######OpenITI# #META# URI: 1450AsmaCizab.WarathatMamalikMansiyya.Hindawi74626841 #META# Tags: history :: religions #META# ID: 74626841 #META# Title: ورَثة الممالك المنسيَّة: ديانات آفلة في الشرق الأوسط #META# AuthorID: 73830207 #META# Author: جيرارد راسل #META# EditorID: 51613802 #META# Editor: محمد حامد درويش #META# TranslatorID: 80851514 #META# Translator: أسماء عزب #META# Related_books: 1450GeraldRussell.HeirsToForgottenKingdoms (TRANSL) #META#Header#End# # التسلسل الزمني‏ # مقدمة‏ # 1 - المندائيون‏ # 2 - الإيزيديون‏ # 3 - الزرادشتيون‏ # 4 - الدروز‏ # 5 - السامريون‏ # 6 - الأقباط‏ # 7 - الكلاشا‏ # الخاتمة‏ # مصادر وقراءات إضافية‏ # التسلسل الزمني‏ # مقدمة‏ # 1 - المندائيون‏ # 2 - الإيزيديون‏ # 3 - الزرادشتيون‏ # 4 - الدروز‏ # 5 - السامريون‏ # 6 - الأقباط‏ # 7 - الكلاشا‏ # الخاتمة‏ # مصادر وقراءات إضافية‏ # | ورثة الممالك المنسية # | ورثة الممالك المنسية # | ديانات آفلة في الشرق الأوسط # تأليف # جيرارد راسل # ترجمة # أسماء عزب # مراجعة # محمد حامد درويش # إلى والدي # وإلى ليندا نورجروف، وفاديم نزاروف، وآخرين ممن شاركوني ~~رحلاتي لكنهم لم يعودوا موجودين بيننا ليقرءوا هذا ~~الكتاب. # | تمهيد # بقلم روري ستيوارت # بحلول أوائل القرن الثامن، سيطر الحكام المسلمون على معظم الأراضي ~~الواقعة بين أفغانستان وحدود شمال أفريقيا. لكن الدول الإسلامية - التي ~~اشتهرت في أوروبا بشراستها ووحدتها - أثبتت في نهاية المطاف أنها ~~أكثر تسامحا مع الديانات الأخرى من المسيحية الغربية. ففي أوروبا، ~~أبيد «الوثنيون» بشكل كامل وسريع، لدرجة أنه لا يكاد يمكن استعادة ~~تفاصيل ديانات ما قبل المسيحية في مكان مثل بريطانيا. بينما في ~~العالم الإسلامي، سمح لديانات «وثنية» كاملة بالبقاء على حالها حتى ~~القرن الحادي والعشرين، ولا يزال من الممكن إجراء مقابلات مع ~~أتباعها. # فلدينا الإيزيديون في شمال العراق، الذين تشتمل معابدهم على تمثال ~~لطاووس، وهو مرتبط بطريقة ما بالشيطان. وعندنا قبيلة الكلاشا على ~~الحدود الأفغانية الباكستانية، التي يشتمل إيمانها على تماثيل خشبية ~~للأسلاف-الأبطال. ومن لبنان إلى إيران بقيت ديانات موجودة؛ بعضها له ~~علاقة خاصة بالنار، والبعض الآخر يركز على الغمر في الماء، والبعض ~~الآخر يركز على الشمس والقمر. وبعض هذه المعتقدات يسبق ولادة المسيح ~~بزمن طويل. # إن الموضوع رائع. فهذه المجموعات ليست مجرد رموز لأحاسيس واحتمالات ~~دينية تلاشت الآن. فهي توحي بالكثير حول أصول ديانات العالم الرئيسية ~~وتطورها. وتمثل للعالم الحديث مكونات صعبة: فهي هويات مضغوطة ~~معقدة، متجذرة في التاريخ والطبيعة، ولكنها أيضا أنظمة عقائدية ~~تغيرت تغيرا كبيرا بمرور الزمن، وأدمجت معها ديانات منافسة، ~~وصدرت إلى أراض جديدة. # لكن الموضوع يكاد يكون مستحيلا. فالوصول ~~إلى هذه الديانات أو فهمها أو وصفها أمر صعب للغاية. ms001 لقد نجت ~~جزئيا لأنها وجدت في بعض من المناطق النائية والجبلية والخطرة ~~جدا في الشرق الأوسط. وأحيانا يتحدث معتنقوها بلغات غامضة ~~قديمة. ستشعرك المحفوظات والسجلات العلمية الخاصة بهذه المعتقدات ~~بالخوف. ففي بعض الحالات تكون الديانات باطنية: إذ يحرم تسجيل ~~معتقداتها، أو مناقشتها، أو الكشف عنها. وفي حالات أخرى، تتعرض ~~الديانات للاضطهاد، وتعين على معتنقيها أن يتعلموا إخفاء تفاصيل ~~عقيدتهم لتجنب التعرض للقتل. ونادرا ما يمكنهم التحدث إلى ~~الغرباء، ونادرا ما يتحدثون إليهم. لذلك، من الصعب جدا تخيل شخص ~~مؤهل لتناول الموضوع. # يعد جيرارد راسل واحدا من القلائل القادرين على تأليف كتاب من ~~هذا النوع. ولد جيرارد راسل عام 1973 في أمريكا لأبوين بريطانيين، ~~ودرس الفلسفة واللغات الكلاسيكية في كلية باليول بأكسفورد. ثم التحق ~~بالسلك الدبلوماسي البريطاني، الذي أرسله إلى القاهرة لتعلم اللغة ~~العربية. أصبحت لغته العربية فصيحة بما يكفي ليصبح المتحدث الرسمي ~~العام للمملكة المتحدة في القنوات الإخبارية العربية. أرسل إلى ~~العراق بعد الغزو الأمريكي، وأصبح القنصل العام في جدة، ثم ~~مستشارا سياسيا في السفارة في كابول. في تلك المناصب، وفي الوقت ~~الذي ظل فيه العديد من الدبلوماسيين منعزلين عن السكان المحليين، ~~عقد هو صداقات قوية مع العرب والأفغان خارج السفارة، بمساعدة ~~مهاراته اللغوية، وأصبح خبيرا أكثر مما مضى بالبلدان والأشخاص ~~الذين يعيش معهم. وفي عام 2009، انضم إلى مجموعة من المتخصصين ~~الأفغان في مركز كار لسياسة حقوق الإنسان، في كلية كينيدي بجامعة ~~هارفارد. # إنه متواضع للغاية، لدرجة أنه قد يكون من الشاق تذكر مدى صعوبة ~~تأليف هذا الكتاب. ويقدم نفسه مرارا وتكرارا على أنه مجرد سائح ~~مرتبك، يتجول بصخب في الحافلات الريفية. لكنه عالم مثقف يتمتع ~~بالصبر وعقل ذكي للغاية. ويتمتع بقدرة استثنائية على تجميع المعلومات ~~المعقدة وتقديمها. ولديه موهبة كبيرة في كسب ثقة من يجري ~~المقابلات معهم. فعندما يجري مقابلات مع أشخاص في إيران أو لبنان، ~~فإنه يفعل ذلك بطلاقة باللغة العربية أو الفارسية. وعندما يتتبع ~~العوامل المؤثرة على الإيزيديين أو المندائيين، فإنه يفعل ذلك ~~بمعرفة عميقة بالتاريخ الإسلامي ms002 والعقيدة المسيحية. وعندما يكتب عن ~~القنابل والهجمات في العراق وأفغانستان، يكتب بوصفه شخصا تعامل ~~وتعايش مع سياسات وعنف حركات التمرد تلك. لقد تطورت على مر ~~السنين شبكة الأصدقاء التي يعتمد عليها في التنقل عبر المناطق الخطرة ~~أو في الوصول إلى الزعماء الدينيين. إن هذا الكتاب، كتابه الأول، هو ~~ثمرة عقدين من الخبرة والتفكير العميق. # شكلت كل من هذه الديانات من عدة ديانات أخرى، حية، ومتطورة، ~~ومتلاشية. فعلم اللاهوت نظام دقيق وقاس، حيث يكون للخلافات التي ~~تبدو «تافهة» عواقب كبيرة، وفي كثير من الأحيان خطيرة، وكثيرا ما ~~تؤدي إلى جرائم قتل على خلفيات طائفية. ولا يزال العديد من الحقائق ~~الأساسية حول هذه المعتقدات موضع جدل حاد، بعضه نابع من ظهور ~~بيانات جديدة، والبعض الآخر تدفعه ببساطة سياسات وأساليب جديدة في ~~الأنثروبولوجيا أو ديانات العالم. لذا يتطلب الأمر قراءة آلاف من ~~الكتب والمقالات. ويتعين الرجوع إلى مخطوطات غير منشورة مكتوبة ~~بلغات قديمة. فبعض أفضل السجلات يعود عمره إلى قرن من الزمان، ولكنها ~~تحتاج إلى تخليصه من تحيزات مؤلفيه. فالكثير من هذه المعلومات وثيق ~~الصلة بالموضوع وجيد، على نحو غير مريح. # وموضوعات «الحداثة»، والصراع، و«الغرب» تلقي بظلالها على كل شيء. ~~والعديد من الأوطان الدينية لهذه المعتقدات موجودة اليوم في مناطق ~~تشهد نزاعات نشطة - العراق، أفغانستان، أطراف سوريا - اكتسحت في ~~غمار أنظمة دعمتها أو أطاحت بها الولايات المتحدة، وإيران، ~~والمملكة العربية السعودية، وروسيا، وقطر. وقد عانت العائلات ~~«الوثنية» من الاحتلال، والحروب بالوكالة، وجرائم الشرف، والاختطاف، ~~والشاحنات الضخمة المفخخة. وأصبح «الوثنيون» الآن رجالا حليقي ~~الذقن يرتدون السترات، أو شابات عاملات. وفي العقود الثلاثة ~~الماضية، غادرت أعداد لم يسبق لها مثيل منهم منازلها الريفية، ~~وفقدت صلاتها بطبيعتها الأصلية وعائلاتها الكبيرة، وبدأت في الزواج ~~من مجموعات مختلفة ونسيان ديانتهم القديمة. وربما فر غالبية ~~المعتنقين الآن بوصفهم لاجئين إلى الغرب. لذا فإن الصورة الصادقة ~~للإيمان المعاصر لا تتطلب فحسب وصفا لمعبد عمره ثلاثة آلاف عام ~~وكاهنه القديم، وإنما أيضا لسينما في لندن أو مركز مجتمعي في ديترويت ~~لأشخاص ms003 غيروا دينهم، محاطين جميعا بالأوهام المضطربة وضغوط ~~الثقافة الغربية المعاصرة. # يتنقل راسل بين كل هذا، ساردا الأحداث بمنتهى السلاسة، تاركا ~~بقدر كبير جدا في الخلفية عشرين عاما من التفاني، والدراسة، ~~والخيال، والاهتمام. من المغري أحيانا أن نأمل في الحصول على سرد ~~أكثر رومانسية، أو على مزيد من التركيز على ردود أفعاله العاطفية، أو ~~لمحة أوضح عن إيمانه أو آرائه عن الله. فقد كان يمكن أن يتاح مجال ~~لذكر انبهار وردزورث بالوثنية بوصفها طاقة أو إمكانية أخرى: # إلهي العظيم! أفضل أن أكون # وثنيا ينهل من عقيدة عفى عليها الزمن؛ # لذا هل لي، وأنا أقف على هذه المرجة اللطيفة، # أن أحظى بلمحات من شأنها أن تجعلني أقل بؤسا؛ # وأن ألقي نظرة على بروتيوس وهو يرتفع من البحر؛ # أو أسمع تريتون العجوز ينفخ بوقه المجدول. # لكن راسل يقاوم هذا، مثلما يقاوم إغراء التباهي باكتشافاته أو ~~تحويل قصة أفول هذه الديانات، واضطهادها، وتشتتها إلى رثاء ~~مطول. # عوضا عن ذلك، يحقق شيئا ربما يكون في نهاية المطاف أكثر قيمة ~~وديمومة؛ ألا وهو التأريخ الدقيق. فقد سجل بأمانة ودقة مقابلات ~~مع أتباع هذه الديانات في القرن الحادي والعشرين. وهو يقدم لنا ~~بالتفصيل من يزودونه بالمعلومات، ويعطينا السياق الخاص بهم، ~~ويلمح إلى تحيزاتهم. ولا يخشى أبدا الاعتراف بالجهل، أو عدم ~~اليقين، أو التناقض. ويلمح إلى مشكلة عميقة مفادها أن الأصول ~~العقائدية لبعض هذه الديانات لم تعد موجودة، هذا إن كان لها وجود ~~يوما ما. ويبدو أن بعض معتنقي هذه الديانات يواصلون ممارسة طقوسهم ~~دون عقائد واضحة عن الخطيئة أو الخلاص، ودون وضوح معنى الكلمات، أو ~~الأشياء والرموز في معابدهم، ودون أي ذكريات متبقية من قصص آلهتهم. ~~وهو يربط جميع اكتشافاته بالسياقات البيئية المعاصرة. # هذا المزيج من المهارة اللغوية، والفهم الثقافي العميق، والشجاعة، ~~والفكر الكلاسيكي، والحب العميق للثقافات الأجنبية كان يوما ما أكثر ~~شيوعا. فراسل ينتمي انتماء مباشرا إلى التقليد الذي اتبعه ~~علماء/ضباط إمبراطوريون بريطانيون أمثال ماونتستيوارت إلفينستون، أو ~~ماكولاي، أو حتى تي إي لورانس. لكنه نادر جدا ms004 حاليا. وليس من قبيل ~~الصدفة أن راسل قد ترك حاليا السلك الدبلوماسي البريطاني وجامعة ~~هارفارد. يبدو الأكاديميون مستغرقين في خلافات داخلية أكثر ~~تعقيدا، مما لا يترك إلا حيزا محدودا أو إمكانية محدودة لمشروع ~~بهذا الطموح والنطاق. فالسلك الدبلوماسي وواضعو السياسات يريدون الآن ~~«كفاءة إدارية»؛ خططا بارعة وواضحة، دون أي فروق دقيقة، أو معرفة ~~عميقة، أو تعقيد. # وبدلا من ذلك، يطبق راسل فضائل أقدم وأقل مؤسسية. وهذا الكتاب ~~هو تحد صبور ودقيق لنظريات كبرى وطموحات مجردة. فهو صارم في تركيزه ~~على تفاصيل الثقافة والتاريخ. ويكشف ويساعد في الحفاظ على التنوع ~~والهويات والالتزامات المحيرة تحت سطح «عالم متسم بالعولمة». ويوضح ~~كيف أن استقلالية الثقافات الأجنبية، وكرامتها، وقدرتها يمكن أن ~~تتحدى أوجه الغرور الغربي والأفكار المسبقة. وفوق كل شيء، ينجح في ~~ربط حبه وعلمه بالنظم الإيكولوجية الحية والأشخاص الأحياء. إن هذا ~~الكتاب يحتوي على الكثير مما يمكن أن نتعلمه. # | التسلسل الزمني # نحو 2560ق.م. # بناء الهرم الأكبر في مصر # نحو 1900 # وصول الهنود الأوروبيين إلى الهند، ربما كان من ~~ضمنهم أسلاف قبيلة الكلاشا # 1842 # بزوغ بابل بوصفها دولة-مدينة مستقلة # نحو 1000 # تاريخ تأليف الكتب المقدسة الزرادشتية، ~~الأفيستا # 740-722 # هجوم الآشوريين على إسرائيل، وأسر الأسباط ~~العشرة # 597 # نهب نبوخذ نصر للقدس، وترحيل كبار اليهود إلى ~~بابل # 331 # غزو الإسكندر الأكبر لبلاد فارس؛ بعدها بمدة وجيزة، ~~يعبر سلسلة جبال الهندوكوش # 70 ميلادية # نهب الرومان للقدس وتدمير الهيكل الثاني # 274 # موت ماني، مؤسس المانوية؛ المندائيون موجودون بالفعل ~~في أهوار العراق # 313 # إصدار قسطنطين مرسوم ميلانو، الذي يقر فيه بالديانة ~~المسيحية # 529 # غلق الإمبراطور البيزنطي جستينيان لأكاديمية ~~أفلاطون # 634-654 # غزو العرب المسلمين لجميع البلاد من المغرب إلى ~~إيران # 635 # وصول أول مبشر مسيحي إلى الصين من الشرق الأوسط # 1017 # تدريس الديانة الدرزية لأول مرة علانية في ~~القاهرة # 1095 # دعوة البابا أوربان الثاني للحملة الصليبية ~~الأولى # 1160 # وفاة الشيخ عدي، شخصية رئيسية في الديانة الإيزيدية في ~~شمال العراق # 1258 # نهب جنكيز خان بغداد # 1263 # ولادة ابن تيمية، ناقد محافظ ms005 للدروز وغيرهم من ~~المسلمين المبتدعين # 1501 # بداية عهد الشاه إسماعيل الأول شاه إيران، الذي حول ~~البلاد إلى الإسلام الشيعي # | مقدمة # تخيل لو أن عبادة الإلهة أفروديت كانت لا تزال مستمرة في جزيرة ~~يونانية نائية، أو أن عبدة أودين وثور قد تخلوا للتو عن بناء ~~الزوارق الطويلة على سواحل الدول الإسكندنافية، أو أن أتباع الإله ~~ميثرا كانوا لا يزالون يتبادلون المصافحة الشعائرية في الكنائس ~~الرومانية المبنية تحت سطح الأرض. في الشرق الأوسط، على عكس أوروبا، ~~نجت ديانات قديمة مماثلة؛ غالبا في الأهوار، والبراري، والجبال، ~~وغيرها من الأماكن النائية أو التي يتعذر الوصول إليها، وأحيانا تحت ~~ستار نظام سري صارم. # ربما كانت هذه الديانات ستهيمن على العالم الحديث لو كان التاريخ قد ~~اتخذ منعطفات مختلفة. وكاد أحد أتباع الواعظ النباتي الصارم المسمى ~~ماني أن يصبح إمبراطورا لروما. ولو كان قد فعل ذلك، فربما كانت ~~الإمبراطورية الرومانية ستنشر تعاليم ماني، وليس المسيحية، في جميع ~~أنحاء أوروبا؛ وبدلا من الذهاب إلى بيت لحم، قد يتوجه الحجاج ~~الأوروبيون إلى أهوار العراق، حيث أول مكان وعظ فيه ماني. عوضا ~~عن ذلك، انقرض المانويون، لكن أقرب أقربائهم، المندائيين، ما ~~زالوا يعيشون في العراق. ولولا غزوات المغول وتيمورلنك، لربما ظلت ~~بغداد مركزا عالميا للمسيحية؛ لأنه أتى عليها حين من الدهر كان ~~فيه لكنيسة المشرق، التي تتخذ من العراق مقرا لها، أساقفة ~~وأديرة في أقصى الشرق في بكين. # خلال أربعة عشر عاما كنت فيها دبلوماسيا يتحدث العربية ~~والفارسية، يعمل ويسافر في العراق، وإيران، ولبنان، صادفت معتقدات ~~دينية لم أكن أعرفها من قبل: تحريم ارتداء اللون الأزرق، والشوارب ~~الإلزامية، وتبجيل الطاووس. وقابلت أشخاصا يؤمنون بكائنات خارقة ~~للطبيعة تتخذ شكلا بشريا، وبقدرة الكواكب والنجوم على تسيير شئون ~~البشر، وبتناسخ الأرواح. كانت هذه الديانات من بقايا ثقافة ما قبل ~~المسيحية في بلاد الرافدين، لكنها استقت أيضا من التقاليد الهندية ~~التي انتقلت إلى الشرق الأوسط عبر الإمبراطورية الفارسية، ومن الفلسفة ~~اليونانية. وقد حافظت هذه الديانات أيضا على عادات الحضارات القديمة ~~التي كان أتباعها ms006 آخر سلالتها الضعفاء. يلقي هذا الكتاب الضوء ~~على بعض، فقط بعض، من هذه المجموعات. # عندما التقيت بهذه المجموعات الدينية المختلفة، شعرت بالإلهام ~~والدهشة من ثباتهم على إيمانهم. فقد تمسكوا بالممارسات والتقاليد دون ~~تغيير أكثر من ألف عام، وأحيانا حافظوا عليها آلاف السنين. ومع ~~ذلك، فإن معظم هذه المجموعات الآن أكثر ضعفا من أي وقت مضى، ويهدف ~~هذا الكتاب إلى منحهم صوتا. وهم يستحقون الإصغاء إليهم لأسباب أخرى ~~أيضا؛ فهم يربطون الحاضر بالماضي، مما يقربنا من ثقافات اندثرت ~~منذ زمن طويل. فهم يربطون الشرق الأوسط بالثقافة الأوروبية من خلال ~~إظهار كيفية انبثاق الاثنين من جذور مشتركة. ويتبعون دياناتهم بشكل ~~مختلف عن الأوروبيين والأمريكيين؛ فالأقباط، على سبيل المثال، ~~يتحملون عبء صلاة وصوم يفوق حتى ما يتحمله الرهبان في الغرب؛ ~~والدروز لديهم دين لا يطالبهم بشيء على الإطلاق، باستثناء عدم الزواج ~~من خارجه. وهكذا يبدو لي أن المجموعات الواردة في هذا الكتاب تعالج ~~ثلاثة أمور أزعجتني خلال مدة وجودي في الشرق الأوسط؛ وهي الجهل ~~الجماعي للبشرية بماضيها، والتنافر المتزايد بين المسيحية والإسلام، ~~والطريقة التي تزايد بها اقتصار الجدل حول الدين على المتمسكين ~~بالمعنى الحرفي والملحدين ضيقي الأفق. ~~••• # لدينا أقرباء فكريون في أماكن غير متوقعة. فالفلسفة اليونانية، ~~على سبيل المثال، ليست ظاهرة أوروبية، لكنها بحر متوسطية، وقد أثرت ~~في الشرق الأوسط بقدر تأثيرها في أوروبا. ومثال آخر على ذلك، هو أنه ~~عندما قاد الإسكندر الأكبر جيشه عبر ما نسميه الآن أفغانستان ~~وباكستان، شعر أنه يمكن أن يرى أصداء ثقافته، وكان على حق؛ لأن أوروبا ~~وشمال الهند تتقاسمان تراثا هنديا-أوروبيا مشتركا. تلك الروابط ~~موجودة لدى أشخاص يعيشون في أقصى الشرق. فقبل ألف سنة، شارك مسيحيو ~~العراق كنيستهم مع المغول، وكان لديهم بطريرك صيني وأسقف من التبت، ~~وقد أحدثوا تأثيرا في الأبجدية المغولية والتبتية الحديثة. وفي كل ~~مكان في العالم القديم، يمكن، على الأقل، لاختلافات واضحة أن تخفي ~~روابط وقواسم مشتركة غير متوقعة. وأثناء كتابتي هذا الكتاب، كان ~~دائما ما يسعدني العثور على هذه القواسم؛ فهي ms007 تدحض نظريات ~~ومعتقدات أولئك الذين يريدون حصر الناس في ثقافات وحضارات منفصلة، ~~وجعلهم في حالة حرب بعضهم مع بعض. # في الوقت نفسه، استمتعت، أيضا، بالعثور على اختلافات؛ أفكار كانت ~~تختلف عن أفكاري وتدفعني إلى التفكير مليا فيما كنت أومن به ~~والسبب في إيماني به. دعا الكاتب اللبناني-الفرنسي أمين معلوف في ~~كتاب بعنوان «عن الهوية» إلى الكفاح «من أجل عالمية القيم»، ولكنه ~~أيضا دعا إلى مواجهة «الانصياع الأحمق ... ضد كل ما يجعل العالم ~~رتيبا وصبيانيا». وأنا أتفق معه، مع أنني لم أستطع أبدا أن ~~أقرر ما إذا كان ينبغي تقدير التنوع الثقافي مهما كان الثمن. هل ~~ينبغي أن نشعر بالحزن إذا ازداد ثراء المجتمع وتخلى عن أعرافه، أو ~~إذا هزم معتقد ديني في جدال؟ لا أدعي معرفة الجواب: أعتقد فقط ~~أننا كنا محظوظين بنجاة هذه الديانات، وأن الديانات المعاصرة التي ~~أقيمت شعائرها بإخلاص أجيالا عديدة قادرة بعضها على دراسة أفكار ~~بعض والتعلم منها. # لكن السؤال هو: كيف عاشت كل هذه المدة في ظل حكم المسلمين؟ في أغلب ~~الأحيان يقدم الإسلام على أنه دين غير متسامح، ويريد بعض أتباعه ~~للأسف أن يكون كذلك. إن وجود ديانات الأقليات الواردة في هذا الكتاب ~~يدل على أن صورة التعصب غير صحيحة؛ لأنها نجت في ظل الإسلام، بينما ~~لم تنج أي عقيدة مماثلة في أوروبا المسيحية. ومع ذلك، فإن أسباب هذا ~~معقدة. لذا اسمحوا لي أن أحاول تلخيصها في بقية هذه المقدمة. # يعود أحد الأسباب إلى ما قبل الإسلام أو المسيحية. فقد كانت هناك ~~ديانات في الشرق الأوسط أكثر تطورا من ديانات ما قبل المسيحية في ~~أوروبا، وكانت لها جذور مشتركة مع المسيحية والإسلام. لذلك رغم عدم ~~تردد المسيحيين في القضاء على الديانات الإسكندنافية أو السلتية، ~~ونجاحهم السريع نسبيا في فعل ذلك، فإن بعض الوثنيين في الشرق ~~الأوسط - الذين تعمقوا في الفلسفة اليونانية وعلم الفلك البابلي، ~~وامتلكوا لاهوتا معقدا - استمروا زمنا أطول كثيرا. # أيضا، على الرغم من أن النبي محمدا أراد بالتأكيد وضع حد ~~للممارسات الدينية ms008 التراثية للعرب، التي انطوت على عبادة آلهة ~~متعددة، كان القرآن على النقيض معتدلا نسبيا تجاه أتباع الأديان ~~التي كانت تدعو إلى التوحيد ولها نصوص دينية، مثل اليهود ، والمسيحيين، ~~والزرادشتيين. ولقب أتباع هذه الديانات باسم «أهل الكتاب». ونجا ~~العديد من المجموعات المذكورة هنا لأنها تمكنت، بطريقة أو بأخرى، ~~من الحصول على هذه التسمية. # لم يكن المسلمون الأوائل منهجيين في قمع حتى الممارسات الوثنية ~~العلنية في القرون الثلاثة أو الأربعة الأولى من الإسلام، عندما ظل ~~المسلمون أقلية في أنحاء كثيرة من الشرق الأوسط. وعندما سعى الدعاة ~~المسلمون إلى تحويل الناس إلى الإسلام بنشاط أكبر، كان بعضهم على ~~استعداد لقبول مجموعة واسعة من المعتقدات والممارسات التي تجاهلت ~~الفرق بين الإسلام والديانات القديمة التي كان يحل محلها. فقد تقول ~~مجموعة من الذين اعتنقوا الإسلام حديثا، على سبيل المثال، إن طقوس ~~تبجيلهم للنجوم كانت إسلامية شرعا؛ لأن النجوم كانت ملائكة؛ ومن ~~ثم يمكنها الحفاظ على بعض أجزاء من التراث الوثني القديم الذي كانت ~~قد تخلت عنه باعتناقها الإسلام. # لا يعني أي من هذا أن معتقدات الأقليات عوملت بشكل جيد. فقد ~~كان هذا في زمن كان فيه الاختلاف مع الحاكم في أمور لاهوتية يمكن ~~أيضا أن يكون تحديا لحقه في الحكم. وكان مفهوما، في كل من ~~الإمبراطوريتين البيزنطية والعربية، أن أولئك الذين يرفضون دين ~~الحاكم سيكونون من الفئات الأقل حظا. كان «أهل الكتاب» أقل شأنا ~~من المسلمين من الناحية الشرعية، ويدفعون ضريبة إضافية. وعندما كانوا ~~يتمردون على فرض الضرائب، كما فعل الأقباط في القرن التاسع الميلادي، ~~قد تبدأ الدولة في اعتبار دينهم قوة هدامة وتتخذ إجراءات ~~لتقويضه. # في القرنين العاشر والحادي عشر، عندما أصبح الإسلام دين الأغلبية، ~~تعرضت الطوائف التي لم تكن من «أهل الكتاب» لمزيد من الضغوط. وشهد ~~القرن العاشر اضطهادا جماعيا وانقراضا فعليا للمانويين. وفي ~~القرن الحادي عشر، هدم معبد إله الشمس، شماش، في حران، الذي كان ~~قائما منذ العصر البابلي، وحث العلامة الغزالي المسلمين على ~~التخلي عن افتتانهم بفلاسفة ما قبل الإسلام. وحتى ms009 حينئذ، كان علماء ~~مثل البيروني وابن النديم يكتبون عن الديانات غير المسلمة بموضوعية ~~لا تزال تثير إعجاب القراء المعاصرين. # أدى الصراع بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى - الصليبيين في ~~الغرب والغزاة المغول في الشرق - إلى مزيد من التقويض للتسامح، حيث ~~بحث العرب عن العدو بينهم. وبحلول القرن الثالث عشر، كان رجل الدين ~~الأصولي ابن تيمية ينشر كل ما بوسعه من كراهية تجاه طوائف مثل ~~الدروز والعلويين، ويشجع على العنف ضدهم. ومع ذلك، بحلول ذلك الوقت، ~~كانت بعض ديانات الأقليات في الشرق الأوسط قد لجأت إلى أماكن لم ~~تتمكن السلطات من الوصول إليها فيها، مثل الجبال والأهوار. ولم تصبح ~~الحكومة المركزية قوية في الشرق الأوسط كما كانت في أوروبا، وعادة ما ~~كانت تستخدم القوة العسكرية في مواجهة المتمردين أو الفتوحات ~~الخارجية، وليس في قمع الانقسامات الدينية في الداخل. ولم تواجه هذه ~~المجتمعات الدينية النائية، في معظم الأحيان، تدخلا واسع النطاق ~~من الدولة إلا في القرن التاسع عشر، وبحلول منتصف ذلك القرن، كانت ~~حكومات الشرق الأوسط قد بدأت في تغيير نهجها تجاه الأقليات، ~~و(أحيانا تحت ضغط غربي، أحيانا مستوحى فقط من مثل عليا ~~تقدمية) توفير شيء يشبه المساواة. ومنحت الإمبراطورية العثمانية ~~رعاياها غير المسلمين تدريجيا ما يشبه المساواة في القرن التاسع ~~عشر. وفي الخمسين عاما من 1860 إلى 1910 حدثت ثورة في مكانة الأقباط ~~في مصر. وقدمت الثورة الإيرانية عام 1906 للزرادشتيين مقعدا في ~~برلمان البلاد. كل هذا يثبت أن المسلمين في الشرق الأوسط كانوا قادرين ~~تماما على تقدير التنوع. وفي الواقع، في بعض الأحيان كان الأوروبيون ~~هم من لم يفعلوا ذلك. وعندما سأل المسيحيون اللبنانيون القيصر ~~الألماني عما يمكن أن تفعل بلاده لمساعدتهم، أجاب: «أنتم ثلاثمائة ~~ألف مسيحي وسط ثلاثمائة مليون مسلم. لماذا لا تتحولون إلى ~~الإسلام؟» # إذن لماذا تنطوي أقليات الشرق الأوسط اليوم على نفسها؟ لماذا ~~أصبحت الهجمات على الكنائس المسيحية في مصر أو بغداد، أو على ~~الإيزيديين في شمال العراق، أكثر شيوعا الآن مما كانت عليه طيلة 150 ~~عاما؟ (مع ms010 عدم إغفال الأقليات داخل الإسلام؛ فحتى أتباع أكبر جماعة ~~إسلامية، وهي السنة، يمكن أن يجدوا أنفسهم أقلية تحت وطأة الضغط ~~في إيران والعراق، في حين أن مذابح المسلمين الشيعة شائعة في ~~باكستان.) تلعب عدة عوامل دورا في هذا الشأن. # أولا: يرجع التنوع في الشرق الأوسط جزئيا إلى أن حكوماته كانت ~~أضعف من أن تفرض دينها. لكن حكومات اليوم تتمتع بنفوذ أكبر، وعندما ~~تختار طرد أقلية دينية أو فرض معتقد أصولي، يمكنها فعل ذلك ~~بشكل أكثر فاعلية من أي وقت مضى. ففي المدة بين عامي 1915 ~~و1917، تمكنت الإمبراطورية العثمانية من القتل المنظم لأكثر من ~~مليون من رعاياها الأرمن عندما أدركت أن الأرمن يقفون إلى جانب ~~روسيا؛ «أصدرت أمرا بالإعدام لعرق كامل» مثلما كتب لاحقا السفير ~~الأمريكي للإمبراطورية. يمكن للحروب الأهلية أيضا أن تصل إلى أعماق ~~أراضي جماعة دينية قد لا ترغب في شيء سوى أن تكون محايدة؛ مثلما حدث ~~مع الإيزيديين في شمال العراق في عام 2007، عندما أصبحوا ضحايا لواحدة ~~من أكثر الهجمات الإرهابية فتكا في العالم. لا توجد أماكن آمنة بعد ~~الآن. # تتمتع الجماعات الدينية في الشرق الأوسط بدرجة عالية من الترابط ~~الداخلي. وعادة ما يقابل الزواج من دخيل بالرفض؛ وقد يفضل الأشخاص ~~داخل الجماعة توظيف أعضاء آخرين من الجماعة نفسها، واعتناق دين ~~آخر ليس خيارا فكريا ولكنه تغيير أكثر عمقا؛ لأنه يعني عادة ~~مغادرة المرء لطائفته والانضمام إلى طائفة جديدة. تمتعت بعض ~~الجماعات الدينية (مثل الإيزيديين والآشوريين، على سبيل المثال) بدرجة ~~عالية من الاستقلال الذاتي قرونا عديدة، بعيدا عن سيطرة الحكومات، ~~وما زال قلة منهم يتحدثون لغتهم الخاصة. هذا الترابط الداخلي يعني ~~أن ثمة ميلا إلى تحميل مثل هذه الجماعات كامل المسئولية عن أفعال ~~أي شخص يعتنق دينها. ومن ثم كانت الاعتداءات السابقة على الأرمن ~~واليهود، والحالية على الشيعة والمسيحيين. وهذا، في حد ذاته، ليس ~~بجديد. ومع ذلك، ففي المشهد السياسي المعقد ودائم التغير في الشرق ~~الأوسط المعاصر، من السهل أن ينتهي الأمر بالولاء للأشخاص الخطأ. ~~فالسامريون، الذين ms011 يعيشون على جبل في الضفة الغربية، يحاولون ~~جاهدين تجنب استعداء الإسرائيليين أو الفلسطينيين، والإيزيديون في ~~شمال العراق يتعرضون للضغط للاختيار بين العرب والأكراد، وكان على ~~الكنيسة القبطية المصرية أن تقرر ما إذا كانت ستدعم الحكم العسكري أو ~~الإسلامي. كل خيار يصنع أعداء للطائفة بأسرها، وليس لقادتها ~~فقط. # وعلى الرغم من أن الحكومات أصبحت قوية بما يكفي لسحق الأقليات ~~المزعجة، يتردد بعضها في إنفاق رأس المال السياسي والمجازفة ~~بمواجهة أوسع نطاقا جراء حماية الطوائف الصغيرة من الاعتداءات. ~~ففي جنوب مصر، إذا واجهت عائلة قبطية قبيلة مسلمة، فستخسر ~~المواجهة؛ سواء كانت على المال، أو الأرض، أو «الشرف» (فعلاقات الحب، ~~كما هو موضح في الفصل السادس، هي بخاصة سبب متكرر للصدام). وبعض ~~الطوائف القبطية كبيرة وصعبة المراس بما يكفي لقلب الأمور رأسا على ~~عقب. وتلك هي الطوائف التي لا تعتمد على الشرطة والقضاء لحمايتها؛ ~~ولكن حتى تلك المؤسسات، التي غالبا ما تفتقر إلى السلطة الأخلاقية، ~~قد تخشى القبيلة المختصمة، وتفضل عدم معاقبتها. هذه ليست مسألة ~~دينية فحسب. وغالبا ما تعاني الأقليات العرقية من المشكلة ذاتها. ~~ومع ذلك، فقد أصبحت الأقليات الدينية في الشرق الأوسط في القرن ~~العشرين لا تنتمي لمجتمع قبلي، وحضرية، ومن الطبقة الوسطى، مما يعني ~~أنها الآن في وضع جيد للاستفادة من الاستقرار والنمو الاقتصادي، ~~ولكنها عادة أيضا ليست منظمة تنظيما كافيا للدفاع عن نفسها، ~~ومن ثم تصبح مستضعفة، وبخاصة في أوقات الصراع. # أخيرا، أحدثت العقود القليلة الماضية تغييرا في سلوك بعض المسلمين ~~في الشرق الأوسط تجاه الديانات الأخرى، وتجاه التفسيرات المنافسة ~~للإسلام ذاته. ففي مصر، شهدت السنوات الخمسون الماضية عنفا ضد ~~الأقباط أكثر بكثير من الخمسين عاما التي سبقتها. وفي باكستان، ~~الدولة التي أسسها مسلم شيعي، أصبح العنف ضد الشيعة شائعا. ~~والعراق، البلد الذي حكمه في خمسينيات القرن الماضي رجل من أسلاف ~~مختلطين، من الشيعة والسنة، أصبح الآن في دوامة من العنف الطائفي. ~~ويؤدي الضعف وقابلية التعرض للهجوم إلى الانغلاق الذهني؛ الذي، ~~بدوره، يعوق المجتمعات. فالغضب والكراهية تجاه الدخلاء يقويان ms012 ~~الهوية الطائفية للجماعة، وربما يرضيان حاجة بشرية فطرية في رفقة ~~لمواجهة أي تهديد خارجي، وقد يغرسهما قادة الجماعة باعتبارهما وسيلة ~~لتقوية شعور الجماعة بالهوية والولاء المتبادل. لا توجد طريقة أسرع ~~لتعزيز الشعور بهوية الجماعة من الإشارة إلى عدو مشترك شرير وقوي، ~~ومع ذلك يمكن هزيمته؛ ليصبح الأمر مثل داود الذي يهزم جالوت. وفي ~~الشرق الأوسط، مثل هذا الغضب والكراهية - اللذين يتصاعدان أحيانا ~~ويتحولان إلى عنف وفي أحيان أخرى يضطرمان دون أن يلاحظهما أحد، ~~ويستمران في الوجود من خلال الدعاية الخبيثة - يكونان أيضا نتاج ~~ظروف معينة. لقد تراجع المنافسان العلمانيان للإسلام السياسي من ~~القرن العشرين، الشيوعية، والقومية. وفي زمان هذه الأيديولوجيات، بدت ~~جميعها وكأنها تتيح فرصا للشعوب في الشرق الأوسط لاستعادة الكرامة ~~والقوة اللتين شعرت أنها تستحقهما، واللتين شعرت أن عوامل مثل ~~الاستعمار الأوروبي، والهيمنة الأمريكية، والقوة العسكرية الإسرائيلية، ~~وضعف الحكومات العربية وفسادها كانت تحرمها منهما. توقفت دعوة ~~الشيوعية وتمويلها الخارجي عندما انهار الاتحاد السوفييتي؛ وتراجعت ~~شعبية القومية منذ نهاية الكفاح المقاوم للاستعمار في أوائل القرن ~~العشرين. وقدمت كلتا الحركتين للأقليات قضية يمكنها من خلالها ~~الوقوف جنبا إلى جنب مع المسلمين. ومع اضمحلال الحركات القومية إلى ~~مرحلة ما بعد الاستعمار، أصبح استغلال الانقسامات الدينية أسهل. ~~وتراجعت فكرة أن العراق، أو مصر، دولة لجميع مواطنيها، لدى بعض ~~المسلمين، وحلت محلها الفكرة القديمة القائلة بأن المجتمع الطبيعي ~~هو المجتمع القائم على الدين. كما كتبت سها رسام في كتابها «المسيحية ~~في العراق»: «كل الأقليات ... أصبحت هشة في ظل غياب هوية عراقية ~~موحدة للناس تحت رايتها.» # عززت محاولات خارجية من قبل الغرب المسيحي، الذي جرت ~~علمنته، للتدخل في الشرق الأوسط، من هذا التوتر الديني؛ لا سيما ~~عندما لم يخدم ذلك التدخل بشكل واضح جدا مصالح شعوب الشرق الأوسط. ~~كتب آرثر بلفور في عام 1919 عن المخطط البريطاني لتأسيس وطن قومي ~~لليهود فيما كان يعرف آنذاك باسم فلسطين: «نحن لا نقترح حتى إجراء ~~أي شكل من أشكال التشاور مع رغبات السكان الحاليين للبلاد.» لم ~~يتغير هذا ms013 الموقف تغيرا كبيرا، كما أظهرت خطط التحالف غير ~~المدروسة بعناية لعراق ما بعد الحرب (بما في ذلك الإخفاق في حماية ~~التراث الأثري الثمين للبلاد) في عام 2003. # وكذلك لا تتمتع مؤسسات الدولة في كثير من الأحيان بالسلطة ~~الأخلاقية التي قد تساعدها في مواجهة المتطرفين دون اللجوء إلى ~~استخدام القوة. فالمؤسسات الدينية ورجال الدين المدعومون من الدولة قد ~~فقدوا مصداقيتهم في أعين بعض المسلمين؛ بسبب افتراض أنهم نالوا ~~الحظوة والمال مقابل الانصياع للحكومة. ويمكن للمتطرفين استغلال ~~ذلك بتقديم أنفسهم باعتبارهم بدائل أكثر جرأة وأقل فسادا. ~~وتفضل الحكومات غالبا، عند مواجهة المتطرفين الدينيين الأكثر شعبية ~~منها، أن تشتري صمت المتطرفين بدلا من أن تواجههم. # عادة ما كانت العملة التي يشترى بها صمت المتطرفين الدينيين هي ~~فرصة جعل الأجيال القادمة متطرفة من خلال نظام التعليم. وقد نجح ~~الإسلاميون في تحقيق ذلك في سبعينيات القرن الماضي، عندما كان ينظر ~~إليهم (بما في ذلك من قبل إسرائيل والغرب) على أنهم ترياق قيم ~~لسموم الشيوعية والقومية المتطرفة، وقد استفادوا في ذلك الوقت من ~~حقيقة أن ثروة النفط والغاز قد أثرت مجتمعات الشرق الأوسط الأشد ~~تحفظا. ففي مصر، استخدموا نفوذهم على مدى السنوات الأربعين الماضية ~~لجعل قوانين البلاد إسلامية بصورة أكثر صراحة. خلق هذا بيئة تشعر ~~فيها الأقليات بأنها غير مرغوب فيها؛ كما قال لي مسيحي مصري: «إذا ~~كان الدستور يجعل الشريعة الإسلامية «مصدر التشريع»، فإنني أشعر ~~بالتهميش.» تستخدم بعض الجماعات الإسلامية العنف، أيضا؛ عادة لدوافع ~~سياسية، وليس فقط من أجل الحث على الاهتداء إلى الإسلام. ففي ~~الثمانينيات استهدف الإسلاميون المصريون المسيحيين ليس فقط كوسيلة ~~لفرض عمليات التحول إلى الإسلام وإزالة إحدى العقبات في طريق التجانس ~~الديني، ولكن أيضا كوسيلة للضغط على الحكومة. وبعد سقوط حكومة ~~الإخوان المسلمين في مصر عام 2013، وانتقاما لذلك، أحرقت مجموعات ~~متطرفة من الشباب عشرات الكنائس. # في الوقت ذاته، من المهم عدم المبالغة. فيوجد الكثير من حالات ~~حماية المسلمين للمسيحيين في مصر، وفي لبنان - حيث انتهت حرب أهلية ~~مروعة قبل نحو عشرين عاما فقط ms014 - تشير استطلاعات الرأي إلى أن ~~التسامح الديني أعلى مما هو عليه في العديد من البلدان الأوروبية. ~~والتقدم الذي جلبه القرن العشرون صوب المساواة الدينية في الشرق ~~الأوسط لم يحدث التراجع عنه كليا؛ فحتى آية الله الخميني لم يتماد ~~إلى حد استعادة قوانين العقوبات القديمة التي اضطهدت غير المسلمين ~~في إيران في القرن التاسع عشر. لكن شعور الأقليات بعدم المحبة يتفاقم. ~~والهجرة من الشرق الأوسط أسهل على الأقليات من أي وقت مضى؛ لأنها ~~استخدمت القرن الماضي أو نحو ذلك لتثقيف وإثراء نفسها، وتجد عموما ~~أن الهجرة إلى أستراليا، أو كندا، أو الولايات المتحدة، أو أوروبا ~~أمرا ميسورا. لذا فإن احتمالية أن بعض هذه الديانات سوف يتضاءل أو ~~حتى يختفي من أوطانه هو احتمال خطير. لن يخسر أحد من هذا أكثر من ~~مسلمي الشرق الأوسط، الذين آمل لذلك أن يرحبوا بهذا الكتاب، الذي ~~يحاول إحياء ذكرى المعتقدات المتنوعة التي جلبها أسلافهم إلى ~~العالم. # تبقى قول شيء واحد، وهو حول الإيمان. فقد رفضت الطوائف الوارد ~~ذكرها في هذا الكتاب كل تحريض للتخلي عن معتقداتها وعاداتها ~~الدينية، وكثيرا ما تحملت الإهانة أو العنف من أجل الحفاظ عليها. وفي ~~بعض الحالات، تكون هذه العادات الدينية في حد ذاتها صعبة للغاية، ~~كما في حالة الأقباط الذين يصومون معظم أيام السنة، أو بالتأكيد في ~~حالة المسلمين خلال شهر رمضان. إذا كان الناس في الشرق الأوسط يتقاتلون ~~حول معتقداتهم أكثر مما يفعل الأوروبيون والأمريكيون، فذلك يرجع ~~جزئيا إلى أن هذه المعتقدات عزيزة جدا عليهم. وفي حين أن التقاتل ~~أمر يجب وقفه، فإن الروح الدينية التي تحفزه قد تملك شيئا أكثر ~~جاذبية لتقدمه. لذا ربما تحثنا الفصول التالية على التفكير في ~~الآتي: إلى جانب جميع الدروس التي يريد الغرب تدريسها لشعوب الشرق ~~الأوسط، هل يوجد ما نتعلمه منهم؟ ~~••• # لقد اخترت في الكتاب أن أستخدم الأسماء الحديثة لدول الشرق الأوسط، ~~حتى عند الإشارة إلى الماضي البعيد. لذلك عندما أقول إن شيئا ما حدث ~~في «لبنان» منذ ألف عام - في وقت ms015 لم يكن فيه وجود لهذا البلد - فأنا ~~ببساطة أعني أنه حدث في مكان داخل ما يسمى حاليا بلبنان. وهذا ~~لمجرد سهولة التناول. واستخدمت أيضا «ميلادية» و«قبل الميلاد» بدلا ~~من «الحقبة العامة» و «ما قبل الحقبة العامة» لأنه، في منطقة لكل طائفة ~~فيها تقويمها الخاص، لا يوجد حتى الآن شيء يسمى «الحقبة العامة». على ~~سبيل المثال، هذه السنة هي 2014 ميلادية. وفي التقويم السامري هي 3652، ~~محسوبة من يوم دخول بني إسرائيل أرض الميعاد، وفي التقويم الهجري ~~الإسلامي هي 1435، محسوبة من هجرة محمد إلى المدينة المنورة، وفي ~~التقويم الزرادشتي هي 1383، محسوبة من يوم تتويج آخر ملك زرادشتي. ~~وبالنظر إلى هذا العدد الكبير من أنظمة التأريخ المختلفة، يبدو أكثر ~~صدقا قول إن سنة 2014 هي سنة محسوبة وفقا للنظام المسيحي ~~الأوروبي. # ومن هذا المنطلق، أود أن أوضح أن هذا الكتاب هو سلسلة من ~~التحقيقات الشخصية وغير الرسمية. وهي بالضرورة غير موضوعية وانتقائية، ~~مصطبغة بصبغة اهتماماتي الخاصة وبالمواجهات والمشاهد التي اخترت ~~تصويرها. فمنظوري الخاص هو منظور شخص أمريكي-بريطاني من الروم ~~الكاثوليك يتحدث اللغة العربية والفارسية. ومثل أعضاء الديانات الأخرى ~~الموصوفة هنا، فإنني أنتمي أيضا إلى ثقافة في طور التحول، ~~والمنتمون إليها آخذون في التخلي عن عاداتها وتقاليدها القديمة. توجد ~~طرق أخرى للنظر إلى هذه الطوائف، وقصص أخرى قد تلقي ضوءا مختلفا ~~عليها، وتفسيرات أخرى لتاريخها. ويجب على أي شخص يريد إلقاء نظرة ~~أكثر شمولا على أي من هذه الطوائف قراءة كتب معينة مدرجة في قسم ~~«المصادر والقراءات الإضافية». وفي محاولتي لتأليف هذا الكتاب اعتمادا ~~على أربع سنوات فقط من البحث وعشر سنوات من الترحال في الشرق الأوسط، ~~أبهرني تفاني شخصية مثل إي إس دراور، التي قضت حياتها كلها في ~~دراسة المندائيين. لا يمكنني أبدا أن أباريها في معرفتها أو ~~معرفة العديد من الخبراء الذين كانوا لطفاء بما يكفي لمساعدتي في هذا ~~الكتاب. لقد ذكرت أسماءهم وشكرتهم في قسم «المصادر والقراءات ~~الإضافية». # وعلى ذكر دراور، وكذلك البيروني ومعاصريه في العصور الوسطى، يحضرني ~~الثناء الذي حظي ms016 به السير ويليام جونز، مقترح فكرة أن اللغات ~~الأوروبية والهندية لها مصدر مشترك واحد. وقد علق الخبير الاقتصادي ~~السياسي جيمس أندرسون على هذا الأمر بما يلي: «طوبى لصانعي السلام، ~~الذين ينحون من خلال أبحاث مضنية إلى إزالة تلك الأقنعة المدمرة ~~التي أخفت الجنس البشري بعضه عن بعض مدة طويلة.» لا يمكنني نسب ~~أي فضل لنفسي على إنجاز أي شيء مهم جدا؛ ولكن على الأقل هذا الكتاب ~~يمكن أن يذكر الناس بجهد أولئك الذين أنجزوا أشياء بالغة ~~الأهمية. ~~••• # وعودة إلى التكهن الذي بدأت به المقدمة: كيف كان يمكن أن يختلف ~~العالم لو (مثلا) لم يصبح الإمبراطور قسطنطين مسيحيا سنة 312، وهو ~~الحدث الذي أدى إلى اعتناق الإمبراطورية للمسيحية بوصفها دينا ~~رسميا؟ كان سيظل العديد من المسيحيين موجودين بالطبع، ولكن ربما كانت ~~أعدادهم تضاءلت بسبب الاضطهاد. وربما كانت اليهودية ستصبح ديانة ~~عالمية رئيسية، مقرها العراق، وتتناحر من وقت لآخر مع السامريين ~~(الذين كان عددهم سيصل إلى الملايين، ويسيطرون على ما يعرف الآن ~~باسم إسرائيل، وربما جنوب سوريا أيضا). وما كان بعض الناس ليكتفوا ~~بالقراءة للفلاسفة اليونانيين؛ بل كانوا سيعبدونهم أيضا. أما فيما ~~يتعلق ببقيتنا، فربما كنا سنتبع ديانة غامضة، ديانة لا تعترف بحقائقها ~~إلا لشيوخ مختارين. ما تقدمه تلك الديانة ليس علاقة شخصية مع الله ~~بقدر ما هو فرصة للاستفادة من القوى التي يتمتع بها أولئك القلة من ~~المسنين المتقشفين والمتدينين الذين يتمتعون بمثل هذه العلاقة. ~~فقد كان العديد من هذه الديانات من بين المنافسين الأوائل للمسيحية، ~~بما في ذلك المانوية. يقدم الفصل التالي فكرة عما يكون عليه الحال في ~~وجود مثل هذه الديانة. # الفصل الأول # | المندائيون # في المقهى المعتم لفندق الرشيد في بغداد، نظر إلي رئيس كهنة ~~المندائيين، وشقيقه، وابن عمه طالبين مساعدتي. لم يكونوا يعرفون مدى ~~شعوري بالفخر لمقابلتهم. هنا، أمامي، حضر ممثلو واحدة من أكثر ~~الديانات غموضا في العالم. ولأنهم كانوا يعبدون إلها واحدا، ~~ويمارسون التعميد، ويعتبرون يوم الأحد يوما مقدسا لهم، ويوقرون ~~نبيا يدعى يوحنا، فقد أخطأ المبشرون الأوروبيون ms017 في القرن ~~السادس عشر في اعتبار المندائيين مجرد طائفة أخرى من الطوائف ~~المسيحية العديدة والمتنوعة في المنطقة. في الواقع، ديانتهم منفصلة ~~تماما عن المسيحية. فهم يؤمنون بالجنة، لكنهم يسمونها «عالم النور»، ~~وبوجود روح شريرة، لكنها مؤنثة، على عكس إبليس، وتدعى روها، ~~وبالتعميد بوصفه شرطا ضروريا لدخول «عالم النور»، على الرغم من أنه ~~عندهم يجب أن يكون في مياه جارية، بينما الأطفال الذين يموتون بلا ~~تعميد يتعزون إلى الأبد بأشجار تحمل ثمارا على شكل أثداء ~~أمهاتهم. ويوحنا الذي يتبعونه هو يوحنا المعمدان، وليس يوحنا ~~الإنجيلي، وعلى الرغم من تقديم المعمدان في النصوص المسيحية على أنه ~~تابع ليسوع، فالمندائيون يرونه نبيا أعظم شأنا. وبعد سماع ~~الإنجيل المسيحي الذي يقول فيه يوحنا المعمدان إنه ليس أهلا لأن يحل ~~سيور حذاء يسوع، أعرب أحد المندائيين، الذي عاش في القرن التاسع عشر ~~واعتنق المسيحية، عن سخطه. وسأل الكاهن بعد القداس: «أليس عيسى ~~ويحيى» - الأسماء العربية ليسوع ويوحنا - «ابني خالة، ومن ثم ~~فهما متكافئان؟ أليسا في «عالم النور» معا؟» # تعميد مندائي في نهر دجلة. حقوق الطبع والنشر: أوليج ~~نيكيشين/جيتي إيمدجز. # يزعم المندائيون أنهم من نسل شيث، ابن آدم، وأنهم تلقوا تعاليم ~~سرية انتقلت من آدم في جنة عدن. وعندما يهمس كاهن مندائي في أذن ~~أحد أتباع الديانة، في يوم أول تعميد لهذا الشخص، بالاسم المقدس لذلك ~~الشخص، الاسم الذي يجب ألا يكشف عنه أبدا إلا لأقرب أفراد الأسرة، ~~فإنه يقوله بلغة بابل القديمة. وعندما يلتقط من على رفه أحد ~~الكتب المقدسة، الذي يحتوي على أساطير وحوارات كانت سرية جدا لدرجة ~~أنها لم تدون مطلقا قرونا عديدة، فإنه يقرأ الكلمات التي ظل ~~المندائيون يرددونها أكثر من خمسة عشر قرنا. وعندما يتناول وجبة ~~مقدسة، مؤديا الطقوس بالترتيب الدقيق اللازم لخلاص الأرواح، فإنه ~~يفعل كما فعل أسلافه على مدى أجيال. وتربط هذه الطقوس في وقتنا الحاضر ~~بالماضي البعيد قبل المسيحية، وبالمأدبة الجنائزية للميثرائيين ~~والمصريين، وبتعاليم المانوية، الديانة المنقرضة الآن التي كان لها ~~فيما مضى أتباع حتى في أماكن بعيدة ms018 مثل الصين، وكانت تتنافس مع ~~المسيحية على ولاء القديس أغسطينوس. # لقد صادفت هذه الديانة الاستثنائية في ظروف غير مواتية للغاية. ~~ففي عام 2006، كنت أنصهر من حرارة بغداد المغبرة، أعاني، ليس من الخوف ~~ولكن من الإحباط. كانت الأسلاك الشائكة تحاصر عالمي؛ في المنطقة ~~الخضراء، وهي المدينة الفاسدة للقرن الحادي والعشرين، التي تبلغ ~~مساحتها خمسة أميال مربعة مليئة بالحواجز الخرسانية والأسلاك ~~الشائكة، وجسور الطرق السريعة التي تنتهي في الهواء حيث فجرتها ~~قنبلة، وأنفاق مسدودة لاعتراض سبيل الدخلاء. في هذا المكان، الذي ~~كان يوما ما ضاحية مبنية خصوصا للديكتاتور السابق صدام حسين ~~وأتباعه المقربين، كانت حمامات السباحة وقتئذ مردومة تماما، ~~وقسمت القصور المبهرجة، وأخليت حديقة حيوانات خاصة لإفساح المجال ~~أمام فيلق دائم الزيادة من البيروقراطيين الغربيين الذين كانوا، ~~عندما يشعرون بالإنهاك بسبب قضاء أيام طويلة أمام شاشات الكمبيوتر ~~الخاصة بهم، يقوون أنفسهم أحيانا بوجبات سرطان البحر الذي نقل ~~جوا من أمريكا أو بمشروبات كحولية تقدم في حانات لا تسمح بدخول ~~العراقيين، حيث يترنح الزبائن الذكور الذين يشكلون أغلبية ساحقة ~~في المكان وينصبون جميعا قاماتهم كلما دخلت امرأة. # كان لدي على الأقل مصدر إلهاء يتمثل في العمل في مكتب كل ~~موظفيه من العراقيين. وخلال شهر رمضان، عندما لا يأكلون ولا يشربون ~~أثناء النهار، كنت أحيانا أتسلل خلسة إلى المطبخ، حريصا على عدم ~~جرح مشاعرهم، ولكنني بحاجة إلى المشروبات الغازية الغنية بالسكر ~~لطرد النعاس. فيما عدا ذلك، حاولت أن أحذو حذوهم، وصولا إلى النقطة ~~التي كانوا يضطرون فيها إلى مغادرة المنطقة الخضراء الآمنة. في ~~أمسيات رمضان كنا نتناول طعام الإفطار معا، حيث كانت تتعاظم متعة ~~التمر والحساء البسيط إن تمكنت من الصمود طوال اليوم دون تناول ~~الطعام. حاولت تقليد اللهجة البغدادية المعقدة، ذات الحروف ~~المتحركة العميقة، وتعلمت التنقل بين الأروقة المتهالكة لمختلف ~~المصالح الحكومية، وأعددت نفسي للتعامل مع الأخبار المروعة التي كانت ~~تأتي كل يوم من العالم خارج ذلك المكتب، حيث كانت عصابات المسلمين ~~السنة والشيعة تتقاتل على السيطرة. كل يوم كانت ترد أنباء عن ms019 ~~مآس جديدة: رأس فتاة مقطوع، مزروع بالمتفجرات بحيث أصبح فخا ~~ملغوما لأفراد عائلتها عندما حاولوا استعادته؛ ورجال مخطوفون يطلق ~~سراحهم مقابل فدية، ولكن بعد اقتلاع أعينهم وقطع أيديهم ~~وأرجلهم. # كل هذا كان يحدث في المكان الذي بدأت فيه الحضارة منذ أكثر من سبعة ~~آلاف عام. إذا قارنا التاريخ المسجل بالمناظر الطبيعية، فسيمثل ~~العراق جبل إيفرست: مثلما تبدو الجبال الأخرى صغيرة أمام جبل إيفرست، ~~فحتى التاريخ القديم يبدو حديثا مقارنة بتاريخ العراق. ماذا عن سفينة ~~نوح؟ تتحدث الأساطير العراقية القديمة عن طوفان عظيم وعن رجل يدعى ~~أوتنابيشتيم نجا منه في مركب عظيم. الأسطورة، التي انعكس أثرها على ~~رواية نوح في الكتاب المقدس، كانت مستندة إلى حقيقة. فقد تعرضت ~~مدن العراق المنخفضة لطوفان مدمر. واكتشف عالم الآثار ليونارد وولي ~~أدلة على مثل هذا الطوفان عندما حفر فريقه في أنقاض مدينة أور في ~~عشرينيات القرن الماضي ووجد ثمانية أقدام من التربة النظيفة بين ~~طبقتين من الأدوات المصنوعة من الفخار والصوان. كما سجل ~~بفتور، قائلا: «جاءت زوجتي ونظرت ... واستدارت معلقة بعدم اهتمام: ~~«حسنا، بالطبع، إنه «الطوفان».» قد يكون من الأصدق أن نقول إنه كان ~~«طوفانا»، لكن أساس القصة الإنجيلية هو بالتأكيد العراق، التي كانت ~~حضارتها بالتبعية أقدم من الطوفان.» # ماذا عن الأهرامات؟ إنها يافعة بالمقارنة بمدن جنوب وسط العراق، التي ~~ظهرت في وقت مبكر يعود إلى سنة 5300 قبل الميلاد - قبل ثلاثة آلاف ~~سنة من بناء الفرعون خوفو للهرم الأكبر. كانت مدن العراق تكاد في ~~قدمها بالنسبة إليه توازي قدم توت عنخ آمون بالنسبة إلينا. إن ~~العادة العراقية في البناء بالطوب اللبن، في مناخ أقل جفافا ~~بكثير من مناخ مصر، هي التي تسببت في انهيار آثارها العظيمة بينما ~~بقيت الآثار المصرية. # ماذا عن ملحمة «الأوديسة» لهوميروس؟ كان العصر الذهبي للعراق على ~~وشك الانتهاء بحلول زمن هوميروس. القصص الملحمية العراقية باقية منذ ~~نحو سنة 2000 قبل الميلاد. وتدور أحداث إحداها حول بطل يدعى جلجامش، ~~وعلاقته برجل يدعى إنكيدو، واشتراكهما في قتل الوحش هومبابا. إنها ~~تتعامل ms020 مع مواضيع خالدة مثل: الصداقة، والجنس، والموت. إنها حتى ~~تحتوي على الكوميديا. تقول لعنة قذرة تستهدف عاهرة: «أتمنى أن ترابط ~~كلاب برية في غرفة نومك ... أتمنى أن يغطيك قيء السكارى ... ~~وأتمنى أن تقاضيك الزوجات الغاضبات!» ربما سمع أوديسيوس نفسه هذه ~~القصيدة الملحمية وأدرك فيها بعض أوجه التشابه مع أسفاره؛ ولكن حتى ~~في عصره، كانت بالفعل قديمة. # كانت بابل هي أشهر وربما أعظم مدن العراق القديم، لكن هذه المدينة ~~التي كانت عظيمة يوما ما هي الآن رقعة متسعة من الطين الذي يكاد ~~يكون خاليا من المعالم على ضفة نهر الفرات، خمسين ميلا جنوب بغداد. ~~كل ما تبقى هو جدران منخفضة وأساسات بوابات. يوما ما كانت تلك ~~جزءا من معابد شامخة لدرجة أن الناس ظنوا أنها كانت تبلغ الجنة ~~ذاتها. وسط هذه الأطلال التي لا تثير الإعجاب، من المفترض أنه تم ~~اختراع اللغة. يقول الكتاب المقدس: «لذلك دعي اسمها ~~«بابل»؛ لأن الرب هناك بلبل لسان كل ~~الأرض.» # في مواكبهم الدينية الاحتفالية، حمل البابليون تماثيل الأسد، ~~الصورة الحيوانية لإله الشمس شماش، والتنين، هيئة إله القمر سين. أما ~~عشتار، إلهة الحب (التي بقيت حتى اليوم باسم إستر)، فكان يرمز لها ~~بالحمامة. كرسي معبد، يكاد يضاهي في ضخامته كاتدرائية القديس ~~بولس، لكبير آلهة المدينة، مردوخ؛ وزينت أبوابه بزخارف تنانين، ~~ومخلوقات أسطورية كانت في هيئة نصف عنزة ونصف سمكة، وكلاب. تشتهر ~~المدينة بأنها موطن الحدائق المعلقة، إحدى عجائب الدنيا السبع في ~~العالم القديم. هنا هرب دانيال ورفاقه من أتون النار المتقدة، ~~ووزن بيلشاصر في الموازين فوجد ناقصا، ومات الإسكندر الأكبر في ~~قصر نبوخذ نصر، بعدما أحبط طموحه في غزو العالم. # لقد انقضت الآن أربعة آلاف سنة منذ تأسيس بابل، وطوال أكثر من نصف ~~ذلك الوقت ظلت مهجورة ومعرضة للمطر، والفيضانات، ونهب الأجيال ~~اللاحقة. وبعد وفاة الإسكندر سنة 323 قبل الميلاد، انقسمت ~~إمبراطوريته الضخمة بين مساعديه المتنازعين. ودمرت حربهم ~~الأهلية اقتصاد بابل، ودخلت المدينة مرحلة من التدهور. وباستثناء ~~تضحيات متفرقة، لم نعد نسمع بمعابدها العظيمة. واختفت حدائق ms021 بابل ~~المعلقة، ولا يوجد أي أثر لها اليوم. يوجد مشروع مهيب بين ~~الأنقاض؛ لكنه جديد وليس قديما. إنه أحد قصور المدينة القديمة، التي ~~أعيد بناؤها. تحمل أحجاره نقشا يقول: «في عهد الرئيس صدام حسين، ~~أعيد بناء بابل كلها في ثلاث مراحل. من نبوخذ نصر إلى صدام حسين، ~~بابل تنهض من جديد.» # في جميع الأنحاء، على نحو يشبه التصوير الوارد في قصيدة ~~«أوزيماندياس»، كانت توجد رقعة ممتدة من طوب لبن متحلل. كانت ~~عملية إعادة إعمار بابل التي قام بها صدام عبارة عن تشكيلة متنوعة ~~من مختلف الأنماط، وسخر منها علماء الآثار الجادون واستهجنوها. ~~واستعمل معظم ما تبقى من بابل الفعلية منذ مدة طويلة مواد بناء ~~لمدينة بغداد، أو نهب أو بيع بثمن بخس لعلماء آثار أجانب وشحن ~~إلى متاحف في لندن، وبرلين، وباريس. ومع ذلك لم يبن قصر صدام ~~الجديد، وهو ما أسعد علماء الآثار. فبناؤه كان يعني استيلاء صدام على ~~ماضي العراق القديم، وهو ما كان يمكن أن يساعد على إضفاء الشرعية على ~~وجود العراق كدولة وسيادته عليها. فبدلا من أن يكون العراق مجموعة ~~من المقاطعات التركية المنتزعة من حكامها العثمانيين في أعقاب ~~الحرب العالمية الأولى، لا يوحدها دين، أو لغة، أو عرق، كان يمكنه ~~أن يقدم دولته البوليسية القمعية بوصفها وريثة الإمبراطوريتين ~~البابلية والآشورية. ومن التوافق، أن العراق لم يحكم، في ذلك الماضي ~~المجيد، على يد رجال الدين المسلمين، الذين كان صدام يكرههم ويخافهم، ~~ولكن حكمه ملوك مستبدون وقساة؛ تماما مثل صدام. # وبحلول عام 2006، كان صدام تحت الحراسة الأمريكية وكان العراق في ~~حالة من الفوضى. وبدا الزمن الذي كان فيه العراق عاصمة لحضارة العالم ~~بعيدا للغاية. فيما مضى كان البطاركة المسيحيون في العراق يوقعون ~~رسائلهم هكذا: «من صومعتي على نهر جنة عدن»؛ لأنهم كانوا يعتقدون ~~أنها كانت موقع الجنة الأصلية التي عاش فيها آدم وحواء. أما في وقتنا ~~الحالي فالنهر ذاته كان يحمل جثث الموتى نحو البحر، مرورا بشارع ~~أبو نواس، حيث اعتاد البغداديون الجلوس في الأيام السعيدة الماضية، ms022 ~~وأكل السمك، وتدخين النرجيلة. كان معظم العراقيين يحاولون البقاء ~~بأمان فحسب، فكانوا يتوجهون إلى منازلهم بأسرع ما يمكن بعد العمل ~~ثم يمكثون بها. وإذا أرادوا محاولة العيش كما كانوا قبل الحرب، ~~والجلوس في أحد مقاهي المدينة، فكان يتعين عليهم إعداد أنفسهم ~~لمواجهة مواقف صعبة. أخبرتني إحدى النساء أنها كانت هي وإحدى صديقاتها ~~تشربان الشاي في أكوابه الأنيقة التي يسميها العراقيون «الاستكانة» - ~~عريضة عند الحافة، ورقيقة من المنتصف، وما زالت توجد أكواب مماثلة ~~منذ القرن الخامس عشر - عندما سمعتا رجلا يفجر نفسه في الشارع. ~~نظرتا حولهما هنيهة، وعندما أدركتا أنه لم يكن ثمة خطر محدق، ~~عادتا إلى «استكانتيهما» واستأنفتا احتساء الشاي. فقد كانت ~~التفجيرات الانتحارية من الأمور اليومية المعتادة. # في الأشهر التي قضيتها في بغداد بصفتي دبلوماسيا، أمضي بسرعة على ~~طرق المدينة السريعة في سيارة مصفحة أو أطل من طائرة مروحية تحلق ~~فوق أراضي العراق الزراعية بمدفع رشاش معلق على جانبها، لم أكن قد ~~رأيت أي أثر لتاريخ البلاد. فقد دمرت قصورها القديمة ومساجدها ~~وكنائسها في العديد من الحروب، وعمليات الغزو، ومخططات إعادة البناء ~~غير المدروسة؛ حيث كانت البيوت المبنية بالطوب اللبن قد تحللت ~~بفعل قرون من المطر. وساعد كل من الحروب، والإهمال، والفساد، وطفرة ~~البناء في القرن العشرين المدعومة بالنفط على تحديث بغداد، التي أصبحت ~~الآن مطوقة بضواح شاسعة من منازل صغيرة مكونة من طابقين ~~ومزودة بساحات ضئيلة المساحة. # أوصى كتيب إرشادي كتب بشجاعة في وقت قريب من حرب عام 2003 ~~للسياح القلائل الذين قد يرغبون في الزيارة (حيث كتب تحت قسم ~~«الترفيه»: «الأخبار سيئة») ببضعة مساجد وقصر واحد بقي من المدينة التي ~~ذكرت في كتاب «ألف ليلة وليلة»، حيث كان الخليفة هارون الرشيد ~~يتجول ليلا بصحبة خادمه المخلص جعفر. فقصة «ألف ليلة وليلة» كانت ~~خيالية، لكن المدينة الحقيقية كانت رائعة جدا؛ إذ بناها الخليفة ~~العربي المنصور سنة 734 ميلادية، وصممها الفرس، وفي وقت من ~~الأوقات كان يعمل بها علماء فلك هندوس أحضرهم مبعوث يهودي من ~~الهند. كان هذا النصب ms023 التذكاري للروابط الخصبة بين الثقافات والأديان ~~مدفونا الآن في الخرسانة في مكان ما تحت محطة السكك الحديدية ~~الرئيسية. لم يتعامل العراق بلطف مع تاريخه. ~~••• # ومع ذلك، كان المندائيون تاريخا حيا. تعود نصوصهم الدينية إلى ~~القرن الثالث الميلادي على الأقل، وقد حافظوا على العادات والتقاليد ~~التي كانت أقدم من ذلك بكثير؛ فربما يعود تاريخها إلى بابل ذاتها. ~~وذلك لأن الحقيقة المدهشة هي أنه لا المسيحية ولا الإسلام قمعا ~~بشكل كامل ديانات العراق القديمة. ظل عدد الوثنيين يفوق عدد ~~الموحدين في العراق بعد الفتح الإسلامي. وصف كتاب بعنوان «الفلاحة ~~النبطية»، كتبه عراقي يدعى ابن وحشية نحو سنة 904 ميلادية، الثقافة ~~المعاصرة التي لم تتغير إلا قليلا عن العصور القديمة لدرجة أن علماء ~~العصر الفيكتوري ظنوا مدة من الوقت أن الكتاب يعود إلى بابل ~~القديمة، وأنه من ثم كان أقدم كتاب على الإطلاق. فهو يصف لقاءات ~~مع متعبدين في معابد للشمس والقمر، وفواكه وخضروات وأشجارا، ~~بفضل قوة الآلهة، قادرة على الكلام، وحشرات أتت بها إلى الوجود آثام ~~البشر، وعرافين، ومخلوقات جولم تشكلت بعلوم الإغريق من طين صيني، ~~وجماعات زاهدة مكرسة للآلهة القديمة، ولكنها تشبه الرهبان ~~المسيحيين أو الصوفيين، بشعر مصبوغ بالحناء ولحى طويلة، ~~وتكهنات فلسفية حول أصل العالم. وفي ظل هذه الخلفية، كان من الممكن ~~أن تنجو الثقافة البابلية بسهولة؛ وبالفعل، كتب الكاتب المسلم ~~المسعودي في القرن العاشر الميلادي أن «البقية الباقية من ~~البابليين» لا تزال تعيش في الأهوار العراقية، التي كانت في وقت من ~~الأوقات تغطي ما يزيد عن 7000 ميل مربع من جنوب العراق. # والسؤال هو: لماذا لم يقمع المسلمون، الذين حكموا العراق أكثر من ~~قرنين من الزمان، هذه الثقافات غير الإسلامية؟ كان أحد الأسباب هو أن ~~الجيل الأول من الفاتحين العرب، الذين دحروا في العقود التي تلت عام ~~632 ميلادية قوات بيزنطة، وحطموا الإمبراطورية الفارسية، لم يعملوا ~~بجد شديد على فرض الإسلام على رعاياهم الجدد؛ لأنهم رأوا أنه في ~~الأساس دين عربي. وقيل إن الخليفة عمر بكى عندما علم أن ms024 رعاياه من غير ~~العرب كانوا يعتنقون الإسلام. فمن الناحية العملية، كان غير المسلمين ~~يدفعون أيضا ضرائب أكثر؛ لذلك خسرت الدولة دخلا عندما اعتنق ~~رعاياها الإسلام. # قرية في الأهوار العراقية تعزل أنهارها الصغيرة ~~المتداخلة سكانها عن العالم الخارجي. نشأت هناك ~~ثلاث ديانات على الأقل. حقوق الطبع والنشر: نيك ~~ويلر/كوربيس. # حتى عندما أراد العرب فرض إرادتهم على كل ميل مربع احتلوه، ~~لم يتمكنوا من ذلك. فقد بدءوا بكونهم نسبة صغيرة من السكان، على ~~أقصى تقدير عشرين بالمائة في العراق. أيضا وقفت الجغرافيا في طريقهم. ~~وفي التسعينيات، على سبيل المثال، اضطر صدام إلى بناء سدود على ~~الأنهار التي تغذي الأهوار قبل أن يتمكن من قمع الجماعات المتمردة ~~التي كانت قد لجأت إلى هناك. وللحكام في الماضي، لم تكن حملة قمعية ~~كتلك تستحق العناء. # علاوة على ذلك، كان التسامح تقليدا متبعا في الإسلام. وعلى الرغم ~~من أن القرآن قبح فعلة عبدة الأوثان، فقد امتدح «أهل الكتاب» ~~الذين كانوا موحدين ولديهم كتب مقدسة. تضمن هذا الوصف صراحة ~~المسيحيين واليهود. وكان الزرادشتيون و«الصابئة» من الديانات ~~الأخرى التي خصت بالذكر على نحو إيجابي في القرآن. وبعد عدة ~~قرون من بداية الإسلام، كان التحديد الدقيق لهذه المجموعة الأخيرة ~~غير واضح، مما وفر ثغرة نجت من خلالها العديد من ديانات الشرق ~~الأوسط الأخرى من الاضطهاد، بما في ذلك المندائيين، الذين اعتبرهم من ~~الصابئة العالم المسلم العظيم في القرن الحادي عشر، المتخصص في علم ~~الإنسان، البيروني، في واحد من كتبه التي يصل عددها إلى 142 كتابا. ~~وبالمناسبة، يعتبر البيروني، الذي وصفه جورج سارتون بأنه «أحد أعظم ~~العلماء في تاريخ العالم» بسبب انفتاحه الفكري، مثالا جيدا على ~~التسامح الذي أظهره بعض المثقفين المسلمين تجاه الأديان التي ~~اكتشفوها وسطهم. ومن الأمثلة الأخرى المسعودي، الذي كان من رصد ~~البابليين الذين يعيشون في الأهوار العراقية، والذي درس شعوبا بعيدة ~~ومتنوعة مثل الروس والفرنسيين. وعلى الرغم من تحفظات المحافظين ~~الدينيين، فإن هؤلاء المثقفين كانوا مستعدين للتعلم حتى من أولئك ~~الذين لا يشاركونهم عقيدتهم، بناء على ms025 مقولة عربية هي: «الحكمة ~~ضالة المؤمن: فحيث وجدها فهو أحق بها.» وعلى الرغم من أن روح ~~التسامح هذه تضاءلت في القرون اللاحقة، وكثيرا ما تعرض المندائيون ~~للمضايقة والاضطهاد في بعض الأحيان، إلا أنه نادرا ما بذلت السلطات ~~الإسلامية جهدا كبيرا لإرغام رعاياها على اعتناق الإسلام بالقوة؛ ~~وكان لدى المندائيين الأهوار ليحتموا بها، حتى القرن ~~العشرين. # كان البابليون يعيشون في الأهوار العراقية؛ وكذلك المندائيون. هل ~~يحتمل وجود صلة بينهم؟ لقد أحببت القراءة عن بابل في طفولتي، وكان ~~من المشوق أن أظن أن المندائيين كانوا آخر البقايا الضعيفة للحضارة ~~البابلية. لذلك عندما اتصل بي رئيس كهنة المندائيين وطلب إجراء لقاء، ~~كان الأمر أشبه باستدعائي للقاء أحد فرسان المائدة المستديرة، أو ~~اكتشاف أنه في قرية صغيرة في منطقة نائية من الريف الإنجليزي، لا ~~تزال توجد طائفة تعبد أودين، وقد دعاني المنتمون إليها لتناول الشاي. ~~لذلك وافقت؛ فقد وددت رؤية رئيس الكهنة. # لم يكن يوجد سوى مكان واحد في المنطقة الخضراء يمكن أن يدخله ~~البغدادي العادي بسهولة. في أوج عظمته، كان فندق الرشيد، وهو مبنى ~~خرساني مكون من ثمانية عشر طابقا من سبعينيات القرن الماضي، يضم ~~مائة متنصت يجلسون في الطابق السفلي، متصلين بشبكة من الكاميرات ~~والميكروفونات التي سجلت كل ما فعل وقيل في كل غرفة. بعد حرب ~~عام 2003، على ما يبدو نزعت الكاميرات والميكروفونات، وغطيت لوحة ~~جورج بوش الأب المصنوعة من الفسيفساء التي كانت ممسحة الأرجل ~~الرسمية للفندق. ظل الفندق مكانا غريبا. وقف النوادل في المقهى، وهم ~~يرتدون صدريات وأربطة عنق مزيفة، قريبين أكثر من اللازم من ~~الطاولات وقتا أطول قليلا من اللازم، ينصتون باهتمام. كان هذا هو ~~المكان الذي قابلت فيه رئيس الكهنة، الذي كان معروفا باسم الشيخ ~~ستار («الشيخ» هو لقب عربي فخري، يستخدم على نطاق واسع في ديانات ~~الشرق الأوسط وقبائله؛ للدلالة على الاحترام). كان يجلس على طاولة مع ~~رجلين اتضح أنهما شقيقه وسكرتيره. # قال الشيخ ستار: «ديانتنا هي أقدم ديانة في العالم. فهي تعود إلى ~~آدم.» تتبع تاريخها إلى ms026 بابل، على الرغم من قوله إنها قد تكون ~~ذات صلة ما بيهود القدس. وقال إن المندائيين آمنوا بآدم، الذي كان ~~أول البشر، وآمنوا ببعض الأنبياء الآخرين الذين وردت أسماؤهم في ~~الكتاب المقدس العبراني، مثل شيث ونوح. والأهم من ذلك كله، أنهم ~~كانوا يبجلون يوحنا المعمدان. لكنهم أنكروا إبراهيم وكان لديهم ~~كتبهم المقدسة التي كانت منفصلة تماما عن الكتاب المقدس أو ~~القرآن. وسلمني الشيخ أحد هذه الكتب، الذي قد نشر باللغة العربية ~~مغلفا بغلاف أبيض. # كان اسم الكتاب كنزا ربا؛ والاسم يعني «الكنز العظيم». تصفحت ~~الكتاب، من اليمين إلى اليسار، وأدركت أنه يمكن أيضا قلبه رأسا على ~~عقب وقراءته من الخلف إلى الأمام، مما يكشف نصا آخر بالتوالي مع ~~الأول. صيغت كلتا النسختين مثل القرآن، وقسمتا بدقة إلى آيات ~~وفصول. في بداية كل فصل، حيث في القرآن عبارة «بسم الله الرحمن ~~الرحيم!» جاء في كتاب كنزا ربا: «باسم الحي العظيم!» وكان على كل ~~صفحة ما يبدو أنه صليب، متوج بغصن نبات الآس، ملفوف فوقه وشاح ~~أبيض. أكد لي الشيخ ستار أن هذا لم يكن صليبا بل «درفش». وهو رمز ~~للتغطيس في نهر دجلة، أي «التعميد» المندائي وأحد أقدس طقوس الديانة. ~~وتمثل أذرعه الأربع جهات العالم الأربع. فهو نور الجنة المندائية ~~على الأرض، حيث تتمتع أرواح الأخيار بالنعيم الأبدي. وضع على الأرض ~~في اليوم الذي عمد فيه هيبل زيوا، ملاك النور، يوحنا، الذي أصبح ~~بدوره يوحنا المعمدان وصنع معجزات مسجلة في أحد الكتب المندائية ~~المقدسة، «إدراشا إد يهيا» (كتاب يحيى). ويقول الكتاب إن يوحنا ~~المعمدان كان صانع معجزات أعظم بكثير من يسوع. # حظي التعميد بتركيز خاص لدى المندائيين. قال الشيخ: «إننا لا نمارس ~~التعميد مرة واحدة في العمر فقط، مثل المسيحيين، ولكن قبل كل ~~المناسبات الكبرى. على سبيل المثال، قبل الزفاف يعمد كل من العروس ~~والعريس.» فالمعمودية هي أكثر من مجرد عملية تطهير. ينظر إليها على ~~أنها تعطي طاقة ورضا روحيين، وتطهر من الخطيئة، وتشفي الجسد. ~~وأضاف الشيخ ستار أن المندائيين فضلوا ms027 ارتداء ملابس بيضاء والعيش ~~بالقرب من الأنهار؛ لأنه كان يجب أن تجرى المعمودية في مياه جارية ~~نظيفة. وكانوا أيضا أشخاصا مسالمين. وأكد قائلا: «نحن لا نؤمن ~~بالقتال حتى لو هوجمنا.» كانت محادثتنا باللغة العربية، لكنني علمت أن ~~المندائيين لديهم لغتهم الخاصة، التي لا تستخدم اليوم إلا للأسماء ~~والطقوس. جاء الاسم «مندائي» من كلمة «ماندا»، المرادف لكلمة حكمة في ~~هذه اللغة. كانوا يؤمنون بإله واحد، «ماندا دهايي»، الحي العظيم. ~~أطلقوا على الجنة اسم «عالم النور»، «مالكا دا نهورا». # لم تأت المجموعة لتحدثني عن دينها فحسب. جاءوا ليطلبوا شيئا مني. ~~أخبرني السكرتير: «عائلتي تجار ذهب»، ولذا تعرضوا للهجوم ليس فقط ~~بسبب ديانتهم، ولكن أيضا من أجل أموالهم. وأضاف أن جميع أفراد عائلته ~~من الذكور قد قتلوا. قال رئيس الكهنة: «أرجوك، لم يتبق منا في ~~العراق سوى بضع مئات. وكلنا يريد المغادرة. نريد أن يمنحنا بلدك ~~حق اللجوء.» لم تمنحهم بريطانيا حق اللجوء بوصفهم طائفة، وهو ما ~~كانوا يأملون فيه، لكنني علمت أنه لن يكون من الصعب عليهم التقدم ~~كأفراد، في بريطانيا أو في أي مكان آخر، وأنهم سيغادرون العراق واحدا ~~تلو الآخر. لقد صادفت رابطا للثقافة العراقية القديمة التي كنت ~~أبحث عنها، وكانت تكاد تتلاشى أمام ناظري. ~~••• # كما رأيت، يحافظ المندائيون على العادات البابلية، لكن ديانتهم تختلف ~~عن ديانة البابليين القدماء: فهم، على سبيل المثال، لا يعبدون إله ~~الشمس البابلي بيل أو إلهة الخصوبة أترعتا. ووفقا للمؤرخة يورون ~~باكلي، تعود أقدم نصوصهم الدينية الباقية إلى أواخر القرن الثاني أو ~~أوائل القرن الثالث الميلاديين. وذلك ينسبها إلى مرحلة ثورة فكرية ~~غير مسبوقة في الشرق الأوسط، عندما اجتاحت طوائف وفلسفات جديدة ~~الشرق الأوسط، فجلبت آلهة، وأفكار، وأساطير جديدة حلت محل ~~نظائرها التقليدية. لكن لماذا حدثت هذه الثورة الفكرية في ذلك الوقت ~~بالذات؟ كان السبب الرئيسي وراء ذلك هو السياسة والإمبراطورية. كان ~~الشرق والغرب قد تقاربا بشكل وثيق أكثر من أي وقت مضى، وذلك بفضل ~~توسع الإمبراطوريات الضخمة مثل إمبراطوريات فارس، والإسكندر، وروما. ~~كانت الهند ms028 على الحدود الشرقية لبلاد فارس واليونان على حدودها ~~الغربية؛ وجاورت روما بلاد فارس من الشرق وبريطانيا من الغرب. لذلك ~~تمكنت الثقافات التي كانت معزولة في السابق بعضها عن بعض من أن ~~تلتقي. حتى في حقبة سابقة، وصلت قصص الزهد الهندي إلى الفلاسفة ~~اليونانيين الأوائل، وكانت مصدر إلهام لممارسات الكلبيين، الذين ~~اعتقدوا أن الطريق الوحيد للسعادة الحقيقية يكمن في التخلي عن جميع ~~الممتلكات والعيش في فقر كامل. وفي القرون اللاحقة (خاصة بعد أن صار ~~السفر عبر البحر أسهل) أصبح هذا النوع من الاتصال أكثر شيوعا. وساعد ~~التحضر أيضا في حدوث انصهار بين ديانات مختلفة. فلم يعد كافيا أن ~~يتمسك شعب ما بالآلهة التي كانت لديه منذ آلاف السنين: فقد كان ~~مطلوبا آلهة جديدة، وفلسفات جديدة لتسويغ عبادتها. # نتجت عن ذلك حقبة من الإيمان الديني المتشدد والجدل الفكري ~~المتطرف الذي يجعل العالم الحديث، الذي يبلغ عمر أكبر خمس ديانات ~~فيه الآن أكثر من ألف عام، يبدو بالمقارنة جامدا. دخلت الهندوسية ~~والبوذية الإمبراطورية الفارسية. ووصلت معتقدات الشرق الأوسط إلى ~~روما، مثل الطائفة العشائرية للإله ميثرا وعبادة الإلهة المصرية إيزيس ~~(كانت الأخيرة سيئة السمعة لأنه كان يزعم أن طقوس اعتناقها كانت ~~تتضمن ممارسة الجنس الشعائري). وأصبح رجل يدعى إيل جبل من مدينة ~~حمص السورية إمبراطورا في القرن الثالث، وأحل عبادة إله الشمس ~~الخاص ببلاد الشام محل عبادة الإله جوبيتر القديمة، وركب حجرا ~~نيزكيا أسود من مسقط رأسه ليكون حجر الأساس لأكبر معبد في روما. ~~في الاتجاه الآخر، انتشرت جماعة أتباع الفلاسفة اليونانيين في جميع ~~أنحاء الشرق الأوسط. وكانت اليهودية من الديانات الأخرى التي انتقلت ~~من الغرب إلى الشرق. ربما بقي بعض اليهود بالقرب من مياه بابل بعد ~~نفيهم هناك في القرن السادس قبل الميلاد؛ وبالتأكيد كان يوجد مجتمع ~~يهودي راسخ في العراق في أوائل القرن الأول الميلادي، عندما اعتنق ملك ~~مقاطعة حدياب الشمالية، وزوجته، ووالدته الديانة اليهودية كل على ~~حدة. سنة 70 ميلادية، انضم إلى يهود العراق يهود آخرون ممن كانوا ~~يفرون شرقا من ms029 الجيوش الرومانية التي نهبت القدس وهدمت هيكلها. ~~وأصبحت بابل (المنطقة التي كانت تقع فيها بابل يوما ما، والتي احتفظت ~~باسمها: فالمدينة نفسها كانت مدمرة بحلول هذا الوقت) معقل ~~الديانة اليهودية. وتصل تقديرات عدد السكان اليهود في العراق إلى ~~مليوني نسمة في سنة 500 ميلادية؛ ربما نحو أربعين بالمائة من تعداد ~~سكانها. # كتبت أقدم الكتب المندائية المقدسة الباقية بلغة قريبة جدا من ~~تلك التي استخدمها العلماء اليهود الذين جمعوا التلمود البابلي، أحد ~~أهم مجموعات الشريعة اليهودية، والذي جمع بين القرنين الثالث ~~والخامس الميلاديين. تظهر الكتب المندائية اهتماما باليهودية ~~ومعرفة وثيقة بممارساتها، ولكنها تظهر أيضا الكثير من العداء. فقد ~~اتبع المندائيون يوحنا المعمدان لكنهم يكرهون إبراهيم. وهم يرفضون ~~رفضا تاما ممارسة الختان؛ وهي ممارسة ميزت اليهود عن البابليين ~~حتى أثناء النفي اليهودي في بابل. ويقدس المندائيون يوم الأحد، وليس ~~السبت. وتدور أسطورة ميرياي حول امرأة يهودية تترك ملتها من أجل ~~الزواج من رجل مندائي. كان اليهود والمندائيون يعرف بعضهم بعضا ~~لكنهم كانوا غرماء. # لم تكن المندائية الديانة الوحيدة التي تأثرت بشدة باليهودية: ~~فالعديد من ملل المسيحية تأثرت بها أيضا. وحاول البعض الالتزام ~~بالشريعة اليهودية مع اتباع يسوع، بينما كان البعض الآخر أكثر عدائية. ~~على سبيل المثال، قبلت جماعة مسيحية منشقة تسمى المرقيونية، ~~تأسست في المنطقة التي هي حاليا شمال تركيا في نحو سنة 144 ~~ميلادية، أن الأحداث المذكورة في الكتاب المقدس العبراني (الذي ~~يطلق عليه المسيحيون العهد القديم) كانت صحيحة، ولكنها كانت صادمة ~~لبعض منهم. لماذا، على سبيل المثال، ينهى الرب آدم عن أن يأكل من ~~شجرة المعرفة في جنة عدن؟ لماذا يطلب من إبراهيم أن يقتل ابنه؟ لذلك ~~اعتقدوا أن الرب المذكور في ذلك الكتاب هو في الواقع إله أدنى، لا ~~يستحق العبادة. وكان العالم المادي الذي خلقه هذا الإله الأدنى ~~شيئا يجب الهروب منه بما في ذلك جسد الإنسان وغرائزه؛ فقد كان نخبة ~~المرقيونيين غير متزوجين وليس لديهم أطفال. لم تتضمن الكتب ~~المرقيونية المقدسة سوى إنجيل لوقا ورسائل بولس، وحتى ms030 تلك جرى ~~تغييرها نوعا ما. على سبيل المثال، حذف اسم إبراهيم في كل مكان كان ~~يظهر فيه تقريبا؛ لأن إبراهيم لم يكن فقط على استعداد لقتل ابنه، بل ~~أيضا عاشر خادمته وسمح لفرعون بمعاشرة زوجته. # في تلك البيئة - حيث كثر عدد اليهود ، وانتشرت الجماعات المسيحية، ~~ونحيت الديانات القديمة لتحل محلها أيديولوجيات جديدة - ~~استعد رجل يدعى باتيك لتقديم قربان لأحد الآلهة القديمة في معبد ~~بإحدى المدن جنوب المكان الذي تقع فيه بغداد حاليا. كان يمكن أن ~~يكون أمرا دمويا، مثل ذبح ماعز أو شاة ربما، وبعد ذلك قد يحصل على ~~جزء من اللحم ليأكله. لكنه فجأة سمع صوتا خارقا للطبيعة يخبره ~~ألا يأكل اللحم مرة أخرى. وألا يمارس الجنس. ولا يشرب الكحول. كان ~~ذلك نحو سنة 215 ميلادية. # كان الزهد مسألة مشتركة في الأديان الجديدة في الشرق الأوسط. ربما ~~كان هذا في جانب منه انعكاسا للتأثير الهندي أو رد فعل للانغماس ~~في الملذات الذي اتسمت به الأديان القديمة (فسوريا، حيث كانت ~~المعابد الوثنية يوما ما تئوي عاهرات مقدسات، كانت أيضا البلد ~~الذي عاش فيه قديس مسيحي على قمة عمود لمدة ثلاثين سنة دون أن ينزل ~~مرة واحدة). وكانت توجد فلسفة وراء إنكار الذات أيضا. فقد كان ~~المجتمع متقدما تكنولوجيا؛ ففي القرن الثاني الميلادي، رسم بطليموس ~~خريطة للعالم استخدمت بعد ذلك أكثر من ألف عام، وكتب جالينوس ~~كتابا طبيا استخدم حتى القرن التاسع عشر. ومع ذلك، كان لا بد من ~~تنظيف البالوعات يدويا، وكانت أمراض مثل التيفود شائعة، وقد تتطور ~~الجروح بسهولة إلى غرغرينا. كان ضعف الجسد والقذارة في تناقض غريب مع ~~الإنجازات الفكرية المدهشة. وحيث إنه في ذلك الوقت لم يكن مفهوما بشكل ~~عام أن الفكر له أي صلة بالمخ (أدرك جالينوس ذلك، لكن أرسطو كان ~~يظن أن المخ موجود فقط لتصريف الحرارة من الجسم)، كان من السهل ~~افتراض أن العقل، أو الروح، يمكن أن تعيش دون فوضى الجسد. # غالبا ما كان يطلق على الديانات، التي كانت تأمر أتباعها بمعاقبة ~~الجسد ms031 أو إخضاعه حتى يتحرر العقل، تسمية «الغنوصية»، وكان يوجد ~~العديد من هذه الديانات في هذا الوقت. اكتشف باتيك أن طوائف متشددة ~~كثيرة قد نشأت مؤخرا في الأهوار العراقية. وكان المندائيون إحدى تلك ~~الطوائف، لكن ربما لم تكن قواعدهم صارمة بما يكفي لباتيك. (على الرغم ~~من أنه ربما كان المندائيون نباتيين في مرحلة ما من تاريخهم، فلم ~~يفضلوا الامتناع عن الزواج أبدا.) تلاءمت طائفة قريبة على نحو ~~أفضل مع التعليمات التي أعطاه الصوت إياها. ولم يقتصر الأمر على ~~الامتناع التام عن أكل اللحوم، أو ممارسة الجنس، أو شرب الكحول، بل ~~كانوا أيضا يجتنبون الفن والموسيقى. وعلاوة على ذلك، حاولوا أن ~~يتبعوا بصرامة كلا من الشريعة اليهودية والأناجيل المسيحية. كان ~~يبدو أن كل عائلة كانت تمتلك قطعة أرض تزرع فيها الخضار والفاكهة ~~ليأكلها أفرادها. فيما بعد أطلق عليهم الكتاب اسم المغتسلة، ~~التي تعني في اللغة العربية «من يغتسلون»، بسبب ممارستهم للتعميد في ~~أنهار الأهوار. كان المغتسلة هم من انضم إليهم بالفعل باتيك ~~وزوجته الحامل، وبعد ذلك بوقت قصير ولد طفلهما الوحيد. وأطلقا ~~عليه اسم ماني. # بينما كان ماني يكبر، كان يمر بمرحلة تمرد. لم يكن تمرده ~~متعلقا بالجنس أو الكحول. وإنما غضب من القيود المفروضة على الفن. فقد ~~كان فنانا موهوبا وكان يتوق إلى التعبير عن أفكاره بصورة مرئية ~~وكذلك بالترانيم الموسيقية. كان المندائيون، الذين كانوا يعيشون ~~بالجوار في الأهوار، مصدرا للإلهام؛ فعلى الرغم من رفضهم ليسوع، الذي ~~أعجب به ماني، استحسن موسيقاهم واقتبس واحدة من ترانيمهم. ومع ~~ذلك، فمن نواح أخرى، وجد أن قواعد طائفته مفرطة في التساهل. ~~وقال إن الامتناع عن اللحوم لم يكن كافيا. فقد كان قتل الخضروات ~~وأكلها قاسيا على النباتات، بل كان بإمكانه سماع شجرة التين تبكي ~~على الثمار التي قطعت من أغصانها. واشتكت ينابيع المياه العذبة، ~~على حد قوله، عند استحمام المغتسلة فيها؛ لأنهم كانوا يلوثون المياه. ~~(على ما يبدو كان أتباعه في السنوات اللاحقة يغتسلون ببولهم بدلا من ~~الماء.) في النهاية زعم ماني أنه تلقى ms032 وحيا جديدا؛ سردا لمعركة ~~كونية بين النور والظلام. # رسم حديث لماني، مؤسس من القرن الثالث لديانة ~~نافست المسيحية المبكرة، أدى تقسيمه للكون بين ~~الخير والشر إلى ظهور مصطلح «المانوي». سبقه ~~المندائيون وتأثر بهم. # فبحسب القديس أغسطينوس، الذي اتبع تعاليم ماني بعض الوقت قبل أن ~~يصبح مسيحيا، قال ماني إن الكون يحتوي على «كتلتين متعارضتين، ~~وكلتاهما غير محدودة»؛ إحداهما صالحة، والأخرى شريرة. «كان الشر ... ~~نوعا من المادة، كتلة عديمة الشكل، بشعة ... نوعا من عقل شرير يتغلغل ~~في المادة التي يسمونها الأرض.» وكان الشر مصدرا لكل الظلام في ~~الكون، بما في ذلك كسوف الشمس وخسوف القمر وتعاقب الليل والنهار. وعند ~~ماني، أن تعاقب الليل والنهار كان دلالة على معركة مستمرة بين النور ~~والظلام. وحتى يومنا هذا، نتحدث عن «المنظور المانوي للعالم» بحيث يعني ~~ذلك المنظور الذي يقسم العالم إلى قوى الخير وقوى الشر. («ماني ~~تشاي» كانت العبارة التي يصرخ به أتباع ماني باللغة الآرامية: وهي ~~تعني «ماني حي». لذلك صار يطلق على أتباعه اسم المانويين.) # كان المانويون المستنيرون دينيا يرون أن الدعوة الأسمى هي ~~تحرير الروح من قيود المادة. أما عند الملتزمين حقا - «الشيوخ»، كما ~~كان يطلق عليهم (تستخدم الكلمة ذاتها، «شيخ» باللغة العربية، مع ~~الكهنة المندائيين) - فكان هذا يعني الامتناع نهائيا عن إنجاب ~~الأطفال، وتناول الفاكهة فقط، والتكفير عن قطف تلك الفاكهة. كان إهدار ~~الماء خطيئة. وكانت مسألة قتل الحيوانات مسألة لا يمكن تصورها. ~~فالمانوي المتزمت لن يقتل ذبابة. وورد في إحدى الصلوات المانوية: ~~«دع [البلد] ... الذي تنبعث منه رائحة الدماء يتحول إلى بلد يأكل فيه ~~الناس الخضروات.» ومع ذلك كان الدين يقدم أيضا فرصة للخلاص للأشخاص ~~الذين أرادوا اتباع ماني دون مراعاة جميع مبادئه؛ ففي نهاية الأمر، ~~كان يتعين أن يرتكب شخص ما خطيئة قطف الثمار ليأكلها الشيوخ. ~~وأبرأ الشيوخ أتباعهم من هذه الخطيئة بهضم طعامهم وفق طقس صارم، ~~كان الهدف منه تحرير نتف الضوء المحتبسة داخل الطعام. كان هذا ~~الهيكل المكون من الشيوخ والأتباع يعني أن للدين أشخاصا يتقشفون ms033 ~~تقشفا مثاليا وقادرون على طلب الشفاعة من الله نيابة عن الطائفة ~~بأسرها، مما يترك لأتباعهم حرية العيش حسب اختيارهم؛ بشرط أن يعتنوا ~~بالشيوخ ويوقروهم. وكما سنرى، لا تزال بعض العقائد في الشرق الأوسط ~~تستخدم هذا الهيكل حتى يومنا هذا. # في نحو سنة 240 غادر ماني الأهوار والمجتمع الذي نشأ فيه وسافر ~~شرقا إلى عاصمة الإمبراطورية الفرثية. كان شخصية مميزة بمعطفه ~~المتعدد الألوان، وبنطاله المقلم، وحذائه العالي الرقبة. وبمساعدة ~~الروابط الأرستقراطية لعائلته والموقف العام للفرثيين تجاه الدين، ~~القائم على عدم التدخل، كاد ينجح في أن يتبنى الإمبراطور قضيته؛ ~~لكنه أعدم بسبب جهوده. ومع ذلك، استمرت ديانته في الانتشار. ~~وعندما اتجه أتباعه شرقا من إيران، اعتمدوا على الرسومات البوذية ~~لشرح رسالتهم. وصور ماني على أنه «بوذا النور». وأقيمت مملكة ~~مانوية وسط الإيغور في آسيا الوسطى. وفي القرون اللاحقة، ازداد عدد ~~المانويين في الصين، حيث اشتهروا برفضهم أكل اللحوم. وكانت عبارة ~~«عبدة الشيطان النباتيين» هي الطريقة التي وصفتهم بها السلطات في ~~مرسوم سنة 1141. وأدى الاضطهاد الرسمي إلى تشرذم أعدادهم، لكن ربما ~~ظلوا باقين في جنوب الصين حتى مطلع القرن العشرين. في الواقع، يبدو ~~أن ماني لا يزال يعبد، بمحض الصدفة، في مكان واحد في الصين اليوم: ~~ففي معبد في شرق الصين، يعود تمثال بوذا ذو اللحية والشعر الأملس إلى ~~الوقت الذي بنى فيه المانويون المعبد؛ والأرجح أنه كان في الأصل ~~تمثالا لماني. # في الغرب، كان تبجيل يسوع من تعاليم المانوية وكانت منافسا جادا ~~للمسيحية المبكرة. وكاد مانوي يدعى سيباستيانوس أن يصبح ~~إمبراطورا لروما في منتصف القرن الرابع، ولو كان ذلك قد حدث، لكان ~~تاريخ العالم سيختلف تماما. بدلا من ذلك، اختفت المانوية إلى حد ~~كبير في أراضي الإمبراطورية، حيث أصبحت المسيحية دين الدولة في روما، ~~وبدأت السلطات الرومانية في قمع العقائد المنافسة. صمدت المانوية ~~وقتا أطول بين المسلمين، وتولى المانويون مناصب مركزية في ~~الحكومة، حتى قرر الخليفة المهدي في القرن الثامن أن أتباعها ~~أصبحوا أقوياء أكثر من اللازم، وصلب أعدادا كبيرة منهم. وعرف ms034 ~~العالم المسلم ابن النديم، الذي ترك رواية حياة ماني التي يستند ~~إليها ما ورد أعلاه، بعض المانويين في بغداد في القرن العاشر، لكن لا ~~يبدو أنهم عاشوا أكثر من ذلك بكثير في ظل الحكم الإسلامي. # ومع ذلك، تركت المانوية أثرا ممتدا في الحضارة الأوروبية . إذ ~~توجد بعض الأدلة على أن المسيحيين شعروا بالحاجة إلى محاكاة التقشف ~~غير المسبوق لرجال ونساء ماني الورعين. واستلهاما من اعتقادهم أن ~~الشر كان يتخلل المادة وأنها كانت سجنا للروح، حاولت النخبة ~~المانوية تثبيط كل الدوافع الجسدية، وحذا حذوهم النساك ~~المسيحيون، فحرموا أنفسهم من النوم، وأكلوا العشب والفاكهة فقط، ~~وخصوا أنفسهم في بعض الأحيان. وكانت الرهبنة المسيحية قوية بوجه ~~خاص في مصر، حيث كانت أديرة مانوية بالفعل قد أنشئت. وكان القديس ~~أغسطينوس، الذي كان مؤمنا إيمانا قويا بالخطيئة الأصلية ومدافعا ~~عن العفة، مانويا وشعر بالحاجة إلى مقاومة دعوتها. باختصار، قد ~~لا يزال الزهد والرهبنة في المسيحية الحديثة مدينين لماني. # أما المندائيون فليسوا مانويين ولا مغتسلة. وعلى عكس هاتين ~~المجموعتين، فإنهم يرفضون المسيح ويعتقدون أن الزواج وإنجاب الأطفال ~~واجبات أخلاقية. لكن من نواح أخرى، لديهم العديد من الأشياء ~~المشتركة مع المانويين. فهم يرفضون إبراهيم ويؤمنون أن الجسد سجن ~~للروح. ويؤمنون بملاك من نور، هو هيبل زيوا، يصارع الظلام دائما. ~~ويعتقد المندائيون أنهم شرارات من النور الكوني التي انفصلت عنه ~~وأصبحت محاصرة في وطن مادي. وعندما تتحرر بالموت من سجونها ~~الجسدية، يمكن لشرارات الضوء هذه أن ترتقي مرة أخرى إلى النور ~~العظيم الذي أتت منه يوما ما. لذلك في الجنازات، قد يخاطب الكاهن ~~المندائي روح رجل ميت على النحو التالي: «لقد تركت وراءك الفساد ~~والجسد النتن الذي وجدت نفسك فيه، مسكن الأشرار، المكان الذي كله ~~خطايا، عالم الظلام، والكراهية والحسد، والفتنة، المسكن الذي تعيش فيه ~~الكواكب، جالبة الأحزان والأسقام.» ويعتقد المندائيون أن الطريقة التي ~~يأكل بها الكاهن وجبة مقدسة في جنازة عضو متوفى من المؤمنين ~~بعقيدتهم يمكن أن تحدث فرقا في مصير ذلك الشخص في الحياة الآخرة. ~~هذه ms035 كلها أفكار وممارسات كانت مألوفة لأتباع الديانة العراقية ~~الأخرى، المانوية. لذلك فإن المندائيين حلقة وصل ليس مع تاريخ الشرق ~~الأوسط القديم فحسب، وإنما أيضا مع تاريخ المسيحية. ~~••• # من المرجح أن عدد المندائيين أقل من مائة ألف في العالم كله، ~~وحتى سنة 2003 كان معظمهم يعيش في العراق. ليس كلهم متدينين، كما ~~اكتشفت عندما التقيت للمرة الثانية بأحد المندائيين، هذه المرة في ~~مقهى في مانهاتن، سنة 2009. كانت نادية قطان في زيارة للولايات ~~المتحدة قادمة من بريطانيا، التي منحتها حق اللجوء. وعلى الرغم من ~~أنها قد غادرت العراق، بقيت، على حد تعبيرها، «عراقية متشددة. فنحن ~~أناس عمليون، ولسنا مهتمين بالإبهار. وأنا عاطفية وانفعالية، ولست ~~مثل الأوروبيين.» وبسبب نشأتها في عائلة يسارية في ضواحي بغداد، رأت ~~نادية نفسها عراقية أولا ومندائية ثانيا. وكان لديها أصدقاء من ~~ديانات مختلفة كثيرة، ولم يكن والداها شديدي الالتزام. تابعت ~~قائلة: «لم يعلماني شيئا عن الدين، فقط القواعد الأخلاقية: ألا ~~أكذب، وألا أسرق، وأن أتذكر دائما أنني امرأة.» # لم تكن الكتب المندائية المقدسة متاحة لنادية لتقرأها، حيث كان ~~الكهان يحتفظون بها في معبد يسمى «مندي». ولم تكن عائلتها ~~تصلي، وفي بيتهم في بغداد، الذي وصفته لي، كان من اللازم أن ~~يتمتع المرء بعين ثاقبة ليلاحظ أي شيء يميزهم عن غيرهم من ~~عائلات الطبقة الوسطى العلمانية العراقية. كان ما تلاحظه العين لأول ~~وهلة هو غياب الأشياء، وليس وجودها. فالجدران لم تكن مزينة ~~بآيات قرآنية، ولا بأي صورة للكعبة المشرفة في مكة مع آلاف الحجاج ~~الذين يرتدون ملابس بيضاء وهم يطوفون بها، ولا بصورة مرسومة للإمام ~~الحسين (التي يميل الشيعة إلى امتلاكها). وبنظرة فاحصة، قد يرى ~~الزائر المميز المزيد من الأدلة على المندائية. إذ كانت صورة ~~متوارية عن الأنظار «للدرفش» معلقة على حائط غرفة المعيشة. وكانت ~~أردية وأحزمة التعميد البيضاء الخاصة بالعائلة، التي كانت تستخدم ~~في عمليات التغطيس المقدسة في مياه نهر دجلة، مخزنة في خزانة ~~مطهرة من كل دنس، جاهزة للمناسبات النادرة عندما يحتاجون فيها ~~إليها. # نشأت نادية في ms036 بغداد، لكن عائلتها لم تنتقل إلى هناك إلا في ~~سبعينيات القرن الماضي. قبل ذلك كانوا يعيشون في بلدة صغيرة في جنوب ~~العراق تسمى «سوق الشيوخ». وكان والد نادية مدرسا هناك، وكان لديه ~~متجر ذهب صغير كعمل جانبي. وعندما عادت العائلة إلى هناك لحضور ~~الأعياد المندائية ، عاشت نادية تجربة ممارسة دينها حقا كما ينبغي، ~~وقضت الوقت مع جديها المتدينين. وفي صورة قديمة أرتنيها ~~نادية، رأيت جدها: محاطا بأطفال يرتدون ملابس غربية، كان رجلا ~~مسنا ذا لحية طويلة ويرتدي كوفية باللونين الأحمر والأبيض. ولم ~~يكن يأكل اللحم إلا إذا كان مأخوذا من حيوان ذكر لا تشوبه شائبة، ~~ذبح موليا وجهه إلى الشمال ثم نزف دمه حتى جف، ولم يسمح إلا ~~لزوجته بإعداده. كانت بجواره في الصورة: امرأة متدينة بالقدر ~~ذاته، ترتدي ملابس سوداء بالكامل وتضع حجابا على شعرها. كان ~~حدادا ومارست هي الطب الشعبي، حيث كانت تعالج أمراض العيون التي ~~قد يصاب بها المزارعون المحليون خلال موسم حصاد الأرز. عندما زارت ~~نادية هذين الجدين، قيل لها إنها إذا كانت في فترة الحيض، فعليها ~~الجلوس على طاولة منفصلة. كان هذا تطبيقا صارما لقاعدة مشتركة بين ~~كل من البابليين القدماء واليهود (في بابل كان الرجل الذي يمس ~~امرأة حائضا يصبح نجسا لمدة ستة أيام). لكن مع نادية انتهى هذا ~~الأمر. فقد رفضت، وفي النهاية توقف جداها عن الشكوى من انتهاكها ~~للقواعد. # كان هذان الزوجان قد وصلا إلى سوق الشيوخ سنة 1949. قبل ذلك كانا ~~يعيشان في الأهوار العراقية، تلك المتاهة الشاسعة من الجزر الصغيرة، ~~وأحواض القصب، والجداول الضحلة التي تحد البلدة من جانبها الشرقي. ~~يتألف غالبية السكان من قبائل مسلمة مستقلة بشدة. وقد عاش هناك ~~الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر في خمسينيات القرن الماضي ووصفها ~~بأنها «عالم مكتمل بذاته»، مع أدنى حد من التدخل من الخارج. كان ~~مفتونا بالقبائل، التي وجد بينها مزيجا غريبا من التسامح (على سبيل ~~المثال، تقبل النساء المسترجلات اللائي كن يعاشرن نساء أخريات) ~~والصلابة (كانت القوانين المنظمة للطهارة صارمة لدرجة أن الرجل ms037 قد ~~يرى ابنه ينزف حتى الموت ولا يلمسه خشية أن يتنجس ~~عقائديا). # يذكر ثيسيجر بإيجاز المندائيين الذين عاشوا جنبا إلى جنب مع ~~المسلمين في الأهوار. ويعلق على لحاهم الطويلة، وأغطية الرأس ذات ~~المربعات باللونين الأحمر والأبيض، والمشغولات الفضية، وعادة ~~تربية البط، التي كان المسلمون المحليون يعتبرونها حيوانات نجسة. من ~~يعرف: ربما التقى ثيسيجر بجد نادية من الأم، الذي عمل لحساب زعماء ~~القبائل في تصليح الأسلحة من أجل رحلات صيدهم. أخبرتني نادية: «كان ~~يمكنه فك بندقية وإعادة تجميعها.» كان جدها من جهة والدها يصنع ~~قوارب صغيرة وبسيطة يستخدمها السكان المحليون للتنقل، إذ كان التنقل ~~في أنحاء الأهوار في الماء أيسر منه على الأرض. كانت هذه القوارب ~~تسمى «بيليم»، وهي كلمة ذات جذور سومرية. # التقط ويلفريد ثيسيجر هذه الصورة سنة 1950 لعرب من ~~الأهوار العراقية يستخدمون «البيليم»، وهو نوع من ~~القوارب التي يعود تاريخها إلى العصر السومري، ~~للتنقل عبر الأهوار، التي كانت معزولة للغاية لدرجة ~~أنه أطلق عليها «عالم مكتمل بذاته». الصورة مهداة من ~~متحف بيت ريفرز. # يطلق على أحد الأعياد المندائية اسم «الأيام البيضاء» وهو إحياء ~~لذكرى الأيام الخمسة التي يعتقد المندائيون أن العالم قد خلق فيها. ~~أثناء طفولة نادية، كان هذا العيد في شهر أبريل (لا يحتوي التقويم ~~الديني المندائي على سنوات كبيسة؛ لذلك تنتقل تواريخ أعياده بشكل ~~طفيف جدا من سنة شمسية إلى أخرى)، وأخذها والداها هي وشقيقها ~~عائدين إلى مسقط رأسهما للاحتفال مع العائلة الكبيرة. وصفت لي نادية ~~منازل البلدة الصغيرة، التي كان بعضها يتمتع باللون البني ذاته ~~الذي تتسم به الحقول والأنهار، وكان البعض الآخر مصنوعا من البوص. ~~عاش مندائيو البلدة معا في منطقة واحدة. كان الأطفال يلعبون في ~~الطريق ويتنقلون من منزل إلى آخر طلبا للطعام أو الحلوى. ولو ~~حالفهم الحظ، فربما كانوا يتحصلون على ما يختص به المندائيون، وهو ~~بط المالارد البري المحشو بالقرفة والحبهان، والبصل المفروم، ~~والمكسرات، والزبيب، المسلوق بالليمون المجفف والكركم. وللسيطرة ~~على الأطفال، كان الكبار يحذرونهم من أنهم إذا أساءوا التصرف، فإن ms038 ~~فرسان الصحراء المتوحشين سيمسكونهم ويخطفونهم. # رجل مندائي صوره ويلفريد ثيسيجر في الأهوار ~~العراقية، وهو يضع القار على قارب، مثلما كان جد ~~نادية يفعل يوما ما. الصورة مهداة من متحف بيت ~~ريفرز. # تعد الأيام البيضاء عيدا بهيجا، لكن رأس السنة المندائية عيد ~~ديني يتسم بجانب أكثر رعبا . إذ يقال إن الشر يجوب الأرض مدة ~~ست وثلاثين ساعة في هيئة روح أنثى تسمى روها. وتماشيا مع ~~التقاليد، حاول والدا نادية إجبارها على البقاء في المنزل في هذا ~~الوقت، ولكن دون جدوى. قالت لي: «لم آخذ الأمر على محمل الجد. لكن ~~قيل لي إن روها قد تتمثل في هيئة دبور، أو نحلة، أو شجرة، أو طائر ~~وتحاول إيذائي. أو قد تصدمني سيارة. لقد كان الخروج من المنزل في ذلك ~~الوقت نذير شؤم.» حتى في منزلها العلماني، لا يزال هذا ~~المقدس/المحرم تحديدا يتمتع ببعض القوة. # وبالإضافة إلى العيد السعيد والعيد المخيف، لدى المندائيين عيد ~~حزين أيضا. ففي اليوم ذاته الذي يحيي فيه المسلمون الشيعة ذكرى ~~عاشوراء - يوم الحداد على وفاة الحسين، حفيد النبي، وإخفاقهم في ~~مساعدته - يندب المندائيون أيضا، ويحضرون وجبة خاصة من حساء ~~الشعير المقشور، يطلق عليها اسم «أبو الحارث». بل إنهم ينضمون ~~أحيانا إلى مواكب الشيعة. لديهم تفسيرات مختلفة لما يحيون ذكراه ~~بالضبط في ذلك اليوم - كان كل ما تعرفه نادية «أنه إحياء لذكرى وقت ~~مفعم بالتوتر» - لكن بعض المندائيين يعتقدون أنه إحياء لذكرى غرق ~~جنود فرعون في البحر الأحمر. وبينما يعتبر اليهود هذه الحادثة سببا ~~للاحتفال، فإن المندائيين - لسبب لا يعرفونه هم أنفسهم - أصبحوا ~~يتعاطفون مع المصريين. (كانت أيام حداد كتلك شائعة سابقا في جميع ~~أنحاء الشرق الأوسط. فقد اعتاد البابليون على تعنيف أنفسهم مرة كل ~~عام بسبب تخليهم عن جسد نبي وثني، وهي فعلة اعتقدوا أنها ~~تسببت في الطوفان العظيم.) # حضرت نادية وعائلتها أيضا مع بقية الطائفة لتقديم الدعم المعنوي ~~للرجال المندائيين الذين كانوا يحاولون دخول الكهنوت. كانت مراسم ~~الانضمام عملية شاقة. فمن يطمح لهذا الأمر يتعين عليه أن يقضي ms039 ~~سبعة أيام في كوخ من القصب دون طعام أو نوم. حينها يحتاج إلى دعم ~~أفراد الطائفة: حيث يقف بعضهم خارج الكوخ يقرعون الطبول ويهتفون ~~للتأكد من بقائه مستيقظا، وتزغرد النساء. ويبقى «الجنزيبرا»، وهو ما ~~يعادل أسقفا مندائيا، مع الشخص المتطلع للانضمام إلى الكهنوت ~~وينقش إحدى وعشرين كلمة مؤثرة بعصاه المصنوعة من خشب شجر الزيتون ~~على أرض الكوخ الترابية: فهي سرية للغاية بحيث لا يمكن الجهر بها، ~~وعندما يتعلمها يكنس الجنزيبرا الغبار لضمان عدم تمكن أي شخص آخر ~~من قراءتها. ولإكمال التلقين يجب على الشخص المتطلع لذلك أن يأكل وجبة ~~شعائرية، متبعا مجموعة معقدة ودقيقة من التعليمات. ومنذ ذلك ~~الوقت فصاعدا، يجب أن يطلق لحيته وأن يلتزم بقواعد الطهارة ~~الصارمة. # لكن يوجد مستوى أعلى من القداسة والمعرفة، متاح فقط لأولئك الذين ~~عينوا في رتبة الجنزيبرا، مثل الشيخ ستار. وهذا منصب لا يستطيع ~~أي رجل حي منحه في التقاليد المندائية. ويجب إرسال رسول إلى ~~الحياة الآخرة لطلب الإذن بذلك. حيث يبحث من يرغب في تولي منصب ~~الجنزيبرا عن شخص على وشك الموت ويخبئ زجاجة من الزيت المقدس في ~~جيب الثوب المزين بالذهب والفضة الذي يجب على المندائيين ~~المحتضرين ارتداؤه. ويجب أن يقول الكاهن: «أحضرتها إليك، وأنت ~~ستحملها إلى أباثر.» ويكتمل الطقس بعد وفاة الرسول ووصول روحه إلى ~~أباثر، ديان الأموات، الذي يتلقى منه تأكيدا لطلب المتطلع إلى ~~منصب الجنزيبرا. # يمكن للرجال فقط الانضمام للكهنوت المندائي، ويمكن للرجال فقط ~~الزواج من غير المندائيات مع الاستمرار في نقل الدين إلى أطفالهم. ~~وتحرم المرأة التي تتزوج من الخارج من التعميد، ولا يمكنها أن ~~تعمد أطفالها. ارتأت نادية أن عدم المساواة هذه بين الجنسين لم ~~تكن الروح الأصلية للمندائيين. وللتأكد من ذلك، رجعت إلى الكتب ~~المندائية المقدسة؛ فبدلا من أن تكون حواء مخلوقة من ضلع آدم، ~~كما ذكر في سفر التكوين، تقول النسخة المندائية إنهما خلقا معا. ~~وقالت لي: «أنا متأكدة أنه في وقت ما، كان يمكن للنساء المندائيات أن ~~يصبحن كاهنات، وليس الرجال فحسب.» كانت ms040 على حق؛ ففي كتاب يوحنا، ~~غيرت امرأة يهودية دينها إلى المندائية وأصبحت كاهنة. (وبالمثل، ~~في بابل القديمة، كان بإمكان النساء أن يعملن كاهنات. وبالإضافة إلى ~~ذلك، بلغت النساء أحيانا مناصب سلطة علمانية في الشرق الأوسط ~~القديم. فقد كان للبحرية الفارسية القديمة أميرال أنثى - تدعى ~~أرتميسيا ، في القرن الخامس قبل الميلاد - وفي القرن الثالث الميلادي، ~~كان لمدينة تدمر ملكة قوية، اسمها زنوبيا.) ~~••• # إن أهم طقس مندائي على الإطلاق هو التعميد. وتقول إحدى وجهات ~~النظر عند المندائيين إنهم انتهجوا هذه الممارسة من أتباع يوحنا ~~المعمدان اليهود الفارين شرقا من الاضطهاد الروماني؛ وثمة رأي ~~آخر يقول إنه ربما كان التغطيس في مياه نهر دجلة ممارسة قديمة في ~~العراق ذاته، كما كان في مصر. ومن المؤكد أن التقاليد المصاحبة ~~للطقس هي تقاليد مندائية بصورة مميزة. وكما كان يفعل الكهنة لأطفال ~~العراق في عصور ما قبل المسيحية، عندما ولدت نادية قرأ قس ~~النجوم واستخدمها لاستنباط برج لها. وعندما بلغت السابعة عشرة من ~~عمرها، استخدم كاهن آخر في بغداد ذلك البرج ليختار اسما سريا ~~لها، ألا وهو «ملواشة». وبينما كانت جالسة القرفصاء في مياه نهر ~~دجلة، مرتدية حزاما حول خصرها، وخاتما من أوراق الآس في إصبعها، ~~وثوبا أبيض يغلف رأسها وجسمها، غمرها في الماء ثلاث مرات، ورسم ~~علامة على جبهتها بالماء ثلاث مرات، وجعلها تبتلع ماء النهر ثلاث ~~مرات، وتوجها بنبتة الآس، وصلى عليها، وسماها. قالت لي: ~~«سيكون هذا اسمي في الدين، طوال حياتي وما بعد ذلك.» # نادية (أقصى اليمين) تستعد لتعميدها في بغداد عام ~~1991. إنها ترتدي الحجاب بسبب قداسة المناسبة، وتحمل ~~غصنا من نبتة الآس. خلف المجموعة، صورة تظهر ~~تعميدا قيد التنفيذ. الصورة مهداة من نادية ~~قطان. # كانت أربعة جوانب من هذا الطقس مألوفة لأي بابلي في الألفية ~~الأولى قبل الميلاد. الأول هو اللغة التي يؤدى بها. وقد تعرفت على ~~هذه اللغة عندما ذهبت لفحص الكتب المندائية المقدسة المحفوظة في ~~المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس. وبسبب حالة الكتب المهترئة، استغرق ~~الأمر بعض الإقناع قبل أن ms041 يسمح لي الموظفون بالاطلاع على أحدها. ~~وبينما كنت أقلب في صفحاته، فكرت في أن الكاتب المندائي الذي نسخها ~~بعناية كبيرة في القرن السابع عشر، تاركا مسافة بين أسطره وكاتبا ~~كل حرف بمهارة، كان سيصاب بالفزع عندما يراني أقرؤها. فلم يكن ~~مسموحا سوى للمندائيين المنضمين للكهنوت أن يطلعوا على هذه ~~النصوص. # ربما كان الكاتب يشعر بمزيد من الفزع عند رؤية الغلاف الجلدي ~~للمجلد، المختوم بشعار زهرة زنبق، والذي كان أمين المكتبة ~~الملكية الفرنسية قد وضعه على الكتاب عندما دخل مجموعة الملك لويس ~~السادس عشر. فالكهنة المندائيون لم يستخدموا أبدا المنتجات الحيوانية ~~مثل الجلد لتجليد كتبهم - وهو أثر، كما يقول بعض العلماء، من زمن كان ~~يحظر فيه دينهم اللحوم تماما. كانوا يستخدمون قماش الشيت مادة ~~للتجليد، أو ينقشون الصفحات على الخشب أو حتى يحفرونها بمادة حمضية ~~على الرصاص. كانت الكلمات ذات الزوايا الحادة التي انحدرت من ~~اليمين إلى اليسار عبر الصفحة مكتوبة بخط غريب بالحبر الأسود على ~~الورق الليفي السميك: لعيني غير المدربة، كانت مشابهة للغة ~~العربية ولكن مع بعض الأحرف الإضافية وعدد أقل من النقاط التي تميز ~~الأبجدية العربية. كانت هذه تحديدا لهجة مندائية من اللغة الآرامية، ~~لغة العراق قبل العربية. # افترض الكتاب المسلمون الأوائل، علما منهم بأن الآرامية قد ~~سبقت لغتهم، وهي العربية، أن الآرامية كانت قديمة قدم العالم ~~ذاته وأن آدم تحدث بها بعد هبوطه من الجنة. في الواقع، عندما ظهرت ~~بابل لأول مرة قبل أربعة آلاف عام، كانت لغتها الرسمية هي السومرية، ~~التي حلت محلها تدريجيا لغة تسمى الأكادية؛ ويمكننا أن نخمن أنه ~~لبعض الوقت كانت الأكادية تعتبر شيئا مثل العامية؛ لأن قصيدة ~~هزلية عمرها أربعة آلاف عام تتذمر مما حدث عندما عثر على الشاعر، ~~عندما كان صبيا، يتحدث الأكادية في المدرسة (بالإضافة إلى كسره ~~لكل القواعد الأخرى): «قال مراقب الباب: «لماذا خرجت دون إذني؟» ~~وضربني. وقال مراقب الإبريق: «لماذا أخذت ماء دون إذني؟» وضربني. ~~وقال المراقب السومري: «لقد تحدثت بالأكادية!» وضربني.» لم تصبح ~~الآرامية اللغة اليومية للمدينة ms042 إلا في القرون الأخيرة من وجود بابل. ~~ويتحدث أيضا المندائيون في إيران شكلا من أشكال اللغة الآرامية، ولا ~~تزال لغة وثيقة الصلة بها، تكتب بخط مختلف ولكن مشابه، تستخدم ~~بين المسيحيين في شمال العراق. ~~••• # منحت نادية اسمها الديني بعد دراسة كاهنها المتأنية للنجوم؛ وهذا ~~هو الإرث المندائي الثاني من البابليين، الذين كانوا علماء فلك ~~متفانين. كان البابليون أول من قسم السماء إلى اثني عشر برجا، ~~واختاروا الرقم اثني عشر ليتناسب مع عدد دورات القمر كل عام. ورأى ~~مراقبو السماء المجتهدون في وقت مبكر - بالتأكيد بحلول عام 1500 قبل ~~الميلاد - أن بعض النجوم تتصرف على نحو مختلف عن النجوم الأخرى. فقد ~~كانت أكثر إشراقا وتتحرك عبر السماء بطريقة مختلفة. وأطلق ~~المراقبون على هذه النجوم اسم «لو-بات»، ويعني «الأغنام المتجولة». ~~وترجم المصطلح إلى اليونانية ليصبح # aster ~~planetes ~~، الذي يعني «النجم المتجول»، والذي ~~بدوره أعطانا الكلمة الإنجليزية # planet ~~(أي كوكب). # اكتشف علماء الفلك البابليون خمسة كواكب؛ عطارد، والزهرة، ~~والمريخ، والمشتري، وزحل (وليس أورانوس ونبتون، اللذين كانا غير ~~مرئيين للعين المجردة). ووضعوا الشمس والقمر في هذه المجموعة ~~أيضا - ليصبحوا سبعة - وأطلقوا على كل واحد اسم إله، مثل مردوخ، ~~وعشتار، ونبو. ثم اخترعوا الأسبوع وجعلوه مدة تتكون من سبعة أيام، ~~يوم لكل إله كوكب. (وببراعة، شكلت الأيام السبعة ربع دورة ~~قمرية أيضا.) لقد ورثنا عن البابليين عادة تسمية الكواكب وأيام ~~الأسبوع باسم الآلهة: عطارد، فينوس، بلوتو؛ # Saturday # السبت من # Saturn # زحل، ~~و # Thursday # الخميس من # Thor # ثور، ~~و # Sunday # الأحد ~~و # Monday # الإثنين من # sun # الشمس ~~و # moon # القمر. وعند البابليين، ~~كان يوم واحد من الأيام السبعة يعتبر يوما شريرا، يجب تجنب ~~مزاولة أي نشاط فيه؛ وقد يكون هذا أصل يوم السبت # Sabbath # الذي انتهجته ~~اليهودية. # ولأن الكواكب كانت آلهة، كان سلوكها علامة على نوايا الآلهة. وكانت ~~النجوم أيضا كائنات إلهية. وكان المنجمون المهرة الذين يطلق ~~عليهم اسم «أومانو»، مثلهم مثل الكهنة المندائيين، ينصحون الملك بشأن ~~النذر التي كانوا يرونها في السماء ليلا وكيفية تجنب ms043 أي مرض ~~تنذر به. وكانوا يصلون للنجوم («أيتها النجوم العظيمة، آلهة الليل ... ~~أيتها الثريا، والجوزاء والتنين») قبل التمعن فيها. في ~~النهاية، تنبأ البابليون بشأن حياة الناس بناء على موضع الآلهة ~~عند ولادتهم. على سبيل المثال، نجا لوح من الطين يخبرنا عن ولادة ~~صبي يدعى أرستقراطس سنة 235 قبل الميلاد: «في ذلك اليوم: القمر في ~~برج الأسد، والشمس في برج الجوزاء على خط طول 12 درجة و30 دقيقة، ~~وكوكب المشتري (جوبيتر) في برج القوس على خط طول 18 درجة. ويعني ~~مكان كوكب المشتري أن حياته ستكون منتظمة، وسيصبح ثريا، وسيكبر ~~في السن، وستكون أيامه عديدة.» لقد استمر هذا التقليد آلاف ~~السنين: وفي الصفحات الخلفية للصحف الأوروبية والأمريكية اليوم توجد ~~تنبؤات ربما كان سيتعرف عليها المنجمون البابليون ~~القدامى. # بيت القصيد، أن الكهنة المندائيين والجنزيبرا لديهم عادة مماثلة ~~متمثلة في إجراء الحسابات الفلكية من أجل تحديد الساعات المناسبة ~~للأنشطة المختلفة. فعندما يتزوج شخصان مندائيان، قد لا يمارسان ~~الجماع حتى الوقت المناسب، الذي يحدده مسبقا الجنزيبرا من خلال ~~مراقبة النجوم. وبعد ذلك يعتبران غير نظيفين؛ وكما يقول المؤرخ ~~اليوناني من القرن الخامس هيرودوت، إن الأزواج البابليين اعتادوا أن ~~«يغتسلوا عند بزوغ الفجر. ولن يلمسوا أي أدوات منزلية قبل أن ~~يغتسلوا.» (عند المندائيين، يمثل الاغتسال طقوس التعميد. وعند ~~البابليين، أيضا، من المحتمل أنه كان يعني الاغتسال في النهر.) # لا يزال للرقمين سبعة واثني عشر أهمية خاصة في الثقافة ~~الغربية: فهناك السماء السابعة، ورقم الحظ سبعة، والحواريون الاثنا ~~عشر، وفرسان المائدة المستديرة الاثنا عشر، وآلهة جبل أوليمبوس ~~اليونان الاثنا عشر. ولكن عند المندائيين، كان لكل من «السبعة» ~~و«الاثني عشر» معناهما البابلي الأصلي، حيث يشيران تحديدا إلى ~~النجوم والكواكب على أنها كائنات خارقة للطبيعة وشبه إلهية. ففي كتاب ~~يوحنا المندائي تظهر العبارة التالية: «أرسل إليه السبعة تحياتهم، ~~وانحنى أمامه الاثنا عشر.» فهم لا يزالون يؤمنون، كما كتبت الباحثة ~~في المندائية إي إس دراور، أن «الكواكب هي مخلوقات الله، وفي كل منها ~~روح.» في ثلاثينيات القرن الماضي، عرفت ms044 دراور شخصا مندائيا يدعى ~~هرمز بار أنهار، قال لها: «أنا أعبد كل «الملكي»» أي الكائنات ~~السماوية «لكن عبادتي الخاصة هي للشمس.» ويبدو أن هرمز اعتبر الشمس ~~نوعا من الملائكة؛ فكلمة «عبادة» تشير إلى أنها نوع من الآلهة، ~~لكن المندائيين لا يعتبرون أنفسهم وثنيين ويرفضون بشدة أي ~~إشارة إلى أنهم «عبدة نجوم». وعلى عكس البابليين، لا يملك المندائيون ~~معابد للشمس والقمر . ومع ذلك، فقد حافظوا بوضوح على العديد من ~~العادات والمعتقدات البابلية فيما يتعلق بالنجوم والكواكب. ~~••• # في معمودية نادية، بينما كانت تقف في مياه نهر دجلة، كان من ~~المفترض أن يبقى الاسم الذي قاله الكاهن لها سرا، وهذا هو الجانب ~~الثالث من الطقس الذي يربط طائفتها ببابل القديمة. فقد كانت السرية ~~مبدأ إرشاديا للمندائيين وللثقافات التي أتوا منها. وعندما كان ~~ابن وحشية يؤلف كتاب «الفلاحة النبطية» في القرن التاسع الميلادي، ~~مسجلا المعرفة الزراعية لسكان ما قبل الإسلام، واجه العديد من ~~العقبات في بحثه؛ لأن الأنباط كان لديهم مجموعة قواعد صارمة خاصة ~~بالسرية. وسئل: «هل تريد معارضة طريقة شيوخنا وأجدادنا، ووعظهم لنا ~~أن نخفي ديننا وعاداتنا؟» لذلك توصل إلى حل وسط: كان يخبر القراء ~~عن بعض «علم» الأنباط ولكن لا يخبرهم شيئا عن دينهم. وللتأكيد ~~التام على أنه لم يفش أسرارا، يخبرنا الكاتب أنه خلط بين ~~الأكاذيب والحقائق لإرباك القارئ العادي. ويعطي مثالا على الشفرة ~~التي صنعها: يبدو أن عبارة «سيختفي الباذنجان مدة ثلاثة آلاف عام» ~~تعني أنه كانت توجد ثلاثة أشهر من السنة لا ينبغي فيها أكل ~~الباذنجان. # كانت إي إس دراور صديقة حميمة للمجتمع المندائي («أخت عزيزة في ~~الإيمان»، كما دعاها أحد الكهنة المندائيين). ومع ذلك، لم تتمكن من ~~رؤية نصوصهم المقدسة إلا بعد تسع سنوات من السؤال. وعندما وجد ~~رؤساء الكهنة في المجتمع أنها نجحت في فك شفرة بعض كتبهم ~~المقدسة، انتابهم، وفقا لروايتها، «استياء وغضب. وقالوا إن هذه ~~اللفائف تحتوي على «أسرار»، معرفة لا تنقل إلا إلى الكهنة فقط عند ~~التنصيب وليس للناس العاديين أو الغرباء على الإطلاق.» ms045 وأثناء ~~قراءتها للمخطوطات، وجدت أن صفحاتها الاستهلالية كان منقوشا عليها ~~لعنات على كل من كشفها لغير المنتمين إليهم. # يمكن الاطلاع على الكتب التي قرأتها دراور اليوم في قبو تحت ~~الأرض تابع لمكتبة بودلي في أكسفورد. وفي تلك الكتب، وفي نسخ دراور ~~المنشورة للأساطير الشفوية التي رواها لها المندائيون في ثلاثينيات ~~القرن الماضي، اكتشفت المزيد عن أساطيرهم الأساسية وشخصياتها ~~المدهشة. ففيها كرون، جبل اللحم، الذي يبدو قليلا مثل «جابا ذا هات»، ~~شخصية سلسلة أفلام حرب النجوم؛ فكما كتبت دراور، «العالم المنظور كله ~~مستقر على ملك الظلام هذا، وشكله يشبه شكل قملة ضخمة.» وفيها ~~إبراهيم، الذي يظهر بوصفه مندائيا فاشلا تدفعه روح شريرة للمغادرة ~~وإنشاء مجتمعه الخاص. وفيها التنين أور، المكونة بطنه من ~~النيران، ويجلس فوق محيط من الزيت القابل للاشتعال. وتحتوي على بتاحيل ~~«الذي يأخذ الأرواح لتوزن ويرسل أشباحه لجلب الأرواح من أجسادها.» ~~كانت الشخصية المفضلة لدي هو الشيطان دنانوخت، وهو نصف رجل ونصف ~~كتاب و«يجلس بجانب المياه بين العالمين، يقرأ.» # قالت نادية إن سبب السرية كان مرتبطا بالإيمان بالسحر. «فبعض ~~الناس يظنون أنهم إن أفصحوا عن اسمهم، يمكن استخدامه في السحر ~~الأسود. لكنني أثق بك.» وأردفت، ضاحكة: «ليس بإمكانك الوصول إلى كتب ~~السحر الأسود.» والسحر هو حلقة الصلة الرابعة والأخيرة بين ~~المندائيين المعاصرين والبابليين القدماء. وتضمن كتاب «الفلاحة ~~النبطية» عددا ضخما من التعاويذ السحرية في قائمة التقنيات ~~الزراعية. (تتضمن بعض الأمثلة ما يلي: تجنب البرد عن طريق وضع ~~سلحفاة على ظهرها في منتصف حقل، أو جعل ثلاث نساء حائضات يكشفن ~~فروجهن عند اقتراب أي عواصف برد لجعلها تمضي في الاتجاه الآخر، ~~باستخدام قوة دم الحيض الطاردة للشرور.) # في القرن السابع، قال الكاتب المسيحي يوحنا ابن الفنكي (الذي كان ~~يعيش بالقرب من المنطقة التي هي حاليا الحدود التركية العراقية) إن ~~السحر كان أكثر شيوعا في بلدته مما كان عليه في بابل القديمة. وفي ~~ثلاثينيات القرن الماضي، كانت إي إس دراور مفتونة ببقاء السحر في ~~المجتمع العراقي. فقد كان السحرة - من مختلف ms046 الأديان - يتنبئون ~~بمستقبل الناس ويكتبون أيضا تعاويذ الحب. وكتبت عن تعويذة حديثة كان ~~بإمكانها الحصول عليها بسهولة من كتاب «الفلاحة النبطية»: «لمعالجة ~~دمل بغداد ... خذ عصفورا، واقتله، وضع جسده بحيث يلمس الدم الدافئ ~~الجديد القرح. ثم علق العصفور. وبينما يجف جسده، كذلك سيجف ~~الدمل ويختفي.» # كتبت دراور أن اليهود والمندائيين كانوا مشهورين بوجه خاص ~~بالتعاويذ. وفي الغالب كانوا يوزعون التمائم وتعاويذ الحظ ~~السعيد، لكنهم كانوا يستخدمون أحيانا فنونا سحرية أكثر ظلامية. ~~تتضمن مجموعة دراور في مكتبة بودلي كتابا عن «السحر الأسود»؛ أجازت ~~دراور استخدام هذا المصطلح لأنه، على حد قولها، حتى في اللغة ~~المندائية وصف هذا الكتاب بأنه «شرير»، حيث احتوى على تعاويذ لتدمير ~~الزيجات، والإصابة بالمرض، وإلقاء اللعنات. تصفحت الكتاب ورأيت ~~رسوما توضيحية لجسم الإنسان، ومخططات رقمية، ورموزا غريبة، ~~وحروفا غير مقروءة تتكرر مرارا وتكرارا، وكلها ملطخة بالحبر ~~(ربما يشير ذلك إلى افتقار الكاتب للمهارة؛ أو ربما بللت الصفحات ~~كجزء من الطقس المعمول به، ففي بعض الطقوس السحرية في الشرق الأوسط، ~~يشرب الماء الذي لامس حبر كتاب مقدس بوصفه نوعا من الطقوس). ويصف ~~الكتاب تمائم مصنوعة من أجنحة خفافيش مكتوب عليها بدم هدهد ودم ~~ذئب مسعور؛ وللشخص الذي مسه شيطان في يوم أحد (يوم المندائيين ~~المقدس)، يجب عمل مرهم من لعاب حصان، ودم قرد وحمامة، وعصير ~~نعناع ورجلة، وزيت زيتون وسمسم، ثم يدس في أنف الضحية. # من الواضح أن بعض هذه التعاويذ متوارث عبر الأجيال منذ العصر ~~البابلي. واكتشفت دراور لفافة سحرية مندائية معروضة للبيع يمكن ~~دفنها بجوار قبر في زمن الطاعون لتجنب انتشار المرض؛ بدأت بعبارة ~~«باسم ليبات، سيدة الآلهة والرجال»، وهو تضرع لإلهة الحب البابلية ~~ليبات (المعروفة أيضا باسم عشتار). حكى المندائيون الذين كانوا ~~معاصرين لدراور أن الناس كانوا يستشيرون ليبات بشأن العرافين ~~ويناشدونها لإلقاء تعاويذ الحب. وعثرت أيضا على تميمة مندائية ~~حديثة مصممة للتفريق بين المتحابين، وكان نصها كما يلي: «فلينفصل ~~بيل عن بابل، ونبو عن بورسيبا.» كان نبو هو الإله الذي سمي الملك ~~نبوخذ نصر ms047 تيمنا به، وكانت بورسيبا خرابا أكثر من ألفي ~~عام. # والتميمة الأكثر شيوعا بين المندائيين اليوم هي «السكندولة»، ~~التي كانت نادية تعلقها على جدار مطبخها. أخبرتني أنها توضع تحت ~~وسادة أو فراش الأطفال الصغار، وتوضع أيضا في سلة ملابس ~~العروس في يوم زفافها. (تستخدم علاجات لعين الحسود، في التقاليد ~~الأوروبية، في السياقات ذاتها؛ حيث تخبر قصيدة إنجليزية تقليدية ~~عروسا أن ترتدي «شيئا مستعارا» و«شيئا أزرق اللون» في يوم ~~زفافها.) وتتكون السكندولة من قرص دائري مصور عليه أربعة ~~حيوانات: أسد، وثعبان، وعقرب، ودبور. وتمثل هذه الحيوانات قوى الظلام ~~وتستخدم لتخويف الأرواح الشريرة. في مدينة أوروك جنوب العراق اكتشف ~~علماء الآثار الألمان تميمة على شكل عقرب يعود تاريخها إلى القرن ~~الثالث عشر قبل الميلاد. زينت بوابة عشتار بمدينة بابل بفسيفساء ~~تصور مخلوقا شبيها بالثعبان بقائمتين أماميتين كقوائم القطط؛ ~~ربما لأن بإمكانه أن يستحضر القوى الشريرة لكل من الأسد ~~والثعبان. # كانت خالة نادية تكسب رزقها في بغداد من إلقاء التعاويذ، كما ~~أخبرتني نادية. وكانت جدران منزل هذه الخالة رقيقة، وعندما كانت ~~نادية تلعب وهي صغيرة هناك مع أبناء خالتها، كان بإمكانهم جميعا ~~سماع الاستشارة في الغرفة المجاورة بين الخالة وزبائنها المختلفين. ~~وكان الناس يأتون إليها في أشد الحاجة إلى شيء قد يحسن حياتهم؛ ~~غالبا ما كانوا يريدون أن تتزوج بناتهم رجالا أثرياء، وكانوا ~~يأملون في أن تساعدهم تميمة. وفي مرة طلبت الخالة مساعدة نادية. ~~وطلبت من الفتاة أن تكتب بسرعة على ورق كل ما يدور في رأسها، ثم ~~أخذت قطع الورق وأعطتها للعملاء بوصفها تعاويذ سحرية. كانت خالة ~~نادية تؤمن بتأثير هذه الأشياء؛ لأنه في كثير من الأحيان يجد الزبائن ~~بالفعل تحسنا في حياتهم بعد ذلك. # كانت خالة نادية شخصية لطيفة ومحبوبة، مما يساعد في تفسير السبب في ~~أن الناس كانوا يفصحون لها عن مكنونات صدورهم. ونتيجة لذلك، كان ~~لديها نظرة ثاقبة في كل طبقة من المجتمع العراقي؛ بما يكفي لجذب ~~انتباه الشرطة السرية. قالت خالة نادية: «لقد اختبروني. أرسلوا ~~فتيات متخفيات جلسن معي ms048 وتحققن مما كنت أفعله بالضبط. قالوا لي ~~إنني كنت بريئة لأنني فعلت كل شيء علانية.» ربما كانوا يحاولون ~~تحديد ما إذا كان أي شيء تخريبي يحدث؛ لأن العراف يمكن أن يكون ~~في وضع يسمح له بتجنيد المتآمرين. أو ربما كانوا يبحثون عن أدلة على ~~استخدام السحر الأسود (أي اللعنات؛ فقد اعتبرت التمائم وقراءة ~~الطالع سحرا أبيض غير ضار )، الذي ربما كان من شأن فاعله أن يتعرض ~~للعقاب. # كانت خالة نادية لا تزال تلقي التعاويذ في تسعينيات القرن الماضي، ~~عندما كانت نادية تدرس اللغات في جامعة بغداد وتعمل بدوام جزئي في ~~مطبعة حتى تتمكن من دفع رسوم جامعتها. كانت تلك أوقاتا صعبة؛ فبعد ~~غزو العراق للكويت عام 1990، دمرت العقوبات المفروضة من الأمم ~~المتحدة اقتصاده. وانخفض دخل الفرد بنسبة خمسة وثمانين بالمائة. ~~وأصبحت الشوكولاتة نادرة جدا لدرجة أن صديقة لنادية احتفلت بتخرجها ~~من الجامعة بإعطاء قطعة صغيرة من الشوكولاتة لكل واحدة من صديقاتها؛ ~~وأخذت نادية قطعتها إلى المنزل وقسمتها مع أختها. تعين على ~~المدرسين في الجامعة قضاء نصف يومهم في العمل سائقي سيارات أجرة، حتى ~~إن أحدهم كان يأخذ تلاميذه بالسيارة إلى الفصل؛ فقد كان بحاجة إلى ~~الأجرة ليضيفها إلى راتبه الضئيل. وكان الأطفال يرسلون للبحث عن ~~عمل بدلا من الذهاب إلى المدرسة. حدث هذا، في بلد كان لديه في يوم ~~من الأيام 35 مليار دولار من احتياطي النقد الأجنبي، وكانت طبقته ~~المتوسطة في عام 1990 تشكل أكثر من نصف عدد السكان، وخفض نسبة ~~الأمية بين من هم دون سن الخامسة والأربعين إلى أقل من عشرة ~~بالمائة. # وفي يوم، خرجت خالة نادية من إحدى استشاراتها في إلقاء التعاويذ ~~يعلو وجهها تعبير مضطرب. سألتها نادية وأبناء خالتها عن الخطب. ~~قالت: «أوه، إنها تلك العميلة التي غادرت للتو. أرادت تميمة ~~لابنتها. تبلغ من العمر خمسة عشر عاما فقط، لكن الأم تريد تميمة ~~لمساعدة ابنتها في العثور على رجل ثري لتتزوجه. الجد مريض ~~والأعمام عاطلون عن العمل. وعندما أخذت المرأة التميمة، أخبرتني أنها ~~كانت تزين ms049 ابنتها بمساحيق التجميل وترسلها للطرق على باب الله. ~~لذلك كنت أتساءل عما يمكن أن يعنيه ذلك.» كانت عبارة «الطرق على ~~باب الله» عبارة قد يستخدمها العامل للإشارة إلى الوقوف في طابور مع ~~العمال الآخرين الذين ينتظرون أن يستأجرهم أحد. «وأدركت أنه لا بد ~~أنها ترسل ابنتها للعمل في الدعارة.» # لم يكن الفقراء واليائسون هم فقط من كانوا يريدون التعاويذ. فكذلك ~~فعل صدام حسين، كما قالت نادية. وبدأ حزب البعث بزعامة صدام حكمه ~~بقمع وحشي للمعارضين السياسيين، ومن بينهم المندائي الأشهر في ~~العراق، عبد الجبار عبد الله. ولد عبد الله في قرية في جنوب العراق ~~عام 1911، وتمكن من السفر إلى أمريكا والدراسة في معهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا؛ كما عمل تحت إشراف ألبرت أينشتاين، الذي أعجب كثيرا ~~بموهبة تلميذه حتى إنه أهداه قلمه الباركر. كان عبد الله عالم ~~أرصاد جوية (وهو فرع من العلوم يناسب بوجه خاص المندائيين، الذين ~~ورثوا افتتان البابليين بالنجوم). عندما أطاح القومي اليساري عبد ~~الكريم قاسم بالنظام الملكي العراقي وتولى السلطة عام 1958، أصبح ~~عبد الله أول رئيس لجامعة بغداد. غير أنه كان شيوعيا؛ وهو أمر ~~شائع في ذلك الوقت بين الأقليات في العراق، الذين اعتبروا ~~الأيديولوجية العلمانية للشيوعية بمنزلة وقاية من التعصب الديني. لذلك ~~عندما استولى حزب البعث المناهض للشيوعية على السلطة عام 1963، أرسل ~~رجالا لاعتقال عبد الله؛ واقتحموا مكتبه في الجامعة، وأعلنوا ~~إقالته، واعتقلوه. ولكن فقط عندما استولوا على قلم أينشتاين وكسروه ~~أمام عبد الله، انفجر في البكاء. أطلق سراح عبد الله لاحقا، وفر ~~إلى الولايات المتحدة، حيث توفي. # كتاب مدرسي عبري وآلات كاتبة متربة هي كل ما ~~تبقى تقريبا في عام 2003 من يهود بغداد، الذين كانوا ~~يشكلون سابقا ما يصل إلى ثلث سكان المدينة. صورة ~~مأخوذة بواسطة المؤلف. # ومع ذلك، لم يكن صدام عدوا لجميع المندائيين؛ فقد استخدم أحدهم ~~شاعرا، وكذلك - بعدما رأى المؤامرات تحاك في كل مكان وخوفا من ~~أعداء خارقين وكذلك بشريين - لجأ أيضا إلى رئيس كهنة المندائيين في ~~ذلك الوقت؛ من أجل أن ms050 يصنع له تعاويذ للحماية. ربما بسبب تعاويذ هذا ~~الرجل - وشائعات لعنات المندائيين القوية - اعتنى صدام بالمندائيين. ~~حتى إنه امتدحهم بعض الوقت ووصفهم بأنهم رموز للهوية العراقية. ~~ومثل القصور التي شيدها على أنقاض بابل، ساعد المندائيون في تعزيز ~~فكرة أن العراق دولة قومية ذات تاريخ مشرف، وليس مقاطعة مقتطعة ~~من الإمبراطورية العثمانية. فلم يمثلوا تهديدا سياسيا خطيرا، ولم ~~يكونوا أغنياء بما يكفي لاستهدافهم من أجل أموالهم. ومثل اليهود ~~والمسيحيين، اعتبروا «أهل كتاب»؛ فقد اعتبر أن المندائيين هم ~~«الصابئة» المذكورون في القرآن الذين يستحقون تسامحا خاصا (على ~~عكس الوثنيين المشركين، الذين كان يجب محاربتهم وقتلهم). حتى إن ~~المندائيين اهتموا بنشر أحد كتبهم المقدسة في عام 2001 مترجما ~~بالعربية الفصحى، وهي صيغة مصممة لجعلها مقبولة لدى القراء ~~المسلمين. فقد عرف المندائيون أنهم بحاجة إلى أصدقاء في مناصب ~~عليا. كان تاريخهم يعج بالمواجهات المروعة مع حكام ظالمين. وعلى ~~الرغم من أن أيديولوجيات القرن العشرين مثل الشيوعية والقومية العربية ~~كانت تبشر بالمساواة، فإن مصير يهود العراق أظهر أن الحكومات، التي ~~كانت الآن أكثر قوة من أي وقت مضى، يمكن أن تعاقب الأقليات بشكل لم ~~يسبق له مثيل. ~~••• # في أربعينيات القرن الماضي، كان لا يزال أكثر من مائة ألف يهودي ~~يعيشون في العراق. وفي عام 2003، عندما زرت بغداد للمرة الأولى، رأيت ~~أنه لم يتبق منهم سوى القليل. في طريق هادئ في حي قديم ببغداد، ~~كان يوجد منزل مترب خال؛ عندما طرقت على الباب، ارتعشت ستارة ~~في الجهة المقابلة. كان هذا مركز الجالية اليهودية في بغداد. من مظهره ~~كان يبدو أنه هجر في عجلة نوعا ما. في غرفة بالطابق العلوي وجدت ~~كتبا مدرسية باللغة العبرية مكومة على الأرض. بجانبها دفتر حسابات، ~~محشور بين الآلات الكاتبة القديمة. كان آخر مدخل بتاريخ الحادي ~~والعشرين من ديسمبر، 1969. ماذا حدث للجالية اليهودية القديمة في ~~العراق، لدرجة أنه بحلول عام 2003 لم يتبق منهم سوى كومة من الكتب ~~المدرسية المتربة؟ طرحت هذا السؤال على موشى وإيفون خضوري في شقة ~~مريحة في لندن. ms051 في أربعينيات القرن الماضي، عندما كان نظام الحكم في ~~العراق لا يزال ملكيا، كان موشى وإيفون يعيشان في بغداد. وكما ~~يتذكرانها، كانت مدينة رفيقة باليهود. قالت إيفون: «في يوم السبت، ~~كانت البنوك في بغداد تغلق أبوابها لممارسة الطقوس الخاصة بهذا ~~اليوم؛ لأن جميع البنوك باستثناء بنك واحد كانت مملوكة لليهود. وكانت ~~تجارة المنسوجات كلها يهودية. كنا ثلث سكان بغداد.» عاصر كلاهما ~~الأحداث المروعة في يونيو 1941 عندما أطيح بالنظام الملكي مدة ~~وجيزة، ولمدة ثلاثة أيام، تعرض يهود المدينة للهجوم من الغوغاء الذين ~~أثارتهم الدعاية المعادية للسامية التي تبناها النازيون. سميت هذه ~~الأحداث باسم «الفرهود». # قال موشى: «المسلمون ليسوا أناسا سيئين. فقد جاء النازيون إلى ~~بغداد. وأثارت إسرائيل مشاكل كثيرة بين اليهود والمسلمين. لولا ~~السياسة ...» # قاطعته إيفون قائلة: «كان الدين هو المشكلة. ولم يكن يوجد سوى ~~عدد قليل من الأشخاص اللطفاء.» # رغم ذلك، اتفق كلاهما على أن أكثر من سبعمائة يهودي قتلوا ~~أثناء أحداث «الفرهود». وعلى الرغم من عودة الأمور إلى طبيعتها بعد ~~ذلك، بدخول القوات البريطانية المدينة لاستعادة النظام الملكي ~~بالقوة، تدهور الوضع بعد تأسيس دولة إسرائيل سنة 1948 والانهيار ~~النهائي للنظام الملكي سنة 1958. في السنوات التالية، أدين العديد ~~من اليهود، وشنق بعضهم؛ تسعة منهم في يناير 1969، قبل بضعة أشهر من ~~هجر مبنى مركز الجالية. وفصل العديد منهم من وظائفهم الحكومية، ~~وشهدوا مصادرة ممتلكاتهم. بقي موشى حتى الستينيات وإيفون حتى أوائل ~~السبعينيات. وكان يفتقد العراق أكثر مما كانت إيفون تفتقده. قال: «تريد ~~ابنتي البحث عن الجذور. لم تعد توجد جذور. هدمت المقابر وسويت ~~بالأرض. كل تراثي موجود هناك، لكن مجتمعاتنا ضاعت. أريد أن أشعر ~~بالوطنية. ليس في إسرائيل. وليس في إنجلترا. فأنا عراقي. أشعر أنني ~~تعرضت للسلب.» # حتى عام 2003، أفلت المندائيون من مصير اليهود. لكن في السنوات ~~العشر التالية، تغيرت حظوظهم، وسمعت نادية من عراقي يهودي منفي ~~رأيا كئيبا يقارن بين مصير الطائفتين وفقا لتسلسل يومي عطلتيهما ~~المقدستين المختلفين: «كان يومنا السبت، وأنتم الأحد. الآن سيلحق ~~بكم ما حل بنا.» ms052 ~~••• # كانت بغداد في أوائل عام 2003 مكانا يغلي بالريبة والخوف. وبين ~~وقت وآخر، كان المتظاهرون (الذين كانت تدفع لهم الحكومة، كما كان ~~الجميع يعرف) يسيرون في الشوارع، وهم يهتفون بدعمهم لصدام. وفي مرة ~~ظن حشد من الرجال المتحمسين أنهم رأوا جنديا أمريكيا يختبئ في ~~البوص الكثيف الذي يصطف على ضفة نهر دجلة، الذي يجري عبر المدينة، ~~وسحقوا البوص بعصي ثقيلة أثناء محاولتهم مطاردة الدخيل. لم تكن ~~نادية مهتمة بشن حملات مؤيدة أو معارضة لصدام. أرادت فقط الحفاظ على ~~سلامة شقيقها. فقد كان قد تلقى لتوه أوراق استدعاء من الجيش ~~العراقي؛ وكان سينضم إلى القوة التي ستقاوم الغزو الذي قادته ~~الولايات المتحدة. وكانت تخشى أنه إن امتثل للتجنيد، فقد يقتل. وإن ~~لم يفعل، فإنه يخاطر بعقوبة وحشية: وهي قطع إحدى أذنيه. وهكذا، في ~~منزل عائلتهما الصغير في جنوب بغداد، تجادل الاثنان حول ما إذا كان ~~ينبغي عليه الانضمام للجيش. كانت ترى ألا يفعل. كانت الشقيقة الكبرى ~~ولم تكن مهتمة بالامتثال للأفكار التقليدية للوداعة الأنثوية. كانت ~~تعلم أنه إن أرادت إقناعه، فعليها أن تكون مخيفة أكثر من صدام. قالت: ~~«إذا تجاهلت تلك الأوراق، فسأدفع أي رشوة تحتاج إليها. وإذا أطعت ~~الاستدعاء، فسأكسر ذراعك.» فتراجع عن قراره. # أخبرتني نادية أنها لم تتعرض أبدا للتمييز من المسلمين ~~العراقيين. ففي المدرسة التقت بتلميذ رفض أكل طعامها ووصفها بكلمة ~~«نجس»، وهي كلمة إسلامية تعني «غير طاهر». لكن بخلاف تلك المرة، كانت، ~~على العكس تماما، تشعر أن كونها مندائية كان يعني أنها كانت تعامل ~~بمزيد من الاحترام. (كان هذا في منطقة الطبقة الوسطى في بغداد؛ أما في ~~المناطق الريفية، فربما كانت الأمور مختلفة. فحتى الآن في سوق الشيوخ ~~توجد مطاعم ومقاه ترفض خدمة المندائيين لأنه يعتقد أنهم ينجسون ~~أدوات المائدة التي يأكلون بها.) # انخفضت المعايير التعليمية خلال حقبة العقوبات، كما وصفتها لي ~~نادية، وأصبح المجتمع العراقي أكثر فظاظة؛ لكنها لم تبدأ في الشعور ~~بالخطر إلا بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. كانت ~~تتورط في جدالات في ms053 العمل. قال أحد الزملاء: «كان صدام تاجا على ~~رأسنا والغزاة «كفار»»؛ و«كفار» هي جمع كلمة «كافر»، وهي كلمة ~~تضفي الشرعية على العنف ضد غير المؤمنين. # عندئذ ردت نادية: «أظن أنه كان مثل زوجين من النعال. يمكنك ~~وضعه على رأسك إن أردت ذلك!» # مع مرور الوقت، وجدت أن صعوبة الحفاظ على تظاهرها بالشجاعة تزداد. ~~فقد وفر الصراع الكثير من الفرص لتفاقم التعصب الديني. ~~أخبرتني نادية: «بدأنا نسمع عن أشخاص يتعرضون للخطف، والسرقة، ~~والقتل ببساطة شديدة.» قصف مقر عملها، الصليب الأحمر، في أكتوبر ~~2003. واقترب العنف أيضا من منزلها بعد أربعة أشهر. في الثامن عشر من ~~يناير 2004، كانت في طريقها للمساعدة في جمعية خيرية دولية في بغداد ~~عندما سمعت دوي انفجار. لم تسمعه فحسب، بل شعرت به؛ فقد اهتزت ~~السيارة التي كانت تستقلها من قوة الانفجار. تذكرت قائلة: «كانت ~~السماء غائمة، وشعرت بشعور غريب بعد ذلك، كما لو أن شخصا أعرفه قد ~~أصيب في الانفجار. لذلك اتصلت بهديل.» تعارفت نادية وهديل، وهي ~~امرأة مسيحية، من خلال العمل معا في مطبعة في بغداد في التسعينيات. ~~في عام 2003، عملت هديل في السفارة الأمريكية وتمكنت أيضا من ~~العثور على زوجها المثالي؛ طبيب أسنان عراقي يعمل في الدنمارك. اشترت ~~نادية وأصدقاؤها الآخرون لها خاتم خطوبة وضعته هديل في الإصبع ~~ذاته الذي كانت تضع فيه الخاتم الذي قدمه لها خطيبها. ~~«اتصلت بمنزل هديل؛ فقال شقيقها الصغير إنها ذهبت إلى العمل. ~~اتصلت بهاتفها المحمول والهاتف المحمول الخاص بصديقة كانت تذهب ~~للعمل معها. لم أتلق ردا. اتصلت بزميلها، وقال إنها لم تصل قط ~~إلى العمل. عندما عدت إلى المنزل اتصلت بأسرتها. فقالوا إنها اختفت ~~للتو. لاحقا اتصلت بي والدة هديل - كانت تعرف أنني أعمل لدى الصليب ~~الأحمر - وقالت: «أريدك أن تجلبي أخبارا جيدة عن ابنتي.» جاءت ~~الأخبار، لكنها لم تكن جيدة. تبين أن السيارة التي كانت تستقلها ~~هديل كانت بها قنبلة مزروعة تحت مقعد السائق. وانفجرت وقتل السائق؛ ~~وأصيبت سيدتان أخريان في السيارة. لكن لم ترد أي أخبار عن هديل. ms054 ~~أخذت نادية يوم إجازة من العمل وتجولت في المستشفيات بحثا عنها. ~~لم تعثر على شيء. ولم تسمع أي أخبار إلا في وقت لاحق. قال المستشفى ~~إنه من الصعب التعرف على الجثة. فقد كانت مصابة بحروق شديدة. ~~والشيئان الوحيدان اللذان لم يتعرضا للاحتراق كانا خاتمين على إحدى ~~أصابعها. # مضت عائلة هديل قدما في إقامة حفل الزفاف على أي حال وغنوا ~~الأناشيد الاحتفالية التقليدية وزغردوا. لكنهم فعلوا ذلك بعد أن ~~دفنوا العروس. «وقالوا: هذا ليس الزفاف الذي أردناه.» لم أستطع تحمل ~~رؤيتهم مرة أخرى. لقد كانت مضيعة غير مجدية للحياة. أظن أن الناس ~~يجب أن يكونوا على دراية بهذه القصص قبل أن يذهبوا إلى الحرب.» شغل ~~الموت فكر نادية وجعلها ترغب في الرحيل. «فكرت في أنني لا أريد أن ~~أقتل مثل صديقتي. لا أريد أن أحطم قلب والدي.» # لم تصنف نادية نفسها مطلقا من خلال دينها. قالت لي: «أرى نفسي ~~أولا إنسانة، وثانيا عراقية، وثالثا فقط مندائية.» لكن النزعة ~~الإنسانية والوطنية لم تساعداها في عراق ما بعد الحرب، حيث برز ~~المزيد من الولاءات المتأصلة. لم يكن الدين هو الشيء الوحيد الذي ~~يعرضها للخطر: وكذلك قدرتها على التحدث باللغة الإنجليزية، وحقيقة ~~أنها لم تكن ترتدي الحجاب ولا تنتمي إلى قبيلة. قالت: «أدركت قوة ~~القبائل. ونحن، المندائيين، ليس لدينا قبيلة.» في الماضي، استخدم ~~المندائيون التكتيك العريق المتمثل في إلحاق أنفسهم بقبيلة ليس ~~بوصفهم أعضاء ولكن بوصفهم تابعين، «ملحقين». وستوافق القبيلة على ~~حمايتهم، لكن بما أنهم بقوا خارج القبيلة، لم يكن عليهم قبول ~~دينها. في الأهوال المروعة في العراق بعد عام 2003، كان لعائلة نادية ~~قبيلة تحميها، لكن، كما قالت: «لا توفر لتابعيها القدر نفسه من ~~الحماية الذي توفره لأفرادها». تعرض المندائيون للخطف، وتغيير ~~الدين قسرا، والقتل. وبين عامي 2003 و2011، وثقت جماعة حقوق ~~الإنسان المندائية 175 جريمة قتل و271 حالة اختطاف. وفي عام 2004، ~~أفادت الجماعة أن خمسا وثلاثين عائلة مندائية تعيش في الفلوجة ~~أجبرت على اعتناق الإسلام. # ركبت نادية طائرة تغادر بغداد في الثامن عشر ms055 من مارس 2004. ولأول ~~مرة ختمت أوراق هويتها؛ حيث لم يكن لديها جواز سفر ولم تكن قد ~~ركبت طائرة من قبل. كان والداها قلقين عليها: إذا عاشت في الخارج ~~بمفردها، فلن يتزوجها أي رجل بعد ذلك، هذا ما قلقا بشأنه. وجدت ~~لندن مكلفة جدا لدرجة أنها اضطرت إلى رهن مجوهراتها لدفع ~~الإيجار، وأذهلتها «الثقافة الأكثر اعتدالا». افتقدت العراق وبحثت ~~بحنين عن عطر زهر البرتقال. وعندما كانت تذهب مع صديقاتها إلى حفلات ~~موسيقية عراقية، كان اليهود العراقيون الذين كانوا قد غادروا بغداد ~~قبل أربعين عاما يطرحون عليها أسئلة راغبين في سماع آخر الأخبار عن ~~أماكنهم المفضلة هناك. # وعلى الرغم من الحنين، تخلت عن أفكار العودة إلى الوطن. وقالت: ~~«أحب المكان هناك، لكنني لا أستطيع أن أعيش فيه.» لم تكن آخر مندائي ~~يغادر. فبعد عامين من رحيلها، هرب رئيس الكهنة الشيخ ستار إلى ~~أستراليا. وبحلول وقت كتابة هذه السطور، كان أكثر من تسعين بالمائة ~~من المندائيين في العراق قد هاجروا أو قتلوا. ولا يمكن للمرء أن يجد ~~مجتمعاتهم باقية على حالها إلا في جنوب إيران. اعتقدت نادية أن رحيل ~~المندائيين كان خسارة للعراق. «كنا رمانة الميزان، التي تحافظ على ~~تماسك المجتمع العراقي. وعندما غادر المندائيون والأقليات الأخرى، ~~اختلت الموازين.» وبعد ما رأيناه أنا ونادية باسترجاع تاريخ ~~المندائيين، يمكننا الاتفاق على أنه بمغادرتهم، سقطت بابل ~~حقا. # الفصل الثاني # | الإيزيديون # في أي يوم عند الفجر، عند النظر إلى أعلى، صوب مبنى سكني ~~بشارع بإحدى المدن الكندية، يمكن للمرء أن يرى نافذة مضاءة: حيث ~~يصلي ميرزا إسماعيل كما يصلي وقت الظهيرة وعند الغروب. لا يجوز لأي ~~شخص دخيل أن يشهد صلاته، وبما أنه لا يوجد عضو آخر في مجتمعه يعيش ~~بالقرب منه، فإنه يؤديها بمفرده. في كل مرة يتجهز بعناية. يغسل ~~يديه ووجهه ويضع حزاما خاصا يسمى «بيشتيك» حول القميص الأبيض ~~الذي يرتديه دائما. ثم يسجد للشمس ويبدأ في الصلاة بالكرمانجية، لغة ~~قومه، لإله مجهول. وتقول الصلاة: «لا إله إلا الله، والشمس نور الله.» ~~إنه يصلي ms056 أن يمنح الله العالم السلام. # ميرزا رجل عراقي معسول الكلام، لديه شارب رمادي مشذب بعناية، ~~ولأنه يصلي في أوقات منتظمة خلال النهار، غالبا ما يفترض زملاؤه ~~ومعارفه خطأ أنه مسلم. لكنه إيزيدي، يتبع ديانة باطنية لها أوجه ~~تشابه ظاهرية مع الإسلام، لكنها مختلفة جدا عنه. وعلى الرغم من أنه ~~غالبا ما ينظر إلى قومه على أنهم أكراد ويتحدثون اللغة نفسها ~~(الكرمانجية) مثل جيرانهم الأكراد، فإنه يصر على أنهم شعب منفصل. ~~يطلق عليهم أحيانا الإيزيديون، ويبلغ عددهم مئات الآلاف في شمال ~~العراق وفي أجزاء من سوريا، وجورجيا، وأرمينيا، وشمال غرب إيران. يؤمن ~~الإيزيديون بتناسخ الأرواح، ويقدمون الثيران قرابين، ويوقرون ~~ملاكا يتخذ شكل طاووس. وتحظر عليهم تقاليدهم أكل الخس أو ~~ارتداء ملابس زرقاء؛ ويجب أن يربي الرجال شاربهم، على الرغم من أن ~~القليل منهم يطلقون اللحية. إنهم أيضا ضحايا افتراء قديم؛ تهمة ~~أنهم يعبدون الشيطان. وكانوا ضحايا ثاني أخطر هجوم إرهابي في ~~التاريخ. # ميرزا إسماعيل وصديقه أبو شهاب في سنجار، بشمال ~~العراق. الصورة مهداة من ميرزا إسماعيل. # ولد ميرزا في قرية على تلال مكسوة بأشجار البلوط، تسقى من ~~ماء الآبار في منطقة سنجار بشمال غرب العراق (مكان بعيد شمال الأهوار ~~العراقية، حيث يعيش المندائيون؛ تعرف كل طائفة من الطائفتين بشأن ~~الأخرى، ولكن التواصل بينهما محدود جدا). منذ زمن بعيد كانت هذه ~~المنطقة جزءا من الإمبراطورية الآشورية، التي كانت تمتلك الكثير من ~~القواسم المشتركة ثقافيا مع البابليين؛ لكنها انتقلت من حاكم إلى ~~آخر مرات كثيرة منذ ذلك الحين، حيث احتلتها بابل، وبلاد فارس، ~~والرومان، والعرب، وأخيرا الأتراك. وعندما كان ميرزا صبيا صغيرا، ~~نقلت حكومة صدام حسين عائلته إلى مشروع سكني يسمى القحطانية. كان ~~صدام يحاول إخضاع المحافظات الشمالية المضطربة لسيطرة حكومية أشد ~~من أجل سحق التمرد المتزايد هناك للانفصاليين الأكراد الذين أرادوا ~~إقامة دولتهم المنشقة. ومع أن معظم الإيزيديين لم يعتبروا أنفسهم ~~أكرادا، فإن صدام لم يجازف. ففي القحطانية، سيكون من السهل ~~السيطرة على الإيزيديين، خاصة أنه من دون أرضهم كانوا يعتمدون على ms057 ~~المساعدات الغذائية الحكومية. # وهكذا نشأ ميرزا في أحد منازل القحطانية البسيطة المبنية من الطوب ~~اللبن والمكونة من طابق واحد. كانت المياه تقطر من السقف خلال ~~عواصف فصل الشتاء المطيرة نادرة الحدوث. وكانت الشوارع قذرة، ولم يكن ~~يوجد نظام صرف صحي، لكن المدارس كانت جيدة، وكانت العيادة الوحيدة ~~بالمستوطنة تقدم على الأقل العلاج مجانا، وكان الوصول إلى أقرب ~~مدينة بها مستشفى يستغرق رحلة طويلة ولكنها ممكنة عمليا. أمام ~~المنزل كان لكل عائلة حديقة، تزرع فيها الطعام؛ الفجل، والطماطم، ~~والباذنجان، وعباد الشمس من أجل بذوره. كانت الحدائق تذكر هذه ~~العائلات بالوقت الذي عاشت فيه في قراها الواقعة على التلال، وكانت ~~تزرع محاصيل وافرة من التين والزيتون. عاد ميرزا من وقت لآخر إلى ~~التلال؛ ليصلي في الأضرحة الإيزيدية ذات الأسطح المخروطية، وأحيانا ~~لإلقاء نظرات إجلال على الكهوف الخفية المقدسة التي لجأت إليها ~~العائلات الإيزيدية بسبب الاضطهاد في القرون الماضية. # يحتفظ الإيزيديون بقائمة من اثنين وسبعين اضطهادا تعرضوا له على ~~مر القرون. وعلى وجه الخصوص، في القرن التاسع عشر، طاردتهم ~~السلطات العثمانية عدة مرات بوصفهم هراطقة؛ وقد كانوا هراطقة ~~مزعجين بشكل خاص لأنهم تهربوا من التجنيد العسكري ولم يدفعوا أي ~~ضرائب. ومع ذلك فلم تكن مهمة العثمانيين سهلة. فحتى على أسهل الطرق، ~~كانت سنجار على بعد مسيرة يوم من أقرب مدينة قبل اختراع السيارات. ~~وكان الإيزيديون في العادة ندا جيدا للعثمانيين؛ فباستخدام معرفتهم ~~بالتلال والكهوف المحلية، تمكنوا من صد الغزاة ونهب القوافل ~~المارة. وحتى عندما كانوا يجبرون على اعتناق الإسلام، كان بإمكانهم ~~العودة إلى ممارساتهم الدينية بمجرد رحيل الغرباء. وبوصفهم مزارعي ~~كفاف، كان يمكنهم العيش دون الكثير من المساعدات من العالم ~~الخارجي. # عاش الإيزيديون والمسيحيون جنبا إلى جنب عدة قرون، وكانت لديهم ~~قضية مشتركة في القرون الماضية في مواجهة السادة المسلمين. وكان الناس ~~يبدلون دينهم؛ حتى إن أحد الإيزيديين صار لديه اعتقاد بأنه كان ~~كاهنا مسيحيا في تجسد سابق. (في الآونة الأخيرة، اتصل رجل مسيحي ~~في ألمانيا بامرأة إيزيدية، زاعما أنه كان والدها في ms058 حياة سابقة. ~~وكان الإيزيديون شكاكين.) ليس لدى الإيزيديين اعتراض خاص على الصلاة ~~في الأضرحة المسيحية، وأحيانا يرتدون الصلبان؛ ولكن بوصفها تمائم ~~للحماية من الشر، وليس علامة على اعتقاد. # عندما بلغ ميرزا من العمر أربعا أو خمس سنوات، أخذ شرقا على ~~بعد أميال كثيرة إلى مكان يدعى لالش. وهو يقع في واد مشجر على ~~بعد أقل من ثلاثمائة ميل شمال بغداد، ويتألف من مجموعة من المباني ~~الحجرية القديمة. يصر الإيزيديون على أن هذا المكان هو مركز الأرض، ~~حيث بدأ الخلق. تحت أحد مباني لالش، في مكان لا يسمح فيه بدخول غير ~~الإيزيديين، غطس شيخ (يستخدم الإيزيديون الكلمة ذاتها التي يستخدمها ~~المندائيون والمسلمون لأعضاء طبقتهم الكهنوتية) يرتدي ملابس بيضاء ~~ميرزا في نبع مقدس يسمى زمزم؛ وتقام المراسم، مثل المعمودية ~~المسيحية، مرة واحدة في العمر. # ولد ميرزا نفسه في طبقة الشيوخ. قال لي: «عندما كنت صغيرا جدا، ~~قيل لي كيف أصبح شيخا. إنه منصب مرموق؛ حيث يجب على الأشخاص الذين ~~يتقاتلون أن يتصالحوا عندما يأتي بينهم شيخ.» كان الشيوخ فئة من فئات ~~الشخصيات الدينية التي يحترمها الإيزيديون، إلى جانب «الفقير» الناكر ~~للذات، و«القوال» الذي يردد الأناشيد الدينية المقدسة، ~~و«الكوتشيك» الذي يحرس الضريح في لالش، و«البير»، الذي تمثل طبقته ~~طبقة كهنوتية أدنى من الشيوخ. كان الإيزيديون بحسب العادة يعتمدون ~~على الشيوخ في إجراء معجزات بالإضافة إلى التوجيه الروحي. عالجت ~~عائلة من المشايخ أمراض العيون باستخدام اللعاب أو غبار من مقبرة ~~أجدادهم، وألقت أخرى تعاويذ على الثعابين. وتجنب جميعهم الأعمال ~~اليدوية وعاشوا على الصدقات. عادة ما كانت الطائفة الإيزيدية تكره ~~القراءة والكتابة (وهو أمر نعرف أنه ينطبق أيضا على الفرس القدماء)، ~~وقبل قرن من الزمان، تميزت عائلة ميرزا عن غيرها من الشيوخ ~~بإلمامها بالقراءة والكتابة. # وكانت عائلة ميرزا مكرسة خصوصا لملك شيخ حسن، الذي يعتقد ~~الإيزيديون أنه كائن خارق ونائب الوصي على العرش من الملائكة الذين ~~سيطرت مشيئته على الكواكب والنجوم. ويعتقد الإيزيديون أنه اتخذ شكلا ~~بشريا يوما ما باسم الشيخ حسن، وكان قبره في ms059 لالش. لاحظت أن ~~ميرزا دائما لا ينطق المقطع الأول من اسم حسن؛ لذا بدا الاسم مثل ~~«شيخ-سن» أو «شيخ-سن». كلمة «شيخ» تعني «كبير» أو ربما «سيد»، وفي ~~العصر البابلي والآشوري كان الناس في سنجار والمناطق القريبة منها ~~يعبدون الرب سين، إله القمر. وبالمثل يقدس الإيزيديون شيخ شمس الذي ~~يشبه اسمه اسم شماش، إله الشمس عند الآشوريين. واسمه ليس نقطة ~~التشابه الوحيدة؛ فقبر شيخ شمس هو مكان إقامة الطقس الذي مجد منذ ~~آلاف السنين شماش: التضحية العظيمة بالثور. # والغرض من التضحية هو جلب المطر في الشتاء والخصوبة في الربيع الذي ~~يليه. ولذلك يجلب ثور صغير لا يقل عمره عن عام إلى داخل حرم لالش، ~~ثم يطارده إلى ضريح الشيخ شمس رجال كانت قبيلتهم تتمتع بهذا الشرف ~~منذ قديم الأزل. ويحمل الرجال عصيا رفيعة لقيادة الثور؛ ويحمل رجال ~~آخرون بنادق آلية لإطلاق النار في الهواء للاحتفال. وعندما يصل الثور ~~إلى ضريح الشيخ شمس، يؤسر ويقترب منه شيخ ليهمس في أذنه ثم يذبحه. ~~يكاد يمكن وصف الحدث بكلمات ملحمة جلجامش التي مضى عليها أربعة ~~آلاف سنة: «ولما قتلوا الثور اقتلعوا قلبه ووضعوه أمام شماش إله ~~الشمس، وتراجعوا وسجدوا أمام شماش في إجلال». وليس هذا هو العيد ~~الوحيد المتعلق بالشمس عند الإيزيديين. فهم يلتزمون بصيام ثلاثة ~~أيام في ديسمبر، يليها يوم عيد يسمى عيد الصوم. فمنذ زمن بعيد ~~عندما لم تظهر الشمس، جعلت ثلاثة أيام من صلاة وصيام الإيزيديين ~~الرب يعيد الشمس؛ وهذا الحدث إحياء لذكرى تلك المناسبة. # العقيدة الإيزيدية، مثل المندائية، ديانة غامضة. وعلى النقيض من ~~حرص الإيزيديين على إيصال رسائلها الباطنية وإقناع الآخرين بها، ~~يريد رجال الدين إبقاءها سرية. ونظرا إلى أن ميرزا كان ينتمي إلى ~~طبقة الشيوخ، فقد كان من حقه تعلمها؛ ولكن كان عليه أن يظفر بحق ~~اكتساب هذه المعرفة. إذا التزم بارتداء جميع ملابسه باللون الأبيض ~~دائما، والصيام مرتين في السنة مدة أربعين يوما في كل مرة، ~~متخليا عن كل الطعام خلال ساعات النهار والبقاء في المنزل، فسيكتسب ~~حينها ms060 القدرة على التنبؤ بالمستقبل، وأولئك الذين اتخذوا هذه ~~الخطوة قبله سيعلمونه كتب الإيزيديين المقدسة غير المكتوبة. أخبرني ~~ميرزا أن هذه الكتب المقدسة قد دونت مرة ولكن العلماء الغربيين ~~سرقوا المخطوطات؛ وكل ما تبقى هو لفيفة جلدية عليها كتابة ~~ذهبية، كان يعتقد أنها ستظهر له تاريخ شعبه. (في الواقع، المخطوطات ~~التي اعتقد العلماء الغربيون يوما ما أنها كتب الإيزيديين المقدسة ~~تبين حينها أنها مزيفة، واتضح أن الكتب المقدسة الحقيقية تنقل ~~شفهيا. لقد أخفيت أسرار الديانة جيدا، حتى عن أتباعها.) # ما كان ميرزا يعرفه بالفعل هو أن النبي الأول هو إبراهيم والنبي ~~الأخير هو محمد، لكن العناصر الأربعة كانت أهم من أي نبي. أعظم هذه ~~العناصر كان النار، وكانت الشمس الوسيط الرئيسي بين البشر والإله ~~المجهول. وأوضح أن «الإيزيديين والآشوريين عبدوا الشمس». كان يعلم ~~أيضا أن الإيزيديين توقعوا أن تتناسخ أرواحهم - كرجال، أو ربما ~~كحيوانات. (وجدت أنه من الغريب أن ميرزا لم يكن متأكدا من هذه ~~النقطة، لكن بدا أن العديد من الإيزيديين غير مهتمين بالحياة ~~الأخرى، أو ربما يتكتمون بشأن معتقداتهم.) لقد اعتبروا الفلاسفة ~~اليونانيين أنبياء. وكانت الشخصية الأساسية في دينهم هي شخصية الملك ~~الطاووس، كما اكتشفت عندما ذهبت إلى لالش بنفسي. ~~••• # كنت أرغب في الذهاب إلى لالش منذ أن سمعت عنها عندما كنت أعيش ~~في بغداد. سافرت إلى هناك في عام 2011، وبدأت الرحلة من إحدى ضواحي ~~إسطنبول غير الساحرة حيث استقللت حافلة للمرحلة الأولى من رحلة ~~الألف ميل التي استغرقت ثلاثين ساعة إلى العراق. خلال اليوم التالي، ~~شاهدت تغير المناظر الطبيعية من حولي أثناء سفرنا من الركن الشمالي ~~الغربي لتركيا إلى أقصى الجنوب الشرقي، حيث يمر الطريق إلى العراق. ~~وإسطنبول، حيث بدأت الرحلة، هي أكبر وأغنى مدينة في تركيا؛ فالأرض في ~~المناطق الساحلية بتركيا خصبة، والطقس متوسطي معتدل. جنوب شرق ~~البلاد، على النقيض، حار وفقير، والكثافة السكانية به منخفضة. وهنا ~~تقع مدينة أورفة (سالينورفا) في واحة ضخمة محاطة بمنطقة شبه ~~صحراوية. في القرن الرابع الميلادي زار أورفة، التي كانت تعرف ms061 سابقا ~~باسم الرها، حجاج مسيحيون حريصون على رؤية رسالة يفترض أن يسوع ~~كتبها خلال حياته إلى ملك الرها، أبجر. كان من بين الحجاج كاتبة ~~يوميات تدعى إجيريا، يمكننا أن نرى من كتاباتها أنه كان يوجد أيضا ~~وثنيون لا يزالون يعيشون في الرها ويعتبرون الأسماك في الأنهار ~~المحلية مقدسة ويرفضون قتلها. وبوصفها مسيحية، حرصت إجيريا على ~~تناول هذه الأسماك (علقت قائلة: «طعمها لذيذ جدا»). # اليوم أورفة مدينة مسلمة، وفي مركزها مسجد مزخرف محاط بحديقة ~~تتجول فيها العائلات والأزواج في طقس المساء البارد نسبيا. وبعد ~~الوصول إلى المدينة واستقراري في دار ضيافة محلية، انضممت إليهم، ~~وأنا أفكر في ماضي المدينة. كانت توجد مستوطنة في هذا الموقع منذ ~~آلاف السنين؛ على سبيل المثال، ما بين 2000 و600 قبل الميلاد في زمن ~~الإمبراطورية الآشورية، التي يرد ذكر ملكها الأسطوري النمرود في ~~الكتاب المقدس وكانت عاصمتها نينوى تقع مكان الموصل اليوم. ~~تأسست المدينة الحديثة على يد أحد مساعدي الإسكندر، ثم تغير ~~حكامها بعد ذلك عدة مرات حيث تقاتل عليها الرومان، والفرس، ~~والبيزنطيون؛ وفي حقبة لاحقة، العرب، والصليبيون، والأتراك. وفوق ~~المسجد، على نتوء جبلي، لا يزال يوجد عمود طويل عليه نقش باللغة ~~السريانية المنقرضة؛ تذكيرا بهذا التاريخ. # وتبين أن توجد آثار أخرى من الماضي في الحديقة: أسماك إجيريا ~~اللذيذة. كان جدول صغير يجري عبر الحديقة، ولاحظت أنه مليء بأسماك ~~الشبوط؛ آلاف من أسماك الشبوط، تجمعت معا بكثافة كما لو كانت قد ~~وقعت في شبكة. كانت تتدافع، وتتلوى مرورا بعضها ببعض، في ثلاثة أو ~~أربعة صفوف. جاء رجل ليقف بجواري، ورأسه ملفوف بكوفية باللونين ~~الأسود والأبيض. وبين حين وآخر، كان أحد الأشخاص الذين يسيرون في ~~الحديقة يهرول إليه، ويركع على ركبة واحدة، ويقبل يد الرجل ثم ~~يضعها على جبهته، ويتمتم بإيجاز باللغة الكرمانجية. وفي كل مرة كان ~~يحدث هذا، كان الرجل يتجهم بانزعاج زائف وربما يحرك يده بعيدا في ~~إيماءة متعالية. لكنه لم يصد المتوسلين. # وأخيرا خاطبني الرجل. وسأل: «ربما تتساءل كيف يوجد الكثير من ~~الأسماك هنا؟ ms062 لن يقتلها أحد هنا أو يأكلها. عندما أراد الملك النمرود ~~الشرير أن يعاقب النبي إبراهيم، أمر بحرقه حيا في محرقة من الجمر. ~~لكن الله حول النار إلى ماء والجمر سمكا. لهذا السبب نعتبر هذه ~~الأسماك مقدسة.» وإبراهيم هو أبراهام، الذي يدعي المسلمون واليهود ~~أنه نبي. لكن تقليد سمك أورفة المقدس كان أقدم من الإسلام، ويعود ~~تاريخه على الأقل إلى عصر إجيريا وربما قبل ذلك بكثير. يوما ما كان ~~الناس الواقفون حول تلك البركة يتحدثون الآرامية، ثم اليونانية، ثم ~~العربية، والآن الكرمانجية، والمسيحية جاءت وذهبت، لكن الأسماك ~~بقيت. # قال الرجل: «اسمي محمود.» كان مسلما، وكرديا مثل كثير من الناس في ~~أورفة. وأوضح أنه رجل له مكانة محليا. وبينما كنا نتحدث أخبرني عن ~~مدينة مدمرة جنوب أورفة، تسمى حران. في ذلك المساء قرأت عن حران ~~واكتشفت أنه على الرغم من أنها مهجورة الآن، فقد لعبت يوما ما دورا ~~رئيسيا في التاريخ. يزعم أنها المكان الذي عاش فيه إبراهيم قبل أن ~~يتخذ يهوه إلها له. (لقد أصبح هذا الآن موضع شك: فالرواية الإنجيلية ~~بالتأكيد تجعله في بلدة تسمى حران، لكنها ربما كانت بلدة تحمل ~~الاسم ذاته في أقصى الجنوب.) كانت بالتأكيد المكان الذي تعرض فيه ~~الرومان لواحدة من أشهر هزائمهم. ففي عام 53 قبل الميلاد، أطلق ~~البلوتوقراطي الروماني كراسوس ما كان يأمل أن يكون حملة عسكرية ~~مثمرة ضد الإمبراطورية الفرثية (وريثة إمبراطورية كورش الفارسية)؛ ~~طمعا في ذهبها واحتكارها لحركة البضائع الصينية نحو الغرب. لكنه خدع ~~على يد عربي محلي كان عميلا مزدوجا للفرثيين، وقضي على كراسوس ~~وجحافله على يد جيش فرثي أقل منهم عددا. كانت هذه أول مواجهة في ~~أطول حرب في التاريخ. فقد استمرت الأعمال العدائية بين روما وبلاد ~~فارس ما يقرب من سبعمائة سنة، تخللتها فترات هدنة. # لقد نسينا هذه الحرب الأطول، فقد انقرض كلا الطرفين، لكنها شكلت ~~عالمهم وعالمنا. وفي مرحلتها الأخيرة، بعدما كان الأباطرة الرومان قد ~~انتقلوا إلى بيزنطة، وجد الفرس حلفاء بين الجاليات اليهودية في ~~الإمبراطورية البيزنطية؛ وفي ms063 هذه الأثناء، استخدم البيزنطيون العرب، ~~الذين كان بعضهم من المسيحيين، لمحاربة الفرس. وصلت أخبار الحرب إلى ~~مكة النائية، حيث كان النبي محمد يدعو العرب إلى دين الإسلام ~~الجديد. وفي مرحلة ما، بعد انتصار الفرس في أنطاكية سنة 613 ميلادية، ~~بدت الإمبراطورية البيزنطية كأنها على وشك التعرض للهزيمة ~~التامة. فكتب الإمبراطور الفارسي لخصمه البيزنطي: «حتى لو لجأت ~~إلى أعماق البحر، فسأمد يدي وأخرجك»، بينما أصدر البيزنطيون عملات ~~نقش عليها عبارة «فليعن الرب الروم». انزعج النبي محمد ~~وأتباعه؛ لأن كان من المفترض أن الرب إلى جانب روما المسيحية. ~~فأنزلت آية قرآنية السكينة على قلوبهم. وأقرت بما يلي: # غلبت الروم * في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ... ~~ويومئذ يفرح المؤمنون ~~، وبالفعل استعاد ~~البيزنطيون عافيتهم، ووجهوا للإمبراطورية الفارسية ضربة قاتلة؛ ~~وخفضوا أجور المرتزقة العرب، وطردوهم مثل «الكلاب». غير العرب ~~المسلمون رأيهم بشأن بيزنطة وتقدموا شمالا للاستحواذ على أراضيها ~~الجنوبية، وأيضا قهر الإمبراطورية الفارسية في نهاية المطاف. لقد ~~استنزفت الحرب التي استمرت سبعمائة عام كلتا الإمبراطوريتين؛ ~~وبدونها، قد لا يكون الإسلام هو الدين العالمي الذي هو عليه اليوم، ~~وقد يكون للغرب المسيحي، وعاصمته في إسطنبول، ثقافة تهيمن عليها ~~الزرادشتية باعتبارها المنافس الشرقي. # خلال تلك الحرب، حدثت مواجهة ثقافية شيقة. ففي القرن الأول ~~الميلادي، سقط جنوب تركيا في أيدي الرومان لأول مرة. وواجه جنود ~~الفيالق التي نشرت في هذه المنطقة ديانة كانت غريبة عليهم تماما. ~~ويبدو أنهم وجدوها جذابة: فعندما عادوا إلى روما، أخذوا نسخة منها ~~معهم. كانت هذه الديانة هي عبادة الإله ميثرا. وكانت تتسم ببعض ~~أوجه التشابه مع ديانة الإيزيديين، الذين يعيش أقربهم الآن على بعد ~~120 ميلا شرق حران. وشيدت كنائس تحت الأرض مخصصة لعبادة ~~الإله ميثرا - وقد بنيت حول نبع أو جدول، مثل الغرفة السرية في ~~لالش حيث عمد ميرزا - بأعداد كبيرة في جميع أنحاء الإمبراطورية ~~الرومانية. وكانت مراسم الانضمام للطائفة الدينية صعبة عن قصد، ولم ~~يسمح إلا للمنضمين بمعرفة تعاليم الطائفة غير المكتوبة (التي ~~ظلت سرية للغاية، في الواقع، لدرجة ms064 أننا لا نعرف عنها اليوم إلا ~~أقل القليل). لم تكن هذه نقطة التشابه الوحيدة بين الإيزيديين ~~وعبادة ميثرا. فكلتا الديانتين تضمنت الصلاة ثلاث مرات في اليوم، ~~وتقديس الشمس، وارتداء الأحزمة، والتضحية بالثيران. وأخيرا، أطلق ~~عبدة ميثرا على أنفسهم «المتحدين بمصافحة الأيدي». للعقل الحديث يبدو ~~ذلك أمرا غير استثنائي: فما الذي يميز إيماءة كانت عادية جدا؟ ~~لكنها لم تكن في ذلك الوقت إيماءة التحية المعتادة التي أصبحت عليها ~~منذ ذلك الحين في الغرب. ويبدو أنها أصبحت كذلك بفضل الميثرائيين - ~~التي كانت تمثل لهم أحد طقوس الترابط، كما هو الحال عند الإيزيديين. ~~اختفت الديانة الميثرائية في النهاية عندما أصبحت المسيحية منتشرة ~~في الإمبراطورية الرومانية، لكن هذه الإيماءة استمرت. وبعدما ~~تجردت تماما من جميع ارتباطاتها الروحانية، أصبحت الآن إيماءة ~~عالمية تدل على المودة. # لا يوجد عالم يعرف التاريخ الكامل للإيزيديين. كما أن العزلة ~~والسرية اللذين بقوا بسببهما في مأمن من التدخل الخارجي أبعداهم ~~أيضا عن معظم كتب التاريخ. وعلى عكس المندائيين، الذين عاشوا في عزلة ~~نسبية في الأهوار العراقية، تعرض الإيزيديون للعديد من الأديان ~~والثقافات المختلفة وتأثروا بها على مدى الألفي سنة الماضية. ~~وسيكون من الخطأ أن نظن أنهم «نفس» هذا الدين القديم أو ذاك لمجرد ~~أن لديهم سمات ثقافية مشتركة. ثمة اختلافات بين الإيزيديين ~~والميثرائيين: على سبيل المثال، الإيزيديون لديهم ثلاث طبقات رئيسية ~~والميثرائيون لديهم سبع؛ لم تكن أورفة في العصر الروماني تتحدث ~~الكرمانجية؛ ومن الناحية العرقية، قد لا ينحدر الإيزيديون المعاصرون ~~من نسل شعب أورفة. لكن خبرتنا بشأن الدين خاضعة جدا للمسيحية، ~~واليهودية، والإسلام (الديانات الإبراهيمية) لدرجة أننا ننسى أنه في ~~الشرق الأوسط كان ولا يزال يوجد صنف منفصل تماما من الأديان ينتمي ~~إليه، بشكل فضفاض، الإيزيديون. ومع أن الجنود الرومان الذين أشاعوا ~~المصافحة لم يلتقوا بالإيزيديين أنفسهم، فمن الواضح أنهم صادفوا ~~ديانة من الصنف نفسه. # الإله ميثرا، يظهر وهو يقتل ثورا؛ كما يظهر ثعبان، ~~وكلب، وعقرب، والتي تظهر جميعها بطرق مختلفة في بعض ~~ديانات الشرق الأوسط المعاصرة. من كنيسة سرية ms065 تحت ~~الأرض في سانتا ماريا كابوا فيتيري، بإيطاليا، يعود ~~تاريخها إلى القرن الثاني أو الثالث الميلادي. صورة ~~رقمية مهداة من برنامج المحتوى المفتوح الخاص بمتحف ~~جيتي. ~~••• # طوال الطريق إلى حران، على طريق تمتد الصحراء على جانبيه، كان ~~محمود يدخن دون انقطاع سيجارة تلو أخرى. عندما وصلنا إلى المدينة ~~المدمرة، ثبت أنها مكان مميز. تتكون المستوطنة الحديثة، التي ~~بناها مهاجرون عرب أتوا من العراق قبل بضعة قرون، من مجموعة من ~~الأكواخ على شكل خلايا نحل، أسقفها المخروطية ملطخة بالدخان، ~~تتجمع حول قلعة حجرية مدمرة. كانت الحجارة الباهتة المتناثرة عبر ~~التلال القريبة من بقايا مسجد من العصور الوسطى. ومع ذلك فإنه، منذ ~~آلاف السنين، عندما كانت حران واحدة من أكبر وأشهر المستوطنات في ~~المنطقة، كانت الأحجار الباهتة نفسها جزءا من معبد مكرس لإله ~~القمر سين. وكان الملك البابلي نابونيد، الذي أعاد بناء المعبد في ~~القرن السادس قبل الميلاد، فخورا بشكل خاص بلون الحجارة وأعلن أنه ~~جعل حران «متلألئة مثل ضوء القمر». وكشف النقاب عن نقشه الذي ~~عمره 2500 سنة في خمسينيات القرن الماضي، عندما قلب عالم آثار واحدة ~~من درجات المسجد المدمر ووجد أن بناة المسجد أعادوا استخدام أحجار ~~نابونيد بدلا من استخراج أحجار جديدة. # بعد مدة طويلة من تحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية، وحتى ~~بعدما أصبحت مدينتهم جزءا من الإمبراطورية العربية الإسلامية، ~~استمر الحرانيون بعناد في عبادة الكواكب السبعة (وفاء للتراث ~~البابلي، اعتبروا الشمس والقمر من الكواكب، وكانوا يعرفون عطارد، ~~والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل) وخصصوا لكل واحد منهم يوما ~~مقدسا. اقترنت عاداتهم القديمة بفلسفة متطورة ومعرفة علمية. فعلى ~~سبيل المثال، رتبت معابد الكواكب وفقا لبعد الكواكب عن الأرض. ~~وسوغت عبادة تلك الكواكب من خلال نظام لاهوتي مفصل. واتفق ~~الحرانيون مع الفلاسفة اليونانيين الذين كانوا قد توصلوا إلى أنه ~~يوجد إله أعلى هو التفسير النهائي لسبب وجود الكون، ولكنه يفوق ~~إدراك العقل البشري. وبما أن الرب كان حرفيا يفوق الوصف، فإن ~~البشر العاديين لا يمكنهم إلا أن يأملوا في رؤية الإسقاطات الإلهية ms066 ~~في الكون المادي وتمجيدها. # وعلى حد تعبير عالم الدين المسلم الشهرستاني، الذي عاش في القرن ~~الحادي عشر، في محاولة منه لشرح معتقدات الحرانيين، فإن الرب ~~«يتكثر بالأشخاص في رأي العين. وهي المدبرات السبعة والأشخاص ~~الأرضية الخيرة، العاملة، الفاضلة. فإنه يظهر بها، ويتشخص ~~بأشخاصها، ولا تبطل وحدته في ذاته... وقالوا: هو أبدع الفلك وجميع ما ~~فيه من الأجرام والكواكب، وجعلها مدبرات هذا العالم.» وهكذا ~~تستمر الممارسات الدينية البابلية والآشورية بأيديولوجية جديدة ~~تدعمها، ألا وهي: مشروعية أن تعبد الكواكب بوصفها إسقاطات إلهية. ~~وكما يستطرد الكاتب في شرحه، ينطبق الأمر مع بعض الأشخاص: فيمكن أن ~~يحدث «تنزل لجوهر الله» إلى كائن بشري، «أو تنزل لجزء من جوهره، ~~وهو ما يحدث وفقا لدرجة استعداد الشخص». وعندما يتنزل هذا الجوهر ~~في أكمل صوره، فقد يحول شخصا إلى نوع من الإسقاط الإلهي على ~~الأرض. سجل الشهرستاني أن الحرانيين كانوا يؤمنون بتناسخ ~~الأرواح، وهو ما يعني أن هذه الإسقاطات الإلهية قد تموت ثم تولد من ~~جديد، وتعود إلى الأرض في عصور متتالية. # كانت الجيوش الإسلامية التي استولت على المدينة من البيزنطيين سنة ~~638 ميلادية غير متأكدة مما يجب أن تفعله مع الحرانيين. فوفقا ~~للقرآن، فإن «أهل الكتاب» - ومن بينهم المسيحيون، واليهود، ومن ~~يطلق عليهم اسم «الصابئة» - يستحقون تسامحا خاصا. ومن ناحية ~~أخرى، كان يعتقد عموما أن المشركين يستحقون الموت إذا لم يهتدوا. ~~ولم يكن واضحا إلى أي من هذه الفئات ينتمي الحرانيون. لذلك عندما ~~واجه العرب معبدا لإله القمر، أراد بعضهم - وخاصة أولئك الذين ~~كانوا يهودا أو مسيحيين قبل اعتناق الإسلام - تدميره على الفور. ~~ومع ذلك، كان لمجموعة أخرى من العرب أقارب يمارسون شيئا مشابها ~~لديانة الحرانيين. ودافعت هذه المجموعة عن حق الحرانيين في ممارسة ~~عبادتهم كما كانوا يفعلون من قبل. وكانت الغلبة لوجهة نظرهم، وبقي ~~المعبد مائتي عام أخرى. # في نهاية ذلك الوقت تصادف أن مر الخليفة نفسه عبر حران. أصاب ~~الذعر الناس. فقد يدينهم الخليفة بأنهم وثنيون، ويجردهم من ~~حقوقهم الشرعية أو حتى يحكم عليهم ms067 بالموت. ثم اكتشفوا الإشارة إلى ~~«الصابئة» في القرآن وتمسكوا بها: أعلنوا أنهم الصابئة، وبذلك ~~ربحوا ثلاثمائة عام أخرى من السلام. (لم يشر أحد سوى البيروني ~~حاد الملاحظة إلى أن المندائيين في أهوار جنوب العراق هم الصابئة ~~الحقيقيون.) كان الحرانيون أيضا محميين بمعرفتهم بالعلوم ~~اليونانية، مما جعلهم مفيدين لحكامهم المسلمين. فقد وظف حراني ~~يدعى ثابت بن قرة في «بيت الحكمة» اللامع في بغداد، وهي مؤسسة ~~أسسها الخلفاء المسلمون لتكون مستودعا للمعرفة العلمية في ~~العالم. فحسب طول السنة في غضون ثانيتين وأثبت أن لنظرية ~~فيثاغورس للمثلثات تطبيقا أوسع مما أثبت سابقا. وقدم دفاعا ~~بليغا عن ثقافته قائلا: «من الذي استوطن العالم المسكون وعمر ~~المدن، إن لم يكن رجال الوثنية وملوكهم البارزين؟ فلولا مواهب ~~الوثنية، لكانت الأرض فارغة وفقيرة، محاطة بكفن عظيم من ~~العوز.» # لم ينفد حظ حران إلا في القرن الحادي عشر وهدمت مجموعة من ~~الغوغاء المزار المقدس، وبعثروا أحجاره، «المتلألئة مثل ضوء القمر»، ~~على سفح التل. وبعد مائة عام دمر المغول المدينة وأبادوا شعبها، ~~ومحوا ألفي عام من التاريخ. لكن لا يزال يمكن العثور على أفكار ~~الحرانيين في قطاع ضيق جنوب المدينة المدمرة، يمتد من مقاطعة ~~أذربيجان الإيرانية الجبلية غربا إلى البحر الأبيض المتوسط. فعلى ~~الساحل السوري، على سبيل المثال، مارست جماعة من العلويين قرونا ~~عديدة شكلا غير اعتيادي من الإسلام يتخلله عادات وأفكار كان ~~الحرانيون يعترفون بها. وعلى الرغم من كون العلويين شيعة أصلا، ~~فإن القواسم المشتركة بينهم وبين الشيعة التقليديين تضاهي في ~~قلتها تلك التي بين الموحدين والبروتستانت الإنجيليين. تبع ~~العلويون أحد عشر إماما من أصل اثني عشر إماما قادوا الشيعة في ~~القرنين الأولين للإسلام. ثم تطورت أفكارهم في اتجاه متطرف ~~للغاية. # في عام 2012 شرعت في إجراء مقابلة مع شيخ علوي في شمال لبنان، على ~~أمل أن يتحدث معي عن دينه. كانت توقعاتي منخفضة. فحتى قومه لا يحق ~~لهم معرفة الأسرار التي يحملها، وكنت شخصا غريبا يمثل جنسيتين ~~غير مرغوب فيهما (بريطاني وأمريكي) في آن واحد. وقت زيارتي، ms068 كان ~~العلويون مثار جدل بشكل خاص؛ لأن الحكومة السورية ورئيسها العلوي، ~~بشار الأسد، كانا متورطين في عمليات قمع وحشي وقتل جماعي. لذلك لم ~~أكن متأكدا من مدى سهولة الوصول إليهم، ناهيك عن جعلهم يتحدثون. ~~لكنني، مسلحا بهاتف محمول رخيص، وبعض أرقام الهواتف، وسائق سيارة ~~أجرة أشيب من الضواحي الجنوبية لبيروت، وسيارة شهدت أياما أفضل، كنت ~~سأحاول. # تقع مدينة طرابلس المسلمة السنية في شمال لبنان، وفي إحدى ضواحيها ~~(كانت في الأصل قرية على التل ابتلعتها المدينة حاليا) يعيش ~~العلويون. كان الأمر واضحا عندما دخلت هذه الضاحية؛ كانت صور ~~ضخمة لبشار الأسد معلقة على كل عمود إنارة. كنت قد رتبت للاجتماع ~~من خلال زعيم محلي اتهم بتنظيم الميليشيا التي قادت العلويين ~~المحليين في معارك ضد جيرانهم المسلمين السنة. استجوب الرجال ~~الواقفون في الشارع سائق سيارة الأجرة الذي أحضرني ولم يقتنعوا إلا ~~عندما اكتشفوا أنه شيعي. فهذا جعله في نظرهم حليفا؛ وهو أمر ~~نادر. # بعد تفتيش جسدي كامل للتأكد من أنه لم يكن معي أي أسلحة مخفية، ~~أرشدوني إلى مكتب شيخ علوي كان رأسه مغطى بعمامة حمراء وبيضاء. ~~أكد لي قائلا: «لا يوجد لدينا في معتقداتنا أي شيء مخفي. ثمة ~~بضعة أمور خاصة، وهذا كل ما في الأمر؛ مثل عادات الأجداد وما شابه ~~ذلك.» اشتملت هذه العادات على تحريم أكل لحوم الإبل والأرانب، ولحم ~~أي حيوان من جنس مختلف عن جنس الشخص؛ أي إن النساء كن يأكلن لحوم ~~إناث الحيوانات، والرجال يأكلون لحوم ذكور الحيوانات. هل أعطوا أهمية ~~متسمة بالتقديس بساتين الأشجار، كما لمح لي السفير البريطاني؟ ~~لا. هل اعتبروا عليا إلها؟ لا، فقط اعتبروه صاحب شريعة وخليفة ~~للنبي. أما عن سوريا، فحسب زعمه، أن ما كان يجري هناك هو من فعل ~~إرهابيين يعملون في خدمة إسرائيل. أثناء مغادرتي، كان الشيخ على ~~استعداد لمشاركة ملاحظة أخيرة حول دينه. فقال متكلفا الابتسام: «لا ~~يوجد علويون في الجحيم. الإرهابيون فقط في الجحيم، ويعانون من ~~العذاب.» # لم يكن الشيخ صريحا جدا وفقا لأحد العلويين الذي طلب ms069 عدم الكشف ~~عن هويته. وتتضمن أكثر طقوس العلويين سرية شرب خمر مقدسة وتظهر ~~تأثيرات مسيحية واضحة جدا - فهم يسمونه القداس، وتشير كتبهم إلى ~~المسيح - ولكنها تقتبس أيضا من التقاليد الآتية من إيران؛ فجوهر ~~الطقوس موروث من الزرادشتية، التي تعتبر فيها الخمر وسيلة لتحقيق ~~التواصل مع الله. يمكن أن تتناسخ أرواح الناس من جديد في هيئة نباتات ~~أو حيوانات؛ ولعل هذا هو السبب في أن بعض أنواع الأشجار لها أهمية ~~متسمة بالتقديس، رغم أن الشيخ نفى ذلك. والكتب المقدسة العلوية ~~(التي نشرها علماء غربيون، مع أنه لا يمكن لغير المنضمين للطائفة أن ~~يطلعوا عليها) تعلم أفكارا أباحها الفلاسفة المسلمون الأوائل ~~واستمرت أيضا في تقاليد حران. وتسرد الكتب العديد من الشخصيات من ~~التاريخ بوصفهم نظراء بشريين لخدام الله السماويين؛ ليس فقط ~~أشخاصا مألوفين من الإسلام والمسيحية، مثل محمد ويسوع، ولكن أيضا ~~آخرون مستمدون من التراث الكلاسيكي، مثل أفلاطون والإسكندر ~~الأكبر. أعظمهم، في تراثهم، هو علي، صهر محمد. فقد كان لمحة عن الله ~~أو صورة له، وهو أقرب شيء إلى الله على الأرض يمكن للعقل البشري ~~المحدود أن يدركه. وسيكون من الصواب تعظيم علي بقول إنه الله، ولكن ~~من الخطأ جعل الله محدودا بقول إن الله هو علي. (في الحقيقة يقول ~~العلويون: «الصورة هي الله، ولكن الله ليس الصورة»، وهي عبارة تشبه ~~تلك التي استخدمها المسيحيون النسطوريون في نص يرجع تاريخه إلى ~~سنة 550 ميلادية: «المسيح هو الله، ولكن الله ليس هو المسيح.») # يشارك العلويون أيضا الإيزيديين والحرانيين في تقديس الكواكب. ~~وسميت إحدى قبائلهم تيمنا بالشمس، وأخرى بالقمر. كان تعظيم الشمس ~~والقمر يعد فضيلة، على الأقل لدى بعض العلويين. «إنهم لا يحبون ~~القمر»، هكذا اشتكى أعضاء إحدى القبائل العلوية من قبيلة أخرى عندما ~~تحدثوا إلى مبشر بريطاني من القرن التاسع عشر يدعى صموئيل لايد، ~~الذي كتب لاحقا كتابا عن تجاربه وسط المجموعة. وقالوا له أيضا إن ~~عليا، الذي كان أقرب شيء إلى الله على الأرض، قد أخفى نفسه في عين ~~الشمس؛ وكانت تلك ms070 حجتهم في أنهم يولون وجههم شطر الشمس وقت ~~الصلاة. (كان ثمة اعتقاد مشابه بشأن الإله ميثرا؛ ومن المحتمل أنه في ~~مرحلة ما حل اسم علي محل ميثرا، إما كذريعة أو توفيق متعمد، وأنه ~~بمرور الوقت نسي الارتباط الأصلي.) # عندما وطئت قدم نيل أرمسترونج القمر، أثار ذلك أزمة لاهوتية بين ~~العلماء العلويين. إذ كانوا يعتقدون، مثل الحرانيين، أن القمر كان ~~تجليا ماديا لروح كانت في التسلسل الهرمي السماوي وسيطا بين ~~الله والإنسان؛ ولكن كيف يمكن أن يكون ذلك صحيحا إذا كان كتلة صخرية، ~~وليس حتى القمر الوحيد في الكون، ولكنه واحد من كثير؟ لذلك كتب شيخ ~~علوي اسمه أحمد محمد حيدر كتابا بعنوان «ما بعد القمر»، حاول فيه شرح ~~المشكلة. هذا، على الأقل، ما أخبرني به مصدري المجهول. ومع أنني وجدت ~~أن الكتاب قد نشر بالفعل، ووجدت نقدا له أكد أنه ناقش طبيعة ~~النجوم والكواكب، فإن جميع نسخه اختفت في ظروف غامضة؛ لذلك لم ~~أتمكن مطلقا من اكتشاف حل الشيخ المقترح للمشكلة. وتتلاءم هذه ~~السرية المطلقة مع ما كتبه جاكوب دي فيترياكو، الأسقف الصليبي ~~لعكا في القرن الثالث عشر، عن عقائد العلويين السرية، التي سماها ~~دستورهم: «إذا كشف أي ابن عن الدستور لأمه، يقتل بلا رحمة.» وما ~~زال العلويون متكتمين بصرامة حتى اليوم. بل هم أكثر من ذلك، في ~~الواقع، بسبب قوتهم السياسية وارتباطهم بنظام الأسد المثير للجدل. لذا ~~لم أتعمق كثيرا في استفساراتي بشأن معتقدات العلويين. # أما الإيزيديون، الذين لا سلطة لهم، فهم أقل خجلا. أخبرني ~~ميرزا أن الشيخ شمس «مسئول عن» الشمس. لكنه أيضا ملاك جاء إلى الأرض ~~وتجسد في هيئة بشرية لنشر الحكمة الإلهية. ثمة أوجه تشابه أخرى ~~بين الحرانيين، والعلويين، والإيزيديين. فالثلاثة يؤمنون بتناسخ ~~الأرواح ويعظمون النار. (علق بيرسي بادجر، وهو مبشر بريطاني من ~~القرن التاسع عشر، قائلا إن الإيزيديين «لا يبصقون في النار أبدا، ~~وفي كثير من الأحيان يمررون أيديهم عبر ألسنة اللهب، ويتظاهرون ~~بأنهم سيقبلونها ويغسلون وجوههم بها.») ويصلي الإيزيديون والعلويون ~~ثلاث مرات في اليوم ms071 وهم مولون وجوههم صوب الشمس، ويخبرنا البيروني ~~أن الحرانيين يصلون ثلاث مرات في اليوم صوب الجنوب، ولكن الشمس تكون ~~جهة الجنوب وقت الظهيرة. يشترك بعض الإيزيديين في التحريم المقدس ~~بقتل الأسماك، التي يعتبرونها مقدسة لأنها تعيش في الماء. (أخبرني أحد ~~أصدقاء ميرزا إسماعيل، وهو أبو شهاب، بأن أحد أولياء الإيزيديين نصب ~~خيمته عند دمشق «منذ 1350 عاما» وأن السمك خرج من النهر ليكون أوتاد ~~خيمته، ومنذ ذلك الحين، لم يقتل الإيزيديون الأسماك. وأضاف أن دمشق ~~كانت فيما مضى إيزيدية. وبالفعل، السنين سجل البيروني من ألف سنة أن ~~الحرانيين كان لهم مزار مقدس في دمشق.) ~~••• # يتجه الطريق شرق أورفة نحو الأرض التي لا يزال يعيش فيها ~~الإيزيديون. أصبح فقر الأماكن التي مررنا بها أكثر وضوحا، حتى ~~من المطاعم الموجودة على جانب الطريق التي توقفنا عندها. في آخر هذه ~~المطاعم، لم يكن يوجد سوى مطبخ مكشوف يصطف أمامه رجال محبطون ~~يحملون أوعية حساء فارغة، يهشون الذباب بعيدا. شعرت أنني بعيد ~~بقدر يفوق التصور عن المنتجعات السياحية على ساحل البحر الأبيض ~~المتوسط في تركيا، لكن شيئا واحدا على الأقل كان مألوفا أكثر ~~لي هنا؛ فاللغة التي سمعتها كان لها صدى أماكن أخرى عرفتها. قال ~~السائق عندما توقفنا: «بانج دكا». تعرفت على هذه العبارة؛ فهي ~~تعني: «خمس دقائق». كانت العبارة ذاتها التي سمعتها في إيران ~~وأفغانستان. سأل رجل رجلا آخر: «تشوني؟» أي «كيف حالك»، وكان الرد ~~«باشي، أنا بخير». # كانت هذه هي اللهجة الكرمانجية، الخاصة باللغة الكردية، التي ما ~~زالت موجودة مئات السنين رغم الجهود المستمرة التي تبذلها الحكومة ~~التركية لقمعها. عندما كان الرجل صاحب الشخصية الآسرة، مصطفى كمال، ~~الملقب «أتاتورك»، يحاول بعد الحرب العالمية الأولى تكوين دولة ~~تركيا الحديثة مما تبقى من الإمبراطورية العثمانية الآخذة في ~~الاضمحلال، شعر بأن تنوع دولته الجديدة كان مصدر ضعف وانقسام. ~~فحاول قمع العديد من الهويات المحلية والإقليمية، ونجح في بعض ~~الحالات، ولكن ليس مع الأكراد. وحظر هو وخلفاؤه الكرمانجية في ~~المدارس، لكنها ظلت باقية (رفع الحظر حاليا). ms072 كان الأكراد يتعلمون ~~أنهم أتراك، لكنهم تمسكوا بهويتهم الكردية، وطالبت حركة انفصالية ~~قوية بإقامة دولة كردية منفصلة؛ على أساس أنهم شعب تميزه لغته ~~وعرقه عن الأتراك في الغرب، والعرب في الجنوب. # في العراق اقترب ذلك الحلم من أن يؤتي ثماره. وعندما وصلنا إلى ~~الحدود، لم أستطع التأكد من أن ذلك كان العراق الذي كنت أنظر إليه ~~عبر أحواض البوص، والنهر الضيق، والسياج الحدودي الشائك. كان علم ~~ضخم معلقا على الجانب الآخر من الحدود، وطرفه يكاد يتدلى فوق ~~الجانب التركي من الحدود، لكنه لم يكن العلم العراقي. كان يتكون من ~~الألوان الأحمر، والأبيض، والأخضر وشمس صفراء في وسطه؛ كان هذا علم ~~كردستان. ولعقود من الزمان كان هذا العلم رمزا محظورا لرغبة ~~الأكراد في الاستقلال. ولم يشعر الأكراد بالقوة الكافية لرفع علمهم ~~إلا بعد عام 1991، وفقط في العراق. شهدت هذه الحقبة إنشاء القوى ~~الغربية لمنطقة حظر جوي في شمال العراق، مما مكن الأكراد من ~~تحدي صدام دون عقاب. ومنذ سقوط صدام عام 2003، رفع الأكراد علمهم ~~بموجب الحق الدستوري، في المحافظات الثلاث التي يسمونها الآن كردستان ~~العراق. # ومع ذلك، طوال مدة وجودي في الأراضي التركية، كانت «كردستان» كلمة ~~محظورة، توحي بالانفصالية وانقسام تركيا إلى مناطق عرقية منفصلة. ~~وعندما لاحظ أحد الركاب الكلمة على شاشة جهاز الكمبيوتر الخاص بي، ~~هز إصبعه في وجهي حتى حذفتها. ومع ذلك كانت «مرحبا بك في ~~كردستان!» هي الكلمات التالية التي سمعتها بمجرد عبور الحدود. وما ~~كان هرطقة في مكان ما أصبح مألوفا في المكان الذي يليه. وبمجرد ~~وصولي إلى العراق، وجدت أن الناس يقولون «كردستان» كلما أمكنهم ذلك. ~~وكان أكراد العراق يستخدمونها بطريقة قاطعة وحازمة، كما لو كانت ~~تتمتع بقوة سحرية، وكأن استخدامها مصدر لحريتهم وازدهارهم ~~المتنامي. # ينعم أكراد العراق بوحدة دون تجانس. فهم منقسمون بين عشرات ~~القبائل، وثلاث لغات، وفصيلين سياسيين تقاتلا في السابق حربا ~~أهلية وحتى الآن يعملان معا بريبة متبادلة، لكنهما تعاونا ~~بفعالية كافية للفوز بدرجة عالية من الحكم الذاتي، وتقليل الهجمات ~~الإرهابية في منطقتهما ms073 إلى الحد الأدنى، والحصول على حصة ثمانية عشر ~~بالمائة من عائدات النفط العراقي، التي تقدر بمليارات الدولارات ~~سنويا. لم يسبق للأكراد من قبل أن جربوا مثل هذه الثروة. كان ~~تاريخهم طويلا؛ إذ توجد إشارات إلى «الشعب الكورتي» في تلك التلال ~~منذ ثلاثة آلاف عام، وبعض العلماء يتتبعون أصولهم إلى ما قبل ذلك. ~~لكنهم لم يكونوا أثرياء أبدا ولم يتركوا أثرا بالغا لثقافتهم؛ ربما ~~لأن الجبال وسفوح التلال التي زرعوها لم تكن خصبة، حتى لو كانت توفر ~~ملاذا ممتازا من الأعداء. ففي زمن ماركو بولو كانوا قطاع طرق، إن ~~كنا سنصدق ذلك المسافر الجريء أو ربما المحتال. فقد أورد متذمرا: ~~«الأكراد مقاتلون متحمسون وخارجون عن القانون، مغرمون جدا بسرقة ~~التجار.» # الآن، على النقيض، يشعر الأجنبي بالأمان التام في المناطق الناطقة ~~باللغة الكردية. وعلى خريطة رأيتها خلال زيارتي تظهر نقطة حمراء ~~لكل هجوم عنيف في العام الماضي، كانت كردستان مساحة فارغة. وتناثرت ~~النقاط الحمراء حول أطرافها، خاصة في منطقة ضيقة على حدودها الغربية ~~تسمى سهل نينوى. وبالقرب من موقع نينوى التوراتي ذاته، الذي يقع ~~حاليا داخل حدود ثاني أكبر مدينة في العراق، الموصل، تزيد كثافة ~~النقاط الحمراء. كانت الموصل ذاتها - «أخطر مدينة في العالم»، كما ~~وصفتها إحدى الصحف مرة - مجرد بقعة حمراء كبيرة بلون الدم. # عندما كنت في الموصل من قبل، بصفتي مراقبا للانتخابات، كنت في ~~سيارة مصفحة بالكامل، لدرجة أن المنظر الوحيد للخارج كان على شاشات ~~فيديو. ومع ذلك، يبدو أننا كنا على وشك أن نتعرض لانفجار قنبلة على ~~جانب الطريق. قال قائد القاعدة لمجموعتنا الصغيرة عندما وصلنا إلى ~~موقعه على حافة المدينة: «لم أكن أتوقع رؤيتكم. لقد تلقيت تقريرا ~~بإصابة إحدى عرباتنا، وظننت أنها عربتكم.» في اليوم التالي في ~~المدينة قابلنا أهلها بنظرات باردة وهادئة. لا، لم تكن لدي رغبة ~~في العودة إلى الموصل. ومع ذلك، يبدو أن الحافلة القادمة من إسطنبول ~~كانت متجهة إلى هناك؛ من المؤكد أنها كانت تترنح الآن على الطريق ~~تحت لافتات تعود إلى عهد صدام ms074 مكتوب عليها «الموصل»، مرورا بحقول ~~محصودة وقمم تلال جرداء. # كان بوسعي الآن أن أرى - بعد فوات الأوان - مدى أهمية الجغرافيا ~~لسلامتي. كنت قد ركبت هذه الحافلة دون تفكير ولم أبذل أي جهد في ~~التخطيط، باستثناء شراء خريطة لشمال العراق. كان من المفترض أن تكون ~~أفضل المتاح، لكنها لم تعطني سوى ما يكفي من المعلومات لإثارة ~~قلقي. كانت وجهتي هي أربيل، العاصمة الكردية. وعلى الخريطة، مر الخط ~~الأحمر السميك للطريق الرئيسي المؤدي إلى أربيل عبر الموصل. تسارعت ~~دقات قلبي، وأمسكت بإطار النافذة. حاولت أن أسأل الركاب المرافقين لي ~~عما إذا كان هذا هو الطريق الذي سنسلكه، لكنهم كانوا تجارا أكرادا ~~وأتراكا، ولم يكن بوسعهم فهم لغتي العربية أو الفارسية. # بدأت أنظر من النافذة بقلق، راغبا في أن تنعطف الحافلة إلى طريق ~~جانبي، لإيجاد طريق مختصر عبر الحقول. خلعت نظارتي وكنت أتساءل كيف ~~يمكنني أن أغير قميصي، أو أنحني بعيدا عن الأنظار، أو أخفي جواز ~~سفري البريطاني، عندما - فيما شعرت أنه اللحظة الأخيرة - انعطفت ~~الحافلة أخيرا إلى اليسار، تاركة الطريق السريع الرئيسي ومتجهة ~~نحو طريق ضيق، أقيم حديثا، وليس على خريطتي. بدا أن الأكراد كانوا ~~حريصين على تجنب الموصل مثلي، وكانوا قد بنوا شبكة من الطرق ~~الجديدة للالتفاف من حولها. في الواقع، كما أدركت لاحقا، لم تغير ~~سنوات القتال شكل الطرق فحسب، بل غيرت طبيعة المنطقة. # وبينما كانت الحافلة تسرع على هذا الطريق المختصر الجديد، ~~مشاركة الطريق مع سائقين متهورين وسيارة واحدة محطمة على الأقل، ~~تلقيت درسا آخر في جغرافية الخطر. اتضح أنه كان يوجد رجل واحد على ~~متن الحافلة يتحدث العربية بما يكفي لأن يفهمني. كان يدعى الحاج عباس ~~ويعيش في مدينة كركوك خارج حدود كردستان. علمت منه أن استفتاء ~~سيقرر ما إذا كانت مدينته، إلى جانب منطقة كاملة من الأراضي ~~المتاخمة لكردستان - «الأراضي المتنازع عليها»، التي تشمل أيضا ~~سنجار، مسقط رأس ميرزا - ستديرها الحكومة الإقليمية الكردية في أربيل ~~أو الحكومة المركزية العراقية في بغداد. وفي غضون ذلك، كانت كركوك قد ms075 ~~أصبحت مدينة هادئة، شبه مهجورة تعاني من العنف الديني والعرقي. ~~كانت كلمات عباس لي عند توديعي: «لا تنس تركمان العراق»، افترضت ~~أنه لا بد أن يكون واحدا منهم، من سلالة الجيوش الغازية من سهول ~~آسيا الوسطى التي حافظت على لغتها التركية على مر القرون، وأصبحت ~~الآن مجتمعا عراقيا متمايزا. سمعت المزيد من المناشدات في الأيام ~~القليلة التالية من جماعات مستضعفة أخرى؛ مثل الشبك، وهم مسلمون ~~يمارسون طقس شرب الخمر والاعتراف بخطاياهم، والآشوريين، وهم آخر ~~من تبقى من كنيسة المشرق، وهي طائفة مسيحية كانت يوما ما تصل إلى ~~الصين، والكاكائيين، وهي جماعة مثل الإيزيديين ولكنها ترفض نظام ~~الطبقات الإيزيدية، وبدلا من اتباع الشيخ عدي، اتبعوا السلطان ~~إسحاق. كانت «الأراضي المتنازع عليها» موطنا لمعظم الأقليات ~~المحاصرة في العراق، التي كانت كلها متوترة بشأن ما قد يحدث بعد ~~ذلك. ~~••• # أنزلتني الحافلة في أربيل، عاصمة كردستان، عند مركز تسوق مليء ~~بالسلع الإلكترونية. شربت كابتشينو سيئا، راضيا بفرصة البقاء ~~بعيدا عن أشعة الشمس الحارقة بينما أفكر في خطوتي التالية. كانت ~~أربيل قد توسعت سريعا في بضع سنوات فقط، وأينما نظرت كنت أجد ~~مشاريع سكنية وطرقا جديدة. كان أحد أصدقائي يقيم في المدينة، ~~وعندما اتصلت به عبر الهاتف، ساعدني في العثور على سائق اسمه طه، وهو ~~مقاتل سابق فظ في الميليشيات الكردية، أبقى سيارته في حالة جيدة؛ ~~حيث كان الغلاف البلاستيكي المتجعد لا يزال على مقاعدها. وبلغة ~~عربية متلعثمة أخبرني أنه لم يزر بغداد قط. فقد مكث داخل كردستان. ~~أسعده، مع ذلك، أن يأخذني إلى لالش وبعض الأماكن الأخرى التي يعيش ~~فيها الإيزيديون؛ ولكن ليس إلى سنجار، التي تقع خارج كردستان والتي قال ~~إنها أقل أمانا. # لالش هي المكان الذي دفن فيه أحد مؤسسي الديانة الإيزيدية. اسمه ~~الشيخ عدي بن مسافر، وهو واعظ صوفي؛ يحتفي الإيزيديون كثيرا ~~بقداسته وزهده. وغالبا ما ينظر إليه باعتباره مصلح العقيدة ~~الإيزيدية، التي أسستها شخصية غامضة تدعى سلطان يزيد. أخبرني ~~ميرزا أن «يزيد» كان مجرد اسم آخر لله. وحسب أحد النصوص ms076 الأكثر ~~إثارة للجدل أن يزيد هو الخليفة يزيد، أحد أوائل الحكام المسلمين ~~السنة وشخصية يحتقرها الشيعة. ويعاني الإيزيديون الأمرين في ~~العراق الذي يسيطر عليه الشيعة لإنكار هذه الرواية. # ثمة قدر أقل من الجدل حول عدي بن مسافر، الشخصية التاريخية التي ~~تظهر في المصادر غير الإيزيدية. ولد نحو عام 1075، من نسل الخلفاء ~~الأمويين، حكام الإسلام سابقا. وكان مسقط رأسه بالقرب من بعلبك ~~في سهل البقاع في لبنان؛ حيث ربما كان الحرانيون في ذلك الوقت لا ~~يزالون يملكون بؤرة استيطانية. لذلك ربما كان بالفعل على دراية بسيطة ~~بعادات مثل تلك العادات الخاصة بالإيزيديين عندما انطلق من تلك ~~القرية النائية في رحلة امتدت مئات الأميال لدراسة الصوفية في ~~بغداد. بعد ذلك، بدلا من البقاء في عاصمة الإمبراطورية والتمتع بحياة ~~العلماء المريحة، ذهب بوصفه مبشرا إلى المناطق الكردية، التي كانت في ~~ذلك الوقت جامحة، وخطيرة، ومقاومة للإسلام. وأسس جماعة من ~~الصوفيين (مبشرين متصوفين منكرين للذات كانوا يشبهون الرهبان ~~المتجولين الأوروبيين في العصور الوسطى، وربما كانوا مصدر الإلهام ~~لهم، وكانوا يرتدون الصوف) تسمى العدوية. وغالبا ما منح المبشرون ~~الصوفيون، الذين اهتدى الناس على أيديهم على تخوم الإسلام، أنفسهم ~~مرونة قبول جوانب المعتقدات القديمة لمن اهتدوا على أيديهم، ~~وأحيانا كانوا يضيفون لها أسماء إسلامية ويعيدون تشكيلها حتى يمكن ~~أن تتوافق مع الشعائر الإسلامية. وكان القصد من ذلك أن يرى المعتنقون ~~الجدد أنفسهم مسلمين في نهاية المطاف. ولكن في بعض الأحيان، لم ~~تترسخ التعاليم الجديدة، وانتهجت بعض جوانب الإسلام، لكنها كانت ~~جوانب سطحية، ولم يكن من زعموا الاهتداء يعتبرون في قرارة أنفسهم ~~أنهم مسلمون، وإنما كانوا يتذكرون هويتهم القديمة. وربما حدثت ~~بعض هذه الأمور لأتباع عدي، الذين تخلوا في النهاية عن أي تظاهر ~~بأنهم مسلمون بالمرة. # كانت لدى عدي ذاته، من وجهة نظر معاصريه المسلمين، وجهات نظر ~~غريبة إلى حد ما. ومن المؤكد أن القصيدة التي نسبها إليه ~~الإيزيديون في القرن التاسع عشر تبدو غير تقليدية. فهي تستهل ~~على نحو محمود كما يلي: «حكمتي تعرف حقيقة الأشياء؛ ms077 فالشر لم ~~يصاحبني.» لكن القصيدة تستمر في تقديم ادعاءات أعظم: «كل الخلق ~~تحت سيطرتي ... وكل مخلوق خاضع لي. أنا من يرشد البشرية إلى عبادة ~~جلالتي ... وأنا من ينتشر في السموات العلا.» ويبدو أن بعض الإيزيديين ~~أيضا يعتبرون أنه يتمتع بمكانة إلهية. فقد قال الخادم في ضريح لالش ~~لبيرسي بادجر، أحد المبشرين البريطانيين في القرن التاسع عشر: «من ~~هو خالق الخير؟ الله أم الشيخ عدي؟». # ومع ذلك فإن الشيخ عدي ليس الشخصية التي سيذكرها معظم الإيزيديين ~~عندما يسألون عن ماهية دينهم. كما أن صورته ليست هي الصورة ~~المعلقة على جدرانهم. لقد كان مجرد التجسيد الدنيوي للملك ~~الطاووس، الحاكم الحقيقي لهذا العالم، القائم مقام الله في الكون ~~المعلوم، وأقرب تمثيل إلى الله يمكن لعقولنا البشرية المحدودة ~~استيعابه. وبما أن وجهة نظر الإيزيديين تجاه الله مجردة جدا - فهم ~~يقولون إنه لا يمكن قول أي شيء عن الله بأي قدر من اليقين باستثناء ~~أنه موجود - فإن الملك الطاووس هو محور تركيز ديانتهم. وفي القرون ~~السابقة، حملت سبع تماثيل برونزية للملك الطاووس (تسمى سناجق) ~~بشكل احتفالي حول القرى الإيزيدية ليقدسها الناس. ووصف المبشر ~~بادجر «السنجق» على النحو التالي: «التمثال على هيئة طائر، أكثر شبها ~~بالديك من أي طائر آخر ... مثبت على قمة شمعدان، حوله مصباحان، ~~موضوع أحدهما فوق الآخر، ويحتوي كل منهما على سبع شعلات، والجزء ~~العلوي أكبر إلى حد ما من السفلي.» فقد خمسة من السناجق؛ وبقي ~~اثنان. يؤمن الإيزيديون أيضا أن الملك الطاووس يتنزل إلى الأرض ~~كل عام في يوم يسمى جارشما سور «الأربعاء الأحمر»، لبدء العام ~~الجديد. ويتميز هذا العيد بتلوين البيض، تماما مثل عيد الفصح ~~المسيحي. ويعتبر الإيزيديون أن البيضة ترمز إلى خلق العالم، الذي كان ~~في أسطورة الخلق الخاصة بهم يوما ما سائلا وأصبح صلبا (مثل البيضة ~~المطبوخة)، وكان عديم اللون حتى وضع الملك الطاووس ريشه الملون ~~عليه، وأضفى لونه الأزرق والأخضر على بحاره وغاباته. # والأمر الأكثر إثارة للجدل، أن الإيزيديين يطلقون على الملك ~~الطاووس اسم عزازيل أو إبليس، وكلاهما ms078 في التراث الإسلامي (وأيضا ~~اليهودي والمسيحي) اسمان لأعظم الملائكة، الذي تمرد على الله وألقي ~~به في الجحيم - أي باختصار، الشيطان. وللطاووس روابط مماثلة. ~~فالدروز في لبنان يعتقدون أن الطاووس، وليس الأفعى، هو من أغوى ~~آدم في جنة عدن. ويعتقد بعض الزرادشتيين في إيران أن الطاووس هو ~~الشيء الجيد الوحيد الذي صنعه الشيطان، كوسيلة لإثبات أن لديه ~~القدرة على فعل الخير إذا اختار ذلك. # فتاة أرمينية إيزيدية تقبل تمثال الملاك ~~الطاووس، ملك طاووس. يطلق على ملك طاووس أيضا اسم ~~إبليس أو عزازيل، ولكن يعتقد الإيزيديون أنه صالح ~~وليس شريرا. وكالة الأنباء الفرنسية/جيتي ~~إيمدجز. # ولكن، لن يطلق الإيزيديون أبدا على الملاك الطاووس اسم «الشيطان»؛ ~~لأنها كلمة محظورة عليهم ومن أشد المحرمات صرامة وتحفظا. ففي ~~القرن التاسع عشر، كتب الإيزيديون رسالة إلى السلطات العثمانية يصفون ~~فيها ممارسة مروعة كان عليهم تنفيذها عند سماع اسم الشيطان: وهي ~~قتل الشخص الذي قال الاسم، ثم قتل أنفسهم لأنهم سمعوه. بعد حرب العراق، ~~لم يبالغ النائب الإيزيدي الوحيد في البرلمان العراقي في رد فعله ~~عندما سمع رئيس الوزراء يستعيذ بالله من الشيطان في بداية خطبه. ~~لكنه أثار ضجة عندما نهض للاعتراض على هذه الممارسة، أو بالأحرى على ~~حقيقة أن نوابا آخرين رمقوه بنظرات اتهامية في كل مرة قيلت فيها ~~الاستعاذة. وقد حدثت هذه النظرات الاتهامية لأن أولئك البرلمانيين ~~الآخرين اعتبروه من عبدة الشيطان. # وكذلك فعل سائق السيارة الأجرة طه، كما كشف لي أثناء رحلتنا شمالا ~~نحو بلدة تدعى دهوك، حيث كان من المقرر أن أقابل عالما إيزيديا ~~ومسئولا كرديا يدعى خيري بوزاني. فقد حذرني طه وهو يقود ~~السيارة، قائلا: «سترى أنني لن آكل أيا من طعامهم. يقول الناس إن ~~المسلمين كانوا فيما مضى يأكلون طعام الإيزيديين. لم نعد نفعل ذلك. ~~فالملك طاووس هذا الذي يعبدونه، هو الشيطان.» أخبرني إيزيديون أصغر ~~سنا فيما بعد أنه أصبح من الشائع أن يرفض الأكراد المسلمون تناول ~~الطعام معهم. وكان الزوار الأوروبيون الأوائل أيضا متحفظين بشأن ~~الإيزيديين بسبب ملك طاووس. فقد وجد ms079 أوستن هنري لايارد، وهو عالم ~~ارتحل عبر شمال العراق سنة 1840، أن الإيزيديين أكثر تهذيبا من ~~جيرانهم؛ وأشار بشكل خاص إلى «سلوكهم الهادئ المسالم، ونظافة قراهم ~~وحسن ترتيبها». ومع ذلك، فقد تردد في قبول دعوتهم للمشاركة في حفل ~~تسمية أحد أطفالهم. «على الرغم من احترامي وتقديري للإيزيديين ... كنت ~~بطبيعة الحال حريصا على التأكد من مقدار المسئولية التي قد أتحملها، ~~في كوني الأب الروحي لطفل يعبد الشيطان.» ~~••• # ما يعتقده الإيزيديون حقا بشأن ملك طاووس أكثر إثارة للاهتمام ~~وللتفكير من عبادة الشيطان. ففي القرن التاسع الميلادي، كان المسلمون، ~~والمسيحيون، والزرادشتيون، وغيرهم يتصارعون فيما بينهم في الإمبراطورية ~~العباسية التي كان يحكمها المسلمون. ولم تكن علوم العقيدة الإسلامية ~~راسخة حينها كما أصبح منذ ذلك الحين، وكان الصوفيون مهتمين ~~اهتماما خاصا باستحداث تفسيرات جديدة مبتكرة وجريئة للدين. ومن ~~هؤلاء الصوفيين كان حسين بن منصور الحلاج. كان جد الحلاج من ~~الزرادشتيين، ويؤمن بالازدواجية، المتمثلة في فكرة أن الكون هو المكان ~~الذي تجري فيه معركة بين الخير والشر. وكان حفيده يرى الفكرة ~~المعاكسة. وفي يوم طرق باب أحد الأصدقاء. وعندما سأل الصديق عن ~~هوية الطارق، أجاب الحلاج: «أنا الحق، أنا الله». وقال في مرة أخرى: ~~«لا شيء في هذه العباءة غير الله.» # كلمات الحلاج أكسبته معجبين. وقال الشاعر الرومي إنها أظهرت ~~روحا تتمتع بقدر من التواضع أعظم من أن يطلق المرء على نفسه ~~«عبد الله»؛ لأن عبارة الحلاج مثلت إنكارا تاما للذات، ~~واستعدادا لأن يستوعبها الله بالكامل. وكما كتب الحلاج: «عندما ~~تبيد قلبك، يدخله الله ويكشف عن وحيه المقدس.» وقد كان لدى بعض ~~المسيحيين فكرة مماثلة؛ حيث كان كاهن وثني سابق يدعى مونتانس، الذي ~~مضى في تأسيس حركته المسيحية المنشقة، قد ادعى أن الله يسكن روحه ~~وأعلن: «أنا الآب، والابن، والروح القدس.» ووصف يوسف بوسنايا، وهو كاهن ~~مسيحي من القرن التاسع عشر، تجاربه الصوفية بقوله إن «روح [الإنسان] ~~نفسها تصبح المسيح ... وتصبح الرب ولا يعد الرب ربا.» لكن ~~الحلاج كان يثير وجهة نظر فلسفية أوسع. فقد كان يقصد ms080 أن كل شيء ~~هو الله. وكتب في إحدى قصائده: «أنت من أرى في كل شيء.» وكان هذا هو ~~التوحيد المطلق؛ فكل شيء، حرفيا، هو من الله بشكل أو ~~بآخر. # وباعتباره موحدا توحيدا مطلقا، جاهد الحلاج لفهم فكرة ~~الشيطان. ففي عالم من صنع الله، كان الشيطان قطعة غير منسجمة. وفي ~~التراث الإسلامي التقليدي، الذي كان يتشارك فيه مع اليهود ~~والمسيحيين، كان الشيطان شرا خالصا؛ متمردا على الله لا يمكنه أن ~~يتوب أبدا ولا يمكن التصالح معه أبدا. والسؤال: ألم يعن ذلك أن ~~الله الخالق كان إما ظالما أو ليس قديرا كما علمنا الدين؟ وكان ~~الزرادشتيون، أيضا، قد انتبهوا لهذا السؤال تحديدا. فقد تحدوا ~~جيرانهم المسيحيين بقولهم إنه إذا كان الله قديرا، فلماذا إذن يسمح ~~للشيطان بارتكاب الشر في العالم؟ لماذا لا يستطيع أن يفدي الشيطان ~~كما فدى البشرية؟ توصل أحد أولئك المسيحيين، وهو إسحاق النينوي، إلى ~~جواب. في نهاية العالم سيفتدى بالفعل كل مخلوق وحتى الشياطين ستدخل ~~الجنة. وستختفي الجحيم. «لن تبقى الشياطين شياطين ولا الخطاة ~~خطاة.» # ابتكر الحلاج جوابه الخاص على الزرادشتيين. فقد قال القرآن، مثل ~~الكتب المقدسة المسيحية واليهودية، إن الشيطان كان أمير الملائكة، ~~ورفض أن يسجد لآدم وتمرد على الله، ولهذا ألقي في الجحيم. لكن ~~الحلاج أعطى هذه القصة منعطفا مذهلا. فقد قال إنه بسبب محبة ~~غيورة ولا هوادة فيها، رفض الشيطان أن يسجد لآدم. وكان الشيطان ~~النموذج الأصلي لكل هؤلاء الصوفيين وغيرهم ممن لم يركزوا سوى على ~~تأمل الله، ولم يكن لديهم وقت للآخرين. ولكن، وفقا للحلاج، كان ~~الشيطان ضالا أكثر من كونه شريرا. في وقتنا الحالي سيعتبر معظم ~~المسلمين وجهة نظر الحلاج غير تقليدية جدا. ومع ذلك، في القرون ~~الأولى للدين، كان يوجد متصوفة مسلمون آخرون اجتهدوا بالمثل في فهم ~~مسألة كيف ينسجم الشيطان مع العالم. إحدى هؤلاء، وهي رابعة البصرية، ~~صدمت مستمعيها برفضها أن تقول إنها تكره الشيطان، والتهديد بحرق ~~الجنة وإطفاء الجحيم؛ لأن الخوف من العقاب أو الأمل في الثواب وقف ~~بين الناس ومحبة ms081 الله الحقيقية. # تتوافق رؤية الإيزيديين لملك طاووس مع هذا التراث. وبالإشارة إليه ~~على أنه عزازيل أو إبليس، فإنهم يعتبرونه الملاك المتمرد، ولكن ليس ~~أمير الظلام. وهم يبررون ذلك ليس فقط بقولهم إن الشياطين ستتحول ~~إلى ملائكة في نهاية الزمان، ولكن بأن هذا قد حدث بالفعل. شرح لي خيري ~~بوزاني ذلك عندما وصلت إلى مكتبه في دهوك، المحاط بمنازل مطلية ~~بألوان الباستيل وتخرج من أسطحها قضبان معدنية، استعدادا لبناء ~~الطابق التالي للجيل القادم. قال خيري: «بعد تمرد عزازيل» حيث حرص ~~على تجنب استخدام الاسم المحظور، كما لاحظت «عوقب، لكنه تاب.» وبعد ~~سبعة آلاف سنة من النفي، كان عزازيل قد أطفأ نيران الجحيم بدموعه؛ ~~ولذا أعيد إلى مكانته بوصفه رئيسا لجميع الملائكة. وهذا يعطي ~~الإيزيديين نظرة مختلفة عن الكون، نظرة لا وجود فيها للجحيم. أضاف ~~بوزاني: «لدينا فكرة عن الإله الواحد لا تملكها الأديان السماوية؛ ~~فالشر والخير كلاهما نابع من الله. ولا توجد قوتان متصارعتان ~~تتقاتلان من أجل الهيمنة على الكون.» وبعيدا عن عبادة الشيطان، يؤمن ~~الإيزيديون أنه لا يوجد شيء من هذا القبيل. # ربما يكونون قد تأثروا تأثرا مباشرا بأتباع الحلاج. فقد انتهى ~~الواعظ المتطرف نهاية قاسية، بعد دعمه لتمرد العبيد في جنوب ~~العراق، قبضت عليه قوات الخليفة العباسي وقطع إلى أشلاء. وهرب ~~أتباعه إلى الشمال ولجئوا إلى الجبال هناك، في منطقة غير بعيدة من ~~المكان الذي سيعظ فيه الشيخ عدي لاحقا وحيث يعيش الإيزيديون حاليا. ~~من المحتمل أن أفكارهم انتقلت إلى أسلاف الإيزيديين، إما في زمن الشيخ ~~عدي أو حتى قبل ذلك، واندمجت في حياتهم الدينية جنبا إلى جنب مع ~~بقايا التقاليد والمعتقدات الأقدم بكثير. # كان تقليد استرضاء الآلهة الشريرة تقليدا قديما جدا في العراق. ~~ويسجل كتاب «الزراعة النبطية» (المذكور في الفصل السابق) إحدى ~~الصلوات، المستخدمة في العراق في القرن التاسع، والتي يبدو أنه تظهر ~~فيها آثار للتأثير الإسلامي، ولكنها سرعان ما تكشف عن ذاتها بأنها من ~~تراث مختلف تماما: «لا إله إلا الله وحده، ولا شريك له ... المنفرد ~~بالجبروت ms082 والكبرياء والعظمة ... تباركت يا رب السماء وغيرها ... بحق ~~حياتي نسألك أن ترحمنا. آمين ... وفي أثناء تلاوتك لهذه الصلاة، قدم ~~قربانا محروقا لصنمه يتألف من جلود قديمة، وشحم، وشرائح من ~~الجلد، وخفافيش ميتة. واحرق له أربعة عشر خفاشا ميتا ومثلها من ~~الفئران. ثم خذ رمادها واسجد عليه أمام صنمه». كانت الصلاة موجهة ~~إلى الإله زحل، «سيد الشر، والخطيئة، والقذارة، والأوساخ، والفقر»، ~~وكان الهدف منها إقناعه بترك المتوسلين وشأنهم. # لعب دور زحل في آشور القديمة الإله نيرجال، الذي اعتبر أنه إله ~~شمس الظهيرة العاتية، والطاعون، والموتى؛ وكان يحرس معابده تمثال ~~ضخم برأس أسد. قد يكون من المهم قول إنه اتخذ شكل ديك صغير، يشبهه ~~«السنجق» إلى حد ما. وفي القرون اللاحقة، نصب الميثرائيون تماثيل ~~برأس أسد منقوش عليها «ديو آريمانيو» (أي من أجل الإله آريمانيو) - ~~إشارة إلى أنجرا ماينيو، روح الشر في الديانة الزرادشتية، التي يبدو ~~أن عبدة الإله ميثرا أرادوا استرضاءها. وفقا للمؤرخ اليوناني ~~بلوتارخ من القرن الأول الميلادي، إن استرضاء الشر حدث في زمانه في ~~إيران، واشتمل على قرابين من مستخلص نبات الهووما المسكر ~~مخلوطا بدم ذئب مضحى به ومسكوب في كهف مظلم. ذكر يوحنا ابن ~~الفنكي، الكاتب المسيحي الذي عاش في القرن السابع الميلادي والذي جاء ~~من الحدود السورية التركية القريبة من حيث لا يزال بعض الإيزيديين ~~يعيشون اليوم، أن الناس في منطقته يعبدون الشمس، والنجوم، وأيضا بعل ~~شمين وبعل زبوب؛ والأول هو إله السماء القديم، والأخير هو ~~لوسيفر. # المعبد في لالش. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # وبغض النظر عن أصول ملك طاووس، فقد كان رفيقا دائما طوال رحلتي ~~مع طه إلى لالش: فشعار الطاووس، المرسوم على الأبواب والبوابات، كان ~~يظهر في كل مكان عندما دخلت بلدة عين سفني الإيزيدية، القريبة من ~~لالش. وكذلك نحت رأس طائر في الطابق العلوي لإحدى البنايات. كان ~~يوجد في هذه البلدة فرع لمؤسسة تسمى مركز لالش الثقافي. كان مكانا ~~بسيطا به مكتبة جيدة ومتحف صغير. التقيت في المكتبة بعياد، الذي ~~كان من جيل جديد ms083 من الإيزيديين، وهو يقرأ مجلة. كان يستطيع القراءة ~~والكتابة بأربع لغات مختلفة وكان حاصلا على شهادة في العلوم ~~السياسية. ومثل العديد من المثقفين الإيزيديين الذين تحدثت معهم، كان ~~مفتونا بتاريخ دينه. كنت قد بدأت أعتاد على أن يعطيني كل إيزيدي ~~رواية مختلفة قليلا، الأمر لم يكن مفاجئا؛ نظرا إلى عدم وجود كتاب ~~شامل لتعاليم عقيدتهم أو نصوص دينية متاحة للجمهور. وإنما يروي كل ~~شخص قصة الإيزيديين بطريقة مختلفة قليلا، ومع ذلك توجد موضوعات ~~مشتركة في كل نسخة من القصة. # كانت نظرية عياد عن قومه ما يلي: «نحن أحد شعوب الشمس. فيما مضى ~~اعتبر أهل سوريا، وروسيا، وأرمينيا، وإيران، وتركيا الشمس إلها. ~~كانت تلك هي المرحلة الأولى من ديننا، ألا وهي عبادة الطبيعة؛ ثم ~~أصبحت إيمانا بإله واحد؛ وأخيرا جاءت تعاليم الشيخ عدي.» قال عياد ~~إن الإيزيديين لم يعودوا يعبدون الشمس. لكنهم استمروا في الركوع لها ~~عندما يصلون. وعندما شغل أول عضو إيزيدي في البرلمان مقعده في ~~المجلس العراقي الجديد، لم يؤد اليمين الدستورية على القرآن أو ~~الكتاب المقدس ولكن على علم كردستان، وبالتحديد على صورة الشمس في ~~وسطه. لم يعتبر عياد ذلك صدفة. وقال: «نحن الأكراد الأصليون.» يخشى ~~بعض الإيزيديين من أن الاندماج بين الأكراد سيهدد الهوية الإيزيدية، ~~لكن عياد شعر أن المسار الأسلم والأصدق هو وضع شعبه في قلب الهوية ~~الكردية. ~~••• # وصفت الرحلة بالسيارة من عين سيفني إلى لالش في كتاب رحلات من ~~أربعينيات القرن الماضي بأنها تجربة مؤلمة، يمكن أن تؤدي إلى كسر ~~محور عجلة السيارة. لكن الأمور تحسنت؛ فيوجد الآن طريق ممهد ~~سلس يتعرج عبر واد مشجر إلى المعبد. وفي اليوم الذي سافرت فيه ~~على هذا الطريق، كانت السيارات واقفة على طوله، وكان بإمكاني سماع ~~موسيقى البوب الكردية وضحك المراهقين. عندما اقتربنا أنا وطه من ~~الضريح، مررنا بتمثال حجري للشمس. وتبين أن الضريح عبارة عن ~~مجموعة متنوعة من المباني الحجرية التي تشبه ديرا قديما (ادعى ~~كاهن مسيحي في العصور الوسطى أن لالش كانت بالفعل كنيسة مسيحية ~~يوما ms084 ما) ويختبئ في واد مشجر. كان يوم زيارتي هو يوم الجمعة، عطلة ~~نهاية الأسبوع الإسلامية. وكانت عائلات كثيرة في لالش للتنزه تحت ~~أشجار التوت والتين التي ظللت ساحاتها المرصوفة بالأحجار. يوم ~~الإيزيديين المقدس هو الأربعاء، حيث لا يعملون في الحقول، أو ~~يسافرون، أو يغتسلون، أو يغسلون ملابسهم. ولكن قلة منهم هم من ~~يحتفظون بهذا التقليد القديم، الذي قد يعود إلى المحرمات القديمة في ~~بلاد الرافدين قبل المسيحية. وأصبح الآن يوم الجمعة، باعتباره يوم ~~الصلاة الجماعية لدى المسلمين، العطلة الأسبوعية الأكثر شعبية من يوم ~~الأربعاء. # بعد أن تركنا طه في السيارة - حيث قال إنه سيقابلنا لاحقا - ~~انضممنا أنا وعياد إلى إحدى هذه العائلات وجلسنا تحت الأشجار، مع ~~شرائح البطيخ على طبق بيننا. وكانت العائلة التي جلسنا معها لا ~~تتحدث الإنجليزية ولا العربية. ابتسم الأب، الذي كان يلف على رأسه ~~كوفية باللونين الأحمر والأبيض، بمودة، لكن محاولاتي لقول عبارة أو ~~اثنتين باللهجة الكرمانجية المتعثرة أخفقت بالكامل. جلس أبناؤه معه، ~~بينما تنزهت زوجته وبناته على بعد خطوات قليلة، محميين من أشعة ~~الشمس بالجدران الحجرية لمبنى صغير تعلوه قمة مستدقة مخروطية ~~متعرجة، وهي سمة مألوفة في الأضرحة الإيزيدية. (قد تكون الخطوط ~~المنحدرة من القمة المستدقة، المنبثقة من قمة المخروط إلى قاعدته، ~~مصممة لتشبه أشعة الشمس.) تطوع عياد ليريني المعبد ذاته، ~~وهو المبنى الواقع في مركز مجموعة المباني. ومشينا في ممر غير مسقوف ~~يطل على شرفة، بها امرأة ترتدي ملابس بيضاء تنظر إلينا بصمت. وقد ~~كتبت رحالة بريطانية من منتصف القرن العشرين، هي إي إس دراور، التي ~~زارت لالش خلال مدة وجودها في العراق، عن «النساء الموجودات بالضريح ~~اللائي يرتدين ملابس بيضاء، ويشبهن الراهبات» واللائي لا يتزوجن ~~أبدا، ويقضين حياتهن في غزل الصوف والعناية بالأضرحة والحدائق ~~المحيطة بها. فكرت في أن هذه يجب أن تكون واحدة من هؤلاء النساء. في ~~العصر البابلي، كانت نساء مقدسات يقضين وقتهن كذلك داخل حرم ~~المعبد، يغزلن الصوف. # وصلنا إلى ساحة المعبد المضاءة بنور الشمس بعد أن عبرنا مدخلا ~~بسقف ms085 مقوس يعلوه تمثال لرأس وعل. بجانب باب المعبد، كان يوجد نقش ~~بارز لثعبان أسود كبير على الحائط الحجري، رأسه متجه لأعلى، ليكون ~~بمنزلة تميمة لمنع الشر من الدخول. وكان للباب عتبة ضخمة. أشار ~~إلي عياد بأنه ينبغي أن أخلع حذائي وأخطو فوق العتبة دون لمسها، ~~كما يفعل الإيزيديون؛ لأن المؤمنين يقبلون العتبة التي يعتبرونها ~~مقدسة. وهكذا دخلنا إلى غرفة مظلمة مرصوفة بالأحجار، تفوح منها ~~رائحة الغبار والقدم، ويتسلل الضوء عبر النوافذ الصغيرة، وكانت ~~الزخرفة الوحيدة التي تدلت من أعمدتها المركزية هي بعض لفائف ~~الحرير ذات الألوان الزاهية؛ الأصفر، والأحمر، والأزرق الفاتح. ويمكن ~~للمارة ربط أو فك العقد فيها لجلب الحظ الطيب. وكان عدد ~~قليل من المجموعات العائلية يتجول في الغرفة التي تبدو مبهجة ~~ولكنها هادئة. # نزلنا مجموعة من السلالم، ورأيت ملك طاووس مرة أخرى، أخفت ~~ستارة أمام كوة أحد «السناجق» الباقية، وهي التماثيل النحاسية ~~للملاك الطاووس. عندما وصلنا إلى الطابق السفلي، وجدنا أنفسنا في ~~غرفة تفوح منها رائحة كريهة لزيت منتهي الصلاحية كان يتسرب من ~~الزجاجات المكدسة على الحائط. وكان المراهقون يلقون من وراء ظهرهم ~~ربطة من الحرير، ويرون ما إذا كان بإمكانهم كسب القليل من الحظ بضرب ~~حجر معين في الحائط، وهو ما فكرت في أنه قد يكون تمثالا تآكل ~~بمرور الزمن لدرجة أنه لا يمكن التعرف على معالمه. (أخبرني الإيزيديون ~~لاحقا أن هذا الحجر كان معلقا بمعجزة في الهواء. قالوا، مذهولين من ~~غباء ما كانوا على وشك وصفه: «لكن، قبل بضع سنوات، أصر الأشخاص ~~الذين يفتقرون إلى الإيمان على نصب جدار خلفه.») عندما خرجت من ~~الغرفة رأيت تابوتا حجريا مغطى بقطعة قماش خضراء. كان ~~الإيزيديون يسيرون حوله، وهم يمررون أيديهم اليسرى على الضريح. ~~وبسطت عباءة سوداء من الصوف، وهي تقليدية لدى الصوفية، بشكل ~~تبجيلي في مكان قريب. ولا يسمح إلا للإيزيديين المتدينين جدا ~~بارتدائها. وقيل لي إن الشيخ عدي كان يرتدي تلك العباءة. سألت هل كان ~~مسلما؟ كانت هناك مجموعة من الإيزيديين تستمع، وقالوا جميعا في آن ~~واحد: ms086 «لا!» # أخبرني عياد أنني كنت محظوظا؛ فقد اجتمعت في المعبد في ذلك اليوم ~~هيئة تدعى المجلس الروحاني، وهو يضم بعضا من أكثر الشخصيات ~~العامة نفوذا وكبار رجال الدين. ولكي أطلب منهم الحضور للاستماع كان ~~علي أن أسير من المعبد إلى ركن خفي في مبنى مجاور. وكما هو مطلوب، ~~خلعت حذائي قبل الدخول. لم تكن توجد نساء بالداخل. وجلست مجموعة من ~~الشبان على مقاعد حجرية بطول جانب جدران الركن الخفي. خلفها كانت ~~ساحة تؤدي إلى غرفة يعقد فيها المجلس الروحاني اجتماعه. كان ~~بإمكاني سماع مقتطفات من محادثة الرجال الجالسين على المقاعد، ~~الذين كانوا يناقشون بجدية (باللغة الإنجليزية) تاريخ القومية ~~الكردية. وعندما تحدثت إليهم وجدت أن كثيرين منهم كانوا يحملون ~~جوازات سفر أجنبية، معظمها من ألمانيا أو السويد. وكانوا ينتمون إلى ~~طبقة الشيوخ، أعلى الطبقات الإيزيدية الثلاث. ووفقا للتقليد، يجب على ~~الشيوخ الزواج من داخل طبقتهم. سألت أحدهم، ألم يكن هذا صعبا على ~~الإيزيديين الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا؟ أجاب: «أنا أحافظ على ~~العادات، وقد تمكنت من العثور على زوجة من طبقة الشيوخ. لكن عندما ~~تبلغ ابنتي العشرين من عمرها، لن يكون بوسعي التحكم فيما ~~تفعله!» # كان بإمكاني رؤية أعضاء المجلس يتجمعون في الساحة؛ وكان من الواضح ~~أن الاجتماع قد انتهى. كان بعضهم يرتدي سترات، لكن خمسة رجال، بلحى ~~رمادية طويلة ويرتدون الزي التقليدي، كان يظهر عليهم جلال خاص. ~~كانوا يشبهون كثيرا زعماء القبائل العربية، بأغطية رءوسهم البيضاء ~~المثبتة على رءوسهم بحلقات سوداء؛ وكان بعضهم يرتدي عباءة رفيعة ~~تسمى «البشت» باللغة العربية وتدل على الرتبة العالية. أحد هؤلاء ~~كان المير، الزعيم المؤقت للإيزيديين. وكان رجل آخر يرتدي ملابس ~~مختلفة قليلا؛ إذ كان يعتمر عمامة رجل دين باللونين الأحمر والأبيض ~~ويرتدي عباءة بيضاء مائلة للصفرة. كان هذا هو البابا شيخ، الذي كان ~~عمليا الزعيم الروحي الأعلى للإيزيديين (رغم أنه، على الأقل ~~أثناء وجودي هناك، ترك الحديث للمير). وإجمالا كان الرجال في الساحة ~~زعماء المعتقد الإيزيدي. سألت إن كانوا سيمنحونني مقابلة قصيرة، ~~وطلبوا مني ms087 أسئلتي مكتوبة ثم أبعدوني لأنتظر قرارهم؛ فجلست بعض ~~الوقت في غرفة علوية ذات أرضية حجرية حتى استدعيت مرة أخرى. ~~وقرروا أن التحدث معي سيكون مأمونا. # كانت إجابات المير لطيفة. أخبرني أن الإيزيديين يريدون العيش بسلام ~~مع كل الأديان والحفاظ على تقاليدهم المتميزة؛ فقد كانت العلاقات مع ~~رجال الدين المسلمين والمسيحيين جيدة، وكانوا يتزاورون في الأعياد؛ ~~ورفض الإيزيديون العمل التبشيري ولم يسعوا مطلقا إلى تغيير ديانة ~~الآخرين. وقال: «في صلواتنا، نطلب الخير للآخرين أولا ، ثم لأنفسنا. ~~فالناس سيحاسبون على أفعالهم، وليس على معتقداتهم. والروح التي ~~نفخها الله في آدم تنتقل إلى كل البشر. لكنها تقمع في الصنف السيئ ~~من الناس، وتتألق في أفضلهم.» بعدما انتهى، نهض الشيوخ الخمسة ذوو ~~اللحى الرمادية وهزوا عباءاتهم، وخرجوا لتدخين السجائر. وأحضر ~~الدجاج المشوي والأرز. وانضم إلينا عياد وطه السائق. لم تكن توجد ~~مقاعد. فأشار المير إلي أن أقف بجانبه. أكل دون أن يتكلم، واضعا ~~يديه على بطنه كلما ترك شوكته وسكينه. ووقف طه، كما رأيت، هناك ولم ~~يأكل شيئا، كما كان قد أخبرني أنه سيفعل. # تركت لالش وبداخلي العديد من الأسئلة التي كانت لا تزال دون ~~إجابة. كان الإيزيديون مدعاة لتساؤلات لا متناهية. مثلا لماذا ~~حرم ارتداء الملابس الزرقاء، أو أكل الخس؟ عندما سألت الإيزيديين ~~عن هذا الأمر، كانت إجاباتهم غامضة، وكان معظمها يشير إلى أن هذه كانت ~~قواعد عقيمة ربما فرضها القادة الإيزيديون السابقون لأن الأتراك ~~المكروهين كانوا يرتدون اللون الأزرق، أو لمجرد أنهم لم يكونوا يحبون ~~الخس. ذكر ميرزا أن تاريخ قاعدة منع الخس ترجع إلى عام 1661 على وجه ~~التحديد. وكنت أكثر ميلا إلى رؤية الجذور القديمة في هذه التقاليد، ~~ورؤية أوجه الشبه بينها وبين الأديان الأخرى في المنطقة. فعند ~~المندائيين، الأزرق هو اللون المرتبط بروها الشريرة. وبين الدروز، كان ~~الأزرق هو لون الجلباب الذي كان يرتديه الشيوخ الذين يحظون بأكبر ~~قدر من الاحترام. وكان لتحريم الخس نظير بين الدروز، الذين يتجنب ~~شيوخهم أحيانا نوعا مماثلا من الخضروات يسمى الملوخية. وكان ~~الحرانيون ms088 يتجنبون أكل الفاصوليا. لكني لم أستطع استيعاب من أين ~~أتت هذه التقاليد. وبغض النظر عن مقدار الجهد الذي بذلته، لا تزال ~~العقيدة الإيزيدية تستر على الأقل بعضا من أسرارها. ~~••• # في العالم الحديث، لم يعد بإمكان الإيزيديين الاعتماد على إمكانية ~~فعل ما يحلو لهم. فمع صعود بيروقراطيات حكومية واسعة النطاق وتقنيات ~~حديثة، يوجد الآن عدد أقل من الأماكن التي يمكن للناس أن يختبئوا ~~فيها. وفي بعض الأحيان، تتطور فكرة جديدة عن المواطنة جنبا إلى ~~جنب مع البيروقراطية والتكنولوجيا، وتسفر عن معاملة الأقليات معاملة ~~كريمة عندما لا يعتبروا مصدر تهديد. ولكن عندما يعتبرون تهديدا، ~~أو عندما تبرز أحكام مسبقة قديمة، فإن النتائج تكون دموية ~~وكارثية. # في القحطانية، مسقط رأس ميرزا، في إحدى الأمسيات الصيفية في عام ~~2007، تجمع حشد من الرجال يرتدون جلابيب قطنية بيضاء مائلة ~~للصفرة وأوشحة رأس باللونين الأبيض والأسود عندما رأوا شاحنة ~~تتجه إلى المدينة. كانوا يأملون أن تكون قد جاءت لتوزيع الطعام. ~~وبدلا من ذلك، أحدثت انفجارا بلغ من قوته أنه هدم منازل، وشتت ~~الناس في الشوارع، وترك جثثا مجردة من ملابسها. كانت الحقائق ~~المجردة مروعة بما فيه الكفاية؛ فقد انفجرت أربع شاحنات، كانت ~~المواد المتفجرة مخبأة على الأرجح داخل أبوابها، مخلفة ما يقرب ~~من ثمانمائة قتيل ونحو ألف وخمسمائة منزل متضرر أو مدمر. ~~علاوة على ذلك، لم تصل قط سيارات الإسعاف والجرافات لأن الطرق كانت ~~تعتبر شديدة الخطورة؛ وعلقت الملابس على العصي بوصفها نصبا ~~تذكارية للأطفال الذين لم يعثر على جثثهم مطلقا. قتل في هذا ~~التفجير أشخاص أكثر من أي هجوم إرهابي آخر باستثناء ذلك الذي استهدف ~~برجي مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر. كان السبب ~~المباشر للتفجير هو مقتل امرأة إيزيدية تدعى دعاء خليل أسود، قتلها ~~أقاربها بسبب رغبتها في الزواج من رجل مسلم. وانتشرت شائعة بأنها ~~اعتنقت الإسلام قبل مقتلها؛ ولذلك اعتبرتها جماعات مختلفة شهيدة ~~مسلمة وبدأت بعد ذلك في تنفيذ أعمال انتقامية ضد الإيزيديين. # ومع ذلك، وقعت هذه الاشتباكات في سياق تأججت فيه ms089 عمدا ~~الضغائن بين جميع الجماعات العرقية في المنطقة على يد حكومة صدام، ~~التي حاولت الحفاظ على سيطرتها على السكان بتحريض العرب على ~~الإيزيديين، والإيزيديين على الأكراد. وعلاوة على ذلك، في السنوات ~~التي تلت عام 2003، انتشرت أنواع من الإسلام المتعصب والعنيف، وفقا ~~لدخيل، وهو رجل إيزيدي مسن وبارز. قال لي بحزن ونحن جالسان في ~~البهو الجديد لفندق شيراتون في أربيل إن «الكراهية الدينية» تكمن ~~وراء هجوم القحطانية. «لقد كانت كراهية دينية خالصة.» وقال إنه بعد ~~وصول حزب البعث إلى السلطة في أواخر خمسينيات القرن الماضي، تعمقت ~~الانقسامات الدينية، لكن هذا كان تغيرا صغيرا مقارنة بتدهور مستوى ~~التسامح الديني منذ عام 2003. وقد ازداد نفوذ المسلمين السلفيين، ~~الأصوليين الذين يريدون محاكاة سلوك المسلمين الأوائل بأكبر قدر ~~ممكن، ويعادون بشكل خاص الجماعات المبتدعة مثل الإيزيديين. لم يكن ~~دخيل متفائلا بشأن المستقبل. كان يظن أن الإيزيديين سيختفون من الوجود ~~يوما ما؛ لأنهم كانوا أقل تنظيما من المندائيين والدروز. كما أنهم ~~كانوا متصدعين جغرافيا. فقد عاش معظم الإيزيديين في العراق في ~~سنجار، غرب أربيل، خارج السيطرة الكردية المباشرة. كانت هذه عادة ~~المنطقة التي كانوا يتمتعون فيها بأقصى درجات القوة، وحيث صمدوا ~~عدة قرون أمام العثمانيين. ويعيش نحو خمسة عشر بالمائة من ~~الإيزيديين حول لالش، شمال أربيل. ويعيش الباقون في أقصى الشمال، حول ~~دهوك. # وأضاف دخيل بتفاؤل أكبر أنه، من الناحية الأخرى، تحسن أيضا ~~مستوى تعليم الإيزيديين. فقبل الحرب العالمية الأولى، لاحظ كاتب ~~بريطاني أن عائلة إيزيدية واحدة فقط يمكنها القراءة والكتابة. وفي ~~أربعينيات القرن الماضي، كان عم دخيل أول إيزيدي على الإطلاق يصبح ~~مدرسا. وفي عام 1973 تخرج أول طبيب في الطائفة. أخبرني دخيل: «يوجد ~~الآن الكثير من الأطباء الإيزيديين في كلية الطب. ويوجد أكثر من ثلاثة ~~آلاف إيزيدي في الجامعة. ليس لدينا طريقة أخرى للبقاء على قيد الحياة ~~إلا من خلال التعلم.» وقد ارتفعت تكلفة المعيشة في المناطق الكردية ~~منذ استقرت المنطقة، مما جذب المهاجرين من بقية البلاد. ولكن وسط ~~الارتفاع العام في الحماسة الدينية ms090 في جميع أنحاء البلاد، قلت على ~~العكس حماسة الإيزيديين. وأضاف دخيل: «قبل عشرة أو خمسة عشر عاما في ~~سنجار، كانت عقوبة حلق الشارب هي الإعدام»، مذكرا إياي أن الشارب ~~كان فرضا دينيا على الرجل الإيزيدي. «لم يعد هذا يسري حاليا. ولم ~~يعد الناس يرتدون ملابس خاصة عندما يحجون إلى لالش». # لاحقا، بعدما عدت إلى أربيل، زرت الهضبة الصخرية التي بنيت عليها ~~المدينة في الأصل، والتي تحولت الآن إلى موقع تراثي. نظرت من ~~حافتها إلى الأسفل صوب ساحة جددت حديثا كان يجلس فيها شباب ~~أكراد ويتجاذبون أطراف الحديث حول النوافير. ثم نظرت بعيدا، إلى ~~الأفق الغربي المغطى بالغبار. هناك كانت تقع سنجار. تحدها من ~~الغرب قرى سورية يعيش فيها أكراد، وعرب، وإيزيديون. ووراء ذلك كانت ~~تقع حران والأراضي الواقعة جنوبها، ثم تلال الساحل السوري ~~المشجرة. كانت كل هذه الأراضي تاريخيا ملاذا لأقليات من جميع ~~الأنواع؛ أتباع الديانات القديمة التي تصالحت بطريقة ما مع الإسلام، ~~والمسلمون المبتدعة، والمؤمنون بأديان مزجت تقاليد شعبية قديمة ~~بممارسات إسلامية فنتجت ممارسات هجينة رائعة وغريبة. # تقع تلك المنطقة الآن على أطراف الخلافة الإسلامية المزعومة، التي ~~أعلنتها في عام 2014 جماعة إرهابية تشتهر بوحشيتها وتعصبها ~~الديني. وهذا يضيف إلى المعضلات الفظيعة التي يواجهها الإيزيديون، ~~حيث لم تعد الآن أراضيهم نائية عن جيرانهم. وإلى جانب ذلك، يواجهون ~~التحدي المتمثل في الحفاظ على ديانة سرية، لا تعرف حقائقها إلا ~~طبقة كهنوتية، في وقت يعيش فيه المنتمون إلى العقيدة جنبا إلى جنب ~~مع أتباع ديانات أخرى في مدن وليس في قرى نائية؛ وهو ما يعني أنهم ~~عرضة لأسئلة حول دينهم لا يكونون في الغالب مجهزين بشكل جيد ~~للإجابة عنها. وفيما يتعلق بأولئك الذين انتقلوا إلى خارج البلاد، فليس ~~من السهل أيضا منع الأطفال من الزواج من خارج دينهم أو طبقتهم ~~الدينية. # يواجه ميرزا الآن تلك التحديات؛ لأنه غادر العراق منذ مدة طويلة؛ ~~في عام 1991. كانت حرب الخليج قد بدأت، جالبة معها خطر التجنيد ~~الإجباري في جيش محكوم عليه بالهلاك. وانضم إلى ms091 مجموعة ضمت ~~صديقا له يدعى أبا شهاب، كان يحاول الهروب مع جميع أفراد أسرته. ~~عبروا الحدود بين العراق وسوريا من مكان على مقربة من غرب سنجار. ~~كانت أمسية صيفية، وبدأت حرارة النهار الرهيبة تنخفض. وبسبب الحرب، ~~كان انتباه الجيش قد انصرف إلى أماكن أخرى؛ وقل عدد القوات ~~المنتشرة على الحدود بين العراق وسوريا. وبمجرد دخول المجموعة إلى ~~سوريا، كانوا سيتجهون إلى قرية إيزيدية كان أهلها ودودين، ولكنها ~~كانت على بعد أميال، وأثناء عبور تلك الأميال كان عليهم الانتباه ~~تحسبا من وجود ألغام أرضية أو حراس لديهم أوامر بإطلاق النار فور ~~رؤية أي شخص. # بدأ ميرزا السير. وكان ينحني ويزحف حيثما كان يتعين عليه ذلك. وفي ~~منتصف الطريق سمع صوت إطلاق نار. فظن أن أبا شهاب، الذي كان يحاول ~~قطع طريق مواز على بعد ميل مع زوجته وجميع أبنائه، قد واجه ~~مأزقا، وكان ظنه صحيحا. فقد رصد حرس الحدود عائلة أبي شهاب. ~~وصاحوا بتحذيرات ثم بدءوا في إطلاق النار. كان الرصاص على مقربة ~~منهم، وأصيب أحد أبناء أبي شهاب في رقبته. لكنهم بعد ذلك عبروا ~~الحدود ولم يلاحقهم أحد. لم يحتفلوا بذلك طويلا؛ إذ سرعان ما أدركوا ~~أن أصغر طفلين في الأسرة لم يكونا معهم. كان هذان الاثنان يركبان ~~حمارا لأنهما كانا صغيرين جدا على المشي، وبطريقة ما، في خضم ~~التعجل عبر الحدود، لم يلاحظ أحد أن الحمار لم يلحق بهم. قبضت ~~الحكومة على الطفلين وأعادتهما إلى جدهما؛ شريطة أنهما إن هربا، ~~فسيفقد الجد حياته. ولم يرهما أبو شهاب مرة أخرى منذ سبعة عشر ~~عاما. # هاجر أبو شهاب، وبقية أفراد عائلته، وميرزا إلى أمريكا الشمالية؛ حيث ~~هاجر أبو شهاب إلى الولايات المتحدة، وميرزا إلى كندا. وظلت بينهما ~~صلة وثيقة. ربما كانت تجربتهما المشتركة على الحدود هي التي دفعت ~~أبا شهاب إلى أن يتواصل من ميرزا ويطلب منه أن يكون «أخاه في الحياة ~~الأخرى» أو مرشده الروحي. ففي الأجيال السابقة، كانت هذه العلاقة ~~شبه سلطوية، تنطوي على طاعة الرجل العلماني المطلقة للشيخ. ms092 ويصادق ~~على العلاقة بأخذ تراب من أرض لالش، وتشكيله على هيئة كرة، تمثل ~~العالم، وتخلط بماء من كانيا سبي المقدس، أو «النبع الأبيض» في ~~لالش. ثم تتشابك يدا الأخوين الروحيين والتراب المبلل بينهما. هذه ~~اللفتة الأخوية ليست فقط بادرة تربط الإيزيديين بعضهم ببعض. إنها ~~أيضا تذكرة بالزمن الماضي عندما تعلمت الثقافات العادات بعضها من ~~بعض وانتهجتها. إنها المساهمة الأساسية للإيزيديين في الحياة الغربية؛ ~~فهذه هي العادة التي تحولت إلى عادة التصافح بالأيدي التي نعرفها، ~~وذلك بفضل الديانة الميثرائية. # الفصل الثالث # | الزرادشتيون # ولدت لال شاهرفيني في عشرينيات القرن الماضي في مدينة يزد، وهي ~~واحة في قلب إيران محاطة بتلال منخفضة وجرداء. وفي الوقت الحاضر، ~~أعلنت اليونسكو أن مدينة يزد القديمة بأكملها موقع تراثي عالمي. ~~فالجدران المبنية من الطوب اللبن تحيط بالأزقة والشوارع التي لا ~~يمكن للسيارات المرور فيها. وتلوح في الأفق أبراج الرياح الطويلة، ~~وهي تصميمات بدائية رائعة لمكيفات هواء، على شكل مداخن ضخمة، ~~تلتقط نسائم الصيف وتنزل بها إلى المنازل شديدة الحرارة. وتؤدي ~~سلالم غامضة إلى صهاريج كان الناس يوما ما يحتمون عندها من الحرارة، ~~والتي يمكن أن تصل في الصيف إلى 45 درجة مئوية. في الميدان الرئيسي ~~توجد عجلة من الخوص حجمها أكبر من حجم رجل، وهي نسخة طبق الأصل ~~من قبر الحسين الذي يحمله المسلمون حول المدينة على أكتافهم مرة كل ~~سنة؛ باعتباره عملا من أعمال التوبة. # لم تذهب لال مطلقا لمشاهدة تلك العروض الإسلامية لإحياء ذكرى مقتل ~~الحسين، أو للصلاة في المسجد بقبابه الفيروزية المزخرفة والمئذنة ~~الطويلة. فهي لم تكن مسلمة؛ فطائفتها الدينية كانت أصغر وأقدم. وكان ~~لشعبها أعياده واحتفالاته الخاصة، مثل الانقلاب الشمسي الشتوي، عندما ~~يظلون مستيقظين طيلة أطول ليلة في السنة، ويحضرون البطيخ ~~والرمان من المخازن لتناولهما بينما يحكون القصص حتى الفجر. وكان ~~الانقلاب الشمسي الربيعي، عندما يصبح النهار أخيرا أطول من الليل، ~~أهم عيد في السنة لديهم. وكانت الطهارة أساسية في حياتهم: ولتحقيق ~~ذلك، مارست لال طقسا يتطلب الاستيقاظ مدة تسع ليال، رش خلالها ms093 ~~أحد الكهنة بول ثور على جسدها وأعطاها بضع قطرات منه لتبتلعها. ~~وأعلنت أنها، بمحض إرادتها، ستنضم إلى «إخوة وأخوات في ~~الخير». # مدينة يزد القديمة، المبنية من الطوب اللبن التي ~~يعود تاريخها إلى قرون عديدة في الماضي، لا يزال ~~موجودا منها بعض الأجزاء. يسارا «النخل» الذي يرمز ~~إلى وفاة الحسين، حفيد النبي محمد؛ ويستخدم في ~~المسيرات السنوية. صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. # وبدلا من كراهية الكلاب، كما كان يفعل مسلمو يزد، كلفتها ~~عائلتها بتقديم الطعام لها كل ليلة، قبل أن يكون بوسعها هي ~~وعائلتها أن يتناولوا وجبتهم الخاصة. وبدلا من الصلاة في مسجد، قدمت ~~عائلتها ابتهالات وخشب صندل محروقا أمام نار مقدسة في معبد ~~قريب. وكل ليلة كان والدها، الذي كان يعمل كاهنا، يصعد إلى سطح ~~منزلهم المبني من الطوب اللبن؛ حيث كانت تراه يقف هناك حاملا سدسا ~~وإسطرلابا، ويجري قياسات على النجوم. كانوا يستخدمون في صلوات ~~الأسرة اللغة الأفستية، وكان العصر الحديدي هو آخر مرة تستخدم ~~فيه هذه اللغة في الحديث اليومي. وكانوا يتحدثون في المنزل لغتهم ~~الخاصة، التي أطلق عليها الآخرون بازدراء اسم «جبري»؛ لأنه لم يكن ~~يتحدث بها أو يفهمها إلا أولئك الذين كانوا يدينون بدينهم. # كان معظم الإيرانيين قبل مجيء الإسلام يمارسون تقاليد التي تتبعها ~~لال. وعندما سافر فرسان محافظة فارس في القرن السادس قبل الميلاد ~~شمالا، وشرقا، وغربا لغزو جيرانهم وبناء أكبر إمبراطورية شهدها ~~العالم حتى الآن، والتي أطلقوا عليها اسم بلاد فارس، كان دين لال هو ~~الدين الذي اتبعوه. وقد وصل إليهم من آسيا الوسطى، حيث أسسه نبي ~~يدعى زرادشت ربما في نحو عام 1000 قبل الميلاد. ويطلق على أتباعه ~~في الغرب اسم الزرادشتيين. ويطلق عليهم العرب اسم المجوس، على اسم ~~كهنتهم، «الماجي» (ويطلق عليهم أيضا اسم «الموابذة»). يعرفون في ~~الهند باسم البارسيون، وهو الاسم الذي أطلق عليهم بعد وصولهم لاجئين ~~من بلاد فارس بعد مدة وجيزة من الفتح الإسلامي. وغالبا ما صور ~~المسيحيون الأوائل الحكماء الثلاثة الذين قيل إنهم زاروا يسوع على ~~أنهم زرادشتيون فارسيون: ms094 ومع أن هذا لم يذكر مطلقا في سرد إنجيل ~~متى نفسه، فإنه كان اختيارا محظوظا. فعندما احتلت الجيوش الفارسية ~~بيت لحم عام 614 ميلادية، يقال إنهم أنقذوا كنيسة المهد من الدمار ~~الذي ألحقوه ببقية المدينة؛ لأنهم رأوا رسما لثلاثة كهنة مجوس عند ~~مدخل الكنيسة. # وبحلول الزمن الذي عاشت فيه لال، اضمحلت الديانة الزرادشتية التي ~~كانت يوما ما الديانة المهيمنة في إيران؛ فمجتمعها، الذي كان من ~~آخر المجتمعات التي نجت من قرون من سوء المعاملة، كان يبلغ عدده ~~خمسة وثمانين أسرة فقط تعيش في الحي ذاته من المدينة، وهي مجموعة ~~صغيرة حتى أن لال كانت تعرفهم جميعا. وإجمالا، يوجد أقل من مائة ~~ألف من الزرادشتيين في العالم اليوم. لكن إسهاماتهم في أديان ~~العالم، بما في ذلك ديننا، تجعلهم أكثر أهمية مما يوحي به هذا الرقم. ~~فوفقا لنيتشه، اخترع زرادشت الأخلاق. والأمر الأكثر يقينا هو أن ~~تعاليم زرادشت كانت تتضمن فكرة أن العالم تشكل من الصراع الدائم ~~بين الخير والشر. وأعلن في الجاثا، وهي قصائد تشكل أقدم وأهم جزء ~~من النصوص المقدسة الزرادشتية، الأفستا: «من بين هذين الاثنين، ~~فليختر الحكيم الصواب.» فعبدة الآلهة الباطلة اختاروا الشر، وكان ~~على أتباعه أن يتركوا تلك الآلهة، ويعبدون بدلا منها الإله الحكيم ~~أهورا مزدا، ويفعلون الخير في خدمته. # في القرون اللاحقة تطور هذا الفكر اللاهوتي ليصبح تفسيرا ~~لنقائص العالم. فلماذا يوجد الليل، والشتاء، والمرض، والهوام ~~الضارة؟ أوضح الزرادشتيون أنها من عمل أنجرا ماينيو، الخصم، الذي ~~أرسل حيوانات شريرة لإيذاء الحيوانات الصالحة التي خلقها أهورا ~~مزدا. أهورا مزدا خلق النور؛ أما أنجرا ماينيو فلوثه باختراع ~~الظلام. جلب أهورا مزدا الحياة؛ لكن أنجرا ماينيو أفسدها جزئيا ~~بإدخال المرض. جسد أهورا مزدا الخصوبة؛ بينما جلب أنجرا ماينيو ~~الصحراء. كان الفرح الأبدي يعم مملكة أهورا مزدا؛ بينما كان ~~العذاب يعم مملكة أنجرا ماينيو. وعلى الرغم من أن الزرادشتيين ~~كانوا يتطلعون إلى النصر النهائي للخير على الشر، كان عليهم ~~المساعدة في تحقيقه. # اشتملت الحيوانات الصالحة على الحصان، والثور، والكلب. أما خدم ms095 ~~أنجرا ماينيو في مملكة الحيوانات، ويسمون «كرافستراس»، فيشملون ~~الذباب، والنمل، والثعابين، والضفادع، والقطط. أدان إمبراطور فارسي ~~زرادشتي يدعى شابور المسيحيين لأنهم «ينسبون أصل الثعابين والأشياء ~~الزاحفة إلى إله صالح». فبالنسبة إليه، لا يمكن أن تكون مثل هذه ~~الأشياء إلا من صنع خالق خبيث منفصل. وتبدأ الملحمة الوطنية ~~الفارسية العظيمة «شاهنامه» بجيش عظيم من الجنيات والحيوانات التي ~~انحازت إلى الخير على حساب الشر، منطلقة إلى معركة مع أنجرا ماينيو. ~~(إذا كان هذا يبدو مثل رواية «سجلات نارنيا» لسي إس لويس ؛ فذلك لأنه ~~كان من أشد المعجبين «بالشاهنامه»، ووصف الزرادشتية بأنها ديانته ~~«الوثنية» المفضلة.) # كانت المعركة بين الخير والشر هي المعركة التي يمكن للبشر أن ~~يشاركوا فيها إذا اختاروا ذلك. ويتسم مفهوم حرية الاختيار بأهمية ~~خاصة في الزرادشتية، التي ترى أنه حتى أنجرا ماينيو سيئ باختياره. ~~(وهذا هو السبب في أن قصة خلق أنجرا ماينيو للطاووس تسرد فقط لإظهار ~~قدرته على صنع أشياء جميلة بدلا من الأشياء القبيحة إذا رغب في ~~ذلك.) كانت الأفعال الفاضلة مثل قول الحقيقة وسيلة لهزيمة أنجرا ~~ماينيو - فقوى الظلام في الأفستا تسمى «الكذبة» - ويخبرنا المؤرخ ~~اليوناني هيرودوت، الذي درس الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد، ~~أنهم نشئوا على «ركوب الخيل، والأمانة في التعامل، وقول الحقيقة». ~~ولكن كانت توجد أيضا معارك فعلية يجب خوضها مع خدم أنجرا ماينيو. ~~فيخبرنا هيرودوت أن «المجوس يقتلون بأيديهم جميع المخلوقات فيما عدا ~~الكلاب والبشر، بل إنهم يجعلون هذا هدفا رائعا يضعونه نصب أعينهم، ~~مثل قتل كل من النمل والأفاعي وجميع الأشياء الأخرى الزاحفة ~~والطائرة.» وحتى في ستينيات القرن الماضي، كان الزرادشتيون الإيرانيون ~~يحتفلون بيوم في كل عام يقتلون فيه «الكرافستراس»، وخاصة ~~النمل. # في الوقت ذاته، كان حب الكلاب إلزاميا. ففي الأفستا، يقال إن ~~جسر شينفات، الذي يجب أن تمر الروح عبره بأمان إذا كانت ستدخل ~~الجنة، يحرسه كلبان. وعندما كان كلب يحدق بتركيز في مكان ما، كان ~~يعتقد أنه يرى أرواحا شريرة غير مرئية للبشر؛ ولذلك غالبا ما يتم ~~اختياره للجلوس بجوار ms096 فراش شخص يحتضر. وفي المقابل، عندما يموت ~~مثل هذا الكلب، يمنح طقوسا جنائزية خاصة، كما وصفتها العالمة ماري ~~بويس في رصدها للحياة الزرادشتية التقليدية في ستينيات القرن الماضي. ~~ويعلن عن موت الكلب هكذا: «بدأت الروح رحلتها.» كانوا يلبسون الكلب ~~ملابس مثل تلك الخاصة بالزرادشتيين - حزاما يسمى «الكوشتي» وسترة ~~من نسيج قطني رقيق تسمى «السدرة»، اللذين كان يرتديهما دائما ~~المؤمنون (الأول حول الخصر والثانية فوق الكتفين) - وتعامل جثته ~~مثل جثة رجل أو امرأة زرادشتية لقيا حتفهما: حيث يتركونها مكشوفة ~~في مكان مهجور لتأكلها الطيور. ولمدة ثلاثة أيام بعد موته، كان طعامه ~~المفضل يوضع بالخارج لتستمتع به روح الكلب. # يحظر الأفستا إساءة معاملة الكلاب. و«عند المرور إلى العالم الآخر»، ~~فإن روح الشخص الذي ضرب كلبا «ستطير وهي تعوي بصوت أعلى وأكثر ~~حزنا من الأغنام في الغابة العالية الأشجار عندما يتجول الذئب.» ~~ويشترط الأفستا على الرجل الذي يقتل كلبا أن ينفذ قائمة من أعمال ~~التكفير عن الذنب يبلغ طولها ثمانية عشر سطرا. من هذه الأعمال قتل ~~عشرة آلاف قطة. ونظرا إلى أن المسلمين فضلوا القطط على الكلاب، ~~التي يحسبون أنها نجسة، فإن الخلافات حول معاملة الكلاب غالبا ما ~~أدت إلى صراعات بين الزرادشتيين والمسلمين. # إن المنافسة بين تفضيل الكلاب والقطط لم تصل إلى هذا الحد في ~~الغرب. ولكن بطريقة مختلفة، وجد التقسيم الزرادشتي لحيوانات الأرض ~~طريقه إلى الثقافة الأوروبية. فكلمة «ماجيك (أي سحر بالإنجليزية)» ~~تأتي من اسم الكهنة الزرادشتيين، الماجي (أي المجوس)؛ والتمايز بين ~~السحر الأسود والأبيض (واحد شرير والآخر صالح) يوازي الاختلاف بين ~~أنجرا ماينيو وأهورا مزدا؛ والحيوانات التي تصاحب ممارس السحر ~~الأسود، مثل الثعابين، والضفادع، وبالطبع القطط، كلها مخلوقات من صنع ~~أنجرا ماينيو. # ترك لنا الزرادشتيون إرثا أكثر تأثيرا أيضا. فقد كانوا يعتقدون ~~أن أولئك الذين كانوا يقاتلون إلى جانب الخير يمكن أن يأملوا بعد ~~الموت في أن يدخلوا بيت الأغاني، الذي أطلقوا عليه أيضا اسم دار ~~النور. صورت اللوحات الجدارية المصرية حياة أخرى رائعة، ولكن فقط ~~للفرعون وربما خدمه. لم ms097 يأمل الإغريق الذين قاتلوا في حصار طروادة ~~شيئا بعد وفاتهم سوى الشهرة: أن يبقى ظلهم في العالم السفلي، ~~هاديس، لكن ذلك كان في أحسن الأحوال وجودا مبهما. قال زرادشت في ~~تعاليمه إن أي شخص يتبع مجموعة معينة من قواعد السلوك على الأرض ~~يمكن أن يعيش إلى الأبد، وإن الروح مهمة، وإن الإله الصالح يمارس ~~سلطته على العالم. وعلى النقيض، فأولئك الذين خدموا أنجرا ماينيو ~~سيعاقبون بالبؤس والظلام. أثبتت هذه المفاهيم عن الخير والشر، وعن ~~الجنة والنار، أنها مؤثرة جدا. # على سبيل المثال، في الكتب المقدسة اليهودية الأولى (البانتاتيك، ~~الأسفار الخمسة الأولى من التوراة)، لا توجد إشارة إلى الشيطان. وبدلا ~~من ذلك يمثل الشر على هيئة أفعى في الجنة. وبعد الموت، تذهب كل ~~الأرواح، دون تفريق، إلى مكان يدعى شيول؛ لم يكن هناك جنة ولا نار. ~~وعندما تحرر اليهود من بابل على يد الملك الفارسي كورش سنة 539 قبل ~~الميلاد، تغير هذا الأمر. ففي سفر أيوب، الذي ربما كتب في ذلك ~~الوقت، كان الشيطان كائنا قويا، قادرا على التدخل في شئون ~~العالم، وإصابة رجل بريء بالأوبئة؛ وهو الفعل ذاته الذي يضطلع به ~~أنجرا ماينيو في العقيدة الزرادشتية. وفي القرن الثاني قبل الميلاد ~~ظهرت الجنة والنار في سفر دانيال: «كثيرون من الراقدين في تراب ~~الأرض يستيقظون؛ هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء ~~الأبدي.» # بعد قرون، يتشابه وصف يسوع للشيطان مع أنجرا ماينيو، من حيث إن ~~الإله الصالح يزرع القمح، لكن عدو الإله ينشر الحشائش في حقل القمح، ~~وفقط في نهاية الزمان يمكن فصل الحشائش عن القمح وحرقها. وبالمثل، ~~بعد أن تلاقى الإغريق مع الفرس، اقترح الفيلسوف اليوناني أفلاطون أن ~~الأرواح تذهب للحصول على الثواب أو العقاب بعد موتها، بحسب ما فعلته ~~في حياتها. لقد تغير الدين جذريا. ورأى فيلسوف القرن التاسع عشر ~~الألماني نيتشه، بالنظر إلى هذه الأحداث، أن «زرادشت ابتدع الخطأ ~~الأشنع على الإطلاق؛ وهو الأخلاق.» (لذا، كتب كتابا يعود فيه زرادشت ~~ويلغي القانون الأخلاقي. أعجب ريتشارد شتراوس جدا ms098 بالكتاب، لدرجة ~~أنه أطلق على إحدى مقطوعاته الموسيقية الاسم ذاته: وبهذه الطريقة ~~غير المباشرة يعيش اسم زرادشت في قاعات الحفلات الموسيقية في جميع ~~أنحاء العالم.) # عرفت لال ورفاقها الزرادشتيون أن مجتمعهم كان صغيرا وضعيفا. ~~ومن وقت لآخر، عانوا من عدم الاحترام والعداوة من جيرانهم؛ حيث ~~تعرض مرة شقيق لال لهجوم من قبل أولاد كانوا يقذفون الحجارة ~~ويصرخون بكلمة «جبر»، وهي كلمة مهينة للزرادشتيين. لكن كان عزاؤهم ~~أن يعرفوا أن أفكارهم قد شكلت طريقة تفكير هؤلاء الجيران. # لقد شهدوا أيضا بعض الإنجازات الملموسة للغاية التي خلفها ~~الزرادشتيون منذ مدة طويلة. فبرسبوليس هي مدينة من الرخام الأبيض ~~في قلبها قصر ملكي، على بعد مائتي ميل جنوب غرب يزد، بنيت في ~~القرن السادس قبل الميلاد عندما امتدت الإمبراطورية الفارسية من ~~الساحل الغربي لتركيا إلى صحاري كازاخستان. ومن المفترض أن الإمبراطور ~~خشايارشا أعطى الأمر بغزو اليونان أثناء وجوده في القصر، وعندما غزا ~~الإسكندر الأكبر الإمبراطورية الفارسية سنة 330 قبل الميلاد، دمره ~~وهو مخمور في نوبة من الصخب والانتقام. الآن، تتناثر حول الدرج ~~الرخامي بقايا من أعمدة، وجدران مدمرة جزئيا، ومنحوتات رائعة ~~متفرقة نجت من الحريق لأنها كانت مخزنة في ذلك الوقت. وكما تساءل ~~نقش كتبه زائر من العصور الوسطى على أحد أعمدتها، «كم مدينة بنيت ~~بين الآفاق، صارت خرابا في المساء، بينما أقام سكانها في دار الموت؟» ~~حتى يومنا هذا، لم يغفر للإسكندر أبدا. ويعتبر الاسم سكندر ~~شائعا بين المسلمين في كشمير، وفي العالم العربي يذكر الإسكندر باسم ~~ذي القرنين، وهو شخصية بطولية مذكورة في القرآن. ولكن الأمر ليس ~~كذلك في إيران، حيث لا يزال الزرادشتيون يطلقون عليه لقب «الإسكندر ~~الملعون». # وحتى في حالتها المدمرة الحالية، تتمتع برسبوليس بالقدرة على ~~التأثير، باعتبارها نصبا تذكاريا للقوة السابقة للإمبراطورية ~~الفارسية. فقد كانت، وفقا للمؤرخ الصقلي ديودوروس، «أغنى مدينة ~~تحت الشمس». وتنتشر في أطلالها رموز الزرادشتية وشعاراتهم، ولا سيما ~~فكرة الرجل-الطائر، «فارافاهار». وأعلن نقش تركه خشايارشا في أعلى ~~الدرج ما يلي: «كل شيء بنيناه ويبدو جميلا شيدناه ms099 بفضل أهورا ~~مزدا.» عندما زرت هذا القصر في عام 2006، لم تمنع هذه الرموز ~~الزرادشتية مرشدتي السياحية، وهي امرأة إيرانية شابة ترتدي الحجاب، ~~من إبداء فخر واضح بالإمبراطورية التي بنته. واستمتعت استمتاعا ~~خاصا بشرح المغزى من الدرج الكبير، وهو تحفة نحتية مكونة من ثلاثة ~~وعشرين لوحا، يمثل كل منها واحدة من الدول الخاضعة للإمبراطورية. ~~قالت: «ثلاثة وعشرون شعبا. انظر، ها هم العرب ... الأرمن ... السكيثيون ...» ~~كان لكل وفد صفة مميزة؛ فالعرب يجلبون جملا، والأرمن يجلبون ~~النبيذ، والسكيثيون يجلبون خيلا. جميعهم كانوا يقدمون الجزية ~~لبرسبوليس علامة على قبولهم الهيمنة الفارسية. وخلال العقود القليلة ~~التي سبقت صنع هذه الألواح، غزت الجيوش الفارسية ممالك العالم ~~المعروف العظيمة - بابل، وليديا، ومصر. ~~«فارافاهار»، التمثال المجنح الذي يرمز إلى ~~الزرادشتية، يعلو أعمدة برسبوليس التي بناها ~~الإمبراطور داريوس في القرن السادس قبل الميلاد. صورة ~~مأخوذة بواسطة المؤلف. # أشرف محمد رضا شاه، وهو الشاه البهلوي الثاني والأخير الذي حكم ~~إيران في القرن العشرين، في عام 1971 على احتفال فخم في برسبوليس ~~بمناسبة مرور 2500 عام من الحضارة الإيرانية. واحتفى بملوك، ورؤساء، ~~وإمبراطور بتقديم 2500 زجاجة من النبيذ، و92 طاووسا إمبراطوريا، ~~ومواكب من جنود يرتدون زيا تاريخيا، ونام الضيوف في 52 خيمة ~~مبطنة بالحرير ومكيفة الهواء ومزودة بحمامات داخلية من الرخام، ~~بنيت خصوصا لهذه المناسبة. كان الهدف من الاحتفال تشجيع الفخر ~~الوطني الإيراني كبديل للمشاعر الدينية التي استند إليها خصوم الشاه ~~الإسلاميين، مثل آية الله الخميني، في دعوتهم. كما كان بمنزلة تذكرة ~~للإيرانيين بأنه في أعظم عصورهم كان يحكمهم ملوك. أسهم الإسراف ~~المطلق في الاحتفال في استياء الجماهير وسقوط الشاه في الثورة ~~الإسلامية عام 1979. ومع ذلك، حتى في ظل حكم آيات الله، لم تنس ~~إيران إمبراطوريتها السابقة. وعندما أنتج وارنر براذرز فيلم «300» ~~(ثري هندريد)، الذي يمجد المقاومة الإغريقية للجيوش الإمبراطورية ~~الفارسية في ثيرموبيلاي سنة 480 قبل الميلاد، اشتد غضب الإيرانيين. ~~وأعلن عنوان رئيسي لإحدى الصحف الإيرانية في ذلك الوقت: «ثلاثمائة في ~~مواجهة سبعين مليونا!»؛ أي سبعين مليون مواطن إيراني، جميعهم تقريبا ms100 ~~مسلمون، متحدون في غضب قومي بسبب إهانة أسلافهم ~~الزرادشتيين. ~~••• # في أعقاب حرب العراق عام 2003 أرسلت إلى البصرة في جنوب العراق. ~~وأثناء القيادة على طول الطريق الساحلي جنوب مدينة البصرة، على امتداد ~~شط العرب - المصب الواسع حيث تلتقي أنهار العراق قبل أن تتدفق إلى ~~الخليج - وجدت أن الطريق كان مزينا بمئات التماثيل لرجال يشيرون ~~بأصابع الاتهام عبر المياه تجاه إيران. أدى نزاع إقليمي حول مياه ~~المصب إلى شبه حالة حرب بين العراق وإيران في سبعينيات القرن ~~الماضي، وعندما أطيح بحاكم إيران العلماني، الشاه، وتولى آية الله ~~الخميني السلطة، تطور النزاع إلى حرب أفضت إلى وفاة مليون شخص. ~~شيد صدام التماثيل بعد الحرب لتشجيع الناس على رؤية إيران، وليس ~~حكومتها، باعتبارها العدو. وصمم كل تمثال على مثال جندي عراقي ~~مات في الحرب. # كنت أعرف أنه لن يكون من السهل زيارة الجانب الآخر من ذلك المصب. ~~فمثلما كان الفرس، عندما كانوا زرادشتيين، يلعنون أنجرا ماينيو، ~~الخالق الخارق للطبيعة لكل ما هو شرير، نظمت حاليا الحكومة ~~الإسلامية الإيرانية مظاهرات ردد فيها المتظاهرون: «الموت لأمريكا! ~~الموت لبريطانيا!» فبالنسبة إلى الثوار الإيرانيين، الذين أطاحوا ~~بالنظام الملكي المدعوم من الغرب عام 1979، كانت أمريكا هي «الشيطان ~~الأكبر» وكانت بريطانيا هي «الشيطان الأصغر». ومع ذلك، فإن مكانة ~~بريطانيا في الشيطنة كانت أقدم من مكانة أمريكا أو إسرائيل في ذلك ~~الشأن. ويصور كتاب إيراني محبوب بشدة، اسمه «خالي العزيز نابليون»، ~~جنديا مسنا غريب الأطوار يرى مؤامرات بريطانية في كل مكان. ~~كتب هذا الكتاب في أربعينيات القرن الماضي، ويعود زمن جنون الارتياب ~~لدى الجندي المسن إلى أحداث في بداية القرن العشرين، عندما أقامت ~~روسيا وبريطانيا مناطق نفوذ في إيران وسيطرت على اقتصادها. وعندما ~~جاءت الثورة الإسلامية في عام 1979، ألقى آية الله الخميني باللوم ~~على البريطانيين لكونهم داعمين لعدوه الشاه؛ مع أن النظام الملكي كان ~~قد سبق وألقى باللوم بالفعل على البريطانيين لكونهم القوة ~~المحركة وراء آية الله. (فقد قال شاه إيران: «إذا رفعت لحية ~~الملا، فستجد على ذقنه ختم «صنع ms101 في بريطانيا».») # في عام 2006، عندما كنت أعمل في بغداد، ظننت أنه قد تكون لدي ~~فرصة. والتقيت السفير الإيراني في حفل استقبال أقامه رئيس العراق، ~~وعرفت نفسي بلغة فارسية سيئة نوعا ما قبل أن أنتقل بعد وقت ~~وجيز إلى التحدث باللغة العربية. فظن أنني عراقي، وانخرط في محادثة ~~ودية. لكن بعد ذلك سألني أين أعمل؛ وعندما أخبرته في السفارة ~~البريطانية، تجهم وجهه كأنني كنت مصابا بمرض معد. وتراجع. ~~فربما يكون قد شوهد وهو يتحدث معي؛ وقد يعود التقرير إلى طهران ~~ويدمر مسيرته المهنية. خمنت أنه لم يكن الوقت المناسب لأطلب ~~منه تأشيرة. وبدلا من ذلك تقدمت بطلب في السفارة الإيرانية في ~~لندن (كانت توجد سفارة في ذلك الوقت)، حيث أجريت مقابلة قاسية إلى ~~حد ما، وما أدهشني، أنني حصلت على تأشيرة دخول. لا بد أن التهدئة ~~المؤقتة في العلاقات البريطانية الإيرانية قد ساعدت؛ فالإصلاحيون ~~كانوا نظريا لا يزالون في السلطة في إيران، في عهد الرئيس خاتمي. ~~ومع ذلك، عندما زرت إيران، توقعت أن يتبعني في كل مكان عملاء ~~استخبارات إيرانيون متطفلون وميليشيا الباسيج سيئة السمعة. # تمتد الحدود بين العراق وإيران على امتداد مصب شط العرب شمالا، ~~عبر الأهوار العراقية، ثم بحذاء السلسلة الغربية لجبال زاجروس. لأنها ~~تتماشى مع هذه الحواجز الطبيعية للحركة؛ فقد كانت دائما علامة على ~~انقسام بين الثقافات؛ ففي الناحية الشرقية، عاشت في الغالب شعوب ~~هندية أوروبية مدة ثلاثة آلاف عام على الأقل، وفي الناحية الغربية، ~~كان الناس ولا يزالون في الغالب ساميين. وفي وقتنا الحالي لا تزال ~~إيران تتحدث الفارسية، بينما يتحدث العراقيون العربية. ولا يزال ~~مصطلح «أعجمي»، الذي يعني «فارسيا»، مصطلحا مهينا في أجزاء من ~~العراق، كما أنه ليس من الصعب العثور على إيرانيين يحتقرون جيرانهم ~~العرب. ومما يزيد الطين بلة حقيقة أن الجانبين خاضا حربا مروعة في ~~الثمانينيات قتل فيها مليون شخص. # في التراث الزرادشتي، يتسم التاريخ البشري بأنه دوري؛ أي تتكرر ~~أحداث حقبة ما بشكل من الأشكال في الحقبة التالية. وبالتأكيد كانت ~~الحدود الإيرانية العراقية ms102 محورا للصراع منذ مدة طويلة قبل ~~الثمانينيات. فقد عبرها الفرس غربا في القرن السادس قبل الميلاد، ~~بقيادة ملك يدعى كورش، لتحطيم مملكتي بابل والأناضول وبناء أكبر ~~إمبراطورية عرفها العالم حتى الآن. وسار عبرها الجيش الضخم، بقيادة ~~خشايارشا حفيد كورش، الذي قاتل الإغريق في ثيرموبيلاي. ولم تأت عبرها ~~جيوش من جهة الشرق لاحتلال إيران سوى مرتين فقط. الجيش الأول كان ~~بقيادة الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد؛ والثاني أرسله الخليفة ~~المسلم عمر في عام 642 ميلادية، وانتهى إلى إخضاع بلاد فارس بالكامل ~~وتمهيد الطريق لاعتناقها الإسلام. (في الحقيقة، يكره الإيرانيون اليوم ~~كلا الرجلين؛ واحتمال أن يسمى مسلم إيراني باسم كورش أرجح من ~~احتمال أن يسمى باسم عمر.) لم ينجح الرومان خلال سبعمائة عام من ~~الحرب مع الفرس ولا مع الأتراك الذين حاربوهم أكثر من ثلاثمائة عام ~~في الاستيلاء على أي جزء من إيران الحالية. ونهب الأتراك مدينة ~~إيرانية مرة ثم انسحبوا، في حين أن أقصى مكان شرقا وصل إليه ~~الرومان كان ميناء بالقرب من البصرة، حيث وقف الإمبراطور تراجان ~~يراقب بحزن السفن المليئة بالتوابل الهندية وهي ترسو متمنيا أن ~~يبحر شرقا على إحداها، للوصول إلى الهند عن طريق البحر؛ لأنه كان ~~يعلم أن الطريق برا عبر بلاد فارس كان لا يمكن اجتيازه. ودائما ما ~~كانت الحدود أكثر من مجرد خط على خريطة. # لم أرغب في مجرد التحليق فوق هذه الحدود التاريخية؛ لذا شققت طريقي ~~إلى شرق تركيا واستعددت للعبور إلى إيران سيرا على الأقدام. وقبل ~~المعبر الحدودي مباشرة، استبدلت الريالات الإيرانية بدولاراتي. ~~فداخل إيران ذاتها، كانت العقوبات الدولية تعني أنني لن أتمكن من ~~الوصول إلى حسابي المصرفي، وأن بطاقات الائتمان الخاصة بي ستكون ~~عديمة الفائدة؛ لذلك كان علي أن آخذ معي كل الأموال التي قد أحتاج ~~إليها. وكانت أكبر ورقة نقدية إيرانية تمكنوا من إعطائها لي تساوي ~~دولارا؛ ولذا انتهى بي الحال أحمل حقيبة بلاستيكية مليئة بالنقود. ~~مشيت إلى الحدود الإيرانية، حاملا هذه الحقيبة في يد واحدة وحقيبة ~~ظهر على ظهري. ms103 وكان توجد لافتة ضخمة معلقة عليها صورة آية الله ~~الخميني وخليفته خامنئي ينظران بوجه عابس لمن يسيرون تحتها، وكأنهما ~~يقولان لمن يدخل من تركيا الليبرالية: «هنا تترك العلمانية ~~وراءك.» # بمجرد أن وطئت قدمي الأراضي الإيرانية قال صوت: «أهلا بك!» بدا ~~أن رجلا مسنا جالسا على كرسي هو القوة الحدودية الوحيدة ~~المنتشرة هنا. بدا مسرورا لرؤية أجنبي بين الحشد الصغير من السكان ~~المحليين. تساءلت عما إذا كان يعلم أنني أتيت من «الشيطان ~~الأصغر». أشرت إلى جواز سفري البريطاني بتوتر بينما كنت أتقدم ~~نحو طابور الجمارك. كنت على يقين من أن الموظفين هنا، بعد رؤية جواز ~~سفري، سوف يستدعون الشرطة السرية، التي ستتعقبني حينها على نحو ~~لافت للانتباه أينما ذهبت. لكن شرطي الجمارك لوح لي بأن أمر، ~~وعلى الجانب الآخر لم يكن يوجد أي حرس أشرار. في الواقع، وجدت نفسي ~~في ساحة انتظار أخذت تخلو ولا توجد بها أي وسيلة مواصلات. بدا أنني ~~كنت أدنى من أن أسترعي انتباه الجمهورية الإسلامية. # سرت من المحطة على الطريق. مر سائق وصاح قائلا لي: «عشرة إمام!» ~~أصابتني الحيرة. كانت كلمة «إمام» اسما لآية الله الخميني. لكن بعد ~~ذلك أوقف الرجل سيارته وأخذ ورقة نقدية من محفظته بقيمة 10 آلاف ريال. ~~كان عليها صورة الخميني. وقال: «عشرة من هذه لأقلك إلى المدينة.» ~~طلبت منه بدلا من ذلك أن يوصلني إلى منزل قديم قريب، أصبح الآن ~~متحفا، كان في السابق ملكا لأرستقراطي كردي وزينت غرف الاستقبال ~~به بأفضل طراز إيراني من أوائل القرن العشرين، وبمصاريع زرقاء ~~زاهية وجدران مغطاة بزجاج عاكس لامع. كان قد بني عام 1912. وكانت ~~إيران في ذلك الوقت تمر بتغير اجتماعي سريع، كما يتضح من لوحتين ~~على سقف غرفة الطعام. في إحداها، يأكل بطريرك ذو عمامة بيديه من ~~وعاء بينما يحيط به رجال ذوو شوارب، ولحى، و«طرابيش» سوداء ~~ويفعلون مثله، أو يشربون الشاي. وفي الأخرى، رجل حليق الذقن يرتدي ~~سترة يرفع كأسا من النبيذ، بينما تفعل زوجته التي تجلس بجانبه الشيء ~~ذاته. وضيوفهم رجال ms104 ونساء يرتدون أزياء أوروبية أنيقة. وتظهر إحدى ~~النساء وهي تنظر بقلق إلى مرتدي الطربوش في اللوحة الأخرى. # كان المقصود من الصورتين الاحتفاء بالتغيير من القديم إلى الجديد. ~~وباستيعاب ما حدث في السابق، يمكن فهمهما فهما مختلفا: كان من حكمة ~~النخبة المتأثرة بالغرب أنها كانت تتخوف من المتمسكين بالتقاليد؛ ~~لأن البطاركة المعممين سينتقمون في النهاية. ففي يناير 1979، استسلم ~~حاكم إيران العلماني، محمد رضا شاه، لمطالب الثوار ورحل إلى منفى ~~طوعي. وفي الشهر التالي، عاد معارضه القديم روح الله الخميني من ~~المنفى إلى طهران، واتخذ خطوات حثيثة لتولي السلطة. وبصفته آية ~~الله - أي رجل دين شيعي بارز - ادعى سلطة إلهية للحكومة الجديدة ~~التي شكلها. وأعلن أن: «وصايا الفقيه الحاكم»؛ أي وصاياه، «مثل ~~وصايا الله.» كان شاها القصر البهلوي قد قدما الكثير لمساعدة ~~الزرادشتيين؛ لكن في ظل حكم آية الله، أصبحت السلطات أكثر عداء ~~لغير المسلمين، وتغيرت القوانين بطرق أضرت بهم. # عندما وصلت إلى أقرب بلدة ذهبت لتناول الطعام في مطعم الكباب بها، ~~وقرر اثنان من المسلمين الإيرانيين كانا جالسين على الطاولة ~~المجاورة أن يعتنيا بي. كانا أخوين. قالا: «تعال إلى قريتنا»، ~~ووافقت، على أمل أن أرى الحياة الأسرية الإيرانية. أثناء مضينا ~~بالسيارة عبر بساتين الكرز بالقرب من بحيرة أرومية، وستيريو سيارتهما ~~يصدر موسيقى إيرانية حزينة جدا، علمت أن الأخوين كانا من ~~الأذر، وهو شعب تركي اندمج في المجتمع الإيراني على مدار السبعمائة ~~سنة الماضية. كان أكراد وأرمن ومسيحيون آشوريون يعيشون أيضا في هذا ~~الجزء من البلاد، وعلى الرغم من أن كل جماعة كانت لها لغتها الخاصة، ~~كان الغالبية يتحدثون الأذربيجانية. وعند وصولنا إلى القرية، طلب مني ~~مضيفاي الجديدان أن أهبط في مقعدي حتى لا يراني أحد؛ لأنه كان ~~ممنوعا عليهما استضافة الأجانب. وقال لي أحدهما: «هذا لأنني أنتمي ~~إلى قوات الباسيج.» وهكذا أدركت أنني في قبضة الباسيج؛ وإن لم يكن ~~بالطريقة التي كنت أخشاها. قدم لي الأخوان عشاء وسريرا لقضاء ~~الليلة. وقابلت زوجتيهما وأطفالهما الصغار الذين أكلوا ~~معنا. # وفي صباح اليوم التالي، ms105 عندما كنت جالسا على السجاد الصوفي ~~الأحمر الذي كان مفروشا على أرضية غرفة المعيشة أراجع خريطتي، رأيت ~~أنني كنت قريبا من أحد المعالم الزرادشتية. لذلك بعد أن أوصلني ~~الأخوان خلسة إلى محطة للحافلات (حيث قالا لي: «ابق منخفضا!» ~~عندما مرت السيارة بأشخاص في الشارع يعرفهما الأخوان)، ركبت ~~حافلة في رحلة قصيرة خارج البلدة، مرورا بقمم مغطاة بالثلوج، إلى ~~تلة مخروطية الشكل شديدة الانحدار ذات جوانب غبارية اللون. وعلى ~~المسار المتعرج الذي أدى إلى قمتها، كان يوجد العديد من الأزواج ~~الإيرانيين، وبعض الأولاد الصغار، ورجل مسن. تبعتهم، وفي القمة ~~حدقنا جميعا في فوهة بركان خامد. قالوا لي إن هذا هو «زندان ~~سليمان»، أي سجن سليمان. ~~••• # للملك اليهودي سليمان مكانة بارزة في القرآن، الذي يذكر أنه كان ذا ~~سلطان على الأرواح غير المرئية التي يسميها المسلمون «الجن». وفي ~~إحدى أساطير «ألف ليلة وليلة»، يفتح صياد سمك زجاجة عليها ختم ~~سليمان على سدادتها، ويخرج جني ويخبره أن سليمان «ليعاقبني ... أمر ~~بإحضار هذه الزجاجة وسجنني فيها، وأغلقها بسدادة من الرصاص، وختم ~~الرصاص باسم الله الأعظم.» يبدو أن التراث المحلي كان يعتقد أن ~~سليمان قد فعل شيئا مشابها في زندان سليمان، حيث سجن الأرواح ~~المتمردة داخل فوهة البركان العميقة المنحدرة الجوانب. # ربما قاومت أرواح المكان سليمان. وقبل مجيء الإسلام كان هذا ~~البركان أحد أعظم مزارات الزرادشتية وأهمها. ربما كان مكانا ~~لتقديم القرابين؛ إذ يخبرنا هيرودوت أنه عندما أراد الفرس تقديم ~~قرابين لأهورا مزدا، كانوا يصعدون على جبل مرتفع. وأضاف أنهم كانوا ~~حينها أيضا يقدمون القرابين «للشمس والقمر والأرض، وللنار والماء ~~والرياح.» تخيلتهم يصعدون بجهد المسار ذاته الذي أتيت منه، ~~مرهقين من حمل حمل أو عنزة ذبيحة على طريق الصعود بأكمله على ~~سفح الجبل. بقيت ثلاثة من العناصر الأربعة؛ فالرياح ما زالت تعصف ~~بالسهل، مما يتسبب في برودة الجو حتى في فصل الربيع؛ وكانت الأرض ~~هناك بنية وغير خصبة؛ ومياه البحيرة القريبة كانت لا تزال زرقاء ~~عميقة جميلة. لكن النار قد انطفأت. # كان هذا المعبد المدمر ms106 عند سفح زندان سليمان يوما ~~ما مثوى نار غوشناسب، المقدسة لدى المحاربين، ~~والتي زارها الأباطرة الفرس قبل معاركهم مع الرومان. ~~صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. # يضيف هيرودوت أن الفرس رفضوا الممارسة الشائعة المتمثلة في تصوير ~~الآلهة في هيئة بشرية وعبادتها في المعابد: «ليس لديهم صور للآلهة، ~~ولا معابد ولا مذابح، ويعتبرون استخدامها إحدى علامات الحماقة.» ومع ~~ذلك، بنى الزرادشتيون في زمن لاحق معابد، ربما تحت تأثير ~~البابليين والشعوب الأخرى التي احتلوها، لكنها لم تحتو على أي ~~تماثيل للآلهة، وإنما فقط شعلة لا تنطفئ. عندما نظرت إلى أسفل من حافة ~~الفوهة، كان بإمكاني رؤية أنقاض أحد أعظم هذه المعابد. وقد بني منذ ~~ما يقرب من ألفي عام ليكون مثوى ما لا بد أنه كان يبدو نارا خارقة ~~حقا للطبيعة؛ فهي شعلة ظلت متأججة باستمرار جراء الغاز الطبيعي ~~المتسرب من قاعدة البركان. أطلق الزرادشتيون على هذه النار اسم ~~غوشناسب واعتبروها إحدى الثلاث نيران الأقدس في بلاد فارس. # كانت غوشناسب معروفة بأنها نار المحاربين، وكان التقليد الزرادشتي ~~يعتبرها قديمة قدم العالم. كان ملوك الفرس يزورونها لتقديم ~~القرابين قبل الخروج في حملات ضد الرومان، ولاحقا البيزنطيون. ~~وبحلول القرن السابع الميلادي، كانت الحرب المستمرة قد أنهكت ~~الإمبراطورية الفارسية. وأثبتت حملة ناجحة وصلت بالفرس غربا حتى ~~مصر أنها الرمق الأخير لإمبراطوريتهم. وفي سنة 627 ميلادية، أتى آخر ~~زائر ملكي إلى نار غوشناسب. كان اسمه خسرو، وقام بزيارته في وقت كان ~~يشعر فيه باليأس. فقد كان هو وقواته يتقهقرون أمام تقدم البيزنطيين، ~~الذين كانوا يستعينون بقبائل عربية محلية باعتبارها مرتزقة. وكان ~~البيزنطيون مسيحيين معروفين باحتقارهم للنار المقدسة، وبدلا من ~~تركها تقع في أيديهم، أخرجها خسرو من المزار المقدس وأخذها معه. وبعد ~~خمسة عشر عاما، سقطت إمبراطوريته - ليس أمام البيزنطيين وإنما ~~أمام العرب، الذين كان الإسلام قد وحدهم حينئذ. # لم يرغب العرب في مواجهة جيوش الفرس، التي كانوا يخشون من أنها ~~ستربح في أي مواجهة عسكرية. لكن عندما انجر العرب أخيرا إلى ~~معركة مع جيش الفرس، نجحوا في إجبار ms107 خصومهم على التقهقر إلى مكان ~~يدعى نهاوند، حيث قرر الفرس أن يصمدوا. وكما تصف الملحمة الفارسية ~~العظيمة «الشاهنامه» المشهد، يأتي رسول عربي يرتدي أسمالا بالية ~~لتوجيه إنذار نهائي للفرسان الفرس، الذين كانوا يرتدون كلهم ~~دروعا ذهبية متألقة، دلالة على مجدهم ونبل محتدهم. كان رستم، ~~ابن الملك الفارسي، يقرأ النجوم ويرى المستقبل: «النجوم تفرض علينا ~~الهزيمة والهروب. ستمر أربعمائة عام سيكون فيها اسمنا، منسيا ~~ومجردا من الشهرة.» بعد هزيمتهم، هرب بالفعل الإمبراطور وما تبقى من ~~بلاطه شرقا إلى آسيا الوسطى، آخذين معهم دينهم. وبقي هناك باعتباره ~~العقيدة السائدة لجيل آخر أو نحو ذلك. ومن نهاوند فصاعدا، أصبح ~~الإسلام دين الدولة في إيران. ولم توقد مرة أخرى أبدا نار ~~غوشناسب. # تتباين الآراء حول مدى سرعة تخلي الإيرانيين عن الزرادشتية، لكن ~~يبدو أن بعض أفراد العائلة المالكة أصبحوا مسلمين في وقت مبكر. وقد ~~وجد معتنقو الإسلام أن بعض جوانب الدين الجديد تنسجم جيدا مع ~~العادات الزرادشتية. فكلتا الديانتين تطلب من أتباعها الصلاة عدة ~~مرات في اليوم (الزرادشتيون ثلاث مرات، والمسلمون خمس مرات)، وتقدس ~~النظافة، وتستند إلى مجموعة من الكتب المقدسة الإلهية. وقدم ~~الإسلام مهربا من النظام الطبقي الديني الزرادشتي، الذي كان فيه ~~الكهنة والمحاربون في القمة؛ ولم تلقن الطبقات الدنيا الكثير عن ~~الدين وكانت أسرع في التخلي عنه، كما يتضح من النسبة العالية للعائلات ~~الكهنوتية بين أولئك الذين بقوا على اعتناقهم للديانة الزرادشتية. ~~واستطاع من بدلوا دينهم أن يجمعوا بين كلا الأمرين، حيث انتهجوا ~~الممارسات الإسلامية ولكن حافظوا أيضا على بعض التقاليد الأكثر ~~شعبية في الزرادشتية، مثل الاحتفال بالعام الجديد (النيروز)، الذي لا ~~يزال عيدا رئيسيا مدة أسبوعين في إيران. وخلال زيارتي، شاهدت ~~العديد من العائلات الإيرانية جالسة تتناول الطعام في الهواء الطلق ~~احتفالا بسيزده بدر، آخر يوم من أيام النيروز. # وسواء كان الإيرانيون قد اعتنقوا الإسلام بسرعة أو ببطء، فمن ~~الواضح أنهم لم يقبلوا بسهولة أن يحكمهم العرب. ففي البلدان الواقعة ~~غربا، بدل الغزو العربي الثقافة الكاملة للشعوب المهزومة، التي ~~بدأت شعوب ms108 كثيرة منها في نهاية المطاف تطلق على أنفسها لقب «عرب» ~~ونسيت هوياتها ولغاتها السابقة. ومن المرجح أن يكون قد ساعد في ذلك ~~أن الشعوب المهزومة كانت أيضا شعوبا سامية، تتحدث لغات تشبه ~~العربية، ناهيك عن أن أفرادها كانوا بالفعل رعايا للإمبراطورية ~~البيزنطية، ومع الفتح العربي، كانوا فقط يستبدلون مجموعة من الحكام ~~بأخرى. # كانت فارس مختلفة. وكان الشعب الإمبراطوري حينئذ خاضعا. ويعطينا ~~الشاعر العربي الجعدي صورة مؤثرة عن أقدارهم التي تبدلت: «يا ~~أيها الناس، هل ترون إلى ... فارس بادت وخدها رغما؟ أمسوا ~~عبيدا يرعون شاءكم ... كأنما كان ملكهم حلما.» وكانت أسوأ إهانة يمكن أن يرمي بها الكهنة الزرادشتيون شخصا ترك ~~دينه وصار مسلما هي أنه «لم يعد إيرانيا». والعرب بدورهم نظروا ~~إلى الزرادشتية بريبة، وكثيرا ما أدانوها بأنها عبادة للنار ~~وترددوا في منح أتباعها المستوى ذاته من التسامح الذي منحوه ~~للمسيحيين واليهود. # وكما حذر أحد الحكام العرب الأوائل في إيران إخوانه المسلمين بعد ~~الفتح بوقت قصير قائلا عن الفرس: «من كان يسألني عن أصل ~~دينهم ... فإن دينهم أن يقتل العرب.» ففي بخارى حاول ~~العرب نشر الإسلام من خلال تقديم المال لمن يأتون للصلاة، وتوطين ~~العرب قسرا بين السكان؛ ومع ذلك، تمردت المدينة مرارا ~~وتكرارا، وارتد أولئك الذين اعتنقوا الإسلام. واغتيل الرجل الذي ~~كان خليفة الإسلام وقت غزو إيران، عمر بن الخطاب، على يد عبد ~~إيراني. وحتى في القرون اللاحقة، يبدو أن روح التمرد استمرت، خاصة ~~في الملاذات التي أمكن لحركات التمرد أن تعثر عليها في الجبال ~~الإيرانية. وبعد قرنين من الغزو العربي، عملت جماعة تسمى الخرمية ~~وقائدها بابك، في شمال ماكو، ودعت إلى إعادة توزيع الممتلكات، ~~وحرية ممارسة العلاقات الجنسية دون التقيد بالزواج، وشن الحرب على ~~الحكومة. ثم في القرن الثاني عشر، عملت سلالة حاكمة زعمت أنها من ~~نسل النبي محمد من قلعة تسمى الموت على قمة صخرية هائلة تقع أعلى واد ~~ناء. وأرسلت من حصنها الجبلي أتباعها، المعروفين باسم الحشاشين، ~~لقتل شخصيات بارزة في الحكومة التي حكمت إيران في ذلك ms109 الوقت. وأعلن ~~أحد المنتمين إلى تلك السلالة الحاكمة إلغاء جميع التشريعات الدينية؛ ~~حيث قال: «ما كان محرما أصبح مشروعا الآن، وما كان مشروعا أصبح ~~محرما الآن.» # كانت أغلبية إيران في تلك الأيام سنية وليست شيعية. ولم تصبح ~~الغالبية شيعية إلا في القرن السادس عشر. ومع ذلك، يبدو أكثر من مجرد ~~صدفة أن هذه الإمبراطورية المنهارة انتهى بها المطاف بنسخة من ~~الإسلام رسخت في داخلها إحساسا بأن كل شيء ليس على ما يرام مع ~~العالم؛ أن الترتيب الصحيح للأمور قد انقلب. بدأ الإسلام الشيعي ~~باثني عشر إماما، كان من المفترض أن يكونوا خلفاء النبي محمد ~~(الذين انحدروا جميعا من آله؛ فمن النقاط التي يصر الشيعة عليها أن ~~حكام الإسلام يجب أن يكونوا من آل النبي). لم يقبل غالبية المسلمين ~~سوى أوائل أئمة الشيعة هؤلاء، وتوفي الكثير منهم وسط اتهامات ~~بالخيانة. رسخ هذا في عقيدة الشيعة ازدراء للحكومات الدنيوية وأملا ~~ورعا في أن آخر الأئمة الاثني عشر سيعود يوما ما في صورة ~~المهدي - وهو المعادل للمسيا اليهودي والمسيحي - علامة على آخر ~~الزمان. حتى أن حكام العصور الوسطى في إيران كان لديهم حصان جاهز ~~دائما في إسطبلهم ليركبه المهدي، إن عاد. # وبالتفكير في هذا الاعتقاد الخاص بالشيعة، كنت أميل إلى مقارنته ~~بموسيقى على سلم صغير، مثل الأغنية الإيرانية الحزينة التي كنت قد ~~سمعتها في وقت سابق من ذلك اليوم في ستيريو السيارة. ربما كانت ~~نغمات اللحن الرثائي للإمام الثاني عشر مألوفة لأي زرادشتي، يتوق ~~إلى استعادة النظام القديم. والمهدي، وفقا للأسطورة، سينحدر من ~~أباطرة بلاد فارس القدامى. وذلك لأنه قيل إن شهربانو، ابنة آخر ~~إمبراطور لبلاد فارس المستقلة قبل أن تصبح مسلمة، تزوجت الحسين، ~~حفيد النبي محمد: ولو كان هذا صحيحا، لكان جميع الأئمة اللاحقين ~~ينحدرون من نسل النبي ونسل العائلة المالكة الفارسية أيضا. وربما ~~ساعدت هذه القصة في دعم تأييد الإسلام بين الإيرانيين الذين اشتاقوا ~~إلى النظام القديم. # تنبأ الأفستا أيضا بالمسيا؛ السوشيانت، المخلص الذي سيقود ~~جيوش الخير في معركتها الأخيرة، التي ms110 ستحدث بعدها نهاية العالم ~~وإقامة الأموات. ويبدو أن هذا المفهوم الزرادشتي، الذي يتناسب تماما ~~مع إيمانهم بأن العالم ساحة معركة بين قوى الخير والشر، قد سبق ~~الإيمان اليهودي بالمسيا وكذلك الإيمان الإسلامي بالمهدي؛ ويعتقد بعض ~~العلماء أنه كان مصدر الإلهام لكليهما، على الرغم من أن فكرة عودة ~~شخصية تاريخية من الموت لإنقاذ شعبه هي في الحقيقة فكرة قد تروق ~~لأي مجتمع كان ماضيه أعظم من حاضره. وفي أسطورة لاحقة، قيل إن ~~بحيرة كبيرة في جنوب شرق إيران تحتوي على بذرة زرادشت، القادرة على ~~منح العالم سبعة أنبياء آخرين مثله لإيصال العالم إلى مستوى جديد ~~من الحكمة في كل مرة. وقد تبنت بعض الجماعات الإسلامية هذا المفهوم، ~~وأشارت أحيانا إلى أن محمدا كان النبي السابع. وزعمت الجماعات ~~المنشقة عن الإسلام أن محمدا كان الخامس أو السادس فقط، وأن مؤسسها ~~هو السابع. # وفي القرنين التاسع والعاشر، ضعفت قبضة الإمبراطورية العباسية ~~العربية على إيران وسيطرت سلالات محلية حاكمة على أجزاء من البلاد. ~~ومولت إحدى هذه السلالات الحاكمة، وتسمى السامانيين، على كتابة ~~الملحمة الوطنية الإيرانية، «الشاهنامه». وكان الكاتب، الفردوسي، ~~مسلما من الناحية الرسمية، لكن القصيدة مشبعة بالأفكار الزرادشتية. ~~فعلى سبيل المثال، يبدأ التاريخ الذي ترويه عن الشعب الإيراني بمعركة ~~ضد أنجرا ماينيو. وربما يكون الشاعر أيضا قد ساعد في الحفاظ على اللغة ~~الفارسية باستخدامها في كتابة الملحمة. فإيران لم تعتمد اللغة العربية ~~مطلقا في المحادثات اليومية وتواصل بفخر الاستمتاع بأدبها المنفصل ~~تماما، وخاصة مجموعة ثرية من الشعراء. ~~••• # توجهت من زندان سليمان إلى مدينة تمثل أكثر من غيرها الجانب ~~الإسلامي الشيعي في إيران. فمدينة قم هي موطن الضريح الرئيسي ~~والمدرسة الدينية الرئيسية في البلاد، حيث يدرب رجال الدين ~~المسلمون. بني الضريح في المدينة حول قبر أخت الإمام الثامن، فاطمة ~~المعصومة. وهو موقع ليس بأهمية مدينتي النجف وكربلاء في العراق، ~~حيث دفن علي صهر النبي وحفيده الحسين. ومع ذلك، كان الوصول إلى ~~قم في كثير من الأحيان أسهل على الحجاج الإيرانيين؛ ولذلك أصبحت ~~ذات شعبية كبيرة. ms111 أضاءت الأضواء الخضراء للضريح ساحة انتظار ~~السيارات حيث توقفنا، وكان بإمكاني أن أرى المكان الذي نصب فيه ~~الحجاج الورعون خياما بين السيارات الواقفة، للاقتراب قدر الإمكان ~~من الضريح. وفي فندق يطل على الميدان، حيث كنت آمل أن أجد غرفة، ~~قال لي موظف الاستقبال - بعد أن أراني غرفتي - ألا أبقى هناك. ~~أسرني قولا: «الأجرة باهظة للغاية هنا؛ ينبغي أن تقيم مع صديقي ~~السيد جهانجير بدلا من ذلك. إنه يحب مقابلة الزوار!» وأجرى مكالمة ~~وأكد أن السيد جهانجير الغامض يمكنه أن يمنحني سريرا لهذه الليلة، ~~ثم أخبرني كيف أعثر عليه. تجولت في سلسلة من الطرق الصغيرة والأزقة ~~حتى عثرت على شقة السيد جهانجير الواقعة تحت الأرض. # وتبين أن السيد جهانجير كان رجل دين شيعيا حديث العهد، رغم ~~أنه لم يكن يرتدي ملابس رجال الدين. وبعد أن أدخلني إلى بيته، عرفني ~~بثلاثة من أصدقائه الذين كانوا يجلسون جميعا على الأرض (وكانت زوجته، ~~التي كانت ترتدي نقابا أبيض اللون، تجلس على استحياء في الخلف، لكن ~~طفلته الصغيرة كانت أقل تحفظا). كانوا جميعا في مراحل مختلفة من ~~الدراسة الدينية في إحدى مدارس مدينة قم الدينية، وقد كان أكبرهم ~~وأظهر لي بفخر صورة له مرتديا عمامة «الشيخ» البيضاء، وهو لقب ~~يمنح للرجل الذي بلغ مستوى معينا من التعلم الديني ولكن ليس لديه ~~التمييز الإضافي المتمثل في كونه «سيدا» بعمامة سوداء، من نسل ~~النبي. سألني رجال الدين ساعات عن بريطانيا؛ ولكن معظم الأسئلة كان ~~يتعلق بالمجتمع وكيفية الحصول على التأشيرة أكثر من السياسة. لم ~~ننته إلا في نحو الساعة الواحدة صباحا، وحتى بعد ذلك ظلوا ينقرون ~~بأصابعهم على أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم مدة ساعة أخرى ~~بينما كنت مستلقيا على مرتبة قريبة أحاول النوم. في الخامسة صباحا ~~قاموا للصلاة. كان علي أن أستيقظ معهم واستعددت - بعينين غير ~~قادرتين على الرؤية بوضوح ولكن مسرورا لإتاحة هذه الفرصة - لأن ~~يصطحبني طلاب أفضل مدرسة دينية في إيران في جولة فيها. # في البداية أعطوني جولة في الضريح، حيث كانت قبابه الذهبية ms112 ~~وبلاط السيراميك الأزرق الجديد اللامع علامات واضحة على مقدار ~~الدعم والتمويل الذي تلقاه. لم يكن يسمح لغير المسلمين بالدخول، ~~لكن رفاقي أدخلوني. ذهبوا للصلاة؛ ووقفت في انتظارهم بينما كان حشد ~~المصلين يتدفق أمامي. عندما عادوا، قالوا إن لديهم مكانا آخر يريدون ~~أن يطلعوني عليه. خرجنا من المسجد وسرنا في شارع تصطف على ~~جانبيه الأشجار إلى مدرسة دينية كبيرة. كانت هذه المدرسة مميزة؛ فقد ~~كانت التي درس فيها آية الله الخميني يوما ما. تعلو صورة آية الله ~~الرواق المعمد المكون من طابقين، الذي يحيط بساحتها الواسعة ~~المليئة بالأشجار. أرشدني أصدقائي الجدد إلى الغرفة التي كانت يوما ~~ما غرفة الخميني الصغيرة للنوم والمذاكرة، ووقفوا أمامها كما يفعل ~~الغربيون عندما يعزف نشيدهم الوطني، ينظرون بتبجيل إلى الأثاث ~~البسيط وصورة آية الله على الحائط. تململت بارتباك. بمقاومة إغراءات ~~الثروة والسلطة بوصفه حاكما مطلقا، أظهر الخميني قوة شخصية كبيرة. ~~ومع ذلك، لم يكن صديقا للزرادشتيين في إيران، الذين كانوا قد عاشوا ~~حياة مزدهرة في ظل النظام الملكي العلماني الذي أطاح به. # جلسنا في ساحة المدرسة الدينية بعض الوقت؛ ومر بجانبنا «سيد» يرتدي ~~ملابس سوداء وقطة سوداء يمشيان ببطء، كما لو كانا في موكب مهيب. ~~أخبرني أحد أصدقاء السيد جهانجير أنه يأمل في أن يدرس في المدرسة ~~الدينية. كان عليه أولا أن يجتاز امتحانات القبول؛ وكانت فلسفة ~~أفلاطون واحدة من الموضوعات الأساسية التي سيختبر فيها. وكان سيدرس ~~في المدرسة الدينية كتابات أرسطو، من خلال حضور دروس خاصة يتعلم فيها ~~من خلال إجراء مناظرات مع زملائه الطلاب (وهي تقنية تشبه في ذاتها ~~تقنية الفلاسفة الإغريق). لقد مرت سنوات منذ أن درست كتابات أرسطو ~~وأفلاطون، ولم أتوقع أن أجدهما مقدمة مفيدة لزملاء آية الله ~~الخميني، إذ كان قد تبين أن تلك هي حقيقة أصدقائي. كان ثمة قدر ~~من السخرية التاريخية في الأمر: الفلاسفة الكلاسيكيون، الذين كانوا ~~مصدر إلهام لعصر التنوير الأوروبي، كانوا يحظون بشعبية لدى رجال ~~الدين الرجعيين في إيران؟ وأفلاطون الأثيني، وأرسطو معلم ~~الإسكندر، كانا ذائعي الصيت ms113 في بلاد فارس، التي اشتهرت بأنها عدوة ~~أثينا والإسكندر؟ # لكن هذا كان جهلا من جانبي؛ لأنه كما علمت، بالفعل ترك الإسكندر ~~الأكبر المكروه في بلاد فارس إرثا من المودة للثقافة الإغريقية. ~~وكان حكام إيران الفرثيين في القرن الأول قبل الميلاد عاشقين للمسرح ~~الإغريقي. (عندما قتل الجنرال الروماني غير المحظوظ كراسوس في ~~حران، أحضر رأسه إلى الإمبراطور واستخدم ديكورا مسرحيا في ~~«باخوسيات» يوربيديس.) وكانت العلوم الإغريقية تحظى باحترام كبير في ~~بلاد فارس لدرجة أنه حتى بعد أن تبنى الغرب أفكارا جديدة، استمر ~~الفرس في اتباع الإغريق. وحتى القرن التاسع عشر ، كان أي شخص يذهب ~~إلى طبيب في بلاد فارس يحصل على تحليل سوائله، استنادا إلى وصفات ~~الطبيب اليوناني من القرن الثاني جالينوس. (لم يعد أحد الآن في إيران ~~يستخدم «الطب اليوناني» مع أنه ما زال يمارس في الهند.) ويعود علم ~~الفلك الذي ما زال رجال الدين الإيرانيون يدرسونه في بداية القرن ~~العشرين إلى بطليموس، وهو عالم يوناني من القرن الثاني. يوما ما درس ~~رجل يدعى أحمد كسروي ليصبح رجل دين ثم انتهى به الأمر إلى أن ~~أصبح أحد أهم الكتاب المناهضين لرجال الدين في إيران الحديثة؛ ~~ولم يبدأ تحرره من أوهام الإسلام الشيعي بالقرآن بل بسبب خطأ ~~اكتشفه في كتابات بطليموس. # وبسبب هذا الحماس للعلوم الإغريقية، كان من الطبيعي أنه في القرن ~~السادس الميلادي عندما طرد الإمبراطور البيزنطي جستينيان آخر ~~الأعضاء الوثنيين في أكاديمية أفلاطون - التي كان مجال ممارستها هو ~~تعليم الطلاب أولا فلسفة أفلاطون ثم فلسفة أرسطو - وفر لهم الفرس ~~ملجأ. وجرى إيواؤهم في بلدة تسمى جنديسابور، حيث انضموا إلى ~~علماء من إحدى الأقليات الدينية في الإمبراطورية البيزنطية، الذين ~~كانوا قد طردوا أيضا؛ وفي السنوات اللاحقة، جلب الفرس علماء ~~صينيين وهنودا للانضمام إليهم. وأصبحت جنديسابور جامعة رائعة ~~تضم مناهجها نصوصا يونانية، وسنسكريتية، وصينية؛ وكان بها مستشفى ~~كان يعد أعظم مركز طبي في المنطقة، حتى إن الأطباء كانوا يجرون ~~الفحوصات هناك (وهو ابتكار مذهل في ذلك الوقت). فأصبح تعصب بيزنطة ~~مكسبا ms114 لبلاد فارس. # كان الخميني قد درس فلسفة أفلاطون في المدرسة الدينية. وفي ~~الواقع، لم تكن فكرته القائلة بأن من يدير إيران يجب أن يكون «رجل ~~الدين الأكثر علما» تمثل تغييرا ملحوظا فحسب عن وجهة نظر ~~الشيعة التقليدية بأن الحكومة شريرة في ذاتها، لكنها أيضا لم تكن ~~موجودة في القرآن. وبدلا من ذلك، ربما يكون هذا أقرب مثال على وجه ~~الأرض لرؤية أفلاطون، الموضحة في كتابه «الجمهورية»، عن دولة ~~يديرها «الفيلسوف الأحكم». نفى الخميني دائما وجود صلة، على الرغم ~~من قبوله لأفلاطون، وقوله مرة إنه يعتبره «حكيما». ~~••• # أخذتني رحلتي من قم عبر مدينة أصفهان الرائعة، التي صممت ~~ساحتها المركزية لتستخدم أيضا كملعب لممارسة رياضة البولو، والتي ~~تعد مساجدها المزخرفة بالخزف الأزرق من أجمل المباني في العالم، ~~والتي يرسم فنانو البازار فيها بعناية مشاهد حب وصورا للشعراء ~~على صناديق خزفية صغيرة. وإلى الجنوب من أصفهان ذهبت إلى شيراز، ~~وهي المدينة التي أعلن فيها في أربعينيات القرن التاسع عشر «سيد» مسلم ~~محافظ يدعى علي الشيرازي أنه المهدي وتبعه مائة ألف شخص قبل أن ~~تعدمه بوحشية السلطات التي اعتبرته مجدفا على الله. وأعلن ~~أتباعه، الذين كان من بينهم زرادشتيون، أنه كان أيضا السوشيانت. ~~وأطلقوا على أنفسهم اسم البابيين؛ لأن الشيرازي كان «الباب»، أي ~~البوابة الغامضة إلى الله. وفي أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، زار ~~الباحث البريطاني إدوارد براون إيران. تعمق الرجل، الذي صار في وقت ~~لاحق أحد أعظم الخبراء الغربيين في البلاد (ولا يزال البريطاني ~~الوحيد الذي سمي باسمه شارع في طهران الحديثة)، في المجتمع الإيراني ~~وأصبح بارعا في حل شفرة الرموز السرية التي كان يستخدمها ~~الإيرانيون؛ مثل الشفرة التي كان يستخدمها الرجال الإيرانيون عند ~~نفث الدخان من النرجيلة؛ فكل مجموعة نفثات تمثل حرفا. وعلى الرغم ~~من مهارته وتحمسه لمقابلة البابيين وسؤالهم عن معتقداتهم، لم ~~يستطع اختراق السرية التي أحاطوا بها أنفسهم. وفي كل مرة كان ~~يقترب من شخص يبدو مقبولا، يدعي الرجل أنه مسلم تقليدي. # من الواضح أن البابيين كانوا يراقبونه خلال هذا ms115 الوقت؛ لأنهم ~~قرروا في النهاية أنه يمكنهم الوثوق به. قال له رجل بابي بعدما ~~كشف له عن انتمائه: ««الأصدقاء» في كل مكان، ومع أنك بحثت عنهم حتى ~~الآن دون جدوى، ولم تعثر عليهم إلا أخيرا بما قد يبدو مجرد صدفة، ~~فالآن بعدما أصبح لديك الدليل، ستلتقيهم أينما ذهبت.» تعرف على ~~عاداتهم، التي أظهر بعضها تأثيرات زرادشتية واضحة؛ فالبابيون ~~يتزوجون من زوجة واحدة فقط، والبابيات لا يرتدين الحجاب، واتخذ ~~البابيون صوما جديدا بدلا من رمضان، يقام في المدة التي تسبق ~~عيد النيروز. كانت السرية مبررة؛ فقد ذبحت حكومة إيران في ~~القرن التاسع عشر الآلاف من البابيين واستعبدت زوجاتهم. وتحولت ~~ديانة البابيين في النهاية إلى البهائية. وفي السنوات الأخيرة، سجن ~~القادة البهائيون وتعرض أتباعهم لمضايقات ممنهجة، واستبعدوا من ~~الوظائف الحكومية، وفي بعض الأحيان اعتقلوا على أساس أنهم مرتدون عن ~~الإسلام. ومنذ الثورة الإسلامية قتل مائتان من البهائيين. # يحتفي الشعر الإيراني كثيرا بمدينة شيراز، خاصة في قصائد حافظ، ~~الشاعر المفضل لدى الإيرانيين، الذي كان يعيش في القرن الرابع عشر؛ ~~على الرغم من أن أعماله لا تحتفظ برونقها جيدا بعد الترجمة. «بين ~~جعفر آباد والمصلى ... أقبلت بالعبير ريح شماله. روح ~~قدس لها بشيراز فيض ... وبشيراز حل أهل كماله. ذاكر القند ~~المصري ثم ... الحسان قد تسببن في إخجاله.» ~~[من كتاب «مجموع ديوان حافظ الشيرازي»، غزل 279. ترجمة ~~دكتور علي عباس زليخة. طبعة الهيئة العامة السورية ~~للكتاب.] «ديوان حافظ» هو أحد كتابين تمتلكهما كل عائلة ~~إيرانية تقليدية، - والكتاب الآخر هو القرآن. قبره في شيراز مزار ~~يحج إليه الناس. رأيت شابا راكعا عنده ومكث هناك وقتا طويلا ~~يصلي في صمت، بينما وقفت عدة نساء على مقربة، ورءوسهن مطأطأة. ~~ربما لم يكن حافظ فحسب هو من كرموه وتاقوا إليه، وإنما أيضا ~~الثقافة المتحررة المفعمة بالحيوية التي أعلن عنها: «الوردة البلبل ~~السكران قد قتلت ... صوفي يا عابد الخمر الصلاة حلت! كصخرة ~~توبتي أحكمتها عجبا ... بالجام وهو زجاج كيف قد كسرت! دار ~~ببابين عنها أنت مرتحل ... فأي فرق علت سقفا أم ms116 انخفضت.» ~~[من كتاب «مجموع ديوان حافظ الشيرازي»، غزل 25. ترجمة دكتور ~~علي عباس زليخة. طبعة الهيئة العامة السورية للكتاب.] # يعج شعر حافظ بإشارات إلى الخمر. وشعر المتدينون بالإحراج من ~~ذلك؛ لأن الخمر حرام في الإسلام، وكان حافظ شاعر المسلمين الإيرانيين ~~المفضل، وفسر الأتقياء هذه الإشارات على أنها استعارات عن البهجة ~~الروحية. ومن هذا المنطلق كتب آية الله الخميني قصيدة قال فيها: ~~«افتحي باب الحانة ودعينا نؤمها ليل نهار.» ومع ذلك، فإن حانات حافظ ~~كان أصحابها من الكهنة الزرادشتيين، المجوس. فكما تقول إحدى قصائده: ~~«عرضت مشكلتي أمس أمام شيخ المجوس ... الذي يمكنه حلها بنظرة من ~~عينيه. رأيته مسرورا يبتسم وكأس الخمر في يده.» ويبين هذا أن إشارات ~~حافظ للخمر هي إشارات إلى الاعتقاد الزرادشتي بأن شرب الخمر هو وسيلة ~~للتواصل مع الله. ففي أحد طقوس الصلاة الزرادشتية، تعد الخمر من ثمار ~~الخلق السبعة التي توضع أمام الكاهن (الذي يطلق عليه أحيانا أيضا ~~اسم المجوسي). وفي التقاليد الزرادشتية، أعطى زرادشت خمرا للملك ~~القديس فيشتاسبا ليشربه، مما جعله في حالة نشوة. وفي تلك النشوة ~~صعد إلى السماء ولمح مجد الله. قال هيرودوت إن الفرس لم يكونوا ~~يتخذون قرارا إلا إذا نظروا فيه مرتين؛ مرة في حالة اليقظة ومرة ~~في حالة السكر. لذلك إذا اتخذوا قرارا وهم متيقظون، فسيسكرون ~~بعد ذلك ويرون ما إذا كان لا يزال يبدو فكرة جيدة. وإذا كان كذلك، ~~يمضون قدما فيه. عندما قرأت هذا أول مرة، افترضت أنها مزحة، ~~لكنها في الحقيقة تبدو منطقية. فإذا كانت الخمر تعطي نوعا خاصا من ~~البصيرة الغامضة، فستبدو فكرة جيدة أن يثمل المرء قبل اتخاذ ~~القرارات. وأيضا، سيتعلم من بعض التجارب السيئة قيمة التفكير ~~مليا في اتخاذ القرارات عندما يكون متيقظا. # درويش يطوف بقبر الشاعر حافظ في شيراز بإيران. صورة ~~مأخوذة بواسطة المؤلف. # الأبيات المقتبسة أعلاه هي مجرد مثال واحد على مدى تغلغل الفكر ~~الزرادشتي بعمق في كتابات حافظ. لا عجب إذن أن زرادشتيا يدعى ~~خسرو أراد تكريم حافظ. وعندما رأى نصبا تذكاريا سابقا ms117 له في حالة ~~رثة، حاول بناء نصب جديد حول قبره. كان ذلك سنة 1899، وتبدد ذلك ~~الجهد عندما قاد رجل دين مسلم محلي حشدا من الغوغاء لتدمير النصب ~~التذكاري لأن من بناه كان زرادشتيا. ومنذ ذلك الحين، أعاد المعجبون ~~المسلمون بالشاعر بناء المقبرة بشكل رائع. تساءلت في نفسي وأنا أقف ~~بجانب الأعمدة الحجرية لهذا القبر الجديد عن مكان مجوس أشعار حافظ ~~الآن؟ وبينما كنت أفكر، مر أمامي درويش رث الثياب وشرع في الطواف ~~سبع مرات حول النصب التذكاري. إنها عادة زرادشتية قديمة. لكن بالإضافة ~~إلى الجلباب البني والقبعة الطويلة المستديرة ، كان هذا الرجل التقي ~~يضع على كتفه وشاحا أخضر، وهو اللون الدال على الإسلام. كان مسلما ~~وليس زرادشتيا؛ فقد تأثرت إيران تأثرا عميقا بالصوفية، ويبدي ~~بعض الصوفيين تبجيلهم للقديسين الموتى بالطواف حول قبورهم. ~~بالطبع، ربما كان بعض الزرادشتيين بين الشبان والشابات الذين كانوا ~~يصلون عند القبر أو يجلسون في المقهى الملحق به. لكنني لم أظن ذلك. ~~فمجوس أشعار حافظ قد أغلقوا حاناتهم منذ زمن طويل. # كان يوجد مكان واحد كنت واثقا من أنني سأعثر على الزرادشتيين فيه: ~~وهو يزد، حيث ولدت لال. امتد الطريق إلى هناك مسافة مائة ميل عبر ~~الصحراء، متجاوزا جبالا صخرية محززة وحقولا رملية وترابية، حتى ~~وصل إلى واحة يزد. استقبلتني عند وصولي واجهة ضخمة مكسوة بالقرميد ~~بها فتحات بأسقف مقوسة ومدببة، تسمى التكية، ارتفاعها عدة ~~طوابق؛ وكانت مزينة بخزف إيراني باللونين الأزرق الفاتح والأبيض ~~المائل للصفرة، وبجانبها عجلة من الخوص تسمى «النخل». كان كل ~~منهما يستخدم في مسرحية الآلام الشيعية السنوية التي تحيي ذكرى وفاة ~~الحسين بن علي، الذي كان في نظر الشيعة الإمام الثالث، والذي سقط في ~~معركة مع خصومه من المسلمين السنة. # جاء براون إلى يزد ووصف سعادته قائلا: «نجحت أخيرا في عزل نفسي ~~ليس فقط عن أبناء وطني، ولكن عن إخواني في الدين»، وكان يعتقد خطأ ~~أنه زرادشتي. وذكر أن طائفة الزرادشتيين كانت «أقل عرضة للمضايقات ~~الآن مما كان عليه في الأوقات السابقة»، على ms118 الرغم من أنهم «يواجهون في ~~كثير من الأحيان سوء معاملة وإهانة على أيدي [المسلمين] الأكثر ~~تعصبا، الذين يعتبرونهم وثنيين.» وأضاف أنه عندما يشغل حاكم فاسد ~~مركز سلطة، أو عندما لا يوجد أحد مسئول على الإطلاق، فإن معاملتهم ~~تزداد سوءا. # كان براون يقابل الزرادشتيين في وقت كانت فيه حظوظهم تتحسن. وعلى ~~الرغم من التأثير المتغلغل لأفكارهم، فقد عوملوا بقسوة كبيرة خلال ~~العصور الوسطى وما بعدها. كتب زائر إلى إيران سنة 1854، يدعى مانكجي ~~ليمجي هاتريا، «وجدت الزرادشتيين مستنزفين ومقهورين، لدرجة أنه لا ~~أحد في هذا العالم يمكن أن يكون أكثر بؤسا منهم.» كانت الطائفة ~~حينئذ تخضع لضريبة «جزية» خاصة، مفروضة على غير المسلمين كلهم. كما ~~حرم الزرادشتيون من حق الشهادة على مسلم أمام قاض، مما جعلهم في ~~وضع غير موات على الإطلاق في النزاعات على الأرض أو التجارة. ~~بالإضافة إلى ذلك، كانوا يترنحون من آثار ما أطلق عليه «آخر تحويل ~~قسري جماعي للزرادشتيين إلى الإسلام»؛ وهي واقعة شهدت هجوما لغوغاء ~~على قرية في خمسينيات القرن التاسع عشر وتهديد سكانها بالموت إذا لم ~~يبدلوا دينهم. كان هاتريا من عائلة من البارسيين، أحفاد اللاجئين ~~الزرادشتيين الذين كانوا قد غادروا إيران قبل ألف عام إلى كجرات في ~~شمال الهند. وكان الجالية البارسية في الأصل تلجأ إلى إيران للحصول على ~~الإرشاد الديني، لكنها كانت قد أصبحت أكبر وأغنى على مر القرون، ~~ولم يكن هاتريا هناك لتلقي المساعدة ولكن لتقديمها. فقد أرسل هو ~~ورفاقه البارسيين الأموال إلى الزرادشتيين الأفقر في إيران، وأسسوا ~~مدارس حديثة، وساعدوا في إقناع الحكومة الإيرانية بإلغاء «الجزية» سنة ~~1882. # وسرعان ما تبع ذلك المزيد من التحسينات في وضع الزرادشتيين بيزد، ~~وبعد عام 1906، عندما أجبرت ثورة دستورية النظام الملكي على قبول ~~مجموعة من تدابير إزالة القيود المفروضة، بما في ذلك إنشاء برلمان، ~~انتخب أحد الزرادشتيين في الهيئة الجديدة. واستعاد النظام ~~الملكي قوته بعد ذلك بمدة وجيزة، لكن في النهاية حلت محله ~~ديكتاتورية رضا خان، الذي لقب بالشاه وكانت كنيته بهلوي. وعلى ~~الرغم من هذه التغييرات ms119 السياسية، استمرت أحوال الطائفة في الازدهار ~~على مدار السبعين عاما التالية. وانضم الزرادشتيون للحكومة، حتى إن ~~واحدا منهم، وهو فرهنج مهر، ارتقى في المناصب حتى أصبح نائبا ~~لرئيس الوزراء. كانوا ناجحين بخاصة في الأعمال التجارية. ونتيجة ~~لذلك، تناقصت أعداد من يسلكون درب الكهنوت، وهي مهنة أجرها زهيد ~~وتتضمن قضاء الكثير من الوقت في تعلم نصوص مكتوبة باللغة الأفستية ~~القديمة (لغة قديمة قد تستغرق وحدها سنوات لتعلمها). طلب والد لال ~~- الكاهن الذي كان يقف على سطح منزله لدراسة النجوم - من إخوتها أن ~~يصبحوا أطباء، وليس كهنة، إذا أرادوا الهرب من حياة الفقر. ومن ~~الواضح أن الزرادشتيين الآخرين خالجهم الشعور نفسه. ففي ثلاثينيات ~~القرن الماضي كان في يزد مائتا كاهن، وبحلول سنة 1964، كانوا أقل من ~~عشرة. # لم يكن والد لال كاهنا فحسب - حيث كان يتحصل على دخل ضئيل بوصفه ~~واعظا متجولا وتاجرا صغيرا - لكنه كان أيضا شاعرا ومفكرا ~~متحمسا للأفكار الجديدة التي كانت تنتشر في ذلك الوقت في إيران. ~~وعندما منع رضا شاه ارتداء الحجاب في إيران في ثلاثينيات القرن ~~الماضي، أرادت والدة لال منعها من الذهاب إلى المدرسة؛ لأنها، على ~~الرغم من أنها لم تكن مسلمة، كانت لديها أفكارها الصارمة حول ما ينبغي ~~أن تلبسه الفتيات في الأماكن العامة. وكان والد لال هو من أصر على ~~ضرورة عودتها إلى المدرسة مرة أخرى. وعندما اختارت لال أن تكون قابلة، ~~وهي مهنة تتضمن الاتصال الدائم بالدم البشري - وهو من المحرمات في ~~ديانة تضفي قيمة كبيرة على طقوس النظافة - دعمها، كما فعل عندما ~~اختارت زوجها شهريار بعد أن تعرفت عليه عن طريق شقيقها. # كان توددا تقليديا؛ ففي أول لقاء لها مع زوجها المستقبلي، كانت ~~برفقة والدتها وأختها ولم تنظر إلى وجهه. اضطرت أن تسأل أختها عن ~~شكله. في النهاية، اختلست نظرة سريعة عليه عندما كانا جالسين معا ~~في موعدهما الثالث، في السينما، عندما كانت تأمل أنه يركز على الفيلم ~~ولن يلاحظ نظرتها الخاطفة. أعجبها ما رأت ووافقت على الزواج منه. في ~~ذلك الوقت، انتقلت ms120 العائلة إلى طهران، ولكن بعد زواج لال وشهريار، ~~عادا من حين لآخر إلى يزد، لزيارة منزل صغير كانا يملكانه في ~~الجبال؛ أجرا أراضيه للمزارعين المحليين مقابل أن يزودوهما ~~سنويا باللوز والفاكهة. كان انتقالهما إلى طهران توجها تبعه ~~العديد من الزرادشتيين عندما حرر شاها البهلوي المجتمع الإيراني. ~~ولم يعد شقيق لال مضطرا إلى سماع صياح الآخرين بكلمة «جبر»؛ حيث ~~أصبح طبيبا في القوات الجوية الإيرانية. وكان شهريار ضابطا في الجيش، ~~وتقلد لاحقا وسام البسالة. ولأول مرة منذ نهاوند، كان بوسع ~~الزرادشتيين أن يقاتلوا من أجل إيران. # لم أر كاهنا على سطح أي منزل يزدي سنة 2006. في البداية بذلت ~~جهدا جهيدا للعثور على أي أثر للزرادشتيين أيا كان. كانت ملصقات ~~النعي على أعمدة الإنارة في كل شارع معنون بالعبارة الإسلامية ~~العربية «بسم الله» فوق صور المتوفين حديثا. لكنني وجدت على ناصية ~~شارع إشعارا بعنوان مختلف. كان نصه بالفارسية، «با نام أهورا مزدا» ~~أي: «بسم أهورا مزدا». تحته كان رمز الرجل-الطائر، رجل بقلنسوة ~~فارسية وأجنحة إلى يساره، ويمينه، وتحته. كنت قد رأيت الرمز ذاته ~~في برسبوليس. أخيرا عثرت هنا على الزرادشتيين. كان أحد متاجر البقالة ~~على هذا الطريق مزينا بالصور. مثلما يضع مسيحيو الشرق الأوسط صورا ~~ملصقة للقديس جورج أو مريم العذراء على حوائطهم، ويعرض المسلمون صورا ~~للحرم المكي أو ضريح الحسين (في إيران)، كانت هذه الصور لزرادشت ~~وفارافاهار. وقد لصقت على زجاج النضد، وصندوق النقد، وجدران ~~المتجر. في نهاية الطريق كان يوجد أيضا متجر لبيع الهدايا التذكارية ~~الزرادشتية. فكرت مليا في شراء ساعة مكتوب عليها بالفارسية ~~الشعار الزرادشتي «الفكر الجيد، الكلمة الطيبة، العمل الصالح». # في الجهة المقابلة للمتجر، بعيدا عن الطريق خلف حديقة صغيرة، كان ~~يوجد معبد نار. سمح لي بالدخول، إلى غرفة نظيفة صغيرة، وخلف نافذة ~~زجاجية، رأيت شعلة صغيرة متوهجة. وكانت صورة لزرادشت معلقة على حائط ~~الغرفة، وبجانبها مقتطفات مختلفة من الكتب الزرادشتية المقدسة؛ لتذكير ~~الزائر بأن الزرادشتيين أيضا لديهم كتاب مقدس، يعد عادة، إلى ~~جانب الإيمان بإله واحد، شرطا ms121 أساسيا للتسامح في ظل الإسلام. ~~فالقرآن يثني على «أهل الكتاب»، وفي إيران يعد الزرادشتيون من ~~بينهم. لكن النظام يهزأ بهم بسبب تبجيلهم للنيران المقدسة في معابد ~~النار خاصتهم، زاعما أنهم «يعبدون النار». وهذا شيء ينكره ~~الزرادشتيون قائلين إنهم لا يعتبرون النار إلها، وإنما يعبدون الله ~~بواسطة النار. سألت القيم على المعبد عن عدد العائلات الزرادشتية ~~التي بقيت في يزد. فقال إنه قليل جدا. فالحياة صعبة؛ الاقتصاد سيئ ~~والحكومة عدائية. علمت لاحقا أن عدد الزرادشتيين في البلد بأكمله قد ~~انخفض منذ الثورة من ثلاثة وثلاثين ألفا إلى عشرة آلاف (هذه تقديرات ~~تقريبية، حيث لا توجد إحصائيات مؤكدة). # أتيشكاده، أو معبد النار، في يزد. صورة مأخوذة ~~بواسطة المؤلف. # ربما كان من المناسب بعد زيارتي لمعبد النار، أن يكون موعدي التالي ~~مع الموتى. فعلى الجانب الآخر من المدينة كانت أبراج مدمرة تعلو ~~قمتي تل. أطلق عليها السياح اسم «أبراج الصمت»، وعرفها الزرادشتيون ~~باسم «الدخمات». فيما مضى كان الطريق المؤدي إلى هذه التلال، الذي كان ~~يتسابق عليه الشبان بسيارات للطرق الوعرة، طريق مواكب جنازات ~~الزرادشتية. وكانت جثة المتوفى تبقى في منزل الأسرة مدة ثلاثة أيام، ~~مع وجود كلب بالقرب منها لردع الأرواح الشريرة. ثم يحمل الجثمان على ~~سرير حديدي، على يد رجال مدربين خصوصا لهذه المهمة، صعودا على هذا ~~الطريق وصولا إلى «الدخمة». وهنا يخاطب حاملو النعش الميت: «لا تخف ~~ولا ترتجف! هذا هو مكان أجدادك، وآبائنا وأمهاتنا، والطاهرين ~~والصالحين، منذ آلاف السنين.» # دخمة في يزد، حيث كان الزرادشتيون فيما مضى يتركون ~~جثث موتاهم مكشوفة لكي تأكلها الطيور. صورة مأخوذة ~~بواسطة المؤلف. # كتب هيرودوت في روايته عن هذه المراسم: «ما يعقب ذلك لا يذكر هذا عن ~~موتاهم بوضوح ولكن بوصفه سرا غامضا، وهو أن جثة الرجل الفارسي لا ~~تدفن حتى يمزقها طائر أو كلب.» في الواقع، تظل الجثة مكشوفة حتى ~~تأكلها الطيور أو الكلاب بالكامل. ويمكن للطيور، عادة الغربان أو ~~النسور، أن تلتهم جثة في غضون دقائق. توقفت هذه العادة في إيران منذ ~~عدة ms122 عقود، اختياريا على ما يبدو، على الرغم من أن البارسيين في الهند ~~ظلوا يمارسونها. وقد تكون هذه الممارسة أقدم من الزرادشتيين بقرون. ~~ففي تشاتال هويوك بتركيا، حيث نقب عن مستوطنة بشرية من الألفية ~~الثامنة قبل الميلاد، توجد بعض الأدلة الأثرية على احتمال أن الجثث ~~كانت تترك مكشوفة في الهواء الطلق قبل الدفن. # تسلقت الدخمة الأقرب إلى الطريق، ونظرت من جدارها إلى الأسفل ~~لأرى جنازة زرادشتية جارية بالأسفل. ونظرا إلى أن الدخمة كانت حينئذ ~~مهجورة، كانت الجنازة تتجه بدلا منها إلى مقبرة قريبة. وضعت الجثث ~~هناك في حجر وخرسانة ؛ لمنعها من تلويث الأرض. وبعد الجنازة، كان ~~المشاركون يذهبون إلى منازلهم ويغسلون أنفسهم ببول ثور. (الأمونيا ~~التي يحتويها هذا البول تجعله مطهرا جيدا، ويبدو أنه بعد سنوات من ~~التخزين يفقد رائحته؛ وهو أمر جيد حيث يتوقع أحيانا أن يشربه ~~الزرادشتيون، على سبيل المثال أثناء احتفالات بلوغ سن الرشد، ولكن ~~الأشخاص الذين يصابون بالغثيان أصبحوا الآن يستبدلون عصير الرمان ~~بالبول. يشير بلوتارخ، في القرن الأول الميلادي، إلى هذا الاحتفال؛ لذا ~~فهو بالتأكيد قديم جدا.) # حاولت تخيل ماهية ما سيشعر به المرء عند رؤية تصادم القوى ~~الكونية في الحياة اليومية للفرد. أظن أن جميع الناس لديهم فهم نظري ~~لما هو نقي وما هو غير نقي. وقلة من الناس يشعرون بالراحة عند شراء ~~منزل مات فيه شخص ما بطريقة عنيفة، ولن يرغب كثيرون منا في أن يكونوا ~~في رحلة بالطائرة جالسين بجوار جثة. اكتشف العلماء أن الفساد ~~الأخلاقي يثير ردود فعل جسدية تضاهي الاشمئزاز الجسدي؛ وبالفعل، ~~غالبا ما توصف الخطيئة والفساد الأخلاقي بأنهما دنس (فكلمة «طاهر» ~~تعني حرفيا «لا تشوبه شائبة»). ويؤمن الزرادشتيون بأن الدنس في ~~العالم قد وضعته قوة خارقة للطبيعة نشطة وخبيثة؛ لذا فإن للنظافة ~~قوة أخلاقية، ويجب أخذ نجاسة المدفن على محمل الجد. فوفاة شخص صالح ~~تمثل انتصارا عظيما لأنجرا ماينيو وخدمه، وتجعل مكان الدفن ~~دنسا دناسة خاصة. فالجثة تجذب شيطان الجثث، «الناسو». لذا لن ~~يفكر الزرادشتيون في قضاء العطلة بالتجول في ms123 الدخمة: فهي تمثل لهم ~~أحد أكثر الأماكن قذارة بشكل خارق للطبيعة على وجه الأرض. # ركبت سيارة أجرة من الدخمة عائدا إلى وسط يزد. قال السائق حسن: ~~«الزرادشتيون أناس طيبون.» كان حسن مسلما متدينا، يرتدي قميصا ~~أرجوانيا لإعلان حقيقة أن اليوم، كما أخبرني، هو ذكرى شهيد إسلامي. ~~قال: «جاء الإسلام إلى إيران من العرب عن طريق الحرب. قبل ذلك كنا ~~كلنا زرادشتيين.» كل عام يتذكر أناس مثل حسن تراثهم عندما ~~يحتفلون بعيد النيروز، عيد الربيع، عندما يصبح النهار أطول من الليل ~~(في الفكر الزرادشتي، يمثل هذا انتصارا للخير على الشر). ويستمر عيد ~~الربيع أسبوعين في إيران الحديثة، ويحتفل به المسلمون بحماس يفوق ~~الزرادشتيين الذين تكون احتفالاتهم هادئة وذات طابع ديني. الأمر ~~المشترك بين الجماعتين هو عادة وضع سبع من ثمار الخلق على مائدة، ~~لتناظر سبع فضائل وسبعة كواكب. عند الزرادشتيين، يمكن أن تشمل ~~الثمار النبيذ، والحليب، والماء، والحبوب المنبتة، والتوت الفضي، ~~والحلوى؛ ويمكن أيضا أن تتضمن مرآة وعملات معدنية، حيث تمثل ~~الأولى المستقبل والثانية الازدهار. يميل الإيرانيون المسلمون إلى ~~استخدام القمح، والتفاح، وفاكهة اللوتس، والثوم، وتوابل تسمى ~~«السماق»، وحلوى بودنج تسمى «سمنو»، والخل. ثمة عيد أصغر يسمى ~~تشهارشنبه-سوري (بالفارسية، الأربعاء القرمزي)، ويأتي قبل عيد النيروز ~~مباشرة، ويتضمن القفز فوق النار. أيضا يحتفل به المسلمون. وقد ~~حاولت المؤسسة الدينية الإيرانية أن تثني الناس عن الاحتفال بعيد ~~النيروز، وفي عام 2010 حاول آية الله خامنئي حظر تشهارشنبه-سوري تماما ~~على أساس أن الاحتفالات «ليس لها أساس في الإسلام»، لكن حسن والكثير ~~من الإيرانيين الآخرين في جميع أنحاء البلاد تجاهلوه على الرغم من ~~شدة تدين العديد منهم. أستطيع فهم السبب. فالحدث ممتع، ومتجذر ~~بعمق في المجتمع، وإيراني على نحو مميز؛ فلا تحتفل به أي ثقافة لم ~~تتأثر بإيران. ~~••• # أرسل زوج لال، ضابط الجيش شهريار، بعد الحرب العالمية الثانية ~~لمحاربة التمرد المدعوم من الاتحاد السوفييتي في شمال غرب إيران ~~(المقاطعة التي دخلت منها البلاد لأول مرة، بالقرب من زندان سليمان). ~~أصيب خلال القتال وترك ليموت في ms124 ساحة المعركة؛ وعندما تبين ~~أخيرا أنه على قيد الحياة ونقل إلى المستشفى، كان قد فقد بصره. ~~تقلد وساما من الشاه الذي أرسله إلى بريطانيا للعلاج. وتبنته ~~جمعية خيرية للمحاربين القدامى، وعلمته طريقة برايل في القراءة ~~للمكفوفين، وساعدته في العثور على وظيفة عامل هاتف. كان يوجد عدد ~~قليل من الزرادشتيين في بريطانيا في هذا الوقت؛ فقد نشأت ابنتهم شاهين ~~وهي تغني ترانيم مسيحية في المدرسة (قالت لي: «أراد والدي أن أندمج ~~مع المجتمع»)، وكانت الطريقة الوحيدة التي يمكنها بها أن تشرح لزملائها ~~الحائرين ماهية دينها هي التحدث عن الحكماء الثلاثة في الكتاب ~~المقدس. # وعلى الرغم من قلة عددهم وأنهم غير معروفين جيدا، كان الزرادشتيون ~~بالفعل طائفة مزدهرة ومؤثرة. وكان البريطانيون يفضلون الزرادشتيين ~~البارسيين على جميع الجماعات الأخرى في إمبراطوريتهم الهندية: حيث كتب ~~أحد المعلقين على لعبة الكريكيت في القرن التاسع عشر، متأثرا ~~بزيارة نادي زرادشتي للكريكيت لإنجلترا سنة 1887: «الأكثر ذكاء، وكذلك ~~الأكثر ولاء من بين الأعراق المنتشرة في أملاكنا الهندية.» كان لاعبو ~~الكريكيت الزرادشتيون (الذين كان ناديهم قد تشكل في عام 1850 في ~~بومباي) انتقاديين في ردهم. فقد اشتكوا من مدى قذارة إنجلترا وكم ~~كان صادما رؤية مثل هذه الفجوة بين الأغنياء والفقراء: «يعيش الرجال ~~والنساء في حالة هزال مزمن، حتى يصبح من الصعب التعرف عليهم ~~كبشر.» # ومع ذلك، كانت بريطانيا مكانا جيدا لمزاولة الأعمال التجارية، ~~وكانت أكبر العائلات الهندية في مجال التجارة من البارسيين؛ وبدأ بعض ~~منها يرسخ جذوره في بريطانيا. في الواقع، كان أول هندي يدخل البرلمان ~~البريطاني بارسيا يسمى دادابهاي ناوردجي. وفي ثمانينيات القرن ~~التاسع عشر كان قد ساعد في تأسيس المؤتمر الوطني الهندي، الذي أصبح في ~~نهاية المطاف الحزب الحاكم في الهند بعد الاستقلال. وكان المهاتما ~~غاندي قد وصفه بأنه «إلهام»؛ وكان ناوردجي قد اتخذ محمد علي جناح، ~~المؤسس المستقبلي لدولة باكستان، مساعدا له. بعد ذلك، ونظرا إلى ~~عدم وجود برلمان خاص بالهند، ترشح ناوردجي في البرلمان البريطاني. ~~واختير بصفته مرشحا ليبراليا لإحدى ضواحي لندن الشمالية التي ms125 ~~تسمى فنزبري بارك في الانتخابات العامة لعام 1892. لم تكن الفرص في ~~صالحه؛ فقد قال رئيس الوزراء المحافظ اللورد سالزبوري عبارته الشهيرة ~~إنه يشك في إمكانية انتخاب «رجل أسود» لعضوية البرلمان البريطاني. ~~وهاجمت إحدى الصحف ديانة ناوردجي، مستنكرة عبادته للنار. # لذلك عندما فاز ناوردجي بأغلبية ضئيلة، سافر وفد من مؤيديه كل ~~تلك المسافة من الهند لرؤيته وهو يؤدي اليمين. كان هذا، بأي حال، بعد ~~سنوات قليلة فقط من موافقة البرلمان على السماح بدخول غير المسيحيين. ~~لذلك في اليوم الذي كان من المقرر أن يؤدي فيه ناوردجي اليمين، ~~اتخذ مكانه بصفته الهندي الوحيد في صف طويل من النبلاء ~~الفيكتوريين ذوي القبعات العالية، المصطفين في قاعة مجلس العموم. ~~وكان يحمل نسخة صغيرة من الأفستا الزرادشتية في جيبه، ينوي أن يحلف ~~اليمين عليها بدلا من الكتاب المقدس. وبعد أيام قليلة، وجد نفسه ~~يتحدث في مناظرة بعد مدة وجيزة من تحدث جلادستون وبلفور، محذرا ~~بريطانيا من أن الظلم تجاه شعب الهند سينهي حكمها هناك. وعلى ذكر ~~«الوضع الغريب» الذي وجد نفسه فيه، فقد بقي في البرلمان مدة ثلاث ~~سنوات لكنه لم يشعر قط بأنه في موطنه هناك. وكان إجمالي النواب ~~زرادشتيين منتخبين قبل أن تحصل الهند على استقلالها هو ثلاثة (لم ~~يتكرر هذا الأمر منذ ذلك الحين؛ على الرغم من أن عضوا واحدا في ~~مجلس اللوردات البريطاني حاليا بارسي). لكن الطائفة لم تزدد عددا ~~مطلقا إلى ما هو أكبر من ذلك. ففي عام 1980 كان عدد أفرادها ألفي ~~شخص. # وفي السنوات الخمس والعشرين الماضية، لم يعاود لال وشهريار زيارة ~~يزد أو طهران؛ خوفا من نظام الحكم الإسلامي الجديد. وبدلا من ذلك ~~أصبحا مرشدين لموجة جديدة من الزرادشتيين الإيرانيين الذين كانوا ~~يصلون إلى بريطانيا. وبين عامي 1980 و2001 تضاعف عدد الزرادشتيين ~~البريطانيين، من ألفين إلى ما يقرب من أربعة آلاف؛ بما في ذلك كل من ~~البارسيين والإيرانيين. وفي عام 2004، قدر الزرادشتيون أنفسهم ~~عددهم في الولايات المتحدة بعشرة آلاف وفي كندا بخمسة آلاف. كانت ~~الأرقام في إيران ms126 ذاتها قد انخفضت، على الرغم من أن الإحصاءات الرسمية ~~لا تظهر هذا؛ لأنه مهما ساءت المعاملة التي يتعرض لها الزرادشتيون، ~~فمعاملة البهائيين أسوأ بكثير، وقد بدأ العديد من البهائيين في تسجيل ~~أنفسهم رسميا على أنهم زرادشتيون. # وفي أواخر التسعينيات أجرى البروفيسور جون هينلز، من جامعة ليفربول ~~هوب، مقابلات واستطلاعات رأي لمئات من الزرادشتيين في جميع أنحاء ~~العالم من أجل دراسة واسعة النطاق لهذا الشتات. ووجد أن الكثيرين ~~منهم شعروا بأنهم عالقون بين الثقافات. قالت له امرأة زرادشتية في ~~بريطانيا: «يخبرني عقلي أنني يجب أن أتصرف مثل امرأة زرادشتية، بينما ~~جسدي يخبرني أنني غربية.» اشتكت أخرى، في أمريكا، من أنه «لا يوجد ~~مكان في العالم يماثل مدى شدة الضغوط الاجتماعية في الولايات ~~المتحدة.» ومع ذلك، ففي الواقع، قال ما يقرب من ثلاثة أرباع ~~الزرادشتيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم يصلون ~~يوميا، وقال ما يقرب من نصف أولئك الذين يعيشون في بريطانيا إن ~~الحياة هناك لم يكن لها تأثير على معتقداتهم. وسجل هينلز أيضا ~~معارضة شرسة من كبار رجال الدين لفكرة أن أولئك الذين تزوجوا خارج ~~الدين يجب أن يسمح لهم بالمشاركة في أي من طقوسه أو تلقي دفن ~~زرادشتي. وأضاف رئيس الكهنة في بومباي إن الزواج بين امرأة زرادشتية ~~ورجل غير زرادشتي، «يؤلم أهورا مزدا ويحزنه»؛ لأن النساء اللائي ~~يتزوجن من خارج ديانتهن لا يمكنهن التقيد بقواعد الطهارة المنصوص ~~عليها في الدين. وأولئك الذين ولدوا في مثل هذه الزيجات لا يعدهم ~~التقليديون زرادشتيين. # تتبع شاهين، ابنة لال وشهريار، تفسيرا أكثر تحررا للزرادشتية. ~~وهي المتحدث الرسمي للمنظمة الزرادشتية العالمية، التي تحتفي بالتراث ~~الزرادشتي وتحاول الحفاظ على بقاء الثقافة والدين. كما أنها تنظم ~~فعاليات للزرادشتيين الإيرانيين في بريطانيا مثل عيد المياه السنوي، ~~تيرجان، حيث يشجع الأطفال الزرادشتيين على إلقاء دلاء الماء بعضهم ~~فوق بعض؛ مثلما كان أسلافهم يوما ما في يزد يتمازحون بإلقاء الماء من ~~أسطح المنازل على المارة. ولأن الماء (أحد العناصر المقدسة الأربعة) ~~نعمة، فلا يستطيع من يلقى عليه أن ms127 يشتكي. وتشكل الفعاليات من هذا ~~القبيل وسيلة للحفاظ على التقاليد في مجتمع يواجه فيه الزرادشتيون ~~التحدي الجديد للعلمانية. أخبرتني شاهين عندما التقينا في ناد ~~للفنانين في إحدى ضواحي لندن العصرية: «إننا نجد الحياة في الغرب ~~مريحة؛ لأن الناس هنا اتبعوا القيم الإنسانية. وقد اندمجنا مع هذه ~~القيم لأنها تتوافق مع ما تعلمناه.» لكن هذه عملية توازن صعبة، كما ~~اعترفت شاهين: «قد يتمسك أطفالنا بثقافة عقيدتنا. ولكنهم قد لا ~~يفعلون ذلك.» كانت تبحث عن طريقة لتكييف عقيدتها مع العصر الحديث؛ ~~مرحبة بالتقدم العلمي باعتباره، من منظور الزرادشتية، انتصارا ~~بطيئا للفكر الخير على الشر. حتى إنها توصلت إلى نهج متحرر ~~خاص بالموت يجمع بين تفسيرها للمبادئ الزرادشتية والأعراف المعاصرة. ~~«إن ترك الجثث لجوارح الطير يتمحور حول أن تكون مفيدا في موتك ~~للكائنات الحية.» أخبرتني بمرح: «شخصيا، اخترت إعادة التدوير؛ فقد ~~عرضت على معهد أبحاث الاستفادة من جثتي بعد وفاتي.» # تبادلنا القصص عن يزد التي لم تكن قد زارتها منذ الثورة الإسلامية. ~~كانت منخرطة في جمعية خيرية هناك، لكن الجمعية كانت في الأغلب ~~مسئولة بشكل كبير عن تقديم الرعاية لكبار السن؛ ويكاد لم يتبق أي ~~أحد آخر هناك. قالت: «عدد المنازل في يزد التي يسكنها الزرادشتيون ~~الآن قليل جدا. فمدينة يزد مهجورة إلى حد كبير. لذا نحاول الحفاظ ~~على «الجهامبار» [اجتماعات الصلاة] فيها من أجل ما تبقى من الطائفة. ~~وعندما تنهار الأسطح الطينية، يدفعون مقابل الإصلاحات.» يتميز الشباب ~~الإيرانيون المسلمون، مثل سائق السيارة الأجرة اليزدي حسن، بأنهم أقل ~~تحاملا مما كانت عليه الأجيال السابقة؛ لكن الحكومة الإسلامية أدخلت ~~مؤخرا قوانين تمييزية. على سبيل المثال، يمكن للزرادشتيين الذين ~~يعتنقون الإسلام في إيران اليوم أن يأخذوا إرثهم من آبائهم على حساب ~~إخوانهم وأخواتهم الذين لم يعتنقوا الإسلام. ~~••• # ومع ذلك، فإن قصة الزرادشتية اليوم لا تتعلق فقط باضمحلال العلمانية ~~وتناميها. فقد قبلت هذه العقيدة القديمة في السنوات الأخيرة أول ~~معتنقيها الجدد الأوائل بعد أربعة عشر قرنا. وكان كارلوس واحدا من ~~هؤلاء المعتنقين الجدد، حيث التقيت به ms128 في حفل للموسيقى الهندية ~~والإيرانية نظمه شباب زرادشتيون موهوبون في لندن. وكنت قد التقيت ~~بزرادشتيين اعتنقوا المسيحية وعزوا قرارهم إلى ما اعتبروه طقوس ~~دينهم الأصلي. ما الذي جعل كارلوس، وهو في الأصل كاثوليكي إسباني ~~غير متدين، يسلك الاتجاه الآخر؟ أوضح كارلوس، وهو يلقي نظرة سريعة ~~على زوجته: «أردنا محاربة الشر. في ديننا نساعد الرب وهو يساعدنا. ~~نحن لسنا عبيده. وهذا العالم ليس اختبارا، يقال فيه لنا في النهاية ~~إذا كنا قد نجحنا أم لا.» كان قد قرأ عن الزرادشتية عندما كان صبيا ~~صغيرا وانجذب إليها، لكنه لم يدرك أنه لا يزال يوجد زرادشتيون. وبعد ~~مشاهدة فيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) حول معبد ~~النار في يزد، بحث على الإنترنت عن مجتمع قد يساعده في اعتناق هذه ~~الديانة، واكتشف واحدا في الدول الإسكندنافية. هناك ارتدى «الكوشتي»، ~~مع مجموعة من المعتنقين الجدد المذعورين من أفغانستان الذين أرادوا ~~العودة إلى دين أجدادهم ولكنهم كانوا قلقين لأسباب مفهومة بشأن ~~العواقب التي ستقع عليهم عند العودة إلى وطنهم. # لكنني لاحظت أن كارلوس وزوجته وقفا بمفردهما معظم الوقت في تلك ~~الليلة، بينما كان الآخرون في هذا التجمع يعرف بعضهم بعضا منذ ~~الطفولة. ولاحظت الشيء ذاته عندما قابلت اثنين من الزرادشتيين الذين ~~كانوا قد اعتنقوا الدين من خلفية إسلامية شكلية (قال كلاهما إن ~~عائلتيهما لم تكونا متدينتين): لم يستبعدا، لكن لم يبذل الناس ~~قصارى جهدهم لجعلهم يشعرون أنهما مرحب بهما. ويعترف بعض البارسيين ~~على وجه الخصوص بأنهم جماعة عشائرية، ولا يحددون هويتهم دائما حسب ~~الإيمان ولكن أيضا حسب العرق، ولا يقبل إلا بعض الزرادشتيين الأكثر ~~تحررا المعتنقين الجدد للزرادشتية. # وعلى الرغم من قلة عدد الزرادشتيين، إلا أن لديهم انقسامات داخلية. ~~فالليبراليون والمحافظون يختلفون حول كيفية التعامل مع الزواج من خارج ~~الديانة (حيث يريد التقليديون استبعاد أطفال هذه الزيجات المختلطة ~~تماما، في حين يريد الليبراليون ضمهم) وما إذا كان سيسمح لغير ~~الزرادشتيين بدخول الأجزاء الأكثر قداسة من معابد النار، حيث يحتفظ ~~بالشعلة التي لا تنطفئ. توجد ms129 أيضا خلافات حول كيفية تفسير الأفستا. ~~وبشكل عام، من المستبعد، على سبيل المثال، أن يشدد الزرادشتيون ~~المعاصرون على القوة المستقلة للشر كما كان سيفعل أسلافهم ~~الساسانيون. توجد أيضا اختلافات ثقافية بين الإيرانيين والبارسيين؛ ~~فالإيرانيون يتحدثون الفارسية ويفضلون الأطباق الإيرانية، بينما يتحدث ~~البارسيون الكجراتية ويفضلون الطعام الهندي. # ومع ذلك، ففي معبد النار بلندن، الذي يعد حلقة الاتصال الاجتماعية ~~والدينية الرئيسية في بريطانيا، بذل جهد لاستيعاب جميع أنواع ~~الزرادشتيين. ففي بهو مدخل المعبد، الذي كان يوما ما قاعة سينما، ~~يصور بساط حائط إيراني جنودا إمبراطوريين فارسيين من حقبة داريوس؛ ~~وفي قاعة الصلاة الرئيسية التي كانت في السابق غرفة العرض الرئيسية، ~~توجد صورة لداداباي ناوروجي تحتفي بأشهر بارسي عاش في بريطانيا. ~~وتواجه صورة لزرادشت، على الجدار الأيسر لقاعة الصلاة، صورة للملكة ~~على الجدار المقابل. ولا يزال أمام خشبة المسرح، حيث كانت الشاشة يوما ~~ما، عدة صفوف من المقاعد المريحة التي تركت منذ أيام كان المبنى ~~دار عرض سينمائية. ويظهر البيانو على المسرح أن المعبد يستخدم ~~للترفيه الدنيوي، وكذلك لاجتماعات الصلاة. ويعرض فوق المسرح الشعار ~~الزرادشتي المكتوب بأحرف ذهبية مثبتة على الحائط: «الفكر الجيد، ~~الكلمة الطيبة، العمل الصالح.» # زرت هذا المعبد عندما كنت أحضر حفل تأبين لال وشهريار، اللذين ~~توفيا بفارق أشهر بينهما في عام 2004. (دفنا في المقبرة ~~الزرادشتية في بروكوود، حيث يقام اجتماع صلاة بانتظام في كنيسة ~~صغيرة. وتحيط بالكنيسة مقابر تحظى بعناية فائقة، وغالبا ما يوضع ~~على الأضرحة رسم «فارافاهار»، بينما تئوي المقابر الحجرية الأفخم ~~ذات الطراز الفارسي موتى العائلات الأغنى.) في المراسم، ردد كاهن - ~~فمه مغطى بقناع من القماش حتى أسفل ذقنه، والغرض من ذلك هو منع ~~تلوث النار المقدسة بالنفس أو اللعاب - بتناغم لمدة تسعين ~~دقيقة باللغة الفارسية القديمة، وزوجته جالسة بجانبه، تغطي جزءا من ~~شعرها بوشاح. وعلى الطاولة أمامهم كان يوجد نبيذ، وحليب، وماء، ~~وفاكهة، وأزهار بيضاء وأرجوانية، حيث استخدمت هذه الأزهار رموزا ~~لأرواح الموتى. كما ظهرت على الطاولة صور لال وشهريار؛ وعرضت صور ~~أخرى تظهر حياتهما في إيران ms130 وبريطانيا على شاشة باستخدام جهاز عرض. ~~كانت أغصان خشب الصندل تحترق في كانون صغير، كان يحمل على أوقات ~~حول المصلين المجتمعين، الذين كانوا يلوحون بأذرعهم لتوجيه الرائحة ~~نحوهم. بعد ذلك قدمت مجموعة مختارة من الأطعمة، اشتملت على أطباق ~~هندية وإيرانية. # وبينما كنت أتحدث إلى الزرادشتيين بعد ذلك ونحن نشرب النبيذ في ~~أكواب بلاستيكية، أدركت أمرا؛ وهو أنني أخيرا، في هذه الضاحية ~~الشمالية للندن، في دار السينما المهجورة، كنت في حانة المجوس التي ~~تكلمت عنها أشعار حافظ. # الفصل الرابع # | الدروز # تمتد بيروت، عاصمة لبنان، عشرين ميلا، في شريط من المباني ~~الحديثة التي تضم مليون نسمة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ~~وتتناثر هنا وهناك منازل قديمة عسلية اللون بأسقف حمراء بقيت منذ ~~كانت المدينة أصغر وأجمل. وأثناء سيري على الكورنيش في عام 2011، ~~بجوار العشاق المتحفظين والملاهي الساحلية، سمعت في كل مكان أصوات ~~ارتطام الأمواج بالصخور. وكان بحر آخر مجازي جليا أيضا. فقبل ~~قرن من الزمان، سمع ماثيو أرنولد في مياه القناة الإنجليزية الباردة ~~«الهدير الحزين، الطويل، المرتد» لبحر الإيمان. في بيروت، كان ذلك ~~البحر لا يزال فائضا وعاصفا. # وعلى الرغم من أن الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت أربعة عشر ~~عاما انتهت رسميا في عام 1989، لا تزال الجماعات الدينية ~~المختلفة، التي كانت تلك الحرب سببا في تأليب العداوة فيما بينها، ~~يراقب بعضها بعضا بحذر. أصيب في الحرب واحد من بين كل أربعة ~~لبنانيين وقتل واحد من كل عشرين. وارتكبت جميع الجماعات ~~أعمالا وحشية؛ وجميعها عانت منها. لكن التنوع في لبنان ليس فقط ~~مصدرا للنزاع. فهذا البلد، الذي ينقسم سكانه البالغ عددهم خمسة ~~ملايين نسمة بين ثماني عشرة طائفة وديانة معترفا بها، يقدم أقرب ~~صورة موجودة في الشرق الأوسط للمساواة الدينية؛ ففيه دستور يعلن أن ~~«الدولة تحترم جميع المعتقدات» وشعب يتسامح مع التنوع الديني أكثر من ~~معظم شعوب العالم؛ وفقا لاستطلاع مؤسسة جالوب. # كتب الشاعر اللبناني خليل جبران في كتابه «حديقة النبي»، مشيرا ~~بشكل لاذع إلى هذا التعدد في الطوائف: «ويل لأمة تكثر ms131 فيها المذاهب ~~والطوائف وتخلو من الدين. ويل لأمة مقسمة إلى أجزاء وكل جزء يحسب ~~نفسه فيها أمة.» ومع ذلك، فإن سبب كل هذا التنوع هو سبب صالح؛ فقد ~~كانت هذه الجماعات آمنة في لبنان أكثر من معظم الأماكن الأخرى؛ لأنها ~~تتألف في معظمها من مناطق جبلية لا تستطيع القوات الحكومية دخولها ~~إلا بعناء. في الوقت ذاته، موقع لبنان على البحر الأبيض المتوسط جعله ~~جزءا من الغرب والشرق. فقد كان البحر الأبيض المتوسط، وليس يابسة ~~أوروبا، هو قلب الحضارة الغربية القديمة؛ فحوله عاش اليونان ~~القدامى، كما قال سقراط مرة، «مثل ضفادع حول بركة». وشحن ~~التجار التوابل، والقمح، والأصباغ، والعبيد عبر البحر. وتبادل عبره ~~الفلاسفة والقديسون الأفكار والمعرفة. فالشاعر اليوناني هوميروس من ~~القرن الثامن، والمؤرخ اليوناني هيرودوت من القرن الخامس، وعالم ~~الرياضيات اليوناني إقليدس لم يكونوا من البر الرئيسي لليونان؛ إذ ~~كانوا من جزيرة في بحر إيجة، وجنوب إيطاليا، ومصر، على الترتيب. وولد ~~الفيلسوف اليوناني فيثاغورس في جزيرة ساموس في بحر إيجة لأب لبناني ~~وقضى نحبه وهو يدرس في جنوب إيطاليا. كنت في لبنان لمقابلة أعضاء ~~إحدى مجموعاته الدينية الثمانية عشرة، المسماة الدروز. كنت أرغب في ~~معرفة ما إذا كانوا خلفاء العصر الحديث لأتباع فيثاغورس، الذين ~~شكلوا جماعة قديمة وسرية من الفلاسفة الإغريق تسمى أخوية ~~فيثاغورس. ~~••• # ظهر فيثاغورس في منهج الفلسفة الذي درسته في الجامعة؛ إذ ربما كان ~~مدرسا لسقراط، لكنني لم أستطع تذكر أي شيء كتبه. اشتريت من مكتبة ~~ببيروت كتابا فرنسيا عن الفيلسوف، ترجم إلى العربية. وأثناء قراءتي ~~للكتاب، أدركت سبب عدم رؤيتي للكثير من أعماله؛ فهو لم يدون أيا ~~منها على الإطلاق. وعلى الرغم من أن لبنان كان جزءا من العالم ~~اليوناني، كان اليونان ينظرون إليه على أنه غريب وغامض (إلى حد ما ~~مثلما كان ينظر إليه مستشرقو القرن التاسع عشر) بسبب الحضارات القديمة ~~التي وجدت هناك. واستغل فيثاغورس هذه الغرابة وإدراك أن الشرق ~~يحتوي على حكمة خفية منقولة من الكلدانيين القدماء وبني إسرائيل؛ ~~حيث انتشرت أساطير تزعم أنه ms132 تلقى تعليمه على يد حاخامات يهود، ~~وكهنة مصريين، ومنجمين كلدانيين. ومع ذلك، لم يكن على استعداد ~~للكشف عما تعلمه لأحد، باستثناء القلة المختارة التي سمح لها ~~بالالتحاق بمدرسته. ويبدو أن هؤلاء التلاميذ كان يتعين عليهم ~~الالتزام بالصمت المطلق مدة خمس سنوات، ولم يسمح لهم حتى بإلقاء ~~نظرة خاطفة على معلمهم إلا بنهاية ذلك الوقت فقط. فأولئك الذين ~~أفشوا أسرار تعاليم فيثاغورس كان يمكن أن يتوقعوا انتقاما بلا ~~رحمة من الأعضاء الآخرين، الذين اعتبروا أي خرق للسرية خيانة لا ~~تغتفر. بل إن هذا امتد إلى بعض تعاليمهم التي كانت أكثر صعوبة في ~~تفسيرها. فعلى سبيل المثال، كان الجميع يعلم أنه لم يسمح لأتباع ~~فيثاغورس بأكل الفاصوليا أو حتى دهسها. ولم يفهم أحد السبب؛ لأن ~~الأخوية كانت تفضل الموت على توضيح السبب. ولخصت روح السرية، ~~التي استنكرها الآخرون في ذلك الوقت بوصفها دجلا، في شعار في ~~بداية الكتاب، وضعه هناك الكاتب الفرنسي: «ادنوا، أيها الفلاسفة ~~القليلون، فأسلوب حياة فيثاغورس يحيط بكم! لكنكم، أنتم أيها الجمهور ~~العادي من البسطاء، بعيدون كل البعد عنه.» # وبالرغم من ذلك كشف عدد لا بأس به من الناس تلك الأسرار، ليخرج على ~~الأقل بعض من معتقدات فيثاغورس إلى النور. وآمن أتباع فيثاغورس ~~بتناسخ الأرواح، وهذا دفعهم إلى تطهير الروح، التي تتسم بأنها ~~خالدة، وإهمال الجسد الذي اعتبروه مجرد غلاف مؤقت لها. وكانوا ~~يرتدون ملابس بيضاء غير مصبوغة رمزا لالتزامهم بعيش حياة قاسية ~~ناكرة للذات. (عندما واجه يوليوس قيصر كهنة الدرويد السلتيين في بلاد ~~الغال، ظن أنهم لا بد أن يكونوا هم أيضا من أتباع فيثاغورس؛ لأنهم ~~آمنوا أيضا بتناسخ الأرواح، وكانوا يرتدون ملابس بيضاء، ويحفظون ~~تعاليمهم، ويدرسون النجوم. ومن المحتمل أنه كان مصيبا؛ لأن الغاليين ~~كانوا قد تعرضوا للأفكار الإغريقية عدة قرون.) تعامل بعض من أتباع ~~فيثاغورس مع ممتلكاتهم باعتبارها مشاعا، وكانوا يميلون إلى تجنب أكل ~~اللحوم، أو المنتجات الحيوانية، أو حتى الطعام المطبوخ. وكانوا ~~متحدين لدرجة أنهم كانوا قادرين في سنواتهم الأولى على السيطرة على ~~مدن بأكملها، ms133 وحتى في القرون اللاحقة كانوا معروفين بتضامنهم. ~~وكانوا يفصحون عن هويتهم بعضهم لبعض من خلال عبارات ورموز سرية ~~مستمدة من افتتانهم بالأرقام والهندسة. أكملت مجلة درزية عثرت ~~عليها القصة. ففي مقال بعنوان «فيثاغورس الحكيم»، أشارت المجلة إلى ~~أن «الاضطهاد أدى إلى قمع الطائفة وشتت أعضاءها، لكن أتباع ~~فيثاغورس حافظوا على تعاليمهم عبر الأجيال.» # قد يبدو طبيعيا أكثر أن نبحث عن خلفاء هؤلاء الفلاسفة اليونانيين ~~في اليونان، وليس لبنان. لكن ذلك سيكون تجاهلا لحدث يعتبره بعض ~~المؤرخين نهاية العصور القديمة وبداية العصور الوسطى. ففي عام 529 ~~ميلادية أغلقت أكاديمية أفلاطون أبوابها للمرة الأخيرة . وكان قد مر ~~تسعة قرون منذ أن أسسها أفلاطون في أثينا. وبالرغم من موت الفيلسوف، ~~وإحراق الرومان للمدينة، وتشتيت معلميها، نجت فكرة الأكاديمية؛ ~~وهي مكان يمكن للناس أن يدرسوا فيه مجانا، وحافظت على تفسير معين ~~للفلسفة اليونانية. وحاول أساتذتها الجمع بين تعاليم الفلاسفة ~~القدامى الذين كانوا يوقرونهم؛ مثل فيثاغورس، وأفلاطون، وأرسطو. ~~وعلموا أن ثمة متسببا أعلى لوجود الكون، وأطلقوا عليه اسم ~~«الواحد». لكنه كان حقا مثل الرقم 1؛ سرمديا بكل ما في الكلمة من ~~معنى، وخاليا من النقائص البشرية مثل العقل أو الإرادة. # كانت تلك الأفكار ملعونة في المسيحية التي تؤمن بوجود إله خلق ~~العالم بمشيئته. وقرر الحاكم البيزنطي جستينيان، وهو إمبراطور مسيحي ~~متدين، أن وجود الأكاديمية كان إهانة لدينه وقوته الإمبراطورية. وفي ~~أثينا، أصدر مرسوما بأنه «لا ينبغي لأحد أن يعلم الفلسفة أو يفسر ~~القوانين.» ولجأ آخر سبعة أساتذة في الأكاديمية، الملقبين باسم ~~«خلفاء أفلاطون»، إلى بلاد فارس. وتدهورت مدارس أثينا. # كانت نهاية مأساوية لعهد الفلسفة اليونانية في عالم البحر الأبيض ~~المتوسط، حيث كان الفلاسفة يعاملون أحيانا على أنهم أنبياء أو حتى ~~آلهة. وقد جذب أفلاطون انتباه طائفة دينية ادعت أن لديها إمكانية ~~الوصول إلى تعاليم الفيلسوف غير المكتوبة؛ وكان لديها مراسم انضمام ~~خاصة بها. وانتهى به الأمر بعالم الرياضيات الغامض فيثاغورس، معلم ~~سقراط، باعتباره صانع معجزات، قادرا على استشراف المستقبل والوجود في ~~مكانين في وقت واحد. وكان ms134 لهذه الطوائف بعد أخلاقي قوي؛ فقد كان ~~أتباع فيثاغورس (الفيثاغوريون) على وجه الخصوص يستحثون على تمحيص ~~ضمائرهم ليلا والتغلب على الشراهة، والكسل، والشهوانية، والغضب. لكن ~~هذه الطوائف صممت أيضا لتلائم أشكال العبادة الوثنية القديمة، ~~وفي أوروبا، كانت المسيحية تتجاهلها. كتب أحد المسيحيين المجادلين: ~~«ما علاقة أثينا بأورشليم؟» وكيف المفكرون الأكثر تعاطفا، مثل ~~القديس أوغسطينوس من هيبون، أفكار أفلاطون لتتناسب مع تعاليم ~~المسيحية. ومع ذلك، تعرض أرسطو للتجاهل حتى العصور الوسطى، ولا يذكر ~~فيثاغورس عموما في الغرب اليوم إلا من أجل نظريته المتعلقة ~~بالمثلثات. # في الشرق الأوسط، تمكنت الفلسفة اليونانية من الهروب من مرسوم ~~جستينيان؛ لأن تلك المنطقة كانت بعيدة عن بيزنطة، وكانت تحكمها ~~جزئيا الإمبراطورية الفارسية المنافسة، وفي أقل من مائة عام أصبحت ~~تحت حكم الإسلام. وظل الحرانيون يوقرون فيثاغورس باعتباره نبيا ~~حتى أواخر القرن الحادي عشر. وبعيدا عن معاداة الفلسفة اليونانية، ~~كان العديد من المسلمين الأوائل حريصين على اعتبار حضارتهم الوريث ~~الحقيقي لليونان القديمة. وقد أقر الفيلسوف العربي العظيم الكندي ~~بأن العرب واليونانيين كانوا ذوي قربى: فقحطان، أبو العرب، كان أخا ~~لجد الإغريق، المدعو يونان. واعتبر عالم لاحق، هو الفارابي، أن ~~المسلمين قبلوا الأفكار الفلسفية اليونانية التي كان المسيحيون قد ~~فضلوا تجاهلها أو قمعها. وادعى أحد الخلفاء المسلمين الأوائل ~~أنه رأى أرسطو في المنام وأنه حينئذ تناقش معه في الفلسفة. اقتنع ~~الخليفة، نتيجة لنقاشهما، بإباحة ترجمة الأعمال اليونانية إلى ~~العربية. # كان المسلمون المبتدعة يكنون احتراما أكبر لليونانيين. وكانت ~~مجموعة سرية من المسلمين، الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «إخوان الصفا» ~~وعاشوا في جنوب العراق في القرن العاشر، تكن، هي الأخرى، توقيرا ~~عظيما لفيثاغورس (استنكر العالم المحافظ ابن تيمية كتاباتهم ووصفها ~~بأنها «بضع فتات بلا طعم من فلسفة فيثاغورس»). وتماما مثل أتباعه ~~الفيثاغوريين، شعروا أن الكون مبني على الرياضيات؛ فعلى حد تعبيرهم ~~«طبيعة الموجودات بحسب طبيعة العدد». ويهتم الدروز أيضا بالفلاسفة ~~العظام، وبخاصة بعضهم وليس بالضرورة أشهرهم في الغرب. ووفقا ~~للمؤرخة الدرزية نجلاء أبو عز الدين في كتاب صدر عام 1984، فإن ms135 ~~«العقيدة الدرزية تتجاوز عقائد التوحيد التقليدية المعترف بها وصولا ~~إلى تعبيرات أسبق عن بحث الإنسان عن التواصل مع الواحد. ومن هنا كان ~~تقديسها لهيرميس، حامل الرسالة الإلهية، ولفيثاغورس ... ولأفلاطون ~~المقدس، ولأفلوطين.» أثارت ثلاثة أشياء في هذه الجملة اهتمامي عندما ~~قرأتها في غرفتي في هارفارد بينما كنت أستعد لرحلتي إلى لبنان. من ~~كان هيرميس؟ ولماذا كان أفلاطون «مقدسا»؟ ولماذا كان فيثاغورس ~~وأفلوطين مهمين جدا؟ سيصبح كل شيء في النهاية واضحا، أو أوضح، ~~على أي حال. # عندما التقيت بالزعماء الدينيين الإيزيديين في لالش، أخبروني أن ~~الدروز يشبهونهم؛ وأضاف أحدهم: «حتى إنهم لديهم نوعية الشوارب ~~نفسها.» وأخبرني أحد الأساتذة الجامعيين الدرزيين خلال مدة وجودي في ~~لبنان أن علاقة الدروز بالإسلام كانت مثل علاقة المورمون بالمسيحية. ~~فلديهم وحيهم وفلسفتهم اللذان قد يعتبرهما عامة المسلمين هرطقة. وفي ~~الغالب يقودهم سياسيا عائلة واحدة: هي آل جنبلاط، الذين كانوا قد ~~نجحوا في تحقيق عملية توازن ببقائهم ملاك أراض إقطاعيين، ~~مقرهم قلعة في جبال لبنان الجنوبية، وفي الوقت نفسه يقودون حزبا ~~سياسيا اشتراكيا متطرفا حديثا. ويعتمد آل جنبلاط اعتمادا كبيرا ~~على الولاء القبلي للدروز، لكن حزبهم من الناحية النظرية منفتح على ~~جميع الأديان. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، مكنتهم مهاراتهم ~~السياسية من التفوق على منافسيهم القدامى على قيادة الدروز، آل ~~أرسلان، الذين يمتلكون سلسلة نسب أعرق، ولكن أموالا وسلطة أقل. ~~وكنت آمل أن أقابل كلا من الأمير طلال أرسلان ووليد جنبلاط، ~~بالإضافة إلى كبير رجال الدين لدى الدروز. # في وسط بيروت، كانت مجموعة صغيرة من الناس تتظاهر. رأيت شعاراتهم ~~على أعمدة الإنارة واللافتات بالقرب من مركز المدينة المجدد: «لا ~~للطائفية»، «لا للرشوة»، «لا للغباء». كانوا يطالبون بالحق في ~~الزواج المدني حتى يتمكن اللبنانيون من مختلف الطوائف من الزواج ~~بسهولة أكبر. كانت فرصة نجاحهم ضئيلة. فلبنان مجتمع ليبرالي من نواح ~~كثيرة؛ فالحانات والملاهي الليلية تعج كل ليلة بالمسلمين ~~والمسيحيين على حد سواء. ولكن ميلا راسخا للنزعة المحافظة ينتشر ~~في الخفاء، ولا تستحسن التسلسلات الهرمية الدينية المسيحية والمسلمة ~~المحافظة ذات النفوذ ms136 الزواج من خارج الديانة. # كان جنود متمركزين في نقاط رئيسية حول وسط المدينة. ظل خلاف بين ~~الفصائل السياسية في مجلس النواب اللبناني مستمرا عدة أشهر، مما حال ~~دون تشكيل الحكومة، ونزلت القوات إلى الشوارع لمنع حدوث اضطرابات. ~~يمكن للأحزاب الدرزية أن تؤثر في هذه النزاعات، ولكنها لا تمتلك ~~الأغلبية: فبوسع وليد جنبلاط أن يطلب ولاء ستة أعضاء على الأقل في ~~البرلمان المؤلف من 128 عضوا، ولآل أرسلان عضوان. # كان من المقرر أن ألتقي بالسفيرة البريطانية في أحد المقاهي، ومن ~~هناك كنا سنذهب معا لمقابلة جنبلاط. وأثناء توجهي إلى مكان لقائنا، ~~تجولت عبر قسم من المدينة رمم بشكل جميل. ولأنه يقع على حدود ~~الحرب الأهلية، فقد دمرته الشظايا ونيران الأسلحة، لكن رفيق ~~الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الملياردير في أواخر التسعينيات من ~~القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن الحالي، استثمر مبالغ ~~طائلة في ترميمه قبل اغتياله بالقرب منه في انفجار سيارة مفخخة عام ~~2005؛ ربما بتحريض من الحكومة السورية. أعادت الحادثة إلى الأذهان ~~ذكرى الحرب الأهلية وجعلت بعض اللبنانيين يتوقعون بدء صراع داخلي ~~جديد. # مررت بمسجد شيد مؤخرا يفوق في ارتفاعه كنيسة مجاورة، ولاحظت ~~أن الكنيسة في المقابل كانت حاليا تزيد من ارتفاع برجها ليتساوى مع ~~ارتفاع المئذنة. كنت أحاول أن أحسم أمري بشأن ما إذا كانت هذه ~~إشارة بائسة للتنافس الديني أم تذكيرا منعشا للذاكرة بالحرية ~~الدينية، عندما شتت انتباهي اكتشاف. فبعيدا عن الأنظار في شارع ~~جانبي، كان يوجد مسجد، مهمل نسبيا بجانب هذين المبنيين الأحدث ~~والأكبر، بناه حاكم درزي للمدينة منذ عدة قرون. عندما ألقيت نظرة ~~على المسجد من الخارج، لاحظت ما يشبه نجمة خماسية متداخلة مع زخارفه ~~الحديدية الخارجية. # كانت النجمة الخماسية رمزا له أهمية خاصة عند الفيثاغوريين، وكان ~~بإمكانهم استخدامها لتعريف أنفسهم للأعضاء الآخرين. لقد أثارت ~~اهتمامهم لأنها مكونة من عشرة مثلثات؛ إذ يمثل لهم رقم عشرة ~~الكمال، والمثلث رمز لنظرية فيثاغورس الشهيرة. اعتقد الفيثاغوريون أن ~~الأرقام والإسقاطات الهندسية للأرقام كانت اللبنات الأساسية للكون. ~~لذلك عندما يكون هناك ms137 نمط في الهندسة أو الرياضيات، فإنهم ينسبون إليه ~~رسائل أخلاقية وعملية. وكانوا يؤمنون بأن نظرية فيثاغورس لم تثبت ~~فقط أن طول وتر المثلث يجب أن يكون خمسة إذا كان طول ضلعيه ~~الآخرين ثلاثة وأربعة. ففي لغة فيثاغورس الرقمية، كان الرقم اثنان هو ~~رقم المرأة، وثلاثة هو الرقم المخصص للرجل، ومن ثم كان الرقم ~~خمسة هو رقم الزواج. والرقم أربعة كان يمثل العدالة لأنه يمكن تقسيمه ~~مرتين بالتساوي. لذا فإن جوانب المثلث التي أطوالها ثلاثة، وأربعة، ~~وخمسة بوصات كانت توضح بعبارات لا لبس فيها رسالة مكتوبة في ~~الهيكل الرياضي للكون، ألا وهي: «يجب على الرجل أن يتصرف بعدل في ~~الزواج». وقد اشتهر الأزواج الفيثاغوريون بإخلاصهم لزوجاتهم. # تساءلت عما يعنيه وجود هذا الرمز الفيثاغوري هنا. هل كانت ~~مصادفة؟ نحيت هذا السؤال جانبا في الوقت الحالي؛ لأنني كنت متأخرا ~~عن مقابلتي. أسرعت مارا بمحلات الملابس والمطاعم الباهظة الثمن، ~~والأسقف المقوسة الأنيقة، والنوافذ ذات المصاريع، ووصلت إلى السفيرة في ~~الوقت المناسب لألحق بوسيلة توصيلي إلى منزل وليد جنبلاط. ~~••• # يصل عدد الدروز إلى نحو مليون شخص، نصفهم أو أكثر في سوريا والبقية ~~منقسمون بين إسرائيل (120 ألفا) ولبنان (250 ألفا). وفي كل بلد كان ~~عليهم أن يختاروا جانبا ينحازون إليه. فالدروز في إسرائيل يخدمون في ~~الجيش وينأون بأنفسهم عن الفلسطينيين. وفي سوريا، كانوا يدعمون في ~~الغالب حكومة بشار الأسد خلال الحقبة الدموية التي أعقبت انتفاضات ~~2011. وعندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، قاتلت ميليشيا ~~جنبلاط الدرزية جنبا إلى جنب مع تحالف مؤلف في معظمه من المسلمين ~~واليساريين في مواجهة حكومة البلاد التي يهيمن عليها المسيحيون ~~ويدعمها الغرب. أصبحت الحرب أكثر تعقيدا مع مرور الوقت. وتفكك ~~كلا الجانبين: فغالبا ما كانت الجماعات المسيحية تتقاتل، وأحيانا ~~كانت تتحالف مع دول ذات غالبية مسلمة مثل العراق وسوريا. واختلف ~~الدروز مع الجماعات الإسلامية الأخرى وخاصة الميليشيات التي تنتمي إلى ~~الطائفة التي أصبحت أكبر جماعة دينية منفردة في لبنان، وهي طائفة ~~الشيعة المسلمون. وفي مرحلة الصراع الطويلة التي تأرجحت فيها ms138 ~~الأوضاع، دمر وسط المدينة القديم. # الآن عاد حيا عصريا من جديد، وكان الشارع الذي يسكن فيه جنبلاط ~~هادئا ويبدو عليه يسر الحال، وفيلته كبيرة ومريحة. وقف مجموعة ~~كاملة من الحراس حول المدخل. وركبنا مصعدا إلى الطابق العلوي، وعندما ~~خرجنا منه، أقبل نحونا كلب ضخم يتقافز. تبعه جنبلاط عن قرب. ~~وبرزت من جانبي رأسه الأصلع كتلة من الشعر الأبيض الأشعث. كان ~~لديه شارب كثيف وملامح شخص داهية. قبل أن يخلف والده، كمال، ويصبح ~~مالك إقطاعية، وزعيم حزب اشتراكي، وزعيم المتمردين في الحرب ~~الأهلية، كان مدرسا للتاريخ. كانت السفيرة قد همست لي في المصعد ~~قائلة: «إنه يعطيني كتابا في كل مرة نأتي فيها. وفي كل مرة أراه، ~~أظل خائفة من أن يختبرني في الكتاب الذي أعطاني إياه آخر ~~مرة.» # عندما دخلنا غرفة مكتبه، فهمت ما كانت تعنيه. فقد تناثرت الكتب ~~وقصاصات من الصحف على مكاتبه المتعددة؛ وعلقت على الحائط صور ~~لعثمانيين من القرن الثامن عشر وبندقية قديمة مزخرفة. أخبرنا أنه ~~قد اكتشف متجرا للتحف في إسطنبول أعجبه بشدة. فكرت في أن هذا الرجل ~~سيشاركني بالتأكيد في حماسي لتتبع أصول قومه والكشف عن روابطهم ~~باليونان القديمة. لكن عندما سألته عن الديانة الدرزية، أعطاني إجابة ~~غير متوقعة. «لا أعرف شيئا عن الدروز»، هكذا صرح الزعيم الأبرز ~~للدروز ملوحا بعنف بذراعه. ومن بين أكوام الكتب التي لديه، اختار ~~كتابين من تأليف طارق علي وأعطاني إياهما هدية. ودعاني لزيارته في ~~قصره في الجبال. ثم ودعنا. إما أن أقوى رجل درزي في لبنان، وهو ~~رجل مثقف بحكم مناصبه ومؤهلاته، كان قد استبعد من تعاليم دينه، أو ~~أنه كان حكيما بما يكفي لتجنب نقلها إلى شخص غريب. كانت لدي ~~نية صادقة لقبول دعوته لقضاء بعض الوقت بين المجتمعات الدرزية، ~~لكن كان علي أولا أن أعثر على شخص أكثر استعدادا للحديث ~~معي. # لحسن الحظ، وافق على المساعدة رجل درزي يدعى ربيعة، كان يعرف ~~السفيرة وكان حريصا على مساعدتنا في فهم مجتمعه. أخبرنا أن المشكلة ~~الوحيدة هي أنه هو شخصيا ms139 لم يكن يعرف الكثير عنه. لم يكن متفردا في ~~ذلك. فالدروز العاديون يعيشون أساسا على النحو الذي يختارونه، بشرط أن ~~يساعدوا في الدفاع عن المجتمع، والحفاظ عليه، والزواج ضمن نطاقه. ~~لكن لا يسمح لهم بمعرفة تعاليم دينهم. وهذا هو السبب في أنهم يعرفون ~~باسم «الجهال». فعلى الرغم من قوة جنبلاط وثروته، كان في يوم من ~~الأيام واحدا من «الجهال». ولا يعرف تعاليم الدين بالكامل إلا ~~المنضمون للطائفة الدينية؛ الذين يعرفون أيضا باسم الشيوخ أو ~~«العقال»، والذين يكرسون أنفسهم لحياة التأمل والفقر. وأوضح ~~ربيعة أنه لهذا السبب كان قد رتب لنا زيارة لدار الطائفة، المقر ~~الإداري للديانة الدرزية في لبنان. كانت رحلة قصيرة عبر شوارع بيروت ~~المزدحمة. # عندما وصلنا إلى هذا المكان المقترن بالغموض، وجدت أنه مبنى ~~متواضع مكون من طابقين في منطقة درزية محصورة غرب بيروت تسمى ~~فردان. داخل المبنى، كان رجال، يرتدون عباءات سوداء، وسراويل سوداء ~~فضفاضة، وطرابيش طويلة بدون حافات ملفوفة بقماش أبيض - الزي ~~التقليدي لشيوخ الدروز - يسيرون في الأروقة. ومن حين لآخر، كنت ~~أرى نساء أيضا، يغطين شعرهن ونصف وجوههن بقماش أبيض. هؤلاء كن ~~شيخات (حيث تسمى أنثى الشيخ شيخة). # كان لدينا موعد مع شخصية تسمى شيخ العقل. كان هذا الرجل هو ~~الرئيس الرسمي لرجال الدين الدروز. تلقيت مسبقا تحذيرا بألا ~~أستغرق أكثر من اللازم من وقته؛ فقد كان معروفا بكونه مشغولا وحاد ~~الطباع إلى حد ما. لذا دخلت مكتبه شاعرا ببعض الذعر، برفقة ربيعة ~~والسفيرة. سألته عن العلاقة بين الدروز والإسلام، فأظهر أنه على دراية ~~بالقضايا الإسلامية، مقتبسا في كثير من الأحيان من القرآن، حرصا منه ~~على إثبات أن الدروز مسلمون تقليديون. «نحن نعلم الحاجة إلى ~~الأعمال الصالحة. ونتجنب كل شيء ممنوع في الدين والقانون الدولي. ~~ونحترم الآخرين. ديننا الإسلام. وطائفتنا هي الموحدون. ولقبنا هو ~~الدروز.» # لم يعتذر على عدم إخباري بالمزيد. وقال: «الأمر يتعلق بالخصوصية وليس ~~السرية. ألا تتمتع المرأة بالخصوصية في بيتها؟ نحن نطلب الخصوصية ~~ذاتها لمعتقداتنا.» وكانت طريقته قد أرهبتني ودفعتني إلى الصمت. ms140 لكن ~~ربيعة لم يرض بأن يدع الأمر هكذا. لذا تحدث من الخلف. قال: «حدثنا ~~عن «التقمص» يا فضيلة الشيخ. ما أساس إيماننا به؟» حدق فيه الشيخ ~~بغضب وأجابه بسرعة بسؤال آخر بطريقة مدرس يحاول كبح تلميذ وقح. ~~هل فهم ربيعة معنى «التقمص»؟ إذا كان الجواب بالنفي، فما الذي كان ~~يفعله بطرح السؤال؟ كانت الرسالة المستقاة من نبرة صوته واضحة بما فيه ~~الكفاية: كان ربيعة ينتهك خصوصية عقيدته. # كان «التقمص» كلمة جديدة على أذني. بدت مثل الكلمة العربية ~~«قميص». لماذا لم يرغب الشيخ في الحديث عنه؟ أوضح ربيعة ونحن نمضي ~~مغادرين بالسيارة أن «التقمص» يعني «تناسخ الأرواح». إنها فكرة ~~إمكانية تغيير الأشخاص لأجسادهم كما يغيرون القمصان؛ فالجسد مجرد ~~عباءة للروح. فهمت لماذا لم يعجب الشيخ بالسؤال. فمعظم المسلمين لا ~~يعتبرون تناسخ الأرواح من المعتقدات التقليدية. ومع ذلك، فسر هذا ~~اهتمام الدروز بفيثاغورس. فقد اشتهر بإيمانه بتناسخ الأرواح؛ ففي مرة ~~منع رجلا من ضرب كلب، قائلا إنه تعرف في عوائه على صوت صديق ميت. ~~للسبب ذاته، كان الفيثاغوريون غالبا نباتيين. ولذلك يبرز السؤال ~~التالي: ما مدى عمق تبجيل الدروز للفلاسفة الإغريق؟ # كنت آمل أن أكتشف المزيد من اجتماعي التالي، الذي عقد في مكان ~~أفخم من الاجتماعات السابقة. كانت القلعة تقع على تل بجنوب بيروت. ~~عند أبوابها قابلتنا مجموعة منشغلة من الخدم. واصطحبونا إلى غرفة ~~استقبال كان فيها الأمير طلال أرسلان، وهو رجل ضخم ومرح في أوائل ~~منتصف العمر، جالسا تحت صورة والده، الذي بدا أكثر مرحا من الابن، ~~والذي يظهر في الصورة وهو يدخن النرجيلة. أكد الأمير - وهو لقب حصل ~~عليه بسبب انحداره من ملوك العرب في فترة ما قبل الإسلام - ما عرفته ~~عن «التقمص». قال: «نحن لا نؤمن بالموت على الإطلاق». فلم يكن الدروز ~~يولون القبور أي اهتمام؛ فالروح تسكن الجسد فقط باعتباره غلافا ~~مؤقتا لها، وتولد من جديد إلى الأبد. لم يكن من المعتاد البكاء في ~~الجنازات. و«القبور» القليلة التي قدسها الدروز كانت في الواقع ~~أضرحة فارغة. وأوضح الأمير أنه ms141 «توجد ثلاثة أمور مهمة في معتقداتنا. ~~تناسخ الأرواح، واحترام جميع الأديان السماوية، والإيمان بالعقل ~~الكوني». # لكن عندما ألححت عليه ليقول المزيد، كانت الإجابات التي ~~تلقيتها غامضة. أخبرني رجل أحمر الشعر كان جالسا إلى جانب الأمير ~~أن الديانة الدرزية ديانة روحانية أكثر من كونها شعائرية. وقال آخر ~~من تابعي الأمير إنها فلسفية أكثر من كونها دينية. وأضاف بازدراء: ~~«ليس كل الشيوخ يفهمون الفلسفة. فقلة منهم سيفهمون الأفلاطونية ~~المحدثة للشيخ أبي عارف حلاوي.» كان حلاوي وليا درزيا اشتهر ~~بزهده، وتوفي عام 2003 عن عمر ناهز المائة؛ وتعلق قصائده الدينية ~~الموجهة إلى «خالق الكون» في البيوت الدرزية. ولكن ما معنى أن نقول ~~إنه كان أفلاطونيا محدثا؟ وما هو العقل الكوني؟ ~~••• # تظهر لوحة لرافائيل جميع فلاسفة اليونان القديمة في مشهد خيالي، ~~حيث يقف أرسطو وأفلاطون جنبا إلى جنب في وسطهم جميعا. ويشير أرسطو ~~إلى الأسفل نحو الأرض وأفلاطون إلى الأعلى نحو السماء. تلخص الصورة ~~بدقة الفرق بين مدرستين فكريتين. فقد ركزت فلسفة أرسطو على ~~العالم المادي: وتشتق الكلمة الحديثة «فيزياء» من عنوان أحد كتبه. ~~بينما رأى أفلاطون العالم المادي مجرد ظل لعالم الأفكار. وكانت ~~وجهة نظره مؤثرة للغاية عند الكتاب الذين أعادوا تشكيل الفلسفة ~~الإغريقية في القرون الأولى بعد الميلاد، والذين أطلق عليهم العلماء ~~المعاصرون تسمية الأفلاطونيين المحدثين ومن أبرزهم كاتب من القرن ~~الثالث يدعى أفلوطين. كان أفلوطين وتابعاه يامبليخوس وفرفوريوس الصوري ~~من الشرق الأوسط (إذ ولدوا في دلتا مصر، وبلدة سورية بالقرب من حلب، ~~ومدينة صور اللبنانية، على الترتيب)؛ وهذا دليل على أن الفلسفة ~~اليونانية كانت بالفعل قد صارت جزءا لا يتجزأ من ثقافة البحر الأبيض ~~المتوسط أو حتى الشرق الأوسط. وحاول هؤلاء الثلاثة، جنبا إلى جنب مع ~~كتاب آخرين أقل تأثيرا من نفس المرحلة، تكوين توليفة من الفلسفة ~~اليونانية من شأنها تسوية أي خلافات بين مختلف مدارس الفكر ~~اليوناني. # عندما أغلق عيني وأفكر، أشعر كما لو أنني أستطيع التفكير في ~~المفاهيم المجردة - على سبيل المثال، الأرقام أو الأفكار مثل الحب أو ~~الحقيقة ms142 - تتسم بالمثالية والثبات، على عكس الأشياء التي أقابلها في ~~العالم المادي. شبه أفلاطون العالم المادي بالظلال التي ترفرف ~~على جدار أحد الكهوف؛ فلن يلمح العقل الحقائق التي يمثل العالم ~~المادي مجرد ظل لها إلا إذا أصبح أكثر انعزالا وانفصالا عن ~~المؤثرات الخارجية وركز على عالم الأفكار. لقد كان الجزء المفكر من ~~الشخص، وليس الجسد، هو ما كان أفلاطون يعتقد أنه قد ينجو من الموت. ومع ~~ذلك، فمن الواضح أن هذا العالم الروحي أو الفكري لديه القدرة على ~~التأثير في العالم المادي. فمن خلال التفكير، يمكنني اتخاذ قرار ~~بشأن ما يتعين فعله؛ ثم أحرك ذراعي لتنفيذ قراري. لذلك اقترح ~~الأفلاطونيون المحدثون أن الروح أو العقل يمكن أن يعملا على المستوى ~~المادي وكذلك الفكري. ووضعوا فرضيات حول التسلسل الهرمي لمستويات ~~الوجود، وكيانات مثل العقل الذي يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر. وعلى ~~قمة هذا التسلسل الهرمي كان «الواحد». # وعلى الرغم من تسميتهم بالأفلاطونيين المحدثين، كانوا أيضا من ~~المتحمسين لفيثاغورس. يبدو أن فيثاغورس كان من دعاة التوحيد، وأحد ~~رموزه المقدسة كان دائرة بها نقطة في المركز. تمثل الدائرة ~~الكون، والنقطة هي «الواحد»؛ فعلى غرار «النقطة الثابتة للعالم ~~المتحرك» لتي إس إليوت، اعتمد الكون بأسره على «النقطة الثابتة» ~~غير المتغيرة والسرمدية. وهذا لا يعني أن «الواحد» يمتلك إرادة، أو ~~أنه يفعل أشياء؛ فطبيعته بعيدة جدا عن عالمنا الزائل غير الكامل ~~لدرجة أنه كان يفوق قدرة الفكر البشري على العثور على حتى جملة واحدة ~~لوصفه، عدا أنه موجود وغير متغير ومثالي. وهو لم يخلق العالم؛ فهذا من ~~شأنه أن يفسد كماله بتثبيته في لحظة معينة من الزمن. وإنما وجوده ~~يستتبعه وجود كل شيء آخر؛ مثلما أن وجود العدد 1 يستتبعه وجود ~~جميع الأرقام الأخرى. فالكون «ينبثق» من «الواحد»، على حد تعبير ~~الأفلاطونيين المحدثين، وتسمى نظرية سبب وجود الكون ~~بالانبثاق. # وما انبثق من «الواحد» في المستوى الأول كان الفكر أو العقل الكوني، ~~وتلاه انبثاق كيان يسمى الروح الكونية؛ وشكل هؤلاء الثلاثة نوعا من ~~ثالوث الفيلسوف. ms143 ومن العقل والروح الكونيين انبثق العالمان المادي ~~والروحي. اقترح بعض الأفلاطونيين المحدثين أنه يوجد عدد من الكائنات ~~الروحية الأخرى التي كانت وسيطة بين «الواحد» والبشرية. واستند قانون ~~أخلاقي على هذه الرؤية للكون. فأن تكون صالحا يعني أن تتحرك نحو ~~«الواحد»؛ أي أن تتحد معه بالابتعاد عن العالم المادي. كتب أفلوطين: ~~«فلينهض من يملك القوة ويرجع إلى نفسه، منصرفا إلى الأبد عن ~~الجمال المادي الذي جعله يشعر بالفرح يوما ما.» كانت الأنانية وحب ~~الذات مصدرين للانقسام والسبب الأصلي للانفصال عن الواحد. وكان ~~أفلوطين حريصا على إبقاء فلسفته سرا عن الغرباء. ونصت قاعدته على ~~«عدم الإفصاح عن شيء لمن لا يملكون المعرفة»، رغم أن هذه القاعدة ~~نقضت بعد وفاته عندما نشر أتباعه أعماله الرئيسية. # ما لم أستطع فهمه في البداية هو كيف أصبحت هذه الأفكار القديمة ~~من صميم طائفة إسلامية حديثة في لبنان. كان الأمير على استعداد ~~لتنويري. نظر من نافذة غرفة الاستقبال حيث كنا نلتقي إلى الشريط ~~الساحلي الضيق الذي كان يفصل قلعته عن الشاطئ. كان يمكن رؤية الطريق ~~الرئيسي شمال بيروت من هذا الموقع الممتاز. قال الأمير طلال: «إنه ~~مكان استراتيجي؛ لهذا السبب أعطانا إياه العباسيون». أشار إلى أحد ~~مساعديه، الذي حمل لاحقا في يديه كتابا عربيا ثقيلا مجلدا ~~بأناقة. كان عن تاريخ عائلة الأمير على مدى الألف سنة الماضية. أعطاني ~~الأمير إياه. وبقراءته، وبشق طريقي في مجموعة من الكتب الأخرى ~~التي تلقيتها في الأيام اللاحقة من دروز تمنوا لي النجاح، ~~جمعت تدريجيا جزءا على الأقل من قصة الدروز. ~~••• # يحكي كتاب أرسلان كيف أرسل الخلفاء العباسيون العائلة، في القرن ~~الثامن، من بغداد للدفاع عن الساحل اللبناني من البيزنطيين. أدى آل ~~أرسلان هذه المهمة بكفاءة، ولكن في النهاية ظهر تهديد جديد وغير ~~متوقع على الإطلاق. ففي عام 910، تلقى العباسيون أخبارا مزعجة؛ ~~إذ ظهر في البراري المهملة في شمال أفريقيا، رجل ادعى أنه من نسل ~~النبي محمد وخليفته الشرعي كحاكم للإسلام. وبفضل مساعده المخلص الذي ~~نشر رسالته بين القبائل البربرية في المنطقة، ms144 تجمع حول هذا الرجل ~~العديد من المؤيدين، الذين هزموا أتباع العباسيين المحليين وأطاحوا ~~بهم. كان المهدي، كما أطلق هذا الرجل على نفسه، ينتمي إلى فرع صغير من ~~الإسلام يسمى الإسماعيليين. بنى هو وأحفاده على مدى القرون اللاحقة ~~الإمبراطورية الفاطمية الضخمة ودعموها، ولم تكن تشمل شمال أفريقيا ~~فحسب، بل مصر ولبنان أيضا. وأسسوا القاهرة. وأعلنوا الحرية الدينية ~~لرعاياهم، الذين كان من بينهم الكثير من المسيحيين واليهود. وجمعوا ~~مكتبة ضخمة من الفلسفة الإغريقية. # كانت القاهرة الفاطمية بيئة مواتية جدا لأولئك الذين أرادوا ~~مزج الفلسفة الإغريقية بالإسلام. وأولى الفاطميون اهتماما كبيرا ~~بالتعليم فبنوا الجامع الأزهر ومدرسة لتعليم الشريعة الإسلامية ، ~~والفلسفة، وعلم الفلك؛ وظل الفكر الإغريقي دارجا بين علماء المسلمين ~~في كل من القاهرة وبغداد. كيف هؤلاء العلماء أفكار الأفلاطونيين ~~المحدثين لتتلاءم مع الإسلام. وكان من الطبيعي أن ينظر إلى «الواحد» ~~على أنه الله. اعتبر بعض العلماء أن الكائنات الوسيطة بين الله والخلق ~~على عقول غير مادية أو «رؤساء ملائكة»، وقال فيلسوف واحد على الأقل، ~~وهو الفارابي، إن هذه العقول اتخذت هيئة النجوم والكواكب. # وبعد مائة عام من الوحي المثير للمهدي، كان حفيد حفيده يحكم ~~القاهرة. كان يعرف باسم الحاكم بأمر الله، وقد خالف تقليد التسامح ~~وفرض الشريعة على رعاياه بقسوة غير مسبوقة. وأصدر عددا من المراسيم ~~المثيرة للجدل؛ حيث طالب بنشر اللعنات الموجهة ضد الخلفاء السنة ~~الأوائل في المساجد ومداخل الأسواق، ومنع رعاياه المسيحيين من ~~الاحتفال بعيد الفصح، وأمر بحرق الزبيب في المدينة (لأنه قد يستخدم ~~في صنع النبيذ)، ودعا إلى سكب عسل المدينة في نهر النيل (لأنه قد ~~يستخدم في صنع شراب الميد المخمر)، وأعلن أنه لم يعد بإمكان ~~الإسكافيين صنع أحذية نسائية (حيث لم يكن مسموحا للنساء بالخروج). ~~وأمر غير المسلمين بارتداء أشياء ثقيلة لدرجة مؤلمة حول أعناقهم. ~~وسمع عن طقس النار المقدسة، الذي يجرى في كنيسة القيامة بالقدس يوم ~~أحد الفصح، وقرر أنه خدعة، واستشاط غضبا منه لدرجة أنه سوى ~~الكنيسة بالأرض. ولم يعد بناؤها إلا بعد وفاته. وساعد تدمير ms145 ~~الكنيسة على إشعال الحروب الصليبية، التي من شأنها إفساد العلاقات بين ~~المسيحيين والمسلمين إلى الأبد. # وعلى الرغم من أن سلوك الحاكم بدا قاسيا أو حتى غير عقلاني لضحاياه ~~(وكثيرين غيرهم)، ظن المعجبون به أن غرابة أطواره دليل على قربه من ~~الله. وأثارت سلسلة من الأحداث الألفية - قرب مرور ألف عام على ميلاد ~~المسيح، وأربعمائة عام على هجرة محمد - التوقعات بأن نهاية العالم ~~قد تكون قريبة. وفي هذا الجو المحموم ابتكر مجموعة من المفكرين ~~فلسفة التوحيد؛ أي العقيدة الدرزية. حتى إن سبب تسمية «الدروز» بهذا ~~الاسم غامض. ربما كان نسخة معدلة من لقب نشتكين الدرزي، وهو من ~~أوائل الموالين واعتبر زنديقا فيما بعد. وأثارت تعاليم الديانة ~~شائعات مروعة. فقد اعتقد الدروز، أو هكذا شاع في القاهرة، أن الحاكم ~~كان الظهور أو التجسد البشري لله نفسه. لكن الدروز اليوم ينفون ~~هذه الشائعات. وعلى النقيض سمحت الأفلاطونية المحدثة باستخدام طرق ~~مبطنة لإثبات أن هناك صلة وثيقة بين شخص على الأرض والذات الإلهية. ~~ففي الترجمة العربية، كان «اللاهوت» هو الله بذاته؛ و«الناسوت» هو ~~الله متجليا على الأرض في هيئة إنسان. # وأيا كانت الصيغة التي قد يستخدمها الدروز للتعبير عن هذا الأمر ~~(فقد تكون مبطنة ومعقدة مثل قانون الإيمان المسيحي)، فيبدو أنهم ~~اعتبروا الحاكم تجليا (ناسوتا) لله على الأرض. وعلاوة على ذلك، ~~اعتبروا أن خمسة من قادتهم هم التجليات الدنيوية لكائنات سماوية ~~أخرى أقل شأنا، وهي: العقل الكوني، والروح الكونية، وثلاثة كائنات ~~أخرى تسمى الكلمة، والسابق، والتالي. واتخذت هذه الكيانات الخمسة ~~هيئة البشر من قبل؛ مثل يسوع والحواريين، وموسى وهارون، وأفلاطون ~~وأرسطو وفيثاغورس، ومحمد وصحابته. وفي كل مرة، كانوا يرشدون ~~البشرية إلى مرحلة جديدة من الفهم من خلال إقامة دين جديد. فقد جاء ~~موسى باليهودية، ويسوع بالمسيحية، ومحمد بالإسلام. والآن، كان على ~~الديانة الدرزية أن تقود الطريق في حقبة جديدة من تاريخ البشرية، ~~لتحل محل الإسلام التقليدي. واعتقد حمزة بن علي، زعيم الحركة ~~الدرزية، أنه هو نفسه كان تجسيدا للعقل الكوني على الأرض. وأنه في ms146 ~~التجسدات السابقة، كان فيثاغورس ويسوع. # عندما كان الحاكم لا يزال على قيد الحياة، كان ثمة تسامح مع ~~الدروز. ولكن عندما اختفى في ظروف غامضة أثناء سيره على جبل المقطم ~~فوق القاهرة سنة 1021، خلفه ابنه، ويبدو أنه كان أقل استعدادا ~~للتسامح مع دين حظي فيه والده (ولكن ليس هو) بهذا القدر الكبير من ~~الاحترام. فقتل آلاف الدروز. ولجئوا تدريجيا إلى تلال جنوب ~~لبنان، وقبلوا دخول معتنقين جدد بعض الوقت، وكانوا يتعرفون بعضهم ~~على بعض من خلال إشارات سرية وكلمات مشفرة، حيث كانت أصولهم ~~العرقية متنوعة للغاية. فالنجمة الخماسية، على سبيل المثال (كل نقطة ~~فيها لها لون مختلف: أبيض، وأزرق، وأصفر، وأحمر، وأخضر) كانت تمثل ~~القادة الدروز الخمسة والكيانات السماوية الخمسة المقابلة لهم. وسرعان ~~ما توقفت الطائفة عن قبول معتنقين جدد، الأمر الذي عزز التوجه ~~نحو السرية؛ وكما كتب مؤرخ لبناني: «لذلك صارت الديانة الدرزية ~~موروثة بالكامل، امتيازا مقدسا، كنزا لا يقدر بثمن يجب حمايته ~~بغيرة وحماسة من أي شيء قد يدنسه.» ما كان فيثاغورس ليستطيع أن يصوغ ~~الأمر بطريقة أفضل من هذه. # وكان للعقيدة الجديدة حد أدنى من القواعد والطقوس. فقد أعيد تأويل ~~الفرائض على المسلم المؤمن - الصلاة خمس مرات في اليوم، وصيام شهر ~~رمضان مرة واحدة في السنة، والحج إلى مكة - واعتبرت متطلبات أكثر ~~تجريدية، مثل التحلي بالإيمان، وقول الحق، ومساعدة المرء لإخوانه في ~~الدين. وسمح للدروز العاديين بأكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وكان ~~بإمكانهم الصلاة بأي طريقة يرغبون فيها - أو ألا يصلوا على ~~الإطلاق، إذا آثروا ذلك. أخبرني أحد الدروز العاديين أنه كان يدعى ~~مرتين في السنة لحضور جلسة صلاة حيث كان بإمكانه نظريا طرح أسئلة ~~حول العقيدة. لكنه أوضح أنه لم يكن يوجد أي التزام، قائلا: «إذا ~~سألتني عن الأمور الدينية، فلن أستطيع الإجابة عليك. فأن تكون ~~درزيا هو ولاء اجتماعي لطائفة؛ يولد المرء بداخلها.» # ومن غير المستغرب أن الموقف الليبرالي للدروز تجاه الإسلام قد أثار ~~حفيظة رجال الدين الأصوليين. ففي القرن الرابع عشر، عندما كانت ~~الأراضي العربية ms147 محاصرة بالأعداء من جميع الجوانب - الصليبيون في ~~الغرب والمغول في الشرق - أراد العالم ابن تيمية استخدام العنف لسحق ~~كل الأفكار «المنحرفة». وقد كان محافظا جدا لدرجة أنه (يقال) لم ~~يأكل البطيخ أبدا لأنه لم يكن لديه دليل على أن النبي أو صحابته قد ~~فعلوا ذلك. وفعل شيء لم يفعلوه يمكن أن يقود إلى خطر «الابتداع»، ~~الذي اعتبره العلماء المحافظون أمرا خطيرا. لا عجب في أن ابن تيمية ~~كان عدوا لدودا للدروز. وأصدر فتوى صارمة بحق كل من الدروز ~~والعلويين، واصفا إياهم ب «الكافرين المضللين». فلم يكن يجوز الأكل ~~من طعامهم، ويجوز استعباد نسائهم، والاستيلاء على أموالهم، ورفض ~~توبتهم، وقتل علمائهم، ومقاطعة جنازاتهم: «يجب قتلهم أينما وجدوا، ~~ولعنهم على النحو المبين». أعقب ذلك مرحلة من الاضطهاد أجبر فيها ~~الدروز على الامتثال ظاهريا للإسلام التقليدي. لكن في نهاية المطاف، ~~رضخ أسيادهم، الذين كانوا في ذلك الوقت من العثمانيين، ومنحوهم ~~حكما ذاتيا وحرية العبادة (على أرض الواقع). # تساءلت: ماذا عن اليوم؟ ما المواقف التي واجهها الدروز مع المسلمين ~~الذين لم يشاركوهم رؤيتهم الباطنية؟ في حانة عصرية في وسط بيروت، ~~التقيت بامرأة توفي والدها وهو يقاتل في الحرب الأهلية بوصفه ~~عضوا في ميليشيا الدروز. وصلت في سيارة بورش صفراء. وكانت الحانة ~~توحي بأنها مكان سيئ السمعة، ولكن في الواقع كان شباب بيروت ~~الأثرياء يترددون عليها كثيرا. أخبرتني عندما جلسنا على كرسيين ~~باهتين: «الأمر كله يتعلق بالسياسة. فعندما ينحاز وليد جنبلاط للسنة، ~~يصبح السنة ودودين، وعندما ينحاز للشيعة، فإنهم جميعا يقولون إن ~~الدروز لا يمكن الوثوق بهم.» لقد أفسحت تقلبات وتحولات الحرب ~~الأهلية الطريق أمام مجموعة من التحالفات السياسية الأقل دموية، ~~ولكنها تتغير بالقدر ذاته. # كانت قد واجهت العديد من الاتهامات الشنيعة في المدرسة؛ على سبيل ~~المثال، أن الدروز يمارسون طقوس جنس جماعي سنوية، أو أنهم يعبدون ~~عجلا ذهبيا مخبأ داخل صندوق. من الشائع أن توجه هذه المزاعم ~~ضد جميع الأقليات في الشرق الأوسط. فالادعاء الأول يوجه للدروز، ~~والسامريين، والعلويين، والإيزيديين. والثاني يوجه للدروز ~~والسامريين. ms148 وتاريخيا وجه كلا الاتهامين إلى المسيحيين أيضا، ~~ووجه المسيحيون نسخة من الاتهامات ذاتها للمسلمين. والسبب الكامن ~~وراء هذه العادة غير واضح؛ فهو ليس مجرد تعمد للأذى، ولكن ربما أحد ~~عناصر الخيال الشهواني، وربما، أيضا، ذكرى من بقايا الماضي عن طوائف ~~- حركة زرادشتية منشقة، مجموعات صوفية مختلفة من القرن التاسع - كانت ~~بالفعل تشجع العلاقات الجنسية دون التقيد بالزواج. ربما يكون السبب ~~الأكبر لاتهام الدروز بالفجور الجنسي هو أنهم سمحوا للرجال والنساء ~~بالصلاة معا، وقدموا للمرأة شيئا يقترب من المساواة. (كان ~~الفيثاغوريون أيضا معروفين بأنهم كانوا يسمحون بمشاركة أسرارهم مع ~~النساء وكذلك الرجال.) ~~••• # للكشف عن المزيد من العقيدة الدرزية؛ كنت ذاهبا لزيارة معقلهم، في ~~جبال الشوف في جنوب لبنان. تعتبر كل رحلة في لبنان تعليما دينيا؛ ~~لأن أديان البلد المختلفة تنحو جميعها إلى الإعلان عن نفسها. يمكن ~~للمرء أن يتجه شمالا على طريق ساحلي ضخم، غالبا ما يكون مكتظا ~~بالسيارات، ويمر أمام الكازينوهات والمتاجر الكبرى وصولا إلى تمثال ~~ضخم للمسيح يستقبلك وهو باسط ذراعيه؛ ثم ينطلق صاعدا الجبال، إلى ~~قرى عامرة بتماثيل مريم العذراء، وكروم العنب، والأسماء الآرامية، ~~على حواف الصدوع المذهلة. وبالاتجاه جنوبا من بيروت، يسافر المرء عبر ~~ضواح مزدحمة مزينة بملصقات زعيم حزب الله، حسن نصر الله. بعد ~~مدينتي صور وصيدا الآخذتين في التوسع على نحو غير منظم، يهبط ~~المرء إلى المساحات الرعوية المفتوحة لمعقل الشيعة؛ وعند دخول القرى ~~هناك، قد تستقبلني صورة قبضة تحطم رأس جندي إسرائيلي، وفي سجن ~~الخيام سيئ السمعة، توجد قائمة بمن ماتوا أثناء مدة اعتقالهم خلال ~~الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. هذه الرموز السياسية لا تدع مجالا ~~للشك في الهوية الدينية لسكان المنطقة. # ومع ذلك، فالطريق إلى الشرق مزين بطريقة أكثر خفاء. ففي رحلة ~~استغرقت ساعة مليئة بالتعرجات، والسرعة العالية، وصرير الفرامل ~~بسيارة أرسلها وليد جنبلاط أخذتني إلى جبال الشوف، حيث تتجمع ~~الطائفة الدرزية عادة وحيث توجد قلعة جنبلاط، وفي القرى التي ~~مررنا بها لم أر أي لافتة دينية على الإطلاق. اشترى حسن، السائق، ~~قطعة من ms149 «الكنافة»، وهي كعكة حلوة مصنوعة من الزيت والجبن، من ~~متجر توقفنا عنده في طريقنا. أثناء ما كنت أتناولها، نظرت إلى ~~بساتين البرتقال، والجبال الشاهقة، ووديان الشوف العميقة. نمت هنا ~~الطماطم، والزيتون، والموز، والليمون. وأعطت الزهور الوردية التي ~~تشبه الجرس لونا إضافيا للمشهد. وأدى التوسع في أعمال البناء ~~إلى انتشار فيلات خرسانية ذات أسقف حمراء، مغطاة بطبقة رقيقة من ~~الحجر الجيري ذي اللون الأبيض المائل للصفرة على سفوح التلال. # بعيدا بالأسفل، كان البحر يظهر أحيانا عبر التلال المحيطة. وكان ~~المشهد صورة رمزية للبنان، إضافة إلى كونه واقعيا. ارتأيت أن ~~البحر والجبال معا قد جعلا لبنان على ما هو عليه؛ مزيج مسكر من ~~الحداثة الليبرالية الدولية محدودة التفكير والقبلية العنيدة، ~~والتمتع بالحياة والتدين المتعصب. جاء القديسون والقديسات إلى ~~الجبال اللبنانية في أوائل الحقبة المسيحية ليعيشوا حياة عزلة دعمها ~~القرويون المحليون بتبرعاتهم من الطعام. وبعد دخول الإسلام، تظهر ~~روايات العصور الوسطى أن القرى المسيحية رحبت بالمثل بالنساك ~~المسلمين. وعندما توجه دعاة الدروز الأوائل إلى جبال الشوف في ~~أعقاب هجرتهم من مصر، واعظين غيرهم بإنكار الذات وممارسين له، كانوا ~~يتبعون الخطى المتكررة نفسها. ويقول أحد النصوص الدرزية الأولى: ~~«اذهبوا إلى من يعيشون في ظل جبل حرمون. فإنهم على استعداد ~~لاتباعكم.» # لم يكن الدعاة ليجدوا القرويين المسيحيين فقط ولكن أيضا آخر ما ~~تبقى من طائفة وثنية. ففي الوقت الذي وصل فيه مبشرو الدروز الأوائل، ~~كان لدى الحرانيين معبد في بعلبك في لبنان؛ على بعد ستين ميلا ~~فقط شمال جبال الشوف، حيث كنت الآن. ربما كان بعض الحرانيين من بين ~~أولئك الذين تبنوا الفلسفة الدرزية، ووجدوا أنها سهلت قبول ~~الإسلام؛ لأنها شاركتهم إيمانهم بتناسخ الأرواح وسمحت لهم بمواصلة ~~تبجيل فيثاغورس وشخصيات أخرى من التراث الإغريقي القديم تجاهلتها ~~المسيحية والإسلام. # لاحظت أسماء متاجر غريبة في إحدى المدن الدرزية؛ على سبيل المثال: ~~صيدلية الحكمة ومستشفى التنوير. وفي مغسلة ملابس، رأيت قصيدة دينية ~~درزية معلقة مستهلها: «يا خالق الكون ...» كتبها الحلاوي، الشيخ ~~الموقر الذي عرفت اسمه في قلعة الأمير ms150 طلال أرسلان. ورسمت فوق ~~مدخل مبنى، بسيط بشكل مختلف، نجمة خماسية. # ميزت صفة أخرى القرى الدرزية عن غيرها من القرى؛ وهي أنه كان ~~يوجد رجال منتشرون في كل مكان على نحو غريب يرتدون سترات عمل بنية ~~اللون، مع قبعات صوفية بيضاء على رءوسهم الحليقة، ويعملون في المنازل ~~والحدائق ومحطات الوقود. الشعر الوحيد الذي كان يمتلكه كل منهم كان ~~شاربا أشعث خشنا. سألت حسنا عنهم. فقال: «شيوخ.» كان هؤلاء ~~«عقال»؛ لكنهم كانوا أصغر مكانة من أولئك الذين رأيتهم عندما ~~زرت دار الطائفة. يعيش الناس العاديون من الدروز كما يشاءون، لكن رجال ~~الدين الدروز يلتزمون بفلسفة إنكار الذات. ويشجع الشيوخ الذكور ~~على الاعتماد في العيش على الأرض، ومن الأقوم بشكل خاص ألا يأكلوا ~~إلا الطعام الذي يزرعونه بأنفسهم. إنهم يعيشون حياة متقشفة، ~~ويصلون ويتأملون بانتظام، ويصومون في رمضان، ويتجنبون أكل لحم ~~الخنزير وشرب الكحوليات، ولا ينخرطون في أي نوع من الإسراف (على سبيل ~~المثال، عند تقديم كوب من الماء لشيخ، لا يفترض أن يشربه كله، لكنه ~~يرتشف منه فقط دون أن يروي عطشه). يشكل رجال الدين الدروز مجموعة ~~كبيرة نسبيا: فربما خمسة عشر بالمائة من جميع الدروز، رجالا ~~ونساء، من الشيوخ. أخبرني حسن أن الانضمام إلى رجال الدين لم يكن ~~عملا معقدا: فالشخص يتقدم بطلب للقبول، وعلى مدى حقبة من الزمن ~~يقيم مستوى التزامه وقدرته على فهم الأمور الدينية. # كانت زوجة حسن من شيخات الدروز. ومثلما يحرث الشيوخ الأرض، كانت ~~تعمل هي وشيخات أخريات في التطريز والحرف المنزلية الأخرى التي ~~أتاحت لهن كسب الدخل دون الخروج إلى العالم. وإذا خرجت زوجة حسن ~~من منزلها، فسترتدي وشاحا أبيض تغطي به رأسها ونصف وجهها، مثل ~~النساء اللواتي كنت قد رأيتهن في دار الطائفة. لم يكن حسن رجلا ~~كثير الكلام، لكنه كان قد بدأ في التحدث بحرية أكبر. لذلك سألته: ~~ما الأماكن التي زارها في لبنان؟ «أذهب إلى بيروت، ثم أعود إلى هنا». ~~لم يكن قد غادر المناطق الدرزية قط؛ وخمنت أن عالمه كله لا ms151 يمكن ~~أن يتجاوز الخمسة عشر ميلا مربعا على كلا الجانبين. وتوقعت أنه ~~كان مقاتلا في الحرب الأهلية. # مررنا في رحلتنا عبر البلدات والقرى الدرزية المتناثرة على سفوح ~~التلال. كانت المنازل كبيرة، وبعضها ضخم، ومع ذلك لم تستخدم إلا ~~بوصفها منازل صيفية للمهاجرين الدروز الأثرياء. أخبرني حسن أنه من ~~أصل ستة آلاف من سكان قريته، يوجد ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين ~~شخصا يمتلك كل منهم أكثر من 100 مليون دولار. وقد جاء جزء كبير من ~~هذه الثروة نتيجة لمشاريع تجارية ناجحة في الخارج، خاصة في غرب ~~أفريقيا. وتحول العديد من قرى الدروز إلى بلدات مهجورة، وربما لا ~~يعمر بالسكان سوى ثلث المنازل فقط فعليا على مدار العام. عندما ~~مررنا بقرية كانت قريبة من قرية حسن، سألت ما إذا كان قد سقط ~~العديد من القتلى خلال سنوات العنف. قال: ثلاثة عشر؛ خمسة عندما ~~قصفت إسرائيل القرية، وقتل الآخرون في نقاط التفتيش عندما تبين ~~من بطاقات هوياتهم أنهم من الدروز. «كانت حربا مروعة.» سألت: متى ~~توقفت؟ قال لي: «لم تتوقف. لا تزال مستمرة.» # يعتبر «قبر» النبي أيوب في جبال الشوف في لبنان ~~موقعا مقدسا للدروز الموجودين بالبلاد، الذين يصل ~~عددهم إلى 250 ألف درزي. ونظرا إلى أنهم يؤمنون ~~بتناسخ الأرواح، فإنهم يعتبرونه ضريحا فارغا. صورة ~~مأخوذة بواسطة المؤلف. # عندما بدأت الحرب الأهلية، شهدت جبال الشوف بعض المعارك الوحشية ~~بين الدروز وجيرانهم المسيحيين، الذين كان قد أتى بهم الحكام الدروز ~~إلى هنا بصفتهم مزارعين مستأجرين في القرن السابع عشر. وفي نهاية ~~المطاف كانت الغلبة للدروز وطردوا المسيحيين من أجزاء من الشوف (رغم ~~أن جنبلاط شجعهم مؤخرا على العودة). وفي مرحلة لاحقة من الحرب، كان ~~الدروز في كثير من الأحيان يقاتلون الميليشيات الشيعية التي يقع ~~معقلها جنوب موقعهم. وبعد انتهاء الحرب الأهلية في عام 1989، عاود ~~التوتر بين الدروز والشيعة الظهور على السطح من حين لآخر. وحدثت ~~أسوأ واقعة في مايو 2008، عندما قصف حزب الله الدروز في الشوف وسيطر ~~على قريتين درزيتين تتمتعان بمواقع استراتيجية. ms152 في القتال الذي ~~أعقب ذلك، استأنف الدروز أسلوبا خاصا في قتل أعدائهم - ألا وهو ~~نحر أعناقهم. في وقت لاحق أخبر مستشارون لجنبلاط وأرسلان السفير ~~الأمريكي (في محادثات نشرها أخيرا موقع ويكيليكس) أن الدروز كانوا ~~يعيشون وسط «خضم من الشيعة» ويخشون انتقام الشيعة. كانت أحداث عام ~~2008 مثالا على الكيفية التي يمكن بها أن يعاود العنف الطائفي ~~الظهور في لبنان دون سابق إنذار، حيث لا توجد سلطة مركزية فعالة ~~يمكنها حل النزاعات؛ فالحكومة اللبنانية نفسها رهينة للتوترات ~~ذاتها. كانت «نحن شعب صغير» لازمة سمعتها كثيرا في تلال ~~الشوف. ~~••• # يوما ما كانت الأمور مختلفة. اقتطع فخر الدين، الإقطاعي الدرزي ~~الأبرز في أوائل القرن السابع عشر، من نطاق هيمنة العثمانيين إقليما ~~كان في الأساس مستقلا، وكانت حدوده قريبة من حدود لبنان الحالية. ~~فخر الدين شخصية ذات أهمية وطنية؛ فهو يمنح لبنان مؤسسا محليا ~~وشرعية تاريخية في مواجهة أولئك الذين يقولون إن البلاد كانت صنيعة ~~القوى الاستعمارية الفرنسية عام 1926. وفي نهاية المطاف، أنهى الجيش ~~التركي العثماني دويلته المستقلة. أخذني حسن إلى قلعة مدمرة على ~~قمة جرف مرتفع على الحافة الجنوبية للشوف. لم يتبق سوى أنقاض صغيرة ~~من قلعة كبيرة كانت موجودة هناك يوما ما، مطلة على السهل الذي ~~بالأسفل. كانت هذه أيضا إحدى قلاع فخر الدين. قال حسن: «حاصر ~~الأتراك هذا المكان، لكن فخر الدين لم يستسلم. وواصل المقاومة. ثم ~~سمم الأتراك الينابيع التي كانت القلعة تحصل منها على كل ~~احتياجاتها من المياه. لكنه حتى حينها رفض الاستسلام. سأخبرك بما ~~فعله. لقد عصب عينيه وعيني حصانه، وقفزا معا من على هذا الجرف حتى ~~لا يقبض عليه.» نظرت للأسفل. لا بد أن السقطة كانت من ارتفاع مائة ~~قدم أو نحو ذلك. عاد حسن إلى المكان الذي كان فيه النبع المسموم. الآن ~~لم يكن يوجد سوى رطوبة فقط تحت الأقدام. لكن هذه الأرض بدت كأنها ~~تمثل له أرضا مقدسة. فهنا سقط بطل درزي عظيم. قال حسن عندما ~~أخبرته بعنوان كتابي: «ممالك منسية؟ لكننا لم ننس». # إن ms153 قصة فخر الدين أسطورة ترمز إلى شجاعة الدروز. ففي الحقيقة ألقى ~~الأتراك القبض عليه وأعدموه. وتنافست بعده عائلات أخرى مختلفة ~~لتبرز بين الدروز. ويعيش فائزو اليوم، آل جنبلاط، في قلعة في بلدة ~~المختارة منذ القرن الثامن عشر. وفي عام 1853، زار القلعة اللورد ~~النبيل الإنجليزي كارنارفون (الذي مول ابنه فيما بعد بعثة توت ~~عنخ آمون). كان البريطانيون قد اكتشفوا في أربعينيات القرن التاسع عشر ~~أن الدروز كانوا أقلية في حاجة إلى راع، وقرروا لعب هذا الدور. ~~أراد كارنارفون، الذي كان في طريقه لأن يصبح أحد كبار رجال الدولة ~~البريطانيين، التعرف على أحدث حلفاء أمته. كان منزل كارنارفون الفخم ~~في إنجلترا في ذاته مهيبا إلى حد ما؛ ففي السنوات الأخيرة ظهر ~~المنزل في المسلسل التلفزيوني «دير داونتون» (داونتون آبي) باعتباره ~~الدير ذاته. ومع ذلك، يبدو أنه أعجب كثيرا بالمختارة، التي وصفها ~~في كتاب نشر بعد ذلك بسنوات قليلة. وتمثل أفضل مشهد في سرد ~~لمبارزة على طراز العصور الوسطى أقيمت في فناء القلعة: «فرسان ~~«الميدان» بألوانهم المبهجة، و«الغلمان» يقفون بجانب الخيول ~~ويناولون الفرسان الرماح الجديدة، وصيحات الاستحسان التي تحيي كل ~~ضربة موفقة، والسيدات يقفن في الشرفات ... الحشد المسلح والمتغطرس ... ~~الأبراج المربعة التي ترتفع من منحنيات الجدار الطويلة على كل ~~جانب.» # كان كارنارفون على يقين من أنه قد زار أثرا من بقايا العصور الوسطى ~~التي لن تدوم طويلا. حتى وهو يتذكر كرنفال المختارة، فإنه يكتب ~~بأسلوب رثائي عن «الاستقلال الإقطاعي الرائع لطائفة لدروز ... التي ~~ربما يكون محكوما عليها الآن بالانقراض في الجبال في سوريا.» لقد صمد ~~الدروز وخالفوا ذلك التوقع، ويرجع ذلك جزئيا إلى دعم كارنارفون ~~وآخرين. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، كتبت المجتمعات الدرزية ~~في عريضة جماعية إلى البريطانيين: «نحن الدروز ليس لدينا، بعد الله، ~~حام آخر غير الحكومة البريطانية.» حتى إنه انتشر اعتقاد بين الدروز ~~بأنهم كانوا بريطانيين من حيث الأصل، أو على الأقل أنهم يتشاركون مع ~~البريطانيين في سلف مشترك. وصدق بعض الدروز هذا الأمر حتى أوائل ~~القرن العشرين، ويبدو أن ms154 القادة الدروز ما زالوا يطلبون أحيانا ~~المساعدة من البريطانيين. وعندما التقيت لاحقا بأحد كبار شيوخ ~~الدروز، أبو محمد جواد، بينما كان مستلقيا على فراش الموت في كوخ ~~بسيط - حيث وضعت حلويات منزلية الصنع على عربة جاهزة لتقديمها ~~للضيوف - كان الشيء الوحيد الذي لديه القوة ليقوله إشارة إلى هذا ~~التحالف القديم والغريب. # ربما بدا مفاجئا أن تتبنى دولة مسيحية سياسة مؤيدة للدروز؛ لأن ~~أحد أعداء الدروز الرئيسيين في ذلك الوقت كانوا المسيحيين ~~الموارنة. لكن في نظر البريطانيين، كانت مسيحية الموارنة أقل ~~أهمية بكثير من حقيقة أن الفرنسيين كانوا يدعمونهم. ومع ذلك كان ثمة ~~سبب آخر لتفضيل البريطانيين للدروز ، وهو اكتشاف رائع لأصحاب نظريات ~~المؤامرة. فمن بين جميع النظريات المتفائلة حول أصول الدروز - ~~بالإضافة إلى نسبهم المزعوم من أصل بريطاني، قيل إنهم ينحدرون من ~~سلالة كونت فرنسي يدعى درو، أو إنهم، وفقا للثيوصوفية الروسية ~~مدام بلافاتسكي، من سلالة لاما التبت - كان الاقتراح الأكثر إثارة ~~للاهتمام موجودا في مجلد في أعماق مكتبة لندن، يعود تاريخه إلى عام ~~1891. يحتوي الكتاب على سجلات محفل ماسوني يسمى كواتور كوروناتي. ~~ويناقش مقالها الأول، بقلم حضرة القس هاسكيت سميث، «أنه، حتى يومنا ~~هذا، يحتفظ الدروز بالعديد من الدلالات الواضحة على علاقتهم الوثيقة ~~والحميمة بالصنعة الماسونية القديمة.» # رسم فنان الحرب البريطاني أنتوني جروس هذا التصور ~~للقادة الدينيين الدروز (الجالسين في الدائرة، في ~~المنتصف) برفقة أعضاء فوج الفرسان الدروز البريطانيين ~~في عام 1942، أثناء الحرب العالمية الثانية. كان بين ~~الدروز والبريطانيين صداقة تعود إلى منتصف القرن ~~التاسع عشر، على الرغم من حقيقة أن هذا الفوج الدرزي ~~كان قد نشره الفرنسيون الفيشيون في مواجهة ~~البريطانيين قبل إقناعهم بالانضمام للجانب البريطاني. ~~الصورة مهداة من أنتوني جروس/متحف الحرب ~~الإمبراطوري. # فقد اعتقد الماسونيون أنهم تابعوا تقاليد البنائين الذين أقاموا ~~هيكل سليمان. وارتأى الأخ هاسكيت أن الدروز كانوا الأصليين - أي ~~الأحفاد الفعليين للبنائين - وكان مصرا على إثبات ذلك. وأمضى ~~أسابيع عدة في لبنان، يعيش بين الدروز ليجري اختبارا بسيطا. ~~فالماسونيون يعتقدون أن الكلمات المشفرة التي يستخدمونها ms155 متوارثة ~~جيلا بعد جيل من بناة الهيكل؛ ومن ثم افترض الأخ هاسكيت أنه لا بد ~~أن الدروز يعرفون الكلمات ذاتها. ولكن نظرا إلى أنه واجه صعوبة ~~كبيرة في اختراق سريتهم - كما روى بتحسر، في كل مرة كان يسألهم عن ~~معتقداتهم، «يتبدل الموضوع بأكمله ببراعة» - أدرك أنه سيتعين عليه ~~التغلب على هذه السرية بالحيلة. # ويستحضر لنا، ربما بصدق، صورة غريبة على نحو مذهل، قائلا: «لقد ~~بذلت محاولات كثيرة لجذب انتباه الدروز بكلمات، تهمس بغموض، ~~كأنها حديث جانبي مسرحي درامي، أو تلفظ بجدية، أو تنطق عرضا ~~عندما يكون الدروز أقل حذرا.» جعلني هذا أتخيل رجل دين إنجليزيا ~~باحثا يرتدي زي الكهنة، يحاول مفاجأة المزارعين الدروز الأشداء ~~والمسنين بالظهور من ورائهم والصراخ بكلمات بالعبرية القديمة. ولو ~~كان الدروز على دراية بالكلمات، فإنهم مع ذلك حافظوا على رباطة ~~جأشهم؛ لأن الأخ هاسكيت لم يجد إثباتا لنظريته. وبالرغم من ذلك فقد ~~قدمها إلى زملائه الماسونيين، كما يظهر سجل عام 1891؛ مشيرا ~~في السياق ذاته إلى تشككهم في النظرية. وادعى واحد من المستمعين ~~إلى الأخ هاسكيت، مستاء من اعتبار حركته مجرد فرع وأن يقدم ~~مجتمع شرق أوسطي على أنه المجتمع الأصلي، أن الدروز لا بد أنهم ~~ببساطة استعاروا عاداتهم من الماسونيين. (في الواقع، زعم المؤرخ ~~فيليب حتي أن فرسان الهيكل، الذين حاول الماسونيون محاكاتهم، ربما ~~يكونون قد تأثروا بالدروز في «التنظيم والتعليم». فمفهوم الراهب ~~المحارب المتقشف الناكر للذات هو أحد المفاهيم المشتركة بين فرسان ~~الهيكل والدروز، على الرغم من عدم وجود الكثير من الأدلة على الأفكار ~~الفلسفية المشتركة بينهم.) # وأيا كان سبب التشابه الثقافي بين الجماعتين، فمن المؤكد أن ~~ماسونيا مثل كارنارفون كان سيكتشف التشابه. ويوجد أكثر من ملاحظة ~~نزيهة في وصفه لارتقاء الدروز نحو الأسرار العليا للعقيدة: «رويدا ~~رويدا، يسمح له بإزاحة الحجب المتتالية التي تخفي السر العظيم ~~... إنه يتعلم فقط لنسيان ما كان تعلمه من قبل؛ ويصنع، ويسير على ~~أنقاض إيمانه السابق: ببطء، وبألم، وبتشوش يصعد بمشقة كل درجة ~~متتالية من درجات مراسم الانضمام ... ويسمع ms156 في كل خطوة - كما لو كان ~~يسخر من أمل العودة - انهيار آخر درجة خطا عليها، وتحطمها في ~~الهاوية التي لا حد لها التي تهيج تحته. حقا لم يتمكن من تسلق ~~هذه المرتفعات الغامضة إلا قلة قليلة.» ~~••• # تساءلت، في قلعة جنبلاط، عن عدد الأسرار التي سأتعلمها. وأثناء ~~قيادة حسن نحوها للسيارة التي كانت تقلني، أبطأ السرعة على نحو ~~يدل على الاحترام. ولاحظت وجود حجر بسيط أمامنا، على جانب الطريق. ~~قال حسن: «إنه نصب تذكاري لكمال بك»، مشيرا إلى كمال جنبلاط، والد ~~وليد («بك» لقب شرفي). توقفت السيارة. وقال حسن: «لقد اغتيل ~~هنا في هذا المكان»، وظل جالسا خلف عجلة القيادة دون حركة، ناظرا إلى ~~الحجر. لا بد أن حسن كان طفلا وقتئذ، لكن نبرة صوته وطريقته أوحتا ~~بأنه قد شهد الواقعة التي كان يصفها. «لم يكن معه سوى حارس شخصي واحد ~~فقط، وكانت سيارته قادمة من الطريق نفسه الذي نحن ماضون إليه الآن. ~~وجاءت سيارة أخرى في الاتجاه المعاكس.» نظرت إلى الأمام، باتجاه ~~المنعطف الحاد التالي، حيث ينحني الطريق إلى الأعلى. قال حسن: «من ~~هناك. وكان بالسيارة مجموعة من الرجال أطلقوا عليه النار وقتلوه.» ~~ولم يذكر من المسئول، لكن من المسلم به عموما أن الرئيس السوري ~~حافظ الأسد هو من دبر الهجوم لمعاقبة جنبلاط على رفضه لمعاهدة ~~سلام بوساطة سورية تهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية بشروط ~~وجد جنبلاط أنها غير مقبولة. تنهد حسن. فقد سقط بطل درزي ~~آخر. # أعاد تشغيل السيارة وصعدنا آخر بضع ياردات إلى قرية المختارة. ~~وأخيرا ألقيت أول نظرة لي على قلعة وليد جنبلاط. كانت عبارة عن ~~مبنى حجري ضخم عسلي اللون، يضم صالونا لتصفيف الشعر ومحل بقالة ~~وحدائق تحظى بعناية جيدة في المستوطنة التي على سفح التل. بعد أن ~~تركت حقائبي في مبنى خارجي، توجهت إلى بوابة حراسة القلعة، حيث ~~جلس الحراس الشخصيون يتجاذبون أطراف الحديث ويشربون القهوة أمام خزانة ~~قديمة ذات باب زجاجي متسخ لمحت من خلاله مجموعة مختارة من البنادق ~~وما يشبه قاذفة صواريخ. ms157 # أخيرا ظهرت شخصية مألوفة ذات شعر أبيض أشعث: كان وليد جنبلاط هنا ~~ليأخذني، وكلبه يتقافز خلفه. تجنبت محاولة سؤاله مرة أخرى عن ~~الديانة الدرزية في الوقت الحالي، وبدلا من ذلك تجولت في بيت ~~أجداده مبديا إعجابي. بنيت القلعة بما يمكن تسميته النمط ~~اللبناني الكلاسيكي: سقف من القرميد الأحمر، ومربعات صغيرة من ~~اللونين الأحمر والبرتقالي على الجدران، وأعمدة رفيعة بأسقف مقوسة ~~ومدببة يتدلى من كل واحد منها فانوس. في الفناء - ربما في المكان ~~ذاته الذي شاهد فيه كارنارفون المبارزة - كانت توجد نوافير، وقوصرات ~~فوق النوافذ، وتابوت حجري روماني مزين بمشاهد لباخوس وهو يرقص بين ~~كرمات العنب. كانت الغرف الداخلية أكثر فخامة؛ أرضيات رخامية ضخمة، ~~ونوافير، وأسقف دمشقية منحوتة. وكانت في لوحة ضخمة لحصار ~~لينينجراد، مهداة من الاتحاد السوفييتي، إشارة إلى الجهة التي تحول ~~إليها ولاء الدروز عندما نفد الدعم البريطاني. # أثناء تناول العشاء، حاولت مجددا التحدث عن الديانة الدرزية، ~~ووعدني أن يعرفني على بعض رجال الدين. لكنه فضل أن يتحدث عن ~~السياسة. كانت سوريا تنحدر إلى حرب أهلية، وكان على الدروز هناك أن ~~ينحازوا إلى جانب؛ وقال وهو يحتسي كئوس الفودكا وأكواب القهوة السادة ~~الساخنة للغاية إنه مما أحرجه أنه كان يوجد كثيرون يريدون أن يساندوا ~~الأسد. سألت كيف انتهى الأمر بالدروز في سوريا من الأصل، فقال لي إنهم ~~أجبروا على الفرار إلى هناك عام 1711 نتيجة لصراع داخلي بين ~~الدروز أنفسهم، بين جماعتين تسميان القيسيين واليمنيين. ~~طرد اليمنيون شرقا، إلى ما أصبح فيما بعد سوريا. ويمثل أحفادهم ~~الآن أكبر مجتمع درزي في العالم؛ حيث يعيش معظمهم على هضبة بازلتية ~~تسمى جبل الدروز. انفصل الدروز في إسرائيل (الذين يبلغ عددهم الآن ما ~~يزيد قليلا عن 120 ألفا) عن إخوانهم في لبنان عندما فرضت الحدود ~~الدولية على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. # في اليوم التالي، وفى وليد جنبلاط بوعده واصطحبني لمقابلة ~~«العقال» في مأدبة غداء في حديقة أعلى سفح التل. وأدهشني أنه ~~قاد السيارة بنفسه: ألم يقلق من أن يتكرر معه ما ms158 قد حدث لوالده؟ قال: ~~«الأمر متروك للقدر.» إن الاعتقاد بأن أحداثا معينة مقدر لها ~~الحدوث ولا يمكن تجنبها هو أمر شائع في الشرق الأوسط (وهو اعتقاد ~~قديم؛ ويعتمد علم التنجيم البابلي على الاعتقاد القائل بأن شئون البشر ~~مقدرة مسبقا). كانت رحلة خالية من الأحداث، باستثناء الناس الذين ~~أخذوا يلوحون لجنبلاط في القرية الوحيدة التي مررنا بها. وعندما ~~وصلنا إلى الحديقة التي كان مقاما فيها الغداء، كان الأمر أشبه ~~بملاقاة محيط من الطرابيش البيضاء والعباءات السوداء: كان يوجد ما ~~يزيد عن مائة شيخ جالسين على طاولات طويلة، يتأملون أطباقا ضخمة ~~من لحم الضأن والأرز. جاء المضيف، الشيخ علي، للترحيب بنا. كان رجلا ~~سمينا ومرحا للغاية، بدا، في ثوبه الدرزي الذي يعود للقرن التاسع ~~عشر المكون من بنطال فضفاض أسود وطربوش عثماني، مثل باشا من فيلم ~~من ثلاثينيات القرن الماضي عن الشرق. قيل لي إنه كان موهوبا بشكل خاص ~~في تنظيم النزهات الخلوية. أستطيع أن أصدق ذلك. ومع ذلك، أثناء ~~تجولي في منزله بعد تناول الوجبة، رأيت صورا على جدار غرفة معيشته ~~أظهرت جانبا آخر من الشيخ. كانت من أوائل الثمانينيات، عندما كانت ~~الحرب الأهلية قد بدأت للتو، وأظهرت الشيخ علي في مرحلة شبابه وهو ~~يدرب الطلاب العسكريين على القتال. في تلك الأوقات كانت الأزمة ~~كبيرة جدا لدرجة أن الشيوخ اضطروا إلى القتال رغم التزامهم ~~بالزهد. # كان الشيوخ حريصين على توضيح أن هذه الممارسة لم تكن عادية - وعادة ~~ما يحرصون على تجنب توريط أنفسهم في أي صراع من أي نوع. قال ~~الشيخ علي: «نحن الشيوخ نعمل من أجل خدمة الناس، والحفاظ على العادات ~~التي تعمل على استمرارية الطائفة، وحفظ كرامة الدروز، وتحول دون ~~الآفات الاجتماعية.» وأضاف، لكن عندما كانت كرامة الدروز على المحك، ~~كان كل شيء مباحا: «نعم، يجب أن ينهض كل شخص في زمن الحرب ويقاتل ~~بالعصي إذا لزم الأمر. فمجتمعنا تدب فيه الحياة في الحرب؛ لقد ~~سئمنا زمن السلم.» ضحكت المجموعة الصغيرة من الشبان المتجمعين حول ~~الشيخ موافقة على كلامه. ms159 وأوضح الشيخ علي أن إشارته إلى العصي ~~كان يقصدها بجدية؛ فهكذا حارب الدروز الفرنسيين في عشرينيات القرن ~~الماضي، وتغلبوا على الجنود المسلحين بالسيوف، والعصي، والحجارة ~~قبل الاستيلاء على أسلحتهم وبدء انتفاضة واسعة النطاق. لقد بدأ كل ~~هذا لأن الفرنسيين كانوا قد اعتقلوا أحد ضيوف زعيم الدروز المحلي، ~~الأمر الذي اعتبره الدروز إهانة لكرامتهم. # تحدث معي شيخ آخر، أعور في إحدى عينيه، عن فلاسفة الإغريق. ~~وأخبرني أن العالم المسلم الغزالي، خلال القرن الحادي عشر، قال في ~~مجادلة رائعة بأن الفلسفة متناقضة مع ذاتها. فهي لم تستطع تفسير ~~الله؛ ومن ثم لم تضف شيئا لأولئك الذين درسوها سوى الشك. قاد ~~الغزالي مسألة توجيه التهم الفكرية إلى الإغريق، وتوقف الإسلام ~~السني التقليدي تدريجيا عن أن يستلهم من فلسفة الآخرين. لكن ~~الدروز، المعزولين في قراهم الجبلية والمصرين على ألا يكونوا ~~تقليديين بالفعل، لم يتأثروا بأقوال الغزالي. واستمروا في تبجيل ~~أفلاطون، وفيثاغورس، وأرسطو. # بعد الغداء، عدت إلى بلدة المختارة، وتجولت في الأزقة نزولا على ~~سلالم تتناثر عليها ثمار برتقال سقطت حديثا من الأشجار. مررت ~~بكنيسة، لكن بابها الصغير كان مغلقا. وفي الجوار كان يوجد مطعم صغير ~~كنت جالسا فيه أكتب بعض الوقت قبل أن تدعوني مجموعة من الشباب ~~المبتهجين الجالسين على الطاولة المجاورة للانضمام إليهم لشرب ~~«العرق». قدموا لي الحمص والفتوش. وقالوا: «نتمنى لو كنا نستطيع ~~أن نقدم لك طبقنا المحلي. توجد خنازير صغيرة في التلال يطلق الناس ~~النار عليها، ويطبخونها في النبيذ الأحمر. لكن هذا ليس موسمها.» لا ~~يوجد طبق أشد حرمة في الإسلام من لحم خنزير مطبوخ في نبيذ. كنت ~~أعلم أنهم لا بد أن يكونوا «جهالا»؛ أي الدروز الذين لا يملكون ~~أي معرفة بدينهم ولا يلتزمون بأي تشريعات دينية حاكمة فيما يختص ~~بالطعام. # قالوا: «أخبرنا برأيك في تناسخ الأرواح. هل تؤمن به؟» حاولت أن ~~أرد بلباقة، لكن هذا لم يكن كافيا لهم. قال أحدهم: «لا، إنه حقيقي. ~~لدينا إثبات.» تحدث آخر بصوت عال: «كان بإمكان ابنة عمي عندما كانت ~~طفلة أن تقول ms160 كلمات لا يمكن لشخص عادي أن يقولها، وكان بإمكانها فعل ~~أشياء استثنائية مقارنة بسنها.» وروى آخر قصة رجل تذكر أنه ~~قتل في يوم زفافه وكان قادرا على رسم صور للفساتين التي كانت ~~ترتديها النساء الحاضرات. حتى إنه التقى الرجل الذي قتل ذاته ~~السابقة، وسامحه. # في وقت لاحق من ذلك اليوم قابلت امرأة غيرت اسمها بسبب حلم ~~كانت فيه تعيش في أمريكا. وبعد النظر في مسألة الحلم، قررت عائلتها ~~أنها كانت تجسدا لفتاة درزية ذهبت لتعيش هناك وتوفيت صغيرة. ~~كان اسم تلك الفتاة كارمن؛ لذلك تغير اسمها إلى كريمة تكريما ~~لذاتها الميتة. إن الإيمان بتناسخ الأرواح منتشر جدا، كما أخبرني ~~لاحقا صديق درزي، لدرجة أن الصبي الذي بدا أنه على دراية بحياة رجل ~~مات في الوقت نفسه الذي ولد فيه الصبي يحظى بالقبول باعتباره ~~التجسد الجديد لروح الرجل الميت، ويثق به أولاد الرجل الميت في ~~تقسيم ميراثهم. # رفض الدروز النسخ الأغرب من تناسخ الأرواح التي تبنتها ~~الجماعات الإسلامية السابقة (التي رأت إحداها احتمالات العدالة ~~الشعرية التي يمكن أن يوفرها الانبعاث في جسد جديد. فقد اعتقدت ~~هذه المجموعة أن الرجل الذي مارس الجنس مع خروف قد يولد من جديد في ~~هيئة خروف في حياته المستقبلية.) ويؤمن العلويون بأنه يمكن للناس أن ~~يولدوا من جديد في هيئة نباتات، على سبيل المثال، لكن الدروز يرفضون ~~ذلك. فهم يؤمنون بأن أعضاء طائفتهم يولدون دائما من جديد داخلها. ~~ووفقا لهذا الرأي، فإن الدروز موجودون كشعب قبل وقت طويل من ظهور ~~الدين؛ فأجسادهم شابة وأرواحهم عمرها آلاف السنين، وقبل أن يكونوا ~~الطائفة الدرزية الحالية، كانوا صحابة الرسول محمد وتلاميذ ~~فيثاغورس. والدروز لديهم إجابة عن السؤال القديم حول ما يحدث للأرواح ~~عندما لا يوجد ما يكفي من الأجساد لاستقبالها: في هذه الحالة تذهب ~~أرواح الدروز، كما تقول الأساطير الشعبية الدرزية، إلى الصين. # وبينما كنت أتجول في شوارع المختارة في تلك الليلة، فكرت ~~مليا في الطرق التي أسهم بها الإيمان بتناسخ الأرواح في تشكيل ~~الطائفة الدرزية. ربما ساعدهم في ms161 البداية على استمالة المعتنقين ~~الجدد. وتخيلت قول الدروز الأوائل للمسيحيين: «بقبولك محمدا ~~نبيا، أنت لا ترفض يسوع؛ لأن محمدا هو يسوع بعدما ولد من جديد.» ~~وفي حالة الوثني الذي كان يبجل فلاسفة الإغريق، يمكن أن يجادلوا ~~بأن الزعيم الدرزي حمزة بن علي كان فيثاغورس بعدما عاد إلى الحياة ~~مجددا. في القرون اللاحقة، تعززت سمة الشجاعة التي يشتهر بها ~~الدروز في القتال بالإيمان بأن الموت سيؤدي بسرعة إلى ميلاد ~~جديد. # وعند خوض غمار المعارك، كان الجنود الدروز يصيحون: «من يريد أن ~~ينام في بطن أمه الليلة؟» ويمنح هذا الإيمان أيضا الدروز شعورا ~~عميقا بالولاء الجماعي. وهم يعتبرون أنفسهم قد أقسموا على عهد رب ~~الزمان، وهو تعهد بالولاء للخليفة الحاكم. ولم يقدموا هذا التعهد ~~في هذه الحياة بالطبع، ولكن في القرن الحادي عشر؛ في تجسد سابق، عندما ~~كانوا الأشخاص الذين شكلوا الطائفة الدرزية الأولى. # وأخيرا، يدعم الإيمان قواعدهم الصارمة الرافضة لقبول معتنقين ~~جدد أو للزواج من خارج الديانة. فأحد المتطلبات القليلة على ~~الدرزي أو الدرزية العاديين أن يتزوجا أشخاصا من داخل عقيدتهم. ~~ونظرا إلى تمتعهم بحياة أبدية من خلال ولادتهم من جديد داخل ~~الطائفة، فإن إنجاب أطفال من شخص غريب - لا يعد درزيا - يؤثر ~~على هؤلاء الأطفال ليس فقط في هذه الحياة، ولكن في حيواتهم ~~المستقبلية أيضا. وفي هذا الخصوص، يمكن لذلك الأمر أن يكون له بعض ~~العواقب الوخيمة في هذا العالم. في يوليو 2013، تزوج رجل من درزية، ~~وقال لعائلتها إنه درزي من قرية أخرى. عندما اكتشفوا أنه مسلم سني، ~~تعقبوه وأخصوه. وأدان وليد جنبلاط الحادث. كانت الطائفة أكثر ~~تسامحا عندما خطبت أمل علم الدين، المنحدرة من عائلة درزية ~~شهيرة، في عام 2014 إلى الممثل الأمريكي جورج كلوني. ومع ذلك، لم تكن ~~جدة أمل راضية عندما أجرت إحدى الصحف المحلية مقابلة معها. ~~ونقل عنها قولها: «ماذا جرى؟ ألم يعد يوجد شباب درزي؟» ~~••• # جبل الشوف هو معقل الدروز في لبنان، لكنهم يسكنون أيضا جبلا بأقصى ~~الجنوب، بالقرب من الحدود مع إسرائيل. ويوجد على ms162 هذا الجبل ضريح يسمى ~~حاصبيا، وفي اليوم التالي لمأدبة الغداء مع العقال أتيحت لي ~~فرصة زيارته مع السفيرة البريطانية وربيعة، وهو الرجل ذاته الذي طرح ~~السؤال الصفيق حول تناسخ الأرواح عندما التقينا شيخ العقل في بيروت. ~~كانت رحلة طويلة؛ حيث صعدنا إلى قمة الجبل، ثم نزلنا نزولا حادا ~~إلى واد أسفل الجرف حيث يفترض أن فخر الدين قفز بحصانه، ومررنا ~~بقرية مسيحية محاطة بكروم العنب، ثم بقرية شيعية مزينة بملصقات ~~حزب الله. # عندما وصلنا إلى حاصبيا رأيت أنها كانت بلدة ذات أبنية حجرية ~~قديمة. وكان أحد هذه الأبنية قلعة مدمرة، لا يزال تسكن أحد ~~أركانها الحجرية المتداعية عائلة كانت موجودة هناك منذ الحروب ~~الصليبية. وكانوا قد خففوا من قسوة الفناء الحجري الرمادي بالزهور. ~~ويوجد ركن آخر، أقل ملاءمة للسكنى، كان مملوكا لفرع منفصل من ~~العائلة ذاتها، وكان يستخدم لعقد التجمعات السياسية. وفي الجزء ~~الداخلي لمدخل حجري بسقف طويل مقوس، علقت صورة كبيرة لمنافس ~~جنبلاط، طلال أرسلان، ووضعت كراسي بلاستيكية لإقامة حفل استقبال ~~مرتجل على شرف السفيرة. # وبمجرد انتهاء حفل الاستقبال ذهبنا لزيارة ضريح قريب على قمة تل ~~يسمى البياضة. لقد كان «خلوة»، أو مكانا يستطيع فيه الدرزي أن ~~يعزل نفسه عن العالم ويصلي؛ صومعة، بالمعنى الغربي. وكان في مركزه ~~غرفة للصلاة (بسيطة وغير مزخرفة، كما كان بوسعي أن أرى من خلال ~~النافذة؛ حيث كان محظورا دخول الغرفة ذاتها). وكان معظم المباني ~~المحيطة به يؤدي دور أماكن معيشة لجماعة من شيوخ الدروز يشبهون ~~الرهبان. كان خمسة من هؤلاء، أحدهم يرتدي صندلا، قد أعدوا لنا ~~وجبة من حبوب الصنوبر والعسل. وجلسوا وأجابوا عن أسئلتنا بصبر. ~~وكان الرجل الذي يرتدي الصندل يعيش هناك منذ أربعين عاما. وكما هو ~~الحال مع شيوخ الدروز الآخرين، كان من عادتهم تناول الطعام الذي ~~يعدونه لأنفسهم فقط. وأوضح واحد منهم، قائلا: «تأسس هذا المكان ~~منذ 350 عاما على يد رجل روحاني جدا. وأصبح رجلا مقدسا جدا ~~وقرر بناء خلوة هنا. كانت بالأسفل، ثم نقلت إلى قمة التل. لم ms163 ~~يكن يهدف إلى أي مكسب دنيوي؛ لذلك أصبح مشهورا. ثم جاء الناس ~~وبنوا خلوات خاصة.» # بنى الدروز أيضا في مرحلة ما بجانب الضريح شيئا مثيرا للفضول؛ ~~دائرة من الحجر، محاطة بحافة حجرية منخفضة. يبدو أن لها بعض ~~الأهمية الدينية التي لم يبينها مضيفونا؛ لأنني اضطررت إلى خلع ~~حذائي قبل أن أخطو عليها. ووضع حجر ذو لون أغمق، صغير ومستدير، في ~~مركزها: كان الشكل ككل، عند رؤيته من الأعلى، عبارة عن نقطة في مركز ~~دائرة. كان رمز النقطة في مركز الدائرة علامة مقدسة لفيثاغورس، تمثل ~~«الواحد» في قلب الكون، «النقطة الثابتة في العالم المتحرك». وبالوقوف ~~على النقطة والتحدث، كان بإمكاني أن أسمع صدى صوتي بوضوح خارج الحافة ~~الدائرية. ربما كان هذا الصوت سيروق لفيثاغورس هو الآخر. فقد كان ~~أول من حدد الجواب الموسيقي، حيث اكتشف أن التناغمات المبهجة ~~تعمل وفقا لصيغ رياضية (خفض طول قضيب معدني إلى النصف يعني أن ~~النغمة التي سيصدرها عند النقر عليه ستكون ضعف التردد). وكان ~~يؤمن بأن الكواكب تصدر موسيقى أثناء دورانها في السماء، وأن الشخص ~~الذي يركز وقتا كافيا ويدرك ما الذي يجب أن يستمع إليه؛ يمكنه ~~سماع «موسيقى الأجرام السماوية». خطرت هذه الفكرة لأحد الشيوخ الذين ~~كنت قد قابلتهم. سماها بالعربية «حنين الأفلاك». وعلى الرغم من أنني ~~درست الفلسفة الإغريقية سنوات في الجامعات الغربية، كانت هذه هي ~~المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذا الأمر. # كان الوصي على الضريح، الذي قابلناه في منزله في البلدة وليس في ~~الضريح ذاته، رجلا مسنا ذا لحية طويلة وروح دعابة شقية. أرشدنا ~~إلى غرفة معيشته، حيث كانت توجد مائدة عامرة بأطباق ضخمة من الطعام ~~على شرفنا. وأجرى مع السفيرة محادثة مازحة إلى حد ما حول وضع ~~المرأة فيما يتعلق بانضمامهن للعمل مع رجال الدين الدرزي؛ إذ أوضح ~~أن بإمكانهن أن يصبحن شيخات، لكن بسلطة محدودة، قبل أن يقلب الطاولة ~~على السفيرة بسؤالها عن الكيفية التي انتهت بها الإمبراطورية ~~البريطانية. وسأل: «هل غابت عنها الشمس؟» (عبارة «الإمبراطورية التي لا ms164 ~~تغيب عنها الشمس» عبارة شائعة في الشرق الأوسط؛ لسبب ما. لدرجة أنني ~~لا يمكنني أن أحصي عدد المرات التي اقتبست فيها تلك العبارة ~~وقيلت لي؛ من كثرتها.) # أصبح الوصي أكثر جدية عندما سألته عن فيثاغورس. هل يمكنه أن ~~يشرح لماذا منع الفيلسوف أتباعه من أكل الفاصوليا؟ فاندهش الشيخ. ~~وقال إن فيثاغورس لم يفعل شيئا كهذا. وأشار إلى أطباق الطعام التي ~~أعدتها عائلته لزوارها. وقال: «أتمنى لو أنا كنا قد أعددنا لكما ~~طبق فاصوليا؛ حتى تريا أن الدروز مسموح لهم بأكلها!» كان افتراضه ~~الفوري هو أنني إذا كنت أسأل عما سمح به فيثاغورس وما حظره، فهذا ~~سؤال حول العادات الدرزية أيضا . (وردت، في مجلة درزية لبنانية نشرت ~~مقالا عن «فيثاغورس الحكيم»، قائمة بتعاليمه التي تفسرها جميعا على ~~أنها استعارات، وهو النهج ذاته الذي يتبعه الدروز تجاه أحكام ~~الإسلام.) ~~••• # إن وضع الدروز اليوم كطائفة أفضل من الإيزيديين أو الزرادشتيين. ~~فقد تمكنوا، حتى الآن، من التمسك بأرضهم واستقلالهم، ويرجع ذلك ~~جزئيا إلى عدم وجود جماعة دينية واحدة تهيمن على لبنان. ونجا ~~جنبلاط حتى الآن من الاغتيال ولا يزال ذا أهمية سياسية في لبنان؛ وفي ~~سوريا، أدى بعدهم عن المدن الرئيسية وحجم مجتمعهم المحلي إلى ~~حمايتهم حتى الآن من أسوأ ما في تلك الحرب الأهلية التي يشهدها البلد؛ ~~وفي إسرائيل لديهم حرية دينية، ويخدم كثيرون منهم في الجيش ~~الإسرائيلي. إن التهديدات كثيرة. ولبنان غير مستقر، والدماء تسيل في ~~سوريا، وإسرائيل صادرت نسبة كبيرة من أراضي الدروز لإيواء المهاجرين ~~اليهود في البلاد. وجهل الدروز العاديين بدينهم لا يفيدهم في الحفاظ ~~عليه في الخارج. ومع ذلك ففي كل منطقة نجح رجال دينهم وقادتهم ~~العلمانيون في الحفاظ على وحدة مجتمعهم الداخلي وتميزه. وبعد أن ~~رأيت مدى خطأ كارنارفون في التقليل من قيمة الدروز، عدت من المختارة ~~وحاصبيا عازما على ألا أفعل الفعلة ذاتها. # عندما عدت إلى بيروت، دبرت لقاء أخيرا مع أستاذ درزي في ~~الجامعة الأمريكية في بيروت يدعى سامي مكارم. دعاني إلى شقته، وعندما ~~وصلت، قدم ms165 لي كوبا من عصير التوت الحلو. قال: «إلهنا مختلف عن ~~إلهكم الإبراهيمي. ففي الديانة السامية يعرف الله من خلال أعماله. ~~لكنه عندنا حال فينا ومتعال في الوقت ذاته.» يرى الدروز الله، ~~مثل «الواحد» في الأفلاطونية المحدثة، على أنه ثابت؛ ليس السبب في ~~وجود الكون، لكنه سبب أسباب الكون (فالواحد يسبب العقل والروح ~~الكونيين؛ والعقل والروح الكونيان يسببان الكون). لا يمكن وصف ~~الله؛ ومن ثم فإن الدروز يتحدثون عنه على أنه فقط «خالق الكون»، ~~لأنه لا يمكن استخدام أي تسمية أخرى بأي درجة من الثقة. # ووفقا لفكرة الانبثاق، يؤمن الدروز أن العالم جزء من الله مثلما ~~الحلم جزء من الحالم. وتابع مكارم: «إن انفصال المرء عن الله والتفكير ~~في الانعزال هو شر. فالأنا موجودة في الأفراد الذين هم بطريقة ما ~~انبثاق من الله. والأنا موجودة بالضرورة. لكن بماذا يمكننا محاربتها؟ ~~بالحب. الحب، وقبول أننا نعتمد على النظام الكوني.» ذكرني هذا ~~المفهوم بكلمات القديس برنارد من كليرفو: «مثلما تفقد قطرة ماء ~~مسكوبة في الخمر، وتأخذ لون الخمر ومذاقه؛ أو مثلما يصبح قضيب من ~~الحديد، مسخن حتى التوهج، مثل النار نفسها، متناسيا طبيعته ~~الخاصة؛ أو مثلما لا يبدو الهواء، المشع بأشعة الشمس، منيرا وإنما ~~ضوء بذاته؛ كذلك تتلاشى جميع المشاعر البشرية في القديسين من خلال ~~بعض التحول الذي لا يوصف إلى إرادة الله.» # سألت الأستاذ الجامعي، هل الدروز خلفاء للفيثاغوريين؟ ابتسم لي بحذر ~~ولم يرد. من الواضح أنه كان قد قرر أنه لا يمكن إعطاء إجابة عن ~~هذا السؤال لشخص غير منضم للطائفة. فقد أخبرني بما يلي: «يقول ~~هيرميس الهرامسة، مؤسس علم الفلك، إن الكشف عن حقيقة لإنسان غير ~~مستعد لقبولها هو ثلاث خطايا في آن واحد. فهذا سيجعله يكفر ~~بالحقيقة، ويسيء الظن بك، ويقول إن الحقيقة هراء.» في نظر مكارم، ما ~~الذي يمكن أن يجعل شخصا ما مستعدا لقبول الحقيقة؟ هل تؤهلني ~~دراستي للفلسفة اليونانية؟ لا يبدو ذلك. قال مكارم: «إن التكيف مع ~~الحقيقة يستغرق أجيالا. وهذا ما يعنيه تناسخ الأرواح. فالمعرفة ms166 ~~الحقيقية هي تذكر.» كان فيثاغورس يعتقد أنه من خلال تذكر تجسداته ~~السابقة يمكنه أن يحشد من الحكمة ما يفوق عمره. وبالمثل، يؤمن الدروز ~~بأنه بما أن أرواحهم تتناسخ في مجتمع المستنيرين، فهم وحدهم من ~~يمكنهم أن يأملوا في بلوغ الحكمة الحقيقية. وهذه حقا واحدة من ~~أفكار فيثاغورس. # الفصل الخامس # | السامريون # لا بد أن أسباط إسرائيل العشرة المفقودة هم أكثر من يعثر عليهم ~~بين جميع المفقودين. ففي القرن التاسع، ورد أنهم في شبه الجزيرة ~~العربية. وبعد ذلك ببضعة قرون، كانوا على ما يبدو بالقرب من الهند؛ ~~حيث أفادت إحدى خرافات العصور الوسطى بحماس أنهم كانوا في حراسة ~~يأجوج ومأجوج وملكة الأمازونيات وكانوا يخططون لتدمير المسيحية. حتى ~~عندما كان الأوروبيون يستكشفون قارات جديدة، رأوا الأسباط العشرة في ~~كل مكان، وكأنهم جيش من الأشباح. واقترح البعض أنه ربما كان هذا هو ~~الأصل الذي أتى منه الأمريكيون الأصليون؛ وسأل توماس جيفرسون عما ~~إذا كانوا يرغبون في العودة إلى وطنهم في جبل صهيون. # أنا نفسي وجدت الأسباط المفقودة عندما كنت أعيش في القدس، بين ~~عامي 1998 و2001. كنت هناك لغرض مختلف تماما. بصفتي موظفا ~~سياسيا في القنصلية العامة البريطانية في القدس، كانت مهمتي ~~الرئيسية هي إقناع الفلسطينيين بدعم عملية السلام في الشرق الأوسط. ~~وفي الوقت الذي كنت فيه هناك، بدا من الممكن التوصل إلى اتفاق من ~~نوع ما. لم يكن ليعطي أيا من الطرفين ما كانا يريدانه بالضبط، ~~لكنه كان سينهي دورات التمرد والقمع التي اتسمت بها التجربة ~~الفلسطينية، وأتاح للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء فرصة ~~العيش في قدر أكبر من السلام والكرامة. # على الرغم من أنه ثبت لاحقا أنه كان أملا زائفا، كان يعني أنه ~~عندما وصلت إلى القدس لأول مرة في عام 1998 كان يوجد شعور بالتفاؤل، ~~وكان من المأمون بدرجة كافية استكشاف المنطقة الرائعة التي كنت أعيش ~~فيها. رأيت مدن إسرائيل التي تكاد تكون إعجازية، حيث تطورت الدولة، ~~واللغة، والاقتصاد الرائد في العقود القليلة التي تلت تأسيس إسرائيل ~~في عام 1948، في أعقاب ms167 الهولوكوست. (في الواقع وضعت اللغة، العبرية ~~الحديثة، بدءا من ثمانينيات القرن التاسع عشر فصاعدا، كنسخة مبسطة ~~من العبرية التوراتية على يد عالم يدعى إليعازر بن يهودا. نشأ نجل ~~بن يهودا على التحدث بالعبرية فقط، بناء على إصرار والده، وهي ~~قاعدة صارمة؛ لأنها كانت تعني أنه لا يمكن لأطفال آخرين فهمه. لكن ~~في نهاية المطاف، بالرغم من الشكوك وبعض العداء، نجح مشروع ابن يهودا ~~واعتمدت اللغة على نطاق واسع.) رأيت، أيضا، المدن الفلسطينية في ~~الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل عام 1967. كان الفلسطينيون ~~يمتلكون واحدة من أكثر الثقافات حيوية في أي شعب عربي؛ حيث ~~ألهمتهم رغبتهم في الحرية تشكيل هوية قوية، يعبرون عنها من خلال ~~السينما، والفن، والمسرح. # زرت مدينة نابلس عدة مرات، وهي مدينة ذات منازل من الحجر الجيري ~~الأبيض كانت تشتهر ذات يوم بجمالها وبزيت الزيتون، وكانت على بعد ~~نحو ثلاثين ميلا شمال القدس. جاء اسمها من الاسم الذي أطلقه عليها ~~الرومان، نيابوليس، والذي يعني «مدينة جديدة». وكان يطلق على المدينة ~~القديمة التي كانت موجودة في الجوار، والتي دمرها الرومان، اسم شكيم، ~~وتعني «السرج»؛ لأنها كالسرج تماما تنخفض من المنتصف وتحدها من ~~الجانبين سلسلة جبلية، حيث يوجد هنا جبلان يحيطان بواد. وهذان ~~الجبلان هما جبل جرزيم غربها، وجبل عيبال شرقها. وهما قريبان بما يكفي ~~حتى إنه كان يوما ما يمكن لحيوانات ابن آوى أن يعوي أحدها للآخر ~~عبر الوادي بين الجبلين. يشغل موقع مدينة شكيم القديمة الآن مخيم ~~للاجئين تابع للأمم المتحدة يسمى بلاطة، وأتيحت لي فرصة زيارته ~~عندما مولت القنصلية مشروعا مسرحيا هناك. # في عام 1950، استقر هنا في خيام فلسطينيون من قرى قريبة مما ~~يعرف الآن بتل أبيب، هاربين أو مطرودين من قبل الجيش الإسرائيلي ~~المنتصر. حاليا حلت محل الخيام منازل خرسانية، وأصبح المكان ~~ضاحية فقيرة من ضواحي نابلس، رغم أن أهلها لم يتقبلوا أبدا ~~مصادرة بيوتهم الأصلية. أخذتني مجموعة من شبان المخيم الذين ~~شاركوا في المشروع المسرحي في جولة في المنطقة المحلية. وتجولنا ~~في مدينة نابلس وجربنا بعضا ms168 من الكنافة الحلوة الشهيرة، المصنوعة من ~~الجبن وتقطر بالعسل، والتي تعد إلى جانب صابون زيت الزيتون من ~~السلع المميزة للمدينة. # يقع بئر يعقوب على أطراف بلاطة. وسواء استخدم البطريرك اليهودي ~~يعقوب هذا البئر أم لا، فمن المؤكد أنه يعتبر موقعا مقدسا منذ ~~آلاف السنين. ففي الأناجيل المسيحية، طلب يسوع من امرأة أن تخرج ماء ~~من البئر ليشرب. اندهشت المرأة، التي كانت سامرية، لأنه تحدث معها؛ لأن ~~«اليهود لا يعاملون السامريين». يظهر الصراع ذاته بين اليهود ~~والسامريين في مثل يسوع عن السامري الصالح: رجل يهودي يرقد جريحا ~~على جانب الطريق، ويمر به كاهن يهودي ولاوي ويتجاهلانه (ليس ~~لأنهما قاسيا القلب، ولكن لأنه كان محرما على الكاهن أن يلمس جثة، ~~وخشيا أن يكون ميتا). وسامري هو الذي يساعد اليهودي الجريح، ~~ولذلك فهو، كما يقول يسوع، من يجب أن يحبه أتباعه اليهود. وحقيقة ~~أنه سامري هي التطور غير المتوقع في القصة؛ لأن السامريين واليهود ~~كانوا أعداء قدامى. وكانت ممارساتهم الدينية شبه متطابقة، لكن ~~الاختلافات في تأويل التاريخ جعلتهم في حالة حرب. # يمضي التأويل السامري على النحو التالي. في القرن الثامن قبل ~~الميلاد، احتلت مملكتان، إسرائيل ويهوذا، قرابة أراضي إسرائيل ~~الحديثة. وتقاتلت المملكتان، لكن سكانهما كانوا يشتركون في دين ونسل ~~مشترك؛ لأنهم كانوا جميعا ينتمون إلى إحدى القبائل الاثنتي عشرة ~~التي كانت تنحدر من أبناء يعقوب الاثني عشر. وكانت مملكة إسرائيل هي ~~الأقدم بين المملكتين وكانت في الأصل موقع الأماكن الدينية ~~المقدسة. ولكن عندما غزا الآشوريون تلك المملكة في القرن الثامن قبل ~~الميلاد، سبي عشرات الآلاف من سكانها إلى شمال العراق. ونجت ~~مملكة يهوذا، وأصبح سكانها يدعون اليهوذيين، ثم اليهود. وسيقوا، ~~هم أيضا، إلى السبي في بابل، وعادوا بأفكار جديدة وتقاليد ~~مختلفة. أما المنفيون من إسرائيل، فلم يسمع عنهم مرة أخرى، وأصبح ~~يطلق عليهم اسم «الأسباط العشرة المفقودة». # ولكن، يقول السامريون، إن القبائل العشر لم تفقد جميعها حقا. ~~فبالفعل رحل الآشوريون البعض، لكن آخرون بقوا. وكان تبجيل جبل ~~جرزيم هو الوصية الأخيرة من وصاياهم ms169 العشر. وفي العقيدة السامرية، ~~خلق آدم من تراب مجمع من جبل جرزيم. وهنا استقرت سفينة نوح، وليس ~~على جبل أرارات، وهنا أعطي موسى الشريعة، وليس على جبل سيناء، وهنا ~~أخذ إبراهيم إسحاق ليقدمه قربانا، وليس على جبل المريا في القدس. ~~كان لديهم ثلاثة عشر اسما مختلفا تكريما له، مثل آر جرزيم، «جبل ~~الوصايا»، جابات أولام، «جبل العالم»، وآر أشيكينا، «جبل مسكن الرب». ~~وقد بنوا عليه معبدا، وفي كل عام ينصبون الخيام على قمة الجبل، ~~ويعيدون تمثيل قربان عيد الفصح وفقا للطقوس الواردة في سفر ~~الخروج. # لم يسموا أنفسهم يهودا، ولكن بدلا من ذلك سموا أنفسهم ~~العبرانيين أو الإسرائيليين. كما أطلقوا على أنفسهم اسم «الشمارين»، ~~وهي كلمة آرامية تعني «الأوصياء»؛ أصل كلمة «السامريين». اعتبر ~~السامريون أنفسهم ملتزمين حرفيا بالتقاليد القديمة التي كان قد ~~تخلى عنها جيرانهم الجنوبيون من اليهود. واعتبروا الهيكل اليهودي ~~في القدس بدعة آثمة من الملك داود، وهو شخصية يكنون لها بغضا ~~خاصا؛ وحتى يومنا هذا، لم يحمل أي سامري اسم داود. والقدس، من ~~وجهة نظر السامريين، مدينة وثنية غير صالحة لتكون موقع ~~الهيكل. # تتطابق النسخة اليهودية فيما يتعلق باختفاء الأسباط العشرة، لكنها ~~بعد ذلك تتطور بشكل مختلف. فقد أقرت السلطات الدينية اليهودية بأن ~~القبائل العشر كانت مفقودة حقا. وكان السامريون ينحدرون من نسل ~~شعوب من أجزاء أخرى من الإمبراطورية الآشورية، واستقروا هناك مكان ~~الأسباط العشرة (فوفقا لسفر الملوك «وأتى ملك أشور بقوم من ~~بابل وكوث وعوا وحماة وسفروايم، وأسكنهم في مدن السامرة ~~عوضا عن بني إسرائيل») واتبعوا فيما بعد الممارسات اليهودية. أقنع ~~هؤلاء المستوطنون في النهاية كاهنا منشقا من الهيكل في القدس ~~بإنشاء معبد لهم على جبل جرزيم. من الممكن أن يقبل السامريون ~~باعتبارهم على قدم المساواة مع اليهود؛ ولكن فقط «عندما ينكرون جبل ~~جرزيم ويعترفون بأورشليم وبقيامة الموتى»، كما يقول التلمود البابلي؛ ~~لأنهم «يتزوجون من نساء غير شرعيات»، وهو ما يعني على الأرجح الزواج ~~بنساء من أعراق أخرى. وطالما حافظوا على هذه العادات غير المقبولة، ~~فلن تكون ms170 ثمة أي صلة بين اليهود والسامريين. # كان من المحتم أن يتسبب حكم التلمود في حدوث توتر، لكن ~~الخصومات السياسية جعلت العلاقات أسوأ؛ فوفقا لنمط يعود إلى ~~مملكتي إسرائيل ويهوذا القديمتين، تميل المجموعتان إلى دعم فريقين ~~متضادين في صراعات السلطة الإقليمية. عندما حارب الإسكندر الأكبر ~~اليهود سانده السامريون؛ وعندما غير الإسكندر رأيه ودعم اليهود، ~~انتهى به الأمر إلى الدخول في حرب مع السامريين. وعندما تمرد اليهود ~~على خلفاء الإسكندر الإغريق في الحروب المكابية في القرن الثاني قبل ~~الميلاد، دعم السامريون الجانب الآخر؛ وانتقاما، أحرق المتمردون ~~اليهود المعبد السامري. ولكن في أعقاب تلك الحروب، قمع اليهود ~~وازدهر السامريون. # وبحلول زمن يسوع، ربما يكون عدد السامريين قد بلغ نصف مليون شخص ~~تقريبا. ومع ذلك كانت العلاقات أسوأ من أي وقت مضى. في سنة 9 ~~ميلادية تسللت عصابة سامرية إلى أورشليم ودنست الهيكل اليهودي ~~ببعثرة عظام بشرية فيه. وفي سنة 50 ميلادية، قتل يهودي كان ~~مسافرا من الجليل لزيارة الهيكل في أورشليم على يد سامريين في قرية ~~في موقع جنين الحالية. وكان يسوع يكرز بين هذين التاريخين، وأخبر ~~رسله في البداية ألا يدخلوا بلدات السامريين عندما يمضون في مهماتهم ~~التبشيرية؛ إما لهذا السبب أو بسبب الخوف على سلامتهم. ومع ذلك، رجع ~~في وقت لاحق عن قراره وخطط للسفر عبر الأراضي السامرية في طريقه إلى ~~أورشليم. يظهر لقاء يسوع بالمرأة السامرية عند بئر يعقوب وحكاية ~~السامري الصالح موقفا أكثر ودية تجاه السامريين. في الواقع، ~~اتهم يسوع في مرحلة ما بأنه سامري. وربما لهذا السبب، اجتذبت ~~المسيحية في وقت مبكر السامريين الذين غيروا دينهم. # ولكن ماذا حدث للسامريين بعد ذلك؟ كما اتضح، كان لدى أصدقائي من ~~بلاطة مفاجأة لي. صعدنا طريقا ملتويا على جانب جبل جرزيم، ودخلنا ~~قرية صغيرة على قمته. تميزت الأبنية بأحرف عبرية قديمة كخيوط ~~العنكبوت، وكان رجل يرتدي حلة بيضاء وطربوش رجل دين لونه أحمر ~~وأبيض يسير في الشارع. وشرح متحف صغير هوية الرجل وغيره من سكان ~~القرية. كانت هذه القرية الواقعة على ms171 قمة الجبل، التي أطلقوا عليها ~~اسم «اللوز»، وشارع في إحدى ضواحي العاصمة الإسرائيلية، تل أبيب، هما ~~المكانين المتبقيين اللذين لا يزال يمكن فيهما العثور على ال 750 ~~سامريا الموجودين في العالم. # نجا السامريون من المصير الذي تعرض له اليهود سنة 70 ميلادية عندما ~~هزمت الجيوش الرومانية ثورة يهودية ونهبت مدينة أورشليم ودمرت ~~هيكلها إلى الأبد، والكارثة الأسوأ التي حاقت باليهود بعد ثورة أخرى ~~في ثلاثينيات القرن الثاني الميلادي، عندما قتل نصف مليون يهودي ~~ونفي الباقون نفيا تاما من موطنهم. وفي الواقع انتعش السامريون في ~~غياب منافسيهم القدامى. وذكر زعيمهم في هذا الوقت، بابا رابا، بعد ~~ذلك في الأساطير بوصفه مصلحا وصانع معجزات. ربما يكون العمل التبشيري ~~المسيحي قد أثار سلسلة من حركات تمرد السامريين في القرن السادس، ~~دمر بعدها الإمبراطور جستينيان جميع معابد السامريين، ومنعهم من ~~العمل في الحكومة ومن الانضمام للجيش الإمبراطوري، وحظر عليهم الشهادة ~~ضد مسيحي في المحكمة، ومنعهم حتى من نقل ممتلكاتهم إلى ذريتهم. وليس ~~غريبا أن السامريين أصبحوا معادين للغرباء؛ حيث ذكر حاج مسيحي ~~يدعى أنطونينوس من بياتشينزا أنه عندما زار البلدات السامرية، «أخفوا ~~آثار أقدامنا بحرق القش، وسواء كنا مسيحيين أو يهودا، كان لديهم ~~خوف كبير من الاثنين.» وبالمثل، لا عجب في أن السامريين رحبوا ~~بقدوم العرب المسلمين عام 637. # قد يبدو غريبا، باعتبار أن الصراع العربي الإسرائيلي أصبح يحدد ~~العلاقة بين المسلمين واليهود، أن تلك العلاقة كانت يوما ما وثيقة ~~ومحترمة. ففي وقت من الأوقات، كان اليهود والمسلمون يستقبلون ~~القبلة ذاتها في صلاتهم، شطر أورشليم، قبل أن يتحول المسلمون صوب ~~مكة بدلا منها. وعلى الرغم من أن المسلمين الأوائل حاربوا القبائل ~~اليهودية في شبه الجزيرة العربية، فإن العديد من الآيات القرآنية تدعو ~~إلى احترام اليهود والتسامح معهم. وعموما اعتبر المسلمون واليهود ~~بعضهم بعضا موحدين بصورة أشمل من المسيحيين لأن كلتا المجموعتين ~~رفضت فكرة أن يسوع هو تجسد الله، ورفضوا تصوير الله بأي صورة. أكد ~~العالم اليهودي العظيم موسى بن ميمون (الذي عرف الإسلام من الداخل، ms172 ~~بعد أن أجبر على ممارسته بوصفه مسلما في مرحلة ما من حياته قبل ~~السماح له بالعودة إلى اليهودية) أن المسلمين، «في إسناد الوحدانية إلى ~~الله؛ ليس لديهم أي خطأ على الإطلاق». فقد استقى العلماء المسلمون ~~من العلم اليهودي عند وضع الفقه الإسلامي الأول، وكانوا يدخلون ~~أحيانا عقوبات تلمودية بدلا من العقوبات القرآنية الأقل شدة (على ~~سبيل المثال، انتهاج ممارسة الرجم في حالة الزنى). لم يضمن أي من ~~هذا معاملة جيدة لليهود، الذين يمكن دائما استخدام رفضهم لاعتناق ~~الإسلام ضدهم. وبعد الفتح الإسلامي، واجهوا تمييزا قانونيا ~~وكانوا دائما عرضة لنوبات الاضطهاد. لكنهم ظلوا طويلا موالين ~~لحكامهم المسلمين حتى الحملة الصليبية الأولى، عندما قاتلوا إلى جانب ~~المسلمين للدفاع عن القدس من المسيحيين الفرنجة. # شكك الحكام المسلمون الأوائل فيما إذا كان السامريون من أهل ~~الكتاب حقا، وفرضوا عليهم ضرائب إضافية مقارنة بجيرانهم المسيحيين ~~واليهود. ومع ذلك، فقد استفاد السامريون من الفتح الإسلامي، حتى أكثر ~~من اليهود. فقد كتب المؤرخ الإسرائيلي ناثان شور أن «الفتح العربي ~~ساعد حقا المجتمع السامري الداخلي، ومنحه حرية العبادة التي لم ~~يكن يعرفها منذ قرون وجعل ازدهار دين المجتمع السامري وأدبه في ~~العصور الوسطى أمرا ممكنا.» تخلى السامريون عن الآرامية وبدءوا ~~يتحدثون العربية، وابتكروا أسماء مميزة لأنفسهم (على سبيل المثال، ~~عبد يهوه، بدلا من النسخة الإسلامية، عبد الله؛ فخلافا للنسخة ~~اليهودية من الوصايا العشر، لا تحرم نسخة السامريين من الوصايا ~~استخدام اسم الله). # ودون اضطهاد، ظل السامريون يعتنقون الإسلام؛ من أجل المكاسب ~~الاقتصادية، والرقي الاجتماعي، ولأسباب دينية. لذلك استمر المجتمع ~~في التقلص، ولم تدم المعاملة الجيدة. وأصدر الحكام المسلمون ~~المتشددون، أحيانا تحت ضغط من رجال الدين، قوانين عقابية ومهينة ~~تهدف إلى تشجيع السامريين على تغيير دينهم، ولم يكن بمقدور أولئك ~~الحكام الذين كانوا ليبراليين أو ودودين أن يفعلوا أكثر من منح ~~الإغاثة المؤقتة. وتقلصت مجتمعات السامريين في القاهرة، وغزة، ~~وحلب، ودمشق تباعا واختفت، حتى أصبحت نابلس المكان الوحيد الذي ~~يمكن العثور عليهم فيه. وبحلول القرن السادس عشر، عندما ظهر ms173 سامريون ~~معاصرون في السجلات الغربية لأول مرة، كانوا يتوقون إلى العثور على ~~أي عدد منهم قد يظل موجودا، مبعثرا في أنحاء العالم. وخدعهم ~~عالم فرنسي يدعى جوزيف اسكاليجيه في ذلك الوقت وجعلهم يظنون أنه قد ~~يكون هو نفسه عضوا في جماعة مفقودة منذ زمن طويل في أوروبا؛ ولذا ~~كتبوا إليه آملين: «نسألك بحق الرب، ونستحلفك باسمه المقدس، ~~ألا ترد طلبنا دون إجابة ... هل يوجد بينكم كهنة ينحدرن من نسل لاوي، ~~أو هارون، أو فينحاس، أو هل لديكم كهنة على الإطلاق؟» (كان هارون، من ~~سبط لاوي، جد جميع الكهنة اليهود في العصور التوراتية، وكان فينحاس ~~حفيد هارون.) كانت تلك نسختهم الخاصة من أسطورة الأسباط ~~العشرة. # على الرغم من تضاؤل عددهم، اعتبر السامريون أنفسهم ورثة لتاريخ ~~مشرف وقديم. وفي رسالتهم إلى اسكاليجيه تفاخروا بأنه لا يزال لديهم ~~رئيس كهنة ينحدر من نسل فينحاس (أضاف كاتب الرسالة بصيغة تنافسية: «لا ~~يملك اليهود كهنة منحدرين من فينحاس»). لقد تذكروا، على عكس معظم ~~اليهود، السبط الذي ينتمون إليه؛ فالكهنة السامريون مثل الكهنة ~~اليهود، «الكوهينيم»، من نسل لاوي، بينما يرجع السامريون العاديون ~~نسبهم إلى يوسف. وفي عشرينيات القرن التاسع عشر قال سامري يدعى ~~إسرائيل الشلبي للمبشر جوزيف ولف إن السامريين لم ينسوا أنهم من نسل ~~يوسف، الذي تعرض للخيانة والبيع في سوق العبيد بسبب إخوته. وقد ورث ~~السامريون عنه مظلمته؛ ومن ثم كانوا يستاءون من اليهود، ويقول ~~تعقيبا على ذلك: «نحن أبناؤه، لا يمكننا أبدا أن ننسى أن إخوة يوسف، ~~أبينا، عاملوه بقسوة شديدة.» # حتى عام 1772، كانت قوانين نابلس تفرض على السامريين ارتداء أجراس ~~في الأماكن العامة ومنعتهم من ركوب الخيول (في حالات الطوارئ، يمكنهم ~~ركوب البغال). وكانت السياسات المحلية في نابلس عنيفة وسريعة التغير؛ ~~حيث انتهز العديد من الديماجوجيين الفرص لمهاجمة السامريين كوسيلة ~~لتلميع مؤهلاتهم الإسلامية. ونجح أحد هؤلاء في بدء شغب في ~~خمسينيات القرن التاسع عشر، وأثناء ذلك أخذ بعض الرجال في الهتاف بأن ~~السامريين يجب أن يمنحوا خيار اعتناق الإسلام أو الموت. وجاء ms174 حاخام ~~اليهود الأكبر من القدس في الوقت المناسب ليتقي حدوث كارثة بأن ~~صدق على أنهم موحدون حقيقيون (وهي خطوة ذات أهمية تاريخية، ~~بالنظر إلى العلاقة السيئة التقليدية بين اليهود والسامريين). # سجل القس بليني فيسك، وهو مبشر أمريكي نشرت مذكراته بعد وفاته عام ~~1828، لقاءه مع السامريين: «استفسروا عما إذا كان يوجد أي سامريين ~~في إنجلترا، وبدوا غير راضين على الإطلاق عندما أجبناهم بالنفي. ~~وعندما علموا أنني من أمريكا، استفسروا عما إذا كان يوجد سامريون ~~هناك. فأجبتهم بالنفي، لكنهم بثقة أكدوا عكس ذلك، وأنه يوجد الكثير ~~منهم في الهند أيضا.» توجه رجل ويلزي، يدعى جون ميلز، كان قد علم ~~نفسه العبرية، واللاتينية، واليونانية، إلى نابلس في خمسينيات القرن ~~التاسع عشر. علق ميلز بقوله إنه وجد السامريين شعبا جذابا: ~~«كمجتمع، لا يوجد شيء في فلسطين يمكن مقارنته بهم ... فهم طوال القامة ~~ويتسمون بالرقي في المسلك.» وبعبارة ذات مغزى، أضاف أنه كان ~~بينهم «شبه لا تخطئه عين كالشبه بين أفراد العائلة الواحدة.» وقد ~~استمر ذلك حتى اليوم، بما في ذلك شحمة الأذن الكبيرة بشكل مميز. ~~عندما سألوه عما إذا كان يوجد عبرانيون في بلده، ظن ميلز أنهم يقصدون ~~اليهود وقال: نعم. ومجددا أصبحوا متحمسين بشدة لفكرة أنهم قد يجدون ~~مستوطنة مفقودة من السامريين. لكن الحقيقة أنهم كانوا وحدهم في ~~العالم. # كانوا يأملون في العثور على المسيا، أو التاهب، كما يطلقون عليه. ~~كتب جون ميلز أنهم يعتقدون أن المسيا الذي ينتظرونه سوف يأتي «ليس ~~لسفك الدم، وإنما لشفاء الأمم؛ وليس لشن الحرب، بل لجلب السلام». ~~لقد توقعوا، لأسباب لا يوضحها ميلز، أن المسيا سيأتي في عام 1910، ~~لكنه لم يفعل. من ناحية أخرى، كان الانتداب البريطاني، الذي دخل ~~حيز التنفيذ في فلسطين عام 1920، نقطة تحول. فمن تلك اللحظة بدأ ~~المجتمع في التعافي، بتشجيع من المسيحيين البريطانيين الذين كان لديهم ~~انطباع جيد عن السامريين بسبب صلاتهم التوراتية. وقد جاء العون في ~~الوقت المناسب؛ حيث كان المجتمع قد وصل إلى انخفاض لم يسبق له مثيل ~~وهو 146 عضوا. ms175 # وكانوا قد استمروا عبر القرون في نسخ نصوصهم التوراتية القديمة ~~على الرقوق، التي اعتقدوا أنها تثبت الادعاءات بأن جبل جرزيم هو جبل ~~الرب المقدس. وتذكروا أيضا النزاع القديم بين إسرائيل ويهوذا. ~~وعندما اقترحت إقامة الدولة اليهودية الجديدة في الأربعينيات، أوضح ~~كاهن سامري لمسئول بريطاني بكل عزة بوصفه آخر ورثة بيت إسرائيل: ~~«أنا لا أعادي اليهود في استردادهم مملكتهم مرة أخرى. أنا غاضب من ~~أنهم سيستقرون على أرض ملك لإسرائيل، ولم تكن ملكا لهم من قبل ~~مطلقا!» لم تردعه حقيقة أن عدد السامريين في ذلك الوقت كان مائتي ~~شخص واليهود نحو أحد عشر مليونا. وكما علق كاتب الرحلات البريطاني ~~إتش في مورتون في الآونة ذاتها تقريبا: «أظن أن السامريين يعتبرون ~~العرب الذين كانوا موجودين هناك منذ عام 638 بعد الميلاد مجرد ~~متطفلين!» ~~••• # أثناء إجراء البحث المتعلق بهذا الكتاب، عاودت النظر، في عام 2012، ~~في العناصر التي كنت قد احتفظت بها منذ كنت قنصلا في القدس. كانت ~~بمنزلة مجموعة من الذكريات. فقد كانت توجد تذكرة لحضور قداس عيد ~~الفصح في كنيسة القيامة، حيث نظرت إلى أسفل من قبة الكنيسة لأرى ~~البطريرك الأرثوذكسي يجلب النار، حسب الظاهر بمعجزة، من الكشك ~~الصغير الذي يقال إنه يئوي قبر المسيح. وكانت توجد صورة فوتوغرافية ~~للحائط الغربي، حيث لا يزال اليهود يذهبون لينوحوا على تدمير الهيكل ~~عام 70 بعد الميلاد على يد الرومان، الذين كانوا مصرين على القضاء ~~على الديانة اليهودية؛ لأنها أظهرت مقاومة شديدة لحكمهم. (والحائط ~~الغربي هو في الواقع الجسر الذي بني عليه المعبد، وليس جزءا من ~~المبنى الأصلي نفسه.) وكانت توجد أيضا صورة لقبة الصخرة الذهبية، ~~التي بنيت على موقع الهيكل القديم بعد الفتح الإسلامي. # وعثرت على تذكار من السامريين: نشرة إخبارية مطبوعة بأربع لغات؛ ~~العربية، والإنجليزية، والعبرية، والخط ذاته الشبيه بخيوط العنكبوت ~~الذي كنت قد رأيته على مباني قريتهم سنة 1998. كان هذا هو الخط ~~السامري القديم، وهو نسخة أقدم من الكتابة العبرية. ومدون أسفل كل ~~صفحة من الكتيب الصغير الرمز الاصطلاحي «إيه بي - ذا ms176 سماريتان نيوز ~~[أخبار الطائفة السامرية]». سجل الكتيب أن عيد الفصح الذي أقيم ~~عام 2001 في ذروة الانتفاضة الفلسطينية جرى بطريقة سلمية. وكان ~~الفلسطينيون قد وافقوا على تجنب أي مواجهة مع القوات الإسرائيلية. ~~تلقيت الشكر على تدخلي؛ فبعد زيارتي الأولى للسامريين، زرتهم عدة ~~مرات أخرى، بما في ذلك تلك المرة التي طلبوا مني فيها تشجيع ~~الفلسطينيين على تعليق القتال أثناء عيد الفصح. # لا يعني ذلك أنهم كانوا يواجهون أي صعوبة في التعامل مع ~~الفلسطينيين، فكما أوردت النشرة: «تلقى السامريون، الذين نزلوا من ~~الجبل إلى نابلس لشراء البقالة من أجل العيد، ترحيبا حارا من السكان ~~... فسكان نابلس يتعاملون مع الوجوه الغريبة بارتياب ... ومع ذلك، عندما ~~عرف الزبائن أنفسهم بأنهم سامريون، سرعان ما تحولت الشكوك إلى ~~ابتسامة عريضة مصحوبة بالمصافحات.» أثناء قراءتي لهذه الكلمات، تساءلت ~~عما إذا كان من المحتمل أن السامريين يمثلون شيئا أكثر روعة من ~~أسباط إسرائيل العشرة المفقودة؛ إذ يمكن أن يكونوا جسرا بين ~~الفلسطينيين والإسرائيليين. # لذلك كنت آمل أن يشكلوا فصلا جيدا في هذا الكتاب. فأفكارهم ~~وعاداتهم، التي تشبه أفكار اليهود وعاداتهم، ستكون مألوفة لدى معظم ~~القراء أكثر من تلك الموجودة في فصول الكتاب الأخرى. لكن وجود هذه ~~الطائفة، التي وصفها الباحث الإسرائيلي ناثان شور بأنها «ربما تكون ~~أصغر مجموعة من الناس احتفظوا على مدى قرون عديدة بوعي وطني خاص ~~بهم»، قد يساعد في إلقاء الضوء على ما يجعل مجموعة من الناس يعتبرون ~~أنفسهم أمة. فما الذي يجعلنا نرسم الخط الخفي بيننا ~~وبينهم؟ # عندما زرت السامريين للمرة الأولى، كان الكثيرون لا يزالون يأملون ~~في إمكانية تحقيق السلام الدائم. وبعد أكثر من عقد من الزمان، تلاشت ~~تلك الآمال. كنت خائفا مما قد أجده إذا عدت. لكنني كنت عازما على ~~الذهاب؛ لأنني كنت قد تلقيت دعوة. كنت قد كتبت إلى محرر نشرة إيه بي ~~الإخبارية، بنياميم تسيداكا (التهجئة السامرية لاسم بنيامين)، آملا ~~في أن يتذكرني من المدة القصيرة التي أمضيتها في القرية. لم يرد في ~~البداية. لكن بعد بضعة أسابيع تلقيت ms177 رسالة بريد إلكتروني غريبة من ~~حسابه: «سيقام قربان الفصح هذا العام ظهر يوم الجمعة، الموافق ~~الرابع من مايو 2012.» كان موقعا على الرسالة باسم «بيني»، ويبدو ~~أنها قد أرسلت إلى قائمة طويلة من الأطراف التي يحتمل أن تكون ~~مهتمة. تلت ذلك قائمة قراءات من سفر اللاويين وتعليمات بشأن متى ~~ينبغي قراءتها. وفيما يخص وقت عيد الفطير [الفصح]، أوصت الرسالة ~~بتناول ماتزوث كوشير (فطير غير مخمر) وحرمت المعكرونة. وحتمت ~~ضرورة أن يصلي المرء في اتجاه الشرق؛ إلا إذا كان في الهند أو ~~روسيا، ففي هذه الحالة يجب عليه مواجهة جهة الجنوب الغربي. من الواضح ~~أن قربان الفصح وعيد الفطير كانا عيد الفصح، على الرغم من اختلاف ~~التاريخ السامري عن التاريخ اليهودي. (لدى المجموعتين تقويمان ~~مختلفان قليلا، ويمكن أن يكون العيد السامري قبل النسخة اليهودية ~~بيومين أو ما يصل إلى شهر بعدها.) # قررت أن الرابع من مايو سيكون وقتا مناسبا لزيارة بيني ~~والسامريين. ومع ذلك، يجب أولا أن أتمكن من اجتياز سلطات الحدود ~~الإسرائيلية. كان لدي سبب لأن أعتقد أن هذا سيكون صعبا. فجواز سفري ~~كان يحتوي على أختام من كل دولة تقريبا يمكن أن تثير شكوكهم: ~~العراق، وإيران، والمملكة العربية السعودية، وأفغانستان، وباكستان. كان ~~ذلك قد تسبب في احتجازي لدى وصولي إلى مطاري شيكاغو ولندن؛ لا أستطيع ~~إلا أن أتخيل ما سيحدث في تل أبيب ذات الوعي الأمني. ومع ذلك، فقد ~~قضيت، قبل وقت طويل، بضعة أسابيع في تعلم العبرية، أثناء عملي في ~~القدس. وظننت أن هذا قد يساعدني في التخفيف من حدة التوتر قليلا مع ~~السلطات، لكنني أدركت بعد ذلك أن كل ما كنت أتذكره هو أغنية عاطفية. ~~وشككت في أن ينجح ذلك في استمالة أي شخص. # كانت حارسة الحدود في مطار بن جوريون في حيرة من أمرها. قالت: «هل ~~أنت قادم لعيد الفصح؟ لكن عيد الفصح انتهى.» حاولت أن أوضح أنه كان ~~يوجد عيد فصح آخر، تحتفل به في قرية صغيرة في الضفة الغربية مجموعة ~~تسمى السامريين، وعندما قلت ذلك، ms178 أدركت أنها لم تكن قد سمعت بهم ~~من قبل. رافقني أحدهم جانبا إلى غرفة انتظار خاصة في زاوية من صالة ~~الوصول، مخصصة للأفراد المشتبه بهم الذين يلزمهم استجواب مكثف. ~~جلست على مقعد. وكانت مجموعة من النساء الفلسطينيات على المقعد ~~المقابل لي. وبجواري كان يجلس صبي ذو بشرة داكنة له «بيئوت» (سوالف ~~طويلة) ويضع كبة (غطاء رأس، يسمى أيضا يارمولكه) اليهود ~~الأرثوذكس ومعه كيس ضخم من السلع الاستهلاكية عليه ملصقات باللغة ~~العربية. أخبرني أنه من اليمن، وقد عاد لتوه من زيارة لعائلته في ~~قرية بالقرب من عاصمة ذلك البلد، صنعاء. منذ أشهر قليلة، كان واحدا ~~من أربعمائة يهودي متبقين في اليمن؛ وكان الآن ينتظر الحصول على ~~الجنسية الإسرائيلية. # لحسن الحظ كان الاستجواب قصيرا؛ لأن أحد العاملين في المطار كان ~~قد سمع عن السامريين وجاء لنجدتي. وهكذا في غضون بضع ساعات كنت قد ~~ركبت حافلة متجهة إلى القدس وكنت أحاول أن أصف لراكبة أخرى، ~~سائحة من الدول الإسكندنافية، المعالم السياحية التي عاودت تذكرها ~~على الفور. خلفنا كانت مدينة تل أبيب الساحلية التي بناها مهاجرون ~~يهود في القرن العشرين، وهنا على اليسار كانت قرية أبي غوش العربية، ~~وأمامنا كانت القدس، «أورشليم الذهبية»، كما وصفتها أغنية إسرائيلية ~~ناجحة من الستينيات. وكان أكثر شيء ذهبي في المدينة هو قبة ~~مزارها الإسلامي الرئيسي. ولكن مثلما كان الحجر الأبيض لمباني القدس ~~يعكس ضوء الشمس المتغير، كانت شخصية المدينة تتغير وفقا للزاوية ~~التي يراها منها المرء. فهي مكان الحكومة الإسرائيلية، لكنها أيضا ~~وجهة رئيسية للسياح المتدينين والعلمانيين على السواء؛ وجوهرة ~~معمارية لا تزال أسوار مدينتها معلما بارزا يمكن رؤيته من على ~~بعد أميال، لكنها أيضا مدينة حدودية، في كثير من الأحيان يجد فيها ~~المتدينون والعلمانيون، اليهود والعرب أنفسهم في منافسة حزينة ~~على المكان، وعلى التحرر من الخوف. # بعد وصولي إلى فندقي في ذلك المساء، اتصلت ببيني تسيداكا وسألته ~~عن أفضل طريق للوصول إلى قرية اللوز، على جبل جرزيم. أجاب بأن المسألة ~~سهلة؛ فكل ما كان علي فعله هو ms179 ركوب حافلة فلسطينية صغيرة من عند ~~باب العامود، في البلدة القديمة بالقدس. وستقلني شمالا إلى مدينة ~~رام الله في الضفة الغربية التي يسير شئونها الفلسطينيون؛ وهناك ~~يمكنني ركوب حافلة أخرى، تحمل لوحة أرقام فلسطينية، لتقلني إلى ~~نابلس. ومن نابلس يمكنني أن أستقل سيارة أجرة. بدا هذا مناسبا؛ إذ ~~كنت قد ركبت حافلات فلسطينية صغيرة من قبل. ولكن كان ثمة شيء آخر ~~أردت التحقق منه قبل بدء الرحلة. كنت أعلم أنه في بعض الأحيان كانت ~~توجد قيود على سفر المركبات الفلسطينية في الضفة الغربية. لذلك ~~اتصلت بالمحافظ الفلسطيني لمدينة نابلس للتأكد من أنني سأتمكن من ~~الوصول إلى القرية. بدا المحافظ مذعورا. وقال: «لقد أغلقوا كل الطرق ~~من أجل عيد الفصح السامري. لن تنجح أبدا في الوصول. تعال الأسبوع ~~المقبل.» حاولت أن أقول إنني كنت قادما من أجل عيد الفصح تحديدا، ~~لكنه كان قد أنهى المكالمة. وصرت في حيرة من أمري. لكن عندما فكرت ~~في البدائل، أدركت أنه كانت توجد طريقة أخرى للوصول إلى ~~السامريين. # عندما استولت إسرائيل على القدس الشرقية وما وراءها من أراض، حتى ~~نهر الأردن، في حرب سنة 1967، كان يوجد العديد من اليهود، بما في ذلك ~~في حكومة إسرائيل، ممن أرادوا الانسحاب في أسرع وقت ممكن. كان لدى ~~الآخرين رؤية أكثر توسعية وأرادوا الاحتفاظ بالأراضي المحتلة. ~~وجادلوا بأن حدود إسرائيل السابقة لا يمكن الدفاع عنها. كانت المشاعر ~~الدينية في جانبهم؛ فقد صارت البلدة القديمة في القدس، إلى جانب ما ~~تبقى من الهيكل القديم، في قبضة اليهود لأول مرة منذ عام 70 بعد ~~الميلاد. تمسكت إسرائيل بذلك، ومنذ ذلك الحين اتخذت سلسلة من ~~الإجراءات المصممة بوضوح لجعل القدس الشرقية جزءا لا يتجزأ من ~~إسرائيل. # كما اعتقدت مجموعة من الإسرائيليين المتدينين أن بقية الأرض ~~الواقعة بين الحدود الشرقية السابقة لإسرائيل ونهر الأردن - المنطقة ~~المعروفة باسم الضفة الغربية - يجب أن تظل إلى الأبد جزءا من دولة ~~إسرائيل. فأقاموا مستوطنات هناك، في كثير من الأحيان على الأراضي التي ~~كانت إسرائيل في الأصل قد ms180 صادرتها لأغراض عسكرية. ولأن هذا كان يمثل ~~انتهاكا لاتفاقيات جنيف، التي تحظر على سلطة الاحتلال استخدام ~~الأراضي المصادرة للاستيطان المدني، على الفور أثارت هذه الخطوة ~~جدلا كبيرا. كذلك جعلت إسرائيل في مواجهة مستمرة مع القرويين ~~الفلسطينيين الذين يعيشون بالقرب من المستوطنات، بينما كان المستوطنون ~~أهدافا سهلة للهجمات الإرهابية. ومع ذلك، فقد انضم إلى المستوطنين ~~المتدينين آخرون جذبتهم دوافع اقتصادية؛ حيث أتيحت الأراضي ~~الجديدة، التي وقعت قطع كثيرة منها فوق مصادر مياه قيمة وفي ~~مواقع استراتيجية، بتكلفة منخفضة للإسرائيليين اليهود. وكان لدى ~~المستوطنين سيارات وحافلات تحمل لوحات أرقام إسرائيلية، مستثناة من ~~إغلاق الطرق والقيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين. فحتى لو كانت ~~الطرق مغلقة في وجه الفلسطينيين، فستمر هذه السيارات؛ ومن ثم كان ~~من الواضح أنني كنت بحاجة إلى أن أستقل إحداها. توجهت إلى محطة ~~الحافلات المركزية في القدس لمعرفة ما إذا كان بإمكاني العثور على ~~واحدة قد تأخذني إلى أي مكان بالقرب من قرية السامريين. # كانت محطة الحافلات مزدحمة، لكن غالبية الناس فيها كانوا متجهين ~~إلى أماكن تقليدية؛ تل أبيب، ونتانيا، وإيلات. بعد مراجعة دليل ~~الحافلات، وجدت أن حافلات الضفة الغربية كانت في ركن خاص عند أبعد ~~نقطة في المحطة. وكانت الحافلة، كما لاحظت عندما استقللتها، ~~مصفحة، وكان معظم الركاب جنودا ببنادق آلية. رأى منظرو حركة ~~الاستيطان مجتمعاتهم المحلية عودة إلى أرض كانت توراتيا ملكا ~~لليهود، وتحديا عنيفا للإرهاب. أما من منظور الفلسطينيين، فقد ~~مثلت المستوطنات استغلالا عنصريا للاحتلال العسكري الإسرائيلي ~~للضفة الغربية، وعملية سلب تتقدم ببطء من شأنها أن تعوق طموحاتهم في ~~إقامة دولة مستقلة. وعلى مدى السنوات كانت الاشتباكات بين ~~المستوطنين والفلسطينيين متكررة ودموية. # اتجهت الحافلة شمالا ومرت عبر «جدار الفصل»؛ سياج من جهة، وجدار ~~مرتفع من جهة أخرى، بني لتقليل الهجمات الإرهابية على الإسرائيليين. ~~عزل الجدار الفلسطينيين عن القدس، مما قيد جدلا إمكانية وصولهم ~~إلى أماكنهم المقدسة، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين. على الجانب ~~الآخر من الجدار، كنت داخل إسرائيل وخارجها في آن واحد. فقد كنت ~~في حافلة ms181 إسرائيلية، تتجه إلى بلدة تبدو مثل أي بلدة إسرائيلية، ~~على طريق بناه الإسرائيليون. ومع ذلك، كنت رسميا خارج إسرائيل؛ ~~فالمنطقة التي دخلت إليها لم يكن يديرها مدنيون منتخبون بل حاكم ~~عسكري، والأطفال غير اليهود المولودين هناك لا يحق لهم الحصول على ~~الجنسية الإسرائيلية. كان طريق للفلسطينيين، وعر إلى حد ما ومليء ~~بالحفر، يمضي بمحاذاة الطريق الإسرائيلي في نقاط معينة ثم يختفي. ~~وصلتني رسالة على هاتفي الخلوي، الذي كان يبدل الشبكات تلقائيا: ~~«مرحبا، استنشقوا رائحة الياسمين، وتذوقوا طعم الزيتون، فلسطين ~~ترحب بكم!» لم تسمح النوافذ ذات الزجاج السميك بدخول الرائحة أو ~~الطعم، لكن لم يكن من السهل حظر الإشارات اللاسلكية، تماما مثل ~~الذكريات والشعور بالذنب. حتى شبكات الهاتف الخلوي الفلسطينية ~~والإسرائيلية، بدت متداخلة ومتنافسة. # لسنوات، كان محور تركيز عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين على ~~رسم حد بينهما. لكن الحد على الخريطة هو مجرد خط ثنائي الأبعاد، ~~واقترح أثناء مفاوضات كامب ديفيد في عام 2000 أن ثمة حاجة إلى وضع ~~حد ثلاثي الأبعاد. فقد كان الحرم الشريف (المعروف بالإنجليزية باسم # Temple Mount ~~(جبل الهيكل))، ~~الذي كان مقدسا عند المسلمين، بناء على هذا الاقتراح فلسطينيا، ~~وكانت بقايا الهيكل اليهودي القديم تحته جزءا من إسرائيل. ربما حتى ~~الأبعاد الثلاثية ليست كافية. فلفهم التعقيدات بين إسرائيل وفلسطين، ~~ثمة حاجة إلى بعد رابع؛ غير مرئي بالعين المجردة، لكنه مألوف لكل ~~من يعيش هناك: وهو التاريخ. فكل مكان في إسرائيل، والضفة الغربية، ~~وغزة له اسم بالعربية واسم بديل بالعبرية؛ وبالمثل كل مكان له ~~روابط وتاريخ يهودية وفلسطينية. لا تزال كلمتا «إسرائيل» و«فلسطين» ~~غير مستخدمتين من قبل السكان لوصف دولتين منفصلتين، وإنما ~~بالأحرى تستخدمان كاسمين بديلين للأرض التي تقع بين نهر الأردن ~~والبحر الأبيض المتوسط. ويتزايد باطراد عدد العرب، الذين يشكلون ~~خمس المواطنين الإسرائيليين، ممن يصفون أنفسهم بأنهم فلسطينيون، ~~بينما تجعل المستوطنات الإسرائيلية التي تنتشر في أنحاء الضفة الغربية ~~«حل الدولتين» - أي فكرة وجود دولة فلسطينية مستقلة - أقل قابلية ~~للتطبيق مع كل عام يمر. # مدينة نابلس، التي كنت ms182 متجها إليها، معروفة للإسرائيليين باسم ~~شكيم؛ فهذا هو اسمها التوراتي القديم. وهي مدينة بها مساجد إسلامية ~~تاريخية ولكنها تضم أيضا أماكن مقدسة يهودية مثل قبر يوسف. ~~وبالمثل، تشتمل ضواحي تل أبيب على مدينة يافا الفلسطينية التاريخية؛ ~~حيث تعود أصول العديد من اللاجئين الذين يعيشون في ضواحي نابلس إلى ~~هناك. وهذا التداخل لا يقتصر على جغرافيا الشعبين فحسب. فاللغات ~~أيضا متداخلة؛ فعندما اخترع ابن يهودا اللغة العبرية الحديثة ولم ~~يتمكن من العثور على الكلمات التي يحتاج إليها في الكتاب المقدس، ~~استعاض عن ذلك بأن استعارها من العربية. واستمرت العملية منذ ذلك ~~الحين، مع تبني الإسرائيليين للمصطلحات العامية العربية مثل «ياللا»، ~~والتي تعني «هيا بنا»، واستخدام الفلسطينيين للكلمة العبرية «محسوم» ~~للدلالة على نقطة تفتيش. وكذلك يرتبط الحمض النووي للشعبين. فقد ~~خلصت دراسة نشرت في عام 2010 - مع إقصاء التأثيرات الأوروبية ~~الجنوبية على الحمض النووي اليهودي، والتي ربما قد حدثت نتيجة ~~لحالات اعتناق الديانة اليهودية - إلى أن «الجيران الأقرب جينيا ~~لمعظم السكان اليهود هم الفلسطينيون، والبدو، والدروز». # حتى لو كان اليهود والفلسطينيون ينحدرون من أسلاف مشتركين، فإن ~~اختلافاتهم الدينية قد طغت على روابط القرابة. وأصبح الشعور بالثقة ~~المكتسب من خلال الصلاة معا ومشاركة المعتقدات مهما أكثر من الثقة ~~المكتسبة من خلال تشارك العائلة أو القبيلة ذاتها. يوما ما حدث شيء ~~مشابه بين اليهود والسامريين. أظهرت دراسة جينية في عام 2004 أن ~~اليهود الكوهينيم والسامريين مرتبطون ارتباطا وثيقا؛ وهو الأمر الذي ~~يدعم الزعم السامري بأنهم بالفعل من نسل قبائل إسرائيلية أفلتت من ~~أذى الآشوريين. # لم يكن من السهل الوصول إلى قرية السامريين. فقد كانت المستوطنة ~~الأقرب إلى السامريين، كما أخبرني رفاقي الركاب، هي هار براخا. وهي ~~مستوطنة صغيرة ومتعصبة دينيا. والوصول إليها يعني ركوب ثلاث حافلات ~~مختلفة. أوصلتني أول حافلة إلى آرييل، وهي مدينة جامعية كبيرة ولطيفة ~~أنشأها المنظرون الأيديولوجيون في السبعينيات من أجل منع إقامة دولة ~~فلسطينية من خلال المكوث وسط الضفة الغربية؛ وقد تمكنت منذ ذلك الحين ~~من جذب عدد كبير من ms183 السكان، الذين أراد الكثير منهم مساكن رخيصة. ~~تجولت في شوارعها الهادئة التي تصطف على جانبيها الأشجار، جائعا ~~أبحث عن مركز المدينة الذي لم أتمكن من العثور عليه. تخليت عن فكرة ~~شراء الطعام وانتظرت الحافلة التالية. كانت أقل ازدحاما من الأولى، ~~والآن أثناء سفرنا رأيت كروم العنب والحدائق التي تعهدها ~~المستوطنون اليهود المحليون بالرعاية في محاولة لعيش حياة توراتية ~~أكثر أصالة. فلو كانت علاقاتهم بالفلسطينيين أكثر سلمية، ربما ~~كانوا سيروا مشاهد توراتية في قرية فلسطينية خلال موسم حصاد ~~الزيتون، أو في مخيم بدوي مع شيخ يجلس عند مدخل خيمته في منتصف ~~النهار. بدلا من ذلك، كان وجودهم حدوديا بكل ما في الكلمة من ~~معنى. # نزلت من الحافلة الثانية خارج نابلس مباشرة، عند ظلة على جانب ~~الطريق محمية بجدران خرسانية بالقرب من محطة وقود؛ كان ذلك عند سفح ~~جبل جرزيم الذي تقع على قمته مستوطنة هار براخا. كان العثور على أي ~~تاريخ أو قداسة هناك أمرا يستلزم أن يمتلك المرء خيالا واسعا، لولا ~~مجموعة الأطفال الواقفين بجانبي في انتظار الحافلة التالية. كان لديهم ~~«بيئوت» مثل اليهود المتزمتين، كالرجل اليمني الذي تعرفت إليه في ~~المطار، ونظروا إلى بنظرات فضولية. من الواضح أن الغرباء لا يسلكون ~~عادة هذا الطريق. وصلت الحافلة التالية، واستقللناها - صبيان ~~صاخبون في المقدمة، وفتيات رزينات في الخلف - صاعدين الجبل إلى ~~مجموعة المنازل التي كانت تتألف منها هار براخا. ومن حافة ~~المستوطنة، كان بإمكاني رؤية قرية السامريين على بعد ثلاثمائة أو ~~أربعمائة ياردة؛ وكان يوجد طريق يؤدي إليها، تصطف الأشجار على أحد ~~جانبيه ويمتد حقل مفتوح على الجانب الآخر. ترجلت من الحافلة ~~وبدأت أسير. # يسمي الإسرائيليون القرية السامرية كريات لوزة، في حين أن اسمها ~~الفلسطيني هو الطور. كان السامريون يطلقون عليها اسما ثالثا ~~أيضا: اللوز. وفي هذا الأمر كما هو الحال في كثير من الأمور الأخرى، ~~حاولوا بجد أن يكونوا محايدين بين الجانبين. يحمل سكان اللوز ~~أوراق هوية من الحكومتين الفلسطينية والإسرائيلية - ويمكنهم أيضا ~~حمل جوازات سفر من الأردن المجاورة. ومن ms184 الواضح أنهم ليسوا مسلمين، ~~لكنهم ليسوا يهودا أيضا. وقد تمكنوا، في معظم الأحيان، من البقاء ~~منفتحين على كلا المجموعتين. كنت قد أتيت إلى القرية لأول مرة في ~~عام 1998 مع مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين. هذه المرة، دخلت القرية ~~بصحبة رجل يهودي، أوقف شاحنته أمامي بينما كنت أسير وعرض علي ~~توصيلة. كانت تتناثر على مقعده الأمامي أوراق أزاحها جانبا. وقال ~~مازحا: «غالبا لا يأتي أحد هنا سوى أنا والرب»، وأوضح أنه بائع ~~متجول يزور المستوطنات والبلدات الفلسطينية. وقال إن الوضع لم يكن ~~خطيرا جدا؛ فقد أصبحت الأمور هادئة الآن. # بدت القرية ذاتها وكأنها صممت لتكون واجهة للتنوع. فقد كان ~~بها شارع واحد فقط، حيث كان شباب القرية من المراهقين يتواصلون ~~اجتماعيا. وكانت مجموعة من الفتيان تتحدث بالعربية؛ بعض الطلاب من ~~جامعة نابلس يلتقون بصديق سامري. وفتيات يرتدين تنورات قصيرة ~~جالسات على طاولة في المتجر الرئيسي ويتحدثن العبرية. كن سامريات ~~من ضواحي تل أبيب وكن أكثر اندماجا في المجتمع الإسرائيلي (بدا ذلك ~~واضحا من ملابسهن؛ فقد كان سكان القرية العاديون يرتدون ملابس أكثر ~~تحفظا). خمنت أن هذه الزيارات قد تكون فرصة جيدة لهن للعثور على ~~أزواج، حيث لا يسمح للسامريين - وخاصة النساء السامريات - بالزواج من ~~أشخاص من خارج دينهم. # كان لدي بعض المشاكل العملية الطابع. إذ كنت قد أتيت إلى القرية ~~دون ترتيب مكان أمضي فيه ليلتي، وكنت قد خططت للإقامة في أحد ~~فنادق نابلس، لكن بدا لي أن القواعد الأمنية يمكن أن توقفني. لم يكن ~~لدي أي فكرة عن المكان الذي سأنام فيه، لكنني افترضت أنه يمكنني ~~على الأقل الحصول على بعض الطعام من متجري القرية. لكن خلال أيام ~~التحضير لعيد الفصح تلك، لا يؤكل الخبز العادي أو يباع في القرية. ~~وكانت أفضل الأشياء التي استطعت العثور عليها لتناول وجبة بسيطة هي ~~علبة زيتون وعلبة جبن. أثناء وقوفي في الصف لشرائهما، رأيت مجموعة ~~مختارة من الأكواب والقمصان تتدلى من سقف المتجر، مكتوبا عليها # Good Samaritan ~~(أي السامري ~~الصالح). كان هذا هو ms185 أيضا اسم مركز الاستقبال بالقرية، الذي كان ~~مغلقا. # شققت طريقي إلى أنقاض معبد السامريين، الذي كان في أعلى نقطة في ~~القرية. أحاط سياج بالأطلال، التي لا يزال علماء الآثار ينقبون فيها، ~~وقد حققوا بعض الاكتشافات الرائعة هناك. عرض صبي أن يريني ~~المكان مقابل مبلغ مادي. تركني أمر عبر البوابة، التي كان معه ~~مفتاحها، وأراني الأساسات الصخرية لما كان يوما ما مزارا ~~مقدسا رائعا. كان علماء الآثار قد توصلوا إلى أن هذا المعبد ~~السامري قد بني منذ خمسة وعشرين قرنا، داخل منطقة كبيرة مسيجة ~~مساحتها 315 × 321 قدما. كان بإمكان آلاف الزوار الصلاة في المعبد ~~في مدة زمنية ما. وقدم العديد من الحيوانات قرابين هناك لدرجة ~~أنه عثر على أربعمائة ألف قطعة عظام في الموقع. ونصت النقوش على ~~أنه «بيت الرب». وتوصل كبير علماء الآثار في الموقع إلى نتيجة ~~مثيرة للجدل مفادها أن المعبد السامري بني قبل المعبد اليهودي ~~الأول. # من حافة السياج نظرنا إلى نابلس في الوادي بالأسفل. كان بإمكاني ~~رؤية كنيسة بئر يعقوب. كان ليعقوب اثنا عشر ابنا، وشكل كل واحد ~~منهم سبطا: أسباط إسرائيل الاثني عشر. سألت الصبي عن السبط الذي ~~كان ينتمي إليه. قال: «ميناشي.» كان ميناشي أحد قسمي سبط يوسف؛ ~~لذلك كان يوسف، الذي كان قبره ظاهرا أسفلنا، هو الجد الأكبر لهذا ~~الصبي. وقد يكون، بالطبع، جد العديد من الأشخاص الآخرين الذين ليسوا ~~سامريين الآن. فلا بد أن العديد من السكان المسلمين في نابلس ~~والقرى المحيطة بها من أصل سامري. ومن المعروف أن بعض العائلات لم ~~تعتنق الإسلام إلا مؤخرا. وانتخب أحد أفراد واحدة من هذه ~~العائلات، وهو عدلي يعيش، رئيسا لبلدية نابلس بفارق ستة وسبعين ~~بالمائة، بوصفه مرشحا لحماس. وادعى بيني تسيداكا فيما بعد أن أكثر ~~من تسعين بالمائة من الفلسطينيين ينحدرون من نسل السامريين واليهود. ~~«إذا سألت شخصا متدينا من أي من الجانبين، سيقول إن هذا هراء. ~~ولكنها الحقيقة!» (كان بيني نفسه مدركا للتاريخ الطويل الذي ربطه ~~بالأرض التي يعيش عليها. وفي مناسبة لاحقة، ms186 كنت معه في بريطانيا ~~عندما سأله رجل يهودي عن المدة التي عاشت فيها عائلة بيني في ~~إسرائيل. ولم يسمع رد بيني جيدا وقال: «مائة وسبع وعشرون سنة؟ هذا ~~وقت طويل!» قال بيني: «لا، مائة وسبعة وعشرون «جيلا».») ~~••• # اتضح أن منزل بيني على بعد مسافة قصيرة سيرا على الأقدام من أنقاض ~~الهيكل. وكان نوعا ما المتحدث الرسمي باسم السامريين؛ وكانت فيلته ~~الصيفية المريحة تستخدم أيضا مقرا لصحيفة الطائفة. كان المنزل ~~مغطى بحجر خشن باللون الأبيض المائل للصفرة يستخدمه غالبا ~~الإسرائيليون والفلسطينيون على حد سواء لتغطية الأسمنت الرمادي ~~الذي يستخدمونه لبناء منازلهم وإضافة لمسة جمالية له. عاش بيني في ~~الطابق العلوي الذي يطل على سفح التل. وبالإضافة إلي استقبل ~~هنا عددا لا حصر له من الزوار - حاخاما، وزوجين مسيحيين إنجيليين، ~~وطاقم تصوير فيلم - وأجاب عن جميع أسئلتنا. كانت أسئلتي تتعلق ~~بمعتقدات السامريين. يرفض السامريون النصوص الدينية اليهودية مثل ~~سفري دانيال وإشعياء؛ فعندهم، لا يوجد نظير لأسفار موسى الخمسة ~~(أسفار العهد القديم الخمسة الأولى، التي تسمى أحيانا بالتوراة). ~~والتوراة السامرية تختلف قليلا عن التوراة اليهودية. وكما ذكر ~~سابقا، لا تتضمن النسخة التي تحويها من الوصايا العشر أي حظر على ~~النطق باسم الرب باطلا، ولكنها تتضمن وصية لبناء مذبح على ~~جبل جرزيم. يزعم بيني أن التوراة السامرية هي النسخة الأكثر مصداقية. ~~ويرى أن قومه قد حافظوا على النص بشكل أفضل على مر القرون؛ لأنهم ~~بقوا في مكان واحد، ونسخوا بدقة الكتابات المقدسة الثمينة من ~~المخطوطات القديمة إلى المخطوطات الجديدة. # لكن الاختلاف الأكبر في الشعائر بين السامريين واليهود يأتي من ~~رفض السامريين لجميع التقاليد اليهودية التي نشأت بعد كتابة ~~التوراة. فعلى سبيل المثال، بما أن التوراة لا تطلب صراحة من الرجال ~~تغطية رءوسهم طوال الوقت، فإن السامريين لا يرتدون «الكبة» عموما، ~~كما يفعل اليهود الأرثوذكس، ولا ترتدي النساء السامريات الشعر ~~المستعار أو الحجاب لتغطية شعورهن. ونظرا إلى أن التوراة تأمرهم بأن ~~يقدموا الحملان قرابين في عيد الفصح وأن يضعوا دمها أعلى ~~إطارات أبوابهم وعلى جوانبها، ms187 فهذا هو ما يفعلونه بالضبط؛ كما سأرى ~~لاحقا. ولا يحتفلون بعيدي البوريم والحانوكا اليهوديين، اللذين ~~ظهرا بعد تاريخ نزول التوراة. # وكذلك يرفضون أي إجراءات يهودية للتخلي عن قواعد التوراة أو ~~تخفيفها. ويحافظون على التقاليد القديمة للكهنوت. وعندما كان الهيكل ~~اليهودي قائما، كان يخدمه الكهنة، الذين كان يقودهم رئيس كهنة. ولا ~~يزال يوجد في اليهودية دور لكهنة سبط لاوي بالوراثة، الكوهينيم؛ ~~فهؤلاء، على سبيل المثال، يقدمون البركة الكهنوتية في الصلاة ~~اليهودية الأرثوذكسية، ويحظر عليهم القانون اليهودي الزواج من ~~النساء المطلقات أو اليهوديات اللاتي كن يعتنقن ديانات أخرى. ومع ~~ذلك، فهم لا يقدمون القرابين، واستحوذ الحاخامات إلى حد كبير على ~~دورهم القيادي في المجتمع اليهودي. لكن عند السامريين لا يزال دور ~~الكهنة كما كان منذ ألفي عام. أخبرني بيني أنه يوجد ثمانية وعشرون ~~رجلا سامريا من الكهنة، وهم رجال راشدون من عائلات تدعي ~~انحدارها من نسل لاوي. وهم يشرفون على عمليات الختان، وقراءات ~~التوراة، والخطبة، والزواج، والطلاق (أكد لي بيني أن الطلاق «نادر ~~جدا، حيث يحدث خمس مرات في المائة عام»)، ويقودون الصلاة. كما أنهم ~~يقدمون حيوانات قرابين مرة في السنة في عيد الفصح. ويلعب رئيس كهنة ~~السامريين دور المحكمة العليا في الشئون الدينية. # الرجال السامريون، مثل الرجال اليهود الأرثوذكس، لا يلمسون زوجاتهم ~~أثناء مدة الحيض. وتتضمن القواعد السامرية ما هو أكثر من ذلك إلى ~~حد ما؛ فحتى الأشياء التي تلمسها المرأة الحائض تعتبر غير نظيفة؛ ~~مما يعني أنه يجب عزلها تماما. أوضح بيني: «للمرأة أثناء مدة الحيض ~~غرفة خاصة، حيث تقيم فيها مدة سبعة أيام. وبعد ولادة ذكر، تفصل مدة ~~أربعين يوما، وبعد ولادة أنثى، تكون المدة ثمانين يوما. لا يسمح ~~باللمس، لكن يسمح لها بالتحدث؛ وتجلس على طاولة أخرى.» وعلى حد ~~زعمه: «لكن الفائدة الكبرى هي أن يقوم الزوج بواجباتها في المنزل! ~~فالأسرة تساعدها. وهذا يقلل من الإجهاد الطبيعي.» وفي نهاية هذه ~~المدة، تأخذ المرأة حماما شعائريا لتطهير نفسها. # يبدأ السبت السامري من غروب شمس يوم الجمعة حتى غروب شمس ms188 يوم ~~السبت، تماما مثل السبت اليهودي؛ ولكن بتشدد أكبر. وهم لا يصلون ~~في تشددهم إلى درجة تشدد الإسينيين، وهي طائفة يهودية متشددة ~~فرض أتباعها على أنفسهم قاعدة (مؤلمة بالتأكيد) تقضي بأن لا ~~يتغوطوا يوم سبتهم. لكن السامريين لا يستطيعون إشعال النار في يوم ~~السبت، وفي زمان الشموع والفوانيس كان هذا يعني الجلوس في الظلام؛ ~~وعلى عكس اليهود، لا يجوز لهم أن يطلبوا من أشخاص من خارج دينهم أن ~~يضيئوا لهم الشموع. وكتبوا في رسالتهم إلى اسكاليجيه في القرن السادس ~~عشر أنهم يعاشرون زوجاتهم يوم السبت. ولم يتركوا منازلهم إلا للصلاة. ~~وحتى اليوم، لا يخرج السامريون من القرية يوم السبت، ولا يدخنون ~~في ذلك اليوم أيضا. ولا يزالون يرتدون يوم السبت ملابس يعتقدون أنها ~~تحاكي تلك التي كان يرتديها اليهود الذين شاركوا في الهجرة الجماعية ~~التوراتية من مصر. أخبرني بيني أنه كان يرتدي هذه الملابس في أيام ~~السبت حتى عندما كان طالبا في الجامعة العبرية. # وأخبرني بيني أن السامريين كان يتعين عليهم العيش في أرض ~~إسرائيل، التي يفسرونها بأنها تشمل مصر. (في الواقع، كان السامريون ~~يعيشون على الجزر اليونانية في القرن الثاني قبل الميلاد، ولكن جرى ~~تشديد للقواعد منذ ذلك الحين.) يستطيع بيني السفر إلى الخارج، وهو ما ~~يفعله لحضور المؤتمرات، ولكن لا يجوز له أكل اللحوم من خارج الطائفة؛ ~~فاللحم ليس حلالا للسامري ما لم يذبح الحيوان على يد سامري بما ~~يتفق تماما مع تعاليم سفر التثنية، التي تطالب بتقديم ساق الحيوان ~~اليمنى الأمامية لكاهن. ومع ذلك، يمكن أن يأكل بيني طعاما نباتيا ~~في مطعم حلال أو كوشير (أي طعاما معدا حسب تعاليم الشريعة ~~اليهودية). # بالإضافة إلى ذلك، حدث بيني معرفتي بتاريخ السامريين. فعائلته ~~كانت تمتلك تاريخا طويلا من الشعراء والرواد. فجده الأكبر غادر ~~نابلس عام 1905 وأسس مجتمعا ثانيا من السامريين في يافا. كانت يافا ~~مدينة ساحلية تضم الكثير من الجنسيات وبها طائفة يهودية كبيرة، ~~مقارنة ببعد نابلس واتجاهها المحافظ، ووفرت فرص عمل أكثر ~~تنوعا. وكان هناك أيضا المزيد ms189 من شركاء الحياة المحتملين في هذه ~~المدينة حيث كان يعيش الكثير من اليهود. وبسبب تقلص عدد العرائس ~~السامريات المتاحات - لأسباب لم تحدد بشكل قاطع، كانت الطائفة ~~تعاني لعدة أجيال من نقص عدد المواليد الإناث - قرر ابنه يفيت ~~إتيان أحد المحرمات القديمة وهو: الزواج من امرأة يهودية. (كان من ~~أقنع يفيت بذلك هو رئيس إسرائيل المستقبلي، إسحاق بن تسفي، الذي كان ~~قد أصبح مهتما بالسامريين عندما التقى والد يفيت الذي خاطبه ~~بالعبرية القديمة.) # نجح يفيت رغم كل الصعاب. وتزوج امرأة يهودية من روسيا اسمها ~~ميريام. كان بيني حفيدهما. وأثناء جلوسه على أريكة غرفة معيشته بينما ~~كانت زوجته تحضر العشاء، أشار بفخر إلى رأسه ذي الشعر الأبيض ~~المجعد بشدة الشبيه برأس أينشتاين - الذي ورثه من الجانب الروسي من ~~عائلته، على حد قوله. وقال لي : «إذا سألتني، فهذا يجعلني أيضا أكثر ~~هدوءا»، وأظن أنه كان يقصد أكثر صبرا. لكن لماذا كان لدى السامريين ~~قاعدة تمنع الزواج من خارج طائفتهم؟ كان أحد الأسباب هو حمايتهم من ~~التورط مع طوائف أقوى. ففي الشريعة الإسلامية (والتقاليد السامرية ~~أيضا) يأخذ أطفال الزوجين ديانة الأب. والمرأة التي تتزوج من خارج ~~طائفتها تأخذ معها أطفالها المستقبليين أيضا، وتحرم رجلا أو آخر ~~في تلك الطائفة من عروس محتملة. لذلك حاولت (وتحاول) الطوائف في ~~الشرق الأوسط أن تمنع نساءها من الزواج من رجال من ديانات أخرى؛ ~~باستخدام العنف في بعض الأحيان. وحتى وقت قريب، كان من شأن استفزاز ~~طائفة أخرى من خلال زواج الرجل السامري، وهو عضو أصغر أقلية في ~~المنطقة، من إحدى نسائها؛ أن يعرض جميع السامريين للخطر. وكان من ~~شأن زواج امرأة سامرية من خارج طائفتها أن يعني ببساطة أن الطائفة ~~سوف تتضاءل. ويضمن الحظر المفروض على الزواج من آخرين بقاء ثقافة ~~السامريين وسلالتهم، وعدم تأثرهم بالثقافات الأوسع نطاقا التي ~~تحيط بهم. بالإضافة إلى ذلك، يقدر السامريون سلسلة نسبهم ~~باعتبارها رابطا وثيقا بأسلافهم التوراتيين. # سألت بيني عما حدث لجدته. قال إن السابقة لم تمر دون إثارة بعض ~~الجدل والخلاف. ms190 «فالشيوخ لم يعترفوا بها في البداية.» أكمل ضاحكا: ~~«لكنهم قبلوها بعد أن أنجبت ست بنات.» فقد كانت البنات أكثر ما ~~يحتاج إليه السامريون. وأصبح الزواج المختلط أكثر شيوعا بين ~~السامريين في يافا على وجه الخصوص. فقد تزوج بيني ذاته من يهودية من ~~أصل روماني كانت قد قبلت عادات السامريين الخاصة عندما تزوجته. قال ~~بيني: «من العنصري بعض الشيء أن تسأل عن أصلك: «هل أنت يهودي أم ~~مسيحي؟» لقد تغيرت لتنضم إلينا. وأصبحت إسرائيلية مثلنا.» أكمل ~~حديثه قائلا إن في هذه الأيام، كان نحو خمس وعشرين بالمائة من زيجات ~~المجتمع بين رجال سامريين ونساء غير سامريات، معظمهن يهوديات. بعضهن ~~كن من أوروبا الشرقية. وجاءت اثنتان من عائلات مسلمة في آسيا ~~الوسطى. # فيلم وثائقي عن السامريين أجريت في مقابلة مع امرأتين ~~أوكرانيتين تزوجتا من رجلين سامريين - ويبدو أنهما تكيفتا ~~جيدا مع الحياة في مجتمعهما الجديد - وأجريت فيه أيضا مقابلة مع ~~أحد أفراد الأسرة الكهنوتية الذي لم يعجبه هذا التوجه الجديد. وقال: ~~«عندما نتبنى نساء أجنبيات وندخلهن في أمتنا، فهذا يجعلني أشعر ~~بالخوف على المستقبل، وبالخوف من ألا نكون قادرين على السيطرة عليهن. ~~فأمتنا، التي احتفظت على مدى 3642 عاما بتقاليدها وعاداتها ~~الفريدة، يجب أن تستمر في الاحتفاظ بها في المستقبل، وإلا ستنزلق ~~إلى هاوية الفوضى.» # في الوقت ذاته، تعتبر الزيجات بين النساء السامريات والرجال غير ~~السامريين من الأمور المحرمة أشد التحريم. تناول فيلم وثائقي ~~ثان، أنتج عام 2008، معاناة امرأة سامرية، هي صوفي تسادكا، التي ~~نبذتها الطائفة لرفضها قواعدها وزواجها من رجل يهودي. (وهي ~~ممثلة بارزة في التلفزيون الإسرائيلي.) في إحدى المقابلات، لم يظهر ~~الرجال السامريون أي تعاطف معها. وعلق أحدهم أنه لو كانت أخته ~~تنوي الزواج من خارج الديانة وترك عقيدتها: «سأقول حسنا ... ولكن عندما ~~تخلد للنوم في الليل، ستنتهي حياتها. مثلما تذبح الشاة.» لا يوجد ~~دليل على أن أي امرأة سامرية قد قتلت بالفعل لهذا السبب، لكن هذه ~~السلوكيات القاسية هي التي حمت الطائفة من الاندماج في طائفة أخرى ~~على مر ms191 القرون؛ إنها الجانب المظلم من الدفء والروح الجماعية التي ~~أظهرها السامريون والتي افتقدتها صوفي بوضوح في الفيلم ~~الوثائقي. # يتسم السامريون بأنهم تقليديون صارمون - ولو لم يكونوا كذلك، لما ~~ظلوا موجودين - لكن بيني، مثل جده، كان يبحث عن طرق جديدة لتفسير ~~التقاليد القديمة لعقيدته. وكان من ضمن أفكاره نشر رسالة السامريين ~~وطريقة حياتهم حتى يتمكن غير السامريين من تقليدها. وفي عام 1864، نشر ~~جون ميلز مجموعة من الجداول التي كان كاهن سامري قد أرسلها منذ عدة ~~عقود إلى الطائفة في إنجلترا. كانت نسخة سامرية من أسطورة الأسباط ~~المفقودة، وتتسم بالقدر نفسه من البؤس. قال ميلز إنه أضاف ~~المخطط من أجل الأهمية التاريخية؛ «لأنه، على الأرجح، الوثيقة ~~الأخيرة من نوعها التي سيعدها كاهن سامري على الإطلاق.» وكم كان ~~مخطئا. فبيني الآن يعد مخططات مماثلة ويرسلها حول العالم إلى ~~الأشخاص الذين يريدون اتباع أسلوب حياة السامريين. «إنها ظاهرة جديدة ~~للأشخاص الراغبين في الانضمام إلى الطائفة؛ عزابا، وعائلات، ~~وقبائل. فأنا على اتصال بالآلاف منهم عبر الإنترنت. لكني لا أومن ~~بضم الآلاف على الفور. لذا نقبل عائلة واحدة تلو أخرى. فهم يريدون ~~العيش وفقا للتوراة. ويرسلون لي الكثير من الأسئلة وأرسل لهم كتبا. ~~ويجدون الأمر مثيرا. فهم من جميع أنحاء العالم؛ الهند، الاتحاد ~~السوفييتي السابق، أوروبا، أمريكا، أستراليا، البرازيل. وبعضهم من ~~اليهود.» # أدركت أن الرسالة الإلكترونية الجماعية من بيني كانت توجيها ~~لأولئك الذين يتطلعون إلى انتهاج أسلوب حياة السامريين. وتوضح ~~رسائل البريد الإلكتروني هذه أي من قراءات من التوراة السامري ~~يتوافق مع أي تواريخ سبت في التقويم، وتوضح أيضا تواريخ ~~الاحتفال بالأعياد السبعة للسنة السامرية. تشمل هذه الأعياد ~~الشبوعوت، عندما يحج السامريون حول أماكنهم المقدسة على جبل جرزيم ~~(على سبيل المثال، الأماكن التي يعتقدون أن آدم، وإسحاق، ونوحا قد ~~قدموا فيها قرابين لله)؛ وصيام يوم كيبور (يوم الغفران)، حيث ~~تستمر صلاة السامريين لمدة أربع وعشرين ساعة دون انقطاع؛ وعيد سوكوت ~~(عيد العرش)، وهو عيد للحصاد يحتفل به السامريون بتزيين منازلهم ~~بالفاكهة (على عكس اليهود، الذين يبنون ms192 ظلة في الهواء الطلق، يحتفل ~~السامريون بالسوكوت بالكامل داخل بيوتهم). قد تحتوي غرفة المعيشة ~~لعائلة سامرية عالية الهمة بشكل خاص على رمان، وتفاح، وليمون، ~~بأحجام كبيرة، بالإضافة إلى ما قد يصل إلى نصف طن من الفاكهة التي ~~تتدلى من السقف فوق رءوس المحتفلين بالعيد، بعد ربطها بسعف النخيل ~~وأغصان الصفصاف. يجلس السامريون تحت هذه الكمية الكبيرة من الفاكهة، ~~يشربون الجعة المصنوعة في المنزل ويأكلون الكعك واللوز المنقوع في ~~الماء. # جاء بالفعل عدد قليل جدا من متابعي بيني عبر الإنترنت للعيش في ~~القرية. «لا يتعين عليهم الانضمام بأنفسهم. يمكنك أن تعيش حياة ~~سامرية في المنزل. وإذا أرسلوا ممثلا، فإنني أستضيفه. فالناس يبحثون ~~دائما عن شيء يمنعهم من الشعور بالملل. ولكن من دواعي اعتزازنا أن ~~يعتبرنا الناس من أهل الحق.» وبقدر ما أعلم، فقد احتل بيني مكانة ~~فريدة في طائفته المكونة من 750 شخصا فقط. لكن عندما سألته من الذي ~~سينشر الصحيفة، ويحضر المؤتمرات، ويبحث في تاريخ السامريين عند رحيله، ~~ابتسم وقال: «عندنا مثل يقول: يخلق الله بديلا في كل جيل. أظن ~~أنهم سيعثرون على مجنون مثلي في كل جيل.» # حتى الآن، جاءت عائلة واحدة كان بيني قد راسلها لتعيش في اللوز. ~~كانوا أمريكيين، وكانوا في السابق يعتنقون المسيحية. زار أحد أفراد ~~العائلة، يدعى ماثيو، بيني أثناء وجودي هناك، وأتيحت لي فرصة التحدث ~~معه. قال لي ماثيو: «كان اهتمام والدتي بالعهد القديم يتزايد ~~باطراد.» تساءلت والدته، شارون، عن سبب عدم التزام المسيحيين ~~بالشريعة اليهودية؛ وبسبب رغبتها في الالتزام بها على نحو أوثق، ~~وأثناء بحثها على الإنترنت عن المعلومات، صادفت اسم بيني. «منذ ست ~~إلى ثماني سنوات زارنا بيني، وبدأنا ببطء في فعل كل ما يفعله ~~السامريون. بدءا من فصل النساء أثناء مدة الحيض، إلى عدم الخروج من ~~الحي يوم السبت، وما إلى ذلك. ودعا رئيس الكهنة المسن شارون للمجيء ~~إلى الطائفة والانضمام إليها؛ لذلك بحثت عن برامج دراسات دينية ~~وقبلت في الجامعة العبرية.» # بعد ثماني سنوات من أول لقاء مع السامريين، كان ms193 ماثيو في منزل بيني ~~يستعد لقربان عيد الفصح. لم يواصل أفراد عائلته الآخرون المسيرة؛ ~~فقد حاد إخوة ماثيو عن الطريق بعد أن سئموا من الحاجة إلى حضور ~~الصلوات المنتظمة في الكنيس، وانتقلت شارون إلى القدس. وعلى الرغم من ~~ذلك، دعي ماثيو، قبل عامين من زيارتي، للانضمام إلى احتفال الطائفة ~~بعيد الفصح ولتناول لحم الحملان التي قدمت قرابين، وكان هذا ~~يعتبر من أسمى علامات القبول. قال: «تعيش العائلات معا، وهذا ما ~~أحبه في الطائفة.» ومن الناحية العملية، سيساعده بقاؤه بين السامريين ~~في تعلم اللغتين العبرية والعربية، وهو ما لم يفعله بعد، لكنه خطط ~~للاضطلاع بتلك المهمة، ثم دراسة الأعمال التجارية والاستقرار بشكل ~~دائم في الحي الآخر للطائفة، في تل أبيب، بوصفه أول سامري أمريكي. (في ~~العام التالي، سمعت أنه تخلى عن هذه الخطة وعاد إلى أمريكا. منذ ذلك ~~الحين لم يحذ أي غريب آخر حذوه بالقدوم للعيش في ~~القرية.) # أخذني بيني في جولة بالقرية بعد ظهر ذلك اليوم، موضحا الكيفية التي ~~كانت العائلات تستعد بها لعيد الفصح. لاحظت أنه كان يتجول ببساطة في ~~منازل الآخرين، دون الحاجة حتى إلى قرع الجرس أو الاستئذان. في مخزن ~~بالطابق السفلي لأحد المنازل، حيث كدست أسرة الأطفال وعرباتهم ~~على الحائط لتوفير مساحة، كان رجل يحمل الاسم العربي غيث (اسمه ~~العبري موشيه) يفرد العجين، المصنوع من الدقيق والماء فقط، على صفيحة ~~معدنية مقوسة ساخنة تسمى «الطابون». كانت يلزم تحضير مخزون كبير؛ ~~فكما هو الحال في التقليد اليهودي، لا يمكن تناول شيء إلا الفطير ~~غير المخمر خلال أيام عيد الفصح السبعة، التي كانت على وشك أن ~~تبدأ. وزع علينا بيني بضع قطع من الخبز الساخن، الهش، عديم النكهة. ~~في المدة التي سبقت عيد الفصح وخلاله، كان من المتوقع أن يتولى ~~الرجال مهام الطبخ وغيرها من المهام. جلست زوجة غيث على مقربة، ~~ومزاجها سيئ بعض الشيء. وقالت بالعربية: «أتولى الطهي 364 يوما في ~~السنة، ولا أحد يأتي لالتقاط صور لي وأنا أفعل ذلك. وهو يفعل ذلك ~~يوما في ms194 السنة ويظن الجميع أنه أمر مذهل؟!» # كان ثمة التزام سامري آخر لم أكن قد رأيته بعد، لكنني تلقيت مقدمة ~~مكثفة عنه في صباح اليوم التالي. رحت في غفوة متقطعة في قاعة الضيوف ~~حيث أجلسني السامريون، واستيقظت على صوت غريب، همس قوي يتردد في ~~الغرف الفارغة حولي. كان واضحا أنه لم يكن أي نوع من المحادثات أو ~~المناقشات؛ لأنه كان نحو ثلاثين صوتا يتحدثون بلا انقطاع، ولكن بلا ~~تناغم. لبضع دقائق لم أتمكن من معرفة مصدر هذا الصوت. ثم أدركت أن ~~قاعة الضيوف كانت بجوار الكنشا، أي الكنيس السامري. ذهبت لأرى ما كان ~~يحدث. وعند مدخل «الكنشا» تعين علي أن أخلع حذائي وأضعه في غرفة ~~خارجية؛ فمثلما خلع موسى حذاءه عند تلقيه الناموس على جبل سيناء ~~(أو جبل جرزيم، حسب العقيدة السامرية)، كذلك يخلع السامريون أحذيتهم ~~في حضرة ذلك الناموس. # كانت غرفة الصلاة جهة الشرق، وكان محراب في أحد طرفيها مغلقا ~~بستارة صفراء، وأمامه جلس رئيس الكهنة ذو الرداء الأبيض وأخوه. كانت ~~هناك ساعة صغيرة وبجانبها مينوراه، الشمعدان السباعي، على الحائط ~~المطلي باللون الأبيض، وكانت الثريات ومراوح السقف معلقة ~~بالأعلى. شيد المبنى في ثمانينيات القرن الماضي، ولكن المحراب كان ~~يضم لفائف رقية مكتوبة منذ قرون، ربما حتى من آلاف السنين. أطلق ~~عليها ميلز اسم «مبتغى العلماء الأوروبيين ومبعث يأسهم»، وكاد ~~إصراره على رؤيتها «أن يتحول إلى حمى». عندما اطلع عليها في ~~النهاية، وجد كتابة على إحداها تزعم أن الوثيقة كتبت في العصور ~~التوراتية. كان هذا مستبعدا - فحتى الورق الرقي لن يصمد كل هذه ~~المدة الطويلة - ولكن ربما نسخت من وثيقة من تلك الحقبة. توجد ~~لفائف عمرها سبعمائة عام في المكتبة البريطانية اشتريت من ~~السامريين في القرن التاسع عشر. وفي المواضع التي تحتوي فيها ~~اللفائف على صلوات، يكون الرق داكنا وباليا في الأماكن التي ~~لمسها الكاهن وهو يتلو تلك الصلوات. # حافظ السامريون بعناية على مر الأجيال على ~~لفائفهم القديمة، التي تسجل توراة تختلف إلى حد ما ~~عن التوراة اليهودية. في هذه الصورة ms195 الملتقطة عام ~~1905، يعرض كاهن سامري واحدة من هذه اللفائف ~~للزوار المهتمين. صورة مجسمة من معرض «مشاهد ~~لفلسطين» (1905)، معهد جيتي للأبحاث. # كان صوت الهمهمة القوي، الذي كنت قد سمعته، صادرا من جميع الذكور ~~السامريين في القرية، الذين كانوا يرتدون جلابيب قطنية رقيقة تصل ~~إلى أقدامهم، مجتمعين في هذه الغرفة ويتلون الصلوات، كل في وقته ~~وبإيقاعه الخاص، مستخدمين كلمات مختلفة، دون أي تناغم. بين الحين ~~والآخر كانوا يتوقفون ويسجدون على أيديهم وركبهم ويلمسون الأرض ~~بجباههم. يغطي السامريون رءوسهم في وقت الصلاة، كما يفعل بعض اليهود ~~المتدينين في جميع الأوقات بالكبة. كان لدى السامريين ثلاثة ~~أنماط مختلفة من أغطية الرأس؛ قبعة صلاة بيضاء مثل تلك التي يلبسها ~~المسلمون، وطربوش أحمر، وبيريه أسود. فضل السامريون الذين كانوا ~~يعيشون في تل أبيب البيريه؛ إذ كانوا يتبعون الموضات الأحدث قليلا. ~~وقد أحدث هذا التأثير تغييرا غريبا. فالسترة الصوفية التي يلبسها ~~رجل فوق جلباب وطربوش أحمر تجعله يبدو كأنه خرج من كتاب عن ~~الإمبراطورية العثمانية؛ أما الرجل الذي بجانبه، الذي يرتدي معطفا ~~واقيا من المطر وبيريه، فيبدو كأنه فنان فرنسي. # يصلي السامريون صباحا ومساء مدة أسبوع قبل عيد الفصح؛ وفي أيام ~~السبت العادية، يصلي الناس إما في البيت أو في الكنيس. وكانت الصلوات ~~عبارة عن مقتطفات من التوراة السامرية مختلطة بقصائد دينية كتبها ~~السامريون على مر القرون. وبدا أن معظم الناس يعرفونها عن ظهر قلب، ~~لكن مراهقا واحدا يضع نظارة كان يقرؤها من كتاب؛ وفي الخلف، كان ~~الأطفال الصغار أقل مشاركة، وغلب النعاس أحدهم في الزاوية، وسقط ~~طربوشه على أحد الجانبين. طلب مني زملاؤه في المدرسة، ضاحكين، أن ~~ألتقط صورته. كان هذا أقصى ما يمكن أن يفعله المراهقون للتمرد على ~~الوضع. فيبدو أن عدم الحضور للصلاة على الإطلاق كان أمرا غير وارد. ~~أخبرني أحد المراهقين، الذي كان يحرص على التحدث بين الصلوات، ~~قليلا عن عائلته: كان لديه ابن أخ ستلطخ جبهته بدماء القربان في ~~ذلك اليوم؛ وفقا للتقاليد، باعتباره الابن البكر لعائلة كهنوتية، ~~وكان ابن أخ آخر ms196 يدرس علوم الكمبيوتر ويريد الخدمة في الجيش ~~الإسرائيلي. كان الصبي يقطع قصة حياته بين الحين والآخر ليسجد مع ~~الآخرين. # في وقت لاحق من ذلك الصباح، بعد الصلاة، تجولت في الشارع ~~الرئيسي. وقرب نهايته كان يوجد متجر لبيع الجعة والويسكي، يديره ~~رجل سامري يدعى جميلا. جلسنا وشربنا القهوة وتحدثنا قليلا؛ وانضم ~~إلينا بعض الرجال الآخرون من القرية ونظروا إلى الصور التي التقطتها. ~~سألوا بارتياب عن سبب التقاطي صورا للصبي النائم. هل كنت أحاول ~~السخرية منهم؟ قوطعت محادثتنا عدة مرات بمكالمات هاتفية، من ~~فلسطينيين في نابلس يطلبون طلبيات، بعدها ينطلق جميل لتجهيز بعض ~~التوصيلات. # قال: «كان يوم أمس منهكا. كنت أعد الفطير غير المخمر للعائلة. ~~إنها حقا عائلة كبيرة!» كان والده كاهنا، واحتلت صورة ضخمة ~~لمراسم قربان عيد الفصح مكان الصدارة على أحد جدران المحل. سألته ~~عن أحوال السامريين. قال: «أنا قلق بعض الشيء.» كان يوجد سلام في ~~نابلس في الوقت الحالي، وهو أمر جيد، لكنه قد لا يدوم. «لا بد أن تبقى ~~الأشياء كما هي. فالانتفاضة كانت سيئة لكلا الطرفين، الفلسطينيين ~~والإسرائيليين. أما الآن فقد أصبح الوضع هادئا وآمنا. نحن بحاجة إلى ~~نابلس؛ إذ نأتي بكل شيء من هناك، كل طعامنا.» وكان بها كذلك العديد ~~من السامريين الذين يمتلكون متاجر وممتلكات أخرى. فقد عاش ~~السامريون في نابلس حتى أواخر الثمانينيات، عندما أخافتهم الانتفاضة ~~الأولى ودفعتهم إلى الانتقال إلى قريتهم المنفصلة. # كثيرا ما كان ياسر عرفات يتباهى بأن السامريين عوملوا معاملة ~~طيبة في ظل الحكم الفلسطيني، مما يشير إلى أنها قد تكون مقدمة ~~للسيادة الفلسطينية على الضفة الغربية، التي ستكون في الوقت ذاته ~~مفتوحة لليهود. وأنشأ مقعدا مخصصا للسامريين في البرلمان ~~الفلسطيني. فاز والد جميل في الانتخابات اللاحقة، في الغالب بسبب أصوات ~~المسلمين؛ فقد كان معروفا في نابلس، حيث أكسبه متجر الجعة والويسكي ~~الذي يمتلكه العديد من الأصدقاء. # كان والد جميل متمسكا بتقاليد السامريين العريقة المتمثلة في ~~تقديم النصح للحكام المسلمين. وعلى الرغم من أن المجتمع في القرون ~~الماضية كان ضعيفا ومحروما ms197 بشكل جماعي، فإنه غالبا ما كان أفراده ~~يفضلون على غيرهم لشغل مناصب حساسة؛ لأنهم لم يكونوا يتدخلون ~~في المنافسات القبلية القاتلة التي أدت إلى انقسام المسلمين ~~المحليين. ومع ذلك، يمكن أن تجعل هذه المنافسات الناصح السامري ~~عرضة للخطر. كان رجل يدعى يعقوب الشلبي سامريا غير عادي: أظهر ~~حبا مبكرا للمال والمغامرة، حيث قبل المال من أحد المبشرين ~~لينزل في بئر يعقوب ويستعيد الكتاب المقدس الذي أسقطه أحد الزائرين. ~~ولاحقا سافر إلى إنجلترا (فعل ذلك مخالفا، على الأرجح، قواعد ~~السامريين) وكتب مذكراته في عام 1855. وسجل فيها التجارب التي خاضها ~~عمه الأكبر بوصفه أمين خزانة لحاكم نابلس، خلال المرحلة التي ~~استولت فيها على الحكم إحدى الجماعات المنشقة، ثم حلت أخرى ~~محلها. تلقى هذا العم الأكبر تهديدا بالقتل، وسجن، وحكم عليه ~~بالإعدام؛ لكنه هرب، أو أطلق سراحه، أو منح إرجاء تنفيذ. وتمكن ~~من أن يؤدي خدمات لكل من العائلات المتحاربة المتنافسة تباعا. لقد ~~نجا، لكن شعره شاب قبل الأوان. # انتهى ترحيب عرفات بالسامريين في المشاركة السياسة في نابلس بشكل ~~ألطف. إذ ألغي المقعد المحجوز لهم، مما جعل المجتمع المسيحي الأكبر ~~هو الأقلية الوحيدة التي تملك مقاعد محجوزة في البرلمان الفلسطيني. ~~بينما كنت جالسا مع جميل وانضم إلينا عدد قليل من القرويين ~~الآخرين، سألت إذا كان السامريون قد شعروا بالإهانة. أجابوا جميعا في ~~آن واحد: لا؛ في الواقع، لقد شعروا بالارتياح. فمشاركة الطائفة في ~~السياسة لم تتسبب إلا في مشاكل، وهم يفضلون أن يكونوا ~~محايدين. # قد يكون من الصعب الحفاظ على الحياد، خاصة في حالة طائفة تمثل ~~أقلية ضعيفة. ومع ذلك، فقد نجح السامريون حتى الآن في الحفاظ على ~~مسارهم المحايد بمهارة كبيرة. في وقت لاحق من ذلك اليوم، تجولت ~~متجاوزا نهاية القرية، مارا ببوابة وضعت هناك على ما يبدو لمنع ~~الناس من دخول القرية يوم السبت. مشيت بجوار حقول البطاطس والمنحدرات ~~القليلة الأشجار. على المنحدرات ذاتها في عام 1855، سمع جون ميلز ~~بنات آوى يعوي بعضها لبعض في الليل «وينافس بعضها بعضا ~~بأصواتها المتعاقبة ms198 المزعجة». في ذلك الوقت لم يكن أحد يعيش على ~~الجبل، وعندما كان السامريون يصلون لتأدية مراسم قربان عيد ~~الفصح، كانوا ينصبون خياما يمكنهم الإقامة فيها طوال الليل. بدا ~~مستبعدا أن يكون أي من حيوانات بنات آوى باقيا هناك الآن. كانت ~~المنازل تنتشر في كل مكان، بما في ذلك منزل فخم فخامة خاصة يخص ~~الملياردير الفلسطيني منيب المصري. كان بعض العمال المحليين مشغولين ~~في أحد مشاريع البناء. ونظروا إلي بريبة بعض الشيء حتى تحدثت ~~معهم باللغة العربية، وهو ما أسعدهم. وقالوا إن الأمور كانت هادئة، ~~وكانت تلك أنباء سارة. سألتهم عما إذا كانت هذه البيوت لا تزال ~~جزءا من القرية السامرية. أجاب أحدهم: «لا؛ فالناس الذين يعيشون هنا ~~فلسطينيون.» تساءلت: أليس السامريون أنفسهم فلسطينيين؟ أجاب ~~بتردد: «أظن ذلك، لا سيما كبار السن منهم؛ لست متأكدا بشأن الجيل ~~الأصغر سنا. حسنا، إذن: لنقل إن هذه المنازل ملك للعرب.» # كان ارتباك الرجل معبرا؛ لأن وضع السامريين مبهم. بحلول منتصف ~~القرن العشرين، كان السامريون والمسلمون يتعايشون بشكل أفضل مما كان ~~عليه الوضع قبل مائة عام. في خمسينيات القرن الماضي، كتب مبعوث من ~~البارون إدموند دي روتشيلد رسالة إلى البارون مفادها أن السامريين ~~«يتمتعون بعلاقات جيدة مع المسلمين». أخبرتني أحلام، وهي مسلمة من ~~نابلس، أنها تتذكر الذهاب إلى بيوت السامريين لحضور عيد الحصاد ~~«سوكوت» في أوائل الستينيات: «كنا نذهب إلى منازلهم للاحتفال بالأعياد، ~~وكان ثمة عيد خاص يزينون فيه بيوتهم بالفواكه. كانوا يبذلون جهدا ~~كبيرا للتواصل، في الواقع، أكثر مما كان يفعل المسيحيون. فقد كانوا ~~يدعوننا لتناول الطعام معهم بالرغم من عدم قدرتهم على قبول أي طعام ~~منا»؛ وذلك بسبب قواعد الكشروت، التي تنص على أنه يجب على ~~السامريين، مثل اليهود، أن يتناولوا طعاما محضرا بطريقة معينة ~~فقط. اكتشفت أحلام أنه كانت توجد حدود لهذه الألفة. كانت تأخذ دروسا ~~خصوصية بعد المدرسة من أحد المعلمين في المدرسة، الذي كان يحب ~~زميلة مسلمة سرا. تجرأ على إخبار تلميذته بذلك، لكنه لم يستطع إخبار ~~المرأة ذاتها. تساءلت ms199 أحلام عن السبب. كانت في ذلك الوقت أصغر من أن ~~تفهم القواعد الصارمة التي فصلت السامريين عن المسلمين وغيرهم من ~~الغرباء. # بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية سنة 1967، تحسن وضع ~~السامريين أكثر لأن إسرائيل وجدت أنه من المفيد توظيفهم في المناصب ~~الإدارية شبه الرسمية. تمكن السامريون في الوقت ذاته من البقاء على ~~وفاق مع الفلسطينيين. وبعد اندلاع الانتفاضة، كان من الصعب الهروب ~~من العنف. فقد تعرض كاهن سامري تعس الحظ لإطلاق النار مرتين في ليلة ~~واحدة، مرة على يد مسلحين فلسطينيين ظنوا خطأ أنه مستوطن ~~إسرائيلي، ثم على يد جنود إسرائيليين رأوه يقود سيارته نحوهم بتهور ~~- حيث فقد السيطرة على عجلة القيادة - وظنوا أنه انتحاري. ولكنه نجا ~~وتلقى بعد ذلك اعتذارا من كلا الجانبين. يسود السلام الآن، ~~والسامريون أفضل حالا مما كانوا عليه منذ قرون عديدة ، لكنهم لا ~~يعتبرون هذا أمرا مفروغا منه. # بالعودة إلى شقة بيني، بينما كانت الشمس تغرب وبداية الاحتفال بعيد ~~الفصح تقترب، انتظرت بينما كانت امرأتان تناقشان معه مشروع تسجيل ~~موسيقى مقدسة (حيث أصدرت تسجيلات مختلفة للموسيقى السامرية على ~~قرص مضغوط، يغنيها أفراد المجتمع أنفسهم). عندما انتهوا سألته عن ~~الأمور السياسية. قال: «نحاول أن نكون نوعا ما جسرا بين الفلسطينيين ~~والإسرائيليين. فماديا ليس لدينا القدرة على الإسهام. نحن نكافح من ~~أجل بقائنا. إذا أيدنا طرفا وفاز الطرف الآخر، فماذا سيلحق بنا؟ ~~سيقولون إننا متعاونون مع العدو.» لكن لم يكن لدى السامريين رغبة في ~~إقامة دولة خاصة بهم. «ليست لدينا مطالب إقليمية؛ لم نقل أبدا: ~~«مرحبا، كانت عائلتنا تمتلك هذه الأرض، إنها ملكنا.» نرى مقدار ~~البؤس الذي سببه هذا الأمر للمنطقة بأكملها. وأظن أنني أنا نفسي ~~أحظى بأكثر مما كنت أتوقع.» # في وقت معين، كان علي مغادرة منزل بيني لأنه كان عليه أن يحضر ~~نفسه للمشاركة في القربان. بدأ الأمر في وقت أبكر من المعتاد؛ لأن يوم ~~السبت سيبدأ عند غروب الشمس في ذلك العام؛ ولذا يجب أن تتم مراسم ~~القربان قبل ذلك، في وقت مبكر من بعد ms200 الظهر بدلا من المساء كما هو ~~معتاد. وتبعا لتقليد ارتداء الملابس ذاتها التي ارتداها أسلافهم ~~التوراتيون عند الفرار من مصر، ارتدى السامريون أردية، بكل منها ~~أربعة وعشرون زرا (واحد لكل حرف من الأبجدية السامرية). وكان ~~الكهنة يرتدون ألوانا خاصة: الأحمر لدم الحمل، والأزرق للسماء، ~~والأبيض لنقاء القلب. كان الحدث يشكل عنصر جذب سياحي ضخم، وكان هذا ~~نعمة ونقمة على السامريين في آن واحد. قال بيني: «لا أحب أن أكون ~~غريبا، لكن هكذا هو الأمر. فأي شخص يحافظ على التقاليد هو شخص ~~غريب.» وأوضح أن الحفاظ على التقاليد أمر محوري للهوية ~~السامرية. # أثناء انتظاري في الشارع بالخارج، شاهدت وصول حشود من الزوار. كان ~~بعض المسيحيين والكثير من اليهود يأتون ليروا شيئا لا يمكن رؤيته ~~في أي مكان آخر؛ عيد فصح به تقديم حملان قرابين، كما كان يحدث ~~حتى تدمير الهيكل اليهودي منذ ما يقرب من ألفي عام. كانت السيارات ~~الواقفة تملأ الشوارع شيئا فشيئا، وكانت طواقم تصوير الأفلام تعد ~~كاميراتها، وكان الوافدون مبكرا يشغلون أفضل الأماكن لمشاهدة الحدث. ~~تلقيت دعوة لحضور حفل الاستقبال الذي يسبق تقديم القربان، الذي ~~سيقام في القاعة التي كنت قد نمت فيها طوال الليل. # كان هذا الحفل يتكون من مجموعة من الخطب؛ التي كان يسهل أن تكون ~~مملة، باستثناء أن جمهورها كان يشكل مزيجا غير عادي. جلس قائد ~~القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية قبالة محافظ نابلس الفلسطيني، ~~وانخرط الاثنان في مزاح يمزج بين الجد والهزل. وتجلى في الطرف ~~الآخر من القاعة تقارب أكثر غرابة، حيث جلس ممثلو حركة المستوطنين ~~بجانب الفلسطينيين الذين ألقوا لاحقا خطابات حماسية حول أوجه ~~الظلم في الحكم الإسرائيلي (لا سيما القيود المفروضة على تنقل ~~الفلسطينيين، التي كانت تعوق اقتصاد نابلس). # عبر جميع المتحدثين - المحافظ، وقائد القوات، ومنيب المصري الذي ~~كان يرعى الحدث - عن احترامهم للسامريين. ذكرني هذا بشيء قاله ~~بيني؛ إن السامريين هم المسألة الوحيدة التي يمكن أن يتفق عليها ~~الفلسطينيون والإسرائيليون. أخيرا، نهض رجل سامري، وهو رجل قصير ذو ~~وجه مميز توفي ms201 والده مؤخرا، ليتحدث. قال: «كان شعبنا على وشك ~~الانقراض، لكننا تمالكنا أنفسنا وبنينا طائفتنا، والآن لن نذهب إلى ~~أي مكان، نحن باقون هنا.» # أظهر الحدث مدى حرص السامريين في موازنة علاقاتهم مع الفلسطينيين ~~والإسرائيليين. من الواضح أنه كانت توجد بعض الآراء السياسية ~~المختلفة داخل المجتمع؛ فأولئك الذين عاشوا في تل أبيب كانوا يرتاحون ~~لاستخدام اللغة العبرية، وتحدثوا بحرية أكبر عن ولائهم لإسرائيل، ~~بينما كان بعض السامريين في جبل جرزيم أقرب إلى الفلسطينيين. ~~فهموا جميعا الحاجة إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع كلا الجانبين. ~~قدمت إسرائيل فرصا أفضل للتعليم والعمل، وكانت حكومتها سخية تجاه ~~السامريين. وقيل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لديه ~~صورة له مع رئيس الكهنة، وقد شاهدها العديد منهم عندما زاروه. وقيل ~~لي إن رئيس الكهنة كان قد تنبأ بصعود نتنياهو إلى السلطة . على ~~الناحية الأخرى، كان السامريون أقل ارتياحا للتدرج الهرمي الديني ~~المحافظ في إسرائيل. قال لي أحد السامريين: «نحن نفضل الابتعاد ~~عن الحاخامات اليهود.» ينظر إلى السامريين في القانون الفلسطيني ~~على أنهم مجتمع ديني منفصل، وهذا يعني (على سبيل المثال) أن الزيجات ~~التي يعقدها كهنتهم معترف بها قانونا؛ أما في القانون الإسرائيلي ~~فكان وضعهم أكثر غموضا. # كهنة سامريون مجتمعون هنا لقربان عيد الفصح. حقوق ~~الطبع والنشر لحنان ياساكر/جيتي إيمدجز. # انتهى التجمع، وبدأ الناس في الرحيل في صفوف طويلة. فقد حان وقت ~~بدء مراسم تقديم القرابين. اعتاد السامريون، منذ عقود، على التجمع في ~~خيام على الجبل من أجل تأدية المراسم، ولكن الآن كانت توجد منطقة ~~مصممة خصوصا للحدث، محاطة بسياج من الأسلاك الشائكة. وكان مئات ~~السياح يتدافعون نحو السياج، وحاول بعضهم التسلق فوقه، مما أثار ~~صيحات حراس الأمن الأقوياء البنية. كان السامريون الآن متجمعين ~~داخل المنطقة المسيجة، بعدما شقوا طريقهم بصعوبة عبر الحشود ~~ليدخلوا تلك المنطقة. كان الكهنة يلبسون أرديتهم التقليدية الملونة؛ ~~وكان الرجال السامريون الآخرون يرتدون مآزر بيضاء وقبعات بيسبول ~~استعدادا للعمل الدموي الذي كانوا على وشك إجرائه. ووقفت النساء ~~بالخلف مع الأطفال الأصغر سنا. ووفقا ms202 لقواعد عيد الفصح المنصوص ~~عليها في سفر الخروج، فإن كل عائلة كبيرة بما فيه الكفاية تجلب حملا ~~لتقدمه قربانا. لذلك جمع قطيع صغير من الحملان وسط حشد ~~السامريين، بينما كانت تملأ حفر كبيرة في أحد طرفي المنطقة ~~المسيجة بالحطب المعد للحرق، وتجهز أكوام من التراب في مكان ~~قريب، مما كان يحمل نذيرا بالسوء للحملان. # كاهن سامري يرتاح بعد تضحية عيد الفصح، دم الحمل ~~يظهر بوضوح على جبهته. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # كان كبار الكهنة ينشدون الأغاني بينما كانت الحملان تساق إلى ~~مكان الذبح، حيث كانت الهياكل المعدنية جاهزة. ثم عندما ذبحت ~~الحملان، أطلق السامريون صيحة عظيمة. وبدأ الرجال الذين يرتدون ~~المآزر في العمل، وعلقوا الذبائح على الهياكل المعدنية حتى يتمكنوا ~~من سلخها. وبدءوا يهتفون بفرح، وهم يغنون بالعبرية القديمة، «الرب ~~إلهنا رب واحد!» وهم يتبادلون الإشارات والإيماءات فيما بينهم. ~~وأنشدوا أبياتا من أغنية البحر، وهي الأغنية الاحتفالية التي غناها ~~بنو إسرائيل بعد خلاصهم من مصر: «مركبات فرعون وجيشه ألقاهما ~~في البحر.» جمع دم الحملان، وجهز للرسم به على عتبات أبواب ~~القرية بعصا نبات الزوفا. أخيرا وضعت الحملان المذبوحة في أسياخ ~~للشي. وبمجرد أن يحترق الحطب الموجود في الحفر كليا ويتحول ~~إلى فحم، تطهى الحملان وهي مغطاة بطبقة من التراب فوقها للاحتفاظ ~~بالحرارة. كان هذا، كما وعدني بيني، مشهدا مستخرجا من الماضي ~~البعيد. # لقد تحدى السامريون قرونا من التوقعات المتشائمة التي أطلقها ~~أولئك الذين زاروهم خلال مرحلة انحدارهم الطويلة. علق كاتب إنجليزي ~~سنة 1714: «لقد استمرت طائفة السامريين حتى الآن في العالم نحو 2400 ~~سنة، وتقريبا في المكان ذاته حيث ظهرت أول مرة. لذلك لا عجب في أن ~~شيئا ما بهذه الروعة يمكن أن يثير الفضوليين.» لكنه خلص إلى أنه ~~«بعد مدة قصيرة لن يكون لهم وجود في المكان الذي استمروا فيه مدة ~~طويلة جدا؛ وقريبا لن يعثر على اسمهم في أي موضع سوى التاريخ.» ~~وفي خمسينيات القرن التاسع عشر، كان المبشر الويلزي ميلز متشائما ~~بالقدر ذاته. وتنهد قائلا: «قبل أن تتوفى ms203 أجيال كثيرة، على ~~الأرجح ستكون هذه الأمة قد اندثرت.» ولكن ثبت أنهم جميعا كانوا ~~مخطئين. # فهنا، على أحد الجبال المقدسة في الأرض المقدسة، كان رئيس الكهنة ~~رقم 132 (كان الأول هارون، شقيق موسى)، يرتدي ثيابا زاهية، ويستريح مع ~~زملائه بعد المجهود المبذول في قربان عيد الفصح. وجاءت نساء ~~الطائفة لتقبيل أيديهم. وكانت جباه الأبناء البكر معلمة بدم ~~الحملان. وفوق هذا المشهد الذي يبدو يهوديا، أعلنت لافتة أن شركة ~~الاتصالات الفلسطينية كانت ترعى هذا الحدث. ربما كان من السهل جدا ~~تخيل أن التجربة السامرية، بما فيها من قيود وعدم استقرار ~~واعتمادها على حسن نية كل من السلطات الإسرائيلية والفلسطينية، قد ~~توفر أساسا للتعايش المشترك بين جميع الطوائف المختلفة في هذا المكان ~~المضطرب. لكن من المؤكد أنها تمنح على الأقل بصيصا من الأمل. # الفصل السادس # | الأقباط # التاريخ: يوم الجمعة العظيمة عام 1727 للشهداء. وافق ذلك شهر ~~برمودة، عندما تهب الرياح الترابية الموسمية على طول وادي النيل، حيث ~~يحين وقت حصاد القمح وتجنب ارتفاع حرارة الشمس. في مثل هذا الوقت من ~~العام، لآلاف السنين، صلى المصريون من أجل ارتفاع منسوب مياه ~~النيل وري حقولهم بالمياه الغنية بالطمي في أرض كانت واحدة من ~~أكثر الأماكن جفافا على وجه الأرض. لذا كانوا يصلون الآن، وهم ~~متجمعون حولي، من أجل «ارتفاع منسوب مياه الأنهار». لو أغمضت عيني ~~في لحظات معينة، لتخيلت نفسي في مصر القديمة. ولكن في التقويم ~~الغربي، كان العام هو 2011، وكان أقرب نهر هو نهر التايمز؛ وبعينين ~~مفتوحتين، كان بإمكاني رؤية الواجهة الجميلة لشرفات لندن من خلال ~~النوافذ ذات الزجاج الملون. # إن كنيسة القديس مرقس، بكنسينجتون، مكرسة لمبشر القرن الأول ~~الإنجيلي الذي، وفقا للتقاليد، جلب المسيحية لأول مرة إلى مصر. ~~وأولئك المصريون الذين ظلوا مسيحيين يعرفون بالأقباط. تتباين ~~تقديرات أعدادهم تباينا كبيرا، من أربعة ملايين إلى اثني عشر ~~مليونا، بالإضافة إلى الجاليات في السودان، وليبيا، والغرب. وبسبب ~~انقسام الكنيسة المسيحية في القرن الخامس حول طبيعة المسيح، طور ~~الأقباط منذ ذلك الحين شكلهم المتمايز من ms204 المسيحية، المتمثل في ~~الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تحت قيادة بطريرك الإسكندرية. وانتشر ~~هذا النهج القبطي من المسيحية جنوبا من مصر إلى إريتريا وإثيوبيا؛ ~~وربما سافر يوما ما إلى الشمال أيضا. وعندما كرس الزعيم القبطي (الذي ~~يطلق عليه هو الآخر لقب «البابا») شنودة الثالث، بطريرك الإسكندرية ~~رقم 117، كنيسة القديس مرقس في عام 1979، كانت حينئذ الكنيسة القبطية ~~الوحيدة في أوروبا. لكن هذا لم يكن أمرا جديدا بقدر ما كان عودة ~~إلى أمر قديم. إذ يشير كتاب أيرلندي من القرن الثامن عن الشهداء إلى ~~«الرهبان المصريين السبعة المقدسين الذين يرقدون في صحراء أولاه». ~~وربما كان للرهبان الأقباط، مثل أولئك الذين استقروا في أيرلندا، دور ~~ما في تشكيل الكنيسة الأيرلندية الأولى؛ التي شاركت الأقباط تركيزهم ~~على الرهبنة، وتقشفهم. # ويوجد فرق آخر بين المسيحيين المصريين والأوروبيين وهو أن ~~الأقباط احتفظوا بالعديد من القواعد التي خففها المسيحيون ~~الأوروبيون، أو حتى شددوها. فقد تحملت أبرشية كنيسة القديس مرقس ~~أكثر من خمسين يوما من الصوم القبطي الكبير القاسي، يمتنعون خلالها ~~تماما عن جميع أنواع الأسماك، واللحوم، والمنتجات الحيوانية مثل ~~الحليب والجبن. وفي يوم الجمعة العظيمة (التي تسمى «جود فرايداي» (أي ~~الجمعة الطيبة) في بريطانيا وأمريكا) لا يأكلون شيئا حتى غروب الشمس، ~~ويصلون طوال اليوم: حيث كانت الصلاة في كنيسة القديس مرقس قد بدأت ~~عند الفجر، عندما وضع صليب في ممر الكنيسة وزين بالشموع ~~والورود. اشتملت إحدى الصلوات على أربعمائة إيماءة تبجيل (ومع أن ~~التبجيل، عند البعض، كان يعني مجرد انحناءة للرأس، نزل رجل على ~~الأرض ليسجد). ومع أنهم كانوا يعيشون على بعد آلاف الأميال من وطنهم، ~~فإن حماس الأقباط لإيمانهم لم يضعف. # يرجع تاريخ الكثير من الأشياء التي استطعت رؤيتها أمامي - كان ~~ستار مليء بالتفاصيل يفصل المذبح عن المصلين، وأيقونات للقديس مرقس ~~ومريم العذراء - إلى القرون الأولى بعد الميلاد، عندما حلت المسيحية ~~محل تعدد الآلهة في مصر القديمة. لكن في الكتب الموضوعة لإفادة ~~الآخرين في الممرات بوصفها كتبا إرشادية للصلاة، رأيت أن الكنيسة لم ~~تستخدم التقويم الغربي ولا الإسلامي ms205 الموجود أحيانا في العالم ~~العربي. وبدلا من ذلك، استخدمت التقويم الذي عرفه الفراعنة، حيث ~~تسمى الشهور برمودة وكيهك («الشهر الذي تتجمع فيه الأرواح») ~~وتوت (الذي سمي تيمنا بالإله تحوت الذي يرسم عادة برأس قرد ~~بابون). وفيما يخص ذلك، كان تأريخ العام على أساس عصر الشهداء الذي ~~يبدأ في العام الغربي 284. كان هذا عندما ذبح الإمبراطور دقلديانوس ~~المسيحيين؛ وهو اضطهاد لا يزال يتذكره الأقباط. # إن أسلوب الترانيم في كنيسة القديس مرقس في ذلك اليوم كان يمكن أن ~~يكون مألوفا لسياسي وعالم يوناني يدعى ديميتريوس الفالرومي، الذي ~~عاش في مدينة الإسكندرية الساحلية في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد. ~~فقد كتب: «في مصر، عندما يغني الكهنة ترانيم لمدح الآلهة، ~~يستخدمون الحروف المتحركة السبعة التي ينشدونها بترتيب معين؛ ~~والموسيقى الصادرة عن هذه الحروف تبدو جيدة جدا لدرجة أن الرجال ~~يفضلونها على الناي والقيثارة.» وهكذا يفعلون الآن. فقد غنى الكاهن ~~والشماسون «أوه-أوه-أوه»، وهم يتنقلون بين مجموعة من النغمات، ثم ~~«إيه» و«آه»، وبصعوبة شديدة كان يمكن سماع الحروف الساكنة للكلمات. ~~كانت هذه ترنيمة «بيك اثرونوس» [أي «عرشك يا الله»]. فهي تتحول من ~~الحزن إلى الفرح بفكرة القيامة، مثلما فعلت الأغنية القديمة التي ~~استندت إليها حيث نعت الفرعون الذي مات واحتفلت بتولي خليفته. ~~كنت أسمع موسيقى الفراعنة الجنائزية في أكثر شوارع لندن اخضرارا. ~~ويدور هذا الفصل حول كيفية وصولها إلى هناك، وما يعنيه ذلك للمسيحية ~~في مصر. ~~••• # كان أول تعيين لي خارج البلاد بالقاهرة في عام 1997. كنت حينها ~~دبلوماسيا مبتدئا قادما مباشرة من لندن لدراسة اللغة العربية. قال ~~السفير: «مرحبا بك في السفارة، وآمل ألا تسيء فهمي إذا قلت لك إننا ~~لا نريد رؤيتك هنا مرة أخرى. اخرج واقض وقتك مع المصريين.» لم تكن ~~مجموعتنا الصغيرة من الطلاب بحاجة إلى المزيد من النصائح. فقد كانت ~~المدينة مصدرا للإلهام. لقد كانت تجمعا كبيرا للبشرية، ربما ثمانية ~~عشر مليون شخص، مع وصول المزيد كل يوم؛ تاركين وراءهم الحياة في ~~القرى الواقعة على امتداد نهر النيل ويتدفقون إلى العاصمة ms206 بالقطار، ~~أو بالحافلة، أو سيرا على الأقدام، أو في عربات، ليستقروا في أحياء ~~فقيرة عشوائية، على حافة المدينة القائمة، حيث الفقر والغنى جنبا ~~إلى جنب. اعتدت أن أسير من الشارع الذي تصطف على جانبيه الأشجار ~~إلى الأحياء الفقيرة وأشاهد المتلاعبين بالسكاكين وتجار الشوارع ~~يقفون وسط مياه الصرف الصحي التي كانت تتدفق عبر الأزقة ~~الترابية. # كانت المدينة أيضا مهرجان ضوضاء بهيجا، فوضويا، مربكا، ~~وغامرا. عشت في المهندسين، وهي ضاحية عصرية مليئة بالأشجار. ولكن ~~حتى هناك كنت أسمع بائع النعناع ينادي خارج نافذتي بحصانه وعربته ~~في الساعة الخامسة صباحا، ومكبرات الصوت في المسجد وقت الظهيرة، ثم ~~دوي أبواق السيارات في وقت متأخر من الليل. كنت أدرس في المجلس ~~الثقافي البريطاني على ضفاف النيل، التي أصبحت أقل رومانسية بسبب ~~أبخرة محرقة جثث كانت تنفث الرماد عبر الشرفة التي كنت أجلس ~~عليها لتناول الغداء. لكن كان بإمكاني تحمل ذلك، وكل المضايقات ~~الأخرى لتلك المدينة الملوثة والمزدحمة؛ لأنني كنت مغرما. ليس ~~بشخص، ليس في ذلك الحين. لكنني كنت مغرما باللغة العربية. كانت ~~مفتاحي لعالم خفي لكنه على مرأى من الجميع. فقد أتاحت لي دخول ~~أماكن لم يكن بمقدوري دخولها لولاها، وجعلتني أقرأ كتبا وشعرا يعود ~~تاريخه إلى أكثر من ألف عام؛ لأنها لم تكن قد تغيرت كثيرا خلال ذلك ~~الوقت، لكونها لغة القرآن المقدسة؛ وفتحت لي المجال لإجراء ~~محادثات كان من المستحيل أن أجريها من دونها. وكان للغة أيضا ~~نظام استثنائي في تصميمه. فيمكنك تكوين جذر من ثلاثة أحرف. مثل ~~الموتيفة الموسيقية، يمكن التعامل مع ذلك الجذر باثنتي عشرة طريقة ~~مختلفة، كل واحدة تغير معناه تغييرا دقيقا. وكانت النتيجة لغة ~~دقيقة بعذوبة مثل واحدة من مقطوعات باخ. # عند معظم الغربيين، تعتبر اللغة العربية هي لغة الإسلام. لكنني ~~وجدت أن عدد المسيحيين في كنائس مصر الناطقة بالعربية في أيام الأحد ~~يفوق عدد المسيحيين في كنائس إنجلترا. وقد انضممت إليهم؛ فكل أسبوع ~~كنت أستقل سيارة أجرة أو المترو، الذي بناه اليابانيون ويتحرك ~~بسلاسة ويتمتع بنظافة كبيرة، وصولا ms207 إلى ضاحية شبرا غير المميزة، ~~والمتهالكة إلى حد ما. لذا لم يكن يوجد مكان أفضل منها للهروب من ~~حياة المغتربين. كانت تقريبا مركز ثقل مصر، بتعريفها للطبقة ~~الوسطى بمتاجرها الصغيرة، ومطعمها الوحيد المشهور، وشوارعها المرصوفة. ~~كانت الأرض مغطاة بالحصى، والضوضاء تنبعث من كل مكان، وكانت لا ~~تزال توجد الرائحة النفاذة الكريهة للهواء الملوث؛ لكن لم يبد أن ~~هذه الأشياء كانت تزعج أصدقائي المصريين بقدر ما كانت تزعجني. لا ~~توجد في قرى مصر أماكن يختار الأثرياء العيش فيها، وكانت الشقق ~~الأفضل (كما أخبرني أصدقائي) هي التي تطل على الشارع الرئيسي ~~الصاخب، وليس على الطرق الترابية الخلفية الهادئة. عندما زارتني إحدى ~~صديقاتي في لندن، اشتكت من الهدوء الذي منعها من النوم. # وحتى يومنا هذا، لم تكن شبرا مقصدا للسياح. ومع ذلك فهم مخطئون ~~إن كانوا يظنون أنها لا تتمتع بأي مميزات. فلديها شيء واحد على الأقل ~~لن يجدوه في أي مكان آخر في الشرق الأوسط: محطة سميت تيمنا باسم ~~قديسة أوروبية. عندما ركبت المترو في وسط القاهرة، مررت بمحطات ~~سميت على أسماء رؤساء مصريين، ناصر، السادات، مبارك؛ ومررت بمحطة ~~اسمها على اسم الفرعون رمسيس؛ ثم وصلت إلى محطة تسمى سانت ~~تريزا. # كيف أصبحت القديسة تيريز دو ليزيو، وردة المسيح الصغيرة، على خريطة ~~القاهرة؟ يمكن العثور على الجواب قبالة شارع شبرا الرئيسي في كنيسة ~~في غاية الروعة. تحمل الكنيسة اسم القديسة تريزا لأنها تأسست على يد ~~الكرمليين الفرنسيين، ومن أسباب روعتها رواق الكنيسة المغطى من ~~أعلى إلى أسفل بلوحات جدارية نذرية باللغات الإنجليزية والفرنسية، ~~والعبرية والعربية، تركها يهود، ومسلمون، ومسيحيون لتكون شاهدة على ~~معجزات القديسة. لا تزال الكنيسة تجتذب بعض الزوار المسلمين الذين ~~يأتون لإشعال الشموع في الخلف، وحتى عندما جاء إسلامي مسلح لتخريب ~~الكنيسة منذ عدة سنوات، هاجم الصليب لكنه ترك صور القديسة ~~وشأنها. # وفي يوم دخلت إلى ساحة الكنيسة الصغيرة المرصوفة بالأسفلت والتقيت ~~بما كان سيصبح مجتمعي في مصر مدة عام. كان يوجد رجل ضخم يدعى عاطف، ~~كان يبدو مثل حارس ms208 ملهى ليلي لكنه أراد أن يصبح راهبا؛ وماجي، التي ~~كانت تتدرب بجد لتصبح مهندسة معمارية؛ وسميح، المهندس الواثق من ~~نفسه. لاحظت بين رعية الكنيسة علامات تدل على ماضيها الفرعوني، فقد ~~كانت توجد أسماء مثل رمسيس ونفرتيتي. وزعم رجل يدعى وائل، الذي كان ~~يطمح إلى أن يصبح عارض أزياء، أن ملامحه كانت تشبه بالضبط ملامح ~~الفراعنة. وكان يترأس الجميع بشكل ملكي الأب بولس، وهو كاهن ~~من عائلة قبطية كاثوليكية. (في القرن التاسع عشر، أنشأت الكنيسة ~~الكاثوليكية كنيسة بابوية في مصر، يمكن لأعضائها الأقباط الحفاظ على ~~تقاليدهم الخاصة مع قبول سلطة أسقف روما. تضم هذه الكنيسة ~~البابوية اليوم أكثر من 160 ألف عضو.) كان يمثل لي نموذجا يستحق ~~الدراسة في الكياسة المصرية. وهي بقدر كبير على طرف نقيض من كياسة ~~الإنجليز الباردة التي لا تصرح بالكثير؛ لذا وجدت نفسي أتنقل بين ~~المجاملات المبالغ فيها، والدعوات غير المقصودة، وكرم الضيافة الهائل. ~~لخصت لي كل ذلك مناقشة بين الكاهن وبائع ورد. وبعد مفاوضات ~~مطولة حول السعر، أكد بائع الورد: «بالطبع، أودك أن تحصل عليها ~~مجانا.» وردا على ذلك بفطنة تفوق ما يمكن أن أتمتع به يوما ~~ما، أجاب الكاهن بمجاملة جاهزة بالقدر نفسه من عدم الصدق: «كما ~~تعلم، لم آت إلى هنا إلا لأمتع نظري برؤيتك.» # كان الكاهن بالغ الكرم في مساعدتي لمعرفة أهم الخصائص المميزة ~~للقاهرة، وكان مراوغا بلا هوادة عندما حاولت رد كرم ضيافته. في ~~المرة الوحيدة التي جاء فيها إلى شقتي، شرب كوبا واحدا من الماء، ~~وعندما حاولت إقناعه بالبقاء مدة أطول، قال: «لا: لقد شرفتك بما ~~فيه الكفاية.» ومع ذلك، فإن لطف أصدقائي الأقباط معي لم ينضب أبدا. ~~فقد كانت الكنيسة أكثر من مجرد كنيسة. وكان رعية الأبرشية يأخذون ~~إجازاتهم معا، ويتحدث بعضهم مع بعض ساعات في الساحة، ويجتمعون ~~بشكل متكرر خلال الأسبوع. وعلموني الرقص المصري ودعوني مرة ~~للانضمام إليهم في الزيارات الخيرية لفقراء القاهرة، وهم أناس يعيشون ~~في أكواخ مؤقتة على أسطح المباني السكنية العالية. كما كان أصدقائي ~~الجدد ms209 يوبخونني بانتظام على تراخي المسيحية البريطانية. ولا عجب في ~~ذلك. فالقبطي المتدين ينبغي أن يصلي سبع مرات في اليوم، ويتجنب شرب ~~الكحوليات، ولا يدخن السجائر أبدا. ويصوم الأقباط ليس فقط أثناء الصوم ~~الكبير ولكن أيضا في صوم الميلاد وفي أوقات أخرى من العام؛ 210 يوما ~~في السنة إجمالا. ومع أنهم ملزمون بالتخلي عن اللحوم ومنتجات ~~الألبان خلال هذه الأوقات (والأسماك أثناء الصوم الكبير)، فإن البعض ~~يذهب إلى أبعد من ذلك بتناول الفاكهة فقط، أو الفول المطهي. والبعض ~~لا يأكل أي شيء على الإطلاق من منتصف ليل وغروب شمس كل يوم من أيام ~~الصوم الكبير. وهذا أكثر صعوبة من صيام المسلمين في رمضان. اعترتني ~~رغبة في تكرار الحكم الذي أصدره هيرودوت، الذي ذهل قبل خمسة وعشرين ~~قرنا عند زيارته لأحد المعابد المصرية العظيمة، الذي زادت ثرواته في ~~وقت ما بسبب التبرعات، لدرجة أنه امتلك ثلث أراضي البلاد الخصبة: ~~«المصريون متدينون بإفراط أكثر من أي دولة أخرى في العالم.» (في ~~استطلاعات الرأي الأخيرة، اتفق المصريون مع هيرودوت؛ فهم يعتقدون أنهم ~~أكثر الشعوب تدينا في العالم.) # لم يكن هذا هو تصوري بشأن الأقباط فقط، ولكن أيضا عندما سمعت ~~خطب يوم الجمعة في المساجد المحلية المزودة بمكبرات الصوت. وبدا ~~أن كل سائق تاكسي يشغل القرآن على مشغل الكاسيت الخاص به، وأحيانا ~~يعلق، وكأنه خبير، على جودة صوت القارئ. في حفل موسيقي صوفي، أثار ~~المغني الرئيسي، الذي تختفي عيناه خلف نظارات داكنة، تصفيقا ~~حارا، ودخل بعض مستمعيه في حالة نشوة. كان هذا التغلغل للدين يعني ~~أن الاختلافات الدينية كانت، أيضا، واضحة. وفي مرات عديدة عندما ~~كنت أسير في شوارع القاهرة، كان الناس يأتون إلي ويسألونني عن فريق ~~كرة القدم الذي أشجعه. وفي بضع مرات كانوا بدلا من ذلك يسألون - ~~بالقدر نفسه من الحماس على ما يبدو - إن كنت مسلما أو مسيحيا. ~~أخبرتني معلمتي للغة العربية أن الناس كانوا يسألونها السؤال ~~نفسه، ولكن بطريقة غير مباشرة. كانوا يسألونها عن اسمها، ثم اسم ~~والدها. (وبوصفها مسلمة ليبرالية، ms210 كانت تمشيا مع مبادئها الشخصية ~~تتهرب من أسئلتهم؛ إذ كانت تشعر بأنه ينبغي أن يكون للناس الحق في ~~الحفاظ على خصوصية دينهم.) وكان للأقباط طريقتهم الخاصة في طرح السؤال ~~ذاته. ففي مرة في متجر محلي كبير، كشف الصراف عن معصمه خلسة ~~لي، وأظهر وشما على شكل صليب. # كانت تلك الاختلافات تعبر عن نفسها بعنف من وقت لآخر أثناء ~~إقامتي في مصر. منعتني السفارة من زيارة أجزاء من جنوب مصر، وخاصة ~~مدينة المنيا، بسبب الجماعات الإرهابية الإسلامية التي كانت تهاجم ~~قوات الأمن والمسيحيين المحليين هناك. في سبتمبر من سنة 1997، عندما ~~كنت في الإسكندرية مع أصدقاء من كنيسة سانت تريزا، رأيت على شاشة ~~التلفزيون مقتل سائحين ألمانيين رميا بالرصاص في ميدان التحرير. ~~كانت أول مواجهة لي مع الإرهاب. قال سميح: «لا تخف يا جيرارد. إنه ~~القدر. لا بد أن نموت جميعا في يومنا الموعود.» لكنني لم أشعر ~~بالارتياح. وبعد شهرين قتل اثنان وستون شخصا في مذبحة في الأقصر ~~نفذها إرهابيون مسلحون بالبنادق والسكاكين. وكان من بين الضحايا ~~طفل عمره خمس سنوات. وعثر لاحقا على ملاحظة تمدح الإسلام في جسد ~~منزوع الأحشاء لأحد الضحايا. # ومع ذلك، تخللت هذه الأحداث الرهيبة رسائل تذكير عرضية عن ~~نهج من التعايش يتميز بمزيد من الإنسانية. منها، على سبيل المثال، ~~الهجوم الذي حدث في ميدان التحرير، والذي جعلني أشعر بخوف شديد عندما ~~رأيته في الأخبار في الإسكندرية. فقد هرب الرجال الذين نفذوه بعد ~~ذلك، أو هكذا قرأت، إلى منطقة مجاورة تسمى بولاق أبو العلا. ووفر ~~أهالي المنطقة الحماية للقتلة. وتصادف أنني كنت أعرف هذا المكان. ~~كان من المناطق المفضلة لدي للسير فيها، حيث تضيء مشاعل ~~الماغنيسيوم التي يستخدمها اللحامون المباني ذات الطراز الاستعماري ~~التي كانت فخمة يوما ما، وغبار وأوساخ الطرق المهملة فيما بينها. ~~لكن كاهن هذه المنطقة، وهو رجل ضخم في كنيسة إيطالية ضخمة، أخبرني أن ~~المسلمين هناك كانوا إخوته، وقال إنه لم يكن لديه أي مشكلة معهم. ~~وكان الأقباط يترددون على الكنيسة دون أن يتعرضوا لأي ms211 مضايقات على ~~الإطلاق. وأثناء خروجي من الحي، مررت بسوق شعبي لبيع الملابس. هنا ~~كان يوجد أناس من كل الأنواع: رجال يعتمرون العمائم، ورجال يرتدون ~~سترات، وجينز، وأردية عمل سابغة؛ نساء محجبات، ونساء غير محجبات، ~~وامرأة فقيرة للغاية حتى إنها لم تكن تستطيع تحمل ثمن الحجاب، وضعت ~~صندوقا من الكرتون حول رأسها ليقيها من الشمس، وفتاة ذات شعر طويل ~~مضفر تعلم أخاها الصغير كيفية رشم الصليب. # غادرت مصر عام 1998 ولم أعد إلا نادرا ولأوقات وجيزة. ثم في عام ~~2011 رأيت ميدان التحرير في الأخبار مرة أخرى. كان الشعب المصري قد ~~احتشد هناك لإسقاط الرئيس. ووقف المسيحيون والأصوليون الإسلاميون ~~متكاتفين. واعتدت على المتظاهرين عصابات مأجورة. وتنحى الرئيس حسني ~~مبارك. وتولى المجلس العسكري الحكم. واندلعت مواجهات بين مسيحيين ~~ومسلمين. وتعرضت بعض الكنائس للهجوم. وقتل عديد من المسيحيين. ~~كنت قد خططت للذهاب إلى مصر على أي حال، من أجل هذا الكتاب، وبدا ~~أن القيام بالرحلة في ذلك الوقت أنسب من أي وقت آخر. ~~••• # عندما هبطت الطائرة في القاهرة في مارس 2011، تطلعت إلى مدينة ~~أتذكرها جيدا. كان بإمكاني رؤية قصور الأغنياء في ضاحية مصر الجديدة ~~الشمالية الهادئة، واستطعت أن أرى أفقر فقراء القاهرة، سكان نهر ~~النيل الذين لا يملكون بيوتا إلا زوارقهم الصغيرة المكشوفة، وهم ~~يتأرجحون فيها كل مساء بسبب ارتداد الماء عن القوارب السياحية ~~الفاخرة. مررت في الطريق من المطار بثكنات عسكرية ضخمة عليها جداريات ~~تظهر انتصارات الجيوش الفرعونية المصرية؛ ثم تحول الطريق إلى جسر ~~عملاق، ومررت بسرعة فوق الصروح القاتمة للدولة، ووزاراتها، ومحطة ~~القطار الرئيسية. ثم مررت بقباب الكاتدرائية القبطية وبجانبها مسجد، ~~وتساءلت: هل كان هذا تضامنا، أم تنافسا؟ # كان فندقي، الواقع على جزيرة في النيل تسمى الزمالك، أثرا ~~مهترئا من ماضي القاهرة البهي ولكنه كان مريحا. وكان مهندس ~~معماري متقاعد يجلس بطريقة غريبة على كرسي باهت في الردهة وبدا أنه ~~يملي رسائل مختلفة، عادة رسائل شكوى، على موظف خدوم. خارج الفندق، ~~كان مجموعة من الشابات المحجبات يرسمن على الجدران لوحة تمثل ms212 سلطة ~~الشعب. وبينما كنت أسير في الشارع لاحظت اللافتات على المحلات ~~والجدران. أعلنت إحداها باللغة الإنجليزية عن العملة الليبية بسعرها ~~المنخفض الجديد بينما كان الحلفاء الغربيون والعرب يهددون بشن حرب: ~~«الدينار الليبي سعر البيع 2، سعر الشراء 3,65.» وعلى لافتة أخرى كان ~~مكتوبا باللغة العربية: «بسم الله: يوجد الكثير من رجال الشرطة ~~الشرفاء. دعونا نحتف بشرطتنا.» وكانت لافتة ثالثة، على باب متجر، ~~أكثر وضوحا، وتحتوي على كلمة واحدة فقط بأحرف لامعة: ~~«فياجرا». # ظهرت جزيرة الزمالك على نهر النيل منذ ما يزيد قليلا عن قرن من ~~الزمان، وقد تكونت من الطمي الذي كان يجرفه ماء النهر عاما ~~بعد عام، والذي كان سببا في خصوبة وادي النيل. (بعد بناء السد على ~~النيل عام 1970، توقف الطمي عن التدفق. وكذلك انتهى «ارتفاع منسوب ~~المياه» - أي الانحسار والفيضان السنوي للنهر.) استقطبت الزمالك ~~الطبقات العليا التي بنت عليها القصور والحدائق التي أصبحت الآن ~~هشة وباهتة. ركبت سيارة أجرة لعبور الكوبري متجها إلى المناطق ~~الأقدم في القاهرة، التي تقع على الضفة الشرقية لنهر النيل. أثناء ~~عبورنا النيل، أشار السائق بفخر إلى الهيكل المحترق لمقر الحزب ~~الحاكم السابق، القابع على حافة النهر. وصرح مقدم برامج في ~~الإذاعة: «يمكننا الآن التحدث عن الفساد في المجتمع بحرية!» # كنت متوجها إلى المتحف المصري، وهو مبنى متواضع مغطى بجص ~~وردي وعالق بين جسر خرساني متعدد الأدوار وميدان التحرير الفسيح. ~~يزور هذا المتحف كل يوم الآلاف من الناس لمشاهدة 165 ألف قطعة ~~أثرية ما بين تماثيل كبيرة وصغيرة، وتوابيت، ومومياوات. وفرت ~~السياحة في عام 2009 فرص عمل لما يصل إلى اثني عشر بالمائة من القوة ~~العاملة المصرية، لكن المتحف المصري كان دائما أكثر من مجرد مصدر ~~للمال. إنه نصب تذكاري للهوية المصرية. ويوجد على جداره الأمامي رمز ~~آخر؛ قائمة طويلة من الأسرات التي حكمت مصر، وكأنها تقول للمصريين: ~~«كان يحكمكم الملوك دائما.» وفي مصر الثورية عام 2011، كان المتحف هو ~~المكان الوحيد الذي ما زال يحظى فيه الحكام المستبدون بشعبية كبيرة، ~~على الرغم من أنهم ms213 موتى ومحنطون. # وبدلا من اللعنات والفخاخ المعقدة لدرء المتسللين، كان طارق ~~العوضي، مدير المتحف، وصيا على المومياوات. وجدته في مكتبه في قبو ~~المتحف. كان مكتبه محاطا بمجموعة من الساعات المذهبة المزخرفة، ~~وكل منها يظهر وقتا مختلفا. كنت قد جئت لأسأله عن التاريخ. قال ~~العوضي: «المصريون منفصلون عن ماضيهم. ويشعرون أنه ليس لديهم أي شيء ~~مشترك معه.» وأوضح أن المنهج الدراسي قسم التاريخ إلى عصور: ~~الفرعوني، والقبطي، والإسلامي. وقد حظي العصر الإسلامي بأكبر ~~قدر من الاهتمام. لكن العوضي كان يرى أن معرفة المزيد عن العصور ~~السابقة يمكن أن يساعد في تعزيز وحدة المصريين كشعب. وبوصفه مسلما، ~~شعر أن الماضي القديم للبلاد كان تراثا مشتركا بين المسيحيين ~~والمسلمين: «المجتمع في بلدنا متماسك وإن كان فيه أكثر من دين، ~~والعادات واللغة وحتى بعض التقاليد الدينية متماثلة عند جميع ~~المصريين، ومختلفة عنها عند العرب.» لكن لعقود عديدة، قيل للمصريين ~~إنهم عرب. ولذلك، على حد قول العوضي: «يتساءل المصريون: من نحن؟ هل ~~نحن عرب أم مصريون؟» # بعد مقابلتي مع العوضي، تجولت في قاعات المتحف، وألقيت نظرة على ~~دمى ونماذج لسفن وتماثيل الأوشابتي (الجنائزية) الصغيرة التي ~~بدت كأنها قد صنعت أمس، حيث كانت محفوظة بشكل مثالي. ومنحني ~~هذا شعورا غريبا؛ كما لو أن ستار الزمن قد صار رقيقا بطريقة ما، ~~وقد يخطو الفراعنة المحنطون من خلاله ويعودون للحياة في العصر ~~الحديث. من المؤكد أن المصريين كانوا يتوقعون أن تعود أجسادهم ~~إلى الحياة مرة أخرى، وهو أمر لم يتنبأ بحدوثه معظم الشعوب القديمة ~~الأخرى. على سبيل المثال، عندما ينزل جلجامش الملك في الملحمة ~~العراقية تحت الأرض للبحث عن صديقه الميت إنكيدو، يلتقي ظلالا، لا ~~أشخاصا من لحم ودم. أو كما يقول: «تحول إنكيدو إلى صلصال!» # لكن سكان وادي النيل كانوا محاطين برمال أكثر جفافا بمائة مرة ~~من الصحراء العراقية؛ صحراء جافة جدا لدرجة أنه اكتشفت قطع من ~~الورق مدفونة فيها منذ ألفي عام ولا تزال الكتابة عليها واضحة. ~~دفن قدماء المصريين موتاهم في هذه الرمال، وحتى من ms214 دون العملية التي ~~ابتكرت لاحقا المتمثلة في إزالة أعضاء الجسم وحشو الجثة بملح ~~النطرون للحفاظ عليها، غالبا ما كانت الجثث تحنط بشكل طبيعي بسبب ~~جفاف الرمال والحرارة. وعند اكتشافها بعد سنوات عديدة، كان لا يزال من ~~الممكن التعرف عليها. ومن الممكن تخيل الروح (كا) وهي تدخل فيها مرة ~~أخرى وتعيدها إلى الحياة. يقول نقش مصري من القرن الرابع والعشرين ~~قبل الميلاد: «لينهض الذين في قبورهم؛ فليفكوا أربطتهم. انفضوا ~~الرمال من على وجوهكم» (وهنا يبدو أنه يخاطب الموتى أنفسهم)، ~~«اتكئوا على جانبكم الأيمن، وانهضوا بجانبكم الأيسر.» # لو عاد الفراعنة بالفعل إلى الحياة اليوم، ونهضوا من توابيتهم ~~المذهبة، فسيجدون أن بلادهم قد تغيرت تغيرا يستحيل معه التعرف ~~عليها. فقط في الريف يمكنهم رؤية مشاهد مألوفة؛ حيث تغتسل العائلات ~~في نهر النيل وتغسل أوانيها، وتوجد أشجار النخيل الخضراء وأكوام ~~القمح المدروس التي تتخلل الحقول ، ويتجول الجاموس بجانب الجداول. ~~وبخلاف ذلك سيندهشون من الأدخنة الخانقة والمباني السكنية المكتظة ~~بالقاهرة، التي تعد الآن إحدى أكبر مدن العالم، ومن زيادة عدد السكان ~~في مصر الآن، أكثر عشرين مرة مما كانوا عليه في العصور القديمة، ومن ~~حقيقة أن الأمة، التي كانت يوما ما سلة غلال الإمبراطورية ~~الرومانية، تستورد الآن أربعين بالمائة من طعامها. وسيكتشفون أن ~~ديانتهم المتمثلة في آلهة برءوس حيوانات، التي كانت يوما ما تسيطر ~~بقوة على المجتمع المصري، قد اختفت. # أو ربما لم تختف تماما، كما اتضح بعد ذلك. كان لدي موعد في ~~فندق بالقرب من ميدان التحرير مع زوجين أطلقا على نفسيهما اسم ~~أوزوريتس؛ وهما مصريان معاصران يعبدان الإله المصري القديم أوزوريس. ~~بدا الزوج، حمدي (اسم مستعار)، مثل تمثال الكاتب المصري القديم، ~~سمين ومرح. قدمت على مائدتنا زجاجات بيرة سقارة، التي سميت ~~على اسم أقدم أهرامات. وراء الأرائك ذات القماش القطني المنقوش ~~والنوافذ الزجاجية، كان نهر النيل يتدفق، خالدا بلونه البني. ~~وفقا للأسطورة المصرية، فقد طاف أوزوريس، إله العالم السفلي، مع ~~مجرى النهر في نعش بعدما خدعه أخوه الشرير ست. وأنقذته أخته إيزيس، ~~لكن ms215 ست وجده مرة أخرى وقطعه إلى أشلاء. عثرت إيزيس على كل القطع ~~باستثناء قضيب أخيها الذي أعادت بناءه له من الذهب. ثم أحيته ~~بطريقة سحرية. وأصبح إله البعث، وكان يعتقد أنه يتحكم في انحسار ~~وفيضان النيل، وهما رمزان للموت والبعث. # أخبرني الزوجان أن أوزوريس، وإيزيس، وست - وآلهة مصرية أخرى مثل ~~آمون - كانوا مجرد إله واحد. وأضافا أنه كان من الخطأ الحديث عن ~~قدماء المصريين بوصفهم مشركين أو «كفارا»، كما فعل بعض المسلمين. ~~فقد قدموا للعالم معظم أفكاره الدينية المعاصرة، بما في ذلك كلمة ~~«آمين». # أوضح حمدي: «عندما يقول الآخرون: «آمين»، أقول: «آمون»!» # وأضافت زوجته: «نحن من اخترعنا يوم الراحة المقدس. وكتب الفرعون ~~أخناتون مزامير داود. انظر إلى الترانيم التي كتبها لآتون، وسترى ~~أنها هي نفسها المزامير.» # وأخبرتني عن عيد مصري حديث يمكن أن يعود مصدره إلى عيد قديم. فقبل ~~ألفي عام كان يشار إليه باسم «قدوم أوزوريس إلى القمر»؛ ويسمى الآن ~~شم النسيم، لكنهم ما زالوا يحتفلون به في الاعتدال الربيعي. ~~«يتمتع هذا اليوم بقداسة خاصة. إنه اليوم الوحيد الذي يتوقف فيه ~~كل شيء.» لا يوجد أي عيد آخر في مصر الحديثة يحتفل به المسيحيون ~~والمسلمون. «يأكل الناس الأشياء الخضراء، والأسماك والخس، ويجلسون ~~على العشب، ويلونون البيض الذي يأكلونه.» (يوجد طعام هو اختصاص مصري ~~يأكلونه في شم النسيم، وهو الفسيخ، وهو نوع من الأسماك المحفوظة يقول ~~الأكاديميون إن تاريخه يعود إلى آلاف السنين. لقد تذوقته مرة ~~ووجدته لاذعا بشكل صادم. لكن بعض المصريين يحبونه.) وأصرت على أن ~~هذا العيد المصري القديم كان أصل عيد الفصح. # وبفخر قومي عميق، سردت العادات والأفكار الدينية العديدة ~~والمنتشرة التي نشأت في مصر القديمة: عادات الحج والصلاة، والصوم، ~~ومفهوم المسيا، وأشجار عيد الميلاد، وتسمية عيد الميلاد، وإضاءة الشموع ~~في الكنائس، والمزيد. قال حمدي: «إن العلم المصري عمره أربعة عشر ~~ألف سنة. ودائما ما كانت تمثل ألوانه الأحمر، والأبيض، والأسود، ~~الفخر الوطني. والنسر في وسطه هو رمز لحورس.» استطعت أن أرى أن هذين ~~الزوجين، أيضا، كانا ms216 يبحثان عن هوية من شأنها أن تكون ملكا لجميع ~~المصريين. ومع أنني وجدت صعوبة في تخيل أنه سيكون هناك العديد من ~~الأشخاص الذين سينضمون إليهما في عبادة أوزوريس، فقد صرحا بكل ~~جرأة في نهاية حديثنا بأن: «الديانة المصرية ستعود!» بعد عام، عندما ~~كان الإخوان المسلمون يحكمون مصر، قابلت هذين الزوجين مرة أخرى، ~~لكنهما تحدثا بشكل مختلف وأكثر حذرا. وقالا إنهما كانا مهتمين ~~بثقافة مصر القديمة، وليس بالدين. # ومع ذلك، كانا محقين في أن المصريين القدماء كان لهم تأثير على ~~الأديان اللاحقة. ولم يقتصر الأمر على أن المصريين كانوا أول من آمن ~~ببعث الجسد، ولكن الفرعون أخناتون، والد توت عنخ آمون، كان أول موحد ~~معروف في التاريخ. وألغى جميع الآلهة باستثناء محبوبه آتون، إله ~~الشمس، وبنى تماثيل مخنثة ترمز إلى اتحاد الذكر والأنثى. وعثر ~~على ترنيمة لآتون، ربما كتبها الفرعون نفسه: «تسطع الأرض عندما ترتفع ~~في الأفق الشرقي وتتألق في هيئة آتون في وقت النهار، يا لتنوع ~~أعمالك! إنها محجوبة عن أعين الناس، أيها الرب الواحد، لا يوجد لك ~~مثيل!» يتشارك اليهود الذين عاشوا في مصر في بعض عاداتهم مع الفراعنة؛ ~~فقد تجنب اليهود والمصريون أكل لحم الخنزير وسمك السلور، واشتركا في ~~ممارسة عادة ختان الذكور. ومقارنة بعدد التقاليد القديمة التي لاحظت ~~بقاءها واستمرارها في العراق، لم يستمر سوى القليل في مصر. فلم يكن ~~في البلاد طوائف مثل المندائيين أو الزرادشتيين التي حافظت على ~~بقاء تقاليد ما قبل المسيحية إلى العصر الحديث. والعادات الشعبية في ~~مصر، على الرغم من تعددها وتنوعها، هي في الغالب من العصور الوسطى. ~~ولم أعثر إلا على ثلاث عادات فقط تعود إلى العصور الفرعونية. # إحداها هي العادة التي يميز بها المصريون الموت. ففي مقبرة في ~~القاهرة تعود إلى القرون الوسطى، تجمعت مجموعة من المساكن ~~المصغرة في صف صامت على طول الطرق الترابية المستقيمة الفارغة ~~بالقرب من الجامع الأزهر. وعلى الرغم من أن هذه المساكن يسكنها في ~~الواقع في معظم أوقات العام واضعو اليد، فإنها مبنية فوق القبور ms217 ~~وموجودة لممارسة عادة مصرية خاصة: فبعد أربعين يوما من وفاة أحد ~~الأقارب، وفي كل ذكرى سنوية للوفاة، يتجمع العديد من العائلات ~~المصرية في هذه المساكن الصغيرة لتناول وجبة هناك. وقد جاء أسلافهم، ~~بالطريقة ذاتها، ليأكلوا بالقرب من قبور أحبائهم، ويقدموا الطعام ~~لأرواحهم. أخبرني طبيب قابلته كيف استمرت في جنوب مصر العادة ~~القديمة المتمثلة في استئجار الندابات في الجنازات، وأنه لمدة أسبوع ~~بعد الوفاة، تئوي الأسرة الثكلى الزوار وتطعمهم. وقد صادف ~~الطبيب نفسه مرة ندابات ارتجلن هتافات أثناء إجرائه عملية ~~جراحية. ووقفن، يرتدين في الغالب زي الحداد الأسود، حول طاولة ~~العمليات وارتجلن لحنا حزينا لهذه المناسبة؛ وذلك لأنهن كن يرفضهن ~~قبول إمكانية بقاء المريضة على قيد الحياة. «آه، أيتها المرأة ~~المسكينة التي قطع لحمك وأنت ما زلت على قيد الحياة!» # وتوجد عادة أخرى أقل جاذبية تعود حتما إلى العصور الفرعونية. ~~كتب هيرودوت أن المصريين «يمارسون الختان بغرض النظافة»، وتشير ~~بردية من القرن الثاني قبل الميلاد إلى أن هذه الممارسة كانت تطبق ~~على الفتيات والفتيان على حد سواء. ولا تزال كذلك. فقد وجدت دراسة ~~استقصائية مدعومة من الأمم المتحدة في عام 2008 بشكل صادم أن أكثر من ~~تسعين بالمائة من النساء المصريات اللائي شملهن الاستطلاع قد ~~تعرضن لهذه الممارسة؛ مع أنها غير شائعة بين المصريين الأفضل ~~تعليما. وتعرف أيضا باسم تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، حيث ~~تتضمن قطع البظر وأحيانا الشفرين أيضا بسكين. حظرت حكومة ~~مبارك هذه الممارسة في عام 2007 بعد وفاة فتاة أثناء الجراحة. ومع أن ~~أصلها ليس إسلاميا (حيث يمارسها بعض المسيحيين وكذلك المسلمون)؛ فقد ~~استمرت هذه العادة المصرية القديمة الأبشع على الإطلاق أكثر من أي ~~عادة أخرى، وعلى عكس تلك العادات الأخرى، تجتذب دعم الإسلاميين ~~الأصوليين وليس عداءهم. # وتوجد علامة أخرى من مصر القديمة تحدق في وجوه معظم الزوار في وقت ~~أو آخر. وهي «يد فاطمة» ذات اللون الأزرق التي تتدلى من الكثير من ~~مرايا السيارات في القاهرة، والتي يعتقد اليوم أنها تمنع العين ~~الشريرة، والحسد الذي يجتذبه الناس ms218 من خلال حظهم الطيب. في العصور ~~القديمة كانت «يد حورس»، التي غالبا ما كانت تصنع من اللازورد ~~الأزرق، تؤدي الغرض ذاته. وفي القرن التاسع عشر، بذل المصريون ~~قصارى جهدهم لتجنب العين الشريرة؛ حيث كانوا يلبسون الأولاد ~~ملابس الفتيات، ويلطخون وجوه الفتيات الجميلات لإخفاء حسنهن، ~~ويطلقون على أنفسهم أسماء بغيضة مثل «العفش» أو «عصفورة» أو ~~«الجحش». # تفهم قلة قليلة من المصريين المغزى الحقيقي لهذه العادات، مثلما ~~يفكر معظم الإنجليز في الإله تيو عندما يلمسون الخشب من أجل الحظ. ~~لكن السلطات الدينية المسيحية والإسلامية تريد من أتباعها التخلي عن ~~هذه التقاليد. ويدينها تيار الإسلام السلفي بوجه خاص. في عام 2012 ~~دعا السياسي الأصولي الإسلامي مرجان الجوهري إلى تدمير أبي الهول ~~والأهرامات. وتقاطع الجماعات السلفية في مصر الاحتفال بشم النسيم ~~وطالبت بإيقافه. ولا تزال كلمة «فرعون»، أيضا، كلمة بذيئة عند ~~الإسلاميين. وعندما أراد الإخوان المسلمون في عام 2011 الترويج ~~لدستور جديد كان سيجري التصويت عليه بنعم أو لا، ابتكروا شعار: ~~«صوت بلا، ليحكم فرعون البلاد!» ~~••• # لقد ضعف الدين الأصلي لمصر بسبب قرون من الحكم الأجنبي - من ~~قبل الفرس، والإغريق، والرومان - بدءا من القرن الرابع قبل ~~الميلاد. كليوباترا نفسها كانت من أصل إغريقي وفارسي، مع أن أسرتها ~~حاولت اتباع العادات المصرية (أحد هذه التقاليد التي لم تكن مقبولة ~~اجتماعيا كان زواج الفراعنة من أخواتهم؛ فكليوباترا كانت تنحدر من ~~عدة أجيال من زواج المحارم). وصار المصريون الأصليون يحملون تسمية ~~خاصة؛ لتمييزهم عن المستوطنين الإغريق الذين امتلكوا معظم الأرض ~~وتولوا أمور الإدارة. فأطلق عليهم اسم «إيجيبتيي»؛ الذي اشتق ~~منه كل من كلمة «إيجيبت» (مصر) و«كوبت» (قبطي). وبحلول القرن الثالث ~~الميلادي، استطاع واعظ مسيحي أن يدعي أن الدين القديم كان يهيمن ~~عليه اليونانيون، وأن المسيحية هي دين الأقباط. # لم يقتلع الإغريق بالحكم الروماني، الذي دخل مصر بعد مصرع ~~كليوباترا، لكنه أدى إلى إلغاء دور الفرعون؛ وهو ما أدى بدوره إلى ~~تقويض المعابد، التي كانت تعتمد على الدعم المالي من الفراعنة ولعبت ~~دورا مهما في الحفاظ على استمرارية ms219 الثقافة القديمة. في القرن ~~الثاني الميلادي، نرى مثالا على اضمحلال التقاليد في تقرير نقابة ~~نحاتي الكتابة الهيروغليفية في مدينة أوكسيرينخوس؛ حيث بلغ عددهم ~~خمسة فقط، كما ذكرت النقابة، ولم يكن لديهم متدربون لمواصلة هذه ~~المهنة. # بقيت المعابد عدة قرون في ظل حكم الرومان، على الرغم من انخفاض ~~قوتها. لكن في القرن الرابع، اعتنقت الإمبراطورية الرومانية ~~الديانة المسيحية وبذلت جهودا مضنية لقمع الدين القديم. وبحماس ~~انضم إليها العديد من المصريين، وهاجموا الفلاسفة الوثنيين ~~وطمسوا وجوه الآلهة على الجداريات في معابدهم حتى تبطل قوتهم ~~السحرية. وفي الحدود الضيقة لوادي النيل في مصر، لا يوجد تسجيل لبقاء ~~أي مجتمع غير مسيحي في زمن الفتح الإسلامي. وحتى اللغة المصرية ~~القديمة غمرت بكلمات جديدة أتت بها المسيحية؛ حيث حلت الكلمة ~~اليونانية «سايكي»، أي: الروح، محل كلمة «كا» الفرعونية. # وبقيت بعض العادات، كما علمت في كنيسة القديس مرقس؛ لأنها ~~اعتبرت جديرة بأن تنضم إلى الطقوس المسيحية الجديدة. وكان رجال ~~الدين المسيحيون في مصر في كثير من الحالات المسجلة إما كهنة ~~معابد اعتنقوا المسيحية أو أبناء كهنة معابد. لذا كانت ترنيمة مثل ~~«بيك إثرونوس»، التي سمعتها في كنيسة القديس مرقس في كنسينجتون، ~~مألوفة جدا لهم. واحتاجت فقط إلى بعض التعديلات حتى تصبح موجهة ~~إلى يسوع المسيح. وقد كانت الصنوج أيضا مستخدمة في عبادة الآلهة ~~القديمة. ولبعض الوقت، حظرت الكنيسة المسيحية استخدامها، لكنها ~~رضخت فيما بعد؛ ولا تزال تستخدم في الطقوس القبطية اليوم. # حدث خلاف بين الكنائس القبطية، والأرمنية، والسريانية من جهة، ~~والبيزنطيين والأوروبيين من جهة أخرى، في مجمع خلقيدونية في القرن ~~الخامس حول طبيعة المسيح. وتمثل هذا الاختلاف ببساطة في شعور ~~الأقباط بأن المجلس لم يكن حازما بما فيه الكفاية في اتخاذ موقف في ~~مواجهة أولئك الذين أرادوا التمييز بين يسوع الإنسان ويسوع الإله. ~~وشدد الأقباط على أن ليسوع طبيعة واحدة فقط، وما زالوا يشيرون إلى ~~أنفسهم على أنهم ميافيزيون (كلمة # mia ~~physis # في اللغة اليونانية تعني «طبيعة واحدة»). ~~نتج عن ذلك رفض البطريرك القبطي للمجمع؛ وعلى ms220 الرغم من أن مصر ~~كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية البيزنطية، كان البطريرك وليس ~~الإمبراطور هو الحاكم الحقيقي لمصر. وتأثرت العلاقات بين الأقباط ~~وبيزنطة. وعكس الخلاف توترات أخرى أيضا؛ ربما من بينها كراهية ~~الأقباط الطويلة الأمد للحكم الأجنبي. ومن المؤكد أن الانقسام ~~الديني زاد من عمق هذه الكراهية، ولم يقاوم الأقباط كثيرا عندما ~~غزا العرب المسلمون مصر في القرن السابع. وتوترت العلاقات إلى حد ~~ما عندما فرضت الحكومة الإسلامية الجديدة ضرائب باهظة على السكان ~~غير المسلمين؛ مما أدى إلى حدوث وقائع تمرد. ومع ذلك، ظل معظم ~~المصريين مسيحيين حتى القرن العاشر، وظلت اللغة القبطية لغة شائعة ~~حتى القرن الثالث عشر، حيث فرضت اللغة العربية تدريجيا. وفي القرن ~~الرابع عشر، في أعقاب الحروب الصليبية والغزوات المغولية، زادت وتيرة ~~أعمال الشغب ضد المسيحيين، وفرضت السلطات قوانين للحد من نفوذ ~~الأقباط ومكانتهم. وأثناء رحلة الراهب الألماني يوهان فانسليب لاستكشاف ~~مصر عام 1672، ذكر أن الأقباط كانوا «خائفين للغاية من الاستبداد ~~المستمر لدرجة أنهم كانوا يرتجفون كأوراق الشجر من أقل ضجة.» # إن الإعجاب بالفراعنة ظاهرة حديثة بين كل من الأقباط والمسلمين. ~~ففي القرآن، يحتل الفرعون الذي اشتهر برفضه السماح لموسى واليهود ~~بمغادرة مصر موضعا بارزا. وقد وصف بأنه «من المفسدين»، إذ نصب ~~نفسه إلها، ومجد نفسه، واحتقر الفقراء. ولذلك، على عكس «الصابئة» ~~في حران، كان الفراعنة دائما يعرفون بأنهم وثنيون وكان ينظر ~~إلى مواقعهم الدينية بعين الريبة. ويقال إن أحد الحكام المسلمين ~~الأوائل أراد هدم الأهرامات. ووفقا لمؤرخ القرون الوسطى المقريزي، ~~نجح صوفي من القرن الرابع عشر في تحطيم أنف أبي الهول، ويبدو أنه ~~كان غاضبا من حقيقة أن الفلاحين المحليين كانوا يقدمون القرابين ~~له بوصفه إلها (إشارة نادرة إلى احتمالية أن الآلهة القديمة كانت لا تزال ~~تعبد، سرا). ولم يكن الشخص العادي الذي يعيش في مصر يرى ~~بالضرورة أن «المصرية» هوية. وذكر ويليام براون، وهو زائر بريطاني ~~للقاهرة في القرن الثامن عشر، أن التجار المحليين كانوا يشيرون إلى ~~أنفسهم ببساطة على أنهم عرب. وأصبح في ms221 هذه المرحلة مصطلح «الأقباط»، ~~الذي كان يستخدم في الأصل لوصف المصريين الأصليين، مستخدما لوصف ~~المسيحيين فقط. # لكن خلال القرن التاسع عشر، بدأ هذا التوجه يتغير. وكان الحافز ~~وراء ذلك سلسلة من الاكتشافات، التي جرت في البداية على يد علماء ~~آثار غربيين، وكشفت عن المهارات والإنجازات الفنية للمصريين القدماء. ~~واكتشف علماء الآثار معبد أبي سمبل، الذي تحرسه تماثيل بارتفاع ~~خمس وستين قدما للفرعون رمسيس الثاني، في عام 1813. وفي عام 1817، ~~عثروا على مقبرة سيتي في وادي الملوك، بما في ذلك فرش الرسامين ~~التي كانت لا تزال على الأرض تحت الصور اللامعة باللونين الأزرق ~~والذهبي التي تظهر مسيرة روح الفرعون في الحياة الأخرى. أسهمت هذه ~~الاكتشافات وغيرها في ظهور ظاهرة «الهوس بالحضارة المصرية» في أوروبا ~~وأمريكا؛ التي تتمثل في حماس لمحاكاة العمارة المصرية ~~القديمة. # تزامن ذلك مع حدوث تحولات ثقافية وسياسية داخل مصر ذاتها. ففي ~~القرن التاسع عشر، على الرغم من كون مصر والسودان ولايتين تابعتين ~~رسميا لإمبراطورية السلطان العثماني في إسطنبول، كانت تحكمهما في ~~واقع الأمر بوصفهما كيانا منفصلا أسرة محمد علي؛ التي سميت على ~~اسم مؤسسها، وهو مغامر ألباني ناجح، أسس قاعدة سلطته من خلال دعوة ~~خصومه إلى مأدبة ثم ذبحهم جميعا عندما هموا بالرحيل إلى ~~منازلهم. وعلى الرغم من هذه البداية الدموية، شكلت الأسرة الحاكمة ~~قوة للإصلاح والتحديث في مصر. # وكان إسماعيل، العضو الثالث في الأسرة الحاكمة، الذي حكم من عام ~~1863 إلى عام 1879، طموحا بشكل خاص. فقد حد من تجارة الرقيق، وبنى ~~أكبر سكة حديدية في أفريقيا، وبدأ حفر قناة السويس. كما افتتح ~~أول متحف مصري عام 1863، قبل ذلك المتحف الكائن في ميدان التحرير. ~~وصمم هذا المتحف على الطراز الفرعوني. ولطمأنة المسلمين ~~المتدينين الذين ترددوا في محاكاة الفراعنة المشركين، أكد عالم ~~ديني يدعى طهطاوي أن الفراعنة كانوا في الواقع «صابئة» يعبدون إلها ~~واحدا في صور مختلفة. وفي عام 1864 كتب واحد من تلاميذ طهطاوي، ~~واسمه أبو السعود، تأريخا لمصر القديمة داعيا سكانها المعاصرين ~~إلى تقليد أسلافهم «في العمل معا ms222 بوصفهم مصريين حقيقيين وطنيين، من ~~أجل نهضة مصر.» واعتبارا من عام 1867، ظهرت الأهرامات على طوابع ~~البريد المصرية. # لم تكن هذه مجرد حركة عاطفية للحنين إلى الماضي. بل كانت لها صلة ~~بمكانة مصر في العالم. فبفضل أمجاد تاريخ مصر، تمكن إسماعيل من ~~مواجهة الحكام الأوروبيين بثقة. كما أن تلك الأمجاد شكلت أساسا ~~لرؤية مصر ليس باعتبارها ولاية تابعة للإمبراطورية العثمانية وإنما ~~بوصفها دولة مستقلة كما أراد لها إسماعيل. وأثر هذا التركيز على ~~هوية مصر المستقلة على موقف إسماعيل تجاه الدين أيضا. فقد وبخ ~~وزيرا مسلما تحدث عن موظف حكومي بازدراء قائلا «هذا المسئول ~~القبطي»، والتفت إلى الشخص المتكلم وقال: «الجميع مصريون على حد ~~سواء.» كان هذا التأكيد على المساواة بين المسيحيين والمسلمين ~~(بالإضافة إلى الهوية الوطنية الموحدة) مهما؛ فلم يعف ~~المسيحيون من دفع الجزية المفروضة عليهم بصفتهم غير مسلمين إلا عام ~~1855. ومنح إسماعيل أراضي للمدارس القبطية، وجعل الأقباط يشاركون في ~~برلمان أولي أنشأه، وأطلق عليه اسم مجلس شورى النواب؛ وعين ~~قبطيا رئيسا للصحافة الرسمية للحكومة وآخر رئيسا لوزارة المالية. ~~في نهاية مدة حكمه عين نوبار باشا، المسيحي الأرمني، رئيسا ~~للوزراء. واستفاد أيضا اليهود الموجودون في البلاد من مناخ ~~الانفتاح الديني الجديد؛ حيث شجع إسماعيل الكاتب المسرحي المصري ~~اليهودي يعقوب صنوع بالإشادة به ووصفه بأنه «موليير مصر». وسار ~~التحرر الديني جنبا إلى جنب مع الاحتفال بالتراث المصري القديم ~~ومشروع بناء الدولة المصرية. # لا عجب إذن في أن الأقباط المثقفين أحبوا مصر القديمة، مع أن ~~الكتاب المقدس المسيحي نادرا ما يتحدث عنها بلطف أكثر من القرآن. ~~فأنشئوا نادي رمسيس الاجتماعي وصحيفة اسمها «فرعون». حتى إنه كانت ~~توجد جهود لإحياء اللغة القبطية بوصفها لغة للحياة اليومية. إذ كان ~~فانسليب قد كتب في سبعينيات القرن السابع عشر أنه «سعد برؤية الرجل ~~الذي ستختفي معه اللغة القبطية تماما.» وفي بداية القرن العشرين، ~~أصر عالم مصريات قبطي يسمى كلوديوس لبيب على أن يتكلم أطفاله ~~اللغة القبطية في البيت. وافتتح متحف قبطي عام 1908 للاحتفال ~~بالإنجازات الثقافية المصرية ms223 في عصر ما بعد الفراعنة. # وبحلول عام 1919، كان الأقباط ميسوري الحال بقدر بني جلدتهم ~~المسلمين؛ فقد كانوا يمتلكون عشرين بالمائة من الأراضي الزراعية في ~~البلاد؛ وفقا لتقدير بريطاني، وقدر أيضا أن هذا كان أعلى بكثير ~~من نسبتهم من تعداد السكان. وكان رئيس الوزراء في ذلك العام، يوسف ~~وهبة، قبطيا (ثالث مسيحي يتولى هذا المنصب). لكن بحلول هذا الوقت، ~~تغير السياق السياسي عن أيام إسماعيل. فقد كانت بريطانيا تسيطر على ~~الحكومة من وراء الستار؛ إذ كانت قد أصبحت أكبر دائن لمصر، ثم ~~تولت فعليا إدارة شئون البلاد، عندما تسببت خطط الإنفاق ~~الطموحة التي وضعها إسماعيل في إغراق بلاده في الديون. وبالإضافة ~~إلى الظهور في الحكومة، كان الأقباط نشطين أيضا إلى جانب المسلمين ~~في الحركة المتنامية من أجل استقلال مصر عن الهيمنة البريطانية؛ حيث ~~تجمع المتظاهرون في ميدان التحرير عام 1919 تحت راية الهلال والصليب ~~الموحدين. وعندما شكل حزب الوفد القومي المصري ، بقيادة زعيم ~~صاحب رؤية يدعى سعد زغلول، وفدا من سبعة ممثلين مصريين للذهاب ~~إلى السفير البريطاني والمطالبة بالاستقلال، كان زغلول حريصا على ~~ضم قبطي. حتى إن كاهنا مسيحيا خطب من منبر أهم جامع في ~~البلاد، الجامع الأزهر، عام 1919، لأول مرة في التاريخ. وأعلن القمص ~~سرجيوس قائلا: «إذا بقي البريطانيون في مصر بحجة حماية الأقباط، ~~فليمت كل الأقباط ويحيا المسلمون أحرارا.» # في القاهرة أثناء زيارتي في عام 2011، كان هناك عوامل تحيي ~~ذكريات ذلك الوقت. فبالقرب من ميدان التحرير، في الجهة المقابلة ~~لمكتبة للكتب القديمة كانت جدرانها الخارجية ملطخة ببقع الدم، ~~كان هناك رجل يرتدي قميصا مكتوبا عليه «البنادق لا تقتل. الحكومات ~~تفعل» يبيع قمصانا مرسوما عليها هلال وصليب. ورأيت ذلك الرمز ~~مرسوما على الجدران في جميع أنحاء المدينة. ومن خلال استحضار روح ثورة ~~1919، كان الأشخاص الذين رسموه يؤكدون على الوحدة الوطنية في ~~مواجهة أولئك الذين أرادوا إثارة الخلافات بين المسيحيين ~~والمسلمين. # التقطت هذه الصورة لرمز الهلال والصليب في عام ~~2011 في منطقة بالقرب من الجامع الأزهر في القاهرة، ~~وهي منطقة تضم ms224 أغلبية مسلمة. ويعبر هذا الرمز عن ~~رغبة المسيحيين والمسلمين في التغلب على خلافاتهم ~~والعمل معا من أجل الحرية. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # ومع ذلك، لم يكن كل السياسيين المصريين الذين طالبوا بالاستقلال ~~في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي؛ متفتحي العقل مثل زغلول. ففي ~~عام 1928، توجهت مجموعة من العمال في المعسكر البريطاني في مدينة ~~الإسماعيلية الساحلية للقاء حسن البنا، وهو من المعارضين المثقفين ~~للعلمانية، وقالوا له: «نحن نرى أن العرب والمسلمين ليس لهم منزلة ولا ~~كرامة. إنهم ليسوا أكثر من مجرد أجراء يمتلكهم الأجانب.» وأقسموا ~~أن يكونوا جنودا للإسلام، لكن البنا اختار للجماعة اسما أكثر براءة ~~هو: الإخوان المسلمون. كان من بين المطالب الأولى التي قدمها ~~الإخوان للحكومة المصرية حظر الكحول وقمع الدعارة التي انتشرت ~~خلال الحرب العالمية الأولى، عندما كان الجنود الأجانب متمركزين في ~~مصر. ودعا الإخوان البريطانيين إلى الانسحاب من مصر. لكن كان لهم ~~أيضا طموحات أكبر تتمثل في: توحيد جميع أراضي المسلمين تحت قيادة ~~خليفة يفرض شريعة إسلامية صارمة. # حاول السياسي القبطي وليم مكرم عبيد الوصول إلى أرضية مشتركة مع ~~الإخوان، وكان السياسي الوحيد الذي احتج عندما حلت الحكومة ~~المصرية الحركة عام 1948. كما كان السياسي الوحيد الذي حضر جنازة ~~حسن البنا بعد مقتل الأخير على يد عملاء حكوميين في العام التالي. ~~وبدورهم، زعم الإخوان أنه ليس لديهم أي خلاف مع الأقباط. لكن من ~~الناحية العملية، أرادت الحركات الإسلامية الجديدة تقويض خصومها ~~العلمانيين. وقد ساعدتهم مهاجمة الأقباط، الذين غالبا ما لعبوا ~~دورا في الأحزاب العلمانية في البلاد، في هذا المسعى. وفي أربعينيات ~~القرن الماضي، أدى الخطاب الإسلامي إلى حرق الكنائس، والاعتداء على ~~الكهنة، ومهاجمة الاحتفالات القبطية. وفي الوقت ذاته، أثر حتما ~~تركيز البنا على النضال ضد الأجانب المسيحيين في خطاب الإخوان ~~المسلمين حول المسيحية بشكل عام. ولم يشارك الإخوان إسماعيل حماسه ~~لأن تكون مصر دولة يتساوى فيها جميع المواطنين. وبدلا من ذلك، كان ~~البنا فخورا بمصر بالأساس؛ بسبب دورها التاريخي في الدفاع عن ~~الإسلام في مواجهة الصليبيين، تلك الرؤية التاريخية ms225 التي لم تمنح ~~الكثير من الكرامة الحقيقية للأقباط. فقد قدمت الحركة للأقباط ~~موقف الدونية السلمية، وليس المساواة التي قدمها بعض القوميين ~~العلمانيين. # وعندما حدث الاستقلال فعلا، لم يصعد إلى السلطة ليبراليون على ~~غرار زغلول ولا إسلاميون. ففي عام 1952، أطيح بفاروق، حفيد حفيد ~~محمد علي، على يد مجموعة من ضباط الجيش الذين لم يكونوا معروفين من ~~قبل. وأصبح أحد هؤلاء، وهو محمد نجيب، رئيسا للبلاد. وبعد ذلك بأربع ~~سنوات أطاح به البكباشي جمال عبد الناصر، الذي نجح بعد ذلك في تحقيق ~~انسحاب جميع القوات البريطانية من البلاد، وحكم مصر من عام 1956 حتى ~~عام 1970. ومع أنه خلص مصر من كل سيطرة أجنبية، إلا أن عنوان ~~سيرته الذاتية ليس «أول المصريين» بل «آخر العرب». فقد كان المؤلف ~~يشير إلى حقيقة أن عبد الناصر رأى نفسه عربيا وليس مصريا؛ إذ ~~أراد للشعوب الناطقة بالعربية، التي تعيش في بلاد مختلفة تمتد من ~~مراكش إلى بغداد، أن تتحد وتثور على حكامها الاستعماريين، ~~وتشكل أمة واحدة. # لم يكن عبد الناصر مهتما جدا بمصر على هذا النحو. وبالفعل اختفى ~~اسم «مصر» من على الخريطة أكثر من عقد، حيث غير ناصر اسم الدولة ~~إلى الجمهورية العربية المتحدة وسعى إلى توحيدها مع سوريا. كما أعاد ~~توزيع أراضي مصر، وسحق النظام الإقطاعي القديم. أثر هذا على ~~ملاك الأراضي المسلمين والأقباط على السواء، ولكن بما أن النخبة ~~القبطية العادية كانت تبلي بلاء حسنا في ظل النظام الملكي، فقد ~~تأثرت بشدة؛ يشير أحد التقديرات إلى أن الأقباط فقدوا خمسة ~~وسبعين بالمائة من ثرواتهم وممتلكاتهم. وكان الأقباط العاديون من ~~الطبقة العليا الذين أفقرهم هذا الإجراء في كثير من الأحيان من ~~قادة الطائفة السياسيين، ومن ثم لم تكن الطائفة أفقر فحسب، بل ~~كانت أيضا أقل نفوذا. ولم يضم مجلس قيادة الثورة المؤلف من ~~ثمانية عشر عضوا، والذي تولى إدارة مصر بعد الثورة، مسيحيا واحدا. ~~ومع ذلك، لم يسمع أحد تقريبا بواقعات عنف ضد الأقباط بينما كان عبد ~~الناصر على قيد الحياة. ويرجع ذلك جزئيا ms226 إلى أجهزته الأمنية ~~المخيفة، التي قمعت الحركات الإسلامية بلا رحمة، وإلى شعبيته ~~الكبيرة. لم يعبر ناصر أبدا عن أي تحيز ديني؛ فهناك مكان ~~للمسيحيين وكذلك للمسلمين في القومية العربية (وفي الواقع، كان بعض ~~مؤيديها الأوائل من المسيحيين السوريين). وكان ناصر على علاقة وثيقة ~~بالبابا القبطي، وقام بمبادرات جيدة تجاه الأقباط مثل حضور افتتاح ~~كاتدرائيتهم الجديدة في القاهرة. # وفيما يخص طائفة أخرى، كان صعود ناصر بمنزلة بداية النهاية. ففي ~~عام 1956، بعد أن انضمت إسرائيل إلى بريطانيا وفرنسا في مؤامرة سرية ~~لزعزعة استقرار مصر والاستيلاء على قناة السويس، جرد ناصر العديد من ~~المصريين اليهود من جنسيتهم. وعمل على طرد الآلاف من البلاد، وتأميم ~~- أي: مصادرة - أعمالهم التجارية. وكانت اليهودية هي الديانة ~~الأقدم في البلاد؛ حيث كان هناك يهود في مصر منذ القرن السابع قبل ~~الميلاد على الأقل. وقال لي طبيب مصري مسيحي يدعى أمين مكرم عبيد في ~~شقته المطلة على النيل: «كان لدينا جيران يهود عندما كنت طفلا. ~~رجل يدعى السيد شحيط وعائلته. أخبر والدي أنه وجد زوجا لأختي. وبعد ~~ذلك ببضعة أشهر اختفى. اختفوا جميعا. كنا نشك فيما حدث» - كانوا ~~قد رحلوا - تنهد الطبيب قائلا: «ولكن لم يكن لدى أي منا ~~الشجاعة للسؤال؛ لأننا حينئذ كنا سنتورط بوصفنا مسيحيين. كيف ~~يمكن أن يؤثر إيمان شخص ما داخل أربعة جدران على قبول المجتمع له؟» ~~كان قد علق لوحة لرجل يرتدي شالا يهوديا للصلاة في موضع هو أول ~~ما يراه الزائر، على أمل أن تصدم الناس وتبعد عنهم تحيزهم. لا يزال ~~يوجد كنيس يهودي واحد في القاهرة، ولكن لم يتبق في البلد كله سوى ~~عشرة يهود. # بعد وفاة عبد الناصر، واجه الأقباط تحديا جديدا. فقد كانت ~~عمليات حرق الكنائس نادرة قبل عبد الناصر ولم يسمع بها أحد خلال ~~مدة حكمه. وعندما أصبح أنور السادات رئيسا عام 1970، تغير هذا ~~الحال. فقد نصب السادات نفسه على أنه «الرئيس المؤمن»، ولكي يطوق ~~منتقديه اليساريين، تحالف مع الإسلاميين. ومنحت العصابات ~~المتطرفة ترخيصا واسع النطاق للعمل في الجامعات ms227 المصرية، حيث ~~هاجموا منتقدي السادات اليساريين وفرضوا أيضا نسختهم الخاصة من ~~الشريعة الإسلامية في الجامعات. وفي عام 1972، كان الحرق المتعمد ~~لإحدى الكنائس القبطية إيذانا ببداية حقبة جديدة من العنف ~~الطائفي. # في الوقت ذاته، كان نهج الحكومة في التعليم يمر بتغيير أوسع ~~نطاقا. تذكر يوسف سيدهم، المحرر بجريدة «وطني» القبطية، تلك ~~المرحلة عندما تحدث معي في مكتبه بوسط القاهرة. «بعد أسلمة مصر في ~~أواخر السبعينيات، حذف التاريخ المسيحي من المنهج الدراسي. فقد مورس ~~ضغط من أولئك الذين تولوا شئون التعليم. وسلب التاريخ القبطي.» ~~وفي الكتب المدرسية الجديدة، خصصت أربع صفحات فقط من 240 صفحة للتحدث ~~عن ماضي مصر المسيحي. وحل القرآن محل الشعر الدنيوي في فصول ~~اللغة العربية، مهمشا التراث الثقافي المشترك بين المسيحيين ~~والمسلمين. وخصصت شبكات التلفزيون الحكومية للبرامج الدينية ~~الإسلامية ثلاثين ساعة في الأسبوع، بينما خصصت للبرامج المسيحية ~~مساحة زمنية مرة واحدة فقط في السنة (في عيد الميلاد المجيد). وفي ~~مقال متعمق لصحيفة «الأهرام» المصرية في مايو 2013، تذكر الخبير ~~التربوي كمال مغيث أنه في الثمانينيات، صرح أحد كتبه المدرسية بأن ~~الكتاب المقدس ملفق. وأجبر زملاؤه المسيحيون على حفظ آيات من ~~القرآن. # كذلك أشار لي جورج إسحاق، وهو معارض مخضرم للحكومة العسكرية ~~المصرية، أن عصر السادات كان هو اللحظة المحورية. وقد ذاع صيت ~~إسحاق، وهو رجل في الستينيات من عمره، قبل عشر سنوات بسبب احتجاجاته ~~الصريحة على حكم الرئيس حسني مبارك. والتقيت به في مقهى للفنانين ~~يسمى جروبي. ومن الواضح أنه كان يحظى بشعبية بين الزبائن؛ فأثناء ~~حديثنا، كان يقاطعنا شخص ما كل دقيقتين ويصافحه، أو ينهض هو نفسه ~~لتحية شخص ما على طاولة أخرى. # قال إسحاق، بين هذه المقاطعات: «بدأت الطائفية في مصر مع السادات. ~~فعندما قال السادات: «أنا مسلم وهذه دولة مسلمة»، تسبب هذا في خوف ~~الناس بما يتجاوز المعنى الحرفي للكلمات. وسواء أكان ذلك من حسن ~~الطالع أم العكس، فقد كان رئيس الكنيسة القبطية في ذلك الوقت رجلا ~~يدعى شنودة» - كان يقصد البطريرك شنودة الثالث، الرجل الذي ms228 كرس ~~كنيسة القديس مرقس - «وكان يتمتع بشخصية مؤثرة. وجذب الناس إلى ~~الكنيسة، وأصبحت حياتهم كلها داخل الكنيسة.» أومأت برأسي موافقا. ~~فقد رأيت آثار ذلك في الكنيسة في شبرا، التي كانت أكثر بكثير من مجرد ~~مكان للصلاة. لقد أصلح شنودة الكنيسة القبطية، مانحا القوة لجيل ~~جديد من رجال الدين المتعلمين والمتسمين بالحيوية؛ فقد كان هو ~~ومعاصروه مصدر الإلهام لحدوث طفرة في أعمال الرهبنة. ~~«ثم بدأ التوتر. وتظاهر الكهنة عندما منعوا من بناء الكنائس.» ~~فقد اشترط قانون مصري قديم على الأقباط الحصول على تصريح قبل بناء ~~كنيسة جديدة، أو حتى تجديد كنيسة قائمة. وكانت حكومة السادات بطيئة في ~~منح هذه التصاريح؛ مما تسبب في حالة من الإحباط وسط الأقباط. وفي ~~عام 1981، أدى خلاف حول خطة لبناء كنيسة قبطية إلى اشتباكات دامية ~~في ضاحية فقيرة ومكتظة بالقاهرة؛ حيث قتل سبعة عشر شخصا في أسوأ ~~حادث على الإطلاق من أعمال العنف بين الأقباط والمسلمين. وقاد ~~البطريرك شنودة الثالث احتجاجا سلميا على ما اعتبره إخفاقا ~~حكوميا في حماية الأقباط، واتهم الإسلاميون شنودة بالسعي لإقامة ~~دولة قبطية، وقالوا إن الدولة الإسلامية وحدها هي التي ستوقف العدوان ~~القبطي، ودعوا إلى فرض حظر كامل على الكنائس الجديدة. واستجاب ~~السادات لذلك الأمر بوضع شنودة وعدد من رجال الدين المسلمين قيد ~~الإقامة الجبرية. لكن في وقت لاحق من ذلك العام، اغتيل السادات على ~~أيدي متطرفين إسلاميين غاضبين من اتفاق السلام مع إسرائيل. (صاح ~~الرجل الذي أطلق عليه الرصاصات القاتلة وهو يفعل ذلك قائلا: «قتلت ~~الفرعون!») حل حسني مبارك محل السادات وبنى ظاهريا علاقة أفضل ~~بكثير مع الكنيسة القبطية، حيث منح تصاريح لبناء الكنائس وجعل عيد ~~الميلاد القبطي عطلة رسمية. لكن إسحاق رأى الأمور بشكل مختلف. ~~وتابع قائلا: «لقد وجد مبارك أن بإمكانه استخدام هذه القضية لتشتيت ~~الانتباه. وقامت القوات الأمنية بتحالفات تكتيكية مع السلفيين.» كان ~~السلفيون إسلاميين مثل الإخوان المسلمين لكنهم عزفوا عن ~~السياسة. # وزاد عدد قوات الأمن زيادة كبيرة في مواجهة خطر الإرهاب. فبين ~~عامي 1974 و2004، ومع تزايد ms229 الاعتداءات على الأقباط والشرطة نفسها، ~~زاد عدد أفراد الشرطة المصرية من 150 ألفا إلى 1,7 مليون. ومع ذلك، ~~ظل الأقباط محرومين من المساواة. فلا يوجد رؤساء جامعات أو رؤساء ~~شركات حكومية أقباط. وأخبرني موظف بنك مصري، مسلم، أن الموقف تجاه ~~الأقباط يشبه الموقف الذي «قد تتخذه تجاه أخ أصغر؛ غير شقيق، في ~~الواقع. شخص تعرف أنه موجود، لكنك تفضل حقا عدم وجوده.» ولم توفر ~~حكومة مبارك الحماية الكاملة للأقباط. فعلى سبيل المثال، في شهر ~~يناير من عام 2000، قتل ستة عشر مسيحيا في قرية الكشح. وكانت أطول ~~عقوبة أصدرت في جرائم القتل عامين، على الرغم من أن رجلا حكم ~~عليه بالسجن لمدة عشر سنوات إضافية لحيازته سلاحا ناريا غير ~~مرخص. # ومع ذلك، لم تواجه الكنيسة القبطية مبارك أبدا بالطريقة التي ~~واجهت بها السادات لمدة وجيزة. كما أنها لم تطالب بالديمقراطية في ~~مصر، أو وافقت على مشاركة الأقباط في مظاهرات ميدان التحرير عام 2011. ~~ويبدو أنها شعرت أن البديل لمبارك - وهو الإخوان المسلمون - سيكون ~~أسوأ. ولم تفعل جماعة الإخوان شيئا يذكر لتهدئة مخاوف الأقباط ~~عندما دعت في التسعينيات إلى إقصاء الأقباط من المناصب العليا في ~~الجيش أو في عام 2007 عندما نص الدستور المصري على أن المسلم وحده هو ~~الذي يمكن أن يكون رئيسا. وفي عام 2006، نقل عن المرشد الأعلى لجماعة ~~الإخوان، مهدي عاكف، قوله: «طز في مصر»، التي تعني تقريبا «فلتذهب ~~مصر إلى الجحيم» - وذلك على ما يبدو لأنه، بصفته إسلاميا، كان ينبذ ~~الدولة الوطنية لصالح استعادة الخلافة الإسلامية. # وكان الحل، لبعض الأقباط، هو الهجرة، التي كانت أسهل عليهم بسبب ~~مستويات تعليمهم المرتفعة نسبيا والموقف الإيجابي من جانب الحكومات ~~الغربية. وبين عامي 1993 و1997، قدم الأقباط ستة وسبعين بالمائة من ~~طلبات المصريين للهجرة الدائمة إلى الولايات المتحدة، وكندا، ~~وأستراليا، ونيوزيلندا. وانغمس آخرون أكثر في الكنيسة، واستثمروا ~~طاقتهم في جعلها مجتمعا داخليا أكثر شمولا وفاعلية. التقيت ~~قبطيا أصيب بجروح في احتجاج على حرق الكنيسة، ألقى خلاله ~~الأقباط الحجارة وأطلقت قوات الأمن النار. وعلى ms230 الرغم من أن ساقه لم ~~تشف بعد، قال: «ما دمت تشعر بالتهديد من الآخرين، فستكون هويتك ~~قوية.» كما أن المسيحيين ليسوا وحدهم من يفضلون المؤسسات الدينية ~~على المؤسسات العلمانية. فقد ذكرت مؤسسة جالوب في عام 2013 أن اثنين ~~وتسعين بالمائة من جميع المصريين، مسلمين ومسيحيين، يثقون في مؤسساتهم ~~الدينية. ولم تقترب أي مؤسسة أخرى من هذه النسبة. وببساطة، فإن ~~البطريرك شنودة ومن يكافئه من المسلمين، بسبب فطنتهم وتفانيهم، ~~اكتسبوا قدرا كبيرا من التأثير. وقد أساء بعض رجال الدين ~~المتشددون استخدام هذا الأمر. وكانت المحصلة الإجمالية هي أن ~~الأشياء التي كانت توحد المسلمين والمسيحيين أخذت تقل شيئا ~~فشيئا. # عرفت كل هذه المعلومات في القاهرة. لكنني كنت أعلم أنه إذا أردت ~~أن أفهم مصر، وخاصة أن أفهم المسيحيين في مصر وطبيعة علاقتهم ~~بجيرانهم المسلمين، فعندئذ سيتعين علي الذهاب إلى المكان الذي ~~جاء منه معظم أقباط مصر: جنوب القاهرة، حيث يمتد وادي النيل مئات ~~الأميال من الصحراء التي لا نهاية لها. كان سكان هذه المنطقة (التي ~~تسمى الصعيد، أو مصر العليا - وهو الاسم ذاته الذي كانت تحمله ~~في العصور القديمة) أبطأ في اعتناق الإسلام، وفي أواخر عشرينيات القرن ~~الماضي، كان ثمانون بالمائة من مسيحيي مصر يعيشون في الصعيد. # وعلى الرغم من هجرة أعداد كبيرة من الأقباط نحو الشمال منذ ذلك ~~الحين - حيث قال لي أحد العلماء إن أكثر من نصف الأقباط يعيشون الآن ~~في القاهرة والمدن الشمالية الأخرى - فإن الصعيد لا يزال معقلهم. ~~وما لا يقل عن ربع سكان مدينة المنيا، على سبيل المثال، التي تقع ~~على بعد 140 ميلا جنوب القاهرة، هم من الأقباط؛ وهي أكبر نسبة ~~للأقباط في أي مدينة في مصر. لكن هذه المحافظة تعاني الفقر، حيث يزيد ~~معدل البطالة فيها عن ثمانين بالمائة؛ وأكثر من ثلث سكان المحافظة ~~أميون (وإن كانت الأرقام أفضل في المدينة). وقد وقع في هذه ~~المحافظة أكبر عدد من الاشتباكات بين المسيحيين والمسلمين؛ فربما ~~يكون ما يصل إلى خمسة وستين بالمائة من العنف الطائفي في ms231 مصر قد حدث ~~هناك. لذا قررت أنه لكي أفهم الأقباط - تاريخهم، ومعتقداتهم، ~~ومستقبلهم - كنت بحاجة إلى فهم المكان بشكل أفضل. وفعلت ذلك في ~~عام 2012، بينما كانت أول انتخابات ديمقراطية في مصر تنتقل إلى جولتها ~~الثانية. وبعد مدة وجيزة من زيارتي، كان المصريون سيختارون بين ~~المرشحين المتبقيين: أحمد شفيق، وهو مسلم تلقى تعليمه في ~~مدرسة للرهبان اليسوعيين، وكان قد عمل في الحكومة في ظل حكم ~~الرئيس مبارك، ومحمد مرسي، من جماعة الإخوان المسلمين. (كانت المنيا ~~واحدة من أكثر المناطق المؤيدة لمرسي في مصر، حيث أعطته أربعة ~~وستين بالمائة من الأصوات، وحصل شفيق على ستة وثلاثين ~~بالمائة.) # بنيت محطة القطار الرئيسية في القاهرة - التي تسمى محطة رمسيس؛ ~~لأن تمثال رمسيس كان هناك يوما ما - لأول مرة في خمسينيات القرن ~~التاسع عشر، عندما أمر إسماعيل ببناء أول خط سكة حديدية في ~~أفريقيا لنقل القطن من القاهرة إلى الإسكندرية؛ لتصديره عن طريق ~~البحر. وفي هذا المكان، أيضا، خلعت الناشطة النسائية المصرية هدى ~~شعراوي حجابها في عام 1923، بعد عودتها من مؤتمر في أوروبا، على ~~مرأى من الجماهير المذهولة التي جاءت لتستقبلها؛ وهي خطوة كانت ~~مصدر إلهام للأجيال اللاحقة من النسويات العربيات. أسرعت عبر ~~الأقواس المغاربية التي تأخذ شكل حدوة الحصان والجدران المكسوة ~~بالبلاط الخزفي؛ لشراء تذكرتي. وجدت أنه يوجد رصيف خاص للصعيد، ~~وأعداد متناثرة من الناس تنتظر هناك للصعود على متن القطار. وفي ~~مكتبة صغيرة على رصيف القطار كانت توجد كتب معروضة، أعلن العديد ~~منها بصور بها نيران متوهجة عن موضوعها: الحيل التي يستخدمها ممارسو ~~السحر الأسود وكيفية مقاومتها. وتذكرت الصبية السلفيين الذين ~~تصوروا أنهم عثروا على أدوات لإلقاء التعاويذ في قبو الكنيسة ~~المحروقة. # سرعان ما بدأت عجلات القطار في الدوران ببطء نحو الجنوب، عبر ~~ضواحي القاهرة ذات المباني السكنية الرخيصة المبنية من الطوب. في ~~محطة تصطف على جانبيها الأشجار في واحدة من أفقر ضواحي القاهرة، ~~دخل صبية القطار لبيع المناديل المعطرة والحلوى الرخيصة. وبعد نحو ~~نصف ساعة من الرحلة، انضمت إلى مسار القطار قناة ms232 ضيقة مسدودة تمضي ~~بمحاذاته. في النهاية غادرنا المدينة وتوجهنا إلى حقول وادي النيل ~~الخضراء، وتكرر توقفنا في بلدة صغيرة تلو الأخرى. وطوال الوقت كانت ~~القناة تمضي بمحاذاة السكة الحديدية. ورأيت أناسا يغسلون فيها ~~الصحون وملابسهم. في المساء، وصلنا إلى المنيا. عندما خرجت إلى ~~الرصيف، انتزع حمال مسن حقيبتي بسرعة، وعلى الرغم من اعتراضاتي، ~~تمسك بها بتجهم وحملها عبر جسر السكة الحديدية. # كان يوجد فندق رئيسي وحيد في المدينة، وهو عبارة عن مبنى خرساني ~~ضخم يسمى أخناتون، وفيه سجلت دخولي وأمضيت هذه الليلة. كانت غرفتي ~~تحتوي على تجهيزات كانت أنيقة يوما ما؛ في السبعينيات، حسبما ظننت. ~~لم يكن يوجد سائحون مقيمون هناك. وفي البهو لم يكن يوجد سوى موظفي ~~الفندق يدخنون السجائر. تحدثت معهم بعض الوقت، وأوضحوا لي مدى تفوق ~~سكان المنيا على سكان المناطق الأخرى. قال لي أحدهم: «لا يمكنك أن تثق ~~في سكان القاهرة، فهم ليسوا ودودين مثلنا. وإذا ذهبت جنوبا من هنا، ~~إلى أسيوط، فستجد الناس هناك سريعي الغضب للغاية . لكن هنا في المنيا، ~~الناس بين بين. فهم يتميزون بالوسطية.» # وجدت أثناء تجولي في المدينة أن المنيا كانت بالفعل ودودة أكثر ~~من القاهرة، وجميلة، بطريقتها الخاصة الهادئة، حيث تطل على نهر ~~النيل والتلال الرملية المنخفضة خلفه. وكانت حديقة صغيرة على ضفاف ~~النهر مليئة بالعائلات، حيث كان بعض الناس يلعبون كرة القدم، وآخرون ~~يدخنون الشيشة. وعلى متن قارب يرسو على جانب النهر، كان حفل زفاف ~~يجري على قدم وساق، حيث كان العروس والعريس يرقصان على أنغام أغنية ~~مصرية شعبية. وامتلأت ساحات المدينة بالناس الذين يستمتعون بنسيم ~~المساء، وجلس الرجال والنساء معا. كانت معظم النساء غير محجبات، ~~وهي علامة شبه مؤكدة - في هذه المدينة المحافظة - على أنهن ~~مسيحيات. (في القاهرة تخرج نساء مسلمات دون حجاب؛ ولم أر قط واحدة ~~منهن في المنيا.) ونظرا إلى أنه كان مساء أحد أيام الأحد، خمنت أن ~~هؤلاء الأزواج ربما خرجوا لتوهم من الكنائس والمراكز الاجتماعية ~~المسيحية في الشوارع المجاورة. وعندما ذهبت إلى كشك على ms233 جانب الطريق ~~للحصول على كوب من عصير البرتقال، كانت راهبة أمامي في الصف تطلب ~~كوبا من عصير قصب السكر. # مكنني أصدقائي في الفندق من التواصل مع سائق محلي ليأخذني إلى ~~القرى والأديرة في المناطق الريفية. وفي صباح اليوم التالي، أثناء ~~انتظاري له، تجولت في الحديقة مرة أخرى. وعبر النهر رأيت ثورا ~~يجر محراثا في الحقول. وتركت الاحتفالات الليلية اللطيفة في ~~المدينة الكثير من القمامة في الحديقة، وجاءت شاحنة جمع القمامة ~~لجمعها. وألقت فتاة محجبة - من قرية مجاورة، حسبما خمنت - أكياس ~~القمامة في الشاحنة ثم قفزت وراءها. وأثناء ما كانت الشاحنة تبتعد، ~~كانت تغني وتضحك واضعة قدميها على الأكياس. # تزدهر الأديرة المسيحية في مصر اليوم، ويرجع ذلك ~~جزئيا إلى انغماس المسيحيين في مجتمعهم الطائفي. ~~ويتوسع بسرعة دير أبي فانا، الذي يعود تاريخه إلى ~~القرن الرابع ويظهر هنا في عام 2012. صورة مأخوذة ~~بواسطة المؤلف. # عندما وصل السائق كان مسرورا لسماع أننا سنرى بعض الأديرة ~~القبطية المحلية. كان هو نفسه قبطيا واسمه جورج. (على الرغم من أن ~~القديس مرقس يعتبر مؤسس الكنيسة القبطية، عادة ما يسمى الأطفال على ~~اسم مار جرجس - وصورته وهو يغرز رمحا في تنين هي صورة شائعة في ~~الكنائس والمنازل، تماما مثلما كان يصور المصريون القدماء الإله ~~حورس وهو يغرز رمحه في فرس النهر.) واشتكى قائلا: «السائحون لا ~~يهتمون أبدا بالمواقع القبطية. فهم لا يريدون إلا رؤية أشياء من ~~مصر القديمة. أخبرهم عن كنائسنا لكنهم لا يريدون زيارتها أبدا.» ~~ومع ذلك، فإن الأديرة تشبه المعابد القديمة في بعض الأمور وتعتبر ~~نسخا معاصرة منها. وفي السنوات الأولى للمسيحية، كانت الرهبنة ~~تعني العزلة؛ حيث كان الرجال يذهبون إلى مكان بعيد، غالبا في ~~الصحراء، للصلاة. وفي مصر نحو عام 320 ميلادية أسس القديس باخوميوس ~~أول مجتمع للرهبان المسيحيين. وخصصه لأولئك الذين لا يستطيعون ~~تدبر مصاعب العيش بمفردهم. لكن الأديرة اتخذت نمطا مألوفا: ~~مجتمع من الرجال الأتقياء، يعيشون في منطقة محاطة بسور ويزرعون حقولا ~~مجاورة، ويتعبدون في كنائس صغيرة داخل تلك المنطقة التي يأتي ms234 إليها ~~الحجاج زوارا؛ وقد كان مثل النظام الذي عملت به المعابد المصرية ~~دائما. وكان للعديد من الأديرة الأولى أوجه تشابه مع المعابد في ~~الطريقة التي تنحدر بها جدرانها العالية إلى الداخل، وفي النقوش على ~~مداخلها. # أراني جورج صورا لأديرة محلية. لفتت انتباهي صورة معينة. كانت ~~لصناديق زجاجية بها جثث محنطة جزئيا، وتحمل الصناديق بطاقات ~~لإظهار أنها تحتوي على جثث الشهداء المسيحيين الذين تنيحوا في عهد ~~دقلديانوس. كانت هذه الجثث، بأسنان تبرز من خلال لحم أسود ملتو ~~بعنف، مكسوة بتوقير بأشرطة فضية وملابس زفاف ترمز إلى السعادة ~~الأبدية التي ظفر بها أصحابها لتضحياتهم. لأول وهلة، وجدت الصور ~~صادمة، بل بشعة. لكنها كانت، كما أدركت، تعبيرا عن إيمان عميق لا ~~يتزحزح. فإيمان الأقباط بالاستشهاد ساعدهم على تحمل الأوقات ~~العصيبة. مررت أنا وجورج بالحقول التي بها أكوام من القمح المحصود ~~وأخرى كان قصب السكر يقف فيها شامخا. أشار جورج إلى قصب السكر. ~~وقال: «هذا هو المكان الذي اعتاد المسلحون الاختباء فيه، فيما مضى ~~عندما حدثت الاضطرابات هنا. كان لدي صديق شرطي، وهكذا قتل رميا ~~بالرصاص.» بين عامي 1992 و1998، عملت جماعة إسلامية مسلحة تسمى ~~الجماعة الإسلامية في المنيا وبلدات أخرى في جنوب مصر، وهاجمت كلا ~~من قوات الأمن والمدنيين المسيحيين المحليين. والآن، في عام 2011، ~~شكلت الجماعة حزبا سياسيا وبذلت جهدا لإظهار أنها قد ~~تغيرت؛ حيث أقنعت خمسة أقباط بالانضمام إليها، ودعت إلى اقتصاد ~~السوق الحر، وفازت بواحد من المقاعد البرلمانية الستة عشر في ~~المنيا. # قادتنا الرحلة عبر طرق ريفية حيث كانت توجد حركة مرورية قليلة من ~~نوع مختلف. مر بنا رجل على ظهر حمار يجر عربة مليئة بالبرسيم ~~الحجازي؛ وبعد ذلك جاء حفل زفاف في حافلة، حيث خرجت الموسيقى ~~المفعمة بالحيوية من جهاز استيريو. قال جورج: «إنهم قادمون من ~~الدير»، في إشارة إلى دير أبي فانا، وجهتنا الأولى. «ذهبوا ليأخذوا ~~«البركة» من الرهبان قبل الزفاف.» وجدت نفسي أستخدم كلمة «بركة» ~~كثيرا خلال هذه الزيارة إلى المنيا. وعندما وصلنا إلى الدير وجدت أن ~~مجرد ms235 مقابلة كاهن أو راهب كان أيضا بركة: «جئت لرؤيتك؛ لآخذ ~~البركة منك»، هكذا كان يقول الشباب عند تحية الرهبان بأرديتهم ~~السوداء الطويلة والقبعات السوداء الضيقة المزينة بصلبان ذهبية. كان ~~الكثير من الشبان يزورون الدير. وكان بعضهم أكثر احتراما من الآخر. ~~فقد ذهب أحدهم، عندما حسب أنه غير مراقب، ليجلس على عرش رئيس الدير ~~في كنيسة الدير؛ حيث أثار اهتمامه نقش لأسد على ذراعيه، الذي كان ~~يرمز إلى القديس مرقس الإنجيلي. # يقع الدير، الذي في واجهته سور عال وبوابة، على حافة وادي النيل، ~~حيث يلتقي الوادي بالصحراء. ويظن البعض أنه ربما كان يوجد فيما مضى ~~معبد قديم في الموقع، ومن المحتمل أن بلدة حور القريبة سميت على ~~اسم الإله حورس. وجاء مصري يدعى أبو فانا إلى هذا المكان في القرن ~~الرابع الميلادي، ووزع كل أمواله في الطريق إلى هناك. واشتهر ~~بتقشفه (إحدى معجزاته، حسب التقليد، أنه ظل دون طعام مدة سبعة ~~وثلاثين يوما)، وإحيائه للموتى، وقراءته للأفكار، وقضى ثمانية عشر ~~عاما على عمود. وبحلول العصور الوسطى ، كان الدير قد تعرض للإهمال. ~~فقد كان به راهبان فقط، وفقا للمقريزي، وهو عالم عربي من القرن ~~الخامس عشر. # هذا الخبز، المنقوش عليه بالأحرف القبطية، يقدمه ~~الرهبان بركة للزوار. تظهر اللوحات الجدارية ~~المصرية القديمة أن عادة تزيين الخبز بهذه الطريقة ~~تعود إلى آلاف السنين. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # يوجد الآن أكثر من عشرين راهبا، كثير منهم من الشباب، وهم نتاج ~~نهضة الكنيسة القبطية. أخبرني أحدهم، الذي كان يعتني بمتجر الدير - ~~وكان يبيع الصلبان والملصقات الدينية - أنه كان طالبا في كلية ~~الطب قبل دخول الدير. ومنحني بركة في شكل رغيف خبز منقوش عليه ~~بإتقان ثقوب على شكل رموز مقدسة وكتابة قبطية (كما نرى في رسومات ~~المقابر، كان المصريون في العصور الفرعونية يزينون أرغفة الخبز ~~أحيانا بالثقوب). تتألف حياة الراهب القبطي من الصلاة في جماعة ~~لساعات - بما في ذلك الصلاة يوميا في الساعة الثالثة صباحا - ~~والصلاة بمفرده، وفي بعض الأحيان الانخراط في الأعمال اليدوية ~~الشاقة. # قدمني جورج ms236 إلى رئيس الدير، وجلسنا معا في غرفة حارة ~~ومتربة نوعا ما بها العديد من الأرائك. وقدموا لي الشاي وكمية ~~لا نهائية من المشروبات الغازية الحلوة المذاق. ولاحقا خرجنا إلى ~~ضوء الشمس. قال لي رئيس الدير: «اعتاد الرهبان الاختباء هناك، في ذلك ~~البرج، إذا جاء قطاع الطرق إلى الدير.» لا تزال تحدث مشاكل مماثلة. ~~وجاء راهب إلينا، وبأمر من رئيس الدير، رفع كمه على مضض ليريني ~~تقلص الجزء العلوي من ذراعه حيث كسر العظم. فقبل بضع سنوات، أسرته ~~مجموعة بدوية تعيش في مكان قريب. وعلى الرغم من أن الاختطاف كان ~~متعلقا بنزاع على الأرض - حيث أراد الدير أن يبني على أرض يستخدمها ~~البدو في الرعي - فقد انقلب طائفيا. قال الراهب إن آسريه طلبوا ~~منه أن يبصق على الصليب. وعندما رفض كسروا ذراعه. قال رئيس الدير: ~~«عندما وجدناه، كان يتضور جوعا وعطشا ولم يكن قادرا على الحركة.» ~~كان هذا الراهب بالذات فنانا موهوبا رسم على العديد من جداريات ~~الدير. واستغرق شهورا حتى يتعلم الرسم من جديد. ~~••• # بالعودة إلى المنيا مساء ذلك اليوم، انتقلت من فندقي إلى قارب على ~~نهر النيل، وتبين فيما بعد أن مجموعة من الأقباط البروتستانت في ~~المدينة هي التي تديره. (بالإضافة إلى أولئك الأقباط الذين انضموا ~~إلى الكنيسة البابوية الكاثوليكية، كان يوجد آخرون انضموا إلى ~~مختلف الطوائف البروتستانتية خلال المائة والخمسين عاما الماضية، ~~وكانت توجد في العديد من القرى حول المنيا كنائس بروتستانتية ~~وكاثوليكية بالإضافة إلى الكنائس القبطية الأرثوذكسية.) كان الماء ~~يرتطم طوال الليل بجانبه، على بعد بوصات من رأسي. وبعد عام من ~~زيارتي، أحرقت مجموعة من الغوغاء الإسلاميين المنزل العائم ~~احتجاجا على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وفي القارب المجاور له، مات ~~رجلان، مسيحي ومسلم، حرقا، بينما شكل مسلمون آخرون سلاسل بشرية ~~لحماية الكنائس المسيحية في المدينة. وكان العقاب الشائن لهذا ~~الشغب هو صدور 529 حكما بالإعدام، ليس عقابا على حرق الكنائس ~~وإنما لقتل شرطي أثناء أعمال الشغب. # كنت قد أقنعت كاهنا قبطيا بأن يأخذني في جولة ليريني ~~أبرشيته ms237 في اليوم التالي. عاش الأب يوأنس في شقة بطابق علوي في ~~مبنى بسيط يقع على الطريق من كنيسته مباشرة، في قرية تسمى قفادة، ~~على بعد عدة أميال من المنيا. أوصلني جورج بالسيارة لرؤيته. وجلسنا ~~جميعا في مطبخه، وقضمت قطعة من كعكة كريمة جافة بعض الشيء لكنها ~~حلوة جدا، كان الكاهن قد اشتراها للاحتفال بهذه المناسبة. اكتشفت ~~أن والده وجده توليا منصب الكاهن قبله. وكان يتمتع بموهبة طبيعية ~~للتواصل مع الآخرين، وطريقة مصرية مميزة في الإطراء. سأل جورج من ~~أي مدينة هو، وعندما أجاب جورج بأنه من المنيا، قال القس ما ~~تبين أنه مجاملته المعتادة: «المنيا؟ أحسن ناس.» # ومن بين أربعين ألف نسمة في قفادة، كان أكثر من تسعين بالمائة ~~مسلمين. ومع ذلك، كان العمدة مسيحيا. وكانت عائلته تمتلك أرض ~~القرية فيما مضى، حتى صادرت حكومة ناصر معظمها وأعادت توزيعه. وعلى ~~الرغم من أن الأسرة أصبحت حينها أكثر فقرا، كانت لا تزال تحظى ~~بالاحترام. قال الكاهن: «في عام 1940، جاء جنود من الحكومة ليخبروا ~~العمدة أنه يتعين عليه معاقبة السكان المحليين لأنهم تخلفوا عن ~~دفع ضرائبهم. لكن بدلا من معاقبتهم، دفع ضرائبهم بنفسه.» لم ينس ~~أهل القرية الواقعة أبدا وكانوا سعداء باحتفاظ العائلة بلقب ~~العمدة؛ مع أن العائلة كانت مسيحية وتعيش في الغالب في مكان ~~آخر. # أخبرنا الكاهن وهو يقلنا بسيارته في أنحاء المدينة: «لم يعد ~~أحد منهم يعيش هنا الآن. المنزل القديم يكاد يكون فارغا. فالعمدة ~~الحالي طبيب أسنان في المدينة وشقيقته هي التي تسكن في المنزل. ~~ويبيع الجيل الأصغر سنا أراضيهم.» وأضاف، وهو يطلق بوق سيارته ~~لشخص تعرف إليه: «مشكلتنا كمجتمع طائفي هي أننا نغادر القرى ولا ~~نعود. فالمسلمون يرحلون للعمل لكنهم يحتفظون بمنازلهم في القرية. لكن ~~المسيحيون يذهبون إلى المدن من أجل التعليم العالي ويبقون هناك. ~~انتهى بي الحال إلى رؤية أبناء الأبرشية القدامى مرة واحدة في السنة، ~~في حفلات زفاف في القاهرة.» # كان منزل العمدة القديم ذو الجدران البيضاء يطل على فناء صغير ~~غير مرصوف يبعد قليلا عن ms238 الشارع الرئيسي. وكانت كنيسة الأب يوأنس ~~بجوار المنزل، حيث جلست على مقعد في الجزء الخلفي من صحن الكنيسة ~~بينما كان الأب يوأنس يتحدث إلى الأطفال المسيحيين المحليين. جلسوا ~~منتبهين، والفتيات مفصولات عن الفتيان، عندما كان يخبرهم عن الرهبان ~~في واحد من أقدم الأديرة في مصر، الذين كانوا مقدسين للغاية لدرجة ~~أنهم كانوا يستطيعون الطيران. وكان يوجه الأطفال بشأن كيفية ~~التصرف في الكنيسة. فقال: «ينبغي أن تعلموا أن هذا مكان مقدس. ~~فعندما تأتون إلى هنا، تراقبكم الملائكة. لذا تصرفوا ~~باحترام!» # لم يسبق أن شهدت القرية عنفا طائفيا، واتضح لي أحد الأسباب وراء ~~ذلك عندما اصطحبني الأب يوأنس لرؤية صديقه الشيخ حسن، الذي كان يعمل ~~مأذونا - وهو منصب ذو سلطة دينية واجتماعية. أوقف الكاهن سيارته ~~المتهالكة في ممر منزل كبير حسن التجهيز بجوار سيارة سيدان باهظة ~~الثمن. خرجت زوجة المالك وحيت الكاهن بحرارة، ثم أدخلتنا إلى ~~حجرة صغيرة تشبه الصوبة الزجاجية. كان المأذون شخصية تتمتع بنفوذ ~~في القرية: واحتراما له، أطلق عليه لقب شيخ. وعلى عكس العمدة، كان ~~موجودا بكثرة في الحياة اليومية للقرية. وكان يحب الأب يوأنس وقد ~~ساعده بطرق مختلفة، كان آخرها حماية الكنيسة من عصابة من المجرمين ~~الذين كانوا قد أتوا لينهبوها، مستغلين انهيار القانون والنظام ~~الذي أعقب سقوط حكومة مبارك. # وكانت العلاقة الطيبة بين الكاهن المسيحي والمسئول المسلم بالغة ~~الأهمية للحفاظ على السلام في القرية. ومع تفشي الفقر في الطبقات ~~المسيحية العليا بسبب الإصلاح الزراعي الذي فرضه عبد الناصر، ثم ~~رحيلهم إلى المدن؛ كانت الكنيسة القبطية هي المؤسسة الوحيدة التي ~~يمكنها التوسط نيابة عن مجتمعهم الطائفي في بلد فيه للقوة والسلطة ~~شأن أكبر من الحقوق القانونية والعدالة. وبالنظر إلى روح دعابة الأب ~~يوأنس، وبساطة حياته، وتواصله مع شعبه؛ وجدت أنه من السهل فهم سبب ~~ثقة الناس به. لكن كلما استثمر الناس في المؤسسات الدينية لتمثيلهم، ~~قل استثمار وقتهم وأموالهم في المؤسسات الأخرى - الأحزاب السياسية، ~~أو النقابات العمالية، أو الهيئات الاجتماعية العلمانية - المشتركة بين ~~الناس من مختلف الأديان. وفي ms239 الوقت ذاته، فضلت الشرطة عدم التدخل ~~في النزاعات، حتى العنيفة منها، إذا كان ذلك سيفقدها شعبيتها. لذلك ~~إذا تمكن الزعماء الدينيون من التوسط لتحقيق السلام بين المسلمين ~~والمسيحيين؛ يمكن تجنب الفتنة الدينية. خلاف ذلك، لم تكن المجتمعات ~~المحلية تملك تقريبا ما من شأنه أن يحول دون تصاعد الأحداث إلى ~~إراقة للدماء. # لاحقا قال جورج عندما انطلقنا مرة أخرى في سيارة الأب يوأنس ~~الصغيرة: «نحن في الصعيد تهتاج مشاعرنا بسرعة. فالناس يمكن أن ~~يتحولوا من الود إلى العنف خلال دقيقة. ولا يتطلب الأمر سوى شيء ~~صغير لإحداث الفرق.» أعطى الأب يوأنس مثالا لحادثة وقعت في قرية ~~مجاورة قبل عام أو نحو ذلك. حيث زوج مسيحيان محليان ابنتهما ~~لرجل قبطي مناسب، لكن دون علمهما وقعت في حب رجل مسلم وكانت على ~~علاقة به. وتعاطى كلاهما المخدرات. وأثناء عدم وجود الوالدين، كانت ~~الابنة تستخدم منزلهما للقاء عشيقها. وفي إحدى الأمسيات، عاد ~~الوالدان على غير المتوقع ووجدا ابنتهما في السرير مع حبيبها، ~~وكانا في حالة ذهول. لم تتردد الأم، وخنقتهما . # وأمضت تلك الليلة في المطبخ، وهي تقطع جثة القتيل وتضعها في كيس ~~بلاستيكي. وطلبت من زوجها التخلص منه في مكان ما في الصحراء. ~~فاختار موقعا سيئا، حيث ألقى به في منطقة تبين أنها موقع أثري. ~~ولوحظت أضواء سيارته وجاء الحراس للتحقق من الأمر. وهرب، ولكن عثر ~~على الحقيبة واكتشفت محتوياتها المروعة. # عرف الوالدان المذنبان أنه لن يمر وقت طويل قبل أن يتم التعرف ~~عليهما. فقد كانت أسرة القتيل تبحث عنه، وابنتهما كانت مختفية؛ وسرعان ~~ما سيفهم الناس ما قد حدث. فهربا. وانتقمت عائلة القتيل بالطريقة ~~القديمة. فقتل سبعة أشخاص من العائلة المذنبة قبل اعتبار مسألة ~~الثأر قد سويت. قال الكاهن إنه حينها عاد الزوجان المذنبان. ~~«وأثناء تشييع جثمان واحد من الأشخاص الذين قتلوا، جاءت والدة ~~الرجل المسلم المقتول. وقالت للزوجين: «لو كنتما خبرتمونا بما ~~فعلتما، لشكرناكما على قتله. كنا سنقتله بأنفسنا لو علمنا بما ~~حدث.» ولكن كان لا بد من الثأر من إهانة ترك ms240 جثته دون دفن.» # بين الحب والموت علاقة طويلة الأمد في مصر. فبالقرب من المنيا ~~رأيت مقبرة إيزادورا، ابنة كاهن وثني كان يعيش تحت حكم البطالمة، ~~وماتت عندما سبحت عبر النيل لتقابل سرا بالليل عشيقها الذي كان ~~والدها قد منعها من رؤيته. أصبحت المقبرة مزارا للعشاق الشباب. ~~لكنهم يواجهون اليوم عقبات أكبر؛ فعلاقات الحب بين المسيحيين ~~والمسلمين هي من الأسباب الشائعة للعنف بين الجماعتين. وفي كثير من ~~الأحيان لا يملك المصريون حرية اختيار من يتزوجون، ووفقا للإسلام ~~والقانون المصري، فإن الزواج ليس علاقة تتسم بالمساواة. فلا يسمح ~~الإسلام للرجل المسيحي بالزواج من مسلمة، وفي القانون المصري، يعتنق ~~أطفال الزوجين ديانة أبيهم وليس ديانة أمهم. لذا فإن النساء ~~المسيحيات اللائي يتزوجن من رجال مسلمين لن يكون بمقدورهن تربية ~~أطفالهن باعتبارهم مسيحيين. ومعظم اللائي يتزوجن مسلمين تنبذهن ~~عائلاتهن؛ وتعتنق كثيرات الإسلام. قدر أسقف قبطي في عام 2007 ~~أن هناك ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف قبطي يعتنقون الإسلام ~~سنويا، وعلق الكهنة الأقباط بشكل منفصل بأن الغالبية العظمى من ~~هؤلاء المعتنقين الجدد من الفتيات دون سن الخامسة والعشرين. والخوف ~~من فقدان بناتهم أمام الخاطبين المسلمين سبب آخر للأقباط لبناء ~~شبكات اجتماعية لا تتخطى حاجز التقسيم الديني. # اعتنق آخرون الإسلام بسبب رفض الكنيسة القبطية شبه التام للطلاق؛ ~~حيث شدد البابا شنودة القواعد حتى أصبح الزنى الأساس الوحيد لإنهاء ~~الزواج. وعلى الأقباط الذين يريدون ترك أزواجهن أو زوجاتهم لأي سبب ~~آخر أن يتركوا الكنيسة أولا. لذا ينضم البعض إلى طائفة مسيحية ~~أخرى، ويعتنق آخرون الإسلام. ويحاول بعض المنتمين إلى هذه المجموعة ~~الأخيرة بعد ذلك العودة إلى الكنيسة القبطية، لكنهم بفعل ذلك ~~يخاطرون بإشعال فتيل الصراع؛ لأنه لا بد، وفقا للشريعة الإسلامية، ~~من قتل المرتد عن الإسلام. في مثل هذه النزاعات، يصبح الدين ~~وسيلة للأزواج أو الزوجات لحشد مجتمع أوسع نطاقا إلى جانبهم. على ~~سبيل المثال، وقعت عبير فخري، وهي قبطية تعيش في المنيا، في حب رجل ~~مسلم وتركت زوجها من أجله في عام 2011. تعقبتها عائلتها ~~واحتجزتها ms241 الكنيسة القبطية التي حاولت إقناعها بالعودة إلى زوجها. ~~ولكن ترددت شائعات بأنها قد اعتنقت الإسلام بالفعل (وهي شائعة ~~أكدتها هي شخصيا لاحقا)، ومن ثم أثار احتجازها أعمال شغب ~~وإحراقا للكنائس على يد إسلاميين أصوليين وتبادلا لإطلاق النار ~~تسبب في مقتل اثني عشر شخصا. وفي أطفيح، إحدى ضواحي القاهرة ~~الكبرى، أشعلت علاقة حب بين رجل قبطي وفتاة مسلمة أعمال شغب ~~أحرقت فيها أيضا كنيسة. # لا يزال الكهنة الأقباط شخصيات بارزة في ~~مجتمعاتهم. وبموجب قانون كنيستهم، يجب عليهم جميعا أن ~~يتزوجوا. بعض الأطفال هنا من عائلات الكهنة. صورة ~~مأخوذة بواسطة المؤلف. # قد تؤدي عوامل خارجية أيضا إلى نشوب الصراع. فقبل بضعة أشهر، قال ~~الأب يوأنس إن محطة تلفزيونية يديرها من قبرص قس قبطي يدعى زكريا ~~بطرس اشتهرت بهجومها على الإسلام. وفي ذروة أفعالها الشائنة في مصر، ~~واجه الكهنة الأقباط عداء غير عادي من المسلمين المحليين. على ~~سبيل المثال، بصقت مجموعة من النساء المسلمات على يوأنس. وقال: ~~«الناس الذين يبثون كراهية الإسلام، ويسبون القرآن، ويحرقون ~~المصاحف، كل هذا له عواقب وخيمة ومريرة للغاية علينا.» ~~••• # سألت الأب يوأنس عما إذا كان الأقباط قد سبق لهم العيش في قرى ~~قبطية بالكامل. أجاب بأنه أمر غير معتاد لأن قلة من المسيحيين في ~~مصر يمارسون الزراعة. ومع ذلك، كانت قريتان يعرفهما قبطيتين بالكامل، ~~ووافق على اصطحابنا إلى إحداهما، وهي دير الجرنوس. كان جورج مرتابا ~~بعض الشيء. وقال إن سكان دير الجرنوس «صعاب المراس». وأضاف: «لا ~~يستطيع أحد أن يسبب لهم أي مشاكل. في الواقع، كل القرى المجاورة ~~تخشاهم. وعندما يحتشدون ويخرجون من قريتهم، يهرب الجميع.» لكن الأب ~~يوأنس كان يعرف كيفية التعامل معهم. وأثناء دخوله بالسيارة إلى ~~القرية، أنزل زجاج النافذة وألقى المجاملات على كل رجل، وامرأة، وطفل ~~رآه: «كيف حالك يا حلوتي؟ كم أنت جميلة!» كان أسلوبه مبالغا ~~فيه؛ وربما أراد أن يتأكد من أن الناس سوف ينظرون إليه ويرون لباسه ~~الكهنوتي والصليب معلقا من مرآة الرؤية الخلفية. فرؤية سيارات تحمل ~~الغرباء لم يكن أمرا مألوفا ms242 في هذا المكان. # ولم يكن للدولة وجود داخل البلدة. وفي هذا الشأن، كانت دير الجرنوس ~~المعادل المسيحي لبلدات جنوب مصر المسلمة المسلحة التي لا تجرؤ ~~الشرطة مطلقا على دخولها. ومثلما يمكن لتلك البلدات (وأحيانا ضواح ~~بالقاهرة) أن تفرض قواعدها الخاصة دون إبداء الكثير من الاهتمام ~~بالقاهرة، كذلك كانت دير الجرنوس تبني كنيسة ضخمة تجعل المنازل ~~المتواضعة المحتشدة حولها تبدو أصغر حجما. وعلى سطح الكنيسة، كان ~~رجال يرتدون جلابيب رمادية يبنون قبابا وأبراجا لجعلها تبدو أعلى ~~في الأفق. صعدنا لمقابلتهم، وسألهم الأب يوأنس من أي مدينة هم. ~~قالوا: أسيوط، وهي مدينة على بعد ساعة أخرى أو نحو ذلك جنوبا. قال: ~~«آه، أسيوط. أحسن ناس.» نزلنا إلى الأسفل مرة أخرى وعاينا الكنيسة ~~الحجرية القديمة المجاورة. وسحب أحد القرويين الغطاء الخشبي عن بئر ~~داخل باب الكنيسة وأنزل كوبا معدنيا بحبل في الماء بالأسفل. ~~ودعاني للشرب. قال إنها بئر مقدسة؛ فعندما جاء يسوع إلى مصر وهو ~~طفل، شربت منها أسرته. رفع الكأس لأعلى وارتشفت الماء ~~البارد. ~~••• # في اليوم التالي، جاء جورج معي عندما ذهبت لمقابلة مجموعة كاملة من ~~الكهنة الأقباط، بإذن من الأب يوأنس الذي جاء أيضا. التقينا في قرية ~~ليست بعيدة عن المنيا، في منزل ملحق بكنيسة القرية. كان مضيفنا ~~رجلا ذا لحية سوداء يدعى الأب موسى، وجلس معنا أيضا صديق له يدعى ~~يونس. قال يونس معلقا: «يعامل الجيل الأكبر المسيحيين مثل ~~إخوتهم. فمعظم أصدقائي مسلمون. يأتون إلى أعيادنا ويصلون في ~~الكنيسة. يوجد هنا كاهن يخرج الشياطين؛ وهو يحظى بشعبية كبيرة بين ~~المسلمين وكذلك المسيحيين. ولكن بعد ذلك يأتي السلفيون من ~~الجامعات. إن السلفيين والإخوان المسلمين هم من يسيئون معاملة ~~المسيحيين. يقولون للمسلمين ألا يحيوا المسيحيين في الشارع. ~~والجيل الجديد، أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين الثمانية عشرة ~~والسبعة وعشرين عاما، هم جيل سيئ. كان لديهم معلمون سيئون ~~للغاية. بدأ الأمر مع السادات.» وأضاف أنه ظهر تقليد جديد يقضي بأن ~~يضرب الأولاد المسلمون المسيحيين في اليوم الأخير من الفصل الدراسي. ~~قال يونس: «لا يبدو ms243 أن المعلمين يشجعون هذا الأمر، على حد علمنا. ~~فقد اعتاد الجنود على الذهاب إلى المدرسة لمنع ذلك، ولكن لا يمكنهم ~~الوجود في كل مكان. وبعد سقوط الحكومة، لم تعد توجد قواعد على ~~الإطلاق. فهم لا يخافون الجنود، ولا يخافون الحراس، ولا يخافون ~~الله.» # وافق موسى على أن التعليم هو المشكلة. فقد خدم في الجيش، منذ ~~ثلاثة عقود أو نحو ذلك، جنبا إلى جنب مع رجل من شمال مصر. وغالبا ~~ما يذهب المسلمون والمسيحيون إلى المدارس معا، في مدارس حكومية (توجد ~~مدارس يديرها المسيحيون أنشأها مبشرون غربيون في القرن التاسع ~~عشر، لكنها تفوق قدرة الأقباط الأفقر على تحمل تكاليفها؛ فهي ~~تلبي احتياجات الأقباط والمسلمين من الطبقة فوق المتوسطة). ولأن ~~المسيحيين على مر التاريخ كانوا في أغلب الأحوال يعيشون في الجنوب، ~~فإن هذا الرجل الشمالي لم يكن قد التقى أحدا منهم من قبل. وعندما ~~رأى الصليب الذي كان يرتديه موسى، ابتعد عنه في خوف. وسأل موسى: «ما ~~هذا الصليب؟» وأضاف: «لقد تعلمت أنه رمز شيطاني.» وفي استطلاع ~~للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث بين عامي 2011 و2012، قال اثنان ~~وعشرون بالمائة فقط من المسلمين المصريين إنهم يعرفون أي شيء عن ~~المعتقدات أو الممارسات المسيحية - فالمناهج الدراسية لا تقدم فهما ~~كافيا لأديان أخرى غير الإسلام - ويعتقد ستة وتسعون بالمائة أن ~~المسيحيين سيذهبون إلى النار. # ورغم قصصهم، فإن هذه المجموعة من الأقباط ما زالت تتمتع بحب ~~كبير تجاه بلدها. كانت ابنة موسى البالغة من العمر تسع سنوات جالسة ~~في زاوية من الغرفة، تكتب على ورقة، وعندما نظرت إلى ما كتبته، ~~وجدت أنها كتبت باللغة الإنجليزية، بأقلام مختلفة الألوان، ما يلي: ~~«مصر هي أمي. مصر هي دمي. أحبك يا مصر.» قلت لجورج أثناء رحلة ~~عودتنا إلى المنيا للمرة الأخيرة إنه، مع ذلك، كان الأقباط يرحلون عن ~~مصر. قال جورج: «سيرحل الجميع إذا سنحت لهم الفرصة. والمسلمون أفضل ~~حظا بقليل من المسيحيين لأنهم يستطيعون العمل في المملكة العربية ~~السعودية. والأمن يمثل مشكلة خاصة للمسيحيين، لكنه سيئ على ms244 الجميع. ~~فلدي مسكن جيد وعمل جيد، لكنني مستعد أن أتخلى عنهما غدا ~~للذهاب إلى أمريكا والعمل في مطعم، إذا كان هذا سيوفر لابني ~~مستقبلا جيدا آمنا.» الهجرة إلى الغرب هي السبيل المفضل للأقباط ~~للخروج من مصر. يوجد في الولايات المتحدة أكثر من مائتي كنيسة قبطية ~~وما يقدر بثلاثة أرباع مليون قبطي. # في اليوم التالي ركبت القطار البطيء عائدا إلى القاهرة. كان ثمة ~~شيء آخر يجب أن أفعله قبل مغادرة مصر. ركبت مترو المدينة وعدت إلى ~~كنيسة سانت تريزا، بعد أربعة عشر عاما من زيارتي الأخيرة. وصلت ~~أثناء إقامة قداس. كان الأب بولس هناك يتلو القداس، وكان رجلان ~~أعرفهما، أشرف ومجدي، يقومان بدور الشماسين؛ يضربان بالصنوج في ~~أقدس اللحظات، تماما كما كان يفعل أسلافهما لآلاف السنين. لحقت ~~بالثلاثة بعد القداس وهم يتجهون نحو بيت الكاهن. انحنى ظهر الأب ~~بول انحناءة طفيفة، وكسا الشيب شعر أشرف، لكنهم تذكروني. سألت: ~~أين سميح؟ قالوا إنه ذهب إلى أمريكا للدراسة، وانتهى به الأمر بالبقاء ~~هناك. وماذا حدث لماجي؟ تزوجت رجلا فرنسيا وذهبت إلى باريس . ~~وأين وائل؟ كان قد تبع حلمه في أن يصبح عارض أزياء في بيروت. قلت في ~~نفسي إن الأقباط لم يكونوا هم من سيخسر من كل هذا التدفق للمواهب ~~للخارج؛ وإنما كان الخاسر هو مصر. # عدت إلى الكنيسة. كان توجد امرأة ترتدي نقابا إسلاميا أسود، لا ~~يظهر منه سوى عينيها فقط، وانتظرت انتهاء القداس قبل أن تتقدم من ~~مقعدها في الخلف. وأشعلت إحدى الشموع الرفيعة التي كانت موضوعة في ~~صينية من الرمل بجانب عمود، ثم نزلت ببطء على الدرجات التي كانت تؤدي ~~إلى غرفة الدفن الموجودة تحت الأرض. تبعتها لأودع القديسة التي ~~يرقد تمثالها هناك. وبينما كنا نقف أمامه، انحنت المرأة المسلمة ~~ولمست جانب القديسة تريزا. # الفصل السابع # | الكلاشا # في صيف عام 2007 كنت في رحلة بالطائرة من إسلام أباد إلى كابول، ~~مما كان يعني الجلوس على حقائبي عدة ساعات في صالة السفر بمطار إسلام ~~أباد. كان من السهل معرفة الأجانب المتجهين ms245 إلى كابول؛ فقد كانوا ~~في الغالب أقوياء البنية، مفتولي العضلات، يحملون حقائب ظهر ماركة ~~نورث فيس. لكنني كنت استثناء؛ دبلوماسي يفتقر إلى العضلات المفتولة، ~~متجه لتولي مهمة إدارة الفريق السياسي في السفارة البريطانية لمدة ~~عام. بدا المنظر الطبيعي الذي رأيته من نافذة الطائرة كما لو أنه لم ~~يتغير منذ قرون. «جبال ذات لون بني مثل السعوط»، كما كان قد ~~أطلق عليها رحالة بريطاني، و«تلال يبلغ ارتفاعها عشرة آلاف ~~قدم يتخللها مسار شديد التعرج إلى مسافة ميل.» وبالنظر عن كثب، ~~كان بإمكاني ملاحظة الخيوط الخضراء الرفيعة بين التلال، التي كانت ~~هي الوديان. لم يكن بوسعي رؤية أي مظاهر لوجود بشر على ~~الإطلاق. # وبالتحديق جهة الشرق، رأيت قمما عالية ترتفع عموديا فوق ~~الوديان الخضراء والجبال البنية، حتى ارتفاع يصل إلى أربعة وعشرين ~~ألف قدم. كانت هذه هي سلسلة جبال هندوكوش، وهي سلسلة جبال كبيرة ~~تمتد على طول الحدود الشرقية لطاجيكستان، وأفغانستان، وباكستان، ~~وتفصل تلك البلدان عن الصين. إنها في الحقيقة جزء من جبال ~~الهيمالايا. وعلى الرغم من اسم «سقف العالم» الذي يطلق عليها، فإنه ~~من الأنسب التفكير بها على أنها جدار أو متراس؛ فعلى مدى عصور ~~عديدة، كانت أبعد نقطة شرقا وصل إليها أي شخص. وتمثل هذه الجبال ~~للثقافات البشرية ما تمثله الشعاب المرجانية للحياة البحرية؛ فهي ~~غنية ومتنوعة. ففي القسم الأفغاني من هندوكوش، على سبيل المثال، في ~~منطقة بحجم ولاية نيو جيرسي توجد عشرون لغة أصلية وغير مفهومة ~~بعضها لبعض. # وصل الإسكندر الأكبر إلى هذه الجبال لكنه لم يبذل أي جهد ~~لعبورها؛ ربما معتقدا أنها كانت تشكل حافة العالم في أقصى ~~الشرق. سخر منه سكانها، ولم يخافوا من حقيقة أنه كان قاهر بلاد فارس ~~وحاكم أعظم إمبراطورية شهدها العالم حتى الآن، وقالوا إنه للاستيلاء ~~على ملاجئهم التي يتعذر الوصول إليها، سيحتاج إلى «جنود بأجنحة». ~~في إحدى هذه المعارك، أصيب الإسكندر بسهم في كتفه. لم يكن القائد ~~العظيم قد خسر معركة مطلقا في الثماني سنوات التي تلت مغادرته ~~لوطنه في شمال اليونان. ms246 لكن هؤلاء الخصوم، كما سجل أحد مؤرخي ~~الإسكندر، كانوا أقوى مقاتلين واجههم في حملته الهندية بأكملها. ~~أعجب بهم الإسكندر بشدة لدرجة أنه تزوج من فتاة محلية تدعى ~~روكسان (كانت «أجمل امرأة رأوها في آسيا»، كما اعتقد جنوده، فقط ~~باستثناء الإمبراطورة الفارسية). # لم يكن الإسكندر الغازي الوحيد الذي صمد أمامه سكان هندوكوش. ~~ويبدو أن الجيوش العربية التي أتت بالإسلام إلى أفغانستان وشمال الهند ~~منذ القرن السابع وما بعده قد اكتفت بحكم مدن السهول الغنية، ~~وتركت سكان الجبال وشأنهم. وفي القرن الرابع عشر، أوشك الغازي ~~الوحشي من آسيا الوسطى تيمورلنك أن يغزوهم؛ حيث شق طريقه بالقتال ~~حتى وصل إلى أعلى قلعة في الجبال. ومع ذلك، لم يستطع الحفاظ على ~~سيطرته، ولم يعتنق السكان المحليون الإسلام أبدا. وبعد مدة طويلة من ~~تيمورلنك، كان الناس في هذا المكان لا يزالون يقدمون القرابين ~~لآلهتهم إمرا وجيش، ويشربون الخمر، ويرقصون - النساء والرجال معا - ~~على منصات خشبية قاموا بتجهيزها بشكل مؤقت في قرى تتشبث بالجبال ~~الشديدة الانحدار مثلما يتشبث البطلينوس بصخرته. وأطلق عليهم ~~جيرانهم المسلمون الخائفون وصف «الكفار»، وهي تسمية يبدو أنهم ~~قبلوها باستمتاع في ذلك الوقت. وسميت المنطقة التي كانوا يعيشون ~~فيها كافرستان. # لم يهتم ماركو بولو بهم عندما مر بهم في القرن الثالث عشر. وكتب: ~~«إنهم وثنيون وهمج لأبعد الحدود، ويعيشون بالكامل على مطاردة ~~الحيوانات ويرتدون جلودها. وهم سيئون بكل ما تحمله الكلمة من ~~معنى.» لم يكن ذلك غير دقيق تماما - فالكفار كانوا بالفعل يلبسون ~~جلود الحيوانات، ولم يمارسوا الزراعة - لكن من المشكوك فيه أن بولو ~~اقترب منهم. فقد مر وقت طويل بعد زيارة الإسكندر قبل أن يفكر أي ~~غربي في هندوكوش مرة أخرى. ~~••• # يعتقد أن مبشرين كاثوليكيين قد دخلا كافرستان في نهاية القرن ~~الثامن عشر (بناء على قصص رواها سكانها للزوار فيما بعد). قتل ~~الكفار أحدهما بعدما ظنوا أنه روح شريرة؛ ولم يترك أي منهما أي ~~تسجيل لما رأى. في عشرينيات القرن التاسع عشر، سافر موحد اسمه ~~ألكسندر جاردنر من ولاية إلينوي، لديه أصول ms247 إسبانية ويتحدث بلهجة ~~أيرلندية، وتلقى تعليمه على يد أقباط كاثوليك، إلى آسيا الوسطى بحثا ~~عن وظيفة تتسم بالمغامرة (حيث سيصبح، بعض الوقت، قاطع طريق). ~~وعلى حد تعبير كاتب سيرته الذاتية المعجب به، اتسمت المدة ~~التي قضاها في المنطقة «بالكمائن، والأعمال الانتقامية الشرسة، وعمليات ~~هروب بشق الأنفس، وأحداث مليئة بالوحشية والقسوة لا يمكن تصورها ~~في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تكون مليئة بالأعمال الخيرية النابعة ~~من القلب والإخلاص حتى الموت». وأطلق عليه الاسم المحلي جوردانا ~~خان. # زعم جاردنر أنه دخل كافرستان مرتين، لكن سجله الأصلي للزيارة ضاع ~~عندما قتل السير ألكسندر بيرنز، المبعوث البريطاني إلى كابول، الذي ~~كان يملك النسخة الوحيدة، على يد مجموعة من الغوغاء في بداية الحرب ~~الأفغانية (قال البعض في ذلك الوقت إن من دفع الغوغاء إلى قتله هم ~~الرجال الأفغان الذين خانتهم زوجاتهم مع بيرنز المتأنق). كان ~~بيرنز، ابن عم الشاعر الأسكتلندي روبي بيرنز، يتحدث اللغة ~~الفارسية بطلاقة وقد ترك سجلا من الشهادات التي تلقاها من الكفار ~~في كابول، وهي شهادات تكشف ممارساتهم المتمثلة في دفن موتاهم في ~~توابيت في الهواء الطلق، وبيع بناتهم بسعر يحدده حجمهن، وإنهاء ~~الخلافات الدموية بين الرجال عن طريق مص بعضهم حلمات بعض. # بعد وفاة بيرنز، مرت سنوات عديدة لم يزر فيها أحد كافرستان. ~~وأصبح يطلق عليها اسم «البقعة المظلمة على خريطة آسيا»؛ فهي مكان لم ~~يتمكن من اختراقه حتى الحكومة الإمبراطورية البريطانية في الهند، ~~التي أرسلت جواسيس لوضع خطة مفصلة لأكثر الأماكن المحظورة التي ~~يتعذر الوصول إليها على حدودها. وفي نهاية القرن التاسع عشر، خطط ~~البريطانيون لكتابة معجم جغرافي عن كافرستان، كما فعلوا لكل منطقة ~~أخرى لها حدود مع الهند، لكنهم في هذه الحالة - بشكل استثنائي - ~~تخلوا عن الفكرة. # ومع ذلك، كان لدى السلطات البريطانية اهتمام كبير بمعرفة المزيد عن ~~أماكن مثل كافرستان، التي كانت ملاصقة للحافة الشمالية لممتلكاتهم ~~البريطانية؛ حيث كان التهديد الخارجي الأكبر لإمبراطوريتهم في الهند ~~في أواخر القرن التاسع عشر هو روسيا، التي كانت تبتلع آسيا الوسطى ~~وتتقدم ms248 جنوبا بوتيرة سريعة. وأصبح استكشاف مناطق مثل كافرستان ~~الواقعة بين البريطانيين والروس، بهدف إما ضمها بوصفها حليفا أو ~~الاستيلاء على ممتلكاتها، مسعى استمر عقودا من الزمن وعرف باسم ~~«اللعبة الكبرى». هكذا وجد ملازم يدعى ماكنير، وهو من قدامى ~~المحاربين في الحرب الإنجليزية الأفغانية الثانية، نفسه على حدود ~~كافرستان في عام 1883 أثناء إجازته الرسمية، حيث دهن بشرته بعصارة ~~الجوز ليجعل لونها أغمق ووضع أدوات قياس في حقيبة طبية زائفة. ~~كان يحول نفسه إلى «صاحب جول ماكنير حسين شاه» ويأمل أن يدخل ~~كافرستان بصحبة صديقين من قبيلة بشتونية محلية. لا بد أن ماكنير ~~فكر مليا قبل أن ينزل من على مسار يصطف على جانبيه ركام من ~~الأحجار الصخرية التي كانت تغطي بشكل غير مثالي جثث الرحالة ~~السابقين الذين قتلوا على يد الكفار الذين كانوا يحمون عزلتهم ~~بوحشية. كتب ماكنير: «من بين جميع الأفعال البارزة كان ذبح [مسلم] ~~يحتل المقام الأول بين الكفار». وكان رأس الضحية يوضع على شجرة ~~طويلة. ولحسن الحظ، كان الرجلان اللذان كانا مع ماكنير ينتميان إلى ~~قبيلة كان الكفار يتعاملون معها بفزع ناجم عن الخرافات، ومن ثم ~~كان يسمح لأفرادها عموما بالمرور دون التعرض لأذى. # كانت زيارة ماكنير للكفار قصيرة للغاية ولم يكتشف سوى القليل. ~~قدر عددهم بمائتي ألف. وأضاف أن: «أصنامهم عديدة، ففي كل واد ~~وجدول توجد مجموعة منها غير معروفة إلا لهذه المنطقة فقط، ومن ~~المفترض أن هذه الأصنام تجسد الأبطال الذين عاشوا بينهم في الأيام ~~الغابرة والذين أصبحوا الآن أرواحا تشفع لهم لدى الإله إمرا.» اعتبر ~~أن خمرهم كانت ضعيفة الأثر، وقد اندهشوا من الويسكي الذي كان، بعد ~~تمعن وتفكر قد أحضره معه. والأهم من ذلك أنه أشار إلى أنهم ~~«كانوا على استعداد تام لمساعدة البريطانيين ... ولن يترددوا في وضع ~~خدماتهم تحت تصرفنا، إذا تطلب الأمر ذلك.» سجل كل هذا في ~~كتيب مختوم بكلمة «سري» قدمه إلى قسم الاستخبارات في وزارة الحربية ~~البريطانية. وكتب قائمة مفردات، كملحق له، توضح ما كان يرى أن ~~الزائر قد ms249 يحتاج في المستقبل إلى قوله، مثل «إنه شديد الانحدار وقد ~~أسقط» و«سأقدم عنزة قربانا إلى إمرا». # كانت رؤى ماكنير ضحلة، وظلت كافرستان لغزا حتى وصول جورج سكوت ~~روبرتسون. كان روبرتسون في الأصل طبيبا بالجيش، وكان من جزر أوركني ~~البرية النائية. وربما وجد صدى لموطنه في «بلد الجن الحقيقي» الذي ~~رآه من قمة جبل عندما كان يعمل مسئولا في أقصى الحدود الشمالية ~~الغربية للهند البريطانية. ووصف إطلالة كافرستان بأنها «تمتد ~~بعيدا إلى ما وراء العدم». ومنذ تلك اللحظة، كما يخبرنا في كتاب ~~كتبه لاحقا عن رحلته الاستكشافية، أصبح متعلقا بها. وأثناء إقامته ~~بصفته ضابطا سياسيا بريطانيا في جلجت المجاورة، راقب أي كافر ~~قد يجده هناك، وفي النهاية زار البعض منهم المنطقة وقدموا إليه. ~~في البداية، وجد مظهرهم مثيرا للاشمئزاز، لكنه رأى بعد ذلك أن ~~«الرداء البني القذر، الذي يتخطى الكعبين ويصل إلى الأرض، يخفي ~~أجسادا نشيطة رياضية، وأن الوجوه اللطيفة المتملقة ذكية وجذابة، ~~ويمكن أن تنظر في بعض الأحيان نظرة محدقة ثابتة جريئة، أو نظرة ~~خاطفة متوحشة مثل نظرة الصقر ؛ وأن الرجال الذين يلعبون دور ~~المتسولين الأذلاء ... قادرون في أي لحظة على التخلص من قناع ~~التواضع وإظهار صفاتهم الأصلية.» وقد اكتشف مدى صحة ذلك عندما تمكن ~~من الحصول على إذن ليس فقط لزيارة الكفار وإنما للعيش بينهم لمدة ~~وصلت إلى عام كامل. # واكتشف أن من يسمون بالكفار كانوا ينقسمون إلى العديد من ~~القبائل، التي اختلفت لغاتها وممارساتها. علاوة على ذلك، كانت ديانة ~~الكفار يوما ما مشتركة بين الشعوب المجاورة الأخرى التي كانت تعيش ~~حينئذ في ظل الحكم الإسلامي. أحد هذه الشعوب كان يسمى الكلاشا. وعلى ~~عكس أولئك الكفار في الجبال العالية الذين ظلوا أحرارا، فقد غزا ~~«مهاتير» (أي أمراء) شيترال الأراضي المنخفضة التابعة لشعب الكلاشا، ~~واضطروا إلى دفع الجزية في شكل عمل قسري. لم يكن شعب الكلاشا ~~ذا فائدة لروبرتسون، الذي أراد أن يجد رجالا مقاتلين؛ فقد كانوا كما ~~قال مستنكرا: «عرقا ذليلا ومنحطا تماما.» وعلى النقيض من ذلك، ~~كانت القبيلة ms250 التي اختار العيش معها، وهي الكام، أكثر القبائل حروبا ~~بين جميع الكفار. وعندما حاول يوما ما أن يصف لقبيلة الكام ما يبدو ~~عليه الرجل السمين، واجه صعوبة في جعلهم يفهمون. فقليلون منهم من ~~رأوا مثل هذا من قبل. ولم يحالفه النجاح إلا عندما تحدث إلى ~~الكاهن المحلي، الذي «شعر بالحيرة مدة طويلة. واتضح له المعنى الذي ~~أقصده عندما هتف فجأة: «أتذكر قتل رجل بالقرب من [مدينة] أسمر كان ~~تماما كما تصف؛ الكلمة هي «سكيور»».» # لم يكن الكاهن وحده من تلطخت يده بالدماء. فالخلافات الدموية لم ~~تكن مجرد حادث عرضي بين شعب قبيلة الكام؛ بل كانت أسلوب حياة. ~~كانت أقرب القرى المسلمة أهدافا للإغارات القاتلة، وغالبا ما كانت ~~تشن من أجل الغنائم (ففي مثل هذا المجتمع المحلي الفقير، قد يقتل ~~رجل لمجرد الحصول على ملابسه) أو للانتقام من التعدي المستمر ~~للقبائل المسلمة على أرض الكام. قدم روبرتسون قائمة بالصفات التي ~~أعجب بها شعب الكام، وفي مقدمتها القدرة على القتل؛ يليها «رجل ~~الجبل الجيد، الذي يكون على استعداد دائم للشجار، ويتمتع بنزعة ~~شهوانية.» غالبا ما كان لدى الكام ثأر لبعضهم ضد بعض، لكن عادة ~~لطيفة مكنتهم من تفادي الثأر إذا رغبوا في ذلك؛ إذ لم يكن يلزم ~~الرجل إلا التظاهر بالاختباء من قاتله المحتمل، الذي كان تظاهر ~~بدوره بعدم رؤيته. # وأفراد القبيلة الذين فشلوا في قتل ألد أعداء القبيلة قد يقذفهم ~~قومهم بالرماد. وقد يصبحون موضوعا للنكات والسخرية، وفي المآدب ~~العامة كانت زوجاتهم يشحن وجوههن عنهم عند تقديم الطعام لهم. فقد ~~كان «الجال»، أي العار، دافعا قويا بين أفراد قبيلة الكام. وكذلك ~~كان النظام الطبقي. فأولئك الذين انزلقوا لقاع السلم الاجتماعي قد ~~ينتهي بهم الأمر بين أبناء الطبقة الدنيا «البروجان» الذين كانوا ~~عرضة للشراء والبيع مثل عبيد العصور الوسطى. ومن ناحية أخرى، سمح ~~لشاب قتل خمس ضحايا بارتداء وشاح أزرق مصنوع من ملابسهم، ورأى ~~روبرتسون القليل جدا من هذه الأحداث خلال زيارته. كما التقى توراج ~~ميراك، الرجل الذي يبدو أنه خرج مباشرة ms251 من رواية مغامرات من العصر ~~الفيكتوري. جاء ميراك، «أغنى رجل في كافرستان»، لرؤية روبرتسون ~~مرتديا رداء أحمر لامعا وكان يحمل درعا برونزيا. «كان لديه ~~ملامح سامية قوية، وانسدلت على كتفيه المزركشتين خصلات شعره ~~الطويلة، المضفرة مع ذيول الفئران، وبين الفينة والأخرى كان يلقي ~~نظرة فخر ليرى ما إذا كان الغريب يقدر عظمته.» # زعم ميراك أنه قتل أكثر من مائة شخص، كثير منهم من النساء ~~والأطفال، وللاحتفال بهذه الحقيقة، ربط جرسا صغيرا بنهاية عصاه. ~~كتب روبرتسون: «في عينيه القاتمتين، كان ثمة عالم من الشفقة. إنهما ~~تكذبانه تماما. ففي صميم قلبه يوجد همجي يعوي، بينما في سكونه ~~تعكس ملامحه رجلا أحزنه التحديق في صور معاناة عالم مضطرب.» ~~ولحسن حظ روبرتسون أن كونه مسيحيا كان يعني اعتباره رفيقا غير ~~مسلم ونوعا من الكفار الفخريين. وكان البريطانيون يتمتعون بالفعل ~~بسمعة طيبة بين شعب الكام، على الرغم من كونها من نوع غريب إلى حد ~~ما؛ فقد أخبروا روبرتسون أن جيش، إله الحرب لديهم، قد ذهب للعيش في ~~لندن. # بأي حال، كان من الصعب تجاهل الموت بين أفراد قبيلة الكام. فقد دفن ~~جميع الكفار موتاهم في الهواء الطلق، ربما لمجرد أنه كان من الصعب ~~عادة الحفر في الأرض المتجمدة. وعلق روبرتسون أن رائحة الجثث ~~المتعفنة كانت تنتشر في القرية عندما تهب الرياح في الاتجاه الخاطئ. ~~وتتميز جنازاتهم بأداء رقصة؛ مع وضع الجثة على كرسي وسط ~~الراقصين. # لم يثن عليهم روبرتسون في وصفه مثلما فعل ماركو بولو قبل قرون. ~~فقد كتب أن أفراد شعب الكام لم يكونوا يغتسلون أبدا، وأنهم كانوا ~~يسرقون منه باستمرار، وأن «الكذب لديهم كان بسهولة التنفس». ولكن عند ~~روبرتسون، الذي كان غارقا في التقاليد العسكرية للإمبراطورية ~~البريطانية، كان الأثر السلبي لهذه الصفات يتلاشى أمام «شجاعتهم ~~الرائعة، وعواطفهم الداخلية، وحبهم الشديد للحرية». ومن نواح ~~أخرى، كما يقول، أصبحوا كذلك بسبب الظروف. «فبالنسبة إليهم، لم يصبح ~~العالم ألطف مع مرور السنين ... ولو كانوا مختلفين، لكانوا مستعبدين ~~منذ آونة طويلة.» # وعلى الرغم من إعجابه بحبهم للحرية، ms252 كان هو نفسه، عن غير قصد ~~منه، نذيرا باستعبادهم. فقد كان لرحلته غرض خفي؛ حيث كانت السلطات ~~البريطانية تحاول أن تقرر ما إذا كانت قبائل الكفار تستحق ~~الاندماج في إمبراطوريتها. وكانت مهمة روبرتسون، التي كشف عنها في ~~الأوراق السرية لمكتب الهند، هي «دراسة تنظيمهم القبلي واكتشاف ~~قيمتهم باعتبارهم حلفاء ودودين مستعدين للمساعدة ولكن محايدين، ~~أو مناضلين نشطين في الحرب». وكان قراره أنه ينبغي تركهم وشأنهم. ~~وكتب إلى رؤسائه أن الكفار لم تكن لهم «أي أهمية استراتيجية أو سياسية ~~على الإطلاق ... ولا ينبغي التدخل في شئونهم بأي شكل من الأشكال.» ربما ~~كانت هذه سياسة حكيمة، مقترحة لدوافع جيدة، لكنها كانت إيذانا ~~بنهاية كافرستان. # في ذلك الوقت كان يحكم أفغانستان، التي كان يجاور الكفار أراضيها، ~~عبد الرحمن خان، الذي أطلق عليه البريطانيون «الأمير الحديدي». في ~~مذكراته، زعم الأمير المسن أنه كان يريد الكفار في جيشه لأنهم ~~«كانوا عرقا شجاعا من الناس لدرجة أنني اعتقدت أنهم بمرور الوقت ~~سيصبحون جنودا مفيدين للغاية تحت حكمي». (كان محقا؛ فبعد قليل ~~أصبحوا من النخبة في الجيش الأفغاني.) كما أراد التفوق على تيمورلنك ~~بغزو كافرستان. وعلى الرغم من أنه لم يكن متعصبا دينيا - فقد ~~استعان، على سبيل المثال، بسكرتير هندوسي - أراد أن ينال مجد الجهاد ~~ضد غير المؤمنين. وفي عام 1895، تقدمت ثلاث وحدات عسكرية موالية ~~لعبد الرحمن باتجاه كافرستان مستخدمة تكتيك الكماشة لتطويق الكفار. ~~هجمت في ذروة الشتاء، عندما كان الكفار يجدون صعوبة في الهروب. ~~وبالنظر إلى أن أعداءه، مهما كانوا شجعانا ووحشيين، لم يكونوا قد ~~أتقنوا بعد استخدام البندقية، وكانوا في الغالب يقاتلون بالأقواس ~~والسهام، فقد كان فوز عبد الرحمن مضمونا. وخير الكفار بين اعتناق ~~الإسلام أو الموت؛ وفي خمسينيات القرن الماضي، عرض على كاتب الرحلات ~~البريطاني إريك نيوباي حجر أحمر اللون مخضب بدماء أولئك الذين ~~اختاروا الإعدام. وفاز عبد الرحمن بلقب ضياء الملة والدين. وأعيد في ~~النهاية تسمية المنطقة التي احتلها عبد الرحمن إلى نورستان، «أي أرض ~~النور»، احتفالا بتحولها القسري إلى الإسلام. ~~••• # قد تكون ms253 نورستان مسلمة الآن، لكنها شرسة ولا يمكن ترويضها كما كانت ~~قبل مجيء عبد الرحمن. في فجر الثالث عشر من يوليو 2008، استيقظ تسعة ~~وأربعون جنديا أمريكيا في معسكر مؤقت في وانات، مقاطعة نورستان، ~~على مشهد كارثي؛ حيث رأوا أشخاصا في الضوء الخافت فوق التلال ~~البعيدة. وكشفت المراقبة عن كثب أن الأشخاص كانوا تابعين لحركة ~~طالبان ويحملون قاذفات صواريخ. ظهر المزيد والمزيد من الصور الظلية ~~لأجساد غير واضحة، حتى كان هناك ما يقرب من مائتين منهم. وفجأة ~~أطلقوا النار، مما أجبر المعسكر الأمريكي على إخراج الأسلحة الثقيلة ~~في الدقائق القليلة الأولى. وكانت الساعات القليلة التالية عبارة عن ~~فوضى من الدماء والضجيج. وفي مرحلة ما، اخترق المهاجمون دفاعات ~~المعسكر، وعندما انسحبوا أخيرا بعد بضع ساعات من الهجوم المتواصل، ~~خلفوا تسعة قتلى أمريكيين وسبعة وعشرين جريحا. كانت معركة ~~وانات، كما عرفت فيما بعد، هي أكثر الاشتباكات الأمريكية كلفة في ~~أفغانستان منذ عام 2001. وسلطت تقارير عن المعركة في الصحافة ~~الأمريكية الضوء على سمعة نورستان باعتبارها «المكان الأكثر دموية ~~على وجه الأرض» و«مركز القاعدة وطالبان». هناك ثلاثة أشياء جعلتها ~~جذابة بشكل خاص للمسلحين الإسلاميين: تضاريسها القاسية (فالجبال ~~التي تتكون منها المقاطعة يصل ارتفاعها إلى 19500 قدم)، وحقيقة ~~أنها تقع بجانب الحدود مع باكستان، والحماسة الدينية لشعبها وشجاعتهم ~~في المعارك (حيث كانت أول مقاطعة تعلن الجهاد ضد السوفييت عام 1979). ~~وكما هو الحال في زمن الإسكندر، أثبتوا هم وجيرانهم في مقاطعة كونار، ~~الواقعة إلى الجنوب قليلا، أنهم المقاتلون الأشرس في ~~المنطقة. # ومع ذلك، أثناء المعركة، وعلى بعد أميال قليلة منها بأقصر الطرق، ~~نام مدرس يوناني هانئا خلال كل ذلك. فقد عاش أثناسيوس ليرونيس في ~~قرية تسمى بومبوريت وارتدى زي السكان المحليين، وزين بالزهور ~~قبعة صوفية بنية مسطحة. وعلى الرغم من أنه كان غريبا، فقد ~~سمح له بالانضمام إلى احتفالات الانقلاب الشمسي المحلية: التضحية ~~بالماعز لآلهتهم وإلاهاتهم العديدة، وشرب النبيذ المحلي الصنع ~~والبراندي القوي، والرقص طوال الليل الذي ترى فيه النساء بأزيائهن ~~المشرقة باللون الأحمر والأصفر وأغطية الرأس المصنوعة ms254 من الصدف، ~~يشكلن دوائر حول الرجال ويتمايلن بلطف على صوت الإنشاد. وكان ~~يعيش بين آخر الوثنيين في باكستان، متمركزا تقريبا في قلب المنطقة ~~الخاصة بالإسلاميين المسلحين. # كان هؤلاء الناس هم شعب الكلاشا. لقد نجوا من التحول القسري إلى ~~الإسلام الذي وقع على أبناء عمومتهم الكفار في الجبال العالية؛ حيث ~~كان «مهاتير» شيترال يخضعون للحماية البريطانية ولم يتمكن عبد الرحمن ~~من دخول أراضيهم. ولهذا السبب أيضا، يقع واديهم في باكستان، التي ~~استولت على شيترال في عام 1969. يقول الكلاشا إنه في وقت ما كان كل ~~أبناء شيترال يتبعون دينهم؛ لكن الآن جميعهم مسلمون باستثناء أربعة ~~آلاف فرد. يعيش جميع أفراد قبيلة الكلاشا المتبقين البالغ عددهم ~~أربعة آلاف في ثلاثة وديان في شيترال بجوار الحدود مع نورستان. لم ~~يترك لهم العيش في الجبال أي خيار سوى ممارسة زراعة الكفاف - زراعة ~~القمح للخبز والعنب للنبيذ، ورعي الماعز والأغنام النحيلة والأبقار ~~الهزيلة - وفي الشتاء تتجمد أراضيهم وتصبح مغطاة بالثلوج. ومع ذلك، ~~فقد وفرت لهم الجبال أيضا الحماية من جميع الغزاة تقريبا، ~~ويمكن أن تظل وديانهم تنعم بالسلام حتى عندما تكون ثمة فوضى وعنف ~~على بعد أميال قليلة. # في عام 1839، قال الأفغان لأول وكيل سياسي بريطاني في أفغانستان، ~~السير ويليام ماكنجتن: «ها هم أقرباؤك قادمون!» كانوا يقصدون وفدا من ~~كافرستان. كانت الفكرة القائلة بأن أعضاء هذا الوفد كانوا «أبناء ~~عمومة فقراء للأوروبيين»، كما كانوا يوصفون أحيانا، ناتجة عن ~~لون بشرتهم الفاتح وعاداتهم المختلفة التي كانت تعتبر أوروبية على ~~نحو مميز؛ مثل الجلوس على الكراسي والمصافحة بدلا من الجلوس على ~~الأرض ومسك الكتفين مثلما يفعل معظم الأفغان. وفي مرحلة ما، أضيف ~~مزيد من التفاصيل إلى نظرية الأصول الأوروبية لشعب هندوكوش. وقيل إنهم ~~من نسل الإسكندر الأكبر وجنوده. وانتشرت القصة، في أثينا وسالونيك ~~وما بعدهما، أن قبيلة الكلاشا على وجه التحديد كانت قبيلة إغريقية ~~مفقودة. وتدفقت التبرعات. وفي مرحلة ما، ذهب السياح اليونانيون ~~إلى القرى الباكستانية حاملين صورا للإسكندر ليقارنوا ملامحه ~~بملامح الكلاشا، الذين يتمتع بعضهم بشعر أشقر ms255 وعيون زرقاء. ~~انتشرت الفكرة أيضا بين أفراد قبيلة الكلاشا: حيث غير صبي محلي ~~اسمه إلى ألكسندروس عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره. وفي غضون ذلك، ~~استخدم ليرونيس التبرعات لإنشاء إمدادات مياه نظيفة، ومراحيض، ~~ومدارس، ومتحف يحتفي بتراث الكلاشا ودينهم ويحافظ عليهما. # قد يوجد أكثر من تفسير للملامح التي تبدو أوروبية لهذه القبائل ~~المعزولة في هندوكوش. فأثناء مدة إقامتي في أفغانستان من عام 2007 إلى ~~عام 2009 لأتعلم لغاتها، كثيرا ما كنت أصادف كلمات تبدو ~~إنجليزية. ففي اللغة الدارية، وهي إحدى اللغتين الرئيسيتين في ~~أفغانستان، تستخدم الكلمات # lip ~~(أي ~~شفة)، و # bad ~~(أي سيئ)، ~~و # am ~~(أي أنا)، وتحمل المعاني ~~ذاتها التي تحملها في اللغة الإنجليزية. ويكاد يتطابق تماما نطق ~~الكلمات التي تعني أما، وأخا، وابنة والتي تنطق «مادر، وبرادر، ~~ودختر» مع مرادفاتها الإنجليزية: # mother ~~، ~~و # brother ~~، ~~و # daughter ~~. وكلمة «تو»، المرادفة ~~لكلمة «أنت»، قريبة من كلمة # thou # في ~~الإنجليزية القديمة. وتكاد تتطابق جمل كاملة مع نظيرتها الإنجليزية. ~~فجملة «برادر إتو أم» تعني «أنا أخوك». وكلما سمعت هذه العبارات في ~~بيئة كابول التي تبدو غريبة في كثير من الأحيان ، وسط جبالها الثلجية، ~~من رجال يرتدون معاطف «شابان» متعددة الألوان وقبعات «باكول» صوفية ~~مسطحة وعانوا من الفوضى والقتل أكثر مما كنت أتخيل، كنت أشعر كما ~~لو أن «يدا امتدت، وأخذت بيدك» - مستعيرا عبارة من آلان بينيت عن ~~شعور العثور على شخصيات متعاطفة في التاريخ. # يعود سبب ذلك إلى ثلاثة أو أربعة آلاف عام، قبل حقبة طويلة من ظهور ~~الإمبراطورية البريطانية، أو حتى الإمبراطوريات الأفغانية السابقة، ~~عندما كان كل من أوروبا وأفغانستان مستعمرتين من قبل الأشخاص ~~ذاتهم: الرعاة الرحل من القوقاز الذين نشروا لغتهم الهندو-أوروبية ~~عبر مساحة شاسعة من الأرض. ففي صحراء تاكلاماكان، شرقي هندوكوش، ~~اكتشفت جثة محنطة لأحد هؤلاء المستوطنين في عام 1980. ويعود ~~تاريخ المومياء إلى ما يقرب من 3800 عام، ويطلق عليها اسم «جميلة ~~لولان». كانت ذات شعر بني مائل إلى الحمرة، وعظام وجنتين بارزتين، ~~وأنف مرتفع. يظهر وجودها فيما يعرف ms256 الآن بغرب الصين إلى أي مدى ~~وصل المستوطنون الهندو-أوروبيون. ولا عجب أن الإسكندر، عندما وصل إلى ~~هندوكوش، تذكر وطنه وبحث عن الأماكن التي ظهرت في أساطير شعبه. وكان ~~يأمل أن يعثر في هندوكوش على الجبل الذي قيد فيه بروميثيوس ~~بالسلاسل، عقابا من الآلهة لأنه علم الإنسان سر النار؛ وبينما ~~كان يسير جنوبا نحو الهند، اقتنع بأنه يسير على خطى الإله ~~ديونيسيوس، الذي تصور أنه تعرف على طقوسه بين العادات المحلية. ربما ~~كان اعتقد أنه قد وصل إلى نهاية العالم - المكان الذي صارت فيه ~~الأساطير حقيقة - وكان يفرط في تفسير الصدف. أو ربما كان يرى ~~أوجه تشابه ثقافي تعود إلى ذلك الاستيطان المبكر. # لذا فإن الشعر الأشقر والعيون الزرقاء اللذين يميزان أفراد قبيلة ~~الكلاشا لا يثبتان أنهم من نسل جنود الإسكندر، ولكن لم تكن تلك ~~الفكرة مستحيلة على الإطلاق. بعد وفاة الإسكندر، حكم ملوك إغريق ~~جنوب أفغانستان وجزءا كبيرا من باكستان أكثر من قرنين. واشتهرت ~~«إمبراطوريتهم المكونة من ألف مدينة» بالثراء وأقاموا علاقات ~~تجارية مع الصين وأقاموا علاقات دبلوماسية مع ملوك الهند. ولا يزال ~~اسم سكندر (الإسكندر) شائعا في كشمير، ولا تزال مدينة قندهار ~~الأفغانية تحمل اسم الملك اليوناني المميز. واستمر الحكام المسلمون ~~في بدخشان، وهي مقاطعة في شمال كافرستان، في الادعاء بأنهم ينحدرون ~~من نسل الإسكندر نفسه حتى أواخر القرن الخامس عشر. ولم تكن مقدونيا ~~المجاورة لليونان، التي كانت أيضا تدعي أحقيتها في إرث ~~الإسكندر، على استعداد ليتغلب عليها اليونانيون بعلاقتهم بالكلاشا. ~~فدعت أمير هونزا لزيارة خاصة في عام 2008، لأن هذا الأمير، الذي ~~يعيش في منطقة تقع شمال شيترال مباشرة، يدعي أيضا أنه من نسل ~~الإسكندر. ولدى الكلاشا تراث شفاهي يرجع أصلهم إلى «شلق شاه»، في ~~إشارة محتملة إلى سلوقس، قائد جيش الإسكندر. وبالفعل، يبدو أن دراسة ~~للحمض النووي لسكان الكلاشا أجريت في عام 2014 تؤكد أسطورتهم. إذ ~~أظهرت أنه في وقت ما بين عام 990 و206 قبل الميلاد، دخلت جينات ~~أجنبية، ربما أوروبية، في تجمع جينات الكلاشا. ~~••• # علمت بنورستان ms257 بعد مدة وجيزة من وصولي إلى كابول. في ذلك الوقت، لم ~~أر الجبال ذات القمم الثلجية التي تحلق فوق العاصمة الأفغانية على ~~جانبها الشرقي - الذي يعتبر جزءا من هندوكوش - بسبب ضباب الصيف ~~الناتج عن الأبخرة والدخان الذي كان يخيم على المدينة، ولكن عندما ~~سقطت قذائف الهاون على المدينة، قيل لي إنها أطلقت من تلك ~~الجبال. ومنذ ذلك الحين، اعتبرتها أماكن تجمع بين الرعب والجمال. ~~ففي نهاية الأمر، الاسم «كوش» يبدو إلى حد كبير مثل الكلمة ~~الأفغانية «كشتن» التي تعني القتل. ومع ذلك، فقد أثار اهتمامي أنه لا ~~تزال توجد في تلك الجبال أماكن لن أستطيع الوصول إليها؛ لذا قرأت ~~بشغف كتب الأشخاص الذين زاروا نورستان، بمن في ذلك روبرتسون وأيضا ~~إريك نيوباي، وهو كاتب رحلات بريطاني بلغ المقاطعة في عام 1956. ~~واقتربت في بعض الأحيان من المكان، ورأيت صورا لقرى جبلية مذهلة، ~~محفوفة بالمخاطر، لكن في الواقع لم تطأ قدماي أرض نورستان. # وبدلا من ذلك، قررت في عام 2008 المغامرة بدخول منطقة هندوكوش من ~~الجانب الآخر. وسافرت من بكين بالقطار والسيارة غربا عبر مقاطعة ~~شينجيانج المضطربة في الصين إلى مقاطعة هونزا شمال باكستان. وقد زار ~~روبرتسون هذا المكان وكتب بعد ذلك كيف وجد نفسه مضطرا إلى تسلق ~~شجرة بزيه الشعائري الكامل، والسيف، والخوذة النحاسية؛ إذ كان الحاكم ~~المحلي يعيش على فروعها لتجنب الاغتيال. كانت المنطقة في كثير من ~~النواحي شبيهة جدا بأفغانستان، لكنها خالية من الخطر. فقد كان ~~بإمكاني ركوب الحافلات المحلية الصغيرة، والذهاب للتسوق في ~~الأسواق، والتحدث بحرية مع الناس (بالقليل من اللغة الدارية، وعموما ~~كانت الإنجليزية منتشرة لأن المنطقة ليس بها لغة مشتركة واحدة). لقد ~~كان شعورا مبهجا. وحيث إننا كنا في فصل الشتاء، كانت ملاعب البولو ~~فارغة، وتخيلت أنها في الصيف لا بد أن تكون ممتلئة بالأعيان ~~المحليين على ظهور الخيل وهم يتدافعون، ويصرخون، ويلاحقون كرة بيضاء. ~~كانت الماشية الهزيلة ترعى في المروج غير المستخدمة التابعة للفنادق ~~المحلية، التي كانت تستضيف السياح في المواسم الصيفية السابقة. لعبت ~~الكريكيت ms258 مع صبي في الجبال وقال إنه يريد اللعب لمنتخب إنجلترا، رغم ~~أن اسمه كان صدام حسين. وجلست الفتيات في فناء مدرسة يطل على ~~الطريق الرئيسي وأخذن يضايقن الأولاد عندما كانوا يمرون أمامهن. ~~مررت دون أن يضايقنني؛ فكل إهاناتهن كانت ستذهب سدى. وبدلا من ~~ذلك، استدعينني للمشاركة في مسابقة غنائية، كل منا بلغته. # كنت أقيم في منزل رجل اسمه حسين، ودعاني لزيارة الكاهنة المحلية، ~~أو الشامان كما دعاها. مشينا إلى منزلها في ممرات القرية الصغيرة. ~~قال: «إنها تعيش بجوار سفح الجبل. مثلما يفعل كل الشامانات.» وفي ~~منزلها - التقليدي المبني من الحجر، ونار الموقد المشتعلة تحت ~~وعاء به خبز شبه جاهز للأكل - كانت تنحني فوق صينية كانت قد نثرت ~~عليها مجموعة من الدبابيس. حصل حسين، وهو شخصية محلية قوية من عائلة ~~ثرية، على مجموعة ثاقبة من التنبؤات: «سيبغضك بعض الناس في القرية ~~... فهم يشعرون أنك متغيب أكثر من اللازم، وأنك لا تولي مجتمعك سوى ~~القليل من الاهتمام.» فيما يخصني، صلت بالعربية وأعلنت حسن ~~الحظ: «ستنتهي من كتابك.» الغريب في الأمر أنني لم أكن قد أخبرت أحدا ~~أنني كنت أكتب كتابا. # وبينما كنا نغادر ، سألت حسين كيف أصبح شخص يعيش في منزل يقع تحت ~~الجبال العظيمة شامانا. قال إن الأمر يتعلق بقضاء بضعة أشهر في ~~القمم العالية، حيث تعيش الوعول، لا يأكل إلا الخبز ولا يشرب إلا ~~الشاي. وعندما تنجب الوعلة صغارها، كان على الشامان المحتمل أن ~~يشرب من حليبها، ثم ينزل إلى الوادي لاختبار قوى التنبؤ بالمستقبل ~~المكتشفة حديثا. ويعود هذا التقليد جزئيا إلى الاعتقاد بأن ~~الجنيات (يطلق عليها «بري» في اللغة المحلية) تسكن الجبال العالية. ~~ويعتقد أن قضاء وقت بين الجنيات يمنح الشخص قوى خارقة للطبيعة ~~(وتعتبر كلمة «بري جهره»، أي تملك وجها يشبه الجنيات، مجاملة ~~محلية). يوما ما كانت مثل هذه التقاليد والمعتقدات واسعة ~~الانتشار في تلك المنطقة، حتى بين المسلمين، لدرجة أن أحد الكتب اقترح ~~أن منطقة هندوكوش بأكملها، هونزا، وواخان ونورستان، وشيترال، يمكن أن ~~يطلق عليها اسم «بريستان»، ms259 أي أرض الجنيات. أخبرني حسين أنه توجد ~~قبيلة تسمى الكلاشا لم تعتنق الإسلام بعد، وعرض علي فرصة الذهاب ~~إليهم لرؤيتهم. كانت الرحلة ستستغرق بضعة أيام بسيارة جيب عبر طرق ~~جبلية غير ممهدة من هونزا إلى شيترال. لم يكن لدي وقت لتلك ~~الرحلة وقتذاك، لكنني وعدت نفسي بأنني سأعود. ~~••• # مرت أربع سنوات قبل أن أحاول العودة، وهذه المرة أصبح الحصول على ~~تأشيرة باكستانية أصعب. واستدعتني المفوضية العليا للبلاد في لندن، ~~بعد عدة أشهر من تقديم الطلب. قدمت نفسي إلى الموظف عند الشباك. ~~قال رجل صغير مفعم بالحيوية وله لحية طويلة: «آه نعم، سيد راسل. أنت ~~غني عن التعريف!» أخبرني أنهم كانوا يعملون عليها منذ أسابيع. ربما كان ~~هذا هو السبب في أن الملف الخاص بي كان قد أصبح ضخما جدا. رأيته ~~عندما طلب مني الاتصال بمسئول مهذب ولكنه ضجر في مكتب ضخم كان ~~أنيقا في يوم من الأيام. فقد كان الملف مفتوحا على المكتب أمامه. ~~وقال: «شخص ما في باكستان يشكك في سمعتك. ما السبب في ذلك؟» # عندما قلت إنني كنت أعمل في كابول، ومضت نظرة فهم في عينيه مدة ~~وجيزة، وتوقف عن طرح أي أسئلة أخرى. كنت أعرف أن أفغانستان وباكستان ~~تنظر إحداهما إلى الأخرى بقدر كبير من الشك المتبادل: من الواضح أن ~~مجرد العيش في إحداهما كان عائقا أمام زيارة الأخرى. ومع ذلك حصلت ~~على التأشيرة في النهاية، وبعد بضعة أسابيع كنت في مطار إسلام أباد، ~~عاصمة باكستان الحديثة، الفوضوي إلى حد ما. لكن ما زال أمامي تحد ~~آخر قبل أن أتمكن من الوصول إلى وجهتي. فشيترال تقع على بعد 150 ميلا ~~شمال إسلام أباد، على الحدود الأفغانية. وهذه المنطقة محاطة بالجبال، ~~ولا يوجد سوى طريق واحد على ارتفاع منخفض لدخولها أو الخروج منها، ~~وهو (بسبب الحدود التي رسمها البريطانيون، كما أوضح لي السكان ~~المحليون) يمر عبر أفغانستان وكان مغلقا حاليا. لذلك كان سيتعين ~~علي أن أستقل طائرة للوصول إلى هناك، ومع أن شيترال كانت منتجعا ~~سياحيا مشهورا ومشمسا ms260 في الصيف، فإن التأخير في الحصول على ~~التأشيرة كان يعني أننا الآن في منتصف الشتاء، حيث تكون الثلوج ~~والرياح العاتية أمرا شائعا. ما خفف من سوء الموقف أنني إن وصلت ~~إلى وادي الكلاشا في الوقت المحدد، ربما أتمكن من حضور الاحتفال ~~بانقلاب الشمس الشتوي، حيث يقيمون عيدا يسمى «تشوموس» مدة ~~أسبوع. # جاهدت رحلتي الأولى بالطائرة للوصول إلى مطار شيترال، ولكن بسبب ~~الطقس، انتهى بي المطاف بالطيران في دوائر واسعة حول الوادي التالي، ~~مما أتاح لي الاستمتاع بإطلالة رائعة على هندوكوش. استطعت أن أفهم ~~كيف تخيل الإسكندر الأكبر أن الجبال تشكل حافة العالم؛ فحتى من ~~الطائرة، لم يكن ثمة شيء مرئي سوى القمم والجروف المتتالية، على ~~مد البصر من خلال السحب الساطعة والضباب الذي كان يغطيها. وبالأسفل، ~~وفوق شيترال، كانت السحب أكثر قتامة وكثيفة للغاية؛ حيث حاولت ~~الطائرة بتردد الاتجاه إلى أسفل عبر الطبقات العليا من السحب، ~~ولكنها سرعان ما استسلمت وعادت. كان الأمر سيستغرق المزيد من الأيام ~~والرحلات للوصول إلى المطار قبل أن أتمكن من الوصول إلى الوادي ~~الواقع تحت تلك السحب. # في كل مرة كنت آتي فيها إلى المطار، كنت أرى لافتة تقول وداعا. ~~كان مكتوبا عليها «الله حافظ»؛ تذكيرا بالتنازع الذي يحدث الآن على ~~الإرث اللغوي للمستوطنين الهندو-أوروبيين القدامى في المنطقة. فقد ~~كانت «خدا حافظ» هي العبارة القديمة لكلمة «الوداع» في باكستان، كما ~~هي الآن في أفغانستان وإيران. ومع ذلك، يعتقد بعض المسلمين أن كلمة ~~«خدا» المرادفة لكلمة الله في اللغة القديمة، والتي تشبه نطق ~~مرادفتها الإنجليزية # God ~~، مع استخدام ~~الخاء بدلا من الجيم، هي كلمة ليست إسلامية مقارنة بالكلمة العربية ~~«الله». لقد رأيت في إيران كيف شدد الشعر الفارسي على الاختلاف بين ~~الفارسية والعربية من خلال إحياء لغة ما قبل الإسلام القديمة. كانت ~~باكستان تسير في الاتجاه المعاكس؛ متأثرة جزئيا بروابطها التجارية ~~والسياسية مع العالم العربي، الذي يعمل به عشرات الآلاف من ~~الباكستانيين، والذي ينظر عادة إلى إيران وكل شيء فارسي ببعض ~~الريبة. # تعود حملة إحلال الكلمات ms261 العربية محل الكلمات الفارسية إلى زمن ~~ضياء الحق، الديكتاتور العسكري الذي أطاح بالرئيس الباكستاني ~~الاشتراكي الديمقراطي، ذو الفقار علي بوتو، في عام 1978. وعلى الرغم من ~~سياسة بوتو، كان قد وضع باكستان بالفعل على طريق النهج الإسلامي ~~المحافظ من خلال تمرير قانون ضد ازدراء الأديان، كان الكثير من ~~ضحاياه من الأقليات الدينية. واتخذ ضياء إجراءات أكثر جدية، حيث فرض ~~الجلد العلني عقوبة لشرب الخمر والرجم حتى الموت عقوبة للزنى. ~~ودعمت باكستان أكثر الجماعات المتمردة وحشية في أفغانستان المجاورة ~~في مواجهة السوفييت. وأتاح تعزيز القضايا الإسلامية هدفا موحدا ~~أكثر وضوحا لباكستان، تلك الدولة التي تكونت في عام 1948 من ~~تجمع مجموعة من المقاطعات معا - بما في ذلك شيترال - لا تشترك في ~~شيء سوى الدين. وساعد أيضا التوتر المستمر مع الهند، جارة ~~باكستان من جهة الشرق ذات الأغلبية الهندوسية، في خلق شعور بأنه ~~كلما زادت درجة إسلاميتك، زادت وطنيتك. وخلق الفساد المتفشي ~~شعورا بأنه لا يمكن الوثوق إلا بالمتدينين لإدارة الأمور بأمانة. ~~ولم يتراجع خلفاء ضياء أبدا عن التغييرات التي أجراها. # عندما وصلت الطائرة التي كنت على متنها في نهاية المطاف إلى ~~شيترال، رأيت أن أرضية الوادي كانت مسطحة وخضراء، تنتشر في أرجائها ~~المباني عشوائيا؛ ويجري نهر عريض في اتجاه حافتها الجنوبية، ~~وترتفع على كلا الجانبين سفوح جبال جرداء شديدة الانحدار. وفي ~~مرحلة ما، عبرنا المنحدر الحاد الذي جاء منه ماكنير، مارا بجثث ~~المسافرين المتوفين. وخيم ضباب خفيف على الوادي، وهو الأثر الوحيد ~~المتبقي من سحب العاصفة الكثيفة. وقد كان هذا الوادي ولاية أميرية ~~مستقلة، يحكمها المهاتير، عندما مر بها ماكنير وروبرتسون. توجهت ~~إلى فندق كان يخص ابن عم المهتار الحالي. وكان جده الأكبر قد ~~حكم الوادي في زمن روبرتسون، وفعل كل ما في وسعه لمنع روبرتسون من ~~الوصول إلى كفار قبيلة الكام - وصل الأمر إلى رشوة أفراد قبيلة الكام ~~لقتله - خوفا من أن يأمل البريطانيون في الاستيلاء عليها بالإضافة ~~إلى كافرستان وشيترال. (في الواقع، ظلت شيترال ولاية أميرية، تسيطر ~~على شئونها الداخلية، ms262 حتى استولت عليها باكستان عام 1969.) # على النقيض من ذلك، كان حفيده، شهزاده سراج الملك، متعاونا ~~للغاية. فقد كان يعمل طيارا في الماضي، وكانت زوجته، غزالة، حاصلة ~~على شهادة في توريد الأطعمة. وعندما لم يكونا يستضيفان الدبلوماسيين ~~في صالونهما الأنيق في إسلام أباد، كانا يعتنيان بالصيادين، ~~والرحالة، والكتاب في الفندق الذي كانا يديرانه معا. وبينما كنت ~~جالسا بالقرب من مدفأة مفتوحة في قاعة الطعام، أعطاني سراج كتابا ~~مهترئا عمره ثمانون عاما، من تأليف الكولونيل ريجينالد شومبيرج. كان ~~شومبيرج يتحدث ست لغات، وحائزا العديد من الميداليات العسكرية، وأحد ~~أعضاء الجمعية الجغرافية الملكية، وقد زار شيترال خلال العشرين عاما ~~التي قضاها في استكشاف آسيا الوسطى. (في نهاية حياته كان يريد الانضمام ~~إلى الكهنوت الكاثوليكي.) كتب هذا الكتاب «الكفار والأنهار الجليدية» ~~أثناء أسفاره. وأظهرت الملاحظات المكتوبة بسخط على هوامش الكتاب ~~اعتراض والد سراج مرة على ملاحظات الكتاب الفظة عن أهل شيترال. ~~وكان شومبيرج قد توقع توقعا متشائما عن الكلاشا، القبيلة الوحيدة ~~غير المسلمة في شيترال، على وجه الخصوص. وكتب: «عما قريب، سيقنعون ~~- بلطف شديد، ووداعة مفرطة، ولكن بحزم - باتباع محمد وسيصبحون ~~مسلمين سيئين بدلا من وثنيين صالحين .» # سرعان ما أتيحت لي فرصة التوصل إلى استنتاجي الخاص بشأن هذا ~~الموضوع؛ لأنني انطلقت في اليوم التالي لرؤية أقرب واد لقبيلة ~~الكلاشا بصحبة سراج ذاته، وسائق، ومصور باكستاني يدعى ذا الفقار ~~كان يقيم أيضا في الفندق وكان يتوق إلى رؤية أهل الكلاشا. ونظرا إلى ~~وجود ثلاثمائة ألف شيترالي إجمالا، منهم أربعة آلاف فقط من الكلاشا، ~~لم أفاجأ من أن الطريق التي سلكناها كانت تصطف فيها لافتات ~~عليها أسماء الله الحسنى: الرحيم، المجيد، المعز، المذل. وبعد نصف ~~ساعة عبرنا نهر شيترال، الذي كنت قد رأيته يجري على الجانب الجنوبي من ~~الوادي الرئيسي، واتجهنا نحو ممر ضيق بدت جوانبه الطينية اليابسة، ~~المليئة بأخاديد معقدة، مثل شلال متجمد. وعلى عمق ثلاثين قدما ~~أو نحو ذلك تحتنا، هبط أحد روافد نهر شيترال، وهو نهر الكلاشا، في قاع ~~الممر الضيق محدثا صوتا ms263 مدويا. وكان الطريق يتجه إلى أعلى، ~~نحو أعالي الجبال. # تأوهت نوابض سيارتنا عندما اصطدمت بسطح الطريق الصخري، وكان ~~الممر الضيق في بعض الأماكن لا يكاد يتسع لمرور السيارة وكان على ~~السائق التركيز للتأكد من اختيار الزاوية الدقيقة التي لن تخدش أبواب ~~السيارة في الجرف عن يسارنا ولن توجه عجلاتها نحو حافة الهاوية عن ~~يميننا. لقد ذهلت عندما علمت أن حافلة صغيرة كانت تقوم بهذه الرحلة ~~بانتظام. وعلى طول الطريق، امتدت الأسلاك الكهربائية أميالا ~~وأميالا؛ مما يدل على أنه حتى لو كانت الدولة الباكستانية ضعيفة ~~وهشة، فإنها لا تزال قادرة على تقديم بعض الخدمات لشعبها. # تتمتع قرية جروم الواقعة في وادي رامبور الخاص ~~بقبيلة الكلاشا بالكهرباء، لكن لا يزال يتعين عليها ~~مواجهة البرد والثلج في معظم شهور السنة. لقد أدى ~~فقر الكلاشا وموقعهم القصي إلى حمايتهم من الضغط ~~لاعتناق الإسلام. صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. # بعد مدة زاد اتساع الممر الضيق ليصبح واديا. ومررنا من حين ~~لآخر بمنازل على جانب الطريق: في البداية كانت تلك المملوكة لعائلات ~~مسلمة، كما استطعت أن أرى من حقيقة أن الفتيات الواقفات بالخارج كن ~~محجبات. وبعد أن قدنا السيارة مدة ساعة أخرى أو نحو ذلك، رأيت ~~ملابس زاهية أكثر بكثير تتدلى لتجف على أغصان الأشجار على جانب ~~الطريق، ثم رأيت امرأة ترتدي ثوبا أسود مطرزا تطريزا معقدا ~~بالأحمر، والأبيض، والأصفر وغطاء رأس مصنوعا من صوف متعدد الألوان، ~~وأصداف بيضاء، وكرة خيط حمراء، بالإضافة إلى أقراط تصلصل. كنا بين ~~أفراد قبيلة الكلاشا في وادي رامبور، أحد المواقع الثلاثة التي لا ~~يزال من الممكن العثور عليهم فيها. كانوا في خضم الاحتفال بعيد ~~انقلاب الشمس الشتوي. توقفت سيارتنا في قرية صغيرة تسمى جروم. كان ~~الوادي، الذي يبلغ عرضه هنا نحو مائتي ياردة، ذا جوانب شديدة ~~الانحدار مغطاة بالثلج وتتناثر فيه أشجار التنوب، بينما كانت حقوله ~~بنية بلون الطين. كانت الساعة نحو الثانية بعد الظهر، لكن سرعان ما ~~كانت الشمس ستغيب وراء قمة التل. توجهنا إلى منزل مبني على طراز ~~الأكواخ ms264 السويسرية بصخور الأردواز وعوارض خشبية. وخرج رجل من الكلاشا ~~يدعى عظيم بيك - وبيك هو لقب شرفي وليس اسم عائلة؛ لأن الكلاشا لا ~~يستخدمون أسماء العائلة عموما - واستقبل سراج بتعليق العديد من ~~أكاليل الورود زاهية الألوان حول رقبته. (كان الكثير من أفراد قبيلة ~~الكلاشا يرتدونها للاحتفال بالعيد.) ودعانا إلى حظيرة خشبية لا تزال ~~قيد الإنشاء، حيث وقفنا نرتجف بضع لحظات عندما هبت ريح باردة من ~~خلال إطارات النوافذ الخالية من النوافذ. بدا أن عظيم بيك لم يلاحظ ~~برودة الطقس. انضم إلينا طفلاه الصغيران، صبي وفتاة، وأحضرا مزيدا ~~من أكاليل الزهور بألوان مختلفة، وقلائد من اللوز. قالا: «إيشباتا» ~~وتعني «مرحبا» بلغة الكلاشا. # أحضر رجل كبير السن وعاء به جمرات مشتعلة لتدفئتنا وقدم لنا ~~الشاي والنبيذ. وقال: «أضيف النبيذ إلى الشاي؛ فهو يحسن النكهة.» ~~في القرن السابع عشر قبل أن يصل الغربيون إلى مملكتهم الجبلية، وصل ~~نبيذ الكفار بطريقة ما إلى اليسوعي البرتغالي بينتو دي جوز ونال ~~استحسانه. وجدته جيدا بشكل مدهش أيضا، ودعوت عظيم بيك لتجربة ~~بعضه. مد يده للحصول عليه لكنه تراجع. وقال: «لقد نسيت أننا في ~~منتصف العيد، وهذا البيت نجس. لا يجوز لي أن آكل أو أشرب في بيت ~~نجس.» # تبين أن هذه القاعدة أساسية في حياة الكلاشا. كان الكفار، كما ~~وصفهم روبرتسون، عبارة عن مجموعة من القبائل التي تباينت عاداتها ~~(على سبيل المثال، كان الكام مولعين بالحرب أكثر من الكلاشا) ولكنها ~~كانت تشترك بشكل أساسي في الدين ذاته. إذ كان لكل الكفار، على سبيل ~~المثال، مجموعة كاملة من المبادئ المتعارضة التي تحكم حياتهم. كانت ~~اليد اليمنى، والذكور، والجبال العالية، والطهارة، والأعداد الفردية، ~~والحياة كلها مرتبطة بعضها ببعض؛ وكانت تتعارض معها اليد اليسرى، ~~والإناث، والأودية المنخفضة، والنجاسة، والأعداد الزوجية، والموت. لذا ~~كان الرجال يجلسون على الجانب الأيمن من بيوتهم والنساء على الجانب ~~الأيسر. وبالمثل، كان الرجال هم من يرعون الماعز، والنساء يزرعن ~~المحاصيل، والرجال يذهبون إلى الجبال، والنساء إلى الوديان، وكذلك ~~كن عرضة لجميع أنواع النجاسة. # لا تزال قبيلة ms265 الكلاشا تحتفظ بالكثير من هذه القواعد. على وجه ~~التحديد، تخصص الأماكن المرتفعة في الجبال للرجال فقط خلال الأشهر ~~التي تلي تشوموس. والبيت النظيف للعيد هو البيت الذي طهر بأغصان ~~العرعر ولا يوجد بيت نجس أعلى منه على سفح الجبل. بعد مدة وجيزة من ~~إقامتنا في الحظيرة، تعرضت للتوبيخ لأنني لمست منزلا في القرية ~~عندما مررت به؛ لأن هذا جعله نجسا، مما يعني أنه يجب حرق المزيد من ~~أغصان العرعر لاستعادة طهارته. # ومع ذلك، فإن الكلاشا متسامحون عندما يتعلق الأمر بمسائل الطهارة. ~~وبينما كنا نقف في الحظيرة، أحنى سائق سراج الملك المسلم الطويل ~~اللحية رأسه بخنوع لتلقي إكليل العيد من صبي صغير من أهل ~~الكلاشا. ولم يفاجأ أهل الكلاشا عندما وقف السائق، بعد بضع دقائق، ~~على منضدة تستند إلى حاملين - سطح أنظف من الأرضية - وسجد مؤديا ~~الصلاة الإسلامية. فقد اعتادوا العيش جنبا إلى جنب مع المسلمين؛ ~~لأن بعض الكلاشا في القرية اعتنقوا الإسلام. والنساء اللاتي اعتنقن ~~الإسلام يبدون واضحات بسبب فساتينهن المحتشمة ذات الألوان الهادئة ~~وحجابهن. لم يختلف زي رجال الكلاشا عن المسلمين المحليين. وكان ~~شيئا غريبا إلى حد ما أن أرى، أثناء سيري في قرية الكلاشا، رجلا ~~يشبه تماما البشتون المسلمين المتشددين، مرتديا القميص والسروال ~~المعروفين باسم «شالوار كاميز»، ويعلوهما بطانية لصد البرد، وقبعة ~~شيترال مسطحة على رأسه، ويحدق في بنظرة ثابتة، والشيء الوحيد الذي ~~أثبت أنه لم يكن مسلما هو إكليل الزهور ذو الألوان الزاهية حول رقبته ~~والريشة في قبعته؛ فقد كان مجرد واحد من أهل قبيلة الكلاشا في طريقه ~~للاحتفال لتكريم واحد من آلهته. # عاد سراج إلى الفندق، بينما اتجهنا أنا وذو الفقار - إذ كنا سنمضي ~~الليلة هناك - نحو وسط القرية، حيث سيرقص القرويون لاحقا للاحتفال ~~بانقلاب الشمس الشتوي. في الطريق مررنا ب «البشالي»، وهو منزل في وسط ~~القرية يجب على النساء البقاء فيه خلال أوقات حيضهن. في ثلاثينيات ~~القرن الماضي، جعله شومبيرج يبدو كأنه مكان فظيع، حيث لا يمكن حتى ~~للقابلة الدخول إلا بعد تجريدها من ملابسها، ms266 ولا يمكن لأي رجل ~~الاقتراب منه. يبدو أن سبعين عاما قد غيرت هذه العادة إلى حد ما ~~إلى الأفضل. فالبشالي الآن هو مبنى خشبي مشيد مؤخرا بأموال جمعها ~~البروفيسور ليرونيس، وكانت النساء الثلاث المقيمات هناك يقفن عند ~~المدخل ويتحدثن بمرح إلى المارة. # يجب على نساء الكلاشا أن يذهبن إلى «البشالي» أثناء ~~وقت حيضهن، لكي يعشن منفصلات. ومع ذلك، لا تطبق ~~القاعدة بقسوة، حيث خرجت هؤلاء النساء الثلاث ~~للاختلاط مع المارة. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # عبرنا جسرا خشبيا فوق نهر الكلاشا، ممسكين بالدرابزين بإحكام ~~لتجنب الانزلاق على سطح الجسر الجليدي. على الجانب الآخر، كانت توجد ~~براميل خشبية ضخمة على حافة النهر. لاحظت أنه لم تكن ثمة حاجة إلى ~~أن توصد، فقد تركت مفتوحة، وخزنت كل أسرة مخزونها الخاص من ~~النبيذ والمكسرات بداخلها. رأيت هنا مثالا على الطريقة التي تتعايش ~~بها ديانتان، حيث رأيت راعيا يقود الماعز من أجل قربان تشوموس ~~مارا بمدرسة اسمها «صوت القرآن». ورافق استعدادات الاحتفال أذان ~~الصلاة، الذي كانت تبثه مكبرات الصوت من المسجد وتردد صداه في ~~سفوح التلال الثلجية. # عندما ذهبت أنا ورفيقي الضيف ذو الفقار إلى مكان الرقص، أخذونا ~~إلى مكان بعيد قليلا عن الراقصين. ووقف بهدوء أمامنا صف من ~~الفتيات المسلمات الفضوليات، اللائي كن يعدن ضبط حجابهن ~~باحتشام من وقت لآخر، ويراقبن أبناء عمومتهن الأكثر صخبا. فيما ~~يخص ديانة الكلاشا، يعتبر المسلمون غير طاهرين في وقت الاحتفال ~~لأنهم لا يخضعون لطقوس التطهير التي يبدأ بها الاحتفال (والتي من أجلها ~~يجب أن يضحي الرجال بماعز وتتعطر النساء برائحة خشب العرعر ~~المحترق). وإذا أقاموا في بيت أو لمسوا صحن طعام، فإنهم يجعلونه ~~نجسا، ولا يجوز لهم الاشتراك في الاحتفالات الدينية، ولكن يمكنهم ~~مشاهدتها عن بعد. سجل شومبيرج مثالا مشابها للتمييز العنصري أثناء ~~حضور عيد الربيع للكلاشا في عام 1935. وذكر قائلا: «احتشدت بعيدا ~~على أحد الأسطح مجموعة من [معتنقي الإسلام] يبدو عليهم الحزن الشديد ~~ويشاهدون بأعين مليئة بالشوق فرحة إخوانهم السابقين في ~~الدين.» # أكيكو، امرأة يابانية، انضمت إلى ms267 مجتمع الكلاشا ~~عندما تزوجت رجلا من قبيلة الكلاشا منذ عشرين ~~عاما. صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. # جاء عظيم إلينا أنا وذو الفقار. وقال: «أعتذر عن عدم قدرتكما على ~~الانضمام إلينا. فلا يمكن مشاركة إلا أولئك الموجودين هنا في الوادي ~~منذ بداية الاحتفال. لو كنتما هنا منذ البداية، لما كانت هذه مشكلة: ~~فلا يسمح للمسلمين بالانضمام للاحتفال، لكن يسمح للأجانب بذلك.» وفي ~~الواقع، كان بإمكاني رؤية رجل ألماني، يضع الكاميرا حول رقبته، ~~وزوجته يدوران حول نفسهما ويلوحان بذراعيهما برشاقة مثل أهل الكلاشا. ~~ومن المفترض أنه كان هناك من أجل التضحية بالماعز. كانت هناك أيضا ~~سيدة ترتدي الزي الكامل لأهل الكلاشا، بالإضافة إلى الأصداف؛ ولكن، ~~على عكس أي امرأة أخرى بين نساء الكلاشا، كانت ترتدي أيضا نظارة. ~~وكانت ملامحها بالتأكيد لا تشبه أفراد قبيلة الكلاشا. كانت يابانية. ~~في وقت لاحق أتيحت لي فرصة التحدث معها مدة وجيزة. قالت إن اسمها ~~أكيكو وكانت تعيش في الوادي منذ خمسة وعشرين عاما. وقد جاءت لتصوير ~~المنطقة ووقعت في حب رجل محلي. وقالت إنها هناك شعرت بأنها جزء من ~~العائلة، لكن عندما ذهبت لزيارة اليابان، بدت وكأنها مكان غريب ~~يتسم بنزعة فردية. # قبل ذو الفقار، وهو رجل مسلم، استبعاده بخلق طيب، حتى إنه اعتذر ~~لعظيم لأنه صافحه (حيث لا بد أن ذلك تسبب في جعله نجسا). وقال لي ~~معلقا: «من المفيد لهم أن تكون لديهم هذه القاعدة. فهي تمنع قدوم ~~عدد كبير من الزوار.» لم تكن هذه مشكلة محتملة في الشتاء، لكن قيل ~~لي إن الاحتفال الصيفي يجتذب العديد من السياح الباكستانيين الذين ~~كانوا مفتونين بالمنطقة بقدر أولئك القادمين من اليونان أو البلدان ~~الأبعد من ذلك. وكان العديد من الزائرين ودودين، لكن جاء البعض ~~يحملون معهم فكرة خاطئة؛ توقعوا أنه لأن نساء قبيلة الكلاشا لم ~~يرتدين الحجاب ولم يكن مسلمات، فإنهن سيصبحن متاحات لممارسة ~~الجنس. ساعدت في نشر هذه الفكرة حكايات صادمة عن تقليد يسمى ~~«بودالوك» - عندما يقع الاختيار على رجل من الكلاشا مرة واحدة في ~~السنة، ms268 ويكرس نفسه ليصبح كاهنا بقضاء بعض الوقت في الجبال العالية، ~~ثم يجامع أكبر عدد ممكن من النساء. في الواقع، يتحفظ أهل الكلاشا ~~تحفظا شديدا فيما يتعلق بالجنس، وخلال وقت الاحتفال بتشوموس يحظر ~~تماما ممارسة الجنس حتى بين المتزوجين. لكن هذا لا يمنع البغايا من ~~القدوم من أجزاء أخرى من باكستان لاستغلال الأسطورة من خلال ارتداء ~~ملابس تشبه ملابس نساء الكلاشا، مستغلات هذه الرغبة في ممارسة الأمور ~~الغريبة. # على أي حال، على الرغم من أننا أنا وذا الفقار لم نشارك بالفعل في ~~رقصة ما بعد الظهر، فقد كان لدينا موقع مميز وحصلنا على مشاهدة ~~جيدة. بدأ الأمر بتحرك نساء الكلاشا في اتجاهات مختلفة - مشكلات ~~قوس قزح كاملا بأقمشة فساتينهن الاصطناعية ذات الألوان ~~البرتقالية، والوردية، والصفراء بالإضافة إلى اللون الأحمر والأسود ~~التقليديين - والرجال الذين ارتدوا ملابس أقل بهرجة مثل ~~الشالوار كاميز وقبعة شيترال. ارتدى صبية قبيلة الكلاشا الملابس ~~الغربية وقبعات البيسبول. في وسط الحشد استطعت أن ألاحظ بعض الأفراد ~~الشجعان يرقصون وهم محاطون بدائرة من المشاهدين يهللون ويهتفون. ~~وتدريجيا، شكل الرجال والنساء سلاسل بشرية وبدءوا في الرقص ~~بإخلاص. # لم يكن الرجال والنساء يرقصون كشركاء بل في مجموعات منفصلة وكانوا ~~يغنون وهم يرقصون. سألت عظيم بيك عما تعنيه الكلمات. فأجاب: «الأمر ~~يتعلق بعودة الإله ومجيئه للانضمام إلينا مرة أخرى. ويقولون إن ~~أبناء أعمامنا وبنات خالاتنا جاءوا للاحتفال معنا.» وذكر أن الترانيم ~~تتغير كل عشرين دقيقة. وعلى مدار الاحتفالات، شكلت الترانيم ~~المختلفة أنشودة مطولة لبليمان، إله العيد، الذي يأتي من بعيد على ~~حصان مجنح لجمع التماسات أهل الكلاشا. اندفع الأطفال بين الراقصين ~~الكبار، ولعبوا ألعاب المطاردة. لم يوبخهم أحد على الإطلاق ~~تقريبا. في بعض الأحيان كان الصبية يشكلون مجموعات صغيرة، ويشبكون ~~أذرعهم ويغنون للفتيات. وتبين أن هذا خطأ استراتيجي. وأدركت إحدى ~~الفتيات أن الصبيان، بعد أن شبكوا أذرعهم، سيجدون صعوبة في انفصال ~~بعضهم عن البعض في الوقت المناسب لمطاردتها. لذا ركلت الصبي الأوسط ~~بين رجليه وابتعدت بسرعة ضاحكة بمرح. # بعد مدة، بدأ الرقص النهاري ms269 يهدأ، وتوجه أهل الكلاشا إلى منازلهم ~~للاستعداد لرقصة أخرى تقام في الليل. ذهبت إلى دار الضيافة حيث ~~قضينا الليلة السابقة، تلك الدار التي كانت تديرها قريبة عظيم، ~~زارماس جول وزوجها. (مرة أخرى، «جول» ليس اسم العائلة بل اسم تحبب - ~~يعني «زهرة» - يضاف إلى نهاية اسمها الأول.) شاهدت زارماس جول جالسة ~~أمام موقد حطب تصنع خبزا بلحم الضأن، كان يشبه فطيرة الكورنيش، ~~لكنه كان أفضل بكثير لأنه كان مصنوعا من لحم طازج. كان جهاز ~~كمبيوتر قديم يصدر موسيقى هندية بالتناوب مع موسيقى البوب ~~الأمريكية، وأثناء انتظار ارتفاع درجة حرارة الموقد، تمايلت بلطف ~~مضيفتنا من أهل الكلاشا، بثوبها المطرز بإتقان، على إيقاع أغنية ~~لريانا. وجلست ابنتها على مقربة، مرتدية سترة رياضية بدلا من ~~الفستان التقليدي المطرز (أخبرني عظيم بيك لاحقا أنها: «تحب ~~التشبه بالصبيان، لكنها توافق على ارتداء فستان الكلاشا عند الذهاب ~~إلى المدرسة»)، وكانت في بعض الأحيان تستحوذ على الكمبيوتر لتلعب ~~عليه. # زارماس جول تعد خبز الشباتي التقليدي باللحم من ~~أجل عيد تشوموس، انقلاب الشمس الشتوي، عندما تطول ~~ساعات النهار وتقصر ساعات الليل. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # وعلى الرغم من هذه التدخلات للحصول على أسلوب حياة أكثر حداثة - ~~أتاحته، بالطبع، خطوط الكهرباء التي رأيتها تمتد على طول الممر ~~الضيق - فإن روتين أهل الكلاشا اليومي، بخلاف ذلك، يظل غير مدعوم ~~بوسائل الراحة الحديثة. فحتى أصغر وجبة في القرية تحتاج إلى تحضير - ~~فيجب تقطيع الخشب، وجمعه، وتخزينه، وإبقاؤه جافا، وحتى لقلي بيضة، ~~كان لا بد من إشعال النار. فكرت في مدى صعوبة غسل الملابس في هذا ~~الشتاء القارس. كان العزاء الوحيد هو أن الموقد سرعان ما جعل الغرفة ~~دافئة للغاية وزاد شعورنا جميعا بهذا الدفء لأننا كنا نعرف مدى برودة ~~الجو في الخارج. # لا بد أن الظروف كانت أصعب بشكل لا يمكن تصوره على الكام في زمن ~~روبرتسون - في مكان أعلى في الجبال، ودون كهرباء أو دخل من السياحة. ~~ومع ذلك، قال روبرتسون إنهم «لم يشعروا بالحزن أبدا» - ربما لأنهم ~~كانوا اجتماعيين بلا ms270 كلل. فهم لم يفهموا أبدا، على سبيل المثال، ~~أنه في بعض الأحيان كان يريد أن يكون بمفرده. وأشار بإحباط في ~~ملاحظاته أنه عندما كان ينسحب إلى غرفته على أمل الكتابة بسلام، كانوا ~~يفترضون أن ثمة ما يضايقه ويأتون خصوصا إلى غرفته لمحاولة إسعاده. ~~(لم يكن بإمكانه التخلص منهم إلا من خلال أن يطلب منهم تعليمه ~~لغتهم؛ فتعليمه كان يضجرهم لدرجة أنهم كانوا دائما يخرجون على ~~الفور.) بدت قبيلة الكلاشا راضية أيضا في واديها. واختار قلة من ~~أفرادها، حتى من بين أولئك الذين اعتنقوا الإسلام، المغادرة للعمل في ~~المدن. من وجهة نظري الغربية، بدا أن كل يوم يمثل صراعا لهم، لكنني ~~قلت في نفسي، متأملا، إنهم لم يضطروا أبدا للتعامل مع المشكلات ~~التي يواجهها سكان المدن المعاصرة: مثل الوجود وسط حشد من الغرباء، ~~وأن تكون مختلفا عن الآخرين، ووحيدا. # في ذلك المساء، بدأت الجولة الثانية من الرقص بعد حلول الظلام. ومن ~~دار الضيافة التي كنا نمكث بها، كان بإمكاني أنا وذو الفقار أن نرى ~~مشاعل متوهجة تظهر من بعيد أسفل الوادي، ونسمع صوت الغناء الآتي من ~~بعيد. ثم ظهرت ببطء من الظلام مجموعة من الشبان والشابات واتجهت ~~نحو حقل قريب. تبعناهم، محافظين على مسافة بيننا وبينهم. وفي الحقل ~~رأينا نقاطا مضيئة تظهر في جميع أنحاء التلال، وتبين أنها مشاعل ~~حطب يحملها أهل الكلاشا النازلون من قراهم الجبلية. حدثت جلبة ~~عندما تبادل الناس التحية، ففي بعض الأحيان لا يتقابلون شهورا. ~~استمر الرقص طوال الليل، على ضوء ألسنة لهب نار هائلة. وعلى الرغم ~~من تساقط الثلوج دون توقف، بدا أن أهل الكلاشا لم يلاحظوا ذلك. فقد ~~كان الدفء والنور والحيوية البشرية يبعدون الظلام والبرد، مما يبشر ~~بالصيف القادم. عندما استيقظت في صباح اليوم التالي، كان عظيم بيك لا ~~يزال مستيقظا؛ حيث كان قد ذهب في الصباح الباكر، بعد الرقص، لتهنئة ~~عدد من الأزواج الذين تزوجوا في اليوم السابق. # كان والد عظيم أحد شيوخ الكلاشا، لكنهم كانوا عادة شعبا ~~ديمقراطيا يؤمن بالمساواة دون أن ms271 يكون لديهم قادة دائمون. ووجد ~~روبرتسون أنه عندما كان على قادة الكام اتخاذ قرارات مهمة، كانوا ~~دائما ينتظرون أعضاء القبيلة الآخرين للتعبير عن رأيهم ثم يوافقون ~~على ما قالته الأغلبية. وفي الحالات التي كان فيها انقسام كبير ولا ~~توجد بها أغلبية واضحة، كان سياسيو الكام يلجئون إلى تكتيك نادرا ~~ما يستخدمه السياسيون في الديمقراطيات الغربية؛ كانوا حرفيا يختبئون ~~حتى يتمكنوا من تجنب اتخاذ قرار مسبب للشقاق. ومن بين أهل ~~الكلاشا، يوجد شيوخ يدعون «جاديراكان» يتفقدون الأمر للتأكد من ~~أن المجتمع يؤدي طقوسه بشكل صحيح؛ وهم متطوعون بلا أجر، وليسوا كهنة ~~بالمعنى التقليدي. ~~••• # في تلك الليلة، نمت في أحد بيوت الكلاشا، حيث كان الجمر المتوهج ~~في الموقد يحافظ على دفء الغرفة. وفي الصباح، بعد أن قللت الشمس ~~المشرقة من حدة برودة الليل في الوادي، أتيحت لي فرصة رؤية أسلوب ~~مختلف من الرقص. كانت تجري احتفالات بانقلاب الشمس من نوع مختلف إلى ~~حد ما في واد آخر من وديان الكلاشا يدعى بيرير - أبعد واد عن ~~رامبور، على بعد رحلة تستغرق عدة ساعات بالسيارة. وكانت زارماس جول ~~من الوادي وأخبرتنا عن الاحتفال، على الرغم من أن رفقائي من أهل ~~الكلاشا لم يبد عليهم أنهم على معرفة به؛ بدا أن الأخبار لم تكن ~~تنتقل كثيرا بين بيرير ورامبور، ربما لأن قلة من الكلاشا لديهم ~~سيارات أو يعتقدون أن رؤية مجتمعات الكلاشا الأخرى ليس سببا قويا ~~لترك وديانهم والقيام برحلة شاقة سيرا على الأقدام. جاء معي عظيم ~~ووزير، وهو من أهل الكلاشا الذين اعتنقوا الإسلام. # يستقبل وادي بيرير عددا قليلا من السياح وظروفه أفقر من ~~رامبور، حيث يعيش العديد من أهل قبيلة الكلاشا في بيرير في مبنى ~~خشبي كبير على جانب التل. وكان المبنى على الطراز القديم؛ فهو مبني ~~من عدة مستويات وتربط السلالم بين الشرفات المشتركة، ولكل أسرة ~~غرفة به. وتسبب الانحدار الحاد لسفح التل في تدرج الشرفات ~~بعضها فوق بعض. وبالرغم من تميز المبنى بروعة تفوق المباني الأحدث ~~في رامبور (ناهيك عن تلك ms272 الموجودة في الوادي الأوسط، بمبوريت، التي ~~حدثت بدرجة كبيرة)، فقد كان أيضا أضيق بكثير. # كانت توجد أيضا مجموعة من المنازل على أرض الوادي، ومررنا عبرها، ~~وسرنا بعدها مسافة طويلة إلى أعلى الوادي، ثم صعدنا طريقا قصيرا ~~على سفح التل، إلى موقع مميز حيث كان يوجد معبد يسمى «جيستاك هان»؛ ~~مكرس لعبادة جيستاك، إلهة الأسرة. كان هذا هو المكان الذي يقام ~~فيه الاحتفال. وتعين أن يطلع أحد حراس الشرطة خارج الباب على جواز ~~سفري قبل أن يسمح لي بالدخول إلى المعبد؛ الذي كان مكونا من غرفة ~~واحدة، تصطف على جانبيها أعمدة، وكل ذلك مصنوع من الخشب. وعلى ~~الرغم من أن المعبد قد بني حديثا، كان يتمتع بطابع العصور ~~القديمة. ربما كان هذا بسبب الأعمدة الداخلية التي بدت كأنها نسخة ~~غريبة من الأعمدة الأيونية؛ وربما كان السبب خيوط العنكبوت على تلك ~~الأعمدة، التي حجبت الرموز المنحوتة في الخشب. وكان معظم الغرفة ~~مظلما، باستثناء جدار المعبد الذي أضاءه شعاعان رفيعان من أشعة ~~الشمس تسللا من خلال فتحة مربعة في السقف، ونافذة كانت تطل على ~~السفح الجليدي للجبل. وكان يحدق بنا من خلال الفتحة حشد من الفتيان ~~والفتيات، الذين كانوا يجلسون على السطح؛ خمنت أنهم ربما كانوا ~~مسلمين ممنوعين من الدخول. # كان يوجد ما قد يصل إلى ثمانين أو حتى مائة فرد من الكلاشا في ~~الغرفة. جلس بعضهم على مقعد طويل في الخلف، لكن معظمهم كان واقفا؛ ~~واصطفت النساء بفساتينهن متعددة الألوان في الظلام. كان الأصدقاء ~~يتبادلون التحية ويقفون يتحدثون بعض الوقت. ووقف آخرون بهدوء ~~يستمعون إلى ثلاثة رجال يرتدون شالوار كاميز وقبعات شيترال: كان أحدهم ~~يرتدي عباءة براقة من الألياف الاصطناعية باللونين الأحمر والذهبي. ~~وأنشد هؤلاء الثلاثة ترنيمة بسيطة على سلم موسيقي صغير، تتكون ~~فقط من نغمتين موسيقيتين توحيان بالحزن. وفي زاوية معبد «الجيستاك ~~هان»، قرع رجلان مع الترنيمة طبولا مختلفة الحجم. وحول حافات ~~الغرفة شكلت أربعون أو خمسون امرأة صفا طويلا بأذرع متشابكة ~~ورددن الترانيم وراء المغنين، ولم يلتزمن بالتوقيت بدقة، ~~وامتلأت ms273 الغرفة بنغمات نشاز حزينة. وبينما كنت واقفا بين الرجال في ~~وسط الدائرة، حظيت بتجربة مختلفة تماما عن تلك التي كانت في ~~رامبور. فقد كان الاحتفال في رامبور فوضويا، في حين أن هذا بعث ~~شعورا بالوقار والروحانية. فالطبول كانت تدق ببطء، والنساء يتحركن ~~عكس اتجاه عقارب الساعة حول حافات الغرفة، والرجال ينشدون. كان رجال ~~الكلاشا يقصدون المنشدين من وقت لآخر ويضعون الروبيات المكرمشة في ~~قبعاتهم، وهي طريقة تقليدية لمكافأة الإنشاد الجيد. # أخبرني عظيم وهو يفسر الأغنية أن أحد المنشدين حلم بهذه الترنيمة، ~~وأنها تدور حول مكان في الوادي كان يرقص فيه الكلاشا في الماضي ~~للاحتفال بالعيد. وترجم قائلا: «الإله يتساءل لماذا لا نستخدم ~~الوادي كله للاحتفال بتشوموس؟» تقلص نطاق الاحتفال على مدى عقود ~~حيث تضاءل حجم الطائفة. وأصبح المسلمون يمتلكون الآن الأماكن التي ~~كانت تقام فيها الاحتفالات من قبل لذا تعتبر غير طاهرة. تساءلت عن ~~عدد الأشخاص الذين لا بد أنهم قد حافظوا على هذا الرثاء على مر ~~السنين مع وصول الإسلام، أو المسيحية، أو الديانات التبشيرية الأخرى ~~إلى أوطانهم؟ # منشد من أهل الكلاشا كوفئ على إنشاده في عيد ~~التشوموس بعباءة براقة. وها هو يرتديها بفخر، خارج ~~المعبد حيث يحتفل بالعيد بالرقص. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # تغير الإيقاع. وتسارعت الطبول. وانقسمت النساء إلى مجموعات ~~مكونة من أربع وانضم إليهن بعض الرجال، ورقصوا في الأنحاء ~~عشوائيا، وأحيانا كانوا يدورون حول أنفسهم هنا وهناك. أصبح صوت ~~قرع الطبول عاليا وسريعا، وانضممت أنا ووزير وأصدقاؤه في الرقصة ~~الجديدة. كانت مجموعات من أربعة، الرجال والنساء على حدة، تسرع حول ~~ساحة الرقص - عكس اتجاه عقارب الساعة كما كان من قبل - وكلما التقوا ~~بالمجموعة التي أمامهم، كانوا يصطدمون بها. وكان على كلتا المجموعتين ~~بعد ذلك أن تتواجها وتضحكا بصوت عال. أو بدلا من ذلك، يمكن ~~للمجموعة أن تدور لمواجهة المجموعة التي تقف خلفها وتفعل الشيء ~~ذاته. عندما جلست دون المشاركة في إحدى الجولات، رأيت أن دوي ~~الطبول المستمر، والضحك المتقطع الصاخب بعض الشيء، ومشهد الناس وهم ~~يندفعون ms274 في جميع أنحاء الغرفة؛ خلق جوا جنونيا رائعا. بعد ذلك ~~هدأت الطبول واستؤنف الرقص الأكثر وقارا. # في يناير 2013، كانت نساء الكلاشا يحتفلن بتشوموس، ~~انقلاب الشمس الشتوي، بالرقص في معبد يسمى «جيستاك ~~هان». لدى الكلاشا آلهة كثيرة: جيستاك هي إلهة ~~الأسرة. صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. # عندما انتهى الرقص أخيرا وغادرنا معبد «جيستاك هان»، سمعنا المزيد ~~من الضحك والغناء في الوادي، بالقرب من المنزل الخشبي القديم الذي كنت ~~قد رأيته عندما وصلنا. قال لي عظيم بيك: «هؤلاء هم الأولاد الطاهرون»: ~~كان يقصد الأولاد البكر، وهم مجموعة كانت تعتبر طاهرة على نحو خاص ~~من حيث الطقوس. في الاحتفال بالعيد، كان يعتقد أنهم يمثلون أسلاف ~~المجتمع المتوفين، وكانوا ينتقلون من منزل إلى آخر، لجلب الحظ ~~السعيد والحصول على ملابس جديدة في المقابل. كان الأولاد لا يزالون ~~يغنون أثناء عودتنا سيرا إلى أسفل الوادي من «جيستاك هان»، ومررنا في ~~طريقنا بممر مغطى حيث كان بعض معتنقي الإسلام في الوادي يعدون ~~لأنفسهم الكباب. # أوضح لي عظيم في رحلة العودة إلى منزله في وادي رامبور: «قلوبنا ~~مفتوحة؛ لذلك نصلي في العراء.» في الواقع، كان يوجد عدد من المعابد ~~الحجرية في رامبور، لكنها كانت صغيرة ولم تكن محور العبادة الجماعية. ~~وأطلق على مكان العبادة في الهواء الطلق اسم «ساجيجور» (وهو أيضا ~~اسم الإله الذي كان يعبد هناك)، وكان يقع في بستان من الأشجار وراء ~~الحافة الشمالية للقرية، التي كان محظورا علي دخولها أثناء ~~الاحتفال. لكن عندما عدنا إلى رامبور، كان الاحتفال قد انتهى ووافق ~~وزير على مرافقتي إلى هناك. كان ذلك يعني الخروج من القرية من الناحية ~~الشمالية العليا (حيث كانت توجد تلال على جانبي الوادي، لكن أرض ~~الوادي أيضا كان بها انحدار ملحوظ في هذه المنطقة)، والتوجه على ~~طول طريق زلق يغطيه الجليد إلى جسر عبر النهر، يقع على الجانب الآخر ~~منه البستان في حقل واسع. أخبرنا الشباب الذين التقيناهم على طول ~~الطريق أنه يمكننا أن نلقي نظرة على «الساجيجور» بشرط ألا نلمس ~~شيئا. لذلك وقفنا على ms275 حافة البستان ونظرنا من خلال الأشجار إلى خمسة ~~تماثيل خشبية، وكنا حريصين على عدم لمسها. قال وزير، محاولا بجهد ~~الدفاع عن أقاربه ضد تهم عبادة الأصنام، إن هذه التماثيل لم يكن ~~المقصود منها تمثيل الآلهة. فهي في الواقع تماثيل لرجال مهمين في ~~الطائفة لقوا نحبهم، وتتذكرهم عائلاتهم بعد عام من وفاتهم. ~~وأظهرت بقعة ملطخة على الأرض بالقرب منهم المكان الذي ضحي فيه ~~بمئات الماعز في الأيام السابقة. وكانت تقام مراسم للأولاد الذين ~~بلغوا سن ارتداء السراويل عند كومة أحجار مكدس عليها أغصان - ~~حيث يلقي كل واحد منهم غصنا على الكومة كجزء من الطقوس. # نظرت مرة أخرى إلى التماثيل الخشبية، مما جعلني أفكر في واقعة ~~حدثت في رواية روديارد كيبلينج «الرجل الذي سيصبح ملكا». ففي ~~الرواية، قرر جنديان سابقان سيئا السمعة تنصيب نفسيهما ملكين ~~وثنيين. ويقول أحدهما للآخر: «يطلقون عليها اسم كافرستان. إنها ~~تقع، حسب اعتقادي، في الزاوية اليمنى العليا من أفغانستان، ولا تبعد ~~أكثر من ثلاثمائة ميل عن بيشاور. لديهم اثنان وثلاثون صنما وثنيا ~~هناك، وسنمثل نحن الصنم الثالث والثلاثين.» وبفضل معرفتهم بالرموز ~~الماسونية، التي تبين في قصة كيبلينج أنها جاءت إلى الكفار من ~~جدهم الإسكندر الأكبر الذي مات منذ زمن طويل، يفلت الاثنان ~~بحيلتهما بعض الوقت قبل أن ينقلب عليهما الكفار؛ حيث يقتل أحدهما ~~ويصاب الآخر بالجنون. ذكرتني هذه التماثيل الخشبية بقصة كيبلينج ~~وبالهوس بكافرستان الذي اجتاح المجتمع البريطاني الفيكتوري عندما ~~كتبت هذه القصة. ~~••• # جعلني بعض من أثر ذلك الهوس أرغب في السير شمالا أعلى الوادي ~~بالقرب من الحدود مع نورستان. وقال لي وزير إن قرية النورستانيين تقع ~~بين قرية الكلاشا والحدود الأفغانية. وهؤلاء لم يكونوا من نسل قبيلة ~~الكلاشا بل من قبيلة الكام التي عرفها روبرتسون؛ فخلال غزو عبد ~~الرحمن، هرب أسلافهم من اعتناق الإسلام قسرا بالفرار عبر الحدود ~~واللجوء إلى رامبور. وفي جيل لاحق، اتبعت طائفتهم الإسلام على أي ~~حال، حيث وجدوا أنه من المستحيل الحفاظ على قواعد النجاسة عندما أصبح ~~جميع أبناء عمومتهم في نورستان من ms276 المسلمين. في زمن شومبيرج، أطلق ~~عليهم اسم الكفار الحمر وألقى أهل الكلاشا باللوم عليهم في جميع ~~أنواع الأذى الذي تعرضوا له. سألت وزير إن كان بإمكانه اصطحابي إلى ~~قريتهم، فقال إنه يعرفهم ويمكنه تقديمي إليهم. لذلك واصلنا المشي ~~شمالا من «ساجيجور»، وعبرنا النهر مرة أخرى بالانزلاق على جذع شجرة ~~متجمد غير مستقر، والتسلق بجهد للعودة إلى المسار الرئيسي. في ~~هذه البقعة فوق المسار على سفح التل، كانت توجد بعض منازل أهل الكلاشا ~~الصيفية، التي كانت محرمة على النساء بعد تشوموس. نزل صبي صغير من ~~أحدها حاملا عنزة، وواضعا قدميه بحذر في الثلج المكدس الملتصق ~~بجانب التل الشديد الانحدار. صفقنا له عندما نزل بسلام، وركض بخجل ~~مبتعدا مع العنزة نحو القرية. واصلنا السير وتحدثت مع وزير عن ~~الدين. # كان وزير من الكلاشا الذين اعتنقوا الإسلام؛ مما يعني أنه يمكن أن ~~يعطيني نظرة ثاقبة عن التحديات التي واجهت الطائفة أثناء ~~محاولتها التمسك بأعضائها القلائل المتبقين. أخبرني وزير أنه كان ~~الفتى الوحيد من قبيلة الكلاشا في فصله في المدرسة الثانوية. وقال لي: ~~«سأل المعلم إذا كان يوجد أي تلاميذ من الكلاشا، فرفعت يدي. كنت ~~التلميذ الوحيد . وكنت أتعرض لكثير من السخرية.» وعندما كانوا ~~يسألونه حول معتقداته، لم يكن لديه إجابات ليعطيها لهم. وكما ~~أخبرني: «إذا سألت أهل الكلاشا: لماذا نفعل هذا الشيء؟ أو لماذا نتبع ~~هذا التقليد؟ سيقولون فقط: «هكذا فعل أجدادنا.» لكنهم لا يعرفون المغزى ~~من وراء ذلك.» وبصفته صبيا مفكرا، وبسبب عدم وجود أي إجابة لديه ~~يقدمها للأولاد والمدرسين الآخرين عندما كانوا يتحدونه؛ وافق في ~~النهاية على أن يصبح مسلما، وهي خطوة لا تتطلب سوى قول جملة واحدة ~~(«أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله») وهو أمر لا ~~رجوع فيه فعليا. وإذا لم يستمر وزير بعد اعتناق الإسلام في ممارسة ~~شعائره، فإنه سيعرض طائفته كلها للخطر. فمع أن هجر الإسلام ~~عمليا ليس مخالفا للقانون في باكستان، فإنه في استطلاع رأي أجري ~~عام 2010، قال ستة وسبعون بالمائة من الباكستانيين ms277 إنه يستحق عقوبة ~~الإعدام. وحتى مجرد إشاعة أن شخصا ما قد ترك الإسلام يمكن أن تثير ~~عنف الغوغاء. # وبسبب هذا النوع من المعاناة، اختار العديد من عائلات الكلاشا عدم ~~إرسال أطفالهم إلى المدرسة على الإطلاق. لكن أنصار الطائفة من ~~اليونانيين بنوا مدارس ابتدائية في الوديان الثلاثة، بالإضافة إلى ~~مدرسة ثانوية في بومبوريت متاحة للكلاشا وللمسلمين. وفي هذه المدارس، ~~كان على الأقل بعض المدرسين من الكلاشا، وكان بإمكان الفتيات ارتداء ~~ملابسهن التقليدية. وبدأت الطائفة أيضا في الاحتفال بتراثها الخاص؛ ~~ففي «جيستاك هان» في بيرير، كنت قد رأيت رجالا من الكلاشا يحملون ~~جهاز تسجيل كبيرا قديم الطراز بينما سجل آخرون مقاطع فيديو ~~للرقص على هواتفهم المحمولة. وبدأ متحف في بومبوريت في تجميع التراث ~~الشفاهي للطائفة. وربما بسبب هذا الاعتزاز المتجدد بهويتهم، لم ~~يعد الكلاشا المتعلمون (كما أخبرني وزير) يعتنقون الإسلام. ومع ذلك، ~~ظل صحيحا أن عددا قليلا جدا من الكلاشا لديهم الكثير ليقولوه عن ~~معتقداتهم، على عكس معظم الفرق الإسلامية، حيث غالبا ما يكون ~~للإسلام مدافع مفوه واحد على الأقل. وبالمناسبة صادف روبرتسون ~~مشكلة وزير نفسها حيث كتب: «إذا طلب الغريب الحائر شرح الممارسات ~~والأعراف ، فسيكون الرد دائما ... هذه هي عادتنا.» # تاريخيا، شجعت عوامل أخرى أيضا الكلاشا على اعتناق الإسلام؛ ~~وهي عوامل تظهر مرارا وتكرارا في تاريخ الأديان. كان لدى الكلاشا، ~~مثل غيرهم من الكفار، عبيد يطلق عليهم اسم «البيراس»، وكان الكلاشا ~~يشترونهم ويبيعونهم وكانوا يمنعون من الزواج من الكلاشا الأعلى ~~مقاما. ولا غرابة في أن هؤلاء التعساء كانوا أول من اعتنقوا ~~الإسلام، كما لاحظ شومبيرج عندما زار رامبور في ثلاثينيات القرن الماضي ~~(بعد أربعين عاما فقط من تطبيق اعتناق الإسلام قسرا في كافرستان). ~~رأى شومبيرج فرقا كبيرا بين قبور «البيراس» قبل اعتناق الإسلام، ~~التي قارنها بكومة من صناديق التعبئة، وقبورهم بعد الإسلام، مما كشف ~~عن قفزة في المكانة واحترام الذات. (وبالمثل، كان فيما مضى بعض ~~المسيحيين الباكستانيين البالغ عددهم ثلاثة ملايين تقريبا من ~~الطبقات الدنيا من الهندوس. وبدا في إيران أيضا ms278 أن الطبقة الكهنوتية ~~للزرادشتيين كانت هي التي تمسكت بدينها أطول مدة.) # ويمكن أن يوفر اعتناق الإسلام المال للأسرة أيضا. فخلال كل عيد، ~~يتعين على الأسر في قبيلة الكلاشا أن تقدم ثلاث عنزات أو أربعا ~~للتضحية. ويمكن أن تكون الجنازات باهظة الثمن بدرجة تعجيزية؛ فهي ~~تدوم ثلاثة أيام، ويمكن أن تشمل التضحية بأكثر من ثمانين عنزة وأربع ~~بقرات. أما الإسلام فهو يتضمن نفقات شخصية أقل بكثير. وملابس ~~نساء الكلاشا هي تكلفة أخرى لم يعد يجب على معتنقي الإسلام أن ~~يأخذوها في الحسبان، حيث تميل النساء المسلمات إلى ارتداء أقمشة ~~بسيطة وأرخص ثمنا. ويمكن أن يتيح تغيير الدين أيضا فرصا جديدة، ~~خاصة للنساء اللواتي، كما قال لي وزير، يشكلن غالبية من يغيرون ~~دينهم مؤخرا. فاجأني ذلك لأنه كان يعني التخلي عن حرياتهن. لكنني ~~علمت أن بعض النساء قد وقعن في حب مسئولين أو رجال شرطة قادمين من ~~شيترال، وأن الزواج من أحد هؤلاء الرجال يعني لهن حياة أكثر ~~راحة. # على النقيض من ذلك، في حالة وزير، لم يكن لتغيير الدين فائدة تذكر. ~~في الواقع، لقد أدى ذلك إلى تعقيد حياته بشكل كبير؛ لأنه كان المسلم ~~الوحيد في قريته وكان يواجه صعوبة في العثور على زوجة. تساءلت عما ~~إذا كان قد ندم على اختياره. تحدث عن فضائل الكلاشا بحزن شديد. ~~وقال: إن الناس يثقون بعضهم في بعض. ويمكن ترك الماعز دون حراسة لأنه ~~لن يسرقها أحد. وكان يعاقب على السرقة بأقسى عقوبة فرضها الكلاشا، ~~وهي طرد الجاني من الطائفة. ولم تكن توجد عقوبة لممارسة الجنس قبل ~~الزواج، وإذا أرادت المرأة أن تترك زوجها وتتزوج شخصا آخر، فلا ~~يحق لزوجها منع ذلك (رغم أنه كان له الحق في أن يتقاضى ضعف المهر ~~الأصلي للعروس). أما في الإسلام فتواجه الزوجات صعوبة أكبر في طلب ~~الطلاق. وأضاف وزير: «عندما أزور أحد بيوت الكلاشا، يمكنني الجلوس مع ~~جميع أفراد الأسرة في غرفهم. لكن عندما أزور صديقا مسلما، يجب أن ~~أجلس في غرفة منفصلة»؛ لأنه في المنازل الإسلامية ms279 الصارمة، لا ينبغي ~~أن يرى المرأة رجال غير أقاربها. # في تسعينيات القرن التاسع عشر، لاحظ روبرتسون السلوك المتهاون الذي ~~ساد بين الكفار وصدم مما أسماه ب «العلاقات الغرامية». ووجد أنهم ~~يعتبرون الزنى، في معظم الأحيان، مسألة مرح عام. فعندما كان يمسك ~~برجل وامرأة متزوجة وهما يمارسان الجنس، تأتي القبيلة لمشاهدة الأمر ~~وتضحك؛ ولا يجد الرجل الذي قام بهذه الواقعة ذلك ممتعا، حيث كان عليه ~~أن يدفع للزوج الذي خانته زوجته معه غرامة كبيرة (ولم يكن على المرأة ~~دفع غرامة). وزينت المقاعد «النورستانية» الخشبية، التي يمكن ~~التعرف عليها من خلال الأنماط الدائرية المنحوتة على ظهورها والحلي ذات ~~القرون الطويلة التي تبرز منها، صالونات المثقفين والمغتربين في كابول؛ ~~ويعرف قلة من مالكيها أن الدوائر كانت تمثل في الأصل فروج النساء، ~~وأن الحلي الناتئة كانت يوما ما أزواجا يمارسون الجماع، وأن ~~الكراسي (التي يستخدمها الرجال فقط) كانت رموزا للخصوبة. على ~~النقيض، يتمتع أهل الكلاشا بسلوكيات أكثر تحفظا من الكفار، لكنهم ~~- كما أشار وزير - أكثر ليبرالية من المسلمين في نواح ~~معينة. # تقع قرية النورستانيين هذه على قمة وادي رامبور ~~التابع لقبيلة الكلاشا. وقد أسسها لاجئون هربوا من ~~الإكراه على تغيير الدين الذي تعرض له سكان المنطقة ~~التي تسمى الآن نورستان. صورة مأخوذة بواسطة ~~المؤلف. # بينما كنت أنا ووزير نتسلق جانب الجبل في طريقنا إلى الحدود مع ~~نورستان، التقينا مجموعة من أصدقائه المسلمين. قال وزير وهو يقدمني ~~لهم: «إليك مزيجا من الجميع هنا: شيترالي، وكلاشا اعتنق الإسلام ~~مثلي، وجوجار، ونورستاني.» كان الرجل قبل الأخير الذي ذكره من ~~مجموعة بدوية ذات بشرة داكنة بشكل خاص، وكان الرجل الأخير لديه شعر ~~بني وبشرة فاتحة بشكل ملحوظ. وكان رجل الكلاشا الذي اعتنق الإسلام يحمل ~~بصلابة صندوقا كبيرا كان قد ربطه حول كتفيه، وكان يخطط لتسليمه إلى ~~متجر في القرية النورستانية. وبينما كنا نسير، انفتح الصندوق وسقطت ~~منه ستة أكياس من الخبز الحلو. قدم كل منا له يد المساعدة بحمل ~~كيس. كثيرا ما كنت أتخيل زيارة إحدى قرى النورستانيين، ms280 لكنني لم ~~أتخيل أبدا أنني سأسلمهم إمدادهم اليومي من البريوش في برية ~~تكتسحها الثلوج بالقرب من حدود أفغانستان. كما أنني لم أتوقع أنهم ~~يلعبون الجولف - «الجولف النورستاني»، كما أسماه وزير. كانت مجموعة من ~~الشباب النورستاني تقف على حافة المجرى الذي احتفره نهر الكلاشا - ~~الذي يبدو هنا أشبه ما يكون بالجدول - في الوادي الضيق، ويضرب ~~أفرادها كرات خشبية عبره بقطع طويلة من الخشب على شكل عصي ~~الهوكي بينما كان أطفال صغار يركضون لاستعادتها. وكان الفائز ببساطة ~~هو الشخص الذي يضرب الكرات إلى أبعد مسافة. كان وزير لاعبا ~~محترفا. # كانت القرية ذاتها تتألف من مبنى واحد مصنوع من الخشب، مثل ~~المبنى الذي كنت قد رأيته في بيرير. وكان لكل عائلة غرفة، وكانت ~~الغرف متصلا بعضها ببعض بشرفات وسلالم خشبية خارجية. وبمجرد ~~دخولي، وجدت أن الممرات تفوح منها رائحة البول. وكان هناك رجل مسن ~~يرقد على سرير، يبدو ضعيفا ويسعل، وكان الموقد في وسط الغرفة، ~~واصطفت الأسرة الأخرى بجانب الحوائط، وعرضت مجموعة من الأواني ~~المعدنية اللامعة على مجموعة من الرفوف. (ذكر روبرتسون أن عرض ~~الأواني الفضية يرمز للمكانة بين الكفار.) أعدت زوجة الرجل المسن ~~الشاي لي ولوزير بينما جلس صبيان صغيران، من الواضح أنهما كانا ~~حفيديها، يحدقان في كل ما أفعله. طلب أحدهما الحصول على واحد من ~~أكاليل الكلاشا الخاصة بي. أعطيته إياه، وبعد ذلك لم يتركني الآخر ~~وشأني، وأخذ يجذب أحد أكاليلي المتبقية على أمل أن أتركه يأخذها. ~~طلبت التقاط صورة لفتاة صغيرة كانت تراقبنا من الخارج، لكن يبدو أن ~~الطلب أثار استياء الجدة؛ فقد كان التقاط صور للأولاد مسموحا به، ~~ولكن ليس للفتيات. ومع ذلك، لم تكن الأسرة صارمة مثل البعض، فقد ~~سمحوا لنا بدخول غرفتهم. كانت الغرف بحكم الضرورة مشتركة بين النساء ~~والرجال؛ لذلك ما كان بعض المسلمين سيسمحون لنا بالدخول. عندما نهضت ~~للذهاب، تحركت كومة من أغطية الأسرة على جانب الغرفة، وتحدثت ~~امرأة من تحتها. # بعد تناول الشاي، نزلنا أنا ووزير إلى الطابق الأسفل، وطرق باب ~~منزل آخر لإلقاء ms281 التحية. عند الإشارة إلى وجود أجنبي في الخارج، أخرجت ~~فتاتان صغيرتان وجهيهما من الباب ثانية واحدة فقط ثم اختفتا ولم ~~يكن من الممكن إقناعهما بالخروج مرة أخرى. ومع ذلك، كان رجال القرية ~~سعداء جدا بالتقاط صور لهم، ويلفتون انتباهي إلى ملامحهم ~~المميزة وشعرهم الفاتح، ويومئون بفخر إلى مسجد قريتهم، المبنى الوحيد ~~لديهم القائم بذاته إلى جانب منزل قريتهم. ~~••• # عندما حان الوقت لمغادرة الوادي، قاد عظيم بيك السيارة بنا إلى ~~شيترال، وسألني إذا كان من الممكن أن نتوقف عند منزل عند سفح وادي ~~الكلاشا، حيث جميع السكان مسلمون (في الواقع، كان يقع في البلدة ~~نفسها التي بها مدرسة وزير). كان يقدم التعازي للأسرة التي تعيش ~~هناك ودعاني للانضمام إليه. لقد لاحظت كم كان سفيرا جيدا مع أهله، ~~وأن جزءا من هذا تمثل في تقليله من أهمية هويته بوصفه فردا من ~~الكلاشا. فيمكن اعتبار اسمه اسما مسلما (قال لي أحدهم إنه منذ عشرين ~~عاما لم يسم أي طفل باسم قديم الطراز من أسماء قبيلة الكلاشا). ~~وقد دعا مع الأسرة بالطريقة المسلمة، حيث رفع يديه ومسح بهما على ~~وجهه رمزيا. قد يكون كسب احترام المسلمين بهذه الطرق مفيدا جدا ~~عند الحاجة. ففي مرة أخذ بعض أفراد الكلاشا رهائن أثناء نزاع على ~~الأرض، وساعد عظيم هذه الأسرة في إطلاق سراحهم. # تشتهر قبيلة الكلاشا بالنبيذ والبراندي المحلي ~~الصنع، اللذين لا يحظرهما دينهم. يظهر هنا وزير ~~علي (على اليسار)، وعظيم بيك (الثالث من اليسار)، ~~والمؤلف (بينهما) يتذوقون النبيذ خلال عيد تشوموس ~~في يناير 2013. # احتاج الكلاشا إلى الدبلوماسية لأنهم كانوا مستضعفين. وقد أظهر ~~كتاب لمسلم باكستاني متحمس مدافع عن الكلاشا في عام 1982 صورة ~~قاتمة للعلاقات بين الكلاشا والمسلمين؛ بدءا من تخريب الأماكن ~~المقدسة الخاصة بالكلاشا، إلى عرض المال على أفراد الكلاشا الذين ~~يعتنقون الإسلام، و«النشاط التبشيري لمعلمي المدارس وتشهيرهم ~~المستمر بثقافة الكلاشا.» يعتقد الكاتب، على حد تعبيره، أن ~~«الغرباء الذين يعانون من الشعور بالثقافة المتفوقة» يدمرون ~~التقاليد القديمة. وكان يظهر جزئيا الجهود التي بذلت في خمسينيات ms282 ~~القرن الماضي، بعد الاستقلال بوقت قصير، ليغير أفراد الكلاشا قسرا ~~دينهم إلى الإسلام. # قال عظيم بيك ووزير إن الأمور قد تحسنت على مدى العقود القليلة ~~الماضية. وكانت الشرطة الباكستانية تتحكم في إمكانية الدخول إلى ~~الوادي ولا تسمح بدخول بعض من المبشرين الأكثر عدوانية. قالا لي ~~إن أعدادهم كانت في تزايد. ومن الواضح أن السياحة - على الرغم من ~~انخفاضها - قد أفادت قراهم التي لديها الآن عدد من المنازل الجديدة ~~المشيدة جيدا. ومع ذلك، فقد أخبرني رجل من الكلاشا أن الزوار ~~المسلمين يزعجونه دائما بسؤالهم: «لماذا لم تغير دينك بعد؟» # كنت أخشى أن يكون في انتظارهم ما هو أسوأ بكثير. فقد كانت باكستان ~~دولة متناقضة. أسسها مسلم شيعي ليبرالي، ولكن في السنوات العشرين ~~الماضية، قتل أربعة آلاف شيعي هناك، ونشر قانون ازدراء الأديان ~~بشكل قمعي ضد الأقليات في البلاد، واقتطع المتطرفون الدينيون ~~مناطق تكاد تكون ذاتية الحكم في مناطق البشتون بالقرب من شيترال، حيث ~~لا يعترضهم إلا الطائرات الأمريكية بدون طيار المميتة والمثيرة ~~للجدل. يمكن للسياسيين الباكستانيين الذين يرون مجموعة كاملة من ~~الدوائر الانتخابية الصعبة التي يجب عليهم شراؤها أن يتدبروا أمر ~~واحدة رخيصة؛ فالأصوليون المتدينون سوف يقدمون دعمهم مجانا إذا ~~منحوا نفوذا على التعليم وأخلاق الناس. كل ما هو مطلوب هو المقامرة ~~بالمستقبل. # ومع ذلك، لا يزال من الممكن العثور على قدر قليل من التسامح في ~~باكستان حيثما أبعد الأصوليون، وكانت شيترال معزولة إلى حد كبير ~~عن بقية باكستان بتضاريسها والحدود التي رسمتها بريطانيا، والتي ~~وضعت جزءا من الوادي في أفغانستان. وفي فصل الشتاء، كان الطريق ~~البري الوحيد لمدة طويلة شاقا للغاية؛ حيث كان يتضمن إما صعود ~~ممر لواري (على ارتفاع عشرة آلاف قدم) أو القيام برحلة عبر ~~الأراضي الأفغانية. ولكن في وقت زيارتي، كان نفق يحفر أسفل ~~الممر، وعند فتحه بالكامل سيوفر طريقا سهلا بين شيترال وبقية ~~باكستان. وسيعزز الاقتصاد المحلي ولكنه قد يجلب أيضا تغييرات ~~أخرى غير مرغوب فيها. قال لي المصور الباكستاني ذو الفقار بحزن: ~~«عندما يفتح هذا ms283 النفق، أتساءل إلى متى ستستمر قبيلة ~~الكلاشا.» # | الخاتمة # ديترويت # في متجر كبير في مدينة ديترويت الكبرى، وهي منطقة حضرية تضم نصف ~~مليون شخص تعود جذورهم إلى الشرق الأوسط، سمعت امرأة ترتدي ثوبا ~~خارجيا فضفاضا لونه أبيض تأخذ استراحة من رص البضائع على الأرفف ~~لمخاطبة أحد العملاء بلغة تكاد تكون مألوفة لي؛ كانت مثل العبرية ~~والعربية، لكنها مختلفة، وكلماتها غير معروفة لي، تتدفق بسلاسة ~~ولكنها مليئة بالحروف الساكنة الصعبة. كانت اللغة الآرامية. ها أنا ~~أسمع لغة المسيح، وسط موسيقى الخلفية ومشروبات الفاكهة الاصطناعية ~~في متجر أمريكي في الضواحي. # كانت الآرامية يوما ما اللغة المشتركة في الشرق الأوسط في مرحلة ~~ما قبل الإسلام. وكانت جميع لهجاتها المختلفة تشبه إلى حد كبير ~~كلا من اللغة العبرية والعربية، وتعتبر الآرامية بالنسبة إليهما في ~~الأساس ذات قرابة لغوية. (على سبيل المثال، كلمة «السلام عليكم» ~~بالعربية يقابلها في العبرية «شالوم أليخم»، وفي الآرامية العراقية ~~«شلاما لوخم».) ولا تزال هي اللغة التي يستخدمها الحاخامات ~~التقليديون في القدس عندما يلعنون أحدا. وتحمل واحدة من أشهر الطقوس ~~اليهودية، صلاة الكاديش، اسما آراميا وليس عبريا. (فكاديش كلمة ~~آرامية تعني «مقدس».) في الشرق الأوسط ، حلت اللغة العربية محل ~~اللغة الآرامية حاليا، ولكنها لا تزال شائعة في القرى الشمالية ~~البعيدة حيث عانى مسيحيو العراق على مر القرون. فعندما شاهد أهل ~~تلك القرى فيلم ميل جيبسون «آلام المسيح» عام 2004، الذي كان باللغة ~~التي كانت تستخدم في زمن يسوع، تمكنوا من فهمه دون ترجمة. # في الأصل كان أسلاف هؤلاء القرويين ينتمون إلى كنيسة المشرق ~~المسيحية ومقرها بغداد. وبالرغم من أنها لم تكن معروفة في أوروبا، ~~كانت يوما ما واحدة من أعظم الكنائس في العالم؛ وتعهد لها بالولاء ~~خلال العصور الوسطى عشرة بالمائة من جميع المسيحيين في العالم، ~~وكان لبطريركها، المقيم في بغداد، أساقفة وأديرة في مختلف بقاع ~~العالم أكثر من البابا في روما. وجلب مبشروها المسيحية إلى الصين ~~في عام 635 بعد الميلاد، وهي حقيقة مسجلة على ما يسمى باللوح ~~التذكاري النسطوري في شيان. ms284 وفي القرن الثالث عشر، كانت الكنيسة ~~المسيحية الوحيدة التي كان يرأسها رجل من أصل شرق آسيوي (كان اسمه ~~ياهبلاها، وكان على الأرجح منغوليا؛ وجاء من بكين إلى بغداد في ~~رحلة حج استثنائية بلغت أربعة آلاف ميل). ولكل من منغوليا ~~والتبت أبجدية تستند إلى الكتابة السريانية التي أدخلها المبشرون ~~المسيحيون العراقيون منذ أكثر من ألف عام. # تطورت كنيسة المشرق بين المسيحيين الذين يعيشون في ظل ~~الإمبراطورية الفارسية، الذين وجدوا أن خلافاتهم الأيديولوجية مع ~~المسيحيين الغربيين تحميهم بشكل مفيد من الشك في أنهم قد يكونون ~~متحالفين سرا مع منافسيهم من البيزنطيين. وكان يطلق على أعضائها ~~أحيانا اسم النسطوريين، وهو الاسم الذي ينسبهم إلى نسطوريوس، الذي ~~رفض فكرة أن يقول المسيحي في يوم الجمعة العظيمة إن «الرب قد ~~مات». وأراد أن يميز بين يسوع الإله ويسوع الإنسان. لم تتبن كنيسة ~~المشرق تعاليم نسطوريوس أبدا، لكنها رفضت استخدام الأيقونات ~~وقللت من أهمية دور مريم العذراء. وأطلق عليهم المبشرون ~~البريطانيون اسم «بروتستانت الشرق الأوسط»، واختاروا تجاهل عبادة ~~القديسين غير البروتستانتية وممارسة الرهبنة. # واليوم، هذه الكنيسة أضعف بكثير مما كانت عليه من قبل. يرجع هذا ~~إلى حد كبير إلى تيمورلنك ، الذي نهب بغداد عام 1401 وترك تسعين ألف ~~جمجمة على أنقاضها. فقد كان معاديا للمسيحيين بشكل خاص، وعلى ما ~~يبدو أنه من زمنه فصاعدا، تشبثت كنيسة المشرق بالبقاء بجبال شمال ~~العراق، وشمال شرق سوريا، وجنوب تركيا. وفي ثلاثينيات القرن التاسع ~~عشر، واجه أعضاؤها تهديدا مشابها عندما قتلت ميليشيا مرسلة من ~~زعيم كردي قريب، ربما بناء على طلب من الحكومة العثمانية في ~~إسطنبول، عشرين ألفا من الرجال، والنساء، والأطفال المسيحيين. ~~وتعرضت كنيسة المشرق - التي يطلق عليها أحيانا اسم الكنيسة ~~الآشورية - لعدد من الانقسامات على مر القرون، ثار بعضها بسبب ~~الخلافات حول قيادة الكنيسة التي غالبا ما كانت تنتقل تاريخيا من ~~الأب إلى الابن، مما كان يتسبب في خيبة أمل المطالبين المحتملين ~~الآخرين بالقيادة. وغالبا ما تتعهد المجموعة المنشقة بالولاء ~~للبابا في روما، الذي أنشأ في النهاية الكنيسة ms285 «الكلدانية» البابوية ~~لهم التي اعترفت بها روما لكنها حافظت على طقوسها وعاداتها المميزة. ~~ونتيجة لذلك، يوجد اليوم مسيحيون «آشوريون» و«كلدانيون»، بالإضافة إلى ~~عدد قليل من المسيحيين من طوائف أخرى. # بعد المتجر الكبير، ذهبت إلى كنيسة قريبة؛ مبنى مسبق الصنع يقع ~~بعيدا عن الطريق، وتحيط به السيارات الواقفة. بالخارج، كانت تحيط بها ~~إحدى ضواحي أمريكا (منطقة ليس بها أي أثر للانحلال الحضري الذي أفسد ~~مدينة ديترويت؛ فالمنطقة الحضرية في ديترويت أكبر بكثير من المدينة ~~وأكثر ازدهارا). لكن بمجرد دخولي، شعرت كأنني عدت إلى العراق. كانت ~~توجد ملصقات باللغة العربية على صناديق التبرعات. وكان صوت ذكوري ~~عميق يردد باللغة الآرامية القداس الكلداني الذي يعود تاريخه إلى ~~القرن الخامس الميلادي وهو أقدم صلاة مسيحية لا تزال شائعة. تلا ~~الكاهن: «كاديشا، كاديشا، كاديشا»؛ أي مقدس، مقدس، مقدس. كانت كتب ~~الطبخ الكلدانية معروضة للبيع في مكتبة صغيرة في الخلف، وزين المذبح ~~المبني على الطراز الكاثوليكي برقائق الذهب وباقات الفاكهة ~~الاصطناعية. يظهر ملصق باللونين الأبيض والأسود بجانب باب الكنيسة ~~صورة لمار أداي شير، الذي سميت الكنيسة على اسمه. و«مار» تعني ~~بالآرامية الرجل المقدس، وكان أداي شير أسقفا كلدانيا أعدمه ~~الجنود الأتراك في عام 1915. إلى جانب وفاة أكثر من مليون من الأرمن ~~في تلك السنة الرهيبة، قتل أيضا مئات الآلاف من الكلدانيين ~~والآشوريين، وهرب عدد أكبر إلى العراق. وفي ماردين، التي أصبحت الآن ~~منتجعا رائعا لقضاء العطلات بالقرب من الحدود الجنوبية لتركيا، توجد ~~منازل تحمل أسماء أصحابها السابقين الذين قتلوا أو طردوا، ~~منحوتة فوق الباب. # بعد عام 2003 جاء دور مسيحيي العراق في الفرار، هذه المرة إلى ~~الغرب. وحتى أواخر التسعينيات كان لا يزال يعيش 1,4 مليون مسيحي في ~~العراق. والآن البلد غير مستقر بما يسمح بإجراء مسح استقصائي، ولكن ~~ربما لم يتبق سوى ثلث هذا العدد، أو حتى أقل. وهذه الموجة الهائلة ~~من الهجرة ليست فقط بسبب الأخطار التي يواجهها المسيحيون هناك، ولكن ~~أيضا بسبب إمكانيات بناء حياة أفضل في مكان آخر؛ وربما الأهم من ~~ذلك ms286 كله، على حد تعبير أحد المسيحيين العراقيين، هو الشعور بأنه لم ~~يعد مرغوبا فيك في العراق. # كانت مدرستي للغة العربية في بغداد، التي كان اسمها نادية، ~~مسيحية كانت لغتها الأولى هي الآرامية. أخبرتني في عام 2006 أنها ~~كانت تخاف في كل مرة تخرج من منزلها. لم تعرف أبدا ما إذا كان من ~~المحتمل أن يراها الخاطفون هدفا مهما، أو ما إذا كانت الأسرة التي ~~تعيش في الجانب الآخر من الشارع والتي بدا أنها تقف في نافذتها طوال ~~اليوم تراقب تحركات الناس ربما تنقل المعلومات إلى الإرهابيين. ~~(وقالت إن جيران الأسرة المسلمين كانوا، على العكس، ودودين وداعمين ~~لهم.) وكان ثمة دوما خطر التواجد بالقرب من انفجار قنبلة معدة ~~للآخرين. وكان الذهاب إلى الكنيسة خطرا بشكل خاص. فعندما كانت ~~تعود إلى المنزل في المساء، على حد قولها، لم يكن لديها ولا والديها ~~الطاقة لتبادل أي حديث. وكانوا يأكلون في صمت ويذهبون إلى الفراش ~~خائفين من اليوم التالي. غادرت نادية البلاد عام 2007. وظل والداها ~~هناك عاما آخر ثم انتقلا شمالا إلى كردستان. لم يكونا يعرفان اللغة ~~الكردية واضطرا إلى قبول رواتب ومستويات معيشة أقل، لكن على ~~الأقل كانا آمنين هناك. وكانت تجربة نادية، التي وصلت إلى ديترويت، ~~أفضل. قابلت رافي في الكنيسة التي كانت قد بدأت في ارتيادها. كان ~~كل منهما يعرف الآخر عندما كانا طفلين في العراق، ولكنهما لم يكونا ~~قد التقيا منذ سنوات؛ لأن رافي كان قد هاجر قبل الحرب. وفي حفل ~~زفافهما، كان الكاهن هو نفسه الذي كان يترأس القداس في كنيستهم ~~المحلية في بغداد. فقد انتقل هو الآخر إلى ديترويت. كان الأمر كما لو ~~أن مجتمعا بأكمله قد انتقل وزرع في النصف الآخر من العالم. # يعيش البطريرك مار دنخا الرابع، رئيس المسيحيين الآشوريين، في ~~شيكاغو. ويفوق عدد المتحدثين باللغة الآرامية في ديترويت الكبرى ~~عددهم في بغداد؛ حيث يعيش أكثر من مائة ألف من الكلدانيين العراقيين ~~في المدينة والمناطق المحيطة، وقد أنشئوا تسع كنائس، ومطاعم، وصحيفة ~~تسمى «كالدين نيوز»، ومحطة ms287 إذاعة، ومهرجانا سنويا، وناديا ~~بملايين الدولارات (للأغنياء منهم، وهو ما يعني عموما الذين استقروا ~~منذ مدة طويلة). لكن للأسف، لم يجلبوا معهم الجمال العراقي، والمنازل ~~الجميلة، وأضرحة القرى الواقعة على التلال التي كان الكلدانيون ~~يعيشون فيها عادة. عندما سافرت بالحافلة في أنحاء شمال العراق في عام ~~2012، بدا أن كل قرية كان بها دير أو قبر قديس، أو قلعة مدمرة ~~مرتبطة بطريقة ما بالتاريخ الطويل للطائفة. وهذا شيء لا يستطيع ~~المهاجرون إعادة إنشائه في بلدهم الجديد. ففي مدينة ديترويت الكبرى، ~~لا يوجد إلا القليل مما يميز المنازل بعضها عن بعض في صفوف منازل ~~الضواحي المعاصرة، المصممة بالكامل على الطراز الأمريكي. لكن ~~الأقباط المصريين، والكلدانيين العراقيين، والشيعة اللبنانيين، ~~والسنة السوريين الذين يعيشون هنا وفي البلدات المجاورة يحافظون على ~~ثقافاتهم الوطنية بصرامة داخل بيوتهم. # يتفق شرق أوسطيون آخرون على أن الكلدانيين هم من أكثر ~~المهاجرين تحفظا. فنسبة الحضور إلى الكنيسة مرتفعة ورسم كاهنان ~~جديدان مؤخرا. ومن المؤكد أن جريدة الطائفة، «كالدين نيوز»، لا تشير ~~كثيرا إلى حركات الشباب المتمرد. واعتقدت أنها قد تفعل ذلك عندما ~~بدأت قراءة مراجعة مسرحية تعرض في مركز ثقافي مجتمعي؛ وهي مسرحية ~~بطلها رجل يحاول مقاومة ضغط والديه للزواج. وربما تعتقد أنها كانت ~~مراجعة حادة للقيم المتغيرة ولطائفة تتعامل بمهارة مع العلمانية ~~والحداثة. ولكن على النقيض، كانت نهاية المسرحية سعيدة، حسبما ذكرت ~~الصحيفة؛ حيث يجد البطل امرأة كلدانية لطيفة ويتزوجها. # كانت المسرحية تعكس واقع الحياة. ففي أمريكا كلها، وفقا لكتاب ~~صدر عام 2013 من تأليف ناعومي شايفر رايلي، يبلغ معدل الزواج بين ~~أشخاص من أديان مختلفة اثنين وأربعين بالمائة، ويهتم الآباء ~~بالآراء السياسية لأصهارهم وكنائنهم المحتملين أكثر مما يهتمون ~~بهويتهم الدينية. لا ينطبق ذلك على الطوائف المنتمية إلى الشرق ~~الأوسط، حيث لا تزال الزيجات من خارج الديانة نادرة للغاية. ويزعم ~~الآشوريون في شيكاغو أن عشرة بالمائة فقط من طائفتهم يتزوجون من ~~خارج الطائفة. وتتمادى بعض العائلات في التحكم في خيارات زيجات ~~أبنائها؛ حيث قابلت امرأة مسيحية عراقية في حفل ms288 عشاء في آن أربور، ~~بالقرب من ديترويت، أخبرتني أنها هربت من البيت، حيث لم يكن لديها ~~حرية مقابلة الرجال. سألتها: «هل كنت في سن المراهقة؟» قالت لي: ~~«لا، كنت في السادسة والعشرين.» # وعلى الرغم من أن الكلدانيين والآشوريين لا يعتبرون أنفسهم عربا، ~~فإن تاريخهم شديد الشبه بتاريخ طوائف الشرق الأوسط الأخرى، المسلمة ~~والمسيحية على حد سواء. وبدأت الهجرة الواسعة النطاق من الشرق ~~الأوسط في أواخر القرن التاسع عشر، بدافع الفقر المتزايد ونقص ~~الأراضي في لبنان وفلسطين، فضلا عن القمع والصراع العثماني. كان معظم ~~المهاجرين من المسيحيين، وكانت أمريكا اللاتينية وجهتهم المفضلة؛ ~~لأنها كانت تشجع الهجرة وتوفر الكثير من الفرص الاقتصادية. ونتيجة ~~لذلك، اجتذبت نصيب الأسد من المهاجرين العرب المسيحيين، محققة بعض ~~النتائج المذهلة؛ فاليوم، على سبيل المثال، خمسة بالمائة من سكان ~~أمريكا اللاتينية من أصول عربية، وعدد المسيحيين من أصل فلسطيني في ~~تشيلي أكثر من عددهم في فلسطين، وينحدر ثمانية رؤساء لدول أمريكا ~~الجنوبية والوسطى من أصول شرق أوسطية؛ وأغنى رجل في العالم (كارلوس ~~سليم الحلو، رجل أعمال)، وواحدة من أشهر مطربيها (شاكيرا)، والممثلة ~~سلمى حايك، جميعهم لهم أصول لبنانية. تنافس في الانتخابات الرئاسية ~~لعام 2004 في السلفادور سياسيان، أحدهما من اليسار المتطرف والآخر ~~من اليمين؛ وكانت عائلة كليهما فلسطينية مسيحية من البلدة الصغيرة ~~ذاتها بالقرب من بيت لحم. # وفي الولايات المتحدة، تضم ميشيغان أعلى نسبة للعرب الأمريكيين ~~مقارنة بأي ولاية أخرى. ويشرح تاريخهم المتحف العربي الأمريكي في ~~ديربورن، وهي مدينة يشكل العرب عشرين بالمائة من سكانها. عندما وصلت ~~إلى المتحف، وجدت مجموعة صغيرة من الناس بالخارج. كانوا يحدقون في ~~رجل يقف على الجانب الآخر من الطريق، على سلالم مجلس مدينة ديربورن. ~~كان قد نصب منصة مكتوبا عليها «كافر! ملحد!» على خلفية من القماش ~~الأسود. ونجح الرجل الذي يقف على المنصة في توصيل صوته عبر صخب أصوات ~~المؤيدين والمعارضين. وصاح مطالبا: «أوقفوا هجرة المسلمين! لا مسلمين ~~في المناصب الحكومية العليا!» وكان استفزاز أهل ديربورن هو هدف ~~القس تيري جونز، مؤلف ms289 كتاب «الإسلام من الشيطان»، الذي تسببت ~~خططه، ذات التغطية الإعلامية الواسعة لحرق نسخة من القرآن، في أعمال ~~شغب في أفغانستان. # لاحظت أن العديد من العرب الذين كان يلقي خطبته فيهم كانوا يرتدون ~~صلبانا. فغالبية العرب الأمريكيين مسيحيون، على الرغم من أن ~~التركيبة السكانية تتغير بسرعة بفضل تدفقات الهجرة الجديدة من ~~الشرق الأوسط. وقد عكست لافتة في ردهة المتحف المزينة ببلاط ~~الفسيفساء الأزرق هذا التغيير، معلنة أنه كان «مؤسسة تجعل الجيل ~~الرابع من العرب الأمريكيين المسيحيين الذين جاء أجداد أجدادهم من ~~سوريا والمهاجرين المسلمين الذين وصلوا حديثا من العراق يشعرون أن ~~المتحف يروي قصتيهما.» وحتى وقت قريب، غالبا ما كان العرب الذين ~~يأتون إلى أمريكا لا يملكون سوى القليل ولا يحققون النجاح إلا من ~~خلال العمل الجاد والحظ. كانوا باعة جائلين في خمسينيات القرن ~~التاسع عشر، وعمالا يدويين بخمسة دولارات في اليوم في مصنع فورد ~~في عشرينيات القرن الماضي، وأصحاب متاجر في الستينيات. وكان مصنع ~~سيارات هنري فورد في ديربورن بولاية ميشيغان، الذي اكتمل عام 1928، ~~عامل جذب خاصا للمهاجرين من الشرق الأوسط (الذين كان معظمهم في تلك ~~المرحلة من المسيحيين العراقيين واللبنانيين)؛ لأنه وفر فرص عمل ~~لأشخاص لم يكونوا يتقنون الإنجليزية. وقد شكلوا النواة التي جذبت ~~لاحقا الآخرين، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، الذين تمكنوا من ~~رؤية فرص أفضل لأنفسهم في مكان كانت ثقافتهم ومجتمعاتهم قائمة فيه ~~بالفعل. ووفقا للمعهد العربي الأمريكي، يوجد الآن ما يقرب من 3,5 ~~مليون أمريكي من أصول عربية. وعرضت جميع قصص النجاح الباهر في ~~المتحف: سياسيون مثل دونا شلالا، ورجال أعمال مثل مؤسس شركة ~~كينكوز، بول أورفيلا، وشعراء مثل خليل جبران. # كنت أتجول في متجر المتحف عندما ظهر يوسف. كان صديقا لأحد ~~أصدقائي، وكان من المقرر أن يكون مرشدي إلى المعالم العربية ~~المحلية. وصل مرتديا قبعة صوفية، وحذاء رعاة البقر، وسترة مزينة ~~بشارات مناهضة للحرب، كان مكتوبا على إحداها: «أنا من الآن مناهض ~~للحرب القادمة». ذهبنا إلى متجر أحذية حتى يتمكن من البحث عن حذاء ~~جديد. ms290 كان فلسطينيا من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، ومع ذلك فقد ~~تمكن بطريقة ما من الاندماج أيضا في فئة أمريكية خاصة؛ هي: الهيبيز ~~المتمردين. ومع أنه كان في السبعينيات من عمره، كان في حالة صحية ~~أفضل مني، بسبب روتين السباحة في بحيرة جليدية كل يوم. # يوسف بركات يشرح لأحد الأفراد الصغار من الجالية ~~العربية الأمريكية كيفية أداء رقصة عربية تقليدية، ~~الدبكة، في ديربورن، ميشيجان، في صيف عام 2012. ~~صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. # كانت تلك الليلة هي الليلة الأولى لمهرجان عربي أمريكي في ديربورن، ~~وكان المهرجان محطتنا التالية. عندما وصلنا، كانت فرقة مصرية تعزف ~~بأعلى درجة صوت، وازدحم قسم مغلق من الشارع بالناس، ووقف كثير منهم ~~مشكلين نصف دائرة ليشاهدوا ما يحدث. ورقصت مجموعة صغيرة في وسط ~~الدائرة الدبكة، وهي رقصة عربية تتضمن أشخاصا يمسك أحدهم بيد ~~الآخر ويخطون بسرعة وبتناغم من جانب إلى آخر. أدهشني أن يوسف ~~قفز مباشرة إلى ساحة الرقص، أما أنا فتسللت إلى أحد الجوانب؛ ~~لافتقاري إلى الإيقاع، والتوازن، وثقة عدم الاهتمام بأي منهما. بدأ ~~شابان، يبدوان يمنيين، في تلقي التعليمات من يوسف في أدق ~~النقاط المتعلقة بالدبكة. وحركت امرأة عجوز ترتدي الحجاب ~~قدميها على اللحن عندما مررنا بها. # عندما أخذ يوسف كفايته من الرقص، عرض أن يأخذني في جولة في جميع ~~أنحاء المنطقة. وأراني الكنيسة الأرثوذكسية حيث كان خادم المذبح وكان ~~على وشك أن يصبح كاهنا، ومصنع فورد، حيث عمل، مثل العديد من ~~المهاجرين الآخرين، لإعالة أسرته. وبالقرب من المصنع كان يوجد مركز ~~ثقافي عربي كان قد ساعد في إنشائه. وكذلك أراني مدرسة مرتكبي ~~الجرائم الصغار في السن التي تقاعد منها مؤخرا بوصفه متطوعا. وكان ~~يعيش في المناطق الريفية الخضراء حول المدرسة الكثير من أصدقائه، ~~وكان العديد منهم نشطاء من دعاة السلام اليهود. # جاء يوسف إلى أمريكا لاجئا، محروما من حق العودة إلى منزل عائلته ~~فيما كان يسمى فلسطين. ظل غاضبا بمرارة من إسرائيل. ومع ذلك، ~~بدت حياته الخاصة في أمريكا، مثل حياة العديد من الأمريكيين الشرق ms291 ~~أوسطيين الذين قابلتهم، مرتبطة بالجالية اليهودية. وبعد وقت قصير ~~من وصوله إلى أمريكا، رزق بطفلين من امرأة يهودية، وإذ شعر بأنه ~~أصغر من أن يتزوج، قرر مع والدتهما التخلي عنهما للتبني؛ ~~أحدهما لجمعية خيرية يهودية والآخر لجمعية خيرية كاثوليكية. وبعد ~~مرور عقود من الزمن، عندما وصل إلى منتصف عمره، أراد أن يبحث عن ~~أطفاله ونجح في العثور على ابنته التي نشئت على أنها يهودية ~~أرثوذكسية. ولا يزال يبحث عن ابنه. ~~••• # كانت علاقة يوسف بصديقته غير عادية؛ ليس لأنها كانت يهودية - فقد ~~قال العديد من المهاجرين الذين التقيت بهم في بريطانيا وأمريكا، من ~~الأقليات الدينية، إنهم وجدوا انجذابا فوريا إلى اليهود الأمريكيين ~~- ولكن لأن مجتمعات الأقليات هذه تميل إلى الانطوائية، وبالتأكيد لا ~~تشجع على إقامة علاقات جنسية بين الأديان المختلفة. قال لي أحد ~~الكلدانيين: «ستيرلينج هايتس هي المكان الذي نعيش فيه. ويعيش المسلمون ~~في ديربورن.» وكانت ضاحية تروي أفضل مكان للعثور على الأقباط ~~المصريين. وللعثور على الموارنة، نصحت بالتوجه إلى جروس ~~بوينت. # استفادت كنائس المهاجرين من الهوية المجتمعية وكذلك ساعدت في ~~ترسيخها. وباعتزاز أخذني الأب شلهوب، كاهن بازيليك ليفونيا ~~الأرثوذكسية الرائعة، في جولة. ويطلق على جاليته - المسيحيون ~~الفلسطينيون والسوريون الناطقون بالعربية الذين يتبعون التقاليد ~~والتعاليم ذاتها الخاصة بالأرثوذكس اليونانيين والروس - اسم ~~أرثوذكس أنطاكية ولديهم خمسمائة كنيسة في الولايات المتحدة. بدا أن ~~كنيسة الأب شلهوب قد تكون واحدة من أفضل الكنائس الخمسمائة. وقال: ~~«هذا الرخام من سوريا»، مشيرا إلى الأيقونات الجميلة التي رسمت ~~بعناية في سوريا وشحنت إلى الكنيسة. صممت الكنيسة بأكملها على ~~غرار كنيسة القديس سمعان العمودي بالقرب من أنطاكية. # لم تكن طوائفهم في أوطانهم، على عكس الكلدانيين، متدينة بشكل خاص. ~~لكن ذلك تغير عندما أتوا إلى أمريكا. قال: «يبذل الناس جهدا أكبر ~~للذهاب إلى الكنيسة هنا مقارنة بوطنهم الأصلي. إن ما يحافظ على ~~المسيحيين الأرثوذكس هو الكنيسة. فهي تحافظ على ثقافتهم وتحافظ على ~~هويتهم بوصفهم عربا. وأول شيء تفعله العائلات عندما تأتي إلى أمريكا ~~هو البحث عني؛ إذ تصبح الكنيسة ms292 مثل الملاذ، ذكرى من ذكريات الوطن. ~~فالحي في الوطن - أي الشرق الأوسط - كان يحمي الناس من التعرض ~~لهجوم خارجي، وهنا تحل الكنيسة محل الحي. فالناس يأتون إلى هنا ~~ويرون آخرين يشبهونهم، ويسمعون اللغة العربية. إنها رابطة ليست ~~قائمة فقط على الدين، وإنما أيضا على العرق والثقافة.» كانت غرفة ~~الكاهن مليئة بالكتب، والصور، والبطاقات من الشرق الأوسط. كتب طفل ~~على إحداها: «في هذا الظرف خمسة دولارات من «مالي الخاص». من فضلك ~~أعطها شخصا محتاجا.» كان يشعر بأن الأرثوذكس لن يندمجوا بأي طريقة ~~بناءة. وعلى عكس الكلدانيين والموارنة، لا يمكن أن تغريهم ~~الأبرشية الكاثوليكية المحلية؛ لأنهم لم يكونوا على صلة حميمة بروما. ~~وهكذا، يبدو أن هذه الكنيسة الأرثوذكسية لن تحافظ على ديانة أهلها ~~فحسب، بل ستحافظ على عروبتهم أيضا. # لاحقا، قالت واحدة من أعضاء هذه الجالية الأرثوذكسية شيئا ~~مشابها. فبعد وصولها إلى الولايات المتحدة من لبنان في السبعينيات، ~~كانت الكنيسة هي ما يربطها بالوطن. وساعدتها في الانتقال إلى الحياة ~~الأمريكية. قالت: «إنها عائلة بعيدا عن عائلتي»، رغم أنها أضافت أن ~~ابنها كان قد اتخذ وجهة نظر مختلفة، حيث أراد أن يكون عربيا أولا ~~ومسيحيا ثانيا، وابتعد عن الكنيسة نتيجة لذلك. وقالت إن الشيء ~~الجيد في أن تكون متدينا في أمريكا هو أن التدين لم يكن مسيسا؛ ~~فمن الواضح أن مصدر رزق المرء لا يعتمد على دينه. وكانت توضح ~~التناقض بين هذا الوضع والوضع في بلدها الأم، لبنان، حيث نادرا ما ~~يحصل المسيحيون الأرثوذكس على وظائف حكومية. ما كانت تفتقده هو ~~الطريقة السهلة التي يختلط بها الناس في لبنان مع أولئك المنتمين إلى ~~طوائف أخرى، مثل المسلمين والدروز. كانت تعتقد أن المسلمين في أمريكا ~~كانوا أكثر تدينا من أولئك الموجودين في لبنان، وأن كل النساء ~~المحجبات اللواتي رأتهن في ديربورن جعلنها تشعر وكأنها دخيلة ~~بينهن. «الناس هنا يتجمعون حول الدين بدلا من الأمة. ويشعر الناس أنهم ~~إذا تمسكوا بدينهم، فإن أطفالهم سيتزوجون من شخص من نفس ~~دينهم.» # على بعد مائة ياردة فقط من ms293 كنيسة الروم الأرثوذكس الضخمة كان يوجد ~~مسجد شيعي، بنفس حجمها تقريبا. أرشدتني موظفة استقبال ذات مظهر ~~جاد وحجاب متشدد إلى لقاء غير مرتب مع إمامها العراقي، حسن ~~القزويني. كان متفائلا للغاية بشأن آفاق طائفته في أمريكا. «إنه ~~مجتمع تعددي، حيث يمكن للمسلمين الاندماج بشكل جيد للغاية. فهو ~~يوفر حريات لا مثيل لها. ويمكننا الازدهار هنا ليس فقط بالمعنى ~~الاقتصادي ولكن بالمعنى الديني.» وللتأكد من أنه حتى غير المتدينين ~~يمكنهم البقاء على تواصل، فضل أن يطلق على المسجد اسم «المركز ~~المجتمعي الإسلامي»، الذي يمكن أن يستضيف حفلات الزفاف، على سبيل ~~المثال، بالإضافة إلى الاحتفالات الدينية. ورغم ذلك، كانت الغالبية ~~متدينة. «في الجيلين الثاني والثالث، قل كثيرا الارتباط بالمنطقة. ~~فالناس ليسوا متحمسين للذهاب إلى الشرق الأوسط؛ ويفضلون قضاء ~~الصيف هنا. لكنهم يحافظون على تقاليدهم الغذائية والاجتماعية، والعديد ~~منهم متدينون بشدة.» وكان لدى الشيعة العراقيين، الذين وصلوا ~~لتوهم، الكثير من الوقت لحضور الشعائر الدينية. «فالدين عامل جذب، ~~وكثيرا ما يثبت أنه أقوى من أي نوع آخر من الانتماء، حتى ~~العرقي.» ~~••• # كان جورج خوري استثناء لقاعدة أن الطوائف المنتمية إلى الشرق ~~الأوسط في ديترويت كانت تميل إلى التجمع حول أماكن عبادتها. فقد كان ~~فلسطينيا مسيحيا يعيش في حي معظم قاطنيه من اليهود. وكان قد ~~تزوج امرأة غير عربية. لم يكن أي من هذا يعني أنه قد غير هويته، ~~كما أمكنني القول بمجرد ترجلي من السيارة خارج منزله. كان الدليل هو ~~لوحة أرقام سيارته: PAL 4 EVR ~~(أي ~~فلسطين للأبد). كانت غامضة بذكاء. قد لا يعني ذلك شيئا سوى أنه كان ~~صديقا جيدا. لكنني كنت أعرف أن PAL # ترمز إلى فلسطين التي كان ~~أفراد عائلته قد تركوها بصفتهم لاجئين في عام 1948. أخبرني جورج أنه ~~كان قد اختار العيش في حي يهودي من ناحية تحديا للانعزال الطوعي ~~الذي مارسه معظم المهاجرين. وكان يفكر أيضا في أطفاله. بينما كنت ~~جالسا في منزله أشرب فنجانا من القهوة التركية، وتذكرني رائحة ~~الهيل المنبعثة منها بأكواب لا حصر لها احتسيتها ms294 في القدس، وبيت ~~لحم، ويافا، قال: «يقترب تقرير معدل الجرائم هنا من الصفر. ويتخرج ~~طلاب المدرسة الثانوية بنسبة مائة بالمائة، ونسبة من يذهبون إلى ~~الكليات تزيد عن تسعين بالمائة، وذلك ما أريده لأولادي. فالأطفال ~~يتأثرون بضغط الأقران. وقد أسعدني أنهم كان لديهم أصدقاء يهود؛ فهذا ~~يعني أنه يمكننا التعايش معا.» كانت قد حدثت بعض المشاكل مع ~~الأطفال الأكبر سنا في المدرسة، وفي مرة قال المعلم للفصل: «لا ~~يوجد شيء اسمه فلسطين». عاد أطفال جورج وهم في حيرة من أمرهم ~~ويتساءلون من يصدقون. لذلك كان يعطيهم دروسا خاصة يوم الأحد، ~~يعلمهم فيها تاريخهم. # وعلى عكس الكلدانيين، كان يرى هويته من منظور سياسي. فالتاريخ ~~الذي كان يدرسه لأطفاله كان تاريخ الظلم الغربي. في الواقع، لم ~~يكن جورج يظن أن المسيحية العربية ستستمر طويلا في أمريكا. وأضاف ~~قائلا: «إن نهاية المسجد ليست قريبة، لكني أظن أنها بداية النهاية ~~للكنيسة.» والمواجهات مع الأمريكيين لم تكن مفيدة. «عندما نتحاور نحن ~~المسيحيين العرب مع المسيحيين الأمريكيين، فإنهم يقولون إنهم ~~معمدانيون أو موحدون. وليس لديهم قداس، ولا تناول، ولا صوم. لذا ~~بدأ العرب في التساؤل، هل نحن الوحيدون الذين لا يزالون يفعلون هذه ~~الأمور؟» # كان ثمة جانب رثائي لدى جورج . وعندما كان يروي لي قصة الشاعر ~~الكبير والبطل الملحمي أبي زيد، توقف وتنهد. وقال: «أنا من آخر ~~جيل سيفهم هذه القصص.» كان لهذا أهمية كبيرة له. «فالقصص تصوغ طريقة ~~تفكيرك؛ فهي تعلمك أن تفكر في الجماعة أكثر من نفسك، وأن تكون ~~كريما. أحاول نقل ذلك إلى أطفالي. لكن أبو زيد كان يقاتل بالسيف ~~فقط. وفي أمريكا لديهم دبابات! ما كان ليحظى بفرصة في زمننا هذا.» ~~لم يكن يفكر فقط في أبي زيد، ولكن في الثقافة التي كان يأمل في أن ~~ينقلها إلى أطفاله. قال بحزن: «المجيء إلى هنا كان أسوأ قرار ~~اتخذته على الإطلاق. ظننت أن الأمر سيكون مثل السلطة، كل مكون ~~يأخذ من نكهة الآخر. لكن الأمر أشبه بالخلاط؛ في النهاية تصبح ~~نكهة كل مكون غير ms295 واضحة.» ومع ذلك، لا يزال جيل جورج متمسكا ~~بهويته في الوقت الحالي. قال جورج: «إنها حقبة من حياة المسيحيين ~~العرب، يوشكون فيها أن يصبحوا أمريكيين تماما ومع ذلك لديهم ولاء ~~لعروبتهم.» ومع ذلك، كان يعلم أن الأمريكيين الآخرين لن يفهموا أبدا ~~من هم حقا المسيحيون العرب. «سئلت مرات كثيرة: «متى غيرت ~~دينك؟» وسئل كاهننا المحلي السؤال ذاته.» ~~••• # حاولت أن أفهم لماذا كان كل من يوسف وجورج أقل سعادة بالحياة ~~الأمريكية من اللاجئين الآخرين الذين قابلتهم، وخاصة أولئك الذين هم ~~من أصول عراقية. كان شعوري أن الأمر يتعلق بكونهما فلسطينيين؛ ~~فتجربة المنفى قد أفسدتها معرفة أنها كانت قسرية. وقد مكثا في ~~أمريكا وقتا أطول بكثير وكانا أكثر اندماجا، لدرجة أنهما كانا قد ~~اقتربا من تحقيق الاندماج التام. تساءلت عما إذا كان القدوم إلى ~~الغرب للجاليات المهاجرة يجب أن يكون دائما عقدا تدفع كلفته في ~~النهاية؛ أي استفد من الرخاء الآن، وادفع ثمن فقدان الهوية لاحقا. ~~أم أن الأمر متروك لهم لتشكيل هوية وهياكل مجتمعية بإمكانها أن ~~تدوم. ناقشت هذا الأمر مع يوسف في متجر يديره مهاجر درزي من لبنان. ~~ووافق يوسف على كلامي بقوله: «إننا ننصهر»، مستشهدا ببيت من الشعر ~~الفلسطيني. «واللوم يقع علينا . فنحن لم نجد الغراء.» # كان المتجر يحتوي على مجموعة متنوعة من روائح الشرق الأوسط ونكهاته؛ ~~أكياس من الزعتر البري وبذور اليانسون، وعلب من أوراق العنب ~~والزيتون، وحلوى لبنانية مغطاة بالدقيق. جاء حليم، صاحب المتجر ~~الدرزي، من خلف كومة من علب أكياس شاي الوزة وانضم إلى المحادثة ~~بصوته اللطيف. قال: «عليك أن تتمسك بثقافتك، وإيمانك، وتراثك إذا كنت ~~لا تريد أن تضيع هنا، وسط هذا المحيط الكبير. لكننا نحن الدروز ليس ~~لدينا كنيسة. ليس لدينا مسجد. ليس لدينا معلم. فنحن نمارس ديننا ~~بشكل فردي. ويوجد في لبنان شيوخ يبقوننا متحدين. لكن لا يوجد شيوخ ~~في أمريكا؛ ربما لهذا السبب نحن ماديون للغاية هنا. وكثير من الناس ~~يفتقرون إلى الإيمان بالعقل الكوني.» فمدارس جاليتهم تعلم الأطفال ~~اللغة العربية، وليس ms296 الدين. كما أن قلة أعدادهم جعلت من الصعب على ~~الأطفال العثور على أزواج وزوجات من الدروز. # كنت أعرف أن الدروز كانوا يواجهون صعوبة كبيرة في شرح عقيدتهم ~~للثقافة الدينية المنفتحة في أمريكا. أخبرتني ميليا، وهي امرأة درزية ~~نشأت في دالاس، تكساس، عن اليوم المحرج في المدرسة الذي اضطرت فيه ~~هي وبقية التلاميذ في الفصل إلى الوقوف ووصف دينهم؛ ما يومه المقدس ~~في الأسبوع؟ وما معتقداته؟ وما نوع الصلوات به؟ قالت: «أنا درزية. ليس ~~لدينا يوم مقدس، ولا أعرف معتقداتنا، ولا يتوجب علي مطلقا أن ~~أصلي.» قالت المعلمة: «أنت تختلقين هذا الأمر! سأخبر والدتك.» ~~وبالطبع، عندما فعلت ذلك، تمكنت والدة ميليا من تأكيد أن كل هذا كان ~~صحيحا. أخبرتني ليندا، وهي أكاديمية درزية تعيش في بلدة آن آربر ~~الهادئة المثقفة: «إنه أمر غريب حقا على الآخرين الذين يلتزمون ~~بطقوس أن يفهموا طبيعة ديننا. إنه مثل النظام الصيني؛ فلدينا تقاليد ~~ولكن ليس لدينا قواعد.» وعلى الرغم من علامات الاختلاف هذه، لاحظت ~~ليندا اهتماما متزايدا بالهوية الدينية بين الجيل الأصغر من الدروز ~~الأمريكيين. قالت: «ابنتي الآن في الثلاثين من عمرها، وهي تطرح أسئلة ~~حول الثقافة الدرزية. إنها مهتمة بذلك الأمر أكثر من الثقافة ~~اللبنانية. يزداد تعريف أفراد جيل الشباب لأنفسهم على أنهم دروز. فهم ~~أكثر تعصبا.» لم أستطع أن أتخيل كيف يمكن للمرء أن يكون متعصبا في ~~اتباع دين ليس له قواعد أو طقوس. ومع ذلك، فإنه، على ما يبدو، حيثما ~~تكون الجاليات الأمريكية من الدروز أكثر عددا، يزيد الحماس بشأن ~~التقاليد. وقالت إنه حتى في كاليفورنيا كان يوجد شيخ درزي. # من ناحية أخرى، الحرية التي يتمتع بها الأطفال في أمريكا جعلت ~~تربيتهم أصعب مما لو كانت العائلات لا تزال تعيش في موطن الدروز. ~~اعترفت ليندا بأن: «تربية الأطفال كانت صعبة. ولم نتمكن من فرض ~~مبادئنا الأخلاقية عليهم. ففي سن الثانية عشرة والثالثة عشرة رأوا ~~أبناء عمومتهم يشربون الخمر ويتعاطون المخدرات؛ لذا كانوا يسألون: ~~«لماذا لا نستطيع فعل ذلك؟»» وشكلت الزيجات بين الأديان ms297 المختلفة ~~تحديا آخر. فقد أقام الدروز الأمريكيون فعاليات اجتماعية منتظمة ~~للجمع بين العائلات الدرزية، دون أن يخفوا الدافع المتمثل في تشجيع ~~الشباب الدرزي على الزواج من طائفتهم. وكان عليهم أيضا تبني نهج ~~أكثر براجماتية تجاه الزواج من غير الدروز، والتوقف عن النبذ الكامل ~~لأولئك الذين يتزوجون من خارج الطائفة. ففي مرة قدم شيخ درزي بعض ~~العزاء لأم مغتربة قلقة تركت ابنتها الدين. وقال: «عندما تموت ~~طفلتك، سوف تتناسخ روحها في لبنان كدرزية مرة أخرى.» # المجتمعات الدرزية في أمريكا متماسكة بشكل ملحوظ. فهم يبحثون عن فرص ~~عمل في البلدات ذاتها، حتى تتمكن ست أو سبع عائلات درزية على الأقل ~~من العيش معا في أحد الأحياء بدلا من البقاء منفصلين. ومثل يوسف ~~وجورج، وجدت عائلة ميليا أيضا قاسما مشتركا غير متوقع مع اليهود ~~الأمريكيين. وقالت: «أينما ذهبنا انتهى بنا الأمر بمقابلة يهود ~~والتواصل معهم دون أن نعرف. إذ يوجد تشابه في الثقافة.» ويجد كثيرون ~~من مهاجري الشرق الأوسط من معتنقي هذه الديانات الصغيرة قاسما مشتركا ~~مع اليهود؛ خاصة لأن اليهود يمارسون تقاليدهم وعاداتهم بمنأى عن ~~الأنظار، ويحافظون على استمرارية هويتهم ومجتمعهم ولكنهم يندمجون ~~ظاهريا في المجتمع العلماني. # ثمة تشابه واضح آخر بين اليهود والدروز. فاليهودية لا تسعى وراء ~~اعتناق أشخاص جدد لها. ويتعدى الأمر مع الدروز إلى أبعد من ذلك ~~«برفضهم» المعتنقين الجدد. ويريد بعض الدروز الأمريكيين تغيير ذلك، ~~إلى جانب ثقافة السرية التي تمنعهم من التعرف على دينهم وشرحه بوضوح ~~للآخرين. وفي بوسطن، حضرت ندوة لشبان من الدروز الأمريكيين ناقشوا ~~خلالها عقيدتهم. وسألوا كبار السن الذين كانوا حاضرين عما يفعلون بشأن ~~الاعتقاد التقليدي القائل بأن أرواح الموتى التي لم تتناسخ في لبنان ~~تولد من جديد في الصين. ~~••• # لم تشهد بوسطن، حيث عشت في عامي 2010 و2011، ندوات دينية درزية ~~فحسب، بل شهدت أيضا حفل تعميد مندائي. في بداية كتابه الرائع ~~«المندائيون: آخر الغنوصيين»، وصف الباحث إدموندو لوبيري الحفل: ~~«يوم الأحد، الموافق الثالث عشر من يونيو، عام 1999. وقف في النهر ~~رجل يلبس ms298 عباءة بيضاء طويلة، ولحيته الطويلة يخفيها ما يشبه ~~وشاحا أبيض يغطي فمه، وشعره الطويل ملفوف بعمامة بيضاء، ممسكا في ~~يده اليسرى بعصا خشبية طويلة.» كان النهر هو نهر تشارلز، ويصف ~~الكتاب راكبي زوارق الكاياك وهم يجدفون مارين بالحفل دون إبداء أي ~~اهتمام. ويتذكرهم وسام بريجي، صائغ الفضة والناشط المندائي الذي ~~نظم الحفل. وأخبرني عندما التقينا في متجر الفضة الخاص به بالقرب من ~~وسط بوسطن بأن ذلك ما كان يميز ماساتشوستس؛ فلم يكن أحد ~~متضايقا. # لا بد أن الحفل جذب انتباه الآخرين؛ لأنه كان أول حفل تعميد مندائي ~~في العالم الجديد. وكان ذلك الحفل مهما لأولئك الذين شاركوا فيه ~~بقدر أهمية أول عيد شكر احتفل به البيوريتانيون والأمريكيون الأصليون. ~~وجاء على إثره أوائل المهاجرين المندائيين. فقد كان وسام المندائي ~~الوحيد في ماساتشوستس في ذلك الوقت. والآن، بعد اثني عشر عاما فقط، ~~أخبرني أنه يوجد 650 مندائيا. وكان يعقد في متجره دروسا لتعليم ~~المهارات المندائية التقليدية للوافدين الجدد. وكان يحاول تأسيس مركز ~~اجتماعي لأعضاء دينه في ويستر، ناحية الغرب. وكان يرى يهود أمريكا ~~نموذجا لطائفته. لكن النموذج المحدد الذي كان يدور في ذهنه كان ~~الجالية اليهودية السورية في بروكلين، التي أصدرت مرسوما في ~~عشرينيات القرن الماضي ضد قبول الزواج المختلط حتى من الذين غيروا ~~دينهم إلى اليهودية. استحسن وسام هذا المرسوم؛ فهذه النوعية من ~~الزيجات، حسب ظنه، ستضعف المندائيين لدرجة أنهم سيصبحون ~~علمانيين تماما وستختفي الطائفة. لذلك لا ينبغي أبدا السماح ~~بها. # وبينما كنا نتحدث، كانت المكالمات تأتي دون انقطاع على هاتف وسام ~~الخلوي من عراقيين أرادوا أن يساعدهم في الوصول إلى الولايات ~~المتحدة. فهو مولود في شمال أفريقيا، ونشأ مندائيا؛ قال: «لكنني، لم ~~أعرف أبدا ما يعنيه ذلك.» وكما هو الحال مع العديد من المهاجرين ~~الدروز، كانت سرية الدين تلازمه في المنفى على نحو مزعج؛ فبعد ~~انفصال وسام عن المعابد والكهنة، وجد صعوبة في الحفاظ على إيمانه. ~~لكنه ثابر، وعمل على جمع المندائيين في الولايات المتحدة معا وتعزيز ~~هويتهم الجماعية. كان ms299 اللجوء ضروريا، لكنه ذو حدين؛ هما إنقاذ ~~المندائيين من الخطر، وأيضا تسريع رحيلهم عن العراق، أو على حد ~~قوله: «إنقاذ المندائيين، والقضاء على المندائية.» ~~••• # إذن، فالسؤال هو ما الذي سيحدث لدين كان غير مفهوم في الغرب، وله ~~قواعد زواج صارمة ومعقدة، ولا تزال تعاليمه سرية في معظمها؟ وصف ~~الفصل الثاني حياة ميرزا إسماعيل، وهو ناشط مقيم في كندا يدير حملات ~~تدافع عن حقوق الإيزيديين. وعندما راسلته في عام 2011، دعاني ~~للانضمام إليه ذلك الصيف في رحلة إلى بافلو، بولاية نيويورك، عبر ~~الحدود من كندا. كان هناك ليرى صديقه القديم أبا شهاب الذي كان قد هرب ~~معه من العراق، وكان منزله في ضاحية هادئة. عندما طرق ميرزا الباب، ~~فتح أحد أطفال أبي شهاب، وعلى الفور انحنى لتقبيل يد ميرزا. كانت هذه ~~عادة احتفظت بها الأسرة منذ الأيام التي كانوا يعيشون فيها في ~~العراق؛ لأن ميرزا كان «شقيق أبي شهاب في الحياة الأخرى». وقال إن ~~ميرزا اعتبر نفسه أشبه بالأب الروحي لعائلة مسيحية، وهو شخص يقدم ~~الإرشاد الروحي ويشرح بعض تعاليم الدين ل «عائلته الأخرى». # جلسنا في غرفة معيشة أبي شهاب، وبينما كنا نتحدث بدا أن كل بضع ~~دقائق كان يظهر طفل آخر من أطفاله. ابتسم صبي ابتسامة عريضة ، كان ~~شعره مصبوغا بلون برتقالي مذهل، ومعلقا حول رقبته صليب مزخرف (أحد ~~مظاهر الأناقة، وليس الإيمان، على ما يبدو)، ثم ذهب إلى إحدى غرف ~~النوم، حيث لعب لعبة كمبيوترية عالية الصوت. تحركت فتاة بصمت جيئة ~~وذهابا في المطبخ دون النظر إلى غرفة المعيشة. في وقت لاحق، ظهر ~~فرحان، واحد من الأبناء الكبار الذي كانت قد تقطعت به السبل في ~~العراق مدة واحد وعشرين عاما. كان لأبي شهاب إجمالا أحد عشر طفلا. ~~كان الأمر كما لو كان يهدف إلى إعادة توطين العالم بالإيزيديين للتعويض ~~عن الكثيرين الذين قتلوا في حروب متتالية. # كان الابن الأكبر، شهاب، الذي انضم إلينا مع زوجته، قد حصل للتو ~~على وظيفة جديدة مقابل تسعة دولارات في الساعة، وكان قد فقد وظيفته ms300 ~~السابقة بعد رسوبه في اختبار اللغة الإنجليزية. بدت لي لغة شهاب ~~الإنجليزية جيدة بما يكفي، لا سيما بالنظر إلى أنه يتحدث لغتين ~~أخريين - العربية والكرمانجية - ولكن يبدو أنه كان قد أخفق في ~~الأسئلة حول المرادفات. لم يكن لديه فرصة للذهاب إلى المدرسة في ~~سوريا لأن مخيم اللاجئين الذي كان يعيش فيه لم يصدر له الشهادة ~~اللازمة. على أي حال، كان بحاجة إلى العمل حتى لا تضطر زوجته إلى ~~ذلك، لتتمكن من التركيز على دراستها والتأهل للعمل ممرضة. قالت ~~بابتسامة: «حينها يمكنني العمل ويمكنه الحصول على قسط من ~~الراحة.» # لم يكن أبو شهاب من المعجبين بالسياسة الخارجية لأمريكا وبريطانيا. ~~فقد فشلوا، وفق رأيه، في حل مشاكل بلاده؛ خاصة تلك المتعلقة ~~بمنطقته، سنجار، في شمال غرب العراق. لكنه أرادني أن أعرف مدى تقديره ~~للمساعدة التي تلقاها من الولايات المتحدة منذ وصوله. قال: «لولا ~~أمريكا، لكان ابني ميتا»، مشيرا إلى أحد أبنائه المراهقين، الذي ~~اختفى عن الأنظار على الفور. كان هذا الابن وإحدى بنات أبي شهاب ~~يعانيان من مشكلة صحية في الكلى تطلبت حقنا متكررة من نوع لا ~~تستطيع الأسرة تحمل تكلفته. في سوريا، ملاذه الأول بعد مغادرة العراق، ~~لا تدفع الدولة مقابل هذا النوع من الرعاية الطبية، وكانت عائلة أبي ~~شهاب فقيرة حتى وفقا لمعايير الشرق الأوسط. وفي سنجار، كانت فرصه ~~في تأمين رعاية طبية مناسبة لطفليه المريضين أقل بكثير. أخبرني أنه ~~لا يوجد سوى مستشفى واحد مكون من عشرة أسرة في المنطقة، التي ~~يقطنها نصف مليون شخص. رفع أبو شهاب يده على شعره المصبوغ باللون ~~الأسود. وقال: «إن هذا الدين على رأسي!»، بمعنى أنه كان يقر ~~بالدين الذي يدين به لأمته المختارة. «لم نحارب أبدا ضد أي ~~دولة أخرى من أجل أمريكا، ولسنا من هنا، لكننا نحصل على رعاية صحية ~~مجانا بسبب إنسانية الناس. في العراق نحن أهل البلد ولا نحصل على ~~شيء.» # بدت علاقاتهم مع جيرانهم، في هذه الضاحية التي يغلب عليها ذوو ~~البشرة البيضاء من الطبقة العاملة، جيدة (حيث ms301 جاء أحد الجيران أثناء ~~وجودي هناك، وأوضح لي أنه تمنى لو كان بمقدوره أن يفعل شيئا لمساعدة ~~الإيزيديين في العراق؛ لأنه من خلال ما عرفه من أبي شهاب، بدت حياتهم ~~فظيعة). كان الشيء الوحيد الذي أزعج الأسرة بشأن الثقافة الأمريكية هو ~~الطريقة التي كان يصور بها دينهم. قال أبو شهاب إنه سمع مراسل شبكة ~~سي إن إن يصف الإيزيديين بأنهم «أبشع ديانة في العالم». وبالرغم من ~~أنني وجدت صعوبة في تصديق ذلك، لكنه كان متأكدا تماما مما سمع، ~~وقال إنه يأمل أنني إذا كتبت كتابي، فعلى الأقل لن يقول أحد ذلك مرة ~~أخرى. في الواقع، غادرت معجبا بكرم ضيافة العائلة، ونظافة بيتهم ~~(وهي سمة معروفة لدى كل من البيوت المندائية والإيزيدية في العراق)، ~~والتقارب بين الأجيال. وإذ كانت هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها ~~بيتا إيزيديا؛ أدهشني أيضا مدى قلة الأدلة على دينهم. كانت توجد ~~علامتان على دينهم: صورة للالش - لوحة فنية مرسومة وليست صورة ~~فوتوغرافية - موضوعة على الخزانة، وبالطبع صورة الطاووس ~~الإلزامية. # الصور الأخرى في غرفة المعيشة كانت كلها للعائلة؛ وخاصة أصغر ~~أفرادها، ابنة أبي شهاب البالغة من العمر ثلاث سنوات، نالين. كانت ~~تخفف من كآبة بعض محادثاتنا، عادة بالاستلقاء على الأريكة واضعة ~~رأسها بالأسفل ورافعة ساقيها في الهواء، أو جعل يديها تبدوان مثل ~~النظارة المعظمة والتحديق فينا من خلالها. أوضح ميرزا أنها كانت ~~مغرمة بشكل خاص بأجدادها، وأنهم يعاملونها بقدر كبير من المودة. ~~تساءلت كيف ستكون حياتها عندما تكبر؛ خاصة، عندما تصبح كبيرة بما يكفي ~~للزواج. فقواعد الزواج الإيزيدية معقدة وصارمة للغاية. والأمر لا ~~يقتصر على ضرورة زواج المرأة الإيزيدية من رجل إيزيدي فحسب، بل يجب أن ~~يكون من الطبقة الصحيحة والعشيرة الصحيحة. ويتعين على بعض العائلات ~~العراقية من الطبقة الأصغر (طبقة البير المتوسطة المقام) أن تجد ~~أزواجا أو زوجات في بلدان أخرى. على سبيل المثال، قد يجد رجل عراقي ~~زوجة في الجالية الإيزيدية في روسيا. وللتأكد من أن الزواج يتبع ~~هذه القواعد، تجبر بعض العائلات أطفالها ms302 على الزواج عندما يبلغون من ~~العمر خمسة عشر أو ستة عشر عاما فقط. كانت عائلة أبي شهاب من طبقة ~~المريدين، وهي أدنى طبقة. وفي أمريكا، قد يكون هناك عدد قليل من ~~الرجال المناسبين لنالين. وفي ديانة تطالب أتباعها بقليل من ~~المطالب، كان هذا مطلبا لا يمكنهم عصيانه. # أرادت العائلة أن تريني المعالم السياحية المحلية؛ لذلك زرنا ~~شلالات نياجرا، ووضعوا قرصا مضغوطا للموسيقى الإيزيدية في ستيريو ~~السيارة. أخبرني أبو شهاب أن المطرب كان يسمى خضر فقير. وقد رزق ~~بموهبته الموسيقية فجأة. فعندما كان شابا في حقول سنجار، ظهر له ~~القديس الإيزيدي خضر إلياس في حلم. وعندما استيقظ، كان بإمكانه ~~الغناء والعزف على العود (الباجلاما التي تشبه الجيتار) أفضل من أي ~~إيزيدي على وجه الأرض. زادت قيمة خضر إلياس لدى أبي شهاب عندما رفض ~~ارتداء الملابس الكردية أثناء العزف. قال أبو شهاب: «كان يرتدي فقط ~~الملابس الإيزيدية.» وكان هو وميرزا حريصين على التأكيد على الهوية ~~الإيزيدية باعتبارها شيئا منفصلا عن الهوية الكردية، وسخرا مني ~~لقضائي بعض الوقت في العراق مع الإيزيديين الموالين للأكراد. # كانت هذه العائلة من الإيزيديين وحيدة تماما في بافالو، حيث عاش ~~أقرب أبناء دينهم في لينكون، نبراسكا، على بعد آلاف الأميال. ويبدو ~~أن رغبتهم في أن يكونوا على طبيعتهم، والتمسك بتقاليدهم، ظلت ~~قوية. أخبرني أبو شهاب أن أفراد العائلة كانوا يرتادون كنيسة مسيحية ~~عندما وصلوا إلى أمريكا. وقد ساعدهم الناس في الكنيسة عندما كانوا ~~جددا هناك، وما زالوا يشعرون برباط الصداقة معهم. وأضاف مؤكدا: ~~«لكننا لم نتخل عن معتقداتنا.» وسمحت خدمات الاتصال الهاتفي عبر ~~الإنترنت، مثل سكايب، للإيزيديين المشتتين بالبقاء متصلين بعضهم ~~ببعض. وقد ظهرت مجموعات افتراضية في جميع أنحاء العالم، وأتاحت ~~سبلا جديدة للعثور على شركاء زواج محتملين لأطفالهم. ومع ذلك، يظل ~~الإيزيديون في أمريكا يواجهون تحديا كبيرا: فكما هو الحال مع الدروز، ~~قلة منهم يعرفون أصول دينهم. قال أبو شهاب إنه كانت ثمة خطة ~~لإنشاء مركز اجتماعي في نبراسكا حيث يمكن للناس أن يجتمعوا للعب ~~الورق وتعلم ms303 أساسيات الدين. «المشكلة هي أن الجيل الأكبر سنا، مثل ~~والدي، ضيق الأفق. فهو يعرف أشياء عن الدين لكنه لن يخبرنا بها. ~~وحده الشيخ ميرزا هو الذي سيخبرنا بهذه الأشياء.» قاطعته زوجته ~~قائلة: «من المحتمل أنك تعرف عن ديننا أكثر مما نعرف.» فالإيزيديون ~~سيشعرون بالحيرة عندما يضطرون إلى شرح معتقداتهم للآخرين أو ~~المشاركة في جدال ديني. # وكذلك لا يوجد نظير لهم في المجتمع الأمريكي. فالمسيحيون الشرق ~~أوسطيون لديهم رابطة فورية مع المسيحيين الأمريكيين، ويمكن للمهاجرين ~~المسلمين العثور بسهولة الآن على مجتمعات من المسلمين الأمريكيين ~~الذين سيقدمون لهم نوعا من المساعدة العملية ومكانا لممارسة ~~العبادة. لكن الإيزيديين بمفردهم - باستثناء أمارو مارك بينكهام، كبير ~~رهبان الجماعة الدولية لفرسان الهيكل الغنوصيين. فقد أخبرني كبير ~~الرهبان أنه كان يتأمل في أمريكا الجنوبية، حيث كان يجرب طرقا ~~جديدة لعيش الواقع، عندما وجد نفسه فجأة محاطا بمجموعة من الطواويس. ~~وإذ شعر بالحيرة مما رآه، سأل فيما بعد أصدقاءه بشأنه، ووجهه أحدهم ~~نحو الإيزيديين. وأضاف إلى سلسلته «أسرار فرسان المعبد» (سواء الكتب ~~أو مقاطع الفيديو عبر الإنترنت) حلقة جديدة وأخيرة اسمها: «أسرار ~~الملاك الطاووس». وعلى موقع الإنترنت، تصف جماعته نفسها بأنها ~~«مكرسة لإحياء الحكمة الغنوصية وتقليد الإلهة لفرسان الهيكل ~~الأصليين». وعندما تواصلت معه في عام 2013، كانت المنظمة تتألف من ~~ثلاثين إلى أربعين عضوا؛ وتعود بداياتها وفقا لكبير الرهبان بينكهام ~~(المصور على الموقع الإلكتروني مع زوجته، وكلاهما يرتديان تيجان ~~الأسقف الطويلة جدا باللونين الأحمر والأبيض) إلى يوحنا المعمدان ~~مرورا بمريم المجدلية وفرسان المعبد. لكنه كان يأمل في أن يؤدي ~~تدريب «جيداي المعبد»، الذي قدم اعتبارا من عام 2014 فصاعدا، إلى ~~زيادة أعدادهم. # كنت متشككا بشأن حقيقة اتصاله التاريخي بيوحنا المعمدان، لكن ~~الإيزيديين رحبوا بمساعدته - رغم أنهم لم يستطيعوا أن يسمحوا ~~لبينكهام نفسه بالانضمام إلى ديانتهم. كان هذا، على أي حال، ما قاله ~~لي الإيزيديون في لينكون عندما زرتهم عام 2013. وبعد أن سمعت من أبي ~~شهاب والشيخ ميرزا أنه توجد جماعة أكبر بكثير في نبراسكا، كنت حريصا ~~على معرفة كيف ms304 نجت إحدى الأقليات الدينية العراقية في أمريكا الوسطى. ~~وعندما وصلت إلى مطار لينكون الصغير، كان بانتظاري مجموعة مكونة من ~~عشرين إيزيديا ليرحبوا بي؛ فحتى في ولاية كورنهوسكر [نبراسكا] يظهر ~~كرم الضيافة العراقي. وكان كثيرون منهم وافدين حديثا وكانوا قد وصلوا ~~إلى لينكون بفضل البرنامج الفيدرالي لإعادة توطين اللاجئين. # كان باسم، الذي كان يعيش هناك منذ عدة سنوات، مضيفي خلال الزيارة ~~واتضح أنه أشبه بمنظم مجتمعي. ورتب لمقابلتي مع ستة إيزيديين ~~في مقهى في وسط مدينة لينكون. كان أحدهم من طبقة البير، واستخدمه ~~واحد من الآخرين في المجموعة مثالا على أنهم اضطروا إلى تغيير ~~عاداتهم. «إنه من طبقة البير، وفي وطننا عادة نقبل يده عندما ~~نلتقيه. لكننا لا نفعل ذلك هنا.» نظر إلى الأرضية الخشبية المكشوفة، ~~والقسم الداخلي البسيط من المقهى، الذي كان جميع زبائنه الآخرين ~~يضعون سماعات الرأس ويحدقون في أجهزة آي الباد الخاصة بهم. «سيظن ~~الناس أنه تصرف غريب.» كان معظم هؤلاء الرجال قد وصلوا في السنوات ~~الثلاث الماضية. وقد عانى أحدهم من صدمته الثقافية في وقت مبكر حيث ~~قضى مدة أطول من ذلك في البلد والتحق بالمدرسة الثانوية في لينكون. ~~وقال: «كان من الصعب علي قبول رؤية الأولاد والبنات يقبل بعضهم ~~بعضا عند الخزائن. ولم أكن قد رأيت مدينة كبيرة من قبل.» وصدم ~~آخر وصل حديثا من شيء آخر. قال، وهو يشهق: «البنادق التي يبيعونها ~~علانية في المحلات التجارية هنا. في بغداد لن تجد أبدا أسلحة ~~كهذه للبيع!» # كانوا قلقين من أن طائفتهم لن تحافظ على الديانة الإيزيدية مدة ~~طويلة. قال باسم: «ليس لدينا أموال للاحتفال بأعيادنا. لذا فإن الرابع ~~من يوليو يعتبر أهم من رأس السنة الإيزيدية؛ لأن الجميع يحتفلون به. ~~فالإيزيديون يحتفلون بعيد الميلاد وليس جارشما سور «الأربعاء الأحمر».» ~~وأضاف أن أحد الشيوخ ما زال يضيء 366 شمعة في البيت للاحتفالات ~~الدينية، ونظم بسام نفسه من حين لآخر مسابقة حول الدين، يختبر فيها ~~مدى معرفة الإيزيديين بالتقاليد الإيزيدية. لكنهم كانوا جميعا يعانون ~~من عدم المعرفة الكافية. ms305 قال أحدهم متأسفا: «إذا سأل أطفالي عن ماهية ~~الإيزيدي، فلن أستطيع إخبارهم.» وأخبرني الرجل المنتمي إلى طبقة ~~البير أنه واجه تحديا صعبا بشكل خاص. فقد كان من المفترض أن يتزوج ~~ضمن طبقته الفرعية المحددة، التي كادت الآن أن تنقرض. قال: «كان في ~~مدينتي خمسة عشر ألف إيزيدية، لكنني لم أستطع الزواج من أي ~~منهن.» # سألتهم إن كانت لديهم مشكلة في شرح دينهم للناس في أمريكا، لكن ~~الرد كان أنه لم يكن يوجد لدى الناس اهتمام كبير بأن يسمعوا عنها. ~~«فالناس لا يريدون طرح أسئلة غير محددة. يسألون فقط: «هل أنت مسلم؟» ~~فقد حدثت بعض المشاكل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ لأن الناس ~~ظنوا أننا مسلمون.» وكما هو الحال مع أبي شهاب، كانوا يشعرون ~~بالامتنان تجاه أمريكا، حيث كانت شكاواهم موجهة في الغالب إلى ~~الحكومات في الشرق الأوسط. وتحدثوا عن مسئول جمارك أردني سخر من ~~التراب المقدس من لالش الذي حاولت إحدى العائلات اصطحابه معها على ~~متن الطائرة وتخلص منه. وتحدثوا عن تركيا، حيث لا يزال يتعين على ~~الإيزيديين (حسبما قالوا) الإعلان عن أنفسهم بوصفهم مسلمين، وحيث لا ~~يزال من الممكن رؤية الصخور التي قطعت عليها رءوس الإيزيديين الذين ~~رفضوا تغيير دينهم خلال مذابح عام 1917. كانوا قلقين من الأخبار ~~الواردة من كردستان، حيث كان مثيرو الشغب قبل بضعة أشهر قد أحرقوا ~~متجرا لبيع المشروبات الكحولية مملوكا للإيزيديين (أروني مقطع ~~الفيديو). لم يكن لديهم حنين للشرق الأوسط. قال الشاب الذي ذهب إلى ~~المدرسة الثانوية في أمريكا: «هناك حقوق للسجناء هنا أكثر من حقوق ~~الأحرار هناك. لا أظن أنه يوجد أي بلد يعامل المهاجرين بطريقة أفضل. ~~كل ما علي فعله هو أن أوضح للوافدين الجدد أنه من الطبيعي ألا ~~يحييكم الناس هنا.» غالبا ما يعتبر الناس في البلدات الأمريكية ~~الصغيرة، خاصة في مناطق الغرب الأوسط، ودودين بشكل غير عادي، لكن من ~~منظور هؤلاء القرويين الإيزيديين، بدوا باردين وفاترين من ناحية ~~مشاعرهم. # يظهر باسم، وهو إيزيدي في لينكون، نبراسكا، تبجيله ~~لملك طاووس من ms306 خلال تزيين غرفة معيشته بصورة طاووس ~~وريشه. صورة مأخوذة بواسطة المؤلف. ~~••• # بعد فرار هؤلاء المهاجرين من الانحدار والتضاؤل الذي تعاني منه ~~طوائفهم في أوطانهم، كانوا في معظم الأحيان يزدهرون في الولايات ~~المتحدة، حيث يبنون أماكن عبادة جديدة ويكتسبون مزيدا من الثقة. ~~يعيش المسيحيون في سوريا في خوف في ظل ما حدث لإخوانهم في الدين في ~~العراق. لكن في ديترويت، يضع الأب شلهوب اللمسات الأخيرة على مجموعة ~~أخرى من الأيقونات الرائعة. فالكنائس في بغداد تخلو شيئا فشيئا من ~~الناس، لكن في بوسطن أنشأت راهبة عراقية تعمل قسيسة في جامعة بوسطن ~~رهبانية جديدة للنساء في تلك المدينة الأمريكية. وفي لندن، تعلم ~~نادية قطان، المتزوجة من بريطاني، أطفالها تراثهم العراقي، وتعد ~~شاهين الماء الذي يمكن للأطفال الزرادشتيين رشه بعضهم على بعض ~~للاحتفال بانقلاب الشمس الصيفي، تماما كما كان يفعل أسلافهم الفارسيون ~~في عيد تيرجان كل عام. ~~••• # بدأت هذا الكتاب ببعض الملاحظات حول سبب مغادرة الأقليات للشرق ~~الأوسط. وبعد أن أمضيت أربع سنوات في مقابلتهم وقراءة تاريخهم، صرت ~~أهتم بهم أكثر من أي وقت مضى. إذن ما الذي يمكن فعله؟ إنها شعوب ~~الشرق الأوسط هي التي يجب عليها، أكثر من أي شخص آخر، أن ترمم ~~مجتمعاتها المحلية المفككة. وقد يمنحهم الفهم الأفضل للتاريخ ~~شيئا يمكن للجميع، بغض النظر عن الدين، أن يتشاركوا الشعور بالفخر ~~تجاهه. أذهلني شيء قالته لي صديقة مسلمة متدينة من العراق بعد أن ~~زارت المتحف البريطاني: «كان من المدهش اكتشاف أن تاريخ بابل كان ~~أعظم حتى من تاريخ مصر، وأنها كانت مهد الحضارات؛ لم أكن أفهم أبدا ~~ما يعنيه ذلك. إن سماع قصة ملحمة جلجامش، وإدراك أن جزءا هائلا من ~~تراثي كان في المتحف البريطاني منحني ما هو أكثر من صدام لأتعلق ~~به.» وأفضل ما في الأمر، أن معرفة التاريخ يمكن أن تساعدنا جميعا - ~~أينما كنا - لنرى أن أي حضارة، سواء كانت رومانية، أو عربية، أو ~~بريطانية، أو أمريكية؛ تكون في أنجح حالاتها عندما تكون أكثر انفتاحا ~~على الآخرين وأفكارهم. # لكن ms307 ماذا يمكن للناس خارج الشرق الأوسط أن يفعلوا للمساعدة؟ أي شيء ~~يريد الغرباء فعله لمساعدة الأقليات يجب أن يستند إلى سياسة نوايا ~~حسنة تجاه جميع السكان. فالمدارس المسيحية، على سبيل المثال، أفادت ~~المسيحيين في العراق، وفلسطين، ولبنان أكثر من أي شيء آخر؛ لأنها كانت ~~مفتوحة للأطفال المسلمين، وبذلك حققت هدفا ثلاثيا تمثل في ~~جعل المسيحيين أكثر قدرة على الحصول على لقمة العيش، وكسب النوايا ~~الحسنة من المسلمين، وتوفير التعليم الإنساني للجميع. (ومما كان له ~~أهمية بالغة، أنهم لم يحاولوا تغيير دين تلاميذهم المسلمين.) وعلى ~~النقيض من ذلك، أدت التدخلات العسكرية الغربية بشكل عام إلى ~~انتكاسة في قضية الأقليات، وليس إلى إحراز تقدم فيها. فأفراد أي ~~أقلية يحتاجون إلى الحماية من مواطنيهم، وليس من الأجانب الذين ~~يقيمون مدة وجيزة ثم يغادرون. عادة ما يقلق عدم الاستقرار ~~الأقليات التي تشعر أنها مستضعفة بشكل خاص (وتكون كذلك بالفعل). وفي ~~الآونة الأخيرة، عجل غزو العراق بهجرة ضخمة للمسيحيين والمندائيين ~~من البلاد حيث تصاعدت الأمور إلى حرب أهلية. # في الوقت ذاته، تشارك حكومات الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، ~~ودول أخرى في الشرق الأوسط بعدة طرق أخرى. فهي تمنح تمويلا من أجل ~~التنمية. وتقدم الدعم العسكري. كما أنها، من خلال العمل مع الناس ~~والمنظمات، تمنحهم كامل الدعم والتقدير. وعندما تفعل ذلك، يمكنها ~~ويجب عليها اتخاذ موقف حازم في مواجهة أولئك الذين يحرضون على ~~الكراهية الدينية، بغض النظر عن دينهم (تذكر في الفصل السادس كيف ~~انتقد كاهن قبطي الدعاية المعادية للمسلمين التي يبثها أحد الكهنة ~~من قبرص). إن عدم التركيز على التطرف إلا عندما يصبح عنيفا يتجاهل ~~حقيقة أن العنف يكون نهاية عملية طويلة من التطرف، تبدأ بتشجيع ~~الغضب والكراهية. وينبغي على الحكومات الغربية أن تأخذ المعتقد الديني ~~على محمل الجد، وأن تفهمه جيدا بما يكفي لتمييز الفرق بين المؤمن ~~المتحمس والداعي إلى الكراهية. # أخيرا، حق اللجوء متاح في دول مثل الولايات المتحدة، وكندا، ~~وأستراليا للأقليات الدينية، وهذا في ذاته يغريهم بمغادرة بلدانهم ~~الأصلية. ويحمي اللجوء المسيحيين، والإيزيديين، ms308 والمندائيين العراقيين ~~من خطر مباشر، ووجدت أنهم ممتنون للغاية ويشعرون بولاء قوي ~~لأوطانهم الجديدة، لكن اللجوء أيضا يؤدي إلى تلاشي مجتمعاتهم ~~المحلية في أوطانهم الأصلية. يوجد حل جزئي لهذه المشكلة، وهو مساعدة ~~أفراد هذه المجموعات على التمسك بتقاليدهم وبناء مجتمعات لهم في ~~أوطانهم الجديدة. وأتمنى أن يشجعهم هذا الكتاب على فعل ذلك، من خلال ~~الاحتفال بتقاليدهم وتاريخهم. # | مصادر وقراءات إضافية # أود أن أشكر أولا الأشخاص الذين يمثلون موضوع هذا الكتاب. فلم يكن ~~من الممكن كتابته دون مساعدة نادية قطان، وميرزا إسماعيل، وأبي شهاب، ~~وشاهين بخرادنيا، وسامي مكارم، وبيني تسيداكا، والأب يوأنس، وأصدقائي ~~في كنيسة سانت تريزا، وعظيم بيك، ووزير علي، وأصدقائي الإيزيديين في ~~نبراسكا، وأولئك الذين قابلوني في ديترويت، بما في ذلك جورج ~~ويوسف. # بالإضافة إلى تكرمه بكتابة تمهيد هذا الكتاب، كان روري ستيوارت ~~مديرا لمركز كار التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد خلال جزء من ~~مدة زمالتي البحثية هناك، التي استمرت ثمانية عشر شهرا، والتي ~~منحتني الفرصة (ضمن أشياء أخرى) لبدء البحث لكتابة هذا الكتاب. أود ~~أيضا أن أشكر صندوق تمويل مؤسسة جيروود لمنحي في عام 2011 جائزة ~~ساعدت في تغطية تكاليف بعض الرحلات التي تطلبها هذا الكتاب؛ فبين ~~عامي 2010 و2013 زرت مصر ولبنان مرتين لكل منهما، وكردستان ~~العراق، وباكستان ، وإسرائيل، والضفة الغربية. # أرشدني كل من لارا هايمرت ودان جيرستل من دار نشر بيسك بوكس، ومايك ~~جونز من سايمون آند شوستر، وجورج لوكاس من إنكويل برودكشنز، خلال ~~مرحلة تحرير هذا الكتاب من خلال تعليقاتهم الصبورة الجادة. وكذلك ~~ساعدني كل من جاك فيرويذر، ودكتورة لانا عصفور، والسير جون جنكينز، ~~والدكتورة بريجيد راسل، والبروفيسور فيليب كرينبروك، والدكتورة يورن ~~باكلي، ووين ماجي، وفيليسيتي ديفونشاير، ودكتور نديم شحادة، وأليس ~~براج، ودكتورة باربرا جيفريس، وجور هيرشبرج، ودكتور كورنيليس هولسمان، ~~ودكتور أمين مكرم عبيد من خلال قراءة مسودات هذا الكتاب أو الفصول ~~الفردية؛ ومع ذلك فهم لا يتحملون أي مسئولية عن الآراء الواردة في ~~الكتاب، ولا أي أخطاء واردة فيه. # كما استفدت من محاضرات ونصائح ms309 البروفيسور علي أساني، والبروفيسور ~~أوكتور شارفو، والدكتور تشارلز ستانج من جامعة هارفارد. # إن اختيار أي كتاب لتسليط الضوء عليه باعتباره مدخلا إلى ~~الإسلام، والمسيحية، واليهودية، بخلاف نصوصهم المقدسة، هو عمل شنيع. ~~ومع ذلك فقد تعلمت الكثير من سلسلة هانز كونج حول هذه الأديان، بما ~~في ذلك كتاب «المسيحية» (دار نشر كونتينوم، 1996)، و«اليهودية» (دار ~~نشر بلومزبري، 1995)، و«الإسلام» (دار نشر ون وورلد بابليكيشنز، 2008). ~~وكذلك أضاف لي كتاب ألبرت حوراني «تاريخ الشعوب العربية» (دار نشر ~~فابر آند فابر، 1991) وكتاب يوجين روجان «تاريخ العرب» (دار نشر بيسك ~~بوكس، 2011) على نحو أكثر علمانية. وكانت «الموسوعة الإيرانية»، ~~و«تاريخ أكسفورد للإسلام»، الذي حرره جون إل إسبوزيتو (دار نشر جامعة ~~أكسفورد، 1999)، و«موجز دائرة المعارف الإسلامية»، الذي حرره إتش إيه ~~آر جيب وجيه إتش كريمرز (بريل، 1953)، كلها وثائق مرجعية مفيدة في ~~كل مراحل كتابة هذا الكتاب. # وفيما يتعلق بموضوع اعتناق الإسلام، قرأت كتاب «اعتناق الإسلام» ~~لريتشارد بوليت (دار نشر جامعة هارفارد، 1979)؛ وكتاب «نهضة الإسلام ~~على الحدود البنغالية»، لريتشارد إيتون (دار نشر جامعة كاليفورنيا، ~~1996)؛ وكتاب «نشأة الإسلام»، لجوناثان بيركي (دار نشر جامعة كامبريدج، ~~2002)؛ و«عصر تغيير الدين: إعادة تقييم» لمايكل موروني في «اعتناق ~~الأديان والاستمرارية»، الذي حرره إم جيرفيرز وجيه بكازي (المعهد ~~البابوي لدراسات القرون الوسطى، 1990). # أشير إلى ثلاثة كتب أخرى في فصول متعددة هي كتاب مايكل موروني ~~«العراق بعد الفتح الإسلامي» (دار نشر جامعة برينستون، 1984)، وكتاب ~~باتريشيا كرون «أنبياء معاداة المهاجرين في المراحل المبكرة للإسلام ~~في إيران» (دار نشر جامعة كامبريدج، 2012)، وكتاب كريستوف باومر «كنيسة ~~المشرق: التاريخ المصور للمسيحية الآشورية» (دار نشر آي بي توريس، ~~2006). # النصوص المقتبسة من الكتاب المقدس مأخوذة من نسخة الملك جيمس ~~المعتمدة ما لم يذكر خلاف ذلك فيما يلي. والنصوص المقتبسة من القرآن ~~الكريم مأخوذة من نسخة صحيح إنترناشونال. والنصوص المقتبسة عن ~~هيرودوت مأخوذة من ترجمة أوبري دي سيلينكور لكتاب «تاريخ هيرودوت» ~~(بينجوين، 1954). # مقدمة # كتاب «عن الهوية» لأمين معلوف متاح باللغة الإنجليزية في نسخة من ~~ترجمة باربرا براي (دار نشر هارفارد، 2004). # ذكر جدل الغزالي في مواجهة ms310 الفلسفة اليونانية في كتاب يسمى ~~«تهافت الفلاسفة». # ملاحظة القيصر مأخوذة من كتاب كمال صليبي «بحمدون: صورة تاريخية ~~لقرية في جبل لبنان» (مركز الدراسات اللبنانية، 1997). # يمكن قراءة تقييم السفير مورجنثاو للإبادة الجماعية للأرمن على ~~الموقع الإلكتروني للمعهد الوطني الأرمني، على # www.armenian-genocide.org/statement_morgenthau.html ~~. # تأتي ملاحظة سها رسام من كتابها «المسيحية في العراق» (جريسوينج، ~~2010)، الصفحة 196. # يمكن رؤية مذكرة آرثر بلفور بتاريخ الحادي عشر من أغسطس 1919 في كتاب ~~وودورد وباتر «وثائق عن السياسة الخارجية البريطانية، 1919-1939» (إتش ~~إم إس أوه، 1952). # الفصل الأول: المندائيون # التقيت برئيس الكهنة عندما كنت رئيس القسم السياسي في السفارة ~~البريطانية في بغداد في المدة بين عامي 2005 و2006. فيما بعد ~~التقيت بمندائيين في أربيل، شمال العراق، في عامي 2010 و2013، ~~في الولايات المتحدة، وفي بريطانيا. لقراءة المزيد عنهم، بالإضافة ~~إلى الكتب المدرجة هنا، أوصي بزيارة الموقع الإلكتروني لاتحاد ~~الجمعيات المندائية، # www.mandaeanunion.org ~~. # من الذين ساعدوني في هذا الفصل، نادية حمدان قطان وخالتها، ~~والشيخ ستار، ووسيم بريجي، الذين تكرموا جميعا بمنحي وقتهم ~~وثقتهم. بصبر أجاب عن أسئلتي العديدة البروفيسور يورون باكلي من ~~جامعة مين، مؤلف دراسة تعليمية وإنسانية بعنوان «المندائيون: ~~نصوص قديمة وشعب حديث» (دار نشر جامعة أكسفورد، 2000). وسمح لي ~~طاقم مكتبة بودلي برؤية مجموعة دراور؛ وبالمثل سمحت لي المكتبة ~~الوطنية الفرنسية بالاطلاع على مجموعتها من المخطوطات والكتب ~~السريانية والمندائية. # للحصول على مقدمة عامة عن المندائيين، لا يمكن أن يوجد ما هو ~~أفضل من كتب إي إس دراور، ولا سيما كتاب «المندائيون في العراق ~~وإيران» (دار نشر جورجياس، 2002)، وكتاب «آدم السري» (دار نشر ~~جامعة أكسفورد، 1960). وكان كتاب «المندائيون: آخر الغنوصيين» ~~لإدموندو لوبيري (إيردمنس، 2001) مصدرا لقصصي عن لقاءات ~~المبشرين الغربيين مع المندائيين، بما في ذلك الاقتباس الخاص ~~بعيسى ويحيى، وأيضا للطلاسم السحرية المندائية التي تظهر لاحقا ~~في الفصل. ويوجد باحث رئيسي آخر فيما يخص المندائيين هو إدوين ~~ياموتشي، مؤلف كتاب «الأخلاق الغنوصية والأصول المندائية» (دار نشر ~~جامعة هارفارد، 1970). # تأتي ملاحظة وولي على الطوفان من كتاب «عمليات التنقيب في أور» ~~لليونارد وولي (إي بين، ms311 1954). واستخدمت رائعة أندرو جورج ~~«ملحمة جلجامش: ترجمة جديدة» (بينجوين، 2003) لاقتباس مقتطفات من ~~الملحمة في هذا الفصل، بما في ذلك لعنة العاهرة. ويأتي الاقتباس: ~~«لذلك دعي اسمها «بابل» ...» من سفر التكوين 11: 9. # وللحصول على خلفية عن بابل، قرأت كتاب «السومريون» لصموئيل نوح ~~كرامر (دار نشر جامعة شيكاغو، 1964)، وكتاب «الحياة اليومية في ~~بابل وآشور»، لجورج كونتينو (دبليو دبليو نورتون، 1966). ويحتوي ~~كتاب «بابل: بلاد ما بين النهرين ومهد الحضارة»، لبول كريوازك ~~(أتلانتيك، 2012) على وصف لما تبقى من إرث بابل في يومنا هذا. ~~ومصدر روايتي عن إعادة إعمار صدام لبابل هو الفيلم الوثائقي ~~الصادر عن جورنيمان بيكتشرز في سبتمبر 1997 بعنوان «بابل ~~الجديدة». # تحية البطاركة «من صومعتي ...» مقتبسة من كتاب باومر «كنيسة ~~المشرق». ويمكن العثور على رؤى متعمقة عن إراقة الدماء ~~الطائفية التي عصفت بالعراق بعد عام 2003 في كتاب فنار حداد ~~«الطائفية في العراق» (هيرست، 2011)، وكتاب «أفول أهل السنة: ~~التهجير الطائفي وميليشيات الموت وحياة المنفى بعد الغزو ~~الأمريكي للعراق»، لديبورا آموس (بابليك أفيرز، 2010). الكتيب ~~الإرشادي لمدينة بغداد المشار إليه في هذا الفصل كان دليلا ~~سياحيا من دار نشر برادت لكارين دابروفسكا، نشر في عام ~~2002. # وكان كتاب جاكو هامين-أنتيلا «آخر الوثنيين في العراق» ~~(بريل، 2006) مصدري لكتاب «الزراعة النبطية»، حيث كان يحتوي على ~~ترجمة مضاف إليها تعليقات (أود أن أعرب عن امتناني لفيليب وود ~~على هذه النصيحة). # يمكن القراءة عن المسعودي في «التأريخ الإسلامي: تاريخ المسعودي» ~~لطريف الخالدي (دار نشر جامعة نيويورك الحكومية، 1975). # ذكر بكاء الخليفة عمر على اعتناق الآراميين للإسلام في كتاب ~~كرون «أنبياء معاداة المهاجرين»، الصفحة 10. # ملاحظات البيروني على المندائيين موجودة في كتابه «الآثار ~~الباقية عن القرون الخالية»، الذي كتبه سنة 1000 ميلادية وهو في ~~السابعة والعشرين من عمره. وكان هذا كتابه الثامن. لمعرفة المزيد ~~عن البيروني، يمكن الاطلاع على «الموسوعة الإيرانية» (المتوفرة على # www.iranicaonline.org ~~). ~~ذكرت ملاحظة سارتون في كتابه «مقدمة في تاريخ العلم» (ويليامز آند ~~ويلكينز، 1927). واقتباس ابن قتيبة مأخوذ من كتاب ديمتري جوتاس ~~«الفكر اليوناني والثقافة العربية» (روتليدج، 1998). # استخدمت نسختي العربية من ms312 كتاب كنزا ربا، وتوجد نسخة مترجمة ~~إلى الإنجليزية متاحة الآن. وقرأت كتاب ويلفريد ثيسيجر «عرب ~~الأهوار» بطبعة لونجمان لعام 1964. وترجم جزء من «إدراشا إد ~~يهيا» (كتاب يوحنا) في كتاب «يوحنا المعمدان الغنوصي» لجي آر إس ~~ميد، الذي أعاد نشره يورجن بيك (ألتنمونستر، 2012). # وصفت البيئة الدينية في أواخر الإمبراطورية الرومانية في ~~كتاب «عالم مليء بالآلهة: الوثنيون، واليهود، والمسيحيون في ~~الإمبراطورية الرومانية»، لكيث هوبكنز (ويدنفيلد آند نيكلسون، ~~1999). ووردت إحصاءات السكان اليهود في العراق قبل مجيء الإسلام ~~في كتاب موروني «العراق بعد الفتح الإسلامي»، الصفحة 308؛ وكان هذا ~~الكتاب أيضا مصدرا حول موضوع بقاء الوثنية في العراق. أثار ~~اهتمامي بالحركات المرقيونية وما شابهها في الأصل كتاب «الكنيسة ~~الأولى» لهنري تشادويك (بينجوين، 1993). # جاءت المعلومات عن المانوية من كتاب ابن النديم «الفهرست» ~~الذي ترجمه بايارد دودج (دار نشر جامعة كولومبيا، 1970)؛ وكتاب ~~صموئيل إن سي ليو «المانوية في الإمبراطورية الرومانية اللاحقة ~~والصين في العصور الوسطى» (دار نشر جامعة مانشستر، 1985)؛ وأطروحة ~~بيتر براون «انتشار المانوية في الإمبراطورية الرومانية» المنشورة ~~في مجلة «جورنال أوف رومان ستديز»، 1967. وأخذت الاقتباسات من ~~كتاب «الاعترافات» لأغسطينوس من ترجمة باين كوفين (بينجوين، 1961). ~~يمكن الاطلاع على صلاة الجنازة المندائية بالكامل على # http://gnosis.org/library/tsod.htm ~~. # ترجم كرامر القصيدة السومرية «أيام الدراسة» في الأصل عام 1949؛ ~~وقد استخدمت هنا ترجمة إيه آر جورج، 2005. وصلاة «الأومانو» ~~مأخوذة من كتاب «تاريخ علم التنجيم»، لبيتر ويتفيلد (المكتبة ~~البريطانية، 2001). ورد الاقتباس الخاص ببرج أرستقراطس في كتاب ~~«تاريخ علم التنجيم» لديريك وجوليا باركر (لندن، دويتش، 1983). ~~وملاحظة هيرودوت على عادات الاغتسال البابلية موجودة في كتابه ~~«تاريخ هيرودوت»، الكتاب الأول: 198. ويأتي اقتباس دراور من هرمز ~~عن «الملكي» في الصفحة 282 من كتاب «المندائيون في العراق ~~وإيران». # تحدثت دراور عن غضب الكهنة في الصفحة العاشرة من كتاب «آدم ~~السري» ووصفت كرون في الصفحة 270 من كتاب «المندائيون في العراق ~~وإيران». وصف دنانوخت هو ترجمة من كتاب كنزا ربا، التي أعاد ~~صياغتها إليوت واينبرجر من أجل كتابه «شيء أولي» (نيو دايركشنز، ~~2007). وذكرت دراور علاج دمل بغداد في كتاب «على ms313 ضفاف دجلة ~~والفرات» (هيرست آند بلاكيت، 1923)، الصفحة 228. وتعويذة ليبات ~~موجودة في كتاب «المندائيون في العراق وإيران»، الصفحة 26. ~~ذكرت تميمة بيل ونابو في مقالة دراور «كتاب مندائي عن السحر ~~الأسود،» المنشورة في مجلة «جورنال أوف رويال أسياتيك سوسايتي»، ~~المجلد 75 (أكتوبر 1943). ويمكن رؤية تميمة العقرب وبوابة بابل ~~التي أعيد بناؤها في متحف بيرجامون في برلين. # يمكن الاطلاع على تقرير جماعة حقوق الإنسان المندائية لعام 2011 ~~على # www.mandaeanunion.com/images/MAU/MHRG/MHRG_Docs/MHRG%20%20Report%202011.pdf ~~. # الفصل الثاني: الإيزيديون # زرت لالش في يوليو 2011، والتقيت بإيزيديين في الولايات ~~المتحدة في عام 2012 ثم مرة أخرى في عام 2013. أنا ممتن لأولئك ~~الذين تحدثوا معي، الذين ذكرت أسماؤهم في الكتاب؛ والأهم من ~~ذلك، أود أن أخص بالذكر ميرزا إسماعيل، الذي تكرم علي ~~بوقته، وأبا شهاب، الذي تفضلت أسرته بالاهتمام بي في بوفالو، ~~نيويورك. وفي نبراسكا، قدم لي باسم مقدمة رائعة عن مجتمعه. ولم ~~يبخل أعضاء المجلس الروحاني للإيزيديين علي بوقتهم، وكذلك فعل ~~خيري بوزاني، وعياد، ودخيل. وقد تفضل البروفيسور فيليب كرينبروك ~~بتصحيح بعض أخطائي الأولى، وهو غير مسئول بالطبع عن أي أخطاء ~~ربما تكون قد بقيت. # لمزيد من المعلومات حول الإيزيديين، توجد بعض المواد المفيدة ~~على # www.lalish.de ~~. ~~وللكتب العامة عن الإيزيديين، أقترح كتاب «الإيزيديين: دراسة في ~~البقاء» لجون إس جيست (روتليدج، 1987)، وكتاب إي إس دراور «الملاك ~~الطاووس» (جون موراي، 1941)، وكتاب فيليب كرينبروك «الإيزيدية: ~~خلفيتها، وشعائرها، والتراث المكتوب» (دار نشر إدوين مولين، ~~1995). # وللحصول على تفاصيل حول سنجار، أدين بالفضل للأطروحة ~~الإلكترونية لنيليدا فوكارو بجامعة دورهام عام 1994 بعنوان «جوانب ~~من التاريخ الاجتماعي والسياسي لمقاطعة الإيزيديين في جبل سنجار ~~(العراق) في ظل الانتداب البريطاني، 1919-1932». والتفاصيل الخاصة ~~بتاريخ الرها وحران مأخوذة في الغالب من كتاب «الرها: المدينة ~~المباركة» لجيه بي سيجال (دار نشر كلارندون، 1970). ويمكن قراءة ~~كتاب «رحلات إجيريا» في نسخة من ترجمة جون ويلكنسون (أريس آند ~~فيليبس، 1999). # جاءت عبارة «فليعن الرب الروم» من كتاب والتر إميل كايجي ~~«هرقل، إمبراطور بيزنطة» (دار نشر جامعة كامبريدج، 2003). وسورة ~~الروم هي السورة الثلاثون في القرآن. واستخدمت ترجمة بول ms314 ألان ~~بوليو لنقش نابونيد، المتوفرة على الإنترنت على # www.livius.org ~~. ~~وملاحظة الشهرستاني عن الصابئة تأتي من كتابه «الملل والنحل». ~~وروى ابن النديم قصة الحرانيين في كتابه «الفهرست» المجلد ~~الثاني: 14-17. واقتباس ثابت بن قرة مأخوذ من كتاب «نشأة ~~الإسلام» لبيركي. # يعتبر كتاب يارون فريدمان «النصيرية-العلوية» (بريل، 2009) دراسة ~~شاملة لما يعرف عن العلويين من مصادر العصور الوسطى. ووصفت ~~تجارب القس صموئيل لايد في كتابه «نصيرية بلاد الشام: اللغز ~~الآسيوي المتجلي في تاريخ نصيرية بلاد الشام ودينهم ووضعهم ~~الحالي» (لونجمانز، جرين، 1860). ورد على الإنترنت أن كتاب «ما ~~بعد القمر» هو أحد منشورات دار الشمال في بيروت، لكنني لم أستطع ~~العثور على نسخة منه. ولذلك اعتمدت على مراجعة له أعدتها ندرة ~~اليازجي ونشرت في المجلة الإلكترونية «المعابر» في نوفمبر 2003 ~~(متوفرة باللغة العربية على # http://maaber.50megs.com/issue_november03/books4.htm ~~). ~~وورد اقتباس جاكوب دي فيترياكو في كتاب لايد «نصيرية بلاد ~~الشام». # وتأتي إشارة ماركو بولو إلى الأكراد في ترجمة رونالد لاثام لكتاب ~~«رحلات ماركو بولو» (بينجوين، 1958). ويصف كتاب «النساطرة وطقوسهم» ~~لجي بي بادجر (جوزيف ماسترز، 1852)، ما لاقاه بادجر في شمال ~~العراق، بما في ذلك الطقوس الإيزيدية، والسنجق، وصلاة الشيخ عدي ~~المذكورة في هذا الفصل. ويعتبر كتاب ماتي موسى «الشيعة المتطرفون: ~~طوائف الغولات» (دار نشر جامعة سيراكيوز، 1987) مصدري عن الشبك. ~~وكان كتاب «نينوى وبقاياها» لعالم الآثار إيه إتش لايارد (جون ~~موراي، 1849) مصدر الملاحظات المنسوبة هنا إلى لايارد. # درس لويس ماسينيون حياة الحلاج بعمق وتعاطف في كتابه «آلام ~~الحلاج»، المتاح باللغة الإنجليزية في نسخة من ترجمة هربرت ~~ميسون (دار نشر جامعة برينستون، 1982). وكتب هربرت ماسون سيرته ~~الذاتية القصيرة والمفيدة في كتابه «الحلاج» (كارسون، ~~1995). # اقتباس مونتانوس مأخوذ من كتاب كرون «أنبياء معاداة ~~المهاجرين». واقتباسات يوسف بوسنايا وإسحاق النينوي مأخوذة من ~~كتاب كريستوف باومر «كنيسة المشرق»، الصفحتين 134-5. كما أنني ~~استعنت بكتاب «رابعة وزميلاتها المتصوفات في الإسلام» لمارجريت ~~سميث (دار نشر جامعة كامبريدج، 1928). # ويتوفر وصف بلوتارخ لقرابين الهووما في الكهوف في كتابه «إيزيس ~~وأوزوريس»، الفصل 46. وكلمات يوحنا ابن الفنكي مقتبسة من كتاب ~~«نشأة ms315 الإسلام» لبيركي. # الفصل الثالث: الزرادشتيون # زرت إيران في صيف عام 2006. وزرت مدينة بلخ في ربيع عام 2008. ~~إنني ممتن جدا للمنظمة الزرادشتية العالمية ورئيسها السابق ~~شاهين بخرادنيا، وكذلك للصناديق الاستئمانية الزرادشتية في أوروبا، ~~على تعاونهم الطيب. لقد تلقيت كرم الضيافة والترحيب الحار ~~عدة مرات في معبد النار الزرادشتي في راينرز لين، لندن. # تعتبر ماري بويس خبيرة من خارج الطائفة في أمور الزرادشتيين ~~لدرجة أنني رأيت صورتها معلقة في معبد النار في لندن. وقد ~~استفدت كثيرا من كتبها عند كتابة هذا الفصل: على وجه الخصوص ~~كتابها «الزرادشتيون: معتقداتهم وممارساتهم الدينية» (روتليدج آند ~~كيجان بول، 1979) وكتابها «معقل فارسي للزرادشتية» (دار نشر ~~كلارندون، 1977). يوجد كتاب أقدم عن الديانة الزرادشتية ولكنه ~~مهم ومحفز للتفكير هو كتاب آر سي زينر «الزرادشتية: الفجر - ~~الغروب» (ويدنفيلد آند نيكلسون، 1961). ويتتبع كتاب بول كريوازك ~~«بحثا عن زرادشت» (كنوبف، 2003) التأثير الأوسع نطاقا للدين ~~حتى يومنا هذا. # إن مفهوم الزرادشتيين عن دينهم يختلف إلى حد ما من مؤمن إلى ~~آخر، لذلك لا يوجد كتاب واحد يشرح ذلك. ومن ضمن التفسيرات ~~الزرادشتية لإيمانهم كتاب «دين زرادشت» لآي جيه إس تارابوروالا ~~(سازمان فارافاهار، 1980) بالإضافة إلى كتاب «دين البارسيين»، الذي ~~يضم حديث داداباي ناوروجي في عام 1861 إلى جمعية ليفربول الأدبية ~~والفلسفية. # ومن أجل فهم أشمل لإيران، توجد مجموعة هائلة من الخيارات. ~~وقد استمتعت بشكل خاص بكتاب روي متحدة «بردة النبي: الدين ~~والسياسة في إيران» (ون وورلد ، 2008). وأوصي أيضا بكتاب سعيد أمير ~~أرجمند: «العمامة أمام التاج: الثورة الإسلامية في إيران» (دار نشر ~~جامعة أكسفورد، 2009). # استشهد ريتشارد فولتز بانتقادات شابور للمسيحية في كتاب «أديان ~~طريق الحرير» (بالجريف ماكميلان، 2010). ووردت ملاحظات هيرودوت عن ~~التعليم الفارسي في كتابه «تاريخ هيرودوت»، المجلد الأول: 136. ~~المقتطفات من الأفستا مأخوذة من النسخة التي ترجمها دي جيه إيراني ~~على # www.zarathushtra.com ~~. ~~والنص المقتبس من سفر دانيال (12: 2) مأخوذ من الترجمة ~~الإنجليزية الحديثة للكتاب المقدس، المتاحة على الإنترنت على # netbible.com ~~. ~~ملاحظات نيتشه حول الأخلاق مأخوذة من مقدمة كتابه «هكذا تكلم ~~زرادشت»، الذي ترجمه توماس كومون وصدر ms316 كتابا إلكترونيا ~~تابعا لمشروع جوتنبرج في عام 2008. ووردت لقاءات إدوارد براون مع ~~الزرادشتيين والبهائيين في إيران في أواخر القرن التاسع عشر في ~~كتابه «عام بين الفرس» (آدم آند تشارلز بلاك، 1893)، الذي كان ~~أيضا مصدرا للقصيدة المنقوشة في برسيبوليس. واقتبست كلمات ~~ديودور الصقلي من ترجمة بيتر جرين لكتاب «تاريخ هيرودوت» (دار ~~نشر جامعة تكساس، 2006). # تأتي تفاصيل مأدبة الشاه من مقال لسبنسر بيرك لمجلة «هارفارد ~~أدفوكات»، عدد شتاء 2012. ونشر راندوم هاوس في عام 2006 نسختي من ~~كتاب «خالي العزيز نابليون» لإيرج بزشك زاده. وردت ملاحظة الشاه ~~في كتاب وزير التربية والتعليم آنذاك، منوتشهر كانجي، «تحدي ~~الثورة الإيرانية» (بريجر، 2002). وصدر إعلان آية الله بأن وصايا ~~الفقيه الحاكم مثل وصايا الله في عام 1988 وسجله أرجمند في كتابه ~~«العمامة أمام التاج»، الصفحة 34. # يكتب هيرودوت عن التضحيات الفارسية في كتابه «تاريخ هيرودوت»، ~~الصفحة 96. ووردت الاقتباسات المأخوذة من «الشاهنامه» في ترجمة ~~ديك ديفيس (فايكنج، 2006). وكان كتاب كرون «أنبياء معاداة ~~المهاجرين» هو مصدر الأسطر التي اقتبستها عن الشاعر العربي ~~الجعدي. وتأتي عبارة «فإن دينهم أن يقتل العرب» من ~~قصيدة للقائد الأموي نصر بن السيار، في إشارة إلى أتباع أبي ~~مسلم الإيرانيين. وأرشدني كتاب بويس «الزرادشتيون» إلى الكاتب ~~النرشخي، الذي هو مصدر رواية أعمال الفاتحين العرب في ~~بخارى. # ترد تجربة كسروي في كتاب متحدة «بردة النبي». وجاء رأي ~~الخميني بأن أفلاطون «رزين وحكيم» في كتابه «كشف الأسرار»، حيث ~~وصف أرسطو أيضا بأنه «رجل عظيم »؛ يمكنك الاطلاع على # www.irdc.ir/en/content/19569/print.aspx ~~. # وصف كتاب براون «عام بين الفرس» لقاءاته مع الزرادشتيين ~~والبابيين. وأخذت قصائد «ديوان حافظ» من ترجمة جيرترود بيل ~~(دابليو هاينمان، 1897). # اقتبست كلمات هاتريا من تقريره لعام 1854 لجمعية تحسين ظروف ~~الزرادشتيين في بلاد فارس (الذي يمكن قراءته، على سبيل المثال، في ~~محاضرة الدكتور داريوش جهانيان «تاريخ الزرادشتيين بعد الغزو ~~العربي» على موقع الويب الخاص بمركز الدراسات الإيرانية على # www.cais-soas.com/CAIS/History/Post- Sasanian/zoroastrians_after_arab_invasion.htm ~~). ~~واقتباس «آخر تحويل قسري جماعي للزرادشتيين»، وإحصاء انخفاض عدد ~~الكهنة في يزد، وخطاب حاملي النعش كلها مأخوذة من كتاب بويس ~~«معقل ms317 فارسي للزرادشتية». يكتب هيرودوت عن الشعائر الجنائزية في ~~كتابه «تاريخ هيرودوت»، الصفحة 99. ونقلت شبكة سي إن إن كلمات ~~خامنئي على عيد التشهارشنبه-سوري في السادس عشر من مارس 2010: # http://edition.cnn.com/2010/WORLD/meast/03/15/iran.new.year.crackdown ~~. # ساعدني موقع تاريخ البرلمان الإلكتروني (المتوفر على # www.historyofparliamentonline.org ~~) ~~في بعض التفاصيل حول حياة داداباي ناوروجي، التي جمعتها أيضا ~~جزئيا من تقارير الصحف ومن كتاب «داداباي ناوروجي: سيد الهند ~~المسن العظيم»، للسير رستم بيستونجي ماساني (ألين آند أنوين، ~~1939). # وأخذت بعض الإحصائيات والملاحظات المقتبسة عن النادي الزرادشتي ~~للكريكيت من كتاب جون هينيلز «تشتت الزرادشتيين: الدين والهجرة» ~~(دار نشر جامعة أكسفورد، 2005). # الفصل الرابع: الدروز # لقد زرت لبنان عدة مرات بين عام 2000 وحتى يومنا هذا، لكن معظم ~~اللقاءات في هذا الفصل كانت خلال رحلة مخصصة للقاء الدروز في ~~عام 2011. وكانت هذه الزيارة مثمرة بشكل كبير بفضل دعم ومساعدة ~~السفيرة البريطانية، فرانسيس جاي، وصديقنا المشترك، ربيعة قيس. وقد ~~صحح نديم شحادة من المعهد الملكي للشئون الدولية في لندن بعضا ~~من معلوماتي المغلوطة عن تاريخ لبنان الحديث، وانضم إلي في البحث ~~عن كتاب «ما بعد القمر». # أشعر بالامتنان الشديد لأولئك الذين التقوا بي في لبنان، ولا ~~سيما وليد جنبلاط، والأمير طلال أرسلان، والدكتور سامي مكارم من ~~الجامعة الأمريكية في بيروت، والشيخ علي زين الدين. وكذلك أود أن ~~أشكر الراحل أبا محمد جواد، هذا الرجل الورع الذي حزن الدروز ~~كثيرا عندما توفي عام 2012. قدم لي إياد أبو شقرة بعض الأفكار ~~المفيدة حول وجهة نظر الطائفة بشأن تناسخ الأرواح. وأهداني عباس ~~الحلبي كتابه المذكور لاحقا. عندما عدت إلى لبنان عام 2012 ~~لمناقشة الديانة العلوية، تكرم بمقابلتي كل من رفعت عيد، ~~وبدر ونوس، والشيخ أحمد العاصي. # يوجد ما يكفي من الكتب عن الدروز لإثبات قائمة مصادر، على سبيل ~~المثال: كتاب «الدروز: قائمة مصادر مزودة بحواشي»، لسامي سويد ~~(آي إس إي إس، 1998). وتشمل الكتب العامة عن الديانة الدرزية كتاب ~~«الدروز» لروبرت برينتون بيتس (دار نشر جامعة ييل، 1988)، وكتاب ~~«العقيدة الدرزية» لسامي مكارم (كارنارفون بوكس، 1974)، وكتاب ~~«تاريخ الدروز» لقيس فيرو (بريل، 1992)، وكتاب ms318 «الدروز: حقائق ~~ومفاهيم»، الذي حرره كمال صليبي (مؤسسة التراث الدرزي، 2006)، ~~وكتاب «أصول الدروز وديانتهم» لفيليب خوري حتي (دار نشر جامعة ~~كولومبيا، 1928). وقد انتقد الدروز الذين التقيت بهم هذا الكتاب ~~الأخير؛ لعدم إعجابهم ببعض الاستنتاجات الواردة فيه. ومع ذلك، فهو ~~يكرمهم بإعلان أن اللغز الدرزي «واحد من أكثر الألغاز المحيرة في ~~تاريخ الفكر الديني». # أعطاني شيخ العقل دليلا رسميا موجزا للديانة الدرزية: كتاب ~~«مسلك التوحيد»، الصادر سنة 1431 هجرية/2010 ميلادية عن ديوان ~~مشيخة الدروز. ويشكل كتاب «الدروز: العيش مع المستقبل»، لعباس ~~الحلبي (دار النهار، 2006)، جزءا من توجه سائد بين المثقفين ~~الدروز للتساؤل حول كيفية إبقاء دينهم السري على قيد الحياة في ~~عالم تسوده العولمة. # كلمات ماثيو أرنولد مأخوذة من قصيدته «شاطئ دوفر». # بين عامي 2009 و2011 اكتشفت مؤسسة جالوب أن ستة وسبعين ~~بالمائة من البالغين اللبنانيين لن يعترضوا على انتقال شخص من ~~ديانة مختلفة للعيش بجوارهم؛ وهي نسبة تزيد عن النسبة المسجلة ~~في المملكة المتحدة التي تبلغ سبعة وخمسين بالمائة، وفي إسرائيل ~~التي تبلغ ثلاثة وعشرين بالمائة. # كتاب «حديقة النبي» لجبران متاح باللغة الإنجليزية على نطاق ~~واسع، على سبيل المثال، من يو بي إس ببليشنرز (1996)، لكنني أضفت ~~بعض التعديلات إلى الترجمة لتعكس النص العربي بشكل ~~أفضل. # عبارة «مثل نمل أو ضفادع حول بركة» هي ملاحظة أدلى بها سقراط في ~~كتاب أفلاطون «محاورة فيدون». وفيما يتعلق بفيثاغورس وإرثه، أوصي ~~بكتاب «المعارف التقليدية والعلوم في الفيثاغورية القديمة» لوالتر ~~بوركرت (دار نشر جامعة هارفارد، 1972)، وكتاب «فيثاغورس ~~والفيثاغوريون الأوائل» لليونيد زمود (جامعة أكسفورد، 2012)، وكتاب ~~«المطرقة الخامسة»، لدانيال هيلر-روازن (زون، 2011)، الذي يتناول ~~بشكل خاص اهتمام فيثاغورس بالموسيقى، وكتاب «قياس السماء» ~~لكريستيان جوست-غوجير (دار نشر جامعة كورنيل، 2006)، الذي يناقش ~~الاهتمام الأوروبي (أي المسيحي) في العصور الوسطى ~~بفيثاغورس. # الكتاب العربي «فيثاغورس» الذي قرأته في بيروت كان من تأليف ~~هوبرت هوسون (1947) وترجمه شوقي داود تمراز. ونشر مقال فيثاغورس ~~في عدد خريف 2013 من مجلة «الضحى» ببيروت. واقتبس مرسوم جستينيان ~~من كتاب «وقائع» جون مالالاس، 18: 46، وترجمته إليزابيث جيفريز، ~~ومايكل جيفريز، ms319 وروجر سكوت (الرابطة الأسترالية للدراسات ~~البيزنطية، 1986)، وهو أيضا ما يخبرنا بباقي الأحداث. «ما علاقة ~~أثينا بأورشليم؟» كان سؤالا بلاغيا طرحه المجادل المسيحي ~~ترتليان في كتابه «علاج الهراطقة»، الفصل السابع. # يقدم كتاب «إخوان الصفا» لجودفرويد دي كالاتي (ون وورلد، 2005) ~~مزيدا من التفاصيل عن جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا الغامضة. ~~ونشرت دار نشر جامعة أكسفورد طبعة كاملة من «رسائل إخوان الصفا ~~وخلان الوفا» في عام 2008، التي حررها نادر البزري. وفتوى ابن ~~تيمية هي الفتوى رقم خمسة وثلاثين في كتاب «مجموع الفتاوى» لابن ~~تيمية، الذي حققه ابن قاسم وابنه محمد (مطابع الرياض، ~~1961-1967) ويمكن الاطلاع عليها على موقع # http://archive.org/stream/mfsiaitmmfsiaitm/mfsiaitm35#page/n159/mode/2up ~~. ~~كتاب نجلاء أبو عز الدين المشار إليه في هذا الفصل هو «الدروز» ~~(أبريل 1984). # لفهم الأفلاطونية المحدثة، يمكن الحصول على أفضل رؤية من ~~كتاب «التاسوعات» لأفلوطين، المتوفر باللغة الإنجليزية في نسخة من ~~ترجمة ستيفن ماكينا (جون ديلون، 1991). ومن الكتب التي تدرس الطرق ~~التي اعتمد بها المسلمون الأوائل الأفلاطونية المحدثة ~~وكيفوها، كتاب «رفيق كامبريدج للفلسفة العربية» (دار نشر جامعة ~~كامبريدج، 2005)، وكتاب «الأفلاطونيون الجدد المسلمون» لإيان ~~ريتشارد نيتون (جورج ألين آند أنوين، 1982)، والكتاب المفيد بشكل ~~خاص «الفكر اليوناني، الثقافة العربية» لجوتاس. ويشرح كتاب «تاريخ ~~قصير للإسماعيليين» لفرهاد دفتري (دار نشر جامعة إدنبرة، 1998) ~~المزيد عن السياق الإسلامي الإسماعيلي الذي انبثق منه الدروز. ~~ويعتبر كتاب «خليفة القاهرة» لبول إي ووكر (دار نشر الجامعة ~~الأمريكية بالقاهرة، 2010) سيرة ذاتية للحاكم بأمر الله. # يمكن الاطلاع على البرقية الأمريكية التي نشرت على ويكيليكس ~~على # https://www.wikileaks.org/plusd/cables/09BEIRUT972_a.html ~~. # يحتوي كتاب «ذكريات دروز لبنان » لإيرل كارنارفون (جون موراي، ~~1860) على روايته لزيارته بلدة المختارة وتكهناته حول الديانة ~~الدرزية. ويمكن قراءة مقالة هاسكيت سميث «دروز سوريا وعلاقتهم ~~بالماسونية» المنشورة في دورية «أرس كواتور كوروناتورم» طبعة عام ~~1891. وحصلت على مزيد من المعلومات عن تاريخ الماسونية من كتاب ~~«الحركة الماسونية: احتفال بالصنعة»، الذي حرره جون هاميل وآر ~~إيه جيلبرت (كتب أنجوس، 1993). وترد ملاحظة حتي في كتابه ~~«أصول الشعب الدرزي». # نشر خبر هجوم يوليو 2013 في صحيفة «ذا ديلي ستار» اللبنانية ms320 في ~~الثالث والعشرين من يوليو 2013. ونشرت تعليقات صفاء علم الدين ~~في مجلة «ذا ويكلي ستاندرد» في التاسع عشر من مايو 2014. # جاءت تفاصيل مصادرة الأراضي الإسرائيلية من مقالة موردخاي نيسان ~~«الدروز في إسرائيل: أسئلة حول الهوية، والمواطنة، والوطنية» ~~المنشورة في مجلة «ميدل إيست جورنال» المجلد 64، العدد 4 (خريف ~~2010). ويمكن قراءة الفصل العاشر من كتاب «عن حب الرب» للقديس ~~برنارد من كليرفو على الموقع الإلكتروني للمكتبة الأثيرية ~~للكلاسيكيات المسيحية، # www.ccel.org ~~. # الفصل الخامس: السامريون # عشت في القدس مدة ثلاث سنوات بصفتي دبلوماسيا بريطانيا بين ~~عامي 1998 و2001 وزرت السامريين مرتين خلال تلك الآونة، لكن ~~قربان عيد الفصح الموصوف في هذا الفصل حدث في عام 2012. أود أن ~~أشكر مجتمع السامريين وبيني تسيداكا على وجه الخصوص لتعاونهم ~~ومساعدتهم، وكذلك ممثلتهم في لندن، فيليسيتي ديفونشاير. # تشمل الكتب العامة عن السامريين كتاب «تاريخ السامريين» لناثان ~~شور (بيتر لانج، 1989) وكتاب «الحراس: مقدمة لتاريخ السامريين ~~وثقافتهم» لروبرت تي أندرسون وتيري جايلز (هندريكسون، 2002). ومن ~~الأعمال المرجعية الجيدة كتاب «الرفيق في الدراسات السامرية» لآلان ~~ديفيد كراون، وراينهارد بومر، وأبراهام تال (موهر سيبيك، ~~1993). # ذكر لقاء يسوع عند بئر يعقوب في إنجيل يوحنا 4: 9. وقدم كتاب ~~تيودور بارفيت «أسباط إسرائيل المفقودة» الكثير من المعلومات حول ~~أسطورة الأسباط العشرة، التي يبدأ بها الفصل، وتأثيرها على ~~الأوروبيين في العصور الوسطى. يأتي اقتباس سفر الملوك من الآية ~~17: 24. واقتباس التلمود البابلي مأخوذ من نسخة مترجمة ~~للبروفيسور ماهلون إتش سميث متوفرة على # http://virtualreligion.net/iho/samaria.html ~~. # تقدير عدد السكان السامريين في زمن يسوع مأخوذ من كتاب ~~«السامريون» (موهر، 1989) لآلان ديفيد كراون، الذي قدر أعدادهم ~~في الحقبة الهلينستية الرومانية في الصفحة 201. وتعاليم يسوع ~~بتجنب المدن السامرية موجودة في إنجيل متى 10: 5، وزيارته ~~الأولى هناك في إنجيل لوقا 9: 51؛ والاتهام بأنه كان سامريا ~~مذكور في إنجيل يوحنا 8: 48؛ والسامريون الذين غيروا دينهم ~~مذكورون في سفر أعمال الرسل 8: 14. # ملاحظات أنطونينوس من بياتشينزا مأخوذة من كتاب «الحجاج إلى ~~أورشليم قبل الحروب الصليبية» لجون ويلكنسون (أريس آند فيليبس، ~~2002). ومصدر ملاحظة الحكيم عن الإسلام هو كتاب «موسى بن ميمون» ~~لجويل كرامر ms321 (دوبلداي، 2010). ويرد تقييم شور للآثار الأولية للغزو ~~العربي في الصفحة 93 من كتابه «تاريخ السامريين». # رسائل جوزيف اسكاليجيه مقتبسة من كتاب «قصة السامريين في رسالة ~~إلى السيد جيه ... إم ...، المحترم» (آر ويلكين، نحو 1714). ويوجد ~~اقتباس آخر في نهاية الفصل مأخوذ من هذا الكتاب. # في عام 2012، أعادت دار نشر جامعة كامبريدج نشر كتاب «رحلات ~~ومغامرات القس جوزيف ولف». وفي عام 1828، نشرت دار كروكر آند ~~بروستر «مذكرات القس بليني فيسك» لألفان بوند. وفي عام 1864، نشرت ~~دار جون موراي كتاب «ثلاثة أشهر في نابلس» لجون ميلز. # واقتبس ~~تعليق رئيس كهنة السامريين على تأسيس إسرائيل على يد دوجلاس في ~~داف، وكان شرطيا بريطانيا في فلسطين خلال حقبة الثلاثينيات ~~وألف الكثير من الأعمال وسجل تجاربه في كتاب «صورة فلسطين» ~~(هودر آند ستوتن، 1936). وتأتي ملاحظة إتش في مورتون في كتابه «على ~~خطى يسوع» (ريتش آند كوان، 1934). وملاحظة شور «ربما تكون ~~المجموعة الأصغر» موجودة في الصفحة 11 من كتابه «تاريخ ~~السامريين». # أجريت دراسة علم الوراثة لعام 2010 على يد جيل ~~أتزمون، ولي هاو، وآخرون ونشرت في مجلة «أمريكان جورنال أوف ~~هيومان جينيتيكس»، المجلد 86 (الحادي عشر من يونيو 2010). وأعد ~~بيدونج شين وتال لافي، وآخرون بحثا عام 2004 الذي نشر في مجلة ~~«هيومان ميوتاشن» المجلد 24 (2004) ويمكن قراءته على # http://evolutsioon.ut.ee/publications/Shen2004.pdf ~~. # ووصفت أعمال التنقيب التي قام بها إسحاق ماجن في المعبد ~~السامري في مقال بعنوان «معبد إسرائيل الآخر»، في دورية «دير ~~شبيجل إنترناتسونال»، أبريل 2012. # الفيلمان الوثائقيان الإسرائيليان اللذان أنتجا عن السامريين ~~هما «السامريون الجدد» (نيو ساماريتنز) (جورنيمان بيكتشرز، 2007) ~~و«السامري الوحيد» (لون ساماريتن) (هايمان بروذرز فيلمز، ~~2010). # ورد وصف حياة يعقوب الشلبي في «إشعارات السامريين المعاصرين»، ~~لإي تي روجرز (سامبسون لو آند صن، 1855). # واقتبس التقييم الإيجابي لمبعوث اللورد روتشيلد للعلاقات ~~السامرية المسلمة في كتاب شور «تاريخ السامريين»، الصفحة ~~194. # أغنية البحر من سفر الخروج 15: 1-18. # الفصل السادس: الأقباط # عشت في مصر مدة عام من 1997 إلى 1998، وعدت مرتين لكتابة هذا ~~الفصل: مرة في أبريل 2011، ومرة في مايو 2012. خلال هذه الزيارة ~~الأخيرة أمضيت ms322 أسبوعا في المنيا. # أشعر بالامتنان الشديد للدكتور كورنيليس هولسمان ومجلته ~~«تقارير العرب والغرب» على مقدماتها ومعلوماتها. فهذه المؤسسة ~~الخيرية تحاول إنتاج تحليل موضوعي للعنف بين المسلمين والمسيحيين ~~في مصر، ويمكن زيارة موقعها الإلكتروني على # www.arabwestreport.info ~~. ~~كما أنني ممتن لمن ورد ذكرهم في النص: طارق العوضي، وجورج ~~إسحاق، ويوسف سيدهم. وكذلك أود أن أشكر الأب يوأنس من قرية قفادة ~~الذي تفضل بأخذي في جولة ليريني رعيته في عدة أيام متتالية. لم ~~تذكر أسماء آخرين في النص، ولكن ذلك ليس لعدم تقدير لكرمهم في ~~منحي وقتهم وأفكارهم. # من الكتب المفيدة بشأن الأقباط بشكل عام، كتاب «المسيحية في أرض ~~الفراعنة» لجيل كامل (روتليدج، 2002)، وكتاب «المسيحية القبطية في ~~ألفي عام» لأوتو ميناردوس (دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ~~1999). وعن العلاقات بين الأقباط والمسلمين، قرأت كتاب «المسيحيون ~~في مواجهة المسلمين في مصر الحديثة» لسناء حسن (دار نشر جامعة ~~أكسفورد، 2003)، وهو كتاب يتعارض محتواه إلى حد ما مع عنوانه ~~القاتم، حيث ألفته مصرية مسلمة ويتعاطف بشدة مع الأقباط وإن ~~لم يخل من الانتقاد؛ ووثيقة «أقباط مصر» الصادرة عن المنظمة ~~الدولية لحقوق الأقليات، التي كتبها سعد الدين إبراهيم وآخرون، ~~ونشرت عام 1996، وكتاب «الأقباط والمسلمون»، لقرياقص ميخائيل ~~(سميث، إلدر، 1911)، وكتاب «الوطن المفقود»، لصموئيل تادروس (دار ~~نشر معهد هوفر، 2013). # أيضا تناول كاتب الرحلات أنتوني ساتين بقاء العادات القديمة ~~في مصر، دون إيلاء الكثير من التركيز على الأقباط، في كتاب «ظل ~~الفرعون» (إيلاند، 2012). ويحتوي كتاب ماكس رودينبيك «القاهرة: ~~المدينة المنتصرة» (فينتاج، 2000) على تاريخ المدينة الممتاز منذ ~~تأسيسها في العصور الوسطى للإسلام. وأوصاني الأوزوريتس بكتاب «فجر ~~الضمير» للكاتب جيمس برستيد (ماكميلان، 1976) للأدلة على الرقي ~~الروحي للمصريين الأوائل. وأوصاني أكثر من مصري بكتاب «الناس ~~في صعيد مصر»، لوينيفريد بلاكمان (هاراب، 1927)، كدليل للعادات ~~القديمة التي لا تزال تمارس. # إن عدد الأقباط في مصر مسألة مثيرة للجدل. فوفقا لتعداد ~~السكان المصري الرسمي، مثل الأقباط 8,34 بالمائة من السكان عام ~~1923، و5,87 بالمائة عام 1986، ونحو 5,50 بالمائة عام 2000. وفي ~~مجلة «معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومينيكان بالقاهرة» المجلد ms323 ~~29 (2012)، يدافع كورنيليس هولسمان عن نتائج تعداد السكان في ~~مواجهة الشكوك التي عبر عنها العديد من الأقباط، الذين ~~يقدرون أعدادهم بنسبة تصل إلى عشرين بالمائة من السكان. # ذكر مصريو صحراء أولاه في ابتهال الراهب أنجوس، الذي يعود ~~إلى سنة 799. وناقش محرر مجلة «ميدل إيست جورنال» هذا الأمر في ~~مدونة من عام 2009: # http://mideasti.blogspot.co.uk/2009/03/saint-patricks-day-special- patrick-and.html ~~. ~~ويصف ديميتريوس الفالرومي ترتيل الحروف المتحركة السبعة في كتابه ~~«عن الأسلوب»، الفصل الحادي والسبعين. ووفقا لوكالة الروم ~~الكاثوليك جمعية رعاية الشرق الأدنى الكاثوليكية، بلغ عدد ~~الأقباط الكاثوليك 162 ألفا في تقدير فبراير 2013. وتعليق هيرودوت ~~على التدين المصري موجود في الصفحة 143 من ترجمة دي سيلينكور ~~لكتاب «تاريخ هيرودوت». وبعد عشر سنوات من استطلاعات الرأي في مصر، ~~خلص شبلي تلحمي في ورقة بحثية لمؤسسة بروكينجز بعنوان «أزمة ~~الهوية في مصر»، بتاريخ السادس عشر من أغسطس 2013، إلى أن ~~«المصريين يرون أنفسهم أكثر الشعوب تدينا في العالم». # اقتباس جلجامش مأخوذ من ترجمة جورج (راجع ملاحظات الفصل الأول). ~~ونقش القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد مأخوذ من ترجمة صموئيل ~~مرسير في عام 1952 لكتاب «متون الأهرام». # كان المؤرخ اليوناني بلوتارخ، في الفصل الثالث والأربعين من ~~كتابه «إيزيس وأوزوريس»، هو من أخبرنا أنه في وقته أطلق المصريون ~~على الاعتدال الربيعي اسم «قدوم أوزوريس إلى القمر» (ترجمة بابيت؛ ~~مكتبة لوب الكلاسيكية، 1936). وترنيمة أخناتون مأخوذة من كتاب ~~سيريل ألدريد «أخناتون، ملك مصر» (تيمز آند هدسون، 1991). وكتب ~~الدكتور أمين مكرم عبيد عدة كتب عن الدين والثقافة في مصر بما في ~~ذلك «مصر على مفترق طرق» (الحضارة، 2010). وهو الذي روى لي قصة ~~القبطيات اللائي غنين ألحانا حزينة لمريضة أثناء إجراء عملية ~~جراحية لها. # تسرد أطروحة «انتشار ختان الإناث بين الفتيات المصريات»، لتاج ~~الدين وآخرين، في مجلة «نشرة منظمة الصحة العالمية» لشهر أبريل ~~2008 ~~( # www.who.int/bulletin/volumes/86/4/07-042093/en ~~) ~~بعض الاستطلاعات التي أجرتها الأمم المتحدة وغيرها التي تظهر ~~الانتشار المرتفع بشكل ملحوظ لختان الإناث في مصر. ودعا مرجان ~~الجوهري إلى تدمير أبي الهول والأهرامات في العاشر من نوفمبر ~~2012، خلال مقابلة على قناة دريم ms324 تي في المصرية. # فيما يخص دين ما قبل المسيحية في مصر، قرأت كتاب ماكس ~~فرانكفورتر «الدين في مصر الرومانية»، الذي ورد فيه رثاء نقابة ~~نحاتي الكتابة الهيروغليفية في مدينة أوكسيرينخوس على احتضار ~~مهنتهم. # يرد سرد رحلات جيه إم فانسليب (المعروف أيضا باسم فانسليبين) ~~في كتابه «علاقات جديدة لرحلة في مصر» (إليبرون كلاسيكس، نسخة طبق ~~الأصل من إستيان ميتشالي باريس 1677). يروي المقريزي قصة كيف فقد ~~أبو الهول أنفه في كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»؛ ~~وكان هذا الكتاب أيضا مصدر ملاحظاته على دير أبو فانا. ويمكن ~~القراءة عن ويليام براون في كتاب «المسافر المعاصر» (كوثورن، ~~1800). # وفيما يتعلق بالهوس بالحضارة المصرية وتأثيره على القومية ~~المصرية، فأنا مدين بالكثير لكتاب «فراعنة من؟ علم الآثار، ~~والمتاحف، والهوية القومية المصرية من حملة نابليون إلى الحرب ~~العالمية الأولى» لدونالد مالكولم ريد (دار نشر جامعة كاليفورنيا، ~~2002)، بما في ذلك اقتباسات طهطاوي والخديوي إسماعيل. ترد تعيينات ~~إسماعيل في كتاب إيريس حبيب المصري «قصة الكنيسة القبطية» (دير ~~القديس أنطونيوس القبطي، 1982). وفيما يخص أحداث 1919، بما في ذلك ~~خطبة الأب سيرجيوس، فأنا مدين لكتاب «الوطن المفقود» ~~لتادروس. # وصفت سناء حسن في الفصل الثالث من كتابها «المسيحيون مقابل ~~المسلمين» أنشطة جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية ~~الأخرى، وكذلك فعلت كاري روزفسكي ويكهام في كتابها «جماعة الإخوان ~~المسلمين» (دار نشر جامعة برينستون، 2013). ~~«آخر العرب» هو كتاب لسعيد أبو الريش (دكوورث، 2005). وجاء رقم ~~خمسة وسبعين بالمائة الذي يمثل نسبة خسائر الأقباط جراء تأميم ~~عبد الناصر من وثيقة «أقباط مصر» لإبراهيم وآخرين. ويخبرنا كتاب ~~«الخروج من مصر» لأندريه أكيمان (فارار ستراوس جيرو، 1994) بطريقة ~~مؤثرة كيف تشتتت الجالية المصرية المتنوعة التي نشأ فيها ~~أكيمان اليهودي. # ووردت ذكريات كمال مغيث في مقال ياسمين فتحي بعنوان «ميم ... ~~مسجد» على موقع «الأهرام أونلاين» في الرابع من مايو 2013. ونشرت ~~صحيفة «روز اليوسف» مقابلة مهدي عاكف التي قال فيها «طز» في التاسع ~~من أبريل 2006 (كما أفادت مجموعة الأزمات الدولية في مقال ~~«الإخوان المسلمون بمصر»، في الثامن عشر من يونيو 2008). وتأتي ~~الإشارة ms325 بنسبة الاثنين والتسعين بالمائة من استطلاع للرأي ~~أجرته مؤسسة جالوب في مارس وأبريل 2011: # www.gallup.com/poll/157046/egypt-tahrir-transition.aspx#1 ~~. # الأضرار الناجمة عن أعمال الشغب في المنيا تسردها المبادرة ~~المصرية للحقوق الشخصية (التي أعطتني اسمي الرجلين اللذين ماتا) ~~على موقعها الإلكتروني # www.eipr.org/en/content/2013/08/25/1796 ~~. ~~وورد التقدير بأن خمسة وستين بالمائة من أعمال العنف تحدث في ~~المنيا في مقال لسليمان شفيق في جريدة «وطني» بتاريخ الخامس عشر ~~من فبراير 2014، متوفر على الإنترنت على # http://wataninet.com/watani_Article_Details.aspx?A=51783 ~~. ~~يمكن الاطلاع على إحصاءات الفقر والبطالة في المنيا في مقال ~~بعنوان «محافظة المنيا في مصر: نقطة اشتعال العنف بين المسلمين ~~والمسيحيين»، منشور على موقع «المونيتور»، # www.al-monitor.com/pulse/originals/2014/04/egypt-sectarian-violence- minya-province.html# ~~. ~~وإحصائيات استطلاع مركز بيو للأبحاث لعامي 2011-12 مأخوذة من ~~التقرير الاستقضائي «مسلمو العالم: الدين، والسياسة، والمجتمع» ~~المتوفر على # www.pewforum.org/2013/04/30/the-worlds-muslims-religion-politics- society-interfaith-relations ~~. # لمزيد من التفاصيل حول المناهج الدراسية المصرية، بما في ذلك ~~الإصلاحات الأخيرة، راجع «نهج جديدة في تصوير المسيحية في الكتب ~~المدرسية المصرية»، لدكتور ولفرام ريس، القاهرة، نوفمبر ~~2006. # الفصل السابع: الكلاشا # زرت وديان الكلاشا في ديسمبر 2012. جاء ذلك بعدما كنت قد ~~أمضيت سنتين في أفغانستان بين عامي 2007 و2009 وزرت المناطق ~~الشمالية من باكستان في عام 2008. «هيندوكوش هايتس» هو اسم الفندق ~~الممتاز الذي أقمت فيه في شيترال، المملوك لسراج الملك. وأنا ~~ممتن جدا له ولزوجته غزالة، وبشكل أخص لشعب الكلاشا، الذي ~~استقبلني بلطف شديد. ويستحق عظيم بيك ووزير علي شاه إشادة ~~خاصة. وتفضلت حميرة نوريستاني بمنحي رؤى ثاقبة لما يعنيه أن ~~تكون أمريكيا أفغانيا معاصرا من أصل نورستاني، وساعدت في ~~تصحيح التصور المأخوذ عن شعبها بأنه فقير ومتعصب. # الاقتباس في الفقرة الأولى مأخوذ من كتاب بيتر ماين «الابتسامة ~~المحدودة» (موراي، 1955). والإشارات إلى رحلات الإسكندر الأكبر في ~~الفقرة الثالثة تأتي من ترجمة مارتن هاموند لكتاب «أنباسة ~~الإسكندر» لآريانوس (دار نشر جامعة أكسفورد، 2013). وردت ملاحظات ~~ماركو بولو في ترجمة لاثام لكتاب «رحلات ماركو بولو» (بينجوين، ~~1958). # للقراءة عن سياق أحداث «اللعبة الكبرى»، وتفاصيل عن وفاة ~~ألكسندر بيرنز، وقراءة ممتعة؛ أوصي بكتاب بيتر هوبكيرك «اللعبة ~~الكبرى: عن الخدمة السرية في آسيا العليا» (جون موراي، ms326 2006). ~~لم تصل أخبار وفاة بيرنز إلى بريطانيا إلا في فبراير 1842، وهو ~~التوقيت الذي نشرت فيه عدة نسخ من نعيه. وحرر الرائد هيو ~~بيرس كتاب «مذكرات ألكسندر جاردنر» ونشرته دار نشر ويليام ~~بلاكوود آند صنز في عام 1898. # في عام 1873، كتب مبشر بريطاني يدعى إي داونز «كافرستان: ~~وصف للبلد، واللغة، والدين، وعادات كفار سياه بوش: اعتبار ~~كافرستان على وجه الخصوص مكانا مناسبا للعمل التبشيري» (دبليو إي ~~بول، 1873)، حيث لمح إلى وجود مخزون رائع من الذهب وإمكانية ~~العثور هناك على نبات مثير للشهوة الجنسية، وربما يعود ذلك إلى ~~شعوره بالحاجة إلى استرعاء اهتمام أقل روحانية بالمكان. # أسفرت زيارة ماكنير إلى كافرستان عن منشورين؛ أحدهما للجمهور ~~العام، «زيارة إلى كافرستان» لدبليو دبليو ماكنير (ويليام كلوز آند ~~صنز، 1884)، والآخر للحكومة الهندية، «تقرير عن الاستكشافات في ~~جزء من شرق أفغانستان وكافرستان عام 1883» (دهرا دون، 1885). ومات ~~بعد ذلك بوقت قصير، وكتب جيه إي هوارد سيرته الذاتية، «مذكرات ~~دبليو دبليو ماكنير، أول مستكشف أوروبي لكافرستان» (كيمر، 1889). ~~تعرض كتاب «داردستان وكافرستان: في ثلاثة أجزاء» (سوبرإنتيندينت ~~جوفرنمنت برينتينج، الهند، 1885) لمحاولة بريطانية لفهرسة ~~جزأين فقط، دون الجزء الخاص بكافرستان. # نشر كتاب جي إس روبرتسون «كفار هندوكوش» أول مرة في عام 1896، ~~وأعاد الناشر اللاهوري سانج إي ميل طبعه في عام 2001. ويمكن رؤية ~~تقريره السري للحكومة البريطانية في المكتبة البريطانية تحت ~~عنوان «تقرير عن رحلة كافرستان» (إتش إم إس أوه، 1894). وسيرته ~~الذاتية، «البطل غير المتوقع» لدوروثي أندرسون (سبيلماونت، ~~2008)، تدافع عنه أمام الاتهامات بأنه كان ينبغي عليه فعل المزيد ~~لحماية الكفار. نشر جون موراي مذكرات عبد الرحمن خان، «حياة عبد ~~الرحمن، أمير أفغانستان»، في عام 1900. # يأتي اقتباس ماكنجتن «ها هم أقرباؤك قادمون!» من حديث ألقاه ~~ماكنير أمام الجمعية الجغرافية الملكية في يناير 1884، ومقتبس في ~~كتاب هوارد «مذكرات دبليو دبليو ماكنير». واقتباس آلان بينيت ~~مأخوذ من مسرحيته «تلاميذ صف التاريخ» (1995). نشر استطلاع ~~الحمض النووي لعام 2014 بعنوان «أطلس جيني لتاريخ الاختلاط بين ~~البشر»، لجاريت هيلينثال، وجورج بي جيه بزبي، وآخرين في مجلة ~~«ساينس» في الرابع ms327 عشر من فبراير 2014، ويمكن الاطلاع على خريطة ~~تفاعلية لبياناته على # http://admixturemap.paintmychromosomes.com ~~. # ومن بين الكتب التي تتحدث عن أهل نورستان في مرحلة ما بعد ~~تغيير ديانتهم، كتاب ماكس كليمبورج «كفار هندوكوش: الأعمال الفنية ~~ومجتمع كفار وايجال وأشكون» (فرانز شتاينر فيرلاج، 1999). ~~وأولى إريك نيوباي لنورستان بعض الاهتمام في مذكرات أسفاره ~~«نزهة قصيرة في هندوكوش» (هاربر، 2010)، وزار ثلاثة دبلوماسيين ~~مقيمين في كابول، هم نيكولاس بارينجتون، وجوزيف تي كيندريك، ~~وراينهارد شلاجينتويت، المنطقة، وكتبوا انطباعاتهم عنها في كتاب ~~«رحلة إلى نورستان: استكشاف المناطق النائية الأفغانية الغامضة» ~~(آي بي توريس، 2005). # وكتب الأخوان ألبرتو وأوجستو كاكوباردو كتابا بعنوان «بوابات ~~بريستان» (المعهد الإيطالي لأفريقيا والشرق، 2001) يتناول عادات ~~كافرستان، والكلاشا، وسكان جلجت وهونزا المجاورتين. وترد ~~ملاحظات آر سي إف شومبيرج على الكلاشا في كتاب «الكفار والأنهار ~~الجليدية: رحلات في شيترال» (لندن، 1938)، الذي لم يعد متوفرا ~~الآن. ورواية «الرجل الذي سيصبح ملكا»، لروديارد كيبلينج، متاحة ~~من خلال دار نشر وردزورث إيديشنز في طبعة ثانية صدرت عام ~~1994. # كتب كتاب إم إس دوراني عن الكلاشا «كفار الكلاشا - الحاجة ~~الملحة إلى إنقاذ شعب متلاش» عام 1982 ولكنه لم ينشر، لكنني ~~وجدت نسخة في مكتبة إس أو إيه إس بجامعة لندن. # الخاتمة: ديترويت # أود أن أشكر الدكتورة إيلين رمان، ويوسف بركات، وجورج خوري، ~~والإمام القزويني، ووسام بريجي، وميرزا إسماعيل، وأبا شهاب، ~~والمجتمع الإيزيدي في نبراسكا. # المعلومات عن مسيحيي العراق مأخوذة من كتاب الدكتورة سها ~~رسام «المسيحية في العراق» (جريسوينج، 2005) وكذلك من كتاب ~~دكتور كريستوف بومر «كنيسة المشرق». وتطرق إلى قصة ماركوس في ~~كتاب «رحالة من زانادو»، لموريس روسابي (كودانشا إنترناشونال، ~~1992). ونشر كتاب «قصتنا: المتحف العربي الأمريكي القومي» عام ~~2007. واستشهد بكتاب لوبيري في ملاحظات الفصل الأول. ms328