغادر إلى هاليفاكس. كانت الحرب ~~قد وضعت أوزارها، والقوات البحرية تمارس مهام وقت السلم لا أكثر. وعلى ms237 النحو نفسه كان ~~غريبا بالنسبة لها أن تتخيل رالف جيلسبي في زي البحرية الرسمي، على ظهر مدمرة، وربما يطلق ~~المدفعيات. كانت روز قد بدأت للتو في إدراك أن الصبية الذين عرفتهم، مهما قد يبدو عليهم من ~~افتقار للكفاءة والمقدرة، سوف يصبحون رجالا، ويسمح لهم بالقيام بالأشياء التي كانت تعتقد ~~أنها تتطلب موهبة وصلاحية أكبر بكثير مما لديهم. # في فترة ما قبل أن تهجر المتجر، وقبل أن يسبب لها التهاب المفاصل عجزا بالغا، كانت فلو ~~تخرج لمباريات البينجو وفي بعض الأحيان كانت تلعب الورق مع جيرانها في قاعة. حين كانت تعود ~~روز إلى المنزل في زيارة كان الدخول في حديث معها أمرا عسيرا، لذا كانت تسأل فلو عن ~~الاشخاص الذين رأتهم في القاعة. كانت تطلب منها أخبارا عن اثنين من جيلها هما هورس نيكلسون ~~ورانت تشيسترتون، اللذين لم تستطع حقا أن تتخيلهما رجالا ناضجين؛ هل شاهدتهما ~~فلو؟ ~~«هناك شخص أراه هناك طوال الوقت، رالف جيلسبي.» # فقالت روز إنها اعتقدت أن رالف جيلسبي في البحرية. ~~«كان هناك بالفعل، ولكنه عاد الآن. لقد تعرض لحادث.» ~~«حادث من أي نوع؟» ~~«لا أدري. كان ذلك في البحرية. لقد مكث في مستشفى البحرية ثلاث سنوات كاملة. كان عليهم أن ~~يعيدوا ترميمه من البداية. إنه بخير الآن، فيما عدا أنه يمشي بعرج؛ إنه يمشي بصعوبة نوعا ~~ما.» ~~«أمر سيئ للغاية.» ~~«حسنا، نعم. هذا رأيي أنا أيضا؛ فأنا لا أحمل أية ضغينة تجاهه، ولكن ثمة بعض الناس في ~~قاعة المحاربين القدماء لديهم شعور سيئ تجاهه.» ~~«يحملون ضغينة تجاهه؟» # قالت فلو في دهشة وتهكم على روز لعدم وضعها في الاعتبار حقيقة أساسية من حقائق الحياة، ~~وتوجها طبيعيا للغاية في هانراتي: «بسبب المعاش. إنهم يعتقدون أنه يحصل على ما يكفيه ~~لبقية حياته. أنا أقول إنه لا بد أنه عاني من أجل ذلك. يقول البعض إنه يحصل على الكثير، ~~لكنني لا أعتقد ذلك. إنه لا يحتاج للكثير، فهو يعيش بمفرده. ولكنه لا يعترف إذا كان يعاني ~~ألما. مثلي. فأنا لا أعترف. ms238 ابكي وسوف تبكين وحدك. إنه لاعب نيشان بارع، كما يبرع في لعب ~~أي لعبة، ويمكنه أيضا أن يقلد الآخرين ببراعة.» ~~«ألا يزال يقلد ميلتون هومر؟ اعتاد أن يقلده في المدرسة.» ~~«نعم يقلده، إنه مضحك للغاية في ذلك. إنه يقلد أشخاصا آخرين كذلك.» ~~«ألا يزال ميلتون هومر حيا؟ ألا يزال يخرج في العروض والمسيرات؟» # بالتأكيد لا يزال حيا، ولكنه هدأ كثيرا. إنه هناك في دار الرعاية ويمكنك أن تريه في ~~يوم مشمس من على الطريق السريع يراقب حركة السيارات ويلعق الآيس كريم. لقد توفيت ~~السيدتان.» ~~«إذن لم يعد يشارك في العروض؟» ~~«لم يعد هناك عروض ليشارك فيها، لقد تراجعت العروض إلى حد بعيد؛ فجميع أفراد جماعة ~~الأورانج على فرش الموت، ولن يكون هناك إقبال على أي حال؛ إذ أصبح الناس يفضلون البقاء ~~بالمنزل ومشاهدة التليفزيون.» ~~••• # في زيارات لاحقة وجدت روز أن فلو قد انقلبت على قاعة المحاربين القدماء. ~~«لا أريد أن أكون ضمن هؤلاء المعتوهين.» ~~«أي معتوهين؟» ~~«هؤلاء الجالسين هناك يروون نفس القصص الحمقاء ويحتسون الجعة. إنهم يصيبونني ~~بالغثيان.» # كان ذلك جزءا لا يتجزأ من طبيعة فلو؛ فكان الأشخاص، والأماكن، ووسائل التسلية تدخل دائرة ~~التفضيل فجأة وتخرج منها فجأة. ومع السن صارت الانقلابات أكثر حدة وتكرارا. ~~«ألم تعودي تحبين أيا منهم؟ ألا يزال رالف جيلسبي يتردد على المكان؟» ~~«أجل، إنه يحبه لدرجة أنه حاول أن يجد لنفسه وظيفة هناك، لقد حاول أن يحصل على وظيفة ~~بدوام جزئي بالحانة. يقول بعض الناس إنه قد قوبل بالرفض؛ لأن لديه معاشا بالفعل، ولكن ~~أعتقد أنه رفض بسبب سوء سلوكه.» ~~«كيف؟ هل يعاقر الخمور إلى حد الثمالة؟» ~~«لا يمكنك الجزم بذلك، إنه يتبع نفس النهج، التقليد، ولنصف الوقت تجدينه يقلد شخصا لا ~~يعرف الوافدون الجدد إلى البلدة حتى من هو هذا الشخص، ومن ثم يظنون أن رالف يتحامق لا ~~أكثر.» ~~«مثل ميلتون هومر؟» ~~«هذا صحيح. كيف لهم أن يعرفوا أنه من المفترض أن يكون ميلتون هومر، وكيف يبدو ميلتون ~~هومر؟ إنهم لا يعرفون. إن رالف ms239 لا يعرف متى يتوقف. لقد ظل يقلد ميلتون هومر حتى بدا أحمق ~~مثله ورفض الجميع منحه وظيفة.» ~~••• # بعد أن اصطحبت روز فلو إلى الدار - لم تر ميلتون هومر هناك، وإن كانت قد رأت أشخاصا ~~آخرين ظنت أنهم قد قضوا منذ زمن - ومكثت بالمنزل لتنظيفه وتجهيزه للبيع، قام جيران فلو - ~~الذين فكروا أنها لا بد وحيدة في ليلة سبت - باصطحابها إلى قاعة المحاربين القدماء. لم تعرف ~~كيف ترفض، ومن ثم وجدت نفسها تجلس إلى طاولة طويلة في الطابق السفلي للقاعة، حيث تقع ~~الحانة، في نفس اللحظة التي كان يعبر فيها آخر شعاع للشمس حقول الفاصوليا والذرة، عبر ساحة ~~انتظار السيارات المغطاة بالحصى، ويخترق النوافذ العالية صابغا الجدران ذات الخشب ~~الرقائقي. كانت الجدران تعج بصور فوتوغرافية حملت أسماء مكتوبة بخط يدوي لصقت على إطاراتها. ~~نهضت روز لتلقي نظرة عليها. حرب المائة والستة أيام، قبيل الإبحار مباشرة، 1915. ثمة صور ~~للعديد من أبطال تلك الحرب، حمل أسماءهم الأبناء وأبناء الأشقاء، ولكن لم يكن وجودهم ~~معروفا لها. حين عادت إلى الطاولة، كانت مباراة في لعب الورق قد بدأت. تساءلت إن كان ~~النهوض عن الطاولة للنظر إلى الصور قد تسبب في تشويش. ربما لم يسبق أن نظر أحد إليها ~~مطلقا؛ ربما لم تكن تلك الصور للمشاهدة؛ كانت هناك فحسب، مثل الخشب الرقائقي على الجدران. ~~دائما ما ينظر الزوار من الغرباء إلى الأشياء، ويبدون اهتماما بها، ويتساءلون من هذا، ~~ومتى كان ذاك، محاولين نفخ الروح في الحوار. إنهم يقدمون الكثير، ويرغبون في الخروج ~~بالكثير، وربما كان يبدو الأمر وكأنها تجوب أرجاء المكان طلبا لاهتمام الآخرين. # جلست سيدة وقدمت نفسها. كانت زوجة أحد الرجال الذين يلعبون الورق. قالت مخاطبة روز: «لقد ~~رأيتك على شاشة التليفزيون.» كانت روز دائما ما تعمد قليلا إلى التبرير والاعتذار حين ~~يقول أحدهم ذلك؛ لذا كان عليها أن تحكم السيطرة على ما كانت تدركه في نفسها من اندفاع ~~سخيف للاعتذار. وهنا، في هانراتي، كان هذا الاندفاع أقوى من المعتاد. كانت مدركة أنها قد ~~فعلت ms240 أشياء لا بد أنها بدت متفاخرة. تذكرت أيامها كمحاورة تليفزيونية، وثقتها وسحرها ~~الخادعين؛ وفي هانراتي لا بد أنهم يدركون كم كان ذلك مجرد بهرجة زائفة أكثر من أي مكان آخر. ~~أما عملها بالتمثيل، فذاك شأن آخر. لم تكن الأشياء التي تخجل منها هي تلك التي لا بد أنهم ~~يعتقدون أنها تخجل منها؛ لم يكن الخجل من صدر عار مترهل، وإنما من فشل لم تستطع فهمه أو ~~تفسيره. # لم تكن السيدة التي تتحدث إليها من هانراتي، فقد قالت إنها جاءت من سارنيا حين تزوجت من ~~خمسة عشر عاما. ~~«ما زلت أجد صعوبة في التعود. والحق أنني أجد صعوبة في التعود عليها بعد الحياة في ~~المدينة. تبدين أفضل في الطبيعة من المسلسل.» # قالت روز: «أتمنى ذلك.» وراحت تحدثها كيف كانوا يضعون لها مساحيق التجميل. كان الناس ~~يبدون اهتماما بمثل تلك الأشياء، وكانت روز أكثر ارتياحا بمجرد أن تحولت دفة الحديث إلى ~~التفاصيل الفنية. # قالت السيدة: «حسنا، ها هو رالف العجوز.» وتحركت لتفسح مكانا لرجل نحيف أشيب الشعر يحمل ~~بين يديه كوبا من الجعة. كان هذا الرجل هو رالف جيلسبي. لم تكن روز لتعرفه لو كانت قد ~~قابلته في الشارع، وكان سيبدو غريبا بالنسبة لها، ولكن بعد أن أنعمت النظر إليه للحظات، لم ~~يبد هناك أي تغيير قد طرأ عليه، لم يتغير عن الشخص الذي كان عليه وهو في السابعة عشرة أو ~~الخامسة عشرة، كان شعره الرمادي - الذي كان بنيا فاتحا في الماضي - لا يزال منسدلا على ~~جبهته، ووجهه لا يزال شاحبا وهادئا وكبيرا بالنسبة لجسمه، تكسو وجهه نفس النظرة الخجولة ~~الحذرة الكتومة. ولكن كان جسده أكثر نحافة، وبدت كتفاه وكأنما انكمشتا معا. كان يرتدي كنزة ~~ذات أكمام قصيرة بياقة صغيرة وثلاثة أزرار تزيينية؛ كانت زرقاء فاتحة بخطوط طولية باللونين ~~البيج والأصفر. بدت هذه الكنزة لروز تشير إلى أناقة رجل تقدم في العمر، شكل من المراهقة ~~المتحجرة. لاحظت أن ذراعيه هرمتين ونحيلتين وأن يديه ترتجفان بشدة لدرجة أنه كان يستخدمهما ~~معا لرفع كوب ms241 الجعة إلى فمه. # قالت السيدة القادمة من سارنيا: «لن تمكثي هنا طويلا، أليس كذلك؟» # فقالت روز إنها متوجهة إلى تورونتو غدا الأحد، ليلا. # قالت السيدة: «لا بد أن لديك حياة حافلة.» قالتها بتنهيدة كبيرة، لاح فيها حسد واضح كان ~~كفيلا في حد ذاته بأن يعلن عن أصول صاحبته التي لا تنتمي للبلدة. # كانت روز تفكر أنها ستتجه يوم الاثنين لمقابلة رجل لتناول الغداء وممارسة الحب. كان هذا ~~الرجل هو توم شبرد، الذي عرفته منذ فترة طويلة. في وقت ما وقع في حبها، وكان يكتب لها ~~خطابات غرامية، وفي آخر مرة كانت معه في تورونتو، وبينما كانا معا في الفراش يحتسيان الجين ~~والتونيك - إذ كانا دائما ما يمعنان في الشرب حين يكونان معا - خطر لروز فجأة، أو علمت، ~~أن هناك شخصا ما في حياته الآن، امرأة يحبها، وكان يغازلها ويتودد إليها من بعيد، وربما ~~يكتب لها خطابات، وأنه كان هناك حتما امرأة أخرى يضاجعها بعنف وقوة في الوقت الذي كان يكتب ~~فيه لها هي الخطابات. كذلك، وطوال الوقت، كانت هناك زوجته. أرادت روز أن تسأله عن هذا؛ عن ~~الضرورة، الصعوبات، الرغبات المشبعة. كان اهتمامها ودودا وغير انتقادي، ولكن كان لديها من ~~الإدراك ما يكفي لأن تعرف أن السؤال لن يفيد. # تحولت المحادثة في قاعة المحاربين القدماء إلى تذاكر اليانصيب، ومباريات البينجو، ~~والمكاسب. كان الرجال الذين يلعبون الورق - وكان من ضمنهم جار فلو - يتحدثون عن رجل من ~~المفترض أنه قد فاز بعشرة آلاف دولار، ولم يعلن الحقيقة؛ لأنه قد أفلس قبل بضع سنوات ويدين ~~بأموال لكثير من الناس. # قال أحدهم إنه لو كان قد أعلن إفلاسه، لما أصبح مدينا بأي أموال بعد ذلك. # فقال آخر: «ربما لم يكن مدينا بها آنذاك. ولكنه يدين بها الآن. والسبب هو أنه قد حصل ~~عليها الآن.» # ولاقى هذا الرأي تأييدا بشكل عام. # نظرت روز ورالف جيلسبي أحدهما إلى الآخر. كانت هناك نفس الدعابة الصامتة، نفس التواطؤ، ~~الارتياح؛ نفس كل شيء. # قالت روز: «سمعت أنك مقلد بارع.» ms242 # كان ذلك خطأ؛ لم يكن ينبغي أن تقول أي شيء. فهز رأسه ضاحكا. ~~«أوه، هيا. سمعت أنك تقلد ميلتون هومر بشكل مثير.» ~~«لا أعرف شيئا عن ذلك.» ~~«ألا يزال موجودا؟» ~~«على حد علمي هو موجود في دار المسنين.» ~~«أتذكر الآنسة هاتي والآنسة ماتي؟ حين أقامتا عرض شرائح الفانوس السحري في ~~منزلهما.» ~~«بالتأكيد.» ~~«لا تزال صورتي الذهنية عن الصين قائمة إلى حد كبير على تلك الشرائح.» # مضت روز تتحدث هكذا، على الرغم من أنها تمنت لو استطاعت أن تتوقف. كانت تتحدث بأسلوب ربما ~~كان سيعتبر في مكان آخر مسليا ووديا ولعوبا ولا مغزى من ورائه. لم تتلق استجابة ~~كبيرة من رالف جيلسبي، على الرغم من أنه بدا منتبها ومرحبا. وطوال الوقت الذي تحدثت فيه ~~كانت تتساءل عما كان يريد أن يسمعه منها. لقد كان يريد شيئا بالفعل، ولكنه لم يكن ليقدم ~~على أية خطوة للحصول عليه. وكان لا بد لانطباعها الأول عنه كشخص متملق خجول خجلا صبيانيا ~~أن يتغير. كان هذا هو ظاهره. أما في داخله، فكان مغرورا، ومستسلما لحياة الارتباك ~~والحيرة، ومعتدا بنفسه. كانت تتمنى لو تحدث إليها من هذا المستوى، وكانت تعتقد أنه يتمنى ~~ذلك أيضا، ولكن كان هناك ما يمنعهما. # ولكن حين تذكرت روز تلك المحادثة غير المرضية، بدا وكأنها قد استرجعت موجة من الطيبة، ~~والتعاطف، والصفح، على الرغم من عدم التفوه بأية كلمات من هذا القبيل. وبدا ذلك الخزي الذي ~~تحمله معها أينما ذهبت وقد خفت وطأته. لقد كان الشيء الذي تخجل منه، في التمثيل، أنها ~~ربما كانت تلفت الانتباه إلى الأشياء الخاطئة، وتجسد سلوكيات هزلية تثير الضحك، حينما كان ~~هناك دائما شيء أبعد، نبرة، عمق، ضوء، لم تستطع ولم تكن لتستطيع الوصول إليه. ولم تكن ~~شكوكها بهذا الشأن مقتصرة على التمثيل فقط؛ فكل شيء فعلته كان يمكن النظر إليه في بعض ~~الأحيان كخطأ. ولم يكن شعورها بهذا قويا مثلما كان حين تحدثت إلى رالف جيلسبي، ولكن عندما ~~فكرت فيه بعد ذلك بدت أخطاؤها غير ذات أهمية. ms243 كان لديها من الشجاعة بما يكفي لتتساءل عما ~~إذا كانت مشاعرها نحوه مجرد حميمية جنسية، فضول جنسي؛ لم تكن تعتقد أنه كان كذلك. يبدو أن ~~هناك مشاعر لا يمكن التحدث عنها إلا من خلال ترجمتنا لها؛ وربما لا يمكن التصرف على أساسها ~~إلا من خلال هذه الترجمة؛ لذا فإن عدم الحديث عنها وعدم التصرف على أساسها هو المسار الصحيح ~~الذي يجب اتخاذه؛ لأن هذه الترجمة مشكوك فيها، وخطيرة أيضا. # لهذه الأسباب لم توضح روز أي شيء آخر عن رالف جيلسبي لبراين وفيبي حين استرجعت احتفال ~~ميلتون هومر مع المواليد أو تعبيره عن سعادة شيطانية وهو على الأرجوحة. بل لم تذكر حتى أنه ~~قد توفي. كانت تعلم أنه قد توفي؛ لأنه كان لا يزال لديها اشتراك في جريدة هانراتي. وكانت ~~فلو قد منحت روز اشتراكا لمدة سبع سنوات في عيد الميلاد الماضي حين شعرت بأنها مضطرة ~~لتقديم هدية؛ وكعادة فلو كانت تقول إن الصحيفة متاحة لكي يشترك الناس فيها فقط وليس بها ما ~~يستحق القراءة. عادة ما كانت روز تقلب صفحات الجريدة سريعا وتضعها في الموقد، ولكنها رأت ~~الخبر الذي كان في الصفحة الأولى عن رالف: # وفاة ضابط سابق في البحرية # أصيب السيد رالف جيلسبي، ضابط صف بحري متقاعد، بإصابات خطيرة في الرأس في قاعة ~~المحاربين القدماء ليلة السبت الماضي. لم يتورط أي شخص في الحادث، ولسوء الحظ لم ~~تكتشف جثة السيد جيلسبي إلا بعد مرور عدة ساعات. ويعتقد أنه قد ظن خطأ أن باب ~~القبو هو باب الخروج واختل توازنه، الذي لم يكن مستقرا بسبب إصابة قديمة ألمت ~~به خلال عمله بالبحرية وتركته مصابا بعجز جزئي. # ومضت الصحيفة تسرد أسماء والدي رالف، اللذين كانا فيما يبدو لا يزالان ~~على قيد الحياة، وأخته المتزوجة. وقد تولت رابطة المحاربين القدماء مراسم الجنازة. # لم تخبر روز أحدا بذلك، وكانت سعيدة لوجود ولو شيء واحد لم تفسده بإخبار الآخرين عنه، ~~على الرغم من أنها كانت تعرف أن عدم وجود مادة هو ما منعها من ms244 التحدث بقدر ما منعها ذلك ~~التكتم المشرف. فما الذي كان يمكنها أن تقوله عن نفسها وعن رالف جيلسبي، عدا أنها شعرت أن ~~حياته - القريبة من حياتها، بل الأقرب إلى حياتها من حياة الرجال الذين أحبتهم - أفضل ~~قليلا من حياتها؟ ms245