######OpenITI# #META# URI: 1450BadrDinCurudki.Macak.Hindawi93636939 #META# Tags: biographies #META# ID: 93636939 #META# Title: مَعَك #META# AuthorID: 74097968 #META# Author: سوزان طه حسين #META# EditorID: 73580971 #META# Editor: محمود أمين العالم #META# TranslatorID: 75153159 #META# Translator: بدر الدين عرودكي #META# Related_books: 1409SusanneTahaHussayn.AvecToi (TRANSL) #META#Header#End# # هذا الكتاب‏ ~~«معك» في هذه الطبعة الجديدة‏ # شكر‏ # مقدمة‏ # معك‏ # متفرقات‏ # تذييل: تأملات حول نص، وحياة، وعالم‏ ~~«معك» في صور‏ # هوامش‏ # هذا الكتاب‏ ~~«معك» في هذه الطبعة الجديدة‏ # شكر‏ # مقدمة‏ # معك‏ # متفرقات‏ # تذييل: تأملات حول نص، وحياة، وعالم‏ ~~«معك» في صور‏ # هوامش‏ # | معك # | معك # تأليف # سوزان طه حسين # ترجمة # بدر الدين عرودكي # مراجعة # محمود أمين العالم # | هذا الكتاب # قبل نيف وثلاثين عاما، قام جاك بيرك، المستعرب وأستاذ التاريخ الاجتماعي والحضاري ~~للعالم العربي في الكوليج دو فرانس، بتخصيص سنتين من درسه الأسبوعي لدراسة طه حسين ودوره ~~في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. كانت سنتان قد مضتا على وفاة طه حسين، وكان - وقد ارتبط ~~بعلاقة صداقة حميمة معه - يرتبط أيضا بالعلاقة نفسها مع زوجة طه حسين «سوزان» ومع ابنه ~~«مؤنس»، الذي كان يعمل في اليونسكو ويعيش في باريس على الدوام. وقد كان يبدي في كل مناسبة ~~إعجابه بهذه العلاقة الفريدة من نوعها التي ربطت طه حسين بزوجته: مسلم ومسيحية، مصري ~~وفرنسية، عربي الثقافة والانتماء الحضاري وأوروبية في ثقافتها وانتمائها ... علاقة استمرت ~~أكثر من خمسين عاما نسجها حب عميق واحترام لا يقل عنه عمقا. وكان أكثر ما يثير ~~إعجابه فيها أن هذا الاحترام طال في حياتهما المشتركة حرية العقيدة؛ فقد كانت مسيحية ~~وبقيت كذلك في رفقة زوج مسلم لا يثنيها عن دينها ولا يحاول. ولم يكن ذلك أمرا شديد الندرة، ~~بل فريدا في وقته وفي مجتمعه. فاقترح عليها في إحدى زياراتها إلى باريس ولقائها به بعد ~~وفاة طه حسين، أن تكتب تجربتها هذه لتقدم طه حسين تحت أضواء لم يسبق أن سلطت عليه من ~~قبل، ولا يسع أحدا أن يقوم بذلك سواها. وأكاد أظن أنه أوحى لها بأنهما ما داما كانا ~~يقومان برحلتهما السنوية التي تقودهما في بداية صيف كل سنة من شواطئ الإسكندرية إلى شواطئ ~~أوروبا الإيطالية أو الفرنسية، فلتقم على صفحات كتاب بمثل هذه الرحلة، تقول خلالها طه ~~الإنسان والأب والزوج وحياته وعلاقتها معه وعلاقته معها، مستعرضة معاركه وهمومه ~~وأحلامه وأهدافه كاتبا ms001 ومناضلا سياسيا وصحفيا ومربيا وجامعيا وأكاديميا ووزيرا ~~... وأخبرها أنها إن كتبت هذا الكتاب فسيقترح عليها أن يقوم بترجمته كاتب سوري لكي يؤكد ~~على البعد العربي لمشروع طه حسين الثقافي، وكنت من اقترح بيرك اختياره لهذه المهمة، وأن ~~يقوم بمراجعة الترجمة كاتب مصري تقدمي لكي يؤكد على البعد المستقبلي لهذا المشروع، ~~وكان اختياره قد وقع على الصديق الأستاذ محمود أمين العالم. # ولقد جاء الكتاب فريدا من نوعه شكلا ومضمونا كما كان يقال في لغة النقد الأدبي ~~الكلاسيكية! فلا هو رواية على امتلاكه كثيرا من عناصرها، ولا هو قصة طويلة على وجود شخصية ~~رئيسية أساسية، ولا هو رسالة حب حميمة على ما ينطوي عليه من فصول ومقاطع يسود فيها ضمير ~~المخاطب: منها إليه، ولا هو تأريخ على ما فيه من سرد لحوادث كبرى عرفتها مصر خلال حياة طه ~~حسين، ولا هو، أخيرا، يوميات على ما تضمنه من ضبط إيقاع الكتاب؛ تارة بناء على تواريخ ~~معينة، وتارة بناء على مواقع محددة ... وأجرؤ على القول إن فيه من كل شكل من هذه ~~الأشكال عناصر صنعت فرادته فعلا وجماله فعلا وخصوصيته فعلا. # كان هم السيدة سوزان طه حسين أن تتم ترجمة الكتاب وأن ينشر بأسرع وقت ممكن؛ ~~لتتمكن من رؤيته يقرأ في مصر وفيما وراء مصر في العالم العربي. ولم تكن تلقي بالا إلى ~~نشره بالفرنسية؛ فقد قررت أن القارئ الفرنسي لن يحفل بمثل هذا الكتاب، وإنما القارئ ~~العربي هو الأولى به. ومن ثم فقد وضعت ذات يوم بين يدي نص المخطوط مضروبا على ~~الآلة الكاتبة ومصححا بخط يدها ... # ذات يوم ... # فقد ضرب لي مؤنس طه حسين موعدا بعد ظهيرة يوم من الأسبوع، لا أذكر تاريخه، للقاء والدته ~~في بيته بباريس. كنت أهاب اللقاء. ها أنا ذا وقد عشت سنين إطلالتي على الحياة غارقا في ~~كتب العقاد ومسرحيات توفيق الحكيم وروايات وكتب طه حسين؛ هذا الثلاثي الكبير الذي ملأ ~~الحياة الأدبية والفكرية في مصر، بل وفي العالم العربي على امتداد عشرات السنين في القرن ~~الماضي ms002 ، أقول ها أنا ذا وقد راسلت العقاد وراسلني وحفظت رسالته إلي عن ظهر قلب ولا أزال، ~~دون أن ألتقي به؛ ها أنا وقد التقيت توفيق الحكيم في باريس بفضل مبادرة المفكر والأستاذ ~~والصديق أنور عبد الملك وفي داره الباريسية، وقضيت بصحبته ثلاث ساعات لا تنسى أمطرته ~~خلالها بكل ما تراكم في رأسي من تساؤلات وملاحظات حول ما كتبه من روايات ومسرحيات وما ~~أبداه من آراء؛ ها أنا ذا أجد نفسي في حضرة المرأة التي أحبها طه حسين، والمرأة التي ~~رافقت طه حسين في همومه وهواجسه ومعاركه وأفراحه ورضاه وغضبه، حتى اللحظة الأخيرة ... ها أنا ~~ذا في حضرة هذه السيدة التي لم يكتب لي أن ألتقي زوجها - بل سمعته ذات يوم عن بعد وهو ~~يلقي محاضرة على مدرج جامعة دمشق، الذي كان حافلا عن بكرة أبيه بكل ما كانت دمشق وقتئذ ~~تضمه من رواد في الأدب وفي التاريخ وفي الإسلاميات وفي النقد - تستقبلني بابتسامة مبتهجة. ~~وأعترف ساذجا بتأثري من هذا اللقاء الذي يتاح لي مع أقرب الناس إلى عميد الأدب العربي ~~الذي كان يبدو لي مقيما في سماء عسيرة المنال. لكن مؤنس ما لبث أن أعلمني أن زوجته هي ~~أيضا حفيدة أحمد شوقي، أمير الشعراء، الذي حفظنا - تلامذة وطلبة - أشعاره عن ظهر قلب، ~~نحن السوريين، والدمشقيون منهم خصوصا، عندما انبرى في قصيدته الرائعة يغني دمشق إثر قصف ~~الفرنسيين لها عقابا لأهلها على مطالبتهم بالاستقلال. أعترف أنني كنت كالطفل الصغير، ~~مبهورا أمام هذه الأسرة الصغيرة التي رحل عنها من كان سببها وسبب وجودي في دارها ~~الباريسية، تتزاحم في رأسي الذكريات والكتب والمقالات التي كنت أتابعها منذ أن وعيت على ~~القراءة ووقعت على اسمه بين الأسماء التي أغنت قرننا الماضي ومنحته من المعاني ما نفتقد ~~الكثير منها هذه الأيام. # طمأنت السيدة سوزان القلقة من تقدمها في العمر؛ تخشى أن ترحل عن هذه الدنيا قبل أن ~~ترى هذا الكتاب منشورا بالعربية، التي لم تتقنها على معايشتها عميد أدبها نصف قرن كامل. ~~أصرت أن ينشره ms003 آنئذ الناشر الذي نشر كتب زوجها، لا الذي # 1 # كان يود لو فعل، وأراد بهذه المناسبة أن أتحدث باسمه إليها أسألها ~~الموافقة. # وعدتها أن أنهي ترجمة الكتاب في أشهر معدودات. ولقد فعلت. وقام الأستاذ محمود أمين ~~العالم بمراجعة الترجمة، وأشرف على متابعة النشر عن كثب الدكتور محمد حسن الزيات، زوج ~~ابنتها ووزير الخارجية المصرية في ذلك الوقت، وصدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار المعارف ~~في القاهرة، وأرسلت لي السيدة سوزان طه حسين أول نسخة منه سعيدة مبتهجة برؤيتها الكتاب ~~منشورا. # فوجئت إذ وصلني الكتاب أن الغلاف لا يحمل اسم المترجم ولا المراجع، ولا كذلك صفحة ~~العنوان الأولى. لكن الصفحة التالية كانت تحمل في أسفلها وببنط شديد الصغر اسمينا. لم ~~ير الناشر وقتها ضرورة وضعهما، كما جرى العرف، على صفحة الغلاف الخارجي ولا على صفحة ~~الغلاف الداخلي. وحين نشرت الفصول الأولى من الكتاب مقتطفات في العدد الأول من مجلة أكتوبر، ~~تم أيضا تغييب اسمي المترجم والمراجع معا، حتى إن مجلة عربية أسبوعية كانت تصدر في ~~باريس نوهت بذلك تحت عنوان طريف: «الوحدة السورية المصرية تعود من خلال تغييب اسم ~~المترجم والمراجع في كتاب «معك» لسوزان طه حسين» أو شيء من هذا القبيل. # يقال: رب ضارة نافعة! والحق أن محاولة التغييب هذه دفعت القراء للبحث عن الاسمين. ~~وما أكثر الذين كسبت صداقتهم في مصر وودهم بفضل هذه الترجمة، التي لم تجد - كما كان جاك ~~بيرك يتمنى ومعه سوزان طه حسين - طريقها إلى قراء العربية في أقطار الوطن العربي في مشرقه ~~ومغربه. # تلك قصة هذا الكتاب الذي يجده القارئ بين يديه مجددا بفضل رغبة العديد من الأصدقاء، ~~وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور جابر عصفور الذي يتابع بجهد وأناة وبصيرة وسعة أفق ما كان طه ~~حسين قد دعا إليه وبدأه: الانفتاح على العالم أجمع من خلال التواصل الثقافي والحضاري عبر ~~الترجمات والتبادلات والحوارات. لا أريد أن أعلق عليه ولا على ما جاء فيه. للقارئ أن يعيد ~~التعايش مع مرحلة من تاريخ مصر عبر حياة ms004 واحد من كبار أبنائها عاشها مفجرا كل لحظة من ~~لحظاتها إبداعا ونتاجا ومشاركة حثيثة في هموم مجتمعها وهواجسه وتطلعاته وآماله. وللقارئ ~~الشاب بوجه خاص أن ينعم النظر فيما سيقرأ: قصة وسيرة مثل في فن الحياة، يسعه إن شاء أن ~~يبحث - ولو أعياه البحث - عن مثيل له في أيامنا ~~هذه. # باريس-القاهرة، 18 نوفمبر 2008 # د. بدر الدين عرودكي # سوزان طه حسين ~~••• # معك # من فرنسا إلى مصر ~~«قصة حب خارقة» # سوزان وطه حسين ~~(1915-1973) ~~••• # تقديم # أمينة طه حسين (أوكادا) ~~••• # الهوامش والتذييل # زينا ويجان وبرونو رونفار ~~••• # ترجمة # بدر الدين عرودكي # | «معك» في هذه الطبعة الجديدة # عندما أعلمتني مؤسسة هنداوي بالقاهرة عزمها على نشر كتاب سوزان طه حسين «معك» الذي سبق ~~أن نشرته عام 1977 دار المعارف، ثم المركز القومي للترجمة عام 2008؛ كانت هناك طبعة ~~فرنسية للكتاب قد صدرت للمرة الأولى بباريس في شهر أكتوبر 2011 (أي بعد سبعة وثلاثين عاما ~~على صدور الطبعة العربية الأولى) سهر على إعدادها وإغنائها بهوامش تعريفية للقارئ الفرنسي، ~~بالإضافة إلى ملحق واف عن مؤلفة الكتاب السيدة زينا ويجان والسيد برونو رونفار، ومقدمة ~~كتبتها حفيدة طه حسين؛ السيدة أمينة طه حسين (أوكادا). # عندما طلب إلي مؤنس طه حسين - بناء على اقتراح من جاك بيرك - ترجمة مخطوط الكتاب إلى ~~العربية، لم تكن سوزان طه حسين تهتم بنشره بالفرنسية. كانت تريد أن تقدم كتابها ~~لقراء طه حسين العرب قبل كل شيء، ولم تكن تتخيل أن القارئ الفرنسي يمكن أن يهتم بما ستقوله ~~عن حياة الرجل الاستثنائي الذي أحبته وسكنت إليه ودفنت في أرض مولده. # وكنت قد اطلعت على هذه الطبعة فور صدورها ورأيت في الهوامش التي أضيفت إليها، والتي ~~تقدم مختلف الشخصيات العلمية والسياسية سواء في مصر أو في البلدان العربية والغربية ~~الذين التقاهم طه حسين طوال حياته، أداة لا غنى عنها، لا للقارئ الفرنسي فحسب - وكان هو ~~المستهدف بها - بل وللقارئ العربي أيضا الذي لا يقل حاجة في نظري عن حاجة القارئ ~~الفرنسي؛ للإحاطة بسير حياة نخبة الشخصيات العلمية والأدبية ms005 والسياسية المصرية والأجنبية ~~التي عرفها طه حسين وعرفته وقدرته حق قدره؛ ولهذا اقترحت على مؤسسة هنداوي أن تشمل ~~الطبعة الجديدة للكتاب وهي تستعيد النص العربي الذي قمت بترجمته وقام الصديق المرحوم محمود ~~أمين العالم بمراجعته، ما اشتملت عليه الطبعة الفرنسية من نصوص المقدمة والهوامش ~~والتذييل. # وقد رحب مؤلفا هذه النصوص، السيدة زينا ويجان وبرونو رونفار، بترجمتها إلى العربية ~~مثلما رحب معهما حفيدات وأحفاد طه حسين بأن تكون الطبعة العربية الجديدة صنو الطبعة ~~الفرنسية؛ احتفالا بالنص الأصلي للكتاب الذي استقبله القراء العرب أجمل استقبال منذ صدور ~~طبعته الأولى عام 1977. ولا بد لي هنا من أن أشكر الجميع على تشجيعهم لي ومد يد المساعدة ~~لتحقيق هذه الترجمة. والشكر موصول إلى السيدة شهرت العالم، ابنة الصديق المرحوم محمود أمين ~~العالم، على حماسها وتشجيعها، وإلى الصديق سيد محمود الذي مد لي يد العون في أكثر من ~~مناسبة كي يكتمل إعداد الكتاب في طبعته الجديدة على أحسن وجه. # باريس، 15 أغسطس 2014 # د. بدر الدين عرودكي # | شكر # نود قبل كل شيء التعبير عن امتناننا للأب رنيه فانسان غرانلوني، العامل في مكتبة معهد ~~الدومينيكان للدراسات الشرقية بالقاهرة، الذي تفضل فأعطانا صورة عن المخطوط المطبوع على ~~الآلة الكاتبة من كتاب «معك» والمصحح بيد سوزان طه حسين. # كان لنا، بعد ذلك، شرف اللقاء عدة مرات مع حفيدات سوزان طه حسين: السيدة أمينة طه حسين ~~(أوكادا)، والسيدة سوسن الزيات، وزوجها؛ الذين استعادوا من أجلنا ذكريات ثمينة، والذين ~~شجعوا على الدوام مشروع عملنا. لا، بل إن السيدة أمينة طه حسين (أوكادا) ساعدتنا، فضلا عن ~~ذلك، في وضع النص الفرنسي اعتمادا على نسختها المضروبة على الآلة الكاتبة الخاصة بجدتها ~~الأصلح للقراءة والمتضمنة عددا من الهوامش المخطوطة التي تنطوي على تنويعات عدة في النص. ~~وعهدت إلينا، فضلا عن ذلك، بالمخطوط المضروب على الآلة الكاتبة للجزأين الأولين من ~~مذكرات أبيها، مؤنس-كلود طه حسين، اللذين كانا في نظرنا مصدرا هاما لا يقدر بثمن. ~~وكان مؤنس-كلود، من ناحية أخرى، خلال لقاءاتنا قبل خمسة عشر عاما، ms006 قد تمنى وشجع على ~~نشر كتاب «معك» بالفرنسية. وأخيرا، مها عون، الحفيدة الصغرى لسوزان وطه حسين، التي ~~برهنت على كرم وثقة في تقاسم الوثائق، وهي تشرف اليوم على مشروع جميل من أجل تعريف الأجيال ~~الجديدة على أفضل وجه بفكر ومبدعات طه حسين. # إننا نشكرهم على استقبالهم، وثقتهم، ودعمهم، أحر الشكر. # نشكر كذلك كل الأشخاص الذين تلقوا أو حملوا لنا شهاداتهم الشفهية أو المكتوبة أو ~~أرسلوا لنا الوثائق وشجعونا بطريقة أو بأخرى على تحقيق مشروعنا؛ وخصوصا: السيدة مرغريت ~~بوردي-كييري، السيدة إيرين فانوجليو، السيدة جاك حسون، السيدة عزة هيكل عامودي، السيدة ~~الأستاذة كاترين مايور-جاوين، السيدة الأستاذة سامية ي. ~~سبنسر والراهبة باتريك، ف م م، السيد برتو فارهي، السيد الأستاذ أوليفييه فور، السيد ~~الأستاذ مجدي فرنسيس، السيد جاك كيرييل، السيد الأستاذ دانييل لانسون، السيد الأستاذ ~~والسيدة جان إيف تادييه، السيد ميشيل تورنييه، السيد الأستاذ لوك ويللي- دوشوفيل، والسيد ~~الأستاذ إيف بوليكان من الأكاديمية الفرنسية. # وأخيرا، ما كان لأبحاثنا الخاصة بأسرة وشباب سوزان طه حسين البورجونيين أن تؤتي أكلها ~~لولا المساعدة القيمة للسيد جان كلود سوسنوفسكي، مدير مكتبة سيمور آن أوكسوا البلدية. نشكره ~~بحرارة كما نشكر السيدة هيلين مارتان، موظفة الأرشيف، والسيدة فيفيين ميجيه، مديرة الأرشيف ~~الإقليمي بإقليم هيرو، والسيد مدير ثانوية فينيلون؛ الذين أتاحوا لنا توضيح جزء من السيرة ~~الدراسية لسوزان بريسو، بمدينة مونبلييه ثم بمدينة باريس. # زينا ويجان # برونو رونفار # | مقدمة # | أمينة طه حسين (أوكادا) # يوم 26 يوليو 1989 توفيت بالقاهرة سوزان طه حسين عن عمر ناهز أربعة وتسعين عاما، ~~بعد حياة طويلة غنية - قضت منها خمسة وسبعين عاما في مصر. يذكر أبي، مؤنس كلود طه حسين، ~~بكلمات مؤثرة في مذكراته، موت أمه: # لم تكن أمي تولي أية أهمية للجسد، «هذه الخرقة»، وكان لا يهمها أن يكون قبرها ~~في هذا المكان أو ذاك من الأرض. # كنت مع ذلك قد قمت بزيارة رهبان كنيسة سان جوزيف، الحرم الكاثوليكي الرئيس ~~بالقاهرة، واتفقنا أن ترقد أمي فيما كان يسمى المقبرة اللاتينية بالقاهرة ~~القديمة. رافقناها إلى هناك ms007 ذات صباح حار في شهر يوليو (...) ترأس كاهن لم أكن ~~أعرفه القداس - قداسا شديد البساطة - كانت ستحبه كما أظن. وخلال هذا الفرض ~~الديني الوجيز، سيطر علي التأثر على نحو مفاجئ، كما لو أنه موجة تغمرني. وفي ~~لمح البرق، استعدت ثانية حياة سوزان: كنا ندفن بالقاهرة، تحت وطأة حرارة الصيف ~~المصري المرهقة، فرنسية ولدت قبل خمسة وتسعين عاما بمنطقة الكوت دور، وعاشت ~~كل حياتها تقريبا في بلد أجنبي، عربي ومسلم، وكانت الرفيقة الرائعة خلال أكثر ~~من ستين عاما لمصري أعمى صار أكبر كاتب عربي في القرن العشرين، اشتهر في بلده ~~بسبب كل ما حققه في مجال التعليم والعلوم والثقافة، وأنشأ الجامعات والمعاهد ~~العلمية عبر العالم، وكرم في الشرق مثلما كرم في الغرب. كانت على الدوام ~~إلى جانبه، راعية، مخلصة، محبة. كانت قد واسته وشجعته حين كانت الأمور تسوء ~~(ويعلم الله كم كانت تسوء!) وشاركته بكل تواضع نجاحاته وانتصاراته. كانت قد ~~ساعدته على التغلب على عاهته، على أن يصير ما كانه، على أن يتناول الطعام على ~~موائد الملوك، على أن يتلقى ضروب الثناء والتكريم في أوروبا، وفي الشرق، وفي كل ~~مكان. كانت حاضرة دوما حين كان بحاجة إليها، وقد قال هو نفسه إنه لولا زوجته لما ~~كان شيئا. # 1 # كانت هذه المرأة التي عرفت مصيرا غير عادي، والتي كرست وجودها كله لزوجها، قد ~~شرعت، بعد زمن قصير من رحيل هذا الأخير عام 1973، في تحرير كتاب من أجل ذكراه. يروي ~~مؤنس طه حسين في «ذكرياتي» مولد هذا الكتاب الذي بدئ به في الوقت الذي كانت مؤلفته قد ~~بلغت من العمر ثمانين عاما: # في العمر الذي أبلغه اليوم إذن؛ أي في التاسعة والسبعين عاما، إنما قررت أمي ~~أن تكتب ذكرياتها؛ استجابة منها إلى إلحاح أصدقائها والمعجبين بأبي. نتج عن ذلك ~~مؤلف كبير يقارب الثلاثمائة صفحة، كتبته بالفرنسية بالطبع وعنونته «معك». ~~حتى ذلك الحين لم يكن ثمة ما هو خارق؛ فقد سبق لكثيرات من أرامل الرجال المشهورين ~~أن فعلن مثلما فعلت سوزان. # لكن ما صار ms008 مثيرا للاهتمام هو أن أمي ، التي كما رأيناها لم تكن تمتلك قط ~~ناصية اللغة العربية، أرادت أن ينشر كتابها باللغة العربية وبها وحدها؛ لأنها - ~~كما شرحت - لم تكتبه إلا من أجل قراء وقارئات كتب زوجها في العالم العربي كله. ~~فإليهم وإليهن إنما كانت تريد أن تتوجه وأن تكشف ربما عن جوانب جديدة ومجهولة من ~~حياة هذا الرجل العظيم. # قضت سوزان سنتين كي تنهي هذا العمل، وهو عمل هائل في النهاية حين يكون موضوعه استعادة ~~أكثر من خمسين سنة من حياة مشتركة، وهو عمل صعب بما أنه يعتمد بصورة شبه كلية على الذاكرة ~~لا على الأرشيف والوثائق غير الموجودة أصلا. لقد أعجبني كثيرا أن تتمكن أمي في الثمانين ~~من عمرها من إعادة بناء كل هذا الماضي الغزير في أدق تفاصيله. أحاول أن أفعل مثلها اليوم ~~وأعرف من ثم، من خلال التجربة، كم يمكن لهذا أن يكون أحيانا أمرا عسيرا، مملا، بل ~~ومثبطا. فسوزان التي كان نظرها رديئا بسبب إصابة عينيها بتكثف في العدسة، رغم العملية ~~الجراحية الناجحة، والتي كانت كتابتها صعبة وشبه فوضوية؛ ملأت بصبر وبانتظام خلال أشهر ~~وأشهر مئات الصفحات في وحدة تامة بالرامتان؛ # 2 # حيث كانت تقيم منذ ذلك الوقت وحدها؛ إذ كانت المرأة التي تساعدها على إدارة ~~هذا المنزل الواسع تنصرف نحو الساعة الخامسة بعد الظهر. # وعلى العكس مني، كانت سوزان تكتب باستمرار مع تعديلات، وتغييرات، وحذوفات، وإضافات، ~~وتراجعات. لم يكن المخطوط الذي وضعته بين يدي الضاربتين على الآلة الكاتبة سهلا على ~~التفكيك. ورغم أنها بلغت عمرا متقدما، وكانت قد ولدت بمصر واحتفظت منها بذكريات ~~رائعة، فقد عكفت هذه الإنسانة على العمل بشجاعة وقامت بعمل ممتاز. كنت أرى النص وهو ~~يطبع على الآلة الكاتبة بالتدريج. وكانت أمي عند تواجدها بباريس تراه أيضا، وهو ما لم ~~يكن يتوقف عن أن يثير ضروب الفزع كلها لدي؛ إذ إنها كانت تزعم وهي تعيد قراءته أنها لا تزال ~~تضيف عليه التصحيحات، والتغييرات، والتدقيقات، وما لا أدريه. # وأخيرا، تمت طباعة الصفحات الثلاثمائة على ms009 الآلة الكاتبة وصورتها في نسخ ~~عدة . # بقيت المسألة الجوهرية: ترجمتها إلى اللغة العربية. كان علي أن أعثر على مترجم ... ومترجم ~~جيد! توجهت نحو صديقي جاك بيرك، المستعرب الفرنسي الكبير، والأستاذ في الكوليج دو فرانس ~~والمترجم الممتاز للقرآن. كان قد عرف أبي وأحبه كثيرا، بل وخصص له كتابا جميلا، ~~«فيما وراء النيل». # 3 # كان إنسانا غير عادي على كل المستويات، ولن أجعل من نفسي هزأة إذ أقوم بالثناء ~~عليه (...) عثر لي بسرعة على المترجم الذي كنت أبحث عنه (...)، وبعد عدة أشهر كانت الترجمة قد ~~أنجزت وكانت ... ممتازة. # 4 # استراحت سوزان؛ فقد كانت تخشى، نظرا لعمرها، ألا ترى الكتاب منشورا. ولقد ~~نشر بالقاهرة من قبل دار المعارف؛ أي الدار ذاتها التي نشرت معظم مؤلفات أبي. ~~لاقى عنوان الكتاب نفسه الإعجاب. كل الذين وكل اللواتي في العالم العربي الواسع يحبون ~~ويحببن الأدب، وبصورة أعم الثقافة، استقبلوا مذكرات أمي استقبالا ممتازا، ورأيت أمي ~~تعبر عن رضاها للمرة الأولى في حياتها؛ إذ إنها في الحقيقة كانت كما رأينا صعبة، ~~ونادرا ما كانت ترضى عن الآخرين، بل وأشد ندرة أن ترضى عن نفسها. كانت ها هنا قد حققت ~~إنجازا حقيقيا. كان الناس جميعا يقولون ذلك لها ويهنئونها عليه. وعلى غرار أبي، لم يكن ~~لديها أي غرور. كانت تتلقى التكريم والتهاني بابتسامة متواضعة، وذات مساء، أمكن لهذه ~~المرأة التي كانت في بعض جوانب شخصيتها شرسة وتثير سخطي ~~على نحو خاص، أن تمس أعماق القلب مني. إذ قالت لي: # أنت تفهم يا ~~صغيري (كان لي من العمر عندئذ خمسة وخمسون عاما! لا بل كانت تناديني أحيانا «يا ~~صبيي الصغير ...»)، أنت تفهم أنني كنت مدينة بهذا إلى أبيك. # غشيت عيناها وأضافت: «أنا مدينة له بأكثر من ذلك بكثير أيضا!» # 5 # وفي مكان آخر، يعود أبي مرتين إلى هذه القصة المؤثرة التي كتبت عند مغرب حياة: # حين أعطتني أمي بعد عدة سنوات كي أقرأ المذكرات التي عكفت تحت إلحاح عدد من ~~أصدقائها على تحريرها، تأثرت من هذه القراءة التي كانت ms010 فيها امرأة في الثمانين من ~~عمرها تصرخ بطريقة شجية الحب الخارق الذي عاشته خلال ما يقارب ستين عاما للزوج ~~الذي أتت على فقدانه. # 6 # ثم بعد ذلك: # كانت حين ~~تستعيد الماضي، تصير مثيرة للحماس: كانت ذاكرتها مذهلة، وبمجرد أن تتكلم عن أبي، ~~تصير مثيرة للشجون (...) وكتاب ذكرياتها «معك» هو البرهان المؤثر على ذلك. # 7 # كان أبي وأخته، أمينة طه حسين-الزيات، قد تمنيا كلاهما أن يمكن لهذه الشهادة المؤثرة - ~~التي، وهي تتجاوز كونها مجرد تاريخ عائلي، ترسم أيضا صورة دقيقة وحميمية لمصر فيما بين ~~الحربين وحتى سنوات 1970 - أن تنشر بالفرنسية؛ اللغة التي حررتها سوزان بها. وهذا ما ~~تحقق اليوم بفضل المبادرة الطيبة التي قام بها كل من السيدة زينا ويجان والسيد برونو ~~رونفار اللذين عكفا بتصميم ودقة لا متناهية على قصة سوزان، وكذلك بفضل السيد رنو إسكاند ~~الذي تفضل فنشر الكتاب لدى منشورات لوسير، بعد أن اغتنى بتعقيب مثير للمشاعر وبمجموعة ~~كاملة من الهوامش الضرورية من أجل فهمه فهما صحيحا؛ أود أن يجدا ها هنا التعبير عن ~~الامتنان الصادق والعميق من أحفاد سوزان وأبنائهم. ولكن، فيما وراء هذه الشهادة القيمة على ~~مجتمع وحقبة مزدهرين ينتميان اليوم إلى الماضي، وفيما وراء التكريم المشروع لطه حسين الذي ~~لا يزال مبدعه الواسع الموسوم بالإنسانية والعالمي على نحو شديد الذكاء - والذي لم يترجم ~~للأسف بما فيه الكفاية إلى الفرنسية! - يقدم برهانا هائلا ومثلا على ما يمكن أن يكونه ~~إسلام التنوير، كان أبي يتمنى بحماسة أن يكون التكريم كذلك موجها إلى ذكرى تلك التي تكشفت ~~طوال حياتها امرأة وزوجة استثنائية؛ والتي يرسم بكلمات قليلة عند مغرب حياتها هذه الصورة ~~المؤثرة: «أمي (...) على انحناء ظهرها بفعل العمر، قوية، عنيدة، وقورة، كما لو زادها نبلا ~~أكثر من نصف قرن من الحب والإخلاص التام للرجل الذي عاشت معه حياتها.» # 8 # أمينة طه حسين (أوكادا) # سوزان طه حسين ~~••• # معك # من فرنسا إلى مصر ~~«قصة حب خارقة» # سوزان وطه حسين ~~(1915-1973) ~~••• # تقديم # أمينة طه حسين (أوكادا) ~~••• # الهوامش والتذييل # زينا ويجان ms011 وبرونو رونفار ~~••• # ترجمة # بدر الدين عرودكي # وأسير العمي في طريق لم يعرفوها ... # في مسالك لم يدروها أمشيهم ... # أجعل الظلمة أمامهم نورا. # أشعيا 42: 16 # ألق نظارتيك ما أنت أعمى # نزار قباني # 9 # | معك # إننا لا نحيا لنكون سعداء. # عندما قلت لي هذه الكلمات في عام 1934 أصابني الذهول، لكنني أدرك الآن ماذا كنت تعني، ~~وأعرف أنه عندما يكون شأن المرء شأن طه، فإنه لا يعيش ليكون سعيدا وإنما لأداء ~~ما طلب منه. لقد كنا على حافة اليأس، ورحت أفكر: «لا، إننا لا نحيا لنكون سعداء، ولا ~~حتى لنجعل الآخرين سعداء.» لكني كنت على خطأ؛ فلقد منحت الفرح، وبذلت ما في نفسك من ~~الشجاعة والإيمان والأمل. كنت تعرف تماما أنه لا وجود لهذه السعادة على الأرض، ~~وأنك أساسا، بما تمتاز به من زهد النفوس العظيمة، لم تكن تبحث عنها، فهل يحظر علي ~~الأمل بأن تكون هذه السعادة قد منحت لك الآن؟ # موينا-ترانتان # 1 # اليوم، التاسع من يوليو 1975؛ أي بعد مضي ثمانية وخمسين عاما على اليوم الذي ~~وحدنا فيه حياتينا، وبعد مضي ما يقرب من العامين على رحيلك عني، سأحاول أن ~~أتحدث عنك ما دام قد طلب إلي ذلك. أولئك الذين يعرفون حياتك العامة، ويعرفون ~~عن حياتك عالما وكاتبا أكثر مما أعرف عنها أنا نفسي، كتبوا وسيكتبون مؤلفات ~~جميلة وعميقة عنك. أما أنا، فإنني أريد بكل بساطة أن أخلد للذكرى مستعيدة ذلك الحنان ~~الهائل الذي لا يعوض؛ ولا شك أنك تدرك ذلك، أنت الذي كتبت لي ذات يوم: «لسنا ~~معتادين على أن يتألم الواحد منا بمعزل ~~عن الآخر.» لقد قضينا في قلب هذا الوادي، في قلب «الدولوميت # Dolomites ~~»، أسابيع طويلة من الصيف خلال ثمانية أعوام؛ وقبل عامين، ~~كنا نقضي فيه أيضا أسابيع أخرى. لقد أردت العودة إليه، لكنك لم تكن قادرا على ~~المشي، وما كنت لأتركك وحدك قط. كان سكرتيرك يقرأ لك القرآن والتوراة، كتابان ~~كانا دوما ضمن حقائبنا مع كتب أخرى كنا نحملها، نصوص قديمة أو مؤلفات حديثة. وكنت ~~أترجم لك مقالات ms012 من صحيفة «كورييه دو ~~لاسيرا # Corriere della Sera ~~»؛ لأن الصحف الفرنسية لم تكن تصل إلى هذه البلدة الصغيرة، ~~ولأنك لم تكن تعرف اللغة الإيطالية. أما في المساء، فقد كنا نتشبث بجهاز الترانزستور ~~لنستمع إلى الأخبار من إذاعة مونت كارلو، أو إلى إذاعة فرنسا المحلية. وكنا نبحث بتلهف ~~عن حفلة موسيقية جميلة؛ وما كان أشد فرحنا حين نستطيع التقاط مهرجان ستراسبورج أو ~~نستمع إلى إحدى المسرحيات. ونادرا ما كنا نوفق إلى برنامج إذاعي من ~~مصر. # وكانت تلك الأيام - الأخيرة تقريبا - شبيهة بأيام رحلاتنا الإيطالية الأخرى في ~~تلك اللحظة من حياتك. لقد قمت بها جميعا مرة أخرى في العام الماضي. ففي يوم 21 يونيو ~~1974، كنت أصل «جاردون # Gardone ~~» # 2 # بسيارة أجرة وأكتب: # عندما أستشعرك بالقرب مني فأنت على يساري، لكنك مع ذلك كنت دوما على ~~يميني وكنت أتناول ذراعك اليسرى. ألأنني الآن أجلس مكانك في السيارة؟ ولكن ~~ماذا عن الأمكنة الأخرى؟ أم أن ذلك مجرد وهم؟ إنني أدرك جيدا أني لم ~~أعد أجلس بالقرب منك. # وصلت «جنوة # Gêne ~~» صباح أول أمس وحيدة وحدة ~~مطلقة. كان الجو جميلا. وكنت معك أنظر إلى هذا الجسر الرائع شديد الألفة، ~~والذي سيكون مكان آخر وقفة لك على أرض أوروبا. ورحت تقول لي: «فيم ~~رحيلنا؟! ألا يسعنا البقاء أيضا فترة أطول قليلا؟» # الأحد 23 يونيو # سأحاول بعد نصف ساعة أن أستمع إلى إذاعة مونت كارلو. فقد استطعت التقاطها منذ أول ~~أمس، فألقى بي ذلك إلى قربك تماما! ثم، لا أدري أي جهاز كان يبث موسيقى بالغة ~~الجمال لفرانز ليست، «سمفونية فاوست»، وأخيرا، وبما أن اليوم كان يوم جمعة، وكنت قد ~~طلبت إلي أن ألتقط إذاعة لوزان، فقد بحثت عنها - ووجدتها - وكانت تبث «سمفونية ~~براج». # أردت هذه الرحلة لأمشي معك، ولأعيش ~~معك؛ لأعيش معك مرة أخرى الأسابيع الأخيرة. قالت لي ماري: # 3 ~~«ستواجهين محنة كبرى.» ربما. ولكن ما أهمية ذلك؟! # الإثنين 24 يونيو # كان جو السفينة فيكتوريا مختلفا جدا عن الجو الودي الذي كنت أجده في سفننا. ~~وكنت ms013 أقول لنفسي وأنا أدخل الغرفة الصغيرة ذات السرير الواحد: ما مضى قد مضى. كان ~~الاستقبال مزعجا. وحين تذكرت آخر مغادرة لنا للإسكندرية، اجتاحتني نوبة رهيبة من ~~الضيق ، ورحت أنتحب بشدة بين ذراعي محمد الزيات؛ # 4 # كان يبدو لي أنهم أخذوا ينتزعونك مني مرة أخرى. كانت وحدتي كلية، غير ~~أن ذلك لم يكن هو ما يؤلمني وإنما هي القطيعة، وإنما هو هذا العالم الجديد الذي لم ~~يعد لي مكان فيه. # ها هو ذا عيد القديس يوحنا، عيد فلورنسا وعيد بول السادس، الذي يسمى يوحنا ~~المعمدان. إنني أذكر بأي اهتمام كنت تتابع فيه انتخابه - فقد كان أمس يوم الاحتفال ~~السنوي الحادي عشر - وأذكر أنك كنت سعيدا لاختيار الكاردينال «مونتيني # Montini ~~» الذي كنت تعرفه، ولقد احتفظت بالمودة لذلك ~~الغلام من «سافواي # Savoy ~~» الذي حمل إلينا ذلك ~~الخبر. # يقلقني عجزي عن إعادتك إلى قربي ويقنطني. أعرف أنك تحيا، ولكن أين؟ وكيف؟ وأعرف ~~أن بوسعي أن أخاطبك، وأن بوسعك أن تجيبني، لكنك تفلت مني، وتفلت من نفسك، آه! ~~ما أبعدك يا صديقي! لا أكاد أستطيع التغلب على هذا الضيق الذي يثقل صدري منذ هذا ~~الصباح. ولو أنني تركت نفسي لهواها لبكيت دون توقف. كنت في الحديقة بصحبة كتاب. ~~ولم يغير ذلك من الأمر شيئا. ولقد ألقيت نظرة مكتئبة على الممشى الصغير الذي كنت ~~قد هيأته لك لتجلس فيه عصر ذات يوم؛ كان ضيقا، وارف الظل مزهرا، وكنت ~~أفكر أننا سنقضي فيه لحظات هادئة لكنك لم ترغب في النزول إليه. # 25 يونيو # دوما هذه الرتابة. فالبحيرة المثقلة ساكنة الحركة. وكنت تأسف لأن خرير مياهها لا ~~يصل سمعك في هذا الفندق. وأفكر في هذا الظلم الذي حرمك من فندق «السافواي # Savoy ~~» ومن «كول # Colle ~~»؛ # 5 # لأن المال قوة عاتية! # 28 يونيو # ثمانية أشهر مضت على رحيلك. السماء سوداء والمطر يهطل. والحق أن «جاردونيه» ~~تشاركني حزني بصورة خارقة. على أن مديرة الفندق وضعت إلى جانب صورتك وردة رقيقة ~~وشاحبة. # سأعيد القيام برحلاتنا كلها. سأتوقف حيث توقفنا. في غمرة ms014 أيام الإجازات أعتزل ~~الناس ولا ألفظ إلا ما هو ضروري من الكلمات. لكم أتمنى أن أكون مجرد عابرة، ~~بالمعنى المطلق لهذه الكلمة! ولو أنني استطعت ذلك لجعلت من نفسي خيالا لا يرى. وفي ~~الصمت، أتجه نحوك بكل قواي. كل ما بقي مني يأتي إليك. وإنما لكي آتي إليك أكتب ~~وأتابع كتابة كل ما يطوف بقلبي. ~~••• # لم يكن يبدو عليه المرض إطلاقا ذلك السبت 27 أكتوبر. # 6 # ومع ذلك، ففي نحو الساعة الثالثة من بعد الظهر شعر بالضيق. كان يريد أن ~~يتكلم، لكنه كان يتلفظ الكلمات بعسر شديد وهو يلهث. ناديت طبيبه والقلق يسيطر علي. ~~لكني لم أعثر عليه، فركبني الغم. وعندما وصل، كانت النوبة قد زالت، وكان طه قد عاد ~~إلى حالته الطبيعية. وفي تلك اللحظة وصلت برقية الأمم المتحدة التي تعلن فوزه بجائزة ~~حقوق الإنسان، وانتظاره في نيويورك في العاشر من ديسمبر لتسلم الجائزة، وكان الطبيب ~~هو الذي قرأها له، مهنئا إياه بحرارة؛ غير أنه لم يجب إلا بإشارة من يده كنت ~~أعرفها جيدا كأنها تقول: «وأية أهمية لذلك؟!» وكانت تعبر عن احتقاره الدائم، لا ~~للثناء والتكريم، وإنما للأنوطة والأوسمة والنياشين. # وبعد أن حقنه الطبيب «بالكورتيجين # Cortygen ~~» ~~وأوصاه بتناول بعض المسكنات الخفيفة في الليل، غادرنا وهو يطمئنني أن مريضنا سوف ~~يرتاح الآن. ثم غادرنا السكرتير بدوره في الساعة الثامنة والنصف، وكذلك الخدم. ~~وبقيت بمفردي معه. كان يريد مني أن أجعله يستلقي على ظهره، وكان ذلك مستحيلا بسبب ~~ظهره المسلخ. وأصغي - وما أكثر ما يؤلمني ذلك! - إلى صوته يتوسل إلي كصوت طفل صغير ~~قائلا: «ألا تريدين؟ ألا تريدين؟» # وبعد قليل، قال: «إنهم يريدون بي شرا. هناك أناس أشرار.» ~~- من الذي يريد بك شرا يا صغيري؟ من هو الشرير؟ ~~- كل الناس ... ~~- حتى أنا؟! ~~- لا، ليس أنت. # ثم يقول بسخرية مريرة ذكرتني بسخريته في أيام مضت: # أية حماقة؟! هل يمكن أن نجعل من الأعمى قائد سفينة؟! # من المؤكد أنه كان يستعيد في تلك اللحظة العقبات التي كان يواجهها والرفض الذي ~~جوبه به، ms015 والهزء بل والشتائم من أولئك الذين كانوا بحاجة لمرور زمن طويل حتى يتمكنوا ~~من الإدراك. # غير أنه لم يستمر، بل قال لي فقط، كعادته في كثير جدا من الأحيان: «أعطيني يدك.» ~~وقبلها. # ثم جاءت الليلة الأخيرة. ناداني عدة مرات، لكنه كان يناديني على هذا النحو بلا ~~مبرر منذ زمن طويل. ولما كنت مرهقة للغاية، فقد نمت، نمت ولم أستيقظ - وهذه ~~الذكرى لن تكف عن تعذيبي. # نحو الساعة السادسة صباحا جعلته يشرب قليلا من الحليب، وتمتم: «بس ...» ونزلت ~~أعد قهوتنا. ثم صعدت ثانية مع صينيتي ودنوت من سريره وناولته ملعقة من العسل ~~بلعها ... وبدا لي بالغ الشحوب عندما استدرت إليه بعد أن وضعت الملعقة على الطاولة ~~وهيأت البسكويت، لا تنفس ولا نبض. ففعلت ما كنت أفعله في لحظات غشيانه العديدة، ~~لكني كنت أدرك أن ذلك كان بلا فائدة، فناديت الدكتور غالي، # 7 # ووصل بعد نصف ساعة. # وجلست قربه، مرهقة متبلدة الذهن وإن كنت هادئة هدوءا غريبا (ما أكثر ما كنت ~~أتخيل هذه اللحظة المرعبة!) كنا معا، وحيدين، متقاربين بشكل يفوق الوصف. ولم أكن ~~أبكي - فقد جاءت الدموع بعد ذلك - ولم يكن أحد يعرف بعد بالذي حدث. كان الواحد منا ~~قبل الآخر. مجهولا ومتوحدا، كما كنا في بداية طريقنا. وفي هذا التوحد الأخير، ~~وسط هذه الألفة الحميمة القصوى، أخذت أحدثه وأقبل تلك الجبهة التي كثيرا ما ~~أحببتها؛ تلك الجبهة التي كانت من النبل ومن الجمال بحيث لم يجترح فيها السن ولا ~~الألم أي غضون، ولم تنجح أية صعوبة في تكديرها ... جبهة كانت لا تزال تشع نورا، ~~«يا صديقي، يا صديقي الحبيب.» وظللت كل صباح، حتى عندما لم نعد وحدنا، أقول وأكرر ~~القول: «يا صديقي»؛ لأنه قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء كان أفضل صديق لي، وكان ~~- بالمعنى الذي أعطيه لهذه الكلمة - صديقي الوحيد. # ما كان من الممكن لهذه البرهة من العذوبة الغامرة أن تستمر. كانت ابنتي في نيويورك ~~وكان ابني في باريس. ولا يمكنني أن أصف المساعدة والعزاء اللذين ms016 غمرني بهما أوائل ~~الذين هرعوا إلي من الأقربين. إن ما غمرني به ذلك اليوم الدكتور غالي وجان ~~فرنسيس # 8 # وسوسن الزيات # 9 # وزوجها وماري كحيل والأب قنواتي # 10 # كان فوق كل تصور وفوق كل تعبير. لقد حمل محمد شكري على كاهله أعباء كل ~~الإجراءات. وعندما قلت له: «ذلك أنني وحيدة تماما.» أجابني بتلك الكلمات: «لا تقولي ~~ذلك؛ فكل البلد من ورائك.» وكذلك بكلمات أخرى، عندما أخبروني بأنهم سيأخذون طه إلى ~~المستشفى بعد الظهر؛ كلمات إن بدت في ظاهرها قاسية، فقد كانت في حقيقتها بالغة الجمال: ~~«إنه لم يعد يخصك.» # أما القس الشاب الجديد لحي الزمالك، # 11 # فقد أرسل لي هذه الآيات من سفر أيوب: # أما أنا فقد علمت أن وليي حي # والآخر على الأرض يقوم # وبعد أن يفنى جلدي هذا # وبدون جسدي أرى الله. ~~(الإصحاح التاسع عشر: 25-26) # لم يسبق له أن رأى طه، وكان قد قرأ في لبنان كتابه «الأيام» وتمنى من كل قلبه أن ~~يتعرف عليه. وفكرت أن بوسعه أن يرى هذا الوجه حتى في سكون الموت؛ ولقد رآه. # كان هذا الوجه جميلا، ولم يكن له - شأنه شأن جبهته - من العمر ثلاثة وثمانون عاما! ~~وكانت ترتسم عليه هذه الابتسامة الرقيقة التي كنا نحبها. وكان الشعر الذي بقي ~~كثيفا، يكاد يكون رماديا. أما الجسد، فقد كان يستسلم للراحة بهدوء. كل شيء كان ~~يعبر عن الصفاء والسلام. ولن تنسى جان انفعالها عندما كانت تنتزع من إصبعه خاتم ~~الزواج لتعطيني إياه؛ فقد انغلقت اليد التي بقيت لينة على كف صديقنا، كأنما لتقول ~~لها: «إلى اللقاء.» ليس من الممكن أن يتصور المرء أنه كان ثمة احتضار. لا، فقد كان ~~اليوم يوم أحد، اليوم الثالث من رمضان، ساعة الفجر - ساعة ~~التجلي الإلهي - وإني لعلى ثقة من أن الله كان ~~يصحبه على هذا النحو دون أن أستشعر ذلك؛ إذ ما شأني فيما يجري بينهما؟! # كان من الصعوبة بمكان على ولدي أن يحضرا. كانت مصر منتصرة، لكن الحرب لم تكن قد ~~انتهت، # 12 # وكان المطار ms017 مغلقا. واستطاعت ابنتي وصهري الذي كان وزيرا ~~للخارجية # 13 # وكان في الأمم المتحدة آنذاك، الوصول مساء الإثنين. وأعيد فتح المطار ~~يوم الثلاثاء، ووصل ابني من عمله في باريس إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل، وعلمت ~~بعد ذلك أنه لم يجد سيارة يستأجرها، وكان الحزن والإجراءات الإدارية قد أنهكته، فقد ~~أغمي عليه في المترو، الأمر الذي فوت عليه الطائرة التي كان يفترض أن يلقى فيها ~~أخته وصهره. «مساء الخير يا أمي.» وألمح ابتسامة الحنان والشجاعة على الوجه المنهك ~~الذي تجلى علي في منتصف الدرج حيث كنت أهرول للقائه. # لن أتحدث شيئا عن المأتم. فقد ~~علقت عليه الصحف والإذاعة والتليفزيون مطولا. لكني سأقوم شيئا ما كان يمكن ~~للصحافيين أن يعرفوه. فأمام المسجد، كنت وابنتي أمينة ننتظر في السيارة انطلاق أولئك ~~الذين كانوا سيذهبون إلى المقبرة. وكان كثير من أهالي الحي في ذلك المكان ينتظرون ~~أيضا في صمت عميق. وكان من بينهم، بالقرب منا، صف من الأطفال والراشدين. وكنت ~~أكرر لنفسي: «إنه من أجلهم ما بذل طه من جهود كثيرة.» # 14 # وإليهم إنما كنت أود الحديث ذلك الصباح. ومددت يدي نحو أقربهم، فأذهلته ~~حركتي في البداية ثم ما لبث أن نظر إلي بابتسامة جميلة وتناول يدي. وسرعان ما امتدت ~~إلي الأيادي: عشرون، خمسون ... وفي تلك اللحظة انطلقت السيارة، فتراكضوا على مقربة من ~~بابها وهي تنطلق، وكانت يدي لا تزال خارجها، لعلهم لو انتزعوها تلك اللحظة مني ما ~~كنت لأحس أي ألم. ~~••• # أول مرة التقينا فيها كانت في 12 مايو 1915 في مونبلييه # 15 ~~(ومنذ زواجنا كنا نحتفظ لهذا اليوم بوضع خاص). # 16 # لم يكن ثمة شيء في ذلك اليوم ينبئني بأن مصيري كان يتقرر، ولم يكن بوسع ~~أمي التي كانت بصحبتي أن تتصور أمرا مماثلا. وكنت على شيء من الحيرة؛ إذ لم يسبق ~~لي في حياتي أن كلمت أعمى. لقد عدت إليه أزوره بين الحين والآخر في غرفته التي كانت ~~غرفة طالب جامعي. كنا نتحدث وكنت أقرأ له بعض الفصول من كتاب ms018 فرنسي. ولعل ~~القدر كان قد أصدر قراره بالفعل؛ فقد كان هناك أعمى آخر، هو الأستاذ الإيطالي الذي ~~كان يدرسه اللغة اللاتينية، قد أدرك ذلك وقال له: «سيدي، هذه الفتاة ستكون ~~زوجتك.» # كنا في غمرة الحرب. وكانت الجامعة المصرية تتصل بمبعوثيها بصعوبة؛ كان نسف البواخر ~~يزداد؛ واستدعي المبعوثون إلى القاهرة. فيعود طه إلى مصر ويوشك أن يقع مريضا لشدة ما ~~كان تعسا لعدم استطاعته متابعة دراسة كانت لا تزال في بدايتها. وأخيرا حصل مع آخرين ~~على إذن بالعودة في عام 1916. # 17 # كنا، أمي وأختي وأنا، قد أقمنا في باريس. # 18 # وكنا نلتقي. وكان ثمة غرفة شاغرة في بيتنا، وكان يبدو مهملا، ضائعا برغم ~~حضور أخ له لم يكن للأسف معينا، وإنما كان مصدر هم متواصل بحيث إن أمي اقترحت ~~عليه المجيء للسكن عندنا. وقبل، ولكن بعد كثير من التردد؛ لأنه وهو الذي لا ~~يوقفه شيء عند اتخاذه القرارات الهامة، كان شديد الخجل في الحياة اليومية. لم ~~يقبل إطلاقا أن يتناول وجباته معنا. # 19 # كان ثمة قارئة تأتيه بانتظام، وكانت هناك سيدة أكبر في العمر تصحبه إلى ~~السوربون. لكني شيئا فشيئا أخذت أتدخل في ذلك وأصحبه أنا الأخرى إلى الجامعة من وقت ~~إلى آخر حتى بت أصحبه غالبا. وكنت أقرأ له عندما يكون وحيدا. كنا نتحدث بكثرة، ~~وكان يحقق تقدما عظيما في اللغة الفرنسية. # وذات يوم، يقول لي: «اغفري لي، لا بد من أن أقول لك ذلك؛ فأنا أحبك.» وصرخت، وقد ~~أذهلتني المفاجأة، بفظاظة: «ولكني لا أحبك!» كنت أعني الحب بين الرجل والمرأة ولا ~~شك. فقال بحزن: «آه، إنني أعرف ذلك جيدا، وأعرف جيدا كذلك أنه مستحيل.» # ويمضي زمن، ثم يأتي يوم آخر أقول فيه لأهلي إنني أريد الزواج من هذا الشاب. وكان ~~ما كنت أنتظره من رد الفعل: «كيف؟! من أجنبي؟! وأعمى؟! وفوق ذلك كله مسلم؟! لا شك ~~أنك جننت تماما!» # ربما كان الأمر جنونا، لكني كنت قد ~~اخترت حياة رائعة. اخترت! من يدري؟ لقد قالت لي صديقة عزيزة ذات يوم: ms019 «لقد كان عليك ~~أن تضطلعي بهذه الرسالة.» وصديقة أخرى تقول لي منذ زمن ليس ببعيد: «أتذكرين يا ماري؟ ~~لقد ملئت حياتك إلى أقصى حد.» نعم؛ لقد ملئت حياتي إلى أقصى حد. كان قد ~~قال لي: «لعل ما بيننا يفوق الحب.» فيما يتعلق بي، كان هناك هذا الشيء الرائع: ~~الفخر، واليقين من أنه ليس ثمة ما يدعو للخجل، ومن أنه ليس هناك على الإطلاق أية فكرة ~~مريبة أو بشعة أو منحطة يمكن أن تأتي لتحقر أو لتثلم الكائن الذي أقاسمه حياته. ~~آه! لم يكن دوما هادئ الطبع - على العكس من ذلك - لكن هذا أمر آخر. # وكان لا بد من النضال بالطبع بسبب ذلك القرار. وجاءني أكبر عون من عم لي كنت ~~أكن له إعجابا عظيما؛ وكان هذا العم قسا. # 20 # فقد حضر ليتعرف بطه، وتنزه معه وحيدا في حقول البيرنيه مدة ساعتين، ~~ثم قال لي عند العودة: «بوسعك أن تنفذي ما عزمت عليه ... لا تخافي. بصحبة هذا الرجل ~~يستطيع المرء أن يحلق بالحوار ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إنه سيتجاوزك باستمرار.» ~~هذان الرجلان، اللذان كان كل منهما يقدر الآخر، سوف يتحابان عما قريب. لكن يد ~~المنون اختطفت منا عمنا مبكرا بعد عدة سنوات من ذلك التاريخ، وبقي طه يردد حتى ~~النهاية: «لقد كان عمك القس أحب رجل إلى نفسي.» وكان قد كتب إلى أمي عند وفاته: ~~«كان مثلنا ودليلنا ومحل إعجابنا. كان يجعل كل شيء جميلا، وكان يجعل كل شيء نبيلا؛ ~~لقد كانت الحياة تغدو بصحبته فجأة حياة أرفع وأخصب.» # 21 # أوليس ذلك هو ما أستطيع أن أقوله بدوري عن طه؟! # كان لا بد من الحصول على موافقة الجامعة؛ فلم يكن بوسع المبعوثين أن يتزوجوا قبل ~~عودتهم، # 22 # كما كان لا بد من إعلام أهله. وأخيرا أعلنا خطوبتنا. # بدأت العمل معه، وغدا ذلك في منتهى الجدية. كان يعد لنيل إجازة في الأدب ~~الكلاسيكي، وكان ذلك امتحانا عظيما لامرئ لم يدرس من اللاتينية إلا القليل، ولم ~~يدرس ما يكفي من النصوص الفرنسية، ms020 كما لم يدرس التاريخ؛ امرئ كان علي أن أعلمه ~~كذلك الجغرافيا وأعد له خرائط بارزة (أنا التي لم تعرف شيئا من الجغرافيا!) - هناك ~~الآن خرائط خاصة بالمكفوفين # 23 ~~- وكنا نبدأ العمل بعيد الفطور. وبعد مضي سنوات كان يكتب في غمرة ~~العاطفة والذكرى: «كنا نتبادل تحية الصباح، وكنت أقبل وجهك وخاتمك، ونتحدث في الحب ~~وفي العلم ...» # وسمح لي أن أكتب أوراق امتحانه، وسأظل ممتنة لذكرى العميد «كروازيه # Croiset ~~» # 24 # الذي منحني ثقته. لقد وضعونا في قاعة خالية، وأظن أنهم لم يضعونا تحت ~~الرقابة في أية لحظة. # 25 # وكان النص اللاتيني يغمرني آلاما، فقد كان طه يكرر القول بعناد: «لا ~~أستطيع، لا أعرف، سأصرف النظر عن الامتحان.» وخلال نصف الساعة الأخيرة، أملى علي، بعد ~~أن استسلم أخيرا لرجائي، ما كان يسميه كارثة. وحاز على 12 درجة ونجح. # 26 # ثم عكفنا على الرسالة. وكلما فكرت بها عاودتني الدهشة من أن امرأ يشكو كفاف ~~البصر وقلة الاستعداد في الثقافة الغربية، استطاع في أقل من أربع سنوات أن يحصل ~~إجازة ودبلوما في الدراسات العليا وأن ينجز رسالة دكتوراه. كنا نتساجل حول النصوص، ~~وخاصة منها تلك التي كانت مكتوبة بلغات لا نعرفها. وما زلت أذكر أحد النصوص الإسبانية ~~«التاميرا # Altamira ~~»، لم يسبق لي على الإطلاق أن ~~قرأت جملة إسبانية، كما لم يسبق لطه أن سمع مثل هذه الجملة. لكننا تغلبنا على هذا النص ~~مستعينين بالفرنسية وباللاتينية وبالإيطالية التي استنجدت بها. وكانت لي صديقة أخذت ~~على عاتقها ترجمة نص ألماني، أما بالنسبة إلى النصوص الأخرى فقد كنا نطلب ترجمتها إلى ~~محترفين. # وفي أحد الأيام، أصابت طه آلام مرعبة في الرأس. واكتشفنا أن عينه اليمنى، التي ~~كانت معطلة كالأخرى، تعاني التهابا حادا. # 27 # وأراد طبيب عيون من «ديجون # Dijon ~~»، كان ~~يجري عمليات في مستشفى «أوتيل ديو # Hôtel-Dieu ~~» وكان ~~صديقا لأسرتي، أن يقوم بعملية استئصالها التي لا بد منها في بيتنا؛ ذلك أن الوقت كان ~~وقت حرب والمستشفيات طافحة بالجرحى. لقد تعلمت في تلك الأيام أن آخذ نصيبي من ms021 كل المحن ~~التي اختصت بها الحياة الرجل الذي كنت أحب، الجسدية منها أو المحن الأخرى. كان يتألم ~~بقدر ما كان يصرخ، هو الشجاع القادر على السيطرة على نفسه. إن من المرعب أن يرى المرء ~~إنسانا يتألم، لكن رؤيته يقاوم في الليل بدون عون ضوء النهار المخفف ينتهبه الألم ~~كليا كانت أمرا فظيعا. ولقد خفت؛ فالتهاب السحايا لم يكن بعيدا. لكنه ~~شفي. # وفي الخامس من أبريل كتبت لأمي ، التي كانت غائبة، بفخر: «لقد أصبحت الرسالة في ~~الصفحة الثامنة والثمانين.» # كانت الحياة قد أصبحت أصعب فأصعب، وكان الشتاء قاسيا، وكنا - ~~أختي وأنا - نفنى شأن آخرين كثيرين بحثا عن البطاطس ~~وخاصة عن الحطب والفحم. وكنت أفرح وأدندن كلمات الأغنية: «من يغني أغنية الفحم ...» ~~وكانت أيدينا المشققة تزعجنا كثيرا. # 28 # لم نكن أغنياء، لكن طه وجد وسيلة يتمكن بها من إهدائي هدية بمناسبة عيد ميلادي؛ ~~فقد اشترى من شارع بونابرت نسخة من لوحة «عذراء ~~لندن # La vierge de Londre ~~» «لبوتيشللي # Botticelli ~~». هذه ~~اللوحة بقيت دوما في غرفتي. وكانت أجمل لحظاتنا هي الفترات التي نقضيها ونحن نستمع إلى ~~الحفلات الموسيقية التي كانت تقدم كل أحد في السوربون. لم تكن باهظة الكلفة، إلا ~~أننا كنا نضطر أحيانا للاستغناء عنها، وكنا نعزي أنفسنا بقراءة كتاب جميل. # كان طه حسين يقبل كل شيء بأريحية. وقد فوجئنا ذات يوم بزوبعة وإعصار عنيف ~~ممطر، وكتب إلى أمي: «كانت سوزان بالغة العذوبة عندما رأت مقاعد مقهى «مالنييني # Malnienny ~~» تتطاير عبر شارع «سوفلو # Soufflot ~~» والخدم يركضون وراءها بحيث إنني لم أتمالك ~~نفسي من الضحك!» # تزوجنا يوم 9 أغسطس 1917 ببساطة مطلقة، إلا أن الجميع أصروا على أن ألبس ثوب ~~الزفاف الأبيض وأن نركب العربة المقفلة. وكان في الشوارع جنود يقضون إجازاتهم القصيرة ~~بعيدا عن المعارك، ولم يكن منظر الزيجات آنذاك مألوفا؛ فكيف يسعني أن أنسى نظرة ~~المودة التي كان يتطلع بها إلي هؤلاء الجنود، كانوا يحيوننا ويهتفون: «تحيا ~~العروس!» وكنت أقول لهم: «شكرا!» وكانت تلك الكلمة هزيلة للغاية بالنسبة إلى أولئك ~~الذين ms022 كانوا يعودون للجحيم وإلى الموت للكثير منهم، أولئك الذين بلغ بهم الكرم إلى حد ~~أنهم كانوا يبتسمون لنا. # 29 # ذهبنا إلى قرية «بو Pau ~~» في البيرينيه، فقد قضينا ~~فيها غالبا أيام إجازاتي، كما كانت لي صديقة عزيزة تقطن فيها، كانوا قد أكدوا لي أنني ~~سأحتفظ بجنسيتي؛ لذلك فإن طه وحده هو الذي حصل على جواز مرور لهذه النقطة من الحدود. ~~بيد أنني أعلمت في «أركاشون # Arcachon ~~» - حيث ~~توقفنا قليلا - بأنني لم أعد فرنسية على الإطلاق، وأنه ليس بوسعي المضي بعيدا عن ~~الحدود بدون جواز مرور، وانهمرت دموعي غزيرة أمام رجل الشرطة الذي أخذ من ناحية أخرى ~~يضيف إلى كلماته جانبا من الإغاظة والمعابثة. وبما أنني كنت لا أرى الأمور دائما إلا ~~بمنظار الجد # 30 # فلم أكن لأطمئن، وآنذاك قال لي صديقي المسكين بذهول، ولكن بأريحيته الدائمة ~~وصوته يختنق: «حسنا؛ لنطلق!» ويخيل إلي أن تلك الكلمة كانت برهانا جميلا ~~على الحب. # يناير 1918 # انتهت الرسالة # 31 # ودافع عنها طه بألمعية، ونال تهنئة اللجنة الفاحصة، كما أعلنت ابنتي عن ~~قدومها. كان ثمة كثير من القصف، وقد سبب قصف مدرسة المناجم التي كانت على مقربة منا ~~العديد من الضحايا، # 32 # فاصطحبني طه إلى مونبلييه؛ حيث ستولد أمينة في الخامس من يونيو. # كنا ندهش بطبيعة الحال ونحن ننكب على طفلتنا. ففي صباح أحد الأيام لاحظت أنها ~~ابتسمت لي عشر مرات، وأن النهار يروق لها وضوءه يتسرب من خصاص النافذة. ذلك أنها ~~كانت وهي تحييه ب «هو ... هو ...» معجبة وفرحة تمنح أباها وجها مشرقا. # كان الجو بالغ الحرارة في مونبلييه. فقد ~~توعك مزاج الطفلة وكنت لا أكاد أستطيع الوقوف على قدمي. وهكذا عدنا إلى البيرينيه. ~~كانت رحلة مرهقة بالدرجة الثالثة طبعا، لكننا كنا نلتقي بصديقتنا ثانية ونعود إلى ~~مدينة نحبها، كنا ننزه طفلتنا في ظل الأشجار الضخمة - أشجار الزان - في حديقة هنري ~~الرابع، لم نكن بعد قد استطعنا شراء عربة لها؛ ولذلك فقد كان طه يحملها بين ذراعيه ~~حتى مروج «جورانسون # Jurançon ~~» حيث كنا نستمتع ms023 بقضاء ~~النهار على العشب. # وفي أحد الأيام شعر بسعادة غامرة؛ لأنه تلقى كتابا عربيا، كان قد غرق في أثناء ~~قصف السفينة ثم انتشل من الماء. إلا أننا عندما علمنا يوم 26 أغسطس بقصف سفينة ~~«الجماح» فقدنا صوابنا؛ فقد كان «ضيف» - وهو زميل طه في باريس # 33 # ويكبره بكثير - على ظهرها عائدا إلى ~~مصر، وأخذ طه، الذي طار لبه، يبكي ويهمس: «وا أسفاه! فخسائر بلدنا ستبقى بلا تعويض؛ ~~هل سيأتي اليوم الذي تدافع فيه مصر عن نفسها بنفسها؟» ... لقد جاء هذا اليوم بعد خمسة ~~وخمسين عاما ... فتبارك الله الذي أحياه حتى يتلقى خبر انتصار أكتوبر! # 34 # بعد ذلك علمنا من عثمان باشا غالب # 35 # أن سفينة إنجليزية قد انتشلت «ضيف» وتم من ثم إنقاذه. # سبتمبر: فرنسا تلهث والنصر يقترب. وكان طه مرحا يحلق وهو يرغي ويزبد ويتندم: ~~«فلنكف عن الاعتراض ... فمن يدري أن العناية الإلهية قد تتسلح بآلة الحلاقة لكي تسبب لي ~~ندبة في وجهي؟!» وظل لسنوات يدمدم وهو يحلق لحن افتتاحية «حلاق إشبيلية» على نحو ~~غير صحيح ويغمر الأطفال من حوله بهجة. # عدنا إلى باريس. كانت باريس في الحادي عشر من نوفمبر تتفجر فرحا. وكان في مواجهة ~~نوافذ بيتنا، من الجانب الآخر من الشارع، ملحق لمستشفى «فال دو جراس # Val-de-Grace ~~» وحديقة صغيرة. فمن هناك تلقينا ~~أول هتاف للجرحى الذين كانوا يقضون فترة نقاهتهم، وهناك رأيت أول علم يرفرف، عانقني ~~طه؛ فما أكثر ما مرت علينا معا لحظات من الخوف والأمل! واختلطنا في المساء ~~بالجماهير التي كانت تصعد نحو «مبنى ~~البلدية # Hôtel-de-Ville ~~»، وكانت ابنتي ترافقنا في عربتها الصغيرة «التي اشتريناها ~~أخيرا»؛ لعدم وجود مربية نتركها عندها، كان جميع الناس يضحكون ويغنون. ومن المحتمل أن ~~يكون طه قد أنشد مع المنشدين لحن «المادلون # Madelon ~~». # أكتوبر 1919 # أبحرنا على ظهر سفينة «اللوتس» بعد أن قضينا ثلاثة أسابيع كريهة من الانتظار في ~~مرسيليا بسبب إضراب عمال الميناء، لم يسبق لي على الإطلاق أن سافرت في البحر، وكانت ~~السفرة مرهقة برفقة طفلة لا تتجاوز من ms024 العمر ستة عشر شهرا. وسرعان ما تشجعت لدى ~~وقوف السفينة في الإسكندرية؛ إذ في غمرة ارتباكي وأنا أحمل الطفلة على ذراع وأعطي ~~الذراع الأخرى لزوجي الذي كان يحمل ما لا أدريه من الحقائب، رأيت رجلا كان يتقدم ~~نحونا ويبتسم لنا، حسن عبد الرازق، محافظ الإسكندرية، الذي أخذ طه بين ذراعيه معانقا، ~~ثم عانقني أيضا وهو يقول: «إن طه هو أخي الصغير؛ فستكونين إذن أختي الصغيرة.» ~~واصطحبنا إلى منزله. لم أكن سعيدة دوما في مصر، بل ما أكثر ما تألمت فيها! لكنني بسبب ~~هذا الاستقبال الذي تثيرني ذكراه الآن مثلما كانت تثيرني دوما # 36 # لم ألفظ كلمة تأفف واحدة. لقد غدت مصر بالنسبة إلي ولأكثر من سبب وطنا ~~ثانيا؛ أحبها كما أحبها طه، ولست أحتمل أن يراد بها شر أو أن يتجاهلها ~~العالم. لقد بدأ ذلك مع حسن عبد الرازق، كنت أعرفه قليلا من خلال الرسائل التي كان ~~يكتبها لطه، ثم عرفته بصورة أفضل وأحببته. وعندما اغتالوه بخسة # 37 # بكيته كما لو كنت أبكي واحدا من أهلي وكما بكيت من بعد أخاه الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق. # 38 # بعد عدة أيام كنا نصل القاهرة، وكان ينتظرنا في المحطة رجل يفيض حيوية وجذلا ~~وعرامة، وكنت أعرف فيه صديقا آخر لطه، إنه المرصفي؛ إذ ما أوشكت أن أضع قدمي على ~~رصيف المحطة حتى رأيت ابنتي محمولة على ذراعين قويتين ترفعانها عاليا فوق رءوس ~~المسافرين الآخرين، كانت محطة القاهرة في نظري تلك الدمية الفاتنة تضمها أوراق ثوبها ~~الأزرق، والتي كنت ألاحقها بفزع رغم تشجيع طه لي. # وبدأت حياتنا الحقيقية. ~~••• # نحن في عام 1975. الآن وقد أصبحت اليد التي كانت دليل طه فارغة، وقد بات من المستحيل ~~علي أن أستند على ذراعه، وقد انهار الصمت الحاسم ... أحاول بعد كل شيء أن أتحدث ~~... # عندما عدت من باريس في العام الماضي، فتحت دفترا. # المعادي # 39 # أبريل 1974 # تمزق يتجدد دون توقف: لا يتقاسم المرء حقا شيئا ما، ولا يستمع إلى ~~جواب! صمت فظيع. أقرأ شيئا ما، وأقول لنفسي في ms025 ومضة: «سأقرأ له هذا على ~~الفور.» ثم أشعر بقبضة يد تضرب على صدري. لقد انفعلت جدا عند قراءتي في سفر ~~صموئيل: # قالت القانة لحنة التي كانت عاقرا: يا حنة، لماذا تبكين؟ ولماذا لا ~~تأكلين؟ ولماذا يكتئب قلبك؟ أما أنا خير لك من عشرة بنين؟! ... ~~(الإصحاح الأول: 8) # 6 مايو # حملت إلى منزل ابنتي بالمعادي رسائلك التي أريد أن أقرأها بهدوء كلما استطعت إلى ذلك ~~سبيلا. وقد انزلقت إحداها هذا الصباح من «الرزمة» ووقعت أرضا، وكانت تحمل تاريخ ~~ديسمبر 1925، وقرأت: # كان لطفي ~~بك # 40 # يقول يوم الخميس: إن طه لا يستطيع أن يعمل بعيدا عن ~~زوجته # 41 # ذلك أن قلبه لا يكون آنذاك معه! أي نعم! ولا كذلك عقلي، ولعل ~~سكرتيري قد ضحك في نفسه؛ فهذا الشاب لا يؤمن بالحب، ولم أكن أنا نفسي لأومن ~~به من قبل، إلى أن جاء؛ فلم أعد أنا نفسي ما كنته من قبل. # أما في نظري الآن، فالحب حاضر دوما، وإنما أنا التي لم تعد هي نفسها؛ إذ إنني لم ~~أعد أتعرف على نفسي أو العالم على الإطلاق. # كان كورنيش المعادي، هذا الذي أجوبه الآن كل يوم تقريبا، مكان آخر نزهة لك في ~~مصر. كنا نعود من حلوان حيث كان يحلو لك أن تستعيد ذكرى ذلك الخليفة الذي سحرته ~~حلوان # 42 # عندما كانت مزهرة ومخضوضرة. وكنت تلقي علي قصائد مستوحاة من هذه ~~الأماكن، ومقاطع بأكملها. لم تكن تترك السيارة، لكنك كنت في منتهى الراحة خلال هذه ~~النزهات التي لم تكن مع ذلك تريد أن تقوم بها. # 16 مايو # نعم؛ هو ذا ما لا يمكن تعويضه: فهناك الآن وستبقى إلى الأبد أشياء لم أعد أستطيع ~~أن أقولها لأي مخلوق في العالم. # 18 مايو # عندما يكون لنا أطفال يحتاجون إلى الرعاية والتربية، أو مهنة، أو مهمة تتطلب ~~المتابعة وقوى جسدية للقيام بها؛ فإن بوسعنا - ولا شك - بل إننا نعرف كيف نتدبر ~~أمرنا حتى بعد الوصول بهذه المهمات إلى غاياتها، لكن، ها أنا ذا في الثمانين من عمري، ~~والمهمة ms026 التي واصلت القيام بها خلال ستة وخمسين عاما قد غدت بلا موضوع. # 21 مايو # تلقيت هذا الأسبوع نبأ ثلاث وفيات: علال الفاسي، # 43 # وتذكرت رحلتنا إلى المغرب وحديثنا في الرباط وفاس معا؛ والكاردينال ~~«دانييلو # Daniélou ~~»، # 44 # وأرى على الفور من جديد «فالومبروزا # Vallombrosa ~~» والدرب الصاعد نحو الدير، وأشجار الصنوبر، حيث تتألق ~~أشعة أرجوانية لشمس مساء على وشك المغيب؛ وجورج «لابيرا # La Pira ~~» # 45 # يقترب منا بصحبة رجل قصير في جبة كاهن: الأب دانييلو. وأخيرا ~~«توريز-بوديه # Torres-Bodet ~~» # 46 # وحرارة استقباله لدى كل لقاء لنا به، وعاطفته الحقيقية نحوك، واسمك في ~~كتابه الذي نشره في عام 1970، ورسالته لك عندما بدأ يصبح كفيفا. لم يستطع أن يحتمل ~~التجربة، وها هو قد قتل نفسه. # لم يبلغ واحد من هؤلاء العمر الذي بلغت، ومع ذلك فهم رفاق طريق، معا. وعلى الرغم ~~من تباعد المكان، كنتم تشقون دروبا متوازية لكنها مختلفة. وحيدة أنا هذا المساء، ~~وكذلك الوحيدة - هنا - التي عرفتهم بالنسبة إلى اثنين منهم على الأقل. أفكر بهم ~~بكآبة، وأفكر بك بكثير من الحب! # 24 مايو # الرياح تعوي؛ ما أشد انحراف مزاجي! كنت تقول لي: «أنت تتألمين عندما تكون الرياح ~~شديدة.» نعم. # الأحد 26 مايو # ككل يوم أحد، أعيش من جديد هذا الصباح الذي انتزعت فيه مني. كلي معك. # والرياح التي لا تكف عن العويل منذ ثلاثة أيام تحدث ضجة لا تطاق في النوافذ ~~ومصاريعها. إنني في منتهى التعب، وأذكر نزهات الأيام الخالية. تلك التي كنا نقوم بها في ~~الجيزة عندما سكنا في «رامتان»، # 47 # ولم تكن هذه النزهات كثيرة العدد، ويتراءى لي ثانية الدرب المعفر على طول ~~القنال، والغابة البرية الحافلة بزهر النسرين الأبيض، والممر الرملي الطويل بالقرب من ~~الأهرام، تحت أشجار الكازورينا. والممرات الأخرى؛ كممر السدود والطريق بين الحقول بعد ~~البساتين. كنا نتحدث، وكنت أحاول أن أمنع عنك الغبار، وأتذكر الجبل أيضا، وها هي إحدى ~~الذكريات العذبة ترد إلى خاطري: فرجة الغابة في «كول إيزاركو # Colle-Isarco ~~» في الغابة فيما فوق «الفليرز # Flers ~~». كان ذلك ms027 بعد العملية التي أجريتها، وقد شدهت لكونك استطعت ~~التسلق حتى هذا المكان عبر ممر على جانب من الوعورة. كنا جالسين على مقعد حجري، ~~وحيدين تماما، وقضمت قطعة من الشوكولا وقطعتين من البسكويت. كان النسيم رقيقا، ~~وأريج الغابة يفوح وسط السكون الجليل لعصر صيفي. كنت تحلم بالأيام السالفة، ~~بنزهاتنا في الغابات المحيطة بباريس، فقد قلت لي: «هل تذكرين «شافي # Chaville ~~»؟» ويخيل إلي أنك كنت سعيدا حقا تلك ~~اللحظة، ولم أنس ذلك قط. # وبعد العشاء وضعت عدة أسطوانات موسيقية كما أفعل أغلب الأحوال في المساء، لحنا ~~هادئا لموزارت وسمفونية المزامير لسترافنسكي. لقد أحببت هذه الموسيقى العظيمة، ~~والرصينة. وليس بوسعي أن أستمع إلى الموسيقى التي كنت تحبها ببرود أعصاب، فها هنا أعثر ~~عليك من جديد بشكل أفضل، وأصغي للموسيقى معك. # 3 يونيو # بالأمس كان العنصرة، ومرة أخرى ترد إلى خاطري بصفاء بالغ ذكرى العنصرة في ~~«جاردونيه # Gardonne ~~» كنت قد استمعت إلى القداس ~~في الكنيسة من الأعلى، وكان القس العجوز قد قرأ إنجيل يوحنا. كان الصباح رائعا، وكان ~~كل شيء نديا وجميلا: السماء، والبحيرة، والأشجار، والأزهار. كل شيء يبهر البصر، ~~وكنت أنحدر نحو الفندق وأنا أتلو بيني وبين نفسي: «سلاما أترك لكم، سلامي أعطيكم.» ~~(إنجيل يوحنا، 24: 27)، ثم كررت على مسامعك هذه الكلمات بانفعال. # وإذ أذكر اليوم هذا الصباح، أفكر بهذا التوافق الخفي الذي وحدنا دوما في ~~احترام كل منا لدين الآخر. لقد دهش البعض من ذلك، في حين فهم البعض الآخر؛ إذ ~~رأى أن بوسعي أن أردد صلاتي على حين تستمع إلى القرآن في الغرفة المجاورة، ويصدفني ~~اليوم أن أفتح المذياع لأستمع إلى آيات من القرآن عندما أبدأ في تسبيحي، بل إني لأسمعه ~~على كل حال في أعماق نفسي. كنت غالبا ما تحدثني عن القرآن، وتردد لي البسملة التي ~~كنت تحبها بوجه خاص. وكنت تقرأ التوراة، وكنت أتحدث عن يسوع. كنت تردد في كثير ~~من الأحيان: «إننا لا نكذب على الله.» لقد قالها أيضا القديس بولس. لا شك أننا لا ~~نكذب على الله، وويل ms028 للمكذبين. # 8 يونيو # أفرغت أخيرا خزائن المكتب، وملأت ظروفا كبيرة: مقالات، وخطبا، ورسائل ... إلخ. ~~لم يكن ذلك إلا أول تصنيف، ولست بالقادرة على تصنيف وتدبير كل هذه النصوص العربية. لقد ~~حطمتني هذه الفترات الصباحية في «رامتان»، وكان ينضاف إلى التعب الحنان المؤلم ~~أحيانا. لكنها غالية علي هذه الفترات الصباحية، فقد كنت خلالها أقرب إليك في هذا ~~المكتب وسط كل هذه الأوراق. وكان إعجابي يزداد أكثر بهذا الجهد والعناء ~~العظيمين. ~~••• # وبدأت حياتنا الحقيقية - ليس ذلك صحيحا كل الصحة - كانت حياتنا قد بدأت بل ~~التحمت. لكن طه، حتى ذلك الحين، لم يكن بعد قد واجه المسئوليات التي سيترتب ~~عليه عبء النهوض بها؛ فقد كنا نعيش في فرنسا على الانتظار ولم تكن الحياة بالنسبة لي ~~صعبة في بلدي. ولكن، ماذا عن حياتي في مصر التي لم أكن أعرفها؟ كان من الممكن أن أكون ~~خائفة، غير أنني لم أكن كذلك. هل كنت لا واعية؟ هل كنت واثقة بنفسي؟ الآن أستشعر خجلي ~~المفرط إزاء هذه السنوات الأربع والخمسين التي تبدأ. # لقد أسرفت. كنت، على نحو أكثر دقة، أرى أن ما حبيت به أمر ~~طبيعي - شأني في ذلك شأن الأغنياء المترفين ~~- فلم أكن أخزن كنوزي. وهناك الكثير من الثروات التي حملتها لي السنون التي عشتها مع ~~طه مما لا أذكر منها شيئا أو أنني أذكرها على نحو رديء. وبعد رحيله، بت أشعر أني ~~منتزعة نهائيا لا من كل ما يخصني وإنما من كل ما يخصنا. أين ذهب ذلك الحبل ~~السري الذي ربطنا إلى بعضنا باستمرار سواء أكنا معا أو كنا مفترقين؟ كثيرا ما كان ~~يخطر لي في ومضة خاطفة: «لا يمكن لطه أن يكون قد قال ذلك، أو لم يكن ليفعل هذا الأمر؛ ~~لم نكن لنتصرف على هذا النحو، أو لم نكن لنفكر في ذلك.» # كان يحدث له بسبب الإرهاق الذي تسببه له أيام حافلة من العمل ألا يحدثني. ومع ~~ذلك فربما قلنا لبعضنا كل شيء، كل ما يمكن للنفس البشرية على كل حال أن تقوله ms029 بلغة ~~الأرض، وكل ما لا نستطيع أبدا أن نحصره بكلمات مثلما أننا لا نستطيع التقاط شعاع عابر ~~أو نفس من الهواء. # ليغفر لي حبيبي ضعف الصورة التي تقدمها هذه القصة وشحوبها؛ تلك الصورة ~~التي ستكون بعيدة كل البعد عن الصورة الحقيقية لما كان. ~~••• # عثر أصدقاؤنا لنا على شقة في شارع السكاكيني، # 48 # وكانت عبارة عن طابق أرضي واسع ومضيء امتاز في نظري بأهمية خاصة؛ وذلك ~~لوجود حديقة صغيرة كنت أجتهد في أن أستنبت فيها الزهور. # 49 # لكن الحي لم يكن كثير التحضر، وكان الجيران يلقون بكثير من المهملات في ~~حديقتي بحيث ثبطوا من عزيمتي. وفضلا عن ذلك فقد كانت الشقة بعيدة عن مركز المدينة وعن ~~الجامعة. وقد سكنا فيها ما يفوق عن سنة، ثم انتقلنا إلى شارع الحواياتي بالقرب من ~~قصر النيل. # 50 # لم يكن طه، قبل سفره إلى فرنسا، نكرة في بلده. فقد كان يكتب في صحيفة لطفي السيد ~~(الجريدة) كما كان يكتب قليلا في صحيفة أخرى (العلم) # 51 # وفي مجلة «السفور». # 52 # كما أنه كان أول خريج في الجامعة الجديدة يحمل درجة الدكتوراه التي نالها ~~عن رسالته عن «أبي العلاء المعري»؛ # 53 # كان ذلك حدثا، وقد طلب الخديوي أن يرى الفائز، واستقبله بحرارة. وقد انصرف ~~منذ عودته إلى مهنته كأستاذ بحماس، وسرعان ما بعث في التعليم روحا جديدة. ومنذ عام ~~1920 كان الفرح يغمر قلبه؛ فطلابه «يعضون» على التاريخ الإغريقي، وتلك ثورة في التعليم، ~~كما كان ينظر إليها آنذاك. # وتعرفت على حموي، وكانا يعيشان في كوم أمبو قريبا من أسوان، وقد استقبلاني ~~بحرارة. وبعد تبادل التحيات التقليدية مع الزائرين المجاملين والفضوليين، قال عمي ~~لابنه: «سأخرج مع زوجتك؛ فلا تنشغل بنا.» تناول ذراعي، وقمنا معا بجولة في البلدة. لن ~~يبدو أمرا خارقا لشباب اليوم أن يتنزه شيخ وقور معمم مع امرأة شابة سافرة، أجنبية ~~ومسيحية، تعتمر القبعة! لكنه كان كذلك في تلك الحقبة. ولم أنس هذه اللفتة على ~~الإطلاق. عندما يتحدثون عن التعصب الإسلامي لا أملك نفسي عن الابتسام ms030 أو الغضب. هذا ~~الرجل، الذي كان ذا مهنة بسيطة ولا شك، لكنها تتيح للأسرة حياة كريمة، والذي كان ~~يحب القراءة والحوار مع الوجهاء، وكان يتميز بميزة طبيعية أدهشتني؛ فقد كانت عيناه ~~الزرقاوان تتألقان بدهاء محبب، ولم أدهش للاحترام الذي كان يلقاه في القرية. أما ~~حماتي، فقد انصرفت بكليتها لتأمين راحتي وراحة طفلتي الصغيرة. كانت الحوالة المالية ~~التي أرسلها والد طه هي التي سمحت لنا بشراء عربة للطفلة. كان طه يحدثني عن أبويه ~~بحنان، وقد عرفت أن أمه تكسر أربعين بيضة لصنع عجة البيض العائلية، وأن أهله ~~في العيد الكبير - عيد الأضحى # 54 ~~- كانوا يشترون عجلا وخروفا: الخروف للبيت، والعجل لتوزيعه على الفقراء. ~~هل كان بوسعي أن أتخيل أن حماتي - وهي المسلمة المتدينة - يمكن أن تسأل طه عن أي ~~نوع من النبيذ يجب شراؤه من أجلي؟ لقد أجبت بأنني لا أشرب الخمر على الإطلاق، ولقد كنت ~~في منتهى التأثر من هذا الاهتمام الودي الذي أحطت به. # وبعد عودتنا للقاهرة بفترة قصيرة، تلقيت آلة خياطة سنجر؛ وكان ذلك في الريف البعيد ~~أجمل هدية يمكن أن تقدم للعروس ... كما تلقيت أيضا سجادتين عجميتين، أخذتا ولا ~~شك من بين سجاد البيت، إحداهما صغيرة، مربعة الشكل تقريبا كانت تروق لي كثيرا، ~~والأخرى أكبر منها بقليل. # ويسعد طه عندما يتلقى من فرنسا كتابا كان قد طلبه، وهو عبارة عن بحث ~~«لجيرار # Girard ~~» حول «توسيديد # Thucydide ~~». أكتب ذلك والكآبة تغمرني متسائلة عما ~~إذا كان هذا النص والنصوص الأخرى التي ألقيت في الجامعة لا تزال في المكتب العزيز ~~في «رامتان». # وفي اليوم الأخير من السنة كان على الطاولة كومة من الكتب الجديدة؛ الجزء الأول من ~~كتاب طه عن المسرح اليوناني الذي صدر أخيرا بعد مصاعب عديدة. وقد وزعت أكثر من مائة ~~نسخة من الكتاب في الصباح، وكان لا بد من النضال ضد الاستغلال المخجل للناشرين، وإن كان ~~بغير نجاح. لا يهم؛ ذلك أن الكتاب قد استقبل استقبالا ممتازا. أما ترجمة دستور ~~«الأثينيين» فقد كانت تتقدم بسرعة، ولم يكن ms031 قد بقي سوى إنجاز الهوامش ~~والتعليقات. # مع قدوم 1921 بدأت بالمشاركة في حياة مصر السياسية التي احتلت حيزا كبيرا في ~~حياة طه. كنت قد تعرفت في باريس، في عام 1919، على اثنين من أعضاء الوفد المصري كانا ~~صديقين لطه يكبرانه بكثير: لطفي السيد وعبد العزيز فهمي. # 55 # فقد جاءا لزيارتنا، وقدمنا لهما ابنتنا الصغيرة التي لم تكن قد تجاوزت ~~من العمر عدة أشهر، إلا أنها عندما رأت هذين الوجهين الغريبين، أخذت في البكاء ~~بطريقة فظة. وما زلت أذكر وجه عبد العزيز باشا المفعم طيبة وهو يؤنبها مازحا: ~~«اسكتي يا أفريقية!» # عاد سعد زغلول # 56 # إلى القاهرة ليجدها مدينة هائجة تماما؛ فقد كان التجول ممنوعا في ~~مركز المحطة وفيما حولها؛ فلا ترام ولا قطارات، وكل المتاجر مغلقة. وبما أنني كنت ~~منعزلة في شقتنا البعيدة في حي السكاكيني، فلم أكن لأرى من ذلك شيئا ذا أهمية، لكنني ~~كنت أعرف أن الشوارع كانت تدوي بهتاف جنوني، وأن القاهرة كانت تزدان في ~~المساء بأنوار باهرة. # وفي شهر أبريل، استثار تشرشل سخطا عنيفا عندما قال إن مصر جزء من الإمبراطورية ~~البريطانية، ولكي يزيد الطين بلة أعلن عن زيارته لها! وفي الأشهر التالية، كان ثمة ~~اضطرابات تكاد تكون انتفاضات شعبية. وقد دام إضراب الترام الذي زاد من عزلتنا شهرا ~~كاملا. # كان طه آنئذ يؤمن بحكمة سياسة الأحرار الدستوريين؛ فقد كان له في حزب الأحرار ~~الدستوريين أصدقاء أعزاء من بينهم ثروت باشا، # 57 # وآل عبد الرازق. وكان ذلك يؤثر فيه ولا شك. كان يكتب في صحيفة الحزب، ~~وكان يعمل بالطبع عن قناعة وبضراوة كانتا تميزانه في كل ما يعمله. # كنا نسكن في شارع الحواياتي على وجه التحديد عند ولادة ابننا الصغير. # 58 # لقد ذهلت أمينة إزاء هذه المعجزة؛ معجزة الأخ الصغير. أما طه فقد كان ~~متحفظا في البداية - إذ كان يتمناه طفلة ثانية - ثم أخذ يهتم به كما يهتم بأخته في ~~لحظات حريته النادرة. # 59 # لقد كانت لهذا الصغير - على الرغم من نحوله الفائق، والصعوبات التي كنا ~~نلاقيها ms032 من أجل تغذيته - لحظات من المرح المجنون، شأنه شأن أبيه عندما كان يحمله بين ~~ذراعيه. ولا أدري من أين كان يجيء هذا المرح الجميل للأب وللطفل معا. ذات يوم، بينما ~~كنت أتناول الشاي مع آل محمود خليل # 60 # الذين كانوا يسكنون شارع قصر النيل، قلت لمدام محمود خليل كم كنت أجد ~~بيتهم جميلا - ولقد كان كذلك حقا - فأجابتني بحزن: «كل هذا يمكن أن يشترى.» وعندما ~~عدت إلى زهرتي الصغيرة وطفلي الحبيبين الرائعين، كنت أدرك كم كنت محظوظة. # كان هذان الطفلان كل فرحتنا؛ إذ إن الخصومة التي لاحقت طه زمنا طويلا كانت تتحول ~~إلى عداوة عنيفة. فعلى الرغم من وعود الجامعة والصحيفة فقد بقي وضعنا المادي في منتهى ~~السوء. ورمى طه، بعد أن أعياه ذلك، بتحديه «للجامعة الخسيسة». وبعد مماطلة ومضايقات ~~ومساومات انتهى المجلس إلى الموافقة على زيادة ضئيلة قدرها أربعة جنيهات للأساتذة. ~~وأغاظ هذا القرار جميع الأساتذة، ورفضوا هذه الصدقة، وتابعوا مطالبهم التي كانت ~~تستقبل بلا مبالاة يشوبها قدر من الاستخفاف، وخاصة من قبل أولئك الذين كانوا ~~جهلة ووصوليين في آن واحد. وانتهى الأمر بطه الذي اختير كممثل للأساتذة إلى أن ~~يقول لرئيس الجامعة: «إن مجلسكم يقود الجامعة إلى الخراب؛ إننا سنقوضه، وربما الجامعة ~~أيضا، ونحن معها؛ لكن الجامعة لن تبقى بين أيديكم.» # والحق أنني لم أكن آنذاك في صحة جيدة. وكان الطبيب حاسما عندما قال لي: «لا بد من ~~ذهابك إلى فرنسا.» # كانت الصغيرة مصابة بفقر الدم، في حين أن أخاها كان يزن وهو في الشهر الثامن من عمره ~~ستة كيلوجرامات. وبما أنه لم يكن مريضا بل كان عنيدا كأبيه، فقد كان يحدث أن يتمكن من ~~الوقوف لمدة دقيقتين بين كرسيين، وكان هذا الجهد الهائل يمس شغاف القلب منا ويستثير ~~أعصابنا. ونجري حساباتنا ونعيد إجراءها، وأخيرا اتخذنا قرارنا: سأرحل مع الطفلين، ~~حزينة القلب فاقدة العقل لمجرد فكرة ترك طه لعناية أصدقاء لا شك في إخلاصهم لكنهم لا ~~يعرفون قط كيف يجب القيام بها. وكنت أتخيل جيدا كل المصاعب التي ms033 كان سيواجهها ~~في كل لحظة. ومن حسن الحظ أن كان له سكرتير يعرف عاداته تماما، وكان ذكيا مستقيما ~~طيب القلب، ولقد قمت بتنظيم الوجبات التي كان يؤتى بها من البيت الذي كنا نسكن فيه ~~نفسه. # كانت هذه الأشهر الثلاثة من الفراق مؤلمة، وكنت أشكو باستمرار متوقعة تراجع طه ~~عن قرار سفري، وهو الذي كان قد قبل بل طالب بسفري من أجل صحة زوجته وطفليه، ~~تاركا بذلك نفسه لوحدة أكثر شناعة بالنسبة له بمائة مرة منها بالنسبة إلى إنسان ~~آخر غيره. وكنت أشعر أني في الوقت نفسه عظيمة الثراء؛ فكل ما يستطيع القلب البشري أن ~~يمنحه من الحنان المحض كان قد منحنا إياه. # كنا، خلال هذه الأشهر الثلاثة، # 61 # نتبادل الرسائل كل يوم. كانت رسائله تحكي لوعة الغياب، وتنطق بشجاعته ~~وحبه وهيامه ببلده، وتصور مشاريعه وأحلامه والأحداث التي كان يقص علي تفاصيلها مع ~~شيء من السخرية أو المرح أو العنف. # 62 # 15 يونيو # أود لو أصف لك ضيقي عندما تركت السفينة، عندما رجعت إلى القاهرة، عندما ~~عدت من فوري إلى البيت؛ فقد دخلت غرفتنا وقبلت الزهرة وغطيت بالقبلات ~~الصورة التي لا أراها ... ومع ذلك فقد فعل أصدقائي كل ما بوسعهم لتسليتي. لقد ~~التقيت في المحطة بفريد (الرفاعي) والزناتي. # 63 # وتناولت العشاء مع مصطفى (عبد الرازق) ... عندما عدت، واجهت هذا ~~الفراغ، والسرير الذي لا يزال على حاله، وسرير الصغيرة المغطى، والمهد الغائب ... ~~كان ذلك أمرا رهيبا. وكنت بحاجة للشجاعة لأقوم بخلع ملابسي ... ولكن أنت، من ~~يسهر عليك؟ من يعنى بك؟ # لو أنني قربك، لا لشيء إلا لكي أحمل لك مؤنس، وألبس عنك أمينة، وأعطيك ~~روح النعناع! # هذه اللفتات التي كانت تصدر عن ذلك الذي لا يستطيع أن يقوم بالكثير منها، ~~كنت أنظر إليها باحترام. # يستحيل علي القيام بشيء آخر غير التفكير بك. ولا أستطيع أن أمنع نفسي من ~~البكاء كلما دخلت الغرفة؛ فأنا أجدك في كل مكان دون أن أعثر عليك ... كانت الزهرة ~~قد ذبلت، فوضعتها في العلبة التي تركتها لي لأضع ms034 فيها رسائلك؛ سأقبلها كل ~~يوم. لقد استحالت الغرف معابد، وعلي أن أزورها كل يوم. ولو أنك رأيتني أخرج ~~من غرفة لأدخل أخرى، ألمس الأشياء، وأنثر القبلات هنا وهناك ... # لنقل إنني في القاهرة في سبيل حماقة ما. # 64 # إني في طريقي لتبديد ثلاثة أشهر من عمري ... هل أعمل؟ ولكن كيف أعمل ~~بدون صوتك الذي يشجعني وينصحني، بدون حضورك الذي يقويني؟! ولمن أستطيع أن ~~أبوح بما في نفسي بحرية؟! ستقولين لي: عليك أن تكتب لي، لكنك تعلمين جيدا ~~أن الكتابة غير التحدث، وأن قراءة رسالة ليست هي الاستماع إلى صوت، ثم إنك ~~تعلمين جيدا أنني كثيرا ما لا أقول شيئا وإنما أتناول يدك وأضع رأسي على ~~كتفك ... ثلاثة أشهر ... ثلاثة أشهر ... فترة رهيبة. لقد استيقظت على ظلمة لا ~~تطاق؛ وكان لا بد لي من أن أكتب لك لكي تتبدد هذه الظلمة. أترين، كيف أنك ~~ضيائي حاضرة كنت أم غائبة؟! # ومع ذلك كان في الصباح قد كتب مقالا عنيفا ضد الإنجليز الذين كانوا يطالبون مصر ~~بعدة ملايين من الجنيهات لتعويض موظفيهم. # وفي اليوم التالي، يسعد بلقاء أستاذ جامعي يوناني في منزل الشيخ مصطفى عبد الرازق؛ ~~وإذ سر هذا الصديق الجديد أن يعلم أن طه قد ترجم أرسطو، طلب إليه نسختين من الكتاب: ~~إحداهما لجامعة أثينا، والأخرى للتعليق عليها في الصحافة اليونانية. وأراد أن يهديه ~~طبعة محققة من «توسيديد # Thucydide ~~». # ويقص علي بكثير من التهكم وقائع إحدى جلسات الجمعية الملكية الجديدة للدراسات ~~التاريخية. إذ لم يكن بالطبع على اتفاق مع اتجاهات الأكثرية: # يجب الاهتمام حصرا بمصر الإسلامية، أما ما تبقى من العالم فلا يهمنا. لا ~~تهمنا مصر الفرعونية أو الهيلينية أو الرومانية ... هل نحن مستقلون؟ نعم أم ~~لا؟ # 65 # وكنت أفور غضبا. # 66 # كانت بعثات الطلاب تناقش في لجنة كان أحد أعضائها. فلا ينصح بإرسال الطلاب إلى ~~ألمانيا، ويعرض حججه التي تجعله ينصح بإرسالهم إلى فرنسا، ويضيف: «من الواضح أنني أبحث ~~عن مصلحة مصر، فإذا استفادت فرنسا، فلا بأس.» # ولكن ها هو وزير المعارف ms035 العمومية يستدعيه: # ألبس بذلتي الزرقاء، وأنتعل حذائي الأسود الجميل، كنت حليقا، فامتطيت ~~عربة وذهبت. ويعلن لي الوزير أن قضيتي قد انتهت. ويبدو أنني عينت مديرا ~~لمكتب الترجمة والنشر العلمي في الوزارة. # عجبا! اللقب جميل وإن كان الراتب متواضعا؛ فالصحف تتحدث عنه وتهنئني عليه ~~بخبث، أما في الوزارة فهم يثرثرون حوله. لكن هذا العمل يروق لي على كل حال ~~ويستهويني بشدة ... وهكذا يا حبي، عندما رجعت إلى البيت، ذهبت مباشرة إلى ~~الصورة، وركعت أمامها وقصصت عليها الأمر؛ بصوت عال يا سوزان وبالتفصيل! ~~وعندما وقفت ثانية، تساءلت عما إذا كان أحمد # 67 # يقف خلف الباب ... إذ ما عساه يظن؟! ناديته وطلبت إليه أن يكوي ~~البنطلون. # ولم ينقض يوم حتى رغب رئيس الوزراء في مقابلته: # كان كعادته رائعا. فقد هنأني وتمنى لي مستقبلا مشرقا، وتمنى لمصر ~~كثيرا من التقدم الثقافي والأخلاقي بفضل إسهامي، ثم تحدثنا عن أمور أخرى. ~~إن ما يعذبني هو أنني سأبدأ عملي قبل أن تكوني هنا. ولقد تمنيت أن أحكي لك ~~عن بداياتي في الوزارة، وعن انطباعاتي، وأن أستمع إلى نصائحك. # عندما عدت في سبتمبر لم يكن قد نفذ من هذا الأمر شيء بعد، ولم ينفذ شيء أصلا. ~~ما أكثر ما خدعوه على هذا النحو وعللوه بالوعود الخلابة! # قبلي الطفلين وحدثيهما عني كثيرا؛ فذلك يسعدني. وعندما تروق لك ~~البيرينيه أو يروق لك أي مشهد آخر ففكري بي بهدوء وجذل. فكري أنني إلى ~~جانبك وأنني أرى بعينيك وأنني أعاني كل ما تعانينه. # وعلى الرغم من الرعاية اللطيفة التي كان يحاط بها، فقد كان مثقلا بالحزن والوحدة - ~~ويطلبون إليه كتابة أربعة مقالات في الأسبوع، لكنه يكتب لي ... # 19 يونيو # ما أغرب الأمر! كنت أظن أنني سأتعزى في غيابك بإنتاج غزير؛ ولكني لا أنتج ~~شيئا. أوحي لي يا ملهمتي، قولي لي إنه يجب أن أكتب الكتاب الشهير، وأن ~~أتم ترجمتي، وأن أعمل في «كتاب السيد رينار» وأن أكتب المقالات. كل ذلك ~~ضروري. لكني بدون تشجيعك لن أحقق منه شيئا ... رحلت فلحق بك ذكائي، ms036 كل ~~قلبي، كل نفسي، كل شيء في هذه الرسالة ... ماذا أقول؟! أولم تحملي كل ذلك ~~معك؟! # وبعد عدة أيام يصطدم بخزانة، لكنه كان يميل إلى الدعابة: # ضيعت وقتك وأنت تشرحين لي تنظيم خزانتك. وكنت أصغي إليك بأذن شاردة، ~~وتركت لك يدي دون أن أشعر على وجه اليقين ما كنت تجعلينني أمسه - فقد كانت ~~المناشف والملاحف والمماسح دوما سرا في نظري - وأمس، كنت أريد منشفة، ~~فأرسل الباب شيئا من الأنين بحيث يحسب المرء أن المنشفة كانت تصرخ بي: لا ~~تمسني ... كان ذلك جنونا! # ويقص علي كذلك، بالطريقة الغريبة نفسها، قصة شهادة ميلاده العجيبة؛ ~~فهو مسجل في هذه الوثيقة على أنه طاهر حسين بدلا من طه حسين، وكان لا بد لتصحيح ~~الاسم من الحصول على حكم قضائي يسمح بذلك. وهكذا يذهب إلى المحكمة الشرعية، ويستنفر ~~قاضيا وشاهدين (يزيد راتب كل منهما على عشرة جنيهات كما ينص القانون!) وكاتب ~~المحكمة «وشكليات شرعية، كل ذلك تم بسرعة بفضل أخي الشيخ أحمد الذي كان يتصدر ~~قاعة المحكمة باستعلاء.» # كان الجو شديد الحرارة، وكان طه لا يكاد ينام أو لم يكن ينام على الإطلاق. وكان أحمد ~~- السفرجي - يتمدد لكي يحصل على شيء من البرودة، على النافذة، ملفوفا بالغطاء. وذات ~~ليلة يتدحرج أحمد من النافذة على أرض الغرفة محدثا ضجيجا، وتنطلق ضحكة ~~مطمئنة. # ويطلب منه مجهول أن يراه، وينتهي بأن يستسلم لطلبه. كان رجلا قد فقد ابنه لتوه، ~~ولم يكن لديه من المال ما يستطيع به أن يدفع للطبيب أجرته، كما أنه لا يملك مليما من ~~أجل دفنه. وكان الوقت آخر الشهر، ولم يكن مع طه سوى جنيهين، فأعطاه واحدا منهما. ثم ~~نعلم فيما بعد أنه لم يكن فيما زعمه هذا الرجل ظل من الحقيقة! # رسائلي لا تصل # كنت على ثقة من أنني سأتلقى رسالة منك اليوم، إلا أن صندوق البريد كان فارغا، ~~فاستعدت المفتاح من أحمد بدون أية كلمة، معقود اللسان؛ لا بد لي أن أغرق حزني في ~~قلبي، ولا بد لي من أن أصطنع لنفسي ms037 ملامح وجهي ... فالرسائل لا تصل بفضل هذين ~~الأبلهين: الزمان والمكان - إذ لولا وجودهما لما كنا منفصلين - وأتخيل حياة لا ~~زمان فيها ولا مكان. وعندما يستدعيني الواقع أبقى لحظة خائفا من كل شيء، وإذ ذاك ~~ألجأ للسيجارة. لا نعد إلى ذلك أبدا؛ فأنا غير قادر عليه. # وفي السابع والعشرين من الشهر تصل رسائلي أخيرا. فيتألق من الفرح ويأخذ في كتابة ~~أشياء جنونية، لكنه يكتب أيضا: # ها نحن أولاء معا من جديد، وأكبت النحيب، وأترك جفني شبه مغمضين لأمنع ~~سيلان الدموع. # وعندما أقرأ ذلك، متخيلة ذلك الجهد الرهيب الذي كان عليه أن يبذله لإملاء هذه الكلمات ~~التي تحرقه، كان جفناي لا يمنعان سيلان الدموع. # اعذري فرنسيتي (كان يتوهم؛ فقد كان يكتب على نحو رائع). اعذري أفكاري؛ ~~فأنا لا أفكر وإنما أحب. ما أصعب قول ذلك! لن يعرف الإنسان نفسه على الإطلاق، ~~وسيبقى دوما في أنفسنا شيء ما نستشعره دون أن نفهمه مطلقا. # وفي التاسع والعشرين من يونيو، وهو ذكرى خطوبتنا، أتلقى برقية سأجد فيها: «لا ~~مجرد كلمات، وإنما المخلص لك، وإنما صديقك على وجه الخصوص.» وهو يقولها إذن بدوره، ~~تلك الكلمة التي بدأت بها رسالتي الأولى على ظهر السفينة، تلك الكلمة التي ما أكثر ما ~~رددتها ذلك الصباح المصيري، والتي لم أكف عن مناداته بها. # لم يكن بوسعه أن يعرف أنه سيحملني على الابتسام، كما هو الأمر دوما عندما أكون ~~حزينة؛ فالرسالة التي تبعت البرقية كانت تعيد إلى ذاكرتي بمرح أنه في مثل هذا اليوم ~~المهيب ذهبنا معا لشراء «لتر» من الكحول لنوقد مصباحنا! # على أن الحزن ما لبث أن غمره في اليوم التالي برغم جهود الأصدقاء: # فمصطفى يبدو في منتهى اللطف، وكذلك منصور؛ فهما يفعلان كل ما بوسعهما للترويح ~~عني، وعندما يتحدثان إلي، فإنني أجد في صوتهما شيئا يمس شغاف القلب ~~مني. # والمصيبة، كانت في أن «أصدقاء» آخرين - مختلفين كليا - كانوا لا يجدون حرجا في ~~المجيء والإقامة عندنا. فيغضب طه، وسأغضب أكثر من غضبه أيضا، بما أنني كنت أدرك ما ~~كانوا ms038 يسببونه له من ضيق: # بلطف زائد - في زعمهم - بلطف زائد، كما ترين، تماما كإنجلترا التي تحاول ~~أن توطد احتلالها لمصر بإعطائه اسم الاستقلال، واستيلاءها على بلاد ما بين ~~النهرين بإعطائه اسم الانتداب. # وها هي إحدى المحاورات العديدة التي كان يقوم بها مع لطفي السيد. فهو يلقاه خارجا ~~من البنك، وفي وسط الشارع يبدآن «السقرطة» # 68 # على عادتهما. فيعلن لطفي أن من المقبول أن ينفصل الزوجان مؤقتا من وقت ~~إلى آخر؛ لأن هذا الانفصال يؤدي إلى إحداث تغيير في حياتيهما، فيثور طه: «هل تجد ~~أن من المقبول أن تنزل الصاعقة على رأسي؟!» # لطفي ~~: # أو على رأسي أنا ... أنت تعتبر إذن أن انفصال الزوجين يشبه الصاعقة؟ # طه ~~: # لا، بل إن الانفصال أشد هولا لأنه يدوم. # لطفي ~~: # حسنا؛ سأكتب بذلك للسيدة. # طه ~~: # أشك في أنك ستفعل؛ فأنت تفضل الحوار في الطرقات كسقراط أو في ~~المكتبة! # لطفي ~~: # معك حق. أوه! اللعنة. كدت تفوت علي موعدي؛ سأنتظرك غدا، لا تتأخر، ~~واحترامي للسيدة. # ومن جديد، لا رسائل من فرنسا. # تغمرني ظلمة بغيضة ... آه! ما أقسى أن يكون المرء وحيدا، بعيدا عن حياته! إني ~~ضائع. نعم؛ إني ضائع. # في اليوم التالي يبدأ، والكآبة لا تفارقه، مقالا ثم ما يلبث أن يتخلى عنه ويتركه ~~آسفا ثم يعود فجأة: «أعطني المفتاح.» # وها هي رسائلك، رسائلك التي تشفي، فقد شفيت، وأرسلت أخيرا مقالي. إنه أفضل ~~مقال كتبته منذ رحيلك حول طبيعة المعارضة. ففيه من الفلسفة ومن علم الاجتماع ~~ومن السياسة ومن الهزل ومن السخرية كل ذلك مجتمعا. ألم أقل لك إنني لا ~~أساوي شيئا بدونك ... # أولئك الذين يتحابون حقا يعرفون أن الحب حاجة إلى حضور مستمر، حتى وإن لم يكن ~~هذا الحضور حضورا ماديا. على أنه سيتقبل بعد ذلك بصورة أقل مأساوية عدة ~~أسابيع أو عدة أيام - نادرة - كان علينا أن نفترق خلالها. لكنه سيتألم منها - مثلما ~~سأتألم منها أيضا - وسيعبر الحنان المطلق عن نفسه ضمن رسالته الأخيرة التي سيكتبها ~~لي. # ويتابع في يوليو 1922 # كان أفلاطون يفكر أننا إذ ms039 نتحاب، فإننا لا نفعل سوى أن نعيد صنع ما أفسده ~~عارض ما. عندما تنفصل نفسان عن بعضيهما، تبحث كل منهما عن الأخرى، وعندما ~~يوجدان ويتعارفان، فإنهما لا يعودان كائنين وإنما كائنا واحدا. إنني ~~أومن بذلك تماما ... أتعلمين أنني أصبح صوفيا! لو كنت شاعرا لألفت ~~الأناشيد ولغنيتها بنشوة، لا يهم؛ فقلبي يؤلفها ويغنيها ونفسي ~~ترق وقلبي يلين، إنني لم أعد أتعرف على نفسي مطلقا ... فلدي ~~شخصيتان: واحدة للعالم كله، وأخرى لك، لي، لنا، وفكرتك وحدها هي التي تجعلها ~~تعيش ... ولكن أترين يا سوزان؟ أنا لا أتحدث إلا عني، إنني أناني ... وكل ~~الصوفيين أنانيون. # كان الجميع منهمكين في الإعداد لتخليد ذكرى الشيخ محمد عبده، # 69 # وكان طه يسهم في ذلك، لكنه يقرر ألا يلقي كلمة في هذه المناسبة: # فأفكاري لا ترضي أحدا؛ إنني أرى فيه مجددا عظيم الأهمية، لكنه حمل ~~نصوص الإسلام أكثر مما تحمل لكي يجعلها تتفق والعلم الحديث. # وقبل أيام من الاحتفال، كانوا يعقدون اجتماعا في الجامعة. وكان الشيخ بخيت، # 70 # عشية ذلك اليوم، قد انتقد الزواج المختلط بشدة، ولم يكن طه حاضرا ~~الاجتماع. لكنه في اجتماع ذلك اليوم كان من الخبث بحيث طرح هذا السؤال: «هل ستشارك ~~النساء في هذا الاحتفال؟» # المشايخ بطبيعتهم حذرون؛ فهم ينتظرون جواب موظف من الوزارة فإذا كانت الوزارة، ~~بالصدفة، تقدمية؛ فلا يجب أن يكون المرء رجعيا، لكن الوزارة لم تكن تقدمية. ويقول ~~لطفي: «لا، لا نساء ولا فوضى، ثم إنني بصراحة يا دكتور طه لا أرى ما يدفعك لطرح مثل ~~هذا السؤال!» فيتجرأ المشايخ ويهاجمون بعنف هؤلاء الشباب الذين يريدون قلب القانون ~~الأخلاقي ... ويسأل أحدهم: «دكتور طه ... هل أنت متزوج؟» ~~- نعم يا سيدي! ~~- هل ستصحب زوجتك؟ ~~- لا يا سيدي؛ لأنها في فرنسا. ~~- في فرنسا؟! وتركتها تذهب وحدها؟! ~~- نعم يا سيدي؛ فهي فرنسية. ~~- ولماذا تزوجت فرنسية؟ لو كنت حرا لاشترعت قانونا ينفي كل مصري يتزوج من ~~أجنبية. ~~- أرجوك يا سيدي، اشترع هذا القانون، فإني أستعجل ألا أستمع إلى مثل هذا الكلام! ~~فينفجر الرجل ضاحكا، ويضحك ms040 الجميع، ويأخذون في المزاح، إلا أن الشيخ بخيت استأنف ~~الكلام: «لكني بعد كل شيء يا دكتور طه أود أن أفهم الأسباب الحقيقية التي حملتك على ~~الزواج من أجنبية ... فأنت مصري طيب ووطني طيب عظيم الذكاء ... فكيف أقدمت على ~~مثل هذا العمل؟!» ~~- قابلت فتاة، وأحببتها؛ فتزوجتها. ولو لم أفعل لبقيت عزبا أو ~~لتزوجت - نفاقا؛ بما أنني أحب امرأة أخرى - ~~امرأة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة! ~~- هذا أمر لا أستطيع تصوره! ~~- هذا أمر لن تستطيع تصوره دوما يا فضيلة الشيخ؛ فنحن لا ننظر إلى الأشياء ~~بالطريقة نفسها أبدا. # وهنا يتدخل لطفي: «تعلمون أن الدكتور طه معذور.» وأراد منصور وقد خرج عن طوره أن ~~يدعمني. لكني، وقد بلغ بي الغضب أشده، صحت بهم: «إنني لم أكلفكم بإعذاري؛ فأنا ~~لم أحاول الاعتذار قط. ولو ترتب علي أن أفعل، فلن أجعل منكم المدافعين عني، ~~فأنتم محامون رديئون جدا ...» وكادت الأمور تأخذ مجرى سيئا لولا أن الشيخ الأول أخذ ~~يصرح بأن كل هؤلاء الحمقى يتدخلون فيما لا يعنيهم وأنه، هو نفسه، لا يصدق كلمة ~~مما قاله، والبرهان على ذلك أنه أنشأ ابنته نشأة حديثة: «أؤكد لك يا طه بك أنني ~~أحبك وأنني أستلطفك ... لقد كنت دوما أعجب بمقالاتك، وبالأمس فقط كنت أتحدث في ذلك ~~لرئيس المجلس، ومن يدري؟! لعل الفضل في ذلك يعود إلى تعاون السيدة معك # 71 ~~... لا يشغلك هؤلاء المشايخ ولا هذه الطرابيش ... أيها الحمقى! ألا تخافون أن ~~يهجوكم غدا؟ ولم يكن يتوهم؛ فقد ظهر المقال في الأهرام.» # أوردت هذا الاستشهاد الطويل لأعطي فكرة عن عقلية بعض المشايخ في تلك الحقبة، وكذلك ~~عن لهجة المناقشات المسلية. لكنه يتابع: # لا أدري كيف تدبرت أمري لأنتقل من السياسة إلى الأخلاق. كان الأمر أنني ~~وقد اتخذت من تحليل طبائعنا السياسية حجة، فقد أعلنت أن قاعدة سلوكنا ~~الراهنة هي النفاق، وقدمت وصفا عنيفا ودقيقا على قدر الإمكان للإنسان ~~المنافق. # كنت أعرف احتدام غضبه وعنف أقواله، وأحاول أن أخفف قليلا من حدتها؛ فيبدو ~~مفعما بالإرادة الطيبة: «سأطيعك، وسأكون ms041 نزيها في مقالاتي، ولن أسبب لك العذاب ~~يا ملاكي، اطمئني، وما دمت إلى جانبي، فلن أغدو شريرا، لكني سأكون مجادلا ~~عنيفا في المساجلات.» # وهكذا! لقد كان أساسا على حق. فمصر تقلقه: # يريد الشعب أن يشغل نفسه بشيء ما، وهو لم يعد يستطيع مطلقا أن ينشغل ~~بالسياسة، لحسن الحظ على كل حال. إذن فهو يتسلى، وهو يتسلى بأكثر الطرق ~~انحطاطا ... إن قلبي ينقبض عندما أرى الشباب ينغمر في النوادي الليلية القذرة؛ ~~فكل هاتيك النساء فيما أظن مرضى. # ولقد بقي زمنا طويلا مهموما من رؤيته الشباب بلا دليل ولا قواعد ولا هدف ~~جاد. ~~••• # جاء أخوه توفيق إلى القاهرة، وصحبه إلى السوق لشراء بعض الحاجيات. ويتهم طه نفسه؛ ~~فقد اشترى حذاء من الكتان الأبيض كان قد أعجبه. لكنه يقول: «على الرغم من عدم غلائه، ~~فإنني نادم على كل حال على شرائه؛ إذ لست غنيا كما أني لست بحاجة إلى حذاء.» # لا، لم يكن غنيا، وهو يكتب في الثاني عشر من الشهر (!): # بقي معي ثلاثة جنيهات حتى آخر الشهر، ليس ذلك بالمبلغ الكبير، لكني أذهب ~~للأسف إلى المقهى وأصرف - لا أصرف كثيرا بالطبع وإنما ثمن كأس من عصير الليمون ~~أو فنجان من القهوة - لكني لست وحيدا، ورفاقي - وهذا هو الغريب - يظنونني ~~غنيا، وغالبا ما أقوم أنا بالدفع عنهم. على أنني أخفف من مصاريفي فلا ~~تقلقي، وسأقلل من ذهابي إلى المقهى. نسيت أن أقول لك إنني صرفت جنيهين ~~ونصفا من أجل حفلة الشيخ محمد عبده؛ فقد دفع كل واحد من الباشوات والبكوات ~~والمشايخ # 72 # خمسة جنيهات، ودفعنا - أنا ومنصور - جنيهين ونصفا، كنت أعتمد ~~عليها للأيام الباقية من الشهر. لكنك ترين أنني لست على وجه العموم شريرا إلى ~~هذا الحد حتى ولو كنت خالي الوفاض. # وليتخيل القارئ كيف أني كنت أقرأ كل ذلك، وأنا أقيم مع الأطفال إقامة مريحة في أحد ~~فنادق البيرينيه. # في تلك السنة، كان الاحتفال بيوم الرابع عشر من يوليو احتفالا خارقا للعادة كما ~~كتبت صحيفة «الحرية» # 73 # فإضاءة المدينة لم يسبق لها ms042 مثيل. وكانت الألعاب النارية تنطلق صانعة برج ~~«إيفل» من الأضواء. وكان الجنرال اللنبي # 74 # سيأتي خصوصا لهذا الاحتفال من الإسكندرية. وكانوا يريدون جر طه إلى ~~المشاركة في هذه الأعياد فرفض وفضل أن يفكر بأعيادنا نحن. ثم إنه عاود الاتصال ~~بتاريخه الروماني ونصوصه اللاتينية واشتغل طيلة الصباح: «لقد أسعدني ذلك جدا بحيث ~~إنني كنت أنتظر بفارغ الصبر قدوم الساعة الرابعة لأتناول ثانية قاموس الأقدمين ~~والإمبراطورية.» # ويتحدث عن الاحتفال الشهير بذكرى الشيخ محمد عبده بمنتهى الإيجاز: # تحدث مصطفى جيدا، أما منصور فقد ألقى خطابا رومانتيكيا في حين ماحك ~~لطفي قليلا. والصحف لا تتحدث إلا عن ذلك الأمر الذي أراحنا قليلا من ~~السياسة. # على أن السياسة مع ذلك لا تستسلم للنسيان؛ فقد أطلقت النار على ضابط بريطاني، ~~الأمر الذي يمكن أن تترتب عليه نتائج خطيرة: «لم يعرف الأمن العام في تاريخه اضطرابا ~~مماثلا وأخشى جدا أن يسقط النظام الجديد. فالحكومة لم تعد مرهوبة الجانب، وليس ~~هناك أية سلطة أخلاقية ولا أي سلطة دينية ... فهم يعتقلون أي شخص ... لماذا لا يطبق ~~الحكم العرفي على الأجانب أيضا؟!» # ومن الطبيعي أن ما سمي تعيينا يتعفن في دوائر الوزارات واللجان، ويرغمه صديق ~~على الذهاب لمقابلة وكيل الوزارة. كان في المكتب أجنبي، فقدم إليه طه بوصفه عالما ~~مشهورا باللغات العديدة التي افترض فيه معرفتها والتي لا يعرفها، ولا يعرفها كذلك ~~الآخر. تلك هي نتيجة الزيارة الوحيدة، مع لقاء محبب؛ فقد وصل لطفي في اللحظة التي كان ~~فيها الشخص الأجنبي على وشك الذهاب. # قمنا بالسقرطة حول أشياء يجهلها كلانا، وكنا نتحدث عنها بوصفنا علماء! ~~ماذا أقول؟ بل بوصفنا مختصين! عن العلاقات القائمة أو غير القائمة بين اللغة ~~الهيروجليفية واللغات السامية القديمة. وأقسم لك أننا لم نقل سوى ~~حماقات. # كان «الأصدقاء» الذين فرضوا أنفسهم على طه كريهين، مزعجين، ومتطفلين بشكل غير عادي، ~~فقد كانوا يستمعون إليه وهو يملي ما يكتب لي، ويستمعون إلى ما أكتب إليه. كان متعبا ~~وساخطا بحيث انتهى إلى القبول بالذهاب إلى الإسكندرية لبعض الوقت. «شيء واحد ms043 يحزنني، ~~وهو أنني سأترك البيت. هناك حيث تقوم كل سعادتي. حيث فيه أنت، لكني كنت فيه منفيا ~~أصلا.» # ويعدني، وهو يفكر بالبيت، وعودا حاسمة، لن يتمكن من تحقيقها، بالحفاظ على حرمة ~~حياتنا الخاصة عند عودتي - سوف نقلل من الزيارات المباغتة، المزعجة، العقيمة في أغلب ~~الأحيان بحيث يستطيع الانصراف إلى العمل - وسيعمل على كل حال بمعجزة، لكننا لم نستطع ~~إطلاقا أن نملك حياتنا الخاصة كما كنا نرغب. # ويطلب إلى الجامعة ثلاثة أشهر، ويقيم في الإسكندرية في الفندق العائلي «متروبول» هواء ~~البحر ينعشه من جديد، وسيذهب مع سكرتيره ألبير للجلوس على رصيف مقهى «التريانون» ويقرأ ~~«الكشكول» # 75 # وأول عدد من «مصر الجديدة» # 76 # التي صدرت مؤخرا. وفي المساء يسر بتسلم رسالة من الزناتي؛ فهو رفيق ~~وشيخ يجهل كل شيء عن الغرب، لكنه أبدى لطه، في أثناء غيابي بوجه خاص، وفاء مطلقا. ~~يقول الزناتي في رسالته إنه يعلم جيدا ما الذي أتى بطه إلى الإسكندرية: لقد جاء ~~يتنفس مباشرة الهواء القادم من فرنسا! أولئك هم الناس الذين ساعدوا طه على أن يعيش ~~وحيدا، ولم أنس ذلك، كما أن طه لم ينس ذلك أيضا، وهو الذي كان يكتب لي: «ها هو ~~ذا الزناتي الذي لا يتركني في أي مساء؛ إنه يتحدث غالبا عنك وعن الطفلين بحب، ~~وأبوه يسأل عن أخباركم ويدعو لكم.» # وبعد عدة أيام: # أقضي أمسياتي في سماع الحكاية التي كررها علي عزيزي الزناتي عن مكتبته ~~ثلاثمائة ألف مرة؛ لن أنسى أبدا وفاءه ولا تضحيته من أجلي. إنه أكرم إنسان ~~عرفته. # وهناك صديق آخر كان يأتي إليه غالبا، ويكتب أيضا: ~~... يتحدث فريد (الرفاعي) غالبا عنك ... إنه يحيا حياة لا تطاق، ويعيش دوما ~~رابطا مصيره ب «الرئيس» دون أي بحث عن مصلحة شخصية ... وأظن أنه لو أحب هذا ~~الشاب امرأة كما يحب ثروت باشا لكانت هذه المرأة أسعد امرأة في العالم؛ أي ~~حماس، وأي حميا، وأي استعداد لكل شيء. # ولما كان قد ارتاح أخيرا لعثوره على حريته، فقد استعاد مزاجه المرح. وها هو ذا ms044 يكتب ~~لي رسالة مضحكة كان لا بد لها من أن تسليني، يكتب في بدايتها: «لقد أنجزت عملا ~~بطوليا خارقا؛ فقد تحممت اليوم في البحر!» # إذ بعد أن أرهقه إلحاح ألبير وأصدقائه انتهى للاستسلام لهم. وها هو ذا محاطا بألبير ~~وفكري، في حمام الرجال في سان ستيفانو. إنه ليس عبارة عن بلاج، وإنما ينزل المرء إلى ~~الماء بواسطة درج، ويتدبر أمره حسب إمكاناته. وبدا طه مروعا؛ إذ وجد نفسه شبه ~~عار! (ولم يكن لباس الحمام كما هو اليوم!) لكن فكري يشجعه: ما فائدة دراسة التاريخ ~~اليوناني إن لم نلبس كاليونان؟! وأخيرا ينزلون على الدرج متقاطرين. وصرخ بي واحد لا ~~أعرفه منهم: «ولكن تقدم!» ثم «ابق واقفا! تمسك جيدا بالحبل!» لكن جاري لم ~~يكن هادئا؛ فقد كان رأسي بارزا ولم يكن يحب أن يظل كذلك. ويقول لي: «أغلق فمك، ~~ولا تتنفس، وأغطس رأسك في الماء!» وأطيع! يا للهول! شربة، شربة هائلة تدخل فمي ~~وأذني وشعري ... ويضحك الجميع: «إذن؛ أغلق فمك وأعد الكرة.» وأعيد الكرة، ولكن ~~الأمر نفسه يتكرر! يا للشيطان! من أين أمكن للماء أن يدخل؟! لا أعرف. ولكن ها هو ذا ~~الحبل ينقطع، ويحملني ألبير على السلم. أتظنين أنني سأعيد الكرة؟ كان الأمر ممتعا، ~~لكنه في منتهى التعقيد. إنني أعرف الآن ما معنى الغرق!» # لو قرأ ولداي هذه السطور لضحكا كثيرا، لكني لا أدري إن كانا يستطيعان أن يتصورا ~~ما كانت عليه هذه الحمامات البحرية الغريبة. # ثم ها هي تلك المعجزة: طفل وليد يهتف: «يعيش سعد زغلول! تعيش مصر حرة مستقلة!» ~~ويضطرب الحي بأكمله وسرعان ما تنتظم مظاهرة: «سوف نعلم البوليس أن شيئا خارقا قد ~~حدث.» وا أسفاه! فقد كان الوليد (!) ابن أربعة أعوام! لكنه لم يكن طبيعيا، كما كان ~~ضئيلا بشكل لا يصدق، وكان من النحول بحيث أن أباه كان يضعه في جيب ~~جلابيته # 77 # ويجعل منه موردا لرزقه. # على أن البهجة لا تدوم، فهو يحاول الصبر لكنه لا يتوصل إلى ذلك أبدا؛ إذ إنه ~~يستشعر بحدة أعرفها منه تماما ms045 مرارة الخيبات التي يلقاها غالبا. ولقد ظل طيلة ~~حياته - ومع إدراكه للطبيعة البشرية - ينسج الأوهام حول أولئك الذين يحبهم، ومنهم الآن ~~لطفي الذي إذ لقيه في سان ستيفانو، كازينو الرمل الشهير، حيث كانت الفئات الرسمية ~~والطبقة الأرستقراطية ترتاده عند العصريات وتتبادل فيه أحاديث لا تنتهي، سلم عليه ~~ببرود. كان بصحبة عدلي ومحمد محمود # 78 # اللذين استقبلا طه بلطفهما المعهود. ولكن طه، بما عرف عنه من نفس ~~أبية، سرعان ما ينسحب ويكتب إلى لطفي رسالة في منتهى القسوة. ولا بد من القول أنه ~~كان متعبا وعصبيا، وأنه كان يبذل جهوده عبثا في سبيل دعم الأحرار: # عجبا! بينما يختبئ هؤلاء السادة الوجهاء، أدافع عنهم وتنصب على رأسي ~~بسببهم ثلاث صحف في الصباح وفي المساء دون توقف ... سنرى! # واعتذر لطفي: # أحتاج إلى رسائلك. تصوري كيف أنني وحدي في كل مصر أرغم على أن ~~أتحمل كل أنواع البؤس وكل الأحداث دون أن أجدك إلى جانبي. # ومن المؤكد أن أحدا لم يكن ليتوقع أن يجد لدى هذا المجادل العنيف مثل هذه الحساسية ~~المرهفة التي تجعله يكتب : # لو قارنت نفسي بشيء ما، لقارنتها بهذه الأرض الرطبة على شواطئ النيل في مصر ~~العليا؛ تلك الأرض التي بمجرد أن يلمسها المرء، ولو مجرد لمسة خفيفة، يتفجر ~~الماء منها. # ويستعيد بحنان ذكريات 1916 و1917: أعمالنا وترجماتنا اللاتينية وقراءاتنا ورسالتنا، ~~متقاسما معي ما يخصه، ويتابع بالطبع العمل بدأب شديد: # إنني ~~أعمل، وأفضل برهان على أنني أعمل هو أن كل الصحافة تقف ضدي وأنني ~~أحتمل وحدي كل الصدمات بلا مبالاة جديرة بالأب «جيروم كوانيار # Jerôme Coignard ~~». # 79 # لكنه لم يكن لا مباليا إلى هذا الحد. # وتمضي الأيام، ويحدث فجأة حدث كبير في حياة صديقنا مصطفى: «فقد استيقظ في الساعة ~~الثامنة صباحا عزبا ليجد نفسه في الساعة الرابعة بعد الظهر متزوجا.» بقرار من حسن ~~باشا. لكن طه يتوهم ... # في بداية سبتمبر، كانت الاضطرابات تجتاح مصر بشكل خطير، وسيستمر الأمر على هذا ~~النحو زمنا طويلا حتى يخيم استقرار نسبي في ظل الاستقلال، فالملك ms046 ساخط؛ إذ إن ~~الوزارة ليبرالية أكثر مما يجب، وكان الجميع يتوقعون الأزمة. فإن سقطنا فسيكون ذلك ~~أفضل للحزب، # 80 # وسنعود للمعارضة وسيكون ذلك أسوأ للعرش. # لم يكن الملك شعبيا. وأذكر وقوع حادثة نادرة الوقوع في نظام ملكي. ففي إحدى ~~أمسيات الربيع من تلك السنة كان الملك يعود من سباق الخيل في الجزيرة. وكان الموكب ~~يمر من تحت شرفتنا. ورأيت الفرسان يسيرون حاملين الرايات الحمراء والخضراء، والعربة ~~التي يجرها حصانان والفرسان من ورائها. كان الملك ينحني ويسلم يمنة ويسرة، غير أن ~~أحدا لم يكن يرد له التحية أو يهتف له. ومر الموكب في صمت وبرود. كان ذلك أمرا ~~يثير الحنق! # ذلك الأسبوع، كان القصر - كما كان يقال آنذاك - يركب رأسه؛ فقد كان يريد برلمانا ~~لا سلطة له ولا حقوق، ولم يكن يريد سيادة وطنية ولا مسئولية وزارية. كانت الأزمة بعد كل ~~شيء مدبرة. # ربما بفضل الجنرال اللنبي، أو بوجه خاص بفضل كارثة يمكن أن تضع القصر في وضع ~~حرج ... لكني لست على يقين من أنها لن تعود في وقت قريب للظهور ثانية ... فالملك ~~محاط بحاشية رديئة! ومن الطبيعي أني مع الحكومة. ولست أنطلق في ذلك عن روح ~~حزبية وإنما عن وعي. إنني لن أؤيد الاستبداد على الإطلاق. # كانت الدعوى الشهيرة ضد الوفد # 81 # تشغل الجميع. وكان المهتمون يرفضون الدفاع عن أنفسهم أمام محكمة إنجليزية ~~تستمر في ادعاء الاختصاص لنفسها النظر في الدعوى. # والمصريون منقسمون على أنفسهم أكثر من أي وقت مضى. وأكثرية الشعب لا مبالية ~~أو أنها متعاطفة أو أنها تنظر للأمر باستحسان، لكنه تعاطف لا يتجاوز الشفاه ~~إطلاقا، فهو غير مفيد. فالسعديون يحقدون على الحكومة وأنصارها ويكيلون لها ~~الشتائم والاتهامات من كل نوع، أما العدليون فهم مبتهجون كثيرا، ولا يخفون ~~رضاهم، لكنهم يخشون إصدار حكم بالبراءة. هذا جبن ودناءة! إنني لست مع الوفد، ~~لكني لا أستطيع أن أرى الناس يعاملون بهذه الطريقة؛ فيقفون أمام محكمة يرأسها ~~الأجانب، لا أستطيع أن أبقى غير مكترث إزاء هذه الإهانة الكبيرة التي توجه ~~إلى ms047 كرامتنا. # ويقلق وهو يفكر في السيدة قرينة واصف غالي والسيدة قرينة مرقص حنا # 82 # وأخريات من النساء «بعضهن لسن غنيات.» ويعود إلى العدليين: «الجبناء! ~~إنني عدلي، بل أكثر عدلية من هؤلاء الناس، ولكن هل المسألة مسألة عدلي أو ~~سعدي؟ أوليست هي قضية مصر؟! يقال إن سعد زغلول المسكين في خطر، وإن زوجته ~~تطلب اللحاق به ... ماذا ينتج عن كل هذا؟ لا شيء ولا شك ... فإذا أدين أعضاء الوفد ~~فالبرلمان سيعفو عنهم، ولن يتأخر البرلمان عن ذلك؛ لذا فهناك من يستعجل لوضع حد ~~لمطامح شريرة بدأت في الظهور.» # ويقرر طه رؤية رئيس الوزراء، ويذهب ~~إليه. كان ثروت مرحا عندما استقبله وسأله عن أخباري؛ وما يكادان يبدآن طرق الموضوعات ~~الخطيرة حتى يقطع حديثهما مجموعة من الزوار. فاستأذن طه بالخروج والذهاب، لكن صهر ~~ثروت لحق به: «وتحدثنا في السياسة، وعرضت له آرائي، فأجابني: «معك حق، ولكن كيف ~~حدث أنك لم تتحدث بذلك للرئيس؟!» فقلت: «كنت على وشك أن أفعل، لكنه لم يكن وحيدا وأنا ~~مسافر غدا.» فصرخ: «انتظر إذن!» وتركني لحظة عاد بعدها ليقول لي إن الرئيس ينتظرني. ~~وعدت إليه وبقيت معه أتحدث فترة من الوقت.» # ثم يجتمع بحسن باشا الذي يقنعه بعدم مغادرة الإسكندرية قبل أربعة أو خمسة أيام. كان ~~حسن يريد استئجار بيت: «وقال لي: ستبقى معي حتى وصول سوزان؛ فرفضت. لكنه قال: إنك لا ~~تستطيع الذهاب؛ فإذا سقطت الوزارة فإن عليك الاجتماع بثروت. وكان على حق، فبقيت.» وفي ~~صباح اليوم التالي تصل الأنباء عن مهاجمة إنجليزي وزوجته، وكان من شأن ذلك أن يزيد ~~الأمور سوءا. ما الذي سيفعله الإنجليز؟ وبانتظار ذلك، فإن سعد سينتقل من جزيرة ~~«سيشيل # Seychelles ~~» إلى جزيرة أكثر رحمة: «فذلك ~~يرضي السعديين وبعض العدليين أيضا.» # أرجئت الأزمة وعادت الأمور ثانية إلى وضعها الطبيعي تقريبا. كان كازينو سان ~~ستيفانو لا يفرغ أبدا؛ فكل الناس يوجدون فيه: «البعض منهم لأنهم أغنياء، والبعض ~~الآخر لأنهم فقراء؛ الفقراء يأتون لتناول فضلات الأغنياء، وبهذه الطريقة فنحن على يقين ~~من أننا سنجد عالما ms048 ديمقراطيا في هذه الأماكن الأرستقراطية أساسا!» # وتوشك هذه الإقامة القصيرة في الإسكندرية على نهايتها: # لم أفعل شيئا هنا، ولا بد لي من أن أفعل شيئا ما! علي أن أكتب وأن ~~أترجم وأن أحضر دروسا للجامعة وربما لدار المعلمين التي تطلب مني ثلاثة أو ~~أربعة دروس في الأسبوع. # لكنه سيغرى بالبقاء في الإسكندرية قليلا؛ لأنها «في هذه الآونة المركز السياسي ~~الحقيقي للمرة الأولى فيما أظن منذ سنوات؛ فالعادة جرت على أن السياسة تصنع ~~في القاهرة، وأن يقضي الوزراء إجازاتهم الصيفية في الإسكندرية.» # وفي المساء الأخير يتلقى زيارة من عبد العزيز فهمي باشا الذي كان قد ذهب لرؤيته ~~عشية اليوم السابق (أي تهذيب آنذاك؟!) كان عبد العزيز باشا محاميا شهيرا وشخصية ~~ساحرة مؤثرة: «يدخل ويأخذني بين ذراعيه ويأخذ في معانقتي بعنف تقريبا. ويسأل عن ~~أخبارك لا بلطف وإنما بحنان. أتعلمين أنه يحب زوجته كثيرا ولم يتعز عن فقدانها منذ ~~1907؟ إنه إنسان رائع، وأظن أنه يحبني، فأنا في نظره عالم مصر. إن مصر مدينة لك ~~وأنت معلمي.» # كان لا بد لطه من أن يضطرب؛ إذ حين لقيه ثانية في المساء في فندقه: «كان هناك ~~جمع كبير من الناس. ومن الطبيعي أنهم احتفظوا له بأفضل مكان. لكنه أعطاني إياه، وكان من ~~المستحيل أن أجعله يغير رأيه، وعندما استأذنت في الذهاب رافقني حتى فندقي.» كان لطفي ~~وعبد العزيز أصدقاء مقربين جدا. فقد كان طه يلتقي بهما غالبا ويتبادل معهما الأحاديث ~~بحرية الأصدقاء وإلفتهم. # وفي القاهرة، كان يثقل صدره ضيق حقيقي: # لم يكن ممكنا لي أن أدخل غرفتك دون أن أضع يدي على صدري بشكل غريزي، كما ~~لو أن قلبي سيفر مني ... فأنا لا أراك، ولا أرى صورتك، ولا أستطيع أن أكتب ~~إليك بنفسي ... آه! ومع ذلك، فإني لا أحب أن أفكر في مثل هذه الأشياء. # كانت هذه إحدى المرات النادرة التي يتحدث فيها عن حالته ويعترف فيها بعذابه. أمن ~~الممكن أن يقارن عذابي بمثل هذا العذاب؟! # وربما كان العشاء الذي دعا إليه الشيخ مصطفى بمناسبة ms049 زواجه مؤخرا قد سلاه قليلا. ~~كان مصطفى قد دعا «الشخصيات السياسية من الدرجة الثانية والشخصيات الأدبية من الدرجة ~~الأولى. فالسياسيون هم الطبقة الأرستقراطية التي تصيف في الإسكندرية.» # كان طه يخاف أن تدور الأحاديث في ~~السياسة ويخشى أن لا يتمالك نفسه. لكنهم ضحكوا كثيرا واستبعدوا الخوض في الأمور ~~الشائكة برغم حضور «صحفيين من كل الألوان - عدليين ووفديين ووطنيين بل حتى ملكيين - إذ ~~لدينا الآن حزب جديد هو حزب الملك، وصحيفة الحرية، وهي صحيفة الملك، تبعث من جديد ~~بأمر ملكي، ربما لأن الأهرام ستعود للظهور بعد أن توقفت عن الصدور يومين.» لكنهم ~~تحدثوا مع ذلك عن آفة جديدة: الوشايات التي بلغت نسبتها درجة تثير القلق. # نحن بحاجة إلى حكومة حازمة قاسية ومنظمة. هذه الحكومة ليست حكومة ثروت ولا ~~حكومة الإنجليز. فهل تمنحنا إياها الحياة الدستورية؟ بانتظار ذلك أعلمك أنني ~~انتويت أن أتخلى عن السياسة، وسأكرس نفسي لعملي كعالم وكأستاذ تاركا الميدان ~~للثرثارين والوصوليين، ولكن هل سيتركونني أفعل؟ لقد بلغ اشمئزازي ~~أوجه. ~~... لكنه بعد يومين فقط يهاجم القصر! لا لكي يدافع عن الحكومة التي لا تطلب أفضل من أن ~~تراه هادئا وإنما لأن القصر يريد الحد من حرية المعتقدات. فهل يسع الإنسان الذي ~~دافع عن كل الحريات، وفي المقام الأول حرية الضمير، أن يبقى لا مباليا؟! وفي الوقت ~~نفسه يحدثني عن صراع، يبقى بالنسبة إلي غامضا؛ بين أعضاء لجنة الثلاثين # 83 # من جهة، ورجال الدين من جهة أخرى. فالجهة الأولى تريد أن يكون الواجب ~~الوطني قبل الواجب الديني، في حين تطالب الجهة الثانية بالعكس؛ ومن ثم، فإن ~~الأعداء المحتملين لمصر سيكونون بالطبع إما مسلمين أو مسيحيين، إذا لم يرد المسلمون ~~مقاومة الأتراك، وإذا لم يرد المسيحيون مقاومة الإنجليز! ولكن أفكارا بمثل هذه ~~البساطة لا يمكن أن تمس جمهورا جاهلا ومتعصبا و«المناداة بأفكار من هذا القبيل ~~تثير عداوة الناس جميعا.» # أدين أعضاء الوفد واستاء طه استياء شديدا. وذهب لمقابلة رئيس الوزارة وصرح له ~~بجلاء أنها إهانة لبلد يدعي الاستقلال، وأن على الحكومة أن تحتج ms050 على الأقل: ~~«إن سلبيتكم تضعنا في موقف يستحيل فيه الدفاع عنكم.» وكان الرئيس المسكين يرى ذلك ~~أيضا، ولكن طه - وهو الذي يعلم أن العمل وحده هو المهم - لا يكتفي بالشكاة وإنما ~~يريد القيام بحملة لكي تتخذ لجنة الثلاثين إجراءات لصالح المعتقلين: «إن اعتقالهم لن ~~يكون طويلا؛ إذ بمجرد أن يجتمع البرلمان، يلغى الحكم العرفي فيفرج عنهم؛ إذ لا ~~بد من أن يتمكنوا من ترشيح أنفسهم في الانتخابات القادمة. سوف أحاول.» # وبعد عدة أيام، تنشر صحيفة الحرية، صحيفة الملك، مقالا لكاسترو: # يجب أن أرد عليه؛ فإذا نشر مقالي، فإن من شأنه أن يكدر الملك، وربما ~~تأثر منصبي من ذلك. لا يهمني، فلست أنا بالذي يشتري منصبا مقابل عبودية ~~البلاد وإني لعلى ثقة من أنك ستحبذين موقفي. # وينشر المقال. غير أن مجلس الوزراء في اجتماعه يوم 3 سبتمبر لم يضع مسألة المنصب ~~على جدول أعماله. ولا يهم إن كان ذلك لهذا السبب أو ذاك. وفي السابع من الشهر يستقبله ~~وزير المعارف العامة بود ويقول له: «تعلمون أن مسألتكم ستبحث في الجلسة ~~المقبلة.» # وهززت كتفي: لست على عجلة من أمري يا صاحب المعالي، ولم آت إلى هنا من أجل ~~ذلك. # كان الأمر بصدد الدروس التي يطلبون منه إلقاءها في دار المعلمين: «لكني سعيد جدا ~~لذلك، فسوف تدخل إليها روحا جديدة فعالة، مثلا، لا أريد أن تتعبك هذه الدروس وتشغلك ~~كثيرا عن عملك في مكتب الترجمة.» وافترقنا عند هذه الكلمات اللطيفة. # لم يصبح طه على الإطلاق مديرا لمكتب الترجمة! والأجدر أن نتساءل فيما إذا كان قد ~~وجد هذا المكتب نفسه أصلا! # على الرغم من الإرهاق العصبي الذي تسببه له هذه المراجعات الدائمة للوعود وما ~~تخلفه من مرارة فإنه لم يستسلم للقنوط. وها هو ذا يعد أعمالا أخرى: درسين ~~لدار المعلمين حول تاريخ الشرق القديم، ستة دروس في أسبوع واحد! أما دروس الجامعة ~~فستدور حول الهيلينية والعلاقات بين اليونان وروما. وفي الثالث من سبتمبر كان قد بدأ ~~كتابا حول حركة الاستقلال المصرية، وأملى في ساعة ms051 واحدة ست صفحات كبيرة: «ذلك لأنني ~~أنتظرك.» فضلا عن المقالات والترجمات. # لقد آن لي أن أعود؛ إذ إنه لم يعد قادرا على الاحتمال. فهو مشغول البال من ~~الناحية المادية، ولم يكن من الممكن الحصول على قرض كان يفكر فيه دون أن يكون ~~معينا بمنصب ما، لكنه لا يتكلم عن ذلك إلا لي أنا. ففي إحدى الأمسيات، كان «ج» ~~يشكو مطولا وضعه المالي، لكنه كان يعيش في بحبوحة، ولما كان طه يعرفه فقد استثير: ~~«لماذا يشكو؟! أعتقد أنني سأعتاد على أن أكسر: «اعذريني» كل الناس الأغنياء الذين يشكون ~~فقرهم أمامي. فذلك يغيظني ويسيء إلي. لست غنيا، ولكني بحمد الله لا أتفاخر بفقري، ~~أولا لأنني لا أستطيع، كما أنه سلوك يخلو من اللياقة.» # أحبك وأنتظرك ولا أحيا إلا على هذا الانتظار ... # تلك كانت آخر رسالة منه خلال هذه الأشهر الثلاثة من الفراق. لقد سببت له هذه ~~الفترة كثيرا من الآلام، لكن ذكراها تظل عزيزة عليه وعلي؛ فقد تجرأ أخيرا ~~على أن يقول: «أنا قليل الإفضاء بمشاعري، بل إنني صموت، وإنني على وعي بذلك تماما، لكن ~~ما أكثر ما حدثتك منذ رحيلك عن أشياء لا تطيقين سماعها! لم أكن أعتقد على الإطلاق ~~بقدرتي على مثل هذا الحب. وستبقى دوما في أعماق نفوسنا زاوية كانت وستبقى دوما ~~وحشية، ولن يمكن تقاسمها إلا بين كائنين، كائنين فقط، أو أنها لن تقتسم على ~~الإطلاق. هذه الزاوية الوحشية المتوحدة هي أفضل ما فينا.» # ليس هناك من بين هذه الرسائل التسعين رسالة واحدة لم تكن اعترافا أو عطاء. أقرؤها ~~وأقرأ تلك التي وصلتني منه بعد ذلك. خمسون عاما مضت ولا أكاد أصدق ذلك إلا بصعوبة. أمن ~~الممكن يا طه أنني كنت محبوبة على هذا النحو وأنني كنت المقصودة بهذا السيل من الحنان ~~والعاطفة؟! لست في المعادي على الإطلاق، وليس عمري ثمانين عاما. وعندما أغلق لفة ~~الرسائل التي ربما تناولتها غدا من جديد، أشعر أنني نشوى، خارج الزمن الحاضر، وخارج ~~العالم. # هذا القدر من الحب الذي كان علي أن ms052 أحمله وحدي، وحدي، عبئا رائعا، ما أكثر ما ~~خفت ألا أتمكن من القيام بمتطلباته بجدارة! # من أين جئت أنت إذن؟ أنت الأقرب إلى نفسي، من أين جئت؟ وهل سيسمح لي الله أن ألقاك ~~حيث أنت؟ # للمرة الأولى، والوحيدة، لم نكن معا في ذكرى زواجنا. كانت رسالتك يومها مفعمة ~~جلالا: «أبي حاجة إلى القول أني أحبك؟! إني لأقولها لك مع ذلك وإنه لعهد لك مني ~~جديد.» # ولما كنا متحابين، فإننا سوف نسير من جديد، أقوياء بهذا الحب نحو المستقبل ~~الذي ربما سيشبه الماضي، أو لعله سيكون أفضل منه أو ربما سيكون أسوأ منه، ~~ولكن ما همنا؟! سوزان، لنتابع المسير، أعطيني يدك. ~~«أعطيني يدك.» لقد طلبها مني أيضا في الليلة الأخيرة، يدي، ولكني لم أذهب ~~معه. ~~••• # كنت قد أبحرت على سفينة «سفنكس» مع الطفلين. وفي العشرين من سبتمبر # 84 # كنا نجمع شملنا من جديد. كنت أعيد معي فتاة صغيرة متفتحة متشيطنة ~~وطفلا سليما معافى أثار حماس أبيه منذ أن كان على ظهر المركب وهو يصرخ بكل قوته: ~~«بابا، بابا!» بعد أن لمح أباه على الرصيف (أو عندما أشارت إليه أخته وأشارت له إلى حيث ~~يقف أبوه). وبطبيعة الحال، فإن طه الذي كان قد تخيل أنه سيحملني من المركب إلى ~~العربة لم يفعل ذلك! # كنا قد وصلنا إلى «سالي دو ~~بيرن # Salies de Bearn ~~» # 85 # مع أمي التي كانت تنتظرنا في مرسيليا. كنت أعود إلى فرنسا تغمرني مشاعر ~~كئيبة. فالهم لا يفارقني، وذراعي كانت تفتقد ذراعا. # الطفلان سعيدان. إنني أتحدث عنهما بإسهاب. وها هي أمينة تكتشف سحر مسرح العرائس، ~~«الجينيول # Guignol ~~»، يفرحها المطر، وتدهش؛ إذ ~~تتساءل: «والخيول يا ماما، هل هي فرنسية؟» وتشاهد الإوز الذي كانت تجهله، فتعلن بعد ~~تفكير أن الوزة هي جدة الدجاجة! # أما صديقتنا التي جاءت لرؤيتنا من «بو Pau ~~» فإنها ~~تدهش للتشابه بين مؤنس وأبيه. وكان على هذا الصغير أن يحب أباه أساسا قبل أن يعرفه ~~بما أنني لمحته ذات يوم يمرر بهدوء يده الصغيرة على الصورة التي كانت ms053 على طاولتي. ~~كانت أمينة تتسلى بجنون، وكان لها عصبة من الرفاق الصغار من حولها. ولما كانت حساسة ~~إزاء المناظر الطبيعية فقد كانت تغني بأعلى صوتها أمام مرج مرصع بالزهور البيضاء، ~~في حين كان أخوها، وهو يسمعها، يهز ذراعيه بعنف طربا. على أنه كانت لهذا الصغير بعض ~~الأوقات الصعبة. وكنت أشعر بالقلق حين أفكر أنا كنا ثلاثة مسافرين، ثلاثة ركاب، ~~وأنني كنت وحدي مسئولة عن وصولهم بسلام. # ولقد أضحكت ابنتي كثيرا دون قصد ذات مساء حين وضعت، على الرغم مني، سهوا، ماء فال ~~المعدني بدلا من الزيت في مصباح البيجون، وقد ظنت أن ذلك سيسلي أباها كثيرا ~~فكتبته له. إنني أنا التي أمسكت بالريشة بالطبع! # عندما غادرنا «سالي # Salies ~~» في الحادي والعشرين من ~~يوليو كان وزن مؤنس قد ازداد 500 جرام. أما وزني فلم يزد جراما واحدا. وعندما كان ~~الطبيب يودعني، وكان قد بذل أقصى ما أمكنه من العناية بنا، قال لي بأسف: «أعتبر نفسي ~~سعيدا جدا يا سيدتي؛ لأن وزنك حتى الآن لم ينقص!» # وصلت ابنتي الصغيرة إلى فرنسا دون قبعة؛ فغضبت أمي. كان من المستحيل علينا العثور ~~عليها في أثناء الهرج الذي ساد لحظات السفر، وربما كانت قد أضاعتها في حديقة الفندق ~~التي كانت واسعة، كما أنه لم يكن بوسعنا أن نفوت القطار. والحق أن ذلك الأمر لم يكن ~~ليعذبني كثيرا إلا أنه كان له فيما يبدو مغزى كبير في تلك الحقبة. وكان لا بد لغضب أمي ~~من أن يسلي طه. # كنا نسكن بالقرب من حديقة «الأوبزرفاتوار # Observatoire ~~»؛ حيث أمضينا سنواتنا الأولى هناك. ~~وأكتب إلى طه: «ربما كانت أفضل سنوات حياتنا قد تتالت في هذا الحي اللاتيني.» إلا ~~أنه كان ثمة أفراح أخرى في منتهى الجمال تنتظرنا مع ذلك. # وبقدر ما كان الأطفال يسمحون لي - وقد ساعدتني أمي كثيرا في ذلك - كنت أتنزه في ~~الشوارع المألوفة. أذهب إلى السوربون، وأصحب الأطفال إلى حديقة اللوكسميورج كل يوم. في ~~أحد الأيام، ركبت الباص الذي يسير على خط «كليشي-أوديون # Clichy-Odéon ~~»، وكان مسار ms054 هذا الخط يسرني ويؤدي إلى صائغ في جادة ~~الإيطاليين. فعلت ذلك في اليوم العظيم الذي اشتريت فيه «اللونجين # Longines ~~»، وهي الساعة التي حملها طه دوما معه حتى اليوم الأخير. ~~كانت هذه الساعة باهظة الثمن، وكان شراؤها بالنظر إلى وضعنا المادي يعتبر عملا ~~جنونيا. ولقد كنت مجنونة في الواقع، مجنونة فرحا. وعندما سطا اللصوص على دارنا ~~«رامتان» في الربيع الماضي، كانت الساعة من جملة ما سطوا عليه. ولقد آلمني ذلك أكثر من ~~أي شيء آخر. وكان عذابي من الوضوح بحيث إن ضابط البوليس المكلف بالتحقيق قال لي: «سوف ~~أعيدها لك، أقسم لك أنني سوف أعيدها لك.» ولقد أعادها لي فعلا ... فليباركه ~~الله! # ذهبنا إلى الأوبرا مع أمي. ها هي ذي الذكريات تتدفق على خاطري، فيخفق قلبي. ~~الدهليز، والدرج الكبير ... ما أكثر ما كنا نصعده جيدا! ... وكم توافقت خطواتك مع ~~خطواتي! كانوا يقدمون في ذلك المساء أوبرا «الفالكيري # La Walkyrie ~~»، ولم يكن طه يعرفها، فقصصتها عليه. # وفي مساء آخر، ظننت نفسي أفعل خيرا إذ أصطحب إلى المسرح الفرنسي امرأة طيبة كانت ~~وفية لنا، لكنها لم تكن مثقفة. وبقيت عدة أيام أشرح لها «أندروماك # Andromaque ~~» التي كنا سنراها بلا جدوى؛ إذ لم تكد ~~تتمكن من احتمال متابعة المشهدين الأولين، ثم نامت بعدهما. لكن ذلك لم يمنعني من ~~التحدث مطولا مع طه عن «مادلين روش # Madeleine Roch ~~» ~~و«دوماكس # Demax ~~» و«سوزان دولفير # Suzanne Delvar ~~»، وجميعهم فنانون كان طه يعرفهم ~~ويعجب بهم بدرجات مختلفة. # وأطوف في زقاق «شوازول # Choiseul ~~»، وأسير بتؤدة أمام ~~مكتبة «لومير # Lemerre ~~»، وأمر أمام مقهى الكاردينال ~~حيث كنا ننظر إلى زخرفته، وأتخيل أحاديثنا وإعجابنا وحماسنا. لم أكن لأظن أنه كان ~~بوسعنا التحاب إذا ما وضعنا في ميزان واحد المرارة والكراهية، وما زلت أومن ~~بذلك الآن. # وظهرت مرة أخرى النبوءة القائلة بوشك نهاية العالم. وكنت أرتاب في ذلك، لكنني ~~كتبت إلى طه أنني سأكون يائسة إذا ما توجب علي أن أموت بعيدا عنه وإن موتي معه ~~بدا لي مصيرا مشتهى. وتلمس قلبي عذوبة الأمسيات ms055 الصيفية القديمة، وابن ~~خلدون، # 86 # ومكتبة سان جنفييف، وربيع الحياة الإلهي. # وحضر إلى باريس لرؤيتي بمناسبة ذكرى زواجنا كل من عمي القس وعمي هنري، شقيق ~~أبي. كنت في منتهى السعادة بانتظار عمي القس. وقد انفعلت أمام عمي هنري؛ نظرا ~~لشبهه بأبي. # 87 # وقد قضيت بصحبتهما ثلاثة أيام جميلة. كنت أحاول ألا أضيع شيئا من حضور ~~الأب. فقد كنا نذهب معا لنجدد رؤيتنا لساحة السوربون، أما أمينة فقد كانت ترافقنا ~~بثيابها الوردية الخلابة إلى متحف اللوكسمبورج. وقد ذهبنا أيضا إلى حديقة النباتات؛ ~~فقد كان عمي عالم نبات، وعلمت ذلك اليوم أنه انتخب لعضوية أكاديمية ديجون، كما ~~تعلمت أيضا الاسم اللاتيني للملفوف «الكرنب». # وفي عيد القديسة سوزان الذي كان يحتفل به في الحادي عشر من أغسطس، تلقيت منه هدية ~~كانت عبارة عن نسخة من الفخار لتمثال «الطفل منتزع ~~الشوكة # Tireur d’épine ~~». # وبعد عدة أيام كان يذهب إلى آفينيون لرؤية الأب أندريه الذي كان معلما له والذي ~~كان يحمل له في نفسه الكثير من الإجلال. كان الأب أندريه يحتضر، فرجا عمي أن ينقل لنا ~~بركاته، ولم أره على الإطلاق. # قبيل هذه الزيارات، كنت قد صحبت طفلي إلى عالم كبير هو البروفسور «ريبادو-دوماس # Ribadeau-Dumas ~~». ولقد قالت لي أمي حين كنا نخرج ~~من الشقة التي استقبلنا فيها الطبيب: «لا أدري إن كان ابنك سوف يتحسن، أما أنت فإن ~~صحتك قد تحسنت فعلا!» وكان ذلك صحيحا، فقد عدت إلى بيتنا وقد تخلصت من قلق لم ~~يكن يفارقني. # 88 # ذلك أن هذا العالم كان حاسما في تشخيصه؛ فالطفل لم يكن مريضا على ~~الإطلاق، أما عدم ازدياد وزنه فيرجع إلى أنه لم يكن يتغذى بما فيه الكفاية (وكنت ~~أعرف ذلك جيدا)؛ فقد كان لا يحتفظ إلا بالقليل مما يقدم له من طعام؛ ذلك أنه على ~~أثر التعب الذي ألم بي عند حملي به، لم يكتمل نمو نسيج معدته، ولتلافي ذلك فقد كان ~~لا بد من تغذيته بمركز عصارة اللحم التي يجب تجميدها بطحين البرغل والذرة والسكر. وقد ~~قال ms056 لي الطبيب: «سترين، خلال سنة، سوف يغدو رجلا صغيرا رائعا.» وبعد عدة أشهر ~~أمكنني حقا أن أتحقق من صحة هذا الكلام. # بعد خمسة عشر يوما من هذه الزيارة الطبية، برز لمؤنس أولى أسنانه. ولا أظن أن ذلك ~~كان نتيجة النظام الغذائي الجديد. وقد فرحت ابنتي لذلك جدا؛ فقد أعلنت وكأنها عالمة: ~~«الآن وقد برزت سنه، فإنه سوف يتكلم وسيقول: ماما أحبك.» ما أروعك يا أمينة! لقد عزاني ~~هذا الطفل الصغير الهش وأخته إلى حد كبير عن فراق ما كان يمكن له أن يكون على ~~الخطورة التي كان عليها بالنسبة لنا لو أنه حدث مع نساء أخريات؛ كان خطيرا بالنسبة ~~إلى زوجي الضائع في ليله، وكان خطيرا بالنسبة لي أنا التي كنت أعاني معه أقل آلامه. ~~كنت أتخيل أنواع السعادة التي سيحملانها له عندما يلتقيان به من جديد. # كانت أمينة تتابع اكتشافاتها. ففي اللوكسمبورج تعرفت على الحيوانات الخشبية، وكانت ~~تركب أسدا مزهوا يسمى بروتوس؛ كانت فخورة، وكنت أقل فخرا منها. وعندما لاحظت ~~اضطرابها في المرة الأولى ركبت إلى جانبها، إلا أنني لم أكن في الرابعة من عمري، وهو ~~ما جعلني أحس آلاما سخيفة في قلبي وأتمنى لو تتوقف هذه الدورة الشيطانية التي ~~بدت وكأنها لن تنتهي! # وأهدتها صديقة لي طاحونة بن ~~صغيرة الحجم، دمية، لكنها كانت تطحن فعلا حبتين أو ثلاث حبات. وهتفت في غمرة حماسها ~~بتدوير مقبض الآلة دون توقف: «سوف أكتب عن ذلك لأبي.» وأتناول القلم وأمسك باليد ~~الصغيرة، وأملت علي. لقد أملت علي ذات مرة: «إنني أسليك أيضا!» يا ~~كنز القلوب الطفولية! وفي إحدى الأمسيات كانت تراني حزينة لأن من كان حولي يسخر من ~~اضطرابي المستمر، # 89 # فسمعت صوتا خجولا يهمس بالقرب مني: «لكن يا أمي، عليك أن ~~تعملي!» # وكنت أصحبها إلى مسرح «الشاتليه»، لكن ذلك كان بلا فائدة؛ إذ لم تكن تهتم بما تراه. ~~ولما كانت أصغر من أن تدرك دلالات الإيهام في الفن فقد كانت تتسلى دون فهم وتبقى غير ~~مبالية تماما. على أن الأمر لن ms057 يلبث أن يتغير بعد عدة سنوات؛ فعندما رأت، في ~~الصالة نفسها، أنهم يستعدون لإحراق عيني ميشيل ستروجوف، انفجرت في نحيب لم أتمكن ~~على أثره من تهدئتها. # كان المطر يسحرها دوما. ففي إحدى الأمسيات الممطرة بغزارة، كانت تدندن، وقد ألصقت ~~جبهتها على النافذة: «يقول لي المطر اسمعي ...» ولم تكن تعرف أكثر من ذلك، فأتممت ~~القصيدة؛ أما مؤنس، فقد كان مهتما بذلك إلى حد بعيد وكان يحدق في بثبات جاد، ~~ويطلق آهاته الصغيرة الراضية عند نهاية كل بيت من القصيدة. # كانا متحابين حتى العبادة. وكانت هي التي تستطيع أن تعبر له عن هذا الحب، أما هو ~~فلم يكن يعرف، لكنه كان بمجرد أن يلمح أخته، يتألق وجهه وتغدو فرحته الواضحة ~~أخاذة. # 90 # قبل أن أعود إلى مصر، ذهبت إلى «بورجوني # Bourgogne ~~» ~~مع ابنتي لرؤية عمتي العجوزين أو بالأحرى عمتي أبي. وقد وجدت العمة ~~«بالمير» # 91 # قد شاخت كثيرا. لكنها كانت نشوى لرؤية الطفلة التي جنت بدورها فرحا. ~~وكان هناك شيء جديد آخر: إذ كانت تحاول أن تطعم الأرانب ثمار الكشمش التي تقطفها من ~~البستان، وكانت تلتقي في البساتين بثمرات القرانية ذات اللون الأحمر الجميل وسط اخضرار ~~الأوراق، والتي يغدو لونها شديد السواد عند نضوجها. # أما في «سيمور # Semur ~~» فقد استقبلت وكأنها ملكة صغيرة ~~في القصر الريفي القديم حيث كان يربى فيه حوالي عشرين يتيما، والذي كانت العمة ~~ماريا # 92 # تديره وتشرف عليه بطيبة نبيلة وذكية. في هذا البيت، حيث قضيت أنا الأخرى ~~ردحا من الزمن مدللة و«مدلعة». لم يكن التلاميذ بالطبع هم أنفسهم، لكن الأرضيات ~~الخشبية قد صقلت بحيث غدت جميلة وخطيرة، أما ملابس الأطفال فما تزال متشابهة، كما ~~كانت «الكريما» التي تقدم مدهشة. لكن مكتب العمة لم يتغير، وكذلك الصالون الذي ~~كنت أرى فيه كثيرا من الأسرار. كانت ابنتي تلعب في الحديقة، الحديقة نفسها التي كنت ~~قد ترأست فيها الموكب الضخم لتعميد دميتي سيمون؛ كانت ثمار الحديقة طيبة المذاق، في ~~حين كانت الدمية التي ألبست الثياب من أجل أمينة بالغة الروعة. ms058 كنت قد وضعت مشروعا ~~للعودة مع طفلي ومع طه الذي سبق له أن جاء إلى هنا. لكن العمة ماريا توفيت بعد ~~أربعة أعوام، # 93 # وما زلت أحلم بسيمور التي لن أراها أبدا. ~~••• # ثم كانت العودة، حيث وجدتني قلبا واسعا، يفيض انفعالا وينبض حيوية قديمة وجديدة. ~~وتذكرت ما قاله «ميشليه»: «إن الحب العفوي أرفع تعبير عن الحنان الإنساني.» ~~••• # وجدت البيت على أكمل وجه. كان أحمد قد ~~تفوق على نفسه، وكذلك طه. وكان ثمة مفاجأة بانتظاري: بيانو. لقد كان أعظم من الساعة ~~التي اشتريتها لطه (حتى مع اضطرارنا لدفع ثمنه بالتقسيط). لم يعد هذا البيانو ~~موجودا؛ إذ حل محله بيانو آخر (بلوخنر) لا يزال موجودا في «رامتان» وربما سيتخلى ~~عني هو الآخر أيضا. # واستغرقتني زيارات الترحيب. على أن زيارات أولئك الذين اهتموا بطه خلال غيابي ~~باستمرار أسعدتني على نحو خاص. # بعد مناقشات صاخبة أرهقته، لم يعد طه يريد أن يسمع الحديث عن الصحافة والعمل ~~الصحفي. ومع ذلك فعندما عرضوا عليه أن يعمل محررا في «السياسة» بالإضافة إلى دروسه في ~~الجامعة قبل بعد تردد طويل، وسرعان ما فكر في زملائه؛ فعين أحمد ~~الزيات # 94 # مترجما، كما عين «ضيف» # 95 # محررا. لكن ذلك ما كان ليتم بشكل عفوي بالطبع ولن يتم أبدا من ~~تلقاء نفسه. ففي الثالث عشر من أكتوبر لم يكن العقد قد وقع بعد. وطه ، الذي كان ~~متحمسا، سبق له أن رآني في الأوبرا بثياب السهرة، وحلم بالتوصية على طقم «سموكينج» ~~ويطلب إلى الصحيفة استقلاله الكامل. وتدور محادثات ومداخلات مختلفة أراد طه على أثرها ~~أن يتخلى عن كل شيء. وأخيرا، بدا وكأن الأمور قد هدأت قليلا. وتقام في مكاتب ~~الصحيفة حفلة استقبال كبرى على شرف السيدة سيمون # 96 # التي كانت تمثل في «الأوبرا». # 97 # وكان طه، الذي أعجب بها كثيرا، قد كتب عنها مقالا أسعدها جدا، ~~فشكرته عليه بحرارة فائقة. # كنا في ذلك الوقت قد سكنا في هليوبوليس # 98 ~~«مصر الجديدة»، ويبدو لي اليوم أن قرارنا الذي اتخذناه إثر عودتي بوقت ~~قليل ms059 كان أمرا لا يصدق. لكن شقتنا لم تكن ترى الشمس كثيرا، وكان الدكتور ~~«ريبادو-دوماس» قد طلب إلي بشكل واضح أن أعرض «مؤنس» للشمس ما أمكنني ذلك؛ ~~فاستأجرنا طابقا أرضيا واسعا مع حديقة كنت أستطيع أن أترك الأطفال فيها ردحا من ~~النهار، وسرعان ما أخذ مؤنس في تسلق درج المدخل والنزول منه بحبور. وفي صباح أحد الأيام ~~سقط على الأرض بينما كان واقفا أمام إحدى الشجيرات، فتلفظ، وقد أخذته النشوة، كلمة ~~«زهرة» - وكان حتى ذلك الحين لا يعرف أن يلفظ سوى كلمتي بابا وماما - وكنا سعداء أن ~~كانت أول كلماته التي لفظها «زهرة». # كان طه يعمل كثيرا. ففي البيت كان يعد طيلة الصباح دروسه وأعمالا أخرى. أما في ~~الصحيفة، فقد كان يعمل من الثالثة حتى الثامنة أو التاسعة أو أكثر ... ولكن لماذا تراني ~~أقول ذلك؟ أولم يعمل دائما؟ # كان من المقرر ألا نبقى طويلا في شارع سعيد؛ فقد كان المالك يرغب استعادة الشقة ~~لنفسه، وكان القانون يجيز ذلك. وعثرنا على دار في شارع رمسيس سماها طه «الزهرة» ~~وأحبها جدا. كانت دارا جميلة تقوم وسط حديقة، وكانت عبارة عن طابق واحد وشرفة ~~مرتفعة، حيث يقوم على اليسار صالون كبير، وبهو في الوسط، وعلى اليمين مكتب صغير. وكانت ~~الغرفة مطلة على الواجهة المقابلة. كان طه في هذا البيت شابا جذلا يتابع بنشاط ~~كأستاذ وكصحفي طريقا عاصفا، إلا أن قناعته وإيمانه كانا يجعلان منه طريقا عظيما. ~~عندما كنا في القاهرة، بعد أن سكنا لمدد قصيرة في شارع المنيا وشارع الساكركير ~~«القلب المقدس» في مصر الجديدة، كان قد شن حروبا أخرى وانتصر في معارك أخرى، لم يكن ~~كئيبا دوما، لكن لحظات فرحه الحقيقية كانت نادرة تماما؛ فالغضون على الجبهة، على ~~الصدغ الأيسر، والتي كانت تقلقني منذ عام 1925، كانت تعود للظهور غالبا. لكنها لم ~~تبق، وظلت هذه الجبهة ملساء حتى الساعة الأخيرة. # في اللحظة التي كنا نغادر فيها «الزهرة» بعد أن أقمنا فيها ستة أعوام، جثا المرصفي ~~فجأة على الشرفة وقبل البلاط، وأجاب على نظراتي المستفسرة ms060 قائلا: «إنني أشكر هذا ~~البيت.» كان على حق. فقد كان هذا البيت في نظر الطفلين حلما. كان الياسمين الهندي ~~الكبير موضع سعادتهما؛ فكانا يقضيان فوق رءوسنا ساعات بين أغصانه. ذلك كان سن الفرح ~~الغامر، سن الفرح البريء بصورة مطلقة، سن حنان يبذل بلا حساب. وكان طه الذي ~~يعبدهما يستلهم من فرحهما قوة عظيمة في وقت الضيق. كان يشارك في كل ما يبتكرانه، حتى ~~ليغدو أحيانا طفلا مثلهما. وكان يبتكر بدون توقف قصصا تدهشهما. وإني لأحبهما يقصان ~~مغامرات الفتاة الصغيرة بوان بوان، أو قصة «القطار - المركب - الطائرة» (لم يكن ذلك ~~جنونا إلى هذا الحد) أو «نصف ألبير» وفصول «الزمن الذي كنت فيه ساحرا» واكتشافات ~~«بيربيش»، وهكذا كانا يناديان الهداهد اللطيفة التي كانت تتراقص على المرج. أمن ~~الممكن أن أقول إنهما كانا رائعين، نشيطين، شرارات خاطفة حقا، أحيانا، وعواصف ~~هوجاء أحيانا أخرى؟ أعرف أن طه كان يعرفهما مثلما أعرفهما، ومع ذلك فقد كان قلبي ينقبض ~~كلما تحسست لطفهما ونظراتهما العابدة التي كانا ينظران بها إليه دون أن يراهما. يا ~~صغيرتي العزيزة أمينة! لم يكن لك من العمر ثلاث سنوات عندما هرعت لمد يدك ~~الصغيرة تقودين بها أباك الذي كان يجتاز بهو البيت! لم نكن بحاجة على الإطلاق لأن ~~نقول للطفلين إن أباهما كان ضريرا، كما أنهما لم يطرحا أي سؤال حول هذا الموضوع. على ~~أن الأمر الذي ما كان ممكنا لهما أن يجهلاه لم يحد على الإطلاق من حرية علاقاتهما ~~المتبادلة التي كانت عفوية مفعمة بالثقة. # وسرعان ما أطلقت ابنتي على نفسها اسما واتخذت لنفسها شخصية غامضة! فقد سمت نفسها ~~كراليس، وعندما كان يصل أخوها فقد كانت تطلق عليه السيد كرالا. ثم ظهرت ساباتيه وظهر ~~بالاجوست. وظل مؤنس حتى النهاية، بالنسبة لطه، بالاجوست، ذكرى قائمة في أخص زاوية ~~من قلبه. # كانت أعياد الميلاد في تلك الفترة رائعة، وكان الجميع يسبغون عليها هذه الروعة من ~~الشيخ مصطفى إلى ذلك الإنسان المتواضع الذي لم يكن يقل أريحية؛ وأعني به الزناتي. ~~كانا، بروحيهما النضرتين، يتقبلان ms061 كل شيء بفورة الفرح العارم. وكان ثمة سيارة حمراء، ~~كان الطفلان يستطيعان وراء مقودها القيام بدورة في الحديقة، وكنا قد اشتريناها في ~~باريس. وكان طه قد أراد المجيء معي إلى محل «الربيع» لنختارها معا. وبعد سنوات عديدة ~~في القاهرة، رافقني إلى متجر «شيكوريل» لشراء حصان يتأرجح لأمينة، بنت مؤنس؛ كان قد مضى ~~عليه آنذاك سنوات لم يدخل خلالها إلى أي متجر، وكانت تلك هي المرة الأخيرة. # كانت المظلة الوردية والبيضاء الصغيرة تثير لدى أمينة فرحا عارما؛ فقد كان لها ~~«علاقة»: هكذا كان يطلق على النطاق الذي كان يسمح بإمساك المظلة أو الشمسية. وأظن أن ~~هذا الإتقان في الصنع هو ما كان يسبب النشوة. # تقول أمينة: «الثلج هو عبارة عن قطع من السماء تتساقط.» نحن في الحديقة؛ كانا ~~يتكوران على ركبتي، الوقت وقت العشية، وقد خيم سكون تام. وتخطر على القلب ذكرى ~~من فرنسا. صمت طويل، ثم همس: «إنني سعيد، إنني سعيد.» ثم، الصمت من جديد. ونحلم ~~ثلاثتنا. # ذات صباح، وكان الوقت باكرا، والجميع يستغرقون في نومهم، يتناهى إلى سمعي صوت صغير ~~يقول بهدوء: «صباح الخير يا أحدي الجميل.» كان الصوت صوت مؤنس، وكنا قد وعدناه القيام ~~بنزهة في الصحراء ذلك اليوم. # كانت أمينة في الثالثة من عمرها. وفي إحدى الأمسيات دخلت المكتب واقتربت من أبيها ~~وقالت بجدية بالغة: «لنعلل كما كان أرسطو يفعل؛ إذا وضعنا الماء في الدست ...» وتنطلق ~~ضحكة صاخبة من أبيها، على حين ينفجر لطفي الفيلسوف بضحكة أكثر صخبا عندما رويت له هذه ~~البداية من القياس المنطقي ... # وجاء وقت بات علينا فيه أن نفكر في مدرسة من أجلها. وستكون هذه المدرسة مدرسة ~~الساكركير «القلب المقدس» # 99 # التي لم تكن بعيدة جدا عن البيت. لكنها لم تكن سعيدة بها ولم تكن تدرس ~~فيها جيدا. على أنها استثيرت على كل حال إلى حد كبير بمناسبة عيد «الأم ~~الوقور». لا أعرف شيئا كثيرا عن هذا العيد وعما كانه، لكني أذكر أنني غصصت لدى ~~رؤيتي الثياب المرعبة المصنوعة من النسيج المضرب الأبيض ms062 والتي حزم بها الصغار ~~المساكين. # كانت تلك هي الفترة التي كنا نرى فيها لطفي - وكان جارنا - يوميا تقريبا، وكنا ~~نناديه آنذاك لطفي بك. وكنا نتناول طعام الغداء في بيته كل أسبوع كما كان يقاسمنا ~~وجباتنا أحيانا، وكان يتخاصم مع طه حول قضايا الأدب أو الفلسفة أو السياسة. كنت ~~أنقب في مكتبته الجميلة، وأستعير منه كتبه، ككتب سانت بوف، وكان كتاب أندريه جيد ~~«لو أن الحبة لا تموت» أول الكتب التي استعرتها منه. وكنت أشارك بين الحين والآخر في ~~النقاش عندما لا أوافق على رأي أحدهما. وكان لطفي يقول لي بابتسامة ودودة: «نعم يا ~~ابنتي، إنك على حق دوما.» ونضحك ثلاثتنا. أيها العزيز لطفي! عندما جاء إلى «رامتان» ~~للمرة الأخيرة، قبيل وفاته، كان يقول لي ثانية: «يا ابنتي، ستكونين على حق دوما!» ~~كان يمشي بصعوبة، إلا أنه ظل يأتي لزيارة طه ما استطاع إلى ذلك سبيلا عندما لم ~~يعد طه يغادر المنزل إطلاقا. وكنت أساعده على الركوب في العربة، ونجهد جميعا في ~~أن نبدو جذلين. # في أول رأس سنة نقضيها في مصر الجديدة أثرت شخصيته في كثيرا؛ فبعد أن قدم لي ~~التمنيات التقليدية بالعام الجديد أضاف بمهابة: «وقبل كل شيء ابق كما أنت.» كان ~~لهذا الشكاك كلمات تنفذ إلى القلب مباشرة. وقد فقد أباه في تلك السنة، وكان صوته ~~يرتعش عندما كان يقول لطه: «إنه صديق خمسين عاما هذا الذي فقدته والذي لن أعوضه أبد ~~الدهر.» # كان هذا الرجل، الذي كان دميما، والذي كان وجهه المطبوع بآثار الجدري يشع ذكاء ~~ساخرا، يملك هيئة خارقة؛ كان كبير الجسم، كان نحيلا، كان مهذبا، كان كلامه أكثر ~~بطئا، إذا جاز لي القول، من عينيه الحيتين. كان يتكلم ببطء وعلى وتيرة واحدة ~~تقريبا. ما أجمل الذهاب إلى الأوبرا برفقته! لم يكن - وربما لم يكن إطلاقا - يتذوق ~~الموسيقى الغربية، وكنا نذهب دوما على وجه التقريب لمشاهدة الفرق الكوميدية. وما ~~أجمل ترك الأطفال يرتعون في حديقة قصر الزعفران القديم؛ حيث أقيمت الجامعة! كنا نذهب ~~لاصطحاب طه بعد ms063 أن ينهي درسه، كان مع مدير الجامعة بالطبع، وكانا يتناقشان، وكنا نضع ~~المشاريع ونحلم ببيوت تبنى في الحديقة ليسكنها الأساتذة! هل يمكن أن يكون المرء أكثر ~~توهما؟! وكنا غالبا ما نعود بعد ذلك معا. # كنا حين نذهب لرؤيته، بعد عديد من السنوات، نجده متدثرا بل متلاشيا في قفطان واسع ~~أبيض أو أشهب أو أسمر، يكاد رأسه يختفي بين طيات لفة من الصوف؛ فقد كان سريع التأثر ~~بالبرد. كان يجلس أمام موقد النار، هادئا، يداه الدقيقتان تسبحان، كان يبدو لي صورة ~~طبق الأصل من الفلاسفة والعلماء الأقدمين الذين تبنى حكمتهم دون أي انبهار. # عند تأسيس جامعة الدولة في عام 1925، # 100 # اتخذ الطريق إلى بيتنا، الذي لم يهجره بالطبع أصدقاء القاهرة الأوفياء، ~~قادمون جدد. وهناك بدأت جلسات الأحد التي سرعان ما اتسعت كثيرا في الزمالك. كان طه ~~خلالها قطبا حقيقيا من الجاذبية؛ إذ ما كان الأساتذة الأجانب الذين كانوا يؤلفون أول ~~فريق يصلون مصر حتى يأتوا بالطبع إلى بيتنا لقضاء ساعة أو ساعتين برفقة زوجاتهم. وكان ~~منهم العميد «جريجوار # Gregoire ~~» # 101 # والفيلسوف «إميل ~~بريهييه # Emile Bréhier ~~» # 102 # وعالم الآثار الإنجليزي «جريندور # Graidor ~~» # 103 # والشخصية الساحرة «سكايف # Scaiffe ~~» الذي ~~كان شاعرا بقدر ما كان أستاذا للأدب الإنجليزي، ثم بعد ذلك «لالاند # Lalande ~~» و«سانياك # Sagnac ~~» ... إلخ. # كانت مصر تتقدم نحو الاستقلال الحقيقي بصعوبة ... وكان لكل الأحداث ولكل الانتفاضات ~~عندنا صدى كان البعض يدهش له. فكان طه يحتدم ويضطرب ويغضب ويحتج ويناشد ويعلم. ولما ~~كان لا يملك جفاف النظريين والسياسيين فقد استشاط غضبا عند تنفيذ حكم الإعدام بقتلة ~~السردار # 104 # برغم معرفته التامة بأنه كان لا مناص من ذلك. # وفي انتخابات 1925 توسل إليه الأحرار الدستوريون بحرارة أن يرشح نفسه ~~للنيابة، # 105 # فرفض. # كان يعمل، ووجد نفسه مرغما على استخدام سكرتير آخر للعمل في المساء في كتابة ~~المقالات الأدبية والسياسية التي كانت تعرضه لمعارضة عنيفة وأحيانا حاقدة. وكانت ~~تنضاف إلى مشاغله في القضايا العامة همومه الشخصية في الجامعة؛ كما كانت الصحف التي ~~تظهر وتختفي تستصرخه ms064 وتسبب له الكثير من الشقاء بسبب تخليه عنها. فبعد ~~«مصر» # 106 # كانت هناك الدروب المشوشة إلى «السياسة» # 107 # ثم صدور صحيفة «الاتحاد» # 108 # وكل ما كان في السنوات التالية ينذرنا باستمرار. إذ كان كل ذلك عاجزا عن ~~أن يؤمن لنا ما يسمى بمورد ثابت. # ولم تكن تتوقف في الجامعة الجديدة، مختلف أشكال التخبط والدسائس والمؤامرات التي ~~لم تكن تنتهي. وكان من المتفق عليه أن طه أستاذ بكرسي؛ ومن ثم، فهو في الدرجة ~~الثانية من التصنيف، إلا أنه يكتشف في ديسمبر أنهم وضعوه في الدرجة الثالثة؛ الأمر الذي ~~كان مخالفا للقانون، إلا أنهم كانوا على استعداد لاصطناع قانون آخر من أجل تنفيذ ~~مآربهم. ويهرع إلى الوزير وإلى رئيس الجامعة، وبعد مناقشات لا طائل من ورائها، كان ~~فيها قاسيا وفي نظر لطفي جارحا، فإنه يخرج حانقا، ويحاول لطفي تهدئته. وهذا ما كتبه ~~لي بعد ثلاثة أيام، (وكنت في أبي قير # 109 # مع طفلينا): # منذ الأمس لم أكف عن العمل إلا من أجل أن أطعم وأنام. إنني متعب قليلا ~~لكني سعيد جدا. إنك تعرفين هذا النوع من الرضا الذي يعقب القيام بالواجب، ~~وذلك الشعور بأن المرء على مستوى الرسالة التي كلف بها برغم المصاعب التي ~~يواجهها. لا أدري إن كان الطلبة يفهمونني، لكنني كنت سعيدا وأنا ألقي درسي ~~قبل قليل؛ فأبحاثي الشخصية تصل بي إلى نتائج كبار المستشرقين نفسها. أتدرين ~~أنني قررت ألا أقرأ أبحاثهم إلا بعد أن أنجز أبحاثي لكي أكون على علم بها ~~فقط ؟! # وتغلبنا على المصاعب. على أن الوفيات كانت أكثر صعوبة من أي شيء آخر، فيما عدا ~~الأحزان. وكان لا بد مع ذلك من مواجهة كل شيء بالقلب القوي الشجاع نفسه؛ فقد ~~تلقينا أولا خبر وفاة عمي القس العزيز، إذ مات فجأة في «سان فرانسوا دو ~~ديجون # Saint François de ~~Dijon ~~» وخلف في حياتنا فراغا لن يمتلئ على الإطلاق. # ثم كانت هناك وفاة «كازانوفا # Casanova ~~» # 110 # في المستشفى الفرنسي بالقاهرة. كان طه قد عمل معه في باريس، وحصل له، ms065 بناء ~~على طلبه، على بعثة في مصر، وكان سعيدا جدا أن وجد نفسه في الشرق. كان طه يزوره ~~كل يوم، وكان يتنهد إذ يراه: «إنه سوء الطالع يا صديقي المسكين طه!» وعندما ~~منعت عنه الزيارات في اليوم الذي سبق وفاته استطعت التسلل، فتسلقت الدرج بما ~~أمكنني من السرعة، ولم يكن أحد يراني. كان باب الغرفة مفتوحا، وكان نائما. لم أدخل، ~~وإنما قلت له بصمت: وداعا. وفي المقبرة، أمام القبر، ربما كان طه يفكر بما روته له ~~الراهبة في المستشفى عن كلماته الأخيرة التي لفظها: «إلهي، سلح يدي!» لقد سبق له أن بعث ~~إلي عندما كنت في «أركاشون # Arcachon ~~» زهورا جميلة، ~~وكنت أعرف أنها كانت تعبيرا عن إعجابه بطه وعن العاطفة التي كان يكنها لنا ~~معا. # وكدت أموت عندما فقدت الأمل في الحصول على طفل ثالث كنا ننتظره بفرح. إلا أن ذعر ~~طه المقلق هو الذي كان رهيبا. ولقد بقيت أمدا طويلا لا أستطيع التفكير دون خوف في ~~الوجه المذعور، في هذا الإنسان الأعزل الذي وجد نفسه فجأة على حافة ليل جديد والذي كان ~~يهرع إلى الهاتف مترنحا، مصطدما بالأثاث. وعرفت فيما بعد أنه قد أغمي عليه ~~مرتين. وكان من حسن الحظ أنه لم يكن وحيدا في تلك اللحظة؛ فقد كانت تصحبه طيبة ~~الدكتور نجيب محفوظ المرهفة والتي تعالج كل شيء بإدراك. وسأبقى مخلصة لذكرى الدكتور ~~نجيب محفوظ الذي توفي منذ أكثر من سنة بقليل؛ لقد كان عالما يلقى الاحترام حيثما ~~كان، وكانت سمعته العلمية تتجاوز إلى حد بعيد كل ما أشعر به نحوه من ود. # بعد ثلاث سنوات اضطر طه لإجراء عملية، لم يكن إجراؤها خطيرا في الأساس، لكنها كانت ~~على كل حال عملية في الزائدة الدودية التي التهبت وهددت بالخطر. وحل لي كل شيء ~~طبيب عظيم آخر هو الصديق العزيز علي باشا إبراهيم، ببساطة لم تكن تفارقه. وتنضاف إلى ~~هذه الذكرى العذبة المريحة ذكريات أخريات؛ فقد هرع مصطفى إلى المستشفى حاملا مظروفا ~~(وقد استطعت لحسن الحظ أن أعلم طه ms066 بمضمونه بسرعة). وكان ثمة مظروف ثان، بل ثالث ... لا ~~أذكر أسماء هؤلاء الأصدقاء المخلصين، وإني آسفة لذلك أشد الأسف. ولحظة الدخول إلى غرفة ~~العمليات، عهد طه إلى مصطفى وإلى أخيه الشيخ أحمد في الوقت نفسه بامرأته وولديه. ولدى ~~عودتنا إلى البيت، كان هناك خمسة أطفال: طفلانا وأطفال الرفاعي الثلاثة، منهمكين في وضع ~~الزهور في جميع الأواني. وقد حمل المرصفي، الذي جاء معنا، حمل طه بين ذراعيه من العربة ~~حتى السرير كما لو كان يحمل طفلا صغيرا. وكانت جان ماري الرفاعي تبكي وتضحك في آن ~~واحد من تأثير الانفعال. ثم كانت المسيرة العاطفية التي قام بها الطلبة وموظفو الجامعة ~~من أدناهم إلى أعلاهم، والذين سبق لهم أن جاءوا إلى المستشفى قلقين للاطمئنان عليه. ~~كانوا يدخلون البيت بهدوء، وكان أكثرهم فقرا يصر على أن يحمل معه السجائر. كان كل ~~ذلك في نظري في منتهى الرقة، بعد أن واجهنا الأيام المخيفة في السنة الماضية، كما كنت ~~أرى في ذلك وعدا بمستقبل أكثر إشراقا. # ذلك أن الهزات التي سببها كتاب «الشعر الجاهلي» قد أساءت وضعنا من جديد. فالضجة ~~التي اقترنت بهذا الكتاب، وثورة الجهل والتعصب التي أعقبت صدوره نعرفها ~~جميعا. # 111 # أما ما لا نعرفه فهو ما كانته هذه المحنة في نظر زوجي الذي كانت رزانته ~~الثابتة تمنعه من الشكوى. لقد بدأ كتابة هذا الكتاب في يناير 1926، وأنجزه في مارس من ~~العام نفسه؛ كان يعمل به في النهار ويحلم به في الليل مدفوعا بحماسة بلغت به درجة ~~أنه شرع فور إنجازه بتأليف كتاب عن الديمقراطية ، لكن ما حدث له أرهقه. ولم يكن يفهم ~~هذه الأحكام البليدة، وهذا التحيز الأخرق، وهذا الحقد الحاسد، وهذا الرياء، وتلك ~~البراعة التي نجحوا بها في تحريض أناس طيبين ضد إنسان شريف، وفي جره إلى المحكمة بعد ~~أن صادروا كتابه، والحملات القاسية في الصحافة، والشتائم، والتهديد بالموت الذي كان ~~وراء إقامة حراسة على مدخل بيتنا أمام باب الحديقة خلال عدة أشهر؛ كل هذه الأحداث ~~كانت تذهله وتستثير ضميره العلمي وتؤلمه ms067 كثيرا. وقد قلق فعلا على الطفلين عندما ~~أرادوا أن يحرموه من مورد رزقه (ولم تكن تلك هي المرة الوحيدة!) ومع ذلك فقد احتمل كل ~~شيء بصلابة ورأس مرفوع. وعندما أعلن رد الدعوى بعد ذلك بعدة شهور، لم يكن قد تراجع ~~خطوة واحدة، لم يقهر؛ ومن الممكن أن يظنه المرء حصينا، لكنه لم يكن إلا شجاعا رابط ~~الجأش. # لم تكن حالات «التخلي» قليلة، مثلما أنها لن تكون قليلة أيضا في العاصفة القادمة ~~التي ستهب في عام 1932. لكني لا أريد أن أتذكر سوى الأصدقاء الذين ظلوا بقربنا ~~باستمرار. كنت قد أحببتك من قبل يا شيخ مصطفى، وأنت يا عبد العزيز فهمي ... ولكن ~~منذ ... # لكي يتمكن طه من التغلب على مرارته واستعادة صحته التي ساءت، صحبته إلى فرنسا، إلى ~~قرية صغيرة في السافوا العليا. وهناك كتب، خلال تسعة أيام، كتابه الذي يحمل اسم ~~«الأيام» أو «كتاب الأيام». ~~••• # عندما عدنا إلى مصر، عدنا لنواجه من جديد التآمر، ولننعم كذلك بالتعاطف الذي أراد ~~البعض أن يعبروا عنه؛ قبل تلك الأزمة، كان لطه شعبيته. وأذكر أنني في حفلة لتوزيع ~~الجوائز في الجامعة الأمريكية لاحظت أنه كان كثير من الناس يتطلع نحونا برغم أننا كنا ~~- إذا جاز لي القول - من غير المرضي عنهم سياسيا، أعني ممن لا يرضى عنهم رجال ~~الحكم، وأولئك الذين كانوا يخشون فقدان وظائفهم. وبرغم أن القصر كان معاديا لنا، كان ~~الناس يتهامسون، وكان كثير منهم يقترب منا ويحيينا. لم يقاطع أحد دروسه العامة ~~ومحاضراته، وكانت القاعة تمتلئ بالناس يوم كانت في الأزبكية. # وفي شهر أكتوبر من تلك السنة المقدرة طلب إليه أن يتحدث في جمعية الشبان ~~المسيحيين، وكان لا بد من إغلاق قاعة المحاضرات قبل ربع ساعة من بدء المحاضرة؛ إذ لم ~~يكن ثمة مكان خال، وكان الشباب يجلسون على النوافذ. وعندما انتهت المحاضرة، جذب أمين ~~الجمعية طه إلى الغرفة المجاورة وأغلق عليه الباب بالمفتاح! ثم جعله يخرج بعد ذلك من ~~باب آخر؛ فقد كان يخشى أن يخنقه الناس في غمرة التصفيق والعناق. ms068 # لم نتمكن من الذهاب إلى فرنسا في عام 1927، إلا أننا قضينا عدة أسابيع في لبنان. ~~وفي صباح اليوم الذي كان علينا أن نبحر فيه عائدين على ظهر الباخرة «لامارتين» علمنا ~~بوفاة سعد زغلول. # 112 # فروع طه ودمدم شيئا بينه وبين نفسه، ولعله تلفظ بهذه الكلمات: «هذا ~~فظيع!» كنا نتناول الغداء في الفندق مع إنجليزي لطيف كان يعيش في الجبل وارتبط مع طه ~~بصداقة حميمة. وقال له هذا الأجنبي وقد رأى وجهه المتشنج حزنا: «لا بد أنه صديق عزيز ~~هذا الذي فقدته.» فأجابه طه: «لم يكن لي من هو أكثر عداوة منه!» فنظر إليه السيد طويلا ~~نظرة لا أستطيع التعبير عن الاحترام الذي كان يشع منها. وبدون أن يلفظ أي كلمة، وضع يده ~~على كتف طه وربت عليه بقوة. # كانت هذه هي المرة الثانية التي نأتي فيها إلى لبنان # 113 # الذي أحببته منذ المرة الأولى التي هبطنا فيها إليه تحت وابل من المطر ~~الغزير وفي الوحل؛ إذ لم يكن هناك بعد رصيف ميناء بالمعنى الحقيقي للكلمة. وكانت ~~بيروت آنذاك جميلة ببيوتها الحمراء المليئة بالفتحات الخضراء هنا وهناك وبارتفاع ~~شرفاتها في مواجهة الجبل. بحر لبنان وجباله وطبيعته تظل دوما متعة للنظر. كنا قد ~~أتينا لحضور مؤتمر في التاريخ والآثار. ولقد كان مؤتمرا جميلا؛ فقد شارك فيه علماء ~~كثر، وأقيم في بيروت حفل استقبال رائع لدى المفوض السامي «جوفينيل # Jouvenel ~~» # 114 # كما أقام أشخاص أغنياء حفلات استقبال أخرى. # ولقد بدوت مأخوذة على الطريق المحفوف بأشجار البرتقال المزهرة والذي سيفضي بنا إلى ~~طرابلس، لكننا وصلنا ليلا للأسف، وكان علينا أن نتابع الطريق منذ الصباح للصعود إلى ~~قلعة الحصن. لم تكن الطرق معبدة آنذاك، لكن السائقين كانوا جسورين أيضا، كنا في ~~غاية الإرهاق ونحن ننزل من القلعة، ولم يكن يخطر للعنزات التي كانت ترعى بسلام - ~~(أتراها لا تزال ترعى؟!) على البلاط القديم المحدب - ما كنا نعانيه داخل سيارة لم تكن ~~تسير مطلقا على خط مستقيم، ولم تكن تكف عن القذف بنا إلى السقف كلما كان ms069 عليها أن ~~تدور مع منعطفات الطريق الوفيرة! على أن ذلك لم يكن يحد من عمق الانطباع الذي يخرج ~~به المرء من القلعة القديمة التي كانت تحفل بتاريخ مدهش. # لم نكن في حلب سوى خمسة أشخاص؛ فالقسم الأعظم من الفريق كان في تدمر. وكان بصحبتنا آل ~~دوسو وجورج سال # 115 # الذي كان شابا آنذاك، وربما كان معنا أيضا عالم آثار بلجيكي، وقد كنا ~~منسجمين تماما؛ فقد كان الجميع ذوي أمزجة مرحة بالرغم من سفر القطار الطويل المتعب. ~~وكان طه، منذ المساء الأول لوصوله إلى الفندق، محاطا بشبان كان من بينهم سامي الكيالي ~~الذي سنراه مرارا في السنوات التالية. كان كاتبا شابا، وقد تعرف على طه منذ ~~اللحظة الأولى التي رآه فيها. وأراد في اليوم التالي أن يجمعنا بأخيه الذي كان مفتيا. ~~لم يسبق لي أن رأيت في القاهرة بيتا مسكونا عربيا حقا شأن هذا البيت الذي ~~استقبلنا فيه هذا الإنسان الجليل، فعندما اجتزنا الجدران التي كانت تعزله كليا عن ~~الشارع (وقد وجدت ذلك في غرناطة)، دخلنا الباحة الداخلية، وهناك ... ماذا أرى؟ أشجار ~~الليلك المزهرة! لم أكن قد رأيت مثلها منذ وصولي مصر. لقد كنت دوما سريعة الانفعال ~~إلى حد ما، وها هي عيناي تدمعان. وإذ لاحظوا ذلك، هرعوا لقطف غصن جميل وحملوه ~~إلي، فاحتفظت به حتى وصولنا القدس. # وأتاح لنا سامي فرصة مشاهدة البساتين الشهيرة التي تحيط بحلب، بساتين أشجار الفستق ~~واللوز. ولقد كان يرسل لنا من هذا الفستق اللذيذ بعض العلب في بعض الأحيان. # أما في نظر طه فإن ما اهتم له بطبيعة الحال كان القلعة والذكريات الفريدة التي ~~احتفظت بها هذه المدينة التي، وإن كان طابعها العربي واضحا تماما، لا أدري - ولعله ~~أمر غريب حقا - لم كنت أرى فيها شيئا من الطابع الآسيوي. # وفي بعلبك، يعود ليعيش ثانية بسعادة في الجو الكلاسيكي الذي كان يجد فيه ~~راحته. # دخلنا فلسطين من مدينة حيفا، هذه ~~المدينة القبيحة، لا أدري أي هواء كنا نستنشق فيها، ولعل من العدل أن أقول أي هواء ms070 ~~كنا نحاول أن نستنشقه؛ إذ على الرغم من البحر، فقد كان الهواء خانقا، وكنت أشكو فيها ~~دوما ألما في القلب. كان علينا أن نذهب إلى كفر ناحوم مع بقية أعضاء المؤتمر، إلا ~~أن هذه الرحلات الطويلة كانت قد أتعبتني إلى حد أعلن معه طه عن عدوله عن الذهاب ~~إليها وقرر أن نذهب إلى القدس فننتظرهم هناك. وقد طلب إلينا أحد رفاقنا، وهو شاب ~~إنجليزي، أن يشاركنا سيارة الأجرة، وعلى الطريق توقفنا ثلاثتنا عند مسجد ~~نابلس. # القدس ... كان عمي القس قد وضع مشروعا لزيارتها بصحبتنا، إلا أنه لم يجد الوقت ~~لتنفيذه. كنت أدخل هذه المدينة أحمل معي ذكراها وأسفا مؤلما. كان الانفعال الذي ~~توقعته قد هزني، ومع ذلك لم نكن أحرارا، ولم يكن قضاء أيامنا يتوقف على إرادتنا نحن ~~الذين كنا نرغب أن نقضيها بصورة مختلفة. وكانت جلسات المؤتمر والدعوات التي وجهت ~~لنا من قبل المفوض السامي «السير رونالد ~~ستور # Sir Ronald Storr ~~» # 116 # والجامعة العبرية، وزيارات الناس الذين كانوا يريدون مقابلة طه تمتص معظم ~~وقتنا. كنا نقيم في قلب المدينة القديمة، ولم يكن فندق الملك داود قد بني بعد. ~~وكنا نعود إلى الفندق الذي نزلنا فيه عن طريق السلالم التي تفضي بنا إليه عبر طرقات ~~متعددة، حاملين حقائبنا على ظهورنا، وقد صادفت من فوري حمارا صغيرا يحمل قربة ماء ~~كبيرة؛ كان موزع ماء شجاعا، هذا الماء النادر دوما. ومنذ المساء الأول استأثر ~~الزوار بطه، وبقي أحدهم بصحبته حتى الساعة الثانية صباحا. كنت وحيدة مع طه في هذه ~~الرحلة، ولم أكن أستطيع تركه، وكنت أقاوم النعاس والسأم بشكل يائس. # لم يكن فندقنا بعيدا عن كنيسة القيامة. كان الوقت وقت عيد الفصح والحج. وكان ثمة ~~حاج قبطي، كما كان هناك عائلات قد أقامت على السطح بأكملها وسط رائحة قلي الطعام ~~النفاذة. ولقد كانت عقليتي الغربية تدهش وتصدم، غير أن الأب الدومينيكاني الذي ~~كان يرافقنا وضح لي الأمور، وعلمني أن أكون أكثر تواضعا، وصلينا، كل في ~~قلبه، في مسجد عمر وفي الجثسيماني. # على ms071 أن هناك صورا أخرى تتراكب فوق تلك الصور الأولى، ومن الصعب علي أن أتحدث ~~عنها بالتفاصيل، وأعني بها صور أشهر الصيف التي قضيناها مع الأطفال. كانت الحرب في ~~أوروبا، وكانت هناك أحداث جارية مؤسفة تغير من وضع هذا المكان الفريد. هناك الآن ~~كثير من الأشياء التي تثور في قلوبنا المتألمة. ترى هل سأراك يا قدس؟! وإن عدت ~~إليك، فما الذي سأستشعره من دون طه؟! # عدنا إلى لبنان أكثر من مرة، وبقينا فيه فترة أكثر طولا. ففي عام 1927 عرفنا ~~حمانا. كان لامارتين قد أحب هذه البلدة الصغيرة القائمة على مرتفع في الجبل يطل على ~~غابات الصنوبر مثلما أحببناها نحن أيضا. وكان الفندق المتواضع يقوم بالقرب من شلال ماء ~~في منتهى الجمال، وهو أمر نادر في لبنان، وأعني به شلال الشاغور. كما كان ثمة أشجار ~~جميلة وارفة كنت أحب أن أستريح في ظلالها، لكنها كانت دوما حافلة بنزلاء الفندق أو ~~بأهالي البلدة الذين كانوا يلعبون ويصخبون كصخب الماء المتساقط، وإنما بصورة أقل شاعرية ~~منه! # كان الجميع في منتهى اللطف، وقد أقيمت مناظرات في الزجل على شرف طه. وفي الهواء ~~العذب الندي كان الشعراء يرددون القوافي الرنانة بالتبادل كما لو كانوا يردون كرة ~~اللعب، وكانت تؤلف على هذا النحو قصائد لا تنتهي. وقد كانت لي حصتي من الثناء، ~~فبالإضافة إلى الابتسامة التي أثارها صياح أحد الزجالين عندما قال لي: «سيبقى اسمك يا ~~سيدتي منحوتا على جرانيت الشاغور.» فإنني قد تأثرت عميق التأثر. # كان في الفندق معنا الممثل المصري الشهير جورج أبيض تصحبه زوجته وطفلهما. كانت دولت ~~أبيض ممثلة هي الأخرى، وكنا نستشعر دوما موهبتها العظيمة. وكانت بالطبع نبيلة رصينة ~~السلوك بليغة الحديث. ولم ينس أولئك الذين رأوها تمثل في مسرحية أندروماك حماسهم ~~على الإطلاق، كما كانت تسهم أيضا في برامج إذاعية. ولئن لم أكن أراها كثيرا مثلما ~~كنت أتمنى، فإني أشعر نحوها مع ذلك بكثير من الود والصداقة. # ثم جاءت سنوات الحرب: 1941، 1942، 1943، 1944. كنا نذهب إلى جبال لبنان لقضاء بعض ~~الوقت في نهاية ms072 كل صيف؛ كي يستعيد طه والطفلان قواهم بعد العمل طيلة السنة وبعد تحملهم ~~حرارة الصيف الخانقة. فقد غدا لبنان بلد الإجازات والاصطياف بالنسبة إلى كثير ممن لم ~~يكن بوسعهم العودة إلى بلادهم، وكذلك بالنسبة إلى كثير من المصريين المتعبين. كان من ~~الممكن اجتياز فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني آنذاك. وكنا ننطلق بالسيارة؛ ~~كانت رحلة رائعة في قلب الصحراء، كنا نتوقف خلالها في محطات ذات أسماء متميزة: ~~العريش، غزة، الخليل، بيت لحم، حتى نصل إلى القدس. وعلى الطريق إلى بيروت، بعد اجتياز ~~رأس الناقورة، كنا نطل على البحر ونتمتع بمرأى الشواطئ المنفردة الساحرة التي كنت ~~أود لو أنزل إليها. أما على اليمين، فقد كانت سلسلة الجبال تبدأ في البروز. عندما ~~قمنا بهذه الرحلة للمرة الأولى، كانت هناك سيارة أخرى معنا، وكان يرافقنا صديقانا: ~~الجراح كامل حسين # 117 # وعالم الجغرافيا محمد عوض. # 118 # لم نكن نعرف تماما أين نتوقف. فبعد أن تركنا الآخرين في بيروت انطلقنا، ~~كامل ومؤنس وأنا، لنتعرف على المناطق. ذهبنا بعيدا. وعلى بعد عدة كيلومترات من ~~بيروت، على طريق العودة، اكتشفنا المكان والفندق الذي كان يناسبنا، أعني قرية بيت مري، ~~التي ترتفع عن سطح البحر 800 متر. كان الهواء فيها نقيا، كما أن فيها أشجار الصنوبر ~~ذات الرائحة الجميلة. لم يكن ثمة ماء يجري من تحت الأشجار، بل كان هناك بدلا منه ~~سحر مناظر الجبل التي كانت أيضا مناظر تعرفها الشواطئ المحيطة بالبحر الأبيض ~~المتوسط. كان هناك قادمون من مصر أو العراق أو من مناطق أخرى قد اكتسحوا البلدة ~~والمنطقة كلها، وكان من حسن حظنا أن عثرنا على غرف في «جراند أوتيل ». كانت الشرفتان ~~تسعداننا؛ إذ كنا نرى من إحداهما البحر حتى خليج جونيه، في حين كنا نرى من الأخرى ~~سلسلة جبال لبنان والصنوبر الذي كان يظللها. وهناك قضى طه أيامه وعمل كثيرا، أما ~~الطفلان فقد كانا يقومان بنزهات قصيرة بالطبع. وفي أحد الأيام، بعد عودة محمد عوض كما ~~أظن، أرادا الذهاب مع كامل ورفاق آخرين إلى الجهة ms073 الأخرى من الوادي المنخفض انخفاضا ~~عميقا تحت القرية. وهكذا مشوا زمنا وهم يأكلون ويتحدثون مع سكان الجبل، وكانوا سعداء ~~جدا. كنا ننتظرهم، وعند ساعة العشاء لم يكن أحد منهم قد عاد بعد. كان المساء قد ~~حل وأقبل الليل، فاستحال انتظارنا قلقا؛ إذ كنا نعلم أنه لم يكن هناك طرقات في ~~المنطقة التي ذهبوا نحوها ولا ممرات حقيقية يمكن استخدامها. وكنا نتخيل ما يمكن أن ~~يحدث لهم ما وسعنا التخيل. وإذ شعر صاحب الفندق بالقلق مثلنا فقد نظم فريق نجدة من ~~متطوعين يلبسون أحذية طويلة ويحملون المصابيح الكبيرة. وفي اللحظة التي أوشك فيها أفراد ~~الفريق على مغادرة الفندق، ظهر ضائعونا المنهكون يجرون - إذا جاز القول دون أن يكون ~~في ذلك مس بالاحترام الذي أكنه له - كامل المسكين الذي كان قد تعثر لسوء الحظ ~~بالحجارة فالتوى عرقوبه، وهو يتأوه. كانوا جميعا في قاع الوادي ولم يكن لديهم أية ~~وسيلة لإعلامنا بما جرى. ولما كان كامل جراح عظام؛ فقد ضحكنا منه كثيرا عندما طمأننا ~~عنهم جميعا. # لا أدري إذا كان زيوار باشا حاضرا ذلك ~~المساء الشهير. فهذا السياسي المصري # 119 # كان بدينا إلى درجة كانوا يزعمون معها أنه يحتاج إلى أبواب خاصة لعربته كي ~~يتمكن من ركوبها. وكانت مائدته في قاعة الطعام بالقرب من مائدتنا؛ فعندما كان ينهي ~~وجبته، كان يطلب أحيانا إلى كامل أن يساعده على النهوض من مقعده. كان ثقيل الوزن ~~بطبيعة الحال، ولم يكن كامل نحيفا كما أنه لم يكن كبير السن، ومع ذلك فقد كانت العملية ~~صعبة! ولا أستطيع أن أؤكد إذا كان كامل قد سقط على الأرض في أثناء ذلك، إلا أنه كان ~~علينا على كل حال أن نهرع لمساعدتهما. # كان الباشا يتحدث مع طه بصورة عفوية، وقد قال له ذات مرة: «هل تعلم أنني مت؟ (كان ~~قد أصيب بغيبوبة نتيجة مرض السكر)، حسنا! أستطيع أن أؤكد لك ذلك. بعد الموت لم ~~يعد ثمة شيء أحس به؛ أي شيء.» # كان طه يرى بلا عينين. فقد أذهلنا بتصريح مفاجئ ms074 حين كنا في فندق جبلي وكان الراديو ~~يذيع برنامجا عن مطرب شرقي لم يكن يحب صوته؛ إذ هتف: «على كل حال لا بد لهذا الرجل ~~من أن يكون بدينا وأصلع!» وعندما رأينا صورة هذا المطرب على مغلف إحدى أسطوانات ~~أغنياته، تأكد لنا أن ما قاله طه كان صحيحا كل الصحة! # لم نعد إلى مصر، في السنة التي جرت فيها معركة العلمين، إلا في أكتوبر، # 120 # عندما لم تعد مهددة بالغزو. كان كل شيء مغلقا فيما عدا فندق صوفر، ~~الذي بقينا فيه أسبوعا. # كنا نرتاح في لبنان، لكن أحدا منا لم يكن يسعه أن ينسى هموم المعارك. زرنا «بيت ~~الدين»، المقر القديم للأمير بشير. # 121 # وهناك أيضا فكرنا في لامارتين. ربما كان في حديقة القصر أشجار صنوبر لكن ~~فيها على وجه الخصوص أشجار الكستناء؛ إذ عندما وجدتني فجأة أمام هذه الأشجار، مأخوذة ~~برائحة أوراقها، فقد فعلت كما فعلت أمام أشجار الليلك في حلب: بكيت، وتمثلت حديقة ~~اللوكسمبورج أمام عيني وفي قلبي، فقد كانت باريس تحت نير الاحتلال. # تبقى بلدة بيت مري عزيزة علي. فقد اكتسبنا فيها الصحة، كما كانت تمنحنا الأمل ~~بأننا سوف نرى مرة أخرى مناظر شبيهة إلى حد ما بتلك التي كنا نسعد برؤيتها ذات يوم. ~~ثم إن هناك ذكرى ترتبط بهذه القرية المتواضعة. ففيها سمعنا الراديو، في أحد أيام ~~شهر أغسطس، وهو يعلن تحرير باريس. كان علي آنذاك أن أكتب على الفور لأمي رسالة ربما ~~لن تتلقاها: «أمي ... تعالي إلى ذراعي أضمك بجنون، أضمك حتى لأكاد أسحقك وأخنقك! ... لقد ~~أصبحتم أحرارا، وها هي باريس قد أعيدت لكم؛ فكيف يمكننا أن نكون جديرين بكم؟! ~~...» # لقد مس الانفعال كافة من كان ~~موجودا في بيت مري، حتى أولئك الذين كانت لهم أسبابهم للتذمر من فرنسا. وأعثر في أحد ~~الدهاليز على السيد إلياس مدير الفندق الذي كان هو الآخر - وهو أمر طبيعي جدا - يريد ~~استقلال بلده. كانت عيناه حمراوين، فقلت له بصوت مخنوق: «على الرغم من كل شيء يا سيد ~~إلياس؟» فأجابني ms075 بصوت مبحوح كصوتي: «نعم يا سيدتي، على الرغم من كل شيء!» # لقد استثيرت كل القرية. كنا نتحدث، ونعبر بالإشارات والحركات والأصوات ~~ونتبادل القبلات. ثم قام إلياس بتوزيع الشمبانيا على الجميع. # كان طفلاي منذ الحرب قد رفضا مشاهدة الرقص في الحفلات، ولم يحنثا بهذه اليمين الشخصية ~~سوى مرة واحدة. كان ذلك على وجه الدقة في بيت مري ذات مساء، عندما صعد بحارة مركب ~~يوناني رسا في بيروت إلى بيت مري. كنا نتحدث كثيرا معهم، وأرادوا الرقص (وكان الناس ~~يرقصون كل مساء في الفندق). فافتتح قائدهم الحفلة وكان هذا الإنسان العزيز ضخما ~~قليلا، فسرعان ما لهث تعبا وقال لابنتي بلطف: «أظن أنه من الأفضل أن نترك الرقص ~~لضباطي الشبان ...» # وفي 26 أغسطس رقص سكان الفندق، أكان هو ذلك اليوم الذي وجد فيه طفلاي اللذان كانا ~~يرقصان الفالس معا نفسيهما وحيدين مع زوج آخر من الراقصين على ساحة الرقص؟! وإذ ~~كانوا في حالة من الإصرار الجنوني، فإن أحدا منهم لم يكن يريد التوقف. وكان ولداي ~~هما اللذين بقيا إلى النهاية وسط حماس الذين كانوا يشاهدونهما وتهليلهم ~~اللطيف! # وأشعلت في الليل نيران عظيمة على الجبل. تلك النيران التي كانت تشعل دوما في ~~الخامس عشر من سبتمبر مع التأكيد بأنها ستمطر حتما في اليوم التالي. والحق أننا رأينا ~~السماء تمطر في كل صيف، تلك الأمطار الغزيرة التي تحمل معها الخير بعد أشهر مضت دون أي ~~قطرة من الماء. وكانت الأجراس جميعا تقرع في كل مكان. # لم نعد إلى بيت مري. بيد أنني في كل مرة أكون فيها على ظهر سفينة تتوقف في ~~بيروت، فإنني أرفع عيني وأحيي من سطح الباخرة هذا البلد الذي يقع في مكان مرتفع. ~~ساعة يغمره المغيب بنوره البنفسجي الجذاب. وكلما استطاع طه أن يغادر مقصورته، كنت ~~أجلسه على السطح في مواجهة هذا المنظر وتلك الذكريات. # كان قد حصل على وسام الأرز في تلك السنة نفسها. وبعد ذلك تحدث عدة مرات في ~~بيروت، في قاعات غاصة بالمستمعين الذين كانوا يصغون إليه بحب. ms076 وفي عام 1948، في ~~أثناء المؤتمر العام لليونسكو، أجلسوه على المنصة عندما كان عليه أن يلقي خطابه. وعندما ~~رأيت زوجي على هذه المنصة الواسعة العالية، أكثر عزلة من أي وقت مضى، بعيدا عني في ~~مواجهة جمهور غفير، لا يملك أي إمكانية للخروج من هذا الموقع بنفسه، يستعد للكلام ~~بدون أية مذكرات، فقد أصبت بهلع حقيقي، وبلغ بي الشحوب حدا ظنني معه صديق كان ~~بالقرب مني مريضة. وبوسعي القول إن المحاضرة قد تمت وسط هتاف حماسي. كانوا قد ~~وزعوا بطاقات دعوة بلغ عددها ثلاثة أضعاف الأماكن التي تسعها الصالة، وأرغم كثير ~~من الناس تحت وطأة الزحام، على البقاء في الدهاليز. # كانت هذه الرحلة تكريما جميلا من اللبنانيين لإنسان كانوا يحترمونه. فقد كان طه، ~~مرة أخرى، مغضوبا عليه. ووجدت مصر أن من الأفضل استبعاده من عضوية وفدها إلى ~~مؤتمر اليونسكو؛ ذلك الوفد الذي كان يرأسه بحكم العادة. غير أن لفتة لبنان نحوه لا ~~تنسى؛ فقد دعت حكومته طه، وتلقى منها كل تشريف واعتبار. # وكان طه، في كل مرة يخاطب فيها اللبنانيين، يتلقى منهم هذا الفيض من العاطفة ~~الحارة التي تربطه بهم وتربطهم به. # كانت المؤتمرات عديدة في حياتنا برغم أننا تخلينا عن كثير منها لأسباب شتى، تتعلق ~~بالعمل أو بالصحة تارة وتتعلق بالأسرة تارة أخرى. كانت بداياتنا في بروكسل، ولعل ذلك ~~كان في عام 1923؛ فذكرياتي في هذا المجال غامضة إلى حد ما. ومع ذلك فقد كان الاضطراب ~~يشلني عندما توجب علي أن أقوم بإلقاء كلمة طه في المؤتمر. كنت شابة وخجولا ~~بوجه خاص، ولقد بقيت خجولا دوما. وتوجب علي في بعض الأحيان أن أبذل جهدا ~~كبيرا لأتمكن من السيطرة على نفسي . غير أن طه استطاع الانتصار على تردده وصار ~~بعد ذلك يقول لنفسه ما كان يريد أن يقوله في مثل هذه المناسبات. # كما أذكر اضطرابي في «بروج # Bruges ~~»، وتسليتي أيضا ~~عندما كنا نبحر بهدوء عبر القنوات الهادئة على ظهر زورق صغير. فقد اضطر أحد أعضاء ~~المؤتمر، وكان كبيرا في السن، أن يجلس على ms077 الأرض عند مرورنا تحت جسر واطئ، قائلا لي ~~بمهابة: «إنني أسقط على قدميك يا سيدتي!» # وكذلك عصبية طه بسبب أحد أعضاء المؤتمر الآخرين، وكان إنسانا في منتهى الاضطراب، إذ ~~كان يقرر كل شيء بادئا دوما كلامه بجملة لا تتغير، عميق الثقة بنفسه: «إنني ~~أسمح لنفسي في أن ...» # ولما كنت لا أترك طه وحده، فقد قدمت إلى الملك ألبير وإلى الملكة إليزابيت ~~عندما استقبلا أعضاء المؤتمر. وفي حفل الاستقبال الذي تلا ذلك، تحدثنا كل الوقت ~~تقريبا مع الأمراء الشبان، وكان منهم الأميران الشابان ماري جوزيه التي ستصبح ملكة ~~وليوبولد الذي سيصبح ملكا، وكانا في منتهى اللطف. # ولا أذكر سوى القليل أيضا عن مؤتمر أكسفورد الذي كان المؤتمر الثاني # 122 # الذي نحضره. ومع ذلك، فلعلي كنت أنا أيضا من قرأ المحاضرة العلمية ~~التي كتبها طه عن «استخدام ضمير الغائب في القرآن.» كان مؤنس، وقد أصبح في السادسة ~~من عمره، معنا؛ ذلك أنه أبدى من التذمر لدى معرفته بسفرنا بحيث إن طه لم يستطع ~~التغلب على عاطفته، فصحبناه معنا. لكنه سرعان ما مرض ونحن على ظهر الباخرة. كان ~~المسافرون، وكانوا مرضى بدورهم، يصعقونه بنظراتهم. لم يكن هذا الفتى الصغير المسكين ~~مسئولا عن بحر المانش الرهيب، ولا عن ضيق باخرة ليس فيها سوى السطح وقاعة خانقة. أما ~~توفيق (سكرتير طه) # 123 # فقد اختفى، ولم أعثر عليه إلا في «نيوهافن # New Haven ~~».» إلا أن الصغير استعاد صحته في إنجلترا ولقي العناية من ~~السيدة مارجليوث # 124 # العزيزة التي استقبلته معنا وكان في منتهى السعادة تحت رعايتها. # وفي مؤتمر ليدن، بعد ذلك بسنوات ثلاث، # 125 # تصرف بشكل ممتاز أيضا. ففي متحف «فرانس ~~هالز # Franz Hals ~~» ب «هارلم # Haarlem ~~»، بدأ يكتشف ~~الرسم، وأبدى من الفضول قدرا جعل معه مدير المتحف - وقد انتبه له - يزيح الأشخاص ~~الكبار بلطف ليمكن هذا الطفل الصغير من رؤية اللوحات بشكل أفضل. # كان طه سعيدا في ليدن لاجتماعه ب «ليتمان # Littmann ~~»، أستاذه القديم. # 126 # وكان ليتمان يشعر نحوه بود عظيم، ولا أدري أيهما كان ms078 أشد انفعالا من ~~الآخر لرؤية صاحبه ذلك الصباح. لكني أعرف أن ليتمان بكى وهو يعانق تلميذه. # في هذه المرة لم أكن أنا التي قرأت نص محاضرة طه «ناهضا لحرب الشعوبية». لقد بحثنا ~~عن تمهيد أقل شراسة لهذا البحث الجاد الذي يعالج البلاغة العربية من الجاحظ حتى عبد ~~القاهر. ولقد ظل عنوان هذا النص شهيرا لدى الطفلين. # لم يكن الدمار الذي خلفته الحرب قد أعيد ترميمه وإصلاحه بعد، ولم يكن هناك ~~أي فندق في ليدن. وقد أقام أعضاء المؤتمر، الذين لم يكن من الممكن جعلهم يقيمون مثلنا ~~لدى سكان المدينة، في لاهاي، وفي أمكنة أخرى. كان الشيخ مصطفى في لاهاي، وقد دعانا ~~للعشاء ذات مساء، وفي أثناء عودتنا، لمحت ابنتي في الفندق لوحة كبيرة؛ فصاحت: «من هي ~~هذه المرأة المخيفة؟!» فانحنى مدير الفندق باحترام وقال: «إنها ملكتنا يا آنستي!» إن ~~ابنتي، وقد غدت زوجة دبلوماسي، تذكر ذلك بمزيج من الارتباك والضحك. # ودعينا للقيام بنزهة جميلة على مركب عبر القنوات التي تجتاز الحقول والبساتين. ~~وكان ثمة امرأة شابة لا تكف عن رسم أعضاء المؤتمر الذين كانوا على المركب، وأهدتني ~~رسم طه ورسم الشيخ مصطفى، وما كان أشد اختلاف صورة الشيخ مصطفى وهو يرتدي البذلة ~~والقبعة! وكان الأجانب يعجبون به أكثر وهو في ثيابه الحريرية الجميلة. # أفي هذه السنة نفسها ذهبنا إلى لوفان؟ أم بمناسبة مؤتمر آخر في بروكسل بعد ذلك بسبع ~~سنوات؟ كان اليوم الذي كنا فيه يوم الكرمس؛ وهو يوم احتفال شعبي. وكنا قد اجتمعنا في ~~سوق الحبوب القديمة حيث استقبلنا رئيس الجامعة الرائع. كان عليه أن يصحبنا إلى المكتبة ~~الجديدة التي كانوا يجددونها. وقد قال لي الأب قنواتي إنها قد تهدمت مرة أخرى ~~في الحرب العالمية الثانية، إلا أنها قد أعيد بناؤها الآن بفضل المساعدات التي ~~وردت من كل مكان تقريبا، وأنها تحفل بالكتب الجميلة والقيمة. # كان الرئيس يسير على رأس الفريق، وكنا نحذو حذو خطواته ونتقاطر في لوفان على أنغام ~~«تعالي يا بوبول» التي تطلقها الرقصات الدائرية في المعرض، ms079 وكنا نمشي بالرغم عنا سيرا ~~إيقاعيا وراء الثوب البنفسجي الذي كان يتقدم أيضا حسب الإيقاع. # كان طه قد ذهب في السنة السابقة إلى فيينا مع فريد. كان توفيق قد غدا رب عائلة بعد ~~وفاة أبيه، وكان طه قد جعله يتمم بأسرع وقت ممكن دراسته في الحقوق؛ فأحل توفيق ~~أخاه محله بالقرب من طه. ولما لم تكن مصاريف رحلتي على حساب المؤتمر فقد عهد بنا إلى ~~عوض وذهبنا ننتظره في باريس. لم يكن انتظارنا لحسن الحظ طويلا، كان سليم حسن قد بقي مع ~~طه للعناية به. غير أن هذه الأيام القليلة من الفراق كانت مؤلمة جدا. وقد كتب لي: ~~«علينا ألا نكرر على الإطلاق هذا الفراق الحكيم الأحمق. فبدونك أشعر أني أعمى حقا. ~~أما وأنا معك، فإنني أتوصل إلى الشعور بكل شيء، وإلى أن أمتزج بكل الأشياء التي تحيط ~~بي.» ويستشهد لي ببيت من الشعر العربي: «ناقتي في البيد تجري ...» أمامه كانت فيينا، ~~ووراءه باريس ومن يحبهم. # تأثرت لقراءتي هذا الاستشهاد. ففي كثير من المرات التي كنا نتحدث فيها، كان ~~يستشهد ببيت من الشعر أو بمثل أو بآية من القرآن الذي كان يحب أن يقرأه لي وأن ~~يترجمه لي. وكنا في السنوات الأخيرة، نقضي لحظات طويلة في العربة التي لم تكن تجري ~~بسرعة، ليتمكن من تحسس رائحة العشب، وسماع تغريد العصافير، ونهيق الحمير، وصوت ~~الطاحونة وسط الحقول بين بنها وطوخ. # حاول أن يفهم مدينة فيينا وأن يتعاطف معها. وعثر فيها على أصدقاء له: ليتمان، ~~و«بيرجشتراسه # Bergstrasser ~~» # 127 # و«يونكر # Yunker ~~»، وكان هذا الأخير غاضبا ~~لرؤية فيينا وقد أصبحت اشتراكية. كان طه يريد أن يتعلم اللغة الألمانية (ولم يكن يملك ~~الوقت لذلك على الإطلاق) واغتاظ لأنه فتش عبثا في هذه العاصمة عن كتاب فاليري ~~«منوعات 2». # لكنه يتلقى وهو فيها خبرا سيئا. وفاة السير توماس أرنولد فجأة. # 128 # وقد نقل إليه الخبر السير «دنيسون ~~روس # Dennyson Ross ~~» # 129 # في اللحظة التي كان سيجلس فيها على مائدة العشاء التي دعا إليها الوزير. ~~ويكتب طه إلي: ms080 # لقد تسممت أمسيتي. كنت أحبه كثيرا وكان يبادلني هذا الحب، وقد أخبرني ~~عن وفاته السير دنيسون أمس. فمتى أعقل أن علي أن أعد نفسي لتقبل موت ~~أصدقائي؟! # وكان عليه أن يتلقى قريبا موت صديق آخر (وكنا قد عدنا إلى القاهرة)، وأعني به ~~موت حسين بك عبد الرازق، الأخ الأكبر لمصطفى. كنا نحبه كما لو كان أخانا الأكبر ~~أيضا. كان يعيش أغلب الأحيان في عزبة أهله في «أبو جرج» التي كان فيما أظن مسئولا ~~عنها. وكان يجمع إلى الاستقامة المثلى إخلاصا كاملا. كان كثير التعلق بالتقاليد؛ ~~فامرأته وبناته كن يعشن في رصانة فرضتها تقاليد الماضي. ومع ذلك فعندما كنت في «أبو ~~جرج» مع طفلي، فإنه كان غالبا ما يطلب إلي أن آتي إليه في التعريشة حيث كان يجتمع ~~بنظار المنطقة ومزارعيها، وكان ذلك يؤثر في نفسي تأثيرا طيبا. لقد كنت أتحدث إليه ~~في ثقة كاملة، وكانت هناك ناحية لم نكن نتفق حولها مطلقا. فقد كنت أستمتع بتغريد ~~العصافير في الصباح، أما هو فقد كان يسخط أشد السخط؛ لأنه كان يرغمه على الاستيقاظ ~~باكرا جدا. # عندما وقعت المصيبة كان مصطفى في البحر لا يعرف عنها شيئا. وذهب طه إلى الإسكندرية ~~مع علي # 130 # لاستقباله. وأمضى ثلاثتهم يوما كان في منتهى القسوة عليهم جميعا. # والذكرى تستدعي الذكرى؛ أعني الموت ~~المأساوي لعميد أسرة عبد الرازق قبل تسع سنوات من وفاة حسين عبد الرازق، أعني موت حسن ~~باشا عبد الرازق الذي كان قد استقبلني لدى وصولي مصر والذي لم يكف عن العناية الودية ~~بي؛ فقد كانت له لفتات مماثلة للفتات أخيه. كنا مدعوين معه لعشاء كنت فيه المرأة ~~الوحيدة من المدعوين، وامتد العشاء. وكنت قد تعبت وبدأت أشعر بالسأم. آه! ما أكثر ~~سأمي! ... ولاحظ ذلك حسن باشا؛ فقال لي بصوت منخفض : «هل تريدين العودة؟» فقلت بلهفة: «آه ~~... نعم!» فنهض وخاطب مضيفنا قائلا: «يا صاحب المعالي، إن السيدة طه حسين متعبة، فإذا ~~سمحتم لي فإنني سأرافقهما؛ إذ علي العودة أنا الآخر أيضا.» إنه أمر بسيط ولا ms081 شك، ~~لكنه ذو أهمية كبيرة في بعض الأحيان. # لقد حدث ذلك في إحدى المراحل العنيفة من الصراع السياسي الذي كان يجعل البلد في ~~اضطراب دائم. كان هناك في ذلك اليوم، يوم وفاته، اجتماع للأحرار في مكتب «السياسة» وكان ~~طه حاضرا هذا الاجتماع، وكان هناك خارج المقر بعض المجرمين يختفون في الظلام. كانوا ~~يستهدفون عدلي ولا شك، إلا أن حسن باشا والمحامي زهدي كانا أول من خرج من الاجتماع ~~... بعد خمسين سنة مرت على هذا اليوم، كان من بين الجمهور الذي جاء للتعزية بوفاة طه، ~~سيدة لم أكن أعرفها، وكانت شقيقة زهدي. لا شيء يموت. # كان حسن باشا قد جاء لزيارتنا في مصر الجديدة قبل عشية يوم المأساة، وعندما استأذن ~~للانصراف رافقته. وعلى العتبة، تبادلنا القول: «إلى اللقاء.» ثلاث مرات بشكل غريب. ~~وعندما كنت أنظر إليه يبتعد، شعرت بشيء من الاضطراب. لم تكن لي حدوس كثيرة، لكن ذلك ~~الحدس كان واحدا منها. لم يعد طه ذلك المساء المأساوي في وقته المعتاد، وكنت قلقة. ~~يا لوجهه عندما عاد! ... كان ممتقعا، واكتفى بأن قال لي بصوت أجش: «لقد قتلوا حسن ~~باشا قبل قليل.» # بعد عودتنا من لبنان في عام 1927، كان لا يزال ثمة بعض الاضطرابات بسببنا بمناسبة ~~قرار رد الدعوى الذي كان يراد إلغاؤه، واستقالة طه التي انتهى إلى سحبها، لكن ~~الحياة سارت سيرها الطبيعي بعد كل شيء. وكان هناك حفلات استقبال وحفلات عشاء عامرة، ولم ~~أعد كما كنت في البداية أشعر بالانزعاج من اجتماعات كانت تقتصر على الرجال فقط، وأكون ~~فيها المرأة الوحيدة. # كنا نسكن في شارع المنيا؛ فقد كان أقل ~~غلاء نسبيا من شارع رمسيس. وكنا اشترينا أول سيارة لنا؛ كانت عبارة عن سيارة كرايزلر ~~عتيقة، جددت كليا عندما بيعت لنا، على أنها أسعدتنا كثيرا برغم حالتها وبرغم ~~أنها كانت تقبع أكثر الأوقات في الجراج للأسف! كانت تسهل لنا، خلال إجازات ~~الإسكندرية، كثيرا من النزهات، وخاصة في أبي قير. أما في القاهرة، فقد كنت أستطيع أن ~~«أهوي» طه قليلا برغم احتجاجاته ms082 بالطبع؛ ذلك أن العمل كان مقدسا عنده، وكانت ~~النزهات رفاها لم يكن يسمح به لنفسه ... وهناك نزهة من هذه النزهات قمنا بها ذات مساء ~~ولا تزال ذكراها عذبة في خاطري؛ كنا نعود من حلوان، وكنت أحاول أن أصف له جمال هذا ~~الطريق بين الشواطئ الصخرية والماء وضوء القمر على الصخور وانعكاسه الباهت في النيل، ~~وكان يستشعر هذه الأشياء بحساسية عميقة. # دشنت المدرسة الثانوية الفرنسية. وقد جلس طه، الذي كان مستبعدا طيلة الوقت الذي ~~كان فيه مهددا بالصواعق الرسمية، على منصة الشرف. وخلال العشاء الذي دعا إليه ~~الوفد الفرنسي، كنت أجلس على يمين الوزير. كانت العاصفة قد هدأت، إلا أن أمينة ~~المسكينة التي كانت تتمرن منذ شهر مع جوقة تتألف من أربعة أصوات، لم تستطع أن ~~تغني «المجد لفرنسا». # 131 # فقد كانت تشكو من عسر الهضم، وخاب أملها بسبب ذلك. # كان الطفلان يكبران، وكانا متحابين دوما لكنهما يتشاجران غالبا. وذات يوم أغاظ ~~مؤنس أخته عندما كانا في سقارة؛ إذ رفض الخروج من «السيرابيوم». # 132 # كان قد نزل إلى كل القبور التي استطاع النزول إليها في حين كانت هي نافذة ~~الصبر بانتظاره. # لكن قلبها كان يظل مفعما بالحنان. فهي تكتب لأمها: ~~«إنني أعتني بحمامة صغيرة، نظرا لأنها وحيدة تماما؛ حتى تتمكن من الطيران دوما.» ~~دوما! يا لقلب الأطفال الرقيق! لقد مس طفل صغير من أيتام القاهرة القديمة شغاف قلبي ~~ذات يوم إلى حد كبير، عندما ذهبت بصحبة غنيم لزيارة مؤسسة للأيتام. فقد أعطوه عصا ~~وطلبوا إليه بغباء أن يقود الفرقة الموسيقية. وكان يحرك هذه العصا بغير مهارة محاولا ~~أن يترنم بالغناء، لكنه كان أقرب إلى البكاء منه إلى الضحك بسبب هذه الحال! # كنا نصحح مسودات الترجمة الفرنسية للجزء الأول من كتاب «الأيام». # 133 # وكانت ترجمات هذا الكتاب إلى الألمانية والروسية والعبرية والإنجليزية قد ~~صدرت من قبل. ~~... ثم وقعت المحنة من جديد في مارس 1932. ومرة أخرى كان طه يدفع غالبا ثمن جريمته ~~أن يكون إنسانا حرا. والحق أنه لم يكف أساسا على الإطلاق ms083 عن دفع هذا الثمن، إلا ~~أنهم كانوا يريدون سحقه حقا هذه المرة؛ إذ لم يكتفوا بطرده من الكلية التي كان ~~عنوانا لعزتها وكرامتها وقوة نابضة فيها، وإنما أرادوا أيضا إحراق كتبه، فأخذوا ~~منه بيته الذي يسكن فيه، وأغرقوه بالشتائم، وحاولوا أن يحرموه من كل وسيلة للعيش بمنعهم ~~مثلا بيع الصحيفة التي كان يصدرها، وبإنذارهم البعثات الأجنبية في مصر بالكف عن أن ~~تقدم له عروضا للعمل. ولا بد لي هنا من الثناء على الجامعة الأمريكية في القاهرة ~~التي تحدت هذا الإنذار، وطلبت إلى طه تقديم مجموعة من المحاضرات؛ الأمر الذي ~~قدم له دعما لا يقدر بثمن من قبل جمهور شاب كان يتحزب له، فضلا عن ~~كونه أيضا دعما ماديا خفيفا. # وسيتسمر الأمر على هذا النحو ثلاث سنوات؛ أي حتى نهاية 1934، ثم تبدأ نتائج هذه ~~السنوات العجاف بالظهور؛ فمؤنس الذي كان مصابا بالبنيمونيا كان قد اجتاز تقريبا عتبة ~~الخطر، غير أن طه اضطر لملازمة الفراش بسبب المرض ذاته، وكان مرضا في منتهى الخطورة ~~في حقبة لم تكن تعرف بعد المضادات الحيوية فضلا عن أنه يصيب رجلا يعاني في الأصل ~~من محنة مؤلمة. ولم يكن هناك أي دواء أكيد حقا، وكان لا بد من السهر عليه مع الانتظار ~~والأمل والدعاء. كان في فترات هذيانه يتقاتل مع كل خصومه، وكان يناضل طوال الليل ثم لا ~~يلبث أن يسقط على مخدته في إعياء كامل. أيسعني أن أنسى تفاني الدكتور سامي كمال؟! ~~حضوره وعاطفته اللذين كانا يمنحاني الشجاعة؟! لقد أمضى فريد عدة ليال في البيت، ولا ~~أدري كيف استطعت البقاء في صحو كامل إحدى عشرة ليلة، أنا التي كنت أحتاج للكثير من ~~النوم. وأخيرا شفي طه ونجا من المرض، ولم أكن أريد أن أفكر بغير ذلك على ~~الإطلاق. # أما هو، فقد أراد أن يبدأ العمل على الفور. كان يسهم في تحرير القسم الأدبي في صحيفة ~~«السياسة» مقابل ثلاثين جنيها، غير أنه كان شديد الضعف، وكان عليه أن ينتظر ~~قليلا. # واضطررنا إلى الانتقال من بيتنا. كنا نسكن ms084 واحدا من بيوت مصر الجديدة المخصصة ~~للموظفين. والحق أننا طردنا منه بالمعنى الدقيق للكلمة، بيد أن شركة هليوبوليس ~~تفضلت وأجرتنا فيلا جميلة لا يفصلها عن البيت السابق غير الحدائق فقط. وهو ما ~~سهل علي الأمور؛ فقد نقلنا كل شيء على دفعات دون أن نضطر إلى الحزم أو اللف ~~أو الرزم تقريبا. وإني لأستعيد ذكرى ذلك الصباح الذي أخذنا فيه طه وما كان يستطيع ~~المشي إلا بصعوبة. كان الأطفال في مقدمة موكبنا، أما طباخنا الضخم عبد العزيز فقد كان ~~يسير في المؤخرة مهيبا كشأنه دائما، حاملا - بعناية وحذر لآخر أداة من أدوات ~~مطبخنا - ماعونا كبيرا ممتلئا بمرق اللحم كنا نعده كل يوم بعناية فائقة. وكنت ~~أستعجل أن أقدم منه لطه كوبا بمجرد أن نصل إلى غرفته الجديدة. # كنت أريدني متفائلة. في اليوم التالي لانتقالنا كنت مع الإنسان الطيب إسماعيل ~~«الجنايني» ننقل أربع أشجار رائعة من العندم الهندي كنت زرعتها ولم أكن أرغب في ~~التخلي عنها. كنا في شهر يونيو وكانت درجة الحرارة ذلك اليوم قد بلغت 39 درجة في ~~الظل؛ لذلك كان الأمر مخاطرة، إلا أن ثلاث أشجار منها بدأت تنتعش من جديد. ويعود ~~هذا النجاح إلى عناية إسماعيل، وربما عاد أيضا للابتهالات التي كان الطفلان يقدمانها ~~بجدية وهما يتوسلان إلى الله للعناية بها! # نعم؛ كنت أريد أن أكون متفائلة، وعكفت على جعل بيتنا الجديد مستحبا. وكانوا ~~يقولون بخبث: «لقد طرد صدقي # 134 # الدكتور طه من بيته، لكن ها هو يسكن الآن في بيت أفضل من البيت السابق ~~بكثير!» # كنا عزمنا على الترفع والاعتزاز بأنفسنا فلا نغير شيئا من مظاهر حياتنا الأولى. ~~فإذا اضطررنا لمعاناة الحرمان، فإنه لا ضرورة لأن يعرف أحد آخر غيرنا بذلك. # لكن مؤنس أصيب بحمى عنيفة ثلاث مرات. كنت شاحبة أشد الشحوب، وكنت أناضل ~~برغم إصابتي بالتهاب اللوزتين وبآلام العينين وبهزال متزايد. فأرسلنا طه إلى ~~الإسكندرية لقضاء ثلاثة أسابيع فيها، وفعل ذلك أيضا في السنوات التالية. أما هو فلم ~~يمنح لنفسه سوى يوم واحد في عام 1933 ms085 ويومين في عام 1934. لم أكن أحب ذلك، ومن المؤكد ~~أن هذا الفراق لم يكن كفراق 1922؛ إذ كنا على بعد ثلاث ساعات بالقطار من بعضنا البعض ~~وكنا نتخاطب تلفونيا، كما أنه لم يكن سيدوم ثلاثة أشهر. ومع ذلك فقد كان يتألم منه ~~مثلما كنت أتألم. # كان يحاول في البداية أن يكتب لي بمرح: # لا يمكن لأستاذ اللغة الفرنسية أن يعطيني علامة جيدة على ما أكتب! ~~فمبدعي (أي رسالته) مليء بالاضطراب، شأنه شأن عقلي على كل حال! وربما كان ~~لهذا السبب بالذات مبدعا وكنت من ثم كاتبا كبيرا! # وكتب مقالا شديد السخرية حول صحة رئيس الوزارة. وقال لي: «عندما لا نستطيع دفع ~~الشر فلا أقل من أن نسخر منه!» # ومع ذلك، ففي نهاية السنة، وخاصة عند بداية العام الجامعي الجديد، كان غارقا في حزن ~~أسود. وقد أسر لي: «أريد أن أكتب كتابا، وسوف أسميه «الجهد الضائع».» # كان يأمل أن يؤسس مجلة مع علي عبد الرازق. وبعد أن نوقش هذا الأمر مطولا، نصحه ~~علي ومصطفى بالتخلي عن هذا المشروع. # كان وضعنا يتزعزع أكثر فأكثر. عندما سأله ماسينيون، # 135 # في رسالة مفعمة بالود، عما إذا كان على استعداد للذهاب إلى الولايات ~~المتحدة، فقد عانى أشد العذاب. لكنه يكتب لي بعد ثلاثة أيام من التفكير: «لقد أيقظتني ~~رسالة ماسينيون. إنني أستاذ معزول وعالم ممنوع عن العمل، ومن واجبي ألا أشتغل في ~~السياسة، وإنما أن أؤلف الكتب وأسعى وراء الرزق. أما في أمريكا، فإنني سأكون أجنبيا، ~~وسأنظر إلى حياة البلد دون أن أشارك فيها، ولن يكون علي أن أقوم فيها إلا بواجب ~~محدود.» # نعم، أيها المناضل، فأنت لم تكتف قط «بواجب محدود». # لقد بقي له، فيما عدا الكتب، مجلة كان قد أصدرها بالمشاركة مع أحمد حسن الزيات، وهي ~~مجلة «الرسالة»، ثم محنة العديد من المجلات: «الكاتب»، وأخيرا «الوادي» وذكرياتها ~~المؤلمة. # ومع ذلك، كانت الأفكار الجديدة والمفاهيم الجريئة تشق طريقها بفضل إرادته التي لم ~~تعرف القنوط. # 16 أغسطس 1975 # وصلت لتوي إلى «ميرانو # Merano ~~»، وهي المكان الذي ms086 ~~قضينا فيه إجازتنا الأخيرة في أغسطس 1973. ثم ودعنا بحيرة «جارد # Garde ~~» وانتظرنا في «جنوة # Gêne ~~» ~~كالعادة، المركب الذي سيقلنا. # في كل مرة أترك فيها غرفتي أو أعود إليها، ألقي نظرة على الباب القريب من ~~الغرفة والذي كان باب غرفتنا آنذاك. أراه ثانية على مقعده وفي سريره، صغيري المسكين ~~الذي هزل كثيرا. كنت أتوصل أحيانا إلى أن أجعله يجلس على الشرفة الكبيرة المطلة ~~على الحديقة التي تحيط أفقا من الجبال العذبة. على هذه الشرفة أخذنا صورنا الأخيرة. ~~كان مؤنس موجودا معنا بصحبة زوجته وابنته، وكان طه في هذه الصور يبتسم لحفيدته. ففي ~~كل عام، كانت هذه الطفلة تأتي إلى هنا وتسليه بمرحها الجميل وبحبورها الذي كانت ~~تقص به مغامراتها في المدرسة الثانوية وتفعمه حنانا؛ إذ تلبي متعة شخصية بأن ~~تقرأ له نصا كانت تقوم باختياره. لقد كانت تحب دوما أن تقرأ له، وكم كان منظرها ~~يمس شغاف القلب عندما كانت في السادسة من عمرها، في «ترييست # Trieste ~~»، جالسة على كرسي أعلى منها، وساقاها الصغيرتان تعلوان عن ~~الأرض ثلاثين سنتيمترا، وقد ارتسم على وجهها طابع الجد والهيبة وهي تتناول كتابا ~~لتقرأ له. # في ذلك الصيف كان قليل الضحك قليل التغذية، وكانت أمينة هي التي تنجح في جعله يقبل ~~القليل من الغذاء الذي كان يبتلعه. # ويخيل إلي أن مؤنس كان يستشعر، وهو يغادرنا مع زوجته وابنته، أنه لن يرى أباه ~~ثانية. لم أرافقهم إلى الطابق الأسفل كما كنت أفعل عادة، وإنما تابعتهم وأنا أستند ~~إلى الباب بعيني على طول الدهليز العريض. وكنت أشعر بعمق أنهم يؤلفون مجموعة ~~ذات كيان خاص، خلية قد انفصلت عنا. # وعندما اختفوا في المصعد، شعرت نحوهم بحنان هائل مفاجئ في حين كنت أدعو لهم أن ~~يكون طريقهم مستقيما لا تعترضه الأشواك. لقد كانوا يبدون لي أكثر قوة وأقل حماية ~~في آن واحد. # كان طه يحب هذه البلدة. وأسير مع ظل عزيز على امتداد السيل المتدفق والمياه ~~العميقة تتراقص دون توقف على الحصى، وهي تجري نحو نهر «الأديج # Adige ~~» القريب ms087 لتضيع في مياهه. كنا غالبا ما نذهب في الماضي لرؤية ~~هذا اللقاء. وكنا، نحن أيضا، نمشي دون أن نتمكن من الوقوف نحو نهاية كنا غير قادرين ~~على تصورها. ولا شك أننا لم نكن نفكر في ذلك عندما كنا نمشي على شاطئ «باسيريو Passirio ~~». كان طه يتوقف من حين لآخر ليصغي إلى ~~خرير المياه الجارية. وكنت أبعد من طريقه الحجارة. هذا الطريق الذي أصبح الآن، ~~عندما نذهب لرؤية الأديج، معبدا، خاليا من الحصى. كان لا بد من قطع الأشجار ~~الجميلة ذات الأوراق الكثيفة. فندق «الإكسلسيور # Excelsior ~~» مغلق الآن، وكنا كففنا عن النزول فيه منذ أربعة أعوام، ~~بيد أننا نحتفظ منه بذكرى غالية. ذات مساء، وكان الوقت قد تأخر بنا، كنا نسرع، ~~بل كنا نكاد نركض. فقد كان جورج لابيرا ينتظرنا منذ ساعتين، ولم نكن نعلم بمجيئه. كان ~~قادما ذلك اليوم من «سيلفا فال ~~جاردينيا # Selva Val Gardena ~~» التي لم تكن بعيدة جدا. ذلك أنه منذ سنتين قدم إلينا ~~من فلورنسا وعاد إليها في مساء اليوم الذي جاء فيه نفسه. أما اليوم فقد قدم ليقضي ساعة ~~مع صاحبه، ولم نكن ندري أن ذلك اللقاء كان لقاء الوداع. # وكيف لا أذكرك أيضا يا ماريا ناللينو، # 136 # المخلصة الحنون، وقد كنت تأتين كل عام لتعبري عن احترامك وودك ~~لمن كنت تعجبين به، وما أتيت مرة إلا وحملت لي فيها معك باقة من الزهور؟! لم ~~أستطع عندما عدت إلى إيطاليا أن أقبلك؛ فقد رحلت عنا، أنت أيضا، باكرا ~~جدا. # تجتاحني الذكريات القريبة وتزعزعني إلى الحد الذي يصعب علي معه أن أتحدث عن ~~الأحزان القديمة. لكنها أحزان ذات أهمية مع ذلك، وكانت ثورتي كبيرة إزاء الأذى الذي ~~كان بالوسع إلحاقه بإنسان كطه عن وعي وتبصر. لكنني أعتقد الآن، أنه بعد أن خيم ~~الصمت العظيم، وامحت الوجوه الحاقدة والعدوانية إلى الأبد، ربما كف أولئك الذين ~~أوذوا عن الغضب ممن آذوهم ما إن اجتازوا عتبة الحياة البشرية. والحق أن طه كان، منذ ~~عام 1932، يأسف لاضطراره للعمل على قلب ms088 خصمه الرهيب صدقي، وقد كتب لي بعد أن كتب مقالا لاذعا: # لا أحب أن أكون قاسيا. وعندما اضطررت لأن أكون كظلك على الرغم مني، فقد ~~كنت بحاجة لأن ألين نفسي. ولو أنك كنت قربي، إذن لوضعت رأسي على ~~كتفك. # وعندما وجه له برقية وهو يدرك أنه على حافة الموت، برقية يبدو أنها لم توضع بين ~~يديه، كان دون شك قد غفر له منذ وقت طويل؛ لذلك سأجهد الآن في أن أستدعي دون أي حقد ~~تلك الساعات التي كانت يائسة إلى حد اعترف لي طه معه بعدها بكثير أنه فكر ~~بالانتحار ... آه! ... لا، لم يفكر فيه زمنا طويلا؛ إذ لم تكن تلك طريقته في مواجهة ~~العقبات. ~~••• # كان يعمل في جريدة «كوكب الشرق» كما يعمل محكوم بالأشغال الشاقة؛ فقد كان يقضي فيها ~~كل ساعات الصباح. وعندما حل الصيف، كانت الحرارة لا تطاق. وكان مكيف الهواء ~~معطلا، كما كان المتطفلون الذين يغيظونه يوجدون دوما عنده في اللحظة التي يكتب ~~فيها مقاله. أمر لا يكاد يصدق! كيف أنهم لم يدركوا أنهم كانوا يسببون له المزيد ~~من التعب بتطفلهم هذا؟! ... # كان هناك ما هو أسوأ من ذلك. ففي أحد الأيام، دخل عليه مجهول لوحده. فبأي بصيرة ~~استطاع طه أن يحدس أن هذا المجهول كان يحمل سكينا؟ إذ سرعان ما ضغط على مكبس الجرس ~~الذي كان موجودا أمامه، فهرعوا إليه في الحال، وكان ظنه في محله! # كان ملاحقا ومشغولا إلى درجة لم يعد يستطيع معها رؤية أصدقائه. واستطاع ~~علي # 137 # بعد لأي أن يصحبه للعشاء معه ذات مساء بعد نزهة في الجيزة. واضطر لطفي ~~أن يطارده بإلحاح أربع مرات حتى تمكن من أن يقضي معه ساعتين. كان لطفي، الذي استقال ~~من منصبه كرئيس للجامعة عندما عزل طه من منصبه، يشعر بالحزن والمرارة. كان يريد أن ~~يكتب مذكراته، وأن يعود للماضي كي ينسى الحاضر وكي لا يرى المستقبل. ويبدو أن هذه ~~المذكرات لم تكتب . # وأقيمت دعوى على الصحيفة. وذهب طه عدة مرات إلى النيابة العامة. وبعد عودته ms089 من ~~إحدى جلساتها كتب لي: # يبدو أنني أهنت الشيخ الأكبر وكل المشايخ - رئيس الوزراء وكل الوزراء ~~- بل ربما أهنت في النهاية كل الناس ... كان ~~ذلك عملا أحمق وشريرا. بل إن المحقق نفسه لم يخف اشمئزازه مما كان ~~يعمله، وكنت أود لو سمعت إجاباتي الساخرة. # وقد وصل توزيع الصحيفة تحت إدارته من 4000 إلى 20000 نسخة. لكن ذلك لم يكن ليصلح من ~~أحوالنا المالية؛ فقد بقيت ساعات النهار مرهقة، واستمرت الخصومات التي لا تطاق مع ~~مالك عنيد، ولم يستطع طه أن يتابع العمل في هذا الجو. # فبدون أي نوع من المساعدات، يشجعه النحاس باشا # 138 # معنويا من جهة وتقنطه اللامبالاة العامة من جهة أخرى. شرع يعمل بجنون ~~لكي تكون له صحيفته: «الوادي». # 139 # كان ما يحققه فيها رائعا، لكنه كان عاجزا عن تدبير نفسه في عمل من هذا ~~القبيل. فقد كان يتشاجر مع الآلات التي لم تكن تسير ويشكو من الورق الذي لا يرسلونه له ~~ومن حروف الطباعة التي لم تكن تكفي، ويصطدم بالمخبرين الذين لم يكونوا دوما مستقيمين، ~~وبالبائعين الذين لم يكونوا قادرين على البيع؛ لأنهم كانوا يمنعون من بيع الصحيفة. ~~وكان مضطرا لأن يكتب كل يوم، وأن يستطيع كتابة المقالات الأدبية حتى للصحف الأجنبية في ~~الخارج. # كان متعبا، مرهقا من الزيارات التي لا طائل من ورائها، ومن الثرثرة غير المجدية. ~~وكان مشمئزا؛ فالمصادمات تتجدد كلما تنقل النحاس من مكان إلى آخر، وقد أراد في ~~أحد الأيام أن يحييه، بيد أن مدخل المحطة كان ممنوعا؛ «فأحست نفسي مهانة بشكل ~~عميق ... وماذا؟! رجل يتلاعب بملايين البشر دون أن يلقى أي مقاومة؟ فلتحي الحرية! ولكن ~~لمن هم جديرون بها! ...» # للمرة الأولى منذ أن أصدرت «الوادي» لا أجد الرغبة في كتابة مقال أدبي؛ ~~فطالما أن المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون قراءتي، فلأوفر على نفسي إذن ~~هذا العذاب! # لكنه كتبه مع ذلك، مثلما كان يجد الورق، ومثلما كان يسير الآلات ... ولكن، بأي ~~ثمن؟! # 1 أغسطس # يقع علي الآن عبء نفوس كثيرة ... فكم من ms090 أسرة تنتظر اليوم أجورها الشهرية من ~~صحيفة لا تقدم أي عائد! # أبقى لحظات طويلة دون أن أقول شيئا. أفكر فيك، وفي الأطفال، وفي الغد، وفي ~~الأمس وأنتظر. ماذا أنتظر؟ مشيئة الله ولا شك! # لن تصدقيني لو قلت لك إنني أعجب لنفسي كيف أكتب كل يوم، تماما كما كنت ~~أكتب ل «الكوكب» السخرية ذاتها والتهكم ذاته. هذا على الرغم مما أعانيه من أجل ~~أولئك الذين أدافع عنهم وضد أولئك الذين أهاجمهم. # وكانت الهموم العائلية تختلط بهذه المصائب؛ فقد كان لا بد من إرضاء الأبوين العجوزين ~~اللذين كانا يائسين من التصرفات السيئة لابنين أخرقين كانا يكدراننا نحن أيضا. ~~وكان لا بد من التدخل ماليا برغم القليل مما نملك! وكان لا بد له، بعد تعب الصحيفة ~~وما تسببه الحرارة من إنهاك أيضا أن يبذل جهدا مضنيا ليضع نفسه في جو همومهما، ~~وأن يتظاهر بقبول الطريقة التي يعللان بها الأمور والتي يتخذان بها مواقفهما. ~~وكان يحدث لنا بعد كل شيء أن نرضيهما فيذهبا مسرورين، «لكن - كما كان يقول - ما أشد ~~ما كان ذلك يؤلمني!» # كان لا بد لشيء آخر أن يؤلمه أكثر، وأن يؤلمني كذلك بقدر ما كان يؤلمه. فقد حدث لنا ~~شيء مذهل أطلق هو نفسه عليه وصف «الشيطاني»: كان تعسا بسببي. فقد وقع، نتيجة ~~الإرهاق والمرض والوضع الفاجع وتمسكه في عزل نفسه عن الناس، فريسة إحدى النوبات ~~السوداء المخيفة التي ما أكثر ما عرفتها! كان إذ ذاك يحبس نفسه وراء صمت شرس مخيف، كما ~~لو أنه سقط في أعماق حفرة لا يستطيع أي شيء على الإطلاق أن ينتزعه منها. كانت حياتي ~~تبدو لي قد توقفت، وانسحقت بلا أمل في مواجهة عزلة مطلقة يفرضها على نفسه، ورفضه ~~العنيد سماع أقل كلمة تريد أن تحاول معونته. قلت له يوما: «لماذا تبعد نفسك ~~عني؟!» فكانت هذه الكلمة مثار الأزمة. # كنت أنا الأخرى كئيبة؛ فقد كان يبدو ظالما قاسيا. ولا شك أنني كنت أنا الأخرى ~~مثله أيضا. ويكتب لي: «أكان علي إذن أن أتألم في حبي ms091 أيضا ... إننا نؤلم بعضنا ~~كثيرا. ولم أتصور على الإطلاق أمرا على هذه الدرجة من الشيطانية يسعه أن يتدخل ~~فيما بيننا. فلنرحم أنفسنا. إن أقل شيء يمسني يزلزلك أنت، أنت معنى حياتي، إذن ~~ما الذي يحدث لنا؟! اطويني في جناحك كما كنت تفعلين دوما؛ فلقد أبادتني ~~رسالتك.» # وكنت قد كتبت له: «قلبك الضعيف ومصيرك، كانا لي وسيبقيان. لكن، فلنكف عن أن ~~نتعلل بوهم أن حناني وابتسامتي سيضيئان لك الطريق أبدا.» # لكن الحب كان مع ذلك ثابتا. ويكتب: # أظن أنني سأظل كما أنا بعد كل شيء من أجلك وبفضلك. أسألك الغفران ~~بإخلاص عن كل ما سببته لك من أذى. لكن لا تتألمي لوحدك؛ فأنا ما زلت قادرا ~~على التألم معك؛ لأنني لست بعيدا عنك ... ولو استطعت لأخذت أول قطار كي ~~آتي به إليك وأواسيك، لكني لا أملك الحق في صرف خمسة أو ستة جنيهات في هذا ~~الوقت. # هل أستطيع أن أمنع نفسي من البكاء وأنا أنقل هذه الكلمات؟ لقد كان هذا القلب يستحق كل ~~سعادة الأرض لو أن السعادة كانت توهب لمن يستحقها! # ومر الأسبوع البغيض، وهدأ كل شيء، ولم يكن يفكر إلا بمواساتي: # أمنعك من أن تكوني حزينة، وآمرك بالابتسام. لا تقولي شيئا. أعرف ما ستقولين ~~وأعرف أن علي أن أستفيد من الدروس التي أوشك أن أعطيها. حسنا، حسنا، سوف ~~أستفيد منها. أما الآن، فتعالي إلى ذراعي. أحبك حتى نهاية الحساب. # إنه مؤنس - ولم يكن يعرف بعد كيف يحسب - من ابتدع هذا التعبير ليشير به إلى أعلى ~~رقم يمكن تخيله، كان يقول: «أحبك اثنين، ثلاثا ... حتى نهاية الحساب!» # كنا نذلل الصعوبات ونحن نسخر منها قائلين لها: «أعرف أنك هناك، لكني مع ذلك متماسك. ~~وإني على يقين من أنني سأنتصر عليك ... ويقال إنني كنت أريد أن أكتب لك أشياء عذبة! ... ~~اهدئي، إننا لن نسقط ... وإن حدث وسقطت، فسأفعل كالقطط ... إذ إني سأسقط على ~~قدمي.» # وفي يوم ذكرى زواجنا، ارتكب «حماقة» المجيء لمدة أربع وعشرين ساعة، لكنه لم يستطع ~~الاحتمال. # لم تحمل لنا ms092 هذه السنوات الثلاث لحسن الحظ مجرد الخيبات والمرارات. كنت قد خشيت ~~كثيرا أول افتتاح للجامعة بعد هذه الأحداث، ولقد كانت تلك لحظة أليمة في الحقيقة. ~~ومع ذلك، فقد كان ثمة أساتذة أجانب لا يريدون العودة إلى مصر، وكان ذلك مرا ~~ومشجعا في آن واحد؛ إذ أعلن بيرجشتراسه على الفور أنه لن يعود ما دام طه حسين ~~بعيدا عن الكلية. ولم يكن «وادل # Waddell ~~» ~~و«جرانت # Grant ~~» هناك. أما الأساتذة الإنجليز الذين ~~بقوا فقد كانوا ممتازين ومهذبين وودودين. وكانت هناك - من بين سيل الرسائل والبرقيات ~~التي انهالت علينا في ربيع 1932، وكلها رسائل قيمة ومؤثرة - رسائل بليغة الأثر حقا. ~~وسأختار منها رسالتين، جاءت أولاهما من روما، وأرسلها مستشرق اضطهدته الفاشية، هو ~~«ليفي ديللا ~~فيدا # Levi ~~Della Vida ~~»: # 140 ~~... أحزنتني هذه الأخبار بصورة عميقة. إن تاريخ النضال من أجل الحرية العلمية ~~لم يستكمل مسيرته بعد، لكن ذلك سيتحقق يوما ما وإني على اقتناع بذلك، ~~وسيتحقق ذلك بانتصار روح الحرية والحقيقة. إن المأساة التي أصابتكم ستكون ~~عارضة، وإني لعلى يقين من ذلك لأن قضية كقضيتكم، بل أقول كقضيتنا، هي ~~من القضايا التي لم تكن خاسرة في يوم من الأيام. وإني مفعم إيمانا بالمستقبل ~~الذي سيكون لنا دون أدنى قدر من شك ... أو لأطفالنا. وأود أن أكرر لكم ~~مرة ثانية أنني مرتبط بكم بأعظم قدر من الإعجاب وبأعمق الود. # صديقكم # أما الرسالة الأخرى فقد أرسلها أستاذ تاريخ بريطاني قديم كان يعلم في الكلية ~~منذ عدة سنوات. لقد وجه رسالته إلي: # أتساءل باستمرار كيف أنت، وآمل أن تحتملي هذه المحن بالشجاعة التي تبدينها ~~إزاء أسوأ معاملة للرجال ... عندما أفكر بالثورة الجامعية فإنه يبدو لي أنني قد ~~عانيت كابوسا حقيقيا. فكل ما كان مثاليا في فكرة الجامعة كان مجسدا ~~في شخص العميد (لا أستطيع أن أسميه بغير هذا الاسم): البحث النزيه عن ~~الحقيقة، والوطنية النقية الشريفة التي لا تحط أو تهين وطنيات الآخرين، ~~والشخصية الساحرة النبيلة. فلماذا وجهوا للجامعة هذه الضربة القاضية بتدميرهم ~~أهم ركن في هذه المؤسسة؟ ms093 # وهناك شيء أثر في نفس طه كثيرا برغم تواضعه الشديد؛ فقد أهدى بيرجشتراسه له ~~كتابه حول قراءات القرآن. ويؤكد طه على كلمات هذا الثناء الذي أدهشه بذلك النوع من ~~البراءة التي لم تفارقه قط، ولقد تأثرت أنا نفسي بهذا: «لا كلمة إهداء فحسب، وإنما ~~أقدم كتابي إلى الدكتور طه حسين الذي يناضل في الصف الأول في سبيل تقدم الروح ~~العلمية.» لقد مات هذا الإنسان النزيه بصورة مأساوية في العام التالي في جبال ~~بافاريا. # وسرعان ما قدم إليه وفد من الطلبة: «أنت معلمنا؛ فلا تتخل عنا.» وخصص لهم طه ~~صباح كل يوم جمعة للاجتماع بهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. # كان تعلق الشباب به دائما. فحينما ألقى محاضرته الشهيرة عن فاليري في الجامعة ~~الأمريكية، كانت القاعة التي غصت بالحضور في هياج كامل، وكان حضور بعض الأزهريين في ~~هذه القاعة حدثا ممتازا. كانت عاطفة الجماهير تعبر عن نفسها بطريقة مسلية؛ فقد ~~تعرفت عليه ذات يوم فتاة عند خروجه من المحطة، فتأملته مليا، ثم صاحت ~~بإعجاب: «هو زي القمر!» عبارة تعبر عن إطراء بليغ باللغة العربية الدارجة. وكان هناك ~~واحد من تلاميذه لم يكف عن تشبيهه بالقمر، لا بالبدر كما هو واضح. # لم يكن الشباب والأجانب وحدهم من كان يدعم الرجل الذي كان يعمل على تحطيمه أعداء ~~أقوياء. فعندما كان يسير في الطريق، كان المارة يسعون إليه ويعبرون له عن تعاطفهم ~~معه ورغبتهم في أن ينتهي كل ذلك على خير. وكان يستطيع بعد ذلك أن يقول: «إنني أملك على ~~الأقل العزاء المعنوي؛ لكوني على ثقة من أن الجمهور لا يتحول عني.» # وخلال جنازة والد زوجة عمر مكرم، كان من بين الجماهير التي أحاطت به مشايخ كانوا ~~يقبلون يده. # أما الأمير يوسف كمال # 141 ~~(من كان يظن ذلك؟!) فقد دعاه للعشاء، وكان هذا التصرف أقصى درجة من ~~المجاملة والتلطف. # في ديسمبر 1933، كان الاتحاد النسائي # 142 # يحتفل بأول دفعة من خريجات الجامعة المصريات، وكان ذلك انتصارا للطفي ~~ولطه اللذين كانا قد فتحا أبواب الجامعة # 143 ms094 # أمام المرأة المصرية. كان طه يقدم الأربعة الأوائل من حملة الإجازة في ~~الآداب وسط عاصفة مدوية من التصفيق، وكنت أرى، في كل مرة كان يهتف فيها باسمه، ~~وجوها لم تكن تكظم غيظها. # من بين المصاعب التي أثيرت في وجه دخول ~~الفتيات للجامعة، كانت هناك صعوبة تؤلم لطفي كثيرا. فقد كان الدستور يعطي لكل مصري ~~الحق في دخول الجامعة، ولكن اللفظ الذي ورد في النص كان مذكرا؛ ومن ثم، فهو لا ~~يعني النساء. لكن طه دفع الأمر إلى الأمام شأنه دوما في مثل هذه الحالات قائلا: ~~«ألا تعني كلمة «المصريون» مجموع سكان مصر؟!» فأجاب لطفي: «دون أي شك.» فقال طه: «إذن، ~~ألا يعني ذلك النساء أيضا؟!» # وخلال الأسابيع الكئيبة التي قضاها في الإسكندرية، كانت السيدة هدى شعراوي # 144 # التي أرادت أن تعينني في لجنة السيدات في الاتحاد النسائي، لطيفة ~~جدا إزائي وإزاء طفلي. كنا نقيم في فندق البوريفاج، وكان بيتها قريبا جدا؛ فكنا ~~نلتقي كل يوم، ولم يمض يوم دون أن تبدي نحوي لفتة لطيفة. إن الصداقة التي ~~كانت تمنحني إياها هذه السيدة النادرة، مثلما كانت تمنحني إياها أيضا سيدة أخرى ~~نادرة هي زوجة الزعيم سعد زغلول # 145 # بسخاء وعفوية ستبقى لها في نفسي دوما ذكراها العذبة. وعندما أقول بعفوية، ~~فإنني أعني ما أقول. # وكان النحاس باشا الذي كنت بالكاد أعرفه، يقوم بزيارتي كلما حضر إلى الإسكندرية، ~~ويحمل لي معه أخبارا عن طه. وفي أحد الأيام، وكان حضوره يقلب الفندق عاليه ~~سافله كالعادة. كتبت إلى طه: «فجأة كان المصريون يختفون كأنما سقطوا في فخ، في ~~حين كان يبدو لي وكأن عدد الخدم قد تضاعف.» # كذلك كان الدكتور سامي كمال يأتي لزيارتي، ولا أدري كيف عرف يوم عيدي، ولقد فوجئت ~~حقا برؤيته بصحبة الفتاة التي كانت في ذلك الحين مجرد سهير القلماوي # 146 # تحمل علبة فاخرة من الشوكولا وإناء رائعا عسلي اللون. لقد فوجئت ~~بذلك بقدر ما سررت منه. # وكانت لفتات مصطفى وعلي عذبة أيضا. فقد كانا يصحباننا من حين لآخر لتناول ms095 الغداء ~~في أحد المطاعم. # وكان هناك أيضا خليل مطران. # 147 # وكم كنت أسعد بتبادل الحديث مع هذا الشاعر المرهف حساسية، ألأنه شاعر كان ~~يحسن اختيار الدمى التي كان يحملها للفتاة الصغيرة من شارع رمسيس؟! # وفي عام 1933، تعزينا قليلا لوجود كتاب «على هامش السيرة» تحت الطبع. وكان لا بد ~~من ساعات من النقاش مع المكتبة الناشرة للحصول على مائة جنيه على دفعات (وقد قال لي ~~أحدهم أمس: «إنه أجمل كتبه.» إن هذا التفضيل نادر، غير أن كل إنسان يختار لنفسه ~~وسط هذا الحصاد الوفير). # أما الطبعة الفرنسية الأولى من كتاب «الأيام» فقد ظهرت في أكتوبر لدى منشورات ~~«إكسلسيور # Excelsior ~~». وقد وقعت غلطة إملائية على ~~غلاف الكتاب، كما كان هناك ما يشبه الغش فيما يتعلق بعدد النسخ المطبوعة لحسابنا ~~ولحساب الطبعة الشعبية لدار النشر، على أن نشر الكتاب كان بحد ذاته مثيرا ~~للارتياح. # كنت أحاول تسلية طه والترويح عن نفسه، فجعلته يتعرف على السينما الناطقة. واهتم ~~بها وكان يتسلى فيها أحيانا وكان ممثلوها مثل «ريمو # Raimu ~~»، و«أندريه ~~لوفور # André Lefaur ~~» يمنحانه لحظات طيبة. # وكنا نقرأ ... كلما كان ذلك ممكنا، وأظن أنني قرأت له في تلك الفترة «الطباق ~~الموسيقي» # 148 # Contrepoint # و«حية من الريش». # 149 # كان بوسعنا الاستماع للموسيقى على نحو خاص، وكان ذلك نعمة؛ فقد استمعنا من فرقة ~~ألمانية إلى دون جوان ثم إلى فيدليو. وكان عوض معنا مساء حفلة فيدليو، وقد دهش من ~~سلوك طه الذي كان مفتونا، غائبا كليا عن القاعة وعن كل ما كان يحيط به، منفعلا حتى ~~النهاية بحيث إنه لم يحاول أن يفهم كلمة واحدة من النص، مستسلما بكليته لهذه الموسيقى ~~القوية والعذبة. # وكانت فرحتنا عظيمة عندما التقينا «بجاك ~~تيبو # Jacques Tibaud ~~»، # 150 # الذي كنا نحبه حبا جما. # وقد حدث أن عازف بيانو مجريا أعمى قد عزف، من بين القطع التي عزفها، سوناتا شوبان ~~(العمل 35)، فاهتم طه بأن يقارن بين الأداء الذي قدمه هذا العازف، والأداء الآخر ~~الذي قدمه كازادسوس قبل عدة أشهر عندما عزف السوناتا نفسها، ms096 فوجد أن الموسيقى تحت ~~ضربات كازادسوس، رحبة مهيبة، في حين أن المجري كان يبدو وكأنه يحفر حتى أعمق أعماق ~~النفس البشرية. # وفي ربيع 1934، وكنا على حافة الدمار، قمنا بتصرف جنوني؛ إذ اشترينا آلة ~~فونوجراف! # وكان هناك أيضا تغريد الكروان الذي كان يؤثر في طه كثيرا، وعندما كنت في ~~الإسكندرية فإنه كان، إذا ما ترك على سجيته في المساء ليستريح على شرفة مكتبه، ~~يستمع إلى هذا الصديق المخلص: # ها هو ذا طيري العزيز الذي يملأ الفضاء بغنائه الفرح منذ بدأت الكتابة لك. ~~إن ذلك يغمرني بالفرح. # ولم يفتقده قط في حدائقنا المتتابعة. كنا ~~نسمعه جيدا في رامتان، وكان يبدو أكثر قربا منا عندما يخترق غناؤه صمت سمائنا ~~الرحبة في لحظات المغيب السريعة. # لم نكن بطبيعة الحال سجيني مصاعبنا. لقد أحزننا موت النحات مختار # 151 # في الثانية والأربعين من عمره. وعندما تقرر بمبادرة من السيدة هدى شعراوي ~~والسيدة بقطر إقامة متحف لمختار، # 152 # فقد ساند طه هذا المشروع بإخلاص عميق. # أما موت حافظ إبراهيم فقد تحدث طه عنه كثيرا. لكنه كتب لي يوم وفاته: # أقضي يومي في حزن لا طائل من ورائه؛ ذلك أنه كان أكثر الناس مرحا، بيد ~~أن موته يغلفني بحزن يكاد يكون مبتسما ... هناك أناس لا يموتون كليا، وخاصة ~~منهم الشعراء. لن أستمع أبدا لصوت حافظ، لكني سأستمع دوما إلى روحه، وسأراها ~~في كل مرة أشعر بالفرح أو بالحزن، وهو ما يعزيني قليلا. # ثم نتلقى من فرنسا خبر هذه المأساة، وأعني بها مقتل «بول دومير Paul Doumer ~~»، # 153 # الذي أثر علينا بوجه خاص. ففي احتفالات الذكرى المئوية الرابعة لتأسيس ~~الكوليج دو فرانس، # 154 # كان طه يلقي خطاب الجامعة المصرية، وكان كل مندوب يلقي خطاب جامعته في جلسة ~~مهيبة في القاعة الكبرى بجامعة السوربون. وعندما وصلنا، طه وأنا، إلى المنصة الكبرى، ~~نزل بول دومير درجات المنصة وجاء إلينا، ثم تناول ذراعي طه بذراعيه؛ فصفق ~~الحاضرون تصفيقا بلغ من القوة حدا أثار ذهول أمي التي كانت تستمع إلى الاحتفال ~~منقولا عبر ms097 الإذاعة. واستقبلنا كذلك في حفل الاستقبال بقصر الإليزيه بالود الرقيق ~~نفسه. ولقد كنا نفكر بكل ذلك في غمرة حزننا بسبب هذا الموت الظالم. # كانت هناك وفيات ظالمة أخرى. فالأحداث التمهيدية للمأساة الكبرى التي كانت على وشك أن ~~تقع لم تكن غائبة عن هموم طه ومشاغله فيما أعتقد. # وأخيرا، لماذا لا أعترف وأقول إنه بدلا من أن يحتمي وراء همومه الخاصة لم يكف ~~قط عن بذل وقته لأولئك الذين كانوا يطلبونه منه، وعن بذل تشجيعه لأولئك الذين كانوا ~~يبحثون عنه عنده، حتى ولو لم يكن يستطيع أن يقدم سوى المودة كما فعل مع السنهوري ~~مثلا عندما وجد نفسه محطما تماما ومعزولا كليا لدى إحالته على المعاش بصورة ~~تعسفية؟! لقد بذل طه كل جهده ليجعله يجتاز هذه الأزمة. لقد استبقاه للعشاء، ثم أخذا ~~يثرثران بعد ذلك حتى الساعة الواحدة أو الثانية صباحا. إن طه، وهو الذي لم يكن ينجز ~~أشغاله اليومية دائما، لم يكن يستعجل اللحظة التي يفترقان فيها. # على أنه كان يجب التخلص من هذه الحقبة من حياتنا التي سميتها «المجاعة»؛ فقد استقال ~~صدقي في سبتمبر 1933. وكان لهذا الإنسان الصلف كلمة بدت لنا عذبة الرنين: «إن الدكتور ~~طه لا يعوض في الجامعة.» كما صرح في مقابلة أجريت معه. على أن خلفاءه ~~كانوا أعداءنا على الأقل مثلما كان هو عدونا. وأخيرا أصبح نسيم باشا رئيس مجلس ~~الوزراء # 155 # في نوفمبر 1934. وأعيد كرسي الجامعة إلى طه في شهر ديسمبر. لقد كانت ~~فرحة طلابه الذين حملوه منتصرين في ساحة الجامعة متفجرة وغامرة. # لكن الانتصار مر؛ فقد كان طه يحمل الصحيفة على ساعديه وحده، مثقلا بالديون، ولم ~~يكن يتلقى أي مساعدة. وكان ثمة حديث عن تعويض كان يمكن أن يسد ثغرة لو أنه جاء على ~~الأقل. ويتخبط طه في تصفية الصحيفة التي كانت عملية أكثر من صعبة. كان متعبا ~~متقززا، وكان الناس يتوافدون علينا. لا شك أنه كان من بينهم مخلصون، ولكن كم كان ~~أولئك الذين تحاشونا من قبل بحرص أكثر الناس الآن عجلة في ms098 المجيء إلينا! كانوا ~~يجلسون على راحتهم ويثرثرون ويماحكون ويعبون كيلوجرامات عديدة من القهوة، ونحن ~~مرهقون. # في الساعات الأخيرة من تلك السنة العصيبة، كنت أشعر أنني مثقلة القلب، قلقة إلى حد ~~ما ... لكني لن ألعن هذه الأيام السيئة؛ ذلك أننا كنا خلالها، أربعتنا، موجودين نقف على ~~أقدامنا بصلابة. # 8 سبتمبر 1975، ريفا دل جاردا # لم تكن محطة التوقف الأخيرة قبل الوصول إلى جنوة سوى إقامة قصيرة. وهناك أيضا كانت ~~غرفتي بالقرب من «غرفتنا». وصلت إلى هذا المكان مع مؤنس الذي تركني في الغداة بعد أن ~~خصني بالأسبوع الأخير من إجازته. كان ثمة حضور عذب على طريقي المتوحد، كما كانت هناك ~~باقة من القرنفل الأحمر تنتظرني تحية لطه أكثر مما هي تحية لي. لم يكن الجو رائعا؛ ~~فالبحيرة رمادية وكذلك السماء، بيد أنه عند بزوغ الصباح، كانت السماء تغدو للحظة ~~وردية رقيقة على القمم كما لو كان ذلك وعدا بنهار أشد إشراقا وبسماء أخرى! # اليوم عيد ميلاد ابننا. سرعان ما أحب طه حتى العبادة هذا الصبي الذي منحه الكثير من ~~الأفراح وفخرا يبقى رصينا على الدوام. لم يستطع أحد أن يجعل طه يضحك من أعماق قلبه ~~مثلما عرف هذا الصغير الذي غدا بعد ذلك هذا التلميذ الجاد في معهد المعلمين ~~العالي # 156 # بشارع «أولم # Ulm ~~». # وأتلقى من أمينة رسالة تحكي لي فيها عن إجازتها في اليابان. فقد رأت لدى سفير سابق ~~لليابان في القاهرة، كان قد ظل صديقا لمؤنس، ترجمة يابانية لكتاب «الأيام» صدرت ~~مؤخرا في حلة قشيبة كما تقول، مزينة بصورة جميلة لطه. كانت سعيدة جدا بذلك وكانت ~~تعرف أنها تسعدني بما ترويه لي؛ فهذه الطفلة الرصينة جدا لم تكن تكشف عن مشاعرها. ~~ومع ذلك فقد تركت نفسها تقول لي عندما كنت في باريس: «إنني (هي) الوحيدة في الأسرة ~~التي لها يد أبي.» وكان ذلك حقا. فيداها رائعتان أكثر دقة، بالطبع، من يدي ~~جدها الذي قيل لي عن يديه إنهما كانتا جميلتين. # أينما حللت يعذبني هذا الجو الرمادي الراكد. إني بلا شجاعة. ms099 كان الجو جميلا جدا ~~قبل سنتين. لكن إرهاق طه كان كبيرا؛ كان يريد أن يكون ممددا على الدوام، وكان ~~ذلك مخالفا لأوامر الطبيب. ولقد اضطررت لخوض معركة حقيقية لكي أجعله يبقى، ولكن لا ~~لوقت طويل للأسف، مستندا إلى أهرام من المخدات، ومعركة أخرى ليبتلع عدة قطع من ~~تفاحة كنت أقطعها له قطعا رقيقة جدا، وكانت أعصابه تثور كلما كان الراديو غير ~~واضح الصوت، كما كان يتعب بسرعة عند القراءة. لكن هذه الساعات كانت ثمينة للغاية؛ ذلك ~~أنه كان موجودا. # كان موجودا. هنا سمعته للمرات الأخيرة يقول لي من سريره: «عودي، عودي.» فقد كنت ~~أبقى كل مساء حيثما كنا على الشرفة فترة من الوقت أتأمل الليل، وكان يخشى أن يؤذيني ~~البرد عندما كنت أطيل البقاء. وكان يلح: «قلت لك: عودي، عودي.» وما زلت ~~أتأمل كل مساء الجمال المثير لليل نقي جليل على الريفا، وأتوجع حين أصغي في ~~أعماق قلبي لصوت الحنان الذي سكت. # 11 سبتمبر 1975 # كان المساء جميلا. سرت على درب «ترانتو»، وهو الدرب الذي يمر عبر «آركو # Arco ~~» والذي كنا نسير فيه في أغلب الأحيان للذهاب إلى ~~«بينزولو Pinzolo ~~» أو إلى بولزانو. وكنت أراك، ~~آه كم كنت أراك! لقد خيم الليل على الجبال. أحب البحيرة، لكن الجبال تأخذ بمجامع ~~قلبي وأسير مستغرقة غائبة. # قبل سنتين، كنا نقضي الليل في «برجام # Bergame ~~». ~~بينما كنا عائدين إلى جنوة، كان أليندي # 157 # قد قتل. كنت تستريح في سريرك، وكنت أتأمل في الليل موكبا رائعا، شبه ~~صامت، إلا من كلمات: أليندي، أليندي، شيلي حرة. كلمات كانت تضع حدا لصمت مطلق ~~عجيب. وكان هناك مشاعل متباعدة تضيء لافتات حمراء عريضة كانت تمر. لا صراخ، ولا ~~انحراف في الصفوف، ولا إشارات. كانوا يسيرون وكانوا يقولون: «أليندي، شيلي ~~حرة.» # منذ سنتين وشيلي ليست حرة، في حين يتألم أربعة آلاف سجين في السجون ... ولكن سيأتي ~~يوم ... # لم يبحث طه عن الشعبية قط، بل كان يحدث له أحيانا ألا يشجع الناس على ذلك. لكن ~~الجميع كانوا يتحسسون استقامة ms100 هذه الحياة ولا شك في وضح النهار، وهذه الشجاعة المعنوية ~~والجسدية، وهذه التصرفات الحرة الكريمة. ~~ولم يحدث لي قط أن التقيت بإنسان بقي غير مكترث به؛ إذ بمجرد أن يقال له «السيدة ~~طه حسين»، تبدو منه حركة خفيفة ونظرة سعيدة، فخورة إلى حد ما، تعبر مباشرة عن إعجاب ~~لا حد له بالإنسان الذي أحمل اسمه. # بدأ يساعد طلبته ويساعد الشباب الذين كانوا يبدءون مهنة الكتابة أو التعليم، أولئك ~~الذين كانوا ينسون في أوضاع لم تكن رواتبهم فيها تكفي حاجاتهم، أولئك، واللواتي ~~خاصة، الذين كانوا ينتظرون زمنا طويلا جدا معونة لا غنى عنها. ما أكثر المقدمات ~~التي كتبها لكتب الكتاب الجدد! وما أكثر الجهود التي كان يبذلها دون أن يقنط! ولأكن ~~عادلة بحق المسئولين أيضا؛ فنادرا ما كانوا لا يلبون طلبه. إنني لا أعرفهم جميعا، ~~فضلا عن أنه لم يكن يحدثني عن هذه الطلبات قط إلا إذا كان بوسعي أن أكون ذات ~~فائدة. # كنت معه يوم جاءوا يطلبون إليه التوسط في أمر يستحيل تحقيقه على نحو مأساوي؛ ~~فقد حكم على عدد من مرتكبي جرائم القتل بالإعدام. وقبل عدة ساعات من التنفيذ، عند ~~العشية، كان ثمة امرأتان تلحان على مقابلة طه. كانت أم أحد المحكوم عليهم وأخته ~~يرجوانه الحصول على عفو عن المسكين! وكان ذلك يمزق القلب. لقد كتب لي طه يوما: ~~«هو ذا الألم الحقيقي: أن تكون لدى الإنسان الرغبة ولا تكون لديه القدرة.» لقد عانق بعض ~~هؤلاء الرجال الجلاد الذي كان يتهيأ لإعدامهم والذي لم يكن يكرههم. # لاحقتني هذه الحادثة زمنا طويلا. لقد قال عبد الناصر لطه حين كان يحدثه عن إدانة ~~الإخوان المسلمين: «صدقني، لقد مضت علي ليال عديدة لا أستطيع فيها أن ~~أنام.» # كان طه يقدر تعلق المصريين وغيرهم به حق قدره. أما الخصوم الذين لم تكن عزيمتهم ~~تفتر فقد كان لا يهتم بأمرهم، ولم يرد قط تقريبا على ما وجه له من شتائم ~~شخصية. # ولقد بدا لي يوم 31 أكتوبر 1973، عندما أقيم له مأتم مهيب في الجامعة ms101 للمرة ~~الأولى في تاريخها أنه لم يكن هناك أعداء له. كنا نشارك في ثناء جماعي متعاظم، ويكاد ~~المرء أن يقول إن خمسين عاما من حياة مصر كانت تستعاد في الذكريات وفي القلوب. كان ~~ذلك مثيرا لا سيما أن الصمت كان مطلقا؛ ففي القاعة الكبرى المكتظة، لم نكن نسمع حتى ~~خطوات الناس الذين كانوا يدخلون. # وفي الخارج كتبت على اللافتة التي مدت فوق النعش هذه السطور التي كتبها توفيق الحكيم: # لم يرد أن يترك روحه تغادر الحياة قبل أن يغادر اليأس روح وطنه. # 158 # وقبل عشرين عاما من ذلك كتبت لأمي: # إننا نصنع على كل حال، فيما وراء مشاغلنا اليومية، أشياء ستبقى ولن يستطيع ~~أحد فيما أظن أن يقوضها. # يمنعني الحياء من وصف ما كانت عليه ~~احتفالات الذكرى التي تتابعت، منذ احتفال جمعية الشبان المسيحيين # 159 # البسيط والمؤثر حتى الأيام المذهلة من 26 إلى 28 فبراير 1975، وفي ~~المقدمة من كل ما كان يقال، كانت هناك كلمتان تتكرران بلا توقف: «شكرا، شكرا يا طه ~~حسين.» كان ذكر هذا الاسم بلا كلل يبدو لي وكأنه خفقان قلبي المضطرب نفسه، ذلك القلب ~~الذي كان يخفق بشدة، مستعدا للتوقف. # وما إن أصبح طه عميدا من جديد، عميدا كان العزيز «جرانت» يحبه حبا جما، حتى لم ~~يعد يسمح لنفسه بأي لحظة من الراحة، وسوف يستمر الأمر على هذا النحو خلال السنوات ~~التالية. كانت أنواع الأفكار كلها تدور في رأسه، وكان عليه أن يضعها موضع التنفيذ. ولقد ~~باتت الاقتراحات والإصلاحات والإنشاءات التي قام بها خلال العديد من السنوات معروفة ~~جيدا من الجميع. بات معروفا أنه ضاعف من عدد المدارس، وأنه أسس المعاهد والجامعات ~~... إلخ. كما أن كتبه تشهد على جهده؛ فقد صدر الكتاب السابع والثلاثون في عام 1945، في ~~حين أنها تقرب اليوم من خمسين كتابا. أما من محاضراته، فلم يبق للأسف منها سوى ~~المقالات التي كتبت عنها، كما بقي منها، بالنسبة إلى الذين استمعوا إليها، سحر صوت ~~جليل وعميق وواضح كانوا يصغون إليه إصغاءهم للموسيقى، وأسلوب لم ms102 يكن ثمة ما يوازيه. ~~وقليل من الأشرطة التي سجلت عليها هذه المحاضرات ما احتفظ بهذا الصوت حقا. وإني لا ~~أكاد أتعرفه عبر هذه الأصوات القاسية المبحوحة أحيانا التي تخرج من هذه الأشرطة، ~~وآسف لذلك أشد الأسف. وإني لأود لو يتم الاحتفاظ منها بأكثرها أمانة لهذا الصوت ~~فقط. # كنا قد تركنا مصر الجديدة التي كانت بعيدة جدا حقا، لنستأجر بيتا في حي ~~الزمالك ما لبثنا أن تركناه أيضا، بعد وقت قليل. وفيه سنتابع درب الشر الذي ~~سيفقدنا صديقنا العزيز المرصفي، الرفيق المرح الذي امتزجت حياته بحياتنا منذ ~~البداية. عندما رأيته للمرة الأخيرة قبل ثمانية وأربعين ساعة من النهاية، كان قد تغير ~~إلى درجة كنت لا أستطيع أن أتعرف عليه بها لو أنني مررت من جانبه عابرة في قاعة ~~المستشفى. وعندما غادرنا غرفته تابعنا بنظراته حتى أغلق الباب وراءنا. كانت نظراته ~~المفعمة بالحب محزنة إلى الحد الذي استحوذت فيه علي زمنا طويلا. وكان الدكتور سامي ~~يشرف عليه بإخلاص لا يعرف الكلل، وهو إخلاص لم يكن يدهشنا على كل حال. # تأخرنا كثيرا عن زيارة فرنسا، وأخيرا سافرنا إليها في نهاية شهر يونيو، واستطاع ~~طه أن يستريح وهو يكتب عدة أسابيع قبل انعقاد مؤتمر المستشرقين في روما. # 160 # وعدنا لنعثر ثانية على الغابات والمروج في «دوفينيه # Dauphiné ~~»، ومغيب الشمس الجليل على القمة البيضاء في «سالانش # Sallanches ~~»، والذي كان أكثر جلالا: «كومبلو # Combloux ~~». جاء توفيق الحكيم ليقضي معنا عدة أيام في ~~سالانش وليمارس على شاطئ البحيرة الصغيرة الصيد بالصنارة. لم يكن يصيد أية سمكة! وإنما ~~كان يعلق الشص في عروة سترته معلقا: «لقد اصطدت نفسي!» وذات يوم، بينما كنا نتنزه، ~~أراد أن يقطف لي بعض النباتات التي كانت مزروعة على حافتي الدرب، وكانت عبارة عن نبات ~~الحريق، وهو نبات شوكي. # وفي «آنيسي # Annecy ~~» بدأ طه غرامياته مع البحيرات، ~~وكذلك مؤنس. فقد كانا يبقيان ساعات طويلة على حافة الماء، وكان مؤنس يشير إلى كل ~~الأسماك التي يلمحها، ولا أدري أي نوع منها كان يعمده باسم «كريكيتش»! ms103 وسيبقى هذا الاسم ~~ذكرى من ذكريات الأسرة. # كنا في روما في شهر سبتمبر، وفي أوج الحكم الفاشي، وكنا قلقين إلى حد ما، لكن ذلك ~~لم يمنعني من السير مع الطفلين طيلة النهار. وكان افتتاح المؤتمر الرسمي قد تم في ~~«كامبيدوليو # Campidoglio ~~» # 161 # مع تقديم السلاح تحية لدى مرور كل وفد. وقد استقبل الدوتشي في قصر فينيسيا ~~رؤساء الوفود، وكنت اصطحبت طه بالطبع لكني لم أكن عضوة الوفد، إلا أنه سمح لي بالدخول ~~وقادونا إلى قاعة بسيطة داكنة اللون. وكان المطران تيسيران # 162 ~~«لم يكن قد أصبح كاردينالا بعد» يعرف طه معرفة جيدة. فأخذه من ذراعه ~~وقال لي مبتسما: «لا تقلقي! سوف أعيده لك!» لم أكن أشعر بالراحة في هذه القاعة غير ~~المضيافة! وبدا لي الوقت طويلا حتى اللحظة التي رأيتهما فيها يعودان. وكان الكاردينال ~~تيسيران أيضا هو الذي قدم طه إلى البابا بيوس الحادي عشر. كان بيوس الحادي عشر نفسه ~~مستشرقا. وكان قد أراد استقبال مؤتمر المستشرقين في «كاستيلجاندولفو # Castelgandolfo ~~». وقد وجه لطه كلمات في منتهى ~~الرقة كما وجه إلي مثلها، أنا التي لم يكن لها أي حق فيها. # ومنذ الجلسة الأولى للمؤتمر تنازل ~~«ناللينو # Nallino ~~» # 163 # عن رئاسة القسم لطه. ولم يسبق أن حدث مثل هذا الأمر إطلاقا. وعندما روى لي ~~طه هذا الثناء من أستاذ عريق على من كان تلميذه الشاب، أضاف بشيء من السعادة والكآبة: ~~«إنني أشيخ!» # كان الشيخ مصطفى معنا، ويمكن القول إن أحدنا لم يكن يفارق الآخر. ولدي صور ~~تمثلنا جميعا في ميدان روما أنظر إليها الآن بابتسامة حزينة. كان هذا الصديق الذي ~~لا مثيل له قد نزل في فندقنا المتواضع لكي يبقى بالقرب منا. كنا أربعة، بالإضافة إلى ~~فريد. ولم تكن المصاريف مغطاة إلا بالنسبة لاثنين فقط، وكان علينا أن نتخلى من ~~ناحيتنا عن الفنادق الفاخرة. وعندما انتهى المؤتمر، فعل مصطفى الأمر نفسه عندما ذهبنا ~~معا إلى فلورنسا. معا، نعم، لكننا وصلنا منفصلين على الرغم منا. ولا أدري كيف حدث أنه ~~عند انطلاق القطار ms104 استطاع مصطفى أن يتسلق وسط الزحام عربة القطار. وما زال وجهه ~~المذعور يتراءى لي على باب العربة، وإشاراته الآسفة في حين كان القطار يسير ونحن نصيح ~~به أن ينتظرنا حتى القطار التالي. وعندما دخلنا محطة فلورنسا، كان هناك حاملا بيده ~~باقة من الزنبق الأحمر . # وصعدنا إلى فييزول في الغداة. وبينما كنا نستريح ونتناول الشاي على شرفة جميلة، رأينا ~~كتلا متراصة من الغيوم تغطي السماء كمجدلة تظهر وتتقدم فجأة بسرعة لا تصدق. ~~وكانت تلك الظلمات السائرة تبدأ أجمل عاصفة رأيتها في حياتي؛ فقد هطل المطر مدرارا ~~عنيفا، فأعارونا مظلات، لكنها لم تغننا شيئا، ثم أعادتنا سيارة أجرة عثرنا عليها ~~أخيرا إلى فلورنسا شبه مبللين. # عندما عدنا إلى مصر، واجهنا جمهورا من الزوار بلغ من الكثرة حدا أني كتبت لأمي: ~~«لو لم نكن نعرف هؤلاء الناس على حقيقتهم لكان بوسعنا القول إنهم يحبوننا بشدة.» غير ~~أن البعض منهم كان يحبنا حقا. # كان مرسى الإسكندرية حافلا بالسفن الحربية، منذ ذلك الوقت. # وغدت الوزارة التي كان الإنجليز يدعمونها وحدهم مكروهة من الشعب إلى حد كبير. ~~وأغلقت الجامعة أبوابها على إثر اضطرابات خطيرة؛ فقد أطلقت النار على الطلبة، ولم يكن ~~بوسع طه أن يحبذ هذا التصرف. وبسبب ذلك غضب عليه نجيب الهلالي، # 164 # الذي كان مع ذلك صديقه، فترة طويلة. # وانتقلنا من بيتنا مرة أخرى، # 165 # لكننا سنبقى هذه المرة مدة عشرين سنة. وكان لا بد لذلك من أن يعزيني، ~~فقد كنت بدأت أتعب قليلا إزاء الأواني التي كانت على حال من الفوضى والثياب التي ~~يزداد انتفاخها - كأنما ذلك عن قصد - كلما حاولت إدخالها في الصناديق، والأوراق القديمة ~~التي كنا نمسها ونحن نرتجف. # كان البيت الواقع في شارع رمسيس بيت السنوات الأولى الضاحك. أما بيت شارع البارودي، ~~الذي أصبح شارع سكوت مونكرييف في الزمالك، فقد كان في نظر طه البيت الكامل. # 166 # كان بسيطا غير كبير. وقد وسعنا من القاعة المطلة على الحديقة بحيث تضاعفت ~~مساحتها. كانت هذه الحديقة لطيفة، معزولة عن الطريق، وتفصل بين ms105 مدرسة الفنون الجميلة ~~وحدائق أخرى. كان فيها قليل من الزهور وقليل من الأشجار، وأرض معشوشبة بلا ممرات سوى ~~ممر واحد مبلط في أسفل عدة درجات تنزل من القاعة، وكان ثمة أوراق خضراء وجنبات ~~معترشة تتسلق الجدران الآجرية حتى تصل إلى الشرفة الخشبية. أما المدخل فضيق وطويل ~~يقع المكتب على يساره، وغرفة الطعام والقاعة اللتان لا يفصلهما شيء على يمينه، وثمة درج ~~خشبي في قاع الدهليز يفضي إلى غرف النوم. وكنت قبل التوسيع قد جعلت المكتب في غرفة تقع ~~على المطل، وكان جميلا جدا، بيد أن طه كان يستقبل كثيرا من الزوار، وكان الصعود ~~إلى هذين الطابقين يتعب البعض منهم. وكنت أغتاظ كثيرا عندما كان «جوغيه # Jouguet ~~» # 167 ~~- الذي لم يكن شابا على الإطلاق - يصر على الصعود، في حين كان طه على ~~استعداد تام للنزول إليه. لكنه كان خطيرا أيضا إلى حد ما؛ أولم نكتشف ذات مساء ~~حية نائمة بهدوء على الدرجة قبل الأخيرة من الدرج الثاني وعلى مسافة خطوتين من ~~غرفة مؤنس؟ كنت مذعورة، لكن مؤنس الذي كان يدرس وراء مكتبه بدا هادئا تماما مثلما ~~بدا أيضا مساء الزلزال الأرضي عندما استيقظت مذعورة وصرخت: «مؤنس! هناك جرذ في غرفتي.» ~~لكنه كان بالقرب مني يقول لي بهدوء: «لا يا أمي، هذا ليس إلا زلزالا أرضيا.» # على أنه بعد فحص هذه الحية في المختبر تبين أنها من نوع غير سام، وبعد التفتيش ~~بدقة على السطح، لم نعثر على شيء آخر. # وسرعان ما شهد هذا البيت حياة مضطربة. فقد كانت أيامنا تلتهم بسرعة فائقة، إلا أن ~~ذلك كان أخاذا، وخاصة تلك اللقاءات التي كانت تتم بوجه خاص مع أناس قادمين من خارج ~~مصر والتي كانت تزداد بنسبة مثيرة. وكان ينتج عنها محاورات خصبة بالنتائج وتبادل ~~الأفكار وإسهامات مختلفة بقدر ما كان ينتج عنها أيضا حجارة جديدة من أجل البناء الذي ~~كان طه يتابع إنشاءه بكتبه ونشاطه ... حجارة جديدة للآخرين أيضا ولا شك. # وكان الطفلان يقاسماننا هذه الحياة الخصبة؛ فقد كانت أمينة تبدأ دراساتها ms106 الجامعية، ~~وتبعها مؤنس بعد ذلك بسنتين. # وكانت آحاد الزمالك تتضخم، وكان من الصعب أحيانا إنزال كل الناس في البيت. ويبدو ~~لي أننا كنا مسرورين بهذه اللقاءات التي كانت تجري في جو من الود والبساطة، وكان ثمة ~~أصدقاء جدد ينضمون إلى الأصدقاء القدامى. ولم تكن صداقتهم في أغلب الأحيان تضيع خلال ~~سنوات الحرب القادمة وحتى عودة السلام. # كان مؤنس وأمينة ينشران في البيت مرحهما ونزواتهما. كانا يأتيان برفاقهما. وإني ~~لأدهش اليوم أنه على الرغم من أنه كان لكل منهما أسلوبه وقناعاته المطلقة وما ~~يفضله، فإنهما لم يظلا على هامش الحياة في البيت، وإنما كانا يختلطان بصورة عفوية ~~وحرة مع الكبار. إن محمود خليل وريمون # 168 # ولطفي لم يكونوا شبابا على الإطلاق، لكنهم لم يكونوا يبتعدون عنهما. ومن ~~المستحيل علي أن أسمي كافة من مروا بهذا البيت في الزمالك: كتابا، ~~وصحافيين، وموسيقيين، وعلماء آثار، ودبلوماسيين، وممثلين، ورسامين، وأطباء. ~~... كان المشايخ يتحاورون بصداقة مع الآباء الدومينيكان أو مع رئيس كلية الأسرة ~~المقدسة # 169 # الأب العزيز «مارجو # Margot ~~» # 170 # الذي اشترك في الحرب وذهب ليلقى حتفه في تشاد، أو مع الأستاذ «دريوتون # Drioton ~~» # 171 # مدير معهد الآثار القديمة، أو مع المونسنيور «دييس # Dies ~~» # 172 # أحد كبار الأفلاطونيين في فرنسا الذي دعي للتدريس في الجامعة الجديدة ~~«عين شمس». # 173 # لم يكن دريوتون حزينا قط، وكان جورج ريمون يقص أغرب القصص، وكان يتسلى ~~بالحديث عن هذا المشهد خلال عمله مراقبا للفنون الجميلة. كان الملك فؤاد يريد زيارة ~~معرض للنحت، ولما كان الوزير يعرف صرامة الملك؛ فقد خشي أن يناله غضبه عندما تتعرض معظم ~~التماثيل العارية لنظراته القاسية؛ فباشر عملية كسوة التماثيل ببعض الملابس! وكان ريمون ~~يعلق: «كان ذلك أشبه بالستائر العازلة للنور!» وعندما دخل الملك صاح: «من هو الأحمق ~~الذي فعل ذلك؟!» فدمدم صوت لا يكاد يسمع: «إنه أنا يا صاحب الجلالة!» أما ~~«واديل # Waddell ~~» # 174 # المختص بالعلوم اللاتينية فكان جديا على الدوام مع شيء من الخجل. ولم ~~يكن «إتيامبل # Etiemble ~~» # 175 # يتفوه بكلمة لم تكن ms107 لمعة من الذكاء. ولقد عرفت جيدا أنه لم يكن ذا قلب ~~جاف كما كانوا يدعون. أما زوجته «ياسو # Yassu ~~» فقد ~~كانت تتحدث قليلا، وربما كانت تتحدث أكثر مع جين أو مع موسكاتيلي، هذا التوسكاني الذي ~~كان في منتهى الدقة! لم أستطع قط أن أعتاد عدم رؤيته في حفلات الاستقبال الرسمية ~~وغيرها. كان بمجرد أن يرى طه يدخل، يبادر إليه بابتسامته المشرقة، يتبعه مصوره . ~~فإذا ظهرت الصورة في الصحافة، فقد كانت دوما مرفقة بتعليق مخلص. لقد كان هذا الصحافي ~~شاعرا أيضا. # 176 # في هذه الاجتماعات، كان ثمة شخصية تدعي لها حقوقا، وأعني بها ~~عنتر - كلب ابنتي الضخم. كان عندما يتوصل ~~إلى دفع باب بقوة، يدخل مبعثرا كل شيء في طريقه. وكان دريوتون يقول: «هو ذا ~~الأسد!» كان هذا الأسد يحب الكاهن لكنه كان يختص مع ذلك بحنانه العظيم طه، ومحمد ~~الطباخ الذي كان يميل إليه لسبب آخر لا يمت إلى الطبخ بصلة! فعندما كان محمد في إحدى ~~السنوات يعود من المستشفى انفعل عنتر انفعالا عظيما؛ إذ ألقى بنفسه عليه ما إن رآه ~~معرضا الناقه المسكين لأن يسقط على الأرض، ثم وقف على قدميه ووضع طرفيه ~~الأماميين على كتفه وعانقه. وكان كل صباح يصعد إلى غرفة طه، وبعد أن يبذل كل جهوده ~~في تحيته والتعبير عن عاطفته، فإنه يقاسم طه فطوره بدقة رياضية: قطعة خبز لطه وقطعة ~~أخرى له. فإذا أخذ طه قطعتين، فإن عنتر كان يتناول أيضا قطعتين. ولم يكن يطلب ~~زيادة على الإطلاق. وقد قام ذات يوم بفاصل عاطفي فيما أظن؛ فقد اختفى اختفاء كليا ~~خلال أربعة أيام لم نره فيها، وظننا أنه ضاع، وكانت ابنتي تبكي كما غدا طه كئيبا، في ~~حين لم يرضخ محمد للأمر الواقع. وها نحن نجد ذات صباح على سور الحديقة كلب شارع مسكينا ~~يرافق بحنان عنترا مثيرا للرثاء، قذرا، مسلوخا، مخبولا. فأخذناه وأصلحنا من ~~حالته، وعدنا للاهتمام به. # كان ضيوفنا يأتون إلينا بأصدقاء كانوا يمرون عبر القاهرة إلى بلد آخر. هكذا صحب ~~إلينا جورج ms108 حنين # 177 ~~«هنري ~~ميشو # Henrie Michaux ~~». هل تراه الأب قنواتي الذي قاد إلينا الأب «أفريل # Avril ~~»؟ # 178 # كان ثمة مسافرون يضعون في بنود برامج زيارتهم للقاهرة بندا خاصا بزيارة طه ~~حسين! # وأولئك الذين كانوا يمرون أيضا كانوا يرتبطون بنا بعلاقات صداقة وطيدة؛ فكنا ~~نلقاهم ثانية في بلادهم في فرنسا أو في إيطاليا. ولم يتأخر ماسينيون قط عن المجيء إلى ~~البيت، سواء أكان اليوم يوم أحد أو غيره، إذا كان يمر عن طريق القاهرة، ولا تزال ~~عدة أغصان من أزهار الليلك البيضاء التي حملها لي ذات صباح شتائي، وكان ذلك في بداية ~~إقامتنا في «الرامتان»، تسعدني كلما ذكرتها. وفي باريس، كنا نرى في أغلب الأحيان ~~الديواني # 179 # وسيدتنا العزيزة «رامباك # Rambach ~~» التي ~~غدت لي ببساطة بييريت. # 180 # ولكننا التقينا بهما في القاهرة. ذات يوم، وصل ريمون مع امرأة فاتنة، فنانة ~~عظيمة الموهبة كانت تقيم معرضا للنحت. لم تكن فنانة فحسب، ومنذ ذلك الحين أصبحت وزوجها ~~من أعز أصدقائنا. ولقد كانا من بين من لقيتهم في باريس قبل سنتين بنفس القدر من ~~العاطفة والعذوبة عندما عدت إليها وحيدة. أما مرجريت بورديه (السيدة «كيليري # Quillery ~~») # 181 # فهي تمارس الآن الرسم؛ وهو رسم جميل وشخصي جدا، ذو وحي رفيع على ~~الدوام، ولعل ذلك هو ما يجعل من خطوطها وألوانها دعوة إلى الحلم. # كان هناك أصدقاء بالطبع لا يأتون يوم الأحد فحسب، ومن بينهم: «آل كويريه # Koyre ~~» # 182 # و«جورج وسيمون ديلو # Deslous ~~»، ومن أقربهم ~~كامل حسين وماري وجين. # كان «تيميلي # Thémélé ~~»، عازف البيانو الأعمى، يأتي أحيانا لتناول العشاء أو ~~الغداء، ثم يجلس وراء البيانو. كان يعرف أن طه يحب كثيرا الليلة الثانية «لفوريه # Fauré ~~»، فكان يعزفها له دوما عزفا متقنا. لم يحقق ~~تيميلي ما كنا نتمناه له نحن وأصدقاؤه من سمعة كعازف شهير؛ إذ ليس من السهل على أعمى ~~أن يفرض نفسه كعازف ممتاز. كان يقوم، ولعله لا يزال يقوم فيما أظن، بعديد من الجولات في ~~حين يستقر بين كل جولة وأخرى في أثينا. لكنه ms109 كان يستحق ما هو أكثر من ذلك. # ومن بين الناس الذين عبروا سراعا، هناك ~~بعض من أفكر فيهم في أغلب الأحيان، وإنك لتعلمين ذلك يا مارتا. فلم نكن نلتقي خلال أكثر ~~من سنة إلا قليلا جدا، ثم عدت إلى بلدك مع زوجك في ربيع عام 1951، ثم لم ~~نلتق بعدها. وها هي خمسة وعشرون عاما تمضي على آخر لقاء لنا، ومع ذلك فإننا نتبادل ~~الرسائل كما لو كنا نثرثر في صالون الزمالك! لقد تحولت هذه العاطفة المدهشة في قوتها ~~إلى صداقة عذبة. مارتا الجميلة تحت قبعة الشعر المبيض باكرا، الذكية، المثقفة، ~~الشجاعة في الأوقات الصعبة ... كنت تحبين، وما زلت، طه، وتحدثينني عنه في كل رسالة من ~~رسائلك. لم تنسي صوته على الهاتف يوم رحيلك، وهو أيضا كان يحبكما كليكما. وأحب ~~أيضا طفلكما الذي لم أر وجهه قط والذي تحملان معه الوعد المثير. ~~••• # كانت حرب إسبانيا قد بدأت واستعر أوارها. وقد عرفنا رجلا ممتازا ووطنيا يلتهب ~~وطنية، وإنسانا ذا عقيدة صلبة، إنسانا ذا ثقافة عظيمة، كان سفيرا لجمهورية إسبانيا ~~في القاهرة، ولقد طلب من الحكومة الإسبانية في المنفى أن تمنح وساما لطه الذي كان قد ~~منحه الدعم والثقة؛ الأمر الذي جعل طه يتأثر أعظم التأثر لهذه اللفتة. لقد مات في ~~القاهرة، حيث يرقد في المقبرة المدنية، قرب واحد من الذين كانوا يعجبون به بعمق، ~~وأعني جورج حنين الذي اختفى بسرعة قبل سنتين. إنني أحتفظ لجابرييل آلومار # 183 # بكل الود والاحترام اللذين كنت دوما أكنهما له. # ما إن تركنا البيت الذي سكناه في شارع البارودي حتى أصبح ملحقا بمعهد الفنون ~~الجميلة. إن المعهد القديم الذي أعيد بناؤه هو الآن بناء حديث وجميل. ولا أدري أين ~~أقيم «المرسم الحر»، الذي حلم به طه ثم حققه في عام 1943؛ ليتيح للفنانين ~~الشبان الذين لا يحملون الشهادات إمكانية العمل واكتشاف طريقهم. # وهناك الآن في البيت الصغير المجاور للمعهد الجميل شبان وفتيات يحدثون ضوضاء ~~هائلة في الغرف التي عمل فيها طه كثيرا. ذلك والحق لا يزعجني، بل على ms110 العكس من ~~ذلك. # في اليوم الذي ذهبت فيه بصحبة أمينة (في نوفمبر 1973) للمرة الأولى إلى القبر الذي ~~لم يكن بوسعنا الذهاب إليه يوم المأتم، # 184 # أثار انتباهي أمر لم أكن أتوقعه؛ ففي نهاية طريقنا تقريبا، وفي قلب ~~منطقة مقابر «البساتين»، أثارتنا ضجة فرحة وصاخبة. كانت تلك ضجة وصخب التلاميذ الذين ~~كانوا يمرحون في استراحة ما بين الدروس؛ فقد أقيمت هناك مدرسة حديثة، ودمعت عيناي، ~~لكني ابتسمت على وجه التأكيد؛ فلا بد أن ذلك كان سيجعل طه مسرورا. # كانت لنا أيضا إجازات مريحة قبل مأساة الحرب. ففي «السافوا العليا # Haute-Savoie ~~» كانت العلاقات الودية التي كنا نرتبط بها أحيانا في ~~الفندق الذي ننزل فيه قد أصبحت صداقة وطيدة مع أسرة «بونو # Bonneau ~~»؛ إذ كنا نلتقي بدانييل في كل مرة نستطيع فيها ذلك. كان ~~والدها مديرا لمناجم # Hénin-Liétard ~~، وقد قضينا عدة ~~أيام عندهم. كان شمال فرنسا مجهولا مني كليا، وللمرة الأولى والوحيدة أنزل إلى ~~أعماق منجم عميق، وكانت السيدة بونو قد قالت لي: «إننا ننظر للفحم بطريقة مختلفة بعد أن ~~ننزل إلى أعماق المنجم الذي يستخرج منه!» والحق أن عمال المناجم كانوا هم أيضا ~~ينظرون له نظرة مختلفة. # وعندما اضطرت دانييل للانفصال عن زوجها، ساعدها طه على الحصول على منصب في ثانوية ~~القاهرة؛ ولهذا كانت غالبا ما تقوم بزيارتنا. وقد بدأت أطروحتها عن منابع النيل في ~~مصر، وهي الآن جدة وأستاذة بجامعة «كين # Caen ~~». # كان طه قد منح وسام جوقة الشرف الفرنسي. وكان السيد «دويتاس # Dewitasse ~~» # 185 # هو الذي قلده هذا الوسام. كانت علاقاتنا به دوما علاقات صداقة. ولا ~~أدري لماذا يخطر لي في هذه المناسبة سلة أزهار أو بالأحرى إناء خزفي مليء بأزهار حمراء ~~متراصة ورائعة؟! أوكانت في هذا اليوم وفي تلك المناسبة، أم كانت عندما تناولنا ~~الشاي مع السيد دويتاس وسان إكزوبري الذي عثر عليه لحسن الحظ بعد اختفائه في ~~الصحراء؟ # حمل إلينا هذا التكريم بطبيعة الحال كثيرا من الرسائل كان بعضها جميلا. وكان منها ~~ما لم يكن متوقعا، كرسالة «جوزيه ms111 كانيري # José Caneri ~~» ~~مؤسس «إيجيبت نوفيل» العتيد، الذي لم يكن يعفي أحدا تقريبا من نقده اللاذع المتفجر: # في دوامة التيارات الثقافية المتضادة اتخذتم موقفا وناديتم بشجاعة نادرة بحق ~~التفكير بحرية. وسرعان ما غدوتم رجل الساعة، ووجهتم القوى الروحية في هذا البلد ~~في اتجاه لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمآله. # 13 سبتمبر 1936 # لم نكن آنذاك قد التقينا به قط. # في بلدة صغيرة في «أوفيرني # Auvergne ~~» تسمى ~~«فيك سور سير # Vic-sur-Cère ~~»، شعرنا بالهموم الأولى ~~للحرب، وكان ذلك في عام 1939. كان على طه أن يتحدث من الراديو الفرنسي في 31 أغسطس ~~1939، وكنا قد طلبنا فيما إذا كان يمكننا الحضور إلى باريس، غير أننا تلقينا برقية ~~رسمية تفيد إلغاء البرنامج. ذلك أن ألمانيا كانت قد اجتاحت بولونيا، # 186 # وأعلنت التعبئة العامة في فرنسا. # وكنا نبحث عن وسيلة نعود بها. لم يكن ثمة بواخر، وكنا في العاشر من سبتمبر ننوي ~~العودة بقطار الشرق السريع الذي عاد للعمل منذ يومين، والمرور بسورية وفلسطين. لكن ~~مصاعب كثيرة كانت تقوم في وجه هذه المحاولة وأولها أننا لم نكن نملك ما يكفي من المال؛ ~~فالمصارف لم تكن تستجيب إلى طلبات زبائنها، فاضطررنا أخيرا للتخلي عن هذا المشروع. ~~غير أننا تأثرنا من عرض صاحبة الفندق تسليفنا مبلغا من المال؛ إذ كيف كان بوسعنا أن ~~نرد لها هذا المبلغ؟ وأخيرا علمنا أن الباخرة المصرية «النيل» على وشك مغادرة ~~مرسيليا في قافلة مخفورة. وقد قبل سائق سيارة تاكسي أن يحملنا إلى القطار الذي سيسمح ~~لنا بالوصول إلى مرسيليا. وعبرنا وفي وسط الليل وبأقصى سرعة غابات «سيفين # Cévennes ~~» و«فيلي # Velay ~~» الرائعة، حاملين في قلوبنا المثقلة آخر نظرة لأرض فرنسا تقريبا. ~~وكان علينا أن ننتظر في مرسيليا عشرة أيام، على ظهر مركب كان ينتظر بين اللحظة والأخرى ~~الأمر بالإقلاع. كانت الباخرة مزدحمة بالطبع، وكنا ننام في كل مكان - في قاعات الطعام ~~أو في الدهاليز - وانتهوا إلى إعطائنا الغرف التي قيل إنها مخصصة للملك، وكان ذلك ~~تكريما منهم لطه. ولقد أذهلني هذا الأمر بقدر ms112 ما سرني لا سيما وأننا استطعنا استضافة ~~زوجين بلجيكيين: «آل سيرفي # Les Servais ~~» # 187 # والدكتور «دوويه # Dewée ~~» # 188 # مع زوجته وابنتيهما الصغيرتين اللتين وضعناهما على مفارش السرير. كان نظام ~~التعتيم كليا بطبيعة الحال، وكنا نسمع في الليل أصوات الانفجارات التي كانت ترعب ~~المسافرين الذين لم يعتادوا على مثل هذه الأمور، والذين كانت الغواصات الألمانية تتراءى ~~لهم على طول ممر السفينة؛ فقد كانوا لا يصدقون مطلقا أنه لم يكن ثمة أية ~~غواصة. # وخلال تمرين على الإنقاذ، لمح قائد السفينة أنني أحمل كيسا جلديا تحت زناري؛ ~~فقال لي مبتسما: «إنها ولا شك مجوهراتك يا سيدتي؟!» فقلت: «لا، يا سيدي القائد، إنه ~~مخطوط كتاب لزوجي.» كانت هذه المخطوطة تؤلف الجزء الثاني من كتاب «الأيام». # كانت الحياة في القاهرة عادية، وكنا نفكر بحزن بالبولينيين والفلانديين. أما الحرب ~~بالنسبة إلى فرنسا، فقد كانت أكثر الحروب غرابة. كانت الرسائل البريدية تصل، وكنا نستمع ~~جيدا إلى إذاعة باريس. ففي ليلة عيد الميلاد، استمعنا إلى قداس منتصف الليل يقام ~~على خط ماجينو. كان الجنود ينشدون: «منتصف الليل يا مسيحيون.» وكانت الأبواق النحاسية ~~تعزف لحن «إلى الميدان». # كان جامعيونا يصلون بصعوبة بالتدريج، وكنا سعيدين أن نعود للالتقاء بدو وشوري ~~(ألكسندر كويري وزوجته # Alexandre Koyré ~~). # ذهبنا خلال إجازة الشتاء لقضاء عدة أيام في «تونا الجبل» في مصر الوسطى. كان طه قد ~~خص كلية الآداب بموقع هرموبوليس الغربي، وكان صديقنا عالم الآثار سامي جبرة # 189 # مسئولا عن الحفريات، وكانت زوجته السيدة جبرة تستقبل الأصدقاء والزوار في ~~بيت من الآجر المطبوخ، قائم في قلب الصحراء، وسط أحجار لا تزال قائمة في مكانها وأخرى ~~يعاد وضعها كما كانت عليه. وقد أمكن استنبات أشجار وأزهار منذ أن بات جلب الماء ~~ممكنا إلى المنطقة. # كانت العزلة النسبية في تلك السنة نعمة أكثر من أي وقت مضى، لكن العزلة الحقيقية لم ~~تكن بعيدة جدا. على مسافة ثلاثين كيلومترا، حيث قادنا سامي ذات صباح، كانت الرمال ~~تتلألأ تحت النور الذهبي كشذرات من الذهب. لم تكن السيارة تجري ms113 مسرعة، كنا ذاهبين إلى ~~دير قبطي صغير. أهو دير حقا؟! ليس ديرا على وجه التدقيق، وإنما هو أشبه بصومعة ~~متواضعة، كان يعيش فيها راهب واحد، وكان هذا الراهب شابا، وسيما، اختار الإقامة في ~~الصحراء ليقوم بصلاته على نحو أفضل. وقد مال إليه طه على الفور، وتحدثا مطولا. لم ~~ينس طه هذا الصباح، وقد تحدث عنه في كتبه. # أكتب في عام 1975. وتخبرني رسالة وصلتني قبل عدة أيام من القاهرة بوفاة لوريت جبرة. ~~إن ذكريات البيت الصحراوي ترتبط بها بشكل وثيق، فقد قضت فيه أسابيع طويلة وكانت سعيدة ~~فيه. ومن منا يستطيع أن ينسى لطفها المؤثر؟! كنت أحب السير بصحبتها عندما توشك الشمس ~~المتوهجة على الانطفاء مع اقتراب الليل وبدء النجوم إرسال نور سري آخر عبر السماء ~~الواسعة. # كان أطفالها في أغلب الأحيان بصحبة طفلينا. وقد اكتشفوا ذات يوم أن للخيمة سحرا ~~يفوق سحر البيت، فخيموا. وقد نسي الدكتور كامل، الذي حضر مرة لقضاء عدة أيام، ~~مزاجه القاسي كطبيب شهير وتقاسم معهم بعض وجبات الطعام، لكني لا أظنه وصل إلى حد ~~القبول بأن ينام مثلهم في الكيس! # كنا نأمل دوما بالطبع اكتشاف شيء ما، وكانت هناك اكتشافات مهمة تحدث عنها سامي في ~~كتابه الجميل «مع آخر عبدة هرمس»، على أن ما أسعدني منها لم يكن يعتبر شيئا في نظر ~~العلماء، وكان عبارة عن سلة صغيرة ملأى بالبيض الذي كان مصفوفا بعناية منذ ألفي سنة، ~~وكان ينكسر بسرعة بمجرد أن يتعرض للهواء. لقد كان هذا القربان المتواضع الخارج من ~~باطن الأرض أمامنا - مع ما يتضمنه من الالتماس المرفق به - يدهشني. # وكان طه، الذي ظل مسئولا أمدا طويلا عن كافة أراضي الحفريات، يحب على نحو ~~خاص هذه الأرض التي كانت تبدو له وكأنها تخصه؛ فقد كان يجد فيها حضارة يحبها ما دام ~~العالم الفرعوني كان يتحول هنا تحت تأثير الاندفاعة الهيلينية. كانت مومياءات القرود ~~في الأنفاق تهمه بشكل عابر، غير أنه كان يتوقف في معبد بيتوزيريس. كان يمشي ببطء ~~بين أكثر القبور تواضعا أو ms114 بين النصب الجنائزية. وذات يوم، دخلنا إلى واحد من هذه ~~القبور، كان يشبه القبور الأخرى بدرجه الخارجي الضيق. صعدنا إلى الغرفة الصغيرة، وكان ~~قد وضع فيها قديما جسد نحيف لفتاة كانت قد ألقت بنفسها في النيل اسمها ~~إيزيدورا، وتقول الكتابة الموجودة على قبرها إن أباها قد طلب من أجلها القرابين ~~والصلوات، وفجأة لاحظنا أن طه قد ابتعد عنا، ثم طلب إلينا أن نحمل إليه مصباحا ~~قديما (وكان ذلك متوفرا) وأن نشعله بالبخور وأن نستمر في إشعاله. لم يعد سامي ~~يدير أشغال تونا، ولا أدري إذا كان مصباح إيزيدورا لا يزال يشتعل أحيانا. # أما بالنسبة لنا، فإن العقبات ما لبثت أن عادت للظهور من جديد؛ فقد عين طه ~~مراقبا عاما للثقافة، وطرحت حول هذا التعيين استجوابات حادة في المجلس. فقد كان ~~هناك اعتراض عليه، لكن الوزير صمد بصلابة وكانت الأكثرية تؤيد الوزير في موقفه، ~~لكن طه الذي تقزز من ذلك أرسل استقالته إلى الوزير الذي رفضها. حدث مزعج لكنه لم ~~يسبب لنا مشكلات أخرى، لا سيما وأن القلق كان يزداد في العالم. فبعد النرويج # 190 # تم اكتساح بلجيكا، # 191 # وبعد ذلك بقليل الكارثة: سقوط باريس. # 192 # كان الكثير من أصدقائنا قد رحلوا مخلفين وراءهم فراغا كبيرا؛ فقد كنا نتقاسم ~~معهم الهموم نفسها في تفاهم كامل، كما كان ودنا المتبادل يزداد في تلك الساعات ~~المأساوية، أما الأصدقاء المصريون فقد كانوا قريبين جدا منا. فقد كانت فرنسا بالنسبة ~~إلى كثير منهم عزيزة، وكان اللطف الذي يبدونه نحوي يمس بلدي في جزء عظيم منه. # وكان هناك عدد لا بأس به من الفرنسيين. فقد تلقيت يوم سقوط باريس باقة هائلة من ~~الأزهار. كان جورج ريمون الذي كان بورجونيا مثلي، يعبر لي عبرها عن آلامه ~~وصداقته. # لم أكن أستطع البقاء في مكان ما، ولم أكن أريد أن أرى جماهير ولا أناسا غير مكترثين ~~بما يجري في العالم. كنت أريد البكاء وحدي، وكان طه الذي لم يكن يقل عني تأثرا ~~يفكر في السكنى في بيت كان قد ms115 بني من قبل بعثة أثرية أمريكية وكانت على وشك ~~التخلي عنه. كان يقع في حوش ممفيس، وحيدا على أكمة صغيرة في حالة غير ثابتة. وكان ~~هناك في الأسفل، على الجانب الآخر من الطريق، تمثال رمسيس الذي يقوم الآن أمام محطة ~~القاهرة والذي واجه نقله إليها صعوبات كبيرة؛ فالجسور التي كانت على القنوات كانت هشة ~~وكان بعضها ينهار. أما رمسيس الضخم الذي ينام تحت السقف الذي يحميه والذي لا يزال ~~موجودا هناك، فقد كان على مسافة أبعد بقليل. أما معبد بتاح فإنه كان يقوم بالقرب من ~~أجزاء قديمة غرقت في الماء المتسلل إليها، وكانت عبارة عن أجزاء مقوضة. وفوق المعبد، ~~كانت تقوم قرية ميت رهينة التي كانت حية تماما. كنت أعرف أن زوجة أستاذ فرنسي كانت ~~تتأسف لاستحالة الذهاب إلى فرنسا؛ فاقترحت عليها مقاسمتنا حياتنا التي كنا نعيشها هنا. ~~فالريف أفضل على كل حال للفتيات الصغيرات من المدينة الكبيرة القائظة. كان البيت فارغا ~~إلا من عدة أسرة حديدية ونحو عشرة كراسي؛ فجئت إليه بطاولات وكراسي طويلة ~~وأدوات مطبخ وراديو وأصص من إبرة الراعي. كانت ج. موسيقية؛ فوضعت البيانو في غرفة ~~منعزلة ولم يكن يستخدمه أحد سواها، وفي أثناء هذه العزلة سمعنا صوت ديجول، لكن لم يكن ~~ما سمعناه نداءه الأول. # لم يكن البيت بعيدا عن القاهرة إلى الدرجة التي يصعب معها على طه الذهاب إليها ~~والعمل فيها، وكنا نذهب - مدام ج. وأنا - إلى المشغل # 193 # الذي كان مفيدا لنا كثيرا ولا شك، لكني لم أكن أستطيع أن أمنع نفسي من ~~اعتبار فعاليتنا هذه زهيدة بالقياس مع ما كان يجري في أوروبا. # ذات صباح بدت القرية الهادئة في هياج كامل، ولم يكن لذلك أية علاقة بالحرب؛ إذ بينما ~~كان أحد الرجال يعمل في حقله، إذا به يصطدم بشيء قاس في قاع حفرته الملأى بالماء، وقد ~~بدا له ذلك قطعة من تمثال؛ فأخطر بذلك دريوتون الذي كان يقيم على سطح سقارة في مواجهة ~~الحقل والذي كان يزورنا غالبا في المساء لقضاء فترة من ms116 الوقت معنا. وفي اليوم التالي ~~دعينا للمشاركة في احتفال حقيقي؛ فقد هيأ لنا العمدة مقاعد من المخمل الأحمر أمام ~~حقل الكنوز هذا، وكان موظفو قسم الآثار القديمة منهمكين حول آلة لرفع الأثقال كانوا ~~يأملون أن تكفي لإخراج التمثال الضخم. وشيئا فشيئا رأينا ظهور جزء من الجرانيت، ثم ~~جزء ثان، ومع الجزء الثالث كان أمامنا تمثال رمسيس بأكمله. كان من الجرانيت الوردي، ~~ولما كان يستحيل نقله إلى المتحف (خشية القصف؛ إذ كانوا قد خبأوا القطع الثمينة أيضا ~~في القبو) فقد تقرر وضعه في باحة دارنا، وسار أطفال القرية جميعا في موكب نقل ~~التمثال وهم يرقصون ويضحكون ويغنون. وفك دريوتون الرموز الكتابية: كان الملك يطلب ~~أن توضع عند قدميه شجرتان تبقيان على الدوام، غير أن هذا النوع من الأشجار الذي ~~يطلبه لم يعد موجودا على الإطلاق في مصر؛ فوضعت تحت قدميه شجرتان من أشجار ~~الزيتون، وأعتقد أنهما لم تعودا موجودتين! على أنه لا يمكن لرمسيس وهو في المتحف أن ~~يتوقع وضع شجرتين عند قدميه! # كان لا بد من العودة على كل حال. وهكذا فإن كلا من أمينة ومؤنس يعودان إلى ~~الجامعة من جديد، في حين أن ابنتي ج. عادتا إلى المدرسة الثانوية. وكنا نعود إلى ~~القرية من حين إلى آخر؛ الأمر الذي كان يتيح لطه أن يتخلص خلال يوم واحد على الأقل من ~~إرهاق كان يقلقني، لكن هذا البيت كان مشبعا بذكرى الأيام المظلمة. وقد أغرق الألم طه ~~في واحدة من هذه الأزمات السوداوية التي لا يمكن تخيلها إذا لم يعشها الإنسان معه، ~~ولما كان غارقا في مأساة لا يستطيع منها فكاكا فقد كان مرعبا ولا سبيل للتفاهم معه، ~~وكان يبدو وحيدا في العالم، ولم يكن ينتبه إلى أنني كنت بحاجة إليه. وعندما كنت أعود ~~إلى ميت رهينة كنت بمجرد أن أدفع باب غرفتنا، أصاب بتثاقل وعجز عن الحركة لا فكاك ~~منهما. وانكمش طه داخل نفسه، ولم يكف عن الألم حتى نهاية الحرب، لكنه لم يكن الوحيد ~~الذي كان يتألم. # غدت أخبار ms117 فرنسا نادرة. وقد علمت في شهر ديسمبر أن أمي وأختي اللتين استطاعتا ~~الوصول في يونيو إلى البيرينيه قد عادتا إلى باريس حيث استقرتا فيها بشكل ثابت. ~~وكان بوسعي الكتابة لهما لوجود منطقة حرة بفضل خالة لي كانت تسكن في «كليرمون ~~فيران»، وكانت تبذل أقصى جهدها لإعلامي عن بعض أخبارهما بمختلف الوسائل. # وفي أبريل 1941 جاء الجنرال ديجول إلى القاهرة وتحدث في الجامعة الأمريكية. وقد ~~استقبله طه الذي كان يراقب إذاعة فرنسا الحرة (والتي كانت مصر كريمة إذ سمحت بها) في ~~دار الإذاعة. # كما استمعنا إلى أوركسترا فلسطين التي كانت قيد التكوين تقريبا آنذاك ... لقد استقبل ~~أعضاء الفرقة يومها استقبالا جيدا. # وخلال أربع سنوات، كان ثمة شباب جامعيون، طلاب وطالبات، قد قرروا في حماسة عفوية ~~وبغير غرض أن يجعلوا من وجه فرنسا حاضرا على الرغم من كل شيء، ذلك الوجه الذي كانوا ~~يعرفونه ويحبونه. وقد جعلوا من أنفسهم فريقا أطلقوا عليه اسم «الطلبة». # 194 # وقد وضعت «الأوبرا» تحت تصرفهم وكانوا يقدمون في كل مرة عرضا ~~فريدا؛ كانوا يتولون كل شيء بأنفسهم فيما عدا استخدام الآلات عندما يكون استخدامها ~~ضروريا. ولم يكن الأساتذة أو غيرهم يتدخلون في اختيار المسرحيات أو في إخراجها، ~~ولقد استمعنا إليهم يمثلون موسيه وبومارشيه وفين وجيرودو. كانوا يعملون عن قناعة ~~وبذكاء بحيث أن القاعة التي كانت في غاية الازدحام بالجمهور لم تكن تخفي حماسها، وكان ~~هناك من يتطوع للإسهام في هذا المشروع بحماسة. وكنا - جان وأنا - نساعد كلما كان ~~ذلك ممكنا، في العمل بصنع بعض الأثواب الضرورية عندما لا يستطيعون العثور على ما ~~يريدون، أو بإعارة بعض قطع الأثاث أو الأجهزة التي لم يكن يسعهم العثور عليها ~~أيضا. # وبعد الحرب، ذهب جميع هؤلاء الشباب تقريبا إلى الخارج في بعثات كانوا سيبدءونها أو ~~كانوا سيستأنفونها بعد اضطرارهم لقطعها. ولقد تركت تلك الأعمال في نفوسهم ذكرى جميلة ~~انطبعت كذلك في نفوس الآخرين. # أما القلق العميق فقد عرفته القاهرة لحظة تهديد العلمين. # 195 # ولقد كان هنالك بعض الهلع. كان بعض المصريين ms118 الذين استبد بهم الخوف قد ~~انسحبوا إلى ممتلكاتهم البعيدة، أما «الفرنسيون الأحرار» فقد أخلوا إلى لبنان والكاب، ~~غير أن بعضهم قد نسي، في حين أصاب الذعر اليهود؛ فساعد طه بعضا منهم على الرحيل ~~ومنهم «تيجيرمان # Tigerman ~~». # 196 # أما طه فقد انصرف برغم مدافع العدو القريبة إلى تأسيس جامعة الإسكندرية. ولقد ظلت ~~الإسكندرية فخورة ومعترفة بهذا الجميل الذي تذكره له في كل مناسبة؛ ففي أثناء الاحتفال ~~بذكراه في العام الماضي بقصر الثقافة، تم التعبير عن ذلك بكلمات سعيدة واعية. وعندما ~~قال المحافظ - وكانت خطبته هي كلمة الختام: «كانت له على الإسكندرية أياد بيضاء.» كنت ~~أشعر بتأثر الجميع. # غداة هذا الاحتفال، عدنا من الإسكندرية ليلا عبر طريق الصحراء. وشعرت لدهشتي ~~بحزن لا يطاق، حزن كان يعقب العديد من الشهادات الرائعة التي قيلت بحقه. وكنت ~~أزن ما ضيعته وأحاول أن أخفي وجها غمرته الدموع في حين كنت في طريقي عائدة إلى ~~بيت ابنتي. # كان يؤسس جامعة الإسكندرية، لكني لم أكن أستطيع أن أتجاهل أن إذاعة ألمانيا كانت ~~تذكر اسم طه حسين غالبا وأن التهديدات كانت حقيقية. وكان كامل وماري القلقان علي ~~يتصرفان نحوي كما لو كانا أخوي، حتى إن ماري كانت تصر علي بإلحاح أن آتي ~~للإقامة في بيتها. # تلك السنة، كانت سنة العيد الفضي ~~لزواجنا، لكن طه لم ينتبه إلى ذلك إلا لماما! # كنا في بيت مري عند تحرير باريس. ولقد تحدثت عن تلك الأيام المؤثرة في أثناء حديثي عن ~~لبنان. # وبعد ثلاثة أشهر سقطت وزارة النحاس، ولم يعد طه مراقب ثقافة ولا رئيس جامعة ~~الإسكندرية. وكان بوسعي - بمعنى ما - أن أستمتع بذلك؛ فقد كانت مهمته في الوزارة ثقيلة ~~أصلا. ولكن عندما أفكر أنه كان يذهب إلى الإسكندرية يومين في الأسبوع يقوم خلالهما ~~بعمل ستة أيام وبالمكافأة الضئيلة التي كانت تدفع له والتي لم تكن تسمح له بالذهاب ~~إلى الفندق لقضاء الليل؛ الأمر الذي يضطره للنوم في الإدارة المؤقتة للجامعة، في غرفة ~~صغيرة وضع فيها سريران حديديان من أسرة المستشفى، وأنه كان ms119 يأكل كيفما اتفق ... ~~عندما أفكر بكل ذلك، أعايش الأمر من جديد، وتزداد قناعتي بأن الإيمان يصنع ~~المعجزات. # وفي إحدى عوداته إلى الزمالك، وكان يصل منهكا من التعب، استوقفته رنات غريبة عند ~~الدرج. كنت أعرف أنه يرغب في ساعة ذات بندول، ولقد سعدت إذ عثرت على واحدة منها ~~كانت جميلة وغير مزعجة. لقد بقي هذا البندول منذ ذلك الحين قرب سريره ولا يزال حتى ~~الآن، ولا أريد له أن يتوقف؛ فقد كان يطلب إلي عند وصولنا إلى البيت عائدين من ~~رحلة ما أن أجعله يعمل على الفور. وكنت أفعل ذلك باستمرار وما زلت. # لم يكن طه سعيدا جدا إلا عندما يمارس نشاطه الغالي عليه. لقد كان يعزي نفسه ~~بالكتابة وبالحديث من حين لآخر عبر الإذاعة البريطانية. # كان هناك أصدقاء يمرون من القاهرة. واستطعت أن أعهد إلى أحدهم ببعض الثياب الصوفية ~~لأمي بفضل الكابتن «فيليول # Filliol ~~» الذي عمل مدة ~~أربع سنوات عضوا في وفد فرنسا المقاتلة، ثم في المفوضية. ولقد ذهب بنفسه يحمل أخباري ~~لأمي التي لم يكن يعرفها. لقد كان هذا الإنسان ذو القلب يملك صفتين نادرتين: الحصافة، ~~والفطنة. # وفي أبريل 1945 التقينا أخيرا «ب. ج. ديلو # Deslous ~~» ~~الذي نقل هو الآخر أخباري إلى أمي من مقره في الجزائر، كما حمل لي معه أقراطا من ~~البلاستيك الأسود على شكل عنقود، هدية متواضعة وجميلة، من «مصنوعات باريس». # وذات يوم استمعنا من الراديو، ونحن نرتعد، إلى تصريح تشرشل: «لقد انتهى كل شيء.» ~~وظننا أن المدافع سوف تطلق نيرانها على الفور احتفالا بذلك، وانتظرنا ساعتين. وعندما ~~سمعناها كانت ذات أصوات مخنوقة؛ فقد كان الجنود محجوزين في ثكناتهم، كما كانت الشوارع ~~هادئة. # وتعم الفرحة الجميع. كان آل سيرفيه يسكنون على الجانب الآخر من الشارع؛ فذهبنا ~~إليهم مع كامل وخالد عبد الوهاب. وفي المساء حضروا جميعا إلى بيتنا كما حضر بالإضافة ~~إليهم جين وريمون، فالتصقنا بالراديو محاولين التقاط إذاعتي باريس ولندن. # ودعت بعض جنود فرنسا الحرة الذين تمكنت من رؤيتهم. كانوا بعضا من جرحى معركة ~~بير ms120 حكيم. # 197 # ما الذي حل بالشاب الكابتن بيرود ذي الشجاعة العظيمة والمتواضعة؟ كان قد ~~رحل قبل بدء معارك الألزاس، ولم أتلق عنه أو منه منذ ذلك الحين أي خبر. أما المساعد ~~دوريو، فقد كان يكتب لي الرسائل خلال سنوات طويلة، وكان يبدأ رسائله الودية الموجهة ~~إلينا نحن الأربعة ب «أعزائي كافة.» وكان هناك أحد أعضاء الفرقة الأجنبية، قدم من ~~التيرول، قد قال لي وهو يضغط على الراء: «أماه! أود لو استطعت أن أحمل فرنسا على يدي ~~لأقدمها لك هدية!» # وكان هناك آخرون أيضا. ولن أنسى الجندي الإنجليزي الصغير المسكين الذي كان في أوج ~~الفرح برغم مرضه وهو يعلن لي: «سأرحل غدا.» ~~••• # لم يكن طه يجد وقتا كافيا لمجرد كتابة الكتب - وكان قد أصدر كتابه السابع والثلاثين ~~- أو التحدث في الإذاعة، فأصدر مجلة «الكاتب المصري». كانت هذه المجلة تستجيب للهدف ~~الذي لم يتخل عنه قط، وهو أن يقيم أكثر ما يمكن القيام به من الصلات بين الثقافة ~~الغربية ومصر والعالم العربي. # 198 # وجاء إلى المجلة بكل الشباب الذين أرادوا التعاون معه، وأطلق جيشا من ~~المترجمين من عدة لغات، وتدبر - يساعده في ذلك إتيامبل إلى حد كبير - أمر الحصول ~~على نصوص غير منشورة من الكتاب المعاصرين كانت تترجم على الفور. كانت المقالات ~~كثيرة، وكان المثقفون والناس الذين يحبون القراءة معجبين بها. ولقد قيل لي غالبا إنه ~~كان ثمة آنذاك حركة تنطلق نحو الأمام، وإنها كانت حركة خصبة. لكن ذلك لم يكن يروق ~~للقصر، فكفت «الكاتب» عن الصدور في عام 1948. # كان كتاب «المعذبون في الأرض» قد نشر كمقالات. أما نشر الكتاب فقد منع. ثم تم ~~نشره في لبنان في عام 1949. # كان ولداي يكتبان من حين إلى آخر. وبما أن ابنتي قد غدت مدربة على الكتابة؛ فقد ~~أقدمت على إلقاء محاضرة كان عنوانها «أحداث الساعة»؛ بدأت قراءة نصها بسرعة كبيرة ~~بسبب خجلها واضطرابها الكامل، وظلت على هذا النحو عشرين دقيقة، ثم ما لبثت أن ~~استعادت رباطة جأشها واستطاعت المضي على نحو جيد حتى النهاية. ms121 كنت أجدها جميلة ~~في ثوبها الكحلي الذي كان يضيئه قميص أبيض وزهرة كاميليا. # وكان علينا أن نقوم بتنظيم سفر مؤنس الذي لم يتخل عن هدفه في تحضير شهادة الأستاذية ~~برغم تأخره أربع سنوات. كانت الحكومة الفرنسية قد قبلته في معهد المعلمين العالي ~~بوصفه طالبا أجنبيا، وكنت مضطرة لاصطحابه لأنني كنت أستعجل عناق أمي. # لم يكن ثمة مجال لقضاء إجازة كاملة في تلك السنة. # 199 # وقد قضينا عدة أيام في فندق ميناهاوس # 200 # حيث كان الجو مع ذلك أقل حرارة. وحصلنا على غرفة يتخللها الهواء إلى حد ~~كبير. كانت تطل على الطريق الذي كان يؤدي بشكل مستقيم إلى الإسكندرية عبر الصحراء. ~~كنت أطيل النظر في هذا الطريق على حين أفكر أنه سيصبح طريقا تاريخيا؛ فقد قطعته ~~مدافع أفريقيا. وكنت أرى ثانية، مساء أول يوليو 1942، جيشا كان يقاتل وهو ينسحب، ~~وجيشا آخر كان يمضي في الاتجاه المعاكس، ضد كل أمل تقريبا. # كيف يمكننا الذهاب إلى فرنسا؟! لم تكن ثمة طائرات ولا بواخر منتظمة المواعيد. لم تكن ~~ثمة طائرات ولا بواخر منتظمة المواعيد، وكانت الأولوية بطبيعة الحال للعسكريين. وبعد أن ~~خاب أملنا بعدة وعود، انتهينا إلى صعود سفينة بضائع فرنسية «ساجيتير»، وكان ذلك في 25 ~~أكتوبر، فوصلنا مرسيليا في 30 نوفمبر! لا بد من القول إننا كنا نتوقف كثيرا على ~~الطريق لحمل بضائع أو لانتظار أوامر؛ فقد عدنا من بيروت إلى بورسعيد لعدة أيام، ~~هرع خلالها كل من أمينة وطه لمعانقتنا، ثم قضينا في الجزائر عشرة أيام. ولقد ~~صدمني الهزال الشديد لعمال مينائها، كما اضطررنا فيها لاحتمال الكثير من ~~الحرمان. # استقبلنا في الجزائر جورج ديلو وزوجته التي لم أكن أعرفها بعد، وقد صحبانا للنزهة ~~في هذه المدينة ذات الجمال الرائع. لم يكن منظرها الشهير مخيبا للآمال، ولقد أحببت ~~منه وأنا أنظر إليه من أعلى المتحف الحدائق التي كانت تنحدر حتى شاطئ البحر. كما صحبانا ~~إلى الأوبرا، فقد كانت العروض قد استؤنفت مجددا آنذاك، واستمعنا إلى أغنيات ~~وأناشيد فرنسية لم نعد نعرفها منذ ست ms122 سنوات، ثم رافقانا في المساء إلى المركب. ولحظة ~~وصولي إلى فرنسا، قمت بصلاة خاشعة في كنيسة قائمة على لسان جبل مطل على البحر، حيث ~~جاء إليها الكثير من البحارة للصلاة أيضا. # لم يتوقف جورج ديلو طيلة الفترة التي كانت الحياة خلالها صعبة في باريس عن إرسال ~~اليوسف أفندي، والتمر، والهدايا الأخرى لمؤنس. كان ذلك لفتة طيبة منه نحو مؤنس؛ لقد كان ~~يختص طه بود حقيقي، وبعد وفاته عاشت سيمون السنوات المأساوية من المعركة الجزائرية؛ ~~إذ لما كانت قد ولدت في الجزائر وعاشت فيها دوما فقد تألمت الألم الذي يتألمه كل ~~من عانى حبين متعارضين. وعاشت في فرنسا لا كما عاش هؤلاء الفرنسيون الذين طردوا ~~من الأرض التي كانوا يعتبرونها وطنهم غير قادرين على التكيف مع وطنهم الحقيقي ... بكل ~~تأكيد؛ ذلك أنها فرنسية حقا، غير أنها لن تشفى أبدا من حبها للجزائر. إنها تكتب ~~لي رسائل طويلة بشجاعة وحنان، وإني لأحب رسائلها. # كان هناك الكثير من العسكريين على ظهر الباخرة، وكنا نتبادل الأحاديث في الموضع ~~الوحيد الذي يمكن لنا أن نلتقي فيه، وأعني في بار صغير. كان البحر هائجا بين مرسيليا ~~والجزائر، وكانت مرسيليا عندما وصلناها رمادية وباردة، لكن ... ها هي فرنسا ~~أخيرا. # وفي مرسيليا اهتم بنا قنصل مصر آنذاك، وأدخل بحضوره الراحة إلى قلوبنا كما أسعدنا ~~بدعوته لنا إلى غذاء رائع. كنا مضطرين لتناول العشاء في اليوم التالي عند زميل وصديق ~~لجورج ديلو، وبانتظار ذلك، ولما كنا لا نملك بطاقات تموينية وكانت وجبات الباخرة أكثر ~~من زهيدة، فقد استعلم مؤنس عن مكان يمكن لنا فيه الحصول على بعض الأشياء المغذية. ~~فأعطي عنوانا، وذهبنا إليه، فوجدناه عبارة عن مكان صغير كانت تقوم فيه امرأة بالطبخ ~~لثلاثة زبائن فقط. كانت الوجبة كاملة لكنها باهظة الكلفة قليلا. واستعجل مؤنس، فخورا ~~بذلك ليحدث صديقنا شامبير عن هذا المكان عندما كنا نتناول العشاء عنده. وكاد شامبير أن ~~يختنق وهو يقول مذهولا: «أصحبت السيدة والدتك إلى شارع «توبانو # Tubaneau ~~»؟» وهكذا علم مؤنس المسكين أنه حي سيء ms123 ~~السمعة جدا. ولا بد من التصديق أننا كنا، كلانا، ساذجين بما أننا لم ننتبه إلى ذلك. ~~وأضيف، لكي تتضح معذرتنا، بأننا ذهبنا إلى ذلك المكان في وضح النهار. # وبعد فترة صبرنا فيها، حصلنا على مكانين في القطار السريع المتجه إلى باريس. وعندما ~~توقف القطار في محطة ليون، لمحنا على الرصيف فورا مجموعة من الناس قلقة، كانوا قد ~~جاءوا جميعا لاستقبالنا: أمي، وأختي، وصهري، وخالتي تورنييه، # 201 # وزوجها # 202 # وأطفالهما الأربعة، # 203 # بل لقد جاءت معهم أيضا عمتي العجوز القريبة لي بالمصاهرة. وباختصار جاءت ~~كل الأسرة التي تقطن في باريس، ولست في حاجة هنا إلى وصف الكيفية التي ألقينا بها ~~أنفسنا بين أذرع الجميع. # بقيت ستة أسابيع عند أمي، واستطاع مؤنس الحصول على غرفة في شارع أولم ليسكنها وحده ~~خلال السنة الأولى، وبرغم أنه كان مشوشا بسبب عقلية وسلوك طلاب المعهد فإنه سرعان ما ~~تمكن من تكوين مجموعة من الأصدقاء من حوله. كان الكثير منهم قد أدى الخدمة العسكرية ~~خلال فترة طويلة تقريبا، متأخرين بسببها عن متابعة دراستهم؛ الأمر الذي جعلهم تقريبا ~~متقاربين في العمر. وقد كتب مؤنس لأبيه رسالة طويلة وصف له فيها بدقة وعناية مكان ~~إقامته، حتى إن طه كتب لي وهو يتدفق حنانا: # إن المرء ليظن أنه قد تناول ذراعي كي يجعلني أمس بيدي كل الأشياء. # كان الجو في منتهى البرودة، لكن أمي كانت تملك مدفأة على الغاز. ومن حسن الحظ أن ~~استهلاك الغاز لم يكن محددا بكمية معينة آنذاك، وعانينا كذلك من انقطاع الكهرباء، ~~وكان لا بد من السير على الأقدام كثيرا. أما الأصدقاء الذين التقينا بهم من جديد فقد ~~كانوا يدعوننا، وينجحون، بالرغم من كل ما كان ينقصهم، في إعداد وجبات طعام جميلة ~~وحافلة، الأمر الذي كان يمس شغاف القلب منا أكثر مما كان يمسنا ما كنا نأكله، ولم ~~يكن يتركنا دون أن يخلف في نفوسنا شيئا من الحيرة. # كل شيء كان يؤثر في في باريس التي لم تبد لي من قبل على مثل هذا الجمال، ms124 ~~بحيث أردت أن أتعرف إلى كل شيء فيها وعنها. تعرفت إلى أناس شاركوا أمي كثيرا من ~~الأيام الصعبة، وعرفت كيف وفرت عليها أختي شر الأشياء، كما علمت بوفيات قاسية ~~تحملها أصحابها بنبل؛ لقد كان الجميع في منتهى العظمة. # ومن بين الآخرين الذين عثرت عليهم آل كويري؛ فقد كان لقائي بهم من جديد فرحة بحد ~~ذاته. وعندما وصلت بيتهم بعد أن قطعت المسافة بين بيتنا في شارع «جي لوساك # Guy Lussac ~~» وبيتهم في شارع «نافار # Navarre ~~» سيرا على القدمين تحت وطأة هواء ثلجي كان يمزق ~~لي وجهي، تناولني «شوري» وهو يفتح لي الباب وسحبني بعنف نحو المدفأة الوحيدة التي كانت ~~مشتعلة قائلا لي: «تعالي بسرعة يا سوزان، فإنك زرقاء اللون!» شوري العزيز، ما أرهف ~~مراعاتك وملاطفتك! لماذا قال لي عندما تركتهما (وإني لأتساءل بدوري أيضا) في حين كان ~~يعانقني ، وبلهجة ظاهرها الغضب: «ولكن لماذا أحب هذه المرأة؟!» # بعد ستة عشر عاما جاءا لرؤيتنا في جاردونيه بعد حضورهما مؤتمرا في إيطاليا. ~~وتحدث طه وشوري في دارتنا «بالسافواي # Savoy ~~» خلال ~~ثلاث ساعات دون توقف. كان طه قد أجرى عملية جراحية قبل سنتين، وكنت في منتهى السعادة ~~لرؤيته في حالة جيدة وعلى قدر كبير من الصفاء الذهني، حتى إنه استطاع ذلك المساء أن ~~ينزل معنا إلى غرفة الطعام. # كان كويري وطه يتمازحان بعفوية. ولقد ذكرتني «دو» في العام الماضي بمساء أحد الأيام ~~عندما طلب طه إلى زوجها في القاهرة إلقاء محاضرات عن ديكارت، وكيف أن سعادة طه بلغت ~~حدا بعد المحاضرة الأخيرة أن قال له: «إنني أرغب حقا في أن أجعلك تقوم بدورة ~~محاضرات أخرى!» # فأجاب كويري: «آه! إنك لن تفعل بي هذه الفعلة!» # فقال طه: «أتعلم! عندما كنا نعمل في الصحافة لم تكن تعنينا هذه الفعلة في ~~شيء!» # لم نلتق بعد ذلك «شوري»، وكنت أتحدث مع «دو» عنه وعن طه، وكانت «دو» مكتئبة ~~دوما؛ لأنها لم تنس وطنها الأصلي روسيا. وقد قالت لي في الأيام الأولى من صداقتنا: ~~«إذا أراد الله أن يعاقب ms125 الإنسان فإنه ينفيه من وطنه.» # لقد عثرت في فرنسا على وطن جعلت منه وطنها على نحو كامل، غير أنها لن تلقى «شوري» ~~ثانية على هذه الأرض. # كان علي أن أعثر على وسيلة للعودة إلى مصر، ولم يكن هناك سوى عمليات نقل الفرق ~~الإنجليزية وترحيلها، وكانوا يقبلون ببعض المدنيين بناء على توصيات خاصة. وكان ~~«سمارت # Smart ~~» و«ليكوير # Lecuyer ~~» قد وعدا طه بالمساعدة في هذا الشأن. ولا أدري لمن أنا مدينة ~~بهذه المساعدة؛ فبعد عدة أوامر معاكسة حصلت على مكان في الباخرة «إمبير باتل إكس # Empire ~~Battle-Axe ~~». # لم يكف كل من طه وأمينة بطبيعة الحال عن الكتابة لي، غير أن البريد كان لا يزال ~~مضطربا؛ فقد تلقيت كافة رسائلهما، في حين لم يتلقيا سوى ثلاث رسائل من رسائلي. وفي ~~14 نوفمبر وجد طه هدايا كنا أعددناها له بمناسبة عيد ميلاده، وقد أعدت له أمينة التي ~~كانت ربة بيت ممتازة حقا حفلة غداء خاصة بمناسبة هذا العيد، وتلقى الأزهار ~~والأمنيات، لكنه يشكو من أنه لا شيء من ذلك كان يجعله ينسى غيابنا. ~~••• # كانت المجلة في وضع ممتاز برغم المؤامرة الجديدة: حرب الورق الخفية، ومستوى المجلة ~~الذي كان لا يزال في نظر البعض رفيعا أكثر مما يجب! # كانت أيام الآحاد تتوالى علي جميلة، وكانت القاهرة حافلة بالأجانب، صحفيين ~~ومسافرين. كان كل الناس يبحثون، وكان كثير من الباحثين عن المعلومات الصادقة يتوجهون ~~إلى طه بالأسئلة، فكان يستقبلهم جميعا: مراسلي «اللوموند» و«كومبا»، ومبعوث المكتب ~~الثاني، والإنجليز، والأمريكان. حتى إن الروس أيضا جاءوا إليه، ولكي يعبروا له عن ~~شكرهم أرسلوا إليه هدية، عددا من مؤلفات جوركي باللغة الروسية. # كانت أمينة تتناول الغداء يوم الثلاثاء، وكان يوم الروتاري، في بيت جين. وتلك مسرة ~~كانت لا تزال تستمتع بها حتى بعد عودتي، وكان عنتر يشاركها فيها في أغلب ~~الأحيان. # ذهب طه مع جين وابنتي لمشاهدة الغرفة البسيطة التي كان يسكن فيها عندما كان طالبا في ~~الأزهر. # 204 # ورافقهم «شوفرييه # Chevrier ~~» الذي كان ~~سيقوم بتزيين كتاب «الأيام» في طبعته الإنجليزية. ms126 كان قد قطع على نفسه عهدا أن يصحبني ~~إليها منذ أن عثر على مكانها، لكنه لم يستطع الوفاء بهذا الوعد، بيد أن هذا البيت ~~القديم لم يعد قائما، وليس بوسع أحد أن يدلني عليه. وإن الحزن ليغمرني بسبب ~~ذلك. # عين مصطفى عبد الرازق شيخا للأزهر، ولم يتم تعيينه في هذا المنصب بلا صعوبات. ~~فقد تخلى عن لقبه كباشا، ولم يعد سوى مجرد شيخ الأزهر. وابتسم طه بود قائلا: ~~«إن ذلك يسليني قليلا، ولا أدري لم أتذكر الآن البابوات في عصر النهضة.» # حدث ذلك كله بين مقتل أمين عثمان # 205 # والإضرابات المقلقة في المحلة الكبرى # 206 # وموت صفية زغلول زوجة سعد زغلول # 207 # الذي سبب لي الكثير من العذاب. # عندما وصلت بورسعيد كنت في حالة تدعو للرثاء؛ فالعاصفة لم تهدأ خلال سبعة أيام من ~~السفر. كان مؤنس قد رافقني بحب حتى مرسيليا، وهناك علمنا أن المركب سيبحر من طولون؛ ~~فاضطررت لوداعه بسرعة وأنا أتسلق الشاحنة الكئيبة المغلقة بغطاء، والتي كانت ستنقلنا ~~إلى طولون مع سبعة عشر مدنيا آخرين، وأنزلنا على ساحل رملي معزول ومتوحد. كانت باخرة ~~الإمبير باتل إكس غير أنها كانت أصغر من اسمها! وأعلنت سيدة مصرية من فورها وبشكل صارم ~~أنها لن تصعد إلى هذه الباخرة، ونصحها زوجها متوسلا فترة من الوقت، حتى انصاعت في ~~النهاية لرجائه. ونزلت في الحجرة التي نزلت بها، وتفاهمنا تماما مع المسافرين الأربعة ~~الآخرين؛ فقد كنا ستة مسافرين في مقصورة واحدة! وكنا نتقاسم مغسلة عرضها ثلاثون ~~سنتيمترا تقريبا، ولم يكن هناك بطبيعة الحال ماء ساخن أو حمام تحت تصرفنا. كانت ~~الباخرة حافلة بالجنود الذين لم نكن نراهم، ولم نكن نتحدث نادرا إلا مع الضباط، كما ~~أن الطعام لم يكن شهيا جدا، إلا أنه لم يكن لذلك أهمية كبيرة بما أن الجميع ~~كانوا مرضى تقريبا. ولم يكن بوسع العسكريين الذين كلفوا بالاهتمام بنا أن يفعلوا ~~شيئا مهما لنا، على أن ما كانوا يفعلونه، كانوا يقومون به بلطف. # لم نكن نعلم قبيل الوصول فيما إذا كنا ms127 سننزل في الإسكندرية أو في بورسعيد (كانت ~~الباخرة تتابع رحلتها إلى الشرق الأقصى). وكان بصحبتنا دبلوماسيان مسافران إلى الهند، ~~وكنت أحاول عبثا أن أبرق لطه الذي كان عليه المجيء لانتظاري مع أمينة. وكانا، هما ~~الآخران، لا يتلقيان سوى معلومات متناقضة. وأخيرا قادوهما إلى الإسكندرية في حين رست ~~الباخرة في بورسعيد، وقاما خلال الليل بسباق عنيف للوصول إلي، وعندما توجب علينا ~~مغادرة الباخرة والنزول منها إلى الزورق لم يكونا قد وصلا بعد؛ ومن ثم، لم يكن ثمة ~~بانتظاري زورق يحملني حتى الشاطئ؛ فقدمت لي إحدى رفيقاتي - بعد أن أخطرت بذلك ~~زوجها - مكانا في زورقهم. وفي مكتب الجمارك الذي كان سيئ الإضاءة، كان أحدهم يركض ~~نحوي صائحا: «لا تقلقي؛ فهما على وشك الوصول.» والحق أنه لم تمض لحظة حتى وصلا ~~لاهثين، ضالين، لكنهما كانا سعيدين. # وعلى امتداد سبعة وعشرين عاما منذ ذلك الفراق، لم يفترق أحدنا عن الآخر إلا عندما ~~كان طه يضطر للذهاب إلى العربية السعودية أو إلى تونس أو إلى دمشق لعدة ~~أيام. ~~••• # كنا نقوم بنشاط هائل في القاهرة، وكانت حفلات الاستقبال والمحاضرات وفيرة (فقد كانت ~~المحاضرة حتى ذلك الحين حدثا اجتماعيا)، ولم يكن الناس يريدون أن يفوتوا شيئا. ~~وكنت ترى الناس عجولين، لاهثين، يدلفون إلى المصعد الذي تركته لتوك، وترى آخرين ضائقي ~~الأنفاس يتقاطرون وراءك في الدهليز حيث تتناول معطفك. # كنت أفضل على هذا النشاط تلك الاجتماعات البسيطة في ملجأ العجزة ~~بشبرا. # ففي 19 مارس، وكان يصادف عيد القديس يوسف، راعي هذا الملجأ، أقيمت حفلة عشاء ~~متواضعة في الحديقة في الساعة الخامسة بعد الظهر. لم يكن المدعوون إليها شبانا بطبيعة ~~الحال، فقد كان المونسنيور جيرار الذي منح بركته في الكنيسة في الخامسة والثمانين من ~~عمره، أما الرئيسة فقد تجاوزت السبعين؛ كانت امرأة ممتازة وذكية وحيوية. وألقى أحد ~~النزلاء خطابا تقليديا، لا يتغير مع الأعوام - وإن نوع فيه قليلا على كل حال - ~~ثم سلم الخطاب بعد ذلك معقودا بشريط إلى سفير فرنسا الذي شكره بتهذيب بالغ. وأخذت ~~تعزف فرقة موسيقية ms128 تبرعت بالحضور، كانت مؤلفة من إيطاليين يسكنون الحي الذي ~~يقوم فيه الملجأ. كان الاحتفال قد افتتح بالنشيد الوطني المصري والنشيد الوطني ~~الفرنسي (المارسيلييز)، ثم اختتم بأغنية «أو سولو ميو»: يا شمسي! # ويخيل إلي أن الجميع كانوا سعداء، على أن الرجال كانوا سعداء أكثر من النساء. ~~ويرجع السبب في ذلك، فيما يبدو لي، إلى أن النساء أقل تحملا للشيخوخة من الرجال وأقل ~~صبرا على الافتقار للبيت العائلي، ولا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ ضيقهن ومرارتهن ~~القصوى أحيانا. لقد كنت دوما أشعر بذلك بألم، وكانت أمي تدهش عندما كنت أكرر ~~على مسامعها ولم أكن قد تجاوزت سن الطفولة: «إنه لمن السهولة بمكان أن يهتم المرء ~~بالصغار؛ فهم مرحون. إنهم المستقبل، كما أنهم في أغلب الأحيان وسيمون. ما أكثر ما ~~أعجب بأولئك الذين يكرسون أنفسهم للعجائز، وهم غالبا، مرضى ومزعجون!» # كان الملجأ قد نقل إلى مصر الجديدة، ولم أعد أذهب إليه كما كنت أفعل من ~~قبل، ثم انقطعت عن الذهاب إليه نهائيا منذ أن لم يعد بوسعي أن أترك طه فترة ~~طويلة. # ومع ذلك، لم تكن مصر هادئة تماما. كانت وزارة صدقي في الحكم آنذاك. وقد كتب مؤنس ~~لأبيه وهو الذي لم ينس أحداث 1932: «لا تسبب لنفسك السجن!» ثم تلقى مؤنس بعد ذلك ~~رسالة من أبيه وصلته بعد أن تمت مراقبتها؛ فغضب لذلك. لا أدري إذا كانت وزارة صدقي لا ~~تزال في الحكم إذ ذاك، على أن الحرية لم تكن موجودة على كل حال. # ثم حدث التقسيم المريع لفلسطين، وأعقبته الحرب. لم تبق فرنسا شومان حيادية كما ~~وعدت في موقفها من مسألة فلسطين. # 208 # وكان ذلك حزنا آخر ينضاف إلى بقية الأحزان، حزنا لمؤنس أيضا الذي كان ~~ينظر إلى الناس في قاعات السينما وهو يتابع الجريدة السينمائية وهم يصفقون لليهود ~~طويلا في حين يصفرون للعرب. # ثم ستغمرنا الأحزان من جديد، وكان أكثرها إيلاما الموت السريع والمفاجئ لمصطفى عبد ~~الرازق. لم يكن ذلك سرا بالنسبة لأحد، لقد كانت الفترة التي قضاها شيخا للأزهر ~~كارثة؛ ms129 إذ إنه كان أكثر تنورا من أن تحتمله العقلية التي كانت لا تزال سائدة في ~~الجامعة القديمة؛ ولذلك بقي فيها غير مفهوم يواجه الأحاديث الجارحة والظالمة بحقه، تلك ~~التي كانت تؤلمه بصورة خطيرة. # كنت قبل وفاته بفترة قصيرة قد رجوته الحضور لتناول العشاء مع جورج ديهاميل الذي كان ~~في زيارة للقاهرة؛ إذ لم يكن يلتقي بطه كثيرا تلك الأيام لانشغال كل منهما في عمله، ~~فكتبت له: «تعال إذن مرة أخرى كما كنت تفعل.» (أو شيئا من هذا القبيل)، فأجابني: ~~«مرة أخرى سيسعدني المجيء.» «مرة أخرى»؟ لقد كانت المرة الأخيرة! # كان «داردو # Dardaud ~~» هو الذي اتصل بنا هاتفيا ~~ليعلمنا بالنبأ، وكانت أمينة هي التي تناولت سماعة الهاتف ثم انفجرت في نحيب ~~تشنجي. كانت مدعوة ذلك المساء لقضاء سهرة في السفارة الفرنسية، واستطاعت بصعوبة ~~بالغة أن تتلفظ ببعض كلمات الاعتذار عن عدم حضورها. في حين أن طه في اليوم التالي، ~~وهو الذي قضى ليلة لم يعرف النوم خلالها إلى عينيه سبيلا، أصيب بإغماء محزن كان ~~يصاب به في أزماته العنيفة. # وبوفاة مصطفى بعد وفاة حسن باشا وحسين بك تنتهي مرحلة كاملة من حياتنا بشكل نهائي. ~~لقد بقي علي خلال حياته بالنسبة إلينا صديقا عزيزا جدا، غير أن صداقتنا معه لم ~~تكن تنطوي على تلك الصداقة الحميمة التي تولد من اللحظات التي يعيشها الأصدقاء ~~معا. # لم نعد إلى «أبو جرج»؛ فالحياة قد تغيرت مثلما تغير هذا الريف الذي ~~أحببناه. # ذات يوم من أيام الخريف في قرية «أبو جرج» تركنا بيت العائلة الكبير، وها نحن في ~~«بيت الماكينة» وعلى الشرفة الكبرى التي تحيط به من كل جهاته، فوق المحرك المغلق، كان ~~الهواء يهب فوق الخيم الكبيرة، يعبث بشعرنا ويقلب صفحات كتابنا. كان الأطفال يلعبون ~~في الحديقة، وكان احمرار البلح متألقا، في حين يتناهى إلى السمع صوت ارتطام الرمان ~~المتساقط بالأرض، ويملأ العين اخضرار الليمون الصغير، والشمس التي تغيب على حين تذهب ~~العنب على الكروم. لم تكن نظراتي تصطدم أمامها بشيء يحد منها على امتداد ms130 الوادي ~~الواسع، كما لو كنت على ظهر باخرة في عرض البحر. كان النسيم رقيقا، والليل يوشك أن ~~يخيم، وكان لا بد من العودة بهدوء. ربما كان مصطفى بصحبتنا ذلك اليوم، أو لعله كان ~~عليا. لم يكن مصطفى يمشي بسرعة مطلقا، وسيقوم الآخرون باستقبالنا ببساطة وحرارة ~~الصداقة الأليفة المشتركة، وربما أوقد الموقد وربما شويت بعض أكواز الذرة، وسيهجع ~~الأطفال عما قريب. # تلك كانت بلدتك تقريبا يا طه. أحلم بها أحيانا، كما لو أني أنعم النظر الحالم في ~~صورة قديمة جدا. # كما سيرحل عنا علي باشا إبراهيم أيضا. كان جراحا شهيرا، لكنه كان أيضا صديقا ~~حقيقيا، إنسانا لا يخشى الحياة؛ كان مرحا، وكنا سعداء حين كنا بصحبته. # ثم في نهاية العام، توفيت السيدة هدى شعراوي. عندما رفعت ورفيقاتها الحجاب عن ~~وجوههن علانية، لم يكشفن عن وجوههن فحسب وإنما كن يكشفن عن قلوبهن وإرادتهن؛ ~~كيما تستعيد المرأة المصرية كل ما فقدته خلال القرون الماضية في حياتها المادية وفي ~~كرامتها، تلك المرأة التي استغلت في أغلب الأحيان نسيانا أو جهلا بأن القرآن ~~الكريم، لو قرئ بإمعان، لا يسمح للمسلمين على الإطلاق بتعدد الزوجات. كانت مناضلة ~~بلا عدوانية، دائمة النشاط، مستعدة دوما لطلب النصيحة والمعونة ممن يستطيع منحهما، ~~وكان وجهها الهادئ النبيل الذي لا ينسى فيض طاقة وعذوبة ... بيد أنك أنت يا سيزا ~~من تملك حق التحدث عنها. # 209 # وفي نهاية عام 1947 كنا نتخلص بالكاد من الخوف الكبير من الكوليرا، وكان يمكن لهذا ~~المرض أن يسبب كارثة لولا حكمة وفعالية الإجراءات التي اتخذت على الفور؛ فقد ~~علمنا بذلك عندما كنا في مرسيليا لحظة إبحارنا. وأظن أننا، ونحن على ظهر الباخرة، ~~بعيدين عن الأخبار الدقيقة، كنا في منتهى القلق. لم نكن وحدنا القلقين، وككل ربات ~~البيوت، قمت باتباع القواعد الصحية الضرورية المطلوبة في مثل هذه الحالة بدقة. وكان ~~الجميع في بيتي يطيعني، بيد أنه لم يقبل أحد منهم تناول الموز المغلي، وكان ذلك ~~منهم سلوكا طفوليا. # وتطوعت ابنتي مع غيرها من الفتيات والنساء للمساعدة في ms131 التطعيم العام. لم تكن قد ~~مارست إعطاء الحقن من قبل قط، وكانت أولى زبائنها التي اختارتها امرأة قوية من ~~الدرب الأحمر بدا عليها الذعر. قالت لها أمينة بصوت حاسم: «هيا معي! لا تخافي؛ فمعي لن ~~يؤلمك ذلك أبدا.» وغرزت إبرتها بجرأة في ذراع على قدر كبير من السمنة أتاح للإبرة ~~أن تدخل وحدها. وبعد هذا النجاح، قامت بتطعيم مئات الناس حتى الوجه القبلي؛ حيث ذهبت ~~بصحبة فريق من الصليب الأحمر. # حفلت سنوات ما بعد الحرب بلقاءات سعيدة. وكان أول هذه اللقاءات لقاؤنا مع أندريه ~~جيد. كان عائدا من الأقصر، وكان ينزل ضيفا على أسرة «فييت # Wiet ~~». وقد صحبه جاستون فييت # 210 # لمنزلنا ذات صباح. كان طه في مكتبه يحدث الحب أحيانا منذ النظرة الأولى، ~~وكذلك الود، ولقد كان هذا اللقاء الأول بين طه وجيد واحدا من هذه المرات. كان طه ~~يعجب بجيد، ولا شك، ولكن من بعيد قليلا؛ فهما لا يتشابهان كثيرا. غير أنهما ما إن ~~التقيا حتى تفاهما على الفور إثر مناقشة عفوية كانا فيها كلاهما على رأي واحد، وأظن ~~أن كلا منهما قد تعرف في الآخر هذا الانفتاح الروحي النادر والبساطة الكلية. وقد ~~عاد جيد لزيارتنا وتقاسم معنا بعض وجباتنا، وعرفت ما يحب: الشيري براندي، والجانرك. ~~ولاحظ طه أن جيد أعجب بالسجائر التي كان يدخنها، وهي سجائر «الميراكل»، ~~فأرسلنا له منها إلى باريس، وأسعده ذلك. # وكان عدد من أصدقاء أمينة أعضاء سابقين في جماعة «الطلبة» فيما أظن، قد قرروا أن ~~يقدموا عرضا لمسرحية «أوديب» لأندريه جيد، لا بشكل تمثيلي، وإنما بإلقاء حوارها ~~إلقاء. فحضر جيد إلى البيت للاستماع إلى تمارينهم. # فجأة انتبهنا إلى أننا لم نعد نرى بوضوح، وأن السماء غدت في منتصف النهار ~~سوداء تماما، تعبرها من حين لآخر نقاط حمراء غريبة. وأذكر أن آنية أزهار رقيقة ~~كانت تحوي فيما أظن أزهار الخوخ، غدت وهي فوق البيانو الأسود، جميلة بشكل غريب. كنا ~~مذهولين إلى حد ما، وظن أناس أنها نهاية العالم؛ فشهدنا اعترافات علنية. وكان جيد ~~الذي ms132 أثار ذلك اهتمامه إلى حد بعيد يستمر في متابعة هذا المشهد الغريب لا يصرفه عن ~~متابعته شيء آخر؛ فقد جلس على درج المدخل ولم يرض بالعودة إلا عندما عادت الشمس ~~إلى الظهور ثانية بشكل تدريجي. # كان قد قرأ لنا في صالوننا الصغير ذات مساء روايته # Thésé ~~. وقد تأثرنا ولا شك من نص كان يعتبره ~~آخر أعماله كما هو معروف، لكننا تأثرنا كذلك بالصوت العميق الذي كان يقرؤها به. وقد ~~ترجم طه حسين هذا النص على إثر ذلك مباشرة تقريبا. # ولما كان يحب المسرح فقد صحبناه إلى مسرح الريحاني. # 211 # لست أذكر المسرحية التي كانت تقدم آنذاك. كان جيد لا يفهم بالطبع كلمة ~~مما كان يقال، بيد أن طه كان يقدم له بعض التفسيرات، وكان لا بد لتمثيل هذا ~~الفنان الرائع من أن يؤثر فيه؛ فرغب في الذهاب إلى مقابلته في مقصورته بالمسرح ~~ليعبر له عن سعادته الكبيرة بما رآه. كان الريحاني سعيدا جدا بهذه المقابلة، ~~وكذلك أنا؛ لأنني كنت أعجب به دون أن أفهم أكثر بكثير مما كان يفهم جيد. # ورغب مؤنس في باريس في لقاء هذا الصديق الجديد. فتلقى على إثر ذلك دعوة من جيد ~~للحضور إلى شارع «فانو # Vaneau ~~»، وجاء لزيارته وظل ~~مأخوذا؛ إذ وجد الكاتب الشهير في زيه العجيب: بيريه باسكيه، وسترة عتيقة من المخمل ~~الأحمر البنفسجي، وبنطلونا ذا مربعات زرقاء وسوداء، وخفين مستهلكين ... هو الذي يبدو ~~في منتهى الأناقة عندما يلتف في عباءته (الكاب) الداكنة اللون! وسحبه جيد إلى غرفته، ~~فرأى مؤنس على مكتبه دهشا مسودات كتاب «الأيام» النص الفرنسي. كنا نعرف الموقف الذي ~~وقفه جيد في دار جاليمار للنشر بصدد الكتاب، لكننا لم نتصور أن يصل به الأمر إلى ~~أن يهتم بتصحيح مسودات الطبعة الأولى! لا بل إنه كان يقوم بذلك بعناية وفهم دقيق، ~~مبينا الأخطاء الطفيفة، سائلا مؤنس عن المعنى الأدق لبعض الكلمات، ثم ينتهي به ~~الأمر إلى أن يطلب من مؤنس أن يحمل معه بعض الصفحات ليسجل عليها ملاحظاته ~~الخاصة. # كان جيد يوجه ms133 أكبر قدر من اهتمامه لما كان يكتبه طه. وقد طلب إلى مؤنس بعض ~~الإيضاحات المفصلة عن «الشعر الجاهلي»، هذا الكتاب الذي كان له دوي هائل، وكذلك حول ~~تأملات أبيه في التصوف الإسلامي التي عرضها في مقدمته للنص العربي من كتاب جيد «الباب ~~الضيق». # لقد خص جيد مؤنس بلفتاته اللطيفة؛ فدعاه إلى التمارين على مسرحية «المحاكمة» وقدم ~~إليه مقاعد لحضور حفلة موسيقية في مسرح الشانزيليزيه، كما أهدى إليه ترجمته لمسرحية ~~«هاملت». # كانت الصداقة الحارة التي عبر عنها جيد بأسلوب بليغ برغم تحفظه المعروف ~~والأخاذ، أمرا عظيم القيمة في نظر طه على وجه اليقين. # لم نكن ننتظر زيارة «بيير بوردان Pierre Bourdan ~~»، ~~وكنا نعرف جيدا الصوت الذي كان يصلنا من لندن مع صوت موريس شومان وجان ماران أيام ~~الفرنسيين الأحرار، # 212 # لكننا لم نكن قد رأيناه إطلاقا. وعندما حضر لرؤية طه بقي عنده أكثر من ~~ساعة ونصف الساعة، ثم جاء ثانية صباح يوم سفره، وكتب لنا رسالة من تونس التي ذهب إليها ، ~~وهي رسالة ما زلت أحتفظ بها. ولقد مات هذا الشاب المتواضع، الخجول إلى حد ما، والذي ~~يفيض ودا ... مات بعد وقت قليل. لقد عبر سريعا، لكن طه، شأنه في ذلك شأني، كان يعتبره ~~دوما صديقا. # وجاء كوكتو بدوره إلى مصر. وقال لطه على الهاتف عندما اتصل به: «أنتظر بفارغ الصبر أن ~~أقبلك.» ووصل وقبله. وتناول العشاء في البيت، ثم قام بزيارتنا مرتين، واستمرت ~~زيارته في كل مرة ثلاث ساعات. لم يكن ساكنا على الإطلاق، بل كان حيويا في إشاراته ~~وفي كلماته، وكان يختار الجلوس حين يدخل الصالون ليس على مقعد وإنما على درجة طويلة من ~~الخشب تحاذي الفتحة ذات الباب الزجاجي التي ننزل منها إلى الحديقة. كنت أجلس قربه ~~وأبقى مأخوذة أستمع إليه وهو يلوح بيديه الذكيتين اللتين كانتا تتحركان بشكل لا ~~يصدق، واللتين كانتا ترسمان أمامه أشكالا غير مرئية. # ذات يوم، جلست إلى جانب طه على الأريكة ذات اللون الوردي الهادئ امرأة صغيرة ~~الحجم، وكانت هذه المرأة إديث بياف. ms134 كنا قد حضرنا حفلتها الغنائية، ولكني لم أكن ~~أتصور على كل حال أنها بهذا الحجم، فقد كان العرض والإضاءة يزيدان من حجمها. كما ~~لم أر أن عينيها الزرقاوين على هذا القدر من الصفاء، هاتين العينين اللتين كادتا ~~أن تفقدهما ذات يوم، ولقد حدثتنا عن ذلك. # ومر «جوفيه # Jouvet ~~» مع فرقته. ودهشت إذ وجدته ~~في منتهى الحرارة وهو يمثل في «أوندين # Ondine ~~». ولعل ~~مرد ذلك إلى أنه كان من التعب بحيث لم يكن يسيطر على لهجته المعتادة ذات الطابع ~~الحيادي إلى أقصى حد، والساحرة أيضا. تناولنا الغداء معه في بحيرة قارون # 213 # بدعوة من جورج ديلو، وتحدثنا طيلة فترة الغداء. بيد أني لا أستطيع أن ~~أعيد ما تحدثنا به. # ولا أدري إذا كان بابلو كازال # 214 # قد جاء إلى مصر. لست أظن ذلك. ففي مونبلييه صافحناه بطريقة غير منتظرة. ~~كانت جامعة مونبلييه قد اختارت عام 1946 سبعة أشخاص لمنحهم دكتوراه الشرف، وكان طه أحد ~~هؤلاء السبعة، أما بقيتهم فلا أذكر منهم سوى ستيفن سبندر # 215 # وبابلو كازال . ألقى ستيفن سبندر خطبة جميلة، أما كازال الذي كنا بالكاد ~~نراه بسبب قامته القصيرة ومظهره المتواضع؛ فقد قال عندما جاء دوره: «إنني لا أعرف ~~التحدث إلا بواسطة كماني، فإن شئتم استمعوا له.» وعزف لحنا من مقام ره؛ فهام طه في ~~عالم الملائكة. # كان لهذا الاحتفال الذي أقيم بعد الحرب مباشرة تقريبا طابع خاص وحميم ~~وأخاذ. # وكان أكبر تأثير علينا منه الذكريات التي لنا في هذه المدينة؛ فقد عدنا إلى هذا ~~المكان بعد واحد وثلاثين عاما من لقائنا. وخلال هذه الأيام القليلة، وبمصادفة غريبة، ~~كنا هناك يوم 12 مايو (يوم لقائنا الأول). ذهبنا إلى «كاريه دوروا»، إلى النزل الذي ~~رأيت فيه طه للمرة الأولى؛ كان مغلقا ولم يكن لدينا وقت للعودة إلى دروب أيامنا ~~الأولى، لكن مؤنس وأمينة كانا معنا؛ فبم يسعنا أن نحلم بأفضل من ذلك؟! # وبعد زيارتنا لمونبلييه مباشرة كان موعد انعقاد مؤتمر الفكر الفرنسي والسلام # 216 # في باريس الذي دعي طه إليه، ms135 وكان عليه أن يلقي كلمة فيه، وهكذا كان ~~يجلس على منصة المؤتمر غير بعيد عن مورياك وإيلوار وقريبا جدا من إلزا تريوليه. كان ~~يشترك في المؤتمر كثير من كتاب المقاومة، وكان ذلك في حد ذاته أخاذا. كان طه ~~مضطربا؛ إذ إنه كان دوما يتعذب كلما وجب عليه إلقاء خطبة حتى ولو كان ذلك باللغة ~~العربية. وقد وقف لإلقاء كلمته على إثر إلزا تريوليه التي رأت أن عليها وهي تلقي ~~كلمتها أن تعتذر عن لهجتها الأجنبية. # 217 # فبدأ طه كلمته بقوله: «وأنا أيضا أرجوكم معذرتي على فرنسيتي الرديئة ...» ~~فانفجرت إلزا ضاحكة، وكذلك آراجون الذي ضحك بود إذ كان يعرف طه جيدا. وها هو زوجي، ~~وقد جعله ذلك يضطرب بشكل مخيف، يحاول أن يستدرك ويغمغم: «لم أكن أريد أن أقول يا ~~سيدتي، إن فرنسيتك ...» وبعد اعتذارات لطيفة، توصل إلى ما كان يريد أن يقوله، ~~وصفق له الحاضرون بحرارة بالغة. # لم تكن الدكتوراه الفخرية التي منحتها له جامعة مونبلييه أول دكتوراه تمنحها فرنسا ~~لطه. ففي عام 1930 أنعمت عليه جامعة ليون بهذا الشرف ، وقد ذهبنا معا إليها. وكان ذلك ~~في شهر نوفمبر، على متن الباخرة «شامبليون». كان طه يعرف «هيريو # Herriot ~~» # 218 # إلى حد ما؛ إذ كان يلتقي به غالبا في اجتماعات التعاون الفكري # 219 # ويلتقي معه من ثم في الوقت نفسه فاليري الذي كان طه يكن له إعجابا ~~عظيما. ولم يكن يخفي هذا الإعجاب، حتى إن الراديو الفرنسي أرسل له، عندما أراد شكره ~~على الحديثين اللذين قدمهما للمستمعين العرب، كتاب فاليري الجميل «السيد تيست # Monsieur Teste ~~» المزين بقلم فاليري ~~نفسه. # استقبلنا عمدة ليون في مدينته كأصدقاء. وكان حديثه، كما هو معروف، عيدا. كان كل ما ~~يقوله مثيرا، بل إن طريقته في قول ما يقول كانت أكثر إثارة. وأقيمت بالطبع عدة ~~ولائم، غير أن وليمته كانت ممتازة، وكان أيضا ذواقة شهيرا للأكل، ولقد حدثني ~~بإطناب عن الحدائق خلال الغداء، وكان يقول إن في عالم النباتات كما هو الأمر في ~~العالم الإنساني نباتات وأشجار ms136 غير متحابة بوضوح. لقد قرر أن يبتكر زهرة في مزرعة ~~الورد التجريبية حيث كانت تجرى تجارب علمية عظيمة، وسوف يطلق على هذه الوردة «سوزان ~~طه حسين»، والحق أن مدير المختبر أعلمني بعد ذلك بسنة واحدة تقريبا عن ولادة زهرة ~~شاي مهجنة تحمل اسمي. لم أرها قط؛ فقد قامت الحرب ولم نعد إلى ليون. # كان هيريو أيضا مرحا بقدر ما كان بليغا عندما منحته جامعة القاهرة الدكتوراه ~~الفخرية. وبدأ ينادي طه منذ ذلك الوقت: «يا عزيزي العميد.» # رأيناه ثانية في نهاية الحرب. فقد قضى أربعا وعشرين ساعة في القاهرة في طريق عودته ~~من روسيا إلى فرنسا، وقد تلطف وزير فرنسا المفوض؛ فدعانا لتناول الغداء بصحبته في ~~جلسة خاصة، وعندما لمحته في الحديقة حيث كان يتمشى إلى جانب الوزير بدا لي إنسانا ~~متغيرا كليا، متهالكا، قد شاخ بشكل لا يصدق. وعندما التقى طه به تعانقا. ~~وانفعلت من لقائي به فعانقته بدوري، فقال لي السيد ل. مبتسما: «إن الرئيس محظوظ.» ~~أما زوجته السيدة هيريو فقد بدت لي أقل إنهاكا، وكان زوجها يردد: «لقد كانت ~~رائعة رائعة؛ فبفضلها ما زلت أعيش، إنها بطلة!» # وفي العام التالي، كان مؤنس يحضر في باريس محاضرة لهيريو الذي كان قد استعاد صحته. ~~وعندما تقدم لتحيته، قام هيريو بتقديمه مطولا إلى كل من كان حوله، متحدثا بإطناب ~~عن أبيه. كان مؤنس عفوي الإعجاب بهذا الرجل المسن المتعب الذي كان يجد في غمرة ~~هموم الحياة السياسية الوسيلة للذهاب إلى المكتبة الوطنية لمراجعة المخطوطات. # ثم ذهبنا في أحد الأيام لزيارته. كان رئيسا للمجلس النيابي، لكنه كان مريضا ~~جدا. كان ينتقل بصعوبة، وكنا مضطرين لمساعدته على المشي، وكان لقاؤنا ذاك به هو ~~لقاءنا الأخير. ~~••• # ما إن عادت أمينة من الريف بعد جولة التطعيم ضد الكوليرا حتى تقرر مصير حياتها، وكان ~~لا بد من إعلان ذلك. فمنذ ثماني سنوات وهي، فيما يبدو، تبادل محمد الزيات المودة دون ~~أن تلتزم نهائيا بالارتباط به. ومع ذلك فإن محمدا لم يكن يشك قط في مشاعره، ~~منذ ms137 تقديم «إليكترا»، نحو الفتاة الطويلة الشامخة الرأس، والتي كانت تقف باستقامة ~~أخاذة وسط ثنيات سترتها البيضاء ذات الحزام الفضي. # كانا يدرسان في الكلية نفسها. كان هو مختصا بالدراسات الفارسية. وقد دفعه طه في هذا ~~الاتجاه مثلما كان يوجه بعض طلابه نحو اليونانية والبعض الآخر نحو اللغات السامية. ~~وقد قص علي صهري أنه بعد أن تقدم بطلب منحة دراسية (ولم تكن مسألة الخطوبة قد ~~طرحت بعد آنذاك) دهش من إعطاء المنحة لطالب آخر؛ فسأل طه: «ولماذا؟» فأجابه ~~طه: «لأنه أفقر منك.» وأعلنت الخطوبة. ولما كانا قد انتظرا طويلا فقد أصبحا مستعجلين! ~~وهكذا كنا نسرع في الإعداد للزواج، وزوجناهما في فترة فصلت بين مؤتمرين كان علينا ~~حضورهما في الخارج. فقد عدنا من المؤتمر الأول في الرابع من يونيو # 220 # وتم الزواج في الثاني عشر منه، ثم رحلنا في السابع عشر ثانية. # وتركناهما وراءنا متألقين، وبعد عدة أيام توفي والد صهري فجأة ... وقد تألمنا من ~~ذلك كثيرا، أما ابنتي فقد كانت مبلبلة، لكنها وجدت لدى حماتها تفهما نادرا؛ فقد ~~تمكنت هذه المرأة الشجاعة الطيبة من كبت حزنها الشخصي كي لا تكدر سعادة ~~وليدة. # وفي التاسع والعشرين من أبريل في السنة التالية، احتفلنا بميلاد «حسن»، أول حفيد ~~لنا، وكنا نحتفل عشية ذلك اليوم أيضا بعيد ميلاد الملك. وكان على طه، بصفته عضوا في ~~المجمع، # 221 # أن يكون في مسجد الرفاعي مع بقية الهيئات الأخرى فضلا عن أنه تلقى جائزة ~~فؤاد في الأدب. ولما كان مكلفا بإلقاء خطاب فإنه ألقاه بسرعة وبفراغ صبر مهموم؛ ذلك ~~أن الطفل كان قد ولد. أما بالنسبة إلي، فقد عشت ساعة غريبة لا تمحي ذكراها من ~~خاطري ولا تغشاها الظلال. كنت وحيدة في الغرفة بالقرب من ابنتي التي كانت لا تزال تحت ~~تأثير المنوم، وبالقرب منها وليدها صامتا مثلها. وكان أفراد الأسرة يحدثون ضوضاء ~~على بعد منا في المستشفى وهم يتبادلون التهاني، وكانوا سعداء. كنت أعرف في تلك ~~اللحظة أن أختي قد توفيت، وأخذت أفكاري تتنقل بين تلك الحياة التي ms138 كانت تبدأ ~~وتلك الحياة التي كانت تنتهي. وبقيت على هذا النحو ساعة من الزمن مستغرقة في تأمل ~~موضوع لا أظنني مذنبة فيه. # فعندما وصلنا باريس، كانت «أندريه» لا ~~تزال تأمل. كانت مضطرمة النشاط تضفي على كل ما تقوم به فيضا من الحيوية! وكانت ~~تردد: «أعبد الحياة.» وكان ذلك يحطم قلبي. وفي العاشر من شهر أغسطس، لم تكن قد ~~تخلصت بعد من آثار المورفين على وعيها عندما مدت إلي مع ذلك يدها بباقة من ~~الورود الحمراء، وهمست لي: «عيد سعيد!» ولا تزال وريقات هذه الزهور المسودة والمسحوقة ~~معي حتى الآن. # ماتت في الليل. # 222 # كنا نسرع في البحث عن تاكسي عندما اتصل بنا بيير هاتفيا، وكانت هناك ~~راهبة قد ألبستها ومشطت شعرها. وعدنا إلى الفندق في الصباح الباكر، وعندما وصل ~~مؤنس، وكان قادما من معهد المعلمين العالي، ورأى وجوهنا ... لا أرى حاجة لوصف مشاعرنا في ~~تلك اللحظة. ضغطني على صدره بدون أي كلمة من جانبه أيضا، وكان هو الذي ذهب لإخطار ~~أمنا. # كان قد قبل لتحضير شهادة الأستاذية، وكانت أندريه تعرف ذلك. ولما كانت بلا أطفال ~~فقد كانت فخورة به جدا. # منذ ستة وعشرين عاما وأنا أتألم كلما فكرت فيها، ومع ذلك فإن الرجفة لا تزال تعتري ~~كياني كله عندما تنفجر الأنشودة الطاهرة «هليلويا» في جناح كنيسة نوتردام دي فيكتوار ~~حيث تمت المراسم الدينية: «إلهي، امنحني أن أحب حتى يومي الأخير، ولا تدع قلبي ~~يا إلهي أبدا. أتوسل إليك لا تدعه أبدا قلبا جافا أو قلبا أصم!» # عندما عدنا لمصر كان هناك حشد حقيقي بانتظارنا في الميناء، وكان طه الذي كان لا ~~يزال مغضوبا عليه من قبل السلطة، ممسوكا من قبل صهره من جهة ومن قبل ~~الأصدقاء والصحافيين من جهة أخرى، يواكبهم طلبة ومجهولون حتى وصوله إلى السيارة. # وفي منزل ابنتنا وجدنا «حسن» قد كبر. كان طه يطلبه غالبا، وكانت أجمل صفعات الصغير ~~مخصصة له، وكان سعيدا. ~~••• # لم نكن نتوقع أن يصبح طه وزيرا في يوم من الأيام. فقد كنا نرى ms139 دوما أن ثمة موانع ~~حاسمة تقوم عقبة في وجه ذلك بسبب عاهته وأفكاره المتحررة الجريئة وطبعه المستقل ~~والحاسم. فبوصفه مستشارا فنيا كان يكتب لرئيس المجلس، حيث هوجم بعنف، على هذا النحو: # نعم؛ إنني أدافع عن سياسة الوزير وسوف ألازمه في ذلك. وسألقي خطبا من أجل ~~الدفاع عن الوزارة؛ ذلك لأنني أدافع عن سياستها التعليمية التي هي سياستي، ولن ~~يستطيع أي إنسان أن يحول بيني وبين ذلك سواء كنت موظفا أم لم أكن (رسالة ~~مفتوحة). # كان دون أي شك سعيدا لاستطاعته أن يحقق عددا من مشاريعه. فقد اجتاز بنضال عنيف ~~الخطوة الحاسمة من أجل تحقيق مجانية التعليم التي كان قد طالب بها منذ عام 1942. وكان ~~قد تقرر قبول المبدأ غير أنه لم يطبق، وكان الناس في الخارج على وعي كامل بما ~~كان يعنيه هذا التحول الهائل. أما في مصر فقد سبب الأمر هيجانا، وقد تسلى طه ~~عندما نقلت له كلمة تاجر بسيط لامرأته: «فلنأت بأولاد يا امرأة؛ فالآن يسعنا أن ~~نعلمهم!» # وأمكن بعد ذلك المساعدة في تغذيتهم؛ وذلك عن طريق تقرير وجبة مجانية في ~~المدرسة. # كما تأسست كلية جديدة للطب، وكذلك جامعة جديدة هي جامعة ~~إبراهيم - جامعة عين شمس حاليا - وأنشئ ~~المعهد الإسلامي في مدريد. وفي أثينا أنشئ كرسي جامعي للغة وللثقافة العربيتين، ~~وكان يأمل تأسيس معهد في الجزائر. # وقد استخدم كل الوسائل الممكنة كي يزيد من عدد المدارس الابتدائية التي لم يكن عددها ~~كافيا حتى وصل به الأمر أن قام بجولة مخيفة في محافظة الدقهلية وأراد أن يقوم بجولات ~~أخرى أيضا. كانوا يريدون الاستماع إليه، وكان يقبل الكلام شريطة دفع مبلغ معين ~~لبناء مدرسة، وكان بعض الوجهاء المأخوذين به يدفعون بشكل عفوي؛ فكان يعود إلي في حالة ~~نفسية ممتازة. # لم يكن ثمة أبنية كثيرة في أكتوبر من أجل افتتاح المدارس، وكنت متوترة النفس قلقة؛ ~~إذ كيف سيتدبرون أمرهم أمام هذا المد، هذا السيل من الأطفال الذين كانوا ينتظرون ~~هذا الوعد الرائع؟ هذا دون حسبان الطلبة الذين قبلوا بكثرة في الكليات، ms140 وخاصة في كلية ~~الطب. وبسبب انشغاله بالأبنية الجديدة وبالأساتذة الجدد لم يكن طه ينام مطلقا. # وتم افتتاح المدارس، وبدأت الآلة تمشي. لم تكن تتحرك دون هزات بالطبع، لكنها لم ~~تكن تتوقف. # وفي العام التالي أمكن قبول 90٪ من التلاميذ المتوقع دخولهم المدارس في أكتوبر، أما ~~الباقي فسيدخلون المدرسة في نوفمبر. ولم أفهم على الإطلاق كيف أمكن تدبير ذلك، ولا كيف ~~كان يتغلب على عقبات محفوفة بالمخاطر على نحو خاص. ولقد قرأت بعد سنوات عديدة ~~مقالا مؤثرا لعالم ألماني كان مكفوفا هو الآخر أدهشني منه هذا المقطع: # عندما توجب مناقشة ميزانية وزارته في البرلمان، كان النواب ينتظرون ~~بفارغ الصبر أن يروا كيف سيتصرف الأعمى في أثناء المناقشات، وخاصة كيف سيدافع ~~عن ميزانيته. ولقد دافع طه حسين عن الميزانية وحده تماما في خطاب استمر أربع ~~ساعات ولم يرتكب فيه أي خطأ حتى في الأرقام التي أوردها. # كان يحمل هذا الحرص على الدقة في كل مكان يذهب إليه، وقد كتب أحدهم في مجلة ~~المصور: «إن رؤية طه حسين في وزارته هي رؤية قائد على رأس جيوشه.» # كانت هناك أمور تدعو للحماس، وكانت هناك التزامات المهنة: افتتاح المدارس والمستشفيات ~~وما إليها. والتزامات سارة أيضا: كاستقبال فرقة الكوميدي فرانسيز مثلا الذي تم في ~~الوزارة؛ نظرا لأن بند الإنفاق في ميزانية الوزارة في هذه الميادين لم يكن يتجاوز 80 ~~جنيها فلم يكن هناك مجال من ثم لاستقبالها في فندق. وأمكن بالكاد تسديد الحساب ~~لجروبي. # 223 # على أن ذلك كان في منتهى الجمال؛ فقد أرسلت وزارة الزراعة باقات من ~~الأزهار، وأعار بعض الأصدقاء بعضا من لوحاتهم، أما أنا فقدمت منحوتين لرزق # 224 # وبعض الأثاث. كان الجميع يفيضون سرورا وأناقة أيضا، وقد فوجئت بعد عدة ~~سنوات بامرأة تحاذيني في جاردونيه في صالون «السافوا # Savoy ~~»، لم أتعرف عليها على الفور، تقول لي: «إنني «بياتريس بريتي # Béatrice Bretty ~~». # 225 # لقد استقبلتمونا في القاهرة.» كنت أعجب بهذه الممثلة، ولقد أسعدتني هذه ~~الذكرى. # وأقيم احتفال هائل لوضع حجر الأساس في جامعة الإسكندرية تحت ms141 رعاية الملك، وكان طه ~~في ثوبه كأستاذ جامعة، بالغ الشحوب والجمال معا. # ثم احتفل بزواج الملك. وعندما ذهب طه إلى قصر القبة كنت مهمومة؛ إذ إن إحدى ~~أسنانه كانت فاسدة إلى حد كبير، وقد خلعت في اليوم التالي، وكانت تسبب له أسوأ ~~الآلام. غير أن كل شيء تم لحسن الحظ على ما يرام. وعندما عاد إلى الزمالك كان ~~متعبا، لكنه كان متأثرا؛ إذ لم يكف الناس على طول الطريق عن الهتاف: «يحيا وزيرنا، ~~يحيا صديقنا، يحيا أبو المساكين ... ذلك الذي ينورنا!» # كان على زوجات الوزراء أن يقدمن بعد الظهر إلى الملك والملكة الجديدة. وبانتظار ~~لحظة الدخول إلى قاعة الاستقبال، كانت زوجة النحاس باشا تبذل جهدها في تعليم الخطوة ~~التراجعية التي يجب القيام بها في أثناء تحية الملكين لامرأة لم يسبق لها أن قامت ~~بها قط، وقلت على الفور أنني عاجزة عن القيام بها، وبدت إحدى صواحباتنا متمردة ~~على هذا التقليد. بيد أن ذلك لم يحدث فضيحة؛ فتنفست مدام النحاس المسكينة ~~الصعداء، فقد كان الملك والملكة في منتهى اللطف، وكانت حفلة الشاي التي تلت مراسم ~~التقديم مرحة. لم يحضر حفل التقديم هذا سوى رجلين فقط: الأمير محمد علي، والأغا خان. ~~وكان كلاهما يملك الحق في الجلوس؛ فقد كانا إلى حد ما متعبين. # وبعد ذلك بيومين قدمت على مسرح قصر عابدين # 226 # حفلة باليه لروزاريو وأنطونيو. ولما كانت الملكة لم تحضر هذا الحفل، فإنه ~~خلا من أية امرأة مصرية فيما عداي باعتباري أرافق زوجي. # لم يكن هناك وقت طويل من أجل إعداد اليوبيل الفضي لجامعة القاهرة في يناير 1951. كان ~~الجميع مرهقين بالعمل في نهاية شهر ديسمبر، وكان يجيء إلى بيتنا أربعة عشر عميدا ~~وأستاذا ينهمكون ويناقشون ساعات وساعات وسط غيوم من الدخان، وأعد لطه ثوب خاص ~~بالبلاط! وكان ثوبا أكثر زخرفة من الردينكوت الأسود المعتاد. أما توفيق الذي كان يعمل ~~في مكتب الوزير آنذاك، فقد كان يبذل ما في وسعه. وكنا نتفاهم جيدا، ولم أكن آخذ عليه ~~سوى تناسيه من حين لآخر ms142 لبعض الأمور وكان يعترف بذلك. # كان هناك من بين أعضاء الوفود كثير من الأصدقاء والشخصيات الذين نعرفهم، بيد أننا ~~لم نكن نملك الفرصة لسوء الحظ لنتحدث معهم كثيرا. ولقد سعدنا بلقاء الكاردينال ~~«تيسيران # Tisserant ~~». كان عظيما وودودا كعادته ~~دوما! # وفي سهرة قصر عابدين كنا هذه المرة امرأتين مصريتين: زوجة وزير قبطي مسيحية، ~~وأنا. # كان برنامج الأعياد حافلا؛ فقد أقيمت حفلة غداء في المزرعة الملكية بأنشاص، ~~وسهرة دبلوماسية زاخرة بباقات الأزهار. أما «السهرة الشرقية» فقد خلفت في نفسي ذكرى ~~إرهاق كبير. لقد أقيمت السهرة في جناح «السلاملك» بقصر المنسترلي في جزيرة الروضة، ~~وكان جناحا ساحرا يطل على النيل. كان ساحرا لكنه خرب تماما؛ إذ كانت خيوط ~~العنكبوت في كل مكان، وكان الغبار يغمر حتى علاقات الثياب، أما زجاج النوافذ فقد كان ~~معتما تماما، وكان السجاد الذي يحملونه ينفض كل الغبار تقريبا بحيث تتعب الرئتان من ~~رفعه. ولم يكن أمامنا سوى عدة أيام لإعداد كل شيء من أجل السهرة؛ فجلبن المصابيح ~~والكراسي، وأتي ببيانو، واستطاع تيميلي # 227 # أن يعزف ألحانا موسيقية لباخ وفوريه. كما عزفت موسيقى عربية بطبيعة الحال ~~وأغنيات جميلة. وكانت زوجة رئيس جامعة باريس اللطيفة التي كانت قد عاشت في إسبانيا ~~واضحة الاهتمام بهذه الأغنيات وبتلك الموسيقى، وكانت ليلة شتائية جميلة في ~~الشرق. # وقال الملك بابتسامة ساحرة لطه على إثر خطابه في افتتاح معهد الصحراء خلال هذه ~~الأعياد: «أشكرك يا باشا.» # هكذا منح طه لقب الباشا، # 228 # ذلك اللقب الذي لم يفكر فيه إطلاقا مثلما لم أفكر فيه من ناحيتي على ~~الإطلاق. لقد شكر طه الملك بطبيعة الحال على ذلك، لكن هذا التكريم لم يحرك فيه ~~ساكنا؛ فلم يكن من عبدة الألقاب. غير أن كثيرا من الناس كانوا سعداء بذلك، وتتالت ~~برقيات التهنئة علينا شأن السنة الفائتة، بيد أنها زادت بتهنئة 180 مدعوا أجنبيا ~~كانوا حاضرين يومها. وكان بعضهم يقول: «لقد تشرف اللقب بك ولم تتشرف به.» ولم ~~نحزن لقيام الثورة بإلغاء كافة الألقاب بعد ذلك بسنتين؛ ذلك أن طه ms143 لم يغير على ~~الإطلاق البطاقة التي كانت لا تحمل منذ زمن بعيد سوى كلمتين: طه حسين. وكانت وحدها ~~بطاقة الدعاوى الرسمية التي تحمل اسمه واسمي «السيد والسيدة طه حسين.» قد حملت لقب ~~الباشا؛ إذ كان من المعيب ألا يضاف اللقب. # كانت الأعمال تنفذ وتتتابع، ولم تكن الاحتفالات المختلفة تحول بيننا وبين الأسفار ~~الرسمية؛ ففي الربيع قمنا برحلتين إلى نيس وروما، كما قمنا في الخريف برحلتين إلى ~~مدريد ولندن، وفي السنة التي تلتها إلى أثينا وفلورنسا وفينيسيا. # كان طه في نيس يفتتح مشاركة مصر في الندوة التي أقامها مركز البحر المتوسط. # 229 # كانت رحلة قصيرة، مريحة وسريعة. فقد التقينا فيها ذكرى عزيزة هي ذكرى آل ~~«جلينشيف # Gelenischeff ~~»، # 230 # هو نبيل روسي، وهي فرنسية. كان جلينشيف يتكلم أربع عشرة لغة، وكان عالما ~~مختصا بالآثار المصرية. وكان غالبا ما يأتي إلى مصر عندما كان أرستقراطيا غنيا، ~~كما قضى فيها كأستاذ وكمنفي معظم السنوات الأخيرة من حياته. كانا، هو وزوجته، لا ~~يستقبلان الكثير من الناس، متمسكين بشيء من العزلة. بيد أن ودهما نحونا كان ~~مخلصا وقريبا. ويعرف ولداي ذلك جيدا، وهما اللذان لم يريانهما قادمين إلى بيتنا ~~دون أن يحملا علبا ضخمة من الشوكولا والألعاب الجميلة. # كان جلينشيف يقول للسفرجي الذي يفتح له الباب عند قدومه: «أعلن عن الموسكوفي.» ولعل ~~التهذيب الكامل لزمن مضى كان يزيد من متعة اللقاءات. لقد مات في نيس التي كان قد اعتزل ~~فيها # 231 # وكان عمره 90 عاما، أما زوجته فقد لحقت به بعد عدة سنوات. # وصحبنا الديواني الذي جاء للاشتراك في ندوة المركز المتوسطي إلى باريس بسيارته مع ~~مؤنس الذي كان قد جاء هو الآخر. ولقد أتانا الربيع، ربيع جزيرة فرنسا (إيل دو فرانس)، ~~مع العربات المحملة بالليلك حين كنا نجتاز غابة فونتنبلو؛ فاشتريت منها باقات ~~عديدة. # وحضر طه إلى روما ليتسلم الدكتوراه الفخرية. وكانت ماريانا لينو هي التي رحبت ~~بوصولنا؛ فكتبت لي: «لا أريد لأول تحية تتلقيانها من روما أن تكون تحية رسمية، ~~وإنما أن تكون تحية ms144 الود. تحيتي وتحية أبي الذي كان سيعبر لكم عنها والتي كان ~~سيكون سعيدا لو كرر التعبير عنها لكما.» # كانت الجلسة في الجامعة مؤثرة. وقد ألقى الرئيس الفخري كلمة جميلة، وأعطى وهو واقف ~~إشارة التصفيق. # حضر الجلسة «أرانجيو رويز # Arangio-Ruiz ~~». # 232 # لكنه استقبل طه في السنة التالية في أكاديمية «دي لينشي # Dei Lincei ~~» # 233 # بكلمات حملت من الود الواضح ما جعلني أذكرها دوما بامتنان. كان هذا العالم ~~القانوني ذو الشهرة العالمية قد علم في القاهرة حيث لا يزال له ولا شك تلاميذ فيها. كان ~~مرحا بقدر ما كان عالما. ففي ذات مساء، بينما كنا نتناول العشاء معه في أحد مطاعم ~~القاهرة، كان ثمة عازف بيانو يعزف ألحانا إيطالية. فلم يتمكن من كبح جماح نفسه، وانطلق ~~يغني بصوت عال دون أن يهتم لجيرانه الذين دهشوا، وكان بعضهم ممن يزن تصرفاته ~~إلى حد ما، وغنى بفرح أغانيه النابوليتانية في البوزليب، # 234 # على شرفة مطعم آخر. كانت الشمس مشرقة، والكرمة فوق رءوسنا، خليج نابولي ... ~~وصديق مخلص. كان ذلك هو الوجود الكامل! # وأقام سفيرنا لدى الفاتيكان حفلة عشاء ضخمة، رأسها الكاردينال تيسيران وحضرها خمسة ~~أو ستة من أشهر الأساقفة كانوا يلبسون المعاطف القرمزية والجبب البنفسجية والأحزمة ~~الأرجوانية. أما «المدنيون» فكانوا يلبسون الملابس الرسمية، وكان الخوان يختفي تحت ~~الأزهار الحمراء. # وبفضل اللفتة اللطيفة ل «جاك ~~إيبير # Jacques Ibert ~~» # 235 # الذي كان قد زارنا في القاهرة، قمنا بزيارة فيللا ميديتشي. كانت زوجة هذا ~~الموسيقي نحاتة، فصحبنا مؤنس وأنا إلى مشغلها الذي يقوم في أغوار حديقة جميلة. وأمام ~~قطعة من الخشب وجذع شجرة كانت تنحت فيها وجها ذا ملامح قوية وقاسية، قالت: «إن ~~اسمه الألم.» كانت قد فقدت قبل زمن قصير ابنة لها سقطت سقطة مرعبة من فوق سلم. وهكذا ~~فإن هناك ساعات تستضيء فيها الحياة بأنوار أخرى. # كان طه مذهولا في حدائق فيللا دي «إيست # Este ~~». كنا ~~تقريبا وحدنا، وكنا ننزل من شرفة إلى شرفة ومن ينبوع إلى ينبوع. هذه الينابيع العديدة ~~الشادية المفعمة حياة. مياه في ms145 ألوان قوس قزح ونور موزع. لم تكن هناك أصوات أخرى سوى ~~شدو عصفور، أو رنين جرس كنيسة مجاورة. كان أريج الصنوبر والأزهار والطحلب في كل مكان. ~~كان طه يقتعد حجرا كبيرا، وتمتم حالما: «حسنا؛ لعل هذا الكاردينال # 236 # لم يكن واثقا كل الثقة من فردوس السماء حتى صنع فردوسا على ~~الأرض!» # وتعرفت بفضل مؤنس على بعض كنائس «آفانتين # Aventin ~~» ~~وكنيسة «القديسة ماري كوسميدين # Santa-Maria-Cosmedin ~~» ~~الصغيرة القديمة العارية، تلك التي أثرت في أكثر من غيرها. # ثم رافقنا سفيرنا الممتاز طاهر العمري لمقابلة البابا بيوس الثاني عشر. وكنت مأخوذة ~~إلى حد كبير عندما كنت أجتاز القاعات الفسيحة التي كانت تفصلنا عن المكتب الذي ~~أدخلنا إليه. وفكرت في فرنسا وفي أصحابي الذين كانوا سيكونون سعداء لو كانوا معي. كنت ~~شبه مضطربة عندما دخلت. الخيال الهزيل الأبيض، والوجه، كالثوب، أبيض كذلك، والعينان ~~السوداوان اللتان كانتا تنظران إلي برفق ويشع منهما عمق وخصوبة الحياة الباطنية ~~وتتألق الروحانية فيهما، هذا فضلا عن التلطف البسيط البعيد عن المراسم التافهة. ~~صدمت؛ فالانفعال والاحترام كانا يسحقانني. ولم أستطع أن أتلفظ إلا بكلمتين أو ~~ثلاث كلمات. أما طه ومؤنس، وكانا مثلي مأخوذين أيضا، فقد كانا أكثر اتزانا. وبدأت ~~المحادثة، ولم ينس طه قط اللهجة التي قال بها بيوس الثاني عشر كلماته حين كان ~~يودعنا: ~~«سيدي، أريد أن أصلي من أجلك، ومن أجل أسرتك، ومن أجل بلدك.» كما أنه ~~كلما تذكر هذه اللحظة، كان يتوقف دوما عند هذه العبارة: «لقد قال: من أجل ~~بلدك». # أعرف أن الهجوم انصب ولا يزال ينصب على إنسان قيل عنه إنه متحفظ. هو الذي ~~لم يكن يرفض أي يد تمتد إليه، إنسان لم يخش أن يستقبل وأن يحمي يهودا كانوا تحت ~~الخطر. إنه لمن السخرية أن ألح على ذلك، ولست أملك أن أحكم على سلوكه بوصفه رئيسا ~~للكنيسة، لكني أقول إنني لم ألتق بكثير من الشخصيات التي أثارت إعجابي إلى هذا ~~الحد. # سافرنا في شهر نوفمبر إلى مدريد. لم تكن تلك أول رحلة لنا إلى إسبانيا؛ ms146 فقد سبق لنا ~~أن جئنا إليها في عام 1948 بناء على دعوة من الجامعة. وكان طه قد تحدث في مدريد وفي ~~غرناطة. # في غرناطة، أقمنا في سكن يقع على أكمات الحمراء. ودهشت إذ علمت أن جنود نابليون ~~هم الذين زرعوا الأشجار الجميلة التي نعجب بها. لماذا هنالك، للأسف! ذكريات أخرى؟ ~~لست أعني، بالتأكيد، أشجار السرو في حدائق قصر الحمراء، تلك الأشجار الخارقة. ذات يوم، ~~بينما كنا نتنزه بعد الظهيرة بصحبة «جارثيا ~~جوميز # Garcia-Gomez ~~» # 237 # على الدرب الرائع فيما وراء الينابيع - وها هنا أيضا منظر في منتهى ~~الجمال للينابيع - فوجئنا بنداء صادر عن صوت حاد داو، كان يمكن أن يكون صوت صبي ~~يتسلى باللعب في حين أنه كان صوت المحامي الغرناطي الجاد. كان يختفي وراء الأشجار كما ~~لو كان صبيا، ليفاجئنا. وهو الذي قال لي عندما كنا نذهب لتناول العشاء معا في أحد ~~المطاعم، بدون تكلف: «كنت أظنني أسمع صوت عالم أو أستاذ، لكنني سمعت أستاذا معلما ~~جليلا ...» # إن رعاية مضيفينا الطيبة وبساطتهم، والطريقة التي استقبلنا بها «لوسينا # Lucena ~~» في جو الألفة العائلية، ولطفه المرح عندما كان ~~يرتمي على أرض الحديقة ليبحث لي عن الفراولة، وثقافة جوزفينا وفخرها وهي تقوم بالتعليق ~~لنا على الآثار التي كانت تطلعنا عليها. جمال السماء، والأحجار الحمراء، ورقص ~~الفلامنكو الحقيقي (الذي لم يكن خاصا بالسواح!) كل ذلك كان ممتعا لنا. # ومع ذلك - بما أن الذكريات تتداعى - فقد كان على الطريق من غرناطة إلى إشبيلية ~~مجموعة من الناس كانت تمشي بطريقة مؤلمة: رجل، وامرأة، وطفلان. وفجأة سقطت المرأة ~~أرضا؛ فوقفنا. وساعد السائق الرجل في حمل امرأته المغمى عليها إلى السيارة، في حين ~~حمل مؤنس الطفلين، وأمكننا أن نودعهم جميعا في أول مركز للإسعاف. وسألت السائق: ~~«لا شك أن سقوط المرأة كان بسبب حملها برضيع آخر؟» # فجاءني الجواب كضربة سوط: «لا، إنه الجوع.» # كان وجه الرجل مرعبا بقدر ما كان مرعبا صوت السائق. لم ينبس بكلمة واحدة طيلة ~~الرحلة. كان يحدق في الطريق، هادئ الأعصاب، متحصنا وراء كبرياء ms147 عنيفة، رافضا حتى ~~علبة السجائر التي قدمها له مؤنس. # قمنا بهذه الرحلة كلها بالسيارة. كانت ~~الطرق قبل خمسة وعشرين عاما شبه قاحلة. كان السائق عسكريا. وعندما كنا نجتاز سهل ~~«المانش # La Manche ~~» كنا نضطر لإيقاظه من وقت ~~إلى آخر؛ فقد كانت تأخذه سنة من النوم على امتداد الطريق الذي كان يمتد في خط ~~مستقيم تماما؛ حيث كنا لا نرى سوى أشجار الزيتون. # أما الرحلة الرسمية التي قمنا بها في عام 1950، فقد كانت إلى مدريد وطليطلة فقط. ~~ودشن طه خلالها معهد الدراسات الإسلامية الذي أسسه في جو ساده أعظم الود، وهناك ~~قلده وزير التربية الوشاح الأكبر لصليب ألفونس العاشر الحكيم، يساعده في هذه المهمة ~~المعقدة وزير الخارجية. # وفي الأكاديمية الملكية للتاريخ وضع دوق إلبا، الذي كان رئيسها، حول رقبة طه وشاحا ~~آخر أصغر بكثير لكنه رائع الجمال. إنها ذكرى مخلصة تلك التي تربطني إلى دوق إلبا؛ فقد ~~قام بيننا ود عفوي. كنا قد تعرفنا إليه في رحلتنا الأولى، غير أنه لم يكن ثمة ما ~~يشير إلى أننا سوف نشعر معه بالراحة منذ اللحظة الأولى للقائنا، كما لو كنا مع صديق ~~قديم. لقد تحسسنا جميعا هذا التماس المباشر الذي سرعان ما اكتسب طابعا ~~عاطفيا. وكان سلوكه مع مؤنس ساحرا حقا. # كنا نريد دعوته للعشاء الذي كان على طه أن يقيمه بهذه المناسبة، وكانت الصعوبة ~~التي واجهناها أنه لم يكن بالوسع أن نحجز له المكان الذي يليق بمن في مقامه أن ~~يحتله؛ فقد كان موقفه من نظام الحكم أنوفا بقدر ما كان رصينا ... وكانت الحكومة هي التي ~~تستقبلنا. ففاتحته بذلك في منتهى البساطة، وأجابني بالبساطة نفسها ألا أقيم ~~اعتبارا لمثل هذه الأشياء، وجاء إلى الحفلة وجلس في المكان الثالث، إلا أنه جاء ~~إلي عندما قمنا من على المائدة وقدم لي ذراعه، وتبعنا المدعوون جميعا إلى القاعة ~~حيث كنا سنتابع الأمسية مع الموسيقى. # من الموسيقى قدم لنا الكثير، وبطريقة رائعة الجمال؛ ففي قصر باهر من القرن الثامن ~~عشر، هو قصر «فيانا # Viana ~~»، عزفت لنا ms148 رباعية مقام ره ~~مينور من تأليف «خ. أرياجا # J. Arriaga ~~» على آلات ~~قديمة. وكان هناك كذلك «رودريجو # Rodrigo ~~» # 238 # الذي كان في بداية حياته الموسيقية، لكنه كان قد ألف كونشرتو ~~«الأرانخويث # Aranjuez ~~»، وغنت زوجته الشابة ~~عدة أغنيات إسبانية كانت ألحان إحداها من تأليفه. كان الأمر الذي تأثرت له على ~~نحو خاص كون هذا الموسيقي أعمى. وقد أرسل لنا بسرعة قصوى تسجيلا لكونشرتو ~~الأرانخويث. # سحرت طليطلة ابني تقريبا؛ فقد تحدث عنها عبر الإذاعة بعاطفة يستشعرها المرء ~~دوما حاضرة إزاء جمالها المأساوي. توقفنا ثلاثتنا مليا في باحة الدار العذبة في ~~بيت الجريكو، وجلسنا على المصطبة الآجرية؛ كوخ حميمي، نصف مغلق، منفصل عن الحديقة، لكنه ~~مطل على أوراق الشجر وأريجها. # كانت هناك، لدى مغادرتنا مدريد، وفرة من تحيات الوداع ترافقنا. ثم أسرعنا إلى ~~لندن. # وصلت إليها مصابة برشح خبيث بدأ في إسبانيا وحال بيني وبين الذهاب مع طه لزيارة ~~«السير جون مود # Sir John Maud ~~». # 239 # وقد أسفت لذلك؛ فقد كان مود ودودا، وكان يريد منذ أن كان في القاهرة أن ~~يعرفنا بزوجته التي كانت موسيقية ماهرة. لكني أمضيت وحدي، في الشقة المريحة بفندق ~~كلاريدج، دون كلام؛ أمسية هادئة بالقرب من نار الحطب المتأججة، بحيث إنني تمكنت من ~~الذهاب إلى أكسفورد في حالة ملائمة إلى حد ما، قادنا إليها «وايمان # Wayment ~~»، مترجم الجزء الثاني من كتاب «الأيام»، ~~بسيارته. كان الجو رديئا إلى حد كبير، وكان المنظر يختفي تحت ضباب كثيف، وكنا ~~مضطرين للسير ببطء شديد كي لا نسقط في خندق ما. أما في أكسفورد، فقد كان الجو ~~أفضل بقليل؛ لكن نوفمبر ليس يونيو، ولم تكن أكسفورد الآن هي أكسفورد 1928، غير إن ~~السماء لم تكن تمطر على كل حال عند دخول طه - الذي كان قليل الاعتياد على ~~التقاليد البريطانية، لكنه يتصرف بخجل لطيف في مثل هذه المناسبات، لابسا الثوب ~~الأرجواني - فناء الكلية، ثم المدرج الكبير «شلدونيان تياتر # Sheldonian Theatre ~~»، وقد ألقيت الخطبة التي وجهها له الخطيب العام ~~باللغة اللاتينية، وذلك ما جعل من الدكتور ms149 الجديد شابا مرة أخرى. # ثم صحبونا إلى مانشستر، واستقبلنا اللورد - العمدة - في قاعة المدينة العامة، ~~وبدا مظهره احتفاليا في طقمه ومع السلسلة الضخمة من حول عنقه، لكنه كان كثير الأنس ~~في حديثه. ولقد بقيت مدهوشة لرؤيتي مدينة كانت بفضل حيوية وذكاء سكانها في منتهى ~~المرح برغم قتامتها وبللها وحزنها المحتوم الذي لا بد منه؛ إذ بمجرد أن تغلق الأبواب ~~دون السماء الكدرة والظلمة المغمة، تدفئنا الأنوار وصخب الأحاديث الدائرة وسعادة ~~اللقاء بوجوه باسمة متفتحة وعظيمة الود. # كانت حفلة الغداء في الجامعة لطيفة؛ كما كانت المحادثة مع أستاذ للأدب الفرنسي في ~~مانشستر غير متوقعة إلى حد ما، وقد وجه إلى طه كلمة جميلة ختمها على النحو التالي: # سأجهد، ~~لكني أستغفركم جرأتي، وبالرغم من قصور الترجمة، أن أستشهد بأبيات من قصيدة، ~~مطبقا معانيها عليكم، وهي قصيدة تعرفونها أفضل من أي إنسان آخر بما أنها ~~للمتنبي: # 240 # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # وتأتي على قدر الكرام المكارم # تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى # إلى قول قوم أنت بالغيب عالم # مثله في اللطف أيضا كان «ج. ~~باربيرولي # J. Barbiroli ~~» # 241 # الذي كان يدير الحفلات الموسيقية في ليفربول لفترة طويلة، وفي الحفلة التي ~~دعينا إليها جاء في أثناء الاستراحة ليجلس بالقرب من طه، ولم يتركه إلا ليعود إلى ~~منصة القيادة. # وعدنا إلى لندن، لكننا قبل أن نعود إليها زرنا مدينة كامبريدج التي كانت جديدة ~~بالنسبة إلينا، وفيها أيضا كان الناس مرحين مضيافين، وكانت مسرة حقيقية أن يتناول ~~المرء طعام الغداء بصحبة «إ. م. ~~فورستر # E. M. Forster ~~» # 242 # في إطار كان على نحو ما تخيلت تماما. كان يعيش في «كينجس كوليج # King’s College ~~»، وكنا نفرا من الأصدقاء في ~~غرفة واحد من أصدقائه. كان هذا الإنسان يتحدث بعفوية حيوية، وأحببت كتبه وأحببت ~~مؤلفه. وكان بصحبتنا خلال تأدية إحدى الشعائر - وربما توجب علي أن أقول «العبادة» ~~- في كنيسة الكلية التي قادنا إليها عميد الجامعة. # كان هذا العميد مضيافا مثلما كانت امرأته أيضا. لم يكن بوسعه أن يعرف أن ms150 طه يصاب ~~بداء الحساسية إذا ما تناول الفطر؛ فبعد العشاء الذي أقامه على شرفنا ذلك المساء، ~~وبينما كان طه يستقبل معي مدعوينا للأمسية التي أقمناها، إذا به يتهافت فجأة ويسقط ~~على الأرض، وعم الانفعال والبلبلة، وسرعان ما حضر الطبيب ورجلان ليحملاه إلى ~~المصعد فاقدا وعيه، ثم إلى غرفته لاتخاذ الإجراءات المعتادة. وفي اليوم التالي ~~أعلنت صحف لندن أن وزير التربية المصري أصيب بإغماء في أثناء حفلة استقبال، كما ~~أذاعت ذلك الإذاعة البريطانية، وتهافت علينا سيل من البرقيات القلقة. # واستمرت أيامنا حافلة بشتى البرامج، وقد تفاهم طه على نحو جيد مع وزيرة ~~الشئون الاجتماعية؛ فقد وجدا نفسيهما على اتفاق تام حول نقطة تتعلق بالتربية ~~البدنية، أظن أنها كانت الملاكمة، وكانت راضية عن ذلك إلى حد بعيد؛ لأننا لم نكن ~~نتفق معها بشكل عام في الأمور الأخرى. # زرنا عددا من الكليات، وأخذت لنا فيها مجموعة من الصور تروق لي؛ ففيها بدا طه ~~في منتهى الحيوية والسعادة، مثلما كان دوما بين طلابه وتلامذته. # وعلى طريق العودة، قبلنا أمي على عجل. # وسيمنح في الربيع التالي # 243 # دكتوراه أخرى، هي دكتوراه جامعة أثينا؛ وصلنا إليها دون قصد في الخامس ~~والعشرين من مارس؛ أي يوم العيد الوطني في اليونان، فاستقبلنا بصداقة من قبل ~~الرسميين ومن قبل سفيرنا عدلي أندراوس، وذهبنا في الغداة لوضع باقة من الأزهار على ~~قبر الجندي المجهول. # كان برنامج زيارتنا ذلك اليوم حافلا إلى حد كبير بحيث لم يكن متاحا لي سوى القليل ~~من الوقت لزيارة الأكروبول (وقد زرته من دون طه)، وكنا قد ذهبنا لزيارته لحسن الحظ ~~خلال مرة من مرات هبوطنا العابر هناك. # 244 # وقد احتفظت دوما بذكرى الأزهار المتفتحة في بركة تقوم بين البلاط. من ~~المؤكد أنني نظرت مطولا إلى البارثينيون والكارياتيد # 245 # في «الأرخيتون # Erechthéion ~~»، إلا أنه لم ~~يكن محظورا رؤية الأزهار النابتة بين الأطلال. كانت الأزهار هذه المرة هي أزهار ~~البروق، # 246 # لم يسبق لي أن رأيت منها قط، والخزامى الأحمر ذا التويج القصير، ~~الذي كان يكتسي لون ms151 الأرض بين أثينا «وثيبس # Thèbes ~~»، ~~وكذلك في أمكنة أخرى على وجه التأكيد، وأزهار البابونج المتواضعة في «دلف» حول نبع ~~كاستاليا. # كانت رحلة ممتازة من أثينا إلى دلف. كانت الأرض ذات مظهر جليل في «كادميه # Cadmée ~~»، وفوجئت في ثيبس، وسط صخب الأحاديث ~~باليونانية، بتحية تلقى علي بالعربية كان يلقيها علي يوناني عاش غالبا زمنا ~~طويلا في مصر، وتحية مؤثرة للغاية في لوفاديا؛ فقد كان حاكم مقاطعة «بيوتي # Béotie ~~» ينتظرنا أمام بيته المتواضع، كان يقف إلى جانبه ~~رئيس الأساقفة وقد أخذ يلمع صليبه الكبير تحت أشعة الشمس الجميلة. كنا نسير، منذ ~~دخولنا المدينة، وسط هتاف تلاميذ المدارس، في حين كانت أصوات الأبواق واضحة، ووجهت ~~إلي خطب وباقات الأزهار، وأقيم لنا غداء عائلي بصحبة الأسقف، وأحاطتنا ضيافة ~~حقيقية وفق التقاليد القديمة. ثم غادرنا المقاطعة برفقة الموسيقى والهتاف الفرح؛ كان ~~هذا الحاكم في منتهى الود، لا شك أنه كان موظفا قليل الثراء، لكنه كان فخورا ~~بحق بمدينته وببلده، وقد كتب إلي - إلى القاهرة - كما أرسل لي صورا التقطت لنا ~~في هذا اليوم المشهود (ولم تكن صورا صحفية). # ولنتخيل طه في دلف، محمولا ألفي عام إلى الوراء، في غمرة هذا العالم الهيليني ~~الذي أحبه دوما. وإني لأشك في أنه، إذ وجد نفسه في المدرج الكبير الذي كان يرقص ~~فيه الراقصون بثيابهم الزاهية القصيرة لنا وحدنا، ويتمايلون بلطف وخفة؛ أقول: أشك في ~~أنه كان يصغي لوقع خطواتهم، أو لإيقاع الموسيقى والأغنيات ... فربما كان يعيش مع ~~«بيثي Pythie ~~». # أما أنا، وقد كنت طائشة دوما إلى حد ما، فقد كنت أنعم النظر طويلا عند مدخل ~~الملعب في العلامة المطبوعة على الحجر، التي خلفتها أقدام العدائين الذين كانوا ~~ينطلقون في سباقهم من هناك. في المساء، نزلنا حتى البحر، وحاذى طه على الشاطئ رجلا ~~عجوزا حياه، مناديا إياه بالشاعر، ولعله هو الآخر واحد من الشعراء المنشدين ~~القدامى العائدين. كانت الجبال من الجانب الآخر من خليج كورنيثه لا تزال مغطاة ~~بالثلوج. # واستقبلنا الملك بول والملكة فريديريكا لتناول طعام الغداء، ولم يكن ms152 معنا سوى ~~سفيرنا وضابط من القصر، وتحدثنا بطلاقة وبصورة عائلية تقريبا في القاعة الزرقاء ~~المؤدية إلى غرفة الطعام. # 247 # وسألت الملكة طه من هو موسيقاره المفضل، فأجاب: باخ. فصفقت الملكة ~~بيديها قائلة: «كنت على ثقة من ذلك!» # وببساطة متناهية، بل أكاد أقول بطيبة متناهية - إذ إنه كانت ثمة طيبة في سلوك هذا ~~الإنسان - قلد الملك طه صليب العنقاء الأكبر. # على أن الشيء الهام كان احتفال الجامعة؛ لقد كان باهر الجمال. كان الطلاب ~~والطالبات من حولنا يشكلون موكبا طويلا، ولعل صورة بالاس أثينا التي تطل على ~~المنصة قد أوحت ولا شك لطه الذي كان في منتهى الانفعال؛ فلقد ألقى خطابا مؤثرا إلى ~~الحد الذي رأيت فيه الدموع تترقرق في كثير من العيون بما في ذلك عيون جنرال ~~عجوز. # كان هناك واحد من الحاضرين لم يكن مسرورا، وأعني به سفير تركيا. لقد كان طه يتألم ~~دوما - دون أن يعاني ذلك بنفسه - من التصرفات التي مارستها الإمبراطورية العثمانية في ~~مصر خلال قرون، هذا فضلا عن أن هذا الاحتفال كان يقام على إثر الاحتفال باستقلال ~~الشعب اليوناني. واستاء السفير التركي من جملة لم تكن - لوجه الإخلاص والأمانة - ~~فظة، غير أن عدلي أندراوس أخذ على عاتقه أمر إقناعه بذلك. # وغمرنا مضيفونا بالعناية، ولم يكن أقلها رقة أن عرضوا علينا فيلما مستوحى من كتاب ~~طه «الوعد الحق». # وعدنا بطريق البحر. # أود أن يتعلم كل الأطفال في المدارس اليونانية عدة صفحات عن حياتك ~~... إنه أجمل الدروس ... # كنت أذكر هذه الكلمات التي قالها أحد أعضاء الحكومة اليونانية، حين كانت باخرة ~~«الإدنا # Adna ~~» تبتعد، وحين كانت لا تزال تغمرنا ~~حرارة الود والفهم الصامت والحنين الآسف لوداعنا بلدا جميلا ورجالا حقيقيين. # لم يكن طه يستريح إلا في «القناطر»، عندما كان بوسعنا قضاء يوم في أحد بيوت ~~الاستراحة، وقد حملت إلى هذا البيت ذات مساء هدية عيد ميلادي، وكانت عبارة عن تسجيل ~~لقداس من مقام سي لباخ؛ كنا نستمع إليه ليلا والنوافذ مفتوحة المصاريع، وكان ~~النوتيون يدهشون دون شك من هذه ms153 الموسيقى الغريبة، على أني أذكر أنه لدى إجراء تحقيق ~~مع الناس الذين يجهلون الموسيقى الغربية، لوحظ وجود جاذبية واضحة غير متوقعة ~~لموسيقى باخ في نفوسهم. # وهناك تحقيق آخر أجري هذه المرة في القرى التي كان طه يفكر تزويدها بجهاز راديو ~~ليستخدمه جميع الناس. لم يكن الفلاحون يريدون ذلك، فقد كانوا يقولون: «لا حاجة بنا إلى ~~هذا، فعندما نعود من العمل نريد أن نأكل وننام.» # لقد تغيرت الأمور الآن إلى حد كبير؛ فأجهزة الراديو في كل مكان، وسترتفع ~~احتجاجات جميلة لو تم إلغاؤها! # عندما توجب علينا - خلال السنة الأولى من عمل طه كوزير - المجيء إلى الإسكندرية ~~حيث تنتقل الحكومة كل صيف، استأجرنا دارة صغيرة في بولكلي. كان صهري قد أوفد إلى ~~واشنطن كملحق ثقافي، وقبل أن تلحق به ابنتي أمضت بعض الوقت بيننا بصحبة طفليها، إذ ~~كان قد ولد لهما بنت صغيرة قبيل فترة، وعندما جاء طه لرؤيتها في مستشفى كوتسيكا ~~بالإسكندرية، كان الأطفال في الغرف المجاورة يحدثون ضجيجا كبيرا بصراخهم، في حين ~~كانت هذه الطفلة ساكتة؛ فصرخ طه غاضبا بسخرية: «إنها لا تبكي! ماذا يقول الناس ~~عنا!» # كان هناك في الدارة أيضا مؤنس الذي وصل من باريس مع رفيقه وصديقه هنري بوييه. كان ~~هنري يأتي كل يوم، وكان الشابان يسليان الطفلة الرضيعة بمنتهى اللطف، وخلال نزهة ~~قمنا بها إلى رشيد، كان هنري شديد الانتباه على وجه الخصوص لهذه الطفلة الصغيرة، ~~ولابتسامتها، ولغمازتيها. # كان طه مولعا بها، وكان يزعم أنها لم تكن تبكي قط عندما تكون بين ذراعيه (بعد أن ~~تعلمت البكاء!) # كانت هذه النضارة عذبة بالنسبة إليه خلال الغم العظيم الذي ألم به آنذاك؛ فقد ~~توفيت أمه العجوز بعد أن نامت خلال يومين لم تستيقظ بعدهما. كانت مقبرة المنيا فيما ~~وراء النيل، وكان الطريق إليها رديئا، ومشى طه وقتا طويلا تحت أشعة شمس لاهبة، ~~وصافح آلاف الأيدي. # عندما كنت في المنيا في شهر نوفمبر من العام الماضي؛ حيث ذهبت للمشاركة في الاحتفال ~~الذي أقيم في محافظته تخليدا لذكراه، أردت الذهاب ms154 لزيارة قبر أبويه، ورغبت ~~السير هناك، أنا الأخرى، والاقتراب من هذا الصخر القاسي العاري الذي ينتصب عموديا ~~في النيل في هذا الموضع الذي يتسم بشدة الاتساع والزرقة، لكني لم أستطع، فنحن ~~دوما سجناء المواعيد والبرامج والضرورات المستقلة عن إرادتنا. # وقد حكى لي صهري أنه خلال الجنازة قام نزاع حول أرض المقبرة؛ فقد كانت مقابر العائلة ~~في مكان تتسرب إليه المياه، وكانت عائلة الأم تريد أن تدفن حماتي في مدفن جديد ~~كانوا قد بنوه، في حين كان الآخرون يرفضون؛ فقال طه: «حسنا، سأشتري منكم هذا المدفن ~~الجديد.» لعائلة الأم (فيصير بذلك لعائلة الأب)، وتدفن الوالدة فيه (كما تريد عائلة ~~الأم) وينتهي الإشكال! وقد كان. # وأضاف صهري: «هكذا كان الدكتور طه يحسم المشاكل ويتغلب على المصاعب خلال ~~دقيقتين.» # وقد ذكرني بالأستاذ «دوبوا ~~ريشار # Dubois-Richard ~~» # 248 # الذي كان يقول لي عندما كان طه وزيرا: # آه! أين هو الزمن الذي كان يرأس فيه مجالس الكليات! ففي أقل من ساعة كان ~~يحل كل شيء ... على أفضل نحو ... # ومحمد الزيات هو الذي قص علي أيضا كيف أمكن إرسال طالب لدراسة اللغة العبرية ~~في القدس قبل حرب فلسطين؛ كانت لوائح البعثات تنص على عدم إرسال بعثة إلا للبلدان ~~المحددة لهذا الغرض مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ولم تكن فلسطين من بين هذه ~~البلدان، فاعترض رجال البعثات على ذهاب المبعوث الشاب إلى الجامعة العبرية. # فقال طه: «أليست فلسطين تحت الانتداب البريطاني؟» ~~- دون أي شك! # فقال طه: «حسنا، سيذهب إذن إلى القدس، إلى جامعة من جامعات بريطانيا العظمى!» # وتوجب علي ذات يوم أن أصحب ابنتي ~~وطفليها إلى الباخرة. كان قلبي مفعما بالحزن؛ إذ إن أمريكا كانت تبدو لي في منتهى ~~البعد، لكني كنت أقول لنفسي مع ذلك إن من الأفضل لأمينة ولزوجها أن يوسعا من ~~أفقيهما، وكان ذلك بالنسبة إلى صهري بداية درب متألق؛ أما بالنسبة لي فقد كان ~~بداية الفراق الذي لم يكف قط عن التكرار. عندما كنت أغادر الباخرة حيث ودعتهم، ~~كنت أحمل في عيني الصورة الرائعة للصغيرة ms155 سوسن في ثوبها الوردي الواسع ذي التويج ~~ضمن مهدها الخشبي. # ونتلقى من باريس خبرا مذهلا: فقد ~~أعلنت صحيفة «باري بريس Paris-Presse ~~» وصحيفة أخرى ~~وبعناوين عريضة أن ملك مصر قد طلب إلى جراح فرنسي شهير الحضور إلى القاهرة ~~لإجراء عملية جراحية لإعادة البصر إلى طه! يا للمسكين الصغير الذي لم يعد لعينيه ~~حتى مجرد الوجود! أحدث الخبر ضجيجا، وكان لا بد للملك من أن يستاء جدا من هذا ~~الخبر، غير أن الديوان دبر الأمور بهدوء. # وبعد عدة سنوات، كتب لنا عامل فرنسي، كان قد قرأ مقالا عن طه - لعله مقال موريس ~~دريون - رسالة مثيرة؛ فتحت تأثير دهشته وإعجابه الشديد بما قرأه عن طه، كان يعرض ~~تقديم إحدى عينيه إلى طه بكل بساطة! وشكره طه بأفضل ما استطاع متأثرا من عرضه إلى ~~حد كبير، فعاد وكتب مرة ثانية أيضا. هذا العرض الذي كان في منتهى الكرم، كانت ~~عروض مماثلة له قد قدمت عدة مرات، لكن ذلك كان من قبل مصريين أو عرب عرفوا طه ~~جيدا، وكانوا يملكون الكثير من الأسباب ليحبوه؛ أما أن يأتي هذا العرض من قبل ~~عامل فرنسي في السادسة والثلاثين من عمره إثر مجرد قراءة مقال يتحدث عما كانه هذا ~~الأعمى ... فقد كان ذلك أمرا رائعا ... # طرأت اضطرابات خطيرة، ولما استفحلت كان لا بد من إغلاق الجامعة، ولم تفتح أبوابها ~~إلا في يناير، حيث استطاع مؤنس أخيرا بدء دروسه فيها. # لكن الهدوء لم يستمر؛ فقد بدأت القلاقل مجددا، وكانت محافظة الإسماعيلية هي التي ~~هوجمت بالرصاص هذه المرة. # 249 # وفي السابع والعشرين من يناير حدث حريق القاهرة، وفي الغداة سقطت حكومة ~~النحاس . # 250 # كان يوم حريق القاهرة يوما حافلا بالقلق والأسرار أيضا؛ إذ لم نكن نعرف حقا ما ~~الذي كان يجري. كان نظام منع التجول الطاغي مستمرا، وخلال الأشهر التي تلت ~~جرت محاولات عدة لإقامة حكومة جديدة، لكنها لم تنجح، ثم كانت نهاية ~~الملكية. # لم يخل بيتنا من الزوار عند سقوط الوزارة. كنا نتلقى كميات من الأزهار ~~والرسائل، وكنا نرى ms156 أنواعا من الثناء والمديح غريبة؛ فقد أهدى إيطالي مثلا إلى طه ~~معزوفة عسكرية من تأليفه، وجاء مصري إلينا بلوحة مؤطرة بإطار فخم لجد جده الذي ~~كان فكر في تأسيس مدرسة للغات، فكان من العدل إذن إهداء هذه الذكرى لطه الذي قام ~~بتأسيس مثل هذه المدرسة! # كانت هذه اللفتات، وهي في معظمها اعتراف بجميل، تمس شغاف قلبه بالتأكيد، لكنه كان ~~مع ذلك ينظر للأمور من عل إلى حد ما، أعني فيما يتعلق بسقوط الوزارة. كان له في ~~الوفد أصدقاء حقيقيون سمحوا له بتحقيق عدد من مشروعاته، لكنه لم يكن سياسيا، ولم يكن ~~عضوا في الوفد. وفي فترة، وربما في فترات كثيرة، انتقد عدد من الوفديين الحزبيين ~~تعيينه وزيرا «على حساب» أعضاء الحزب؛ فقدم طه استقالته للنحاس الذي رفضها ~~محتجا بأن المسألة - وقد كتب له ذلك - ليست مسألة حزب، وإنما هي مسألة ~~وطن. # كان النحاس ودودا باستمرار، يحترم طه ويتعامل معه في جو من الألفة البسيطة ~~السائغة التي عرفت عنه دوما. وإني لأذكر رحلة قمنا بها معا وبمحض الصدفة قبل زمن ~~الوزارة بوقت طويل، وعندما كان «الوفد» العدو رقم واحد للحكومات القائمة، كنا قد ~~أمضينا أسبوعا في أسوان، ولم نكن نعلم أن النحاس سيعود إلى القاهرة بالقطار نفسه الذي ~~كنا سنعود به، وكانت السلطات تخشى قيام مظاهرات بهذه المناسبة، فمنعت الدخول إلى ~~المحطة على كل من لم يكن مسافرا؛ فلم يحدث شيء، إلا أنه عند وصول القطار إلى المحطة ~~التالية، كان هناك سيل بشري يتدفق على طول الرصيف، وصعد المتظاهرون متدافعين إلى ~~المقصورة التي كان الزعيم فيها - أعني مقصورتنا؛ إذ كان النحاس قد جاء إلينا للجلوس ~~بالقرب من طه - وكانت هتافات الترحيب تختلط بباقات الورود، وكانت زجاجات «الشربات» ~~تقذف بصورة خطيرة عبر باب المقصورة، وتمكن بعض الجسورين من اقتحام المقصورة، ~~فجرحت قدم مؤنس المسكين - وكان طفلا آنذاك - وكادت تنسحق؛ فتسلقنا على المقاعد. ~~وكان ذلك يتكرر في كل مكان كان القطار يتوقف فيه حتى هبوط الليل، وكان هناك نفر من ~~الناس كانوا يرقصون ms157 بصورة رائعة على خيولهم الجميلة على امتداد الطريق، وقد بدا ~~النحاس متأثرا على الرغم من اعتياده على مثل هذه التظاهرات، ولقد تأثرت أنا ~~الأخرى. # ولكي يبدأ العمل، استعاد طه بفرح رئاسة لجنة المعاجم في المجمع اللغوي، ~~واستغرقته تماما المهمات المختلفة المنتظرة منه، أو تلك التي يلزم بها نفسه، بحيث ~~إنه كان في نهاية السنة التالية مرة أخرى خائر القوى، الأمر الذي اضطره إلى تعطيل ~~العمل في كتابه عن الخليفة علي الذي كان قد كتب في «التيرول # Tyrol ~~» الفصول الستة الأولى منه. # كانوا يبدون نحوه الاحترام والثقة (وكانوا يسمونه «أبو الثورة»). كان أحد أعضاء ~~لجنة صياغة الدستور، وطولب من جديد بإلقاء محاضرات، وألقى منها عددا لا ينسى، ~~كمحاضرته عن حرية الكاتب، أما محاضرته في نادي الضباط فكانت داوية؛ فلدى خروجه ~~ألقت امرأة بنفسها على عنقه، وأرسلت له في الغداة سلة رائعة من الورد. # بينما كان طه يتحدث عن حرية الكاتب، كان ابني يتحدث عن الموسوعة في الإذاعة. ~~كنت في منتهى التعب وأنا أصغي إلى أحدهما مفكرة بالآخر، في حين كنت أشد خيوط ~~الصوف في يدي؛ وكنت منفعلة إلى حد ما. لم يكن طه يهمل المجمع أو المعهد؛ فقد ~~قبل إلقاء دروس خارج البرنامج في الكلية، وأعطى - إذا جاز لي القول - دفعة ~~الانطلاق لمركز التربية الأساسية التابع لليونسكو في سرس الليان؛ # 251 # إذ كان طه قد انتزع اختيار مكان المركز، فاستقر الاختيار على مصر (لكنه ~~لم يستطع المشاركة في الافتتاح لإصابته بنزلة صدرية). # وكتب طائفة ضخمة من المقالات في كل الموضوعات، حتى إن سفير اليونان جاء إلينا في ~~عام 1955 ليشكره على مقاله عن قبرص، ودفع مقاله عن قبرص أيضا «الضمائر الحمراء» تاجرا ~~من الزقازيق ليكتب له رسالة جميلة. وفي عام 1958 نقل له السفير لامبروس رسالة من ~~المطران مكاريوس # 252 # الذي كان مارا في القاهرة، وقطع على نفسه عهدا بالذهاب لرؤيته، غير أنه ~~اضطر إلى العودة إلى الجزيرة فجأة. # كان قد استأنف الكتابة في كتابه عن «علي» الذي صدر في عام ms158 1953، واستأنف العمل في ~~الجزء الثالث من كتاب «الأيام». ~~••• # كانت أحداث 1952 قد هزتني تماما، وقد كتبت لأمي: «تبقى حياتي إلى جانب طه شيئا ~~مثيرا؛ فكل ما يحدث يؤثر عليه بصورة تختلف عن تأثيرها في الآخرين، وهذا طبيعي؛ لكني ~~أشعر بصدى ذلك أحيانا أكثر مما يشعر به هو نفسه. إنني أستمتع برؤيته ينفرد بنصوصه ~~القديمة التي سيستخلص منها تاريخ الخليفة علي وبنيه.» # كنت أهنئ نفسي أكثر بكثير أيضا على الوقار الخارق الذي تمت به الثورة (1952). ~~أية سيطرة على النفس وأية فطنة! لم تكن هناك أية شتيمة أو أية قطرة من دم. كنت فخورة؛ ~~فقد عاشت مصر تلك اللحظة - ربما - أجمل ساعات تاريخها. # إلا أنه لا بد من الحديث، ويا للأسف، عن السويس (1956). كنت ممزقة؛ أن يحب ~~المرء بلده، وأن يتوجب عليه أن يقول إن فرنسا لا تملك الحق في تصرفها، كان ~~أمرا مؤلما وصعب القبول. على أن المصريين لم يغيروا شيئا من مواقفهم نحوي؛ فلم ~~أسمع أية كلمة جارحة أو حتى عدائية، وعندما توجب علي الحصول على بطاقة هوية (وكنت ~~أحمل الجنسية المصرية منذ زواجي، إلا أنه كان يتوجب على المرء في مثل هذه الظروف أن ~~يعلن عن أصله)، فإن مدير الجيزة كان أكثر من ودي في سلوكه نحوي. كنت أتألم ~~بقسوة؛ في ثقتي ببلدي التي كانت وتبقى مطلقة، وفي الإساءة التي وجهت إلى مصر. # إن من الحق أن نقول إن بلدا ما لا يتجسد كله فيمن يمثلونه، بل ربما لا ~~يتجسد فيهم على الإطلاق، لكن ذلك لا يحول بين الأخطاء المجرمة والشريرة وبين أن ~~تسبب الدمار. # عندما طرد سلطان المغرب من بلده قبل ذلك حزن طه حزنا عميقا؛ فقد كانت لديه فكرة ~~رفيعة عن فرنسا، وكان قد ناضل كثيرا للدفاع عنها في كثير من المناسبات، كما عمل ~~الكثير لنشر ثقافتها، وبذل كل ما يستطيع للإبقاء على مؤسسات التعليم الفرنسية في ~~أثناء الحرب ... وكانت هناك مسألة الجزائر التي كانت جارحة إلى أقصى حد؛ فبعد أن قطعت ~~له الحكومة الفرنسية وعدا بالسماح ms159 له بتأسيس معهد الدراسات الإسلامية فيها، جاءه منها ~~رفض قاصم. ولم يستطع أن يقبل الهجوم على السويس، وقد أعاد وسام جوقة الشرف إلى فرنسا، ~~ولم يكن ذلك أمرا يسر القلب، كما آلمني ذلك جدا. # كانت هناك ندوات ومؤتمرات في الخارج من جديد توجب علينا الاشتراك فيها، وفي سبتمبر ~~1952 عقد مؤتمر الفنانين والكتاب في البندقية. # والبندقية مدينة محبوبة وأليفة شأنها شأن فلورنسا، وشأن فلورنسا كانت تبدو لنا ملكنا ~~إلى حد ما، لكننا - فيما عدا المؤتمرات والزحام - تعرفنا بندقية تكاد تكون شتائية؛ ~~كان ذلك في نهاية أكتوبر، وكانت السماء تمطر دون توقف، والجو باردا، ولم نكن نستطيع ~~وقاية أنفسنا جيدا ونحن ننتقل فيها على القوارب البخارية، كما أن التدفئة المركزية ~~لم تكن قد بدأت في الفنادق بعد؛ فكنت أفتح صنابير المياه الساخنة لنشر الدفء في ~~الغرفة، وكان طه يشرب في البار عصير اللوز القوي بأمل الدفء أيضا. لم يكن يحب أن يمشي ~~وسط هذه الرطوبة، أما مؤنس وأنا، فقد كنا نتابع القوارب، ونصعد ونهبط الكثير من ~~الجسور ونتعرف على الساحات الصغيرة وآبارها القديمة، ونلتقي ببعض الأشجار العارية. ~~وها أنا ذا، ذات صباح، فجأة، في حضور «تانتوريتو ديلا سكوولا سان ~~روكو # Tintoret de la Scuola san Rocco ~~»، نادرا ما شعرت بصدمة مماثلة، وبقيت مذهولة أمام لوحة ~~«البشارة». كل شيء يتحرك، ولم يبق شيء في مكانه في الغرفة حيث كانت ماري مبهوتة، ~~وقبل ذلك غير مصدقة، تستمع إلى الرسول، كما لو أن الأمر زلزال أرضي؛ كان أمرا ~~عظيما. أية جرأة في هذه العبقرية! لقد كان هذا الرجل عظيما يرى الأشياء بعظمة ~~خارقة. # كان مؤتمر 1952 يعقد في مؤسسة «تشيني # Cini ~~» # 253 # في جزيرة سان جيورجيو. المنطقة جميلة؛ فإلى جانب كنيسة «بالاديو Palladio ~~»، كانت صومعة البنديكتيين القديمة قد رممت ~~وأعدت للمؤسسة باحترام وعلم وأناقة تثير الإعجاب؛ فقد رسمت الحدائق وزرعت ~~النباتات وبني مسرح من الخضرة. # ويخيم ما يشبه البركة فوق ذلك كله، فوق هذا الإنجاز الذي ألهمه ألم عظيم؛ ذلك أن ~~الكونت تشيني كان ms160 قد أقام ذلك الشيء الجميل للغاية تخليدا لذكرى ابنه الذي قتل خلال ~~حادث طائرة. وأضيفت إلى الأهداف الثقافية مختلف المشاريع الاجتماعية بمعونة السلطات ~~الحكومية؛ فقد كان من الممكن أن نرى فيها مشغلا لبناء البواخر يعمل فيه أطفال البحارة ~~الذين كانوا في معظمهم أيتاما، وقد عرفت أنه - ذات يوم، منذ أمد قصير - وصل إلى ~~«برينديتسي # Brindisi ~~» مركب بنوه بأكمله وقادوه ~~بأنفسهم. وكم أحببت لو أني رأيت هذا المركب. # عهد بتنظيم المؤتمر إلى «أندريه ~~لوته # André Lhote ~~». # 254 # كنا نعرفه قبل أن يأتي إلى القاهرة، وقد نظمه بطريقة مبتكرة استساغها ~~الجميع. كان يكتب لطه من باريس رسائل مسهبة يعرض فيها كثيرا من أفكاره عن الرسم بشكل ~~عام، وعن الرسم المعاصر بوجه خاص، وتلك كانت لفتة تقدير رقيقة نحو رجل لم يكن ~~يرى. # كنا بين شخصيات عظيمة الأهمية، وعندما كتبت صحيفة إيطالية: ««روو # Rouault ~~» و«هونيجر # Honegger ~~» و«مور # Moore ~~» وطه حسين ~~يدافعون عن كرامة الفن.» فإن بوسعي الاعتراف أن ذلك قد سرني. كنت سعيدة ولم ~~أدهش لذلك؛ لأن طه قال: # الكتابة هي أيضا العمل ... كل كاتب وكل فنان لا يستطيع التقدم إلا بالإخلاص ~~... شأنه شأن بطل دانتي يحمل المصباح معلقا إلى ظهره ليضيء طريق الذين ~~يتبعونه. # كان «جول رومان # Jules Romains ~~» حاضرا في المؤتمر؛ ~~كان طلق الوجه دوما، وكانت تبدو عليه ملامح السرور في حفل الاستقبال الجميل الذي ~~أقامته قنصلية فرنسا على «الزاتير # Zattere ~~». # وإذا كان الجميع قد عملوا بجد في مختلف لجان المؤتمر، فلم يكن بعض المشتركين فيه من ~~ذوي الطباع الحسنة؛ لقد غضبت من فرط العنف الذي كان يهاجم به كاتب - فرنسي للأسف ~~- مندوبا إيطاليا خلال مناقشة عامة يحضرها الجمهور. لم أكن في القاعة، لكني عندما ~~كنت في الدهليز أنتظر طه، رأيت هذا الإنسان يتشابك بالأيدي مع الآخر الذي كان يكبره ~~سنا، ورأيت طه يتدخل بينهما! ثم علمت أنه تدخل في أثناء الجلسة أيضا يدعمه في ~~ذلك «أونجاريتي # Ungaretti ~~» # 255 # بقوة. # ما كان أجمل صمت البحيرة عصر يوم قضيناه على شاطئها! وأخيرا ms161 نزلنا إلى ~~«تورتشيللو # Torcello ~~» التي حلمت بها منذ وقت ~~طويل. كانت هذه الجزيرة المهجورة الآن، عذبة غريبة ساحرة الكآبة. وأي منظر كان، منظر ~~وجه العذراء الرائع وسط سماء ذهبية على قبة الكاتدرائية. # ليس من الممكن وصف الأنوار أو التعبير عن الهدوء في نهاية هذا الإبحار البطيء الحالم ~~على سطح مياه رقراقة. عند اقتراب الغسق، كانت البحيرة تغدو مظلمة، في حين تدخل الأشرعة ~~الحمراء والصفراء عالم الليل، وكذلك زورقنا. كان لا بد من النزول. كنت في حالة ذهول ~~كاملة، ولعلني كنت كذلك حين وصولي القاهرة؛ إذ قلت لصديق مصري: «لو تعلم ما كان أجمل ~~ذلك!» فأجابني قائلا: «إنني أرى جمال ذلك في عينيك.» # عدنا بعد ذلك بثلاث سنوات لحضور ندوة حول سوء التفاهم بين الشرق والغرب. كانت هناك ~~لحظات صاخبة في ذلك المؤتمر، كنا إما مفرطين في الاقتناع بتفوق الغرب، وإما مفرطين ~~في العداء نحو هذا الغرب. ودافع طه عن الشرق وعن إسهام الشرق في العالم المتحضر ضد ~~بعض الدعاوى الجاهلة والظالمة في هذا المجال، ويبدو إن انفعاله لم يعجب بعض ~~المؤتمرين، على أن أولئك الذين يعرفونه كانوا يعلمون أنه كان دوما يريد ويطالب ~~بتكثيف المبادلات بين الشرق والغرب، وخاصة عبر البحر المتوسط. كان «جبرييلي # Gabrieli ~~» # 256 # مضطربا إلى حد ما، إلا أنه لما كان يعرفه فإنه كان يفهمه. كان يعرفه ~~ويحبه، وقد عرف أن يعبر لي عن ذلك بعد موت طه بكلمات نفذت إلى قلبي. لقد حصل على ~~تقاعده في السنة الماضية، وكان درسه الأخير الذي خصصه للحديث عن طه ثناء مؤثرا ~~من الصديق المخلص. # وقد عقدت جلسات الندوة في سان جيورجيو أيضا، وعندما لم نكن نملك الوقت للعودة إلى ~~الفندق - وكان ذلك أمرا معقدا عندما نكون في جزيرة - فقد كان المؤتمرون يتناولون ~~طعام الغداء في قاعة الطعام بالمؤسسة، وكان الكونت تشيني يتناول في كل مرة ذراع ~~طه ولا يتركها قبل أن يطمئن إلى جلوسه جلسة مريحة. # وأقام الكونت حفل استقبال في الدار الجميلة - وهي إحدى قصور البندقية القديمة ~~والجميلة ms162 كما هو واضح - القائمة على زاوية القنال الكبرى وقناة نسيت اسمها. كل شيء ~~كان يخلو من البذخ، لكن كل شيء كان يبدو رائعا. ولن يحدث لي أبدا مرة أخرى أن ~~أشرب قهوتي في حين أرى أمامي لوحة رائعة ل «فيرونيز # Véronèse ~~»، وعلى يساري لوحة لتينتوريتو. كانت هذه الأشياء التي لا ~~تقدر بثمن في مكانها الطبيعي، شأن الخزائن القديمة والصوانات والطنافس التي لم تكن ~~تقل راحة عن المقاعد الحديثة ونقاء اللوحات ذات الأطر الجميلة. لم يكن هناك أقل ~~إفراط أو تزيد، ولم أر شيئا يماثل هذا الكمال. # استأثرت ابنة مضيفنا - وهي امرأة شابة - بطه، وتفاهما على نحو جيد، وقد وجد ~~طه نفسه على سجيتها في هذا الوسط الذكي المرهف بلا ادعاء، وعند عودتنا أراد الكونت ~~أن نعود بقاربه، فصحبنا إليه، وافترقنا عند هذه الكلمات: «كم سأفتقدكم!» # كانت «ماريا ناللينو» تلك السنة معي في أكثر الأوقات؛ فقد كانت فيما أظن إحدى ~~سكرتيرات المؤتمر. كنا نخرج غالبا معا، وكانت قد فقدت عمتها التي ربتها بعد ~~وفاة أمها، ولم تكن لديها أية عائلة قريبة، وذات يوم قالت لي محمرة الوجه: «أود ~~أن أطلب منك شيئا، ولا أجيز لنفسي ذلك.» ~~- بل أجيزي لنفسك يا ماريا ... قولي! ~~- أود أن ترفعي الكلفة معي. # 257 # فقلت لها على الفور: أنت. وصرت أخاطبها بصيغة المفرد منذ ذلك الحين. # كانت لا تزال تلبس الحداد وتتلهف لمعرفة ما إذا كان بوسعها أن تسمح لنفسها بوضع شال ~~وردي صغير لتذهب به إلى «لافينيتشي # Lafenice ~~» حيث ~~كنا مدعوين جميعا لسماع حفلة موسيقية ل «بنيديتي # M. A. Benedetti ~~». # 258 # كانت الحفلة في منتهى الجمال، وقد وضعت ماريا شالها وكانت سعيدة. # كنا في عوداتنا المتأخرة نمشي في مدينة شبه خالية. كنا نجتاز ساحة سان مارك، ~~وكانت تبدو لي - وقد خلت من الجماهير ومن الحمام - وكأنني أكتشفها من جديد، وأذكر ذات ~~مساء كنا نمشي فلا نسمع سوى وقع خطواتنا؛ لم يكن أحد منا يتكلم، وربما كان القمر ~~يرسل أشعته بهدوء على الواجهات وبلاط الرصيف، ولعلنا كنا ms163 نصغي إلى الليل. # وكذلك عدنا إلى فلورنسا مرة أخرى بعد رحلتنا التي لا تنسى في عام 1935 مع الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق. # فقد عقد فيها مؤتمر عام لليونسكو. كان توفيق معنا، وقد غدا يتذوق زيارة ~~المتاحف، فكنت أهنئ نفسي على ذلك. على أن همه العاطفي الأكبر في تلك الأيام كان ~~أن يلتقي ب «ميرنا لوي # Mirna Loy ~~»؛ # 259 ~~«نجمة» كانت عضوا في الوفد الأمريكي، وكان يعجب بها إعجابا شديدا، وما ~~أشد ما كنا نعابثه على ذلك. # ولكثرة ما بذل طه من جهد في هذا المؤتمر، فقد توجب علي أن أجعله يستريح ثلاثة ~~أيام في «ستريزا # Stresa ~~» # 260 # قبل عودتنا، ولم يضطر للاستجابة كثيرا إلى المتطلبات الاجتماعية المعتادة، ~~وكانت أفضل ذكرى أحتفظ بها من هذا المؤتمر محادثاته مع «توريز بوديه # Torres Bodet ~~»؛ فقد قامت بينهما صداقة ~~حقيقية. # وبدءا من عام 1953 ولأربع سنوات متتالية، كانت هناك اللقاءات التي نظمها جيورجيو ~~لابيرا الذي كان عمدة فلورنسا آنذاك تحت شعار: الحضارة المسيحية والسلام. كانت هذه ~~اللقاءات جميلة، فقد كان الناس يأتون إليها من أطراف العالم أجمع، وكان يشارك فيها ~~مسيحيون ومسلمون ويهود، ولم يكن لذلك أية علاقة بالسياسة مباشرة، بيد أننا كنا ~~نجد أنفسنا بين الحين والآخر على أرض خطرة. ذات يوم احتدم طه - وربما كان ذلك ~~بمناسبة قبرص - وصرح بكل وضوح لقنصل بريطانيا العظمى الذي كان قد ألقى بتصريح غير مناسب: # أود لو أعرف في أية لحظة من الزمن عهدت العناية الإلهية لإنجلترا بأمر ~~القيام بمهمة البوليس في العالم. # لم يكن ذلك جوهريا على كل حال، وإنما الجوهري كان هو الجهد المخلص الذي بذل من أجل ~~تحقيق الفهم المتبادل الذي كان يعلو على كل الحواجز والعقبات، وإني لعاجزة عن التعبير ~~عن قناعة «لابيرا» وحماسته الكريمة وأمله العنيد # Spes contra ~~Spem ~~. # 261 # إني لأفضل أن أدعه يتكلم عن طه: # كانت فلورنسا قد رفعت بجرأة ~~في أوج الحرب الباردة الراية المبشرة بالأمل والوحدة والعدالة والسلام ... ~~وكان طه حسين، خلال أربع سنوات، داعيتها الرئيسي ... وهذا ms164 هو السبب في وجودي هنا ~~شاهدا، وإلى حد ما حاملا رسالة طه حسين التي دوت دوما على المنصات ~~العالية حيث أعلن عنها ... رسالة مبشرة بالوحدة والرضا والعدالة والسلام ... لقد ~~كان يبشر بها من أجل جميع شعوب البحر المتوسط، ومن أجل الأسرة الإنسانية ~~كلها. # كلمات ألقيت في فبراير 1975 خلال الاحتفال بذكرى طه. # ولعل أشد ما أثار دهشة أعضاء الأسرة الصحفية في فلورنسا أن يتحدث مسلم بهذا الأسلوب: # إن واجبنا يتجلى في عقد روابط الأخوة بين العالم الإسلامي الذي أمثله ~~هنا - بما أنه بوسع أصغر مسلم، إذا قال الحق، أن يقوله باسم الجميع - وبين ~~العالم المسيحي، ومدها إلى كل الناس؛ ذلك أنه لا وجود في نظر الله لشرق أو ~~لغرب، ولا للجنوب أو الشمال، وإنما العالم والناس. وعندما يمنح الله العدالة ~~للناس، فإنه لا يمنحها للمسيحيين فقط، أو للمسلمين فقط، وإنما لجميع الناس. ~~إنني أطالبكم بمحاسبة أنفسكم ... # ويضيف الصحفي الذي كتب أحد المقالات عن المؤتمر: «نهض لابيرا الذي كان قد استمع إلى ~~هذا الخطاب دون أن يستطيع مداراة فرحه، وقال له: «أنت أخي حقا.» وعانقه.» # ولاحظ صحفي آخر: # كان كلامه، بل أكثر من ذلك، شخصيته نفسها تستأثر بانتباه الجميع؛ ذلك أن ~~الدين والثقافة قد أوجدا فيه نقطة التوازن والاتحاد الكاملين. # أما المنصات العالية التي أتى على ذكرها لابيرا فقد عرفناها جميعا: «الساحة القديمة Palazo ~~Vecchio ~~»، وقصر ~~«الميديتشي # Médicis ~~»، و«الدوم # Dôme ~~»، و«سانتا أنونتسياتا # Santa ~~Annunziata ~~»، و«سانتا ~~كروتشه # Santa Croce ~~»، و«سان مارك # Saint Marc ~~»؛ ~~فقد جرت في معظمها تصريحات وكلمات لا تنسى، وخاصة في ساحة فيكيو التي كانت تعقد ~~فيها الجلسات (على أن المؤتمرين كانوا يتكلمون حيثما ذهبوا معا). # كان يوم 24 يونيو - يوم عيد فلورنسا في الدوم - يوما مشهودا؛ فقد قاد لابيرا إلى ~~الدوم كل مدعويه. كان المندوبون يجلسون في المكان المخصص للكورس، في حين جلست ~~النساء في الصفوف الأولى في جناح الكنيسة الكبير. وكان الكاردينال «دالاكوستا # Dalla Costa ~~» الذي يبلغ من العمر ثمانين عاما، ~~يجتاز المسافة الطويلة من المدخل حتى المنصة ms165 بخطى سريعة وشابة . كان يمكن أن يكون ~~بهزاله ووجهه النحيل نموذجا لفنان من عصر النهضة؛ قامة طويلة كان يزيد من طولها الذيل ~~المتجرجر لثوبه الأرجواني. وبعد أن قدم إليه أعضاء الوفود، بدأ الاحتفال. كان هناك ~~حارسان بملابسهما التقليدية يقفان على يمين ويسار الهيكل، وعند التقديس، انفجرت ~~العلامات الموسيقية الواضحة من بوقيهما الفضيين فجأة، وفي الوقت نفسه ارتفعت ~~الراية الناصعة البياض الخاصة بفلورنسا، التي تتميز بزنبقة حمراء مطبوعة عليها ... ~~ووجدتني أجثو مع الناس جميعا. # وخرج علم المدينة من الكنيسة يتبعه العمدة والمندوبون وكافة المشتركين، وكان ثمة ~~خارج الكنيسة جماهير غفيرة فرحة تنتظر وتصفق، ثم استؤنفت الحياة العادية؛ ~~حياة كل يوم. أما نحن، فقد كنا بحاجة إلى بعض الوقت لكي نعود من العالم البعيد الذي ~~كنا فيه. # كان الكاردينال دالاكوستا شخصية باهرة؛ كان متحفظا، رزين الكلام، رصين الحركات، ~~زاهدا. واجه النظام الفاشي بشجاعة بطولية، وكان خلال الحرب كل شيء بالنسبة إلى ~~الجميع. كان يسعف أبأس الناس، ويحمي اليهود المهددين، وكان تواضعه على قدر هذه النفس ~~العظيمة، ولقد عرفت فلورنسا أن تعبر عن عرفانها بالجميل له عند موته، وقد قرأت ~~كلمة ممثل الحزب الشيوعي في رثائه وتقديره؛ ولم تكن أقل الكلمات جمالا. # واستمعنا ذات مساء في رواق كنيسة سانتا كروتشه ~~إلى السمفونية الرابعة لبراهمز، بقيادة «د. ~~ميتروبولوس # D. Mitropoulos ~~». هل يجب علي أن أقول إن ذلك كان خارق الجمال؟ # وفي الليل أيضا عزفت موسيقى أخرى في ساحة سانتا أنونتسياتا، وكنا نسمع من وقت ~~لآخر صوت قطرات المياه الرقيق؛ فقد كنا بالقرب من واحد من الينابيع. تلك هي الأصوات ~~التي كنا نسمعها في الليل: مياه الينابيع، وجزالة باخ العاطفية أحيانا، والمدى ~~الشاسع لإيقاعات براهمز، وكل ما يمكن لنجوم ليلة صيف في توسكانا أن تضيفه أيضا! # موسيقى، في مكان آخر أقل قداسة أيضا؛ في المسرح البلدي، وفي إطار احتفالات «شهر ~~مايو الفلورنسي»؛ فقد استمعنا إلى «قوة القدر» و«عطيل» مع الصوت الوحيد ل «تيبالدي # La Tebaldi ~~». # 262 # كانت دراما «عطيل» تدور في جو من العنف والحنان ms166 والحزن الأخاذ بشكل ~~غريب. كنا نجلس في واحدة من تلك المقصورات الجميلة المكشوفة في جزء منها، في وضع ~~مريح؛ كانت المقصورة مملوءة بالزخارف، مزدانة بالأزهار، وكنت ألبس ثوبا يلائمني ~~تماما. كان طه منشرح النفس، وكنا سعيدين. # لا بد لي من أن أتحدث عن ~~الأوبرا-باليه «الهنود الحمر الغزليون»، التي عرضت في حدائق «بوبولي # Boboli ~~»، وعن مباراة كرة القدم على الطريقة ~~القديمة «الكالتشيو # Calcio ~~» # 263 # على ساحة «سينيوريا # Signoria ~~»؛ كان ~~اللاعبون يلبسون ثيابا من القرون الوسطى، وكانت طلقات البنادق العتيقة «القربينات» ~~تسجل الوقت. وكذلك علي أن أتحدث عن أشياء أخرى كثيرة، لكني لو بدأت فلن أنتهي ~~من الحديث. # غير أني لا أستطيع بعد كل شيء أن أكف عن الحديث عن فلورنسا دون أن أتذكر دير ~~«فييزوليه # Fiesole ~~» حيث كنا نسمع الرهبان، وقد ~~جلسنا حول بئر وتحت أوراق الشجر دون أن نراهم، ينشدون من أجلنا نشيد القديس فرانسوا، ~~نشيد الشمس؛ وكذلك دون أن أتذكر «فالامبروزا # Vallombrosa ~~» # 264 # بغابتها الواسعة الحافلة بأشجار الصنوبر التي كانت تبدو وكأنها تريد عناق ~~السماء من طولها. لقد قضينا لذلك في هذه المدينة شهرا كاملا. كان الطريق، فيما وراء ~~الغابة، يتلألأ بأنوار أزهار الوزال الذهبية. # وقد جعلنا «لابيرا» نتعرف على صوامع أخرى متباعدة. وأذكر يوم كنا نعود من زيارة ~~إحداها؛ كنت معه على سطح الباص (وكان طه بالطبع يجلس في الداخل)؛ كانت السماء تظلم ~~شيئا فشيئا، إلا أن الليل لم يكن قد حل بعد. قال لي لابيرا: «انظري إلى النجوم # Respice Stellem ~~!» ... ومنذ أن بت وحيدة، ~~أبحث عنها كل يوم، ولكن ما أكثر الأمسيات التي لم أكن أراها فيها. # تقع مدينة «أسيز # Assise ~~» على مسافة ثلاثمائة كيلومتر ~~من فلورنسا، وقد جئنا إليها - دون أن نكون مرتبطين بمؤتمر - شبه حجاج، ولم يكن مساء ~~كالأماسي الأخرى ذلك المساء، حين كنا نصعد الطريق ببطء على الأسوار، صامتين متأملين، ~~وفجأة لمحت سربا من الحباحب بكياناتها الدقيقة المضيئة ترف من حول طه، ومن حوله ~~وحده؛ هذا النور الزاخر بالأسرار، الراقص والمبعثر، استمر يصحبه حتى ms167 اقترابنا من ~~مصابيح المدينة. ولئن كان علي أن أتحدث عن «أسيز»، موطن القديس فرانسوا، لوجب ~~علي أن أتحدث عن انفعالي، ولست بقادرة؛ ذلك أنه يظل حبيس أعماقي، أتقاسمه مع آلاف ~~وآلاف الناس الذين شعروا ولا بد هناك ولو خلال دقيقة واحدة بالرغبة في أن يكونوا ~~أفضل مما هم عليه. # كان من المرغوب فيه أن يرأس طه الوفد المصري لمؤتمر اليونسكو في «مونتوفيدو»، لكنه ~~لم يكن يستطيع ركوب الطائرة، وخاصة للقيام برحلة كانت تدوم في ذلك الوقت ستا وثلاثين ~~ساعة، وقد تم اتخاذ القرار في وقت متأخر لم يكن بوسعنا معه الذهاب على متن باخرة ~~ما؛ فغدا ذلك شبه مأساة. كانوا في القاهرة ~~يستعجلونه الذهاب، وفي «مونتوفيدو» يضجون بالشكوى حيث ينتظره الكثير من المستشرقين. ~~كان طه مقلقلا، ومرض وسط كل هذه المناقشات؛ وهكذا اتخذت على عاتقي مسئولية تقرير ~~عدم الذهاب، إلا أن اللجنة الوطنية لليونسكو في أورجواي أرادت بعد سبع سنوات أن تحتفل ~~بذلك الذي لم يعد يستطيع قط أن يشارك في المؤتمرات؛ فنظمت محاضرات ومعرضا لكتبه ~~ربما رافقتها تعليقات عليها. ولا يزال الحقوقي والفيلسوف «آنيبال دل كامبو # Anibal del Campo ~~» يبرهن حتى النهاية عن ~~إخلاص أشعر مع مؤنس إزاءه بتأثر لا حدود له. # لم أكن أستطيع بالطبع مرافقة طه إلى جدة. كانت فرحة عميقة بالنسبة إليه أن يعيش ~~قليلا في الجزيرة العربية، في أماكن عرفها فكره وقلبه وأحبها حبا قويا، وقد وصف ~~لي الاستقبال الحماسي الذي استقبل به؛ فما إن نزل من المركب، حتى استقبلته الهتافات، ~~تمتزج بها هتافات العمال المصريين الذين كانوا على ظهر المركب. جاءت وفود كثيرة لحضور ~~هذا المؤتمر الذي نظمته الجامعة العربية فيما أعتقد، كما قدم شعراء من مكة بقصد إلقاء ~~قصائد نظموها من أجله، وانهالت عليه تحيات الطلاب والمارة والتلاميذ الذين جاءوا مع ~~فرقهم الموسيقية. كان الجميع يريدون رؤيته والإصغاء إليه، وتوصل برغم كل شيء ~~للذهاب إلى مكة، وإلى اختلاس ساعتين للذهاب إلى المدينة المنورة على متن طائرة صغيرة ~~رديئة تثير العجب! (وقد غدت الأشياء ms168 أسهل اليوم بكثير). وما كان يواسيه شيء لو لم ~~يتمكن من رؤية المدينة المنورة، وأعرف كم كان منفعلا عندما كان يقول لي: «حقا، ~~إن الإسلام دين الصفاء والتسامح.» # لم يستطع فريد أن يرافقه في هذه الرحلة لكونه مسيحيا، وإني لأعترف بفضل أمين ~~الخولي الذي لم يتركه خلال هذه الرحلة، وسهر على راحته بأخوة. # كانت تلك هي المرة الأخيرة تقريبا التي كتب فيها لي؛ لقد فعل ذلك مختلسا بعض ~~اللحظات خلال الأيام التي لم يكن يملك فيها وقته، وكانت آخر رسالة من الجزيرة العربية ~~تقول: «تعالي إلى ذراعي، وضعي رأسك على كتفي، ودعي قلبك يصغي إلى قلبي.» كان عمره ~~آنذاك خمسة وستين عاما. # ولست أستطيع أن أتحدث كثيرا عن زيارته السريعة لتونس؛ فقد أصابه فيها ألم أسنان ~~رهيب جعله يتألم إلى درجة اضطروا معها أن يعطوه كمية كبيرة من المسكنات، الأمر ~~الذي عكر عليه هذه الرحلة، غير أن ود الجميع، كما هو الأمر دوما، عرف أن يعبر ~~عن نفسه، وخاصة ود الرئيس الحبيب بورقيبة الذي كنا نعرفه منذ زمن بعيد. # أما المغرب، فكان هو المرحلة الأخيرة من الطريق الذي كان يحمل على امتداده غالبا ~~تحية مصر وكلمتها، وأتطلع برضا إلى صورة يبدو فيها الملك محمد الخامس وهو يعانقه؛ ~~كان الوجهان معا جميلين. # ثم أبحرنا إلى طنجة، واصطحبونا إلى مقر حاكمها بأقصى سرعة محفوفين بجنود على ~~دراجاتهم البخارية التي لا تكف فرقعتها العالية وبصفارات حادة تثقب الأسماع؛ إنه ~~أمر معتاد بالنسبة إلى كبار هذا العالم - ولم نكن منهم - ولهذا سررنا عندما تخلصنا من ~~هذا الضجيج الكثير. # كانت دار الحاكم دارا ساحرة، وكانت أعلى من المدينة، وكنا نلمح عبر أشجار ~~الأوكاليبتوس والصنوبر على شرفاتها البحر ومضيق جبل طارق. كان مضيفونا تجسيدا ~~للطف. أما في الرباط، فقد سمحت لنفسي - لأن طه لم يكن حرا كما هو واضح - ~~بالقيام بنزهة شاعرية ومتوحدة أمام المحيط الذي لم أره منذ سنوات عديدة. # الدار البيضاء: بعد أن ألقى حديثه، احتفظوا بطه وقتا طويلا بحيث ~~إنني - وقد رأيته تأخر ms169 عن العودة - بت ~~هلعة من القلق، ولا بد من القول إنه قد أخافني مرة أخرى عندما أغمي عليه في ~~محل تجاري بمدينة جنوة عشية عودتنا، فأعدناه إلى الفندق ضمن عربة إسعاف؛ لم تكن ملامح ~~الطبيب الشاب المتوجسة - وقد دعي على عجل لإسعافه - لتطمئنني، فقمت بكل هذه ~~الرحلة وأنا أشعر بالاضطراب. # أما هو فقد كان مفعما فرحا؛ إذ وجد نفسه في فاس. كان السيد علال الفاسي معنا، ~~وتدبرنا أمرنا للحصول على السيارة الصغيرة التي كانت في خدمة الملك قبل فترة من ذلك ~~الوقت، فسيارة عادية لا تستطيع السير في هذه المدينة، كما أنه لم يكن من الممكن أن ~~يخاطر طه بالسير وقتا طويلا في طرقات ضيقة تفصل بينها سلالم غير منتظمة، في جو ~~حار جدا، فيتعب ويرهق؛ إذ إننا كنا في شهر يونيو. # وعصر ذات يوم، صعدنا إلى مدينة صغيرة تقوم على الطريق إلى الأطلس. لم يكن لدينا وقت ~~كاف للأسف للمضي صعدا في هذه الجبال؛ كان الجو جميلا ونديا، وكان المنظر يختلف ~~تماما عن منظر مدينة فاس الذي يتسم بالخشونة العارية، وكان هناك رجل لطيف أعتذر عن عدم ~~تذكري اسمه، يملك دارة استقبلنا فيها بأروع ما في العالم من طرق في الاستقبال، ~~وكنت سعيدة لتنزهي في إحدى هذه الحدائق ذات المسطحات المتدرجة التي أحبها كثيرا، ~~والتي كانت مزروعة بأشجار الصنوبر والسرو. كان ظل الأوراق الضعيف على مياه المسبح ~~الزرقاء يرسم صورا غير مستقرة، في حين كانت تطفو بعض الأغصان الصغيرة. # ودعي طه للحضور إلى تطوان، فتوجب الذهاب إليها. واجتزنا خلال وقت طويل - على ~~الأقل بدا لي طويلا - مساحات واسعة قاحلة. كان الطلاب مرحين ودودين، ولن أنسى ~~أنني تلقيت منهم عند وفاة طه رسالة مؤثرة جدا. # لم أتمكن من شراء شيء مهم من المغرب، لكني حملت معي على كل حال دثارا صغيرا ~~جميلا أبيض اللون، مطرز الحواف باللون الأزرق، خاصا بطفل رضيع هو طفل مؤنس؛ أمينة. ~~كان مؤنس وليلى قد تزوجا قبل سنتين # 265 # بعد أن عاشا فترة خطوبتهما في حلم ms170 مدهش، حلم كائنين شابين يكتشفان ~~الحب، وربما كان من الأصح القول إنهما كانا يكتشفان بدهشة أن الحب يهبط عليهما؛ ~~فليلى هي حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي، # 266 # وقد استقبل هذا الزواج بترحيب، وبدا أنهما قد استودعا جزءا ثمينا ~~من الآداب العربية. كان الجميع يبتسمون لهما، وبعد سنوات من زواجهما، كان هناك دبلوماسي ~~شاب يصحب ليلى ومؤنس في باريس بعد حفل استقبال، يقول لهما متعجبا: «أن يكون معي في ~~سيارتي ابن طه حسين وحفيدة أحمد شوقي ... أعتقد أنني أحلم!» # وقد تم هذا الزواج، مثلما تم زواج ابنتي، بلا صخب، وفي جو يسوده الحب والحنان، ~~إلا أنه لما كان من المتوجب بعد كل شيء أن يدعى إليه كثير من أصدقاء العائلتين، فقد ~~جعل والد ليلى من حديقتهم قاعة استقبال رائعة في الفضاء، أضيئت بمصابيح معلقة على ~~الأشجار، وعندما خرج الزوجان الشابان من البيت بعد أن عقد قرانهما المفتي ~~الأكبر # 267 # الشيخ عبد المجيد الذي عقد قران أمينة، بدوا - وقد سبقتهما أنوار آلات ~~التصوير في الليل - كأنهما يمشيان على أنوار المشاعل كموكب قديم. # ذات يوم بعيد دخلنا هذه الحديقة لكننا لم نعد إليها قط؛ كان ذلك في عام 1926. ~~كان طاغور # 268 # يمر من القاهرة، وكان شوقي الذي أقام حفل استقبال على شرفه قد دعانا إليها. ~~وكنت المرأة الوحيدة، شأني في الكثير من المرات، في هذا الحفل، خجلة ولا شك ضمن هذه ~~المجموعة الهامة التي كان من أفرادها سعد زغلول وعدلي ولطفي وعدد من النواب، وكان ~~حاضرا أيضا مغن شاب هو الآن المطرب الشهير عبد الوهاب. # 269 # لم أنس على الإطلاق ذلك العجوز ذا القامة الطويلة الذي كان ينزل عند ذهابه درجات ~~المدخل ببطء، لم أنس ثنيات ثوبه الأسمر، ووجهه العظيم يؤطره ثلج شعره ولحيته، وعينيه ~~الرزينتين، ورأسه المرتفع الذي كان يزيد من ارتفاعه قبعة عالية من المخمل الأسود - ~~والنيل عند قدمي البيت # 270 ~~- وفيما وراء ذلك القلعة والجبل حيث كان الغروب يختفي تاركا وراءه نورا ~~ورديا خفيفا. # وفي المساء تحدث طاغور في الأزبكية، ms171 أما في الغداة فقد قضى الشيخ مصطفى وطه بصحبته ~~نصف ساعة في جلسة اقتصرت عليهم ثلاثتهم. # كان ذلك منذ زمن بعيد لم تكن فيه ليلى قد ولدت بعد ... # لم نر طاغور بعد ذلك، إلا أنه في عام 1964 خصت الجمعية الآسيوية # 271 # طه بواحدة من الميداليات الخمس المضروبة بمناسبة العيد المئوي لرجل كان ~~عظيما ... # يتبع مسار حياتنا أحيانا دروبا غريبة، فنصادف فيه لحظات كنا حسبناها قد توارت في ~~أعماق ذاكرتنا، الأمر الذي يزعزعنا إلى حد ما. # استؤنف إيقاع الحياة والموت، «الموت، إشارة تعجب للحياة» كما كتبت لي ذات يوم ~~صديقتي «مارتا»؛ فبعد ستة أشهر من زواج مؤنس توفيت والدتي فجأة تقريبا؛ كان قد ~~أغمي عليها، واستغرقها الإغماء الذي لم تصح منه بحيث وفر عليها أمر انتظاري ~~عبثا. أمي، يا وجها عزيزا ما كنت لأراه مرة أخرى - يا كلمات ما كنت أستطيع ~~سماعها ... ولكن، ماذا سمعت من أندريه في الساعة الأخيرة؟ ماذا سمعت من طه؟ # كان لها من العمر ستة وثمانون عاما، # 272 # وكنت أعرف أننا لن نحتفظ بها طويلا، ومع ذلك، متى كنا نقبل هذه الثغرة ~~في وجودنا بحكمة؟ لم تكن تفهمني دوما، وقد تألمت من ذلك أحيانا، وكان يحدث لي أن ~~يراني طه حين يعود إلى البيت، مقلوبة رأسا على عقب، فيقول لي: «هل تلقيت رسالة ~~من أمك؟» ومع ذلك فقد كانت تحبني، وكنت أحبها، وأعتقد أن تلك هي أول كلمة كتبتها ~~لخالتي «مادلين». # 273 # كانت هي التي أعلمتني بمصابي، وقلت لها والدموع تغطي وجهي وتكاد تبلل ~~ورقتي: «لم تكن تعرف كم كنت أحبها!» # كانت مادلين، التي تسكن في باريس، بالنسبة إليها ابنة أخرى أقرب إليها مني أنا التي ~~كنت أعيش بعيدا عنها، وخاصة عندما لم تعد أندريه موجودة. كان أبواها يعيشان دوما ~~في «البورجوني # Bourgogne ~~»، وكانت تذهب إليهما غالبا. ~~كانت تعرف وتلتقي الناس الذين سبق لأمي أن عرفتهم، أو تلتقي بعائلاتهم، وكانت تتحدث ~~دون أن تتعب عن البلدة الصغيرة التي عرفت طفولتهما معا، هما اللتان كانتا تتشابهان ~~برغم ms172 فوارق السن. كانت الأجيال تتتابع، تبقى الأسماء والبيوت والنهر والغابات ... ~~والكنيسة. وكان بينهما علاقة حميمة لم يكن بوسع أمي أن تجدها معي. كان حبيبا إلى نفسي ~~أن ألتقي بمادلين ثانية قبل عامين، وأن أسمعها تحدثني عن أمي وعن كل هذه ~~الأمور. # وفي وقت هذا الحداد لم تكن أمينة هناك، بل لم يكن هناك تقريبا أي إنسان كان يعرف ~~تلك التي أبكيها. لقد كان هناك طه، وكان هناك مؤنس، وكان هناك جان، وكانت هناك ~~ماري. # وقد مات معاصرها تقريبا، بول كلوديل، في شتاء السنة نفسها، وقد تنفس طه الصعداء ~~وهو يفكر في جيد عندما تلقى خبر وفاته، وبصراعاتهما التي لم تنته، وقال: «حسنا، ~~ها قد وفق الموت بينهما!» # وفي الوقت نفسه فقدنا «مارسيل ~~أبراهام # Marcel Abraham ~~» # 274 # الذي كان يسميه مؤنس «روح وعقل العلاقات الثقافية»، ولقد كان كذلك. كان ~~أيضا مخلصا (وأكاد أقول إنه كان تجسيدا للإخلاص نفسه). إن ما أبداه من سلوك يكشف ~~عن تعلقه بذكرى «جان زاي # Jean Zay ~~» # 275 # يعبر بشكل رفيع عن أنه كان هو نفسه قلبا عظيما. فلنكن ممتنين له، نحن ~~الذين استطعنا أن نقرأ «ذكريات ~~وتوحد # Souvenirs et solitude ~~»، # 276 # ولنتمكن من ألا ننسى ولا نتجاهل كل ما قام به بذكاء وفعالية في ~~المهنة التي أفنى عمره فيها. # ذات صباح من شهر مارس كنا مجموعة من الأصدقاء ونفرا من تلامذة مدرسة ثانوية ~~يغمرنا الحزن جميعا ونحن نشيع إلى المقبرة ماري فولكونسكي. كانت الأميرة ماري ~~فولكونسكي # 277 # قد وجدت في مصر منفى لها حين وصلتها بعد أن تماثلت للشفاء من مرض ~~التيفوس عقب الثورة الروسية، واستطاعت العيش فيها بفضل عملها كأستاذة للغة الإنجليزية ~~في الثانوية الفرنسية التابعة للبعثة العلمانية كما كانت تسمى آنذاك. كانت ابنتي ~~تلميذتها، وقامت بيننا على الفور علاقة من الود، ثم من التعاطف والحب. كنت أنظر ~~إليها، إلى شجاعتها وكبريائها ودقتها بإعجاب ما زلت وسأبقى أحتفظ به. من المؤكد أنني ~~لا أشاركها كل أفكارها (برغم أنها كانت لدهشتي تحررية في بعض الأمور) مثلما ms173 لم تكن ~~تشاركني كل أفكاري. وقد كانت تتفاهم مع أمي في بعض النواحي على نحو أفضل من تفاهمها ~~معي، وذلك خلال الوقت الذي بقيت فيه أمي في مصر، بيد أنه أمكننا التحاب برغم ~~ذلك لحسن الحظ. # ومن الغريب أنه كانت لدي في تلك الحقبة صداقتان - إذا جاز لي القول - متعارضتان ~~كليا: ماري فولكونسكي الأرستقراطية المتكبرة إلى حد ما، وامرأة إسبانية ذات نزعة ~~جمهورية هي زوجة ابن «جابرييل ألومار # Gabriel Alomar ~~»، ~~التي كانت هي الأخرى تناضل ببسالة للتغلب على المصاعب والأحزان اللتين تعاني منهما ~~عائلة في منفى. لا شك أن الأميرة المتوحدة كانت شخصية فذة، لكني لا أقل إعجابا ~~بماتيلد التي كان قبولها للأمر الواقع يتم على نحو رصين. # عندما غزا الألمان روسيا، كنا نرى بعض المنفيين يتبادلون التهاني آملين من ~~وراء ذلك هزيمة الشيوعية. وحكت لي ماري: # تصوري! اقترب مني أمس صباحا بعد القداس أحد شبابنا متهلل الوجه، وهتف بي: «يا ~~أميرة ... إن الألمان دخلوا روسيا!» # فأجبته: «الألمان غزوا روسيانا المقدسة؟! فلتتكسر أسنانهم إذن ولتحل عليهم ~~اللعنة!» # تمنيت لو أستطيع إعادة اللهجة المتقدة حنقا التي لفظت بها جوابا ما كان ليدهشني ~~صدوره عنها. # كانت قد تبنت - هي التي لم تكن تكفي نفسها إلا بالكاد - صبيا صغيرا كان ابن أحد ~~القوزاق، غير أنه سبب لها للأسف خيبة أمل شديدة. # ثم ماتت في أحد مستشفيات القاهرة، وقد نثرنا على نعشها المفتوح جميعا أزهار ربيع ~~مصر الندية. # ولسوف ألتقي بنساء رائعات؛ ففي مايو 1952 كانت هيلين كيلر # 278 # تزور القاهرة، وطلبت أن تلتقي بطه؛ كانت قد قالت عن هذا اللقاء: «سيكون ~~لقائي مع طه حسين أجمل يوم في حياتي.» وكنا نشعر بانفعال شديد حين ذهبنا، طه ومؤنس ~~وأنا، إلى فندق سميراميس، ونتساءل كيف سيدور الحديث مع امرأة لم تكن عمياء فقط، وإنما ~~صماء بكماء أيضا. والحق أن ذلك لم يكن صعبا على نحو ما انتظرنا؛ أولا لأن هذه ~~المرأة كانت بشوشة بقدر ما كانت لطيفة، كما كانت ذكية إلى حد خارق، ثم لأنه ms174 كان ~~بالقرب منها سكرتيرة مدهشة كانت تسمى فيما أذكر مس طومسون. لقد كانت تقوم بكل ما ~~يمكن لإخلاص لبق مستنير أن يقوم به؛ كانت تعرف بالطبع لغة الصم والبكم في مثل هذه ~~الحالة الخاصة إلى حد كبير، كانت تنقل الأسئلة والأجوبة بسرعة من طرف إلى آخر، وذلك ~~بضغطة تقوم بها على حنجرة هيلين، أو بمس قبضتها. تحدث مؤنس كثيرا، وكان مبهورا. ~~وفي الغداة، ألقت هيلين كيلر خطبة في صالة اختيرت بقصد ألا تكون واسعة، وعندما سمع ~~مؤنس هذا الصوت المبحوح؛ هذا التتابع المتعب - المفهوم برغم كل شيء - من الأصوات ~~المبتورة التي كانت تعبر عن إرادة عزمت على الوصول إلى الآخرين بأي ثمن، فإن ~~حماسته لم تعرف لها حدودا؛ ونظم على الفور قصيدة أهداها إليها وسرها بها. أما نحن، ~~فلم نكن أقل منه تأثرا بذلك. # كان على مس طومسون أن تهتم بهندام هيلين بحنان، ولعلها هي - فيما أفترض - التي ~~اشترت لها القبعة الصغيرة المزهرة ذات الألوان المشرقة التي رأيناها تضعها على ~~رأسها. # والتقطت لنا صور معها، بدت فيها هيلين كيلر من المرح بحيث لا أسمح لنفسي أن أنظر ~~إليها بحزن. # شغلنا تلك السنوات وغبنا عن مصر كثيرا إلى درجة لا أذكر معها شيئا عن الحياة ~~التي تسمى بالعادية اليومية. # عندما تقرر زراعة غابة في الصحراء ~~التي تصل إلى وادي الفيوم، سعدت للخبر جدا، ورأيتني أمشي عبر الغابة على بعد ستين ~~كيلومترا من القاهرة! بصحبة مؤنس وثلاثة من أصدقائه ورفاقه، وقد حمل كل منا أربعة ~~أصص صغيرة من الكزورينا والأوكاليبتوس، وغرسناها بعناية كبيرة في الأرض الرملية إلى ~~جانب أصص عديدة غيرها. هل نمت وكبرت؟ لن أعرف ذلك. كان يمكن لتلك الأشجار الصغيرة ~~إذا ما كبرت أن تؤلف غابة ... غير أنها ليست سوى مجموعات أشجار تصنع ما تقدر على ~~صنعه! ~~••• # لم أكن لأشك وأنا أصعد على ظهر الباخرة «أوسونيا» في البندقية في شهر أكتوبر 1960 ~~أن حياتنا مقبلة على انعطاف مفاجئ سوف يغيرها تماما. فجأة، غدا قرصان منخمصان ~~في العمود الفقري العنقي بمنزلة ms175 تهديد للنخاع الشوكي بالنسبة إلى طه، على أن عملية ~~جراحية صعبة أجريت له حالت دون الشلل، غير أن طه لم يعد يستطيع استخدام ساقيه ~~استخداما عاديا. عندما أصبح يمشي بصعوبة، ثم عندما لم يعد يمشي إلا قليلا جدا، ~~ثم عندما لم يعد يستطيع القيام إلا بخطوات مؤلمة مترددة؛ فقد قامت عقبة أخرى في وجه ~~فعالية لم تكن تعرف التعب، ولم تكن تستسلم إلا ببطء. عندما غدا هذا الرجل بلا ~~عينين، رجلا شبه مقعد، يزيد من ضعفه تقدم العمر والآلام، كان لا بد من القبول ~~بالتخلي عن كثير مما كان يقوم عليه وجودنا. # ومع ذلك فلم تكن هذه السنوات الاثنتا عشرة، التي كانت سنوات نعمة، عقيمة كلها؛ كانت ~~مفيدة في كثير من الأحيان، وجميلة أحيانا. كنا أكثر قربا واحدنا من الآخر؛ إذ لم ~~يكن يخرج قط إلا للذهاب إلى المجمع الذي ظل رئيسه حتى يومه الأخير، وكنت أصحبه في ~~ذهابه إلى مقره، كما أني لم أكن أترك البيت إلا من أجل المشتريات الضرورية. # ولكن قبل أن أتحدث عن عذوبة هذه السنوات الكئيبة، أود أن أبتسم لصور إيطاليا ~~التي كانت بردا وسلاما بالنسبة له حتى النهاية. ~~«ألا يسعنا البقاء أيضا فترة أطول قليلا؟» هذا ما قاله لي عندما كنا نصعد على ~~الباخرة «إسبيريا» ... أربعة أسابيع قبل ... # إذ على الرغم من الصعوبات المتزايدة، كنا نذهب إليها كل سنة، ولم تكن الرحلات ~~الأخيرة سهلة حقا. كان طه يظن - وهو الذي ترهقه الحرارة المرتفعة - أنه لا يقدر ~~على الذهاب، وكنت أوشك أكثر من مرة أن ألغي الحجز، والحزن العميق يأكلني؛ لأنني كنت ~~أعرف كم كان ضروريا أن يتنفس هواء أكثر تنشيطا. كان هناك أيضا هموم الساعة ~~الأخيرة التي تسبق السفر: إجراءات تحويل النقد الأجنبي المعقدة، كما أنه فجأة لم يكن ~~ثمة سكرتير يرافقنا، على أنه أمكن تدبير كل شيء تقريبا، بيد أنه لولا الدكتور سيرج ~~غالي ما كنا استطعنا السفر؛ إذ بإقناعه طه بكثير من الصبر واللباقة والود، مانحا ~~إياي في الوقت نفسه الشجاعة والثقة، ms176 قد أتاح لنا هذه المنافذ كيما نلتقط ~~أنفاسنا. # كنا نأتي بواسطة الباخرة؛ فمقصورات «الأدرياتيكا» كانت مريحة، وكنا معروفين منذ ~~زمن طويل فيها؛ فنذهب بسيارة أجرة حتى بحيرة «جارد»، ثم نذهب بعد قضاء عدة أسابيع ~~إلى «التيرول # Tyrol ~~» أو إلى «الدولوميت # Dolomites ~~»، ونطوف بذلك من جديد وبهدوء، بعض الدروب ~~التي سبق لنا أن سرنا فيها. # مدن إيطالية، آجر وردي يبلغ من العمر ستة أو تسعة قرون، ممتدة على شواطئ الأنهار ~~والغدران، مطلة على البحر، متشبثة بالهضاب المظللة على قمم جبل «آبينينيس # Appennins ~~»، «فيرونا # Vérone ~~»، «برتشيا # Berscia ~~»، ~~«فيتشينزا # Vicence ~~»، «بيلونو # Belluno ~~»، «تورينو # Turin ~~»، ~~«ترنتو # Trente ~~»، «مانتوفا # Mantova ~~»، «كريمونا # Crémone ~~»، ~~«فيرارا # Ferrare ~~»، نابولي، جنوة، «برينيديزي # Brindisi ~~»، ومدن أخرى كثيرة مررنا بها بحبور. # مدن صغيرة، وقرى الأودية والجبل تحتفظ دوما بشهادة الماضي المثير بين اندفاعات ~~الأشياء الجديدة، ولا أدري بأية معجزة كان يبقى دوما البرج القديم أو الجسر القديم أو ~~الكنيسة القديمة أو المركب القديم في المكان الذي يجب أن تكون فيه؛ وبمعجزة أخرى، فإنك ~~تلتقط في المشهد الذي وقفت أمامه خطوطا، هي من الكمال بحيث لا يستطيع أي رسام مهما ~~حاول أن يتخيلها. # ما أكثر ما أحببناك! ما أكثر ما أحببنا مباهجك، ورقة استقبالك المحبوبة، وأجراس آحادك ~~وأيام أعيادك المألوفة! # ما أكثر ما أحبك! وما أكثر ما أنا ممتنة لما منحتنا من سلام! # عندما أمكنني، إثر هموم شتاء 1961، أن أصحب طه إلى إيطاليا، توجهنا إلى ~~«بادو Padou ~~» التي توقفنا فيها أولا (وقد وصلنا ~~إليها مارين عبر مدينة البندقية)، ولما نظرت إليه في الغداة، كنت لا أصدق ما تراه ~~عيني؛ كان جالسا مبتسما، بالقرب مني على شرفة مقهى «بيدروكي Pedrochhi ~~»، وعندما تناولنا العشاء في الهواء الطلق في المطعم الصغير ~~القريب، شعرت بنفسي محمولة على موجة من السعادة بحيث وددت أن أهتف حامدة شاكرة. كان ~~طه يكرر القول غالبا: «إننا لا نشكر الله بما فيه الكفاية.» آه! لا شك أن شكرنا ~~لا يفي نعمة الله علينا. # استطعنا العودة إلى حديقة «آرينا # Arena ~~» وأجلسته على ~~مقعد، ms177 في حين جلس فريد إلى قربه يقرأ له في صحيفة «اللوموند»، ريثما ذهبت لرؤية اللوحات ~~الجدارية ل «جيوتو # Giotto ~~» في كنيسة «سكروفيني # Secrovegni ~~» # 279 # الصغيرة في الحديقة نفسها. وعدنا إلى كاتدرائية سان أنطوان، وكنا نفكر ~~هناك بقلوب الرجال، بإخلاص بعضهم وبآمال البعض الآخر. لم نر ثانية الجامعة القديمة ~~التي كانت لا تزال تحتفظ بحيويتها إلى جانب الجامعة الجديدة. وفي القاعة المدهشة ~~الصغيرة جدا والتي كانت أول قاعة للتشريح، كنا قبل سنوات عدة من ذلك نحلم بجهد ~~الناس - وعبقريتهم - ونحن نقف أمام الكرسي المسوس الذي كان كرسي «جاليله # Galilée ~~». # لكننا دخلنا في دير «براليا Praglia ~~» الذي يقع على ~~بعد عدة كيلومترات من بادو، وقد قادنا قس عميق الثقافة شديد الود عبر الأجنحة ~~الثلاثة التي كانت أروقتها حافلة بأزهار الجيرانيوم والباجونيا، وحيث تغني ~~الينابيع. # قبل ذلك، كنا نقوم برحلتنا الإيطالية انطلاقا من باريس، فنجتاز الطريق ضمن سيارة ~~الستروين الصغيرة التي كان يملكها مؤنس، والتي كانت تنقلنا أيضا عندما كان طه وزيرا. ~~آنذاك، كان حرس الحدود إذ يرون جوازات مرورنا يفاجئون من تواضع سيارتنا! بيد أننا ~~كنا نرتاح فيها، وكان مرح وبشاشة هذا الشاب خلال العطلة ينسياننا كل التعب. كنا ~~نمر عبر مسقط رأسي في بورجوني، ونقف في «شالون # Chalons ~~» أو في «بورج # Bourg ~~»، وكنا ~~ننزل بحيرة «بورجيه # Bourget ~~» بالقرب من نفق ~~«شا # Chat ~~» حيث تناولنا ذات مرة غداء شهيا أكل ~~منه طه بشهية. كان ذلك حدثا؛ إذ إن الوجبات كانت بالنسبة إليه أشبه بعمل سخرة أو ~~منة يتفضل بها علينا، أو على أقل تقدير تنازلا كان يقوم به من أجلنا. ولم ينس ~~مؤنس مثلما لم أنس مطعما صغيرا في «بولونيا # Bologne ~~» قدمت لنا فيه وجبة بسيطة لكنها كاملة من كافة النواحي، ~~وعندما جاءت صاحبة المطعم - التي كانت تقوم بنفسها بإعداد الوجبات - لترفع طبق طه الذي ~~لم يكن قد مسه تقريبا. نظرت إليه بدهشة وعتاب واكتفت بالقول: «خسارة Peccato ~~!» كانت مستاءة فعلا، وكنا نشعر بالضيق بسبب ~~ذلك! # على أنه كان يسر لتناول بعض ms178 الأشياء: قطعة كبد باللفت - آه، مجرد قطعة صغيرة ~~جدا - أو فطيرة نخاع، وخاصة إذا كنت أنا التي قامت بتحضيرها، أو حلوى اللوز وفطيرة ~~السوزيت. وكان هناك رئيس خدم في الأدرياتيكا يأسف لرؤيته حين لا يتناول من الطعام إلا ~~القليل مما كان يعده له دوما، ويسألني بلطف بالغ: «متى أعد الفطائر لمعاليه؟» ~~بيد أنه كان من العبث خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة أن نفكر بفطائر ~~السوزيت. # كنا نصعد ثانية وادي «موريينا # Maurienne ~~»، وفي ~~جبل «سوني # Cenis ~~» كان المشهد الواسع يذهلني؛ كان ~~الطريق عريضا والأشجار هائلة، وعلى الممر المرتفع الذي كان خاليا من الأشجار بالطبع، ~~كنا شبه وحيدين مع رجال الجمارك وعدد من الأبقار، وعند هبوطنا إلى مدينة «سوز # Suse ~~» كنت ضيقة الصدر، فالمنحدر الإيطالي شديد الانحدار! ~~بيد أن مؤنس كان حذرا. # ثم زرنا تورينو وميلانو و«بيرجامو # Bergame ~~»، ~~تاركين مؤقتا بحيرة جارد، لنصل حتى «بولزانو # Bolzano ~~» ~~ثم إلى «كول إيزاركو # Colle Isarco ~~». # تقع «كول» على مسافة سبعة كيلومترات من ممر «برينير # Brenner ~~» وعلى ارتفاع ألف ومائتي متر، وهي قرية يبلغ عدد سكانها 700 ~~نسمة، يقوم فيها فندق واسع يعود إليه كثير من الزبائن كل عام قادمين إليه من ميلانو ~~وروما ونابولي، وكنا نحن أيضا نعود إليه. كانت نوافذنا تطل على واد شديد الاخضرار، ~~ينتهي بحواجز ثلجية بيضاء، أما في الحديقة الكبيرة فقد كان طه يعمل على هواه، وقد عمل ~~كثيرا؛ إذ كتب عددا لا يصدق من المقالات، كما كتب الجزء الثالث من كتاب «الأيام» ~~وكتابه «الفتنة الكبرى» في معظمه. كان يحب المشي على امتداد ضفة «الفليرس # Flers ~~»، وكان السيل الذي يخترق القرية كالإعصار يأتي ~~من النمسا، قافزا من فوق «البرينير # Brenner ~~»؛ إنه ~~«الإيزاركو # Isarco ~~». أما الفليرس فكان أكثر ~~هدوءا، وكان يلتقي الإيزاركو على مسافة غير بعيدة عن المحطة. كان طه يسأل دوما: «أليس ~~الإيزاركو هو الذي يصب في الفليرس؟» ~~- لا، إنه الفليرس الذي يصب في الإيزاركو! # كان يعرف ذلك جيدا، لكنه كان يحب معابثتي، شأنه في ذلك شأن مؤنس ... كانا ~~يدعيان ms179 أنني أشرب قهوتهما بانتظام بعد الغداء. كنت قد نصحت بعدم تناول القهوة، ~~أو تناول القليل منها؛ ولذلك كنت أشرب قطرة من فنجان كل منهما، ويبدو أنني بذلك ~~كنت أفرغ فنجانيهما معا! # ما أكثر ما كان طه يمس شغاف قلبي في تلك السنوات الأخيرة! فبينما كنا نتنزه على ~~ضفة «الفليرس»، أراد أن يحمل محفظتي بأي شكل مثلما كان يفعل في السابق لمساعدتي، بما ~~أنني لم أكن أملك سوى ذراع حرة واحدة، إلا أنه عندما كان يتوجب على ذراعي اليسرى أن ~~تسند ذراعه اليمنى أيضا، فإنه لم يكن ممكنا أن يحملها فضلا عن أن ذلك كان يسبب ~~له إرهاقا كبيرا. # أملك صندوقا صغيرا لوضع أدوات الزينة؛ ليس صندوقا عريضا، لكنه عال بما فيه ~~الكفاية. لا أستطيع أن أنظر إليه الآن بلا مبالاة؛ فعندما كنا نذهب في «رحلة خاصة»، ~~كان يحمله بعناية وبفخر رقيق حنون يؤثر في نفسي تأثيرا عميقا. إن هذه الأشياء هي ~~أكثر من عادية إذا ما جرت بين زوجين عاديين، بيد أني كنت أقيم لها ~~اعتبارا عظيما إذ أراها تصدر عنه! # في عام 1954 جاءت ابنتي وصهري وطفلاهما ~~للقائنا في «كول»، وتعرفنا إلى ابنتهما «منى» التي ولدت في أمريكا، والتي كان لها ~~من العمر آنئذ ثلاث سنوات. كانت لها نزوات لا تطاق، غير أنه كانت لها أيضا لحظات ~~مؤثرة؛ ذات عصر، تركت وحيدة مع مربيتها، إذ كان الآخرون يقومون بجولة قصيرة، ~~وكنت مضطرة للخروج وطه أيضا، فما إن رأت سيارة الأجرة تصل حتى ألقت بنفسها علي ~~رافعة ذراعيها بحركة بلغت من التوسل والرجاء - بلا بكاء - أنها دفعتني إلى حملها ~~إلى السيارة ووضعها قرب طه الذي كان قد ركب، مخالفة بذلك أوامر أمها ~~القاطعة! # كان طه يثرثر مطولا مع الكبرى سوسن؛ كان يأخذها على ركبتيه، وكانت تصرح له بأن ~~من الواجب أن تدعى «لامب» - مصباح! - ولم نعرف قط السبب في هذه التسمية. وغادرونا ~~بعد خمسة عشر يوما، فأسف طه لذلك، وكانت أربع سنوات قد مضت منذ رحيلهم، ثم التقينا ~~بهم في ms180 الخريف في فترة من الوقت في الزمالك عندنا. لم يكن الطفلان يتحدثان إلا ~~بالإنجليزية، ولم تتعلم منى سوى كلمة فرنسية واحدة، وهي: «شريرة # Vilaine ~~!» # ثم لقيناهم ثانية في «جاردون # Gardonne ~~» خلال ~~عدة أيام من السنة التالية. كنا قد وعدنا الأطفال بالذهاب إلى «كول»، لكنهم لم ~~يذهبوا، وكان حسن الذي يعجب بها كثيرا قد حزن لذلك حزنا أضيف إلى عذابي عندما ~~توجب علي وداعهم بمثل هذه السرعة. # وكان لا بد من انتظار عدة سنوات قبل أن يعودوا إلينا في إجازة، في مدينة «ميرانو» ~~هذه المرة. لم تعد منى آنئذ طفلة رضيعة؛ وكانت القصص التي يقصها عليها جدها ~~تسحرها. كانت تستمع إليه ساكتة فاغرة الفم، ولم تكن كل هذه القصص مبتكرة؛ بل كانت ~~غالبا أخبار العصر الأول من الإسلام ومن تاريخ العرب. # كانت دوما عفوية وحساسة. وكان ينزل في الفندق كونتيسة إيطالية، لا أدري من هو ~~الذي قال عنها إنها أميرة. كانت الأميرة في مخيلة منى شخصية قوية مخيفة؛ وقد خافت ~~لذلك من هذه السيدة خوفا كبيرا، في حين أنها كانت في الحق امرأة متميزة ساحرة ~~الشخصية. # في كول، قمنا بعقد صلات جميلة مع عدد من نزلاء فندق بالاس، وذات يوم اندفع واحد ~~منهم في الصالة ملوحا بمجلة إيطالية وقال: «انظروا! انظروا! ... أليس هذا عظيما؟ أية ~~مفاجأة!» # وكان يشير إلى نقد لكتاب «دونالد ~~روبينسون # Donald Robinson ~~» «أهم مائة شخصية في العالم # The 100 most important men in the world ~~». لم نكن نعرف إطلاقا أن روبينسون كان يفكر في هذا الكتاب. # كنا قد تعرفنا بهذا الكاتب الأمريكي خلال اللحظة الدرامية في أثناء حريق القاهرة؛ ~~كان يقوم برحلة إلى مصر بصحبة زوجته، وكان ينزل في فندق شبرد، واحترق الفندق فأضاعا ~~كل حقائبهما، لكنهما لم يفقدا مرحهما. كنت قد وعدتهما باصطحابهما إلى سقارة، وذهبنا ~~إليها برغم كل شيء، وأغدق عليهما «لوور» # 280 # من علمه المحبب، وعدنا معا للغداء في البيت. في ذلك اليوم تحدث ~~طه كثيرا مع دونالد، وها نحن نعلم دهشين أن طه يمثل ms181 لا بين الشخصيات المائة ~~المختارة فحسب، بل ضمن التصنيف الأضيق؛ بين الرجال العشرة الذين طبعوا عصرهم أيضا، مع ~~برتراند راسل # 281 # وتشرشل، وأينشتين، وشويتزر، # 282 # وبيريا! # 283 ~~(أشأمهم). كان هذا الاختيار بالطبع تعسفيا، وكان هناك بالطبع كثير من ~~الأسماء الغائبة، على أن ما أراده الكاتب هو «أن يشير في كل ميدان من ميادين ~~الفعالية الإنسانية إلى الإنسان الذي كان يصنع عالم الغد». # وقبل عدة سنوات أعيد طبع هذا الكتاب ثانية، فأضيفت إليه بعض الأسماء وحذفت ~~منه أسماء أخرى، أما طه فقد بقي اسمه ماثلا فيه. # وقد عبر لي دونالد عن ألمه لوفاة طه ببيت شعر للشاعر الإنجليزي «شيلي # Shelley ~~»: # I weep so deep because I weep in vain # أبكي بكاء مرا لأنني أبكي عبثا # كان يحدث أحيانا أن يمر في مدينة «كول» من وقت لآخر أناس من القاهرة قادمين ~~بصورة عامة من النمسا؛ هكذا التقينا ذات سنة برسل باشا # 284 # وزوجته وهما يدخلان غرفة الطعام، فيدهشان لرؤيتنا بقدر ما دهشنا لرؤيتهما. ~~كنا سعيدين دوما أن نتواجد بين مصريين - إذا أمكننا قول ذلك. كان ذلك عقب الثورة، ~~ولم يكن رسل يحمل لقب «الباشا». # في يوم من أيام يوليو 1952 تلقى طه مخابرة هاتفية من سفارة مصر في روما تعلمه ~~أن الملكية قد ألغيت، وأن الثورة قد تمت. كان من الدهشة بحيث سقط مغشيا عليه، ~~مخيفا بذلك الناس كلهم، وأستطيع القول إنه أخافني بوجه خاص، بل حتى الدكتور الطيب ~~«لومباردو» الذي غدا شبه صديق لنا إثر هذا الحادث. # كان طه متعلقا بالقرية المتواضعة؛ كل شيء فيها كان يروق له، وعندما كنا نغادر ~~الفندق للذهاب إلى وسط المدينة لتناول فنجان من القهوة في المقهى الذي كان - والحق ~~يقال - يذكرنا بالتيرول أكثر مما يذكرنا بإيطاليا، كنا نتوقف برهة على الجسر الصغير ~~فوق الإيزاركو الذي كان يشكل بانحداره هناك شلالا. كان طه يعبد هذا الصوت المجلجل ~~الإيقاعي، وكان يعبد مثلي النباتات التي تفرش أرض الغابات. # وقد قضينا هناك صيفا كان جميلا على نحو خاص. كنا ms182 في ساعة متأخرة ذات مساء من ~~شهر أغسطس في الحديقة، وكان هناك مذياع لا أدري من أين يبث لحنا هادئا من ألحان ~~موزار، وقد أثر هذا اللحن النقي الذي كان يصل في الليل في نفس طه بشكل عميق، وأعتقد ~~أنه لم يسمع ثانية هذا اللحن مرة دون أن يتذكر تلك الساعة. # يوم الأحد، كان هناك موكب يمر تحت نوافذنا، وكانت تمشي في مقدمته فتاة تلبس ثوبا ~~«تيروليا # Tyrole ~~»، تجر بواسطة شريط خروفا أو ~~حملا وتحمل بالذراع الأخرى باقة. أما الموسيقيون الذين كانوا يلبسون أيضا ثيابا ~~تيرولية ويضعون قبعات ذات ريشة، فكانوا يتبعونها وهم يعزفون على آلاتهم حتى الساحة ~~الصغيرة بالقرب من الكنيسة حيث أخذوا يتابعون العزف هناك. # تقع «بولزانو # Bolzano ~~» على مسافة 70 كيلومترا من ~~كول ، وهي مدينة رائعة بمدرجها الصخري وبأبوابها، غير أن جوها حار جدا في الصيف ~~(وشديد البرودة في الشتاء). لم يكن طه يستطيع البقاء فيها طويلا؛ لذلك كنا نقضي فيها ~~يومين أو ثلاثة أيام بسرور، ثم نغادرها نحو جاردون ... (بعد ذلك صرنا نذهب إلى جاردون ~~أولا، ثم بعد ذلك إلى الجبل.) # تكاد جاردون في نظر طه أن تكون هي الفردوس نفسه؛ ففيها من كل الأزهار ومن كل الأشجار، ~~من السرو حتى النخيل، ومن كل عطور الماء والعشب؛ وفي الجبل المجاور، كنا ننزل في غرفة ~~تطل على أشجار السرو وأزهار الدفلى في حديقة كبيرة، وكان ثمة - فيما وراء الحديقة - درب ~~لا تسير فيه العربات، وأجمل بحيرة في إيطاليا بحيرة عريضة نبيلة قاتمة اللون إلى حد ~~ما، كانت مياهها تتكسر على الحصى بهدوء بالقرب منا؛ فإذا كان الجو لسوء الحظ جميلا! ~~فإننا لا نسمع حتى مجرد الصوت الرقيق لهذه البحيرة الهادئة؛ وكان طه يأسف لأنه أصبح ~~أصم! ... أما على الشاطئ المقابل، وفي مواجهة جاردون تماما، فهناك «توري ديل بيناكو # Torri Del Benaco ~~» التي كان جيد يأتي إليها ~~كل سنة، وقد ذهبنا إليها عصر ذات يوم لنرسل له تحية حزينة ودودة، وكنت كل مساء ~~أرسل للصديق الراحل تحية عذبة ms183 عبر الماء. لم يعد طه موجودا بقربي، وإنني أقوم ~~بذلك دوما مثلما كنت أفعل سابقا، باسمنا نحن الاثنين. # كان ملحقا بالغرفة التي ننزل فيها دوما شرفة كبيرة، كان من الممكن أن يبقى فيها ~~المرء حتى عند نزول المطر، وكان طه يحب البستان، لكني أعتقد أنه كان يفضل الشرفة ~~التي كانت مطلة على كل حال على البستان، فيقرأ فيها الصحف ويعمل فيها. أما في المساء ~~فكنا نستمع إلى الراديو ونقرأ أيضا، وهناك قرأت له كتابي تشارلز مورجان: ~~«فونتين # Fontaine ~~» و«سباركينبروك # Sparkenbroke ~~» # 285 # وغيرهما من الكتب. # كان يحب القيام بالنزهات، وكان يتنزه مع مؤنس، ثم بات يتنزه دونه في سيارة أجرة، ~~فنذهب أحيانا إلى «ماديرنو # Maderno ~~» التي كانت قريبة ~~جدا، وكنا نتابع السير بكسل على امتداد الرصيف المحاذي لشاطئ البحيرة ما استطاع ~~السير، ولا نعود إلا ساعة العشاء. # كان يستطيع في «سيريميوني # Sirimioni ~~» - في البستان ~~البري الذي كان بستان الشاعر «كاتولوس # Catulle ~~» - ~~التأمل كما يريد في هذا التاريخ الروماني الرائع الذي كنا نلقاه في كل مكان ~~(وأفكر في الجسر الروماني القديم في «مارانو # Marano ~~» ~~الذي وجدت فيه سحرا عظيما). كانت حديقة وأطلال الدار القديمة تطل على البحيرة ~~عموديا. # من كان يحسب أننا رأينا هناك - مؤنس وأنا؛ إذ لم يكن طه معنا هذه المرة - بحيرتنا ~~تتحول إلى بحر هائج؛ محيط صاخب تتكسر أمواجه على الصخور بصوت كصوت الرعد، تحت سماء ~~يحسبها المرء سماء بحر المانش في يوم عاصف؟! # إن لبحيرة «جارد» عواصف مرعبة ومفاجئة. ضربة رياح قوية، وها هو ذا الماء أسود ~~كالحبر، يبدأ ثورته، فتبدأ تحت الزوابع خيم الشرفات بالرقص وتنقلب الكراسي والموائد، في ~~حين تتناثر أوراق الشجر بعنف وتستعيد البحيرة جلالها؛ فحين يتلألأ الماء كالماس ~~المتألق تحت الشمس، أو هو البدر، يرسم على سطحه خطا طويلا مرتعشا فضي ~~اللون. # وفي «جاردونيه» عاش «أنونتسيو # Annunzio ~~»، # 286 # ويطل منزله المدهش الواقع بالقرب من الكنيسة القديمة على مدينة ~~«جاردونيه» السياحية التي تقع في الأسفل على شاطئ البحيرة. أما حديقته فكانت رائعة؛ ~~دروب صاعدة، أشجار ms184 جميلة، شرفات وممرات وحشية، طحلب، لبلاب، سرخس، بنفسج، ينابيع، ~~تماثيل ... وكان ثمة نصف مركب وطائرة جاثمة تحت سقف تبدو وكأنها لعبة كبيرة، يشهدان على ~~النشاط الحزبي لهذا الشاعر الصاخب إلى حد ما، وإن لم يخل سلوكه من بطولة. لقد أوصى ~~«أنونتسيو» بذلك كله إلى بلده، وكانت تتجمع في أيام الآحاد وأيام الأعياد أسر ~~بكاملها في الحديقة وغرف «الفيتوريالي # Vittoriale ~~»، ~~وكنا نفكر في شيء من الدهشة - إذ نطوف في هذه الأمكنة المتوحدة بشكل مأساوي إذا ما ~~جئناها ليلا - أن جنون العظمة وشيئا من التكبر أديا في النهاية إلى مآس ~~جميلة وأحجار جميلة. ~~«إن أي بيت لا يكون صغيرا إذا ما جعله إنسان عظيم كبيرا.» هذا ما نقرؤه على ~~جدار إحدى الغرف. لا شك في ذلك، لكننا نشعر بالحيرة إذ نقرأ ذلك في هذا المكان. ~~- لقد أحببتها ما دمنا نحتفل بها؛ فقد انتهت تقريبا أمسيات عيد الإله. كانت المراكب ~~تتجمع واحدا في إثر واحد، قادمة أحيانا من بعيد، مشكلة دائرة أمام الرصيف تحت ~~«السافوا # Savoy ~~»، وكل واحد منها قد أنار مصباحه، ~~كما كان كل واحد في الموكب الذي يتوقف هنا يحمل فانوسا. كان قد أقيم مذبح على ~~طاولة مطعم، وكانت الصلاة تبدأ أمام البحيرة حيث تعكس مصابيح المراكب أنوارا متحركة ~~في مائها. كنا على الشرفة، وكنت تصغي معي إلى الصوت الصاعد في الليل؛ «البركة» انتهت ~~الصلاة. وكان على الدرب ثلاثة أو أربعة موسيقيين يستهلون الإنشاد على أنغام لحن ~~مرح، وكانت الفتيات الصغيرات اللواتي يلبسن الثياب البيضاء يرحن ويجئن ويركعن، ~~وكانت الشموع مشتعلة - في الفندق كما هو الأمر في المنازل المجاورة - على حواف ~~النوافذ والشرفات، وكنت سعيدة إذ بقيت شمعتنا مشتعلة زمنا طويلا. وكانت القوارب ~~التي تعود من حيث أتت، لا تزال مرئية برغم أنها بعيدة. ~~- أين هو القس العجوز الذي قال لي بفيض من الود واللطف، لي أنا المجهولة الأجنبية، ~~في يوم كان يستقبل فيه المطران بعد قداس يوم الأحد: # تعالي، تعالي، أنت أيضا! ~~... # Viene, viene, anche lei ~~. # آه يا إيطاليا الإخاء! ms185 # جاردونيه، 24 يونيو 1975 # لماذا لا تكلمني يا حبيبي؟ منذ صباح الأمس وأنا أناديك بيأس. لقد قمت ثانية، عندما ~~كنت قادمة من «فيرونا # Vérone ~~» بالسير على هذا الدرب ~~بين «ديسنتسانو # Desenzano ~~» و«سالو # Salo ~~» الذي وإن كنا لم نكن نسير فيه قط خلال السنوات الأخيرة، ~~فقد أتينا إليه وسرنا فيه غالبا قبل ذلك. كنت - وأنا وحيدة في سيارة أجرة - أكاد ~~أتعرف إلى كل شجرة تقريبا، ونزلت في الفندق، في غرفة تبعد عن غرفتنا أربعة أمتار ~~فقط. أمس مساء، فكرت طويلا في جيد وأنا أنظر إلى البحيرة ليلا ... البحيرة - بحيرتك ~~- ما أكثر ما أحببتها. وتبدو لي الحديقة دوما صغيرة بالمقارنة مع حديقة السافوا؛ إذ ~~لم يكن فيها قط كثير من الأزهار، لكني أتعلم على حبها. غير أن نزهتي فيها بعد ~~الغداء - وقد قمت بها قبل قليل - كانت في منتهى الجمال. كان النسيم رقيقا مفعما ~~بعطور «جاردون» إلى الحد الذي شعرت فيه بأنني مذنبة إذ أتلقى كل هذا الجمال، في ~~حين يثقل علي غيابك بشدة، وآسف في الوقت نفسه؛ لأنني كنت أخنق بكائي. آه، يا ~~صغيري! يا صغيري الذي لن أعثر عليه أبدا إذا ما دفعت بابا ما. نعم، سيكون ثمة باب ~~آخر يوما ما؛ فهل ستكون وراءه كي تستقبلني؟ # شرفة واحدة تفصل بين شرفتي والشرفة التي كانت لنا في المرة الأخيرة. ما أكثر ما ~~أنظر إليها! كنت أغير مكان مقعدك باستمرار، فأضعه أحيانا في منتصف ~~الغرفة - كنت تشعر بالبرد أو بالحرارة - وكان الهواء ~~قويا ... وكنت أريد بأي ثمن أن تشعر بقليل من الراحة، أن تبقى قليلا أمام الأشجار ~~والبحيرة مستمعا إلى طيور السنونو ساعة جولانها، لكنك لم تكن على ما يرام. وأتساءل ~~الآن فيما إذا كنت على حق، وفيما إذا كنت أسبب لك في كثير من الأحيان الإزعاج ~~والتعب، في حين كنت لا أبغي سوى راحتك. تعبك، أعيشه ثانية بمجرد أن أدفع هذا المقعد ~~الشبيه بالمقعد الذي كنت تجلس عليه مرتعشا في الصباح لتتمكن من تناول الفطور (لا ~~أستطيع أن أجلسك وحدي ms186 في سريرك خوفا من أن تسقط). # ولا أستطيع الآن أن أبدأ في أن أقرأ لك الأخبار في صحيفة الكوريير، ولا أن أعطيك ~~البسكويت الذي تحبه ... و... و... لم يعد ثمة شيء قط. ~~••• # نلتقي بالتاريخ، الماضي والحاضر، غالبا في أثناء السفر. في سبتمبر 1935، كنا في ~~القطار الذي كان يقودنا إلى جنوة؛ إذ كان يتوجب علينا أن نبحر منها في الغداة، عندما ~~استمعنا دهشين إلى أجراس كافة الكنائس في البلدة التي كنا نجتازها تقرع بشدة؛ ~~كانت تنادي - وقد عرفنا ذلك لدى وصولنا - الإيطاليين لسماع خطاب موسوليني الذي كان ~~سيعلن الهجوم على الحبشة، ورأينا الجمهور الضخم الذي كان يتجه نحو ساحة فيراري. كان ~~هناك الكثير من الأطفال مع آبائهم، وكانوا يلبسون الثياب الفاشية، وكان ثمة - في المطعم ~~الذي كنا نتناول فيه غداءنا - صبي يؤكد بلهجة قاطعة للشيخ مصطفى، الذي كان معنا، ~~الإبادة القريبة لبريطانيا العظمى. كان طه يصغي إلى ذلك حالما. # لكن إيطاليا كانت قد تغيرت كثيرا عندما كنا نقضي إجازاتنا بين «التيرول» ~~والبحيرات. كنا نتوقف غالبا على الطريق من «بولتسانو # Bolzano ~~» إلى جاردونيه، في مدينة «ترنتو # Trente ~~»، في مطعم ذي حديقة. ذات يوم كان الجو فيه جميلا، والحديقة ~~مزدحمة بالناس، دخل بائع صحف؛ كانت الصحف يومها تحمل بعناوين كبيرة هذا الخبر: «وفاة ~~دو جاسبيري # De Gasperi ~~»، # 287 # وسرعان ما ساد بيننا صمت ثقيل وعميق، واشترى كل الناس عددا من الصحيفة، ~~وقرأنا. لم ينبس أحد بكلمة واحدة؛ فقد كان الانفعال والاحترام يغمران هؤلاء الرجال ~~وهاتيك النساء، ويبدون وكأنما ضاعفا من أعمارهم. وكان هناك، في «بريشيا # Brescia ~~» حيث مررنا بعد يومين، ثلاثة بيوت من أربعة ~~تضع لافتات الحداد، وقد كتب عليها: «حزنا على وفاة جاسبيري.» كنا نفهم ونعجب بهذا ~~الألم الرفيع، بل لقد شاركنا فيه، في أعماق نفوسنا، بجزء صغير، كان الشيء الوحيد ~~الممكن. # وقد كانت انفعالاتي أيضا في أعماق نفسي عصر ذات يوم في «بادو Padou ~~»؛ كنت أصعد شارع دانتي وحيدة (فقد كان طه يستريح في الفندق)، ~~وكان ثمة جماعات عديدة تتجه عبره ms187 نحو مكاتب الحزب الشيوعي الإيطالي. كان «تولياتي» قد ~~توفي في الاتحاد السوفييتي، # 288 # وكانت تنظم رحلات للراغبين في المشاركة في الجنازة في روما. كانت الوجوه ~~ذات الملامح المتعبة جادة وحزينة، هناك أيضا لم يكن أحد ينبس ببنت شفة، وكان ذلك ~~يبدو لي بسيطا وطبيعيا؛ أن يتوحد المرء بنفسه مع هذا الألم العارم المستمر، ألم كان ~~طبيعيا إلى الحد الذي كان معه يقف، بين الجماهير المحتشدة # 289 # في روما، رجل مثل «جيورجيو لابيرا». # وعندما أصبحت «كول» شديدة البرودة على صحة طه الضعيفة، فقد بتنا نقضي وقتنا على ~~الجبال بين «بينتسولو Pinzolo ~~» و«موينا # Moena ~~». وتقع «بينتسولو» في «ترانتو» تحت «مادونا دي كامبليو # Madonna di Campiglio ~~»، وهي - شأنها شأن ~~«موينا» - ليست مكانا يأتي إليه السواح الأجانب؛ فالمصطافون كلهم من الإيطاليين. وفي ~~«بينتسولو» كنا نقيم لفترات قصيرة؛ كان طه لا يزال يستطيع السير قليلا، وكان يستمتع ~~بوجوده تحت أشجار الأرز الكبيرة في الحديقة الصغيرة، وقد استطعت أن أصحبه مرتين ~~بعيدا عن الفندق ثلاثمائة أو أربعمائة متر، حتى نصل مقعدا أمام المروج ذات الروائح ~~الطيبة؛ فقد كان يحب أريج العشب الأخضر وأريج الحشائش الجافة. # وفي مرة ثالثة، حملتنا سيارة أجرة حتى غابة صنوبر كثيفة قضينا فيها ساعة من الوقت، ~~قام خلالها بالسير عدة خطوات في درب ضيق تحت الغابة كان يذكرنا بكول. كانت الأشياء ~~الصغيرة، الأشياء المتواضعة، تمنحنا الفرح، ولم يكن قد بقي له منها إلا القليل، فكنت ~~أتألم لرؤيتها تتناقص كل يوم. # عندما كان الجو جميلا والأمسيات عذبة، كنا نستطيع الجلوس على الشرفة. كان هناك، ~~خلال سنتين، برنامج تبثه إذاعة فرنسا المحلية تحت عنوان «من نشوة الماضي»، وكان يتضمن ~~بالطبع تسجيلات قديمة، وكان طه سعيدا أن يستمع من جديد إلى صوت «داميا # Damia ~~»، # 290 # هذا الصوت العميق المخلص، البسيط دون تكلف أو بحث عن التأثير المصطنع ~~ودون ابتذال، صوت كان يعطي للكلمات معانيها جميعا. وذات مساء جعلنا الراديو نضطرب ~~ونتألم إذ كان يعلن عن وقوع مأساة مؤلمة؛ ولم تكن هذه المآسي تنقصنا، غير أن ms188 هذه ~~المأساة بدت لنا متجاوزة للحدود الإنسانية؛ إذ بعد أن أتم ثلاثة رواد فضاء روس ~~مهماتهم عادوا إلى الأرض، غير أنهم عادوا فاقدي الشعور، وعندما ذهب المسئولون ~~لاستقبالهم فرحين، وجدوا الكبسولة سليمة تماما، وكان ثلاثتهم فيها أيضا. لقد ~~فكرت طويلا في هذه العودة الغريبة، هذه العودة الكاملة لأجساد بلا أرواح. # كانت «موينا # Moena ~~» حزينة وعذبة عندما وصلت إليها ~~في الصيف الماضي، وكان النهار لا يزال واضحا عندما صعدت إلى غرفتي بعد العشاء. كان ~~الربيع متأخرا، وكان ثمة ثلج على القمم، وكانت قمم «مونت ~~باليدو # Monte Pallido ~~» - والصخرة هنا بيضاء في ~~الحقيقة - تبدو أكثر بياضا لا سيما فوق خضرة أشجار الصنوبر القاتمة، وأعثر على أريج ~~الغابات؛ أريج الغابات القريبة، وأريج المنشرة المجاورة حيث تنتظر صفائح الخشب ~~المتشابهة (أولم تعابثني يا طه في «مورزين # Morzine ~~» و«أوفيرني # Auvergne ~~» ~~و«كول # Colle ~~» لأنني كنت أعيد المرور بالقرب من ~~منشرة خشب؟) وكذلك خشب الشرفات الجديدة. # كنت في منتهى الهدوء؛ فقد استقبلت هنا بود وصداقة كانا يريحاني، وكان الاهتمام ~~بي هنا على كافة المستويات؛ فقد كانوا يعرفون ~~ماذا أحب من الوجبات وما لا أحب منها، وكانوا يأتون إلي بمدفأة كهربائية إذا شعرت ~~بالبرد، خاصة وأنهم يدركون تماما ما أعانيه وما تعنيه بالنسبة إلي هذه العودة. ويعلم ~~السيد «ج» أنني أحب جمال الجبال الصارم وصمتها لأن السيل والنبع، بعيدا عن صخب ~~الناس العابث، هما أيضا بعض هذا الصمت. وذات يوم اصطحبني إلى ممر «سان بيليجرينو # San Pellegrino ~~»، وما فوقه. # على أنني ألقى في كل مكان نفس الود الرصين ونفس الاهتمام؛ فالأزهار تنتظرني على ~~الطاولة، وقد وضعت أمامها صورة طه. جاردون، ريفا، جنوة، ما أجمل الرجوع إليك! # وإني لأميل إلى الذكريات بشغف؛ في «موينا» لم يعرف طه سوى شرفة وزاوية صغيرة من ~~العشب، وامتداد السيل الجاري أمام الفندق. ذات صباح جميل كان الناس فيه يتنزهون، ~~استطعت إقناعه لمغادرة الغرفة قليلا؛ كنت مع سليم قد وضعنا على العشب، إلى جذع ~~شجرة رقيق على حافة الماء، المقعد الصغير الذي حملناه بواسطة ms189 المصعد حتى ذلك المكان. ~~كل شيء كان صافيا ولامعا ونديا، وكنت سعيدة لرؤيته على هذا النحو مغمورا بالنور ~~والسلام. # وفي العام الماضي، كنت أعود إلى الفندق وأمشي عيناي تنظران إلى الأزهار الوحشية التي ~~تهبط حتى الماء، وفجأة رفعت عيني؛ كان هناك في المكان نفسه، تحت الشمس، جالسا على ~~المقعد الصغير، واضعا شاله على ركبتيه، ومسندا عصاه إلى جذع الشجرة، في حين وضع ~~قبعته القماشية على الكرسي. كل ذلك كان من الوضوح بحيث إنني توقفت فجأة وقلبي ~~يخفق، ونظرت إلى شرفتنا القديمة بشكل غريزي. نظرت إليها طويلا، ولم يكن فيها أحد تلك ~~اللحظة لحسن الحظ. # يوم الأحد الأخير الذي قضيته في «موينا»، خلال أول صيف أقدم إليها وحيدة، دهشت ~~في الكنيسة أثناء القداس عندما رأيت أحدهم يصحب ضريرا إلى المنصة، وتقدمت امرأة ~~ضريرة أيضا للقراءة الثانية التي قامت بها وفق طريقة بريل، كالقراءة الأولى؛ وبعد ~~تلاوة الإنجيل، جاء دور ضرير آخر، فتحدث بإيجاز عن عميان إيطاليا الذين انخرطوا في ~~الحياة العادية، ثم تحدث بإطناب عن عميان العالم الثالث والضرورة الملحة ~~لمساعدتهم. لا أستطيع رؤية أعمى دون انفعال؛ إذ عندما بدأ هذا الإنسان الوقور أمامي ~~كلامه بأريحية، لم يكن هو الذي كنت أراه، وإنما أنت، أنت الذي كنت تثير ~~انفعال الجماهير، في كثير من المرات ~~ولكثير من الأسباب، وهي التي كانت تتزاحم للاستماع إليك. وقد تأثرت من هذا الموقف ~~تأثرا جديدا، اضطررت معه للمقاومة شديدا كيما أستمر في امتلاك زمام نفسي كما ~~يجب في مثل هذه المواقف. # ها هي ذي دروب الله. في هذا اليوم الأخير، يد كانت تمتد إلي تدعوني للاقتراب من ~~الآخرين؛ لا لأني وضعت سلة من الأزهار أمام قدم المذبح حيث جاء الناس لتقديم القربان ~~فحسب، لا، وإنما لأني كنت أشعر بقوة لا توصف بكمال النعمة التي أغدقت علي، أنا ~~التي وجدتك على طريقي. # في صباح اليوم التالي، وفي سيارة الأجرة ~~التي كانت تقودني إلى «ميرانو # Merano ~~» على الطريق الذي ~~اجتزناه معا قبل سنة، لم أكن وحيدة قط، فقد ms190 كنت تكلمني. # كنت أدهش دوما للتحول الذي ألاحظه على طه، وهو المتألم كثيرا والكئيب أحيانا، ~~ما إن نكون في سيارة أو على طريق. وكان يحدث أن نضطر في أوج الفصل أن نقيم وقتا في ~~أماكن لم تكن هي التي كنا نريد البقاء فيها، وكان ذلك غالبا في الجبال. كنت أذعر من ~~المسافات الطويلة ومن الارتفاعات العالية، لكني كنت على خطأ؛ إذ لم يكن طه أحسن حالا ~~وأسعد نفسا مما كان عليه في ممر «بوردوي Pordoi ~~» # 291 # أو «توناليه # Tonale ~~». # 292 # أما بالنسبة ل «مندولا # Mendola ~~» التي كانت ~~على مسافة 1400 متر، فلم تكن ذات أهمية، وعلى هذا النحو قضينا عدة أيام في ~~«كورتينا # Cortina ~~»، و«بونتي دي ليني Ponte di legno ~~»، و«أورونتسو # Auronzo ~~». # 293 # كنا نرغب قبيل إنذار 1960 بالتعرف على الأدرياتيك بشكل أفضل ورؤية «ترييست # Trieste ~~»، لكنه لم ير لا هذا ولا تلك، عندما كان في ~~صحة جيدة، وهناك أيضا أراد العودة مع ذلك. # لم يكن يحب شواطئ البحار ولا كنت أحبها أنا الأخرى أيضا، لكن الصغيرة أمينة التي ~~كان لها من العمر خمس سنوات كانت في «لينيانو # Lignano ~~» # 294 # وكانت في منتهى السعادة؛ كانت تعود بعد الساعات الصباحية التي تقضيها على ~~الرمل وفي الماء بغبطة تسعد جدها. كانت بالغة الحيوية والغرابة معا، وكان طه يضحك ~~بقوة مثلما تضحك يوم كانت تقفز على سريري قفزات أوشكت بها أن تحطمه (لكنها لم تكن ~~ضخمة!) قافزة مسافة أعلى بعد كل مرة تحط فيها عليه، وبدأت بعرض شبكة من الكلمات ~~كانت تتسلى في تحويرها أو في قلبها، وكان طه يفعل مثلها مخترعا كلمات أخرى بالطبع؛ ~~كانا في قمة المرح. # وقد أسرت له بواحدة من خيباتها: «التقيت اليوم على الدرب بحلزون، فقلت له ~~بمنتهى اللطف: «صباح الخير يا سيد حلزون!» هل تتصور أنه لم يرد علي! إنها ~~فظاظة!» # لا بد أنها تعلمت بعضا من حكايات «لافونتين # La Fontaine ~~». # كانت حديقة الفندق في «جيسولو # Jesolo ~~» تطل على البحر ~~مباشرة، وقد قبل طه ذات مساء عذب ms191 أن ينزل إليها، فجلس معنا تحت الصنوبر أمام شاطئ ~~خال من الناس، فأمكننا أن نصغي إلى الموج وأن نشم الرائحة الملحية. وقد ارتبطت ~~أمينة بصداقة مع فتاة صغيرة كانت تقيم في الفندق نفسه، فكانت الصغيرتان تتلاحقان من ~~شجرة إلى شجرة، ولولا صياحهما من آن لآخر، لبدتا لطيفتين خفيفتين سريعتين ~~كالعصافير التي تظل في طيران مستمر. كانتا ساحرتين، وكان طه يبتسم في مقعده ~~ويتحدث؛ كان مساء جميلا. # كان الوصول إلى ترييست بطريق البر رائعا؛ فقد خلفنا وراءنا أمجاد البندقية، ~~واجتزنا أنهارا ذات أسماء مثيرة؛ «السيل # Le Sile ~~»، ~~و«البياف # Le Piave ~~» الذي كان أنونتسيو يحب ~~تأنيثه # La Piave ~~، و«التاليامنتو # Tagliamento ~~». وفي «مونت فالكون» بدأنا اكتشاف الخليج؛ كان الطريق ~~بعده يطل على البحر من عل، وكان الأفق العريض يتسع تماما. ها هي ذي «سيستيانا # Sistiana ~~» # 295 # في قاع غابة ساحرة، وها هي ذي «دوينو # Duino ~~» # 296 # تجعل الإنسان حالما. # وفي أرباض ترييست، كانت الأشجار والأدغال تنحدر حتى تحاذي أمواج البحر. وعلى اليسار، ~~كانت أشجار الصنوبر تتسلق الشواطئ الصخرية. # وندخل المدينة عبر قبة جسر بديعة. # وتأثرت أمينة أشد التأثر بهذا التناسق الرائع. كنا نعود من «سيستيانا»، وكان ~~ثمة أشرعة ملونة على البحر الهادئ ذي الزرقة الغامرة، كانت الشمس على وشك المغيب، ~~وكان الهواء الندي يحمل أريج الصنوبر، فبدا الوجه الصغير رصينا، وكانت تقول ~~بعذوبة، كما لو كانت تحدث نفسها: «هذا جميل!» # كانت على الدوام مرحة قادرة على إدراك أكثر الأمور جدية؛ ذات عصر ماطر قررنا ~~الذهاب إلى السينما، وكان هناك فيلم واحد يفتننا، لكنه كان يبدو لي أكثر جدية من ~~أن يسليها، كان اسمه «أنا، أنا ... والآخرون»، غير أنها شاهدته باهتمام جالسة في هدوء ~~متسلية بالفصول الضاحكة منه، دون أن تشعر قط بالسأم مما لم تكن تفهمه. كانت ~~أخاذة! # وفي «ترييست» قامت بالقراءة لجدها لأول مرة. # من وقت لآخر، كانت تجلس على شرفتنا حاملة على ركبتيها الدب الصغير الذي تعبده، ~~والذي لم يكن يفارقها. كانت تنظر إلى البحر، وتتأكد من أن الدب ينظر معها ms192 أيضا، ~~وكان يمكنها البقاء على هذا النحو فترة طويلة دون أن تلفظ كلمة واحدة. # كان طه، في عودتنا الأولى إلى إيطاليا، يستطيع المشي ببطء ولا شك، لكنه كان يسير عن ~~طيب خاطر من الفندق حتى شرفة القهوة الصغيرة على الرصيف؛ حيث كان بوسع أمينة ~~الجري. # بل إنه اجتاز ذات مرة ساحة «أونيتا # Unita ~~» الكبرى. ~~كنا وحيدين مع فريد، وكانت هناك عاصفة، وكنت أتوقع أن نعود بسيارة أجرة، لكننا لم ~~نجد مثل هذه السيارة، وعندما كف المطر عن الهطول سار على طريق العودة بشجاعة، لكنه ~~لم يكن يستطيع السير دون ألم. # جميلة هي هذه الساحة المنفتحة على البحر، كان على المواكب أن ترتقي وأن تنزل هذه ~~الدرجات التي تفصلها عن الماء بين العمودين العاليين. كم من مرة تسلقتها ~~وأعجبت بها، محيية بصداقة الخط القاتم لجبل «كارسو # Carso ~~» في الأفق! كان الفندق «السافويا # Savoia ~~» بعيدا عن مركز المدينة إلى حد ما، وكان علي أن أقوم ~~بشراء حاجاتي من هناك. # في كل مرة كنا نمر فيها من هنا كان طه يعمد للذهاب إلى «سان جيوستو # San Giusto ~~». # 297 # كنا نحاذي في أثناء صعودنا حديقة «ريممبرينزا # Rimembrenza ~~»، حديقة الجنود الشهداء؛ فثمة، من أجل كل جندي، حجر مغروز ~~في العشب، وحصاة غير منحوتة يتباين حجمها من مكان إلى آخر، كتب عليها اسم الجندي، في ~~حين زرعت إلى جانبها شجرة. # وبمجرد أن نصل إلى الساحة في أعلى المدينة، نمر بجانب أطلال كنيسة رومانية. كان طه ~~يدخل معي إلى الكاتدرائية القديمة التي كنت أحب جدرانها العتيقة العارية، كما هو الأمر ~~في «سان نقولا دو باري # Saint Nicolas de Bari ~~»، ثم ~~نتوقف بعد ذلك أمام منظر الخليج الهائل تحت أقدامنا. # أكثر من عشرين قرنا مضت على هذه الهضبة، وكلما أتينا إليها كنا نجد فيها ثوبا ~~أبيض لعروس. لماذا؟ من الطبيعي أن نشهد مراسم الزواج في الكنيسة، غير أن المآتم تقام ~~فيها كذلك وحفلات التعميد ... # ميرامار: # 298 # بقية حلم قاتم بشكل مأساوي، نسيان، ووفرة من الأشجار والرياض، أطفال ~~فرحون. ms193 ذهبنا إليها بصحبة مؤنس والديواني الذي جاء لرؤيتنا في ترييست؛ كان الديواني ~~إنسانا محبوبا وسعيدا، شكورا لما منحته الحياة من نعمة، وكانت صحبته مسرة، وعلمت ~~بموته بعد ستة أشهر من ذلك، فأخفيت حزني؛ إذ لم أكن أسمح لنفسي أن أتحدث بذلك إلى طه ~~الذي كان خارجا من المستشفى لتوه. # عاد مؤنس عدة مرات بصحبة ليلى وأمينة، لكني كنت وحيدة يوم وصلنا بالباخرة، ولم ~~أكن أعرف أنه لم يكن هناك محطة بحرية أو خدمات معتادة أو سيارة أجرة إذا لم تحجز ~~مقدما. ذهلت لرؤيتي الرصيف خاليا، ولم يكن ثمة أي هاتف ولا أي مقعد أجلس عليه طه ~~الذي نزل الجسر بشجاعة متوقعا أن يستقر بسرعة في سيارة ما. ذهب فريد للبحث عن ~~سيارة أجرة. كان الركاب جميعا قد غادروا الميناء، فغمرني غم حقيقي، وقمنا بالسير ~~مائة خطوة ببطء شديد، أشد خلالها على ذراع طه كما لو كنت أريد أن أسندها خشية ~~السقوط المفاجئ؛ كنت أخشى أن تتلاشى قواه في كل لحظة، فأشجعه، فيرد قائلا: «إنني ~~بخير، لا تقلقي.» # لم أره ثانية على الإطلاق مصمما على الصمود مثلما رأيته ذلك اليوم. # وأخيرا مر أحد موظفي الباخرة في سيارة فيات صغيرة، فتعرف علينا وتوقف وصحبنا ~~بسيارته. لم يكن ذلك سهلا لأن السيارة كانت أصغر من أن تتسع لساقي طه، لكن هذا ~~الموظف ساعده وساعدني بلطف ورعاية لا يصدقان، وعندما وصلنا الفندق كان طه يبتسم، ~~وفي ذلك المساء تناول عشاءه في قاعة الطعام. # ربما كانت تلك هي المرة الأخيرة التي يتناول العشاء فيها في قاعة الطعام؛ إذ لم ~~يعد يتناول بعد ذلك وجباته إلا في غرفته وأنا بصحبته، وذلك في الفنادق التي كانت ~~تقبل القيام بأداء هذه الخدمة المزدوجة. # على هذا الرصيف الفارغ حيث وقفنا وحيدين، كان هناك الكثير من الشجاعة والحنان لا يزال ~~قلبي دافئا من حرارتهما. بعيدة هي ترييست؛ لم أستطع العودة إليها، وللسبب ذاته لم نذهب ~~إليها على كل حال منذ ثلاث سنوات؛ فالذكريات الإيطالية الأخيرة، وبقية المعالم الأخيرة ~~لم تكن ms194 فيها. ~~«ريفا دل جاردا # Riva del Garda ~~»، 30 سبتمبر ~~1975 # لا بد من مغادرة «ريفا»، كنت قد وصلتها في العام الماضي وقد شد من عزمي الرعاية ~~الحنون التي غمرني بها مؤنس وأسرته. كنت قد قضيت في سويسرا شهرا كاملا بصحبتهم، ~~وعشت فيها بألم يوم التاسع من أغسطس، أول تاسع أغسطس يمر علي دون طه. لبثت زمنا ~~في الكنيسة الصغيرة، كنيسة «ديابليريت # Diablerets ~~» ~~الجديدة، الخشبية كلها وذات الواجهة الزجاجية الكبيرة العارية فوق المذبح التي كانت ~~تتيح رؤية الجبل. كنت وحيدة وحدة مطلقة؛ لكني عدت إلى الفندق مع ولدي، وفي غرفتي ~~وجدت باقة وضعتها أمينة لي، باقة من القرنفل الأحمر، ذي اللون الوردي الرقيق رقة ~~قلب هذه الطفلة. # لم يأت طه قط إلى الديابليريت. وفي «مونترو» عثرت ثانية حيث مررنا بسرعة على ~~وفرة الأزهار والعطور على شاطئ البحيرة حيث سرنا ذات مساء معا. # للمرة الأولى، منذ سنوات، ركبت القطار (عندما قدمت من البندقية إلى باريس، كنت مع ~~مؤنس شبه لا واعية)، وعندما اختفى وجه مؤنس العزيز في محطة مونترو شعرت ببعض الذعر ~~(كنت وحيدة، غير شابة، وغير سعيدة). ومر القطار في «بريج» و«السامبلون» ~~و«الدومودوسولا» التي كانت سوداء تحت المطر، أما «ستريسا» فكانت تختفي تحت الغيوم وهطول ~~المطر المدرار. ما أكثر السنوات والمرات التي مررنا بها هنا! وما أكثر الأفراح التي ~~عشناها! وما أجمل ما كانت عليه غبطة الأطفال! # أعددت حقائبي ووضعت صورتك. كانت قوارب النزهة تحت الشرفة تتمايل وتهدر من حول ~~القلعة. لا أرى عند منابت الجدران العتيقة أزهار الغار، لكني أعرف أنها حمراء بشكل ~~رائع. # قلبي يثقل علي؛ عندما أغادر هذا المكان أشعر وكأنني أنفصل عنك من جديد. علي أن ~~أغادر الشرفة، وأن أغلق النافذة، وأن أسدل الستائر ... ~~«عودي، عودي! ...» # وأعود. # جنوة، 6 أكتوبر # هو ذا بهو «البلازا Plaza ~~»، والمقعد حيث أجلستك في ~~انتظار انتهاء سليم من محاسبة السائق كي يساعدني. ما أشد حضورك معي، شديد التعب، ~~منهكا، ومع ذلك تجهد في الابتسام، كريم الصبر. # علي أن أقوم ببعض المشتريات، لكن ms195 أين حمية السنوات الأولى؟! ليس ثمة شيء للأسف ~~أبحث لك عنه، لكني سأحاول مع ذلك أن أعثر على أسطوانة جميلة، وبذلك لا تكون غائبا عني ~~كليا. # صعدت إلى دير «الكابوشين # Capucins ~~»، ومرة أخرى ~~حضرت مراسم زواج كان في منتهى البساطة والتأثير. لم يكن الدير بعيدا عن الفندق، لكن ~~الصعود إليه كان قاسيا، وكذلك درجات سلمه التي تؤدي إلى سطح مزروع بأشجار السرو، ~~وكان البحر يرى من خلالها عندما يكون الجو صحوا. عدت نازلة أتأمل دون أن أرى ~~تقريبا دروب الحديقة التي تحمل لك حتى في مدينة كبيرة أريج وندى أوراق ~~الشجر. # على الباخرة ~~«الأسبيريا» لم تعد موجودة، ولم يسبق لك أن سافرت على الباخرة «فيكتوريا»، فكرة ~~رحلتنا الأخيرة تلازمني. أسمع، أسمع صوتك: «ألا يسعنا البقاء أيضا فترة أطول ~~قليلا؟» كانت لديك رغبة عميقة في البقاء، وكنت تقول ذلك بخجل. لم نكن نستطيع؛ فقد ~~حاولنا عبثا النزول في فنادق متواضعة في الجبل وفي الريف وألا نبذر في مصروفنا. ~~عبثا ... فالموارد تتلاشى، ولم تكن لحسن الحظ تعرف أن تحسب قط، ولم تكن تتبين ذلك. ~~ما أكثر حنانك حين شعرت بي مهمومة، فقلت لي بسذاجة: «معي نقود في محفظتي ... خذي منها ~~...» كان معه مائة جنيه؛ مائة جنيه أحملها بعناية، ولا تزال موجودة في محفظته القديمة ~~الزرقاء. # اعتاد مؤنس المجيء لمساعدتنا عند الإبحار الذي كانت تتزايد صعوبته من يوم إلى يوم، ~~كان هذا اللقاء القصير خيرا لنا، إلا أن مؤنس اضطر لسوء الحظ أن يسافر في مهمة ~~إلى زائير لحظة إبحارنا تماما؛ فحزن طه بسبب ذلك حزنا شديدا، وأثارته باقة الورود ~~الهائلة التي كانت تنتظرنا في المقصورة، لكنها لم تواسه. # لم نكن نعلم أننا سنجد بيتنا فارغا؛ فالخدم السابقون هاجروا نحو بلاد غنية، كما ~~غادرتنا أمينة في اليوم التالي إلى نيويورك، أما سليم فقد أخذ إجازة لعدة أيام، وكان ~~قد بقي لنا أربعة أسابيع نعيش فيها معا! لم أكن لأصدق تعجب الناس من حولي لدى ~~وصولنا الإسكندرية وفرحهم وهم يقولون: «ما شاء الله، الباشا ms196 بخير!» # لا أنظر تقريبا إلى البحر، وإنما أرى صورا أخرى، وثمة منها الكثير، بل أكثر من ~~الكثير. ذات مساء، كان طه يتألم على ظهر «الأسونيا»، شأنه غالبا، وبدأ الصراخ بعصبية ~~بالغة: «إنني أموت.» فأردت ألا يفقد أعصابه، وقلت له حتى أهدئه وأنا أجهد نفسي ~~لأضحك: «اسمع، لا تفعل بي ذلك على الباخرة! لننتظر على الأقل حتى نصل مصر ...» # كنت أريد ممازحته، غير أنه رسم ابتسامة غامضة، وهدأ قليلا. # لم أنا في «جاردونيه سوبرا # Gardone Sopra ~~» التي ~~كنا صعدنا إليها بسيارة أجرة؟ هو ذا مقهى «ديليو ~~أوليفي # Degli Olivi ~~»؛ رصيف وموائد تحت أشجار الزيتون العتيقة. أدخلت طه، وفهم ~~المعلم فاستعجل وقرب كرسيا لمساعدتي. كانت القهوة ممتازة، وشربها طه بسرور - بسرور ~~... # عدت ألقي نظرة على الأشجار والموائد، ولا أملك الشجاعة للدخول. # نزلت إلى نابولي لوضع رسالة في البريد، وعدت من فوري، ثم إن السماء كانت تمطر ~~مطرا مدرارا. لا أنزل هذا السلم الكبير للمحطة البحرية دون أن أتذكر رحيل ~~المهاجرين؛ كنا على الباخرة «كولومبا» المسافرة إلى نيويورك، غير أننا كنا سننزل ~~منها في طنجة. كان هناك حشد كبير من الرجال فقط يصعدون إلى الباخرة، وحشد آخر من ~~النساء والأطفال على رصيف الميناء ينظرون ويلوحون بأيديهم ومناديلهم، وكانت العيون في ~~الأعلى وفي الأسفل حمراء جميعا، وكان يقف على الجسر موسيقيو الساحل يعزفون دون ~~توقف أكثر الألحان مرحا جاهدين عبثا ولا شك ، وعندما أعلن أخيرا أن «الباخرة ~~ستبحر»، أحسست بالقطيعة؛ كانت قلوب الأمهات والزوجات تتحطم. أعرف كيف كن يبكين وهن ~~عائدات منحنيات على الدرج الكبير ... كانت الباخرة تبتعد بسرعة؛ كانت جميلة، لكن جمالها ~~الباذخ بدا لي ذلك المساء عيبا. # سنصل الإسكندرية قريبا. كنت تقول: «تزعمين أننا لا نرى الإسكندرية فقط حين نكون ~~بها.» # وكان ذلك صحيحا، فوصولنا إليها كان يختلف تماما عن وصولنا إلى جنوة أو بيروت ~~بالتأكيد؛ إذ بمجرد أن نلمح الشواطئ، نكون قرب المدينة، وفي الصباح الندي تبدو ~~الإسكندرية رائعة وخيالية إلى حد ما، كما لو كانت خطا ورديا لطيفا موضوعا على ms197 ~~الماء شبه البنفسجي. # علي أن أتخلص من التخيلات، ولا بد من الظهور بمظهر طبيعي أمام هؤلاء الناس ~~الذين يقومون بنزهة بحرية مفعمين جذلا وفرحا، لكني أعرف جيدا أنني ذاهبة إلى لقاء ~~الصمت. لم أشعر قط بمثل هذه الحاجة إلى سماعك؛ ذلك أني أصطدم بجدار لا يمكنني النفاذ ~~منه، وأحيا - دون أن أعيش - حياة لم تعد حياتي، ولا أجد العذوبة فيها إلا عبر ~~الدموع. # كنت أود لو حملت معي هذه الصفحات من الذكريات وقد اكتملت - وإن كانت ستبقى ~~ناقصة على كل حال - كنت آمل إنجازها في بيتنا ب «رامتان»، بيد أنه كانت هناك ~~جماهير من الزوار طيلة الصيف؛ ولم يعد البيت قابلا للسكنى. ها أنا ذا من جديد عند ~~ابنتي في المعادي. أريد أن أكون شجاعة، كما كنت في إيطاليا؛ وما دمت أستذكر، ما دمت ~~أحاول التحدث عنك، فسنبقى معا. # رامتان # حلم قديم لم نستطع تحقيقه إلا في عام 1956 عندما كان لطه ستة وستون عاما؛ كانت ~~مدرسة الفنون الجميلة القائمة بالقرب من البيت الذي كنا نسكنه في الزمالك تطالب بهذا ~~البيت لتجعل منه ملحقا بها، وكان شبه مستحيل إيجاد بيت للإيجار؛ فقررنا بناء فيلا ~~تضم شقة مستقلة يسكن فيها مؤنس وليلى. ولما كنا نريد حديقة كبيرة، وكان ذلك ~~مستحيلا في الزمالك، فإننا اتجهنا نحو طريق الأهرام، وكان ثمة على درب صغير متفرع ~~من الطريق الرئيسي أرض محاطة بالكازوارينا، فأغرتنا . لقد تغير هذا المكان منذ ذلك ~~الحين للأسف! لكنه كان ساحرا آنذاك؛ كان الدرب الضيق عبارة عن ممشى عبر أشجار العندم ~~الهندي، وكان في الجهة المقابلة لحديقتنا حقل برسيم ترعى فيه من حين لآخر جاموسة ~~كانت تفرح - وتخيف - أمينة عندما كانت في الثانية من عمرها. كان هناك قليل من البيوت ~~السكنية؛ فإذا ما ذهبنا في المساء حتى الطريق الرئيسي، فإن بوسعنا أن نرى أمامنا امتداد ~~الريف في البعيد، وكانت السماء تبدو لي عظيمة الاتساع. # ووضعت المخططات؛ بيت طويل أبيض ذو طابق واحد يقوم على الأرض مباشرة ليتمكن طه من ~~الذهاب إلى ms198 الحديقة بسهولة، وواجهات متلاصقة، وشرفة من الحديد المطروق الأسود، دهليز ~~صغير يؤدي إلى المكتب الذي ينفتح على صحن من الآجر مع مقعد من الآجر أيضا، ونافذة من ~~الحديد المطروق تطل على القاعة المجاورة، وذلك لتذكرنا ببيت جريكو، ومجموعات من ~~الشجيرات ذات الأريج العطر. وفيما وراء المكتب عند البهو، هناك قاعة فسيحة وغرفة طعام ~~مشمسة لا تفصل بينهما سوى ستارة وتكعيبات عنب كبيرة تنقل الحديقة إلى داخل الغرف، وفي ~~أمسيات الشتاء كنا نوقد الحطب في المدفأة الجدارية المدهونة بالأبيض ببساطة تامة ~~شأن الدار كلها. وفي قاع البهو هناك درج أبيض ذو درابزين من الحديد المطروق يؤدي ~~إلى غرفنا وإلى شقة الزوجين الشابين اللذين كان لشقتهما سلم خارجي خاص بهما تماما، ~~وعندما أردنا تسمية هده الدار طلبت والأولاد إلى طه أن يساعدنا في البحث في النصوص ~~القديمة عن اسم لها، وهكذا عثرنا على اسم «الرامتان»؛ فهذه الكلمة الغريبة مثنى يميز ~~خلال مراحل الصحراء مخيمين وخيمتين وناري المخيمين. وبما أننا أردنا أن تحتوي الدار على ~~بيتين ... فقد كتبنا على الباب الأبيض على الشارع هذا الاسم بالحروف العربية والحروف ~~اللاتينية. # كان البيت محاطا بالحديقة، وقد أردتها أن تكون في منتهى الجمال. كان ذلك جموحا، ومع ~~ذلك فقد كان المرج مريحا. وعلى الجوانب الأخرى، كانت أشجار النسرين والورد والغار وبعض ~~الخبيز وشبيه السنطر تتألق تحت أشعة الشمس بألوانها الحمراء والوردية والذهبية، ولم ~~يكن ذلك يخلو من السحر، ونمت صنوبرة كنت زرعتها في العشب أمام قاعة الجلوس بسرعة ~~فائقة، وكم كنت شديدة الفرح بذلك! # 299 # منذ الأيام الأولى لإقامتنا، جاءت كلبة صغيرة لجيراننا لتقضي معنا جزءا كبيرا من ~~النهار، كانت تسمى «أريان»، لم تكن تشبه «عنتر» الجليل الذي كانت تملكه ابنتي، ولا ~~الكلب الذي لم نعرف من أين هو، وكان يزورنا يوميا في الزمالك؛ أما هذه فقد عمدناها ~~باسم «بيلفيجور» (الوجه الجميل)! وقد بدا جورج حنين الذي كان ودودا ومهذبا في كل ~~مناسبة، مضطربا حين ناداها ذات يوم بيليزير! # 300 # كانت الهداهد في «الرامتان»، كما كان ms199 الأمر في هليوبوليس، تتنزه على المرج براحة ~~واطمئنان، وكانت الجداجد تذكرنا بوجودها الدائم. أما في المساء، فكان ثمة ضفادع صغيرة ~~تأتي من القناة المجاورة وتقفز على الشرفة وتدخل أحيانا عبر النوافذ المفتوحة! # على أن ضيوف الحديقة الحقيقيين لم يكونوا ضيوف الأرض بل العصافير؛ لم أر ولم أسمع ~~في بيوتنا الأخرى كثيرا منها كما أرى وأسمع هنا، وكانت العصافير أيضا تدخل إلى الغرف ~~وتجن عندما تجد نفسها ضمن الجدران. ولا بد أن أدع الكروان جانبا؛ فقد كان طه الذي ~~أحب دوما عصفور بلده هذا يستقبل تحيته كل مساء بفرح، ويظن المرء أن صرخة واحدة ~~أو خفقة جناح واحدة تجتاز السماء كلما مرت طيور الكروان من فوقنا بسرعة. # لم أكن الوحيدة التي سمعت بطريقة مختلفة ~~هذا الكروان، الذي أوحى إلى طه بواحد من أجمل كتبه، بطريقة مختلفة. كان «هنري بورنيك # Henri Borneeque ~~» # 301 # قد أراد التعرف على طه الذي كان عاجزا عن الحركة، فجاء لرؤيته ~~وتحدثا وقتا طويلا، وهذه هي السطور الأخيرة من مقال كتبه بعد هذا اللقاء: # ها أنا ذا من جديد على الدرب القصير الهادئ حيث تغني الجداجد تحت أقواس ~~الأشجار المغلقة ... ~~... وأعيد التفكير في النهاية المؤثرة ل «دعاء الكروان» وقيمتها الصوفية في نظر النفوس ~~الكبيرة: ««أليس من العجب أن يكون هذا الضوء الذي أخذ يغمرنا شرا من الظلمة التي ~~خرجنا منها؟ إن أحدنا لن يستطيع أن يهتدي في هذا الضوء إلا إذا قاده صاحبه.» # 302 # آنذاك توقفنا عن الحديث، لكن صوتك أيها الطير الذي أحب، ينتزعني من هذا ~~الصمت العميق.» # ألاحظ أنني أتحدث عن هذا البيت بصيغة الماضي، والحق أن «الرامتان» لن يبعث ~~ثانية؛ فمؤنس مستقر في باريس، وأمينة وزوجها يسكنان بيتهما في المعادي، أما أنا ... ~~فربما سأعود إليه وسأستمع آنذاك إلى صدى الأصوات الخرساء. ربما استطعت الابتسام ~~للصنوبرة التي زرعتها؛ ففي أيامه الأخيرة من ربيعه المصري الأخير نجحت مرة أخرى أن أضع ~~إلى ظلها مقعد طه، لكنه لم يرد أو لم يستطع البقاء طويلا في هذه الحديقة التي ms200 ~~أقمتها خصوصا من أجله. ولقد مرت ثلاثة أعوام لم تعد تراه فيها الدروب التي ~~شققتها من أجله ليمشي عبرها دون تعب. # وأتذكر بعذوبة ذات صباح من مايو 1957؛ لم أكن قد نمت كثيرا منذ بداية الليل حين ~~اضطر مؤنس لاصطحاب ليلى إلى دار الشفاء، ولم يكن الوقت متأخرا عندما فتحت نافذتي ~~وخرجت إلى الشرفة. كان مؤنس في الممشى الكبير، يمشي ببطء ويدخن سيجارة، ورفع عينيه ~~وابتسم لي وسمعته يقول: «إنها بنت صغيرة ...» كان صباحا منيرا من مايو حين تلقيت ~~هذه السعادة النقية على هذا النحو ببساطة وجدية ... # لعل وعسى ... # كنا قد عشنا في بيتنا في شارع مونكرييف بالزمالك عشرين عاما، وفي الصباح الذي ~~تركناه فيه، وكنا منهمكين بالطبع في جلبة الاستعداد للانتقال، قال لي طه فجأة، ~~وشعرت به متأثرا: «ألا أستطيع الذهاب قليلا إلى الحديقة؟» ... وشعرت بأني أتزعزع ~~إزاء ما كان يشبه التوسل؛ كان نادرا ما يطلب شيئا ما، فتناولت ذراعه، وحملت ~~كرسيا، وبقينا برهة على الأرض المعشوشبة. # وعندما انسحبنا في المساء إلى غرفنا الجديدة، شعر للمرة الأولى بالخوف في بيت ~~مجهول، وقال لي - بنفس الصوت الخجول الذي خاطبني به في الصباح: «هل تسمحين لي أن أقضي ~~هذه الليلة في غرفتك؟» # وجعلني طلبه هذا مرة أخرى أضطرب. # 303 # كنا في السنوات الأخيرة نقضي أمسياتنا في غرفته نستمع إلى أسطوانات الموسيقى؛ كان ~~يحب ذلك ويسألني: «ما الذي سنستمع إليه هذا المساء؟» كما لو كنا نستعد للذهاب إلى ~~حفلة موسيقية. # عندما كان على مؤنس وليلى أن يستقرا في باريس، فتحت بابا في الجدار الذي يفصل ~~غرفتهما عن غرفتي، وغدت هذه الغرفة غرفة لطه؛ كانت أكبر وأكثر عرضة للشمس من ~~الأولى، وتابعنا فيها حفلاتنا الموسيقية وقراءاتنا حتى الليلة الأخيرة تقريبا، تلك ~~الليلة الفظيعة التي كانت تقطعها أصوات وكلمات واعترافات لم أفهمها تماما حتى الآن. ~~وفي إحدى المرات التي كنت أنام فيها قليلا على الرغم مني، حلمت بحلم لم أفهمه على ~~الفور أيضا؛ فقد رأيت فيما يرى النائم أن خاتم زواجي قد تحطم بطريقة لا ms201 ~~تفسر، وأنني إذ كنت أنظر إليه حزينة لاحظت أنه كان ثمة داخل الدائرة المكسورة ~~شيء من السواد كما لو كان غبار فحم. # مضت أربع سنوات عادية حفلت بالرحلات الرسمية والعمل الشخصي، أما السنوات الاثنتا ~~عشرة التالية فقد كنا نسافر فقط طلبا للراحة والنسيم العليل. كان طه قبل ذلك قد ~~تخلى - لعدم قدرته على أن يسافر دوما - عن عدة دعوات لزيارة الاتحاد السوفييتي ~~والولايات المتحدة والأردن والكويت وغيرها، ثم اضطر أخيرا ذات يوم أن يكف عن ~~متابعة العمل نفسه الذي كان يقوم به. # كانت فترة العملية مؤلمة جدا؛ فالعملية الجراحية كانت بالقرب من الدماغ بطبيعة ~~الحال، وكان عمر طه يوم أجراها سبعين عاما. عندما قال لي البروفسور «أوليفا كرونا # Olivia-Crona ~~» إثر التصوير الذي قام به للنخاع ~~الشوكي بعد التخدير: «ربما لا أتوصل إلى إزالة القرصين المشوهين مرة واحدة.» ~~(وكان يجب أيضا استبدالهما) فقد فزعت من فكرة القيام بتخدير ثالث ... ومن حسن الحظ أن ~~العملية كانت كاملة برغم استمرارها وقتا طويلا. وجاء إلي الطبيب السويدي ~~المعاون # 304 ~~- وهو بروتستانتي مشبع بالتوراة - بسرعة ليقول لي مبتسما: «حسنا! لن نقول ~~كما قال المسيح للمشلول: «خذ سريرك وامش!» وإنما يمكن أن نقول إنه بعد فترة من الزمن ~~سوف يمشي على كل حال.» # الأمر الذي كان صحيحا تقريبا، لأجل من الوقت. # ما سأقوله ليس سارا لي، لكني أريد أن أقوله مع ذلك؛ فقد كان المصريون يعتقدون - وما ~~زالوا - أن الحكومة قد تحملت مصاريف هذه العملية، وكان ذلك يبدو لهم أمرا ~~طبيعيا. ربما كان الأمر على هذا النحو، لكنه لم يحدث؛ فقد دفعنا مصاريف ونفقات ~~الإقامة في المستشفى كالعادة كاملة، بل بشكل مضاعف باعتبار أنني لم أترك طه لحظة ~~واحدة. # وشأن الظروف الاستثنائية في حياته، فإن الرسائل الودية القلقة قد انهمرت علينا، ولم ~~تكن القاعة المجاورة للغرفة - التي كان ينتظر فيها عدد كبير من الناس مستعجلين لرؤيته ~~- تكفي لاحتواء الأزهار التي حملها الزوار أو أرسلها الأصدقاء. كان للغرفة شرفة ~~كبيرة، فوضعت فيها سلال الزهر، فبدت وكأنها حديقة ms202 معلقة، ولقد كانت هذه الحديقة ~~جميلة وسارة. كثير من هذه السلال ما كان جميلا، غير أن باقة متواضعة منها قد ~~أثرت في على نحو خاص؛ فقد حملها ساع للبريد يعمل في شارع مونكرييف حيث كنا ~~نسكن، ولا أنس أيضا أزهار وزيارة صلاح سالم # 305 # الذي كان مريضا، وتوفي في السنة التالية في جناح آخر من المستشفى ~~ذاته. # جاء لزيارته خلال العملية مجهولون، كما جاء أناس لم نكن قد رأيناهم منذ عشرين عاما. ~~كان مؤنس في باريس، فكنت أعتمد على أمينة وزوجها، وكذلك على ليلى وماري وجان اللواتي ~~كن مخلصات بطبيعتهن؛ إذ كن صديقات موثوقات ولم يكففن يوما عن أن يكن كذلك؛ ~~صديقات كان مجرد النظر إليهن يعود بالخير. كان ريمون حاضرا أيضا، يجهد في السيطرة ~~على انفعاله واضطرابه. # لا يذكر الأب قنواتي - الذي كان من أوائل من جاءوا لزيارة طه - ما قاله لي، لكني ~~أذكره؛ كان ذلك عشية العملية الجراحية، فقد عانق طه، ثم رافقته حتى الدهليز، وإذ رأى ~~القلق على وجهي، ذكرني ببساطة قائلا: «أنت مسيحية، وهذه هي اللحظة التي تبرهنين ~~فيها على ذلك!» # كانت عصافير «رامتان» تغني بقوة صباح اليوم الربيعي الذي عاد فيه طه إلى البيت، ~~ورافقت ساعات نقاهة طويلة لا تزال مثقلة بالهموم، لكنها كانت أكثر سرعة مما كنا ~~ننتظر، ولقد عبرت عن ذهولي عندما وصلنا «بادو» معا، وكلانا مفتون لا يكاد ~~يصدق. # كنت سعيدة لرؤية طه سعيدا، ولا سيما أنه تألم كثيرا عندما اضطر مؤنس لأن ~~يتخلى عن الجامعة بعد أن غدا هو الآخر هدفا للغيرة السافلة والمناورات الشريرة. ~~كان ولا يزال المصري الوحيد الذي يحمل شهادة الأجريجاسيون في الأدب، وقد نال درجة ~~الدكتوراه في السنة التالية بعد الدفاع عن رسالته، وهي إحدى الرسالات النادرة التي ~~كتبها مصري حول موضوع شرقي وقدمت للسوربون وعنوانها: «الرومانتيكية والإسلام». لم ~~يكن بوسعنا أن نكون هناك، فقص علينا الأصدقاء جلسة الدفاع عن الرسالة بتفصيل واسع، ~~وقد وصل الأمر بدانييل أن وصفت لي الطقم الذي لبسه يومها، أما «دو» (مدام ms203 كواريه) ~~فقد كتبت لي: «كنا - شوري وأنا - نختال كالطواويس!» # وعرض عليه في القاهرة منصب بائس، فلم يقبله؛ كان ذلك زهيدا، كما كان معيبا. # ولم يكن طه نفسه، الذي كان يهاجم بشكل أقل في تلك السنوات، بمعزل عن المكان؛ فلم ~~يكن يخلص من النقد، ولا من الضربات البشعة كضربة صحيفة الجمهورية # 306 # التي ألغت في عام 1964 فجأة عقدها معه، كما ألغت في الوقت نفسه عقود ~~آخرين كان أحدهم كاتبا معروفا، وقد كتب هذا الأخير في الأيام الأخيرة مقالا ذكر ~~فيه أنه كان له الشرف أن «أقيل» مع طه حسين. # وبما أنه لم يكن «في السلطة»، فقد كانوا لا يتحدثون إلا قليلا عما كان يعتبر ~~بعد عام 1952 انتصارا في الخارج؛ فلم تشر أية صحيفة إلى رحلته إلى تونس، ولا أدري ~~إن كانوا قد توسعوا كثيرا في وصف الاستقبال الحماسي له في المملكة العربية السعودية. ~~كان منذ زمن طويل فوق هذه الأشياء، لكنه كان يتألم من أجل ولده، ولقد وجد مؤنس في ~~«اليونسكو» عملا في وسط يروق له، فضلا عن العلاقات الودودة والذكية شأن علاقته ب ~~«جاك هافيه # Jacques Havet ~~» # 307 # ثم «رينيه ماهو # René Mahu ~~» # 308 # وآخرين. # كان طه يتعاون مع اليونسكو منذ سنوات، وقد اهتم كثيرا بالمشروع الكبير ~~(الشرق-الغرب)، فكان أحد أعضاء اللجنة الاستشارية التي اشترك فيما أظن في جلساتها ~~الأربع الأولى، أما بالنسبة للاجتماع الخامس في عام 1963، فإنه اضطر للاعتذار برغم ~~الإلحاح والإصرار، مقترحا أسماء يمكن لها أن تحتل مكانه؛ إذ لم يعد قادرا على ~~المشاركة في الاجتماعات والمؤتمرات، وإن لم يقطع كل صلة له بها. # وقد طلب إليه أن يكتب دراسة عن «الإسلام والعنصرية»، لكني لا أظن أنه استطاع ~~إنجازها. # وقد سره أن يجيب عن أسئلة الآنسة «جان ~~هيرش # Jeanne Hersh ~~» # 309 # التي كلفت من قبل اليونسكو بإعداد مجموعة مختارة تحت عنوان: «الحق في ~~أن تكون إنسانا»، وقد كانت ترغب في الحصول على ترجمة دقيقة للآيتين 64 و65 من سورة ~~الأنعام، ولنص عربي قصير يتعلق بحقوق الإنسان، ms204 ثم طلبت إليه ترجمة وشرحا ~~لسورة «الغاشية». كان ذلك يروق لطه؛ لقد كان بالقرآن شغوفا. # كان يتابع كتابة كثير من المقالات، والإجابة على العديد من رسائل الطلاب التي ~~يتلقاها، وخاصة منها رسائل الطلاب الأجانب التي يطلبون فيها منه معلومات أو ~~إيضاحات أو توجيهات. لا أدري ما الذي حصل بدراسة «دراسة وتقديم الثقافة العربية» التي ~~كانت موضع بحث. # واستطاع من ثم أن يرسل الرسالة التي طلبتها مجلة «هيرن # Herne ~~» لنشرها في العدد الخاص الذي كرسته ل «أونجاريتي # Ungaretti ~~»، ولقد سعد بذلك لأنه أحب أونجاريتي ~~والتقى به عدة مرات في روما وفلورنسا والبندقية. # لقد أفادته كثيرا الرحلات الأولى التي قمنا بها عقب الهزة العنيفة عام 1961 إلى ~~حد كبير، ومع ذلك فقد كان بحاجة للرعاية والمراعاة، ولقد قلقت كثيرا ذات مساء حين ~~قبل التحدث في التليفزيون. والحق أن هذه المقابلة معه قد تمت إثر خروجه من ~~المستشفى تماما، لكنه اكتفى بالإجابة عن بعض الأسئلة. ذلك المساء، نصبت في المكتب ~~أجهزة معقدة، وكنت أخشى المصابيح الضخمة التي ترسل حرارة قوية ومؤلمة، لكن ~~الفنيين أقسموا لي أن ذلك لن يدوم أكثر من ساعة، إلا أنه مضت ساعتان وهو لا يزال ~~يتحدث؛ فانتهزت فرصة راحة وتوسلت إليه أن يتوقف، لكنه ابتسم لي ابتسامة ~~جذلى وقال لي مرحا: «دعيني، فإن عمري ثلاثون عاما!» # وبعد دقائق وصلت ممرضة كانت تحضر للعناية به ليلا، وإذ أذهلها ما رأته من أسلاك ~~وأناس يملئون الدهليز، تجاسرت فأطلت على المكتب؛ نادرا ما رأيت وجها مشدوها ~~على هذا النحو! # ولم يكن على أمين # 310 ~~- الذي كان يتابع المقابلة على الشاشة الصغيرة - أقل منها دهشة، وقد ~~عبر عن ذلك في مقالة ساحرة كتب فيها: # ذلك أنه لم يكن يتحدث فحسب، وإنما كان يتابع النضال. # كان قد مر بمثل هذه التحولات المثيرة. ذات مساء، كنا نتنزه في «جاردونيه»، ~~وكان الجو شديد الحرارة؛ فانتابته نوبة، وظل بلا وعي على المقعد حيث مددناه، وهرع ~~فريد للبحث عن طبيب وسيارة، فوصلت السيارة أولا، واستطعنا إعادة طه إلى ms205 الفندق، ~~وعندما حضر الطبيب، الذي أخطر بحالة إغماء، ودخل الغرفة، وجد فيها إنسانا عاديا ~~جالسا على سريره يستقبله بود؛ دهش لرؤيته وقال لي بشيء من الإعجاب: «إن زوجك يا ~~سيدتي إنسان يثير الفضول.» ... إنه يثير الفضول حقا! لكن هذا الطبيب اللطيف عاد مع ~~ذلك في الغداة للاطمئنان عليه، وكان كل شيء على ما يرام. # في عام 1966، كان أشد تعبا مما كان عليه ذلك المساء، يوم كان يهاجم بعنف ~~الانتصارات المزيفة والمؤسسات المنخورة، ومع ذلك لم يخش التليفزيون أن ينظم ندوة ~~بينه وبين اثني عشر كاتبا وصحفيا وجامعيا، وجرت الندوة في الصالون الذي كان أكثر ~~اتساعا من المكتب؛ لقد قلبوه رأسا على عقب تقريبا وبكثير من النشاط! ... واستغربوا ~~قلقي عندما كانوا يجرون - بلا احترام - صوانا قديما كاد أن يتحطم، كما لو كان كرسيا ~~عاديا؛ أقول «كرسي»، بما أن أحدهم وجد فيه أداة يصعد فوقها لتثبيت ما لا ~~أدري! # ليس هذا هو المهم على كل حال؛ فخلال ثلاث ساعات تقريبا أجاب طه بإسهاب على الأسئلة ~~الكثيرة التي طرحت عليه، عالما تماما بمن يحدثه دون اضطراب من توجيه أسئلة ~~مفاجئة له. # ولقد عشت ثانية تلك الساعات هذه السنة في أثناء بث تحقيق تليفزيوني. لم نكن ~~نعرف شيئا عن البرنامج، ولا عن موعده، فلم نره منذ بدايته. كان ذلك بالنسبة إلي ~~انفعالا عظيما؛ فقد كانت عيناي الدامعتان تريانه ثانية في كرسيه بالقرب من ~~المدفأة، متنبها، واثقا من نفسه، دقيقا. وفي النهاية، عندما وجهت له مقدمة ~~البرنامج سؤالا إضافيا، قال بهدوء وبمزيد من اللطف: «مش كفاية؟» اضطربت؛ فصوته كان - ~~بشكل استثنائي - هو هو ... صوته الذي عرفت، وكان هذا الصوت يعيده إلي ... لثوان عدة، ~~ما يلبث بعدها أن يتوقف. # وسجلت معه أيضا عدة مقابلات للراديو، لكنها كانت أقصر من الأولى، وانتظمت من حوله ~~- هو الذي كان خروجه يقل أكثر فأكثر - اجتماعات حية تناقش فيها موضوعات ~~مختلفة. # لم أكن أتصور - إذ جعلت من صالون «رامتان» فسحة - أنه سيشهد احتفالات صغيرة ~~يحضرها عدد كبير من الناس؛ إذ لما ms206 كان طه لا يستطيع تحمل جلسات رسمية طويلة منهكة، ~~فقد حملت له إلى بيته دكتوراه الشرف التي منحتها له جامعة «باليرم Palerme ~~» في عام 1966، وفي عام 1970 حملت إليه شهادتا ~~الدكتوراه الفخرية من جامعتي مدريد وغرناطة. # جاء سفير إيطاليا «فانسينسو سورو # Vincenzo Soro ~~» ~~وبصحبته وفد كامل وعدد من الصحفيين والمصورين، وفي الوقت نفسه الذي سلم فيه طه ~~الشهادة الجديدة، قدم إليه أيضا هدية المستشرقين الإيطاليين بمناسبة عيد ميلاده ~~السبعين، وكانت عبارة عن كتاب جميل يتحدث عنه، مجلد بجلد أحمر، كما أهدى إليه أيضا ~~نسخة مجلدة هي الأخرى بجلد أحمر من الترجمة الإيطالية للجزأين الأول والثاني من كتاب ~~«الأيام»، ثم وجه له خطابا ساحرا، ورد عليه طه، وافترقا بعد ساعة متأخرة على ~~مضض وكل منهما يحمل عن الآخر انطباعا جميلا. # وتوفي ف. سورو، وإني أفكر فيه بكآبة وصداقة مثلما أفكر ب «أنجل ساجاز # Angel Sagaz ~~»، سفير إسبانيا الذي توفي في سن أكثر ~~شبابا حسب ظني؛ كان قد صحب إلينا وزير التربية الإسباني «فيلار بالازي # Villar Palasi ~~» عندما حمل هذا الأخير الشهادتين ~~خلال رحلة له في الشرق، وقد حضر الحفلة شخصيات مصرية وإسبانية، وكان الحفل وديا ~~وحارا ومهيبا في بعض اللحظات التي كانت تراعى فيها التقاليد؛ فقد ألبس طه ~~الدثار الصغير ذا اللون الأخضر الفاتح الخاص بجامعة غرناطة، ووضعت على رأسه قلنسوة ~~سحقته قليلا والحق يقال! ... وقلد بإصبعه خاتما ذهبيا، كما وضعت على رقبته ~~ميدالية، لكني أظن أن الميدالية كانت من جامعة مدريد. كل ذلك لم يكن يزيد من جماله ~~بطبيعة الحال، لكنه كان يؤثر في كثيرا. # وفي نهاية 1965 منحه جمال عبد الناصر قلادة النيل. # كان من المفروض أن يقلده رئيس الجمهورية هذا الوسام خلال مهرجان الآداب والعلوم ~~والفنون، غير أن طه لم يكن قادرا على حضور الاحتفال؛ فحضر إلى البيت رئيس التشريفات ~~وحمله له. # كانت هذه القلادة جميلة، لكنها اختفت خلال السطو المفجع على «رامتان» بعد أربعة ~~أشهر من وفاة طه، وقد عثر عليها محطمة، لكنها كانت كاملة بصورة عامة، ms207 مثلما اختفت ~~الساعة «اللونجين» أيضا، التي سبب لي فقدانها كثيرا من الشجن. كان ضابط البوليس ~~الذي أعاد لي هذين الغرضين يعلم تماما كم كنت متعلقة بالساعة التي لم تفارق يد ~~طه منذ خمسين عاما، وإني لأشكره ثانية على ذلك. # كانت هذه السرقة هامة، لكنها لم تكن الأولى؛ ~~فقد كانت هناك سرقات أخرى أقل أهمية، بيد أني أسفت على كل حال حين سرقت فضيات ~~المائدة، ولم نتمكن من العثور عليها. # قبل وقت طويل من ذلك، ضاعت مني محفظتي في مخازن «أوروزدي باك» حيث نسيتها بطيش، ~~كانت تحتوي على قليل من النقود، وبعض الأوراق، واثنتي عشرة صورة لطه من صور الهوية، ~~كنت ذهبت لأتسلمها، وبعد عدة أيام تلقيت رسالة من مجهول وجدت فيها: # وجدت هذا في مجرى ماء، وحين رأيت ما يحتويه، رأيت إعادته لك، لكنني احتفظت ~~بواحدة من ... # والحق أنه كان هناك إحدى عشرة صورة في المظروف. # وقد حيا المصريون أيضا العيد السبعيني لطه بكتاب «إلى طه حسين في عيد ميلاده ~~السبعين»، اشترك فيه بعض الكتاب الأجانب، ولم يتخلف عن المشاركة فيه لويس ماسينيون، ~~وكانت مشاركته هذه - إذ إنه توفي في عام 1962 - هي الشهادة الأخيرة ولا شك على صداقة ~~طويلة، صداقة استمرت خمسة وأربعين عاما وربما أكثر. لم يصل نص مقاله إلى لجنة ~~تحرير الكتاب؛ فاهتم للأمر وأرسل نصا آخر فيه بعض الإضافات القليلة إلى إبراهيم ~~مدكور، # 311 # وكتب لي بالتفصيل يشرح لي الأمر، ويطلب مني إعلام اللجنة التي لم يكن لي ~~بها شأن، لكنه كان يريد الاطمئنان على مقاله. # تعارف وطه منذ حقبة الجامعة الأولى؛ كان والد ماسينيون من ناحية أخرى مسئولا آنذاك ~~عن المبعوثين المصريين الشبان، وبناء على دعوته ودعوة السيدة زوجته قمنا بزيارتهم ~~للمرة الأولى لتناول الشاي في شقتهم التي كانت تقع في شارع «مسيو # Monsieur ~~». # كل الناس يعرفون حياة لويس ماسينيون الطويلة، حياته الحماسية المثيرة للحماس؛ فذكراه ~~ومؤلفاته حاضرة باستمرار، وليس لدي حتما ما أضيفه إليها، وإنما أستدعي بعض ~~الذكريات لنفسي. # كان غالبا ما يمر بالقاهرة، ms208 ولم يتخلف مرة خلال مروره عن المجيء إلى البيت ولو ~~للحظة قصيرة، إن لم يملك الوقت لتناول الغداء أو العشاء؛ كانت زياراته الخاطفة في ~~أثناء الحرب تثير انفعالي دوما، والحق أنه كان دوما مستعجلا لسبب ما. ذات مساء من ~~شهر ديسمبر 1939 كان لديه مع ذلك بعض الوقت ليبقى ويتناول العشاء معنا، لكن أملنا ما ~~لبث أن خاب قليلا عندما تركنا فجأة - بعد أن توقعنا أن نقضي السهرة بصحبته - ~~ليذهب إلى الكنيسة لقضاء ساعة مقدسة في «الفجالة». # 312 # طيلة الفترة التي قضاها مؤنس في معهد المعلمين العالي بباريس، كان مواظبا على حضور ~~محاضراته التي كانت تفتنه، وعند الخروج كانا يمشيان معا، وكان ماسينيون يستعلم ~~باهتمام ودي عن كل ما يقوم به طه من عمل أو يخطط للقيام به، وقد عرفنا من رسالة ~~مؤنس مدى سخطه إثر سحب «الكوليج دو فرانس» دعوتها لطه لإلقاء عدة دروس فيها عام 1949 ~~(لأسباب سياسية بالطبع). كان حقا قد خرج عن طوره. # عندما كان يكتب لطه، فقد كان يكتب في مسائل تتعلق بالعمل أو النقد أو اللسانيات ~~برصانة كانت تمتزج بها أحيانا بعض الأفراح الشخصية؛ فقد كتب له عندما ولدت له «جنفييف»: # وأنا أيضا صار عندي بنت! # ثم بعد ذلك صرخة الألم المرعب يطلقها الأب الذي كان يرى ابنه يموت. # كنت أتردد دوما في محادثته بحميمية زائدة؛ ~~فقد كان مشغولا بكثير من الأشياء! ومع ذلك فقد اضطررت - وكنا ذات يوم وحدنا - أن ~~ألمح إلى مرارة طه وألمه - خلال إحدى أسوأ سنوات حياتنا - فسكت لحظة، ثم قال لي بصوت ~~رصين أبطأ من صوته المعتاد: «نعم! أتصور. آه، أتصور ما يعانيه هذا القلب، وأتصور ~~أنك الوحيدة التي تعرف ...» # كان يعلم حق العلم أن هناك أعداء قد وجدوا دوما على درب طه، وأن وجودهم لم ~~يقتصر على مصر وحدها فحسب ... بل إنه كان يفكر في ~~ذلك في أكتوبر 1952، عندما كان يكتب هذه الرسالة الجميلة: ~~... أكتب لك اليوم لأعبر عن إعجابي وفرحي بمشاريعكم؛ ففي عالم المبتزين ~~والجبناء تتألق شجاعتكم ms209 لتواسي بعض من لا يتوصلون إلى قتل أنفسهم في ~~الشهادة من أجل العدالة، شأنهم في ذلك شأني. إنني أدعو الله أن يبارك طه حسين ~~لقاء الزكاة الروحية التي يؤديها للشعب المصري ... أقبلك يا صديقي، وليبارك ~~الله زوجتك العزيزة بسببك، وكذلك أولادك وأصدقاءك، بل حتى أعداءك الذين لولاهم ~~ما كنت لتنتبه إلى المهمة الملقاة على عاتقك ... # يوم وفاته، أرسل «آراجون» برقية يطلب فيها كلمة من طه لتنشر في العدد الذي كانت ~~«الآداب الفرنسية» تكرسه لهذه الذكرى العظيمة، وقد أرسلنا له هذه الكلمة برقيا ~~أيضا. # في الشهر الماضي، كان يحتفل في «دار السلام» بذكرى الأب «زندل # Zundel ~~» # 313 # الذي توفي قبل عدة أشهر. وخلال حديثه عما يدين به مركز الدراسات هذا ~~لفكر وعمل وروحانية «الأب زندل» الذي كان يتحدث فيه غالبا، أضاف المطران ~~حكيم # 314 # أنه لا يمكنه في هذا المكان أن يفصل اسمه عن اسمين آخرين تدين «دار ~~السلام» بتألقها لهما أيضا، وهما: لويس ماسينيون وطه حسين. وإني لأحب أن تجتمع ~~هذه الأسماء الثلاثة على هذا النحو. # عندما ازداد تعب طه حسين بات الزوار يفدون في مجموعات أقل عددا، وأصبحت ~~المحادثات - وخاصة منها ما كان مع الزوار الأجانب الذين يمرون في القاهرة - تتم ~~على انفراد تقريبا. هكذا أمضينا أكثر من ساعة مع «إيفو أندريتش» # 315 # الذي كان قد تلقى جائزة نوبل للآداب؛ لم نكن نعرفه، ولم نكن نعرف عن ~~كتبه سوى القليل، لكني أحتفظ بذكرى رجل ودي في غاية الهدوء. كان يتحدث بعذوبة ~~كبيرة، ويخلف انطباعا بأنه إنسان عاكف على التفكير، وربما على التأمل، ولا أدري لم ~~أعاني نوعا من الطمأنينة إذ أستذكر هذه الزيارة. # أما اللقاء مع الرئيس ليوبولد سنغور، # 316 # فقد كان فرصة لإطلاق هذه المشاعر الودية التي بدت غاية واستهلالا في ~~الوقت نفسه؛ غاية وتأكيدا لما كنا نتخيله قبل اللقاء، واستهلالا لما سيصبح صداقة ~~حميمة وحارة. كانت المحادثة التي دامت ساعتين معه ومع عدة أشخاص كانوا بصحبته ~~متألقة وهادئة؛ فقد كنا نجد أنفسنا بغتة على أرض صلبة، متفقين ms210 في آرائنا عند ~~تناولنا بالحديث الأصدقاء والكتب التي نعرفها جميعا. # وقد أسف طه كثيرا لعدم قدرته على المشاركة في المحاضرة العظيمة التي ألقاها الرئيس ~~في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة؛ كان موضوعها يدور حول «الخصائص الزنجية» بشكل خاص، ~~وكذلك عن جوانب أخرى من العالم والحياة، وقد استمعت إليها وكنت متحمسة. # لم ير طه سنغور ثانية؛ لكنه تلقى منه رسائل تفيض بمشاعر الصداقة. # وصباح 28 أكتوبر، حمل لي سفير السنغال منذ اللحظات الأولى، تعازي صديق جاء متأخرا في ~~حياته. # وجاء ذات يوم رئيس الهند؛ ذاكر حسين، # 317 # وقد تأثرنا بكلامه المتميز، وصوته الرصين، وحبه الواضح للزهور، وميله إلى ~~الأجواء البسيطة والرزينة. # لكن هان سوين # 318 # المحببة، وهي شديدة الاختلاف بالطبع، بقيت أكثر من ساعة ونصف مع طه حسين ~~في مكتبه؛ كانت شديدة الحيوية وتتكلم مثلما تسمع أيضا. # ومر «بلاشير # Blachère ~~»، # 319 # كانت آخر مرة يمر فيها، فقد غدا الليل بالنسبة إليه تاما، وكان ~~يتحمل المحنة بصبر رواقي. وإني لأراه ثانية في المكتب يجلس على مقعد قريب من مقعد ~~طه؛ هذا الرجل الذي كان في منتهى التحفظ، أظهر ذلك اليوم كم كانت صداقته حية ~~وعميقة، وعندما قبل طه على جبهته عند مغادرته له كان ثمة حمية عفوية فاجأتني ~~وأثرت في؛ كان مع بروده الظاهر يملك هذه الكبرياء الرفيعة التي كنت أحبها كثيرا ~~في طبع طه. لقد شعرت به قريبا وأثيرا في تلك المرة الأخيرة، وعلى هذا النحو ~~أستذكره منذ رحيله. # كانت زيارة «جاك بيرك» # 320 # للبيت لحظة سعيدة عند طه بما تحفل به هذه الزيارة من محادثة ذكية وعميقة ~~في جو من الود الحار. يقول «بيرك»: «ثمة بيني وبينه شيء غير عادي.» وإني لأعتقد ~~ذلك؛ فكلما حدثني عن طه استثار مشاعري، آنذاك أجد في الصوت المعتدل تعبيرا عن شعور ~~حق وصلب شريف. إنه واحد من الذين يجدون طه في حقيقته إنسانا جديرا بالحب، وليس ~~بوسع أحد أن يمنحني ما هو أثمن من ذلك. # ومنذ أن لم يعد طه موجودا، فإنه يعرض رأيه ~~فيه ms211 بأجمل أسلوب، معرفا به بشكل أفضل وبتفصيل أوسع. وها هي السنة الثانية التي ~~يكرس فيها له درسه، في «الكوليج دو فرانس»، كما أنه كان هو صاحب الفكرة في إصدار ~~«مختارات من أعمال طه حسين» باللغة الفرنسية سوف تنشر قريبا، # 321 # وأعرف أنه لن يتوقف في هذا المجال عند هذا الحد. # أما «إتيامبل # Etiemble ~~» الذي أظن أنه لم يأت إلى ~~مصر منذ زمن طويل، فلم يكن قد زار «رامتان» وعرفها، لكن رسائله كانت تصل إليها؛ إذ لم ~~يكف قط، منذ أن كنا في الإسكندرية وفي الزمالك، عن التعبير عن تعلقه، وعن ~~التعبير عن حماسه. كان دوما مع طه، ولا يزال على الدوام مخلصا إخلاصا فعالا للرجل ~~الذي عرفه وفهمه. # لا أنس بالطبع المدائح، وكلها جميلة، خلال السنوات الأخيرة، وليس من اللائق أن أقوم ~~بتعدادها جميعا، لكني أظل ذاكرة ما يقوم به المصريون والفرنسيون والإيطاليون ~~والآخرون ممن يعملون بجد على نشر مغزى ودلالة نشاط ومؤلفات لم تنشر في رأيهم ~~بما فيه الكفاية في الغرب. # ذات يوم، غدا من الضروري الحد من الزيارات، ومع ذلك كان هناك من يريد رؤيته ~~ولقاءه؛ ذلك تقريبا ما تمنوه في مدرسة داخلية في مصر الجديدة أرسلت لنا وفدا ~~كاملا؛ فقد صعدت اثنتا عشرة فتاة بصحبة مديرتهن ومعلماتهن إلى الطابق الأول من ~~الدار محملات بالأزهار التي أهدينها له مع التهنئة، ثم أخذن في الغناء، وكان ~~ذلك في منتهى الجمال. # وما أرق ذلك العجوز المتواضع من «المنوفية»، # 322 # الذي كتب أو استكتب رسالة يسأل فيها عما إذا كان بوسعنا استقباله لعدة ~~دقائق؛ حددنا له موعدا، فجاء إلى القاهرة مع ابنه، وبقي لحظة رصينا ساكنا، ينظر ~~بحدة إلى الوجه الذي أراد أن يعرفه دون أن ينبس ببنت شفة، ووجه له طه وهو يجلس ~~على مقعده ، عدة كلمات يرحب بها بمجيئه. # وقدم يوسف إدريس # 323 # ذات يوم مع فرنسية تقضي فترة من الوقت في القاهرة، وتريد أن تكتب كتابا ~~أو مقالات، لا أدري على وجه التحقيق؛ كان ذلك عشية إحدى سفراتنا ms212 الصعبة، وكان طه ~~متمددا على سريره بسبب إرهاقه، فشرحت لهذه السيدة أن ليس بوسعه استقبال زوار ~~هذا اليوم، فقالت: «لن أدخل الغرفة، لكني أتوسل إليك، دعيني أنظر إليه!» وألحت ~~إلحاحا لم أجد بدا بعده من أن أقودها حتى فتحة الباب، ولقد حافظت على وعدها ولم ~~تدخل. # وكان يريد رؤيته أيضا ذلك القاضي الذي قدم من نيجيريا بصحبة شاب في رحلة إلى ~~مصر؛ كان ذلك في السنة الماضية، ولم يكن وجه طه الحي مرئيا ... لقد كانا يتخيلانه ~~ولا شك حين ذهبا إلى القبر حيث طلبا أن نصحبهما، وعند زيارتهما ل «رامتان»، وعند ~~تصويرهما تمثاله البرونزي الذي صنعه الفنان رزق، وعند التقاطهما لأنفسهما صورة قرب ~~الوجه المنحوت، قال لي القاضي هذه الكلمة التي ما كنت أنتظرها: «رحمة بنفسك يا سيدتي؛ ~~لأننا إذ نراك إنما نراه!» # كنا في «جاردونيه» يوم الخامس من يونيو 1967، وعلمنا بالاعتداء الإسرائيلي، وكانت ~~الأيام التي تلت الكارثة مفعمة بالقلق؛ فلم نكن نلتقط إذاعة مصر، ~~وكنا - بطبيعة الحال - بلا خبر عن أمينة وأسرتها ~~الذين كانوا في القاهرة، أما الإذاعات الأجنبية فقد كانت تنقل لنا تفاصيل مرعبة عما ~~جرى في سيناء، ولم تكن الصحف والإذاعات موضوعية فيما كانت تنقله، بل لقد كانت أحيانا ~~مزدرية كارهة بحيث كان يتضاعف تمزقنا. # أوقفت حرب الأيام الستة، وتجمدنا في هذا الموقف الغامض الذي لم يكن موقف حرب أو ~~سلم، لكننا شهدنا القصف الإجرامي لأبي زعبل، والعدوان الشنيع على مدرسة بحر ~~البقر. # 324 # كنا نشعر بالحزن العميق إزاء عدم فهم العالم الغربي كله تقريبا لما يجري ~~خلال عدة سنوات، وكانت الشهادات الواضحة في هذا المجال من أثمن الأشياء، كما كانت ~~الصداقات الحقيقية حاضرة دوما! ثم عندما أبحرنا إلى الإسكندرية في 29 سبتمبر 1973، ~~كانت الحرب؛ ففي السادس من أكتوبر عبرت فرق الجيش المصري القنال، وبات الناس ~~جميعا قلقين حتى النهاية، واستطاع طه برغم تعبه وضعفه أن يعلم بالانفراج العظيم ~~لشعب عثر على كرامته وثقته بنفسه. أتراه يذكر أنه كان قد توقع المأساة عندما قال ~~في مقابلة أجرتها ms213 معه في نوفمبر 1945 مجلة «صور ~~العالم # Images du Monde ~~» بشكل حزين: «لقد انتهت الحرب بالقنبلة الذرية، لكنها ~~تركت قنبلة زمنية هي فلسطين»؟ # أما أنا فإني أذكر اللهجة المؤلمة التي قال لي بها في عام 1918 إثر قصف «الجماح»: ~~«إن خسائر بلدنا تبقى بلا مقابل، أولن يأتي اليوم الذي تدافع فيه مصر عن نفسها ~~بنفسها؟» # لا أستطيع أن أنهي الحديث عن أيام «رامتان» دون أن أتوقف قليلا عند بعض الذين ~~عرفوا هذه الدار، ثم اختفوا قبل اختفاء طه. # توفيق؛ بعد مرور سنة على سكنانا فيها، حدث ما حدث فجأة وعلى غير انتظار؛ لم يكن له ~~من العمر أكثر من خمسين عاما، وكان قد انضم إلينا في سن مبكرة جدا، وتصور ~~آنذاك أن من المفيد له أن يزيد على عمره الحقيقي سنة واحدة! تسلى كثيرا مع ~~أطفالنا، وما أكثر ما كان يضحك من أعماق قلبه يوم كان يكسر لمؤنس بيضة «برشت»، فقال له ~~مؤنس - الذي كان يزعم أن بوسعه أن يفعل ذلك بنفسه - باطمئنان تام: «ربما عندي طفل، ~~أليس كذلك؟» # 325 # وكان طه يعابث غالبا سكرتيره الشاب على اضطرابه عندما يضطر للتعبير عن فكرة من ~~أفكاره فلا يتوصل للعثور على الكلمات المناسبة، فيغمغم متلجلجا: «إنه الشيء ... الشيء ~~... إنه شيء الأشياء!» # كان يجعل من عيد طه عيده الشخصي، فيختار بعناية كبيرة الهدية التي يقدمها له، غير ~~أنه كان هناك دوما شيء ما ينقص هذا العيد! # ومنذ أن لم يعد ولداي بقربي، كان يصحبني إلى رؤية الأفلام التي تهمني. كنا كلانا ~~نحب أفلام «جاري كوبر»، ولم نكن نفوت واحدا منها، لكني منذ وفاته لم أر واحدا ~~منها. # أما محمد، فلم يكن له من العمر عشرون عاما عندما تقدم للعمل عندنا كطباخ تحت ~~التمرين في بيتنا بالزمالك، وسرعان ما غدا طباخا ممتازا، وعرف أن يساعدنا جيدا ~~عندما جئنا للسكن في «رامتان». كنا نحبه جميعا، لكن الشاب المسكين كان يملك قلبا ~~ضعيفا، وكنا نعرف أنه لم يكن قويا تماما، فكان غالبا موضع اهتمام أصدقائنا من ms214 ~~الأطباء؛ وذات صباح دخل «السفرجي» قاعة الطعام حيث كنا ننهي وجبة غدائنا وقال لنا: ~~«محمد مريض جدا!» # فهرعت مع مؤنس إلى المطبخ؛ كان يبصق دما، فحاولنا استدعاء طبيب، وهيأنا له بسرعة ~~السيارة لنقله إلى أقرب مستشفى، ثم قمت بإعطائه إبرة - بلا فائدة - وكان ينظر ~~إلي بعينين هلعتين، لكنه ما لبث أن اطمأن بطريقة مؤثرة عندما قلت له: «إنه ~~الدواء الذي يتناول منه الباشا.» وحمل إلى المستشفى ولم أره بعد ذلك، وقال لي كامل: ~~«لم يكن بوسعنا إنقاذه حتى على طاولة العمليات!» # كان ذلك حدادا حقيقيا بالنسبة إلي، ولقد بقيت زمنا طويلا أحاول الاعتياد على ~~ألا أرى في «رامتان» هذا الوجه البشوش الطيب. ~~••• # بالقرب من السفارة الفرنسية، قاموا بهدم دار جميلة جدا هي دارة آل واصف غالي الذين ~~كانوا أصدقاءنا على الدوام؛ فبعد موت واصف باشا، لم تعد زوجته تخرج من الدار إطلاقا ~~بسبب مرضها شبه الدائم. لم تكن الدارة بعيدة جدا عن «رامتان»، وكان بوسعي الذهاب ~~إليها بسهولة؛ كانت الساعات التي نقضيها معا وحدنا في أغلب الأحيان ساعات ساحرة، لم ~~تكن السيدة غالي تلبس في ذلك الحين سوى قميص طويل أبيض ذي أكمام عريضة صممت طرازه ~~هي بنفسها، كانت تجتاز بقامتها اللطيفة البهو الفسيح القاتم والعالي بسرعة، سعيدة ~~بمشيتها الرشيقة دوما، وما دامت قادرة على الوقوف، لم أكن قادرة - إلا في أمسيات ~~الشتاء - على منعها من مرافقتي حتى العتبة لوداعي ومراقبة عودتي! وكان أقصى ما أستطيع ~~الحصول عليه منها ألا تنزل معي الدرجات الست أو السبع المسيجة بالخضرة، التي تؤدي ~~إلى الحديقة. # أحببتها كثيرا، وأعجبت بشجاعة هذه الفرنسية المطمئنة عند نفي الوفديين وقلقهم (وكان ~~زوجها واصف باشا أحد أعضاء الوفد). بعد ذلك بسنوات كثيرة، عثر ذات مساء في الحديقة ~~على طفل لقيط فحمل لها، وروت لي كيف دفأت ولفت وغذت هذا الوليد الجديد، هي ~~التي لم يكن لديها طفل؛ فدهشت وقلت لها: «وكيف عرفت القيام بكل ذلك؟» فأجابت ~~بلهجة طبيعية: «إنها الغريزة!» كان لها من العمر خمسة وسبعون عاما، وكان ms215 هذا الطفل قد ~~أصبح صبيا رائعا في السنة التاسعة أو العاشرة من عمره عندما تركته؛ إذ لم يكن ~~بوسعها تبنيه. # من المعلوم أن لبعض البيوت نفوسا، وهي نفوس ترحل دون أي شك مع رحيل أولئك الذين ~~يغادرونها؛ كانت نفس هذه الدارة على طريقي عند ذهابي للمدينة، فكنت أتوجه إليها في ~~أثناء مروري بتحية صغيرة ودودة. لم يعد ثمة سوى أرض خالية تقوم بين الشارع ~~الرئيسي والنيل، عليها عدة شجيرات فقط. عندما كنت أمر، مثلما كنت أمر أمام ~~«موقف السيارات» الحزين حيث أنشأت السيدة هدى شعراوي شيئا لا يعوض - مشربيات من ~~الخزف المزخرف ومصنوعات زجاجية بحثت عنها بصبر - وأتذكر، هنا أيضا، حيث كان ~~الاستقبال القلبي شديد الحرارة، شديد الطيبة؛ أقول عندما كنت أمر وأدرك عبثا أن ~~امحاء آثارنا بسرعة هو القانون، كان قلبي ينقبض لمجرد تفكيري في أنني لن أعثر ثانية ~~على آثار أولئك الذين أحببتهم. # مضى زمن طويل وعوض واحد منا، كان يواظب على قضاء ساعات كثيرة مع طه في «رامتان»، ~~وكان حاضرا بطريق الصدفة صباح تقليد طه قلادة النيل، ولقد تأثر تأثرا عميقا هو ~~المريض أصلا، وقبل أيام من الأزمة التي أودت بحياته، كان في «رامتان» أيضا. # لقد كان يسلي الأطفال طيلة فترة طفولتهم، كما علمهم كثيرا من الأشياء كالتجديف ~~مثلا على النيل. كان هذا الإنسان يتمتع بروح مرحة؛ إذ لم يخش أن يرسل لنا إلى ~~إيطاليا هذه البرقية على العنوان التالي: «عائلة ريكيكي. سافوا بالاس، جاردونيه.» وقد ~~اعتبر هذا الاسم اسما شرقيا بما أنهم حملوا إلينا البرقية! كان هذا الجغرافي يطوف ~~بسيارته في الطرقات الإيطالية دون أن يتذكر أنه يسير بالقرب من نهر كبير. هكذا روى لنا ~~ذلك على الأقل: «تركت الطريق الرئيسي نحو طريق مختصر، فوجدتني فجأة أمام المياه، ولم ~~يكن هناك جسر. كنت قد نسيت نهر «البو # Le Pô ~~».» ثم ~~انفجر ضاحكا ! # لم يكن عوض ينسى حتى النهاية أن يقدم لنا أمنياته مصحوبة بباقات الأزهار يوم ~~الثاني عشر من مايو في كل عام، يوم أول لقاء ms216 لي بطه. ~~••• # قال لطفي لدى إحدى عوداتنا من أوروبا: «هيه! نعم أنا ما زلت من هذا العالم!» كان ~~يتعجب، ويكاد يعتذر - بلهجة هازئة دوما - ويمزح أيضا، لكني كنت أعرف أن الظل ~~كان هناك، وأنه سيطويه عما قريب ويخفيه عن أنظارنا؛ فإذا ما ابتسمت في أثناء تفكيري ~~في الوجه العزيز مثلما كنت أبتسم له عندما يجلس في سيارته بصورة مؤلمة ويرفع يديه ~~علامة وداع ودية، فإنما أبتسم بكآبة عذبة، شديدة العذوبة. ~~••• # لم يكن الموت وحده هو الذي يخلف الفراغ؛ فهناك أناس لم يعرفوا في السنوات الأخيرة ~~الطريق إلى بيتنا إطلاقا، وكنا نظن البعض منهم أصدقاء حقيقيين، لكننا كنا نخدع ~~أنفسنا. لقد اعتاد طه على «الهجران»، ولربما بات مع مرضه وضعف نشاطه، يستشعر ذلك أكثر ~~فأكثر، على أنهم كانوا نادرين. ثمة أسماء ترد خاطري على الفور، لكني لا أذكرها؛ ~~فأولئك الذين كانوا أبعد الناس هم المدينون لطه أكثر من غيرهم، وكان هناك آخرون ~~بالمقابل ينسون، ثم يبدءون بالتذكر، وهناك لفتة من أحدهم كان قد هاجم وربما شتم ~~طه الذي سبق له أن ساعده، وكانت هذه اللفتة علنية؛ ففي إحدى المقدمات التي كتبها، ~~كان هذا الرجل الشريف يعتذر بنبل عن ضلال عاق. # وفي يوم الاحتفال بالعيد الألفي للقاهرة، كان هناك كثير من المدعوين بهذه المناسبة ~~ممن لم يكلفوا أنفسهم مشقة المجيء لتحية طه، على أن الذين جاءوا حلوا محلهم ~~على نحو كامل، وقد كنت بينهم يا ماريا، # 326 # ما أكثر سعادتك في الصور التي التقطناها ذلك اليوم! # وفي المؤتمر السنوي للمجمع، التقى طه بالمؤتمرين - المدعوين هم أيضا - ما استطاع ~~خلال ترؤس الجلسات الاستثنائية، لكن أحدا بعد ذلك لم يكلف نفسه أيضا مشقة ~~المجيء إلى بيته. # لا أريد أن أتوقف كثيرا عند نواحي الضعف هذه، فهي لا تستحق الوقوف عندها؛ لقد ~~تجاوزناها كليا بمودات مخلصة عملية، زائدة أحيانا، وجديدة أحيانا أخرى ؛ تلك ~~المودات تبقى حتى ما بعد القبر. القبر ... ألم تقلها لي يا آرنالديز؟ # 327 ~~... لكني أعرف أنك ذهبت مرتين خلال زيارتك القصيرة للقاهرة ms217 كيما تتذكر ~~أمام هذا القبر. # خلال حرب 1940، غادر أصدقاؤنا «آل كواريه» مصر وسط حزن عظيم، ودعونا وهم يبكون ~~ويكررون القول إننا كنا أسرتهم الثانية، ويقول طه: «إننا لا نهجر ~~أصدقاءنا!» # وكان طه يقول في أغلب الأحيان: «لن أنسى أبدا.» كان معتادا على قول ذلك حتى بمناسبة ~~أشياء لا أهمية لها. # عندما لم يعد قادرا على النزول، أعددت له ما يشبه «استوديو» بالقرب من غرفته ~~ليتمكن من استقبال الزوار والكتاب والصحفيين فيه، وبطبيعة الحال أيضا ليتمكن ~~من استقبال أكثر أصدقائه الحميمين، وكنا قد هيأنا له كرسيا قديما منجد المساند ~~والظهر لكنه مريح، وكان من قبل مهملا؛ وضعناه قرب المدفأة التي كنا نوقد النار فيها ~~عندما يكون الجو شديد البرودة ولا تكفي المدافئ الكهربائية لتدفئة البيت؛ وكانت ~~النوافذ الأربع تنفتح على الحديقة. # كان الأخ الأصغر لطه عبد المجيد وحزين وثروت أباظة وسهير وكامل والأب قنواتي والأب ~~جومييه وماري وجان ودولت أبيض # 328 # وعائلتها والشيخ أبو رية وعوض حتى وفاته ويوسف السباعي؛ # 329 # من رواده المألوفين، وكان ينضاف إليهم مع الأجانب مواطنون دبلوماسيون أو ~~آخرون عابرون، وسرعان ما غدت هذه القاعة حميمة وحارة، ويبدو لي أنها لا تزال ~~تحتفظ بشيء خاص إلى حد ما، وأكاد أكون ممتنة لها لاحتضانها لقاءات بسيطة ومحاورات ~~مباشرة وعفوية. كان طه يجد فيها الراحة وينسى التعب أو الألم، كما كانت هناك لحظات ~~تؤلف خلالها حلقة عائلية تقريبا، ويبدو لي أن كلامنا كان فيها هو نفسه حقا. # وكانت سهير القلماوي # 330 ~~- وهي الابنة الروحية لطه، وإحدى أوائل الفتيات اللواتي قبلن في ~~الجامعة، والتي أستطيع أن أسميها «تلميذته» - تأتي أحيانا مع زوجها، وكانت نادرا ما ~~تأتي برغم أن طه كان يحب أن يراها كثيرا. لقد كان طه سعيدا إذ أخذ يوجه ذكاءها ~~اللامع على نحو خاص وذوقها في دراسة الآداب العربية، وكل الناس يعرفون بأي حماسة ~~تتحدث وتكتب عنه؛ ولا أستطيع أن أنسى بأي طريقة مؤثرة خاطبتني يوم الاحتفال ~~بذكراه يوم السادس والعشرين من فبراير، # 331 # وأعرف أنها لن تكف ms218 أبدا عن تعزيز ذكرى المعلم الذي توقره. # في كل مرة كنا نعود فيها من أوروبا ~~كانت تنهال علينا الترحيبات بالعودة مصحوبة غالبا بالأزهار؛ كانت آخر عودة لنا في ~~أثناء الحرب، ومع ذلك فقد كان هناك واحد فكر أن يرسل لطه باقة من الورد الأحمر، ~~وأعني به يوسف السباعي الذي كان آنذاك وزيرا للثقافة، وهو على كل حال لم ~~يقصر مرة عن ذلك في كل مناسبة؛ كانت تلك الأزهار ~~آخر أزهار تلقاها طه، وقد أتت من صديق مخلص على الدوام، عبر عن نفسه بشكل رائع ~~إذ افتتح احتفال فبراير بادئا بقوله «أبي»! خطابا يتوجه به إلى طه، وقد تلفظ ~~هاتين الكلمتين بلهجة سأبقى أرتعش كلما ذكرتها. ~~••• # ما أكثر المرات التي أضفى فيها الأب قنواتي وبصحبته الأب جومييه # 332 # وغيره من الآباء الدومينيكان على هذه الغرفة الجديدة روحه المرحة ~~وحديثه العميق؛ كان يعرف طه جيدا، وهو الذي قال لي ذات يوم كنت أعترف فيه أمام ~~الكتب التي صففناها على طاولة طويلة، بأنني لم أكن أتصور مدى ضخامة هذا العمل: ~~«بالطبع، فإنك ترين النقطة التي تصنع بها السجادة يوما بعد يوم، أما نحن فإننا نرى ~~السجادة كلها.» # وبرغم معرفته العميقة به، فإنه لا يزال يدهش. ذات يوم، قال لي خلال لقاء تم بيننا ~~صدفة: «إنني في هذه اللحظة مع الدكتور طه بمناسبة دراسة أقوم بإعدادها. ما أكثر ما ~~أعجب به! وأية شجاعة احتاج إليها لكي يخوض معركته! وما أكثر ما اجتاز من ~~عقبات!» # إذ إنه لاحظ - خلال مراجعته من أجل هذه الدراسة نصا لبروكلمان # 333 ~~- أن طه كان قد ذهب إلى «لورد # Lourde ~~» ~~و«سان أوديل # Sainte Odile ~~»، وكان ذلك صحيحا؛ فقد ~~ذهبنا إلى «لورد» أيام إجازاتنا القديمة في «البيرينيه». # لم تكن تلك الأيام أيام الحج الأكبر، كما أن الكنيسة الكبيرة لم تكن قد بنيت ~~بعد؛ كنا شبه وحيدين أمام الكهف، وكانت مياه نهر «جاف # Gave ~~» من ورائنا تجري بسرعة. # أما «سانت أوديل» فقد زرناها في سنوات متأخرة. لماذا لا أحتفظ منها بذكرى واضحة؟ ms219 لكني ~~أذكر جيدا أننا كنا في «هوالد # Howald ~~» وأن ~~توفيقا والأطفال كانوا معنا، ويتراءى لي من جديد ممر «لينج # Linge ~~»، و«شلوش # Schlucht ~~»، ~~و«جيرارمير # Gerardmer ~~»، و«كولمار # Colmar ~~»، وحماسة مؤنس أمام كاتدرائية ستراسبورج. # منذ أن بت وحيدة، يكتب لي الأب قنواتي، كلما كان بعيدا، ورسائله تبهجني: ~~«... إنها فرحة عظيمة أن أقرأك، ذكراك وأخبارك مرتبطة بشكل حميم بذكرى ~~وأخبار الدكتور طه، بحيث إنني أتخيل أنني أتلقى أخباركما معا.» يا ~~للإخلاص الثمين! أوليسوا جميعا مخلصين أولئك الذين عرفهم ~~«الاستوديو»؟ # لقد قطعنا معا دربا طويلا يا ماري، منذ أن كنا نلتف من حول السيدة هدى شعراوي ~~في الاتحاد النسائي وفي بيتها، كما كنا نلتقي - كلما استطعنا ذلك - في باريس، أو في ~~جبل «أربوا # Arbois ~~»، أو في لبنان، وكانت شيزر # 334 # هناك. # لقد ولدت في السنة نفسها التي ولد فيها طه، وكنتما تريان في ذلك نقطة مشتركة ~~بينكما. منذ فترة والسلالم تتعبك! ومع ذلك، فللذهاب لرؤية ~~صديقك - أنت التي لا تستخدم في بيتها سوى ~~المصعد - كنت تصعدين إلى الاستوديو. ما أكثر ما أحببتك عندما كنت تتسلقين الأدراج ~~مستندة على عصاك وعلى الدرابزين، أو تقبلين أحيانا الاستناد إلى ذراعي! كنت تحملين ~~القشدة والمربى والتمر أيضا؛ تدخلين وتعانقيه ثم تجلسين بمهابة، ويبدأ تدفق ~~فصاحتك الجذاب عبر ما تقصينه من أخبار تعكس طاقتك التي لم تخمد قط؛ فتعلنين ~~مشروعا جديدا، وتردين على الذين يتناقشون، وتقصين إحدى ذكرياتك التي لا تنسى. ~~كنا نتحدث عن المستقبل والماضي، ولم تكوني تنسين شيئا، حتى إبزيم مؤنس عندما كان ~~في الرابعة أو في الخامسة من عمره (وكنت لا تزالين تعجبين به!) ونتحدث عن دار السلام ~~التي تبقى شغل عقلك الشاغل. ومن بين مشاغلك التي اهتممت بها على الصعيد المادي، ~~عنايتك بأولئك المعوزين. ونستشعر بقدر من الحنان إذ نتحدث عن ماسينيون، لكنه يبقى ~~بالنسبة إلينا حيا بحيث لا نستسلم للكآبة. كنت تلقين إلى طه بنصيحة حكيمة، ثم ~~تعانقينه وتغادرين البيت، مستصحبة معك كالعادة عددا من الزوار لا سيارات ~~لهم. # بعد اللحظة الرهيبة التي كنت أتحدث ms220 فيها إلى طه الذي لم يعد يستطيع فيها ~~الإنصات إلي، عند وصول الدكتور غالي، قال لي على الفور: «سأنادي جان.» # كان يدرك تماما أنني بحاجة إليها. # فهي لم تتركني لحظة واحدة خلال الأيام التي تلت، والتي كنت أعيش فيها كتمثال ~~متحرك؛ كانت هي الأخرى متألمة، لكنها كانت مسيطرة على أعصابها، منيرة ومستنيرة، ~~أخوية وحنونة، حنونة نحونا كلينا، وهي التي أخذت من إصبع طه خاتم الزواج، الذي ~~كنت سأنساه دون أي شك، كيما تعطيني إياه. # لم تدعني أذهب إلى المقبرة، أما هي فقد ذهبت مع الركب، وعادت بسرعة إلى قربي وقالت ~~إن لديها ما تقوله لي، ومنذ تلك اللحظة صرنا نذهب لمقبرة معا، متوحدتين أكثر من ~~ذي قبل - في الذكرى، وفي صلاة صامتة. # معها أيضا، مشينا كثيرا على مدى الأيام المطرزة غالبا بالأفراح نفسها، والآمال ~~نفسها، والهموم نفسها، والسخط نفسه؛ وكلها مختلطة بطريقة لا أستطيع معها دون مشقة أن ~~أفصل إحداها عن الأخرى؛ عشنا معا قلق الحرب، وتقاسمنا عاطفتها وعاطفة ريمون يوم ~~زواجهما ويوم سعادتهما الكبرى بولادة جان مجدي، هذه الولادة التي كان مؤنس ينتظر ~~حدوثها، بيقين خارق ولد من تعاطف عميق، في الثامن من سبتمبر؛ أي في يوم عيد ~~ميلاده، إلا أنها تأخرت ثلاثة أو أربعة أيام. معا غالبا، عبرنا البحر المتوسط على ~~ظهر «الأسونيا» وعلى «الإسبيريا» فرحتين بالذهاب نحو وطننا فرنسا، تسيطر علينا ~~الحماسة نفسها على مدى إبحارنا. # كان لطه سكرتير وقارئة، وكنت أسهم في هذا المجال ما أستطيع، على أنه كانت تبقى دوما ~~نصوص لا بد من الاطلاع عليها، ولقد سدت جان الكثير من الثغرات؛ فهي التي قرأت ~~له بوجه خاص كتاب سان بول «مدينة الإله» و«اعترافات» القديس أوغسطين؛ كانا يتبادلان ~~تأملاتهما، وكانت جان - التي كانت أكثر تعمقا منه في هذا الميدان - تضيف تعليقاتها ~~العميقة على ما تقرأ. كان ذلك يجري في الزمالك، وكنا يومها جيرانا، فاستفدنا من ~~جيرتها لنا إلى حد كبير؛ أما دارنا «رامتان» فقد رأتها كثيرا، وكانت الأزهار التي ~~تحملها إليها جميلة. # أما ريمون، الذي ms221 كان يعمل في فرنسا، فقد كان مجيئه نادرا بطبيعة الحال، وخلال زيارته ~~الأخيرة التي قام بها لمن كان يسميه معلمه، معبرا بذلك عن وده وولعه اللذين ~~لا يقلان عن ود وولع سهير به. أخذ علينا تشاؤمنا قائلا: «ولكن ماذا تقولون؟ ها هي ~~ساعة مضت لم يكف المعلم خلالها عن النقاش، وعن تذكيري بكثير من الأشياء، وعن ~~الاستشهاد بنصوص كاملة ...» # بالتأكيد! فعلى هذا النحو كان يبدو في لحظات الانشراح. # لم يكن جان وريمون لينزعجا من اللقاء بكامل، لو أن هذا الأخير لم يختر لمجيئه ~~دوما ساعات الصباح. معه يبدأ موكب الذكريات، وفي الوقت نفسه موكب المشكلات المعاصرة ~~التي لم تكن تنتهي. كان طه وكامل يتحدثان غالبا عن أشياء وعن أناس لا أعرفهم قط، ~~وكانا في الأيام الأولى من سكنانا في «رامتان»، يستقران كلاهما في مؤخرة الحديقة، في ~~ظل شجرة كزورينا؛ كان كامل عطشا دوما، ويطلب كأسا من الماء كل برهة. من تراه ذلك ~~الذي قدم له ذات يوم صينية صفت عليها ستة أقداح ملأى بالماء بصورة كاملة، ~~فجعله يضحك من أعماق قلبه؟ # كانت لديه آراء مسبقة عني، شأنه في ذلك شأن لطفي باشا، فيقول لي كلمات في منتهى ~~اللطف. آنذاك، كان طه يوبخه مازحا ويستشهد له في صرامة بآية من سورة «المنافقون»: # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون ~~. # وكان يحدث أن يتوقع كامل منه ذلك فيستشهد هو نفسه بالآية! ولقد كان «نفاقا» رائعا ~~يوم صحبنا جميعا لتناول الغداء في مطعم قارون بمناسبة أحد أعياد ميلادي؛ قضينا وقتا ~~طيبا ثم، عندما حل المساء، وكان الجو جميلا، تأخرنا في البقاء ... غير أن عجلات ~~سيارتنا تخلت عنا عندما كنا في طريق العودة؛ كان ذلك في عام 1945، ولم يكن من ~~السهل تغييرها، وحين حلت الساعة الواحدة صباحا كنا لا نزال حيث توقفت بنا ~~السيارة، لكننا عدنا في ضوء قمر جميل كان ينعكس على صحراء غدت واسعة، وبت من الصفاء ~~والبعد عن الناس والوحدة بحيث ms222 وجدتني أشعر - بعد إذ عيل صبري وانتابني الضيق - أننا ~~نعود إلى البيت أبكر مما يجب! # كان كامل، الشكاك الساخر، الذي كان يتسلى كثيرا بقراءة «بنش Punch ~~» # 335 # يضحك أقل فأقل مع مرور السنوات. لقد أحب طه حبا مطلقا، ولم يكن ~~يستطيع - هو الطبيب - أن يتحمل رؤيته متألما؛ فبات في النهاية يحد من وقت زياراته ~~قليلا؛ إذ لم يكن صريحا منفتح القلب، لكني في يوم 28 أكتوبر رأيت إنسانا محطما، ~~لم أتعرف عليه إلا بمشقة، يقول لي وهو يبكي: «لم أحب في حياتي أحدا مثلما أحببته.» ~~كنت مشوشة في تلك اللحظة، ومع ذلك أعتقد أنني كنت أتألم من أجل كامل. # عزيزي! أيها العزيز جدا كامل! لا أستطيع أن أراك أو أن أرى جان وماري دون أن أرى في ~~وجوهكم جميعا طه على الفور؛ لقد عرفتموه معرفة حملتموه بها في أعماقكم بطريقة ما، ~~مثلما أحمله؛ لقد اقتربتم منه كثيرا، ولم تكونوا تنسون شيئا، وكنتم ترددون لي ~~أحيانا كلمات ووقائع نسيتها، وكنتم تعلمونني أحيانا أيضا ما لا أعلم؛ فلم يغب ~~عني قط بسبب حنانكم الذي يغلفني. كان «دو» و«شوري» يقولان: إننا كنا بالنسبة إليهما ~~أسرتهما الثانية؛ فأي كلمة أعبر بها عما تعنونه ثلاثتكم لي؟ # أستطيع أن أضع في عداد الأفراح النادرة، تلك الأفراح التي منحتها الطبيعة له؛ ~~فعلى امتداد ذكرياتي، هناك غابات ومروج وبحيرات وجبال وسهول وبحار، كانت بعض المناظر ~~عزيزة علينا وأليفة إلى أنظارنا بحيث كانت تبدو وكأنها ملكنا في لحظات الغبطة، فنقف ~~ونطيل الوقوف أمامها؛ كنا نلقاها بفرح كما لو كنا سنلقى أصدقاء أعزاء، وهذا هو ~~السبب في أنني أحاول أن أستمر في الذكرى ماضية إلى لقاء بعض هذه الأماكن التي كان ~~فيها سعيدا. # وقد بقي حتى النهاية يحب - كلما اضطر للبقاء في السيارة - أن يكون على طريق خال ~~ليستنشق الهواء الطلق والرياح، وحتى هنا - حيث الهواء ليس رقيقا أو نديا - كانت ~~النزهات تمنحه راحة أكيدة. في البدء، يبدأ الاعتراض بقوة؛ فهو تعب ولا يريد الخروج، ~~وعندما أملك القوة أتصرف معه ms223 بطريقة حاسمة، ثم بمجرد أن تمضي ساعتان على النزهة، ~~تبدأ اعتراضاته الجديدة حين يتوجب علينا العودة، فيقول: «لكن لا، أرجوك، لنستمر في ~~البقاء فترة أطول قليلا!» # وهكذا، فإنه بمجرد أن نصل إلى البيت وتستقبلنا تحيات فرقة عصافيرنا المنشدة، يكون في ~~راحة تامة، جائعا إلى حد ما! # أدت بنا إحدى نزهاتنا الأخيرة ذات يوم إلى بحيرة قارون؛ لم نكن قد خرجنا باكرا، ~~لكنه لم يكن يريد العودة، وكانت ساعة الغداء قد مضت منذ فترة طويلة عندما عدنا ~~أخيرا، وعلى الطريق كان الخادمان القلقان يقفان لرصد السيارة! # كم هي عزيزة علينا سيارة «البويك» القديمة التي اشتريناها في عام 1947، وكانت آنذاك ~~متألقة، فلم تتخل عنا قط! صحيح أن العطل الذي أصابها عدة مرات في السنوات ~~الأخيرة قد أرغمنا على انتظار سيارة أجرة عابرة، غير أنها صمدت بعد كل شيء حتى ~~النهاية. كانت أقدم من أن أسميها عربتنا، وكان صهري يدعي أن بوسعنا أن نبيعها في ~~الولايات المتحدة بثمن باهظ باعتبارها قطعة أثرية! كانت مريحة وواسعة، وكان بوسع طه ~~أن يمدد فيها ساقيه براحة، وكان على كل حال يحبها حقا؛ فنحن مدينون لها أن ~~سارت بنا زمنا طويلا - في مصر بالطبع - على طرق مألوفة. وكنا عندما نسير بها في ~~طريق الإسكندرية، نذهب بها أحيانا حتى طنطا؛ كنت أختار عندما يكون الجو حارا، حقلا ~~جميلا من البرسيم أو القمح الوليد ونتوقف في ظل شجرة أوكاليبتوس. ولما كنا لا ~~ننزل منها، فقد كنا نفتح أبوابها على مصاريعها ونستنشق أريج العشب والأرض؛ كنت أحمل ~~القهوة في الترمس وشيئا من البسكويت، وكان طه يشرب القهوة ثم يدخن سيجارة يرغبها ~~بقوة، لكنه ما يلبث أن يرميها قبل أن ينهيها، ونعود بعد ذلك آملين أن نسمع على طريق ~~العودة طاحونة كنا قد حددنا مكانها. # كنت بالتأكيد أستشعر كآبة هذه النزهات، لكني كنت سعيدة أن طه كان يتحدث خلالها ~~أكثر مما يتحدث في البيت، لا بل إنه يتحدث خلالها بحماس. # كان أحيانا كثير المرح! شأنه في ذلك اليوم الذي ظل شهيرا ms224 بالنسبة إلى جان وريمون ~~وإلينا؛ كان يمشي آنذاك، ولم يكن قد مضى علينا زمن طويل في «رامتان». كان جان وريمون ~~عندنا، وكان الجو جميلا، فخرجنا جميعا للنزهة؛ مشينا على محاذاة القناة التي تمر ~~بين الحقول المجاورة في أرض متربة يبدو أنها لم تزعج طه كثيرا هذه المرة. كان شديد ~~المرح، وبعد مرور بعض الوقت أرادت جان العودة، غير أن ريمون الذي كان سعيدا ~~باستئثاره ب «المعلم» لوحده، تناول ذراعه «للقيام بعدة خطوات، ثم اللحاق بنا على ~~الفور بعد ذلك»، وجلسنا في البيت ننتظر بصبر، وبشيء من الدهشة، المتنزهين اللذين لم ~~يعودا؛ ثم بدأ القلق ينتابنا بحق شيئا فشيئا، وأخيرا عادا بسيارة أجرة ~~مضطربين حائرين، هما أيضا، وبدآ يكثران من الاعتذارات. لقد كنا على ما يرام، ~~أليس كذلك؟ إنه لجميل أن يتنزه المرء في الريف، فقد كنا نتحدث حديثا هاما. ~~والخلاصة ... أن ريمون ضاع مع طه الذي عهدنا به إليه! ... لكن العناية الإلهية أرسلت ~~لهما سيارة أجرة! ~~••• # شكرا للذكريات السعيدة، شكرا أيضا ~~لليوم الذي كان فيه عيد «سان جيرفيه # St. Gervais ~~»، يوم ~~صعدنا - مؤنس وأنا - إلى قمة «الأربوا # Arbois ~~» - ~~كان طه يكره التليفيريك. وعند النزول قررنا في منتصف الطريق إتمام المسافة سيرا ~~على الأقدام، لكن المسيرة كانت طويلة وكان الليل قد حل، وعندما وصلنا إلى أوائل بيوت ~~القرية صدمنا ونحن نرى طه الذي كان ينتظرنا مع فريد وقد انتابهما القلق؛ لم يطق ~~البقاء في الفندق بعد أن أظلم الليل ولم نعد! آه، يا وجه الحنان العزيز! ~~••• # هو وحده القادر على أن يقول ما كانته الموسيقى بالنسبة إليه! لم يعرفها قط، لكنه ~~كان يفهمها دوما؛ كان يتوجه إليها بفرح وبثقة، وأحيانا بجهد، كيما يفهمها، وكان في ~~أحيان أخرى يستسلم لها استسلاما كاملا، كذلك المساء الذي استمع فيه إلى «فيديليو»، ~~وكان فعلا في «مكان آخر»! # في أثناء رحلته إلى فيينا - ولم أكن معه - استمع إلى أوبرا، لم يعرفوا أن يقولوا له ~~اسمها ولا اسم مؤلفها! كما لم يستطع الصديق الذي كان يصحبه إليها ms225 الاستمرار في ~~الاستماع إليها حتى النهاية، فعاد به منها قبل أن تتم! ... لا يهم ... فقد كان يستمع ~~إليها بحدة، وحاول في اليوم التالي أن يصف لي شعوره. لم يعجبه صوت «الصادح # Ténor ~~»، أما صوت «الجهير ~~الأول # Baryton ~~» فقد كان هائلا، وكان الانسجام الهائل بين الغناء وعزف ~~الأوركسترا يفتنه: «في لحظة ما بدت القاعة مغمورة بهمهمة عذبة مستمرة، في حين كان ~~الغناء يعلو فوق الهمهمة. إنه لأمر رائع، ولو كنت أرى، لقارنت هذا بقاع عذب حزين ~~يبرز منه شيء من المرح السوداوي ... إنني أتحدث بغباء! بم أزج نفسي، وماذا أعرف عن ~~الموسيقى؟ لكنها أشياء أحسها، وفرنسيتي الفقيرة لا تمنحني الوسيلة للتعبير عنها ~~...» ~~«لو كنت أرى» ... كانت هناك لحظات يبدو فيها أنه يرى؛ لا لأنه كبقية الذين لا يرون ذو ~~براعة يدوية مذهلة أو ذو براعة بالمعنى المباشر للكلمة - إذ لم يكن حاذقا، بل لم ~~يحاول أن يكونه، ولم يكن ليهتم بذلك كثيرا ~~- غير أني أحتفظ برسالة مؤثرة من شخص لم نره قط، وهي رسالة مؤرخة في عام 1951: # أمس مساء في الأوبرا، في أثناء أداء «أنطونيو وروزاريو»، تأثرت لا من ~~رؤيتك تستمع فقط، وإنما من رؤيتك وأنت تنظر إلى الرقصات. وإني أريد أن أشكرك ~~بحرارة على هذا الدرس الخارق في الحياة الذي استخلصته من ذلك أمس. بئست ~~الكلمات الكبيرة؛ فهي من القصور والجمود بحيث لا تسعفني على التعبير عن مدى ~~إعجابي بك وبالصفاء الذي تغلبت به على العقبات في حياتك؛ فأنا الآخر لدي ~~عقبات كنت أظنها فريدة وكبيرة، لكنها منذ الأمس، تضاءلت بفضلك وكبرت أنا ~~... ~~... كنت في المدرسة الثانوية في الوقت الذي كان فيه ولداك فيها، وفهمت الآن ~~معنى تألق الفخر الإنساني الذي يصعب تحديده، والذي كنت أراه في قاع ~~نظراتهما؛ إنه الفخر بأنهما انحدرا منك، والفخر بأنهما يعيشان بالقرب منك، يا ~~أبي ... منذ الأمس ... يا أبي! # كان طه شديد الحساسية للأداء الموسيقي، وما زلت أسمعه يدهش خلال عزف الحركة الثانية ~~من الكونشرتو الأول لبراهمز قائلا: «أي عازف على البيانو!» لم يكن ms226 العازف شهيرا على ~~ما أعلم على الأقل، لكنه كان ممتازا في الحقيقة، وهذا الحكم كان شخصيا وعفويا ~~بصورة مطلقة. # في السنة التي جاءت خلالها «فاندا ~~لاندوفسكا # Wanda Landowska ~~» # 336 # إلى القاهرة وعزفت موسيقى باخ خاصة، وأكاد أقول إنها لم تعزف سوى موسيقى ~~باخ؛ لكني أذكر أنني إذ سألت مؤنس: ما الذي فضله؟ أجابني قائلا: «رامو # Rameau ~~»، باخ، فاندا. كان طه يبدو محمولا على الأثير حتى ~~نهاية الكونشرتو بحيث إنه وقف فجأة - هو الخجول في مثل هذه المناسبات - وهتف: «إن ~~فنانة مثلها تستحق أن يصفق لها وقوفا!» # ووقف جميع من في القاعة. # أية أعياد ... كلما تمكنا من سماع كمان «تيبو # Thibaud ~~»، من صالة «جافو» في باريس حتى صالة «إيوارت» في القاهرة، وما ~~أجمل الأمسيات التي قضيناها بصحبته في القاعة الصغيرة لسماع عازف كمان شاب! وأي ~~انفعال حين استمعنا إلى صوت «تيبالدي # Tebaldi ~~»! إنها ~~لسعادة أن يصغي المرء إلى ~~«روبنشتاين» # 337 # و«باهاوس» # 338 # و«فورتفانجلر» # 339 # وغيرهم. كان باخ وموزار وبيتهوفن وليست وشوبرت وبرليوز وفرانك محل إعجابه ~~الأعظم، لكنهم لم يكونوا الوحيدين، بل كان ثمة آخرون أيضا، وإني لأذكر الحركة ~~الهادئة # Adagio # من سمفونية شوستاكوفيتش ~~الخامسة. # وهناك حفلات موسيقية حضرها فلم ينسها ~~إطلاقا؛ فهو يتحدث بحنين عن كونشرتو باخ لأربعة بيانوهات كان قد سمعه في قصر «شايو» ~~في باريس، ولم يخلف لديه أي واحد من التسجيلات التي اشتريتها له من هذا الكونشرتو ذلك ~~الانطباع الذي خرج به من تلك الأمسية، ولم يستطع أن يستمع إلى «الآلام # Les Passions ~~» إلا بواسطة الأسطوانات. وفي الفترة ~~الأخيرة، بينما كنا نستمع إلى أسطوانة «سان ~~ماتيو # Saint Mathieu ~~»، أطلقت صرخة: «إلهي ... إلهي ...» كان آنئذ يرتعش بقوة. # من المؤكد أنه كان يحب لو استمع ثانية إلى «بينيلوب Pénélope ~~»، # 340 # وإلى «سيرة القديس ~~كريستوف # La Légende de Saint Christophe ~~»، # 341 # وإلى موسيقى «طفولة ~~المسيح # L’enfance du Christe ~~». # 342 # كل ذلك سبق لنا أن سمعناه منذ أمد طويل، ولم نستمع إليه ثانية منذ ذلك ~~الحين. # ومؤخرا، قدمت فرقة الإذاعة الفرنسية حفلتين ms227 موسيقيتين في القاهرة، وقدمت ~~«السمفونية الخيالية» لبرليوز في البرنامج الثاني. كان طه يحب برليوز، وكنت أصغي كما ~~أصغي الآن: نهبا لعاطفة مزدوجة من العذوبة والتمزق. # لن يتحقق هذا مرة أخرى أبدا؛ أصغي إلى باخ وأنظر إلى صورتك، فيتفجر قلبي. لن ~~نسمع أبدا معا التعابير القوية التي تتولد من تجاوز للنفس رائع ... فتلك لحظات ~~ختمت إلى الأبد وتلاشت، وتلك وحدة مشاعر لن أعرفها إطلاقا مرة أخرى. # ذات مساء من أمسيات الأيام الأولى لسكننا في «رامتان»، كنا على الشرفة وحيدين ~~تماما أمام الحديقة الكبيرة الهادئة، وكنا نسمع من القاعة السمفونية السادسة ~~لتشايكوفسكي بقيادة «فون كاريان»؛ كانت الحركة الثالثة تبدأ شبه مرحة، ثم تبدو ~~شيئا فشيئا إيقاعية، متلاحقة الضربات بشكل منهك، مجلجلة، تستحوذ على الليل وعلينا نحن ~~اللذين كنا قد بلغنا مستوى من الحماس والتوتر بسبب هذا التصعيد الذي لا يقاوم، ~~والذي يقوم به «فون كاريان» بحيث إننا في الائتلاف الأخير كنا نلهث تقريبا. # كنت وحيدة في ذلك المساء الآخر، ولكني لم أكن في «رامتان» بل في «المعادي»، وكنت ~~أصغي إلى «ريختر # Richter ~~» # 343 # يعزف «الأباسيوناتا # Appassionnata ~~»، ولم ~~يسبق لي أن عانيت إطلاقا ما عاينته عند استماعي إلى هذه الموسيقى ذلك اليوم؛ كنت ~~أعرف أنني وحيدة في غرفة كانت تبدو لي غريبة، لكنني أحسستك قريبا مني. وفي هذا الطواف ~~الصاعد الجليل، في تلك الوقفات والاستئنافات، في هذا التدفق من الضربات العنيفة ~~المنتزعة من رقة بالغة الموهبة، في هذه الصدمات، كانت حياتنا تبدو لي وهي تجهد في ~~التقدم بمشقة وشجاعة. كان ثمة ومضات ساطعة تضيء فجأة مناطق الظل، كنت ضائعة ~~ضالة، واستمرت هذه الحالة الغريبة حتى تمكن النوم مني. # لا تتاح للمرء دائما هذه المستويات الرفيعة. لقد أحب طه الأجراس وأجراس ~~«البندقية» منها على نحو خاص، وعندما بنيت كنيسة جديدة في «ميرانو» سخط لوضعهم فيها ~~مجموعة آلات موسيقية كهربائية؛ فقد كانت هذه الموسيقى تغيظه، لكنها كانت قريبة من ~~فندقنا، ولم يكن بوسعنا أن نتفادى الاستماع إليها. # أحب أناشيد «دوبارك # Duparc ~~» و«شوسون # Chausson ~~» و«فوريه # Fauré ms228 ~~» في أيامه الأخيرة، ولا أدري لماذا كان يتحدث كثيرا عن ~~«الأغنية الحزينة» (دوبارك) ويعيد التفكير في «ضوء القمر» لفوريه؛ كان يبحث عن كلماتها ~~ويقول لي : «تعرفين جيدا أن روحك لوحة طبيعية ساحرة.» # 344 # وعلى الوجه المقابل للعواطف، أتذكر الضحكة المجلجلة التي لا سبيل إلى كتمانها ~~إزاء تقديم «كان بشعا للغاية» ل «فرانسيسكا داريميني»، # 345 # وقد اضطره التقديم إلى اللجوء داخل المقصورة، ولم يتحرك منها حتى ~~النهاية. # تماما كما فعل كامل ذات مساء عند تمثيل إحدى المسرحيات الميلودرامية؛ فقد قال الممثل ~~- الذي كان يفترض أن يكون نهبا لرعب فظيع - بهدوء عظيم وبأشد الأصوات عذوبة: «إنني ~~خارج عن طوري، لم أعد أتمالك نفسي!» ذلك أن كامل - الذي لم تكن الموسيقى تهمه ~~كثيرا - كان يصحبنا أحيانا إلى المسرح. # كان طه يذهب إلى المسرح كثيرا، وكان محبا للمسرح منذ ذلك الزمن البعيد الذي كنا ~~فيه لا نستطيع الذهاب غالبا إلى المسرح لمشاهدة العروض، فكنا نعوض عن ذلك بالتهام ~~المسرحيات التي كانت تنشرها مجلة «لابتيت إيلستراسيون». وبفضل الأسطوانات لم يحرم ~~كثيرا من الموسيقى، لكنه لم يتمكن منذ 1960 من رؤية أي عرض مسرحي، وكان ذلك أحيانا ~~شديد القسوة عليه. ~~••• # جاء في السنة الماضية مجموعة من شباب كلية الأسرة المقدسة لرؤيتي، وكان أول سؤال ~~ألقوه علي هو: «إننا نعرف طه حسين الكاتب، المفكر، المصلح ... إلخ، ولكن كيف كان طه ~~حسين أبا؟» # فأجبت: «رائعا!» # فلم يكن هذا الأب يستخدم لهجة رسمية أو متحفظة مع أولاده؛ كان يتحدث دائما مع ~~ولديه على قدم المساواة، حديث الند للند، وعند الحاجة بوصفه حاميا لهما. والحق ~~أننا كنا نعيش معا في علاقة حميمة خالصة أدهشت غالبا أصدقاءنا؛ أولم يكونا ~~معنا على امتداد هذه الصفحات منذ ظهور «السيد كرالس» و«السيد كرالا» طفلين هشين، ~~حالمين، حنونين، ثم تلميذين جادين، ثم طالبين في منتهى الجدية، ثم ~~أبوين يحملان على أذرعهما طفلا؟ الحق أن ذكرياتنا تخصنا أربعتنا على امتداد سنوات ~~طويلة. طه! فلنتذكر قليلا! هل تسمح؟! لقد استمرت علاقاتك بهما طبعا على ما هي ~~عليه ms229 عندما كان لهما من العمر سنتان، ثم عندما كان لهما من العمر عشرون عاما، ومع ذلك ~~فقد كنت تصغي لأحاديثهما في الثانية من عمرهما بجدية، كما أن حريتك في الحديث ~~لم تتغير. لقد تسليتم معا تمام التسلية، وكانت لك ضحكات مجلجلة كنت لا تزال ~~تذكرها حتى الأشهر الأخيرة وتضحك لذكراها أيضا. # إنهما مثلك حتما، بما أن الألفة المستمرة - التي لم يكن لها أن تقبل عدم ~~الاحترام والوقاحة - والتأنيب النادر المعتدل قد آتت أكلها بشكل لا بأس به. # كيف كنت تتصرف وقت امتحاناتهما وأنت المعلم الصارم الذي كان صيته يرعب ~~طلابه؟ # إن نجحت أكن سعيدا، وإن رسبت فسأهديك هدية! # ربما كنت أقلق أحيانا إذ أفكر أن الحياة لن تبسم في وجههما بشكل كاف دوما، ~~وكنت مهمومة ولا شك حين كتبت لأمي: «إنني أقرأ بانتباه «انبلاج الصباح» # 346 # ولي ابن سيبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما.» كانت همومي لا تستمر طويلا، ~~ومن الخير بدء الطريق بابتسامة دون خوف. # كنت تحبهما بحنان عظيم! تذكر ما قالته ابنتنا الصغيرة التي لم تكن تستطيع النوم ~~ذات ليلة: «سقط نومي في الباحة»؟ كانت تبكي، فأخذتها بين ذراعيك، وغنيت لها: «يا ليل، ~~يا ليل!» # تذكر: يأسنا المشترك المضحك كوالدين بلا تجربة، عندما كانت تملأ منخريها بقطع ~~القطن، الأمر الذي لم يكن ذا أهمية إزاء محاولتها أيضا أن تملأ فمها ~~بالنفتالين! # كنا نمشي على طريق ريفي بخطوات سريعة، وكنت أدندن لحن «المادلون ... لكي أطلب منها ~~يدها ...» لقد أثرت هذه الجملة فيها فمدت لك يدها الصغيرة قائلة: «ها هي ذي ~~يدي! ...» # هل أجبتها عندما سألتنا ذات يوم: «لماذا نقول لماذا؟» # عندما كنا نسكن في شارع الحواياتي، كانت تجد ضروريا أن تقذف بقرش إلى ذلك الذي ~~كان يأتي كل خميس ويعزف على «الأورغن الصغير المتنقل» تحت نوافذنا. لفتة لم تكن ~~تعني شيئا، لكنك عندما كنا في فرنسا واضطرت هي للبقاء هنا، غدا سماع هذه الموسيقى ~~يمزق قلبك، وكنت ترفض أن تفتح النافذة ... ثم صرت تفتحها وتلقي بالقرش لذلك الذي ~~كان ms230 ينتظره من يد صغيرة. # أصحبها إلى حديقة الحيوانات، لكنها تعود ساخطة: «فالذئاب صغار بشكل مضحك!» # أما مؤنس، فإنه يخاطبني بحنان وهو في الثانية أو في الثالثة من عمره قائلا: «عندما ~~تصبحين صغيرة وأصبح أنا كبيرا سأعطيك كل شيء ... كل شيء!» كيف أمكن له أن يتصور ~~هذا الانقلاب؟! # وكان شديد الحنان أيضا ذات مساء كان خلاله مصابا برشح قوي؛ إذ ناداني بيأس بصوت ~~تخنقه البحة: «ماما، شيري دامور!» # 347 # جملة حولها صوته المبحوح إلى: «إما شيلي دابور!» كانت هذه الكلمات ~~المعادة تمس شغاف القلب منك وتسليك! # قلقت ذات مرة من هدوئه المريب؛ إذ مضى وقت طويل دون أن أسمع صوته، ثم اكتشفته ~~تحت مائدة غرفة الطعام ساكنا سكونا مطلقا؛ قلت له: «ولكن ماذا تفعل هنا؟» فأجابني: ~~«إنني أرقد فوق البيض حتى يفرخ!» # ذات صباح صيفي في «جيرارمير # Gérardmer ~~» عاد من ~~الحديقة ممزق الثياب؛ فسألته: «كيف فعلت ذلك؟» فأجاب: «كان هناك النبات الشوكي ~~القراص متسترا في شكل نبات القرع!» # وقد أثارته رحلة إلى «الفوج # Vosges ~~» عندما كان له ~~من العمر سبع سنوات؛ فقد أذهلته كاتدرائية ستراسبورج، وكان يسبقنا ويغور في منعطفات ~~السلم المؤدي إلى الجرس بحمية ونشاط كنا نلاقي معهما المشقة في اللحاق به، وكان في ~~غابات الصنوبر على امتداد الجداول الضيقة المتساقطة على الحصى يرى الجنيات ويتحدث ~~معها! أما في المتحف المحلي ب «نانسي # Nancy ~~» أو ~~«كولمار # Colmar ~~» فقد وقف مذهولا أمام صف من ~~صناديق قديمة من الحديد المصبوب سوداء اللون كانت توحي بالحزن، وبعد أن فحصها مطولا ~~أعلن: «أستطيع القول إن صندوق جدتي الخشبي أجمل بكثير من هذه الصناديق!» (كان ~~صندوقا من النسيج المخملي الأحمر لم يكن فيه أي شيء جميل بالطبع!) هذا التعبير (أستطيع ~~القول) لم يكن يخلو من الشجاعة؛ كان يسلينا ويسلي الزوار الآخرين أيضا؛ كان ~~ذلك في السنة التي رسم خلالها - بعد أن قرر أنه سيصبح مهندسا معماريا - «مدينة ~~«مودن» التي سأبنيها عندما سأصبح كبيرا»! كل بناء كان له اسم، غير أن واحدا من ~~الأبنية أزعجه، وكان ms231 عبارة عن المحطة التي حلم بأن تكون هامة، فسماها: «محطة كل ~~الجهات»! والمقصود محطة السكك الحديدية بطبيعة الحال! # ثم حلت سنوات الدراسة الثانوية، والاحتكاك الأول، ربما مع سماجة ما؛ هناك رفيق له ~~كان يردد ولا شك حديثا سمعه، قال عنك أشياء فظة - وكان ذلك في فترة كنا ~~نعاني فيها من مصيبة كبيرة - كان مؤنس نحيفا غير قوي، في حين كان الآخر ضخما ~~قوي الجسم، لكن ابنك طرحه أرضا منذ الضربة الأولى مذهولا مما فعله! # ما أكثر ما كنا مرحين! كانا يغنيان دوما كل ما يخطر على خاطرهما، وإني لأرى ~~مؤنس ثانية في محطة «ميلانو»؛ كنا نغير القطار، وكان مؤنس يجر حقيبة ويغني ~~على امتداد الرصيف بنشاط أغنية «والبهجة ...» وهذا أمر لم يكن منتظرا منه، لكنه كان ~~يحب على كل حال باخ ولحن «المانيفيكا # Manificat ~~». # لم يكونا يحبان «ديبوسي» كثيرا في تلك الحقبة على الأقل؛ فأثناء نزولنا من ممر ~~«جيت # Get ~~» مع أصدقاء لنا، كانا يغنيان بلا أدب ~~«رواية هيدروفيل والفيليجران» على ألحان ... ديبوسي! # وكان مؤنس أكثر جدية عندما كان يطلب إلي أن أشكرك لمساعدتك أحد أصدقائه: # قولي لأبي إنه إنسان رائع. # وفي أحد الأيام، كتب لك في إحدى اللحظات المؤلمة، وكان ~~جديا تماما آنذاك: # هناك رجال خلقوا من أجل قيم مطلقة وخالدة، وآخرون من أجل قيم عابرة ~~ونسبية، وليس للأوائل الحق في أن ينسوا رسالتهم. # ولم يكن ذلك يمنعك من أن تناديه بحنان مازحا: «بالاجوست!» # هذا الجو من الثقة والحرية كان سائدا دوما. لم يكن المرح يسوده دائما، ومنذ أن ~~تجاوزا سن الطفولة، صارا يعانيان من صدى مراراتك ومحنك التي لم يكونا ~~ليجهلاها، ولقد مرت علينا أيام أظلم خلالها البيت؛ كنا نتألم جميعا لأننا ~~كنا متحابين. # | متفرقات # كان يقول ساخطا: «كيف؟ أليس عندك آلة حلاقة؟» كلما كانت هذه الأداة التي كانت تبدو ~~له لا غنى عنها غير موجودة في إحدى غرفنا في الفندق. # وهناك من هذا القبيل ذكريات ترد كلما شاءت على خاطري، وخاصة منها ذكريات الحياة ~~اليومية العادية، غير ms232 أن معظمها لا معنى له إلا بالنسبة لي ولولدي. ~~«ماذا تفضلين أخيرا؟ مجموعة من آنية المطبخ أم عقدا ذا جوهرة لصدرك؟» ... هكذا كان ~~يعابثني في أحد أيام ميلادي، وكان يعرف أنني أحب أن أزين البيت . # وكانت له - هو الحزين غالبا - لحظات من المرح الساخر، كتلك اللحظات التي كان خلالها ~~يتسلى بقص حكاية غضب الشيخ العجوز الذي كان يعنف ابنه الذي أصابته عدوى الحياة ~~الحديثة: «قيل لي إنك تشرب الويسكي فقلت: معليش! وقيل لي إنك تشرب الحشيش فقلت: معليش! ~~وها أنت ذا الآن تشرب القازوزة # 1 # الملعونة من جهنم ... اخرج من هنا يا ابن الكلب!» # وكان يضحك أيضا في «فيرون # Vérone ~~» يوم كنا نزور قبر ~~جولييت، ولا أدري إذا ما كان هو أم مؤنس الذي سأل: «وأين روميو؟!» وكانت غرابة الصيغة التي ~~استخدمها الحارس تطابق في غرابتها اللهجة التي أجاب بها: « # Qui, non ~~abbiamo Romeo ~~». # 2 # قالها وهو في أشد حالات الاستياء، شأنه شأن البائع الذي لم يجد البضاعة التي ~~طلبت منه في مخزنه! # يروي لي صهري: في إحدى السنوات، حضر جلسة تعقدها لجنة تضم بين أعضائها شخصيات ~~مهمة كان عليها اتخاذ قرار بشأن النشيد الوطني؛ فتحدث كل واحد من الحاضرين بإطناب ~~وبلا فائدة، وفي النهاية - وكان قد أعياه ذلك - أعلن طه الذي كان يشترك في اللجنة: ~~«حسنا! ... قلنا هذا، وقلنا ذاك ...» (ولم يكن قد قيل شيء محدد في الواقع!) ثم التفت ~~ناحية أمين سر الجلسة وقال له: «حسنا! اكتب.» وأملى عليه تقريرا على مسمع من ~~الحاضرين الذين كان كل واحد منهم على اقتناع تام بأنه يجد في نص التقرير كلمات ~~خطبته اللامعة، فيأخذ بالموافقة والاستحسان، وتنطلق الكلمات متناثرة من الجميع: «ممتاز! ... ~~تمام! ... هذا ما قلناه بالضبط تماما!» # كنت في الإسكندرية مع ولدي، وكانت الخادمة مريضة خلال عدة أيام. كانت وحدها تعرف ~~غسل الثياب الصوفية والحريرية، وهي ثياب ثمينة لم نتجاسر أن نعهد بها إلى «الكواء»، وكان طه ~~يتخيل أن هذه الثياب سوف تأتيه حزينة وتناشده ألا يهملها، فيقرر إذن أن ms233 يغسلها ~~بنفسه! وبينما هو يصبن ويدعك ويشطف ويعصر، كان يملي رسالته اليومية التي يتجلى فيها ~~الحوار الطويل الضاحك الذي يقوم بينه وبين هذه الأشياء التي تثير العطف. # قال لي ذات يوم: «تريدين مني أن آكل البيشاميل؟! لكن كيف يمكنني أن آكل من شيء له هذا ~~الاسم؟!» # وكنا في ترييست؛ فأوصيت له على حذاء، غير أن الحذاء تأخر عن إنجازه، في حين كان ~~موعد الباخرة يقترب، فأصررت عليه أن ينجزه بسرعة بعد القياس الذي قام به؛ فانتصب هذا ~~الإنسان ذو الضمير في اعتزاز وطمأنني بلباقة: «سونو جانتيمو!» - أنا رجل متمدن! - ~~وتصور طه، وهو يسمع ذلك، أنه في مسرح! # قال لي عندما كنت أعبر عن أسفي لاضطراري كالنساء الأخريات أن أذهب لتناول القربان في ~~الكنيسة حاملة على يدي المحفظة: «إذا كان لديك إيمان قوي، فبوسعك أن تتركي حقائبك على ~~المقاعد!» لم يكن يريد أن يصدق أن الحقائب تسرق أيضا في الكنائس ... بيد أن في ~~الحقائب أوراقا ومفاتيح! # لا بد من القول إن لحظات الانبساط والراحة كانت نادرة بعد كل شيء، أكثر منها كانت لحظات ~~الغيظ. «أسكته، أسكته!» هكذا كان يناشد مؤنس في أثناء جنازة مدير ثانوية هليوبوليس ~~عندما قام أحد الحاضرين باستعراض مثير للسخرية مدعيا الحزن العميق! # كانت السيدة «ل» ممرضة إيطالية قضت أكثر من شهر بالقرب من طه لتشرف عليه بعد العملية ~~الجراحية التي أجريت له، وكانت العلاقة بينه وبينها عاصفة إلى حد ما؛ إذ إن كلا ~~منهما كان يعاند الآخر بشدة، وقد اشتد التوتر بينهما ذات ليلة فقال لها: «نادي الست!» ~~وبما أنها كانت أيضا مكلفة بالإشراف على راحتي فقد رفضت الإذعان، وكان ذلك يستمر ~~أحيانا فترة طويلة ... ثم تنتهي بالاستسلام له وهي ترتعد غضبا، ومع ذلك فحين غادرتنا ~~عانقته بحنان وهي تذرف الدموع وتردد لي: «أي شرف أن أتعرف إلى هذا الإنسان! لن ~~أنسى أبدا، لن أنسى أبدا!» وكان هو نفسه منفعلا أيضا؛ ذلك أنه كان متسلطا دون شك، ~~لكنه لم يكن جارحا قط. # كان هناك في «بادو Padou ms234 ~~» بالقرب من فندقنا مقهى ذو ~~شرفة كبيرة، كانت فيه كل أغطية الموائد وكل المظلات بنفسجية اللون، وكان ذلك جميلا ~~جمال صباح ربيعي؛ فكنا لا نترك الرصيف العريض لكي نأتي إليه من الفندق، واستطاع طه أن ~~يأتي إليه خلال فترة طويلة؛ كان يحب هذه الشرفة كثيرا، وربما كان اللون الندي الرقيق ~~الذي كان يحيط به والذي لم يكن يراه؛ يحمل إليه شيئا من العذوبة. # لم يكن ثمة مجال للحديث عن العذوبة ليلة وصولنا إلى «بادو» وسط عاصفة مخيفة؛ كان أحدهم ~~قد أوقف سيارته بلطف أمام باب الفندق، فتوقفت سيارة الأجرة على بعد عدة أمتار ~~من المدخل، وإني ما زلت أتساءل كيف استطعت أن أجذب طه بسرعة كافية وسط قرقعة الرعد، ~~وتحت وابل المطر والبرد الذي كان يتساقط علينا. لم تكن المظلة تفيد شيئا، ولم تكن لدينا ~~الرغبة في أن نغني «تحت نفس المظلة» كما كان طه يفعل في السنوات الأولى يوم كنا نذهب ~~للتنزه تحت وابل من المطر، كنا نحتمي منه فعلا تحت مظلة واحدة، مشدودين واحدنا إلى ~~الآخر، مستنشقين بسعادة الهواء المغسول وأريج الأرض المبلولة. # ويذكرني المطر بتلك المسيرة شبه ~~المأساوية التي قمنا بها ذات سنة حدثت فيها طوفانات خطيرة في وادي «الأديج # Adige ~~» كنا قد غادرنا «بولتسانو # Bolzano ~~»، وكان علينا أن نقضي الليلة في «ترانتو # Trente ~~» - التي لم تكن بعيدة - لكن الجو كان مخيفا، والطريق كان ~~مسدودا في عدة أماكن بسيول من الوحل الأصفر. كانت السيارات كثيرة وهي تنزل من ~~«برينير # Brenner ~~». كان ذلك بعد الظهيرة، وكنا لا نرى ~~أمامنا تحت سماء صفراء كالوحل سوى عدة أمتار فقط، فنضطر للسير بالسيارة ببطء شديد. أما ~~في سان ميشيل فلم تكن هناك أية وسيلة للتقدم؛ إذ كان الطريق مقطوعا كليا؛ فكان لا بد ~~لنا من العودة، غير أن ذلك لم يكن سهلا أيضا بسبب الزحام، والليل الذي اقترب، والانزعاج ~~العام من حولنا، ودمدمة السائق العدائية بسبب خوفه على سيارته، والتهديد المستمر من الماء ~~والوحل، ولشعوري بالقلق إذ عرفت أننا لا نستطيع ms235 الوصول إطلاقا إلى قرية ما، وأنه إذا طرأ ~~من ثم طارئ على طه فإنني لا أستطيع أن آمل بأي إسعاف سريع له، وأعتقد أننا قضينا ~~ست ساعات تقريبا خلال الذهاب والإياب في مسيرة لم تتجاوز مائة كيلومتر، واستمر ~~المطر في الهطول دون توقف ولو دقيقة واحدة خلال الأيام الثلاثة التي تلت، ولم يكن من ~~المستطاع استخدام الطريق إلا في اليوم الرابع. ولقد وجدنا لحسن الحظ - أو بالأحرى بسبب ~~اللطف - غرفة في فندقنا الأنيس «جريفون # Grifon ~~»، كان طه ~~بمأمن عن كل ذلك، لكني لم أنس هذا المشهد من الخراب، وتلك الساعات من العذاب المفجع. لم ~~يسبق لي في حياتي أن رأيت طوفانا حقيقيا، ومنذ ذلك الوقت رأيت - ولكن بعد زوال كل خطر ~~- نهر «التاليامنتو # Tagliamento ~~» يحمل جثث حيوانات ~~وأشجارا مقصوفة، وإني لأقدر بشكل أفضل القلق الرهيب الذي يعانيه أولئك الذين يعيشون ~~ساعات مماثلة أو الذين يموتون بسبب ذلك. ~~••• ~~«إنك تبحرين!» - هكذا كان يقاطعني، حتى ~~أيامه الأخيرة، بحنان كلما احتدمت - وهذا ما كان يحدث لي غالبا خلال مناقشة أو ثورة أو ~~حماسة؛ فعلى أية مياه عقل أو قلب سوف أبحر الآن دون أن أسمع الصوت الساهر المتيقظ يعطيني ~~إشارة ما؟ # كان في السنوات الأخيرة يقول بحزن: «كنت أقل الجميع اعتبارا في نظر أسرتي، كنت ~~مهملا، محتقرا ... ومع ذلك فإن كان لهم أن يفخروا ... أحيانا ...» ولم يكن ليتم ~~جملته. # وكان يقول غالبا: «لو تعلمين ... لو تعلمين ...» كنت أعلم فيما أظن، وربما ليس كل شيء، ومع ~~ذلك فهل تعتقد أنني لم أكن أعلم لماذا حزمت رسائلي أنت الذي لم تكن تستطيع ~~قراءتها؟ # ولكن أكنت تعرف أنت ما كنت أعانيه عندما تحمل لي واحدا من كتبك صدر أخيرا؟ آه! ... ~~لم يكن ما أعانيه زهوا ولا كان - أسألك العفو - مسرة مشروعة. لا؛ إذ إن ما كان يقلقني - ~~ولا يزال يقلقني أكثر كلما تذكرت ذلك - هو الحركة التي كنت تمد لي بها يدك بالكتاب؛ ~~كانت حركة مرتبكة تقريبا، كما لو أنك تعتذر، كما لو أنك كنت تقدم ms236 لي شيئا ضئيلا ~~جدا في حين كنت تمنحني أفضل ما لديك، وتمنحني ما كان الآخرون ينتظرونه بفراغ صبر! آه، ~~ما أكثر تواضعك! وما أشد ثبات هذا التواضع! ما أكثر ما أحببتك! وأحبك بسبب هذا! ولم أعرف ~~كيف أعبر لك عن هذا الحب. ~~••• # ولد في 14 نوفمبر، وقد احتفل بهذا اليوم كثيرا، بل لقد تمنى أحدهم لو أنه يكون يوم ~~عيد وطني! وبمناسبة عيد ميلاده، أقمنا في بيت صهري بالمعادي - حيث لم يكن يستطيع المجيء ~~غالبا - حفل عشاء جميل حضرته ماري، لكنه كان خلاله مرهقا إلى أقصى حد. كنت أنظر ~~إليه وهو على مقعده في مواجهتي، قلقة عليه شأني دوما؛ كان يحاول أن يتحمل تعبه وأن ~~يبتسم، ولم يأكل سوى القليل. كان العيد عيده، وكان محاطا بكثير من الحب، وكنت أجهد في ~~ألا أحزن. # كان سيكون عمره 85 سنة في 14 نوفمبر 1974. في ذلك اليوم تحدثت الصحف والإذاعة ~~والتليفزيون مطولا، كما تحدثوا عنه أمام الأطفال في كل مدارس مصر، وفي السنة الماضية ~~تذكر كثيرون هذا اليوم. كان صهري قد وجد بعض الفصول من رواية كان طه قد بدأ بكتابتها في ~~عام 1947 ولم ينجزها، وهي رواية «ما وراء النهر»، فنشرها وصدر الكتيب في ذلك ~~اليوم. # ذهبنا إلى المقبرة - أمينة وأنا - لم أكن قد نمت جيدا، لكني حاولت الظهور بمظهر ~~الهادئة. لم أكن أسيرة ذكريات الماضي كليا، لم تعد ثمة أزهار أو برقيات أو لقاءات ~~حارة وودودة. أعرف أن الأمر ينبغي أن يكون على هذا النحو الآن. لا، إذا بكيت فإنما أبكي ~~غيابك الذي لا دواء له، وربما كنت أبكي حياتي التي بت لا أتعرف عليها. أرفع عيني ~~وأنظر إلى الخط المنحدر الأصفر للمقطم؛ # 3 # كنا نأتي إليه في بعض الأحيان صباحا، وكنا نتوقف على حافة الجرف، لكننا ~~لم نكن نترك السيارة التي كانت تحمينا من شمس حادة حتى في الشتاء. وكنت أفكر أن هذه ~~السعادة، هذه السعادة الصغيرة التي منحت لنا ونحن ساكنين في سيارة «البويك» القديمة، ~~كانت أيضا عذبة بلا ms237 حدود؛ كانت نعمة. ويبدو لي الآن أنني أرتكب عملا جائرا إذ أتبين ~~أن السماء جميلة، وأن الصخرة جميلة، وأن أوراق الشجر جميلة ... إذ إنني لا أملك الحق في ~~ذلك ما دمت لا أستطيع أبدا أن أقول ذلك لك. # لموتاي الآخرين في مقابر فرنسا قبور لا تشبه هذا القبر؛ قبور ضيقة متراصة بعضها إلى ~~جانب البعض الآخر في هدوء وخضرة وألفة الأماكن المسيجة في الريف، وعلى الرغم من الأشجار ~~والأزهار، فهي قبور محزنة وباردة. أما هنا، فإن ما يخصك من الأرض كبير بحيث يسعني ~~إقامة حديقة متواضعة، وعلى القبر البسيط المتواضع بلا أي زخرفة سيحفر على النصب التذكاري ~~الدعاء الذي كنت تقوله في فلورنسا وفي المدينة المنورة. زرعت عدة أشجار، وكانت ~~منها شجرة «فتنة»، # 4 # أزهرت زهرات صغيرة صفراء لها عطر كنت تحبه. # يمكن للمرء - إن لم يأت ضمن جمهور غفير - أن يجد هنا السلام في الصمت والسكون المحيطين، ~~ومن الممكن أيضا أن يأمل الصفاء بتأمله قطعة كبيرة طلقة من السماء، طلقة من ~~فوقه، هذا الصفاء الذي تشعر به «جان» بحق في مقابر المسلمين. # لكني لست صافية بعد، وإني لا أتمكن من تخيلك هناك. علي أن أستبعد رعب الفناء ~~الجسدي، وفكرة أنه لا شيء مما كان يكون شخصك المرئي حاضر؛ وأتلاشى في الوعي بعزلتنا ~~التامة وهشاشتنا. # والحق أنك لست هناك، ولئن كنت آتي في الرمل المحرق إلى قدم الصخرة العارية التي تكاد ~~تتأجج لهبا، فإنما آتي بشعور وراثي من الاحترام، راغبة في أن أستدعي بشكل يختلف عما ~~يتم في غرفة مغلقة، ذلك: # الذي أعطانا الحب، # الذي يرى كل ألم، # والذي يعرف كل دعاء. # عندما أكون في إيطاليا أذهب إلى مقابر الريف لأحيي موتى لا أعرفهم، وأمام ~~القبور المهجورة التي ليس لها سوى كومة صغيرة من التراب، أتوقف فترات أطول من فترات ~~وقوفي أمام القبور الأخرى. # 30 أبريل 1976 # ذهبت قبل قليل لتسلم بطاقة الباخرة من أجل العودة في سبتمبر. ستكون هذه الباخرة ~~«الأسونيا»، وتأثرت كليا حين رأيت قسيمة البطاقة: (المقصورة 45، الممر)؛ ms238 إذ إنني ~~أعرف هذا الممر جيدا كما أعرف مقصوراته المزدوجة في القاع حيث أقمنا غالبا. لسوف ~~أنظر مطولا إلى الدهليز، إلى هذه الأبواب، سبعة أعوام مضت على آخر مرة كنا فيها ~~معا على هذه الباخرة؛ إذ إن عوداتنا الأخيرة تمت على الباخرة «إسبيريا». أعرف أنني ~~سأكون مرتعا للذكريات؛ لكني سوف أستقبلها كأصدقاء. لقد شعرت بالبرد على ظهر ~~«الفيكتوريا»؛ ذلك أنه لم يكن فيها شيء يحدثني عنك! # كنا على هذه البواخر نتلقى الزيارات كما لو كنا في بيتنا، وإني لأرى ثانية ~~ريمون وقد جاء ذات يوم محملا بأزهار متألقة، وأرى كذلك «دو» و«شوري» اللذين ~~كانا مارين في البندقية فجاءا لتناول الغداء على الباخرة معنا، ولم يفتنا ~~حتما حين افترقنا أن نقف لحظة صمت كنا نفكر خلالها في لقاءات مأمولة. وكذلك ~~ماريا التي كانت موزعة بين جامعات روما والبندقية، تناولت الغداء معنا أيضا في ~~قاعة الطعام التي كانت في تلك الآونة ذات لون بنفسجي وأزرق (وربما ما زالت كذلك)، وقبل ~~مجيئها كانت ترسل باقة من شقائق النعمان وبرفقتها بطاقة لطيفة تعبر فيها عن ~~أمنياتها وترحب بنا في مدينتها. # ماريا، شوري: فقيدان. هناك لحظات لا تؤلم الذكريات خلالها ما دامت مغمورة بالصداقة ~~التي تجعل من تلك الساعات ساعات عذبة. # وهناك اختفاء آخر، حدث مؤخرا، يستدعي أياما أخرى: ريموند. كانت قد وصلت مصر قبلي ~~بوقت قليل، وفيما عدا رحلتين أو ثلاثا، لم تكن لتترك مصر، قبل عدة أشهر، إلا من أجل ~~زيارة قصيرة لفرنسا. لم أقل لها حتى وداعا، لكني سأقول لها هذا الوداع في قلبي مع ~~الكآبة الجديدة الغريبة التي أعانيها الآن في كل مرة تنغلق فيها عينان سبق لهما أن ~~رأتا وجه طه، كما لو أنه بطريقة ما يزداد غوصا في الظل، ولسوف يأتي يوم لن ~~توجد فيه أي نظرة بشرية تمل منه. # الظل ... غالبا ما استخدمت هذه الكلمة في أثناء الحديث عنه لمعارضتها بالنور الداخلي ~~الواضح وضوحا شديدا، أما الظل الكبير فهو ظل شاعر أعمى شهير عاش منذ عشرة قرون ~~ورافقه ms239 طيلة حياته؛ فقد كرس له رسالته المصرية وكتابين آخرين، لكنه في الواقع ~~كان يتحدث عنه دون توقف، ويبدو أنه عاش آلام هذه النفس المتقشفة وتحسس مرارتها ~~بحيث إنه كاد أن يتقمصها في بعض اللحظات. # ليس لدي من التبجح كي أكتب عن أبي العلاء المعري، غير أنه كثيرا ما قيل - ~~وتردد ذلك - إن طه كان أبا علاء آخر! إنسانان غارقان في الليل نفسه، إنسانان ~~يرفضان أيضا قدرا ظالما، إنسانان يملكان وضوحا خارقا وموهبة في التعبير ~~استثنائية، وكبرياء شامخة وجرأة فكر؛ كلاهما يعرفان نفسيهما ويريدان أن يكونا ~~حرين، وكلاهما كان يحاكم العالم دون أي وهم. نعم! # غير أنه لم تكن لدى طه تلك النزعة التشاؤمية السوداء المطلقة التي لا مخرج منها. ~~عندما كان يقول: «وبعد؟» أو «ثم ماذا بعد؟» فقد كان يطرح سؤالا لا يخلو من قلق عن ~~المستقبل الذي لا نسيطر عليه، أكثر مما يطرح شكا يشل الإنسان. # كما أنه لم يكن لديه هذا الاحتقار للناس الذي تغلب على أبي العلاء المعري كي ~~يهرب منهم ولينعزل في وحدة قاسية، حتى ولو كان يشعر في أعماق نفسه بأنه وحيد وحدة لا ~~خلاص منها. # إن أبا العلاء برفضه المتكبر إنما كان يرفض سجن العاهة الذي يواجهه، والعقبات التي ~~اعتبرت مما لا يمكن التغلب عليها؛ كان يرفض الآثام والمظالم، كما كان يرفض ~~الضغوط والإكراهات وكل أنواع العبودية، ولكنه لم يقل هيا إلى الحياة، إلى ~~النضال، إلى الحنان ... أما طه فقد أراد أن يحيا، وأن يحيا بجرأة مستقيما، مستنيرا في ~~داخله، بحيث لم يكن يعطي الانطباع بأنه أعمى. ولقد حدث دون أن يقصد ذلك أن علم ~~كيفية الحياة لأناس آخرين. كثيرون هم الذين قالوا له ذلك، بل إن بعضهم قد كتب له ~~حول ذلك بكلمات رائعة أحيانا، ولا يمكن لي أن أتصور أن هذه القوة التي لا ~~تقهر، هذه القوة الكريمة هي شيء باطل. ~~••• # وقيل أيضا - لكن ذلك يقل أهمية عما سبق - إن «أديب» هي سيرة ذاتية، وهذا غير ~~صحيح إطلاقا؛ فقد أراد طه في ms240 هذا الكتاب أن يتحدث عن مصري لم يسبق له أن التقى ~~به فيما أعتقد قبل أن يصبح كل منهما مبعوثا للجامعة المصرية، ولقد عرفته شخصيا ~~في فترة خطوبتنا وزواجنا؛ شابا ودودا لامعا. # والقصة غير كاملة عن عمد؛ فالصبي سقط مريضا، وكان لا بد من ترحيله إلى الوطن. كان ~~الزمن زمن حرب، وقد عرفنا أنه يعيش في قريته، ولم نستطع قط أن نحصل أخبارا أخرى ~~عنه. ~~••• # لدي عدد وافر من صورك وخاصة منها ~~الصور الصحفية التي هي أشد هذه الصور حياة - أنظر إليها مطولا. لكني لا أحتاج إليها ~~لأستعيدك رقيقا جدا، منتصبا جدا، حتى تاريخ إجراء العملية الجراحية في عام 1961 ~~- في هيئتك الرخية، وأناقتك العفوية. هذا التميز الطبيعي الذي أدهش من كان يقترب ~~منك وخاصة الأجانب. إنه أمامي، وجهك الجاد المستطيل ذو اللون الكامد، الهادئ دوما على ~~نحو التقريب، فيما عدا اللحظات التي تقطب فيها الحواجب عند الهموم أو الغضب. # أبتسم إذ أرى الصور التي التقطناها في أثناء الإجازات التي قضينا معظمها مع ولدينا ~~... وهناك واحدة منها تسلي دوما كل من يراها: كنت ممددة على الرمل، على شاطئ ~~الرملة، وأمينة التي كان لها من العمر أربع أو خمس سنوات آنذاك، كانت قد وضعت قبعتها ~~الشمسية على رأسك. # في حين تبدو مجموعة أخرى منها ونحن نمشي معا. تلك ليست صورا التقطت في أثناء ~~الإجازات فحسب، فقد مشينا كثيرا جنبا إلى جنب! وما أكثر ما يمر أمام عيني ~~اللتين تنظران في ذهول موضعا غامضا، كما لو أن الأمر على شاشة، إطار غامض يبدو ~~فيه ظلانا غير المحددين ... وأنت تستند إلى ذراعي، نتقدم دون ضجيج، كما لو أن ~~أقدامنا لا تمس الأرض. # وفيما عدا ساعات القراءة أو الساعات التي نستمع فيها إلى الموسيقى، هناك اللحظات التي ~~كان الواحد منا خلالها أقرب ما يكون إلى الآخر؛ إذ إنك خلال جزء كبير من النهار ~~تكون مع سكرتيرك، أو في مكتب، أو مع الزوار، أو تقوم بإلقاء محاضرة ما. # هناك صور خاطفة كثيرة حينما تتحدث. كنت ms241 خلال فترة طويلة لا تتحدث إلا واقفا، ~~على أنك سواء أكنت واقفا أم جالسا فإنك قليلا ما تتحرك؛ بيد أنك لم تكن ~~جامدا صلبا؛ إذا ما تحدثت جالسا كانت يداك بشكل عام تتشابكان على الطاولة وتبقيان ~~ساكنتين، ومع ذلك فالسكون لم يكن يستمر؛ إذ إن صحفيا إيطاليا كان يراك للمرة ~~الأولى (وكان ذلك خلال أحد اللقاءات في فلورنسا) قد وصفك على هذا النحو: # يبتسم طه حسين حين يتحدث، وينطلق صوته في الهواء انطلاق الموسيقى وعيناه ~~المطفأتان لا تفصلانه عن العالم؛ فهو يتلقى النور واللون والجمال بتحسس ~~خفيف من يده الطاهرة للأشياء المحيطة به. # هل أنا بحاجة للصور كيما أرى ثانية اللطف - نعم، لا أخشى أن أقول اللطف - المهذب ~~الذي كنت تتلقى به زائرا في مكتبك الإداري أو الوزاري أو الشخصي؟ كان لديك هذا ~~التحفظ الذي لا يرد إنسانا، بيد أنه يجعل الجميع على مسافة منك. كان يقال إنك ~~مخيف؛ وهذا حق، كانت لك أحيانا كلمات قاسية؛ لأنها عادلة، لكنه لم يكن لك قط ~~تصرف قاس. وما أكثر ما تعرف أن تكون في أغلب الأحوال قريبا، مستعدا للإصغاء، ~~موحيا بالثقة! # أحب صور السنوات الأخيرة عندما تبدو فيها جالسا. قليلا ما يبدو على وجهك الضيق! ~~أما تلك التي التقطت عند صعودنا أو نزولنا بصعوبة سلالم المجمع، أو ما هو أسوأ ~~منها عندما كنت تحمل خارج السيارة ... أوه! تلك أكرهها وأود لو أمزقها، كنت ~~ستكرهها لو أمكنك أن تراها؛ كان جسدك المرضوض يجر بشكل أخرق. وأنا، أنا التي ثارت ~~في العام الماضي في «ميرانو» حينما رأت عجوزا شبه عمياء تدخل قاعة الطعام تجرها ~~امرأة تصحبها وتمشي أمامها بدلا من أن تمشي إلى جانبها؛ رأيت الشيء نفسه مرة أخرى، ~~ولم يكن ذلك ليسعدني؛ إذ كان يخلف في نفسي دوما آثار إهانة مزدوجة! # كانت سهير تتعجب كلما جاءت زائرة إلى البيت إذ تجد طه دوما لابسا حليقا، ~~عاقدا ربطة عنقه، منتعلا حذاءه (فيما عدا الأيام الأخيرة)، وكانت تقول له: «وبعد ... ~~أنت في بيتك، فلماذا لا ms242 تلبس الروب دو شامبر؟» # كان هذا الاهتمام بمراعاة قواعد اللياقة ~~يروق لي، وكنت أتمسك به بقدر ما كان يتمسك هو به، ولقد كان لي هذا الاهتمام ~~بالنسبة إلي أيضا، أنا التي لم ترد أن يقال عنها ذات يوم: «زوجها أعمى، فما ~~أهمية أن تكون بلا هندام ما دام لا يراها!» # لم يكن الخليفة عثمان # 5 # نظرا لتقشفه يرغب في لبس الثياب الحريرية، وكان طه - الذي كان لأسباب ~~كثيرة يعجب به كثيرا - قد انصاع إلى هذا الوسواس، فرفض دوما أن يلبس أي قميص ~~حريري، ولم يكن يقبل من الحرير سوى ربطات العنق. # وعندما اضطر للتخلي عن الثياب المعتادة، اخترت له «روب دو شامبر» يناسبه، كحلي ~~أو أحمر، ثم لم يتمكن أن يلبس سوى «المنامة» والشال الهندي - الذي كان لفترة طويلة ~~يضعه على ركبتيه - أخذ يلف به كتفيه عندما يستقر في سريره. # لم يكن بوسعه قط أن يقول مازحا، شأنه في الأيام الماضية، عندما يكون في فورة غضب: ~~«سأمزق سترتي!» وهو ما كان يذكرني بأسلوب التوراة، إلا أنه كان يقال آنذاك: ~~«ثيابي!» ~~••• # طه! كانت ضحكتك - على الرغم من التجارب والعقل الذكي - تعبر عن قلبك النقي، ضحكتك ~~المجلجلة الصريحة الواضحة. # وعلى الوجه الذي أحببته، الوجه الذي نظرت إليه طويلا، كان ثمة دموع تغمره في ~~أحيان نادرة، وهو أمر لا يطاق؛ فقد كان قاسيا مؤلما إلى حد يتحطم معه قلبي كلما ~~تذكرتها ... وتأبى الكلمات أن ترد خاطري. # قيل الكثير عن ضحكتك ... أما أنا فإن ما أود لو استطعت وصفه هو ابتسامتك. آه! هناك ~~الكثير من الصور التي تبتسم فيها، وليس خطؤها أنها لم تستطع أن تعكس تماما ابتسامتك ~~الرقيقة الرصينة الناعمة السخرية، أو ابتسامتك البالغة الطيبة إن كنت تريد المساعدة ~~أو المواساة، ابتسامة «تسمع» - كما كانت «دو» تقول - الابتسامات الأخرى، وتعرف أن ~~ترد عليها. كانوا يعرفون ابتساماتك وكانوا يحبونها. # بيد أن أحدا - فيما عداي - لم يسمع أشد الابتسامات تأثيرا، وأعني بها تلك ~~الابتسامة التي كانت تكاد تزهر شفتيك المغلقتين في بعض الأيام التي كنت ms243 تجد فيها ~~نفسك مختلطا بعدد كبير من الناس، وبصورة عامة في أثناء حفل استقبال ما. كان يحدث أن ~~يفيض أحدهم أمامك مبالغا في الحديث عن أشياء لا تعرفها ولا تستطيع رؤيتها، دون أن ~~ينتبه إلى صمتك الشارد. وكان يحدث أن بعض محدثيك، ممن يودون التقرب من ~~آخرين يمكن أن يكونوا مفيدين لهم، ويزعجهم ألا تنتبه لوجودهم إحدى الشخصيات ذات ~~المكانة، أو ببساطة إحدى شخصيات الحكومة، فيتركونك وحدك فجأة وسط الجمع. وما كنت ~~لأبتعد عنك قط؛ إذ كنت سرعان ما أهرع إليك لأجدك ساكنا غريبا. كنت تبتسم بهدوء ~~كما لو كنت تبتسم لنفسك؛ إذ إنني أعرف تسامحك المزدري - الذي لم يكن يكاد يلمح - لهذه ~~الهموم الباطلة، لكني كنت أعرف أيضا أنه كان ثمة وراء ذلك جرح ما غير مرئي. ما ~~أكثر ما كنت أحبك تلك اللحظات! ~~••• # ذراعي لن تمسك بذراعك أبدا؛ ويداي تبدوان لي بلا فائدة بشكل محزن، فأغرق في اليأس. ~~أريد عبر عيني المخضلتين بالدموع حيث يقاس مدى الحب، وأمام الهاوية المظلمة ~~حيث يتأرجح كل شيء؛ أريد، أريد أن أرى، تحت جفنيك اللذين بقيا مغلقين، ~~ابتسامتك المتحفظة، ابتسامتك المبهمة الباسلة، أريد أن أرى من جديد ابتسامتك ~~الرائعة. # رامتان، مايو 1976 # كان لا بد من حضور مؤنس كي أعجل في إعادة النظر في إقامة جديدة أرغب فيها أكثر ~~فأكثر، فثمة مشروع لجعل «رامتان» متحفا، وقد قبلت بالمبدأ وسط بلبلة الأسابيع ~~الأولى وبعد الصدمة العنيفة إثر حادث سطو مذهل على الدار. لقد وجدت في هذا المشروع ~~تقديرا لطه، وكان هذا تقديرا حقا؛ فكثير من الناس يتمسكون بالمجيء إلى هذا البيت، ~~وعندما أقيمت احتفالات فبراير أراد كافة المشتركين الأجانب الحضور إليه لزيارته، ~~وكنت في منتهى التأثر حينما قمت باصطحابهم عبر الغرف والحديقة، وكانوا هم أيضا ~~متأثرين مثلي. # غير أن الإجراءات التي لا تنتهي أتعبتني؛ فقد باتت الحالة المحزنة التي آل إليها ~~البيت لا تطاق، وقد أصبح مغمورا بالمياه مهملا، خاصة وأنني أعلم أنه إذ ~~سيتحول إلى متحف فإنه لن يشبه الحالة التي كان ms244 عليها، ولسوف تختفي الحياة الحقيقية ~~التي دار فيه بذهاب وإياب الموظفين الذين لم يعرفوا عنها شيئا. وفي الوقت نفسه سوف ~~تسيطر على كل شيء إدارة باردة الجمود. لا أريد ذلك؛ فذات يوم سوف تسحب منه كل حياة، ~~ونصف الموت هذا سيكون طبيعيا، ولكنني ما دمت أستطيع أن أجعله يواصل حياته فسوف أفعل ~~ذلك. ~~••• # وصلت الطائرة في الساعة السادسة مساء . ذهبت ليلى وأمينة على الفور إلى دار السيدة ~~العلايلي، # 6 # في حين تناولت العشاء مع مؤنس ومحمد في المعادي. إنه مؤنس الذي فتح - في ~~ليلة شديدة الظلمة - الباب الذي لا أفتحه إلا في النهار خلال الأسابيع التي قمت ~~خلالها بالإصلاحات. لم أكن لأملك الشجاعة، فيما أعتقد، للمجيء وحدي كي أوقظ الصمت ~~المعذب الذي يغلف البيت والحديقة بعد ذهاب العمال. # بقي معي مؤنس أسبوعين، أعانني خلالهما على ترتيب إقامتي الجديدة في جزء منها، بما ~~أنني أسكن الآن خاصة الطابق الأول، تاركة أبواب ونوافذ الغرف الكبرى في الطابق ~~الأسفل مفتوحة للشمس والحديقة؛ فالأرض الخشبية قد صقلت وأعيد طلاء بعض النوافذ ~~وخصاصاتها؛ هذا كل ما أستطيع أن أفعله الآن، أما الحديقة التالفة فقد بدأت تنبعث من ~~جديد. كان مؤنس يقوم فيها بجولة بعد الظهيرة، فاكتشف عدة مرات وردة قد نبتت ~~بمعجزة، وكانت ساحرة الجمال، فحملها إلي. # ثم رحلا من جديد، فحل الصمت ثانية واستعادتني الوحدة، لكني سأتابع ممارسة ~~العادات التي اعتدنا ممارستها معا؛ فحنانه السابق لا يزال يحيط بي، كما أن أسوأ ~~لحظة قد مرت. وعندما سأعود في الخريف فربما أعثر على متكأ أنا بحاجة إليه، مدركة ~~أنه لا يمكن مع ذلك أن يكون سوى متكأ عابر وهش. هذه العودة إنما هي أولا عودة ~~إليك؛ فغيابك رهيب، لكني أريد أن أتألم من هذا الغياب هنا، في الوقت الذي أكون فيه في ~~مصر. ~~••• # أقول: أريد أن أعيد الحياة إلى «رامتان»! إنه وهم؛ فقد كنت سبب جهودي، ومن ~~أجلك إنما جعلت الشمس تدخل والورود تزدهر. كل خطوة، كل باب مفتوح، كل نظرة على ~~قطعة أثاث تستدعي ms245 ماضيا لا أريد أن أصدق أنه ماض! # إننا نتكئ على الذكريات؛ إذ لما كنا نستشعر حاجة عميقة لئلا يموت أولئك الذين ~~أحببناهم، فإننا نبعثهم عبرها ثانية، ولكيلا يتخلوا عنا، فإننا نجعلهم يشاركوننا ~~حياتنا المستمرة. وإنه لوهم آخر أيضا! فالحياة تتغير كل لحظة، كما أنهم ~~يبقون غرباء عنها، فإن رأونا فإنهم لا يروننا بين الأشياء وفيما بين جدران ~~غرفنا، ولا في الأحداث الجارية بعيدا عنهم. والآن، ما أكثر الأشياء التي تحيط بي، ~~ومع ذلك فلم تعد هي الأشياء التي عرفها هو، وإنه لمن العبث، بل لمن الغرارة إن ~~لم أذكر العمر الذي بلغته، لكني لا أحب الثياب التي لم تكن الثياب التي كنت ألبسها إذ ~~كان حيا. # أفكر - وما أكثر ما أفكر! - في النساء اللواتي غدون وحيدات وهن ما زلن في ~~ريعان الصبا؛ أفكر في كل ما لم يعرفه الرفيق الراحل الذي سيتسع دون توقف ... آه! ~~أعرف جيدا أن أولئك الذين تحابوا يتواصلون على نحو آخر، لكن الأمر مؤلم بعد ~~كل حساب. # أدخل وألتقي بذكرى سنواتنا الأولى، كنت - مذ نجتاز باب المدخل إثر عودة من رحلة ما ~~- تعانقني في البهو ... تلك كانت قبلة العودة؛ كانت حارة، ممتنة، مرتعشة قليلا لفكرة ~~عودتنا سالمين. # ثم أنظر إلى الأريكة البيضاء في البهو؛ فالتعب قد حل، وكان علي إثر إحدى ~~عوداتنا أن أمددك عليها، وأن أعتاد القيام بذلك - فيما بعد - فور نزولنا من ~~السيارة. ~~••• # رامتان: حزينة ومرحة؛ مرحة بسبب حماستنا كلما أتينا إليها، والكتب تبدو أجمل على ~~رفوف مكتب أكثر اتساعا. صحن الدار كان أليفا، وكنا ننتظر بفراغ صبر أن يخضر ~~العشب الأول، وكنا نرقب النمو الشديد البطء للأشجار الجديدة، وكل ما حواه هذا ~~البيت من خير: الأطفال، والأصدقاء الذين كانوا يبقون فيه، اللهب في المدفأة، والبيانو ~~الذي كان أحدهم يفتحه بين الحين والآخر. # ثم ... سرعان ما حل القلق على حياتك، وربما على صفاء ذهنك. # ثم ... الراحة؛ فقد استعيدت الصحة تقريبا، ولا تزال أمامنا سنوات عدة نحياها ~~معا بصورة طبيعية. # ثم أخذ يتوالى تخليك عن ms246 أشياء كثيرة، وكآبتك المتزايدة، وانحراف مزاجك ~~المتصاعد. وما أكثر ما كنا نبتهج للنصر الذي نحققه إذا ما استطعت المشي من غرفتك ~~حتى الاستوديو! وما أشد قنوطنا حين نلمح أنه لا بد لك، بعد خطوات عدة تقوم بها، أن ~~تتمدد بسرعة على أقرب أريكة! وما أشد حزني في الأيام الأخيرة حين انتبهت إلى أنك ~~لم تعد تسمع قط ما كنت أقرؤه لك ... الموسيقى وحدها ... # لست أملك الشجاعة بعد لأفتح «الحاكي»، فأنا لا أسمع أسطواناتي إلا على «الحاكي» ~~الخاص بي. هذا الراديو، أنظر إليه، وها أنا ذا أتذكر شيئا لا أهمية له، لكنه ~~استثار حنانك. لم تكن مريضا جدا ذات مساء حين كانت تذاع تمثيلية مستوحاة من كتاب ~~«الأيام»، وعندما انتهت التمثيلية رن الهاتف، وأجبت؛ كان ثمة صوت طفولي خجول ~~على الطرف الآخر من الخط يقول: «أنا الذي قمت بدور طه الصغير.» كم كان هذا الطفل ~~فخورا ومتأثرا! # إلى هذه الغرفة، غرفتك، أحمل صينية غدائي. أولم نكن نتناول على هذا النحو ~~وجباتنا طيلة ثلاثة أعوام؟ ... تبدو لي هذه الغرفة وكأنها تملك شيئا ما ... شيئا سأقول ~~إنه رسمي (إن لم أكن أرفض المغالاة) ... ففيها تم أكبر سر، سر الموت. أمن الممكن ~~التفكير أنه لم يبق من هذا السر شيء؟ # كل شيء يزعزعني، كل شيء يختلط، يتشابه ... ينتزعني من الحاضر؛ أأنا ضعيفة إذن؟ أأنا ~~عاجزة عن مواجهة الفراغ والأيام الخوالي؟ ... كنت صلابتي، كنت تحميني، وها أنا ذي بلا ~~دفاع! ... ~~••• # شجرة الفلفل التي تصل حتى الشرفة، والتي أردت أن تمنحنا أغصانها شيئا من الظل، ~~نشرت أمس رائحتها القوية المرة قليلا، أما النجوم التي انحجبت كل أيام ~~الخماسين # 7 # فقد عادت إلى الظهور، لتختفي بين حين وآخر وراء غيوم خفيفة. كنت أنظر ~~إلى الليل من الشرفة كما كنت أفعل في الماضي، لكن نظرتي آنذاك كانت تقف أيضا عند ~~باب الشرفة الزجاجي، عليك أنت، وأنت شبه نائم. أما الآن، فالخصاص مغلق، ولا أنظر إلا ~~إلى اللمعان الذي يتسرب من خلال شقوقه، ثم لا أطفئ هذا المصباح إلا ms247 في اللحظة التي ~~أطفئ فيها مصباح غرفتي. تضيع نظراتي في هذه السماء، سماء مصر الفسيحة المنيرة؛ إنها ~~سماء بعيدة، وليس ثمة سوى كتل من الظلال العالية لأشجار الكزورينا، وأغصان مفرغة ينساب ~~خلالها الليل الأزرق وبعض الأضواء السحيقة البعد؛ بحيث لا يمكن أن تكون إلا مجرد ~~أضواء وليست أضواء غرف مسكونة. لا شيء بشريا يرى، لا شيء يتحرك. # صمت رائع؛ أنت وأنا في هذه العزلة التي أباركها. خير خارق يفوق الوصف. إنني لاهثة ~~إلى حد ما؛ أتنفس بعمق، وبكل قواي أريد أن أتخلص من الضيق الذي يشلني؛ أود ~~الذهاب نحو شيء فسيح، وبرغم توتري أتطلع نحو مدى أدرك استحالة الوصول إليه ... أنا ~~الضعيفة التافهة ... وأنظر إلى هذه السماء بشغف. # تعالي، تعالي، أنت أيضا! ~~... # Viene, viene, anche lei! # يعز علي دوما هجران طريق ما. كنت أود لو أن الطرق لا تنتهي، وما أشد ما ~~يحزنني ترك قطار أو مغادرة سيارة، وأذكر أن العزيز لطفي باشا كان يتعجب من ذلك، ولعله ~~كان يفكر: «أن يتابع المرء طريقا ما بلا نهاية ... ولكن، للذهاب إلى أين؟» # ها أنا ذي على نهاية طريق، ذلك الطريق الطويل الذي اجتزناه معا وحدنا، وها نحن قد ~~اجتزناه معا مرة أخرى، لكن الدرب لا يمتد أكثر من ذلك، ولا بد من الوقوف؛ ~~فهو درب لا يمكننا أن نجتازه ثانية. لا بد من وداعه، وإني لأوجه له نظرة عرفان ~~أخيرة. حبيبي ... # ابقي، لا تذهبي، سواء خرجت أو لم أخرج، أحملك في، أحبك. ابقي، ابقي، ~~أحبك. لن أقول لك وداعا، فأنا أملكك، وسأملكك دوما. ابقي، ابقي يا ~~حبي. # منذ أربعة وخمسين عاما كتبت لي ذلك! # رامتان، أكتوبر 1976 # | تذييل: تأملات حول نص، وحياة، وعالم # تنبه سوزان طه حسين في الصفحات الأولى من كتابها «معك»: «وإنما لكي آتي إليك أكتب ~~وأتابع كتابة كل ما يطوف بقلبي»، صرخة حب حقيقية نحو من تناديه بعد قليل «صديقي»، ~~و«بالمعنى الذي أعطيه لهذه الكلمة؛ صديقي الوحيد.» هذا الكتاب الذي كتب لكي يتجنب ~~موت الحبيب، هذا الكتاب ذو ms248 النبرات المؤلمة أحيانا؛ هو مع ذلك، وقبل كل شيء، كتاب ~~حياة. # فهو شهادة مثيرة حول الحياة الفكرية والفنية والسياسية لمصر من العشرينيات إلى الستينيات، ~~في قلب مجتمع عالمي كانت فيه اللغة الفرنسية لغة النخبة المفضلة. # وهو شهادة حميمية أيضا، حول حياة رجل وامرأة كان يمكن أن يفصل بينهما كل شيء؛ الثقافة ~~والدين والجنسية والعائق، التقيا يوما، وتزوجا، وعاشا، متحدين بثبات، على الرغم ~~من كل شيء ، وربما بفضل كل هذه الاختلافات المعتمدة التي صارت وثاق حبهما. # وكذلك شهادة نادرة، لكنها ليست معزولة، حول لقاء فرنسية ومثقف مصري جاء يتابع دراسته في ~~فرنسا؛ قبل سوزان طه حسين، ومنذ إرسال أول بعثة طلبة مصريين إلى فرنسا من قبل محمد علي ~~عام 1826، جاء عدد من الشباب المصريين، أطر مصر الحديثة للمستقبل، للقيام بدراساتهم في ~~الحقوق والطب والآداب، في جامعة مونبلييه أو جامعة باريس، وعادوا إلى بلادهم مع زوجة ~~فرنسية. عرف بعض هاتيك النساء الشهرة، مثل أوجيني لوبران (1878-1908)، زوجة حسين رشدي ~~باشا الذي أدى بعد ذلك دورا سياسيا هاما (فقد كان رئيس وزراء من أبريل 1914 إلى ~~أبريل 1919)، قبل أن ينهي حياته المهنية رئيسا للجنة الثلاثين - المكلفة من قبل ~~الملك في أبريل 1922 بكتابة الدستور المصري الجديد. كانت أوجيني لوبران تقيم بالقاهرة ~~صالونا يرتاده رجال ونساء يريدون النقاش حول موضوعات الساعة، ولا سيما مكانة النساء في ~~المجتمع المصري. وفي هذا الصالون إنما تلقت هدى شعراوي - التي لعبت مدام رشدي حتى وفاتها ~~عام 1908 دور الأم البديلة بالنسبة لها - جزءا هاما من تكوينها كمناضلة نسائية. كتبت ~~السيدة رشدي تحت اسم ريا سليمة كتابين تناولا المرأة المصرية: «حريم ومسلمات مصر ~~(رسائل) # Harems et musulmanes d’Égypte (Lettres) ~~»، ويقع في 336 صفحة، وطبع بباريس حوالي عام 1900 لدى منشورات # Félix Juven ~~؛ وكتاب «المطلقات # Les Répudiées ~~»، الذي طبع بباريس عام 1908 لدى الناشر المذكور نفسه. بعد ~~السيدة رشدي، هناك فرنسية أخرى؛ جان بويش داليساك، تزوجت الدكتور سليم بيك فهمي - الذي ~~التقته ثم تزوجته عام 1879 بمدينة مونبلييه - كتبت تحت ms249 الاسم المستعار جيهان ديفري ~~عددا من المؤلفات تنتمي إلى السيرة الذاتية وإلى أدب الرحلات، أشهرها «في قلب الحريم # Au cœur du harem ~~»، الذي نشر لدى # Juven # عام 1910، كما كتبت كذلك روايات تاريخية وروايات ~~اجتماعية. كانت تتعاون مع مجلة المصرية # L’Egyptienne ~~، ~~واهتمت بصورة خاصة بالعلاقات بين حركة السان سيمونيين والنساء. # 1 # كما أنه أخيرا شهادة حول الصحبة الفكرية والعلاقة الغرامية بين امرأة بصيرة ومثقف ~~أعمى لا نعرف لها مثيلا؛ فقبل وبعد سوزان طه حسين عاشت نساء أخريات بالطبع هذا النمط من ~~الاتحاد؛ فهناك في القرن الثامن عشر إيميه لولان، زوجة عالم الحشرات السويسري الأعمى ~~فرانسوا هوبير؛ وفي القرن التاسع عشر جولي دو كيرانجال، زوجة المؤرخ الفرنسي أوجستان تييري، ~~الذي صار أعمى ومشلولا بالتدريج؛ وفي بداية القرن العشرين، لويز بوترو، زوجة المثقف ~~والمحسن الكبير الأعمى بيير فيللي، المعروف عالميا بسبب مؤلفاته عن مونتيني والكتاب ~~الفرنسيين في عصر النهضة؛ وأخريات كثيرات. لكن لم تترك أية واحدة منهن على ما نعلم شهادة ~~عنه؛ ربما بحن بهذه التجربة في رسائل أو في كتابات حميمية لم تصل إلينا. أشارت ~~المؤرخة ميشيل بيرو حول هذه النقطة إلى الصعوبة التي يمثلها - بالنسبة إلى مؤرخ النساء ~~أو مؤرختهن - «امحاء الآثار، العامة منها والخاصة» # 2 # لهذا التاريخ؛ فكثير من النساء فضلن القضاء على دفاترهن الخاصة ورسائلهن ~~بدلا من تركها عرضة للامبالاة ولعدم فهم - إن لم يكن لسخرية - أحفادهن. وافترضت ~~كذلك أن هذا «الحكم الهائل بالموت الذي قضى على القسم الأعظم من كتابات النساء الخاصة» ~~أمكنه أن يكون «استسلاما لنفي الذات الذي هو في قلب ضروب التربية النسائية، الدينية منها ~~والعلمانية.» # 3 # وحول هذه النقطة كادت سوزان من ثم ألا تخرج على التقليد كليا، هي التي ~~كانت عادتها المزعجة أن تمزق الرسائل والأوراق، والتي رفضت عام 1951 بصورة قاطعة أن ~~تتكلم عن نفسها إلى صحفية من صحيفة # Le Progrès égyptien # جاءت تسألها: «حين نملك سعادة أن نعيش في ظل رجل عظيم، أرى أن علينا أن نتضاءل كثيرا، ~~وأن نساعده بمقدار ما ms250 تتيحه لنا إمكاناتنا.» # 4 # هذا فضلا عن أن عنوان الكتاب نفسه، «معك»، يقول بوضوح إنها لا تريد كتابة «مذكراتها» - ~~ومن الممكن ملاحظة «صمتها» في هذا النص إزاء نفسها وطفولتها ومسارها الفكري الخاص بها قبل ~~أن تلتقي طه - ومع ذلك، يذكر مؤنس كلود طه حسين في «ذكرياتي» أنها بعد شهادة الدراسة ~~الثانوية «كانت تعد نفسها في مدرسة «سيفر # Sèvres ~~» كي ~~تصير معلمة.» # 5 # أسرة وطفولة بورجونية # إذ انطلاقا من إشارات شديدة الدقة، خاصة بالأسرة وبأماكن طفولتها، قدمتها سوزان ~~في كتابها، واستكملتها «ذكريات» ابنها، إنما توصلنا إلى أن نوضح ~~جزئيا - لقاء بحث صبور جرى بمعونة مسئولين ~~عن الأرشيف، ومكتبيين في الكوت دور، والهيرو، والأرشيف القومي، وإدارة ثانوية فنلون ~~بباريس - ما كانته بيئتها العائلية، وطفولتها وحياتها المدرسية. # ولدت سوزان طه حسين وسميت: سوزان، جولي، هيلويز بريسو، يوم 26 أبريل 1895، ~~بلوزيني-سور-أوش، في الكوت دور، وتم تعميدها يوم 19 مايو التالي على يدي خالها، الأب ~~جوستاف فورنييه - «الخال رئيس الدير» الشهير والمذكور عدة مرات في الكتاب. # 6 # وكان راعيها وراعيتها على التتالي: نقولا بيير فورنييه جدها لأمها، ~~وإيلوييز بريسو (المولودة لورو)، جدتها لأبيها - التي كانت بكر إخوتها الأربعة، ~~منهم: الأصغر، أختاها، ماري فيليبين «العمة ماريا»، وآن بالمير «العمة بالمير»، ~~المذكورتان في كتاب سوزان طه حسين. # عند ولادة سوزان، كان أبوها ألبير فيليكس آندوش بريسو - وقد بلغ الخامسة والعشرين من ~~عمره - يمارس مهنة المحاسبة، أما أمها آن مرجريت بريسو، المولودة فورنييه، وعمرها ~~أربعة وعشرون عاما، فكانت «بلا مهنة». تزوج ألبير ومرجريت يوم 26 مارس 1894 ~~بلوزينيي؛ حيث كان والد ألبير، لازار-فيكتور بريسو، قد سمي فيها لتوه معلم ~~مدرسة ابتدائية، وحيث كان والد مرجريت، نقولا بيير فورنييه، مصرفيا في بلينيي سور ~~أوش، وهي قرية تقع على مسافة تقل عن 2كم من لوزينيي. # بعد ثلاث سنوات، يوم 19 أغسطس 1898، ستولد بقرية بلينيي أختها ماري أندريه التي ~~تتكلم عنها في عدة مناسبات في كتابها، وسوف تعمد فيها بكنيسة القرية يوم 22 سبتمبر ~~التالي، مع راع وراعية هما الأب جوستاف ms251 فورنييه الذي كان آنئذ «خوري سيفر»، وماريا ~~لورو «مديرة مؤسسة بسومور آن أوكسوا». في ذلك الوقت كان ألبير بريسو يمارس مهنة ~~الحسم المصرفي # 7 # ببلينيي؛ حيث أقامت الأسرة اعتبارا من ذلك التاريخ. # بفضل تحرينا في سجلات الأحوال المدنية وإحصاءات السكان ومختلف الوثائق المحفوظة ~~في أرشيف مديريات الكوت دور، يسعنا التأكيد أن والدي سوزان وأندريه ينتميان إلى نخبة ~~صغيرة محلية، بدأت منذ نصف قرن عملية صعود اجتماعي طالت أجيالا عدة، عن طريق ~~السير بصورة أساسية في طريقين: التعليم والتجارة - وبصورة أخص تجارة المال. # من ناحية الأب، ولد لازار فيكتور بريسو، جد سوزان وأندريه، عام 1843 في موتييه ~~سان جان، لأسرة حجارين نشأت في سانتينيي، في اليون (آل بريسو)، وفي موتييه سان جان ~~(آل بريور)، ربما كانوا يعملون في مقالع الحجارة الكبرى بأنسترود - الواقعة على مسافة ~~متساوية من القريتين - ولكنهم كانوا في بعض فترات السنة يهاجرون إلى باريس للعمل فيها ~~في بناء العمارات، كما تشهد على ذلك مثلا «الجوازات من أجل الداخل» الخاصة بجان بريور ~~(جد لازار فيكتور لأمه) التي تنحصر تواريخها بين 1825 و1834، # 8 # ومع الأيام صار آل بريسو وآل بريور من «الملاك». # 9 # ومن ناحية أخرى، فقد أشير إلى والد لازار فيكتور، فرانسوا أندوش بريسو، ~~الذي كان «حجارا» عند زواجه مع بولين جابرييل لازارين بريزر - المسجل عام 1942 في ~~موتييه سان جان # 10 ~~- بوصفه «متعهد أشغال» في سجل وفاة حماه وعمه بالتصاهر، حيث سجل اسمه ~~شاهدا. وأخيرا، سجلت صفة «ملاك» في عقد زواج ابنه مع ماري آن إيلوييز لورو، يوم ~~4 يونيو 1866، ثم إننا نجده عام 1870 في قائمة الموقعين على النداء من أجل دعم النظام ~~الإمبراطوري، # 11 # في حين أن الحجارين قديما وسواهم من العمال المهاجرين من موتييه سان ~~جان والمعروفين بنزعتهم الجمهورية كانوا قد عارضوا انقلاب عام 1852. # من الممكن أن نلاحظ أثناء قراءة سجلات الأحوال المدنية لأجداد وأجداد أجداد سوزان ~~لوالديها سهولة تواقيع عمال البناء هؤلاء، وهي سهولة تشهد على ممارسة عادية ~~للكتابة (في حين أن النساء ms252 لم يكن يعرفن التوقيع)، وإذا تخلى فرانسوا آندوش ~~بريسو متأخرا عن المثل العليا الديمقراطية الاجتماعية لأقربائه، فقد ظل محافظا ~~على الإيمان الجمهوري بالتعليم عاملا في الارتقاء الاجتماعي؛ ولهذا فقد اهتم بتعليم ~~ابنه الوحيد كي يسمح له بالخلاص من مهن البناء القاسية التي مارسها أجداده منذ ~~ثلاثة أجيال. # وهكذا بعد حصوله على شهادة الكفاءة في أوكسير عام 1862، صار لازار فيكتور معلما ~~مساعدا عام 1863، ثم معلما عام 1865. # 12 # وفي رسالة طلب عمل موجهة إلى مفتش أكاديمية ديجون، غير مؤرخة، ~~لكنها ربما تعود إلى بداية عام 1863، يشير إلى «التضحيات» التي قام بها أبواه لإتمام ~~دراساته. # 13 # سيولد من زواجه بإيلوييز لورو ولدان، ألبير فيليكس آندوش، المولود يوم 13 أغسطس ~~1869 في كورسيل فريموا، حيث سيولد أيضا أخاه، فيكتور هنري جابرييل يوم 19 مايو 1875، ~~وهو «العم هنري» الذي تتكلم عنه سوزان في كتابها. # 14 # عند ولادة سوزان عام 1895، كان لازار فيكتور معلما رسميا في لوزينيي سور أوش منذ ~~سنتين - بعد أن مارس المهنة في عدة قرى أخرى في الكوت دور - وقد أنهى مساره المهني ~~عام 1903، بعد أربعين عاما من الخدمة. استقر آنئذ في روجمون، على حدود اليون، حيث ~~ولدت زوجته - وهي نفسها من أسرة ملاك زراعيين، # 15 # آل لورو-موريل. انتخب لازار فيكتور عمدة مدينة روجمون عام 1908، وبقي حتى ~~عام 1912، # 16 # بعد أن حصل على تصنيف كنيسة روجمون واحدة من الآثار التاريخية. في عام 1910 ~~تلقى وسام الأكاديمية، وكان بين عامي 1911 و1913 أحد أعضاء الجمعية الأثرية ~~والسيرة لمدينة مونتبار؛ # 17 # لقد حقق إذن طموح أبويه إزاءه حين صار من الوجهاء المحليين. توفي ~~لازار فيكتور بريسو بروجمون يوم 31 يناير 1919، وتبعته زوجته، التي توفيت يوم 25 سبتمبر ~~من العام نفسه، ولا شك أن هذا ما يمكنه أن يفسر لماذا لا تتكلم سوزان في كتابها عن ~~جديها لأبيها اللذين عرفتهما مع ذلك، لكنهما لم يكونا على قيد الحياة عندما قامت ~~برحلتها إلى بورجوني عام 1922. # على أنها تتكلم بالمقابل بعطف واحترام عن أخت جدتها «العمة ماريا»، التي ms253 عرفت ~~نفس نوع الارتقاء الاجتماعي الذي عرفه صهرها المعلم، ولكن في إطار التعليم الخاص. ~~لقد رأينا في هامش النص (هامش 93، [فصل معك]) أن ماري فيليبين لورو كانت تدير في سومور ~~آن أوكسوا ميتم فييي، وهي منشأة خيرية علمانية تأسست عام 1880 بفضل إرث شخص يدعى ~~جان فيكتور آدولف دو فييي، لتستقبل «عشرين فتاة فقيرة من مدينة سيمور، يتراوح عمرهن ~~بين سبعة أعوام وواحد وعشرين عاما، ويتلقين تعليما وتربية مناسبين.» # 18 # كان على الطالبات الداخليات أن يتدربن خارج الأوقات المخصصة للتعليم ~~المدرسي على «كل أشغال الخياطة، والغسيل، والمطبخ، والبستنة، والزراعة، وتربية المواشي، ~~بطريقة تجعل منهن اختصاصيات في تدبير المنزل». # 19 # بعد أن دخلت إلى هذه المنشأة بوصفها نائبة مدير عام 1880، حين كانت في ~~الواحدة والثلاثين من عمرها، كلفت ماريا لور بهذه الصفة «بإدارة الأعمال اليدوية ~~للطالبات الداخليات في المشغل والمغسل والملابس » # 20 ~~- قبل أن تسمى مديرة عام 1892 - لكنها لم تكن معلمة فيها قط؛ ~~فالنظام الداخلي كان يقضي في الحقيقة بأن تدرس الطالبات في «المدرسة القروية العلمانية ~~لمدينة سومور»، # 21 # وأنه في حالة استحالة ذلك يمكن أن تفرز معلمة «تحمل شهادة ~~الكفاءة» # 22 # إلى المنشأة - وهو ما حدث بعد ذلك. لا نعلم شيئا عن حياة ماريا لورو قبل ~~وصولها إلى معهد فييي، ولا عن تكوينها الفكري، ومن الممكن أن يقرأ على استمارة ~~ترشيحها للسعفات الأكاديمية # 23 # التي حصلت عليها في يناير 1909 تحت عنوان «الدرجات الجامعية»، إشارة «لا ~~شيء»، وهو ما يمكن أن يدل على أنها لم تكن تحمل شهادة الكفاءة. # 24 # أيا ما كان الأمر، فبعد وفاتها التي وقعت بسيمور يوم 18 نوفمبر 1925، اشتركت ~~صحيفة # Le Réveil de l’Auxois ~~، المحافظة والدينية، ~~وصحيفة # L’Indépendant de l’Auxois et du Morvan # الجمهورية، في تكريم جماعي لهذه المرأة المثالية، حين أبرزت الأولى «المشاعر ~~المسيحية العميقة للآنسة لورو»، # 25 # والثانية «إخلاصها للتربية الشعبية» الموضوع في خدمة مسار مهني «كرس ~~كله للخير العام». # 26 # هل ثمة حاجة للإشارة إلى أن هذا الاعتراف الاجتماعي - إذ جذبت الجنازة ms254 ~~جمهورا كبيرا ضم كل شخصيات المدينة # 27 ~~- ينطوي على مغزى كبير، لا سيما وأنه موجه إلى امرأة وإلى عزباء. من ~~الممكن أن نتصور أن ميزاتها الفكرية والعاطفية وتفانيها في العمل الذي حملت أعباء ~~مسئوليته جعل منها مثالا يحتذى أوحى لسوزان بالرغبة في أن تمارس مهنة التعليم العام ~~النسائي. # أما من ناحية الأم، فإن أسرة سوزان تنحدر من شاتيونيه ومن منطقة بون؛ ولد جدها ~~نقولا بيير فورنييه، وهو السابع من اثني عشر أخا - توفي ثلاثة منهم في عمر مبكر - في ~~10 سبتمبر 1828 بمدينة فولين-لي-تامبلييه، وهو من أسرة حرفيين ريفيين وملاك زراعيين، ~~وكان جده # 28 # وأبوه # 29 # وأحد أعمامه # 30 # صانعي عجلات في غورجي لو شاتو وفي فولين، وكانوا أحيانا يمارسون إلى جانب ~~هذه المهنة مهنة الملاك الزراعيين، بل حتى مهنة الفندقي فيما يتعلق بأبيه خلال ~~سنوات 1836-1838. # 31 # أما أمها، آن جايو، فكانت ابنة مالك مزارع من شامبان، الواقعة على ~~مسافة خمسة عشر كيلومترا من فولين، على تخوم منطقة أوت مارن. # تزوج نقولا بيير فورنييه يوم 4 يوليو 1858 بمدينة بلينيي سور أوش، جولي مادلين ~~شابوي، المولودة يوم 25 مارس 1836 وسط أسرة استقرت منذ عدة أجيال في وادي الأوش. كان ~~والد جولي، أنطوان شابوي، وجدها جان - وهو نفسه ابن معماري - كلاهما نجارين بمدينة ~~بلينيي حيث كانت تتواجد الورشة العائلية. أما أمها، مرجريت جوانيه، فكانت ابنة حارس ~~غابات في فوفي سور أوش. كان لجولي أخت تدعى مرجريت، ستتزوج كاتب محكمة، وستصير ~~تاجرة أقمشة في بلينيي. # عند ولادة سوزان، كان جدها وجدتها، أنطوان شابوي ومرجريت جوانيه «الملاكين في بلينيي ~~سور أوش»، لا يزالان على قيد الحياة. سيتوفى أنطوان شابوي يوم 1 نوفمبر من السنة نفسها، ~~في سن السادسة والثمانين، لكن زوجته ستعيش سنتين أخريين حتى بلوغها سن السابعة ~~والثمانين. بوسعنا أن نتخيل إذن سوزان الصغيرة على ركبتي والدة جدتها التي كانت ~~تعيش وحدها في مسكنها الواقع في 7 شارع الكنيسة. # كان نقولا بيير فورنييه شخصية. # ففي عام 1853، وعلى عقد زواج أخيه ms255 نقولا ليون، صانع عجلات في فولين، أشير إلى نقولا ~~بيير - الذي كان شاهده - بوصفه «عاملا بلا اختصاص». # 32 # بعد خمس سنوات، من الممكن أن نقرأ على وثيقة عقد زواجه أنه «طالب صيدلي ~~مقيم بباريس شارع دروو رقم 15»، # 33 # على أن عقد زواجه يشير مع ذلك إلى أنه يقيم «منذ أيام قلائل في بلينيي سور ~~أوش». # 34 # في عام 1859؛ أي السنة التالية لزواجه، افتتح تجارة «بقال-عطار» في ~~بلينيي، # 35 # وبعد عدة سنوات، في يونيو 1866، التمس وحصل على رخصة مكتبي «مكان السيد ~~مينيون، المستقيل»؛ # 36 # وهكذا جمع إذن إلى مهنة بائع الكتب مهنة الصيدلاني. وفي عام 1886، سجل ~~على القائمة الاسمية لسكان قرية بلينيي، ثم على صك وفاة زوجته يوم 19 يونيو 1892 مهنة ~~الحسم المصرفي، ثم مهنة «المصرفي» إضافة إلى مهنة ~~«التاجر» - الوحيدة المسجلة خلال إحصاء 1876. ~~وأخيرا، واعتبارا من 1894 (صك ولادة حفيدة ماري مادلين فورنييه، يوم 13 مارس، وعقد ~~زواج ابنتها آن مرجريت وألبير بريسو يوم 26 مارس) ستكون مهنة «مصرفي» الوحيدة المشار ~~إليها في الصكوك الرسمية - وخصوصا صك ولادة سوزان، يوم 26 أبريل 1895. # لا نعلم كيف تمكن نقولا بيير من العمل بتجارة المال، نستطيع مع ذلك أن نتخيل أن ~~نشاطاته كبقال وكبائع كتب قادته إلى أن يدين زبائنه، وأن هذا النشاط بوصفه دائنا ~~حضه شيئا فشيئا على فتح مكتب للقطع، مشاركا شخصا يحمل اسم أدولف فيليبير مونيو، ~~وهو مراقب أعمال في قصر آرجيلي؛ هكذا صار مصرفيا بالتدريج دون أن يتخلى بصورة حاسمة ~~عن نشاطاته التجارية، كما يشهد على ذلك تطور «صفاته» المهنية مع الأيام - حتى إحصاء ~~عام 1896؛ حيث ظهرت مهنة «المصرفي» لآخر مرة في وثائقنا. الواقع أن «شركة المصرف ~~التي أنشئت بينه وبين آدولف فيليبير مونيو تحت الاسم التجاري ~~فورنييه-مونيو»، # 37 # قد صفيت في عام 1897؛ وبتاريخ 14 فبراير 1899، أشار سجل واردات الصكوك ~~المدنية العامة في بلينيي سور أوش مرة أخرى «نقل # 38 # ديون» قام به «فورنييه نقولا بيير، ملاك في بلينيي سور أوش، إلى بريسو ~~ألبير، العامل في مهنة الحسم ms256 المصرفي في بلينيي سور أوش». # 39 # وهذا آخر صك رسمي عثرنا فيه على أثر لنقولا بيير فورنييه، رغم الأبحاث ~~المضنية في أرشيف دوائر الكوت دور؛ وليس لدينا خصوصا أية فكرة عن تاريخ ولا مكان ~~وفاته. # 40 # أيا ما كان الأمر، فقد صار «العامل اليدوي» ذو الخمسة والعشرين عاما، وابن أسرة ~~كبيرة من الحرفيين الريفيين والمزارعين، خلال أربعين سنة، وبفضل عقليته المغامرة ~~وموهبته الأكيدة في العمل التجاري؛ «بورجوازيا صالحا» على الصعيد المحلي. ولد له ~~من زواجه بجولي مادلين شابوي ثلاثة أطفال: جوستاف أنطوان إدوار، المولود يوم 17 يونيو ~~1860 في بلينيي، الذي سيرسم كاهنا عام 1833؛ وإدوار ليون شارل، المولود يوم 10 مارس ~~1865، والذي سيصير «صيدلانيا» و«فوتوجرافيا» (لنفهم من ذلك أنه كان يبيع معدات من ~~أجل التصوير الفوتوجرافي) في بلينيي، حيث سيتزوج عام 1892، بعد عدة أشهر من وفاة أمه؛ ~~وأخيرا آن مرجريت، المولودة يوم 17 يونيو 1870، التي ستتزوج ألبير بريسو يوم 26 مارس ~~1894، في لوزينيي سور أوش. # في ذلك الوقت، صار بوسع نقولا بيير - الذي كان عقد زواجه عام 1858 ينص على أن ~~«الزوج» (أي هو نفسه) «يحدد مهرا قدره خمسمائة فرنك، مما وفره.» # 41 ~~- أن يهب ابنته ما قدره 15000 فرنك «من إرثه القادم (...) تدفع عند ~~الاحتفال بالزواج»، # 42 # ينضاف هذا المبلغ إلى «إسهامات المستقبل»؛ جهاز عروس بقيمة 4000 فرنك، ~~وحقوقه في ميراث أمه المقدر ب 7800 فرنك، وملك الرقبة لبيت في بلينيي في الساحة بقيمة ~~10000 فرنك، «يطرح منه دين بقيمة 8333,34 فرنكا، ويبقى منه 1666,66 ~~فرنكا.» # 43 # كانت الهبة التي أعطيت إلى ألبير من قبل أبويه أقل، لكنها مهمة، بما أنه ~~تلقى 10000 فرنك نقدا من إرثه القادم، «تدفع خلال سنة الزواج بمقدار تحقيق ~~الأموال»، وهو مبلغ ينضاف إلى «إسهامات المستقبل»؛ أي «جهاز العروس والمجوهرات» بقيمة ~~2400 فرنك. # 44 # على الصعيد المادي، بدأت حياة ألبير بريسو ومرجريت فورنييه الزوجية إذن في ظل طالع ~~سعيد؛ كان ألبير يمارس آنئذ مهنة المحاسب؛ لا نعلم أين تعلمها، ولا ضمن أي شروط ~~يمارسها، ms257 كل ما نعلمه، بفضل ملف استخدامه العسكري، أنه في عام 1889، تماما قبيل ~~تجنيده، كان «موظف جباية» - وهو ما يسمح لنا أن نتصور أنه كان مكرسا لمهنة موظف ~~صغير، كي يكون مثل أبيه. في سبتمبر 1891؛ أي بعد أقل من عام على تجنيده في فوج المشاة ~~117، سمح له تكوينه كمحاسب أن ينتقل إلى «القسم 23 الخاص بالمستخدمين والعمال ~~العسكريين في الإدارة»، حيث بقي حتى نهاية خدمته العسكرية، يوم 17 سبتمبر 1893، وقد صار ~~له خلالها أصدقاء، بما أن أحد شهود زواجه كان من يدعى «كورمان لويس كليمان جييوم، ~~ضابط إدارة، ومساعد أول في مكاتب الخدمات العسكرية، المقيم بفانسين.» # 45 # عند ولادة سوزان، كان ألبير لا يزال محاسبا، والزوجان الشابان يسكنان لوزينيي سور ~~أوش، حيث يقيم أبوا ألبير. في السنة التالية، وعلى القائمة الاسمية لإحصاء السكان عام ~~1896، سجلت أسماء ألبير ومرجريت وسوزان في بلينيي سور أوش، حيث كانوا يسكنون بيتا يقع ~~في 10 الميدان العام، «الميدان الكبير» بيبلينيي، مع خادمة شابة، بيرت أليس شوفاسو، لها ~~من العمر خمسة عشر عاما. لا بد أنه البيت الذي اعتبر في عداد «الإسهامات القادمة» ~~على عقد زواج ألبير ومرجريت. كان ألبير بريسو في السادسة والعشرين من عمره يمارس آنئذ ~~مهنة «الحسم المصرفي» في بلينيي. # لا نعلم للأسف لماذا ولا كيف انتقل ألبير بريسو من مهنة المحاسب إلى مهنة «الحسم ~~المصرفي»؛ ففي عام 1896 لم يكن نقولا بيير فورنييه قد صفى تجارته في الحسم المصرفي. لا ~~يمكننا في الوضع الحالي لمصادرنا أن نفكر أنه قد تنازل عنها لصهره، # 46 # إلا أنه على ما يبدو قد لعب على كل حال دورا في تحوله المهني. مهما كان ~~الأمر، كان أبوا ماري أندريه حين ولدت يوم 19 أغسطس 1898، في طريقهما ليصيرا مثل ~~جدها «بورجوازيان صالحان»؛ يبقى أن شاهدي صك الولادة - وهما على التتالي خالها إدوار ~~ليون شارل فورنييه، صيدلي، وعمره ثلاثة وثلاثون عاما، وجان ماري مولينييه، كاتب عدل في ~~بلينيي سور أوش، وعمره اثنان وثلاثون عاما - وجيهان شابان في هذه القرية الريفية ms258 ~~التي لا يتجاوز عدد سكانها ألف نسمة، والتي كانت فيها أسرة فورنييه-شابوي محترمة ~~ومعروفة. من الممكن أن نتخيل أن سوزان كانت ضمن هذه الشروط وعمرها ثلاث سنوات تعيش ~~طفولة سعيدة خلية البال، محاطة بحب والديها وجديها. # زمن العذاب # انقلب كل شيء على عقبيه في مارس 1900، حين لم تكن قد تجاوزت الخامسة من عمرها؛ ففي ~~7 مارس، في الواقع، «بموجب حكم صدر بناء على طلب من الدائن، أعلنت محكمة التجارة ~~في بون المدعو بريسو، العامل في مهنة الحسم المصرفي في بلينيي سور أوش، في حالة تصفية ~~قضائية.» # 47 # واعتبارا من اليوم التالي 8 مارس، عند الساعة 9 صباحا، انتقل المصفي ~~المؤقت إلى مسكن أسرة بريسو للقيام بالجرد. استقبل من قبل «السيدة مرجريت ديكنسي، أرملة ~~مورو، امرأة مستخدمة في خدمة المعني بالتصفية»، التي سميت حارسة للأمكنة - ~~«باعتبار أن السيد بريسو وأسرته غادروا بلينيي منذ يوم 5 مارس، وذهبوا للسكن في ~~لوزينيي»، «لدى السيد بريسو، الأب، المعلم في المكان المشار إليه.» # 48 # وكما يجب العمل في مثل هذه الظروف، تم إحصاء كل شيء، من القبو إلى ~~السقيفة: الأثاث، والثياب، وأواني المطبخ، و«القروض المعتبرة صالحة»، و«الأسهم ~~الأصلية»، و«دفاتر الحسابات». تأثر الجميع حين رؤيتهم «مغطس أطفال» # 49 # مهجور في السقيفة. احتج ألبير بريسو في الرسالة التي طلب فيها من ~~المحكمة إعلانه في حالة تصفية قضائية، «بحالته الصحية السيئة » التي لم تكن تسمح له ~~بالاهتمام بأعماله، «وكذلك بالخسائر التي تكبدها.» # 50 # يكشف تقرير المصفي عن «محاسبة سيئة وناقصة»، # 51 # لم تكن تسمح للسيد بريسو أن ينتبه إلى وضعه؛ «فقد كان يعيش ليومه» # 52 # كما يلخص كاتب التقرير، دون أن يهمل الإشارة إلى النمائم التي لا بد منها ~~في القرية، والتي تقول «إن مصاريف الأسرة المختلفة كانت كبيرة.» # 53 # كان الوضع من السوء بحيث لم يكن من الممكن الوصول إلى تسوية تجارية، وهكذا ~~أعلن ألبير بريسو في حالة إفلاس بحكم صدر في 3 يوليو 1900. # كان هناك من بين الدائنين «السيد فيكتور بريسو، المعلم المقيم في لوزينيي»، # 54 ms259 # و«السيدة مرجريت فورنييه، زوجة بريسو»، # 55 # التي قبلت أن تخفض مبلغ قرضها إلى 100 فرنك بدلا من 19000 فرنك التي كان ~~بوسعها أن تضعه دينا على التصفية «لتغطية حصصها والالتزامات التي أبرمتها لحساب السيد ~~بريسو.» # 56 # يستخلص أن مبلغ مهرها بين أشياء أخرى قد ابتلع في هذا الغرق. # كيف صارت سوزان وماري أندريه إثر هذا الخراب الذي دمر أسرتهما، وألقى بالعار على ~~أبيهما، وأدى إلى انفصال أبويهما؟ حقا، لقد أفلتتا من أسوأ صدمة؛ زيارة الدار من ~~قبل المصفي، بما أن أسرتهما لجأت قبل ثلاثة أيام إلى لوزينيي. هل كان هذا ~~الرحيل معدا قبل بعض الوقت أم أنه تم على عجل؟ لا نعلم شيئا عن ذلك، الواقع أن ~~الفتاتين وإن لم تتمكنا من فهم ما كان يحدث على وجه الدقة، فإن ذلك لم يمنعهما من ~~أن تعيشا الاضطراب العائلي، وأن تشعرا بعنف الكلمات وثقل ما لا يقال - ولا سيما ~~بالنسبة إلى الأكبر سنا بين الاثنتين. وليس من المستحيل أن تكون هذه المأساة التي ~~ستقلب كل حياة عائلة بريسو الشابة وراء القلق الدائم وعادة «أخذ كل شيء مأخذ ~~الجد»، اللذين تتحدث عنهما سوزان في كتابها مثلما يفعل مؤنس كلود طه حسين في ~~ذكرياته. # لا نعلم شيئا تقريبا - والحق يقال - عن صيرورة وضع الأسرة بين 1900 و1906، ~~ومعلوماتنا الوحيدة شديدة الدقة، تتعلق بألبير بريسو، ومصدرها ملف التجنيد العسكري؛ ~~ففي أغسطس 1901، انتقل في الحقيقة إلى سان آمان مونترون ، حيث سكن في شارع بور تموتان ~~وصار مرتبطا بمنطقة بورج # 57 # العسكرية. لا نعلم إن كانت مرجريت قد تبعته إلى منفاه. سينتقل على كل حال ~~في الأول من نوفمبر 1903 من سان آرمان إلى روجمون، # 58 # قرية أسرة أمه؛ حيث جاء ولا شك أبواه إليها ليستقرا فيها - بعد أن حصل ~~لازار فيكتور على إجازة لأسباب صحية، من 1 أكتوبر 1903 إلى 30 سبتمبر 1904، قبيل أن ~~يحال على التقاعد بالضبط. تشير القوائم الاسمية لسكان هذه القرية الخاصة بالإحصاءات ~~الجارية بين 1906 و1911 إلى اسم ألبير بريسو المقيم ms260 في 17 شارع جراند، في بيت جده لأمه، ~~سيمون لورو - حيث يسكن أيضا عمه، لويس موريل و... خالته بالمير - وفي عام 1911، بقي ~~وحيدا مع خالته؛ فالجد وصهره كانا قد توفيا على وجه الاحتمال. لن يترك ألبير أبدا ~~روجمون حتى استنفاره وتجنيده في شهر أغسطس 1914، في احتياطي الجيش المحلي. تم التصريح ~~عنه بوصفه «لا مهنة له»، # 59 # ما دام لا يملك الحق بعد إعلان إفلاسه في ممارسة مهنة المحاسبة. # في عام 1906، وبفضل لائحة تعداد سكان روجمون، نعثر على سوزان وأندريه، اللتين تسكنان ~~3 شارع بوتيت دي جويف، عند لازار فيكتور بريسو رب الأسرة، وزوجته إيلوييز ~~لورو. # 60 # هناك غائبة؛ مرجريت فورنييه بريسو التي لم تحص لا مع زوجها، ولا مع ~~حمويها وابنتيها. من الممكن أن نستنتج أنها لا تسكن روجمون؛ نظرا لوجوب إحصاء ~~الأشخاص المقيمين والغائبين مؤقتا. لا شك أنها - وقد أرغمت على أن تكسب معيشتها ~~ومعيشة ابنتيها - ذهبت لتعمل في مدينة كبيرة، هذا إلا إذا كانت قد بدأت ممارسة مهنة ~~«مندوبة تجارية»، المشار إليها في عقد زواج سوزان وطه، بباريس عام 1917. # 61 # بالمقابل، بما أنه لا يجب تسجيل الضيوف العابرين على اللائحة، فإن بوسعنا أن نكون على ~~يقين من أن سوزان وأندريه في تلك الحقبة كانتا تسكنان لدى جديهما بصورة دائمة. هل ~~عهد بهما إليهما غداة إفلاس ألبير، حين لجأت أسرة بريسو إلى بيت لازار فيكتور في ~~لوزينيي، وهل تبعتاهما بعد ذلك حين استقرا في روجمون؟ هل أقامت سوزان، الأكبر سنا ~~من أختها، بصورة عابرة لكن لفترة طويلة نسبيا في منشأة الخالة ماريا بسومور قبل أن ~~تعود إلى بيت جديها لأبيها؟ لا نعلم شيئا عن ذلك. # يبدو على كل حال أنها أعدت شهادة الدراسة الابتدائية بروجمون، والواقع أننا نعثر في ~~ملف المسار المهني لمارسلين مويون، معلم القرية في تلك الحقبة، على رسالة إلى مفتش ~~سومور الابتدائي، يدعو فيها مويون، الذي كان موضع شكوى من قبل بعض أهالي التلامذة، ~~إلى ملاحظة أنه «في عام 1906 كان قد قدم لشهادة الدراسات الابتدائية ms261 تلميذين (...) ~~يحملان اسم بريسو ولورو.» # 62 # دون أن يعطي للأسف الاسمين الأوليين ... وبما أن الطفلين الوحيدين اللذين ~~يحملان اسم بريسو والمقيمين في القرية عام 1906 هما سوزان وأندريه، من الممكن أن نستنتج ~~دون خطر الوقوع في خطأ أن أحد هذين التلميذين المشار إليهما من قبل المعلم هي سوزان، ~~التي كان عمرها آنئذ أحد عشر عاما. # 63 # لكننا نفقد أثرها من جديد؛ إذ لم تعد لا هي ولا أندريه تسكنان عام 1911 لدى ~~جديهما، وليس في ذلك ما يثير العجب؛ لأن الوقت كان قد حان منذ عدة سنوات على الأقل ~~بالنسبة إلى سوزان كي تتابع دراساتها الثانوية. # 64 # بعد البحث في أرشيف ثانوية الفتيات بديجون التي لم تكن فيها تلميذة، ثم لدى ثانويات ~~أوكسير وليون # 65 # التي دمر أرشيفها جزئيا أو كليا؛ انتهينا إلى العثور على سوزان ~~بريسو تلميذة في ثانوية مونبلييه، وهي أول ثانوية للفتيات افتتحت في فرنسا عام 1881؛ ~~أي بعد مضي أقل من عام على التصويت على قانون كامي سي الصادر في 21 ديسمبر ~~1880. # 66 # ويشير دفتر توزيع الجوائز عن سنة 1913 # 67 # في الحقيقة إلى أنها فازت هذه السنة ذاتها بشهادة نهاية الدراسة ~~الثانوية، # 68 # التي حصلت عليها مع درجة جيد، وعلى القسم الأول من البكالوريا، اللغة ~~اللاتينية/اللغات الحية (إنجليزية-إيطالية). # 69 # إنه يشير أيضا إلى أنها حصلت من ثم عند توزيع جوائز الثانوية على جائزة ~~جيمس هايد لحصولها على أعلى علامة في اللغة الإنجليزية في امتحانات شهادة نهاية ~~الدراسات الثانوية. ومن المؤسف أنه من المستحيل معرفة تاريخ بداية تسجيلها في هذه ~~الثانوية؛ إذ إن دفاتر توزيع الجوائز عن سنوات 1911 و1912 ناقصة، كما أن الأجزاء الخاصة ~~بسنوات 1910 وما قبلها لا تشير إلى سوزان. # بالمقابل، يسمح لنا سجل علامات البكالوريا # 70 # بالعثور على أثر مرجريت بريسو، بما أنها هي التي أشير إليها في عمود ~~«اسم المستحقين». هل كانت لها روابط في مدينة مونبلييه؟ وهل عثرت فيها على عمل؟ لا شيء ~~يسمح بتأكيد ذلك؛ إذ لم تكن أم سوزان ms262 تقيم بالضرورة في المدينة التي كانت ابنتها تتابع ~~دراستها فيها، ما دام التلامذة يقيمون من حيث المبدأ في المدرسة. لكن مسألة اختيار ~~مونبلييه في النهاية - التي سيكون لها موقع هام في مستقبل سوزان وطه، والتي ستولد ~~فيها عام 1918 ابنتهما مرجريت (أمينة) - بقيت مطروحة. ويطرح أيضا سؤال يتناول معرفة ~~السبب الذي لم يكن فيه والد سوزان هو من يملك الحق بصددها؛ نعلم في الواقع أنه كان في ~~هذا التاريخ لا يزال حيا، بما أنه استنفر في 2 أغسطس 1914؛ ربما لأنه لم يكن - وقد ~~كان بلا أي عمل - قادرا بكل بساطة على دفع النفقات الدراسية لابنته. # 71 # أيا ما كان الأمر، تسمح لنا هذه القرينة وسواها بالظن أن أبوي سوزان ~~كانا يعيشان منفصلين وإن لم يكونا مطلقين. # بعد مونبلييه وشهادة نهاية الدراسات الثانوية والبكالوريا، نلتقي سوزان في ثانوية ~~فنلون بباريس التي سجلت فيها بين 1 أكتوبر 1913 و31 ديسمبر 1914، في القسم السادس ~~آداب (إنجليزي)، ثم في القسم السادس آ # 72 # من أجل إعداد مسابقة الدخول إلى مدرسة المعلمين العليا بسيفر، وستكون معها ~~خصوصا رفيقتها إيرين فالييه، من منطقة السافوا، المولودة بتاريخ 1 يوليو 1895 ~~بشامبيري # 73 ~~- التي ستكون أحد شهود الزواج ~~بتاريخ 9 أغسطس 1917. # 74 # ولكن في الوقت الذي كانت فيه إيرين لا تزال تلميذة في مدرسة المعلمين ~~بسيفر في أغسطس 1917، وستتقدم لنيل شهادة الأستاذية (الأجريجاسيون) في التاريخ ~~والجغرافيا عام 1921، # 75 # أوقفت سوزان دراساتها - بمبادرة من أمها ولا شك - لتعود إلى مونبلييه ~~عام 1915، كي تكون في مأمن من القصف الألماني. ربما كانت تنوي أن تستعيد بعد زمن من ~~ذلك الدراسة لإعداد المسابقة التي تسمح لها بالوصول إلى درجة الأستاذية في التعليم ~~الثانوي العام للفتيات؛ هكذا كان يمكن لها أن تنجز صعود أسرة بريسو عن طريق التعليم ~~الذي بدأه عام 1863 جدها المعلم، وتابعه اعتبارا من 1896 عمها هنري الذي عين ~~عام 1923 أستاذا مساعدا في ثانوية كارنو بديجون - التي كان لا يزال يشغل فيها منصبه ~~في شهر سبتمبر 1925 حين زواج ms263 أندريه بريسو الذي كان أحد شهوده. # 76 # على أن الله شاء خلاف ذلك؛ إذ جعل من هذه الإقامة في مونبلييه نقطة انطلاق قصة ~~حب كبرى، ستحمل سوزان بعد التردد في البداية على أن تسير بصورة حاسمة في درب مختلف ~~كل الاختلاف، وعلى مغادرة أسرتها وبلادها: # ربما كان الأمر جنونا، لكني كنت قد اخترت حياة رائعة. اخترت! من يدري؟ ~~لقد قالت لي صديقة عزيزة ذات يوم: «لقد كان عليك أن تضطلعي بهذه الرسالة.» ~~وصديقة أخرى تقول لي منذ زمن ليس ببعيد: أتذكرين يا ماري؟ «لقد ملئت حياتك ~~إلى أقصى حد.» نعم، لقد ملئت حياتي إلى أقصى حد. # ثم بعد ذلك، ثناء مؤثر على الرجل الذي أحبته وتقاسمت معه حياته مرفوعة الرأس: # فيما يتعلق بي، كان هناك هذا الشيء الرائع: الفخر واليقين من أنه ليس ثمة ~~ما يدعو للخجل، ومن أنه ليس هناك على الإطلاق أية فكرة مريبة أو بشعة أو ~~منحطة يمكن أن تأتي لتحقر أو لتثلم الكائن الذي أقاسمه حياته. # هل هي إشارة تعرفها هي وحدها إلى ضعف وتهور أبيها، اللذين حملا أمها وكل أسرتها ~~على الخجل فعلا؟ هذا الأب، الذي استعاد شرفه باشتراكه في الحرب على ألمانيا بين أغسطس ~~عام 1914 ومايو 1916، # 77 # سيسرح من الخدمة في 6 مايو 1916 من قبل مجلس الفوج الخاص بسبب ~~السرطان، وسيتوفى بعد عدة أشهر في منزله بروجمون يوم 12 يوليو 1916، بعيدا عن زوجته ~~وابنتيه اللواتي كن يسكن باريس، وكان لازار فيكتور ومعلم القرية هما من صرح ~~بالوفاة. أي حزن هذا البعاد وأي أسف ولا شك في قلب سوزان، حتى إن أمكن الأمل أن تكونا ~~- أختها وهي - قد تمكنتا من حضور إن لم يكن اللحظات الأخيرة فعلى الأقل مأتم أبيهما ~~الذي بات اسمه من الآن فصاعدا منقوشا على النصب التذكاري للموتى بروجمون. ~~«وقد انفعلت أمام عمي هنري نظرا لشبهه بأبي.» أي حنين تنطوي عليه هذه الجملة ~~القصيرة، وهي الإلماح الوحيد والخجول من سوزان إلى أبيها في الكتاب كله؟ ربما أسهم هذا ~~الموت الذي ms264 كان يوقع بصورة نهائية القطيعة مع الطفولة وأرض مولدها، في القرار الذي ~~اتخذته سوزان - التي كانت لها علاقات صعبة مع أمها - بالسير على درب سوف يقودها بعيدا ~~عن أقربائها وعن بلدها. # اللقاء # يوم 12 مايو 1915، حين تم اللقاء بين سوزان بريسو وطه حسين المسجل منذ 7 يناير ~~بوصفه طالبا حرا لنيل الليسانس في التاريخ والجغرافيا في كلية الآداب ~~بمونبلييه، # 78 # كانت قد بلغت من العمر عشرين عاما؛ كان أبوها مع فوجه في منطقة ~~«الفوج # Vosges ~~»، وكان ابن خالها جوستاف فورنييه - ~~خالها الصيدلي في بلينيي - قد أرسل لتوه إلى الجبهة بناء على طلبه، وقد سقط يوم 6 ~~يونيو «قتيلا في ميدان الشرف» بالقرب من نوتر دام دو لوريت. # 79 # كان سيبلغ من العمر عشرين عاما يوم 24 أغسطس. # بعيدا عن طوفان «الحديد والنار والفولاذ والدم»، # 80 # وفي واحدة من تلك اللحظات الخاطفة الهاربة من مجرى التاريخ المأساوي، «بين ~~الساعة 6 والساعة 7 مساء وبين عاصفتين»، # 81 # حدثت المعجزة؛ وككل المعجزات، تنبثق برصانة من بين شئون الحياة اليومية: ~~«لم يكن ثمة شيء في ذلك اليوم ينبئني بأن مصيري كان يتقرر، ولم يكن بوسع أمي التي ~~كانت بصحبتي أن تتصور أمرا مماثلا.» فتاة فرنسية، متعلمة وقليلة الثروة، بحاجة إلى ~~أن تكسب القليل من المال، اقترحت أن تكون قارئة لطالب شاب أجنبي أعمى، كان قد وضع ~~لهذا الغرض إعلانا صغيرا في صحيفة محلية. حين قص هذه المحادثة الأولى، عزا طه ~~خجل الفتاة إلى أنه كان أجنبيا، وأشار إلى التحفظ الذي طبع أحاديثهما كليهما: «كنت ~~أول أجنبي تلتقيه هذه الفتاة، وكانت أول فتاة تزورني. كان من الطبيعي إذن ألا تجري ~~محادثتنا مجرى سهلا.» # 82 # أما سوزان فقد شددت من ناحيتها على عمى طه، كي تشرح ارتباكها: «وكنت على شيء من ~~الحيرة؛ إذ لم يسبق لي في حياتي أن كلمت أعمى.» دفعة واحدة وضعت إذن العمى في قلب ~~علاقتهما، والواقع أنه لو لم يكن أعمى، بل أجنبيا فقط، لما كان بحاجة إلى قارئة ... ~~ومع ذلك، ولأنه ms265 أجنبي ولأنه لم يستكمل المناهج الدراسية التي يستكملها عادة طالب ~~فرنسي وصل إلى كلية الآداب، ستقوم عما قريب بدور يتجاوز مجرد دور القارئة؛ فمن قبل ~~في مونبلييه، كانت القراءات اليومية متبوعة بمناقشات تطلعه خلالها سوزان على الأدب ~~الفرنسي الذي جعلته «يتذوق جماله». # 83 # أخذ دور الوصية هذا في الاتساع حين سيلتقيان بباريس، ويتكلم طه عنها ~~بوصفها «أستاذته»: «كانت صديقتي أستاذتي، فأنا مدين لها أن تعلمت الفرنسية، وأن ~~عمقت معرفتي بالأدب الفرنسي، وأنا مدين لها أن تعلمت اللاتينية ونجحت في نيل إجازة ~~الآداب، وأنا مدين لها أخيرا أن تعلمت اليونانية واستطعت أن أقرأ أفلاطون في ~~نصوصه الأصلية.» # 84 # حققت سوزان إذن وبمقدرة مع ما اتسمت به من طبع جاد إزاء تلميذ وحيد - ~~وأي تلميذ - الرغبة التي كانت رغبتها الأساس في أن تكون أستاذة آداب: # 85 ~~«مضت شهور على هذا النحو، كانت خلالها علاقاتنا علاقات تلميذ نحو ~~أستاذته، وصديق نحو صديقته.» # 86 # حين استحوذ صوت «أستاذته» العذب نهائيا على الشاب طه، وبعد تفكير عميق قررت ~~سوزان أن تستجيب لحبه - وحول هذه النقطة لا يسعنا إلا أن نتساءل عن المعنى المعطى ~~لكلمة ميشليه المذكورة في كتابه: «الحب الإرادي، أرقى تعبير عن الحنان البشري» - وسيمتد ~~دورها كمعلمة إلى كل نواحي الحياة العاطفية والاجتماعية لخطيبها الذي أخرجته من ~~عزلته، فألغت «في رفق وفي جهد متصل أيضا ما كان مضروبا بينه وبين الحياة والأحياء ~~والأشياء من الحجب والأستار!» # 87 # الذكريات # تستدعي ذكريات سوزان طه حسين إذن حياتها مع من كان خلاصة «الشيخ والدكتور»، # 88 # وقد اتخذت شكل رحلة بحث عن أقل آثار الحبيب الذي رحل الآن كي تتجنب ~~غيابه. هذه الرحلة في الفضاء تقودها من آخر أماكن سياحتهما في إيطاليا حتى عودتهما إلى ~~رامتان، البيت الذي رسمت مخططاته، وصممت عمارته الداخلية، وزخرفت على تعاقب الفصول ~~حديقته الواسعة. رامتان الذي يعني كما تشير إلى ذلك مأويين، أو خيمتين، أو ~~ملجأين ، كان مأواهما خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، الذي يقع في شارع صغير ~~متعامد مع شارع الهرم بالقاهرة. ms266 وهي بالقدر نفسه رحلة في الزمان منذ لقائهما الأول يوم ~~12 مايو 1915 بمونبلييه، حتى هذا اليوم الحاسم 28 أكتوبر 1973، ومنذ محنة الحداد؛ أي ~~الحضور الغائب. مهد لهذه الرحلة في الزمان منذ بداية النص بجملة تتعاقب فيها أربع ~~علامات زمنية: «اليوم، التاسع من يوليو 1975؛ أي بعد مضي ثمانية وخمسين عاما على ~~اليوم الذي وحدنا فيه حياتينا، وبعد مضي ما يقرب من العامين على رحيلك عني، ~~سأحاول أن أتحدث عنك ما دام قد طلب إلي ذلك. أولئك الذين يعرفون حياتك ~~العامة، ويعرفون عن حياتك عالما وكاتبا أكثر مما أعرف عنها أنا نفسي، كتبوا ~~وسيكتبون مؤلفات جميلة وعميقة عنك. أما أنا، فإنني أريد بكل بساطة أن أخلد للذكرى.» ~~أما جوهر هذه الذكريات فيتعلق بالحياة «مع» طه حسين كما يشير العنوان، ومع ذلك فوراء ~~«معك» هناك باستمرار «ليس بدونك». # لا تتكلم سوزان تقريبا عن أسرتها ولا عن فرنسا، وتتكلم القليل جدا أيضا عن نفسها، ~~ومع ذلك ثمة بعض الإشارات بمناسبة ملاحظة أو نادرة. نحزر طبعا يشبه طبع طه حسين، ~~عنيدا ومستقيما: ««إنك تبحرين!» هكذا كان يقاطعني، حتى أيامه الأخيرة، بحنان كلما ~~احتدمت - «وهذا ما كان يحدث لي غالبا» - خلال مناقشة أو ثورة أو حماسة.» وتشير، ~~ونادرا ما تفعل (وبإيجاز)، إلى دلالها وهي تروي حفلة تيبالدي الموسيقية ذات أمسية ~~صيفية بفلورنسا، حين ذهب الزوجان لحضور اللقاءات التي نظمها لابيرا: «وكنت ألبس ثوبا ~~يلائمني تماما.» ونظن بوجود علاقة صعبة مع أمها التي تذكرها عشر مرات في النص من باب ~~النوادر، لكنها في المرة الأخيرة عند وفاتها تدلي بالاعتراف التالي، وهي تذكر ~~بالحب المتبادل الذي كان يجمعهما: «لم تكن تفهمني دوما، وقد تألمت من ذلك أحيانا. ~~وكان يحدث لي أن يراني طه حين يعود إلى البيت مقلوبة رأسا على عقب، فيقول لي: هل ~~تلقيت رسالة من أمك؟» ونلاحظ علاقة كانت تنطوي على بعض التباعد (وكانت مصدر عار ~~عند أزمة السويس عام 1956) مع فرنسا التي تذكرها بها بعض المناسبات النادرة بطريقة ~~حادة: «كنت أعود إلى فرنسا فتغمرني ms267 مشاعر كئيبة»، «وما زلت أحلم بسيمور التي لن ~~أراها أبدا»، «زرنا بيت الدين (...) عندما وجدتني فجأة أمام هذه الأشجار، مأخوذة برائحة ~~أوراقها، كررت ما فعلت أمام أشجار الليلك في حلب؛ بكيت وتمثلت حديقة اللوكسمبورج ~~أمام عيني وفي قلبي، فقد كانت باريس تحت نير الاحتلال.» ونرى التأثر نفسه يوم ~~احتلال باريس عام 1940، ويوم اللقاء مع البابا بيوس الثاني عشر. يغيب الحنين إذن عن هذه ~~السطور، حتى ولو اعترفت سوزان: «لم أكن دوما سعيدة في مصر، بل ما أكثر ما تألمت ~~فيها!» # لا بد من قبل أن نسجل جودة كتابة هذه الذكريات: أسلوب مرهف، وحب للغة، واهتمام ~~بالدقة في اختيار المفردات، مع حس شاعري حقيقي بين الوقت والآخر؛ كل الميزات المدينة ~~إلى حياة قضتها في بيئة ثقافية بقدر ما هي مدينة إلى حياتها كقارئة كبيرة، التي يشهد ~~عليها كل الذين تحدثوا عن شخصيتها. لنستمع إلى هذه السطور الأخيرة: «يعز علي ~~دوما هجران طريق ما. كنت أود لو أن الطرق لا تنتهي، وما أشد ما يحزنني ترك قطار أو ~~مغادرة سيارة!» # النهضة # يتجذر قاع هذه الذكريات في نهضة مصر الحديثة التي تعود إلى محمد علي، ثم إلى ابنه ~~إسماعيل في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ كانا أول من أرسلا المبعوثين المصريين ~~للدراسة في فرنسا. وكانت لإقامة الطهطاوي (1801-1873) - مثلما كانت بعد سنوات من ذلك ~~لإقامة العفراني ومحمد عبده ولطفي السيد ثم طه حسين من أجل الدراسة في أوروبا - أثر ~~المرآة الذي سيؤدي إلى الوعي المؤلم، خصوصا في حالة طه حسين بالوضع الاجتماعي ~~والسياسي والثقافي في وطنهم. ومن جملة آخرين، كان هذا الأخير يعمل من خلال رؤية ~~ليبرالية على التوفيق بين الحضارة الحديثة على الطريقة الأوروبية والماضي العربي - ~~الإسلامي والتراث الفني القديم لمصر القديمة. كانت أدواته إعادة قراءة التراث، وأعمال ~~هامة في الترجمة من الإغريق إلى المحدثين، واعتماد العقل النقدي منهجا في التفكير، وفي ~~ذلك إنما ذهب جيل طه حسين أبعد مما ذهب إليه الجيل السابق في التوفيق بين المحافظة ~~والتجديد، بين القديم ms268 والحديث، وإعادة اكتشاف الأدب القديم والاتصال مع الآداب الغربية. ~~وقامت مهاترات عنيفة بين عدة معلمين كبار من الجيلين، وكانت الصحف والمجلات ضمن هذا ~~الظرف أدوات النقل المفضلة لنمو هذا الفكر وهذه السجالات، العنيفة غالبا، التي ~~تصاحبه؛ فقد ارتفع عدد النسخ المطبوعة من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية من عدة ~~مئات أو آلاف قبل الحرب العالمية الأولى، إلى أكثر من 10000 نسخة بعد الحرب. # 89 # وشهدت تلك الحقبة ولادة المثقف العلماني بوصفه شخصية عامة في مقابل ~~شخصية المثقف الديني (الشيخ)، وكان إنشاء جامعة فؤاد في مايو 1925 اعترافا رسميا ~~بهذه الأنتليجنسيا. «كانت السجالات الكثيفة والمناقشات الحماسية في هذه المرحلة ~~استمرارا لتلك التي كانت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حول إصلاح الدولة، ~~والتغريب، وأصول الأمة، وتكييف الإسلام مع الحداثة في ظرف سياسي مضطرب.» # 90 # ومن الطبيعي أن قضية الاستقلال كانت موجودة في الخلفية كما سيقول فيما ~~بعد طه حسين: «كانت الأمة تستعيد وعيها بنفسها.» # 91 # تذكر سوزان في «معك» الوفد المصري إلى فرساي عام 1919، وكذلك أيضا مغامرة الأحرار ~~الدستوريين الذين قادوا التجربة الليبرالية اعتبارا من 1923، والذين أرادوا دستورا ~~وإصلاحات قبل الاستقلال، على العكس من الوفد. تتحدث أيضا عن حكومة صدقي المحافظة ~~التي سرحت في عام 1932 طه حسين من وظيفته كأستاذ في الجامعة. في مقال يقدم ~~تقريرا عن هذه المرحلة، يلح هذا الأخير على دور الصحافة التي كانت تستخدم «لغة ~~قاطعة، ولاذعة، وقادرة على تحطيم الخصم»: # 92 ~~«كانت للأحزاب السياسية إلى جانب صحيفتها اليومية في المعركة مجلتها ~~الأدبية الأسبوعية، وفيها كانت فئة من المثقفين النشيطة والمختصين تتناول مختلف ~~الموضوعات الأدبية وكبرى مشكلات الثقافة؛ وبذلك أسهمت على نحو واسع في تكوين نخبة من ~~القراء قادرين على متابعة حركة الأفكار.» # 93 # وأخيرا، هناك المرور المتأخر بوزارة المعارف التي بقي فيها سنتين ~~كاملتين (12 يناير 1950-27 يناير 1952)، وكان مروره فرصة من أجل تطبيق البرنامج الذي ~~أعده في «مستقبل الثقافة في مصر»، ولا سيما تقرير مجانية التعليم الثانوي. # أزمة كتاب «في الشعر الجاهلي» # في هذا ms269 الظرف فيما بين الحربين اللتين اختلط فيهما القلق والتجديد، إنما طرأ حدث كبير ~~في حياة طه حسين؛ أزمة كتاب «في الشعر الجاهلي». تتحدث عنه سوزان على هذا النحو: ~~«فالضجة التي اقترنت بهذا الكتاب، وثورة الجهل والتعصب التي أعقبت صدوره نعرفها ~~جميعا، أما ما لا نعرفه فهو ما كانته هذه المحنة في نظر زوجي الذي كانت رزانته ~~الثابتة تمنعه من الشكوى. لقد بدأ كتابة هذا الكتاب في يناير 1926، وأنجزه في مارس من ~~العام نفسه.» # ما المشكلة؟ كان طه حسين خلال الحقبة التي انفجرت فيها الوقائع أستاذا في جامعة ~~الدولة فؤاد الأول التي أنشئت عام 1925. أثرت عليه أزمتان حديثتا العهد: ~~إحداهما مباشرة والأخرى بفعل واحد من المقربين إليه. تتعلق الحلقة الأولى العاصفة ~~بمشاركته في صحيفة السياسة المرتبطة بحزب الأحرار الدستوريين، التي كان يديرها محمد ~~حسين هيكل. كان النقد العنيف الذي كانت توجهه هذه المجلة، وخصوصا نقد طه حسين ضد ~~حكومة الوفد، قد أدى إلى منع الأعداد الصادرة يومي 10 و12 يناير 1924. بقي طه حسين ~~خلال استجوابه صامتا، ثم طويت القضية وحفظت، بعد سنة من ذلك، نشر صديقه علي عبد ~~الرازق «الإسلام وأصول الحكم»؛ نادى المؤلف بفصل السياسة عن الدين، وطرح مسألة الخلافة. ~~كان الشجار عنيفا؛ عزل عبد الرازق من وظيفة القاضي في المحكمة الشرعية، وطرد وزير ~~العدل بأمر من الملك، وتكفي بعض السطور في مقال كتبه طه حسين لفهم عنف الجدال وأسلوب ~~الكاتب اللاذع: «اجتمع ناس من الأزهر على هذا الرجل وأبعدوه من صفوفهم، لكن الأزهر شيء ~~والدين شيء آخر ... تعالوا إذن، لنناقش ولنضحك من هذه الحكاية الساخرة.» # 94 # كانت المعركة الأولى قد خيضت إذن حول كتاب في الشريعة الإسلامية بين ~~«العلمانيين» أو «المحدثين» و«المشايخ» أو دعاة إسلام يبقي أساس المجتمع على قاع من ~~قضايا الانتماء والوطنية، والمواجهة مع الفكر الأوروبي والفرنسي منه خصوصا. # في ذلك الوقت نشر طه حسين في شهر مايو ~~1926 كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي استخدم فيه النقد التاريخي كي يشكك في أصالة ~~هذا الشعر. «ولد الجدل من ms270 حقيقة أن قصائد القرن الخامس الميلادي كانت قد لعبت حسب ~~الموروثات دورا هاما في ازدهار اللغة العربية، وعبر هذه القصائد إنما تكونت ~~لتصير لغة الوحي. كانت هذه القصائد تنطوي تقليديا إذن على طابع مقدس جاء النقد ~~يشكك فيه مع خطر امتداده إلى القرآن والحديث.» # 95 # ما أثار الاستنكار إذن كان المنهج بقدر إن لم يكن أكثر من المحتوى، وما ~~حمل على الخشية من تطورات أشد تدميرا تنال القرآن نفسه. لقد أعلن طه حسين بوضوح ~~مقاصده وهو يشرح أن المنهج التاريخي النقدي هو «هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت ~~للبحث عن حقائق الأشياء.» # 96 # ويتابع على هذا النحو: «فلنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا ~~العربي القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء، ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا ~~أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة الثقيلة التي ~~تأخذ أيدينا وأرجلنا ورءوسنا، فتحول بيننا وبين الحركة الجسيمة الحرة، وتحول بيننا وبين ~~الحركة العقلية الحرة أيضا.» # 97 # وهو يشير أيضا إلى أن «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، ~~وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي ~~لإثبات وجودهما التاريخي.» # 98 # أمام احتجاجات الأزهر العنيفة قرر أحمد لطفي السيد، عميد جامعة فؤاد ~~الأول، حجز كافة نسخ الكتاب، لكن ذلك لم يخفف من غلواء العلماء (وقسم من الوفد) ~~الذين طالبوا برفع القضية أمام العدالة، وانتشرت تهديدات بالقتل، وبناء على نصائح ~~الجامعة، ذهب طه حسين إلى فرنسا، وبقي فيها حتى يناير 1927. وأخيرا طويت القضية ~~وحفظت بعد مداولات كثيرة، ولا سيما في البرلمان، لكنها لم تطو نهائيا بما أنها ~~ستلاحقه بعد سنوات عدة حين عزل من وظيفته كعميد بأمر من رئيس الوزراء صدقي. كانت ~~نهاية هذه القصة على غير انتظار بعض الشيء؛ فطوال نفيه في فرنسا الذي دام تسعة أشهر، ~~أملى طه حسين دفعة واحدة مبدعه الأهم الذي سيطبع نهائيا الآداب العربية - الجزء ~~الأول من ثلاثة أجزاء كتاب الأيام الذي تشير سوزان طه حسين إلى ms271 أنه أملي خلال تسعة ~~أيام. # 99 # مصر الفرنكوفونية # تذكر هذه الصفحات أيضا إلى أي حد كان قسم كامل من الأنتليجنسيا المصرية ~~فرنكوفونيا ومحبا لفرنسا، وهي قصة تعود على الأقل إلى نتائج الحملة المصرية وإرسال ~~المبعوثين إلى فرنسا. كانت باريس كذلك ملجأ لمحمد عبده (1849-1905) الذي خيم ظله ~~بقوة على التكوين الأزهري لطه حسين. كان تلميذا للأفغاني، وكان قد نفي عام 1882 ~~إثر فشل ثورة عرابي والاحتلال الإنجليزي؛ بعد أن أقام في لبنان، انتقل إلى باريس حيث ~~نشر مع الأفغاني صحيفة كانا يدعوان فيها إلى تجديد الإسلام، وإلى التوفيق بين الإسلام ~~والعالم الحديث. يتحدث محمد حسين هيكل، الذي جرى الحديث عنه عدة مرات في هذه الصفحات، ~~والذي كان بوجه خاص وزير المعارف، بهذه المفردات عن السنوات التي قضاها بباريس من 1909 ~~إلى 1912: «رغم أن اللغة الأولى التي تعلمتها كانت الإنجليزية، وأنني دنوت من ~~اللغة الفرنسية متأخرا، فقد وجدت سهولة أكبر في التعبير بهذه اللغة الأخيرة، بفضل ~~صلات القربى التي تربط شعوب حوض المتوسط كافة.» # 100 # ويتحدث طه حسين نفسه في سلسلة من المقالات المنشورة في مجلة «السفور»، ~~خلال عودته الإجبارية إلى مصر عام 1915 بين إقامته بمونبلييه (التي تعرف فيها على ~~سوزان) ودراساته بباريس، عن حنينه إلى فرنسا والحياة الفكرية التي كان يعيشها آنئذ ... ~~وعن «الصوت العذب» الذي التقاه؛ هذه الرابطة المفضلة مع فرنسا ومع الثقافة المتوسطية ~~في جانبها الغربي ستؤخذ عليه من قبل خصومه الذين اعتبروه - سواء في القصر وفي أمكنة ~~أخرى - شديد الحرية وشديد الاستقلال. ومن المثير أن نلاحظ لدى الجانب الفرنسي وجود ~~الحذر الشديد نحوه أيضا. # 101 # أما الحركة المعاكسة؛ أي جاذبية مصر في نظر الفرنسيين، فلا تقل قوة. من سليمان باشا، ~~الكولونيل السابق في الجيش الإمبراطوري الذي اعتنق الإسلام (الكولونيل سيف سابقا)، ~~والذي جاء مع حملة بونابرت، إلى الطبيب أنطوان كلوت (كلوت بيك) الذي أقام في مصر من ~~1825 إلى 1849، وأنشأ بوجه خاص مستشفى ومدرسة للطب، ثم مدرسة للقابلات عام 1836، ~~وإلى المهندسين لينان دو بلفون أو بريس ms272 دافين، دون نسيان الرحالة مثل الأكاديمي جان ~~جاك آمبير وكزافييه مارمييه والسان سيمونيين الذين جاء بهم شارل لامبير، هناك العديد من ~~الفرنسيين الذين رافقوا مشروع التحديث الخاص بمحمد علي الذي سمح خصوصا بإرسال أول ~~بعثة مدرسية مصرية إلى باريس عام 1826. بعد فترة انقطاع قصيرة في منتصف القرن، شغل ~~فرنسيون من جديد وظائف هامة في الإدارة وفي المدارس كمدرسة الطب ومدرسة الحقوق ودار ~~المعلمين، وكانوا في أصل مشروع بناء قناة السويس، وشاركوا في مشروعات البناء الكبرى ~~سواء في القاهرة أو في الإسكندرية. بالإضافة إلى ذلك، أنشأ أوجست مارييت دائرة الآثار ~~المصرية ومتحف بولاق الذي صار مديره عام 1858 (وخلفه جاستون ماسبيرو عام 1881). في عام ~~1908، كانت المدارس التي يشرف عليها رجال الدين الكاثوليكيون ويتم التعليم فيها ~~باللغة الفرنسية «تضم 25000 تلميذ؛ أي سدس عدد التلامذة المسجلين في مدارس مصر، دون ~~الأخذ بعين الاعتبار 2500 تلميذ مسجل في مدارس غير فرنسية، مثل الأليانس اليهودي الذي ~~كان التعليم فيه بالفرنسية. واعتبارا من عام 1909، انضافت إلى كل ذلك ثانويات ممتازة ~~تابعة للبعثة العلمانية الفرنسية بالقاهرة وبالإسكندرية وببورسعيد.» # 102 # كان هناك العديد من النساء اللواتي انخرطن في هذه المغامرة؛ تذكر سوزان منهن أربعا ~~على الأقل: جان فرنسيس إحدى أعز صديقاتها، ولويز ماجوريل (زوجة واصف غالي باشا)، ~~وإميليين هكتور (زوجة محمود خليل)، ولوريت جبرا. كن مثلها قد اخترن مصر «وطنا ~~ثانيا». لم يكن خيار سوزان هذا إذن فريدا، ولكن ما أكثر ما كان جسورا! فالملاحظات من ~~حولها كانت واضحة حول هذه النقطة: «كيف؟ أجنبية، وأعمى، وأكثر من هذا وذاك مسلم! أنت ~~مجنونة تماما!» لنتخيل فتاة بورجونية تتواجد في قلب بلد مجهول، ولغة لم تمتلك ناصيتها ~~إلا لحاجات الحياة اليومية. لكنه كان طه حسين! لكنها كانت سوزان بريسو! # العمى # يحتل «ألم العمى الكبير» - لكي نستعيد تعبير بيير فييي - مكانة مركزية في حياة ~~وكتابات طه حسين الخاصة بسيرة حياته. ألم «لا يحايث قلب الأعمى»، كما يعبر عن ذلك ~~فييي بصورة جيدة؛ لأن «الحرمان من إحساس ما ليس هو ما ms273 يؤلمه» - لا سيما حين يكون الأمر ~~متعلقا بأعمى منذ الطفولة - «بل الدونية التي يضعه فيها إزاء الآخرين.» # 103 # والواقع أنه إذا كانت عاهة طه حسين بالنسبة إليه هي هذا العذاب، # 104 # وحتى لقائه بسوزان، مصدر هذا القلق، فلأن ذلك يعود بصورة أساسية إلى الشعور ~~بالدونية والإزعاج اللذين كان يحسهما في المجتمع - إلى الدرجة التي تبنى فيها كلمة ~~أبي العلاء المعري الرهيبة: «العمى عورة.» # 105 # ولأنه احتل مكانة مركزية في حياة طه، وفي حياتهما كزوجين، كان العمى أيضا سيمة ~~جوهرية في كتاب سوزان، كما يوحي بذلك من ثم الاستشهادان المقتطفان من أشعيا ومن ~~نزار قباني الموضوعين في مقدمة الكتاب. وإذا كانت سوزان مثلما كتب طه حسين بصورة ~~رائعة في الرسالة المؤثرة التي وجهها لابنته، والتي ختم بها الجزء الأول من ~~«كتاب الأيام»؛ هي الملاك الذي «حنا (...) على أبيك فبدله من البؤس نعيما، ومن اليأس ~~أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة وصفوا»، # 106 # فإننا نشعر تماما أن هذه المرأة القلقة على الدوام عاشت بصورة ~~مأساوية عائق زوجها؛ كانت تتخيله عفويا «الضائع في ليله»، ويصيبها الهلع حين ~~يتوجب عليها تركه لوحده، وحين يضطران - بصورة استثنائية ونادرة - إلى الانفصال مدة ~~طويلة وتخشى فكرة ترك طه «لعناية أصدقاء لا شك في إخلاصهم، لكنهم لا يعرفون قط كيف ~~يجب القيام بها.» صحيح أن طه لم يكن يطمئنها صراحة حين يكتب لها حين ابتعدت عنه فترة ~~قصيرة: «بدونك أشعر أني أعمى حقا، أما وأنا معك فإنني أتوصل إلى الشعور بكل شيء، ~~وإلى أن أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي.» # ولكن في الوقت الذي يأسف فيه طه على غياب حبيبته؛ لأنه عاشق قبل كل شيء - في الخامسة ~~والستين من عمره مثلما كان في الثالثة والثلاثين - ولأن حضور سوزان وحده يمكن أن يعيد ~~«إلى الأيام والأسابيع ألوانها الضائعة»، # 107 # فإن سوزان التي كانت لديها صورة شديدة السواد عن العمى، وفكرة سلبية على ~~نحو مدهش عما يمكن أن يفعل أو ألا يفعل أعمى في الحياة اليومية؛ # 108 # تتخيله بلا ms274 هوادة متعثرا وعاجزا عن تدبير أموره دونها - وهو ما كان ~~يقلقها ويشعرها بالذنب. وحين تريد بالمقابل أن تبرز التفوق الفكري لطه، فإنها ~~تلح أيضا على عاهته كي تؤكد الطابع الاستثنائي لنجاحاته: «كلما فكرت بها ~~عاودتني الدهشة من أن امرأ يشكو كف البصر وقلة الاستعداد في الثقافة الغربية ~~استطاع في أقل من أربع سنوات أن يحصل إجازة ودبلوما في الدراسات العليا، وأن ينجز ~~رسالة دكتوراه.» تستحق هذه الكلمات كما يبدو لنا ملاحظتين: من جهة، في الوقت الذي ~~تعبر فيه سوزان بلا مواربة عن أنها لا غنى عنها لطه في الحياة اليومية، فإنها تمحي ~~هنا كليا ساكتة عن الجزء الهام الذي يعود لها في نجاحات طه الجامعية خلال إقامته في ~~فرنسا؛ # 109 # ذلك لأنهم لا يستطيعون الوصول مباشرة إلى الوثائق، يمكن اعتبار الأشخاص ~~العميان المنخرطين في الحياة الدراسية معاقين فعليا، ومن هنا - إذ لم تكن تتواجد في ~~تلك الحقبة الوسائل التقنية التعويضية: آلات التسجيل، آلات القراءة، المعدات ~~المعلوماتية الملائمة - الأهمية الكبرى للمساعدات الإنسانية: قراء أو إعادة كتابة ~~بالحروف النافرة (برايل)، من المتطوعين أو غير المتطوعين. ومن جهة أخرى، من الممكن أن ~~نتفاجأ من طريقتها في الإلحاح على عاهة طه حسين في هذه الحالة على وجه الدقة، مثلما ~~يفعل شخص غير معتاد، على استعداد دوما للدهشة من نجاح أعمى في مجال لم يكن متوقعا ~~فيه نجاحه. الواقع أن ما يدهش في الطريقة التي تتحدث بها سوزان عن العمى، أنها ~~احتفظت كما يبدو بعد ستين عاما من حياتها المشتركة مع أعمى بالصور وبالدهشة التي ~~كانت لها حين التقت طه للمرة الأولى: «كنت على شيء من الحيرة؛ إذ لم يسبق لي في ~~حياتي أن كلمت أعمى.» # حول هذه النقطة لا يمكننا أن نحول دوننا ودون طرح السؤال كي نعرف لماذا لم تعمل ~~هذه المرأة الشديدة الذكاء والثقافة على أن تعلم أكثر عن العمى بقراءتها مثلا ~~لمؤلفات بيير فييي، # 110 # الأعمى والجامعي مثل طه، التي كانت مقروءة فيما وراء عالم مكفوفي البصر ~~وجمعيات المكفوفين - بفعل شهرة ms275 فييي في العالم الجامعي في فرنسا وفي سواها من البلدان ~~الأخرى، ونظرا لعلاقاته في أوساط السلطة. # 111 # ربما كانت تقدر أن تجربتها اليومية مع أعمى استثنائي ستعلمها أكثر ~~بكثير مما يمكنها أن تجده في الكتب، وربما لم تكن علاقتها الزوجية الوثيقة التي كانت ~~لها مع طه تترك لها مجالا لاستقبال تجربة الآخرين في ميدان مرهف كعلاقتها مع عمى ~~زوجها، أو ربما لأنها لم تسمع على الإطلاق عن هذا الأدب. لم تكن تنتظر «وصفات» من ~~قراءاتها على وجه اليقين؛ لأنها عرفت بصورة رائعة وهي تمتح من ينابيع قلبها وذكائها ~~أن تقيم «هذا الجو من الأمان الدافئ» الذي كان طه يحتاج إليه كي يضمد جراح عاهته، وأن ~~تجعل من بيتهما مركز حياة اجتماعية شديدة الثراء والغزارة. ومع ذلك، فقد كان بوسعها أن ~~تساعده على الإجابة عن أسئلته الخاصة به حول العمى، وأن تجعله أكثر إشراقا مما سمحت ~~به رؤية طه المتشائمة حول عاهته الخاصة به. # ومع ذلك، إذا كانت نظرة البعض تتركز على الدعم المستمر الذي كانت تقدمه سوزان ~~لزوجها الأعمى في الحياة اليومية: «لم تكن تتركه هنيهة واحدة؛ كانت عصاه البيضاء، كانت ~~قديسة حقيقية.» # 112 # في حين كان البعض الآخر أكثر رهافة قد فهم دورها الحقيقي: «كان توفيق ~~وفريد عصاه البيضاء، أما سوزان فقد كانت نوره.» # 113 # لكن سوزان من ناحيتها تعود مرات عديدة إلى الحياة التي كانت بصحبة طه ثرية ~~وخصبة: «نعم، لقد ملئت حياتي إلى أقصى حد»، «كنت أشعر بقوة لا توصف بكمال ~~النعمة التي أغدقت علي، أنا التي وجدتك على طريقي.» وثناء أسمى على القوة الروحية ~~الداخلية لذلك الذي تقدمه لنا في مكان آخر على هذا القدر من التبعية: «كنت صلابتي، ~~كنت تحميني، وها أنا ذي بلا دفاع!» هكذا، هذا الرجل المجروح بعاهته، فريسة «النوبات ~~السوداء المخيفة» - دون الحديث عن الأمراض التي أصابته في شيخوخته - «عندما غدا هذا ~~الرجل بلا عينين رجلا شبه مقعد». وكان «الصخرة» التي كانت تستند إليها هذه المرأة التي ~~يصفها أقرباؤها # 114 # بالمرأة القوية ms276 والمرأة الحديدية؛ عادت فجأة إلى هشاشتها. # ربما وجب أن يمتلك المرء تجربة مرافقة شخص معاق كي يعرف القوة التي يستمدها ~~هؤلاء الأشخاص من معركتهم من أجل حياة كريمة مفعمة بالإنسانية، وكي يفهم إلى أي حد ~~كانت كلمة سوزان - «كنت صلابتي» - دقيقة. حول هذه النقطة، تتجلى شهادتها ثمينة ~~بقدر ما هي فريدة، ونأسف أن لويز فييي مثلا لم تكتب شيئا عن حياتها مع زوجها الأعمى، ~~ولعلها لم تكن تملك موهبة سوزان كي تفعل ذلك ... # العطور والألوان والأصوات تتجاوب فيما بينها # منذ أن وصف العميان الآليات القادرة على توليد شعور الحب في قلوبهم، فهمنا ~~أهمية «موسيقى الصوت» # 115 # من أجل استثارة هذه «الانفعالات اللذيذة من صدمة اللقاء» # 116 # في أنفسهم؛ هكذا امتلك صوت قارئته قلب طه حتى «انجلى عنه حزنه، وانجاب ~~عنه يأسه، وانصرف عنه الهم.» هذا فضلا عن أنه في «الأيام» لا يشير مطلقا إلى سوزان ~~باسمها: إنها الفتاة «ذات الصوت العذب» قبل أن تصير صديقته، وخيار قلبه، وخطيبته، ~~وزوجته. # يروي مؤنس كلود طه حسين في ذكرياته أن سوزان التي فتن صوت كلامها أباه، كان لها ~~صوت جميل غنائي، «صوت ندي (سوبرانو) صاف، احتفظت به حتى في سنوات عمرها ~~المتقدم.» # 117 # وكانت ألحان فوريه، ودوبارك وعدة إيقاعات من أوبرا «زواج فيجارو» مما ~~تفضله: «وعلى ما كانت عليه من جهل»، # 118 # كانت في الواقع تحب وبشدة الموسيقى الكلاسيكية، ودربت زوجها على ~~سماعها، «وكما كانت قد علمته في مجال مادي بحت كيف يلبس، ويحلق، ويربط عقدة ربطة ~~عنقه، والجلوس إلى المائدة، وعشرات الأشياء الأخرى؛ كذلك كشفت أمي لزوجها باخ وموزار ~~وبيتهوفن وبراهمز وشوبان وشومان وشوبيرت.» # 119 # وسمح شراء بيانو ثم «الفونوجرافات مع تطور صناعتها» للموسيقى أن تدخل ~~البيت، وأن تعزز بمعنى ما «التفاهم الرائع في الأسرة. وكنا نتشارك في الموسيقى ~~بقدر ما نتشارك في الأدب» # 120 # كما يروي مؤنس كلود. هذا فضلا عن الأصدقاء الذين كانوا يأتون إلى بيت آل ~~طه حسين للاستماع معهم إلى أسطوانات 78 دورة. # 121 # الأصوات الناطقة: أصوات جيد، ms277 وماسينيون، وجاك بيرك، والصوت ~~الأجش - وكم هو مؤثر - لهيلين كيللر، ~~والأصوات الغنائية «صوت تيبالدي الفريد»، وأصوات رهبان دير فييزول، والصوت العميق ~~المخلص البسيط لداميا، و... غناء العصافير الشديدة الحضور في كتاب سوزان، وبالطبع صوت ~~الحبيب الراحل ، في عدة مناسبات: «صوت جليل وعميق وواضح. كانوا يصغون إليه إصغاءهم ~~للموسيقى»، «الصوت الساهر المتيقظ»، «صوت الحنان الذي سكت». # الموسيقى، التي احتلت مكانة واسعة في حياة طه حسين - «هو وحده القادر على أن ~~يقول ما كانته الموسيقى بالنسبة إليه» - والتي ربما كانت الرابطة الأقوى بينه وبين ~~سوزان - «كان بوسعنا الاستماع للموسيقى على نحو خاص، وكان ذلك نعمة» - موجودة في كل ~~مكان من الكتاب. يذهب كل من سوزان وطه إلى الحفلات الموسيقية، ويستمعان إليها عبر ~~الأسطوانات أو الراديو في بيتهما أو أثناء الرحلات، ويلتقيان في مصر وفي فرنسا وفي ~~إيطاليا وفي إسبانيا مؤلفين موسيقيين وعازفين يعجبان بهم ويحفل الكتاب بأسمائهم. ~~وبعد رحيل طه، لا تزال الموسيقى هي التي تجمعهما: «ليس بوسعي أن أستمع إلى الموسيقى ~~التي كنت تحبها ببرود أعصاب، فها هنا أعثر عليك من جديد بشكل أفضل، وأصغي للموسيقى ~~معك.» # وأخيرا، فإن طه الذي تعلم مبكرا «حسن الاستماع»، والذي كان قد «تعود أن ~~يأخذ العلم بأذنيه لا بإصبعه» # 122 ~~- «لم يكن كبقية الذين لا يرون ذا براعة يدوية مذهلة، أو ذا براعة بالمعنى ~~المباشر للكلمة؛ بل إنه لم يكن حاذقا، ولم يحاول أن يكونه، ولم يكن ليهتم بذلك كثيرا» ~~- كان شديد الحساسية للمناظر الصوتية والشمية، وكان يرى في حدائق فيلا ديست أو في ~~شواطئ بحيرة جارد التي كانت تتجاوب فيهما الأصوات والعطور؛ ألوان الجنة: # كان طه مذهولا في حدائق فيلا ديست. كنا تقريبا وحدنا، وكنا ننزل من ~~شرفة إلى شرفة، ومن ينبوع إلى ينبوع؛ هذه الينابيع العديدة الشادية المفعمة ~~حياة. مياه في ألوان قوس قزح ونور موزع. لم تكن هناك أصوات أخرى سوى شدو ~~عصفور، أو رنين جرس كنيسة مجاورة، كان أريج الصنوبر والأزهار والطحلب في كل ~~مكان. كان طه يقتعد حجرا كبيرا، وتمتم ms278 حالما: حسنا! لعل هذا الكاردينال لم ~~يكن واثقا كل الثقة من فردوس السماء حتى صنع فردوسا على الأرض! # الحياة مع طه # لم تكن الحياة مع طه سباقا نحو السعادة؛ فمنذ السطور الأولى تتذكر سوزان كلمة ~~الرجل الذي «تحمل اسمه»: «إننا لا نحيا لنكون سعداء.» وتعلق: «عندما يكون شأن المرء ~~شأن طه، فإنه لا يعيش ليكون سعيدا، وإنما لأداء ما طلب منه.» ثم تعود فيما بعد ~~مرة أخرى إلى هذه النقطة من أجل نفسها هذه المرة، وتستشهد بقول صديقة: «لقد كان عليك ~~أن تضطلعي بهذه الرسالة.» ثم تعود إلى كلمة قالها طه: «لعل ما بيننا يفوق الحب.» لا شك ~~أنه يجب علينا أن نقرأ في المقام الأول على هذا النحو هذه الذكريات باعتبارها قصة حب ~~جميلة وواسعة بين كائنين مختلفين كثيرا ومتحدين كثيرا. سيمة الحب تتكرر ~~غالبا، وغالبا عند لحظة غياب المحبوب. ذات يوم، كان على سوزان أن تسافر إلى فرنسا ~~لمدة ثلاثة أشهر، وفي مرة أخرى اشتغل طه وحيدا بالإسكندرية طوال الحرب. في كل مرة ~~بدا الفراق بلا نهاية، حتى ولو عثر على كلمات حب صاف: «أحبك وأنتظرك ولا أحيا ~~إلا على هذا الانتظار (...) لم أكن أعتقد على الإطلاق بقدرتي على مثل هذا الحب ...» # فيما وراء الفراق المؤقت أو النهائي، كان الألم غالب الحضور في هذه الصفحات، سواء ~~أكان ذلك بسبب حساسية طه المتفاقمة وطبعه الميال إلى التحفظ أحيانا، أم بسبب ~~العقبات التي رسمت مساره، أم بسبب عدم الفهم أو الشتائم بل وكذلك المشكلات المالية التي ~~يمكن أن نخمن تكرارها. وإذا كان الصرف المتعاقب من الوظيفة بالجامعة في سن الرشد سبب ~~رقة حال حقيقية، فإن انعدام الأمن هذا يعود بالنسبة إلى الاثنين إلى طفولة وشباب عرفا ~~عدم الاستقرار المادي (لنذكر إفلاس الأب بالنسبة إلى سوزان، أو لدخل طه الضعيف الذي ~~يتحدث عنه على امتداد الكتاب الثالث من «الأيام»). ومع ذلك، ثمة عذوبة وفرح وقلب طفل ~~حتى لدى طه، ورقة تنعكس على صفحات كتاب «معك». حتى لو أمكن أن ندهش من ms279 أن سوزان تبدو ~~أحيانا وهي تعامله كما لو كان طفلا حين تناديه «يا صغيري المسكين»، أو حين تقلق بلا ~~سبب من بعض سلوكه في الحياة اليومية (في حين أنه كان يذهب إلى الجامعة، أو إلى العديد ~~من الاجتماعات بصحبة أحدهم ولا شك ولكن من دونها)، فإن علاقتهما مفعمة بحنان كبير حين ~~تذكر يديه، وصوته، وهذه الجبهة الشديدة النبل التي «بقيت ملساء حتى الساعة الأخيرة.» ~~ثمة نادرة تساوي ألف كلمة؛ فعلى الباخرة تحمل سوزان وقد ربطته إلى حزامها أغلى ما تملكه ~~من مال - مخطوط «كتاب الأيام» - في صرة ظن قبطان الباخرة خطأ أنها تحوي مجوهراتها. ~~يبلغ ذلك كله الذروة في هذه الحركة عند الساعة الأخيرة: «أعطني يدك - وقبلها.» # وتعود سيمة السير كما لو أنها لازمة ~~في النص، كي تستعيد هي الأخرى حبهما: «كم توافقت خطواتك مع خطواتي.» فالسير كطريقة في ~~الانفتاح على العالم وفي التغلب على العقبات والآلام هو سيمة استهلال «كتاب الأيام»، ~~سيرة طه حسين الذاتية المنيرة في ثلاثة أجزاء. كل شيء يجري كما لو أن الحياة كانت حجا ~~طويلا في حركة السير اللامتناهية والمطمئنة. تعترف سوزان على كل حال: «كنت أدهش دوما ~~للتحول الذي ألاحظه على طه، وهو المتألم كثيرا والكئيب أحيانا، بمجرد أن نكون في ~~سيارة أو على طريق؛ وكان يحدث أن نضطر في أوج الفصل أن نقيم وقتا في أماكن لم تكن ~~هي التي كنا نريد البقاء فيها، وكان ذلك غالبا في الجبال. كنت أذعر من المسافات ~~الطويلة ومن الارتفاعات العالية، لكني كنت على خطأ؛ إذ لم يكن طه أحسن حالا وأسعد ~~نفسا مما كان عليه في ممر «بوردوي Pordoi ~~» أو ~~«توناليه # Tonale ~~».» أو أيضا: «أستطيع أن أضع في ~~عداد الأفراح النادرة، تلك الأفراح التي منحتها الطبيعة له؛ فعلى امتداد ذكرياتي، هناك ~~غابات ومروج وبحيرات وجبال وسهول وبحار (...) كنا نلقاها بفرح كما لو كنا سنلقى ~~أصدقاء أعزاء، وهذا هو السبب في أنني أحاول أن أستمر في الذكرى ماضية إلى لقاء بعض ~~هذه الأماكن التي كان فيها سعيدا. ms280 وقد بقي حتى النهاية يحب - كلما اضطر للبقاء في ~~السيارة - أن يكون على طريق خال ليستنشق الهواء الطلق والرياح.» # والأصدقاء الأعزاء «الحقيقيون» ... يملئون هذه الصفحات؛ هناك أولا حلقة الأصدقاء ~~المقربين: جان وريمون فرنسيس، ماري كحيل، كامل حسين، علي ومصطفى عبد الرازق اللذين ~~نعثر في أحد الهوامش في الكتاب على موجز لسيرتهما؛ وهناك من يحيط بهما من المثقفين ~~المصريين؛ وهناك أيضا الأصدقاء والزملاء ممن يمرون بالقاهرة: لويس ماسينيون، ألكسندر ~~كويريه وزوجته دو، أندريه جيد، جان كوكتو، أندريه لوت، هنري ميشو بل وكذلك طاغور ~~وسنغور. وخلال الرحلات العديدة ندرك اتساع علاقات الزوجين: هناك المستشرقون بالطبع (ولا ~~سيما بمناسبة المؤتمر الدولي للمستشرقين)، بل وكذلك العديد من المثقفين (روو، ~~أونجاريتي، إلزا تريوليه ... إلخ)، ورجال دين وشخصيات عامة (من الرئيس دومير إلى البابا ~~بيوس الثاني عشر مرورا بلابيرا) بمناسبة المؤتمرات أو تكريم طه حسين. وكما تشير سوزان: ~~«حفلت سنوات ما بعد الحرب بلقاءات سعيدة.» ولأنها سيدة بيت ممتازة، فقد سهرت على أن ~~تجعل من البيت لطيفا ومرحبا، ولا سيما من أجل لقاءات بعد ظهر الأحد. كانت غزارة ~~هذه الزيارات تزعج أحيانا سوزان التي كانت تفضل أن تحمي حياتهما العائلية، وأن تسمح ~~لطه أن يستريح؛ ويبدو أن الرحلات الصيفية وحدها إلى فرنسا أولا ثم إلى إيطاليا، كانت ~~تسمح بهذه الراحة وهذا الاستجمام العائلي الذي تتحدث عنه سوزان في كتابها. # ألا يسعنا البقاء أيضا فترة أطول قليلا؟ ~~«ألا يسعنا البقاء أيضا فترة أطول قليلا؟» هذا السؤال المفجع ذو الجواب ~~المعروف الذي يتردد ثلاث مرات في النص، يصف اضطراب العاشقة المتيمة والضائعة. كيف ~~يمكن إدامة ال «نحن» عندما يكف المخاطب عن الوجود هنا؛ عندما يمحي وجه المحبوب ~~فإن حضوره هو الأكثر افتقادا، ومن هنا هذا الأمل بلحظة تمتد، تعبر عنها بصورة ~~رائعة هذه ال «أيضا»، كلمة الرغبة، التي نعثر عليها في كل صفحة تقريبا، بل وأكثر في ~~أغلب الأحيان من مختلف تصريفات الكلمة وحدها. # الصفحات الأخيرة محض قبول - تود من الآن فصاعدا أن تستقبل الذكريات «كأصدقاء» - حب ~~حتى ms281 الذروة النهائية في المقاطع الأخيرة، والتي تبدو في آن واحد الثناء الأقوى ~~وتصعيدا للعزلة في حب أبدي تكشفه كلمات الغائب نفسه. # إن تكرر السير في الدرب حتى العودة إلى رامتان، «عودة إليك» حيث «كل خطوة، كل باب ~~مفتوح، كل نظرة على قطعة أثاث؛ تستدعي ماضيا لا أريد أن أصدق أنه ماض.» لكنها عودة ~~إلى سماء مصر، إلى النور كي «عبر عيني المخضلتين بالدموع حيث يقاس مدى الحب، وأمام ~~الهاوية المظلمة حيث يتأرجح كل شيء، (...) أرى (...) ابتسامتك المتحفظة، ابتسامتك المبهمة، ~~الباسلة، (...) أرى من جديد ابتسامتك الرائعة.» فيما وراء ضروب الفراق كلها، وكل الآلام، ~~فيما وراء الضحكات المجنونة والأيام الحالكة، والحملات الماكرة والسخرية المريرة، يمكن ~~للحياة أن تجعل الإنسان سعيدا، مرة أخرى وإلى الأبد. # في هذا الكتاب الصاخب بالأصوات، وبالموسيقى، وبزقزقة العصافير وهدير البحيرات، غالبا ~~ما يذكر الصمت، وإذا كان الموضوع أولا هو «الصمت الحاسم»، «الصمت الفظيع» للموت ~~وللغياب، والصمت المؤثر للجماهير الثكلى، ثم - بعد صفحات - طه الغارق في «صمت ~~شرس مخيف» إثر وقوعه «فريسة إحدى النوبات السوداء»، فإن سوزان تستدعي مرات عديدة ~~وبشاعرية فياضة صمت الطبيعة المهدئ؛ صمت غروب ~~هادئ تتقاسمه مع طفليها؛ جمال الجبال ~~الصامت «لأن السيل والنبع، بعيدا عن صخب الناس العابث، هما أيضا بعض هذا الصمت»؛ ~~«هدوء معجز» عصر يوم على الشاطئ في البندقية مع هذه العلامة التي لا يمكن أن تصدر إلا ~~عن موسيقية وعن راهبة: «ما كان أجمل صمت البحيرة!» # زينه ويجان # برونو بونفار # | «معك» في صور # طه حسين وزوجته سوزان. # طه حسين وزوجته. # طه حسين مع زوجته. # طه حسين وزوجته وكلبهما، 1950. # سوزان طه حسين. # طه حسين في حجرة مكتبه في الزمالك. # طه حسين، ديسمبر 1942. # طه حسين مبتسما. # طه حسين مسترخيا. # طه حسين في مكتبه. # طه حسين أثناء تسلمه شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة أكسفورد، 18 ~~نوفمبر 1950. # طه حسين بصحبة زوجته سوزان وابنه مؤنس وحفيده حسن الزيات، 1950. # طه حسين وعائلته. # طه حسين مع زوجته وابنه في منزل الأسرة بالزمالك، 1946. # طه حسين بصحبة ولديه في زيارة إلى ms282 الريف، أبريل 1935. # طه حسين ومعه زوجته وابنه. # طه حسين ومعه زوجته وابنته. # طه حسين وأسرته. # طه حسين وابنه مؤنس، الجمعة 28 أبريل 1950، نيس، فرنسا. # طه حسين بصحبة ابنته أمينة. # طه حسين مع زوجته وعدد من زملائه على متن إحدى السفن. # سوزان طه حسين، وولداها: مؤنس وأمينة. # طه حسين وسكرتيره الشخصي فريد شحاتة. # طه حسين مع «هيلين كيلر» خلال زيارتها مصر، وإلى يسار الصورة زوجته سوزان ~~وابنه مؤنس. # طه حسين أثناء زيارته لندن، وإلى اليمين يقف السفير المصري، وإلى اليسار ~~ممثلة عن وزارة التعليم البريطانية. # طه حسين وزوجته في ضيافة عمدة مانشستر أثناء زيارتهما للمملكة المتحدة، ~~نوفمبر 1950. # في تونس. # طه حسين في زيارة للمغرب، وبصحبته سكرتيره الشخصي فريد شحاتة. # صورة لطه حسين يظهر فيها النحاس باشا وفؤاد باشا سراج الدين، 7 مايو ~~1943. # طه حسين مع زوجته أثناء تنقلهما بين المغرب وإسبانيا ~~والبرتغال. # | هوامش # هذا الكتاب # مقدمة # معك # متفرقات # تذييل: تأملات حول نص، وحياة، وعالم ms283