######OpenITI# #META# URI: 1450AnonymousTranslator.Mukhtarat.Hindawi37468682 #META# Tags: philosophy #META# ID: 37468682 #META# Title: مختارات من مقالات أمرسن #META# AuthorID: 71316163 #META# Author: محمود محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: 1299RalphWaldoEmerson.Mukhtarat (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم المترجم‏ # العالم الأمريكي‏ # خطاب‏ # المقالات: المجموعة الأولى‏ # التاريخ‏ # الاعتماد على النفس‏ # التعويض‏ # الحب‏ # الصداقة‏ # البطولة‏ # العقل‏ # المقالات: المجموعة الثانية‏ # الشاعر‏ # الخبرة‏ # الشخصية‏ # الآداب‏ # السياسة‏ # تقديم المترجم‏ # العالم الأمريكي‏ # خطاب‏ # المقالات: المجموعة الأولى‏ # التاريخ‏ # الاعتماد على النفس‏ # التعويض‏ # الحب‏ # الصداقة‏ # البطولة‏ # العقل‏ # المقالات: المجموعة الثانية‏ # الشاعر‏ # الخبرة‏ # الشخصية‏ # الآداب‏ # السياسة‏ # | مختارات من مقالات أمرسن # | مختارات من مقالات أمرسن # جمع وترجمة # محمود محمود # | تقديم المترجم # رالف والدو أمرسن كاتب أمريكي، بل كاتب عالمي، عاش في القرن التاسع عشر، ونشر بين ~~معاصريه كثيرا من الآراء الطريفة والأفكار النافذة. وقد ولد في اليوم الخامس والعشرين من ~~شهر مايو من عام 1803م في مدينة بوستن بأمريكا لأب من رجال الدين. وبعدما تخرج في جامعة ~~هارفرد اشتغل بالتعليم. ولكنه لم يلبث على هذه الحرفة طويلا، بل التحق بإحدى الكنائس ~~قسيسا كأبيه. ولما كان يميل بطبعه إلى حرية الفكر، فقد أخذ يذيع على الناس خلال عظاته ~~مبادئ ثورية لم تتفق وعقائدهم في ذلك الحين، فاشتد سخط العامة عليه، وتبرمهم به، حتى اضطر ~~إلى التخلي عن عمله، ثم رحل إلى أوروبا، والتقى بكبار كتابها وشعرائها، وتعرف إلى كولردج ~~ووردزورث وكارليل. وعاد بعدئذ إلى أمريكا واشتغل أستاذا بجامعة بوستن، وألقى كثيرا من ~~المحاضرات العامة التي لفتت إليه الأنظار، وحينئذ أدرك الناس أن بينهم أديبا كبيرا ~~وقائدا عظيما من قادة الفكر، وقوة تدفع الرأي الأمريكي إلى الأمام. ومات أمرسن في عام ~~1882م بعدما اعترف له الأمريكيون جميعا بالصدارة في الأدب، والزعامة في الفكر. # كان أمرسن عميق الفكر، ولكنه لم يكن فيلسوفا بما تحمل هذه الكلمة من معنى. لم يكن ~~فيلسوفا له مذهب خاص وطريقة خاصة، بل إنه كثيرا ما يناقض نفسه فيما يكتب وما يقول. وأشهر ~~ما خلف لنا هذا الكاتب العظيم «مقالاته» و«كتاب الطبيعة» و«خصائص الإنجليز» الذي نشره إثر ~~عودته من زيارة إنجلترا، و«نماذج الرجال»، الذي صاغه على صورة كتاب كارليل «الأبطال وعبادة ~~البطولة»، وله فوق هذا بعض المقطوعات الشعرية الرائعة. # وقد رأيت أن أقدم إلى قراء العربية ms001 في هذا الكتاب بضع صفحات من «مقالاته»، ليتدبروها ~~ويتأملوا معانيها، كما يتزودوا مما اشتملت عليه من فلسفة وحكمة، وهي مجموعة من الآراء ~~العميقة الثاقبة لا يدرك مراميها القارئ المتعجل العابر، وإنما يبلغ كنهها من يقف عند كل ~~كلمة من كلماتها مترويا ومفكرا، وهي لا تتضمن علما مجردا لا نزاع فيه، أو معرفة دقيقة ~~لا يرقى إليها الجدل، ولكنها إيحاء وإلهام، تبعث في قارئها الثقة بنفسه وبالله. # ولعل في هذه المنتخبات التي أوردناها هنا حافزا إلى الاستزادة لمن أراد مزيدا. # ومن النقاد من يعتقد أن «نماذج الرجال» من خير ما كتب أمرسن إطلاقا. وفي هذا الكتاب ~~تخير أمرسن تلك الشخصيات التي كان يراها نماذج للبشرية. ولو ألقينا نظرة عاجلة على من كتب ~~عنهم من الرجال عرفنا كثيرا من مبادئه في الحياة؛ فلم يشتمل كتابه على رجل من رجال الدين ~~أو رجال الأخلاق والإصلاح الاجتماعي؛ إذ لم تكن له ثقة بأمثال هؤلاء من عظماء الرجال، إنما ~~الأبطال عند أمرسن هم: أفلاطون الفيلسوف، وسودنبرج المتصوف، ومونتيني المتشكك، وشكسبير ~~الشاعر، وجيته الكاتب، ونابليون رجل الدنيا، وهو عنده مثل أعلى للقدرة على العمل والتنفيذ، ~~يقدره لأنه طهر الجو من أدران الإقطاع والامتيازات والملكية المستبدة، وربما لجأ إلى حشد ~~الجيوش وإلى العنف والقوة، ولكن القوة عند أمرسن وسيلة ممقوتة تبررها الغاية ~~النبيلة. # ويقول أمرسن عن أفلاطون: «ليس في العالم في وقت واحد أكثر من اثني عشر شخصا يقرءون ~~أفلاطون ويفهمونه، وليس من بين هؤلاء من يستطيع أن يشتري نسخة واحدة من مؤلفاته، ومع ذلك ~~فإن هذه المؤلفات تنحدر من جيل إلى جيل من أجل هذه القلة من القراء، كأن الله يحملها لهم ~~بين يديه.» وهذه العبارة عن أفلاطون تنطبق على أمرسن نفسه إلى حد كبير. # عاش هذا الكاتب حياته للحكمة الخالصة والفكر المجرد، وكان يتوق دائما إلى زيارة مصر؛ ~~ليستمد من وحي طبيعتها الجميلة وآثارها القديمة موضوعات للفكر والتأمل. فلما احترق مسكنه في ~~عام 1872م وأوشك أن يعيش عيشة مشردة، أشفق عليه رفاقه، وأرادوا أن يدخلوا ms002 على قلبه العزاء ~~والسلوى، فلم يجدوا وسيلة خيرا من أن يقدموا له من معونة المال ما يكفي لبناء مسكن جديد، ~~والقيام بالرحلة إلى مصر التي طالما كان يحلم بها. فاستطاع في أخريات حياته أن يحقق إحدى ~~رغباته الدفينة، ورحل إلى مصر في شتاء عام 1872م، فجددت شمسها الدفيئة قواه، وأنعشت سماؤها ~~الصافية ونيلها وصحراؤها وآثارها نفسه وقلبه، وكأنه التمس الحل للغز الحياة عند أبي الهول. ~~وطاف بأنحاء الإسكندرية والقاهرة، ثم استقل «دهبية» نيلية سارت به جنوبا يشق بها صعيد مصر ~~حتى بلغ الأقصر، فشهد آثارها، ثم واصل رحلته إلى أسوان؛ لأنه كان يتحرق شوقا إلى أن يطأ ~~بقدميه جزيرة فيلة التي كان يعتقد أنها مستقر أوزيريس. وجاء في إحدى رسائله: «إن الرحلة إلى ~~مصر كانت مليئة بما يسر الفؤاد، ولقد تنبهت إلى ما في هذه البلاد القديمة من عجائب. وسوف ~~أذكر معابدها الضخمة التي تنتشر فوق مئات الأميال، والتي تتحدى زماننا الذي نعيش فيه، ~~وترغمنا على التقدير والاحترام.» وفي موجز العبارة، كان لأمرسن في شتاء مصر الدافئ الدواء ~~الناجع لجسمه الضعيف، وفي آثارها وصفاء سمائها تجديد لنشاطه الذهني واطمئنانه ~~الروحي. ~~••• # هذه كلمة أقدم بها هذا الكاتب الأمريكي الخالد إلى قراء العربية، وأختتمها بهذه العبارة ~~التي وردت في إحدى مقالاته: # يؤثر الكاتب في عقول الجماهير بمقدار ما عنده من عمق التفكير ... فالكاتب الذي يستمد ~~موضوعه من أذنه ولا يستمده من قلبه، ينبغي أن يعلم أنه يخسر بمقدار ما يربح ... ولا تقوم ~~الشهرة الأدبية على الحظ؛ فإن أولئك الذين يصدرون الحكم النهائي على الكتاب ليسوا هؤلاء ~~القراء المتحيزين الصاخبين الذين يضجون للكتاب عند ظهوره، إنما هي محكمة كأنها من ~~الملائكة، هي جمهور لا يرتشي، ولا يتوسل إليه ولا يروع، ذلك الجمهور هو الذي يقرر شهرة ~~الكاتب، ولا يبقى من الكتب إلا ما يستحق البقاء؛ فالغلاف المذهب، والورق الصقيل، والجلد ~~المتين، ونسخ الهدايا الفاخرة التي تقدم للمكاتب، وكل أولئك لا يكفل للكاتب الذيوع إلا إلى ~~أمد قصير. # وليس من شك في أن «مقالات» ms003 أمرسن التي نقلنا إلى العربية بعضها من بين تلك الكتب الخالدة، ~~التي يشير إليها الكاتب، والتي لا تقوم شهرتها على ما يثور حولها من صخب وضجيج، ولكن على ما ~~لها من قيمة ذاتية. # محمود محمود # | مقدمة # بقلم بروكس أتكنسن # كان رالف والدو أمرسن أول فيلسوف أمريكي الروح؛ فمع أن أمريكا قد نالت استقلالها ~~السياسي قبل مولده باثنين وعشرين عاما، إلا أنها كانت لا تزال تستمد ثقافتها من ~~الخارج؛ فكان كوبر يكتب طبقا لتقاليد سكوت، وواشنطن إيرفنج يكتب بأسلوب أديسون. وقد ~~عاش أمرسن سني حداثته في عصر من عصور التوسع حينما كان الأمريكان يتقدمون غربا بأعداد ~~وافرة لم يسبق لها مثيل، ويطبقون مبدأ الديمقراطية في عزة وحماسة. وساد الجو في كل مكان ~~استقلال تام في الروح وفي الواقع. وأعلن الرئيس منرو هذا الاستقلال للجمهور في مبادئه ~~عام 1823م، كما صرح كلاي بشجاعة: «إننا (أي الأمريكان) نتطلع إلى الخارج أكثر مما ينبغي ~~... ولنكن أمريكيين حقيقيين صادقين.» # وما حققه رجال الدولة في ميدان السياسة طبقه أمرسن في مجال الثقافة، لا بطريق العمل، ~~ولكن بالإرشاد والتوجيه. وقد ذكر في مقدمة كتابه الأول في عام 1836م: «إن عصرنا رجعي، ~~يعيش على الماضي، فلماذا لا تكون لنا علاقة أصيلة بالعالم؟ لماذا لا يكون لنا شعر ~~وفلسفة يتميزان بنفاذ البصيرة لا بالتقاليد، ودين من وحي أنفسنا؟ ... دعنا نطالب بأن تكون ~~لنا أعمال خاصة وقوانين وعبادة خاصة.» وفي خطاب جريء له في العام التالي عن «العالم ~~الأمريكي» يقول: «لقد أطلنا الاستماع إلى آلهة الفنون الأوروبية الظريفة.» ثم نصح ~~أمرسن العلماء المجتمعين في كمبردج أن يعيشوا ويفكروا كما يعيش ويفكر أحرار الرجال. وفي ~~العام التالي هاجم في أحاديثه الشعائر والتقاليد الدينية. وما ذكره في هذه الأحاديث كان ~~منفرا لكثير من الناس في بوسطن وكمبردج، حتى لقد انقضى زهاء الثلاثين عاما قبل أن ~~تشعر جامعة هارفارد أنه رجل ليس من ورائه خطر فترده إليها. # ولم يكن ذلك راجعا إلى أن له برنامجا أو أسلوبا خاصا في التفكير، وإنما كان ~~أمرسن ms004 فيلسوفا شاعرا يركن إلى الإلهام أكثر مما يركن إلى العقل، وكان يدرك دائما أن ~~محاضراته ومقالاته ينقصها الاتصال، فيتألم من أجل ذلك. وكان يعجز عن الجدل، ويتحاشى - ~~ما استطاع ذلك - الكلام في الموضوعات ذات الأهمية الشائعة؛ لأنه كان يعتقد أن مواهبه ~~يجب أن تتجه نحو تنوير العقل عامة؛ فقد كان رجلا حرا في روحه وعقله، وكان من الناحية ~~الشخصية رجلا ذا صفات ممتازة، تأثيره عظيم بالغ، فأشعل عقول الرجال والنساء في العالم ~~أجمع. كان رجلا جازما في حزم. وما دام موضوعه الأساسي هو قدرة الفرد التي لا حد لها ~~على الإسهام في كل ما يمتد إليه الكون، فإن كتاباته ما فتئت جديدة كما كانت حينما جمعها ~~في مشقة من الآراء الشتيتة، ومن لمحات البصيرة الزائلة. ~~••• # ولا مراء في أنه كان رجلا ثائرا، وإن شق علينا أن ننعته بهذا الوصف؛ لأنه كان ~~لينا ضعيفا ودودا دمث الأخلاق. وقد عاش عيشة هادئة في كنكورد بمساشوستس كأكثر ~~المواطنين وقارا. وهو ينحدر من سلالة عريقة من رجال الدين في «نيو إنجلند». وكان أحد ~~أفراد أسرة تميل بطبعها إلى الكهنوت؛ فقد ولد في بوسطن في اليوم الخامس والعشرين من ~~شهر مايو من عام 1803، وهو ابن راعي الكنيسة الثانية وواحد من أخوة خمسة، ثم مات أبوه ~~بعد ثماني سنوات. ومع أن أمه قد أصبحت تعول أسرة في سبيل النمو وفي ظروف مالية يائسة، ~~إلا أنها كانت سيدة ذات إرادة قوية جدا، فصممت على تربية أبنائها، وقد أفلحت؛ فأتم ~~أربعة منهم تعليمهم الجامعي، وكان كل واحد منهم يعاون من يتلوه وهو على أهبة الدراسة. ~~وكانت حياة شاقة عسيرة، تركت من غير شك أثرها في صحة الأطفال؛ فمات منهم اثنان وهما لا ~~يزالان في سن الشباب. ولم تكن صحة رالف قوية في يوم من الأيام؛ فقد ساءت إلى حد الخطر ~~مرتين، ولم يخل أخوه الأكبر البتة من الألم والاضطراب الجثماني، ويبدو أن سلالة أسرة ~~أمرسن لم تكن قوية البنية في عهد رالف؛ فقد مات له أخ وأخت في ms005 سن الطفولة، وأخ آخر لم ~~ينضج عقله قط. وكان للفاقة التي منيت بها أسرة أمرسن بعد وفاة الوالد أثر سيئ بنوع خاص ~~على أجسام عليلة. # التحق أمرسن بكلية «هارفارد» في عام 1817م وهو في الرابعة عشرة من عمره. ومع أنه كان ~~في النصف الأعلى من فصله، إلا أنه لم يظهر امتيازا، وتخرج في عام 1821م، وظل أربع ~~سنوات يعاون أخاه باشتغاله بالتعليم في مدرسة تكميلية للبنات في بوسطن. وبعد التعليم في ~~المدارس في مناطق أخرى التحق بمدرسة هارفارد الدينية، غير أن ضعف رئتيه وبصره وما أصابه ~~من روماتزم كاد يحول دون تعليمه الديني من أول الأمر، واضطر إلى قضاء شتاء بأكمله ~~للاستشفاء في الجنوب. وبعدما أتم تعليمه في عام 1829م عين راعيا مساعدا للكنيسة ~~الثانية حيث كان أبوه يقوم بالوعظ، وسرعان ما خلف الراعي، وبات يحمل تبعة الدائرة ~~الدينية بأكلها. وعندئذ تزوج من «إلن تكر الكنكوردية» من نيو هامبشير، ولكنها عاشت بعد ~~الزواج عاما ونصف العام فقط. # ولما خاب أمله في حياته المهنية، وأزعجه موت زوجته وأحد إخوته، وكان هو نفسه معتل ~~الصحة، فقد أقلع إلى إيطاليا في الشتاء. واسترد صحته في هذه الرحلة، التي كانت حافزا ~~لعقله؛ فقد استمتع بكنوز الفن العظمى في إيطاليا. وزار لاندر الذي أعجب بكتابته. وفي ~~إنجلترا التقى بكولردج ووردزورث وكارليل الذين كان يهتم بمؤلفاتهم بنوع خاص. وكانت ~~زيارته لكارليل حدثا له أهميته في حياته؛ فقد ألفاه حافزا على التفكير خفيف الظل في ~~شخصه كما هو في مؤلفاته. وعاد إلى أمريكا معافى بعد عام، واستقر به المقام نهائيا في ~~كنكورد حيث كان والد زوج أمه الدكتور أزرا ربلي يعيش في مانس القديمة. وسارع أمرسن إلى ~~شراء بيت وقطعة من الأرض عن طريق بوسطن بوست، وتزوج من لديان جاكسن من أهالي بليموث، ~~واستقر في حياة سعيدة تطورت به إلى مستقبل عظيم. وكان وقتئذ في الثانية والثلاثين من ~~عمره. وانتهى كل ما أصابه من حرمان في طفولته وما لاقى من صراع روحي في حياته المهنية. ~~ولبث سبعة ms006 وأربعين عاما بعد ذلك يزداد عظمة وحكمة ويضفي على العالم من فضله. # كانت كنكورد خير البلدان لأمرسن؛ لأنها كانت مدينة جميلة، يغرم أهلها بحب الطبيعة، ~~هذا الحب الذي يكمن وراء فلسفته. وكانت لها مكانة عالية في قصة قتال أمريكا في سبيل ~~الاستقلال؛ فقد حدثت موقعة كنكورد قريبا من مانس القديمة، وأثلج هذا التاريخ المشرق ~~للمدينة صدر أمرسن. وكانت الحياة الاجتماعية في كنكورد كذلك فاتنة؛ فقد ضمت في حياته ~~برنسن إلكت المدرس الملهم، وناثانيل هورثون الروائي الخجول المعتزل، وهنري ثورو فارس ~~الطبيعة، ووليم ألري تشاننج الشاعر المحدث، ورجالا أفاضل من أمثال صمويل هور والقاضي ~~أ. ر. هور وأدمند هوزمر المزارع صاحب العقل الراجح، وصاحب القداسة أزرا ربلي، الراعي ~~المسيحي القوي صاحب الضمير الحي. # ولعب أمرسن دورا فعالا في حياة المدينة؛ فقد انتخب في إحدى الوظائف العامة عند أول ~~إقامته في كنكورد، وكان عضوا في جمعية إطفاء الحريق، وكانت الدلاء الجلدية والكيس ~~الصوفي دائما مدلاة من السلم عند المدخل الجانبي، وبالاشتراك مع جيرانه كان يكافح ~~حرائق الغابات بأغصان الصنوبر. وفي أول عهده بالمدينة ألقى خطبة من أكثر الخطب ~~التاريخية أهمية في عيد انقضاء مائتي عام على استعمار كنكورد. وكان بين الحين والحين ~~يعتلي منبر الخطابة في المدينة. كما كانت معلمات مدارس الأحد يلتقين بمسز أمرسن في ~~البهو الأمامي. وباعتباره مديرا لنادي كنكورد الأدبي عاون على إيجاد غرفة عامة ~~للمطالعة حيث كانت الصحف والمجلات تحفظ في أكداس مرتبة. وبالمحافظة على نشاط النادي ~~الأدبي عمل هو وثورو على تنبيه الحياة العقلية في كنكورد. # وانتعشت حياة أمرسن كلها هناك، فزرع حديقة واشتغل بها مستهينا بالوقت الذي كان ينبغي ~~له أن ينفقه في مكتبه. وزرع حديقة للفاكهة أفرط في اعتزازه بها. وأخيرا اشترى قطعة ~~أخرى من الأرض واشتغل بمزرعة صغيرة استأجر فيها العمال. وأغرم بغابات والدن فاشترى بها ~~رقعة من الأرض لمجرد المتعة. وقد أقام ثورو منسكه المشهور في غابات أمرسن. وكانت كنكورد ~~كذلك قريبة من بوسطن التي كانت تسيطر على الحياة العقلية في أمريكا في ms007 تلك الأيام. ~~وكانت عربة الانتقال تقف بجوار بيت أمرسن وتبلغ بوسطن في خلال ساعتين أو ثلاث. وبعد ذلك ~~بقليل قرب خط فتشبرج الحديدي بوسطن من كنكورد؛ فكانت كنكورد من جميع نواحيها مجتمعا ~~مثاليا لرجل في مثل مزاج أمرسن. أحبها في شبابه عندما زار الدكتور ربلي في بيته ~~القديم، ولبث على حبه لها، وبمرور الزمن أحبته كنكورد باعتباره شيخ المدينة ~~الوقور. # وفي أول إقامته في بيته الخاص مع زوجته الشابة اعتلى المنابر هنا وهناك وألقى الخطب ~~بين الحين والحين. بيد أنه كان لفترة ما يتدبر كتابا فلسفيا شعريا عن تأثير ~~الطبيعة الأساسي في حياة البشر، وأسماه في بساطة «الطبيعة»، وأتمه ونشره في عام 1836م. ~~نشر منه خمسمائة نسخة غفلا من اسم المؤلف. ومع أن كارليل قد هلل لهذا الكتاب فإنه لم ~~يقابل بحماسة ولم يعد طبعه حتى عام 1847م. # غير أن أمرسن كان قد بدأ عمله الذي شغل به حياته. وكان خطابه عن «العالم الأمريكي» ~~أمام جمعية هارفارد في بيتاكبا في عام 1837م حدثا مثيرا في تاريخ الثقافة الأمريكية، ~~وقد وصفه أولفر وندل هولمز بأنه «إعلان استقلالنا العقلي». وأثار هذا الخطاب الشباب ~~خاصة، وأقبل الناس بحماسة على شراء النسخ المطبوعة منه بأعداد وافرة بمجرد ظهوره في ~~المكتبات. وفي العام التالي ألقى أمرسن خطابا على الطلبة المتخرجين في مدرسة اللاهوت، ~~وعارض فيه القيمة الحقيقية لتاريخ المسيحية الأولى، وقدح في الأسلوب الرسمي المتكلف ~~للخطب المنبرية. وقابل رجال الدين هذا النقد للكهنوت والتفكير الديني بالاستنكار ~~والسخط، ووصموه بالضلال، ووسموا أمرسن بالكفران، ولم يلق بعد ذلك ترحيبا فوق المنابر ~~أو على منصات المحاضرات التي كانت من قبل تكرم وفادته. ومع أنه لم يشترك في الجدل الذي ~~ثار حوله عدة أشهر، إلا أنه ظن لفترة ما أنه ربما اضطر إلى البحث عن طريقة جديدة للعيش ~~لكي يعول نفسه وأسرته. # بيد أنه سرعان ما اكتشف أن الناس يستمعون بالترحاب يوم الأربعاء إلى الأمور التي ~~تبدو لهم كفرا يوم الأحد؛ فقضى بقية حياته يحاضر بنوع خاص في موضوعات ms008 روحية وفلسفية في ~~جميع أرجاء البلاد. وكان في فصل الصيف من كل عام يجمع شتات أفكاره في صيغة خطب. وعندما ~~كان يستيقظ في الفجر وينسل من غرفة النوم تسأله زوجته: «هل أنت مريض؟» فيجيبها: «كلا، ~~إنما أنا أتصيد فكرة.» وكان في فصل الشتاء من كل عام يقرأ محاضراته حيثما دعي، متنقلا ~~بالعربات ومركبات الجليد، والزوارق والبواخر والقطارات، مخترقا نيو إنجلند وولايات ~~الأطلنطي والغرب الأوسط، ويقيم في الفنادق البدائية بجميع أنواعها، ويعبر المسيسبي فوق ~~الجليد، ويستمتع أشد الاستمتاع بتقدم الحياة في البلاد. ومع أنه كان رجلا ذا جسم نحيل ~~وكتفين محدودبين، إلا أنه كان خطيبا شعبيا مصقعا، يجذب إليه الناس بشخصيته الرفيقة، ~~وبصوته ذي الرنين الذي يذهل الأسماع، فاعترف له الجميع بأنه أستاذ في فن ~~الخطابة. # وكانت حياة المحاضرة شاقة؛ إذ إن أمرسن كان رجلا فقيرا من رجال الأعمال، يخطب عادة ~~بأي أجر يقدم إليه، فلم يكسب قط مالا كثيرا، إلا أنه كان ذا مزاج متفائل بطبعه، يعتقد ~~بسهولة في أوجه الخير من كل شيء، وقد أدخل السرور على نفسه طوال حياته إيمانه العميق؛ ~~إذ إن واجب العالم في اعتقاده هو: «أن يدخل البهجة في النفوس، وأن يسمو بالناس، ويرشدهم، ~~ويبين لهم الرشد من الغي.» وفي غضون أسفاره في عرض البلاد «مفرغا ما بجعبته من حكمة ~~شعبية» - على حد تعبيره عن محاضراته - كان يحس أنه يغني حياة الناس ويقوم بالعمل الذي ~~يلائم نبوغه. وكان يلقي محاضراته كتجربة على أوساط مختلفة من المستمعين، ثم يعيد ~~كتابتها كمقالات وينشرها في صورة كتاب. وتكاد كتاباته كلها - ما خلا الشعر - أن تكون ~~حديثا في مبدأ الأمر ملقى من فوق منصة الخطابة. # ولم يفقه كل الناس ما كان يتحدث عنه، أو يوافقه عليه. ويبدو أن الشباب كان أسلس له ~~قيادا من الشيوخ. وقد قال أحد وكلاء النيابة في بوسطن إن محاضرات أمرسن «لا معنى لها ~~البتة لدي، ولكن ابنتي، وعمر إحداهما خمس عشرة سنة والأخرى سبع عشرة سنة، يفقهانها ~~تماما.» وقد سألت مسز هور مرة خادمة ms009 كانت تواظب دائما على الاستماع إلى محاضرات أمرسن ~~في كنكورد: «هل تفهمين مستر أمرسن؟» فأجابت الخادمة بقولها: «لا أفهم كلمة واحدة، ~~ولكني أحب أن أذهب وأشاهده واقفا هناك وهو يبدو كأنه يحسب كل فرد إنسانا طيبا ~~مثله.» ويفتخر أحد الفلاحين في بوسطن بأنه استمع إلى كل محاضرات أمرسن في النادي الأدبي ~~«بل وقد فهمها». وقد أدركها بوضوح أحد المواطنين البارزين في كنكورد إلى حد أنه اعترض ~~على ما تضمنته من آراء ثائرة، فاستوقف أمرسن في الطريق ذات يوم وقال له: «لست أعرف غير ~~أشخاص ثلاثة تمقت آراءهم هذه الجماعة، وأولئك هم تيودور باركر ووندل فلبس وأنت يا سيدي، ~~إن جاز لي أن أخلص القول.» # وبعد أكثر من عشر سنوات قضاها أمرسن في البحث المضني والمحاضرة، لبى بسرور بالغ في ~~عام 1847م دعوة لإلقاء بعض محاضراته في إنجلترا، وقضى هناك عاما. وفي أسفاره في بطون ~~إنجلترا أتيحت له فرصة الاتصال الوثيق بكثير من طبقات الشعب الإنجليزي. وباعتباره من ~~رجال أمريكا المشهورين، دعته كثير من البيوت الإنجليزية دعوات خاصة واستقبلته استقبالا ~~حارا. وجدد صداقاته القديمة وبخاصة مع كارليل الذي تغضن قليلا من فعل السنين. وزار ~~أمرسن كذلك فرنسا في خلال فترة من القلاقل السياسية العظيمة. وأهم ما أسفر عنه عام من ~~العمل قضاه أمرسن في الخارج كتاب «الصفات الإنجليزية»، وهو تاريخ وتحليل نفسي في آن ~~واحد للخلق الإنجليزي. # ومع أنه كان رجلا محببا، إلا أنه كان خجولا متواضعا، تنقصه الروح الحية، وكان يحس ~~أن به فتورا لا يمكنه من الاختلاط الاجتماعي. وفي خلال الأيام التي قضاها في ~~التعليم بالمدارس كان اضطرابه أليما، وقد استغل الطلبة هذا الاضطراب للتفكه به. ولم ~~يسيطر على الجماعات بقوة الشخصية، وكانت أقوى أفكاره تطرأ له في خلوته. غير أن الفترة ~~التي عاش فيها كانت فترة اختمار اجتماعي غير عادي؛ فكان المصلحون يجذبون العالم من ~~جذوره، ويصوغون من الأهواء الفردية نظما عامة، تلك كانت فترة الجمعيات الفلسفية، ~~كجمعية بروك فارم وفروت لاندز. وباعتبار أمرسن الفيلسوف الأول لما فوق ms010 العقل في عهده، ~~كان يستشيره ويتوسل إليه كل من يبتدع نظاما جديدا، من المتنبئين الصادقين إلى الشواذ ~~وضعاف العقول. كانوا جميعا يقصدون بيته، ويجلسون إلى مائدته، فيستقبلهم ويكرم وفادتهم. ~~غير أن أمرسن لم يكن يستسيغ فكرة الاجتماع، فانتزع نفسه من بينهم في ثبات وحزم، وكانوا ~~يبدون له كأنهم أصحاب آراء متحيزة. # وكان من الناحية السياسية محجما. وقد اعتقد من أول الأمر أن العبيد يجب أن يتحرروا، ~~غير أنه تحاشى ما استطاع الجمعيات الثورية التي كانت تعمل على إلغاء الرق، وحينما ~~استحث لكي يسهم في العمل المباشر قال: «إن روحي حبيسة سجن سحيق، لا يزوره أحد إذا لم ~~أفعل أنا ذلك.» ولكن لما علا الضجيج حول الرقيق بدأ أمرسن يأخذ فيه بنصيب. وحينما صدر ~~قانون العبيد الهاربين، واعتقد أمرسن أن بطله دانيل وبستر قد خان عهد الجمهور، ظهر في ~~المجتمعات العامة في كنكورد وبوسطن ونيويورك وتكلم بحرارة غريبة على رجل في مثل رزانته. ~~وبالرغم من أن غرائزه كلها كانت تعارض في الإسهام في العمل السياسي، وبالرغم من انعدام ~~ثقته في معرفته بالشئون السياسية، فقد ارتبط ارتباطا وثيقا بقضية إلغاء الرق بعد صدور ~~قانون العبيد الهاربين. وذات مرة أبدى لأحد أطفاله ملاحظة، وكان على هذا الطفل أن يكتب ~~موضوعا مدرسيا عن بناء المنزل، فقال له أمرسن: لا ينبغي أن يبنى منزل دون أن يكون ~~فيه مكان لإخفاء عبد هارب. واستضاف جون براون في بيته، وأسهم في قضية الإلغاء بأكثر مما ~~تستطيع مقدرته المالية، وتكلم مدافعا عن جون براون بعد هاربرز فري. وكان في السابعة ~~والخمسين من عمره عندما اشتعلت الحرب الأهلية ولم يأخذ في القتال بنصيب. # وفي عام 1865م دعي أمرسن لإلقاء خطاب في بيتاكبا في هارفارد مرة أخرى. وكانت هارفارد ~~في هذه المرة قد نسيت فضيحة خطبة البكالاريا في عام 1838م. وبعد ذلك بقليل انتخب عضوا ~~في مجلس المراقبين. وفي عامي 1870م و1871م حاضر في الفلسفة في هارفارد، غير أن السن تقدمت ~~به، وبدأت تظهر عليه علامات جهد عمر قضاه في ms011 نشاط عقلي متواصل، كما بدأت تخونه الذاكرة؛ ~~فقد كان يقترب من نهاية مستقبل عظيم . وفي يوليو من عام 1872م أتلفت النيران جزءا من ~~بيته، فهرع هو وزوجته للنجاة بحياتهما ولم يتسع لهما الوقت لارتداء ملابسهما، وأجهدا ~~قوتيهما محاولين أن ينقذا بعض ما يملكان. وكانت صدمة هذه الكارثة أشد مما يستطيع أمرسن ~~احتماله؛ فقد كادت أن تودي به، وانتقل مرة أخرى إلى مانس القديمة، حيث قضى طفولته ~~السعيدة، وأعد له مكتب في القرية. # ولكن سرعان ما اتضح أنه لا يستطيع العمل، وأخيرا تدخل في الأمر بعض أصدقائه، وأرسلوه ~~إلى مصر مع ابنته ألن، وفي أثناء غيبته أعادوا بناء بيته وجددوه. وعندما عاد في شهر ~~مارس التالي دقت نواقيس المدينة وصحبه حشد كبير من الأطفال والجيران والأصدقاء من محطة ~~السكة الحديدية وتحت قوس من أقواس النصر إلى بيته الجديد. واستقر شاكرا وأخذ يعد كتاب ~~مقالات كان قد وعد به أحد الناشرين في لندن، ولكنه لم يعد قادرا على السير في عمل ~~متصل. وفي نهاية الأمر اضطر صديقه جيمس إليت كابوت إلى أن يضمن الكتاب كثيرا من ~~المحاضرات والمقالات وإلى تنسيق المذكرات تنسيقا حسنا. # وعاش أمرسن حياة هادئة قانعة مع أسرته وأصدقائه حتى أبريل من عام 1882م حينما أصيب ~~بالتهاب رئوي بسبب سيره في المطر دون قبعة أو معطف. وقضى نحبه في مساء 27 أبريل. وبعد ~~الساعة التاسعة من ذلك المساء دق ناقوس كنيسة يونتاريان تسعا وسبعين دقة معددة سني ~~حياته، ومعلنة النبأ المفجع في كل أنحاء القرية. وعرفت كنكورد - التي عاش فيها أمرسن ~~مواطنا معظم حياته - أن أعظم أبنائها قد انتهى. وكانت وفاته نبأ قوميا، فدبج ~~كتاب المقالات الصحفية والنعاة أعمدة كثيرة في الصحف فيها معلومات وفيها تقدير نقدي. ~~وحضر إلى الجنازة في قطار خاص من بوسطن كثير من الأصدقاء الممتازين. وحضر كذلك الرئيس ~~أليوت من هارفارد وأولفر وندل هولمز وجورج وليم كيرتس وتشارلس أليوت نورتن. وقرأ من ~~الإنجيل في صلاة الجنازة الدكتور و. ه. فرنس من رجال الدين في فيلادلفيا وصاحب ms012 القداسة ~~جيمس فريمان كلارك من بوسطن. # غير أن كنكورد التي أحبت أمرسن باعتباره أعظم مواطنيها تأثرت تأثيرا بالغا وساد ~~الجنازة جو محلي، وتكللت بالسواد المساكن والمخازن والمنشآت العامة في كل مكان. وبعد ~~الظهر بعد الانتهاء من صلاة الجنازة الخاصة، سار القرويون وراء النعش من البيت الكبير ~~في طريق بوسطن بوست إلى الكنيسة القديمة. وتكدست حول المذبح أغصان من شجر الصنوبر التي ~~كان يقدسها أمرسن. وعزفت على القيثار الأوسط في ذكراه بأعواد النرجس الصفراء لويزام. ~~الكت. أما القاضي أ. ر. هور الذي لم يكن من أهل القرية فحسب، بل كان كذلك جارا ~~حميما وعضوا في نادي السبت المشهور، فقد تكلم بالنيابة عن أهل بلده وعبر عن محبتهم ~~الخاصة له. وأما برنسن ألكت المعلم الذي ألهم أمرسن وأزعجه عدة سنوات، فقد قرأ بصوت ~~جهوري أنشودة وضعت لهذه المناسبة. # وبعدما انتهت الصلوات انسل خلف النعش، الذي استقر فيه هادئا في النهاية ذلك الرجل ~~النحيل صاحب الملامح المدببة، انسل أولئك الذين أفلحوا في اقتحام الكنيسة وأولئك الذين ~~تجمعوا محزونين عند الأبواب في الخارج. وقرابة المساء في يوم من أيام الآحاد الدفيئة ~~الصافية من شهر أبريل، تحرك موكب الجنازة إلى مقبرة سلسيبي هولو حيث دفن ثورو وهوثورن، ~~ثم إلى أعلى الجبل بين صفوف مكشوفة من الأوساط الاجتماعية بكنكورد، ووري أمرسن التراب ~~تحت شجرة من أشجار الصنوبر إلى جوار قبر أمه وقبر ابنه والدو. ~~••• # كان أمرسن في فلسفته يتخطى العقل، ويعتقد في «روح عليا»، وهي تلك الروح المطلقة التي ~~يكون كل شيء حي جزءا منها. وحتى في أيام أمرسن كان هذا التعبير «فوق العقل» يعتبر من ~~دواعي الارتباك الذهني، وما زال المعنى الشائع للكلمة «غامضا، مبهما، خياليا». ولم ~~يستطع العلماء الذين ألفوا المعرفة الدقيقة أن يفقهوا معنى لمدرسة أمرسن في الفكر. ولم ~~يكن ذلك عجيبا، فإن «ما فوق العقل» مذهب لا نظام له، فهو إلى الشعر أقرب منه إلى ~~الفكر. قال أمرسن مرة: «إن ما يسميه العامة بيننا فوق العقل إن هو إلا المذهب المثالي.» ~~إن ms013 الرجل المادي يستمد منطقه من الحقائق الواقعة، ومن تاريخ الإنسان وحاجاته الحيوانية، ~~وعلى خلاف ذلك الرجل المثالي الذي يعتقد في «قوة الفكر والإرادة، وفي الإلهام والمعجزة، ~~وفي الثقافة الفردية.» فالمثالية تكشف عن الإيمان بالله بقوة تنفي كل ما يعارض هذا ~~الإيمان. # وفي بلد ناهض، بدأ من عهد قريب فقط يستمتع باستقلاله ويتوسع منهوما في كل ناحية من ~~النواحي، كان هذا الأسلوب من أساليب الفكر طبيعيا ومرضيا؛ فهو يعتقد أن أي شيء يمكن ~~إنجازه، كما أن أساليب التفكير وطرائق التعليل تبدو خانقة لقوم ذوي مزاج مبتهج يتطلعون ~~إلى كل ثمار الأرض فيجدونها طيبة. كان يسيرا عليهم أن يؤثروا البداهة على التجربة، ~~فيبدو لهم أن الحق الأسمى لا ينحصر فيما تم عمله وإنما ينحصر فيما يمكن أداؤه؛ فالحياة ~~تدب في الرجل الذي يؤمن بما فوق العقل من الزهور والسحب والطيور والشمس، ومن برودة ~~الطقس ودفئه، وجمال المساء، ومن المزارع ومحلات التجارة والسكك الحديدية حيث تنبض ~~الحياة وتقع الحوادث الطيبة. # وبالرغم من أن فلسفة أمرسن لم تكن نظاما شاملا، فقد سارت على شبه خطة في الطريقة ~~التي عالجها بها. كان موقفه من الحياة يقوم على حبه الطبيعة، وقد ذكر ذلك في أول كتابه ~~«الطبيعة»، وهو كتاب صغير نشره دون ذكر اسم مؤلفه. وقد عاب عليه نقاد الكتب أنه تعبير ~~مرح عن وحدة الكون، أسلوبه فاتن غير أنه تافه الدلالة. ومع ذلك فإن هذا الكتاب يمثل ~~سنوات عدة من التفكير المقصود حينما كان أمرسن يحاول أن يصوغ آراءه على نسق معين. وقد ~~بدأ في المقدمة بتعريف المصطلحات، فهو يقول: «الطبيعة في المعنى العام تشير إلى الجوهر ~~الذي لا يغيره الإنسان، هي الفضاء والهواء والنهر وأوراق الشجر. والفن يطلق على امتزاج ~~إرادة الإنسان بهذه الأشياء، فمنه البيت والقناة والتمثال والصورة.» ومن دواعي السرور ~~عند أمرسن أن يكون الإنسان جزءا من الطبيعة، وأن تكون الطبيعة موطنه. # وبعد ذلك بخمس سنوات نشر أمرسن كتابه الأول من «المقالات»، وهو يتألف من المحاضرات ~~التي ألقاها في بوسطن خاصة. وقد ms014 حوى هذا الكتاب الجديد مقالا عن «الروح العليا» ~~ويمكن اعتبار هذا المقال حجر الزاوية في عقيدة الرجل . # وكانت عقيدة منشئة؛ فقد بدت الحياة طيبة في أساسها، وأمكن الوثوق في الطبيعة ~~والإنسان، وباتت الحياة شيئا لا نتعلمه ولكن نحياه. وأصبح ذلك الوقت هو الساعة ~~الملائمة لبداية جديدة. كانت هذه العقيدة مذهبا يقبل الجديد، ويؤمن بأن النظرية ~~الناقصة التي تحتوي على لمحات من الحق خير من النظم المهضومة التي أدركها ~~الفناء. # كانت عقيدة أمرسن قوة محركة، ومن ثم بدا لشباب عصره كأنه المحرر الثقافي الأعظم. ~~كان دائما يؤيد الكشف بالخيال؛ فهو يقول في مقاله «العالم الأمريكي» إن المنفعة ~~الوحيدة للكتب هي الإلهام، «إنما ينبغي للمرء أن يكون منشئا لكي يحسن القراءة.» وبدا ~~له أن اشتغال العالم بعلم الكتاب يودي به إلى الهلاك، واستحث العالم لكي يصبح من رجال ~~العمل فيتعلم من الحياة رأسا: «الحياة قاموسنا، وإنك لتحسن إنفاق عمرك لو عملت في ~~الريف، وفي المدينة، وفي تبصر الحرف والصناعات، وفي الاتصال الخالص بكثير من الرجال ~~والنساء، وفي العلم، وفي الفن، وذلك لكي تحذق في كل الحقائق لغة توضح بها مدركاتك ~~وتصوغها فيها.» # وإذا كان مقاله عن «الروح العليا» هو حجر الزاوية من فلسفته، فإن مقاله عن «الاعتماد ~~على النفس» هو أقوى إعلان عن معناها. وكثير من مقالاته غير قاطع، وكثير منها يفتقر إلى ~~التنسيق. ولم يستطع في كل موضوع أن يستجمع شتيت تأملاته. غير أنه في مقاله «الاعتماد ~~على النفس» يحض قراءه في شجاعة على أن يعملوا وفقا لخير ما لديهم من دوافع وألا ~~يتهاونوا في الواجب؛ فهو يقول: «من العبقرية أن تعتقد في رأيك الخاص، وأن تعتقد أن ما ~~تراه حقا في نفسك حق للناس جميعا.» ثم يقول إنه من الطبيعي للإنسان أن يكون في ~~سلوكه شيء من عدم الاكتراث وشيء من الأنفة. ويقول لا رياء في العادات، ولا ضعف في حب ~~البشر، ولا عملا طيبا نفاقا لضمائر الناس، ولا انقيادا أعمى، ولا تشبث بثبات ~~الرأي خوفا وفزعا. الجماعة تحض على ms015 الحذر، والعادات الاجتماعية تحد من حرية العمل. ~~والاتباع مريح. ولكن أمرسن يرى «ألا شيء في النهاية مقدسا ، اللهم إلا نزاهة ~~عقلك.» وبالرغم من أنه كان رجلا لين العريكة في شخصه، إلا أنه يدعو في هذه الرسالة ~~بحرارة إلى الاستقلال، فيقول: «ليعلم الإنسان إذن قيمته، ويجعل الأشياء تحت قدميه، فلا ~~يسترق النظر أو يسرق، أو يسير متخفيا كأنه يطلب الإحسان، أو كأنه ابن زنا، أو مدسوسا ~~على الدنيا التي وجدت له.» لا تندم، ولا تقلد. وينتهي بقوله: «لا شيء يجلب لك ~~الطمأنينة غير نفسك، ولا شيء يجلب لك الطمأنينة سوى انتصار المبادئ.» وبعد ذلك بعدة ~~أعوام نفي طالب روسي إلى سيبريا لحيازته نسخة من رسالة أمرسن «الاعتماد على ~~النفس». # وقد انتقد بعض الناس أمرسن لصراحته، فقالوا إنه قبض على زمام الناس «من خير مقابضهم»، ~~واعتقد بسهولة زائدة في خيارهم. وعندما سلط خياله على السكة الحديدية أو التلغراف ~~الكهربائي - وكانا مستحدثين في عهده - تنبأ لهما بمستقبل باهر، ولما فكر في إمكانيات ~~البلاد كانت آماله كذلك فوق العقل. خاطب جمعية المكتبة التجارية في بوسطن قائلا: «هناك ~~مصير سام ودي يسترشد به الجنس البشري.» فهل يا ترى كان يفكر كذلك في القرن العشرين، إنه ~~سؤال نظري، غير أن الإجابة عنه يسيرة، فالجواب «نعم»؛ لأن عقائده الثابتة التي ارتآها، ~~والتي كانت تلائم حالة أمريكا في عهده، إنما صدرت عن مزاجه؛ فإنه كان بطبعه يتطلع وراء ~~التفصيلات إلى حقائق الطبيعة والبشرية الأساسية، ومن ثم كان يعتقد أن «الإبداع ~~يمكن أن يكون الآن، وفي هذا المكان» على حد تعبير ثورو. # وكانت هناك أسباب تكفي لليأس في عهده؛ فشئون السياسة كانت فاسدة، واستولت المادية على ~~عقول الناس وأرواحهم، وما عتمت البلاد تخون الهنود. والحرب المكسيكية نقضت رأي كل إنسان ~~عادل في الاعتدال. وقد انقلب على إحدى الأفكار التي كان ينافح عنها أمرسن دانيل وبستر، ~~وهو أحد الأوثان التي كان يقدسها الرجل. واعترضت مستقبل أمرسن المأساة الكبرى، مأساة ~~الحرب الأهلية التي كان المواطنون في بلد واحد يقتل فيها أحدهم ms016 الآخر. كما أن نهب ~~الجنود بصورة مفزعة بعد الحرب الذي قام به رجال السياسة الانتهازيون والمختلسون ~~المتبجحون ، هذا النهب كان يمثل موضع الانحطاط في أخلاقنا القومية. وكذلك الجهل والشر ~~أسدلا ستارا أسود على حياة أمريكا في عصر أمرسن، فعلت الكآبة نفوس الكثيرين من ~~معاصريه. # عرف أمرسن هذه الأشياء وعانى من أجلها. وبعدما كان يفرغ من قراءة الصحف كثيرا ما ~~كان يسير إلى غاباته في والدن كي يسترد عقله ويعيد توجيه نفسه في هذا الكون. ولكن شيئا ~~لم يستطع أن يهز عقيدته في خير الكون؛ لأنه كان ملهما. وبينما كان يجوب البلاد في ~~أسفاره ومعه حقيبة محاضراته البالية، ويتفرس وجوه الأمريكيين، لم يسعه إلا أن يعتقد في ~~الخير. كان معلم أمريكا، دمث الأخلاق، رفيقا، مستقيما، وما برحت أقواله وكتاباته ~~«الإنجيل» الذي نفهمه في سهولة كبرى. # | العالم الأمريكي # (هذا هو خطاب في «بيتاكبا» الذي ألقاه أمرسن في هارفارد عام 1837م، وقد قوبل بحماسة ~~شديدة.) # سيدي الرئيس، سادتي: # أحييكم في بداية عامنا الأدبي مرة أخرى. إن عيدنا السنوي عيد أمل، وربما لا يكون عيد عمل ~~كاف. إننا لا نجتمع لاستعراض حذقنا لألعاب القوة وإثبات مهارتنا، أو لرواية التاريخ والمآسي ~~والأناشيد كما كان قدماء الإغريق يفعلون، أو لمجالس الحب والشعر كما كان يفعل التروبادور، ~~ولم نجتمع لدراسة تقدم العلوم مثل معاصرينا في العواصم البريطانية والأوروبية. لقد كانت ~~عطلتنا حتى اليوم مجرد علامة ودية على بقاء حب الأدب في شعب أكثر انشغالا من أن يعطي الأدب ~~أكثر من ذلك. ومن ثم فإن للعطلة قيمتها كعلامة على ميل لا يمكن القضاء عليه. وربما حان ~~الوقت لوجوب تغيير هذا الميل، ولسوف يتغير. ربما حان الوقت لكي يتطلع العقل المتبلد في هذه ~~القارة من تحت غطائه الحديدي ويحقق أمل العالم المنتظر بشيء أحسن من ممارسة المهارة الآلية. ~~إن يوم اعتمادنا على غيرنا، وتتلمذنا الطويل على علم بلاد أخرى، يقترب من نهايته. إن ~~الملايين من حولنا التي تندفع نحو الحياة، لا تستطيع دائما أن تعيش على البقايا الذابلة من ms017 ~~المحصول الأجنبي؛ فهناك أحداث وأعمال تنشأ وينبغي أن نتغنى بها. ولربما أنشدت بنفسها. من ذا ~~الذي يستطيع أن يشك في أن الشعر سوف ينتعش وتكون له الصدارة في عصر جديد، كالنجم في مجموعة ~~«هارب» الذي يشتعل الآن فوق سمت الرأس، والذي يصرح الفلكيون بأنه سوف يصبح النجم القطبي ذات ~~يوم ويبقى كذلك ألف عام؟ # بهذا الأمل أقبل الموضوع الذي يبدو أن العادة، بل وطبيعة اجتماعنا هذا، قد كرست له هذا ~~اليوم، وأعني بهذا الموضوع «العالم الأمريكي». إننا نؤم هذا المكان عاما بعد عام لكي نقرأ ~~فصلا جديدا من تاريخ حياته، ولنبحث عن الضوء الذي ألقته الحوادث والأيام الجديدة على ~~شخصيته وآماله. # من الأساطير القديمة التي تنقل إلينا من عهد قديم غير معروف حكمة غير منظورة أن ~~الآلهة في بداية الأمر قد قسمت الإنسان إلى أناسي كي يكون أكثر عونا لنفسه، كما انقسمت ~~اليد إلى أصابع لكي تحسن أداء الغرض منها. # وهذه الأسطورة القديمة تشتمل على مبدأ دائم الجدة والسمو، وهو أن هناك «إنسانا واحدا» ~~يوجد في كل فرد على حدة، إما وجودا جزئيا أو في إحدى كفاياته العقلية، ولا بد لك أن ~~تأخذ الجماعة كلها لكي تجد هذا الإنسان كاملا. ليس «الإنسان» مزارعا أو أستاذا أو ~~مهندسا، إنما هو كل ذلك. الإنسان قسيس وعالم ورجل دولة ومنتج وجندي. وفي حالة الاجتماع - ~~أو حالة الانقسام - تتوزع هذه الوظائف على الأفراد، ويهدف كل منهم إلى أداء نصيبه من العمل ~~المشترك، ويؤدي كل من الآخرين نصيبه كذلك. وترمي الأسطورة إلى أن الفرد لكي يملك نفسه يجب ~~أحيانا أن يعود من عمله الخاص لكي يحتضن كل الأعمال الأخرى. ولكن - لسوء الحظ - هذه الوحدة ~~الأصيلة، هذا الينبوع من القوة، قد توزعت بين الجماهير، وانقسمت أجزاء صغيرة وانتثرت، حتى ~~باتت تتساقط قطرات لا يمكن جمعها. إن التجمع حالة يكابد فيها الأفراد البتر من الجذع، ~~ويخطرون في مشيتهم مخلوقات شائهة، أصبع جيدة، أو رقبة، أو معدة، أو مرفق، ولكنه ليس البتة ~~إنسانا. # وهكذا يتحول الإنسان إلى شيء، ms018 أو إلى عدة أشياء؛ فالزارع - وهو الإنسان الذي يخرج إلى ~~الحقول ليجمع الطعام - قلما يبتهج لأية فكرة عن كرامة مهنته. إنه يرى مكياله وعربته، ولا ~~يرى غير ذلك، ثم يرتد فلاحا، بدلا من أن يرتد إنسانا فوق الحقل. والتاجر قلما يقدر عمله ~~قدرا رفيعا، وإنما يخضع لسياق مهنته، كما تخضع روحه للمال. ويصبح القسيس صورة، ووكيل ~~النيابة كتابا من كتب القانون، والميكانيكي آلة، والبحار حبلا من حبال السفينة. # وفي هذا التقسيم للوظائف يكون العالم هو العقل المبعوث، وهو في وضعه الصحيح «الإنسان ~~المفكر»، أما في حالة التدهور حينما يكون فريسة للمجتمع، فإنه يميل إلى أن يتحول إلى مجرد ~~مفكر، بل إلى أسوأ من ذلك، فقد يتحول إلى ببغاء يردد تفكير غيره من الناس. # وفي وصفه ب «الإنسان المفكر» تنحصر نظرية وظيفته. الطبيعة تحركه بكل صورها الهادئة ~~والصاخبة، والماضي يعلمه، والمستقبل يدعوه. أفليس كل إنسان حقا طالب علم، وهلا توجد ~~الأشياء لفائدة طالب العلم؟ وأخيرا، أليس العالم الحق هو وحده السيد الحق؟ غير أن كاهنا ~~قديما قد قال: «لكل شيء يدان، وحذار من اليد الخاطئة.» وفي الحياة كثيرا ما يخطئ العالم ~~مع البشر ويفقد ميزته. دعنا نشاهده في مدرسته، ونتدبر أمره بالإشارة إلى المؤثرات الرئيسية ~~التي تؤثر فيه: ~~(1) # إن أول هذه المؤثرات في العقل من حيث الزمن والأهمية هو الطبيعة، الشمس تشرق كل ~~يوم، ثم بعد غروب الشمس يقبل الليل ونجومه. والريح لا ينقطع هبوبها، والعشب لا ~~يتوقف نموه، وحديث الرجال والنساء يستمر كل يوم، يشهدون ويشاهدون. والعالم من بين ~~الناس جميعا هو الذي يشغله هذا المنظر، ولا بد له من تقدير قيمته في عقله. ماذا ~~تكون الطبيعة بالنسبة إليه؟ ليس لنسيج الله هذا المتصل المبهم أول ولا آخر، وإنما ~~هو قوة دائرية تعود إلى نفسها دائما. وهو في هذا يشبه روح العالم نفسه، التي لا ~~يجد لها أولا أو آخرا، فهي شاملة جدا، ليس لها حدود. تسارع الطبيعة إلى أن ~~تعرض نفسها على العقل كلما أشرق سناؤها، على نظام في ms019 إثر نظام، ينطلق كالأشعة إلى ~~أعلى وإلى أسفل، ليس له مركز أو محيط، كتلة واحدة أو جزءا جزءا . ويبدأ التقسيم، ~~فيرى العقل الصغير كل شيء مفردا قائما بذاته. ثم يعرف بعد فترة كيف يصل بين شيئين ~~ويرى فيهما طبيعة واحدة. ثم يصل بين ثلاثة أشياء، فثلاثة آلاف. وهكذا تتحكم فيه ~~غريزة التوحيد، فيواصل ربط الأشياء بعضها ببعض، ويقلل مما بينها من فروق، ويكشف عن ~~الجذور تمتد تحت الأرض فتربط بين الأشياء المتنافرة المتباعدة، وتزهر من ساق واحدة. ~~وسرعان ما يعلم أنه كان هناك منذ فجر التاريخ استجماع وتصنيف دائم للحقائق. ولكن ~~التصنيف ليس سوى الإدراك بأن هذه الأشياء ليست مشوشة وليس بعضها غريبا عن بعض، ~~وإنما لها قانون، هو كذلك قانون العقل البشري. يكتشف الفلكي أن الهندسة، وهي تجريد ~~مطلق للعقل البشري، هي قياس حركة الكواكب. ويكتشف الكيمائي النسب والقواعد المعقولة ~~في المادة كلها، وليس العلم سوى كشف التشابه والتطابق في أكثر الأجزاء تباعدا. ~~وتقف الروح الطموحة أمام كل حقيقة منفصلة، فتخضع كل المركبات الغريبة وجميع القوى ~~الجديدة، واحدة بعد الأخرى، إلى أصنافها وإلى قانونها، وتستمر كذلك إلى الأبد تبعث ~~بالبصيرة الحياة في آخر خيط من خيوط النظام العام، في أطراف الطبيعة. # وهكذا يلمح هذا الصبي الدارس، وهو تحت قبة النهار المستديرة، أنه هو والطبيعة قد ~~نشآ من جذر واحد، أحدهما ورقة والآخر زهرة، الصلة والتعاطف بينهما تهتزان في كل ~~عرق. وماذا عسى أن يكون الجذر؟ أليس هو روح روحه؟ يا لها من فكرة جريئة، وحلم شارد! ~~ومع ذلك فإنه عندما يكشف هذا الضوء الروحاني قانون طبائع أرضية أخرى، أي بعدما ~~يتعلم أن يعبد الروح وأن يرى أن الفلسفة الطبيعية الكائنة الآن ليست سوى تحسس الروح ~~الأولى بيدها الضخمة، حينئذ يتطلع أمامه إلى معرفة دائمة التوسع كأنه يتطلع إلى ~~خالق آت. سوف يرى أن الطبيعة تجابه الروح، وتجيبها جزءا بجزء، أحدهما الخاتم ~~والآخر المختوم، جمالها جمال عقله. عندئذ تصبح الطبيعة لديه مقدار ما يحصله، ~~وبمقدار ما يجهل من الطبيعة يكون ms020 القدر من عقله الذي لا يملكه، وفي عبارة موجزة ~~يصبح المبدأ القديم «اعرف نفسك» والمبدأ الحديث «ادرس الطبيعة » في النهاية مبدأ ~~واحدا. ~~(2) # والمؤثر الكبير الثاني في روح العالم هو عقل الماضي، في أية صورة ينطبع هذا ~~العقل، سواء في الأدب أو الفن أو النظم. والكتب خير مثال لأثر الماضي، وربما أدركنا ~~الحقيقة، وعرفنا مقدار هذا الأثر في سهولة أكثر، إذا تدبرنا قيمة الكتب ~~وحدها. # نظرية الكتب نظرية نبيلة. كان العالم في العصر الأول يتلقى في نفسه العالم ~~الذي حوله، ويتدبره، ثم يضفي عليه ترتيبا جديدا من عقله، ويعبر عنه ثانية. كان ~~العالم يدخل في نفسه حياة ويخرج منه صدقا، كان العالم يأتيه حركات قصيرة المدى ~~ويخرج منه أفكارا خالدة، يأتيه عملا ويصدر عنه شعرا. كان حقيقة ميتة ثم أصبح ~~فكرا خاطفا يستطيع أن يظهر ويستطيع أن يختفي. وهو مرة يثبت وأخرى يتبدد وثالثة ~~يوحي. ويتناسب عمق العقل الذي تصدر عنه الأفكار تناسبا دقيقا والارتفاع الذي تحلق ~~فيه هذه الأفكار وطول النغم الذي ترنمه. # ولعلني أستطيع أن أقول إن الفكرة تتوقف على مدى ما تصل إليه عملية تحويل الحياة ~~إلى صدق. وعلى قدر كمال عملية التقطير يكون نقاء الإنتاج وصلابته. غير أنك لن تجد ~~أحدا كاملا كل الكمال. وكما أن مضخة الهواء لا تستطيع البتة أن تخلق فراغا ~~كاملا، فكذلك لا يستطيع الفنان حينما يكتب أن يستبعد البتة التقاليد المرعية أو ~~اللون المحلي أو ما هو زائل، وهو أيضا لا يستطيع أن يكتب كتابا من الفكر الخالص، ~~يكون له - من كل نواحيه - من الأثر على الأجيال البعيدة ما له على المعاصرين أو حتى ~~على الجيل التالي. ولقد تبين أنه لا بد لكل عصر من أن يكتب كتبه، أو قل إن كل جيل ~~يكتب للجيل التالي، فكتب العهد القديم لا تلائم هذا العهد. # ومن ثم ينشأ ضرر بليغ، فإن القداسة التي تتصل بعملية الإبداع وعملية التفكير ~~تنتقل إلى ما يدون. كان الشاعر ينشد فيشعر الناس أنه رجل مقدس، ومن ثم كان ~~إنشاده ms021 مقدسا كذلك. وكان الكاتب روحا عادلة حكيمة، ومن ثم يتقرر كمال ~~الكتاب، ذلك لأن حب البطل يفسد فيصبح عبادة تمثاله. ثم سرعان ما يصبح الكتاب ~~شرا وبيلا، والكاتب مستبدا. إن فكر الجماهير خامل معوج، لا يغزوه العقل في ~~يسر. فإن غزاه مرة واستقبل كتابا من الكتب، تراه يتشبث به، ويصيح إذا أسيء إليه. ~~وعلى هذا الكتاب تقوم الكليات الجامعة، وعليه يضع المفكرون الكتب، ولا أقول ~~«الإنسان المفكر»، وإنما أقصد ذوي المواهب الذين يبدءون بداية خاطئة، وينطلقون من ~~المذاهب الثابتة، لا من رأيهم الخاص في المبادئ العامة. وينشأ الشباب الذليل في ~~المكتبات، وهم يعتقدون أن من واجبهم أن يقبلوا الآراء التي أدلى بها شيشرون ولوك ~~وباكون، ناسين أن شيشرون ولوك وباكون إنما كانوا شبابا في المكتبات عندما ألفوا ~~هذه الكتب. # ومن ثم فبدلا من «الإنسان المفكر» يكون لدينا قراء الكتب، فتنشأ طبقة ~~المتعلمين من الكتب الذين يقيمون للكتب وزنا لأنها كتب، لا لأنها ترتبط بالطبيعة ~~وتكوين الإنسان، ولكن لأنها تكون مع العالم والروح ثالوثا متباعد الأطراف. ~~ومن ثم يظهر أولئك الذين يردون كل مقروء إلى أصله، ومصححو الكتب، والمولعون ~~باقتنائها على اختلاف درجاتهم. # الكتب خير الأشياء إذا أحسن استعمالها، أما إذا أسيء فهي من شر الأمور. ما هو ~~الاستعمال الصحيح؟ ما هو الغرض الوحيد الذي تهدف إليه كل الوسائل؟ ليس للكتب غرض ~~سوى الإيحاء، وإنه لخير لي ألا أرى كتابا من أن تضللني جاذبيته عن مجالي ضلالا ~~مبينا، أو أن أصبح تابعا بدلا من أن أكون صاحب رأي مستقل. إن الشيء الوحيد الذي ~~له قيمة في العالم هو الروح الفعالة، وكل إنسان جدير بها، وكل إنسان يضمها في ~~دخيلته، وإن قامت أمامها العقبات فلم تولد عند أكثر الناس. الروح الفعالة ترى الحق ~~المطلق وتنطق الحق، أو تبتدع. وهي في هذا العمل موهبة، وليست ميزة يختص بها هذا ~~الرجل المعزز أو ذاك، ولكنها ملك خالص لكل إنسان، وهي في صميمها تقدمية. والكتاب ~~والكلية ومدرسة الفن وأي نوع من أنواع النظم، كل هذا ms022 ينتمي إلى ما تفوه به قديما ~~نابغة من النوابغ. يقولون: هذا حسن، دعنا نتمسك به، إنهم بذلك يحنقونني ، لأنهم ~~يتطلعون إلى الوراء لا إلى الأمام. ولكن العبقرية تنظر إلى الأمام، فإن عيني ~~الإنسان في مقدمة رأسه وليستا في مؤخرته. الإنسان يأمل، والعبقرية تخلق. ومهما تكن ~~المواهب فإن الإنسان إذا لم يخلق لا يكون النور الإلهي الخالص ملكا له. وقد يكون ~~لديه رماد ودخان، ولكن لن تكون لديه شعلة النار. وهناك آداب خالقة، وأعمال خالقة، ~~وكلمات خالقة، أي هناك آداب وأعمال وكلمات لا تدل على عادة أو سلطان، ولكنها تنبع ~~تلقائيا من إحساس العقل نفسه بالخير والعدل. # ومن ناحية أخرى، فبدلا من أن يرى العقل بنفسه، تراه يتقبل الصدق من عقل آخر، ~~كأنه في فيض من النور، بغير فترات من العزلة أو البحث أو استجمام النفس، وحينئذ ~~يتحقق ضرر قاتل؛ ففي عبقرية الفرد دائما عداء كاف لعبقرية فرد آخر، وذلك بتأثيرها ~~الزائد. ويؤيدني في ذلك الأدب في جميع الأمم، فإن شعراء الدراما الإنجليز قد ترسموا ~~أثر شكسبير حتى اليوم مائتي عام. # وليس من شك في أن هناك طريقة صحيحة للقراءة بحيث تصبح خاضعة للقارئ خضوعا ~~شديدا. ولا ينبغي «للإنسان المفكر» أن يخضع لأدواته. إنما الكتب لتزجية فراغ ~~العالم؛ فإنه إن استطاع أن يطالع الله رأسا عز وقته فلا ينبغي أن ينفق فيما ~~دونه الآخرون من مطالعاتهم. ولكن إذا ما حان حين الظلام، ولا بد أن يحين - عندما ~~تختفي الشمس وتسحب النجوم ضياءها - نعود إلى المصابيح التي أشعلت من أشعتها لكي ~~نرشد خطانا صوب «الشرق» مرة أخرى حيث مطلع الفجر. ونتسمع لكي نستطيع أن ننطق. وفي ~~ذلك يقول المثل العربي ما معناه: «إن شجرة التين إذا أطلت على شجرة للتين أخرى ~~أثمرت.» # ما أعجب لون السرور الذي نستمده من خير الكتب. إنها تحملنا على أن نعتقد أن ~~الكاتب والقارئ من طبيعة واحدة؛ فنحن نقرأ ما نظمه أحد كبار شعراء الإنجليز، مثل ~~شوسر، أو مارفل، أو دريدن، بأحدث سرور، أقصد إننا نقرؤه باستمتاع ms023 ينشأ إلى حد كبير ~~عن تجريد «الزمان» كله من نظمهم. ويمتزج سرور الدهشة بشيء من الرهبة حينما نجد أن ~~هذا الشاعر الذي عاش في عالم قديم منذ مائتي أو ثلاثمائة عام يعبر عما يقع قريبا ~~من روحي، أو عما فكرت فيه وعبرت عنه أنا كذلك منذ وقت قريب. ولولا ما قدمنا من دليل ~~على المذهب الفلسفي الذي يقول بوحدة جميع العقول لافترضنا ثبوت نوع من أنواع ~~الانسجام بين الأرواح قديم، أو لون من الألوان بعد النظر عند الأرواح من عهد بعيد، ~~وضرب من ضروب إعداد المؤن لحاجات المستقبل، كالذي نشاهد بين الحشرات التي توفر ~~الطعام قبل موتها للديدان الصغيرة التي لن تراها. # ولن يعجل بي حب أي نظام عام، أو المبالغة في الغرائز، إلى الحط من قيمة ~~«الكتاب»؛ فكلنا يعلم أنه كما يتغذى جسم الإنسان بأي طعام حتى إن كان عشبا ~~مغليا ومرق الأحذية، فكذلك عقل الإنسان يتغذى بأي لون من ألوان المعرفة. وقد ظهر ~~رجال عظماء أبطال لم تكد تبلغهم معرفة إلا عن طريق الصحف المطبوعة. إنما أقول إن ~~استساغة هذا الطعام تتطلب عقلا قويا؛ فلكي تحسن القراءة يجب أن تكون منشئا، أو ~~كما يقول المثل: «من يريد أن يجلب لبيته ثروة جزر الهند لا بد أن يبذل جهدا للحصول ~~على ثروة جزر الهند.» فهنالك إذن قراءة منشئة، كما أن هناك كتابة منشئة. حينما يقوى ~~العقل بالعمل والاختراع تصبح صفحة أي كتاب نقرأ مضيئة بالإشارات العديدة. وتتضاعف ~~دلالة العبارة الواحدة، ويتسع فهم المؤلف اتساع العالم. حينئذ نرى ما هو حق ~~دائما، نرى أنه كما أن الساعة من رؤيا الرائي قصيرة نادرة في خضم الأيام والشهور، ~~فكذلك تدوينها ربما كان أقل جزء من أجزاء مجلده. وبعيد النظر هو الذي يقرأ في ~~أفلاطون أو شكسبير ذلك الجزء القليل فقط، أي تلك الكلمات الأصيلة التي ينطق بها ~~الملهمون، أما ما عدا ذلك فإنه ينبذه، حتى إن كان لأمثال أفلاطون ~~وشكسبير. # وهناك جانب من القراءة بطبيعة الحال لا غنى عنه البتة للرجل الحكيم. ms024 لا بد له من ~~دراسة التاريخ والعلوم الدقيقة عن طريق القراءة الشاقة. وللكليات كذلك وظيفتها التي ~~لا غنى عنها، وهي أن تعلم المبادئ، ولكنها لا تؤدي لنا خدمة رفيعة إلا إذا لم يكن ~~هدفها التدريب وإنما الإنشاء، وذلك حينما تجمع من بعيد كل شعاع من أشعة العبقرية ~~المتنوعة إلى موئلها الذي يحسن استقبالها، ثم تشعل قلوب الشباب من هذه النيران ~~المتجمعة. فالفكر والمعرفة من الطبائع التي لا يجديها جهاز أو ادعاء. وثياب العلماء ~~والأسس المالية، حتى إن كانت مدائن من ذهب، لا تعوض أقل عبارة أو كلمة ينم عنها ~~الذكاء. فإذا ما نسينا ذلك تأخرت جامعاتنا الأمريكية في أهميتها العامة، مع ازدياد ~~ثروتها عاما بعد عام. ~~(3) # تسود الجميع فكرة تقول بأن العالم ينبغي أن يكون ناسكا، أو كأنه مريض في دور ~~النقاهة، لا يصلح لأشغال يدوية أو أعمال عامة، كما لا تصلح المبراة أن تكون فأسا. ~~إن من نسميهم «رجالا عمليين» يهزءون بالرجال المتأملين، كأنهم - لأنهم يتأملون أو ~~ينظرون - لا يستطيعون أن يعملوا شيئا. ولقد نمى إلي أن رجال الدين، وهم دائما ~~أكثر من أي طبقة أخرى في العالم، علماء يومهم، يحبون الخطاب الرقيق، ولا يستمعون إلى ~~حديث الرجال الجاف التلقائي، وإنما يستمعون إلى الحديث الأنيق الخفيف، إنهم كثيرا ~~ما يحرمون فعلا من حقهم في الانتخاب، وهناك في الواقع من يدافع عن عزوبتهم. وليس ~~من العدل والحكمة أن يصدق ذلك على الطبقات المولعة بالدرس. وإن كان العمل للعالم ~~ثانويا فهو ضروري، وبدونه لا يكون رجلا، وبدونه لا ينضج الفكر فيثمر الحق. وما دامت الدنيا تبدو للعين كأنها سحابة من الجمال، فإننا لا نستطيع أن نرى حتى جمال ~~الدنيا. إن عدم العمل جبن، ولا يمكن أن يكون هناك عالم بغير العقل العامل الجريء. ~~إن مقدمة التفكير، أو التحول الذي يمر به الفكر من اللاشعور إلى الشعور، هو العمل؛ ~~فالمرء لا يعرف إلا بمقدار ما يعيش. وبذلك تعرف في الحال من الذي كلماته محملة ~~بالحياة، ومن الذي كلماته فارغة. # إن الدنيا - أو ms025 هذا الظل للروح، أو نفسي الأخرى - واسعة حولي، ومفاتنها هي ~~المفاتيح التي تفتح أفكاري وتعرفني بنفسي. وإنني لأعدو بشغف في هذا الضجيج الذي ~~يرن صداه، وإني لأمسك بأيدي جيراني وأتخذ مكاني في حلقة الناس لكي أكابد ولكي أعمل، ~~وقد علمتني غريزتي أن الهوة الصامتة يمكن أن يرن في أرجائها الكلام. إنني أخترق ~~نظام العالم، وأبدد مخاوفه، وأتصرف فيه في حدود دائرة حياتي الممتدة. وعلى قدر ما ~~أعرف عن الحياة بالخبرة فقط، يكون مدى القفر الذي أغزوه وأستنبته، أو يكون مدى ~~وجودي أو مجال نفوذي. ولست أفهم كيف يستطيع أي إنسان، من أجل أعصابه وراحته، أن ~~يتخلى عن أي عمل يستطيع أن يسهم فيه. العمل هو اللؤلؤ والعقيق في حديث المرء. وإن ~~الكد والكوارث والسخط والحاجة لتعلم الإنسان شيئا من الفصاحة والحكمة. والعالم ~~الحقيقي هو الذي يحقد على كل فرصة للعمل لا يستغلها كأنها نقص في نفوذه؛ فالعمل هو ~~المادة الخام التي يصوغ العقل منها إنتاجه العظيم. وإنها لعملية غريبة أيضا، تلك ~~التي تتحول بها الخبرة إلى فكرة، كما تتحول ورقة التوت إلى الحرير الأطلس. وإنها ~~لصناعة تطرد في سيرها في كل حين. # إن الأعمال والحوادث في طفولتنا وشبابنا هي اليوم موضوعات للتأمل العميق، وإنها ~~لتبدو كالصور الحسناء في الهواء. وليس الأمر كذلك في أعمالنا التي تمت من عهد قريب، ~~أي في العمل الذي نشغل به اليوم أيدينا، فإننا في هذا العمل عاجزون كل العجز عن ~~التأمل؛ لأن عواطفنا ما برحت تتخلله، فلا نحسه أو نعرفه أكثر مما نحس بالقدمين أو ~~اليدين أو الذهن في أجسامنا. العمل الجديد لا يزال جزءا من حياتنا، وهو يبقى فترة ~~غائصا في حياتنا اللاشعورية. وفي ساعة من ساعات التأمل ينفصل هذا العمل عن الحياة ~~كما تنفصل الثمرة الناضجة، لكي يصبح فكرة في العقل. فالعمل يرتفع في لحظة وتتغير ~~صورته، وما كان عرضة للفساد يصبح شيئا لا يقبل الفساد، ويصير بعدئذ شيئا جميلا ~~مهما يكن منشؤه وبيته. ثم لاحظ كذلك استحالة وقوع ذلك قبل الأوان. إن ms026 تحول العمل ~~إلى الفكرة يمر بمرحلة كالتي تمر بها الدودة، التي لا تستطيع الطيران ولا تستطيع ~~الإضاءة، إنما هي دودة ثقيلة، ولكنها فجأة، ودون أن نلحظ عليها ذلك، تتفتح عن أجنحة ~~جميلة، وتصبح ملاكا من ملائكة الحكمة. وكذلك ليست هناك واقعة، وليس هناك حادث، في ~~تاريخنا الخاص، لا يفقد - إن عاجلا أو آجلا - صورته المائعة الساكنة، ويذهلنا ~~بالانفصال عن حياتنا ليصبح ذكرى. لقد ولى المهد وولت الطفولة والمدرسة واللعب ~~وخوف الصبية، والكلاب والمقرعة، وحب الفتيات والتوت، وحقائق أخرى كثيرة كانت في وقت ~~من الأوقات تملأ السماء كلها. وكذلك الصديق والقريب، والمهنة والحزب، والمدينة ~~والريف، والأمة والعالم، كل ذلك لا بد أن يمضي ويتلاشى ثم يستحيل نشيدا. # وإن من يضع كل قوته في أعمال مناسبة تعود إليه الحكمة - بطبيعة الحال - كأغلى ما ~~تكون. إنني لن أحبس نفسي بعيدا عن دنيا العمل هذه، وأنقل السنديانة إلى آنية ~~الزهر، لتجف فيها وتذبل. ولن أثق فيما تجلبه لي موهبة وحيدة، وأرهق وترا واحدا من ~~أوتار الفكر، فأكون أشبه بأهل سافوي الذين كانوا يحصلون على عيشهم بنحت تماثيل ~~الرعاة والراعيات والهولانديين وهم يدخنون لكل أنحاء أوروبا، فلما قصدوا الجبل ذات ~~يوم للبحث عن الخشب اكتشفوا أنهم قد قطعوا آخر شجرة من أشجار الصنوبر ليحرقوها. ~~لدينا مؤلفون عديدون استنفدوا قدرتهم على الكتابة، ثم دفعتهم حكمة حميدة فأقلعوا ~~إلى بلاد اليونان وفلسطين، أو اقتفوا أثر الصائد في المروج، أو تجولوا حول بلاد ~~الجزائر؛ لكي يزودوا أنفسهم بالبضاعة الرائجة. # لو أن العالم لا يقصد إلا التعابير فإنه لا بد يتشوق إلى العمل؛ فالحياة ~~قاموسنا، وإنك لتحسن إنفاق السنين لو أنفقتها في العمل بالريف، أو بالمدينة، أو في ~~تبصر الحرف والصناعات، أو في الاتصال الخالص بالرجال والنساء، أو في العلم، أو ~~الفن، وذلك لغرض واحد هو إتقان لغة نوضح بها ونصوغ فيها آراءنا في حقائق هذه ~~الأشياء جميعا. وإنني لأعرف في الحال من المتكلم مقدار ما أصاب من معيشة، وذلك من ~~خلال حديثه التافه أو العظيم. إن الحياة تكمن ms027 خلفنا كأنها المحجر الذي نحصل منه على ~~الآجر والحجارة لما نشيده اليوم. وبذلك نتعلم قواعد اللغة. أما الكليات والكتب ~~فهي تكتفي بأن تحاكي اللغة التي صنعها الحقل وميدان العمل. # بيد أن قيمة العمل النهائية - شأنها في ذلك شأن قيمة الكتب بل أكثر من قيمة ~~الكتب - هي أن العمل مورد من الموارد. إن القانون العظيم للتراوح في الطبيعة، الذي ~~يتبدى في شهيق الأنفاس وزفيرها، وفي الاشتهاء والاكتفاء، وفي مد البحر وجزره، وفي ~~الليل والنهار، وفي الحرارة والبرودة، ذلك القانون الذي يكون أشد انطباعا في كل ~~ذرة وكل سائل، إنما نعرفه باسم «الاستقطاب»، وهذه «النوبات من الانتقال السهل ~~والانعكاس اليسير» - كما عبر عنها نيوتن - هي قانون الطبيعة، لأنها قانون ~~الروح. # يفكر العقل مرة، ويعمل مرة أخرى، وكل نوبة تبعث الأخرى. عندما يستنفد الفنان ~~أدواته، فلا يصور خياله، وعندما يكف عن فهم الأفكار وتصبح الكتب مملولة، فإن لديه ~~دائما مورد «الحياة». والشخصية أسمى من العقل. التفكير هو الوظيفة، والعيش هو صاحب ~~الوظيفة، والتيار يتراجع إلى منبعه، والروح العظمى تقوى على العيش كما تقوى على ~~التفكير. وهل تنقصها الأداة أو الوسيط لإذاعة ما لديها من حقائق؟ إنها تستطيع أن ~~تركن إلى هذه القوة المبدئية، وهي قوة العيش وفقا لهذه الحقائق. وإن هذا لعمل ~~كلي، في حين أن التفكير عمل جزئي. حينئذ يشرق على الروح جلال العدالة. ويبهج جمال ~~المحبة مأواها، فإن أولئك «البعيدين عن الشهرة» الذين يقطنون ويعملون معها، سوف ~~يحسون قوة بنائها في أعمال يومها وما يمر بها فيه، وذلك خير من أن يقاس هذا البناء ~~بالتظاهر أمام الجمهور تظاهرا مقصودا. إن الوقت سوف يعلم صاحب هذه الروح. إن ~~العالم لا يضيع الساعة التي يحياها كرجل؛ ففي هذه الساعة يكشف عن غرائزه التي تشبه ~~الجواهر المقدسة، ويبعدها عن المؤثرات، وما يفقده في التظاهر يكسبه في القوة. إن ~~أولئك الذين أرهقت نظم التربية ثقافتهم لا يظهر من بينهم ذلك العملاق الذي يعين على ~~هدم القديم وبناء الجديد، وإنما يخرج هذا العملاق من الطبيعة الوحشية ms028 التي لم تلوث ~~قط، إنما يخرج ألفرد وشكسبير في النهاية من المحارب النوردي الهمجي المتهور، ومن ~~الكاهن الكلتي في بلاد الغال القديمة وبريطانيا. # ولذا فإني أستمع بسرور إلى كل ما بدأ الناس يذكرون عن كرامة العمل وضرورته لكل مواطن. فلا ~~تزال للفأس والمعول فضيلتهما لأيدي المتعلمين وغير المتعلمين على السواء. مرحبا بالعمل في ~~كل مكان، إننا دائما ندعى إليه، ولكن علينا أن نلاحظ هذا الشرط: وهو أن الرجل لا ينبغي له ~~من أجل اتساع نطاق العمل أن يضحي بأية فكرة في سبيل أحكام العامة وأساليب العمل. # تحدثت الآن عن تربية العالم عن طريق الطبيعة، وعن طريق الكتب، والعمل، وبقي أن أقول ~~شيئا عن واجباته. # إنها الواجبات التي تلائم «الإنسان المفكر»، ويمكن أن تشملها كلها الثقة في النفس. وظيفة ~~العالم هي أن يدخل البهجة في نفوس الناس، ويعلو بهم، ويرشدهم، وذلك بأن يوضح لهم الرشد من ~~الغي. إنه يثابر على القيام بالملاحظة البطيئة التي لا تجلب شرفا ولا مالا. إن فلامستيد ~~وهرشل في مراصدهما البلورية يستطيعان أن يقرآ النجوم بما يسر الناس جميعا، وهذه النتائج ~~العظيمة النافعة تكفل لهما الشرف الرفيع. ولكن العالم في مرصده الخاص، وهو يحسب نجوم العقل ~~البشري المعتمة المظلمة التي لم يفكر فيها قبل اليوم إنسان، وهو يرقب بضع حقائق أياما ~~وشهورا في بعض الأحيان، مصححا سجلاته القديمة، هذا العالم لا بد له من نبذ التظاهر ~~والشهرة المباشرة. وفي خلال فترة استعداده الطويلة لا بد له غالبا من أن يفضح جهلا ~~وجمودا في الفنون الشعبية، فيجلب على نفسه ازدراء القادرين الذين ينحونه جانبا. ولا بد له ~~من التعثر طويلا في كلامه، وكثيرا ما يهجر الأحياء إلى الأموات. وأسوأ من هذا، أنه لا ~~مناص له من قبول الفقر والعزلة، وما أكثر ما يفعل ذلك! وإنه ليستعيض عن السهولة والمتعة في ~~طرق الطريق القديم، وقبول الطراز السائد وما تتبعه الجماعة في التربية والدين، يستعيض عن ~~ذلك بما ينشئه لنفسه، وإنه ليصبح من أجل ذلك هدفا بطبيعة الحال لاتهام النفس ms029 وضعف القلب، ~~والشك في قيمة الوقت وضياعه في كثير من الأحيان، وهي أمور كالحشائش والكروم المعقدة تعترض ~~سبيل الاعتماد على النفس والتوجيه الذاتي، كما يستهدف لخصومة حقيقية يبدو فيها عدو المجتمع ~~وبخاصة المتعلمون منه. وماذا يقابل كل هذا الخسران والازدراء؟ إنه يجد عزاءه في ممارسة أعلى ~~وظائف الطبيعة البشرية. إنه رجل يسمو بنفسه عن الاعتبارات الخاصة ويتنفس ويعيش على الآراء ~~المشرقة العامة. هو عين العالم، وقلبه. إنه يقاوم الرفاهية الدنيئة التي تعود بنا دائما ~~نحو البربرية، وذلك بنقله مشاعر البطولة والسير النبيلة، وعذب الشعر، وعبر التاريخ، وكل ~~حكمة عبر عنها قلب الإنسان في كل ظرف طارئ وكل ساعة رهيبة، تعليقا على عالم الأعمال، كل ~~حكمة من هذا القبيل يتلقاها العالم ويعلمها غيره، وكل حكم جديد ينطق به العقل من كرسيه ~~الحصين على ما يمر اليوم من رجال وأحداث، كل حكم من هذا القبيل يصغى إليه ويصوره. # ولما كانت هذه هي وظائف العالم، فجدير به أن يستشعر كل الثقة في نفسه، وألا يذعن أبدا ~~لصوت الجماهير؛ فهو وحده الذي يعرف العالم. والعالم في أية لحظة من اللحظات ليس إلا ~~مظهرا. والعمل الذي يكون له بريق، أو الحكومة التي يقدسها الشعب على غير أساس، أو الصناعة ~~الزائلة، أو الحرب، أو الإنسان، هذه أمور قد يؤيدها نصف البشر وقد يعترض عليها النصف الآخر، ~~كأن كل شيء يتوقف على هذا التأييد أو ذاك الاعتراض. والأرجح أن الموضوع كله لا يستحق أدنى ~~تفكير ينفقه العالم في الإصغاء إلى الجدل. وعلى العالم ألا يتخلى عن عقيدته في أن البندقية ~~الفارغة لا تعدو أن تكون بندقية فارغة، حتى إن أكد لنا القدامى والأشراف في هذه الأرض أنها ~~تنطلق فتقضي على الدنيا. ليثق العالم في نفسه، في صمت وثبات وتجرد مطلق، وليضم ملاحظة إلى ~~أخرى، صبورا على إهمال الناس له، وعلى لومهم إياه، ويترقب الوقت لنفسه، ويكفيه سعادة أنه ~~يستطيع أن يقنع نفسه وحده أنه في هذا اليوم قد شاهد شيئا ما على حقيقته. وإن النجاح ليحدو ~~خطوة ms030 صحيحة؛ لأن الغريزة التي تدفعه إلى أن يخبر أخاه بما يرى غريزة صادقة، وسوف يدرك بعد ~~ذلك أنه حينما يغوص في أسرار عقله إنما يهبط إلى أسرار العقول جميعا. وإنه حينما يتحكم في ~~أي قانون من قوانين فكره الخاص، إنما يتحكم في جميع الناس الذين يتحدث بلغتهم، وفي جميع من ~~يتكلمون لغة يمكن أن تترجم إليها لغته؛ فالشاعر الذي يذكر في عزلته التامة أفكاره ~~التلقائية فيدونها، إنما يدون ما يجده الناس في المدائن المزدحمة حقا لديهم كذلك. والخطيب ~~يرتاب أول الأمر في صلاحية اعترافاته الصريحة، وفي نقص علمه بالأشخاص الذين يخطبهم، حتى يجد ~~أنه متمم لسامعيه، وأنهم يستقون من كلماته لأنه يعبر عن طبيعتهم نيابة عنهم. وكلما اشتد ~~غوصه في خوالجه الخاصة الدفينة يشتد عجبه حينما يجد أن ذلك هو أشد الأمور قبولا، وأكثرها ~~شيوعا، وأصدقها عند الناس أجمعين؛ فالناس يسرون منها، ويشعر الجانب الطيب في كل إنسان أن ~~هذه هي موسيقاه وتلك هي نفسه. # وتشتمل الثقة في النفس على جميع الفضائل؛ فالعالم يجب أن يكون حرا وجريئا. يجب أن ~~يكون حرا على حد تعريف الحرية «دون عائق لا يصدر عن نفسه»، وجريئا لأن الخوف شيء يخلفه ~~العالم وراءه بحكم وظيفته؛ لأن الخوف دائما ينشأ عن الجهل. وعار عليه إذا كان هدوءه، في ~~الأوقات العصيبة، ناشئا عن افتراضه أنه من الطبقات المحمية، كالأطفال والنساء، أو إذا كان ~~يبحث عن السلام المؤقت بتحويل أفكاره من السياسة أو الموضوعات الشائكة، مخفيا رأسه ~~كالنعامة في الشجيرات المثمرة، ناظرا في مناظيره المكبرة، أو ناظما للشعر، كما يصفر الطفل ~~لكي يحتفظ بشجاعته. فالخطر لا يزال هو الخطر، والخوف أسوأ. وإنما يجب عليه أن يلتفت إليه ~~ويجابهه كما يفعل الرجال. وليحدق في عين الخطر ويبحث عن طبيعته، ويفحص أصله - ويرى منبت هذا ~~الأسد - الذي لا يبعد وراءه كثيرا. سوف يجد في نفسه حينئذ إدراكا كاملا لطبيعته ومداه، ~~ولسوف تلتقي يداه في الناحية الأخرى. ومن ثم يستطيع أن يتحداه ويمر به في استعلاء. ~~إنما الدنيا لمن يستطيع ms031 أن يخترق مزاعمها بالنظر. وما ترى من صمم ومن عادة عمياء ومن خطأ ~~متفاقم إنما مرده إلى رضا المرء باحتماله، فإن نظرت إلى ذلك على أنه أكذوبة، فقد قضيت عليه ~~بضربة لازب. # أجل، إنما نحن الأذلاء، نحن الذين لا نثق في أنفسنا، وإنها لفكرة شريرة تلك التي تزعم ~~أننا قد قدمنا إلى الطبيعة متأخرين، وأن العالم قد تم منذ زمان بعيد. وكما أن الدنيا كانت ~~مرنة سائلة في أيدي الله، فهي كذلك دائمة في كثير من الصفات التي نجلبها لها، إنها كحجر ~~الصوان عند الجاهلين والخاطئين، فأولئك ينصاعون لها ما أمكنهم ذلك، ولكن بمقدار ما في المرء ~~من قداسة يخضع الكون له، ويتخذ طابعه وصورته. وليس عظيما من يستطيع أن يغير المادة، وإنما ~~العظيم من يستطيع أن يغير حالتي العقلية: إنما عظماء العالم هم الذين يضفون لون تفكيرهم ~~الراهن على الطبيعة كلها وعلى الفن كله، ويحملون الناس بمعالجتهم الأمر في جد وانشراح على ~~أن هذا الذي يعملون هو بمثابة التفاحة التي كانت العصور الماضية تتوق إلى قطفها، والآن تم ~~نضجها، وهي تدعو الأمم إلى جنيها؛ فالرجل العظيم هو من يحقق الأمر العظيم. فأينما يجلس ~~«ماكدونالد» يكون رأس المائدة. ولقد جعل «لناوس» علم النبات أكثر الدراسات تشويقا، ~~واكتسب ذلك من الفلاح والمرأة التي تجمع العشب، وكذلك فعل «ديفي» بالكيمياء، و«كوفير» ~~بالحفريات. إنما يكسب اليوم من يعمل فيه بجد ولأغراض سامية، ويظفر بتقدير الناس - الذي لا ~~يستقر على حال - من امتلأ عقله بالصدق، ويتراكم له التقدير كما تتراكم أمواج الأطلانطي في ~~إثر القمر. # والسبب في دعوتنا إلى الثقة بالنفس أعمق من أن يسبر غوره، وأظلم من أن يستنير. وربما لا ~~أستطيع أن أظفر بمشاعر المستمعين إلي عندما أصرح لهم بعقيدتي. ولكني قد أبنت لكم أساس ~~آمالي، وذلك عندما نبهت إلى المذهب القائل بوحدة الإنسان. وإني أعتقد بأن الإنسان قد أسيء ~~إليه، أو أنه قد أساء إلى نفسه، وكاد أن يفقد النور الذي يمكن أن يرده إلى ما تميز به. ولم ~~يعد للناس ms032 وزن؛ فهم في التاريخ، وهم في عالم اليوم كالهوام أو بيض السمك، ويسمون «الجموع» ~~أو «القطيع». وفي كل قرن، أو في كل ألف عام، يظهر رجل واحد أو رجلان، أعني واحدا أو اثنين، ~~يقربان من الحالة الصحية التي ينبغي أن يكون عليها كل إنسان، وكل من عداه أو عداهما يرى في ~~البطل أو في الشاعر وجوده الساذج البدائي في حالة النضوج. أجل، وإنه ليرضى أن يكون أقل من ~~ذلك، لكي يتم لذلك البطل نموه. ويا له من دليل، ينم عن المجد ويدعو إلى الحسرة، ذلك الدليل ~~الذي يقدمه - ليلبي حاجة نفسه - الرجل الفقير في القبيلة، أو العضو المعدم في الجماعة، ~~حينما يبتهج للمجد يظفر به زعيمه. في ذلك يجد الفقير والوضيع شيئا من العوض لكفايتهما ~~المعنوية الهائلة، عوضا عن هبوطهم إلى الحضيض في معترك السياسة والاجتماع. لقد رضوا ~~لأنفسهم أن يزالوا كالذباب من طريق الرجل العظيم كي يمكنوا له من إقامة العدل لتلك الطبيعة ~~المشتركة التي يتوق الناس جميعا إلى أن يروها معظمة ممجدة. إنهم يستدفئون بالحرارة ~~المنبعثة من الرجل العظيم، ويشعرون بأن هذه الحرارة أو ذلك الضوء من إشعاع أنفسهم. إنهم ~~ينبذون كرامة الإنسان من نفوسهم الذليلة ليضعوها على أكتاف البطل، وإنهم ليقضون نحبهم لكي ~~يضيفوا قطرة من دماء ينبض بها ذلك القلب الكبير، وتجعل تلك الأعصاب الجبارة تقاتل وتنتصر. ~~هذا الرجل العظيم يعيش لنا، ونعيش فيه. # والناس - كما هم - من الطبيعي جدا أن يطلبوا المال والنفوذ، وإنما يطلبون النفوذ لأنه ~~بمثابة المال، أو غنيمة الوظيفة كما يقال. ولم لا؟ فهم يتطلعون إلى ذروة العلا، وهذا في ~~أحلام يقظتهم ما يعتقدون أنه ذروة العلا. أيقظهم يتخلوا عن هذا الخير الزائف ويقفزوا إلى ~~الحقيقة، ويتركوا الحلم للكتبة والمكاتب. ويمكن إشعال هذه الثورة بترويض فكرة الثقافة ~~تدريجا. إن أهم ما يصبو إليه العالم لبلوغ المجد واتساع الأفق هو بناء الإنسان. وها هي ذي ~~مواد البناء ملقاة على الأرض. إن الحياة الخاصة لرجل واحد سوف تكون مملكة أبهى سناء وأشد ~~ذعرا للعدو، ms033 وأحلى وأجدى نفوذا للصديق، من أية مملكة في التاريخ؛ لأنك إن أنعمت النظر إلى ~~الرجل ألفيته ينطوي على الطبائع الموزعة على الناس جميعا. وكل فيلسوف وكل شاعر وكل ممثل ~~قد أدى لي نيابة عني ما أستطيع ذات يؤم أن أؤديه لنفسي. والكتب التي كنا فيما مضى ~~نقومها كما نقوم إنسان العين قد استوعبناها تماما. ولا يختلف ذلك عن قولنا إننا قد ~~التقينا في وجهة النظر التي طبعها العقل العالمي في عيني الكاتب. لقد كنا ذلك الرجل، ثم ~~انصرفنا، إننا ننزح مستودعات الماء جميعا واحدا بعد الآخر، ولما كنا ننمو من كل هذا ~~المدد، فإننا نشتهي طعاما أحسن وأوفر. إن الرجل الذي لا يطعمنا البتة لم يعش قط. والعقل ~~الإنساني لا يمكن أن يدخر في شخص يضع سدا في أي جانب من جوانب هذه الإمبراطورية التي ~~لا تحد. إنها نار واحدة مركزية، تشتعل مرة بين شفتي أتنا فتضيء رءوس صقلية، ومرة أخرى من ~~حلق فيزوف فتبعث الضوء إلى بروج نابلس وكرومها. إنه ضوء واحد يشع من ألف نجم. إنها روح ~~واحدة تبعث الحياة في جميع الناس. # ولكني ربما أكون قد أسهبت إلى حد الإملال في الحديث عن العالم كموضوع مجرد، ولا ينبغي لي ~~أن أتلكأ أكثر من ذلك في ذكر ما أريد التنويه عنه من الإشارة القريبة إلى هذا العصر وهذا ~~البلد. # إننا نحسب - من الناحية التاريخية - أن هناك فارقا في الآراء التي تسود في العصور ~~المتعاقبة، وأن هناك من الحقائق ما يميز العقلية الكلاسيكية من العقلية الرومانتيكية، ومن ~~عقلية العصر الحديث، عصر التفكير أو الفلسفة. وبعد الآراء التي قدمتها عن وحدة العقل أو ~~مماثلته في جميع الأفراد، لن آبه كثيرا بهذه الفوارق، بل إني لأعتقد أن كل فرد يمر ~~بالمراحل الثلاث؛ فالصبي يوناني، والشاب رومانتيكي، والراشد مفكر. ومع ذلك فإني لا أنكر ~~أننا نستطيع أن نتتبع في جلاء تطورا في الفكرة الرئيسية. # إننا نندب عصرنا لأنه عصر «انطواء»، ولكن هل هذا شر؟ يبدو أننا ناقدون، تحيرنا أفكار ~~الآخرين، ولا نستطيع ms034 أن نستمتع بشيء لأننا نتلهف على معرفة مصدر السرور. نحن مبطنون ~~بالعيون، حتى إنا لنرى بأقدامنا، وعصرنا مصاب بما أصاب هاملت من شقاء. # مرضى بألوان من التفكير شاحبة. # وهل هذا شر؟ إن النظر هو آخر ما يتحسر عليه الإنسان، هل نرضى لأنفسنا العمى؟ هل نخشى أن ~~نرى أبعد من الطبيعة ومن الله، ونشرب الحقيقة على جفاف؟ إنني لأنظر إلى سخط طبقة الأدباء ~~على أنه إقرار منهم بأنهم لا يجدون أنفسهم في الحالة العقلية التي كان عليها آباؤهم، ~~ويأسفون لأنهم لم يجربوا حالة المستقبل، كما يخشى الغلام الماء قبل أن يعلم أنه يستطيع ~~السباحة. ولو أن هناك عصرا يود الإنسان أن يولد فيه فهو ألا يكون عصر «الثورة» حينما يقف ~~القديم والجديد وجها لوجه، ويتعرضان للمقارنة، حينما يتأثر نشاط الناس جميعا بالخوف ~~والأمل، حينما يستعاض عن أمجاد الماضي التاريخية بإمكانيات العصر الجديد الغنية. إن هذا ~~الوقت، كغيره من الأوقات جميعا، وقت طيب جدا، لو عرفنا كيف نستغله. # إنني أقرأ بشيء من السرور عن علامات الأيام المقبلة التي تبشر بالخير، وهي تتلألأ خلال ~~الشعر والفن، وخلال الفلسفة والعلم، وخلال الكنيسة والدولة. # وإحدى هذه العلامات هي أن الحركة عينها التي أدت إلى رفع مستوى ما كان يسمى بأحط ~~الطبقات في الدولة، اتخذت في الأدب صورة واضحة جدا تشبهها رفقا ورأفة. فبدلا من ~~السامي والجميل بحث الأدباء عن القريب والوضيع والمألوف، ونظموا فيه الشعر. وما كان يدوسه ~~بالأقدام ويهمله أولئك الذين كانوا يعدون أنفسهم ويتزودون للرحلات البعيدة في الأقطار ~~النائية، وجد فجأة أنه أغنى من كل بلد أجنبي؛ فموضوعات اليوم هي أدب الفقير، ومشاعر الطفل، ~~وفلسفة الشارع، ومعنى الحياة المنزلية. وإنها لخطوة عظيمة. أليس من علامات القوة أن يدب ~~النشاط في الأطراف، وأن تجري تيارات من الحياة الدافئة في الأيدي والأقدام؟ إنني لا أبحث عن ~~العظيم والبعيد والخيالي، ولا أسأل عما يجري في إيطاليا أو بلاد العرب، أو على الفن ~~الإغريقي أو أناشيد «بروفنسال»، وإنما أنا أحتضن الأمر العادي، وأكتشف الشيء المألوف والشيء ~~الوضيع ms035 وأجلس عند قدميه. بصرني باليوم، أعطك العالم القديم وعالم المستقبل. ماذا عسانا ~~حقا نحب أن نعرف له معنى؟ الطعام في الإناء، واللبن في الوعاء، والقصة المنظومة في ~~الشارع، وأنباء الزورق، ولمحة العين، وهيئة الجسم ومشيته. أرني الأسباب البعيدة لهذه ~~الأمور، وأرني الوجود السامي للأسباب الروحية العليا كامنة - كما تكمن دائما - في هذه ~~الضواحي وهذه الأطراف من الطبيعة، ودعني أرى التوافه وهي تتطاول إلى الاستقطاب الذي يردها ~~توا إلا القانون الأبدي، دعني أرى الحانوت، والمحراث، ودفتر الحسابات الذي يصدر عن نفس ~~السبب الذي تنشأ عنه ذبذبة الضوء وغناء الشعراء. دعني أرى كل ذلك، ولن تكون الدنيا بعد ذلك ~~خليطا مملا كالحجرة يتراكم فيها سقط المتاع، بل تكون على صورة ونظام. ليس هناك أمر تافه، ~~أو لغز، وإنما هناك خطة واحدة توحد بين أعلى القمم وأسفل الأخاديد وتبعث فيها ~~الحياة. # هذه الفكرة ألهمت عبقرية جولد سمث وبرنز وكوبر، وفي عصر أحدث، ألهمت جيته ووردزورث ~~وكارليل. هؤلاء تابعوا هذه الفكرة على صور مختلفة وبدرجات متفاوتة من النجاح. وتتباين ~~كتابتهم مع أسلوب بوب وجونسن وجبن الذي يبدو باردا متكلفا. أما كتابتهم ففيها دفء ~~الدماء. وإن الإنسان ليدهشه أن يرى أن الأشياء القريبة ليست أقل جمالا وعجبا من الأشياء ~~البعيدة. القريب يفسر البعيد. وليست القطرة إلا محيطا صغيرا، والإنسان متصل بالطبيعة ~~كلها. وهذه الفكرة عن قيمة الشيء الشائع تنفع في كشف ما استتر. ولقد كان جيته في ذلك أحدث ~~المحدثين، ومع ذلك فقد أطلعنا - كما لم يطلعنا أحد من قبل - على عبقرية القدماء. # هناك رجل عبقري واحد أدى خدمة كبرى لفلسفة الحياة هذه، ولم تقدر بعد تقديرا صحيحا ~~القيمة الأديبة لهذا الرجل، ذلك هو عمانويل سودنبرج. # 1 # كان أبعد الناس خيالا، ومع ذلك فقد كان يكتب بدقة العالم الرياضي، محاولا أن ~~يطبع المسيحية الشائعة في عصره بطابع قواعد الأخلاق الفلسفية الخالصة. ومثل هذه المحاولة لا ~~بد لها - بطبيعة الحال - من أن تلقى صعوبة لا يستطيع التغلب عليها أي عبقري. ولكنه رأى ~~العلاقة بين الطبيعة وصلات ms036 النفس وأطلعنا عليها. لقد اخترق الصفة الرمزية أو الصفة الروحية ~~للكلمة المرئية والمسموعة والمحسوسة. وكان شيطانه في الشعر الذي يحب الظلال، يحلق خاصة فوق ~~أجزاء الطبيعة السفلى ويفسرها. وأظهر الرابطة العجيبة التي تصل ما بين الشر الخلقي والصور ~~المادية الدنيئة. وقدم لنا في تشبيهات من شعره القصصي نظرية عن ضعف العقل، وعن الوحوش، وعن ~~الأشياء الدنيئة المفزعة. # وعلامة أخرى من علامات العصر الذي نعيش فيه، تتميز كذلك بحركة سياسية مشابهة، هي الأهمية ~~الجديدة التي أعطيت للفرد، وكل ما يرمي إلى عزلة الفرد، وإحاطته بحواجز الاحترام الطبيعي، ~~حتى يحس كل فرد أن الدنيا له، ويعامل الإنسان أخاه الإنسان كما تعامل الدولة ذات السيادة ~~دولة أخرى ذات سيادة، يرمي كذلك إلى الوحدة الحقيقية، وإلى العظمة. يقول بستالوزي ذلك الرجل ~~المكتئب: «عرفت أن ليس هناك إنسان في دنيا الله الواسعة هذه يحب أو يستطيع أن يعين إنسانا ~~آخر.» إن العون لا بد أن يأتي من صميم القلب وحده. والعالم هو ذلك الرجل الذي يجب عليه أن ~~يتقمص في شخصه كل ما في عصره من قدرة، وكل ما وهبه لنا الماضي، وآمال المستقبل. يجب أن يكون ~~جامعة من المعارف. وإن كان هناك درس يجب أن يطرق أذنه أكثر من غيره فذلك هو: «إن الدنيا لا ~~شيء، والإنسان كل شيء.» ففي نفس الإنسان قانون الطبيعة كلها، وأنتم لا تدركون بعد كيف ترتفع ~~فقاعة الماء، وفي نفس الإنسان يرقد العقل كله، فعليكم أن تعرفوا كل شيء، وعليكم أن تقتحموا ~~كل شيء. # سيدي الرئيس، سادتي: # إن هذه الثقة في قوة الإنسان التي لم تبحث بعد تخص العالم الأمريكي، بكل دوافعها وكل ما ~~تبشر به وكل استعداد لديها. لقد استمعنا طويلا إلى آلهة الشعر الأوروبية الظريفة، ووصمنا ~~روح الرجل الحر الأمريكي بالجبن والتقليد والاستئناس. إن الشراهة العامة والخاصة لتجعل ~~الهواء الذي نتنفسه كثيفا غليظا. والعالم رقيق متراخ لطيف. فانظر إلى العواقب الوخيمة. إن ~~عقل هذا البلد - الذي تعلم أن يهدف إلى الوضيع من الأمور - ليأكل بعضه بعضا. ليس ms037 هناك ~~عمل إلا للخانع القانع. أما الشبان الذين نتوقع منهم أحسن الرجال، والذين يبدءون الحياة ~~على شواطئنا منتفخين برياح الجبال، تسطع عليهم كل نجوم الآلهة، فإنهم لا يجدون الأرض تحتهم ~~متفقة مع هذه الأشياء، فيعوقهم عن العمل نفور من المبادئ التي تسير عليها الأعمال، فينقلبون ~~عمالا كادحين، أو يموتون من النفور، وبعضهم يقضي نحبه انتحارا. وماذا عسى أن يكون ~~العلاج؟ إنهم لم يروا بعد، ولا يرى كذلك ألوف الشباب المتفائلين مثلهم والمتزاحمين الآن حول ~~الحواجز التي تقف في سبيل مستقبلهم، لم يروا أن الفرد إذا ركن إلى غرائزه ركونا راسخا، ~~وتمسك بها، فإن الدنيا العريضة سوف تنقاد له. صبرا، صبرا، والتمسوا الصحبة في ظلال الخير ~~والعظمة، والعزاء فيما يتراءى أمام حياتكم التي لا تنتهي، والعمل في دراسة المبادئ ونقلها ~~إلى الناس، وفي سيادة هذه الغرائز، وفي هداية العالم. أليس أكبر عار في الدنيا ألا يكون ~~الفرد وحدة، وألا يعد شخصا، وألا يثمر تلك الثمرة الخاصة التي خلق كل إنسان ليثمرها، ~~إنما يحسب في المجموع، في المئات، أو الآلاف أو الحزب أو الفريق الذي ينتمي إليه، وإن يمكن ~~التنبؤ برأي الفرد منا جغرافيا، فيقال إنه من الشمال أو من الجنوب؟ لا تكونوا كذلك، ~~إخواني وأصدقائي، اللهم لا تجعلنا كذلك. إنما نريد أن نمشي على أقدامنا، وأن نعمل بأيدينا، ~~وأن نعبر عما يجول في خواطرنا. ولن تكون دراسة الآداب بعد اليوم مدعاة للإشفاق، وللشك، ~~ولمتعة الحواس. ولسوف تكون رهبة الإنسان ومحبته سورا للدفاع وإكليلا من البهجة يكلل هامات ~~الجميع. ولسوف توجد لأول مرة أمة من الرجال؛ لأن كل فرد يعتقد أنه ملهم من الروح المقدس ~~الذي يلهم كذلك الناس جميعا. # | خطاب # (ألقي هذا الخطاب أمام الفرقة العليا في مدرسة هارفارد للاهوت في مساء يوم الأحد، 15 ~~يوليو من عام 1838م. وكان أمرسن قد دعي لإلقائه لا من موظفي المدرسة، ولكن من طلبة ~~الفرقة العليا. وقد اعترض كثير من رجال الدين على ما جاء بهذا الخطاب، حتى إن موظفي ~~المدرسة قد تنصلوا علنا ms038 من تبعته. وانقضى زهاء الثلاثين عاما قبل أن يدعى أمرسن مرة ~~أخرى للخطابة في هارفارد.) # إنها لنعمة في هذا الصيف المتلألئ أن يستنشق المرء أنفاس الحياة؛ فالعشب ~~ينمو وبراعم الأزهار تتفتح، والمراعي مرقشة بألوان الزهور النارية والذهبية. والهواء يموج ~~بالطير، ويحلو برائحة الصنوبر وريحان جيلعاد والبرسيم الجاف الجديد. والليل لا يبعث في ~~القلب الكآبة بظلاله التي ترحب بها النفوس. وخلال الظلام الشفاف ترسل النجوم أشعتها التي ~~تكاد أن تكون روحانية. وإن الإنسان ليبدو تحت هذه النجوم كأنه طفل صغير وكرته الأرضية ~~ألعوبة، والليل البارد يرطب الدنيا كأنه نهر، ويعد العيون مرة أخرى للفجر القرمزي. إن لغز ~~الطبيعة لم يبد قبل اليوم أكثر من ذلك سعادة؛ فلقد نالت المخلوقات جميعا ما شاءت من حنطة ~~ونبيذ، والصمت الذي لا يشق والذي لازمته الوفرة من قديم لم يقدم حتى الآن كلمة من كلمات ~~التفسير. وإن المرء ليكره على تبجيل كمال هذا العالم الذي تتناجى فيه حواسنا. ما أفسحه، ~~وما أغناه، وأية دعوة من كل خاصة من خواصه يقدمها لكل موهبة من مواهب العقل الإنساني! إن ~~العالم في تربته المثمرة، وفي بحره الصالح للملاحة، وفي جباله المعدنية والحجرية، وفي ~~غاباته وأحراشه، وفي حيواناته، وفي أجزائه الكيميائية، وفي قوى الضوء ومسيره، والحرارة، ~~والجاذبية والحياة، إن العالم في كل ذلك قمين بأفئدة عظماء الرجال وقلوبهم يخضعونه ~~ويستمتعون به. وإن التاريخ ليسره أن يكرم المزارعين والميكانيكيين والمخترعين والفلكيين، ~~ومشيدي المدن والقواد. # ولكن عندما يتفتح العقل ويكشف عن القوانين التي تسير في العالم وتجعل الأشياء كما هي، ~~حينئذ تتضاءل الدنيا العظيمة فورا إلى رسم أو أسطورة من أساطير العقل. إن الروح الإنساني ~~ليتساءل في لهفة إلى المعرفة لا ينطفئ أوارها: «ماذا عساي أن أكون؟ وما هو الكائن؟» انظر ~~إلى هذه القوانين السباقة، التي يستطيع إدراكنا الناقص أن يراها تميل في هذا الاتجاه أو ~~ذاك، ولكنه لا يراها كاملة الاستدارة، أنظرة إلى هذه العلاقات التي لا حصر لها، تتشابه مرة، ~~وتختلف أخرى؟ ما أكثرها، ولكنها واحدة! وإني لأحب أن ms039 أدرس، وأحب أن أعرف، وأحب أن أعجب ~~دائما. إن أعمال العقل هذه كانت في كل العصور تسلية الروح البشري. # ولكن جمالا أعذب وأقوى وأشد خفاء يظهر للإنسان عندما يتفتح قلبه وعقله للإحساس ~~بالفضيلة. إنه حينئذ يتعلم شيئا أعلى منه، يعلم أن وجوده لا حد له، وأنه إنما ولد للخير ~~والكمال، برغم المكانة الدنيئة التي جلبها له الشر والضعف. إن ما يقدسه لا يزال ملكا له، ~~ولو أنه لم يدرك ذلك حتى الآن، وإنما ينبغي له أن يدركه. إنه يعلم معنى تلك الكلمة العظيمة، ~~بالرغم من أن تحليله يعجز عن وصفها. إنه عندما يستطيع ببراءته أو بإدراكه العقلي أن يقول: ~~«إنني أحب الحق، والصدق جميل دائما في الداخل وفي الخارج. أيتها الفضيلة، أنا لك، خلصيني، ~~استخدميني، سوف أخدمك، ليلا ونهارا، في الكبير والصغير، حتى لا أكون فاضلا، بل أكون ~~الفضيلة نفسها.» عندما يقول ذلك يتحقق الغرض من الخليقة، وتتحقق إرادة الخالق. # إن الإحساس بالفضيلة تقديس لوجود بعض القوانين الإلهية وابتهاج بها. فبهذا الإحساس نستطيع ~~أن ندرك أن هذا الدور الساذج الذي نلعبه في الحياة ينطوي على مبادئ تذهل العقل، وإن بدا في ~~حركات تافهة. إن الطفل وسط ألاعيبه يتعلم تأثير الضوء، والحركة، والجاذبية، والقوة العضلية. ~~وفي لعبة الحياة الإنسانية يتفاعل الحب والخوف والعدالة والشهوة والإنسان وكل ما هو مقدس. ~~وهذه القوانين تستعصي على التعبير الصحيح عنها. إنها لا تكتب على الورق، أو يعبر عنها ~~باللسان. إنها تستعصي على التفكير المثابر، ومع ذلك فنحن نقرؤها كل ساعة بعضنا في وجه الآخر ~~وفي فعاله، وفي ضمائرنا. إن الصفات الخلقية التي تتركز جميعا في كل عمل أو فكر فاضل، ينبغي ~~لنا أن نميزها في الكلام، وأن نصفها أو نشير إليها بالتعداد المضني لكثير من التفصيلات. ~~ولما كان هذا الإحساس هو لب الدين، فدعوني ألفت أنظاركم إلى الأهداف الدقيقة له. فأعدد لكم ~~بعض أنواع تلك الحقائق التي يظهر فيها هذا العنصر جليا. # إن الإدراك الفطري للإحساس الخلقي هو تبصر بكمال قوانين الروح، وهذه القوانين تنفذ ms040 نفسها ~~بنفسها، خارجة عن الزمان والمكان، ولا تخضع للظروف. ولذا فإن في روح الإنسان عدالة جزاؤها ~~سريع وشامل. من يعمل عملا صالحا يكرم في حينه، ومن يعمل عملا طالحا ينقبض من مجرد قيامه ~~بهذا العمل الطالح. ومن يخلع الدنس، يلبس بذلك الطهارة. وعندما يصبح الإنسان عادلا في ~~صميمه، فإنه يحقق إرادة الله؛ لأن سلام الله، وخلود الله، وجلالة الله، سوف تتمثل في كل ما ~~يفعله الرجل العادل. وإذا كان الرجل يتظاهر ويخدع، فهو إنما يخدع نفسه، ولا يتفق مع وجوده. ~~الرجل أمام الخير المطلق عابد خاضع تمام الخضوع، غير أن كل خطوة يخطوها في هذا السبيل إلى ~~أسفل هي خطوة إلى أعلى. الرجل الذي ينكر ذاته يدركها. # انظروا كيف تعمل هذه الطاقة السريعة الجوهرية في كل مكان، تصلح الأخطاء، وتصحح المظاهر، ~~وتجعل الحقائق منسجمة مع الأفكار. وأثرها في الحياة، وإن أدركته الحواس في بطء شديد، إلا ~~أنه في النهاية أكيد كما هو كذلك في الروح. هذه الطاقة تجعل الإنسان سيد نفسه، يصف عمله ~~الصالح بالخير وخطيئته بالشر. فإن صفات الأشياء تعرف دائما. والسرقات لا تغني، والإحسان ~~لا يفقر، وجريمة القتل تنطق بها الأسوار الحجرية. وأقل أثر من آثار الخداع كوصمة الغرور - ~~أو محاولة إيجاد تأثير حسن أو مظهر ملائم - يلوث النتيجة فورا. أما إن نطقت صدقا فإن ~~الطبيعة والأرواح كلها سوف تعينك على التقدم إلى الأمام تقدما غير منظور. انطق الصدق، وسوف ~~يسندك كل حي وأعجم، بل إن جذور الحشاش نفسها التي تنمو على الأرض لتبدو كأنها تهتز وتتحرك ~~لكي تشهد لك. وتأكدوا كذلك من كمال القانون وهو يطبق نفسه على ما بين الناس من صلات، ويصير ~~قانون الجماعة. فكما نكون يكون رفاقنا. الطيب بالتشابه يبحث عن الطيب، والخبيث بالتشابه ~~يبحث عن الخبيث. ولذا فإن الأرواح تسير إلى الفردوس أو إلى الجحيم بإرادتها. # هذه الحقائق كانت توحي دائما إلى الإنسان بالعقيدة السامية التي تؤمن بأن الدنيا ليست ~~نتيجة لقوى متعددة، وإنما هي نتيجة لإرادة واحدة وعقل واحد، وهذا العقل الواحد ms041 ناشط في كل ~~مكان، في كل شعاع من أشعة النجم، وفي كل مويجة من مويجات البركة. وكل ما يقف في سبيل هذه ~~الإرادة يفشل ويتعرقل في كل مكان؛ لأن الأشياء هكذا خلقت، ولم تخلق على صورة أخرى. الخير ~~إيجابي، والشر شخصي محض، وليس مطلقا، فهو كالبرودة التي هي انعدام الحرارة. الشر كله موات ~~أو عدم. أما الخير فهو مطلق وحقيقي. وعلى قدر ما عند الإنسان من خير، يكون ما لديه من ~~حياة؛ لأن كل شيء يصدر عن روح واحدة تسمى بأسماء مختلفة، كالحب والعدالة والاعتدال، حسب ~~تطبيقها في مختلف النواحي، كما يسمى المحيط بأسماء مختلفة على الشواطئ المختلفة التي ~~يرتطم بها. كل شيء يصدر عن روح واحدة ويتآمر معها. وما دام الإنسان يهدف إلى أغراض طيبة ~~فإنه يزود نفسه بقوة الطبيعة كلها، وكلما بعد عن هذه الأغراض حرم نفسه القوة، وحرم نفسه كل ~~معين، وينكمش وجوده عن كل تيار بعيد، ويتضاءل ثم يتضاءل، حتى يصبح ذرة أو قطرة، ويصير ~~السوء المطلق موتا مطلقا. # وإدراك قانون القوانين هذا يوقظ في العقل إحساسا نسميه الإحساس الديني، وهو الذي تنشأ ~~عنه سعادتنا القصوى. وما أعجب سحره وسلطانه! إنه جبل من الهواء، وهو الذي يعطر العالم. هو ~~مر وميعة يابسة وكلورين وحصا البان. إنه يعلو بالسماء والجبال، وهو أنشودة النجوم ~~الصامتة. به يسلم العالم وتحلو الإقامة فيه، ولا يكون ذلك بالعلم أو بالنفوذ. ربما كان أثر ~~الفكر في الأشياء باردا جامدا، لا يلتمس غاية أو وحدة، ولكن إشراق الإحساس بالفضيلة في ~~القلب يعطينا «القانون العام»، ويؤكد لنا أن هذا القانون يسود جميع الطبائع، فتبدو العوالم ~~والزمان والمكان والأبد، كأنها تنفطر من السرور. # هذا الإحساس سماوي إلهي، هو سر سعادة الإنسان، هو الذي يجعله غير محدود. وعن سبيله تعرف ~~الروح نفسها أولا. وهو الذي يصحح الخطأ الأكبر في الإنسان الصغير، الذي ينشد العظمة ~~باتباع العظماء، ويأمل أن يستمد الفائدة «من غيره»، وذلك لأن هذا الإحساس يريه أن مصدر ~~الخير في نفسه، وأنه - كغيره من الناس ms042 جميعا - منفذ إلى أعماق العقل. حينما يقول «ينبغي ~~لي»، وحينما يدفئه الحب، وحينما يختار العمل الصالح العظيم بتبنيه من العلا ، حينما يفعل ذلك ~~تتخلل روحه الأناشيد العميقة من «الحكمة العليا». حينئذ يستطيع أن يتعبد، وأن يعظم ~~بالعبادة، لأنه لا يستطيع أن يتخلف عن هذا الإحساس. وفي أسمى تحليق للنفس، لا يمكن أن يقهر ~~الصواب، أو يتفوق على الحب شيء. # وهذا الإحساس أساس من أسس المجتمع، وهو يخلق بالتتابع كل صور العبادة. إن مبدأ التقديس لا ~~يموت أبدا، والإنسان الذي يقع فريسة للخرافة، أو للمتع الحسية، لا يفقد البتة رؤى الإحساس ~~الخلقي. وكذلك يكون كل ما يعبر عنه هذا الإحساس مقدسا وثابتا على قدر طهارته. وما يعبر ~~عنه هذا الإحساس يؤثر فينا أكثر مما تؤثر كل المركبات الأخرى. وعبارات الأزمنة القديمة التي ~~تعبر عن هذا الورع ما برحت جديدة عطرة. وقد كانت هذه الفكرة دائما أشد تعمقا في نفوس ~~الناس في الشرق التقي المتأمل، لا في فلسطين وحدها حيث بلغت أطهر صورة من صور التعبير، ولكن ~~في مصر كذلك، وفي بلاد الفرس والهند والصين. وكانت أوروبا دائما مدينة بدوافعها الإلهية إلى ~~العبقرية الشرقية، فإن ما قاله هؤلاء المنشدون المقدسون وجده عقلاء الرجال جميعا ملائما ~~صادقا. والأثر الفريد ليسوع المسيح على البشر - وليس اسمه مكتوبا في تاريخ هذا العالم بل ~~محفور فيه حفرا - لدليل على الفضل العظيم لهذه التعاليم المتغلغلة في النفوس. # وما دامت أبواب المعبد مفتحة، ليلا ونهارا، أمام كل إنسان، وما دام الكهان الذين ينطقون ~~بهذا الحق لا يكفون، فإنه لا يبقى سوى شرط واحد صارم، وذلك هو الفطرة السليمة. فإن الحق ~~لا يدخل النفس مبتذلا، وإنك في الواقع لا تستطيع أن تتلقى من روح أخرى علما، وإنما تتلقى ~~حافزا. ما يبشر به غيرك لا بد أن تجده صادقا في نفسك أو تنبذه. وإن كلماته، وتبعيتك له - ~~أيا كان هو - لا تجعلك وحدها تتلقى منه شيئا. بل على النقيض من ذلك، فإن في انعدام هذا ~~الإيمان الأولي بذور التدهور. فكما ms043 يكون المد يكون الجزر. وإذا زال هذا الإيمان، أصبحت ~~الكلمات نفسها التي صدرت عنه أو الأعمال التي قام بها زائفة مؤذية، وبذلك تنهار الكنيسة، ~~والدولة، والفن، والأدب، والحياة. إذا نسينا مبدأ تقديس الطبيعة الإنسانية أصيبت النظم ~~بالعلة التي تجعلها تتضاءل. كان الإنسان فيما مضى كل شيء، وهو اليوم زائدة تدعو إلى القلق، ~~وحيث إن «الروح العليا» الكامنة في كل شيء لا يمكن تحاشيها كلية، فإن المبدأ الذي يبشر بها ~~لا يحتمل هذا التناقض، وهو أن الطبيعة الإنسانية المقدسة تنسب إلى شخص أو شخصين، وتنكر ~~على بقية الأشخاص، بل وتنكر في غضب شديد. لقد فقدنا مذهب الإلهام، واغتصب المبدأ الوضيع - ~~مبدأ أكثرية الأصوات - مكانة مبدأ الروح. ولا توجد المعجزات والنبوءات، والشعر، والحياة ~~المثالية، والحياة المقدسة، إلا باعتبارها تاريخا قديما فحسب؛ فهي ليست من عقائد الناس أو ~~من آمالهم، وتبدو مضحكة حينما يشار إليها. والحياة تكون مدعاة للهزل أو للإشفاق بمجرد ما ~~تختفي عن الأبصار أغراض الوجود السامية، ويصبح الإنسان قصير النظر، ولا يستطيع أن يلتفت إلا ~~إلى ما يخاطب الحواس. # هذه الآراء العامة - التي لا ينازعها أحد ما دامت عامة - تجد لها أمثلة وافرة في تاريخ ~~الأديان، وبخاصة في تاريخ الكنيسة المسيحية، وفي هذه الكنيسة ولدنا جميعا ونشأنا، ~~وستشرعون يا أصدقائي في تعليم الصدق الذي تتضمنه هذه الحقيقة. وإن لها لأهمية تاريخية كبرى. ~~ولستم بحاجة إلى أن أحدثكم عن كلماتها المباركة التي كانت عزاء الإنسانية. وسوف أحاول أن ~~أؤدي واجبي نحوكم في هذه المناسبة بالإشارة إلى خطأين في إدارة الكنيسة، يتضخمان يوما بعد ~~يوم من وجهة النظر التي اتخذناها منذ حين. # إن يسوع المسيح ينتمي إلى الجنس الصادق من الأنبياء، ولقد رأى بعين مفتوحة لغز الروح، ~~وجذبه انسجامها الشديد وفتنة جمالها، فعاش فيها، وكان وجوده هناك. وهو وحده في التاريخ كله ~~الذي قدر عظمة الإنسان. رجل واحد كان مخلصا لما في نفسك وما في نفسي. رأى أن الله يجسد ~~نفسه في الإنسان، ويتقدم دائما من جديد لكي يستولى على دنياه. وفي ms044 عيد الذكر لهذه العاطفة ~~السامية يقول: «أنا مقدس، والله يعمل من خلالي، ويتكلم من خلالي. إن أردت أن ترى الله فانظر ~~إلي، أو انظر إلى نفسك إذا كنت كذلك تفكر كما أفكر أنا الآن.» ولكن أي تحريف عانى مبدؤه ~~وعانت ذكراه في عصره، وفي العصر الذي تلاه، والعصور المتعاقبة! ليس هناك مبدأ من مبادئ ~~«العقل» يمكن أن يعلم عن طريق «الفهم». إنما أصغى فهم الإنسان إلى هذه النغمة العالية من ~~بين شفتي الشاعر، وقال في العصر التالي: «هذا هو الله (يهوه) نزل من السماء، وسأقتلك إن قلت ~~إنه كان إنسانا.» واحتلت تعابير لغته وضروب فصاحته مكانة صدقه، ولم تبن الكنائس على ~~مبادئه، وإنما بنيت على استعارته ومجازه، وصارت المسيحية أسطورة، كما صارت من قبل التعاليم ~~الشعرية اليونانية والمصرية. تحدث عن المعجزات لأنه أحس بأن حياة الإنسان معجزة، وكل ما ~~يعمل الإنسان معجزة، وعرف أن هذه المعجزة اليومية تشرق كلما ارتفعت الشخصية. غير أن كلمة ~~المعجزة كما تنطق بها الكنائس المسيحية تعطي معنى زائفا. إنها كالحيوان الخرافي، ولا تتفق ~~والطبيعة التي تتمثل في البرسيم المزهر والمطر المتساقط. # وأحس بالاحترام لموسى والأنبياء، ولكنه لم يشعر بأن وحيهم الأول يصلح للبقاء للساعة ~~الراهنة وللإنسان الحالي، أو يصلح أن يكون وحيا أبديا في القلب. ولم يعطف على هذه ~~الفكرة. وهكذا كان المسيح إنسانا حقا. ولما رأى أن القانون الكامن في أنفسنا متسلط لم ~~يرض له بالخضوع، وأعلن شجاعة، وبيده وقلبه وحياته أن هذا القانون هو الله. هذا هو المسيح، ~~كما أظن، الروح الوحيدة في التاريخ التي قدرت قيمة الإنسان. ~~(1) # من وجهة النظر هذه ندرك العيب الأول للمسيحية التاريخية. لقد وقعت المسيحية ~~التاريخية في خطأ يفسد كل محاولة لنشر الدين. فإنها تبدو لنا - كما بدت عدة ~~عصور - كأنها ليست مذهب الروح، وإنما مبالغة فيما هو شخصي وما هو إيجابي، ~~مبالغة في الطقوس. ولقد اهتمت - ولا تزال تهتم - في مبالغة شديدة بشخص المسيح، ~~ولكن الروح لا تعرف الأشخاص، إنها تدعو كل فرد إلى أن يمتد حتى ms045 يبلغ دائرة ~~الكون بأسرها، وهي لا تؤثر شيئا سوى المحبة التلقائية. بيد أن هذه المسيحية ~~التي تشبه الملكية الشرقية، التي قامت على التراخي والخوف، قد جعلت صديق ~~الإنسان رجلا مؤذيا له. والطريقة التي يحاط بها اسمه بعبارات كانت فيما مضى ~~نفحات من الإعجاب والمحبة، ولكنها تحجرت الآن في ألقاب رسمية، هذه الطريقة تقتل ~~كل عطف كريم أو محبة. وكل من يستمع إلي يحس أن اللغة التي يوصف بها المسيح ~~في أوروبا وأمريكا ليست من أساليب الصداقة والحماسة لقلب طيب نبيل، ولكنها لغة ~~خاصة رسمية، تصور نصف إله، كما كان الشرقيون أو الإغريق يصفون أوزيرس أو أبولو. ~~لو قبلتم التعاليم التي فرضت عليكم فيما مضى بطريقة السؤال والجواب فأوذيتم ~~بها لوجدتم أن الأمانة نفسها وإنكار الذات إنما كانتا من الخطايا الكبرى إذا لم ~~تتصفا باسم المسيحية. وإن المرء لخير له أن يكون «وثنيا يرضع لبان مذهب ~~بال» من أن يخدع في حقه الإنساني، فيأتي إلى الطبيعة ويجد أن الأسماء ~~والأماكن، والبلدان والمهن - ليست وحدها - بل كذلك الفضيلة والحق، قد حبست ~~واحتكرت. بل إنك لن تكون رجلا. لن تملك الأرض، لن تجرؤ على العيش في سبيل ~~القانون الأبدي الذي يحل بك، ويصحب الجمال الأبدي الذي تعكسه لك الأرض والسماء ~~في كل صورة جذابة. وإنما ينبغي لك أن تخضع طبيعتك لطبيعة المسيح. ينبغي لك أن ~~تقبل تفسيرنا وترى صورته كما ترسمها العامة. # إن خير الأمور ما يسلمني إلى نفسي. وإن المذهب الرواقي العظيم: «أطع نفسك» ~~ليثير في نفسي السمو والرفعة. ما يظهر الله في نفسي يعززني، وما يظهر الله ~~خارج نفسي يجعلني زائدة جلدية أو غدة دهنية، فلا تبقى علة ضرورية لوجودي. وإنما ~~تزحف علي ظلال النسيان قبل الأوان، فأموت إلى الأبد. # المنشدون المقدسون أصدقاء فضيلتي، وعقلي، وقواي. إنهم ينبهونني إلى أن الأشعة ~~التي تومض في عقلي ليست لي، إنما هي لله، وإلى أنهم كانوا يملكون مثل هذه ~~الأشعة، ولم يعصوا رؤى السماء، ولذا فإني أحبهم. عنهم يصدر الإيعاز النبيل، ~~الذي يدعوني إلى ms046 مقاومة الشر، وإلى أن أخضع الدنيا، وإلى أن أكون. وعلى هذه ~~الصورة وحدها يخدمنا المسيح بأفكاره المقدسة. أما أن يهدف إلى أن يهدي ~~الإنسان بالمعجزة، فذلك تدنيس للروح. الهداية الصادقة، والمسيح الصادق، إنما ~~يتم اليوم - كما كان يتم دائما - بتقبل العواطف الجميلة. وحقا إن روحا ~~عظيما غنيا كروحه إذا هبط بين قوم سذج كان له الرجحان، فيشمل العالم، كما ~~فعل روحه. هؤلاء السذج يبدو لهم أن الدنيا وجدت له، ولم يشربوا روحه فيروا ~~أنهم لا يكبرون أبدا إلا إذا ثابوا إلى أنفسهم، أو إلى الله في أنفسهم. وإنها ~~لمنفعة يسيرة أن تعطيني شيئا، ومنفعة كبرى أن تمكنني من أداء شيء بنفسي. ولسوف ~~يأتي الوقت الذي يرى فيه الناس جميعا أن هبة الله للروح ليست في القداسة التي ~~تزدهر وتتسلط وتستبعد كل شيء سواها، وإنما هي في الخير العذب الطبيعي، خير ~~كالذي عندك والذي عندي. هي الهبة التي تدعو خيرك وخيري إلى أن يوجد وأن ~~ينمو. # وإن العسف الذي تنطوي عليه نغمة الوعظ العامة لا يسيء إلى يسوع أقل مما ~~يسيء إلى الأرواح التي يدنسها. إن الوعاظ لا يدركون أنهم لا يجعلون بشرى ~~المسيح سارة، وإنهم ينزعون عنه شارات الجمال وصفات السماء. إنني عندما أشاهد ~~رجلا جليلا مثل أبامينونداس أو واشنطن، وعندما أرى بين معاصري خطيبا ~~صادقا أو قاضيا عادلا، أو صديقا حميما، وعندما أهتز لما في القصيدة ~~الشعرية من موسيقى وخيال، حينئذ أرى جمالا يشتهى. وإن موسيقى المنشدين ~~العنيفة التي تغنت بالإله الحق في كل العصور لترن في أذني فيطمئن لها كياني ~~البشري اطمئنانا أشمل من ذلك. وإذن فلا تحطوا من شأن حياة المسيح ومحاوراته ~~فتخرجوها من دائرة هذا السحر، وذلك بعزلها وتخصيصها. دعوا هذه الحياة وهذه ~~المحاورات تقع في نفوسنا كما هبطت، حية دافئة، جزءا من الحياة البشرية ومن ~~منظر الطبيعة ومن اليوم السعيد. ~~(2) # والعيب الثاني في الطريقة التقليدية المحدودة لاستخدام فكرة المسيح نتيجة ~~للعيب الأول، وذلك هو أن القانون الخلقي، قانون القوانين الذي يدخل وحيه ~~العظمة - بل الله ms047 نفسه - في الروح المتفتحة، ذلك القانون لا يكشف عنه باعتباره ~~منبع التعاليم السائدة في المجتمع. فصار الناس يتحدثون عن الوحي كأنه قد أوحي ~~به وانتهى من عهد قديم، كأن الله قد مات. وإن هذا الضعف في الإيمان ليخنق ~~الواعظ نفسه، كما يصبح خير النظم صوتا مترددا غير فصيح. # ولا مراء في أن الاتجاه إلى جمال الروح يؤدي إلى الرغبة بل والحاجة إلى تلقين ~~الآخرين المعرفة نفسها والمحبة ذاتها؛ فإن الفكرة إذا حرمت التعبير عنها تبقى ~~عبثا على عاتق صاحبها. من ير فلا بد له دائما من القول، لا بد له من ~~التحدث عن حلمه بطريقة ما، فينشره على صورة ما في جد وسرور، فهو يمثل معبود ~~روحه مرة بقلم الرصاص على لوحة التصوير، وأخرى بالإزميل في الحجر أو في البروج ~~وممرات الكنائس المصنوعة من الجرانيت، ومرة في الأناشيد ذات الموسيقى الناعسة، ~~ولكن أحلامه أوضح ما تكون وأثبت ما تكون في الألفاظ. # والرجل الذي تستهويه هذه البراعة يصبح لهذه الأحلام قسيسا أو شاعرا، وكلتا ~~الوظيفتين قد وجدتا منذ خلقت الدنيا. ولكن انظر إلى شرط الوظيفة أو حدها ~~الروحي. إن الروح وحدها تستطيع أن تعلم، فلا يقدر على التعليم أي رجل دنس، ~~أو أي إنسان مادي، أو كاذب، أو رقيق. وإنما الذي يعطي هو وحده الذي يملك، والذي ~~يخلق هو الكائن، والرجل الذي تهبط عليه الروح، والذي تتحدث الروح بوساطته، هو ~~وحده الذي يقدر على التعليم؛ فالشجاعة، والورع، والمحبة والحكمة، يمكنها أن ~~تعلم. ويستطيع كل إنسان أن يفتح بابه لهذه الملائكة، ولسوف تأتيه بهبة ~~الألسنة. أما الرجل الذي يهدف إلى الكلام كما تمكنه الكتب، وكما تقول مجامع ~~العلماء، وكما ترشد الآراء الشائعة، وتهدي المصالح، ذلك الرجل إنما يهذي، وخير ~~له أن يسكت. # ولهذه الوظيفة المقدسة تعتزمون أن تكرسوا أنفسكم، ووددت لو أحسستم بواجبكم ~~كأنه نبض الرغبة والأمل. فإن وظيفتكم في مقدمة الوظائف في هذه الدنيا، وقد بلغت ~~من الحق حدا لا يجعلها تحتمل نقصا من الزيف. ومن واجبي أن أقول لكم إن ms048 ~~الحاجة إلى إلهام جديد لم تكن في أي وقت من الأوقات أشد مما هي الآن. ومن ~~الآراء التي عبرت لكم الآن عنها تستنبطون عقيدتي المؤلمة - التي يشاركني ويعتقد ~~فيها معي عدد عديد - في التدهور الشامل للإيمان في المجتمع الذي يكاد أن يبلغ ~~الموت في هذه الأيام؛ فالروح لم تتعظ، والكنيسة كأنها تترنح وتئول إلى السقوط، ~~وتكاد حياتها كلها أن تبيد. وفي هذه المناسبة، من الجرم أن يتلطف معكم متلطف - ~~أمله ورسالته أن يعلمكم العقيدة المسيحية - فيخبركم أن هذه العقيدة قد ~~بلغت. # لقد حان الوقت لكي ترتفع التمتمة المكبوتة التي يتمتم بها الرجال المفكرون ضد ~~القحط الذي أصاب كنائسنا، وذلك الأنين الذي يصدر عن القلب؛ لأنه حرم العزاء ~~والأمل والجلال الذي لا يأتي إلا من تثقيف الطبيعة الخلقية، يرتفع فيسمع خلال ~~سنة التراخي، ويعلو على طنين العمل المألوف. هذا العمل العظيم الخالد يقوم به ~~الواعظ لم يؤد بعد. الوعظ تعبير عن الإحساس الخلقي عند تطبيقه على واجبات ~~الحياة. خبروني في كم كنيسة، وعن طريق كم من المبشرين، يدفع الإنسان إلى ~~الإحساس بأنه روح لا يحد، وإلى أن الأرض والسموات تتخلل عقله، وأنه يتشرب ~~دائما روح الله؟ وأين اليوم الذي يرن فيه ذلك الصوت الذي يدفع قلبي بموسيقاه ~~إلى سكنى الفردوس، فيؤكد أن أصله في السماء؟ أين أسمع مثل تلك الكلمات التي ~~كانت في العصور القديمة تجذب المرء فيترك كل شيء ليتبعه، يترك الأب والأم ~~والبيت والأرض والزوج والولد؟ أين أسمع القوانين العظمى للوجود الخلقي التي ~~ينطق بها الناطق فتملأ مسمعي، وأشعر بالتكريم عندما أهب أقصى جهدي وأحر ~~عواطفي؟ إن اختبار الإيمان الصادق يجب - من غير شك - أن يكون في قدرته على سحر ~~الروح والتسلط عليها، كما تتسلط قوانين الطبيعة على نشاط الأيدي، يتسلط علينا ~~هذا الإيمان إلى حد أننا نجد المتعة والشرف في طاعته. يجب أن يختلط الإيمان ~~بضوء الشمس المشرقة والشمس الغاربة، وبالسحاب الزائل، والطير المغني، وأنفاس ~~الزهور، بيد أن يوم الدين (يوم السبت) قد فقد الآن عند القسيس سناء ms049 الطبيعة، ~~إنه يوم بغيض يسرنا انقضاؤه. وإنا لنستطيع أن نجعل - بل إنا لجاعلون فعلا - ~~حتى جلوسنا فوق مقاعد الكنيسة خيرا لنا من ذلك بكثير وأقدس وأحلى. # وكلما اغتصب منبر الخطابة رجل رسمي، خدع العابد وانتابته الكآبة. إننا ~~ننكمش عندما تبدأ الصلاة التي لا تسمو بنا وإنما تقضي علينا وتسيء إلينا. وإنا ~~حينئذ لنتوق أن نلتف في أرديتنا ونلتمس - ما استطعنا ذلك - مكانا معتزلا لا ~~نستمع فيه إلى أحد. أصغيت مرة إلى واعظ فأغراني بشدة أن أقول إني لن أقصد ~~الكنيسة مرة أخرى، فالناس كما ظننت يذهبون إلى ما ألفوا الذهاب إليه، وإلا لما ~~قصد المعبد أحد في المساء. إن عاصفة ثلجية تهب حولنا، هذه العاصفة حقيقية، وليس ~~الواعظ إلا خيالا، وإن العين لتحس التباين الأليم عندما تنظر إليه، ثم تنظر من ~~النافذة خلفه إلى تلك الظاهرة الجوية الجميلة، ظاهرة التثليج. لقد قضى حياته ~~عبثا. ليست لديه لفظة واحدة تدل على أنه ضحك أو بكى، تزوج أو أحب، أثني عليه ~~أو خدع أو اغتم. وإذا كان قد عاش وعمل، فإنا لم نكتسب من ذلك حكمة. إنه لم ~~يتعلم سر مهنته الرئيسي، وهو أن يحول الحياة إلى الحقيقة. ولم يبث في مبادئه ~~واقعة واحدة من كل خبرته. هذا الرجل حرث وزرع وتكلم واشترى وباع، وقرأ الكتب، ~~وأكل وشرب، وآلمه رأسه، ونبض قلبه، وابتسم وكابد، ومع ذلك ليس في كل حديثه ~~تلميح أو إشارة إلى أنه عاش أبدا. ولم يرسم خطا واحدا من التاريخ الحقيقي. ~~إنما يعرف الواعظ الحق بهذا: إنه يشرح للناس حياته، الحياة التي اكتوت بنيران ~~الفكر. أما الواعظ السيئ فلا تستطيع أن تقول من موعظته في أي عصر من عصور ~~الدنيا عاش، وهل كان له ابن وولد، وهل كان مالكا لعقار أو معدما، وهل كان ~~يسكن المدينة أو الريف، أو أي واقعة أخرى في تاريخ حياته. وإنه ليبدو عجيبا أن ~~يقصد الناس الكنائس، كأن بيوتهم لا تسلي البتة، فآثروا هذا الضجيج الذي لا ينم ~~عن معنى. ويدل ذلك على أن ms050 في الإحساس الخلقي قوة جاذبة ترسل بصيصا ضئيلا من ~~الضياء على الملل والجهل وقد اتخذا اسمه ومكانته. إن المستمع الكريم على ثقة من ~~أن قلبه يمس أحيانا، وعلى ثقة من أن هناك ما يبتغى، وأن هناك الكلمة التي ~~يمكنها أن تحقق الهدف. وعندما يستمع إلى هذه الكلمات الباطلة، يعزي نفسه؛ لأنها ~~تمت بالصلة إلى ذكرياته عن ساعات أحسن منها، ولذا فهي تقعقع ويعلو صوتها ~~دون أن يصدها شيء. # لست أجهل أننا حينما نقدم الموعظة التي ليست لها قيمة لا يكون ذلك دائما ~~عبثا باطلا، فإن لبعض الناس آذانا طيبة تستمد من كل طعام تافه غذاء ~~للفضيلة. وهناك حقيقة شعرية تختفي في الأدعية والمواعظ العادية. وهي وإن كانت ~~تذكر في حماقة يمكن الإصغاء إليها في حكمة؛ لأن كل دعاء منها أو موعظة تعبير ~~مختار انطلق في لحظة من لحظات الورع من روح مكتئبة أو مبتهجة، وقد جعلت براعة ~~الصياغة العبارة شيئا مذكورا. إن الدعوات - بل والعقائد الثابتة - في كنائسنا ~~أشبه شيء بالبرج الفلكي في دندره أو الآثار الفلكية عند الهندوس، تنعزل ~~انعزالا تاما عن أي شيء مما يوجد في حياة الناس وأعمالهم. إنها تشير إلى ~~أعلى نقطة بلغتها المياه في وقت من الأوقات. غير أن هذه الدماثة هي من الطيبين ~~المتدينين حد للشر والأذى. إن الصلاة الدينية عند كثير من الناس تنبعث عنها ~~آراء وعواطف أخرى مخالفة. وليست بنا حاجة إلى لوم المصلي المهمل، بل إنا لنشفق ~~عليه من سرعة ما يلاقي من جزاء على استرخائه، ووا حسرتاه على الرجل التعس الذي ~~يدعى إلى اعتلاء المنصة ولا يعطي خبز الحياة. إن كل ما يقع تهمة له. هل يطلب ~~المعونة للإرساليات الأجنبية والداخلية؟ ما أسرع ما يعلو الخجل خديه عندما ~~يقترح على أبناء دائرته الدينية أن يرسلوا مالا على بعد مائة أو ألف ميل ~~لإمداد طعام يسير كالذي عندهم في بلدهم، وربما كان خيرا له أن يسير المائة أو ~~الألف ميل هربا من هذا الموقف. أم هل يحث الناس على طريقة ربانية ms051 للعيش، وهل ~~يستطيع أن يطلب إلى زميل له أن يأتي إلى الاجتماعات الدينية يوم السبت، في حين ~~أنه وهم جميعا يعرفون أن أقصى ما يتوقعونه هناك ضئيل؟ وهل يدعوهم دعوة خاصة ~~للعشاء الرباني؟ إنه لا يجرؤ على ذلك. وإذا كان القلب لا يدفئ هذه الشعائر، فإن ~~صورتها الجوفاء الصارخة تصبح واضحة، فلا يستطيع أن يجابه رجلا ذا فطنة ونشاط ~~ويدعوه بغير وجل. وماذا عساه قائل في الشارع للقروي الجريء الذي يكفر بالله؟ إن ~~القروي الكافر يرى الخوف في وجه القسيس وهيئته ومشيته. # دعني لا أصم إخلاص هذه الدعوى بالتغاضي عن حقوق الرجال الأخيار. إنني أعرف ~~وأقدر نقاء الضمير وصرامته عند عدد كبير من رجال الدين. إن ما تحتفظ به ~~الصلاة العامة من حياة إنما مرده إلى فئة مبعثرة من الرجال الأتقياء، الذين ~~يعظون الناس هنا وهناك في الكنائس، والذين يقبلون أحيانا في رقة بالغة مذاهب ~~الأقدمين، بيد أنهم لم يقبلوا من غيرهم - ولكن من قلوبهم - الدوافع الحقيقية ~~للفضيلة، ولذا فهم لا يزالون يرغموننا على حبهم ورهبتهم لقداسة أشخاصهم. ثم إن ~~الاستثناء لا يلتمس في وعاظ قلائل بارزين بمقدار ما يلتمس في أحسن ساعاتنا ~~جميعا، في آمالنا الصادقة. أجل، في لحظات الإخلاص عند كل إنسان، ولكن مهما يكن ~~الاستثناء، فمن الحق مع ذلك أن التقاليد من مميزات الوعظ في هذا البلد، وهو ~~يصدر عن الذاكرة، ولا يصدر عن الروح، وهو يرمي إلى المألوف، ولا يرمي إلى ~~الضروري والأبدي، وإن المسيحية التاريخية بذلك تحطم قوة الوعظ، بصرفه عن كشف ~~الطبيعة الخلقية عند الإنسان، حيث يكون السمو، وحيث مصادر الدهشة والقوة. وما ~~أقسى ما في ذلك من ظلم لذلك القانون - وهو فرحة الأرض بأسرها - الذي يستطيع ~~وحده أن يجعل الفكر عزيزا غنيا، ذلك القانون الذي تحذو حذو صحته الأكيدة ~~المدارات الفلكية فلا تجيد الاحتذاء. لقد انقلب هذا القانون هزلا وانحطت ~~قيمته، ولم يذكر بخير أو بحمد، بل ولم ينطق أحد بصفة من صفاته أو كلمة من ~~كلماته. وإن منبر الخطابة بإغفاله هذا القانون ms052 إنما يغفل سبب وجوده، ويتحسس ~~شيئا لا يدركه. ولنقص في هذه الثقافة اعتلت روح الجماعة وفقدت إيمانها، ~~وهي ليست بحاجة إلى شيء حاجتها إلى تربية مسيحية صارمة عالية رواقية، كي تعرف ~~نفسها وتعرف اللاهوت الذي يتكلم بوساطتها. إن الإنسان اليوم ليخجل من نفسه، وهو ~~يتوارى ويتسلل في هذه الدنيا، يقصد التسامح معه ويقصد الإشفاق عليه. وقل أن ~~تجد في كل ألف عام رجلا يجرؤ على الحكمة وعلى الخير، فيستقطر دموع النوع ~~البشري ويستمطر بركته. # ولقد مرت عصور أمكن فيها بالتأكيد أن يظهر إيمان أكبر في الأسماء والأشخاص ~~وسط ركود التفكير في بعض الحقائق؛ فقد وجد البيورتان في إنجلترا وأمريكا في ~~مسيح الكنيسة الكاثوليكية وفي العقائد الموروثة من روما مجالا لورعهم الشديد ~~وتشوقهم إلى الحرية المدنية. غير أن مذهبهم آخذ في التلاشي، ولم ينشأ مذهب ~~آخر ليتخذ مكانته. ولا أحسب أن أحدا يستطيع أن يقصد إحدى كنائسنا، وأفكاره ~~معه، دون أن يحس أن ما كان للكنيسة من سلطان على الناس قد ولى أو هو في سبيل ~~الانتهاء. لقد فقدت الكنيسة سيطرتها على عواطف الأخيار ومخاوف الأشرار. وفي ~~الريف، وفيما يجاورنا من بلاد، أصبحت نصف الدوائر الدينية «تنشد لمجرد النشيد» ~~على حد التعبير المحلي. وبدأت البوادر تدل على أن الأخلاق والدين تختفي من ~~الاجتماعات الدينية. سمعت رجلا متدينا يقيم لليوم الديني وزنه يقول في مرارة ~~القلب: «يبدو أنه من الإثم أن يقصد المرء الكنيسة يوم الأحد.» وليس الباعث الذي ~~يدفع الأخيار إلى هناك اليوم سوى الأمل والانتظار. وما كان فيما مضى أمرا ~~عارضا، وهو أن يلتقي في يوم من الأيام الأخيار والأشرار في الدائرة الدينية، ~~والفقراء والأغنياء، والعلماء، والجهلاء، والشباب والشيوخ، كما يلتقي الزملاء ~~في بيت واحد، دليلا على المساواة في حق الروح؛ قد صار دافعا ذا أهمية قصوى ~~إلى الذهاب إلى هناك. # أظن أنني في هذين الخطأين - أيها الأصدقاء - أجد أسباب انهيار الكنيسة ~~والجحود القاتل بالله. وأية كارثة أكبر من فقدان العبادة يمكن أن تحل بأمة من ~~الأمم؟ إن ذلك يؤدي ms053 إلى تدهور كل شيء، وذلك يدعو النابغين إلى هجر المعابد ~~لارتياد الأسواق ومجالس الشيوخ. ويصير الأدب ماجنا، والعلم باردا. ولا تستضيء ~~عيون الشباب بالأمل في عوالم أخرى، وتخلو الشيخوخة من الوقار. ويعيش المجتمع ~~للتوافه، وبعدما يموت الناس لا نذكرهم. # وقد تسألونني الآن يا إخواني: ماذا نستطيع أن نصنع في هذه الأيام البائسة؟ ~~إنني وصفت لكم العلاج في أساس شكواي من الكنيسة، إننا أوجدنا بين الكنيسة ~~والروح تباينا. وفي الروح يجب أن نلتمس الخلاص. حيثما يحل الإنسان يحل ~~التجديد، إنما القديم للأرقاء. إذا جاء الإنسان باتت جميع الكتب مقروءة، وصار ~~كل شيء شفافا، وكل الديانات صورا. الإنسان هو المتدين، وهو محدث العجائب، ~~وإنه ليرى وسط المعجزات، وكل الناس يباركون ويلعنون. والإنسان الصادق وحده هو ~~الذي يقول لا ونعم فقط. إن جمود الدين، والزعم أن عصر الإلهام قد ولى، وأن ~~الإنجيل قد استغلق، والخوف من الحط من شخصية المسيح بتمثيله في صورة رجل، كل ~~ذلك يدل في وضوح كاف على خطأ علمنا بالدين. وواجب المعلم الصادق أن يرينا أن ~~الله كائن اليوم، لا كان فيما مضى. وإنه يتكلم، لا تكلم وانتهى. إن المسيحية ~~الصادقة - أقصد إيمانا كإيمان المسيح في قدرة الإنسان التي لا تحد - قد ضاعت. ~~ولم يعد أحد يعتقد في روح الإنسان، وإنما يعتقد الناس في رجل أو شخص هرم وولى. ~~ويلي! إنني لا أرى أحدا يسير وحيدا. إنما يسير الناس قطعانا إلى هذا القديس ~~أو ذلك الشاعر، غافلين عن الله الذي يرى في الخفاء. إنهم لا يستطيعون الرؤية في ~~الخفاء، ويؤثرون أن يكونوا عميانا وسط الجماهير. إنهم يحسبون أن الجماعة أحكم ~~من روحهم، ولا يدركون أن روحا واحدة، وأن روحهم أحكم من العالم بأسره. انظروا ~~كيف أن أمما وأقواما تسبح فوق بحر الزمن ولا تخلف وراءها موجا خفيفا يدل ~~على المكان الذي طفت فوقه أو غاصت فيه، في حين أن روحا واحدا طيبا يجعل ~~اسم موسى، أو زينون، أو زرادشت، مقدسا إلى الأبد. ليس هناك من يحاول ذلك ~~الطموح الصارم ms054 كي يصبح «نفس» الأمة و«نفس» الطبيعة، وإنما كل فرد منكم يود أن ~~يكون تابعا سهلا لفكرة من أفكار المسيحية ، أو رابطة من الروابط الطائفية، أو ~~رجلا من الرجال البارزين. وإنك لو تركت علمك الخاص بالله، وتركت عاطفتك، واتخذت ~~علما ثانويا، كعلم القديس بولس، أو جورج فوكس، أو سودنبرج، بعدت عن الله ~~عاما بعد عام ما دامت هذه الصورة الثانوية، فإذا دامت الصورة - كما هي اليوم - ~~قرونا، فإن الهوة تنفرج إلى حد لا يكاد أن يعتقد الناس معه أن فيهم شيئا ~~إلهيا. # وإني أنصحكم قبل كل شيء أن تسيروا وحدكم، وأن ترفضوا النماذج الطيبة، حتى تلك ~~التي يقدسها الناس في خيالهم، وتشجعوا على محبة الله بغير وسيط أو حجاب. وسوف ~~تجدون من الأصدقاء من يكفي لأن يطلعكم على أمثال وزلي وأوبرلين، والقديسين ~~والأنبياء لكي تقتدوا بهم. اشكروا الله على هؤلاء الرجال الأخيار، ولكن ليقل كل ~~منكم «أنا كذلك إنسان.» إن التقليد لا يمكن أن يرتفع فوق النموذج، والمقلد يحكم ~~على نفسه بضعف لا رجاء فيه، وإنما يخترع المخترع؛ لأن الاختراع لديه طبيعة، ولذا ~~فإن لاختراعه سحرا. أما المقلد فالطبيعي عنده شيء آخر: إنه يحرم نفسه جماله ~~كي يقرب من جمال إنسان آخر. # كل منكم منشد من منشدي الروح القدس ولد حديثا، فلينبذ وراءه كل تقليد، ~~وليعرف الناس مباشرة بالله، وليراع كل منكم أولا ذلك فحسب: إن السائد ~~والمألوف والسلطة والمتعة والمال، ليست له شيء يذكر - ليست ضمادات على أعينكم ~~تمنعكم من النظر - وإنما أريدكم أن تعيشوا مع ميزة العقل الذي لا يحد. ولا ~~يشغلنكم شاغل عن زيارة جميع الأسر، وكل أسرة، في حدود دائرتكم الدينية بين الحين ~~والحين. وعندما يقابل أحدكم رجلا أو امرأة منهم، فليكن له إنسانا مقدسا، ~~وليكن له فكرا وفضيلة. ولتجد الآمال المحدودة لهؤلاء الرجال والنساء لديكم ~~أصدقاء، ولتجد غرائزهم الممتهنة متنفسا طيبا في جوكم. ولتعرف شكوكهم أنكم ~~سبقتموها بالشك، وليشعر إحساسهم بالتعجب أنكم سبقتموه بالعجب. إنكم إن وثقتم في ~~أنفسكم ظفرتم بثقة أكبر في نفوس الآخرين. وبرغم ms055 ما عندنا من حكمة في الأمور ~~المادية، وبرغم ما في نفوسنا من استرقاق للعادات يحطم الروح، فإنا لا نشك في أن ~~الناس جميعا لديهم أفكار سامية، وإن الناس جميعا يقدرون ساعات الحياة ~~الحقيقية القليلة حق قدرها. إنهم يحبون أن يسمعوا وأن يشاهدوا وهم يحلمون ~~بالمبادئ. إن المقابلات القليلة التي اجتمعنا فيها - في سنوات موحشة من عمل ~~رتيب وخطيئة - بالأرواح التي جعلت أرواحنا أحكم، والتي عبرت عما كنا نفكر ~~فيه، والتي أخبرتنا بما كنا نعلم، والتي سمحت لنا أن نكون ما كنا في ~~دخيلة أنفسنا، هذه المقابلات نجدها مضيئة في الذاكرة. أدوا للناس واجب القسيس، ~~يتبعوكم - في حضرتكم وغيبتكم - بمحبتهم كالملائكة. # ولتحقيق هذا الغرض ينبغي لنا ألا نهدف إلى مراتب عادية من الجدارة. ألا ~~نستطيع أن نترك - لمن يحب ذلك - الفضيلة التي تلمع لكي تظفر بثناء الجماعة، ~~ونقتحم نحن الأماكن النائية المنعزلة القمينة بالتقدير والجدارة المطلقة؟ ما ~~أيسر أن نبلغ مستوى الخير في الجماعة! وما أرخص الحصول على ثناء الجماعة! ويكاد ~~جميع الناس أن يقنعوا بهذا التقدير الميسور. غير أن أول أثر من آثار الاتصال ~~بالله هو إهمال هذا التقدير. من الناس من لا يمثل ولا يخطب، ولكنه ذو أثر. ~~هؤلاء أعظم من الشهرة ومن الظهور. إنهم يزدردون الفصاحة، وكل ما نسميه الفن ~~والفنانين يبدو لهم شديد الصلة بالمظاهر والأغراض القريبة، وبالمبالغة في كل ما ~~هو محدود وأناني، وبكل ما يفقد الصفة العالمية. إن الخطباء والشعراء والقواد ~~إنما يعتدون علينا كما تعتدي علينا النساء الحسناوات، أي بمقدار ما نتسامح ~~ونخضع. استصغر شأنهم بما لديك مما يشغل العقل. استهن بهم - وإنك لتستطيع ذلك ~~جدا - بالأغراض العالمية العليا، استهن بهم يحسوا توا أنك صاحب حق، وأنه ~~ينبغي لهم أن يضيئوا في الأماكن الدنيا. إنهم يشعرون كذلك بحقك؛ لأنهم وإياك ~~معرضون لفيض الروح العليمة بكل شيء، التي تتبدد أمام ظهيرتها الوهاجة الظلال ~~الضئيلة ودرجات الذكاء المختلفة في المؤلفات التي نحسبها أحكم من غيرها أو أحكم ~~من كل شيء. # دعنا في مثل هذا الاجتماع الرفيع ms056 ندرس السمات الكبرى للاستقامة: هي حب للخير ~~شديد، واستقلال عن الأصدقاء، حتى لا تنقص الرغبات المتعسفة عند أولئك الذين ~~يحبوننا من حريتنا، ولكي نقاوم من أجل الحق تلك الشفقة التي تتدفق بغير حساب، ~~ونناشد عواطف أرقى من هذه العواطف، وكذلك نوع من الامتياز البارز، الامتياز ~~الذي لا يأبه برأي الناس، ولكنه في صميمه وفي ظاهره فضيلة، من المسلم به أنها ~~تخطو الخطوة الصحيحة الجريئة الكريمة دون أن يفكر أحد في الثناء عليها (وهو ~~أسمى صفة نعرف بها هذا العنصر الجميل). إنك تمتدح المهرج إذا قام بعمل طيب، ~~ولكنك لا تثني على الملاك. والصمت الذي نتقبل به جدارة الجدير كأنها أقرب شيء ~~في الدنيا إلى الطبيعة، هو أعلى من كل تصفيق. أمثال هذه الأرواح - عندما تظهر - ~~هي حرس الفضيلة الإمبراطوري، وهي المعين الدائم، هي التي تتحكم في الأقدار. ~~وليس المرء بحاجة إلى الثناء على شجاعتها، فهي قلب الطبيعة وروحها. أيها ~~الأصدقاء، إن لدينا لموارد لم نستغلها، ومن الناس من ينهض منتعشا حينما يستمع ~~إلى تهديد، ومن الناس من تأتيهم الأزمات رشيقة مستحبة كالعروس، وهي الأزمات ~~التي تفزع أكثر الناس وتصيبهم بالشلل؛ لأنها لا تتطلب منهم القدرة على التبصر ~~والتدبر، وإنما تتطلب الإدراك والسكون والاستعداد للتضحية. يقول نابليون عن ~~مسينا إنه لم يكن نفسه حتى بدأت رحى المعركة تدور ضده. وعندما بدأ الموتى ~~يسقطون حوله صفوفا، تيقظت قدرته على الجمع بين الأشياء، فارتدى ثياب الفزع ~~والنصر في آن واحد. وكذلك الحال في الأزمات الوعرة، وفي القدرة على الاحتمال ~~التي لا تكل، وفي الأغراض التي لا تعبأ بالعواطف فتظهر الملاك الخفي. ولكن هذه ~~أمجاد لا نكاد نذكرها أو نتطلع إليها دون ندم أو خجل. ولنحمد الله على وجود هذه ~~الأشياء. # والآن دعنا نبذل ما استطعنا من جهد كي نعيد إشعال النار الخامدة التي أوشكت ~~أن تنطفئ على المذبح. إن مساوئ الكنيسة القائمة الآن ظاهرة. وإنا لنتساءل مرة ~~أخرى: ماذا نصنع؟ إني أعترف أن كل محاولة للتفكير في عبادة جديدة وإقامتها على ~~شعائر وصور ms057 جديدة يبدو لي عبثا باطلا. إن الإيمان يصنعنا ولا نصنع الإيمان، ~~والإيمان يصنع صوره الخاصة به. وكل محاولة لاستنباط نظام ما محاولة فاترة فتور ~~العبادة الجديدة التي أوجدها الفرنسيون لإلهة «العقل». إنها اليوم لعب ~~وزينة، ولكنها تنتهي غدا بالجنون والقتل. وخير لكم أن تتنفسوا أنفاس الحياة ~~الجديدة عن طريق الصور القائمة فعلا؛ لأنكم إن دبت فيكم الحياة وجدتم هذه ~~الصور مرنة وجديدة، وعلاج نقائصها هو الروح أولا، والروح ثانيا، والروح في ~~كل حين. إن بابوية بأسرها من الصور تستطيع نبضة واحدة من نبضات الفضيلة أن ~~ترفعها وتحييها. لقد أعطتنا المسيحية ميزتين لا تقدران؛ أولاهما: «اليوم ~~الديني»، وهو بهجة الدنيا بأسرها، التي يشرق ضياؤها فيلقى ترحيبا في برج ~~الفيلسوف كما يلقاه في المصنع أو غرفة السجن، ويوحي في كل مكان - حتى للأدنياء ~~- بكرامة الكائن الروحاني، فليقم هذا اليوم دائما محرابا ترد المحبة الجديدة ~~والإيمان الجديد والمشهد الجديد إليه سناء أبهى من سنائه الأول للبشر. ~~وثانيتهما: فكرة الوعظ، أو حديث المرء للناس. وهو بطبيعته أكثر الأدوات وأكثر ~~الصور مرونة. وماذا يمنعكم اليوم، في كل مكان، فوق المنابر، وفي قاعات ~~المحاضرات، وفي البيوت والحقول، وحيثما ترشدكم دعوة الناس، أو ترشدكم ظروفكم، ~~ماذا يمنعكم من التفوه بالحق الذي تعلمتموه من حياتكم ومن ضمائركم؟ ماذا يمنعكم ~~من تشجيعكم لقلوب الناس المترقبة الواهنة بأمل جديد وكشف جديد؟ # إني لأتطلع إلى الساعة التي يتكلم فيها في الغرب كذلك ذلك الجمال العلوي الذي ~~افتتنت به أرواح أولئك الشرقيين، وبخاصة أولئك العبريون، الذين تحدث الأنبياء ~~من خلال شفاههم لكل زمان. إن الكتب المقدسة العبرية والإغريقية تتضمن عبارات ~~خالدة كانت للملايين خبز الحياة. ولكن هذه العبارات ليس لها تكامل الملاحم، ~~متقطعة، لا تبدو للذهن منظمة مرتبة. وإني لأتطلع إلى المعلم الجديد الذي يتابع ~~هذه القوانين المشرقة، حتى يراها كاملة الاستدارة، ويرى جمالها الكامل الشامل، ~~ويرى العالم مرآة الروح، ويرى التطابق بين قانون الجاذبية وطهارة القلب، ويثبت ~~أن ما ينبغي أن يكون، أو الواجب، هو والعلم والجمال والسرور شيء واحد. # | المقالات: ms058 المجموعة الأولى # (نشر أمرسن كتابه الثاني في عام 1841م. ولقد صدر بعد ذلك مباشرة تقريبا في إنجلترا ~~بمقدمة لكارليل. وأكثر المقالات يتألف من محاضرات ألقاها أمرسن في أماكن متنوعة خلال ~~السنوات السابقة.) # | التاريخ # ليس هناك كبير أو صغير، # عند الروح التي تصنع كل شيء، # والتي حيثما تحل، تكون جميع الأشياء، # وإنها لتحل في كل مكان. ~~••• # أنا مالك الكرة الأرضية، # ومالك النجوم السبعة والسنة الشمسية، # ومالك يد قيصر، وذهن أفلاطون، # ومالك قلب السيد المسيح، ولحن شكسبير. # للناس جميعا عقل واحد مشترك. وكل فرد منفذ لهذا العقل، وله كله. ومن يعط ~~القدرة على التفكير يصبح مالكا حرا لضيعة العقل كلها. فما فكر فيه أفلاطون يستطيع ~~أن يفكر فيه، وما أحس به أي قديس يستطيع أن يحس به. وما حدث لأي إنسان في أي وقت يستطيع ~~أن يدركه. من يصل إلى هذا العقل العالمي يكن شريكا في كل ما يعمل أو يمكن أن يعمل؛ ~~لأن ذلك هو العامل الوحيد الذي يسود. # والتاريخ سجل لأعمال هذا العقل. ولا تظهر قيمته إلا من سلسلة الأيام كلها. ولا يمكن ~~تفسير الإنسان بأقل من التاريخ بأسره. إن الروح الإنسان تسير قدما في غير عجلة وغير ~~ركود من البداية لكي تضم إليها كل موهبة وكل فكرة وعاطفة تخصها، في حوادث ملائمة. غير ~~أن الفكرة تسبق الواقع دائما، وكل وقائع التاريخ سبق وجودها في العقل على صورة قوانين. ~~وكل قانون بدوره تجعله الظروف سائدا، وحدود الطبيعة لا تعطي القوة إلا لقانون واحد في ~~الوقت الواحد. والإنسان هو موسوعة المعارف كلها. وإنك لواجد خلق ألف غابة في ثمرة ~~واحدة من ثمار البلوط. وقد كانت مصر واليونان وروما وبلاد الغال وبريطانيا وأمريكا ~~مطوية في الإنسان الأول. # هذا العقل البشري دون التاريخ، وهو الذي لا بد أن يقرأه، وعلى أبي الهول أن يحل لغز ~~نفسه. وإذا كان التاريخ كله في إنسان واحد فإن التجربة الفردية تفسره كله. وهناك ~~علاقة بين ساعات حياتنا وقرون الزمان. وكما أن الهواء الذي أستنشقه ينسحب من مستودعات ms059 ~~الطبيعة العظمى، وكما أن الضوء الذي يسطع فوق كتابي يصدر عن نجم يبعد ألف مليون من ~~الأميال، وكما أن وضع جسمي يعتمد على اتزان القوى الطاردة والقوة الجاذبة، فكذلك ~~الساعات ينبغي أن تتعلم من العصور، والعصور تفسرها الساعات. وكل فرد صورة مجسدة جديدة ~~للعقل العالمي. تتركز فيه كل خواص هذا العقل. وكل حقيقة جديدة في خبرته الخاصة تلقي ~~ضوءا على ما قامت به جماعات كبرى من الناس. وأزمات حياته تشير إلى الأزمات القومية. ~~وقد كانت كل ثورة في مبدأ أمرها فكرة في عقل فرد واحد، فإذا ما طرأت الفكرة عينها لفرد ~~آخر فهي مفتاح ذلك العصر. وكل إصلاح كان فيما سبق فكرة خاصة، فإذا ما أصبح فكرة خاصة ~~مرة أخرى، فإنه يحل مشكلة العصر. والحقيقة التي تروى ينبغي أن تقابل في نفسي شيئا لكي ~~يمكن تصديقها وفهمها. وينبغي لنا حين نقرأ أن نصبح من اليونان أو الرومان أو الأتراك، ~~وأن نصبح من القسيسين والملوك، ومن الشهداء والقاتلين. ينبغي لنا أن نربط هذه الصور ~~بحقيقة من الحقائق في خبرتنا الخفية، وإلا ما تعلمنا شيئا حق العلم. إن ما حل بأسدربال ~~أو قيصر بورجيا، يفسر قوى العقل وفساده كما يفسرهما ما حل بنا. كل قانون جديد وكل حركة ~~سياسية، لها لديك معنى. قف أمام كل لوحة من لوحاتها وقل: «تحت هذا القناع أخفت طبيعتي ~~المتغيرة نفسها.» وفي ذلك علاج للنقص الذي نعانيه من اقترابنا الشديد من أنفسنا، وهو ~~يلقي بأعمالنا في حدود المنظور. وكما أن السرطان والحمل والعقارب والميزان ووعاء ~~الماء تفقد وضاعتها عندما تعلق بدائرة البروج، فإني كذلك أستطيع أن أرى آثامي بغير ~~حرارة في أشخاص سليمان والسبيادس وكاتلاين الأقدمين. # هي الطبيعة المطلقة التي تكسب الأفراد والأشياء قيمتها. والحياة الإنسانية التي ~~تحتوي على ذلك لغز ولا يمكن اقتحامها، ونحن نحيطها بالعقوبات والقوانين. ومن ذلك تستمد ~~جميع القوانين السبب في وجودها، وكلها تعبر بدرجات مختلفة من الوضوح عن سلطانها على ~~هذه الأرواح العليا التي لا تحد. والملكية كذلك تستولي على الروح، وتشمل ms060 حقائق روحية ~~عظمى، ونحن بالغريزة في مبدأ الأمر نتمسك بها بحد السيف والقانون وباتحادات واسعة ~~معقدة. والإحساس الغامض بهذه الحقيقة هو ضياء يومنا كله، وأقصى أمانينا. هو ذريعتنا ~~للتربية والعدالة والإحسان، وأساس الصداقة والمحبة، والبطولة والعظمة التي تتعلق ~~بالأعمال التي تتصل بالاعتماد على النفس. ومما يستلفت النظر أننا - رغم إرادتنا - نطالع ~~دائما باعتبارنا كائنات عليا؛ فالتاريخ العالمي، والشعراء، وكتاب القصص الخيالية، في ~~أفخم صورة لهم - في الكهنوت وفي قصور الملوك، وفي انتصار الإرادة أو العبقرية - لا ~~تعدم منا آذانا مصغية في أي مكان، ولا تجعلنا في أي مكان نحس أننا دخلاء، وإن ذلك ~~من شأن رجال أحسن منا، بل إنه لمن الحق أننا نحس بأقصى الطمأنينة إزاء أعظم ما ~~أبدعت قرائحهم. كل ما يقوله شكسبير عن ملك من الملوك يحس مدى صدقه على نفسه ذلك الصبي ~~المغمور الذي يقرأ في إحدى الزوايا. وإننا لنعطف على لحظات التاريخ الكبرى، والكشوف ~~العظمى، وكل مقاومة عنيفة، والخصائص الكبرى للرجال؛ لأنه - في هذه الحالة أو تلك - قد ~~نفذ قانون، أو جرى البحث في محيط، أو وجدت أرض، أو ضربت من أجلنا ضربة، كما لو كنا ~~نحن أنفسنا - أو شجعنا على ذلك - في هذا الموقف. # وإنا لنهتم هذا الاهتمام عينه بالأحوال والأشخاص. نكرم الغني؛ لأنه يملك في ~~ظاهره الحرية والنفوذ والجلال التي نشعر بملاءمتها للإنسان وملاءمتها لنا أيضا. ولذا ~~فإن كل ما يضفيه رواقي أو كاتب مقال شرقي أو حديث على «الرجل الحكيم» إنما يصف لكل قارئ ~~آراءه الخاصة، ويصف له نفسه التي يمكن تحقيقها ولكنه لم يحققها بعد. والأدب كله إنما ~~يكتب شخصية الرجل الحكيم. وليست الكتب والآثار والصور والأحاديث سوى رسوم يجد فيها ~~القارئ الملامح التي تكون نفسه. الصامت والمفصح يثني عليه ويناديه، وحيثما انتقل ~~تنبهه الإشارات الشخصية. ولذا فإن الطموح الصادق ليس بحاجة إلى التماس الإشارات ~~الشخصية التي تتضمن التمجيد في الحديث؛ فهو يستمع إلى الثناء المستطاب على تلك الشخصية ~~التي يبحث عنها - لا على نفسه - في كل كلمة تقال بشأن الشخصية، ms061 بل أكثر من ذلك في كل ~~حقيقة وكل ظرف، في النهر الجاري وفي حفيف نبات القمح. من الطبيعة الصامتة، ومن الجبال ~~ومن أنوار السموات يشاهد الثناء، ويقدم الولاء، ويفيض الحب. # هذه الإشارات، التي كأنها تساقطت من النوم ومن الليل، دعنا نستخدمها في وضح النهار. ~~ينبغي للطالب أن يقرأ التاريخ قراءة إيجابية لا سلبية، وينبغي له أن يقدر حياته متنا، ~~والكتب شرحا. فتجد آلهة التاريخ نفسها مرغمة على النطق بالكلام المقدس، وهي لا تفعل ~~ذلك البتة لأولئك الذين لا يقدرون أنفسهم. ولست آمل أن يقرأ التاريخ قراءة صحيحة ~~رجل يحسب أن ما فعله في عصر بعيد رجال رن صيتهم في الآفاق له معنى أعمق مما ~~يفعل هو اليوم. # إنما الدنيا قائمة لتعليم كل إنسان، وليس هناك عصر أو حالة من حالات المجتمع أو أسلوب ~~من أساليب العمل في التاريخ، لا يناظره شيء في حياته. كل شيء يميل بشكل عجيب أن يختصر ~~نفسه ويقدم فضيلته إليه. وعليه أن يدرك أنه يستطيع أن يعيش التاريخ كله في شخصه. وينبغي ~~له أن يبقى في وطنه صلبا، ولا يجشم نفسه مشقة التعرض لاستبداد الملوك والإمبراطوريات، ~~وإنما يعرف أنه أعظم من بلدان الدنيا كلها وحكوماتها. يجب أن ينقل وجهة النظر التي منها ~~يقرأ التاريخ عادة، من روما وأثينا ولندن إلى نفسه، ولا ينكر اعتقاده أنه الحكم، ~~وإذا كانت إنجلترا أو مصر لتقول له شيئا، فليتدبره، وإذا لما تذكرا له شيئا، فليبقيا ~~إلى الأبد صامتين. يجب أن يبلغ ذلك المشهد المرتفع حيث تقدم الحقائق مغزاها الخفي، ~~وحيث يكون الشعر والتاريخ سواء، ثم يثبت هناك. هذه الغريزة من غرائز العقل، وهي الهدف ~~الذي ترمي إليه الطبيعة، تكشف عن نفسها في انتفاعنا بروايات التاريخ الأساسية. إن الزمن ~~يحول الحقائق ذات الاتجاه الواحد الثابت إلى أثير مشرق. ولا تجدي المراسي والحبال ~~والأسوار في إبقاء الحقائق حقائق؛ فها هي ذي بابل وطروادة وصور وفلسطين بل وروما في ~~عهدها الأول تتحول إلى خيال. وجنة عدن، والشمس الساكنة في جبيون، هي منذ اليوم ms062 شعر ~~عند جميع الأمم. من ذا الذي يهمه ما كانت الحقيقة عليه، بعد أن جعلنا منها مجموعة نجمية ~~معلقة في السماء شارة خالدة؟ ولا بد أن تسير لندن وباريس ونيويورك في نفس الطريق. قال ~~نابليون: «ليس التاريخ سوى أسطورة اتفقنا عليها.» إن حياتنا الراهنة لتلتصق بمصر ~~واليونان وبلاد الغال وإنجلترا، وبالحروب والاستعمار والكنيسة والبلاط والتجارة، كما ~~تلتصق بكثير من الزهور وزخارف الطبيعة الرزينة والمرحة. ولن أبسطها أكثر من ذلك؛ فإني ~~أعتقد في الخلود، وإني لأستطيع أن أجد في ذهني اليونان وآسيا وإيطاليا وإسبانيا ~~والجزر، وأن أجد فيه عبقرية كل عصر (بل وجميع العصور)، وما يتميز به من أسس الخلق ~~والإبداع. # إننا نلتقي دائما بحقائق التاريخ المؤكدة في تجاربنا الخاصة، ونتحقق من صدقها هنا. ~~ويصبح التاريخ كله ذاتيا، أو بعبارة أخرى ليس هناك تاريخ ثابت، إنما هناك سير فحسب. ~~وكل عقل ينبغي له أن يعرف الدرس كله لنفسه، وينبغي له أن يطوف الأرض كلها. ما لا يراه ~~وما لا يحياه لا يعرفه. وما لخصه العصر السابق في صيغة أو قاعدة لسهولة التناول، يفقد ~~العقل ميزة تحقيقه لنفسه بسبب الحائل الذي تقيمه هذه القاعدة. وفي مكان ما وفي وقت ما ~~يتطلب العقل، ويجد عوضا عن هذه الخسارة بأدائه العمل بنفسه. لقد اكتشف فرجوسن في الفلك ~~أشياء كثيرة كانت معروفة من زمان قديم، وأفاد من ذلك. # التاريخ إما أن يكون ذلك أو لا يكون شيئا. كل قانون تنفذه الدولة يشير إلى حقيقة ~~في الطبيعة البشرية، وهذا هو كل شيء. يجب أن نرى في أنفسنا الباعث الحقيقي لكل واقعة، ~~نرى كيف يمكن أن تكون وكيف ينبغي أن تكون. هكذا يجب أن نجابه كل عمل عام أو خاص، وأن ~~نجابه خطابة بيرك، وانتصار نابليون، واستشهاد سير توماس مور، وسدني، ومار مديوك روبنسن، ~~وأن نجابه حكم الإرهاب في فرنسا، وشنق الساحرات في سالم، وتعصب حركة الإحياء، ~~والتنويم المغناطيسي في باريس، أو في أمريكا. إننا نفرض أننا تحت تأثير مشابه لهذا ~~نتأثر تأثيرا مشابها، ونقوم بعمل مشابه، ms063 ونهدف إلى أن نسيطر على الخطوات التي خطاها ~~زميل أو قريب لنا، ونبلغ ما بلغ من رفعة أو انحطاط. # كل بحث في القديم، كل تشوق إلى معرفة الأهرام، وحفريات المدن، وستونهنج، ودوائر ~~أوهيو والمكسيك وممفيس، ينبغي أن ينتهي بالاستغناء عن المكان والزمان البعيدين بما ~~يتصفان به من همجية وتوحش واستحالة، ليحل محلهما المكان والزمان القريبان. إن بلزوني ~~يحفر ويقيس قبور المومياء والأهرام في طيبة حتى يرى غاية الفرق بين هذا العمل الهائل ~~وبين نفسه، فإذا ما أقنع نفسه عموما وتفصيلا أن ذلك العمل العظيم قام به شخص مثله، ~~بمثل سلاحه ودوافعه، ولأغراض كان ينبغي له هو نفسه كذلك أن يعمل لها، حلت المشكلة، ~~فتعيش أفكاره بين صفوف المعابد وآباء الهول والسراديب جميعا، وتمر بهم كلهم راضية ~~مرضية، وهذه الأشياء تحيا مرة أخرى في العقل، أو تصبح حاضرا بعد ماضيها. # إن الكاتدرائية الغوطية لتؤكد أننا نحن الذين شيدناها، ونحن الذين كذلك لم نشيدها، لا ~~شك أنها من صنع الإنسان، ولكنا لا نجدها في إنساننا. ولكنا نطابق بين أنفسنا وبين تاريخ ~~إنشائها، ونضع أنفسنا مكان منشئها وفي حالته. إننا نذكر ساكني الغابات، والمعابد ~~الأولى، وكيف كان النموذج الأولي، وزخرفته، كلما زادت ثروة الأمة. إن القيمة التي ~~يكتسبها الخشب بالنقش أدت إلى نحت كتدرائية في جبل بأسره من الحجر. وبعدما نمر بهذه ~~العملية، ونضيف إليها الكنيسة الكاثوليكية، بصليبها، وموسيقاها، ومواكبها، وأعياد ~~قديسيها وعبادتها الصور، نمسي كأننا الرجل الذي نصب القسيس، وندرك كيف يمكن أن تكون ~~الأمور وكيف ينبغي أن تكون، ويصبح لدينا الإدراك الكافي. # وإنما يفترق إنسان عن إنسان في القاعدة التي يسير عليها في ربط الأشياء. بعض الناس ~~يصنفون الأشياء بلونها وحجمها وغير ذلك من العرض الظاهر. وبعضهم الآخر يصنفها بما بينها ~~من تشابه ذاتي، أو بالعلاقة بين الأسباب والنتائج. ويتقدم الذهن نحو زيادة الوضوح في ~~رؤيا الأسباب، بحيث تهمل الفوارق السطحية؛ فالأشياء كلها ودية ومقدسة، والأحداث كلها ~~نافعة، والأيام كلها مقدسة، والرجال كلهم قديسون، في نظر الشاعر والفيلسوف والقديس؛ لأن ~~العين ms064 تحدق في الحياة، وتهمل الأعراض. إن كل مادة كيمائية وكل نبات، وكل حيوان في نموه، ~~يعلمنا وحدة الجوهر، وتنوع المظهر . # ولما كانت هذه الطبيعة التي تبتدع كل شيء تحملنا وتحيط بنا، فتسبغ علينا لينا ~~وسيولة تجعلنا كالسحاب أو كالهواء، فلماذا نكون متحذلقين جامدين، فنكبر صورا ~~محدودة؟ ولماذا نأبه للزمان، أو للعظمة أو لأي شكل من الأشكال؟! إن الروح لا تعرف هذه ~~الأشياء، والعبقرية التي تخضع لقانونها الذاتي تعرف كيف تتلاعب بها كما يلعب الطفل ~~بالأواني الخزفية وفي الكنائس. العبقرية تدرس الفكر المسبب، وترى - في أصول الأشياء ~~السحيقة - الأشعة التي تصدر عن أحد الأجرام الشمسية، فتتفرق إلى خطوط لا حصر لها قبل ~~سقوطها. العبقرية ترقب الجوهر الفردي الحي في كل صورة يتقنع فيها. العبقرية تكشف في ~~الذبابة وفي الفراشة وفي الدودة وفي البيضة الفرد الثابت. وترى خلال الأفراد العديدين ~~النوع الثابت، وخلال الأنواع الكثيرة الأجناس، وخلال جميع الأجناس الأصل الثابت، وخلال ~~جميع ممالك الحياة المنظمة الوحدة الخالدة. الطبيعة سحابة متقلبة، هي دائما نفسها - ~~وليست بعينها - إنها تصب الفكرة الواحدة في صور عديدة، كما يخلق الشاعر عشرين أسطورة ~~لها مغزى واحد. إن الروح الرقيقة تخضع كل شيء لإرادتها خلال المادة الجامدة، والحجر ~~الصلب يتشكل أمام الروح في صورة لينة ولكنها محددة، غير أن شكله وتكوينه يتغيران مرة ~~أخرى أثناء نظري إليه. ليس هناك شيء سريع الزوال كالصورة، وهي مع ذلك لا تنكر نفسها ~~أبدا كل الإنكار. وفي الإنسان ما زلنا نتلمس البقايا والإشارات لكل ما نحسبه من سمات ~~العبودية في الأجناس الدنيا. ومع ذلك فهذه البقايا وتلك الإشارات تحفز ما لديه من نبل ~~وجلال، كقصة أيو عند أيسكلس التي تحولت إلى بقرة فأساءت إلى الخيال، ولكن كيف تبدلت ~~الحال عندما اتخذت شكل إيزيس في مصر والتقت بأوزيريس-جوف، على هيئة امرأة جميلة، ولم ~~تبق لديها من دلائل التحول سوى القرون القمرية تزين جبينها زينة فاخرة! # إن تشابه حوادث التاريخ هو - كهذه القصة - من طبيعة التاريخ، وكذلك تنوعها واضح وضوحه ~~فيها. هناك في الظاهر ms065 تنوع للأشياء لا حصر له، وفي الجوهر بساطة في الأسباب. كم من ~~أعمال الرجل الواحد ما تتبين فيها نفس شخصيته! لاحظ مظاهر علمنا بالعبقرية اليونانية. ~~لدينا التاريخ المدني لهذا الشعب، كما قدمه لنا هيرودوت، وثيوسيديد، وزنفون، وفلوطارخس. ~~وهو دليل كاف على نوع أفراد هذا الشعب وعلى ما فعلوا. ولدينا كذلك عقلهم القومي عينه ~~كما عبرت عنه آدابهم مرة أخرى، في شعر الملاحم والشعر الغنائي، والتمثيليات، ~~والفلسفة، وإنها لصورة كاملة. وهو لدينا مرة أخرى كذلك في فن النحت، وهو «لسان يوشك أن ~~ينطق». صور متعددة في أقصى حرية للحركة، ولا تجاوز البتة الهدوء المثالي، كأنها أصحاب ~~نذور يؤدون رقصة دينية أمام الآلهة، وبرغم ما يكابدون من ألم ممض أو قتال مميت، لا ~~يجرءون بتاتا أن يخرجوا على شكل الرقص وذوقه. وهكذا فإن لدينا أربعة أشكال تتمثل فيها ~~عبقرية شعب واحد مجيد، وما أبعد التشابه لدى الحواس بين أنشودة لبندار، أو تمثال مرمري ~~لقنطروس الحيوان الخرافي، ودهليز في البارثنون، وآخر عمل من أعمال فوسيون؟ # كل منا شاهد وجوها وأشكالا تترك في الرائي أثرا متشابها دون أي تشابه في ~~ملامحها. إن صورة من الصور، أو مقطوعة من الشعر المنظوم، قد لا يبعثان نفس السلسلة من ~~الخيالات التي تبعثها مشية وحشية جبلية، ولكنهما تبعثان ما تبعثها المشية من عاطفة، ~~بالرغم من أن التشابه لا يتجلى للحواس على أية صورة من الصور، ولكنه خفي لا تدركه ~~الأفهام. الطبيعة مزيج وتكرار لا حصر له لبضعة قوانين. وهي تتغنى بالأنشودة القديمة ~~المعروفة، في أنغام لا يحصرها العد. # الطبيعة ملأى بالتشابه العائلي السامي في كل عمل من أعمالها، ويسرها أن تفجأنا ~~بالتشابه في نواح لا نتوقع فيها التشابه بتاتا. رأيت رأس شيخ كبير لإحدى القبائل ~~الهندية الأمريكية في الغابات، فذكرني في الحال بقمة جبلية جرداء، وذكرتني أخاديد ~~الجبهة بطبقات الصخر، وهناك أناس لآدابهم نفس الأبهة التي تظهر على التمثال البسيط ~~الرائع القائم على أفريز البارثنون، وعلى آثار الفن الإغريقي القديم. وهناك من المؤلفات ~~ما له نفس القوة التي ms066 كانت في كتب العصور السالفة جميعا. ليس رسبجليوزي أورورا لجيدو ~~سوى فكرة صباحية، وليس الخيل فيها سوى سحابة من سحب الصباح. ولو أن أي إنسان جشم نفسه ~~مشقة ملاحظة الأعمال المتنوعة التي يميل إليها في بعض حالات العقل، وتلك الأعمال التي ~~ينفر منها بنفس الدرجة؛ لأدرك عمق صلة القرابة بينهما. # قال لي مصور إن أحدا لا يستطيع أن يرسم شجرة دون أن يصبح شجرة في صورة ما، أو أن ~~يرسم طفلا بمجرد دراسة تخطيط هيئته، أما إذا لاحظ لفترة ما حركاته وألعابه فإنه ~~يدخل طبيعته، ويستطيع عندئذ أن يرسمه إن أراد في كل موقف. هكذا دخل روس «أعمق أغوار ~~طبيعة الأغنام». وقد عرفت رساما يشتغل بمساحة الأرض يقول إنه لم يستطع تخطيط الصخور ~~إلا بعد أن شرح له أولا تكوينها الجيولوجي. وفي حالة واحدة من حالات التفكير يكون ~~الأصل المشترك لأعمال غاية في التنوع؛ فالروح هي التي تتكرر على صورة واحدة وليست ~~الوقائع. ويستطيع الفنان أن يبلغ القدرة على إيقاظ الأرواح الأخرى كي تقوم بعمل معين ~~بسعة إدراكه، لا بمعرفته المضنية بكثير من المهارات اليدوية. # ولقد قيل: «إن أرواح العامة تستوفي حقها وفقا لما تعمل. أما الأرواح الأنبل ~~فتستوفي حقها وفقا لما تكون عليه.» لماذا؟ لأن الطبيعة العميقة توقظ فينا بفعالها ~~وكلماتها وبنظراتها وسلوكها النفوذ والجمال عينهما اللذين يوجههما إلينا متحف للنحت أو ~~للتصوير. # ينبغي أن نفسر التاريخ المدني والتاريخ الطبيعي، وتاريخ الفن، وتاريخ الأدب، بتاريخ ~~الفرد، أو تبقى هذه التواريخ كلمات مجردة. ليس هناك شيء لا يتصل بنا، أو لا يهمنا، من ~~الملكية إلى الكلية، والشجرة، والجواد، والحدوة الحديدية، فإن جذور كل شيء في ~~الإنسان. وليس سانتا كروتشي وقبة القديس بطرس سوى نسخ عرجاء من نماذج مقدسة. وكتدرائية ~~ستراسبورج صورة مادية لروح أروين الاستنباخي. والقصيدة الصادقة هي عقل الشاعر، والسفينة ~~الصادقة هي بناء السفينة. ولو استطعنا أن نكشف عن الإنسان، رأينا علة آخر زهرة أو ~~ثمرة من عمله، كما أن كل شوكة أو لون في القوقعة المائية قد سبق ms067 وجوده في أعضاء السمكة ~~المفرزة. وفي آداب المجاملة تجد كل فنون الدروع والفروسية. والرجل ذو الآداب الرفيعة ~~ينطق باسمك بكل الزخرفة التي تستطيع أن تضيفها إليه ألقاب الشرف. # إن التجربة التافهة التي تمر بنا كل يوم تحقق دائما لنا قولا سابقا، وتحول إلى ~~الأشياء الكلمات والإشارات التي سمعناها أو رأيناها دون أن نلقي إليها بالا. قالت لي ~~سيدة كنت أركب معها في الغابة إن الغابات تبدو لها دائما كأنها «على انتظار» كأن الجن ~~الذي يقطنها قد أوقف أعماله حتى يمر بها عابر السبيل ويمضي. وهي فكرة حفل بها الشعر في ~~رقص الجنيات اللائي يتوقفن عن الرقص عند اقتراب أقدام بشرية. والرجل الذي يرى القمر ~~المشرق يشق السحاب في منتصف الليل يشبه في هذا رئيس الملائكة الذي شهد خلق الضياء وخلق ~~الدنيا. أذكر ذات يوم صائف في الحقول أن رفيقي قد وجه التفاتي إلى سحابة ربما امتدت ~~ربع ميل بحذاء الأفق، وهي على هيئة الملاك الصغير تماما كما يصور في الكنائس، كتلة ~~مستديرة في الوسط، من السهل أن تبعث فيها الحياة بثغر وعينين، وأن نسندها من الجانبين ~~بجناحين متماثلين منتشرين. وما يظهر مرة في الجو قد يظهر مرارا. ولقد كان ذلك ~~المنظر بغير شك النموذج المثالي لذلك الزخرف المألوف. وشهدت في السماء سلسلة من برق ~~الصيف، فتذكرت في الحال أن الإغريق رسموا من الطبيعة عندما صوروا الصاعقة في يد جوف. ~~ورأيت كومة ثلجية على جوانب الحاجز الحجري هي التي قطعا أوحت بفكرة بناء ~~البروج. # إذا أحطنا أنفسنا بالظروف الأصلية اخترعنا من جديد قواعد فن البناء وزخرفته، كما كان ~~كل قوم يزينون مساكنهم الأولية وحدهم. إن المعبد الدوري يحتفظ بالشبه بينه وبين الكوخ ~~الخشبي الذي كان يقطنه الرجل الدوري. وليس المعبد الصيني إلا مجرد سرادق تتري. ~~والمعابد الهندية والمصرية ما زالت تنم عن الأكمات والبيوت المنحوتة تحت الأرض التي كان ~~يقيم فيها آباؤهم. ويقول هيرن في بحوثه عن الإثيوبيين: «إن عادة إنشاء البيوت والمقابر ~~في الصخر الحي عينت بطريقة طبيعية جدا الصفة ms068 الأساسية في فن البناء النوبي المصري، ~~فاتصف بضخامة الشكل التي عرفت عنه. في هذه الكهوف التي أعدتها الطبيعة تعودت العين أن ~~تحدق في أشكال وكتل ضخمة، حتى إذا ما جاء الفن لمعونة الطبيعة لم يستطع أن يسير في نطاق ~~صغير دون أن يحط من شأن نفسه. وماذا تكون التماثيل ذات الحجم العادي، وماذا تكون السقوف ~~والأجنحة البسيطة إذا قيست بتلك الأبهاء الهائلة التي لا تستطيع أن تحرسها - أو أن ~~تستند إلى عمدانها الداخلية - سوى التماثيل التي تفوق الحجم الطبيعي؟» # ومن الجلي أن الكنيسة القوطية نشأت من اقتباس أشجار الغابة بكل أغصانها اقتباسا ~~ساذجا، ورسم الممرات ذات الأعمدة التي تستخدم في الاحتفالات والمناسبات الدينية على ~~صورتها. ولا زالت الأطواق حول الأعمدة المشقوقة تدل على فروع الصفصاف الخضراء التي كانت ~~تطوق الأشجار. ولا يستطيع أحد أن يسير في طريق شق في غابات الصنوبر دون أن يذهله ~~مظهر الغابة الذي يوحي بفن البناء، وبخاصة في الشتاء، حينما تدل تعرية جميع الأشجار ~~الأخرى على الأقواس السكسونية المنخفضة. وإذا سرت في الغابات في أصيل يوم من أيام ~~الشتاء رأيت كذلك لتوك منشأ النافذة الزجاجية الملونة التي تتحلى بها الكاتدرائيات ~~الغوطية في ألوان السماء الغربية التي نشاهدها خلال أغصان الغابة المتشابكة الجرداء. ~~ولا يستطيع إنسان يحب الطبيعة أن يدخل خلال الأعمدة الخشبية القديمة في كاتدرائية ~~أكسفورد والكاتدرائيات الإنجليزية دون أن يحس أن الغابة قد تسلطت على عقل البناء، وأن ~~إزميله ومنشاره ومسحجه ما برحت تحاكي نباتها، وأشواك زهورها، وخرنوبها، وأشجار الدردار ~~والبلوط والصنوبر والشوح والتنوب الفضي فيها. # الكاتدرائية الغوطية حجر مزهر خاضع إلى الرغبة الملحة في الانسجام عند الإنسان، تلك ~~الرغبة التي لا تقنع. إن جبل الجرانيت يتفتح عن زهر خالد، فيه من جمال الخضرة الخفة ~~ودقة الإبداع، كما فيه النسب السماوية والمنظر السماوي. # وكذلك يمكن إفراد جميع الحقائق العامة، وتعميم جميع الحقائق الخاصة. عندئذ يصبح ~~التاريخ في الحال مستساغا وصادقا، وعلم الحياة عميقا وساميا. وكما أن الفرس حاكوا ~~في فروع بنائهم وأصوله ساق اللوتس والنخلة ms069 وثمارها، فكذلك البلاط الفارسي في أعظم عهوده ~~لم يتخل البتة عن بداوة القبائل البربرية، بل تنقل من أكباتانا حيث كان يقضى ~~الربيع إلى سوزا في الصيف وبابل في الشتاء. # وفي تاريخ آسيا وأفريقيا القديم كانت البداوة والزراعة حقيقتين متعارضتين. كانت ~~طبيعة البلاد في آسيا وفي أفريقيا تتطلب حياة بدوية. غير أن البدو كانوا سببا لفزع ~~أولئك الذين دعتهم إلى بناء المدن طبيعة التربة أو مزايا السوق؛ ومن ثم كانت ~~الزراعة مما يوصي به الدين بسبب المخاطر التي تتعرض لها الدولة من البداوة. وفي إنجلترا ~~وأمريكا، هذين القطرين المتمدنين اللذين جاءا مؤخرا في التاريخ، ما زالت هذه ~~الاتجاهات تقاتل المعركة القديمة في الأمة وفي الفرد. كان هجوم ذباب المواشي الذي تجن ~~له الماشية يرغم البدو في أفريقيا على التجول، فتضطر القبيلة إلى الهجرة في موسم ~~الأمطار وإلى سوق الماشية إلى المناطق الرملية العليا. وكان البدو في آسيا يتابعون ~~المراعي من شهر إلى شهر. وفي أمريكا وأوروبا تتخذ البداوة صورة التجارة وحب الاستطلاع، ~~وهو تقدم بالتأكيد من ذباب سطابوراس إلى الجنون الإنجليزي والإيطالي بخليج بوسطن. ~~والمدن المقدسة التي كان يتحتم الحج إليها في فترات معينة، والقوانين والعادات الصارمة ~~التي كانت تميل إلى تقوية الرابطة القومية، كانت توقف المتجولين القدماء عند حد، والقيم ~~التي تجمعها الإقامة الطويلة هي الأغلال التي تقيد حب التجول في العصر الحاضر. وليس ~~العداء بين الاتجاهين بأقل نشاطا في الأفراد؛ فقد يسود حب المغامرة أو حب الحياة ~~الوادعة. والرجل ذو الصحة القوية والروح الفياضة يميل إلى سرعة التنقل في إقامته؛ فهو ~~يعيش في عربته، ويطوف خلال الأرض من شمالها إلى جنوبها في سهولة، وفي البحر أو في ~~الغابة أو فوق الثلوج ينام في دفء ويأكل في شهية طيبة ويعاشر في سعادة، كأنه إلى جوار ~~مدخنته. وربما كانت حياته أشد يسرا كلما اتسع الأفق أمام قدرته على الملاحظة، تلك ~~القدرة التي تعطيه موضوعات يهتم بها كلما وقعت عيناه على شيء جديد. كانت الأمم الرعوية ~~محتاجة جائعة إلى حد اليأس، وهذه ms070 البداوة العقلية - إذا بولغ فيها - تفلس العقل ~~بتبديدها القوى على موضوعات متنوعة، في حين أن العقل الذي يلزم موطنه يتصف بالزهد أو ~~بالقناعة التي تجد كل عناصر الحياة فوق تربته، ويجد مخاطره في الملل والانهيار إذا لم ~~يحفزه باعث من الخارج. # كل ما يراه الفرد خارج نفسه يقابل حالاته العقلية، وكل شيء بدوره يكون مفهوما له ~~بمقدار ما يسوقه تفكيره الجريء إلى الحقيقة التي تنتمي إليها تلك الواقعة أو تلك ~~المجموعة من الوقائع. # إنني أستطيع أن أغوص إلى العالم الأولي - أو العالم السابق كما يقول الألمان - في ~~نفسي، كما أستطيع أن أتحسسه بأصابع باحثة في سراديب الموتى، وفي المكتبات، وفي الجدران ~~والأجزاء البارزة المنهارة من خرائب البيوت التي كانت تقوم وسط الحدائق. ترى ما أساس ~~ذلك الاهتمام الذي يحسه الناس جميعا بتاريخ اليونان وآدابهم وفنونهم وشعرهم في جميع ~~عصورهم من عصر البطولة أو عصر هومر حتى الحياة العائلية، حياة الأثينيين والإسبرطيين ~~بعد ذلك بأربعة أو خمسة قرون؟ ما هو الأساس؟ أليس هو ذلك: إن كل إنسان يمر شخصيا بعصر ~~يوناني. الحالة اليونانية هي عصر الطبيعة الجسدية، عصر كمال الحواس، أو عصر الطبيعة ~~الروحانية مبسوطة في اتحاد دقيق مع الجسد. في تلك الحالة كانت توجد تلك الصور البشرية ~~التي أمدت النحات بنماذجه لهرقل وفيبس وجوف، لا كتلك الصور التي تموج بها شوارع المدن ~~الحديثة، حيث يكون الوجه لطخة مضطربة من الملامح، وإنما كان وجها يتألف من ملامح لم ~~تفسد، واضحة التحديد متماثلة، تجويف العينين فيه مكون بحيث يستحيل أن يكون بالعينين ~~حول، أو أن تختلس العينان النظرات يمينا أو يسارا، ولكنهما عينان يلتفت معهما الرأس ~~كله. وكانت آداب السلوك في ذلك العصر واضحة قاسية. يقدم الاحترام للصفات الشخصية، ~~الشجاعة، والحذق، وضبط النفس، والعدالة، والقوة، والسرعة، والصوت المرتفع، والصدر ~~العريض. ولم يعرف الترف أو الرقة. وتباعد السكان والحاجة تجعل كل إنسان خادم نفسه، ~~طباخا، وقصابا، وجنديا. وكانت عادة إمداد حاجته لنفسه بنفسه تعلم الجسم أداء ~~أعمال عجيبة. هكذا كان أجاممنون وديومد عند ms071 هومر، ولم تختلف عن ذلك كثيرا الصورة التي ~~يعطيها زنفون عن نفسه وعن مواطنيه في «تقهقر العشرة آلاف»: «بعدما عبر الجيش نهر تلبوس ~~في أرمينيا، سقطت ثلوج كثيرة هناك، واستلقى الجنود فوق الأرض بائسين تغطيهم الثلوج. غير ~~أن زنفون نهض عاريا وأمسك بفأس وشرع يشق الخشب، وعندئذ نهض الآخرون وحذوا حذوه.» ~~وكانت حرية الكلام التي لا تحد موجودة بين جنود جيشه جميعا. يتشاجرون من أجل الغنائم، ~~ويختصمون مع القواد عند كل أمر جديد، وزنفون حاد اللسان كغيره، وأحد لسانا من ~~أكثرهم؛ ولذا فقد كان يعطي بمقدار ما يأخذ. من ذا الذي لا يرى أن هذه كانت عصابة من ~~صبية كبار، لها ما للصبية الصغار من قانون للشرف وتربية حرة؟ # وأثمن ما يفتن المرء في المأساة القديمة، بل وفي الأدب القديم كله، هو أن الأشخاص ~~يتكلمون ببساطة، يتكلمون كأشخاص لديهم قدر كبير من حسن الإدراك دون علمهم بذلك، وقبل ~~أن تصير عادة التفكير هي العادة العقلية السائدة. إن إعجابنا بالعتيق ليس إعجابا ~~بالقديم، ولكنه إعجاب بالطبيعي. # لم يكن الإغريق مفكرين، بل كانوا كاملين في حواسهم وصحتهم، لهم أجمل تكوين جثماني في ~~العالم. والكبار يتصرفون ببساطة الأطفال ورشاقتهم. كانوا يصنعون الأواني والمآسي ~~والتماثيل، كما تصنعها الحواس الصحيحة، أي بذوق سليم. وقد لبثت هذه الأشياء تصنع في كل ~~العصور، ولا تزال تصنع اليوم، حيثما وجد جسم سليم. ولكنهم تفوقوا على الجميع كطبقة ~~بسبب تفوقهم في التكوين. كانوا يجمعون بين نشاط الرجولة واللاشعور الذي يسيطر على ~~الأطفال. إن ما يفتننا في هذه الآداب هو أنها تخص الرجل، ويعرفها كل رجل بحكم أنه قد مر ~~بدور الطفولة. وفوق ذلك، فهناك دائما أفراد يحتفظون بهذه الصفات. والشخص الذي لديه ~~عبقرية الطفولة ونشاط موروث لا يزال يونانيا، ويعيد إحياء عشقنا لآلهة الشعر في ~~هلاس. وإني لأعجب بحب الطبيعة عند فلكتيتس. وعند قراءة تلك الابتهالات الجميلة إلى ~~النوم وإلى النجوم وإلى الصخور والجبال والأمواج أحس كأن الوقت يمر كالبحر وهو في ~~الجزر. أحس خلود الإنسان، وذاتية فكره. ويبدو ms072 لي أن الإغريقي كان له زملاء في الوجود ~~مثلما لي. كانت الشمس والقمر، والماء والنار، تقابل قلبه كما تقابل قلبي تماما. ثم إن ~~ذلك التميز الذي نتباهى به بين اليوناني والإنجليزي، وبين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة ~~الرومانتيكية يظهر أنه سطحي متكلف. عندما تصبح فكرة أفلاطون فكرتي، عندما تشعل ~~الحقيقة قلبي كما أشعلت قلب بندار، عندئذ يتلاشى الزمن. وعندما أحس أن كلينا نلتقي في ~~نظرة، وإن روحينا يصطبغان بلون واحد، وكأنهما يمتزجان في روح واحدة، أسأل نفسي: لماذا ~~أقيس درجات العرض الأرضية؟ ولماذا أعد السنوات المصرية؟ # إن الطالب يفسر عصر الفروسية بعصره الخاص للفروسية، كما يفسر أيام المغامرات ~~البحرية وطواف البحار بتجاربه المصغرة التي تماثلها تماما. وله كذلك المفتاح عينه ~~لتاريخ العالم المقدس. وحينما لا يردد صوت نبي من الأنبياء منبعث من أعماق التاريخ ~~القديم سوى صدى عاطفة من عواطف طفولته، أو دعاء من أدعية الشباب، فإنه ينفذ حينئذ إلى ~~الحقيقة خلال جميع اضطرابات التقاليد وخلال الصور الهزلية التي تتمثل في النظم ~~القائمة. # ويندر أن تهبط علينا في فترات منقطعة أرواح متطرفة تبسط لنا حقائق جديدة في ~~الطبيعة. ولقد لاحظت أن رجال الله من حين إلى حين يسيرون بين الناس ويجعلون السامع ~~العادي جدا يحس رسالتهم بروحه وقلبه. ومن ثم جاءت من غير شك منصة الخطابة، وظهر ~~القسيس والكاهن موحى إليهما بالإلهام الآلهي. # المسيح يذهل القوم الحسيين ويغلبهم على أمرهم، فلا يستطيعون أن يوحدوا بينه وبين ~~التاريخ أو أن يوفقوا بينه وبين أنفسهم. فإذا ما قدسوا بصائرهم وتتطلعوا إلى حياة مقدسة ~~فإن تقواهم تفسر لهم كل حقيقة وكل كلمة. # ما أيسر أن تستأنس العبادات القديمة لموسى وزرادشت ومنو وسقراط نفسها في العقل؛ فإني ~~لا أرى فيها البتة قدما، فهي لي بمقدار ما كانت لهم. # ولقد شهدت الرهبان والنساك الأوائل دون أن أعبر البحار أو القرون. وظهر لي أكثر من ~~مرة رجل عادي مهمل في عمله شديد التأمل، منتفع متعال متعاظم، يتسول باسم الله، كما كان ~~سميون ستيلايت وبثيس والكابوشان الأوائل الذين قدرهم ms073 القرن التاسع عشر. # إن حيل الكهنة في الشرق والغرب، وحيل الماجيان وبراهمان ودرويد وأنكا تفسرها الحياة ~~الخاصة للفرد. إن التأثير الشديد الذي يقع من رجل رسمي متزمت على طفل صغير فيكبت روحه ~~وشجاعته، ويشل تفكيره، ويكون ذلك دون أن يحدث لديه سخطا، دائما يثير الخوف والطاعة ~~فحسب، بل ويثير عطفا شديدا على الظلم - هذا التأثير حقيقة مألوفة تتضح للطفل عندما ~~يصبح رجلا - وذلك عندما يدرك أن من ظلمه في صباه هو نفسه طفل ظلمته تلك الأسماء ~~والكلمات والصور التي كان لتأثيرها مجرد آلة توصل ذلك التأثير للطفل الجديد. وتعلمه ~~الحقيقة كيف كان بلوس يعبد، وكيف بنيت الأهرام، أحسن مما تعلمه كشوف شمبليون لأسماء ~~جميع العمال وتكاليف البناء. كما يجد آشور وتلال شلولا عند بابه، وهو الذي يلقي على ~~نفسه الدروس. # ثم إنه - في ذلك الاحتجاج الذي يصرخ به كل رجل منصف ضد خرافة عصره - يستعيد خطوة خطوة ~~دور المصلحين القدامى، ويجد مثلهم أثناء بحثه وراء الحقيقة مخاطر جديدة تهدد الفضيلة. ~~ويتعلم كذلك أن تطويق الخرافة يتطلب شجاعة أدبية. وأن الإباحية الشديدة تأتي في إثر ~~الإصلاح. وكم مرة حدث في تاريخ العالم أن لوثر العصر قد بكى انهيار التقوى بين آل بيته! ~~قالت زوجة مارتن لوثر له ذات يوم: «كيف كنا يا دكتور نصلي كثيرا وبحرارة شديدة ~~عندما كنا خاضعين للبابوية، في حين أننا اليوم قلما نصلي، فإن فعلنا ففي برودة ~~شديدة؟!» # ويكتشف الرجل الراقي عمق ما يملك في الأدب، في القصص الخرافية كلها وفي التاريخ. ويجد ~~أن الشاعر لم يكن رجلا شاذا عندما وصف مواقف عجيبة ومستحيلة، وأن ذلك الرجل العالمي ~~قد كتب بقلمه اعترافا يصدق على الفرد كما يصدق على الجميع. يجد هذا الرجل الراقي تاريخ ~~حياته الخفي مدونا في سطور مفهومة له بشكل عجيب، وقد كتبت قبل أن يولد، وأنه ليشارك ~~في مغامراته الخاصة حكايات أيسوب الخرافية، وقصص هومر وحافظ وأريستو وشوسر وسكوت واحدة ~~بعد الأخرى، ويحققها برأسه ويديه. # إن أقاصيص الإغريق الجميلة حقائق عالمية؛ لأنها من الخلق ms074 الصحيح للخيال لا من خلق ~~الوهم. ما أكثر المعاني المتنوعة وما أدوم المغزى الذي تنطوي عليه قصة «بروميثيس»! ~~فإنها إلى جانب قيمتها الأولية باعتبارها الفصل الأول من تاريخ أوروبا (فالأسطورة ~~تستر الحقائق الثابتة سترا رقيقا، كاختراع الفنون الآلية، والهجرة إلى المستعمرات) ~~تقدم لنا تاريخ الدين مع شيء من الصلة بإيمان العصور المتأخرة؛ فبروميثيس هو يسوع ~~الأساطير القديمة، هو صديق الإنسان، يقف بين «العدالة» المتعسفة «للأب الأبدي» وجنس ~~الإنسان الفاني، ويتحمل بثبات كل شيء في سبيلهم. ولكن القصة حينما تبعد عن المسيحية ~~الكلفنية وتصور بروميثيس متحديا لجوف، تمثل حالة عقلية تظهر كلما بشرنا بمبدأ ~~الإيمان بالله - مع إنكار الوحي - في صيغة ساذجة موضوعية، حالة عقلية يبدو أنها دفاع ~~الإنسان عن نفسه ضد هذه الأكذوبة، وهي عدم الرضا بما يعتقد فيه الناس من أن الله موجود، ~~والشعور بأن الخضوع لفكرة التقديس أمر شاق، وأنها لتسرق لو استطاعت نار الخالق وتسكن ~~بعيدة منه ومستقلة عنه. إن بروميثيس فنكتس هي القصة الخيالية للشك. وتفصيلات هذه القصة ~~العظيمة تصدق على جميع الأزمنة، كما تصدق على زمانها. ولقد قال الشعراء إن أبولو احتفظ ~~بقطعان أدميتس. إن الآلهة لا تعرف عندما تأتي إلى الناس، ولم يكن كذلك يسوع، ولم يكن ~~كذلك سقراط أو شكسبير. وقد اختنق أنتيوس من قبضة هرقل، ولكنه كلما مس أمه الأرض تجددت ~~قواه. الإنسان هو العملاق المتحطم، وبرغم ضعفه كله، ينتعش جسمه وعقله بتعوده مناجاة ~~الطبيعة. وقوة الموسيقى، وقوة الشعر في نزع الأجنحة من الطبيعة الجامدة أو إلصاقها بها، ~~تفسر لغز أورفيس. والإدراك الفلسفي المتشابه بين الأشياء مهما تعددت أشكالها تجعله يعرف ~~تقلبات بروتيس. ماذا عسى أن أكون غير ذلك، وقد ضحكت أو بكيت بالأمس، ونمت ليلة الأمس ~~كالجثة الهامدة، ثم نهضت هذا الصباح وعدوت. وماذا أرى في أي جانب سوى تناسخ الأرواح ~~لبروتيس؟ إني أستطيع أن أرمز لفكري باستخدام اسم أي مخلوق أو أية حقيقة؛ لأن كل مخلوق ~~إنسان عامل أو عليل. وليس تانتلاس سوى اسم لك ولي. تانتلاس معناها استحالة شرب ms075 مياه ~~الفكر التي تضيء دائما وتتماوج على مرأى من الروح. إن تناسخ الأرواح ليس خرافة. وددت ~~لو كان كذلك ، ولكن الرجال والنساء ليسوا إلا أنصاف بشر. كل حيوان في مخزن الغلال، وفي ~~الحقل، والغابة، وفي الأرض والماء تحت الأرض، حاول أن تكون له قدم وأن يترك آثارها ~~وصورتها في أحد هؤلاء المتكلمين المغتصبين الذين يواجهون السماء. أي أخي! كف عن ~~انكماش روحك، انكماشها إلى الأشكال التي انزلقت في عاداتها عدة سنوات. وكذلك تلك ~~الخرافة القديمة، خرافة ذلك المخلوق العجيب الذي يتكون من رأس إنسان وجسم أسد، ويقال ~~إنه كان يجلس في الطريق ويضع الألغاز لكل من يمر به، فإذا عجز الرجل عن الإجابة ابتلعه ~~حيا، وإن استطاع حل اللغز قتل ذلك المخلوق. وليست حياتنا سوى سرب طويل من الحقائق أو ~~الحوادث! هذه الحوادث تعرض لنا متنوعة تنوعا كبيرا، كل منها يقدم الأسئلة للروح ~~البشرية. وأولئك الرجال الذين لا يستطيعون الإجابة عن حقائق الزمن أو مشكلاته هذه بحكمة ~~عليا يخدمونها؛ فالحقائق تعرقل سيرهم، وتتعسف معهم، وتجعل من رجال العمل اليومي رجالا ~~ذوي حس، الطاعة العمياء للحقائق تطفئ فيهم كل شرارة من ذلك الضوء الذي يجعل الإنسان ~~إنسانا حقا. أما إن كان الإنسان صادقا نحو غرائزه أو عواطفه الأولى، ويرفض تسلط ~~الحقائق عليه، كأنه آت من جنس أعلى، ويتمسك بالروح ويراعي المبادئ، فإن الحقائق تركد ~~مكانها في مرونة وخضوع؛ ذلك لأنها تعرف سيدها، وأقلها شأنا يمجده. # وفي «هلنا» لجيته نلمس الرغبة عينها في أن تصبح كل كلمة شيئا. إنه يقول إن هذه ~~الشخصيات، شيرون وجريفن وفوركياس وهلن وليدا إن هي إلا أشياء، ولها تأثير معين على ~~العقل. ولذلك فهي إلى الآن موجودات أبدية، واقعية اليوم كما كانت في أول أولمبياد. ~~فكر فيها كثيرا، ثم كتب ما رأى بطلاقة، وجسدها في خياله. وإن كانت هذه القصيدة ~~غامضة وهمية كالحلم، إلا أنها أشد جاذبية من القطع التمثيلية، التي تفوقها نظاما لنفس ~~المؤلف؛ وذلك لأنها تخلص العقل بطريقة عجيبة من مألوف الصور المعتادة، وهي توقظ ms076 ما ~~عند القارئ من اختراع ووهم بما تتضمنه من حرية طليقة في التصوير، وما فيها من تتابع ~~متصل من صدمات المفاجأة العنيفة. # إن الطبيعة المطلقة أقوى من طبيعة الشاعر الهينة؛ فهي تمتلك رقبته وتكتب عن طريق يده، ~~وقد يبدو كأنه ينفس عن مجرد خاطرة طارئة وخيال جامح وهو في الواقع يخرج قصة رمزية ~~دقيقة. ولذا قال أفلاطون: «إن الشعراء ينطقون عن أشياء عظيمة وحكيمة لا يفقهونها هم ~~أنفسهم.» وكل قصص العصور الوسطى الخيالية يمكن تفسيرها على أنها تعبير مستتر أو فكاهي ~~عما كان العقل في تلك العصور يعمل جاهدا لتحصيله في جد رزين. والسحر كل ما ينسب إليه ~~إحساس داخلي عميق بقوى العلم. وحذاء السرعة، والسيف الحاد، والقدرة على إخضاع عناصر ~~الطبيعة، واستخدام المزايا الخفية للمعادن، وفهم أصوات الطيور، كل أولئك جهود عقلية ~~غامضة في اتجاه سليم. وبسالة البطل الخارقة للطبيعة، وهبة الشباب الدائم، وما إلى ذلك، ~~هي كذلك محاولة الروح البشرية «أن تخضع مظاهر الأشياء لرغبات العقل». # وفي برسفرست وإمادس دي جول يزدهر الإكليل والزهر على رأس من يؤمن، ويذوي على جبين من ~~يتردد. وفي قصة الولد والعباءة، قد يدهش حتى القارئ الناضج ويخالجه وميض من السرور ~~البريء لانتصار جنلاس المهذب، وفي الحق إن كل ما تفترضه أقاصيص الجن - من أنها لا تحب ~~أن يذكر لها اسم، وأن مواهبها متقلبة لا يوثق فيها، وأن من يبحث عن كنز ينبغي له ~~ألا يتكلم، وما إلى ذلك - كل ذلك أجده صادقا في كنكورد، مهما يكن أمره في كورنوول أو ~~بريتانيا. # فهل الأمر على خلاف ذلك في أحدث القصص الخيالية؟ لقد قرأت «عروس لامرمور». ووجدت أن ~~السير وليم آشتن قناع للإغراء الشعبي، و«رافنزوود كاسل» اسم جميل للفقير المتكبر، وأن ~~إرسالية الدولة الأجنبية هي كزي بنيان الذي تنكر فيه كي يعمل عملا خالصا. كلنا ~~نستطيع أن نستفز العجل المتوحش الذي يلقي بالخير والجمال أرضا، وذلك بأن نصرع ~~الظالمين والشهوانيين. ولوس آشتن اسم آخر للإخلاص، الذي يتصف بالجمال دائما ويتعرض في ~~هذه الدنيا للمصائب ms077 دائما. # وإلى جانب تاريخ الإنسان المدني والميتافيزيقي يسير كل يوم تاريخ آخر إلى الأمام. هو ~~تاريخ العالم الخارجي ، ليس الإنسان فيه بأقل اشتباكا وتلاصقا؛ فالإنسان هو خلاصة ~~الزمن، وهو متصل العلاقة بالطبيعة، وتنحصر قدرته في كثرة علاقاته، أو في أن حياته ~~مشتبكة بسلسلة الكون العضوي وغير العضوي كلها. كانت الطرق العامة في روما القديمة تبدأ ~~عند فورم وتسير شمالا وجنوبا وشرقا وغربا إلى مركز كل إقليم من أقاليم ~~الإمبراطورية، فتجعل كل مدينة تجارية في بلاد الفرس وإسبانيا وبريطانيا سهلة الاقتحام ~~لجند العاصمة، وكذلك فإن الوشائح تخرج من القلب البشري إلى قلب كل شيء في الطبيعة، كي ~~تخضعه لسلطان الإنسان. الإنسان مجموعة من العلاقات، أو عقدة من الجذور، العالم زهرتها. ~~ومواهبه تشير إلى طبائع خارجة عنه، وتنبئ بالعالم الذي يسكنه، كما تتوقع زعانف السمكة ~~وجود الماء، أو تفترض أجنحة النسر في البيضة وجود الهواء. إنه لا يستطيع أن يعيش بغير ~~عالم. ضع نابليون في سجن جزيرة، ولا تدع مواهبه تلتقي بإنسان يؤثر فيه، أو بجبال كجبال ~~الألب يتسلقها، أو خطر يستهدف له، إذا فعلت به ذلك ضرب الهواء وبدا عليه الغباء. أما ~~إن نقلته إلى أقطار فسيحة وشعب كثيف، وأمور معقدة يهتم بها، وقوى معادية، وجدت أن ~~نابليون الرجل الذي يحده شكل الوجه وهيئة الجسم ليس نابليون الحقيقي، إنما ذلك شبح ~~تالبوت الذي قيل عنه في مسرحية هنري السادس: # إن مادته ليست هنا؛ # لأن ما ترون ليس سوى أدنى الأجزاء، # وأصغر نصيب من الإنسانية. # ولو كان الهيكل كله هنا # لوجدتم أن ارتفاعه ضخم جسيم، # لا يكفي سقفكم أن يحتويه. # إن كولمبس يحتاج إلى كوكب يرسم طريقه فيه. ويحتاج نيوتن ولابلاس إلى آلاف العصور ~~ومساحات سماوية منشورة. وتستطيع أن تقول إن النظام الشمسي ذا الجاذبية تنبأت به من قبل ~~طبيعة عقل نيوتن. وليس بأقل من ذلك ذهن ديفي أوجاي لوساك، الذي أخذ منذ الطفولة يكشف ~~أسباب التقارب والتباعد بين الجزئيات، فتنبأ بقوانين النظام. ألا تتنبأ بالضوء عين ~~الجنين البشري؟ ألم تتنبأ أذن ms078 هاندل بسحر الصوت المنسجم؟ ألم تتنبأ الأصابع المنشئة ~~لوت وفولتن وهوتمور وآر كرايت بطبائع المعادن الصلبة والتي تنصهر والتي تلين، وخواص ~~الحجر والماء والخشب؟ وألا تنبئ الصفات الطيبة للفتاة الصغيرة العذراء بما يصل إليه ~~المجتمع المدني من تهذيب وبهاء. وهنا كذلك يجب أن نذكر فعل الإنسان بالإنسان؛ فالعقل قد ~~يتدبر بفكره عصورا ولا يظفر بمعرفة نفسه بمقدار ما تعلمه عاطفة الحب في يوم واحد. من ~~ذا الذي يعرف نفسه قبل أن يثور سخطه على انتهاك الحرمات، أو يستمع إلى لسان فصيح، أو ~~ينبض قلبه مع ألوف الناس في فرح أو ذعر قومي؟ لا يستطيع إنسان أن يتنبأ بخبرته، أو أن ~~يتكهن بالقدرة العقلية أو الشعور الذي يتفتح لشيء جديد، لا يستطيع ذلك أكثر مما يستطيع ~~أن يرسم اليوم وجه إنسان سوف يراه في الغد لأول مرة. # ولن أذهب الآن وراء الرأي العام كي أكشف عن علة هذه المناظرة. ويكفي أن يقرأ التاريخ ~~ويكتب في ضوء هاتين الحقيقتين، وهما أن العقل واحد والطبيعة تناظره. # ومن ثم فإن الروح تتركز وتخرج كنوزها لكل طالب بكل الطرق، ويمر الطالب كذلك ~~بدورة التجارب كلها، ويجمع في بؤرة واحدة أشعة الطبيعة. فلا يصبح التاريخ بعد ذلك ~~كتابا مملا، بل يسير مجسدا في كل رجل عادل حكيم. ولا تخبروني باللغات والعناوين ~~عن بيان المجلدات التي قرأتموها، بل اجعلوني أحس أي العصور عشتم. سوف يكون الإنسان ~~معبدا لآلهة الشهرة، يسير - كما وصف الشعراء تلك الآلهة - في رداء صورت في جميع ~~أنحائه الحوادث والتجارب العجيبة. سوف تصبح هيئته وملامحه بذكائها البالغ ذلك الرداء ~~المزركش. سوف أجد فيه ما قبل الدنيا، وفي طفولته العصر الذهبي، وتفاح المعرفة، ورحلات ~~أرجونوت، ونداء إبراهيم، وبناء المعبد، وظهور المسيح، والعصور المظلمة، وإحياء الآداب، ~~والإصلاح الديني، واكتشاف البلاد الجديدة، وفتح علوم جديدة ومناطق جديدة في الإنسان. ~~سوف يكون الإنسان قسيس بان، ويجلب معه إلى الأكواخ المتواضعة بركة نجوم الصباح وكل ما ~~عرف من منافع الأرض والسماء. # هل في هذا المطلب شيء من الغرور؟ إذن ms079 لنبذت كل ما كتب؛ لأنه لا فائدة في ادعاء ~~المعرفة لما لا نعرف. ولكنه الضعف في قدرتنا على التعبير الذي لا يمكننا من تأكيد ~~حقيقة دون أن يبدو علينا كأننا نكذب غيرنا. إنني لا أقدر علمنا الفعلي إلا قدرا ~~رخيصا. استمع إلى الفيران في الحائط، وانظر إلى الضب فوق السور، وإلى الطحلب تحت قدمك، ~~وإلى حشائش البحر فوق الكتل الخشبية. ماذا أعرف عن هذه العوالم الحيوية معرفة فيها عطف ~~ولها مغزى؟ منذ الإنسان القوقازي - وربما أقدم من ذلك - كانت هذه المخلوقات تمد هذا ~~الإنسان بالمعرفة، ولكن ليس هناك سجل لأية كلمة أو إشارة مما انتقل منها إليه. أية ~~علاقة تفصح عنها الكتب بين الخمسين أو الستين عنصرا كيمائيا، وبين حقب التاريخ؟ ~~بل ماذا يسجل التاريخ حتى الآن عن التاريخ الميتافيزيقي للإنسان؟ وأي ضوء يلقيه على تلك ~~الألغاز التي نخفيها تحت اسم الموت والخلود؟ ومع ذلك فإن كل تاريخ ينبغي أن يكتب ~~بحكمة تقدر علاقة الإنسان بغيره من الأشياء حق قدرها وتنظر إلى الحقائق كرموز. وإني ~~ليخجلني أن أرى أن ما نسميه التاريخ ليس سوى قصة قروية تافهة. كم مرة ينبغي لنا أن نذكر ~~روما وباريس والقسطنطينية! ماذا تعرف روما عن الفأر والضب؟ وماذا تكون الأولمبياد ~~والقنصليات إذا قيست إلى نظم الكائنات التي تجاورنا؟ بل وأي طعام أو خبرة أو معونة ~~تقدمها هذه الأشياء لصائد العجل البحري من الإسكيمو، أو لكتاكا في الزورق، أو لصائد ~~السمك، أو لعمال الشحن والتفريغ في السفن، أو للحمالين؟ # إنما ينبغي أن نكتب تاريخنا في صورة أشمل وأعمق - فيصدر عن رغبة في الإصلاح الخلقي، ~~وعن تدفق الضمير الأزلي والأبدي - إن أردنا أن نعبر في صورة أصدق عن طبيعتنا ~~الأساسية ذات العلاقات المتشعبة، بدلا من هذه الصورة العتيقة لسرد وقائع الأنانية ~~والكبرياء التي أعرناها أنظارنا مدى طويلا. هذا اليوم ماثل أمامنا فعلا، ويشرق علينا ~~على غير انتظار، ولكن طريق العلم والأدب لا يؤدي إلى الطبيعة. إن الأبله، والهندي، ~~والطفل، وابن الفلاح الذي لم يتعلم في مدرسة، أقرب ms080 في موقفهم إلى الضياء الذي تطالع ~~فيه الطبيعة من ذلك الذي يحلل الآثار القديمة. # | الاعتماد على النفس # لا تجشم نفسك مشقة البحث فيما وراءها. # الإنسان نجم نفسه؛ # والروح التي تستطيع أن تخلق إنسانا أمينا كاملا، # تسيطر على كل ضوء، وكل أثر، وكل مصير؛ # ليس هناك لهذا الإنسان ما يقع مبكرا أو متأخرا. # إنما فعالنا ملائكتنا، طيبة أو خبيثة، # وهي ظلالنا المحتومة التي تسير إلى جوارنا أبدا. # مقدمة «نصيب الإنسان الأمين» لبومنت وفلنتشر ~~*** # ألق الطفل الرضيع فوق الصخور، # وأرضعه من ثدي أنثى الذئب؛ # ودعه يقضي الشتاء مع الصقر والثعلب، # تدب القوة في يديه والسرعة في قدميه. # قرأت ذات يوم قريب بعض أبيات من الشعر كتبها مصور مشهور فوجدتها أصيلة لا أثر للتقليد ~~فيها. والروح دائما تستمع إلى العبرة والموعظة في مثل هذه الأبيات مهما يكن موضوعها. ~~والعاطفة التي تمليها أعظم قيمة من أية فكرة قد تحتويها. إن العبقرية هي أن تعتقد في ~~رأيك، وأن تعتقد أن ما هو صادق في قلبك الخاص صادق لجميع الناس. انطق بعقيدتك الخفية ~~تكن هذه العقيدة قولا معقولا للعالم أجمع؛ لأن الباطن يصبح ظاهرا حينما يحين الحين، ~~يوم ينفخ في الصور يذكر كل امرئ ما قدمت يداه. إن أكبر فضل نعزوه إلى موسى وأفلاطون ~~وملتن، هو أنهم أهملوا الكبت والتقاليد كل الإهمال، ونطقوا بما دار في خلدهم لا بما دار ~~في خلد الناس، كل وفق ما أملاه عليه عقله. يجب على المرء أن يتعلم أن يلاحظ ويرقب ذلك ~~الشعاع من الضوء الذي يومض في ذهنه من الداخل، أكثر مما يرقب بريق السماء التي يحلق ~~فيها الشعراء والحكماء. ولكن المرء مع ذلك ينبذ رأيه عن غير علم؛ لأنه رأيه الخاص. وإنا ~~لنتبين في كل عمل من أعمال العبقرية آراءنا المنبوذة وتعود إلينا هذه الآراء في نوع من ~~الجلال غريب عنا. إن الأعمال الفنية العظمى تلقي علينا درسا له أثره في نفوسنا، ~~وذلك الدرس هو أننا نتعلم كيف نتمسك بانطباعنا التلقائي في صلابة مشوبة بروح طيبة، ~~وبخاصة عندما ms081 تكون جميع الأصوات في غير جانبنا، وإلا فسوف نجد أن شخصا غريبا سيقول في ~~الغد في حكمة نافذة نفس ما فكرنا فيه وأحسسناه دائما، ونرغم على أن نتقبل في خجل رأينا ~~الخاص صادرا إلينا من غيرنا. # وتمر فترة في تعليم كل فرد يصل فيها إلى الاعتقاد بأن الحسد جهل، والتقليد انتحار، ~~وأنه يجب عليه أن يأخذ نفسه على أنها نصيبه، خيرا كان أو شرا، وأن الدنيا الواسعة قد ~~تكون مليئة بالخير، إلا أن الحبة الواحدة من الحنطة المغذية لا تأتيه إلا عن طريق عمله ~~الذي يهبه قطعة الأرض التي أعطيت له ليفلحها. إن القوة التي تسكن بين جنبيه جديدة في ~~الطبيعة، ولا يعرف أحد سواه ماذا بوسعه أن يعمل، ولا يعرف هو نفسه إلا بعد التجربة. ~~وليس عبثا أن يكون لوجه من الوجوه أو لشخصية أو لحقيقة ما، أثر كبير في نفسه، في حين ~~أن غيرها لا يكون له مثل هذا الأثر. وليس هذا النحت في الذاكرة بغير استعداد ثابت سابق؛ ~~فلقد وضعت العين بحيث يقع عليها الشعاع من الضوء فتستطيع أن تختبر هذا الشعاع المعين. ~~إننا لا نعبر عن أنفسنا إلا نصف تعبير، ونخجل من تلك الفكرة المقدسة التي يمثلها كل ~~منا. ويجب علينا أن نثق آمنين أن هذه الفكرة منسقة تبشر بأطيب النتائج، ولكن الله لا ~~يظهر عمله عن طريق الجبناء. يشعر المرء بالفرج والسرور عندما يضع قلبه في عمله ويبذل ~~قصارى جهده. وما يقوله أو يفعله بغير ذلك لا يريح نفسه. فهذا عمل لا ينقذ صاحبه. وهو في ~~محاولته إياه يفتقد قوى عقله، لا يصادقه الفكر، ولا يحالفه ابتكار أو أمل. # ثق بنفسك: كل قلب ينبض بهذا الرباط الحديدي. وارض بالمكانة التي أوجدتها لك العناية ~~الإلهية، وبمجتمع معاصريك، وبارتباط الحوادث. هذا ما فعله عظماء الرجال دائما؛ فقد ~~أسلموا أنفسهم كالأطفال إلى عبقرية عصرهم، فأوهموا مداركهم بأن الشيء الذي يوثق فيه كل ~~الثقة مستقر في قلوبهم، يعمل عن طريق أيديهم ويسود كيانهم كله. ونحن اليوم رجال، ويجب ~~أن ms082 نقبل لعقولنا الكبيرة هذا الحكم الإلهي نفسه الذي يفوق الإدراك. لسنا صغارا مرضى في ~~زاوية محمية، ولسنا جبناء نفر من الثورة. وإنما نحن مرشدون ومخلصون ونافعون، نخضع لما ~~يبذله العلي العظيم، ونتقدم فوق الفوضى وفوق الظلام. # أي دليل قوي ذلك الذي تقدمه لنا الطبيعة تعزيزا لهذا الرأي، في وجه الأطفال والرضع - ~~بل والوحوش - وسلوكهم! هؤلاء لا يملكون ذلك العقل المنقسم العصي، ذلك الإنكار للعاطفة؛ ~~لأن حسابنا قد قدر القوة والوسائل التي تعترض أغراضنا. ولما كان عقلهم كلا، فإن عينهم ~~لم تقهر بعد، وعندما نتطلع إلى وجوههم تتبلبل خواطرنا. الطفولة لا تخضع لأحد، بل الكل ~~يخضع لها، ولذا فالرضيع الواحد يساوي أربعة أو خمسة من الراشدين الذين يرغون ويلعبون ~~معه، وبدرجة لا تقل عن ذلك سلح الله الشباب والمراهقة والرجولة بحدتها وفتنتها، وجعلها ~~محسودة جليلة، لا تهمل مطالبها إذا وقفت وحدها. لا تحسب أن الشباب لا قوة له؛ لأنه لا ~~يستطيع أن يتحدث إليك أو يتحدث إلي. أنصتوا! إن صوته في الغرفة المجاورة واضح مؤكد ~~بدرجة كافية. يبدو أنه يعرف كيف يتحدث إلى معاصريه، فإن كان خجولا أو مقداما إذن ~~فلسوف يعرف كيف يستغني عنا نحن الذين نكبره. # إن استهتار الصبية الواثقين من غدائهم، والذين يزدرون - كما يزدري السادة - أن يعملوا ~~أو يقولوا شيئا يسترضون به أحدا، هو الموقف الصحيح للطبيعة البشرية. الصبي في غرفة ~~الاستقبال كالمتفرج في ساحة المسرح: مستقل غير مسئول، ينظر من زاويته إلى الأشخاص ~~والوقائع الذين يمرون به، فيفحصهم ويحكم عليهم بما يستحقون بطريقة الأطفال السريعة ~~الموجزة، فهم طيبون أو خبيثون، أو شائقون أو مملون، أو فصحاء، أو متعبون. ولا يعرقل ~~نفسه البتة بالنتائج أو المنافع، وإنما يصدر حكما مستقلا صادقا. ويجب عليك أن ~~تتملقه، فهو لا يتملقك. ولكن كأن وعي الإنسان قد أودع هذا الإنسان سجنا. فبمجرد ما ~~يعمل أو يتكلم بشكل يبهر الأبصار، يمسي شخصا مسئولا، ترقبه المئات بعطفها أو مقتها، ~~المئات التي يقيم الآن لمحبتهم وزنا. وليس له عن ذلك معدى. آه لو استطاع ms083 أن يرتد ثانية ~~إلى حيدته! ومن ثم فإن من يستطيع أن يتحاشى كل ارتباط، ويلاحظ مرة أخرى - بعدما ~~لاحظ أولا - بنفس السذاجة التي لم تتأثر ولم تنحز ولم ترتش ولم تخش شيئا، مثل ذلك ~~الرجل لا بد أن يكون جليلا دائما. إنه ينطق بآرائه في كل ما يمر به من أمور. ولما ~~كانت هذه الآراء لا ترى كأنها خاصة، وإنما ضرورية، فإنها تهبط كالسهام في آذان الناس، ~~وتشيع الذعر في نفوسهم. # تلك هي الأصوات التي نصغي إليها في عزلتنا، ولكنها تنخفض ولا تسمع عندما ندخل العالم. ~~فالمجتمع في كل مكان يتآمر ضد رجولة كل فرد من أعضائه. المجتمع شركة مساهمة يتفق ~~أعضاؤها - لحسن ضمان الخبز لحامل السهم - على أن يتنازل الآكل عن حريته وثقافته. ~~والفضيلة في أكثر الأمور هي الانسجام مع الآخرين، ولكن الاعتماد على النفس على نقيض ~~ذلك، وهي لا تحب الحقائق والرجال المبدعين، ولكنها تحب الأسماء والعادات. # ومن أراد أن يكون رجلا ينبغي أن ينشق على السائد المألوف. ومن يحب أن يجمع ثمر ~~النخيل الخالد ينبغي ألا يعوقه ما يسميه الناس خيرا، بل يجب عليه أن يكتشف إن كان ذلك ~~خيرا حقا. لا شيء في النهاية مقدس سوى نزاهة عقلك، حرر نفسك لنفسك يؤيدك العالم. ~~أذكر إجابة دفعت وأنا صغير جدا إلى أن أجيب بها على ناصح له قيمته اعتاد أن يلحف ~~علي بمبادئ الكنيسة القديمة العزيزة. عندما كنت أقول ما لي ولقداسة التقليد إذا كنت ~~أعيش كل حياتي من الداخل؟ اقترح صاحبي قائلا: «ولكن هذه الدوافع قد تكون سفلية لا ~~علوية.» فأجبت بقولي: «إنها لا تبدو لي كذلك، ولكني إن كنت ابن الشيطان، فسوف أعيش إذن ~~عيشة الشيطان.» ليس عندي قانون مقدس سوى قانون طبيعتي. الخير والشر اسمان يمكن في سهولة ~~شديدة أن ينتقلا إلى هذا أو ذاك. والشيء الوحيد الصحيح هو ما يتبع تكويني، والشيء ~~الوحيد الخطأ هو ما يقاومه. وعلى المرء أن يثبت أمام كل معارضة، كأن كل شيء اسمي زائل ~~ما عداه. وإنه ليخجلني ms084 أن أرى كيف يسهل علينا أن نستسلم للشارات والأسماء وللمجتمعات ~~الكبيرة والنظم البائدة. كل فرد دمث الأخلاق، حلو الحديث، يؤثر في نفسي ويستميلني أكثر ~~مما ينبغي. يجب أن أسير معتدلا حيا، وأن أنطق بالحق الصراح بكل وسيلة. وإذا ارتدى ~~الحقد والغرور ثياب حب البشر، فهل يجوز علينا ذلك؟ وإذا تحمس متعصب غاضب لأية قضية، ~~فلماذا لا أقول له: «اذهب، كن ذا طبيعة طيبة ومتواضعا. كن فاضلا، ولا تلون مطامعك ~~الجامدة الجافية بهذا العطف الكاذب.» هذه التحية خشنة لا رقة فيها، ولكن الحق أجمل من ~~التظاهر بالحب. يجب أن يكون للخير عندك حافز - وإلا فهو لا شيء - يجب أن نبشر بمبدأ ~~كراهية الفاسد الزائف، نقابل به مبدأ الحب إذا نضب معينه وفترت حرارته. وإني لأتحاشى ~~أبي وأمي وزوجتي وأخي إذا دعاني عقلي إلى ذلك. وإني لأكتب على عتبة الدار: «هذا هواي.» ~~وآمل أن يكون شيئا أحسن من الهوى في النهاية، ولكنا لا نستطيع أن نقضي اليوم في الشرح. ~~ولا تنتظروا مني أن أبين السبب لماذا أبحث عن الرفاق أو لماذا أستبعدهم. وكذلك لا ~~تذكروا لي - كما ذكر اليوم لي رجل طيب - واجبي في رفع مستوى الفقراء. هل هم فقرائي؟ ~~وإني لأقول ذلك يا أيها الرجل الغافل الذي يحب البشر، إني أحقد على الريال وعشر الريال، ~~والسنت الذي أعطيه إلى قوم لا يتعلقون بي ولا أتعلق بهم. هناك طائفة من الناس أباع لهم ~~وأشترى لما بيني وبينهم من قرابة روحية، من أجلهم أذهب إلى السجن إن دعا الداعي. ولكن ~~صدقاتكم المتنوعة العامة، وتعليم الأغبياء في الكليات، وبناء النوادي لغرض التظاهر الذي ~~يتمسك به الآن الكثير، والإحسان للسكارى، وجمعيات الإعانة - التي تعد بالألوف - هذه ~~الجمعيات أعترف في خجل أني أحيانا أضعف وأهبها الدولار، إلا أنه دولار أثيم سوف تكون ~~عندي الرجولة قريبا فأمنعه. # الفضائل في تقدير الشعب هي الاستثناء وليست القاعدة. هناك الرجل وهناك فضائله. يعمل ~~الناس ما يسمى بالفعل الطيب، كعمل فيه شجاعة أو إحسان، كما يدفعون الغرامة يكفرون ~~بها عن عدم ms085 ظهورهم يوميا في الصفوف. يقومون بأعمالهم للاعتذار أو للتخفيف عن حياتهم ~~في الدنيا، كما يدفع العجزة والمجانين أجرا عاليا لإبرائهم؛ ففضائلهم كفارة. ولست ~~أريد أن أكفر، ولكني أريد أن أعيش. حياتي لذاتها وليست للتظاهر. وإني لأوثر جدا أن ~~تكون من مستوى منخفض، لكي تكون صادقة ثابتة، على أن تكون مضيئة ولكنها غير ثابتة. ~~أريدها أن تكون صحيحة حلوة، ليست بحاجة إلى غذاء وإراقة دماء. إني أطلب دليلا مبدئيا ~~على أنك رجل، وأرفض أن يجيبني هذا الرجل إلى مطالبي بفعاله. وأعرف عن نفسي أنه لا فارق ~~عندي إن كنت أؤدي أو أمتنع عن تلك الأفعال التي تعد ممتازة. لا أستطيع أن أوافق على أن ~~أدفع ثمنا لامتياز ما حيث يكون لي حق ذاتي. وقد تكون مواهبي قليلة ووضيعة، ولكني أنا ~~نفسي فعلا، ولست بحاجة إلى شهادة ثانوية لأن أثبت ذلك لنفسي أو أن أثبته ~~لرفاقي. # كل ما يهمني، هو ما ينبغي لي أن أعمله، لا ما يفكر فيه الناس. وهذه القاعدة صارمة، ~~سواء في الحياة الواقعة أو الحياة العقلية. ولذا فهي تصلح لأن تكون تمييزا كاملا بين ~~العظمة والوضاعة. ويزيد هذه القاعدة عسرا أنك تلقى دائما أولئك الذين يظنون أنهم ~~يعرفون واجبك خيرا مما تعرفه أنت. ومن الميسور أن تعيش في الدنيا وفقا لآرائها. ومن ~~الميسور في العزلة أن نحيا وفقا لآرائنا، بيد أن الرجل العظيم هو ذلك الذي يحتفظ ~~وسط الجماهير باستقلال العزلة في سهولة تامة. # والاعتراض على اتباع العادات التي أصبحت ميتة بالنسبة إليك هي أن ذلك يشتت قواك، ~~ويفقرك وقتك، ويمحو أثر شخصيتك. إذا أنت حافظت على كنيسة ميتة، وأسهمت في جمعية إنجيلية ~~ميتة، وأعطيت صوتك مع حزب كبير إما مع الحكومة أو ضدها، وأعددت مائدتك كما يفعل أصحاب ~~البيوت السفلة، فإني تحت كل هذه الستائر أجد مشقة في أن أكشف عن حقيقتك تماما كإنسان. ~~وتحرم حياتك الصحيحة - بطبيعة الحال - من قوة كبرى. ولكنك إن أديت عملك عرفتك وعززت ~~نفسك. ينبغي لك أن تدرك أنك كالأعمى حينما تلعب ms086 دور التبعية لغيرك. إذا عرفت طائفتك ~~توقعت جدلك. وإني لأستمع إلى الواعظ يعلن أن مادته وموضوعه هما من مستلزمات نظام من ~~النظم الخاصة بكنيسته. أفلا أعرف مقدما أنه لا يستطيع أن يقول كلمة جديدة من تلقاء ~~نفسه؟ أفلا أعرف أنه لا يفعل ذلك، برغم كل ذلك التظاهر بفحص أسس هذا النظام؟ وألا أعرف ~~أنه عاهد نفسه ألا ينظر إلا إلى جانب واحد، وهو الجانب المسموح به، لا كرجل ولكن كقسيس ~~الدائرة الدينية؟ إنما هو محام محافظ، وهذه الهيئة التي يتخذها وهو يعتلي المنصة تظاهر ~~أجوف. ثم إن أكثر الناس قد عصبوا أعينهم بنوع من أنواع المناديل، وربطوا أنفسهم إلى ~~إحدى هذه الشيع الفكرية. هذه التبعية لا تجعلهم مخطئين في قليل من التفصيلات، أو مبدعين ~~لقليل من الأكاذيب، ولكن مخطئين في التفصيلات كلها. كل ما لديهم من صدق ليس صادقا ~~تماما. والاثنان عندهم ليسا الاثنين الحقيقيين، وأربعتهم ليست الأربعة الحقيقية، ولذا ~~فإن كل كلمة ينطقون بها تضايقنا، ولا نعرف من أين نبدأ كي نقومهم، وفي الوقت عينه لا ~~تتوانى الطبيعة في إمدادنا بزي السجن الذي يرتديه الحزب الذي ننتمي إليه. إننا نبدو في ~~ملامح وأشكال متشابهة، ونحصل تدريجا على أصدق ملامح الغباء. وهناك بنوع خاص تجربة ~~قاتلة لها أثرها الملحوظ في التاريخ العام، وأعني بها «ناحية الإطراء السخيفة»، تلك ~~الابتسامة المفتعلة التي تبدو علينا في صحبة الجماعة حينما لا نشعر بالراحة عندما نجيب ~~على حديث لا يشوقنا. إن العضلات حينئذ لا تتحرك حركة تلقائية، وإنما يحركها تعمد غاصب، ~~فتتصلب في خطوط الوجه، وتحدث إحساسا لا يرغب البتة فيه. # إن الدنيا تضربك بسياط الغم إذا أنت لم تسر في الركب. ولذا فمن واجب المرء أن يتعلم ~~كيف يجابه الوجوه المريرة؛ فالمتفرجون ينظرون إليه شزرا في الطريق العام أو في حجرة ~~استقبال الصديق. وإن كان هذا النفور منشؤه ازدراء أو مقاومة مثلما لديه فإنه يعود إلى ~~بيته بوجه مكتئب. غير أن وجوه الجماهير المريرة، كوجوهها السمحة، ليس لها سبب عميق، ~~ولكنها تتلبس بها ms087 أو تنزعها وفقا لهبوب الريح أو توجيه الصحف. ومع ذلك فإن سخط الجمهور ~~أشد رعبا من سخط الشيوخ أو الكلية الجامعية. ومن اليسير على رجل حازم يعرف العالم أن ~~يصبر على سخط الطبقات المثقفة، فسخطها محتشم حكيم، فهم جبناء لأنهم هم أنفسهم عرضة ~~للتجريح. ولكن إذا أضيف إلى غضبهم النسوي سخط العامة، إذا أثرت الجاهل والفقير، وإذا ~~أنت وضجت القوى الوحشية غير العاقلة التي تكمن خلف المجتمع، كنت بحاجة إلى اعتياد ~~النخوة وعقيدة الدين، كي تواجهها متألها على أنها من توافه الأمور التي ليس من ورائها ~~خطر. # والفزع الآخر الذي يبعدنا عن ثقتنا بأنفسنا هو ثباتنا على حال واحدة، أو تقديسنا ~~لأعمالنا وأقوالنا الماضية؛ لأن أعين الآخرين ليست أمامها حقائق أخرى تقدر بها مدارنا ~~سوى ماضي فعالنا، ونحن نكره أن نخيب رجاءهم. # ولكن لماذا تبقي على رأسك فوق كتفك؟ ولماذا تحمل عبء ذاكرتك - وكأنك تحمل جثة هامدة ~~- خشية أن تناقض شيئا بحت به في مكان عام؟ هب أنك ناقضت نفسك، ماذا وراء ذلك؟ يبدو أن ~~من قواعد الحكمة ألا تعتمد على ذاكرتك وحدها، حتى في أفعال الذاكرة البحتة، ولكن يجب أن ~~تزج بالماضي في أحكامك وسط الحاضر الذي يملك ألف عين، وتعيش دائما في يوم جديد. إنك في ~~عقائدك الميتافيزيقية قد أنكرت الشخصية للإله، ومع ذلك فعندما تأتي الحركة المقدسة ~~للروح، استسلم لها بقلبك وحياتك، حتى إن أكسبت الإله شكلا ولونا، وتخل عن نظريتك ~~كما تخلى يوسف عن قميصه في يد العاهرة، ثم اهرب. # إن الثبات السخيف على رأي واحد هو غول العقول الصغيرة، الذي يقدسه صغار السياسيين ~~والفلاسفة ورجال الدين. أما الروح العظيمة فليس لها البتة شأن بهذا الثبات. وإلا ~~فكأنها تأبه لظلها فوق الحائط. انطق بما تفكر فيه الآن في ألفاظ قوية، وانطق غدا بما ~~تفكر فيه غدا في ألفاظ قوية كذلك، حتى إن ناقض كل ما قلته اليوم - وإذن فثق أنك سوف ~~يساء فهمك - وهل من شر الأمور أن يساء فهمك؟ لقد أسيء فهم فيثاغورس، وكذلك سقراط ms088 ~~ويسوع ولوثر وكوبرنكس وغاليليو ونيوتن وكل روح طاهرة عاقلة، تجسدت. لكي تكون عظيما لا ~~بد أن يساء فهمك . # لست أحسب أن أحدا من الناس يستطيع أن يناقض طبيعته. وكل نزوات الإرادة عند الإنسان ~~محاطة بقانون وجوده، كما أن التواءات الإنديز والهملايا تافهة في استدارة الكرة ~~الأرضية. ولا يهم كيف تقيس المرء أو تختبره. الشخصية تشبه الموشح العبري المعكوس أو ~~الموشح الإسكندري، إن قرأته إلى الأمام أو إلى الوراء أو عرضا فإن هجاءه لا يتغير. ~~وفي هذه الحياة السارة المحدودة الجامدة التي وهبني الله إياها، دعني أسجل كل يوم آرائي ~~المخلصة دون نظر إلى المستقبل أو إلى الماضي، ولست أشك في أنها سوف تكون متناسبة حتى إن ~~لم أقصد إلى ذلك وإن لم أدركه. يجب أن ينم كتابي عن رائحة الصنوبر وأن يرن بصدى طنين ~~الحشرات. والسنوسوة التي فوق نافذتي يجب أن تسهم بالخيط أو بالقش الذي تحمله في منقارها ~~في نسيجي كذلك. يجب أن يرانا الناس على حقيقتنا؛ فإن ما تعلمه الشخصية فوق ما تمليه ~~الإرادة. ويتصور الناس أنهم يظهرون فضائلهم ورذائلهم بالعمل العلني فقط، ولا يدركون أن ~~الفضيلة والرذيلة ترسل الأنفاس في كل لحظة. # ولا بد أن يكون هناك اتفاق في الأعمال مهما تنوعت، حتى يكون كل منها صادقا وطبيعيا ~~في ساعته؛ لأن الأفعال التي تصدر عن إرادة واحدة تتسق مهما بدت متباينة. وهذا التنوع لا ~~يرى عن كثب أو على ارتفاع قليل من الفكر؛ فهناك اتجاه واحد يوحد بينها جميعا. إن رحلة ~~أحسن السفن خط متعرج في مائة اتجاه. انظر إلى الخط من بعد كاف يستقم في متوسط اتجاهه. ~~إن عملك الصادق يفسر نفسه، كما يفسر أعمالك الصادقة الأخرى، ولكن تبعيتك لا تفسر شيئا. ~~اعمل بمفردك، وما عملته حتى الآن بمفردك يبررك الآن. إن العظمة تنظر إلى المستقبل. ولو ~~استطعت أن أثبت اليوم ثبوتا كافيا على فعل الصواب، وازدريت الأعين، فلا بد أن أكون قد ~~فعلت صوابا كثيرا فيما مضى أدفع به عن نفسي اليوم. ومهما يكن من ms089 شيء فعليك أن تفعل ~~الصواب الآن. احتقر المظاهر دائما، وإنك لتستطيع ذلك دائما. إن قوة الشخصية قوة ~~متجمعة . كل ما انقضى من أيام الفضيلة يفعل فعله الصحيح في ذلك. ما الذي يكسب أبطال مجلس ~~الشيوخ وأبطال الميدان جلالهم الذي يملأ الخيال؟ هو الإحساس بسلسلة من الأيام العظيمة ~~والانتصارات القديمة. إنها تلقي ضوءا متحدا على الرجل العامل الذي يتقدم الناس، وكأن ~~حرسا ظاهرا من الملائكة يحدوه، وذلك هو ما يلقي الرعد في صوت تشاتهام، والكرامة في ~~مسلك واشنجتن، وما يلقي بأمريكا في عين آدمز. الشرف مقدس لدينا؛ لأنه لا يتغير بتغير ~~الأيام ولكنه فضيلة أزلية. نعبده اليوم؛ لأنه ليس ابن اليوم. نحبه ونقدم له الولاء؛ لأنه ~~لا يكيد لحبنا وولائنا، ولكنه مستقل استقلالا ذاتيا، مشتق من نفسه، ولذا فهو من ~~سلالة طاهرة قديمة، حتى إن اتصف به شخص صغير السن. # وإني لآمل أن تكون هذه الأيام آخر عهدنا بالتبعية والثبات. ولنسجل هاتين الكلمتين في ~~الجريدة الرسمية ونهزأ بهما بعد الآن. دعنا نستمع إلى صفير المزمار الإسبرطي بدلا من ~~الطبل الذي يدق إيذانا ببدء الغداء. دعنا لا ننحني ولا نعتذر بعد اليوم. إن رجلا ~~عظيما قادم ليأكل في بيتي، فلست أود أن أسره، وإنما أود لو أراد سروري. سوف أقف هنا ~~أمثل الإنسانية، وسوف أجعلها صادقة وإن جعلتها رفيقة. دعنا نعتب على ضعف عصرنا الشديد ~~وقناعته الذليلة، ولنلق في وجه التقاليد والمهنة والعمل الذي تؤديه تلك الحقيقة التي ~~هي مغزى التاريخ، وهي أن هناك مفكرا وعاملا عظيما مسئولا يعمل حيثما يعمل الإنسان، ~~وأن الرجل الصادق لا ينتمي إلى زمان أو مكان آخر، وإنما هو مركز الأشياء. حينما يكون ~~تكون الطبيعة، وهو الذي يقيسك ويقيس الناس والحوادث جميعا. إن كل فرد في المجتمع - ~~عادة - يذكرنا بشيء آخر أو بشخص آخر، ولكن الشخصية، والواقع، لا تذكرك بشيء آخر. إنها ~~تحل محل الخليقة كلها. ويجب أن يبلغ المرء هذا الحد كي يجعل الظروف كلها تافهة. # كل رجل حقيقي سبب، وقطر، وعصر. يحتاج إلى مساحات وإعداد ms090 ووقت لا ينتهي كي ينجز ~~خطته كاملة، ويبدو أن الأجيال القادمة تتبع خطاه كرتل من الأتباع. يولد الرجل القيصر، ~~وبعد ذلك بعدة عصور تكون لدينا الإمبراطورية الرومانية. ويولد مسيح، ثم تنمو ملايين ~~العقول وتلتصق بعبقريته حتى تذهله الفضيلة وما يستطيعه الإنسان. المذهب هو الظل الممتد ~~لرجل واحد، كالرهبانية فهي ظل الناسك أنتوني، والإصلاح الديني ظل لوثر، وطائفة الأصحاب ~~ظل فوكس، والنظامية ظل وزلي، وإلغاء الرق ظل كلاركسون. ولقد سمى ملتن سكبيو «أوج روما». ~~والتاريخ كله يرتد بأسره بسهولة جدا إلى سيرة أشخاص قلائل عظام جادين. # فليعرف الإنسان إذن قيمته، ويجعل الأشياء تحت قدميه. دعه لا يتطلع إلى غيره ولا يسرق ~~ولا يتوارى هنا أو هناك وعليه مسحة الصبي يطلب الإحسان، أو ابن الزنا، أو المتطفل، في ~~العالم الذي يوجد من أجله. ولكن رجل الشارع الذي لا يجد قيمة في نفسه توازن القوة التي ~~شيدت برجا أو نحتت إلها من المرمر، يشعر بالفقر عندما ينظر إلى هذه الأشياء. والقصر ~~أو التمثال أو الكتاب الثمين يبدو له غريبا ممتنعا، كالبضاعة الزاهية، وكأنها تقول ~~له: «من أنت يا سيدي؟» ومع ذلك فكل أولئك له، يتطلب التفاته، ويلتمس من مواهبه أن تبرز ~~لكي تملك. تأتمر الصورة بأمري ولا أأتمر بأمرها، وإنما علي أن أحكم على قيمتها. إن ~~تلك القصة الشائقة التي تقول إن مدمنا من مدمني الخمور وجد مخمورا إلى حد الموت في ~~الطريق، فحمل إلى بيت الدوق، ثم اغتسل وارتدى الملابس واستلقى في سرير الدوق، ولما ~~استيقظ عومل بالاحتفال والخضوع كما يعامل الدوق، وألقي في روعه أنه كان في غير وعيه، ~~هذه القصة تدين بشيوعها إلى أنها ترمز رمزا حسنا إلى حالة الإنسان الذي يكون في ~~الدنيا كأنه مدمن خمر، ولكنه يصحو بين الفينة والفينة، ويمارس عقله، ويجد نفسه أميرا ~~حقا. # إن قراءتنا ضعيفة منافقة. وفي التاريخ يخدعنا خيالنا؛ فالملك والسيادة، والنفوذ ~~والضيعة، كلمات لها بريق ليس للفرد العادي جون أو إدوارد في البيت الصغير وعمل اليوم ~~المألوف. ولكن حاجات الحياة هي بعينها ms091 لكليهما، والمجموع الكلي لكليهما هو عينه، فلماذا ~~إذن كل هذه الرعاية لألفرد وسكاندربج وجستافس؟ هب أنهم كانوا فضلاء ، فهل تحلوا ~~بفضيلتنا؟ إن خطرا عظيما يتوقف على عملك الخاص اليوم، كما كانت لخطواتهم العامة ~~المشهورة خطورتها. عندما يعمل الأفراد بأفكار مبتكرة ينتقل البريق من أعمال الملوك إلى ~~هؤلاء السادة من الأفراد. # لقد تعلمت الدنيا من ملوكها الذين جذبوا أعين الأمم. تعلمت الدنيا من هذا الرمز الضخم ~~الاحترام المتبادل الذي يستحقه الإنسان من أخيه الإنسان. فكما أن الإخلاص الأعمى الذي ~~حمله الناس في كل مكان للملك أو النبيل أو المالك العظيم، فسمحوا له أن يسير بينهم ~~بقانون من وضعه، وأن يعمل للناس والأشياء مقياسا من عنده، ويقلب مقاييس غيره، ولا ~~يدفع ثمنا للمنافع مالا وإنما يدفع شرفا، ويمثل القانون في شخصه، ذلك الإخلاص كان ~~الرمز الهيروغليفي الذي تبين به الناس في شيء من الغموض ما لهم من حق وقيمة، فتبينوا حق ~~كل إنسان. # إن الجاذبية التي يتصف بها كل عمل مبتكر يمكن تفسيرها عندما نبحث في علة الثقة ~~بالنفس. من هو صاحب هذه الثقة؟ وما هي هذه النفس الأصيلة التي نعتمد عليها في كل شيء؟ ~~وما طبيعة وما نفوذ ذلك النجم الذي حير العلم، والذي لا يتغير، والذي يخلو من العناصر ~~التي يمكن حسابها، ذلك النجم الذي يرسل شعاعا من الجمال حتى إلى الأعمال التافهة ~~الفاسدة، إن بدت عليها أقل علامة من علامات الاستقلال؟ إن البحث يهدينا إلى ذلك المنبع، ~~الذي هو لب العقل، وجوهر الفضيلة والحياة في وقت واحد، الذي نسميه التلقائية أو ~~الغريزة. إننا ندعو هذه الحكمة الأولى ب «البداهة»، في حين أننا نسمي كل ما عرفنا بعد ~~ذلك ب «التعاليم». في تلك القوة العميقة - وهي القوة الحقيقية النهائية التي لا تخضع ~~للتحليل - تجد كل الأشياء أصلها المشترك؛ لأن الإحساس بالوجود الذي يظهر في ساعات ~~الهدوء في الروح بطريقة لا نعرفها، ذلك الإحساس لا يختلف عن الأشياء، أو المكان أو ~~الضياء، أو الزمان، أو الإنسان، ولكنه يتحد مع هذه الأشياء، ms092 ومن الواضح أنه يخرج من ~~المصدر عينه الذي خرجت منه الحياة والوجود. إننا في أول الأمر نشارك الأشياء حياتها ~~التي توجد بها، ثم نراها بعد ذلك مظاهر في الطبيعة وننسى أننا قاسمناها علتها، هنا مصدر ~~العمل والفكر. هنا الرئتان لذلك الإلهام الذي يهب الإنسان الحكمة، والذي لا يمكن إنكاره ~~إلا مع الإلحاد والكفر أننا ننطوي تحت ذكاء عام نتقبل حقيقته، ولسنا سوى أعضاء لنشاطه. ~~وحينما نتبين العدالة أو نتبين الصدق لا نعمل شيئا بأنفسنا، ولكنا نفسح السبيل لأشعته. ~~فإن سألنا من أين يأتي هذا، وإن أردنا أن نمحص الروح التي كانت السبب، شطحت بنا الفلسفة ~~عن الصواب. إن وجوده أو غيابه هو كل ما نستطيع أن نؤكده. وكل إنسان يميز بين أعمال عقله ~~الإرادية ومدركاته اللاإرادية، ويعرف أن أعماله اللاإرادية جديرة بالإيمان الكامل. ~~إنه قد يخطئ في التعبير عنها، ولكنه يعرف أن هذه الأشياء هي كذلك، كالليل والنهار، لا ~~جدال فيها. إن تحصيلي وأعمالي المقصودة ليست إلا عابرة. إن أسخف الأحلام، وأضعف العواطف ~~الطبيعية، تستحق مني البحث والتقدير. ولكن الذين لا يفكرون يناقضون ما تقرره الحواس كما ~~يناقضون ما تقرره الآراء، بل هم أقرب إلى مناقضة ما تقرره الحواس؛ ذلك لأنهم لا يفرقون ~~بين الحس والرأي. إنهم يتوهمون أنني أختار رؤية هذا الشيء أو ذاك. بيد أن الحس لا ~~يخضع للأهواء، وإنما هو حتمي. إن أنا رأيت خاصة من الخواص، رآها أطفالي من بعدي، ثم ~~رآها الناس جميعا بمرور الزمن، حتى إن حدث أن أحدا لم ير تلك الخاصة من قبلي؛ ذلك لأن ~~إحساسي بها حقيقة واقعة كالشمس. # إن العلاقات بين روح الإنسان والروح المقدس مباشرة، وحرام علينا أن نقيم بينهما ~~الوسائط. إن الله عندما يتكلم لا يتصل بشيء واحد، إنما يتصل بجميع الأشياء. إنه يملأ ~~الدنيا بصوته، وينشر النور في الطبيعة والزمان والأرواح من مركز الفكرة الراهنة، ويعيد ~~تاريخ كل شيء ويعيد خلق كل شيء. وعندما يكون العقل ساذجا، ويتقبل الحكمة الإلهية، تزول ~~الأشياء القديمة، فتسقط الوسائل والمعلمون والنصوص ms093 والمعابد؛ فهو يعيش الآن ويتشبع ~~بالماضي والمستقبل في الساعة الراهنة، ويصبح كل شيء مقدسا باتصاله به، لا فرق بين شيء ~~وشيء. كل الأشياء تعود إلى مركزها بعلتها، كما تختفي المعجزات الصغيرة الخاصة في زحمة ~~المعجزة المطلقة. ولذا فإذا زعم إنسان أنه يعرف الله ويتكلم عنه، ويعود بك إلى مصطلحات ~~أمة قديمة بالية في بلد آخر، أو في عالم آخر، فلا تصدقه. هل بذرة البلوط خير من شجرة ~~البلوط، والشجرة هي كمال البذرة وتمامها؟ وهل الوالد خير من الطفل الذي أودعه كيانه ~~الناضج. من أين إذن جاءت هذه العبادة للماضي؟ إن القرون تتآمر ضد صحة الروح وسلطانها. ~~وليس المكان والزمان سوى ألوان فيزيقية تخلقها العين، ولكن الروح ضياء، حيث تكون يكون ~~النهار، وحيث كانت يكون الليل. وليس التاريخ إلا سفاهة وأذى إذا زاد على أن يكون قصة ~~وجودي ومصيري أو مغزاهما. # الإنسان جبان يلتمس المعاذير. إنه لم يعد مستقيما، ولا يجرؤ أن يقول «إني أفكر» أو ~~«أنا أكون»، وإنما يعيد ما قاله قديس أو حكيم معين، إنه يخجل أمام ورقة العشب أو الزهرة ~~اليانعة. وهذه الورود تحت نافذتي لا تشير إلى ورود سابقة أو إلى ورود أحسن منها، إنما ~~هي كما هي ليس لها زمان. هناك الوردة فقط، وهي كاملة في كل لحظة من لحظات وجودها. وقبل ~~أن تتفتح الأكمام تكون حياتها كلها دائبة في حركة، لا تزيد شيئا عندما تصبح زهرة ~~يانعة، ولا ينقص عنها في شيء الجذر الذي لا ورق له. طبيعتها مكتفية بذاتها، وهي تكفي ~~الطبيعة، في كل لحظة على السواء. ولكن الإنسان ينظر إلى المستقبل أو يتذكر الماضي، لا ~~يعيش في الحاضر، ولكنه بعين مرتدة يبكي الماضي، أو لا يلتفت إلى الكنوز التي تتحوطه، ~~فيقف على أطراف أصابعه كي يتنبأ بالمستقبل. إنه لا يستطيع أن يكون سعيدا قويا حتى ~~يعيش هو كذلك مع الطبيعة في الحاضر، فوق الزمان. # يجب أن يكون ذلك واضحا وضوحا كافيا. ولكن انظر إلى العقول القوية تجد أنها لم تجرؤ ~~بعد على الإصغاء ms094 إلى الله نفسه، إلا إذا تكلم بألفاظ داود وأرميا وبولس وغيرهم. يجب ألا ~~نقيم دائما وزنا كبيرا لنصوص قليلة أو حيوات قليلة. نحن كالأطفال الذين يرددون من ~~الذاكرة عبارات العجائز والمربين، كما يرددون كذلك عندما يكبرون عبارات ذوي المواهب ~~والشخصيات الذين يقابلونهم مصادفة، ويجهدون أنفسهم لكي يذكروا الكلمات بعينها التي ~~تفوهوا بها، وبعد ذلك، عندما يصلون إلى وجهة النظر التي كانت لدى أولئك الذين صدرت عنهم ~~هذه الأقوال يفهمونهم، ويرغبون في اختفاء الكلمات؛ لأنهم يستطيعون في أي وقت أن ~~يستخدموا ألفاظا مثلها عندما تحين المناسبة. إذا عشنا عيشة صادقة، شهدنا مشاهدة صادقة. ~~ومن اليسير على الرجل القوي أن يكون قويا، كما أنه من اليسير على الضعيف أن يكون ~~ضعيفا. وعندما ندرك شيئا جديرا يسرنا أن نخفف عن الذاكرة عبء الكنوز المكدسة كأنها ~~نفايات عتيقة. وعندما يعيش الإنسان مع الله يصبح صوته عذبا كخرير الغدير وحفيف نبات ~~القمح. # وأخيرا بقيت الحقيقة العليا في هذا الموضوع دون ذكر، وربما لا نستطيع ذكرها؛ لأن كل ~~ما نقوله إن هو إلا تذكر من بعيد للفطرة الأولى. تلك الحقيقة - في أيسر أسلوب لدي ~~الآن للتعبير عنها - هي هذه: حينما يكون الخير قريبا منك، وحينما تدب فيك الحياة، فإن ~~ذلك لا يكون بطريقة معروفة أو مألوفة، فإنك لن تتبين مواقع خطى شخص آخر، ولن ترى وجه ~~إنسان، ولن تسمع أي اسم، وإنما طريقك وفكرتك وما لديك من خير كله جديد مستحدث. إنك في ~~ذلك تستبعد ما سبق من مثال وخبرة، وتسير بعيدا عن الإنسان، ولا تقترب منه. كل إنسان ~~عاش فيما مضى قسيس بشر بفكرتك وغاب عن ذكرك. وهي فكرة لا تعبأ بخوف أو أمل؛ لأن ~~هناك شيئا من الوضاعة حتى في الأمل. وفي ساعة الرؤيا، ليس هناك ما يمكن أن نسميه ~~الاعتراف بالجميل، أو أن نسميه بالسرور ونحن صادقون. إن الروح عندما تعلو العاطفة ترى ~~تماثل الأشياء، وترى العلة الخالدة، وتدرك البقاء الذاتي للحقيقة والصواب، وتهدئ نفسها ~~بمعرفتها أن الأشياء جميعا تسير سيرا حسنا؛ فالمساحات ms095 الشاسعة من الطبيعة، والمحيط ~~الأطلنطي، والبحر الجنوبي - والفترات الطويلة من الوقت، والسنين والقرون - ليست بذات ~~بال. وهذا الذي أفكر فيه وأحسه كان يكمن تحت كل حالة سابقة من حالات الحياة والحوادث، ~~كما هو كامن تحت حاضري، وما نسميه الحياة وما نسميه الموت. # الحياة وحدها تجدي، ولا يجدي ما عشناه فيما سبق. والقوة تزول ساعة السكون، وتوجد في ~~لحظة الانتقال من ماض إلى حالة جديدة، وفي انطلاق الماء من الخليج، وفي تصويب السهام ~~نحو الهدف. وهذه الحقيقة الواحدة تمقتها الدنيا، وهي أن الروح «تصير»؛ لأن ذلك يحط من ~~شأن الماضي دائما، ويحيل كل الكنوز إلى فقر، وكل سمعة طيبة إلى عار، ويخلط بين القديس ~~والوغد، ويلقي بيسوع ويهوذا جانبا على السواء. فلماذا إذن نلغط بالاعتماد على النفس؟ ~~بمقدار ما تكون الروح حاضرة، تكون هناك قوة عاملة وإن تكن خفية. إن الكلام عن الاعتماد ~~ليس سوى طريقة ضعيفة سطحية للكلام. وإنما يجب أن تتكلم عن ذلك الذي يعتمد لأنه يعمل ~~ولأنه كائن. من يركن إلى نفسه أكثر مما أفعل يسيطر علي حتى إذا لم يرفع إصبعه. ولا بد ~~لي أن أدور حوله بجاذبية الأرواح. إننا عندما نتكلم من علو الفضيلة نتوهم أن ذلك من ~~فصاحة اللسان. فنحن لم ندرك بعد أن الفضيلة «علو»، وأن الرجل - أو مجموعة الرجال - إذا ~~استكان ورضخ للمبادئ العليا، وجب - وفقا لقوانين الطبيعة - أن يتسلط وأن يسيطر على ~~جميع المدائن والأمم والملوك والأغنياء والشعراء، الذين لم يستكينوا كما استكان. # هذه هي الحقيقة القصوى التي سرعان ما ندركها في هذا الموضوع، كما ندركها في غيره من ~~الموضوعات، وهي: ذوبان كل شيء في «الواحد» المبارك دائما؛ فالوجود الذاتي هو صفة ~~«العلة العليا»، ومن هذا الوجود الذاتي يتألف مقياس الخير بمقدار تغلغله في جميع الصور ~~الدنيا. والأشياء حقيقية بمقدار ما فيها من هذه الصفة. والتجارة والزراعة والقنص وصيد ~~الحوت، والحرب والفصاحة، وقيمة الفرد، هي شيء ما، وتظفر بتقديري كأمثلة لوجود هذه الصفة ~~وأثرها غير المباشر. وإني لأرى القانون عينه يعمل في ms096 الطبيعة للبقاء والنمو. القوة في ~~الطبيعة مقياس للحق لا مفر منه. والطبيعة لا تسمح لشيء أن يبقى في ممالكها إذا كان لا ~~يعتمد على نفسه. ونوع الكوكب وقوته، وموضعه ومداره، والشجرة المنحنية التي تسترد ~~استقامتها بعد هبوب الريح العاتية، والموارد الحيوية لكل حيوان وكل خضرة، كل أولئك دليل ~~على الروح التي تكفي ذاتها فتعتمد على نفسها. # وهكذا يتركز كل شيء. دعنا لا نتجول، ولنقبع في دورنا مع العلة الأولى. دعنا نذهل ~~وندهش أولئك الغوغاء من الناس والكتب والنظم بإعلان بسيط للحقيقة المقدسة. مر ~~الغزاة أن يخلعوا نعالهم لأن الله هنا في دخيلة أنفسنا. ولتحكم عليهم بساطتنا، وليبين ~~انصياعنا لقانون أنفسنا فقر الطبيعة وكل ما يصيب الإنسان إذا قيس إلى ثروتنا الأصيلة ~~فينا. # ولكننا اليوم رعاع. لا يقيم الإنسان لإنسانية وزنا، ولم يتعلم أن يلزم داره كي يتصل ~~بمحيطه الداخلي، ولكنه يرحل إلى الخارج، يطلب كأسا من الماء من أوعية الآخرين. يجب أن ~~نسير وحدنا. وإني لأحب الكنيسة صامتة قبل أن تبدأ الصلاة أكثر مما أحب الوعظ أيا كان. ~~كيف يبدو الأشخاص بعيدين باردين طاهرين، كل منهم تحوطه رحبة أو معبد. ولذا فلنقعد ~~دائما. لماذا نحمل وزر الصديق والزوجة والوالد والولد؟ ألأنهم يجلسون حول موقدنا، أو ~~لأنه يقال إن في عروقهم نفس دمائنا؟ الناس جميعا في عروقهم دمائي، ودماؤهم جميعا في ~~عروقي. ولن أحمل نزق حماقتهم من أجل ذلك، حتى أبلغ حد الخجل. بيد أن عزلتك ينبغي ألا ~~تكون آلية، بل روحية، أي ينبغي أن تكون سموا. إن الدنيا بأسرها أحيانا تتآمر على أن ~~تشغلك بتوافه ليس لك عنها من محيص. يطرق باب غرفتك الصديق والعميل والطفل والمرض والخوف ~~والحاجة والإحسان في وقت واحد وتقول: «اخرج إلينا.» عندئذ الزم حالتك ولا تخرج إلى ما ~~يضطربون فيه. إن القوة التي يملكها الناس لمضايقتي إنما أعطيهم إياها بضعف في نفسي، هو ~~حب التطلع. لا يستطيع أحد أن يقترب مني إلا عن طريق ما أعمل: «إننا نملك ما نحب، ولكننا ~~بالاشتهاء نحرم أنفسنا من ms097 الحب.» # إذا لم نستطع في الحال أن نرتفع إلى قدس الخضوع والإيمان فلا أقل من أن نقاوم ما ~~يغرينا، ولنعلن الجهاد، ونوقظ الشجاعة والثبات في صدورنا السكسونية. نؤدي ذلك في ~~أوقاتنا الرخية بقولنا الصدق. ولنكف عن الجود الزائف والحب الكاذب. دعنا لا نعيش بعد ~~اليوم كما يتوقع هؤلاء القوم الخادعون المخدوعون الذين نتحدث إليهم. قل لهم: أبي، وأمي، ~~وزوجي، وأخي، وصاحبي، لقد عشت معكم وراء الظواهر حتى اليوم، ولكني منذ الآن ملك ~~للحقيقة. ولتعلموا أني منذ اليوم لن أطيع قانونا سوى القانون الأبدي. لن أخضع لما ~~تقولون، ولكن لما تمليه علي نفسي، سوف أحاول أن أطعم والدي، وأن أعول أسرتي، وأن أكون ~~الزوج الطاهر لزوجة واحدة، ولكن هذه العلاقات لا بد أن أؤديها بطريقة جديدة لم يسبقني ~~إليها أحد. إني أبتعد عن عاداتكم، ولا بد أن أكون نفسي. لن أستطيع بعد اليوم أن أحطم ~~نفسي من أجلكم، ولن تستطيعوا ذلك. إذا أمكنكم أن تحبوني على حالي كنا أسعد حالا، ~~وإذا لم يمكنكم ذلك فسوف أعمل على أن أستحق منكم ذلك. لن أخفي ما أميل إليه وما أعزف ~~عنه، وسوف أثق بأن كل ما يختفي في أعماق الفؤاد مقدس. وسأؤدي بقوة أمام الشمس والقمر أي ~~شيء يسرني في دخيلة نفسي أو يمليه قلبي. إن كنتم نبلاء أحببتكم، وإن لم تكونوا لن ~~أوذيكم وأوذي نفسي برعايتي إياكم نفاقا. وإن كنتم صادقين، ولكنكم لستم معي فيما أصدق، ~~فتمسكوا برفاقكم، وسوف أبحث عن رفاقي، وإني لا أفعل ذلك عن أنانية، ولكني أفعله ~~متواضعا صادقا. وإنه ليهمكم كما يهمني ويهم الناس جميعا - مهما طال انغماسنا في ~~الأكاذيب - أن نعيش في الصدق. هل يبدو هذا اليوم صارما؟ سرعان ما تحبون مثلي ما تمليه ~~عليكم طبائعكم. وإذا نحن تابعنا الصدق فسوف ينقذنا في النهاية، ولكنكم ربما سببتم بذلك ~~للأصدقاء آلاما. أجل، ولكني لا أستطيع أن أبيع حريتي ونفوذي لكي أنقذ إحساسهم. ثم إن ~~الناس جميعا لهم لحظات يتعقلون فيها، وذلك عندما يتطلعون إلى دولة الحق المطلق. إنهم ms098 ~~حينئذ يبرروني ويفعلون مثلما أفعل. # تظن العامة أنك حين تنبذ المعايير العامة تنبذ كل المعايير، وتعصي القواعد الخلقية ~~لمجرد العصيان. ويستخدم الشهواني الجريء اسم الفلسفة ليكسو جرائمه بالذهب. ولكن قانون ~~الوعي قائم. وهناك كرسيان للاعتراف، يجب أن نقبل الاعتراف في أحدهما. فإما أن تؤدي ما ~~عليك من واجبات بتخليص نفسك بطريق مباشر أو بطريق الانعكاس، فقد يهمك أن يرضى عنك أبوك ~~وأمك وابن عمك وجارك وبلدك وقطتك وكلبك، وألا يوجه إليك أحد من هؤلاء لوما. ولكني ~~أستطيع كذلك أن أهمل هذا المعيار المعكوس وأرضي ضميري أمام نفسي، وأجعل مطالبي مستقلة ~~ودائرتي كاملة. هذه النفس المستقلة تنكر اسم الواجب لكثير من الأعمال التي تسمى ~~واجبات، وإن استطعت أن أدفع ديونها مكنتني من الاستغناء عن القانون العام. وعلى من ~~يتصور أن في هذا القانون تراخيا أن يخضع له يوما واحدا. # إن من ينبذ الدوافع العامة للإنسانية ويجرؤ على الثقة العامة فيما تمليه عليه نفسه لا ~~بد له أن يتميز ببعض صفات الآلهة. ولكي يكون المرء لنفسه حقا مذهبا ومجتمعا ~~وقانونا، ولكي يكون الغرض اليسير له قويا قوة الحاجة الماسة عند غيره، لا بد أن يكون ~~قلبه كبيرا، وإرادته صادقة وبصره صافيا. # لو أن أي إنسان فكر في الصفات الحالية لما نسميه على وجه الدقة ب «المجتمع» لأدرك ~~الحاجة إلى هذه القوانين الخلقية. ويبدو أن أعصاب الإنسان وقلبه قد تراخت وأصبحنا ~~بكائين هيابين يائسين. إننا نخشى الحق، ونخشى القدر ونخشى الموت، ويخشى بعضنا بعضا. ~~وعصرنا لم يتمخض عن شخصيات عظيمة كاملة. نريد رجالا ونساء يجددون الحياة ويجددون ~~حالتنا الاجتماعية، ولكنا نجد أن أكثر الطبائع مفلسة، لا تستطيع أن تسد حاجة نفسها، لها ~~مطامع لا تتناسب البتة وقوتها العملية، وتلين وتتسول ليلا ونهارا بغير انقطاع. إن ~~تدبيرنا المنزلي ضعيف، وفنوننا، وأعمالنا، وزواجنا، وديننا، لم نختره لأنفسنا، وإنما ~~اختاره لنا المجتمع. إنما نحن جنود في غرفة الاستقبال، نتحاشى معركة القدر الحامية التي ~~تتولد فيها القوة. # إذا فشل شبابنا في مشروعاته الأولى فقد كل شجاعته. وإذا ms099 خاب التاجر الناشئ قال الناس ~~عنه إنه «أفلس». وإذا درس أبرع النابغين في إحدى جامعاتنا، ولم يعين في وظيفة بعد عام ~~واحد في مدينتي بوسطن ونيويورك أو ضواحيهما، بدا لأصحابه وبدا له أنه على حق في يأسه ~~وفي شكواه بقية حياته. إن الصبي القوي من نيوهامبشير أو فرمنت الذي يحاول جميع المهن ~~بالدور يرعى، ويفلح، ويطوف بالبيع، ويدير مدرسة، ويعظم، ويحرر في صحيفة، ويذهب إلى ~~الكنجرس، ويشتري أرضا في المدينة، وما إلى ذلك، في سنوات متتالية، ويقع دائما كالقطة ~~على قدميه، يساوي مائة من دمى المدن هؤلاء. إنه يسير قدما مع أيامه ولا يشعر بالخجل ~~لأنه لم «يدرس مهنة ما»؛ لأنه لا يرجئ حياته، وإنما يحياها فعلا. ليست لديه فرصة واحدة، ~~بل أمامه مائة فرصة. ينبغي على الرواقي أن يدرك مواهب الإنسان، وأن يبلغ الناس أنهم ~~ليسوا كشجر الصفصاف الذي يميل مع الريح، ولكنهم يستطيعون - بل وينبغي لهم - أن يستقلوا ~~بأنفسهم، وليعلمهم أنهم إن وثقوا بأنفسهم ظهرت لهم قوى جديدة، وأن الإنسان هو الكلمة قد ~~تجسدت، ولد لينشر الشفاء بين الأمم، ويجب أن يخجل من رحمتنا به، وليعلم أنه في اللحظة ~~التي يعمل فيها بوازع من نفسه، ويلقي بالقوانين والكتب والأوثان والعادات من النافذة، ~~لا نشفق عليه، بل نقدره ونحترمه - من يعلمنا ذلك يضفي على حياة الإنسان سناء وبهاء، ~~ويرفع ذكره في جميع صفحات التاريخ. # ومن اليسير أن نرى أن مزيدا من الثقة بالنفس لا بد أن يحدث انقلابا في جميع وظائف ~~الناس وعلاقاتهم، في ديانتهم، وفي تربيتهم، وفي أهدافهم، وأساليب عيشهم، واجتماعهم، وفي ~~امتلاكهم، وفي آرائهم التي يتدبرون: # أي الصلوات يسمح الناس لأنفسهم بها! إن ما يسميه الناس وظيفة مقدسة ليس ~~فيه من الشجاعة والرجولة بمقدار ما فيه من القداسة. إن دعاءنا عجيب، نلتمس ~~فيه الزيادة فيما نملك عن طريق فضيلة غريبة عنا، وهو يضل في متاهات لا ~~نهاية لها مما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، وما هو وسيط وما هو معجز. إن ~~الدعاء الذي نطلب فيه سلعة ms100 خاصة - ولا نتطلب الخير خالصا - دعاء مرذول. ~~إنما الصلاة هي تأمل حقائق الحياة من أعلى وجهة من وجهات النظر. هي مناجاة ~~النفس المبصرة المنشرحة. هي روح الله تعلن أن أعماله طيبة. ولكن الصلاة ~~كوسيلة لتحقيق غرض خاص، صناعة وسرقة، إنها تفرض في الطبيعة والوعي الثنائية ~~بدلا من الوحدة. إن الإنسان إذا اتحد مع الله لا يتسول. إنه عندئذ يرى ~~الصلاة في كل عمل. إن صلاة الفلاح راكعا في حقله يشذبه، وصلاة صاحب الزورق ~~جاثيا يضرب بمجدافه صلوات صادقة تصغي إليها الطبيعة بأسرها، وإن تكن ~~لأغراض رخيصة. في «بندوكا» لفلتشر يجيب «كاراتاش» عندما نصح بالبحث في عقل ~~الإله «أوديت»: # إن معانيه الخفية تكمن في محاولاتنا، # وأعمالنا الباسلة خير آلهتنا. # والندم نوع آخر من الصلاة الزائفة؛ فالضجر نقص في الاعتماد على النفس، ~~وعجز في الإرادة. اندم على الكوارث إن كنت بهذا الندم تعين من يكابدها. ~~وإلا فباشر عملك وسوف يشرع الشر في إصلاح ذاته. وعطفنا لا يقل عن الندم ~~وضاعة. إننا نتوجه إلى أولئك الذين يبكون غافلين، ونجلس إلى جوارهم، وننادي ~~بصحبتهم، وذلك بدلا من أن نعرفهم بالحق والصواب ونصدمهم صدمات كهربية ~~عنيفة، كي نردهم ثانية إلى الاتصال بعقولهم. إن سر ما يصيب الإنسان من خير ~~هو الابتهاج بما بين يديه. والرجل الذي يعين نفسه ترحب به الآلهة والناس في ~~كل حين. تتفتح له الأبواب، وتحييه الألسنة جميعا، ويتوجه الشرف، وتتبعه ~~الأعين كلها في شغف. نهبه حبنا ونطوقه به، لأنه لم يحتج إليه. ونلاطفه ~~ونحفل به في اهتمام واعتذار؛ لأنه ثبت على طريقته واستهان باستنكارنا لها. ~~تحبه الآلهة لأن الناس قد كرهوه. قال زرادشت: «إن الآلهة المباركة تخف إلى الإنسان المثابر.» # وكما أن صلوات الناس مرض في الإرادة، فكذلك عقائدهم مرض في العقل. إنهم ~~يقولون مع أولئك الإسرائيليين الحمقى: «لا تدع الله يتحدث إلينا خشية أن ~~نموت، بل تكلم أنت أو ليكلمنا أي إنسان نطعه.» في كل مكان أجد عقبة في ~~سبيل لقاء الله في نفس أخي؛ لأنه أغلق أبواب معبده، واكتفى ms101 بتلاوة حكايات ~~إله أخيه، أو إله أخي أخيه. كل عقل جديد نوع جديد. إن ثبت أنه عقل له نشاط ~~وقوة غير عادية، كعقل لوك أو لافوازييه أوهتن أو بنتام أو فورييه فإنه ~~يفرض نوعه على غيره من الناس، ثم انظر فإذا نظام جديد! وإن اطمئنان الطالب ~~يتناسب وعمق تفكيره، وبالتالي يتناسب وعدد الأشياء التي يمسها هذا التفكير ~~ويجعلها في متناوله. ويظهر هذا خاصة في المذاهب والكنائس المتنوعة، وهي ~~كذلك ضروب من عقل قوي يعمل وفقا لفكرة الواجب الأولية، وعلاقة الإنسان ~~بربه. هكذا كانت الكلفنية والكويكريه ومذهب سودنبرج. إن التلميذ يسر ~~لإخضاع كل شيء للمصطلحات الجديدة، كالفتاة التي تعلمت علم النبات حديثا ~~عندما ترى تربة جديدة وفصولا زراعية جديدة تتفق وما تعلمت. وقد يحدث لفترة ~~ما أن يجد الطالب أن قواه العقلية قد نمت بدراسة عقل أستاذه. ولكن العقول ~~غير المتزنة تعبد الفرع عبادة الأوثان، وتجعله هدفا في ذاته، ولا تجعله ~~وسيلة سريعة الزوال، بحيث تندمج في أعينهم - في الأفق البعيد - حدود النظام ~~الجديد في حدود العالم بأسره، بل تبدو لهم الأجسام المضيئة في السماء معلقة ~~على البناء الذي شيده أستاذهم. أصحاب هذه العقول الناقصة لا يستطيعون أن ~~يتصوروا كيف يكون لكم أنتم أيها الأغراب أي حق في المشاهدة، أو كيف ~~تستطيعون الرؤيا: «لا بد أن تكونوا قد اختلستم النور منا بطريقة ما.» ~~إنهم لم يدركوا بعد أن النور لا يسير على نسق واحد ولا يمكن إخضاعه؛ فهو ~~يسطو على أي كوخ حتى على كوخهم. هلا ابتهجت نفوس هؤلاء القوم مرة ورأت أن ~~النور نورها! إنهم إن أخلصوا وحسنت أعمالهم ضاقت حظيرتهم المحدودة الجديدة ~~في الحال، وانخفضت، وتشققت، ومالت، وانهارت ثم اختفت، وأشرق على الدنيا ~~ضياء خالد كذلك الذي يشرق في أول الصباح، قوي بهيج، متعدد الأفلاك، مختلف ~~الألوان. # إن خرافة السفر التي تقدس الرحلة إلى إيطاليا وإنجلترا ومصر تستمد ~~جاذبيتها لجميع الأمريكيين المهذبين من نقص ثقافتهم الذاتية. إن أولئك ~~الذين جعلوا بلادهم - إنجلترا وإيطاليا واليونان - مقدسة في الخيال، إنما ~~فعلوا ms102 ذلك بثباتهم في أمكنتهم كمحور الأرض. وإننا في ساعات الرجولة نحس أن ~~واجبنا أن نثبت في مكاننا. الروح لا تسافر، والرجل العاقل يبقى في بيته، ~~وعندما تستدعيه ضروراته وواجباته في أية مناسبة إلى مغادرة بيته أو إلى ~~ارتياد بلاد أجنبية، فإنه برغم ذلك يكون في بيته، ويجعل الناس يحسون بما ~~يبدو على ملامحه من تعبير أنه إنما جاء ليبشر بالحكمة والفضيلة، وأنه يزور ~~المدائن والرجال كما يزورها السيد لا كما يزورها المتطفل أو التابع. # ليس عندي اعتراض سخيف على الطواف بالكرة الأرضية، في سبيل الفن والدراسة ~~وفعل الخير، إن كان المرء يتوطن أولا، ولا يرحل إلى الخارج آملا أن يجد ~~شيئا أعظم مما يعرف. من يرحل للتسلية، أو لكي يظفر بشيء لا يحمله بين ~~جنبيه إنما يرحل بعيدا عن نفسه، ويشيخ حتى في شبابه بين الأشياء العتيقة. ~~إن إرادته وعقله تشيخ وتتحطم في طيبة وبلميرا، مثلهما. إنه يضم أطلالا إلى ~~أطلال. # الأسفار جنة «العبيط». ورحلاتنا الأولى تبين لنا ما بين الأماكن من ~~تشابه. إنني في وطن أتخيل أن جمال نابلي وروما يمكن أن يخدرني وينسيني ~~أحزاني. فأحزم متاعي، وأعانق أصدقائي، وأقلع في البحر، وأستيقظ أخيرا في ~~نابلي، وهناك إلى جواري أجد الحقيقة الصارمة، أجد نفسي الحزينة، التي فررت ~~منها، هي هي لم تذعن ولم ترضخ. إنني أقصد الفاتيكان والقصور. وأتظاهر بأني ~~أثمل بالمناظر وما تثيره، ولكني لست كذلك، فإن ماردي يرافقني أنى ~~ذهبت. # بيد أن سورة السفر ليست إلا عرضا لاختلال أبعد مدى يؤثر في الأعمال ~~العقلية جميعا؛ فالذهن متشرد، ونظامنا في التعليم يربي القلق. ترحل عقولنا ~~حينما تضطر أجسامنا إلى البقاء في الدار. إننا نقلد، وليس التقليد سوى رحلة ~~من رحلات العقل. ونبني بيوتنا بذوق أجنبي، ونزين رفوفنا بأدوات الزينة ~~الغريبة عنا. وآراؤنا، وأذواقنا، وكفاياتنا، تخضع، وتتبع الماضي ~~والبعيد. لقد أبدعت الروح الفنون حيثما ترعرعت هذه الفنون. ولم يبحث الفنان ~~عن نموذجه إلا في عقله. كان يطبق فكره على الشيء الذي يصنعه والشروط التي ~~يراعيها. وما حاجتنا إلى تقليد ms103 النموذج الدوري أو الغوطي؟ إن الجمال وراحة ~~الفكر وعظمته وغرابة التعبير قريبة منا قربها من أي إنسان آخر . وإذا درس ~~الفنان الأمريكي - يحدوه الأمل والحب - الشيء الذي يريد صنعه تماما، وأخذ ~~في اعتباره المناخ والتربة وطول النهار وحاجات الناس وتقاليد الحكومة ~~وشكلها؛ لأنشأ بيتا تجد فيه هذه الأشياء كلها لنفسها مكانا ملائما لها ~~ويرضى به كذلك الذوق والعاطفة. # اعتمد على نفسك، ولا تقلد مطلقا. إنك تستطيع في كل لحظة أن تمد موهبتك بالقوى المتجمعة من ثقافة حياة بأسرها، ولكن ذكاء غيرك الذي تستعيره لا تملك إلا نصفه امتلاكا ~~مزعزع الأصول. إن ذلك الذي يستطيع الفرد أن يتقنه أكثر من إتقانه أي شيء ~~سواه لا يستطيع أن يعلمه إياه إلا بارئه. لا يعرف أحد ما هو، ولا يستطيع أن ~~يعرف، حتى يعرضه صاحبه. أين ذلك الأستاذ الذي كان يستطيع أن يعلم شكسبير؟ ~~وأين الأستاذ الذي كان يمكنه أن يعلم فرانكلن أو واشنطن أو بيكون أو نيوتن؟ ~~كل رجل عظيم فريد في نوعه. إن آراء سكبيو الخاصة هي ذلك الجانب بعينه الذي ~~لم يكن يستطيع استعارته. وإنك لن تخلق شكسبير بدراسة شكسبير. إن أنت فعلت ~~ما عين لك لم تكن مغاليا في أملك أو في إقدامك. لك في هذه اللحظة رسالة ~~جريئة عظيمة كرسالة إزميل فدياس الضخم أو مسطار المصريين، أو قلم موسى أو ~~دانتي، ولكنها تختلف عن كل هؤلاء. إن الروح الفنية الفصيحة ذات اللسان الذي ~~له ألف شق، لا يمكن أن ترضى بتكرار نفسها. ولكنك لو استطعت أن تصغي إلى ما ~~يقوله هؤلاء الشيوخ أمكنك بالتأكيد أن تجيب عليهم بصوت مرتفع كصوتهم؛ لأن ~~الأذن واللسان عضوان من طبيعة واحدة. الزم دائرة حياتك الساذجة النبيلة، ~~وأطع قلبك، تستعد الدنيا القديمة مرة أخرى. # وكما أن ديانتنا وتربيتنا وفنوننا تبدو غريبة عنا، فكذلك روح الجماعة ~~عندنا. كل الناس يفخرون بارتقاء المجتمع، ولا يرتقي منهم أحد. # إن الجماعة لا تتقدم مطلقا. إنما هي تتراجع في جانب بمقدار ما تكتسب في ~~جانب آخر. إنها تتعرض ms104 لتغير مستمر؛ فهي وحشية، ومتحضرة، ومسيحية، وغنية، ~~وعلمية. ولكن هذا التغير ليس تقدما، إنما يؤخذ منها بمقدار ما تعطى. ~~تكتسب الجماعة فنونا جديدة، وتفقد غرائز قديمة. ما أشد التباين بين ~~الأمريكي المهندم اللباس، القارئ، الكاتب، المفكر، ومعه ساعته وقلمه وقائمة ~~الحساب في جيبه، وبين الرجل العاري من نيوزيلاند، الذي لا يملك سوى العصا ~~والرمح والحصير، وجزءا من عشرين لا يقبل التجزئة في حظيرة ينام تحتها! ~~ولكن وازن بين صحة الرجلين، تجد أن الرجل الأبيض قد فقد قوته الأصيلة، وإن ~~صدق ما يروي الرحالة فإنك إن ضربت المتوحش بفأس عريضة التأم لحمه بعد يوم ~~أو يومين وتم شفاؤه كأنك ضربت ضربتك في قار لين. في حين أن الضربة عينها ~~تقذف بالرجل الأبيض إلى قبره. # أنشأ الرجل الأبيض العربة، ولكنه فقد استخدام قدميه. تسنده عكازته، ولكنه ~~يفتقر إلى مثل هذا السند من عضلاته. لديه ساعة جميلة من جنيف، ولكن تنقصه ~~مهارة معرفة الوقت بالشمس. ولديه تقويم بحري من جرينتش، ولذا فإن رجل ~~الشارع لا يعرف نجما في السماء؛ لأنه قمين ببلوغ المعرفة كلما أراد. إنه لا ~~يرصد الانقلاب الشمسي، ولا يعرف عن الاعتدالين إلا قليلا. وليس للتقويم ~~المشرق السنوي في ذهنه مزولة. مذكراته تضعف ذاكرته، ومكتباته تبهظ ذكاءه. ~~ومكتب التأمين يزيد من عدد الحوادث، وأشك في أن الآلة معطلة، وأننا فقدنا ~~بالتهذيب شيئا من النشاط، وبالمسيحية المستغرقة في المؤسسات والصيغ شيئا ~~من قوة الفضيلة الطبيعية؛ لأن كل رواقي كان رواقيا، ولكن أين المسيحي في ~~العالم المسيحي؟ # لم يحدث تغير في مستوى الأخلاق أكثر مما حدث في مستوى الطول أو حجم ~~الجسم. ولا يوجد اليوم رجال أعظم ممن وجدوا في أي عهد سبق. ويمكن أن تلاحظ ~~المساواة التامة بين عظماء العصور الأولى وعظماء العصور المتأخرة. ولا ~~تستطيع جميع العلوم والفنون والديانات وفلسفة القرن التاسع عشر أن تجدي في ~~تربية رجال أعظم من أبطال فلوطارخس الذين عاشوا منذ ثلاثة أو أربعة وعشرين ~~قرنا. ولم يتقدم الجنس البشري مع تقدم الزمان. وفوكيون وسقراط وأنكساجوراس ~~وديجونيس ms105 رجال عظماء، ولكنهم لم يخلفوا طبقة معينة. من يكن حقا من ~~طبقتهم لا يتسمى باسمهم، وإنما يكون رجلا معينا، ومؤسسا بدوره لطائفة من ~~الطوائف. إن فنون كل عصر ومخترعاته هي رداء العصر فقط، لا تمد الناس ~~بالقوة. والضرر من تحسين الآلة قد يعادل الفائدة منها. إن هدسن وبهرنج قد ~~أنجزا عملا ضخما في زوارق الصيد أذهلا به باري وفرانكلن اللذين استنفد ~~إعدادهما موارد العلم والفن. كما أن غاليليو بمنظاره المسرحي قد كشف عن ~~مجموعة من الظواهر السماوية أفخر مما كشف أي إنسان حتى اليوم. وكشف كولمبس ~~العالم الجديد في سفينة مسطحة. وإنك لتعجب لو عرفت أن الوسائل والآلات التي ~~تقابل عند اختراعها بالتهليل والتمجيد يبطل استعمالها وتموت بعد فترة لا ~~تتجاوز بضع سنوات أو بضعة قرون. وإنما العبقرية العظمى مردها إلى الإنسان ~~الذي لا مناص منه. كنا نعد تقدم فنون الحرب من انتصارات العلم، ومع ذلك ~~فإن نابليون قد هزم أوروبا بإقامة جيشه في العراء من غير خيام، وهي طريقة ~~تتوقف على الشجاعة المجردة التي تخلو من كل معين. يقول لاس كاساس إن ~~الإمبراطور كان يعتقد أنه من المستحيل أن يكون جيشا كاملا «دون إلغاء ~~أسلحتنا ومستودعات الذخيرة ورؤساء المؤن والعربات، فيتسلم الجندي نصيبه من ~~القمح - جريا على عادة الرومان - ويطحنه بطاحونته اليدوية، ويخبز خبزه ~~بنفسه.» # المجتمع موجة، والموجة تسير إلى الأمام، ولكن الماء الذي تتكون منه لا ~~يتحرك. وذرة الماء عينها لا ترتفع من الأخدود إلى القمة، إنما وحدتها ~~ظاهرية فقط. والأشخاص الذين تتألف منهم اليوم أمة من الأمم، يموتون في عام ~~مقبل، وتموت معهم تجاربهم. # ومن ثم فإن الاعتماد على الملك، الذي يتضمن الاعتماد على الحكومات ~~التي تحميه، نقص في الاعتماد على النفس. إن الناس قد صرفوا أبصارهم عن ~~أنفسهم لينظروا إلى الأشياء، ولبثوا على ذلك طويلا حتى باتوا ينظرون إلى ~~النظم الدينية والعلمية والمدنية كأنها حماة الملكية، وهم يستعيذون من ~~التهجم على هذه النظم؛ لأنهم يحسون أنه تهجم على الملكية. وهم يقيسون تقدير ~~أحدهم للآخر بما لدى ms106 الفرد لا بما هو عليه. ولكن الرجل المثقف يخجل من ملكه؛ ~~لأنه يحترم طبيعته احتراما لا يحسه سواه ، وهو يمقت ما يملك بوجه خاص، إذا ~~رأى أنه عرضي، أتاه عن طريق الميراث، أو الهبة، أو الجريمة. إنه حينئذ لا ~~يشعر شعور الملكية، ويحس أن ما لديه لا يخصه، ولا تمتد جذوره في نفسه، وهو ~~ملك لا يثبت في مكانه إلا لأن الثورة أو الغاصب لا تنزعه منه، ولكن ما يكون ~~عليه الإنسان هو دائما بالضرورة مما يكتسبه، وما يكتسبه المرء هو الملكية ~~الحية التي لا تنتظر إشارة الحكام، أو الرعاع، أو الثورات، أو النيران، أو ~~الزوابع، أو الإفلاس، ولكنها تجدد نفسها دائما حيثما تنفس الإنسان. قال ~~الخليفة علي ما معناه: «إن نصيبك أو حصتك من الحياة يبحث عنك، ولذا فأرح ~~نفسك من البحث عنه.» إن اعتمادنا على هذه السلع الأجنبية يؤدي بنا إلى ~~احترامنا لكثرة العدد احتراما مذلا. إن الأحزاب السياسية تلتقي في ~~مؤتمرات عديدة. وكلما تضخم الحشد، وعند كل ضجة جديدة تعلن «وفد أسكس» أو ~~«الديمقراطيين من نيو هامبشير»، أو «الأحرار من مين» يشعر الشاب المحب ~~لوطنه أنه أقوى من ذي قبل بألف عين وألف ذراع جديدة. وكذلك المصلحون ~~يجمعون المؤتمرات، ويبدون رأيهم ويبرمون أمرهم وسط الجماهير. ولكن الله ~~أيها الرفقاء لا يسلك هذا السبيل كي يدخل في نفوسكم ويسكن فيها، ولكنه يفعل ~~ذلك بطريقة تناقض هذه الطريقة تماما. إنني أعتقد أن المرء لا يقوى ولا ~~يسود إلا إذا تخلى عن كل معونة أجنبية، ووقف وحيدا. إن كل جندي ينضم إلى ~~لوائه يضعفه. أليس الإنسان أفضل من المدينة؟ # لا تسأل الناس شيئا، وفي التقلبات التي تفوق الحصر قف وحدك كالطود ~~الشامخ واظهر في الحال عمادا لكل ما يحيط بك. من يعرف أن القوة فطرية، ~~وأنه ضعيف لأنه بحث عن الخير خارجا عنه وفي مكان آخر، يدرك ذلك فيعمد بغير ~~تردد إلى أفكاره. مثل هذا الرجل يستقيم في الحال عوده، وتعتدل قامته، ~~ويسيطر على أعضائه، ويأتي بالمعجزات، كالرجل الذي يقف ms107 على قدميه يكون أقوى ~~من الرجل الذي يقف على رأسه. # على هذه الصورة ينبغي أن تستغل كل ما يسمونه «نصيب الإنسان». إن أكثر ~~الناس يقامرون بهذا النصيب فيكسبون كل شيء، أو يخسرون كل شيء، حسبما تدور ~~عجلته. ولكن عليك أن تتخلى عن هذه المكاسب وأن تعدها غير شرعية، وأن توجه ~~اهتمامك نحو العلل والنتائج ففيها سر القوة الإلهية، واعمل واكتسب بإرادتك، ~~فإنك بذلك تضع عجلة «الحظ» في الأغلال، وتكون حينئذ في مأمن من دوراتها. ~~إن نصرا سياسيا، أو ارتفاعا في الأجور، أو شفاء مريض لك، أو عودة صديق ~~غائب عنك، أو أي حدث غير ذلك مما تحب، ينهض بروحك فتحسب أن الأيام الطيبة ~~تتأهب لك. لا تعتقد ذلك، فلا يجلب لك السعادة غير نفسك، ولا يجلب لقلبك ~~الطمأنينة غير انتصار المبادئ. # | التعويض # إن أجنحة الزمان سود وبيض، # منهما يتكون الليل والنهار. # والجبل الشاهق والمحيط العميق، # يحتفظان دائما باتزان دقيق. # وفي تقلبات القمر ومد الأمواج، # تتجلى الخصومة بين النقص والكمال. # والنجم الكهربي وحزمة الضوء، # تشتد حينا وتضعف حينا في الفضاء. # إن الأرض المنعزلة بين الكواكب، # التي تسير مسرعة خلال الفضاء الأبدي، # وتجري لتسد بثقلها فراغا # كأنها أنجم يكمل بعضها بعضا، # أو شرر يتطاير للتكافؤ، # تنطلق خلال الظلام الدامس. ~~••• # الإنسان شجرة الدرداء، وثروته كروم العنب، # خيوطها تلتوي قوية متينة، # وقد تخدمك هذه الخيوط الواهنة، # ولكن الكرم لا يستطيع أن يأخذ عن الشجرة ثباتها. # فلا تخش شيئا إذن أيها الطفل العاجز؛ # فليس في الآلهة من يجرؤ على إساءة دودة. # إن أكاليل الغار تهدى لمستحقيها، # ويظفر بالنفوذ من يبسط النفوذ. # ألم تأخذ نصيبك؟ انظر! إنه على أقدام طائرة. # يجري لكي يلقاك، # وكل ما خصتك به الطبيعة # طائرا في الهواء أو محبوسا في الحجر # سوف يشق التلال ويعبر البحار، # ويقفو أثرك كظلك. # كنت دائما منذ صباي أتوق إلى أن أكتب حديثا في التعويض. فقد بدا لي وأنا في سن ~~الحداثة أن الحياة في هذا الموضوع قد سبقت الدين، والناس يعرفون أكثر مما يعلم ~~الوعاظ. وكذلك ms108 الأسانيد التي يستند إليها هذا المذهب فتنت خيالي بتنوعها الذي لا ينتهي، ~~ومثلت دائما أمامي حتى أثناء النوم ؛ فهناك الآلات في أيدينا، والخبز في سلالنا، ~~ومعاملات الطريق، والمزرعة، والمسكن، والتحيات، والعلاقات، والديون والأرصدة، وتأثير ~~الشخصية، وطبيعة جميع الناس ومواهبهم. وبدا لي كذلك أن الناس يمكنهم - على هدي هذا ~~المذهب - أن يشاهدوا قبسا من نور الله، وأن يدركوا الأثر الراهن لروح هذه الدنيا، ~~مطهرا من كل أثر من آثار التقاليد، ومن ثم فإن قلب الإنسان يمكن أن يغوص في فيض ~~من الحب الأبدي، متحدثا مع ذلك الذي يعرف أنه كان دائما، ويجب دائما أن يكون؛ لأنه ~~كائن الآن فعلا. وبدا لي - فوق ذلك - أنه إذا أمكن أن يصاغ هذا المذهب في عبارات تشبه ~~بعض الشيء تلك البداهات المشرقة التي تتكشف لنا فيها هذه الحقيقة أحيانا لكان لنا ~~كالنجم في كثير من الساعات المظلمة والطرق الملتوية في رحلتنا، يهدينا فلا نضل الطريق. # وأكدت هذه الاتجاهات عندي أخيرا الموعظة التي استمعت إليها في الكنيسة؛ فإن الواعظ - ~~وهو رجل مبجل من أجل مذهبه الأرثوذكسي - بسط مبدأ الحساب في الآخرة بالطريقة المألوفة. ~~فزعم أن المرء لا يلقى جزاءه في هذه الدنيا؛ فالأشرار مفلحون، والأخيار بائسون. ثم ادعى ~~بحجة من العقل ومن الكتاب المقدس أن هناك تعويضا للفريقين في الحياة الأخرى. ولم يسئ ~~هذا المبدأ إلى الجماعة التي استمعت إليه. وبمقدار ما استطعت أن ألاحظ تفرق الناس في ~~نهاية الحفل دون أن يعلق واحد منهم على الموعظة. # ولكني أتساءل عن مغزى هذا الرأي. ماذا كان يعني الواعظ عندما قال إن الأخيار بائسون ~~في الحياة الدنيا. هل قصد أن البيوت والأراضي والمراكز والنبيذ والخيل واللباس والترف ~~إنما يظفر بها من لا خلاق لهم، في حين أن القديسين فقراء محتقرون، وأن هؤلاء سوف يلقون ~~عوضا في الحياة الآخرة، بإعطائهم ما يشبه ذلك من أسباب الرضا في يوم آخر، أوراق مالية ~~وعملة إسبانية ولحم الصيد والشمبانيا؟ لا بد أن يكون ذلك هو التعويض الذي يعنيه. أو ~~ماذا عسى أن ms109 يكون غير ذلك؟ هل قصد أن تتاح لهم الصلاة والحمد؟ والحب وخدمة الناس؟ إنهم ~~يستطيعون أداء ذلك اليوم . إن النتيجة الحتمية التي يخرج بها التلميذ هي هذه: «سوف ننعم ~~بوقت طيب مثل ما ينعم به الآثمون اليوم.» - أو إذا نحن سرنا بما يترتب على ذلك إلى نهاية ~~الشوط - «أنت تأثم اليوم، وسوف نأثم نحن فيما بعد. وإنا لنأثم اليوم إذا نحن استطعنا ~~ذلك، ولكنا لم نفلح، ولذا فإنا نتوقع الانتقام لأنفسنا غدا.» # وموضع المغالطة هنا هو الإذعان المطلق للرأي القائل بأن الأشرار مفلحون، وأن الإنسان ~~لا يلقى جزاءه اليوم. ويرجع عمى الواعظ إلى ركونه إلى تقدير السوقة الوضيع لعناصر نجاح ~~الرجولة، بدلا من مواجهة الدنيا والحكم عليها من زاوية الحقيقة، وإعلان وجود الروح، ~~وقدرة الإرادة المطلقة، وبهذا يقيم معيار الخير والشر والنجاح والفشل. # وإني لأجد نغمة وضيعة كهذه في المؤلفات الدينية الشائعة في هذه الأيام، وفي نفس ~~المذاهب التي يعتنقها رجال الأدب عندما يعالجون ما يتعلق بهذا الموضوع بين الحين ~~والحين. وأظن أن العقائد الدينية الشائعة قد تفوقت على الخرافات التي حلت محلها في ~~الظاهر فقط لا في المبدأ. ولكن الناس خير من هذه العقائد الدينية. وحياتهم اليومية ~~تفندها. كل نفس نابغة طموحة تولي المبدأ ظهرها في أثناء تجاربها، ويشعر جميع الناس ~~أحيانا بالخطأ ولكنهم لا يستطيعون إظهاره؛ لأن الناس أحكم مما يعرفون. وذلك الذي ~~يسمعونه في المدارس ومن المنابر دون أن يفكروا فيه بعد ذلك - إذا قيل في حديث - ربما ~~كان موضع تساؤل في صمت. وإذا ما أعلن إنسان ما في جمهور مختلط عقائده الجامدة في الله ~~والقوانين السماوية، أجيب بسكون يدل الرائي دلالة قاطعة على سخط السامعين مع عجزهم عن ~~التعبير عن آرائهم. # وسوف أحاول في هذا الفصل أن أسجل بضع وقائع تشير إلى سير قانون التعويض. وسوف أجد من ~~السعادة فوق ما أتوقع لو رسمت رسما صادقا أدنى قوس من هذه الدائرة. # التجاذب، أو الفعل ورد الفعل، شيء تقابله في كل جزء من أجزاء الطبيعة، في الظلام ms110 ~~والنور، في الحرارة والبرودة، في جزر المياه ومدها، في الذكر والأنثى، في شهيق النباتات ~~والحيوانات وزفيرها، في تعادل الكم والنوع في سوائل الجسم الحيواني، في انقباض القلب ~~وانبساطه، في تموجات السوائل والأصوات، في القوة الطاردة والقوة الجاذبة، في الكهرباء ~~والكهربية السائلة، وفي الصلات الكيمائية. إذا أنت أحدثت مغناطيسية في أحد طرفي إبرة، ~~حدثت المغناطيسية المضادة في الطرف الآخر. وإذا كان الجنوب يجذب فإن الشمال يطرد. وإذا ~~أنت أفرغت هنا ملأت هناك. إن الطبيعة تخترقها ثنائية لا مفر منها؛ فكل شيء نصف يشير إلى ~~شيء آخر يكمله، كالمادة والروح، والرجل والمرأة، والمفرد والمزدوج، والذاتي والموضوعي، ~~والداخل والخارج، والعالي والسافل، والحركة والسكون، والإيجاب والنفي. # وكما أن العالم ثنائي هكذا، فكذلك كل جزء من أجزائه؛ فإن النظام الشامل للأشياء يتمثل ~~في كل جزء؛ فهناك ما يشبه مد البحر وجزره، والليل والنهار، والرجل والمرأة، في كل إبرة ~~من إبر الصنوبر، وكل حبة من حبات القمح، وكل فرد من أفراد أية قبيلة حيوانية. إن رد ~~الفعل، الذي تراه عظيما في العناصر، يتكرر داخل هذه الحدود الضيقة؛ ففي المملكة ~~الحيوانية مثلا يلاحظ الفسيولوجي أنه ليس هناك مخلوقات مفضلة، ولكن هناك تعويضا ~~خاصا يوازن كل ميزة وكل عيب؛ فالزيادة التي تعطى لجزء ما تكون على حساب نقص في جزء ~~آخر من نفس المخلوق. فإذا كان الرأس والرقبة على ضخامة، فالجذع والأطراف على ~~ضآلة. # ونظرية القوى الآلية مثال آخر؛ فما نكتسبه في القوة نفقده في الوقت، وعكس ذلك صحيح. ~~والعيوب المعوضة أو الفترية في الكواكب مثال آخر. وأثر المناخ والتربة في التاريخ ~~السياسي مثال رابع. الجو البارد يبعث النشاط، والتربة القاحلة لا تولد الحميات أو ~~التماسيح والنمور والعقارب. # والثنائية عينها تكمن وراء طبيعة الإنسان وحالته. كل زيادة ينجم عنها نقصان، وكل ~~نقصان تترتب عليه زيادة. لكل حلو مرارته، وفي كل شر خير. وكل قدرة على قبول المتعة لها ~~ما يوازيها من عقوبة إذا أسيء استخدامها. وعليها أن تضحي بحياتها في سبيل الاعتدال. كل ~~ذرة من الذكاء تقابلها ذرة ms111 من الحماقة. ولقاء كل شيء يفوتك تكتسب شيئا آخر، ونظير كل ~~شيء تكسبه شيء تخسره. إذا زادت الثروة زاد من يستخدمها. وإذا بالغ الجامع في الجمع، ~~استلبت الطبيعة من الرجل بمقدار ما أودعت صندوقه. إنها تضخم ضيعته ولكنها تقتل صاحب ~~الضيعة. الطبيعة تكره الاحتكار والاستثناء. وأمواج البحر تسارع إلى الهبوط من أعلى ~~قممها كما تسارع تقلبات الأحوال إلى تسوية نفسها. هناك دائما ظرف من الظروف يميل إلى ~~التسوية ويحط ماديا من المتعالي والقوي والغني والسعيد، حتى يجعله في مستوى واحد مع ~~الآخرين. فإذا كان الرجل قويا على المجتمع متوحشا، مواطنا سيئا بمزاجه ومركزه، ~~خبيثا حاد الطباع، فيه دفعة القرصان، فإن الطبيعة ترسل إليه جماعة طيبة من البنين ~~والبنات، ناجحة في الفصول الأولية التي تديرها السيدات بمدرسة القرية، وحب الرجل وخوفه ~~عليهم يخفف من تنكره للأخلاق الكريمة. وهكذا فإن الطبيعة تحاول أن تلين الجرانيت ~~والفلسبار، وأن تنتزع الخنزير وتودع مكانه الحمل، وتحتفظ باتزانها دائما. # يتخيل المزارع أن القوة والمكانة من الأشياء الحسنة، ولكن رئيس الجمهورية قد دفع ~~ثمنا غاليا للبيت الأبيض. إنه عادة يكلفه طمأنينته وخير صفات الرجولة لديه. ولكي ~~يحتفظ لفترة قصيرة من الزمن بمظهر بارز كهذا أمام العالم تراه يقنع بأن يأكل التراب ~~أمام السادة الحقيقيين الذين يقفون منتصبين خلف العرش. أم هل يرغب الناس في عظمة النبوغ ~~لأنها أثقل وزنا وأشد ثباتا؟ إن هذه كذلك ليست لها حصانة. من يكون عظيما بقوة الإرادة ~~أو قوة الفكر ويعلو على الألوف يتحمل تكاليف العظمة. كل فيض من النور يصحبه خطر جديد. ~~هل لديه ضياء؟ لا بد له من صيانته، ولا بد له دائما من عدم الاكتفاء بشعور القناعة ~~والرضى، وذلك لإخلاصه لكل وحي جديد تلهمه به روحه التي لا تفتر. لا بد له من أن يكره ~~أمه وأباه، والزوج والولد. أم هل لديه كل ما تحب الدنيا وتعجب به وتشتهيه؟ لا بد له من ~~أن ينبذ وراءه إعجاب الناس به، وأن يفجعهم بإخلاصه لحقيقته، فيصبح لهم كلمة عابرة، أو ~~همسا ms112 خافتا. # هذا القانون يدون قوانين المدائن والأمم. ومن العبث أن نقيم ما يفنده أو نتآمر عليه ~~أو نتحد ضده. «إن الأشياء ترفض أن تساء إدارتها طويلا.» إن الشر المستحدث قد لا تظهر ~~فيه العقبات، ولكن العقبات قائمة وسوف تظهر. إذا كانت الحكومات قاسية، فإن حياة الحاكم ~~لا تكون آمنة. وإذا فرضت ضريبة عالية فإن الدخل لا يأتيك بشيء. وإذا جعلنا قانون ~~الجنايات دمويا، فإن المحكمين لن يدينوا أحدا. وإذا كان القانون لينا تدخل الانتقام ~~الشخصي. وإن كانت الحكومة ديمقراطية مزعجة فإن فيض النشاط عند المواطن يقاوم ضغطها، ~~فتتوهج الحياة بشعلة أقوى وميضا. يظهر أن حياة الإنسان الحقة وما يرضيه فعلا لا يخضع ~~لأشد الظروف قسوة أو مواتاة، بل تثبت دون مبالاة بتقلبات الظروف جميعا. إن تأثير ~~الشخصية يبقى كما هو تحت كل حكومة، يكاد يتشابه في تركيا ونيو إنجلند. وفي ظل الحكام ~~المستبدين الأوائل في مصر يعترف التاريخ صراحة أن الإنسان كان يستمتع بالحرية بمقدار ما ~~كانت تمكنه ثقافته. # هذه المظاهر تشير إلى أن الكون ممثل في كل جزء من أجزائه. كل شيء في الطبيعة يحتوي ~~على قوى الطبيعة جميعا. وكل شيء مصنوع من مادة خفية واحدة، كما يرى عالم الطبيعة نوعا ~~واحدا في التطورات المختلفة للشيء الواحد، ويرى الحصان كالرجل العداء، والسمكة ~~كالرجل السابح، والعصفور كالرجل الطائر، والشجرة كالرجل ثابت الجذور. كل شكل جديد لا ~~يكرر الصفة الأساسية للنوع فحسب، وإنما يكرر جزءا جزءا كل التفصيلات، وكل الأغراض، ~~وأسباب التقدم، وأسباب التأخر، والقوى، والنظام بأسره، الذي يتميز به كل جزء آخر، وكل ~~عمل وكل مهنة وفن وتعامل خلاصة للدنيا ويتمم كل واحد منها الآخر. كل فرد رمز كامل ~~للحياة الإنسانية، رمز لخيرها وشرها، ومحاولاتها، وخصومها ومسيرها وغايتها. وكل فرد ~~ينبغي له أن يستوعب الإنسانية كلها بصورة ما، وأن يكرر مصيرها كله. # إن الدنيا تكون نفسها في قطرة الندى. ولا يستطيع المنظار المكبر أن يجد الحيوان ~~المتناهي في الصغر الذي يقل كمالا لأنه يقل حجما. إن العيون، والآذان، والذوق، والشم، ms113 ~~والحركة، والمقاومة، والشهوة، وأعضاء التناسل التي تسيطر على الخلود، كل ذلك يجد مجالا ~~يحتويه في المخلوق الصغير. وهكذا نضع حياتنا في كل عمل. والعقيدة الحقيقية في وجود الله ~~في كل مكان معناها أن الله يعيد ظهوره بكل أجزائه في كل ذرة من طحلب أو خيط من نسيج ~~العنكبوت. وقيمة الكون تجاهد أن تلقي بنفسها في كل قطرة: إن وجد الخير وجد كذلك الشر، ~~وإن وجد التقارب وجد التباعد، وإن وجدت القوة وجد العجز. # هكذا يحيا الكون. كل شيء خلاصة؛ فالروح - التي نحسها عاطفة في نفوسنا - هي قانون خارج ~~أنفسنا، نشعر بوحيها، ونشهد في التاريخ قوتها القاضية «فهي في الدنيا، وبها وجدت ~~الدنيا». والإنصاف لا يؤجل، والعدالة الكاملة تقيم ميزانها في جميع أجزاء الحياة، والله ~~مستعد دائما بأحكامه. إن الدنيا تشبه جدول الضرب في الحساب، أو معادلة رياضية، إذا ~~قلبتها كيفما شئت توازن نفسها. خذ أي رقم تشاء تجد أن قيمته المضبوطة هي بالنسبة إليك ~~لا تزيد ولا تنقص. كل سر يفشو، وكل جريمة تجد جزاءها، وكل فضيلة تكافأ، وكل خطأ يجازى، ~~في صمت وبالتأكيد. وما نسميه الجزاء هو الحقيقة العالمية التي تدل على أن الكل يبدو ~~حيثما ظهر الجزء. فإن شهدت دخانا فلا بد أن تكون هناك نار. وإن رأيت يدا، أو طرفا، ~~عرفت أن الجذع خلفهما. # كل عمل يكافئ نفسه، أو بعبارة أخرى يكمل نفسه، بطريقتين؛ أولا: في الشيء، أو في ~~الطبيعة الواقعة، وثانيا: في الظروف أو في الطبيعة الظاهرة. ويسمي الناس الظروف ~~الجزاء. والجزاء السببي في الشيء تراه الروح، والجزاء في الظروف يدركه العقل، ولا ينفصل ~~عن الشيء، ولكنه غالبا ما ينتشر على فترة طويلة من الزمن، ولذا لا يتضح إلا بعد سنوات ~~عدة، فإن آثارا معينة قد تتبع الإساءة في وقت متأخر، ولكنها تتبعها لأنها ترافقها؛ ~~فالجريمة والعقاب يصدران عن أصل واحد. العقوبة ثمرة تنضج في الخفاء داخل زهرة المتعة ~~التي تخفيها الجريمة، ولا يمكن أن نفصل السبب عن النتيجة، أو الوسيلة عن الغاية، أو ~~البذرة عن ms114 الثمرة؛ لأن النتيجة تتفتح فعلا في السبب، والغاية يسبق وجودها في الوسيلة، ~~والثمار في البذور. # وبينما الدنيا هكذا تريد أن تكون واحدا وترفض أن تنقسم، نسعى نحن إلى العمل الجزئي، ~~وإلى الانفصال، وإلى التخصص؛ فمثلا لكي نرضي الحواس نفصل متعة الحواس عن حاجات ~~الشخصية، ومن هنا فإن عبقرية الإنسان كانت تتوجه دائما نحو حل مشكلة واحدة، وهي كيف ~~نفصل اللذة الحسية، أو القوة الحسية، أو الإشراق الحسي، إلى آخر ذلك، عن اللذة الروحية، ~~والعمق الروحي، والجمال الروحي، ومعنى ذلك أننا نحاول أن نعزل عزلا تاما السطح ~~العلوي ونرققه حتى يصبح من غير قاع، أو أن نحصل على طرف دون الطرف الآخر. تقول النفس ~~كل، ويريد الجسم أن يولم، وتقول النفس إن الرجل والمرأة سيكونان جسدا واحدا وروحا ~~واحدة، ولكن الجسم يريد أن يتصل بالجسد وحده. وتقول النفس: تسلط على كل شيء من أجل ~~الفضيلة، ولكن الجسم يريد النفوذ على الأشياء لأغراضه الخاصة. # إن الروح تجاهد بكل قوة لكي تعيش وتعمل خلال الأشياء جميعا. وتريد أن تكون الحقيقة ~~الوحيدة. وكل شيء ينضم إليها، القوة والمتعة والمعرفة والجمال. إن الرجل الواحد يهدف ~~إلى أن يكون شخصا ما، وأن يقوم لذاته، وأن يبادل السلع ويساوم لصالحه الخاص، وهو في ~~تفصيلات حياته يريد أن يركب لكي يكون راكبا، وأن يلبس لكي يكون لابسا، وأن يأكل ليكون ~~آكلا، وأن يحكم لكي يرى. إن الناس يرمون إلى بلوغ العظمة، فهم يريدون المناصب والثراء ~~والقوة والشهرة. ويحسبون أن بلوغ العظمة هو امتلاك ناحية من نواحي الطبيعة - الناحية ~~الحلوة دون الناحية الأخرى - المرة. # هذا التقسيم وهذا الانفصال يقابل دائما بما يناقضه. ويجب أن نعترف أن كل من حاول أن ~~يبرز وحده لم يلاق حتى اليوم أدنى نجاح. إن المياه المنشقة تتحد ثانية خلف أيدينا. ~~والمتعة تزول عن الأشياء الممتعة، والكسب عن الأشياء المكسبة، والقوة عن الأشياء القوية ~~إذا أردنا أن نفصلها عن الكل. إننا لا نستطيع أن نجزئ الأشياء وأن نحصل على الفائدة ~~الحسية وحدها أكثر مما نستطيع ms115 أن نحصل على داخل ليس له خارج، أو ضوء بغير ظل «إذا دفعت ~~الطبيعة بشوكة، ارتدت إليك مسرعة .» # إن الحياة تخلع على نفسها شروطا لا مفر منها، يحاول الحمقى أن يتنصلوا منها، ويحاول ~~هذا الفرد أو ذاك أن يفخر بتجاهلها أو بأنها لا تمسه، ولكنه فخر زائف يجري على شفتيه ~~فقط، أما الشروط ففي روحه. إذا فر منها في ناحية هاجمته في ناحية أخرى أشد حيوية، ~~وإن تحاشاها شكلا ومظهرا فذلك لأنه قاوم حياته وفر من نفسه، وليس جزاؤه أقل من الموت. ~~إن فشل كل محاولة في فصل الخير عن ضريبته أمر واضح لا يشجع على إجراء التجربة - ما دام ~~إجراؤها ضربا من الجنون - لولا ما تقتضيه الظروف، وإذا ما ظهرت في إرادة المرء علة ~~العصيان والانفصال، أصيب بها الذهن كذلك، فيتوقف الإنسان عن رؤية الله كاملا في كل ~~شيء، ولكنه يستطيع أن يرى الغواية الحسية للأشياء دون أن يرى الأذى الحسي. إنه يرى رأس ~~عروس البحر ولا يرى ذيل الأفعوان، ويظن أنه يستطيع أن يفصل ما يريد أن يحصل عليه عما ~~لا يريد الحصول عليه. يقول القديس أوغسطين في الكتاب الأول من اعترافاته: «ما أشد ~~اختفاءك يا من تسكن السموات العلا في صمت وسكون، أنت أيها الإله العظيم الأوحد، يا من ~~تنشر بقدرة لا تكل أنواعا من العمى عقوبة لمن يطلقون لشهواتهم العنان.» # إن الروح البشرية تخلص لهذه الحقائق في تصوير الحكايات الخرافية، والتاريخ، ~~والقانون، والأمثال، والأحاديث. وتجد لها لسانا في الأدب بغير قصد؛ ولذا فقد أطلق ~~الإغريق على «جوبتر» اسم «العقل الأسمى». ولما كانوا في تقاليدهم قد نسبوا إليه كثيرا ~~من الأعمال الوضيعة، فقد استرضوا العقل عفوا. وذلك بتقييد يدي إله سيئ كهذا. فأصبح ~~عاجزا كملك إنجلترا. ويعرف «بروميثيس» سرا واحدا لا بد ل «جوف» أن يساوم فيه، وتعرف «منيرفا» سرا آخر. ولا يستطيع جوف أن يظفر بصواعقه؛ ~~لأن «منيرفا» تحتفظ بمفاتيح هذه الصواعق. # من بين الآلهة جميعا أنا وحدي أعرف المفاتيح، # التي تفتح الأبواب الجامدة التي تختفي ms116 صواعقه # داخل قبابها. # وهذا اعتراف صريح عن العمل الباطني «للكل» وعن عرضه الخلقي. وتنتهي الميثولوجيا ~~الهندية بنفس هذه القواعد الخلقية. ويظهر أنه من المستحيل أن تخترع حكاية خرافية وتشيع ~~بين الناس إلا إذا كانت تقوم على أساس خلقي. لقد نسيت «أورورا» أن تطلب الشباب لعشيقها، ~~ومع أن «تيثونس» خالد إلا أنه عجوز، ولم يكن «أخيل» محصنا ضد الطعنات تماما؛ لأن ~~المياه المقدسة لم تغسل العقب الذي أمسكته منه «ثتس». وكذلك «سيجفريد» في نيبلنجن ليس ~~خالدا كل الخلود؛ لأن ورقة من أوراق الشجر سقطت على ظهره بينما كان يستحم في دماء ~~الأفعوان، وتلك البقعة التي غطتها الورقة فانية. وينبغي أن تكون كذلك. إن في كل شيء ~~خلقه الله نقطة ضعف. ويظهر أن الظرف الانتقامي يوجد دائما، ويدب في الشيء دون أن يحس ~~به، حتى في الشعر الهمجي الذي حاول فيه خيال الإنسان أن يأخذ حرية جريئة، وأن يتخلص من ~~القوانين العتيقة، هذه الضربة الخلفية، أو هذه القذيفة المدفعية، تشهد بأن القانون لا ~~مفر منه، وأن الأشياء لا توهب في الطبيعة، لكنها جميعا تباع. # ذلك هو المبدأ القديم لنمسس، الذي يسهر على الكون، ولا يدع إساءة تمر بغير عقوبة. ~~ويقال إن آلهة الانتقام في خدمة العدالة، وإذا ما تخطت الشمس في السماء مسيرها عاقبتها ~~هذه الآلهة. وروى الشعراء أن الأسوار الحجرية والسيوف الحديدية، والسيور الجلدية تشارك ~~في الخفاء ما يقترف أصحابها من آثام، وأن الحزام الذي أعطاه «أيجكس» ل «هكتور» جر بطل ~~طروادة في الميدان إلى عجلات عربة «أخيل»، وأن السيف الذي أعطاه «هكتور» ل «أيجكس» هو ~~الذي سقط «أيجكس» على حده. ورووا أنه لما أقام «ألثاسيان» تمثالا ل «ثيجنيز» الذي ظفر ~~في المباريات، تسلل إليه أحد منافسيه في المساء، وحاول أن يحطمه بالضربات المتتالية، ~~حتى استطاع في النهاية أن يزعزعه عن قاعدته، فسقط التمثال وسحقه تحت سقطته حتى ~~مات. # وفي رواية هذه الحكاية الخرافية شيء من القداسة؛ فقد نبتت من تفكير فوق إرادة الكاتب. ~~وذلك أحسن ما عند أي كاتب؛ إذ ms117 ليس فيه شيء خاص، إنما هو شيء لا يعرفه يصدر عن كيانه، ~~ولا يصدر عن فرط خياله. إنها صفة لا تستطيع أن تلمسها بسهولة عندما تدرس فنانا بمفرده، ~~ولكنك تلمسها حين تدرس الكثيرين فتستخلصها وتدرك أنها روحهم أجمعين. إنني لا أريد أن ~~أعرف «فدياس»، ولكني أريد أن أعرف عمل الإنسان في ذلك العالم الهليني القديم، فإن اسم ~~«فدياس» وظروفه، مهما كانت ملائمة للتاريخ، تحيرنا عندما نتعرض للنقد الدقيق. علينا أن ~~نرى ذلك الذي كان يميل الإنسان إلى فعله في فترة معينة، ولكن تدخل إرادات «فدياس» ~~و«دانتي» و«شكسبير» - أي ذلك العضو الذي استخدمه الإنسان في تلك اللحظة - قد حال دون ~~أدائه، أو إن شئت فقل قد وجهه وجهة أخرى. # ويسترعي أنظارنا أكثر من ذلك التعبير عن هذه الحقيقة في أمثال جميع الأمم، وهي ~~دائما أدب العقل، أو صوت الحق المطلق دون تعديل. الأمثال - كالكتب المقدسة في كل أمة - ~~هي محراب البديهيات؛ فإن ذلك الذي لا يسمح العالم المتراخي، المقيد بالمظاهر، للرجل ~~الواقعي أن يقوله في كلمات من عنده، يسمح له بقوله في أمثال من غير تناقض. وقانون ~~القوانين هذا الذي تنكره المنابر ومجالس الشيوخ والكليات تبشر به في كل ساعة وفي كل سوق ~~وكل مصنع أسراب من الأمثال معناها صادق وموجود في كل مكان كأنها الطيور أو ~~الذباب. # كل شيء مزدوج، هذا يقابل ذاك، دقة بدقة، والعين بالعين، والسن بالسن، والدماء ~~بالدماء، وخطوة بخطوة، وحب بحب - أعط تعط، من يرو يرتو - يقول الإله: ادفع ثمن ما ~~تريد يكن لك. إذا لم تغامر لا تظفر بشيء. ولسوف تؤجر تماما بقدر ما عملت، لا أكثر ولا ~~أقل. من لا يعمل لا يأكل. من يرقب الأذى يصب به، واللعنة تنصب دائما على رأس من ~~يستنزلها. إذا طوقت جيد عبد بسلسلة، فإن الطرف الآخر يطوق جيدك. والنصيحة السيئة تزعج ~~الناصح بها، إنما الشيطان حمار. # هكذا كتب علينا؛ لأن الحياة كذلك، فإن قانون الطبيعة يسيطر على أعمالنا ويدفعها فوق ~~إرادتنا. إننا نرمي إلى غاية تافهة أبعد ms118 كل البعد عن الصالح العام، ولكن أعمالنا تنخرط ~~بجاذبية لا تقاوم في سلك واحد مع قطبي الدنيا. # إن الإنسان قد لا يتكلم ولكنه يحكم على نفسه. وبإرادته أو رغما عن إرادته، يرسم ~~صورته لأعين رفاقه في كل كلمة. كل رأي يرتد على من ينطق به؛ فهو كالكرة ترتبط بخيط ~~ويلقى بها إلى هدف، ولكن الطرف الآخر يبقى في جعبة الرامي. أو قل إن الرأي كصنارة ~~الصيد يقذف بها الحوت، تحل وهي طائرة في الهواء لفافة حبال في قارب الصيد. وإذا لم ~~تكن الصنارة صالحة، أو إذا لم تسدد رمايتها، أوشكت أن تشق ربان السفينة نصفين، أو أن ~~تغرق القارب. # إنك لا تستطيع أن تفعل الخطأ دون أن تتحمل وزره. يقول برك: «لا يمكن أن تكون ~~للإنسان نقطة افتخار لا يصيبه منها أذى.» إن من يتنحى عن الحياة المألوفة لا يدرك أنه ~~يتنحى عن المتعة لكي يظفر بها. ومن يعتزل في الدين لا يدرك أنه يغلق أبواب السماء على ~~نفسه محاولا أن يغلق الباب في وجه الآخرين. إذا عاملت الناس كبيادق الشطرنج أو دبابيس ~~اللعب كابدت ما يكابدون. وإذا أهملت قلوبهم فقدت قلبك. إن الحواس تجعل من الناس أشياء، ~~من النساء ومن الأطفال والفقراء. والمثل الشعبي القائل: «سوف أحصل على ما أريد من كيس ~~نقوده أو من جلده» فلسفة صحيحة. # كل نقص في الحب والإنصاف في علاقاتنا الاجتماعية يلقى جزاءه فورا. يلقى الجزاء في ~~الخوف. إذا وقفت من زميلي في علاقتي به موقفا بسيطا، فإني لا أجد غضاضة عندما ألقاه. ~~إننا نلتقي كما يلتقي الماء بالماء، أو كما يختلط تياران من الهواء، في امتزاج كامل ~~وتداخل في الطبائع. غير أننا لو انحرفنا عن البساطة، وحاولنا المناصفة، أو كان هناك خير ~~لي ليس فيه خير لجاري، فإنه يشعر بالإساءة، ويبتعد عني بمقدار ما ابتعدت عنه. لا تبحث ~~عيناه عن عيني بعد ذلك، وينشب بيننا الخصام وتقوم في نفسه الكراهية وفي نفسي ~~الخوف. # كل مساوئ المجتمع القديمة، العامة والخاصة، وكل ملك أو نفوذ ms119 جاء ظلما إنما يلقى ~~الانتقام على صورة واحدة. الخوف يعلمنا الحكمة الكبرى، وهو رائد كل انقلاب . وهو يعلمنا ~~شيئا واحدا، وذلك أن هناك فسادا حيثما ظهر. إنه أشبه بالحدأة أو الغراب، قد لا ترى ~~جيدا ما يحومان حوله، إلا أنك تثق من وجود الموت والجيف الممزقة في مكان ما. إن ~~أملاكنا هيابة، وقوانيننا هيابة، وطبقاتنا المثقفة هيابة. وقد أنذر طائر الخوف بالشر ~~منذ آماد طويلة وقطب جبينه وتذمر من الحكومة ومن الملك، ولم يوجد ذلك الطائر الدنس ~~هناك من غير داع. وإنما كان يشير إلى أخطاء كبرى لا بد أن يعاد فيها النظر. # ومن هذا القبيل ما نتوقعه من التغير الذي يعقب مباشرة توقف حركتنا الإرادية. كما أن ~~الفزع من الظهيرة الخالية من السحب، وزمردة «بوليكراتس»، والرهبة التي نحسها إزاء كل ~~فلاح، والغريزة التي تقود كل روح كريمة إلى أن تفرض على نفسها واجبات من الزهد النبيل ~~والفضيلة التي نؤديها لغيرها، ذلك كله ذبذبة ميزان العدالة في قلب الإنسان ~~وعقله. # يعلم المجربون من الرجال في هذه الدنيا جيدا أنه من الخير لهم أن يجزلوا العطاء ~~أنى ساروا، وأن الإنسان كثيرا ما يدفع الثمن غاليا نظير اقتصاد ضئيل. والمدين يعاني ~~من دينه. هل يكسب شيئا ذلك الإنسان الذي يتلقى مائة معروف ولا يصنع واحدا. وهل يكسب ~~إن هو استعار - لتراخيه أو لمكره - أدوات جاره أو خيله أو ماله؟ في هذه الفعلة ينشأ ~~الاعتراف المباشر بالمنفعة من ناحية، والدين من ناحية أخرى، أي ينشأ السمو والنقص في ~~آن. وتبقى العملية في ذاكرته وذاكرة جاره. وكل عملية جديدة تغير - وفقا لطبيعتها - ~~علاقة أحدهما بالآخر، وربما يدرك حالا أنه كان خيرا له أن يحطم عظامه من أن يركب عربة ~~جاره، وأن «أعلى ثمن يمكن أن يدفعه للشيء هو طلبه إياه». # والرجل العاقل يطبق هذا الدرس على جميع نواحي الحياة، ويعرف أنه من الحكمة أن يواجه ~~كل طالب، وأن يدفع ثمنا لكل مطلب عادل من وقته ومواهبه وقلبه. ادفع دائما؛ لأنك لا بد ~~أن تدفع ms120 الدين كله أولا أو آخرا. والأشخاص والحوادث قد يقفون لفترة ما بينك وبين ~~العدالة، ولكن ذلك لا يكون إلا إلى حين. لا بد أن تدفع دينك أخيرا. ولو كنت عاقلا ~~لخشيت النجاح الذي يحملك من هذا الدين المزيد. المنفعة غاية الطبيعة، ولكن لقاء كل ~~منفعة تتلقاها تجبى منك ضريبة. والعظيم من يهب أكثر المنافع. ومن الوضاعة - بل ذلك هو ~~الشيء الوضيع الوحيد في الكون - أن تتلقى الأفضال ولا تقدم فضلا واحدا. وفي نظام ~~الطبيعة لا نستطيع أن نقدم المنافع لأولئك الذين نتلقاها منهم، أو قلما يكون ذلك. ولكن ~~المنفعة التي نتلقاها لا بد أن تبذل لآخر مرة أخرى، خطا بخط، وعملا بعمل، وسنتا ~~بسنت. واحذر من أن تبقي الفائدة طويلا بين يديك. فسرعان ما تفسد وتولد الديدان. أسرع ~~بدفعها على صورة ما. # وهذه القوانين الصارمة عينها تسيطر على العمل. يقول الحكيم: «أغلى الأعمال ثمنا ~~أرخصها.» وما نشتريه في مكنسة أو حصير أو عربة أو سكين هو ما يفيده منها العقل الحكيم ~~باستخدامها في مصلحة عامة. خير لك أن تدفع في أرضك أجرا لبستاني ماهر، أو أن تشتري ~~عقلا حكيما يستخدم الحكمة في فلاحة البستان، أقصد في ملاحك أن يطبق العقل الحكيم على ~~الملاحة، وفي بيتك تطبيق العقل الحكيم على الطبخ والحياكة والخدمة، وفي وكيلك أن يطبق ~~العقل الحكيم على حساباتك وشئونك. هكذا تضاعف وجودك، أو تنشر نفسك خلال مزرعتك. ويترتب ~~على الطبيعة الثنائية لكل شيء أنه لا يمكن أن يكون هناك خداع في العمل أو في الحياة؛ ~~فالسارق يسرق من نفسه؛ لأن الثمر الحقيقي للعمل هو المعرفة والفضيلة، وليس الثراء ~~والامتياز إلا شارة له. وهذه الشارة - كعملة الورق - يمكن تزييفها أو سرقتها، ولكن ما ~~تمثله، أعني المعرفة والفضيلة، لا يمكن أن يزيفا أو يسرقا. وأغراض العمل هذه لا يمكن ~~تحقيقها إلا بالإجهاد الحقيقي للعقل وبالخضوع للدوافع الخالصة. أما الغشاش والمختلس ~~والمقامر فلا يستطيعون أن يسلبوا المعرفة مادية أو معنوية، تلك المعرفة التي يكسبها ~~العامل بجهده المضني وعنايته الصادقة. قانون الطبيعة ms121 هو هذا: افعل الشيء تكن لك القوة، ~~أما الذين لا يفعلون ذلك الشيء فلا تكون لهم قوة. # إن العمل الإنساني بكل صوره، من تشذيب الوتد إلى إنشاء المدينة أو الملحمة، مثل واحد ~~كبير للتعويض الكامل في الكون. إن التوازن المطلق بين الإعطاء والأخذ، والمذهب الذي ~~يقول بأن لكل شيء ثمنه، وإذا لم يدفع هذا الثمن، لا تظفر بهذا الشيء، وإنما تظفر بشيء ~~آخر، وأنه يستحيل أن تحصل على شيء دون ثمنه - هذا المذهب لا يقل سموا في أعمدة دفاتر ~~الحساب الخاصة، عنه في ميزانيات الدول، وفي قوانين الضوء والظلام، وفي كل فعل في ~~الطبيعة وما يقابله. ولست أشك في أن القوانين العليا التي يراها كل إنسان في ثنايا كل ~~عمل يؤديه، وأن القواعد الخلقية الصارمة التي تتلألأ على حد إزميله، والتي يقيسها ~~بمسباره ومسطرته، والتي تبدو واضحة في ختام فاتورة العمل التجاري كما تبدو في تاريخ ~~الدولة؛ لست أشك في أن هذه القوانين ترفع له من شأن صناعته، وتمجد له عمله في خياله، ~~وإن قل ذكر هذا العمل. # إن الائتلاف بين الفضيلة والطبيعة يدعو كل شيء إلى أن يقف من الرذيلة موقفا ~~عدائيا. والقوانين والمواد الجميلة في هذه الدنيا تضطهد الخائن وتضربه بالسياط. إنه ~~يجد أن الأشياء معدة للحق والمنفعة، ولكن ليس في الدنيا الواسعة عرين يختبئ فيه إنسان ~~سافل. إن ارتكبت جريمة وجدت الأرض كأنها مصنوعة من زجاج. إن ارتكبت جريمة بدا لك كأن ~~طبقة من الثلج قد سقطت على الأرض، كتلك التي تفضح في الغابات مسير كل حجل وثعلب ~~وسنجاب وخلد. إنك لا تستطيع أن تسترد الكلمة بعد النطق بها، ولا تستطيع أن تمحو أثر ~~القدم. إن شارة سيئة دائما تنضح بما حدث. إن قوانين الطبيعة ومواردها - من ماء وثلج ~~وريح وجاذبية - تصبح للسارق عقوبات. # والقانون - من ناحية أخرى - قائم بدرجة مساوية من الثبات بالنسبة لكل عمل صحيح، أحب ~~تحب. الحب كله متساو مساواة أعداد الحساب، مثله مثل طرفي معادلة جبرية. والرجل الصالح ~~لديه خير مطلق، خير أشبه ms122 بالنار التي ترد كل شيء إلى طبيعته، فلا تستطيع أن تصيبه بأذى، ~~ولكن كما أن الجيوش الملكية التي أرسلت لمحاربة نابليون ألقت أعلامها عند اقترابه ~~وصاروا أصدقاء بعد أن كانوا خصوما، فكذلك الكوارث من كل نوع، كالمرض، والإساءة والفقر، ~~تثبت نفعها: # إن الرياح تهب والمياه تموج # قوة للجريء، ونفوذا وقداسته، # وهي - مع ذلك - في ذاتها لا شيء. # إن الأخيار يصادقهم حتى الضعف والنقصان. وكما أن المرء كلما تفاخر بشيء أصابه منه ~~أذى، فكذلك كل نقص عنده لا بد أن يعود عليه بالنفع في ناحية من النواحي، وقد جاء في ~~حكاية خرافية أن الغزال أعجب بقرنيه وألقى اللوم على قدميه، ولكن عندما أتى الصياد ~~أنقذته قدماه، ثم اشتبك بعدئذ في الغابة فقضى عليه قرناه. كل إنسان في حياته يفيد من ~~نقائصه. وكما أن الإنسان لا يفهم الحقيقة فهما كاملا حتى يناضل في وجهها، فكذلك لا ~~يعرف المرء معرفة كاملة مثالب الناس ومزاياهم حتى يقاسي وطأة هذه المثالب ويشهد انتصار ~~تلك المزايا على نفسه لافتقاره إليها. هل عنده نقص في المزاج يجعله غير ملائم للعيش في ~~المجتمع؟ إن هذا النقص عينه يدفعه إلى أن يسلي نفسه وهو وحيد، ويكتسب عادة الاكتفاء ~~بنفسه. وهكذا تراه كالمحار الجريح يصلح صدفه باللؤلؤ. # إن قوتنا تصدر عن ضعفنا، والسخط الذي يسلح نفسه بالقوى الخفية لا يتيقظ إلا حينما ~~نتعرض للأشواك واللدغات والهجمات العنيفة. إن الرجل العظيم يحب دائما أن يكون صغيرا. ~~وبينما يجلس على حشية المزايا تأخذه سنة من النوم. أما إذا دفع، وعذب، وهزم، ~~فإن الفرصة تتاح له لكي يتعلم شيئا؛ لأن ذكاءه ورجولته يوضعان موضع الاختبار. إنه ~~يكتسب الحقائق، ويعرف جهله، ويشفى من جنون الغرور، كما يكتسب الاعتدال والمهارة الحقة. ~~الرجل الحكيم يلقي بنفسه في جانب مهاجميه؛ لأن اكتشاف موطن الضعف فيه يهمه أكثر مما ~~يهمهم، ولأن الجرح بذلك يندمل ويسقط عنه كالجلد الميت، وإذا ما انتصر الخصوم خرج من ~~المعركة محصنا من كل إيذاء. إن اللوم أكثر أمانا من الثناء. وإنني لأمقت أن ms123 يدافع ~~عني أحد في صحيفة. وما دام كل ما يقال يقال ضدي فإني أحس الثقة في النجاح. وبمجرد ~~ما توجه إلي عبارات الثناء المعسولة فإني أحس كأني رجل ملقى بغير حماية أمام ~~خصومي. كل شيء لا نخضع له ينفعنا بوجه عام. وكما أن ساكن جزيرة «ساندوتش» يعتقد أن قوة ~~عدوه الذي يقتله وبسالته تنتقل إليه، فكذلك نحن نكتسب قوة الإغراء الذي نقاومه. # إن الضمانات عينها التي تحمينا من الكوارث والعيوب والعداوة تحمينا كذلك - إن أردنا - ~~من الأنانية والخداع. والمزاليج والقضبان ليست خير ما لدينا من نظم، وكذلك المكر في ~~التجارة ليس دليلا على الحكمة. والناس يكابدون طوال حياتهم من وهم باطل يخيل إليهم ~~أنهم يمكن أن يخدعوا. ولكن يستحيل على المرء أن يخدع إلا من نفسه، كما يستحيل على ~~الشيء أن يكون وألا يكون في آن واحد. هناك طرف ثالث صامت في كل مساوماتنا؛ فطبيعة ~~الأشياء وروحها تتعهد بضمان وفاء كل تعاقد، بحيث لا يمكن أن تخسر الخدمة الأمينة. إذا ~~أنت خدمت سيدا ناكرا للجميل، بالغ في خدمته، وانتظر من الله حسن الثواب؛ فكل ضربة ~~تلقى جزاءها، وكلما تأخر عليك الأجر كان ذلك في مصلحتك؛ لأنه يضاعف لك الربح ويزيد من ~~فائدتك. # إن تاريخ الاضطهاد تاريخ محاولات لخداع الطبيعة «كي نجعل الماء يجري إلى أعلى الجبل، ~~وأن نضفر حبلا من رمال.» ولا فرق بين أن يكون الفاعل واحدا أو كثيرين، حاكما ~~مستبدا أو رعاعا؛ فالرعاع مجتمع من الأفراد يحرم نفسه طواعية من العقل وينقض عمله. ~~الرعاع هم الناس يهبطون طواعية إلى طبيعة الحيوان. وقتهم الذي يلائم نشاطهم هو الليل، ~~وأعمالهم جنونية كتكوينهم كله. إنهم يضطهدون المبدأ السليم ويضربون بالحق عرض الحائط، ~~ويسيئون إلى العدالة، فيشعلون النار والثورة في بيوت أولئك الذين يملكون هذه الأشياء ~~وفي أشخاصهم. الرعاع يشبهون عبث الأطفال، الذين يهرعون بآلات المطافئ، لكي يطفئوا الشفق ~~الأحمر الذي يمتد إلى النجوم. إن الروح الطاهرة تصوب حقدهم نحو المسيئين. إن الشهيد لا ~~يمكن أن يهان. كل ضربة توقع لسان من ms124 الشهرة، وكل سجن مسكن مضيء، وكل كتاب وكل بيت ~~محترق يضيء العالم. وكل كلمة مكبوتة أو محظورة يرن صداها في الأرض من جانب إلى آخر. إن ~~ساعات الحكمة والتأمل تأتي إلى الجماعات دائما - كما تأتي إلى الأفراد - عندما يظهر ~~لنا الحق، ونجد للاستشهاد ما يبرره. # وهكذا يبشر كل شيء بتفاهة الظروف؛ فالإنسان كل شيء. ولكل شيء وجهان، الخير والشر. ~~ولكل ميزة ضريبتها. وقد تعلمت القناعة، ولكن مبدأ التعويض لا يدعو إلى عدم الاكتراث. ~~يقول الذين لا يتفكرون عندما يسمعون هذه الأمثال: ما جدوانا من فعل الخير؟ هناك غاية ~~واحدة للخير والشر، فإن أنا اكتسبت خيرا دفعت ثمنه، وإن فقدت خيرا اكتسبت آخر. كل عمل ~~لا قيمة له. # وتنطوي الروح على حقيقة أبعد غورا من التعويض، وتلك هي طبيعتها. ليست الروح تعويضا، ~~ولكنها حياة. الروح كائنة. وتحت كل هذا النهر الجاري من الحوادث، الذي تعلو مياهه وتهبط ~~باتزان كامل، تكمن تلك الهوة الأصيلة وهي الوجود الحقيقي. إن الخلاصة، أو الله، ليست ~~علاقة أو جزءا، ولكنها كل. الوجود هو الإيجاب العريض الذي يستبعد النفي، يتزن بنفسه، ~~ويبتلع كل العلاقات وكل الأجزاء وكل الأوقات في دخيلته، والطبيعة والحق والفضيلة فيض من ~~هذا. والرذيلة هي اختفاء ذلك أو البعد عنه. والعدم والزور والبهتان قد توجد حقا كأنها ~~الليل الحالك أو الظل الذي يظهر صورة العالم الحي، ولكنها لا تتمخض عن حق، ولا تستطيع ~~أن تؤدي عملا؛ لأنها ليست كائنة، ولا تستطيع أن تؤتي خيرا أو تؤتي شرا. إنها أذى ~~لأن العدم أسوأ من الوجود. # إننا نحس بالخديعة فيما ينال الشر من عقوبة؛ لأن المجرم يلازم إثمه وتمرده، ولا يبلغ ~~حرجا ولا يخضع لحكم في أي مكان في الطبيعة المرئية. ليس هناك استنكار قوي لعبثه أمام ~~الناس والملائكة. فهل تغلب على القانون بذكائه؟ إنه يذوي من الطبيعة بمقدار ما يحمل بين ~~جنبيه من خبث وكذب. وسوف يظهر الخطأ بصورة من الصور لمن يتفقهون. وبهذا الاستبعاد ~~القاتل يلقى المسيء جزاءه الحق، حتى إذا غاب الأمر عن ms125 أنظارنا. # ومن ناحية أخرى لا يمكننا أن نقول إن ما نكسبه من الاستقامة يجب أن نتكبد في سبيله ~~شيئا من الخسارة. ليست للفضيلة عقوبة، وليست للحكمة عقوبة، إنما هما من مستلزمات الوجود ~~المتعلقة به. في العمل الفاضل أكون أنا نفسي تماما، وفي العمل الفاضل أضيف إلى الدنيا. ~~إنني أزرع الصحاري التي هزمتها الفوضى والعدم، وأرى الظلام يتراجع عند حافة الأفق. لا ~~يمكن أن يكون في الحب مبالغة، أو في المعرفة، أو الجمال، إذا اعتبرنا هذه الصفات بأصفى ~~معانيها. إن الروح ترفض القيود، وتؤكد التفاؤل دائما، ولا ترضى بالتشاؤم أبدا. # حياة الروح في تقدم وليست في سكون. وطبيعتها الثقة. إننا بغريزتنا نستعمل «الأكثر» ~~و«الأقل» في الحديث عن الإنسان، وفي «وجود الروح»، ولا نقول ذلك عن عدمها؛ فالرجل الجريء ~~أعظم من الجبان. والصادق وفاعل الخير والحكيم أكثر إنسانية - وليس أقل - من الأحمق ~~والدنيء. ليست هناك ضريبة على خير الفضيلة؛ لأن ذلك هو قدوم الله نفسه، أو الوجود ~~المطلق، الذي لا يقارن. أما الخير المادي فعليه ضريبة، وإن أتى دون استحقاق أو جهد، ~~كان من غير جذور في نفسي، تذروه أول ريح. ولكن خير الطبيعة كله هو خير الروح، ويمكن ~~الحصول عليه، إذا دفع ثمنه بعملة الطبيعة المشروعة؛ أي بالعمل الذي يسمح به القلب ~~والرأس. إنني لا أحب بعد اليوم أن ألقى خيرا لم أكسبه، كأني أجد مثلا وعاء من ذهب ~~دفين؛ لأني أعلم أنه يأتي معه بأعباء جديدة. لست أحب مزيدا من المنافع الخارجية ~~كالأملاك أو ألقاب الشرف أو النفوذ أو الأشخاص؛ فالكسب هنا ظاهري والضريبة مؤكدة. ولكن ~~علمي بوجود التعويض، وبأنه ليس من المستحب أن تستخرج الكنوز من باطن الأرض، ليست عليه ~~ضريبة. فإني في ذلك أستمتع بطمأنينة هادئة دائمة. إنني أضيق حدود الأذى الممكن. ~~وأتعلم حكمة القديس برنارد: «لا شيء يعود علي بالضرر غير نفسي. إن الأذى الذي أكابده ~~أحمله بين جنبي، ولن أعاني ألما حقا إلا من جراء آثامي.» # تعويض النقص في الظروف من طبيعة الروح. ويظهر أن مأساة ms126 الطبيعة الأساسية هي التمييز ~~بين الأكثر والأقل. كيف لا يحس «الأقل» الألم، وكيف لا يحس السخط وسوء الطوية نحو ~~«الأكثر»؟ إذا نظرت إلى ذوي المواهب القليلة شعرت بالأسى ولم تدر تماما ماذا تصنع. إنك ~~تتحاشى عيونهم، وتخشى أن تسمعهم يعتبون على خالقهم، ماذا عساهم فاعلون؟ يظهر أن الظلم ~~شديد. ولكنك إن شهدت الحقائق عن كثب تبددت هذه المفارقات الهائلة. إن الحب يزيلها كما ~~تذيب الشمس جبال الثلج في البحار. ولما كانت الروح والقلب عند الناس جميعا شيئا ~~واحدا، فإن المرارة الكامنة في «ما لك» و«ما لي» تتلاشى؛ فما له لي، أنا أخي وأخي ~~أنا. وإن أنا أحسست بأن جيراني الكبار يحجبونني ويتفوقون علي، فإني لا زلت أملك أن ~~أحب، ولا زلت أملك أن أستقبل. ومن يحب يجعل العظمة التي يحبها ملكا له. بذلك أكتشف أن ~~أخي ولي أمري، يعمل من أجلي بأطيب النوايا، وأن الضيعة التي أعجبت بها وحسدته عليها هي ~~ملكي. إن من طبيعة الروح أن تمتلك كل شيء. وليس يسوع وشكسبير سوى أجزاء من الروح، ~~وبالحب أغزوهم وأضمهم إلى ميدان وعيي. أليس فضل أي امرئ فضلي؟ وإذا لم يكن ذكاؤه ذكائي ~~فليس بذكاء. # وعلى هذه الصورة كذلك يكون التاريخ الطبيعي للكوارث؛ فالتغيرات التي تعترض على فترات ~~قصيرة سعادة الناس دلائل على طبيعة قانونها النمو. كل نفس بناء على هذه الضرورة الذاتية ~~تتخلى عن تكوينها كله، وعن أصدقائها وبيتها وقوانينها وإيمانها، كما يزحف المحار من ~~قوقعته الجميلة برغم صلابتها؛ لأن القوقعة لم تعد تسمح بنموه، ويكون بيتا جديدا في ~~أناة. وبنسبة قوة الفرد تكثر هذه التطورات حتى تكون متصلة في العقل السعيد، وتتعلق جميع ~~الصلات الدنيوية حوله في تفكك شديد حتى تصبح كأنها غشاء سائل شفاف ترى من خلاله الصورة ~~الحية، ولا تكون - كما هي عند أكثر الناس - هيكلا من عديد الحوادث، صلبا، غير متجانس، ~~مقلقلا، يحتبس فيه صاحبه. حينئذ يمكن النمو ولا يكاد إنسان اليوم أن يعرف إنسان ~~الأمس. وهكذا ينبغي أن تكون سيرة الإنسان الخارجية في الزمان. ms127 نبذ للظروف البائدة يوما ~~بعد يوم، كلما جدد إهابه يوما بعد آخر. بيد أن هذا النمو يصدمنا لأننا متخلفون، ~~ساكنون، لا نتقدم، نقاوم العظمة الربانية المقدسة ولا نعاونها. # إننا لا نستطيع أن نستغني عن أصدقائنا، ولا نستطيع أن نسمح لملائكتنا بالانصراف، ~~ولا ندرك أنها إنما تنصرف لكي يحل محلها زعماء الملائكة. نحن عبدة أوثان القديم. لا ~~نعتقد في ثورة الروح، وفي خلودها التام ووجودها في كل مكان. نحن لا نعتقد أن في الحاضر ~~قوة تنافس أو تجدد ذلك الماضي الجميل. إننا نتلكأ في خرائب السرادق القديم، حيث كان لنا ~~فيه فيما مضى خبز ومأوى وأدوات، ولا نثق في أن الروح تستطيع أن تطعمنا وتكسونا وتمنحنا ~~القوة. إننا لا نستطيع أن نجد مرة أخرى شيئا عزيزا حلوا سمحا كالذي انقضى. إنما نحن ~~نجلس ونبكي من غير طائل. إن صوت الله القادر على كل شيء يقول: «إلى أعلى وإلى الأمام ~~دائما!» لا يمكن أن تبقى وسط الأطلال. إننا لا نعتمد على الجديد، ولذا فنحن نسير ~~دائما وأعيننا إلى الوراء، كتلك المخلوقات الخرافية المخيفة التي تنظر خلفها. # ومع ذلك فإن ما يعوض الكوارث لا يدركه العقل إلا بعد فترات طويلة من الزمان. فإن ~~الحمى، وبتر الأعضاء، وضيعة الأمل الشديدة، وضياع الثروة، وفقدان الصديق، قد تبدو أول ~~الأمر خسارة بغير ثمن ولا يمكن أن ترد. ولكن السنين الثابتة تكشف عن القوة العلاجية ~~العميقة التي تنطوي على جميع الوقائع، فإن موت صديق عزيز، أو زوجة، أو أخ، أو حبيب، قد ~~لا يبدو لنا إلا حرمانا، ولكي يصبح فيما بعد هديا لنا وحكمة؛ لأنه يسبب لنا عادة ~~انقلابا في طريقة حياتنا، ويختم عصرا من الطفولة أو الشباب كان وشيك الانتهاء، ويهدم ~~عملا ألفناه، أو حياة منزلية، أو أسلوبا خاصا من العيش، ويهيئ ألوفا منها جديدة ~~أقرب ملاءمة لنمو الشخصية. إنه يسمح لنا أو يرغمنا على تكوين معارف جدد، وعلى تقبل ~~مؤثرات جديدة تبرهن السنوات المقبلة على أهميتها القصوى. والرجل أو المرأة كالزهرة ~~المشمسة في البستان، لا ms128 تمتد جذورها في أغوار الأرض وإن استمتعت أطرافها بفيض من ضياء ~~الشمس، فإن انهارت من حولها جدران الحديقة وأهملها البستاني أمست كالشجرة السامقة تنمو ~~في الغابة وتمد بظلها وثمرها عددا كبيرا من الناس. # | الحب # كنت كنزا مخفيا، فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني. ~~(حديث قدسي) # 1 # كل وعد من وعود الروح يمكن أن يوفى على صور لا تعد. وكل شوق من أشواقها يتطور إلى ~~حاجة جديدة. والطبيعة التي لا يحتويها شيء، المتدفقة، المتطلعة، تودع فعلا في عاطفة ~~الشفقة الأولى حبا شاملا للخير يهمل كل الاعتبارات التفصيلية في ضوئه العام. ~~والمدخل إلى هذا الإحساس السعيد إنما يكون بالعلاقة الخاصة الرقيقة بين فرد وفرد. هذه ~~العلاقة هي سحر الحياة البشرية، وهي - كالفورة أو الحماسة الإلهية - تستولي على المرء ~~في فترة ما، وتؤجج ثورة في عقله وجسمه، وتوحد بينه وبين جنسه، وتربطه بصلاته البيتية ~~والمدنية، وتحمله بعطف جديد إلى الطبيعة، وتعزز قوى الحواس وتفتح الخيال، وتضيف إلى ~~شخصيته صفات البطولة والتقديس، وتؤسس الزواج، وتعطي الجماعة الإنسانية صفة الدوام. # يظهر أن العلاقة الطبيعية بين عاطفة الحب وفورة الشباب تستلزم ألا يهرم المرء حتى ~~يمكنه أن يصور هذه العاطفة بألوان حية يعترف كل فتى وفتاة أنها تعبر تعبيرا صادقا عن ~~تجارب قلوبهم النابضة. إن خيالات الشباب المعذبة تنبذ أدنى شيء يفوح برائحة الفلسفة ~~الناضجة؛ لأنه يصيب ازدهارهم البهيج ببرودة الشيخوخة والحذلقة؛ ولذا فأنا أعلم أني أجلب ~~لنفسي تهمة الجمود والتزمت اللذين لا ضرورة لهما من جانب أولئك الذين يؤلفون برلمان ~~الحب وبلاطه. ولكني أشكو إلى من يكبرونني هؤلاء الرقباء الأشداء؛ لأننا يجب أن نذكر أن ~~هذه العاطفة التي نتحدث عنها لا تهجر الشيوخ وإن بدأت مع الشباب، أو على الأصح إنها لا ~~ترضى لمن يخلص في خدمتها أن يشيخ، وإنما تجعل المسنين الذين يحسون هذه العاطفة كالعذارى ~~الرقيقات، لا يقلون عنهن، وإن اتخذت العاطفة عندهم لونا آخر أشد نبلا؛ لأنها نار ~~تشتعل جذوتها الأولى في ركن ضيق من صدر إنسان ما، وقد شبت فيه ms129 من شرارة تطايرت من قلب ~~آخر. وهذه النار تتأجج وتنتشر حتى تدفئ وتضيء عددا كبيرا من الرجال والنساء، أو ذلك ~~القلب العام الذي يشمل الجميع، ولذا فإنها تضيء الدنيا كلها والطبيعة كلها بلهيبها ~~السخي. ومن أجل ذلك لا يهمنا أن نحاول وصف هذه العاطفة في سن العشرين، أو الثلاثين، أو ~~الثمانين. ومن يصورها في العهد الأول يفقد شيئا من صفاتها في عهدها الأخير. ومن ~~يصورها في آخر عهدها يفقد شيئا من صفاتها الأولى. ويكفينا أن نأمل أننا ربما نبلغ - ~~بالصبر وبمعونة آلهة الشعر - سر ذلك القانون الذي يصف حقيقة من الحقائق الفتية دائما ~~والجميلة أبدا، حقيقة مركزية تجذب العين من أية زاوية تشاهد. # وأول شرط هو أنه ينبغي لنا أن نتخلى عن التمسك بالوقائع تمسكا شديدا معطلا، وأن ~~ندرس العاطفة كما ظهرت في الأمل لا كما ظهرت في التاريخ؛ لأن كل امرئ يتصور حياته ~~الخاصة ممسوخة مشوهة على خلاف حياة الناس. كل إنسان يرى تجربته الخاصة لوثة من الخطأ، ~~في حين أن تجربة الآخرين تبدو له جميلة مثالية. ولو عاد المرء إلى تلك الصلات الممتعة ~~التي يتكون منها جمال حياته، والتي أمدته بأخلص المعارف والغذاء، لأسف أشد الأسف. وا ~~أسفاه! لست أدري لماذا يعكر وخز الضمير الشديد - في سن النضوج - صفو ذكريات السرور لعهد ~~الحداثة، ويتغلغل في كل اسم عزيز. كل شيء جميل، إذا نظرت إليه من ناحية العقل أو نظرت ~~إليه كحقيقة من الحقائق. ولكن كل شيء مر إذا نظرت إليه كتجربة. التفصيلات كئيبة، ولكن ~~الخطة العامة نبيلة لائقة المظهر. في الحياة الواقعة - دولة الزمان والمكان الأليمة - ~~تسكن الهموم والآفات والمخاوف. ومع الفكر، والمثل الأعلى، يوجد البشر الخالد، أو زهرة ~~السرور. وحوله تغني جميع آلهة الشعر. ولكن الحزن يلتصق بالأسماء والأشخاص والاهتمامات ~~الجزئية واليوم والأمس. # نستطيع أن ندرك ميل الطبيعة الشديد من المكانة التي يحتلها موضوع هذه العلاقات ~~الشخصية في أحاديث المجتمع. ماذا نريد أن نعرف عن أي شخص له قيمته بقدر ما نريد أن نعرف ~~عن مقدار ما ms130 لديه من هذه العاطفة؟ وما هي الكتب التي تروج في المكتبات المتنقلة، ما أشد ~~سرورنا بالروايات العاطفية، حينما تروى فيها القصة بشيء من وميض الحق والطبيعة! وماذا ~~يجذب الالتفات في صلات الحياة، مثل ما يدور بين فردين مما ينم عن المحبة؟ ربما لم نرهما ~~من قبل، وربما لا نراهما مرة أخرى. ولكننا نراهما يتبادلان النظر، أو يظهران عاطفة ~~عميقة، فلا نحس أننا غرباء. إننا نفهمهم ونهتم أشد الاهتمام بتطور قصتهما الخيالية. إن ~~الناس جميعا يعشقون العاشق. والمظاهر الأولى للعطف والشفقة أغلى صور الطبيعة ثمنا. ~~إنها بداية الأدب والرقة عند كل جلف ساذج. إن الفتى القروي الفظ يضايق الفتيات عند باب ~~المدرسة، ولكنه اليوم يهرع إلى المدخل، ويقابل فتاة حسناء ترتب حقيبتها، فيحمل كتبها ~~لكي يعينها، ويبدو له فجأة كأنها ابتعدت عنه نهائيا، وأصبحت له حرما مقدسا. فيجري ~~بفظاظة بين جموع الفتيات، ولكن واحدة منهن فقط تبتعد عنه. وهذان الجاران الصغيران، ~~اللذان كانا متقاربين جدا منذ برهة، قد تعلما أن يحترم كل منهما شخصية الآخر. ومن ذا ~~الذي يستطيع أن يغض الطرف عن أساليب فتيات المدارس التي تسترعي الالتفات، تلك الأساليب ~~التي فيها شيء من المهارة وشيء من السذاجة، والتي يتبعها الفتيات عندما يذهبن إلى محلات ~~البيع في الريف لشراء لفافة من الحرير أو صحيفة من الورق، ويتحدثن نصف ساعة عن لا شيء ~~مع الفتى البائع صاحب الوجه العريض والطبيعة السمحة؟ إنهن في القرية على قدم المساواة ~~الكاملة، التي يتصف بها الحب؛ فترى طبيعة الحب السعيدة عند المرأة تنطلق - دون أي تدلل ~~- في هذا الحديث العذب. قد يكون نصيب الفتيات من الجمال ضئيلا، غير أنهن ينشأن في وضوح ~~وجلاء بينهن وبين الفتى أحب العلاقات وأوثقها صلة بما لديهن من هزل وجد عن «إدجر» ~~و«جوتاس» و«ألميرا» وعمن دعي للحفل، ومن رقص في مدرسة الرقص، وعن موعد افتتاح مدرسة ~~الغناء، وغير ذلك من التفاهات التي يهدر بها الفريقان. ثم تمر الأيام، ويحتاج هذا الفتى ~~إلى زوجة، وإنه ليعرف صادقا من كل قلبه أين ms131 يجد الرفيقة الحلوة المخلصة، دون أية ~~مخاطرة، كتلك المخاطرة التي يرثي ملتن تعرض العلماء وعظماء الرجال لها. # قيل لي إن تقديري للعقل في بعض محاضراتي العامة قد جعلني فاترا نحو العلاقات الشخصية ~~بغير مبرر، ولكنني الآن أكاد أرتعد من ذكرى هذه الكلمات التي تستخف بي؛ لأن الأشخاص هم ~~دنيا الحب، وأشد الفلاسفة برودة لا يستطيع أن يتحدث عما تدين به الروح الشابة - التي ~~تجوس خلال الطبيعة - لقوة الحب، دون أن يغرى بنفي كل ما سبق له ذكره مما يحط من قدر ~~الغرائز الاجتماعية؛ لأن الحط من شأن هذه الغرائز خيانة للطبيعة. ومع أن السرور الإلهي ~~الذي يهبط من السماء لا يستولي إلا على قلوب الشباب، ومع أننا قل أن نرى بعد سن ~~الثلاثين جمالا يقهر كل تحليل وكل مقارنة ويقذف بنا بعيدا عن أنفسنا، إلا أن ذكرى هذه ~~الرؤى يدوم أكثر من كل الذكريات الأخرى، وهي كإكليل الزهر على أعتق الجباه. وهنا حقيقة ~~عجيبة؛ فقد يبدو لكثير من الناس - عندما يسترجعون تجاربهم - أن كتاب حياتهم ليست فيه ~~صفحة أجمل من الذكرى العذبة لبعض الصلات التي حاول فيها الحب أن يضفي فيها فتنة على بعض ~~الظروف الطارئة التافهة؛ فتنة تفوق الجاذبية الكبرى لصدق الحب ذاته. وعندما يتطلعون إلى ~~الوراء قد يجدون أن أشياء عديدة لم تكن تسحرهم فيها من الواقع - لهذه الذاكرة المتخبطة ~~- أكثر مما في السحر نفسه الذي كانت تتصف به هذه الأشياء. ولكن مهما تكن خبرتنا ~~بالتفصيلات، فإننا لا يمكن أن ننسى تلك الزيارات التي كانت تؤديها لقلوبنا وأذهاننا تلك ~~القوة التي خلقت كل شيء من جديد، والتي كانت لها مبعث الموسيقى والشعر والفن، والتي ~~جعلت وجه الطبيعة يشرق بالضوء البنفسجي، والتي جعلت للصبح والليل ألوانا من السحر، ~~حينما كانت نغمة مفردة من صوت واحد تستطيع أن تجعل القلب ينبض، وأن نودع سويداء الذاكرة ~~أتفه الحوادث ما دام يرتبط بإنسان معين، حينما كان كله عينا في حضرة فرد معين، وكله ~~ذاكرة في غيبة ذلك الفرد، عندما كان الشباب رقيبا ms132 للنوافذ، مهتما بالقفاز والقناع ~~والشريط وعجلات العربة، وعندما لم يكن أي مكان تام العزلة تام السكون بالنسبة إليه؛ ~~لأنه يجد في أفكاره رفاقا أعز وحديثا أعذب مما يستطيع أن يقدمه إليه أي صديق قديم ~~مهما كان من الأخيار الأصفياء؛ لأن صور الشيء المحبب وحركاته وكلماته ليست كغيرها من ~~الصور مكتوبة بالماء، ولكنها كما قال فلوطارخس «مطلية بالنار»، وتصلح للدراسة في منتصف ~~الليل: # إنك عند اختفائك، لا تختفين، فحيثما أنت # تخلفين له عينيك الساهرتين، وقلبك العاشق. # وفي ظهيرة الحياة وأصيلها لا تزال قلوبنا تنبض بذكرى أيام لم تكن فيها السعادة خالصة، ~~وإنما كانت مخدرة بلذة الألم والخوف. ومن قال عن الحب: # إن كل متعة أخرى لا تساوي ألمه. # قد مس سر الموضوع. تلك كانت أياما لم يكن يكفينا منها أن نستغرق النهار كله في عذب ~~الذكريات، وإنما كان لا بد من الليل كذلك. وكان الرأس يغلي طوال الليل فوق الوسادة ~~بالعمل الكريم الذي يعتزم أداءه، وكان ضوء القمر حرارة تمتع النفوس، وكانت النجوم ~~أحرفا، والزهور ألغازا، والهواء يصفر غناء، وكان كل عمل سفاهة، وكل الرجال والنساء ~~الذين يعدون في الطرقات جيئة وذهابا صورا مجردة. # العاطفة تعيد بناء الدنيا للشباب، وتجعل كل شيء حيا له معنى فتصبح الطبيعة واعية، ~~ويغني كل طائر على أغصان الشجر لقلبه وروحه. ويكاد النغم أن ينطق. وتكتسب السحب أوجها ~~حينما ينظر إليها. وأشجار الغابة، والحشائش المتموجة، والأزهار المتفتحة، تكتسب عقلا ~~وحكمة، ويكاد يخشى أن يعهد إليها بالسير الذي يبدو أنها تدركه. ومع ذلك فالطبيعة تريحه ~~وتعطف عليه. ويجد في عزلة الحقول مأوى أعز مما يجد عند الناس: # الينابيع والأحراش التي تخلو من الممرات، # والأماكن التي تعشقها العاطفة الملتهبة، # والطرقات التي يضيئها القمر، عندما تأوي كل الطيور، # آمنة إلى أوكارها، خلا الوطاويط والبوم، # والناقوس في وسط الليل، والأنة العابرة، # تلك هي الأصوات التي بها نحيا. # انظر هناك في الغابة إلى الرجل المجنون الفريد! إنه صرح من الأصوات والمناظر العذبة. ~~إنه ينبسط، إنه رجلان في آن واحد، إنه يسير ms133 وذراعاه إلى وسطه، إنه يناجي نفسه، وينادي ~~العشب والشجر، ويحس بدماء البنفسج والبرسيم والسوسن في عروقه، وهو يتحدث مع النهر الذي ~~يبلل قدميه. # إن الحرارة التي نبهته إلى الجمال الطبيعي جعلته يحب الشعر والموسيقى. وكثيرا ما ~~نلاحظ أن المرء يكتب أجود الشعر بوحي الحب. وما كان ليجيد الكتابة تحت أي ظرف آخر غير ~~ذلك. # ولعاطفة الحب أثر مماثل على طبيعته كلها. إنها توسع إحساسه وتجعل من المهرج رجلا ~~مهذبا، وتعطي الجبان قلبا. إنها تبث في أشد الناس حقارة، وأقلهم شأنا قلبا وشجاعة ~~يتحدى بها العالم، إذا ما ظفر بطلعة الحبيب. إن عاطفة الحب تملك المرء لغيره، ولكنها ~~بذلك تجعله أشد امتلاكا لنفسه فيمسي رجلا جديدا، ذا إدراك جديد، وأغراض جديدة أكثر ~~تحديدا، وشخصية موقرة وأهداف كريمة، إنه لم يعد ينتسب إلى أسرة أو جماعة، إنما هو شيء ~~ما، هو شخص، هو روح. # وهنا دعنا نفحص عن كثب طبيعة ذلك التأثير الذي له كل هذا النفوذ على شباب الإنسان. إن ~~الجمال الذي نشيد الآن بظهوره للإنسان، والذي نرحب به كما نرحب بالشمس أنى أشرقت، والذي ~~يدخل السرور على قلب كل إنسان، هذا الجمال يبدو مكتفيا بذاته. والعاشق لا يستطيع أن ~~يتصور عشيقته فقيرة وحيدة. إن الجمال يأنس بنفسه، وهو كالشجرة المتفتحة، رطب، متفتح، ~~عليم، وإن العاشقة لتعلم عين عشيقها لماذا صور «الجمال» محفوفا «بالحب» و«الجلال». ~~إن وجود المعشوقة يفني العالم. وقد تبعد كل شخص آخر عن التفاته وتجعله يبدو له رخيصا ~~لا قيمة له، إلا أنها تعوضه ذلك بأن تجعل وجودها شيئا غير شخصي، كبيرا، يملأ الدنيا، ~~فيتمثل له فيها كل شيء مختار، وكل فضيلة ممتازة. من أجل ذلك، لا يرى العاشق قط وجها ~~للشبه بين شخص معشوقته وبين ذويها أو غيرها. يجد أصدقاؤه فيها شبها بأمها أو أخواتها ~~أو بأشخاص من غير ذوي قرباها. ولكن العاشق لا يرى لها شبها إلا في ليالي الصيف، وفي ~~الصباح المتلألئ، وأقواس قزح، وأناشيد الطير. # كان القدماء يسمون الجمال ازدهار الفضيلة. ومن ذا الذي ms134 يستطيع أن يحلل الفتنة ~~الرائعة التي تشع من هذا الوجه أو ذاك وفق هذه الصورة أو تلك. إننا نتأثر بأحاسيس الحنو ~~والرضا، ولكننا لا نستطيع أن نعرف إلى أين تشير هذه العاطفة الرقيقة، أو ذلك الشعاع ~~الضال. وأية محاولة لإخضاعها إلى شيء من النظام تقضي عليها في خيالنا. وهي كذلك لا تشير ~~لأي لون من ألوان صلات الود والمحبة التي يعرفها ويصفها المجتمع، ولكنها - كما يبدو لي ~~- تشير إلى عالم آخر يختلف عن ذلك كل الاختلاف ولا يمكن بلوغه، تشير إلى علاقات رقيقة ~~لا يتصور رقتها العقل، عذبة لا يتصور عذوبتها الخيال، تشير إلى ما يشير إليه وينبئ به ~~الورد والبنفسج. إننا لا نستطيع أن ندرك الجمال، فإن طبيعته كالبريق المتنوع الألوان في ~~رقبة الحمامة، وهي تحلق فوق الرءوس فترة ثم تختفي. وهو في هذا يشبه أروع الأشياء، التي ~~لها جميعا هذه الصفة، صفة الألوان المتعددة كقوس قزح، متحدية كل محاولة للظفر به ~~والانتفاع منه. وماذا كان يعني «جين بول رشتر» حينما خاطب الموسيقى قائلا: «ابتعدي ~~عني! فإنك تحدثينني عن أشياء لم أجدها في حياتي الطويلة كلها، ولن أجدها»؟ ويمكننا أن ~~نرى هذه الطلاقة عينها في كل عمل من أعمال الفنون التطبيقية؛ فالتمثال يكون جميلا ~~عندما يبدأ في غموض لا يدرك، حينما يخرج عن النقد، ولا يمكن تحديده بالبوصلة وعصا ~~القياس، ولكنه يتطلب خيالا نشطا يسايره، ويعبر عما هو قائم به. إن إله النحات أو بطله ~~يتمثل دائما في الانتقال من ذلك الذي يمكن تمثيله للحواس إلى ذلك الذي لا يمكن تمثيله؛ ~~فهو يكف أولا عن أن يكون حجرا. وهذه الملحوظة تنطبق كذلك على التصوير. وكذلك في ~~الشعر لا يفلح الشاعر إذا بث فينا السكينة وأرضانا، ولكن حينما يذهلنا ويشعل نفوسنا ~~بمحاولات جديدة لإدراك ما لا يمكن بلوغه. ويتساءل لاندر في هذا الشأن قائلا: «أليس ~~مرد الشعر إلى حالة من حالات الإحساس والوجود أنقى وأصفى؟» # وكذلك الجمال الشخصي لا يفتن أولا ولا يمثل نفسه إلا إذا نزه نفوسنا عن الأغراض، ms135 ~~عندما يصبح قصة بغير نهاية، وحينما يوحي بالإشعاعات والرؤى، ولا يقنعنا بأغراض دنيوية، ~~حينما يجعل الرائي يحس تفاهة قدره، ولا يستطيع أن يحس حقه فيه أكثر مما يحس حقه في ~~القبة الزرقاء وروعة الشمس الغاربة. # ومن ثم نشأ هذا القول: «إن أحببتك، فما قيمة ذلك لك؟» إننا نقول ذلك لأننا نحس ~~أن ما نحب ليس في إرادتك، ولكن فوق إرادتك. إنه ليس أنت، ولكنه إشعاعك. إنه ذلك الذي لا ~~تعرفه عن نفسك، ولا تستطيع أن تعرفه. # ويتفق ذلك تماما وفلسفة الجمال العليا التي أحبها الكتاب الأقدمون؛ لأنهم قالوا ~~إن روح الإنسان، التي تتجسد فوق هذه الأرض، هامت على وجهها هنا وهناك في طلب العالم ~~الآخر الذي يخصها، والذي خرجت منه إلى هذا العالم، ولكنها سرعان ما عشى عينيها ضوء ~~الشمس الطبيعية، وعجزت عن رؤية أي شيء غير ما في هذه الدنيا، وإن هذا إلا ظل للأشياء ~~الحقيقية؛ ولذا فإن الله يرسل جلال الشباب أمام الروح، كي تستفيد الروح من الأجسام ~~الجميلة التي تعينها على ذكر الخير والجمال السماويين. والرجل الذي يشاهد مثل هذا الشخص ~~في الجنس اللطيف من البشر، يهرع إليه، ويجد السرور في تأمل صورة هذا الشخص وحركته ~~وذكائه؛ لأنه يوحي إليه بوجود ذلك الذي هو في داخل الجمال حقا، وعلة الجمال. # ومهما يكن من شيء، فإن الروح إذا أكثرت من الحديث إلى الأشياء المادية ثقلت، وأخطأت ~~الأوضاع ورضيت بالجسد. وهي بذلك لا تجني غير الأسى؛ لأن الجسم يعجز عن الوفاء بما يعد ~~به الجمال. أما إذا تقبل الإنسان بما تشير إليه الإيحاءات والرؤى التي يثيرها الجمال ~~في نفسه، فتخطى بروحه الجسم، وأعجب بمزايا الشخصية، وتأمل العاشق معشوقته في الأحاديث ~~والحركات، ثم يتجه صوب معرض الجمال الحقيقي، فيزيد اشتعال حبه له، وبهذا الحب يطفئ ~~الرغبات الدنيئة، كما تطفئ الشمس النار بشروقها على الأرض. حينئذ يصبح العاشق نقي ~~النفس مقدسا. إن العاشق بحديثه إلى ما هو رائع في ذاته، عزيز النفس، متواضع، عادل، ~~ينتقل إلى حب لهذه الصفات النبيلة أشد ms136 حرارة، وإلى إدراك لها أسرع. ثم ينتقل من حبها ~~فرادى إلى حبها جماعة. وهكذا ترى أن الروح الجميلة الواحدة ليست سوى المنفذ الذي يدخل ~~خلاله إلى جملة الأرواح الصادقة الطاهرة. إن العاشق في صحبته الخاصة لرفيقته يشتد وضوح ~~رؤيته لأية بقعة أو أية لوثة من هذه الدنيا لطخت جمالها، ويستطيع أن يشير إليها، ويكون ~~ذلك بسرور مشترك، حتى إن العاشقين يستطيعان - دون أن يسيء أحدهما إلى الآخر - أن يشيرا ~~إلى عيوبهما وعوائقهما، وأن يقدم كل منهما للآخر كل معونة وعزاء لعلاج هذه العيوب وتلك ~~العوائق. # وإذ يرى العاشق في أرواح عديدة صفات الجمال الإلهي، ويفصل في كل روح ما هو مقدس عن ~~الدنس الذي اقتبسته في هذه الدنيا، يرقى إلى قنن الجمال، إلى حب الله ومعرفته، على ~~درجات من سلم الأرواح المخلوقة. # بمثل هذا حدثنا الحكماء الصادقون عن الحب في جميع العصور. وليس هذا المذهب بالقديم أو ~~الجديد. وإذا كان أفلاطون وفلوطارخس وأبوليس قد بشروا به، فكذلك بشر به بترارك وأنجلو ~~وملتن. ونود لو اتصف به الزواج في صدق وإخلاص، فنقضي - ونلوم أنفسنا - على تلك الحكم ~~المستورة التي تسود عقود الزواج التي نصوغها في كلمات نستمدها من العالم العلوي، في حين ~~أننا نتطلع بإحدى عينينا إلى مخزن الطعام، فينم أخطر حديث نتحدث به عن رائحة لحم ~~الخنزير وأواني المساحيق. وأسوأ ما يكون الأمر عندما تدخل هذه الحسية في تعليم الفتيات، ~~وتذوي أمل الطبيعة الإنسانية ومحبتها، بتعليمهن أن الزواج معناه اقتصاد منزلي، وأن حياة ~~المرأة لا تهدف إلى شيء آخر. # غير أن حلم الحب هذا، وإن يكن جميلا، إلا أنه منظر واحد من مسرحيتنا؛ فالروح في ~~سيرها من الداخل إلى الخارج تتسع دائرتها دائما، كالحصاة يلقى بها في بركة الماء، أو ~~كالضوء يصدر عن النجم. إن أشعة الروح تقع أولا على أقرب الأشياء، على كل أداة نافعة ~~وكل ألعوبة، على المربيات والخدم، على البيت، والفناء، والمسافرين، وعلى دائرة المعارف ~~المنزلية، وعلى السياسة والجغرافيا والتاريخ. ولكن الأشياء تتجمع دائما وفقا للقوانين ~~العليا ms137 أو السفلى. والبيئة، والحجم، والعدد، والعادات، والأشخاص، تفقد تدريجا نفوذها ~~على أنفسنا . وتسود فيما بعد العلة ومعلولها، والعلاقات الحقيقية، والتشوق إلى الانسجام ~~بين الروح وما يتحوطها من ظروف، والميل الطبيعي إلى التقدم وإلى تصوير الأشياء في صورة ~~مثالية. والخطو إلى الوراء من العلاقات العليا إلى العلاقات السفلى يصبح ضربا من ~~المحال. وهكذا ترى أنه حتى الحب، وهو تأليه الأشخاص، لا بد أن يتحول إلى شيء غير شخصي ~~يوما بعد يوم. ولكنه لا يشير إلى ذلك البتة أول الأمر. وقلما يفكر الشاب والفتاة - عندما يتطلع كل منهما إلى الآخر خلال الحجرات المزدحمة بعيون ملؤها الإدراك المتبادل - ~~في الثمرة الغالية التي سوف يؤتيها بعد وقت طويل هذا الباعث الجديد الخارج عن أنفسنا ~~خروجا تاما. إن عملية الاخضرار تبدأ أولا في أطراف القشور وأوراق البراعم. ومن ~~تبادل النظرات يتقدم الشاب والفتاة إلى الملاطفة وإلى الشهامة، ثم إلى العاطفة ~~الملتهبة، ثم إلى العهد القاطع، فالزواج. إن الرغبة الحارة تنظر إلى هدفها كوحدة كاملة، ~~والروح تتجسد تجسدا تاما، والجسد يتحول تحولا تاما إلى روح: # إن دماءها الصافية الفصيحة، # تنطق في وجنتيها، بكلمات مفصلة واضحة، # حتى إن المرء ليوشك أن يقول إن جسمها يفكر. # إن روميو - برغم موته - يجب أن يقطع أنجما صغيرة لكي يجمل السماء. والحياة مع ~~هذين العاشقين ليس لها هدف آخر، غير جوليت، أو روميو. والليل والنهار والدراسات ~~والمواهب والممالك والدين كلها كائنة في هذه الصورة المشبعة بالروح. وفي هذه الروح ~~التي كلها صورة - إن العاشقين يسعدان بإعزاز أحدهما الآخر. وعندما يتعهدان بالحب، وفي ~~الموازنة بين تحية كل منهما للآخر. وعندما يختلي أحدهما يسلي نفسه بصورة حبيبته التي ~~يذكرها. هل يرى حبيبه الآخر نفس النجم، ونفس السحابة الذائبة، ويقرأ نفس الكتاب، ويحس ~~نفس العاطفة، التي يسعد بها الآن؟ يبذل العاشق حبه ويزنه، ويجمع المزايا الثمينة، ~~والأصدقاء، والفرص، والأملاك. ويبتهج عندما يكتشف أنه يود راضيا مسرورا أن يسلم كل ~~هذا فدية للرأس الجميل الحبيب، دون أن يمس شعرة واحدة منه أذى. ولكن مصير البشرية ms138 يتوقف ~~على هؤلاء الأطفال. يتعرضون للخطر والأسى والألم كما يتعرض غيرهم. فيتوسل الحب ويعقد ~~العهود مع «القوة الخالدة» نيابة عن هذا الرفيق العزيز. والاتحاد الذي يتم على هذه ~~الصورة، والذي يضيف قيمة جديدة إلى كل ذرة في الطبيعة؛ لأنه يحول كل خيط في نسيج ~~العلاقات كله إلى أشعة ذهبية، ويغرق الروح في عنصر جديد أحلى من كل عنصر آخر، هذا ~~الاتحاد مع ذلك حالة مؤقتة؛ لأن الزهور واللآلئ والشعر، والنزاع، بل والسكنى في قلب آخر، ~~كل ذلك لا يستطيع دائما أن يشبع الروح التي تسكن الطين. إنها توقظ نفسها في نهاية ~~الأمر من بين هذه الأشياء العزيزة، التي تشبه اللعب، وتعد العدة متجهة صوب أغراض بعيدة ~~عالمية. إن الروح الكامنة في نفس كل فرد، والتي تشتهي السعادة الكاملة، تكتشف ~~المتناقضات والعيوب، واختلال النسب في الفرد الآخر. ومن ثم كانت الدهشة والعتاب ~~والألم. ومع ذلك فإن ما جذب أحدهما إلى الآخر هو دلائل الجمال، ودلائل الفضيلة، وهذه ~~الفضائل موجودة مهما تسترت. إنها تظهر، ثم يعود ظهورها، وتستمر في جاذبيتها، ولكن ~~التقدير يتغير، ويبتعد عن هذه الدلائل ويلتصق بالمادة. فتسترد بذلك المحبة الجريحة ~~كرامتها. وفي نفس الوقت، كلما بليت الحياة أثبتت أنها لعبة فيها تبادل واتحاد لجميع ~~الأوضاع الممكنة للفريقين، يستخدم فيها كل منهما كل موارده، ويعلم فيها بمواطن الضعف ~~والقوة عند الآخر. كل ما في الدنيا، مما هو معروف أو ينبغي أن يعرف، يندمج بمهارة في ~~تكوين الرجل أو المرأة: # حب الفرد للفرد يلائم النفس، # وهو، كالمن، فيه مذاق كل شيء. # ويسير العالم، وتتغير الظروف في كل ساعة. وتطل من النوافذ الملائكة التي تسكن معبد ~~الجسم هذا، وكذلك الشياطين والرذائل، وتوحدها جميع الفضائل. فإن كانت هناك فضيلة، اتصفت ~~بها جميع الرذائل، وأقرت بذلك وانصرفت. وبمرور الزمن تفتر في صدر كل عشيق تلك النظرة ~~الملتهبة، وتفقد من حدتها ما تكسبه في عمقها، وتصبح تفاهما طيبا كاملا. ويسلم كل ~~منهما للآخر - دون شكاة - بالوظائف الطيبة التي يكلف بأدائها مع مرور الزمن كل من ms139 ~~الرجل والمرأة على حدة، ويستبدلان بالعاطفة التي كانت من قبل لا تستطيع أن تحول النظر ~~عن هدفها اهتمام كل طرف بأمل الآخر، اهتماما يشوبه السرور والتحرر من الغرض، سواء في ~~حضرته أو غيبته. وأخيرا يكتشفان أن كل ما جذب أحدهما نحو الآخر أولا - تلك الملامح ~~التي كانت مقدسة، وأثر ذلك الفتنة الساحرة - كان مؤقتا إلى حين، وكان له غرض يرمي ~~إليه، كالهياكل الخشبية التي تشيد عليها المنازل. وتطهير العقل والقلب عاما بعد عام، ~~هو الزواج الحق، الذي يتوقعه الطرفان ويتأهبان له من أول الأمر، وهو فوق إدراكهما ~~تماما. وعندما أفكر في هذه الأغراض التي من أجلها ترى شخصين - رجلا وامرأة - على ما ~~بينهما من اختلاف واتفاق في المواهب، يغلقان عليهما بيتا واحدا ينفقان بداخله ~~اختلاطا زوجيا أربعين أو خمسين عاما. عندما أفكر في ذلك قد أعجب من الاهتمام الذي ~~يترقب به القلب هذا الموقف الحرج منذ الحداثة. ولا أعجب من روعة الجمال، التي تزين بها ~~الغرائز سرير الزوجية، ولا أعجب كذلك من أن تتبارى الطبيعة والعقل والفن، في المزايا ~~والألحان التي تضفيها على أناشيد العرس. # وهكذا نتدرب على حب لا يعرف الجنس، ولا الشخص، ولا الهوى، ولكنه يبحث عن الفضيلة ~~والحكمة. نحن بالطبيعة نلاحظ، ومن ثم نتعلم، وهذه حالنا الدائمة، ولكنا كثيرا ما ~~ندفع إلى الإحساس بأن أهواءنا ليست سوى خيام في الليل، وأهداف أهوائنا تتغير، كما ~~تتغير أهداف الفكر، وإن يكن ذلك في بطء وفي ألم. وهناك لحظات تسيطر فيها الأهواء على ~~المرء وتستوعبه، وتجعل سعادته متوقفة على شخص واحد أو أشخاص. ولكن العقل - في حالة ~~الصحة - سرعان ما يعود إلى الظهور، فترى أبهاءه ذات الأقواس العالية، تلمع بالأضواء ~~الثابتة التي كأنها تشع من الكواكب. ويفقد الحب الحار والمخاوف التي مرت بنا كالسحب ~~صفتها الزائلة، وتتحد مع الله، كي تبلغ كمالها. ولكننا يجب ألا نخشى فقدان أي شيء بتقدم ~~الروح. بل يمكننا أن نثق في الروح حتى النهاية. وأمثال هذه العلاقات الجميلة الجذابة ~~يجب ألا يقلقها ويحتل مكانتها إلا ms140 ما هو أجمل منها، وهكذا إلى الأبد. # | الصداقة # إن قطرة حمراء من دم الرجولة، # ترجح البحر الزاخر. # والدنيا تقبل وتدبر مزعزعة، # ويبقى العاشق ثابت الجذور. # لقد توهمت فراره، # وبعد عدة سنين، # أشرق منه عطف لا ينفد، # كإشراق الشمس كل صباح. # فتحرر مرة أخرى قلبي المهموم، # وقال الفؤاد: أيها الصديق، # خلالك وحدك تتقوس السماء، # وخلالك تحمر الورود، # كل الأشياء خلالك تتخذ صورة أنبل، # وتبدو كأنها من وراء هذه الدنيا، # والقضاء المحتوم الذي يلحق بنا كالطاحونة الدائرة، # بفضلك يصبح طريقا مشمسا. # وعلمني نبلك كذلك، # أن أسيطر على يأسي. # إن ينابيع حياتي الخفية، # تصفو خلال صداقتك. # في قلوبنا شفقة تفوق كثيرا ما يتردد على ألسن الناس. وبالرغم من كل الأنانية التي ~~تقشعر الدنيا من برودتها كأنها الرياح الشرقية، فإن أسرة الإنسان كلها تدثر بعنصر ~~الحب كأنه الأثير الرقيق. كم من الناس نقابل في البيوت، لا نكاد نتحدث إليهم، ولكننا مع ~~ذلك نقدرهم ويقدروننا! كم من الناس نقابل في الطرقات، أو نجالس في الكنائس، ممن تسرنا ~~رفقتهم سرورا حارا، وإن يكن في صمت! اقرأ لغة الإشعاع الحائر الذي يصدر عن هذه ~~العيون. إن القلب ليعرف. # إن أثر الانغماس في هذه العاطفة البشرية ابتهاج قلبي أكيد. في الشعر وفي الحديث ~~العادي تشبه المودة والخير الذي يحسه المرء نحو الآخرين بما للنار من أثر مادي. ~~وهذا الإشراق الباطني الرقيق يسري في سرعة النار، بل أسرع منها، وأفعل، وأبهج. وهو الذي ~~يجعل الحياة حلوة، من أعلى درجاته وهو الحب العنيف، إلى أحط درجاته وهو النية ~~الطيبة. # إن قوانا العقلية وقدرتنا على العمل تزيد بازدياد ما في قلوبنا من محبة. فترى العالم ~~يجلس ليكتب، ولكن سنواته كلها التي ينفقها في التأمل لا تمده بفكرة واحدة طيبة أو تعبير ~~حسن، فإن اقتضته الضرورة أن يحرر خطابا إلى صديق، توارد عليه في الحال حشد من الأفكار ~~الرقيقة في ألفاظ مختارة من كل صوب. في كل بيت تسكنه الفضيلة واحترام النفس تلمس النبض ~~الذي يثيره قدوم الغريب. وإذا كان قدوم الغريب ms141 المحبب إلى النفس متوقعا ثم يعلن عنه ~~غزت قلوب كل من في البيت حالة من القلق هي بين المتعة والألم. إن قدومه يكاد يبعث ~~الخوف في القلوب الطيبة التي تود أن ترحب به. ينفض عن البيت التراب، ويتحرك كل شيء ~~من مكانه، وتستبدل بالسترة القديمة سترة جديدة، ويعد أصحاب البيت غداء إن أمكنهم ~~ذلك. الغريب المحبب إلى النفس لا يحدثك عنه غيره إلا بأطيب الأنباء، ولا تسمع عنه إلا ~~كل خير وكل جديد. إنه يمثل لنا الإنسانية، وهو ما ترغب فيه نفوسنا. وبعدما نتخيله ~~ونستعد له نتساءل على أية صورة ينبغي أن تكون علاقتنا في الحديث والتصرف مع مثل هذا ~~الرجل، وتقلق خواطرنا المخاوف. وهذه الفكرة عينها ترفع من شأن حديثنا معه. فنتكلم ~~أحسن مما ألفنا. يرق خيالنا إلى أقصى الحدود. وتغزر الذاكرة، ويغادرنا الشيطان ~~الأبكم لفترة ما. ولعدة ساعات نستطيع أن نواصل سلسلة من الصلات المخلصة اللطيفة الفنية ~~التي نستمدها من أقدم التجارب وأخفاها، حتى إن من يجلس إلى جوارنا من ذوي قربانا ~~ومعارفنا لتعروه دهشة قوية مما نبدي من قدرة غير مألوفة. ولكن عندما يشرع الغريب في ~~إقحام أهوائه وتعاريفه وعيوبه في الحديث ينتهي كل شيء؛ فقد سمع أول وآخر وأحسن ما يمكن ~~أن يسمعه منا. إنه لم يعد غريبا. إن الانحطاط والجهل وسوء التفاهم قد عرفناها من ~~زمان بعيد. والآن عندما يقبل علينا قد نقابله بالنظام والرداء والغداء، ولكنه لن يظفر ~~منا بعد ذلك بنبضات القلب وصلات الروح. # أي شيء أمتع من هذا التفجر للمودة التي تعيد لي الدنيا إلى شبابها؟ وأي شيء ألذ من ~~لقاء عادل ثابت بين اثنين في فكرة أو إحساس؟ وما أجمل خطا الموهوبين والصادقين ~~عندما تقترب من هذا القلب النابض! إن اللحظة التي نستمتع فيها بالمودة تتحول فيها ~~الدنيا؛ فلا شتاء، ولا مساء، وكل المآسي وكل الهموم تختفي، بل وكل الواجبات. ولا يملأ ~~الأبدية التي تسير إلى الأمام سوى أشباح الأشخاص المحببين إلى قلوبنا التي يشع منها ~~كلها النور. ولتثق كل نفس ms142 أنها سوف تلاقي صديقها في مكان ما في هذه الدنيا، وسوف ترضى ~~وتبتهج وحدها ألف عام. # استيقظت هذا الصباح أشكر الله في خشوع على أصدقائي، قديمهم وجديدهم. كيف لا أسمي ~~الله الجميل، وهو يتبدى لي كل يوم في هباته؟ إنني ألوم المجتمع، وأرحب بالعزلة، ومع ذلك ~~فإني لم أبلغ من الجحود أن أغمض عيني عن العقلاء، والظرفاء، ونبلاء الفكر، الذين يمرون ~~بداري بين الحين والحين. من يسمعني، ومن يفهمني يمسي لي، أملكه في كل حين. وليست ~~الطبيعة فقيرة ولكنها تمدني بهذا السرور مرارا، ولذا فإننا ننسج الخيوط الاجتماعية ~~لأنفسنا، نسيجا جديدا من العلاقات. وبما أن الأفكار العديدة تتخذ على التتابع شكلا ~~ماديا، فإننا نقف بعد حين في عالم جديد من خلقنا، ولا نكون بعد ذلك غرباء راحلين في ~~عالم من التقاليد. لقد أتاني أصحابي ولم أبحث عنهم. وهبني إياهم الإله العظيم. وبما ~~لدي من أقدم الحقوق، وبالتقارب المقدس بين ما عند الصديق من فضيلة وما عندي، أجد ~~أصحابي. ثم أهمل - بل وألغي - أو على الأصح يهمل الجانب المقدس في نفسي وفي نفوسهم ~~الجدران السميكة من استقلال الشخصية، والقرابة، والسن، والجنس، والظروف، التي يغض ~~الطرف عنها عادة، ويجعل من المتعدد واحدا. أيها الأحباب الأعزاء، إنني مدين لكم ~~بالشكر العظيم، لأنكم تحملون لي الدنيا إلى أعماق نبيلة جديدة، وتوسعون معاني أفكاري ~~كلها. وذلك شعر الشاعر الأول يبعث من جديد - شعر فياض - من نشيد وأغان وملاحم، ~~شعر متدفق دائما، لا يكف فيه أبولو وآلهة الشعر عن الغناء. وهل هذه الأشياء كلها ستفصل ~~نفسها عني مرة أخرى، كلها أو بعضها؟ لست أدري، ولكني لا أخشى ذلك؛ لأن علاقتي بها ~~طاهرة، تمسكني بها رابطة ساذجة. ولما كان سر حياتي اجتماعيا هكذا، فإن نفس هذه ~~الرابطة سوف تفرض قوتها على من يبلغ من النبل ما بلغ هؤلاء الرجال والنساء، حيثما ~~أكون. # أعترف في هذا الصدد برقة الطبيعة الزائدة، ويكاد يحدق بي الخطر «إذا أنا عصرت من ~~المودة السم الحلو الذي يمازج خمرها حينما يساء استعماله.» الشخص ms143 الجديد عندي حادث ~~عظيم، يحرمني من النوم. كثيرا ما ارتسمت في ذهني عن بعض الأفراد خيالات جميلة أسعدتني ~~ساعات، غير أن السرور ينتهي بانتهاء النهار دون ثمرة. وهو لا يولد فكرا، وأعمالي لم ~~تعدل إلا قليلا. لا بد أن أشعر بالفخر بمزايا صديقي كأنها مزاياي، ولا بد أن أشعر ~~بامتلاك فضائله. وأشعر عند الإطراء عليه بالحرارة التي يشعر بها العاشق حينما يسمع ~~الثناء على مخطوبته العذراء. إننا نبالغ في تقدير ضمير الصديق. فيبدو ما لديه من خير ~~أكثر مما لدينا، وطبيعته أرق، ومغرياته أقل. كل ما له - اسمه وشكله ولباسه وكتبه ~~وأدواته - تشغل الخيال. وأفكارنا تصدر عن شفتيه جديدة أعظم مما تصدر هي عينها ~~منا. # ومع ذلك، فإن انقباض القلب وانبساطه لهما ما يشبههما في مد الحب وجزره. الصداقة كخلود ~~الروح، أكثر خيرا من أن تصدق. إن العاشق حينما ينظر إلى فتاته يكاد لا يعرف أنها ~~ليست بعينها معبودته. وفي ساعة الصداقة الذهبية تفاجئنا ظلال من الشك وعدم التصديق. ~~نشك في أننا نهب بطلنا الفضائل التي يتألق بها، وبعد ذلك نعبد الصورة التي نسبنا ~~إليها هذه الصفات المقدسة. والروح - على وجه الدقة - لا تحترم الأشخاص كما تحترم نفسها. ~~وفي العلم الدقيق يتصف جميع الناس بصفة واحدة: هي التباعد الذي ليس له مدى. فهل نخشى ~~أن يفتر حبنا بتنقيبنا عن الأساس الميتافيزيقي لهذا المعبد الفردوسي؟ وهلا أكون ~~حقيقيا كالأشياء التي أراها؟ إذا كنت كذلك، فلن أخشى أن أعرفها كما هي؛ فإن جوهر ~~الأشياء ليس أقل جمالا من مظهرها، وإن كان بحاجة في إدراكه إلى أعضاء أدق. إن جذور ~~النبات لا تخفى عن العلم، وإن كنا نقطع الساق من أجل الأزهار والأغصان. ولا بد أن ~~أخاطر باستخراج الحقيقة الجرداء من بين هذه الأحلام السارة، حتى إن أثبتت أنها ~~جمجمة مصرية في وليمتنا. إن الرجل الذي يثبت على الاتحاد مع فكرته يحسن التفكير في ~~نفسه. إنه يحقق نجاحا شاملا حتى إن اشترى هذا النجاح بألوان معينة من الفشل المطرد؛ ~~فليست هناك أية مزايا، ms144 أو قوى أو ذهب أو قدرة، تستطيع أن تلائمه. ولست أملك إلا أن ~~أعتمد على فقري أكثر مما أعتمد على ثروتك، ولا أستطيع أن أجعل وعيك معادلا لوعيي. ~~النجم وحده يخطف البصر، أما الكوكب فأشعته فاترة تشبه ضوء القمر. إنني أسمع ما تقول ~~عن النواحي التي تدعو إلى الإعجاب وعن المزاج الذي مارسته في رفيقك الذي تثني عليه، ~~ولكني أعرف جيدا أني لن أحبه برغم كل أرديته القرمزية، اللهم إلا إذا كان في نهاية ~~الأمر إغريقيا مسكينا مثلي. لا أنكر يا صديقي أن الظل العريض للظواهر يمتد إليك كذلك ~~فيصبغك بظلامه الدامس ولونه الداكن، أنت كذلك، الذي يبدو كل شيء ظلا إذا قورن بك. ~~إنك لست الوجود - كالصدق أو العدل - ولست روحي، ولكنك صورة ورسم منها. أتيتني مؤخرا، ~~ولكنك تقبض برغم ذلك على قبعتك وعباءتك. ألا تنبت الروح أصدقاء كما تنبت الشجرة ~~الأوراق، وبعد توليد البراعم الجديدة تنفض الأوراق القديمة؟ إن قانون الطبيعة هو ~~التبادل دائما. كل حالة كهربية تسبب نقيضها. إن الروح تحيط نفسها بالأصدقاء، كي تدخل ~~في حالة أعظم من معرفة الذات أو العزلة، وتسير وحدها زمنا كي تعلي من قدر حديثها ~~أو من صحبتها. وهذه الطريقة تتضح خلال تاريخ علاقاتنا الشخصية كلها. إن غريزة الحب تحيي ~~الأمل في الاتحاد مع رفاقنا، وعندما يعود إلينا الإحساس بالذلة يستدعينا من هذا السباق. ~~وهكذا ترى أن كل إنسان يقضي حياته في البحث عن الصداقة، وإذا هو سجل عاطفته الصادقة، ~~فقد يكتب خطابا كهذا لكل طالب جديد لحبه: # صديقي العزيز # لو كنت واثقا منك، واثقا من قدرتك، واثقا من التوافق بين مزاجك ومزاجي، ~~لما فكرت مرة أخرى في أمور تافهة تتعلق بإقبالك وإدبارك. لست عاقلا جدا، ~~وحالاتي العقلية يمكن بلوغها تماما، وأنا أحترم نبوغك، وإن لم أسبر غوره بعد، ~~ومع ذلك فإني لا أجرؤ أن أزعم أنك فهمتني فهما تاما، ولذا فأنت لي عذاب ~~مستطاب، وإني لك دائما، أو لست لك مطلقا. # ومع ذلك فإن هذه الملذات القلقة والآلام الخفيفة يدفعنا ms145 إليها التطلع ولا ~~تدوم مدى الحياة. ولا ينبغي أن نسترسل فيها؛ فهي كنسيج العنكبوت وليست كالقماش. ~~إن صداقاتنا تسارع إلى خواتيم باترة فاترة؛ لأننا جعلناها نسيجا من الخمر ~~والأحلام، بدلا من الخيوط الصلبة في القلب البشري. قوانين الصداقة صارمة ~~خالدة، من نسيج واحد هي وقوانين الطبيعة وقوانين الأخلاق. ولكننا هدفنا إلى ~~منفعة عاجلة تافهة لكي نمتص حلاوة مباغتة. إننا نجني أبطأ الثمار في فردوس ~~الله كله، الثمرة التي لا بد لها من عدة فصول من الصيف والشتاء لكي تنضج. إننا ~~لا نبحث عن الصديق بحثا منزها، ولكنه ممزوج بعاطفة مختلطة ترمي إلى ~~امتلاكنا له وعبثا ما نحاول؛ فإننا مسلحون إلى الأذقان بعداوات خفية تبدأ ~~فعلها بمجرد ما نلتقي، ونترجم الشعر كله إلى نثر مبتذل. ويكاد الناس جميعا أن ~~ينزلوا للقاء. وكل لقاء ينبغي أن يكون فيه تنازل من الطرفين، بل وما هو أسوأ ~~من ذلك؛ فإن لكل منهما طبيعة جميلة تختفي زهرتها نفسها وعبير زهرتها عندما ~~يقترب كل منهما من الآخر. ما أشد خيبة الأمل الدائمة في الاجتماع الحقيقي، ~~حتى بين الفضلاء وذوي المواهب! بعدما تتم المقابلات بعد توقعها زمنا طويلا لا ~~بد أن نتعرض للعذاب فورا بضربات مخيبة وببلادة الحس المفاجئة التي تأتي في غير ~~إبانها، وبنوبات تصيب العقل وروح المرح، في ريعان الصداقة والفكر. إن مواهبنا ~~العقلية لا تخلص لنا، وكلا الطرفين يخفف عن نفسه بالعزلة. # لا بد أن أكون كفئا لكل علاقة. لا يهمني كم صديق عندي، وأي رضى أستطيع أن ~~أجد في حديثي مع كل منهم، إذا كان هناك واحد لست له كفئا. وإذا تضاءلت لأني ~~غير كفء في إحدى المباريات، فإن السرور الذي أجده في كل ما عداها يصبح وضيعا ~~متخاذلا. وإني لأمقت نفسي إذا جعلت من أصدقائي الآخرين مأوى لنفسي ~~الضعيفة: # إن المحارب الباسل وقد ذاع صيته في القتال، # إذا انتصر مائة مرة، ثم هزم مرة، # يمحى بتاتا من كتاب الشرف، # وكل ما جاهد من أجله ينسى. # ولذا فإننا نلام أشد اللوم على ما ms146 يصيبنا من قلق. وليس الخجل وفقدان الحس سوى قشرة ~~سميكة يحتمي وراءها من النضج المبتسر هيكل رقيق. وإن هذا الهيكل ليفقد لو عرف نفسه ~~قبل أن تنضج روح من خير الأرواح نضجا يكفي لمعرفته وامتلاكه. إنني أحترم العوامل ~~الطبيعية الثابتة التي تجمد الياقوت في مليون عام، والتي تفعل فعلها في مدى من ~~الزمان تظهر فيه جبال الألب والإنديز وتختفي كأنها أقواس قزح. إن الروح الطيبة في ~~حياتنا ليست لها سماء تساوي اندفاعها. والحب، وهو جوهر الإله، ليس للطيش، ولكنه لقيمة ~~الإنسان كلها. دعنا لا نأبه في اعتبارنا بهذا الترف الصبياني، بل بأثبت القيم. دعنا ~~نقترب من صديقنا بثقة جريئة في صدق قلبه، وفي اتساع أسسه، التي لا يمكن أن ~~تنقلب. # إن ما يجذبنا في هذا الموضوع لا يمكن مقاومته، وإني أتخلى مؤقتا عن كل ما يتعلق ~~بالمنفعة الاجتماعية الثانوية لكي أتحدث عن تلك العلاقة المختارة المقدسة، وهي نوع من ~~المطلق، بل إنها لتجعل لغة الحب مريبة مبتذلة؛ فذلك أطهر، وليس هناك ما يبلغ هذه ~~المكانة من التقديس. # ولست أحب أن أعالج الصداقات معالجة رقيقة، وإنما أحب أن أعالجها بشجاعة وخشونة؛ ~~فالصداقة الحقيقية ليست كألواح الزجاج المصنفر، أو كالصقيع، ولكنها أصلب شيء عرفناه. ~~والآن بعد أجيال عديدة من التجارب، ماذا نعرف عن الطبيعة، أو عن أنفسنا؟ إن الإنسان لم ~~يخط خطوة واحدة نحو حل مشكلة مصيره. إن الناس في العالم أجمع يوصمون بالغفلة، ولكن ~~السرور وطمأنينة النفس الخالصة العذبة، التي أستمدها من الائتلاف مع روح أخي، هي ~~النواة بعينها، التي ليست الطبيعة كلها والفكر كله سوى القشرة والغلاف لها. ما أسعد ~~البيت الذي يأوي صديقا! إنه يستحق أن يقام كما تقام المقاعد في الولائم، أو كما ~~يقام القوس لاستضافته يوما واحدا. وأسعد من ذلك أن يعرف جلال تلك العلاقة، وأن ~~يكرم قانونها! من يقدم نفسه طالبا هذا الميثاق، يتقدم - كاللاعب في الأولمب - إلى ~~المباريات العظمى، التي يكون أعز أبناء العالم فيها هم المتنافسون. إنه يقدم نفسه ~~لمباريات تتطلب الوقت والحاجة والخطر. ms147 والظافر فيها هو وحده ذلك الذي تكفي صحة تكوينه ~~للمحافظة على دقة جماله مما يسببه كل أولئك من بلى. إن هبات الحظ قد تظهر وقد تختفي، ~~ولكن السرعة كلها في هذه المباراة تتوقف على النبل الذاتي وعلى ازدراء توافه الأمور. ~~هناك عاملان يؤثران في تكوين الصداقة، كل منهما له سيادة عليا، حتى إني لا أرى تفوقا ~~في أحدهما، ولا سببا في تقديم ذكر أحدهما على الآخر، أحدهما الصدق؛ فالصديق شخص أستطيع ~~أن أخلص له، وأستطيع أن أفكر أمامه بصوت مرتفع. إنني مع هذا الصديق أصل أخيرا إلى ~~أعماق رجل حقيقي يضارعني، أستطيع معه أن أنزع حتى تلك الثياب الداخلية، ثياب الرياء ~~والرأفة، والتفكير الباطني الذي لا ينزعه الناس أبدا، وأستطيع أن أعامله بالبساطة ~~والتكامل الذي تلتقي به ذرة كيمائية بذرة أخرى. الإخلاص ميزة لا يظفر بها إلا ذوو ~~المراتب العليا، كأنه ذروة السلطان، فأصحاب السلطان وحدهم هم الذين يستطيعون قول الصدق؛ ~~لأنهم لا يخضعون لأحد يداهنونه أو يصوغون أنفسهم على غراره. كل رجل مخلص وهو منفرد. ~~فإذا ما اتصل بشخص آخر بدأ النفاق. إننا ندرأ ونتقي اقتراب زميل لنا بالثناء وبالغيبة ~~وضروب التسلية وغير ذلك من الحاجات. إننا نخفي عنه تفكيرنا تحت مائة غطاء. عرفت رجلا ~~انتابته نوبة جنون ديني، فخلع هذه الثياب، واستغنى عن الثناء وما ألف الناس، فتحدث إلى ~~ضمير كل شخص التقى به، وكان حديثه على بصيرة كبرى وجمال عظيم. فقاومه الناس أول المر، ~~واتفقوا على أنه معتوه، ولكنه أصر على مسلكه لفترة ما، ولم يكن بوسعه حقا غير ذلك، ~~فحقق مزية كبرى، وهي أنه أرغم كل رجل من معارفه على علاقة صادقة به. فلم يفكر أحد في ~~أن يحدثه بالباطل، أو أن يصرفه بحديث عن الأسواق أو قاعات المطالعة. وإنما اضطر كل ~~إنسان بهذا الإخلاص إلى مثل هذه المعاملة الصريحة، وإلى إظهار كل ما لديه من حب ~~للطبيعة، أو الشعر، أو علامة من علامات الصدق، في وضوح وجلاء. ولكن المجتمع لا يسفر ~~لأكثرنا عن وجهه وعينه، ms148 وإنما يبدي جانبه وظهره. أليس من خبل العقل أن تصدق في علاقتك ~~بالناس في عصر باطل؟ إننا قلما نستقيم في السير، ويكاد كل رجل نلتقي به أن يكون بحاجة ~~إلى شيء من الملاطفة، وإلى شيء من المداراة. إن لديه بعض الشهرة وبعض الموهبة، وشيئا ~~من النزعة الدينية أو حب الإنسانية في رأسه لا جدال فيه، وإن ذلك ليتلف كل حديث معه. ~~إنما الصديق رجل عاقل لا يتوجه إلى كفايتي العقلية، وإنما يتوجه إلي. صديقي يقدم ~~لي التسلية دون أن يتطلب شرطا من جانبي. فالصديق إذن ضرب من ضروب التناقض في الطبيعة؛ ~~فأنا الذي لا يكون لي وجود إلا وأنا وحيد، والذي لا أرى شيئا من الطبيعة أستطيع أن ~~أؤكد وجوده مثلما أؤكد وجودي بأدلة مماثلة، أنا ذلك الشخص، أرى الآن ما يشبه وجودي، ~~بكل ما سما إليه، وكل ما فيه من تنوع وتطلع، مكررا في صورة أخرى، ولذا فإننا ~~نستطيع أن نعد الصديق أجمل ما أبدعته الطبيعة. # والعامل الآخر من عاملي الصداقة هو رقة العاطفة. إننا نرتبط بغيرنا من الناس بكل لون ~~من ألوان الارتباط، بالدم، والتكبر، والخوف، والأمل، وبالربح، والشهرة، والكراهية ~~والإعجاب، وبكل ظروف وكل إشارة وكل أمر تافه، ولكننا لا نكاد نصدق أن شخصا آخر قد ~~يكون لديه من الصفات ما يجذبنا بالحب. هل يمكن أن يكون لشخص آخر من البركة، ولنا من ~~الطهارة ما يجعلنا نمنحه العطف؟ إذا أصبح الرجل عزيزا علي فقد بلغت هدف الحظ السعيد. ~~قل ما أجده مكتوبا عن هذا الموضوع في الكتب بطريقة تمس القلب مباشرة. وبرغم ذلك ~~فإن لدي نصا لا أملك إلا أن أذكره، يقول مؤلفه: «إنني أعرض نفسي عرضا خفيفا ~~صريحا على أولئك الذين يملكونني حقا، وأقل ما أكون عرضا لنفسي لأولئك الذين كرست ~~لهم نفسي أكثر من سواهم.» وددت لو كان للصداقة قدمان وعينان ولسان فصيح، إذن لثبتت ~~جذورها في الأرض قبل أن تحلق فوق القمر. أحب أن يكون لها شيء من صفات المواطن قبل أن ~~تكون ملاكا كاملا. ms149 إننا نزجر المواطن لأنه يجعل من الحب سلعة؛ فالصداقة عنده تبادل ~~الهدايا والسلف النافعة، وهي الجوار الطيب، وهي تسهر على المريض، وترفع بساط الرحمة في ~~الجنازة، وتتجاهل تماما ما تنطوي عليه العلاقة من نبل ورقة. ومع أننا لا نستطيع أن نرى ~~الإله المتخفي في زي هذا التاجر الذي يبيع الطعام والشراب، إلا أننا من ناحية أخرى لا ~~نستطيع أن نعفو عن الشاعر إذا غزل خيوطه رقيقة جدا، ولم يعزز قصته بالفضائل المدنية، ~~فضائل العدل والمواظبة والإخلاص والشفقة. إنني أمقت أن ألطخ اسم الصداقة حتى نجعلها تدل ~~على تحالف دنيوي من الطراز الجديد. وإني لأوثر جدا صحبة الصبية الحراثين وتجار ~~الصفيح المتجولين على المحبة الحريرية المعطرة التي تحتفل بأيام لقياها باستعراض ~~مرح، وبالركوب في العربات الصغيرة تجرها الخيل، وبالعشاء في أحسن الحانات. غاية الصداقة ~~تجارة بأدق معانيها وأشدها ارتباطا بحياتنا المنزلية. إنها أدق من أية تجارة لنا بها ~~خبرة، إنها للعون والراحة في جميع العلاقات والتنقلات في الحياة والموت. إنها تتفق ~~وأيام الجد، والهدايا الأنيقة، وجولات الريف، ولكنها تتفق كذلك والطرق الخشنة والرحلة ~~الشاقة، والسفينة المحطمة، والفقر، والاضطهاد. إنها تصاحب لمحات الفطنة وغيبوبة الدين. ~~على كل منا أن يكرم للآخر الحاجات والأعمال اليومية في حياة الإنسان، وأن يجمل ~~هذه الحياة بالشجاعة والحكمة والاتحاد. ولا ينبغي أن تهوي هذه الحياة إلى المألوف ~~والمستقر، بل يجب أن تكون متنبهة مبتكرة، وأن تجعل للكد والعناء نغما وحكمة. # يمكن أن يقال إن الصداقة تتطلب طبائع نادرة ثمينة، لكل منها مزاج سليم وكيف ~~صحيح، وخصائص خاصة تجعل من العسير إشباعها (وفي هذه الصفة يقول الشاعر إن الحب يتطلب من ~~الطرفين أن يزدوجا تماما). ولا يمكن للصداقة أن توجد في كمالها عند أكثر من اثنين ~~كما يقول بعض أولئك الذين يعرفون ما للقلب من صفات حارة. ولست دقيقا جدا في ~~عباراتي، وربما كان ذلك لأنني لم أعرف قط كغيري زمالة سامية كهذه. إن خيالي ليكون أشد ~~سرورا بجماعة من الرجال والنساء يشبهون الآلهة، وعلى صلات مختلفة بعضهم ms150 ببعض. ولكنهم ~~جميعا على درجة عالية من الذكاء. غير أني أجد قانون «الفرد للفرد» لازما في الحديث، ~~وهو وسيلة الصداقة وغايتها. لا تبالغ في خلط المياه؛ فإن خيرها يختلط اختلاطا سيئا ~~كاختلاط الطيب بالخبيث. تستطيع أن تجد حديثا نافعا سارا جدا في أوقات متفرقة مع ~~رجلين مختلفين، ولكن إن اجتمع ثلاثتكم جميعا فلن تظفر بكلمة واحدة جديدة قلبية. ~~يستطيع الاثنان أن يتكلما والواحد أن يسمع، ولكن الثلاثة لا يمكنهم أن يسهموا في حديث ~~من أخلص الأحاديث وأعمقها غورا. في الصحبة الطيبة لن تجد حديثا بين اثنين، عبر ~~المائدة، كذلك الذي يدور إذا تركتهما وحدهما. في الصحبة الطيبة يغرق كل فرد ذاتيته في ~~روح اجتماعية تشمل تمام الشمول وعي كل فرد من الحاضرين؛ فلا تجد ميل الصديق إلى ~~الصديق، أو غرام الأخ بأخته، أو الزوجة بزوجها، ملائما، بل تجد ما هو عكس ذلك. ولا ~~يستطيع حينئذ أن يتكلم إلا من يسبح على الفكرة العامة في الجماعة، ولا يجد نفسه بحدود ~~ضيقة من فكره. بيد أن هذا التقليد، الذي يتطلبه الإدراك العام، يهدم الحرية الكبرى ~~في الحديث العظيم، التي تتطلب الامتزاج المطلق بين روحين حتى يصبحا روحا ~~واحدة. # لن تجد رجلين، يتركان وحدهما، لا يدخلان في صلات مبسطة، ومع ذلك فإن التقارب التام ~~هو الذي يحدد أي اثنين يتبادلان الحديث. الرجال الذين لا علاقة بينهم لا يمتع أحدهم ~~الآخر إلا قليلا، ولن يلمس أحدهم القوى الكامنة عند الآخر. إننا نتحدث أحيانا عن ~~الموهبة العظمى في الحديث، كأنها صفة دائمة لبعض الأفراد. ولكن الحديث علاقة زائلة، لا ~~يزيد عن ذلك. وقد يشتهر الرجل بالفكر والفصاحة، ولكنه لا يستطيع برغم ذلك أن يقول كلمة ~~لابن عمه أو عمه. ويتهم الناس صمته، وهم في ذلك ليسوا أشد صوابا منهم حينما يلومون ~~المزولة لأنها لا تنبئ بشيء في الظل. إنها تعين الساعة في الشمس، وإنه ليسترد لسانه بين ~~أولئك الذين يستمتعون بفكره. # تتطلب الصداقة ذلك التوسط النادر بين التشابه والاختلاف، الذي ينبه الصديقين إلى ~~ما يبعثه ms151 الآخر من طمأنينة ونفوذ. خير لي أن أبقى وحيدا إلى نهاية الدنيا من أن يتخطى ~~صديقي عطفه الحقيقي بكلمة أو نظرة. الخصومة والإذعان كلاهما يقف في سبيلي. لا أحب ~~للصديق أن يكف لحظة واحدة عن أن يكون نفسه. إن السرور الوحيد الذي أستمده من أنه لي، ~~هو أن ما ليس لي قد أمسى لي. إنني أكره أن أجد ضعف الامتثال حيثما بحثت عن جرأة ~~الرجولة، أو على الأقل عن مقاومة الرجولة. خير لك أن تكون شوكة في جنب صديقك من أن ~~تكون صدى له. إن الشرط الذي تتطلبه الصداقة المتينة هو القدرة على الاستغناء عنها. وإن ~~تلك المكانة العليا لتحتاج إلى صفات عظيمة سامية. يجب أن يكون هناك اثنان أكيدان، قبل ~~أن يكون هناك واحد أكيد. لتكن الصداقة تحالفا بين طبيعتين كبيرتين مريعتين، ~~تتبادلان النظر، كما تتبادلان الخوف، قبل أن تكشفا عن التطابق التام الذي يوجد بينهما ~~تحت هذه المفارقات. # لا يصلح لهذا المجتمع إلا عزيز النفس، الذي يؤمن بأن العظمة والخير هما دائما في ~~الاقتصاد، والذي لا يسارع إلى التدخل فيما يصيبه من حظ. دعه لا يتدخل في ذلك، واترك ~~للدرة بما تحتاج إليه من دهور لكي تنمو. ولا تتوقع أن يسارع القدر ما سوف يتمخض عنه. ~~إن الصداقة تتطلب معالجة دينية. إننا نتحدث عن اختيار الأصدقاء، ولكن الأصدقاء يختارون ~~أنفسهم. والتقدير جانب هام في هذا الاختيار. عامل صديقك كما تعامل مشهدا. للصديق ~~بالطبع مزايا ليست لك، ولا تستطيع أن تقدرها قدرا كبيرا، وإذا كنت تريد أن تبقيه ~~قريبا من شخصك، فقف جانبا وأفسح في المجال لهذه المزايا، ودعها تعلو وتمتد. فهل أنت ~~صديق لثياب صديقك أم لأفكاره؟ يبقى الصديق لصاحب القلب الكبير غريبا في ألف نقطة، كي ~~يقترب من أقدس نواحيه. إنما الفتيات والفتيان هم الذين يعتبرون الصديق ملكا، ويستمدون ~~من الصداقة متعة قصيرة المدى، تدعو إلى الذهول بدلا من أن يستمدوا منها أنبل ~~منافعها. # ولنشتر دخولنا في هذا الاتحاد بعد فترة اختبار طويلة. لماذا ندنس الأرواح النبيلة ms152 ~~الجميلة بتطفلنا عليها؟ لماذا تصر على علاقات شخصية اندفاعية مع صديقك؟ لماذا تذهب إلى ~~بيته، أو تعرف أمه وأخاه وأخواته؟ ولماذا يزورك في بيتك؟ هل لهذه الأشياء أهمية فيما ~~بيننا من ميثاق؟ ارجع عن هذا الاتصال المباشر وعن هذا العض بالنواجذ. ودعه يكون لي ~~روحا. إنني بحاجة إلى رسالة منه أو فكرة أو إخلاص أو نظرة، ولست بحاجة إلى أنبائه أو ~~طعامه. أستطيع أن أحصل على الآراء السياسية وعلى ثرثرة الحديث وأسباب الراحة القريبة من ~~رفاق أرخص من ذلك. فهلا تكون لي صحبة صديقي شعرية، صافية، عامة، عظيمة كالطبيعة نفسها؟ ~~هل لا بد لي من الإحساس بأن الرابطة بيننا دنسة إذا قيست إلى ذلك الحاجز من السحاب الذي ~~يبدو في الأفق، أو تلك الكتلة من الحشائش المتموجة التي تعترض النهر؟ دعنا لا نعيب ~~الصداقة، بل نرفعها إلى هذا المستوى. إن تلك النظرة العظيمة النافذة، وذلك الجمال الذي ~~يحتقر غيره بسيماه ورشاقته، يجب ألا يحفزك إلى الحط منه، بل إلى إعزازه والاستفادة منه. ~~قدس مزايا الصديق، ولا تتمنى لها النقصان، بل اجمع شملها وتحدث عنها، دعه يكون لك ~~دائما نوعا من الخصم الجميل، لا يذعن، احترامه مقدس، ولا تهمل مزية من مزاياه ولا ~~تنبذها مهما قل شأنها. إن ألوان عين القط، وأضواء الدرر، لا ترى إذا اقتربت منها ~~العين جدا. إنني أكتب خطابا إلى صديقي، وأتلقى منه خطابا، وقد يبدو لك ذلك شيئا ~~هينا، ولكنه يكفيني. إنها هبة روحية جديرة به أن يعطيها، وجديرة بي أن أتلقاها؛ فهي لا ~~تدنس أحدا. في هذه الأسطر الحارة يثق القلب في نفسه بما لا يثق في اللسان، ويتدفق ~~بالنبوءات التي تفوق في صبغتها الإلهية كل ما مجده تاريخ البطولة. # احترم قوانين هذه الزمالة المقدسة بحيث لا تلحق بزهرتها الكاملة أذى بتعجلك ~~ازدهارها؛ إذ يجب أن نكون لأنفسنا قبل أن نكون لغيرنا. إن الجريمة فيها على الأقل شيء ~~من الطمأنينة كما جاء في المثل اللاتيني: «إنك تستطيع أن تتحدث إلى شريكك في الذنب ~~وأنتما على ms153 قدم المساواة.» ولكننا لا نستطيع أن نتحدث في أول الأمر إلى أولئك الذين ~~نعجب بهم ونحبهم. ومع ذلك فإن أقل نقص في السيطرة على النفس يفسد في رأيي العلاقة ~~كلها، ولا يمكن أن تنشأ الطمأنينة الشديدة بين روحين، أو الاحترام المتبادل، حتى ~~يمثل كل منهما في حديثه الدنيا بأسرها. # دعنا نحمل بأقصى ما نستطيع من عظمة الروح كل أمر جلل كالصداقة. لنقف صامتين حتى ~~نستطيع أن نصغي إلى همس الآلهة. دعنا لا نتدخل فيما لا يعنينا. من ذا الذي كلفك أن ~~تتوجه بالقول إلى الأرواح المختارة، أو علمك كيف تقول كلمة واحدة لهذه الأرواح؟ مهما ~~يكن نبوغك، ومهما تكن رشاقتك ورقتك. للحماقة والحكمة درجات لا تعد، وإن تفوهت بلفظة ~~كنت طائشا. تريث يتحدث قلبك. انتظر حتى يغلبك على أمرك الضروري الأبدي، حتى يفيد ~~الليل والنهار من شفتيك. الجزاء الأوحد للفضيلة هو الفضيلة، والسبيل الوحيد لأن يكون ~~لك صديق هو أن تكون صديقا. إنك لا تقترب من الشخص إذا ولجت داره. إن كان لا يشبهك، فإن ~~روحه بذلك تسرع في الفرار منك، ولن تظفر بنظرة صادقة من عينه. إننا نشهد النبلاء عن ~~بعد، فيصدوننا، فلماذا نتطفل؟ إننا لا ندرك إلا في وقت متأخر جدا أن التدبير السابق، ~~وتقديم الأصدقاء لنا، والتقاليد والعادات الاجتماعية، لا تجدي في تأسيس علاقة بيننا ~~وبين من نريد. لا يجدي سوى نهوض الطبيعة فينا إلى الدرجة التي هم فيها. حينئذ نلتقي ~~كما يلتقي الماء بالماء، وإذا لم نلتق عندئذ فإننا لن نحتاج إليهم؛ لأننا بالفعل هم ~~أنفسهم. إن التحليل الدقيق يدل على أن الحب ليس إلا انعكاس قيمة المرء من غيره من ~~الناس. وقد يتبادل الرجال الأسماء مع أصدقائهم، كأنهم يريدون أن يبرهنوا على أن كل فرد ~~منهم يحب ذاته في صديقه. # كلما ارتفع الأسلوب الذي نتطلبه من الصداقة شق بالطبع إقامتها باللحم والدم. إننا ~~نسير وحدنا في الدنيا؛ لأن الأصدقاء الذين نريدهم أحلام وخرافات. ولكن أملا ساميا ~~يهتف دائما في القلب المخلص بأن هناك في مكان ms154 آخر، في مناطق أخرى من مناطق النفوذ في ~~العالم، أرواحا تعمل وتقاسي وتتجاسر، أرواحا تستطيع أن تحبنا، ونستطيع أن نحبها. ~~نستطيع أن نهنئ أنفسنا لأن سن القصور، وعهد الحماقة، والأخطاء الجسيمة، والخجل، ينقضي ~~في العزلة، ولما تكمل رجولتنا نمسك بأيد باسلة في أخرى مثلها. ولتتعظ بما تشهد فقط. ~~ولا تعقد أواصر الصداقة مع أشخاص رخيصين، لا يمكن أن تنشأ معهم صداقة؛ فإن قلق نفوسنا ~~يزج بنا في محالفات اندفاعية حمقاء لا ترعاها الآلهة. وإذا أنت لزمت طريقك فإن ما تظفر ~~به يكون جليلا مهما قل، حتى إن خسرت في سبيل ذلك. إنك تظهر نفسك على حقيقتها كي تبعد ~~بها عن العلاقات الباطلة، وتجذب إليها أبكار الدنيا، أولئك الرحل القلائل الذين لا ~~يجوب الطبيعة منهم سوى واحد أو اثنين في وقت واحد، والذين يبدو كبار العوام أمامهم مجرد ~~أشباح وظلال. # ومن الحماقة أن تخشى أن تكون صلاتك مبالغة في روحانيتها، كأنك بذلك يمكن أن تفقد أي ~~حب صادق. ومهما يكن التصحيح الذي ندخله بالفطرة على آرائنا العامة، فإن الطبيعة تؤيد ما ~~فيه. وإن بدت كأنها تحرمنا بعض المتاع، فإنها تعوضنا بما هو أكبر منه. ولنشعر - إن شئنا ~~- بعزلة الإنسان؛ فنحن على يقين بأن في أنفسنا كل شيء. قد نسافر إلى أوروبا، أو نتابع ~~الأشخاص، أو نقرأ الكتب، في إيمان ساذج بأن ذلك يظهر ما خفي ويكشفنا لأنفسنا. كل ذلك ~~يأخذ ولا يعطي. إنما الأشخاص كما نكون، وأوروبا رداء بال باهت اللون لبعض الموتى، ~~والكتب أشباحهم. دعنا نتخلى عن عبادة هذه الأوثان. بل ولنودع أعز أصدقائنا ونتحداهم ~~قائلين: «من أنتم؟ فكوا يدي، فلن أعتمد عليكم بعد اليوم.» ألست ترى يا أخي أننا إنما ~~نفترق على هذه الصورة لنلتقي مرة أخرى على منصة أعلى، ويكون كل منا أكثر امتلاكا ~~للآخر لأنه أشد امتلاكا لنفسه؟ الصديق له وجه كوجه جينس، ينظر إلى الماضي وإلى ~~المستقبل وهو وليد كل ساعاتي الماضية، ونبي كل ساعاتي المقبلة، ومبشر بصديق ~~أعظم. # إنني حينئذ أفعل بأصدقائي ما أفعل بكتبي. ms155 أحب أن يكونوا لي حيث أستطيع أن أجدهم، ~~ولكني قلما أفيد منهم . لا بد لنا من صحبة تخضع لشروطنا، نقبلها أو نستبعدها لأتفه ~~الأسباب. ليس بوسعي أن أكثر من الحديث مع صاحبي. إذا كان عظيما جعلني من العظمة بحيث ~~لا أستطيع أن أتنزل إلى الحديث. وفي الأيام العظيمة تحلق الخواطر أمامي في الأفق. ~~وينبغي لي إذن أن أهديها نفسي. إنني أقبل أو أدبر لكي أظفر بها. ولا أخشى إلا أن ~~أفقدها فتتراجع في السماء التي تبدو فيها الآن كرقعة من الضوء اللامع. إنني عندئذ حتى ~~إن ظفرت بأصدقائي، لا أستطيع أن أتحدث إليهم وأدرس رؤياهم خشية أن أفقد رؤياي. وإنه ~~حقا لمما يعطيني شيئا من المتعة الصائبة، أن أتخلى عن هذا البحث العميق، وعن هذه ~~الأفلاك الروحية، أو البحث عن النجوم، وأهبط إلى مبادلتك العطف الحار، ولكنني حينئذ ~~أعرف جيدا أنني سوف أبكي دائما اختفاء آلهتي العظام. حقا سوف تنتابني في الأسبوع ~~المقبل حالات عقلية واهنة، أستطيع فيها كل الاستطاعة أن أشغل نفسي بأشياء غريبة عني، ~~ولكنني حينئذ سوف أندم على أدب عقلك الذي أضعت، وأتمنى أن تكون إلى جانبي مرة أخرى. ~~ولكنك إن عدت فلربما تملأ عقلي بالرؤى الجديدة فقط، لا بنفسك، ولكن بمظاهرك البراقة، ~~ولا أستطيع أن أتحدث إليك بأكثر مما أتحدث به إليك الآن؛ ولذا فإني سوف أكون مدينا ~~لأصدقائي بهذا الاتصال الزائل. إنما أريد أن آخذ عنهم لا ما يملكون ولكن ما هم عليه. ~~إنهم بذلك يعطونني ما لا يستطيعون إعطاءه حقا، ولكن ما يصدر عنهم. بيد أن صلتي بهم ~~لن تكون أقل نفاذا أو أقل صفاء. فسوف نتقابل كأننا لم نفعل، ونفترق كأننا لم ~~نفترق. # ظهر لي أخيرا أن الصداقة يمكنها - أكثر مما عرفت - أن تسير شوطا بعيدا في جانب، ~~دون أن تقابلها صداقة مماثلة في الجانب الآخر. لماذا أقيم العراقيل أمامي بالندم على ~~أن من يتقبل مني ليس كفئا لما أعطيه؟ إن الشمس لا يؤذيها قط أن بعضا من أشعتها يسقط ~~عبثا وعلى غير ms156 هدى على فضاء جاحد، ولا يسقط منها إلا اليسير على الكوكب الذي يعكس ~~الضوء. دع عظمتك تعلم الزميل الجلف البارد. فإن كان لا يوازيك فسوف يختفي لتوه، ولكنك ~~تكبر بإشراقك، ولن يحلق بعد ذلك رفيق الضفادع والديدان مع آلهة السموات العلا أو يشتعل ~~معهم. يحسب الناس أن من العار أن تحب بغير جزاء، ولكن العظماء يرون أن الحب الحقيقي لا ~~يمكن أن يكون بغير جزاء، الحب الصادق يتخطى الأشياء التي لا قيمة لها، ويحدق ويتأمل ~~في الأشياء الخالدة، وعندما يتحطم القناع الواهن الحائل لا يحزن الحب، ولكنه يشعر ~~بالخلاص من التراب الكثيف، ويحس بزيادة القوة في استقلاله، ومع ذلك فإننا نكاد لا ~~نستطيع أن نقول ذلك دون أن نخون صلة الصداقة بعض الخيانة. إنما لب الصداقة الكمال، ~~والعزة، وتمام الثقة. ولا ينبغي لها أن تتوهم الضعف أو أن تتزود به. إنها تعامل الطرف ~~الآخر كالإله، كي تؤله الطرفين. # | البطولة # الجنة تحت ظلال السيوف. # محمد ~~*** # إنما يشرب الخمر القاني الأوغاد، # وينفق السكر ليسمن العبيد، # ويتحلى الماجنون بالورد وأوراق الكروم، # والسحب ذات الرعد أغصان يتحلى بها جوف، # وتتدلى دائما كأنها أكاليل من الرعب، # وتلتف حول رأسه مشوبة بالبرق اللامع. # إن البطل لا يعيش على الحلوى، # إنه يأكل قلبه كل يوم، # وغرف العظماء سجون، # والرياح العاصفة تصلح لسفن الملوك. # تجد عند كتاب المسرحية القدامى من الإنجليز، وبخاصة في مسرحيات بومنت وفلتشر، ~~اعترافا دائبا بصفات الرجل المهذب. فعندما يدخل رجل مثل ردريجو أو بدرو أو فاليرو - ~~وإن كان غريبا - يصيح الدوق أو الحاكم قائلا: هذا رجل مهذب، ويقدم له آيات الاحترام ~~التي لا تنتهي، وكل من عدا ذلك نفاية أو من سقط المتاع. ويتفق وهذا التهليل للمميزات ~~الشخصية ما تجده في مسرحياتهم من سمة البطولة في الشخصية والحديث - كما تجد في بندكا ~~وسوفوكليس والعاشق المجنون، والقران المزدوج - حيث يكون المتكلم جادا مخلصا، ذا ~~مميزات قوية في شخصيته، بحيث يرتفع الحوار بطبيعته إلى الشعر عند أتفه حادث عرضي في ~~القصة. خذ هذا المثال من بين ms157 كثير من النصوص: غزا مارتيس الروماني أثينا، كل شيء فيها ~~سوى سوفوكليس دوق أثينا، وزوجته دورجن، وهما روحان لا يقهران. وقد ألهب جمال الزوجة ~~مارتيس، فأراد أن ينقذ زوجها، ولكن سوفوكليس لا يطلب نجاة حياته وإن كان على يقين من أن ~~كلمة واحدة منه تنجيه، ثم يبدأ تنفيذ الإعدام في الزوجين: # فاليريس ~~: # ودع زوجتك. # سوفوكليس ~~: # كلا، لن أستئذن. أي زوجتي دورجن، إن روحي سوف تحلق من أجلك هناك في العلا حول ~~تاج أريادن. أتوسل إليكم أن تسرعوا. # دورجن ~~: # انتظر يا سوفوكليس واعصب عيني بهذا، كي لا أتحول عن طبيعتي اللينة، وأفقد ~~أنوثتي الرقيقة، عندما أرى سيدي يدمى. حسنا، إني لن أشهد أمام سوفوكليس شيئا ~~واحدا تحت الشمس. وداعا، وعلم الرومان كيف يكون الموت. # مارتيس ~~: # هل تعرف ما هو الموت؟ # سوفوكليس ~~: # أنت لا تعرفه يا مارتيس؛ ولذا فأنت لا تعرف ما الحياة. الموت بداية الحياة. ~~الموت نهاية كل عمل عتيق مبتذل شاق، وبداية عمل أحدث وأحسن. الموت هو أن تتخلى ~~عن الأوغاد المخادعين لتنتقل إلى صحبة الآلهة والإلهات. ولا بد لك أنت نفسك أن ~~تتخلى عن أكاليلك ومسراتك وانتصاراتك، وتبرهن على ما تستطيع حينئذ أن تفعله ~~بثباتك. # فاليريس ~~: # ولكن ألست حزينا أو محنقا لأنك تترك زوجتك هكذا؟ # سوفوكليس ~~: # لماذا أحزن أو أحنق إذا كنت سوف أذهب إلى أولئك الذين أحببتهم دائما أشد ~~الحب؟ والآن سوف أجثو على ركبتي، ولكني سوف أوليك ظهري. وهذا آخر الواجبات التي ~~يؤديها الجسد للآلهة. # مارتيس ~~: # اضرب، اضرب يا فاليريس، وإلا فإن قلب مارتيس سوف يقفز من فمه. هذا رجل، وهذه ~~امرأة! قبل ربك، وعش بكل ما ألفت من حرية. أيها الحب! لقد أسأت إلي مرتين، ~~بالفضيلة والجمال. أيها القلب الخائن، إن يدي سوف ترمي بك سريعا في جدثي، قبل ~~أن تعتدي على هذا الإيمان المتين. # فاليريس ~~: # ماذا يؤلم أخي؟ # سوفوكليس ~~: # مارتيس، مارتيس، لقد وجدت الآن سبيلك إلى هزيمتي. # دورجن ~~: # يا نجم روما! أي اعتراف بالجميل يستطيع أن يعبر بكلمات ملائمة في إثر عمل ~~كهذا؟ # مارتيس ~~: # هذا ms158 الدوق الذي يدعو إلى الإعجاب، يا فاليريس، عندما ازدرى كل ما يصيبه ~~وازدرى الموت أسر نفسه وأسرني. ومع أن ذراعي قد ألقت بجسمه هنا، إلا أن روحه قد ~~أخضعت روح مارتيس. وحق روميولس إني لأحسبه كله روحا، ليس لديه لحم، والروح لا ~~تكبل، وإذن فإننا لم نقهر شيئا، إنه حر، ويسير مارتيس الآن أسيرا. # ولا أذكر الآن أية قصيدة أو مسرحية أو موعظة أو رواية أو خطبة تنفست عنها صحافتنا في ~~السنوات القلائل الماضية، مما يضرب على هذا الوتر. لدينا كثير من المزامير والصفارات، ~~ولكننا قلما نستمع إلى صوت الناي. ومع ذلك فإن في لاوداميا وأغنية «ديون» وبعض أناشيد ~~وردزورث موسيقى نبيلة. وأحيانا يرسم «سكوت» صورة كصورة لورد أفانديل التي صورها بلفور ~~البيرلي. كما أن توماس كارليل، بما عنده من تذوق طبيعي لصفات الرجولة والبسالة في ~~الشخصية لم يرض لنفسه أن يدع أية صفة من صفات البطولة في الرجال الذين اختارهم دون أن ~~يذكرها في صوره التاريخية وسيره. وقبل ذلك قدم لنا روبرت بيرنز أغنية أو اثنتين. وفي ~~متنوعات هارلي تجد تصويرا لموقعة لوتزن يستحق المطالعة. وسيمون أوكلي في كتابه تاريخ ~~العرب يسرد معجزات الشجاعة الفردية بإعجاب، مما يدل على أن المؤرخ من ناحيته كان يحسب ~~أن مركزه في أكسفورد المسيحية يتطلب منه بعض الاحتجاج الصريح الذي ينم عن الكراهية. ~~ولكننا إذا نبشنا أدب البطولة فسرعان ما نصل إلى فلوطارخس طبيبها ومؤرخها؛ فنحن مدينون ~~له بالبراسيداس، وديون، وأبامينوداس، وسبيو القديم، وأظن أننا أكثر دينا له من كل ~~الكتاب القدماء. كل «حياة» في سيره تفنيد للقنوط والجبن الذي تلمسه عند رجالنا من ~~أصحاب النظريات الدينية والسياسية. في كل أقصوصة يرويها تبهرك شجاعة همجية، ورواقية لا ~~تتقيد بمذهب، ولكنها رواقية الدماء، مما أعطى هذا الكتاب شهرته الواسعة. # نحن بحاجة إلى كتب من هذا الطراز المطهر الحريف أكثر مما نحن بحاجة إلى كتب في العلوم ~~السياسية، أو الاقتصاد الخاص. الحياة عيد للحكماء وحدهم. وإن نظرت إليها من زاوية العمل ~~بدت لك خطرة معفرة ms159 الوجه. ونحن كذلك نلقى جزاء مخالفات قوانين الطبيعة التي ارتكبها ~~أسلافنا ومعاصرونا . والعلل وضروب التسوية التي تتحوطنا دليل على مخالفة القوانين ~~الطبيعية والعقلية والخلقية. والمخالفة في أثر المخالفة تولد مثل هذا البؤس المركب. إن ~~مرض التتنوس الذي يحني رأس المرء إلى الوراء حتى عقبيه، وداء الكلب الذي يجعله ينبح ~~أمام زوجته وأطفاله، والجنون الذي يدفعه إلى أكل الحشائش، والحرب والطاعون والكوليرا ~~والمجاعة، كلها تشير إلى نوع من الوحشية في الطبيعة، وكما أن الوحشية دخلت عن طريق ~~جريمة الإنسان فلا بد أن تخرج عن طريق آلامه. ولسوء الحظ لن تجد رجلا لم يصبح في شخصه ~~- إلى حد ما - مساهما في الإثم، وبذا جعل نفسه عرضة للمساهمة في التفكير. # ولذا فإن ثقافتنا ينبغي ألا تهمل تسليح الإنسان. وليسمع في الوقت الملائم أنه ولد في ~~حالة حرب، وإن الصالح العام وسعادته الخاصة يتطلبان منه ألا ينصرف إلى الرقص في حشائش ~~السلام، بل يجب أن يحذر، وأن يجمع نفسه، لا يتحدى الرعد ولا يخشاه. وعلى هذه الصورة دعه ~~يستولي في قبضته على سمعته وحياته. وفي دماثة كاملة يجابه المشنقة والجماهير بالصدق ~~المطلق في حديثه، واستقامة مسلكه. # إزاء كل هذا الشر الخارجي يقف الإنسان الكامن في صدره موقف المحارب، ويؤكد له قدرته ~~وحده على مجابهة هذا الجيش الذي لا نهاية له من الأعداء. هذا الموقف الحربي من الروح هو ~~الذي نسميه البطولة، وأبسط صورها احتقار السلامة والراحة، ذلك الاحتقار الذي يعطي الحرب ~~جاذبيتها. البطولة ثقة في النفس تستخف بقيود الحكمة، وتستكمل جهدها وقوتها لكي تصلح ~~الأضرار التي قد تتعرض لها. البطل له عقل متزن بحيث لا تهز الاضطرابات إرادته. ولكنه في ~~سرور، بل وفي طرب، يتقدم وفق موسيقاه الخاصة به، سواء وسط أسباب الرعب المخيف أو المرح ~~النشوان في هذا العالم المنحل. في البطولة شيء ليس بالفلسفة، وشيء ليس بالمقدس. ويبدو ~~أنها لا تعرف أن الأرواح الأخرى من نسيجها. فيها كبر، وهي الغاية القصوى للطبيعة ~~الفردية. ولكنا، برغم ذلك، يجب أن نحترمها احتراما شديدا. في ms160 الأعمال العظيمة شيء لا ~~يسمح لنا بمتابعتها. البطولة تحس ولا تفكر مطلقا ، وهي لذلك دائما على صواب. وربما ~~كانت ثقافة أخرى، أو عقيدة ثانية، أو نشاط عقلي أعظم، يؤدي إلى تعديل عمل من الأعمال، ~~بل يؤدي إلى قلبه، ولكن العمل الذي يقوم به البطل هو أرقى الأعمال عنده، لا يتعرض لنقد ~~الفلاسفة أو رجال الدين. البطولة اعتراف من الرجل الذي لم يتعلم في مدرسة بأنه يجد صفة ~~تستحق التنويه فيمن يهمل في بذله، وصحته، وحياته. وفي الحظ، والكره، واللوم، ويعرف أن ~~إرادته أقوى وأكثر امتيازا من كل ما يعاديها فعلا أو يمكن أن يعاديها. # البطولة تعمل على نقيض صوت البشرية، وعلى نقيض صوت العظمة والخير، ولو إلى حين. ~~البطولة طاعة لدافع خفي في شخصية الفرد ولا تظهر حكمة البطولة لإنسان كما تظهر للبطل؛ ~~لأننا يجب أن نفرض أن كل امرئ - في طريقه الخاص المستقيم - يمتد بصره إلى مسافة أبعد ~~قليلا مما تمتد إليه أبصار الآخرين. ولذا فإن العادلين والحكماء من الرجال يرتابون في ~~عمله، حتى إذا ما انقضى بعض الوقت أدركوا أن عمله يتفق وما يعملون. كل رجل عاقل يرى أن ~~عمل البطل يتناقض تماما ومتعته الحسية؛ لأن كل عمل من أعمال البطولة يقيس نفسه ~~باحتقاره لونا من ألوان الخير الخارجي. ولكنه يظفر بنجاحه في نهاية الأمر، وبعدئذ ~~يمجده كذلك العقلاء. # الثقة في النفس جوهر البطولة. وهي حالة الروح وهي تقاتل، وغاياتها القصوى تحدي الباطل ~~والخطأ في نهاية الأمر، والقدرة على تحمل كل ما يمكن أن توقعه عوامل الشر. إنها تنطق ~~بالحق، وهي عادلة، كريمة، سخية، معتدلة، تزدري الحرص في التوافه، وتزدري أن تزدرى. ~~إنها تصر على موقفها، جسورة غير هيابة، لديها جلد لا ينفد. وهي تتندر بصغر الحياة ~~العادية. إن تلك الحكمة الباطلة التي تغرم بالصحة والثراء هي سخرية البطولة وفكاهتها. ~~البطولة مثل أفلوطين، تكاد تخجل من جسمها. ماذا عساها إذن قائلة لأقراص السكر، وألعاب ~~الخيط التي يلعبها الأطفال، وأدوات الزينة، وكلمات الإطراء، وأسباب النزاع، وورق اللعب، ~~والكسترد، التي ms161 تشغل بال المجتمع كله؟ أي متع أمدتنا بها نحن المخلوقات الأعزاء الطبيعة ~~الرحيمة! يظهر أنه ليس هناك وسط بين العظمة والوضاعة. إذا لم تكن الروح سيدة العالم، ~~فلا بد أن تكون سخريته. ومع ذلك فإن الرجل الصغير يأخذ اللعبة الكبرى مأخذا ساذجا، ~~يعمل فيها بحماسة وعقيدة، يولد أحمر اللون، ويموت أبيض الشعر، يهتم بزينته، ويعنى ~~بصحته، يتصيد الطعام الحلو والخمر المعتق، يشغل فؤاده بحصان أو بندقية، ويسعد بالحديث ~~التافه أو الثناء القليل، ولا تملك الروح الكبيرة إلا أن تضحك من مثل هذا الهراء الذي ~~يؤخذ مأخذ الجد. «حقا إن هذه الاعتبارات المتواضعة لتنفرني من العظمة. يا له من عار ~~على نفسي أن أكترث بعدد الجوارب الحريرية التي تملكها أنت، وأن أعرف منها هذه وتلك ذات ~~اللون الخوخي، أو أن أحمل قائمة بقمصانك، وأعرف أن أحدها للترف والآخر ~~للمنفعة!» # إن المواطنين الذين يفكرون بقوانين الحساب يقيمون وزنا للمتاعب التي يلاقونها ساعة ~~استقبال غريب عند موقد نارهم، ويحسبون حسابا دقيقا لضياع الوقت والظهور بمظهر غير ~~عادي. أما الروح التي من معدن أطيب فإنها تضرب بهذا الاقتصاد الذي - ليس في موضعه - عرض ~~الحائط في هذه الحياة، وتقول: سوف أطيع ربي، وسوف يمدني بالضحية وبالنار. يصف ابن حوقل ~~الجغرافي العربي تطرف البطولة في سخاء سجد في بخارى فيقول: «عندما كنت في سجد رأيت ~~بناء شاهقا، كأنه القصر، أبوابه مفتحة ومثبتة في الحائط بمسامير ضخمة. ولما سألت عن ~~السبب قيل لي إن البيت لم يغلق، ليلا أو نهارا، مدة مائة عام. ويستطيع الغرباء أن ~~يقدموا في أية ساعة مهما كان عددهم. ولقد أعد صاحب البيت ما يكفي لاستقبال الرجال ~~وحيواناتهم، وهو أسعد ما يكون عندما يتلكئون بعض الوقت. ولم أر قط في حياتي شيئا من ~~هذا في أي بلد آخر.» يعلم كل رجل كريم النفس تمام العلم أن أولئك الذين يقدمون للغريب ~~الوقت أو المال أو المأوى - عن حب لا عن تظاهر - إنما يتفضلون على الله، وما أكمل ما ~~تعوضهم به الدنيا. إنهم يعوضون الوقت ms162 الذي يبدو مضاعا بصورة ما، والآلام التي يبدو ~~أنهم يتحملونها تلقى ثوابها . إن هؤلاء الناس يشعلون نار المحبة الإنسانية، ويرفعون ~~مستوى الفضيلة المدنية بين البشر. ولكن الجود يجب أن يكون للخدمة، لا للتظاهر، وإلا ~~فإنه يحط من قدر المضيف. إن الروح الجريئة تحسب نفسها أرقى من أن تقدر نفسها بفخامة ~~مائدتها وردائها. إنها تعطي ما تملك، وكل ما تملك، ولكن جلالها يضفي النعمة على ما تقدم ~~من خبز وماء قراح، نعمة لا تجدها في ولائم المدن. # ويصدر البطل في اعتداله عن نفس الرغبة التي تملي عليه ألا يشين قدر نفسه. ولكنه يحب ~~الاعتدال لما يدل عليه من رقة لا لما فيه من تقشف؛ فهو لا يأبه أن يكون رزينا، وأن ~~ينبذ في مرارة أكل اللحم وشرب الخمر، وتدخين التبغ أو الأفيون وشرب الشاي واستخدام ~~الحرير والذهب. قل أن يعرف الرجل العظيم كيف يطعم وكيف يلبس. ولكن حياته طبيعية وشعرية ~~دون أن يضع لها القيود والحدود. شرب «جون إليوت» الرسول الهندي الماء وقال عن الخمر: ~~«إنه شراب نبيل كريم، ويجب أن نشكر الله عليه، ولكني أذكر أن الماء خلق من قبله.» وأحسن ~~من هذا اعتدال الملك داود الذي صب فوق الأرض - في سبيل الله - الماء الذي أتاه به ~~ليشربه ثلاثة من مقاتليه، مخاطرين من أجل ذلك بحياتهم. # يقال عن بروتس إنه عندما سقط فوق سيفه بعد معركة فليبي روى هذا السطر عن يوربديس: ~~«أيتها الفضيلة، لقد سرت وراءك خلال حياتي، ووجدتك آخر الأمر ظلا.» ولست أشك في أن ~~هذه الرواية قد قصد بها الوشاية بالبطل؛ فإن روح البطولة لا تبيع عدلها ونبلها. إنها لا ~~تطلب الغداء الفاخر والسرير الوثير. جوهر البطولة هو أن يدرك المرء أن الفضيلة وحدها ~~تكفي؛ فالفقر يزينها. إنها لا تحتاج إلى الوفرة، وتستطيع أن تحتمل خسارتها كل ~~الاحتمال. # بيد أن ما يجذب خيالي أكثر من أي شيء في طبقة الأبطال هو ما يبدونه من انشراح ~~وبشر. إن القدرة على الاحتمال والإقدام في هدوء من الصفات العالية التي ms163 يستطيع أن يبلغ ~~غايتها كل رجل يدرك الواجب العام. ولكن هذه الأرواح النادرة لا تقيم وزنا للرأي ~~والنجاح والحياة، فلا يدخلون السرور إلى قلوب خصومهم بما يطلبون، أو بما يبدو عليهم من ~~أسى، ولكنهم يظهرون عظمتهم الخاصة التي اعتادوها. لما اتهم سبيو باختلاس أموال ~~الناس، رفض أن يوصم بعار الانتظار حتى يبرر موقفه، برغم أن قائمة حسابه كانت بين يديه، ~~ولكنه مزقها إربا إربا أمام القضاة. ومن هذا القبيل ما حكم به سقراط على نفسه من ~~بقائه مكرما غاية التكريم في البريتانيم طوال حياته، وعبث سر توماس مور وهو تحت ~~المقصلة. وفي مسرحية «الرحلة البحرية» لبومنت وفلتشر تقول جوليتا للقائد القوي ~~ورفاقه: # جوليتا ~~: # أيها العبيد، إنه بوسعنا أن نشنقكم. # السيد ~~: # هذا محتمل جدا، وبوسعنا إذن أن نشنق وأن نزدريك ... # هذه إجابات سديدة سليمة؛ فاللهو ثمرة من ثمار الصحة الكاملة وشعاع من ضيائها؛ لأن ~~العظماء لا يرضون أن يتنزلوا حتى يأخذوا أي شيء مأخذ الجد. ينبغي أن يكون كل شيء مرحا ~~كشدو الكناري، حتى إن كان تشييد المدن، أو إزالة الكنائس والأمم العتيقة، التي وقفت ~~عقبة في سبيل الدنيا آلاف السنين. إن أصحاب القلوب الساذجة يلقون تاريخ هذه الدنيا ~~وعاداتها كلها خلف ظهورهم، ويلعبون دورهم في تحد بريء لقوانين العالم المرعية. وأمثال ~~هؤلاء يبدون لنا - إذا استطعنا أن نرى الجنس البشري مجتمعا في مشهد واحد - كصغار ~~الأطفال يلهون معا. وإن كانوا في أعين الناس عامة يظهرون كأنهم يرتدون ثيابا من ~~الجلال والوقار من نسيج أعمالهم ونفوذهم. # إن اللذة التي نجدها في هذه الحكاية الرائعة، وسلطان القصص الخيالية على الصبي الذي ~~يمسك بالكتاب المحرم تحت مقعده بالمدرسة، وابتهاجنا بالبطل، هو الحقيقة الأساسية التي ~~نهدف إليها، كل هذه الخواص العظيمة التي تفوق العقل ملك لنا. إذا نحن أمعنا النظر في ~~نشاط الإغريق، وزهو الرومان، فما ذلك إلا لأننا قد طوعنا بالفعل هذه المشاعر عينها ~~لأنفسنا. ولنفسح المجال لها في بيوتنا الصغيرة، فهي كالضيف العظيم. وأول خطوة ترفع من ~~قدرنا هي أن نحرر أنفسنا ms164 من الملابسات الخرافية التي نلحقها بالأماكن والأزمنة، وبالعدد ~~والحجم. لماذا ترن في الأذن هذه الكلمات: الأثيني والروماني وآسيا وإنجلترا؟ حيثما يكون ~~القلب تكون آلهة الشعر، ويقيم الآلهة، ولا تكون في مكان من الأرض مشهور. إنكم تحسبون ~~مساشوستس وكنكتكت والنهر وخليج بوسطن أماكن تافهة، وتحب آذانكم أسماء البلدان الأجنبية ~~والكلاسيكية. ولكن ها نحن هؤلاء، وإذا تريثنا قليلا، فقد نتعلم أن هذا المكان خير ~~مكان. ولا عليك إلا أن تضمن شيئا واحدا، وهو أنك هنا، ولن يختفي من الغرفة التي تجلس ~~فيها الفن والطبيعة، والأمل والقدر، والأصدقاء، والملائكة، والكائن الأعلى. إن ~~إبامينوداس، الشجاع المحب، لا يبدو لنا أنه بحاجة إلى أولمبس لكي يموت فوقه، وليس بحاجة ~~إلى شمس سوريا المشرقة. إنه يرقد رقدة طيبة جدا حيث هو، كما أن جرسيز كانت أرضا ~~طيبة تصلح لوطء واشنجطن، وشوارع لندن لقدمي ملتن. الرجل العظيم يجعل جوه في خيال الناس ~~ملائما، وهواءه العنصر المحبب من بين الأهواء الرقيقة جميعا. أجمل البلاد ما يقطنه ~~أنبل العقول. إن الصور التي تملأ الخيال عندما نطالع أعمال بركليز وزنفون وكولمبس ~~وبايار وسدني وهامبدن تعلمنا أن حياتنا وضيعة من غير داع، وأننا بعمق العيش يجب أن نزين ~~حياتنا بما يفوق الأبهة الملكية والقومية، وأن نعمل وفقا لمبادئ يهتم بها الإنسان ~~والطبيعة على مدى أيامنا. # لقد رأينا أو سمعنا بكثير من الشباب الشاذ، الذي لم ينضج قط، أو الذي لم تكن أعماله ~~في الحياة الواقعة شيئا غير عادي. ولكننا حينما نرى صورهم وسيماهم، وحينما نصغي إليهم ~~وهم يتحدثون عن المجتمع، والكتب، والدين، لنعجب بتفوقهم. وكأنهم يلقون الازدراء على ~~نظامنا الحكومي بأسره وعلى حالنا الاجتماعية. إنهم يتحدثون بنغمة العمالقة الشباب الذين ~~بعثوا لإحداث الانقلاب. ولكنهم يمارسون مهنة عملية، فترى أجسامهم الضخمة قد تضاءلت إلى ~~حجم الإنسان المألوف. إن السحر الذي استخدموه هو الاتجاه نحو المثل، الذي يجعل الأمر ~~الواقع دائما مضحكا. ولكن الأرض الصلبة تعرف كيف تنتقم في اللحظة التي يكلفون فيها ~~خيولهم التي صوروها من ضياء الشمس بحرث الأخاديد. إنهم لم ms165 يجدوا مثالا أو رفيقا لهم ~~فخارت عزائمهم. ثم ماذا؟ إن الدرس الذي ألقوه في طموحهم الأول لا يزال صادقا. وسوف ~~تهذب عقيدتهم ذات يوم شجاعة أقوى وصدق أنقى. ولماذا تشبه المرأة نفسها بأية امرأة أخرى ~~في التاريخ، وتظن أنه إذا كانت سافو أو سفنييه، أو دي ستيل، أو حبيسات الدير ممن كان لهن ~~ثقافة ونبوغ، إذا كان هؤلاء النسوة لم يشبعن الخيال أو يرضين ثمس الهادئة الرزينة، فإن ~~واحدة غيرهن لن تستطيع ذلك، بله أن تكون هي؟ ولم لا؟ إن لديها مشكلة بكرا مستحدثة ~~عليها حلها، وربما كانت من أسعد المشكلات التي ظهرت في الوجود؛ فعلى كل عذراء، معتدلة ~~النفس، أن تسير في طريقها في رزانة ووقار، وأن تنعم النظر بدورها في كل ما يجتذب عينها، ~~كي تدرك قوتها وفتنتها الفريدة في بابها، وقدرتها على بثق فجر جديد في ظلمات الكون. إن ~~الفتاة الحسناء التي تأبى أن تخضع لمجموعة من المؤثرات المعينة المتجبرة، المؤثرات التي ~~لا تعنى بإمتاع الآخرين، والتي تتصف بالعناد والتعالي، هذه الفتاة توحي إلى كل من يراها ~~بشيء من نبلها. إن القلب الصامت يشجعها. أيها الصديق، لا تجعل للخوف إلى قلبك سبيلا! ~~فإما أن تأوي إلى المرفأ عظيما أو أن تجوب البحار مع الله. إنك لا تعيش عبثا؛ لأن كل ~~عين عابرة تبتهج وتتهذب بما تشاهد. # سمة البطولة المثابرة. لكل إنسان دوافعه الهائمة، وله نوبات من الكرم. فإذا اخترت ~~نصيبك، اثبت عليه، ولا تحاول أن توفق بين نفسك وبين الدنيا في ضعف وخور؛ فأعمال البطولة ~~ليست أعمالا عادية، وليست الأعمال العادية من أعمال البطولة. ومع ذلك فإن في نفوسنا من ~~الضعف ما يجعلنا ننتظر عطف الناس على أعمال امتيازها إنها فوق مجال العطف، وإنها تنتظر ~~الحكم عليها فيما بعد. إن أردت أن تخدم أخاك لأنه قمين بك أن تخدمه، فلا تسحب وعدك إن ~~وجدت العقلاء من الناس لا يحمدون صنيعك. اثبت على عملك، وهنئ نفسك إذا أديت عملا ~~غريبا فيه إسراف، وخالفت ما ألفه الناس في عصر ms166 يرعى التقاليد. سمعت مرة نصيحة غالية ~~تهدى إلى شخص ما، وهي: «اعمل دائما ما تخشى عمله.» إن الشخصية البسيطة المسترجلة لا ~~تحتاج البتة إلى تقديم الاعتذار، وإنما ينبغي لها أن تنظر إلى عملها الماضي بهدوء ~~فوكيون، حينما اعترف بأن نهاية المعركة كانت سعيدة، ومع ذلك فإنه لم يندم على انصرافه ~~عنها. # ليس هناك ضعف أو أمر فاضح لا نستطيع أن نلتمس له المعاذير في الأذهان، فتقول هذه ~~طبيعتي، أو جزء من صلتي وواجبي نحو زملائي. فهل عاهدتني الطبيعة على ألا أظهر قط مثلبة ~~أو أبدو مرة في صورة مضحكة؟ دعنا نسخو في كرامتنا كما نسخو في أموالنا. إن العظمة قد ~~اكتفت برأيها في نفسها من زمان بعيد، وسوف تبقى كذلك إلى الأبد. ابذل صدقاتك، لا لأنك ~~تحب أن تظفر بالثناء عليها، ولا لأنك تحسب أن لها قيمة كبرى، ولكن لكي ترضى نفسك. وسوف ~~تعرف فيما بعد أن من الأخطاء الجسيمة أن يتحدث امرؤ عن صدقاته. # يبدو أنه من الزهو الذي تخص به الطبيعة الطيبة العامة أولئك الذين يعيشون في طمأنينة ~~ووفرة أن يقولوا الحق، ولو في شيء من الخشونة، وأن يعيشوا في شيء من الاعتدال الصارم، ~~أو في مبالغة من الكرم، وذلك دليل على إحساسهم بالأخوة للعدد العديد من الناس الذين ~~يقاسون الألم. ولسنا فقط في حاجة إلى إحياء الروح وتدريبها باحتمالنا عبء التقشف، ~~والاستدانة، والعزلة، وعدم القبول عند الجمهور، ولكنه يليق بالرجل الحكيم كذلك أن ينظر ~~بعين جريئة إلى تلك المخاطرة النادرة التي تلحق بالناس أحيانا، وأن يعود نفسه أن ~~تألف صور الأمراض المقذعة، وأصوات السباب، ومرأى الموت العنيف. # إن أوقات البطولة هي بوجه عام أوقات الفزع، واليوم الذي لا يلعب هذا العنصر فيه دورا ~~لا يشرق قط بالضياء. وأحب أن أقول إن ظروف الإنسان من الناحية التاريخية أحسن، إلى حد ~~ما، في هذا البلد، وفي هذه الساعة، مما كانت عليه في أي وقت سبق؛ فأمام الثقافة حرية ~~أوسع، وهي اليوم لا تلاقي ضربة الفأس عند أول خطوة تخطوها ms167 بعيدا عن طريق الفكر ~~المطروق، ولكن البطل يلاقي دائما الأزمات التي تختبر حدته. إن الفصيلة الإنسانية تتطلب ~~أبطالها وشهداءها، ويتبع ذلك دائما اختبار القدرة على احتمال الاضطهاد. حدث من عهد ~~قريب جدا أن لفجوي الجريء عرض صدره لطلقات الجماهير النارية من أجل حرية الكلام ~~والرأي، ومات عندما بات من الخير له ألا يعيش. # لست أرى طريقا للطمأنينة الكاملة يستطيع المرء أن يسلكه سوى ما يشير عليه به قلبه. ~~فليمتنع المرء عن كثرة الاختلاط، وليكثر من الإيواء إلى بيته، ويلتزم تلك المسالك التي ~~يحب السير فيها. إن الاحتفاظ الدائم بالمشاعر البسيطة السامية في الواجبات الخفية، تدريب ~~للشخصية على تلك الصفة التي تدفع المرء إلى أن يعمل بالشرف - إن اقتضت الضرورة - وسط ~~الضجيج أو فوق المقصلة. أي اعتداء على الحقوق لحق بالناس فيما مضى قد يلحق بالفرد مرة ~~أخرى، ويحدث ذلك بسهولة في الجمهورية، إن بدت أية علامة من علامات انحلال الدين. إن ~~الشاب قد يصور لنفسه كيفما شاء، وعلى قدر ما يستطيع من هدوء الأعصاب، إنه عرضة للقذف ~~الشديد، وللنار، ولعقوبة القار والريش، وللمشنقة، ثم يسأل نفسه إلى أي حد يستطيع أن ~~يثبت إحساسه بالواجب، مواجها هذه العقوبات، كلما عن لعدد من الصحف ولجمع كاف من ~~جيرانه أن يحكم على آرائه بأنها تثير الفتن والقلاقل. # قد يخفف من خشية المصائب في أشد القلوب حساسية أن يرى المرء السرعة الفائقة التي ترد ~~بها الطبيعة أقصى ما يصيب الإنسان من شر. إننا سرعان ما نبلغ حافة لا يستطيع عندها عدو ~~أن يلحق بنا: # دعهم يهذون؛ # فأنت هادئ في قبرك. # في ظلمة جهلنا بما سوف يحدث، وفي الساعة التي تصم فيها آذاننا عن الأصوات العالية، ~~من منا لا يحسد أولئك الذين ساروا بمحاولاتهم الجريئة حتى نهايتها الآمنة؟ من منا ~~يرى وضاعة سياستنا ولا يهنئ من داخل نفسه واشنطن لأنه قد لف من زمن بعيد في كفنه ~~وأمسى إلى الأبد آمنا، ولأنه أودع قبره في دعة، ولم يمت في قلبه بعد أمل البشرية؟ ومن ~~منا ms168 لا يحسد أحيانا الأخيار والشجعان، الذين لم يعودوا يقاسون ضجيج العالم الطبيعي ، ~~ثم لا ينتظر بشيء من الرضى والشغف النهاية الخاطفة لحديثه مع الطبيعة المحدودة؟ ~~ومع ذلك فإن الحب الذي يريد الإنسان القضاء عليه - بسرعة تفوق خطف الغادرين - قد جعل ~~الموت مستحيلا، وأثبت أنه ليس فانيا، ولكنه يستوطن أعماق الكائن المطلق، الذي لا ~~ينطفئ نوره. # | العقل # اذهب وعجل سير نجوم الفكر، # نحو أهدافها المضيئة. # إن الزارع يبذر بذوره في مكان فسيح، # والقمح الذي تنثره يستحيل أرواحا. # كل مادة من المواد الكيمائية تكهرب ما فوقها سلبا، وما دونها إيجابا؛ فالماء يحلل ~~الخشب والحديد والملح، والهواء يحلل الماء، والنار الكهربائية تحلل الهواء، ولكن العقل ~~يحلل النار والجاذبية والقوانين والمنهج، وأدق علاقات الطبيعة التي لا اسم لها، وذلك ~~بمادته المذيبة التي لا تقاوم. والعقل يكمن وراء النبوغ؛ لأن النبوغ هو الجانب المنشئ ~~من العقل. العقل هو القوة البسيطة التي تسبق كل عمل أو إنشاء. وكم وددت لو استطعت أن ~~أبسط التاريخ الطبيعي للعقل على مراحل واضحة، ولكن أين الإنسان الذي استطاع قبل الآن أن ~~يحدد خطوات هذا الجوهر الشفاف وحدوده؟ إن الأسئلة الأولى تلقى دائما، وأحكم الأطباء ~~تحيره أسئلة الطفل الكثيرة. كيف نستطيع أن نتحدث عن عمل العقل وأن نقسمه، كما نتحدث ~~عن معارفه، وقواعده الخلقية، وإنتاجه، وما إلى ذلك، ما دام يحول الإرادة إلى إدراك ~~حي، والمعرفة إلى عمل. فيصبح كل منهما الآخر. أما العقل فهو وحده كائن لا يتغير. ~~وهو لا يبصر كما تبصر العين، ولكنه يتحد والأشياء المعروفة. # العقل والتعقل كلاهما يعني - للأذن العارية - تأمل الحق المطلق. إن اعتبارات الزمان ~~والمكان، وأنت وأنا، والمنفعة والضرر، تسيطر على عقول أكثر الناس. ولكن العقل يفصل ~~الحقيقة التي نتأملها عن «شخصك»، وعن كل إشارة إلى ما هو موضعي أو شخصي، وينعم فيها ~~النظر كأنها وجدت لذاتها. كان هرقليطس ينظر إلى الأهواء كأنها غيوم كثيفة ملونة. وفي ~~غيوم الأهواء، خيرها وشرها، يشق على المرء أن يتقدم في خط مستقيم. أما العقل فإنه خلو ~~من ms169 الأهواء، ويرى الشيء كما يظهر في ضوء العلم، باردا، لا يرتبط بشيء . العقل يخرج عن ~~الفرد، ويطفو على شخصية العقل نفسه، وينظر إليها كأنها حقيقة، وليس باعتبارها «أنا» أو ~~«لي». ومن يكون مغمورا فيما يتعلق بالشخص أو المكان لا يمكنه أن يرى مشكلة الوجود. ~~ولكن العقل يتدبر الوجود دائما. إن الطبيعة تظهر كل شيء مصورا ومحددا. أما العقل ~~فيخترق الصورة، ويثب فوق الجدار الحاجز، ويكشف التشابه الذاتي بين الأشياء المتباعدة، ~~ويرد الأشياء جميعا إلى عدد من المبادئ محدود. # إذا جعلت حقيقة من الحقائق موضوعا لتفكيرك رفعت من شأنها. وكل تلك الكتلة من ~~المظاهر العقلية والخلقية التي لا نخضعها للتفكير المقصود، تقع في دائرة ما يمكن ~~تغييره. إنها تكون ظروف الحياة اليومية، وتتعرض للتغير وللمخاوف والآمال. إن كل فرد ~~ينظر إلى بشريته بشيء من الحزن. وكما أن السفينة تحطمها الأمواج إذا التصقت بالأرض ~~فكذلك الإنسان - الذي يحتبس في الحياة الفانية - يتعرض لرحمة الحوادث المقبلة. ولكن ~~الحقيقة الواحدة، التي يعزلها العقل وحدها، لا تخضع لتبديل أو تغيير. إننا ننظر إليها ~~كأنها إله يترفع عن الهم والخوف؛ ولذا فإن أية حقيقة في حياتنا، أو أية صورة من صور ~~خيالنا وتأملنا، متحللة من نسيج عقلنا الباطن، تصبح موضوعا خالدا غير شخصي. إنها ~~الماضي عائدا إلينا في صورة محنطة. وقد خلصتها من المخاوف والفساد فنون تفوق فنون ~~المصريين في التحنيط، كما نزعت منها الهموم، ووهبت للعلم. إن ما يوجه إلينا للتأمل ~~لا يهددنا، ولكنه يجعلنا كائنات عاقلة. # العقل ينمو تلقائيا في كل اتجاه. والعقل الذي ينمو لا يستطيع أن يتنبأ بوقت هذه ~~التلقائية أو وسيلتها أو طرائقها. إن الله يدخل من باب خاص إلى كل فرد. ويسبق تفكير ~~العقل عهد التأمل بوقت طويل. لقد خرج من الظلام لا يحس به أحد إلى ضوء النهار الذي ~~يدعو إلى العجب. وفي زمن الطفولة تراه يتقبل بطريقته الخاصة جميع المؤثرات من الخلق ~~الذي يحوطه ويتصرف فيها. إن كل ما يعمله العقل أو يتفوه به يخضع لقانون. وهذا القانون ms170 ~~الطبيعي يبقى مسيطرا عليه بعد أن يصل إلى مرحلة التأمل أو التفكير الواعي. إن الرجل ~~المتكلف المنهوك الذي ينطوي على نفسه ويعذبها، لا يمكنه أن يتوقع الجانب الأكبر من ~~حياته؛ فهو مجهول، لا يمكن تصوره. ويجب أن يبقى كذلك، حتى يستطيع أن ينتشل نفسه من ~~أذنيه. من أنا؟ ماذا صنعت إرادتي لتجعلني كما أنا؟ لا شيء. لقد طفوت فوق هذا الرأي، ~~وفي هذه الساعة، وهذه الحوادث المتشابكة، بفعل تيارات خفية من القوة والعقل، ولم يعترض ~~هذا الاتجاه أو يعززه - بدرجة محسوسة - ما عندي من عبقرية أو عناد. # إن ما نعمل تلقائيا هو دائما خير أعمالنا. إنك لا تستطيع، بكل ما لديك من قصد ~~وحرص، أن تقترب من موضوع ما بقدر ما تقربك لمحة تلقائية، عندما تنهض من فراشك، أو ~~تسير في الخارج صباحا بعد أن تتدبر الأمر قبل النوم في الليلة السابقة. التفكير كالوحي ~~يهبط على الرجل التقي؛ ولذا فإن صدق الفكرة تفسده المبالغة في التوجيه العنيف الذي تقوم ~~به الإرادة، كما تفسده زيادة الإهمال. إننا لا نحدد ما نفكر فيه. ولكننا نكتفي بأن نفتح ~~حواسنا، وأن نزيل - ما استطعنا - كل ما يقف في سبيل الحقيقة، ونترك للعقل أن يرى. ما ~~أقل سلطاننا على أفكارنا. إنما نحن سجناء الأفكار. إنها تقبض علينا لحظات في سمائها، ~~وتشغلنا انشغالا كاملا بحيث لا نفكر في الغد، وإنما نحملق كالأطفال، دون أن نحاول أن ~~نجعل هذه الأفكار ملكا لنا. وبعد وقت ما نبتعد عن هذا الابتهاج، ونذكر أين كنا، ~~وما شهدنا، ونستعيد ما رأينا استعادة صادقة بقدر ما نستطيع. وبمقدار ما نستطيع ~~استعادة هذه الحالات النفسية البهيجة، نحمل النتائج في ذاكرة لا تمحى، ويؤيدنا جميع ~~الناس وجميع العصور. وذلك هو ما نسميه «الحقيقة». وفي اللحظة التي نكف فيها عن ~~الاسترجاع، ونحاول فيها التصحيح والتدبير، تتلاشى الحقيقة. # وإذا فكرنا في الأشخاص الذين حفزونا ونفعونا، أدركنا تفوق مبدأ التلقائية أو البداهة ~~على مبدأ الحساب والمنطق. الأول يتضمن الثاني، ولكن في صورة جوهرية كامنة. إننا نتطلب ~~من ms171 كل إنسان منطقا طويلا، ولا نتسامح في انعدامه، ولكن هذا المنطق ينبغي ألا ينطق ~~به. المنطق هو سير البديهة أو تفتحها تفتحا متلائما، وفضله في كونه طريقة صامتة. ~~وفي اللحظة التي يظهر فيها في صورة فروض، وتكون له قيمة منفصلة، يصبح عديم ~~القيمة. # في عقل كل إنسان تبقى بعض الصور، والكلمات، والحقائق، دون أن يبذل المرء جهدا في ~~انطباعها، وهي صور وكلمات وحقائق ينساها غيره، وتوضح له هذه الأشياء فيما بعد بعضا ~~من القوانين الهامة. كلما تقدمنا تفتح كتفتح زهرة الخضر. لديك أولا الغريزة، ثم ~~الفكرة، ثم المعرفة، كما للنبات الجذر، فالبرعم، فالثمرة. ضع ثقتك في الغريزة حتى ~~النهاية، حتى إن لم تستطع أن تقدم الأسباب. ومن العبث أن تتعجلها. وإن أنت وثقت فيها ~~حتى النهاية نضجت وأثمرت الحقيقة، وعرفت لماذا آمنت بعقيدة ما. # ولكل عقل طريقته. والرجل الحق لا يجعل معارفه قط طبقا لقواعد الكليات الجامعة. إن ما ~~تجمعه بطريقة طبيعية يذهل الرائي ويسره عندما تخرجه؛ لأننا لا نستطيع أن نكشف عن ~~أسرار غيرنا. ومن ثم فإن الفروق بين الناس في المواهب الطبيعية تافهة إذا قيست إلى ~~ثروتهم المشتركة. وهل تحسب أن حارس الباب والطاهي ليست عندهم لك قصص أو تجارب أو عجائب؟ ~~كل فرد يعرف بقدر ما يعرف العالم. إن جدران العقول الساذجة مخططة كلها بالحقائق ~~والأفكار. وسوف تحصل ذات يوم على مصباح وتقرأ المخطوط. وكل امرئ - بمقدار ما لديه من ~~فطنة وثقافة - يشتعل حبا لمعرفة كل ما يتعلق بطرق العيش والتفكير عند غيره من ~~الناس، وبخاصة عند تلك الطبقات التي لم تخضع عقولها لتدريب التعليم المدرسي. # وهذه الحركة الغريزية التي لا تتوقف البتة في العقل الصحيح، ولكنها تصبح أقوى وأكثر ~~حصولا على المعرفة خلال جميع درجات الثقافة. وأخيرا يأتي عهد التأمل، حينما لا نكتفي ~~بالملاحظة، ولكننا نبذل الجهد الشاق لكي نلاحظ، حينما نجلس عامدين لكي نفكر في حقيقة ~~مطلقة، وحينما نفتح عين العقل أثناء الحديث والمطالعة والعمل، ونقصد إلى معرفة القانون ~~الذي يستتر خلف مجموعة من الحقائق. ms172 # ما أشق عمل في الدنيا؟ أن تفكر! وددت لو استطعت أن أقف الموقف الذي يمكنني من رؤية ~~الحقيقة المطلقة رؤيا العين، ولكني لا أستطيع، فأرخي جفني وأركن إلى هذا الجانب أو ذاك. ~~ويبدو لي أنني عندئذ أدرك ما قصده من قال: لا يستطيع أحد أن يرى الله وجها لوجه ثم ~~يعيش بعد ذلك. ومثال ذلك أن يحاول المرء أن يكشف أساس الحكومة الأهلية. دعه يسلط عقله ~~في اتجاه معين، بغير توقف أو راحة. إن خير ما عنده من التفات مهما طال أمده لا ~~يجديه شيئا. ومع ذلك فإن الأفكار تفلت أمام عينيه. وقد يحدث له أي شيء إلا أن يفهم، ~~ولا يتنبأ بالحقيقة إلا في صورة غامضة. تقول: سوف أمشي خارج بيتي فتتخذ الحقيقة صورتها ~~وتتضح لي. ثم ننطلق ولكننا لا نعثر عليها. ويبدو لنا أننا نحتاج فقط إلى السكون والجلسة ~~الهادئة في المكتبة كي نظفر بالفكرة. ولكننا نلجها، فإذا بنا على بعد منها كما كنا ~~أولا. ثم تظهر لنا الحقيقة في لحظة وعلى غير انتظار. يظهر لنا ضوء شارد معين، وفي ~~وضحه يظهر لنا المبدأ الذي ننشده. يبدو لي أن قانون العقل يشبه قانون الطبيعة الذي نشهق ~~بموجبه الأنفاس ثم نزفرها، ويسحب بمقتضاها القلب الدم ثم يلفظه، أعني قانون التراوح. ~~ولذا فعليك في فترة أن تعمل بذهنك، وعليك في لحظة أخرى أن تكف عن العمل، لترى ما ~~تكشف عنه «الروح» العليا. # إن خلود الإنسان يبشر به التفكير العقلي كما تبشر به إرادة الإنسان المعنوية. كل ~~تفكير في أساسه تطلع إلى المستقبل، وأقل قيمه قيمته الراهنة. أنعم النظر فيما يستهويك ~~في فلوطارخس وشكسبير وسرفانتيس. إن كل حقيقة يحصل عليها كاتب من الكتاب هي مصباح ~~يسلط كل ضوئه على الوقائع والأفكار التي كانت من قبل في عقله، ثم انظر إلى ما يحدث ~~بعد ذلك، تجد أن الحصير والمهملات التي كانت تنتثر في برجه قد أصبحت أشياء ثمينة. كل ~~واقعة تافهة في تاريخ حياته الخاصة تمسي وسيلة لإيضاح هذا المبدأ الجديد، وتعود ms173 إلى ~~وضح النهار، وتستهوي الناس جميعا بقوتها وسحرها الجديد. ويتساءل الناس: أنى له ~~هذا؟ ويظنون أن في حياته شيئا مقدسا. كلا، إن لديهم ألوف الوقائع التي لا تقل عن ذلك ~~قيمة، وما عليهم إلا أن يحصلوا على مصباح ينبشون في ضوئه هم كذلك الطبقات العليا من ~~ديارهم. # كلنا عقلاء. والفرق بين فرد وآخر ليس في الحكمة، ولكنه في المهارة. عرفت في ناد علمي ~~شخصا يذعن لي دائما، رأى ميلي إلى الكتابة فتوهم أن تجاربي بها شيء أسمى مما لديه. ~~في حين أني وجدت تجاربه لا تقل شأنا عن تجاربي. أعطني هذه التجارب، ولسوف أفيد منها ~~نفس الفائدة. كان يتمسك بالقديم، ثم يتمسك بالجديد. أما أنا فقد تعودت أن أضم الجديد ~~إلى القديم، وهو ما لم يتعود ممارسته. تجد ذلك في الأمثلة الكبرى. وربما لو أتيح لنا ~~أن نلقى شكسبير لم نشعر بنقص شديد. كلا، بل نحس مساواة كبرى، مع فارق واحد فقط، وهو أنه ~~كانت لديه مهارة غريبة في الإفادة من الحقائق وترتيبها، وهي المهارة التي تنقصنا؛ لأنا ~~برغم عجزنا المطلق عن أن نخرج شيئا مثل هاملت أو عطيل، إلا أن لدينا جميعا استعدادا ~~كاملا نتقبل به هذا الذكاء المفرط، وهذه المعرفة العميقة بشئون الحياة، وهذه الفصاحة ~~الدافقة. # إذا جمعت تفاحا في ضوء الشمس، أو جففت الحشائش، أو قلمت الأرض لزراعة القمح، ثم ~~أويت إلى بيتك، وأغمضت عينيك، وضغطت عليهما بيدك، فإنك لا تفتأ ترى التفاح معلقا في ~~الضوء اللامع بين الأغصان والأوراق، كما ترى الحشائش المعشبة، أو سنابل القمح، لمدة خمس ~~أو ست ساعات بعد ذلك. فإن آثار ما رأيت تنطبع في الإرادة الحافظة، حتى إن جهلت ذلك. ~~وهكذا تستقر سلسلة الصور الطبيعية كلها التي عرفتك بها حياتك في ذاكرتك، حتى إن جهلت ~~ذلك، ثم تلقي هزة من هزات العاطفة ضوءا خاطفا على مكانها المظلم، فتستولي القوة ~~العاملة في الحال على الصورة الملائمة، وتجعلها الكلمة التي تفكر فيها في لحظة من ~~اللحظات. # ينقضي زمن طويل قبل أن نكشف عما ms174 لدينا من ثراء. إننا على ثقة من أن تاريخنا مألوف ~~جدا؛ فليس لدينا ما نكتبه أو نستخلصه. غير أن أحكم سنواتنا ما برحت تعود القهقرى نحو ~~ذكريات الطفولة المحتقرة، فنتصيد دائما شيئا عجيبا من ذلك المستنقع، حتى نبدأ - ~~بمرور الزمن - في الشك بأن سيرة الرجل الأحمق الواحد الذي نعرفه لا تقل في حقيقتها عن ~~تفسير مختصر ل «تاريخ العالم» الذي يقع في مائة مجلد. # وفي العقل المنشئ، الذي نطلق عليه عادة اسم النبوغ، نلاحظ نفس الاتزان بين العنصرين ~~الذي نلاحظه في العقل القابل. العقل المنشئ ينتج الأفكار والعبارات والقصائد والخطط ~~والرسوم والنظم؛ فهي من توليد العقل، ومن تزاوج الفكر بالطبيعة. ولا بد للنبوغ من ~~هبتين: الفكرة ونشرها، والأولى هي الكشف، وهي معجزة دائما، معجزة لا يجعلها أبدا ~~تكرار الحدوث أو مواصلة الدرس أمرا مألوفا، ولكنها تترك المتسائل دائما في غباوة ~~التعجب. هي إقحام الحقيقة في الدنيا، هي صورة من صور الفكر تنطلق الآن لأول مرة في ~~العالم، هي وليدة الروح الأبدية القديمة، وجانب من العظمة الصادقة التي لا تحاط، وإنها ~~لتبدو لأول مرة كأنها ترث كل ما سبق وجوده، وكأنها تملى على من لم يولد بعد. إنها ~~تؤثر في كل فكرة من أفكار الناس، وتشكل كل نظام. ولكنها - لكي يسهل الحصول عليها - ~~بحاجة إلى وسيلة أو إلى فن تنتقل عن طريقه إلى الناس. ولكي يمكن انتقالها يجب أن تتحول ~~إلى صورة أو شيء محسوس، يجب أن تتكلم لغة الوقائع. إن أشد ضروب الإلهام عجبا ليموت مع ~~الرجل الملهم إذا لم تكن له يد يصور بها إلهامه للحواس. إن شعاع الضوء يمر خلال ~~الفضاء لا يراه أحد، ولا يرى إلا إذا سقط على شيء ما. والطاقة الروحية عندما تتجه إلى ~~شيء خارجها، تصبح عند ذاك فكرة. والعلاقة بينها وبينك تجعلك أولا - أو تجعل قيمتك - ~~تظهر لي. إن القدرة العقلية الفنية المبدعة عند المصور تخمد وتتلاشى إذا افتقد القدرة ~~على التصوير. وفي ساعاتنا السعيدة يجب أن نكون شعراء لا ينضب لنا معين، ms175 إذا استطعنا مرة ~~أن نشق الصمت بالنظم الملائم. وكما أن الناس جميعا يستطيعون الوصول بطريقة ما إلى ~~الحقيقة الأولى، فكذلك لهم جميعا نوع من الفن أو القدرة على الاتصال في رءوسهم، ولكن ~~هذه القدرة لا تهبط إلى اليدين إلا عند الفنان وحده. هناك مفارقة لم نعرف قوانينها ~~بعد، بين رجلين وبين الرجل الواحد في لحظتين، بالنسبة لهذه المقدرة. في الساعات ~~العادية تمر بنا الوقائع عينها التي تمر بنا في الساعات غير العادية أو في ساعات الوحي، ~~ولكن هذه الوقائع لا تتأهب لتصويرها، ولا تنعزل، وإنما تشتبك في نسيج كنسيج العنكبوت. ~~إن الفكرة النابغة تلقائية، ولكن القدرة على التصوير أو التعبير، في أغنى صوره وأكثرها ~~فيضا، تتطلب مزيجا من الإرادة، وشيئا من السيطرة على الحالات التلقائية، وبدون ذلك ~~لا يمكن الإنتاج. هذه القدرة هي تحول الطبيعة كلها إلى التعمق المفصح عن الفكرة، ~~بالتوجيه الحكيم وبالتدريب العنيف على الاختيار. ومع ذلك فإن الألفاظ الخيالية تبدو ~~كأنها تلقائية كذلك. إنها لا تتدفق من الخبرة وحدها أو أساسا، ولكنها تتدفق من ينبوع ~~أغنى. إن الخطوط العظيمة للمصور لا ترسم بالتقليد المقصود لأشكال معينة، ولكنها ترسم ~~بالرجوع إلى المصدر الرئيسي لجميع الأشكال في عقله. ومن ذا يكون أول أستاذ للرسم؟ إننا ~~بغير تعليم نعرف فكرة الصور البشرية معرفة جيدة. يعرف الطفل إذا كان الذراع أو الساق ~~شائهة في الصورة، وإذا كان الموقف طبيعيا أو عظيما، أو وضيعا، مع أنه لم يتلق أي ~~درس في الرسم، أو استمع إلى أي حديث في الموضوع، ولا يستطيع هو نفسه أن يرسم بدقة لمحة ~~واحدة. إن الصورة الحسنة تسر جميع العيون، قبل أن يبلغها أي علم بالموضوع بزمان طويل، ~~والوجه الجميل يبعث النبض في عشرات القلوب، قبل أية معرفة بالنسب الآلية للرأس ~~والملامح. وقد نكون مدينين للأحلام ببعض الضوء على مصدر هذه المهارة؛ لأننا بمجرد ما ~~نبعد الإرادة، ونحل محلها حالة من حالات عدم الوعي، نرى كيف نمسي مصورين ماهرين! إننا ~~نخيل لأنفسنا صورا عجيبة من الرجال والنساء والحيوان ms176 والبساتين والغابات والوحوش، ~~والقلم الساحر الذي نرسم به بعد ذلك لا تلمس فيه انحرافا أو جهلا، أو ضعفا أو فقرا، ~~إنه يحسن التصميم كما يحسن التنفيذ، وتأليفه مليء بالفن، وألوانه منسجمة متسقة، ~~وقطعة الخيش كلها التي يصور عليها تكاد تنبض بالحياة، وهي قمينة بأن تبعث فينا الرعب أو ~~الرقة أو التشوق أو الأسى. وليس ما ينقله الفنان من خبرته مجرد صور منقولة، ولكنها صور ~~تتأثر وتتزين بألوان يستمدها من هذا المجال المثالي. # إن الشروط الضرورية للعقل المنشئ لا تظهر غالبا متحدة، ولكن العبارة الحسنة أو البيت ~~الشعري الجميل يبقى جديدا ومذكورا مدة طويلة من الزمان. ومع ذلك فإننا عندما نكتب ~~بسهولة، ونخرج إلى هواء الفكر الطلق، نبدو كأننا على ثقة من أنه ليس هناك ما هو أيسر ~~من الاستمرار في هذا الاتصال حسبما شئنا. إن دولة الفكر ليست لها حدود في أعلاها أو ~~أسفلها أو حولها، ولكن آلهة الفن تطلق لنا الحرية في ميدانها؛ ففي العالم ألف ألف ~~كاتب. وإذن فقد يحسب المرء أن الفكرة الحسنة مألوفة كالماء والهواء، وأن هبات كل ساعة ~~جديدة تستبعد الهبات الماضية. ولكنا مع ذلك نستطيع أن نعد كل ما لدينا من كتب ~~جيدة. كلا، بل إني لأتذكر كل بيت جميل من الشعر مدى عشرين عاما. ومن الحق أن نقول إن ~~العقل المدرك في الدنيا يتقدم دائما العقل المبدع بكثير؛ ولذا فهناك كثير من نقاد ~~خير الكتب الأكفاء، وقليل من كتاب الكتب القيمة. غير أن بعض شروط الإنشاء العقلي ~~نادر الحدوث. والعقل كل، يتطلب الكمال في كل عمل. ويقابل ذلك ويقف في سبيله تعلق ~~المرء بفكرة واحدة، وطموحه إلى توحيد أفكار عديدة لا تحتمل التوحيد. # الحق عنصرنا في الحياة. وعلى ذلك فإن المرء إذا وجه انتباهه إلى وجه واحد من أوجه ~~الحق، وحصر نفسه في هذا الجانب وحده مدة طويلة، فإن الحق يتشوه ولا يصبح حقا، بل ~~باطلا. وهو في هذا يشبه الهواء، وهو عنصرنا الطبيعي، والأنفاس التي نستنشقها، ولكن ~~إذا اتجه منه تيار على ms177 الجسم مدة طويلة، فإنه يسبب البرد، والحمى، بل والموت. ما أشقى ~~النحوي ، والعالم بفراسة الرأس، والمتعصب السياسي أو الديني، أو - في الواقع - أي مخلوق ~~تتملكه فكرة واحدة، فيفقد اتزانه بالمبالغة في موضوع واحد. إن ذلك إلا جنون في بدايته. ~~وكل فكرة سجن كذلك. لا أستطيع أن أرى ما ترى؛ لأن ريحا شديدة قد أدركتني وقذفت بي في ~~اتجاه واحد حتى أصبحت خارج نطاق أفقك. # وهل خير من هذا أن يحاول الطالب - كي يتحاشى هذا الخطأ وكي يحرر نفسه - أن يهدف إلى ~~إيجاد كل آلي في التاريخ، أو العلم، أو الفلسفة، بإضافة عددية لجميع الوقائع التي تقع ~~تحت بصره؟ إن العالم يرفض أن يحلل بالجمع أو بالطرح. كم من الوقت ننفق وكم من الآلام ~~ما نعاني في شبابنا في ملء كراساتنا بجميع تعاريف الدين، والحب، والشعر، والسياسة، ~~والفن، آملين في خلال سنوات قلائل أن نلخص في موسوعتنا ما يصفو من قيمة جميع النظريات ~~التي بلغها العالم. ولكن قوائمنا لا تصل إلى الكمال برغم مرور الأعوام، ونكتشف أخيرا، ~~أن منحنانا قطع مخروطي، لا يلتقي قوساه. # إن كمال العقل لا ينتقل إلى عمله بالفصل أو بالوصل، ولكنه ينتقل بالملاحظة التي تحرك ~~العقل وهو في عظمته وخير حالاته إلى العمل في كل لحظة. ولا بد أن تكون له الكلية ذاتها ~~التي للطبيعة. ومع أن الاجتهاد لا يمكنه أن يعيد إنشاء الدنيا في نموذج، بجمع التفصيلات ~~أو التصرف فيها على خير وجه، إلا أن الدنيا تظهر في صورة مصغرة في كل حادث بحيث تمكن ~~مطالعة جميع قوانين الطبيعة في أصغر واقعة. ويجب أن يكون للعقل نفس هذا الكمال في ~~إدراكه وفي أعماله. من أجل هذا كان أساس الكفاية العقلية أو مركز قوتها هو إدراك هذا ~~التطابق. إننا نتحدث إلى أشخاص مهذبين يظهرون غرباء في الطبيعة؛ فالسحابة، والشجرة، ~~والعشب، والطير، ليست لهم، وليس بها شيء منهم. وليست الدنيا لهم سوى مسكن ومائدة. ولكن ~~الشاعر الذي تكون أبياته شاملة كاملة رجل لا تستطيع الطبيعة أن تخدعه، أيا ms178 كان وجه ~~الغرابة الذي تتخذه. إنه يحس قرابتها الشديدة، ويكتشف في تقلباتها تشابها أكثر مما ~~يكتشف فيها تنوعا. إن شهوة الفكرة الجديدة توخزنا، غير أننا بعدما نستقبل الفكرة ~~الجديدة نجد أنها ليست سوى الفكرة القديمة اتخذت وجها جديدا، وبالرغم من امتلاكنا ~~لها، إلا أننا نشتهي غيرها في الحال؛ فنحن في الواقع لا تزداد ثروتنا؛ لأن الحق كان ~~كامنا فينا قبل أن تنعكس هذه الفكرة من الأشياء الطبيعية. وصاحب النبوغ النافذ يصب ~~تشابه المخلوقات جميعا في كل عمل ينتجه عقله. # ولكن إذا كانت القوى المنشئة نادرة، ولم يكتب إلا لأفراد قلائل أن يكونوا شعراء، إلا ~~أن كل رجل يتلقى هذا الروح القدسي الهابط، ويستطيع أن يدرس قوانين سريانه. إن قاعدة ~~الواجب العقلي قلما تحاذي تمام المحاذاة قاعدة الواجب الخلقي؛ فالعالم يطلب إليه إنكار ~~الذات إنكارا تاما، شأنه في ذلك شأن القديس، لا بد له من عبادة الحق، ولا بد له من ~~التخلي عن كل شيء من أجل ذلك، وأن يؤثر الهزيمة والألم، كي تنمو عن سبيل ذلك ثروته ~~الفكرية. # يهب الله لكل عقل الخيار بين الحق والراحة. اختر منهما ما شئت، ولن تستطيع أن ~~تظفر بكليهما، والإنسان بينهما يتذبذب كالبندول؛ فمن تغلب عليه محبة الراحة يقبل أول ~~مذهب، وأول فلسفة، وأول حزب سياسي يقابله، والأرجح جدا أن يتبع أباه. إنه يظفر ~~بالراحة والمتاع وحسن السيرة، ولكنه يغلق باب الحقيقة. ومن تغلب عليه محبة الحقيقة يبقى ~~طافيا بعيدا عن كل مرفأ. إنه يمتنع عن قبول كل عقيدة ثابتة، ويعترف بكل ما ينافيها ~~ويعارضها. ويتأرجح كيانه بين الفضيلة وما يناقضها كأنهما جداران. إنه يستسلم للقلق الذي ~~ينجم عن التردد والآراء التي لم يتم نضجها، غير أنه يطلب الحقيقة، كما لا يطلبها الآخر، ~~ويحترم أسمى قانون من قوانين وجوده. # لا بد له أن يجوب بنعليه دائرة الأرض الخضراء، باحثا عن الرجل الذي يستطيع أن يمده ~~بالحقيقة. ولسوف يعرف عندئذ أن في الاستماع شيئا من القداسة ومن العظمة أكثر مما في ~~الكلام. ما أسعد الرجل ms179 المستمع، وما أشقى الرجل المتكلم. ما دمت أستمع إلى الحقيقة فإني ~~أغوص في وسط جميل، ولا أحس حدودا لطبيعتي. وما أصغي إليه وما أشاهده يوحي إلي بآلاف ~~الفكر. إن مياه المحيط العظيم تجد إلى الروح مدخلا ومنها مخرجا. ولكني إن تكلمت، ~~أتحدد، وأحتبس، ويقل شأني. عندما يتكلم سقراط لا يلحق العار بليسس ومنكسنس؛ لأنهما لا ~~يتكلمان. إنهما كذلك من الأخيار. وهو أيضا يذعن لهما، ويحبهما، أثناء كلامه؛ وذلك لأن ~~الرجل الصادق الطبيعي يحتوي الحقيقة - بل هو الحقيقة عينها - التي ينطق بها الرجل ~~العظيم، في حين أن الحقيقة ترى أن الرجل الفصيح غير جدير بإيوائها؛ لأنه يستطيع أن ~~يخرجها من بين شفتيه، فتراه يتجه إلى هؤلاء الصامتين الذين يتصفون بالجمال، وهو إليهم ~~أكثر ميلا، وأشد احتراما. يقول المثل القديم: دعنا نلزم الصمت؛ لأن الآلهة صامتة. ~~الصمت قوة تحطم حدود الشخصية، وتسمح لنا أن نكون عظماء عالميين. يتقدم المرء عن طريق ~~المعلمين المتتابعين. ويبدو أن لكل منهم في إبانه النفوذ الأعظم، ولكن هذا النفوذ ~~يخلي السبيل في النهاية إلى نفوذ آخر. وعلى المرء أن يتقبل كل ذلك بإخلاص. يقول يسوع: ~~«اترك أباك وأمك وبيتك وأرضك واتبعني. من يترك كل شيء يزيد ما يحصل عليه.» وتصدق هذه ~~القاعدة عقليا كما تصدق خلقيا. كل عقل جديد نقترب منه يظهر أنه يتطلب منا أن ~~نتنازل عن كل ما ملكنا في ماضينا وحاضرنا. والمذهب الجديد يبدو أول الأمر هادما لكل ~~آرائنا وأذواقنا وطرائق معيشتنا. هكذا بدا سودنبرج، وكانت، وكولردج، وهجل أو ابن عمه ~~الذي شرح مذهبه، لكثير من الشباب في هذا البلد. خذ عنهم بقلبك شاكرا كل ما يستطيعون ~~تقديمه إليك. استنفد ما لديهم وصارعهم، ولا تسمح لهم بالانصراف حتى تظفر بخيرهم، وبعد ~~فترة وجيزة يتبدد الفزع، ويتلاشى النفوذ الزائد، ولا تراهم بعد ذلك شهبا مرعبة، ~~ولكنهم أنجم جديدة لامعة تشرق صافية في سمائك، وتمزج ضوءها بكل نهارك. # وبينما ترى المرء يستسلم بغير تحفظ لما يجذبه؛ لأن ذلك من ملكه، تجده يأبى أن يرضخ ~~لما لا ms180 يجذبه، مهما يكن ما يحيط به من شهرة وسلطان؛ لأن ذلك ليس من ملكه. إن الاعتماد ~~على النفس اعتمادا كليا من خصائص العقل. إن الروح الواحدة تعادل جميع الأرواح، كما ~~أن عمود الماء الذي ينجذب انجذابا شعريا يوازن البحر. وعليها أن تعامل الأشياء ~~والكتب العبقرية المتسلطة، كما تعامل نفسها المتسلطة كذلك. وإذا كان أيسكلس هو ذلك ~~الرجل الذي عرف بصفات خاصة، فإنه لم يؤد واجبه بعد، حتى إن علم أوروبا المتعلمة ~~ألف عام. فعليه الآن أن يبرهن أنه أستاذ في الإمتاع بالنسبة إلي كذلك، فإن لم يستطع ~~ذلك، فإن كل شهرته لن تجديه عندي شيئا. وما كان أشد سخفي؛ لأني لم أضح بألف أيسكلس ~~في سبيل كمالي العقلي. وقل مثل هذا خاصة فيما يتعلق بالحق المطلق، أو علم العقل. ليس ~~باكون أو سبينوزا أو هيوم أو شلنج أو كانت أو غيرهم ممن يعرض عليك فلسفة عقلية سوى ~~مترجم للأشياء التي في وعيك، والتي لك أنت كذلك سبيلك إلى رؤيتها، وربما إلى التعبير ~~عنها كذلك، وترجمته محرفة قليلا أو كثيرا. فقل إذن إنه لم ينجح في أن يرد إليك وعيك، ~~بدلا من أن تنكب متخاذلا على معانيه الغامضة. إنه لم ينجح، فدع الآن غيره يحاول. ~~وإذا كان أفلاطون لا يستطيع، فلربما استطاع سبينوزا. وإذا لم يستطع سبينوزا، فلربما ~~استطاع كانت. وعلى أية حال، فلسوف تجد بعد هذا كله أن ما يرده إليك الكاتب ليس أمرا ~~عويصا، ولكنه بسيط طبيعي مألوف. # ودعنا الآن نختتم هذه التعاليم. لن أتحدث في المشكلة العامة، مشكلة المفاضلة بين الحب ~~والحقيقة، وإن كان الموضوع يثيرها. ولست أزعم أني أتطفل على سياسة السموات القديمة التي ~~تقول: «إن شاروبيم يعرف كثيرا، وصاروفيم يحب كثيرا.» إن الآلهة سوف تصفي منازعاتها ~~بنفسها. بيد أني لا أستطيع أن أروي - حتى في هذه البساطة - قوانين العقل، دون أن ~~أذكر تلك الطبقة العليا المنعزلة التي بشرت بها وتكهنت أكبر قساوسة العقل الخالص، الذين ~~يعرفون باسم «المفسرين»، أو شراح مبادئ الفكر في مختلف العصور. وعندما ms181 نقلب ~~صفحاتهم المبهمة في فترات متباعدة، فما أعجب ما يبدو لنا من هدوء وعظمة من هذه القلة، ~~هؤلاء السادة الروحانيون العظماء، الذين ساروا في هذه الدنيا - أولئك الذين بشروا ~~بالدين القديم - وانكفئوا يعبدون دينا تبدو إزاءه المسيحية المقدسة شيئا مستحدثا ~~شعبيا؛ لأن «الإغراء من خصائص الروح، ولكن الضرورة من خصائص العقل.» هذه العصبة من ~~العظماء، هرميز، وهيراقليطس، وأمبدوكليز، وأفلاطون، وإفلوطين، وأولمبيودورس، وبروكلس، ~~وسنسيس، ومن إليهم، لديهم قوة في المنطق، وابتكار في التفكير، يسبق كل المميزات ~~العادية للبلاغة والأدب، كما يبدو كأنه شعر وموسيقى ورقص وفلك ورياضة في آن واحد. كنت ~~حاضرا عندما بذرت بذرة العالم. إن الروح تضع أسس الطبيعة بهندسة من أشعة الشمس. ويدل ~~على صدق تفكيرهم وجلاله مداه وإمكان تطبيقه؛ لأنه يهيمن على قائمة الأشياء كلها ~~ومجموعها ليوضحه. غير أن ما يميز علو تفكيرهم، بل وما يكسبه نظرة ساخرة إلينا، هو ~~الهدوء البريء الذي يبدو على ملوك الآلهة، هؤلاء الذين يشبهون الأطفال، يبدو عليهم وهم ~~قابعون في سحبهم، يتحدث كل منهم إلى الآخر من عصر إلى عصر، ولا يتحدثون إلى معاصريهم. ~~إنهم على ثقة تامة من أن حديثهم مفهوم، ومن أنه أكثر شيء طبيعي في هذه الدنيا، ومن ~~ثم تراهم يضمون بحثا إلى بحث، دون أن يلتفتوا لحظة إلى الذهول الذي يصيب أفراد ~~الجنس البشري أجمعين ممن هم دونهم، والذين لا يفقهون أشد آرائهم وضوحا. ولا يرضى أحدهم ~~أن يلين فيقحم عبارة عامة أو تفسيرية، ولا يبدي أدنى سخط أو كدر من غباء مستمعيه ~~الذاهلين. إن الملائكة يهيمون بلغة التخاطب في السماء، فلا يشوهون شفاههم بلهجات الناس ~~التي تشبه الصفير الذي يخلو من النغم، ولكنهم يتحدثون بلغتهم، سواء كان هناك من يفهمهم ~~أو لم يكن. # | المقالات: المجموعة الثانية # (نشر الكتاب الثاني للمقالات في عام 1884م، ثم نشر بعد ذلك بقليل في إنجلترا. وقد ~~استخدمت المقالات أولا كمحاضرات في صيغ متنوعة أمام أنواع مختلفة من الجماهير، ~~ثم أعيدت كتابتها إعادة كاملة لاستخدامها في الكتاب. وكان استقبال هذا الكتاب ~~أحسن ms182 من سابقيه.) # | الشاعر # طفل متقلب وحكيم ساذج، # يتابع الشوط بأعين مغتبطة، # اختارت - كالشهب - طريقها، # وشقت الظلام بأشعة خاصة، # وتخطت حافة الأفق، # وبحثت بكل ما عند أبولو من امتياز، # وخلال الرجل والمرأة والبحر والنجم # رأت رقص الطبيعة عن بعد أمامها، # وخلال العوالم والأجناس والحدود والأزمان # رأت نظاما فيه نغم، وأبياتا من الشعر فيها قافية. ~~••• # شعراء الأولمب ينشدون # أفكارا إلهية فوق الأرض، # ترانا دائما شبابا، # وتحفظ لنا الشباب دائما. # أولئك الذين نحسبهم حكاما في الأذواق غالبا ما يكونون أشخاصا حصلوا على بعض العلم ~~بالصور والتماثيل التي نعجب بها، ولهم ميل إلى كل ما هو رشيق. ولكنك إن بحثت عما إذا ~~كانت نفوسهم حسنة، وعما إذا كانت أعمالهم كالصور الجميلة، لعلمت أنهم قوم حسيون يحبون ~~أنفسهم. ثقافتهم محلية، كأنك تمسح كتلة من الخشب الجاف في بقعة واحدة لتحدث بذلك نارا، ~~فإن كل ما خلا هذه البقعة يبقى باردا. معرفتهم بالفنون الجميلة شيء من دراسة القواعد ~~والتفصيلات، أو حكم محدود على اللون والشكل، يمارسونه للتسلية أو للتظاهر. ومما يدل على ~~ضحولة مذهب الجمال - كما يفهمه هواته عندنا - أن الناس يظهر أنهم لم يعودوا يدركون أن ~~الشكل يعتمد على الروح اعتمادا كليا. ليس في فلسفتنا مذهب للأشكال. لقد وضعنا في ~~أجسامنا، كما توضع النار في الوعاء، لكي تحمل هنا وهناك. ولكن ليس هناك تناسب دقيق بين ~~الروح والجسم، بله أن يكون الجسم مولدا للروح. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأشكال ~~الأخرى، فإن رجال الفكر لا يعتقدون في أية ضرورة لاعتماد العالم المادي على الفكر ~~والإرادة. ويحسب رجال الدين أن الكلام عن المعنى الروحي للسفينة أو للسحابة، أو للمدينة ~~أو التعاقد؛ من قبيل قصور الهواء الجميلة. ويؤثرون العودة إلى الأرض الصلبة، أرض الأدلة ~~التاريخية. وحتى الشعراء يقنعون بأسلوب من العيش مدني تقليدي، وأن يكتبوا القصائد من ~~الخيال، وهم على بعد آمن من تجاربهم. بيد أن أرفع العقول في الدنيا لم تكف قط عن ~~اكتشاف المعنى المزدوج، بل إني لأستطيع أن أقول المعنى الرباعي، أو الخماسي، أو ما ms183 هو ~~أكثر من ذلك من المعاني، لكل حقيقة حسية، ومن هؤلاء أورفيس وأمبروكليز وهرقليطس ~~وأفلاطون وفلوطارخس ودانتي وسودنبرج، وأساتذة النحت والتصوير والشعر؛ لأننا لسنا أوعية ~~أو عربات، بل ولسنا حملة للمشاعل، ولكنا أبناء النار، منها خلقنا. ولسنا سوى هذه النار ~~المقدسة عينها في صورة أخرى، وإنما نحن على بعدين أو ثلاثة منها، فلا نعرف عنها إلا ~~القليل. وهذه الحقيقة الخفية، وهي أن الينابيع التي يتفجر منها نهر الزمان هذا كله، ~~ومخلوقاته، مثالية وجميلة في ذاتها، هذه الحقيقة تجرنا إلى التفكير في طبيعة الشاعر - أو ~~رجل الجمال - ووظيفته، وتجرنا إلى الوسائل والمواد التي يستخدمها، وإلى الصفة الغالبة ~~على الفن في الوقت الحاضر. # وهي مشكلة شديدة العمق؛ لأن الشاعر رجل يمثل غيره. وهو يمثل بين الرجال الناقصين ~~الرجل الكامل، ويطلعنا لا على ثروته، بل على ثروة المجموع. وترى الشاب يقدس الرجال ~~النابغين؛ لأنهم - إن صدقنا القول - يمثلون نفسه أكثر مما يمثلها هو. إنهم ينطبعون ~~بالروح كما ينطبع، ولكنهم يفوقونه في ذلك. إن الطبيعة تزداد جمالا في أعين العاشقين؛ ~~لأنهم يؤمنون أن الشاعر يرى مظاهرها في الوقت الذي يرونها فيه. إنه منعزل بين معاصريه، ~~بما عنده من حق وما لديه من فن. وإنما يعزيه في عمله أنه سوف يجذب إليه الناس أجمعين إن ~~عاجلا أو آجلا؛ لأن الناس جميعا يعيشون بالحقيقة، وفي حاجة إلى التعبير. إننا في ~~الحب وفي الفن والأطماع والسياسة والعمل واللعب، نحاول أن نعبر عن خفايانا الأليمة. ~~والرجل نصف نفسه فقط، ونصفه الآخر تعبيره. # وبالرغم من هذه الضرورة إلى نشر الأفكار، فإن التعبير السديد نادر عزيز. ولست أدري ~~كيف نحتاج إلى مترجم. غير أن أكثر الناس صغار، لا يملكون القدرة على التعبير عن أنفسهم، ~~أو بكم، لا يستطيعون رواية الحديث الذي يدور بينهم وبين الطبيعة، وليس هناك إنسان لا ~~يتوقع منفعة تفوق الحس من الشمس والنجوم والأرض والماء. إنها تقف وتنتظر أن تؤدي له ~~خدمة فريدة. غير أن في بنائنا عائقا ما أو فتورا زائدا لا يسمح لها أن تحدث ms184 الأثر ~~المطلوب. وانطباعات الطبيعة تقع في نفوسنا موقعا ضعيفا جدا فلا تجعل منا رجال ~~فن. إن كل لمسة يجب أن تهز المشاعر. ويجب على كل إنسان أن يكون فنانا بالقدر الذي ~~يمكنه من أن يروي في الحديث ما وقع له. غير أن الإشعاعات أو الملابسات التي تقع لنا في ~~تجاربنا تبلغ من القوة ما يكفي لأن تبلغ الحواس، ولكنه لا يكفي أن تصل إلى الصميم وترغم ~~صاحبها على التعبير عنها في الحديث. والشاعر هو الشخص الذي تتوازن لديه هذه القوى، هو ~~الرجل من غير عائق، الذي يرى ويتناول ما يحلم به الآخرون، ويجتاز مجال التجارب كله، ~~ويمثل الإنسانية؛ لأنه أعظم قوة تستقبل وتذيع. # للكون ثلاثة أطفال، ولدوا في وقت واحد، يعود ظهورهم تحت أسماء مختلفة في كل طريقة من ~~طرق التفكير سواء يطلق عليهم: السبب والعمل والأثر، أو في عبارة أكثر من ذلك شاعرية: ~~جوف وبلوتو ونبتيون، أو في عبارة دينية: الآب والروح والابن. ولكننا سوف نطلق عليهم هنا: ~~العالم والعامل والقائل. ويمثل هؤلاء على التوالي حب الحقيقة، وحب الخير، وحب الجمال. ~~وهؤلاء الثلاثة على قدم المساواة. وكل واحد من هؤلاء الثلاثة هو من هو بالضرورة، فلا ~~يمكن قهره أو تحليله. وكل واحد منهم لديه ما لدى الآخرين من قوة كامنة فيه، ولديه قوته ~~الخاصة التي يتميز بها. # والشاعر هو القائل، أو من يسمي الأشياء بأسمائها، وهو يمثل الجمال. وهو سلطان يقف ~~في الوسط؛ لأن الدنيا لم تصور أو تجمل، ولكنها جميلة منذ البداية. والله لم يصنع ~~بعض الأشياء الجميلة، ولكن «الجمال» هو خالق الكون. ومن ثم فالشاعر ليس حاكما ~~يستمد النفوذ من سلطان، وإنما هو إمبراطور بحقه الخاص. ولكن النقد موبوء بآفة المادية، ~~التي تفترض أن المهارة اليدوية والحركة هي الميزة الأولى بين الناس أجمعين، وهو يحط من ~~شأن أولئك الذين يقولون ولا يفعلون، ويتغاضى عن أن بعض الناس - أعني الشعراء - قوالون ~~بالطبع، بعثوا في العالم بقصد التعبير، ويخلط بينهم وبين أولئك الذين ميدانهم العمل، ~~غير أنهم يهجرونه لكي ms185 يقلدوا رجال القول. ولكن هومر يرى كلماته غالية تدعو إلى الإعجاب، ~~كما يرى أجاممنون انتصاراته كذلك. إن الشاعر لا يتخلف عن البطل أو الحكيم، ولكن كما أن ~~البطل يعمل أولا والحكيم يفكر أولا، فكذلك الشاعر يكتب أولا ما سوف يقال وما ~~ينبغي أن يقال، ويعتبر الآخرين، برغم أنهم كذلك أوائل، ثانويين أو تابعين بالنسبة ~~إليه، كأنهم قعود أو نماذج في غرفة المصور أو مساعدون يأتون بمواد البناء لمهندسي ~~المباني. # لأن الشعر كتب كله قبل أن يبدأ الزمان. وكلما كان تكويننا رقيقا بحيث نستطيع أن ننفذ ~~إلى تلك المنطقة التي يكون فيها الهواء موسيقى استمعنا إلى تلك التغاريد الأولية، ~~وحاولنا أن ندونها، ولكنا نفقد بين الحين والحين كلمة أو بيتا من الشعر، ونستبدل به ~~شيئا من عندنا؛ ومن ثم ترانا نسيء تدوين القصيدة. أما أصحاب الآذان المرهفة ~~فيكتبون هذا القصيد في صدق وأمانة، وتصبح كتاباتهم - رغم ما فيها من نقص - أناشيد ~~الأمم؛ لأن الطبيعة فيها من الجمال الصادق بمقدار ما فيها من الحكمة. وينبغي أن تصور ~~كما ينبغي أن يؤدى فيها عمل وكما ينبغي أن تعرف. إنما الألفاظ والأعمال أسلوبان من ~~أساليب الطاقة لا خلاف البتة بينهما. والكلمات هي كذلك أفعال، والأفعال ضرب من ضروب ~~الكلام. # وسمة الشاعر وميزته الكبرى أنه يعلن ما لم يتنبأ به إنسان من قبل. هو الطبيب الصادق ~~الوحيد. إنه يعرف ويقول. وهو وحده مردد الأنباء؛ لأنه كان حاضرا وملاصقا للصورة التي ~~يصفها. إنه يبصر الأفكار، ويعبر عن الضرورات والأسباب. ولست أتحدث الآن عن رجال ذوي ~~مواهب شعرية، أو عن أصحاب الصناعة والمهارة في النظم، ولكني أتحدث عن الشاعر الحق. ~~اشتركت في حديث منذ بضعة أيام بشأن كاتب من كتاب الأناشيد المحدثين، وهو رجل ذو عقل ~~دقيق، يبدو رأسه كأنه صندوق موسيقى تصدر عنه الأنغام الرقيقة والقوافي، ومهارته وسيطرته ~~على اللغة يفوقان كل ثناء. ولما تساءلنا هل هو منشد فحسب أم شاعر كذلك، اضطررنا إلى ~~الاعتراف بأنه رجل عصره فقط وليس من الرجال الخالدين؛ فهو لا يبرز ms186 عن حدودنا الضيقة، ~~كالشمبورازو الذي يعدو من المنطقة الحارة خلال جميع أجواء الكرة الأرضية، ويتمنطق ~~بأعشاب كل خط من خطوط العرض حول جوانبه المرتفعة المرقشة. إنما هذا العبقري أشبه ~~بالحديقة الجميلة في البيت الحديث، تجملها النافورات والتماثيل، ويرودها الرجال والنساء ~~من الأسر الكريمة وقوفا وجلوسا في الممرات والشرفات؛ فنحن نسمع - خلال كل نغمات ~~الموسيقى المتنوعة - النغمة السفلى للحياة التقليدية. إنما شعراؤنا رجال موهوبون ~~ينشدون، وليس أبناء الموسيقى. الموضوع عندهم ثانوي، وصقل النظم أولي؛ لأن القصيدة لا تتألف من الوزن، وإنما تتألف من الفكرة الموزونة، الفكرة العاطفية ~~الحية التي - كروح النبات أو الحيوان - لها هندستها الخاصة، والتي تزين الطبيعة زينة ~~جديدة. الفكرة والصيغة متساويان من حيث القدم في الزمان، ولكن الفكرة - من حيث القدم في ~~النوع - تسبق الصيغة. للشاعر فكرة جديدة، وله تجربة جديدة بأسرها يبسطها. إنه يخبرنا ~~كيف مر بهذه التجربة، فيمسي كل امرئ أوفر ثروة مما كان؛ لأن تجربة كل عصر جديد تتطلب ~~اعترافا جديدا، ويظهر أن الدنيا تنتظر شاعرها دائما. أذكر حينما كنت شابا كيف ~~اهتزت مشاعري ذات صباح عندما نمى إلي أن العبقرية بدت على شاب كان يجلس إلى جواري على ~~المائدة؛ لقد تخلى عن عمله وانطلق متجولا إلى حيث لا يدري أحد، وكتب مئات السطور، ولكنه ~~لم يستطع أن يقول إذا كان قد ضمنها ما بنفسه. لم يستطع أن يقول أكثر من أن كل شيء قد ~~تغير: الإنسان والحيوان والسماء والأرض والبحر. لشد ما ابتهجنا لما سمعنا! وما أسرع ~~تصديقنا له! وكأن المجتمع قد رضي واطمأن. وجلسنا في ضوء الفجر عند مطلع الشمس حينما ~~تنطفئ النجوم. وبدت بوسطن كأنها على ضعف البعد الذي كانت عليه في الليلة السابقة، أو ~~لعلها كانت أبعد من ذلك. ثم روما، وما أدراك ما روما! وكأن فلوطارخس وشكسبير قد آلا ~~إلى الذبول، ولم يعد أحد يسمع عن هومر. وكفانا أن نعرف أن الشعر قد كتب هذا اليوم ~~نفسه، تحت هذا السقف نفسه، إلى جوارك. عجبا! إن ذلك الروح العجيب لم يمت! ms187 وهذه الآثار ~~الحجرية ما زالت تتلألأ وتدب فيها الحياة! وكنت قد تصورت أن الكهان قد صمتوا، وأن ~~الطبيعة قد خبت نارها، ثم أنظر! وسط هذا الليل الحالك، الذي يخيم في كل مكان، يبدو هذا ~~الشفق الجميل. كل فرد يتشوق لظهور الشاعر، ولا يدري أحد إلى أي حد يهمه ذلك. إننا نعلم أن ~~سر الدنيا عميق، ولكنا لا ندري من ذا أو ماذا سوف يكون مترجما لنا. إن جولة في الجبل، ~~أو طرازا جديدا من الوجوه، أو شخصا جديدا يضع المفتاح بين أيدينا. وقيمة العبقرية ~~لدينا هي بالطبع في صدق الرواية. الموهبة قد تلهي وقد تخدع، ولكن العبقرية تحقق وتزيد. ~~وقد أدرك الإنسان الآن إدراكا جديا من دراسة نفسه وعمله أن من يسبق إلى القمة هو ~~الذي يعبر عن رأيه، فتكون كلمته هي أصدق الكلمات التي نطق بها إنسان، وعبارته أنسب ~~العبارات وأكثرها موسيقى، وهي في حينها صوت الدنيا الذي لا يخطئ. # كل ما نسميه التاريخ المقدس يدل على أن مولد الشاعر هو الحادث الأساسي في سير ~~التاريخ؛ فالمرء - الذي غالبا لا يخدع قط - يرقب دائما وصول أخ يستطيع أن يوقفه في ~~ثبات أمام حقيقة من الحقائق حتى يجعلها ملكا له. ما أشد سروري حينما أشرع في قراءة ~~قصيدة أعتقد أنها من الوحي! والآن تتحطم أغلالي، فلسوف أعتلي هذه السحب وتلك الأجواء ~~المعتمة التي أعيش فيها، فهي معتمة وإن بدت شفافة، ومن سماء الحقيقة سوف أشهد وأدرك ~~علاقاتي. إن ذلك يجعل بيني وبين الحياة وفاقا، ويجدد الطبيعة، فأرى التوافه وقد اتجهت ~~اتجاها يبعث فيها الحياة، وأدرك ما أنا صانع. إن الحياة لن تكون بعد الآن ضجيجا. ~~والآن سوف أرى الرجال والنساء، وأدرك الدلائل التي يمكن أن يتميزوا بها عن الحمقى ~~والشياطين. ولسوف يكون هذا اليوم خيرا من عيد ميلادي؛ إذ إني يوم ميلادي صرت حيوانا، ~~أما الآن فإنني أدعى إلى علم الواقع. هذا هو الأمل، أما الثمرة فمؤجلة إلى حين. ~~وكثيرا ما يحدث أن هذا الرجل ذا الأجنحة الذي سوف يحملني ms188 إلى السماء يهوي بي إلى ~~الضباب، ثم يقفز ويطفر كأنه يثب من سحابة إلى أخرى، مؤكدا لي دائما أنه إنما يرتفع بي ~~صوب السماء. ولما كنت مستجدا لا أدرك عاجلا أنه لا يعرف طريقه إلى السماء، وأنه لا ~~يقصد إلا أن أعجب بمهارته في الصعود، كأنه طائر أو سمكة طائرة، يرتفع قليلا فوق الأرض ~~أو الماء. ولكن جو السماء النافذ المشبع المبصر لا يسكنه مثل هذا الرجل. فسرعان ما أهوي ~~ثانية إلى ركني القديم وأعيش عيش المبالغة كما كنت من قبل، وأفقد إيماني في إمكان وجود ~~مرشد يستطيع أن يقودني إلى هناك، حيث أحب أن أكون. # ولكن دعنا نترك ضحايا الغرور هؤلاء، ونلاحظ بأمل جديد كيف أن الطبيعة - بدوافع أكثر ~~من ذلك قيمة - قد وكلت إلى إخلاص الشاعر مهمة التعبير والتأكيد، وذلك بجمال الأشياء، ~~الذي يصبح بالتعبير عنه جمالا جديدا أرقى؛ فالطبيعة تهب كل مخلوقاتها له، يتخذها لغة ~~تصويرية. ولما كانت هذه المخلوقات تتمازج، فإنها تكتسب قيمة عجيبة أخرى، أكبر كثيرا من ~~قيمتها الأولى، كمنشار النجار، إذا أنت أعرته أذنا مصغية، ألفيت لصوته في النسيم ~~موسيقى. يقول جامبليكس: «إن الأشياء التي تفوق كل صورة يعبر عنها بالصور.» إن الأشياء ~~تسمح باستعمالها رموزا؛ لأن الطبيعة رمز بكليتها وبكل جزء فيها. كل سطر يمكن أن نخطه ~~في الرمال له تعبير، وليس هناك جسم بغير روح أو عبقرية. كل شكل أثر من آثار صفاته، وكل ~~ظرف أثر من آثار صفة الحياة، وكل انسجام من آثار الصحة (ومن أجل هذا يجب أن ينطوي إدراك ~~الجمال على العطف، وأن يختص بالخير فقط). الجمال يرتكز على أسس الضرورات. والروح تخلق ~~الجسد، أو كما يعلمنا سبنسر الحكيم بقوله: # إن كل روح لأنها أطهر، # وفيها من ضوء السماء أكثر، # توجد الجسم الرقيق لتسكنه، # وتكتسي كساء جميلا، # فتبدو رشيقة جميلة، # منظرها محبب إلى النفوس؛ # لأن الجسم يتخذ من الروح صورته، # فالروح صورة، وهي التي تخلق الجسد. # وعلى حين غرة لا نجد أنفسنا متأملين ناقدين، وإنما نحن في مكان مقدس، ms189 ويجب أن نسير ~~في حذر شديد وفي وقار. إننا نقف أمام سر الدنيا ، حيث يتحول الوجود إلى مظاهر، والوحدة ~~إلى تنوع. # الكون إخراج الروح إلى العالم الخارجي. وحيثما تكون الحياة فإنها تتفجر في مظاهر ~~حولها. علمنا حسي ولذا فهو سطحي؛ فنحن نعالج الأرض والأجسام السماوية، وعلم الطبيعة، ~~والكيمياء، علاجا حسيا، كأنها موجودة بذاتها. ولكن هذه الأشياء ليست سوى اتباع ~~لذلك الوجود الذي نملكه. يقول بروكلس: «إن السماء العظيمة تعرض في أشكالها المتغيرة ~~صورا واضحة لجلال الإدراك العقلي؛ لأنها تلازم في حركتها طبيعة التفكير التي لا ~~تظهر.» ولذا فإن العلم يتقدم دائما مع ارتفاع الإنسان الحق، متمشيا مع الدين ~~والميتافيزيقا. أو أن ما لدينا من علم دليل على علمنا بأنفسنا. كل شيء في الطبيعة يقابل ~~قوى روحية، فإذا بقيت أية ظاهرة مجهولة مظلمة فإن ذلك يكون مرده إلى أن القوى التي ~~تناظرها عند المشاهد، لم تفعل فعلها بعد. # فلا عجب إذن إذا بلغت هذه المياه من العمق ما يجعلنا نحلق فوقها بنظرة دينية. وجمال ~~الأسطورة يدل على أهمية الحس، للشاعر وللآخرين جميعا. أو إن شئت فقل إن كل إنسان شاعر ~~بمقدار ما يتأثر بسحر الطبيعة؛ لأن الناس جميعا لديهم الأفكار التي ليس الكون سوى ~~احتفال بها. وقد وجدت أن الفتنة تكمن في الرمز. من يحب الطبيعة؟ ومن لا يحبها؟ هل هم ~~الشعراء وحدهم، ورجال الفراغ والثقافة، الذين يعيشون معها؟ كلا. إنما هم كذلك الصيادون ~~والمزارعون والسائسون والقصابون، وإن كانوا يعبرون عن حبهم باختيارهم الحياة دون ~~الألفاظ. إن الكاتب ليعجب ما الذي يقدره سائق العربة أو الصائد في الركوب وفي الخيل وفي ~~الكلاب. إنها ليست صفات سطحية. إنك حينما تتحدث إليه تجد أنه مثلك لا يقيم وزنا لهذه ~~الصفات. إنما عبادته عاطفية. ليست لديه تعريفات، ولكنه مسير في الطبيعة بالقوة الحية ~~التي يحس وجودها. إنه لا يقنع بتقليد هذه الأشياء أو باللعب بها. إنما هو يحب الجد في ~~ريح الشمال، وفي المطر، وفي الحجر، وفي الخشب والحديد. والجمال الذي لا يفسر أثمن ms190 من ~~الجمال الذي ندرك الغرض منه. إنه يعبد الطبيعة التي ترمز، أو الطبيعة التي تدل على ما ~~وراء الطبيعة، أو الجسم الذي تغمره الحياة، يعبد هذه الأشياء بطقوس لا تنم عن تهذيب ~~ولكنها مشبعة بروح الإخلاص. # وعمق هذه العلاقة وما يكتنفها من غموض تدفع الناس من جميع الطبقات إلى استخدام ~~الرموز. وليست مدارس الشعراء والفلاسفة أشد ثملا برموزها من عامة الناس. وتستطيع أن ~~تحصر قوة الشارات والرموز في أحزابنا السياسية. انظر مثلا إلى الكرة الكبرى التي ~~يدحرجونها من بلطيمور إلى تل بنكر! وفي المواكب السياسية ترى لول يسير في منسج، ~~ولن في حذاء، وسالم في سفينة. وشاهد برميل شراب التفاح، والغرفة الخشبية في السفينة، ~~وساق شجرة الجوز، والنخيل الهندي، وكل ما يميز الأحزاب. وانظر إلى قوة الرموز القومية؛ ~~فإن بضعة أنجم، أو زهر الزنبق، والفهود، والهلال، والسبع، والنسر، وغير ذلك من الأشكال ~~- التي لا يعلم إلا الله وحده كيف اكتسبت قيمتها - على خرقة قديمة نسميها العلم، ~~ترفرف في الريح، فوق حصن، في أطراف الأرض، تجعل الدماء تفور بمظهرها البدائي التقليدي. ~~يحسب الناس أنهم يمقتون الشعر، وهم جميعا شعراء متصوفون. # وعلاوة على شيوع هذه اللغة الرمزية في العالم بأسره، فإننا جميعا نعلم قدسية المنفعة ~~العظيمة لهذه الأشياء؛ فهي تجعل من الدنيا معبدا، أسواره مغطاة بالرموز والصور ~~والنواهي السماوية، مما يدل على أنه ليست في الطبيعة واقعة واحدة لا تحمل المعنى الكلي ~~للطبيعة. والفروق التي نقيمها بين الحوادث، والأمور، سافلها وعاليها، خالصها ووضيعها، ~~تختفي عندما نستخدم الطبيعة كرمز. إن الفكر يجعل كل شيء صالحا للاستعمال. والألفاظ ~~التي يستعملها رجل عليم بكل شيء تشتمل على الكلمات والصور التي نستبعدها من الحديث ~~المهذب. وما هو وضيع، أو بذيء، للبذيء، يخطف السمع إذا استخدم في الحديث عن علاقة ~~فكرية جديدة. إن تقوى الأنبياء تطهرهم من خشونتهم، والختان مثال لقوة الشعر في رفع ~~الوضيع والآثم. والأشياء الصغيرة والوضيعة تصلح رموزا كما تصلح الأشياء العظيمة. وكلما ~~زادت بساطة النموذج الذي يعبر عن القانون العام قوي تعبيره واشتد ms191 ثبوته في ذاكرة الناس. ~~كما نختار أصغر الصناديق أو الحقائب لنحمل فيها الأداة التي أشد ما نكون حاجة إليها. ~~والقوائم المجردة للكلمات تلهم العقل للتخيل الحساس؛ فقد روي عن لورد تشاتهام أنه ألف ~~الاطلاع على قاموس بيلي حينما كان يستعد للكلام في مجلس النواب. وأتفه التجارب تغني ~~غناء كافيا لجميع أغراض التعبير عن الرأي. فلماذا نشتهي العلم بالحقائق الجديدة؟ إن ~~الليل والنهار، والبيت والحديقة، وقليلا من الكتب، وقليلا من الأعمال، تؤدي أغراضنا ~~كما تؤديها جميع الحرف والمشاهد. فما أبعدنا عن استنفاد ما تدل عليه الرموز القليلة ~~التي نستخدمها! فإننا نستطيع أن نستعملها ببساطة عجيبة. ولا حاجة إلى أن تكون القصيدة ~~طويلة؛ فكل كلمة كانت قصيدة في وقت ما. وكل علاقة جديدة كلمة جديدة. وكذلك نستخدم ~~العيوب والنقائص لغرض مقدس، وبذا نعبر عن إحساسنا بأن شرور الدنيا ليست كذلك إلا للعين ~~الشريرة. ويلاحظ علماء الأساطير أن النقائص - في الأساطير القديمة - تعزى إلى الطبائع ~~المقدسة، كما يعزى العرج لفلكان، والعمى لكيوبد، وما إلى ذلك، للدلالة على القوة ~~والغزارة. # فكما أن الانفصال، والبعد عن حياة الإله، هو الذي يجعل الأشياء قبيحة، فكذلك الشاعر، ~~الذي يعيد وصل الأشياء بالطبيعة، و«بالكل»، الذي يعيد وصل حتى الأشياء الصناعية، وخوارق ~~الطبيعة، بالطبيعة، بما لديه من عمق البصيرة، هذا الشاعر يتصرف في أبشع الحقائق في يسر ~~شديد. يرى قراء الشعر القرى الصناعية والسكك الحديدية، ويتصورون أن شعر المناظر ~~الطبيعية تهدمه هذه الأشياء؛ لأن هذه الأعمال الفنية لم تقدس بعد في قراءتهم. ولكن ~~الشاعر يرى أنها تنخرط في سلك النظام الشامل كما تنخرط فيه خلية النحل أو نسيج العنكبوت ~~الهندسي؛ فالطبيعة سرعان ما تضمها إلى دوائرها الحيوية، وتحب قطار العربات المنزلق كما ~~تحب أشياءها. والعقل المركز - فوق ذلك - لا يهمه كم من المخترعات الآلية تعرض له. فلو ~~أضفت إليها مليونا، مما يفوق في عجبه كل ما سبق، فإن حقيقة الآلية لا تكسب مثقال ذرة. ~~وتبقى الحقيقة الروحية دون تغيير، كثرت الجزئيات أو قلت، كما أن الجبل مهما علا ارتفاعه ms192 ~~لا يهدم تقوس الكرة الأرضية. يذهب الصبي القروي الذكي إلى المدينة لأول مرة، ولا يرتاح ~~المدني الهمام لما يبدي هذا القروي من قلة الإعجاب. ولا يعود ذلك إلى أنه لا يرى كل ~~المنازل البديعة، ويدرك أنه لم ير مثلها من قبل، وإنما ذلك لأنه يتصرف فيما يرى ~~بالسهولة التي يجد بها الشاعر مكانا لسكة الحديد. إن القيمة الرئيسية للحقيقة الجديدة ~~هي رفع قيمة حقيقة «الحياة» الدائمة الكبرى، التي تستطيع أن تصغر إلى جانبها أي ظرف وكل ~~ظرف آخر، والتي لا ترى فارقا بين حزام الخرز وتجارة أمريكا. # ولما كانت الدنيا تخضع للعقل هكذا فعلا واسما، فإن الشاعر هو الذي يستطيع أن ينطق ~~بها؛ لأن الحياة قد تكون عظيمة، فاتنة، أخاذة، والناس جميعا قد يدركون الرموز التي ~~تسمى بها هذه الحياة، إلا أنهم لا يستطيعون أن يستخدموا هذه الرموز استخداما ~~أصيلا. إنما نحن رموز، ونسكن الرموز. العمال والعمل والآلات والأشياء، والميلاد ~~والموت، كل أولئك شارات. ولكننا نعطف على هذه الرموز. ولما كنا نفتتن بالمنافع ~~الاقتصادية للأشياء، فنحن لا نعرف أنها آراء. أما الشاعر فإنه - بما لديه من إدراك ~~عقلي سام - يكسبها قوة تجعلنا ننسى ما لها من فائدة قديمة ويضع أعينا ولسانا في كل ~~شيء أبكم لا حياة فيه. إنه يدرك استقلال الفكرة عن الرمز، واستتباب الفكر، وما يتصف به ~~الرمز من زوال وعرض. وكما أنهم يزعمون أن عيني لينسيس كانتا تخترقان الأرض بالنظر، ~~فكذلك الشاعر يحيل الدنيا زجاجا، ويرينا الأشياء جميعا في تسلسلها ووضعها الصحيحين؛ ~~لأنه - عن طريق هذا الإدراك الأقوى - يقترب خطوة نحو الأشياء، ويرى سير تقلباتها، ويدرك ~~أن للفكر صورا عدة، وأن صورة كل مخلوق تنطوي على قوة تدفعه إلى الصعود إلى صورة أعلى، ~~ويتبع بعينه الحياة، فيستخدم الصور التي تعبر عن هذه الحياة، وهكذا يتدفق حديثه مع تدفق ~~الطبيعة. كل حقائق الاقتصاد المادي، والجنسي، والتغذية، والحمل، والميلاد، والنمو، إن ~~هي إلا رموز لمرور الدنيا بروح الإنسان، كي تتعرض فيها للتغير، وتعود إلى الظهور حقيقة ~~جديدة أعلى مرتبة. ms193 إنه لا يستخدم الصور صورا، وإنما يستخدمها كرموز للحياة. وهذا هو ~~العلم الحق. الشاعر وحده يعرف علم الفلك، والكيمياء، والنبات، والحيوان؛ لأنه لا يقف ~~عند هذه الحقائق، ولكنه يستخدمها كشارات. إنه يعرف لماذا انتثرت هذه الأزهار التي ~~نسميها الشموس والأقمار والنجوم فوق سهل الفضاء أو مرعاه، ولماذا يتجمل المحيط العظيم ~~بالحيوان والإنسان والآلهة؛ لأنه في كل كلمة ينطق بها يركب متنها كأنها جياد الفكر. # وبفضل هذا العلم يكون الشعر هو المسمي أو صانع اللغة، يسمي الأشياء أحيانا وفق ~~مظاهرها، ويسميها أحيانا وفق مغزاها، ويعطي كل شيء اسمه الخاص لا اسما آخر. وبذلك ~~يدخل السرور إلى العقل الذي يبتهج بالانفصال أو التحديد. الشعراء هم الذين صنعوا جميع ~~الكلمات، ولذا فاللغة هي سجل التاريخ، أو - إن صح هذا التعبير - هي نوع من المقبرة ~~لآلهة الشعر. وقد ننسى أصول أكثر الكلمات، إلا أن كل كلمة كانت في أول أمرها لفتة من ~~لفتات العبقرية، ثم اكتسبت المداولة؛ لأنها في حينها كانت ترمز إلى الدنيا للمتكلم ~~الأول وللمستمع. إن عالم الاشتقاق يجد أن أشد الكلمات مواتا كان ذات يوم صورة لامعة. ~~اللغة شعر متحجر. وكما أن الحجر الجيري في القارة يتألف من كتل لا نهاية لها من أصداف ~~الحيوانات الميكروسكوبية، فكذلك اللغة تتألف من الصور والمجازات التي لم تعد - في ~~استعمالها الثانوي - تذكرنا اليوم بمنشئها الشعري. ولكن الشاعر يسمي الشيء لأنه ~~يراه، أو يخطو نحوه خطوة أقرب من أي شخص آخر. وهذا التعبير، أو هذه التسمية، ليس فنا، ~~ولكنه طبيعة ثانية، تولدت عن الطبيعة الأولى، كما تتولد الورقة من الشجرة. إن ما نسميه ~~الطبيعة ليس إلا تحولا أو حركة معينة تنظم نفسها. و«الطبيعة» تعمل كل شيء بيديها ولا ~~تترك غيرها يعمدها، ولكنها تعمد نفسها. ويتم ذلك عن طريق التحول من صورة إلى أخرى مرة ~~ثانية. أذكر أن شاعرا معينا وصف لي ذلك فقال: # العبقرية هي الحركة التي تعوض موت الأشياء، سواء كانت في كل حد أو إلى ~~حد ما مادية محدودة. إن الطبيعة - خلال ممالكها ms194 كلها - تؤمن نفسها. إن ~~أحدا لا يعبأ بزراعة الفطريات الحقيرة؛ ولذا فهي تساقط من سنابل الفطرية ~~الواحدة بذورا لا عداد لها، كل واحدة منها - إن حفظت - تنقل ملايين جديدة من ~~البذور غدا أو بعد غد. والفطرية الجديدة في هذه الساعة لديها فرصة ليست ~~للفطرية القديمة. وهذه الذرة من البذور يلقى بها في مكان جديد، لا تخضع ~~للأحداث التي أتلفت البذرة التي ولدتها والتي تقع منها على بعد بضعة أمتار. ~~الطبيعة تخلق الإنسان، وعندما تبلغ به سن البلوغ، لا تخاطر حينئذ بفقدان هذه ~~الأعجوبة بضربة واحدة، ولكنها تفصل منه نفسا جديدة، حتى يمسي النوع في أمن من ~~الحوادث التي يتعرض لها الفرد؛ ولذا فإن روح الشاعر - عندما تبلغ نضوج الفكر - ~~تفصل عنها القصائد والأناشيد وتنشرها، وتلك ذرية لا تخشى ولا تنام ولا تموت ولا ~~تتعرض لحوادث دولة الزمان الكليلة: ذرية حية لا تخاف، تكتسي بالأجنحة (وتلك ~~كانت ميزة الروح التي نشأت عنها الذرية) التي تحملها على عجل وإلى مدى بعيد، ~~وتثبتها في قلوب الناس ثبوتا لا يتزعزع، تلك الأجنحة هي جمال روح الشاعر. ~~والأغاني التي تنفصل عن مبدعها الفاني وتكتسب الخلود، تتبعها نزوات من النقد، ~~تتجمع في حشد يفوقها عدا، وتهدد بالتهامها. ولكن هذه النزوات لا أجنحة لها. ~~وفي نهاية وثبة قصيرة جدا تسقط هذه النزوات ثقيلة، وتفسد؛ لأنها لم تتلق ~~من الأرواح التي صدرت عنها أجنحة جميلة. ولكن أناشيد الشاعر تصعد، وتثب، وتخترق ~~أعماق الزمان الذي لا نهاية له. # هذا ما علمنيه الشاعر، وقد استخدم فيه كلاما حرا. بيد أن للطبيعة في إنتاجها ~~أفرادا جددا، هدفا أعلى من الضمان، وذلك هو «الصعود»، أو انتقال الروح إلى صورة ~~أرقى. عرفت في أيام حداثتي النحات الذي صنع تمثال الشباب الذي أقيم في الحديقة العامة. ~~وكان - كما أذكر - عاجزا عن أن يقول مباشرة ما جعله سعيدا أو غير سعيد، ولكنه استطاع ~~القول بطرق عجيبة غير مباشرة. نهض ذات يوم - كعادته - قبل الفجر، وشاهد مطلع الصباح، ~~جليلا كالأبدية التي انشق منها، ولعدة أيام بعد ms195 ذلك حاول أن يعبر عن اطمئنانه، فكان أن ~~شكل بإزميله من المرمر صورة شاب جميل، فسفورس، الذي يقال إن محياه يصيب بالصمت كل ~~ناظر إليه، وكذلك الشاعر يستسلم لمزاجه، والفكرة التي تهز مشاعره يعبر عنها بأسلوب جديد ~~كل الجدة. التعبير عضوي، أو هو الطراز الجديد الذي تتخذه الأشياء نفسها عندما تحرر. ~~وكما أن الأشياء - في الشمس - تطبع صورها على شبكة العين، فهي كذلك - لأنها تشارك طموح ~~العالم بأسره - تميل إلى أن تطبع في العقل صورة من جوهرها أرق منها بكثير. فالتحول إلى ~~الأناشيد شبيه بتحول الأشياء إلى صور عضوية أرقى. إن لكل شيء شبحا أو روحا، وكما أن ~~صورة الشيء تعكسها العين، فكذلك روح الشيء تعكسه الأنشودة. إن البحر، وحافة الجبل، ~~ونياجارا، وكل حوض من حياض الزهر، سابق في وجوده. أو هو موجود وجودا أعلى، في أغان ~~سابقة، تسبح كالعطور في الهواء، وكلما مر بها إنسان ذو أذن مرهفة إرهافا كافيا استمع ~~إليها، وحاول أن يدون النغم دون أن يفسده أو يدنسه. ومن ثم يرى النقد - الذي يصدر ~~عن العقل - أن القصائد ترجمة فاسدة لأصل من أصول الطبيعة، عليها أن تسجله. إن الوزن في ~~أغنية من أغانينا يجب ألا يقل إمتاعا عن العقد المكررة في الصدفة البحرية، أو ما يشبه ~~ذلك من فروق كائنة في مجموعة من الزهور. إن تزاوج الطيور قصيدة، ليست مملة كقصائدنا، ~~والعاصفة أنشودة طبيعية، تخلو من الباطل واللغو. والصيف، بمحصول زرعه، الذي يجمع ~~ويخزن، ملحمة غنائية، دونها كثير من إنتاج العقل مهما كان أداؤه داعيا للإعجاب. فلماذا ~~لا ينساب في أرواحنا التوازن والصدق الذي يسري لحنه في هذه الأشياء، ولماذا لا نشاطر ~~الطبيعة إبداعها؟ # وهذه الفراسة، التي تعبر عن نفسها بما يسمى «الخيال» ضرب رفيع من ضروب النظر، لا ~~يتأتى بالدرس، ولكن بالعقل، الذي يوجد حيث يرى ويصبح نفس ما يرى، والذي يشارك الأشياء ~~تحولها إلى أشكال، فيجعلها تشف عن غيرها. إن تحول الأشياء صامت، فهل تحتمل أن يصاحبها ~~متكلم؟ إنها لا تحتمل من يتجسس عليها. ms196 أما العاشق أو الشاعر، فهو إنسان يعلو على ~~طبيعتها، فهي تحتمله . إن شرط التسمية الصحيحة - عند الشاعر - هو استسلامه للروح المقدسة ~~التي تتنفس خلال الأشكال، ومصاحبته لها. # كل رجل عاقل سرعان ما يدرك هذا السر، وهو أن وراء طاقة عقله الواعي الذي يملكه، قدرة ~~على طاقة أخرى (كأنها العقل يتضاعف)، يحسها إذا خلى بين نفسه وبين طبائع الأشياء. ~~وفوق قدرته الخاصة كفرد قدرة عامة عظمى، يستطيع أن يستمد منها إذا هو خاطر بفتح مغاليق ~~أبوابه الإنسانية، وتعرض للتيارات الأثيرية التي تدور وتتغلغل في نفسه. إنه عندئذ ~~ينخرط في سلك حياة «الكون»، فيصبح كلامه رعدا، وفكره قانونا. ويفهم العالم كله كلماته ~~كما يفهم النبات أو الحيوان. لا يدرك الشاعر أنه يحسن الكلام إلا حينما يصدر عنه الكلام ~~على سجيته أو عندما يتكلم ب «زهرة العقل»، ولا يتكلم بالعقل كعضو، وإنما يتكلم به ~~متحللا من كل غرض، ومتخذا وجهته من حياته السماوية، أو - كما اعتاد القدماء أن يعبروا ~~عن أنفسهم - لا يتكلم بالعقل وحده، ولكن بالعقل أسكره شراب الآلهة. وكما أن المسافر ~~الذي ضل طريقه يلقى الصرع على ظهر جواده، ويستسلم لغريزة الحيوان كي يجد طريقه، فكذلك ~~ينبغي لنا أن نفعل مع الحيوان المقدس الذي ينطلق بنا خلال هذا العالم؛ لأننا إن استطعنا ~~بأية وسيلة أن ننبه هذه الغريزة تفتحت لنا في الطبيعة طرق جديدة، وانطلق العقل في ~~الأشياء وخلالها مهما شقت وعلت، وأصبح التحول من حال إلى حال ممكنا. # من أجل ذلك أحب الشعراء الخمر، والشراب المعتق، والمخدرات، والقهوة والشاي ~~والأفيون، ودخان خشب الصندل، والتبغ، وكل ما يجلب البهجة والسرور. وكل إنسان ينتفع بمثل ~~هذه الوسائل ما استطاع كي يضم إلى قدرته الطبيعية هذه القدرة الخالقة. ولتحقيق هذا ~~الغرض تراهم ينشدون الحديث، والموسيقى، والصور، والتماثيل، والرقص، والتمثيل، والأسفار، ~~والحرب، والجماهير، والنيران، والألعاب، والسياسة، والحب، والعلم، وما يسكر الجسم، ~~وكلها أشياء مصطنعة آلية - غلظت أو رقت - نستعيض بها عن الشراب الإلهي الصادق، وهو فتنة ~~العقل بزيادة القرب من الحقيقة. إنما هذه الأشياء ms197 مساعدة لما عند الإنسان من ميل شديد ~~إلى الخروج عن نفسه ، وإلى انتقاله إلى الفضاء الحر الفسيح. وهي تعاونه على الفرار من ~~سجن ذلك الجسد الذي يحتبس فيه، ومن سجن العلاقات الفردية الذي يضمه. ومن ثم كان ~~عدد كبير ممن احترفوا التعبير عن الجمال، كالمصورين، والشعراء، والموسيقيين، والممثلين، ~~يميلون أكثر من سواهم إلى أن يعيشوا عيشة المتعة والاستهتار. كلهم ما خلا القلة التي ~~تناولت الشراب الإلهي الخالص. وحيث إن وسيلتهم كانت وسيلة زائفة لبلوغ الحرية، وحيث إن ~~تحررهم لم يكن نحو السماء، وإنما حرية نحو الأماكن السفلى، فقد لاقوا عقوبتهم من أجل ~~تلك الميزة التي ظفروا بها، وذلك بتشتيت أذهانهم وتأخرهم، ولكن الطبيعة لا يمكن أن ~~تستل منها المنفعة بالعصا. إن روح الدنيا، وحضرة الخالق الهادئة الجليلة، لا تخرج إلى ~~سحر الأفيون أو الخمر. إنما الرؤيا السامية تأتي إلى الروح الطاهرة الساذجة في الجسم ~~الطاهر العفيف. وليس وحيا ما نستمده من المخدرات، وإنما هي إثارة حسية وفورة زائفة. ~~يقول ملتن إن الشاعر الغنائي يستطيع أن يشرب الخمر ويعيش عيشا كريما، ولكن شاعر ~~الملاحم، الذي ينشد نشيد الآلهة، ويغني قصة هبوطهم إلى الإنسان، يجب أن يشرب الماء من ~~وعاء خشبي؛ لأن الشعر ليس «خمر الشيطان» ولكنه خمر الآلهة. وما أشبه ذلك بلعب الأطفال. ~~إننا نملأ أيدي الأطفال ودور حضانتهم بكل أنواع العرائس، والطبول، والخيول، فنجذب ~~أعينهم بعيدا عن وجه الطبيعة الصبوح وما فيها من أشياء تكتفي بذاتها، كالشمس والقمر، ~~والحيوان والماء والحجر، التي ينبغي أن تكون اللعب التي بها يلهون. وكذلك عادات الشاعر ~~في حياته ينبغي أن تتبسط حتى تبتهج نفسه لكل مؤثر عادي. يجب أن يكون ابتهاجه هبة الشمس ~~المضيئة، ويجب أن يكفي الهواء لإلهامه، ويجب أن يسكره الماء. إن الشراب الذي يكفي ~~القلوب الهادئة، والذي يبدو أنه يأتي إليها من كل رابية جافة من الحشائش الذابلة، ومن ~~كل ساق مبتورة من سوق الصنوبر، ومن كل حجر نصف مطمور، تسطع عليه شمس مارس الفاترة، هذا ~~الشراب يأتي إلى المسكين والجائع، ms198 وإلى أصحاب الأذواق الساذجة. وإذا أنت ملأت عقلك ~~بشراب بوسطن ونيويورك ، وبالطرز الجديدة والشهوات، وآثرت حواسك المنهوكة بالنبيذ والقهوة ~~الفرنسية، لما وجدت شعاعا من الحكمة في بيداء الغابات الصنوبرية المنعزلة. # وإذا كان الخيال يسكر الشاعر، فهو ليس عديم الأثر في غيره من الناس. إن التحول من ~~صورة إلى أخرى يشيع السرور في نفس المشاهد، ولاستخدام الرموز قدرة خاصة على التحرير ~~وعلى إدخال البهجة إلى قلوب الناس جميعا؛ فكأن عصا سحرية تمسنا، وهذه العصا تجعلنا ~~نرقص ونعدو مرحين كالأطفال، ونكون كمن يخرج من كهف أو غار إلى الهواء الطلق. هذا هو أثر ~~الاستعارات والأساطير والكهانة وكل الصور الشعرية فينا. ومن ثم فإن الشعراء آلهة ~~تحررنا، فيتكون لدى الناس فعلا إحساس جديد، ويجدون داخل دنياهم دنيا أخرى أو مجموعة من ~~الدنى؛ لأننا لمجرد رؤية التحول نتنبأ بأنه لن يقف عند حد. ولن أذكر الآن مقدار ما ~~يخلفه ذلك من سحر في علم الجبر والرياضيات، التي لها كذلك مجازها، ولكننا نحسه في كل ~~تعريف، نحسه مثلا عندما يعرف أرسطو «المكان» بأنه وعاء ثابت يحتوي الأشياء، أو ~~حينما يعرف أفلاطون «الحظ» بأنه النقطة المتحركة، أو «الشكل» بأنه تحديد الجسم الصلب، ~~وما إلى ذلك. ما أشد سرورنا بالإحساس بالحرية عندما يعلن فتروفيس رأي الفنانين القدامى ~~بأن مهندس البناء لا يستطيع أن يجيد تشييد بيت من البيوت إذا لم يعرف شيئا عن علم ~~التشريح. وعندما يخبرنا شارميديز أن الروح تشفى من أمراضها بتعاويذ خاصة، وأن هذه ~~التعاويذ أسباب جميلة يتولد عنها الاعتدال في الأرواح، وحينما يسمي أفلاطون الدنيا ~~حيوانا، ويؤكد تيميس أن النباتات كذلك حيوانات، أو يؤكد أن الإنسان شجرة سماوية، ينمو ~~هو وجذره - وهو الرأس - إلى أعلى، أو كما يقلده جورج تشايمان فيقول: # كذلك في شجرتنا الإنسانية، # التي تظهر شعيرات جذورها أعلاها ... # وحينما يتحدث أورفيس عن بياض الشعر كأنه «تلك الزهرة البيضاء التي تتميز بها ~~الشيخوخة»، أو حينما يسمي بروكلس الكون تمثال العقل، أو حينما يقارن شوسر - في ~~ثنائه على دماثة الأخلاق - الدم الطيب في ms199 الظروف السيئة بالنار التي - حتى إن انتقلت ~~إلى أظلم بيت بين هذا المكان وجبال القوقاز - سوف تحتفظ دائما بوظيفتها الطبيعية، ~~وتحترق لامعة كأن عشرين ألف رجل يشهدونها، أو حينما رأى حنا في سفر الرؤيا خراب الدنيا ~~عن طريق الشر، والنجوم تهوي من السماء، كما تنبذ شجرة التين فاكهتها في غير إبانها، أو ~~حينما يصور أيسوب العلاقات العادية اليومية كلها على لسان الطير والوحش. إننا نتلمس ~~الدلائل البهيجة التي تنم عن جوهر الإنسان، كما تنم عن تشكل هذا الجوهر في أشكال مختلفة ~~وتحوله من حال إلى حال، أو كما يقول الغجر عن أنفسهم: «من العبث أن تشنقهم، فإنهم لا ~~يموتون.» # فالشعراء إذن آلهة للتحرير. وقد كان المنشدون البريطانيون القدامى يطلقون على طائفتهم ~~«أولئك الأحرار في الدنيا بأسرها». إنهم أحرار، وهم كذلك محررون. والكتاب الخيالي ~~يؤدي لنا خدمة أول الأمر - عن طريق إثارته لنا بما فيه من استعارات - أكثر بكثير مما ~~يؤدي لنا فيما بعد حينما نصل إلى المغزى الحقيقي الذي هدف إليه المؤلف. ولا أحسب في ~~الكتب شيئا قيما سوى ما تومئ إليه مما يفوق العقل ويخرج عن المألوف. فإذا ألهبت ~~الفكرة إنسانا، وحلقت به، فنسي المؤلفين والجمهور، ولم يعبأ إلا بهذا الحلم الوحيد، ~~الذي يستولي عليه كأنه الجنون، فدعني أقرأ صحيفته، وأتخلى لك عن كل البحوث والتواريخ ~~والنقد. كل القيمة التي تعزى إلى فيثاغورس، وباراكلسس، وكورنيليس أجربا، وكاردان، ~~وكبلر، وسودنبرج، وشلنج، وأوكن، أو غيرهم ممن يقحم في نظرياته وقائع تدعو إلى التساؤل، ~~كذكر الملائكة، أو الشياطين، أو السحر، أو التنجيم، أو قراءة الكف، أو التنويم، أو ما ~~إلى ذلك، هذه القيمة هي ما يشهد لنا على ابتعادهم عن المألوف، وعلى أن أمثال هؤلاء شهود ~~جدد. وهذا كذلك هو خير ما يدعو إلى النجاح في الحديث، سحر الحرية، الذي يضع الدنيا في ~~أيدينا كأنها كرة. ما أرخص ما تبدو الحرية نفسها عندئذ، وما أقل شأن الدراسة، حينما ~~تمد عاطفة من العواطف العقل بالقدرة على خلخلة الطبيعة وقلبها. وما أعظم هذا المشهد! ms200 إن ~~الأمم، والأزمان، والنظم، تدخل وتختفي، كالخيوط في بساط ذي رسم كبير وألوان عديدة. ~~الحلم يسلمنا إلى حلم آخر، وما دامت حالة الثمل قائمة فإننا نبيع فراشنا، وفلسفتنا، ~~وعقيدتنا، في سبيل هذا الثراء. # ولدينا سبب قوي لتقدير هذا التحرير. إن مصير الراعي الفقير، الذي يعمى ويضل طريقه في ~~العاصفة الثلجية فيهلك في كومة من الثلج على بعد أقدام قليلة من باب كوخه، هذا المصير ~~رمز لحالة الإنسان. إننا نموت موتا يائسا على حافة مياه الحياة والحق. إن استحالة ~~بلوغنا أية فكرة سوى تلك التي تستولي علينا أمر عجيب. وماذا يحدث لو اقتربت منها؟ سوف ~~تظل بعيدا عنها، وأنت أقرب ما تكون إليها بعدك عنها وأنت أقصى ما تكون منها. وكل فكرة ~~هي كذلك سجن، وكل سماء هي كذلك سجن. ولذا فنحن نحب الشاعر، أو المخترع الذي يقدم لنا ~~فكرة جديدة في أية صورة، سواء في أنشودة، أو في عمل، أو في مرآه ومسلكه؛ إنه يفك ~~أغلالنا، ويطلعنا على منظر جديد. # هذا التحرير عزيز على الناس جميعا، والقدرة على منحه مقياس للعقل؛ لأنه يصدر عن عمق ~~للفكر سحيق ومدى بعيد. ومن ثم فإن جميع كتب الخيال تبقى؛ لأنها جميعا تصعد إلى ~~الحقيقة، فيرى الكاتب الطبيعة تحت ناظره، ويتخذها هاديا له ومرشدا. وكل بيت من الشعر، ~~وكل عبارة، تتصف بهذه الميزة، تضمن لنفسها الخلود. إن ديانات العالم ليست إلا ما ينطق ~~به رجال قلائل من أرباب الخيال. # ولكن صفة الخيال التدفق، لا التجمد. والشاعر لا يقف عند اللون أو الشكل، ولكنه يقرأ ~~مغزاهما. ولا يقنع بهذا المغزى، ولكنه يجعل الأشياء ذاتها موضحة لفكره الجديد. وهنا تجد ~~الفارق بين الشاعر والمتصوف، وهو أن المتصوف يعزو رمزا واحدا للمعنى الواحد، وهو معنى ~~صادق في حينه، ولكنه سرعان ما يمسي عتيقا زائفا؛ لأن الرموز جميعا تتصف بالتحول ~~المستمر. وكل اللغات وسائل متعدية، تصلح للنقل كما تصلح الخيل للسفر ولا تصلح للاستقرار ~~كالمزارع والمنازل. ويتميز التصوف بأنه يحسب الرمز العرضي والفردي رمزا عالميا. فقد ~~كانت حمرة ms201 الصباح الشهاب المفضل لعيني يعقوب بهمن، وتمثل له الحق والإيمان، ويعتقد أنها ~~يجب أن تمثل هذه الوقائع لكل قارئ. ولكن القارئ الأول يفضل بطبيعته - مثلما يفضل ~~هذه الحمرة - رمز الأم والطفل، أو البستاني وأبصاله، أو الجوهري بصقل جواهره. أي واحد ~~من هؤلاء، أو من آلاف غيرها، يؤدي الغرض عينه للرجل الذي يرى فيه دلالة، وذلك على شريطة ~~أن يتناولها بخفة، ويترجمها راغبا إلى نظائرها من المصطلحات التي يتخذها غيره. ويجب أن ~~يقال للمتصوف في ثبات: إن كل ما تقول صادق بغير استخدام الرموز المحلي كما هو صادق به. ~~ولنستبدل بهذه البلاغة الغثة قليلا من الجبر - لنتخذ الرموز العالمية بدلا من هذه ~~الرموز القروية - وسوف يكون كلانا من الرابحين. ويبدو أن تاريخ السلطات الدينية يبين أن ~~كل الخطأ الديني كان مرجعه إلى أنها جعلت الرمز صلبا لا يلين، حتى لم يعد هذا الرمز ~~آخر الأمر سوى مبالغة في وسيلة اللغة. # ومن بين رجال العصر الحديث جميعا يبرز سودنبرج كمترجم للطبيعة إلى الفكر. ولست أعرف ~~في التاريخ رجلا تمثلت له الأشياء بانتظام في كل كما تمثلت له. فتحول الأشياء من ~~صورة إلى أخرى كان لديه مستمرا بغير انقطاع. كل ما تقع عليه عيناه يخضع لدوافع ~~الطبيعة المعنوية فيصبح التين عنبا وهو يأكله. وعندما يؤكد له بعض ملائكته حقيقة ما، ~~ترى كأن أغصان الغار التي يمسكون بها تزهر في أيديهم. والضجة التي تبدو على بعد كأنها ~~صرير الأسنان أو التخبط، يتبين عند الاقتراب أنها صوت المجادلين. وفي إحدى رؤاه يظهر ~~الناس له - إذا تسلط عليهم ضوء السماء - كالأفعوانات، وكأنهم في الظلام، ولكن هذه ~~الأفعوانات كان يرى أحدها الآخر إنسانا، فإذا ما سطع على مخابئها نور السماء ضجت من ~~الظلام، وأرغمته على إغلاق منافذها حتى تستطيع أن ترى. # كانت لديه هذه الصفة العقلية، التي تجعل الشاعر أو المتنبي شيئا مفزعا مريعا، أعني ~~أن الرجل عينه، أو مجموعة الرجال، قد يتخذون لأنفسهم ولزملائهم صورة ما، ولكنهم يتخذون ~~في أعين أصحاب العقول الراجحة صورة أخرى. إن ms202 بعض القسس الذين وصفهم كأنهم يتحدثون معا ~~عن علم غزير، ظهروا للأطفال الذين كانوا على بعد ما كالجياد الميتة، ومن هذه المظاهر ~~الكاذبة الكثير. ويتساءل العقل على الفور إن كانت هذه الأسماك تحت القنطرة، وتلك ~~الثيران في المرعى، وأولئك الكلاب في الفناء، هي أسماك، وثيران، وكلاب لا تتغير، أم هل ~~تبدو لي كذلك فقط، وربما بدت لنفسها أناسي كاملين، وهل أبدو أنا رجلا في كل عين؟ وقد ~~طرح هذا السؤال عينه البراهمة وفيثاغورس، وليس من شك أن كل شاعر شاهد هذا التحول قد ~~ألفاه متفقا مع مختلف التجارب. وقد رأينا جميعا التغير العظيم في نبات القمح ودود ~~الفراش. إنما الشاعر هو الذي يرى من خلال الثوب الفضفاض الطبيعة الثابتة، ويستطيع أن ~~يعبر عنها، وإنه ليجذبنا إليه بالحب والفزع. # إنني أبحث عبثا عن الشاعر الذي أصف. إننا لا نوجه كلامنا إلى الحياة، في وضوح كاف، ~~أو في عمق كاف. ولا نجرؤ على التغني بأزماننا وظروفنا الاجتماعية. وإذا كنا نملأ ~~النهار بالشجاعة فلا ينبغي أن نجفل من الاحتفال بها. إن الزمان والطبيعة يقدمان إلينا ~~هبات كثيرة، ولكنهما لم يقدما إلينا بعد رجل الساعة، أو الدين الجديد، أو الرجل الذي ~~يوفق بين مختلف الأمور، والذي تنتظره جميع الأشياء. إن دانتي يستحق الثناء لأنه جرؤ على ~~أن يكتب سيرته في رمز عظيم، أو في صيغة عالمية. ولكننا لم نظفر بعد في أمريكا برجل ~~نابغ، ذي عين نافذة، تعرف قيمة ما لدينا من مواد لا نظير لها، وترى في وحشية هذا العهد ~~وماديته عيدا آخر للآلهة عينها التي يعجب أشد الإعجاب بصورها عند هومر، ثم في العصر ~~الوسيط، ثم في مذهب كلفن. إن البنوك وقوائم الأسعار، والصحف واجتماعات الانتخابات، ~~ومذهب النظامية ومذهب التوحيد، مملة سخيفة لقوم سخفاء، ولكنها ترتكز على نفس أسس التعجب ~~التي ترتكز عليها مدينة طروادة ومعبد دلفس، وسوف تزول بنفس السرعة التي زالت بها. إننا ~~لم نتفنن بعد بوسائلنا في قطع الأخشاب وجذوع الشجر، ومصائد أسماكنا، وعبيدنا وهنودنا، ~~وسفننا وما ننكر من ms203 مذاهب، وغضب الرعاع وجبن الأمناء، وتجارة الشمال، وزراعة الجنوب، ~~وتفريغ الغرب ، وأورجن وتكساس. ومع ذلك فأمريكا قصيدة في أعيننا، وتقويم بلدانها الفسيحة ~~يبهر الخيال، ولن يطول انتظارها حتى يتغنى بها الشعراء. وإذا كنت لم أجد بعد ذلك المزيج ~~المختار من الهبات الذي أبحث عنه في مواطني، فإني لن أستطيع كذلك أن أعين نفسي على ~~تثبيت فكرة الشاعر بالاطلاع بين الحين والآخر على مجموعة تشالمر للشعراء الإنجليز في ~~خمسة قرون. فلقد كان هؤلاء رجالا ذوي فطنة أكثر مما كانوا شعراء، وإن كان من بينهم ~~شعراء. ولكننا عندما نتمسك بالمثل الأعلى للشاعر لا نخلو من المشكلات حتى مع ملتن ~~وهومر. فلقد كان ملتن أديبا أكثر مما ينبغي، وكان هومر حرفيا وتاريخيا أكثر مما ~~يلزم. # ولست أحسب أن لدي من الحكمة ما يكفي للنقد القومي، وينبغي لي أن ألجأ إلى التسامح ~~القديم قليلا ما؛ كي أنقل رسالتي من إله الشعر إلى الشاعر فيما يتعلق بفنه. # الفن هو سبيل الخالق إلى عمله. والسبل أو الوسائل مثالية خالدة. وإن قل من الناس من ~~يراها، ولا الفنان نفسه لبضع سنوات، أو مدى حياته ما لم تتهيأ له الظروف. إن المصور ~~والنحات والملحن، وكاتب الملاحم، والخطيب، كل أولئك يشتركون في رغبة واحدة، وهي أن ~~يعبروا عن أنفسهم تعبيرا متزنا غزيرا، لا تعبيرا ناقصا أو متقطعا. وقد وجدوا ~~أنفسهم أو وضعوها في ظروف معينة، كما يفعل المصور أو النحات أمام صورة إنسانية ذات أثر، ~~أو الخطيب في جماعة من الناس، والآخرون في المنظر الذي يجده كل منهم مثيرا لذهنه، فيحس ~~كل منهم في الحال بالرغبة الجديدة؛ فقد يسمع صوتا أو يرى إشارة، فيعرف في عجب، أي ~~قطعان من الجن تحاصره. فلا يستطيع الراحة بعد ذلك. ويقول مع المصور القديم: «تالله، ~~إنها في نفسي، ويجب أن تخرج مني.» إنه يتابع جمالا يفر أمامه ولا يرى منه إلا نصفه. ~~والشاعر يتدفق بالنظم في كل عزلة. وليس من شك في أن أكثر ما يقول مألوف، ولكنه بين ~~الحين والحين يقول شيئا ms204 مبتكرا جميلا، وذلك يفتنه. وإنه ليود ألا يقول شيئا آخر غير ~~هذه الأشياء. إننا في أسلوب كلامنا نقول: «هذا ملكك، وهذا ملكي.» بيد أن الشاعر ~~يعرف جيدا أن هذا الشيء ليس ملكا له، وإنما هو غريب عنه وجميل في عينه كما هو غريب ~~عنك جميل في عينيك. وإنه ليسره أن يسمع مثل هذه الفصاحة في النهاية. وما إن تذوق هذا ~~الرحيق الخالد، حتى يزداد جشعا إليه. ولما كانت قدرة خالقة عجيبة تكمن وراء هذه ~~المعقولات فإن التعبير عن هذه الأشياء لا يهم كثيرا بعد ذلك. ألا ما أقل ما يقال مما ~~نعرف! وما أقل القطرات التي تنضج من بحر علومنا! وما أعجب المصادفات التي تدعو إلى عرض ~~ما نعرف! وما أكثر الأسرار التي تكمن في الطبيعة! ومن ثم كانت ضرورة الحديث ~~والغناء، ومن ثم كانت هذه النبضات وضربات القلب عند الخطيب، عند مدخل الاجتماع، كي ~~يعبر عن الفكرة تعبيرا يشبه الكلمة المقدسة. # لا تشك أيها الشاعر، بل أيها القسيس، وقل: «إنه بنفسي، وسوف يصدر عني.» قف مكانك ~~مكبوح الجماح، أبكم تتلعثم وتتردد في الكلام، تصفر وتنعق. قف وجاهد حتى يجتذب الغضب منك ~~في النهاية تلك القوة الحالمة التي تظهرك كل مساء ملكا لنفسك. تلك القوة التي تتخطى كل ~~الحدود وكل خلوة، والتي بفضلها يكون المرء سائق بحر الكهرباء كله. لا شيء يمشي أو يزحف ~~أو ينمو أو يوجد إلا يتحتم بدوره أن ينهض ويسير أمامه ليوضح له معناه. وإذا ما بلغ هذه ~~القوة فإن عبقريته لا تنفد بعد ذلك. كل المخلوقات، أزواجا وقبائل، تتدفق في عقله، ~~كأنها تتدفق في سفينة نوح، كي تخرج للناس مرة أخرى عالما جديدا. وما أشبه ذلك بكمية ~~الهواء التي نتنفسها، أو تحترق بها مدفئتنا. إنها لا تقاس بالميزان، ولكنها تشمل الجو ~~كله إن أردنا. ولذا فإن الشعراء المجيدين، كهومر، وشوسر وشكسبير ورفائيل، ليس - من ~~الواضح - لأعمالهم حد، اللهم إلا حد أعمارهم. وهم يشبهون المرآة تمر بالطريق، مستعدة ~~لأن تكون صورة لكل شيء مخلوق. # أيها الشاعر، ms205 إن بالأحراش والمراعي شرفا جديدا، لا تجده بعد اليوم على القلاع ، أو ~~على شفرات السيوف، والظروف قاسية، ولكنها متكافئة. ولسوف تترك الدنيا ولا تعرف سوى إله ~~الشعر. لن تعرف بعد اليوم العهود، والعادات، والنعم، والسياسة، أو آراء الناس. ولكنك ~~سوف تستمد كل شيء من آلهة الشعر؛ لأن عصر المدائن قد ولى من الدنيا ودق ناقوس نعيه ~~وشيعت جنازته. ولكن الساعات العالمية تعد في الطبيعة بتوالي قطعان الحيوان وفصائل ~~النبات وبتضاعف السرور فوق السرور. ويريد الله كذلك أن تتنازل عن حياة متعددة النواحي ~~متنوعة، وأن تقنع بأن يتحدث نيابة عنك الآخرون. سيكون غيرك نيابة عنك الرجال المهذبين ~~الذين يمثلون المجاملات والحياة الدنيوية. وكذلك سيقوم غيرك بالأعمال العظيمة ذات ~~الرنين. أما أنت فسوف تستلقي في أحضان الطبيعة، لا تملك أن تنتمي إلى مجالس النواب أو ~~دوائر المال. الدنيا مليئة بالمنبوذين والأتباع، وأنت من هؤلاء. يجب أن يحسبك الناس من ~~الغافلين والحمقى دهرا طويلا. فذلك هو الستار والغمد الذي وقى فيه «بان» زهرته ~~المحبوبة، ولن يعرفك إلا نفسك وحدها، وسوف يواسونك بالحب الرقيق. ولن تستطيع أن تردد ~~أسماء أصدقائك في نظمك، فذلك عار كبير إزاء المثل الأعلى المقدس. وهذا جزاؤك: أن يكون ~~المثالي حقيقيا لك، وأن تسقط على روحك التي لا تنثلم مؤثرات العالم الواقعي كما تسقط ~~أمطار الصيف غزيرة ولكنها لا تؤذي. سوف تكون الأرض كلها حديقتك وموطنك، والبحر مغسلك ~~ومجال ملاحتك، لا يفرض عليك ذلك ولا تحسد عليه. وسوف تكون لك الغابات والأنهار، وسوف ~~تملك ما يقيم فيه غيرك مستأجرا عابرا. أنت مالك الأرض الحق، ومالك البحر، ومالك ~~الهواء! وحيثما سقط الثلج، أو تدفق الماء، أو حلق الطير، وكلما التقى الليل بالنهار في ~~الشفق، وكلما علت في السماء الزرقاء السحب، أو انتثرت فيها الكواكب، وحيثما كانت الصور ~~ذات الحدود الشفافة، وحيثما وجدت المنافذ في الفضاء العلوي، وحيثما حل الخطر، والفزع، ~~والحب، هنا يكون الجمال وافرا كالمطر، يهطل من أجلك، ولو اخترقت العالم كله سيرا على ~~قدميك، فلن تستطيع أن تجد ظرفا ms206 مشينا لا يليق. # | الخبرة # سادة الحياة، وما أدراك من هم! # لقد رأيتهم يمرون # في أزيائهم الخاصة بهم # متشابهين وغير متشابهين، # على سيماهم الوقار والعبوس، # منهم من ينفع ومنهم من يثير الدهشة، # ومنهم من يظهر، ومن يختفي كالأحلام، # يتتابعون مسرعين، كاذبين كالأشباح، # طبائع بغير لسان، # ومخترع الألعاب # موجود في كل مكان، بغير عنوان. # ترى بعضهم، وتقدر الآخرين، # وهم يسيرون من شرق إلى غرب. # والرجل صغير الشأن، # بين سيقان ولاته الطويلة، # يسير في آخر الصفوف بنظرة حائرة، # فتأخذه الطبيعة العزيزة من يده. # ما أعز الطبيعة، وما أقواها وما أرحمها! # إنها تهمس وتقول: «عزيزي، لا تأبه! # غدا يبدلون وجوههم، # أنت المؤسس! وهؤلاء بنوك!» # أين نجد أنفسنا؟ في سلسلة لا نعرف لها طرفا، ونعتقد أن ليس لها. نستيقظ فنجد أنفسنا ~~فوق درج، وتحتنا درج، يبدو أننا قد صعدناه، وفوقنا درج، خطواته كثيرة، يتجه إلى أعلى ~~ثم يختفي عن الأنظار. ولكن العبقرية التي - بناء على العقيدة القديمة - تقف عند الباب ~~الذي ندخل منه، وتقدم لنا ماء النسيان نشربه، حتى لا نقص القصص، قد مزجت الكأس مزجا ~~قويا، ولا نستطيع أن ننفض عن أنفسنا السبات الآن في وضح النهار. إن النوم يطوف طوال ~~حياتنا حول أعيننا، كما يحلق الليل طول النهار فوق أغصان شجر الشوح. كل شيء يعوم ~~ويتلألأ. وليست حياتنا مهددة مثل إدراكنا. إننا ننزلق خلال الطبيعة كالأشباح، ولا ينبغي ~~لنا أن نعرف مكاننا مرة أخرى. فهل حل موعدنا في لحظة من لحظات العوز والاقتصاد في ~~الطبيعة، فقترت علينا في نارها، وجادت علينا بترابها، حتى إنه ليبدو لنا أننا نفتقر إلى ~~مبدأ الإيجاب، وقد تتوفر لنا الصحة والعقل، ولكنا نفتقد فيض الروح لخلق جديد؟ لدينا ما ~~يكفي أن نعيش وأن نقضي العام، ولكن ليست لدينا ذرة نقدمها أو نسهم بها. آه لو كانت ~~عبقريتنا أكثر قدرة! ما أشبهنا بعمال الطواحين في المستويات الدنيا من تيار الماء حينما ~~تكون المصانع العليا قد استنفدت كل ما هنالك من ماء؛ فنحن كذلك نتصور أن القوم في ~~الطبقة العليا ms207 لا بد أن يكونوا قد رفعوا سدودهم. # لو عرف أحدنا ماذا نحن صانعون، أو إلى أين نحن ذاهبون، إذن لأجدنا المعرفة حينما ~~نفكر! إننا لا نعرف اليوم هل نحن مشغولون أو خاملون؛ ففي أوقات حسبنا أنفسنا فيها ~~خاملين تبين لنا فيما بعد أننا قد أنجزنا الكثير، وأن نفوسنا قد بدأ فيها الكثير. كل ~~أيامنا عديمة الجدوى وهي تمضي، حتى إننا لنعجب أنى ومتى ظفرنا بشيء مما نسميه الحكمة أو ~~الشعر أو الفضيلة. إننا لم نظفر بها في يوم مؤرخ من أيام التقويم. ولا بد وأن تكون ~~بعض الأيام السماوية قد انضمت إلى التقويم العادي في وقت ما، كتلك الأيام التي ظفر بها ~~هرمز من القمر بالنرد كي يولد أوزيريس. يقال إن كل استشهاد يبدو تافها عند ~~تجربته. كل سفينة شيء خيالي، إلا حينما نقلع فيها. فإذا نحن أبحرنا، تخلى الخيال عن ~~سفينتنا، وعلق بكل سفينة أخرى تبدو في الأفق. إن حياتنا تبدو تافهة فنتفادى تسجيلها. ~~وكأن الناس تعلموا من الأفق فن التقهقر الدائم والتأجيل. يقول الفلاح المتذمر: «تلك ~~الأراضي المرتفعة مرعى خصيب، ويملك جاري أرضا غنية، أما حقلي فيكاد لا يدر إلا ما ~~يقيم أود العيش.» # إنني أروي قول غيري. ولسوء الحظ هذا الآخر يقوم بنفس التصرف ويروي عني. إنها حيلة ~~الطبيعة أن تحط من شأن الحاضر هكذا. طنين شديد، ونتيجة تتم بطريقة سحرية في مكان ما. كل ~~سقف محبب إلى العين، حتى يرتفع. حينئذ نجد المأساة والنساء اللائي يولولن، والأزواج ~~ذوي العيون الجامدة، وطوفان النسيان، فيتساءل الناس: «أي شيء هناك جديد؟» كأن كل قديم ~~خبيث. كم فرد نستطيع أن نعد في المجتمع؟ وكم عمل؟ وكم رأي؟ إن جزءا كبيرا من وقتنا ~~تحضير، وجزء آخر كبير ينفق في العمل المألوف، وآخر في تدبر الماضي، حتى إن خلاصة عبقرية ~~كل امرئ تتقلص إلى ساعات قلائل. إن تاريخ الأدب - إذا أخذنا النتيجة الصافية لترابوشي ~~وورتن أو شلجل - مجموع أفكار قليلة جدا، وقصص مبتكرة قليلة كذلك، وكل ما عدا هذا ~~تحوير في هذه ms208 الأفكار وتلك القصص. وكذلك في هذا المجتمع العظيم الذي ينبسط حولنا ، نجد ~~بالتحليل الدقيق أن الأعمال التلقائية قليلة محدودة. وتكاد كل الأعمال أن تكون عادات ~~وإحساسا مألوفا. بل إن الآراء ذاتها قليلة كذلك، وهذه الآراء تبدو من طبيعة ~~المتكلمين، وكأنها لا تؤثر في الحياة العامة. # أي مخدر ينصب في كل كارثة! إنها تبدو مريعة حينما نقترب منها، غير أنه ليس هناك في ~~آخر الأمر احتكاك مؤذ خشن، ولكنها سطوح زلقة منحدرة: إننا نعثر في يسر شديد على فكرة من ~~الفكر، فيهون المصاب: # ويسير فوق رءوس الناس محلقا # بأقدام رقيقة خفيفة الوطء. # وإن الناس ليحزنون ويندبون على أنفسهم، ولكن الأمر لا يبلغ معهم كل هذا المبلغ من ~~السوء كما يقولون. هناك من الحالات العقلية ما يجعلنا نرحب بالآلام أملا في أن نجد ~~فيها الواقع على الأقل، وأطراف الحقيقة وقممها البارزة. ولكن الأمر ينتهي على أنه زور ~~وتقليد لا أصالة فيه. إن الشيء الوحيد الذي علمنيه الأسى هو أن أعرف مقدار ضحولته. فإنه ~~- كغيره من الأمور - يطفو على السطح، ولا يقدمني أبدا إلى الحقيقة، التي نود من أجل ~~الاتصال بها لو دفعنا ثمنا غاليا، يكلفنا أبناءنا ومن نحب. هل هو بوسكوفتش الذي اكتشف ~~أن الأجسام لا تتصل قط؟ إن الأرواح كذلك لا تبلغ أهدافها. إن بحرا لا يصلح للملاحة ~~تتلاطم أمواجه الصامتة بيننا وبين الأشياء التي نهدف إليها ونتحدث إليها. والحزن كذلك ~~يجعلنا مثاليين. عندما فقدت ولدي منذ أكثر من عامين، بدا لي كأني فقدت ضيعة جميلة، وليس ~~أكثر من ذلك. لا أستطيع أن أقربها مني. ولو أخبرت في غدي عن إفلاس المدينين لي، فإن ~~فقدان ملكي يسبب لي ضعفا شديدا، ربما لعدة سنوات. ولكنه يتركني كما وجدني، لا أحسن ~~ولا أسوأ. وكذلك الحال في هذه المصيبة. إنها لا تمسني. إن شيئا تصورته جزءا مني، ولا ~~يمكن أن ينتزع مني دون أن يمزقني، ولا يمكن أن يكبر دون أن يغنيني، يسقط مني، ولا يترك ~~أثرا. ولقد سقط قبل الأوان. إنما أحزن لأن ms209 الحزن لا يستطيع أن يعلمني شيئا، ولا ~~يحملني خطوة واحدة نحو الطبيعة الحقة. إن الرجل الهندي الذي دعي إليه بألا تهب عليه ~~ريح، وألا يتدفق إليه ماء، أو تحرقه نار، مثال منا جميعا. إن أعز الأحداث هي أمطار ~~الصيف، ونحن معاطف البارا التي تنبذ كل قطرة. ولم يبق لنا الآن إلا الموت. ونحن نتوقعه ~~مستسلمين متجهمين، ونقول: هنا على الأقل تكون الحقيقة التي لا تتحاشانا. # وصفة الانزلاق والزوال هذه التي تتصف بها جميع الأشياء، والتي تجعلها تفر من أيدينا ~~كلما شددنا عليها القبض، هذه الصفة أسوأ جانب في ظروفنا. إن الطبيعة لا تحب أن تراقب، ~~وتحب أن نكون سخريتها وألعوبة في يدها. وقد نتخذ الكرة الأرضية كرة للعب، ولكنا لا ~~نستطيع أن نتخذ ثمرة من ثمار التوت لفلسفتنا. إنها لم تمدنا بالقوة التي نضرب بها ~~الضربات المباشرة. كل ضرباتنا خاطفة، وكل خبطاتنا عارضة. وعلاقة أحدنا بالآخر عارضة لا ~~تستقيم. # ويسلمنا حلم إلى حلم، وليس للوهم آخر. والحياة سلسلة من الحالات العقلية تشبه ~~صفا من الخرز، عندما نمر بها يتبين لنا أنها عدسات متنوعة الألوان تلون العالم ~~بلونها. وتبين كل منها ما يقع في بؤرتها فقط. من الجبل نشهد الجبل. ونبعث الحياة فيما ~~نستطيع، ولا نرى إلا ما نبعث فيه الحياة. والطبيعة والكتب تتعلق بالأعين التي تراها. ~~وعلى الحالة العقلية للمرء يتوقف إن كان يرى غروب الشمس أو القصيدة الرائعة. وهناك ~~دائما غروب للشمس، وهناك دائما عبقريات. ولكن قل من الساعات الهادئة ما نستسيغ فيها ~~الطبيعة أو النقد. إن ذلك يتوقف إلى حد كبير على التكوين أو المزاج. والمزاج هو السلك ~~الحديدي الذي ينخرط فيه الخرز. وما فائدة الحظ أو الموهبة لطبيعة باردة معيبة؟ ومن ذا ~~الذي يأبه بما يبديه في وقت ما من إحساس أو تمييز، إذا أغرق في النوم فوق كرسيه؟ أو إن ~~هو ضحك أو سخر؟ أو إن اعتذر؟ أو أصيب بالأنانية؟ أو فكر في ماله؟ أو لم يكفه طعامه؟ أو ~~ظل طفلا في صباه؟ وما فائدة العبقرية ms210 إن كان العضو شديد التقعر أو شديد الاحديداب، ولا ~~يستطيع أن يجد مسافة بؤرية في حدود الأفق الحقيقي للحياة الإنسانية؟ ما الفائدة إذا ~~كان الذهن شديد البرودة أو شديد الحرارة، وإذا لم يعبأ المرء كثيرا بالنتائج، فلا يحثه ~~ذهنه على التجربة، ويدفعه إليها؟ أو إذا كان النسيج رقيقا جدا، شديد الحساسية للذة ~~والألم، حتى إن الحياة لتركد من كثرة ما تستقبل دون أن تجد لها مخرجا كافيا؟ وما جدوى ~~العهود الوثيقة بالاستقامة إذا كان الخارج على القانون فيما سبق هو عينه الذي يتعهد ~~بها؟ أي سرور تبعثه فينا العاطفة الدينية، إذا كنا نلمس أن هذا السرور يتوقف في ~~الخفاء على فصول العام، وعلى المزاج الخاص؟ عرفت طبيبا فطنا وجد عقيدته في القناة ~~الصفراوية، ولم يفتأ يؤكد أنه إذا كانت بالكبد علة أصبح الرجل كلفنيا، وإن صح هذا ~~العضو منه صار موحدا. من المؤلم جدا أن يدرك المرء - كارها - أن الإفراط الزائد أو ~~البلاهة تحد مما تبشر به العبقرية. إننا نرى شبانا يدينون لنا بعالم جديد، ونأمل من ~~ورائهم خيرا جزيلا عاجلا، ولكنهم لا يؤدون الدين قط. إنهم يموتون صغارا ويتفادون ~~الحساب، وإن عاشوا ضلوا وسط الزحام. # وللمزاج كذلك أثره الشديد فيما لدينا من أوهام، وهو يحبسنا في سجن من الزجاج لا نراه. ~~فحول كل شخص نلاقيه وهم نظري. ولكل فرد في الواقع مزاج خاص يظهر في شخصيته خاصة، لا ~~يتخطى حدودها، بيد أننا ننظر إليه، فيبدو لنا حيا، ونتوهم أن لديه قوة دافعة، إنها ~~تبدو في تلك الخطة قوة دافعة، ولكنها بعد عام، وبعد العمر، يظهر أنها نغمة مطردة معينة، ~~لا بد أن تعزفها الأسطوانة التي تدور في صندوق الموسيقى. إن الناس يعارضون في الصباح ~~الفكرة التي تقول بأن المزاج يسود كل شيء زمني أو مكاني أو ظرفي، ولا يتلاشى في نيران ~~العقيدة الدينية، فإذا ما أقبل الليل آمنوا بها. وقد ينجح الإحساس الخلقي في إدخال شيء ~~من التعديل، غير أن نسيج كل فرد يبقى على طبيعته، فإذا لم يستمل ms211 إليه الأحكام الخلقية، ~~فإنه يحدد مدى النشاط والمتعة. # إنني بهذا أعبر عن القانون كما يسن فوق منصة الحياة العادية، ولكن لا ينبغي أن أتركه ~~دون أن أشير إلى الاستثناء الأساسي؛ لأن المزاج قوة لا يستمع المرء راغبا ~~إلى أحد يثني عليها سوى نفسه. إننا فوق منصة علم الطبيعة لا نستطيع أن نقاوم المؤثرات ~~التي لا مفر منها لما نسميه العلم. والمزاج يهزم كل ما هو مقدس. وأنا أعرف الميل العقلي ~~للأطباء، وأسمع ضحكات علماء فراسة الدماغ. وخطاف الرقيق وتجاره يحسبون كل امرئ فريسة ~~للآخر، يقلبه بين أنامله؛ لأنه يعرف قانون بقائه، ويعرف كل شيء عن نصيبه من الدنيا وعن ~~صفاته من دلائل بسيطة كلون لحيته، أو ميل قذاله. إن أشد جهالة لا تنفر كما تنفر هذه ~~المعرفة السليطة. يقول الأطباء إنهم ليسوا ماديين، ولكنهم كذلك، فإن الروح مادة تحولت ~~إلى رقة بالغة، يا لها من رقة! بيد أن تعريف «الروحاني» يجب أن يكون «ذلك الذي يدل ~~على نفسه.» أي آراء ينسبونها للحب؟! وأي آراء ينسبونها للدين؟! إن المرء لا يحب طوعا أن ~~ينطق بهذه الكلمات في أسماعهم، ويعطيهم الفرصة لتدنيسها. رأيت رجلا وقورا مهذبا يشكل ~~حديثه على هيئة رأس الرجل الذي يوجه إليه الحديث! وكنت أتصور أن قيمة الحياة في ~~إمكانياتها التي لا يسبر غورها، وفي كوني لا أعرف قط ما قد يقع لي حينما أوجه حديثي ~~إلى فرد جديد. إني أحمل مفاتيح قلعتي في يدي، مستعدا لإلقائه عند قدمي سيدي كلما بدا ~~لي وعلى أية صورة تنكر. وأنا أعلم أنه إلى جواري مختبئ بين المتشردين. فهل أقف في ~~سبيل نفسي باتخاذي مقعدا مرتفعا، وتشكيل حديثي في رفق على صورة الرءوس؟ فإن فعلت ذلك ~~اشتراني الأطباء ببضعة دريهمات. «ولكن التاريخ الطبي يا سيدي، والتقرير المقدم للمعهد، ~~والحقائق الثابتة!» إنني لا أثق في الحقائق وما يترتب عليها. المزاج هو الفيتو أو قوة ~~الكبح في تكوين الأشياء، يحسن استعماله إذا استخدم في كبح الإفراط في الناحية الأخرى ~~من التكوين، ولكنه لا يجدي ms212 نفعا إذا حسبته قوة تكافئ الاعتدال الأصيل. إذا حضرت ~~الفضيلة نامت كل القوى الثانوية. المزاج نهائي في مستواه أو بالنسبة إلى الطبيعة. ولست ~~أرى - إن وقع الإنسان في هذه المصيدة التي يسمونها العلوم - أي مفر له من حلقات سلسلة ~~الضرورة الطبيعية. إنك إن أعطيت مثل هذا الجنين، فإن مثل هذا التاريخ لا بد أن يتلو. ~~فوق هذه المنصة يعيش المرء في دائرة حسية، وسرعان ما يبلغ الانتحار. ولكن يستحيل على ~~القوة الخالقة أن تستبعد نفسها؛ ففي كل ذكاء منفذ لا ينسد ينفذ منه الخالق. إن العقل ~~وهو الذي يبحث عن الحق المطلق، أو القلب وهو الذي يعشق الخير المطلق، يتدخل لإنقاذنا، ~~وعندما تصغر إحدى هذه القوى العليا نستيقظ من نضال لا يجدي مع هذا الكابوس، فنقذف به في ~~جحيمه الخاص ولا نستطيع أن نعيد أنفسنا مرة أخرى إلى مثل هذه الحالة الوضيعة. # وسر خديعتنا ينحصر في أننا نعتقد في ضرورة تتابع الأحوال العقلية أو الموضوعات. إننا ~~نحب أن نرسو بسرور، غير أن المرسى أرض غير ثابتة. وهذه الحيلة البادية من الطبيعة أقوى ~~مما نحتمل. حينما أنظر في المساء إلى القمر والنجوم أبدو ساكنا، وتبدو مسرعة. إن حبنا ~~لما هو واقعي يجذبنا إلى الثبات، ولكن صحة البدن لا تتوفر إلا مع الحركة، وصحة العقل لا ~~تتوفر إلا في التنوع أو في سهولة الربط بين الأشياء. إننا نحتاج إلى تغير الأشياء. وإذا ~~وهبنا أنفسنا لفكرة واحدة فسرعان ما يدب الملل في نفوسنا. إننا قد نساكن المجانين، ~~ويتحتم علينا أن نمازجهم، حينئذ يقتل الحديث. اشتد إعجابي مرة بمونتيني حتى حسبت أني ~~لن أحتاج إلى كتاب آخر، وقبل ذلك بشكسبير، ثم بفلوطارخس، ثم بأفلوطين. ومرة بالفيلسوف ~~بيكون، وبعدئذ بجيته، بل وببتين، ولكني الآن أقلب صحف أي منهم بفتور، وإن كنت ما زلت ~~أقدر لهم عبقرياتهم. وكذلك الحال في الصور. كل منها تجتذب الانتباه بشدة في وقت ما، ~~بيد أنها لا تستطيع أن تحتفظ بهذه الجاذبية، وإن كنا نود لو لبثنا مستمتعين على ~~هذا الوجه. ms213 ما أقوى شعوري نحو الصور، حتى إنك لو أنعمت النظر في واحدة منها لا بد أن ~~تستأذنها في الانصراف؛ لأنك لن تراها مرة أخرى. تعلمت دروسا طيبة من الصور التي أصبحت ~~من ذلك الحين أشاهدها دون عاطفة أو ملحوظة. يجب أن يستنتج المرء شيئا من الرأي الذي ~~يعبر عنه حتى الحكماء بشأن كتاب أو حادث جديد. إن آراءهم تعطيني أنباء عن حالاتهم ~~العقلية، وحدسا غامضا بعض الشيء عن الحقيقة الجديدة. ولكن لا ينبغي لي أن أثق فيها ~~باعتبارها العلاقة الدائمة بين تلك العقلية وذلك الشيء. يسأل الطفل أمه قائلا: «لماذا ~~لا أحب القصة يا أماه كما أحببتها حينما قصصتها لي بالأمس؟» وا أسفاه يا بني، إن الأمر ~~كذلك حتى مع أقدم ملائكة المعرفة. ولكن هل يجيب سؤالك أن نقول: ذلك لأنك ولدت للكل، ~~وهذه القصة مسألة فردية؟ إن سبب الألم الذي يسببه لنا هذا الكشف (وهو كشف لا يتم إلا ~~متأخرا فيما يتعلق بأعمال الفن والفكر) هو عينه المأساة التي تنجم عنه فيما يتعلق ~~بالأشخاص والصداقة والمحبة. # هذا الجمود وانعدام المرونة الذي نجده في الفنون، نجده كذلك عند الفنان، وهو عندئذ ~~أشد إيلاما. ليست في الناس قدرة على التوسع. يبدو أصدقاؤنا لنا أول الأمر كممثلين ~~لآراء معينة، ولكنهم لا يتخطونها أو يتجاوزونها قط. إنهم يقفون على حافة محيط الفكر ~~والقوة، ولكنهم لا يتقدمون قط تلك الخطوة الوحيدة التي تأتي بهم إلى هناك. # ما أشبه المرء بقطعة من سارية لبرادور، لا تجد لها بريقا إذا قلبتها بين يديك، حتى ~~تبلغ زاوية معينة. حينئذ تجد لها ألوانا غزيرة جميلة. ليس بين الناس اتفاق أو قاعدة ~~عامة. وإنما لكل امرئ موهبته الخاصة، وإنما تفوق الرجال الناجحون؛ لأنهم يحذقون الوقوف ~~حيثما وحينما يغلب استخدام هذه الموهبة. إننا نفعل ما ينبغي لنا أن نفعله، ونطلق عليه ~~أحسن ما نستطيع من أسماء، ونود أن نظفر بالثناء على أننا كنا نرمي إلى النتيجة التي ~~ترتبت. لا أستطيع أن أذكر أية صورة لإنسان لم يكن زائدا عن الحاجة ms214 في وقت ما. ولكن، ~~أليس هذا مما يدعو إلى الحسرة؟ إن الحياة لا تستحق أن تنال، إذا كنا نعبث ~~بها. # إن الاتزان الذي ننشده يحتاج بالطبع إلى المجتمع بأسره. إن العجلة ذات الألوان ~~المتعددة يجب أن تدور بسرعة زائدة كي تبدو بيضاء. إننا نتعلم شيئا ما حينما نتحدث في ~~حماقة شديدة أو نقص معيب. وموجز الكلام أننا مهما فقدنا في ناحية ما فنحن دائما من ~~فريق الفائزين. والقداسة تقع كذلك خلف فشلنا وحماقاتنا. إن ألعاب الأطفال عبث لا معنى ~~له، ولكن هذا العبث له قيمة تربوية كبرى. وكذلك الحال في أضخم الأشياء وأكثرها جدا، ~~في التجارة، والحكومة، والكنيسة، والزواج، وكذلك في تاريخ خبز كل إنسان، والطرق التي ~~يحصله بها. إن القوة التي لا تسكن في رجل أو امرأة، ولكنها تصدر في لحظة من هذا، وفي ~~لحظة أخرى من ذاك، أشبه ما تكون بالطائر الذي لا يستقر في مكان، ولكنه يثب دائما من ~~غصن إلى غصن. # ولكن أي عون لنا من هذه الزخرفة في الكلام وهذه الحذلقة؟ أي عون لنا من الفكر؟ ليست ~~الحياة جدلا. وقد تلقينا - فيما أحسب - في هذه الأيام دروسا كافية عن سخافة النقد. ~~ما أكثر ما فكر وكتب شبابنا في العمل والإصلاح، وبرغم كل ما كتبوا، فإن العالم - وهم ~~أنفسهم - لم يتقدم خطوة إلى الأمام. إن تذوق الحياة تذوقا فكريا لن يحل محل النشاط ~~العضلي. إن المرء إذا فكر في سهولة انزلاق كسرة الخبز في حلقه، مات جوعا. في «ميدان ~~التربية» احتلت أنبل نظرية عن الحياة أجمل أجسام الشبان والعذارى، فكانت عاجزة كل ~~العجز، مكتئبة حزينة. إنها لا تجمع ولا تفرق طنا واحدا من الحشائش الجافة، ولا تجهز ~~جوادا، ثم إنها تترك الرجال والعذارى شاحبي اللون جياعا. ما أفكه المقارنة التي عقدها ~~أحد الخطباء السياسيين بين وعود أحزابنا وطرق الغرب، التي تبدأ فخمة، تنبت على جوانبها ~~الأشجار، كي تغري المسافر، ولكنها سرعان ما تضيق ثم تضيق، حتى تنتهي بآثار أقدام ~~السنجاب، وتتسلق إحدى الأشجار. وهذا شأن الثقافة ms215 معنا. إنها تنتهي بدوار الرأس. # ما أشد كآبة الحياة وما أشد عقمها عند أولئك الذين كان بريق الوعود في إبانهم يبهر ~~عيونهم منذ أشهر قلائل. «لم يعد الآن هناك طريق مستقيم للعمل، ولم يبق بين أهل أيرانس ~~أي ثقة في النفس.» لقد شبعنا من الاعتراضات والنقد. لكل طريق من طرق الحياة ما يعترضه، ~~والحكمة العملية تتخذ لها وسط الاعتراضات التي تتحوطها من كل جانب طريقا لا يعبأ بشيء. ~~إن هيكل الأشياء كله يعلمنا ألا نأبه بشيء. لا تربك نفسك بالتفكير، واشرع في أداء عملك ~~في أي مكان. ليست الحياة ذهنية أو نقدية، ولكنها صلبة شديدة. خيرها الأكبر يناله قوم ~~اعتدل مزاجهم فاستطاعوا أن يستمتعوا بما وجدوا، بغير سؤال. إن الطبيعة تمقت التطلع، ~~وتعبر أمهاتنا عن حكمتها حينما يقلن لأطفالهن: «كلوا طعامكم، ولا تتحدثوا عنه.» السعادة ~~أن تملأ ساعتك، تملأها فلا تترك فيها ثغرة لندم أو رضى. إننا نعيش بين السطوح، وفن ~~الحياة الحق هو أن نحسن الانزلاق عليها. في ظل أعتق التقاليد وأشدها قدما يفلح المرء ~~ذو القدرة الطبيعية كما يفلح في أحدث عالم، وذلك بمهارته في تناول الأشياء وعلاجها. إنه ~~يستطيع أن يقف ثابتا في أي مكان. والحياة نفسها مزيج من القوة والصورة، ولا تحتمل أية ~~زيادة في أحدهما. والحكمة في أن تقضي لحظتك، وأن تجد نهاية الرحلة في كل خطوة من خطوات ~~الطريق، وأن تعيش أكبر عدد من الساعات الطيبة: ليس من شأن الناس، ولكنه من شأن ~~المتعصبين. أو قل - إن شئت - إنه من شأن علماء الرياضة، أن يقولوا إننا إذا نظرنا إلى ~~قصر الحياة، لم نأبه في هذا الأمد القصير أن نهبط إلى ذل الحاجة أو نعلو عن الأنظار. وما دام ~~شأننا باللحظات، فلنحسن تدبيرها. إن خمس دقائق اليوم توازي عندي خمس دقائق في العصر ~~الذهبي المرتقب. لنكن اليوم متزنين حكماء مالكين لأنفسنا. ولنحسن معاملة الرجال ~~والنساء، نعاملهم كأنهم حقائق، وربما كانوا كذلك. يعيش الناس في الأوهام، كأنهم سكارى، ~~أيديهم مرتخية مرتجفة لا تقوى على عمل ناجح. ms216 إنها عاصفة من الأوهام، والثقل الوحيد الذي ~~أعرف أنه يوازنها هو تقدير الساعة الراهنة. وبغير أي ظل من ظلال الشك، ووسط هذا ~~الدوار من المظاهر وشئون السياسة، يزداد يقيني بأنه لا ينبغي لنا أن نؤجل أو نهمل أو ~~نؤمل، بل يجب علينا أن نعدل في أحكامنا حيث نحن، ومع أي ممن نعامل، فنقبل ظروفنا كما هي ~~ورفاقنا كما هم، مهما كانوا متواضعين أو منفرين؛ فهم الوسطاء المجهولون الذين وكلت ~~إليهم الدنيا إبلاغ كل مسراتها لنا. فإن كان هؤلاء على ضعة وخبث، كان لإسعادهم - وهو ~~آخر ما تصبو إليه العدالة - صدى في القلب أوقع من صوت الشعراء ومن العطف العابر الذي ~~يبديه الأشخاص الذين نرمق إليهم بإعجاب. وأعتقد أنهم مهما احتمل الرجل المفكر من عيوب ~~رفقائه وسخافاتهم، فإنه لا يستطيع - دون تكلف - أن ينكر على أية جماعة من الرجال ~~والنساء نوعا من الإحساس له قيمته الكبرى. إن الأجلاف والمستهترين لديهم شعور بالسمو، ~~إن لم يكن لديهم عطف، وإنهم ليمجدون هذا الشعور بطريقتهم الهوائية العمياء، ويخلصون ~~له الولاء. # إن الشباب الرقيق يحتقر الحياة، ولكني وأمثالي ممن لا يشكون التخمة، وممن يحسبون ~~يومهم خيرا خالصا محسوسا، ترى أنه من فرط الأدب أن يبدو المرء مستخفا وأن يطلب ~~الرفاق. إن العطف يبعث في شيئا من القلق ورقة الإحساس، ولكنك إن تركتني وحيدا، ~~استمتعت بكل ساعة وما تجلبه لي، واستمرأت ما أجد من طعام، كما أستمرئ الأحاديث العتيقة ~~في الحان. وإني لشكور للقليل من الرحمة يصيبني. إنني وازنت بيني وبين أحد أصدقائي الذي ~~يتوقع من الدنيا كل شيء، ويخيب رجاؤه إذا قصر أي شيء عن خير ما يكون عليه، فألفيتني ~~أبدأ عند الطرف الآخر، لا أتوقع شيئا، وأنا دائما شاكر جدا لقدر معتدل من الطيبات. ~~أنا أقبل طنين الاتجاهات التي تعترضني ورنينها. وأستطيع أن أحتمل مدمني الخمور وثقال ~~الظل. إنهم يضفون ظلا من الواقع على الصورة المجاورة التي لا يستغني عنها المظهر الذي ~~سرعان ما يختفي كالشهاب. أستيقظ في الصباح، وأجد الدنيا القديمة، والزوجة، والأطفال، ms217 ~~والأم، وكنكورد وبوسطن، والعالم الروحي العزيز الحبيب، بل والشيطان العزيز الحبيب على ~~مقربة مني. إذا نحن أخذنا ما وجدنا من الطيبات، دون سؤال، فسوف نجد الكثير المتراكم. إن ~~الهدايا العظيمة لا تنال بالتحليل. كل شيء طيب في الطريق العام. والمنطقة الوسطى من ~~الكون هي المنطقة المعتدلة. نستطيع أن نتسنم الذروة الرقيقة الباردة، ذروة الهندسة ~~البحتة والعلم لا حياة فيه، كما نستطيع أن نستغرق في الحياة الحسية. وبين هذين النقيضين ~~خط استواء الحياة، والفكر، والروح، والشعر، وهو نطاق ضيق. ثم إن كل شيء طيب - في الحياة ~~العملية العامة - تجده في الطريق العام. إن جامع الصور يتطلع في جميع محلات الصور في ~~أوروبا، باحثا عن منظر طبيعي لبوسان، أو عن رسم بالرصاص لسلفاتور، في حين أن «التحول» ~~و«الحكم الأخير» و«تناول القديس جيروم» وما شابه ذلك من صور لما وراء العقل، تجدها على ~~حوائط الفاتيكان وأوفيزي واللوفر حيث يستطيع كل عابر أن يشاهدها. ولا أذكر بالطبع صور ~~الطبيعة في كل طريق، أو مغرب الشمس أو مشرقها كل يوم، والتماثيل الطبيعية لجسم الإنسان ~~الذي لا يغيب عن أنظارنا قط. # في مزاد عام في لندن اشترى حديثا أحد الهاوين كلمة بخط شكسبير بمبلغ مائة وسبعة ~~وخمسين جنيها، في حين أن التلميذ في المدرسة يستطيع أن يقرأ «هاملت» دون مقابل، ~~ويستطيع أن يكتشف أسرارا لها أهميتها القصوى في هذه المسرحية لم تنشر بعد. أظن أنني لن ~~أقرأ سوى أشد الكتب ألفة للناس: الإنجيل وهومر ودانتي وشكسبير وملتن. فلماذا إذن نعدو ~~هنا وهناك باحثين عن الأركان والخفايا؟ إن الخيال يستمتع بالصناعات الهندية الخشبية، ~~وبمن يتصيدون النحل والحيوانات ذات الفراء. إننا نتوهم أننا غرباء. ولسنا مستأنسين ~~استئناسا صميما فوق هذا الكوكب كالرجل الهمجي والوحش الكاسر والطير، ولكنا نستبعد ~~هؤلاء كذلك، نستبعد كل مخلوق متسلق أو طائر أو زاحف أو مريش أو يمشي على أربع. إنك إن ~~شاهدت الثعلب والفأر الجبلي والصقر والشنقب والعجاج عن كثب لم تجد لها جذورا في الأرض ~~أعمق من جذور الإنسان، وألفيتها مجرد مخلوقات ms218 ساكنة عابرة فوق هذه الأرض. ثم تأتي ~~الفلسفة الذرية الجديدة فتظهر فجوات سحيقة بين ذرة وأخرى، وتبين أن الدنيا كلها في ~~الخارج، وليس لها داخل. # الحياة الوسطى خير حياة. الطبيعة كما نعرفها ليست قديسا. وهي لا تؤثر بالفضل أضواء ~~الكنيسة، أو الزاهدين، أو الجنتو، أو آكلي الحنطة؛ فهي تأتي آكلة شاربة آثمة. وأعزاؤها ~~العظماء والأقوياء والجمال، ليسوا أبناء سنتنا، ولم يتخرجوا في مدرسة الأحد، ولا ~~يزنون طعامهم، ولا يستمعون إلى الوصايا في كل حين. فإن أردنا أن نكون أقوياء مع قوتها، ~~فلا ينبغي لنا أن نخفي ضمائر مكتئبة، نستعيرها كذلك من ضمائر الأمم الأخرى. يجب أن نقيم ~~الفعل الحاضر القوي في وجه كل إشاعات الغضب، ماضيها ومستقبلها. # هناك أشياء كثيرة لم تستقر بعد، ومن المهم جدا أن تستقر، وإلى أن تستقر يجب أن ~~نفعل كما نفعل. وبينما يستمر الجدل على موازنة التجارة، ولا ينتهي قبل انقضاء قرن أو ~~قرنين، تستطيع «نيو إنجلند» وإنجلترا القديمة أن تفتح محلها التجاري. وقد نناقش قانون ~~حق التأليف، وحق التأليف الدولي، وفي خلال ذلك نبيع كتبنا بقدر ما نستطيع. وقد نبحث في ~~ضرورة الأدب، وفيما يبرره، وفي قانونية تسجيل فكرة من الأفكار. وقد يحتدم الجدال في ~~موضوع ما، وبينما تستعر المعركة فعليك أيها الباحث العزيز أن تنكب على عملك السخيف، وأن ~~تضم سطرا في كل ساعة، وتضيف سطرا بين الحين والحين. وقد يدور النزاع حول امتلاك ~~الأرض، وحق الملكية، وقد نبحث في التقاليد، وقبل أن نستقر على رأي عليك أن تحرث بستانك، ~~وأن تنفق ما تكسب هبات وعطايا في كل غرض جدي جميل. الحياة نفسها فقاعة وشك وسبات في ~~سبات. هبها، بل وهب أكثر مما تريد. أما أنت يا حبيب الله، فعليك أن تهتم بحلمك الخاص، ~~ولا تضل طريقك وسط من يزدرون الدنيا أو يشكون فيها. ومهما يكن من أمر، فلتلتزم غرفتك، ~~ولتعمل حتى يتفق الآخرون عما نعمل بحياتنا. يقولون إن مرضك وعاداتك التافهة تتطلب منك ~~أن تعمل هذا أو تتجنب ذاك، ولكن اعلم أن ms219 حياتك حالة عابرة، أو هي قباء تقضي فيه الليل ، ~~وعليك - مريضا أو معافى - أن تتخطى هذه الحدود. إنك مريض، ولكن حالتك لن تسوء، ~~والدنيا التي تعزك سوف تتحسن. # الحياة الإنسانية تتألف من عنصرين: القوة والصورة، ويجب أن نحتفظ بالتناسب بينهما ~~دائما، إن أردناها حلوة سليمة. كل واحد من هذين العنصرين إن زاد نجم عنه أذى يضر كما ~~يضر نقصانه. كل شيء يسير نحو الزيادة، كل صفة طيبة بغيضة، إذا هي لم تختلط بضدها. ~~والطبيعة تجعل كل صفة خاصة عند المرء طاغية كي تبلغ بالخطر حافة الدمار. وهنا بين ~~الحقول نسوق العلماء أمثلة لهذه الحقيقة المرة. إنهم ضحايا التعبير في هذه الطبيعة. ~~وأنت يا من ترى الفنان والخطيب والشاعر عن كثب، وتجد أن حياتهم لا تفوق حياة الصناع ~~والمزارعين، وتجدهم ضحايا التشيع لفكرة واحدة، أجوافا أعجافا، وتحكم عليهم بالفشل ~~وتصمهم بالدجل لا بالبطولة، تستنتج بحق أن هذه الفنون ليست للإنسان ولكنها مرض من ~~الأمراض. ومع ذلك فالطبيعة لن تسندك. الطبيعة التي لا تقاوم خلقت الناس على هذه ~~الصورة، وتخلق ألوفا منهم كل يوم على ما هو أكثر من هذه الصورة. إنك قد تحب الصبي يقرأ ~~في كتاب أو يتأمل في صورة، أو تمثال، ومع ذلك فماذا عسى أن تكون هذه الملايين التي تقرأ ~~وتشاهد سوى كتاب أو نحاتين مبتدئين؟ وإذا ما زادت قليلا هذه الصفة التي تطالع الآن ~~وتشاهد، أمسكوا بالقلم والإزميل. وإذا تذكر المرء كيف بدأ في بساطة أن يكون فنانا، ~~أدرك أن الطبيعة انضمت إلى خصومه. الإنسان استحالة ذهبية، والطريق الذي ينبغي له أن ~~يسلكه في دقة الشعرة. والحكيم يصاب بالغفلة إذا أمعن في حكمته. # وما أيسر - إن شاءت الأقدار - أن نلتزم دائما هذه الحدود الجميلة، وأن نخضع أنفسنا، ~~للمرة الأولى والأخيرة، للحساب الدقيق، حساب دولة الأسباب والمسببات المعروفة. وفي ~~الطريق وفي الصحيفة تبدو الحياة أمرا واضحا بحيث يكفل للمرء النجاح أن يعتزم التزام ~~جدول الضرب في جميع الأجواء. ولكن سرعان ما يأتي اليوم، أو لعله نصف ساعة، الذي ms220 يهمس في ~~آذاننا همس الملائكة، ويحبط ما وصلت إليه الأمم والسنون من عبر! وفي الغد مرة أخرى يبدو ~~كل شيء حقيقيا ومحددا، وتعود المعايير المألوفة، ويندر الإدراك السليم ندرة ~~العبقرية، بل هو أساس العبقرية، والخبرة بالنسبة إلى كل رأي جديد هي الأيدي والأرجل، ~~وبرغم ذلك فإن ما يؤدي عمله على أساس هذا الفهم سرعان ما يفلس. إن القوة تسير في طريق ~~آخر لا تقف في سبيله حواجز الاختيار والإرادة، وأقصد به نفق الحياة وقنواتها التي ~~تختفي في طبقات سحيقة الغور. ومما يبعث على الضحك أننا رجال سياسة وأطباء وقوم عقلاء، ~~ليس هناك من يفوق هؤلاء غفلة. الحياة سلسلة من المباغتات، ولولا ذلك ما استحقت أن نحصل ~~عليها أو نظفر بها. إن الله يسره أن يعزلنا كل يوم، ويخفي عنا الماضي والمستقبل. ~~وإننا نود لو تلفتنا حولنا، ولكنه بأدب جم يسدل أمامنا ستارا لا يخترق من السماء ~~الصافية، ويسدل خلفنا ستارا آخر من السماء الصافية. وكأنه يقول لنا: «لن تذكروا ولن ~~تتوقعوا شيئا.» كل حديث طيب، وأدب، وعمل، يصدر عن حالة تلقائية تتغافل المألوف، وتجعل ~~اللحظة الراهنة لحظة عظمى. الطبيعة تمقت الحاسبين، ووسائلها وثابة مندفعة. يعيش المرء ~~بالنبض، وحركاتنا العضوية كذلك، والعوامل الكيمائية والأثيرية متموجة متناوبة، ويسير ~~العقل إلى الأمام معاديا، ولا يفلح قط إلا في نوبات مفاجئة. إن نجاحنا يأتي طارئا. ~~وأهم ما جمعنا من تجارب إنما جاء عرضا. وأشد طبقات الناس جاذبية أولئك الذين تأتيهم ~~القوة منحرفة ولا تأتيهم مستقيمة، هؤلاء عباقرة لم يعترف بهم بعد، يظفر المرء بسنا ~~ضيائهم، دون أن يدفع في ذلك ثمنا غاليا. جمالهم جمال الطير، أو إشراق الصباح، وليس ~~جمال الفن. في فكرة النبوغ تكمن المفاجأة دائما. والإحساس الخلفي يصح أن يسمى ~~«الجدة»؛ لأنه لا يكون غير ذلك، جديد على أقدم العقول جدته على الطفل الصغير، «المملكة ~~التي تأتي بغير ملاحظة». وكذلك النجاح العملي لا يأتي مع التصميم الدقيق. إن المرء لا ~~يلاحظ وهو يؤدي أحسن ما يستطيع أداءه. إن حول أصح أعماله سحر ms221 خاص، يذهل قوي الملاحظة، ~~حتى إنك لا تلقي إليه بالا برغم أنه يؤدى أمام ناظريك. إن لفن الحياة خفرا يأبى عليه ~~الظهور. كل امرئ أمر مستحيل حتى يولد، وكل شيء مستحيل حتى نشهد نجاحا. والمتحمسون ~~للدين يتفقون في نهاية الأمر مع أشد المتشككين برودة، على أنه ليس هناك شيء منا أو من ~~عملنا، إنما كل شيء من الله. إن الطبيعة لا تستغني لنا عن أدق أوراق شجر الغار. كل ~~كتابة تهبط علينا بفضل من الله، وكذلك كل عمل وكل امتلاك. وإنه ليسرني أن أكون ~~أخلاقيا، وأحافظ على الحدود والتخوم الصحيحة، التي أحبها وأعزها، وأعزو الكثير إلى ~~إرادة الإنسان، ولكني آثرت لنفسي الإخلاص في هذا الفصل من الكتاب، ولا أستطيع أخيرا ~~أن أرى شيئا، من نجاح أو فشل، إلا ما ينبعث إلى حد كبير عن القوى الحيوية التي يمدنا ~~بها الخلود. إن نتائج الحياة لم تحسب ولا يمكن حسابها. والسنون تعلم الكثير مما لا ~~تعرفه قط الأيام. والأشخاص الذين تتألف منهم صحبتنا، يتحدثون ويجيئون ويذهبون، ويصممون ~~وينفذون الكثير، وينجم عن كل هذا أي شيء إلا ما نتوقع من نتائج. إن الفرد دائما على ~~خطأ. إنه يصمم الكثير، ويجذب إليه الأعوان، ويتشاجر مع بعضهم أو كلهم، ويرتكب الأخطاء ~~الجسيمة، وينتهي إلى شيء ما، وكل أمر يتقدم قليلا، ولكن الفرد دائما على خطأ. ويخرج ~~شيء جديد، ولكنه يختلف كل الاختلاف عما وعد به نفسه. # وقد أذهل القدماء عدم خضوع عناصر الحياة البشرية للحساب كما ذكرنا؛ فألهوا ~~المصادفة. بيد أن هذا بمثابة من يطيل الوقوف عند الشرارة - التي يتلألأ بريقها في ~~نقطة واحدة - في حين أن الكون يدفأ بحرارة النار عينها التي تكمن فيها. إن معجزة الحياة ~~التي لا يمكن تفسيرها، والتي سوف يبقى إعجازها أبدا، تدخل عنصرا جديدا. وأظن أن سير ~~إفرارد هوم قد لاحظ في نمو الجنين أن التطور لم يكن من نقطة مركزية واحدة، ولكنه كان ~~فعالا في نقط ثلاث أو أربع في وقت واحد. إن الحياة ليست لها ذاكرة؛ لأن ms222 ما يتتابع في ~~سيره قد يذكر، أما ما يوجد مع غيره في وقت واحد، أو ما يصدر عن سبب أعمق، بعيد عن ~~الوعي، فإنه لا يعرف لنفسه اتجاها. وكذلك حالنا، نكون مرة في ريبة من أمرنا، أو على ~~غير اتحاد، لأننا غارقون في الصور والمسببات، وكلها يبدو ذا قيم متساوية متعادية، ومرة ~~نكون متدينين، حينما نستقبل قانون الروح. وبرغم هذا التشتيت، وهذا النمو للأجزاء في وقت ~~واحد، فإنها سوف تصبح «أعضاء» ذات يوم، وتخضع لإرادة واحدة. وإلى هذه الإرادة الواحدة، ~~وهذا السبب الخفي، توجه انتباهنا وأملنا. إن الحياة بذلك تنصهر في أمل أو في عقيدة. ~~وخلف التفصيلات التافهة التي ليس بينها انسجام كمال موسيقي، و«المثل الأعلى» يلازمنا ~~دائما، والسماء بغير شقوق أو ندوب. وما عليك إلا أن تراقب أسلوب استنارتنا. حينما ~~أتحدث إلى عقل عميق، أو إذا كانت لدي أفكار طيبة عندما أكون وحيدا في أي وقت من ~~الأوقات، لا أبلغ حد الرضى دفعة واحدة، مثلما أشرب الماء وأنا صاد، أو أقرب النار وأنا ~~مقشعر. كلا، بل إني أول الأمر أدرك اقترابي من منطقة من مناطق الحياة جديدة رائعة. ~~وبإصراري على القراءة أو التفكير تزيد هذه المنطقة دلالة على نفسها، كأنها قبس من نور، ~~ويتكشف لي فجأة جمالها واطمئنانها، وكأن السحب التي تغطيها تنقشع في فترات، وتبدي ~~للرحالة المقترب الجبال الداخلية، تنتشر عند سفوحها المراعي الهادئة الخالدة، حيث ترعى ~~القطعان، ويزمر الرعاة ويرقصون، غير أن كل تبصر من جانب هذه المملكة الفكرية يبدو كأنه ~~مبتكر جديد، ويبشر بما يتلوه. إنني لا أخلقه، وإنما أبلغه، وأشاهد ما كان كائنا هناك ~~من قبل. كلا، لست بالخالق! إنني أصفق براحتي في دهشة الأطفال وسرورهم، إزاء الفتح ~~الأول الذي يتبدى لي في هذه العظمة الشاهقة، العتيقة بما حبتها به العصور العديدة من ~~حب وولاء، الحديثة بما يدب فيها من حياة الحياة، وكأنها مكة المشرقة وسط الصحراء. وأي ~~مستقبل تفتحه لي! إنني أحس قلبا جديدا ينبض بحب الجمال الجديد. إنني مستعد لأن أموت ~~من أثر ms223 الطبيعة، وأولد مرة أخرى في هذه القارة الأمريكية الجديدة التي لم يقربها أحد من ~~قبل، والتي وجدتها في الغرب. # فلا اليوم ولا الأمس بداية هذه الأفكار، # التي كانت منذ الأزل، بل ولا يمكن أن يوجد الإنسان، # الذي عرف أول دخولها. # وإذا كنت قد وصفت الحياة بأنها سلسلة من الحالات العقلية، فلا بد لي أن أضيف إلى ذلك ~~أن فينا شيئا لا يتغير، تنخرط تحته جميع الإحساسات وحالات العقل. إن الوعي عند كل ~~إنسان مقياس متحرك يجعله مرة شيئا واحدا مع «السبب الأول»، ومرة مع لحم جسمه، حياة ~~فوق حياة، في درجات لا نهاية لها. والعاطفة التي صدر هذا الوعي عنها تعين قيمة أي ~~فعل. والمسألة دائما ليست هي ما فعلت أو ما تجنبت، وإنما هي بأمر من تفعل أو ~~تجتنب. # إن «الحظ» و«منرفا» و«آلهة الفن» و«الروح القدس» إن هي إلا أسماء عجيبة أضيق من أن ~~تشمل هذه المادة التي لا تحد. والعقل المتحير يجب أن يخضع لهذا المسبب، الذي لا يقبل ~~التسمية، هذا المسبب الذي يفوق الوصف، والذي حاولت كل عبقرية رقيقة أن تمثله برمز مؤكد، ~~فمثله طاليس بالماء، وأنكسمانيس بالهواء، وأناكساجوراس بالفكر، وزرادشت بالنار، ويسوع ~~والمحدثون بالمحبة. والاستعارة التي استخدمها كل منهم أصبحت دينا قوميا. ولم يكن ~~منكيس الصيني بأقل من ذلك نجاحا في تعميمه؛ فلقد قال: «إنني أفهم اللغة تمام الفهم، ~~وأحسن تغذية ما عندي من قدرة عظيمة.» فسأله رفيقه عما يسميه القدرة العظيمة، فأجاب ~~منكيس: «التفسير عسير، هذه القدرة عظيمة جدا، لا تلين بتاتا. إن أنت غذيتها غذاء ~~صحيحا، ولم تصبها بأذى، ملأت ما بين السماء والأرض من فراغ. هذه القدرة تسير مع العدالة ~~والعقل، وتعاونهما ولا تسمح بالجوع.» وفي تعبيرنا الأصح نسمي هذا التعميم باسم ~~«الوجود»، وبذلك نعترف بأنا قد بلغنا إلى أقصى ما نستطيع الذهاب إليه. ويكفي لابتهاج ~~الكون أنا لم نبلغ سدا، وإنما وصلنا إلى محيطات لا تحد. # إن حياتنا لا تبدو حاضرة بمقدار ما تبدو مستقبلة، لا في الشئون التي تنفق فيها هذه ms224 ~~الحياة، ولكن كإشارة إلى هذه القدرة العظيمة. إن أكثر الحياة يظهر أنه مجرد إعلان عن ~~القدرة العقلية. إن المعرفة لا تعطى لنا لكي نبيع أنفسنا بثمن بخس. إنما نحن في قمة ~~العظمة. وكذلك في التفصيلات، تكون عظمتنا دائما ميلا أو اتجاها ولا تكون في العمل. ~~علينا أن نعتقد في القاعدة لا في الاستثناء. وهكذا يعرف النبيل من الحقير. وكذلك عند ~~إحساسنا بالعاطفة الدينية، لا تكون الأهمية القصوى، أو الحقيقة الأساسية في تاريخ ~~الأرض، فيما نعتقد بشأن خلود الروح أو ما إلى ذلك، وإنما في «الدافع العام إلى ~~الاعتقاد». فهل نصف هذا المسبب بأنه ذلك الذي يؤثر تأثيرا مباشرا؟ إن الروح ليست ~~عاجزة أو بحاجة إلى أعضاء وسيطة. إن لها قوى وافرة وآثارا مباشرة؛ فأنا مفهوم بغير ~~تفهيم، ومحسوس بغير عمل، وحيث لا أكون. ومن ثم فإن كل امرئ عادل يقنع بثناء نفسه ~~على نفسه، ويرفض أن يشرح نفسه، ويقنع بأن تقوم له بهذه المهمة أعمال جديدة. إنه يعتقد ~~أننا نتصل بغير كلام، وبما فوق الكلام، وأن ليس من أعمالنا الصميمة ما ينعدم تأثيره ~~بتاتا على رفاقنا، مهما بعدت الشقة؛ لأن أثر العمل لا يقاس بالأميال. لماذا أغضب ~~نفسي لأن حادثا وقع فحال دون وجودي حيث كان ينبغي أن أكون؟ إذا لم أشهد الاجتماع، فإن ~~وجودي حيث أنا يجب أن يكون في منفعة الحكمة والصداقة المشتركة كما يكون وجودي في ذلك ~~المكان؛ فإني أبذل القوة عينها في كل مكان. هكذا يسير «المثل الأعلى» العظيم أمامنا. ~~فإنه لم يعرف عنه قط أنه تخلف إلى الوراء. ولم يحصل أحد على خبرة مشبعة، ولكن صالحه ~~ينبئ بخبرة أوسع. فإلى الأمام دائما! في لحظات التحرير، نعلم أن صورة جديدة من صور ~~الحياة والواجب كانت ممكنة، فإن في كثير من العقول التي حولنا توجد بالفعل عناصر عقيدة ~~في حياة سوف تتخطى حدود أي سجل مكتوب لدينا. وهذه الصورة الجديدة سوف تشتمل على ما يشك ~~فيه المجتمع، كما تشتمل على ما يؤمن به، فيتكون من انعدام العقيدة ms225 مذهب جديد؛ لأن الشكوك ~~ليست اعتباطية أو متمردة، وإنما هي حدود للعقيدة الإيجابية، ويجب على الفلسفة الجديدة ~~أن تتقبلها، وأن تستوحيها الآراء الموجبة، كما ينبغي لها أن تشتمل على أقدم ~~العقائد. # عندما اكتشف الإنسان أنه موجود جلب على نفسه الشقاء، ولم يعد له من هذا الشقاء منفذ. ~~هذا الاكتشاف هو ما نسميه «سقوط الإنسان». إننا منذ ذلك الحين نرتاب فيما لدينا من ~~قدرات. # لقد تعلمنا أننا لا نرى رؤية مباشرة، ولكنا نرى بالوساطة، وأنه ليست لدينا وسيلة نصلح ~~بها هذه العدسات. ربما كانت لهذه العدسات الإنسانية قوة خالقة، وربما لم تكن هناك ~~مرئيات، ولكنا عشنا ذات يوم فيما رأينا. أما الآن فإن ضراوة هذه القدرة الجديدة التي ~~تهدد بالاستيلاء على كل شيء، تشغلنا؛ فالطبيعة، والفن، والأشخاص، والآداب، والديانات، ~~وغير ذلك من أشياء، يتلاشى على التتابع، وليس الإله إلا فكرة من أفكارها. وتكون الطبيعة ~~والأدب ظواهر ذاتية. وكل شر وكل خير ظل نلقيه. إن الطريق مليء بمظاهر الإذلال ~~للمتكبرين. وكما أن المتحذلق قد حاول أن يكسو خدمه في زيه ويجعلهم يخدمون ضيوفه على ~~المائدة، فكذلك الكروب التي تصدر عن القلب السيئ كفقاعات، تتخذ في الحال أشكال السيدات ~~والسادة في الطريق، وأصحاب الحوانيت والحانات في الفنادق، وتهدد أو تهين كل ما يقبل ~~التهديد أو الإهانة فينا. وكذلك الحال مع الأوثان التي نولع بها. إن الناس ينسون أن ~~العين هي التي تخلق الأفق، وعين العقل الباحثة هي التي تجعل من هذا الرجل أو ذاك طرازا ~~أو ممثلا للإنسانية باسم البطل أو القديس. إن يسوع «الإنسان المؤله» رجل طيب، اتفق ~~كثير من الناس على أن هذه القوانين البصرية تنطبق عليه. وبالمحبة من جانب، وبالإمساك عن ~~الاعتراض من جانب آخر، استقر الأمر مؤقتا على أن ننظر إليه وسط الأفق، ونعزو إليه ~~الخواص التي يتصف بها أي امرئ ننظر إليه هذه النظرة. غير أن الحب أو الكراهية مهما طال ~~أمده له نهاية سريعة. إن النفس العظيمة الوهاجة التي تمتد جذورها إلى الطبيعة المطلقة، ~~تقتلع كل الوجود ms226 النسبي وتدمر مملكة المحبة والصداقة الفانية. إن الزواج (فيما يسمى ~~العالم الروحي) أمر مستحيل، بسبب المفارقة بين كل ذات وكل موضوع؛ فالذات تستقبل ~~الألوهية، ولا بد أنها تحس عند كل موازنة أنها تعظم بتلك القوى الخفية. ولا بد من ~~الإحساس بأثر المادة، بوجودها إن لم يكن بطاقتها، ولا يمكن لأية قوة من قوى العقل أن ~~تنسب إلى الموضوع الألوهية الصحيحة التي تغفو أو تتيقظ دائما في كل ذات. ولا تستطيع ~~المحبة قط أن تسوي بين قوة الوعي وقوة حلوله في الأشياء. وسوف توجد دائما الفجوة بين ~~كل «أنا» و«أنت»، كما توجد بين الأصل والصورة. إن الكون هو عروس الروح. وعطف الفرد عطف ~~من جانب واحد. الكائنان البشريان كالكرتين لا يتماسكان إلا في نقطة واحدة. وطالما هما ~~على اتصال فإن جميع النقاط الأخرى في كل من الكرتين تكون في حالة سكون. لا بد أن يأتي ~~دورها كذلك، وكلما طال بقاء نوع من أنواع الاتحاد، زاد ما تحصل عليه الأجزاء التي لم ~~تتحد من شدة الشوق. # للحياة أن تتخذ لنفسها صورة، ولكنها لا يمكن أن تتجزأ أو تتضاعف. وأي غزو لوحدتها ~~يكون مدعاة للفوضى. إن الروح ليست توءما، ولكنها فريدة، وهي - وإن تكشفت كطفل في ~~الزمان، وطفل في المظهر - ذات قوى فاصلة عالمية، ولا تسمح بحياة أخرى إلى جانبها. إن كل ~~يوم، وكل عمل يكشف عن الألوهية التي ساء اختفاؤها. إننا نعتقد في أنفسنا بما لا نعتقد ~~في غيرنا. ونسمح بكل شيء لأنفسنا، وما نسميه إثما عند الآخرين هو بالنسبة إلينا تجربة. ~~ومن أمثلة إيماننا بأنفسنا أن الناس لا يتحدثون قط عن الجريمة باستخفاف كما يظنون. أو ~~أن كل امرئ يفسح لنفسه في مجال الأمن، بدرجة لا يسمح لغيره بها. إن العمل يبدو مختلفا ~~كل الاختلاف في داخله عن خارجه، وفي نوعه عن عواقبه. إن القتل عند القاتل ليس من ~~الأفكار المخربة كما هو عند الشعراء وأصحاب الخيال. إنه لا يزعزعه، ولا يصرفه عن ~~ملاحظته العادية للتوافه. إنه عمل من اليسير جدا ms227 تأمله، ولكنه يدل في عاقبته على أنه ~~ضجيج مزعج، وأنه يدعو إلى اضطراب جميع العلاقات. والجرائم التي تصدر عن الحب خاصة تظهر ~~عدلا وحلالا في عين مرتكبيها، ولكنها - بعد ارتكابها - تبدو مدمرة للمجتمع. وفي ~~النهاية لا يعتقد إنسان أنه يمكن أن يضل، أو أن الجريمة سوداء كما هي عند الأثيم؛ لأن ~~العقل في حالتنا الخاصة يشكل الأحكام الخلقية؛ إذ إنه ليست هناك جريمة للعقل؛ فهو مناقض ~~للشرائع أو فوقها، ويحكم على القانون كما يحكم على الحقيقة. يقول نابليون معبرا بلغة ~~العقل: «إن ذلك أسوأ من الجريمة، إنه خطأ فاحش.» الدنيا لدى العقل مشكلة في الرياضة أو ~~في علم العدد، وليس له شأن بالثناء أو الهجاء وبكل العواطف الضعيفة. كل سرقة أمر نسبي. ~~فإن تعرضت للمطلق، فبربك من ذا الذي لا يسرق؟ إن القديسين يحزنون لأنهم ينظرون إلى ~~الإثم (حتى حينما يتأملون) من وجهة نظر الضمير، ولا ينظرون إليه من وجهة نظر العقل، وهو ~~اضطراب في الفكر. إنك إن نظرت إلى الإثم بالفكر وجدته شيئا صغيرا أو قليل الشأن، وإن ~~نظرت إليه بالضمير أو الإرادة، ألفيته فسادا أو سوءا. العقل يسميه ظلا، أو انعداما ~~للضوء، ولا يراه جوهرا. أما الضمير فيحسه جوهرا، أو شرا لا بد منه. إنه ليس كذلك: ~~له وجود موضوعي، وليس له وجود ذاتي. # وهكذا فلا بد للكون من أن يتلون بلوننا، ولكل شيء أن يخضع بدوره للذات. والذات ~~موجودة، وهي تتضخم. وكل شيء يتخذ مكانه إن عاجلا أو آجلا. أنا كائن، ولذا فإني أرى. ~~وأيا كانت اللغة التي نستخدمها، فإننا لا نستطيع أن نقول شيئا إلا ما نحن ~~عليه. # كان هرميز وكادمس وكولمبس ونيوتن وبونابرت وزراء عقولهم. وبدلا من أن نحس الفقر ~~عندما نلتقي برجل عظيم، دعنا نعامل القادم الجديد كأنه عالم بطبقات الأرض عابر، يمر ~~بضيعتنا، ويطلعنا على نوع جيد من الأردواز أو حجر الجير أو فحم الأنثرسيت في أحراشنا ~~ومراعينا. والعمل الجزئي لكل عقل جبار في اتجاه ما عبارة عن منظار مقرب للأشياء التي ~~يتسلط ms228 عليها. وكل جانب آخر من جوانب المعرفة لا بد أن يصل إلى المبالغة عينها قبل أن ~~تكمل استدارة الروح. # هل تشهد تلك القطيطة تتابع ذيلها في حركة رشيقة؟ إن استطعت أن تنظر بعينيها ربما ~~رأيتها محاطة بمئات الأشخاص الذين يمثلون مسرحيات معقدة، من مهازل ومآسي، فيها أحاديث ~~مطولة، وشخصيات عديدة، وكثير من تقلبات القدر، وفي الوقت ذاته ليست سوى قطيطة وذيلها. ~~متى يسقط عنا القناع، فيتلاشى صوت الدفوف والضحكات والصياح، فنتبين أنا كنا ~~نمثل وحدنا؟ ذات وموضوع؛ ما أروع أن تتم الدورة الكهربية، ولكن الجسامة لا تزيدها ~~شيئا. فماذا يهم لو كان الموضوع عن كبلر والكرة، أو كولمبس وأمريكا، أو عن قارئ ~~وكتابه، أو القطيطة وذيلها؟ # حقا أن إلهة الفنون جميعا والحب والدين تمقت هذه التطورات، وإنها تحاول أن تجازي ~~الكيمائي الذي ينشر في الصالون أسرار المعمل. ولا نستطيع أن نقلل من شأن الضرورة التي ~~يحتمها تكويننا لرؤية الأشياء على أوجه شخصية أو ملونة بلون مزاجنا. ومع ذلك فإن الله ~~يستوطن هذه الصخور الجرداء. وهذه الحاجة هي التي تودع في الأخلاق الفضيلة الكبرى، فضيلة ~~الثقة بالنفس. يجب أن نستمسك بهذا العيب، مهما جلب علينا من عار، وأن يشتد استمساكنا ~~بمحورنا بعودتنا إلى أنفسنا في قوة وعزم بعد اندفاعنا إلى العمل. إن حياة الحق باردة، ~~وهي حتى الآن مفجعة، ولكنها لا تخضع للدموع والندم والاضطراب. إنها لا تحاول أن تعمل ~~عمل شخص آخر، وأن تتخذ لنفسها حقائق فرد آخر. ومن دروس الحكمة الأساسية أن تميز ما لك ~~مما لغيرك. تعلمت أني لا أستطيع أن أتصرف في حقائق الآخرين. ولكني أملك لحقائقي المفتاح ~~الذي يشجعني ضد كل ما ينكرون، وتعلمت كذلك أنهم يملكون المفاتيح لحقائقهم. إن الشخص ~~العطوف يقع في ورطة السابح بين جماعة من الغرقى. كلهم يتشبثون به، فإن هو قدم ساقا أو ~~إصبعا أغرقوه. إنهم يرغبون في النجاة من أضرار رذائلهم، لا من رذائلهم أنفسها. إن البر ~~يضيع هباء إذا نحن بذلناه في سبيل هذه الأعراض الضعيفة. والطيب الحكيم المتمكن ms229 يقول: ~~«اخرج من هذا .» كأول شرط من شروط النصيحة. # وفي بلادنا هذه أمريكا التي يكثر فيها الكلام تفسدنا طبيعتنا الطيبة واستماعنا إلى كل ~~جانب. وهذا الإذعان يزيل القدرة على أن يكون المرء عظيم الفائدة. لا ينبغي للمرء أن ~~يتمكن من النظر إلا رأسا وإلى الأمام. وانصراف الانتباه هو الرد الوحيد على إصرار ~~الآخرين على الاستهتار. وقد نعير هؤلاء آذاننا، ولكن لكي نستخف بما يطلبون. هذا رد ~~مقدس، ولا يترك مجالا للعدول عنه أو لجمود التفكير. ترى في تصوير فلاكسمان ليومنديز، ~~الذي ذكره أيسكلس، أن أورستيز يتضرع إلى أبولو بينما تنام آلهة الغضب عند الأعتاب. إن ~~وجه الآلهة يعبر عن شيء من الندم والرأفة، ولكنه هادئ لاعتقاده في عدم إمكان التوفيق ~~بين الاتجاهين. لقد ولد في ظروف سياسية أخرى، في عالم الخلود والجمال. والرجل الذي عند ~~قدميه يطلب إليه أن يهتم باضطراب الدنيا، وهو ما لا تستطيعه طبيعته. ويومنديز يعبر ~~باستلقائه عن هذا الفارق تعبيرا قويا. إن الإله مثقل بمصيره المقدس. # الوهم، والمزاج، والتتابع، والظاهر، والمباغتة، والواقعية، والذاتية، هذه كلها خيوط ~~في نسيج الزمن، وهي سادة الحياة. ولا أجرؤ على التفكير في ترتيبها، ولكني أذكرها كما ~~تخطر لي. وأنا أعلم من أن أزعم الكمال لصورتي، إنما أنا جزء، وهذا جزء مني. وأستطيع في ~~ثقة كبرى أن أعلن قانونا من القوانين، يتخذ لنفسه صورة وهيئة، ولكني ما زلت أصغر بقرون ~~من أن أضع دستورا. إنني ألغط لساعتي فيما يتعلق بالسياسة الأبدية. ولم يكن عبثا ما ~~رأيت من صور كثيرة جميلة. ولقد عشت في زمن عجيب، ولست كما كنت ناشئا في سن الرابعة ~~عشرة، بل ولست كما كنت منذ سبع سنوات. ولست أعبأ بمن يسأل وأين الثمرة؟ إنني أكتفي ~~بالثمرة الخاصة. هذه ثمرة من الثمار، وهي أني لا أتوقع نتيجة كبرى من التأملات ~~والمشورات وجمع الحقائق. وإني لأشعر بالحسرة لو توقعت نتيجة لهذا البلد ولهذه المقاطعة، ~~أو أثرا واضحا في الشهر الحالي والسنة الراهنة. إنما الأثر عميق عالمي كالسبب نفسه. ~~إنه يفعل فعله ms230 في عصور لا تكون فيها الفترة القصيرة من حياة المرء شيئا يذكر. كل ما ~~أعرف هو الاستقبال. أنا كائن وأنا مالك، ولكني لا أحصل على شيء، وحينما أتصور أني ظفرت ~~بشيء أجد أني لم أظفر به. إنني أعبد «الحظ» الأعظم معجبا به. وما أكثر ما استقبلت، حتى ~~أصبحت لا أضيق باستقبال هذا أو ذاك من الأمور مهما تكن غزارته. وإني لأقول للعقل ~~العبقري هذا المثل بعد استئذانه: «ما يدخل الطاحون يستحيل إلى ملايين الأجزاء.» وعندما ~~أتلقى هبة جديدة لا أميت شهوة جسدي بالتقشف لكي يحصل التعادل؛ لأنني إن مت لا أستطيع ~~هذا التعادل. لقد جاوزت المنفعة القيمة في اليوم الأول، وظلت تجاوزها منذ ذلك الحين. ~~وما أحسب هذه القيمة عينها إلا جزءا مما أتلقاه. # وكذلك يبدو لي أن التلهف على أثر ملموس أو عملي ضرب من ضروب الكفران. وأنا جاد ~~جدا في رغبتي في الاستغناء عن هذا الأثر الذي لا ضرورة له. إنما تظهر لي الحياة ~~خيالا لا أثر له. إن أشق عمل وأشده خشونة خيالي كذلك، والأمر كله اختيار بين أحلام ~~هادئة وأحلام مزعجة. إن الناس يحطون من قدر المعرفة والحياة العقلية ويحثون على العمل. ~~وأنا قانع جدا بالمعرفة لو استطعت أن أعرف. وتلك تسلية عظمى، وتكفيني أمدا طويلا. # إن قليلا من المعرفة يساوي قيمة هذه الدنيا. إنني أستمع دائما إلى قانون «أدراستيا» ~~الذي يقول بأن «كل روح حصلت على حقيقة ما، يجب أن تكون في مأمن من الأذى حتى فترة ~~أخرى.» # أنا أعلم أن العالم الذي اضطرب فيه في المدينة وفي المزرعة ليس هو العالم الذي «أفكر» ~~فيه. ولسوف أعرف ذات يوم قيمة هذه المفارقة وناموسها. ولكني لم أجد أني أفدت كثيرا من ~~محاولاتي العملية لتحقيق عالم الفكر. كثير من الأشخاص المتحمسين يقومون بالتجارب ~~المتوالية في هذا السبيل، فيضعون أنفسهم في مكانة تبعث على الضحك والسخرية. إنهم ~~يكتسبون عادات شعبية، ويرغون في أفواههم، ويكرهون وينكرون. وأسوأ من ذلك أني ألاحظ أن ~~ليس في تاريخ البشر مثل فريد للنجاح، ms231 إذا اتخذنا مقاييسهم للنجاح . وإني أذكر ذلك جدلا، ~~أو إجابة على هذا السؤال: لماذا لا تحقق عالمك؟ ولكن ما أبعدني عن اليأس الذي يتعجل ~~الحكم على القانون العام بتجربة تافهة؛ لأن كل محاولة صحيحة لا بد أن تنجح. صبرا، ~~صبرا، وسوف تكسب في النهاية. يجب أن نرتاب أشد الريبة في خداع عامل الوقت. فالأكل، أو ~~النوم، أو اكتساب مائة دولار، يستنفد وقتا طويلا، في حين أن الترحيب بالأمل وبالبصيرة ~~التي تضيء حياتنا لا يتطلب إلا وقتا وجيزا. إننا نهذب بستاننا، ونتناول غذاءنا، ~~ونناقش شئون المنزل مع زوجاتنا، بيد أن هذه الأمور لا تترك أثرا، وتنسى في الأسبوع ~~التالي. أما في العزلة التي يأوي إليها كل إنسان دائما، فإنه يجد فيها صحة العقل ~~والإلهام الذي يحمله معه في رحلته إلى عوالم جديدة. وكأنها تقول: «انهض مرة أخرى أيها ~~القلب العجوز ولا تعبأ بالسخرية، ولا تعبأ بالهزيمة! فالنصر آت تحقيقا للعدالة.» ~~والقصة الخيالية التي توجد الدنيا لتحقيقها، هي تحول العقل العبقري إلى قوى عملية. # | الشخصية # غربت الشمس، ولكن أمله لم يغرب، # وأشرقت النجوم، وسبقها إلى الإشراق إيمانه، # وحدق في المجرة العظمى، # فبدت عينه أشد عمقا وأطول عمرا. # إن آلامه العظمى تعادل صموت الزمن. # ثم تكلم، فعادت كلماته، وهي أشد رطوبة من قطرات المطر، # بعصر الذهب مرة أخرى: # واكتسبت أعماله عذوبة وجلالا، # كسفا إلى جوارهما قيمة كل عمل عظيم. ~~••• # إنه لا يثني ولا يحزن # على ما قدمت يداه؛ # لأن الحقيقة تدافع عن نفسها، # كما تترك الطبيعة كل عمل لها # غير نادمة. # قرأت أن أولئك الذين استمعوا إلى لورد تشاتهام أحسوا أن هناك شيئا في الرجل أرق من ~~كل ما ذكر. وقد شكا بعض القراء مؤرخنا الإنجليزي النابه للثورة الفرنسية قائلين إن كل ~~الحقائق التي ذكرها عن ميرابو لم تبرر تقديره لعبقريته. إن الحقائق التي رويت عن ~~جراتشي، وآجس، وكليومينس وغيرهم من أبطال فلوطارخس، لا توازي شهرتهم. ولقد كان سير ~~فيليب سدني إيرل أسكس، وسير والتر رالي، رجلين ذوي شخصية كبرى وأعمال قليلة. إننا ms232 لا ~~نستطيع أن نجد أدنى جزء من الوزن الشخصي لواشنطن إذا روينا أعماله الباهرة. كما أن ~~سلطان اسم شلر أعظم من كتبه. وهذه المفارقة بين السمعة والأعمال أو القصص التي تروى لا ~~يبررها القول بأن صدى الشيء أقوى من وقعه. ولكن شيئا يكمن في هؤلاء الرجال ويبعث فينا ~~أملا أعظم من كل ما قاموا به من أعمال. إن الجانب الأعظم من قوتهم كان خفيا. وهذا هو ~~ما نسميه الشخصية، قوة حبيسة تعمل مباشرة بوجودها وبغير وسيط، وهي قوة لا نتصور ~~ظهورها، هي شيء مألوف أو ضرب من العبقرية ترشد دوافعه صاحبها، ولكنه لا يستطيع أن ~~ينقله إلى غيره. وهي رفيقه حتى إن أمثال هؤلاء الرجال كثيرا ما يحبون العزلة، فإن كان ~~من بينهم رجل اجتماعي، رأيته في غنى عن المجتمع، ويمكنه أن يجد أحسن السلوى وهو فريد. ~~إن أخلص المواهب الأدبية قد يبدو عظيما في وقت ما، صغيرا في وقت آخر، ولكن الشخصية ~~لها عظمة كوكبية لا تتضاءل. وما ينجزه الآخرون بالموهبة أو بالفصاحة، ينجزه هذا الرجل ~~بنوع من المغناطيسية. «إنه لا يستغل نصف قواه.» ويخونه النصر بإظهار تفوقه، ولا يحرزه ~~بقراع السيوف. وهو يهزم غيره لأن وصوله يغير وجه الأمور. («أي أيول! كيف عرفت أن ~~هركيوليز إله؟» فأجاب أيول: «عرفت ذلك؛ لأني اقتنعت في اللحظة التي وقعت عليه فيها ~~عيناي. عندما شهدت ثيسيس، تمنيت أن أراه يتطوع للقتال أو على الأقل يقود خيله في سباق ~~العربات. ولكن هركيوليز لم ينتظر نضالا، إنه كان يهزم غيره سواء وقف أو سار أو جلس أو ~~أيا كان ما يعمل.») # إن الإنسان عادة يتعلق بالحوادث، ويرتبط بالعالم الذي يعيش فيه نصف ارتباط، وذلك في ~~غير لباقة، ولكنه في هذه الأمثلة يبدو كأنه يقاسم الأشياء حياتها، ويكون تعبيرا لنفس ~~القوانين التي تسير البحر والشمس، والأعداد والكميات. # ولأضرب مثلا آخر أشد تواضعا وأقرب إلى الأفهام: إنني ألاحظ أننا في انتخاباتنا ~~السياسية، حيث لا يظهر هذا العنصر - إن ظهر بتاتا - إلا في صورة ساذجة، ألاحظ أننا ms233 ~~ندرك أثره الذي لا يبارى إدراكا كافيا؛ فالناس يعرفون أنهم يطلبون فيمن يمثلهم شيئا ~~أعظم بكثير من المواهب العقلية، إنهم يطلبون فيه القدرة على أن يجعل مواهبه موضع الثقة. ~~إنهم لا يحققون أغراضهم إذا هم بعثوا إلى الكنجرس خطيبا عالما ذرب اللسان طلق ~~الحديث، إذا لم يكن رجلا قبل أن يعينه الناس ليمثلهم قد عينه الله - جل جلاله - كي يمثل ~~حقيقة من الحقائق، حقيقة يؤمن بها في نفسه إيمانا لا يقهر، حتى يعلم أشد الناس ثقة ~~وأشدهم عنفا أن في شخصه مقاومة تذهب معها هباء كل جرأة وكل فزع، وأعني بها الإيمان ~~بحقيقة ما. # إن الرجال الذين ينجحون ليسوا بحاجة إلى أن يستفسروا من ناخبيهم عما يقولون، إنما هم ~~أنفسهم البلد الذي يمثلون. وليست عواطف هذا البلد أو آراؤه أشد تأهبا أو صدقا في أي ~~مكان منها لديهم، وليست في أي موضع آخر غيرهم في مثل ما هي لديهم من صفاء من تلويث ~~الأنانية. إن الناخبين في موطنهم يصغون إلى كلماتهم، ويرقبون لون خدودهم، وعلى هذه ~~الصورة - كأنها المرآة - يكيفون أنفسهم. إن مجتمعاتنا العامة مقاييس طيبة جدا لقوى ~~الرجولة. إن مواطنينا المخلصين من أهل الغرب والجنوب يتذوقون الشخصية، ويحبون أن يعرفوا ~~إن كان الرجل من أهل «نيو إنجلند» متين البناء، أم تستطيع الأيدي أن تخترقه. # وهذه القوى الدافعة عينها تظهر في التجارة. في التجارة نوابغ، كما في الحرب، ~~والسياسة، والآداب. ولا نذكر السبب لماذا يكون هذا الرجل أو ذاك سعيد الحظ. إنما يرجع ~~السبب إلى الرجل نفسه. هذا ما يستطيع أن ينبئك به أي إنسان. راقبه وسوف تعرف في سهولة ~~لماذا نجح، كما تعرف حينما تراقب نابليون علة ما أصاب من حظ. إننا نلمس في الأشياء ~~الجديدة الميزة القديمة، وهي اعتياد مجابهة الحقيقة، دون النظر إليها بعد ابتذالها، أي ~~عن طريق إدراك شخص آخر. والظاهر أن الطبيعة تعزز التجارة، عندما ترى التاجر الطبيعي، ~~الذي لا يبدو كأنه وكيل خاص، بمقدار ما يبدو كأنه عاملها ووزيرها. إن أمانته الطبيعية ~~تتحد مع ms234 إدراكه كنه تكوين المجتمع كي تضعه فوق الجبل، وهو يقنع الناس جميعا بعقيدته ~~الخاصة، وبأن العقود لا يختلف معناها من فرد إلى فرد. إن عادة عقله تشير إلى قيم ~~الإنصاف الطبيعية والمنفعة العامة، وهو يوحي بالاحترام، وبالرغبة في التعامل معه، لروح ~~النبل الهادئة التي تحوطه، وللمتعة الذهنية التي يبعثها منظر هذه القدرة العظيمة. هذه ~~التجارة بعيدة المدى التي تجعل رءوس المحيط الجنوبي مرافئ له، والمحيط الأطلنطي ميناءه ~~المألوف، تتركز في ذهنه وحده، ولا يستطيع أحد في الكون أن يحسن القيام بعمله. وفي صالونه ~~أشاهد جيدا أنه كان مجهدا بالعمل في الصباح، من جبينه المقطب وفكاهته الفاترة، ~~التي لا تستطيع كل رغبة في المجاملة أن تزيلها. إنني أرى بوضوح كم عمل حازم أدى، وكم ~~«لا» نطق بها في يومه هذا، في حين كان غيره لا ينطق إلا ب «نعم» التي تحطم ~~وتهدم. # إنني أرى بفخر الفن ومهارة الرياضة العليا وقوة الربط البعيدة، إحساسه بأنه ممثل ~~لقوانين العالم الأصيلة ولاعب بها. وهو كذلك يعتقد أن أحدا لا يستطيع أن يمده بشيء، ~~وأن الرجل ينبغي أن يولد تاجرا، وإلا فإنه لا يستطيع أن يتعلم التجارة. # وهذه الميزة تكون أشد اجتذابا للعقل حينما تظهر في عمل يهدف إلى أغراض أشد من هذه ~~صفاء ونقاء. إنها تعمل بنشاط وافر في أصغر الجماعات وفي العلاقات الخاصة. وهي في جميع ~~الأحوال عامل غير عادي ولا يمكن حسابه. وهي تشل القوة البدنية الفائضة. # إن الطبائع العليا تتسلط على الطبائع الدنيا بتأثيرها فيها بضرب من ضروب النوم، فترى ~~القدرات العقلية مغلقة لا تستطيع المقاومة، وربما كان هذا هو القانون العام. وإذا ما ~~عجز العلوي عن جذب السفلي إليه فإنه يخدره، كما يشل الإنسان مقاومة الحيوانات الدنيا. ~~وكذلك الناس يفرض بعضهم على بعض مثل هذه القوى الخفية. ما أكثر ما حقق الأستاذ الحق ~~بنفوذه كل أقاصيص السحر! وكأن نهرا من التسلط يتدفق من عينيه نحو كل من ينظر إليه، أو ~~فيضا من الضوء القوي الحزين، كأنه الأوهايو أو الدانوب، يغمرهم ms235 بفكره، ويلون الحوادث ~~كلها بلون عقله. سئلت زوجة كونسيني فيما يتعلق بمعاملتها لماري مدايسي: «أية وسيلة ~~اتخذت؟» فأجابت: «ذلك النفوذ الذي يملكه كل عقل قوي ويتسلط به على العقل الضعيف.» ألا ~~يستطيع قيصر المكبل بالحديد أن ينزع الحديد من يديه لينقله إلى شخص هبو أو ثراسو ~~السجان؟ وهل الأصفاد الحديدية قيد ثابت لا ينحل؟ هب أن تاجرا من تجار الرقيق على ساحل ~~غينا استصحب على ظهر السفينة عصابة من الزنوج تتضمن أشخاصا من طراز توسان لوفريتر، ~~أو دعنا نتخيل أنه تحت هذه الأقنعة القاتمة يأتي بعصابة من أمثال واشنطن في السلاسل. ~~فهل عندما يبلغون كوبا يكون نظام رفاق السفينة كما هو؟ أليس هناك غير الحبال والحديد؟ ~~أليس هناك حب واحترام؟ أليس هناك قبس من الحق في عقل قائد الرقيق وإن ضعف هذا العقل. ~~وهلا يمكن أن نفترض أن هذه القوى يمكنها أن تفلت أو تنطلق، أو أن تتغلب بأية صورة على ~~جذب بوصة أو بوصتين من حلق الحديد؟ # هذه قوة طبيعية، كالضوء والحرارة، والطبيعة كلها تتعاون معها. والسبب في أننا نحس ~~وجود إنسان ما ولا نحس وجود الآخر يسير كسبب الجاذبية. إن الحقيقة هي قمة الوجود، ~~والعدالة تطبيقها على الأمور. وإرادة الأصفياء تتدفق منهم نحو الطبائع الأخرى، كما ~~يتدفق الماء من الإناء الأعلى إلى الإناء الأسفل. وهذه القوى الطبيعية لا يمكن أن ~~تقاوم، شأنها في ذلك شأن القوى الطبيعية الأخرى. إننا نستطيع أن نقذف بالحجر إلى أعلى ~~لحظة في الهواء، ولكن من الحق أن الأحجار كلها سوف تسقط دائما. ومهما ذكرنا من أمثلة ~~السرقات التي لم تلق جزاءها، أو الأكاذيب التي استند إليها إنسان ما، فإن العدالة لا بد ~~أن تسود، ومن مزايا الحق أن يجعل نفسه مصدقا. والشخصية هي هذا القانون الخلقي ~~مشاهدا خلال طبيعة فرد واحد؛ فالفرد بمثابة الحظيرة المسورة. والزمان والمكان، ~~والحرية والضرورة، والحق والفكر، لا تخرج عن نطاقها. وكذلك الكون حظيرة أو فناء محجوز. ~~وكل شيء يوجد في المرء مصبوغا بصبغة روحه، ووفقا لصفاته تراه يلون ms236 كل ما تصل إليه ~~يداه من الطبيعة، وهو كذلك لا يميل إلى أن يضل في الفضاء، ولكن نظراته تعود في النهاية ~~إلى مصلحته، مهما طال مداها. إنه يبعث الروح في كل ما يستطيع، وهو لا يرى إلا ما يبعث ~~فيه الروح. إنه يجعل العالم أساسا ماديا لشخصيته ومسرحا لنشاطه، كما يجعل المحب ~~لوطنه بلاده مجال نشاطه. # إن النفس السليمة تتحد مع كل ما هو عادل وصادق، كما يتصل المغناطيس بالقطب، فتراها ~~تبدو لكل من يشاهدها كالجسم الشفاف بينه وبين الشمس، ومن يتجه إلى الشمس يتجه صوب ذلك ~~الشخص. ولذا فهو الوسيط ذو الأثر الأكبر لكل من ليس في مستواه. إن الرجال ذوي الشخصيات ~~هم ضمير المجتمع الذي ينتمون إليه. # والمقياس الطبيعي لهذه القوة هو مقاومة الظروف. والرجال الناقصون ينظرون إلى الحياة ~~كما تتمثل في الآراء والحوادث والأشخاص، ولا يستطيعون أن يروا العمل حتى يتم. ومع ذلك ~~فإن العنصر المعنوي لهذا العمل كان موجودا من قبل، وصفته من حيث الصواب والخطأ كان من ~~اليسير التنبؤ بها. كل شيء في الطبيعة له طرفان: أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ فهناك ~~الذكر والأنثى، والروح والأمر الواقع، والشمال والجنوب. والروح هي الموجب، والحادث هو ~~السالب. الإرادة هي القطب الشمالي، والعمل هو القطب الجنوبي. ويمكن أن تتخذ الشخصية ~~مكانتها الطبيعية في الشمال. إنها تشارك هذا النظام تياراته المغناطيسية. أما الأرواح ~~الضعيفة فتنجذب نحو القطب الجنوبي أو السلبي. إنها تنظر إلى العمل من حيث منفعته أو ~~ضرره، وهي لا ترى المبدأ حتى يتمثل في إنسان. وهي لا تحب أن تكون فاتنة، ولكنها تحب أن ~~تعشق. # إن أصحاب الشخصيات يحبون أن يسمعوا عن أخطائهم، أما الفئة الأخرى فلا تحب أن تسمع ~~عن أخطائها. إنهم يعبدون الحوادث، وينسبون إليها الحقائق، والروابط، وسلسلة الظروف. ولا ~~يطلبون أكثر من ذلك. أما البطل فيرى الحادث أمرا ثانويا، لا بد أن يكون تابعا له. ~~وليس لنظام معين من الحوادث قوة تجلب إليه الرضا الذي ينسبه إليه خياله. إن روح الخير ~~تفر من كل مجموعة ms237 منظمة من الظروف، في حين أن السعادة تتعلق بعقل معين، وتدخل في أي ~~نظام من نظم الحوادث تلك القوة وذلك النصر؛ لأنهما من ثمارها الطبيعية. إن تغير الظروف ~~لا يمكن أن يصلح عيبا من عيوب الشخصية. إننا نفخر بتحررنا من كثير من الخرافات، ~~بيد أنا إذا كنا قد حطمنا صنما من الأصنام، فإن ذلك إنما كان لانتقالنا إلى ~~عبادة صنم آخر. إذا كنت لا أضحي اليوم بعجل لجوف، أو لنبتيون، أو بفأر لهكيت، أو لا ~~أرتعد أمام يومنديز، أو المطهر الكاثوليكي، أو يوم الحساب عند كلفن، فما جدواي من ذلك ~~إذا كنت أتزلزل للرأي، أو الرأي العام كما نسميه، أو أخشى التهديد بالهجوم، أو التعيير، ~~أو جيران السوء، أو الفقر، أو التشويه، أو إشاعة الثورة، أو القتل؟ إذا كنت أتزلزل، ~~فليس يهم ما أتزلزل له. إن رذيلتنا الأصيلة تتشكل على صورة ما، وفقا للجنس أو السن أو ~~المزاج الشخصي، وإذا كان لدينا استعداد للخوف، فإنا سرعان ما نجد ما يفزعنا. إن ~~الشهوة أو العداوة التي تحزنني هي من نفسي، حتى إن عزوتها إلى المجتمع. إنني دائما ~~محاط بنفسي. والاستقامة من ناحية أخرى نصر دائم، لا نحفل بها بصيحات السرور، ولكن ~~بالرصانة، وهي سرور ثابت أو مألوف. ومن العار أن نطير إلى الحوادث لكي نعزز صدقنا ~~وقيمتنا. إن صاحب رأس المال لا يهرع كل ساعة إلى سمسار لكي يحول أرباحه إلى العملة ~~السائدة في البلاد، وإنما يكفيه أن يقرأ في أنباء السوق أن بضاعته قد ارتفعت أثمانها. ~~والطرب عينه الذي يدخله في نفسي وقوع خير الحوادث في خير نظام، يجب أن أتعلم كيف ~~أتذوقه أشد صفاء بإدراكي أن مركزي يتحسن كل ساعة، ويسيطر بالفعل على تلك الحوادث التي ~~أشتهي. ولا يفل من هذا الجذل إلا أن نتوقع للأشياء نظاما يبلغ من الامتياز حدا ~~يجعله يلقي كل أسباب سعادتنا في أعمق الظلال. # وعندي أن الوجه الذي تبدو فيه الشخصية هو الاكتفاء الذاتي. إنني أحترم الرجل الثري، ~~فلا أتصوره وحيدا، أو فقيرا، أو ms238 منفيا، أو شقيا، أو طالبا، ولكني أتصوره نصيرا ~~لغيره دائما، نافعا، موفقا في حياته. الشخصية تركيز، ويستحيل عليها أن تتزحزح ليحل ~~محلها شيء آخر أو أن تنقلب. ينبغي أن يعطينا الرجل الإحساس بأنه كتلة ثقيلة. # الجماعة طائشة مستهترة، وتمزق يومها إربا إربا، وتنفق حديثها في ذكر الحفلات وأسباب ~~الهروب من النفس. ولكني إن توجهت لمقابلة رجل عبقري، فإني أحسب لقائي فاترا إذا هو قدم ~~إلي ألوانا من العطف الرقيق والمجاملة. وخير لي أن أراه واقفا في مكانه راسخا ~~كالطود، ويثير في الرعب، على الأقل من مقاومته. وأحب أن أعلم أني التقيت برجل ذي صفة ~~فريدة موجبة. إن في ذلك إنعاشا عظيما لي وله، وليس قليلا أنه لا يقبل الآراء ~~والعادات التقليدية. إن هذا التفرد في شخصه سيبقى دائما حافزا ومذكرا، وعلى كل ~~سائل أن يعرف كيف يتصرف معه أولا. كل أمر واقعي أو نافع فيه مجال للنضال. إن بيوتنا ~~ترن بالضحك، ويتردد فيها اللغط بالحديث الشخصي والنقدي، وليس في ذلك ما يعين إلا ~~القليل. أما الرجل المستوحش الذي لا يتيسر بلوغه، الذي يعد في المجتمع مشكلة ~~وتهديدا، والذي لا يسع المجتمع أن يجعله يمر وهو صامت، وإنما لا بد له من أحد أمرين، ~~فإما أن يقدسه أو يمقته، الرجل الذي تحس الأحزاب كلها أنها تنتمي إليه، سواء في ذلك ~~قادة الرأي والرعاع والشواذ، هذا الرجل يصدر عنه العون. إنه ينسب الخطأ إلى أوروبا ~~وأمريكا، ويهدم رأي المتشككين الذي يزعم «أن الرجل دمية، فلنتناول طعامنا وشرابنا، فهو ~~خير ما نستطيع أن نفعله»، وذلك بإلقائه الضوء على غير المطروق والمجهول. إن الخضوع ~~للأمر القائم، والرجوع إلى الجمهور، إنما يدل على إيمان ضعيف، وعلى رءوس غير صافية، ~~رءوس لا بد لها أن تشهد البيت قائما قبل أن تستطيع إدراك تصميمه. إن الرجل الحكيم لا ~~يبعد عن ذهنه الكثرة فحسب، ولكنه يبعد عنه القلة كذلك. إن الينابيع، وكل من يتحرك من ~~نفسه، ويستغرق في ذاته، ويأمر لأنه يأتمر، والواثق من نفسه، والمبتدع، كل أولئك ms239 خير؛ ~~لأنهم يدلون لتوهم على وجود قوة عليا. # إن أعمالنا يجب أن تقوم على أساس مادتنا بحساب رياضي دقيق، فإن الطبيعة ليس فيها ~~تقديرات خاطئة، وليس في رطل من الماء المحيط الخضم من الجاذبية أكثر مما في هذا الوزن ~~من الماء في بركة من الماء في منتصف فصل الصيف. كل شيء يسير وفقا لطبيعته وكميته ~~تماما، ولا يحاول شيئا لا يستطيعه، اللهم إلا الإنسان وحده. إنه مدع، يريد أمورا ~~فوق طاقته ويحاولها. قرأت في كتاب يحوي مذكرات إنجليزية: «قال مستر فوكس (لورد هولاند ~~فيما بعد): يجب أن أحصل على الكنز؛ فقد جاهدت في سبيل الحصول عليه، ولا بد لي من الظفر ~~به.» إن زينفون ورجاله العشرة آلاف كانوا متكافئين تماما مع ما حاولوا، فقاموا بأدائه. ~~كانوا جد متكافئين معه، فلم يحسب أحد أنه عمل جليل أو لا يبارى. ومع ذلك فإن هذه ~~الحقيقة لم يتكرر حدوثها، وهي نقطة بارزة في التاريخ الحربي. وكم من الناس حاول هذا ~~العمل بعدئذ، ولم يكن له كفئا. إن قوة العمل لا يمكن أن تستند إلا على الأمر الواقع. ~~إن المؤسسة لا يمكن أن تكون خيرا من مؤسسها. # عرفت رجلا محببا مهذبا تعهد بإصلاح عملي، ولكني مع ذلك لم أستطع قط أن ألمس في ~~شخصه مشروع الإصلاح الذي تناوله. إنه اتخذه بالسماع وبتفهمه من الكتب التي كان يطالعها. ~~كل عمل قام به كان تجريبيا، أو قطعة من المدينة سيقت إلى المزارع، ولكنها ما برحت ~~مدينة، ولم تنقلب حقيقة أخرى، ولم تستطع أن توحي بالحماسة. ولو كان عند الرجل شيء كامن، ~~لو كانت لديه عبقرية رائعة لم يبدها، تؤثر في سلوكه وتوجهه، لترقبنا ظهورها. وليس يكفي ~~أن يرى العقل الشرور وعلاجها. إننا بذلك لا نزال نرجئ وجودنا، ولا نقف على الأرض التي ~~يحق لنا أن نستقر فوقها، ما دامت الفكرة - دون الروح - هي التي تسيرنا. إننا لم نعمل ~~بعد وفقا لوحيها. # هذه الصفات من خواص الحياة. ومن الخواص الأخرى ملاحظة النمو المطرد. يجب أن يكون ~~الناس ms240 أذكياء جادين. ويجب عليهم كذلك أن يجعلونا نحس أن لديهم مستقبلا سعيدا ذا نفوذ، ~~ينبسط أمامهم، وتضيء بالفعل تباشير نوره في الساعة الراهنة. إن البطل يساء فهمه وتساء ~~رواية حديثه؛ ولذا فإنه لا يستطيع أن ينتظر لكي يكشف عن أخطاء أي إنسان، إنه في طريقه ~~مرة أخرى، يضيف قوى جديدة وتكريما جديدا للمجال الذي يصول فيه، ويكلفك إزاءه واجبات ~~جديدة، تفلس نفسك، إذا أنت تلكأت عند الأشياء العتيقة، ولم تحافظ على صلتك به، ~~باستزادتك لثروتك. إن الأعمال الجديدة هي وحدها التي تبرر وتفسر الأعمال البالية، التي ~~يطيق النبلاء القيام أو التأثر بها. إذا أساء إليك صديق، فإنك لا تجلس لكي تتدبر الأمر؛ ~~لأنه ينسى ذكر ما حدث ويضاعف قوته لخدمتك، وقبل أن تنهض ثانية تراه يثقل كاهلك ~~بخيراته. # لا يسر المرء أن يفكر في الخير الذي لا يقاس إلا بأعماله. إن الحب لا ينفد، وإذا ~~ما تلاشت ضيعته، وفرغت مخازن غلاله، فإنه برغم ذلك يدخل على النفوس البهجة والغنى، ~~والرجل - وإن استغرق في النوم - يظهر كأنه ينقي الهواء، وكأن بيته يجمل مناظر ~~الطبيعة ويقوي قانونها، والناس دائما يدركون هذه المفارقة. إننا نعرف رجل الخير بوسيلة ~~تختلف جد الاختلاف عن مقدار ما يتبرع به لجمعيات البر. إنما المزايا الوضيعة هي التي ~~يمكن تعدادها. ولتخش حينما يذكر لك أصدقاؤك ما أحسن صنعه، ويذكرون كل شيء. ولكنهم حينما ~~يقفون وعليهم سيما الانكماش والتردد في التقدير وشيء من الكراهية، وحينما يرجئون حكمهم ~~لعدة سنوات مقبلة، حينئذ تستطيع أن تشرع في الأمل. # إن أولئك الذين يعيشون للمستقبل لا بد أن يظهروا دائما محبين لأنفسهم في أعين أولئك ~~الذين يعيشون للحاضر؛ ولذا فإنه مما يبعث على الضحك في الرجل الطيب «ريمر» الذي كتب ~~مذكرات جيته أن يعد قائمة بعطاياه وأعماله الطيبة، كذكره أن مئات من الدراهم قد وهبت ~~لستلنج وهجل وتشبين، وإن عملا مدرارا قد عهد به إلى الأستاذ فوس، وأنه أوجد وظيفة ~~لنهردر عند الدوق العظيم، ومعاشا لماير، وأنه رشح أستاذين للجامعات الأجنبية، إلى غير ms241 ~~ذلك. إن أطول قائمة من المنافع المخصصة تبدو قصيرة جدا. وما أفقر الإنسان من مخلوق، ~~إذا قيس كذلك؛ لأن هذه كلها بالطبع أمور استثنائية، والقاعدة في حياة الرجل الطيب ~~والمألوف فيها هي فعل الخير. والبر الصادق من جيته يعرف من القصة التي أملاها الدكتور ~~أكرمان، عن الطريقة التي أنفق بها ثروته: «كل عبارة طريفة مني كلفتني كيسا من الذهب. ~~إن نصف مليون من مالي، والثروة التي ورثت، وراتبي، والدخل الكبير الذي ربحته من مؤلفاتي ~~لخمسين عاما خلت، كل ذلك قد أنفق في سبيل معرفتي ما أنا اليوم عالم به. وقد رأيت غير ~~ذلك ... إلخ.» # وإني أقر أنه من لغط القول والحديث أن أعدد صفات هذه القوة الساذجة الخاطفة، فإنا ~~بذلك نكون كمن يصور البرق بالفحم. ولكني أحب أن أتسلى بهذه الطريقة في هذه الليالي ~~المحلولكة وهذه الأيام الفارغة. ليس هناك ما يمكنه أن يحاكي هذه القوة. إن كلمة حارة ~~تصدر عن القلب تغنيني. وإني أستسلم لها بمشيئتي، والعبقرية الأدبية إزاء نار الحياة هذه ~~باردة كالموت، وهناك من اللمسات ما يبعث الحياة في روحي الثقيلة، ويمنحها الأعين التي ~~تخترق ظلمات الطبيعة. وإني لأجد أني في غاية الثراء حيثما كنت أحسبني فقيرا. ويترتب على ~~ذلك سمو عقلي، يقلل من شأنه في فترة أخرى وجه جديد من أوجه الشخصية. ما أعجب هذا ~~التبادل بين الجذب والتنافر! إن الشخصية تنبذ العقل، ولكنها تثيره، وهي كذلك تتحول إلى ~~فكر، وتبدو في صورته، ثم ينطفئ نورها أمام الوميض الجديد للقيمة الخلقية. # الشخصية هي الطبيعة في أعلى صورها، ومن العبث أن يقلدها أو أن ينازعها أحد؛ فهي قوة ~~لديها شيء من المقاومة، ومن الإصرار، ومن القدرة على الإبداع، مما يحبط كل محاولة ~~لمحاكاتها. # هذه التحفة النادرة تكون على خير صورة حينما لا تمسها يد غير الطبيعة. ويراعى أن ~~أصحاب المصائر العظمية ينسلون إلى الحياة في الظلال، فلا ترقب ولا تهلل أثينا ذات ~~الأعين الألف لكل فكرة جديدة ولكل عاطفة ملتهبة من عواطف الشباب النابغ. أتاح لي فرصة ms242 ~~التفكير أخيرا شخصان، وكلاهما من أيفاع الإله العلي القدير. ولما اكتشفت مصدر ~~قداستهما، وسحر ما أوحيا من خيال، بدا لي كأن كلا منهما أجاب بقوله: «ذلك من نشازي؛ ~~فإني لم أستمع قط إلى ناموس قومكم، أو لما يسمونه إنجيلهم، فأضيع بذلك وقتي، ولكني قنعت ~~بفقري الساذج الريفي الخاص. ومن ثم كانت هذه العذوبة. إن عملي لا يذكرك بذلك قط، ~~إنه خلو من ذلك.» وتعلن لي الطبيعة في شخص هذين الرجلين أنها لن تتصف بالديمقراطية في ~~أمريكا الديمقراطية. ما أبعد تكوينهما - وما أشد عزلتهما - عن اضطراب السوق وعن ~~الفضيحة! وفي هذا الصباح فقط بعثت ببضع زهور حوشية من آلهة الغابات هؤلاء. إن فيهم ~~ترفيها عن الأدب، هذه الجرعات السائغات من ينابيع الفكر والعاطفة، فكأننا نقرأ في عصر ~~الصقل والنقد الأسطر الأولى من النثر والنظم المكتوب لأمة من الأمم. ما أشد ما يفتن ~~المرء في إخلاصهم للكتب التي يؤثرون، سواء كانت لإيسكلس أو دانتي أو شكسبير أو سكت، ~~فهم يشعرون أن لهم في هذا الكتاب أو ذاك ضلعا؛ فمن يمس الكتاب يمسهم، وبخاصة العزلة ~~التامة للناقد، أو برج الفكر الذي يكتب منه، لا يحس بالعيون التي قد تقرأ هذه الكتابة. ~~هل يستطيعون بعد ذلك أن يحلموا كالملائكة ولا يتيقظون للموازنات، ولما يقوله المنافقون ~~لهم! ومع ذلك فإن من الطبائع ما يطيب فلا يفسدها الثناء، وكلما بلغ وتر التفكير ~~الأعماق، فليس ثمت خطر من الغرور. إن الأصدقاء الموقرين يحذرونهم من خطر انقلاب الرأس ~~من أثر دق الطبول، بيد أنهم يستطيعون الابتسام. # أذكر سخط رجل فصيح من طائفة «النظاميين» من التحذير الرقيق الذي ألقاه دكتور في ~~اللاهوت، وذلك حينما قال الرجل: «إن الرجل - يا صاح - لا يمكن أن يثنى عليه أو يساء ~~إليه.» ولكن علينا أن نتسامح في النصائح، فهي طبيعية جدا. وأذكر أن الفكرة التي طرأت ~~لي حينما أتى إلى أمريكا رجال غرباء عنها عباقرة روحانيون، أذكر أن تلك الفكرة كانت: هل ~~وقعتم فريسة بحضوركم إلى هنا؟ بل - وقبل هذا - أجيبوني عن هذا ms243 السؤال: «هل يمكن لأحد أن ~~يفترسكم؟» # وكما قلت من قبل إن الطبيعة تحتفظ بين يديها بهذه الميزات الكبرى، ومهما زعمت خطتنا ~~الدينية وتربيتنا أن لها نصيبا من الفضل، ومهما علمتنا أن النواميس تشكل المواطن، فإن ~~الطبيعة تسير سيرتها، وتخطئ أحكم الحكماء. إنها تستخف بالأناجيل والأنبياء، كرجل لديه ~~الكثير مما يستطيع أن ينتج، وليس لديه من الوقت فسحة لشيء منه. # هناك طائفة من الناس، يظهر منها أفراد في فترات متباعدة، وهبوا بدرجة عظيمة البصيرة ~~والفضيلة، فأجمع الناس على تلقيبهم ب «المقدسين»، وهم يبدون كأنهم تجمع لهذه القوة ~~التي ذكرناها. إن الأشخاص المقدسين يولدون شخصيات ممتازة، أو إذا استعرنا تعبير نابليون ~~قلنا إنهم النصر المنظم. والناس يستقبلونهم عادة بنية سيئة، لجدتهم، ولأنهم يضعون ~~حدا للمبالغة التي أحاطت بشخصية الرجل المقدس الذي سبقهم. إن الطبيعة لا تخلق ~~أبناءها على غرار واحد، ولا تشابه قط بين رجلين. إننا حينما ننظر إلى رجل عظيم نتصور ~~شبها بينه وبين شخصية تاريخية أخرى، ونتنبأ بما يصدر عن شخصه وما أصابه، بيد أن ~~النتيجة حتما تخيب آمالنا. ولا يستطيع أحد البتة أن يحل مشكلة شخصية وفقا لأهوائنا، ~~إلا بأسلوبه العالي الذي لم يسبقه إليه أحد. إن الشخصية تحتاج إلى فسحة من المكان، ولا ~~ينبغي أن يزاحمها آخرون، أو أن يحكم عليها بنظرات خاطفة نرسلها ونحن تحت تأثير ما ~~نضطرب فيه من أعمال أو في مناسبات قليلة. إنها تحتاج في الحكم عليها إلى الابتعاد عنها، ~~كأنها البناء الشامخ، وهي ربما لا تسارع في إنشاء الصلات بينها وبين غيرها، والأرجح ألا ~~تفعل ذلك. ويجب علينا ألا نتطلب لأعمالها تفسيرا عاجلا، وفقا لمعاييرنا الخلقية، أو ~~للقواعد الخلقية الشائعة. # إنني أنظر إلى التماثيل المنحوتة باعتبارها من التاريخ، ولا أحسب أن تمثال أبولو وجوف ~~يستحيل أن يكونا لحما ودما. كل صفة سجلها الفنان في الحجر سبق له مشاهدتها في الحياة، ~~وهي في الأصل خير منها في محاكاته. رأينا كثيرا من الزيف، ولكنا ولدنا مؤمنين بعظماء ~~الرجال. وما أسهل ما نقرأ في الكتب القديمة ms244 - حينما كان الرجال قلائل - عن أدنى أعمال ~~الآباء الأولين. إننا نتطلب في الرجل أن يكون ضخما بارزا في هيئته حتى يستحق أن نذكر ~~عنه أنه نهض وتمنطق وارتفع إلى مكانته. إن أقرب الصور إلى التصديق هي صور الرجال ~~الأجلاء الذين ساروا عند مدخلهم وأشبعوا حواس غيرهم، كما حدث للمجوسي الشرقي الذي بعث ~~لكي يختبر مزايا زرادشت، ولما وصل الحكيم اليوناني إلى بلخ - كما يحدثنا الفرس - عين ~~جشتاسب يوما يجتمع فيه «الموبد» من كل بلد، وقد أعد مقعد ذهبي للحكيم اليوناني، ثم ~~تقدم حبيب يزدام، النبي زرادشت، وسط الاجتماع. ولما رأى الحكيم اليوناني هذا السيد قال: ~~«إن صاحب هذه الصورة وهذه المشية لا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن يصدر عنه إلا الصدق.» ~~وقال أفلاطون: من المستحيل ألا نؤمن بأنباء الآلهة، حتى إن تكلموا بمنطق غير محتمل وغير ~~ضروري. وإني أعد نفسي شقيا جدا بين رفاقي إذا لم أستطع أن أقدر خير ما في التاريخ. ~~يقول ملتن: «إن جون برادشو يبدو كالقنصل الذي لا يتخلى عن عصا الحكم بانقضاء العام؛ ~~ولذا فإنك تنظر إليه وكأنه قائم على حكم الملوك، لا في يوم الحكم وحده، ولكن خلال حياته ~~كلها.» وإنه لأقرب إلى الصدق عندي أن يعرف الرجل الواحد السماء - كما يقول الصينيون - ~~ما دامت هذه المعرفة سابقة، من أن يعرف الدنيا عدد من الرجال عديد. إن الأمير الفاضل ~~يجابه الآلهة دون أن تخامره الشكوك، وهو ينتظر مائة جيل حتى يأتي حكيم، دون أن يشك. ومن ~~يجابه الآلهة دون ارتياب يعرف السماء، ومن ينتظر مائة جيل حتى يأتي حكيم، دون أن يشك، ~~يعرف الناس. ومن ثم فإن الأمير الفاضل يسير، ويدل دولته على الطريق عدة أجيال. ~~ولكن ليست بنا حاجة إلى التماس الأمثلة البعيدة. والرجل الذي لا تعلمه تجاربه حقيقة ~~السحر وقوته كما تعلمه حقيقة الكيمياء وقوتها أعمى البصيرة. إن أشد الحنابلة تزمتا لا ~~يستطيع أن يرحل إلى الخارج دون أن يقابل مؤثرات لا يستطيع تفسيرها؛ فقد يحدق فيه إنسان ~~فتخرج مقابر ذاكرته ms245 موتاها، ولا مناص له من أن يفشو الأسرار التي تسبب له الشقاء إما ~~بكتمانها أو إفشائها. ثم يلتقي بآخر، فيرتج عليه، وكأن عظامه تفقد غضاريفها. إن دخول ~~صديق يزيده جلالا وجرأة وفصاحة، ولا يسعه إلا أن يذكر أن هناك أشخاصا وسعوا من ~~فكره سعة لا يتصورها العقل، وأشعلوا في صدره حياة أخرى. # وهل هناك ما يبلغ في الروعة علاقات المودة حينما تصدر عن هذا المنبع العميق؟ إن ~~الإجابة الكافية للمتشكك الذي يرتاب في قدرة الإنسان وإعداده هي في إمكان هذا الاتصال ~~السار مع الناس، وهو ما يخلق الإيمان ومجال العمل عند كل إنسان عاقل. ولست أعرف شيئا ~~مما تمنحه الحياة فيرضي النفس مثل التفاهم الحسن العميق، الذي يمكن أن يقوم بعد كثير من ~~تبادل الخدمات الطيبة، بين رجلين فاضلين، كل منهما واثق من نفسه وواثق من صاحبه. إنها ~~سعادة تفوق كل سبب آخر من أسباب رضى النفس، وتقلل من شأن السياسة والتجارة والكنائس؛ ~~لأن الناس عندما يتقابلون كما ينبغي لهم، كل منهم فاعل خير، وكأنهم ثريات من الفكر ~~والعمل والتهذيب، يكون ذلك عيدا للطبيعة يعلنه كل شيء. والحب الجنسي في مثل هذه الصداقة ~~هو الدليل الأول، كما أن الأشياء الأخرى جميعا دلائل حب، وهذه الصلات بخيار الناس ~~التي حسبناها في وقت ما قصص الشباب الخيالية، تصبح بتطور الشخصية أقوى المتع. # آه لو أمكن أن يعيش المرء على صلات صحيحة بالناس! وآه لو استطعنا أن نمتنع عن أن نطلب ~~أي شيء منهم، أو أن نطلب ثناءهم، أو معونتهم، أو شفقتهم، ونقنع بإرغامهم بفضل ما في ~~أقدم القوانين من مزايا! هلا نستطيع أن نتعامل مع أفراد قلائل - بل مع فرد واحد - طبقا ~~للسنن غير المكتوبة، ونختبر تأثيرهم؟ هلا نستطيع أن نقدم لصاحبنا تحية الصدق والصمت ~~والاحتمال؟ وهل لا بد لنا من التحمس للبحث عنه؟ إذا كانت بيننا صلة فسوف نلتقي. كان من ~~تقاليد العالم القديم أن تطور الظروف لا يمكن أن يخفي إلها عن إله، وهناك بيت من الشعر ~~الإغريقي يقول: # لا ms246 يجهل الآلهة بعضهم بعضا . # والأصدقاء يتبعون كذلك قوانين الضرورة الإلهية، يجذب أحدهم الآخر، ولا يسعهم إلا ~~هذا: # إذا اجتنب الناس بعضهم بعضا # استمتع كل امرئ بأخيه. # إن الصلة بين الصديق والصديق لا تخلق، ولكنها تيسر. يجب على الآلهة أن يأخذوا ~~مقاعدهم بغير وسيط فوق الأولمب، وأن يضعوا أنفسهم ما استطاعوا وفقا لدرجاتهم في ~~التقديس. إن المجتمع يفسد إذا تكلفنا أو إذ التقى الرفاق على بعد ميل بينهما. وإذا لم ~~يكن مجتمعا فهو ضجيج خبيث وضيع منحط، حتى إن كان من خيار الناس. إن عظمة كل منهم كلها ~~تحتبس، وتنشط كل نقيصة بدرجة مؤذية، كأن أهل الأولمب يلتقون لتبادل النشوق. # إن الحياة تسير قدما، ونحن نطارد فكرة عابرة، أو يطاردنا خوف أو أمر من ورائنا. ~~أما إذا التقينا فجأة بصديق فإننا نقف، ويبدو لنا سخف حرارتنا وتعجلنا، فالآن نحتاج ~~إلى الوقوف، وإلى التملك، وكذلك إلى القدرة على الإفادة في اللحظة الراهنة مما يكنه ~~القلب من مصادر الثروة. إن اللحظة الراهنة هي كل شيء، في جميع العلاقات النبيلة. # الرجل المقدس نبوءة العقل، والصديق أمل القلب. وإنما يبلغ المرء منتهى الغبطة إذا ~~تحقق هذان في رجل واحد. والعصور تفتح هذه القوة المعنوية. وكل قوة ظل أو رمز لها. ~~والشعر بهيج قوي؛ لأنه يستمد وحيه منها. ويكتب الناس أسماءهم في الدنيا بمقدار ما لديهم ~~منها. كان التاريخ شحيحا، وأممنا جماهير، ولم نر قط رجلا: تلك الصورة المقدسة لم ~~نعرفها بعد، وإنما نعرف حلما منها أو نبوءة. إننا لا نعرف الصفات الجليلة التي تتصف ~~بها، التي تهدئ الرائي وتسمو به. ولسوف نرى يوما أن أخص الطاقات أعمها، وأن النوع يكفر ~~عن الكم، وأن جلال الشخصية يعمل في الظلام، ويعين من لم يره قط. وما ظهر حتى الآن من ~~عظمة إنما هو بداية وتشجيع لنا في هذا الاتجاه. # إن تاريخ أولئك الآلهة والقديسين الذي دونه العالم، ثم عبده، إنما هو وثائق تدل على ~~الشخصية. لقد ابتهجت العصور بآداب شاب لم ينل من الحظ شيئا، وقد شنق ms247 تحت مقصلة بلاده، ~~شاب ألقى بمجرد نوع طبيعته جلالا مسرحيا حول وقائع موته التي حولت كل دقيقة إلى رمز ~~عالمي أمام أعين البشر. هذه الهزيمة الكبرى هي أعظم الوقائع لدينا حتى اليوم. بيد أن ~~العقل يتطلب نصرا للحواس، أو قوة شخصية تحول القاضي والمحكم والجندي والملك، قوة ~~تتحكم في خواص الحيوان والمعادن، وتختلط بمسير عصارة النبات، والأنهار، والرياح ~~والنجوم، والقوى المعنوية. # وإذا لم نستطع أن نبلغ طرفا من هذا الجلال، فدعنا على الأقل ندين له بالولاء. # إن المزايا العظمى - في المجتمع - تحسب على صاحبها مثالب. ويتطلب الأمر منا عناية ~~كبرى في تقديرنا الخاص. وأنا لا أعفو عن أصدقائي إذا هم فشلوا في معرفة الشخصية ~~الرقيقة، وفي تحيتها بالكرم وعرفان الجميل. إننا إذا جاءنا في النهاية ما كنا نتمنى ~~دائما، وأشرق علينا بأشعة بهيجة من تلك البقعة السماوية البعيدة، إننا إذا جاءنا ذلك ~~وكنا بعدئذ جافين أو ناقدين، وعاملنا هذا الزائر بثرثرة الطرقات وريبتها، برهنا على ~~سوقية تكاد تغلق أبواب السماء. إنما هذا خلط، وجنون تام، إذا كانت الروح لا تعرف قدرها. ~~ولا تعرف من هو الجدير بولائها وإيمانها. وهل هناك دين غير أن يعرف المرء أن العاطفة ~~المقدسة التي يعزها حينما تفتحت زهرتها في بيداء الوجود إنما تتفتح له؟ إذا كان لا ~~يراها أحد، فهو يراها. وهو يدرك عظمة هذه الحقيقة، حتى إن كان في ذلك وحيدا. وطالما ~~تكون الزهرة يانعة فإنه يجعل أيامه دينية وزمانه مقدسا. ويرجئ كآبته وحماقته وهزله. إن ~~الطبيعة تنهمك في وجود هذا الضيف. وهناك أعين كثيرة تستطيع أن تتبين الفضائل الحكيمة ~~المألوفة وتكرمها. وهناك كثيرون يستطيعون أن يفطنوا إلى العبقري وهو يسير في طريقه ~~المرصع بالنجوم، حتى إن عجزت عن ذلك الجماهير، ولكن عندما تأتي إلى طرقاتنا وبيوتنا تلك ~~المحبة التي تتحمل العناء، وتنكر الذات وتسمو في الطموح، وتؤثر لنفسها الشقاء والحماقة ~~في هذه الدنيا، على أن تلوث يديها البيضاوين بالإذعان والخضوع، حينئذ لا يعرف وجهها ~~إلا الأصفياء الطموحون، والتحية الوحيدة التي يستطيعون تقديمها هي ms248 الاعتراف بها. # | الآداب # ما أقرب الجمال من الخير! # إنا لا نكاد نراه # حتى تذهل حواسنا # بتخطيطه وصورته الظاهرة. ~~••• # أصلحوا أنفسكم، # واكتسوا بكل جمال # يستطيع اللون أو التناسب # أن يضفيه على أجسامكم. # فإن فقدتم هذه الفنون الصامتة # من رسوم وصور # فقد تحتاجون إلى صفات أخرى # يميزها سمو الإحساس باحترام النفس والكرامة # اللذين تلقاهما في الحركات الصادقة. # بن جونسن # يقال إن نصف العالم لا يعرف كيف يعيش النصف الآخر، ولقد رأى رجال حملتنا الكشفية أهل ~~جزيرة فيجي يتناولون عشاءهم من العظام البشرية، وقيل إنهم يأكلون زوجاتهم وأطفالهم. ~~والاقتصاد المنزلي عند سكان جورنو المحدثين (غربي طيبة القديمة) فيه فلسفة خاطئة. إعداد ~~المنزل عندهم لا يتطلب سوى إناءين أو ثلاثة من الخزف، وحجر لطحن الطعام، وحصيرة هي ~~الفراش. والبيت وهو المقبرة، مستعد، لا يدفع عنه صاحبه أجرا أو ضريبة. لا تتسرب إليه ~~مياه الأمطار من السقف، وليس له باب؛ إذ ليست إليه حاجة، فليس هناك ما يخشى ضياعه، فإذا ~~ضاقوا ذرعا ببيوتهم خرجوا منها ودخلوا غيرها؛ إذ إن تحت تصرفهم مئات عديدة. ويضيف إلى ~~ذلك بلزوني الذي ندين له بهذا الوصف: «إن الكلام عن السعادة فيه شيء من الغرابة بين قوم ~~يعيشون في القبور بين الجثث والخرق التي خلفتها أمة قديمة لا يعلمون عنها شيئا.» وفي ~~صحاري بورجو لا يزال قوم «تبو» الجبليون يعيشون في الكهوف كالسنونو الجبلي، ولغة هؤلاء ~~الزنوج يشبهها جيرانهم بصراخ الوطاويط وشقشقة العصافير، ثم إن أهل برنو لا يتسمون ~~بأسماء الأعلام، إنما يسمى الأفراد بارتفاعهم أو بدانتهم أو أية صفة عارضة أخرى، ~~وليست لهم إلا أسماء مستعارة. غير أن الملح والبلح والعاج والذهب التي من أجلها يرتاد ~~الرحالة هذه المناطق المرعبة تجد سبيلها إلى بلاد من العسير أن تسوي المشتري والمستهلك ~~فيها بهذا الجنس الذي يأكل لحوم البشر ويسرق الآدميين، بلاد يخدم الناس فيها أنفسهم ~~بالمعادن والأخشاب والحجر والزجاج والصمغ والقطن والحرير والصوف، ويكرم الناس فيها ~~أنفسهم بفن البناء، ويسنون القوانين، ويحاولون تنفيذ إرادتهم بأيدي أمم كثيرة، وهم ~~ينشئون - بنوع ms249 خاص - طبقة ممتازة، تجدها شائعة في كل بلد به رجال أذكياء، وهي ~~أرستقراطية قائمة بذاتها، أو أخوة بين الخيار، تخلد نفسها بغير قانون مدون أو عادة ~~محكمة من أي نوع، وتستعمر كل جزيرة حديثة الزراعة، وتتخذ لنفسها - وتصنع - أي ضرب من ~~ضروب الجمال أو أية صفة عجيبة قومية ممتازة حيثما ظهرت. # أية حقيقة في التاريخ الحديث أشد بروزا من خلق الرجل المهذب؟ إن الفروسية هي ~~ذاك، والإخلاص هو ذاك. ونصف المسرحيات وكل الروايات في الأدب الإنجليزي من سر فيليب ~~سدني إلى سر والتر سكت يصور هذه الشخصية. إن لفظة الرجل المهذب «الجنتلمان» التي ينبغي ~~منذ اليوم - كلفظ المسيحية - أن تميز هذا القرن والقرون القليلة القادمة، نظرا للأهمية ~~التي تعزى إليها، هذه اللفظة تشير إلى بعض الخصائص الشخصية التي لا يمكن انتقالها. لقد ~~ارتبطت بهذه الكلمات صفات طائشة خيالية، إلا أن اهتمام الناس الثابت به يجب أن يرد ~~إلى الخواص القيمة التي تتضمنها. إن العنصر الذي يوحد بين جميع الأشخاص الأقوياء في كل ~~البلدان، ويجعلهم متفاهمين على وفاق، عنصر محدد، يحس المرء لأول وهلة إذا كان الفرد لا ~~يتسم بميسمه الذي يشبه الأخوية الماسونية. هذا العنصر لا يمكن أن يكون ثمرة عرضية، ~~ولكنه لا بد أن يكون نتيجة مستخلصة من مميزات الشخصية والصفات التي تتوفر في الرجال. ~~ويبدو أن هذه النتيجة ثابتة معينة، كما أن الجو مركب ثابت، في حين أن كثيرا من الغازات ~~لا تتحد إلا لكي تتحلل. يصف الرجل الفرنسي المجتمع الطيب بأنه «ما ينبغي أن يكون»، إنها ~~ثمرة تلقائية للمواهب والمشاعر التي تتصف بها تلك الطبقة عينها التي يتوفر لديها أكبر ~~قسط من النشاط، وتتزعم العالم في هذه الساعة، وربما كانت هذه الخلاصة بعيدة عن الطهارة، ~~بعيدة عن أن تؤلف أبهج أنغام المشاعر الإنسانية وأعلاها، ولكنها خلاصة طيبة بالمقدار ~~الذي يسمح به المجتمع بأسره. إنها تتألف من الروح أكثر مما تتألف من مواهب الناس، وهي ~~نتيجة مركبة يدخل في تركيبها كل قوة عظمى، كالفضيلة، والفطنة، والجمال، والثراء، ~~والنفوذ. ms250 # في كل الكلمات التي تستعمل في التعبير عن الآداب الممتازة والتهذيب الاجتماعي شيء من ~~الإبهام؛ لأن الكميات دائمة التغير، وتفترض الحواس أن الأثر الأخير هو الباعث الأول، ~~ولفظة «جنتلمان» ليس لها معنى يناظرها ويعبر عما تقصد من صفات، وكلمة «جنتلتي» أو ~~الكياسة لفظة وضيعة، كما أن كلمة «جنتلس» أو الرقة لفظة بائدة. غير أنا يجب أن ~~نؤكد الفرق في لغتنا العامية بين «الطراز الجديد» وهي عبارة كثيرا ما يكون معناها ~~ضيقا بغيضا، وبين صفة البطولة التي يعنيها الجنتلمان. ومهما يكن من أمر فإن الكلمات ~~المألوفة يجب أن تحترم؛ فسوف تجد أنها تحتوي على جذور الموضوع. والنقطة البارزة في كل ~~هذه الطائفة من الكلمات، كالمجاملة، والفروسية، والطراز الجديد، وما إليها، هي أننا ~~نتدبر الزهرة والثمرة، دون بذرة الشجرة. إنما هدفنا هذه المرة هو الجمال دون القيمة. ~~وموضع السؤال الآن هو النتيجة، وإن كانت ألفاظنا تشير إشارة كافية إلى الإحساس العام ~~بأن المظهر يفرض وجود المادة. # الجنتلمان رجل صادق، سيد أعماله، ويعبر بمسلكه عن تلك السيادة، بطريقة لا تتوقف ~~البتة على الأشخاص أو الآراء أو الملك، ولا تسير في أثرها. وفوق هذه الصفة - صفة الصدق ~~والقوى الحقيقية - تدل كلمة الجنتلمان على الطبيعة الطيبة والخير، والرجولة أولا ثم ~~الرقة. ومن المؤكد أن الفكرة العامة تضيف إلى ذلك شرط اليسر والثراء، غير أن ذلك نتيجة ~~طبيعية للقوة والمحبة الشخصية، فترى الرجال المهذبين يمتلكون ما في العالم من خير ~~ويتصرفون فيه. كل شخص بارز يجب في أوقات الشدة أن ينتهز كثيرا من الفرص كي يدل على ~~ضخامته وقيمته. ومن ثم فإن كل اسم من أسماء الرجال برز من بين الجماهير في عهود ~~الإقطاع يرن في آذاننا كدق الطبول. ولا يزال هذا سائدا اليوم، وفي الزحام الزاحف من ~~المجتمع الكريم يعرف الرجال البواسل الصادقون، ويرتفعون إلى مكانتهم الطبيعية. وقد ~~تنتقل المنافسة من الحرب إلى السياسة والتجارة، غير أن القوة الشخصية سرعان ما تظهر في ~~هذه الميادين الجديدة. # القوة أولا أو تنعدم الطبقة المتزعمة. وفي السياسة والتجارة ms251 نجد أن المقاتلين من ~~أجل الجوائز والقراصنة أشد تبشيرا بالنجاح من المتحدثين والكتاب. ويعلم الله أن كل ~~صنوف الرجال المهذبين يقرعون الباب، ولكن لفظة «الرجل المهذب» إذا استعملت بدقة وجدنا ~~أنها تشير إلى الطاقة الأصيلة. إنها تصف الرجل متمسكا بالحق، ويعمل بوسائل لم يلقنه ~~إياها أحد. إن السيد الكريم يجب أن ينطوي على حيوان كريم، على الأقل إلى الحد الذي ~~يجعله يسفر عن مزايا الروح الحيوانية التي لا تبارى. أما الطبقة الحاكمة فيجب أن ~~تتصف بأكثر من ذلك، ولكنها يجب أن تكون لها هذه الصفات، فيشيعون في كل جماعة الإحساس ~~بالنفوذ، الذي ييسر أداء الأشياء التي تفزع الحكماء. إن مجتمع الطبقة قوية العزم في ~~اجتماعاتها الودية البهيجة، مجتمع مليء بالشجاعة والمحاولات التي يجبن أمامها العالم ~~الشاحب. إن الشجاعة التي تبديها البنات أشبه بمعركة لنديزلين أو بمعركة بحرية. إن العقل ~~يعتمد على الذاكرة يستمد منها ما يواجه به هذه الفرق البحرية المرتجلة. غير أن ~~الذاكرة كالمتسول الوضيع الذي يحمل السلة والشارة في حضرة هؤلاء السادة ~~المفاجئين. # إن حكام المجتمع يجب أن يكونوا أكفاء لعمل الدنيا، ونظراء لواجباتهم المتنوعة: رجالا ~~من الطراز القيصري الصحيح، لهم علاقات بعيدة المدى. وما أبعدني عن الاعتقاد في المبدأ ~~المتخاذل الذي يقول به لورد فوكلند، وهو: «إن الحفل يجب أن يذهب إليه اثنان؛ لأن الرجل ~~الجريء سوف يجتاز أدق امتحان.» ومن رأيي أن الجنتلمان هو الرجل الجريء الذي لا يهزم، ~~ولا يسود حقا إلا تلك الطبيعة الغزيرة التي تتمم أي شخص تتحدث إليه. الرجل المهذب ~~عندي يصدر القانون الذي يسير عليه. إنه يفوق القديسين صلاة في الكنائس، وقواد الجيش ~~المستميتين في الميدان، وهو أشد إشراقا من المتظرفين في القاعات. إنه رفيق طيب ~~للقرصان، وهو يساير رجال العلوم، ولذا فمن العبث أن تحصن نفسك ضده. إنه يملك المدخل ~~الخاص لكل العقول، وإن استطعت أن أفر من نفسي استطعت أن أفر منه. # كان الرجال المهذبون المعروفون في آسيا وأوروبا من هذا الطراز القوي: صلاح الدين ~~وسابور وسيد ويوليوس قيصر ms252 وسبيو والإسكندر وبركليز وأعظم الشخصيات سلطانا ونفوذا، ~~كانوا يجلسون في مقاعدهم بإهمال شديد، وكانوا في أنفسهم أعلى من أن يقيموا وزنا لأي ~~موقف من المواقف. # ويحسب الناس في حكمهم العام أن الثراء الطائل أمر لازم لكمال رجل الدنيا ~~هذا، ولكنه تابع مادي يسير في حلبة الرقص التي بدأها الأول؛ فالمال ليس ~~ضروريا، ولكن هذه الصلات الواسعة لازمة، وهي صلات تتخطى العادات الطائفية والمذهبية، ~~وترغم الناس من جميع الطبقات على الإحساس بها. وإذا كان الرجل الأرستقراطي صالحا في ~~الدوائر العصرية فقط، وليس صالحا في الأوساط العادية، فلن يكون زعيما من الطراز ~~الجديد. وإذا كان الرجل من عامة الناس لا يستطيع أن يتحدث إلى «الرجل المهذب» حديث الند ~~للند، حتى يدرك هذا الرجل المهذب أنه فعلا من درجته، فإن هذا الأخير لن يخشى له ~~بأس. # كان ديوجنيس وسقراط وأبا منداس رجالا مهذبين تجري في عروقهم أطهر الدماء، وقد ~~آثروا حالة الفقر، في حين أن حالة الثراء كانت ميسورة لهم كذلك. إنني أستخدم هذه ~~الأسماء العتيقة، ولكن الرجال الذين أتحدث عنهم معاصرون لي. إن القدر لا يمن على كل جيل ~~بواحد من هؤلاء الفرسان المبرزين، غير أن كل جماعة من الناس تقدم مثالا من طبقتها؛ ~~وسياسة هذا البلد، وتجارة كل مدينة، يوجهها هؤلاء العاملون الأشداء الذين لا يعبئون ~~بالتبعات، الذين لديهم من قوة الابتكار ما يؤهلهم للقيادة، ومن سعة العطف ما يجعلهم ~~يزاملون الجماهير، ويحبب أعمالهم إليهم. # إن أصحاب الذوق السليم يراعون ما تتجمل به هذه الطبقة من آداب، ويتمسكون بها مخلصين. ~~واجتماع هؤلاء السادة بعضهم ببعض واجتماعهم بأناس يدركون مزاياهم محبب إلى الفريقين ~~وحافز لهما. والصورة الرائعة والعبارات السعيدة التي تصدر عن كل منهم يكررها الآخرون ~~ويحاكونها. وفي رضى خاطف تتلاشى النوافل وتتجدد الجلائل. # إن الآداب الرفيعة تبدو مريعة للرجل الذي لم ينل شيئا من التهذيب. إنها علم رقيق ~~بوسائل الدفاع لكي يدرأ المرء عن نفسه الشرور ويدخل في روع غيره الفزع. فإذا قابلها ~~الطرف الآخر بما يناظرها من مهارة فإنها تفقد ms253 حدة سلاحها، فلا تكون هناك مبارزة أو لعب ~~بالسيوف، ويجد الشاب نفسه في وسط شفاف، تكون فيه الحياة لعبة هينة، ولا ينشأ بين ~~اللاعبين أي ضرب من ضروب سوء التفاهم. # إن الآداب تهدف إلى تيسير الحياة، وإلى الخلاص من العقبات، وإلى تمهيد السبيل أمام ~~المرء لكي يبذل نشاطه خالصا من كل شائبة. إنها تعين على ما بيننا من تعامل وحديث، كما ~~تعين السكك الحديدية على السفر، وذلك بالتخلص من كل عقبات الطريق التي يمكن تفاديها، ~~بحيث لا تترك لنا شيئا نتغلب عليه سوى الفضاء المطلق. وسرعان ما تثبت هذه الصيغ، ~~ويزداد الناس اهتماما بالتعود على دقة الإحساس بالصواب، حتى تصبح هذه الدقة وساما ~~مميزا اجتماعيا وقوميا. وهكذا ينشأ «الطراز الجديد»، صورة مبهمة، قوية التأثير، ~~عجيبة، لا تأبه بشيء، يخشاها الناس ويتبعونها، وعبثا ما تحاول الأخلاق أو العنف أن ~~تهاجمها. # وهناك علاقة وطيدة بين طبقة المقتدرين، والفئة المصقولة المنتقاة من الناس، هذه الفئة ~~التي تستمد من تلك الطبقة دائما أو تمدها. إن أقوياء الرجال عادة يتسامحون بعض الشيء ~~حتى فيما يجدونه في الطراز الجديد من نزق، نظرا لهذه العلاقة التي يلمسونها فيها. إن ~~نابليون، ابن الثورة، ومحطم طبقة النبلاء القديمة، لم يكف قط عن التودد إلى فوبور سنت ~~جرمان، وهو يحس من غير شك أن الرجال العصريين مدينون لأمثاله من الرجال. إن طراز العصر ~~يمثل كل فضائل الرجولة، ولو بطريقة عجيبة، وهو ثمار الفضيلة، أو هو شرف يناله صاحبه بعد ~~الموت. إنه في كثير من الأحيان ليس من صفات العظماء، ولكنه من صفات أبنائهم، هو موئل ~~للماضي، وهو عادة يعترض عظماء هذه الساعة. ولا يرود عظماء الرجال عادة قاعاته، بل ~~يتخلفون في الميدان؛ فهم ما زالوا يعملون ولم يجنوا بعد ثمار أعمالهم. الطراز الجديد ~~يتألف من أبنائهم، من أولئك الذين يحصلون - عن طريق ما لشخص آخر من قيمة أو فضيلة - على ~~بريق لأسمائهم، وعلى شارات مميزة، ووسائل للتهذيب والكرم، وعلى شيء من الصحة والوجاهة ~~في تكوينهم الجثماني، مما يكفل لهم نفوذا ms254 كبيرا يستمتعون به، إن لم يكن أعظم نفوذ ~~يعملون به. أما طبقة الأقوياء، أما الأبطال العاملون من أمثال كورتز ونلسن ~~ونابليون، فإنهم يرون أن هذا هو الابتهاج أو الاحتفال الدائم بما هم عليه من صفات، ~~ويرون أن الطراز الجديد هو ثمار المواهب، هو المكسيك ومارنجو والطرف الأغر مهزومة هزيمة ~~منكرة، وأن الأسماء العصرية اللامعة إنما ترجع إلى أسماء عامة كأسمائهم، ظهرت منذ خمسين ~~أو ستين عاما. هم الزارعون، وأبناؤهم الحاصدون، وأبناؤهم - كما هو معهود - لا بد أن ~~يسلموا ما يملكون من محصول لمنافسين جدد ذوي أعين أشد حدة وأجسام أقوى بناء. # إن المدينة تستمد أبناءها من الريف. ويقال إن كل ملك شرعي في أوروبا في عام 1805م كان ~~معتوها، ولولا أن المدينة كانت تتلقى المدد من الحقول لفنيت من عهد بعيد وفسدت وتفجرت. ~~إنما هو الريف الذي قصد الحضر أول من أمس، فأصبح اليوم المدينة والبلاط. # إن الأرستقراطية والعصرية نتائج معينة لا مفر منها. وهاتان الفئتان المتبادلتان لا ~~ينهدمان. إذا أثارا الغضب بين أفراد أقل الطبقات امتيازا، وانتقمت الأكثرية المبعدة ~~لنفسها من الأقلية المستبدة، بقوة اليد، ثم قتلتها، صعدت فوق القمة في الحال طبقة ~~جديدة، كما يطفو الزبد في إناء اللبن. وإذا هدم الناس طبقة بعد طبقة، حتى يبقى رجلان ~~اثنان، أمسى أحدهما زعيما، وقام الآخر بخدمته ومحاكاته على غير إرادته. وقد تبعد هذه ~~الأقلية عن الأنظار وعن العقل، ولكنها تمسك بزمام الحياة، وهي إحدى ضياع المملكة. وأنا ~~أشد ما أكون دهشة لإمساكها بالزمام عندما أرى عملها. إنها تقدر إدارة صغائر الأمور حتى ~~أنا لا نتوقع لحكمها بقاء ونحن أحيانا نقابل رجالا متأثرين بفكرة معنوية قوية، ~~كحركة وطنية، أو أدبية، أو دينية، ونحس أن الإحساس الخلقي يتحكم في الإنسان والطبيعة. ~~ونحسب أن كل ميزة وكل رابطة أخرى تافهة عرضية، كالطبقة الممتازة أو الطراز الجديد ~~مثلا. ولكن تعال من عام إلى آخر، وانظر إلى ثبات ذلك في حياة المرء في بوسطن أو ~~نيويورك، حيث لا يكون له، كذلك، أدنى طابع من ms255 قانون البلاد. إنك لن تجد في مصر أو في ~~الهند خطا أثبت منه أو أشد مناعة. هنا تجد جماعات تنعقد أواصرها فوق هذا الحاجز أو ~~تحته أو خلاله، كجمعية من التجار، أو فرقة حربية، أو فصل في الجامعة، أو معسكر حول ~~النار، أو جماعة مهنية، أو حزب سياسي أو ديني. الأشخاص هنا يبدو كأنهم يقتربون بعضهم من ~~بعض اقترابا لا ينفصم. ولكن إذ ما انفض هذا الجمع، فإن أعضاءه لن يتقابلوا أثناء العام ~~مرة أخرى. ويرجع كل منهم إلى درجته في سلم المجتمع الصحيح، فيبقى الخزف خزفا والفخار ~~فخارا. إن أهداف العصرية قد تكون تافهة، أو قد تكون العصرية بغير هدف، ولكن طبيعة هذا ~~الاتحاد وهذا الامتياز لا يمكن أن تكون تافهة أو عارضة. إن مرتبة كل فرد في ذلك التدريج ~~الكامل تتوقف على شيء من التوازن في بنائه، أو على شيء من الاتفاق بين بنائه وتوازن ~~المجتمع. وإن أبواب المرتبة العليا لتفض قضبانها لتوها إذا أقبل عليها طالب طبيعي من ~~نوع أبنائها. يجد الجنتلمان الطبيعي طريقه إلى الداخل، ويترك وراءه أقدم النبلاء في ~~الخارج، ما دام قد فقد مرتبته الذاتية. إن الرجال العصريين يعرف بعضهم بعضا. وكرام ~~الأصل وأصحاب التفوق الشخصي من أي بلد سرعان ما يتآخون مع أمثالهم في أي بلد آخر. وقد ~~ميز زعماء القبائل المتوحشة أنفسهم في لندن وباريس بطهارة أذيالهم. # وإذا ذكرنا محاسن العصرية بقدر ما نستطيع قلنا إنها تقوم على الحقائق ولا تمقت شيئا ~~مثلما تمقت الأدعياء. إنها تبتهج لإبعاد المدعين ونعتهم بالإبهام وتفادي الاختلاط بهم ~~إلى الأبد. ونحن بدورنا نزدري كل موهبة أخرى من مواهب رجال الدنيا هؤلاء، ولكن عادة ~~الاعتماد في كل شيء - حتى في أصغر الأمور وأقلها شأنا - على إحساسنا بصحة نفوسنا وحده، ~~هو أساس الفروسية كلها. لا يكاد يكون هناك ضرب من ضروب الاعتماد على النفس، ما دام ~~معقولا متناسبا، لا تتخذه العصرية من حين إلى حين، وتعطيه حرية صالوناتها. # إن الروح المقدسة رشيقة دائما، وإن شاءت، انضمت دون احتكاك ms256 إلى أقوى الحلقات سياجا. ~~ولكن جوك راعي الماشية كذلك يمكن أن ينضم، في أزمة تأتي به إلى هذا المكان، فيلقى ~~قبولا حسنا، ما دام رأسه لا يصاب بالدوار ومن الظروف الجديدة. ولا يميل الحذاء ~~الحديدي إلى رقص الوالتز والكوتلون؛ لأن الآداب ليس فيها شيء ثابت، وإنما يخضع قانون ~~السلوك لنشاط الفرد. وتعتقد الفتاة عند أول ظهورها في قاعات الرقص، والفلاح عندما ~~يتناول الغداء في المدينة، أن هناك طقوسا ينبغي أن تراعى عند أداء كل عمل أو النطق ~~بأية عبارة من عبارات الثناء، وإلا أبعد الفاشل عن مكان الاجتماع. ولكنهما يتعلمان فيما ~~بعد أن الشخصية، وحسن الإدراك، تتخذ صورتها الخاصة في كل لحظة، فتتكلم أو تكف عن الكلام، ~~وتتناول النبيذ أو ترفضه، وتلبث أو تنصرف، وتجلس فوق المقعد أو تتمرغ مع الأطفال فوق ~~الأرض، أو تقف على رأسها، أو تفعل شيئا آخر، بطريقة جديدة أصيلة، وتلك الإرادة القوية ~~هي الطراز الجديد دائما، وليكن من شاء غير عصري. كل ما تتطلبه العصرية رباطة الجأش، ~~ورضى النفس. إن جماعة من الرجال كاملة التربية تكون جماعة من الأشخاص العاقلين، تظهر ~~فيها شخصية كل فرد وآدابه الطبيعية. وإذا كان العصري يعدم هذه الصفة فإنه لا يساوي ~~شيئا. إننا نحب الاعتماد على النفس إلى حد يجعلنا نتسامح في كثير من الخطايا عند الفرد ~~إذا أظهر لنا رضاه التام عن موقفه، فلا يطلب حسن ظني أو ظن أي إنسان آخر فيه. في حين أن ~~أي انقياد لرجل بارز أو امرأة نابهة في هذه الدنيا يضيع كل ميزة من مزايا النبل. إن ~~المرء يكون حينئذ تابعا، ليس لي به شأن، فسوف أتحدث إلى سيده. لا ينبغي للمرء أن يذهب ~~إلى حيث لا يستطيع أن يصطحب دائرته أو جماعته كلها معه، يصطحب جماعة أصدقائه كلها، لا ~~بأجسادهم ولكن بجوهم. يجب أن يحتفظ في الجماعة الجديدة بحالته العقلية وحقيقة صلاته ~~عينها التي يعرضها عليه رفاقه كل يوم، وإلا حرم خير ما لديه من دعائم، وبدا يتيما في ~~أشد المجتمعات مرحا. ms257 «لو استطعت أن ترى فش إيان فوهر بذيله!» ولكن فش إيان فوهر لا بد ~~أن يحمل خصائصه على صورة ما، فإذا لم تكن شرفا يكسبه، فهي عار يتخلص منه. # في المجتمع دائما أشخاص معينون هم كالكواكب المرموقة، تحدد لفتاتهم في كل لحظة لكل ~~متطلع مراكزهم في الدنيا. هؤلاء هم أتباع صغار الآلهة. وعليك أن تقبل برودتهم دليلا ~~على قربهم من عظماء الآلهة، واعترف لهم بكل مزاياهم. إنهم واضحو الأهداف، ولا يمكن أن ~~يكونوا على هذه الرهبة دون أن تكون لهم مزاياهم الخاصة. ولكن لا تقس أهمية هذه الفئة ~~بما تزعم لنفسها، أو تتوهم أن المتحذلق يمكن أن يتصرف في الشرف والعار. إنما هؤلاء ~~يقدرون قدرهم الصحيح. وهل يمكن أن يكونوا غير ذلك في جماعات كأنها مكاتب أقيمت لفحص ~~الشخصيات فحصا دقيقا؟ # وبما أن أول ما يتطلبه المرء من الإنسان هو الحقيقة، فإنها تظهر في كل صورة من صور ~~المجتمع. إننا نقدم أحد الفريقين إلى الآخر في دقة وبالاسم. وكأننا نقول: اعلم أمام ~~الأرض والسماء جميعا أن هذا هو أندرو وذاك هو جريجوري. إن كلا منهما ينظر إلى أخيه ~~في عينيه، ويقبض على يديه، كي يعرف كل منهما الآخر ويميزه. وإن ذلك لرضى عظيم. والرجل ~~المهذب لا يتنصل أبدا. إن عينيه تنظران أمامهما على خط مستقيم، وهو يؤكد للجانب الآخر ~~- قبل كل شيء - أنه قد يستقبله؛ إذ ما الذي نبحث عنه في كثير من الزيارات وحسن ~~الضيافة؟ هل نسأل عن ملبسك، أو صورك، أو زينتك؟ ألسنا نسأل أولا: هل كان في البيت ~~إنسان؟ قد أستطيع أن ألج بسهولة بيتا فخما، فيه كثير من المواد، ومدد فاخر للراحة ~~والترف وحسن الذوق، ولكني برغم ذلك لا ألاقي هناك أي مضيف يجعل هذه النوافل أمورا ~~ثانوية. وقد ألج كوخا وأجد فلاحا يحس أنه الرجل الذي أتيت لأراه، ويجابهني طبقا ~~لذلك. ومن ثم كان من الطبيعي جدا في المجاملات الإقطاعية العتيقة أن الرجل ~~المهذب الذي يستقبل زائرا - حتى إن كان مليكه - لا يترك مسكنه، بل ms258 ينتظر ضيفه عند باب ~~بيته . إن البيت - حتى إن كان التويلري أو الأسكوريال - لا يساوي شيئا إن خلا من سيده. ~~ولكنا مع ذلك كثيرا ما لا نقنع بهذه الضيافة. إن كل من نعرف يحيط نفسه ببيت جميل، ~~وكتب قيمة، وبيوت من الزجاج للنبات، وحدائق، ومعدات، وبكل صنوف اللعب، وكلها حجب تحول ~~بينه وبين ضيفه. ألا يبدو ذلك كأن المرء ذو طبيعة ماكرة مراوغة، ولا يخشى شيئا مثلما ~~يخشى لقاء تاما لزميله وجها لوجه؟ وأنا أعلم أنه من القسوة الشديدة أن يزيل المرء ~~بتاتا استخدام هذه الحجب، التي تمد صاحبها بالراحة القصوى، سواء كان الضيف عظيما ~~جدا أو حقيرا جدا. إننا ندعو كثيرا من الأصدقاء الذين يشغل أحدهم الآخر باللعب، ~~أو نعمد إلى تسلية الشباب بأسباب الترف والزينة، ونحافظ على الاعتزال. إذا أتى إلى ~~بابنا مصادفة رجل واقعي باحث، لا يهمنا أن يرمقنا بنظراته، اندفعنا ثانية إلى الاحتجاب، ~~وأخفينا أنفسنا كما فعل آدم عندما سمع صوت ربه في الفردوس. # كان الكردنال كابرارا، مبعوث البابا في باريس، يحمي نفسه من نظرات نابليون بنظارة ~~ضخمة خضراء. وقد التفت إليها نابليون، وسرعان ما استطاع أن يعمل على إزالتها، ومع ذلك ~~فإن نابليون بدوره لم تبلغ عظمته - برغم ثمانمائة ألف جندي وراءه - حدا يمكنه من ~~مجابهة عينين متحررتين منذ ولدتا، بل كان يقي نفسه بالمجاملات، وفي حواجز مثلثة من ~~التحفظ، وقد تعود - كما يعرف العالم كله من مدام دي ستيل - حينما كان يجد نفسه ملحوظا ~~أن يعفي وجهه من كل تعبير. غير أن الأباطرة والأثرياء ليسوا بأية حالة أمهر أساتذة ~~الآداب الطيبة. # إن قوائم الإيجار ومراتب الجيش لا تبعث الكرامة في رجل يواري ويتوارى. وأهم وجه من ~~وجوه المجاملة يجب أن يكون الصدق دائما كما تشير إلى ذلك حقا كل صورة من صور التربية ~~الصحيحة. # كنت أقرأ منذ عهد قريب، في ترجمة المستر هازلت، قصة مونتيني لرحلته في إيطاليا، ولم ~~أعجب لشيء قط عجبي لطرز ذلك العصر التي تحترم ذاتها. كان وصوله إلى كل مكان، ms259 وصول الرجل ~~المهذب الفرنسي، حدثا له نتائجه؛ فقد كان حيثما حل يقوم بزيارة لأي أمير أو رجل مهذب ~~له وجاهته يقطن في طريقه، كواجب نحو نفسه ونحو المدينة. وعندما يترك بيتا أقام فيه ~~بضعة أسابيع كان يطلب أن تطلى أسلحته وتعلق كعلامة دائمة لهذا البيت، كما كانت عادة ~~الرجال المهذبين. # وإنما تتمم الكرامة هذا الاحترام الجليل للنفس، وهو أشد ما أتطلب وأصر عليه من بين ~~جميع صفات التربية الحسنة. وإني لأحب أن يكون كل كرسي عرشا فوقه ملك، وأوثر الميل إلى ~~العظمة على المبالغة في الزمالة. وليعلمنا الاستقلال ما في الطبيعة من أشياء لا يمكن ~~بلوغها وما لدى الإنسان من عزلة ميتافيزيقية. لا أحب أن يعرف الواحد منا معرفة ~~وثيقة. # وخير للرجل عندي أن يدخل بيته خلال قاعة مليئة بتماثيل الأبطال والقديسين، كي لا ~~تنقصه لمحة من رباطة الجأش واتزان النفس. # يجب أن نلتقي كل صباح كأن كلا منا من بلد أجنبي، وبعدما نقضي نهارنا معا، نفترق في ~~المساء كأن كلا منا راحل إلى بلد غريب. أحب ألا تغزى جزيرة المرء من أية ناحية من ~~النواحي. ولنجلس متباعدين كالآلهة، يتكلم كل منا من فوق قمته، وكلنا حول أولمب. ولا ~~ينبغي أن تضعف هذه السنة أية درجة من درجات المحبة. إنما ذلك هو المر وحصا البان الذي ~~يحفظ غيره حلوا. وعلى العاشق أن يحتفظ بغرابته. فإذا ما بالغ العشاق في التهاون، ~~انزلق كل شيء نحو الاضطراب والوضاعة. ومن اليسير أن ندفع هذه الكرامة إلى حد المجاملات ~~الصينية، بيد أن البرودة وانعدام الحرارة والعجلة كلها من دلائل الصفات الطيبة. إن ~~الرجل المهذب لا يحدث ضجة، والسيدة الكريمة تتصف بالرزانة. إن أولئك الغزاة الذين ~~يملئون البيت المنهمك في العمل بالصياح والعدو كي يظفروا بالقليل التافه من أسباب ~~الراحة إنما يقابلون منا بما يلائم مسلكهم من تأفف. ولست أقل كرها للعطف الشديد ~~الذي يبديه الجار إزاء حاجات جاره. هل لا بد لكل منا أن يدرك ذوق صاحبه تمام ~~الإدراك؟ كما يدرك الغافلون الذين طالت ms260 عشرة بعضهم لبعض متى يريد كل منهم السكر أو ~~الملح. وإني لأرجو رفيقي إن أراد خبزا، وإن أراد نبات الغار أو الزرنيخ أن يطلبهما ~~مني، ولا يمد طبقه إلي كأني أعرف من قبل ما يطلب. كل عمل طبيعي يمكن بالتروي والعزلة ~~أن يكون كريما. ولنتخل عن العجلة للعبيد. إن مزايا تربيتنا وقيمتنا، تستدعي عظمة ~~مصيرنا مهما بعد هذا المصير! # إن زهرة المجاملة لا تحتمل كثرة التقليب بين أيدينا. ولكنا إذا جرؤنا على فتح ورقة ~~أخرى واكتشفنا من أي الأجزاء تتألف وجدنا كذلك صفة ذهنية. إن الذهن - كاللحم والقلب - ~~لا بد أن يكون جانبا من جوانب قادة الرجال. والنقص في الآداب هو عادة نقص في دقة ~~الإدراك، والناس في تكوينهم أشد غلظة من رقة السلوك والعادات الجميلة. إن اتحاد الشفقة ~~بالاستقلال لا يكفي التربية الصحيحة تماما. إنما نحن نتطلب حتما إدراكا للجمال في ~~رفاقنا وولاء له. إن الفضائل الأخرى مطلوبة في الحقل وفي ميدان العمل، ولكن درجة معينة ~~من الذوق لا يستغنى عنها عند أولئك الذين يجالسوننا. وإني لأوثر أن أتناول طعامي مع ~~رجل لا يحترم الحق أو القانون على أن أتناوله مع شخص سيئ البزة قبيح الهندام. إن الصفات ~~المعنوية تحكم العالم، ولكن الحواس تستبد بنا في المسافات القصيرة. وإنك لتجد في جميع ~~نواحي الحياة هذا التمييز عينه لكل ما هو لائق وجميل، وإن يكن أقل عنفا وشدة. إن ~~الروح العامة بين أفراد الطبقة الناشطة هي الحس المرهف الذي يتأثر بحدود معينة ويهدف ~~إلى أغراض معينة. وهو يضم كل موهبة طبيعية. ولما كان هذا الحس اجتماعيا في طبيعته ~~فإنه يقدر كل ما يؤدي إلى الوحدة بين الناس، وهو يبتهج للقياس الصحيح. وليس حب الجمال ~~في أساسه سوى حب القياس أو التناسب الصحيح. إن الشخص الذي يصيح، أو الذي يستعمل صيغة ~~المبالغة، أو يتحدث في حرارة، ينفر منه رواد الصالونات جميعا. إن أردت أن تحب أحب ~~القياس الصحيح. وإن أردت أن تخفي عجزك عن القياس الصحيح فلا بد أن تكون نابغا ms261 أو ذا ~~نفع عظيم. إن هذا الإدراك إنما يصقل أجزاء الأداة الاجتماعية ويؤدي بها إلى الكمال. إن ~~الجماعة تتسامح كثيرا مع النابغين وأصحاب المواهب الخاصة. ولكن لما كانت بطبيعتها ~~تقليدية فإنها تحب التقليد، أو ما يتعلق بالتضامن. وذلك هو ما يخلق الطيب والخبيث من ~~الآداب، أعني ما يعين على الزمالة أو يعوقها؛ لأن النمط الجديد ليس هو الحس المرهف ~~مطلقا، ولكنه حس نسبي، ليس حسا مرهفا خاصا، ولكنه حس مرهف يدخل في حسابه الرفاق. ~~إنه يمقت الزوايا وصفات الشخصية البارزة، يمقت الأشخاص المشاغبين المحبين لأنفسهم ~~المنعزلين المكتئبين، يمقت كل ما يعوق الامتزاج الشامل بين فريق وآخر، في حين أنه يعتبر ~~كل الصفات التي تتفق والزمالة الصحيحة صفات يانعة إلى أقصى الحدود. وإلى جانب شيوع ~~النكتة في الحديث لتوكيد المجاملة، فإن السناء المباشر يشع من القوى الذهنية أمر يرحب ~~به المجتمع الرقيق ويعده أغلى صفة من صفات سلطانه وامتيازه. # يجب أن يشرق في حفلنا الضوء الجاف لكي يجمله، ولكنه يجب أن يخفف وأن يظلل، وإلا ~~أساء إلينا. الدقة لازمة للجمال، والإدراك السريع لازم للأدب، ولكنه لا ينبغي أن يكون ~~سريعا جدا؛ فالمرء قد يكون مواظبا ودقيقا أكثر مما ينبغي. ويجب عليه عندما يقبل ~~على قصر الجمال أن يتخلى عند مدخله عن العلم التام بالأعمال. # إن المجتمع يحب الطبائع المهجنة، والآداب الناعسة المتراخية، بحيث تنطوي على الإحساس، ~~والجلال، والنية الحسنة: جو القوة المسترخية التي تنزع عن النقد السلاح، وربما كان ذلك؛ ~~لأن مثل هذا الشخص يبدو كأنه يحتفظ بنفسه لخير أدوار المباراة، ولا يبذل ذاته فوق ~~السطوح، إنه كالعين المتغافلة، التي لا ترى أسباب الضيق، والحيل، والقلق، مما يجلب ~~الغم، ويكبت صوت كل امرئ حساس. # ولذا فإن المجتمع - فوق القوة الشخصية وقدر من الإدراك يكفي لخلق الذوق الذي لا يخطئ ~~- يتطلب في الطبقة الأصيلة عنصرا آخر أشرنا إليه من قبل، عنصرا تطلق عليه «الطبيعة ~~الطيبة» وهي تسمية لها دلالتها، وهي تعبر عن كل درجة من درجات الكرم، من أدنى رغبة ~~وقدرة على ms262 صنع الجميل، إلى قمم النخوة والمحبة. ولا بد أن تتوفر لدينا البصيرة، وإلا ~~عارض أحدنا الآخر، وضللنا الطريق إلى طعامنا، ولكن الذهن ضحل محب لذاته. # إن سر النجاح في المجتمع إحساس قلبي معين ونوع من العطف. إن الرجل الذي لا يسعد ~~بالرفاق لا يستطيع أن يجد كلمة في ذاكرته تلائم المناسبة. كل ما لديه من معرفة فيه شيء ~~من الفظاظة. أما الرجل الذي يسعد في الجماعة فإنه يجد في كل لون من ألوان الحديث ~~فرصا طيبة متكافئة تقدم لما يريد أن يقول. إن المفضلين في المجتمع ومن يسميهم المجتمع ~~«النفوس الكاملة» رجال قادرون، لديهم من الروح أكثر مما لديهم من الفطنة، تعوزهم ~~الأنانية البغيضة، ولكنهم يملئون الساعة والجماعة تماما، قانعين مقنعين، سواء في زفاف ~~أو مأتم، في مرقص أو محكمة، في رحلة مائية أو مباراة في الصيد. وقد أخرجت إنجلترا، ~~الغنية بالرجال المهذبين، في بداية هذا القرن، مثالا طيبا لهذا النبوغ الذي تحبه ~~الدنيا، وذلك في شخص المستر فوكس، الذي ضم إلى جانب قدراته الفائقة ميلا اجتماعيا ~~شديدا، ومحبة حقيقية للناس. وليس في تاريخ المجالس النيابية أقوال أروع مما جاء في ~~المناقشة التي افترق فيها برك عن فوكس في مجلس العموم، حينما ناشد فوكس صديقه القديم ~~حق الصداقة القديمة في شيء من اللطف استدر دموع النواب جميعا. وهناك حادثة أخرى وثيقة ~~الصلة بموضوعي ولا بد لي أن أخاطر بروايتها: كان هناك تاجر يلح عليه كثيرا في طلب دين ~~له عليه مقداره ثلاثمائة جنيه، وقد ألفاه ذات يوم يعد ذهبا، فطلب إليه أن يدفع الدين، ~~فأجابه فوكس قائلا: «كلا، إني مدين بهذا المال لشريدان، وهو دين وعدت أداءه بكلمة ~~الشرف، فإن وقع لي حادث فلن يجد لدي ما يبرره.» قال الدائن: «إذن فإني أحول ديني ~~إلى دين شريف.» ومزق الصك إربا إربا. فشكر فوكس الرجل على ثقته وأدى له دينه قائلا: ~~«إن دينه قديم، وعلى شريدان أن ينتظر.» وكان يتمتع بسمعة طيبة جدا بين الجماهير، ~~كمحب للحرية، وصديق للهندوس، ونصير لرقيق ms263 أفريقيا. وقد قال عنه نابليون بمناسبة زيارته ~~باريس في عام 1805م: «إن مستر فوكس سوف يمثل الصدارة دائما في أي اجتماع بالتويلري.» # ومن اليسير أن نبدو مضحكين في إطرائنا على المجاملة، كلما أصررنا على أن فعل الخير هو ~~أساسها. إن الصورة الوهمية الملونة للطراز الحديث ترتفع لكي تلقي ضربا من ضروب ~~السخرية على ما نقول. ولكني لن أنزل عن شيء من التسامح لاعتبار الطراز العصري أساسا ~~رمزيا، ولن أنزل كذلك عن الاعتقاد بأن المحبة هي أساس المجاملات. يجب علينا أن نحصل ~~على «هذا» إن استطعنا، كما يجب علينا أن نؤكد «ذاك» بأية وسيلة من الوسائل. إن الحياة ~~تدين بالكثير من روحها لهذا التباين الشديد؛ فالطراز العصري الذي يزعم أنه الشرف ليس في ~~أكثر الأحيان في خبرة الناس جميعا سوى قانون صالة الرقص، ولكن ما دام ذلك هو أعلى ~~الدوائر، كما تتصور خير الرءوس في هذا الكوكب، فلا بد أن يكون فيه شيء ضروري وفائق؛ ~~لأننا لا يصح أن نفترض أن الناس قد اتفقوا على أن يكونوا مخدوعين لأي شيء سخيف، ~~والاحترام الذي توحي به هذه الألغاز إلى أشد الشخصيات غلظة وسذاجة، والشغف الذي نقرأ به ~~تفصيلات الحياة الرفيعة، كل ذلك يدل على حب الآداب المهذبة في كل مكان. وأنا أعلم أننا ~~نحس مفارقة مضحكة إذا ولجنا «الدوائر العليا» المعترف بها، وطبقنا هذه المعايير ~~المزعجة، معايير العدالة والجمال والمنفعة، على الأفراد الموجودين هناك فعلا؛ فالملوك ~~والأبطال، والحكماء والعاشقون، هؤلاء ليسوا قوما شهما. للطراز العصري طبقات متعددة ~~وقواعد كثيرة للتمرين والانتساب، وهو لا يضم الأخيار وحدهم. لا يشترط حق الغزو فقط، ~~الذي يزعم النوابغ - وإنما الفرد الذي يظهر أرستقراطيته الطبيعية يكون من خيار الخيار - ~~بل إن هناك صفات أقل من هذه يمكن قبولها في الوقت الحاضر؛ لأن الطراز الحديث يحب ~~الأسد، ويشير - مثل كيرشي الساحرة - إلى رفيقها ذي القرنين. هذا الرجل المهذب وصل هذا ~~المساء من الدنمارك، وهذا سيدي رايد عاد بالأمس من بغداد، وهنا كابتن فريزر من رأس ~~تيرناجين، وكابتن سمز ms264 من باطن الأرض، ومسيو جوفير الذي هبط هذا الصباح في بالون، ~~ومستر هبنيل المصلح، والمقدس جول بات الذي آمن على يديه كل أبناء المنطقة الحارة في ~~مدرسة الأحد التي يملكها، وسنيور تور دل جريكو الذي أطفأ نيران فيزوف بمياه خليج نابلي ~~التي صبها فيه، وسافي السفير الفارسي، وتل ول شان، أمير نبول المنفي من بلاده، الذي ~~يعد سرجه الطراز الجديد. غير أن هؤلاء أشخاص يبرزون في يوم، ويردون في غد إلى ~~جحورهم وكهوفهم؛ لأن كل مقعد في هذه الحجرات له من يترقبه. إن الفنان والعالم ومن إلى ~~هؤلاء عامة يصعد إلى هذه الأمكنة، ويمثل هنا، على أساس هذا الغزو إلى حد ما. وثمت ~~طريقة أخرى، وهي أن يمر المرء خلال جميع الدرجات، وينفق عاما ويوما في ميدان سنت ~~ميشيل، مغمورا في مياه كولونيا، معطرا، متناولا عشاءه، ومقدما إلى المجتمع، ~~ومؤسسا تأسيسا صحيحا في سير السيدات وسياستهن ونوادرهن. # ومع ذلك فهذه الزخارف قد يكون لها جلالها وحصافتها. ولتكن هناك تماثيل تثير الضحك ~~عند مداخل المعابد وأبهائها، بل ليكن للمذاهب والوصايا العشر الهزل الذي يحاكيها ويخضع ~~لها ولو في سفاهة ووقاحة. إن صيغ الأدب تعبر في كل مكان عن فعل الخير بدرجة شديدة ~~المبالغة. ألا يمكن أن تكون في أفواه المحبين لذواتهم، الذين يستخدمونها وسائل ~~لأنانيتهم؟ وهلا يمكن أن يخرج الجنتلمان الكاذب أخاه الصادق من الدنيا؟ هلا يمكن أن ~~يحاول الجنتلمان الكاذب أن يخاطب زميله في لباقة يستبعد بها كل من عداه من محيط حديثه، ~~ويجعلهم يشعرون كذلك بالاستبعاد؟ إن الخدمة الحقيقية لا تفقد نبلها. ليس كل الكرم ~~فرنسيا وهوائيا فحسب، ولا يصح أن يخفى أن الدم الحي وعاطفة الشفقة تميز في النهاية ~~بين الجنتلمان الرباني والجنتلمان المصطنع. إن العبارة المكتوبة على قبر سر جنكن جروت ~~ليست غامضة كل الغموض لأبناء العصر الحديث وهي: «هنا يرقد سر جنكن جروت الذي أحب صديقه ~~وأغرى عدوه. ما طعمه فمه دفعت ثمنه يده، وما اغتصبه خدمه رده. إذا أمتعته امرأة أعانها ~~في الألم. لم ينس ms265 أطفاله قط، ومن مس أصبعه جر وراءه جسده كله.» وحتى سلالة الأبطال لم ~~تنقرض تماما. ما زال هناك شخص يدعو إلى الإعجاب في ثياب عادية، يقف على المرفأ، ويقفز ~~إلى الماء لإنقاذ رجل غريق. ما زال هناك رجل يفتعل الأسباب لدفع الصدقات. هناك من يرشد ~~ومن يعزي العبيد الآبقين. هناك من يحب بولندا، ومن يحب اليونان. هناك المتحمس الذي يزرع ~~الشجر ليظلل الجيل الثاني والثالث من بعده، ومن يزرع بساتين الفاكهة في شيخوخته. هناك ~~الورع المختفي تماما. هناك الرجل العادل ذو السمعة السيئة، والشاب الذي يخجل من ~~فضائل الثراء. فيلقي بها جزعا على عواتق الآخرين. هؤلاء هم مراكز المجتمع، التي يدور ~~عليها ليجد البواعث الجديدة. هؤلاء هم خالقو الطراز العصري، وهو محاولة لتنظيم جمال ~~السلوك. إن الجميل والكريم كلاهما نظريا من رجال الكنيسة ورسلها. هم سبيو وسيد وسر ~~فيليب سدني وواشنجطن وكل قلب نقي باسل ممن قدس الجمال قولا وعملا. # إن الأشخاص الذين تتألف منهم الأرستقراطية الطبيعية لا يوجدون في الأرستقراطية ~~الواقعية، أو هم حافتها فقط، شأنهم في ذلك شأن الطاقة الكيماوية للطيف الضوئي تكون على ~~أشدها خارج الطيف قليلا. ومع ذلك فإن كبار الحجاب لا يعرفون مليكهم عندما يظهر لما في ~~نفوسهم من خور. إن نظرية المجتمع تفترض وجود هؤلاء كما تفترض سلطانهم. إنها تتكهن ~~بمقدمهم من بعيد، وهي تنشد مع الآلهة القدامى: # كما أن السماء والأرض يفوقان جمالا # الهيولى والظلام المطلق، ومنهما انبعثا، # وكما نفوق هذه السماء وتلك الأرض تماسكا وجمالا # من حيث الشكل والصورة، # فكذلك يأتي في إثرنا كمال جديد، # قوة، أشد جمالا، وقد تولدت عنا، # وقدر لها أن تبزنا نورا # كما نبز ذلك الظلام القديم جلالا، # ذلك هو القانون الأبدي، # ما بز جمالا بز نفوذا. # ومن ثم فإن في داخل دائرة المجتمع الطيب التي تقوم على أساس السلالات دائرة أضيق ~~وأعلى، هي ضوءها المركز، وهي زهرة المجاملات، تتم دائما في مخبرها عن الكرامة ~~والأصالة، كأنها الصفوة الممتازة التي لا تنال، أولئك هم النواب الذين يمثلون المحبة ms266 ~~والشهامة. وإنك لواجد ذلك كله في أولئك الذين يكون الميل إلى البطولة فيهم أمرا ~~طبعيا، الذين يحبون الجمال، ويبتهجون للرفاق، ويقدرون على زبرجة الساعة الراهنة. إذا ~~استعرضنا اليوم الأفراد الذين تتألف منهم أنقى دوائر الأرستقراطية في أوروبا، أصحاب ~~الدماء التي صانتها القرون، على صورة تمكننا من فحص مسلكهم، ناقدين أحرارا، فقد لا نجد ~~رجلا مهذبا أو امرأة مهذبة؛ لأنهم قد يكونون أنماطا ممتازة في الكياسة وحسن ~~التربية، نرضى عنهم جماعات، إلا أنا نكشف عن سوءاتهم فرادى؛ لأن الرشاقة لا تأتي ~~بالتربية، وإنما تأتي بالطبيعة. # لا بد أن يكون للشخصية رونقها، وإلا فلا جدوى من استبعاد النقائص مهما دق هذا ~~الاستبعاد. إنما تتجه العبقرية هذا الاتجاه، ولا يكفي أن يكون الرجل كيسا، إنما ~~ينبغي أن يكون الكياسة عينها. والسلوك الرفيع نادر في القصص الخيالية ندرته في الواقع. ~~إنما يحمد لسكت الإخلاص الذي صور به مسلك الطبقات العليا وأحاديثها. وليس من شك في أن ~~الملوك والملكات، والنبلاء وكرائم السيدات، كان لهم بعض الحق في الشكوى من سخف الكلام ~~الذي نسب إليهم قوله قبل أيام ويفرلي، بيد أن محاورات سكت لا تحتمل النقد كذلك. كان ~~اللوردات في قصصه يجرؤ أحدهم على الآخر في أحاديثه المقتضبة الحازمة، ولكن الحوار ينساق ~~في أسلوب عادي، ولا يسر إذا قرئ للمرة الثانية، إنه لا ينبض بحرارة الحياة. عند شكسبير ~~وحده لا نرى المتكلمين يتبخترون زهوا أو يتشامخون، والحوار عظيم في سهولة، وهو يضم إلى ~~الألقاب الكثيرة لقب أحسن الناس تربية في إنجلترا وفي العالم المسيحي. إن الفرد لا يجد ~~في حياته إلا مرة أو مرتين فرصة التمتع بسحر الآداب النبيلة في حضرة رجل أو امرأة لا ~~يقف أمام طبيعتهما حاجز، ولكن شخصيتيهما تعبران عن نفسهما بحرية في الكلمات والحركات. إن ~~القوام الجميل أحسن من الوجه الجميل، والسلوك الجميل أحسن من القوام الجميل. إنه يعطينا ~~متعة أعظم من التماثيل والصور، إنه أجمل ما في الفنون الجميلة. ليس الرجل إلا شيئا ~~صغيرا وسط ما في الطبيعة من أشياء، ولكنه ms267 بالصفة المعنوية التي تشع من طلعته يستطيع أن ~~يهدم كل اعتبار من اعتبارات العظمة، ويستطيع بآدابه أن يضارع جلال الدنيا. # رأيت رجلا آدابه تدخل كلها في نطاق تقاليد الطبقة الرفيعة، ولكنه - برغم ذلك - لم ~~يتعلمها هناك، وإنما كانت آدابه أصيلة متسلطة، تتصف بالوقاية والنجاح. إنه رجل لم يكن ~~بحاجة إلى معونة زي البلاط، ولكنه يشع جلال التقديس من عينيه. لقد أبهج الخيال لأنه فتح ~~أبواب الوسائل الجديدة للعيش على مصاريعها، ونفض عن نفسه أسر الرسميات في آداب ~~المعاشرة، بمسلكه الموفق القوي، وطبيعته الطيبة، وحريته التي يحاكي بها حرية روبن هود. ~~ومع ذلك فطلعته طلعة الملوك، وإن اقتضت الضرورة فهو هادئ رزين قادر على أن يقاوم تحديق ~~الملايين. # الهواء الطلق والحقول، والشارع والقاعات العامة هي الأماكن التي ينفذ فيها الرجل ~~إرادته. وعليه أن يسلم الصولجان أو يقتسمه عند باب البيت. والمرأة بغريزة سلوكها سرعان ~~ما تكشف في الرجل حب التوافه، وأي برودة أو غباء، أو - في عبارة موجزة - أي نقص في ذلك ~~السلوك الطبيعي الكريم الذي لا يستغني المرء عن التحلي به في الصالون. وقد توددت إلى ~~المرأة نظمنا الأمريكية، وفي هذه اللحظة، أعد تفوق النساء في هذا البلد ميزة كبرى. إن ~~نوعا من الإحساس الشاذ عند الرجال بنقصهم قد ينشأ عنه ضرب من ضروب الشهامة الجديدة ~~التي تدافع عن «حقوق المرأة». إن المرأة قد تتحسن مكانتها قطعا في القوانين وفي ~~الأوضاع الاجتماعية، ولكني أثق كل الثقة في طبيعتها الملهمة الموسيقية، حتى إني لأعتقد ~~أنها هي وحدها التي تستطيع أن ترينا كيف تقدم لها الخدمات. إن كرمها العجيب في عواطفها ~~ينقلها أحيانا إلى مناطق البطولة والألوهية. ويحقق صور منرفا أو جونو أو بولمنيا. ~~وإنها لتقنع أغلظ الحاسبين بأن هناك طريقا آخر غير الطريق الذي تطؤه أقدامهم، وذلك ~~بالثبات الذي ترتقي طريقها به. ولكن إلى جوار أولئك اللائي يحلين في خيالنا مكانة إلهات ~~الشعر وكاهنات دلفي، أليس هناك من النسوة من يملأن كئوسنا ومزاهرنا بالخمر والورد حتى ~~حافاتها، فيجري الخمر أنهارا ويمتلئ ms268 البيت بالعطور، ومن يلهمنا حسن المعاشرة ، ومن ~~يفككن عقدة في ألسنتنا فننطق بها، ويكملن أعيننا فنرى بها؟ # إننا نقول عبارات ما كنا نحلم بالتفوه بها؛ لأن جدران تحفظنا الذي ألفناه تنهار ~~لأول مرة وتتركنا أحرارا. كنا أطفالا نلعب مع أطفال في حقل من الزهور فسيح. ثم ~~صحنا: اغمرونا بهذه المؤثرات أياما وأسابيع نصبح شعراء لامعين، ونكتب القصص الخيالية ~~- التي تتمثل فيكن - في كلمات متنوعة الألوان. هل هو حافظ أو الفردوسي الذي قال عن ~~ليلاه الفارسية إنها كانت قوة من قوى الطبيعة الأصيلة وأذهلتني بمقدار ما عندها من حياة ~~عندما شهدتها تشع يوما بعد يوم - في كل لحظة - فرحا زائدا وجلالا فائقا على كل من ~~كان حولها؟ لقد كانت عنصرا من عناصر التحليل يوفق بين كل الأشخاص المتنافرين في مجتمع ~~واحد، عنصرا - كالماء أو الهواء - له من بعد الصلات ما يجعله يتحد فورا بآلاف المواد. ~~إذا حضرت ارتفع كل من عداها عما كان عليه. كانت وحدة وكانت كلا، حتى إن كل ما فعلت ~~كان يلائمها. كان عطفها ورغبتها في إدخال السرور على غيرها أشد مما تستطيع التعبير عنه، ~~وكانت آدابها تتميز بالكرامة، ومع ذلك فلم تستطع أن تتفوق عليها أميرة في مسلكها الواضح ~~المستقيم في أية مناسبة من المناسبات. لم تتعلم قواعد اللغة الفارسية ولا قصائد ~~المعلقات السبع، ولكن لكأن المعلقات السبع كلها قد نظمت فيها. لم تكن بطبيعتها تميل ~~إلى التفكير، وإنما تميل إلى العطف، ولكنها برغم ذلك قد بلغت في طبيعتها حدا من ~~الكمال يمكنها من مقابلة رجال الفكر بقلبها المليء، فتدفئهم بعواطفها، مؤمنة بأن ~~معاملها النبيلة للجميع، سوف تجعل الجميع يبدو نبيلا. # وأنا أعلم أن هذه الكومة البيزنطية من صفات الشهامة والعصرية، التي تبدو جميلة رائعة ~~لأولئك الذين ينظرون إلى الحقائق المعاصرة باحثين عن العلم أو التسلية، أعلم أن هذه ~~الصفات لا تسر الناظرين إليها بدرجة واحدة. إن تكوين مجتمعنا يجعلها قلعة عملاق للشباب ~~الطموح الذين لم يجدوا أسماءهم مدونة في كتابها الذهبي، والذين أبعدتهم عن مزاياها ~~وألقابها ms269 الشرفية المشتهاة. إن هذا الشباب لم يدرك بعد أن فخامتها الظاهرية نسبية ~~غامضة. إنها عظيمة لأنهم متسامحون، وإن أشد أبوابها فخامة لينفتح فورا إذا اقتربت منها ~~شجاعتهم وفضائلهم. وعلى أية حال فإن هناك دواء ميسورا يشفي من الألم الحالي أولئك ~~الذين يعانون من قسوة هذه الصفة المميزة. # إن البعد بالمسكن ميلين أو أربعة على الأكثر يخفف عادة أقصى ضروب الحساسية؛ لأن ~~المزايا التي يقدرها العصريون نباتات تزهر في موضع محلي جد محدود، وخاصة في شوارع ~~معدودة. فإذا بعدت عن هذه البيئة أصبحت عديمة القيمة، فهي لا تفيد في الحقل، أو الغابة، ~~أو السوق، أو الحرب، أو الحياة الزوجية، أو في الدوائر الأدبية والعلمية، أو في البحر، ~~أو الصداقة، أو في سماء الفكر والفضيلة. # ولكنا تلكأنا طويلا في هذه الدور المزخرفة. إن قيمة الشيء الذي ترمز له لا بد أن ~~تبرر لنا استساغة الرمز. إن كل ما نسميه بالعصري أو المجاملة يخضع أمام مبعث الشرف ~~ومنبعه، وخالق الألقاب والكرامات، أقصد قلب الحب. هذا هو الدم الملكي، وهو النار التي ~~تترك أثرها في جميع البلدان وفي كل المناسبات، وتغزو كل ما يقترب منها وتمدده. وهو الذي ~~يكسب كل واقعة معاني جديدة. إنه يفقر الغني؛ لأنه لا يحتمل عظمة غير عظمته. ما معنى ~~الغنى؟ هل يكفي غناك أن تعين إنسانا ما؟ وأن تساعد العامة من الناس وشواذهم؟ هل يكفي ~~غناك أن تجعل الكندي في عربته، والمتجول الذي يحمل توصية من قنصله «لكل محسن»، ~~والإيطالي الأسمر بكلماته الإنجليزية القليلة المتعثرة، والسائل الأعرج الذي يطارده ~~المراقبون من بلد إلى بلد، بل والأبله الفقير أو الرجل المخبول المحطم أو المرأة ~~المسلوبة العقل المتهدمة، هل يكفي غناك أن يجعل أمثال هؤلاء يحسون أن وجودك وبيتك ~~استثناء نبيل من الزمهرير السائد والتحجر المنتشر. وأن يجعل أمثال هؤلاء يحسون أنهم ~~يتلقون التحية منك بصوت يدفعهم إلى تذكر الماضي والأمل في المستقبل؟ # إنما الانحطاط أن ترفض الطلب بسبب الحواجز والموانع، وليس السمو إلا أن تسمح به، وأن ~~تحرر قلبهم وقلبك ms270 يوما من الحذر القومي. إنما الثري متسول دنيء إذا لم يكن له قلب غني. ~~كما أن ملك شيراز لم يستطع أن يسخو كما سخا عثمان الفقير الذي كان يسكن عند بابه. كانت ~~لعثمان إنسانية واسعة عميقة. ومع أن كلامه عن القرآن كانت فيه جرأة، وكان فيه حرية ~~اشمأز لها الدراويش، إلا أن كل منبوذ فقير، وكل شاذ أو أبله أو معتوه قص لحيته أو فقد ~~طرفا من أطرافه تنفيذا لعهد أو كان في رأسه مس من جنون، كل هؤلاء كانوا يهرعون إليه - ~~فذلك القلب العظيم كان يستلقي هناك وسط البلاد مشمسا جوادا - وكأن غريزة كل مكابد ~~تجذبه إلى جواره، ولكنه لم يقتبس شيئا من الجنون الذي كان يأويه. أليس هذا غنى؟ إنما ~~هذا وحده هو الثراء الحق. # ولا يؤلمني أن أسمع أني لا أحسن القيام بدور جليس الأمير، وأني أتكلم عن أمور لا أحسن ~~فهمها. ومن اليسير أن ترى أن ما نطلق عليه الامتياز، من مجتمع وذوق عصري، له قوانينه ~~الطيبة كما أن له قوانينه السيئة، وفيه كثير مما يلزم وكثير مما لا يلزم، فهو أحسن من ~~أن نبعده، وأسوأ من أن نباركه. وهو يذكرنا بتقليد معروف في الأساطير الوثنية كلما ~~حاولنا أن نحدد صفته. قال سبلينس: «استمعت إلى جوف ذات يوم وهو يتحدث عن تحطيم الأرض. ~~قال إنها قد هوت؛ فالناس جميعا سفلة أوغاد يسيرون من سيئ إلى أسوأ كلما توالت ~~الأيام.» # وقالت منيرفا: «إنها لا تظن ذلك؛ فليس الناس سوى مخلوقات صغيرة مضحكة، تتميز بهذه ~~الصفة العجيبة، وهي أن فيها شيئا من الإبهام، وأن لها وجها غير محدود، يتوقف على نظرك ~~إليه من بعيد أو من قريب. إن قلت إنهم خبثاء ظهروا كذلك، وإن قلت إنهم طيبون بدوا كذلك. ~~وليس بينهم شخص واحد أو عمل واحد لا يحير بومها - بل ويحير أولمبس كله أكثر مما يحيره ~~- فلا يعرف إن كان طيبا أو خبيثا في أساسه.» # | السياسة # لا يصلح الذهب والحديد # إلا لشراء الذهب والحديد. # وإنما يباع بما يساويه ms271 # كل ما فوق الأرض من صوف الغنم أو من طعام. # إن مرلن المتنبئ الحكيم # برهن على أن نابليون عظيم. # كل سلعة وكل عملة # لا تشتري أكثر من قيمتها شيئا. # الخوف، والدهاء، والجشع # لا تقوم عليها دولة من الدول. # وهل تبنى من التراب # ما يفوق التراب؟! # لا بد لفيبس أن يقيم # أسوار أمفيون المتراكمة. # عندما تلتقي إلهات الفن التسع # بآلهة الفضائل. # ثم يجدون جميعا مقعدا أطلنطيا # على ما يهوون من طراز # يتقي الحرارة # بأغصان البساتين الزاهرة # حيث يحرث رجل الدولة # الأخاديد للقمح، # حينما تكون للكنيسة قيمة في المجتمع، # وحيثما يكون مقر الحكم عند موقد النار، # حينئذ تسود الدولة الكاملة، # ويشعر الجمهوري بالأمان. # عندما نعالج موضوع الدولة، يجب أن نذكر أن نظمها ليست أزلية، بالرغم من أنها قد وجدت ~~قبلما نولد. يجب أن نذكر أن كل نظام من هذه النظم كان ذات يوم عمل رجل بمفرده، وأن كل قانون ~~وكل عادة كان حيلة رجل يقابل بها موقفا بعينه. يجب أن نذكر أنها جميعا يمكن أن ~~تحاكى، ويمكن أن تتغير. نستطيع أن نسن مثلها، بل وأحسن منها. المجتمع وهم الشاب. إنه ~~يمتد أمامه صورة جامدة لا تتحرك، وفيه أسماء ورجال ونظم تمتد جذورها وسط الصورة كأنها ~~شجر البلوط، وينظم الجميع أنفسهم حولها على أحسن ما يستطيعون من نظام. ولكن السياسي ~~العجوز يعرف أن الجماعة مائعة، ليست بها جذور ولا أوساط، وإنما تستطيع أية ذرة أن تصبح ~~فجأة مركز الحركة. وترغم ما دونها على أن يدور حولها، كما يفعل كل رجل ذي إرادة قوية. ~~مثل بزستراتس أو كرمويل، لفترة ما، وكل رجل صادق، مثل أفلاطون أو بولس، إلى الأبد. غير ~~أن السياسة تقوم على أسس ضرورية، ولا يمكن أن تعامل باستخفاف. # ما أكثر الجمهوريات التي يتوهمها المدنيون، الذين يعتقدون أن القوانين تصنع المدن، ~~وأن التعديلات الجوهرية في السياسة وفي أساليب المعيشة، وأعمال السكان، وأن التجارة ~~والتربية والدين يمكن أن يصوت لها أو عليها، وأن كل إجراء - حتى إن كان سخيفا - يمكن ~~فرضه على شعب ms272 من الشعوب إذا استطعت أن تحصل على الأصوات التي تكفي أن تجعله قانونا. ~~ولكن الحكماء يدركون أن التشريع السخيف حبل من الرمال يتلاشى عند لفه، ويدركون أن ~~الدولة يجب أن تتبع - لا أن تقود - شخصية المواطن وتقدمه، وإن أقوى مغتصب يجب التخلص ~~منه فورا. فلا يبني بناء أبديا سوى أولئك الذين يشيدون على أساس الآراء، كما يدركون ~~أن شكل الحكومة الذي يسود إنما هو تعبير عن لون الثقافة الذي يسود بين السكان الذين ~~يسمحون به. ليس القانون إلا تذكرة. والناس يعتقدون في الخرافة، ويهابون الدستور بعض ~~الشيء، وقوة هذا الدستور تتناسب ومقدار حياته في تكوين الأحياء. # إن الدستور يقوم بيننا ليقول: بالأمس اتفقنا على كيت وكيت، ولكن كيف تحس يا صاح اليوم ~~إزاء هذه المادة من مواده؟ دستورنا عملة ندمغها بصورتنا، وسرعان ما تمحي الصورة، فلا ~~تعرف العملة، وبمرور الزمن تعود إلى دار السكة. ليست الطبيعة ديمقراطية، وليست ملكية ~~مقيدة، ولكنها مستبدة، ولا يخدعها أو يغل ذرة من سلطانها أشد أبنائها سلاطة وقحة. وكلما ~~اشتد الوعي القومي إدراكا تبين أن القانون همجي يتلعثم. إنه لا ينطق بفصاحة، ويجب أن ~~نجعله فصيحا. وفي الوقت عينه لا تقف تربية الوعي القومي عند حد. إن أحلام الصادقين ~~السذج تنبئ بما سوف يحدث. إن ما يحلم به الشباب الشاعر الرقيق، وما يتمناه، وما يصوره ~~اليوم، ولكنه يتفادى السخرية من ذكره علنا، سوف يكون قريبا مما تصمم عليه الهيئات ~~العامة، ثم يصبح ضيما وحقوقا يطالب بها عن طريق النزاع والقتال، ويمسي بعدئذ قانونا ~~ظافرا ومؤسسة تبقى مائة عام، حتى تتخلى بدورها لأمان جديدة وصور جديدة. إن تاريخ ~~الدولة يصور في رسم تخطيطي تقدم الفكر، ويتبع من بعيد الخطوط الدقيقة التي تتألف منها ~~الثقافة والأماني. # إن نظرية السياسة التي استولت على عقول الناس، والتي عبروا عنها أحسن ما استطاعوا من ~~تعبير في قوانينهم وفي ثوراتهم، تعتبر الأشخاص والأملاك الشيئين اللذين من أجل وقايتهما ~~تقوم الحكومة. أما الأشخاص فلهم جميعا حقوق متساوية؛ لأنهم متكافئون في الطبيعة. ~~وهذا ms273 الرأي يتطلب - بطبيعة الحال - بكل ما فيه من قوة نوعا من الديمقراطية. وبينما ~~تكون حقوق الجميع - كأشخاص - متساوية، بسبب إمكانهم بلوغ العقل، فإن حقوقهم في الملك ~~تختلف كل الاختلاف؛ فهذا رجل لا يملك إلا ثيابه، وذاك آخر يملك قطرا بأسره. وهذه ~~المصادفة تتوقف أولا على مهارة كل فريق ومزاياه، مهارته التي تنقسم درجات لا حصر ~~لها، وتتوقف ثانيا على الميراث. ولذا نراها تقع وقوعا لا مساواة فيه، ومن ثم فإن ~~ما تجلب من حقوق لا تتوفر فيه بالطبع المساواة. ولما كانت الحقوق الشخصية هي عينها في ~~كل مكان فإنها تتطلب حكومة تقوم على أساس نسبة الملك والمالكين. فمثلا لابان الذي يملك ~~قطعان الغنم والماشية يود أن يرعاها ضابط عند الحدود خشية أن يطردها مديانتز، ويدفع ~~ضريبة لهذا الغرض. أما يعقوب فإنه لا يملك قطعانا من الغنم أو الماشية، ولذا فهو لا ~~يخشى مديانتز ولا يدفع ضريبة للضابط. وقد تبين أن لابان ويعقوب يجب أن يتساويا في حق ~~انتخاب الضابط الذي يحمي شخصيهما، في حين أن لابان وحده - دون يعقوب - هو الذي يجب أن ~~ينتخب الضابط الذي يحمي الأغنام والماشية. فإذا أثير موضوع زيادة الضباط أو مراكز ~~الحراسة، أفلا يجب أن يكون لابان وإسحق وأولئك الذين يتحتم عليهم أن يبيعوا جانبا من ~~قطعانهم لكي يشتروا حماية بقيتها، أحسن في الحكم، وأحق به، من يعقوب الذي - بحكم كونه ~~شابا رحالة - يأكل خبزهم دون خبزه؟ # كان المالكون في المجتمع الأول يكونون ثروتهم بأنفسهم، وما دامت تأتي إلى ~~المالكين بالطريق المباشر، فإن أي جماعة منصفة لا يمكن أن يظهر فيها رأي غير أن ~~المالكين يجب أن يضعوا قانون الملكية، والأشخاص قانون الأشخاص. # ولكن الثروة تنتقل بالهبة والميراث إلى أولئك الذين لم يجمعوها. والهبة - في الحالة ~~الأولى - تجعل الثروة حقا للمالك الجديد كما كانت بالعمل ملكا للمالك الأول. أما ~~في الحالة الثانية - حالة الميراث - فإن القانون يجعل الملكية حقا يثبت شرعا في نظر كل إنسان ~~طبقا لتقديره للأمن العام. # غير أنه لم يكن من اليسير ms274 أن يتجسم المبدأ الذي يسلم به الجميع دون مشقة، وهو المبدأ ~~الذي يقرر أن المالكين يجب أن يسنوا قانون الملكية، ويسن الأشخاص قانون الأشخاص؛ ذلك ~~لأن الأشخاص والأملاك قد امتزجوا في جميع المعاملات. وأخيرا يظهر أن الرأي العام استقر ~~على أن العدل يقضي بأن تكون للمالكين حقوقا انتخابية أكثر مما يتمتع به غير المالكين، ~~وفقا للمبدأ الإسبرطي الذي «يسمي كل عدل مساواة، ولا يسمي كل مساواة ~~عدلا.» # ولا يبدو هذا المبدأ اليوم واضحا كما بدا في سالف الأيام، وذلك من ناحية لأننا بتنا ~~نشك في هذا الاهتمام الزائد بالملك في القوانين، وهذا الاتجاه في تقاليدنا الذي يسمح ~~للغني بأن يعتدي على الفقير، وأن يبقيه على فقره، ومن ناحية أهم لأن هناك إحساسا ~~غريزيا مهما يكن غامضا مبهما بأن نظام الملك بأسره - بقواعده الراهنة - ضار، ~~وتأثيره على الأشخاص محط بهم مؤخر لهم، وأن الأشخاص حقا هم وحدهم الجديرون باهتمام ~~الدولة، وأن الملك سوف يتبع الأشخاص دائما، وأن الغرض الأسمى للحكومة هو تثقيف الناس، ~~وإذا أمكن تعليم الناس فإن النظم السائدة سوف تسهم في إصلاحهم، وإحساسهم الخلقي سوف ~~يكتب لهم قانون الأراضي. # فإذا لم يكن من اليسير أن نحكم بالإنصاف في هذا الموضوع، فإن الخطر يقل إذا وجهنا ~~التفاتنا إلى دفاعنا الطبيعي. إنا بذلك نكون أحسن حراسة لأنفسنا من رعاية أمثال ~~هؤلاء الحكام الذين نختارهم عادة. # إن الجانب الأكبر من المجتمع يتألف دائما من أشخاص صغار غافلين. أما الشيوخ الذين ~~شاهدوا نفاق المحاكم ورجال الحكم فإنهم يموتون دون أن يتركوا حكمة لأبنائهم؛ فهؤلاء ~~يصدقون صحيفتهم الخاصة كما كان آباؤهم يفعلون وهم في مثل سنهم. وبمثل هذه الأغلبية ~~الجاهلة المخدوعة سرعان ما تنهار الدول. بيد أن هناك حدودا لا تستطيع حماقة الحكام ~~وأطماعهم أن تتخطاها؛ فللأشياء قوانينها، كما للرجال، وتأبى الأشياء التلاعب بها. ~~والملكية سوف تحمى. والقمح لا ينمو إلا إذا زرع ووضع له السماد، ولكن الفلاح لن ~~يزرعه أو يفلحه، إلا إذا كان الترجيح بنسبة المائة إلى الواحد بأنه سوف يجمعه ويحصده؛ ms275 ~~فالأشخاص والملك - تحت أية هيئة من الهيئات - لا بد أن يظفروا بالحكم العادل، وسوف ~~يظفرون به. إنهم يمارسون قواهم باطراد كما تمارس المادة جاذبيتها، فإنك إن أخفيت رطلا ~~من التراب بطريقة ماكرة لم يسبقك إليها أحد، وإن شتته أجزاء وجزيئات، وإن أذبته سائلا، ~~وإن حولته إلى غاز، فإنه سوف يزن الرطل دائما، وسوف يجذب ويقاوم غيره من المواد دائما ~~بمقدار ثقل الرطل كاملا. وصفات الشخص، وذكاؤه وقواه المعنوية، لا بد أن تمارس قوتها ~~كاملة، تحت أي قانون من قوانين الاستبداد المطلق، إن لم يكن صراحة ففي الخفاء، وإن لم ~~يكن مع القانون فضده، وإن لم يكن بطريقة سليمة فبأخرى مسمومة، بالحق أو بالقوة. # ومن المستحيل أن نبين حدود التأثير الشخصي؛ لأن الأشخاص أعضاء ذوو قوى معنوية وخارقة. ~~وقوى الأشخاص لا يمكن أن تكون موضعا للحساب تحت سلطان فكرة تستولي على عقول الجماهير، ~~كالحرية المدنية، أو العاطفة الدينية. إن أمة أبناؤها يميلون بالإجماع نحو الحرية، أو ~~الغزو، تستطيع بسهولة أن تحير حساب الإحصاء، وتنجز أعمالا مسرفة، لا تتناسب البتة وما ~~لديها من وسائل، كما فعل الإغريق، والعرب، والسويسريون، والأمريكان، والفرنسيون. # وكذلك لكل ذرة من ذرات الملكية جاذبيتها الخاصة. ويمثل السنت كمية معينة من القمح أو ~~غيره من السلع، وقيمته في ضرورات الجانب الحيواني من الإنسان. إنه يساوي قدرا معينا ~~من الدفء، ومن الخبز، والماء، والأرض. وقد يفعل القانون ما يشاء بصاحب الملك، ولكن قواه ~~العادلة سوف تظل ملتصقة بالسنت. ويستطيع القانون في صيحة جنونية أن يقول إن لكل شيء قوة ~~ما خلا أصحاب الملك، لن تكون لهم أصوات. غير أن الملكية بقانون أسمى - بالرغم من ذلك - ~~سوف تدون، عاما بعد عام، دستورا شاملا يحترم الملكية، وسوف يصبح غير المالك مسجلا ~~للمالك. وما يريد الملاك أن يفعلوه سوف تفعله قوى الملكية بأسرها، سواء عن طريق ~~القانون، أو عن طريق مخالفة القانون. وإني طبعا أتحدث عن كل الملكيات، ولا أتحدث فقط ~~عن الضياع الكبرى. وإذا ما غلب الأثرياء في الانتخاب، كما يحدث غالبا؛ ms276 فإنما يكون ذلك ~~لأن ملكية الفقراء المشتركة تفوق ما جمع الأثرياء، فإن كل فرد يملك شيئا ما، حتى إن ~~كان بقرة، أو عربة، أو أسلحته، ولذا فإن لديه هذا الملك يتصرف فيه. # والضرورة عينها التي تضمن حقوق الأشخاص والملكيات ضد خبث الحاكم وحماقته، تحدد صورة ~~الحكم ووسائله، التي تلائم كل أمة، وطرق تفكيرها، ولا يمكن نقلها إلى ألوان أخرى من ~~المجتمع. ونحن في هذا البلد فخورون جدا بنظمنا السياسية، التي تتفرد بأنها نشأت - في ~~حدود ما يذكر الأحياء من الرجال - عن صفات الشعب وظروفه، التي ما زالوا يعبرون عنها ~~بإخلاص كاف. ونحن نظهر إيثارنا لها على غيرها مما رواه التاريخ. إنها ليست أحسن، ولكنها ~~أشد ملاءمة لنا فحسب. وقد يكون من الحكمة أن نفرض في العصور الحديثة مزايا الشكل الديمقراطي. ~~ولكن في ألوان أخرى من المجتمع، التي يقدس فيها الدين الشكل الملكي، كان هذا الشكل ~~دون غيره هو اللائق بها. الديمقراطية خير لنا لأن العاطفة الدينية في العصر الحديث ~~أكثر اتفاقا معها. ولما كنا ديمقراطيين مولدا، فلسنا أهلا للحكم على الملكية، ~~التي كانت صحيحة نسبيا عند آبائنا الذين عاشوا في الفكرة الملكية. غير أن نظمنا - رغم ~~تطابقها مع روح العصر - لا تخلو البتة من العيوب العملية التي وصمت بها الأشكال ~~الأخرى؛ فكل دولة تفسد عند تطبيقها. والرجال الصالحون لا ينبغي لهم ألا يخضعوا للقانون ~~خضوعا تاما. وأية سخرية من الحكومة يمكن أن تساوي قسوة النقد الذي تتضمنه كلمة ~~«السياسة» التي كانت تدل لعدة عصور خلت على «المكر»، مشيرة إلى أن الدولة إن هي إلا ~~خدعة وحيلة؟ # وهذه الضرورة البريئة عينها وهذه الإساءة في التطبيق ذاتها تظهر في الأحزاب التي ~~تنقسم إليها كل دولة، من معارضين ومؤيدين لإدارة الحكومة. والأحزاب تقوم كذلك على ~~الغرائز، ولها مرشدون خير من حكمة زعمائها يقودونها إلى أغراضها الخاصة المتواضعة. وليس ~~في نشأتها أي اعوجاج، ولكنها تحدد في شيء من الجمود نوعا من العلاقة الواقعية الدائمة. ~~ولا نعدو الحكمة إذا نحن أنحينا باللائمة على حزب سياسي ms277 لا يستطيع أعضاؤه، في الأغلب، ~~أن يبرروا موقفهم، ولكنهم يقفون موقف الدفاع من تلك المصالح التي يجدون أنفسهم في ~~غمارها، إلا بمقدار ما نعدوها إذا أنحينا باللائمة على الرياح الشرقية أو الصقيع، إنما ~~يبدأ نضالنا معهم حينما يهجرون هذا الأساس الثابت الطبيعي بإشارة من زعيم، وعندما ~~يخضعون للاعتبارات الشخصية فيتشبثون بالمحافظة على أمور معينة والدفاع عنها، أمور لا ~~تتعلق البتة بمبادئهم. إنما تفسد الأمور الشخصية الحزب دائما. # وقد نبرئ الجماعة من الخيانة، بيد أنا لا نستطيع أن نشمل الزعماء بهذا التسامح ~~عينه؛ فهم يحصدون مزايا الانصياع والحماسة عند الجماهير التي يوجهونها. وأحزابنا في ~~العادة أحزاب ظروف لا أحزاب مبادئ، كالصراع القائم بين مصلحة المزارعين ومصلحة التجار، ~~وبين أصحاب رءوس الأموال والعمال، وهي أحزاب متفقة في صفتها المعنوية، ويمكنها بسهولة ~~أن تتبادل الأوضاع في تأييد الكثير من أعمالها. أما أحزاب المبادئ، مثل الطوائف ~~الدينية، أو حزب حرية التجارة، أو الانتخاب العام، أو إلغاء الرق، أو إلغاء حكم ~~الإعدام، فهي تنحدر إلى خلافات شخصية، أو توحي بالحماسة. # إن عيب أحزابنا الرئيسية في هذا البلد (الذي يمكن أن تذكر مثالا حسنا لهذه ~~الجماعات الفكرية) هو أنها لا تستند إلى الأساس المتين الضروري الذي ينتمي كل منها ~~إليه، ولكنها تتحمس أشد الحماسة لاتخاذ إجراء محلي وقتي، لا يفيد المصلحة العامة ~~في شيء. أما عن الحزبين الكبيرين اللذين يكادان في هذه الساعة أن يقتسما الأمة ~~بينهما، فإني أقول إن أحدهما يضم أحسن المبادئ، ويضم الآخر خير الرجال. يود ~~الفيلسوف والشاعر ورجل الدين بطبيعة الحال أن يدلي بصوته للديمقراطي، ولحرية التجارة، ~~والانتخاب العام، وإلغاء القساوة الشرعية في قانون العقوبات، والتيسير بكل الوسائل ~~للشباب والفقراء بالظفر بمصادر وسائل الثروة والنفوذ، ولكنه قلما يقبل الأشخاص الذين ~~يقترحهم له ما يسمونه بالحزب الشعبي ممثلين لهذه الحريات؛ فهم لا يؤمنون بقلوبهم ~~بالأهداف التي تعطي كلمة الديمقراطية ما تنطوي عليه من معاني الأمل والفضيلة. إن روح ~~الراديكالية الأمريكية هدامة لا ترمي إلى غرض. إنها لا تحب، وليست لها أهداف بعيدة أو ms278 ~~مقدسة، ولكنها هدامة فقط لما تنطوي عليه من كراهية وأنانية. والحزب المحافظ من ناحية ~~أخرى يتألف من أكثر السكان اعتدالا وقدرة وثقافة، ولكنه جبان، لا يهمه إلا أن يدافع ~~عن الملكية. إنه لا يبرر حقا، ولا يتطلع إلى خير حقيقي، ولا يصم جرما، ولا يقترح ~~سياسة كريمة، إنه لا يبني، ولا يكتب، ولا يحمي الفنون، أو يحتضن الدين، أو يؤسس ~~المدارس، أو يشجع العلم، أو يحرر العبيد، أو يصادق الفقير، أو الهندي، أو المهاجر. ولا ~~يتوقع العالم من أي الحزبين - حينما يظفر بالسلطة - نفعا في علم أو فن أو إنسانية، ~~نفعا يتفق وموارد الأمة. # ولست من أجل هذه العيوب يائسا من ديمقراطيتنا. لسنا تحت رحمة أية موجة من موجات ~~المصادفة؛ ففي نضال الأحزاب الكاسرة تجد الطبيعة الإنسانية دائما نفسها معززة، كما ~~وجد أن أطفال المجرمين في خليج بوتاني لهم من الإحساس الخلقي السليم ما لغيرهم من ~~الأطفال. # إن المواطنين في الولايات الإقطاعية يزعجهم أن تهوي مؤسساتنا الديمقراطية إلى الفوضى. ~~وقد تعلم الشيوخ والحذرون منا عن الأوروبيين أن ينظروا بشيء من الفزع إلى حريتنا ~~المضطربة. يقال إنا في تسامحنا في تفسير الدستور، وفي استبداد الرأي العام، لا نرسو ~~على مرفأ. وقد يظن مشاهد أجنبي أنه يجد صمام الأمن في قدسية الزواج عندنا، ويظن غيره ~~أنه واجدها في مذهبنا الكلفني. أما فشر آمز، فقد عبر عن الضمان الشعبي بطريقة أحكم ~~حينما وازن بين الملكية والجمهورية فقال: «إن الملكية كالسفينة التجارية، تشق الأبحار، ~~ولكنها قد ترتطم أحيانا على صخرة وتهوي إلى القاع، في حين أن الجمهورية كالعوامة، لا ~~تغطس أبدا، غير أن قدميك تكونان في الماء دائما.» لا يمكن أن تكون للأشكال أهمية ~~خطرة، ما دامت قوانين الأشياء تصادقنا، ولا يهمنا البتة كم طنا يكون ثقل الجو الذي ~~يضغط على رءوسنا، ما دام في داخل رئتينا ضغط مساو له يقاومه. إنك إن ضخمت الكتلة ألف ~~ضعف فلن تسحقنا ما دام رد الفعل يساوي الفعل. # إن حقيقة القطبين، والقوتين، الطاردة والجاذبة، قاعدة عامة، وكل ms279 قوة بفعلها الخاص ~~تنمي القوة الأخرى . الحرية الهمجية تقوي الضمير الحديدي. وانعدام الحرية - بتقوية ~~القانون والتقاليد - يميت الضمير، ولا يسود الحكم العرفي إلا إذا زادت شدة الزعماء ~~وقدرتهم على الاحتفاظ بذواتهم أكثر مما ينبغي. ولا يمكن أن يدوم حكم الرعاع؛ فإن ~~مصلحة كل فرد تتطلب زواله، ولا يرضي الجميع سوى العدالة. # يجب أن نثق ثقة لا حد لها في الضرورة النافعة التي تضيء خلال جميع القوانين. إن ~~الطبيعة البشرية تعبر عن نفسها فيها تعبيرا مميزا كما تعبر عن نفسها في التماثيل أو ~~الأغاني أو الخطوط الحديدية، وخلاصة قوانين الأمم ليست سوى تسجيل للضمير العام. إن ~~الحكومات قد نشأت عن تشابه الناس في التفكير؛ فالسبب عند أحدهم سبب عند الآخر، وعند كل ~~من عداه. وهناك طريق وسط يرضي جميع الأحزاب، مهما كثر عددها، ومهما اشتد تعصبها. يجد كل ~~فرد تصديقا لأبسط مطالبه وفعاله في قرارات من عقله يسميها «الحق» و«العدل الإلهي». ~~ويجد جميع المواطنين اتفاقا تاما في هذه القرارات، وفيها وحدها، لا فيما يطيب أكله ~~أو ارتداؤه، وفي حسن استخدام الوقت، وفي مساحة الأرض أو المعونة العامة التي يستحق أن ~~يطالب بها كل فرد. وسرعان ما يحاول الناس تطبيق هذا الحق وهذه العدالة على قياس الأرض، ~~وتقسيم الخدمات، وحماية الحياة والملك. وليس من شك في أن محاولاتهم الأولى ملتوية ~~معوجة، ومع ذلك فالحق المطلق هو الحاكم الأول، أو قل إن كل حكومة هي حكومة دينية لا ~~تخلو من الشوائب. إن الفكرة التي تهدف كل جماعة إليها كي تسن قانونها وتعدله هي ~~إرادة الرجل الحكيم. ولا تستطيع الجماعة أن تجد الرجل الحكيم في الطبيعة، فهي تبذل ~~جهدا ملتويا وإن يكن جادا كي تحقق حكمه بالحيلة، وذلك مثلا بأن تدفع الشعب كله ~~إلى التصويت على كل إجراء، أو بالانتخاب على مرتين تجريه كي تحصل على من يمثل الجميع، ~~أو بانتخاب خير المواطنين، أو بالحصول على مزايا الكفاية والأمن الداخلي بتخويل الحكم ~~رجلا واحدا يستطيع أن يختار بنفسه معاونيه. # إن كل أشكال الحكومات ترمز ms280 إلى حكومة أبدية، مشتركة بين كل الجماعات، بغض النظر عن ~~عدد أفرادها، فهي كاملة إذا وجد من الرجال اثنان، وكاملة إذا لم يوجد غير رجل ~~واحد. # إن طبيعة كل فرد إعلان كاف له عن صفة زملائه. الصواب والخطأ عندي، هما الصواب ~~والخطأ عندهم. وما دمت أعمل ما يلائمني وأمتنع عما لا يلائمني، فإني وجاري سوف نتفق ~~غالبا في وسائلنا، ونعمل معا مدة من الزمن لهدف واحد. ولكني حينما أجد أن سلطاني على ~~نفسي لا يكفيني، وأتعهد بتوجيه جاري كذلك، أتخطى الحقيقة، وأفسد علاقتي به. وقد يتوفر ~~لي من المهارة أو القدرة ما لا يتوفر له، فلا يستطيع أن يحسن التعبير عن شعوره ~~بالإساءة، ولكن ذلك خداع، يصيبه بالأذى ويصيبني ككل خداع آخر. والحب والطبيعة لا يمكن ~~أن يؤيدا هذه الدعوى، وإنما يجب أن تنفد بالخداع العملي، أقصد بالقوة، وهذا التعهد بعمل ~~الآخرين هو الخطأ الجسيم الذي تقع فيه حكومات العالم فيجعلها مرذولة ممقوتة. والأمر ~~يختلف في الأعداد الكبيرة عنه في الزوج، ولكنه لا يفهم في الحالة الأولى بالوضوح الذي ~~يفهم به في الحالة الثانية. # إني أستطيع أن أرى جيدا فرقا كبيرا بين أن أقصر نفوذي على نفسي، وبين أن أحاول ~~أن أجعل غيري يعمل وفقا لآرائي. ولكن إذا زعم ربع الجنس البشري أنه يوجهني إلى ما ~~ينبغي لي عمله، فقد يجبرني هذا الظرف إلى درجة لا أرى معها بجلاء سخف ما يدعونني إليه. ~~ومن ثم فإن الأهداف العامة كلها تبدو غامضة خيالية إلى جانب الأهداف الشخصية؛ لأن ~~أي قانون، ما خلا ذلك الذي يسنه الناس لأنفسهم، مدعاة للضحك. إذا وضعت نفسي موضع طفلي، ~~ووقفت وإياه إزاء فكرة واحدة، ورأينا أن الأمور هي كذا أو كذا، فإن هذا الذي نرى هو ~~القانون لي وله. فكلانا هناك، وكلانا يعمل. أما إذا كنت أتدبر أمره - دون أن أشركه في ~~الفكر - وأحدس كيف يكون الأمر معه، وأقضي بهذا أو ذاك، فإنه لن يطيعني. هذا هو تاريخ ~~الحكومات، رجل واحد يعمل شيئا يربط به غيره، ms281 رجل لا يمكنه أن يتعرف بي يفرض علي ~~ضريبة، وينظر من بعد إلي، ويحكم بأن ينصرف جانب من عملي إلى ذلك الغرض الهوائي، الذي ~~يتراءى له دون أن يتراءى لي. الضرائب هي الدين الذي أشد ما يكون الناس ميلا عن دفعه. ~~وما أشد هذه السخرية من الحكومة! إن الناس يعتقدون أنهم يحصلون على ما يساوي ما لهم في ~~كل شأن سوى هذا. # ولذا فكلما ضعف سلطان الحكومة كان ذلك خيرا لنا، وكذلك كلما قلت القوانين وقل ~~النفوذ الذي نوليه ثقتنا. والبلسم الذي يقي من شر هذه الحكومة الرسمية هو تأثير شخصية ~~الفرد، ونمو الفرد، وظهور الأصل ليحل محل الصورة، أو ظهور الرجل الحكيم الذي يجب أن ~~نقر بأن الحكومة القائمة ليست سوى محاكاة ممسوخة له. # إن ذلك الذي تميل الأشياء جميعا إلى استخلاصه، وذلك الذي تتآزر الحرية، والثقافة، ~~وتبادل العملات، والثورات، على تكوينه وإخراجه، هو الشخصية. ذلك هو هدف الطبيعة: أن ~~تبلغ تتويج ملكها هذا. إنما تقوم الدولة لتربية الرجل الحكيم، وبظهور الرجل الحكيم ~~تنتهي الدولة. إن ظهور الشخصية يجعل الدولة أمرا لا ضرورة له. الرجل الحكيم هو ~~الدولة. إنه ليس بحاجة إلى جيش أو حصن أو أسطول، إنه شديد الحب للناس. لا يجذب الأصدقاء ~~إليه رشوة، أو وليمة، أو قصر، ولا أساس المنفعة أو الظروف المواتية. إنه ليس بحاجة إلى ~~مكتبة لأنه لم يفكر، أو كنيسة لأنه نبي، أو كتاب قانون لأن لديه واضع القانون، أو مال ~~لأنه القيمة، أو الطريق لأنه في بيته حيثما يكون، ولا خبرة لأن حياة الخالق تخترقه وتطل ~~من عينيه. ليس له أصدقاء شخصيون؛ لأن من يملك السحر الذي يجتذب دعاء الناس جميعا ~~وتقواهم لا يحتاج إلى زوج وقل من يربيهم، كي يشاطروه حياة شاعرية منتقاة. علاقته بالناس ~~ملائكية، وذكراه دواء لهم، ووجوده عطر وزهر. # إنا نحسب أن مدينتنا قد اقتربت من ذروتها، ولكنا ما زلنا عند صياح الديك ونجم ~~الصباح. إن تأثير الشخصية في مجتمعنا الهمجي لا يزال في طفولته. ويكاد وجوده لا ms282 يحس ~~كقوة سياسية أو كسيد شرعي ينزل كل حاكم عن عرشه. وقد فات ذلك مالتس وريكاردو تماما، ~~«والسجل السنوي» صامت، ولم يدون ذلك في «قاموس المحادثات»، ولم يرد له ذكر في رسالة ~~الرئيس، أو خطاب الملكة، ولكنه - برغم ذلك - لا يكون عدما قط. كل فكرة يلقي بها ~~النبوغ والتقوى في هذا العالم تغير وجه الأرض. ويحس المقاتلون بالسيوف وهي بين صفوف ~~الجيش وجود القيمة الحقة، برغم ما يرتدون من ثياب القوى التي تنعدم فيها الأصالة. ~~وأعتقد أن النضال نفسه في سبيل التجارة والأطماع ليس سوى اعتراف بهذه الصفة المقدسة، ~~والنجاح في هذه الميادين هو العوض القليل، أو ورقة التين التي تحاول أن تغطي بها عريها ~~النفس المستحية. وإني أجد مثل هذا الاتجاه الملتوي في كل صقع من الأصقاع. إنا نسارع ~~إلى إظهار شيء من قدرتنا العقلية عوضا عن القيمة الحقيقية؛ لأنا نعرف مقدار ما يجب ~~علينا أداؤه. إن الإحساس بحق عظمة الشخصية هذه يطاردنا، ولكنا لا نخلص له. غير أن لكل ~~منا نوعا من القدرة العقلية، ويستطيع أن يؤدي شيئا نافعا، أو جليلا، أو مريعا، ~~أو مسليا، أو مربحا. إنا نقوم بذلك، اعتذارا لغيرنا ولأنفسنا؛ لأنا لم نبلغ حد ~~الحياة الطيبة المتساوية. بيد أن ذلك لا يرضينا، وإن كنا نلقي به تحت ملاحظة ~~الرفاق. وقد يعمي بصائرهم، ولكنه لا يبسط أسارير وجوهنا، أو يعطينا اطمئنان الأقوياء ~~حينما نسير في الخارج. # إننا نقدم الكفارة حيثما حللنا. وقدرتنا العقلية نوع من الاستغفار. ونحن مكرهون على ~~التأمل في أية لحظة من اللحظات يتم فيها عمل عظيم، ونحن لها خاشعون، كأنها أمر جلل، ~~وليست فصلا من عدة فصول، وتعبيرا صادقا عن طاقتنا الدائمة. إن أكثر الأشخاص القادرين ~~يلتقون في المجتمع بشيء من التجاذب الخفي. وكأن كلا منهم يقول: «لست هنا بكليتي.» ~~وأعضاء مجلس الشيوخ، ورؤساء الولايات، قد تسنموا الذروة بكثير من الألم، لا لأنهم ~~يعتقدون أن المكانة العليا تريحهم خاصة، وإنما فعلوا ذلك اعتذارا عن القيمة الحقيقية، ~~ولكي يبرروا رجولتهم في أعيننا. هذا المقعد ms283 البارز هو تعويضهم لأنفسهم عن طبيعتهم ~~الضعيفة الباردة الجامدة. يجب أن يفعلوا ما يستطيعون. وما أشبههم في ذلك بنوع من حيوان ~~الغاب ليس له سوى ذنب قابض، ولا بد له أن يتسلق أو أن يزحف. وهل إذا وجد المرء نفسه ~~غنيا في طبيعته إلى درجة تمكنه من الدخول في علاقات دقيقة مع خير الأشخاص، فيجعل ~~الحياة صافية حوله بما في مسلكه من كرامة وعذوبة، هل يستطيع مثل هذا الرجل أن يرضى ~~بالمزايا الكاذبة للصحابة واجتماعات الانتخابات النيابية، ويشتهي العلاقات الجوفاء التي ~~تنم عن الأبهة والعظمة، علاقات رجال السياسة؟ ليس من شك في أن من يستطيع أن يكون مخلصا ~~لا يرضى أن يكون دجالا. # إن اتجاهات العصر الحاضر تؤيد فكرة الحكم الذاتي، وتترك الفرد - في كل الشرائع - إلى ~~ما يوقعه عليه دستوره الخاص من جزاء وعقوبة، وهذا الدستور يعمل بنشاط لا نتصوره، في حين ~~أنا نعتمد على القيود المصطنعة. وقد ظهرت في التاريخ الحديث الحركة التي تسير في هذا ~~الاتجاه ظهورا واضحا. وما أكثر ما فيها من طيش وانحطاط. غير أن طبيعة الثورة لا ~~تتأثر برذائل الثائرين؛ لأن الثورة قوة معنوية بحتة. لم يتميز بها قط أي حزب في ~~التاريخ، ولا يمكن أن يتميز بها؛ لأنها تفصل الفرد من كل حزب، وتوحده - في الوقت نفسه - ~~بالجنس كله. إنها تبشر بالاعتراف بحقوق أسمى من حقوق الحرية الشخصية، أو ضمان الملكية. ~~لكل امرئ الحق في أن يعمل، وأن يكون محل ثقة، وأن يحب وأن يحترم. # إن قوة الحب لم تجرب قط كأساس للدولة. يجب ألا نتصور أن كل شيء يسير نحو الفوضى، ~~إذا كان كل بروتستانتي رقيق الحس لا يرغم على القيام بنصيبه في الأوضاع الاجتماعية ~~المعروفة، ولا ينبغي كذلك أن نشك في أنه ليس من الممكن أن تعبد الطرق، وأن ترسل ~~الخطابات، وأن تكفل للعمل ثمرته، إذا انتهى حكم القوة. وهل بلغت وسائلنا الآن حدا ~~من الامتياز يجعل كل منافسة عديمة الجدوى؟ بل هل لا تستطيع أمة من الأصدقاء أن تخترع ~~وسائل ms284 أحسن من هذه؟ ومن ناحية أخرى، لا يخشى أشد الناس تحفظا وجبنا شيئا من إلقاء ~~السلاح ونظام القوة قبل الأوان؛ فإنه طبقا لنظام الطبيعة، الذي يسمو كثيرا على ~~إرادتنا تسير الأمور في هذا الاتجاه. وتقوم حكومة القوة دائما إذا اتصف الناس بحب ~~الذات. وعندما يصفون إلى درجة تجعلهم ينكرون ناموس القوة، يبلغون من الحكمة ما يجعلهم ~~يدركون كيف يمكن أن تؤدى هذه الأغراض العامة، أغراض البريد، والطرق العامة، والتجارة، ~~وتبادل الملك، والمتاحف، والمكتبات، ومؤسسات الفن والعلم. # إننا نعيش في حالة وضيعة جدا من الدنيا، وندين بالولاء - بالرغم منا - لحكومات ~~تقوم على أساس القوة. وليس عند أشد الناس تدينا وعلما في أكثر الأمم دينا ومدنية، ~~اعتماد على الإحساس الخلقي، واعتقاد كاف في وحدة الأشياء، مما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن ~~المجتمع يمكن أن يسير بغير قيود مصطنعة، كما يسير النظام الشمسي، أو أن المواطن الفرد ~~يمكن أن يكون عاقلا، وجارا طيبا، دون التلويح بالسجن، أو مصادرة الأملاك. ومن عجب ~~كذلك أنه لم يكن بنفس أي إنسان إيمان كاف بالقدرة على الإصلاح، مما يوحي إليه خطة عامة ~~لتجديد الدولة على مبادئ الحق والمحبة. كل من زعموا هذه الخطة كانوا مصلحين جزئيين، ~~اعترفوا بسلطان الدولة على صورة من الصور. ولست أذكر إنسانا واحدا أنكر بإيمان سلطة ~~القوانين، على هذا الأساس البسيط، أساس طبيعته الخلقية الخاصة. أمثال هذه الخطط، قد تنم ~~عن منتهى النبوغ وغاية التقدير، ولكنا لا نرحب بها كصور مثالية إلا نفاقا. وإذا ~~اجترأ الفرد الذي يعرضها على احتسابها خططا عملية فإنه ينفر منه العلماء ورجال ~~الكنيسة، ولا يستطيع الرجال ذوو المواهب، أو النساء ذوات العواطف السامية، أن يخفوا ~~ازدراءهم لها، ولا يقل عن ذلك ما تدأب الطبيعة عليه من ملء قلوب الشباب بالإيماء ~~بالحماسة؛ فهناك الآن جماعة من الرجال - إن جاز لي أن أتكلم بصيغة الجمع - أو إن نشدت ~~الدقة قلت إني كنت أتحدث منذ حين إلى رجل واحد، لا يحمل من عبء الهوى والتحيز ما يظهر ~~له في لحظة واحدة استحالة ms285 أن يتبادل ألوف البشر أسمى العواطف وأبسطها، كما تتبادلها ثلة ~~من الأصدقاء، أو زوج من العاشقين. ms286