######OpenITI# #META# URI: 1450AnwarIbrahim.MisrMinNasirIlaHarbUktubir.Hindawi79395094 #META# Tags: history #META# ID: 79395094 #META# Title: مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر: من أرشيف سفير #META# AuthorID: 40826424 :: 84815835 #META# Author: فلاديمير فينوجرادوف :: فلاديمير بيلياكوف #تقديم# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 82403864 #META# Translator: أنور إبراهيم #META# Related_books: 1418VladimirVinogradov (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # المقدمة‏ # لقاءات مع ناصر‏ # مصر: زمن الفتنة‏ # محمد أنور السادات‏ # ملاحظات على هوامش كتاب‏ # مقدمة‏ # المقدمة‏ # لقاءات مع ناصر‏ # مصر: زمن الفتنة‏ # محمد أنور السادات‏ # ملاحظات على هوامش كتاب‏ # | مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر # | مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر # | من أرشيف سفير # تأليف # فلاديمير فينوجرادوف # تقديم # فلاديمير بيلياكوف # ترجمة # أنور إبراهيم # | مقدمة # اعتدت منذ أيامي الأولى في البعثة إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على ~~درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة موسكو الحكومية؛ أن أزور المكتبات ~~لجمع ما تيسر من الكتب في تخصصي؛ «تاريخ الأدب الروسي» (أي الأدب ~~الروسي الكلاسيكي قبيل ثورة 1917م). # كانت ردهات الجامعة أيضا مكانا مميزا للحصول على كافة إصدارات ~~دور النشر السوفييتية، فضلا عن الإصدارات الجامعية وإصدارات ~~أكاديميات العلوم في كافة التخصصات، وقد لفت انتباهي وفرة الكتب ~~التي تتناول دراسة مصر والمنطقة العربية في مجالات التاريخ والفنون ~~والسياسة والأدب، وهنا لم يكن أمامي سوى أن أتخير من بينها ما رأيت ~~أنه على درجة من الأهمية للباحثين والمؤرخين وطلاب العلم. # وقد بدأت فور عودتي في ترجمة عدد من المقالات في المجلات ~~والدوريات، جمعتها لاحقا في كتاب، ثم شرعت في ترجمة كتب في التاريخ ~~والسياسة، وهي كتب تضم بين صفحاتها وثائق مجهولة بالنسبة لنا نظرا ~~لثراء الأرشيف الروسي بهذه المخطوطات. الآن أقدم عبر «مؤسسة ~~هنداوي» المحترمة حصيلة ما أنجزته خلال سنوات طويلة من العمل في ~~ترجمات صدرت عن دور نشر مرموقة، وجدت جميعها صدى جيدا لدى ~~القراء والباحثين وأساتذة الجامعات المهتمين. # أنور إبراهيم # القاهرة 2021م # | المقدمة # في العشرين من أكتوبر عام 2011م، احتفلت جمعية الدبلوماسيين الروس ~~بالذكرى التسعين لميلاد واحد من أبرز أعضائها؛ فلاديمير ميخايلوفيتش ~~فينوجرادوف (2 أغسطس 1921م، فينيتسه، 21 يونيو 1997م، موسكو). وفي ~~الكلمة التي ألقاها الابن الأكبر لفينوجرادوف، ألكسندر فلاديميروفيتش، ~~أشار إلى وجود العديد من المخطوطات في أرشيف والده، وهي مخطوطات لم ~~تنشر من قبل، وتتعلق على وجه الخصوص بعمله سفيرا للاتحاد السوفييتي لدى ~~كل من مصر وإيران. # وما إن انتهت الأمسية حتى توجهت ms001 إلى ألكسندر فلاديميروفيتش معبرا له ~~عن اهتمامي بهذه المخطوطات. وقد عرض علي قائمة كبيرة من الأعمال ~~ذات الأهمية، نصف دستة منها تخص مصر، حيث عمل فلاديمير ميخايلوفيتش بها ~~بدءا من أكتوبر عام 1970م وحتى أبريل 1974م بوصفه سفيرا مفوضا فوق ~~العادة للاتحاد السوفييتي. وحيث إنني كنت شديد الاهتمام بالأمر، فقد ~~طلبت منه أن يسمح لي بالتعرف على هذه المخطوطات وأنا على يقين أنها ~~تمثل قيمة كبرى لقطاع عريض من الجمهور. # أطلق فلاديمير فينوجرادوف على الفترة التي عمل فيها سفيرا لدى مصر ~~اسم «زمن الفتنة»، وكان محقا في ذلك؛ فقد كان مستقبل مصر آنذاك، ~~والتي فقدت لتوها جمال عبد الناصر، الزعيم البارز لحركة التحرر الوطني، ~~يكتنفه الغموض. وقد بدأ أنور السادات، الذي خلف ناصر في منصب الرئيس، ~~بدأ شيئا فشيئا في تغيير سياسة البلاد. وها هي مصر تتحول أكثر فأكثر ~~من التعاون الوثيق مع الاتحاد السوفييتي باتجاه التحالف مع الولايات ~~المتحدة الأمريكية. وخلال ذلك كانت النوايا الحقيقية للرئيس تتخفى في ~~كثير من الأوقات وراء التأكيدات على الولاء للنهج الناصري. كانت مصر ~~بحاجة إلى دعم الاتحاد السوفييتي، وقد ترك التعاون مع بلادنا في العديد ~~من المجالات أثره الإيجابي على الجزء الأكبر من السياسيين المصريين ~~وعلى المصريين البسطاء. خلاصة القول، في هذا الوقت تحديدا، تشكل اتجاه ~~التطور القادم لمصر، واستمر، مع القليل من التعديلات، حتى أحداث يناير ~~2011م. # في غضون ذلك، تناولت المراجع الروسية في مطلع السبعينيات الأحداث ~~التي وقعت في مصر بالدراسة، وإنما على نحو اتسم بالعمومية. # 1 # والكتاب الوحيد الذي ظهر باللغة الروسية، والذي يعود إلى ~~هذه الفترة كان مكرسا لحرب أكتوبر 1973م، أضف إلى ذلك أن مؤلفه كان مصريا. # 2 # أما التراث الذي تركه فلاديمير فينوجرادوف فيمثل قيمة أكبر ~~بالنسبة لنا. # إلى القاهرة جاء فلاديمير ميخايلوفيتش يحمل على كتفيه خبرة عظيمة في ~~العمل الدبلوماسي؛ خمس سنوات سفيرا لبلاده لدى طوكيو (1962-1967م)، ~~وثلاث تلتها شغل فيها منصب نائب وزير خارجية الاتحاد السوفييتي. كان ~~مهتما بالدرجة الأولى، بطبيعة الحال، بمشكلات العلاقات السوفييتية ms002 ~~المصرية، فضلا عن أنه أولى مستقبل مصر نفسها اهتماما بالغا. كان ~~يتابع الصحافة المحلية يوميا، ويلتقي بسياسيين مصريين وأجانب ~~بانتظام. كان يدرس الوضع «من داخله»، وهو جانب شديد الأهمية. # واصل فلاديمير فينوجرادوف عمله الدبلوماسي بنجاح بعد عودته إلى بلاده ~~بعد أن أنهى خدمته بالقاهرة، ليصبح منذ عام 1977م وحتى 1982م سفيرا ~~للاتحاد السوفييتي لدى إيران. وهناك كان شاهدا على أحداث الثورة ~~الإسلامية التي وقعت في عام 1979م، وهو ما يتحدث عنه في عمله الأساسي ~~الذي يحتفظ به في أرشيفه. ثم، وعلى مدى سنوات، يرأس وزارة خارجية ~~جمهورية روسيا الاتحادية. # ثلاثة من أربعة أعمال يضمها هذا الكتاب؛ «لقاءات مع ناصر»، «محمد ~~أنور السادات: رتوش على صورة»، و«تعليقات على هوامش كتاب محمد حسنين ~~هيكل (الطريق إلى رمضان)» # 3 # كتبها «في حينه» فلاديمير فينوجرادوف في عام 1975م فور ~~عودته من القاهرة، وهو ما تؤكده التواريخ المسجلة على المخطوطات. وهي ~~تنشر هنا للمرة الأولى عن النص المكتوب بالآلة الكاتبة بتحرير المؤلف. ~~أما فيما يتعلق بالعمل المعنون «مصر: زمن الفتنة. مذكرات سفير الاتحاد ~~السوفييتي»، فقد كتب على الأرجح في منتصف الثمانينيات (لا توجد تواريخ ~~على المخطوطة)، وهو ما تؤكده، على وجه الخصوص، بعض النصوص التي تم ~~الاستشهاد بها مما كتبه عام 1975م، ثم التنويه في الخاتمة إلى أحداث مثل ~~اتفاق كامب ديفيد ووفاة السادات. نشرت «مذكرات سفير الاتحاد السوفييتي» ~~للمرة الأولى في العدد الثاني عشر من مجلة «زناميا» («الراية») عام # 4 # 1988م، ثم نشر جزء منها في كتيب فلاديمير فينوجرادوف «مشاهد ~~من العمل الدبلوماسي». # 5 # وقد أضيف بالكامل في كتاب مذكرات فلاديمير فينوجرادوف الذي ~~نشر بعد وفاته. # 6 # وقد رأيت أنه من المناسب إضافة هذا العمل أيضا لهذا ~~الكتاب؛ إذ بدونه تصبح صورة مصر في عام 1970م ناقصة. وهو ينشر هنا ~~استنادا إلى نسخة مكتوبة بالآلة الكاتبة طبق الأصل من مخطوطة ~~المؤلف. # من الجائز أن يختلف قارئ اليوم مع بعض تقديرات المؤلف، لكن أعمال ~~فينوجرادوف هي وثائق زمنه، رؤية شاهد عيان لأحداث حددت لزمن طويل ms003 مصير ~~مصر نفسها والصراع العربي الإسرائيلي أيضا. وهنا تكمن بلا شك أهمية ~~هذه التقديرات. # فلاديمير بيلياكوف # | لقاءات مع ناصر # رأيت ناصرا للمرة الأولى في ظروف استثنائية؛ ففي فبراير عام 1970م ~~كلفت باستدعاء مراد غالب، # 1 # سفير مصر لدى موسكو، وقلت له: «الآن، نحن في النصف الأول ~~من اليوم، وأنا أبلغك بناء على طلب الرئيس ناصر أنه سيصل إلى موسكو في ~~زيارة سرية، وسوف نتوجه معا من الوزارة مباشرة إلى المطار ~~لاستقباله.» # لم يبد غالب اندهاشا. كان يعلم أن ناصرا لا يولي ثقة لشفرة جهازه ~~الدبلوماسي، ولعله لم يكن يوليها أيضا لبعض العاملين في الجهاز. ~~وبالفعل لقد طلب ناصر أن نرتب الأمر بحيث لا يعرف بزيارته أحد من ~~المصريين في موسكو عدا السفير وحده. ذهبت مع السفير إلى المطار وهناك ~~شاهدت ناصرا للمرة الأولى. # كانت المباحثات في موسكو ناجحة. تم تسليم مصر أسلحة جديدة للدفاع ~~الجوي، وكان من الضروري إرسال أطقم سوفييتية إلى مصر بصفة مؤقتة. # لم يفكر ناصر بعد عودته إلى القاهرة أن يوقف ما عرف باسم «حرب ~~الاستنزاف». استمر تبادل إطلاق النيران عبر القناة، بينما راح ~~الإسرائيليون يوجهون ضرباتهم الجوية إلى المناطق المصرية في العمق. لم ~~يؤد هذا الوضع إلى نتائج عملية في تغيير عناد إسرائيل، وإنما زادت ~~الموقف توترا. أما الضحايا من الجانب المصري فقد راحوا، بشكل رئيسي، ~~هباء. # في هذا الوقت أدار الاتحاد السوفييتي مباحثات مكثفة مع الأمريكيين ~~بهدف إيجاد حلول سلمية للصراع # Conflict # في الشرق الأوسط. وقد سارت الأمور بشكل سيئ؛ بسبب الموقف المتعنت الذي ~~اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية، والذي كان مؤيدا تماما لإسرائيل. ~~وفي الوقت نفسه، فقد أظهر العرب أيضا تطرفا تجاه الموقف المتشدد من ~~جانب إسرائيل، فلم يوافقوا، كما بدا، على الصياغات المعقولة في التسوية ~~السياسية. # لقد تراكم عدد من الأسئلة: إلى أي مدى يمكن للمصريين أن يذهبوا في ~~سبيل تسوية الوضع، الذي ينبغي أن يقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية ~~من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967م؟ وهل سيتفق الجانبان ~~على «وقف حالة ms004 الحرب»، أم أنهما سيكونان على استعداد للمضي قدما من أجل ~~إقرار «حالة السلام»؟ ومتى يمكن لهذه الحالة أن تسود؟ كان من المفترض ~~أن تتم جدولة خطة التسوية، بحيث يتم الانسحاب على مرحلتين. فمتى يمكن ~~أن تحل، فرضا، حالة السلام عند انسحاب آخر جندي إسرائيلي من الأراضي ~~المصرية، أم، ربما، بعد إتمام المرحلة الأولى من انسحاب هذه القوات؟ ثم ~~ما الالتزامات التي ينبغي على الجانب المصري أن يؤديها بعد الانسحاب ~~الكامل للقوات الإسرائيلية، عند صياغة شروط السلام؟ هل يمكن، على سبيل ~~المثال، أن يصل إلى التعهد بعدم السماح بقيام أعمال عدائية من أراضيها ~~ضد إسرائيل؟ وأخيرا، هل كان السؤال مطروحا بشأن مواصلة «حرب ~~الاستنزاف»؛ فهذه «الحرب» كانت تعوق محاولات التسوية، بل كانت تعوق، في ~~الواقع، دخول وحدات الدفاع الجوي السوفييتية. فهل كان من الممكن وقفها ~~ولو لفترة محدودة؟ # كل هذه الأسئلة وغيرها كان من المقرر مناقشتها مع ناصر، على الرغم من ~~أن فكرتنا في السابق كانت تتلخص في محاولة التوصل أولا إلى اتفاق مع ~~الأمريكيين، ثم إبلاغ ناصر بعد ذلك للحصول منه على موافقته، أو على ~~إجراء بعض التعديلات. كان ناصر يتعامل مع كل الصياغات التي كان يتصور ~~أن من شأنها إضعاف موقف مصر بشعور من الحسرة والألم. كان وزير خارجيتنا ~~(أندريه جروميكو، المؤلف) يرفض الذهاب إلى مصر، حيث إنه اضطر عدة مرات ~~قبل ذلك للحديث مع ناصر بشأن هذه الموضوعات، ولكنها لم تسر على ما ~~يرام. وقد رشحني للذهاب إليه وهو ما تمت الموافقة عليه. # وهكذا، حصلت على تفويض بمحاولة الاتفاق مع ناصر على عدد من القضايا ~~المهمة والدقيقة. وقبل أن تحلق الطائرة بي قال لي وزير خارجيتي، إنه ~~إذا نجح التفويض ولو بنسبة 10٪ فإن ذلك يعتبر نجاحا. لم تكن الوصية ~~ملهمة كثيرا! وها نحن ننطلق إلى ناصر. # مارس عام 1970م، الزيارة الأولى لي للقاهرة. عندما وصلنا علمنا أن ~~والد ناصر قد توفي، وأن من المنتظر أن يستقبلنا بعد يومين. وقد كرسنا ~~هذين اليومين في محاولة الاتفاق مقدما على جميع ms005 القضايا مع وزير ~~الخارجية محمود رياض # 2 ~~(ما عدا قضية إمكانية وقف «حرب الاستنزاف» بطبيعة الحال). ~~وقد تباحثنا طويلا معه، وبدا لنا أننا أقنعناه، على الرغم من أنه، كما ~~كان يحدث دائما، كان لديه قدر لا يستهان به من الشك وعدم الثقة في أي ~~حل سوى الحلول العسكرية كوسيلة للتوصل إلى التسوية. وفي نهاية ~~مباحثاتنا كان الشيء الوحيد الذي استطاع رياض أن يعدنا به هو إبلاغ ~~فحوى حوارنا لناصر ولا شيء غير ذلك. # استقبلنا ناصر في بيته في هليوبوليس المقام في منطقة عسكرية. وكان ~~البيت من الداخل غاية في البساطة والتواضع. # استقبلنا ناصر بكل بشاشة وترحاب. أجلسني إلى جواره على أريكة وقال لي ~~إنه قرأ الملف الذي أعطاه إياه رياض بشأن المباحثات التي أجراها معي. ~~وأعرب عن موافقته على طرحنا للقضية وأوضح أننا على حق؛ فإننا إذا ~~تحدثنا عن السلام، فيجب علينا أن نتحدث عنه بصوت مسموع وليس همسا. إنه ~~رجل سلام، ولير الجميع ذلك، ومن ثم فليس لديه مانع أن يعتبر مصر، في ~~حالة إذا ما انسحبت القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، ليست فقط ~~في حالة إنهاء حالة الحرب، وإنما في «حالة سلام» مع إسرائيل. وكان يعلم ~~أن قراره هذا لن يلقى، على أقل تقدير، قبولا جماهيريا لدى البلاد ~~العربية، فضلا عن مصر نفسها. ربما يظهر هناك رافضون، لكن الرجل كان ~~على يقين من صحة رأيه، فضلا عن صلابة موقفه. وقال إن وضع مصر ومكانة ~~رئيسها يتوقفان على قدرتي على السماح لنفسي باتخاذ حتى هذه القرارات ~~التي قد تبدو غير مفهومة للوهلة الأولى من جانب الشعب، ومن ثم لا تجد ~~لديه قبولا. # وقال ناصر إنه بالنسبة لفرض حالة السلام فإنني أتفهم قلق الأصدقاء ~~السوفييت جراء إحساسهم برغبة مصر في سحب البساط من تحت أقدام خصومنا ~~المشتركين، وطموحها في التسلح ورغبتها في تدمير إسرائيل. في الواقع فإن ~~البعض يمكنه أن يؤكد أن على إسرائيل ألا تسحب قواتها؛ لأنها لن تعرف ما ~~سيكون عليه الوضع بعد انسحابها؛ سلام أم شيء ما ms006 آخر. ولكي يزول هذا ~~الشك، فإنه على أتم استعداد للموافقة معنا على أن يحل السلام فورا بعد ~~إنجاز المرحلة الأولى من انسحاب القوات الإسرائيلية، بشرط ألا تستمر ~~المرحلة الثانية من الانسحاب النهائي لفترة طويلة، عندئذ سيكون بإمكان ~~الإسرائيليين أن يسحبوا، بشكل نهائي، قواتهم في ظروف سلمية بالفعل، وهو ~~تنازل كبير من جانب العرب؛ إذ يعني نظريا أن مصر ستوافق على أن تكون ~~في حالة سلام مع إسرائيل، على الرغم من أن القوات الإسرائيلية سوف تكون ~~موجودة لبعض الوقت على الأراضي المصرية، ولكنها ستكون في حالة ~~انسحاب. # أما بالنسبة لمسألة التزامات الجانبين في حالة قيام السلام، فكان ~~ناصر يدرك أن من الضروري هنا حرمان العدو من استخدام ورقة عدوانية مصر؛ ~~ولذلك فهو يوافق على تسجيل هذه النقطة، من بين نقاط أخرى، تفيد أن ~~البلدين سوف لن يسمحا بأية أعمال عدوانية من أراضي أي منهما ضد أراضي ~~الآخر. وقال ناصر إن من المحتمل أن يهاجمني الفلسطينيون لهذا السبب، ~~ولكني لا أخشى ذلك، ما دام الحديث سوف يدور حول «الشروط النهائية ~~للسلام»، والذي سيتضمن الحديث أيضا عن حل مسألة الفلسطينيين. # أعربت عن امتناني لناصر على قراره وأخبرته أنه سوف يساعدنا في نضالنا ~~المقبل من أجل مصالح البلاد العربية. # بعد ذلك قلت إن لدي تكليفا حساسا آخر، لم يكن بإمكاني مناقشته مع ~~محمود رياض. وهنا، عرضت عليه حججنا وتقديراتنا بشأن «حرب الاستنزاف»، ~~وكانت هذه أصعب لحظة واجهتها. كان ناصر يربط هذه «الحرب» بالعديد من ~~شعاراته السياسية، التي كان يستخدمها لتحقيق أهدافه السياسية سواء داخل ~~البلاد أو خارجها. # أنصت ناصر إلى حججي جميعا باهتمام، وكنت قد أعددتها مسبقا بطبيعة ~~الحال. وفي نهاية حديثي أخبرته أيضا بقرب وصول وحدات عسكرية ~~سوفييتية. # استغرق ناصر في التفكير، تريث ونظر إلي باهتمام مقطبا جبينه على ~~نحو ما لبرهة لم تطل، ثم قال بعدها: «حسنا، موافق على وقف إطلاق النار ~~على ألا يطول الأمر. فإذا لم يتخذ الإسرائيليون والأمريكيون خلال هذه ~~الفترة خطوات عملية في اتجاه التسوية، فسوف نبدأ الحرب ms007 من جديد. ~~وبالطبع لا ينبغي أن يعرف الإسرائيليون والأمريكيون بما دار بيننا من ~~حديث. يمكنك أن تقول لهم إنه إذا أوقفت إسرائيل غاراتها في عمق مصر ~~فإنك ترى أن مصر قد تشرع في وقف حرب الاستنزاف. أما إذا سئلت حول ما ~~إذا كنت موافقا على ذلك فسوف أجيب بأننا لم نتحدث في هذا الأمر.» ~~وهنا، انفرجت أسارير ناصر. # تنفست الصعداء (بيني وبين نفسي بالطبع)، فقد نجح التفويض بنسبة ~~100٪. # وطوال الحديث الذي استمر بيننا بعد ذلك راح ناصر يطور فكرة أن الصراع ~~في الشرق الأوسط لا يعد صراعا بين الدول العربية وإسرائيل، وإنما هو ~~في الواقع صراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. ~~وذكر ناصر أن الصراع العربي الإسرائيلي يبدو كما لو كان ناشئا عن هذا ~~الصراع الأساسي العالمي بين السوفييت وأمريكا. # كان من الممكن بالطبع أن يؤدي قبول هذه الفكرة إلى استنتاجات خاطئة ~~على المستوى النظري، فضلا عن المستوى العملي الخالص. وعلى الفور رحت ~~أفكر لماذا طرح ناصر هذه المسألة: ترى هل طرحها لكي يختبر قناعاته ~~الشخصية، وخاصة أن هذه المسألة التي طرحها بنفسه كانت رائجة رواجا ~~كبيرا في الأوساط ذات النزعة القومية في مصر؟ # قلت لناصر «إنني لا أتفق معه في أفكاره»، فنظر إلي دهشا، وقال: ~~«هكذا؟!» ثم عرض علي أن أطرح وجهة نظري. # قلت إن الاتحاد السوفييتي ليس شريكا، ولن يكون، في الصراع العربي ~~الإسرائيلي، الذي هو صراع بين قوى التحرر الوطني، القوى التقدمية ~~بقيادة مصر، والقوى الرجعية - إسرائيل - تدعمها الولايات المتحدة. وحيث ~~إن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع بين قوى التقدم والرجعية، فليس من ~~المستغرب أن الاتحاد السوفييتي يدعم القوى التقدمية، بينما تدعم ~~الولايات المتحدة الأمريكية بحكم طبيعتها القوى الرجعية. استمع إلي ~~ناصر بانتباه تام وحاول أن يطرح حججا إضافية، ولكنه في النهاية وافق ~~على ما قلته. وما زلت حتى الآن لا أعرف لماذا طرح ناصر هذه المسألة ~~ليوافق في النهاية. صحيح أنه قال، في نهاية حديثنا، إن أحدا في مصر لم ~~يعارضه حتى الآن، ولعلني الأول ms008 الذي فعل ذلك. قال ذلك في سياق الدعابة، ~~ولكن الواضح أن قوله لم يكن على سبيل المزاح. # فيما بعد كانوا يقولون لي إن ناصرا كان راضيا عما دار بيننا من ~~حديث وجدل. كان الرجل نفسه لا يحب أن يعارضه أحد بطبيعة الحال، لكن ~~المحيطين به، وهم يعلمون عنه ذلك، اشتطوا في الأمر، فكانوا يردون ~~دائما بالإيجاب وكان ذلك يثير غضبه. # بانتهاء الحوار، استدعى ناصر المصورين الذين قاموا بالتقاط عدد من ~~الصور للذكرى، ثم رافقني حتى مدخل البيت وودعني بحرارة، ثم وقف معنا ~~مرة أخرى أمام المصور. اقترح ناصر علي البقاء ثلاثة أيام أخرى لزيارة ~~الأقصر وأسوان لمشاهدة آثار البلاد، حيث إني أزور مصر للمرة الأولى، ~~لكني كنت مضطرا للعودة إلى موسكو ووعدته بالحضور مرة أخرى إلى ~~القاهرة. # لم أتوقع بالطبع أن يقول لي محمد حسنين هيكل، بعد مرور ثلاث سنوات ~~ونصف، وهو يتأمل هذه الصورة التذكارية وعليها توقيع ناصر: «لقد قال ~~ناصر عدة مرات بعد سفرك: لا أفهم لماذا قدمت تنازلات كثيرة على هذا ~~النحو لفينوجرادوف.» وأنا أيضا لا أعرف. لقد كانت تنازلات بالفعل، ~~ولكنها كانت لصالح مصر نفسها. # كنت معجبا بناصر بصورة واضحة. كان ثمة قوة ما وثقة تنبعثان منه. لم ~~يكن الأمر هنا مجرد كرم ضيافة نتيجة للتربية أو لكونه رب البيت. كنت ~~أشعر بالحماس يمور بداخله، بل والميل إلى الشجار في الحديث. كان على ما ~~يبدو راغبا في كسب مشاعر الصداقة، وربما اختبار محدثه بأن ينعطف بحدة ~~أثناء الحديث، ثم يرى إن كان محدثه سوف يشعر بالارتباك والحيرة. # في صيف عام 1970م، جاء ناصر إلى موسكو مرة أخرى للعلاج، وعندما ~~استقبلته في مطار فنوكوفو أصابتني هيئته التي تشي بالمرض بالدهشة. كان ~~ناصر عريض المنكبين، طويل القامة، متين البنية، لكن وجهه لم يكن ~~بسمرته، وإنما كان شاحبا بدرجة ما، معتلا، وفي عينيه ألم دفين. كان ~~عليه أن يبتسم وأن يصافح مستقبليه. لا أدري إن كان قد تعرف علي، أظن ~~أنه لم يعرفني. ألقى نظرة علي، صحيح أنه صافحني، ms009 ابتسم، لكنه كان ~~يبتسم للجميع. # إبان المباحثات التي جرت في الكرملين، كان ناصر يتصرف كما لو كان بين ~~صحبة حميمة، بحرية وفي غير تكلف. كان يستجيب ببساطة للدعابة. كان ~~يقظا، بل كان شديد اليقظة عندما يستمع إلى ما يقوله القادة السوفييت. ~~أما عندما كان الأمر يتعلق بمطالبه فكان يستخدم المنهج التالي؛ كان ~~يعرض في البداية الموقف الذي يمثل الأساس لأسباب هذه المطالب، وكان في ~~سياق ذلك يتحدث بإخلاص يأسر النفوس، فيقول على سبيل المثال: انتبهوا، ~~ليس لدي أسرار أخفيها عنكم. بعدها يكون الوضع على النحو التالي: لقد ~~أخبرتكم عن الوضع برمته، والآن عليكم اتخاذ القرار. كان أسلوبا ~~مرضيا في كثير من الأحيان، ولكنه كان يؤدي إلى نتائج جيدة. وفي ~~الواقع كان هو الأسلوب الضروري في سياق هذه العلاقات الودية التي سادت ~~بين الاتحاد السوفييتي ومصر في تلك الفترة، الإخلاص الحقيقي، وليس ~~الرغبة في الحصول على أي شيء وبأي وسيلة. # تسنى لي أثناء المباحثات أن أرافقه في السيارة. كان الحوار معه شيقا ~~دائما، حيث يتيح الفرصة للتعرف عليه كإنسان. لقد سر سرورا كبيرا ~~عندما علم أن كلينا كان لديه في فترة الشباب نفس الولع برياضة كرة ~~السلة، وأن لدينا في الوقت الحالي نفس الهواية وهي التصوير السينمائي. ~~وقد اشتكى لي ناصر أنه لم يعد لديه وقت كاف لكي يقوم بتنظيم الأفلام ~~التي التقطها، وهي المشكلة المشتركة التي يعاني منها كل هواة التصوير ~~السينمائي. # ذات مرة، تطرق إلى الحديث عن إذاعتنا. قال: «لماذا تفتقد إذاعتكم ~~المهارة في بث الأخبار الدولية؟ إنها تذيعها متأخرة وغير شيقة، والأهم ~~أنها غير مؤثرة. كم تخسرون بسبب ذلك! إنني أحمل دائما معي راديو ~~ترانزستور موجه دائما على الخدمة الدولية لبي بي سي. الإنجليز ~~يذيعون الأخبار كل ساعة بإيجاز ووضوح لمدة من سبع إلى عشر دقائق؛ ولهذا ~~فإن العالم بأسره يستمع إليهم. لماذا لا تدبرون أمر هذه الإذاعة؟ ~~سيكون الأمر أكثر أهمية لو استمعنا إلى موسكو بدلا من لندن.» # وفي مناسبة أخرى طرح علي سؤالا، قال: «لماذا لا ms010 تريدوننا أن ~~نتحدث علنا عن المساعدات العسكرية السوفييتية لمصر؟ إن أعداءنا يعرفون ~~ذلك، فلماذا إذن لا يعرف أصدقاؤنا وأصدقاؤكم بشأنها؟ ما دامت هذه ~~المساعدات معروفة لأعدائنا فمن الضروري أن يعرف أصدقاؤنا بها. أنا على ~~يقين أننا نخسر سياسيا بسبب ذلك.» # أثناء وجوده في موسكو تلقي ناصر نبأ مصرع خمسة طيارين من بينهم ~~طيارون سوفييت في مصر، أسقط الإسرائيليون طائراتهم. كان الأكثر إيلاما ~~بالنسبة له، أن الحادث جاء نتيجة استخدام الطيارين الإسرائيليين لأبسط ~~أشكال المناورات. بعبارة أخرى، فإن طيارينا والطيارين المصريين وقعوا ~~في فخ بدائي. وكانت المسئولية في ذلك تقع على عاتق التوجيه الأرضي. لقد ~~شعر ناصر بالألم الشديد جراء مصرع الطيارين. وكان يقول لي دائما إنه ~~كان يعرفهم جميعا شخصيا، وإن مصر لا تمتلك الكثير من مثل هؤلاء ~~الطيارين الأكفاء. # كان ناصر موجودا في موسكو للعلاج عندما انتهى التحليق القياسي ~~لرائدي الفضاء نيكولايف وسيفوستيانوف في الفضاء الكوني. وقد تمت دعوة ~~ناصر ومرافقيه إلى حفل استقبال كبير في قاعة جيورجيفسكي بقصر الكرملين ~~الكبير. وفي هذا اليوم تلقيت اتصالا هاتفيا يفيد أن ناصرا يود أن ~~ينعم على نيكولايف وسيفوستيانوف بأعلى وسام مصري وهو «قلادة النيل»، ~~وأن يقلدهما هذه الأوسمة أثناء الحفل. وقد طلب مني أن أشرح هذا ~~الموقف. وقد حاولت أن أرتب هذا الأمر مع المعنيين لكنهم جميعا ~~كانوا يقابلونه بالرفض. كانوا يزعمون أن التكريم أمر ممكن أن يكون ~~مقبولا، ولكن لا داعي لمنح الأوسمة في حفل يقام في الكرملين. وقد ~~أبلغنا ناصر بذلك، ولكنه غضب وقال إنه لن يذهب إلى حفل الكرملين لأنه ~~مريض. وهنا اضطررنا لإرسال سفيرنا سيرجي ألكسندروفيتش فينوجرادوف إلى ~~بارفيخو، حيث يقيم ناصر؛ ليخبره مباشرة أن ذهابه أمر لا بد منه. وقد حضر ~~ناصر حفل الاستقبال، والحقيقة أنه فعل ذلك بعد أن أمر ياوراه أن يحملا ~~معهما الأوسمة على أية حال. وهكذا جاءا يحملان علبتين كبيرتين. حاولت ~~أن أقنع القيادة المنوطة بتنظيم الحفل نفسه، شارحا لهم الموقف؛ إذ إن ~~ناصرا كان يقف متأهبا في انتظار السماح له بتقليد ms011 الأوسمة للأبطال، ~~وقد نجحت في ذلك، ولكنهم أخبروني أن الأمر سيتم بطبيعة الحال، ولكن بعد ~~برهة. # منذ هذه اللحظة لم أر ناصرا مطلقا. # كان علي فقط أن أقوم بمهمة حزينة؛ أن أشارك في الوفد الرسمي الذي ~~رأسه ألكسي كوسيجين لحضور جنازة ناصر، وفي نفس توقيت الوفاة تم تعييني ~~سفيرا لدى مصر. # فبراير 1975م، موسكو # | مصر: زمن الفتنة # مذكرات سفير الاتحاد السوفييتي # في حياة الدول التي حصلت على استقلالها منذ زمن غير بعيد نسبيا، ~~هناك فترات صعود وهبوط، حركة سريعة على الطريق إلى أهداف مرسومة، ثم ~~توقف، أو حتى خروج عن الطريق المرسوم. وأحيانا، تتحرك الأحداث إلى ~~الخلف بصورة مؤقتة. أمور كثيرة تتوقف على صلابة السياسة الداخلية ~~للنظام، وعلى مدى تأثير القوى الخارجية المختلفة، وفي بعض الأحيان على ~~رجال الدولة الذين يجدون أنفسهم تحت ضغط الظروف أو بنزوة التاريخ على ~~رأس الدولة. هؤلاء يحصلون على حقوق كثيرة في التأثير في سياسة ~~الدولة. # وبسبب ذلك كله يتغير أحيانا منهج السياسة الخارجية تجاه الدول ~~الأخرى. # وبالنسبة لعلاقتنا بمصر، الدولة الأكبر في الشرق العربي، كانت هناك ~~فترات توقفت فيها هذه العلاقة على التغيرات الداخلية في مصر ~~ذاتها. # لقد تسنى لكاتب هذه المذكرات أن يشتغل بقضايا العلاقات مع مصر منذ ~~عام 1967م، # 1 # منها أربع سنوات تقريبا (1970-1974م) عمل فيها سفيرا لدى ~~هذه الدولة، ثم رئيسا مشاركا في اتفاقية جينيف للسلام في الشرق ~~الأوسط. أما الانطباعات التي تركتها لدي هذه الأحداث فهي كثيرة. كان ~~من الواضح تماما، وبشكل خاص، الدور الذي لا تحسد عليه، الذي قامت به ~~السياسة الأمريكية، باستغلالها للوضع الداخلي لمصر بعد وفاة ناصر ~~لتتغلغل في الشرق الأوسط، وفي مصر بالدرجة الأولى. لقد كشف سلوك ~~السياسيين الأمريكيين في تلك الفترة الأساليب الوقحة التي استخدموها، ~~وبأي قدر من السهولة تخلوا عن التزاماتهم وعن الاتفاقات التي وقعوها. ~~لقد قدم أنور السادات، الذي أصبح رئيسا لمصر بعد الوفاة المفاجئة ~~لجمال عبد الناصر، المساعدة الأكبر للأمريكيين في سياستهم في الشرق ~~الأوسط. # لقد أصبح الشرق الأوسط، كما كان ms012 سابقا، واحدا من أكثر «النقاط ~~الساخنة» على كوكبنا، وأصبحت أهم المهام السياسية على الساحة الدولية ~~هي تسوية النزاع في الشرق الأوسط، و«تفكيك التكتلات»، إذا جاز القول، ~~بالطرق السياسية السلمية وضمان حياة سلمية لكل سكان المنطقة. # كانت فكرة حل الصراع بالطرق المنفردة بهدف فرض شروط غير متكافئة على ~~الدول العربية (ومن أجل ذلك كان من الضروري إبعاد الاتحاد السوفييتي عن ~~المشاركة في التسوية)، فكرة غير واقعية رفضها المجتمع الدولي منذ زمن ~~بعيد، حيث إنها لم تكن لتؤدي إلى سلام حقيقي. # لقد اتفقت الجمعية العامة للأمم المتحدة وأكدت من جديد بالإجماع على ~~أن وسيلة حل الصراع في الشرق الأوسط تتمثل في ضرورة عقد مؤتمر دولي ~~للسلام في الشرق الأوسط تشارك فيه الدول المعنية في المنطقة؛ الاتحاد ~~السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب مصر وإسرائيل والدول ~~الأعضاء في مجلس الأمن. # 1 # وصلت إلى بيتي عائدا من وزارة الخارجية ذات مساء بارد موحل يوم ~~التاسع والعشرين من سبتمبر 1970م. قالت زوجتي: لقد اتصلوا بك للتو ~~يطلبون سرعة الاتصال بهم. اتصلت، وتبين لي ضرورة العودة فورا، ~~لماذا؟ غير معروف. آنذاك، كنت أقوم بالإشراف على عمل قسمي الشرق ~~الأوسط والأدنى. # علمت في غرفة النائب فاسيلي فاسيليفيتش كوزنيتسوف، النائب الأول ~~لوزير الخارجية، بالخبر الذي تلقاه على الفور من القائم بأعمال ~~الاتحاد السوفييتي لدى مصر (كانت تسمى آنذاك الجمهورية العربية ~~المتحدة) فلاديمير بروفيرييفيتش بولياكوف. لقد توفي ناصر فجأة، ~~رئيس مصر ورئيس وزرائها، زعيم الأمة المصرية، القائد التقدمي ~~للعالم العربي، الصديق الكبير للاتحاد السوفييتي. # كان نبأ مفاجئا ومحبطا، وقد جرى استدعاء بولياكوف على الفور ~~إلى مقر رئيس الجمهورية. كانت حالة من الهرج تسود المكان، ولدهشة ~~بولياكوف، لم يوله أحد اهتماما تقريبا، ثم أخبروه أنه «لا حاجة ~~لوجوده». وعندما عاد إلى السفارة، علم أن ناصرا قد توفي. في هذا ~~اليوم، ودع ناصر رؤساء الدول العربية بعد مؤتمر ناجح أقامته ~~القاهرة أوقف بفضله الصراع الدموي بين الأشقاء الفلسطينيين ~~والسوريين من جانب، والأردن من جانب آخر. وقد شعر بوعكة صحية في ~~المطار، ms013 وبعد أن عاد إلى المنزل، ازدادت حالته سوءا. # لم أصدق ما حدث. أحد الحاضرين في مكتب كوزنيتسوف رأى أن من ~~المحتمل أن يكون الخبر غير صحيح. ولكن، إذا بهم يحضرون لنا برقية ~~تؤكد رسميا أن الأمر قد وقع بالفعل، وأن ناصرا لم يعد ~~بيننا. # تذكرت لقاءاتي مع ناصر في موسكو، وفي القاهرة. كان يفيض قوة ~~وثقة، فضلا عن ذلك حبا للصداقة. # لكن ذلك لم يكن سوى انطباعاتي الشخصية عنه؛ فما تزال هناك تصورات ~~أخرى تحجب الآن، على غير إرادة مني، تصوراتي السياسية عنه. لقد ~~غادر الحياة القائد العظيم لأكبر أمة عربية، الرجل الذي قاد الثورة ~~وقاد شعبه على طريق التقدم المستقل. # إن التحولات التقدمية في مصر، سواء في الريف أو في المدن، ولصالح ~~العمال، ترتبط جميعها باسم ناصر. وهو الذي أنشأ المنظمة الجماهيرية ~~المعروفة باسم الاتحاد الاشتراكي العربي، وكان يفكر في تأسيس حزب ~~أراد أن يسميه «طليعة الاشتراكيين». # لقد قاده منطق النضال المخلص من أجل مصالح شعبه، من أجل ~~الاستقلال الوطني بالدرجة الأولى، قاده إلى الإيمان بضرورة عقد ~~صداقة أخوية متينة بين الشعبين المصري والسوفييتي، وبأهمية بناء ~~علاقات قوية مخلصة بين مصر وبلادنا. # وبتأثير مصر التقدمية، تم طرد الإمبريالية الأمريكية من منطقة ~~الشرق الأوسط. كان العالم العربي، الذي استيقظ على الاستقلال، ~~مفعما بالعزيمة على تحديد مصيره بنفسه دون مستشارين من الخارج ~~اعتادوا على إدارة شئون الشرق الأوسط. وكان ناصر واحدا من الذين ~~أسسوا ما عرف باسم «حركة عدم الانحياز». باختصار، كان ناصر رجلا ~~يمتلك سمعة عالمية رفيعة. # لقد طرح رحيل ناصر قضايا عديدة، سواء فيما يتعلق بصمود النظام ~~ومواصلة الخطط الداخلية، أو، من ثم، التطوير المستمر للسياسة ~~الخارجية لمصر، والتي كانت قائمة في ظروف إزالة آثار العدوان ضد ~~الشعوب العربية من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين ~~واللبنانيين وغيرهم. # في الحقيقة، كانت سياسة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من ~~ورائها، ضد مصر، وبالتالي ضد ناصر. كان ذلك، إذا جاز لنا القول، ~~«عدوانا خارجيا على الثورة» موجها ضد مصر باعتبارها القوة ~~الأساسية والأكبر والأكثر ms014 تأثيرا وتقدمية للشعوب العربية ككل؛ ~~ولذلك فإن أمورا كثيرة في نهاية سبتمبر عام 1970م أصبحت، برحيل ~~ناصر، متوقفة على مواصلة منهج مصر، أو بتعبير أدق، على من سيرأس ~~البلاد بعد رحيل ناصر. # واصلنا العمل طويلا في مكتب ف. ف. كوزنيتسوف، وتفرقنا بعد منتصف ~~الليل بكثير. # في صباح الثلاثين من سبتمبر، غادرت مطار فنوكوفو-2 طائرة خاصة ~~من طراز إيل-68 تحمل على متنها وفدا سوفييتيا لحضور جنازة ~~ناصر، كان على رأس الوفد ألكسي نيكولايفيتش كوسيجين، عضو المكتب ~~السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، رئيس مجلس وزراء ~~الاتحاد السوفييتي. وضم الوفد قائد الأركان العامة للاتحاد ~~السوفييتي، مارشال الاتحاد السوفييتي م. ف. زاخاروف وأنا، بصفتي ~~نائبا لوزير خارجية الاتحاد السوفييتي، وكذلك الجنرال ف. ف. ~~أوكونيف، كبير المستشارين العسكريين السوفييت، الذي كان قد عين ~~لتوه في هذا المنصب. وف. ب. بولياكوف القائم بأعمال الاتحاد ~~السوفييتي لدى جمهورية مصر العربية والذي كان موجودا آنذاك في ~~القاهرة. وفي صباح نفس اليوم، تم اتخاذ قرار بطلب موافقة حكومة ~~جمهورية مصر العربية على تعييني سفيرا للاتحاد السوفييتي لدى ~~القاهرة. وكان القائم بالأعمال المؤقت برأس السفارة لمدة تزيد على ~~شهر بعد وفاة سفيرنا الدبلوماسي المحنك سيرجي ألكسندروفيتش ~~فينوجرادوف. # هبطت بنا الطائرة وسرعان ما بدأ الظلام يزداد حلكة. جمهور غفير ~~أحاط بالطائرة، لم يكن باستطاعتنا أن نتبين من هم. هبطنا سلم ~~الطائرة كيفما اتفق نحو ظلام دامس. لم يكن هناك من ضوء سوى شعاع ~~يصدر من هنا أو هناك من أجهزة الإضاءة الخاصة بمصوري السينما ~~والتليفزيون، عندئذ كانت تتراءى لنا ظلال رءوس الجمهور القلق. وعلى ~~الفور انتقلت إلينا مشاعر الاضطراب والعصبية التي اكتنفت ليل ~~القاهرة. # استطعنا ونحن على سلم الطائرة رؤية السادات وهو يستقبل الوفد ~~السوفييتي (كان نائبا للرئيس آنذاك) وبصحبته محمد فوزي وزير ~~الحربية وعلي صبري وشخص آخر. غرق ألكسي كوسيجين في أحضان المصريين ~~الباكين، ثم بدأ الحراس يهرولون إلى الأمام باتجاه ما (لعلهم ~~اتجهوا نحو السيارات). مرة أخرى، وجدنا أنفسنا وسط الزحام في ~~الظلام. رحت أساعد ماتفي فاسيليفيتش زاخاروف ms015 على التماسك. دلفنا إلى ~~سيارة ما كبيرة على زجاجها الأمامي أرقام. جلسنا ثم انحشر شخص ما ~~إلى جوارنا. ~~- إلى أين؟ ~~- خلف الآخرين، إلى حيث يذهبون. # شقت السيارات طريقها وسط الزحام، واحدة تلو الأخرى، مغادرة ~~المطار لتتخذ طريقها نحو المدينة. # خيل إلي أن القاهرة خرجت عن بكرة أبيها إلى الشوارع. إلى أين ~~هم ذاهبون. كان الناس يلتصقون بالحافلات وعربات الترام. كانوا ~~يصيحون ويهتفون بقوة معبرين عن مشاعرهم بإشارات ما. العديد منهم ~~كانوا يبكون ويرفعون أيديهم إلى السماء. كان الجو حارا ورطبا ~~وخانقا. كانت كل هذه المشاهد والأصوات معا تخلق انطباعا بأن ~~شيئا ما غير طبيعي يحدث. # أنزلونا، كوسيجين وزاخاروف وأنا في محل إقامة السفير السوفييتي ~~على شاطئ النيل، غير بعيد عن السفارة، بينما نزل باقي الرفاق في ~~فندق «هيلتون» على الضفة الأخرى للنهر. # وفي نفس الليلة التقى ألكسي كوسيجين بالسادات، بعدها توجه لتقديم ~~واجب العزاء لأرملة ناصر. ولدى عودة ألكسي كوسيجين تساءل، وقد ~~استغرق في التفكير، عما يعنيه هتاف الجماهير المتكرر: «ما ~~تسيبناش.» ماذا كانوا يعنون بذلك؛ أسرة الراحل، الدولة، أم الشعب ~~المصري؟ لماذا انفجر هذا الرجاء؟ # ذهبت إلى وزير الخارجية محمود رياض، ثم إلى رئيس تحرير جريدة ~~«الأهرام»، وهو في نفس الوقت وزير الإرشاد القومي محمد حسنين هيكل، ~~الصحفي الشهير، وكانت تربطني به علاقة قديمة. # كان رياض يبكي. ماذا سيبقى لنا بعد ناصر؟ تعاليمه، حزبه، رفاقه ~~في الفكر؟ هل سيتحمل الناصريون الخسارة، وهل سننتظر إلى أن يقوم ~~خصوم ناصر ونهجه السياسي بامتلاك زمام الأمور في الداخل ~~والخارج. # قال هيكل وعيناه مغرورقتان بالدموع: «لا أصدق، لا أصدق. أنتم ~~الأصدقاء الأوفياء لناصر ما زلتم هنا، بينما هو توفي لتوه. أمر جيد ~~أن يكون أول من وصل هم أفضل أصدقائه. لقد كان ناصر يفكر منذ فترة ~~قريبة أن يلتقي بك، حتى إنه أعرب عن رغبته في أن يتم تعيينك سفيرا ~~لدى القاهرة.» انتفض جسدي دون رغبة مني. لقد حان الوقت لأن أخبر ~~هيكل بشأن تعييني، كنت أعلم أن كوسيجين موجود الآن لدى السادات ms016 ~~وسوف يحدثه في ذلك. # حضر الجنازة رؤساء الدول ورؤساء الوزراء والشخصيات الحكومية ~~البارزة، وقد طلب معظمهم أن يلتقوا برئيس الوفد السوفييتي، وأخبرني ~~ألكسي كوسيجين أن السادات وافق على الفور على تعييني سفيرا، وأنه ~~قد بات علي منذ اللحظة أن أحضر المباحثات جميعا بوصفي السفير ~~السوفييتي الجديد. كانت الفكرة الرئيسية التي راحت تؤرق كل الشخصيات ~~العربية كما قالوا لنا: إن مصر ينبغي ألا تفقد دورها القيادي أيا ~~كان من سيصبح رئيسا لها، وإن مصر يجب أن تظل زعيما للعالم ~~العربي؛ ولهذا فإن على المصريين أن يختاروا رئيسا يمكنه أن يواصل ~~قضية ناصر، وفي هذه الحالة فقط لن تسقط الراية العربية المشتركة من ~~يد مصر. فكرة صائبة، ولكن من بخلاف المصريين أنفسهم بمقدوره أن يحل ~~هذه المسألة؟ # تلقينا أنباء تفيد بأن الطامحين لمنصب الرئيس هم السادات في ~~المقام الأول وكذلك حسين الشافعي، وهو واحد من القيادات الموجودة ~~ومن ذوي الميول الإسلامية، وعلي صبري السياسي الشهير الذي تم ~~تصنيفه باعتباره «يساريا». كما تردد الحديث عن مرشحين آخرين مثل ~~الدكتور محمود فوزي، أحد أقدم الدبلوماسيين المصريين وأكثرهم خبرة، ~~وزكريا محيي الدين الذي يعد سياسيا برجوازيا من الجناح اليميني، ~~وآخرون. # كان ناصر قد قام، قبيل وفاته، بإدخال بعض التعديلات في المناصب ~~القيادية، ويقال إنه لم يكن يحب أن يشغل المسئول مقعدا واحدا ~~لمدة طويلة، ومن ثم يكتسب نفوذا فائقا. وقد عين السادات في ~~منصب نائب الرئيس، بعد أن ظل هذا الرجل «غير مرضي عنه» لبعض ~~الوقت. وهكذا شاءت الصدفة أن يكون أنور السادات في هذا المنصب عند ~~وفاة ناصر. # من المعروف أن السادات لم يكن ينتمي إلى السياسيين الذين يتميزون ~~بسعة الفكر. كان عضوا بتنظيم «الضباط الأحرار» الذي كان يرأسه ~~ناصر عند قيام انقلاب عام 1952م، والذي انتهى بإزاحة الملكية، وهو ~~الانقلاب الذي أيده الكادحون المصريون، والذي استحق أن يسمى بحق ~~ثورة. وعلى الجانب الآخر، كان السادات هدفا لسخرية الضباط نتيجة ~~ثقافته المحدودة وتواضع معارفه؛ ولهذا فقد راح يحاول تعويض هذا ~~النقص بالتكلف والاصطناع والتظاهر ms017 بالتدين. كان رجل مكائد من قمة ~~رأسه إلى أخمص قدمه، ولم يكن شخصا مستقيما صريحا، وكان يرى ~~الآخرين متآمرين. كان دساسا ولم يكن ثوريا. هكذا رآه المصريون ~~الذين كانوا يعرفونه جيدا. # كان اختيار مرشح للرئاسة الأمر الأكثر مسئولية وخاصة في ظل ~~الظروف التي كانت تمر بها مصر، حيث تلعب شخصية الزعيم دورا كبيرا ~~لا حدود له، وحيث حقوق الرئيس كثيرة وصلاحياته واسعة وفقا ~~للتقاليد، أوسع بكثير مما في الدول الغربية على سبيل المثال. ولهذا ~~فقد استمرت اجتماعات السياسيين المصريين مدة طويلة؛ إذ كان من ~~الضروري التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف. كان الجميع يدركون شيئا ~~واحدا، وهو أنه ليس هناك نظير لناصر، وأن خليفته لا يمكن أن ~~يطاوله. استمر الصدام بين المرشحين، وسرعان ما وصلوا، كما أخبرونا، ~~إلى أن القرار يجب أن يكون في الوقت الحالي قرارا أقل ضررا وأكثر ~~منطقية. وقالوا إن التناول البراجماتي في هذا الأمر قد لعب فيه ~~عزيز صدقي الدور الأكبر، وصدقي هو رجل اقتصاد موهوب يتمتع بالتفكير ~~الواضح، وكان آنذاك هو الوزير الأسبق للصناعة والتجارة. كان أكثر ~~الحلول بساطة، هو ترك الجدل بشأن ترشيح رئيس دائم، وليكن نائب ~~الرئيس، أنور السادات، هو الرئيس ولو مؤقتا، ثم لنبحث الأمر فيما ~~بعد. # وقد أكد لنا السادات أن هذا هو بالفعل القرار الذي اجتمعت عليه ~~القيادة؛ الرئيس هو أنور السادات، على أن يصبح الدكتور محمود فوزي ~~رئيسا للوزراء. كان فوزي قد عمل مع ناصر (وهو يرضي مصالح القطاع ~~البرجوازي في المجتمع)، ويكون نواب الرئيس هم علي صبري (المجموعة ~~اليسارية) وحسين الشافعي (المجموعة الإسلامية). وهكذا تم إرضاء ~~الجميع. # كانت الشمس تصب نارها بلا رحمة من سماء مصر الزرقاء الخالدة. ~~بدأت الحرارة في الازدياد منذ الصباح. الأول من أكتوبر هو يوم ~~الدفن. سوف يتم نقل النعش وبداخله ناصر بطائرة مروحية إلى جزيرة ~~الزمالك، حيث مقر مجلس قيادة الثورة السابق الواقع مباشرة على ~~النيل. كان الأمر رمزيا. سوف تصل إلى هنا الوفود الأجنبية، وسوف ~~يسيرون في موكب يعبر الجسر إلى الجانب ms018 الأيمن من النيل وحتي مبنى ~~اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي، ثم يتجه الموكب إلى ~~الجزء الشرقي من المدينة؛ هليوبوليس، إلى مكان الدفن في مسجد شيد ~~حديثا، ويقع بالقرب من البيت الذي عاش فيه ناصر. على هذا النحو ~~تحددت المراسم. # كانت الظروف المرعبة التي مرت بها القاهرة في الأيام السابقة ~~ماتزال محسوسة وعلى نحو أقوى من ذي قبل. زحام، جماهير غفيرة تملأ ~~الشوارع. كانت المدينة تعج بضجيج لا يهدأ بسبب الملايين من الحناجر ~~الغاضبة. كان تعداد القاهرة وضواحيها يبلغ ثمانية ملايين نسمة، ~~أضيف إليهم مليونان من البشر جاءت بهم قطارات مزدحمة (اعتلى الناس ~~أسطح العربات والجرارات ودرجات السلم). # اصطف في محيط سفارتنا خارج السياج جنود يحملون دروعا من الخشب ~~ويمسكون بعصي في أيديهم (في حالة وقوع هجوم من الجماهير). فكرت، ~~ولماذا يهاجموننا؟ ومن الذي سيهاجمنا؟ # كان من المفترض أن يكون الجسر بدءا من ناحيتنا وحتى جزيرة ~~الزمالك معزولا ومفتوحا للمرور للضيوف الأجانب فقط، لكنه كان ~~مكتظا بالناس، الذين كادوا يتدلون من أسوار الجسر. لم يكن من ~~الممكن فعل أي شيء تجاههم، لا صراخ جنود الشرطة ولا التلويح ~~بالعصي. كان البعض يضرب، والبعض الآخر يكتفي بالتهديد. أما الزمالك ~~فكانت تقع على مرمى حجر منا، عبر المجرى الضيق لنهر النيل الذي لا ~~يزيد عرضه هنا على أكثر من 40 إلى 50 مترا. # وصل هيكل ليلتقي بالوفد السوفييتي، وكان مكلفا بمرافقتنا، لكن ~~وفدنا كان معزولا. # كان الجسر الفاصل بيننا وبين الزمالك مقطوعا حتى يبعدوا الجمهور ~~عن الجانب الأيسر للنيل. ظل هيكل والمصريون المرافقون له يواصلون ~~الاتصال تليفونيا دون انقطاع، وفي النهاية، أبلغونا أنهم سيرسلون ~~لنا زورقا وإلا فإننا لن نصل أبدا. قطعنا ما لا يزيد على مائتي ~~متر بواسطة الزورق حتى وصلنا إلى مرسى الزمالك أمام المبنى ~~مباشرة، حيث تقرر أن تبدأ الجنازة منه. خصصوا لنا غرفة مستقلة، ثم ~~جاءنا السادات وعلي صبري وظلوا معنا بالفعل طوال الوقت. ومن حين ~~لآخر كان رؤساء الوفود الأجنبية الأخرى من الرؤساء آنذاك؛ الأتاسي ~~(رئيس سوريا)، مكاريوس (رئيس ms019 قبرص)، النميري (رئيس السودان)، ~~بو مدين (رئيس الجزائر)، ديميريل (رئيس وزراء تركيا)، هويدي (رئيس ~~إيران)، إعتمادي (رئيس أفغانستان)، حسين (ملك الأردن)، ريتشاردسون ~~(وزير الصحة في الولايات المتحدة الأمريكية)، عرفات (رئيس اللجنة ~~التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية)، جو مو-جو (ممثل جمهورية ~~الصين الشعبية) وآخرون، كانوا يأتون لتبادل التحية مع ألكسي ~~كوسيجين. # كنا نسمع أزيز المروحية المحلقة فوق رءوسنا، وسرعان ما استدعونا ~~إلى الفناء الداخلي للمبنى، حيث وضع في وسطه نعش خشبي بسيط مغلق ~~وملفوف بعلم الدولة المصرية، وقد أحاط به عدد من الضباط الشبان ~~راحوا يبكون وينشجون بحرقة، وإلى جوارهم عدد من الأفراد في ملابس ~~مدنية. حاول بعض العسكريين إبعادهم بلا جدوى. كان هناك شخص ما ~~يحاول إعادة انضباطهم مصدرا إليهم أوامر ما، لكنهم لم ~~يستجيبوا. # في نهاية الأمر، تلقت الوفود الأجنبية الدعوة للخروج من المبنى ~~إلى الشارع، وهنا سار الجميع فيما يشبه الطابور، لكن أحدا لم يكن ~~بإمكانه أن يلتزم بالنظام، فكان على الوفد أن يجد موطئ قدم. كان ~~وفدنا في المقدمة. # وأخيرا، بدأ موكب الجنازة في السير من يسارنا، مجموعة صغيرة من ~~الجنود يحملون أكاليل الزهور، خلفهم ستة خيول تجر عربة مدفع وضع ~~عليها النعش. كان الجنود السائرون يبكون مثلهم مثل رفاقهم فوق ظهور ~~الخيل. راح الموقف يزداد اضطرابا ومن ثم إثارة للأعصاب حتى أصبح ~~المشهد هستيريا. # كان من المفترض أن تسير الوفود الأجنبية خلف عربة المدفع، ولكن ~~هيهات؛ لقد اندفعت الجماهير العارمة التي لا يعرف أحد من أين جاءت. ~~كان من المستحيل تدارك الأمر. في الواقع، كنا نندمج في الموكب ~~بقوة، وسرعان ما ازداد الزحام. كان الناس يتدافعون وهم يخشون ~~السقوط على الأرض. إن سقوط المرء هنا معناه أن تسحقه الأقدام حتى ~~الموت. حملت الجماهير ألكسي كوسيجين إلى مكان ما في الأمام بعيدا ~~عنا، أما أنا فقد احتواني زحام أشبه ما يكون بالدوامة. وها أنا ~~أرى ثلاثة وجوه شاحبة كساها الرعب أعرفها جيدا هم رؤساء وزراء ~~تركيا وإيران وأفغانستان؛ ديميريل وهويدي وإعتمادي، دفعت بهم ~~الحشود بعيدا تماما، تماسكت موليا ms020 ظهري بقوة في مواجهة القادمين ~~من خلفي مفسحا بمرفقي طريقا لنفسي، متشبثا بأقدامي في الأرض بكل ~~قوة. كنت مدفوعا من الخلف، وبفضل دفاعي توفرت أمامي مساحة صغيرة من ~~الأرض اندفع إليها رؤساء الوزراء الثلاثة. # كان موكب الجنازة يتحرك على نحو عشوائي؛ تارة في هذا الاتجاه ~~وتارة في اتجاه آخر، تارة تندفع إلى الأمام، وتارة أخرى تتوقف ~~تماما، وقد تعالى الصراخ والعويل. وفجأة يتوقف الموكب من جديد. ~~صيحات قوية. وإذا بنا أمام مجموعة من الأفراد قادمين من الاتجاه ~~المعاكس. كانوا يلوحون بأيديهم يطلبون أن نفسح لهم الطريق. ومن ~~ورائهم بدا جمع آخر يرفع كرسيا جلس عليه السادات مغمض العينين ~~دون حراك، وقد راحت ذراعاه تتأرجحان في الهواء. كان على الموكب أن ~~يتوقف إذ كان التقدم أمرا لا جدوى من ورائه. ضاع رفاقنا في ~~الزحام. تلفت حولي؛ السادات حملوه إلى البيت. ترى ما الذي حدث ~~للرئيس الجديد؟ في الأمام، راحت الجموع الغفيرة الباكية في التراجع ~~وسط عمود كثيف من التراب، أما خلف الجسر فكان هناك ما يقرب من ~~مليون من البشر لا يزالون يحتشدون. # أبعد الضيوف الأجانب إلى مدخل الجزيرة ونصحوهم بعدم ~~الاستمرار في السير لخطورة الموقف. أبلغت ألكسي كوسيجين بما حدث ~~للسادات، فعبر عن دهشته وأرسل على الفور رئيس قسم المراسم في ~~وزارة خارجيتنا ب. ل. كولوكولوف وكان ضمن الوفد، للاستعلام عما ~~حدث، لكن المصريين تكتموا الأمر، ثم أبلغونا «سرا» أن السادات في ~~حالة سيئة، فضلا عن علي صبري أيضا الذي ساءت حالته قبل ذلك بمجرد ~~وصول النعش وبداخله جثمان ناصر، وأن الأخير تحت الرعاية الطبية، ~~وقد ازدادت حالة السادات سوءا عندما اكتشف غياب نائب الرئيس. وقد ~~أحضروا السادات إلى الغرفة التي يرقد فيها علي صبري. رقد الرجلان ~~في غرفة واحدة وكان كل منهما يختلس النظر إلى رفيقه بين الفينة ~~والأخرى، وتوجها بالشكر إلى الرفاق السوفييت على اهتمامهم. # عدنا بعد ذلك إلى السفارة على متن الزورق البخاري. # في اليوم التالي، الثاني من أكتوبر، عقدت القيادة المصرية لقاءات ~~عمل مع الوفد السوفييتي. ms021 أود أن أطرح هنا بعض الملاحظات؛ فقد أكد ~~الجانب السوفييتي من جديد أن خطنا في تطوير التعاون قائم بيننا كما ~~كان في عهد ناصر، قويا مخلصا، وأن يكون قادرا على الاستمرار، ~~بطبيعة الحال، في إطار المصالح المتبادلة. وقد أعرب ألكسي كوسيجين ~~عن إيمانه بأن القيادة الجديدة للبلاد سوف يكون باستطاعتها القضاء ~~على الفكرة التي يروجها أعداء مصر حول إمكانية حدوث فراغ في كل من ~~السلطة والأفكار والحسم في اتخاذ القرار. إن النهج الثابت والمستمر ~~لقضية ناصر، إلى جانب التفاف القيادة بأكملها حول هذا النهج الذي ~~يؤيده الشعب، واحترام العالم أجمع لمصر والعمل المنسجم للقيادة، سوف ~~يساعد بلا شك على تجاوز كل المصاعب بما فيها إزالة آثار العدوان ~~الإسرائيلي عام 1967م. # وفي معرض رده على ألكسي كوسيجين أكد السادات أن ناصرا هو صديقه ~~وأخوه ومعلمه، وأن القيادة المصرية لن تسمح بوقوع أية صراعات، وأن ~~الصداقة مع الاتحاد السوفييتي، وهي ميراث ناصر، سوف تزداد قوة ~~ومنعة. وقد تناولت اللقاءات أيضا عددا من القضايا العملية التي ~~تمس العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي، وقيام بلادنا بالمساعدة ~~في حل عدد من المشكلات. # وفي اليوم التالي غادر الوفد السوفييتي مصر في طريقه إلى موسكو. ~~عدت إلى القاهرة في الثالث عشر من أكتوبر بصحبة زوجتي بصفتي ~~سفيرا مفوضا فوق العادة للاتحاد السوفييتي لدى جمهورية مصر ~~العربية. استقبلني في المطار معارفي القدامي الرفاق؛ المستشار ~~السفير فلاديمير بولياكوف والمستشاران فاديم كيربيتشينكو، ألكسندر ~~أرلوف، بافل أكوبوف، والملحق العسكري بحري نيكولاي إيفلييف. أود أن ~~أذكر هنا أن هؤلاء الرفاق المخلصين كانوا جميعا من المختصين ~~البارزين، وإلى جانبهم كان هناك أيضا عدد من الدبلوماسيين الشباب، ~~ولكنهم كانوا هم أيضا على درجة كبيرة من الكفاءة؛ مثل يوري ~~كابرالوف، فافا جوليزادي، روبرت توردييف، شكلوا جميعا العمود ~~الفقري للسفارة، الذي حمل على عاتقه العبء الأكبر للعمل المضني على ~~مدى السنوات التالية، عندما بات من الواضح تماما أن الرئيس السادات ~~قد انتهج نهجا مخالفا للنهج الذي سار عليه ناصر، سواء في السياسة ~~الداخلية أو الخارجية، فتحول ms022 بمصر من معسكر المناضلين النشطاء ضد ~~الإمبريالية إلى داعم لها وخاصة للولايات المتحدة ~~الأمريكية. # لكن إدراك هذا النهج واتخاذ الإجراءات المناسبة تجاهه في الوقت ~~المناسب لم يكن أمرا سهلا. كان على السفارة أن تعاني كثيرا من ~~المواقف الصعبة لاحقا. # 2 # بعد عشرة أيام من وصولي إلى القاهرة، وبعد عدد من المذكرات، ~~أبلغتنا وزارة الخارجية المصرية أن الرئيس السادات مستعد لقبول ~~أوراق اعتمادي. تمت المراسم آنذاك في جو غاية في البساطة، بل إنه ~~لم يؤخذ في الاعتبار تبادل الكلمات على النحو التقليدي المتبع. على ~~أن الحدث لفت انتباه وسائل الإعلام فامتلأت قاعة الاستقبال في قصر ~~القبة - المقر الرسمي للرئيس المصري - بالمصورين ومصوري السينما ~~والتليفزيون. انتهزت هذه الفرصة لألقي كلمة أوجزت فيها العلاقات ~~الأخوية التي تربط الاتحاد السوفييتي بمصر، وعن تعاطفنا العميق تجاه ~~الشعب المصري، وثقتنا في استمرار العلاقات بين بلدينا على نفس النحو ~~المثمر كما كانت على عهد الرئيس الراحل ناصر، وأكدت في كلمتي ~~على استعداد بلادنا لدعم مصر وقيادتها في المجالات جميعا، ودفع ~~التعاون بين البلدين قدما. وقد رد الرئيس السادات بكلمة مقتضبة ~~أعرب فيها عن تأكيد متانة علاقات الصداقة المصرية ~~السوفييتية. # وفي سياق الحديث الذي أعقب تسليم أوراق الاعتماد عبر الرئيس ~~السادات عن رغبته في استمرار التعاون الوثيق بيننا وعقد لقاءات ~~منتظمة معه. # بعد الانتهاء من تسليم أوراق الاعتماد توجهت بنفس ملابسي الرسمية ~~إلى قبر ناصر في المسجد الجديد الجميل الواقع على مقربة من بيته ~~الذي عاش فيه، وهناك كان بانتظاري طاقم دبلوماسيي السفارة بأكمله ~~وقد أحضروا إكليلا من الزهور عليه شريط كتب عليه باللغتين ~~العربية والروسية: «إلى جمال عبد الناصر من سفارة الاتحاد السوفييتي ~~لدى الجمهورية العربية المتحدة.» وقد أثار قيام السفير السوفييتي ~~بوضع إكليل من الزهور على قبر ناصر على إثر قيامه بتسليم أوراق ~~اعتماده للرئيس الجديد اهتماما كبيرا من جانب الصحافة ~~والتليفزيون، فضلا عن تجمع العديد من سكان الحي في المكان. كنت ~~أود بذلك أن أرسخ تقليدا وأن أؤكد على تواصل العصور. # وعلى الرغم من أن ms023 المصريين يعيشون على مساحة لا تتجاوز من 3-4٪ ~~فقط من إجمالي مساحة البلاد، على شريط ضيق يمتد بمحاذاة النيل، فإن ~~دلتا هذا النهر تشغل عدة مئات من الكيلومترات، بالإضافة إلى أراض ~~شاسعة تقع على تخوم البحر المتوسط مباشرة، فإن البلد ذاتها، شعبها ، ~~ماضيها، حاضرها، تترك في النفس، بطبيعة الحال، أثرا هائلا لا ~~ينمحي. لقد بادت إنجازات الحضارتين اليونانية والرومانية على نحو ~~أو آخر، بينما بقيت الحضارة المصرية القديمة ظاهرة في آثارها ~~الخالدة. وعن هذه المعجزات التاريخية خطت مئات الكتب، ولا يزال ~~بالإمكان كتابة مجلدات أخرى. ولهذا، وعلى الرغم من رغبتي في مشاركة ~~الآخرين إعجابي بهذه الحضارة، فإنني لن أفعل ذلك، فهو أمر يدخل في ~~اختصاص أناس آخرين. أشير هنا إلى انطباع لشدة ما أبهرني مفاده أن ~~المصريين المعاصرين لا يشعرون أنهم ورثة هذا الماضي التليد. إن ~~الكثير منهم يفتخر وحسب أنه يعيش في هذا البلد الذي تصادف أن ظهرت ~~فيه في زمن ما أشياء عجيبة من شأنها أن تجذب إليها الناس من شتى ~~أنحاء العالم. # وفي نفس الوقت، كان هناك أمر آخر أثار إعجابي أيضا وهو الإحساس ~~الواضح بشعور المصريين، حتى البسطاء منهم، بأنهم سادة هذا البلد، ~~وكان هذا الشعور يتجلى في الكثير من الأمور، سواء الكبيرة أو ~~الصغيرة، وخاصة في السلوك اليومي وفي الأحاديث العادية والحميمة ~~وفي كرم الضيافة التلقائي البعيد عن التكلف، وكذلك في التفاؤل وعزة ~~النفس، وأخيرا في القدرة على تحمل المصائب بروح ساخرة. ليس من ~~قبيل المصادفة أن شاعت هذه الطرفة الساخرة التي تقول إن نابليون ~~هزم في مصر بفضل النكات التي استهدفه بها المصريون. وفي هذا ~~السياق، راح المصريون يلاحقون السادات بالنكات منذ أن تولى منصب ~~الرئيس. واحدة منها ذات مغزي خفي تقول: إن الرئيس السادات استقل ~~سيارة الرئيس الراحل ناصر، وعند مفترق الطرق سأله السائق: إلى أين ~~نتجه؟ يمينا أم يسارا؟ # فسأله السادات باهتمام: وفي أي اتجاه كان يسير ناصر؟ # أجاب السائق: «يسارا.» # عندئذ قال السادات: «حسنا، أعط إشارة الدوران إلى اليسار، ثم .. ~~انطلق ms024 يمينا.» # كان مما أثار دهشتي أيضا هذه المشاعر الودية الجارفة التي يكنها ~~المصريون للروس، وخاصة تجاه الخبراء الذين كانوا يشاركونهم العمل ~~في بناء محطة القوى الكهرومائية العملاقة في أسوان، وفي بناء مجمع ~~الحديد والصلب في حلوان بالقرب من القاهرة، وفي المصانع الأخرى ~~والمشروعات الزراعية، وفي الجيش بطبيعة الحال. كان سد أسوان يبدو من ~~الطائرة على هيئة مشط نصف دائري مغروس وسط صحراء صفراء حارة ~~مترامية الأطراف تتدفق المياه منه بلون الصلب الرمادي، ومن خلفه ~~ترامت بحيرة عملاقة هي «بحيرة ناصر»، ومن الناحية الأخرى امتد نهر ~~النيل شريطا قاتم اللون. # في فبراير عام 1971م، تم الاحتفال رسميا بانتهاء العمل في السد ~~ومحطة الكهرباء التي راحت تعطي آنذاك نصف الطاقة الكهربائية التي ~~تنتجها أفريقيا كلها. عزفت الأوركسترا ورفرفت الأعلام وعلقت ~~الملصقات وعقدت اللقاءات الجماهيرية. انتهى بناء المشروع العملاق ~~الذي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية إفشاله؛ ~~وذلك بفضل المساعدة النزيهة التي قدمها الاتحاد السوفييتي، الذي كان ~~عليه القيام بحل المشكلات العلمية والفنية. لقد أقدم ناصر في شجاعة ~~على التعاون الوثيق مع الاتحاد السوفييتي، وها هي أسوان وقد أصبحت ~~تمثل قمة هذا التعاون. لقد باتت أسوان رمزا للحكمة الاقتصادية ~~وإصرار ناصر، فضلا عن أنها جسدت رؤيته السياسية. # لقد تسنى للسادات افتتاح السد ومحطة القوى الكهربائية. وعلى ~~اللوحات التذكارية التي أقيمت على السد ومحطة الكهرباء تخليدا ~~لهذا الحدث البارز اختفت أية إشارة للاتحاد السوفييتي ودوره في ~~تشييدها؛ فقد كتب: «بمشيئة الله ومساعدة أصدقائنا قمنا ببناء السد ~~العالي الذي افتتحه الرئيس محمد أنور السادات.» من هؤلاء الأصدقاء؟ ~~لعل أحفاد المصريين يبحثون بأنفسهم. لكننا رأينا مقدار الفرحة ~~الصادقة التي حيا بها البناة المصريون أصدقاءهم الروس أثناء ~~الاحتفال. كان المصريون يعلمون جيدا ما الذي قدمه الاتحاد ~~السوفييتي؛ مصدرا هائلا للطاقة، ضوءا في البيوت، أمانا من ~~الجفاف والفيضانات، وفرة في صيد الأسماك، آلاف الفرص للعمل ~~... # وبنفس مشاعر الفرح الصادق، قابل المصريون السوفييت لحظة تدشين أول ~~سفينة صيد بنيت في مصر في ترسانة الإسكندرية التي أنشئت بمساعدة ~~الاتحاد السوفييتي، ms025 حتى إن المصريين قاموا بتسلق أبراج الأوناش ~~والجلوس على الخطاطيف المتأرجحة. # وأمام الساحة الصغيرة التي جرت فيها مراسم تدشين السفينة ذبح ~~المصريون وفقا لتقاليدهم الشعبية، عجلا، وراح العشرات من العمال ~~يغمسون أكفهم في الدم الطازج ابتهاجا بهذا الحدث الكبير. # لعل المهمة الأولى التي يحرص كل سفير جديد على القيام بها هي ~~إقامة العلاقات والروابط مع الشخصيات القيادية المحلية ورؤساء ~~البعثات الدبلوماسية، وهؤلاء عددهم ليس بالقليل، وهو ما يعني في ~~الواقع زيارات تتلوها زيارات، فضلا عن ضرورة استقبالهم عندما ~~يقومون برد الزيارة. إنه جهد غير عادي، خاصة عندما تقع أحداث أو ~~تنفجر مشكلات لا تحتمل الانتظار، وهذه كانت تزداد يوما بعد ~~الآخر. # لقد نجحت في وقت قصير في التعرف، بالدرجة الأولى، على غالبية ~~الشخصيات القيادية في البلاد، ومن بينهم علي صبري وحسين الشافعي، ~~نائبا الرئيس، والدكتور محمود فوزي رئيس الوزراء (وهو واحد من أقدم ~~السياسيين منذ عهد الملك السابق فاروق)، ومحمود رياض وزير ~~الخارجية، ومحمد فوزي وزير الحربية، ولبيب شقير رئيس مجلس الأمة، ~~وشعراوي جمعة أمين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ووزير ~~الداخلية، وسامي شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية (وكان في الواقع ~~المنسق لنشاط المخابرات ومكافحة التجسس)، وعدد آخر من الشخصيات. ~~كان هؤلاء هم المقربون من ناصر في سنواته الأخيرة. # كانوا أناسا ودودين للغاية، بعث بهم ناصر عدة مرات إلى موسكو ~~وكانوا يشاركونه في المباحثات، وقد توطدت بيني وبينهم علاقات عمل ~~جيدة. # لم يكن ذلك كافيا، بطبيعة الحال؛ لكي أحيط بالأوضاع في البلاد ~~بشكل تام. لقد كانت معظم الأمور تتوقف على الرئيس نفسه. جدير ~~بالذكر أن السادات أكد لألكسي كوسيجين ولي أيضا أن العلاقات بين ~~بلدينا لن يمسها أي تغيير، بل إنها ستزداد قوة ورسوخا. # على أنه سرعان ما تراكمت السحب في الأفق. وفي لمح البصر اختفت ~~لدى الرئيس الجديد الصراحة والثقة في علاقاته بنا، تلك الصفات التي ~~ميزت ناصر ليحل محلهما الشك والسخط لسبب أو آخر. # كانت ظاهرة غريبة استمرت لفترة ما دون تفسير؛ فالاتحاد السوفييتي ~~آنذاك لم يغير سياسته ms026 الودية البناءة تجاه مصر، ولم يكن هناك تصرف ~~واحد ملموس يمكن أن يعكس أي شكل من أشكال التغير. # ترى هل كان ذلك يعني تغيرا في مزاج ونهج وسياسة الرئيس الجديد؟ ~~لم يكن من السهل مطلقا الإجابة آنذاك، بشعور بالمسئولية، على هذا ~~السؤال البالغ الأهمية بل والحاسم إذا جاز التعبير. وتمثلت صعوبة ~~الإجابة أيضا في أن غالبية الشخصيات السياسية ورجال الدولة الذين ~~ظلوا في مناصبهم بعد رحيل ناصر كانوا متمسكين بعلاقاتهم الودية ~~تجاه الاتحاد السوفييتي. على أنه وبعد مرور شهرين أو ثلاثة، بدأ جزء ~~من هؤلاء المسئولين - وهو جزء ضئيل في الواقع - في ترديد أقاويل ~~السادات المتعسفة وافتراءاته على الاتحاد السوفييتي، وهي أقاويل لا ~~تقوم على أساس، وخاصة فيما يتعلق بالمسائل العسكرية. وفجأة، إذا بنا ~~أمام مقال في صحيفة أو في إحدى المجلات، حيث يعمل نفر من أصدقاء ~~السادات أو شركائه في الفكر، يتحدث عن نقص صفقات الأسلحة السوفييتية ~~أو عن تدني المستوى الفني لها، ويخلص «الخبير المجهول» إلى أن ~~أجهزة الكمبيوتر توصلت إلى أن «حالة اللاسلم واللاحرب» القائمة مع ~~إسرائيل لا يستفيد من ورائها سوى الاتحاد السوفييتي. لم تكن هذه ~~الحملات لتهدف إلا إلى بذر روح الهزيمة لدى المصريين وتشكيكهم في ~~قواتهم المسلحة وإهالة التراب على أصدقائهم. كان هذا التوجه الملفق ~~والمصطنع واضحا تمام الوضوح؛ فالمصريون، فضلا عن أعدائهم ذاتهم، ~~كانوا يعلمون جيدا قدر المساعدات الهائلة التي قدمتها بلادنا من ~~أجل رفع القدرة الدفاعية للجيش المصري والمساهمة الحاسمة في دعمه ~~والوصول بها إلى مستوى قتالي رفيع. # على أن البعض لم يدرك على الفور أن هذا التوجه قد بدأ مبكرا ~~للغاية بهدف تبرير تراجع مصر عن نضالها ضد الإمبريالية والقيام ~~بتلك التغييرات في السياسة الداخلية والخارجية التي أضمرها السادات ~~ثم أقدم على تنفيذها مؤخرا. # وفي الوقت نفسه، أصبح الخلاف واضحا بين الرئيس والغالبية الكبرى ~~من القيادات، التي كانت تشغل مناصب بارزة في الحكومة وفي الاتحاد ~~الاشتراكي العربي. وفي الشأن الداخلي، قاد الرئيس اتجاها يهدف إلى ~~التقليص الحاد لنشاط ومهام الاتحاد الاشتراكي ms027 العربي، الذي كان هو ~~المنظمة السياسية الجماهيرية الوحيدة في مصر، والتي كانت قائمة على ~~أسس أيديولوجية تقدمية. وإذا كان ناصر يحلم بأن يخرج من رحم هذه ~~المنظمة تنظيما سياسيا باسم «طليعة الاشتراكيين»، فإن السادات قد سعى ~~إلى حله. # أدرك السادات بسرعة أنه لن يستطيع أن يخضع بمفرده اللجنة ~~التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي، فقد تشكلت داخل هذه ~~اللجنة منذ ناصر ما يمكن اعتباره قيادة سياسية جماعية. وعلى سبيل ~~المثال، فقد انتهت واحدة من أفكار السادات الطموحة في اتخاذ خطوات ~~عملية نحو إقامة وحدة فيدرالية تجمع كلا من مصر وسوريا وليبيا ~~(الجمهوريات العربية الفيدرالية) تحت قيادة مصر، بطبيعة الحال، ~~انتهت بالنسبة له في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ~~بحالة من الفوضى. كانت هذه الفكرة الفجة والتي طرحت، علاوة على ~~ذلك، دون تشاور مع أي من قيادات البلاد، مثارا للسخرية بين أعضاء ~~هذه اللجنة، وهو ما أثار سخط السادات بالطبع الذي رأى أن على ~~الجميع أن يمتثلوا لكل ما يقول. # تسنى لي حضور مؤتمرين عجيبين عقدهما الاتحاد الاشتراكي العربي؛ ~~الأول في نوفمبر عام 1970م، حضره أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد ~~الذين تم انتخابهم في عهد ناصر. امتلأت قاعة الاحتفالات الكبرى في ~~جامعة القاهرة، حيث عقد المؤتمر، بجمهور ارتدى غالبيته ملابس ~~بسيطة راحوا يتصرفون بحرية ودون تكلف، بينما تصاعدت في القاعة ~~أعمدة دخان السجائر، وعبر هذا الدخان وعلى نحو فني تسللت أشعة ~~المصابيح المصاحبة للكاميرات التي أخذت في التقاط الأفلام ~~التسجيلية وصور الوجوه والشخصيات الحاضرة في المكان. كان الموقف ~~بأكمله يخلق انطباعا مباشرا بأن الحضور هم بالفعل ممثلو الشعب ~~الذي نال استقلاله غير بعيد، وربما، لم يكونوا يمثلونه بدقة كما ~~كان ينبغي، ولكنهم كانوا أناسا واثقين من أنفسهم بعد أن أصبحوا ~~سادة في بلادهم، وأنهم ما داموا كذلك فسيجدون حتما الطريق ~~الصحيح. # في يوليو من عام 1971م، كان الجمهور الذي حضر مؤتمر الاتحاد ~~الاشتراكي العربي في قاعة الاحتفالات الكبرى مختلفا تماما. كان ~~أغلبهم من الذين يميلون في الواقع لنهج السادات المعادي لعبد ~~الناصر. نفس ms028 القاعة تشهد الآن أناسا يرتدون ملابس فاخرة، معتدين ~~بأنفسهم على نحو ظاهر، على الرغم من حضور شخصيات أخرى في ملابسهم ~~الشعبية، وتعكس ملامحهم روح البساطة، وإن كانوا هنا يمثلون أقلية ~~لا تأثير لها. اتسمت كل الكلمات التي ألقيت بالرتابة والسطحية ~~واتفقت على تمجيد السادات، وبالطبع فقد جاءت خالية من كل مضمون، ~~على الرغم من أن المؤتمر كان مطالبا بتبني برنامج للعمل القومي، ~~قام على إعداد وثيقته عزيز صدقي ومحمد حسن الزيات، وكلاهما كانا من ~~قيادات الاتحاد الاشتراكي العربي. # ألقى السادات الخطاب الرئيسي. كان خطيبا متكلفا، قرأ الجزء ~~الأكبر من خطابه بشكل استعراضي تمثيلي بارع، بينما راح يلقي بكل ~~ورقة جانبا وإن لم يستطع أن يتلاعب بالبرنامج، حتى راحت الأوراق ~~تقع من على المنصة إلى الأرض، ولم يكن السادات يلاحظ ذلك. ساد ~~الصمت، وإذا به ينظر إلى الأوراق نظرة بليدة ويقلبها ذات اليمين ~~وذات اليسار بطريقة توحي بوضوح أنه يسخر من البرنامج. كان من ~~المعروف أن السادات غير راض في قرارة نفسه عن هذا البرنامج الذي ~~كان يستشرف دعم قدرات القطاع العام واتخاذ إجراءات إصلاحية وتقدمية ~~أخرى. وفي النهاية غمغم قائلا: «ما دام مشروع البرنامج موجودا بين ~~يدي الأعضاء فلا حاجة للحديث عنه.» وهكذا لاذ السادات بالصمت ولم ~~يطرح أي رقم. # بالمناسبة، تم استبدال «بالبرنامج» برنامج آخر تماما عضده ~~مساعدوه الجدد بشدة باعتباره الدواء الناجع والشامل، وهو برنامج ~~«الانفتاح» أمام رأس المال الأجنبي والمحلي. # والآن لنعد إلى أحداث نهاية عام 1970م ومطلع عام 1971م. # أشخاص بعينهم هم الذين يصنعون السياسة، وهم الذين يضعونها موضع ~~التنفيذ؛ أي إن السياسة تنعكس من خلال تصرفات أشخاص محددين، وكان ~~من الواضح منذ الأيام الأولى لتولي السادات منصب الرئيس أن جماعة ~~من الذين كانوا يشغلون مناصب قيادية في عهد عبد الناصر قد اتخذوا ~~موقفا مخالفا لنهج السادات. وعلى رأس هؤلاء، علي صبري نائب ~~الرئيس، وشعراوي جمعة وزير الداخلية، وأمين اللجنة المركزية ~~للاتحاد الاشتراكي العربي، ومحمد فوزي وزير الحربية، ولبيب شقير ~~رئيس مجلس الأمة، وضياء الدين داود ms029 أمين الدعوة والفكر باللجنة ~~المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي، وسامي شرف وزير شئون رئاسة ~~الجمهورية، ومحمد فايق وزير الإعلام، وآخرون من قيادات اللجنة ~~المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي وأمناء التنظيم في القاهرة ~~والمدن الكبرى. وعلى الرغم من التباين والاختلاف تنظيميا بين كل ~~هؤلاء، فإن المجموعة كانت تمثل عقبة أمام طموحات الرئيس الشخصية ~~والتي كان يخفيها حتى عن أقرب المقربين له. # كان علي صبري يمثل الخطر الأكبر بالنسبة للسادات بسبب تفوقه ~~الواضح عليه في الثقافة والتعليم والأفق السياسي. وفي 28 مارس 1971م ~~أصدر السادات قرارا جمهوريا أزاح بموجبه ودون سبب واضح علي صبري ~~من منصبه نائبا للرئيس. وكان السادات قد أبلغني بهذا القرار قبل ~~نشره بيومين في محاولة منه لمعرفة رد فعلي تجاهه. وقد أخبرته أن ~~«من الصعب علي التعليق على قرار اتخذه الرئيس. الأمر الوحيد الذي ~~وددت أن أفعله هو أن أذكركم بالأمنيات الطيبة التي أبداها كوسيجين ~~منذ نصف عام للقيادة المصرية عن ضرورة العمل بألفة وتضافر وتفادي ~~الانشقاق في القيادة.» وعندها أخبرني السادات بلهجة حازمة أن ~~القرار تم اتخاذه بالفعل. # لم يبد السادات أي اهتمام بالقضايا الداخلية، وعلى رأسها ~~التنمية الصناعية والزراعية والنقل ورفاهية السكان وتطوير الثقافة. ~~كانت القضايا الخارجية هي شاغله الشاغل، وأهمها قضية إزالة آثار ~~العدوان الإسرائيلي وكل ما يرتبط بها من قضايا. # كان السادات يرى في نفسه خبيرا عسكريا أيضا، ولكنه كثيرا ما ~~كان يستخدم المعلومات الخاطئة التي كان جنرالاته يمدونه ~~بها. # لم تتوقف حدة الخلافات بين السادات والقيادات الأخرى على القضايا ~~الداخلية بقدر ما احتد حول القضايا الخارجية؛ فعلى أثر توليه منصب ~~الرئاسة طرح السادات شعار «ليكن عام 1971م عاما للحسم». وقد فعل ~~ذلك بصورة منفردة ودون تشاور مع أي من القيادات الأخرى. ويعني ~~الحسم هنا إعادة شبه جزيرة سيناء، التي احتلتها إسرائيل نتيجة ~~لعدوان 1967م، إلى مصر. وحيث إن الإسرائيليين لم ولن يفكروا في ~~إعادة الأراضي التي احتلوها طواعية؛ فقد كان السبيل الوحيد هو ~~إعلان الحرب على إسرائيل. # واقع الأمر أن ذلك كان بمثابة إعلان مسبق ms030 من السادات أن مصر ~~ستخوض الحرب ضد إسرائيل عام 1971م. كان السادات يسعى من وراء هذا ~~الشعار إلى ابتزازنا أيضا: «لقد أعلنت هذا الشعار وعلى الاتحاد ~~السوفييتي أن يساعدني في تحقيقه.» وعندما قلنا له: «إن الاتحاد ~~السوفييتي صديق لمصر، ولكننا كنا نود لو أن الرئيس قاسمنا الخطط ~~المحددة المتعلقة (بعام الحسم)، وهل تم وضع كل شيء في الحسبان؟ وما ~~مستوى القدرات القتالية الذي وصلت إليه القوات المسلحة المصرية؟ ~~وما إلى ذلك.» كان السادات يجيب في ضيق وإيجاز: «هذا مجرد شعار ~~سياسي، أما باقي القضايا الأخرى فهي من اختصاص العسكريين ~~المحترفين.» من المستحيل أن نصف هذا التصرف من جانب الرئيس ~~بالتصرف الجاد. وفي هذا السياق، قال لي هيكل في تلك الأيام: لم ~~يحدث مطلقا في التاريخ أن دولة أعلنت أنها ستشن حربا على دولة ~~أخرى في العام الفلاني. إما أن هذا الأمر من قبيل الهزل، وإما أنه ~~جريمة. أما المصريون فقد صموا آذانهم عن الأمر؛ فكم من شعارات ~~أطلقت! # لقد بلغ الخلاف ذروته بين القيادات المصرية عندما تطرق الأمر إلى ~~العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. لقد تم بالفعل طرد ~~الإمبريالية الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط في عهد الرئيس عبد ~~الناصر. أما بعد رحيله، فأصبح معروفا للجميع هذه الاتصالات التي ~~يجريها السادات مع المسئولين الأمريكيين دون أن يطلع بها قيادة ~~البلاد الآخرين. كانت هذه الاتصالات تتم بمساعدة عملاء المخابرات ~~الأمريكية # CIA # المتسترين وراء ~~لافتة «قسم رعاية المصالح الأمريكية» التابع للسفارة الإسبانية. ~~فبعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة أوكلت رعاية ~~المصالح الأمريكية إلى السفارة الإسبانية، وتم رفع العلم الإسباني ~~فوق مبنى السفارة الأمريكية، حيث راحت مجموعة من الأمريكيين، ~~محسوبين على كوادر السفارة الإسبانية، تعمل بداخلها. لكن الأسرار ~~لا تختفي طويلا؛ فقد أخبرني بذلك بعض القادة المصريين في سياق ~~لقاءات العمل معهم، وقد اعتراهم إحساس بالخوف عن إمكانية عودة ~~الأمريكيين إلى الشرق الأوسط مجددا. وكان أكثر ما يخيفهم هو خبر ~~الزيارة المرتقبة لروجرز وزير خارجية أمريكا إلى القاهرة. كان من ~~الواضح أنهم يربطون ms031 بين هذه «المبادرة» وبين حدوث تحول ما في نهج ~~السادات. وعند لقاءاتي بالرئيس كنت أذكر له، بطبيعة الحال، ما دار ~~بيني وبين القيادات المصرية الأخرى. وكان السادات يسارع بالقول: ~~«أعلم، أعلم، لقد أحاطوني علما بذلك.» كان علي أن أتوخى الحذر ~~وقد استشعرت وجود خلافات على مستوى القيادة في البلاد. وفي نهاية ~~لقاء جرى بيني وبين السادات في شهر مارس، وربما في شهر أبريل عام ~~1971م، سألت السادات على نحو يبدو عارضا: «قل لي من فضلك من هم ~~أفضل أصدقائك الذين يمكنني التحدث معهم بصراحة تامة؟» فأجاب ~~السادات قائلا: «محمد فوزي (وزير الحربية)، شعراوي جمعة، سامي ~~شرف» (وكان قبل ذلك يذكر علي صبري أيضا). وقد سألني بدوره: ~~«ولماذا تسألني يا سيادة السفير؟» أجبت: «أردت ببساطة أن أكون على ~~ثقة فيمن أتعامل معهم.» كان السادات - بالمناسبة - يرسل في هذه ~~الفترة إلى موسكو علي صبري ومحمد فوزي وشعراوي جمعة وسامي شرف ~~لإجراء مباحثات مهمة هناك، مقدما إياهم كل مرة للقيادة ~~السوفييتية باعتبارهم أصدقاءه المخلصين. # عندما وصل روجرز إلى القاهرة أصبح من الواضح أن السادات قد تعمد ~~أن يجري معه، على نحو استعراضي، محادثات منفصلة؛ مما اضطر وزير ~~خارجية مصر آنذاك محمود رياض إلى الجلوس ما يقرب من ساعتين في غرفة ~~جانبية. ومن القاهرة توجه روجرز رأسا إلى تل أبيب، بينما وصل منها ~~في نفس الوقت إلى القاهرة سيسكو نائب وزير الخارجية الأمريكية ~~وبصحبته موظف صغير في الخارجية الأمريكية يدعى ستيرز، وقد التقى ~~بهما السادات وعلى انفراد أيضا. وقد نالت صيحة الدهشة التي أطلقها ~~روجرز بعد أن أعلن الرئيس السادات موقفه من قضايا الشرق الأوسط ~~شهرة واسعة والتي قال فيها: «لا أستطيع أن أطلب المزيد من مصر!» ~~وقد حملت هذه العبارة معني ملتبسا. # كان السادات يدرك أن «مغازلته» للأمريكيين لا يمكن أن تمر مرور ~~الكرام؛ فقد طرح علي السادات عدة مرات أثناء أحاديثه معي ~~اقتراحا بعقد اتفاقية صداقة وتعاون بين الاتحاد السوفييتي ومصر، ~~وطلب مني أن أبلغ موسكو بهذا الاقتراح (بالمناسبة فقد ظهرت هذه ms032 ~~الفكرة للمرة الأولى في عهد الرئيس عبد الناصر). على أن نبرة ~~الرئيس آنذاك كانت تشي بأنه لا يعقد آمالا كبارا على الإطلاق على ~~قبول اقتراحه، وأنه لا يولي أهمية لقبول اقتراحه في ظل الوضع ~~الراهن آنذاك. كان من الواضح أن الرجل يبني حساباته على الرفض؛ إذ ~~كان الرفض يمثل له - لسبب ما - أهمية ما . # في الحادي عشر من مايو 1971م، كنت في ضيافة السادات في مقر ~~إقامته في الجيزة القائم على ضفة النيل بالقرب من سفارتنا. مكثت ~~هناك لساعة متأخرة من الليل. رحنا نتبادل الحديث، بينما راحت رجال ~~الرئيس المحببة لديه تركض حولنا وتقفز على الأريكة حيث نجلس متلمسة ~~أطراف أقدامنا. كان السادات يقوم بإبعادها بكسل واضح وقد راح يشتكي ~~من المصاعب والإجهاد اللذين يعاني منهما، قائلا لي إنه يحب الجلوس ~~وحيدا في الظلام ليلا بالقرب من المياه مستسلما للتفكير. تطرقنا ~~للحديث إلى موضوعات عديدة. عند نهاية اللقاء، طرحت عليه مرة أخرى ~~سؤالي السابق حول أصدقائه الثقات، فابتسم قائلا: «يمكنك أن تضع ~~ثقتك، مثلي تماما، في شعراوي جمعة، ومحمد فوزي وسامي شرف. هؤلاء ~~«دائرتي المقربة».» حدث ذلك في الحادي عشر من مايو. # في الثالث عشر من مايو، وبناء على اتفاق مسبق مع سفير جمهورية ~~ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) مارتين بيرباخ، قمنا بتنظيم حفل ~~مشترك تأكيدا على الصداقة بين السفارتين. أقيم الحفل في سفارة ~~ألمانيا الديمقراطية. كان الجو حارا وخانقا، وقد بذل الرفاق ~~الألمان جل اهتمامهم لعمل برنامج جيد يتسم بالمرح. على أن السفير ~~لم يستطع أن يفلت من أفكاره وخاصة أنه كان يستشعر (وكان هناك ما ~~يوحي بذلك) أن أحداثا جساما على وشك الوقوع، ولكن ملامحها لم ~~تتضح كاملة بعد. # في منتصف الحفل، تغيب السفير برهة لاستدعائه لأمر ما، وعندما عاد ~~همس في أذني قائلا: «لقد أخبرني سائقي أنه كان يستمع للراديو، ~~وأنهم أذاعوا نبأ استقالة أمين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ~~العربي ووزير الداخلية شعراوي جمعة!» # أعدت سؤال السفير: «استقالة؟! وما الأسباب؟ أجاب: غير معروف. لم ~~يعلنوا أكثر من ذلك. إما ms033 أنه هو الذي تقدم باستقالته، وإما أنهم ~~عرضوا عليه الرحيل، وربما يكون السائق أخطأ السمع.» # بالطبع كان الخبر يحمل في طياته أمورا فائقة الأهمية. # اضطررت لمغادرة الحفل، كان علي أن أعود إلى البيت وأن أعرج بعد ~~ذلك للأهمية على دار الأوبرا، حيث يعرض باليه «دون كيخوت» من إعداد ~~المخرجين والأساتذة السوفييت. كانوا ينتظرونني هناك، وإذا لم أذهب ~~فربما يتم تأويل الأمر وخاصة في ضوء أحداث هذه الليلة. قررنا ~~الذهاب إلى المسرح مع بداية الحفل لمجرد الظهور إذا جاز التعبير. ~~وبطبيعة الحال، لم نع شيئا من العرض. # تعلمت من خبرتي الطويلة في العمل الدبلوماسي أن الحدس كثيرا ما ~~يؤدي دورا مهما. وهو أمر ليس بمستغرب؛ حيث إن الحدس يعكس على ~~نحو غير واع الخبرة المتراكمة. شعرت أن أمرا جللا سيقع حتما في ~~هذه الليلة. غادرت الحفل مستترا بالظلام. # كان الوقت متأخرا، لكن رفاقي كانوا بانتظاري في السفارة. كانوا ~~قد استمعوا من الإذاعة إلى خبر استقالة شعراوي جمعة. والآن، تبث ~~الإذاعة المارشات والأغاني الوطنية، وهي إشارة على وقوع حدث ما ~~مهم. # وما هي إلا برهة بعد إذاعة خبر قبول الرئيس لاستقالة شعراوي ~~جمعة، حتي توالت أنباء الاستقالات؛ فقد قدم استقالته وزير الحربية ~~محمد فوزي، ورئيس مجلس الأمة لبيب شقير، ووزير الإعلام محمد فائق، ~~وأمناء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي عبد المحسن أبو ~~النور وضياء الدين داود وغيرهم. وقبل السادات استقالة كل من تقدم ~~ذكره، وقام على الفور بتعيين رئيس الأركان اللواء محمد صادق وزيرا ~~للحربية، كما عين محافظ الإسكندرية ممدوح سالم وزيرا ~~للداخلية. # بدأ الأمر في الوضوح، يبدو أن الاستقالة الجماعية كانت بالفعل ~~محاولة لممارسة الضغط على السادات حتى يعود للسير في خط القيادات ~~المصرية. ويبدو أيضا أن أحدا من هذه القيادات لم يفكر في عواقب ~~الأمور؛ فبعد أن عاد «المتآمرون»، كما أطلق عليهم فيما بعد، إلى ~~منازلهم بعد أن تقدموا باستقالتهم، خلدوا إلى النوم على ~~أسرتهم. لم تكن هذه بالطبع، محاولة انقلاب؛ فالانقلابات لا تتم ~~على هذا النحو مطلقا. # لكن هذا ms034 السلوك أدهش السادات. كان كما لو أنه هو الذي قام بنفسه ~~باستثارة كل من تستهويه طريقته في القيادة لتقديم استقالته. وها هو ~~يجد على وجه السرعة بديلا لقيادتين ولقوتين حاكمتين؛ الجيش ~~والشرطة. وهو ما يعني أن هذين المرشحين كانا معدين له سلفا. ~~عندئذ تذكرت الكلمات التي قالها السادات لي منذ أقل من يومين فقط ~~مضيا : «يمكنك أن تضع ثقتك - مثلي تماما - في شعراوي جمعة، ومحمد ~~فوزي وسامي شرف. هؤلاء دائرتي المقربة.» لماذا قال لي ذلك؟ ثم عدت ~~أفكر: ألم يقل لي السادات هذا وهو يضمر في نفسه فكرة محددة؟ # هزت الأحداث في مصر العالم العربي بأسره، وشدت إليها انتباه ~~العالم كله. وراحت صحافة الدول الغربية، لسبب ما، تؤكد بشدة على أن ~~ضربة قاصمة أصابت العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي. هذا ما كانت ~~تتمناه الدول الغربية، وكل من كان استقلال مصر استقلالا حقيقيا ~~على غير هواه. # بعد يوم من اعتقال «المتآمرين» (وهي الصفة التي أطلقت عليهم ~~رسميا) استقبلني السادات في قصر الطاهرة. كان السادات، خلافا ~~لعبد الناصر، يستقبل السفراء عادة في أماكن متعددة. لم يكن الرئيس ~~الجديد يستقر في مكان أكثر من يوم واحد. كان يستقبلني تارة في بيته ~~في القاهرة، وتارة في قصر الطاهرة، وفي المقر الرسمي لرئاسة ~~الجمهورية الذي لا يفصل بينه وبين بيتي سوى شارع (كان السادات قد ~~أصدر أمرا بتحويل أحد المتاحف إلى بيت ضمه إلى بيته)، وفي مقراته ~~المختلفة في هليوبوليس وحلوان والإسكندرية والمعمورة وبرج العرب، ~~وفي بيته في قريته في مسقط رأسه، وفي مقر الاتحاد الاشتراكي ~~العربي، بينما لم يكن ناصر يمتلك مسكنا خاصا به. كان يعيش هو ~~وأسرته في بيت متواضع تابع لإحدى الوحدات العسكرية. أما السادات ~~فقد استغل وضعه واشترى بثمن بخس منزلا على شاطئ النيل وأثثه بأثاث ~~فاخر باهظ الثمن ولكنه يفتقد إلى الذوق، ثم أغلق جزءا كبيرا من ~~الكورنيش أمام عبور المواطنين. # لم تكن التفسيرات التي قدمها السادات مقنعة على الإطلاق، وإنما ~~كشفت النقاب أكثر عن نهجه. كان وجهه يبدو شاحبا ms035 ضامرا وقد أحاطت ~~عينيه هالات سوداء، وكان العرق يتصبب من وجهه طوال الوقت فلا يكاد ~~يتمكن من تجفيفه بالورق. كان «تبريره» يتلخص في أن علي صبري ~~والقيادات الأخرى «أساءوا إلى هيبة السلطة، وأنهم تدخلوا بشكل سافر ~~في حقوق الرئيس»، وضرب مثالا على ذلك بقيام الاتحاد الاشتراكي ~~العربي بإحباط فكرة إنشاء اتحاد فيدرالي يضم الدول العربية (مصر، ~~سوريا، ليبيا، السودان). هذا كل ما في الأمر! ثم حكى بعد ذلك القصة ~~الوهمية التي دأبت أجهزة الإعلام على إذاعتها عن أن «شابا ~~مجهولا» حضر ذات يوم إلى بيته يحمل أشرطة تسجيل عليها تسجيلات ~~للسادات وأحاديث لشعراوي جمعة مع علي صبري ومحمد فوزي وآخرين. وقد ~~أدرك السادات من هذه التسجيلات مدى الشعور «العدائي» لديهم تجاهه. ~~يقول السادات: «وعندما أردت أن أخاطب الشعب بعد أن قبلت استقالة ~~هذه المجموعة لم يسمحوا لي بدخول مبنى الإذاعة والتليفزيون.» وأكد ~~السادات على أن الأحداث داخل القيادة المصرية لا يجب أن تنعكس بشكل ~~سلبي على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي. # كانت هذه إشارة لتهدئة الاتحاد السوفييتي، والهدف هو تقديم الأمر ~~على أن العلاقات مع الاتحاد السوفييتي تسير سيرا حسنا، وهو ما ~~حرصت على إبرازه الصحف الكبرى في اليوم التالي حول مباحثات السادات ~~مع السفير السوفييتي. # وفي محاولة منه لكسب تعاطف الشعب، جرى الترويج لقضية الشرائط ~~باعتبارها واحدة من الجرائم الأساسية «للمتآمرين» الذين قاموا ~~بالتنصت على «الآلاف» من المصريين. وقد بث التليفزيون مشهدا ~~للسادات وبصحبته وزير الداخلية الجديد ممدوح سالم، وقد بدت الجدية ~~على وجهيهما وهما يقفان في فناء وزارة الداخلية وقد راحا يلقيان في ~~النار بصناديق من أشرطة التسجيل. أما المصريون الذين اشتهروا ~~بميلهم للفكاهة فتساءلوا: ولماذا يتم حرق أشرطة تسجيل مستوردة؟ كان ~~من الممكن مسح التسجيلات التي عليها، فضلا عن ذلك فإن هذه الأشرطة ~~تمثل الأدلة المادية «للجرائم» التي ارتكبت. # وحتى انتهى من قصة التنصت، أذكر هنا واقعة نادرا ما تحدث في ~~عالم الدبلوماسية. بعد شهرين من حرق الشرائط التقيت صدفة على أحد ~~الشواطئ في الإسكندرية بالكاتب الصحفي هيكل. ms036 وبطبيعة الحال دار ~~الحديث عن الأحداث التي وقعت مؤخرا. لم يكن هيكل متعاطفا مع ~~«المتآمرين»، وكان يرى في تلك الفترة أن السادات يوليه قدرا من ~~الثقة على نحو أو آخر. وذكر لي هيكل أن السادات حدثه عن اتصالاتي ~~ب «المتآمرين»، وكان أكثر ما أثار فضولي هو أن هيكل لم يكمل حديثه ~~في هذا الأمر حتى النهاية. أخبرت هيكل أنني كنت بالفعل ألتقي بهم ~~في إطار أدائي لمهام عملي بطبيعة الحال، وقد كانوا جميعا يشغلون ~~مناصب حكومية رفيعة، بل إن السادات نفسه طلب مني مناقشة أمور معينة ~~معهم، وهو الذي كان يقوم بتكليفهم بالذهاب إلى موسكو للتفاوض حول ~~بعض القضايا المهمة، فما المدهش في الأمر. أضف إلى ذلك أنني كنت ~~دائما أحيط السادات علما بوجه عام بلقاءات العمل التي أعقدها ~~معهم، وكان دائما ما يسارع بالقول بأنه يعلم بذلك. وبالمناسبة، فقد ~~أخبرت هيكل أنني سألت الرئيس في شهري مارس وأبريل، ثم مؤخرا قبل ~~يومين من واقعة إحراق الشرائط عن أكثر المقربين إليه الذين يمكنني ~~التحدث إليهم بصراحة، وكان الرئيس يذكر لي في كل مرة أسماء هذه ~~الشخصيات التي سرعان ما اتهمها بالتآمر، والذين زج بهم خلف ~~القضبان؛ لماذا أوصاني بهذه الأسماء تحديدا؟ # تردد هيكل في الحديث ولم يجب، ولكنه في الوقت نفسه قص علي ~~أن السادات سمح له بالاستماع إلى شريط تسجيل لمحادثة تمت بيني وبين ~~سامي شرف في التاسع من مايو 1971م. # راودني الشك في صحة الأمر، لكن هيكل اقترح علي الذهاب إلى ~~مكتبه حتى يسمعني الشريط. رفضت، بطبيعة الحال، لرغبتي في عدم ~~التورط في هذه القصة، حتى إني لم أبد أي اهتمام بها، على الرغم ~~من أنني كنت على ثقة أن ما دار في تلك الأحاديث المسجلة لا يمكن أن ~~يتضمن ما يمكن اعتباره إدانة للسفير السوفييتي. على أية حال، فقد ~~أردت أن أتحقق من هيكل فسألته: وماذا دار من حديث آنذاك؟ ~~- أكد سامي شرف أن تصرفات السادات لم تعد مفهومة، وأنه ماض في ~~طريقه نحو التفاهم مع الأمريكيين، ms037 وأنه ليس من المعروف ما الذي سوف ~~يقدم عليه بعد ساعة أو ساعتين. ثم سأل السفير: ما الذي ينبغي ~~علينا عمله معه الآن؟ ~~- حسنا، وماذا كان رد السفير؟ # أجاب هيكل ضاحكا: أجاب السفير أن هذه ليست قضيته، السادات ~~رئيسكم وعليكم الالتفاف حول الرئيس حفاظا على وحدة الإدارة داخل ~~القيادة. # لقد ذكر هيكل ما حدث بالفعل. # ثم إذا بهيكل يضيف قائلا: عند هذه الفقرة من التسجيل الذي كان ~~السادات يستمع إليه باهتمام، ضرب كفا بكف على الطريقة العربية ~~بأسف، ثم صاح قائلا: «يا سلام! أفلت السفير وكان على شفا ~~حفرة!» ~~- ماذا تعني كلمة «أفلت» هنا؟ وعلى أي نحو كان علي أن أجيب عن ~~هذا السؤال؟ # راوغ هيكل في الإجابة قائلا: لا أعرف، أظن أن الرئيس كان ~~يعول بشدة على أن يسمع إجابة أخرى. # بعبارة أخرى: كان السادات يود لو استطاع أن يزج بالاتحاد ~~السوفييتي في هذه القصة، وأن يربط بينه وبين «المتآمرين». # لم يحظ السادات، استنادا إلى مظاهر كثيرة، بالتأييد الواسع أو ~~الشعبية الجارفة التي كان عبد الناصر يتمتع بها. لقد حققت ثورة ~~1952م بقيادة عبد الناصر كثيرا من الإنجازات للكادحين، فقامت ~~بالإصلاح الزراعي، وأتاحت إمكانية التعليم والتأمين الاجتماعي، وسنت ~~قوانين للعمل وما إلى ذلك، لكنها لم تتمكن من القضاء على الفروق ~~الاجتماعية ... كما أن الغالبية العظمى من الشعب المصري بقيت على ~~حالها من الأمية. والأمي - بحسب تعبير لينين - خارج السياسة. ولهذا ~~فإن غياب الجماهير عن المشاركة الفعالة في إعادة بناء البلاد، ~~والسلبية تجاه ما يحدث في الشأن السياسي، كانا يمثلان الخطر الأكبر ~~المحدق بثورة 1952م الوليدة، والتي إن لم يكتمل نموها لانتقلت السلطة ~~بطريقة أو أخرى إلى الأقوى، والأقوى كان ولا يزال هو البرجوازية، ~~وكان السادات هو التعبير الأمثل لمصالحها. لم تتخذ أغلبية الشعب ~~موقفا تجاه التصرفات التي اتخذها السادات ضد أنصار ناصر والتي ~~وصلت إلى حد مطالبة النيابة بإعدامهم. على أن غالبيتهم صدرت ضدهم ~~أحكام بالأشغال الشاقة، بينما حكم على الباقين بالسجن لمدد ~~طويلة. # ظل كثير من المصريين لا ms038 يعرفون جوهر الخلافات بين السادات ~~والقيادات السياسية التي تبقت من العصر الناصري، كما لم يعرفوا ~~نياته في التوجه نحو التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية ~~والاتصالات السرية التي جرت بين الأمريكيين والرئيس السادات الذي ~~نجح في إخفائها. وعلى عجل راح الأمريكيون يفسحون المجال لقوى ~~اليمين ويضاعفون من ضغوطهم على السادات. كانت هاتان القوتان - ~~اليمين المصري والأمريكيون - يستهدفان إبعاد مصر عن الصداقة ~~والتعاون مع الاتحاد السوفييتي، ومن هنا ظهرت كل أشكال الشائعات ~~المغرضة والافتراءات في حق بلادنا، كما جرت محاولات تدريجية من أجل ~~خلق مناخ معاد للسوفييت في البلاد. كان من الضروري، بطبيعة الحال، ~~الحيلولة دون ذلك. # أستطيع أن أقول إن الشعب المصري لا يزال يكن مشاعر المودة ~~العميقة للاتحاد السوفييتي وللمواطنين السوفييت. لقد أتيحت لنا ~~العديد من الفرص للاقتناع بأن «رشاش الوحل» العدائي الذي أطلقه ~~السادات أو جزء من الصحافة المصرية على بلادنا لم يجد دعما كبيرا ~~أو حتى انتشارا بين الطبقات العريضة من الشعب المصري. إن أهم ما ~~يميز الشعب المصري هو حبه للعمل والحياة، وعلى الرغم مما يكتنف ~~حياته من مصاعب، وهو دائم الشك والسخرية من كل المسلمات التي تفرض ~~عليه من أعلى؛ فإنه شعب لا يحب البديهيات ولا يؤمن بها وإنما ~~يتناولها بحذر وريبة. إن الغالبية العظمى من الشعب تعاني من ~~الأمية، لكن السواد الأعظم يعلم جيدا أن أصدقاءه السوفييت وأن ~~الدولة السوفييتية وقفا بجانبه في أوقات الشدة. # ولا يزال المثال واضحا بالنسبة للمصري البسيط الذي يتذكر الثري ~~الإنجليزي المتعالي، والذي كان يتصرف في بلادهم تصرف صاحب البيت، ~~وهو الآن يرى الخبير السوفييتي المتواضع وهو يعمل إلى جانبه في ~~المصنع وموقع العمل، أو الضابط المستشار العسكري الرفيق الذي يقاسم ~~الجنود المصريين متاعب الحياة العسكرية. كان على السادات أن يدرك ~~الظرف الموضوعي المتمثل في مزاج المصريين وميولهم، وهو ما يفسر ~~تصريحاته أحيانا وكلماته الطيبة تجاه الاتحاد السوفييتي وإلحاحه ~~بصورة استعراضية على توقيع اتفاق صداقة بين البلدين ودعوة قيادات ~~سوفييتية رفيعة لزيارة القاهرة. # كان توقيع مثل هذا الاتفاق يلبي على ms039 نحو موضوعي مصالح دعم ~~العلاقات بين الشعبين المصري والسوفييتي ووقف أعداء هذه العلاقة من ~~توجيه ضربة قاصمة إليها. # وقد رد الاتحاد السوفييتي على اقتراح السادات بشأن توقيع اتفاق ~~الصداقة والتعاون بالموافقة. وتمت إبان المباحثات التي جرت في ~~القاهرة الموافقة على المقترحات جميعا التي تقدم بها الجانب ~~المصري. # وفي السابع والعشرين من مايو 1971م، جرى توقيع الاتفاق في ~~القاهرة، الأمر الذي أثار قلقا واضطرابا لدى الولايات المتحدة ~~الأمريكية. وعلى الفور وصل إلى القاهرة المبعوث الأمريكي ستيرنر ~~قادما من واشنطن. وكان على السادات أن يؤكد لهذا الموظف الصغير ~~أنه لا ينوي إدخال أية تغييرات على علاقته بالولايات المتحدة ~~الأمريكية. # بالنسبة للظروف التي تم فيها عقد هذا الاتفاق فإنني أذكر هنا ~~بشكل خاص، بصفتي شاهد عيان على الأحداث، أن السادات تحدث أكثر من ~~مرة في خطبه أن الاتفاق كان «مفروضا» عليه من الجانب السوفييتي، ~~وأن نصه لم يراع الملاحظات وما إلى ذلك. والحقيقة أن الأمر لم ~~يجر على هذا النحو إطلاقا. # لقد ظهرت هناك بوادر فتور في العلاقات المصرية الأمريكية، وكان ~~السادات في حاجة إلى مزيد من الوقت ليجد حجة ما يثبت بها للولايات ~~المتحدة الأمريكية وفاءه للعهد الذي قطعه على نفسه. وقد وجد ~~السادات هذه الحجة في مجموعة من الخبراء العسكريين والفنيين ~~السوفييت الذين كانوا يقومون على تدريب العسكريين المصريين وعلى ~~إعداد وحدات الدفاع الجوي التي كانت مهمتها حماية الأجواء المصرية ~~إبان الإعداد العاجل للأطقم المصرية، وهؤلاء جاءوا إلى مصر بناء ~~على طلب من ناصر والقيادة المصرية، التي كان السادات واحدا منها. ~~وهنا ظهرت سلسلة من الممارسات العدائية استهدفت إهالة التراب على ~~النشاط المتفاني للعسكريين السوفييت الذين قاموا بنزاهة وشرف على ~~إنجاز مهامهم العسكرية الأممية في ظروف استثنائية بالغة ~~الشدة. # أورد هنا بعض الأمثلة فحسب. في سبتمبر عام 1971م بدأت المخابرات ~~الأمريكية التي كانت تعمل هي وعملاؤها على نحو سافر للغاية في ~~العمل المكثف ضد القوات المسلحة المصرية، وانتهى الأمر باكتشاف ~~القضية التي عرفت باسم «قضية راندوبولو»، وهو مواطن مصري كان يعمل ms040 ~~مقاولا في تشييد بعض المنشآت العسكرية تم تجنيده من قبل ~~الأمريكيين. وفي كتابه «الطريق إلى رمضان»، كتب هيكل يقول إن التي ~~قامت بتجنيده فتاة اسمها «مس سوين»، كانت تعمل ضمن أعضاء بعثة ~~رعاية المصالح الأمريكية التي ترفع العلم الإسباني. وقد ألقت ~~المخابرات المصرية القبض على راندوبولو وسوين. وفي هذا الوقت قام ~~الجانب المصري بإبلاغنا أن راندوبولو يعمل بالتجسس لصالح إسرائيل ، ~~وحاول المصريون اتهام العسكريين السوفييت بافتقاد اليقظة والحذر، ~~ومن ثم، مساعدة الإسرائيليين! من ناحيتنا نفينا وبشكل منطقي هذه ~~الادعاءات المضحكة، وأعلنا أن مكافحة التجسس تقع مسئولية الجانب ~~المصري وحده. فيما بعد قرأت باهتمام بالغ ما ذكره هيكل في كتابه: ~~أن يوجين ثرون رئيس المخابرات المركزية في مصر كتب خطابا صريحا، ~~بعد أن تكشفت أبعاد القضية، إلى رئيس المخابرات المصرية ورئيس جهاز ~~مكافحة التجسس آنذاك الفريق أحمد إسماعيل، يقول فيه: «إن أيا من ~~المعلومات التي حصلنا عليها من هذه الفتاة لم تصل قط إلى يد ~~الإسرائيليين، وإنها كانت لصالح الولايات المتحدة فقط، وبالمناسبة ~~فربما تكون في صالح مصر أيضا؛ إذ يمكن بفضلها للحكومة الأمريكية ~~أن ترد على الحكومة الإسرائيلية التي تبالغ في تقديرها لحجم ~~الأسلحة التي يقدمها الاتحاد السوفييتي لمصر، والتي تتعلل بها لدى ~~الولايات المتحدة الأمريكية لطلب صفقات جديدة من الأسلحة. وأود أن ~~تعلموا أن مصر لم تكن هي الهدف من وراء عملية التجسس هذه؛ فكما ~~تعرفون فإن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي منغمسون ~~في مواجهة شديدة، ونحن نتجسس عليهم لا عليكم.» # قرر السادات أن يطلق سراح الجاسوسة الأمريكية، وفي هذا السياق، ~~أشار هيكل إلى أن ذلك كان بهدف مواصلة دعم هذه الفتاة للاتصال، ~~والتي أصبحت تمثل له (أي السادات) أمرا غاية في الأهمية؛ السادات ~~- المخابرات المصرية - المخابرات المركزية - المجلس الأمريكي ~~وكيسينجر. # في مطلع عام 1972م، تعرضت مجموعة كبيرة من الضباط السوفييت، كانوا ~~في طريق عودتهم إلى الوطن، لتفتيش مهين في مطار القاهرة. وكان ~~الهدف من وراء ذلك، كما صرح موظفو الجمارك المصريون، إثبات صحة ~~الشائعات السائدة التي تقول إن ms041 الروس يقومون بتهريب كميات كبيرة ~~من الذهب. وبالطبع لم يسفر التفتيش عن وجود أي ذهب. كان علينا أن ~~نتخذ إجراءات حاسمة في هذا الشأن بما فيها مخاطبة الرئيس نفسه. وفي ~~مساء نفس اليوم اتصل بي السادات وكنت وقتها في ضيافة رئيس ~~الوزراء عزيز صدقي في بيته للتحدث في بعض الأمور، قال لي السادات ~~عبر الهاتف: إنه يشعر بالخجل أن يقرر شخص ما في مصر «مكافأة» ~~العسكريين السوفييت على هذا النحو غير اللائق على ما بذلوه من جهد ~~مخلص، وطلب اعتبار هذا الحادث منتهيا وكأنه لم يكن؛ أي إنه بهذا ~~قد قدم اعتذاره بالفعل. # وفي حديث صحفي أدلى به السادات لمجلة «نيوزويك» الأمريكية اشتكى ~~من أن عليه أن يدفع مبالغ مالية هائلة بالعملة الصعبة للاتحاد ~~السوفييتي تمثل مرتبات العسكريين السوفييت العاملين في الجيش المصري. ~~ولما كانت هذه المزاعم بعيدة تماما عن الواقع، فقد قلت للسادات ~~مداعبا في أحد لقاءاتي به مستندا إلى هذا الحديث: إن العسكريين ~~السوفييت مندهشون لعدم حصولهم على العملة الصعبة حتى الآن. تجهم ~~وجهه ثم قال في غضب مفتعل: هذه من بنات أفكار الصحفيين. # ومع ذلك، فقد صرح النائب الجديد لوزير الخارجية إسماعيل فهمي ~~للصحافة أن الاتحاد السوفييتي حليف لا يركن إليه، وأنه لن يذهب مع ~~مصر «حتى النهاية» (أي نهاية؟) وقد وصل الاستياء بوزير الخارجية ~~المصري والسفير السابق لدى موسكو مراد غالب إلى حد أنه سعي لعزل ~~إسماعيل فهمي من منصبه نائبا لوزير الخارجية (الذي حدث أن مراد ~~غالب هو الذي تم عزله من منصبه ليصبح إسماعيل فهمي وزيرا ~~للخارجية). # وأخيرا حزم السادات أمره. # في يوليو عام 1972م، تسلم السادات رسالة من نيكسون. وعندما التقيت ~~به بعد عدة أيام بناء على طلبه، طلب مني فجأة، وهو في حالة شديدة ~~من الاضطراب، أن أبلغ موسكو، دون إبداء أسباب، أنه ليس بحاجة إلى ~~خدمات العسكريين السوفييت في مصر. هكذا دون كلمة شكر واحدة على ما ~~قدموه من جهد متفان وإنكار للذات، ودون كلمة عن أسباب هذا القرار ~~المفاجئ، الذي ms042 لا يمكن تفسيره بصورة رسمية والذي ستكون له، دون ~~أدنى شك، عواقب سياسية هائلة. لم تكن نبرة الرئيس تشوبها أدنى رغبة ~~في التعاون، وقد شمل «قراره» بملاحظات لاذعة وحادة تمس العسكريين ~~السوفييت، وهي ملاحظات لم أستطع، بطبيعة الحال، أن أرد ~~عليها. # عندما أدركت أن الرئيس، على الرغم من كل محاولاتي، لا يريد أن ~~يتطرق إلى لب الموضوع، كان علي أن أذكره أن العسكريين السوفييت ~~جاءوا إلى مصر نتيجة الإلحاح والطلبات المتكررة من الرئيس عبد ~~الناصر، ومنه هو شخصيا فيما بعد وبأمر من الحكومة السوفييتية ~~وأنهم، وبغض النظر عن المصاعب التي واجهوها، قد أدوا واجبهم الأممي ~~بشرف وهم يضعون نصب أعينهم هدفا واحدا هو أن تكون مصر دولة قوية، ~~وأنهم لا يستحقون هذه الكلمات التي قالها عنهم الرئيس، وإنني لن ~~أفهم هذه الكلمات. ولما وجدت لديه الرغبة في الاستمرار مرة أخرى في ~~إهانة العسكريين السوفييت، قلت له إنه إذا لم يكن لديه شيء آخر ~~يقوله، فسوف أبلغ موسكو بما أعلنه. ودعته بإيماءة من رأسي وأنا ~~أغادر المكان. # بعد خروجي، قام السادات، كما حكى لي هيكل فيما بعد، باستدعائه ~~هو ورئيس الوزراء عزيز صدقي ووزير الحربية محمد صادق وأبلغهم ~~ب «قراره». # صاح هيكل: لماذا فعلت هذا؟ هل فكرت في عواقب ذلك على الجيش؟ على ~~البلد؟ وقال هيكل إنه شعر بطعنة لأن ناصرا هو الذي ألح على ~~القيادة السوفييتية في وجود السادات تحديدا لإرسال عسكريين سوفييت ~~إلى مصر، والآن يأتي السادات ليلغي بمفرده ما عمل ناصر بدأب على ~~تحقيقه. لم أكن على علم آنذاك، بطبيعة الحال، بما كتبه هيكل في ~~كتابه «الطريق إلى رمضان» حول الرسالة السرية التي بعث بها رئيس ~~الولايات المتحدة نيكسون إلى السادات، والتي يقول له فيها: الآن ~~يمكنكم أن تنعموا بالراحة وأن تفعلوا ما يحلو لكم. ولكن عليكم أن ~~تتذكروا أن مفتاح حل مشكلة الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة ~~الأمريكية. ليس عبثا أن كتب كيسينجر في مذكراته حول قرار السادات ~~بإبعاد الخبراء العسكريين السوفييت: «لقد حصلنا منه على ms043 كل شيء ولم ~~نعطه شيئا.» # بالطبع فقد غادر المستشارون العسكريون السوفييت ومعهم الفنيون مصر ~~على نحو منظم، أما مشاهد الوداع في الجيش المصري فكانت مؤثرة ~~للغاية. كثير من الضباط والجنود انخرطوا في البكاء واعترفوا بهول ~~الشعور المفاجئ بالوحدة و... الخجل لما أقدم عليه رئيسهم. # فكرت كثيرا في ذلك القرار الذي اتخذه السادات. لا شك أن هذا ~~القرار قد جرى اتخاذه قبل ذلك بكثير. ما الذي دفعه لاتخاذ هذه ~~الخطوة التي أضعفت مصر سياسيا وعسكريا؟ لقد دعم وجود ~~العسكريين السوفييت الجيش المصري حتى وصل به إلى المستوى المطلوب من ~~الإعداد، فضلا عن ردع إسرائيل عن القيام بعمليات عسكرية كبرى ضد ~~مصر. يكفي أن نذكر التوقف الكامل للغارات الجوية التي كان ~~الإسرائيليون يقومون بها على المناطق المأهولة بالسكان بعد أن ~~أصبحت مؤمنة تماما. # بعد عدة أيام من إعلان قرار السادات بإبعاد العسكريين السوفييت ~~أخبرني السفير البريطاني لدى مصر بصراحة مذهلة قائلا: «كنا في ~~السابق نسعى بشكل أو آخر لتسوية أزمة الشرق الأوسط بسبب وجود ~~العسكريين السوفييت في مصر، الذين كنا نرى ضرورة مغادرتهم مصر. أما ~~الآن وقد غادرها عسكريوكم، فلم يعد لدينا الحافز بتسوية المشكلة.» ~~وهكذا تخلى السادات عن ورقة الضغط التي كان العرب يملكونها، والتي ~~كانت ستساعد على تسوية الصراع في الشرق الأوسط. # إذن، فقد كانت لدى السادات خطط ما في علاقته بالولايات المتحدة ~~الأمريكية، وكانت تصرفاته هذه تلويحا له يقول: «أنا معكم!» لكن ~~التقارب بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، والذي راحت إسرائيل ~~تؤيده بنسبة 100٪ كان بحاجة إلى ما يدعمه ويبرره. لم يكن ذلك ~~ممكنا إلا في حالة ما إذا ظهرت الولايات المتحدة بمظهر مختلف تبدو ~~فيه صانعة للسلام أو - إذا جاز التعبير - «السمسار الشريف». لنتذكر: ~~هنا مكمن الخطورة في تصرفات السادات، وهو ما رآه الناصريون ~~تحديدا. # كان عام 1973م موعدا لحدث ذي مغزى عالمي وقع في الشرق الأوسط ~~ألقى بالضوء على طريق ظهور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لقد ~~اشتعلت العمليات العسكرية الضخمة التي كان أطرافها مصر وسوريا ~~وإسرائيل، والتي ms044 عرفت باسم حرب أكتوبر أو حرب رمضان. # 3 # كان التوصل إلى حل الصراع العربي الإسرائيلي، أو بتعبير أدق، ~~استعادة الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل، بما فيها الأراضي ~~المصرية، وكذلك ضمان حقوق الشعب العربي الفلسطيني هو القضية ~~الأساسية أمام السياسة الخارجية لمصر، فضلا عن كونها القضية ~~الكبرى التي حددت مسار الوضع السياسي الداخلي للبلاد. لقد كان نفاد ~~صبر الدوائر صاحبة التوجه الوطني الحقيقي تجاه تحقيق العدالة على ~~وجه السرعة أمرا له ما يبرره؛ ولهذا السبب عمل ناصر على دعم الوضع ~~الاقتصادي لمصر وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية بمساعدة ~~الاتحاد السوفييتي، واتخاذ خطوات سياسية كبرى على الساحة الدولية، ~~واستطاع أن يكسب لمصر في مجال العلاقات الخارجية العديد من ~~الأصدقاء المخلصين وعلى رأسهم الاتحاد السوفييتي. # بعد وفاة ناصر، كان من الواضح أن قضية إزالة آثار العدوان أصبحت ~~موضوعا للمضاربة السياسية الداخلية، والتي تجلت في صراع السادات مع ~~خصومه. أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فقد أصبحت وسيلة من وسائل ~~الضغط، إما على الاتحاد السوفييتي (بهدف إلقاء مسئولية عدم التوصل ~~إلى تسوية على عاتقه، وفي نفس الوقت في السعي للمطالبة بالحصول على ~~مساعدات متميزة)، وإما على الولايات المتحدة الأمريكية (بهدف لفت ~~الانتباه إلى نية السادات في تغيير النهج السياسي للبلاد والتلويح ~~باتخاذ حليف له). # كان الرئيس الجديد، شأنه شأن سلفه، يدرك جيدا أن التوصل إلى حل ~~لقضية الصراع في الشرق الأوسط دون مصر، الدولة العربية الكبرى ~~والأكثر تقدما والأقوى من الناحية العسكرية، أمر مستحيل. وأنه ما ~~دامت إسرائيل تحظى بدعم مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، وأن ~~لها اليد الطولى على الأراضي التي تحتلها، فإن التوصل إلى حل سلمي ~~للصراع في الشرق الأوسط بالنسبة للعديد من الدول العربية وحكوماتها ~~هو أمر يجافي الواقع، وأنه لم يبق أمام هذه الدول سوى الاعتماد على ~~القوة، التي يعد استخدامها شرعيا ما دام الحديث يدور عن استرداد ~~ما أخذته إسرائيل بالقوة، وهي التي تعترف بذلك علنا في كل مكان. ~~لم يكن بمقدور الدول العربية الأخرى بطبيعة الحال، أن تخوض غمار ms045 ~~الحرب ضد إسرائيل دون مشاركة مصر. # ومما لا شك فيه أن السادات شعر بتفرد وضع مصر، وخاصة أن التوصل ~~إلى عقد اتفاق تعيد إسرائيل بمقتضاه الأراضي المصرية المحتلة في ~~شبه جزيرة سيناء مقابل السلام كان أمرا أكثر سهولة بالنسبة ~~لإسرائيل من إعادة حقوق الفلسطينيين، وإعطاء العرب قطاع غزة وتحرير ~~الضفة الغربية لنهر الأردن وإعادة مرتفعات الجولان إلى سوريا ~~والانسحاب من الأراضي اللبنانية. كان باستطاعة مصر دائما استعادة ~~أراضيها مقابل الصلح المنفرد مع إسرائيل، ولكن هذا كان يعني خيانة ~~المصالح العربية المشتركة وعلى رأسها مصالح الفلسطينيين وسوريا ~~والأردن ولبنان. لم تراود ناصر مطلقا فكرة هذه «الإمكانية»، بينما ~~قرر السادات أن يمضي قدما في طريق الاستفادة من ورائها. فما إن ~~يقف على هذا الطريق، حتى يمكنه الاعتماد على دعم الولايات المتحدة ~~الأمريكية. كان عليه فقط أن يجد الوسيلة لظهور الولايات المتحدة في ~~الشرق الأوسط ظهورا «منطقيا». # كانت العلاقات المتطورة بين مصر والاتحاد السوفييتي هي التي تقف ~~حجر عثرة أمام دعم العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. وها هو ~~السادات، كما رأينا، يعمل على إضعاف العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، ~~على الرغم من ذلك أدى إلى إضعاف مصر والصف العربي بأكمله، ومن ثم ~~فإن الاحتفاظ بالعلاقات السوفييتية المصرية ودعمها كانا ضروريين من ~~أجل مساندة القضية العربية العادلة بوجه عام، ولصالح مواجهة ضغوط ~~القوى الإمبريالية العالمية على الدول العربية. # تمثلت صعوبة اتخاذ الإجراءات العملية في علاقتنا بمصر في أنه كان ~~علينا ونحن ننفذ خطنا الثابت في سياستنا الخارجية العامة أن نراعي ~~بلباقة التأثيرات التي كانت تتعرض لها مصر والحكمة تجاه التصرفات ~~السلبية غير اللائقة والعدائية من جانبها تجاه الاتحاد السوفييتي، ~~والتي أصبحت أمرا مميزا لسياستها الخارجية في عهد ~~السادات. # كانت العلاقات بيننا وبين مصر كثيفة للغاية، وهو ما شكل إحدى ~~المهام الصعبة أمام عملنا الدبلوماسي الذي كانت السفارة السوفييتية ~~جزءا مهما فيه. على سبيل المثال، فمنذ نهاية عام 1970م وحتى ~~نهاية عام 1973م، زار الاتحاد السوفييتي ثمانية وفود مصرية رفيعة ~~المستوى (ثلاثة منها كان على رأسها ms046 السادات نفسه)، بينما وصلت إلى ~~مصر سبعة وفود سوفييتية رفيعة المستوى. وخلال هذه الفترة القصيرة ~~تسنى لي بالمناسبة السفر من القاهرة إلى موسكو اثنتي عشرة مرة ~~والعودة بطبيعة الحال. # بعد القرار الذي اتخذه السادات بإبعاد العسكريين السوفييت من ~~مصر، وهو ما مثل دليلا على التحدي، سألني كثير من الرفاق فيما ~~بعد، عندما أصبح سقوط السادات أكثر وضوحا: ألم نكن نرى وجهه ~~الحقيقي، ألم يكن توجهه معروفا ؟ بالطبع، لكن كثيرا من التفاصيل، ~~المهم منها تحديدا، تم إخفاؤها بإحكام ولم يتم الكشف عنها إلا ~~مؤخرا. لكن تصوراتنا عن الخط الجديد للقيادة المصرية كانت صائبة، ~~وهو ما أكدته الأحداث التي جرت بعد ذلك. إن سياستنا لا تقف على هذا ~~الشخص أو ذاك، وإنما على القضية الأساسية التي نعمل من أجلها. صحيح ~~أننا نضع في اعتبارنا خصائص الشخصيات وتوجهاتهم عند اتخاذ ~~الإجراءات العملية، لكن هذه الإجراءات تكون موجهة بالدرجة الأولى ~~بحيث نحافظ من خلالها على نهجنا العام، آخذين في الاعتبار الظروف ~~الموضوعية المحددة. # لقد كان نهجنا الذي اتبعناه في الشرق الأوسط وسيبقى هو تحقيق ~~السلام العادل لكل دول المنطقة، وهذا السلام لا يمكن تحقيقه دون ~~عودة الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل، وضمان الحقوق المشروعة ~~للفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في إقامة دولتهم المستقلة، وضمان أمن ~~وسلامة شعوب ودول المنطقة جميعا، بما فيها إسرائيل. كل هذا لا ~~يمكن تحقيقه إلا بالتخلص من تأثير القوى الإمبريالية التي تتمثل ~~مصالحها في تحويل الشرق الأوسط إلى رأس جسر لها للاعتداء مستقبلا ~~على استقلال الدول الأخرى؛ لكي تصبح هذه الدول ذاتها رأس جسر ضد ~~الاتحاد السوفييتي وعلى الحدود الجنوبية القريبة من بلادنا. إن ~~نهجنا في الشرق الأوسط قائم من أجل الصداقة مع الدول العربية ~~وغيرها من الدول والشعوب على أساس مبدأ التعاون المشترك ~~معها. # منذ اللحظة الأولى على تقلده سدة الحكم، وكما ذكرنا من قبل، ~~أطلق السادات شعار: عام 1971م هو عام الحسم في الصراع العربي ~~الإسرائيلي! كيف، ومتى، وبأي وسيلة، وعلى أي أساس؟ لم تكن هناك ~~إجابة. «الحسم» ms047 وكفى. على الفور بات واضحا أن الأمر مجرد شعار ~~وحسب، ومن ثم فهو غير قابل للتحقيق. فيما بعد اضطر المحيطون ~~بالسادات إلى تقديم تفسير على النحو التالي: إن عام 1971م هو عام ~~«الحسم» بمعني أنه ينبغي فيه اتخاذ القرار، الذي يجب اتخاذه لحسم ~~المشكلة. لم يزد الأمر على أن يكون مراوغة لفظية. ثم جاء عام 1972م ~~ليصبح أيضا عام «الحسم»، وهنا أسقط السادات فشله على الاتحاد ~~السوفييتي مدعيا أنه انشغل بتقديم الدعم ... إلى الهند! ثم حل ~~العام 1973م لتشهد كواليس الاتصالات بين السادات والأمريكيين تصاعدا ~~محموما. # تمثل النهج الأمريكي في زيادة الضغط على مصر، أو بالأحرى على ~~رئيسها وفي الإلحاح المستمر عليه بفكرة أن الولايات المتحدة ~~الأمريكية وحدها هي القادرة على دفع قضية التسوية في الشرق الأوسط ~~نحو التحرك؛ أي ب «التأثير» على إسرائيل. ولكنهم راحوا يؤكدون في ~~الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة لن تنفذ ذلك «دون مقابل»، وأن ~~الثمن يتلخص في تقليص، ثم القضاء الكامل على ما يعرف ب «الوجود ~~السوفييتي» في الشرق الأوسط، وفي مصر بالدرجة الأولى، وخاصة الوجود ~~العسكري. كان ذلك، بطبيعة الحال، مضاربة بحتة تأكدت فيما بعد. لكن ~~هذه المضاربة كان لها التأثير الأكبر على شخص الرئيس نفسه. # في نهاية عام 1973م سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية مساعد ~~الرئيس لشئون الأمن القومي حافظ إسماعيل، الذي أجرى عددا من ~~اللقاءات السرية مع نيكسون وكيسينجر، وللتمويه على هذه الزيارة قام ~~حافظ إسماعيل بزيارة لندن وموسكو. وفي زيارته لواشنطن تم الاتفاق ~~على شيء ما. # وبحلول مايو عام 1973م قام السادات بتركيز كل السلطات الممكنة في ~~يديه. لم يكتف بأن يكون رئيسا له كل الصلاحيات، وإنما شغل أيضا ~~مناصب رئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الاتحاد ~~الاشتراكي العربي، ولقب آخر هو الحاكم العسكري الأعلى. لا أظن أنه ~~في تاريخ مصر الحديث والقديم كان هناك من تجمعت لديه كل هذه ~~السلطات القوية. # تراجع التعاون بيننا وبين المصريين، كما تراجعت من جانبهم مشاعر ~~الإخلاص والصراحة. # في الثاني والعشرين من سبتمبر ms048 عام 1973م، وبعد عودتي من الإجازة، ~~قمت بزيارة السادات. في هذه المرة أخبروني أنه سيستقبلني في برج ~~العرب، وهو مكان يقع في قلب الصحراء غرب الإسكندرية. # كان من اللافت للنظر أن الساحة المحيطة بهذا البيت الصغير الضائع ~~في الصحراء قد امتلأت بعدد من السيارات تحمل لوحات تشير إلى أنها ~~مخصصة للشخصيات الحكومية الأجنبية الرفيعة المستوى. وقد اتضح أن ~~السادات كان يستقبل نيلسون روكفلر وبعض الشخصيات الأمريكية الأخرى. ~~رافقنا بعض الحراس إلى قاعة استقبال جانبية، وفيها كان يتناهى إلى ~~أسماعنا صوت ضحكات الأمريكيين المجلجلة. مضت عشرون دقيقة وأكثر على ~~الموعد المحدد، وعندها أخبرنا الضابط المكلف أنه إذا كان الرئيس ~~مشغولا اليوم إلى هذا الحد، فسوف نغادر المكان وليحدد لنا موعدا ~~آخر. خرج الضابط إلى مكان ما، وبعد أن عاد أخبرنا أن الرئيس مستعد ~~للقائنا الآن. # كان الرئيس لا يزال واقعا تحت تأثير الحديث الذي انتهى منه ~~للتو. كان ينظر باتجاه ما بالقرب منا، وكان من الواضح أنه لم يستعد ~~تركيزه للتحدث معنا بعد. وفي النهاية بدأ حديثه متخيرا كلماته ~~بدقة قائلا: إن الوضع المتعلق بتسوية قضية الشرق الأوسط بات «غير ~~محتمل». ثم ماذا سيحدث لو أنه (السادات) «فجر الموقف»؟ ما الذي ~~يمكن للآخرين أن يفكروا فيه؟ # على الفور خطرت على بالي فكرة: هل يمكن أن يكون السادات قد قرر ~~البدء في العمليات العسكرية؟ وأين ذهبت تأكيداته بأنه مرتبط ~~ارتباطا وثيقا في هذا الشأن بالاتحاد السوفييتي، وأنه سوف يتبادل ~~الرأي والمشورة معه؛ فالعمليات العسكرية هي الخطوة الأخيرة في ~~السياسة، وفي الغالب لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وفي سباق العمليات ~~العسكرية دائما ما يؤمن كل طرف بأنه هو الذي سيحرز النصر، وفي ~~النهاية ينتصر طرف واحد، بينما يخسر الآخر. وغالبا ما يكون ~~المهزوم هو من بدأ الحرب. لم يقدم لنا الرئيس أية تفسيرات، وإنما ~~ظل، كما يقولون، «يداور ويناور». # دفعني الحديث مع الرئيس دفعا إلى أن أعاود النظر مليا في ~~الموقف في البلاد مرة أخرى. لم تكن هناك أية مؤشرات مباشرة بشأن ~~بدء العمليات ms049 العسكرية في القريب العاجل، لكن المؤشرات غير ~~المباشرة كانت محسوسة، لكن ذلك لم يكن كافيا للوصول إلى استنتاجات ~~محددة؛ فذات يوم توقف رتل من السيارات كان يسير في أحد شوارع ~~القاهرة لمدة طويلة، وكانت السيارة التي تقلني واحدة من بين هذه ~~السيارات. كان الهدف فتح الطريق لرتل آخر من سيارات النقل العسكرية ~~تحمل زوارق مخصصة لعبور الموانع المائية. فكرت أنه لو كانت هناك ~~استعدادات تجري لخوض الحرب، فلماذا ينقلون هذه المعدات على هذا ~~النحو الاستعراضي ليعلنوا عن عبور قناة السويس؟ ناهيك عن أن الضباط ~~المصريين بدءوا في الظهور بملابس الميدان. وإذا كانت هناك ~~استعدادات تمت ملاحظتها داخل القوات المسلحة، فإن شيئا من ~~الاستعدادات تجاه وقوع أية عمليات عسكرية لم يلاحظ في ~~العمق. # في الثالث من أكتوبر، كنت في زيارة للسادات في منزله الخاص ~~القريب من السفارة. وفي سياق الحديث الذي دار بيننا، تحدث السادات ~~عن الاستفزازات المستمرة التي تقوم بها إسرائيل، وعن إمكانية قيام ~~المصريين برد عسكري ضد ما أسماه «الاستفزاز الكبير»، وأردف قائلا: ~~«وليكن ما يكون.» وردا على سؤالي حول ما إذا كانت هناك تصورات ~~بشأن موعد ومستويات هذا الرد، أكد السادات أنه سيخبرني حتما عندما ~~تقتضي الحاجة ذلك «في حينه»، ومرة أخرى لم يذكر شيئا محددا، ~~ولكنه طلب مني ألا أغادر القاهرة، وأن أظل في انتظار مكالمة هاتفية ~~منه. # في اليوم التالي أبلغت السادات بأن موسكو اتخذت قرارا بنقل ~~زوجات العاملين السوفييت وأطفالهم، وطلبت منه مساعدة السلطات ~~المصرية في ذلك، وقد وافق السادات. # نجحنا في زمن قصير للغاية في نقل أكثر من 2700 امرأة وطفل، وكذلك ~~حوالي ألف شخص من عائلات العاملين في السفارة وغيرهم من الخبراء من ~~الدول الاشتراكية الأخرى. كان النقل يتم دائما ليلا في حافلات ~~إلى الإسكندرية ثم إلى السفن السوفييتية أو على رحلات جوية خاصة من ~~القاهرة (في حالة ما إذا لم يكن المطار مغلقا). وقد خصصنا في ~~السفارة هيئة خاصة للإخلاء. جدير بالذكر أن المستشار الاقتصادي ن. ~~ل. لوباتين والممثل التجاري أ. إ. ms050 لوباتشيف والمستشار ب. س. أكوبوف ~~والسكرتير الأول ف. ن. يودين، قد بذلوا جهودا مضنية في هذا ~~الصدد. # وعلى الرغم من أن السادات تجنب مرة أخرى التصريح لي بأية معلومات ~~محددة، مع أنني حاولت تغيير دفة الحديث إلى موضوعات أكثر تحديدا، ~~فقد أصبح من الواضح تماما أن أعمالا عسكرية سوف تبدأ اليوم. ~~عندئذ خطرت ببالي فكرة: على أي نحو سوف يخبرني الرئيس عند وقوع ~~الحدث الأهم «في حينه» كما أخبرني من قبل! وما هذه «المعلومات »؟ ~~أضف إلى ذلك أنه سيخبرني بها قبل وقوعها بساعات أربع. وأين هو من ~~وعوده بالتشاور؟ وهلم جرا. # 2 # أسرعت عائدا إلى السفارة حيث وصلتها ظهرا تقريبا. وبعد أن ~~تعاملت مع المعلومات العاجلة، قررت أن أتناول غداء خفيفا متوقعا ~~أن أوقات الطعام والنوم سوف تتضاءل فيما بعد. وفي الثانية ظهرا ~~تقريبا دق جرس الهاتف المنزلي العادي. طلبت من السكرتيرة ~~فافا جوليزادي أن ترد، فإذا بها تعود لتخبرني: «الرئيس يريد التحدث ~~معك.» راودني الشك. الرئيس يطلبني على الهاتف العادي؟ أمسكت ~~بالسماعة فإذا بصوت السادات يأتيني متهللا: «سيادة السفير! .. نحن ~~الآن على الضفة الشرقية للقناة! والعلم المصري يرفرف عاليا على ~~الضفة الشرقية! لقد عبرنا القناة!» # هكذا بدأت حرب أكتوبر 1973م، وهي حرب تستحق وصفا مستقلا ~~وتحليلا تفصيليا وافيا، بما في ذلك تلك الأحداث كما رآها شهود ~~العيان، الذين كنت من بينهم ومعي العاملون بالسفارة السوفييتية في ~~القاهرة. ونظرا لأن ما نشر هنا في الوقت الحالي لا يسمح بذلك، ~~فسوف أكتفي ببعض الجوانب العامة، التي بإمكانها، من وجهة نظري، أن ~~تلقي الضوء على نحو ساطع على ما وقع من أحداث، أو تعرض حقيقة عدد ~~من الظواهر تم تزييفها بعناية فيما بعد على يد الأمريكيين أو على ~~يد السادات نفسه. # على مدى شهر أكتوبر ومطلع شهر نوفمبر، تسنى لي مقابلة الرئيس ~~السادات عمليا مرة كل أسبوع، وأحيانا عدة مرات في الأسبوع ~~الواحد. كما تعددت أحاديثي معه بواسطة هاتف خاص مغلق بيننا، تم ~~تركيبه بأمر من السادات من طراز «بي. بي. إكس». ms051 كما استمر الاتصال ~~بيني وبين موسكو عبر خطوط الهاتف والراديو. اتخذت السفارة آنذاك كل ~~إجراءات التعتيم والتمويه الصارمة، وأعدت مخبأ محصنا، كما تم ~~تخزين احتياط كاف من المواد الغذائية ومياه الشرب وبطاريات ~~الإضاءة والشموع والكبريت والأدوات المكتبية والأدوية والمهام ~~الطبية. وبمساعدة من تبقى من النساء تم تنظيم وجبات جماعية في ~~مبنى المدرسة. باختصار، اتخذت حياتنا طابع المعسكرات. كنا ننام من ~~ثلاث إلى أربع ساعات في اليوم. # شهدت الأيام الأولى للحرب، كما هو معروف، نجاحا مطردا لصالح ~~المصريين؛ ففي خلال عدة ساعات تمكنوا من عبور قناة السويس على ~~امتدادها، ليتمركزوا على الضفة الشرقية لها. كانت الخطة الموضوعة ~~تقضي بأن يستغرق هذا الجزء من العملية لا أقل من يوم بأكمله، ~~وتفترض أن تصل خسائر القوات المصرية المشاركة على نحو مباشر في ~~عبور القناة إلى ثلث هذه القوات. على أن الخسائر تراوحت بالفعل ما ~~بين 10 إلى 15٪. باء الهجوم المضاد الذي شنته القوات الإسرائيلية ~~بالفشل، كما أن قوة المقاومة لدى الإسرائيليين لم تكن ذات أهمية. ~~ظهرت منظومة الصواريخ المضادة للطائرات باعتبارها قوة فعالة ~~مثلت حاجزا منيعا تهاوت أمامه الطائرات الإسرائيلية، كما ~~شكلت هذه المنظومة «مظلة» واقية وفرت الحماية للقوات المصرية ~~المقاتلة. # وعلى الأرض أظهرت الصواريخ المضادة للدبابات، المعروفة باسم «ماليوتكا»، # 3 # كفاءة عالية ودقة متناهية في إصابة الهدف، وهو ما أنزل ~~بالإسرائيليين على الفور خسائر فادحة. كما أثبتت الأسلحة والمعدات ~~الأوتوماتيكية الخفيفة والمعدات ذات الحركة الذاتية التي كانت ضمن ~~تسليح الجيش المصري قدرة فائقة في ظروف القتال في الصحراء ~~المكشوفة. # كان السادات في أوج سعادته من جراء الكفاءة الرفيعة للأسلحة، ~~وكان دائما في أحاديثه معي يوجه الشكر للاتحاد السوفييتي بعبارات ~~جزلة. وقد قال لي ذات مرة وقد أخذه الحماس: «سيأتي اليوم الذي ~~أتحدث فيه عن المساعدة العظيمة التي قدمها لنا الأشقاء السوفييت!» ~~لم يكن الأمر متوقفا على مجرد الكفاءة العالية للمعدات العسكرية ~~السوفييتية التي أثبتت تفوقها على نظيرتها الأمريكية الموجودة في يد ~~الإسرائيليين، وإنما بتأثير الجهد الطويل الدءوب الذي بذله ~~المستشارون العسكريون السوفييت، ms052 وإلى جوارهم الخبراء الفنيون ~~المختصون الذين عملوا على النهوض بالجيش المصري من كبوته التي مني ~~بها في عام 1967م، وفي إعادة الثقة له ثم تدريبه تدريبا رفيعا تحت ~~شعار «التدريب الشاق يجعل المعركة سهلة». وهو ما حدث بالفعل دون ~~أدنى شك. لكن أمورا كثيرة كانت مثارا للحيرة. كيف عجز ~~الإسرائيليون، وهم يملكون جهاز استخبارات ذي كفاءة عالية، عن ~~ملاحظة تمركز القوات المصرية عند قناة السويس (لن أتحدث هنا عن ~~المخابرات الأمريكية وما تملكه من أجهزة فنية متطورة)، وهل كانت ~~العمليات العسكرية التي قامت بها القوات المسلحة المصرية والسورية ~~مفاجئة إلى هذا الحد بالنسبة للقوات المسلحة الإسرائيلية؟ لماذا ~~كانت القوات الأساسية الإسرائيلية متمركزة في الشمال بالقرب من ~~الحدود السورية، بينما كانت القوة الرئيسية العربية - القوات ~~المسلحة المصرية - مرابطة عند الجنوب؟ لماذا رفض السادات دخول الملك ~~حسين ملك الأردن المعركة، وكان من الممكن أن تقوم القوات المسلحة ~~الأردنية بتنفيذ مهمة غاية في الأهمية؛ وهي قطع الطريق أمام القوات ~~الإسرائيلية القادمة من الشمال، من الجبهة السورية، متجهة إلى ~~الجنوب، إلى الجبهة المصرية؟ لماذا لم تبد القوات الإسرائيلية ~~المرابطة شرق قناة السويس مقاومة حاسمة في مواجهة الهجوم المصري، ~~بل وصدرت لها الأوامر بعد فترة قصيرة بالانسحاب وبحسب التقديرات ~~التي يراها قادتها؟ كيف يمكن تفسير، على سبيل المثال، ما نشرته ~~وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية في الثاني من أكتوبر عن إعلان ~~حالة التأهب القصوى في الجيشين الثاني والثالث اللذين عبرا قناة ~~السويس؟ ألم تنتبه وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى ذلك؟ مثلما لم ~~تنتبه إلى عملية الإخلاء الضخمة للنساء والأطفال الأجانب من مصر؟ ~~إن العديد من الأسئلة المتعلقة بحرب أكتوبر لا تزال بلا إجابة حتى ~~الآن، ومن ثم فإنه ليس من قبيل المصادفة أن كثيرا من الباحثين في ~~شئون حرب أكتوبر قد طرحوا سؤالا يقول: «هل كانت العمليات العسكرية ~~التي جرت بين مصر وإسرائيل «مخططا» لها مسبقا؟» إذا كان الرد ~~بالإيجاب لوجدنا عندئذ كل الإجابات المنطقية للأسئلة التي طرحناها، ~~وأصبحت المحصلة السياسية النهائية للحرب هي ما حدث ms053 مؤخرا - إحباط ~~مؤتمر جينيف الدولي للسلام ومعاهدة «كامب ديفيد» وغيرها - أمرا ~~أكثر وضوحا. # لقد تسللت هذه الأفكار، بطبيعة الحال، إلى رأسي. لكن الأمر ~~العاجل في هذا الوقت كان مختلفا تماما. لقد راحت العمليات ~~العسكرية تتصاعد على نحو جاد، وفي لحظات الحرب كان من المهم أن ~~تكون هذه العمليات واضحة أكثر من أي وقت آخر. # لقد شن الجيش السوري هجومه الناجح في نفس الوقت مع الجيش ~~المصري، واستطاع استرداد مرتفعات الجولان من أيدي القوات ~~الإسرائيلية. وبينما كان المصريون يطورون هجومهم إلى الأمام، إذا ~~بهم .. يتوقفون. وهنا ركزت القوات المسلحة الإسرائيلية كل جهودها ~~على الجبهة السورية، وسرعان ما استردت الأراضي التي حررها السوريون ~~لتتقدم باتجاه دمشق، ولتبدأ في شن غارات جوية مكثفة على المدن ~~والموانئ السورية. وهكذا أوقف الجيش المصري عملياته القتالية، على ~~الرغم من أنه بات واضحا أن المناورة الاستراتيجية للإسرائيليين ~~تمثلت في تفتيت خصومها إلى جزءين؛ سوريا أولا، ثم مصر من بعدها. ~~كان من المنطقي - من وجهة النظر العسكرية - أن يواصل المصريون ~~تقدمهم؛ إذ كان من الصعب على إسرائيل أن تعيد الإمساك بزمام الأمور ~~لو أن الحرب جرت بصورة فعلية على الجبهتين المصرية والسورية معا. ~~لو أن .. كل القضية كانت معلقة بهذه ال «لو أن». # وردا على سؤال حول الخطط العامة للعمليات العسكرية، أجاب ~~السادات بعصبية بالغة قائلا إنه «لا ينوي الجري في سيناء»، وإن ~~تكتيكه يتلخص في إنزال أكبر خسائر ممكنة بالإسرائيليين وليس في ~~«الاستيلاء» على الأرض، وإنه سوف ينتظر قدوم قواتهم المسلحة ~~الرئيسية (!) ليطحنها. إنه لمنطق عسكري وتكتيك غريبين بعد أن أوشك ~~المصريون على الاقتراب من ممري «الجدي» و«متلا» في سيناء، وأصبح ~~الطريق مفتوحا وممهدا إليهما. ومن المعروف أن من يمتلك هذين ~~الممرين يمتلك بالفعل سيناء بأكملها. # في التاسع والعاشر من أكتوبر بدأ السوريون في التراجع، بينما ~~توقفت القوات المصرية عن الحركة تماما. كانت هذه هي السياسة، وهي ~~سياسة خلقت انطباعا لا إراديا أن القوات المصرية كما لو كانت قد ~~«نفذت» ما كلفت بفعله، وأن هذه القوات ليس ms054 لديها خطط أكثر. في ~~الواقع لم تكن هناك، ربما، أية خطط، ولكن كانت هناك خطط أخرى ~~سياسية. # منذ اندلاع الصراع والنشاط السياسي العاصف يزداد أواره بين جدران ~~الأمم المتحدة وفي عواصم معظم دول العالم. وانشغل مجلس الأمن بهذا ~~الصراع، عندما طرح عليه مشروع القرار الأمريكي، الذي يطالب بسرعة ~~وقف إطلاق النار وانسحاب القوات المتحاربة إلى مواقعها التي كانت ~~عليها قبل السادس من أكتوبر. كان من الواضح أن الولايات المتحدة ~~نفسها كانت تدرك عدم الشرعية السياسية في طلب عودة القوات إلى ~~مواقعها التي كانت عليها قبل نشوب الحرب، يعني موافقة العرب على ~~«شرعية» احتلال إسرائيل لأراضيهم؛ فالعرب إنما قاموا بتحرير ~~أراضيهم ولم يحتلوا أراضي غيرهم. وبطبيعة الحال فقد رفض العرب ~~وأصدقاؤهم المشروع الأمريكي. وقد اتضح أن المشروع قد تم تقديمه على ~~هذا النحو كسبا للوقت اللازم حتى تتمكن الولايات المتحدة من إرسال ~~صفقات كبيرة من الأسلحة إلى إسرائيل. وهو ما تحدث عنه هنري كيسينجر ~~بعد ذلك في مذكراته. # ناقشت الأمم المتحدة اقتراحا بشأن اتخاذ قرار يطلب من الأطراف ~~وقف إطلاق النار مع بقاء القوات المتحاربة في مواقعها الحالية، وفي ~~الوقت نفسه تم النظر في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة السابقة بشأن ~~وقف احتلال إسرائيل للأراضي العربية. والآن، إذا ما نظرنا للماضي، ~~يمكن أن نتصور أن قبول هذا القرار في هذه اللحظة - وبعد أن استعادت ~~سوريا بالفعل كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل، كما قامت القوات ~~المسلحة المصرية باستعادة 12-15 كيلومترا على الضفة الشرقية ~~بامتداد الجبهة على قناة السويس - أمر في صالح العرب، وخاصة أن ~~وقف العمليات العسكرية في هذا الوقت كان من شأنه أن يوفر فرصا ~~جيدة لتسوية مجمل الصراع العربي الإسرائيلي على أسس عادلة. على أن ~~هذا القرار قوبل بمعارضة شديدة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ~~و... مصر! لقد بدا «توافق» هذين الموقفين أمرا غريبا؛ فقد توقفت ~~القوات المصرية تماما عن العمليات العسكرية، ولو أنها كانت تواصل ~~تقدمها في تحرير أراضيها، لكان موقف مصر مفهوما. # 4 # أما موقف الولايات المتحدة الأمريكية فكان ms055 مفهوما؛ إذ ~~كانت تنتظر هجوما إسرائيليا ضخما، وكانت تواصل هي إمداداتها ~~لصالح إسرائيل. فلماذا إذن لم توافق مصر على هذا المشروع؟ # وقت طويل استغرقناه أنا والسادات في بحث القرار الأفضل لمجلس ~~الأمن بالنسبة لمصر وسوريا. كان الصمت يخيم على الجبهة المصرية في ~~تلك الفترة، بينما راحت إسرائيل مستندة إلى الجسر الجوي الأمريكي ~~وعلى القواعد الأمريكية في أوروبا في الحصول على صفقات عسكرية ضخمة ~~توجه آلتها العسكرية بكل ضراوة نحو سوريا. وكان السادات يرد ~~قائلا: إذا كانت سوريا عاجزة عن الهجوم ، فلتأخذ موقف الدفاع (وكأن ~~اتخاذ موقف الدفاع أمر سهل)، أو فلتشن حربا شعبية فلديها أراض ~~واسعة ... وهلم جرا. لم يكن الوضع على الجبهة السورية يهمه في قليل ~~أو كثير. كان من الواضح أنه كان يمط الزمن منتظرا أمرا ما. ما ~~هذا الأمر؟ ها هم الإسرائيليون يبدءون في قصف المعابر المصرية على ~~القناة. # في السادس عشر من أكتوبر وردت إلينا أخبار مفاجئة تفيد بعبور خمس ~~أو ست دبابات إسرائيلية إلى الضفة الغربية لقناة السويس! # وقبل هذا اليوم بأسبوع تقريبا، وبعدما أصبح خط الجبهة على الضفة ~~الشرقية واضحا، لفتنا انتباه القيادة المصرية على الفور بوجود ~~فاصل كبير بين الجناح الأول للجيش الثاني والجناح الأيسر للجيش ~~الثالث عند البحيرات المرة خلف القناة. كان هذا معناه أن جناحي ~~الجيش عرضة لهجوم الإسرائيليين الذين يستطيعون فصل الجيشين عن ~~القناة. ومن المعروف أنه لم يكن هناك في هذه الفترة مستشارون ~~عسكريون سوفييت في الجيش المصري. وقد أجاب العسكريون المصريون على ~~أسئلتنا بأنها من «متطلبات تنظيم القتال». وهكذا تسللت الدبابات ~~الإسرائيلية تحت جنح الليل لتعبر القناة إلى الشاطئ المصري ~~الأفريقي لتتمركز تحديدا عند هذا الفاصل، عند حلق مدخل القناة في ~~البحيرات المرة. # وقد شرح لنا السادات الموقف بقوله: إن هذه الدبابات ما هي إلا ~~«مجموعة تخريبية»، وإن مصيرها «الهلاك». ثم أردف قائلا لسبب ما أن ~~هذه مناورات «سياسية» (؟) من جانب الإسرائيليين. # وفي مساء السادس عشر من أكتوبر وصل إلى القاهرة ألكسي كوسيجين ~~للتشاور مع السادات. وبينما كنا ms056 في انتظار هبوط الطائرة في المطار ~~سألت حافظ إسماعيل مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي عن الدبابات ~~الإسرائيلية التي تسللت إلى غرب القناة، فأجاب بأنها «حكاية سخيفة» ~~يتعامل معها العسكريون على النحو المطلوب، وأنه لا داعي للقلق. وقد ~~اتضح فيما بعد أن «العسكريين» لم يتخذوا في الواقع أي إجراءات ~~للتخلص من الثغرة بأوامر من «أعلى». وهكذا، أصبح الموقف الآن على ~~الجبهتين لغير صالح العرب. فالمصريون لم يعد باستطاعتهم - حتى وإن ~~أرادوا - تقديم أي دعم للجبهة السورية، حيث تم إيقاف هجوم ~~الإسرائيليين على مقربة من دمشق بصعوبة بالغة. # وعلى الرغم من أن زيارة كوسيجين كانت تعتبر «سرية»، فإن المصريين ~~أعطوا للوفد تصريحا لدخول مطار القاهرة الدولي، الذي تحول إلى ~~قاعدة لل # B.B.C ~~، كتب عليها ~~«بمناسبة زيارة رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي»، كما وضعوا عند مقدمة ~~السيارة المخصصة له العلمين المصري والسوفييتي، ورافقتها الدراجات ~~النارية. # راح ألكسي كوسيجين ينظر باهتمام شديد من خلال نافذة السيارة إلى ~~القاهرة في الليل، والتي من المفترض أنها تعيش، إذا جاز التعبير، ~~«حالة حرب». وقد لاحظ الإهمال في التعتيم على مصادر الإضاءة، كما ~~شاهد عددا كبيرا من الشباب يتسكع، وغيابا كاملا، في رأيي، لما ~~يمكن أن نسميه «حالة حرب». كانت الحرب بالنسبة لكثير من المصريين ~~البسطاء تبدو وكأنها تجري بعيدا في مكان ما بالقرب من القناة، ~~يديرها عسكريون محترفون، أما لماذا تدور وما هي أهدافها، فهو ما لا ~~يعرف عنه المصري البسيط الأمي إلا قليلا. لم تكن أسماء أبطال ~~الحرب معروفة (وهؤلاء لم يكن عددهم بالقليل)، ولم تكن هناك إشارة ~~واحدة في الصحافة أو الإذاعة والتليفزيون حول موقف الاتحاد ~~السوفييتي (أبلغني السادات أن كل ذلك كان متعمدا إخفاؤه «لأسباب ~~أمنية»). يا لها من رحب غريبة! # اجتمع السادات وكوسيجين لتبادل الرأي على انفراد، وأحيانا في ~~حضور السفير السوفييتي ومستشار الرئيس للأمن القومي. وكان السادات ~~يعبر «ظاهريا» عن مشاعر الود، لكنه نفى بعناد حدوث أية تغييرات ~~سلبية في الموقف العسكري وطلب «ضمانات» ما في حالة استمرار ~~العمليات الحربية الإسرائيلية. ومرة أخرى ms057 يعود ليصف الثغرة التي ~~أحدثها الإسرائيليون ووصولهم إلى الضفة الغربية للقناة بأنها أمر ~~تافه لا قيمة له، وأنها مجرد «مناورة سياسية». # وبعد نقاش طويل مستفيض استهدف استيضاح الوضع السياسي المصري ~~بدقة، أعلن السادات أنه قد وافق على وقف إطلاق النار، إذا ما قامت ~~إسرائيل بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في الثاني والعشرين ~~من نوفمبر 1967م الخاص بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي ~~العربية المحتلة. وإلى أن يتم الانسحاب الإسرائيلي طلب السادات وضع ~~قوات سوفييتية وأمريكية «عازلة»، من قبيل الضمان، بين القوات ~~الإسرائيلية والمصرية، وأن يتم عقد مؤتمر دولي لتسوية مشكلة الشرق ~~الأوسط (ومشكلة الفلسطينيين ومصير الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع ~~غزة وغيرها من المشكلات). # بعد مغادرة كوسيجين القاهرة تلقينا أخبارا أخرى مزعجة: لقد عبرت ~~ما بين 30 إلى 40 دبابة إسرائيلية إلى الضفة الغربية لقناة السويس، ~~ثم تزايدت أعدادها إلى أن وصلت إلى 150 دبابة احتلوا مطارا ~~عسكريا ميدانيا، وسرعان ما أقاموا رأس جسر وخاصة نحو الجنوب، ~~ودمروا نقطة مهمة من شبكة الدفاع الجوي تغطي الجيش المرابط في ~~الضفة الشرقية للقناة دون مقاومة تذكر. لم يتحرك الجيشان الثاني ~~والثالث على الضفة الشرقية واللذان كان يتمركز في مؤخرتهما على ~~الضفة الغربية الجيش الأول أيضا. # في سياق مباحثاتي مع السادات والتي جرت يومي 19 و20 من أكتوبر ~~سألته بإلحاح عن الثغرة، إذا كان الإسرائيليون قد بدءوا بالفعل في ~~بناء جسر ترابي عبر القناة سرعان ما عبرته وحدات إسرائيلية جديدة ~~إلى مصر، إلى أفريقيا، وهو ما أكدته الصور الجوية التي التقطت. ما ~~الذي ينوي الرئيس اتخاذه من إجراءات عسكرية وسياسية في هذا ~~الصدد؟ # تملص السادات من السؤال في ضجر، وقال: إن الثغرة التي فتحها ~~الإسرائيليون لا تساوي شيئا من وجهة النظر العسكرية، وإنما هي ~~ذات مغزى سياسي وحسب (مرة أخرى!) وعلى أصدقائنا السوفييت «ألا ~~يشعروا بالقلق من ذلك، فالقيادة العسكرية المصرية تقوم باتخاذ ~~الإجراءات اللازمة»! # انطلاقا من هذا التصرف الغامض أصبح الأمر برمته أكثر وضوحا؛ ~~فالسادات قد عقد العزم على المضي في ms058 أمور لا يفصح عنها، وهي أمور ~~تتناقض مع منطق تصرفاته الغامضة على المستويين السياسي والعسكري؛ ~~أي مع إعلانه أن مصر لا تزال تواصل تمسكها بمواقفها السابقة ~~المناهضة للإمبريالية. وهو ما يعكس حدوث تغييرات جذرية؛ فها هو ~~الرئيس يضحي من أجلها بحياة الآلاف من الجنود والضباط ~~المصريين. # في ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر، وكان الجو حارا مشبعا ~~بالرطوبة، وفي حوالي الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة، أيقظني من ~~نومي رنين الهاتف. طلب مني الرئيس سرعة التوجه إليه في قصر ~~الطاهرة. # انطلقت في ليل القاهرة وبصحبتي ف. جوليزادي، وكنا نتبادل الحديث ~~بشأن ما يمكن أن يكون الرئيس قد أعده لنا هذه المرة. صادفنا في ~~الطريق عددا من طوابير السيارات العسكرية دهنت مصابيحها باللون ~~الأزرق، وعلى ضوء القمر كانت سيارات بيضاء تمرق كالأشباح وعلى ~~أسطحها لمبات زرقاء دوارة. كانت سيارات إسعاف قادمة من الجبهة ~~محملة بالجرحى. كثير منهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة. من أجل ~~ماذا؟ # دلفنا إلى القصر الغارق في الظلام. اصطحبنا بعضهم إلى إحدى قاعات ~~الاستقبال كما جرت العادة، وإنما إلى شرفة في الدور الأول لها ~~درابزين من الرخام على جانبها بعض التماثيل. لم تكن هناك إضاءة في ~~الشرفة على الإطلاق، بينما كان القمر يلقي بضوئه على الجزء الأمامي ~~من الشرفة المطل على حديقة صغيرة لتفرش أشعته الممرات الخالية بين ~~الأشجار. وعلى الأرضية الرخامية شعاع آخر مائل من ضوء أخضر آت من ~~خلال باب مغلق إلا قليلا. # كان السادات يجلس خلف منضدة صغيرة بالقرب من الدرابزين وإلى ~~جواره جلس عبد الله عبد الفتاح وزير الإنتاج الحربي ممسكا كعادته ~~بدفتر كبير، وقد استعد لتسجيل الحديث. أما حافظ إسماعيل فقد وقف إلى ~~جوار الدرابزين يدخن بعصبية وقد أدار ظهره للحديقة. # لم يكن الرئيس مهتما بمظهره، كان يرتدي سترة عسكرية فاتحة ~~اللون مكرمشة، كثيرة الثنيات وقد فتح ياقتها وترك زراريها العلويين ~~مفتوحين، أما ملامحه فكانت تشي بأنه يبذل جهدا ليبدو متماسكا بل ~~وشديد الثقة بنفسه. # بدأ حديثه معي بالإنجليزية قائلا: «عند منتصف الليل دعاني ~~العسكريون إلى مركز ms059 القيادة وأبلغوني بالموقف وبعدها قررت ~~استدعاءكم على الفور.» # توقف برهة ثم جذب نفسا من غليونه وواصل حديثه: «أستطيع أن أحارب إسرائيل، ولكني لا أستطيع محاربة الولايات ~~المتحدة الأمريكية. مصر لا تستطيع مواجهة الولايات ~~المتحدة.» # وكعادته عندما يتحدث بالإنجليزية، كان السادات ينطق بالكلمات على ~~نحو واضح مستخدما التراكيب اللغوية السهلة. كان صوته في البداية ~~معتدلا، ثم إذا به يتحدث وقد غلب عليه التأثر الظاهري. ~~«لا أستطيع التغلب على هذا السيل المتدفق من الطائرات والدبابات ~~الأمريكية. إننا نعمل على تدمير هذا الكم الهائل، ولكن، يبدو لي، ~~أن هذا السيل لا ينتهي. بالأمس فقط دمرنا مائتي دبابة، ولكن ~~دبابات أخرى تظهر من جديد. إنني لا أستطيع مواجهة الولايات المتحدة ~~الأمريكية ...» # ومرة أخرى يجذب نفسا من غليونه ويطلق دخانه. # ثم أردف قائلا: «أرجوكم أن تبلغوا موسكو فورا بضرورة العمل على ~~وقف إطلاق النار بأقصى سرعة ممكنة. إن لديكم علاقات مع الأمريكيين. ~~أرجو أن تتصرفوا بأسرع ما يمكن.» # أما حافظ إسماعيل فعاد للتدخين مجددا بعصبية مبتعدا قليلا عن ~~الدرابزين. # قلت للسادات بقدر ما استطعت من هدوء: «مفهوم» (يا لها من نهاية ~~مفاجئة!) «أود أن أكرر: أنتم تطلبون وقفا فوريا لإطلاق النار ~~بأقصى سرعة ممكنة مع بقاء القوات المتحاربة في مواقعها ~~الحالية.» # أومأ السادات برأسه: «نعم.» # عدت أتحدث مدققا: «وكيف ستتصرفون مع المجموعة الإسرائيلية التي ~~تسللت إلى الضفة الغربية للقناة؟ وهل ستبقى في مواقعها ~~هناك؟» # أجاب السادات: «نعم، على الرغم من اعتبارها «متسللة»، فإنه لم ~~يعد هناك خيار آخر.» # أسرعت عائدا إلى السفارة. # في تلك الليلة لم يغمض لي جفن بطبيعة الحال، وسرعان ما اضطررت ~~للانطلاق مرة أخرى بعد ساعتين عائدا إلى الرئيس لتدقيق بعض ~~القضايا حول موقف مصر المقبل، على الرغم من علمي أن الرئيس لا بد ~~وأنه استغرق في النوم (!) أحس الياور بالفزع من جراء إصراري على ~~إيقاظ الرئيس، ولكنه استجاب في النهاية لطلبي. استقبلني السادات ~~مرتديا «روب» فوق البيجامة في غرفة مجاورة لغرفة نومه. جلس متربعا ~~على الأريكة. كان وجهه متوردا يفيض بالصحة، ms060 وكانت عيناه متألقتين. ~~ابتسم، ولم يكن هناك ما يشي بإدراكه لخطورة القرار التاريخي الذي ~~اتخذه، ولا بالساعات الحاسمة التي تمر الآن، أو بالذين يستشهدون. ~~كان مظهره وكأنه يقول إن الحرب قد انتهت بالنسبة له. # بعد مباحثات سوفييتية أمريكية معقدة، حاول فيها الأمريكيون أن ~~يطيلوها عن عمد حتى يعطوا الفرصة للقوات الإسرائيلية أن تتوغل أكثر ~~في الأراضي المصرية، ومن ثم وضع مصر في موقف أكثر صعوبة. صدر في ~~الثاني والعشرين من أكتوبر قرار مجلس الأمن رقم 338 بشأن وقف إطلاق ~~النار في خلال مدة لا تتجاوز 12 ساعة (كان كيسينجر يصر أثناء ~~المباحثات على أن يتم إقرار وقف إطلاق النار خلال 48 ساعة، خفضها ~~نتيجة إصرارنا إلى 24 ساعة، ثم وافق في النهاية على أن تكون 12 ~~ساعة). وقد تضمن القرار أيضا الدعوة إلى ضرورة الإسراع الفعلي ~~لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242، وتقرر إجراء مباحثات لإقرار السلام ~~في الشرق الأوسط. وطوال فترة المباحثات كنت على اتصال دائم ~~بالسادات، الذي أعرب عن رضائه التام بنتائجها. # إنني أود هنا أن أذكر بهذه الأحداث من حرب أكتوبر حتى أكشف ~~الأكاذيب التي راح السادات وعدد من المقربين منه في ترويجها في وقت ~~لاحق حول موقف الاتحاد السوفييتي. لقد راح هؤلاء يؤكدون أن الاتحاد ~~السوفييتي لم يقدم أي مساعدة لمصر، وإنه كان «يضغط» عليها ليضطرها ~~لوقف العمليات العسكرية «الناجحة»، و«فرض» موقف إطلاق النار عن طريق ~~اتخاذ مجلس الأمن قرار رقم 338، الذي «أضاع» على مصر ~~انتصارها. # الحقيقة أن الاتحاد السوفييتي وعلى الرغم من أن مصر لم تتشاور معه ~~بشأن بدء العمليات العسكرية، وأنها لم تقم بإبلاغه بموعدها مسبقا، ~~فقد استمر الاتحاد السوفييتي في دعمه لمصر، لإيمانه بأنها كانت ~~تمارس حقوقها في تحرير أراضيها التي احتلت بالقوة. وقد قدم الاتحاد ~~السوفييتي دعما عاجلا متنوعا (لا يزال سكان القاهرة يتذكرون ~~جيدا أزيز طائرات النقل السوفييتية من طراز أنتينوف وهي تحلق في ~~سماء مدينتهم كل نصف ساعة، عندما كان مطار القاهرة مغلقا)؛ # 5 # وأن المشاورات ظلت مستمرة مع الرئيس في ms061 الموضوعات ~~السياسية الوثيقة الصلة بالصراع، وعندما بادر الرئيس بنفسه بطلب وقف ~~إطلاق النار بصفة عاجلة، وعلى الرغم من أن الظروف آنذاك كانت أسوأ ~~مما كانت عليه من قبل، فقد استطاع الاتحاد السوفييتي أن يحقق هذا ~~المطلب مستخدما كل إمكاناته ومكانته الدولية. # والآن لنعد إلى لحظة اتخاذ القرار رقم 338، الداعي لوقف إطلاق ~~النار. لقد قرر الإسرائيليون، كما اتضح، بمباركة الأمريكيين أن ~~يضربوا عرض الحائط بهذا القرار، واستمر تدفق قواتهم إلى الضفة ~~الغربية، وخاصة باتجاه الجنوب، حيث نجحوا في اختراق الجيش المصري ~~الثالث الذي يزيد قوامه على أربعين ألف فرد على الضفة الشرقية. ~~وهنا ازداد الوضع العسكري والسياسي تأزما، وأعلنت إسرائيل تحديها ~~للعالم بأسره. # في الثالث والعشرين من أكتوبر اتصل بي السادات تليفونيا مرتين ~~يطلب رسميا سرعة «تدخل القوات السوفييتية عسكريا» حتى يجبر ~~إسرائيل على تنفيذ قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار. # أدت المباحثات الصعبة بين موسكو وواشنطن إلى قيام مجلس الأمن في ~~الرابع والعشرين من أكتوبر بإصدار القرار رقم 339، والذي يطالب ~~بسرعة وقف إطلاق النار وعودة القوات المتحاربة إلى خطوط 22 أكتوبر. ~~كان قرارا مهما للغاية. ومع ذلك فقد استمر الإسرائيليون في ~~تجاهلهم له حتى وصلت وحداتهم المتقدمة إلى حدود مدينة السويس. ومرة ~~أخرى يعود الرئيس ليؤكد في حديث تليفوني معي أنه يصر رسميا مرة ~~أخرى على أن يقوم الاتحاد السوفييتي هذه الليلة بإرسال قواته أو ~~مراقبيه. كما توجه بنفس الطلب إلى نيكسون. وقد بثت إذاعة القاهرة ~~هذين الطلبين صراحة. # وفي سياق المباحثات المكثفة التي دارت بين موسكو وواشنطن، كما ~~اتضح من المواد المنشورة مؤخرا، تحايل الأمريكيون في إعطاء ردود ~~واضحة مستخدمين في ذلك شتى الحجج، بينما أظهر السادات نفاد صبره ~~ووصف الأمريكيين بالكذابين بعد أن تبين له على نحو واضح أنهم ~~تلاعبوا به، أو راحوا «يعاقبون» مصر على العمليات العسكرية الناجحة ~~للغاية التي قام بها جيشها. ومرة ثالثة وبعد أن حاصرت القوات ~~الإسرائيلية مدينة السويس تماما واتخذت موقعا جنوب هذا الميناء ~~المهم، يتوجه السادات إلى الاتحاد السوفييتي بطلب إرسال قوات ms062 ~~سوفييتية أمريكية مشتركة عاجلة لتأمين تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وفي ~~حالة رفض الولايات المتحدة الأمريكية التدخل، فإن الرئيس يطلب من ~~الاتحاد السوفييتي العمل منفردا. # كان الوضع حرجا للغاية. وقد أعلن الجانب السوفييتي بشكل واضح ~~وقاطع للإدارة الأمريكية عن استعداد الاتحاد السوفييتي تنفيذ طلب ~~مصر فورا. ومن الواضح أن واشنطن وتل أبيب أدركتا أن الاتحاد ~~السوفييتي لا يهزل في مثل هذه المواقف. وبعد هذا الإعلان الحازم قام ~~الإسرائيليون على الفور بوقف عملياتهم العسكرية. وهكذا قدم ~~الاتحاد السوفييتي مرة أخرى مساعدة لا تقدر بثمن لمصر لتضع الحرب ~~أوزارها. # ولكي تغطي الولايات المتحدة على فشلها أعلنت، بعد فوات الأوان، ~~حالة التأهب القصوى في جميع قواعدها العسكرية في الخارج دون ~~التشاور أو حتى إحاطة حكومات الدول التي أقيمت على أراضيها هذه ~~القواعد علما. وفي لقائي به في الخامس والعشرين من أكتوبر سخر ~~السادات من هذا التصرف الذي قام به الأمريكيون واعتبره نوعا من ~~الابتزاز. قليلون - سواء في مصر أو في غيرها من الدول - هم الذين ~~أخذوا هذا «التأهب» مأخذ الجد. وعلى ضوء الحقائق فإن تأكيدات ~~كيسينجر الدرامية المتكلفة التي قصد بها أن حالة «التأهب القصوى» ~~هذه هي التي أجبرت السوفييت على «التراجع» لم تعن لأحد شيئا. عن أي ~~تراجع يتحدث؟ لا نعرف؛ فنحن، كما هو معروف، لم نتراجع إلى أي مكان. ~~فيما بعد جاء كيسينجر إلى القاهرة عدة مرات، وفي أحد لقاءاتنا ~~سألته: على أي أساس أعلنتم «حالة التأهب» في القواعد الأمريكية في ~~الخارج، بينما لم يكن هناك من يهدد الولايات المتحدة الأمريكية وقد ~~ضحك الناس هنا في القاهرة على هذه الخطوة؟ فأجاب كيسينجر في تثاقل: ~~«لقد فقد نيكسون أعصابه آنذاك.» # في السابع والعشرين من أكتوبر أبلغني حافظ إسماعيل بأن وزير ~~الخارجية الأمريكي كيسينجر بعث إليه برسالة يدعو فيها مصر لزيارة ~~الولايات المتحدة الأمريكية. على هذا النحو بدأت الولايات المتحدة ~~دون مواربة في فرض دورها بوصفها وسيطا. وكان إبلاغي بهذه ~~المعلومات يعني بشكل واضح معرفة رد فعل الاتحاد السوفييتي ~~تجاهها. # قلت لحافظ إسماعيل: إذا ms063 كانت مصر ستتخلى في المستقبل عن ~~الاعتماد على الاتفاق السوفييتي-الأمريكي بشأن ضمان وقف إطلاق ~~النار، فإن موقف مصر سيصبح ضعيفا بدرجة كبيرة؛ فالولايات المتحدة ~~ملتزمة أمام الاتحاد السوفييتي وليس أمام مصر. ولسبب ما راح حافظ ~~إسماعيل يؤكد بحرارة على ضرورة منع محاولات الأمريكيين أن يصبحوا ~~وسطاء بين مصر وإسرائيل. # في هذا الوقت تحديدا أرسل السادات إلى واشنطن على وجه السرعة ~~إسماعيل فهمي، الذي جرى تعيينه توا قائما بأعمال وزير الخارجية، ~~ولم يكن وزير الخارجية المصري محمد حسن الزيات، الموجود في ~~الولايات المتحدة آنذاك، قد غادر منصبه بعد! كان من الواضح أن ~~«الدبلوماسية المزدوجة » التي بدأ السادات في انتهاجها قد راحت ~~تتعاظم في هذه الفترة. وبالطبع لم يكن ليفكر في الدخول في العديد ~~من التفاصيل، التي من بينها وجود وزيرين للخارجية في وقت ~~واحد! # في الأيام الأولى من شهر نوفمبر وصل إلى القاهرة ف. كوزنيتسوف، ~~النائب الأول الأسبق لوزير خارجية الاتحاد السوفييتي في زيارة ~~تستهدف التشاور بشأن الدعوة لعقد المؤتمر الدولي للشرق الأوسط. وقد ~~أكد السادات أكثر من مرة على ضرورة قيام مصر بالتنسيق مع الاتحاد ~~السوفييتي في هذا الشأن، وأعرب عن رغبة بلاده في مشاركة ممثلي ~~الدولتين العظميين - الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة - في كل ~~مستويات المباحثات المنتظرة. وهكذا أعلن السادات، قولا، ضرورة ~~وجود الاتحاد السوفييتي في هذه العملية. # أما ما حدث فعلا؛ فقد ظلت مباحثات إسماعيل فهمي في واشنطن طي ~~الكتمان. # وفجأة يذاع الخبر التالي: إلى القاهرة يصل كيسينجر في السابع من ~~نوفمبر! وفي نفس اليوم يلتقي السادات بكيسينجر مرتين على انفراد، ~~وفي المساء تعلن إذاعة القاهرة نبأ التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة ~~العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية. هل هذه ~~إذن محصلة الحرب؟! هل هذا هو ثمن حياة آلاف المصريين والسوريين ~~والإسرائيليين الذين سقطوا في المعارك من أجل المناورات السياسية ~~للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط؟! # وفي نفس اليوم أقام إسماعيل فهمي مأدبة غداء تكريما لكيسينجر ~~حضرها كل أعضاء الحكومة المصرية تقريبا. كما دعا فهمي أيضا سفراء ~~كل ms064 من الاتحاد السوفييتي وإسبانيا (التي كانت ترعى مصالح الولايات ~~المتحدة) وبريطانيا وفرنسا ومحمد حسنين هيكل. الحقيقة لم تكن لدي ~~الرغبة في الذهاب إلى هذا الغداء، على الرغم من أن الأمريكيين ~~أبلغوني أن كيسينجر يود التحدث معي؛ فقد تعامل المصريون معنا في ~~الأيام الأخيرة بصلف وعلى نحو عدائي بما فيهم إسماعيل فهمي ~~نفسه. # لهذا السبب كنت آخر من حضر إلى الحفل. وعندما دخلت إلى القاعة ~~الصغيرة في شقة إسماعيل فهمي، رأيت الضيوف واقفين بجوار الجدران ~~وقد علا الملل وجوههم وبأيديهم كئوس الويسكي وقد أصبح دافئا من ~~طول الانتظار. في وسط هذه القاعة الصغيرة وقف كيسينجر وقد راح ~~يتبادل الحديث مع السفير الإسباني في فتور. قدموني إلى كيسينجر ~~فإذا به ينتعش وتدب فيه الحيوية، وبعد عبارات الترحيب أبدى اهتمامه ~~بتقديري للوضع في منطقة الشرق الأوسط. # أجبته بأنه، وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، فإن الوضع لا يزال ~~معقدا وقابلا للانفجار، ومن ثم فإن من الضروري اتخاذ إجراءات ~~عاجلة وأخرى على المدى الطويل. أما الآن فمن الحتمي أن تتوقف ~~إسرائيل عن ادعاء «البلاهة»، مؤكدا على أن «أحدا لا يعرف مواقع ~~القوات المتحاربة في الثاني والعشرين من أكتوبر؛ أي إلى أين يجب أن ~~تنسحب القوات الإسرائيلية طبقا لقراري مجلس الأمن رقمي 338 و339. ~~وهذه الحدود يمكن تحديدها بدقة على الخريطة. وعندما يسحب ~~الإسرائيليون قواتهم إلى حيث كانت يوم الثاني والعشرين من أكتوبر، ~~عندئذ تنتهي تلقائيا مشكلة إمداد الجيش الثالث المصري والسويس. ~~وينبغي أن يتم ذلك على وجه السرعة. # أما عن الخطة الطويلة المدى، فالفرصة مهيأة الآن لبذل كل الجهود من ~~أجل تسوية شاملة حقيقية لمشكلة الشرق الأوسط برمتها.» # سألني كيسينجر باهتمام بالغ: «ولماذا تعتبرون أن الآن تحديدا هو ~~الوقت الأنسب لبذل الجهود للتسوية الشاملة في الشرق ~~الأوسط؟» # أجبته أنه وبناء على ملاحظاتي هناك عدد من العوامل: ~~(1) # لقد باتت إسرائيل مقتنعة أن مقولة «جيش إسرائيلي لا ~~يهزم» هي مجرد خرافة، وأنه جيش يمكن هزيمته. ولهذا فإن ~~على القيادة الإسرائيلية أن تغير من نهجها، إذا كانت ms065 ~~مهتمة بمصير شعبها ومستقبلها. لقد أصبح واضحا للجميع ~~أن العرب لن يستسلموا مطلقا، وهو ما تقيم إسرائيل ~~حساباتها عليه. قد يفشل العرب ولكنهم لن يستسلموا. وقد ~~بات الأمر واضحا لإسرائيل. ~~(2) # لقد أدرك العرب أنهم أقوياء وهو ما يعطيهم الآن ~~إمكانية الدخول في مفاوضات سياسية، بعد أن كانوا في ~~السابق لا يملكون مبررا. ~~(3) # لقد استعاد العرب وحدتهم، التي لم تكن موجودة من ~~قبل، وأكبر دليل على ذلك هو قرارهم بحظر تصدير النفط ~~إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. ~~(4) # في الواقع فإن الرأي العام العالمي يقف الآن إلى ~~جانب العرب ولا أحد يتهمهم بالعدوان على إسرائيل، على ~~الرغم من أنهم هم الذين بدءوا بالعمليات الحربية ~~الواسعة. ~~(5) # إن طابع العلاقات الحالي بين الاتحاد السوفييتي ~~والولايات المتحدة يسمح لنا، على الرغم من وجود خلافات ~~في وجهات النظر، بمناقشة أية قضايا مطروحة والتعاون ~~بدلا من المواجهة. # وفي الختام قلت له: إن كل هذه العوامل المؤثرة إيجابا ذات طابع ~~مؤقت وقد يطرأ عليها، أو على بعضها، بمرور الوقت، تغيير يفقدها ~~أهميتها؛ ولهذا يصبح عنصر الوقت عنصرا حاسما. لا يزال من الممكن ~~تسوية مشكلة الشرق الأوسط على نحو عادل للجميع، إذا ما أخذنا على ~~عاتقنا بشرف حلها، وإلا فسوف تنشب الحرب من جديد. # استمع إلي كيسينجر باهتمام بالغ وأعرب عن موافقته على العديد ~~مما جاء في حديثي، باستثناء ما ذكرته عن حظر تصدير النفط. أما فيما ~~يخص نشوب حرب جديدة في المنطقة، فإنه من الممكن ألا تقع هذه الحرب، ~~إذا ما توقف الاتحاد السوفييتي عن البحث فيها عن مكاسب له ولم ينشغل ~~بإثارة الفتن ( # To Make Monkey ~~Business ~~). # كان علي أن أجيبه هنا بحدة مذكرا إياه بأن ذلك ليس من شيمتنا، ~~وإنما هي الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، التي تؤازر المعتدي، ~~بينما نقوم نحن علنا بمساندة قضية عادلة وهي إعادة أراض احتلها ~~المعتدون. # وعندها أسرع إسماعيل فهمي يدعو الجميع إلى المائدة. # عند افتراقنا بعد انتهاء حفل الغداء قال لي كيسينجر إن أحدا ~~أخبره في وقت سابق أن سفير الاتحاد ms066 السوفييتي لدى القاهرة رجل صعب ~~المراس # Tough Guy ~~. ولكنه يرجو ~~على أية حال أن يتم التعاون مع سفير الولايات المتحدة الأمريكية ~~الذي تم تعيينه للتو لدى مصر هيرمان إيلتس (وهو من أصل ألماني مثل ~~كيسينجر، وكان سفيرا قبلها للولايات المتحدة لدى المملكة العربية ~~السعودية، ومستعرب). # فأجبته قائلا: «حسنا. إنني على استعداد للتعاون مع «لورانس ~~العرب» الأمريكي، بشرط ألا تنشب مشكلة بين ال ~~( # Monkey Business ~~) والجانب ~~الأمريكي». انفجر كيسينجر ضاحكا. لقد كانت المزحة مفحمة. # وفي اليوم التالي نشرت الصحف عددا من عناصر الاتفاق التي تم ~~التوصل إليها بين السادات وكيسينجر، وخاصة ما يتعلق منها بانسحاب ~~القوات الإسرائيلية إلى مواقع الثاني والعشرين من أكتوبر وذلك في ~~إطار «اتفاق شامل» حول «فك الاشتباك» بين القوات المصرية ~~والإسرائيلية. ولم يكن هناك ثمة شيء جديد في ذلك؛ فبدلا من تنفيذ ~~قرار سحب القوات دون قيد أو شرط، تم الاتفاق على مفاوضات في إطار ~~اتفاق ما حول «فك الاشتباك». وبذلك دخلت المفاوضات بل والتسوية ~~أيضا في طريق موحل ملتو، إلى هاوية لا يسبر غورها. # لم يبلغنا المصريون بشيء عن جوهر هذا الاتفاق. وبعد مرور أربعة ~~أيام بعدما نشرته الصحف المصرية لبعض ما تضمنه الاتفاق في هذا ~~الشأن، دعاني إسماعيل فهمي وقدم لي ورقة تحتوي على نفس ما نشرته ~~الصحف. تناولتها وبعد أن قرأتها، قلت له دون اهتمام: إنني علمت ~~بكل ذلك منذ فترة بعيدة من الصحف. وقد استشاط فهمي غضبا من ~~ردي. # بدأت المفاوضات الصعبة الخاصة بالإعداد الفعلي لمؤتمر السلام ~~العالمي، التي دارت حلقاتها بين موسكو وواشنطن ونيويورك والقاهرة ~~ودمشق وتل أبيب. وكان علي في هذه المدة أن أواصل الاتصالات بشكل ~~مستمر، ليس فقط مع إسماعيل فهمي، وإنما مع السفير الأمريكي لدى ~~القاهرة هيومان إيلتس الذي وصل إلى العاصمة المصرية على وجه ~~السرعة. وذات يوم من أيام ديسمبر هاتفني إيلتس قائلا: إن كيسينجر ~~سيصل مرة أخرى إلى القاهرة وهو يود أن يلتقي بكم سواء عند وصوله ~~إلى المطار أو عند مغادرته. # كانت اللعبة مكشوفة؛ فوزير الخارجية ms067 الأمريكي يريد أن يخلق ~~انطباعا مفاده أن السفير السوفييتي يستقبل كيسينجر أو يودعه في ~~المطار. # أجبت إيلتس أن «فرصة» لقائي بوزير الخارجية لا تناسبني، لا من ~~حيث المضمون ولا من حيث الشكل. فما الذي يمكن مناقشته بجدية في ~~المطار؟ إن كيسينجر قادم لزيارة الحكومة المصرية، فما علاقة السفير ~~السوفييتي بلقائه أو توديعه. ارتبك إيلتس وأجاب قائلا: إنه هو نفسه ~~قد أدرك مدى ما في هذا الاقتراح من فجاجة، وأنه سوف يسعي للاتصال ~~بكيسينجر مرة أخرى والاتفاق معه على مكان ما آخر. وبعد أربع ساعات ~~أخبرني إيلتس أن كيسينجر يقترح أن نلتقي في مقر إقامته في فندق ~~«هيلتون» على أن يتم اللقاء عند منتصف الليل تقريبا بعد انتهاء ~~مباحثاته مع السادات. أجبت بالموافقة فلا فرق عند الدبلوماسيين بين ~~ساعات الليل أو النهار. # في تلك الفترة، راحت وسائل الإعلام في كل مكان تكيل آيات المديح ~~والثناء لكيسينجر على وساطته الناجحة، بل إنها عقدت مقارنة بينه ~~وبين ميتيرنيخ. ويبدو أن ذلك أعجبه، وأن اللقاء مع السفير الروسي قد ~~تم إعداده لمجرد الاستعراض، وكرسالة للصحافة لخلق انطباع بأن هناك ~~«عملا مشتركا». # في لقائي معه، لم يذكر كيسينجر شيئا عن مباحثاته مع المصريين. ~~لم يقلع «ميتيرنيخ زماننا» عن عادته غير الدبلوماسية في تسليك ~~أسنانه بإصبعه بعد تناول الطعام، وانهمك في التحدث بشكل عام حول ~~ضرورة التعاون السوفييتي الأمريكي في الشرق الأوسط والتنسيق طبقا ~~للاتفاقات، وهلم جرا. انتظرت حتى انتهى من حديثه ليمسح إصبعه ثم ~~سألته: كيف يمكن الجمع بين هذه الأفكار الصحيحة واستبدال «اتفاق ~~الكيلو 101»، الذي أعطى عمليا إسرائيل حل كل القضايا من جانب ~~واحد، بقرارات الأمم المتحدة التي جرى إعدادها بالتشاور بين ~~الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خاصة القرارين 338 و339. أين ~~التعاون هنا مع الاتحاد السوفييتي؟ وأين أهميته التي تحدث عنها للتو ~~وزير الخارجية؟ وعموما ما «اتفاق الكيلو 101» هذا؟ # توقف كيسينجر عن لعق إصبعه ونظر باهتمام إلي، ثم راح يتبادل ~~النظر مع مساعده سيسكو الذي كان حاضرا اللقاء ثم .. قال مراوغا ~~وهو يشير بيده: ms068 «كل هذا من ابتكار سيسكو .. اسأله هو، أما أنا فلا ~~أفقه في هذه الأمور شيئا.» وهنا أغمض سيسكو عينيه من فرط السرور. # كان علي أن أعمل ليل نهار في الأيام التي تلت زيارة كيسينجر في ~~الشرق الأوسط، والذي تقرر أن يشارك فيه ممثلون عن الاتحاد السوفييتي ~~والولايات المتحدة، وقد تم اختياري رئيسا لوفد الاتحاد ~~السوفييتي. # 4 # لم تكن الدعوة لعقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط بالأمر الهين. ~~وقد اكتسب كل موضوع من موضوعات المؤتمر: المباحثات، المشاركون، ~~جدول أعمال المؤتمر وتوقيتاته مغزي سياسيا مهما ومحددا ~~تماما. وكانت القضايا المزمع مناقشتها في المؤتمر قد تم إعدادها ~~في سياق المفاوضات التي جرت بين موسكو وواشنطن بمشاركة الأمين ~~العام للأمم المتحدة، وبعدها تم عرض الاتفاق الذي تم التوصل إليه ~~على القاهرة للتنسيق مع المصريين. وفي هذا المجال كان على السفيرين ~~السوفييتي والأمريكي أن يعرضا موقفهما المشترك على وزير الخارجية ~~المصري إسماعيل فهمي، وبعدها يدافعان، بطبيعة الحال، عن هذا الموقف ~~المشترك، على الرغم من أنه يعد نتيجة للحل الوسط الذي توصل إليه ~~الجانبان السوفييتي والأمريكي. # كثيرا ما كان الجانب الأمريكي يقوم بإبلاغ الجانب المصري بآراء ~~لم يتم الاتفاق عليها بناء على المفاوضات السوفييتية الأمريكية، ~~وإنما بالصيغة الأولية التي طرحت علينا في موسكو أو واشنطن والتي ~~كنا نرفضها. كان المصريون يوافقون الأمريكيين، عندما كان هؤلاء ~~يطرحون علينا إعادة النظر في الموقف الذي تمت الموافقة عليه بزعم ~~أنها «طلبات» المصريين. كان علينا أن نفضح هذه الألاعيب الأمريكية. ~~لا يطيب لي هنا أن أذكر أن وزير الخارجية الجديد كان يعلق في بيته ~~صورة فوتوغرافية كبيرة له مع نيكسون في البيت الأبيض، ويبدو فيها ~~راضيا عن نفسه كل الرضا، بعد أن تعاون بشكل واضح مع الأمريكيين، ~~وليس معنا، في الإعداد للمؤتمر. وكان خنوعه لهم بلا حدود. كم كان ~~الأمر مختلفا عندما كانت العمليات الحربية لا تزال مشتعلة منذ ~~فترة غير بعيدة! # كان موقف المصريين مدهشا، عندما بدأ الحديث عن مشاركة ~~الفلسطينيين في المؤتمر. ومن المعروف أن مصير الشعب العربي ms069 ~~الفلسطيني، الذي فقد وطنه قسرا، هو جوهر الصراع في الشرق الأوسط. ~~وقد سمعت من العرب مقولة تقول: «لا يمكن للعرب أن يحاربوا بدون ~~مصر، ولا يمكن للسلام أن يسود بدون الفلسطينيين.» كان الاتحاد ~~السوفييتي ينطلق دائما من أن الفلسطينيين ينبغي حتما أن يشاركوا ~~في المؤتمر. أما إسرائيل فكانت تتعمد أن تغلق عينيها عن رؤية وجود ~~الشعب العربي الفلسطيني. وبطبيعة الحال كانت تعارض مشاركته في ~~المؤتمر، بينما راحت الولايات المتحدة الأمريكية تؤيدها في هذا ~~الصدد. لم تكن الدول العربية حتى هذا الوقت قد اتخذت قرارا بشأن ~~مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد ~~للشعب الفلسطيني. وقد أشير في الوثيقة التي جاءت نتيجة للمفاوضات ~~إلى ضرورة إشراك ممثلي الشعب الفلسطيني في المؤتمر في الوقت ~~المناسب. كان المصريون يشاركوننا الرأي في الموافقة، إلا أنهم ~~بدءوا، تحت ضغط الولايات المتحدة الأمريكية، في المطالبة بصيغة ~~أخرى اتفقوا بشأنها، كما أخبرونا، مع الأمريكيين: «مسألة وقت. ~~مشاركة الفلسطينيين في المؤتمر سوف يتم دراستها في المرحلة الأولى ~~من أعمال المؤتمر.» وقد قبل الفلسطينيون هذه الصيغة، ومن ثم ~~قبلناها نحن أيضا، وهو ما أثار قلق الأمريكيين. # ذات يوم دعاني إسماعيل فهمي للقائه، وعندما ذهبت إليه وجدت ~~السفير الأمريكي إيلتس قد سبقني إليه. كان أمرا خاليا تماما من ~~اللياقة من جانب إسماعيل فهمي الذي لم يخبرني بذلك، والأهم أنه لم ~~يطلب مني مسبقا موافقتي على هذا اللقاء الثلاثي. # ناولني إسماعيل فهمي ورقة نسخ نصها على آلة كاتبة، كما لاحظت، ~~في السفارة الأمريكية، بعد أن قال لي إن هذه هي الصيغة الجديدة ~~التي وافقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية. قرأت الورقة وكانت ~~تتضمن «أن مسألة مشاركة الفلسطينيين سوف يتم مناقشتها في المرحلة ~~الأولى من أعمال المؤتمر.» كانت صيغة مختلفة، محتوى آخر، أغنية ~~أخرى. كانت الصياغات القديمة تتحدث عن مشاركة الفلسطينيين، كحقيقة ~~واقعة لا يتطرق إليها الشك. أما الصيغة الجديدة فكانت مبهمة ~~تماما، لا يعرف منها هل سيكون للفلسطينيين الحق في المشاركة أم لا ~~(فيما بعد ظهرت صيغة أخرى أقل تمييزا، لم ms070 يذكر فيها الفلسطينيون ~~عموما: «مسألة مشاركة ممثلين عن بلدان المنطقة سوف تبحث في ~~المرحلة الأولى من أعمال المؤتمر»). # قلت لفهمي إن الصيغة الجديدة تغير جوهر القضية، وإنني لا أستطيع ~~الموافقة عليها. وأكدت له أن من الضروري، أولا وقبل كل شيء، أن ~~أعرف رأي الفلسطينيين فيها. # راح إسماعيل فهمي يؤكد بحماس أنه اتفق شخصيا مع الفلسطينيين ~~بشأنها ومع المشاركين الآخرين في المؤتمر. كانت هذه هي المسألة ~~الأخيرة التي تأخر بسببها إرسال الدعوة الرسمية للدول المشاركة في ~~المؤتمر (فيما بعد أخبرني الفلسطينيون أن المصريين لم يعقدوا معهم ~~أي اتفاق). # كان من المقرر أن يعقد المؤتمر في الحادي والعشرين من ديسمبر عام ~~1973م في قصر الأمم بجينيف، وقد تمت دعوة الدول المشاركة في الصراع: ~~مصر، سوريا، الأردن، إسرائيل، ورأس المؤتمر كل من الاتحاد السوفييتي ~~والولايات المتحدة الأمريكية، وعقد تحت رعاية منظمة الأمم ~~المتحدة التي ساعدت في تنظيمه وتمويله. # فوجئت عشية مغادرتي للقاهرة بخبر امتناع سوريا عن المشاركة في ~~المؤتمر، وذلك بعد زيارة كيسينجر مباشرة لدمشق. وقد تعامل إسماعيل ~~فهمي مع هذا الخبر بلا مبالاة. كثيرا ما تراودني فكرة كيف أمكن أن ~~يحدث ذلك، وفي هذا السياق أتساءل لماذا راح كيسينجر يردد مرارا ~~(على مسامع نفس الأشخاص على نحو ساخر)، كيف أن الرئيس الأسد أخبره ~~فجأة أثناء حديثه معه أن سوريا، ودون إبداء الأسباب، لن تشارك في ~~المؤتمر. كما أن كيسينجر نفسه لم يوضح موقفه من هذا الأمر، وإن لم ~~يلق باللوم على أية حال على السوريين، وكان واضحا أنه سعيد ~~بذلك. # في التاسع عشر من ديسمبر سافرنا من القاهرة إلى جينيف على طائرة ~~شركة مصر للطيران بدعوة من إسماعيل فهمي بصحبة الوفد المصري كاملا، ~~بالإضافة إلى مجموعة من المراسلين الأجانب المعتمدين. # شد انتباهنا في مطار جينيف ما رأيناه من إجراءات أمنية صارمة ~~شملت دوريات عسكرية ومئات من أفراد الشرطة مسلحين بالرشاشات، فضلا ~~عن وجود الاستحكامات حول المطار والتصاريح الخاصة. وفي نفس هذا ~~اليوم وصل إلى جينيف وزير خارجية الاتحاد السوفييتي أندريه جروميكو. ~~وبعده ms071 وصل الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم، ثم وزير ~~الخارجية الأمريكي هنري كيسينجر ووزير خارجية إسرائيل أبا إيبان ~~ورئيس وزراء الأردن زيد الرفاعي. # في مساء اليوم التالي، التقيت كيسينجر الذي أفاد بأن لديه «خطة» ~~لخصها على النحو التالي: حيث إن انتخابات الكنيست ستجري في إسرائيل ~~في الحادي والثلاثين من ديسمبر، فسيكون من «الصعب» على ~~الإسرائيليين الدخول في مفاوضات قبيل تشكيل الحكومة الجديدة، ومن ~~ثم يمكن افتتاح أعمال المؤتمر في الحادي والعشرين من ديسمبر ثم ~~يتفرق الجميع عائدين إلى بلادهم، على أن يعود رؤساء المؤتمر ~~المشاركون (السفيران فينوجرادوف والأمريكي بانكر) إلى جينيف في ~~السابع من يناير، وعندئذ يمكن العودة لأعمال المؤتمر في الخامس عشر ~~من يناير. # اعترض أندريه جروميكو على كيسينجر قائلا إننا اجتمعنا في جينيف ~~لا للاحتفال وإنما للعمل. ينبغي على المؤتمر ألا يقطع أعماله، ~~وإنما عليه أن يواصلها، فإذا لم يحدث ذلك على مستوى الجلسات ~~العامة، فليكن على مستوى مجموعات العمل. باختصار، على المؤتمر أن ~~يواصل العمل سياسيا وقانونيا. ومع هذا لم يوافق كيسينجر. وقد ~~اتضح فيما بعد أن الأمر كله كان حيلة. # جاء الحادي والعشرون من ديسمبر، موعد افتتاح المؤتمر، يوما ~~تاريخيا. للمرة الأولى يجتمع ممثلو هذه البلاد في مؤتمر واحد، ~~مؤتمر بإمكانه أن يحمل السلام إلى الشرق الأوسط، وهو ما كنا نتمناه ~~بشدة. كان الوضع مبشرا أكثر من أي وقت مضى. ها هم العرب ~~والإسرائيليون يلتقون معا أخيرا خلف طاولة المفاوضات، على الرغم ~~من أن لدى كل منهما وجهة نظر تختلف عن الآخر. لكن هذه الصعوبة ~~يمكن التغلب عليها من ناحية المبدأ إذا وجدت الرغبة في تحقيق ~~السلام، وإذا صدقت النية في تقديم الدعم لتحقيقها، وهي إحدى المهام ~~التي تقع على عاتق الدولتين العظميين، والتي ترتفع إلى مستوى ~~المسئولية التاريخية الكبرى. ترى هل يفكر المشاركون في المؤتمر ~~جميعهم على هذا النحو الذي يفكر به ممثلو الاتحاد السوفييتي؟ هل ~~يريد الجميع الوصول في نهاية المؤتمر إلى سلام عادل؟ # وصل كورت فالدهايم قبل افتتاح المؤتمر. تناقشنا معه بخصوص ترتيب ms072 ~~جلوس المشاركين حول طاولة المفاوضات في قاعة الاجتماعات، واتفقنا ~~على طريقتين؛ الأولى وتخضع للتسلسل الأبجدي، فيجلس الأمين العام ~~للأمم المتحدة في المنتصف وعلى يمينه الاتحاد السوفييتي، وعلى يساره ~~الولايات المتحدة، ومن عندها في اتجاه عقارب الساعة سوريا، ~~إسرائيل، الأردن، مصر. أما الطريقة الثانية فسياسية وفي اتجاه ~~عقارب الساعة أيضا، فيلي الولايات المتحدة إسرائيل، الأردن، سوريا ~~ثم مصر. # اعتلى الحراس سطح قصر الأمم، بينما ضجت القاعة بأصوات الصحفيين ~~الذين يمثلون كل الدول. كان الإرسال من هنا مباشرا إلى كل أنحاء ~~العالم، حيث يشاهده الناس في القاهرة وتل أبيب، في موسكو وواشنطن، ~~في دمشق وعمان، في بيروت ولندن، في باريس وطوكيو. في كل مكان ~~تقريبا كان الجميع بانتظار لحظة افتتاح المؤتمر. # وفجأة دخل فالدهايم إلى الغرفة المخصصة للوفد السوفييتي. كانت ~~لديه مشكلة في ترتيب جلوس المشاركين؛ فالأردنيون يرفضون الجلوس إلى ~~جانب الإسرائيليين، ومن ناحية أخرى سوف تكون هناك أماكن شاغرة كانت ~~مخصصة للسوريين الذين رفضوا الحضور. وعند تطبيق الطريقة الثانية ~~رفض الإسرائيليون أن تكون الأماكن التي بجوارهم شاغرة. وهنا اقترح ~~فالدهايم «أن تجلس إسرائيل إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة ثم ~~وباتجاه عقارب الساعة، يجلس الاتحاد السوفييتي ثم سوريا والأردن ~~والولايات المتحدة ومصر». كانت هذه في الواقع رغبة ~~الأمريكيين. # أجاب أندريه جروميكو قائلا: «لسنا أطفالا. موافقون. وأضاف ~~ساخرا: على أن نستبدل أماكن الرؤساء المشاركين.» # على هذا الأساس اتخذ المشاركون أماكنهم على النحو التالي؛ الأمين ~~العام للأمم المتحدة، إسرائيل، الولايات المتحدة الأمريكية، سوريا، ~~الأردن، الاتحاد السوفييتي، مصر. وافق فالدهايم بسرور ثم غادر ~~الحجرة مسرعا. لم تمض بضع دقائق وإذا بكيسينجر يدخل إلى غرفتنا ~~مضطربا ممتقع الوجه، وخلفه مباشرة دخل فالدهايم. تقدم كيسينجر ~~ممسكا بورقة توزيع الأماكن متوجها بالحديث إلى أندريه جروميكو ~~بصوت غليظ متهدج قليلا: إن الولايات المتحدة ترجو بشدة من الوفد ~~السوفييتي أن يتبادل مقاعده مع الوفد الأمريكي، وإلا سيصبح هذا ~~الجانب إسرائيليا بحتا (إسرائيل، الولايات المتحدة). كانت عينا ~~وزير الخارجية الأمريكي مليئة بالتوسل وكأن أمرا جللا سوف ~~يقع. # تعمد أندريه جروميكو ms073 أن يتحدث بصوت يسمعه الجميع، وإن بدا واضحا ~~أنه يمزح قائلا: «إنني أطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تسجيل ~~رفض الولايات المتحدة الأمريكية الجلوس بجانب ~~الإسرائيليين.» # انفجر الجميع في القاعة ضاحكين، ثم أضاف أندريه جروميكو قائلا ~~وقد راح الجميع يصفقون: «الأمر بالنسبة لنا سيان؛ فقد جئنا إلى هنا ~~للعمل لا للعب.» راح فالدهايم يجفف عرقه، بينما علت الحمرة وجه ~~كيسينجر الذي ابتسم بصعوبة متوجها بالشكر إلى جروميكو. # توجهنا جميعا إلى قاعة الاجتماعات. كان اليوم يوافق بلوغ ~~فالدهايم الخامسة والخمسين من العمر. وفي كلمته قال الأمين العام: ~~«يا لها من مصادفة! هل سيصبح هذا اليوم يوما تاريخيا نبدأ فيه ~~بناء السلام في الشرق الأوسط؟» دخل الجميع إلى القاعة وقد أضاءها ~~هنا وهناك وميض لمبات آلات التصوير والمصابيح المصاحبة لكاميرات ~~السينما والتليفزيون. # اتخذت الوفود أماكنها. كان لكل وفد مائدة تتسع لثلاثة أشخاص ~~ومقعدان في الخلف للمستشارين. أمامنا جلس الوفد الأمريكي وعن ~~يميننا الوفد الإسرائيلي، وعلى يسارنا الوفد السوري. # ألقى فالدهايم كلمة موجزة حيا فيها الحضور، ثم تبعه أندريه ~~جروميكو. # تضمن خطاب وزير الخارجية السوفييتي تقديرا موضوعيا للموقف في ~~الشرق الأوسط دعا فيه إلى إيجاد حل عادل للمشكلات التي تراكمت في ~~المنطقة. كان لخطابه أثر إيجابي؛ حيث أعرب عن استعداد الاتحاد ~~السوفييتي للتعاون بشكل عملي مع جميع الحضور في هذا المؤتمر من أجل ~~إخراج شعوب وبلدان الشرق الأوسط من آتون الصراعات الحربية وإحلال ~~السلام العادل. # لم يستحسن الكثيرون خطاب كيسينجر الذي تحدث فيه عن السلام بشكل ~~عام، مستشهدا بعدد من الأمثلة الشعبية اليهودية والعربية نطقها ~~بعبرية وعربية ركيكتين للغاية. # أما إسماعيل فهمي وأبا إيبان فقد جاءت كلماتهما بمثابة معركة ~~كلامية بينهما. كان فهمي حادا وبدا أنه يحاول اللعب على مشاعر ~~الجماهير في رده على إيبان. # وفي اليوم التالي، في الاجتماع المغلق للمؤتمر تم تشكيل لجنة عمل ~~عسكرية كانت مهمتها العمل على وجه السرعة على فض الاشتباك على ~~الجبهة المصرية الإسرائيلية. بعدها أعلن فالدهايم فترة ~~للراحة. # إلى مقر إقامتنا حضر كيسينجر وبصحبته السفير بانكر، ms074 العضو ~~الأمريكي المشارك في المؤتمر. كان بانكر رجلا تخطى الثمانين من ~~العمر، طويل القامة، نحيف، على قدر من الوسامة. # توجه كيسينجر إلى أندريه جروميكو قائلا: «هل تعرفون لماذا ~~اخترنا السفير بانكر عضوا في الوفد؟ لأنه لم يستكمل أية مفاوضات ~~شارك فيها قبل ثمانية أعوام.» ثم ضحك مظهرا قدرا كبيرا من الرضا ~~عن نفسه. كان كيسينجر يقصد بهذه الإشارة ما كان من أمر بانكر الذي ~~كان رئيسا، شكليا، للوفد الأمريكي في المفاوضات الأمريكية ~~البنمية لعدة سنوات حول وضع قناة بنما، ومن ثم حقوق الأمريكيين في ~~هذه الدولة. وقد أدهشني هذا التلميح الذي جاء على لسان كيسينجر في ~~مثل هذه الظروف. # تظاهر كيسينجر بالحزن، ثم أردف قائلا: «إن لإيلسفورت (بانكر) ~~أطفالا وأحفادا وهو يرغب أن يمضي أعياد الميلاد بصحبتهم؛ ولهذا ~~فسوف يطير إلى الولايات المتحدة لمدة يومين»، يعود بعدها في ~~السادس والعشرين، أو السابع والعشرين إلى جينيف. بدا هذا الوعد ~~عمليا، والحقيقة أنني لم أصادف في حياتي أمريكيا يخلف وعده ~~وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالتواريخ والمواعيد والوقت؛ ولهذا فقد ~~استقبلت إعلان كيسينجر بهدوء تام. # في اليوم التالي، دعانا بانكر على مائدة الإفطار. آنذاك راح ~~ستيرنر الموظف بوزارة الخارجية الأمريكية، بحذر شديد، في تطوير ~~مفهومة «المبتكر» حول السير المحتمل للمفاوضات. أكد ستيرنر أن ~~المصريين لا يريدون أن يشارك ممثلو الدولتين العظميين في أعمال ~~لجنة العمل العسكرية؛ ولهذا يجب علينا أن نعمل «في الكواليس». ~~وبحذر مماثل طرح بانكر فكرة مفادها أنه قد يكون من الملائم أن ~~تتخلل المفاوضات فترات راحة طويلة تسمح «بترطيب الأجواء» بين ~~الجانبين. # لم يكن من العسير علينا أن ندرك على الفور جوهر أفكار ~~الأمريكيين: هل سنوافق نحن السوفييت على الاستمرار في القضية سنوات ~~وسنوات حتى نصل إلى حلول جزئية (أي ليست ذات طابع شامل) عن طريق ~~المفاوضات الثنائية للدول العربية في جينيف دون مشاركة الاتحاد ~~السوفييتي والولايات المتحدة. وإن شئنا الدقة، دون مشاركة الاتحاد ~~السوفييتي تحديدا، ما دامت الولايات المتحدة سوف تظل موجودة هناك ~~«في الكواليس» خلف إسرائيل، وكما ms075 شاهدنا، خلف الوفد المصري أيضا. ~~وبهذا تكون فكرة المؤتمر كلها قد تم تشويهها. # اعترضنا بشدة بعد أن كشفنا خطورة هذا الطريق، الذي لن يؤدي إلى ~~السلام في الشرق الأوسط، بل سوف يضع الدول العربية في وضع أسوأ ~~مقارنة بإسرائيل. # وفي مساء نفس اليوم، التقى أندريه جروميكو بإسماعيل فهمي. ~~واستنادا إلى ما وصل إلينا من معلومات نتيجة المحادثات التي دارت ~~بيننا وبين بانكر وستيرنر، سأل جروميكو فهمي عن رأيه بشأن الأعمال ~~اللاحقة بالمؤتمر، وخاصة حول دور ممثلي الاتحاد السوفييتي والولايات ~~المتحدة الأمريكية. لكن إجابات فهمي جاءت لتذكرنا بلعبة الأطفال ~~الشهيرة: «لن أقول لا ولن أقول نعم. لن أقول أسود ولن أقول أبيض»، ~~وهلم جرا. ولمدة نصف ساعة راح فهمي يتملص دون أن يعطينا إجابة ~~واحدة مباشرة، موجها اللوم للمترجمين زاعما أنهم لم ينقلوا ~~أفكاره ب «دقة». وهكذا، راح يتأكد لنا أكثر فأكثر فكرة وجود مؤامرة ~~بين المصريين والأمريكيين. # بعد مرور يوم واحد على مغادرة أندريه جروميكو جينيف، جاءني ~~ستيرنر يحمل دفترا سجل فيه الصيغة الجديدة التي قدمها المصريون ~~ونصها: «لسنا ضد مشاركة الاتحاد السوفييتي.» ثم صاح في عصبية: انظر! ~~إنهم لم يقولوا «نحن مع المشاركة السوفييتية.» كان علي عندئذ أن ~~ألقنه درسا. # سألت مساعد وزير الخارجية المصري محمد رياض عن صحة ما ذكره ~~ستيرنر، فانفجر غاضبا: «الأمريكيون مخادعون، أما ستيرنر فهو رجل ~~مستفز!» في المساء، دعاني فهمي إلى مائدة العشاء مبديا حفاوة ~~مصطنعة، وراح يعاملني بكرم زائد، ثم بدأ يكشف شيئا فشيئا عن ~~أفكاره على نحو أكثر صراحة: إن الاتحاد السوفييتي ليس مضطرا ~~للإصرار على المشاركة في المفاوضات؛ فلن تتم الموافقة على أي من ~~القضايا المطروحة دون موافقته (موافقة فهمي). هذا هو الأمر إذن. ~~وهو نفسه قال لجروميكو بالأمس كلاما منافيا تماما لما يقوله ~~الآن! كان علي عندئذ أن أخبر فهمي بأن لدي قيادتي، وأن لدينا ~~أفكارنا ومفاهيمنا، وأن من المؤسف أن المصريين ينحون منحي مختلفا ~~تماما في كثير من الأمور، التي سبق وأن اتفقنا بشأنها سابقا، وأن ~~هذا المنحى لن ms076 يكون في صالح مصر والفلسطينيين والعرب ~~جميعهم. # أكدت الأحداث اللاحقة صدق تقديراتنا؛ فالمباحثات داخل لجنة العمل ~~العسكرية لم تتحرك قيد أنملة، وانتقل المصريون والإسرائيليون ~~والأمريكيون بعيدا عن جينيف، ولم يبق فيها سوى وفدنا. # وقبل مغادرتنا مقر إقامتنا، حضر لزيارتنا الوفد الإسرائيلي ~~برئاسة السفير إيفرون والذي أخبرنا أن اهتمام الإسرائيليين ~~بالمؤتمر كان عظيما منذ اللحظة الأولى لانفتاحه، وأن الجميع في ~~إسرائيل تابعوه باهتمام بالغ على شاشات التليفزيون وقد تأثروا بشدة ~~عندما سمعوا بأنفسهم خطاب وزير الخارجية السوفييتي بعد أن رأوا فيه ~~موقفا عادلا مناهضا للحرب وداعيا لإقامة السلام في ~~المنطقة. # تحدثنا معهم طويلا وبلا كلفة، وحاولنا أن ننقل لهم فكرة ضرورة ~~إقامة سلام حقيقي؛ حيث إن الفرصة مواتية الآن لذلك. أبدى أعضاء ~~الوفد الإسرائيلي موافقتهم، وأكدوا على أنه بدون مشاركة الاتحاد ~~السوفييتي ومساعدته لن تقوم للسلام قائمة في الشرق الأوسط. # وقبيل رحيله أفضى إلي إيفرون بسؤال شخصي حول ما إذا كان ~~المصريون يدركون أن الاتحاد السوفييتي وحده هو الذي أنقذهم من ~~الهزيمة في الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر؟ # هزني من الأعماق هذا التساؤل، الذي يعني أن الإسرائيليين يقدرون ~~على نحو صحيح الموقف الذي اتخذته بلادنا ودورها الحاسم الذي قامت ~~به في هذه الحرب. # لم يعد بانكر للأسف إلى جينيف في السادس والعشرين من ديسمبر، ~~وإنما عاد .. بعد شهر، في الحادي والعشرين من يناير، وبعد أيام قليلة ~~سافر من جديد معلنا أنه لن يعود قبيل النصف الثاني من فبراير (!) ~~على هذا النحو يفي المسئول الأمريكي بوعده! # فيما بعد وقعت مصر وإسرائيل اتفاقية «فك الاشتباك» الشهيرة بين ~~القوات، وإنما خارج إطار المؤتمر. كانت هذه بداية الصفقات المنفردة ~~بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. أدارت مصر ظهرها ~~للقضية العربية المشتركة ولحليفها السابق؛ سوريا، ونفضت يديها ~~تماما عن القضية الفلسطينية. أتذكر جيدا البيان الذي نشره ~~الفلسطينيون في الصحف والذي يقول: «إن المصريين يساعدون الولايات ~~المتحدة الأمريكية في التسلل إلى الشرق الأوسط!» ومن جديد يدهشني ~~توارد الخواطر. ~~••• # لقد بدأ تسلسل هذه الأحداث منذ زمن بعيد؛ منذ ms077 وفاة ناصر، ومنذ ~~وصول السادات إلى سدة الحكم. بدأت التغيرات الضخمة في الحياة ~~الداخلية؛ الابتعاد عن الناصرية، وفي السياسة الخارجية عقد ~~العلاقات المكثفة سرا مع الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن ~~شعبه، واتباع منهج الابتعاد عن التعاون مع الاتحاد السوفييتي وغيرها ~~من بلدان المعسكر الاشتراكي والدول التقدمية. لم يتم الإعداد لحرب ~~أكتوبر 1973م باعتبارها خطوة نحو تحرير الأراضي المحتلة وإقامة ~~السلام العادل في الشرق الأوسط، وإنما وسيلة لنفاذ الولايات ~~المتحدة الأمريكية مرة أخرى إلى المنطقة، وتحت قناع صناع السلام ~~و«وسطاء الخير». لقد مثلت النوعية الجيدة من الأسلحة والتجهيز ~~العالي للقوات المسلحة المصرية وروحها المعنوية المرتفعة مفاجأة ~~حتى للسادات نفسه، وكادت هذه القوات أن تنزل بإسرائيل هزيمة ~~حقيقية، وهو ما لم يكن «مخططا» له، في جميع الأحوال، من قبل. كانت ~~«السيطرة» على هزيمة الإسرائيليين ضرورية للأمريكيين حتى يظهروا في ~~صورة «المنقذين» لإسرائيل، كما كان من الضروري بالنسبة لهم أيضا ~~أن تقع مصر في وضع حرج حتى يقوم الأمريكيون بدور مماثل معها. وقد ~~حقق تسلل القوات الإسرائيلية الغريب عبر قناة السويس إلى الجانب ~~الأفريقي من مصر لتقف على بعد مائة كيلومتر من القاهرة هذا الهدف ~~المزدوج. لقد كانت الثغرة التي أحدثها الإسرائيليون بمثابة عقاب ~~لمصر للحماس المفرط لقواتها المسلحة، التي قامت على نحو واضح ~~ب «تجاوز تنفيذ»، إذا جاز القول، «مهمتها». # لقد كانت الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط ~~انتصارا كبيرا لكل القوى المحبة للسلام، وللدبلوماسية السوفييتية، ~~ودبلوماسية السلام، بالدرجة الأولى، والتي كان من نتائجها أيضا ~~زيادة هيبة الاتحاد السوفييتي على نحو ملحوظ على الساحة ~~الدولية. # لقد هيأت حرب أكتوبر 1973م الظروف الموضوعية الملائمة لتسوية ~~سلمية شاملة في الشرق الأوسط، وأتاحت فرصا واقعية لإقرار سلام ~~حقيقي وعادل ومضمون لكل دول المنطقة. وكان من الممكن أن تتوقف هذه ~~المنطقة عن أن تظل هدفا للحرب والاستغلال السياسي والعسكري من ~~جانب القوى الإمبريالية، لكن هذا السلام لم يكن ليناسب الولايات ~~المتحدة الأمريكية. # سعت الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة السادات وتنكرها لجميع ~~تعهداتها السابقة لإعادة مؤتمر ms078 جينيف الدولي وتوظيفه لصالحها وجعله ~~طريقا للتغطية على مخططاتها في الشرق الأوسط، وهي تعلم أن التسوية ~~الشاملة لا يمكن أن تتحقق - بطبيعة الحال - دون مصر. لم يحدث من قبل ~~أن انكشف على هذا النحو من الوضوح نفاق الدبلوماسية الأمريكية التي ~~تكيل بمكيالين. # لقد كشف الاتحاد السوفييتي النقاب عن هذه المحاولات وأظهر أمام ~~العالم كله الوجه الحقيقي للولايات المتحدة وأعوانها. # لقد جاء عقد ما سمي فيما بعد «باتفاقيات كامب ديفيد» تتويجا ~~لسياسة السادات المنفردة التابعة لأمريكا، قد أدت إلى النهاية ~~التراجيدية للسادات نفسه. # إن نهاية أي ظاهرة قديمة إنما يعني ميلاد ظاهرة جديدة، والشعب ~~المصري الذي أحس بشكل تام بالنتائج الوخيمة لسياسة التبعية ~~للأمريكيين، سواء في مجال الاقتصاد الداخلي أو في مجال العلاقات مع ~~الدول الأخرى، وخاصة مع الدول العربية. إن الشعب المصري الطيب ~~الصامد في كل الظروف، لا يزال يجد في نفسه القدرة على العودة إلى ~~الطريق الصحيح، طريق وجوده المستقل الذي يؤدي به إلى التقدم ~~والازدهار، وهو ما يؤمن به أصدقاء مصر المخلصون، الذين يثقون على ~~نحو كامل بمصر المتجددة التي حنكتها هذه التجربة المريرة. # | محمد أنور السادات # رتوش على صورة # في وقت ما من أوقات فراغي من العمل، رحت أحسب كم مرة التقيت فيها ~~بالسادات على مدى سنوات عملي في مصر في شتى المناسبات والمواقف. وقد ~~تبين لي أنني قابلته حوالي مائتي مرة. أشار علي أصدقائي أن أضع على ~~الورق حصيلة انطباعاتي عن هذه اللقاءات، لا لكون السادات كان شخصية ~~عظيمة، وإنما لكونه كان على سدة الحكم في أكبر دولة عربية في فترة ~~عصيبة للغاية من تاريخ هذه الدولة، وكذلك لأن علاقتنا بمصر لم تكن ~~علاقات واسعة فحسب، وإنما كانت علاقات هائلة متعددة الجوانب، وخاصة أنه ~~قد وقعت أحداث جسام في مسار هذه العلاقات بين بلدينا في السنوات ~~الأخيرة عقب وفاة ناصر مباشرة. وفي حالة وقوع أحداث مماثلة من هذا ~~النوع يكون للأفراد، كما هو معروف، دور هائل في بلد ذي نظام استبدادي ~~مثل مصر. إن فهم شخصية ms079 الحاكم هنا يكشف على نحو محدد ما يقوم عليه من ~~تصرفات، ويكون لهذا الفهم أهمية كبرى في تفسير السياسات الرسمية التي ~~تنتهجها الدولة. وفي الواقع فإن قرارات رئيس الدولة كثيرا ما تتطابق ~~بشكل واضح مع شخصيته، وهذه القرارات تستند بطبيعة الحال على القوانين ~~العامة لتطور البلاد وعلى حركة التاريخ. ومن هنا يكون من المفيد ~~أحيانا، إلى جانب دراسة قوانين التطور العام للمجتمع، وخاصة في التطبيق ~~المحدد على هذا البلد أو ذاك، النظر في أسرار شخصية بعض الحكام، تلك ~~الأسرار التي يتوقف عليها مصير الشعوب في كثير من الأحيان. # وبطبيعة الحال فإن قيمة هذه «الأسرار» المتاحة يتوقف على الملاحظات ~~الشخصية. # 1 # لن أتناول هنا سيرة حياة الرئيس السادات؛ فهي معروفة بالطبع ~~للجميع. لقد أصبح السادات رئيسا للبلاد على إثر وفاة ناصر في ~~الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر 1970م. وكان السادات في الأيام ~~الأخيرة التي سبقت وفاة ناصر نائبا للرئيس - النائب الوحيد - ولعل ~~هذا الأمر من بين الأسباب التي لعبت دورا حاسما في أن يكون هو ~~وليس غيره رئيسا لمصر. # سرعان ما دفع الموت المفاجئ لناصر بالمشكلة الأهم، وهي من الذي ~~سيصبح رئيسا للبلاد. وطبقا للدستور المصري يصبح نائب الرئيس في ~~هذه الحالة هو الرئيس المؤقت للبلاد لمدة ستة أشهر. وفي السياق ~~العادي للأحداث يكون من المنطقي أن يعتلي منصب الرئاسة الشخص ~~الأقرب وفقا لمنصبه الحكومي. وقد كان هذا الشخص هو السادات الذي ~~سرعان ما بدأ الحديث في الدوائر الحاكمة عمن سيصبح رئيسا بعد وفاة ~~عبد الناصر، ذلك أن فكرة أن يصبح السادات هو الرئيس بدت للكثيرين ~~(إن لم يكن للأغلبية) من الشخصيات البارزة أمرا سخيفا. وقد أعرب ~~عن رغبتهم أو استعدادهم لتسليم مقاليد الحكم شخصيات من أمثال: ~~زكريا محيي الدين وهو سياسي بارز ذو توجه رأسمالي، صاحب عقل راجح ~~وأهداف واضحة، كما أن له خبرة في مجال إدارة الدولة. حسين الشافعي، ~~من أوائل أعضاء تنظيم «الضباط الأحرار»، ومن أنصار الرئيس ناصر في ~~الثورة، غير أنه يتميز بفكر سياسي رجعي وأفق محدود. ms080 اهتم بالإسلام ~~بالدرجة الأولى، وإن ظلت لديه طموحات كبيرة، ومن بين الذين تطلعوا ~~إلى كرسي الرئاسة علي صبري، أحد المقربين من ناصر، وهو مثقف تقدمي ~~من أسرة ثرية، ولكنه كان يسعى في الوقت نفسه إلى تقدم مصر ودعم ~~علاقاتها بالاتحاد السوفييتي. وبطبيعة الحال كان هناك النائب الوحيد ~~للرئيس، الذي تسلم هذا المنصب منذ فترة غير بعيدة، ويمكن القول: ~~إنه جاء إليه بالصدفة نتيجة نزوة «تغيير الكوادر» دوريا التي كان ~~يطبقها ناصر. # كان من الممكن أن يؤدي الصراع على السلطة إلى عواقب وخيمة على ~~البلاد في تلك الفترة التي كان جثمان ناصر إبانها لا يزال في ~~انتظار مواراته الثرى، وقد احتدم الجدل بين قادة البلاد حول كيفية ~~حل مشكلة الرئاسة. كنت في القاهرة آنذاك ضمن الوفد السوفييتي الذي ~~وصل لحضور مراسم جنازة ناصر. كان سؤال لمن ستئول السلطة في القاهرة ~~يثير اهتمامنا بطبيعة الحال؛ فقد كانت هناك أمور عديدة تتوقف على ~~من بيده اتخاذ هذا القرار، ولعل من أهم تلك الأمور هو مصير مصر في ~~القريب العاجل، ثم النهج السياسي الذي ستتبعه، والعلاقات مع الاتحاد ~~السوفييتي، وكلها كانت تشكل أمورا جوهرية سواء لمصر نفسها، أو ~~للاتحاد السوفييتي. # لم نتدخل بالطبع في الشئون الداخلية لمصر، على أنه نما إلى ~~أسماعنا، إذا جاز القول، أصداء الصراع من أجل السلطة، فعلمنا، حتى ~~من خلال الحديث أحيانا مع رجال دولة أجانب من بين الذين وصلوا إلى ~~القاهرة للمشاركة في الجنازة. لقد تناولت هذا الموضوع - على وجه ~~الخصوص - في حديثي مع ألكسي كوسيجين ومع الأتاسي رئيس سوريا آنذاك، ~~وكذلك مع الرئيس الجزائري بو مدين، ومع رئيس المجلس الثوري للسودان ~~النميري. كان الأخير شديد القلق ألا يصل إلى السلطة في مصر الشخص ~~المناسب، إلى حد أنه - بما كان يتميز به في تلك الفترة من سذاجة ~~وسلامة طوية - راح يلح على ألكسي كوسيجين أن «يجمع كل رجال الدولة ~~في مصر ومعهم النميري ليقترحوا من الذي ينبغي أن يكون هو الرئيس». ~~وإلا، وفقا لمخاوف النميري، تفرق شمل القادة المصريين ms081 أو اختاروا، ~~دون تنسيق، رئيسا رجعيا. بالنسبة للسودان، كانت العلاقة مع مصر ~~تمثل أهمية قصوى. وكما علمنا بعد ذلك، فقد اقترح عزيز صدقي، رجل ~~الدولة البارز والمؤيد لتطوير التعاون مع الاتحاد السوفييتي، حلا ~~وسطا. طرح صدقي فكرة أن يشغل منصب الرئيس الذي يبدو تعيينه أكثر ~~منطقية ولو من الناحية الشكلية؛ فهذا الحل ذو الطابع الوسط يمكن أن ~~يهدئ النفوس ولو مؤقتا، ولا يسمح بخلق انطباع بوجود قلاقل سياسية ~~في مصر. وجد هذا المبدأ قبولا، ولم يكن من الصعب أن نخمن أن المرشح ~~المناسب وفقا لهذا المبدأ هو السادات وحده، باعتباره نائب الرئيس، ~~والذي تسلم مقاليد السلطة رسميا، «ولو مؤقتا»، في يديه. وقد ~~أبلغنا السادات بذلك وهو في غاية السرور بالطبع . وفي نفس لحظة ~~تعيينه قام بما لديه من صلاحيات بتعيين كل من حسين الشافعي وعلي ~~صبري نوابا للرئيس. أما الشافعي فلأنه كان يطمح إلى منصب رئيس ~~الوزراء، عوضا عن منصب الرئيس، والذي لم يكن أهلا له على ~~الإطلاق. وأما علي صبري، فاختاره السادات لكي يخفف من حدة ~~التناقضات معه، وهي تناقضات سرعان ما ظهرت على نحو درامي بالنسبة ~~لعلي صبري نفسه. وجاء منصب رئيس الوزراء من نصيب محمود فوزي، أقدم ~~رجال الدولة وأكثرهم خبرة وصاحب التوجهات البرجوازية. على هذا ~~النحو بدت كل القوى، التي كانت طامحة للسلطة في البلاد، كما لو ~~كانت قد ارتضت بالفعل بالوضع باعتباره وضعا مؤقتا، عدا تلك القوى ~~اليمينية صراحة مثل زكريا محيي الدين، ثم الدوائر الدينية ~~اليمينية. وقد قبل الضباط الأحرار القدامى بتعيين الشافعي، وقبلت ~~البرجوازية المصرية الكبيرة بتعيين فوزي، والجزء الأكثر تقدمية من ~~الناصريين بتعيين علي صبري. وقد تم إعلان أن السادات سوف يشغل منصب ~~الرئيس مؤقتا لحين إجراء استفتاء شعبي عام. وهذا القرار كان يعكس ~~في الواقع عدم الثقة في موقف السادات نفسه، وكان - على الأرجح - حلا ~~وسطا وافق عليه كل من كان طامحا إلى هذا المنصب؛ إذ كان من ~~الممكن إعلان السادات تلقائيا رئيسا، باعتباره شاغلا لمنصب ~~نائب الرئيس ليظل في هذا ms082 المنصب لمدة طويلة، وليس فقط لسنوات ست ~~كما ينص الدستور على ذلك، وإنما إلى أن يتم حل الصراع مع إسرائيل؛ ~~فقد كان ناصر يمتلك هذه المهلة. تم تعيين السادات رئيسا بصفة ~~مؤقتة، وقد قرر أن يسعى لتصفية حساباته فيما بعد مع الذين أصروا ~~على الأرجح، على تعيينه «مؤقتا» بصوت أعلى من الآخرين. # بعد برهة من الزمن، وفي ديسمبر عام 1970م، وبعدما استطاع السادات ~~أن يتكيف بعض الشيء مع وضعه الجديد، واستطاع أن يجذب إلى جانبه ~~عددا من الناصريين البارزين، الذين شغلوا مناصب مهمة (شعراوي ~~جمعة، محمد فوزي، سامي شرف)، قرر إجراء استفتاء شعبي. وبمساعدة ~~جهاز سياسي كبير يرأسه الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي ~~شعراوي جمعة، وبمشاركة فعالة من جهاز الشرطة الذي يرأسه شعراوي ~~جمعة أيضا، تم اختيار السادات رئيسا للجمهورية بأغلبية ساحقة ~~لمدة ست سنوات، بينما حصل علي صبري على وعد بأن يحمل صفة «النائب ~~الأول للرئيس»، الأمر الذي سرعان ما أثار حفيظة حسين الشافعي، الذي ~~راح يتشبث بالصفة مدعيا أنه هو النائب الأول للرئيس. # وعلى قمة السلطة، التي كانت ديكتاتورية في جوهرها بحكم التقاليد ~~الممتدة في مصر، ربما من عصور الفراعنة، تربع السادات بمساعدة ~~جماعة محدودة تماما من رجال الدولة والسياسة الذين عينوا في ~~عهد ناصر، والذين كانوا يشغلون كل المناصب المهيمنة على مسيرة ~~الدولة. هؤلاء كانوا: شعراوي جمعة أمين اللجنة المركزية للاتحاد ~~الاشتراكي العربي، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. محمد فوزي ~~وزير الحربية. سامي شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية، وهو الرجل الذي ~~كانت تتجمع في يديه كل المعلومات العسكرية والاستخبارات السياسية. ~~محمد فائق وزير الإعلام، المسيطر على الصحافة والإذاعة. لبيب شقير ~~رئيس مجلس الأمة (السلطة التشريعية في البلاد). عبد المحسن أبو ~~النور الأمين الأول الأسبق للاتحاد الاشتراكي العربي، إلى جانب ~~مناصب أخرى. وقد ظلت اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي العربي، وهي ~~هيئة استشارية تابعة للرئيس أسسها عبد الناصر، تمارس عملها وتضم كل ~~القيادات المذكورة وكذلك قيادات أخرى. ومع ذلك كان السادات يشعر ~~أنه لم يحكم بعد قبضته على السلطة. ms083 # كان السادات محقا في ظنه في أن الشافعي لا يمثل منافسا ~~حقيقيا له. كانت مثالب هذا الرجل واضحة أمامه وضوح الشمس، ولم ~~يكن باستطاعته الاعتماد عليه اعتمادا جادا. ومن ناحية أخرى، فإن ~~علي صبري كان يعلق - على سبيل المثال - آمالا كبارا على أن السادات ~~منحه للمرة الأولى لقب النائب «الأول» للرئيس، وهو - على حد قوله - ~~كان له مغزى كبير «لو أن أمرا ما» وقع للسادات. الحس السياسي ~~المحنك لم يخن السادات، وها هو يقرر أن يكون أكثر حذرا. # أثناء جنازة ناصر وقعت حادثة عجيبة؛ فبعدما تم تجهيز الموكب ~~كيفما اتفق، وكان يضم عددا كبيرا من ممثلي الدول الأجنبية؛ رؤساء ~~دول وحكومات، وكذلك قيادات مصرية بارزة، تحركنا جميعا في الطريق ~~تحت شمس حامية الوطيس من باحة مبنى قيادة الثورة في الجزيرة، ~~باتجاه موقع الدفن في المسجد المقام في هليوبوليس، وبعد برهة ظهر ~~«موكب» آخر في مواجهة الصفوف الأولى. كانوا يحملون شخصا على كرسي. ~~تدلى رأسه، بينما راحت ساقاه تتأرجحان. كان الرجال الذين يحملون ~~الكرسي يهرولون وهم يشقون طريقهم عبر الزحام عكس سير الجماهير. ~~كانوا يحملون السادات. بدا الأمر غريبا وغير مألوف لي. شيء ما ~~حدث، ولكن ما هو؟ بعد برهة أخرى، شاهدت كيف راحت الجموع التي سرعان ~~ما ابتلعت الموكب. ولما لم يكن باستطاعتي الخروج بعيدا عن حدود ~~المكان، الذي تقع فيه نقطة الانطلاق، إذا بكوسيجين يسير في ملاقاتي. لقد اختلط كل شيء، ولم يكن الحديث عن أي نظام من أي نوع ممكنا. ~~اضطر جميع الضيوف الأجانب إلى مغادرة الموكب، وحول النعش كانت ~~الجماهير الهادرة تزحف دون أن يستطيع أحد التحكم في اتجاهها. # أخبرت ألكسي كوسيجين أنني شاهدت السادات محمولا على كرسي، وأعربت ~~له عن فكرتي بضرورة ذهابه إليه والإعراب عن اهتمامه بأن يكون شيء ~~ما خطير قد وقع، وعلى أية حال، فمن الواجب أن نعبر عن ~~تعاطفنا. # في البداية أجاب المسئولون المصريون ردا على استفسارنا بأنهم ~~لا يعرفون شيئا، ثم «أسروا» لنا أن السادات في حالة نفسية سيئة، ~~وأنه من ms084 غير الممكن مقابلته. راودتني فكرة أن يكون مكروه قد وقع ~~له. وأخيرا، وبعد جدال طويل، سمح المصريون لألكسي كوسيجين فقط ~~ومعه مترجم واحد بالدخول إلى إحدى الغرف في المبنى، وهناك كان يرقد ~~رجلان على سريرين بسيطين؛ السادات وعلي صبري. وقد اتضح أن صبري ~~كانت حالته أسوأ، وقد جيء به إلى هنا قبل السادات بفترة طويلة. ~~وعندما أبلغوا السادات بذلك ازدادت حالته سوءا فأحضروه إلى نفس ~~الغرفة. كلاهما ظل راقدا، وفق شهود العيان، في مظهر لا بأس به، ~~ولكنهما كانا يتأوهان وكأنما يتنافسان فيما بينهما. وقد شرح لنا ~~الأطباء أن ما بهما هو نتيجة لما وقع عليهما من ضغط عصبي. أقولها ~~صراحة، لقد تسرب الشك إلى نفسي من جراء هذا المشهد. فيما بعد ~~راودتني فكرة أخرى أوحت لي بها الأحداث ذاتها التي كان من المحتم ~~أن تحدث في مصر في خضم الصراع على السلطة الذي تجلى فيما ~~بعد. # من الممكن أن يكون السادات قد ذهبت به الظنون، بعد أن سمع ب «مرض» ~~علي صبري، منافسه المحتمل، إلى أن الرجل يدبر شيئا ما بحيث يصبح ~~هو الرئيس بعد دفن جثمان الرئيس وليس هو. وهنا ادعى السادات أن ~~حالته «سيئة»، وأسرع ليكون بجواره حتى لا يغيب علي صبري عن ناظره. ~~على أية حال، فقد دفن ناصر دون حضور الرجلين؛ السادات وعلي صبري، ~~ودون حضور العديد من القيادات الأخرى. كان أبرز من رافقه حتى مثواه ~~الأخير هم زكريا محيي الدين، وحسين الشافعي، والنميري، والمتطرف ~~الشاب الزعيم الليبي العقيد القذافي. هؤلاء استطاعوا الصمود في خضم ~~هذا الزحام الخارق للعادة للآلاف من الناس، وأن يتماسكوا على امتداد ~~طريق يبلغ طوله عدة كيلومترات عبر شوارع القاهرة الملتهبة من شدة ~~الحرارة. ومع ذلك فقد سرت شائعة بين الجماهير تزعم أن ناصرا لم ~~يدفن في هذا المسجد حيث ووري جثمانه أمام الجميع. # استقرت حالة الاضطراب التي صاحبت موت ناصر، وانتخب السادات رئيسا ~~شرعيا للبلاد، وبدا أن كل شيء أصبح على ما يرام. لكن المجموعة ~~التي تبقت منذ عهد ناصر ms085 والتي كانت تمسك في الواقع بالسلطة، أحاطت ~~بالسادات وأبدت ولاءها له. وسرعان ما بدا واضحا أن هذه المجموعة ~~من الناصريين أرادت بحصافة تامة أن ينصت إلى رأيها وألا يضع إرادته ~~على أية حال فوق إرادتها. كانوا يتطلعون إلى قيادة جماعية انطلاقا ~~من معرفتهم الجيدة بالدرجة الأولى بالصفات الشخصية. والطموحات ~~السياسية التي لدى السادات. كانوا يفترضون، من حيث المبدأ، أن ~~السادات سوف يأخذ بعين الاعتبار آراءهم، ليس فقط لأنهم جميعا ~~يشغلون مناصب حكومية واجتماعية رفيعة، ولأن كلا منهم يتولى ~~مسئولية كبرى في مجاله، وإنما لأنهم كانوا يريدون أيضا أن يروا ~~السادات شريكا لهم من الناحية الفكرية، وخاصة فيما يتعلق بحل ~~النزاع العربي الإسرائيلي، وفي علاقات مصر بالولايات المتحدة ~~الأمريكية والاتحاد السوفييتي. # كانت هذه المجموعة من رجال الدولة تنطلق من أن الولايات المتحدة ~~الأمريكية هي العدو الرئيسي للوطنية المصرية، وأن الهدف الرئيسي ~~للسياسة الأمريكية لا يتوقف عند مجرد مساعدة إسرائيل على الاحتفاظ ~~بالأراضي العربية المحتلة. وإنما في تغيير البنية الداخلية للبلاد ~~العربية التقدمية وتحويلها إلى طريق التطور الرأسمالي البحت، بحيث ~~تصبح مصر وغيرها من الدول العربية مستقلة ظاهريا وإن ظلت في واقع ~~الأمر تابعة للنظام الرأسمالي العالمي؛ أي للولايات المتحدة ~~الأمريكية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. ومن ثم، تصبح هناك ~~إمكانية تبعيتها أيضا من الناحية العسكرية. كان هذا المستقبل ~~مخالفا بطبيعة الحال للطموحات الأيديولوجية للقوميين المصريين ~~الذين كانوا يحيطون بناصر، فضلا عن أن الانحراف عن الطريق الذي ~~كان ناصر يقود مصر إليه بعد الثورة، كان يعني وصول أشخاص آخرين إلى ~~السلطة الحقيقية والشكلية في مصر، وهو ما كان يشكل تهديدا شخصيا ~~لهم. وكان أكثر ما يخشونه هو تقلبات الرئيس الجديد ومتناقضاته. ~~كانوا يخشون ذلك لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة. # منذ الأيام الأولى راح هؤلاء الناس جميعا يخدمون بشرف رئيسهم ~~الجديد. كانوا يرون أن مهمتهم تنحصر في أن يكونوا أكثر اقترابا من ~~الرئيس. أن يجذبوه إليهم، ألا يعطوا فرصة لأي تأثير «خارجي» أن ~~ينفذ إليه، أن يربطوه بخطوات جديدة سياسيا في المسار ~~الناصري. # على ms086 أنهم سرعان ما اقتنعوا بعدم فعالية هذا النهج. لقد راح ~~السادات يتخذ أكثر فأكثر قرارات منفردة غاية في الأهمية دون أن ~~يتشاور مع من كانوا يبدون أصدقاء مخلصين لنهجه السياسي، بل وصل ~~الأمر إلى حد عدم إبلاغهم بما سوف يقدم على عمله. والذي حدث أن ~~هؤلاء لم يعرفوا بالعديد من القرارات إلا من خلال خطابات الرئيس ~~أمام اجتماعات مجلس الأمة أو من خلال الإذاعة. حدث ذلك على سبيل ~~المثال عندما أعلن السادات عام 1971م «عاما للحسم» في الصراع ~~العربي الإسرائيلي. وقد اتضح بعد ذلك القرار أن شيئا لم يحدث، ~~اللهم إلا طموح فارغ من جانب الرئيس نفسه. وهو ما حدث أيضا مع ما ~~أطلق عليه «مبادرة السادات» في فبراير 1971م، عندما اقترح انسحاب ~~القوات الإسرائيلية لمسافة ما في عمق سيناء «مقابل» فتح قناة ~~السويس أمام الملاحة، أو، على سبيل المثال، الموافقة على قبول ~~اقتراح الأمريكيين المعروف باسم «المفاوضات عن قرب» في نيويورك؛ أي ~~المفاوضات المصرية الإسرائيلية المباشرة بوساطة أمريكية. وأحيانا ~~ما كان بعض المقربين من السادات ينجحون في «الإمساك به» في اللحظة ~~الأخيرة بالفعل، وإرغامه على تصحيح خطابه أو حتى قراره. وعندئذ كان ~~جميع نواب مجلس الأمة المجتمعين ومعهم السفراء الأجانب يعانون من ~~الملل من جراء الانتظار وعدم معرفة ما يحدث. كان الانتظار أحيانا ~~ما يصل إلى أربعين وخمس وأربعين دقيقة، وأثناء ذلك، كما اتضح فيما ~~بعد، كان المقربون من السادات يسعون «لإقناعه» أن يغير خطابه أو ~~قراره. وبطبيعة الحال كانت الشائعات والتخمينات تسري على الفور بين ~~السفراء حول طبيعة ما يحدث. أما أنا، فمن أين لي أن أعرف ما كان ~~يحدث آنذاك (ولو عرفت فلم أكن لأتحدث). # لقد اعتبر الناصريون أن أخطر شيء في تصرفات السادات، هما قضيتا ~~العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية من جانب، ومع الاتحاد ~~السوفييتي من جانب آخر. وفي الحقيقة، فالمسألتان كانتا وثيقتي الصلة ~~كل منهما بالأخرى. كان الناصريون يخشون أن يقدم السادات تنازلات ~~مهينة للولايات المتحدة الأمريكية، لعلمهم بأنه ضعيف أمام التملق ~~والإطراء، وأنه شديد ms087 الإعجاب بنفسه، اعتاد أن يثق في القوة، وأن ~~تعليمه وفكره قاصران. كانوا يعلمون أيضا أنه لا يحب الاتحاد ~~السوفييتي، وأنه كان يخشى هذا التناول الصريح الصادق من جانب ~~السوفييت للقضايا السياسية. لم تكن الأيديولوجية السوفييتية مقبولة ~~لديه، وكان كل ما يسعى إليه هو استغلال الاختلاف السياسي بين ~~الدولتين العظميين - الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية - ~~لصالح مصر، على قدر فهمه هو لهذه المصالح. كان السادات أساسا ~~رجلا يمثل الفكر الريفي المتخلف، بينما كان الناصريون يمثلون ~~أفكار «مثقفي الطبقة الوسطى» في مصر. كان السادات هدفا للسخرية ~~والنكات والنوادر الطريفة بسبب محدودية ثقافته بشكل أساسي، أما ~~الناصريون فهم أناس، وإن لم يحصلوا على تعليم رفيع، فهم على أية ~~حال من «مثقفي المدن» الأكثر تعليما؛ إذ تلقى غالبهم تعليما ~~جامعيا. # كان أكثر ما أثار مشاعر الخوف لدى الناصريين هو تلك المراسلات ~~التي جرت على نحو فردي بين السادات والرئيس الأمريكي، والتي لم يحط ~~السادات الاتحاد السوفييتي علما بشأن ما جاء فيها من خطوات اتخذها ~~في مسار علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما رأى فيه ~~الناصريون سببا لأن يشعر الاتحاد السوفييتي حتما بفقدان الثقة في ~~السادات. وفي هذا الصدد تحديدا كان الناصريون يقفون بشكل قاطع مع ~~ضرورة الاعتماد على الاتحاد السوفييتي. # أربكت موافقة السادات على حضور وزير الخارجية الأمريكي روجرز إلى ~~القاهرة في مطلع شهر مايو 1971م حسابات الناصريين، ومن ثم تحولت ~~مخاوفهم بشأن اتخاذ السادات خطوات محتملة تجاه الولايات المتحدة ~~الأمريكية إلى أمر واقع. وفي هذا الوقت اتسمت علاقات معظم رجال ~~الدولة في مصر بالسادات بالكلفة الشديدة والبرود نتيجة الفضيحة ~~الخاصة بالقرار المنفرد الذي اتخذه السادات بشأن إقامة اتحاد ~~فيدرالي بين كل من مصر وسوريا وليبيا، فضلا عن أن شروط هذا ~~الاتحاد قد صيغت على نحو بالغ السوء إلى حد يسمح بأن يكون لمصر ~~رئيس ليبي أو سوري! لقد احتوت هذه الأفكار الضبابية على العديد من ~~الأمور الغامضة غير المدروسة، والتي طرحت على الورق بشكل متعجل على ~~هيئة مشروع الدستور اتحاد مغلق. أتذكر كيف ms088 عرض ناصر في فبراير ~~1970م، إبان ما عرف باسم «الزيارة السرية» لموسكو أفكاره بشأن إقامة ~~وحدة عربية، رأى أنها لا تزال في حاجة إلى النقاش والتشاور. وفي ~~طرحه لهذا الموضوع بشكل ودي على القيادة السوفييتية آنذاك عبر ~~ناصر عن رؤيته لضرورة التعامل مع مثل هذه الأمور بحرص بالغ؛ إذ ~~إنها تمس ليس فقط حياة بعض الناس، وإنما أيضا وجود دول بأكملها، ~~وأن على المرء أن يزن المسألة بدقة، حتى لا تؤدي هذه الخطوة إلى ~~التنافر بدلا من دعم الوحدة. لم يصر ناصر على إقامة الوحدة، وطرح ~~فكرته جانبا ليلتقطها السادات ويقيمها على نحو مفاجئ وعاجل، وقد ~~كان مصيرها على النحو الذي تنبأنا به. # نجح السادات في إخماد فضيحة الوحدة، لكنه تلقى درسا ملهما في ~~الجلسة الختامية للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي؛ حيث ~~وجه له رجال الدولة المحنكون، باستثناء عدد من أذنابه من غير ذوي ~~الثقل، نقدا حادا للوحدة ولشروطها ولمجمل تصرفات الرئيس في هذا ~~الشأن في واقع الأمر. هل كان من الممكن أن يمر الأمر دون أن ينتقم ~~السادات لنفسه، وهو الذي كان يمتلك خصلة بالغة السوء؛ عدم نسيان ~~الإهانة؟ # أوقعت زيارة روجرز الناصريين في اضطراب شديد. ومثل كابوس ليلي ~~ثقيل تراءى لهم مستقبل المفاوضات المصرية الإسرائيلية المباشرة ~~بوساطة أمريكية، ومن ثم تنبئوا بشكل واضح بإقصاء الاتحاد السوفييتي ~~كواحد من تبعات هذه الخطوة. لقد توقعوا أيضا أن يستغل الأمريكيون ~~قدرتهم في الضغط على إسرائيل وإرغامها على تقديم بعض التنازلات حتى ~~يستطيع السادات «ابتلاع» ما سوف يقترحونه عليه. أما قضية إعادة ~~الأراضي المصرية المحتلة فسوف تتحرك من سكونها بمساعدة أمريكية، ~~وسوف تعود العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي قد ~~يؤدي إلى زيادة النفوذ الأمريكي في كل أوجه الحياة في البلاد. وسوف ~~يصعد ممثلو الطبقات والدوائر الرجعية الذين حاربهم ناصر وأنصاره ~~بعناد، وسوف يتم تغيير القيادات الحالية ويتغير نهج البلاد حتما، ~~وتصاب العلاقات بين مصر والدول العربية بأبلغ الضرر، ويتم خيانة ~~الأنظمة التقدمية، ويصبح الرجعيون من أمثال فيصل هم أصدقاء مصر. ms089 # في محاولاتهم قطع زيارة روجرز، كان «المتآمرون»، كما باتوا يعرفون ~~بهذا الاسم، مستعدين حتى إلى القيام بعمليات عسكرية دون إذن ضد ~~إسرائيل؛ من أجل أن يضعوا الرئيس أمام الأمر الواقع؛ ففي ظروف ~~الحرب لن يجرؤ روجرز على المجيء لمصر، أما اللجوء للعمليات ~~العسكرية فيمكن لهم تبريره بأنه عمل وطني، والمنتصرون على حق ~~دائما. عموما فقد سعى الناصريون في خططهم لاستخدام الاتحاد ~~السوفييتي بقدر الإمكان، ولو أدى الأمر إلى المواجهة العسكرية ~~المباشرة بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولهذا راحوا يلحون ~~على «التدخل السوفييتي» على نحو أكبر؛ أي بزيادة عدد المستشارين ~~العسكريين السوفييت، والعاملين العسكريين في مصر بشكل عام. # كيف انتهت محاولة هذه الجماعة من القيادات الحكومية والشخصيات ~~العامة التأثير على السادات والسيطرة عليه أو حتى العمل معه وخاصة ~~عند اتخاذه لقراراته أمر معروف جيدا للجميع؛ لقد زج السادات بهم ~~في السجون لمدد طويلة. في مايو 1971م تم اعتقال علي صبري نائب ~~الرئيس (نصيره الأول كما كان السادات يعتبره)، شعراوي جمعة نائب ~~رئيس الوزراء ووزير الداخلية وأمين اللجنة المركزية للاتحاد ~~الاشتراكي العربي (كان جمعة «يستعد» ليقوم بدور رئيس الوزراء ثم ~~الرئيس بعد ذلك)، محمد فوزي وزير الحربية (الوطني المخلص، الإنسان ~~الجدير بالاحترام، الصديق الرائع للاتحاد السوفييتي)، سامي شرف ~~(«رئيس» كل أجهزة المخابرات ومحاربة التجسس)، لبيب شقير رئيس مجلس ~~الأمة (اليساري الماركسي)، محمد فائق وزير الإعلام أحد أكبر ~~المثقفين، عبد المحسن أبو النور الأمين الأول للجنة المركزية ~~للاتحاد الاشتراكي العربي، رئيس المنظمة السياسية الوحيدة في ~~البلاد، وغيرهم من القيادات. كان هؤلاء الرجال يتولون مناصب حساسة، ~~وكانوا في الواقع هم من بيدهم مقادير الدولة، وفي لحظة واحدة إذا ~~بهم خلف القضبان. هل كانت لديهم النية آنذاك في إزاحة السادات؟ لا ~~أظن. ومما يؤكد ذلك أعمالهم التي سبقت اعتقالهم. # لقد قرر السادات أن يبدأ الضربة الأولى، وكانت ضربة ~~استفزازية. # في البداية أقال علي صبري نائب الرئيس من منصبه، وكان قد أبلغ ~~السفير السوفييتي بهذه الخطوة قبل اتخاذها بثلاثة أيام. كانت ~~حساباته في ذلك اختبار رد ms090 فعل الاتحاد السوفييتي؛ هل سيبدي اعتراضه ~~أم يكون له موقف آخر؟ هل يقف الاتحاد السوفييتي خلف علي صبري ~~و«أصدقائه» في الداخل كما حاول الأمريكيون بإصرار أن يوحوا له ~~بذلك؟ فإذا ما عبر الاتحاد السوفييتي عن استيائه فهذا هو البرهان. ~~فضلا عن ذلك فقد بدا أن يدي السادات أصبحت طليقة في اتصالاته ~~المقبلة مع الأمريكيين، الذين سيجدون الذريعة إذا ما تصرف الاتحاد ~~السوفييتي بشكل «سيئ». إبان لقائه بي شرح السادات لي نيته في عزل ~~علي صبري؛ لأن العمل معه أصبح صعبا، ولأنه يعارض الرئيس. وأضاف ~~السادات أنه يحيطني علما بقراره مسبقا لأنه يتوقع أن تنتشر ~~الشائعات حتما لتقول إن قراره يعد بمثابة لفتة غير ودية تجاه ~~الاتحاد السوفييتي. # وبعدما اقتنع السادات أنه لن يكون هناك أي اعتراض من الجانب ~~السوفييتي (لم يكن من الممكن أن يحدث ذلك بطبيعة الحال نظرا لأنها ~~قضية مصرية داخلية، وقد اكتفيت بعدها بتقديم النصيحة بضرورة الحفاظ ~~على وحدة القيادة في البلاد). اتخذ السادات خطوته. استدعي شعراوي ~~جمعة وقال له إنه غير راض عنه، واقترح عليه إما أن يقدم استقالته ~~بنفسه وهو الأكثر كرامة، وإما سيضطر لعزله من منصبه. انتهى الحديث ~~بأن قرر شعراوي جمعة أن يقدم استقالته، وبعد أن غادر جمعة مقر ~~الرئيس توجه ليخبر رفاقه بما حدث، وكانت النتيجة أن اتخذوا قرارا ~~بتقديم استقالاتهم جميعا. قرار غبي وسخيف لو أن «المتآمرين» كانوا ~~يرغبون حقا في إزاحة السادات! فما الذي منعهم وقد كان الجيش ~~والشرطة والاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الأمة ومنظمات الشباب ~~والصحافة والإذاعة وهلم جرا رهن إشارتهم. أما كانت لديهم حسابات ~~ساذجة في أن تجبر الاستقالة الجماعية لقيادات الدولة السادات على ~~أن يغير قراره بعزل شعراوي جمعة، أو على إجباره على تغيير النهج ~~الذي اتخذه بأن يحكم منفردا ويوافق على أن «يحكموا معا» (؟). لقد ~~تصرف السادات وفقا لمنطقه هو؛ منطق التآمر الذي مارسه زمنا ~~طويلا إبان عمله السري. لقد أدرك أن تنازله الآن سوف يكون وبالا ~~عليه في المستقبل. # لقد كشفت الاستقالة الجماعية له عن ms091 جوهر القضية؛ كانت الاستقالة ~~تعني أن الناصريين كانوا يرون أن طريقهم مختلف عن طريق السادات. ~~وما دام الأمر كذلك، فهذا يعني أن من المستحيل مستقبلا الاعتماد ~~على خضوعهم لطاعته وولائهم لرئيسهم ومن ثم لقراراته. وحتى وهم ~~بعيدون عن السلطة فسوف «يعكرون المياه» لأنهم مشهورون، ولأنهم ~~أذكياء، ولأنهم يتمتعون بالنفوذ والثقة وخاصة من جانب الاتحاد ~~السوفييتي، ولأنهم معروفون في البلاد الأخرى وخاصة في الدول ~~العربية. إذن فهم أعداؤه، إن لم يكن من ناحية الشكل، فمن الناحية ~~النفسية؛ وهو ما يعني أنه إذا كان عليه أن يحكم منفردا، فعليه ~~بالضرورة أن يقوم بعزلهم عن المجتمع وعن الدولة، وأن يفعل ذلك بكل ~~ثبات. # اعتقل السادات كل من أشرنا إليهم من شخصيات، واضطر بالطبع أن يضم ~~إليهم العديد من الأشخاص جرت لهم محاكمة غير علنية صاخبة، وجهت ~~إليهم فيها تهمة الخيانة (!)، وصدر الحكم فيها بإعدامهم شنقا، ثم ~~تم تعديل الحكم بقرار شخصي من الرئيس إلى السجن المؤبد بالنسبة ~~«للمتهمين» الأساسيين. ولا يمكن أن نعزو هذا «الكرم» من الرئيس إلى ~~خصاله الشخصية النفسية بطبيعة الحال. كان من الواضح أن السادات وضع ~~في حسبانه ألا يقطع «شعرة معاوية» مع الاتحاد السوفييتي؛ إذ كان يعلم ~~أن ما جرى من تنكيل لم يكن ليمر مرور الكرام؛ فالاستمرار في ~~المناورة مع الاتحاد السوفييتي ما زال أمرا واردا في مخططات ~~السادات. # وأخيرا، وبداية من منتصف شهر مايو عام 1971م، دانت السلطة بأكملها ~~لمحمد أنور السادات، ليس فقط اسميا وإنما فعليا أيضا. الآن لم ~~يعد أحد يحيطه من الشخصيات ذات النفوذ، الشخصيات صاحبة الرأي، ~~الشخصيات التي ارتبطت بالعمل مع الرئيس الراحل عبد الناصر. لم يبق ~~سوى إصدار الأوامر والنظر إلى كيف ستنفذ التعليمات. # وفي أبريل عام 1973م استخدم السادات «الاحتياطي» الأخير من ~~السلطة؛ فقد أعلن نفسه «الحاكم الأعلى» للبلاد، وبهذا أصبح من ناحية ~~الشكل أيضا فوق السلطة التشريعية، كما استولي لنفسه على منصب رئيس ~~الوزراء، أما منصب رئيس الاتحاد الاشتراكي العربي فكان يشغله ~~بالفعل من قبل. وفي سياق ذلك، قام بحل ms092 اللجنة التنفيذية العليا ~~للاتحاد الاشتراكي العربي. وهكذا جمع في يديه كل شيء بما في ذلك ~~لقب القائد الأعلى لاتحاد الجمهوريات العربية والقائد الأعلى ~~للقوات المسلحة المصرية. # ليست بنيتنا أن نستمر في الحديث عن «قائمة الوظائف» التي شغلها ~~السادات؛ فالحياة قد كشفت لنا بعد ذلك أنه كان أحيانا ما يعطي ~~جزءا من سلطاته (من أجل مصالحه الشخصية) لآخرين. يعطيها ليضع ~~هؤلاء الآخرين تحت قبضته، حيث يمكن أن يسقط آثامه في الحكم على ~~رءوسهم. على هذا النحو كان يتصرف؛ قام بترقية الذين ساعدوه لأسباب ~~مختلفة، وأحيانا لدوافع وطنية شريفة، ثم أقالهم بعد ذلك؛ إذ لم ~~يكن ليسمح بأن تكون هناك فرصة أمام أحد ليكتسب شعبية في بلاد لها ~~رئيس قادر مهيمن. وكثيرا ما كان يقيل هذا الشخص أو ذاك ليلقي على ~~رأسه بتبعات كل الأخطاء الممكنة وغير الممكنة. وكثيرا ما دفع ~~للأمام بأناس عديمي الموهبة، مفترضا أن استخدام رجل عديم الكفاءة ~~أفضل من رجل ذكي متمرد. وعندما تنهار الأمور يمكن فصل عديم الموهبة ~~غير مأسوف عليه، بل ويمكن أيضا إلصاق كل النقائص الممكنة ~~به. # إن القصة الموجزة لانطلاق السادات إلى السلطة كانت أمرا ~~ضروريا لكي نفهم على نحو أفضل هذه الشخصية المتعددة الأوجه؛ لأنه ~~لا شيء يمكن أن يحدد ملامح أي شخصية سوى ما تقوم به من ~~أعمال. # 2 # على أي نحو يبدو الوجه السياسي للسادات؟ من الذين يمثلهم؟ من ~~الذين يعكس مصالحهم؟ من يقف وراءه؟ بالطبع يمكن طرح العديد من مثل ~~هذه الأسئلة وكلها مشروعة تماما، على الرغم من أن إعطاء إجابة ~~واحدة عليها أمر بالغ الصعوبة. # فإذا تحدثنا بشيء من التعميم، ومن ثم إمكانية وقوع أخطاء في هذا ~~الجانب أو ذاك، فإنه يمكن تحديد الوجه السياسي للسادات بوصفه ~~ممثلا لمصالح هذا القطاع من البرجوازية الوطنية التي لا تحوز ~~ممتلكات كبيرة، ولكنها تمتلك شيئا ما على أية حال؛ برجوازية عرفت مذاق الملكية الخاصة، وهي ترى أن علاقات الملكية ~~الخاصة تعني السعي نحو الثراء المالي وليس الروحاني ~~بالضرورة. # هذا القطاع من البرجوازية، ms093 سواء أكان صغيرا أم متوسطا، يتصف ~~بضيق الأفق؛ فهو ينظر بحسد إلى جوانب القوة في الدول الغربية، وهو ~~معاد بطبيعته للمثل الاشتراكية، حيث إن المبادئ الاشتراكية تضع ~~حدا واضحا بين طبقات المجتمع، وبالنسبة لهؤلاء البرجوازيين ~~الصغار، مثل السادات، لا توجد طبقات، وعلى أية حال، فهي غير موجودة ~~في مصر. ربما توجد في مكان ما هناك، حيث توجد الماركسية، ولكن في ~~مصر؟ أين هي الطبقات في مصر؟ هناك مصريون فقط، بل ولا يوجد عرب، ~~مصريون يتميزون بتعدد اللهجات. # كان ناصر يتحدث بإصرار عن شعبه باعتباره شعبا عربيا، أما ~~السادات فكان يشدد في حديثه على المصريين. في عهد ناصر كانت الدولة ~~تسمى الجمهورية العربية المتحدة، وفي عهد السادات أصبحت تسمى ~~جمهورية مصر العربية. في عهد ناصر كان القوميون يسعون «لإثبات » أن ~~العرب جاءوا بثقافتهم إلى مصر، وفي عهد السادات راحوا يثبتون أن ~~الثقافة المصرية كانت حتى لحظة وصول العرب أكثر قوة وعمقا ~~وتطورا، ومن ثم فإن القادمين العرب استوعبوا الثقافة المصرية ~~المحلية. # إن السادات، خصم الرأسمال الضخم والبرجوازية الكبيرة، لا طاقة له ~~من ناحية المبدأ، على مواجهة كل أشكال الملكية الخاصة، التي هي ~~أساس استغلال الإنسان للإنسان؛ لأنه لم يكن ينتمي قط إلى ~~البرجوازيين الكبار، وعلى الرغم من أنه كان يكن لهذه البرجوازية ~~الاحترام في قرارة نفسه و... يخشاها. # نعم يخشاها؛ لأنه كان واثقا أن البرجوازية ليست في حاجة إلى ~~السادات، وأنها ستلقي به في المكان المناسب. إن البرجوازية المصرية ~~بحاجة إلى رجل ذكي مثقف، وإلى زعيم يعرف قضيتها جيدا. والآن؟ ~~الآن سوف يكون عليها أن تتحمله. ليس فقط تتحمله، بل وتساعده ~~وتؤيده. لماذا؟ لأنها ترى السادات، ربما يسير، دون وعي منه، نحو ~~إصلاح سلطة البرجوازية المصرية. وعلى أية حال، فإن مجمل سياساته في ~~الشئون الداخلية والخارجية توفر ظروفا مناسبة في هذا السياق، وهي ~~لا تتعارض مع المصالح الجذرية للبرجوازية المصرية الكبيرة. الأمر ~~الوحيد كيف ينبغي لفت نظره حتى يسرع أكثر للعمل لصالح هذه ~~البرجوازية بالإيقاع الذي تطمح إليه. لكن «الذنب» في ms094 ذلك ليس ذنبه؛ ~~لقد مدت الإصلاحات الاجتماعية التي تمت في عهد عبد الناصر جذورا ~~عميقة، ولم يعد الشعب المصري شعبا طيعا لكي ينفذ كل مطالب ~~السادات. لقد ذكرت الاضرابات والمظاهرات الجماهيرية القوية التي ~~قادها العمال بدعم من الحركة الطلابية التقدمية، ذكرته مرارا ~~بضرورة وضع حد لصبره. # كانت النزعة البرجوازية لدى السادات تحمل طابعا ريفيا نتيجة ~~أصوله القروية. وكثيرا ما كان يصور في خطبه العلنية القرية ~~المصرية باعتبارها مثالا لمصر ونموذجا للحياة الريفية الرغدة ~~للمجتمع المصري كله. لم يتحدث السادات مرة واحدة عن أن هذه القرية ~~المصرية تحديدا ذات أوجه متعددة، هو لم ير أن فيها أغنياء وفقراء ~~أصبحوا هكذا تحديدا بسبب الظلم، فهو لم ير الاستغلال في ~~القرية. # إن القرية بتقاليدها الريفية المسترشدة بالإسلام، والتي تعيش ~~حياتها وفقا لتعاليم الإسلام على مستوى الدولة كلها هي - بالنسبة ~~للسادات - المثال «الاشتراكي»، هي الاشتراكية المصرية في فهمه، أو ~~إن شئنا الدقة، على النحو الذي يريده. # إن السادات، بقدر استطاعتي الحكم عليه من خلال خطبه وأحاديثي ~~الشخصية معه، كان لديه تصور مبهم للغاية في القضايا الاقتصادية، ~~وفي هذا الشأن كان باستطاعة أي من رؤساء الوزراء أو من وزراء ~~الاقتصاد أن يخدعه فيها بسهولة. كان السادات يولي ثقته لأي مقولة ~~أو لأي رقم، إذا كان مصدره في ذلك شخصا أهلا للثقة في اللحظة ~~الراهنة. كان باستطاعته، على سبيل المثال، أن يؤكد للأمريكيين ~~بهدوء ودون أن يبدو عليه أي قدر من الارتباك أن رواتب المستشارين ~~العسكريين السوفييت تكلفه مبالغ باهظة، وأن عليه أن يدفع هذه الرواتب ~~بالعملة الصعبة! بالمناسبة، لم تدفع مصر أي رواتب للسوفييت، ناهيك ~~عن أنه لم تكن هناك أي حسابات مع مصر يتم التعامل فيها بالعملة ~~الصعبة. # ذات يوم وإبان حديثي مع الرئيس السادات، وكان في حالة مزاجية ~~رائعة، وهو أمر نادر الحدوث، طرحت عليه سؤالا حول تصوره لتطوير ~~الزراعة المصرية في المرحلة المقبلة؛ ففي مصر لا توجد أراض فائضة، ~~بمعنى احتياطي من الأراضي الزراعية يمكن استغلاله؛ فالسكان يعيشون ~~على شريط ضيق من ms095 الأراضي يصل في بعض التقديرات إلى 3٪ من المساحة ~~الإجمالية للبلاد، بينما تمثل باقي الأراضي صحاري قاحلة يمكن ~~استصلاح بعضها. وتشير الإحصاءات أيضا إلى أنه حتى لو جرى ري كل ~~هذه الأراضي القابلة للاستصلاح وجعلها أراضي خصبة، فإن الأراضي ~~المصرية المأهولة والمستخدمة لن تزيد على 4٪ من إجمالي مساحة ~~البلاد. # باختصار، زيادة الإنتاج الزراعي بفضل زيادة الأراضي المستصلحة ~~محدودة بشكل واضح، وعلاوة على ذلك، فإن الزراعة هي التي تمثل الجزء ~~الأكبر في الاقتصاد القومي للبلاد؛ ففي مصر لا توجد ثروات طبيعية، ~~ومن ثم فإن ارتباطها بالاستيراد من الخارج كبير، وهي مضطرة لأن ~~تسوي حساباتها من منتجاتها الزراعية الخام أو المصنعة. من هنا يتضح ~~لنا الدور الهائل للزراعة، التي يعمل فيها بالمناسبة غالبية ~~السكان. إن تنمية الزراعة ليست قضية اقتصادية فحسب ، وإنما هي قضية ~~اجتماعية؛ ولهذا فإن زيادة الإنتاج الزراعي والطرق المستخدمة من ~~أجل ذلك سوف يتوقفان لا على الوضع الاقتصادي للبلاد إجمالا، ولا ~~على رفاهية السكان كلهم فحسب، وإنما على التركيب الطبقي للمجتمع ~~المصري، ومن ثم على الشكل الاجتماعي للبلاد وعلى طابع العلاقات ~~الاجتماعية فيها. # حاولت أن أطرح كل هذه المشكلات على السادات وكنت شديد الاهتمام ~~بالاستماع إلى رأيه. وهنا انعكس على وجهه شعور واضح بالملل، وأجاب ~~بأن علينا أن نفكر في هذه القضايا «بعد النصر». # حاولت مرة أخرى أن أطور فكرتي في اتجاه مختلف بعض الشيء؛ إذ كنت ~~أرى أنه في سياق الطريقة الحالية للإنتاج سرعان ما تصبح المنتجات ~~الزراعية غير كافية لإشباع حاجات الغذاء والتصنيع والتصدير، ناهيك ~~عن أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة محدودة أساسا. بالطبع فإن ~~جزءا من الزيادة في الإنتاج الزراعي يمكن الحصول عليه من خلال ~~تكثيف الإنتاج، سواء باستخدام الأسمدة والبذور الجيدة، إلى جانب ~~استخدام الميكنة الزراعية وما إلى ذلك من وسائل. ولكن حتى هذه ~~الأمور لها حدود قصوى. سرعان ما أصبحت قضية زيادة الإنتاج وثيقة ~~الصلة بنظام استغلال الأراضي وخاصة الأراضي الصغيرة نسبيا؛ فمن ~~المعروف أن فعالية الإنتاج تكون أكبر في الأراضي الشاسعة، حيث يمكن ~~استخدام ms096 الميكنة الزراعية. إذن كيف يمكن التعامل مع الملكيات ~~الصغيرة؟ ستظهر على الفور مسألة ضم الأراضي، وهنا تختلف الوسيلة؛ ~~فإما يتم زيادة الملكيات الصغيرة الخاصة على حساب شراء أراضي ~~الآخرين؛ أي بإفقار البعض وإثراء البعض الآخر، وإما بضم الأراضي ~~بالإرادة الطوعية للفلاحين في إطار نظام المزارع الجماعية. ما ~~الطريق الذي ستسير فيه القرية المصرية؟ # اعترف السادات صراحة أنه لم يفكر من قبل في هذا النوع من ~~القضايا. الأمر الوحيد الذي يؤمن به هو حكمة الفلاحين، الذين هم ~~ملح الأرض، والقادرون على اختيار أفضل الحلول دائما ~~بأنفسهم. # لم يكن إعلان السادات عن بناء الاشتراكية في مصر سوى كلام ~~يستخدمه في المناسبات. وكثيرا ما تحدث السادات في حضوري عن أنه لا ~~يعترف إلا بالاشتراكية العلمية، وأنه لا يوجد هناك ما يسمى ~~ب «الاشتراكية الإسلامية» أو «الاشتراكية العربية». كان السادات ~~يؤكد لأنصاره في خطبه العلنية أن «المجتمع الجديد» (كان يخشى أن ~~يسميه بالاشتراكي) يجب أن يبنى على أساس «العلم والإيمان»، لم يكن ~~يلقي بالا لما في هاتين الكلمتين من تناقض في المعنى. لا توجد في ~~اللغة العربية كلمة «اشتراكية» الأجنبية، التي تحمل مفهوما ~~علميا خالصا، ومن هنا أمميتها. أما العرب فيعلنون أن # Socialism # هي «الاشتراكية»، ~~وأن الكلمة تعني «تكافؤ الفرص» و«المساواة» لا أكثر. ومن هنا فإننا ~~عندما نتحدث عن الاشتراكية نعني شيئا محددا، بينما تعني الكلمة ~~بالنسبة للعرب شيئا آخر. وعندما يتحدث العرب عن مجتمع ما يسود فيه ~~تكافؤ الفرص (والذي يعني بطبيعة الحال الاشتراكية)، فإن علينا عند ~~ترجمتها إلى أي لغة أخرى، سواء الروسية أو الإنجليزية أو غيرها، أن ~~ندرك أن إخواننا العرب يتحدثون عن «الاشتراكية»، ونحن ندرك كل ذلك ~~كما لو كنا نتحدث عن الشيء ذاته وعن المفاهيم ذاتها. وإن كنا في ~~الواقع نتحدث عن شيئين مختلفين. كيف يمكن بناء الاشتراكية إذا كان ~~بنيتهم بناؤها بمساعدة العقيدة الدينية؟ إن الدين هو العدو الأول ~~والأمكر للاشتراكية، وهو يخرج علاقات الملكية بعيدا عن التحليل، ~~ويفصل بين علاقات الناس في سياق عملية الإنتاج. كيف يمكن ms097 أن تكون ~~هناك اشتراكية إذا لم تتعامل مع قضية علاقة الملكية الخاصة بوسائل ~~الإنتاج؟ # على أية حال، فقد كان تدين السادات مصطنعا، صحيح أنه كان يحب أن ~~تلتقط له الصور أثناء الصلاة في المسجد أيام الجمعة، وكان كثيرا ~~ما يتردد على قريته خصوصا من أجل ذلك، ولمجرد أن يقول إنه مع ~~الناس. وفي هذه الصور كانت عيناه تظهران وهما ترتجفان في خشوع، أو ~~على العكس فيسجد بحيث تغوص جبهته في الأرض وقد أمسك في يده ~~بالمسبحة. كان هناك بقعة قاتمة اللون في جبهة السادات، وهي علامة ~~تلقى احترام المؤمنين الذين يعتبرون ظهورها أثرا من كثرة الصلاة ~~والسجود. وقد انتشرت طرفة تقول: إنها ليست بقعة «مقدسة»، وإنما جاءت ~~نتيجة أن ناصرا كان كثيرا ما يدفع إصبعه في جبهة السادات قائلا ~~له: «لماذا تدس رأسك في أمور لا تفهمها؟!» # وقد قص علي السادات ذات مرة بنبرة رقيقة كيف يحب الصيام في ~~شهر رمضان، وكيف يكون في «حالة» مدهشة في هذا الشهر. ولكن كيف يمكن ~~الجمع بين هذه الطقوس الدينية المثالية وبين سوء استخدامه ~~للمشروبات الكحولية، المحرمة قطعيا على المسلمين، وكذلك تدخين ~~الحشيش؟! # ليس من المستغرب أن السادات كان يخشى الماركسية وكل ما يرتبط بها ~~بشدة. كان يؤكد دائما أن منطقة الشرق الأوسط ليست «ناضجة» بعد ~~لتقبل الماركسية. كان يشعر بإحساس باطني أن الماركسية هي عدوه ~~القوي؛ ولهذا كانت الماركسية محظورة في مصر. لم يكن لها مكان ~~باعتبارها مذهبا شرعيا، ولكن كان من المستحيل أن تختفي ~~الماركسية في مصر؛ لأنها كانت موجودة على الأرض، ولأنها عقيدة ~~راسخة. كان العمال والطلبة يتطلعون إليها، وكان عدد قليل من ~~الماركسيين يخاطرون بحياتهم ليحملوها إلى جماهير العمال؛ ولهذا فقد ~~كان من الصعب ملاحقتها، ولكن كان من الممكن أن يكونوا علامة تشير ~~إلى أن في مصر أيضا مجتمع مستنير يسمح بعمل الماركسيين. # كان السادات يقول لي أحيانا «ماركسيونا»، وكان يقصد بذلك بعض ~~المثقفين الذين كانوا ينتمون سابقا إلى منظمات ماركسية مصرية. وقد ~~تم حظر هذه المنظمات، وزج ناصر ms098 بقاداتها وقتها في السجون، ثم أطلق ~~سراحهم بعدما طرأت على أفكاره بعض التغيرات. لم يصبح ناصر ~~ماركسيا مطلقا، ولكنه أدرك أن الماركسيين ليسوا خصوما للثورة ~~الوطنية التحررية. وقد عمل جزء من هؤلاء الماركسيين في المؤسسات ~~الصحفية، بل إن بعضهم شغل منصب الوزير. لكن هذا لم ينقذهم من ~~ملاحقة السادات؛ فعندما كان يشعر بحاجته لأن يصب جام غضبه على أحد ~~ما نتيجة وقوع اضطرابات دورية في البلاد، أو عندما تكون هناك ضرورة ~~لإيجاد «كبش فداء» للفوضى الاقتصادية في البلاد التي تقودها قوى ~~أخرى ذات نفوذ. وهذا ما حدث فعلا مع فؤاد مرسي، أحد قادة ~~التنظيمات الماركسية والاقتصادي البارز، الذي عينه السادات ~~وزيرا للتموين في الحكومة. لقد بذل مرسي جهدا خارقا، ولكن هل ~~كان باستطاعته أن يحل مشكلة نقص السلع التي خلقها منتجو هذه السلع ~~نفسها، والذين قاموا بإخفائها. هل كان بإمكانه وحده مواجهة التناقض ~~القائم في النظام الاقتصادي الذي وضعه نفس هؤلاء البرجوازيين، مثل ~~عبد العزيز حجازي؟ ولهذا بدا مرسي مناسبا تماما لكي يسقط الرئيس ~~على رأسه، باعتباره وزيرا للتموين، كل خطايا نقص السلع وتوقف آلاف ~~محال القطاع الخاص؛ ولهذا كانت التهمة بالدرجة الأولى هي التقصير ~~في عمل نظام التوزيع. # استشاط السادات غضبا لأن الاضطرابات التي نشبت في أكبر مؤسسة ~~مصرية؛ مصنع الحديد والصلب في حلوان، قد تمت بشكل منظم، وأنه لم ~~ينجح في العثور على محرضين، ولأنه اضطر للانسحاب والتراجع أمام ~~عمال حلوان الماركسيين. كانت اضطرابات حلوان عملا سياسيا منظما ~~قامت به الطبقة العاملة المصرية. من هنا كان خوف السادات من حلوان ~~وخوفه عموما من هذا الفلاح الصناعي غير المفهوم. بالمناسبة، لم ~~يقم السادات مرة واحدة بزيارة هذا الصرح الصناعي الأكبر في البلاد، ~~ولم يحضر افتتاح المجمع الذي تم بناؤه بالتعاون مع الاتحاد ~~السوفييتي. # على أن السادات كان لديه شعور باطني يدفعه لاستخدام «ماركسييه» ~~في العمل في الوقت المناسب؛ ففي صيف عام 1971م وقعت في السودان ~~المجاور أحداث سياسية ضخمة تعد في جوهرها انقلابا شارك فيه ~~الماركسيون السودانيون أيضا. كنت ms099 في ضيافة السادات في مقر إقامته ~~في المعمورة بالقرب من الإسكندرية، كنا نتحدث ونحن جلوس إلى ~~المائدة المقامة في الهواء الطلق على شاطئ البحر، اقترب الياور منه ~~ودس في يده بورقة دون أن ينبس ببنت شفة. أطلق السادات صيحة دهشة ~~قائلا: «يبدو أن انقلابا وقع في السودان.» سألته: «ومن الذي قام ~~بالانقلاب؟» أجاب السادات: «غير معروف تماما حتى الآن، ولكن يبدو ~~أن الماركسيين على مقربة مني.» # عند لقائي بالسادات في اليوم التالي أخبرني أنه اتخذ قرارا أن ~~يرسل إلى السودان «بعضا من ماركسيينا»، على حد تعبيره، بزعم أنهم ~~سيستقبلونهم هناك أفضل من أي شخص آخر، بالإضافة إلى ذلك فسوف يكون ~~باستطاعتهم أن يعرفوا على أي نحو تسير الأمور في السودان. وقد تبين ~~أن إرسال هؤلاء الماركسيين كان نوعا من المناورة؛ فالسادات لم يكن ~~متعاطفا للحظة واحدة مع هؤلاء الذين استولوا مؤقتا على السلطة في ~~السودان، وعلاوة على ذلك فقد توفرت معلومات تشير إلى أن مصر كانت ~~تؤيد هؤلاء الذين جرت الإطاحة بهم. وقد أثبتت الأحداث التالية بشكل ~~واضح بعضا مما يتمتع به السادات من خصائص. # لقد وصلتني أنباء مؤكدة تفيد أن كتيبة من المظليين «الصاعقة» ~~تتجمع في مطار غرب القاهرة. وهي فرقة إنزال خاصة للنقل بسرعة إلى ~~السودان. وقد تلقيت هذه المعلومة عند خروجي من السفارة متجها إلى ~~السيارة لألحق بالسادات في عمل ما عاجل. لم يكن لدي متسع من ~~الوقت للاتصال بموسكو فقررت أن أعالج الأمر بنفسي. كنت أرى أن من ~~الضروري طرح موضوع تدخل مصر بحيث لا يتصور السادات - من ناحية - أن ~~هذا تدخل في الشئون الداخلية، ومن ناحية أخرى بحيث لا يتضح له ~~مصدر المعلومات. رحت أفكر في هاتين المشكلتين حتى وصلت إلى مقر ~~السادات في منطقة القناطر، التي تقع على بعد 35 كيلومترا من ~~القاهرة. # عندما انتهى حديثنا في الموضوع الأساسي الذي جئت من أجله، سألت ~~السادات عن الجديد الذي سمع عنه بشأن الأحداث في السودان، وعن ~~التقرير الذي أحضره «ماركسيوه». تحاشى السادات الإجابة بعد أن ms100 قال ~~لي إنه لم يتعرف بعد على التقرير. أبديت ملاحظتي أن الحديث قد ~~اشتد في الأوساط الدبلوماسية حول الزعم بأن مصر تنوي التدخل ~~عسكريا في أحداث السودان، وأن مظليين يتم الإعداد لإنزالهم في ~~السودان وهلم جرا، وأنني أجبت على تساؤلات مشابهة طرحها علي ~~سفراء أجانب بقولي إن هذه مجرد شائعات مغرضة، وإن مصر لن تسمح ~~بالتدخل في الشئون الداخلية لدول أخرى، وإن هذا تحديدا ما أخبرني ~~به الرئيس السادات؛ لأن مصر تدرك أن تدخلها في الشئون الداخلية ~~للسودان سوف ينعكس سلبا على علاقاتها بالدول الأخرى. # نظر لي السادات باهتمام، وبعد أن تريث في الرد قال لي إن ~~السفير السوفييتي على العموم قد لخص موقف مصر على نحو صحيح. # وفي اليوم التالي أبلغني السادات أن كتيبة «الصاعقة» لن تذهب إلى ~~أي مكان، وأنها ستعود إلى ثكناتها في وقت متأخر مساء. # على أن قوة مناهضة للانقلاب نجحت بمساندة صريحة - كما يزعمون - من ~~العاملين المصريين في المدرسة العسكرية الموجودة في الخرطوم في ~~التغلب على هذا الانقلاب. وبعد يومين اتفق أن التقيت من جديد في ~~حديث مع السادات. كان واضحا أنه في حالة من القلق والإثارة ~~الشديدين، الأمر الذي يؤكده أيضا أنه أمر بإحضار فودكا له. جدير ~~بالذكر أن السادات لسبب ما كان يعتبرني مما لا يعاقرون الخمر ~~مطلقا، وكان يأسف لذلك. راح السادات يحتسي الفودكا وحده دون شعور ~~بالحرج على الرغم من حرارة الجو. كانت درجة حرارة الجو في ظل هذه ~~الشجرة الضخمة، حيث جلسنا، لا تقل عن ثلاثين درجة مئوية. قدموا له ~~زجاجة فودكا وعلبة سردين مفتوحة دون شوكة أو مناديل ورقية. قال ~~عبارته المعتادة التي أعرب فيها عن أسفه أن السفير لا يشرب، ثم شرب ~~كأسا ك «بداية». شعرت بالحرج فطلبت أن يحضروا لي ولو بعضا من ~~الويسكي مع الثلج. فرح السادات على الرغم من أنهم لم يجدوا ويسكي ~~في المنزل. بحثوا هنا وهناك حتى أحضروا زجاجة تبقى بقاعها بعض من ~~الويسكي. شعرت برجفة في أعماقي، ولكن بات علي الآن أن ms101 ~~أشربها. # كان السادات طوال الحديث يضع زجاجة الفودكا بالقرب منه، بينما ~~رحت أرتشف الويسكي المقزز. دق جرس التليفون الموضوع جانبا. أنصت ~~السادات ثم قال وقد لمعت عيناه: «لقد أذاعوا نبأ مصرع وفد عراقي ~~خاص كان في طريقه إلى السودان. انفجرت طائرتهم فوق العربية ~~السعودية! لقد علمت بهذا الخبر من قبل!» وعندما لمح الحيرة في ~~عيني بدأ في شرح نظريته القديمة التي تقول: إن «هذه المنطقة»، ~~ويعني بها أفريقيا والشرق الأوسط، «لم تنضج بعد للماركسية»، وأنتم ~~«الماركسيون، تقعون في خطأ وأنتم تحاولون القفز على درجات السلم. ~~أنتم تحاولون أن تزرعوا الماركسية هناك، حيث لا يمكن أن ترسخ. أما ~~ما يمكن أن يرسخ هنا فهو الإسلام فقط، باعتباره العقيدة الاجتماعية ~~الأعلى، وهو أوسع وأعمق من الاشتراكية. الإسلام يحمل قدرا أعلى من ~~العدالة الاجتماعية، وهلم جرا.» كان منتشيا من أثر الخمر ولكن ~~باتزان، وكان الدخول معه في جدل وخاصة وهو في هذه الحالة أمرا لا ~~طائل من ورائه. # بعد مرور يومين تلقيت تعليمات بضرورة زيارة السادات على وجه ~~السرعة، وأن أطلب منه مساعدته في استخدام تأثيره على النميري لوقف ~~هذا الإرهاب السافر الذي تفشى في السودان، والذي أصبح من ضحاياه ~~ليس فقط الذين شاركوا في الانقلاب، وإنما أيضا كل التقدميين في ~~السودان. وقد وردت على وجه الخصوص أسماء عبد الخالق محجوب زعيم ~~الماركسيين السودانيين، والشفيع أحمد الشيخ رئيس نقابة العمال في ~~السودان، وهو واحد من قيادات الاتحاد العالمي لنقابات العمال ~~والحاصل على جائزة لينين الدولية للسلام؛ وكذلك زوجة ~~الشافعي. # استقبلني السادات على سطح اليخت البحري الفاخر للملك فاروق، وكان ~~راسيا على الشاطئ في إحدى قنوات النيل عند القناطر الخيرية، طرحت ~~على السادات مطلب القيادة السوفييتية، فأبدى ملاحظة تفيد أنه يعرف ~~الشافعي جيدا، وذكر أنه سوف يكون أمرا مخزيا لو لقي حتفه. ثم قال ~~مجددا إن المنطقة لم تنضج بعد لقبول الماركسية، وإن علينا أن ندرك ~~ذلك. تحدث السادات على نحو يبدو من خلاله وكأن الاتحاد السوفييتي ~~كان شريكا في كل الأحداث الدراماتيكية التي ms102 وقعت في السودان، ~~بالرغم من أن السادات كان يعلم جيدا أننا لم نشارك فيها. وعدني ~~السادات بالتباحث مع النميري، ونادي علي ياوره وأمره بأن يصله ~~هاتفيا بالخرطوم. تأخر الاتصال طويلا فانطلقت عائدا إلى ~~القاهرة. لدى وصولي إلى السفارة أبلغوني أن وزير الخارجية محمود ~~رياض اتصل وطلب سرعة الاتصال به، وهو ما قمت به على الفور. أخبرني ~~رياض أن يبلغني نيابة عن السادات أن طلبنا جاء متأخرا للغاية، وأن ~~محجوب والشافعي قد أعدما. هل حاول السادات أن يفعل شيئا أم لا، لا ~~أعرف، على الرغم من أن هيكل أكد لي فيما بعد أنه تحدث مع نميري ~~بنفسه بناء على طلب السادات. # كانت علاقة السادات أيضا بالمنظمة السياسية الوحيدة في البلاد؛ ~~الاتحاد الاشتراكي العربي، والتي كان على رأسها، علاقة من أجل ~~المظهر السياسي للسادات فقط. وقد ظل الاتحاد الاشتراكي العربي ~~منظمة لا شكل لها على الإطلاق، ويمكن القول إنها كانت منظمة سياسية ~~محلية. # كان الفرق بين علاقة ناصر والسادات بالاتحاد الاشتراكي العربي ~~يتمثل في أن ناصرا أدرك ضرورة وجود منظمة في البلاد تضم أصحاب الفكر ~~الواحد، وحزب يمكن أن يكون حاضنا لفكرة ثورة التحرر الوطني، كما ~~يمكن أن يكون منظما للجماهير تحت شعار القومية التقدمية، وحاملا ~~للأفكار القومية إلى الجماهير. كان الاتحاد الاشتراكي العربي بذرة ~~لهذا الحزب الذي يمكن أن ينمو من خلاله التنظيم الذي أطلق عليه ~~ناصر اسم «طليعة الاشتراكيين». # كان السادات يشعر أن الاتحاد الاشتراكي العربي لن يمثل له نقطة ~~ارتكاز كما أراد ناصر لنفسه، وإنما سيكون منافسا له ومراقبا ~~لتصرفاته باعتباره رئيسا وقائدا لمصر. في الاتحاد الاشتراكي ~~العربي سيصبح بشكل أو بآخر «على نفس الدرجة» مع باقي رجال الدولة، ~~وهو ما لم يكن السادات ليسمح به. كان السادات ينظر دائما بريبة ~~تجاه أي نشاط اجتماعي وأيديولوجي. إنه «رجل الأفعال»، أما ~~الأيديولوجيا فهي للآخرين والمنظمات كذلك. # طوال شهور وجوده في منصب الرئيس زاد إيمان السادات بأن الاتحاد ~~الاشتراكي العربي بالنسبة له هو مجرد عبء. صحيح أن اللجنة ~~التنفيذية العليا للاتحاد ms103 الاشتراكي العربي قد عقدت اجتماعها تحت ~~رئاسته، لكن الخطباء فيها تباروا في انتقاد تصرفاته وتحدثوا عن ~~رفضهم لقراراته التي اتخذها، فهل يمكن أن يتكرر ذلك ثانية؟ نفس ~~الشيء تقريبا حدث في اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ~~العربي، وإن جاء النقد فيها أقل حدة. على العموم فقد بدا واضحا أن ~~باستطاعة اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي وكل المحافظات والمدن ~~أن يتحولوا بسهولة إلى «مراكز قوى» تقف في مواجهته هو رئيس البلاد. ~~ليس عبثا أن «المتآمرين» الذين استطاع أن يضعهم في السجون لمدة ~~طويلة كانوا يتخذون الاتحاد الاشتراكي العربي ومنظماته بمثابة ~~نقطة ارتكاز قوية لهم. # على أن رفض الاتحاد الاشتراكي العربي رفضا تاما كان أمرا ~~مستحيلا، وهو ما كان السادات يدركه جيدا؛ فمصر سوف تصبح دولة ~~متخلفة أمام العالم أجمع، عندئذ ليبق الاتحاد الاشتراكي العربي ~~قائما، أما اللجنة التنفيذية العليا فلا ضرورة لها. سوف يجري حل ~~هذه اللجنة. كان ناصر يريد أن يحول اللجنة التنفيذية العليا في ~~عهده إلى مكتب سياسي، أن يعطيه وظيفة مماثلة للمكتب السياسي للجنة ~~المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، الذي كان معجبا بعمله. # في البداية وضع السادات عزيز صدقي على رأس الاتحاد الاشتراكي ~~العربي، وهو الرجل الذي لم يعمل قبل ذلك مطلقا بالسياسة، ثم جاء ~~بعده عبد السلام الزيات، سكرتيره الأسبق، المثقف صاحب الهوى ~~الماركسي. كانت حسابات السادات في ذلك أن يقول: انظروا جميعا، إن ~~مصر باعتقال الناصريين لم تنحرف يمينا، إنها لا تزال تسير يسارا. ~~وعلى الرغم من حل اللجنة التنفيذية العليا، ظل الأشخاص المعروفون ~~للعالم أجمع بأنهم تقدميون يرأسون الاتحاد الاشتراكي ~~العربي. # بوصولهما إلى الاتحاد الاشتراكي العربي، نجح كل من صدقي والزيات ~~في الحصول على موافقة السادات على جذب الماركسيين المصريين للعمل ~~في هيئات الاتحاد الاشتراكي العربي وفي غيرها من المنظمات ~~الجماهيرية. كان الأمر شاقا آنذاك على السادات الذي قبل الأمر ~~على مضض. اضطلع صدقي والزيات بالعمل في الاتحاد الاشتراكي العربي، ~~ولكن ليس في هذا الاتجاه الذي تصوره السادات، فوضعا «برنامجا ~~للعمل» يربط بشكل جيد بين الشعارات الأيديولوجية ms104 التقدمية بأعمال ~~محددة تتمثل في خطط البناء الاقتصادي لمصر. كان برنامجا متقنا في ~~الواقع استهدف إجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية في البلاد. واستند ~~البرنامج لا على النيات الحسنة والأماني الطيبة، وإنما على حسابات ~~اقتصادية رصينة جديرة بالاعتبار. # كان الأمر الواضح هنا هو التعاون بين النظرية التقدمية التي ~~وفرها الزيات والاقتصاديون، كما لوحظ فيها إسهام الاقتصادي العملي ~~الموهوب عزيز صدقي. وقد أسفر الجهد عن وثيقة تتميز بالجمع بين ~~النظرية والتطبيق. وكان من الضروري الموافقة عليها في مؤتمر ~~الاتحاد الاشتراكي العربي في يوليو 1971م. # تمثلت القيمة الكبرى للبرنامج الذي أعده صدقي والزيات في أن ~~العمال في كل المجالات الاقتصادية للبلاد تسلموا بالفعل ما يمكن أن ~~نعتبره مهمة عملية محددة لعملهم وحياتهم. وقد كشفت هذه المهمة ~~بوضوح أن تحقيق هذا المستوى أو ذاك من الإنتاج في مجال محدد من ~~مجالات الاقتصاد، ومن ثم في مصنع بعينه أو في أي مؤسسة، سوف يؤدي ~~إلى خطوات ملموسة تتعلق بالضمان المادي والثقافي والمعيشي لهؤلاء ~~العمال. وقد رسم البرنامج أيضا خطوات محددة لتحجيم نفوذ القطاع ~~الخاص واستخدامه لصالح العمال جميعا. أتذكر أنه في سياق إعداد ~~برنامج صدقي والزيات كانا كثيرا ما يستفسران مني عن الخطط الخمسية ~~السوفييتية الأولى وعن معناها التنظيمي وعن العمل السياسي الذي توسع ~~في بلادنا في تلك السنوات حول الخطط الخمسية التي أصبحت بمثابة خطط ~~لحياة كل عامل. # تمت الموافقة بطبيعة الحال على البرنامج في مؤتمر الاتحاد ~~الاشتراكي العربي، على الرغم من أنني كنت على يقين أن السادات نفسه ~~لم يقرأه كاملا على الأرجح، فضلا عن أن البرنامج كان كبيرا ~~للغاية من حيث حجمه. على أية حال فقد كنت أثناء لقاءاتي بالسادات ~~أسأله عن الاتجاهات الأساسية في البرنامج، الذي ما زال في مرحلة ~~الإعداد، ولكنه لم يكن باستطاعته أن يعطيني إجابة واضحة، لكنه ~~استمع إلي بمزيد من الاهتمام عندما حدثته عن الإجراءات التي وردت ~~في مشروع البرنامج. # عندما ألقى السادات تقريرا في المؤتمر حول هذا البرنامج، تم ~~إعداد خطاب مناسب ليلقيه في هذه المناسبة. على ms105 أنه بدأ لا بالحديث ~~عن القضايا الواردة في البرنامج، وإنما بالحديث في موضوعه المفضل ~~وهو الوضع الدولي والصراع مع إسرائيل. وفي هذا الصدد لم يكن ~~السادات بحاجة إلى ورق مكتوب، وحتى لو كان هناك شيء معد لذلك؛ فإنه ~~لم يكن ليعبأ به. كان من الملاحظ دائما كيف كان من الصعب قراءة ~~شيء ما كتبه له آخرون. شيء لا يعبر عن تركيبة أفكاره ومزاجه، ~~اللذين يتشكلان لحظة إلقائه لخطابه. وقد كان هذا بالنسبة له، ~~كإنسان مزاجي، أمرا حاكما. # كان السادات مولعا بالخروج عن الموضوع الرئيسي، وقد بدا أنه لا ~~يستطيع التوقف عن الحديث في مجال العلاقات الدولية. لقد ظهر لديه ~~الآن مزاج نفسي مختلف. كان من الصعب عليه العودة إلى الجزء العملي ~~في خطابه والخاص ببرنامج العمل. على أية حال فقد توقف ، ثم التزم ~~الصمت طويلا، محدقا في الأوراق الموضوعة أمامه على المنصة، كأنما ~~هو غير مدرك ما الذي جاء بكل هذه الأوراق إلى هنا. وبعد انقضاء ~~فترة الصمت الطويلة، قال إن مشروع البرنامج قد تم توزيعه على ~~الأعضاء جميعا؛ ولهذا فلا حاجة إلى عرضه. واصل السادات النظر في ~~الأوراق ثم راح يقلبها على نحو آلي واضح، متظاهرا بالاهتمام ~~وكأنما يبحث عن شيء ما، ولكنه لا يجد ما يريد أن يركز عليه اهتمامه. ~~جزء من الأوراق سقط على الأرض فلم يعره السادات اهتماما كأنما لم ~~يلحظه مواصلا فحص الأوراق واحدة وراء الأخرى. عندئذ نهض الزيات عن ~~مكانه كرئيس للمؤتمر واقترب من المنصة وراح يلملم الأوراق ويضعها ~~أمام السادات، ثم ابتعد عائدا إلى مكانه. وبدا أن السادات لم يلحظ ~~أي شيء. تفحص جدولا في الوثيقة، حيث كان يقلب الأوراق في الملف ثم ~~قال: هاكم على سبيل المثال ما يجب أن يصل إليه إنتاج الطاقة ~~الكهربائية، ثم ذكر رقما. فترة أخرى من الصمت، ومرة أخرى تتطاير ~~بعض الأوراق من على المنصة إلى الأرض والسادات لا يلاحظ شيئا. ~~ومرة أخرى ينهض الزيات ويقترب ويرفع الورق ويضعه أمام السادات ثم ~~يعود إلى مكانه ليتكرر الأمر ms106 مرة أخرى. لم يعد الأمر مفهوما. ترى ~~هل يسخر السادات من الوثيقة، أم تراه ثملا؛ إذ كان يتصرف عند ~~وصوله إلى المنصة تصرف شخص في حالة غير طبيعية. راحت القاعة ~~الغارقة في الصمت والتي تحتوي ثلاثة آلاف عضو ينظرون ويتابعون هذه ~~الحيلة الغريبة للرئيس. كان الجميع يشعرون بحرج شديد. # أنهى السادات خطابه كيفما اتفق بعد أن أعلن أنه ما دام كل شيء ~~مكتوبا في الوثيقة التي تم توزيعها على الأعضاء، إذن فكل شيء واضح. ~~تولد لدي انطباع أن السادات تعمد أن يقوم بتمثيل هذا المشهد. كان ~~يشعر أنه ليس الشخص الرئيسي وراء هذا البرنامج، وأن البرنامج لا ~~يمت إليه بصلة. وبالمناسبة فقد قام السادات فيما بعد بعزل صدقي، ~~ومن بعده الزيات عن منصب الأمين الأول للجنة المركزية للاتحاد ~~الاشتراكي العربي، وعين فيه سيد مرعي - الإقطاعي - لسان حال المصالح ~~البرجوازية المصرية الكبيرة. لم يكن هناك شيء أكثر إهانة لفكرة ~~وجود منظمة تقدمية في مصر من تعيين مرعي في هذا المنصب. علاوة على ~~ذلك فقد كان مرعي خصما شخصيا لصدقي من الناحية الأيديولوجية. ~~كان صدقي يدافع عن تصنيع البلاد ويسعى لتنمية القطاع الحكومي بكل ~~الوسائل، ويميل للاتحاد السوفييتي، أما مرعي فكان يضع تركيزه على ~~الزراعة وازدهار القطاع الخاص والتوجه ناحية الغرب. # بدأ مرعي بمباركة من السادات في «إعادة تنظيم» الاتحاد الاشتراكي ~~العربي؛ بدأت العديد من اللجان واللجان الفرعية في عقد الاجتماعات، ~~تم نسيان البرنامج الحيوي للإصلاحات الاجتماعية وتوقف العمل ~~السياسي بين الجماهير. لكن صدقي والزيات واصلا العمل بطريقة أخرى؛ ~~في تلك الفترة تم تعيين صدقي رئيسا للوزراء، والزيات نائبا ~~لرئيس الوزراء. بدأ الاثنان في عقد اجتماعات الحكومة خارج العاصمة، ~~في المدن الكبرى والمحافظات. وهناك في القاعات المفتوحة راحوا ~~يتدارسون القضايا المتعلقة بكل محافظة أو مدينة على حدة وبشكل ~~محدد، وأثبتا بشكل واضح أن الحكومة تعكس مصالح الكادحين، وكشفا عن ~~الطاقة الكامنة المخفية لدى المحافظين، وأظهرا النزعة البيروقراطية ~~لدى السلطات المحلية ... إلخ. وجدت هذه الاجتماعات الحكومية شعبية ~~كبيرة في أوساط الكادحين، ولكنها أثارت ms107 - بطبيعة الحال - حفيظة ~~وكراهية البيروقراطية المصرية التقليدية التي كان يستند عليها ~~الرئيس نفسه بشكل كبير. # وعلى الفور، أقيل صدقي من منصبه رئيسا للوزراء ومعه الزيات في ~~نفس الوقت، اللذين أصبحت لهما شعبية كبيرة فاقت شعبية الرئيس، ~~وأصبحت إنجازاتهما تقف حجر عثرة أمام مصالح البرجوازية المصرية ~~الكبيرة التي راح السادات يعتمد عليها أكثر فأكثر. وهنا عين ~~السادات حافظ غانم أمينا أول للاتحاد الاشتراكي العربي، وزير ~~التعليم السابق، أحد المخلصين من الحرس القديم، لا عقيدة له، ~~باختصار، الشخص المطيع الذي يفعل ما يؤمر به. بدأ غانم في «إعادة ~~تنظيم» الاتحاد الاشتراكي العربي مرة أخرى والعمل في إعداد ما عرف ~~باسم «وثيقة العمل»، وهي تعد من الناحية العملية نفيا لكل ما تم ~~التأكيد عليه منذ عامين مضيا. كانت هذه الوثيقة تتضمن أحكاما ~~مغلوطة بشأن العلاقات الدولية وتزييفها لسياسة الاتحاد السوفييتي، ~~فضلا عن دعوتها للانفتاح أمام رأس المال الخاص. كان هذا هو الهدف ~~الأساسي لهذه «الوثيقة». تحول الاتحاد الاشتراكي العربي في الخطة ~~التنظيمية له إلى مجرد منظمة «واجهة» تقوم بعقد اجتماعات جماهيرية ~~لتبلغ السلطات بالمزاج السائد في البلاد. كانت هذه بالطبع خطوة إلى ~~الخلف، لكنها كانت تناسب السادات ليصبح الاتحاد الاشتراكي العربي ~~منظمة تعمل لخدمة الرئيس. وبطبيعة الحال تم إغلاق معهد الدراسات ~~الاشتراكية، وهو مركز للدراسات العلمية كان تابعا للاتحاد ~~الاشتراكي العربي؛ إذ لم يعد السادات بحاجة إليه. هكذا أصبحت ~~البلاد مرتعا «للأفكار الحرة». # كان السادات يرى أن كل الوسائل صالحة من أجل تنفيذ سياسته ~~المضمرة. وعدو اليوم يمكن أن يعد غدا أفضل صديق، على الرغم من أن ~~سلوك هذا العدو، أو الصديق الحديث العهد، لم يتغير في جوهره قيد ~~أنملة. وفي هذا السياق تكون المبادئ أمرا غير ذي أهمية. # ولكن هل يمكن، على سبيل المثال، أن يتباهي شخص، أيا كان، لديه ~~ولو قليل من الاحترام لذاته، بأنه كان يتعاون مع النازيين ~~الفاشيين؟ بالطبع لا يوجد، لكن السادات بإمكانه أن يفعل ذلك. لزمن ~~طويل راحت الأحاديث تدور أن السادات عمل في خدمة الألمان أو ms108 تعاون ~~معهم إبان الحرب العالمية الثانية. لقد قدم الجيش السوفييتي ومعه ~~جيوش الحلفاء في نضالهم ضد هتلر ملايين الأنفس ثمنا باهظا لإنقاذ ~~العالم من هذا الطاعون الأسود الذي جاء لاستعباد كل شعوب العالم، ~~ومن بينها شعوب أفريقيا والشرق العربي. أي وعي سياسي يمكن أن يكون ~~لدى إنسان يسعى للتعاون في تلك السنوات مع الألمان حتى لو كان ~~المبرر لديه هو النضال ضد الإنجليز، الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك. ~~لقد ظلت هذه الأحاديث مجرد شائعات يمكن أن تصدق ويمكن أن ترفض. ~~وقد كان معروفا على أية حال أن السادات قد زج به في السجن. ويمكن ~~أن يفسر ذلك بأنه كان عقابا له لنشاطه المعادي للاحتلال، وأن ~~اتهامه بالتعاون مع النازيين الفاشيين كان للنيل منه والحط من ~~شأنه. # ولكن، ها هو فيلي برانت المستشار الأسبق لجمهورية ألمانيا ~~الاتحادية يصل في عام 1974م في زيارة للقاهرة. وقد جرى استقباله، بطبيعة الحال، أفضل استقبال، كما اعتادوا في مصر دائما باعتبار ~~الألمان أعداء للإنجليز، ومن ثم اعتبارهم حلفاء لحركة التحرر ~~الوطني في مصر. عقد السادات مؤتمرا صحفيا بدأه بإلقاء خطاب، ~~باللغة الألمانية، بعد أن صرح للصحفيين، الذين أخذتهم الدهشة، أنه ~~يفخر بأنه كان يتعاون مع الألمان إبان الحرب العالمية الثانية، ~~الأمر الذي دفع الإنجليز إلى اعتقاله، وأنه استطاع أن يتعلم اللغة ~~الألمانية أثناء وجوده في السجن! لا أظن أن صراحة السادات هذه قد ~~لاقت إعجابا من جانب براندت، فالرجل كان عدوا للفاشية، وكان يقف ~~على الجانب الآخر من المتاريس إبان الحرب. # تحول آخر مميز للسادات حدث في علاقته بالأمريكيين؛ فبعد وصوله ~~إلى سدة السلطة راح ينهال على الأمريكيين بالشتائم بحدة وحماس. ~~وأشار - وهو على حق في هذا - أن الولايات المتحدة الأمريكية هي في ~~الواقع شريك لإسرائيل في العدوان على الدول العربية، وأن عليها أن ~~تتحمل مسئولية ما قامت به من أعمال إجرامية. # لم يستوجب الأمر سوى أن يقوم نيكسون بالكتابة إلى السادات وبذل ~~الوعود له وإطرائه على نحو لبق، وغرس بذور الشك عنده تجاه الاتحاد ms109 ~~السوفييتي، وسرعان ما بدأ السادات في التغير عن موقفه، في البداية ~~بينه وبين نفسه، ثم بعد ذلك بشكل واضح أمام الجميع. عموما، كان ~~تملقه الذي كان بلا شك يعتبر نفسه واحدا منه. كان السادات ~~يتحدث معي أحيانا بسرور واضح عن تلقيه رسالة دورية من نيكسون، وعن ~~ردوده بتلك النبرة الحذرة، كما لو كان يريد أن يقول إن هذه ~~المراسلات لا قيمة لها بالنسبة له، وأنه يتحدث معه «ندا لند»، وهلم ~~جرا. من المميز هنا أن السادات لم يطلعني مرة واحدة ولو على نص ~~وحيد من هذه الخطابات، وعادة ما كان يكتفي بذكر بعض عبارات عامة. ~~على أنه فيما بعد وإبان حديثه مع القادة السوفييت كان السادات يشير ~~إلى أنه أطلع السفير السوفييتي على هذه الرسائل، وأنها معروفة بالطبع ~~للقيادة السوفييتية؛ ولهذا فإنه لا يجد ضرورة من أن يكررها ... ~~إلخ. # سرعان ما أحس الأمريكيون بنقطة الضعف هذه لدى رئيس مصر. وإليكم ~~مثالا واحدا. بعد اللقاء الأول بريجينيف ونيكسون في يونيو عام ~~1972م، أعد رفاقنا في موسكو بيانا باللقاء تم عرضه على السادات. ~~وفي اليوم التالي أرسل نيكسون إلى السادات رسالة خاصة لم تكن تحتوي ~~في حقيقة الأمر على أية معلومات جوهرية. واكتفى نيكسون في رسالته ~~بتعداد القضايا التي جرت مناقشتها في هذا اللقاء، كان ذلك بمثابة ~~نوع من «التقرير الودي» عن اللقاء لا أكثر. والملاحظ في هذه ~~الرسالة أنها لم تأت على ذكر مناقشة الوضع في الشرق الأوسط؛ أي ~~الموضوع الذي كان يهم السادات بالدرجة الأولى، لكنها تضمنت في ~~الوقت نفسه آيات من المديح والإطراء على القادة السوفييت، حتى يتولد ~~انطباع أننا (نحن الأمريكيين) نستطيع، على الأرجح، أن نسوي أمورنا ~~بشكل جيد مع الروس، في الوقت الذي يوحي فيه غياب الحديث عن قضية ~~الشرق الأوسط، أن الروس قد اتفقوا معنا على ألا نعطي اهتماما ~~كبيرا لقضايا الشرق الأوسط. بطبيعة الحال فإن هذه المعلومات كانت ~~تتناقض ووثيقتنا التي جاء فيها أن الجانب السوفييتي يساند المصالح ~~العربية. على أن ذلك خلق لدى السادات ms110 انطباعا أضعف؛ لأنها - على ~~أقل تقدير - وصلته متأخرة وفي صورة تقرير معد على نحو جاف، بينما ~~أرسل نيكسون تقريره بنفسه إلى السادات (!) (جدير بالذكر أن سفارتنا ~~كان لديها هاجس تجاه إمكانية أن يتلاعب الأمريكيون بالخصال الشخصية ~~للسادات، الذي كان يولي أهمية كبرى للقاء السوفييتي الأمريكي في ~~مصير منطقة الشرق الأوسط). على الأقل لأنه كان يستشعر بقوة فكرة ~~إمكانية «التآمر» السوفييتي الأمريكي. كان يؤمن بهذه الأكذوبة؛ لأنه ~~كان يرى أن هذا النوع من السلوك الخائن أمر جائز من جانبه، ومن ثم ~~رأى أن هذه الخطوة أمر جائز من جانبنا. ولهذا اقترحت السفارة مجيء ~~أحد ما من الذين شاركوا في المباحثات في موسكو إلى القاهرة، يكون ~~باستطاعته أن يبلغ السادات بما حدث بالضبط بوصفة شاهدا مباشرا، ~~إن جاز القول، ويطلعه ب «تفاصيل» المباحثات، التي لم تول موسكو ~~اهتماما بها. # كان السادات يشعر بالإطراء عندما يتوجه إليه أرنو دي بورتشجيريف ~~رئيس مجلة «نيوزويك» الأمريكية، رجل المخابرات المشهور، والذي لم ~~يكن إطلاقا من المدافعين عن المصالح العربية، يطلب إجراء مقابلة ~~صحفية معه. وقد أجرى السادات العديد من مثل هذه المقابلات مع ~~بورتشجيريف، ولكنه لم يجر مقابلة واحدة مع أي صحفي سوفييتي. # وعندما أقام وليم روجرز وزير الخارجية الأمريكي آنذاك بزيارة ~~للقاهرة في مايو 1971م، أعجب السادات به كثيرا، وفي خطبه التالية، ~~بما فيها تلك التي ألقاها أمام جمع غفير سواء في مجلس الأمة أو ~~أمام اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي، كان كثيرا ما يطلق ~~على روجرز، بنوع من التبسط، اسم بيل تدليلا. «قلت لبيل ...» «قال ~~لي بيل ...» وهلم جرا من العبارات المماثلة التي راح السادات ~~يستخدمها في خطبه. # كان السادات يحب استقبال السيناتورات الأمريكيين حتى أكثرهم ~~رجعية، وأثناء لقاءاته بهم لم يكن بطبيعة الحال يوجه أمامهم سهام ~~النقد الحادة إلى السياسة الأمريكية التي كان يلجأ إليها في خطبه ~~أمام المصريين. وهكذا ظل جميع الأمريكيين راضين عن الحديث مع ~~السادات؛ فقد وجدوا فيه - على حد قولهم - متحدثا «ذكيا». وليت ~~الأمر اقتصر على السيناتورات! فقد دأب ms111 السادات على استقبال صغار ~~موظفي الخارجية الأمريكية، في الوقت الذي لم يتسن للعديد من ~~السفراء الأجانب، ومن بينهم سفراء لدول كانت تؤيد مصر تأييدا ~~كاملا، أن يلتقوا على مدى وجودهم لسنوات طويلة في مصر بالسادات، ~~على الرغم من أنه كانت لديهم تكليفات من حكوماتهم. كما كان السادات ~~لا يميل إلى استقبال سفراء الدول الاشتراكية على وجه الخصوص، بل ~~إنه كان يحدد «أوقات» عدم رضاه بالنسبة لي فلا يستقبلني ~~فيها. # من بين الذين جاءوا إلى مصر واستقبلهم السادات شخص نكرة يدعى ~~ستيرنر يعمل رئيسا لقسم الشئون المصرية في وزارة الخارجية ~~الأمريكية، وهو من النوع المستفز الوقح يميل بشدة إلى إسرائيل. وقد ~~شرح السادات أن ستيرنر هو الذي كان يرافقه في زيارته للولايات ~~المتحدة عندما كان رئيسا لمجلس الأمة! زاعما أنه معرفة قديمة لا ~~أكثر. وبالطبع كان آل روكفلر يزورون السادات كثيرا خفية أو ~~جهارا. # أما القفزة المميتة الأكثر غرابة فهي التي أقدم عليها السادات في ~~نهاية عام 1973م بعدما عرف ب «حرب أكتوبر»؛ عندما لجأ إلى الولايات ~~المتحدة سياسيا، ولم يكن قد تم بعد دفن الشهداء المصريين، الذين ~~سقطوا بنيران الأسلحة الأمريكية التي زودت بها الولايات المتحدة ~~إسرائيل بكرم بالغ. وقد ظلت الولايات المتحدة، كسابق عهدها، تقف ~~دائما إلى جانب إسرائيل؛ العدو الرئيسي لمصر، وهو موضوع خاص ~~بطبيعة الحال، لكن سلوك السادات كان ذا دلالة تماما لعلاقته ~~بالأمريكيين. # سرعان ما أصبح كيسينجر ببساطة هو «هنري» بالنسبة للسادات، ولم ~~يكن السادات يناديه بشيء آخر سوى «أفضل أصدقائي». وعندما وصل ~~كيسينجر إلى القاهرة في زيارة من زياراته التي لا تحصى تصحبه ~~زوجته، قال له السادات مرحبا به بلطف مبالغ فيه: «أنت بين ~~أصدقائك يا هنري.» وقد ترك ذلك بالطبع أثرا طيبا على الصحفيين ~~الأمريكيين. # وعندما نشر الاتحاد السوفييتي في ديسمبر عام 1974م خطاب أندريه ~~جروميكو إلى كيسينجر، وكان قد أرسله إليه في أكتوبر عام 1974م، حيث ~~طرح فيه موقف الاتحاد السوفييتي من التدخل الأمريكي في شئون بلادنا، ~~وكشف فيه - أقولها بلطف - الخطأ الذي ms112 وقع فيه الأمريكيون تجاه هذا ~~الموقف، أعلن السادات في عناد تصريحاته الصحفية الجديدة أنه مستمر ~~في ثقته في كيسينجر. وهو أمر لا يثير الدهشة؛ فكيسينجر وعد ~~السادات بشيء ما، وقد ظل السادات ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي ~~يتحقق فيها هذا الوعد. لم يشأ السادات نتيجة جهله السياسي أن يرى ~~أن كيسينجر قد حقق بالفعل مهمته الأساسية، وهي ضمان البقاء الآمن ~~لإسرائيل عن طريق التوصل إلى اتفاق يقضي بإقامة منطقة محايدة، ~~منطقة مقيدة من ناحية التسليح وانتشار القوات المسلحة وما إلى ~~ذلك؛ أي عن طريق اتخاذ إجراءات تضمن وقف إطلاق النار واستحالة قيام ~~الحرب بممارسة أية ضغوط عسكرية على إسرائيل. # أما كون السادات قد انتقل إلى جانب الأمريكيين صراحة، بعد أن خان ~~في الواقع، من الناحية السياسية، صديقه المخلص؛ الاتحاد السوفييتي، ~~فإنه لم ير في ذلك غضاضة أو مجافاة للمنطق. لقد رأى السادات أنه من ~~أجل أن ينفذ سياسته فإن كل الوسائل حسنة، وأن المهم هو النتائج ~~التي اعتبرها مقبولة من جانبه، أما ما عدا ذلك فليس له ~~قيمة. # في ربيع عام 1974م أعلن السادات صراحة أن تسوية الصراع في الشرق ~~الأوسط تتوقف على الولايات المتحدة الأمريكية وليس الاتحاد ~~السوفييتي، الأمر الذي أثار ضجة هائلة في الصحافة العالمية. وقد أعد ~~السادات استقبالا حافلا إبان الزيارة التي طال انتظارها لنيكسون، ~~وهو استقبال لم يسبق أن قام بإعداده لأي من الشخصيات الأجنبية التي ~~زارت مصر من قبل، حيث بلغ عدد رجال الشرطة وأعضاء الاتحاد ~~الاشتراكي العربي الذين استقبلوه في الطرقات حوالي مليوني شخص! وتم ~~تقليده أعلى وسام حكومي في الدولة وهو «قلادة النيل» (هل لا تزال ~~لهذه القلادة قيمة بعد ذلك؟ هذه قضية أخرى). وعندما وضع الأمريكيون ~~نيكسون وظهره إلى الحائط وطالبوه بالاستقالة، كان السادات هو ~~الأجنبي الوحيد الذي أعلن أن الإطاحة بنيكسون سوف تشكل مأساة على ~~الولايات المتحدة الأمريكية! # 3 # بالنسبة لنا فإن علاقة السادات بالاتحاد السوفييتي كانت تمثل، بطبيعة الحال، مصالح مفهومة. يمكن القول إجمالا، إن هذه العلاقة ~~كانت على طرف ms113 النقيض من علاقة ناصر بنا. كان ناصر ينطلق من السعي ~~لاستغلال سياسة الاتحاد السوفييتي المعادية للاستعمار لتحقيق أهداف ~~النضال الوطني التحرري الذي قاده الناصريون، وإلى إدراك ضرورة أن ~~يقف إلى جانب الاتحاد السوفييتي باعتباره حليفا سياسيا. ومن ~~المعروف أن ناصرا كان يفكر في العام الأخير من حياته في إقامة ~~علاقات أكثر اتساعا وعمقا مع بلادنا، والدخول في تحالف معه. وكما ~~هو واضح الآن فإن السادات يتلخص في العودة إلى الخلف، إلى ما بدأ ~~به ناصر؛ أي الابتعاد عن العلاقات العميقة والعودة إلى استخدام ~~الاتحاد السوفييتي لتحقيق أغراضه. ومن ثم تركزت اهتماماته في ~~قضيتين؛ تصدير السلاح والمساعدات الاقتصادية، زد على ذلك أنه كان ~~لديه بعض العلم بشكل أساسي في السلاح، أو كان يظن أن يعلم، أما في ~~الاقتصاد فلم يكن يعلم أي شيء. # وإذا ما افترضنا - مجرد فرض - أن السادات قد وجد في مكان ما مصدرا ~~لتصدير السلاح الحديث بنفس الشروط الميسرة التي يقدمها الاتحاد ~~السوفييتي، وكان لديه اختيار مصدر للتصدير، لم يكن ليتردد في اختيار ~~المصدر الآخر، الذي لا يرتبط بتلك الأيديولوجيا التي يتبناها ~~الاتحاد السوفييتي، على الرغم من أن المسألة الأيديولوجية لم تظهر ~~في علاقاتنا مطلقا. لقد انحصرت القضية برمتها في أنه وبحكم طبيعة ~~الأشياء، لم يكن من الممكن أن تكون هناك دولة أخرى في العالم ~~باستطاعتها أن تتعامل مع حركة التحرر الوطني على النحو الذي يتعامل ~~معها به الاتحاد السوفييتي. من هنا كانت الإمكانية أمام مصر في ~~الحصول على السلاح والدعم الاقتصادي. وهو ما فهمه السادات بصعوبة. ~~كان السادات يرى في عناد أن مصر هي التي تقدم للاتحاد السوفييتي ~~الدعم الأكبر من أجل أغراضها السياسية والعسكرية! # لم يكن أمرا غريبا أن يبدأ السادات اتصالاته الأولى مع الاتحاد ~~السوفييتي فور تسلمه منصب الرئيس بطرح قضية توريد السلاح. حدث ذلك ~~في اللقاء الأول مع الوفد السوفييتي الذي جاء للمشاركة في جنازة ~~ناصر برئاسة ألكسي كوسيجين. وقد جاء طرح الموضوع على النحو التالي ~~تقريبا؛ إن الاتحاد السوفييتي لا يرغب لأسباب ما ms114 في توريد السلاح ~~لمصر، بمعني تسليح مصر لتكون على نفس المستوى مع إسرائيل. بعبارة ~~أخرى، فالولايات المتحدة تمد إسرائيل بالسلاح على نحو جيد، بينما ~~لا يقوم الاتحاد السوفييتي بإمداد مصر بالسلاح على نحو كاف. وفي ~~هذا السياق، لم يتطرق السادات بطبيعة الحال للحديث عن المستوى ~~المنخفض للإعداد الفني للكوادر المصرية، وعن النقص الكبير في عدد ~~الطيارين، وإنما راح يطالب طوال الوقت بالطائرات، الطائرات ثم ~~الطائرات، وخاصة الطائرات المتطورة، بل وحتى طائرات التجارب والتي ~~تحتاج إلى خبرة. # وقد تناول أول لقاء عملي لي مع السادات بعد وصولي إلى القاهرة ~~باعتباري السفير السوفييتي الجديد، تناول أيضا مسألة توريد السلاح. ~~دعاني السادات لمقابلته وسلمني طلبا «عاجلا» بخصوص طلبات ~~التوريد، على الرغم من أن الموقف آنذاك لم يكن يستدعي ~~السرعة. # هكذا بدأت اتصالاتي بالسادات. جدير بالذكر أن الأمر لم يقتصر على ~~مجرد لقاء واحد، وإنما تجاوزه إلى ما لا يقل عن مائتي لقاء بالمعنى ~~الحرفي للكلمة، آنذاك لم يكن السادات يدرك معنى مسألة توريد ~~السلاح. كان يطرح نفس السؤال حتى بعد أن كنا قد انتهينا للتو من ~~عقد اتفاقيات جديدة بشأن شتى الموضوعات. أما مسألة توريد السلاح ~~فقد كانت تسير على أفضل ما يمكن. # لقد اختار السادات التسليح موضوعا رئيسيا في مباحثاته مع ~~القادة السوفييت. وكان هذا الموضوع ضروريا له لأنه كان يستطيع ~~دائما أن يعبر من خلاله عن سخطه على الاتحاد السوفييتي، وما دام ~~هناك سخط فإن هذا يعني أن هناك ما يبرر اتخاذه لأي خطوات عدائية ~~تجاه الاتحاد السوفييتي. وما أكثر هذه الخطوات التي اتخذها في هذا ~~الاتجاه. # أما إذا سارت أمور التوريدات العسكرية على خير ما يرام، فإن ~~السادات كان يبتدع على الفور مبررات جديدة. على سبيل المثال، إذا ~~شاع خبر مفاده أن الاتحاد السوفييتي امتلك سلاحا جديدا، فإن ~~السادات سرعان ما يطلب الحصول على هذا السلاح، مقتبسا الخبر ~~المنشور في أي مجلة أجنبية كانت باعتباره مصدرا لمعلوماته، بل حدث ~~أن طلب السادات ذات مرة .. قنبلة ذرية. ويبدو أنه لم يعد ms115 هناك ما ~~يطلبه أكثر من ذلك. # كنت في ضيافة السادات في تلك الليلة. استقبلني في قاعة الاستقبال ~~بالدور الثاني، حيث مسكنه الخاص إذا جاز التعبير. وبعد أن تحدثنا ~~في الموضوع الرئيسي، بدأ السادات في الحديث عن زيارته التي قام بها ~~منذ فترة قريبة إلى ليبيا، وراح يتذكر هذا الأثر المنعش الذي «أعاد ~~إليه شبابه» من جراء اللقاءات التي تمت بينه وبين الزعيم الليبي العقيد القذافي وما إلى ذلك. ذكر السادات أن القذافي لديه الكثير ~~من المال، وأن ليبيا دولة غنية ولديها نفط بكميات هائلة، وأنها على ~~استعداد لمساعدة مصر، وهلم جرا. ثم عاد من جديد للحديث عن صفقات ~~السلاح، ثم سألني بشكل غير مباشر على أي نحو يمكن أن يتعامل ~~الاتحاد السوفييتي مع مطلب مصر إمدادها بالتكنولوجيا اللازمة لإنتاج ~~قنبلة ذرية. لم يطلب السادات أن يبيع له السوفييت قنبلة ، على الرغم ~~من أنه كان على استعداد لشرائها لو عرضت عليه، واقتصر الحديث حول ~~نقل بعض التكنولوجيا فحسب، وليس نقلها كاملة، وإنما جزء منها. ~~وافترض السادات أن ينقل الاتحاد السوفييتي لمصر نفس الحجم الذي ~~نقله في حينه للصين، والذي على أساسه استطاعت الصين أن تصنع ~~قنبلتها الذرية. وفي سياق ذلك راح السادات يؤكد - بالطبع - أنه لن ~~يستخدم هذه القنبلة إلا إذا بدأت إسرائيل باستخدام سلاحها الذري ~~أولا. وأضاف أنه وفقا لمعلومات المخابرات المصرية فإن إسرائيل، ~~كما يبدو، تمتلك إمكانات صناعة قنبلتها الذرية، بل إنها تمتلكها ~~بالفعل. بالطبع فقد رفضت طلب السادات على الفور بعد أن أشرت عليه ~~بألا يطرح هذا الموضوع مرة أخرى. # بعد أربع سنوات، عندما زار نيكسون مصر، جرى الإعلان عن عزم ~~الولايات المتحدة الأمريكية مساعدة مصر في بناء مفاعل ذري ذي قدرة ~~عالية. لم يكن هذا الإعلان بطبيعة الحال سوى خطوة سياسية من جانب ~~نيكسون تهدف إلى مزيد من ربط السادات، الذي كان يحاول باستماتة أن ~~يحصل على قنبلته الذرية، بالولايات المتحدة الأمريكية. كان واضحا ~~للعالم أجمع أن مصر ليست بحاجة إلى هذا المفاعل لأغراض الحصول على ~~الطاقة؛ ms116 فطاقة محطة القوى الكهرومائية في أسوان سوف تظل لزمن طويل ~~غير مستخدمة بكاملها. كان السادات يود بالطبع لو أنه «خدع» ~~الأمريكيين وحصل على إمكانية صنع سلاح ذري. # لم يكن السادات يتصور بطبيعة الحال ماذا يعني إنتاج قنبلة ذرية. ~~كان يعلم قليلا للغاية عن أية عمليات إنتاج على وجه العموم. وإذا ~~كان دخول معظم العرب فجأة إلى قرن تكنولوجي جديد يثير لديهم نوعا ~~من الصدمة النفسية، فإن ذلك يصدق أيضا بحق على علاقة السادات بهذا ~~العصر. # لقد جرى التعامل في بلادنا مع التصنيع واستخدام المعدات عبر ~~معاناة ومعايشة طويلة إذا جاز التعبير؛ ولذلك فقد تم استيعابها ~~على نحو صحيح. أما بالنسبة للعرب الذين ظلوا في مستوى منخفض من ~~التطور الثقافي، فقد انهالت على رءوسهم فجأة التقنيات والمعدات ~~الحديثة. ولم يكن باستطاعتهم الاعتياد عليها وفهمها، لماذا وكيف؟ ~~فمعظم السائقين في مصر لا يستطيعون إصلاح الأعطال، كل ما يستطيعون ~~فعله هو الضغط على البدلات فحسب. وهم يستخفون بالآلات استخفافهم ~~بالبشر والحمير. فإذا تعطل شيء في المعدة يرجعونه إلى إرادة الله: ~~«الله أعطى، الله أخذ.» يمكنهم التخلص من هذه المعدة بدلا من ~~البحث في أسباب تعطلها ثم إصلاحها. وفي الجيش - على سبيل المثال - ~~كان هذا الأمر مصيبة حقيقية، كم من الجهد بذله مستشارونا ليعلموا ~~العرب التعامل مع المعدات ويغرسوا فيهم الخبرات الضرورية ل «ثقافة» ~~التعامل مع الآلة. وكما يتعلم الأطفال تنظيف أسنانهم بانتظام، كان ~~البعض يرى أنه يمكن العيش دون تنظيف الأسنان. وفي هذا السياق يمكن ~~أن نحكي هذه الحكاية المعبرة لكي نضع تصورا عن السادات، وهي تتعلق ~~بإنتاج الطائرات في مصر. آنذاك تولى الألمان الغربيون مهمة بناء ~~مصنع لتجميع الطائرات، فأحضروا عددا من المعدات، وأغرقوا المصريين ~~بمختلف الوعود البراقة، وقاموا بتجميع طائرة أو اثنتين، وانتهى ~~الأمر عند ذلك؛ ففي مصر لا توجد قاعدة للمواد الخام لإنتاج مختلف ~~أنواع المعادن المطلوبة للطائرات، كما لا توجد صناعات كيميائية ~~متطورة وأخرى لإنتاج الأجهزة وغيرها، وغياب كثير جدا من المجالات ~~الضرورية للغاية لكي يكون لديك صناعة طائرات ms117 خاصة بك. ولما كان ~~السادات دائم التعبير عن سخطه على حالة توريد المعدات العسكرية من ~~الاتحاد السوفييتي، فقد أوحى له بعضهم بفكرة التخلص من التبعية ~~الأجنبية وامتلاك مصنع خاص لإنتاج الطائرات على بقايا المصنع الذي ~~لم يكتمل بناؤه. لم يكن هناك بطبيعة الحال سوى الاتحاد السوفييتي هو ~~من باستطاعته مساعدة مصر في هذا الأمر، سواء لأسباب سياسية، أو ~~لأسباب اقتصادية؛ ومن ثم فقد لجأ السادات إلينا. لقد كان الأمر ~~بالغ الصعوبة، وخاصة أن عددا من المجموعات المؤهلة من الخبراء ~~السوفييت قام بدراسة المسألة بدقة على الطبيعة وأعد المعلومات ~~الضرورية والبراهين من أجل اتخاذ القرار المناسب. كان الأمر يتطلب ~~بالطبع مزيدا من الوقت، لكن السادات أعرب عن استيائه البالغ من ~~عمل الخبراء السوفييت، دون أن يفهم لماذا يعملون على هذا النحو من ~~البطء. كانت إحدى حججه المفضلة عندما يشتكي إلي هي: «لقد قام ~~الاتحاد السوفييتي إبان الحرب العالمية الثانية بتطوير إنتاج ~~الطائرات في العراء تماما - في حقل - خلال بضعة أسابيع. لماذا لا ~~تستطيعون ليس فقط إقامة، وإنما حتى دراسة موضوع إنتاج طائرات خلال ~~أسبوع أو اثنين.» وعندما كنت أشرح له ما يتعلق بمثل هذا العمل من ~~ظروف، وأن من الضروري دراسة الأمر حتى قبل وضع تصور عن الإمكانات، ~~كان السادات يقاطعني نافد الصبر ليقول: «لا، الأمر يتوقف على اتخاذ ~~قرار سياسي، لو أنكم اتخذتم هذا القرار، لقمتم بإنتاج الطائرات ~~هنا.» ببساطة، كان السادات لا يثق في أن هذه الأمور غاية في ~~التعقيد، وأن أي إنتاج جديد يتطلب، حتى في الاتحاد السوفييتي نفسه، ~~جهودا ضخمة، على الرغم من أن لدينا عمليا كل شيء لازم لذلك؛ ~~قاعدة للمواد الخام وصناعة جبارة، وكذلك، وهو أمر على قدر كبير من ~~الأهمية، كوادر جيدة الإعداد، وهو ما لا تمتلك مصر منه شيئا في ~~الواقع. # وفي هذا السياق، طلب السادات الإعداد لإنتاج ذلك الطراز من ~~الطائرات التي كان الاتحاد السوفييتي قد انتهى من استيعابها لتوه، ~~وهي طائرات الميج-23! وقد رد السوفييت على طلبه بأن استيعاب إنتاج ~~الطائرة ms118 الميج-21 قد تطلب من الهند على سبيل المثال سبع سنوات. ~~على أن السادات أصر على طلبه، فضلا عن أن عددا من «مستشاريه»، ~~الخبراء على شاكلته في المعدات والاقتصاد، عبئوه ضدنا، أما ~~الإنجليز والأمريكيون اليقظون فقد أوعزوا له بفكرة مفادها أنه يمكن ~~إنتاج هذه الطائرات في مصر بسرعة وبتكاليف غير باهظة نسبيا، بل ~~إنهم دفعوه إلى زيارة المصنع، حيث عرضوا عليه الطائرة التي لم يتم ~~استكمالها، والتي زعموا أنها تستطيع الطيران بضعف سرعة الصوت. ~~بعدها قال السادات لي: «ألم أقل لك إن باستطاعتنا بناء طائرات بهذه ~~السرعة، ولماذا لا يمكننا أن ننتج بمساعدة الاتحاد السوفييتي طائرات ~~يمكنها الطيران أسرع ضعفين أو ثلاثة؟ الأمر يتوقف على السياسة، ~~أنتم لا تريدون مساعدتنا مساعدة حقيقية، دائما ما تكتفون بإمدادنا ~~بشحنات شحيحة. تريدون أن نظل دائما أدنى من إسرائيل بدرجة ... وهلم ~~جرا.» # عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي اجتماعا مهما ~~شارك فيه عدد من المصممين والمنتجين البارزين، وكنت من بين الحضور ~~أيضا. وفي هذا الاجتماع تم اتخاذ قرار تقديم مساعدة لإقامة صناعة ~~الطائرات مع إعطاء قرض وتدريب الكوادر وما إلى ذلك. وفي هذا الصدد ~~يستطيع المصنع البدء بجمع الطائرات فقط من الأجزاء التي يتم جلبها ~~من الاتحاد السوفييتي. وقد تم إعداد خطة شديدة الصعوبة بالنسبة لنا ~~وضعت في الاعتبار إنتاج أول طائرات مجمعة في مصر من طراز ميج-21 ~~خلال عام (!) من بدء العمل. # وعندما أبلغنا السادات بذلك رفض ورأى أن هذا الطراز لا يناسبه ~~لأنه أصبح قديما، كما لم يعجبه زمن الإنتاج؛ لأن الإنجليز وعدوه ~~ببدء إنتاج طائراتهم خلال ستة أشهر! لم يوافق السادات على مقترحنا، ~~وبالطبع لم تكن هناك إمكانية لقبوله مقترحاتنا الأخرى، ومن ثم ظل ~~المصنع عاطلا عن العمل. ولو أن السادات وافق على اقتراحنا؛ ~~لاستطاعت مصر بحلول حرب أكتوبر 1973م - بعد عامين - امتلاك قاذفاتها ~~الخاصة من طراز ميج-21، ولوضعت أساسا لصناعة حديثة للطائرات، ~~ولأصبح بمقدور هذا المصنع التفكير في الانتقال إلى طراز آخر من ~~الطائرات. # في كثير من هذه الأحوال، التي كان ms119 الحديث يدور فيها بيني وبين ~~السادات في أي من القضايا المرتبطة بالاقتصاد أو التكنولوجيا، كان ~~عزيز صدقي ينصحني بألا أحاول أن أشرح للسادات هذه القضايا، وخصوصا ~~إذا كان النقاش سيؤدي إلى نتيجة يرى السادات أنها غير مرضية له، ~~وطلب مني أن أخبره عندئذ بكل ما يتعلق بالأمر، وقال لي إنه سيجد ~~الوسيلة والطريقة المناسبة ليعرض المسألة على السادات بحيث يتجنب ~~إثارة أي رد فعل سلبي سريع من جانبه لسنا بحاجة إليه، وطلب أن أبلغ ~~السادات في هذه الأحوال أن هذه القضايا سوف يتم عرضها على صدقي ~~الذي سيقوم بدراستها. # وحتى في الأمور العسكرية كان كثيرا ما يغلب عليها الارتباك؛ ~~وذلك لأن السادات كان يعتبر نفسه خبيرا في شئونها؛ فعلى سبيل ~~المثال، طلب السادات، إبان حرب أكتوبر، أن يرسل الاتحاد السوفييتي ~~لمصر دبابات من طراز تي-61 الثقيلة بالطائرات، كما طلب إرسال ~~الجسور العائمة بالطائرات! # كثيرا ما راح المقربون إليه يخدعونه ويدسون له معلومات خاطئة ~~حول وضع الإمدادات العسكرية، وكثيرا ما راحوا «يؤكدون» له أن قطع ~~الغيار العسكرية غير كافية لدى مصر، على الرغم من أنها كانت ضخمة ~~إلى حد أنه كان من الصعب أحيانا تخزينها. كانوا يقترحون عليه ~~التقدم بطلبات للحصول على معدات عسكرية تتجاوز الإنتاج السنوي لها ~~في بلادنا؛ أي إنهم كانوا ببساطة جهلة لا يفقهون شيئا. أما ~~السادات فراح، مذعنا لهم، يكرر ما يقولونه في اللقاءات التي كانت ~~تتم على أعلى مستوى، وعندما يقابل بالرفض، يرفض تصديق ما يقدم له ~~من مبررات، معتقدا أن في ذلك إهانة له، وأنهم لا يثقون فيه. # عموما فقد كانت قضية الثقة إلى جانب قضايا توريد المعدات ~~العسكرية تشكل الموضوع الرئيسي في أحاديث السادات معي، ودائما ما ~~كان يتناول في كل لقاء يجمعني به قضية التوريدات العسكرية، وكذلك ~~اتخذ موضوع زعمه أنهم في الاتحاد السوفييتي لا يثقون فيه مكانة ~~بارزة في أحاديثنا. ويصعب القول هنا ما الذي كان يعنيه تماما ~~بذلك؛ فقد كان هو نفسه يعرف تماما أننا نعلم بعض الشيء، إن لم نكن ms120 ~~نعلم كثيرا، عما يدور في ذهنه بالنسبة لعلاقته بالاتحاد السوفييتي، ~~وعن خطواته التي يتخذها تجاه الأمريكيين، وأخيرا عن تصرفاته غير ~~اللائقة تجاه الزعماء السوفييت. وكان هو يدرك بالطبع أن أحدا في ~~مثل هذه الظروف لا يمكنه الآن أو في المستقبل أن يوليه ثقته. وعلى ~~أية حال، إذا كانت هناك أزمة ثقة في هذا النوع من العلاقات، فإنها ~~لم تكن بطبيعة الحال على هذا النحو الدراماتيكي الذي كان السادات ~~يحاول طول الوقت أن يصورها عليه. # كان السادات نفسه يدرك أنه ليس مخلصا في علاقته بالاتحاد ~~السوفييتي، وفي هذا الظرف تحديدا كان دائم الشكوى كونهم في الاتحاد ~~السوفييتي لا يثقون فيه، مستندا إلى أن الاتحاد السوفييتي سوف يرد ~~على طلباته بطبيعة الحال بالرفض، وهو ما كان يسعي إليه فحسب. يرى ~~السادات أنه سوف يتلقى «تأكيدا» أنهم «يثقون» فيه، وهو ما يعني ~~أنه يستطيع مرة أخرى أن يتهمنا بأننا لا نثق فيه. يبدو الأمر ~~غريبا، لكن هذا هو المنطق الخاص بسلوكه الذي يعرف، إذا جاز ~~التعبير، باسم «المنطق الشرقي». # وبالإضافة إلى ذلك، كان هذا الرجل الشكاك متآمرا بطبعه. وقد ~~كان السادات يظهر هذه السمة فيه كاملة تجاه الاتحاد السوفييتي، ولم ~~يكن يتصور أن الاتحاد السوفييتي يمكنه أن يفي بشرف بالتزاماته مهما ~~كانت صعوبتها عليه. لم يكن ليثق أن الاتحاد السوفييتي لن يلجأ ~~«للتآمر» مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذا ما وعدته بسرعة حلول ~~عصر عدم المواجهة معه. لم يكن يصدقنا في شيء. لم يكن السادات نفسه ~~يثق في، فضلا عن أن يصدقني، مؤكدا على شكوك الاتحاد السوفييتي ~~تجاهه هو. # كان سعيدا دون شك أن وفدا سوفييتيا جاء لتمثيل بلادنا في ~~جنازة ناصر، وأن الاتحاد السوفييتي فعليا أيده عندما حسمت قضية ~~من هو رئيس مصر. في تلك الأيام كان الرئيس صريحا وأعلن صداقته ~~علنا أمام الجميع. وبالمناسبة فقد أعرب في نفس هذه الفترة عن ~~رضائه التام لتعييني سفيرا لدى القاهرة، وأسرع مؤكدا على رغبته في ~~مقابلتي مرة كل أسبوع على الأقل على نحو منتظم «أيام ms121 الإثنين» (!). ~~في تلك المناسبة لم يبتعد السادات دقيقة واحدة عن ألكسي كوسيجين ~~إبان الجنازة، متأبطا ذراعه أثناء سيرهما في الصف الأول للمشاركين ~~في مراسم العزاء. # وها هو يقوم بزيارته الأولى إلى موسكو في مطلع أبريل 1971م، والتي ~~عرفت باسم «الزيارة السرية». وهذه الزيارة تستحق أن نتحدث عنها ~~تفصيلا؛ إذ حددت شكل علاقة السادات بالاتحاد السوفييتي. # بحلول ربيع عام 1971م، أصبح السادات أكثر إلحاحا في طلب السلاح، ~~فضلا عن أنه كان دائما ما يصف الوضع العسكري للجيش المصري بشكل ~~سلبي، فكان يقول إنه لا يملك كذا وكذا، وإنه ليس لديه قطع غيار، ~~وهلم جرا. كان كل شيء يبدو وكأن ناصرا خلف وراءه جيشا غير ~~مجهز، وهو أمر لا يتفق بالطبع والواقع. لقد جرت المبالغة في هذا ~~الأمر، الذي وجد مناخا مهيأ له بشكل جيد؛ إذ كان السادات قد قرر ~~أن يجعل من هذا الأمر قضيته الأساسية في علاقاته بالاتحاد ~~السوفييتي، ومن أجل أن يمارس ضغطا أكبر، ويضفي على الموقف وضعا ~~دراميا، إذا جاز التعبير. توجه إلينا بطلب استضافته في موسكو في ~~«زيارة سرية». لا أعرف لماذا كان بحاجة إلى زيارة سرية، ربما لتصبح ~~«زيارته السرية» معادلا للزيارة السرية التي قام بها ناصر إلى ~~الاتحاد السوفييتي في فبراير عام 1970م، وهي الزيارة التي أسفرت عن ~~حصول مصر بالفعل على منصات صواريخ مضادة للطائرات. آنذاك نجح ناصر ~~بصعوبة بالغة في الحصول على هذه المنصات، لكن الأكثر صعوبة كان ~~إقناع القيادة السوفييتية بإرسال أطقم سوفييتية لفترة مؤقتة إلى مصر ~~للعمل على منصات الصواريخ المضادة للطائرات، والتي كان من الضرورة ~~بمكان أن تكون موجودة على الجبهة لحين إعداد الصفقات التي تعاقدت ~~عليها مصر مع الاتحاد السوفييتي. # تمت الموافقة على قيام السادات بهذه الرحلة «السرية». ومن جانبنا ~~اتخذت كل الإجراءات لكي تكون الزيارة ذات طابع «سري» بالفعل (على ~~أنه بعد شهر أو شهرين اتضح أن السادات قد أضر الجميع بهذه «الزيارة ~~السرية»). # أرسلنا إلى مصر طائرة من طائرات شركة أيروفلوت السوفييتية بناء ~~على طلب السادات هبطت ms122 في مطار غرب القاهرة الحربي. كان موعد ~~الإقلاع محددا له الخامسة صباحا. وقد وصل السادات في سيارة ~~يقودها سامي شرف، وعلى المقعد الخلفي جلس محمد فوزي وزير الحربية ~~وإلى جواره شعراوي جمعة. كانت هيئة السادات هزلية تماما ومزرية. ~~كان يرتدي بالطو خفيفا وقبعة لم يعتد ارتداءها إطلاقا، وكان يضع، ~~علاوة على ذلك، نظارة سوداء. ومثله كان كل من سامي شرف وشعراوي ~~جمعة يضعان نظارات سوداء أيضا حتى لا يعرفا، كما أخبرني بذلك ~~سامي شرف همسا. # جرى قطر الطائرة لتقف في مكان بعيد مخفي عن الأنظار الفضولية ~~وراء تلال ما. وبالطبع لم يفكر أحد في «أمور بسيطة» مثل كيفية ~~الصعود إلى الطائرة في مطار حربي لا توجد به سلالم لصعود الركاب، ~~ومن ثم فقد جرى إعداد ما يشبه السلم من عدد من الصناديق حتى لم ~~يتبق إلى باب الطائرة سوى أربعين سنتيمترا، وهنا اضطروا لمساعدة ~~الرئيس بجذبه إلى الطائرة. كان الوضع بصراحة مضحكا ومؤسفا في ~~الوقت ذاته؛ فما الداعي لكل هذه التصرفات الصبيانية؟ # بعدما حلقت الطائرة في الجو طلب السادات إفطارا، وهنا اتضح أن ~~أحدا لم يحضر له جبنه المفضل ولا حتى اللبن، واضطر الحضور لمشاركة ~~طاقم الضيافة كل ما كان لديهم على الطائرة من طعام مثل بالكاد ~~إفطارا لائقا أخلد السادات بعده إلى النوم. # في الثالثة ظهرا وصلت الطائرة إلى موسكو ومنها اتجه الجميع إلى ~~الكرملين دون مراسم استقبال رسمية، وهناك بدأت المباحثات، التي ~~يتطلب الأمر وقتا وجهدا كبيرين لوصف ما جرى خلالها. باختصار، كان ~~السادات منحرف المزاج. لم يكن يستجيب لأي نوع من الدعابة. كان سريع ~~الانفعال لأتفه سبب. لم يكن هناك شيء صالح يقال حول عزمه ~~التمسك بشعاره حول كون عام 1971م سيكون عام «الحسم» في الصراع ~~الدائر في الشرق الأوسط، وعموما عما تعنيه تحديدا عبارة «عام ~~الحسم» هذه. راح يتحدث عن استحالة تحمل الوضع، وطلب إمداده بأحدث ~~الأسلحة لشن ضربات في عمق إسرائيل، ومع هذا لم تكن لديه أي خطط ~~جادة في هذا الصدد. لم يكن لديه ms123 سوى التأكيد على أن أي خطط عسكرية ~~هي أمر سهل ما دام قد تم اتخاذ «القرار السياسي»، وهلم جرا. وقد ~~كان على القادة السوفييت أن يديروا الحوار بحذر بالغ والتوجه بدفته ~~نحو الجانب العملي. # وفي النهاية بدا أن الأمر قد تم حسمه. وافق الجانب السوفييتي على ~~إرسال قاذفات تو-16 إلى مصر بأطقم سوفييتية، على أن تكون، بطبيعة ~~الحال، بقيادة سوفييتية. وهذا الشرط، الذي هو منطقي بكل المقاييس، ~~أثار ثورة غضب عارمة لدى السادات لسبب ما، وليرفض بشكل قاطع قبول ~~هذه القاذفات. وقد حاولوا أن يشرحوا له أن كل العسكريين السوفييت في ~~مصر يعملون تحت القيادة السوفييتية وليسوا جنودا مصريين، كما أنهم ~~ليسوا مرتزقة أو متطوعين. لكن السادات سد أذنيه عن كل ذلك، وأعلن ~~أنه سيعود على الفور من الكرملين إلى القاهرة مباشرة، وأنه يرفض ~~قبول الدعوة على طعام الغداء الودي، وسوف يتناول طعامه في الطائرة، ~~وهلم جرا. كان يعلن بشكل واضح عن إحساسه بالإهانة، وهي شيء، أقولها بصراحة، لا مبرر له، وأمر لم يفهم سره أغلبية الحضور. عض ~~السادات غليونه، وبدا أنهم نجحوا على أية حال في إقناعه بالكاد ~~بتناول طعام الغداء بصحبة القادة السوفييت. وقد لطف الطعام بعض ~~الشيء من مزاجه، ولكن ظاهريا فحسب. راح مراد غالب السفير المصري، ~~الذي كان يجلس إلى جواري، يضرب كفا بكف ويسأل: «فلاديمير! ما الذي ~~يحدث؟ وما الذي أغاظه؟ كيف يمكن التصرف على هذا النحو؟» لقد رأى ~~غالب في حياته الكثير، ولكنه لم ير مثل ذلك. # وبالفعل اضطررنا للسفر من الكرملين مباشرة بالفعل عائدين إلى ~~القاهرة. وبعد الفضيحة التي أثرتها ضد أيروفلوت لسوء إعدادها ~~للطعام في الرحلة من القاهرة إلى موسكو، تم إعداد كل شيء إبان رحلة ~~العودة على أعلى مستوى. وبالطبع فقد كنت قد قررت أن أحاول استيضاح ~~ولو قدر ضئيل من الأسباب التي دفعت السادات إلى أن يستشيط غضبا، ~~وما الذي جعله يفسد الخطط الممتازة بالنسبة له لتنتهي المباحثات ~~على هذا النحو وقد كانت مبشرة له. # ما إن دخل السادات إلى ms124 صالون الطائرة حتى عاد إلى طبيعته. بعدها ~~اقترب مني كل من شعراوي جمعة ومحمد فوزي وراحا من جديد يتأكدان ما ~~إذا كان السادات قد رفض بالفعل قبول قاذفات القنابل، وعلى الرغم من ~~أن كليهما ألحا أمامي على ضرورة إرسال الاتحاد السوفييتي ~~للقاذفات، فقد حاولا تصوير الأمر كما لو أنه قد انتهى بالاتفاق على ~~إرسالها. كنت مضطرا أن أبدد آمالهما وأن أذكرهما أن الرئيس لن ~~يقبل القاذفات كما أعلن ذلك بنفسه على نحو قاطع. # بعد برهة من الوقت دعا السادات الجميع إليه في صالون الطائرة لكي ~~نتناول معا طعام العشاء. كانت لديه، كما كانت لدي، الرغبة في ~~التحدث من أجل أن يتضح الموقف بعض الشيء. ولما كان الموقف يسوده ~~التوتر فقد اقترحت أن نشرب بعض الفودكا حتى نضفي بعضا من الانتعاش ~~بطبيعة الحال. # بعد طعام طيب صاحبه بعض الخمر نجحنا في إدارة حديث تطرقنا فيه ~~إلى نتائج الزيارة. وهنا عاد السادات من جديد ليؤكد أنه لن يتحول ~~عن رأيه، ولن يوافق إطلاقا على وجود عسكريين سوفييت في مصر لا ~~ينصاعون له، وإذا كان ناصر قد قبل ذلك سابقا، فإن ذلك كان صفحة من ~~الماضي وطويت. # وبعد أن شرب كمية غير قليلة التفت إلي فجأة قائلا كلاما ~~منقطع الصلة بحديثنا، قائلا: «لقد ذهبت إليهم! ذهبت بوصفي رئيسا! ~~ما زلت أذكر جيدا كيف كنت بصحبة ناصر ذات مرة في موسكو، وكنت ~~أشغل آنذاك منصب نائب الرئيس. آنذاك وعلى مائدة الإفطار في ~~الكرملين بدأ زعماؤكم يسألون ناصرا على نحو استعراضي عن الشخص ~~الثاني بعد الرئيس في مصر، وكنت أجلس في هذه اللحظة إلى جانب ~~الرئيس، ولم يستطيعوا معرفة أنني أنا الشخص الثاني. والآن ذهبت ~~إليهم باعتباري الشخص الأول، باعتباري الرئيس!» كم من الإحساس ~~بالضيم في هذه الكلمات! لقد انطلقت الكلمات من أعماقه، الكلمات ~~التي كان يشعر أنه لا بد أن يخبرني بها. ها هو يعلن انتصاره بعد أن ~~أصبح رئيسا، كما يعلن كراهيته أيضا للزعماء السوفييت، ويرد لهم ما ~~توهم آنذاك أنها إهانة اتخذها ms125 ذريعة لما فعله إبان ~~المباحثات. # حاولت بكل قوتي بطبيعة الحال أن أقنع السادات أن الأمر لم يكن ~~كذلك، لكن جهودي ذهبت سدي. راح يكرر ويكرر ضاحكا وقد وجه ناظريه ~~إلى نقطة محددة هناك في الفضاء وهو يقول: «ها قد جئت إليكم.» منذ ~~هذه الرحلة تولد لدى السادات إيمان عميق بأنهم في موسكو «لا ~~يثقون فيه». # لقد حددت تصرفات السادات في موسكو بالطبع علاقاته بالناصريين، ~~وخاصة أن هؤلاء كانت توجهاتهم تتركز في جر الاتحاد السوفييتي قدر ~~الإمكان أكثر فأكثر إلى قضية الشرق الأوسط، ولو كان الثمن في ذلك ~~وقوع مواجهة بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية. بينما كان ~~السادات يسير بخطى حثيثة نحو التخلص من الإرث الناصري. وفي عام 1971م ~~وقعت أحداث مايو الشهيرة التي عكست أيضا علاقة السادات بالاتحاد ~~السوفييتي. # ليس لدي أدنى شك، على سبيل المثال، وإن كنت لا أملك أدلة مباشرة ~~على ذلك، أن إحدى نتائج هذا العمل من جانب السادات كان الإساءة إلى ~~سمعة الاتحاد السوفييتي، بزعم أنه يقف وراء «المتآمرين». ما الذي ~~يمكن قوله في هذا الصدد؟ # لم يكن عبثا أن السادات أرسل شعراوي جمعة أيضا إلى موسكو في ~~«زيارة سرية»، كما أرسل وفدا لحضور المؤتمر الرابع والعشرين للحزب ~~الشيوعي السوفييتي يضم في عضويته كلا من عبد المحسن أبو النور، ~~الأمين الأول للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي؛ وسامي شرف. ~~وقد أصر على أن يستقبلهما ليونيد بريجنيف في «سرية» تامة. كانت ~~القضايا التي طرحها جمعة وشرف هي نفس القضايا الخاصة بالحصول على ~~قاذفات قنابل بعيدة المدى من أجل توجيه ضربات في عمق إسرائيل. كان ~~الهدف من هذه الزيارات عنده هو خلق انطباع عن وجود صلات دائمة بين ~~موسكو وعدد من المقربين إليه. وكما هو معروف فقد تم اعتقال كل هذه ~~الشخصيات، إلى جانب آخرين، في منتصف شهر مايو، وحكم عليهم بالإعدام ~~شنقا، ثم استبدل بالحكم الأشغال الشاقة لمدة خمسة وعشرين ~~عاما. # لسبب أو لآخر تحضرني هنا واقعة أخرى ينبغي علي أن أذكرها بكل ~~تفاصيلها. بعدما سلمت الرئيس السادات ms126 أوراق اعتمادي، وإبان حديثي ~~معه باعتباري سفيرا للاتحاد السوفييتي، ذكرته برغبته في عقد ~~لقاءات أسبوعية معي، وأشرت إلى أن القيادة السوفييتية تشاركه هذه ~~الرغبة، ومن ثم فإنني على استعداد دائما لعقد هذه اللقاءات، وإنني ~~في انتظار تعليمات الرئيس. في الواقع لم أستمع لأي رد من السادات ~~على هذا الحوار. وقد عدت للتطرق إلى هذا الموضوع بصورة أخرى بعد ~~فترة من الزمن لعلمي بأنهم في موسكو ينتظرون هذه اللقاءات بعد أن ~~أبلغ ألكسي كوسيجين المكتب السياسي بهذا الاتفاق الذي تم بيني وبين ~~السادات. لكن السادات لم يرد أيضا في هذه المرة، وعندئذ قررت ~~ألا أزعجه. # بعد عدة أيام دعاني سامي شرف الذي كان آنذاك الرئيس الفعلي ~~للمخابرات العامة والحربية، وأخبرني بأنه على علم بالفكرة التي ~~طرحها علي السادات بشأن اللقاء مع السفير السوفييتي أسبوعيا، ~~ولكن الرئيس فوضه أن يعرفني ببعض القضايا، وأن يحيطني علما ببعض ~~المشكلات ، إذا جاز التعبير، قبل أن تبدأ هذه اللقاءات. # وبعد ذلك ذكر لي سامي شرف أن الرئيس ناصر قبيل وفاته بفترة قصيرة ~~دعا إليه السادات وسامي شرف وشعراوي جمعة ومحمد فوزي، وقال لهم إن ~~هذه المجموعة منوط بها إدارة الدولة في حالة وقوع أي ظروف طارئة، ~~وإنهم جميعا مكلفون بالاهتمام بتوطيد أواصر الصداقة مع الاتحاد ~~السوفييتي باعتباره الحلقة الرئيسية لكل العلاقات السياسية الخارجية ~~للبلاد. وأردف سامي شرف قائلا إن هذه المجموعة تمسك بقوة بزمام ~~السلطة، وراح يحكي عن أن لديه معلومات حصل عليها من التنصت على كثير ~~من المصريين، وأن هناك أياد كثيرة داخل مصر تود لو أطبقت على ~~رقبته (سامي شرف). كل ذلك أثارني. كانت هذه «الصراحة» غير مفهومة ~~في بعض من جوانبها بالنسبة لي، والأمر الأساسي الذي لم أفهمه هو ~~لماذا وجب عليه أن يخبرني بكل ذلك. خيل إلي آنذاك أن هؤلاء ~~الناس يغالون ببساطة في قيمة أنفسهم. # تكررت هذه الأحاديث مع سامي شرف ثلاث أو أربع مرات. كانت نوعا ~~من المحاضرات، إذا جاز التعبير. أما اللقاءات مع السادات فلم تتم ~~على أية حال. ms127 وأخيرا، عندما حان موعد اللقاء الأول، نجحت في أن ~~ألفت انتباه السادات أنني مواظب على الاستماع إلى محاضرات سامي شرف ~~بكل اجتهاد، فقال لي إنه يعرف ذلك. # تأزم الوضع في البلاد، وبات واضحا للعيان الخلاف القائم بين ~~السادات وبين من حوله من الناصريين. وقد أثار هذا الوضع قلقي؛ لأن ~~السادات توقف عن أن يلتقي بي من جهة، ولأن شخصيات حكومية أخرى راحت ~~تدعوني لتبادل الحديث معها. لم يكن بوسعي أن أتحاشى هذه اللقاءات ~~لأنها كانت لقاءات عمل. لكن تفاصيلها كلها كانت كما لو أنها تصب في ~~خانة معارضة الرئيس. كان علي أن أبذل جهودا مضنية لكي أحظى بلقاء ~~جديد مع السادات. كان اللقاء يتطلب بطبيعة الحال أن يقع أمر جلل، ~~وفور لقائي به طرحت على الرئيس سؤالا مباشرا حول من هم أفضل ~~أصدقائه الذين باستطاعتي أن أتحدث معهم بصراحة كما أتحدث مع ~~الرئيس؟ # نظر إلي السادات باهتمام، وقال إن أفضل أصدقائه هم شعراوي جمعة ~~ومحمد فوزي وسامي شرف. # في الحادي عشر من مايو ولدى مقابلتي مع السادات، عندما كان ثمة ~~شعور بأن أمرا ما، كما يقولون، يلوح في الأفق، وبسبب هذا الأمر ~~الوشيك، عدت من جديد لأطرح على الرئيس سؤالي حول من هم أقرب ~~أصدقائه الذين أستطيع أن أتحدث معهم بصراحة وكأني أتحدث مع الرئيس. ~~عاد السادات ليردد على مسامعي أسماء جمعة وفوزي وسامي شرف، على أن ~~هذه المرة سألني لماذا أكرر عليه هذا السؤال. أجبته أنني أريد أن ~~أكون واثقا وحذرا، فضلا عن أن عدد المقربين من السادات، كما بات ~~معروفا، راح يتناقص، فقال لي السادات إنه لا يخشي من شيء. # وبعد يومين، وفي الثالث عشر من مايو، اعتقل السادات جمعة وفوزي ~~وسامي شرف وغيرهم من الناصريين بتهمة الخيانة! # في صيف ذلك العام، التقيت صدفة بالصحفي الشهير محمد حسنين هيكل، ~~الذي كان يبدو أنه لا يخفى عليه سر من أسرار الدولة. وكانت قد سرت ~~معلومات في هذه الفترة تزعم أن سامي شرف أرسل من السجن خطابات إلى ~~السادات ضمنها ms128 اعترافات تؤكد على أن الذي حرضه على الرئيس هم ~~محمود رياض وزير الخارجية والسفير السوفييتي وكبير المستشارين ~~العسكريين السوفييت! أعربت عن استيائي لهيكل وأخبرته عن تصرفاتي ~~عشية هذه الأحداث الدراماتيكية. اهتم هيكل بحديثي، واقترح علي أن ~~أستمع لديه إلى شريط مسجل عليه حديث لي مع سامي شرف في التاسع من ~~مايو، وهو اللقاء الأخير لي مع سامي شرف، وكنت قد أعطيته إبان هذا ~~اللقاء صورا فوتوغرافية التقطت له في المؤتمر الرابع والعشرين ~~للحزب الشيوعي السوفييتي عند لقائه بليونيد بريجينيف. ذكرت هيكل ~~بأنني حكيت للسادات عن هذا اللقاء، ولكنني كنت أشك فيما إذا كان ~~هذا اللقاء قد تم تسجيله بالفعل. # تحدث هيكل عن مضمون الحديث الذي دار بيني وبين سامي شرف، وأشار ~~إلى أن الأخير أكد أنه لا يثق في تصرفات الرئيس تجاه الأمريكيين ~~وتجاههم هم أنفسهم، وأن سامي شرف قال: «لم نعد نعرف ما الذي سوف ~~يقدم عليه السادات بعد ساعة أو نصف ساعة.» وقد أكدت لهيكل أن هذا ~~ما قاله سامي شرف بالفعل. # أضاف هيكل قائلا: «وبعد ذلك سألك سامي شرف عما ينبغي عمله مع ~~الرئيس.» وبالفعل كان سامي شرف قد طرح علي هذا السؤال المستفز. ~~أذكر جيدا أنني كنت منتبها تماما. عندئذ سألت هيكل وكلي رغبة أن ~~أتيقن على نحو نهائي إذا كانت حكايته هذه حقيقية من عدمها، وما إذا ~~كانت كل أحاديثي مسجلة على شرائط. # قال هيكل: «قلت له ما يلي: هذا رئيسكم وعليكم الالتفاف حوله ~~وتأييده.» # صحيح. هذا ما قلته بالفعل. # واصل هيكل حديثه قائلا: «عندما استمع السادات إلى هذا المقطع من ~~التسجيل ضرب كفا بكف من الإحباط صائحا: أخ! لقد أفلت السفير ~~وكان على شفا هاوية!» # أدهشني هذا الرد للغاية، فسألت هيكل: «وماذا كان الرئيس يتوقع؟ ما ~~الذي كان يود أن يسمعه؟» # قال هيكل: «لا أعرف. لقد تولد لدي انطباع أنه كان يتوقع أن ~~يستمع منك إلى ما يدعم المتآمرين.» # صحت قائلا: «ولكن هذا لم يكن من الممكن أن يصدر عني.» # أجاب هيكل: «أنت على ms129 حق، لكن معرفتك بالسادات قليلة. لقد كان يود ~~أن يرى فيك متآمرا، عندئذ كان الأمر سيبدو له مفهوما، بالإضافة ~~إلى أن خطاب سامي شرف، على الرغم من عبثية ما به من اتهامات، قد ترك ~~أثرا في مكان ما من تفكير الرئيس.» # عندما أذعت فيما بعد هذه القصة بكلمات أخرى، مضيفا إليها، إذا ~~جاز التعبير، بعض التصرف. أدركت أن السادات كان بحاجة ماسة إلى ~~معلومات تسيء إلى سمعة الاتحاد السوفييتي. كان عليه أن يثبت بأي ~~وسيلة من الوسائل أن الاتحاد السوفييتي يقف ضده، بينما يقف وراء ~~«المتآمرين»، بحيث تصبح يداه مطلقة عندئذ للدخول في أي مناورات مع ~~الأمريكيين. # بعد اعتقال «المتآمرين» كان السادات حريصا بشكل واضح على بقاء ~~العلاقات مع الاتحاد السوفييتي فاترة، وكانت هذه الفترة تمثل بداية ~~اتصالاته مع الرئيس الأمريكي، وتقدم الأمريكيين النشط بطلب إبعاد ~~«الوجود السوفييتي» باعتباره «ثمنا» للخطوات الممكنة للولايات ~~المتحدة الأمريكية في مجال تسوية قضية الشرق الأوسط. # على أن الاتحاد السوفييتي كان قد قطع شوطا مهما في مسيرته ~~الدبلوماسية والسياسية الصحيحة. ولم يعد السادات هو قضيته، وإنما ~~مصير مصر - أكبر دولة عربية - ومصير شعبها، وما تم إنجازه من إصلاحات ~~تقدمية. كانت القوى الرجعية الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة ~~الأمريكية تترقب أن يصيب الضعف والوهن الاتحاد السوفييتي ~~بمصر. # بعد أحداث مايو، أكد لي السادات إبان أحاديثه معي على رغبته في ~~التشاور مع أحد الزعماء السوفييت، على أن تجرى المباحثات في ~~القاهرة، ولم يكن ذلك إلا بهدف التمويه على مخططاته. كان السادات ~~يعتمد، بشكل واضح، على أن الزعماء السوفييت، بعد الأحداث التي ~~اعتبرها العالم أعمالا عدائية للاتحاد السوفييتي، سوف يحجمون عن ~~الحضور إلى القاهرة انطلاقا من إحساسهم بالإهانة. لم يكن بمقدوري ~~بالطبع سوى أن أكتفي بأن أعده بنقل رغبته إلى موسكو، وفي هذا ~~السياق نوهت إلى أنه سيكون من الصعوبة بمكان، بطبيعة الحال، ~~اتخاذ قرار سريع في هذه القضية، وأن الأمر سيتطلب بعض الوقت ~~للتفكير. ولما كان السادات يتوقع أن موسكو لن ترد على طلبه على ~~الفور، بدأ ms130 في الحديث معي مبديا اقتناعه بصحة حساباتي، ثم قال ~~إنه لا مانع لديه من عقد معاهدة الصداقة التي كان ناصر قد طرحها، ~~وكان ناصر قد طلب آنذاك قبول مصر كما لو كانت إحدى دول معاهدة حلف ~~وارسو، وأن يتعامل الاتحاد السوفييتي مع مصر باعتبارها من الدول ~~الاشتراكية، وهنا أيضا كان السادات يعول على رفضنا. # لكن القرار الذي اتخذته موسكو جاء على عكس ما توقع السادات. لقد ~~جاء إلى القاهرة أندريه جروميكو ليبلغ السادات أن رغباته في عقد ~~معاهدة للصداقة والتعاون قد تمت الاستجابة لها! كانت ضربة للسادات ~~الذي لم يكن يتوقع مثل هذه الخطوة. في البداية بدأ في الحديث عن أن ~~من الأفضل الانتظار بعض الوقت، ولكنه حين أدرك أن مناوراته باتت ~~مكشوفة تظاهر وكأن «شيئا لم يحدث»، وطلب فسحة من الوقت للتشاور مع ~~رفاقه الجدد، ثم وافق. أذكر جيدا عندما رافقته بعد المباحثات ~~هبطنا بالمصعد الصغير أنا وهو بعد المقابلة مع الوفد السوفييتي. كان ~~السادات ممسكا بمشروع المعاهدة الذي تسلمه للتو، وكانت الوثيقة ~~مطوية على هيئة أنبوب. كانت عيناه تنظران إلى بعيد وكأنما تريان ~~شيئا لا نراه. لفت انتباهه إلى الوثيقة إذ كان من الممكن أن ~~يلتقي في الأسفل بالمراسلين، عندئذ سارع السادات على عجل بدسها في ~~جيبه الداخلي. # وعلى الرغم من أن المعاهدة قد تم عقدها بناء على طلب السادات، بل ~~وبإصرار منه في الواقع، فإن ذلك لم يمنعه من أن يعلن فيما بعد أن ~~المعاهدة فرضت عليه مقابل وعده بإرسال قاذفات بعيدة المدى! بل ~~تحدث على نحو مباشر قائلا: إن الروس يزعمون أنهم يخشون أن يلجأ ~~للأمريكيين؛ ولهذا قرروا أن يربطوه بهذه المعاهدة. حسنا، فليفسروا ~~الأمر كما يحلو لهم؛ فالمعاهدة مثلت على أية حال ضربة كبرى للخطط ~~الأمريكية للاستحواذ على مصر في عام 1971م. # قبيل نهاية عام 1971م تبين استحالة تزويد مصر بكل الطائرات من ~~طراز ميج-21 التي تم الاتفاق عليها وذلك لأسباب فنية، وعلى الفور ~~عاد السادات من جديد إلى النغمة القديمة حول عدم الثقة، واشتد ms131 أوار ~~الشك لديه، وراح يبحث كسابق عهده عن حجة لإضعاف العلاقات. وهنا جرت ~~وقائع عديدة تحمل طابعا استفزازيا تجاه العسكريين السوفييت، ~~وانتشرت الحملات الإعلامية وازدادت المماحكات فيما يتعلق بقضايا ~~العلاقات الاقتصادية وفي غيرها من القضايا. كانت حياتنا في مصر ~~يكتنفها دائما القلق والمخاوف، مما يتطلب اتخاذ الحيطة واليقظة ~~المستمرين؛ فكما نتوقع دائما استفزازات جديدة، كنا مضطرين طوال ~~الوقت إلى التفكير في كيفية تلافي ما يمكن اتخاذه ذريعة ضدنا، وفي ~~هذا الوقت كان عدد ما يمكن أن نسميهم بالجالية السوفييتية قد بلغ ما ~~يزيد على خمسة عشر ألف نسمة بما فيهم العسكريون. # في صيف عام 1972م، كان قرار السادات بالاستغناء عن خدمات الخبراء ~~العسكريين السوفييت، وقد تم اتخاذ قرار إجلائهم على وجه السرعة ~~بصورة مهينة بالنسبة لنا، وهو ما كان يتفق تماما وشخصية السادات. ~~يمكن التأكيد بشجاعة أن ناصرا لم يكن ليتخذ مثل هذا القرار ~~إطلاقا، وحتى إذا ما رأى في ذلك ضرورة ما، لفعله كما ينبغي بين ~~حليفين وليس بين خصمين. أما السادات فقد تعامل مع الأمر كما لو كنا ~~نحن الذين فرضنا العسكريين السوفييت على مصر قسرا، على الرغم من أن ~~السادات كان يعلم جيدا كم من الجهد بذله ناصر من أجل إقناع ~~الزعماء السوفييت باتخاذ قرار إرسال الخبراء العسكريين السوفييت إلى ~~مصر في فبراير عام 1970م. # حدد السادات أسبوعا واحدا لمغادرة الخبراء السوفييت وعائلاتهم. ~~أما الأمر الأكثر أهمية فتمثل بطبيعة الحال في الظروف التي اتخذ ~~فيها السادات هذا القرار، فضلا عن أن قراره، الذي أبلغني به ~~مباشرة، قد ألحق - بطبيعة الحال - ضررا بالغا بالعلاقات السوفييتية ~~المصرية. لقد أثبت السادات بذلك عمليا أنه لا يمكن الوثوق به بأي ~~حال من الأحوال! # في يونيو من عام 1971م توجه السادات إلى القيادة السوفييتية بعدد ~~من الأسئلة التي تمت صياغتها على نحو اتسم بالغموض والإبهام. على ~~أنه كان من الممكن رؤية المغزى المستفز وراء الضباب الذي اكتنف هذه ~~الأسئلة. كان السؤال تحديدا: كيف ينظر الاتحاد السوفييتي إلى ~~الموقف الذي يمكن أن يحدث ms132 بحلول الخريف، وإذا ما اندلعت العمليات ~~العسكرية في الشرق الأوسط، فإلى أي درجة يمكن الاعتماد على الاتحاد ~~السوفييتي، وبالإضافة إلى ذلك تضمنت الأسئلة طلبا ل «تعويض» مصر ~~بالأسلحة، وهلم جرا. لم تكن الأسئلة مصاغة بشكل محدد، ولم تحدد ~~موعدا عاجلا للرد عليها، ولكنها طرحت علينا عشية زيارة نيكسون ~~إلى الاتحاد السوفييتي، والأرجح أنها كانت تعول على إحراج الاتحاد ~~السوفييتي. # بدأ السادات يعبر عن اهتمامه بالأمر، فسألني عدة مرات ما إذا كنت ~~قد تلقيت ردا، وكنت في كل مرة أخبره بأنني سوف أبلغ الرئيس فورا ~~فور تلقي الرد. وقد تسنى لي أن أتأكد على نحو عابر بسبب عجلة ~~الرئيس بعد أن تبينت جوهر هذه الأسئلة. وأخيرا تسلمت ردا على ~~أسئلة الرئيس. بالطبع لم يكن الرد على النحو الذي كان السادات ~~يتوقعه. كان ذلك انطباعي بعد قراءتي الأولى له، وهو ما أخبرت به ~~رفاقي، لكنني كنت مكلفا على أية حال بإنجاز الأمر وإبلاغ ~~الرد. # قمت بزيارة السادات هذه المرة في قصر الطاهرة. كان يبدو مكتئبا. ~~قام المترجم بعرض مضمون الرد على الرئيس. كانت هناك بالطبع جوانب ~~لم يستطع تصورها، مثل ما ورد بشأن الحملة المعادية للسوفييت التي ~~يشنها الإعلام المصري، وعما تقوم به الدوائر الرجعية ضد المنظومة ~~التقدمية في مصر، وعن ضرورة دعم العلاقات عمليا وليس بمجرد ~~الأحاديث وما إلى ذلك. # استمع السادات إلى الرسالة دون أن يصدر عنه أي تعليق. وبعدما ~~انتهى العرض سألني على نحو لاذع: «أهذا كل ما في الأمر؟» شعرت على ~~الفور أن العاصفة تقترب، وحيث إن الرسالة لم تتعرض للنظر في طلباته ~~الخاصة بالتوريدات الجديدة للأسلحة، وإنما تعرضت لكونها رهن ~~الدراسة، فقد قررت أن أحيط الرئيس علما بآخر المعلومات لدي عن ~~التوريدات العسكرية والتي تشير إلى أن جزءا من طلباته قد تم ~~إنجازه، وأن الجزء الآخر في طريقه للإعداد، وأن الأمور تسير على ~~وجه العموم بصورة لا بأس بها في الواقع. # استمع السادات إلى ما قلته، ثم سألني مرة أخرى بنبرة جافة: «أهذا ~~كل ما في الأمر؟» ms133 كان هذا بالفعل كل ما في الأمر، وقد رددت ~~بالإيجاب قائلا إن هذا كل ما لدي للرئيس. # بعد فترة وجيزة من الصمت بدأ السادات في التحدث بشكل واضح وصارم. ~~طلب مني أن أبلغ موسكو أنه سوف يواصل نضاله ضد إسرائيل، وأنه سيظل ~~صديقا للاتحاد السوفييتي على الرغم من «تصرفاتنا»، وأنه قد اتخذ ~~قراره بسرعة إنهاء عمل البعثة العسكرية السوفييتية في مصر؛ الخبراء ~~والأفراد العاملين في الوحدات العسكرية. # كان إعلانه بمثابة الرعد على صفحة سماء صافية. كانت الفكرة ~~الأولى التي راودتني عندئذ: أليس في هذا نوع من الابتزاز؟ وإذا لم ~~يكن ابتزازا، وإذا كان يطرح قراره على نحو جاد فمتى اتخذه؛ الآن ~~أم قبل ذلك؟ وإذا لم يستطع أن يدرك مضمون الرسالة التي سلمتها إليه ~~توا، وإذا كان قد اتخذ قراره قبل ذلك، فكيف لم نستطع أن نعرف ذلك ~~أو نخمنه على أي الأحوال؟ وإذا كان القرار قد تم اتخاذه الآن فقط ~~بعد أن تعرف على الرد، فأي زعيم دولة هذا؟ وهل يدرك التبعات التي ~~سوف تترتب على قراره؟ وكيف ستتلقي موسكو هذا القرار؟ وأخيرا، كيف ~~سيستقبله العالم أجمع؟ فالقرار لا يعني فقط إضعاف القوات المسلحة ~~المصرية، وإنما هو ضربة قاصمة موجهة للعلاقات السوفييتية المصرية. ~~إن هذا السلوك الطائش لا يمكن في حقيقة الأمر أن يمر دون حساب. مع ~~من دبر كل ذلك؟ وهل يمكن أن يكون قد فعلها وحده؟ # أجبت بأنني سوف أبلغ موسكو اقتراح الرئيس بالطبع، وإن كنت أود ~~أن أنوه إلى أن العسكريين السوفييت موجودون في مصر لا بإرادتهم، ~~وإنما جاءوا تلبية لرغبة ناصر الملحة وبشكل استثنائي ومؤقت. # قاطعني السادات قائلا إنه يقدم اقتراحا للزعماء السوفييت بشأن ~~إنهاء عمل الخبراء السوفييت في مصر، وإنما يبلغني قرار الإنهاء وهو ~~قرار لا يقبل المناقشة. كان واضحا أن الرئيس عاد «للتجاوز» مرة ~~أخرى. # حاولت بطريقة مختلفة أن أنبه السادات إلى فكرة ضرورة إجراء ~~مشاورات تمهيدية مع الزعماء السوفييت دون نفي، بطبيعة الحال، لحق ~~مصر الذي لا ينازع في اتخاذ ما يراه ms134 من قرارات تمس استقلالها؛ فقد ~~جاء وجود العسكريين السوفييت نتيجة قرار مشترك بين دولتين، ونتيجة ~~للتنسيق بينهما وما إلى ذلك. # لكن السادات عاد من جديد ليؤكد أنه لا عودة للوضع السابق، وأنه ~~قد أصدر قرارا حاسما، ثم بدأ بعد ذلك في الحديث بلهجة ساخرة عن ~~العسكريين السوفييت في مصر لكي يثير سخطي ويستفزني لاتخاذ رد فعل ~~حاد. شعرت على نحو غريزي أن علي الآن تحديدا أن أكون أكثر ~~هدوءا وألا أبدو شخصا أثيرت مشاعره، وألا أستسلم للسادات في تلك ~~الحالات التي يسخر فيها من بلادي وشعبها. # أجبته بكل أدب أن السوفييت لم يجيئوا إلى مصر بمحض إرادتهم، وإنما ~~أرسلوا إلى هنا وقاموا بواجبهم الأممي في مساعدة الشعب المصري في ~~نضاله ضد عدو مشترك على التراب المصري، وقد فقد الكثير منهم صحته، ~~ومع ذلك فقد أدى السوفييت جميعهم واجبهم بشرف أمام وطنهم وأمام ~~الشعب المصري الشقيق، وبالطبع فهم لا يستحقون هذه الإهانات التي ~~يوجهها الرئيس لهم الآن. # لكن السادات قرر أن يزيد الجو توترا، فراح يتعرض للزعماء ~~السوفييت ولي شخصيا ثم صاح قائلا: «ما الذي كان علي فعله عندما ~~قدمتم لي هذه الورقة التي لا تصلح إلا أن أمسح بها الأرض؟» # أجبت الرئيس قائلا إنني لم أحضر له «ورقة» ليمسح بها الأرض، ~~وإنما رسالة من الزعماء السوفييت، زعماء البلاد التي تمثل حليفا ~~لمصر وشعبها؛ ولذلك فإنني أرجوك ألا تتحدث عن هذه الأشياء التي ~~يمكن اعتبارها إهانة للشعب السوفييتي. # صاح السادات: «ماذا كان ستالين سيفعل برأيك لو أن السفير ~~الإنجليزي أحضر له أثناء الحرب رسالة شبيهة بهذه الرسالة التي ~~أحضرتها إلي؟» # أدركت بالطبع أن أي حديث لن تكون له جدوى، وأن الرئيس قد تجاوز ~~الحدود، وأنه قد يزداد تطاولا في هذا الاتجاه، وأن الحديث بات ~~عبثا، وأن استمراره سيزيد الأمور تعقيدا. # أجبت بقولي: «سيادة الرئيس، لست السفير الإنجليزي، ولم أحضر لك ~~رسالة من الحكومة الإنجليزية. هل لديكم أسئلة نناقشها أو شيء آخر ~~تودون إبلاغه إلى موسكو؟ إن لم يكن هناك شيء من ms135 ذلك فإنني أستطيع ~~الذهاب.» # قال السادات إنه ليس لديه شيء. أديت التحية وغادرت ~~المكان. # أثار خبر القرار الذي اتخذه السادات القلق بطبيعة الحال لدى ~~الدائرة المقربة من السادات بما فيها رئيس الوزراء عزيز صدقي. وقد ~~استشعر قادة البلاد، الذين كانوا لا يزالون يقدرون العلاقات مع ~~الاتحاد السوفييتي، استشعروا على نحو جلي النتائج التي يمكن أن تؤدي ~~إليها هذه الخطوة التي اتخذها السادات. لقد قدم السادات تنازلا ~~صريحا للأمريكيين، الذين كانوا يطالبون بإخراج «الوجود السوفييتي» ~~من الشرق الأوسط، وخاصة الوجود العسكري. وقد قدم السادات ما أرادوا ~~عربونا، وأبلغهم بأنه على استعداد أن يسير إلى أقصى مدى في علاقته ~~بالاتحاد السوفييتي. # فيما بعد، قام عزيز صدقي برحلة عاجلة إلى موسكو حاول فيها التخفيف ~~من أثر الانطباع الذي تركه قرار السادات، كما حاول إقناعنا بأن ~~نعتبر أن قرار إنهاء عمل البعثة العسكرية كما لو أنه جاء نتيجة ~~لاتفاق ثنائي بين البلدين، لكن محاولاته باءت بالفشل. لم يوافق ~~السادات على أن يتم إنهاء عمل العسكريين السوفييت تدريجيا، وقد ~~توصلنا إلى اتفاق يقضي بأن تكون المدة من شهرين إلى ثلاثة أشهر ~~تقريبا. أما حجتنا الأساسية في أن يتم الأمر تدريجيا فكانت أن ~~نترك انطباعا لصالح القرار يتمثل في ألا نترك للأعداء فرصة ~~للشماتة. أما بالنسبة للسادات فكان من الواضح أنه كان يسعى من وراء ~~قراره أن يلوح علنا للأمريكيين أنه مستعد للتعاون معهم. # ما الذي كانت تمثله هذه الخطوة التي اتخذها السادات؛ إظهار عدم ~~توازن شخصيته، أم أفعالا مبنية على حسابات عميقة؟ # أعتقد أن العاملين كانا موجودين. في المقام الأول، بالطبع، كان ~~اتخاذ القرار مسبقا بانسحاب العسكريين السوفييت من مصر؛ لأنه بدون ~~ذلك لم يكن الأمريكيون ليعدوا بأي تدخل في قضية الشرق الأوسط. وقد ~~أعلنوا مباشرة، بما فيهم كيسينجر وزير الخارجية الجديد، أن الهدف ~~الأول للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ينحصر في «طرد» ~~الروس. # من جانب آخر، أظهرت أفعاله الصفات المميزة لشخصيته. لقد اعتبر ~~السادات أن لحظة استلامه رد القيادة السوفييتية تحديدا، هي اللحظة ms136 ~~المناسبة تماما ليقوم بإبلاغنا بقراره الخاص بالعسكريين السوفييت؛ ~~لأن ذلك من شأنه أن يجرح إحساس الزعماء السوفييت، وبالتالي فإن ~~خطوته التي أحكم تدبيرها سوف يكون لها رد فعل بالغ القوة في ~~الاتحاد السوفييتي، حتى إنهم سيحترمونه أكثر على هذه الشجاعة، إذا ~~جاز التعبير. # كان السادات كثيرا ما يستخدم تعبيرات فاحشة للغاية دون خجل في ~~حق الزعماء السوفييت في وجود أناس كانوا يحاولون إبلاغنا بها دون ~~خطأ. أما هو فكان يعلم جيدا أن هذه التعبيرات سوف تصل حتما إلى ~~موسكو. # بعد قراره الخاص بالعسكريين السوفييت، كان على السادات، بطبيعة ~~الحال، أن يشرح على نحو ما تصرفه أمام مختلف فئات المجتمع المصري، ~~لكن خطبه كانت تتضمن دائما شيئا واحدا؛ الاتحاد السوفييتي ~~يتعامل مع مصر على نحو سيئ؛ فهو لا يحافظ، على سبيل المثال، على ~~عهوده ويتآمر مع الأمريكيين، وهلم جرا. باختصار كان يضفي على ~~صورتنا أسوأ الصفات. وفي هذا السياق كان يلجأ إلى الإفصاح عن ~~الرسائل السرية التي كان الزعماء السوفييت يرسلونها إليه! لقد ضاع ~~معنى الحفاظ على سرية هذه الاتصالات، وكأن الرجل يريد أن يقول لنا: ~~إنني لا أريد هذه الرسائل. # وفي تصرف على طريقة ملوك الشرق، أعلن السادات أنه لن يستقبل ~~مجددا السفير السوفييتي، وإذا كان لدى السفير السوفييتي تفويض ~~بتوصيل أية رسائل إلى الرئيس، فإن بإمكان هذا السفير تسليمها إلى ~~رئيس الوزراء أو إلى وزير الخارجية. كان من الواضح أنه يريد أن ~~يعطي انطباعا أنه أهين (ممن؟)، وأنه سوف يتوقف عن تبادل الرسائل ~~السرية مع الزعماء السوفييت. # راحت العلاقات بين البلدين تستقيم من جديد تدريجيا، وإن حدث ~~ذلك ظاهريا فقط. عاد الرئيس من جديد يستقبل السفير السوفييتي ~~ويرسل من خلاله الرسائل ويستقبلها. أما تفسير ذلك الأمر فكان ~~بسيطا للغاية؛ لقد «التهم» الأمريكيون العربون الذي قدمه السادات ~~لهم، والذي تمثل في إبعاد الخبراء السوفييت من مصر، وبدا أن هذا ~~الثمن غير كاف، وكسابق عهدهم لم يقدموا شيئا لحل الصراع العربي ~~الإسرائيلي. كانت المشكلة في الحكومة التقدمية التي كان يرأسها ~~آنذاك ms137 عزيز صدقي في مصر. # وفي الوقت نفسه سرعان ما شعرت القيادة العسكرية في البلاد أن ~~خروج العسكريين السوفييت قد أدى إلى تردي الأوضاع داخل القوات ~~المسلحة بشكل واضح. لقد تعرضت كمية كبيرة من السلاح الحديث المعقد ~~للأعطال بسبب عدم اتخاذ إجراءات الصيانة اللازمة. وهنا وافق ~~السادات، على كره منه، على رأي قادته العسكريين الذين اقترحوا ~~اللجوء مرة أخرى إلى الاتحاد السوفييتي طلبا للمساعدة. # في ربيع عام 1973م أزاح السادات عزيز صدقي من منصب رئيس الوزراء، ~~كما أزيح عبد السلام الزيات من كل المناصب الحكومية التي كان ~~يشغلها، وأصبح السادات هو رئيس الدولة ورئيس الحكومة، بل و«الحاكم ~~الأعلى». # وفي نفس صيف هذا العام، إذا به «يطالب» فجأة، أقول يطالب؛ إذ لا ~~توجد كلمة أخرى تصف تصرفه هذا، بحضور الرفيق أندروبوف رئيس لجنة ~~الأمن القومي (كي. جي. بي) إلى القاهرة. لم يوضح لنا الأسباب، ~~وإنما طالب بحضوره هكذا ببساطة، وكأنما يستدعيه ليقدم له تقريرا، ~~ولما لم يصل رد، بدأ السادات في العصبية. دعاني أحمد إسماعيل علي ~~وزير الحربية للقائه. كان مهتما أيضا بعدم وصول الرد. أجبته ~~بأنني لا أعرف السبب، ولكنني لفت انتباهه إلى أن الدعوة لم ترسل لا ~~عن طريق السفير السوفييتي لدى القاهرة، ولا عن طريق السفير المصري ~~لدى موسكو، وإنما، كما نما إلى علمي، أرسلت بخطاب شخصي من وزير ~~الحربية، وقلت: إنه قد يكون من الضروري ربما إرسال استعجال، وقد ~~يكون من المفيد أيضا إحاطة الرفيق أندروبوف علما بسبب دعوته ~~للحضور إلى القاهرة. قال الوزير إنه يفهم ذلك جيدا، ولكن الرئيس ~~مهتم بشدة بحضوره. وأضاف قائلا إن أمرا ما على جانب كبير من ~~الأهمية سوف يقع قريبا في مصر، وإنكم، أيها الشيوعيون في الاتحاد ~~السوفييتي، لن تفهموه على وجهه الصحيح. وبالإضافة إلى ذلك، هناك عدد ~~من القضايا المتعلقة بالوضع في مصر، وهي ذات صلة بعمل هذه المؤسسة ~~التي يرأسها الرفيق أندروبوف. أبديت دهشتي بالطبع، لكن وزير ~~الحربية أشار بأنه تحدث إلي أكثر مما ينبغي له أن يتحدث في هذا ms138 ~~الأمر. وانتهى الحديث. # لقد قرر السادات، بشكل واضح، أن يصل في استفزازه إلى أقصى درجة؛ ~~يدعو زعيما سوفيتيا بارزا، ثم يعلن له عن إقصائه عددا من رجال ~~الدولة التقدميين في مصر من مناصبهم، وفي نفس الوقت يقدم له ~~«ادعاءاته» المختلفة حول زعمه بأن «رجال أندروبوف» هم الذين يقفون ~~وراء العديد من مظاهرات العمال والطلبة والمثقفين التقدميين، كما ~~كان يحلو له أن يسميهم. كانت تصرفات السادات تجاه الفئات التقدمية ~~تبدو كما لو كانت موجهة للاتحاد السوفييتي، وكان باستطاعته دائما ~~أن يستند إلى أنه قد أحاط الاتحاد السوفييتي بها علما. # لم يأت الرفيق أندروبوف بالطبع إلى القاهرة، لكن السادات ظل ~~يذكرني في كل مرة يلتقي بي فيها بأنه كان يريد أن يلتقي بواحد ~~من أعضاء المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ~~بزعم ضرورة إجراء مشاورات مع الزعماء السوفييت، وأنه متعطش ~~للمقابلة، ولكنهم رفضوا السماح بإجراء المقابلة. وراح السادات يؤكد ~~أن كل ذلك يمثل خطا سياسيا عدوانيا جديدا من جانب الاتحاد ~~السوفييتي في علاقته بمصر، وهلم جرا. # تلقيت بعد عدة أيام تعليمات من موسكو تفيد سفر نيكولاي بودجورني ~~رئيس مجلس السوفييت الأعلى إلى مصر بناء على طلب السادات. ما إن ~~تلقيت هذا الإعلان حتى شعرت لسبب ما أن أمرا غير عادي لا بد وأن ~~يحدث. وبينما أنا في طريقي إلى الرئيس لإبلاغه قلت مازحا لرفاقي ~~إنني أستطيع أن أزعم أن الرئيس سيرفض هذه الزيارة. ضحك الرفاق وبدا ~~لهم أن هذه الفكرة مستحيلة؛ لأنها تخالف اللياقة، فضلا عن خرقها ~~للأعراف السياسية. المسألة أن هذه الزيارة جاءت بالمناسبة عشية ~~زيارة ليونيد بريجينيف إلى واشنطن، وهو أمر من شأنه أن يدعم بقوة ~~موقف مصر والاتحاد السوفييتي في النضال الذي يخوضانه من أجل تسوية ~~الوضع في الشرق الأوسط، كما أن هذه الزيارة كان من شأنها أن تعطي ~~مثالا للتقارب في العلاقات بين الاتحاد السوفييتي ومصر، وهو ما كان ~~يمثل ضرورة سواء لنا أو للمصريين قبيل هذه المقابلة. باختصار فقد ~~كانت هذه الزيارة من الناحية الشكلية بدعوة ms139 من السادات، وهي من ~~ناحية الجوهر تأتي عشية لقاء القمة السوفييتي الأمريكي الجديد، وهي ~~زيارة تعبر عن الاحترام (زيارة رئيس دولة) مما لا يدع مجالا للشك، ~~أنها تأتي في وقت حاسم تماما، وأنها مبشرة بالنجاح. على أنني رحت ~~أفكر طوال الطريق إلى القناطر، والذي يستغرق أربعين دقيقة تقريبا ~~فيما لو أن السادات رفض فجأة إتمام هذه الزيارة. أمر مستحيل، لكنني ~~فكرت فيه، وكان حدسي يدعمني في ذلك. # بعد أن أبلغت السادات بالوصول المرتقب للضيف السوفييتي الكبير، ~~راح السادات يتنفس بصعوبة، وبعد أن عرضت عليه مضمون الرسالة أضفت ~~من عندي قائلا: إن هذه الزيارة، من وجهة نظري، سوف تعد ضربة ~~موفقة لكل من يرغب في المماطلة في الوصول إلى حل لمشكلة الشرق ~~الأوسط ولكل خصوم مصر، وخاصة أنها تأتي عشية لقاء القمة السوفييتي ~~الأمريكي. # راح السادات يعبر عن الألم بكل قسمات وجهه، وفي النهاية راح ~~يثرثر، دون أن يعرب عن امتنانه لهذا الخبر أو أن يشيد بقرار ~~حكومتنا، وإنما قال لي دون مواربة إنه يطلب مني أن أبلغ موسكو بأنه ~~لن يستطيع استقبال الضيف السوفييتي الكبير لأنه مريض، ليس مريضا ~~تماما، وإنما يشعر بوعكة، وإنه منهك، وإنه لا بد أن يكون مستعدا ~~تماما لكي يجري مباحثات مع الضيف السوفييتي. ثم أردف قائلا: انظر ~~إلى حالتي (محاولا أن يتشكى، وقد رسم على شفتيه ابتسامة ~~متكلفة). # كنت غير مستعد لهذا الانقلاب؛ فقد كان مفاجأة لي على أية حال، ~~ولكنها مفاجأة ليست من العيار الثقيل. # أعربت عن تعاطفي مع السادات، وقلت له إن عليه أن يعتني بصحته وأن ~~يخضع للعلاج، والراحة وإنه بالنسبة لهذه الحالة من الإجهاد يكون ~~لقاء أصدقاء طيبين أمرا مفيدا للغاية أحيانا؛ فهم يزيحون الهم ~~عن صدره عند تبادل الحديث معهم، أما حل القضايا المعقدة فيمكن ~~الإعداد له تدريجيا مقدما، إذا لزم الأمر بالطبع؛ إذ يمكن عقد ~~اللقاء حتى دون الوصول إلى قرارات جبارة. مرة أخرى أعود إلى أفكاري ~~لأتخيل على أي نحو سوف يكون رد فعل موسكو على رسالتي التي ms140 سأخبرهم ~~فيها بأن السادات قد رفض الزيارة! وهل فكر السادات نفسه في هذا ~~الرد مسبقا، أم تراه اتخذه في هذه اللحظة عفو الخاطر؟ # مرة أخرى يلتقط السادات أنفاسه في أسى ويقول لي إنه يحس بالضعف ~~إلى حد أنه لن يكون باستطاعته استقبال الضيف الرفيع المقام. # عندئذ خطرت برأسي فكرة أخرى؛ قلت للسادات إن كان من الضروري أن ~~يأتي البروفيسور تشازوف إلى مصر، وهو الطبيب الخبير بحالة الرئيس ~~الصحية، وقد يكون بإمكانه تقديم المساعدة له. # هنا أحس السادات أنه من غير اللائق أن يرفض هذه المرة وخاصة أن ~~الأمر يتعلق بصحته على أية حال. تمتم السادات قائلا: حسنا، سوف ~~أكون ممتنا إذا ما سمحت الحكومة السوفييتية بإرسال البروفيسور ~~تشازوف إلي. وأضاف: إنني مهتم بالأمر وسوف أكون مستعدا للقائه ~~في أي وقت مناسب. # هذا مثال آخر على علاقة السادات بالاتحاد السوفييتي. على أي نحو ~~يمكن حساب هذه العلاقة؟ الرجل لم يكن مريضا بالفعل؛ فها هو يذهب ~~في اليوم التالي على لقائنا سابق الذكر إلى الجبهة مباشرة، حيث دخل ~~إلى الخنادق ثم عقد لقاء مع الجنود والضباط. باختصار فقد أظهر من ~~الصحة والعافية ما يحسد عليهما. بالمناسبة، لم يجد البروفيسور ~~تشازوف، الذي وصل إلى القاهرة، أي أعراض تشير إلى تدهور حاد في صحة ~~الرئيس بالطبع. وحتى هذا اللقاء جرى على نحو أشبه ما يكون بمشهد من ~~مشاهد المسرحيات الهزلية. # لقد طلب السادات أن يحضر إليه تشازوف فور وصوله مباشرة قادما من ~~موسكو، ولم تكن الحالة الصحية للرئيس تستدعي أي عجلة، وإنما كان ~~يريد أن ينتهي ببساطة من تبعات قراره الخاطئ باستدعاء الطبيب. عند ~~وصول تشازوف لم يجد بانتظاره أية تحاليل أجريت للرئيس على الرغم ~~من أنه كان من الطبيعي أن يجري الرئيس ولو رسما للقلب أو تحليلات ~~للدم وما إلى ذلك. قدموا لتشازوف رسما للقلب أجري قبل ستة أشهر، ~~وتحليلا للدم أجري قبل ثلاثة أشهر! # عندما قرر السادات البدء في العمليات العسكرية ضد إسرائيل في ~~أكتوبر 1973م، كان يعول، في رأيي، على أن ms141 يتصرف الاتحاد السوفييتي ~~على نحو غير الذي اتخذه الاتحاد السوفييتي فعلا. كان يفترض أن ~~الاتحاد السوفييتي على الأرجح سوف يسعى لدعم مصر بطبيعة الحال، ~~ولكنه سيحاول أن يوقف العمليات العسكرية بأسرع ما يمكن بالطبع، وأن ~~يتجه لعقد «صفقة» مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعندئذ تكون يداه ~~مطلقتين في التعامل مع الأمريكيين، لكن الأمور سارت على نحو آخر. ~~لقد كان موقف الاتحاد السوفييتي إبان هذه الحرب هو دعم القضية ~~العادلة للعرب. واتضح، وهو ما أدهش السادات نفسه، أن القوات ~~المسلحة المصرية وصلت إلى أعلى مستويات الإعداد بفضل الخبراء ~~والفنيين، أما المفاجأة الكبرى بالطبع فكانت في الكفاءة الرفيعة ~~والقدرة العالية للمعدات العسكرية السوفييتية التي يتسلح بها الجيش ~~المصري. # عندما بدأت العمليات العسكرية، لم يكن بنية السادات على الإطلاق ~~أن يحاول إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، أو أن يجبر إسرائيل على ~~الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. كلا، إنما كان هدفه أقل من ~~ذلك بكثير وأكثر محدودية، وقد أخبرني بهذا الهدف بعد يومين اثنين ~~من نشوب الحرب. # كان هدف العمليات العسكرية من الناحية السياسية يتلخص في، «أقولها ~~مجازا»، مجرد «تحريك الوضع» وجذب الانتباه إلى الصراع الذي طال ~~أمده، وإجبار العالم على أن يتذكر الوضع المستعصي على التسوية في ~~الشرق الأوسط ودفع القوتين العظميين، أولا وقبل كل شيء، إلى ~~التأثير في الأحداث. كانت هذه الخطوة تستهدف أساسا جذب الولايات ~~المتحدة الأمريكية إلى استخدام نفوذها. # كل الدلائل كانت تشير إلى أن السادات لم يكن ليتوقع هذا القدر من ~~النجاح الذي أحرزته قواته في العمليات، والتي استطاعت بسرعة وبأقل ~~الخسائر عبور قناة السويس، ثم لتتوقف دون أن تعرف ما الذي عليها أن ~~تفعله بعد ذلك. وهكذا لم تواصل هذه القوات هجومها على الرغم من أنه ~~لم يكن أمامها، لفترة من الزمن، عدو بالمعنى الحقيقي. كان الأمر ~~يتلخص في أن السادات، كما شرح لي بنفسه، لم تكن لديه النية في ~~استعادة الأراضي المحتلة؛ فالهدف من الناحية العسكرية كان ينحصر في ~~مجرد إنزال ما يمكن إنزاله من خسائر مادية وبشرية ms142 بإسرائيل، ~~والتلويح بما تملكه القوات المسلحة المصرية من قدرة اليوم، ومن ثم، ~~إلى ما تستطيع فعله في المستقبل. # أما الهدف من الناحية الإقليمية، إذا جاز القول، فكان الاستيلاء ~~على ممرات سيناء (متلا والجدي)، وهو ما لم يتحقق، فضلا عن أن ~~المصريين في الأيام الأخيرة من العمليات العسكرية سمحوا بحدوث ثغرة ~~نفذت منها القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة، وأصبح ~~النصر الذي حققه المصريون معلقا بشعرة. ومثلما أسهمت مساعدات ~~الاتحاد السوفييتي في نجاح القوات المصرية في الأيام الأولى للحرب، ~~أنقذت الخطوات الحاسمة التي اتخذها السوفييت تحديدا مصر من هزيمة ~~وخيمة في تلك الأيام العصيبة التي مرت بها. # لقد تسنى لي أن ألتقي بالسادات إبان الحرب بصفة يومية، بل ~~وكثيرا ما كنت ألتقيه عدة مرات في اليوم الواحد وفي أوقات مختلفة ~~نهارا أو ليلا، فجرا أو في ساعة متأخرة من الليل. # لقد بدأ السادات الحرب، وعلى عكس وعوده المتكررة، دون مشاورة مع ~~الاتحاد السوفييتي، بل وحتى دون إنذار حقيقي، وإنما أخبرني بالأمر ~~في صباح السادس من أكتوبر فقط، عندما أبلغني بأنه يود بشدة أن ~~نلتقي خلال الساعات القليلة المقبلة؛ إذ «ربما تقع أحداث عظام». ~~ولكنه استدرك قائلا: ولكنك للأسف، قد تكون في السفارة على ما يبدو ~~لكي تكون على اتصال بموسكو. بالمناسبة، كان السادات يتحدث معي قبل ~~أيام قليلة عن قيام إسرائيل بعمليات استفزازية، وأنه من المحتمل ~~وقوع أحداث ضخمة. عندئذ سألته إن كان يود أن يبلغ الزعماء السوفييت ~~عن التطورات المتوقعة للأوضاع، وعن تلك الأحداث التي قد تقع. هنا ~~أجابني السادات بقوله: سوف أخبرك بذلك «في حينه». ولكنه، كما ~~رأينا، لم يخبرني بشيء. # في الثالثة من ظهر السادس من أكتوبر اتصل بي السادات على الهاتف ~~العادي المباشر في مقر السفارة. كان أمرا غير معتاد. لم يتصل بي ~~السادات مطلقا من قبل هاتفيا، ناهيك عن أن يتصل على الهاتف ~~العادي، حتى إنني ظننت في البداية أن في الأمر لغزا ما. ولكن ~~الأمر كان صحيحا. كان الصوت الذي أسمعه عبر الهاتف صوتا مألوفا ms143 ~~ولكنه كان صوتا مفعما بالفرح والانتصار: «سفير (قالها بالعربية)، ~~قواتنا الآن على الضفة الشرقية للقناة! ورايتنا الآن منصوبة على ~~الضفة الأخرى!» هكذا بدأت الحرب. # كان السادات قد أوصى بوضع هاتف خاص بي في السفارة للاتصال ~~الحكومي من طراز ذي أرقام محدودة خاصة بالمقربين. ولم يكن لدي وزير ~~الخارجية نفسه مثل هذا الهاتف. كان كثيرا ما يتصل بي للتحدث في ~~شئون العمل دون مراعاة للوقت، وأحيانا ما كان يتحدث في الثالثة ~~بعد منتصف الليل. وكنت أبلغه بالأمور العاجلة والطارئة عبر هذا ~~الهاتف. لكن معظم لقاءاتنا كانت ذات طابع شخصي بطبيعة الحال، وخاصة ~~في تلك الأيام التي كانت تتاح له الفرصة أن يلتقيني فيها وجها ~~لوجه دون حاجة للانتظار. # ما إن بدأت العمليات العسكرية حتى انتقل السادات للإقامة في قصر ~~الطاهرة بمنطقة هليوبوليس. وكنت أقطع إليه المسافة بالسيارة في ~~حوالي 25 دقيقة. كان السادات يرتدي آنذاك الزي العسكري، وكان يحاول ~~أن يتحدث بشكل واضح وباقتضاب. عموما كان السادات يتميز بقدرته على ~~صياغة أفكاره على نحو واضح ومعبر، وكثيرا ما كان ينتقل للحديث ~~بالإنجليزية عندما يكون نافد الصبر، على الرغم من أنه كان عادة ما ~~يفضل الحديث معي باللغة العربية من خلال مترجم. وقد كان المترجمون ~~دائما من السوفييت؛ إذ لم يكن من بين المصريين مترجمون ثقات يجيدون ~~اللغة الروسية. لم نكن بحاجة بطبيعة الحال إلى مترجمين عندما كنا ~~نتبادل الحديث بالإنجليزية. كان السادات ينطقها بشكل جيد لا بأس ~~به، وعلى الرغم من أن مخزون الكلمات لديه كان محدودا، إلا أنه كان ~~يوظفه بشكل سليم. كان الحديث بالإنجليزية لمدة نصف ساعة تقريبا ~~كافيا جدا بالنسبة له وإلا يتسلل إليه الملل بسرعة. # في لقاءاتنا الأولى كان لدى السادات قدر كبير من التحفظ تجاهي. ~~وعندما اقتنع بالدعم المخلص النزيه والملموس من جانب الاتحاد ~~السوفييتي، أصبحت علاقته بي جيدة للغاية، وأحيانا ما كانت الأمور ~~تبدو في الواقع وكان عصرا جديدا من العلاقات بين البلدين قد تم ~~تدشينه، وأن الرئيس كما لو كان قد تغير تماما. وقد ms144 أخبرني عدة مرات ~~بنفسه أن صفحة جديدة رائعة قد بدأت في العلاقات بين بلدينا، وأن ~~مصر مدينة لأبعد الحدود للاتحاد السوفييتي، وأنه «سيأتي اليوم» الذي ~~سيحكي فيه عن هذه المواقف الشجاعة للاتحاد السوفييتي بملء فيه. ~~الحقيقة أنني لم أتماسك عندئذ وسألته ولماذا لا يحكي الآن للجميع ~~عن هذه المواقف التي اتخذها الاتحاد السوفييتي. لم يجب السادات ~~وإنما نوه قائلا: «لا يزال الوقت مبكرا، ولكنه سيأتي.» من ~~الواضح أن تصرفي كان غير متوقع بدرجة ما، حتى إنني أحسست أنه شوش ~~على أفكاره بشكل أو بآخر، وإن كنت قد رأيت أن تصرفي قد حظي ~~بإعجابه. # إبان العمليات العسكرية أحاطني السادات علما بالاتصالات التي ~~قامت على الفور بينه وبين الأمريكيين. الحقيقة أن ما أمدني به من ~~معلومات لم يكن موثقا، وإنما كان يقدم إلي من وجهة نظره ~~فقط، أو بناء على عرض مساعديه لفحوى هذه الاتصالات، وعلى أي حال ~~فقد كانت هذه المعلومات على قدر كبير من الأهمية. لم يكن السادات ~~يتحدث إلي قبل ذلك بمثل هذه الصراحة، ومن بين المعلومات التي ~~ذكرها أن الأمريكيين تقدموا إليه باقتراح أن يقوموا بخدمات ~~الوساطة، على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية، في واقع ~~الأمر، كانت تحارب مصر! # وقد لفت انتباه السادات إلى ذلك ونصحته بأن يقدم للأمريكيين ~~اقتراحا بالتشاور مع الاتحاد السوفييتي، حيث بات واضحا في هذه ~~الفترة إمكانية العمل السوفييتي الأمريكي المشترك فيما يتعلق ~~بالصراع العسكري. لكن السادات لم يجب بشيء. # أصبحت العلاقات مع السادات جيدة إلى حد النجاح في الحصول على بعض ~~المكاسب. بل إن السادات كان يطلب رأيي أحيانا في هذه أو تلك من ~~الخطوات السياسية. وكان عدد من المقربين منه ينقلون إلي أن ~~الرئيس «راض» للغاية عن السفير السوفييتي، وهو ما كان ينقله إلي ~~أيضا بعض الذين كانوا يترددون عليه. كان ذلك في الواقع زمنا ~~طيبا، على الرغم من أنني كنت أحصل على ساعات قليلة من النوم لا ~~تتجاوز ثلاث أو أربع ساعات في اليوم، أما باقي اليوم فكان مليئا ~~بالتوتر ms145 الشديد. # واستنادا إلى آراء الجميع، كان السادات يعلم على أية حال القليل ~~عما كان يحدث في الواقع على الجبهة. وكثيرا ما كان يجيبني، عندما ~~كنت أسأله عن آخر المعلومات، بقوله إنه لا يعرف شيئا حتى الآن، ~~حيث إنه لم يتلق مؤخرا معلومات من مركز القيادة. في الواقع إنني ~~كنت أخبره في بعض الأحيان بوقوع بعض الأحداث على الجبهة كان رفاقنا ~~يحصلون عليها من الأركان العامة للجيش قبل أن تصل إلى السادات. لم ~~يكن السادات يهتم أحيانا بأن يكون على علم بكل التفاصيل. كان ~~الاتجاه العام لديه أن الحرب ليست شأنا عاما، وإنما هي، إذا جاز ~~القول، مسألة احترافية، «عمل» يختص به العسكريون، وهؤلاء يعرفون ما ~~يعملون وما الذي ينبغي عليهم عمله. وكثيرا ما كان يرد على أسئلتي ~~بشان تصوراته عن سير الأمور بأن هذا من عمل العسكريين، وأنهم هم ~~الذين يضعون الخطط والذين يعرفون كيف ينبغي عليهم تنفيذها. # وهذا ما حدث تماما عندما أحدث الإسرائيليون الثغرة في نهاية ~~أكتوبر. لفت انتباه الرئيس إلى الثغرة وطلبت منه حرفيا سرعة تدخل ~~قوات كبيرة للقضاء على هذا الوضع الخطير حتى لا يتحول إلى تهديد ~~كبير، واستندت في ذلك إلى رأي الأصدقاء في موسكو. لكن جهودي راحت ~~هباء. راح السادات يهدئ من روعي متحدثا بتلك النبرة الواثقة ~~قائلا: «لا تقلق، قل لهم في موسكو أن يناموا في هدوء، إن عسكريينا ~~يعلمون ما الذي ينبغي عليهم عمله.» # ما زلت أذكر جيدا كيف استدعاني السادات ليلة الحادي والعشرين من ~~أكتوبر وتحدث إلي بالإنجليزية ليطلب مني أن أبلغ ليونيد بريجينيف ~~على الفور ضرورة العمل على وقف إطلاق النار وقال لي: «إنني أستطيع ~~أن أحارب إسرائيل، ولكنني لا أستطيع أن أحارب الولايات المتحدة ~~الأمريكية.» كانت هيئته مثيرة للأسى، وكان زيه العسكري مكرمشا. أين ~~ذهب مظهره الواثق وأقواله الحصيفة ونبرته السلطوية؟ لقد حدث بداخله ~~على الأرجح شيء لا يمكن تصديقه؛ فهو الآن يطلب! # لقد حاولت، بطبيعة الحال، أن أكون شديد الاهتمام، عطوفا ولطيفا ~~تجاه السادات. أسرعت إلى السفارة حتى ms146 أستطيع أن أبلغ موسكو على وجه ~~السرعة بهذا الطلب. ومرة أخرى كان علي أن أعود سريعا لمقابلة ~~الرئيس لأشرح له عددا من التفاصيل المهمة. عندما هاتفت الرئيس ~~أجابوني بأنه نائم! كنت متوترا بشدة؛ إنهم مستيقظون الآن في ~~موسكو والرئيس هنا ينام في هدوء! رفض الياور أن يوقظ الرئيس، لكنني ~~كنت مصرا وأخبرتهم أن الأمر عاجل للغاية. # وصلت إليه مع خيوط الشمس الأولى. خرج إلي من غرفة نومه في روب ~~وردي اللون. كان قد أخذ قسطا وفيرا من الراحة. بدا منتعشا لا ~~يبدو على وجهه أي أثر يشي بالكارثة التي تكبدها بالفعل. بل إنه كان ~~مرحا يفيض بحيوية. وافق على كل ما اقترحته عليه وما طلبته منه. ~~كان من الواضح أن الحرب قد انتهت بالنسبة له، وأن على الآخرين أن ~~يصلحوا ما أفسده هو. # والآن، أعود بذاكرتي أيضا إلى العناد الذي أبداه السادات عند ~~لقائه بألكسي كوسيجين عندما حضر إلى القاهرة في السابع عشر من ~~أكتوبر إبان العمليات العسكرية؛ لكي يقنع الرئيس بضرورة العمل على ~~وقف إطلاق النار واستغلال الوضع العسكري والسياسي الجيد الذي تحقق ~~بعد الأيام الأولى من الحرب. لكن السادات بحكم شخصيته، وربما، بناء ~~على حساباته، عارض هذا الاقتراح، بل وقال بلهجة أكثر ثقة إننا نريد ~~أن نحرمه من النصر. باختصار، كان يتصرف كأن الثغرة التي أحدثها ~~الإسرائيليون غير موجودة، وكأن القوات المصرية تقف عند حوائط ~~القدس! لا شك أن السادات لا يتذكر الآن هذا الحديث الذي ظل خلاله ~~متشبثا بطلب «ضمانات» سوفييتية أمريكية لانسحاب القوات الإسرائيلية ~~من الأراضي المحتلة كافة. # لم ألتق بالسادات بعد ذلك. كانت المرة الأخيرة التي تقابلنا ~~فيها في الحادي عشر من نوفمبر 1973م، عندما راح يحاول أن يستكمل ما ~~بدأه في علاقاته بالأمريكيين وانعطافه الحاد في اتجاه الولايات ~~المتحدة الأمريكية. كان واضحا أنه قد أدرك أنه لن يجد لحظة أكثر ~~مؤاتاة من هذه اللحظة، بعد أن بلغت هيبة الاتحاد السوفييتي في مصر ~~وفي البلاد العربية الأخرى ذروتها، في تلك الظروف التي لم يعلن ~~فيها ms147 بعد عن الدور النبيل الذي قام به الاتحاد السوفييتي في الحرب ~~التي خاضتها مصر في أكتوبر! ما الذي كان ينبغي أن يحدث بعد ذلك؟ ~~كان عليه أن يذكر الحقيقة. لكن السادات قرر عمدا أن يهيل التراب ~~على هذه العلاقة. ودون أن يحيط الاتحاد السوفييتي علما، حول دفته ~~باتجاه الولايات المتحدة. أرسل إسماعيل فهمي إلى واشنطن، ثم استقبل ~~كيسينجر بكل حفاوة. وافق على الوساطة الأمريكية وأعاد العلاقات ~~الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية. امتنع عن إبلاغنا ~~بالمعلومات الخاصة باتصالاته بالولايات المتحدة ... وفي نفس الوقت ~~راح يغرقنا بطلباته حول سرعة إرسال صفقة ضخمة من الطائرات، بل إنه ~~توجه بهذا الطلب تحديدا بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ظل يهاتفني ~~يوميا، دون حاجة ماسة لذلك؛ ليكرر على مسامعي النغمة القديمة أن ~~الاتحاد السوفييتي قد غير سياسته نحو مصر، وهلم جرا. وعندما ~~سألته عن السبب الذي يجعلنا نغير سياستنا وقد تفاقمت علاقتنا ~~بالولايات المتحدة الأمريكية إلى حد أنها أعلنت حالة التأهب القصوى ~~في جميع قواعدها في الخارج، لم يستطع السادات أن يرد. ببساطة، لم ~~ينبس ببنت شفة. # جاءت بعد ذلك مرحلة التعاون بين السادات والولايات المتحدة ~~الأمريكية. مرحلة التعاون العلني دون تحفظ أمام أعين الجميع، لتبدأ ~~منذ هذه اللحظة الرحلات المكوكية لكيسينجر إلى القاهرة، ثم لتتلوها ~~زيارة نيكسون. لم يكن الأمر ليمر بطبيعة الحال دون التشهير ~~بالاتحاد السوفييتي، ودون سيل من الأكاذيب وأنصاف الحقائق اعتمادا ~~على أننا لم نكن لنخوض على الملأ في جدال مع رئيس مصر بشأن هذه ~~القضايا. وفي هذا السياق، جاءت الافتراءات مباشرة في حق السفير ~~الروسي، الذي زعموا أنه كان ينقل للرئيس معلومات مغلوطة حول الوضع ~~في سوريا، وطلبات الرئيس السوري للقيادة السوفييتية. كان السادات ~~يوجه كل هذه الاتهامات معولا على أن الجماهير العريضة لن تخمن ~~أن أي سفير يقدم للرئيس المعلومات بناء على تفويض من حكومته، وأنه ~~لا يمكنه أبدا اختراع المعلومات. وقد وصل الأمر بعد ذلك إلى حد أن ~~السادات أعلن صراحة أن على مصر أن تعتمد على الولايات المتحدة ms148 ~~لتسوية الصراع في الشرق الأوسط. وقد أخبرني دبلوماسيون يعملون في ~~القاهرة أن الرئيس قرر «أن يضع البيض كله في سلة واحدة»، وأنه ~~بات يتصرف مثل مقامر متهور، وهو في كل ذلك لا يمتلك أي قدر من ~~اللياقة. # على مدى وجودي في القاهرة لمدة أربعة أعوام، بوصفي سفيرا، صادفت، بطبيعة الحال، مواقف شديدة الحرج. لقد تسنى لي أن أرى الرئيس تارة ~~سعيدا وتارة حزينا، تارة صادقا وتارة يقول بهتانا واضحا. ~~رأيته منضبطا، كما رأيته ثملا. رأيته في أحوال شتي، وكنت شاهد ~~عيان على كل المباحثات التي أجراها مع الزعماء السوفييت، شهدت ~~سياسته في تقريب الناس منه، ثم التنكيل بهم بعد ذلك. كان السادات ~~يعرف أن سفارتنا على علم تام بالوضع في البلاد، وأنها على الأرجح ~~تبلغ موسكو بذلك. كان السادات يرى كفاءة السفارة في التعامل مع ~~مختلف القضايا، السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضا بدرجة لا تقل ~~عن غيرها من القضايا. وانطلاقا من ذلك كان من الصعب عليه أن يكذب ~~علي أو على الزعماء السوفييت. ولذلك، وبسبب شخصيته، لم تكن ~~سفارتنا تعجبه. # لم تكن علاقته الشخصية بي سيئة، وما يكتبه الصحفيون الأمريكيون ~~في هذا الصدد عني هو محض افتراء من وحي خيالهم، وباستثناء هذا ~~الحديث، الذي دار بيننا عندما أبلغني بلهجة مهينة عن قراره بطرد ~~العسكريين السوفييت من مصر، واضطررت آنذاك أن أرد على نحو حازم، وإن ~~ظللت محتفظا بقدر كبير من التماسك وضبط النفس. كانت كل أحاديثي ~~معه ودية، وإن لم يكن السادات، على الأرجح، سعيدا بهذه الأحاديث؛ ~~فالسادات لم يكن بإمكانه أن يبلغني بأية أكاذيب عن العلاقات ~~السوفييتية المصرية أو عن أية قضايا أخرى. كان يشعر بذلك غريزيا. ~~أزعم، باختصار، أنني كنت أعرف السادات على نحو جيد. بل أقول على ~~نحو غير مسموح به بالنسبة لسفير. ولو كان الرئيس شخصا آخر مختلفا ~~من ناحية التعليم والثقافة، وربما من ناحية الشخصية، لكان من ~~الممكن أن يكون هذا التوصيف من جانب السفير السوفييتي، على العكس من ~~ذلك، مناسبا، ولكن ليس بالنسبة للسادات. # لم ms149 يكن السادات يجب التعامل مع السوفييت. ولم أنجح مطلقا، على ~~سبيل المثال، أن أقنعه أن يستقبل ولو لمرة واحدة كبير المستشارين ~~العسكريين السوفييت ليقدم له تقريره. بينما كان ناصر يستقبل ~~العسكريين السوفييت كثيرا، وكان يقدر عن حق قيمة المعلومات التي ~~يقدمونها بصورة ودية مستقلة عن الوضع داخل القوات المسلحة. لم ~~يدل السادات مرة واحدة بحديث للصحفيين السوفييت، مع أنه كان ~~يستقبل برضا تام الصحفيين والمراسلين الغربيين وخاصة ~~الأمريكيين. # سوف أتعرض فيما يلي بالحديث قليلا عن الصفات الشخصية للرئيس. ~~يتضح من محاولاتنا السابقة لرسم صورة السادات الرئيسية إلى أي حد ~~من الصعوبة يمكن التعامل مع زعيم من هذا الطراز. كان السادات ~~يتعامل مع الأمور بسطحية شديدة عندما يتحدث عن مصالح الشعب، بينما ~~يتغاضى عن الحديث عن أعداء الشعب العمال الممثلين في البرجوازية ~~المصرية. وكان يحاول أن يجمع بين أمرين متناقضين في آن واحد، وهو ~~تصرف غير مأمون العواقب؛ ولذلك كان يسعى لتحقيق أمانه الشخصي قدر ~~استطاعته. # 4 # إن الصفات الشخصية لأي رجل دولة لها دور كبير، بطبيعة الحال، في ~~تحديد أفعاله وتصرفاته. وهي تضفي عليه ظلالا خاصة ينبغي وضعها ~~أيضا في الاعتبار. وحتى في وجود ديمقراطية برجوازية على نحو أو ~~آخر، حيث نجد ما يشبه اتخاذ القرارات على نحو جماعي، وبهذه الصفات ~~الشخصية لرجل الدولة يكون لها دور كبير عند اتخاذ هذه القرارات، ~~حتى في وجود رجال دولة آخرين يفترض أنهم يشاركون في تحمل جزء من ~~مسئولية اتخاذ هذه القرارات بصورة ما. # وفي دولة ذات مكانة كبيرة مثل مصر الحديثة، يمتلك الرئيس في ~~الواقع سلطات لا حدود لها، وهي سلطات لا يشاركه فيها عمليا أحد. ~~فإذا سارت الأمور على نحو حسن تظهر هنا «حكمة» الرئيس المسئول عن ~~القرارات التي اتخذها، أما إذا كان الخطأ فادحا فسيتم العثور على ~~شخص ما آخر تلقى على كاهله المسئولية. ومن ثم فإن الصفات الشخصية ~~للرئيس المصري في دولة لم تتحول بعد إلى حتى ما يشبه الديمقراطية، ~~يكون لها دور مبالغ فيه، سواء تشاور مع أحد ms150 ما أم لم يتشاور، فإذا ~~لم يجد مناصا من التشاور فإنه يختار بنفسه من يتشاور معه. # لا توجد بالطبع رقابة على تصرفات الرئيس سواء من البرلمان أو من ~~الاتحاد الاشتراكي العربي. يكفي أن نتذكر في هذا السياق كيف تعامل ~~السادات مع الناصريين الذين أرادوا تقديم النصح له والتأثير عليه. ~~ووفقا للقواعد المعمول بها في مصر، فإن توجيه النقد لتصرفات ~~الرئيس يعد خيانة للدولة. ذات مرة، عندما أثارت التصرفات القمعية ~~للرئيس تجاه الشباب اضطرابات كبيرة في البلاد، ألقى السادات خطابا ~~تحدث فيه عن وجود .. ديمقراطية في البلاد. وقال، وقد ارتسمت على ~~وجهه مظاهر الجدية دليلا على صواب فكرته، إن التفكير في أي شيء ~~أمر مسموح به في البلاد. وأضاف الرئيس أن أي عمل ينبغي أن يكون ~~مؤيدا للرئيس، أما ما يجري التفكير فيه فينبغي أن يظل في رأس كل ~~من لا يتفق مع السلطة! هذه هي الديمقراطية على الطريقة ~~الساداتية. # لقد تحدثنا آنفا عن العقيدة السياسية عند السادات، وهي الشيء ~~الرئيسي الذي يحكم تصرفاته ومنهجه. # والآن نتحدث عن بعض السمات الشخصية المهمة للرئيس بوصفه رجل ~~دولة. # لقد ترسخ لدي اقتناع عميق أن السادات قد تأثر بشدة من جراء تلك ~~العلاقة التي عايشها مع «رفاقه» الآخرين أعضاء مجلس الثورة، إذا ~~جاز التعبير. ومن المعروف أن معظم هؤلاء الرفاق كانوا يتعاملون معه ~~دائما بشيء من التجاهل والسخرية، ربما في سياق علاقة الصداقة. لكن ~~كثيرا من الناس في مصر أخبروني أن السادات قد عانى بشدة بسبب هذه ~~المعاملة تحديدا. ومن الواضح أن هذا الأمر انعكس في هذه الرغبة ~~النفسية لدى السادات أن يصبح دائما «أعلى من محدثه»، ما دام وضعه ~~الحالي يسمح له بذلك. # لقد تولد لديه بسبب ذلك شعور هائل بالارتياب وعدم الثقة إلى حد ~~الوسواس، حتى إنه يغضب بسرعة وعلى نحو عاصف عندما لا يدرك، على ~~سبيل المثال، المغزى من وراء نكتة من النكت. عموما لم يكن السادات ~~من الذين يحبون النكات أو يحكون الملح والنوادر. أنا نفسي، على ~~سبيل المثال، لم ms151 أسمع منه مرة واحدة حكاية مضحكة أو مقارنة ساخرة. ~~ببساطة لم يحك نكتة أمامي، كما أن ذلك لم يحدث أثناء لقاءاته ~~بالزعماء السوفييت. عمليا لم يكن بمقدور السادات أن يضحك، وإنما ~~كان يفتح فمه ويرفع صوته قائلا: «ها، ها، ها!» وعندما يبتسم ~~فإنه يحرك فمه مبتسما ويهز شاربه، أما عيناه فلا تجد فيهما أثرا ~~للضحك أو الابتسام. # من هنا سعى السادات بكل طريقة لتجنب تلك المواقف التي قد يستشعر ~~فيها أنه «ليس على القمة»، إذا جاز القول. وهنا تحديدا ما يفسر ~~خوفه من الأحاديث الصريحة مع الزعماء السوفييت، وخاصة إذا كان هناك ~~نفر آخرون يحضرون اللقاء. كان يتحفظ بشدة، بحيث يدرك المرء على ~~الفور دون إرادة منه أحاسيسه، أحاسيس رجل في مرمى النيران. ولهذا ~~كان السادات يفضل أن يتحدث مع الآخرين في الأمور المهمة على انفراد ~~دون شهود لا حاجة له بهم. # في أحاديثي معه، والتي كان يرتبها لي بالطبع على نحو مختلف عن ~~الأحاديث التي كانت تدور مع الزعماء السوفييت، كنت بالنسبة له مجرد ~~سفير لا أكثر، شخص أقل رتبة. كان الرئيس يحب أن يطرح فكرته من ~~أعلى. أن يفرض رأيه قسرا، وليس عن طريق الإقناع. # ولم يكن الرئيس يميل، على سبيل المثال، أن تساق إليه حجة مضادة، ~~وقد لا تتعارض هذه الحجة كثيرا مع حججه هو نفسه، وإنما تكون قد ~~جاءت في سياق المناقشة على سبيل توضيح فكرته ذاتها على نحو أفضل. ~~لم يكن يرغب إطلاقا في الجدل ولو لتوضيح جوهر الأمر، ناهيك عن ~~الاختلاف؛ ولهذا كان عنيدا. # كان ناصر أيضا لا يحب أن يعارضه أحد، لكنه كان يسمح بالجدل على ~~نحو ودي. في مارس من عام 1970م كلفت بالذهاب لمقابلة ناصر في ~~مهمة شديدة الحساسية؛ أن أحاول إقناعه بوقف إطلاق النار، الذي كان ~~دائرا بعنف من جانب المصريين في الفترة التي عرفت آنذاك ب «حرب ~~الاستنزاف». لم يتكبد الإسرائيليون في الواقع أية خسائر من جراء ~~هذا الإسراف الهائل في قصف القنابل من جانب المصريين، في الوقت ~~الذي ms152 كانوا يتعرضون فيه هم أنفسهم لضربات شديدة من الطيران ~~الإسرائيلي في العمق، حيث كان المصريون قد بدءوا لتوهم بفضل الدعم ~~السوفييتي في حمايته. وحتى يستمر العمل في بناء هذه المواقع ~~الدفاعية، وكذلك لصالح الجيش المصري نفسه، كان من الأنسب وقف هذا ~~القصف غير الرشيد. لكن أحدا لم يكن بإمكانه أن يبلغ ناصرا بذلك. ~~كذلك كانت لدي قضية أخرى معقدة للغاية تلخصت في محاولة إقناع ~~ناصر بالموافقة على عدد من الصياغات الخاصة بالشروط النهائية ~~لإحلال السلام عند التوصل إلى تسوية شاملة لمشكلة الشرق الأوسط، ~~التي كنا نتفاوض آنذاك بشأنها مع الأمريكيين، وهي صياغات كان من ~~الصعوبة بمكان أن يقبلها ناصر. لم يكن من السهل على أندريه جروميكو ~~أن يقول لي وهو يوصيني قبل السفر، إنني إذا أنجزت مهمتي ولو بنسبة ~~10٪ فإن ذلك يعد إنجازا طيبا. # ولقد أنجزت المهمة على نحو تام. وافق ناصر على وقف إطلاق ~~النار، فضلا عن موافقته على الصياغات الخاصة بإحلال السلام عند ~~تحقيق المرحلة الأولى من انسحاب القوات الإسرائيلية؛ أي بشرط ~~انسحاب القوات الإسرائيلية، بطبيعة الحال، بصفة نهائية خلال مدة ~~زمنية قصيرة نسبيا. وقد تضمنت صياغة الاتفاق النهائي للسلام عدم ~~السماح بقيام مصر بأية عمليات عدوانية ضد إسرائيل في حالة التسوية ~~النهائية مع التزام إسرائيل، بالطبع بنفس الشروط بالنسبة لمصر، وهلم ~~جرا. كانت مباحثاتي مع ناصر على قدر كبير من الأهمية والصعوبة، ~~لكنني لست بصدد الحديث عن هذا الأمر الآن. # إبان محادثاتي مع ناصر اضطررت للدخول معه في جدال. لا أعرف إن ~~كان هو الذي استفزني إلى ذلك أو أنه كان يسعى لعرض أفكاره ~~الحقيقية. ظل يطور فكرته بشأن أن الصراع في الشرق الأوسط ليس ~~صراعا بين العرب وإسرائيل، وإنما هو في واقع الأمر صراع بين ~~الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وكأن الصراع العربي ~~الإسرائيلي ما هو إلا نتاج لهذا الصراع الأساسي. # بطبيعة الحال فإن قبول هذه الفكرة كان سينتهي بنا إلى استنتاجات ~~خاطئة، ليس فقط على المستوى النظري، وإنما بشكل مضاعف من الناحية ~~العملية. قلت لناصر ms153 إنني لا أتفق معه على هذا الرأي. نظر إلي ~~ناصر بدهشة وقال: «كيف إذن؟!» واقترح علي أن أواصل التعبير عن ~~فكرتي. أنصت باهتمام إلى حججي، وحاول أن يطرح بدوره بعض التصورات ~~الإضافية، ولكنه في نهاية الأمر وافق على أن الصراع العربي ~~الإسرائيلي إنما يعكس الصراع بين التحرر الوطني والقوى الاستعمارية ~~والاحتلال، وأن الاتحاد السوفييتي لا يستطيع إلا أن يقف في هذا ~~الصراع إلى جانب قوي التحرر الوطني، بينما تقف الولايات المتحدة ~~إلى جانب القوى الرجعية؛ إسرائيل. # أذكر أنني عارضت ناصرا ذات مرة في موضوع آخر يتعلق بقيمة «حرب ~~الاستنزاف» التي كانت تشنها مصر آنذاك. وعلى الرغم من أن مثل هذه ~~الموضوعات كانت تجد معارضة جذرية من جانبه، فإنه لم يكن ليرفض ~~الدخول في جدل بشأنها، جدل ودي مع شخصية متواضعة # 1 # مثلي. فيما بعد أخبرني بعض المقربين من ناصر أنه كان ~~راضيا لكون الحديث بيننا اتخذ طابع الجدل. كان ناصر شخصيا لا ~~يحب، بالطبع، أن يعارضه أحد، وإنما يعضده؛ فالمعارضة كانت تثير ~~استياءه. # كثيرا ما أتذكر وأنا أتعامل مع السادات، كيف كان ناصر ذا طابع ~~مختلف تماما. # هل يمكن اعتبار السادات رجلا صريحا؟ أظن أنه لم يكن كذلك. كان ~~السادات يصوغ موقفه، أو مطالبه، أو آراءه بحيث تبدو صحيحة، ولكي ~~تصبح مقبولة؛ ولهذا كان يولي اهتماما كبيرا لصياغتها لكي تترك ~~الانطباع المطلوب. كان باستطاعته أن يقول بطريقة مميزة: «والآن ~~سأقول لكم ما لا تعرفونه.» وعلى الرغم أن ما سيقوله يمكن أن يكون ~~معلومات سرية، فإنها تكون في الأغلب من النوع الذي يمكن معرفته ~~بسهولة. وفي غالب هذه الحالات كنت على علم بهذه المعلومات، ولكنني ~~لم أكن لأفصح بطبيعة الحال عن ذلك. # ومن الأمور التي كانت تلفت انتباهي أيضا بشدة، أن السادات كان ~~يقيس تصرفاته أحيانا بتصرفات «شخصيات فذة»، من بينها، من وجهة نظر ~~السادات، ستالين وتشرشل. لا أعرف كيف كان يتصور تشرشل، لكن معرفته ~~بستالين كانت مغلوطة ومحدودة. وكثيرا ما كان يقول لي إن ستالين ~~فعل كذا في الموقف الفلاني، ms154 ولم يفعل كذا في موقف آخر. كان معجبا ~~بموقف ستالين إبان معركة موسكو. وفي الوقت نفسه وفي اليوم التالي ~~لاعتقاله الناصريين في مايو 1971م كان شاحبا، مضطربا بشكل كبير ~~وهو يقص علي حكاية قالها لي من قبل، لكنه راح لسبب ما يؤكدها لي ~~مرة أخرى محاولا إثبات صحة ما قام به تجاه الناصريين، وهي أن ~~ستالين أعدم، من أجل «القضية»، نصف أعضاء اللجنة المركزية رميا ~~بالرصاص. كنت مضطرا أحيانا لمقاطعة الرئيس وأن أطلب منه، بأسلوب ~~لائق بالطبع، ألا يردد ما سمعه في مكان ما من شخص ما. # ذات مرة أخبرني هيكل على نحو عابر أن محاكاة السادات لستالين ~~ترجع إلى حب السادات لمشاهدة الأفلام السينمائية في منزله ليلا، ~~وأن أكثر ما يثير إعجابه هو أفلام رعاة البقر الأمريكية وقصص الحب ~~الميلودرامية. كان هيكل يقص علي ذلك إبان العمليات العسكرية في ~~أكتوبر متسائلا في دهشة عن السبب الذي يدعو السادات أن يهدر وقته ~~وصحته على مشاهدة الأفلام ليلا ، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى جهد ~~وتركيز عظيمين، وخاصة أن الوضع على الجبهة قد بات أكثر تعقيدا. ~~صاح هيكل قائلا: «الإسرائيليون يتسللون هناك، وهو يشاهد السينما! ~~أين يحدث ذلك؟» # في الواقع، فإن كل مقار الرئاسة، على كثرتها، كانت مجهزة بمعدات ~~العرض السينمائي، فإذا ما توقف في أحد المقار التي نادرا ما ~~يزورها، فمن الضروري أن يحضروا له جهاز عرض نقال. وقد رأيت ذلك، على سبيل المثال، عندما استقبلني السادات ذات مرة، لسبب لا ~~أذكره، في استراحة حلوان. # أثناء حواره يحاول السادات التأثير في محدثه، مستعرضا مشاعره، ~~وهو محدث لبق، يصوغ أفكاره بشكل واضح ودقيق، ولكنه قادر في الوقت ~~نفسه أن يقنع من أمامه بشكل مباشر أنه تعرض للإساءة، مثله مثل طفل، ~~وأن الذي أساء إليه يستحق العقاب الفوري. # في شهر أكتوبر وأثناء العمليات العسكرية تلقيت تكليفا بالقيام ~~بدور ما يشبه بالون الاختبار بأن أبلغ السادات وعلى نحو عابر ~~تماما أنني قبيل قدومي مباشرة للقائه استطعت على عجل أن أطلع على ~~برقية لم ms155 «أستطع» قراءتها كاملة، وهي برقية وصلت إلي من أحد ~~أقسام وزارة الخارجية وتتضمن أخبارا من نيويورك تفيد بأن ممثلين ~~عن مصر اتصلوا بالأمريكيين، وأنهم ألمحوا إلى إمكانية الوصول إلى ~~حل وسط بخصوص وقف إطلاق النار، الذي اقترحه الأمريكيون (من المعروف ~~أن السادات في الأيام الأولى للحرب رفض رفضا قاطعا أية صياغات ~~بخصوص وقف إطلاق النار، مطالبا بالانسحاب الكامل للقوات ~~الإسرائيلية من جميع الأراضي المحتلة باعتباره شرطا أساسيا، وهو ~~مطلب لم يكن واقعيا بالطبع). أدرك السادات أن حديثي لا يخلو من ~~غرض، وأن الأمر يتعلق هنا بعدم الثقة: هل سيدير المصريون المباحثات ~~مع الأمريكيين من وراء ظهورنا؟ لقد فهم السادات على الفور أنه ~~أيا كانت الحقائق (الآن أرى، على سبيل المثال، أن هذه المعلومات ~~لم تكن بعيدة عن الحقيقة)، فإنه يجب عليه أن ينفيها وبصورة قاطعة. ~~كم كان غضبه عندئذ شديدا! لقد احمر وجهه ولوح بيده تجاهي في ~~غضب، كما لو كان يطرد عنه شيطانا. رحت أعتذر بالطبع لكوني ذكرت له ~~عموما مجرد مدخل الخطاب الذي أرسله فضلا عن ذلك شخص «غير ذي ~~صفة». عندئذ صاح السادات: «كلا، كلا! لست مخطئا. لقد تصرفت على ~~النحو الصحيح بأن تحدثت إلي عن كل ذلك، أما هذا الذي أخبرك بذلك ~~فيستحق العقاب. نعم. نعم، أقسي عقاب.» وقد أبلغت موسكو بذلك ~~كله. # كان السادات رجلا غريب الأطوار، رجلا ذا عادات شرقية تماما، ~~إذا جاز التعبير؛ فهو يعبر عن نفوره من ضيفه بالطريقة التي ينظم ~~بها مجلسه في الغرفة التي يستقبله بها. وعندما تكون علاقتنا على ما ~~يرام، كان يستقبلني عادة في مكتبه الرسمي، في غرفة الاستقبال، أو ~~في غرفة مكتبه في منزله. كان يجلس على كرسيه ويدعوني للجلوس إلى ~~الأريكة المجاورة ويتعامل معي بأدب جم. # ذات مرة تسنى لي زيارته في وقت من تلك الأوقات التي كان الرئيس ~~يعبر فيها عن شعوره بالغضب تجاه الاتحاد السوفييتي. اقتادونا إلى ~~قاعة كبيرة صفت فيها آرائك وكراس إلى الحوائط وأمامها وضعت ~~مناضد صغيرة. وفي وسط هذا المكان الرحب ms156 وضع كرسي وحيد متوسط الحجم ~~له ظهر مرتفع، وفي جانب آخر وضع كرسيان عاديان. لم يكن هذا ~~التنسيق يلائم قاعة كبيرة ذات سقف مرتفع. قلت لرفيقي: «هل صحيح أنه ~~سيستقبلنا رسميا على هذا النحو؟ وهل ينبغي علينا أن نخضع ~~لذلك؟» # ثم ها هو الرئيس يدخل إلى القاعة. كان يسير وقد حمل ملفا تحت ~~إبطه. خمنت على الفور من ملامح وجهه أنه سوف يجلسنا في هذه ~~الأماكن التي تم إعدادها خصوصا لنا. وهو ما حدث بالفعل. جلس ~~الرئيس على المقعد ذي الظهر المرتفع إلى جانب إحدى الموائد وقد ~~كساه الوقار (أصدر الكرسي صريرا عند جلوسه، كان كرسيا من طراز ~~قديم للغاية، لم أر مثله في القدم)، وعلى الجانب الآخر للكرسي ~~جلسنا أنا ورفيقي. وإذا بمصور يظهر فجأة من حيث لا ندري، الأمر ~~الذي كان ينذر بشيء لا يبعث على الاطمئنان. التقط لنا صورا ظهرت ~~في الصحف في اليوم التالي. تمدد الرئيس في كرسيه مزهوا بنفسه، ~~عصاه إلى جواره وقد وضع ساقا على ساق، وعلى الجانب الآخر جلس ~~السفير ومستشاره على كرسيين وقد انتصب ظهراهما (لم يكن من طريقة ~~أخرى). كان كل شيء يجري على نحو برجوازي مهيب للغاية. # واقعة مثيرة للفضول. جرى اللقاء التالي مع السادات في نفس ~~المكان، ولكن بعد شهر تقريبا، وعلى مدى هذا الشهر كانت المياه قد ~~عادت لمجراها الطبيعي. استقبلنا السادات في نفس القاعة الكبيرة، ~~على أنها هذه المرة كانت مؤثثة تأثيثا غاية في البساطة. اتخذت ~~مقعدي إلى جوار الحائط، لكن الرئيس دعاني للجلوس على الأريكة. ~~اختفى من وسط القاعة ذلك المقعد الوثير واختفت معه الكراسي ~~والمنضدة التي تم إعدادها في المرة السابقة. # كنت قد لاحظت سابقا أن السادات شخص شديد الريبة، مما يجعل بينه ~~وبين الغدر خطوة واحدة. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية التي جمعت ~~بيننا تراكمت لدي أمثلة كثيرة. لم يبعد السادات من حياته دولا ~~فقط، بل إنه ألقى في السجون بكل الذين أحاطوه، وخاصة الذين ساعدوه ~~على أن يصبح رئيسا، كما أبعد أيضا الذين ms157 شغلوا مناصب كبري من ~~الناصريين. أقصي عزيز صدقي وعبد السلام الزيات ومحمود رياض ~~ومحمد صادق وحافظ إسماعيل ومراد غالب وحتى هيكل وآخرين. وهؤلاء ~~الذين دعموا السادات بإخلاص رئيسا، لم تكن لديهم أية أفكار للحد ~~من سلطته، بل على العكس تماما، جميعهم كانوا يسعون للعمل معه. ~~لكنهم ظلوا على صراحتهم، وكانت لديهم آراؤهم المستقلة، ببساطة ~~كانوا أناسا أذكياء. يمكننا ألا نشك أن الرئيس، عند الضرورة، لم ~~يكن أيضا ليأخذ بعين الاعتبار أولئك الذين كان يوليهم ثقته في ~~الوقت الراهن ليتولوا مقاليد الأمور في مختلف المجالات، والذين ~~يسيرون الآن على نهجه بكل حماس؛ فالرجل سوف يدير دفة الأمور إلى ~~حيث يشاء، ثم يلقي بالمصيبة على رءوس من ينفذون تعليماته طوال ~~الوقت بمبدأ السمع والطاعة. # هل للسادات أصدقاء؟ إن كان هناك، فمن هم؟ # هذا سؤال صعب، لعل أحدا في مصر لا يملك الإجابة عليه. البعض ~~يقول إن أصدقاءه هم الذين أنهوا معه الكلية الحربية، وهم ليسوا ~~ممن أصبحوا من المشاهير ، وإنما الذين بقوا في الظل لسبب أو آخر. ~~ربما، لكن انطباعا تولد لدي مفاده أن السادات كان وحيدا ~~بالمعنى الإنساني. لعل ذلك يرجع، على الأرجح؛ لأنه كان شخصا شديد ~~المراس، ومن ثم يصعب التقرب منه؛ فأمثاله لا يحبون أن يتعاملوا مع ~~الناس ببساطة وحسن طوية، وهو من الذين لا يكترثون بالآخرين ولا ~~يعترفون لهم بحقهم الكامل في أن تكون لهم أفكارهم المستقلة، بقدر ~~ما يخشون أن يقوم أحدهم بالتآمر عليه أو تقويض نفوذه. # كان السادات شكاكا ليس فقط تجاه الناس، وإنما أيضا تجاه صحته. ~~كان كثيرا ما يشكو لي أن صحته ليست على ما يرام بسبب سوء حالة ~~قلبه. وقد قاموا في موسكو بفحصه عدة مرات فلم يجدوا لديه أيا من ~~تلك الأمراض التي من شأنها أن تكون سببا بالفعل لاعتلال ~~صحته. # لكن صحته لم تمنعه من تدخين الحشيش، وهذه المسألة لا تعد في مصر ~~من الرذائل الكبيرة، وفي الوقت نفسه، كان المثقفون المصريون يأخذون ~~موقفا سلبيا تجاه هذه العادة التي يمارسها الرئيس. ms158 كان السادات ~~يدخن الحشيش في وجودي دون خجل، فكان يحشو غليونه بشكل دوري بتلك ~~الكرات البيضاء. وعندما جاء ألكسي كوسيجين إلى القاهرة أثناء ~~العمليات العسكرية، كان السادات يدخن غليونه دون انقطاع إبان ~~المباحثات دون أن يخجل من حشوه بالحشيش. # لاحظت أن الرئيس كان ينتابه التعب بسرعة إذا تطرق الحديث إلى ~~موضوعات تثير انفعاله، وخاصة إذا كان الحديث جادا، في الوقت الذي ~~يكون الرئيس قد وضع نصب عينيه أن يخلق انطباعا محددا لدى محدثه ~~وإقناعه بوجهة نظره هو. وبسبب هذا الانفعال يشعر بالإجهاد وتصبح ~~نظرته زائغة، ويصبح الحديث خاملا. عندئذ يخرج السادات غليونه ~~ويحشوه بالحشيش، ثم يجذب بضعة أنفاس عميقة، وما هي إلا برهة حتى ~~تتحول الصورة. يعود الرئيس إلى نشاطه وتتلألأ عيناه ويصبح حديثه ~~حيويا بهيجا. إنه الآن في أفضل حالاته. # ومن المعروف أيضا في مصر أنه كان محبا للشراب. عموما، فقد ~~كان لقائي الأول بالسادات في موسكو، عندما جاء لزيارة الاتحاد ~~السوفييتي باعتباره المبعوث الخاص لناصر ، وذلك في شتاء عام 1970م. ~~كان ثملا للغاية في السفارة المصرية، وكان يتبادل التحية والقبلات ~~مع كل الموجودين تقريبا بما فيهم أنا، مع أنني كنت ألتقي به للمرة ~~الأولى. وإبان زيارته لموسكو في ربيع 1972م، راح الرئيس المنتظر ~~«يسرف» في الشراب على مائدة الإفطار، ومن ثم كان يحاول بصعوبة ~~الحفاظ على توازنه عند إجراء مراسم تقديم السفراء الأجانب، وهنا ~~راح يخلط بين سفيري الهند وباكستان. كان الوضع هزليا وخصوصا أنه ~~في هذه الفترة كانت رحى الحرب دائرة بين الهند وباكستان! # كان الكحول يساعد السادات بشكل واضح على التخلص من الضغط النفسي ~~فيصبح أكثر صراحة وإخلاصا. # في صيف عام 1971م، سافرت في إجازة إلى الاتحاد السوفييتي، وقد صادفت ~~إجازتي وقوع أحداث غير سارة في مصر وفي السودان على وجه الخصوص. في ~~هذه الفترة سرت شائعات عن ظهور «سحابة» في العلاقات السوفييتية ~~المصرية، على الرغم من أنه لم يكن هناك من جانبنا أي شيء يمكن أن ~~يكون مسوغا لتأكيد ذلك. كانت خطوة دورية اتخذها أعداؤنا ms159 وأعداء ~~مصر كذلك، لكن الشائعات راحت تتضخم لتبدو للرئيس كأنها هي الحقيقة؛ ~~فتور علاقة الاتحاد السوفييتي تجاه مصر. وعلى الرغم من أن الإجازة ~~هي مسألة روتينية، فإن الرئيس ارتاب في غياب السفير السوفييتي لدى ~~مصر. تم إحاطة سفارتنا علما بأن الرئيس يرغب في مقابلة السفير، ~~وتساءلوا عما يعنيه هذا الغياب الطويل للسفير، وهلم جرا، وسرعان ~~ما تلقيت تعليمات بسرعة عودتي إلى القاهرة. # كان اللقاء الأول فور عودتي مع الرئيس بطبيعة الحال. دعاني ~~لمقابلته في استراحته بالمعمورة بالقرب من الإسكندرية. وصلت إلى ~~هناك في الحادية عشرة صباحا. لم أر مطلقا شخصا أكثر انشراحا ~~منه. وعلى الرغم من ارتفاع حرارة الجو فقد أمر بتقديم الفودكا ~~والسردين، وهنا قال لي للمرة الأولى إنه آسف لأن السفير لا يشرب؛ ~~ولهذا سوف يفعل هو ذلك وحده. لم أشأ أن أغير من رأي الرئيس. كان ~~يوما قائظا، أما هو فقد أكب على الزجاجة وحده. اتسم حديثنا ~~بالصراحة وإن شابه بعض الدهاء والمراوغة التي اعتاد عليهما ~~الرئيس . قال الرئيس إنه مستعد لأن يعطي الاتحاد السوفييتي كل شاطئ ~~البحر المتوسط من أجل تحقيق أهدافنا المشتركة، وإنه مستعد لكذا ~~وكذا وكذا، وهلم جرا. ثم أعرب عن عتابه على الاتحاد السوفييتي لعدم ~~فهمه مصر وما يجري في البلاد العربية، وطرح على نحو واضح فكرته حول ~~ضرورة أن نغير من طريقتنا بمزيد من السماحة والكرم وما إلى ذلك. ~~كثيرا مما قاله آنذاك، خمسون بالمائة منه تقريبا، قاله، من وجهة ~~نظري، بصراحة، عن اقتناع. أما الخمسون بالمائة الأخرى فكان حديثا ~~منمقا بطبيعة الحال لترك انطباع قوي. # ظل الرئيس يشرب وحده حتى شعرت بالحرج وخشيت أن يقع أمر ما، حتى ~~إنني اقترحت عليه أن أشاركه الشراب. أصبح حديثنا أكثر إمتاعا ~~لكلينا؛ لأنه كان صريحا على نحو نادر، حتى إن الحديث امتد بنا إلى ~~ما يزيد على أربع ساعات. # بعدما تسلمت عملي سفيرا لدى القاهرة، كان الرئيس يقول مازحا ~~للزعماء السوفييت إن الجميع معجبون بالسفير الجديد، وإنه لا يستطيع ~~بأي شكل أن يرضي الرئيس ms160 ويرسل إليه الفودكا على سبيل الهدية. في ~~البداية تعاملت مع هذا الكلام باعتباره مزاحا، لكن الرئيس ما فتئ ~~يكرر مزاحه المعاتب مرة بعد الأخرى، وعلى الرغم من أنني «حاولت»، ~~فكنت أرسل إليه في الظروف المناسبة من زجاجتين إلى ست، فإنني عرفت ~~من موظفينا القدامى بالسفارة أن السادات، قبل أن يصبح رئيسا، كان ~~ضيفا بصفة غير رسمية على السفير الذي سبقني، وأن السفير كان يضطر ~~في كثير من الأحيان أن يساعده في العودة إلى المنزل. عندئذ قررت أن ~~أرسل له صندوقا من الفودكا، وسرعان ما توقفت «الشكوى»، بل على ~~العكس تماما كان الرئيس يقول لي مازحا إن الأمور على خير ما ~~يرام؛ الغليون يعمل مع الفودكا. # لا أعرف عن الحياة المنزلية للرئيس كثيرا. لم أكن أستقبل في ~~عائلته، على الرغم من أنني كنت معروفا، بطبيعة الحال، لحرمه التي ~~كانت، كما يقولون، ذات تأثير معروف عليه (الأمر الذي لا أصدقه)، ~~كما كنت معروفا لأولاده. كانت بناته يحضرن إلينا في أرتك، # 2 # وقد زوجهن الرئيس من أنجال أثرياء مصريين. كانت زيجات ~~لها حساباتها بالطبع. كان يحب ابنته الصغرى جيهان بشكل خاص، وهي ~~فتاة تتميز بالجمال والجاذبية، وقد دعوناها إلى السفارة للاحتفال ~~مع الأطفال بمناسبة العام الجديد، وقد رقصت بكل سرور وحماس مع ~~الأطفال العرب والسوفييت وشاركتهم الغناء واللعب. باختصار كانت ~~تتصرف في غير تكلف وعلى سجيتها تماما. ترى أي مصير ~~ينتظرها؟ # كان السادات فخورا بجدارة ببناته وأبنائه. كانوا بالفعل قد ~~تلقوا تربية حسنة. كم من مرة استقبلني السادات في بيته عندما كان ~~مزاجه طيبا! كان يصفق بيديه فجأة مستدعيا الأطفال فيهرعون إليه. ~~يؤدون التحية ثم يأمرهم بالغناء فيغنون بالروسية «الأمسيات في ~~ضواحي موسكو». # 3 # كان الأمر يبعث الرضا في نفوس الضيوف، فضلا عن صاحب ~~البيت. # كان السادات، مثله مثل أي رئيس، لديه بالطبع حشم كثير، يذهبون ~~ويجيئون في البيت، مما كان يجعل البيت مكانا غير مريح، مفتقدا ~~إلى الجو العائلي، فيبدو مسكنا حكوميا على نحو ما. # عموما لم يكن الرئيس يهوى البقاء في ms161 مكان واحد. كان كثيرا، بلا ~~انقطاع في الواقع، يغير من مكان إقامته. كان قصر القبة هو المقر ~~الرسمي للرئاسة، وكان نادرا ما ينزل فيه. كان يلتقي فيه برؤساء ~~الدول وبالقرب من هليوبوليس. كان له مقر آخر هو قصر الطاهرة. كان ~~كثيرا ما يقيم فيه عندما يكون مشغولا بأمور الحرب. # وفي الجيزة أقيم له مقر رسمي جديد في مبنى كان يشغله متحف ~~للفنون الجميلة، استخدم ديوانا للرئاسة، وبذلك أوقف العمل بهذا ~~المبنى باعتباره مؤسسة ثقافية. وأمام المبنى تم على وجه السرعة، ~~خلال عدة أشهر، إقامة مخبأ على عمق يعادل خمسة طوابق. # يطل مقر الإقامة هذا على نهر النيل، وقد تم اختياره في هذا ~~المكان حيث يقع بالقرب منه عبر طريق صغير المنزل الخاص للرئيس، ~~وكان قد اشتراه قبل أن يشغل منصبه الرفيع (خطر ببالي دون إرادة مني ~~فكرة أن مقر الإقامة الرسمي يلائم مكان سكنه، وهذا يعني أن الرئيس ~~ينوي شغل منصبه للأبد). # كان هذا الجزء من الكورنيش هو الأفضل والأنظف في الجيزة ، وكان ~~يجتذب الناس للتنزه فيه، والحقيقة أنه كان المكان الوحيد اللائق في ~~القاهرة حيث يمكن للمرء أن يسير فيه. في الأشهر الأولى بعد تولي ~~الرئيس منصبه، كان من الممكن للجمهور أن يتنزه هنا، ولكن بعد مايو ~~من عام 1971م تم إغلاق الكورنيش بالحواجز، كما أغلق الممر بتحصينات ~~قوية، وأمام مقر الرئاسة رسا على شاطئ النهر مركب كبير كان الرئيس ~~يحب أن يجلس فيه منفردا بنفسه في المساء للتأمل. # وعلى بعد 35 دقيقة من القاهرة تقع استراحة الرئيس الأخرى في ~~القناطر عند تفرع نهر النيل. منزل جميل تعود ملكيته إلى إدارة ~~الري، ويقع على جزيرة صغيرة خضراء وله حديقة صغيرة تتوسطها شجرة ~~أثرية ضخمة ذات جذور هوائية تضرب في الأرض لتنمو مكونة أعمدة. وإلى ~~جوار البيت وفوق مجرى النهر يرسو اليخت الملكي للملك السابق فاروق ~~يستخدمه الرئيس صيفا للاستجمام. # وفي الصحراء وعلى بعد مائة كيلومتر تقريبا من الإسكندرية في ~~اتجاه ليبيا تقع برج العرب، وهناك توجد أيضا إحدى استراحات ms162 ~~الرئيس. وقد تسنى لي الذهاب إلى هناك أيضا عدة مرات، وهناك يوجد ~~منزل منعزل تماما في الصحراء. المكان يعد واحة صغيرة ليس أكثر. ~~هدوء مطلق وخاصة بالليل. # وإلى الشرق من الإسكندرية يقع منتجع المعمورة، حيث توجد على شاطئ ~~البحر استراحة أخرى للسادات تقع بجوار منزل كان قد بني ذات يوم ~~لناصر. حديقة جميلة من أشجار الدفلي تحيط بمنزل من طابقين. # ويمتلك السادات أيضا منزلا في قريته التي ولد فيها ويقع في ~~دلتا النيل على بعد مسيرة ساعة من القاهرة بالسيارة. وهناك يستقبل ~~السادات ضيوفه المقربين. وقد تسني لي أيضا الذهاب إلى هناك عدة ~~مرات. في المرة الأولى كان المنزل متواضعا مكونا من دورين تحيطه ~~حديقة صغيرة وقد نمت حوله كثير من الأشجار جلبت شتلاتها من ~~الاتحاد السوفييتي. كل شيء كان متواضعا، بل شديد التواضع مع شيء من ~~الإهمال. # بعد عام تقريبا، اضطررت للذهاب إلى هناك مرة أخرى. الآن تبدل ~~الوضع تماما في الداخل؛ لا يوجد هنا سوى بريق الرخام والبرونز ~~والزخارف الجصية والنقوش البارزة من النحاس. ظهرت الأحجار الفخمة ~~الرائعة وإن تميزت بالضخامة، وانتشر الأثاث على الذوق المصري وما ~~إلى ذلك. كل ذلك كان يبدو متناقضا مع الشوارع الريفية القذرة التي ~~ظلت على حالها هي وبيوت الجيران البائسة والماشية الهزيلة الهائمة ~~في الطريق والتي تشبه في مظهرها الفلاحين الكادحين. # استقبلني الرئيس مرتين في هذه الأماكن التي لم أكن لأزورها؛ مرة ~~في استراحة حلوان الخاصة التي تمت مصادرتها، والأخرى في النادي ~~الذي كان مخصصا سابقا للضباط في هليوبوليس. # كان الأثاث في منزله في الجيزة، مثله مثل باقي الأماكن ~~والاستراحات يفتقد، من وجهة نظري، إلى الذوق. كان هناك خلط بين ~~العصور؛ فهذه قطع يعود طرازها إلى منتصف القرن التاسع عشر في فرنسا، ~~وإلى جانبها أثاث آخر من طراز أوائل القرن العشرين في الولايات ~~المتحدة. العديد من الزخارف الجصية والستائر والسجاد والجوبلات ~~والأثاث الثقيل واللوحات مجهولة القيمة، والتي يبدو جليا أنها ~~اختيرت بمحض الصدفة. كل شيء يفتقد إلى الأصالة فيبدو تقليدا لشيء ~~ما ms163 «حقيقي»؛ المهم أن يوحي «بالثراء». على أية حال لم أر في مصر ~~عند أي من كبار المسئولين شقة مجهزة بذوق رفيع. دائما ما ترى ~~اندفاع أصحابها لإبهار الضيوف بثرائهم المزعوم الممثل في التماثيل ~~الخزفية وبعض الهدايا الصينية ومن غيرها من بلدان الشرق في كل ركن ~~من الأركان، باختصار كشكل من أشكال الاستعراض، وهو ما يعني أن كل ~~شيء غير حقيقي. # كان السادات يرتدي ملابس تتسم بالبساطة والذوق الرفيع. كان ~~واضحا أنه يحب الملابس المريحة الملائمة التي لا تعوق حركته ~~وتتماشى في الوقت نفسه مع الموضة. كان يراقب وزنه مراقبة دقيقة. ~~كان ممشوق القوام، رشيقا، أدخل عادة السير بالعصا تحت الإبط. لعل ~~ذلك كان محاكاة لسلوك الضباط الإنجليز، الذين كانت أعدادهم كبيرة ~~في مصر. وهؤلاء كانوا يحملون تحت إبطهم سوطا قصيرا، وقد ألغى ~~ناصر هذه العادة. # ومن الفضائل المميزة للسادات قدرته على الخطابة في الاجتماعات ~~واللقاءات الجماهيرية. كان لديه إحساس بالجمهور العربي، المصري إن ~~شئنا الدقة، فيتحدث أمامه بالعامية المصرية وباللهجة المحلية. كان ~~يبني خطبه بمهارة وتركيز. يبدأ فيطرح جوهر الموضوع ولو على نحو ~~موجز، ولكنه يعود إليه مرة أخرى، بل وربما يكرره، ولا عيب في هذا؛ ~~فهو يبدو وكأنه يتبادل الحديث مع الشعب. تجري عملية الإبداع عنده ~~على نحو علني، عملية خلق الخطاب وطرح الفكرة، وهذه الطريقة تؤثر ~~دائما في أي جمهور؛ ولذلك يصل مضمون الخطاب على نحو منطقي. لا ~~يجبر السادات المستمع على التفكير فيما يقوله. يطرح الفكرة ~~باعتبارها حقيقة ثابتة؛ أي موجودة، لا يفعل شيئا سوى أن يجعلها ~~أكثر وضوحا، ملائمة لنقلها إلى المستمع. # لم يقرأ خطبه إطلاقا من ورقة، على الرغم من أنه في كثير من ~~الأحيان، كان لديه نص مكتوب، وما يقرؤه منه، يقرؤه على نحو معبر ~~تماما. # كان السادات يمتلك قدرة ممتازة على الإلقاء، يمكن القول إنها ~~كانت مثالية. ليس من قبيل المصادفة أن «الضباط الأحرار» عندما ~~قاموا بثورة 1952م بقيادة ناصر، كلفوه بإعلان الثورة عبر الإذاعة. ~~كان ذلك، بالمناسبة، تعويضا له على عدم مشاركته ms164 في الثورة التي ~~«تأخر» عليها لوجوده في دار السينما مع ابنه، ولم يتلق في الوقت ~~المناسب تحذيرا من ناصر عن بدء الانتفاضة. # على أن الخطب الجماهيرية كانت تنهكه بشدة؛ كان يتصبب عرقا فيضطر ~~طوال الوقت لاستخدام منديل يجفف به عرقه. كان يبدو بعد الانتهاء من ~~إلقاء خطابه متعبا للغاية. لكن الأمر كان ينتهي دائما على نحو ~~رائع لا شك في ذلك. كان خطيبا مفوها بالنسبة للجمهور ~~العربي. ~~••• # إلى هنا كان من الممكن أن نصل إلى الخاتمة، على أنني أود أن أضيف ~~أمرا آخر على جانب كبير من الأهمية. # كان السادات يمتلك حدسا فذا، كأنه يمتلك شعورا باطنيا ~~يرشده في هذه اللحظة أو غيرها انطلاقا من التوجه العام الذي كان ~~ينتهجه إلى ما يراه في مصلحته، وهو الذي يمتلك السلطة في أكبر دولة ~~عربية وأقدمها، في مصر. كان توجهه التكتيكي الرئيسي يتلخص في أن ~~تظل يداه طليقتين سواء في علاقته بأصدقائه أو مع أعداء مصر. # لم يشأ أن يكون مرتبطا بأية التزامات مع أحد، ومن هنا كان سعيه ~~لاستغلال التناقض بين شركائه إلى أقصى درجة ممكنة؛ ولهذا كان يؤمن ~~بأن الآخرين، مثلهم مثله، سوف يتصرفون بنفس الطريقة. والمثال ~~الأعلى هنا هو ذلك الانقلاب الحاد نحو الولايات المتحدة الأمريكية، ~~ومن ثم الابتعاد عن الاتحاد السوفييتي فور انتهاء العمليات العسكرية ~~في عام 1973م، عندما كانت هيبة الاتحاد السوفييتي، على ما بدا، في ~~أوجها. لقد تحول نحو الولايات المتحدة الأمريكية لأنه كان يدرك ~~أيضا، بسبب تركيبه الذهني، أن المواقف الصادقة النزيهة التي ~~اتخذها الاتحاد السوفييتي ستجلب لكل مواطن سوفييتي سمعة رفيعة، أما ~~ما بدا له غير مقبول أن يبدو هو نفسه كما لو سقط في التبعية ~~للاتحاد السوفييتي. لقد شعر السادات أنه سيكون عليه أن يكون إلى ~~جانب الاتحاد السوفييتي. ولما كان منهجه هو سياسة الأيدي الطليقة، ~~فقد عول على التحول الحاد والمفاجئ لكثير من الناس. وهو ما كان ~~يتسق تماما مع شخصيته ويناسب سماته التي جبل عليها بوصفه فردا ~~وباعتباره رئيسا وحاكما ديكتاتورا. ms165 # هل باستطاعة السادات أن يقوم بسهولة وعلى نحو مفاجئ بعمل انقلاب ~~عكسي؟ يستطيع بالطبع تبعا للظروف. ولكن ليس هذا هو المهم. بالنسبة ~~لنا المهم أن نعرف دائما لماذا قام بهذا الانقلاب؟ ما هي الحسابات ~~التي تقف وراء هذا الانقلاب؟ فالانقلاب لا يعني أن السادات قد تغير ~~بوصفه إنسانا ورئيسا. سوف يكون انقلابه خطوة تكتيكية أملتها عليه ~~الظروف. وإذا ما أضفت هذه الظروف التي تقوده إلى اتخاذ هذه الخطوة، ~~فينبغي أن ننتظر من الرئيس خطوات أخرى نحو اتجاهات جديدة. # هذا إذا ما استمر السادات رئيسا بالطبع، وإذا ما شعر أنه يستطيع ~~أن يخدعنا كما حدث من قبل. # إذا ... # يناير 1975م # موسكو # | ملاحظات على هوامش كتاب # محمد حسنين هيكل: «الطريق إلى رمضان» # لفت كتاب «الطريق إلى رمضان» للصحفي السياسي العربي البارز محمد ~~حسنين هيكل عن الحدث الأكبر الذي وقع مؤخرا في العالم العربي، والذي ~~تمثل في العمليات العسكرية المصرية والسورية ضد إسرائيل في أكتوبر من ~~عام 1973م. لفت الانتباه إليه في العالم العربي وفي خارجه. # 1 # لقد أتاحت أحداث أكتوبر التي وقعت في الشرق الأوسط عام 1973م الفرصة ~~لظهور الجوانب المختلفة لسياسة الدول العربية، وإسرائيل، والولايات ~~المتحدة الأمريكية، ودول غرب أوروبا. كما ألقت الضوء أيضا على الدور ~~الكبير للاتحاد السوفييتي وعلى سياسته الدولية، وأظهرت دور الانفراج في ~~العلاقات وفضله على قضية السلام والظواهر الجانبية التي نتجت ~~عنه. # استمرت العمليات العسكرية في الشرق الأوسط حوالي عشرين يوما، لكنها ~~أظهرت الكثير وكشفت عن مختلف جوانب حياة وسياسة العديد من الدول. وقد ~~تباينت الآراء حول هذه الأحداث. والإسرائيليون، الذين سلموا بأنهم ~~ارتكبوا «أخطاء» في الفترة الأولى من الحرب، عندما أخذ العرب بزمام ~~المبادرة، راحوا يرفعون عقيرتهم معلنين انتصارهم العسكري في الفترة ~~الأخيرة، مؤكدين على أنه لولا اتخاذ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ~~قراره بوقف إطلاق النار، لألحقت إسرائيل بالعرب هزيمة عسكرية ~~ساحقة. # أعلن المصريون افتخارهم بانتصارهم العسكري وبالإعداد العسكري الرائع ~~لقواتهم المسلحة، لكنهم صمتوا في خجل عن أنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى ~~من تلقي ms166 هزيمة عسكرية كاملة؛ إذ إنهم لم يأخذوا على عاتقهم، بوعي أو ~~لأي سبب آخر، اتخاذ الإجراءات اللازمة للقضاء على الثغرة التي أحدثها ~~الإسرائيليون ليصلوا منها إلى الشاطئ الغربي لقناة السويس في ~~أفريقيا. # أما السوريون، الذين تكبدوا خسائر أكثر فداحة، فقد أكدوا أن سوريا ~~كانت مستعدة للبدء في هجوم مضاد هائل في اليوم التالي مباشرة لإعلان ~~وقف إطلاق النار، الذي وافق عليه السادات دون تشاور معها. # وهنا راح الأمريكيون يؤكدون في نفاق، كعادتهم، أن اهتمامهم الأول كان ~~منصبا على حقن الدماء وتحقيق السلام والهدوء في الشرق الأوسط، ~~وفضلوا السكوت عن ذكر الصفقات السريعة الهائلة لإمداد إسرائيل بأحدث ~~الأسلحة القادمة مباشرة من مخازن السلاح الأمريكية، بل وبأطقمها باتجاه ~~الأراضي المصرية التي يحتلها الإسرائيليون (في العريش بسيناء)، ناهيك ~~عن الدعم السياسي الصريح لإسرائيل. # أما عن الموقف الحقيقي للاتحاد السوفييتي فيتلخص في أنه قدم المساعدة ~~والدعم للعرب لكي يحققوا ظهورا مؤثرا مهيبا لقدراتهم الكامنة؛ أي ~~الانتصار بالمعنى السياسي العسكري، ولإنقاذ العرب عندما تحولت دفة الحرب ~~لغير صالحهم. وقد سعى الاتحاد السوفييتي بروح الانفراج للتعاون مع ~~الولايات المتحدة الأمريكية في قضية حل النزاع في الشرق الأوسط، بل إنه ~~لم يخش المخاطرة بالدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة عندما بدا أن ~~هناك تهديدا بهزيمة ساحقة للعرب بسبب الإمدادات الهائلة من جانب ~~الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل. # يحتوي كتاب هيكل على تقديرات وعلى حقائق، ومن ثم فإننا سوف نولي ~~اهتمامنا الأساسي، من خلال تعليقاتنا للحقائق، ومع ذلك سيكون علينا أن ~~نتحدث أيضا عن بعض التقديرات التي أوردها الكاتب في كتابه، وخاصة أن ~~هذه التقديرات تنطلق في كثير من الأحيان إما عن إحاطة بالوقائع، وإما ~~نتيجة لطرحها طرحا غير دقيق (التعليقات مطابقة لترتيب نص ~~الكتاب). # المقدمة # ص8: # يبدأ الكاتب عمله بالتأكيد على ~~حتمية نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط. # الأرجح أن الأمر لم يكن يستحق مثل هذا الحكم القاطع؛ إذ كان من ~~الممكن ألا تقع الحرب في المستقبل المنظور لمدة، لنقل من عشر إلى ~~خمس عشرة سنة. الأمر يتوقف ms167 على السياسة التي كانت ستنتهجها كل من ~~إسرائيل ومصر. # كان من الممكن أن يبادر العرب بالحرب، لو أنهم تأكدوا أن مصر ~~ستشارك فيها بحزم؛ فبدون مشاركة مصر لما خاضت الدول العربية الأخرى ~~غمار حرب ضد إسرائيل؛ لأنها كانت ستخشى من الأمر الواقع وهو تلقي ~~الهزيمة على يد إسرائيل. ولهذا فالدول العربية أغلب الظن، كانت ~~ستتعامل بواقعية تجاه إمكانية نشوب أعمال عسكرية دون مشاركة مصر ~~فيها. ومع وجود السادات في الحكم وانتهاجه لسياسة التعاون مع ~~الولايات المتحدة الأمريكية، لم تكن مصر لترغب في المستقبل القريب ~~في الدخول في حرب ضد إسرائيل، حيث إن ذلك يمثل تناقضا مع نهجها في ~~التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. فضلا عن ذلك فمن الصعب أن ~~نتصور قيام عمليات عسكرية إذا ما عادت قناة السويس للعمل. ليس من ~~قبيل الصدفة أن الإسرائيليين والأمريكيين كانوا كثيرا ما يعلنون ~~أن أفضل خط دفاع لإسرائيل هو قناة السويس في حالة عملها. على أية ~~حال، لا يمكن الحديث الآن عن انتظار إسرائيل لهجوم عربي ~~مفاجئ. # من غير المحتمل في الظروف الحالية أن تظهر إسرائيل أي مبادرة أو ~~أن تبدأ حربا واسعة ضد مصر؛ فإسرائيل يهمها استمرار السادات في ~~تقديم التنازلات للولايات المتحدة الأمريكية. ومن الناحية العسكرية ~~الصرفة فإن هذه «الحملة العسكرية» لن تعود بالنفع على إسرائيل؛ لأن ~~الولايات المتحدة ليست مهتمة بقيام حرب في الشرق الأوسط؛ لأن ذلك ~~يعوق من ممارستها لمنهجها العام في النفاذ إلى الدول ~~العربية. # كان الأرجح هو قيام إسرائيل بمهاجمة سوريا تحت أي مبرر، ولكن على ~~إسرائيل عندئذ ألا تنسى علاقات التضامن التي لا تزال موجودة بين ~~الدول العربية، حتى ولو كانت هذه العلاقات قد أصابها الضعف، وهو ما ~~يعني احتمال دخول دول عربية أخرى في الحرب، ولو ضد إرادتها (مثل ~~مصر على سبيل المثال)، وهو ما يمكن أن يتنافى في نهاية الأمر مع ~~المصالح الحالية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. # ولهذا فمن الصعب، من وجهة نظرنا، القول على هذا النحو القاطع ~~«بحتمية» نشوب حرب جديدة في الشرق ms168 الأوسط في المستقبل القريب. ولكن ~~لا يمكن من الناحية التاريخية، بطبيعة الحال، التنبؤ بما سيحدث، ~~كما أن من الجائز أيضا أن تتغير طبائع الدول العربية، بل وإسرائيل ~~نفسها، كما تتغير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية. وأخيرا، فمن ~~الممكن أيضا وقوع ما لم يكن في الحسبان. # إن ملاحظة الكاتب بشأن حتمية نشوب حرب جديدة أمر ينبغي النظر ~~إليه باعتباره تعبيرا عن الأسى لأن حرب أكتوبر لم تؤد إلى حل ~~النزاع، بل إنها أرجأته أيضا، وباعتبار أن الشرق الأوسط قد بات في ~~الواقع محلا لتجمع قدر كبير من القضايا القابلة للاشتعال. # عرفان من الكاتب # ص9: # لم يكن الكاتب بحاجة إلى توجيه ~~الشكر إلى المدعو جون باري على «التصحيح النهائي للحقائق ~~والأرقام»؛ إذ إن الكتاب يحتوي على عدد كبير من المعلومات غير ~~الدقيقة، فضلا عن الأخطاء الجسيمة فيما يختص بالوقائع. # الفصل الأول: المفاجأة # ص15: # يبدو إعلان مدير المخابرات ~~الحربية المصرية أن إسرائيل سوف تعرف بموعد العمليات المصرية ضد ~~إسرائيل قبل بدايتها بخمسة عشر يوما؛ أي فور بدء الاستعدادات لها ~~أمرا معقولا. ومن الناحية العملية فإن إخفاء هذه الاستعدادات ~~الجادة في الظروف المصرية أمر مستحيل. ليس فقط بسبب طبيعة الأرض ~~وجسامة هذه الاستعدادات، وإنما أيضا نتيجة لقدرة المخابرات ~~الإسرائيلية والتي تحدث عنها الكاتب نفسه بالمناسبة. # للأسف فإن الكاتب لم يطور فكرته بشأن استحالة قيام المصريين ~~بهجوم «مفاجئ» وليته فعل؛ إذ لو تأكد على نحو صحيح أن الإسرائيليين ~~لم يكونوا ليباغتوا على حين غرة، وأنهم كانوا سيعلمون بموعد قيام ~~الحرب قبلها بخمسة عشر يوما (!)، لكان من الضروري وجود تقييم آخر ~~للأحداث، فضلا عن إلقاء الضوء على الوقائع وعلى طريقة ~~تناولها. # ص16: # إن التأكيد على أنه كان من الممكن ~~خفض فترة خداع الإسرائيليين من خمسة عشر يوما إلى أربعة أو خمسة ~~أيام يبدو ساذجا. وحتى لو افترضنا أن ذلك سينجح، لظل الوضع على ما ~~هو عليه، لو تأكد أن الإسرائيليين كانوا على علم بموعد بدء الهجوم ~~العربي قبلها بأربعة أو خمسة أيام على أقل تقدير! فهذه الفترة ms169 كانت ~~كافية لأن يتخذ الإسرائيليون الإجراءات المضادة المناسبة سياسيا ~~وعسكريا، هذا إذا ما أرادوا بالطبع اتخاذ هذه الإجراءات. # ص18: # التصريح بأن الأمريكيين كانوا ~~يعرفون خطة العمليات العسكرية المصرية منذ شهر مايو من عام 1973م ~~أمر جدير بالاعتبار. وفي معرض طرحه للمعلومات الخاصة بخطط العمليات ~~العسكرية للعرب، بما في ذلك توقيت بدء هذه العمليات، وأنه كان ~~معروفا من قبل الأمريكيين، ومن ثم الإسرائيليين. يختلط الأمر على ~~هيكل على نحو ما عندما يقدم استنتاجاته. لماذا؟ لو أن هيكل التزم ~~التفكير المنطقي لما فاتته الاستنتاجات المنطقية أيضا حول أن ~~الأمور لم تكن جميعها على هذا النحو من الشفافية من الناحية ~~السياسية لهذه القضية. هنا حاول هيكل بشكل ساذج تماما أن يجد ~~مخرجا من هذا الموقف استنادا إلى تأكيدات الأمريكيين، على حد ~~قوله، أنهم لا يصدقون خطط المصريين! هل صحيح أنهم لم يكونوا ~~يصدقونها؟ أين هي إذن تلك الاتصالات الدائمة المزعومة بين أجهزة ~~المخابرات المصرية والأمريكية التي تحدث عنها الكاتب مرارا، والتي ~~لم تتوقف مطلقا حتى في وقت الحرب؟ إنه لأمر غريب ألا يكون ~~الأمريكيون متأكدين آنذاك عبر هذه القنوات (وغيرها) من صحة «خطة ~~بدر»؟ # مما سبق نصل إلى ما يلي: كانت الولايات المتحدة الأمريكية على ~~علم بخطة العمليات العسكرية المحتملة، وأنها، على الأرجح، قد أبلغت ~~إسرائيل بها على أقل تقدير. # ص22: # كان هيكل على صواب من الناحية ~~الشكلية؛ فقد أعلن السادات، بالفعل وبكل الوسائل، أن هذه «الحرب» ~~هي، على حد قوله، عمل احترافي يختص به العسكريون، مثل كل عمل ~~يمارسه أناس ملائمون للمهنة. وراء ذلك تواري مكر السادات البدائي؛ ~~يتم إلقاء المسئولية على العسكريين في حالة فشل العملية، وقد كان ~~مؤمنا بالفشل، ولم يكن السادات يتوقع مثل هذا النجاح العسكري الذي ~~تم بالفعل، والذي كان مفاجأة للسادات أكثر من أي شخص آخر. كل ~~الشواهد تؤكد ذلك. أما النتائج الإيجابية، فالرئيس دائما لديه ~~القدرة على أن ينسبها لنفسه، وهو ما حدث في واقع الأمر. كان ~~السادات حريصا على أن تنسب إليه كل الإيجابيات التي ms170 أدت إليها ~~العمليات العسكرية، وأن يتم إبراز هذه المآثر العسكرية التي اجترحت ~~لتضاف إلى حسابه. أما الفشل والأخطاء، وعلى وجه الدقة تلك الثغرة ~~التي أحدثها الإسرائيليون لينفذوا منها إلى الضفة الغربية للقناة، ~~فقد نسبت إلى .. رئيس الأركان الشاذلي. والسبب، على ما يبدو، أنه ~~لم يكن مطلعا على دهاليز خطط السادات الفاسدة سياسيا؛ ولذلك فقد ~~قدم تقديرا بالوضع الحقيقي فيما يخص الاختراق الذي قام به ~~الإسرائيليون. لقد كان هذا الرجل ببساطة هو الذي نقل خبر المصيبة؛ ~~ولهذا كان من الطبيعي، من وجهة نظر السادات، أن يجعل الشاذلي «كبش ~~فداء»، وهو ما تم بالفعل. فيما بعد تم تعيين الشاذلي .. سفيرا لمصر ~~لدى إنجلترا. # ص24: # حجج السادات الغريبة (كما صورها ~~هيكل): هل يبلغ السادات الاتحاد السوفييتي بموعد بدء العمليات ~~العسكرية أم لا؟ لماذا لم يأت هيكل هنا على ذكر أمر آخر ولو مرة ~~واحدة، تلك التأكيدات العديدة التي أعلنها السادات للزعماء السوفييت ~~بأن مصر لن تبدأ الحرب دون تشاور مع الاتحاد السوفييتي (ناهيك عن ~~الالتزام بإبلاغه بذلك بموجب معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين ~~البلدين). يرجع قرار السادات بعدم إبلاغ الاتحاد السوفييتي لأسباب ~~بعيدة كل البعد عن السياسة النزيهة تجاه الاتحاد السوفييتي. يمكن أن ~~نفترض أن السادات كان يدرك أنه بعدم إبلاغه الاتحاد السوفييتي فهو ~~لن يحسن، على أية حال، من علاقاته به، بل على العكس من ذلك، ~~كان يعرف أن هذه الخطوة لن تجد ترحيبا من جانب الاتحاد السوفييتي، ~~ومن الواضح أن السادات لم يكن ليعبأ برد الفعل السلبي للاتحاد ~~السوفييتي (مخالفة شروط معاهدة الصداقة، العواقب المجهولة بالنسبة ~~للعالم العربي، التسوية الشاملة، قضية الانفراج في العلاقات ~~السوفييتية الأمريكية، وهلم جرا). # ينبغي أيضا أن نفترض أن السادات كان يعول على رد الفعل السلبي ~~من جانب الاتحاد السوفييتي، ومن ثم فقد كان السادات بحاجة إلى هذا ~~الأمر. لماذا؟ بالطبع ليس من أجل التقارب مع الاتحاد السوفييتي، ~~الذي كان على مصر أن تعتمد عليه إبان العمليات العسكرية. إن هذه ~~اللفتة العدائية تجاه الاتحاد السوفييتي كانت، في ms171 الوقت نفسه، ~~بمثابة لفتة ودية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية (لنتذكر ~~الاتصالات المصرية الأمريكية المستمرة، وأن الولايات المتحدة ~~الأمريكية كانت على علم بخطة العمليات العسكرية المصرية). # من هنا كان قرار السادات عدم إبلاغ الاتحاد السوفييتي بموعد بدء ~~العمليات العسكرية استعراضا وديا تجاه الولايات المتحدة ~~الأمريكية التي «قدرت» في حينه هذا النوع من «حسن ~~السلوك». # كان على هيكل أن يكتب تحديدا عن هذا الأمر، بدلا من الحديث عن ~~المبررات التي لا وزن لها، والتي زعم أن السادات عكف عليها وهو ~~يبحث مسألة هل عليه أن يخبر الاتحاد السوفييتي أم لا يخبره. # ومن غير المستبعد أن يكون السادات قد فعل ذلك أمام هيكل خصوصا ~~ليدفع به إلى نوع من الضلال لعلمه ببعض أفكار هيكل المؤيدة للصداقة ~~مع الاتحاد السوفييتي، وهي أفكار كانت تقف آنذاك على النقيض من نيات ~~السادات نفسه. # ص24: # انقطع حديث السفير السوفييتي مع ~~السادات عشية الحرب، وانقطعت معه على وجه الخصوص، آراؤه التي لم ~~يسجلها بالمناسبة أحد من المصريين في تلك الأمسية. # إن أي سفير سوفييتي لم يكن بإمكانه إطلاقا أن يقول إنه كان يعرف ~~مسبقا أي جواب سيعطيه القادة السوفييت على هذا الطلب أو ذاك من ~~جانب رئيس دولة أجنبية. جدير بالذكر أيضا أن السادات في هذا ~~اللقاء لم يذكر أي كلمة «تنبؤية» حول أن الأيام القادمة سوف تكون ~~«اختبارا حقيقيا وعمليا للمعاهدة السوفييتية المصرية». كل ذلك ~~يقودنا إلى فكرة أن قصة هذا الحديث (الذي أورده هيكل في كتابه، المترجم) # 2 # قد أوحى بها السادات إلى هيكل، أو أن هيكل قد اختلقها ~~جزئيا. # في هذا الحديث اكتفى السادات بالحديث مغمغما حول عدم قدرة مصر ~~«تحمل» مثل هذا الوضع، وأنه لا يستبعد «انفجاره». # ص26: # في اجتماع مجلس الأمن القومي في ~~الثاني من أكتوبر عام 1973م، ألقى السادات تصريحا مثيرا للانتباه ~~حول أن الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية مستعدان، على ~~ما يبدو، للتوصل إلى اتفاق حول كل القضايا، بما في ذلك قضية الشرق ~~الأوسط؛ ولهذا فإن لدى مصر، على حد قوله، ms172 فرصة أخيرة للقيام بأعمال ~~مؤثرة. # كان السادات يعلم جيدا أن الاتحاد السوفييتي لا تربطه بالولايات ~~المتحدة الأمريكية أية معاهدات بشأن الشرق الأوسط، لكنه كان بحاجة ~~إلى أن يخلق انطباعا فحسب بوجود مثل هذا الاتفاق في حالة إذا ما ~~اعتزم الانتقال إلى انتهاج سياسة موالية للأمريكيين. # ليس هناك أي شيء مخالف لسياق الأمور في زيارة الجنرال جونين إلى ~~المواقع الإسرائيلية في سيناء، والمصريون لم يلحظوا أية تغييرات في ~~توزيع القوات الإسرائيلية هناك بعد هذه الزيارة. والإسرائيليون ~~كانوا على استعداد، لو افترضنا أنهم عرفوا بهجوم مصري متوقع، ~~للتضحية بمقاتليهم على خط بارليف من أجل التوصل إلى «أهداف سياسية ~~عليا». وبالمناسبة، فقد تبين لسبب ما، أن عددهم هناك كان قليلا ~~للغاية؛ فقد تركزت القوات المسلحة الإسرائيلية في الشمال مستهدفة ~~اجتياح السوريين على حدة، ما دامت مصر، بحسب توقعاتهم، لا نية ~~لديها لمساعدتهم. # ص27: # اعتراف صيغ على نحو بليغ يفيد أن ~~إسرائيل كانت، على أقل تقدير، على علم بالاستعدادات الواضحة للقوات ~~المسلحة المصرية على الأرض. وقد وصف هيكل سلوك الإسرائيليين بأنه ~~سلوك «غريب»، لم يكن هناك شيء «غريب»، إذا ما افترضنا أن ~~الإسرائيليين لم يريدوا ما كان ظاهرا للعيان، بما أن كل شيء كان ~~يسير حتى الآن وفقا لخطة معدة سلفا. باختصار، لا ينبغي أن نعتبر ~~أن الإسرائيليين هم أناس حمقى، بينما المصريون إلى هذا الحد من ~~العبقرية والدهاء. # ص28: # مرة أخرى يعود هيكل ليفسر على نحو ~~ساذج سلوك الإسرائيليين الذين «ألغوا التعبئة دفعة واحدة، ثم أولوا ~~اهتماما أقل بما يجري من تطورات على الجانب الآخر من القناة.» هذا ~~«التفسير» السطحي يمكن أن يكون مناسبا للقراء قليلي الخبرة في ~~العالم العربي، الذين يطالعون مقالات هيكل. هؤلاء الذين غرقوا في ~~موجة «تحيا الوطنية». # إن الحقائق تقول إن إسرائيل لم توقف نشاطها الاستخباراتي في مصر ~~مطلقا، وقد تحدث هيكل بنفسه عن ذلك مرارا. # ص28: # لم يكن ما نشرته وكالة أنباء ~~الشرق الأوسط في الثاني من أكتوبر عام 1973م بشان أن الجيشين الثاني ~~والثالث قد وضعا في ms173 حالة تأهب من قبيل «الصدفة» بطبيعة الحال، ولم ~~يكن من الممكن ألا تلاحظ إسرائيل هذا الخبر. فإذا كانت إسرائيل لم ~~تتخذ أية إجراءات حيال هذا الخبر، فإن ذلك يعني أن ذلك كان قرارا ~~واعيا من جانب القيادة الإسرائيلية. # ص29: # من المثير للانتباه هذه التفاصيل ~~التي أوردها هيكل بشأن البرنامج المعد مسبقا لتهيئة الرأي العام ~~لبدء العمليات العسكرية بمبادرة من مصر؛ إذ تم إعداد الأمر بحيث ~~يتم التذرع بأن إسرائيل هي التي بادرت بالقيام بعمليات ~~عسكرية! # ص30: # اعتراض السوريين على الحل المنفرد ~~من جانب المصريين، الذين لم يراعوا مصالحهم، المهمة تماما، كان ~~اعتراضا منطقيا. فيما بعد، وبعد مرور نصف عام صرح الزعماء ~~السوريون في أحاديثهم الشخصية علانية أن مصر «استغلت» سوريا لتحقيق ~~مصالحها أكثر من مرة. إن كون المصريين لم يولوا اهتماما إلى طلب ~~السوريين أن يمنحوهم فسحة من الوقت لتفريغ خزانات الوقود في حمص، ~~يعد مثالا على مثل هذا السلوك. وبالفعل فقد أشعل الإسرائيليون ~~النيران في مصنع لتكرير النفط وفي الاحتياطات في أحد الأيام الأولى ~~للعمليات العسكرية. وفي الوقت نفسه، بالمناسبة، لم تقم القوات ~~الجوية الإسرائيلية بشن أي غارة على أي من المنشآت الصناعية ~~المصرية، على الرغم من أن مركز الصناعة الحربية العربية موجود في ~~القاهرة تحديدا. أليس أمرا غريبا؟! # ص30: # لو أن المصريين قاموا بالفعل ~~إقناع السوريين بشأن موعد بدء العمليات العسكرية على النحو الذي ~~أورده هيكل، فإن حججه في هذا الشأن تكون ساذجة تماما. آنذاك كان ~~هناك أمر واحد شديد الوضوح؛ لم يكن المصريون على اتفاق حتى في هذا ~~الأمر المهم مع السوريين، بل إنهم أصروا على موقفهم، الذي من شأنه ~~إيقاع الضرر بالقرار السوري، هذا على الرغم من أن المصريين كانوا ~~يعلمون أن الجيش الإسرائيلي كله متمركز ضد سوريا، وأنه كان على ~~السوريين تحديدا أن يحملوا عبء الاتفاقات الإسرائيلية، ولو في ~~بداية الحرب. # ص32: # إن التأكيد على أن الإسرائيليين ~~في الثالث من أكتوبر استبعدوا إمكانية شن حرب من جانب المصريين ~~والسوريين يتناقض مع تأكيد مضاد آخر لهيكل. ms174 ينبغي ألا ننسى أيضا ~~أنه بحلول تلك الفترة كان الأمريكيون يملكون بين أيديهم، كما يؤكد ~~الكتاب، الخطة المصرية. وعلاوة على ذلك، فقد كانت القوات المسلحة ~~المصرية قد أجرت بالفعل «مناورات»، وحتى الضباط في أركان الحرب ~~أصبحوا يرتدون ملابس الميدان وأغلقت الكليات العسكرية في مصر، كما ~~تم رفع كباري العبور من مواقع التدريب في النيل. وهناك حقيقة أخرى ~~بالغة الأهمية وهي البدء في الإخلاء الجماعي لأفراد عائلات ~~العاملين السوفييت في كل من مصر وسوريا. كما ينبغي ألا ننسى ~~التصريحات الواردة في الكتاب، والتي أدلى بها العسكريون المصريون ~~بشأن أن إسرائيل سوف تعرف حتما بموعد بدء العمليات العسكرية قبلها ~~بأربعة أو خمسة أيام! الحديث هنا يدور عما جرى من أحداث وقعت في ~~الثالث من أكتوبر؛ أي قبيل بدء الهجوم بثلاثة أيام. وعليه ~~فالإسرائيليون إما تظاهروا بأنهم لا يعرفون شيئا عن استعدادات ~~المصريين الواضحة والملموسة، وإما أن تقرير لجنة أجرانات ببساطة ~~أخفى الحقائق؛ أي إنه كان تقريرا مزيفا. # ص33: # أمر غريب: يورد هيكل العديد من ~~الحقائق تؤدي مباشرة إلى وجود استعدادات ملموسة من جانب المصريين ~~لبدء العمليات العسكرية، كما يتحدث في الوقت نفسه عن فعالية ~~المخابرات الإسرائيلية. # 3 # كل ذلك يتناقض مع تأكيده بشأن مفاجأة الهجوم المصري. ~~ومع ذلك فإن الكاتب يعزو تقاعس الإسرائيليين (ومن ثم الأمريكيين) ~~إلى غطرسة الإسرائيليين، بزعم أنهم لم يكونوا راغبين في رؤية ~~وتصديق ما رأوه وما سمعوه! هل يمكن أن يكون هذا أمرا ~~جادا؟ # قلت لنفسي: أليست هذه اللغة التي يستخدمها الكاتب هي ذاتها لغة «إيزوب»؛ # 4 # يتحدث عن حقائق ولكنه يفسرها (يؤولها) على نحو آخر أو، ببساطة، لا يفسرها (لا يؤولها)؟ # ص34: # الواضح أن السادات لم يحط هيكل ~~علما برسالة القيادة السوفييتية المؤرخة الرابع من أكتوبر. لم تطلب ~~هذه الرسالة على وجه الخصوص، السماح بإجلاء «المستشارين المدنيين ~~السوفييت وعائلاتهم» من مصر، وإنما تضمنت أنه نظرا لصعوبة الوضع ~~فقد قررنا السماح بمغادرة أفراد عائلات العاملين السوفييت في مصر. ~~تناول الحديث فقط أفراد عائلات العاملين؛ أي الزوجات والأطفال وليس ms175 ~~الخبراء. وبالمناسبة فقد بلغ عدد الزوجات والأطفال الذين تم ~~إخلاؤهم خلال عدة أيام من مصر ما يزيد على 2700 فرد. # ص35: # مرة أخرى يعود هيكل للحديث عن ~~استدعاء المستشارين المدنيين السوفييت، وهو ما لم يحدث في الواقع. ~~من هنا يصبح واضحا «المعاناة» المصطنعة للسادات تجاه ما يمكن أن ~~يعنيه ذلك بالنسبة لموقف الاتحاد السوفييتي. وهذه من بنات أفكار ~~هيكل. تضمنت رسالتنا ليس فقط الحديث عن دعم مصر، وإنما أيضا ~~الإسراع بتوريد المعدات العسكرية! حتى إن السادات لم يكن بحاجة إلى ~~أن يشغل فكره بما إذا كان سيتلقى مساعدات أم لا. # يمكن تفسير هذه التناقضات العديدة مع الحقائق بجهل الكاتب بالوضع ~~الحقيقي للأمور، ومن هنا خياله ذو الطابع الأدبي حول ما عاناه ~~السادات من «عذاب الشك». وإما أن السادات أوعز لهيكل برواية ~~الرسالة بهذه الصيغة وعن إجلاء المستشارين، وليس أفراد عائلاتهم ~~وعن «شكوكه»، بعد أن صمت، بالطبع، عن استعداد الاتحاد السوفييتي ~~لتقديم الدعم، وهو ما تم التعبير عنه في الرسالة السوفييتية. # ص36: # حسنا. ها هو إثبات آخر يأتي على ~~نحو عفوي أن الإسرائيليين لاحظوا تمركز معدات العبور المصرية ~~ليس فقط في التاسعة والنصف من صباح السادس من أكتوبر، وإنما أيضا ~~في الخامس من أكتوبر. وهل كان من الممكن ألا يلاحظ ذلك الأمر؟ ~~وكيف يمكن الحديث عندئذ عن «مفاجأة» الهجوم المصري؟ كم مرة يقع ~~الكاتب في تناقض مع نفسه! # ص36: # دليل آخر يتمثل في أن ~~الإسرائيليين كان عليهم أن ينتبهوا على الأقل. هيكل الوحيد الذي لم ~~تكن لديه معلومات دقيقة؛ فالمستشارون السوفييت لم يجر إجلاؤهم، ~~وإنما أفراد عائلاتهم الذين وصلت لنقلهم طائرات إيليوشن، وليست ~~طائرات توبيلوف. # 5 # ص36: # مرة أخرى يقدم هيكل تأكيدا ~~بعيدا عن الحقيقة مفاده أن القيادة الإسرائيلية لم تستطع أن تصدق ~~هذا السيل المتدفق من المعلومات الواردة عن تحرك القوات المصرية. ~~هكذا صور هيكل الإسرائيليين باعتبارهم أناسا شديدي ~~الحمق! # ص38: # لم يأت السادات في لقائه الذي تم ~~معي في السادس من أكتوبر على ذكر إجلاء المدنيين السوفييت، ولم يعبر ms176 ~~عن استيائه بشأن توريد المعدات السوفييتية (يبدو أن ذلك، مرة أخرى، ~~نتيجة لمعلومات موجهة صدرت عن السادات). # على العكس من ذلك، فقد بالغ السادات في هذا اللقاء في المجاملة، ~~بل إنه قال لي إن «أحداثا» ستقع في الساعة الثانية ظهرا. ما هي ~~هذه الأحداث؟ لم يقل، لكنه أعرب عن أمانيه أن يكون السفير السوفييتي ~~قريبا منها، لكنه «استدرك» قائلا إنه ينبغي على السفير السوفييتي ~~أن يبلغ موسكو عن حديثنا، ومن ثم فإن عليه أن يذهب إلى السفارة. ~~باختصار، فالسادات ظل «يناور» حتى اللحظة الأخيرة. # ص39: # لم يجر السفير السوفييتي في هذا ~~اليوم أي حديث مع حافظ إسماعيل؛ ولهذا لم يكن على الكاتب أن يستخرج ~~هذا الاستنتاج المتعدد المعاني حول «سرعة الاتصال» بين واشنطن ~~والقاهرة والقدس وموسكو. كان هذا «فرقعة» صحفية! # ص40: # اتصل السادات بالسفير السوفييتي في ~~الساعة الثانية والنصف ظهرا، وليس في الثالثة والنصف، وقد التقط ~~سماعة التليفون السكرتير وفاء جوليزادي، وليس «خادم» السفير، حيث ~~إن السفير ليس لديه خدم. # ص41: # لم يبلغ أحمد إسماعيل السفير ~~السوفييتي بأية معلومات حول سير عملية عبور القناة، وإنما اكتفى ~~(وعلى نحو كئيب) بتكرار ما قاله السادات للسفير السوفييتي بفرح ~~وحماس بأن القوات المصرية قد عبرت القناة. وقد أجاب أحمد إسماعيل ~~بحزن بالغ على تمنيات السفير المهذبة النمطية بقوله: «إن شاء ~~الله!» # ص41: # عبثا تحدث هيكل باستخفاف عن حذر ~~المستشارين العسكريين السوفييت بشأن صعوبات عبور الحاجز المائي، القناة. وهو حذر في واقع الأمر صحيح تماما، وقد بذل الخبراء ~~العسكريون السوفييت جهودا فائقة في تدريب المصريين على تجاوز ~~الحواجز المائية. # لماذا عبر المصريون القناة بمثل هذه السهولة وبأقل قدر من ~~الخسائر (يقال إن الخسائر إجمالا بلغت حوالي مائة وخمسين فردا، ~~وهو ما يستطيع رامي رشاش واحد أن يحصد به عددا أكبر بكثير من ~~الجنود). يمكن أن نجد إجابات كثيرة على هذا السؤال. هنا يمكن أن ~~نتحدث عن التدريب العسكري الذي تحقق على يد المستشارين العسكريين ~~السوفييت، وعن النوعية الجيدة للسلاح السوفييتي والذي لم يكن كثير ms177 من ~~الناس في مصر يثقون فيه، وكذلك التعبئة النفسية الرفيعة للقوات ~~المصرية التي كان لديها هدف واضح انتظرت طويلا لتحققه، وربما لكل ~~هذه الأسباب معا. # ص41: # لم يعقد السفير السوفييتي أية ~~اجتماعات، ناهيك عن أن تكون «عاجلة» مع «اثنين من الجنرالات» من ~~أعضاء السفارة لمعاونته في إعداد تقرير يبعث به إلى موسكو. هذه ~~ترهة محضة، قصة ابتدعها الكاتب. # ص42: # لو أن كيسينجر أبلغ المصريين بعد ~~نشوب العمليات العسكرية أن عليهم أن ينتظروا هجوما إسرائيليا ~~مضادا ومكثفا، لكان ذلك معناه أن الأمريكيين كانوا على ثقة من ~~انتصار إسرائيل، لكنهم أعلنوا أنهم لن يسمحوا باحتلال إسرائيل ~~لأراض جديدة، فما الذي يعنيه ذلك؟ لو أن الولايات المتحدة ~~الأمريكية كانت على يقين من أن مصر تتخذ موقفا معاديا ~~للأمريكيين، مهما كان شكل هذا الموقف ولو ظاهريا، فهل كان ~~باستطاعة الأمريكيين أن يخرجوا بهذا التصريح، في الوقت الذي كانت ~~«صديقتها وحليفتها» أو، إن شئنا الدقة، صنيعتها إسرائيل، تعاني من ~~الهزيمة (حتي حينه)؟! إن تصريح كيسينجر يمكن أن يكون تأكيدا على ~~أنه كانت هناك «قواعد للعبة» مخطط لها سلفا في هذه الحرب، لا ~~يسمح للمشاركين فيها - مصر وإسرائيل - بتخطيها. كانت الولايات ~~المتحدة الأمريكية هي قائد الأوركسترا، وهي المخرج لهذه اللعبة ~~المخططة، ومن هنا كانت شرعية هذا التصريح العجيب الذي قاله كيسينجر ~~للمصريين من أن إسرائيل سوف تنزل بمصر ضربة بقوة محسوبة مسبقا؛ أي ~~إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لإسرائيل باحتلال أراض ~~جديدة. # ص43: # عبارة كيسينجر التي وجهها ~~للمصريين: «آمل ألا تتصرفوا على هذا النحو حتى لا تخرج الأمور من ~~أيديكم.» قيلت بعد بدء العمليات العسكرية، ولو أنها قيلت قبلها ~~لكانت تحمل ربما معنى آخر. وكونها قيلت بعد أن اندفع آلاف الجنود ~~المصريين ومعهم أسلحتهم ودباباتهم إلى الضفة الشرقية لا يعني سوى ~~التذكير بالقواعد التي وضعت سلفا ودعوتهم إلى الالتزام بها. ~~باختصار فقد طلب كيسينجر السيطرة على العمليات العسكرية. إن هذه ~~العبارة التي أوردها هيكل في كتابه تؤكد أفضل من أي شيء آخر تداول ~~فكرة الاتفاق ms178 الذي عقد سلفا بين الجانبين المتحاربين والولايات ~~المتحدة الأمريكية كحقيقة في حد ذاتها، فضلا عن أنها تؤكد على ~~طابع العمليات العسكرية التي جرت في أكتوبر 1973م. # ص43: # يطرح هيكل هنا سؤالا منطقيا: ~~كيف حدث على أية حال أن الإسرائيليين فوجئوا تماما سواء من ~~الناحية الاستراتيجية أو التكتيكية؟ على أنه يعطينا إجابة ساذجة: ~~إن الإسرائيليين، على حد قوله، أساءوا فهم مسيرة التاريخ. إجابة ~~سطحية، لا تليق به، أم تراه، ربما لم يشأ أن يذكر الإجابة ~~الصحيحة؟ # ص44: # غير صحيح ما أكده هيكل أن ~~الإسرائيليين كانوا مستعدين لإغراق قناة السويس .. بالنابالم! لقد ~~سرت شائعات حول إمكانية صب مازوت أو وقود الديزل أو أي نوع آخر من ~~المشتقات البترولية، التي يمكنها أن تشعل القناة. على أنه قد تبين ~~أن هذه المعلومات غير مؤكدة. # الفصل الثاني «الأيام الأخيرة لناصر» # ص48: # قام هيكل بتشويه طابع المباحثات ~~التي دارت مع ناصر على نحو فظ؛ فالاتحاد السوفييتي لم يطلب مطلقا ~~أية تسهيلات في مصر، بما فيها الأراضي. أما ما ورد بشأن طلب ~~السوفييت رفع «الراية الحمراء»، فمن الواضح تماما أنه قيل من قبيل ~~الاستظراف. # لسبب ما يخشى هيكل أن يذكر الحقيقة حول موقف الاتحاد السوفييتي، ~~وأحيانا يتظاهر عن قصد بالشجاعة؛ انظروا إنني لا أدافع عن الاتحاد ~~السوفييتي. إنه يستخدم هذا الأسلوب وكأنه يسعى ليضفي الاحترام على ~~صحة ما يقول . # ص49: # حسنا فعل هيكل عندما لم يخش أن ~~يذكر مآثر محمد فوزي وزير الحربية الأسبق، الذي أدانه السادات ~~بتهمة سخيفة هي «خيانة الدولة»، وفي حقيقة الأمر فالذين جاءوا بعده ~~هم الذين حصدوا نتاج غرسه. # ص50: # عبثا ألصق هيكل بالمارشال ~~زاخاروف خصالا ليست فيه، وخاصة القسوة الشديدة. وها هو يعود بعد ~~ذلك ليقيمه تقييما جيدا وعادلا على هذا العمل الذي أداره لإعادة ~~بناء الجيش المصري بناء كاملا تقريبا بعد هزيمة مادية ومعنوية ~~مني بها في عام 1967م. # ص54: # عبارة سيسكو حول أن مصر لا يمكنها ~~أن تعول على عودة كل الأراضي المحتلة وإقامة السلام، هي من ~~العبارات المميزة لسيسكو. ms179 والأفضل الحديث عن موقف الولايات المتحدة ~~المدافع المخلص عن المصالح الإسرائيلية، حتى إن السادات قال ذات ~~مرة للسفير السوفييتي إن المصريين لن يسمحوا بدخول سيسكو إلى ~~الأراضي المصرية. على أن ذلك لم يمنع السادات فيما بعد من أن يعتبر ~~سيسكو «صديقه». # ص54: # لا يزال هيكل مولعا بأساليب ~~البلاغة الأنيقة في كتابته، والتي لا يكون لها مغزى أحيانا؛ فنجده ~~يضع على لسان ناصر عبارات تبدو جميلة، لكنها في الواقع كانت تسيء ~~للرجل في كل الأحوال، بل كانت تصور ناصر نفسه في صورة غير جادة. ~~كيف لناصر أن يقول إنه طلب من الاتحاد السوفييتي معدات للعبور مع ~~ضرورة إعادتها على الفور بعد عبور قناة السويس إلى الضفة الغربية ~~حتى لا يتمكن من عبر إلى الضفة الشرقية من العودة مرة أخرى؟ # إذا افترضنا أن ناصرا استطاع أن يقول ذلك في فورة حماسه باعتبارها ~~جملة بليغة، فلم يكن على هيكل أن يقتبس هذه الجملة بالضرورة من ~~ناصر على هذا النحو من الجدية. من المدهش أن نجد هيكل يوائم كثيرا ~~بين الذوق الرديء والموهبة في وصف الأحداث. # ص56: # يرى هيكل، وهو على حق في ~~ذلك، أن هدف ناصر تمثل في جر الاتحاد السوفييتي أكثر فأكثر بقدر ~~الإمكان إلى قضية الصراع في الشرق الأوسط. وفي حديثه معي، على سبيل ~~المثال، في مارس 1970م، حاول ناصر أن يطور فكرة أن الصراع يعد في ~~جوهره صراعا سوفيتيا أمريكيا، بل هو بمثابة مواجهة بين ~~الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. وقد بينت له، بطبيعة الحال، خطأ هذا المدخل. # ص65: # يعطي هيكل انطباعا ~~خاطئا كما لو أن الاتحاد السوفييتي قد أخرج يارنج من حساباته، غير ~~عابئ به. كان الأمر على النقيض من ذلك؛ فالاتحاد السوفييتي كان ~~الدولة الوحيدة، ربما، التي أيدت وبشدة مهمة يارنج، مراهنة ~~عليها، محاولة بكل الوسائل دعم هذه المهمة. بالطبع، فقد كان من ~~الواضح في هذه الفترة أيضا ما يقوم به أعداء مهمة يارنج الأشداء، ~~وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تريد أن تقوم ~~بدور الوسيط بنفسها ms180 وعلى نحو منفرد. # ص65: # مرة أخرى يكرر هيكل ~~أكذوبة السادات التي يزعم من خلالها أن مصر تدفع مرتبات المستشارين ~~العسكريين السوفييت بالعملة الصعبة. هذه الشائعة المستفزة، التي ~~انتشرت بهدف إثارة السخط على قرار ناصر بدعوة المستشارين ~~السوفييت. # ص65: # ترهة هيكل الدورية التي ~~تزعم أن قسطنطين مازوروف كان مسئولا عن قضايا حركة التحرر ~~الوطني. # ص88: # آنذاك (1977م) لم يكن من ~~الممكن أيضا الحديث عن توريد طائرات الاستطلاع م-500. هذا ~~الموضوع لم يطرح إلا بعد وفاة ناصر (1971م). # ص90: # كثيرا ما يقوم هيكل ~~«بتنظير» أمور غاية في البساطة؛ فالطيارون الروس لم يكن بمقدورهم ~~تبادل الحديث سوى باللغة الروسية. # 6 # ص90: # من الواضح أن هيكل يختلق ~~هنا موضوع استعراض الاتحاد السوفييتي لوصول العسكريين السوفييت إلى ~~مصر. الأمر على العكس تماما، لقد تم بذل أقصى جهد وعلى نحو عقلاني ~~قدر الإمكان لتجنب انتشار أية معلومات عن وجود عسكريين سوفييت في ~~مصر. وفي الوقت نفسه عبر ناصر وهيكل عن رغبتهما في أن يكون وصول ~~العسكريين السوفييت لافتا للنظر. كان ذلك من شأنه أن يساعد توجههما ~~في جذب الاتحاد السوفييتي إلى أقصى حد إلى قضية الشرق الأوسط؛ ولهذا ~~فنحن لسنا مضطرين للحديث عن مشاركة الاتحاد السوفييتي فيما يسمى ~~«لعبة الأمم الكبرى» في الشرق الأوسط؛ فالاتحاد السوفييتي لم يشارك ~~إطلاقا في هذا النوع من «اللعب»، وكان دائما يتعامل مع الحروب ~~بحذر ومسئولية كبيرين. # ص94: # لا أتذكر الموقف الذي ~~وصفه هيكل بخصوص «الورقة» التي تم تبادلها في الكرملين. فإذا كان ~~هذا الموقف قد حدث فعلا، فإن ذلك يعني أن ذكرها جاء بمثابة تحذير ~~للسادات الذي كان يستعد لعمل انقلاب، وهل الانقلاب عمل فارغ، كما ~~وصفه هيكل، مجرد «ورقة صغيرة»؟ مستحيل أن يكون ناصر قد رأى في هذا ~~العمل «بيروقراطية زائدة عن حدها». # 7 # ص95: # يخطئ هيكل هنا؛ فقد أشار ~~الجانب السوفييتي آنذاك على ناصر بقبول ما عرف ب «مبادرة» روجرز؛ إذ ~~رأى أنها يمكن أن تكون مفيدة للمصريين في تلك الظروف؛ فالمصريون لن ~~يخسروا في الواقع شيئا، بينما ms181 كان على الإسرائيليين الالتزام ~~بالقيام بمشاركة فعالة في «مهمة» يارنج، الأمر الذي لم يكونوا ~~يرغبون في عمله. الواضح أن هيكل يخلط بين «المبادرة» وبين ما عرف ~~باسم «خطة روجرز»، التي ظهرت بعد ذلك، والتي كانت تنظر في انسحاب ~~القوات الإسرائيلية من الضفة الشرقية للقناة حتى الممرات الجبلية ~~ثم فتح قناة السويس أمام الملاحة لكل الدول بما فيها إسرائيل، وبدء ~~المفاوضات المصرية الإسرائيلية. وقد رفض المصريون هذه الخطة التي ~~طرحت عام 1971م، بينما قبلوا في عام 1974م الطبعة الأسوأ كثيرا ~~منها (حدث ذلك بعد النجاح العسكري في أكتوبر). # ص96: # يحاول هيكل دون لباقة أن ~~يسوغ مبررا لخطئه الفاحش الذي ارتكبه هو تحديدا عندما تولى ~~المسئولية باعتباره وزيرا للخارجية بالنيابة. ما معنى «قيل لنا إن ~~كل شيء (وقف إطلاق النار(المترجم)) يجب أن يتم خلال ساعات؟» من ~~الذي قال؟ وماذا عن هذا الفرض؟ وفي الوقت نفسه، فقد اعترف هيكل في ~~حديثه مع السفير السوفييتي أنه، وهو الذي لا يملك صلاحيات كافية، ~~راح «يدرس» ما ذكره الأمريكيون في نص اقتراحهم «وقف إطلاق النار مع ~~بقاء القوات في المواقع التي يشغلونها» ~~( # Standstill Ceasefire ~~). في ~~الواقع فإن هذا المصطلح، كما هو معروف، لم يرد من قبل في القضايا ~~الدولية. عموما فإن هذا الشرط يعد شرطا استفزازيا لأنه لا معنى ~~له. ما الذي يعنيه إذن هذا الشرط بصفة عامة عند التطبيق الدقيق له؟ ~~هل يعني أن على كل الجنود أن يلزموا أماكنهم وألا يتحركوا إلى ~~الأمام أو إلى الخلف؟ يبدو أن الأمريكيين قد أوقعوا المصريين في ~~الفخ. # ص104: # من جماع المشهد الذي ~~جرى وصفه على نحو درامي لموت ناصر يظل هناك شيء غامض؛ من الذي ~~استدعى ف. ب. بولياكوف، القائم بالأعمال، السوفييتي لدى مصر في الساعة ~~السادسة مساء إلى منزل الرئيس؟ ولماذا؟ لقد وصل بولياكوف إلى هناك ~~وظل فترة طويلة دون أن يهتم به أحد، لم يتحدث إليه بكلمة إلى أن ~~غادر منزل الرئيس دون أن يلحظه أحد. # أمر آخر يبقى غامضا في وصف هيكل. هل وصل ms182 هيكل عندما كان ناصر لا ~~يزال على قيد الحياة، أم أنه دخل إلى غرفة نوم ناصر بعد أن أسلم ~~الروح؟ ليت الأمر كان واضحا هنا. # ص107: # تصريح غريب تماما أعلنه ~~السادات فور وفاة ناصر عن ضرورة مناقشة موضوع مد وقف إطلاق النار، ~~الذي ينتهي في التاسع من نوفمبر. توفي ناصر في الثامن والعشرين من ~~سبتمبر؛ أي قبيل التاسع من نوفمبر بشهر ونصف تقريبا. ألم تكن في ~~رأس السادات أفكار أخرى فور وفاة ناصر؟ # بالمناسبة، لماذا يذكرنا هيكل بذلك؟ وأي خصلة من خصال السادات ~~يود هيكل أن يبرزها؟ # ص112: # تم هذا الحوار # 8 # بالفعل بين السفير السوفييتي وهيكل على النحو الذي وصفه ~~الأخير تقريبا، فيما عدا استشهاد السفير السوفييتي، بطبيعة الحال، ~~بما حدث في المكتب السياسي. لماذا قرر هيكل أن يضمن كتابه هذا ~~المقطع؟ # ص112: # شارك هيكل في الاجتماعات ~~التي جرت بين ألكسي كوسيجين والقيادات المصرية فور الانتهاء من دفن ~~ناصر. والحقيقة أن هيكل يخلط هنا بين الأمور كثيرا؛ فهو ينسب ما ~~قاله علي صبري إلى محمد فوزي، أما ما قاله كوسيجين فينسبه إلى زخاروف. # 9 # يصف هيكل مضمون الاجتماع على نحو دقيق تقريبا، الأمر ~~الأهم أنه أورد بدقة دعوة القيادة السوفييتية للقيادة المصرية إلى ~~ضرورة الحفاظ على الوحدة. # ص113: # صحيح أن ألكسي كوسيجين ~~تحدث كثيرا عن ضرورة الحفاظ على الوحدة بين زعماء البلاد. # ص113: # ينهي هيكل هذا الفصل من ~~كتابه على نحو صائب ورائع عندما تحدث عن ناصر منصفا علاقاته مع ~~الزعماء السوفييت، التي اتسمت بالقوة والصراحة. وهي كلمات تأتي على ~~النقيض تماما من الطريقة التي تصرف بها أنور السادات، خليفة ناصر، ~~في علاقاته بالزعماء السوفييت. # الفصل الثالث: السادات يسير عكس الريح # ص115: # يبرر هيكل اتصالاته مع ~~الأمريكيين، وحتي انجذابه نحوهم، بأنها محاولات واعية ل «تحييد» ~~الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن ذلك يمثل ضرورة أساسية ~~للمعركة القادمة مع إسرائيل. # يتحدث هيكل كما لو كان يؤيد «مغازلة» مصر للأمريكيين، وإنما إلى ~~حد معلوم (وهو يعترف بذلك، على سبيل المثال، للسفير السوفييتي). ms183 فهل ~~كان من الممكن الاعتماد بهذه الطريقة على «تحييد» الولايات المتحدة ~~الأمريكية؛ أي إلزامها بوقف دعم إسرائيل (ناهيك عن عدم وقوفها ~~أيضا إلى جانب العرب) أو حتى حثها على تخفيض هذا الدعم؟ إن ~~التفكير على هذا النحو والمناداة به كان يعني دخول الكاتب، فضلا عن ~~شعبه نفسه في متاهة. # ما وجه الاختلاف إذن بين وجهات نظر هيكل ووجهات نظر السادات بشأن ~~العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ يبدو أن الاختلاف، إذا جاز ~~القول، خلاف في الكم لا في النوع وحسب. لقد ذهب السادات بعيدا ~~للغاية للقاء الولايات المتحدة الأمريكية، كما ابتعد كثيرا للغاية ~~عن الاتحاد السوفييتي. على أية حال، كان هيكل يعول على إمكانية حدوث ~~هذا الوضع، عندما تذهب مصر للقاء الولايات المتحدة الأمريكية، ~~ولكنه كان يرى ضرورة تحسين العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، أو ألا ~~تسوء هذه العلاقة على الأقل. كل هذا حساب باطل؛ لأن الولايات ~~المتحدة الأمريكية كان بإمكانها تحسين علاقاتها مع مصر فقط عند ~~تنفيذ الشرط الجازم المطروح مقدما، وهو تقليص علاقات مصر مع ~~الاتحاد السوفييتي. وقد صرح كيسينجر بذلك مباشرة، وبما تميز به من ~~صلف لهيكل وعلى نحو صريح. # يحكي هيكل أن كيسينجر طرح عليه صراحة خلال زيارته الأولى للقاهرة ~~في السادس من نوفمبر 1973م ثلاثة شروط للتدخل الأمريكي في النزاع ~~العربي الإسرائيلي: ~~(1) # لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تضمن قيام ~~إسرائيل بسحب قواتها من كل الأراضي التي احتلتها في ~~عام 1967م. ~~(2) # يجب ألا يعود الحظر مرة أخرى على تصدير البترول ~~العربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ~~الآخرين. ~~(3) # يجب أن تتخلص مصر من «الوجود » السوفييتي؛ أي أن تقلص ~~بشدة علاقاتها بالاتحاد السوفييتي. # إذا كان هيكل صادقا فيما كتبه، فإنه يمكن القول، على الأقل، إلى ~~أي نتائج سخيفة قد أدت الأيديولوجيا القومية «غير الطبقية». # ص115: # إن الملاحظة التي أبداها ~~هيكل بشأن رفض ناصر لأي شكل من أشكال «المغازلة» مع الولايات ~~المتحدة الأمريكية لأمر مثير للفضول، وكذلك ما أشار إليه الكاتب ~~مرتين بأن السادات، وبعد أن أصبح رئيسا، لم يكن ms184 مرتبطا ب «ميراث ~~معاد للأمريكيين»، ومن ثم فقد استطاع المضي قدما نحو تحسين ~~العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم القيام بانقلاب في ~~السياسة الخارجية للبلاد. ومن المميز، ونحن نتحدث عن تغيير طابع ~~العلاقات المصرية الأمريكية بعد وفاة ناصر، أن الكاتب لم يأت ~~مطلقا على ذكر ما الذي تغير في موقف الولايات المتحدة الأمريكية ~~في علاقاتها بمصر وإسرائيل؛ فلا يوجد ما يقال بشأنها هنا؛ ~~فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد إلى مصر، وإنما مصر هي التي ~~عادت إلى الولايات المتحدة مقدمة كل التنازلات الضرورية من أجل ~~ذلك. # ص116: # هكذا قام السادات بعد ~~مرور ما يقرب من شهرين أو ثلاثة على توليه منصب الرئيس بممارسة ~~لعبة سياسية نشيطة من وراء ظهر الاتحاد السوفييتي. ولعل من الضروري ~~أن نلقي بالضوء هنا على هذا الظرف؛ إذ إن السادات ظل على مدى ما ~~يزيد على ثلاث سنوات منذ توليه الحكم يؤكد في تصريحاته للزعماء ~~السوفييت (وللسفير السوفييتي أيضا) أنه لن يجري أي اتصالات مطلقا ~~مع الولايات المتحدة الأمريكية من وراء ظهر الاتحاد السوفييتي دون ~~أن يبلغه بها. # إن الواقعة التي وصفها هيكل، عندما فوضه السادات في إبلاغ ~~الأمريكيين على نحو سري أن مبادرة السادات في الرابع من فبراير # 10 # 1971م لم تكن مطلقا بإيعاز من الاتحاد السوفييتي، تمثل ~~النموذج الأول من بين النماذج التي أصبحت معروفة فيما بعد، على ~~تعاون السادات مع الأمريكيين؛ فالسادات لم يذكر كلمة واحدة للجانب ~~السوفييتي حول هذه الاتصالات. # ص117: # لم يبلغ السادات الجانب ~~السوفييتي بفحوى الرسالة المهمة التي أرسلها إليه نيكسون. أتذكر في ~~هذا السياق المشاهد العاصفة التي أعدها السادات للسفير السوفييتي ، ~~عندما قمت من جانبي بالتلميح وعلى نحو مهذب بضرورة أن تكون هناك ~~اتصالات سوفييتية مصرية مستمرة، وأن يتم تبادل المعلومات والتنسيق ~~في العمل. لقد اشتعل السادات غضبا وتحدث صائحا عن أنهم في ~~الكرملين لا يثقون فيه وما إلى ذلك. إن كتاب هيكل، بالمناسبة، يمثل ~~أهمية كبرى حيث يسمح بكشف أكاذيب السادات في علاقته غير المخلصة ~~تجاه القيادة السوفييتية، وفي ms185 كل صراخه حول عدم الثقة فيه كان ~~(والأرجح أنه سيكون دائما) أمرا مصطنعا. إن هيكل، أقولها ~~ببساطة، يفضح السادات، ربما دون قصد منه. # ص118: # أصاب هيكل عندما قال إن ~~السادات كان مختلفا تماما عن ناصر، وأنه لم يكن بإمكانه منافسته ~~بأي مقياس من المقاييس. والدليل الساطع على ذلك أن السادات كان ~~«مطلق اليدين» في علاقته بالغرب. ما العجيب إذن في أن يتولد لدى ~~الجانب الروسي آنذاك الشك في علاقته به؟ # ص118: # يخلط (هيكل) الأمور ~~عندما يلقي بالضوء على الزيارة «السرية» التي قام بها السادات إلى ~~موسكو في أوائل شهر مارس عام 1971م. من الواضح أن أحدا لم يوفر ~~لهيكل أي معلومات موثوق بها. كان الوفد المصري يضم آنذاك، فضلا عن ~~السادات، الفريق محمد فوزي وشعراوي جمعة، وكلاهما وجهت إليه بعد ~~شهرين فقط تهمة «خيانة الدولة»، ناهيك عن أنهما لم يكونا، من ~~الواضح، يشعران بالود تجاه هيكل، بل ويعتبرانه صديقا للأمريكيين ~~وعدوا للنمو التقدمي لمصر. وهؤلاء لم يكن باستطاعتهما أن يقدما ~~معلومات لهيكل، أما السادات فلم يكن بحاجة إلى إذاعة أية تفاصيل عن ~~هذه الزيارة؛ فهو الذي أفشلها بنفسه؛ إذ اتسمت تصرفاته خلالها ~~بالحمق وغياب الرصانة، الأمر الذي جعله يخفي الحقيقة عن أي شخص ~~بطبيعة الحال. # لم يقدم هيكل في هذا الشأن سوى بقايا معلومات حصل عليها من ~~«مائدة غيره». # إن الجانب الشكلي المهم في هذا الأمر، والذي قدمه هيكل، واستغله ~~السادات بهدف إفشال المباحثات، يتمثل في الواقع فيما إذا كان ~~باستطاعة السادات أن يتولى قيادة الطائرات السوفييتية الموجودة في ~~مصر بأطقمها السوفييتية، والتي تعد جزءا من القوات الجوية ~~السوفييتية! # هذا الأمر كانت له مقدماته ، عندما طلب ناصر في حينه (وليس علي ~~صبري كما كتب هيكل) نشر طائرات قاذفة للصواريخ في مصر (عليها ~~علامات مصرية بطبيعة الحال)، بينما تقودها 4 أطقم سوفييتية، مع ~~الأخذ في الاعتبار أن الإسرائيليين كانوا على علم بوجود إمكانات ~~لدى مصر بتوجيه ضربة في عمق إسرائيل إذا لزم الأمر؛ أي في حالة ~~قيام الإسرائيليين أولا بتوجيه ضربة ms186 في العمق المصري. كان هذا هو، إذا جاز القول، «سلاح الردع». لم يتطرق الحديث مطلقا حول تسليم ~~هذه الطائرات للمصريين ولا بقيام الطيارين السوفييت بالخدمة لدى ~~المصريين. ومن الضروري أن السادات يعلم ذلك. كما أن الأطقم المصرية ~~لم تكن مدربة على هذه الطائرات. باختصار، فإن الأمر كان واضحا ~~دائما وضوح الشمس أمام الجميع، على أن السادات استغله عمدا بقصد ~~إثارة الخلاف مع الزعماء السوفييت. # أسفرت المباحثات التي جرت في موسكو عن الموافقة على إعطاء ~~السادات طائرات من طراز تو-16، وذلك بناء على الشروط التي تم ~~الاتفاق عليها قبل ذلك مع ناصر بطبيعة الحال، وعلى الرغم من أنه قد ~~تبين أن السادات لم تكن لديه أية تصورات واضحة عن تحركات مصر بشأن ~~ما عرف باسم مسألة «الاستراتيجية المشتركة». كل ما هنالك أن ~~السادات اكتفى بالتأكيد على «ضرورة حل» أزمة الشرق الأوسط وطلب ~~أسلحة ثم المزيد من الأسلحة، وقد اتضح أنه لم تكن لديه أية خطط ~~محددة، بما في ذلك الخطط العسكرية. # وعندما وصل الأمر إلى مسألة الطائرات تو-16، أظهر السادات ~~«تعاليه»، وراح يعترض على أن تتلقى الأطقم السوفييتية لهذه الطائرات ~~أوامرها من القيادة السوفييتية. بدأ في الغضب ثم ازداد غضبه (أو ~~تظاهر بأنه فقد أعصابه)، وفي النهاية أعلن عن رفضه استلام هذه ~~الطائرات، وهو ما أثار دهشة فوزي وجمعة. # إن كل الحوارات التي تتعلق بهذا اللقاء والتي أوردها هيكل بما ~~فيها تلك التي وضعها بين أقواس، لم تحدث في الواقع. # ص119: # إنه لأمر عجيب أن يكون ~~السادات قد أكد لهيكل أنه كان مضطرا أن يمثل دور الغاضب حتى يحصل ~~في النهاية على ما يريد. # 11 # في الواقع أن السادات لم يحصل على شيء نتيجة تصرفه، ~~على الرغم من أن طابع اللقاء إجمالا، بطبيعة الحال، كان مثيرا ~~لاهتمام الجانب السوفييتي. على أن مقولة السادات حول كونه اتخذ موقف ~~الغضب، لافتة للانتباه من زاوية أخرى؛ فالسادات «غضب» (دعنا نقل ~~ذلك) بعد أن تلقى الموافقة على توريد طائرات تو-16! لعله شعر ~~بالفزع بعد أن ms187 وجد أن طلبه الذي ظل طوال الوقت يطرحه، والذي كان ~~يبدو بمثابة حجر عثرة (ألقاه هو بنفسه) في طريق علاقته بالاتحاد ~~السوفييتي وقد تحقق؟ أو لعله كان يعول بالمناسبة على أن طلبه سوف ~~يرفض مرة أخرى، وعندئذ انهارت لعبته، عندما رأى أن تسلم هذه ~~الطائرات سوف يلزمه بشيء ما أمام الإتحاد السوفييتي. # ص120: # إن التأكيد الذي أعطاه ~~السادات للأمريكيين في مطلع نوفمبر عام 1970م بأنه سوف «يبعد الروس ~~عن مصر» بعد إنجاز المرحلة الأولى من انسحاب القوات الإسرائيلية ~~الموجودة في سيناء هو، ربما، أكثر الاعترافات أهمية والذي يكشف عن ~~خيانة السادات للاتحاد السوفييتي؛ إذ يجيء هذا التأكيد بعد شهر ونصف ~~فقط على رحيل ناصر والوعود المنمقة التي قطعها السادات على نفسه ~~بالإخلاص للاتحاد السوفييتي واستمرار الصداقة معه. شيء ما آنذاك كان ~~معروفا حول مساعي السعوديين التي كانت موجهة لقطع العلاقات بين ~~الاتحاد السوفييتي ومصر، وتقريب الأخيرة من الولايات المتحدة ~~الأمريكية، وعن محاولات السعوديين القيام بدور الوسيط المباشر بين ~~مصر والولايات المتحدة الأمريكية. لكن أحدا لم يكن على الأرجح ~~يتصور أن يكون حجم خيانة السادات بهذا القدر. # ص122: # إن اعتراف هيكل بأنه لو ~~تم قيام اتحاد الجمهوريات العربية (مصر، سوريا، ليبيا)، لما وجد ~~السادات تأييدا له من غالبية الأعضاء سواء في البرلمان الاتحادي ~~أو في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، لهو اعتراف له دلالة ~~كبرى! على أن هيكل لم يذكر الأسباب، وإن كان الأمر واضحا. إنه نهج ~~السادات في التعاون مع الأمريكيين وغياب الهيبة التي ينبغي أن ~~يتحلى بها القائد التقدمي، ولأنه شخصية مخاتلة وغدار. # ص123: # لقد ذاق هيكل هذا الشعور ~~الشخصي بالكراهية تجاه من أطلق عليهم «المتآمرون» (كان هذا ~~الإحساس رد فعل عكسي بدرجة معلومة؛ فالناصريون كانوا ينظرون بقدر ~~من الشك تجاه مغازلة هيكل للأمريكيين ومحاولاته أداء دور المفسر ~~الوحيد لوجهات نظر الراحل ناصر)، وكانت واحدة من التهم التي وجهها ~~هيكل إليهم تتلخص في أنهم ... «كانوا يرددون مبادئ وأقوال عبد الناصر ~~كالعميان»، وأنهم كانوا «يبجلونه دون تفكير». لماذا كان حتما أن ms188 ~~يقودهم ذلك إلى «المؤامرة»؛ أمر لا زال غامضا. وحتى إذا افترضنا أن ~~هؤلاء الذين أحاطوا بناصر قبل ذلك، والذين ساروا وراءه «كالعميان» ~~وتآمروا بعد موته لنفس السبب، فإن سؤالا يطرح نفسه: ضد من كان ~~«التآمر» آنئذ. من الواضح أن المؤامرة كانت ضد هؤلاء الذين وقفوا ~~ضد ناصر وأرادوا أن يقضوا على الناصرية! لكن «المؤامرة» كانت ضد ~~السادات. وهل يعني هذا أنها كانت محاولة لمنع الخروج على ~~الناصرية؟ # إن هيكل يثير ببعض صياغاته أفكارا مباغتة تماما. # ص126: # إذن كان السادات يشعر ~~بالشك الذي اعتمل في نفوس الناصريين تجاهه فور وفاة ناصر! إن تأكيد ~~هيكل على ذلك أمر، على ما يبدو، صحيح. غير أن هذا التأكيد يكشف لنا ~~مرة أخرى إلى أي حد كان السادات ماكرا غدارا؛ إذ ظل يؤكد دائما ~~على ثقته في الناصريين المحيطين به حتى قبيل اعتقالهم بيومين في ~~الثالث عشر من مايو 1971م! # ص128: # إن تأكيد الكاتب على أن ~~السادات كان يريد إقامة الوحدة مع سوريا وليبيا، ومع ما يترتب على ~~ذلك من تشكيل مؤسسات سلطوية جديدة وإجراء انتخابات جديدة (يمكنه عن ~~طريقها التخلص من الناصريين) لأمر ذو دلالة. على أن ذلك التأكيد ~~يتناقض مع ما ذكره الكاتب قبل ذلك في صفحة 122، حيث أكد على أمر ~~مختلف تماما. # ص129: # يورد هيكل هنا قصة لا ~~يمكن تصديقها تتعلق بالجلسات الروحية، التي يزعم أن الناصريين ~~كانوا يقيمونها للتحدث مع روح «ناصر». وقد نشر هيكل هذا الأمر في ~~صحيفة «الأهرام» في حينه، وتجدر الإشارة هنا إلى أن كثيرا من ~~المصريين شككوا في صحتها. ومن ثم فإن المشهد كله يناسب ذهنية ~~السادات، الذي كان يسعى للنيل من خصومه السياسيين بأي ~~وسيلة. # ص131: # لم يأت ظهور هيكل في ~~اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي محض ~~صدفة. لقد جاء (أو دعي للحضور) لمساعدة السادات ومحمد فوزي، الذي ~~كان يلقى دعما من هيكل آنذاك، والذي كان يرتبط به هيكل بعلاقة ~~صداقة دائمة. ويزعم هيكل في كتابه أن ناصرا أبلغ الزعماء السوفييت في ~~حينه بالوحدة ms189 المقترحة مع سوريا وليبيا، وكان من المفترض، على ما ~~يبدو، أن توهن هذه الحجة من عزيمة خصوم الوحدة؛ فموسكو أيدت هذه ~~الخطوة. # إذا كان هيكل قد قال فعلا ما كتبه، فقد تصرف إذن على نحو يفتقد ~~إلى الأمانة. صحيح أن ناصرا تحدث بالفعل إلى الزعماء السوفييت في ~~يونيو 1970م عن وحدة مرتقبة، على أنه تلقى ردا على ذلك اتسم ~~بالموضوعية، مدعوما بالحجج حول أهمية التأني في اتخاذ مثل هذه ~~الخطوة ودراساتها دراسة عميقة وما إلى ذلك. باختصار، لم يجد ناصر ~~تشجيعا على الوحدة، بل على العكس من ذلك، فقد تلقى النصح بعدم ~~التسرع في التعامل مع هذه الفكرة، وعلى هيكل أن يتذكر هذه ~~الحقيقة. # ص132: # هكذا بدأ السادات بالفعل ~~المباحثات مع الأمريكيين باعتبارهم وسطاء حول «الحل الوسط» مع ~~إسرائيل، وذلك في مطلع عام 1971م! وكان السادات قد أبلغ الاتحاد ~~السوفييتي أنه لن يجري أية مباحثات مع الأمريكيين. # ص132: # لم تجر مباحثات المصريين ~~في مطلع شهر مايو 1971م على النحو الذي وصفها به هيكل. وإذا كان ~~هيكل على علم بالحقائق فإن عليه أن يصف هذا المشهد السخيف عندما ~~راح السادات يتحدث على انفراد مع روجرز، بينما جلس وزير خارجيته ~~محمود رياض في غرفة الاستقبال المجاورة، ومثله مثل أي شخص آخر، لم ~~يكن رياض على علم بالحديث الدائر بين روجرز والسادات. وقد ذكر رياض ~~نفسه أنه شارك في المباحثات شكليا فحسب. # من الواضح أن السادات بدأ بالفعل منذ هذه اللحظة في بذل الوعود ~~البعيدة المدى التي تتلاءم وأماني الأمريكيين. # 12 # ص133: # لا يأتي هيكل على ذكر ~~سيسكو الذي طار إلى القدس ثم عاد ليجري مباحثات خاصة وعلى انفراد ~~مع السادات. # حكاية الضابط الشاب التي زعم هيكل أنه أحضر ليلا للسادات شرائط ~~مسجل عليها أحاديث تليفونية ، لم يقبلها حتى أكثر الناس ميلا ~~للتصديق من المصريين، وكانت موضع سخريتهم، بل واعتبروها من الطرائف. ~~وقد أوردها هيكل عبثا باعتبارها حكاية جادة. يبدو هنا وبقوة ~~السيناريو الذي كتبه ومثله السادات نفسه. بالمناسبة فإن اسم هذا ~~«البطل» ms190 لايزال مجهولا حتى الآن. # ص133: # لم يذكر الكاتب أي شيء ~~(والأرجح أنه تصرف هنا بحصافة) عما سمعه السادات عند فحصه للشرائط ~~التي أحضرت إليه، ولماذا جلس حتى الصباح إلى جوار جهاز التسجيل. ~~كما أنه لم تذكر في المحكمة أية «فضائح مدوية» بفضل الشرائط ~~المسجلة. ليس من قبيل الصدفة أن المصريين ذوي الألسنة اللاذعة ~~راحوا يتساءلون في دهشة: ولماذا لجأ السادات بعد ذلك إلى حرق ~~الأشرطة وعليها تسجيلات للمكالمات، وهي التي زعموا أنهم وجدوها في ~~وزارة الداخلية؛ إذ كان من الممكن ببساطة مسح المكالمات والاحتفاظ ~~بهذه الأشرطة الباهظة الثمن. لقد تم إضرام النار في فناء وزارة ~~الداخلية وقام السادات بنفسه أمام كاميرات التليفزيون بإلقاء ~~الصناديق فيها، وفيما بعد عرضت هذه الملهاة في فيلم تسجيلي. # على أنه استنادا إلى الأحداث التي وردت في الكتاب، والتي بدأت ~~مبكرا في صباح العاشر من مايو 1971م، كان من المفترض أن يحاول ~~السادات بوعي أن يخفي المعلومات عن السفير السوفييتي أو حتى يعد له ~~أمرا مستفزا. وفي مساء الحادي عشر من مايو أجرى السفير السوفييتي ~~حديثا وديا طويلا مع السادات، انتهى بسؤال وجهه السفير إلى ~~السادات عمن يمكنه الآن التحدث معه بصراحة وكأنه يتحدث إلى الرئيس. ~~وقد سأله السادات بدوره عن الدافع وراء هذا السؤال، فأجاب السفير ~~بقوله إنه وبعد إحالة علي صبري إلى التقاعد فقد سرت شائعات مختلفة، ~~ونظرا للعلاقات العميقة بين البلدين على جميع المستويات، بما فيها ~~العلاقات ذات الطابع السري؛ فإن على السفير السوفييتي، بطبيعة ~~الحال، أن يكون حذرا للغاية وألا يسيء التصرف مع من يتعامل معهم. ~~أجاب السادات دون تفكير بقوله: «إن أفضل أصدقائي هم شعراوي جمعة ~~والفريق فوزي وسامي شرف، وهؤلاء باستطاعتك أن تتحدث معهم بصراحة ~~كما تتحدث معي.» لقد ذكر لي السادات ذلك، ثم تبين أنه كانت لديه ~~تلك «الأشرطة»، وفي الثالث عشر من مايو؛ أي بعد يومين فقط، قام ~~باعتقالهم جميعا. # فيما بعد قص السفير على هيكل هذه الواقعة، وسأله كيف يفسر هذه ~~الإجابة من الرئيس تحديدا على سؤال ms191 كان منطقيا تماما في تلك ~~الآونة. فأجاب هيكل على الفور أن السادات كان يتعامل مع السوفييت ~~جميعهم على هذا النحو من الشك، وأنه كان يريد أن «يختبر» السفير ~~السوفييتي فيما إذا كان وراء «المؤامرة». فعندما كان السادات يستمع ~~إلى بعض الشرائط المسجل عليها مكالمات السفير السوفييتي مع بعض ~~المسئولين المصريين، الذين أشار السادات على السفير السوفييتي ~~بالتعامل معهم، لم يجد أية «أدلة» تشير إلى تورط السفير السوفييتي ~~في «المؤامرة»، وعندها شعر، على حد قول هيكل، بالغيظ (هنا يتضح لنا ~~واحدة من الخصائص البالغة الدلالة على علاقة الرئيس بالاتحاد ~~السوفييتي). # ص134: # يترك الكاتب لخياله ~~العنان وهو يعلن أن الفريق صادق أقسم يمين الولاء للسادات في ~~الثاني عشر من مايو 1971م بعد أن نطق بعبارة واحدة. هذه رواية تثير ~~ما هو أكثر من الشك. لم يكن خافيا على أحد أن رئيس الأركان (صادق) ~~رجل شديد الطموح، وكان يتطلع بقوة إلى السلطة، وقد نفد صبره على ~~تحمل وزير الحربية الفريق فوزي. ظهر ذلك في التفاوت في الوضع ~~الاجتماعي والتفكير العسكري؛ فصادق يمثل طبقة العسكريين العليا ~~الموسرة، وهو من الأغنياء بالمفهوم المصري، بل إنه كان مالكا ~~لمصنع، وكان ميالا، بطبيعة الحال، للغرب. أما الفريق فوزي فيمثل ~~بالنسبة له النقيض في كل شيء. كان صادق لا يحب الاتحاد السوفييتي، ~~وكان يرى أن العلاقة العسكرية معنا شر لا بد منه. وقد أصبح في ~~النهاية وزيرا للحربية، وكما اتضح بعد ذلك أنه كان المنظم لعدد من ~~التصرفات الاستفزازية الدنيئة ضد العسكريين السوفييت. # كان فوزي على العكس من ذلك. عمل من أجل تعاون أكثر قوة وإخلاصا ~~مع الاتحاد السوفييتي. # لم تكن العلاقة الشخصية المتوترة بين كل من فوزي وجمعة وسامي شرف ~~تجاه السادات بالأمر الخافي على صادق، ناهيك عن معرفته بميول ~~السادات نحو أمريكا. وعلاوة على ذلك، ولسبب ما غير معلوم حتى الآن، ~~كان صادق مدعوا على العشاء في منزل شعراوي جمعة، حيث حضر العشاء ~~أيضا كل من محمد فوزي وسامي شرف والسفير السوفييتي وكبير ~~المستشارين السوفييت الجنرال ms192 أكونيف. إبان هذا العشاء انتقد جمعة ~~وفوزي وسامي شرف السادات على نحو شخصي لتعاونه مع الأمريكيين، ~~بينما التزم صادق الصمت واكتفى بالإنصات ... # لا يمكن أن نستبعد أنه لم يوجد إطلاقا «ضابط شرطة شاب» لديه ~~شرائط تسجيل، وإنما كان هناك الفريق صادق، الذي أبلغ السادات ~~بالكيفية التي تلائم نفسيته، ومن ثم فقد عينه السادات وزيرا ~~للحربية فور اعتقال فوزي. وكان ذلك متوقعا من الجميع. # ويصف هيكل أيضا سياق أحداث مايو وإنما على نحو مختلف بعض الشيء ~~مقارنة بما قصه السادات نفسه على السفير السوفييتي؛ فوفقا ~~للسادات فهو قد عرض على جمعة، على حد قوله، أن يختار بين أن يستقيل ~~«طواعية»، أو يقيله السادات بنفسه. وفي تلك الفترة، كما أخبر ~~السادات السفير السوفييتي، كان السادات مهتما باختيار بديلين ~~لمنصبين مهمين في هذه الحالة؛ وزير الحربية (صادق) ووزير الداخلية ~~(ممدوح سالم). وبعد أن أقال السادات شعراوي جمعة، أعلن الذين ~~عرفوا ب «المتآمرين» عن استقالاتهم الجماعية بالفعل و... توجهوا إلى ~~بيوتهم ليناموا. كانت هذه الليلة تحديدا ليلة سهاد وأرق بالنسبة ~~للسادات؛ فقد كان يتوقع قيام انقلاب ضده؛ أي أعمال صريحة يواجه ~~بها، لكن «المتآمرون» ذهبوا إلى بيوتهم ليناموا في ~~أسرتهم. # من المؤسف أن هيكل لم يصف هذا السلوك الغريب الذي قام به ~~«المتآمرون»، فلو أنهم أرادوا أن يقوموا بانقلاب، فما هي التهمة ~~التي وجهها إليهم السادات لاحقا، وما الذي لم يعترفوا به؛ أي لو ~~أنهم أرادوا إزاحة السادات بالقوة لكان الأمر يسيرا عليهم؛ فقد ~~كان على رأسهم جميعا القوات المسلحة والشرطة والمخابرات والبرلمان ~~والاتحاد الاشتراكي العربي ووسائل الإعلام. لم يكن صعبا على هيكل ~~أن يعبر عن موقفه بشأن إثبات تهمة «المتآمرين» ب «خيانة الدولة»، ~~وأنه قد حكم عليهم بالإعدام شنقا في البداية، وهو الحكم الذي ~~استبدله السادات بالسجن المؤبد. # ص135: # الكاتب ليس على صواب ~~عندما يتحدث عن عدم وجود بعض الأعمال هنا أو هناك دفاعا عن ~~المعتقلين، والحقيقة أنه لم تكن هناك بالفعل أية اضطرابات جماهيرية؛ ~~ف «المتآمرون» لم يعدوا الجماهير لانقلاب تقوم به ms193 ~~الحكومة. # ص136: # اتضح أن ما قاله الفريق ~~فوزي حول أن «البلد سيباع للأمريكيين» هو مجرد تكهنات. ولما كان ~~صادق يعلم أنه سيصبح حتما وزيرا، فقد نصح فوزي بالذهاب إلى بيته ~~ل «يستريح». وفي الوقت نفسه فقد وضع منزل فوزي تحت الحراسة؛ أي إنه ~~أصبح معتقلا بالفعل على يد رئيس أركان جيشه. # ص137: # لم يكن السفير السوفييتي ~~إبان مقابلته للسادات في السادس عشر من مايو محرجا؛ فلم يكن هناك ~~أي مدعاة لحرجه. بالمناسبة فهيكل لم يحضر هذه المقابلة، ولهذا لم ~~يكن باستطاعته أن يحصل على أية معلومات حول هذه المقابلة إلا من ~~خلال السادات نفسه، الذي كان عليه أن يجد أحدا ما ليوقعه في ~~«الحرج». # كان السادات إبان هذا اللقاء مرتبكا للغاية، لم يكن شاحبا ~~فحسب، وإنما كان مغموما، يتصبب العرق من وجهه دون توقف. هكذا كان ~~الحال دائما مع السادات عندما يعتريه اضطراب شديد. اعترف السادات ~~أنه لم يذق طعم النوم ثلاث ليال متتالية. إذن فملاحظة هيكل حول أن ~~السادات كان هادئ الأعصاب تملق يفتقد إلى الذكاء؛ فالسفير السوفييتي ~~لم ير السادات على مدى السنوات الأربع التي قضاها في الخدمة في ~~مصر في هيئة من الارتباك أكثر من تلك التي كان عليها آنذاك. # ص137: # يروي هيكل عن لقاء سامي ~~شرف ببريجنيف في موسكو على نحو غير دقيق. لم يكن سامي شرف رئيسا ~~للوفد المصري إلى المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، ~~وإنما كان الرئيس هو عبد المحسن أبو النور الأمين العام للجنة ~~المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي. أما لقاء سامي شرف بليونيد ~~بريجنيف فجاء بطلب من شرف بناء على تفويض مباشر من السادات! # لم يقل شرف إن ناصر عهد إليه تحديدا بمسئولية الحفاظ على روابط ~~الصداقة بين مصر والاتحاد السوفييتي، وإنما ذكر أن ناصرا قد عهد بهذه ~~المهمة إلى السادات وجمعة وفوزي وله. # ص138: # من أين استمد هيكل هذه ~~المعلومات المجافية للواقع تماما؟ لم يبحث سامي شرف إطلاقا مسألة ~~إعداد معاهدة مع الاتحاد السوفييتي، ناهيك عن الحديث عن أن نص هذه ms194 ~~المعاهدة، كما زعم هيكل، قد أعده سامي شرف. من الواضح مرة أخرى، أن ~~ذلك كان تضليلا من السادات. # وعلاوة على ذلك، فلم يتناول النقاش إنشاء أكاديمية عسكرية بحرية ~~في مرسي مطروح، وإنما عن تأسيس كلية عسكرية جوية مصرية هناك، وذلك ~~بناء على طلب من السادات نفسه، وليس من الجانب السوفييتي. # ص138: # لم يحدث أي اتفاق إبان ~~مباحثات سامي شرف بشأن زيارة أحد الزعماء السوفييت إلى القاهرة. ولم ~~يدر أي حديث في هذا الصدد. # لقد جرى الأمر على نحو مختلف؛ فالرئيس السادات وبعد اعتقاله ~~«للمتآمرين» طلب أكثر من مرة أن يحضر إلى القاهرة أحد الزعماء ~~السوفييت، وفي الوقت نفسه طرح السادات فكرة عقد معاهدة صداقة مع ~~الاتحاد السوفييتي. # من المرجح أن يكون الطلبان مجرد خطوة تكتيكية من جانب السادات. ~~لم يكن السادات يعول على زيارة على مستوى رفيع من الاتحاد ~~السوفييتي إلى القاهرة، أو على موافقة على عقد معاهدة في مثل هذه ~~الظروف. وإلا لماذا شعر بالارتباك عندما تم إبلاغه بالموافقة على ~~اقتراحيه؟ # ص138: # لم يحاول سامي شرف ~~مطلقا أن يقنع السفير السوفييتي بعدم الدخول في تعامل مباشر مع ~~الرئيس السادات، بل إنه لم يطرح مثل هذا الموضوع عموما. وعلى ذلك ~~فإن كل ما سبق، بما في ذلك وصف رد فعل السفير السوفييتي، لم يكن سوي ~~خيال محض اختلقه هيكل. وهذه القضية لها جوانب أخرى؛ فالسادات طلب ~~أن يقوم السفير السوفييتي بزيادة اتصالاته بسامي شرف، وكأنه قد فوضه ~~ب «إحاطة السفير السوفييتي»، الذي كان قد وصل لتوه، «علما بمجريات ~~الأمور». # ص138: # بالطبع فقد أعطى السادات ~~لهيكل نسخة مشوهة من المباحثات التي أجراها مع نيكولاي بودجورني. ~~الأمر الأهم أنه (هيكل) لم يذكر أن السادات كان مصرا قبل ذلك ~~على عقد هذه المعاهدة. وقد تم تصوير الأمر ليبدو وكأن الاتحاد ~~السوفييتي كان هو المبادر بعقد هذه المعاهدة. # ص138: # يبدو التشوش السياسي ~~واضحا تماما في رأس الكاتب في هذا المثال الذي طرحه، عندما حاول ~~أن يقيم توازنا بين المعاهدة الإنجليزية المصرية عام 1936م، والتي ms195 ~~استعبدت مصر، ومعاهدة الصداقة السوفييتية المصرية التي جعلت مصر ~~دولة قوية ودعمت استقلالها. يا له من «قصر نظر» غريب من ~~الكاتب! # ص138: # بالفعل، طلب المصريون أن ~~تكون المدة المحددة للمعاهدة خمسة عشر عاما، ومن المدهش للجميع، ~~وهو ما لم يزعج السادات فيما بعد، أن يؤكد، عندما كان ذلك ضروريا ~~له، أنه، كما يزعمون، كان مصرا على جعلها ثلاثين عاما، بينما ~~وافق الروس على أن تكون المدة خمسة عشر عاما فقط! # ص139: ~~«الاستقبال الحماسي» ~~الذي قوبل به الضيوف السوفييت في شوارع القاهرة كان معدا إعدادا ~~جيدا من قبل مؤسسات السلطة، وهو أمر لا يثير الدهشة. كما أنه لا ~~خلاف على أن أحدا (من الضيوف (المترجم)) لم يتساءل عن مشاعر ~~الجماهير تجاه جماعة علي صبري. في أحيان كثيرة نجد الكاتب يلجأ إلى ~~الاختلاق؛ فمن أين له هذا الكلام؟! # ص139: # تعد رسالة نيكسون إلى ~~السادات والتي يقترح فيها مواصلة الاتصالات حول «وسائل الدبلوماسية ~~الهادئة» دليلا على مواصلة السادات لسياسته ذات الوجهين تجاه ~~الاتحاد السوفييتي؛ فالاتحاد السوفييتي لم يحط علما، بطبيعة الحال، ~~بالاتصالات الجارية مع الأمريكيين. # ص139: # علينا أن ندرك أن هيكل ~~وصف بطريقة ساخرة كيف اقتنع نيكسون بتأكيدات الملك فيصل بأن ~~البلشفية هي نتاج للصهيونية! من الواضح هنا أن هيكل يتباهي بمعرفته ~~بفيصل، وفي الوقت نفسه لم يحدث مطلقا أن «اشتكى» هيكل للسفير ~~السوفييتي من أن فيصلا يمنع مقالاته من النشر في العربية السعودية ~~وأنه يعتبره عدوا له. # ص140: # من أكثر الاعترافات ~~الصريحة والمدهشة في كتاب هيكل هو اعترافه، بل وتأكيده على حقيقة ~~أنه على الرغم من غياب أية تصريحات معادية لأمريكا، فإن السادات في ~~لقاءاته مع الزعماء السوفييت كان يقسم لهم أغلظ الأيمان بأنه لا ~~توجد هناك أية أعمال في الخفاء، بينما كانت هناك مراسلات مستمرة ~~بين السادات ونيكسون عبر القناة الموجودة بين المخابرات المركزية ~~للولايات المتحدة (!) والمخابرات المصرية! مما يعني وجود تعاون بين ~~جهازي المخابرات في البلدين. مثل هذه الخيانة للاتحاد السوفييتي لم ~~تكن لتحدث بأي حال بالطبع في زمن ناصر. ms196 # ص141: # لم يخبر السادات الاتحاد ~~السوفييتي حتى عن هذه الاتصالات التي تمت مع الأمريكيين، عندما ~~أبدوا اهتمامهم بإمكانية أن يكون لمعاهدة الصداقة السوفييتية ~~المصرية تأثير على علاقة مصر بالولايات المتحدة الأمريكية؛ أي من ~~الناحية العملية، على التحركات القادمة وفقا ل «خطة روجرز»، وكما ~~ندرك من الوصف، فإن السادات واصل دعمه لآمال الأمريكيين، فضلا عن ~~أنه أظهر صراحة استعداده للتعاون معهم من وراء ظهر الاتحاد ~~السوفييتي، على الرغم من أنه كان يبدي في العلن رفضه ل «خطة ~~روجرز». # الخطأ هو أن أحدا لم يتصور أن السادات يمكن أن يتصرف على هذا ~~النحو من الخسة. # ص143: # في عرضه لرد الفعل ~~السوفييتي تجاه الأحداث التي وقعت في السودان عام 1971م # 13 # يعود هيكل مرة أخرى ليعطي لنفسه قدرا كبيرا من ~~الحديث بلا قيود، مستندا إلى ما أخبره به السادات (على سبيل ~~المثال، عن علاقته بعبد الخالق محجوب)، وقد بات من الواضح أكثر أن ~~السادات لم يكن ينقل إلى هيكل معلومات غير دقيقة فحسب، وإنما كان ~~يتعمد في كثير من الأحيان دفعه نحو تشويه الحقائق (للتشهير ~~بالاتحاد السوفييتي في كل الأحوال). من أين، على سبيل المثال، هذا ~~الغباء الهائل في التأكيد على أن «السوفييت» التقطوا المكالمة ~~التليفونية بين السادات والنميري؟ # ص143: # لدى هيكل حساسية مرضية ~~بالغة تجاه النقد، وخاصة إذا كان هناك ما يشينه بشكل واضح، وحيث ~~إنه كان يكتب، إلى جانب ما يكتبه من حقائق وأكاذيب، مقالات ~~استفزازية أيضا عن الاتحاد السوفييتي تصل أحيانا إلى درجة ~~العداوة، فقد كان كثيرا ما يواجه بالنقد حتى في أثناء لقاءاته ~~الشخصية، كما كان هناك من ينبهون القادة المصريين إلى كتاباته، ~~لكن الأمر لم يصل مطلقا، بطبيعة الحال، إلى حد أن يشرح أحد ~~للمصريين كيف يكتب هيكل، أو عن ضرورة «التخلص منه». # 14 # وهناك أمر آخر، وهو على أي نحو كان السادات ينقل لهيكل ~~ما يمكن أن يمثل مادة لمقالاته، الأرجح أن السادات كان يحرض هيكل ~~ضد الاتحاد السوفييتي بكل الوسائل، وكان أكثرها جدوى هو التضليل؛ ~~فهيكل ms197 بعد وفاة ناصر لم يعد لديه منفذ إلى الأوراق الشخصية ~~للرئيس الجديد. # ص144: # الحديث الذي ذكره هيكل ~~إبان مأدبة الغداء، التي حضرها بوناماريوف، نقل على نحو محرف ~~تماما. إن الكاتب يستغل هنا بصفاقة وضع ضيفه من أجل أن يستعرض ~~ذكاءه، بينما يبدو الحضور أغبياء. لم يتصرف هيكل في أثناء هذا ~~الغداء، أقولها بدماثة، على النحو الأمثل. لقد حاول هيكل في هذا ~~الغداء أن يرد اعتباره في عيون السوفييت. هذا بالضبط ما أراده، لكنه ~~لم ينجح في ذلك. # ص146: # تحريف بشع للحقائق. لم ~~يكن بيرجوس في ضيافة محمد رياض، # 15 # وإنما في ضيافة محمود رياض، # 16 # وقد ترك له بالفعل مذكرة، وقد قام الوزير، المخلص في ~~علاقته بالاتحاد السوفييتي، بدعوة السفير السوفييتي فور انصراف ~~بيرجوس مباشرة، وسلمه وهو يشعر بالاستياء نسخة من «مذكرة» ~~بيرجوس. # ص147: # يختلق هيكل هنا حديثا ~~عن «جماعة علي صبري» # 17 # وما إلى ذلك. # ص148: # اعتراف مثير آخر حول ~~الاتصالات بين المخابرات المصرية والأمريكية، وفي هذه المرة يرد ~~ذكر اسم العميل الأمريكي يوجين ثرون (وكان نشاطه معروفا). # لم يخبر المصريون أصدقاءهم السوفييت، بطبيعة الحال، بشأن ~~اتصالاتهم بالأمريكيين، على الرغم من أن الأمر كان يمس العسكريين ~~السوفييت. ووفقا للاتفاق السوفييتي المصري، كان الجانب المصري ~~ملزما باتخاذ كل التدابير الضرورية الخاصة بنظام مكافحة التجسس من ~~أجل ضمان قيامهم بعملهم على نحو طبيعي. # ص150: # الأرجح أن راندوبولو قد ~~قتل. # ص150: # إلى هذا الحد يعجب ~~المصريون بالأسماء الألمانية، حتى إن هيكل اخترع للجنرال السوفييتي ~~اسما هو .. شفارتسكوف. # 18 # ص151: # يكتب هيكل أن السفير ~~السوفييتي دعاه إلى الحديث ومناقشة موضوع معه «بصفة شخصية وسرية ~~للغاية». حسنا، ثم لا يخجل هيكل أن يصف بعد ذلك هذا الحديث الذي ~~دار بينهما. أليس لديه وازع من ضمير؟! # ص151: # لم يقدم المصريون أي ~~تقرير عن نتائج التحقيق. # ص152: # مرة أخرى يود هيكل ~~تأكيدا على علاقات الولايات المتحدة ومصر في مجال الاستخبارات. ~~لقد أطلق السادات سراح الجاسوسة الأمريكية فقط من أجل الإبقاء على ~~هذه القناة مفتوحة. # 19 # ص154: ms198 # لم يكن الخلاف في وجهات ~~النظر بين السادات ووزير خارجيته محمود رياض وهما، كما أعلن ذلك ~~الكاتب، وإنما كان حقيقة. إن رياض الوطني النزيه وصاحب الخبرة ~~العريضة في الاتصالات مع الأمريكيين، كان يدرك أهدافهم، ويعرف ~~عادتهم أيضا. كان رياض ضد التواطؤ مع الأمريكيين (فضلا عن أن يتم ذلك من وراء ~~ظهر الاتحاد السوفييتي)، ومن الواضح أنه لم يكن على علم بالاتصالات ~~السرية بين السادات ووكالة المخابرات المركزية، وفي كل الأحوال، ~~فهو لم يكن مطلعا على مضمون الرسائل الدءوبة بينهما. ليس من ~~الغريب إذن أن قام السادات على الفور بإزاحة رياض من منصبه كوزير ~~للخارجية، بعد أن راح يتعاون على نحو أكثر علانية مع الولايات ~~المتحدة الأمريكية. # كان السادات قد غير من نهجه، ولهذا راح يتعامل مع رياض بقدر من ~~الريبة، الأمر الذي ساعد عليه أن رياض كان متعاطفا مع علي صبري، ~~وكان يعتبره من أكثر الرجال ذكاء في البلاد. # ص157: # إن الملاحظة التي أبداها ~~هيكل بشأن أن الاتحاد السوفييتي لم تكن له أية علاقة فيما يخص الخطط ~~العسكرية المصرية هي ملاحظة صحيحة، بل إن الأمريكيين أنفسهم كانوا ~~يرفضون في وقت ما أن يصدقوا ذلك. # ص157: # كان السادات يسمح لنفسه ~~بالفعل بالتحدث على هذا النحو المفتقد إلى اللياقة عن الزعماء ~~السوفييت، ودائما ما كان يحب أن يقارن نفسه تارة بستالين وتارة ~~بتشرشل. باختصار كانت أكاليل المجد تقض مضجعه. # من الصفات المميزة لهيكل أنه كان يخشى أن يذكر أي شيء إيجابي عن ~~الشخصيات التقدمية من طراز عزيز صدقي. وهو لم يقدر على أي نحو ~~حقيقة استبدال صدقي بمحمود فوزي لمنصب رئيس الوزراء، من الواضح أن ~~هيكل، وقد كان قريبا دائما في علاقته بالدكتور فوزي، كان على علم ~~بالخلاف القائم بين محمود فوزي والسادات فيما يتعلق بالسياسة ~~الخارجية الأمريكية تجاه مصر. وتكشف الأحداث التي وقعت بعد عامين، ~~أنه على الرغم من أن محمود فوزي كان يقف دائما إلى جانب إجراء ~~اتصالات مع الأمريكيين واستغلالهم لصالح مصر، فإنه لم يستطع أن ~~يوافق على المغازلة ms199 التي لا حدود لها، والتي كان يبديها السادات ~~للولايات المتحدة الأمريكية، وقد ترك محمود فوزي منصبه باعتباره ~~رئيسا للوزراء لهذا السبب تحديدا. وقد قص هيكل على السفير ~~السوفييتي عن الخلافات التي نشبت بين محمود فوزي والسادات. # ص158: # يفتقد تأكيد هيكل بشأن ~~إصابة القاذفات من طراز تو-16 إلى أي دليل، والأرجح أنه استمع إلى ~~هذه القصة من السادات، الذي قام بتضخيمها بعد أن نجح في الحصول على ~~هذه الطائرات من الاتحاد السوفييتي. فبعد أن تسلم السادات هذه ~~الطائرات وجد نفسه وقد فقد الحجة على توجيه الاتهامات للاتحاد ~~السوفييتي، عندئذ قام بتلفيق هذه الحكاية ليثبت أنها دون المستوى! ~~آنذاك كان المصريون قد بات باستطاعتهم العمل على الطائرات من طراز ~~تو-16، التي، مثلها مثل أي طائرة، كانت، إلى جانب خواصها الإيجابية، ~~بها عيب هو قلة سرعتها نسبيا. على أنها كانت مجهزة لقذف الصواريخ ~~من الجو إلى الأهداف البعيدة المدى. فإذا ما أخذنا في الاعتبار أن ~~المسافات المتاحة في مسرح العمليات العسكرية المصرية ليست واسعة، ~~فإن هذه القاذفات ليست بحاجة إلى طلعات تصل فيها إلى سرعتها ~~القصوى، الأمر الذي يمكن أن يمثل خطورة عليها؛ فالطائرة تو-16 هي ~~بالدرجة الأولى «سلاح ردع» لإسرائيل. ليس من العجيب إذن أن ~~السادات، بعد أن تسلم أخيرا القاذفات من طراز تو-16 التي كان ناصر ~~قد طلبها، بدأ على الفور حملة تشهير لكي يبرر عدم الاستفادة بها؛ ~~إذ إنه، كما اتضح، لم يكن في الحقيقة يعتزم القتال! # ص158: # مثال مهم يدل على أي نحو ~~تدار السياسة في الشرق العربي، هذا بالطبع إذا لم يكن هيكل قد ~~اخترعه؛ فالسادات، على حد قوله، قد أبلغ الملك فيصل أن تتلقى قيادة ~~القوات المصرية أوامرها منه مباشرة (بالطبع في حالة حدوث أي طارئ) ~~في أثناء غيابه في موسكو. شيء من هذا لم يحدث مطلقا بطبيعة الحال، ~~ولم يكن هناك أحد في مصر يمكن أن يخطر بباله أن يمتثل لأوامر الملك ~~فيصل. لكنها لفتة كريمة على أية حال. ليس ذلك هو الأمر المهم. في ~~الواقع ms200 فقد وعد فيصل السادات بإهدائه عشرين قاذفة مقاتلة من طراز ~~«لايتننج»، وقد حاول السادات أن يبتز بها الاتحاد السوفييتي، لكنه لم ~~ينجح في التأثير على أحد. في موسكو قالوا له تريد أن تأخذ طائرات ~~«لايتننج»، خذها، لكننا نعلم أنها ليست من نوعية رفيعة. ولم يربط ~~السوفييت بين قرار توريد الطائرات تو-22 وطائرات «لايتننج» ~~(بالمناسبة فقد رفض المصريون استلام تو-22)، أما الطائرات من طراز ~~«لايتننج» فلم يرسلها السعوديون مطلقا؛ لأنها كانت في حالة ~~سيئة. # ص160: # قام الرائد مصطفى ~~الخروبي (عضو مجلس الثورة الليبي (المترجم)) بأداء الصلاة في ~~الكرملين في مكتب ألكسي كوسيجين بالقرب من صورة كارل ماركس مباشرة. ~~في الواقع كان مشهدا لم يسبق له مثيل في الكرملين. # ص160: # يعرض هيكل حكاية ~~استفزازية تتعلق بنقل مشغولات ذهبية. كان استفزازا من طراز ~~كلاسيكي تماما إذا جاز القول. لم يحمل الخبراء السوفييت مطلقا ~~معهم أية كميات كبيرة من الذهب، وإنما كانت هدايا تذكارية عادية، ~~من تلك التي يلاحق بها الباعة المصريون كل السائحين الأجانب، الذين ~~يزورون القاهرة. # لقد توفر لدى الخبراء السوفييت على مدى إقامتهم في مصر لمدة عام ~~أو عامين بعض المال بطبيعة الحال، راحوا ينفقونها على شراء الهدايا ~~التذكارية، التي لا تتمتع في مصر بالتنوع الكبير. كم من مرة طلب ~~الدبلوماسيون السوفييت من السلطات المصرية أن يقيموا كشكا خاصا ~~تحت إشراف المصريين لبيع مختلف الهدايا التذكارية للعسكريين ~~السوفييت العائدين للوطن! وفي كل مرة كان المصريون يرفضون. لم يحمل ~~مواطنونا مطلقا سبائك من الذهب كما كتب هيكل. # جدير بالذكر أيضا أن العسكريين السوفييت كانوا يتمتعون بالإعفاء ~~من التفتيش الجمركي، بناء على اتفاق سوفييتي مصري. على أن الفريق ~~صادق أصدر توجيهاته بخرق هذا الاتفاق. سعت السلطات المصرية بعدم ~~السماح للدفعة الدورية من العسكريين السوفييت المسافرين للوطن، ~~وطلبوا تفتيشهم بشكل كامل، بما في ذلك التفتيش الشخصي. حدث سوء ~~تفاهم، فاستدعى المصريون جنودا يحملون الرشاشات قاموا بإحاطة مبنى ~~المطار العسكري، وقد اتخذ الاستفزاز شكلا أكثر صراحة بعد ذلك، ~~عندما فشل السفير السوفييتي في الاتصال بالفريق ms201 صادق أو بعبد العزيز ~~حجازي (وزير المالية آنذاك والذي تتبعه مصلحة الجمارك) أو بوزير ~~الخارجية أو بالسادات. لقد اتضح أن جميعهم موجودون، فجأة «خارج ~~القاهرة». كان اليوم يوم عمل، ولم يكن أمامنا سوى اللجوء إلى ~~مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي حافظ إسماعيل، الذي وعد ب «بإبلاغ ~~الرئيس»، ووصف ما حدث مباشرة بأنه عمل استفزازي من جانب السلطات، ~~وطلب ألا نستجيب لهذا الاستفزاز، الذي يستهدف تفجير غضب الجانب ~~السوفييتي. # وقد أصدر السفير السوفييتي تعليماته بأن يكشف العسكريون السوفييت ~~عن كل ما لديهم للتفتيش الجمركي. وقد تبين أن كل مسافر يحمل معه في ~~المتوسط هدية تذكارية واحدة من المشغولات الذهبية، بروش أو عقد وما ~~إلى ذلك. # لم يذكر هيكل فيما بعد، عندما انهار هذا العمل الطائش، أن ~~السادات قدم اعتذاره للسفير السوفييتي في حديث تليفوني معه بعد أن ~~قال له «إنه يشعر بالخجل أن في مصر أناسا لا يحملون الجميل ~~للروس». # بالمناسبة، فالسفير الروسي لم يذهب للمطار، على عكس ما أكده ~~هيكل. # ص161: # يطرح هيكل أيضا قصة ~~إحلال أطقم الدفاع الجوي المصرية محل الأطقم السوفييتية على نحو ~~يفتقر إلى الضمير، بدءا من استخدامه لهذا التأكيد المغلوط الذي ~~روجه السادات، والذي يزعم فيه أن مرتبات العسكريين السوفييت ~~الموجودين في مصر تدفع بالعملة الحرة. أما حضور الماريشال جريتشكو ~~إلى مصر فلا علاقة له إطلاقا بقصة استبدال الأطقم ~~السوفييتية. # في واقع الأمر، فقد أعلن الفريق صادق أولا، ثم تلاه السادات، ~~أنهما يريدان تغيير نصف أطقم الدفاع الجوي السوفييتي (ثم عادا ~~ليطلبا تغيير الثلث)، وإحلال أطقم مصرية بدلا منها من التي عادت ~~لتوها من الاتحاد السوفييتي بعد أن أنهت تدريباتها. في الواقع لم ~~تكن هناك حاجة لاستعجال هذا التغيير، فضلا عن أن المصريين كانوا ~~سيتسلمون بالضرورة منصات دفاع جوي جديدة لم تكن هناك أطقم جاهزة ~~للعمل عليها آنذاك. وكان قبول اقتراح المصريين يعني، ربما، حدوث ~~تدهور حاد في وضع الدفاع الجوي للبلاد، يصبح الاتحاد السوفييتي ~~مسئولا عنه بدرجة أو بأخرى، وقد تم لفت انتباه السادات إلى ms202 هذا ~~الوضع. # لكن هذا الأمر كان له جانب سياسي أيضا ؛ فقد سارع السادات بإعلان ~~استبعاد مجموعة كبيرة من العسكريين السوفييت عشية وصول الرئيس ~~نيكسون إلى مصر لإجراء مباحثات كان من أهم ما تضمنته مناقشة الوضع ~~في الشرق الأوسط. وقد اكتشف الجانب السوفييتي وعلى نحو صحيح مغزي ~~تصرف السادات، واعتبره استعراضا أمام الأمريكيين لمشاعره غير ~~الودية وكأنه يقدم بهذا عربونا لنيكسون. # وقد تم لفت انتباه السادات إلى ذلك إبان زيارته الأخيرة إلى ~~موسكو في أبريل 1972م، وقد أعلن السادات آنذاك أنه سوف يتريث قليلا ~~في سحب العسكريين السوفييت من مصر. ولم يحدث مطلقا أن أصر الجانب ~~السوفييتي على بقاء الوحدات العسكرية السوفييتية في مصر. # ص162: # لم يكن هيكل يعلم شيئا ~~عن قصة صفقة توريد الطائرات من طراز ميج-23. من الواضح أنه سمع ~~من أحد ما حكايات ملفقة عن هذه الصفقة. شيء واحد يمكن أن نقوله في ~~هذا السياق: إن مصر لم تدفع سنتا واحدا بالعملة الحرة ثمنا ولو ~~لطائرة واحدة، قام الاتحاد السوفييتي بتوريدها لمصر. لقد تم توريد ~~كل الطائرات بقرض ذي شروط تفضيلية ميسرة على أمد طويل وبنصف الثمن ~~يدفع بالجنيه الحسابي السوفييتي المصري؛ أي في نهاية الأمر، مقابل ~~بضائع مصرية. ونظرا لأن هذه القروض كانت طويلة الأجل إلى حد بعيد، ~~فإنه يمكن القول إن المصريين لم يبدءوا حتى الآن في تسديد هذه ~~القروض بشكل جاد مقابل تلك الصفقات، ومن ثم فإن هذه القروض لا تزال ~~مسجلة كديون. # ص163: # أكذوبة أخرى يرويها ~~هيكل، ومن جديد استنادا إلى حكاية نشرها السادات. لم تصدر أي ~~بيانات أو مشروع إعلان باسم «اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ~~السوفييتي» (؟!). # بعد زيارة قام بها السادات إلى قاعدة غرب القاهرة الجوية ~~العسكرية بصحبة المارشال جريتشكو، حيث استعرض السادات الطائرات من ~~طراز م-500 وسوخوي-7 وسوخوي 17-ب (التي أراد المصريون شراءها) ~~تم، بناء على موافقة السادات، صياغة بيان صحفي قصير، تمت صياغته ~~وإذاعته في القاعدة، يفيد زيارة الرئيس لإحدى القواعد العسكرية ~~الجوية، حيث استعرضا الطائرات القتالية الحديثة بما فيها بعض ms203 ~~الطائرات التي تبلغ سرعتها ثلاثة أضعاف الصوت، وقد أعرب السادات ~~وجريتشكو عن تمنياتهما بنجاح الطيارين المصريين في الذود عن سماء ~~بلادهم. لم يرد في هذا البيان أي ذكر أن الطيارين المصريين يجيدون ~~قيادة مثل هذه الطائرات. ترجع أهمية هذا الإعلان إلى أنه يفيد وجود ~~طائرات حديثة في مصر، وقد وافق السادات دون أي تردد على التصريح ~~بهذا الخبر للصحافة. # من الأمور اللافتة للاهتمام أن السادات وافق بصعوبة على زيارة ~~هذه القاعدة الجوية العسكرية بصحبة جريتشكو، لكنه رفض رفضا باتا ~~الذهاب إلى الإسكندرية لاستعراض السفن الحربية السوفييتية؛ إذ كان ~~يرى أن ذلك يمثل استعراضا كبيرا يصب في مصلحة الاتحاد السوفييتي ~~عشية زيارة نيكسون إلى موسكو. # ص164: # نشر هيكل بالفعل بعض ~~المعلومات التي تفيد اهتمام الاتحاد السوفييتي بدرجة ما باستمرار ~~حالة «اللاسلم .. واللاحرب». ومثل أي شخص غير مطلع على العلوم، يرى ~~هيكل أن كل ما يتذكره العقل الإلكتروني هو حقيقة قطعية، وهو لا ~~يعلم أن هذه «الحقيقة» تتوقف على المعلومات التي يتم بها تغذية ~~العقل الإلكتروني وعلى أي نحو. عموما، فمن المشكوك فيه أن تكون ~~مثل هذه التجربة قد أجريت. وعلى أية حال، فمن غير المعروف أين ~~ومن الذي أعد هذا «البرنامج» الذي تم تغذية العقل الإلكتروني به ~~وعلى أي نحو. # 20 # ص167: # هل كان لزاما على هيكل ~~أن يعود ليكرر السخافات التي ينشرها أعداء مصر حول استخدام الروس ~~للمطارات المصرية! في الواقع هل كان من الضروري أن يبعث الاتحاد ~~السوفييتي بقواته إلى مصر؟ يعلم هيكل تمام العلم كم من الوقت ~~استغرقه ناصر وهو يطلب من الزعماء السوفييت أن يرسلوا أطقما ~~سوفيتية للعمل على منصات الدفاع الجوي! # بالطبع، فإن الحديث عن حاويات ضخمة وصلت، ربما إلى مطار غرب ~~القاهرة يمكن تفسيره حسب هوى كل من أراد. ولعل هناك من يؤكد إن ~~كانت هذه الحاويات قد وصلت عموما. # ص167: # مرة أخرى يعود هيكل ~~ليكرر كذب السادات حول دفع مرتبات الخبراء السوفييت بالعملة ~~«الصعبة». لم يحدث ذلك كما لم يحدث أن أرسل ليونيد بريجينيف ms204 أي ~~رسائل في هذا الشأن للسادات كما ذكر هيكل. # ص167: # يبدي هيكل ملاحظة صائبة ~~حول أن المصريين (السادات ) كانوا يجرون مباحثات مع الزعماء السوفييت ~~حول العلاقات بين البلدين إجمالا، وحول قضايا الحصول على السلاح ~~السوفييتي. صحيح أيضا ما أشار إليه حول أن طلبات المصريين كانت ~~دائما مبالغا فيها، من الواضح أن ذلك كان مرده إلى الرغبة في ~~تبرير مناخ السخط على الاتحاد السوفييتي، الذي دأب السادات دائما ~~على خلقه. # ص168: # لا يلحظ هيكل دناءة ما ~~يكتب. بالفعل كان الوضع غريبا؛ ها هم الجنود السوفييت في حالة ~~الاستعداد القتالي القصوى يعيشون في مخابئ تحت الأرض في صحراء وهم ~~يحرسون بكل يقظة وانتباه سماء مصر؛ ذلك لأنهم يخدمون ضمن قوات ~~الدفاع الجوي للبلاد. # أي تناقض كان يمثله لهم تسكع الشباب المصري وهو يثرثر في دعة ~~ودون مبالاة وعدم اكتراث كل مساء في الإسكندرية الساطعة بالأنوار؟! ~~كان من الصعب علينا أن نشرح لجنودنا وضباطنا كل هذه الأشياء، ~~والأهم الإجابة عن سؤال: لماذا جاءوا بنا إلى هنا إذا كان المصريون ~~يتعاملون مع الخدمة العسكرية، بل ومع الحرب عموما بهذا القدر من ~~اللامبالاة؟! # أما فيما يتعلق بتصريح السادات حول «التعبئة الذاتية» التلقائية ~~للشعب «ما إن تنطلق الطلقة الأولى»، فإن صياح الديكة هذا، للأسف، ~~كثيرا ما يحل محل الاستعداد الجاد العواقب الأعمال الحربية. وفي ~~القاهرة لم يتم بناء مخبأ واحد ليلجأ إليه الناس في حالة وقوع ~~غارات جوية، كما لم يتم إعداد مراكز للإسعافات الأولية. ومن حسن حظ ~~المصريين أن قنبلة أو صاروخا إسرائيليا لم يسقطا على القاهرة. ~~وإنني لعلى يقين أنه لو حدث ذلك لأصاب الناس عندئذ ذعر لا نظير له، ~~بدلا من «التعبئة الذاتية»، ناهيك عن الحرائق الحتمية ووقوع ~~الضحايا وما إلى ذلك. إن الشعب المصري، لم يعرف ما الحرب على ~~حقيقتها، لعل الأقدار تحفظه من هذا الابتلاء الصعب. # ص170: # عبثا يسعى هيكل لإلقاء ~~ظل من الغموض على قرار السادات حول إنهاء مهمة العسكريين في مصر. ~~ها هو يتذرع بالقول إن من المستحيل التصريح ms205 بذلك بثقة، إذا كان ~~السادات نفسه لم يقرر أن يزيح الستار عن الأمر بنفسه. حسنا، وماذا ~~عن السادات؟ وماذا وراء هذه الغمغمة؛ فالسادات، تصوروا! «لم يكن ~~سعيدا طوال الشهر الماضي، وكان هيكل يشعر أن ثمة شيئا كان يختمر ~~في ذهنه (السادات)، لكنه لم يكن يعرف كنهه على وجه اليقين»؟ # إن هذه «التفسيرات» لا تصلح اللهم إلا للكتيبات الدينية الشعبية. ~~بينما نجد هيكل يدلي برأيه في أكثر القضايا خطورة، وأحيانا ما ~~يخطئ في ذلك. # في رأيي أن هيكل كان يشعر (إذا لم يكن على علم مسبق بالفعل) أن ~~قرار إبعاد العسكريين السوفييت من مصر، الذين جاء بهم ناصر إلى مصر ~~بشق الأنفس، كان أمرا تم اتخاذه من أجل الشروع في اتخاذ خطوة ~~واسعة نحو ملاقاة الولايات المتحدة الأمريكية، إن لم يكن في إطار ~~التآمر معها. # مهما قلبنا الأمر على أوجهه، فإن هذا القرار الذي اتخذه ~~السادات قد أضعف من موقف مصر. وكما يبدو، فقد جاء هذا القرار في ~~لحظة غير مناسبة إطلاقا؛ أي في الوقت الذي كان الاتحاد السوفييتي ~~يطرح فيه قضية التسوية في الشرق الأوسط في لقاءاته مع الأمريكيين ~~على أرفع مستوى. لقد أضعف هذا القرار مصر على المستوى العسكري، ~~فضلا عن، وهو الأهم، المستوى السياسي، كما أنه أفقدنا فرصة كبيرة ~~لأن نمارس ضغوطنا على الولايات المتحدة الأمريكية. # كان الأمريكيون يتذرعون دائما بأن إسرائيل، على حد قولهم، يصعب ~~عليها التوصل إلى سلام مع العرب بسبب «الوجود العسكري» السوفييتي في ~~مصر. وكنا نجيب بأنه عند التوصل إلى سلام شامل فإننا «نتوقع» أن ~~يطلب منا العرب، إنهاء مهمة العسكريين السوفييت في الشرق الأوسط. ~~باختصار: عندما تنسحب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية ~~المحتلة، سوف ينسحب العسكريون السوفييت أيضا. # وعلاوة على ذلك، فإن «الوجود العسكري» السوفييتي، الذي كان قائما ~~بالفعل، كان يدفع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى التعامل ~~بمزيد من الحذر مع إمكانية وقوع عمليات عسكرية ضد مصر، تجنبا ~~لظهور خطر المواجهة العسكرية المباشرة مع الاتحاد السوفييتي. # والآن إذا بالسادات ينتزع من أيدينا ms206 هذه الفرصة لصالح ~~الأمريكيين. # من الواضح (شاء هيكل ذلك أم أبى) أن المسألة كلها تتلخص في أن ~~السادات، بعد أن أصبح رئيسا بعد موت ناصر، وطد اتصالاته مع ~~الولايات المتحدة الأمريكية، واتخذ مساره باتجاه التخلص من الاتحاد ~~السوفييتي. ويبدو أن هيكل شعر بذلك ولكنه خشي التصريح بذلك ~~علنا. # ص172: # لو كان هيكل دقيقا هنا، ~~فإن عبارة السادات «لقد قطعنا مع السوفييت»، تكشف ببلاغة قاطعة ~~النيات الكامنة في أساس القرار الذي اتخذه السادات بشأن العسكريين ~~السوفييت. # ص173: # لسبب ما يكرر هيكل كذب ~~السادات بخصوص «جماعة علي صبري» واتصالاتهم بالسفير السوفييتي، وهلم ~~جرا، وعن صفقات السلاح الواردة من الاتحاد السوفييتي. ألا يرى كم ~~من السخافات في حديثه هذا. # ص174: # لماذا استطاع السادات أن ~~«يخمن» مضمون الرسالة التي بعثت بها موسكو، والتي حملها السفير ~~السوفييتي؟ يا له من أمر عجيب! أما المقابلة فكانت في قصر الطاهرة، ~~لا في القناطر. # ص174: # الأمر أشبه بالسخرية ~~عندما يورد هيكل حديث السادات الذي يقول فيه: «لقد قضينا، عبد ~~الناصر أولا ثم أنا، أربع سنوات عانينا فيها ما عانينا من ~~تصرفاته» (يقصد الاتحاد السوفييتي الذي قدم لمصر مساعدات تبلغ ~~قيمتها عدة مليارات، ناهيك عن الدعم السياسي!). # ص174: # لم يخبرنا السادات ~~باستلامه رسالة سرية أخرى من الأمريكيين قبيل زيارة السفير ~~السوفييتي له بيوم واحد، والتي أبلغه فيها السادات بقرار إنهاء مهمة ~~العسكريين السوفييت. ويبدو أن الرسالة الأمريكية كان لها دور حاسم ~~في اتخاذ السادات لهذا القرار المعادي للسوفييت (والمعادي في ~~الواقع لمصر أيضا). # ص174: # يحرف السادات عن قصد ~~مضمون الرسالة، محاولا جذب هيكل إلى صفه؛ ولهذا قال له إن ~~الرسالة تتعرض له (هيكل) شخصيا. شيء من هذا لم تتضمنه الرسالة. ~~ومن هنا يتضح لنا أن السادات لم يعرض نص الرسالة على هيكل. # ص175: # لم يذكر السادات للسفير ~~السوفييتي أي شيء من هذا. ولو أنه كان قد تجاسر على القول بأن ~~الزعماء السوفييت «كذبوا» عليه، لكان قد تلقى مني الرد المناسب. كان ~~السادات يتباهي بالحديث أمام مستمعيه، أما هيكل فراح ms207 يكرر أكاذيب ~~السادات. # ص176: # يورد الكتاب رد الجانب ~~السوفييتي على عزيز صدقي إبان زيارته إلى موسكو في الثالث عشر من ~~يوليو عام 1972م على نحو دقيق. الاتحاد السوفييتي لن يشارك في إضعاف ~~مصر. على أن هناك اختلاقا أيضا فيما يتعلق بخطاب الجانب السوفييتي، ~~الذي يزعم الكاتب أنه سلم لصدقي ورد فيه أن السوفييت رفضوا إمداد ~~مصر بالسلاح. والأمر على العكس تماما، فقد حمل صدقي اقتراحا ~~بإقامة مشروعات عسكرية في مصر، الأمر الذي رفضه السادات ~~بالمناسبة. # ص177: # يفتقد هيكل الدقة حين ~~يؤكد على نحو قطعي أن قرار إنهاء مهمة العسكريين السوفييت «قوبل ~~بالترحيب» في مصر. هذا صحيح، وإنما بالنسبة لعناصر المجتمع من ~~البرجوازيين والرجعيين فحسب. وهناك معلومات كثيرة تفيد أن هذا ~~القرار قوبل من العديد من المفكرين، ناهيك عن القطاعات التقدمية من ~~المجتمع ومن جانب العمال والعسكريين، باعتباره ضربة قاصمة لمصر ~~بأسرها، وأن من شأنه إضعافها (الأرجح أن هيكل يعرف ذلك، وهو نفسه ~~يشارك هذا الرأي). هل يمكن وصف شعور هؤلاء بأنه ترحيب بقرار ~~السادات الموالي لأمريكا؟ وهل أصبح الفريق صادق أكثر شعبية، إذا ~~كان السادات قد اضطر لإقالته من منصب وزير الحربية بعد ثلاثة أشهر ~~فقط؟ # ص177: # ما الذي يعنيه هذا ~~التأكيد: «لم يبل السلاح السوفييتي بلاء حسنا، ولكنه والحق ~~يقال، لم يختبر اختبارا حقيقيا»؟ هل كان هيكل يريد سلاحا يمحو ~~الإسرائيليين من الوجود بمجرد الضغط على أزراره في القاهرة؟! # ص178: # لم تكن القوات المسلحة ~~المصرية بعد هزيمة 1967م الكارثية بحاجة إلى «إعادة بناء» كما يقول ~~الكاتب. في الواقع إنه لم يعد هناك جيش، ولم تكن مهمة العسكريين ~~السوفييت هي «إعادة بنائه»، وإنما خلقه من جديد. وكون أنه قد تم ~~بناؤه، فهذه هي المأثرة الخالدة للضباط السوفييت. # ص178: # مرة أخرى يعود الكاتب ~~ليعرض جهله بالأمور العسكرية، مخترعا فكرة أن الدبابات السوفييتية ~~تم تصميمها للعمل في مناخ «القطب الشمالي» (!). بالطبع لا يمتلك ~~الاتحاد السوفييتي دبابات مكيفة، بها حمام أو حشيات مريحة، أو يتوفر ~~فيها عصير ليمون مثلج يقدم للشرب بمجرد الطلب! ms208 زد على ذلك أن مثل ~~هذه الدبابات، التي حلم بها أحدهم في مصر، غير موجودة ولن توجد لدى ~~أي جيش آخر. # ص179: # يورد الكاتب هنا ادعاء ~~مستحيلا يفيد أن الضباط المصريين، تصوروا لديهم خبرة قتالية يفتقر ~~إليها المستشارون العسكريون السوفييت، على حد زعمه. إحقاقا للحق ~~يجب أن نقول إن المصريين كانت لديهم خبرة وحيدة هي الركض أمام ~~الجيش الإسرائيلي. كان الضباط السوفييت يمتلكون دائما خبرة حقيقية ~~اكتسبوها على جبهات القتال في الحرب الوطنية العظمى؛ ولهذا فإن ~~الملاحظة التي أبداها هيكل أقل ما توصف به أنها تفتقر إلى ~~اللياقة. # ص180: # ومن جديد يعود الكاتب ~~ليكشف عن جهله بالحقائق؛ فالأمر مختلف تماما عما ذكره؛ فعندما وصل ~~الأدميرال جورشكوف إلى الإسكندرية أعلن عن رغبته في زيارة قائد ~~قوات البحرية المصرية، اللواء بحري عبد الرحمن فهمي، على أن الأخير ~~رأى أن صيغة الطلب الذي تقدم به الأدميرال السوفييتي تنقصه بعض ~~الكياسة، ومن ثم لم يستقبله. ولما وصل فهمي بعد ذلك إلى القاهرة لم ~~يقبل الأدميرال السوفييتي مقابلته. # ص180: # يبدو أن تصرفات صادق ~~المستقلة على نحو كبير، كان لها دور حاسم في مسألة خلع السادات له ~~من منصبه كوزير للحربية (على الرغم من أن صادق ساعد السادات منذ ~~عام واحد تقريبا في إبعاد الناصريين). لقد بدا للسادات آنذاك أن ~~استقلال صادق أمر زائد عن الحد، ومن المعروف أيضا أن صادق كان ~~يحظى بتعاطف من جانب الطبقة العليا من الضباط الأغنياء، وهي الطبقة ~~التي لم تكن تتقبل السادات مطلقا «كند لها»، فكانت تضعه في درجة ~~أقل منها، على الرغم من أنه كان يسعى لاسترضائها. كان من الممكن ~~لصادق أيضا أن يصبح بسهولة، في مثل هذه الظروف، «مركزا» لانقلاب ~~ضد السادات، الذي شعر بذلك بسليقته. كانت المبررات لخلع صادق كافية ~~تماما وواقعية؛ عدم الرغبة في القتال، ضعف الضبط والربط في الجيش، ~~وهلم جرا. ينبغي أيضا ألا نستبعد من حسابتنا أن صادقا قام بزيارة ~~رسمية إلى الاتحاد السوفييتي في شهر يونيو، استقبل خلالها حسابات ~~بالغة، جعلت السادات يفكر، ms209 وقد طغى عليه الشك، أن الاتحاد السوفييتي ~~«يراهن» على صادق. # ص183: # مرة أخرى يعود الكاتب ~~لإضفاء هالة من الغموض حول تصرفات السادات في علاقته بالاتحاد ~~السوفييتي. وهو هنا يكتفي بالحديث فقط عن تسلم السادات رسالة ~~«سرية» من الولايات المتحدة الأمريكية تتضمن «أن مفتاح حل الصراع ~~في الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة الأمريكية». أما رحلات ~~السعوديين آنذاك فلم تكن محض صدفة؛ لقد كانوا يعملون باعتبارهم ~~محامين للأمريكيين، داعين السادات ليتخذ بشكل أكثر صراحة موقفا ~~معاديا للسوفييت. # كان قرار السادات بإبعاد العسكريين السوفييت، بطبيعة الحال، نتيجة ~~صفقة حقيقية مع الأمريكيين. كان ذلك نوعا من «العربون» قدمه ~~السادات للأمريكيين، كان عليهم أن يردوه فيما بعد. # ص184: # وكعادته عبر كيسينجر ~~عن رأيه في هذا الأمر بصلف شديد. من الواضح أن السادات قد تصرف، ~~حتى في نظر الأمريكيين، بقدر كبير من التفريط بإبعاده العسكريين ~~السوفييت، ثم ها هو لا يحصل على شيء في المقابل من الولايات المتحدة ~~الأمريكية، وهو ما يعني أن تقديراتنا التي بعثنا بها في حينه إلى ~~موسكو كانت صحيحة. آنذاك لم نكن قد عرفنا شيئا بعد، بالطبع، عن ~~هذا التصريح المستهتر الذي أطلقه كيسينجر: «لقد حصلت على كل شيء ~~دون مقابل.» # ص191: # يرجع الكاتب على نحو ~~خاطئ صعوبة قيام الوحدة بين مصر وليبيا إلى العقبات البيروقراطية. ~~هيكل إما أنه لا يعرف، وإما أنه لا يريد أن يكشف صراحة السبب ~~الحقيقي. كان السادات يدرك جيدا أنه في حالة إقامة الوحدة مع ~~ليبيا (وهو ما كان من شأنه تقوية الاقتصاد المصري بدرجة ملموسة)؛ ~~فقد كان عليه أن يسند إلى القذافي منصبا ما، منصبا حقيقيا ~~وليس اسميا، لنقل قائدا عاما للقوات المسلحة الموحدة، وهو ~~المنصب الذي كان القذافي يطمح إليه، أو رئيسا لوزراء الدولة ~~الموحدة أو حتى رئيسا. المسألة برمتها تلخصت في عدم الاستجابة ~~للقذافي. لم يكن السادات عموما ليسمح بفكرة أن أحدا ما سوف يتصرف ~~على نحو مستقل، ليس فقط ضده، وإنما حتى بالتوازي معه؛ ولهذا ~~تحديدا، ومن أجل كبح حماس القذافي ابتكر ms210 المصريون نظاما ماكرا ~~تمثل في إنشاء لجان مصرية ليبية مشتركة تنبثق عنها لجان فرعية ~~تقوم على إعداد القوانين الأساسية المنظمة للحياة المشتركة ~~للدولتين (نظام إدارة الدولة والاقتصاد والمؤسسات السياسية وما إلى ~~ذلك). كان الهدف من ذلك في واقع الأمر هو عدم صد الليبيين شكليا، ~~وفي الوقت نفسه إفراغ فكرة الوحدة بين البلدين من مضمونها. هذا ~~التكتيك هو ما أخبر به حافظ إسماعيل السفير الروسي بصفة ~~سرية. # وكما هو معروف، فقد بلغ الضجر بالليبيين غايته من جراء ~~الاجتماعات العقيمة التي لا تنتهي، فدخلوا في خلاف مع السادات، ~~كانت آخر مظاهره تلك المسيرة التي سار فيها آلاف الليبيين في ~~القاهرة في صيف عام 1973م حاملين عريضة للسادات موقعا عليها بالدم، ~~تطالب بسرعة إتمام الوحدة بين البلدين. # ص192: # أما الحادثة ~~الدراماتيكية التي وقعت لطائرة الركاب المدنية الليبية التي أسقطها ~~الإسرائيليون بركابها بكل دم بارد في وجود تقاعس تام من جانب ~~المصريين، فهي أمر بالغ الدلالة؛ إذ يعكس تواطؤ السادات مع ~~الأمريكيين في تلك الفترة على ألا يتم تصعيد الموقف قبل الأوان، ~~فقد تم التخطيط لأن يتم كل شيء في أكتوبر، عندما يأتي موعد تنفيذ ~~المسرحية، التي وضع السيناريو الخاص بها في فبراير. آنذاك كان ~~الليبيون لا يمثلون سوي عقبة في طريق السادات. # ص198: # لسبب ما يعود الكاتب مرة ~~أخرى ليؤكد على علاقة السادات بالمخابرات الأمريكية. # ص199: # لقد وقعنا هنا بالطبع في ~~خطأ، حيث اعتبرنا وفقا لتقليد ما (أي بسبب تناقل القصة من شخص ~~لآخر) أن زكي هاشم شخصية تقدمية، «شيوعي سابق» تقريبا! وقد اتضح ~~أنه يعمل لصالح الأمريكيين! # ويكشف هيكل هنا تفاصيل تتعلق بالاتصالات السرية الجديدة التي جرت ~~في الكواليس، والتي لم يخبرنا المصريون بشأنها، علاوة على أن ~~السادات كان قد أقسم أكثر من مرة أنه ليس لمصر أي اتصالات من هذا ~~النوع. # ص200: # لقد تبين لنا أن السادات ~~كان يكذب علينا، كما كذب علينا أيضا حافظ إسماعيل، الذي لم يبلغنا ~~بأي شيء حول المباحثات السرية التي جرت مع كيسينجر. # ص200: # يرتكب هيكل ms211 هنا أخطاء ~~مدهشة فيما يتعلق بالحقائق! آنذاك كان حافظ غانم هو الأمين العام ~~للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي وليس مستشارا للرئيس. لم ~~يكن السادات يثق في حافظ إسماعيل مستشاره للأمن القومي (وهو الذي ~~وصفه السادات للسفير السوفييتي بأنه # My ~~Kissinger ~~)؛ ولذلك كان يرسل حافظ غانم إلى كل ~~مكان يذهب إليه حافظ إسماعيل بوصفه مراقبا وجاسوسا له، وباعتباره ~~كلبا وفيا دون أن يكون له رأي على الإطلاق أو شخصية. وهذا ~~النظام كان يمثل عملا عاديا بالنسبة للسادات، وحتى عندما كان ~~السادات يرسل عزيز صدقي، وهو رئيس وزرائه، إلى موسكو، كان يرافقه ~~ممدوح سالم، الخادم الأمين للسادات، والذي كان وزيرا للداخلية ~~آنذاك. # ص201: # إذا كان حافظ إسماعيل قد ~~قال لنيكسون بالفعل إن إبعاد العسكريين السوفييت من مصر كان ~~إظهارا لقدرة مصر على «البقاء خارج مناطق النفوذ»، فإن ذلك أمر لا ~~يوصف إلا بكونه عملا دنيئا من جانب حافظ إسماعيل؛ فقد كان ~~إسماعيل يؤدي أمامنا دور الصديق الكبير والرجل الذي يرى أن اعتماد ~~مصر على الاتحاد السوفييتي أمر ضروري. # وإذا كان حافظ إسماعيل قد أعلن بالفعل لنيكسون أن السبب الرئيسي ~~للصراع في الشرق الأوسط، هو الصدام بين طائفتين هما اليهود ~~والفلسطينيون، فإن ذلك لا يعكس جهلا بجوهر الصراع فحسب، وإنما ~~يعد أيضا إيحاء للأمريكيين بأن هذا الصراع، على حد قوله، لا يخص ~~المصريين مباشرة، وأن مصر يمكنها أن تقف بمنأي عنه. بالمناسبة، ~~فقد كان حافظ إسماعيل في أحاديثه مع السفير السوفييتي يدلي برأيه ~~باحتقار فيما يخص الفلسطينيين وكذلك السوريين. # ص202: # إذا كان حافظ إسماعيل قد ~~خرج من مقابلته مع نيكسون بانطباع يفيد أن نيكسون ينظر بحسن نية ~~إلى مصر، فهو إذن كان يكذب علينا، عندما تحدث عن موقف الولايات ~~المتحدة الأمريكية العدائي تجاه مصر. # ص202: # لم يبلغنا حافظ إسماعيل ~~والسادات بالمباحثات التي دارت بينهما وبين كيسينجر، حتى عندما كان ~~حافظ إسماعيل في زيارة إلى موسكو! بماذا نسمي هذا التصرف؟ لكن ما ~~قام به هيكل من فضح غير مقصود لخيانة السادات لنا لم يعد ms212 خبرا، ~~كلما طالعنا الكتاب أكثر فأكثر. وهناك أمر آخر أكثر أهمية؛ إن هيكل ~~يكشف الخلفية الحقيقية لكل الأحداث التي وقعت في أكتوبر عام 1973م. ~~علينا فقط أن نمعن النظر فيما قاله نيكسون؛ لقد كانت الحكومة ~~الأمريكية على استعداد للضغط على إسرائيل «إذا رأت أن هناك «أساس ~~أخلاقي» لاستخدام هذا الضغط، وكنا سنعلن ذلك على الرأي العام ~~الأمريكي»! # ومع علمه، بالطبع، بما يعتمل في نفس السادات من شكوك، ومؤججا ~~إياها في علاقته بالاتحاد السوفييتي، لم يخش نيكسون أن يقول لحافظ ~~إسماعيل على نحو استفزازي، إنه إذا حاولت مصر أن تدق إسفينا في ~~العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، فإنها ~~«تخطئ بذلك خطأ فاحشا!» # ص203: # هيكل على حق هنا في ~~تعريفه لأهداف الأمريكيين، وخاصة الهدف الأخير؛ «ينبغي أن تكون ~~النتيجة النهائية هي «السلام على الطريقة الأمريكية»، وهو السلام ~~الذي يضمن المصالح الأمريكية في المنطقة». # ص205: # إن كلمات السادات بشأن ~~انفراج التوتر الدولي أصبح واقعا، وإنه «ربما يفرض نفسه علينا (على ~~مصر (فينوجرادوف)) قبل أن يكون باستطاعتنا أن نفرض نحن أنفسنا ~~عليه». إن هذه الكلمات تعكس جهلا مطبقا لدى هذه الشخصية القومية ~~البرجوازية بحقيقة الخلاف بين السياستين الخارجيتين لدولتين ~~إحداهما رأسمالية (الولايات المتحدة الأمريكية)، والثانية اشتراكية ~~(الاتحاد السوفييتي). ما الذي كان يخشاه السادات؟ يقول السادات: «إن ~~سياسة الوفاق سوف تفرض شروط حل مشكلة الشرق الأوسط، بدلا من أن ~~تفرض مشكلة الشرق الأوسط شروطها على سياسة الوفاق.» # أحيانا ما نجد هيكل، القومي أيضا يتضامن، بصورة أو أخرى، مع ~~غياب موقف مختلف في السياسة الخارجية لكل من الولايات المتحدة ~~الأمريكية والاتحاد السوفييتي. وهو ما جعله يستشهد هنا بكلمات ~~السادات. # الفصل الرابع: «الحرب» # ص207: # لا أظن أنه كانت هناك ~~ضرورة لوصف خطة العملية «بدر» بأنها كانت «ممتازة». لقد اتضح أنها ~~كانت خاطئة فيما يتعلق بنتائجها النهائية؛ فهي لم تستشرف الأمر ~~الجوهري وهو التحركات العسكرية في حالة النجاح، بمعنى تطوير هذا ~~النجاح. ولهذا، باختصار، فمهما كانت جودة خطة اقتحام القناة، ينبغي ~~الاعتراف بأنها كانت تضع بالتالي ms213 في اعتبارها الفشل والتعرض لخسائر ~~فادحة؛ أي تحقيق الحد الأدنى من النتائج. إذن ما الذي حدا بهيكل أن ~~يصف هذه الخطة بأنها «ممتازة»؟ # ص209: # يدير الكاتب حديثه ~~المتعلق، على سبيل المثال، بالتعليمات التي تلقاها السفير السوفييتي ~~من موسكو بتعسف تام. ومن هنا أكاذيبه المتكررة، وخاصة أننا نجد ~~هنا تلفيقا عن وعي لتلك الحكاية التي عرضها السادات بعد العمليات ~~العسكرية. # إن موسكو لم تقدم أية مقترحات في السادس من أكتوبر تتعلق بوقف ~~إطلاق النار. وإنما كان هناك سؤال للسادات فحسب بشأن الرغبة في ~~التشاور معه بخصوص ما لدى السفير السوفييتي في سوريا من معلومات حول ~~رأى الرئيس الأسد في مدى ملائمة طرح الاتحاد السوفييتي لاقتراح على ~~مجلس الأمن لوقف إطلاق النار مع بقاء القوات المتحاربة في مواقعها. ~~كان من مصلحة السادات أن يصور الأمر كما لو كان الاتحاد السوفييتي ~~يصر منذ اليوم الأول للحرب على وقف إطلاق النار. # ص211: # مسألة إصدار القيادة ~~الإسرائيلية في السابع من أكتوبر أمرا إلى جميع القوات العاملة ~~على خط بارليف أن تتصرف وفق ما تراه، فإما أن تستسلم أو تنسحب إلى ~~عمق شبه جزيرة سيناء تبدو أمرا غريبا، فلم يكن قد مر نصف يوم ~~على بدء العمليات العسكرية حتى تصدر القيادة الإسرائيلية مثل هذا ~~الأمر! أمر غريب وغير مفهوم. # يبدو الأمر واضحا إذا افترضنا أن الإسرائيليين كانوا على علم ~~مسبق بالاقتحام المزمع للقناة؛ أي إنهم كانوا شركاء في لعبة سياسية ~~كبرى أطرافها الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وإسرائيل. إن الجنود ~~الإسرائيليين الذين سقطوا في خط بارليف كان مقضيا عليهم أن ~~يكونوا «شهداء» (بالمناسبة يقال إن عددهم كان قليلا على نحو ~~يثير الشك). # ص212: # يؤكد الكاتب على نحو ~~صحيح أن القيادة الإسرائيلية قررت سلفا تركيز قواتها في الشمال ~~بهدف إنزال الهزيمة بسوريا؟ لماذا استطاع الإسرائيليون أن يتصرفوا ~~على هذا النحو؟ فالعدو الرئيسي، إذا توخينا الموضوعية، كان يجب أن ~~يكون هو القوات المسلحة المصرية. # الأمر كله، كما هو واضح، أن الإسرائيليين كانوا يعرفون مقدما أن ~~المصريين لن يتقدموا في ms214 سيناء؛ وهو ما أتاح للإسرائيليين أن ~~ينزلوا ضربات قاصمة بالسوريين. # ص212: # ليست موسكو هي التي ~~اقترحت الاتصال بالعراق لتطلب منها إرسال دبابات إلى الجبهة ~~السورية، إنما كان السوريون هم الذين طلبوا منا أن نخاطب نحن ~~العراقيين في هذا الشأن. # ص212: # كان السادات ضد وقف ~~إطلاق النار؛ لأن خطة السادات والأمريكيين الأساسية كانت قد سقطت؛ ~~لم يكن الأمريكيون حتى ذلك الحين يملكون أي مبرر للتدخل أو ممارسة ~~«الضغط» على إسرائيل وما إلى ذلك. إن وقف إطلاق النار، على الرغم ~~من أنه كان من الممكن أن يعطي للعرب أفضلية، فإنه لم يكن ليعطي ~~السادات أي شيء في سياق خطة لعبته مع الأمريكيين. ولعله كان سيمثل ~~عندئذ هزيمة لإسرائيل، الأمر الذي لم يكن الأمريكيون ليسمحوا به. ~~إن قتل عدد محدود من الجنود الإسرائيليين من أجل تحقيق الأهداف ~~السياسية للولايات المتحدة الأمريكية هو ما وافق عليه الأمريكيون ~~وليس هزيمة إسرائيل. في الواقع فقد ساعد السادات بذلك كل من ~~إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. # رغم ما يبدو في هذا الأمر من مفارقة، فإن وقف إطلاق النار، كما ~~كشفت الأحداث التالية، أنه كان أجدى للعرب، أما السادات فظل يقاوم ~~ذلك! من هنا جاءت «نصائحه» السخيفة للأسد. # ص213: # يبدو واضحا هنا أن ~~الكاتب قد انصاع وراء هذا التفسير الساذج لتوقف القوات المصرية بعد ~~العبور السهل نسبيا للقناة، زاعما أن المصريين قد أقاموا «جدارا ~~دفاعيا قويا» على الضفة الشرقية للقناة لا بد أن تتحطم عليه ~~هجمات الإسرائيليين. لا بد أن يكون الإسرائيليون من السذاجة بمكان ~~ليتعاملوا مع هذه «الخطط». # ص213: # مرة أخرى يعود هيكل ~~ليكرر رد الأسد مستندا إلى حكاية السادات، لا استنادا إلى وثيقة؛ ~~فالأسد لم يتحدث عما قاله السفير الروسي لدى القاهرة (للسادات ~~(المترجم))، كما أنه لم يتحدث عن انتفاء الحاجة للجوء للعراق طلبا ~~للمساعدة. # في الواقع، فقد نفى الأسد ما قاله في حديثه مع السفير الروسي لدى ~~دمشق في الرابع والسادس من أكتوبر بخصوص رغبته في أن يتخذ الاتحاد ~~السوفييتي مبادرة لوقف إطلاق النار (مع بقاء ms215 القوات المتحاربة في ~~مواقعها). لم يكن أمام الأسد ليتصرف على نحو آخر. وفي حديثه مع ~~السفير السوفييتي فسر حافظ إسماعيل تصرف الأسد على النحو التالي: ~~في الحقيقة أن الأسد، كما يبدو، اعتبر أن وقف إطلاق النار أمر ~~ضروري بعد النجاح الأول للعرب (فقد رأى أو عرف أن المصريين لن ~~يساعدوا سوريا التي انقض عليها الجيش الإسرائيلي كله ~~(فينوجرادوف)). على أنه وبعد الطلب المستفز الذي قام به السادات فقد ~~كان لزاما عليه (الأسد) أن «يحفظ ماء وجهه»، وبالطبع فقد أجاب بأنه ~~لم يفكر في وقف إطلاق النار. هذا هو التفسير الذي أفاد به مساعد ~~السادات إبان أحداث أكتوبر، والذي تم، بطبيعة الحال، بشكل ~~سري. # ص214: # تصريح منافق ذلك الذي ~~أدلى به السادات لهيكل والذي يزعم فيه أن الفرصة قد سنحت لاستعادة ~~الاتحاد السوفييتي هيبته المفقودة في الشرق الأوسط. كان السادات ~~يحرض هيكل دائما ضد الاتحاد السوفييتي، وهو ما أثبتته الحقائق ~~الآن. كان هيكل يبدو أمامنا آنذاك رجلا مطيعا في خدمة ~~السادات. # ص215: # هيكل على حق هنا وهو ~~يتحدث عن إلحاح السوريين وعن «الوقفة التعبوية» التي لا مبرر لها ~~(ناهيك عن أن هيكل لم يكن على علم بأفكار السادات، والخاصة، كما ~~يظهر، بتواطئه مع الأمريكيين). وهو على صواب أيضا عندما يرى أنه ~~لو تم استيلاء المصريين على الممرات الجبلية؛ الجدي ومتلا، لأمكن ~~تحرير سيناء بأكملها مع ما يترتب على ذلك من نتائج سياسية لا تعد ~~ولا تحصى. هذا أيضا صحيح، لكن ذلك لم يدخل في خطط السادات؛ لأن ~~ذلك كان يعني: (أ) إثبات قوة السلاح السوفييتي وفعالية المساعدات ~~السوفييتية. (ب) دعم موقف الاتحاد السوفييتي. (ج) خرق اتفاق السادات ~~مع الأمريكيين فيما يخص خلق مبرر لهم للتسلل إلى الشرق الأوسط. (د) ~~تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. # ص216: # لم يرغب السادات في الرد ~~على طلب السوريين؛ لأنه خشي لا من الهزيمة، وإنما من النجاح، الذي ~~كان حدوثه يعني، ربما، انهيار كل الخطط السياسية الماكرة لتسوية ~~العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. # ص216: # لا طائل ms216 من وراء ما ~~يكتبه هيكل عما لا يعرفه؛ أي اعتماده مرة أخرى، على أحاديث السادات ~~كما هو واضح. لقد كان الجسر الجوي السوفييتي يعمل كالساعة، بينما لم ~~يذكر هيكل شيئا عن المغزى العسكري والمعنوي الذي كان يعنيه أن تصل ~~طائرة سوفييتية محملة بالسلاح من موسكو إلى القاهرة كل نصف ~~ساعة! # ص217: # لم يطلب السادات من ~~السفير السوفييتي لدى القاهرة إجراء أي تحقيق حول موقف السفير ~~السوفييتي لدى دمشق. مرة أخرى يختلق السادات هذه الرواية. # ص218: # هل كان تحذيرنا عملا ~~خاطئا؟ على أن السادات يعود من جديد ليتحدث بغطرسة إلى السفير ~~السوفييتي لدى القاهرة بالكلمات التالية حرفيا قائلا: «إنني لا ~~أرغب في الجري في سيناء، كما يريد ذلك نيكولاي بودجورني. باستطاعتي ~~الاستيلاء على الممرات غدا لو أردت، لكن ذلك لا يدخل في خططي في ~~الوقت الحالي.» # ص218: # لم يستشهد السفير ~~السوفييتي لا بليونيد بريجينيف ولا بألكسي كوسيجين، وإنما عرض على ~~هيكل مخاوفه. أما ما أضافه هيكل لحديثه، فقد فعله من قبيل «تجميل ~~الكلام». # ص219: # لم يتحدث السفير ~~السوفييتي عن صعوبات في إقامة «الجسر الجوي». أما بخصوص ملاحظة هيكل ~~أن الروس يفكرون دائما في الخطوة التالية فهذا صحيح. من الأمور ~~الملفتة للانتباه أيضا أن السادات رفض التفكير في الخطوات ~~السياسية، وأحال السفير السوفييتي إلى محمود فوزي، الذي لم يكن هو ~~نفسه مفوضا في الحديث عنها. # ص220: # يفتقد هيكل الدقة هنا؛ ~~فالروس لم يتحدثوا عن ضرورة الهجوم والاستيلاء على الممرات، كما ~~أنهم لم يقدموا عموما أية نصائح في هذا الصدد (لأنه لم يكن ~~باستطاعتهم ذلك؛ لأنهم لم يكونوا على دراية بخطط السادات ~~الحقيقية). أما عن رد وزير الحربية فهو رد غير عسكري بامتياز؛ لأن ~~الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، أما الدفاع السلبي فنتائجه ~~مدمرة. # ص221: # شيء من هذا لم يحدث. هذه ~~أيضا حكاية اختلقها السادات. لم يكن السادات يرغب في دخول الأردن ~~الحرب؛ إذ إن ذلك كان من شأنه إن لم يلحق الهزيمة بإسرائيل، ففي ~~جميع الحالات سوف يفسد خططه. لقد كان من الممكن ms217 أن تتعرض إسرائيل ~~الهزيمة قاسية، وهو ما قد يعوق إمكانية ظهور الأمريكيين على مسرح ~~العمليات باعتبارهم صناع السلام. # ص222: # لم يقدم السادات مطلقا ~~هذه «اللفتة الكريمة»: عرض مزعوم بإرسال سلاح سوفييتي كان مخصصا ~~لمصر إلى سوريا. الأمر على النقيض من ذلك. لقد ظل السادات طوال ~~الوقت يشتكي، حتى عندما لم تكن لديه أسباب لذلك، مؤكدا أن سوريا ~~تحصل على أسلحة أكثر من اللازم، بينما لا تعطى مصر شيئا، وهلم ~~جرا. كان يقول إن سقوط دمشق لا أهمية له؛ فسوريا لديها أراض ~~واسعة، وهي تستطيع في حالة الهزيمة أن تخوض حرب مقاومة، ومن ~~الضروري الاهتمام بمصر فحسب. بعد ذلك استمرت مطالب السادات وتذكيره ~~الدائم والمفرط بتوريد السلاح. # مرة أخرى نجد هنا مثالا واضحا على التضليل الذي يمارسه السادات ~~على هيكل. # ص223: # يا له من تناقض بين هذه ~~البهجة التي تعم قصر الطاهرة وهذا المشهد الدموي على الجبهة ~~السورية! لم تحرك مصر ساكنا لتقدم مساعدة ما للسوريين، الذين ~~ورطهم السادات نفسه في مغامرته العسكرية من أجل إيجاد ذريعة ~~للأمريكيين كي يستطيعوا الدخول بها إلى الشرق الأوسط! لقد كان من ~~واجب السادات أن يدعم سوريا، ليس فقط للاعتبارات السياسية ~~والأخلاقية، وإنما من منطلق الواجب الرسمي باعتباره القائد العام ~~للقوات المشتركة. لقد أدرك السوريون مغزى لعبة السادات متأخرا ~~للغاية، بعد أن طلبوا من السادات، بشهادة هيكل، لا أقل من خمس عشرة ~~مرة المساعدة، لكنه رفضها جميعا بكل ثبات. # ص223: # يعود الكاتب من جديد ~~ليؤكد على العلاقة بين المخابرات الأمريكية والمصرية بهدف دعم ~~الاتصالات المباشرة مع السادات! # ص224: # في الرسالة التي أرسلت ~~إلى كيسينجر، لم يرد أي ذكر للفلسطينيين. هنا يتعامل حافظ إسماعيل ~~أيضا، مثله مثل السادات، باستهتار بالغ تجاه الفلسطينيين ~~وقضيتهم. # ص226: # ما يكتبه هيكل هنا عن ~~قيام الأمريكيين بنقل الدبابات إلى إسرائيل بالطائرات مباشرة إلى ~~منطقة العمليات العسكرية مجرد هراء. إن الدبابات التي استخدمت إبان ~~الحرب لم ترسل بالطائرات. لقد كانت العريش في سيناء، وهو مكان بعيد ~~تماما عن منطقة العمليات العسكرية هي ms218 نقطة إرسال الشحنات العسكرية ~~الأمريكية. مرة أخرى نشعر بأن السادات هو مصدر تلك «المعلومات»؛ عن ~~ذلك تحدث السادات إلى السفير السوفييتي طالبا منه أن يبدأ الاتحاد ~~السوفييتي في إرسال الدبابات إلى مصر ... جوا. وقد جاءه الرد بأن ~~أكثر طائرات النقل العسكري قدرة لا تستطيع أن تحمل سوى دبابة أو ~~اثنتين! # ص227: # يورد هيكل هنا معلومات ~~غير دقيقة؛ إذ لم تكن هناك أية تحركات من جانب المصريين أجبرت ~~الإسرائيليين على نقل وحداتهم العسكرية من الجبهة السورية إلى ~~سيناء. إن ما أثار القلق لدى القيادة الإسرائيلية على نحو جاد هو ~~تحركات العراقيين، وحتى الأردنيين الذين هبوا لمساعدة سوريا، وليست ~~تحركات المصريين؛ فالإسرائيليون كانوا يعلمون أن المصريين لن ~~يدفعوا بقواتهم إلى أي مكان. # ص228: # يطرح الكاتب ملاحظة ~~غريبة تفيد أن المصريين قد افترضوا قبل الحرب، أن الإسرائيليين سوف ~~يعبرون القناة ثم ينتقلون منها إلى مصر. إذا كان لدى المصريين هذا ~~القدر من نفاذ البصيرة، وكانوا يعلمون على وجه الدقة المكان الذي ~~سيقع عنده هذا العبور (الدفرسوار)، فما الذي منعهم من الاهتمام ~~بحماية هذا المكان تحديدا؟ يقول الكاتب إن الإسرائيليين حددوا ~~الثغرة التي تفصل بين الجيشين الثاني والثالث، فمن أين ~~للإسرائيليين أن يعرفوا عموما كم جيشا سيكون لدى مصر وأين ~~سينتشرون؟ ما الذي يعنيه إذن الحديث عن خطة المصريين «الممتازة» ~~إذا كان الإسرائيليون على علم بتوزيع الجيوش المصرية منذ عام 1969م، ~~وأن هذه الأماكن لم تتغير في سياق العمليات العسكرية؟! # ص229: # ما الفائدة التي كانت ~~ستعود على مصر عموما من جراء دفعها لما يسمى بالاحتياطي ~~«الاستراتيجي» إلى المعركة؟ فالعمليات العسكرية الحقيقية، التي ~~تتطلب وجود مثل هذا الاحتياطي لم تكن موجودة. ولماذا كانت هناك ~~فجوة بطول أربعين كيلومترا تفصل بين الجيشين المنتشرين في سيناء. ~~إنه خطأ بدائي وفاحش، إن لم يكن أكثر من ذلك. # ص230: # يستند هيكل، شأنه في ذلك ~~شأن السادات، في تفسيره لغياب أي مواجهة للوحدات الإسرائيلية التي ~~تسللت إلى مصر إلى ... أن الاتصالات بين الجبهة ومقر القيادة العامة ~~كانت سيئة جدا، ناسيا ms219 أنهما يضعان أنفسهما بهذا «التفسير» في ~~موقف مضحك، فالمسافة الواقعة بين الثغرة والقاهرة تبلغ أكثر قليلا ~~من مائة كيلومتر! وهي مسافة يمكن قطعها حتى بالدراجة في ساعات ~~قليلة. # يقدم لنا هيكل بعد ذلك في الصفحات 230، 231، 232، 233، 234 وصفا ~~غير مقنع لتصرفات السادات التي أدت إلى تدخل الإسرائيليين، الأمر ~~الصحيح الوحيد هو حديثه عن الرسالة التي بعث بها الأسد إلى ~~السادات. لقد كانت المناورة السياسية التي قامت بها مصر مناورة ~~رديئة؛ لأن السادات لم يكن يريد أن يكون مع الاتحاد السوفييتي؛ فقد ~~كان لا يزال يمارس لعبته السياسية مع الولايات المتحدة من وراء ~~ظهرنا. # ص235: # هذه واحدة من أكثر ~~الفقرات في كتاب هيكل إثارة للفضول، حيث يصف توقف المصريين عن ~~القتال بعد حدوث الثغرة التي أحدثها الإسرائيليون للوصول إلى الضفة ~~الغربية للقناة! لقد تبين أن الأمر وصل إلى حد إلغاء القيادة ~~المصرية في القاهرة للتحركات الصحيحة تماما لعدد من التشكيلات ~~المصرية، التي حاولت القضاء على الثغرة، وهو الأمر الذي كان ممكنا ~~وسهلا. ليس هناك أي تفسير لذلك سوى الافتراض (وهو ما يتردد كثيرا ~~الآن) بأن السادات سمح عن قصد للقوات الإسرائيلية بالدخول إلى مصر؛ ~~ففي هذه الحالة يكون في الواقع «مبرر أخلاقي» للأمريكيين لكي يصبح ~~باستطاعتهم أخذ المبادرة «للضغط» على إسرائيل! # ص235: # كان باستطاعة الكاتب أن ~~يأتي أيضا على ذكر الجسر الركامي الذي أقامه الإسرائيليون عبر ~~القناة، لقد استطاعوا أن يردموا قناة السويس دون أي عائق من جانب ~~المصريين، بل إنهم فرشوا هذا الجسر بالأسفلت! # ص235: # يا له من تحريف مدهش ~~للحقائق! فكوسيجين لم يحضر للسادات أي صور التقطت من الجو، كما أن ~~السادات لم يتحدث عن ضرورة أن يحضر مؤتمر السلام «الدول الأربع ~~عشرة في مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، وكل الأطراف ~~المعنية بما فيها الفلسطينيون». كان السادات موافقا على عقد مؤتمر ~~تشارك فيه أطراف الصراع (لم يذكر من بينهم الفلسطينيين)، إضافة إلى ~~الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. لكن الأهم، أنه طلب ~~من الاتحاد السوفييتي «ضمانا» أن تقوم إسرائيل بتنفيذ ms220 قرار مجلس ~~الأمن رقم 242، دون أن يعرب عن إصراره في سياق ذلك على الانسحاب ~~الكامل للقوات الإسرائيلية. وكان السادات قد بعث قبل ذلك برسالة ~~إلى الملك حسين، لا بمبادرة منه، وإنما بعد حديثه مع السفير ~~السوفييتي. لقد كان من الممكن أن يكون لمشاركة الأردن أثر قوي في ~~ضرب إسرائيل، لكن ذلك لم يدخل في خطط السادات؛ ولذلك رفض مشاركة ~~الأردن في العمليات العسكرية. # ص236: # من الواضح أن موقف الملك ~~حسين قد جرى تحريفه من جانب الكاتب، الذي رأى أن ذلك يمكن أن يصب ~~لصالح السادات. مرة أخرى يبدو الأمر وكأنه من تفسير السادات. ~~والأرجح أن حسينا رأي أو علم لاحقا أن السادات لا يقود ~~العمليات العسكرية على نحو جاد، وإنما يؤدي لعبة بمشاركة ~~الأمريكيين، ليس له مكان فيها. # ص237: # لم تجر الأمور على هذا ~~النحو؛ فالسادات، الذي كان مستعدا لوقف إطلاق النار، لم يجد ~~بدا من أن يطلب تقديم هذا الاقتراح من جانب الاتحاد السوفييتي ~~والولايات المتحدة الأمريكية معا، آنذاك لفت السفير السوفييتي ~~الانتباه إلى ضرورة إعداد الرأي العام المصري لذلك. لم يكن ~~باستطاعة الصحف المصرية أن تسيء إلى موقف الاتحاد السوفييتي (على ~~الرغم من أنه اتضح فيما بعد أنه قد صدرت لها تعليمات أن تلتزم ~~التواضع في هذا الشأن). قد يأتي يوم رائع يعلم فيه المصريون أن ~~الاتحاد السوفييتي قد انضم إلى الولايات المتحدة في تقديم اقتراح ~~وقف إطلاق النار، ولعل ذلك يزيل الغموض عن موقف الاتحاد السوفييتي؛ ~~لأن أحدا لم يخبر المصريين بالثغرة التي أحدثها الإسرائيليون ~~للعبور إلى الضفة الغربية للقناة! # وافق السادات على رأي السفير السوفييتي، وقال إنه أصدر تعليماته ~~إلى هيكل بإعداد مقال كبير في هذا الصدد (كان على السادات أن يقتنع ~~هو نفسه بذلك). في واقع الأمر، فقد كتب هيكل مقالا ضافيا مدعما ~~بالجداول، وهو ما سبب للمصريين صدمة بطبيعة الحال. لقد رأوا أن ~~مصر تقف الآن على شفا كارثة عسكرية، بدلا من الانتصار الذي تحدثوا ~~عنه من قبل. وعلى هذه الخلفية بدا موقف الاتحاد ms221 السوفييتي منطقيا؛ ~~فالاتحاد السوفييتي يتجه الآن نحو وقف إطلاق النار لإنقاذ ~~مصر. # ص238: # من الأمور المميزة لهيكل ~~إسقاطه لجوانب مهمة للغاية من وجهة نظر الحقائق التاريخية الثابتة؛ ~~مثل كيف تم تنظيم وقف إطلاق النار، وكيف بدأ الأمر. يورد هيكل ~~مقولة أحمد إسماعيل بعد الثغرة التي أحدثها الإسرائيليون، أن من ~~المستحيل، على حد قوله، دفع وحدة عسكرية للقضاء عليها، يورد هيكل ~~هذا الرأي الذي قاله إسماعيل للسادات «على انفراد» (المثير للفضول ~~هو كيف عرف الكاتب بذلك؟). إن جوهر ما صرح به إسماعيل يبدو ملتبسا، ~~فإما أنها صياغة مهذبة للاعتراف بالفشل العسكري الذريع، وإما أنها ~~إيحاء للسادات أن الظروف باتت مهيأة لتدخل الأمريكيين. لا أحد يعرف ~~أيهما يقصد. ما الذي قاله وزير الحربية للسادات على انفراد؟ «قال ~~إنه يتحدث الآن للتاريخ وبصفته مواطنا، وأنه إذا كان الرئيس يرى ~~طريقا مفتوحا لوقف إطلاق النار على أساس شروط مقبولة، فإنه سيؤيد ~~قراره»(!). # ينتقل هيكل بعد ذلك على الفور إلى عرض الرسالة التي بعث بها ~~السادات إلى الأسد، مسقطا نقطة مهمة للغاية؛ طلب السادات نفسه ~~من الاتحاد السوفييتي الإعداد لوقف إطلاق النار على وجه ~~السرعة. # في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، يوم العشرين من ~~أكتوبر، طلب السادات حضور السفير السوفييتي لمقابلته في قصر الطاهرة ~~على وجه السرعة. وفي الساعة الثانية طلب منه، وكان يبدو عصبيا ~~على نحو واضح، أن يبلغ موسكو طلبه العاجل لتقوم بالإعداد بسرعة ~~لوقف إطلاق النار مع بقاء القوات الإسرائيلية في تلك المواقع التي ~~احتلتها على الضفة الغربية للقناة. كان هذا بالضبط ما طلبه ~~السادات. ومن اللافت للانتباه، أن أحدا حتى الآن من المصريين، بما ~~فيهم السادات نفسه بطبيعة الحال، لم يذكر أن السادات هو أول من طلب ~~وقف إطلاق النار. # ص239: # في رسالته للأسد يتحدث ~~للأسد بكثير من المبالغة: «لقد كنت في الجبهة المصرية خلال العشرة ~~أيام الأخيرة، أقاتل الولايات المتحدة الأمريكية أيضا (!)، حيث ~~إنها كانت ترسل السلاح لها (إسرائيل). وأقولها بصراحة إنني لا ~~أستطيع أن أقاتل الولايات المتحدة الأمريكية ms222 أو أن أتحمل أمام ~~التاريخ المسئولية عن تدمير قواتنا المسلحة للمرة الثانية.» وقد ~~تضمنت الرسالة أيضا عددا من الألاعيب الفظة. نفهم من الرسالة، على سبيل المثال، أن الاتحاد السوفييتي يضمن، هو والولايات المتحدة ~~الأمريكية، انسحاب القوات الإسرائيلية والدعوة لعقد مؤتمر السلام ~~تحت إشراف الأمم المتحدة. نحن لم نقدم ضمانات، وإنما السادات هو ~~الذي طلبها. # بالمناسبة، كان رد الأسد على السادات صحيحا تماما، وعموما، ~~وكما كشفت الأحداث السابقة، فقد اتضح أن الأسد كان يتمتع ببعد نظر ~~وأمانة في علاقته بالاتحاد السوفييتي، خلافا للسادات. # الفصل الخامس: «حالة التأهب النووي» # ص246: # عندما سعى الاتحاد ~~السوفييتي لكي لا يشارك في مؤتمر السلام، إلى جانب الأطراف المعنية ~~بالصراع، سوى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، لم ~~يكن السبب هو الخوف من موقف جمهورية الصين الشعبية (في حالة ما إذا ~~شارك في المؤتمر كل أعضاء مجلس الأمن)، وإنما لسبب آخر. إن مشاركة ~~الدول الإمبريالية الأخرى، مثل إنجلترا وفرنسا، كان من الممكن أن ~~يؤدي إلى أن هذه الدول لم تكن لتقف في اللحظات الصعبة والحاسمة ~~للدفاع عن مصالح العرب، كما أنها لم تكن لتقف أيضا، بطبيعة الحال، ~~إلى جانب الحركة العربية التقدمية؛ ولذلك ولصالح العرب، كان من ~~الضروري الاكتفاء بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ~~بالنسبة للقوميين، مثل هيكل والسادات، كان من الواضح أنهما لا ~~يدركان الفارق بين السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي والسياسة ~~الخارجية للدول الرأسمالية. # يختلق الكاتب كثيرا من التلفيقات، وهو يصف الحديث الذي دار بين ~~القيادة السوفييتية ونيكسون، وهي أمور لا تتفق إطلاقا مع الواقع، ~~وبصفة خاصة عندما يزعم أن الاتحاد السوفييتي كان يدير مباحثاته مع ~~الأمريكيين حول وقف عمل «الجسور الجوية»؛ السوفييتية إلى مصر، ~~والأمريكية إلى إسرائيل. # ص248: # لقد وصل الاستهتار ~~بالسادات، أقولها بلطف، إلى حد أنه، بينما كانت الأسلحة الأمريكية ~~الحديثة التي تسلمتها إسرائيل لتوها لا تزال تقتل المصريين، كان ~~السادات يتحدث بتفاخر أنه يقاتل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ~~وفي هذا الوقت أرسل السادات دعوة إلى كيسينجر، من وراء ظهر الاتحاد ~~السوفييتي، لزيارة القاهرة! وهي ms223 الحقيقة التي عرفت، فضلا عن الدعم ~~السياسي الكامل، وكان يصرخ من نفاد الصبر والخوف، بينما ظل ~~الإسرائيليون يواصلون تقدمهم في مصر غير عابئين بقرار مجلس الأمن ~~بشأن وقف إطلاق النار. # من الطريف أن هيكل في هذه المرة يؤكد على الاتصالات المستمرة، ~~التي راحت تساندها أجهزة المخابرات المصرية والأمريكية طوال فترة ~~الأحداث العسكرية. # ص250: # من المدهش جهل هيكل وعدم ~~إحاطته علما بالحقائق المهمة للتاريخ، الذي أخذ على عاتقه كتابته! ~~كتب هيكل يقول: إن أكبر عيب في قرار مجلس الأمن رقم 339 أنه لم ~~يطلب عودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها في الثاني والعشرين ~~من أكتوبر! بينما كان البند الوحيد العملي في هذا القرار هو تضمنه ~~طلب عودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها في الثاني والعشرين ~~من أكتوبر! ففي هذا البند يتلخص مغزى هذا القرار، بل والمغزى ~~الوحيد له. كان القرار مهما ومثل انتصارا كبيرا للاتحاد ~~السوفييتي، وربما كان ذلك تحديدا ما دفع هيكل لتحريفه. أما السادات ~~فقد قرر أن يتنصل منه بعد أن صاغ فيما بعد «اتفاقا (مشوها) من ست ~~نقاط» مع كيسينجر، بدلا من هذا القرار الذي تم إعداده على نحو جيد ~~ومحكم، والذي تبين أنه لا يلزم الإسرائيليين ب «الفصل بين ~~القوات». # وعلاوة على ذلك، فقد اخترع الكاتب أيضا حديثا دار بين السادات ~~والسفير السوفييتي بخصوص موضوع وقف إطلاق النار. # ص251: # تحريف جديد لهيكل ~~لأحداث واقعية، ينفي هيكل عنها مغزاها السياسي الكبير. لقد طلب ~~المصريون من الاتحاد السوفييتي إرسال قواته. نعم طلبوا، والذي طلب ~~هو السادات نفسه، حيث إن الإسرائيليين لم يلتزموا بوقف إطلاق ~~النار، واندفعوا إلى الأمام لكي يطوقوا الجيش الثالث المصري ~~والاستيلاء على مدينة السويس، بينما راح نيكسون يؤكد للسادات ~~والاتحاد السوفييتي، أنه بناء على المعلومات المتوافرة لدى ~~الأمريكيين، فإن إسرائيل ملتزمة بوقف إطلاق النار. لقد توجه ~~السادات إلى الاتحاد السوفييتي وإلى الولايات المتحدة بطلب إرسال ~~قواتهما و، أو، مراقبين لإجبار إسرائيل بالقوة على وقف تقدمها، ~~وعندما رفض الأمريكيون توجه السادات إلى الاتحاد السوفييتي عبر ms224 ~~السفير السوفييتي، وطلب من الاتحاد السوفييتي أن يرسل منفردا قواته. ~~وقد كان لإعلان الاتحاد السوفييتي تحديدا استعداده لتلبية طلب ~~السادات أثره في دفع الأمريكيين «لحفظ ماء وجههم»، ومن ثم إعلان ~~«حالة التأهب النووي»، عندئذ أدركت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة ~~الأمريكية أن العبث مع الاتحاد السوفييتي أمر خطير، وهنا توقف ~~الإسرائيليون. وللمرة الثانية في تاريخ مصر الحديثة ينقذ الاتحاد ~~السوفييتي بخطواته الحاسمة مصر من هزيمة كاملة. # ص251-252: # ما يكتبه هيكل حول ~~إمكانية التقاط صور جوية كل ساعة تقريبا محض هراء. الأمر ببساطة ~~أنه لا يعرف تقنية هذا الأمر. # ص253: # يكذب السادات على الأسد؛ ~~ففي لحظة أصابه فيها الذعر ، ألح السادات يومي 25 و26 أكتوبر على ~~الاتحاد السوفييتي أن يرسل قواته و، أو، مراقبين. لقد طلب منا أن ~~نوقف إسرائيل بالقوة، لكنه أراد أن يبدو أمام السوريين على صورة ~~مختلفة. # ص254-255: # يقول الكاتب إن ~~حالة التأهب العسكري من الدرجة الثالثة أعلنت في صفوف القوات ~~المسلحة الأمريكية بمبادرة من كيسينجر. وكان كيسينجر قد شرح للسفير ~~السوفييتي لدى القاهرة الأمر على نحو مختلف حين قال: «لقد فقد ~~نيكسون أعصابه.» # يتسلل سوء الفهم إلى هيكل بخصوص جوهر الوفاق هنا أيضا، عندما ~~يؤكد أن الاتحاد السوفييتي، على حد زعمه، كان ميالا لممارسة الضغط ~~على أصدقائه؛ أي على العرب. إننا لم نمارس ضغطا على مصر، وإنما ~~أنقذناها من الهزيمة! كان بإمكان هيكل أن يذكر ذلك أيضا. # ص256: # أعلى صور التلفيق عند ~~الكاتب: اتضح أن إرسال السلاح عبر الجسور الجوية (من الاتحاد ~~السوفييتي إلى مصر وسوريا، ومن الولايات المتحدة الأمريكية إلى ~~إسرائيل) كان على نحو متكافئ؛ «طن مقابل طن». هذا ما كتبه هيكل، ~~فمن الذي قام بالحساب؟ # ص258: # لا يخجل هيكل من ذكر ~~العدد الهائل للدبابات التي تم تدميرها. لقد فعل ذلك بهدف المبالغة ~~من أهمية «المعركة»؛ فما دامت الخسائر كبيرة، فإن هذا يعني أن ~~المعركة كانت كبيرة. الأمر ليس إلزاميا إطلاقا. لقد دفع ~~المصريون عددا كبيرا من الدبابات إلى ساحة القتال، ولم يحاولوا ~~أن يسحبوا الدبابات التي ms225 خرجت من المعركة من منطقة النيران ~~لإصلاحها، فكل دبابة كانت قيمتها تبلغ 250 ألف روبل! # لم يكن الأمر يستحق أن يشتط الكاتب في الحماس: «عندما اقترب ~~الإسرائيليون، فإن المصريين ضربوهم بقوة، وعندما اقتربوا مرة أخرى، ~~تلقوا مرة أخرى ضربة قوية.» في الواقع من الذي ضرب من، الإسرائيليون ~~أم المصريون؟ # ص260: # في النهاية نجد من جديد ~~هذا الاعتراف الثمين لهيكل: منذ السابع من أكتوبر عرف المصريون أن ~~الطريق إلى الممرات كان مفتوحا، وأن بإمكانهم الاستيلاء عليها، ~~لكنهم لم يتقدموا. لماذا؟ ~~••• # لا شك أن كتاب هيكل كتاب مهم، لكنه يحتوي على عدد كبير من ~~الأخطاء، كما يفتقد الدقة في ترتيب الوقائع، الأمر الذي يقلل من ~~قيمته باعتباره وثيقة تاريخية. إن تقدير الكاتب للأحداث والظواهر ~~يتوقف في الكثير، بطبيعة الحال، على وجهة نظره. ولكنه يتوقف أيضا ~~على معرفة الوقائع الحقيقية. # كان هيكل في عهد ناصر يمتلك منفذا واسعا إلى وثائق الدولة، ومع ~~ذلك كان هيكل يحرف الكثير منها في مؤلفاته «لاعتبارات فكرية» ~~(انظر على سبيل المثال إلى كتابه «وثائق القاهرة»). # 21 # يتضح لنا من كتاب هيكل أن السادات لم يسمح عمليا لهيكل بالوصول ~~إلى الوثائق؛ ولهذا فإن هيكل يعتمد في وصفه للعديد من الوقائع ~~والأحداث وما تضمنته الرسائل على ما يعرضه عليه السادات، الذي كان ~~يحرض هيكل بشكل مستمر ضد السوفييت، وكان يدس له حكايات للأحداث. ~~وكان هيكل، دون خجل ودون مراجعة لهذه الحكايات، يضعها في كتابه، ~~ناسيا أنه يتعامل مع قضايا لا تمس دولة واحدة فحسب (مصر)، وإنما ~~أيضا دول أخرى، وخاصة الاتحاد السوفييتي. إن عدم جواز هذا ~~التعامل المتحرر من القيود مع هذا النوع من القضايا، التي تعد في ~~بعض الأحيان من أسرار الدولة، أمر بديهي. # وحتى على الرغم من التوجه المعادي للسوفييت عند إلقاء الضوء على ~~بعض الحقائق، فإن حقيقة الدور النبيل والسياسة المستقيمة للاتحاد ~~السوفييتي في دعم حركة التحرر الوطني ضد الدسائس الإمبريالية كان ~~ينكشف عندئذ على أية حال. وعلى ما يبدو فإن هيكل لم تكن لديه ~~الرغبة في ms226 غالب الأحوال في فضح الدور الخائن للرئيس السادات. ليس ~~من قبيل الصدفة أن كتاب «الطريق إلى رمضان» محظور في مصر، ولم ~~يسمح إلا بنشر بعض الفصول التي تمتدح موقف السادات وتسيء إلى دور ~~الاتحاد السوفييتي. # موسكو، أغسطس 1975م ms227