######OpenITI# #META# URI: 1450AnwarIbrahim.NisaFiHayatDustuyivski.Hindawi95190363 #META# Tags: biographies #META# ID: 95190363 #META# Title: نساء في حياة دستويفسكي #META# AuthorID: 50258407 #META# Author: ليونيد جروسمان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 82403864 #META# Translator: أنور إبراهيم #META# Related_books: 1385LeonidGrossman (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # تقديم‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # | نساء في حياة دستويفسكي # | نساء في حياة دستويفسكي # تأليف # ليونيد جروسمان # ترجمة # أنور إبراهيم # | تقديم # يقول دستويفسكي في معرض وصفه لواحد من أبطاله إنه: «برغم ما كان يتمتع به من ذكاء، لم ~~يكن يدرك من أمور النساء شيئا، ومن ثم فإن دائرة كاملة من الأفكار والظواهر ظلت مجهولة ~~بالنسبة له.» # هذا العالم الخاص من المشاعر والهواجس والمعاناة جذب إليه دستويفسكي بشكل غير عادي في ~~فترة ازدهاره الإبداعي. في شبابه كان ما يزال غريبا بدرجة كبيرة عن دائرة «هذه الظواهر». ~~يقول عنه أحد رفاقه في سنوات الشباب: «لم أسمع مطلقا منه أنه كان مغرما بواحدة ما، أو حتى ~~أنه أعجب بشدة بامرأة بعينها ... بعد عودته إلى بطرسبورج قادما من المنفى في سيبيريا أصبحت ~~دراسة وتحليل شخصية أي من معارفنا من النساء والفتيات ... واحدة من هواياته ~~المحببة.» # وبالفعل، انفتح في سيبيريا عصر حكايات دستويفسكي الغرامية. ومنذ ذلك الحين ظهرت في طريق ~~حياته شخصيات نسائية رائعة انعكست سماتهن بقوة في بطلات رواياته. هذا هو السبب وراء ولعه ~~الشخصي الهائل بدراسة العديد من النماذج النسائية التي ظهرت في فترة نضجه الإبداعي. # في شبابه الباكر أغفل دستويفسكي تماما حياته العاطفية، غارقا في مخطوطات كتبه. لقد صرفه ~~السعي وراء الظهور الأدبي بقوة أكبر عن الانفعالات الرومانسية. # تكتب أنا جريجوريفنا دستويفسكايا (زوجته الثانية) في مذكراتها قائلة: «سألت فيودور ~~ميخايلوفيتش عن غرامياته، وقد أدهشني، بناء على ذكرياته، أنه لم يقع في هوى أي امرأة على ~~نحو جاد في شبابه. ويرجع السبب في ذلك، من وجهة نظري، إلى أنه بدأ في سن مبكرة للغاية في ~~الانخراط في حياة عقلية محضة. لقد ابتلعه الإبداع كلية، ومن ثم تراجعت حياته الخاصة إلى ~~خلفية المشهد، ليندمج بعد ذلك بكل خياله في السياسة، وهو ما دفع بسببه ثمنا باهظا. # كانت الجميلة أفدوتيا ياكوفليفنا بانايفا هي الحب الأول لدستويفسكي. كانت عاطفة روحية ~~سرية، وبالطبع كانت من ms01 طرف واحد؛ فقد كانت بانايفا هي «زوجة الشاعر نكراسوف» معبود جيل شباب ~~الأربعينيات، التي استطاعت أن تأخذ بلب ألكسندر دوما نفسه. ويبدو أن بانايفا كانت تعامل ~~دستويفسكي بحنو واهتمام وتلقائية دون أن يخطر ببالها - على الأرجح - ما سوف يؤدي إليه هذا ~~الأمر من أثر في «حياته العاطفية».» # في رسالة لأخيه ميخائيل، مؤرخة السادس عشر من نوفمبر عام 1845م، يقول دستويفسكي: «قمت ~~بالأمس بأول زيارة لي إلى «بانايف»، ويبدو أنني وقعت في هوى زوجته. امرأة ذكية وجميلة، ~~إضافة إلى استقامتها وعطفها.» # ثم يبعث إليه برسالة ثانية بعد عدة أسابيع يخبره فيها بأنه كان: «مغرما ببانايفا حقا، ~~ولكن الأمر انتهى الآن، ولا أعرف بعد ...» # تتجاهل أنا جريجوريفنا دستويفسكايا هذا الجانب في «مذكراتها» (التي كتبتها في زمن آخر)، ~~وفي محاوراتها الخاصة تولي هذا الأمر قليلا من الاهتمام: «كان غرامه ببانايفا أمرا ~~عابرا، ولكن هذا الغرام كان على أية حال هو الوحيد في سنوات شبابه. في بيت بانايفا، بدأ ~~الناس يسخرون من دستويفسكي، بينما راحت بانايفا التركية، صاحبة الحس المرهف في إسباغ مشاعر ~~الشفقة على دستويفسكي الذي قابل مشاعرها بامتنان قلبي وحب رقيق مخلص ...» # لكن هذا الحب المبكر المكتوم لم يكن سوى مشهد واحد من تاريخ حياته العاطفية. # في سيبيريا فقط كان مقدرا عليه أن يعاني أول حب له؛ الحب الأكثر تعذيبا وتمزيقا ~~وكآبة. # | الفصل الأول # هناك أمر على جانب كبير من الأهمية، وهو أن دستويفسكي أحب وللمرة الأولى امرأة مريضة، ~~منهكة القوى، انهالت عليها الحياة بالضربة تلو الأخرى. امرأة فقيرة معدمة، كتب عليها ~~الجنون والموت. # وللأسف، فإن كافة المراحل المضنية التي مر بها هذا الحب الأولى لدستويفسكي لا يمكن ~~تقديمها بصورة كاملة. يبدو أن الخطابات المسهبة التي كتبها دستويفسكي من سيميبالاتينسك إلى ~~كوزنيتسك قد ضاعت إلى الأبد. يذكر فرانجيل أن هذه الخطابات كانت تملأ كراسات كاملة. # إن الظروف القاسية التي عاشتها ماريا ديمترييفنا، وما عانته من أحداث درامية وفقد، لم ~~تكن لتسمح لها أن تتعامل بقدر كاف من الاهتمام بهذه الخطابات والمذكرات، التي ms02 ضاعت بداهة ~~في ركن سحيق في سيبيريا. # مارينا ديمترييفنا إيسايفا؛ الزوجة الأولى لدستويفسكي. # إن الجانب الهام والعميق من القصة المأساوية لحب دستويفسكي الأول، التي كتبها في ~~اعترافاته المطولة، لم تصل إلينا. وسوف يكون علينا أن نقيم فصولها الضائعة استنادا ~~إلى المعلومات غير المباشرة. # على أية حال، فإن صورة ماريا ديمترييفنا، والعديد من مشاهد هذه العلاقة العاطفية، قد ~~انعكست بشكل واضح وجاد في إبداع دستويفسكي. نجدها في رواية «مذلون ومهانون» في الحب ~~المتفاني لبطل الرواية المستعد للتضحية بمشاعره من أجل سعادة شخصين آخرين. إن هذه المشاهد ~~تنقل إلينا بوضوح جانبا من غرام دستويفسكي في سيبيريا. # وفي «الجريمة والعقاب» يقدم نموذج كاترينا إيفانوفنا صورة طبق الأصل من ماريا ~~ديمترييفنا، لينبعث معها مصيرها كله. إن مشهد وفاة زوجة مارميلادوف قد كتب تحت انطباع ~~الحزن على الزوجة الأولى لدستويفسكي، بل إننا نجد أيضا بعض العبارات التي تذكرنا بوصف ~~هذا الحادث الحزين كما وردت في خطابات دستويفسكي. # إن المظهر الخارجي لماريا ديمترييفنا في لحظة تعرفها على دستويفسكي؛ أي قبل عشر سنوات ~~من موتها، يتميز بقدر كبير من الجاذبية. آنذاك كانت تبلغ من العمر ستة أو سبعة وعشرين ~~عاما، إذا كان سنها قد أشير إليه بشكل صحيح في خطاب دستويفسكي إلى شقيقته في عام 1857م: ~~«أبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاما، بينما تبلغ هي تسعة وعشرين.» # ويصفها فرانجيل بأنها: «حسناء ذهبية الشعر، متوسطة القامة، نحيفة للغاية، شديدة الحساسية، ~~مندفعة. آنذاك كانت هذه الحمرة المشئومة تداعب وجهها الشاحب، ليذهب بها مرض السل بعد بضع ~~سنوات إلى القبر. كانت امرأة واسعة الاطلاع، تلقت تعليما جيدا، وكانت محبة للمعرفة، ~~طيبة محبة للحياة بشكل استثنائي، كما كانت سريعة التأثر والانفعال.» # وقد التقاها الناقد ن. ستراخوف على نحو عابر في بطرسبورج، وتركت لديه انطباعا طيبا ~~بشحوبها ورقة ملامحها، على الرغم من أنه كان من الواضح إصابتها بمرض مميت. # هذه الطبيعة الحساسة المندفعة هي ذاتها التي أسرت دستويفسكي على الفور. # ها هو دستويفسكي يصف بنفسه قصة علاقتهما في خطابه إلى شقيقته في ms03 عام 1857م: «بعد أن عدت ~~في عام 1854م من أومسك إلى سيميبالاتينسك، تعرفت على موظف يقيم هنا هو وزوجته. الرجل ~~من روسيا، يتمتع بالذكاء والطيبة، مثقف، وقد أحببته كأخ ... كان عاطلا، ولكنه كان ينتظر ~~أن يلحقوه مرة أخرى بالخدمة. كان لديه زوجة وابن. أما زوجته فهي ماريا ديمترييفنا ~~إيسايفا. ما تزال في ريعان الصبا، وقد استقبلاني كأني واحد من أقاربهم. وفي النهاية، وبعد ~~عناء طويل، حصل على عمل في مدينة كوزنيتسك من أعمال محافظة تومسكايا، وهي تبعد عن ~~سيميبالاتينسك سبعمائة فرسخ. ودعتهم، وكان الفراق أكثر وطأة على نفسي من فقدان الحياة ~~نفسها.» # حاشية: حدث ذلك في مايو عام 1855م. ولست أبالغ هنا. بعد وصوله إلى كوزنيتسك، مرض إيسايف ~~فجأة، ثم وافته المنية تاركا زوجة وابنا دون قرش واحد، وحيدة في بلدة غريبة، دون مساعدة، ~~وفي حالة مزرية. ما إن عرفت بذلك (وكنا نتراسل)، حتى اهتممت بالأمر وأرسلت لها نقودا في ~~أقرب فرصة. كم كنت سعيدا عندما علمت بتسلمها النقود! وأخيرا استطاعت أن تكتب لأهلها ~~ولأبيها. كان أبوها يعيش في أستراخان ويحتل وظيفة هامة (مدير الحجر الصحي). كان صاحب رتبة ~~رفيعة ويتقاضى راتبا كبيرا، لكن الرجل كانت لديه ثلاث فتيات وأبناء يخدمون في الحرس. كانت ~~كنيته كونستان. وهو حفيد لمهاجر فرنسي شارك في الثورة الأولى، نبيل، جاء إلى روسيا واستقر ~~فيها، أما أبناؤه فهم روس من جهة الأم. ماريا ديمترييفنا هي الابنة الكبرى، وكان والدها ~~يفضلها على الجميع. # صديقتي العزيزة، أكتب إليك تفصيلا، لكنني لم أكتب إليك الأهم. إنني أهيم بهذه المرأة منذ ~~زمن بعيد إلى درجة الجنون، أحبها أكثر من حياتي. لو أنك عرفت هذا الملاك، لما أخذتك ~~الدهشة. إنها تمتلك خصالا رائعة؛ ذكية، رقيقة، مثقفة، مثال نادر من النساء المثقفات مع ~~شيء من الوداعة، تدرك ما عليها من واجبات، متدينة. لقد رأيتها في لحظات الشقاء عندما كان ~~زوجها عاطلا عن العمل. لا أريد أن أصف لك ما كانا عليه من ضنك. ليتك رأيت على أي نحو من ~~نكران الذات ms04 وقوة التحمل واجهت به هذه المرأة هذه التعاسة التي يمكن أن نصفها تماما ~~بالبؤس. إن مصيرها الآن بشع؛ إنها تعيش في كوزنيتسك، حيث توفي زوجها. يعلم الله من يحيط ~~بها وهي الأرملة اليتيمة بكل معنى الكلمة. بالطبع كان حبي لها سرا لم أصرح به. # لقد أحبت ألكسندر إيفانوفيتش، زوجها، مثل أخ، ~~ولكنها، بعقلها وقلبها، لم تستطع أن تفهم حبي لها، لم تخمن ذلك. والآن هي امرأة حرة (بعد ~~وفاة زوجها منذ عام ونصف العام)، وعندما رقيت إلى درجة ضابط، كان أول ما فعلت أن عرضت ~~عليها الزواج. إنها تعرفني، تحبني وتحترمني. ومنذ أن افترقنا ظللنا نتبادل الخطابات. ~~وافقت وقالت «نعم»، وإذا لم تقع أحداث طارئة ... فإننا سنتزوج قبل 15 فبراير؛ أي قبيل عيد ~~الرماد. صديقتي العزيزة، أختي الحبيبة، لا تغضبي، لا تغتمي ولا تنسيني، ليس هناك شيء أفضل ~~لأفعله ...» # لكن هذا المديح الحماسي الذي كاله دستويفسكي لماريا ديمترييفنا إيسايفا في خطابه لأقاربه، ~~كان عليه أن يتراجع عنه في مراسلاته مع فرانجيل. لقد اتخذت العلاقات المتبادلة بين فيودور ~~ميخايلوفيتش وزوجة المستقبل على الفور منحى خاطئا، وأصبح كل منهما مصدر عذاب للآخر. يقول ~~فرانجيل: لقد أبدت مشاعر العطف الدافئ نحو دستويفسكي. كانت تعامله بلطف. لا أظن أنها كانت ~~تعرف قدره بعمق. الأمر ببساطة أنها كانت تعطف على شخص تعيس ظلمه القدر. ربما تكون قد ~~تعلقت به، لكنها لم تقع في حبه بأي شكل من الأشكال. كانت تعلم أنه مصاب بداء الصرع، ~~وأنه في أمس الحاجة إلى المال، وأنه كما قالت: «رجل بلا مستقبل.» أما فيودور ~~ميخايلوفيتش فقد رأى في شعور العطف والأسى حبا متبادلا، وراح يحبها بكل ما في الشباب من ~~حمية. # غير أن دستويفسكي سرعان ما شعر باليأس؛ لأن ماريا ديمترييفنا لا تبادله حبا بحب، فعندما ~~نقل إيسايف إلى كوزنيتسك، على بعد 500 فرسخ من سيميبالاتينسك، وقع دستويفسكي فريسة لليأس ~~العميق. يشكو دستويفسكي حاله لفرانجيل قائلا: «لقد وافقت على السفر. لم تعترض، وهذا أمر ~~شائن!» # عندما حانت لحظة الفراق راح يبكي ms05 بكاء مرا مثل طفل، وعندما اختفى عن ناظريه ركب ~~المسافرين، ظل واقفا كالمقيد بالأغلال، متابعا إياهم ودموعه تنهمر على خده. # لقد ظهرت هناك خطابات أكثر إيلاما من العلاقات الشخصية. لم تتوقف ماريا ديمترييفنا عن ~~تعذيب دستويفسكي وهي بعيدة عنه، وهي تجأر بالشكوى من الفقر والمرض، ومن الحالة المحزنة التي ~~وصل إليها زوجها، ومن المستقبل البائس. لكن أكثر ما أثار الاضطراب والعذاب عند دستويفسكي هو ~~شكوى مراسلته من الوحدة التي لا تحتمل، وحاجتها إلى شخص ما يفرج همها. # آنذاك بدأ التلميح أكثر حماسا حول اسم صديق جديد في كوزنتيسك؛ «مدرس شاب لطيف»، يمتلك ~~خصالا نادرة و«روحا سامية»، هنا سقط دستويفسكي في كآبة نهائية، راح يمشي كالظل، بل وأهمل ~~رواية «مذكرات من البيت الميت»، التي كان منشغلا بالعمل على إتمامها في تلك الفترة بكل ~~ولع. وعندما عاتبه فرانجيل على ذلك رد عليه قائلا: «كتبت لي تقول إنني أتكاسل عن العمل. ~~أبدا يا صديقي، لكن علاقتي بماريا ديمترييفنا قد شغلتني كلية في العامين الأخيرين. كنت ~~أعيش، وإن كنت أعاني، لكنني، على أقل تقدير، كنت أعيش!» # في شهر أغسطس من عام 1855م، تلقى دستويفسكي خطابا من ماريا ديمترييفنا يفيد أن زوجها ~~قد توفي. وأخبرته أن إيسايف قد مات في ظروف قاسية لا تحتمل، وأن ابنها قد جن من البكاء ~~واليأس، وأنها تتعذب من الأرق ومن نوبات حادة من المرض. ثم حكت له أنها دفنت زوجها بنقود ~~اقترضتها من أغراب، وأنه لم يتبق لديها شيء سوى الديون، وأن شخصا ما أرسل إليها ثلاثة ~~روبلات: «لقد دفعتني الحاجة لأن أقبل ... وقبلت ... الإحسان ...» # انكب دستويفسكي بكل كيانه في تدبير الأمور المتعلقة بمصير ماريا ديمترييفنا. حصل على ~~مال من فرانجيل. سعى ليلحق باشا إيسايف بالجيش. بذل ما في وسعه بتضحية بطولية، وكان على ~~استعداد أن يجثو على ركبتيه «ليتسول من أجل منافسه المدرسي من كوزنيتسك، الذي تحمل له ~~ماريا ديمترييفنا مودة عميقة (يقول فرانجيل عن هذا المدرس إنه «شخصية تافهة»). # لكن كل ذلك لم يفلح، كما يبدو، في ms06 أن يعيد عاطفة ماريا ديمترييفنا الودية نحو دستويفسكي. ~~بعد عام تقريبا من وفاة إيسايف، في صيف 1856م، يرسل دستويفسكي خطابات إلى فرانجيل تفيض ~~باليأس: «أشعر وكأن بي مسا من الجنون ... لقد مضى الأمر!» «أحوالي سيئة للغاية، أنا في يأس ~~تام. يصعب أن تتصور ما عانيته من شقاء.» وفي خطابه المؤرخ الحادي والعشرين من يوليو ~~يقول: «أخشى أن تتزوج، وعندها قد ألقي بنفسي في الماء أو أغرق في الشراب.» # بحلول شتاء عام 1857م فقط؛ أي بعد مرور عام ونصف على وفاة إيسايف، إذا بالأمور تسير ~~أخيرا لصالح دستويفسكي. وإلى هذه الفترة يعود خطابه الذي أرسله إلى فرانجيل حول زواجه ~~المقبل. وأخيرا وبعد طول انتظار للسعادة، يغلق دستويفسكي عينيه عن الماضي كله. يكتب ~~دستويفسكي في خطابه مطمئنا نفسه من جراء الذكريات التي عذبته من منافسه غير بعيد: ~~«إنها تحبني، أعرف ذلك يقينا.» # وفي سياق حديثه إلى فرانجيل عن هذا الجزء المظلم من قصته الغرامية يقول: «سوف تتخلى عن ~~حبها الجديد.» # لكن دستويفسكي لم يجد بطبيعة الحال سعادته المرجوة في هذا الزواج. ها هو فرانجيل يحدد ~~الملمح الرئيسي في العلاقات التالية: «كانت ماريا ديمترييفنا تعاني دوما من المرض، تجتاحها ~~نوبات من الجموح والغيرة.» # كانت دراما الغيرة قد بدأت قبل ذلك في سيميبالاتينسك، على أثرها تفككت الصداقة الأسرية ~~تماما. # كانت ماريا ديمترييفنا تشعر بالشك العدواني تجاه عائلة زوجها باعتبارها قريبة مريضة ~~وفقيرة، وكان وسواس الكراهية يدفعها للتعامل مع العائلة بكل ما تملك من هياج وحقد. ظلت ~~طوال حياتها تعتقد أن ميخائيل ميخايلوفيتش عدو غامض، ولم تظهر رغبتها في التصالح معه إلا ~~وهي على حافة القبر. # في غضون ذلك كان المرض يزداد حدة، وسرعان ما انعكس انتقالها إلى بطرسبورج للإقامة الدائمة ~~بها على تطور مرض السل الرئوي. وفي شتاء عام 1863-1864م، اضطر الزوجان دستويفسكي إلى ~~اتخاذ موسكو مقرا لإقامتهما بسبب الضعف الشديد الذي أصاب ماريا ديمترييفنا. وبدءا من فصل ~~الربيع ازدادت حدة المرض، وفي منتصف شهر أبريل أرسل دستويفسكي خطابا إلى أخيه يقول فيه: ~~«بالأمس ms07 داهمت ماريا ديمترييفنا نوبة حاسمة؛ تفجر الدم من حلقها وأغرق صدرها، وراح يخنقها ~~...» # وفي اليوم التالي، السادس عشر من أبريل من عام 1864م، جاءت خاتمة قصة حب دستويفسكي ~~المؤلمة؛ ماتت ماريا ديمترييفنا. فيما بعد يكتب دستويفسكي قائلا: «أحبتني بلا حدود، ~~وأنا أحببتها أيضا بلا حدود، ولكنني لم أكن سعيدا معها ... وعلى الرغم من أننا كنا تعيسين ~~معا بشكل مطلق، بسبب شكوكها وطبعها المرضي العجيب، فإننا لم نستطع أن نتوقف عن حب كل ~~منا للآخر، بل كلما ازداد بؤسنا، ازداد تعلقنا كل بالآخر.» # في نفس يوم وفاة زوجته، يخط دستويفسكي وهو أمام جثتها الهامدة بضعة تأملات في دفتر ~~مذكراته حول فكرة الحب والزواج، حول رسالة كل شخص على الأرض: «16 أبريل. ماشا ترقد على ~~الطاولة. ترى هل سألتقي بماشا مرة أخرى؟ # أن تحب إنسانا قدر حبك لنفسك، وفقا لوصايا المسيح، أمر مستحيل. قانون الفرد يشد الإنسان ~~إلى الأرض والأنا تعوقه، ومع ذلك فالمسيح وحده استطاع ذلك، لكن المسيح كان خالدا. إنه ~~المثال الذي نسعى إليه وينبغي، بناء على قانون الطبيعة، أن يسعى إليه الإنسان ... إن ~~السعادة العظمى هي في أن يهب الإنسان نفسه كاملة لجميع الناس ولكل شخص وبكل تفان. # على هذا النحو فإن قانون الأنا يندمج مع قانون الإنسانية وفي اندماجها، أنا والجميع (وهما ~~يبدوان طرفي نقيض)، وبشكل متبادل، يضحي كل واحد من أجل الآخر، وفي الوقت نفسه يبلغان ~~أيضا الهدف الأسمى للتطور الفردي لكل منهما. # هذا ما يمكن أن نسميه بجنة المسيح. إن التاريخ كله، سواء تاريخ البشرية، أو جزئيا تاريخ ~~كل فرد على حدة، ليس سوى التطور، الصراع، السعي وتحقيق الهدف ... # وهكذا فإن الإنسان يسعى على الأرض نحو المثال المناقض لطبيعته. عندما لا يحقق الإنسان ~~قانون السعي نحو المثال؛ أي عندما لا يضحي بذاته من أجل الناس، من أجل كائن آخر (أنا ~~وماشا)، فإنه يشعر بالمعاناة، ويسمي هذه الحالة بالذنب. وهكذا فإن على الإنسان أن يشعر ~~دائما (دون انقطاع) بالمعاناة التي تتساوى ونعيم الجنة، تنفيذ العهد، التضحية. # هذا ms08 هو التوازن الأرضي، وإلا ستصبح الحياة على الأرض بلا معنى ...» # بعد عام ونصف ينقل دستويفسكي ما تبقى في ذاكرته الإبداعية عن رفيقة حياته الأولى ليضعه ~~في شخصية كاترينا إيفانوفنا مارميلادوفا في رواية «الجريمة والعقاب»، ليكون مصير وشخصية ~~صديقه مارميلادوفا الكثير من الظروف التي مرت في سيرة حياة زوجته الأولى؛ الشباب ~~اللامبالي، الزواج من سكير مدمن، «العفو اليائس»، تطور حدة مرض السل الرئوي، نوبات الغضب ثم ~~شلالات من دموع الندم؛ كلها سمات كاترينا إيفانوفنا المأخوذة من طبيعة عرفها الكاتب عن ~~قرب ليجسدها مستخدما السبك الفني للمادة الواقعية الخام. # لقد استخدم دستويفسكي عند وضعه لهذه الشخصية بعض لمسات أيضا من خطابات كوزنيتسك التي ~~كتبتها ماريا ديمترييفنا؛ فيوم وفاة كاترينا إيفانوفنا مارميلادوفا تتلقى «صدقة» مقدارها ~~ثلاثة روبلات، بل إن دستويفسكي استخدم سمات زوجته الأولى في الفترة التي سبقت وفاتها ليضعها ~~في المظهر الخارجي لبطلته: ~~«هي امرأة نحيلة نحولا رهيبا، دقيقة القسمات، طويلة القامة، حسنة الهيئة، لها شعر رائع ~~كستنائي اللون، على خديها بقعتان حمراوان فعلا. إنها تسير في الغرفة طولا وعرضا، وقد ~~شدت يديها إلى صدرها تضغطه بهما، وكانت أنفاسها قصيرة مقطعة، وكانت عيناها تسطعان ~~ببريق محموم، ولكن نظرتها حادة ثابتة. إن هذا الوجه الذي التهمه مرض السل يحدث مرآه على ~~ضوء الشمعة الصغيرة الذائبة أثرا أليما في النفس.» # على هذا النحو يتذكر دستويفسكي رفيقته الأولى في الحياة. وعلى طريقة رامبرندنت يرسم ~~دستويفسكي الضوء في شفق بطرسبورج في تلاعب الظلال الكثيفة العابرة، التي راحت تتجمع على ~~خديها الشاحبين لتبرز عينين ثابتتين محمومتين؛ إنه وجه معذبة عظيمة ترزح تحت وطأة ~~الحياة، وبهذه الألوان القاتمة صور دستويفسكي لوحة لقبر صديقته المسلولة. # في حديث شخصي دار بيني وبين أنا جريجوريفنا دستويفسكايا، أخبرتني ببعض المعلومات ~~الإضافية عن الزواج الأول دستويفسكي: «لقد أحب فيودور ميخايلوفيتش زوجته الأولى بقوة؛ ~~لأنه أول شعور حقيقي له في الحياة؛ فقد مر شبابه كله في العمل الأدبي. وتحت انطباع نجاحه ~~الأول المدوي، استغرقته الكتابة تماما، ولم يكن لديه وقت ليقيم أي علاقة غرامية ms09 حقيقية. ~~أما ولعه ببانايفا فكان أمرا عابرا لا يؤخذ في الحسبان. على أن الأمر مع ماريا ~~ديمترييفنا قد جرى على نحو مختلف.» # لقد كان شعورا جارفا بكل ما فيه من أفراح وأتراح. في سنواتها الأخيرة: «كان للمرض الذي ~~اشتدت حدته على الراحلة أثر خاص على ما أحاط علاقتهما من عذاب.» # لقد عرفت من الأطباء الذين كانوا يتولون علاج ماريا ديمترييفنا أنها عند اقتراب نهايتها ~~لم تكن في حالة نفسية سوية على الإطلاق. كانت تنتابها حالات غريبة من الهلاوس، وأحيانا ما ~~كانت تبدأ فجأة في الغمغمة قائلة: «الشياطين، ها هي الشياطين!» ولم تكن تهدأ إلا بعد أن ~~يقوم الطبيب بفتح النافذة متظاهرا بطرد الشياطين من الغرفة.» # 1 # | الفصل الثاني # في عام 1864م وصلت إلى مجلة «العصر» قصتان من مدينة فيتيبسك النائية خطتهما يد امرأة ~~بتوقيع مختصر لشخص يدعى يوري أوربسيلوف. # كتبت القصة الأولى بروح القص الحديث، كما لو أنها استلهمت قصيدة الشاعر الشهير ~~دوبروليوبوف التي يقول فيها: # أخشى ما أخشاه # أن يكتب على شاهد قبري، # أن كل ما تمنيته بشراهة # وأنا على قيد الحياة # قد ذهب أدراج الرياح، # وأن السعادة أبت أن تبتسم لي. # فتاة من علية القوم، مغرمة بطالب فقير، تتكتم مشاعرها، ثم تدرك أخيرا ~~بعد وفاة بطلها أنها خسرت سعادتها. # أما القصة الأخرى فتتناول موضوعا أكثر تعقيدا، وكان من الحتمي أن تلفت إليها اهتمام ~~دستويفسكي. تصف القصة الأزمة المعقدة التي عاشها شاب من النبلاء الأثرياء، أعجب بفكرة ~~الكمال الأخلاقي، فقادته في سياق بحثه عن الحقيقة إلى صومعة في دير من الأديرة. # انضم هذا النبيل ليصبح تلميذا لواحد من النساك الصارمين هو الأب أمفروسي ليخضع ~~للنظام الصارم للدير. لكن لقاء على غير انتظار مع أميرة شابة أثارت فيه الحنين إلى عالم ~~آخر وإلى حياة مختلفة، فإذا به يغادر صومعته بحثا عن الفكرة الأسمى للوجود وسط ~~الناس. # وعندما أصيب بالإحباط يقفل عائدا إلى الأب ليموت في صومعته الضيقة بعد أن عانى اليأس ~~العميق في إمكانية الوصول إلى الطريق القويم. # برغم مما ms10 بدا من نضج غير كاف في فنية الكتابة، فقد كشفت الرواية عن موهبة فائقة لدى ~~الكاتب في «تصوير النفس البشرية»، وقد جرى تصوير العالم الداخلي لأزمات البطل (في كنيسة ~~أوسبينسكي، وفي الدير القائم في شارع تفيرسكايا). # بثقة بالغة وعلى نحو درامي، وفي سياق تقلبات السرد، نجد أن التباينات النفسية في النص ~~قد تم التخطيط لها بفهم كامل للمؤثرات البنائية. # رأى دستويفسكي أن القصتين جديرتان بالاعتبار. وبعد أن أشار محرر مجلة «العصر» # 1 # إلى ما وقع فيه المؤلف المبتدئ من زلات، فقد عبر في رده الودي عن تقديره ~~لموهبة هذا المؤلف المجهول، وتعهد بنشر المادة التي أرسلت إليه في أقرب عدد من ~~مجلته. # سرعان ما انعقدت أواصر التعارف بين دستويفسكي وهذه الفتاة الشابة التي توارت خلف الاسم ~~المستعار «يوري أوربيسلوف». # لقد ترك هذا اللقاء أثرا قويا على دستويفسكي، وينبغي علينا أن نعترف أن من بين النساء ~~اللائي افتتن بهن دستويفسكي، كانت أنا فاسيليفنا كورفين كروكوفسكايا، بلا أدنى شك، ~~أكثرهن موهبة ونبوغا وجمالا. # أنا كورفين كروكوفسكايا. # لم تصف أنا جريجوريفنا في مذكراتها «خطيبة دستويفسكي» بشكل صحيح على ما يبدو، كما أنها ~~لم تذكر شقيقتها صوفيا التي نالت شهرة واسعة فيما بعد باعتبارها عالمة رياضيات، وكانت ~~فتاة تتميز بجمال فائق وشخصية متكبرة. # كانت أنا فاسيليفنا فتاة ممشوقة القوام، طويلة، دقيقة القسمات، ذات شعر طويل أشقر. ~~كانت بعينيها الخضراوين المبتسمتين تشبه عروس البحر. كانت حادة الذكاء جريئة، مستقلة ~~ذات جمال مدهش. كانت تعد في طفولتها أميرة الحفلات الراقصة. وفي شبابها قطعت أشواطا من ~~البحث عن طريقها الفكري في عدد من القضايا الروحية، الأمر الذي عكس على نحو واضح طبيعتها ~~المتفردة. # أنا فاسيليفنا هي ابنة لإقطاعي واسع الثراء، قضت سنوات شبابها في ضيعتها المعروفة باسم ~~باليبين بالقرب من فتيتيبسك. ولما كانت تشعر بالملل في هذا الريف الموحش، فقد اندفعت، وهي ~~ابنة خمسة عشر ربيعا، إلى قراءة الروايات الإنجليزية القديمة في المكتبة العريقة في ~~القرية. لقد أخذت بلبها ثماني شخصيات فرسان العصور الوسطى. # تحكي صوفيا كوفاليفسكايا ms11 في مذكراتها قائلة: «المصيبة الأخرى أن بيتنا الريفي كان بيتا ~~كبيرا ضخما، له برج ونوافذ على الطراز القوطي، بني إلى حد ما بذوق القلاع في العصور ~~الوسطى. إبان الفترة التي تلبست فيها أختي روح الفروسية لم يكن باستطاعتها أن تكتب ~~خطابا واحدا دون أن تبدأه بكلمة (قصر ~~باليبينو) # Chiâteau Palibino ~~. # ظلت الغرفة العليا في البرج مهجورة زمنا طويلا، حتى إن درجات السلم الحاد المؤدي ~~إليها كانت يفوح برائحة عطنة، وهنا أمرت أختي بتنظيفه من الغبار وبيوت العنكبوت، وعلقت ~~على جدران الغرفة سجادا قديما وبنادق فتشت عنها في مكان ما بين سقط المتاع المهمل في ~~العلية، ثم حولتها إلى مكان لإقامتها الدائمة. # ما زلت حتى الآن أنظر فأرى قوامها الرشيق اللدن المجسم في فستانها الأبيض الملتصق بها ~~تماما، وقد تدلت ضفيرتاها الشقراوان الثقيلتان حتى بلغتا أسفل خصرها. في هذا الثوب كانت ~~تجلس وراء طارة التخريم لتنسج بالخرز على الكانفاه شعار عائلة ماتفي كوروفين، ثم تنظر عبر ~~النافذة إلى الطريق الطويل علها ترى فارسها قادما: ~~- أختي أنا، أختي أنا! هل ترين؟ هناك شخص ما قادم. ~~- لا أرى سوى أرض متربة ونجيل أخضر! # 2 # واحدة من روايات بوليفيير عن الفاتنة إديت - رقبة البجعة وعشيقها جاراليد - تركت أثرا ~~قويا على هذه الفتاة الشديدة الحماس، وأثار لديها أزمة أخلاقية عميقة. إن مشكلة الحب ~~والموت على النحو الذي في هذه الرواية الخيالية قد أصاب القارئة ابنة الستة عشر ربيعا ~~بالذهول. «السعادة في أوضح صورها، والحب في أعلى سوراته حمية ينتهيان بالموت ...» الفرسان ~~والسيدات الفاتنات أصحاب القصص الغرامية، إذا بهم يفقدون على الفور حماسهم، هدف جديد - ~~إخماد الشك الذي اندلع بداخلها بواسطة تعذيب الذات وإنكارها - تمثل في كتاب لا يبرح ~~مكتبها هو «محاكاة المسيح»، لغوما الكيمبييسكي. # زد على ذلك، أن المسرحيات المنزلية التي كشفت عن موهبة رائعة في التمثيل لدى هذه الموهبة ~~الشابة النشيطة، وليلفت انتباهها إلى مدرسة المسرح ثم إلى الانتصارات على خشبته. # وحتى هذه الموهبة لم تهدئ مما يعتمل في نفسها من جيشان سوى فترة ms12 قصيرة. # سرعان ما ظهر في بيت هذا الإقطاعي الابن الشاب لأحد قساوسة الكنيسة، الذي أنهى لتوه ~~الدراسة في الثانوية الدينية بنظامها الحديث، وبعد أن تخلى عن مستقبله الديني، التحق ~~بكلية للعلوم الطبيعية، وفي زيارة إلى أبيه في الإجازة الصيفية، إذا به يفاجئ العجوز ~~بإعلانه أن الإنسان تعود أصوله إلى القردة، وأنه لا وجود للروح، وإنما توجد ردود فعل كما ~~أثبت ذلك البروفيسور سيتشيونوف وما إلى ذلك من أفكار. # وها هي المرأة، التي كانت منذ زمن غير بعيد فارسة ثم ناسكة مسيحية وممثلة موهوبة يشار ~~إليها بالبنان، تعجب بشدة بهذا الطالب القادم من بطرسبورج، ثم إذا بها تهتم بقراءة الكتب ~~والمجلات التي كانت تثير اهتمام أترابها، وإذا بمجلات مثل «المعاصر» و«الكلمة الروسية» ~~و«الجرس» التي يصدرها جيرتسين تظهر في هذا البيت الإقطاعي الذي كان يتلقى بانتظام تلك ~~المجلات الرزينة مثل # Athenaeum # و # Revue de ~~deux Mondes # و«البشير الروسي». # كما جرى استجلاب صناديق من الكتب الجديدة مثل «فسيولوجيا الحياة» أو «تاريخ الحضارة». ~~وعندئذ اتخذ الوالدان قرارا مفاجئا؛ إرسال ابنتهما للدراسة في بطرسبورج. # في خضم هذا المزاج الجديد، وقبل أن تحصل على الموافقة على السفر، تقرر أنا فاسيليفنا ~~كروكوفسكايا أن تكرس نفسها للأدب، وترسل سرا إلى هيئة تحرير مجلة «العصر» في بطرسبورج ~~مخطوطة قصتها باسم باليبين المستعار. بعد نجاحاتها الأولى في الصحافة والصراعات العائلية ~~المضنية، تحصل الكاتبة الشابة أخيرا على السماح لها بالتعرف شخصيا على الصحفي والمعتقل ~~السابق دستويفسكي. وفي شتاء عام 1865م يتم في بطرسبورج هذا التعارف المشهود. # كان اللقاء الأول غير موفق ومتكلف، في حضور أقارب أنا فاسيليفنا المفرطين في التأدب، ~~لم يشعر الكاتب أنه على سجيته، بل شعر بالارتباك على نحو واضح. بدا عجوزا مريضا، «وراح ~~طوال الوقت يعبث في عصبية بذقنه الخفيفة الشقراء ثم يعض شاربه، زد على ذلك أن وجهه كله ~~كان يرتعش.» # على أن الزيارة التالية كانت أكثر توفيقا، عندما وجد دستويفسكي الشقيقتين وحدهما في ~~البيت، وعلى الفور توطدت العلاقة. سرعان ما أصبح الكاتب سيد البيت. كان مغرما ms13 بقوة ~~بالأخت الكبرى، كما أصبح فجأة المحبوب الأول للأخت الصغرى، المراهقة صوفيا، التي ظلت ~~محتفظة إلى الأبد بشعور الصداقة العميقة تجاه الكاتب. # انتعشت مشاعر دستويفسكي بصحبة الأختين، فراح يتحدث على نحو بالغ الجاذبية، بوضوح ~~وبهاء، عن حكاية تعرضه للإعدام، وعن نوبات الصرع التي تداهمه، وعن أفكاره الإبداعية ~~المكنونة. ذات مرة أثار الرعب في نفوس مستمعيه الشباب أثناء حديثه في وجود أم الفتاتين، ~~عندما عرض عليهن الحالة النفسية التي سيكون عليها بطله القادم ستافروجين وهو يقوم ~~بالاعتراف. # على أن دستويفسكي لم يكن يشعر أنه على طبيعته في الأمسيات الكبرى. كان دستويفسكي يرتبك، ~~يشعر بالاضطراب ويكسو وجهه الحياء، محاولا التماسك وهو وسط أصحاب المقام الرفيع ~~والأكاديميين الكبار وضباط الحرس المتألقين. إحدى هذه الأمسيات كانت علامة على نهاية ~~علاقة أنا فاسيليفنا بهذا المعجب الذي يفتقد إلى اللباقة إلى حد كبير. لقد ظهرت لدى هذه ~~الفتاة ذات الطبع الجامح الرغبة في أن تخالف دستويفسكي الرأي، الأمر الذي أثار عصبيته ~~وتعنته على نحو لم يحدث من قبل. # تحكي صوفيا كوفاليفسكايا أن قضية العدمية كانت موضوع الجدل الدائم والملح بينهما. وكان ~~الجدل بينهما في هذه القضية يظل محتدما أحيانا إلى ما بعد منتصف الليل، وكلما استمر ~~حديثهما حمي وطيس الجدل الذي يعبر فيه كل منهما عن أكثر الآراء تطرفا. # أحيانا ما كان دستويفسكي يصيح قائلا: «إن شبابنا الحالي كله غبي وغير ناضج. إن زوجا من ~~الأحذية اللامعة أفضل عندهم من بوشكين!» # تقول صوفيا بثقة إن: «بوشكين قد أصبح بالفعل قديما بالنسبة لزمننا.» وهي تعلم أن لا شيء ~~يثير جنون دستويفسكي قدر الحديث عن بوشكين دون احترام. # كان دستويفسكي عندما يشتط غضبا يأخذ قبعته ويغادر المكان، معلنا في انتصار أن الجدل مع ~~فتاة عدمية لا جدوى من ورائه، وأنه لن يأتي لزيارتنا مرة أخرى. # وهكذا اقترب الأمر من نهايته، وذات يوم قامت الأخت الصغرى صوفيا المتيمة بحب دستويفسكي ~~بحفظ «السوناتا الحماسية» لبيتهوفن، وهو العمل المفضل عند الكاتب، بينما راحت تقوم بعزف ~~هذه المقطوعة الصعبة من أجله، كان ms14 دستويفسكي يقوم في ركن غرفة الاستقبال الصغيرة بالإفصاح ~~الحاسم عن مشاعره للأخت الكبرى. # راح يقول لها في همس تشوبه الرغبة العارمة : «يمامتي أنا فاسيليفنا، افهميني، لقد أحببتك ~~منذ الدقيقة الأولى التي رأيتك فيها، بل وتنبأت بذلك من قبل عندما كنا نتبادل الرسائل. ~~لا أحبك حب الأصدقاء، وإنما أهيم بك بكل كياني ...» # لكن أنا فاسيليفنا كروكوفسكايا كانت قد حسبت لكل ما يخص مشاعرها حسابه. كانت تعلم ~~مسبقا أن من الممكن أن يقدر المرء شخصا ما تقديرا رفيعا لما يملكه من موهبة، ولا ~~تكون لديه في الوقت نفسه الرغبة في أن يتزوج منها. كان الحس الأنثوي لدى هذه الفتاة ذات ~~الثمانية عشر ربيعا يجعلها تتنبأ أن زوجة دستويفسكي ينبغي أن تكرس حياتها كلها من ~~أجله، وأن تتخلى عن حياتها الشخصية. على مدى الشهور الثلاثة من تعارفهما أدركت أن ~~دستويفسكي العنيد ذا المزاج العصبي قد سيطر على مشاعرها كلية، كما لو أنه تسلل إلى ~~كيانها، وأنه حرمها من أن تكون هي ذاتها. وهنا لم يكن أمامها إلا أن ترفض خطبة ~~دستويفسكي. # ما إن انتهى فصل الشتاء حتى غادرت عائلة كروكوفسكي مدينة بطرسبورج، وفي نهاية الخريف من ~~نفس العام تلقت أنا فاسيليفنا خبرا يفيد خطبة دستويفسكي من «فتاة رائعة، أحبها ~~ووافقت على الزواج منه». # لكن الإعجاب ب «حورية البحر» ترك أثرا لا يمحى لدى الكاتب الكبير. بعد بضع سنين، وفي ~~شهر مايو عام 1868م، يكتب دستويفسكي إلى مايكوف خطابا جاء فيه: «أعلم أن لديه (يقصد بافل ~~إيسايف ربيبه) بعض خطابات كنت قد تلقيتها في هذا العام، وهي خطابات على جانب كبير من ~~الأهمية. أحد هذه الخطابات تلقيته من صديقتي السابقة كروكوفسكايا. ليته يعيد إرساله ~~إلي هنا. هذا أمر شديد الأهمية بالنسبة لي» (الخطابات، ص187). هذه السطور القليلة التي ~~تنم عن قلق بالغ، إنما تعكس أنه على الرغم من مرور عدة سنوات والبعد مئات الكيلومترات، فإن ~~ذكريات الكاتب عن «الحورية» المسماة باليبين كانت ما تزال تعبث بمشاعره. # يحكي دستويفسكي فيما بعد لأنا جريجوريفنا قائلا: «أنا ms15 فاسيليفنا واحدة من أفضل ~~النساء اللائي قابلتهن في حياتي. كانت شديدة الذكاء، ناضجة، تمتلك ثقافة أدبية واسعة، وكان ~~لديها قلب طيب ورائع. كانت فتاة تمتلك خصالا خلقية رفيعة، على أن أفكارنا كانت على طرفي ~~نقيض، وكان من المستحيل أن تتراجع عن أفكارها، بل كانت متمسكة بها بشدة؛ ولهذا كان من ~~الأرجح ألا ينجح زواجنا. أحللتها من وعدها، وتمنيت لها مخلصا أن تقابل الرجل الذي ~~يشاركها أفكارها، وأن تجد سعادتها معه!» # بعض فتيات دستويفسكي المتكبرات المسيطرات، مثل كاترينا إيفانوفنا في «الإخوة ~~كارامازوف»، يعكسن وجها من وجوه «خطيبة دستويفسكي» صاحبة الشخصية المهيمنة. # 3 # | الفصل الثالث # واحدة من أكثر قصص الحب عاشها دستويفسكي قوة ترجع إلى مطلع الستينيات من القرن التاسع ~~عشر. أما بطلة هذه القصة وهي أبوليفاريا سوسلوفا؛ الفتاة الشابة التي تركت أثرا عميقا ~~في إبداع الروائي الروسي الكبير بعد ذلك. # يمكننا استقطاع بعض المعلومات الشخصية عن بالينا # 1 # من كتاب لوبوف دستويفسكايا (ابنة دستويفسكي الكبرى). عاشت أبوليفاريا سوسلوفا ~~في مطلع الستينيات (من القرن التاسع عشر) في بطرسبورج، حيث خالطت الشباب التقدمي. وعلى ~~الرغم من أن دستويفسكي لم يكن يشارك كثيرا في الأمسيات الأدبية للشباب، فضلا عن أنه لم ~~يكن قد حظي بهذا القدر من النجاح، الذي حظي به بعد ذلك في السبعينيات، فمن المؤكد أن ~~سوسلوفا قد تعرفت عليه في إحدى هذه الأمسيات، وعلى الرغم من أن الأراشيف الموجودة ~~لدستويفسكي لا تضم أي خطابات غرامية أرسلتها له أبوليفاريا، فإننا يمكن أن نثق في ابنة ~~الكاتب التي تؤكد أن دستويفسكي قد تلقى بالفعل خطابا من هذا النوع كان له أثر عميق على ~~أبيها بفضل نبرته المخلصة وما فيه من شاعرية. # يبدو أن الفتاة الشابة وقد بهرتها عبقرية الفنان العظيم، راحت تعبر له عن إعجابها به، ~~وقد استجاب دستويفسكي لهذا الشعور الملتهب الذي بثته فتاة في شرخ الصبا. # على أية حال لا يخامرنا أي شك في أن قصة الحب بينهما قد بلغت ذروتها في عام 1863م. في ~~صيف هذا العام يسافر دستويفسكي بصحبة ms16 سوسلوفا إلى الخارج. وفي خطاباته إلى إخوته يتحدث ~~بصراحة تامة عن السعادة في السفر مع كائن تحبه. والحقيقة فإن شكوكه المعتادة وميله إلى ~~العبوس، والأهم خسائره الفادحة على مائدة القمار، قد عكرت صفو هذه الرحلة التي قام بها ~~عبر أوروبا بصحبة محبوبته الشابة. ~~«مغامرات عديدة متنوعة، لكنها رديئة إلى حد مخيف على الرغم من وجود أبوليفاريا سوسلوفا. ~~من الصعب أن يشعر المرء هنا بالسعادة؛ لأنك انفصلت عن الجميع، عن الذين ما زلت حتى الآن ~~تحبهم، والذين تعذبت مرارا بسببهم، وحتى لو هجرت السعادة كلها، وهجرتك حتى تلك الأشياء ~~التي يمكن أن تكون مفيدة، فإن الأنانية تظل هي الفكرة التي تكرر سعادتي (إن كانت هناك ~~سعادة بالفعل)». # 2 # إن رفيقة سفر دستويفسكي تعاني من الخسارة، ترهن خاتمها، تعاني معه من رعب الإفلاس ~~المفاجئ، عندما يحين موعد الارتجاف عن سداد مستحقات الفندق. تعكس رواية «المقامر» بشكل ~~مرتب تاريخ علاقة دستويفسكي وسوسلوفا، وما تضمنته من العديد من المشاهد ~~الغرامية. # لم تكن علاقات دستويفسكي سوسلوفا متكافئة؛ كانا يتخاصمان ثم يعودان، تنتابهما سورات من ~~الهوس الجامح الذي بدا أنه لا ينطفئ. لم ينقطعا عن تبادل الرسائل من حين لآخر حتى بعد ~~الزواج الثاني لدستويفسكي. # 3 # في الثالث والعشرين من أبريل (الخامس من مايو بالتقويم القديم) من عام 1867م؛ أي بعد ~~شهرين من زواجه بأنا جريجوريفنا، في الأسبوع الثاني من رحلة زواجهما، يرسل دستويفسكي من ~~درزدن إلى سوسلوفا خطابا يخبرها فيه تفصيلا عن التحول الكبير في حياته. وبنبرة ملؤها ~~الحنان والصراحة، يكتب كلمات يكشف فيها عن شخصية مراسلته: «لقد ترك خطابك لي انطباعا ~~حزينا في نفسي. تقولين إنك حزينة للغاية. لا أعرف عن حياتك في العام الأخير شيئا، كما لا ~~أعرف كذلك عن أحوالك العاطفية أي شيء، ولكن استنادا إلى معرفتي التامة بك، فإن من الصعب أن ~~تعرفي معنى السعادة. أواه يا عزيزتي! لست أدعوك إلى أن تأخذي طريق السعادة الرخيصة ~~الضرورية. إنني أحترمك (وكان هذا شعوري دائما) لما تتحلين به من عزيمة وإصرار، لكنني ~~أعرف ms17 أن قلبك لا يستطيع إلا أن يسعى للحياة، وأنت نفسك تعتبرين الناس إما متألقين دوما، ~~وإما أنهم على الفور أوغاد سفلة. إنني أصدر حكمي هنا بناء على حقائق، وعليك أن تصلي ~~إلى النتائج بنفسك. إلى اللقاء أيها الصديق دوما.» # يتضح لنا من يوميات أنا جريجوريفنا التي سجلتها ~~في درزدن أن مراسلات دستويفسكي مع سوسلوفا، والتي كانت تتسم بالحيوية، أصابتها بالغم ~~والكدر. لقد تركت خطابات باليفا لديها انطباعا صادما. ها هي أنا جريجوريفنا تصف قراءة ~~دستويفسكي لخطاب من خطابات سوسلوفا أرسلته من درزدن في الخامس عشر من مايو: «كنت أراقب طول ~~الوقت تعبيرات وجهه عندما كان يقرأ هذا الخطاب الشهير. لقد راح يعيد قراءة الصفحة الأولى ~~المرة تلو الأخرى، كما لو كان في حالة لا يستطيع معها أن يفهم ما يقرؤه، ثم في النهاية ~~أتم قراءة الخطاب لتكسو وجهه كله حمرة شديدة، وقد خيل لي أن يديه كانتا ترتجفان. ~~تظاهرت بأنني لا أعرف عن الخطاب شيئا، وسألته: ماذا كتبت سونيتشكا؟ # 4 # فأجاب أن الخطاب ليس من سونيتشكا، وبدت على وجهه ابتسامة تشوبها المرارة. ~~ابتسامة لم أرها على وجهه إطلاقا من قبل. كانت إما ابتسامة احتقار أو أسى. الحقيقة لا ~~أعرف، لكنها ابتسامة ذاهلة أسيانة على نحو ما. ثم بدا لي مرتبكا على نحو شديد وكأنه لم ~~يفهم عما أتحدث.» # سوسلوفا. # لا بد أن ندرك أن أبوليفاريا سوسلوفا كانت محط رغبات دستويفسكي الجامحة. امرأة متطرفة، ~~تندفع بمشاعرها إلى منتهاها لتصل إلى الذروة النفسية والمعيشية. لقد أظهرت طوال حياتها هذا ~~«الإصرار» الذي يدل على طبيعة شهوانية شديدة الولع؛ طبيعة نهمة إلى المشاعر الحسية. إن ~~ميلها لتقسيم الناس إلى قديسين وأوغاد أمر مميز لولعها الحسي الدائم وتفانيها، وكما يبدو ~~لكونها كانت كائنا جهنميا بحق. إن لديها قلبا يتوق إلى المظاهر النبيلة، للتعاطف ~~والطيبة (دموعها على شقيق دستويفسكي المريض)، وهذا القلب نفسه ليس أقل نزوعا نحو النزوات ~~الحسية الخرقاء واضطهاد الآخرين، بل وحتى الانتقام منهم. هذه الصفات بكل تأكيد تكشفت بفضل ~~شهادة ف. ف. روزانوف، ms18 الذي تزوج من عشيقة دستويفسكي السابقة في نفس عام وفاته. # إن روزانوف، وقد أصبح زوجا لها، يكشف بوضوح تام عن شخصية سوسلوفا بكل سماتها العاصفة ~~والحادة. ينبغي فقط أن نضع في اعتبارنا أن الحديث يدور هنا عن امرأة لم تعد في شرخ شبابها ~~(في مطلع الثمانينيات كانت أبوليفاريا سوسلوفا قد تخطت الأربعين)، وأن شهادة روزانوف يمكن ~~أن تكون منحازة إلى الجانب الرديء فيها. ومع ذلك فإن هذه الشهادة تكتسب أهمية لا شك فيها ~~من الناحية الفعلية، وهي تتفق في الكثير من جوانبها مع شهادات أشخاص آخرين. # يتحدث روزانوف عن سوسلوفا قائلا: «تزوجت منها وأنا في الفصل الثالث من الجامعة، ~~هجرتني لتقع في غرام شاب يهودي بعد ست سنوات من حياتنا معا لتعيش في نيجني، في بيتها ~~هناك.» فيما بعد وفي وثيقة قدمها روزانوف لإدارة السينود بشأن حياته العائلية، يتحدث ~~فيها عن زوجته الأولى (متحدثا عن نفسه بضمير الغائب) فيقول: «أبوليفاريا، اسم العائلة ~~سوسلوفا، روزانوف بعد الزواج، هجرت زوجها ف. ف روزانوف في عام 1886م بحجة أن زوجها - خلافا ~~لما بذله لها من وعد - يلتقي بشاب يهودي يدعى جولدوفسكي، وهو الشخص الذي يدير توزيع كتبه ~~على المكتبات، وقد وقعت (أبوليفاريا) في غرام هذا الجولدوفسكي، ثم لم تجد منه تعاطفا ~~تجاهها. وعلى نحو لم يسمع به من قبل، راحت تلاحقه، وبواسطة خلافات لا يمكن وصفها دفعت ~~زوجها ليقطع كل صلة به. وجولدوفسكي شاب ينتمي لعائلة يهودية محترمة، دعته سوسلوفا نفسها ~~لاستضافته صيفا لدى آل روزانوف. عموما كانت هذه إحدى نزوات سوسلوفا البشعة من ناحية ~~سخافتها.» # كان لهذا الانفصال أثره المؤلم على روزانوف. يكتب روزانوف في أحد خطاباته قائلا: «أذكر ~~عندما هجرتني سوسلوفا أنني انخرطت في البكاء، وأنني ظللت لمدة شهرين لا أعرف مكانا أذهب ~~إليه، ولا أعرف فيما أنفق كل ساعة من الوقت الذي يمر بي.» # ثم يتحدث روزانوف بعد ذلك عن نزوات زوجته ورغبتها في الانفصال عنه، وهو ما رفضه ~~بحسم. # قبل ذلك، عندما انتقل روزانوف من عمله في بريانسك إلى ms19 يليتس، دعا زوجته للعيش معه آملا ~~أن تسير الحياة في مكان جديد، ووسط أناس جدد وظروف مختلفة على نحو أفضل، لكنها رفضت وعلى ~~نحو قاس بأسلوب فظ، وأجابته بقولها: «آلاف الأزواج يعيشون في نفس وضعك (أي هجرتهن ~~زوجاتهن)، ومع ذلك فهم لا ينبحون. الناس ليسوا كلابا.» وحتى أبوها، الذي خاطبه روزانوف ~~راجيا أن يؤثر في ابنته وأن يحثها على العودة إلى زوجها، أجابه قائلا: «عدو الجنس ~~البشري يسكن في بيتي الآن، وقد أصبح من المستحيل علي أنا نفسي أن أعيش فيه.» ظلت ~~سوسلوفا تشك دائما أن هذا العجوز الذي تخطى السبعين من العمر سوف يتزوج، ومن ثم راحت ~~تشهر به أمام أصدقائه ومعارفها.» # في عام 1897م وافق روزانوف على الطلاق من سوسلوفا، لكن حياة روزانوف العائلية ظلت ~~مثقلة بالهموم بسبب رفض سوسلوفا الطلاق. أبلغني أحد أصدقاء روزانوف أن الكاتب الراحل أوفده ~~في عام 1902م إلى سيفاستوبول؛ حيث كانت أبوليفاريا سوسلوفا تعيش آنذاك، لينتزع منها ~~الموافقة الضرورية. كانت سوسلوفا قد بلغت آنذاك حوالي الستين من العمر. كانت تعيش وحيدة في ~~بيتها الخاص (الذي اشتهر باسم «بيت أبوليفاريا روزانوف»). كان بيتها يثير الدهشة بنظافته ~~وأناقته، ويخلق انطباعا بأن صاحبته امرأة عملية ذات شخصية حازمة. # وفي حديثها مع مندوب زوجها أبدت صلابة وإصرارا لا يلين. ولم تستطع أي حجج أن تثنيها عن ~~إرادتها. تحدثت عن روزانوف بحقد بالغ. وعلى الرغم من إلحاح مبعوث زوجها، فقد رفضت أي شكل ~~من أشكال التنازل على نحو قاطع. ووفقا لما ذكره لي صاحب الحديث مع سوسلوفا، فمن الواضح ~~أنه ظل يتذكر بكثير من العذاب هذه المباحثات التي دارت بينه وبين أبوليفاريا سوسلوفا ~~الحديدية. # هناك وثيقة شديدة الأهمية بالنسبة لتوصيف سوسلوفا أخبرني بها أيضا أ. س. فولجسكي. كان ~~فولجسكي باحثا في أعمال دستويفسكي، وكان على معرفة شخصية بروزانوف. وقد توجه هذا الباحث ~~إلى روزانوف بسؤال عن زوجته الأولى، وقد رد روزانوف عليه بخطاب يتضمن تصويرا رائعا ~~لطبيعة هذه المرأة المتفردة. # 5 # التقيت بسوسليخا، # 6 # للمرة الأولى في منزل ms20 تلميذتي أ. م شيوجلوفا (كنت أبلغ من العمر سبعة عشر ~~عاما، وكانت شيوجلوفا تبلغ العشرين، أما سوسلوفا فكانت في الثلاثين من عمرها). كانت ~~ترتدي ثوبا أسود اللون دون ياقات أو أكمام (حدادا على أخيها). كان وجهها يحتفظ بآثار ~~جمال غابر «رائع». كانت روسية مناصرة للملكية. كانت تترقب انتصار البوربون في فرنسا (حيث ~~تركت فيها أفضل أصدقائها، أما في روسيا فلم يكن لها فيها أي أصدقاء)، وفي روسيا لم تحب ~~سوى التقاليد الأرستقراطية. # وبنظرة امرأة لعوب خبيرة، أدركت أنها تركت أثرا صادما في نفسي، فراحت تتحدث ببرود ~~وهدوء. إنها باختصار يكاترينا ميديتشي. كانت تشبهها تماما. امرأة بمقدورها ارتكاب جريمة ~~دون مبالاة، أن تقتل بدم بارد، وربما تطلق النار على الهوجينون (الكاثوليكيين الفرنسيين) في ~~ليلة القديس بارتولومي # 7 # وبكل حماس. # عموما فقد كانت سوسلوفا امرأة عظيمة بالفعل. أعرف أن الناس (ومنهم صديقة لها تدعى ~~أنا أوسيبوفناج، كانت تكبرها بخمسة عشر عاما) كانوا مفتونين بها، أسرى لشخصيتها. لم أر ~~روسية مثلها. كانت من وجهة روحها روسية تماما، منشقة دينية أو ربما أفضل من ذلك، السيدة ~~العذراء لجماعة الخليستيين الذين كانوا يؤمنون في القرن السابع عشر بالتوحد مع الروح ~~القدس. # وبمناسبة الحديث عن سوسلوفا يتذكر روزانوف إحدى الشخصيات من رواية «المذلون ~~والمهانون»، تلك الأميرة التي يحكي عنها الأمير فالكوفسكي لإيفان بتروفيتش. تقول عنها ~~الرواية: «حسناء من الطراز الأول. يا له من صدر، يا له من قوام، يا لها من مشية! كانت ~~نظرتها حادة ثاقبة مثل أنثى نسر، وإنما مليئتان بالقسوة دائما وبالحذر. كانت تتصرف ~~بوقار ومنعة وبكبرياء كامرأة صعبة المنال. كانت مشهورة بسلوكها البارد مثل الشتاء القارس، ~~وكانت تبث الخوف في قلوب الجميع بفضيلتها الرهيبة التي لا سبيل إليها. كانت تنظر للجميع ~~نظرة خالية من أي رغبة، مثل راهبة في كنيسة من العصور الوسطى ... ما الذي يمكن قوله ~~عنها؟ # لم تكن هناك امرأة أكثر عهرا من هذه المرأة ... كانت فتاتي شهوانية إلى حد أن الماركيز ~~دي ساد كان يمكنه التعلم منها ... كانت الشيطان نفسه ms21 مجسدا، ولكنه شيطان جذاب، شديد ~~الجاذبية، لا يمكنك التغلب عليه، وهلم جرا.» # هذا المقطع في رأي روزانوف كان من الممكن أن يمثل شخصية سوسلوفا أفضل تمثيل، على الرغم ~~من أنه لا يمت إليها بصلة. لقد كتب دستويفسكي رواية «المذلون والمهانون» قبل أن يلتقي ~~ببالينا، لكن إشارة روزانوف ذات أهمية كبرى لفهم شخصية سوسلوفا. # روزانوف يقارن هنا بينها وبين بطلات دستويفسكي الأخريات، وهي مقارنة يمكن أن تكون واقعية ~~تماما. ~~«إن دونيا، شقيقة راسكولنيكوفا تشبهها تماما وكذلك أجلايا، # 8 # إلا أنها لا تشبه جروشينكا # 9 # في شيء، أبدا، أبدا، أبدا. جروشينكا امرأة روسية، بذيئة، أما سوسليخا فلم ~~تكن بذيئة ولا فظة ...» ~~«لقد عاشت مع دستويفسكي. ~~- لماذا انفصلت أبوليفاريا سوسلوفا عن دستويفسكي؟ ~~- لأنه لم يرغب في تطليق زوجته المسلولة إلى أن تموت. ~~- لكنها ماتت؟ ~~- نعم، ماتت. بعد نصف عام، ماتت، لكنني هجرته. ~~- ولماذا هجرته؟ ~~- لأنه لم يرغب أن يطلقها، أصمت. لقد سلمت نفسي لحبه، دون أن أسأل، دون حسابات، وكان ~~عليه أن يفعل مثلما فعلت، لكنه لم يفعل، ومن ثم فقد هجرته. # كان هذا أسلوبها، مثل هذا الحديث وقع لي معها حرفيا تقريبا. نفس الأفكار وفي جميع ~~الأحوال.» # يؤكد روزانوف أن سوسلوفا لم تكن شديدة الذكاء، لكنها تميزت بجاذبية منقطعة النظير ~~تماما. نوع من الأنوثة الطاغية الآسرة، لكنها على ما يبدو، ظلت «معذبة» حتى في شهواتها، ~~حيث أظهرت فيها أيضا قدرا من الخروج على المعايير، لتسير في منعطفات خاطئة نتيجة طبيعتها ~~المركبة من شظايا حطام. بعد مرور ثلاثين عاما لا يستطيع روزانوف أن يتذكر فتنة هذه ~~المرأة الغربية دون أن ينتابه اضطراب عميق وشيء ما من الإعجاب الحاد، هذه المرأة التي هي ~~ليست «يكاترينا ميديتشي»، ولا «السيدة العذراء». # إن خطاب روزانوف يلقي بمزيد من الضوء على طابع هذه العلاقة الغرامية المعقدة التي عاشها ~~دستويفسكي. إن شخصية سوسلوفا قد كشفت له عن عدد من الجوانب الخفية في الطبائع الغائرة ~~«للفتيات المتكبرات» أو «النساء الجهنميات»؛ ففي جميع رواياته التي كتبها في فترة النضج نجد ~~أمامنا ms22 هذا النموذج النسائي الجديد، الذي أخذ في الصعود نحو شخصية رفيقته المتسلطة الآسرة ~~إبان رحلته التي قام بها في عام 1863م. # 10 # | الفصل الرابع # وأخيرا تظهر في طريق دستويفسكي المرأة التي كانت على استعداد أن تضع مصيرها كله؛ ~~عواطفها الحية ، وأن تذيب شخصيتها كاملة دون نقصان في وسط أفكاره وطموحاته ومصالحه. كان ~~اليوم الأول للقاء دستويفسكي مع هذه التي كانوا يسمونها قبل تعارفهما نيتوتشكا نيزفانوفا، # 1 # هو الرابع من أكتوبر عام 1866م، اليوم الذي فتح عصرا جديدا في تاريخ ~~حياته. # إن تاريخ ظهور الحب الأخير لدستويفسكي يتميز بالمفاجأة والسرعة. لقد ألزم العقد الصارم ~~الذي وقعه دستويفسكي مع ستيلوفسكي، ألزم الكاتب بتسليم روايته الجديدة، والتي تقع فيما لا ~~يقل عن عشر ملازم بحلول الأول من نوفمبر لطبعها تحت تهديد توقيع غرامة ثقيلة. يكشف لنا ~~الخطاب التالي تفصيلا الاضطراب العملي في حياة دستويفسكي في هذه الفترة، والخطاب مؤرخ ~~الثامن من مايو عام 1871: ~~«لقد اشترى ستيلوفسكي مني مؤلفاتي في صيف عام 65 على النحو التالي؛ بعد وفاة أخي ~~في عام 64 تحملت عنه الكثير من ديونه، وقد استخدمت أموالي الخاصة، وهي عشرة آلاف ~~روبل (حصلت عليها من عمتي) في مواصلة إصدار مجلة «العصر»، مجلة أخي، لصالح عائلته، ~~دون أن يكون لي أي حصة فيها، وحتى دون أن يكون لي الحق في وضع اسمي على غلاف ~~(ترويسة) المجلة باعتباري محررا. # لكن المجلة أفلست، واضطررت لتركه، ثم واصلت بعد ذلك سداد ديون أخي وديون المجلة ~~قدر استطاعتي. لقد أعطيت كمبيالات كثيرة لديميس وحده بالمناسبة (الآن بعد وفاة ~~أخي). لقد جاء هذا المدعو ديميس إلي ورجاني أن أعيد توقيع كمبيالات أخي باسمي ~~(كان ديميس هذا هو الذي يبيع الورق لأخي)، ووعدني أنه سوف ينتظر ما شاء لي ~~الانتظار، وقد فعلت ذلك بحماقة بالغة. # وفي صيف عام 65 بدأ الجميع بملاحقتي بشأن كمبيالات ديميس وغيره (لا أذكر من)، ~~ومن جانب آخر أظهر جافريلوفا عامل المطبعة أيضا كمبيالة لديه قيمتها ألف روبل، ~~كنت قد أعطيتها له؛ لاحتياجي للمال ms23 حتى تستمر المجلة التي لا أملكها في العمل. لم ~~يكن باستطاعتي أن أثبت قانونا عدم مسئوليتي عن الكثير من الكمبيالات، لكنني كنت ~~أعلم علم اليقين (وخاصة فيما يخص كمبيالات ديميس) أن الأمر قد تم بتدبير من ~~ستيلوفسكي، الذي ألب علي جافريلوف أيضا آنذاك. وفي الوقت نفسه إذا به يرسل ~~إلي فجأة عرضا؛ أن أبيع له رواياتي مقابل ثلاثة آلاف روبل، بالإضافة إلى كتابة ~~رواية خاصة بأكثر الشروط إهانة وتعجيزا. ولو أنني انتظرت لتسلمت من باعة الكتب ~~ضعف هذا المبلغ مقابل طبع الرواية على أقل تقدير، ولو أنني انتظرت عاما آخر لحصلت ~~على ثلاثة أضعاف المبلغ؛ أي سبعة آلاف روبل، مقابل بيع الطبعة الثانية من «الجريمة ~~والعقاب» أسدد بها ديون المجلة وبازونوف وبارتس ومورد الورق. # ملحوظة: على هذا النحو أكون قد أنفقت على مجلة أخي وديونها اثنين وعشرين أو ~~أربعة وعشرين ألفا؛ أي أنني أضعت جهودي كلها وأصبحت فوق ذلك الآن مدينا بخمسة ~~آلاف روبل. # لقد أعطاني ستيلوفسكي آنذاك مهلة قدرها عشرة أو اثنا عشر يوما للتفكير، وهذه ~~المهلة هي في الواقع مدة الجرد والاعتقال بسبب الديون ... طوال هذه الأيام العشرة ~~طرقت كل الأبواب لكي أحصل على أموال أسدد بها الكمبيالات حتى أتجنب بيع ~~مؤلفاتي لستيلوفسكي (ذهبت جهود دستويفسكي كلها أدراج الرياح). عندئذ وافقت، ~~ووقعنا هذا العقد، الذي بين أيديكم نسخة منه. # 2 # سويت ديوني مع ديميس ومع جافريلوف وآخرين، أما الخمسة والثلاثون ~~ألف روبل المتبقية فقد سافرت بها إلى الخارج. # عدت في أكتوبر ومعي الأجزاء الأولى من رواية «الجريمة والعقاب» التي بدأت في ~~كتابتها في الخارج، ثم قمت بالاتصال بمجلة «البشير الروسي» التي تسلمت منها ~~مقدما بضعة ... # بذلت كل ما في وسعي لإنهائها قبيل الأول من نوفمبر عام 66، وقد نجحت في ذلك (لو ~~لم أسلمها في الموعد لكان قد التهمني)». # على الرغم من العقد المرعب، فقد ظل دستويفسكي يعمل طوال عام 1865م على إنجاز روايته ~~«الجريمة والعقاب»، ولم يكن لديه سطر واحد مكتوب منها حتى الأول من أكتوبر؛ أي قبل ms24 موعد ~~تسليم الرواية إلى ستيلوفسكي بشهر واحد. # هرع أصدقاء الكاتب لمساعدته، وعندما رفض بحزم اقتراحهم بأن يتولوا كتابة العمل سويا ~~بأن يقسموا فصوله عليهم، فقد أشاروا عليه إلى المخرج الوحيد من المأزق الذي هو فيه؛ إذا كان ~~من المستحيل عمليا كتابة رواية من عشر ملازم خلال شهر واحد، فربما يصبح بالإمكان ~~إملاؤها. # أنا جريجوريفنا. # تشبث دستويفسكي بهذا الاقتراح، وسرعان ما ظهرت لديه - بتوصية من أصدقائه - أفضل تلميذة ~~في فصول الاختزال؛ أنا جريجوريفنا سنيتكينا. # كان الانطباع الأول الذي تولد لدى دستويفسكي تجاه أنا جريجوريفنا مؤلما على نحو لا ~~يمكن تصديقه. تتذكر أنا بعد خمسين عاما (في شتاء عام 1917م) لقاءها الأول مع زوج ~~المستقبل بشعور بالعذاب لا ينسى: ~~«لا يمكن لأي كلمات أن تعبر عن هذا الانطباع الثقيل المؤسف الذي تركه في نفسي فيودور ~~ميخايلوفيتش لدى لقائنا الأول. بدا لي حائرا، مهموما بشدة، عاجزا، وحيدا، مضطربا، ~~مريضا، وأنه يعاني وطأة البؤس، وأنه لا يرى وجهك، وليس بمقدوره أن يقيم معك حوارا ... ~~والحقيقة أن هذا الانطباع قد زال عني في اللقاءات التالية ...» # لم تضم أنا جريجوريفنا هذه الكلمات في «مذكراتها»، وإنما وردت في واحدة من مذكراتها ~~الأولى المؤرخة 26 مايو 1883م، وقد تحدثت هنا بصراحة مطلقة: «أود أن أذكر انطباعا ~~واحدا: لا يوجد أحد في هذا العالم، من قبل أو من بعد، ترك في نفسي مثل هذا الانطباع ~~الثقيل، الانطباع الخانق في الحقيقة، مثل الذي تركه علي فيودور ميخايلوفيتش في لقائنا ~~الأول. لقد رأيت أمام عيني إنسانا تعيسا، مقتولا، معذبا. كانت ملامحه تشي بأنه ~~إنسان فقد لتوه اليوم أو بالأمس شخصا عزيزا على قلبه، وأن مصيبة ما مؤلمة حلت به. ~~عندما تركت فيودور ميخايلوفيتش، تبدد مزاجي الوردي السعيد مثلما يتبدد الدخان. انقشع ~~قوس قزح أحلامي، وانتابني حزن وكدر شديدان، ورحت أسير في الطرقات وقد غشيني إحساس ما ~~مبهم.» # ومن المشاهد المميزة لخبرة الإملاء الأولى: طلب مني الجلوس إلى مكتبه، وراح يقرأ بضعة ~~سطور من «البشير الروسي». لم أتمكن من الكتابة، ونبهته إلى ms25 أنني لا أستطيع أن أتابعه، ~~وأنه عند الحديث أو الإملاء لا يتحدثون بمثل هذه السرعة. راح يقرأ ببطء أكثر، ثم طلب مني ~~أن أترجم ما كتبته اختزالا إلى الحديث العادي. كان يتعجلني طوال الوقت قائلا: «أخ، ~~وقت طويل، هل يستغرق الأمر كل هذا الوقت للكتابة؟» # أسرعت، ولكنني لم أضع نقاطا بين عبارتين، على الرغم من أن الجملة التالية كانت تبدأ ~~بحرف كبير، وكان من الواضح أنني أسقطت نقطة فقط. استاء فيودور ميخايلوفيتش بشدة بسبب إسقاط ~~النقطة، وكرر عدة مرات عبارة: «هل هذا ممكن؟» # بعد انتهاء الكتابة المسائية في اليوم الأول لم يتبدل انطباعي. «عدت إلى البيت تحت ~~تأثير نفس الانطباع الثقيل. كنت آسفة على آمالي التي انهارت، ~~وكنت مشفقة على هذا الإنسان الغريب، التعيس وغير ~~المفهوم بالنسبة لي. أمطرتني أمي، التي كانت تنتظرني على أحر من الجمر، بالأسئلة، ولكنني ~~اكتفيت بأن أجيبها بقولي: أخ، ماما، لا تسأليني عن دستويفسكي ...» # لكننا، وفي «مذكرات» أنا جريجوريفنا أيضا، يمكننا على نحو واضح أن نتلمس هذا ~~الانطباع الحزين وقد تسلل بين السطور. # أما البيت الذي عاش فيه دستويفسكي فكان يذكرها بهذا المسكن القبيح الذي عاش فيه ~~راسكولنيكوف؛ بيت من بيوت بطرسبورج المؤجرة من منتصف القرن يضم عددا كبيرا من الشقق التي ~~يسكنها تجار وحرفيون. في الشقة رقم 13 عاش دستويفسكي. كانت غرفة مكتبه يسودها الظلام ~~والصمت: «... كان المرء يشعر هنا بنوع من الكآبة والانقباض من جراء الضجيج والسكون ...» ~~«للوهلة الأولى بدا لي دستويفسكي رجلا تقدم به العمر كثيرا، ولكن ما إن بدأ في الحديث ~~حتى أصبح أصغر عمرا، ورأيت أنه من المرجح أن يكون قد تجاوز الخامسة والثلاثين أو السابعة ~~والثلاثين. كان متوسط الطول، منتصب القامة للغاية، شعره كستنائي فاتح، حتى إنه يميل قليلا ~~للحمرة، مدهون بدهان عطري وقد صفف بعناية، لكن ما أدهشني فيه هو عيناه؛ كانتا مختلفتين؛ ~~فإحداهما بنية اللون، والأخرى متسعة الحدقة بحيث لا تكاد القزحية أن ترى. أضفت هذه ~~الازدواجية على نظرة دستويفسكي شيئا من الغموض في التعبير. بدا لي ms26 وجه دستويفسكي الشاحب ~~مألوفا للغاية، ولعل مرجع ذلك أنني شاهدت صورا له من قبل. كان يرتدي معطفا قديما للغاية ~~من الجوخ الأزرق، ولكن قميصه كان ناصع البياض ...» # بدأ العمل اليومي في اختزال رواية «روليتنبورج»، التي تغير اسمها فيما بعد إلى ~~«المقامر»، من الثانية عشرة صباحا وحتى الرابعة بعد الظهر، وذلك على مدى شهر بأكمله ~~تقريبا. من الرابع وحتى التاسع والعشرين من أكتوبر، تمت كتابة واحدة من أكثر أعمال ~~الكاتب روعة فنية، ومن صوته الحي مباشرة. أما الأمر الذي فاق التوقع؛ فقد تمثل في سرعة ~~إيقاع العمل ليعكس على نحو مثمر للغاية تماسك البناء الفني العام للرواية، ويضفي عليها ~~توترا شديدا واندفاعا جذابا. تقع الرواية في عشر ملازم كتبت في ستة وعشرين ~~يوما. # في الثلاثين من أكتوبر، يسلم دستويفسكي مخطوطة ~~«المقامر» إلى ناشره. وبفضل هذا التوتر الإبداعي الفريد استطاع دستويفسكي أن يتجنب خطورة ~~«الغرامات البشعة»، فضلا عن ذلك فقد تفادى دستويفسكي تهديدا آخر كان يعذبه طوال الوقت؛ ~~مستقبله وحيدا، وخطورة أن تطول حياته الشاقة باعتباره كادحا مريضا دون أن يجد العزاء مع ~~إنسان يحمل له مشاعر الحب. إن دستويفسكي الذي دخل عقده الخامس قد وجه كل رصيده الضخم من ~~الحنان الذي ادخره طوال هذه السنين إلى موظفته ذات العشرين ربيعا. # إبان حمية العمل أخبر دستويفسكي كاتبته ذات مرة أنه يقف الآن عند مفترق الطرق، وأنه ~~أمام اختيارات ثلاثة؛ إما أن يذهب إلى الشرق، القسطنطينية أو أورشليم، وأن يبقى هناك إلى ~~الأبد. أو أن يذهب إلى الخارج ليلعب القمار وينغمس في هذا الولع بكل جوانحه. أو، أخيرا أن ~~يتزوج للمرة الثانية ويبحث عن السعادة والسرور في الحياة العائلية. ما هي إلا أيام معدودة ~~بعد انتهاء الكتابة، وإذا بدستويفسكي يروح يقص في الثامن من نوفمبر على أنا جريجوريفنا ~~قصة حياته في شكل رواية اختلقها ليطلب يدها في خاتمتها. بعد مرور ثلاثة أشهر، وفي الخامس ~~عشر من فبراير عام 1867م، يتزوجان، وفي ربيع العام نفسه، وبسبب الظروف المنزلية المرتبكة ~~وتهديد الدائنين، يسافر الزوجان معا ms27 إلى الخارج. # يسجل دستويفسكي المرحلة الأولى من هذه العلاقة الغرامية في خطاباته. إنها ليست كراسات ~~(يوميات)، مثل تلك التي كان يرسلها في الخمسينيات إلى ماريا ديمترييفنا إيسايفا، وإنما هي ~~مذكرات تميزت بنبرة الخطابات الثلاثة الأولى التي كتبها دستويفسكي إلى زوجة المستقبل، ~~تمثل دون أدنى شك نوعا فريدا في المراسلات الغرامية في كل العصور. إنها تفسر لنا ~~الانطباع المضني الذي اكتنف أنا جريجوريفنا من أثر لقائها الأول بالكاتب. كم كانت بائسة ~~حزينة إلى ما لا نهاية هذه السطور الأولى التي كتبها هذا الكاتب الكهل إلى هذه الفتاة ~~الغضة، التي وافقت أن تصبح رفيقة حياته. ترى ما الذي كتبه دستويفسكي في خطابه القصير ~~الأول؟ وماذا لو عرفنا أنه كتبه لأنا جريجوريفنا في نفس يوم عيد ميلادها؟ يا لها من ~~تهنئة! دستويفسكي يتحدث في خطابه عن مرضه، عن ضعفه، عن أعماله، عن ضرورة لقائه بالناشر، ~~عن عمله المضني الشاق، عن جلوسه إلى المائدة وحيدا ... فقط عندما يقترب الخطاب الحزين من ~~نهايته إذا به يخط سطرين ثلاثة يرسل لها فيها تحياته بنبرة ودودة. تبدي أنا ~~جريجوريفنا ملاحظة مثيرة على الخطاب الأول الذي أرسله لها زوج المستقبل: «كان التاسع من ~~ديسمبر يوم ميلادي، وكذلك ميلاد أمي أ. ن. سنيتكينا. كان من المعتاد أن يجتمع لدينا في هذا ~~اليوم أقاربنا ومعارفنا. ألححت في دعوة فيودور ميخايلوفيتش لحضور مأدبة الغداء في هذا ~~اليوم. # كان من الصعب عليه الحضور بسبب الضعف الذي أصابه بعد نوبة الصرع التي داهمته منذ فترة ~~قريبة، والتي لم تكن آثارها قد زالت بعد. كما كان من المرهق له أن يلتقي لدينا بمجتمع لا ~~يعرفه بعد؛ فمثل هذه اللقاءات، وهو في حالته المرضية هذه، كانت تمثل عبئا مضاعفا عليه، ~~ومن ثم فقد فضل فيودور ميخايلوفيتش عدم الحضور، وكلف ربيبه بافل ألكسندروفيتش إيسايف ~~بالحضور وتهنئة صاحبتي بعيد الميلاد. وقد حمل إلي هذا الخطاب وسوارا ذهبيا هو أول هدية ~~أتلقاها من فيودور ميخايلوفيتش.» # لقد تبين لي أن دستويفسكي، إلى جانب المرض ~~والوساوس والأوضاع الصعبة التي كانت ms28 تحيط عمله ومشقة العمل ذاته، كان يعاني أيضا من نوبات ~~النفور من الناس. وإذا كان ثمة فتاة شابة تتطلع بأمل وحماس إلى مستقبلها، فليس هناك شك في ~~أن صاحبة عيد الميلاد الأكبر سنا قد قضت يوم التاسع من ديسمبر 1866م في رعب وخوف على مصير ~~ابنتها. # ما هي إلا أسابيع ثلاثة مضت حتى تلقت أنا من موسكو، حيث سافر دستويفسكي ليحصل على ~~نقود للزفاف المرتقب، الخطاب الثاني. على مدى صفحتين يتحدث دستويفسكي ثلاث مرات تفصيلا ~~وبتنويعات مختلفة عن آلام أسنانه التي عذبته طوال الرحلة، ثم يأتي على ذكر «مذكرات من ~~العالم السفلي» على نحو عابر. ها هو يبدأ خطابه بوصف متذمر للرحلة نفسها: «عربات النوم ~~فظيعة؛ رطوبة، برد، كتمة إلى حد البشاعة ...» وفي نهاية الخطاب يقدم خلاصة لحالته النفسية: ~~«حزن، قلق، إنهاك ...» ومن جديد نجد كلمتين ثلاثا تائهة وسط هذه الشكايات والهواجس يحيي ~~بها فتاته. # دستويفسكي يكتب الخطاب الثالث فقط إلى خطيبته بنبرة كلها حيوية وسرور. لقد كان ذلك بتأثير ~~النجاح الكبير الذي أحرزه عند كاتكوف، الذي أعطاه المال الضروري ليدبر به أموره ~~الشخصية. # إن النبرة التي سادها التجهم بشكل عام، والتي كتب بها العريس دستويفسكي خطاباته، لم تكن ~~سوى مقدمة لكل مراسلاته القادمة إلى زوجته. هنا تنفتح على اتساعها صورة العذاب الأخلاقي ~~المضني، والألم النفسي الذي لا يتوقف للمحب والمحبوب. # لكن أنا تحملت هذه التجربة الأليمة؛ استطاعت ~~أن تصالح بين كل التناقضات التي تجمعت في مصيرهما المشترك، وأن تخفف من وطأتها، وأن تلم ~~شتاتها. أما الشطط و، على ما يبدو، الخصال المتنافرة في شخصيتيهما فكانت قليلة. إلى جانب ~~دستويفسكي الذي أبدع «العالم السفلي» وراسكولنيكوف آنذاك، عاشت نيتوتشكا سنيتكينا، # 3 # طفلة بكل معنى الكلمة في عام 1867م، مثقلا بحمل حزين ورثه عن ماض مؤلم، وعمل ~~شاق منهك، وأفكار مجهضة وأخرى ممزقة، يصطحب معه إلى الخارج طالبة شابة، فوارة ~~العواطف، شديدة الحساسية. # بمزيد من الخوف يربط دستويفسكي مستقبله القابل للانهيار بمصير مخلوق شاب أهل للثقة، جاهل ~~تماما بالحياة، وغير مستعد بعد ms29 للتعامل معها. يكتب دستويفسكي من جنيف قائلا: «سافرت، ~~ولكن هذه المرة كان الموت يخيم على قلبي. لم أكن أومن بالخارج، بمعنى أنني كنت أومن أن ~~الأثر المعنوي للخارج سيكون غاية في السوء علي وحيدا مع مخلوق في ريعان الشباب يسعى ~~جاهدا بفرح ساذج أن يقاسمني حياة غريبة الأطوار، وإذا بي أنظر فلا أرى في هذا الفرح ~~الساذج سوى قدر كبير من افتقاد التجربة والاضطراب، والأمر الذي كدر من صفوي وزاد في ~~تعذيبي «...» إنني شخص مريض، وقد أدركت سلفا أنها سوف تعاني الكثير معي.» # وفي رحلاته التالية لم يتوقف خوفه من رفيقته هذه «الطفلة ذات العشرين ربيعا، وهو أمر ~~رائع وضروري»، ولكنه لم يجد في نفسه القوة والقدرة على الاستجابة. # كان يكتفي بتأمل هذا الحماس المتدفق، طزاجة الانطباعات، المعاناة النفسية ~~المباشرة. ~~«لقد اتضح أن أنا جريجوريفنا تمتلك سمات حازمة نادرة (وهو أمر محبب بالنسبة لي ~~ومضحك). بالنسبة لها فإن الذهاب لمشاهدة دار بلدية سخيفة، على سبيل المثال، هو عمل جاد، ~~فإذا بها تسجل وتصف، حتى إنها تملأ سبعة دفاتر بعلاماتها الاختزالية لتعود فتنقلها. أكثر ~~من ذلك أن قاعات المعارض أخذت بلبها وشغلتها، وقد سعدت بذلك جدا؛ لأن ذلك ولد في روحها ~~انطباعات شتى أبعدتها عن الملل.» # يخبر دستويفسكي أصدقاءه أن أنا هي «رحالة غير عادية»، وأنها وقفت أمام أبواب فينيسيا ~~«تطلق الآهات والصيحات فقط»، وأنها وقد فقدت مروحتها في كنيسة سان مارك «راحت تبكي ~~بحرقة!» # سرعان ما عرفت أنا الحياة الحقيقية بعيدا عن المعارض والجداريات، وفي بادن حاولت من ~~صميم قلبها أن تدعم دستويفسكي الذي عاد يائسا بعد خسارته في القمار، وهنا راحت في حزم ~~تجمع أشياءهما كلها لكي تخرج بأي طريقة من دوامة الولع بالقمار التي هوى فيها الكاتب، ~~الذي كان قد أنهى لتوه كتابة روايته العبقرية «المقامر». # يقول دستويفسكي: «لقد اتضح أن أنا جريجوريفنا أقوى وأعمق مما كنت أعرفه وأظنه عنها. ~~إنها في كثير من الأحوال وببساطة ملاكي الحارس.» وبالفعل فقد راحت تنتقل معه بنكران للذات ~~من بلد إلى ms30 بلد، وحتى في لحظات الحزن الممض لم تتوقف، وقد فقدت طفلها الأول، عن مساعدة ~~دستويفسكي في عمله، ناسخة ومنسقة مخطوطاته. # لم يخفف الاهتمام الكبير بالفن والأدب الرومانسي الجديد والرسم والاهتمامات والأحاسيس ~~الطازجة الطفولية تقريبا مثقال ذرة من أثر الظروف المادية الصعبة والعمل المتوتر في إعداد ~~مخطوطات «الأبله». # لكن أنا جريجوريفنا عادت بعد رحلة السنوات الأربع ~~خارج روسيا شخصا مختلفا تماما، فلم تعد تلك الشابة الساذجة العديمة الحيلة التي كانت من ~~قبل، وإنما امرأة صاحبة إرادة قوية، امرأة خبرت الحزن الممض (وفاة ابنتها البكر)، امرأة ~~معدة إعدادا جيدا لمعركة الحياة القادمة. في هذا الوقت اكتملت شخصيتها بشكل نهائي، ~~وتحددت مهمتها الثقافية الرفيعة. # لم تكن أنا جريجوريفنا مجرد زوجة لدستويفسكي فحسب، وإنما كانت صاحبة مآثر شخصية هامة ~~في الثقافة الروسية. وما يزال عملها ينتظر جردا أمينا وتقييما شاملا وأمينا. # إن طبيعة أ. ج. دستويفسكايا خلقت من أجل أن تضع تصورا عريضا لعديد من الانطباعات ~~والأحاسيس الحيوية المتنوعة. لقد تجمعت لديها، وعلى نحو متوازن، خصال متناقضة، وعلى ما ~~يبدو أن هذه الخصال كانت في جانب منها، على ما يبدو، متنافرة. إنها ابنة جيل الستينيات التي ~~تحسب نفسها على الجيل «الحر»، وهي في الوقت نفسه تذهب لتؤدي الطقوس الكنسية والأرثوذوكسية ~~بكل غيرة وحماس. كانت تجمع بين العصبية الشديدة والحمية الفائقة، وبين الإرادة الصلبة ~~والحزم الشجاع في أمور الحياة الصعبة. # لقد تواءمت بداخلها الاهتمامات العقلية المحضة جنبا إلى جنب مع الاهتمامات الفنية، فضلا ~~عن النزعة التطبيقية والرؤية العملية التي لا يتطرق إليها الشك. ومع تميزها بشيء من ~~الإيمان الغيبي (المعجزات والإلهام والأحلام) فإن ذلك لم يمنعها من أن تستخدم قدراتها ~~الفائقة في تنظيم أمور حياتها العملية، وأن تحسب لكل شيء حسابه، وتقدره تقديرا دقيقا في ~~كل تفاصيله؛ كل هذه الخصال، فضلا عن ذوق رفيع، وظفته أنا لصالح معبودها دستويفسكي ~~لتستحق منا كل الامتنان. أما مأثرتها الكبرى التي حققتها، فينبغي أن تدفعنا للاهتمام ~~بشخصيتها. # كانت أنا جريجوريفنا دستويفسكايا (1846-1918م) تمثل طرازا خاصا من النساء ~~الروسيات في ms31 النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ المثقفات، النشطات، المخلصات على نحو خيالي ~~لعقائدهن إلى حد الافتتان. # كثيرا ما كررت أنا في سياق مذكراتها وصفها لنفسها بأنها «ابنة الستينيات، التي ساندت ~~حق النساء واستقلالهن»، وأنها تمثل الجيل الليبرالي وهلم جرا. كانت تعلن ذلك عادة ~~في كثير من الفخار، وعلينا أن نعترف أن أنا جريجوريفنا لها كل الحق في ذلك. لقد كانت ~~بطبعها تنتمي إلى «عصر الفكر الروسي الهادر»، وظلت حتى نهاية حياتها تحتفظ بالسمات ~~الجذابة للنشاط الذي لا يكل، والإخلاص المتحمس للفكرة الملهمة، وفي حياتها كانت تنظر ~~إلى الأمر باعتباره واجبا، ساعية دائما إلى تحويل هذه الفكرة إلى مأثرة. # وإذا كانت نيتوتشكا سنيتكينا تحلم في شبابها بدراسة العلوم الطبيعية والطب، فقد التحقت ~~بأول صفوف نسائية لدراسة الاختزال من أجل أن تصبح امرأة مستقلة تحمل بعض العبء عن ~~عائلتها الصغيرة، التي كانت تمتلك بعض البيوت في بطرسبورج. # فيما بعد، وبعد أن تزوجت من دستويفسكي، وجدت رسالتها في خدمة الكاتب الكبير، الذي ~~قاسمته مصيره. لقد مرت كل مؤلفات دستويفسكي من «المقامر» وحتى «الإخوة كارامازوف» بين ~~يديها، وقد اتضح أن معرفة زوجة الكاتب بالاختزال سهلت كثيرا من عمل دستويفسكي الفني، ~~وغيرت من أساليبه ونظمه. # ما إن توفي دستويفسكي حتى راحت أنا جريجوريفنا في العمل على نشر أفكاره «السامية ~~النبيلة»، وراحت تصدر بجهد نادر الطبعة تلو الأخرى من أعماله الكاملة، وفي نفس الوقت أسست ~~في سفاريا روسا تحمل اسم دستويفسكي، كما أنشأت قسما خاصا تابعا لمتحف التاريخ في موسكو ~~يضم مقتنيات الكاتب، وعددا هائلا من مخطوطاته ورسومه وصوره في نسخها الأصلية، وكذلك ~~أعماله الكاملة، بالإضافة إلى كافة الأعمال النقدية التي كتبت عنه في اللغات الأوروبية ~~والشرقية مع استثناءات قليلة. وقد شجعها تأسيس المتحف على الاضطلاع بوضع عمل بيبلوجرافيا ~~شاملة تضم وصفا لكل ما جمعته عنه، بعبارة أخرى، قوائم كاملة لكل مؤلفاته، وكذلك كل ما كتب ~~عنه. # إن العمل الذي نشرته أنا جريجوريفنا تحت عنوان «الدليل البيبلوجرافي للمؤلفات والأعمال ~~الفنية الخاصة بحياة ونشاط ف. م. دستويفسكي»، ms32 ويضم ما يصل إلى 5000 مادة بيبلوجرافية أدبية ~~روسية فريدة. ما إن أنهت أنا جريجوريفنا هذا العمل الضخم، المسئول والصعب - تأسيس التراث ~~الأدبي دستويفسكي - حتى راحت تكمل أعوام حياتها الأخيرة والطويلة بالعمل على كتابة ~~مذكراتها التي لا يستغني عنها أي كاتب يهتم بشخصية ومصير مبدع الرواية الفلسفية ~~الروسية. # اشتهرت أنا جريجوريفنا، حتى إبان حياتها، أنها سيدة عملية واسعة الحيلة، وأنها كانت ~~تصل أحيانا في هذا الصدد إلى أقصى الحدود. لقد كانت أنا جريجوريفنا في مجال النشر المعقد ~~مثالا للمرأة العصامية التي علمت نفسها بنفسها حتى وصلت في هذه الحرفة إلى نتائج باهرة، ~~حتى إن آخرين لا تعرفهم على الإطلاق جاءوا ليتعلموا على يديها هذا العمل؛ مثال ذلك ~~الكونتيسة صوفيا تولستايا (زوجة ليف تولستوي). تقول ابنتها لوبوف فيودوروفنا دستويفسكايا في ~~مذكراتها التي نشرت منذ زمن غير بعيد: «كان دستويفسكي مندهشا بهذه السهولة التي تجمع بها ~~أمي الأرقام الكبيرة، وأن تجيد لغة العقود الصعبة.» # لكن هذه المهارة العملية التي كانت لدى أنا جريجوريفنا أثارت حفيظة الكثير من الناس، ~~لتلقي في النهاية على صورتها بظلال كثيفة، الأمر الذي حجب عنا المآثر الحقيقية التي ~~اجترحتها هذه المرأة الكادحة، التي يندر أن تجد لها مثيلا، كما ساد أيضا إبان حياتها ~~رأي مفاده أنها سيدة أعمال شحيحة، بل إن بعض الصحف نشرت حكايات تهجو فيها زوجة الكاتب ~~الشهير الذي عاش ومات في فقر مدقع، ليترك لأرملته تراثا أدبيا استطاعت هي أن تحوله ~~إلى ثروة ضخمة. # وحتى اليوم ينظر إلى أ. ج. دستويفسكايا باعتبارها سيدة أعمال مقترة، خبيرة في الحسابات، ~~تجيد جمع المال بهمة ونشاط. وإذا كانت هذه الخصال لها أساس من الصحة، فهي في كافة الأحوال ~~لا تعيبها ولا تنتقص من قيمة الجهد الذي بذلته هذه الصديقة الأخيرة لدستويفسكي. # لقد كانت أنا جريجوريفنا المرأة العملية التي تجيد التعامل مع المال، على النقيض تماما ~~في هذا المجال، بطبيعة الحال، من فيودور ميخايلوفيتش الذي كان يتعامل مع المال بسذاجة ~~طفولية. على أن هذا التناقض بين طبيعتيهما قد سار، ms33 بما لا يدع مجالا للشك، لصالح حياتهما ~~المشتركة، فإذا كان بإمكان دستويفسكي أن يوقع، كما تشهد بذلك أنا جريجوريفنا، على ~~كمبيالات وهمية بمبالغ ضخمة، دون أن يتجاسر على سؤال الطالب عن صحة الأمر، بينما يقوم رجل ~~الأعمال الحاذق باستغلال ثقة وافتقاد دستويفسكي للخبرة العملية، فإن أنا جريجوريفنا كانت ~~تقيه شر هذه الصفقات، فضلا عن أنها كانت تدخل في صراع ضار مع الدائنين، وهو صراع نجحت في ~~إدارته بمهارة وحيوية، وحققت فيه انتصارا كبيرا. وهو ما يؤكده جزء كبير من مذكراتها ~~لخصت فيه «الصراع مع الدائنين»؛ هذا الصراع الصعب، الشاق والمضني، الذي كشف عن طاقة نادرة ~~وفطنة، وحتى عن شجاعة لدى زوجة الكاتب. # كل ذلك يتضمن بالطبع أهمية عملية، ولكن هيهات أن يكون سببا لإلقاء اللوم على أنا ~~جريجوريفنا. # إننا إذا ما تذكرنا أن هذا الجانب العملي لدى أنا جريجوريفنا قد وفر الهدوء ~~والسكينة لدستويفسكي، بل وأبعد عنه الهموم الصعبة وأنقذ إبداعه، أفليس من غير المنطقي ولا ~~من اللائق أن نلقي باللوم على زوجه لأنها امرأة عملية مفرطة في دقة حساباتها. لنتذكر أنه ~~على مدى أربعة عشر عاما من زواج دستويفسكي صدرت سبعة مجلدات من أعماله الكاملة (أي ما يزيد ~~على نصف ما كتبه على مدى حياته كلها). هنا يصبح من المستحيل ألا نعبر عن احترامنا ~~وتقديرنا لهذه المرأة العملية أنا جريجوريفنا، حتى لو اقتصر الأمر على مجرد إنقاذ ولو ~~بضعة فصول من «الإخوة كارامازوف» أو«الشياطين» نتيجة لعملها الحصيف وحسن تدبيرها. في ظروف ~~أخرى ما كان لهذه الأعمال أن ترى النور إطلاقا لولا هذا التنظيم الذي فرضته أنا ~~جريجوريفنا على أسلوب الحياة اليومية لزوجها. # نعم، كانت أنا جريجوريفنا تعمل، بطبيعة الحال، بكل إصرار وعزم. كانت تدير دفاتر ~~حساباتها، تشتري الورق، تلاحق المطابع، تدخل في جدل مع الدائنين، تدخل في مفاوضات مع ~~الناشرين وبائعي الكتب، تكتب إبداعات زوجها بطريقة الاختزال، ثم تعيد كتابتها باللغة ~~العادية، تعلن عن فتح باب الاشتراكات، تصنع الميزانيات؛ لتصبح بذلك هي الناشر والبائع ~~والمحاسب والكاتب أثناء العمل الإبداعي ms34 لزوجها. # قد يبدو ذلك مضحكا وقبيحا، لكن الأمر في الواقع يمس شغاف القلوب بقوة وعمق، مثل أي ~~مأثرة يومية تمر دون أن تترك أثرا، ودون أن يلحظها أحد. يرد إلى خاطري دون إرادة مني هذا ~~البهلوان في قصة «أناتول فرانس» الذي قدم للعذراء القربان الوحيد الذي يجيده؛ قفزاته، ~~ألعابه، حيله الأكروباتية. وعندما صاح القساوسة، غلاظ القلوب فيه، معتبرين أنه يمارس ~~التجديف في الكنيسة، إذا بتمثال العذراء يقوم عن قاعدته لتمسح العذراء بطرف ثوبها جبهة هذا ~~البهلوان الذي نال منه التعب. # هذا ما فعلته أنا جريجوريفنا؛ قدمت ما تعرفه ~~وتجيده في معبد الفكر. لم تغير طبعها؛ عملت، نظمت أعمال زوجها، خدمت الإبداع الروحي ~~العظيم الذي كان متوقدا بداخله. نعبر عن شكرنا لها على ما بذلته، ولسوف يخلد بكل ~~امتنان اسمها في سجل ثقافتنا الروحية. # 4 # دستويفسكي المعتقل 1859م. # أشهر بورتريه دستويفسكي، للفنان بيروف. وقد عايش الكاتب أسبوعين ~~أقامهما معه في بيته، وفي لحظة محددة قال له: «أنت الآن دستويفسكي، حيث ~~في هذه اللحظة تطابق داخلك مع مظهرك. وأجلسه ليرسمه 1872م. # عام 1861م. # دستويفسكي عام 1861م. # عام 1878م. # عام 1880م قبل وفاته بعام واحد. # بورتريهات دستويفسكي لرسامين مختلفين. # أنا جريجوريفنا دستويفسكايا (1878م). # أفدوتيا بانايفا (أربعينيات القرن التاسع عشر). # أنا جريجوريفنا دستويفسكايا (1871م). # صوفيا كورفيني كروكوفسكايا؛ أول عالمة رياضيات في روسيا. # شقيقة سوسلوفا؛ أول طبيبة روسية. # المنزل الذي عاش فيه دستويفسكي مع زوجته الأولى. # آخر بيت أقام فيه دستويفسكي، ومكتبه، والكنبة التي مات عليها. # أنا في البيت بعد أن حولته إلى متحف. # دستويفسكي ميتا 29 يناير 1881م. ms35