######OpenITI# #META# URI: 1450CabdAllahAkhwad.ManhajFiFikrCarabiMucasir.Hindawi25758640 #META# Tags: philosophy #META# ID: 25758640 #META# Title: المنهج في الفكر العربي المعاصر: من فوضى التأسيس إلى الانتظام المنهجي #META# AuthorID: 18683725 #META# Author: عبد الله أخواض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # تقديم‏ # 1 - المدرسة القومية في الفكر العربي المعاصر: الأسس المرجعية ~~والمحددات المنهجية‏ # 2 - المدرسة العلمانية في الفكر العربي المعاصر: الأصول المرجعية ~~والمنهجية‏ # 3 - المدرسة البنائية التأصيلية في الفكر العربي المعاصر: الرؤية ~~والمنهج‏ # خاتمة‏ # لائحة المصادر والمراجع‏ # إهداء‏ # تقديم‏ # 1 - المدرسة القومية في الفكر العربي المعاصر: الأسس المرجعية ~~والمحددات المنهجية‏ # 2 - المدرسة العلمانية في الفكر العربي المعاصر: الأصول المرجعية ~~والمنهجية‏ # 3 - المدرسة البنائية التأصيلية في الفكر العربي المعاصر: الرؤية ~~والمنهج‏ # خاتمة‏ # لائحة المصادر والمراجع‏ # | المنهج في الفكر العربي المعاصر # | المنهج في الفكر العربي المعاصر # | من فوضى التأسيس إلى الانتظام المنهجي # تأليف # عبد الله أخواض # | إهداء # إلى أمي وأبي # اعترافا بفضلهما وجميل صنيعهما. # | تقديم # ثمة إحساس واتفاق بين المشتغلين بالفكر العربي المعاصر، والمهتمين ~~بهموم النهضة والتقدم في الأمة، أن ما خطط له منذ أربعة عقود - على ~~الأقل - لم يحقق ما كان يرجى ويتوخى، وأن الجهود التي بذلت مسها ~~قصور كبير في جوانب مهمة من هذا المسار الفكري رغم الإمكانات التي ~~توفرت لتيارات هذا الفكر، ورغم محاولات الترميم بين لحظة وأخرى، لكنها ~~بقيت دون المبتغى، ولم ترق إلى مستوى التحول العميق في الأطر ~~المرجعية ومنطلقات التأسيس والبناء. # وقد قدمت هذه الاتجاهات مشاريعها الفكرية، وتبنت مقولات ومفاهيم ~~تتقدم برامجها للإجابة عن الأسئلة المقلقة والحرجة التي تواجه الأمة، ~~فدارت المعارك بين هذه المقولات ومنهجياتها تحت شعار «البقاء للأقوى» ~~و«نفي النفي» ومنطق التجاوز والإلغاء، فأدخلت الأمة في معركة وهمية؛ ~~معركة المقولات الإمبريالية بتعبير المسيري. فجر الفكر العربي ~~المعاصر الأمة إلى معارك فكرية ومنهجية لم تكن لتختارها بإرادتها، ولا ~~عن طواعية، لكن سيقت إليها سوقا، ودعت إليها دعا، فتوزعت إلى ~~أحزاب، كل حزب بما لديهم فرحون: معركة المناهج، ومحددات الرؤى، ~~والاختيارات الفكرية، فنشأت فيها مقاربات وأطروحات مضادة، فاحتدم ~~الصراع بين تيارات الوعي العربي حول أمضى الأسلحة وأقواها في مواجهة ~~مركبات التخلف والتأخر التاريخي، فاختلفت هذه المحددات المنهجية من ~~مدرسة إلى أخرى، وقدمت وصفات منهجية جاهزة. # المقاربة الأولى: # المقاربة التاريخية الجدلية التي تبناها اليسار ~~الماركسي العربي، الذي ms001 يرى في التحليل المادي التاريخي ~~المخلص الحقيقي للأمة من سكونها، وركودها التاريخي، ~~وتجاوز المنهجيات التي ظلت رهن النظرات، والمواقف ~~المثالية «الميتافيزيقا» التي يحكمها خط عام ~~مشترك، ورؤية أحادية الجانب، ومستقلة عن التاريخ ~~وقاصرة عن كشف العلاقة الواقعية الموضوعية غير ~~المباشرة بين القوانين الداخلية لعملية الإنجاز ~~الفكري، وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي، # 1 # باعتبار هذه الرؤية تمثل طريق الوضوح المنهجي، # 2 # وتملك عناصر قادرة على تقويم التاريخ ~~وتجاوزه، فنظرت إلى تاريخ الأمة وفق تراتبية منهجية ~~أملتها عناصر المقاربة المعتمدة في أفق الانتقال من ~~مجتمع إقطاعي رأسمالي متخلف إلى مجتمع اشتراكي. # فقام التحليل عندها على قاعدتين أساسيتين: قاعدة ~~المادية الدياليكتيكية والمادية التاريخية، واعتبرت ~~هذه الأخيرة هي القاعدة في تحديد المنهج لإنتاج ~~المعرفة. وتمثل هذه المدرسة أحسن مدخل للعرب في الفكر ~~التاريخي، وإن التجاوز الأفضل لمشكلات التأخر يتحقق ~~داخل الأطر المنهجية والمرجعية لهذه المدرسة، لكنها ~~ظلت على هامش قضايا الأمة، فتحولت من البحث عن الوضوح ~~المنهجي إلى الغموض المنهجي وضبابية الرؤية ومصادرة حق ~~الاختلاف فيه. وتكاد تكون هذه المصادرة علامة فارقة ~~عند هذا التيار، فلا هو أنتج فكرا وأسس رؤية ولا ~~استطاع تجاوز مشكلات التخلف. # المقاربة الثانية: # هي المقاربة الإبستيمولوجية التي مثلها ثلة من ~~المفكرين العرب، على اختلاف مداخل التبني، الجابري، ~~ووقيدي، وأركون ... إلخ، التي انتهجت هي الأخرى منطق ~~الاستبعاد والاستبقاء على مستوى الاختيارات المنهجية، ~~أو على مستوى قضايا ونماذج التطبيق لهذه المقاربة، إلا ~~أنها هي الأخرى مسها مس الاختزال والفشل في تحقيق ~~الحلم، إذ مارست التفكيك لآليات العقل العربي ~~الإسلامي، لكنها لم تقو على البناء والتركيب ~~والتوليد. # هكذا اتخذت الإجابة عن مشكلات الأمة طرقا ملتوية ~~غير مستوية، ومنهجية معكوسة من خلال الاشتغال على ~~آليات وأدوات، وجدت خارج مشكلاتها الحقيقية، وسياقها ~~التاريخي الحضاري؛ قاصرة عن تقديم الحلول المناسبة، ~~مما يطرح مشكلة الاستعانة بالمساقط الفكرية والمنهجية ~~- بتعبير منى أبو الفضل رحمة الله عليها - المغايرة ~~لهوية الأمة الحضارية، ويفسر ضعف الإبداع في الفكر ~~العربي المعاصر، فافتقد هذا الفكر لإطار مرجعي جامع ~~في تنظيراته وممارساته، ms002 وقد كان هذا مسوغا كافيا ~~لإرباك حسابات وتوقعات هذه التيارات المتأرجحة، ومن ~~شأن كل فكر ينطلق من مسلمات النموذج المتأرجح ~~ومقولاته أن يفقد مقومات النهوض الراشد. # يقتضي المنهج العلمي الإمساك بالمنطق الداخلي لكل ~~مجتمع، ومراعاة خصوصياته في إطار المشترك الإنساني ~~العام ما لم ينقض أصلا من أصوله، أما التعميم ~~المنهجي والمعرفي والواحدية في المقولة الإنسانية ~~فمنطق متجاوز، وإن العقائد مسلمات أساسية في البناء ~~المعرفي والحضاري للأمم، خصوصا إذا تعلق الأمر بأمة ~~الإسلام صاحبة الوحي الخالد - الإطار المرجعي الأساس ~~في بناء الرؤى وتوليد النماذج الفكرية ~~والمعرفية. # إن أي تخطيط لمشكلات الأمة خارج هذا الإطار سيئول لا ~~محالة إلى الفشل؛ ولهذا لم يكن الاشتغال في الفكر ~~العربي المعاصر على مناهج واضحة المعالم، وذات علاقة ~~براهنية قضايا الأمة ومشكلاتها، وتؤسس لتحيزاتها ~~وخصوصياتها، والانتقال من المطابقة والمماثلة - بتعبير ~~عبد الله إبراهيم - مع آليات ورؤى الفكر الغربي إلى ~~الاختلاف معها. # لأن الاختلاف رهان الاستقلال الحضاري، وإعادة قراءة ~~الأحداث برؤية مستقلة وواعية ومتبصرة، زد على ذلك ~~أن هذه المناهج مناهج تفكيكية غير قادرة على التركيب ~~وتفتقد إلى القصدية، والغاية التكوينية للخلق، في ~~دراسة الظواهر وغير مستوعبة للشروط التاريخية والنفسية ~~والاجتماعية للإنسان العربي. # وتكاد تكون هذه القضية عامة في واقع الفكر العربي ~~المعاصر. وما ذلك التأخر في السعي والإثمار الذي عاشته ~~تجارب الأمة الإصلاحية إلى اليوم، إلا بسبب افتقادها ~~للمنهج والتي هي أقوم في مشاريعها النهضوية. # استشعارات داخلية: # ثمة إحساس ووعي واستشعارات داخلية قوية لم تعد ~~تراهن على تقليد الغرب في تحقيق الإنجاز الحضاري، أو ~~على منهجية تلفيقية تجمع بين الحداثة وبعض إنجازاتها، ~~والتراث ومفاهيمه؛ بعد أن ضاع من الأمة زمن غير يسير ~~من السير خلف هذا الذي يأتي أو لا يأتي، بقدر ما تراهن ~~على مقومات الهوية العربية الإسلامية في النهوض، ~~والبحث عن مسافة حقيقية في علاقتها مع الغرب ~~تحددها هذه الهوية، وأن الرهان على النماذج ~~المعرفية والمنهجية الإدراكية المتلقية مستحيل، خصوصا ~~في جو من الأزمات التي تعيشها هذه النماذج، ~~والانتقادات الصارمة التي تتلقاها في الداخل. ms003 # إن النهضة الحقيقية تنطلق من النسق الفكري للأمة ومن أصالتها ~~المنهجية وصدق وفعالية أفكارها وقدرة جهازها المفاهيمي على التوليد ~~والإبداع، وإن حركة التاريخ لا تؤتي ثمارها إلا في إطار نسقها العقدي ~~والفكري، أما الاعتماد على مجموعة من المرتكزات والمفاهيم المنبثقة من ~~أنماط حضارية أخرى فيحدث الخلل والتناقض، ويعطل المسير حيث ينبغي ~~له السير، ويسير حيث لا ينبغي أن يسير. # هذه قضايا حاولنا قدر الوسع والطاقة أن نعالج بعضا منها من خلال ~~نماذج اخترنا الاشتغال عليها، وحد بينها هم التاريخ والتقدم ~~والنهضة والخروج من التخلف، وفرق بينها المنهج والرؤية ~~والتصور. # وقد كان هاجسنا في هذا العمل البحث عما يجمع هذه التيارات لا ما ~~يفرقها، لهذا تجنبنا السقوط في التحليل الاختزالي الذي يرى المخالف ~~شرا مستطيرا، ومن يشترك معه في تحيزاته الصواب والحق، وإنما ~~تحيزنا في هذا العمل كان إلى جانب الإطار المرجعي العام للأمة للمنهج ~~والرؤية التي ينبغي أن تنطلق منها في نهضتها. # فنحن لا نؤسس لرؤانا وتصوراتنا على انتظار فشل الآخرين أو لعيوب ~~في فلسفاتهم، بقدر ما نؤسس على تراكم خبرات وتجارب الأمة على اختلافها ~~وتنوعها. # يأتي الاهتمام بهذا الموضوع في سياقات متعددة، لعل أبرزها: ما ارتبط ~~بالدعوة إلى ضرورة تحرير مناهج التفكير في الوطن العربي، وتجاوز حالة ~~الاغتراب واللاوعي التي يعانيها، ثم سياق بناء المعرفة؛ إذ لا معرفة ~~بدون منهج، إذ المنهج حالة وعي دائمة في الأمة لإعادة التركيب الطبيعي ~~فيها، وإحداث التوازن والانسجام بين الفكرة والواقع الاجتماعي والوعي ~~التاريخي الذي شكل هذه الذات، وإعادة الثقة بالمنظومة الفكرية ~~والثقافية لها، وامتلاك القدرة على تشغيل آلياتها في النهوض والتقدم، ~~وتجاوز ثغرات الفكر العربي المعاصر ومشروعه النهضوي وآليات اشتغاله، ~~وتناقضاته وثنائياته المفاهيمية. # إن قضية المنهج والمنهجية يتوجب أن تأخذ مكانة متقدمة في ~~سلم الأولويات، فالمعركة اليوم في كثير من المجالات والمشاريع تكاد ~~تنحصر في نظرنا حول قضية المنهج؛ لأنه هو التصور والفلسفة والرؤية ~~(للماضي والحاضر والمستقبل). والوعي بهذه القضية يجعل الأمة قادرة على ~~الدخول في تنافسية حقيقية مع المركزية الغربية، وإن ms004 حركة التاريخ «لا ~~تؤتي ثمارها وفاعليتها إلا في إطار نسقها العقدي والفكري الخاص ~~بحضارتها ومسارها في خضم الكيانات الحضارية، أما اعتماد مجموعة من ~~المرتكزات والمفاهيم المنبثقة عن أنماط حضارية مغايرة فيحدث الخلل ~~والتناقض (...)» # 3 # بين الأنساق الحضارية وعالم أفكارها الذي يفصل بينها، فإذا ~~كان التقدم الحضاري يبدأ من خلال الأفكار فإن التحليل يبدأ أيضا من ~~خلالها. # تحليل الآثار المدمرة للأفكار الوافدة وخيانة لأصالة الفكرة ~~الإسلامية التي غيبت عن ساحة الفعل الحضاري المعاصر. كما تسعى الدراسة ~~إلى تعرية الأسس والمنطلقات المرجعية، والمنهجية التي ظل ينطلق منها ~~الفكر العربي المعاصر على اختلاف توجهاته، وكشف تهافت أطروحاته، ~~والتأكيد على خصوصيات المجتمعات العربية، وحقها في تحقيق الاستقلال ~~المنهجي في دراسة قضاياها وتجاوز الأدوات المنقولة إلى أدوات مأصولة ~~وموصولة بالذات الأصيلة تاريخيا وحاضرا ومستقبلا. ~~(1) موضوعات البحث # قسمت هذا البحث إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. # الفصل الأول: # خصصناه للمدرسة القومية العربية، ومحدداتها ~~المنهجية التي أسست عليها مشروعها النهضوي، من ~~خلال الاشتغال على نموذج متميز داخل هذه المدرسة، ~~الأمر يتعلق بالمفكر المغربي الدكتور محمد عابد ~~الجابري، وعلى الموجهات المنهجية التي اختار ~~الاشتغال عليها وتجاوز ما عبرنا عنه بفوضى ~~المنهج إلى الانتظام المنهجي داخل هذه المدرسة، ~~وفي الفكر العربي المعاصر بشكل عام، والمرجعيات ~~التي أسس عليها هذه الاختيارات، مع ملاحظات ~~نقدية على أساس الالتزام بما ألزمنا به أنفسنا وهو ~~تجنب التحليل الاختزالي، والسعي إلى تحصيل ~~التراكم البنائي لا التراكم التبديدي ~~الإبطالي. # الفصل الثاني: # اعتمدنا فيه على تحليل الخطاب العلماني في الفكر ~~العربي المعاصر، أسسه ومنطلقاته المنهجية التي ~~اشتغل عليها في التنظير لقضايا الأمة ومقاربة ~~إشكالاتها وشروط الدخول في عصر الحداثة الفكرية ~~والمعرفية، من خلال نموذجه محمد أركون نظرا لما ~~يميز كتاباته على مستوى التنظير المنهجي، ~~وأكثرها افتتانا بفتنة الحداثة في نسختها ~~الغربية، فقومنا ما ينبغي تقويمه في هذا ~~الخطاب. # الفصل الثالث: # عرضنا فيه لنموذج بدأ يطرح نفسه على الساحة ~~الفكرية العربية المعاصرة؛ نموذج المدرسة الحداثية ~~البنائية في الفكر العربي المعاصر، عززناها ~~بنموذجين من النماذج الفكرية اشتغلت بعمق على ms005 ~~المستوى المنهجي، وتأسيس آليات البحث المعرفي، ~~والارتقاء بالأمة إلى رتبة الاستقلال في الإجابة ~~عن إشكالاتها بدل التقليد. # النموذج الأول: # ارتبط بالجهود الفكرية والفلسفية ~~التي ما فتئ يبذلها المفكر المغربي طه عبد ~~الرحمن من خلال دعوته إلى تأصيل المفاهيم، ~~ووجوب الاستقلال عن المرجعيات الخارجية، ~~في تدبير إشكالاتنا المعاصرة، وتجديد ~~آليات الاشتغال المنهجي من خلال مقومات ~~الأمة (الإسلام، واللغة، والتراث) مع ~~الانفتاح الراشد على إبداعات الآخر، وفق ~~منظوره القائم على الاختلاف، والتقريب ~~التداولي الذي يسعى إلى جعل المعرفة ~~المنقولة موصولة بباقي المعارف الأصلية، ~~أي جعل المنقول موصولا ومأصولا. # النموذج الثاني: # ارتبط بالعمق الفلسفي والمنهجي الذي ~~بذله المفكر المصري «عبد الوهاب المسيري» ~~من خلال رؤية نقدية عميقة للحضارة الغربية ~~التي ظلت وسيطا مرجعا لدعاة التقليد في ~~الفكر العربي المعاصر، وإعلان فساد كثير ~~من المعتقدات المنهجية لهذه الحضارة ~~ومنظوراتها في التحليل، والتفسير؛ لأنها ~~منظورات كمية تراكمية اختزالية، أحدث ~~تبنيها القسري في فكرنا المعاصر تحيزا ~~للمرجعية ذاتها، ومن خلال الدعوة إلى بديل ~~معرفي منهجي اجتهادي توليدي، تركيبي ~~تراحمي يستجيب للبعد الفطري في ~~الإنسان. # الفصل الأول # | المدرسة القومية في الفكر العربي المعاصر: الأسس المرجعية ~~والمحددات المنهجية # «محمد عابد الجابري أنموذجا» ~~(1) المبحث الأول: المدرسة القومية: مرجعيات التأسيس والمحددات ~~المنهجية # شكلت القومية العربية حلقة من حلقات الفكر العربي المعاصر، إن ~~لم نقل إحدى حلقاته الكبرى في زمن كان يبحث فيه الإنسان العربي ~~عن مخرج لأزماته وحلول لانتكاساته المتتالية، وبدأت هذه المدرسة ~~تطرح نفسها بقوة كبديل للاتجاهات السائدة في الفكر العربي، فهزيمة ~~67-73 كانت المحطة التي زودت الآليات الفكرانية لهذا التيار، وإن ~~الآليات المعرفية والمنهجية التي تم اعتمادها في تحليل قضايا الأمة ~~بعيدة عن واقعها. # وقد ظهرت الدعوة قوية إلى المراجعة في مجال البحث الاجتماعي ~~والدراسات الاجتماعية التي اعتبرت مفاتيح لحل المشكلات تحت مسميات ~~متعددة «نحو علم اجتماع عربي وقومي»، فعقدت لهذا الغرض عدة ~~مؤتمرات وندوات ولقاءات تناقش سبل وإمكانيات التأسيس لمنهج جديد في ~~حياة الأمة يربطها بجذورها التاريخية واستقلال شخصيتها والعودة إلى ~~الذات. ونذكر في هذا الإطار: «ندوة ms006 النهوض بعلم الاجتماع في الوطن ~~العربي، الجزائر 1974م»، «ندوة أوضاع العلوم الاجتماعية في الشرق ~~الأوسط، الإسكندرية 1974م» و«مشكلة المنهج في بحوث العلوم ~~الاجتماعية، القاهرة 1983م»، ثم «علم الاجتماع وقضايا الإنسان ~~العربي، الكويت 1984م»، ثم «نحو علم اجتماع عربي، تونس 1985م». # 1 # والغرض - كما تدل عناوين هذه الندوات - هو وضع لبنة لأسس علم ~~اجتماع عربي يكون فيه للعقل العربي دون غيره حضور متميز؛ لأنه ~~الأقدر في نظر هذا الاتجاه على ملامسة مشاكله، فالعودة إلى الذات ~~شكلت محور هذا التوجه الجديد في الفكر العربي المعاصر والاستقلال ~~عن القوالب الفكرية الغربية التي وظفت في تحليل أزمة المجتمع، ~~ولأن الباحث العربي يكاد يكون تابعا تبعية كاملة للباحثين ~~والمفكرين الأجانب، وكما يذكر الباحث الاجتماعي العربي عبد الباسط ~~عبد المعطي، يقول: «إن هناك خريجين من عدد من الجامعات الغربية ~~توقفت معارضهم مثلا في الستينيات عند المدرسة الدركايمية أو ~~المدرسة الأمريكية الإمبريقية # 2 # التي عنيت بدراسة المشكلات الاجتماعية التقليدية (...) ~~[ولهذا] فإن المدقق في التأليف، وفي الأطر النظرية للبحوث، وفي ~~الرسائل الجامعية خاصة؛ يلاحظ انصياعا للمعايير الغربية شكلا ~~ومضمونا ولغة وطريقة في التفكير.» # 3 # إذن يرى الأستاذ أن البحوث الاجتماعية والدراسات المنهجية في ~~الوطن العربي أكثر البحوث تعبيرا عن تبعيتنا الثقافية للمكتبة ~~الغربية بجناحيها الأوروبي والأمريكي، وأنه آن الأوان لطرح صيغ ~~بديلة وجديدة للخروج من هذه التبعية ومن عنق الأزمة، وتأسيس علم ~~اجتماع عربي نابع من رحم المجتمع، يعالج قضايا مرتبطة باستراتيجيات ~~التنمية والتقدم والوحدة وتحرير فلسطين وتوزيع الثروة وعلاقات ~~الإنتاج، ومرتبط بمصير الطبقات الاجتماعية. # وقد نشطت مجموعة من دور النشر لترسيخ البعد القومي في الثقافة ~~والفكر والأجناس الأدبية بكل أنواعها، نذكر منها على سبيل المثال: ~~«المجلس القومي للثقافة العربية» الذي أسس مباشرة بعد اتفاقية ~~كامب ديفيد لمقاومة الغزو الثقافي والتطبيع مع الكيان الصهيوني ~~وتحصين الذات العربية من الاختراق. # ارتكز هذا الخطاب في انتمائه للأمة والجماعة العربية على مجموعة ~~من المقولات والمفاهيم يراها الأساس في البناء والنهوض العربي: ~~«اللغة والتاريخ». لهذا شدد الاتجاه القومي على «مرجعية اللغة ~~والتاريخ ms007 الواحد ودوافع المصالح المشتركة، ووحدة آمال وأهداف ~~المستقبل والتطلع لتحويل الأمة «كمعطى تاريخي» إلى واقع سياسي ~~يتجلى في كيان دولة واحدة ومتحدة.» # 4 # هذه المرجعية التي تحولت عند كثير من الأقلام القومية ~~إلى «جوهر ثابت» - بتعبير وجيه كوثراني - وهو ما نجده عند عميد ~~القومية العربية أبو خلدون ساطع الحصري الذي يقول: «إن العاملين ~~الأساسيين في تكوين القومية هما اللغة والتاريخ، ولا يتغلب عامل ~~من العوامل الاجتماعية على تأثير اللغة والتاريخ في هذا المضمار ~~سوى عامل الاتصال الجغرافي؛ لأن فقدان الاتصال الجغرافي قد يؤدي ~~إلى بقاء أجزاء الأمة الواحدة منفصلة بعضها عن بعض رغم اتحادها في ~~اللغة والتاريخ.» # 5 # باعتبار اللغة وسيلة للتخاطب والتفاهم، ونقل الأفكار ~~والمكتسبات، أما التاريخ فهو بمثابة شعور الأمة وذاكرتها، فإن كل ~~أمة من الأمم إنما تشعر بذاتها وتكون شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص. # 6 # ولا يرى هذا التيار للرابطة الدينية أو لعامل العقيدة أثرا في ~~تكوين الجماعات. يقول: «مهما كان الأمر فإن الرابطة الدينية وحدها ~~لا تكفي لتكوين القومية، كما أن تأثيرها في تسيير السياسة لا يبقى ~~متغلبا على تأثير اللغة والتاريخ. إن هذا التأثير يشتد أو يتراخى، ~~يتقوى أو يتلاشى، حسب تطور علاقة الدين باللغة، ويبقى أمرا ~~ثانويا في تكوين القوميات بالنسبة لتأثير اللغة والتاريخ.» # 7 # بالإضافة إلى مكون اللغة والتاريخ، استند الاتجاه القومي إلى ~~مبدأ العلمنة لأن اللغة والتاريخ غير كافيين في البناء والوحدة؛ ~~ولهذا فإن «استكمال بنيان القومية العربية يحتاج في الواقع إلى ~~عناصر أخرى لم يلتفت إلى أهميتها في السابق، وعلى رأسها النزعة ~~الإنسانية التي تتضمن احترام وصيانة حقوق الإنسان وتبث فيه روح ~~المواطنة؛ بحيث يجعل ولاءه لوطن وحده. (...) وتحقيق هذه المهمة ~~الصعبة لن يكون ممكنا إلا على قاعدة إشاعة الديمقراطية من جهة ~~وإنجاز العلمنة من جهة ثانية»، # 8 # حيث ظل مكون الدين ثانويا لا يقوى على صناعة ~~المستقبل، ولعل كاتبا في مستوى برهان غليون - والجابري كما سنرى - ~~يكشف بعض أسباب انحصار القومية العربية وفشل أطروحاتها ومشاريعها، ~~حين ركز على ضعف استيعابها للتطور ms008 التاريخي وتحولات المجتمع ~~العربي، وأن ظروف الطرح قد تغيرت، ولم يعد ينفع فيها النفخ في ~~وحدة اللغة والثقافة والأصول، ولا تقبل فيها المجتمعات بعمليات ~~الضم والإلحاق عن طريق القوة العسكرية، # 9 # خصوصا عندما تمكنت القومية من السلطة واستفردت ~~بالحكم، وتسلطت على رقاب الناس. # لهذا انهارت واندثرت القومية العربية التقليدية تماما، ولم ~~يعد لها موقع في الخريطة الفكرية؛ أي الشكل الذي كانت الفكرة ~~تتخذه سابقا، فلم يعد الحديث عنها كوحدة ثقافية ولغوية ~~وتاريخية، فكان الرهان على هذه المحددات سببا من أسباب الفشل ~~والتراجع بدل التأكيد على الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة أو ~~على الهوية الموحدة، في مقابل هذا التوجه، نجد القوميين ~~الجدد يؤكدون على التعددية الثقافية وأهمية الاعتراف بالأقليات ~~ورفض الفكر الواحد، بل رفض الفكر العقائدي ذاته باعتباره فكرا ~~مشوها بالضرورة. # 10 # وظلت الفكرة القومية تعاني فراغات بسبب إهمال الإسلام كمكون ~~أساسي في بناء الذات وهو الأمر الذي انتبه إليه برهان غليون، من ~~خلال الانخراط في أيديولوجيات مستعارة وغريبة عن واقع الأمة؛ ~~اشتراكية، ليبرالية، علمانية، # 11 # مما ضيق أفق التحرك لدى هذا التيار، وقدرته على ~~استثمار الطاقات الفاعلة في الأمة. # ومما زاد من أزمته وعمقها عجزه عن «صياغة وعي الأمة في قالب ~~نظري مطابق لتاريخها، فاضطرت إلى إيجاد عوامل موضوعية تكون أساسا للوحدة»، # 12 # من الوحدة الجغرافية، والتكامل الاقتصادي، بالإضافة ~~إلى اللغة والتاريخ والجنس. فبعد إلغاء الأمة، وفصل التراث عن ~~الحداثة، والإسلام عن العروبة، والأمة عن تاريخها، ولم «يعد التراث ~~طريقهم إلى الحداثة، كما لم يعد المجتمع [الأمة] قاعدة للشعور ~~القومي وانتهوا إلى فصل القومية العربية عن الأمة ومجتمعها فصار ~~الفكر القومي دون مرجعية ينطلق منها، وينتظم على أساسها ويتخبط ~~عشوائيا ويتأرجح بين مواقف متناقضة.» # 13 # فعندما تغيب الرؤية تسيطر الأيديولوجية وتتلاشى الأهداف السياسية ~~والقضايا الكبرى، وهكذا رأينا «النخبة السياسية العربية تجر الأمة ~~مرة بعد أخرى إلى حروب ومعارك لا تأخذ بعين الاعتبار الطاقات ~~الحقيقة للأمة وظروفها الموضوعية، فتنتهي إلى هزائم أخرى.» # 14 # وقد كان «الفشل الذي مني به الاتجاه القومي ms009 العربي إزاء تحقيق ~~أهدافه في توحيد الأمة وتحرير فلسطين، وتنمية الطاقات الاقتصادية، ~~وإفساح المجال لحرية للمواطن؛ لا يعود إلى نوايا سيئة، كما أنه لا ~~يقتصر على مسائل تتعلق بالممارسة؛ بل هو يعود بالدرجة الأولى إلى ~~الفقر النظري. فشل هذا في بلورة شمولية تستند إلى تاريخ الأمة ~~وسيرورتها وحاضرها، فجاءت ممارستها دون توقعاتها، وأحيانا متناقضة ~~مع شعاراتها. فشل هذا التيار في قيادة الأمة؛ لأنه لم يعرف الأمة ~~معرفة حقة. إن أحد معالم هذا الفشل هو الانفصال في الوعي بين ~~القومية والأمة فلم تعد القومية تعبيرا عن الأمة، بل صارت تعبيرا ~~عن نزوات أصحاب الشعارات الذين لم يكن لديهم إطار نظري ينظم ~~أفكارهم وأفعالهم، فجاءت عشوائية دون مرجعية تضبطها وتضع لها ~~الإطار لحركتها.» # 15 # وبرز صوت آخر، ولكن هذه المرة من المغرب (الأستاذ محمد عابد ~~الجابري)، وذلك في إطار المراجعات النقدية للمشروع النهضوي العربي، ~~الذي جعل الفكر القومي محور هذه المراجعات ومحدداته المنهجية ~~والمرجعية، يفتح له آفاقا جديدة من خلال رؤية تتجاوز التصورات ~~والمكونات السابقة [اللغة والتاريخ] والمفهوم الضيق للفكرة؛ لأن ~~«حصر مقومات «الأمة العربية» في اللغة والتاريخ بوصفهما قالبين ~~صوريين مجردين إفقار لمفهوم الأمة»، # 16 # محاولة لإعادة التركيب، ووصل ما انفصل، وسد الخلل الذي ~~تركته التوجهات السالفة، هكذا يستطيع «الباحث [القول للجابري] أن ~~يلاحظ بسهولة فقر خطاب الحصري وغيره من القوميين العرب فقرا ~~«تراثيا»، فالتراث العربي والإسلامي - وهل يمكن الفصل بينهما - ~~غائب تماما في خطابهم، ليس فقط كمرجعية بل أيضا كاستلهام وتوظيف ~~براغماتي. إن الباحث لا يكاد يعثر على آية أو حديث أو قول مأثور أو ~~بيت من الشعر أو حدث تاريخي من التراث العربي الإسلامي في خطاب ~~القوميين الرواد (...) لقد كان الحصري يفكر في القومية العربية خارج ~~أية مرجعية عربية. فقد كانت مرجعيته الوحيدة هي المرجعية الأوروبية.» # 17 # مما استدعى عند الجابري إعادة تأسيس الموقف من خلال ~~كسر الثنائيات التقابلية بين الإسلام والعروبة، إذ «ليس هناك أي ~~مفهوم ل «الإسلام» يمكن وضعه في علاقة ثنائية تعارضية أو تكاملية ~~مع مفهوم ms010 «العروبة»، وليس هناك مفهوم ل «العروبة» يمكن وضعه في نفس ~~العلاقة مع «الإسلام». وإنما هناك وراء هذه الثنائية قضية سياسية ~~كان لها معنى في وقت من الأوقات (...) والمتعلقة برد فعل العرب على ~~سياسية التتريك العثمانية.» # 18 # لينتفض ضد هذه الثنائيات المرتبطة ببعض الأقطار العربية، ذات ~~الخصوصية التاريخية كلبنان وسوريا بصورة خاصة، وإنه آن الأوان لكي ~~«نتخلص من هذا التعميم للمشاكل؛ لأنه تعميم لا يخدم الفكر القومي ~~ولا القضية القومية، بل على العكس يضع هذه القضية في أزمة دائمة مزمنة.» # 19 # وللتخفيف من النزعة العلمانية التي روج لها دعاة القومية ~~التقليدية، يقول الجابري: «فأنا لا أستسيغ طرح المسألة بهذا الاسم ~~وتحت هذا العنوان، فليس هناك في أي قطر عربي ما يبرر طرح مسألة ~~العلمانية فيه بالمعنى الذي تفهم به هذه المسألة في أوروبا.» # 20 # فاتجه إلى إعادة تأسيس الموقف وتصحيح الوعي ونقد المفاهيم ~~والتصورات، وبناء محددات للرؤية أكثر جرأة في النظر إلى ~~المستقبل، من خلال الدعوة إلى الانخراط في التراث؛ لانتزاع ما ~~يسمى بأسلحة الخصوم. # فكان التراث أحد هذه الأسلحة التي ارتكز عليها الجابري عكس دعاة ~~القومية الأوائل - في التأسيس للموقف الجديد - الذين كان خطابهم ~~خطاب نقائض أيديولوجية (ليبرالية - اشتراكية - ماركسية)، ويدعو إلى ~~مراجعة مفاهيم النهضة ونقدها نقدا عقلانيا مستندا إلى الواقع ~~كمعطى، وهو السبيل الذي يقودنا إلى تشييد حلم أيديولوجي مطابق، ~~وتلك مهمة المثقف العربي في الظروف الراهنة: مهمة إعادة التفكير في ~~مشروعنا النهضوي انطلاقا من مراجعة المفاهيم والتصورات في ضوء ~~الواقع وتحت ضوء سلاح النقد. # 21 # وإنجاز هذه المهمة «يلزم فيها شرطان اثنان؛ الأول: هو أن يكون ~~التجديد من الداخل؛ من داخل الثقافة العربية بالحفر في معطياتها، ~~ولكن أدوات الحفر وطريقته - وهذا هو الشرط الثاني - لا بد أن تكون ~~جديدة حديثة، وبالتالي لا بد من اقتباسها من أرقى مراحل التقدم ~~التي يصل إليها الفكر الإنساني.» # 22 # وهو الشرط الذي سيرفع عملية التجديد إلى مستوى العصر، ~~أما الإبقاء على أدوات الحفر القديمة - المفاهيم والمناهج - لا ~~يمكن أن ينتج غير القديم ms011 في نظره، وهكذا شرع الجابري في وضع ~~التصاميم المفاهيمية، والأدوات المنهجية متجاوزا المنظورات ~~التحليلية التي أثثت الفكر القومي العربي المعاصر، ونقدها نقدا ~~عقلانيا؛ نقد المجتمع ونقد العقل العربي. # فكان النقد عنده السلاح الأقوى في الكشف عن ثوابت هذا العقل ~~والقدرة على خلخلتها وكسرها، وما لم نقم بهذا النقد - يقول - فإن ~~التطور إلى الأمام لن يشق طريقه الصحيحة عندنا، وهذه مهمة الفكر ~~الفلسفي والتحليل الأيديولوجي، ولأن التغيير عندنا «يبدأ ويجب أن ~~يبدأ من تغيير طريقة النظر إلى الأمور، من تحليل الواقع تحليلا ~~يجمع بين النظرة الموضوعية والهدف الاستراتيجي؛ هدف التغيير وإعادة البناء.» # 23 # فما هي المحددات والموجهات المنهجية لرؤية الجابري ~~النقدية وإعادة التأسيس والبناء داخل هذه المدرسة وتحقيق النهضة ~~واستشراف المستقبل؟ # إن اختيار الاشتغال على فكر الجابري، ومشروعه النقدي للعقل ~~العربي؛ أملته عدة اعتبارات: # أولها ما أثاره، وما يزال من ردود اختلفت، حسب توجهات أصحابها ~~تحولت بدورها إلى مشاريع فكرية ومدارس نقدية، أخذت على عاتقها ~~مهمة التجديد المنهجي في قراءتها للتراث ولمقدمات المشروع النهضوي ~~العربي المعاصر، وما أحدثه من جدل واسع في الساحة العربية المعاصرة ~~على مستوى الأدوات والمسلكيات المنهجية، ونتيجة دعوته إلى إنجاز ~~نوع من القطيعة الإبستيمولوجية مع تراث الأمة. # أما ثاني الاعتبارات فهو ما صرح به من القدرة على تجاوز ~~القراءات التي تعاملت مع التراث وطرح بدائل منهجية قادرة في رأيه ~~على التفاعل وإنجاز النهضة، والقطيعة مع الفهم التراثي للتراث ~~إلى الفهم الحداثي له بقدر يعيننا على تجاوز المحن والإشكالات ~~المعاصرة، معتمدا في ذلك على مدخلين أساسيين: # المدخل الأول: فهم هذا التراث وأدوات اشتغاله. المدخل الثاني: ~~الاستعانة بمفاهيم الفكر الغربي المعاصر على تعدد مدارسه ~~وتنوعها، ومحاولة تبيئتها وفق معطيات هذا التراث، ووفق شواغل ~~معرفية كما صرح، وأخرى أيديولوجية كما استبطن حينا وصرح في كثير ~~من الأحيان؛ لهذا فإن البحث في منهج الجابري يتطلب قراءة دقيقة ~~لمساره الفكري، والنتائج التي توصل إليها أولا بأول، ولكل ما ~~كتب عنه نقدا أو نقضا، وهذا ما لا يتسع له الوقت. وحسبنا أن ~~نركز ms012 في هذا الفصل على أهم ما كتب عنه وأنجز من دراسات نعتبرها ~~استوفت بعضا من الشروط العلمية في الحركة النقدية متجاوزين بعضا ~~من الدراسات التي سلكت مسلك التحامل والتجريح، وبالدرجة الأولى على ~~أهم كتبه التي شكلت مشروعه الفكري انطلاقا من باكورة ~~أعماله: ~~«نحن والتراث» سنة 1980م، «الخطاب العربي المعاصر» 1981م، «نقد ~~العقل العربي» الذي أصدر أولى حلقاته سنة 1984م من خلال كتابه ~~«تكوين العقل العربي»، ثم الجزء الثاني «بنية العقل العربي: دراسة ~~تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية» سنة 1985م، ~~«إشكاليات الفكر العربي المعاصر» 1989م، «العقل السياسي العربي: ~~المحددات والتجليات»1990م، «التراث والحداثة: دراسات ومناقشات» ~~1991م، ثم «المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية» 1996م. هذه هي ~~الخريطة الفكرية التي سنعتمد عليها في بحث إشكالية المنهج في ~~المشروع الفكري للجابري. ~~(2) المبحث الثاني: المحددات المنهجية والمرجعية لمشروع ~~الجابري # يعالج هذا المبحث قضايا منهجية دقيقة وقوية على مستوى الرؤية ~~والمنهج التي تبناها الجابري في فحص آليات قراءة التراث، ~~والإشكالات التي أفرزتها في الواقع العربي المعاصر، حين اعتبرها ~~مسئولة إلى حد كبير عن الوعي المزيف اتجاه مرجعية المتن التراثي، ~~في مقابل ذلك سعيه الدءوب إلى تحرير العقل العربي من تلك القراءات ~~السلفية، والدعوة إلى الانتظام المنهجي في تاريخ التراث، من خلال ~~إنجاز قراءة معاصرة، وبأدوات منهجية تتيح فرص التوظيف العلمي، ~~والعقلاني للتراث، والقدرة على التشابك مع منجزات الحداثة ~~ومفاهيمها. ~~(2-1) من فوضى المنهج إلى الانتظام المنهجي # أحدث مشروع الجابري نقلة نوعية في الفكر العربي المعاصر، ~~ليس على مستوى المتن، وإنما على مستوى الثورة المنهجية؛ حيث ~~انتقل هذا الفكر من لحظة تاريخية غلب عليها التكرار إلى لحظة ~~التفاعل الإيجابي والانخراط في عملية نقدية استفزت كثيرا من ~~الاتجاهات الفكرية في العالم العربي، نظرا للطرح الجدي ~~الذي اتسم به المشروع، فالقضاء على هذه الفوضى المنهجية طريق ~~التحديث والانخراط في الحداثة عبر جهاز مفاهيمي جديد قادر على ~~تقريب الوضع الإشكالي القائم داخل قطاعات واسعة من الفكر ~~العربي المعاصر، وبين ثنائياته القديمة-الجديدة، الأصالة ~~والمعاصرة، القديم والحديث، بين صورة الأنا والآخر، ms013 «القديم» ~~ينتمي إلى الأنا، و«الجديد» ينتمي إلى الآخر. # 24 # فكان طموحه هو إزالة الغموض والتوتر الذي ظل يطبع مسيرة ~~هذا الفكر، «ونزع الطابع الإشكالي عنه أو التخفيف منه على ~~الأقل إلى أقصى درجة ممكنة.» # 25 # ومن هنا سارع الجابري إلى بلورة رؤية معاصرة في القراءة ~~والتنوير؛ تعيد ترتيب العلاقات وتساهم في قراءة التراث ~~العربي؛ قراءة تستجيب لطموحات الحاضر، والدخول في الحداثة ~~والاستفادة من منجزاتها. يقول: «فالحداثة في نظرنا لا تعني ~~رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع ~~بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه «المعاصرة»؛ ~~أعني: مواكبة التقدم الحاصل على المستوى العالمي.» # 26 # كما تعني عنده نوعا من «الانتظام النقدي في ~~الثقافة العربية؛ بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل (...) إنها ~~بهذا الاعتبار تعني أولا وقبل كل شيء حداثة في المنهج وحداثة ~~في الرؤية». # 27 # ولعل من أهم منجزات الحداثة أو الفكر الحداثي، المكون النقدي ~~الذي تبلور مع مدرسة فرانكفورت الألمانية، ومع جيل من ~~المفكرين أمثال: أدرنو وهابرماز وماركوز، ولهذا «فالممارسة ~~النقدية في فكر الجابري لا تنفصل عن هذا الطموح المعرفي النقدي»، # 28 # مع اختلاف في متن الاشتغال وأرضية الانطلاق؛ فعلى ~~هذا الأساس شرع في وضع المعالم الكبرى لمنهجه، والمبادئ ~~الأولية للقراءة المعاصرة للتراث وتحقيق الوعي المطلوب. ~~(أ) القراءة المعاصرة للتراث ونقد القراءات ~~السابقة # ينطلق الجابري في مشروعه من تحديد نوع القراءة التي ~~يتوخاها في التعامل مع التراث من خلال منظومة من ~~العلاقات القائمة على عناصر ثلاثة: قراءة، عصرية، تراث، ~~ومن خلال صيغ تركيبية، الصيغة الأصل: «قراءة عصرية للتراث» ~~وهي تنفي صيغة أخرى هي: «قراءة تراثية للتراث»، وهذه ~~بدورها تنفي صيغة أخرى هي: «قراءة تراثية للعصر» لينتهي ~~إلى أن الصيغة الأولى هي الأجدر في إنجاز هذه المهمة، ~~يقول: «نريد قراءة عصرية للتراث تجنبنا السقوط في قراءة ~~تراثية للعصر (...) والوقوع تحت سلطته التي تجرنا ليس فقط ~~إلى قراءة تراثية للتراث، بل - وهذا أخطر - تجرنا إلى ~~«قراءة تراثية للعصر»، أي إلى تمديد الماضي لجعله ينوب عن ~~الحاضر والمستقبل ...» # 29 ms014 # ولعل هذا التوجه وهذا الاختيار هو الذي يحقق - في نظره - ~~الانتظام المنهجي في قراءة تاريخ الفكر العربي وبنياته ~~وأصوله، ويتجاوز الفوضى المنهجية التي ظلت مهيمنة على قطاع ~~واسع من المثقفين العرب في مقاربة قضايا الفكر العربي ~~المعاصر وإشكالاته. # قراءة تختلف عن القراءات التي تناولت موضوع اشتغاله ~~«التراث» على مستوى المنهج والرؤية، وهي تحاول تسطير معالم ~~ذلك المنهج ورسم أفق تلك الرؤية. # 30 # والذي يجعلها معاصرة كونها تسعى إلى جعل النص ~~التراثي المقروء على صعيد الإشكالية والمحتوى المعرفي ~~والمضمون الأيديولوجي معاصرا لنفسه، في أفق تجاوز ~~القراءات التي ظلت تحتكر الخريطة الفكرية للتراث لافتقادها ~~للموضوعية على مستوى المنهج والنظرة التاريخية على مستوى ~~الرؤية. # القراءة السلفية الدينية للتراث # انشغلت هذه القراءة في الفكر العربي المعاصر أكثر من ~~غيرها بالتراث وإحيائه واستثماره في إطار قراءة أيديولوجية ~~سافرة، أساسها إسقاط صورة «المستقبل المنشود» المستقبل ~~الأيديولوجي على الماضي، ثم «البرهنة» - انطلاقا من عملية ~~الإسقاط هذه - على أن «ما تم في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل»، # 31 # ولبس هذا التيار في بداية الأمر لباس حركة ~~دينية سياسية تنادي بالتجديد وترك التقليد بما يعنيه هذا ~~الترك من إلغاء كل التراث المعرفي والمنهجي والمفهومي ~~المنحدر إلينا من عصر «الانحطاط» وما يرمز إليه التجديد ~~على مستوى الفهم والقدرة على الاستمداد من المصادر ~~مباشرة. # فنحن إذن - كما يقول الجابري - أمام «قراءة أيديولوجية ~~جدالية (...) تستعيد الصراع الأيديولوجي الذي كان في الماضي ~~وتنخرط فيه، لا تكتفي بخصومها في الماضي، بل تبحث عن خصوم ~~في الحاضر والمستقبل»، # 32 # مما يجعل هذه القراءة، قراءة لا تاريخية، ~~وبالتالي لا يمكن أن تنتج سوى نوع واحد من الفهم للتراث هو ~~الفهم التراثي للتراث، مما يجعل المراهنة عليها رهانا ~~خاسرا؛ نظرا لقصور آلياتها التفسيرية ومداخلها. يقول: ~~«السلفية الدينية تصدر في قراءتها من منظور ديني للتاريخ، ~~يجعل التاريخ ممتدا في الحاضر منبسطا في الوجدان، يشهد ~~على الكفاح المستمر والمعاناة المتواصلة من أجل إثبات ~~الذات وتأكيدها، ولما كانت الذات تتحدد بالإيمان والعقيدة ~~فلقد جعلت من العامل الروحي العامل الوحيد المحرك ms015 للتاريخ، ~~أما العوامل الأخرى فهي ثانوية أو تابعة أو مشوهة للمسيرة.» # 33 # السلفية العربية الليبرالية ~~الاستشراقية # إذا كانت السلفية الدينية قد اتخذت من الماضي آلياتها ~~التحليلية ومرجعيتها للحاضر فإن السلفية العربية ~~الليبرالية اتخذت الغرب سلفها، فتقرأ تراثها قراءة ~~أورباوية النزعة، ولا ترى فيه إلا ما ترى هذه النزعة، ~~وتقدم نفسها كقراءة «علمية » تتوخى «الموضوعية»، وتلتزم ~~«الحياد»، و«تنفي» أن تكون لها أية دوافع نفعية أو أهداف أيديولوجية. # 34 # وإنها تأخذ من المستشرقين المنهج العلمي دون ~~أيديولوجياتهم، لكنها تنسى أو تتناسى أنها تأخذ الرؤية مع ~~المنهج. # وتقوم هذه الرؤية «من الناحية المنهجية على معارضة ~~الثقافات على قراءة تراث بتراث ومن هنا المنهج الفيلولوجي ~~الذي يجتهد في رد «كل» شيء إلى «أصله»، وعندما يكون ~~المقروء هو التراث العربي الإسلامي فإن مهمة القراءة تنحصر ~~حينئذ في رده إلى «أصوله» اليهودية والمسيحية والفارسية، ~~اليونانية والهندية ...» # 35 # وتكشف هذه الرؤية عن استلاب خطير للذات ~~تاريخا وحضارة، حينما تحاول أن تقرأ ذاتها بذات الآخر ~~وماضيه، وهكذا تنكشف دعوى المعاصرة في الفكر الليبرالي ~~العربي الحديث والمعاصر. # القراءة اليسارية الماركسية العربية # الحوار داخل هذه القراءة يجري بين ثنائية المستقبل ~~والماضي، لكن بوصفهما مجرد مشروعين: مشروع الثورة التي لم ~~تتحقق بعد، ومشروع التراث الذي سيعاد بناؤه بالشكل الذي ~~يجعله يقوم بدوره في همز الثورة وتأصيلها، # 36 # فالعلاقة هنا جدلية بين الثورة والتراث، ~~فالثورة ينبغي لها أن تعيد ترتيب التراث وفق مطالبها ~~وشواغلها، والتراث مطلوب منه أن يساعد الثورة ويقدم لها ~~المبررات. # هكذا فكر الفكر اليساري العربي باحثا لنفسه عن مخرج ~~من الحلقة المفرغة التي أوجد فيها نفسه؛ باحثا عن منهج، ~~فيتبنى المنهج الجدلي، لكن مع ذلك - تأكيد من الجابري - ~~يجد نفسه في الحلقة نفسها التي حاول الخروج منها. # ويبرر الجابري هذا الضيق المنهجي عند هذا الاتجاه بأنه ~~يسعى - في هذا التبني - إلى المنهج الجدلي كمنهج «مطبق» لا ~~كمنهج «للتطبيق»، فأرادت أن تحول التاريخ العربي الإسلامي ~~إلى صراع طبقي بين المادية والمثالية، ومن «ثمة تصبح مهمة ~~القراءة اليسارية للتراث هي تعيين ms016 الأطراف وتحديد المواقع ~~في هذا الصراع «المضاعف».» # 37 # ودفع هذا الاتجاه بكل مقولاته المنهجية وآلياته ~~التفسيرية إلى تفصيل التاريخ الفكري والمعرفي للأمة، وفق ~~هرمية تصورية منسجمة مع ذات المقولات والآليات، وحتى إذا ~~عجزوا عن هذا التفسير وهذا التفصيل للتاريخ، ولم تسعفهم ~~قوالبهم الفكرية تحدثوا عن «التواطؤ التاريخي» بين قوى ~~رجعية ظلامية أيديولوجية، فانتهت هذه القراءة إلى «سلفية ~~ماركسية». # فهذه الآليات المنهجية والمطالعات النقدية للتراث تعاني ~~حسب الجابري من آفات على مستوى المنهج والرؤية؛ فمن حيث ~~المنهج فإنها تفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية، أما من ~~حيث الرؤية فتعاني كلها من غياب النظرة التاريخية، ~~وبالتالي لا تختلف هذه القراءات عن بعضها من الناحية ~~الإبستيمولوجية؛ لأنها مؤسسة على طريقة واحدة في ~~التفكير، الطريقة التي سماها الباحثون العرب القدامى ب ~~«قياس الغائب على الشاهد»، مما يجعلها عاجزة عن الإبداع ~~والإنتاج، وتطوير لكل أنماط المعرفة. # فهذه الآليات غير ذات موضوع بالنسبة للفكر العربي ~~المعاصر إن هو أراد أن يبدع ويخلق حالة من الوعي داخل ~~الساحة الفكرية العربية، مما يجعله خارج الزمان، ومن هنا ~~لا تاريخية الفكر العربي؛ لأنه «يفتقد إلى الحد الأدنى من ~~الموضوعية، ولذلك كانت قراءة التراث قراءة سلفية تنزه ~~الماضي وتقدسه وتستمد منه «الحلول» الجاهزة لمشاكل الحاضر ~~والمستقبل، وإذا كان هذا ينطبق بوضوح كامل على التيار ~~الديني فهو ينطبق أيضا على التيارات الأخرى؛ باعتبار أن ~~لكل منها سلفا يتكئ عليه ويستنجد به. هكذا يقتبس العرب ~~جميعا مشروع نهضتهم من نوع الماضي، إما الماضي العربي ~~الإسلامي، وإما «الماضي-الحاضر» الأوروبي.» # 38 # فمشكلة المنهج التي يعالجها الجابري هنا هي في نهاية ~~التحليل تئول عنده إلى «قضية النهضة ومشكلة العقلانية» # 39 # في فضاء الفكر العربي المعاصر، ومن هنا لا ~~علمية ولا تاريخية المسلكيات المنهجية التي تناولت إشكالات ~~هذا الفكر وفقدانها الزمان بهذا الشأن. # فهذه المسوغات كافية في نظر الجابري لمقترحات منهجية ~~أكثر فاعلية، وقدرة على التحليل في إطار المشروع الكبير ~~الذي اشتغل عليه «نقد العقل العربي» وتفكيك آلياته ونظمه ~~المعرفية. ~~(ب) الانتظام المنهجي في فكر الجابري: ms017 الأسس ~~والآليات # ظل إشكال المنهج في قراءة التراث العربي الإسلامي عند ~~الجابري إحدى القضايا الكبرى التي شغلته، الأمر الذي دفعه ~~إلى نقد الدراسات السابقة والتي وصفها بالسلفية، على ~~اختلاف مرجعياتها؛ لأنها أخلت - في رأيه - بشروط القراءة ~~العلمية المعاصرة التي تخلق إمكانات وكفايات في قراءة ~~الإشكالات الواقعية المطروحة على العقل العربي المعاصر، ~~وتعيد المتن التراثي إلى سياقات جديدة ليتفاعل معها، بدل ~~أن يظل متنا سكونيا عاجزا عن الفعل، أي بعد الاتصال ~~والانفصال عنه في اللحظة ذاتها. # ويقدم الجابري في هذه الخطوات المعالم الكبرى لمنهجياته ~~المقترحة نستعرضها كما صاغها الرجل دون تغيير حرصا على ~~الأمانة العلمية وإبلاغا للمادة كما هي على أساس أن نؤجل ~~القول فيها فيما بعد. # تنتظم هذه الخطوات المنهجية عنده كلها في سؤال إشكالي ~~وأزمة بنيوية، سؤال إشكالي مرتبط ب «قضية إعادة بناء الذات ~~العربية بالشكل الذي يجعلها قادرة على مجابهة تحديات العصر ~~والاستجابة لمتطلباته»، # 40 # وهذا لا يتم في نظره إلا من خلال عملية إعادة ~~بناء الماضي وتفكيك عناصره، وترتيب العلاقة بين أجزائه؛ ~~حتى يكون قادرا على أن يؤسس لنهضة تمتلك هذا التراث، ~~وتعيد بناءه قصد تجاوزه وبقراءته قراءة تستوحي المفاهيم ~~والمناهج الجديدة وتوظفها في خدمة الموضوع، وتعيد ~~الاستقلال التاريخي للذات العربية. # وما لم ينتظم الفكر العربي المعاصر في هذا «التراث ~~وتجديده من الداخل، وفي الفكر العالمي المعاصر ومواكبة ~~أدواته المنهجية وتوظيفها ورؤاه العلمية في إعادة بناء ~~الماضي وتغيير الحاضر وتشييد المستقبل (...) سيبقى الفكر ~~العربي سجين المعارف القديمة يجترها، وسيظل يعاني ليس ~~أزمة إبداع فقط، بل لربما من سكرات الموت وخطر الانقراض.» # 41 # أما الأزمة البنيوية التي يشكو منها الفكر العربي ~~المعاصر - في نظره - فهي «أزمة عقل قوامه مفاهيم ومقولات ~~وآليات ذهنية تنتمي إلى ثلاثة نظم معرفية [يقصد العرفان ~~والبيان والبرهان] متنافرة تكلست وجمدت فيها الحياة ~~باكتساح الطرقية الصوفية ورؤاها السحرية الخرافية للساحة ~~الاجتماعية اكتساحا شاملا، وأزمة ثقافية ارتبطت منذ ~~بداية تشكلها بالسياسة، فكانت السياسة فيها لا العلم» # 42 # تخضع باستمرار لتقلباتها ودورانها بين ~~الإخفاق والنجاح؛ لهذا يرى ms018 أن أولى خطوات التجاوز المنهجي ~~للقراءات السابقة - التي شكلت عائقا إبستيمولوجيا أمام ~~التطور في العقل العربي، وبالتالي العجز عن تحقيق حلم ~~النهضة - تكمن في تبني الأسس المنهجية الآتية: # ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي ~~للتراث # يعتبر الجابري هذه القطيعة شرطا من شروط التجديد على ~~مستوى المنهج من خلال «كسر بنية العقل المنحدر إلينا من ~~«عصر الانحطاط» وأول ما يجب كسره (...) ثابتها البنيوي ~~«القياس» في شكله الميكانيكي، وامتداداته إلى الفكر العربي ~~الحديث والمعاصر.» # 43 # فتكون مشكلة المنهج هنا هي مشكلة الموضوعية، ~~فمهما بلغت مناهج التفسير والتحليل من الدقة حسب الجابري، ~~فإنها لا تصلح إلا عندما يكون الموضوع منفصلا عن الذات ~~يتمتع بنوع من الاستقلالية عنها؛ فيؤسس لباراديغم جديد في ~~بحث العلاقة بين الموضوع [التراث] والذات. # وقد مكنته هذه الآلية المنهجية من حسن تدبير العلاقة ~~بين طموحات الواقع وإشكالاته، وبين الماضي وإكراهاته؛ ~~ليرفع من جاهزية العقل العربي في مجابهة تحديات الحداثة ~~وتدفقاته، والقدرة على إنجاز أحلامه؛ فيتحرر من تراكمات ~~التاريخ السلبية، والمعيقة لحركته الإبداعية في واقع لا ~~يسمح بتكرار أنظمة فكرية غير قادرة على الفعل ~~والإنجاز. # تجديد باراديغم قراءة التراث: منهجية الفصل ~~والوصل # يبدأ الجابري هذه المشكلة بطرح سؤال منهجي إشكالي: كيف ~~نبني لأنفسنا فهما موضوعيا لتراثنا؟ ويرى أن هذه القضية ~~هي جوهر المشكلة المنهجية، التي تواجه الفكر العربي ~~المعاصر في محاولاته الرامية لإيجاد طريقة علمية ملائمة ~~للتعامل مع التراث. وتتخذ هذه الموضوعية عنده مستويين من العلاقة»؛ # 44 # مستوى العلاقة الذاهبة من الذات إلى الموضوع، ~~والموضوعية في هذا المستوى تعني فصل الموضوع عن الذات، ثم ~~مستوى العلاقة الذاهبة من الموضوع إلى الذات، وهي في هذا ~~المستوى تعني فصل الذات عن الموضوع. # ويصر الجابري على أن هذه الخطوة هي الأساس في تحقيق ~~الموضوعية والعلمية بعيدا عن المسبقات والرغبات، وأن ~~المكتسبات المنهجية للعلوم الألسنية المعاصرة تقدم لنا ~~طريقة في هذا التعامل الموضوعي مع النصوص التي يلخصها في ~~القاعدة الذهبية التالية: «يجب قراءة المعنى قبل قراءة ~~الألفاظ، والتحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية ~~أو الرغبات ms019 الحاضرة.» # 45 # وهذه الخطوة تحتاج حسب تحليله، إلى ثلاثة أسس ~~منهجية كبرى: # المعالجة البنيوية: التي تحرص على العلائق ~~الداخلية للنصوص، والاقتصار في التعامل معها ~~«كمدونة، ككل تتحكم فيها ثوابت، ويغتني ~~بالتغييرات التي تجري عليه حول محور واحد»، # 46 # من خلال محورية فكر صاحب النص حول ~~إشكالية واضحة قادرة على استيعاب جميع ~~التحولات التي يتحرك فيها ومن خلالها فكره. ~~مرحلة تعين على فهم العلاقات الأفقية ~~داخل النص، دون الاستناد إلى العلاقات ~~الخارجية. # التحليل التاريخي: من خلال الحرص على ربط ~~فكر صاحب النص الذي أعيد ترتيبه بمجاله ~~التاريخي، بكل أبعاده الثقافية والأيديولوجية ~~والسياسية والاجتماعية، لاختبار مدى صحة ~~المعالجة البنيوية، # 47 # فهذا التحليل يساعدنا على اكتشاف ~~الإمكان التاريخي، والتعرف على ما كان في ~~إمكان النص أن يقوله ولكن سكت عنه. # الطرح الأيديولوجي: ينطلق الجابري من أن هذا ~~المدخل في التحليل يشكل إضافة نوعية في عملية ~~الفهم، والبناء التكاملي في الوظيفة التي ~~نتوخاها من التراث. يقول: «إن التحليل ~~التاريخي سيظل ناقصا، صوريا مجردا ما لم ~~يسعفه الطرح الأيديولوجي؛ أي الكشف عن ~~الوظيفة الأيديولوجية [السياسية والاجتماعية] ~~التي أداها الفكر المعني الذي ينتمي إليه ~~(...) والكشف عن هذا المضمون هو الوسيلة الوحيدة ~~لجعله فعلا معاصرا لنفسه، مرتبطا بعالمه»، # 48 # وإعادة التاريخية له. # تشكل هذه الخطوات كلها نسقا متداخلا ومتكاملا قائمة ~~على لحظة الموضوعية، وتحقيق الانفصال عن الموضوع، أما ~~اللحظة الثانية فهي لحظة الاتصال به والتواصل معه، لمعالجة ~~مشكل الاستمرارية، وهي اللحظة المنهجية التي يؤسس عليها ~~الجابري علاقة القارئ بالمتن التراثي؛ وتمكنه من ~~الاتصال المباشر به، فيعيش إشكالاته، ويكتشف ذاته مع ~~الاحتفاظ بوعيه واستقلاله ... إنها حسب الجابري رؤية مباشرة ~~ريادية استكشافية: تستكشف الطريق وتستبق النتائج، وسط حوار ~~جدلي بين الذات القارئة، والذات المقروءة، عبر معطيات ~~الموضوعية التي استخلصت خلال اللحظة الأولى من ~~المنهج. # كما تمكن هذه الخطوة من قراءة ما سكتت عنه الذات ~~المقروءة؛ فيندمج الموضوعي بالأيديولوجي، فيتحول ~~«المستقبل-الماضي» إلى «المستقبل-الآتي» ... فيصبح المقروء ~~المعاصر لنفسه معاصرا لقارئه، فتصبح هذه المعاصرة ~~المتبادلة هي التي تحقق الاستمرارية باستمرارية تقدم الوعي ms020 ~~من خلال البحث عن الحقيقة. # 49 # والذي يتيح إمكانية هذه الاستمرارية هو: ~~«الممارسة العقلانية النقدية في تراثنا وبالمعطيات ~~المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها يمكن أن نزرع في ~~ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة: ~~الشرطين الضروريين لكل نهضة.» # 50 # هكذا يفصح الجابري عن طموحاته النقدية وأفقه المعرفي، ~~من خلال منهجية الوصل والفصل لتحرير التراث والتاريخ من ~~الرقابة المادية والمعنوية التي يفرضها المجتمع، وتمنع من ~~استمرار العطاءات في الثقافة العربية. ~~(ج) محددات الرؤية والقراءة المعاصرة للتراث # الوعي بأبعاد الرؤية - فلسفة النظر ومنطلق التحليل ~~وترتيب الخطوات - شرط ضروري لاستعمال المنهج استعمالا ~~سليما مثمرا ... فهي التي تؤطر المنهج وتحدد له أفقه وأبعاده، # 51 # وترتكز هذه الرؤية على منطلقات أساسية في ~~المنهجية التي يقترحها في قراءة المتن التراثي واستيعاب ~~إرجاعات الواقع المعاصر: # وحدة الفكر ... وحدة الإشكالية # 52 # ينطلق الجابري في هذه النقطة من اعتبار تاريخ الفكر ~~تاريخ وحدة الإشكالية التي تؤسس لوحدة الفكر في لحظة أو ~~لحظات تاريخية معينة لا تتقيد بإطار الزمان والمكان، بل ~~تبقى مستمرة وتظل مفتوحة في كل لحظة تبرز فيها إشكالية ~~النهضة للأمة كإشكالية التوفيق بين العقل والنقل، كما تعني ~~عنده ضرورة الانصراف إلى ما كتبه مجموعة من المفكرين إلى ~~فكر واحد منهم. وتشكل هذه اللحظة عند الجابري لحظة مهمة في ~~توجيه اختياراته الفلسفية العقلانية أثناء تعامله مع ~~التراث العربي في مجال جغرافي محدد [المغرب والأندلس] ~~ولفكر بعينه - ابن طفيل وابن رشد وابن باجة - وبالعوامل ~~التي أنتجت هذا الفكر في زمان محدد ومعروف «اقتصادية ~~وسياسية واجتماعية»، ويرى أنها رؤية مفتوحة للذات القارئة ~~ومتاحة للتأويل بعد تكييف أدوات التحليل معها. # المجال التاريخي أو تاريخية الفكر # الذي يعنيه ليس بالضرورة التحديد التقليدي الذي يؤرخ له ~~بتعاقب الدول، وإنما القصد هو «عمر الإشكالية»، # 53 # والفترة التي تغطيها في تاريخ فكر معين، # 54 # ويتحدد عنده هذا المجال بأمرين اثنين: ~~«الحقل المعرفي» الذي تؤطره المادة المعرفية ~~الموحدة المنسجمة «الفكر الفلسفي» التي يتحرك ~~فيها الفكر بجهاز مفاهيمي وتصورات، ومنطلقات، ~~ومنهج ورؤية موحدة. # أما المجال الثاني فهو ms021 «المضمون ~~الأيديولوجي» لإعادة نوع من الترابط بين الفكر ~~والواقع من خلال الوظيفة الأيديولوجية التي ~~يحملها ذلك الفكر. # تمكننا هذه الخطوات المنهجية وعناصر الرؤية - يقول ~~الجابري - من الوعي بإشكالات التراث، وتحديد مستويات ~~التعامل معها؛ في أفق توظيفه في حياتنا الفكرية الراهنة ~~على مستوى الفهم والاستيعاب الكلي، وعلى مستوى الاستثمار ~~والاتجاه نحو أعلى مراحل التقدم فيه، منبها إلى أن ما ~~يزيد المشكلات تعقيدا في هذا التعامل داخل الفكر العربي ~~المعاصر، هو الطرح الخاطئ لقضية التعامل مع التراث، التي ~~تشكل إحدى المحددات الأساسية لإشكاليته، ولكونه يطرح ~~المشكلات التي يواجهها في إطار هذه الإشكالية طرحا خاطئا. # 55 # والمنهج في كتابات الجابري - كما يؤكد - مسترسل، لكن لا ~~ليكرر نفسه، بل ليكيف خطواته وأدواته مع المعطيات التي ~~يتعامل معها، ويتمم عملية اكتشاف نفسه، وهذا واضح من ~~المداخل والمقاربات التي افتتح بها كل جزء من أجزاء ~~مشروعه في نقد العقل العربي. # بهذه الخطوات يحقق الجابري معنى الانتظام في المنهج بدل ~~الفوضى التي سادت الدراسات السابقة، و«الانتقال من التناول ~~«الأيديولوجي» للتراث إلى التراث باعتباره سؤالا ~~«معرفيا»؛ أي من سؤال: لماذا الحاجة إلى قراءة التراث؟ ~~إلى سؤال: كيف نقرأ التراث؟ وسؤال الكيفية هنا هو سؤال ~~الرؤية والمنهج؛ السؤال الذي يقتحم التراث ويبحث فيه، لا ~~«السؤال» الذي يتخذ من التراث تكأة لينتج خطابا أيديولوجيا.» # 56 # وينتقد الجابري القراءات السابقة للتراث في بعدها ~~الإبستيمولوجي لأنها «مؤسسة على طريقة واحدة في التفكير؛ ~~الطريقة التي سماها الباحثون العرب القدامى ب «قياس ~~الغائب على الشاهد» [أي إن] هناك دوما «شاهد» يقاس عليه ~~«الغائب». الغائب هنا هو المستقبل. (...) أما الشاهد فهو ~~بالنسبة لكل اتجاه الشق الأول من السؤال الذي يطرحه.» # 57 # فهي قراءات سلفية الرؤية والمنهج. # ويحق لنا أن نتساءل بعد الذي عشناه مع هذا المشروع من ~~متعة وسياحة فكرية وقوة في المراجعات: هل فعلا انتهينا من ~~إشكالية المنهج من خلال الخطوات المقترحة وسويت المسألة ~~أم أن الأمر أعقد مما يتصور الجابري؟ ما حدود التوفيق لهذه ~~المنهجية المقترحة؟ ألم يكن خطاب الجابري حول التراث خطاب ms022 ~~نقائض أيديولوجيا عكس ما قرره من أن الهم الإبستيمي هو ~~رهانه الأول في كل هذا الجهد؟ نؤجل القول في هذه الأسئلة ~~إلى المبحث الرابع من هذا الفصل حيث مجاله الطبيعي. ~~(2-2) تأسيس المفاهيم المعرفية المنهجية في مشروع الجابري: ~~المرجعيات والأصول # اعتمد محمد عابد الجابري في تأسيس ونحت جهازه المفاهيمي ~~ومنهجياته التحليلية على منظورات متعددة ومتخصصة، ومساقط ~~معرفية، منها ما ينتمي إلى المتن التراثي العربي الفلسفي ~~بالدرجة الأولى، ومنها ما ينتسب إلى الفكر العالمي المعاصر ~~المتعدد التخصصات «الفكر السياسي، والبنيوية، والتفكيكية، ~~والأنثروبولوجيا، والإبستيمولوجيا، وعلم النفس، وعلم اللغة، ~~والماركسية المتجددة» ليس كما طبقت هذه المفاهيم في حقلها ~~التداولي الأول، وإنما وفق معطيات جديدة، يعيشها الفكر العربي ~~المعاصر، وهو ما يمنحها - حسب الجابري - إمكانات التحرك في ~~حقلها الجديد بحرية، بعد تنقيتها من خلفياتها الأيديولوجية، ~~وتطويعها والسياقات الجديدة لفكرنا المعاصر. # لم يواجه الجابري مشكلة في بحثه أكثر من مواجهته لمشكلة ~~تبيئة المفاهيم الغربية التي استمدها من حقوله المعرفية من ~~أجل بلورة أفضل لمشروعه النقدي، # 58 # فكان عليه أن يقطع مسافات، ذهابا وإيابا، بين ~~هذه الحقول المعرفية المتعددة والمتخصصة وشبكة مفاهيمها، حتى ~~يظفر ببغيته المنهجية في إطار النقد الإبستيمولوجي للعقل ~~العربي، وبالتالي الهدف الاستشرافي النهضوي العربي؛ من خلال ~~تفكيك آليات تفكير هذا العقل، والتحرر مما أسماه «مما هو ~~متخشب في كياننا العقلي، وإرثنا الثقافي»، # 59 # وفك الارتباط بين «الصراع الأيديولوجي والصدام ~~الإبستيمولوجي في الثقافة العربية. وهي علاقة ما كان يمكن لنا ~~قط إهمالها أو التقليل من أهميتها ومفعولها، وإلا فقد التحليل ~~بعده التكويني؛ أعني ما يمنح موضوعه تاريخيته ...» # 60 # وتحقيق هذه المهمة التاريخية يتطلب من الناحية المنهجية نظرة ~~متكاملة منافية للتبعيض والبعثرة؛ ولذلك تجد غلبة مفاهيم ~~تستجيب لهذا الطموح النقدي من قبيل «البحث عن الأصول والفصول»، ~~و«التفكيك»، و«رد الجزء إلى الكل». يقول: «نحن لا نصدر عن مثل ~~هذا المنهج التجزيئي الفيلولوجي الاستشراقي، ليس فقط لأنه ~~معرض للنقد علميا، بل لأنه لا يستجيب لاهتماماتنا نحن ~~العرب المعاصرين، ولا لنوع الوعي الذي نريد أن يكون لنا عن ms023 تراثنا.» # 61 # حين حاول أن يجعل المصطلح الغربي أقرب إلى موضوعه، ~~ويكسبه القدرة على الانسجام. # هكذا تكلم الرجل. فهل فعلا استطاع الجابري أن يحقق هذا ~~الانسجام بين أدواته التفسيرية وموضوعه «نقد العقل العربي» ~~بمضلعاته الأربعة: «تكوين العقل»، «بنية العقل»، «العقل ~~السياسي»، «العقل الأخلاقي»؟ ولإشكالات الفكر العربي المعاصر؟ ~~وأن يحررها من أبعادها الأيديولوجية وإحالاتها الفلسفية؟ وأن ~~يحقق بهذا العمل الضخم ما كان العرب يحلمون به؛ مشروع النهضة ~~والتقدم والحداثة السياسية؟ فهذا الانتظام، والتجاوز المنهجي، ~~والتبيئة المفاهيمية التي اشتغل عليها الجابري وأخذت منه وقتا ~~من شأنها - كما يقول - أن تجعل من دراسة التراث وقضايا الفكر ~~العربي المعاصر؛ دراسة نقدية عقلانية متجاوزا «الثقافة ~~الشعبية، والخرافات، والأساطير» إلى الانخراط في نقد العقل ~~بأدوات مأخوذة من الفكر العالمي الإنساني، ومحاولة غرسها في ~~الحقل التداولي الفلسفي العربي. # وقد كان هذا الهاجس المنهجي مهيمنا على نفس الكتابة ~~عنده، وما يؤكد هذا المنحى ما نجده في مقدمات مشروعه التي ~~استغرقت صفحات؛ لهذا فقد «عانق إطار التحليل الإبستيمولوجي ~~معانقة لصيقة ظلت تصادفنا بصماتها واصطلاحاتها على طول الأجزاء ~~المكونة لمشروع «نقد العقل العربي»، فبالقدر الذي يثيرها في ~~مقدمة «تكوين العقل العربي» يرسخها في خلاصته»، # 62 # أثناء مقارنة أجراها بين خطاب الكندي وخطاب ~~الفارابي، وهو ما يثبته بقوله: «وإذا نحن نظرنا إلى خطاب ~~الكندي وخطاب الفارابي من زاوية الأساس الإبستيمولوجي، أو ~~النظام المعرفي الذي يؤسسهما وجدناهما خطابا واحدا؛ خطابا ~~جديدا على الثقافة العربية الإسلامية يسجل لحظة جديدة في ~~تاريخ تكون العقل العربي ...» # 63 # فالتأكيد على هذا الاختيار في التحليل أدى به إلى ~~ارتشاف حاجياته المنهجية - كما ذكرنا آنفا - من حقول معرفية ~~إنسانية تناسب موضوعه، فحينما يحتفل باللغة العربية معتبرا ~~إياها مرجعا لقراءة فكرية كان لزاما عليه طرق باب علماء السيميائيات. # 64 # ويعبر عن هذا المنحى المنهجي فيقول: «وإذا أخذنا بالأطروحة ~~العامة المقبولة (...) لدى علماء السيميائيات والإثنولوجية ~~اللسانية، والقائلة: إن منظومة لغوية ما (الشيء الذي يعني ليس ~~فقط مفرداتها بل أيضا نحوها وتراكيبها) تؤثر في طريقة رؤية ~~أهلها للعالم وفي كيفية مفصلتهم ms024 له، وبالتالي في طريقة ~~تفكيرهم؛ أمكن القول إن الكلمة التي يرجع بها إلى معناها ~~اللغوي إنما يطلب مدلولها كما كان يتحدد داخل المنظومة اللغوية ~~التي تنتمي إليها (...) وهذا ميسور جدا وبدرجة كبيرة في اللغة ~~العربية الفصحى.» # 65 # فهذا الشاهد يظهر بدرجة كبيرة مدى ارتباط مقومات المنهج ~~النقدي عند الجابري بأطروحات التفكير اللساني والإثنولوجية # 66 # اللسانية وأصولها النظرية، ومحاولة سحب بطاقة ~~السفر معها، والدخول بها إلى حقل البيان العربي وفق محددات ~~الرؤية المنهجية التي حددها. # ويؤسس لهذه القوة الإبستيمولوجية من التراث، وينتزع أدواتها ~~منه، حين اعتبر الإجماع في التشريع الإسلامي قوة منهجية ناهضة ~~بالعمل الإبستيمولوجي. يقول: «الإجماع إذن أصل من أصول ~~«التشريع» في النحو واللغة، وفي الغالب يتم العمل بهذا الأصل ~~بدون تأسيس ولا تبرير وكأنه من بديهيات العقل (...) ولم تكن هذه ~~السلطة التي مارسها «الإجماع» على عقول النحاة واللغويين إلا ~~مظهرا من مظاهر السلطة الإبستيمولوجية التي كانت - وما تزال - ~~لهذا «الأصل» في الحقل المعرفي البياني، والتي تجد مركزها في ~~أصول الفقه (...) والواقع أن علماء أصول الفقه قد منحوا ~~«الإجماع» من القوة الإبستيمولوجية؛ قوة التأسيس على الصعيد ~~النظري، ما لم يمنحوه لأي «أصل» آخر، بل لقد أسسوا عليه جميع الأصول». # 67 # فظلت هذه المنهجية هي الموجه الأساس لعمليته النقدية التي ~~انطلقت من الخطوات الثلاث في كتابه «نحن والتراث»: التحليل ~~التاريخي، المعالجة البنيوية، ثم الطرح الأيديولوجي. # ومع كل التأكيدات الصارمة التي أعلنها الجابري في التسلح ~~بالنقد الإبستيمولوجي باعتباره سلطة مرجعية في منهجية التحليل، ~~فإنه لا يفوته أن يلمح إلى إحساسه بالإحراج من نتائج هذا ~~التحليل، إزاء المذاهب والطوائف التي انتقد بنية التفكير عندها ~~في التراث المعرفي وما زالت مستمرة؛ ولذلك عمد إلى ما أسماه ~~بالتخفيف من النقد، حيث حرص على تجنب الحساسية الطائفية فخفف ~~من النقد إلى أدنى درجة ممكنة بالنسبة للمذاهب الفكرية التي ما ~~زالت موجودة في الساحة، وربما تنافسه على مستوى التحليل أو ~~تخالفه. # وهذا التخفيف ذكاء منهجي من الجابري ليتجنب الدخول في ~~الصراع المباشر، والمعارك الهامشية التي تنسيه الموضوع ms025 الأساس ~~والحيوي «نقد العقل العربي والتأسيس لمشروع الحداثة»، ويضع ~~بينه وبين «خصومه» مسافة من الاحترام والتقدير، المستند إلى ~~فقه الاختلاف، لكن الاختيار يبقى هو هو: الصرامة النقدية، ~~والوفاء لمنظومته التحليلية. # وهذا دأب دأب عليه الجابري في كل مراحل مشروعه، فكان ~~يلجأ إلى إجراء تعديلات منهجية واختيار منظورات في التحليل ~~تستجيب لطبيعة كل موضوع ولاحتياجاته. هكذا نجده في تحليل العقل ~~السياسي العربي يستعير آليات جديدة، ومفاهيم أخرى أكثر قدرة ~~على التفكيك والتوليف والتوليد، فاعتمد خرائط معرفية تتوزعها ~~كل الاتجاهات على اختلاف منطلقاتها وأيديولوجياتها؛ ويبرر ~~الجابري هذا الاستمداد المنهجي من الفكر الغربي بمبرر بناء ~~الذات وتطوير وعينا المعاصر. يقول: «عندما ندرس التراث أو ~~الفكر الغربي (...) فإنما نفعل ذلك لكي نبني ذاتنا ونطور وعينا، ~~لكي نكون لأنفسنا نظرة عن العالم، لكي نفهم.» # 68 # وهو مضطر - كما تقول الباحثة اللبنانية نايلة أبي نادر - إلى ~~أن يستعير أدوات بحثه، حتى يتسنى له الحفر والتفكيك بالشروط ~~التي حددها. لكن المشكلة المطروحة لا تقف عند حد الاستعارة؛ ~~وإنما المشكلة حول كيفية اختيار هذه الأدوات وفي توظيفها # 69 # حتى تستجيب لأغراض البحث العلمي، وهذا تحد يواجه ~~الباحث في عمله؛ تحدي ترجمة المفاهيم والمصطلحات واختيار ~~المنهج أو المناهج الملائمة للموضوع. # إن الترجمة لا تكفي، بل لا بد من عمل استثنائي للباحث هو ~~الوعي بما قبل المنهج بالحمولات الفلسفية للمفاهيم؛ لتفادي ~~الإسقاط العشوائي، وهذا واحد من العوائق الكبرى التي تواجه ~~الفكر العربي المعاصر في كل لحظة من لحظاته التاريخية، بل ~~تواجه البحث العلمي بشكل عام. # فهذا الخلل في قراءة المفاهيم أدى إلى خلق ثنائيات في ~~تاريخ الفكر العربي منذ بداية الترجمة، الماضي والحاضر، التراث ~~والحداثة. # ومن أجل تفادي العوائق الإبستيمولوجية شرع في تبيئة مفاهيم ~~موضوعه، ففرق بين «الدرس الإبستيمولوجي» و«التوظيف ~~الإبستيمولوجي»، ف «الإبستيمولوجية بمعناها المعاصر تتعلق ~~بالمعرفة العلمية، لكن ليس بالضرورة [في رأيه] أن ترتبط ~~بالعلوم الطبيعية والرياضية، بل يمكن أن تكون ميدانا لإنتاج ~~مفاهيم ورؤى جديدة قد لا تتوافر في العلوم الحقة التي هي موضوع ~~الدرس الإبستيمولوجي بالمعنى الضيق ms026 للكلمة»، # 70 # ليوسع من تحرك مفاهيمها في مجالات جديدة غير ~~أصلية، ويحاول أن يدرسها كما فعل بياجي في استعارة مفهوم ~~اللاشعور المعرفي أثناء دراسته لتكوين بنية العقل، عقل الواحد ~~من البشر، مستلهما المعنى الذي أعطاه فرويد للاشعور ~~«الانفعالي السلوكي»، يقول: «لنستعر إذن هذا المفهوم من بياجي ~~ولننقله من ميدان السيكولوجيا التكوينية، الذي تحرك فيه ~~بياجي، إلى ميدان إبستيمولوجيا الثقافة الذي نتحرك فيه (...) ~~ومعلوم أن اللاشعور لا تاريخ له؛ لأنه بطبيعته لا يعترف بالزمن ~~«الطبيعي» ولا بزمن بنية العقل المنتمي إلى ثقافة ما ، فهو لا ~~يلحقه التغير بنفس الوتائر التي يتغير بها الزمن الاجتماعي ~~والعاطفي ...» # 71 # وألتوسير حين وظف دراسات باشلار في تحليل فكر ~~ماركس وفوكو في حفرياته. # فهو لا يرى مانعا من أن تسافر هذه المفاهيم من حقل إلى آخر ~~دون تأشيرة المرور وشروط السفر ومدة الإقامة، ودون الخضوع ~~لمراقبة جمركية صارمة، مع ما يخلقه هذا المرور والسفر من قلق ~~في الطريق ومتاعب في الوصول؛ ولهذا يحاول تركيبها في منظومته ~~النقدية كما يتصورها وما تبقى منها في ذهنه ومن خلال معرفته ~~بها، وأنه «إذا امتلكنا هذا الذي تبقى وأصبح مهضوما، وصار ~~ملكا لنا، فإننا حينئذ نستعمله بصورة عفوية وفي الغالب بكيفية مبدعة». # 72 # ويعطي لهذه المفاهيم مشروعية الارتباط بموضوعه حين اعتبرها ~~مفاهيم تعبر عن واقع إنساني عام، مع ما في هذا التعميم من ~~تجاوز لخصوصيات الثقافات الأخرى التي ما فتئ يؤكد عليها وعلى ~~نسبية هذه المناهج - اضطراب في التعبير والإفصاح في أكثر من ~~موقع - بين العمومية والنسبية والشمولية والاستقلال التاريخي. ~~يقول: «إن مفاهيم العلوم الإنسانية في الغرب ترتبط بالمرجعيات ~~التي تؤسس الثقافة الغربية والفكر الغربي، ولكنها في ذات الوقت ~~تعبر عن واقع إنساني عام»؛ # 73 # الأمر الذي يطعن في مفهوم الاستقلال التاريخي الذي ~~استوحاه من غرامشي، إذ لا استقلال إلا ارتباطا بالذات ~~وبمرجعيتها وتاريخها ونسقها الحضاري العام. # أما في كتابه «تكوين العقل العربي» فيؤسس فصوله على منهجين؛ ~~الأول: يهيمن فيه التحليل التكويني، والثاني: يسود فيه التحليل البنيوي، # 74 # بالثقل نفسه ms027 تحضر المعاجم الفلسفية واللغوية ~~الغربية في تحديد المفاهيم عنده، بل تحسم في كثير من اختياراته ~~كما هو الشأن في تحديد «مفهوم العقل»، حيث استعان بالتمييز ~~المشهور الذي أقامه لالاند بين العقل المكون «بالكسر ~~والتشديد لحرف الواو» [الفاعل] والعقل المكون «بالفتح ~~والتشديد للواو» [السائد]. فالأول يقصد به النشاط الذهني الذي ~~يقوم به الفكر ويصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ، والثاني هو مجموع ~~المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا # 75 # ليتبنى المفهوم الثاني للعقل - العقل المكون ~~[السائد] - فيسقطه على العقل العربي إسقاطا أضر بمخرجات ~~تحليله الإبستيمي الذي تبناه في مشروعه. # إلى جانب لالاند، دخل الجابري في خط التماس مع فلسفة ديكارت ~~واسبينوزا وهيغل في تحديد طبيعة العقلانية التي يتوخاها في ~~دراسته لبنية الثقافة العربية وطبيعة الأدوات المتوسل بها في ~~هذا التحليل «التفكيك»، ويعزز نموذجه التفسيري هذا وهذه ~~الاختيارات والمحددات المنهجية باستعراض التطورات التي ~~عرفها العقل الغربي من العصر اليوناني إلى العقل الحداثي كما ~~تبلور مع ديكارت، وحدد له ثابتين ينتظمان خط سيره وميزتين ~~تميز بهما عن غيره من العقول: ~~(أ) # اعتبار العلاقة بين العقل والطبيعة علاقة ~~مباشرة. ~~(ب) # الإيمان بقدرة العقل على تفسيرها والكشف عن ~~أسرارها. # وهما خطان يشكلان - في نظره - ثابتا بنيويا واحدا، ~~قوامه تمحور العلاقات في بنية العقل حول محور واحد، قطباه: ~~العقل والطبيعة. فصال في هذه الثقافة ومعاجمها قبل الوصول إلى ~~معاجم اللغة العربية التي تفحصها؛ وانتهى إلى خلاصات تؤكد ~~مفارقات بين العقل العربي الذي ارتبط بالقيم والأخلاق غير متجه ~~إلى الطبيعة وظواهرها، عكس التصور الذي تنقله اللغات ~~الأوروبية، فالعقل مرتبط دوما بالموضوع، فهو إما نظام الوجود، ~~وإما إدراك هذا النظام أو القوة المدركة. # 76 # أما في كتابه «العقل السياسي» فقد اتجه بالقوة نفسها إلى ~~المرجعيات الغربية يستمد منها ويستعير مفاهيمه، يقول: «والجهاز ~~المفاهيمي الذي سنوظفه في هذه الدراسة يتألف من صنفين من ~~المفاهيم: صنف نستعيره من الفكر العلمي الاجتماعي والسياسي ~~المعاصر، وصنف نستمده من تراثنا العربي الإسلامي [دون أن يصفه ~~بالعلمي]. والمزاوجة بين توظيف هذين النوعين من المفاهيم ليست ~~بالعملية ms028 السهلة. ونحن أول من يدرك [القول للجابري] «الأخطار» ~~التي تنطوي عليها؛ ولذلك حرصا منا على تبيئة الأولى مع ~~موضوعنا فلم نتقيد حرفيا بالمضمون الذي تحمله في مجالات ~~استعمالها في حقول الثقافة الغربية، بل عملنا على جعلها تتسع، ~~دون تشويه للتعبير عن المضامين التي يعرضها علينا موضوعنا ~~كمعطيات خاصة تشكل جانبا أساسيا من خصوصيته، واجتهدنا من ~~جهة أخرى في بعث حياة جديدة في المفاهيم القديمة التي اخترناها ~~من تراثنا، وذلك بتحريرها من قيود الماضي وربطها باهتمامات الحاضر.» # 77 # يوظف هذه المفاهيم دون عرضها معجميا وتتبع سياقاتها في ~~الحقل الدلالي الذي نشأت فيه، وصعوبات تطبيقها في المجال ~~التداولي الثاني موضوع الدراسة [العقل السياسي العربي] ~~لاعتبارات حددها في إشراك القارئ في الرؤية التي يقترحها ~~لموضوعه، وترك الرؤى والمرجعيات التي اختارها تحدد هذه ~~المفاهيم كما وردت في سجلاتها. # ومن المفاهيم المركزية التي استعارها الجابري مفهوم ~~«اللاشعور السياسي» والأهمية التي اكتسبها في حقل الدراسات ~~النفسية، انطلاقا من الفيلسوف النفسي الشهير سيغموند فرويد ~~(1856-1939م) الذي أولى أهمية كبيرة في تحليل هذه المكبوتات، ~~واعتبره مسئولا عن قسم كبير من سلوك الفرد البشري يكشف عن ~~نفسه من خلال الأحلام وفلتات اللسان، ومن خلال تصنيف سلوك ~~الإنسان إلى سلوك صادر عن الشعور، عن وعي وإقرار وتصميم، وسلوك ~~صادر عن اللاشعور لا تتحكم فيه إرادة المرء، يفلت من الرقابة الشعورية. # 78 # ويبرز الجابري أهمية هذا المفهوم من خلال الأبعاد التي ~~أضافها يونغ في تحليله للتشكيلات البشرية التي اشتغل عليها ~~وانتهى إلى وجود ما أسماه ب «اللاشعور الجمعي» الذي أسسته ~~العشيرة والقبيلة والأمة، ليجد الجابري موطنا لمفاهيمه ويفترض ~~أن اللاشعور الجمعي أصل «اللاشعور السياسي». يقول: «إن مفهوم ~~اللاشعور الجمعي هذا يبدو وكأنه أصل لمفهوم «اللاشعور السياسي» ~~يؤسسه ويؤطره بوصفه أعم منه.» # 79 # ويعزز هذا التوجه بما انتهى إليه ريجيس دوبري الذي استعار ~~منه هذا المفهوم في دراسته للعقل السياسي من التمييز بين ~~المفهومين «اللاشعور الجمعي» و«اللاشعور السياسي»، حيث جعل من ~~هذا الأخير مفهوما مستقلا. # ويقدم الجابري في صفحات الكتاب توضيحات حول ms029 المفهوم وطريقة ~~اشتغاله في موضوعه الأول، نقد التجربة الاشتراكية في الاتحاد ~~السوفياتي ومنهجيته في التوظيف داخل سياقه الجديد: العقل ~~السياسي العربي. يقول: «هذا ونحن عندما نستعير مفهوم اللاشعور ~~السياسي من دوبري لا نأخذه بكل حمولته ولا بنفس مضمونه، بل ~~نتصرف فيه بالقدر الذي يفرضه موضوعنا الذي يختلف اختلافا غير ~~قليل عن موضوعه»، # 80 # مع فارق في الزمن التاريخي بين المجتمع الذي فكر ~~فيه دوبري، والمجتمع الذي فكر فيه الجابري. # الأول احتلت فيه ~~الصناعة والعلاقات الاجتماعية مكانا يقع خلف الموقع الذي ~~تحتله العلاقات الاقتصادية المتطورة: علاقات الإنتاج. أما ~~المجتمع العربي فالأمر يكاد يكون بالعكس، كما يقول، فالعلاقات ~~العشائرية والطائفية ما تزال تحتل موقعا أساسيا وصريحا في ~~حياتنا السياسية قديما وحديثا، بينما العلاقات الاقتصادية ~~وعلاقات الإنتاج لا تهيمن على المجتمع إلا بصورة جزئية، # 81 # في محاولة لقلب الأوضاع بين المجتمعين، مع الإبقاء ~~على خطوط التماس بينهما؛ الأوروبي قبل علاقات الإنتاج ~~والصناعة، والعربي في وضعه الحالي الذي تهيمن عليه نفس ~~العلاقات، ويعبر عن هذا التوجه في قوله: «وهكذا فإذا كانت ~~وظيفة مفهوم «اللاشعور السياسي» عند دوبري هي إبراز ما هو ~~عشائري وديني في السلوك السياسي في المجتمعات الأوروبية ~~المعاصرة، فإن وظيفته بالنسبة إلينا ستكون بالعكس من ذلك إبراز ~~ما هو سياسي في السلوك الديني والسلوك العشائري داخل المجتمع ~~العربي القديم والمعاصر (...) فاللاشعور السياسي المؤسس للعقل ~~العربي يجب ألا ينظر إليه فقط على أنه «الديني» و«العشائري» ~~اللذان يوجهان من خلف الفعل السياسي، بل لا بد من النظر إليه ~~أيضا على أنه السياسي الذي يوجه من خلف التمذهب الديني ~~والتعصب المذهبي.» # 82 # فهذه التراتبية التي يقيمها الجابري انطلاقا من تحليل دوبري ~~مع تغييرات طفيفة - دون أن يقدم المبررات الكافية - تجعل ~~التحليل في نظرنا عسيرا في كثير من تفاصيله؛ لأنه قياس على ~~غير قياس، وبناء على غير بناء. ويعزز الجابري هذا البناء ~~المفاهيمي بمفهوم آخر يعتبره المرجعية العامة للعقل السياسي: ~~إنه مفهوم «المخيال الاجتماعي» # 83 # الذي استعاره من علم الاجتماع المعاصر، وبالضبط من ~~ماكس فيبر. # وقد ms030 سلك المسلك نفسه الذي سلكه مع المفهوم الأول؛ أي الشرح ~~والتفسير للمخيال الاجتماعي في حقله التداولي الغربي؛ لينتهي ~~إلى تبيئته - بطريقته - للاقتراب من فلسفته والتمكن من تشغيله، ~~ولتوضيح ذلك يقول: «إن مخيالنا الاجتماعي العربي هو الصرح ~~الخيالي المليء برأس مالنا من المآثر والبطولات وأنواع ~~المعاناة، الصرح الذي يسكنه عدد كبير من رموز الماضي، مثل: ~~الشنفرى وامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وآل ياسر وعمر بن الخطاب ~~وخالد بن الوليد وعمر بن عبد العزيز - واللائحة طويلة - إضافة ~~إلى رموز الحاضر ورموز متفرعة عند كل من السنة - السلف - ~~والشيعة الذي يشكله الحسين بن علي ...» # 84 # مع إجراء نوع من المفاصلة والانفصال بين النظام ~~المعرفي الذي يحكم الفعل المعرفي والمخيال الاجتماعي الذي هو ~~مجال لاكتساب القناعات، مجال تسود فيه حالة الإيمان والاعتقاد ~~ليصل في النهاية إلى أن آليات العقل السياسي العربي هي ~~«الاعتقاد»، وليست نظاما معرفيا منهجيا قائما على ~~تصورات وملاحظات واستنتاجات ومتابعات عقلانية، بقدر ما هي ~~اعتقادات عاطفية قلبية توظف البيان والعرفان. # أما المفهوم الثالث أو الآلية المنهجية الثالثة «المجال ~~السياسي» في التحليل فقد استعارها من أحد أساتذة علم الاجتماع ~~الفرنسيين؛ الأمر يتعلق ببرتراند بادي # 85 # من خلال كتابه «الدولتان: السلطة والمجتمع في ~~الغرب وفي بلاد الإسلام» محاولا تقريب الإشكالية التي يعالجها ~~هذا الكتاب إلى الإشكالية التي يعالجها الجابري في الفكر ~~السياسي العربي، باحثا عن وحدة الإشكالية بينه وبين الكاتب، ~~يقول: «وإذا نحن أردنا أن نقرب الإشكالية التي يعالجها المؤلف ~~إلى دائرة الفكر الحديث والمعاصر أمكن القول إن السؤال الذي ~~يريد المؤلف الإجابة عنه هو التالي: لماذا تطورت «الدولة» في ~~أوروبا من دولة «الأمير» إلى الدولة الحديثة، دولة «الحداثة ~~السياسية»، دولة القانون والمؤسسات، التي تستمد الشرعية من ~~كونها تمثل إرادة الشعب (...) بالمقابل لم تتطور الدولة في بلاد ~~الإسلام خلال القرون الوسطى إلى دولة حديثة من هذا الطراز؟ ثم ~~لماذا فشلت المحاولات التي قامت بها النخب العصرية في بلاد ~~الإسلام من أجل نقل «الحداثة السياسية» الغربية تلك إلى بلدانها؟» # 86 # معلقا على بعض التفاصيل ms031 التي أوردها بادي، ~~معتبرا تحليله الخطي نوعا من قياس العكس لا يفي بالمطلوب، ~~أما السبب المباشر في عدم قيام هذه الحداثة السياسية فيعزوه ~~الجابري إلى العامل الخارجي باعتباره من أبرز الأسباب التي ~~كانت وراء تقهقر الأوضاع فيه، كما لا يفسره ماضيه وحده، بل لا ~~بد من أن ندخل في الحساب «حاضر» بل حضور الغرب الاستعماري كقوة ~~فاعلة يتوقف استمرار نموها واطراد تقدمها على إعاقة نمو ~~وتقدم العالم العربي والإسلامي وجميع بلدان العالم الثالث. # 87 # ويعزز الجابري شبكة مفاهيمه باجتهادات الماركسي المجري جورج لوكاتش # 88 # وقدرتها على التخلص من عدد من العوائق ~~الإبستيمولوجية التي روجتها في الساحة العربية وبشكل رديء ، ~~الماركسية التقليدية في قراءة التاريخ العربي، موظفا مفاهيم ~~هذه المدرسة «البنية الفوقية والبنية التحتية». # 89 # وقد شجعه هذا النقد على تبني آراء نقدية أخرى لماركسيين ~~مجتهدين معاصرين اهتموا بموضوعه. الأمر يتعلق بالباحث ~~الأنثروبولوجي «موريس ~~كودوليي» - وفي هذا التوجه لا يختلف الجابري عن زميله العروي ~~على مستوى المنظورات التحليلية، وإعلانه حالة التنافي المنهجي ~~والمرجعي - ومع موريس يتنسم الجابري عبق المفاهيم ورائحتها ~~من خلال توظيف المعلومات والمعطيات التي تراكمت من الأبحاث ~~الأنثروبولوجية والأركيولوجية «المنهج الحفري» واللسانية ~~والتاريخية. # وينوه الجابري بعمل كودوليي كباحث أنثروبولوجي طور مجموعة ~~من المفاهيم، خصوصا مفهومي «القرابة» والدور الذي يقوم به في ~~مجتمعات ما قبل الرأسمالية، والمجتمعات القبلية خاصة، ثم فكرة ~~«وحدة البنيتين» - البنية الفوقية والتحتية - داخل ذات ~~المجتمعات. مع العلم أن الأبحاث التي أجريت على عينات من ~~المجتمعات المسماة بدائية لم تستوف الشروط العلمية، وأثبتت ~~محدوديتها في الدراسات الأنثروبولوجية، وتعرضت لانتقادات من ~~داخل المدارس نفسها، وضعية كانت أو ماركسية، بل إن هذه ~~المجتمعات التي كانت موضوع الدراسة لم تدرس فيها كل العوامل ~~المشكلة لبنياتها. # ويبرر أهمية الاستمداد من هذه الدراسات كونها تخفف من مفعول ~~العوائق المعرفية التي نشرتها الأيديولوجيا الغربية المعاصرة ~~في صفوفنا - يقصد الماركسية التقليدية لا المجددة؛ عوائق هي ~~أصلا عبارة عن تصورات ومفاهيم تعبر بهذه الدرجة أو تلك ~~عن واقع المجتمع الأوروبي الرأسمالي البورجوازي: مفاهيم البنية ~~التحتية ms032 والبنية الفوقية والوعي الطبقي والانعكاس الأيديولوجي ~~... إلخ، التي هي مفاتيح قد لا يستقيم التحليل العلمي للمجتمعات ~~الأوروبية المعاصرة بدون توظيفها نوعا من التوظيف - لكن ليس ~~على الإطلاق هكذا - لكنها تنقلب إلى عوائق معرفية إذا هي فرضت ~~فرضا كمقولات ومفاتيح «يجب» أن تقرأ بها واقع مجتمعات أخرى لم ~~تعرف نفس المراحل من التطور التي عرفتها المجتمعات الأوروبية. # 90 # صحيح هذا الاستنتاج، وهذا التدقيق في المفاهيم، لكن كيف نجمع ~~بين هذا الرفض والقبول لأطروحات الأنثروبولوجيا حول المفاهيم ~~ذاتها؟ فهو يرى أن مفاهيم الأنثروبولوجيا حول القرابة ووحدة ~~البنية الاجتماعية، وتداخل الديني والسياسي والاقتصادي فيها ~~تدفعنا إلى «المصالحة» مع واقعنا، # 91 # ورفع الحصار في ~~وعينا عن مفاهيم كان العلم الاجتماعي الأوروبي يقمعها فينا، ~~كما تحررنا من «سلطة مقولات الأيديولوجيات والعلوم الاجتماعية ~~الخاصة بالمجتمعات الغربية الرأسمالية المتطورة، ولنعتبرها ~~مجرد مقولات نسبية تعبر عن حالة أو حالات، ضمن أحوال أخرى ~~موجودة أو سبق أن وجدت. إن هذه هي الخطوة الأولى الضرورية ~~التي بدونها لن نتمكن من رؤية واقعنا كما هو، واقعنا في الماضي ~~وواقعنا في الحاضر.» # 92 # الملاحظ أن هذا التوجه يحتاج إلى تحرير القول، صحيح أن ~~الدراسات الأنثروبولوجية قدمت عدة منهجية للفكر الإنساني، ~~وأغنت الدراسات المنهجية، لكنها لا تصلح دائما أن تكون ~~أنموذجا لكل الدراسات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجتمع - كما ~~يؤكد الجابري - كالمجتمع العربي، فما تزال مفاهيم هذا العلم ~~موضوع خلاف إلى اليوم بين أهل الاختصاص، وغير ذات اتفاق وغير ~~مستقرة، فمن المستبعد أن تكون أداة مصالحة مع الواقع العربي، ~~ولا تقوى على القراءة الواعية لماضيه وحاضره. # وهنا نوع من التناقض في تصريح الجابري بتفكيك المقولات ~~المنهجية الغربية الواردة علينا، وبين ادعاء الانتماء إلى ~~التراث ومقولاته وخصوصيات المجتمع الأم، وحقه في أدوات ~~ومنهجيات تراعي هذه الخصوصيات، وبين التنويه بأدوات خارجية ~~ليست إلا وجها للتحليل الأيديولوجي الاستعماري. # أما المفهوم الآخر الذي استعان به وأثث به مشروعه؛ فهو ~~مفهوم «الحفر المعرفي» الذي استمده من ميشيل فوكو أثناء ~~مقارنته وتحليله لمفهوم «الراعي والرعية» في الفكر الشرقي ~~القديم، ms033 والمضمون الذي كان له في الفكر اليوناني. # لكن بغية الجابري الفكر الشرقي القديم من خلال الحفر في ~~الحضارات الشرقية البابلية والمصرية، فهذا النوع من الاستمداد ~~- كما يرى - يعيننا على تجاوز «النظرة الدوغمائية [الماركسية ~~منها والقومية والاغترابية السلفية] التي سادت الفكر العربي في ~~العقود الأخيرة، التي كانت تفرض على الناس لونا واحدا من ~~الرؤية (...) أما اليوم فالأمر يختلف، فالتعددية على الصعيد ~~العالمي والعربي تجعلنا، على المستوى النظري، قادرين على أن ~~نرى مفاتيح وليس مفتاحا واحدا (...) في قراءتنا للواقع السياسي العربي»، # 93 # ليعلن المحددات المنهجية التي ينبغي اعتمادها ~~في إطار هذه التعددية في قراءة التاريخ السياسي العربي، وهي: ~~(1) # القبيلة: وهي ما تقصده الدراسات الأنثروبولوجية ~~بالقرابة، أثناء دراسته للمجتمعات البدائية، ~~والسابقة على الرأسمالية، أو ما سبق أن عبر عنه ~~ابن خلدون ب «العصبية» أثناء دراسته لطبائع ~~العمران. ~~(2) # الغنيمة: باعتبار العامل الاقتصادي نوعا خاصا ~~من الدخل، خراجا أو ريعا، وطريقة في صرف الدخل ~~وعقلية ملازمة لهما، واعتباره أحد دوافع الفعل ~~السياسي وأحد محدداتها الأساسية. ~~(3) # أما العقيدة فتكمن أهميتها في قدرتها على تشكيل ~~المخيال الاجتماعي السياسي للعقل العربي. وقد ~~قدم الجابري شرحا مفصلا لهذه المنهجية وفق ~~المحددات والتصورات والمرجعيات التي اعتمدها، ووفق ~~خطية تاريخية بين المرجعية الغربية والأبحاث ~~الأنثروبولوجية والمرجعية التراثية العربية. فقد ~~نظر إلى هذه المحددات من جهتين: جهة الإيجاب حين ~~تتحرك في اتجاه البناء وتعزيز الراوبط، وجهة السلب ~~حين تتحول إلى عوامل تقويض البنيان العربي. # 94 # فهذه العوامل تتداخل عنده فيما بينها لتشكل محددات جوهرية ~~للعقل السياسي العربي، ففي العصر الجاهلي شكلت القبيلة ~~والغنيمة أساسا له، في حين شكلت العقيدة في عصر النبوة ~~محددا لتحرك العقل السياسي العربي، دون أن تسلم هذه المحددات ~~من المساءلة والنقد وتتعرض لانتقادات. # فهذا التنظير الثلاثي في تفسير «تراث الإسلام، قد لا يكون ~~مقنعا، وهو يذكرنا [الكلام لعماد الدين خليل] بمقولة الكاتب ~~المجري آرثر كوستلر من أن الفكرة التي تستطيع تفسير كل شيء، ~~فإنها في نهاية الأمر لا تكاد تفسر شيئا، كما يذكرنا بتعليق ~~الفيلسوف الإيطالي بنيدتو كروتشه ms034 على «مثالية» هيغل من أن فكرة ~~هيغل عن الحياة كانت فلسفية، بحيث إن النزعتين المحافظة ~~والثورية تجد فيها ما يبررها. وفي هذه النقطة يتفق «إنجلز» ~~الاشتراكي والمؤرخ المحافظ ترايتشه لأن كليهما يرى أن تماثل ~~المعقول والحقيقي يمكن أن يدعى إليه بصورة متساوية في كل ~~الآراء السياسية والأحزاب التي تختلف عن بعضها، لا من ناحية ~~هذه الصيغة المشتركة، بل في تعيين ما هو المعقول والحقيقي، وما ~~هو غير المعقول وغير الحقيقي، ومن ثم اتهام خصمه بأنه مخالف ~~للمعقول؛ أي إنه ليس له وجود ملموس وحقيقي، ويكون بهذا الادعاء ~~قد وضع نفسه مع الفلسفة في خط واحد.» # 95 # وقد حاول الجابري أن يرغم التراث العربي على أن ينطق بلسان ~~عقائدي الحاضر من خلال عدة معرفية ومنهجية تربط بين الفهم ~~الإبستيمولوجي المعاصر وأفقه - الحداثة - وتحرير العقل العربي ~~من الفهم التراثي للتراث، وإن كنا نحتفظ له بفضل معرفي على هذا ~~المستوى من الفهم، وتحرير العقل العربي من الفهم الخاطئ ~~للتراث، أو على الأقل زعزعة بعض أفكاره المشوشة لمسيرته، ~~فيخرجه من الجبر التاريخي إلى حركة تنويرية معاصرة. فاعل ذلك ~~الجهاز المفاهيمي الذي اعتمده في تشريح ذلك العقل، في أفق ~~التأسيس للكتلة التاريخية، وهو بذلك يدشن مرحلة القطيعة مع ~~الميتولوجيا السياسية التي سادت في تاريخ الأمة إلى فقه ~~السياسة بالمفهوم المعاصر. ~~(3) المبحث الثالث: القطيعة المعرفية في فكر ~~الجابري: المفهوم والمجالات ~~والمآلات # وظف محمد عابد الجابري ~~في مشروعه النقدي للعقل العربي جهازا مفاهيميا حاول من خلاله ~~تنشيط آليات التحليل، وتحديد منطلقات البحث ومآلاته، فكان هذا ~~الجهاز المفاهيمي هو الضابط لحركته النقدية، والموجه نحو الأفق ~~المعرفي عنده، فمن المفاهيم المركزية التي شغلت مساحة كبيرة في ~~مشروعه: مفهوم القطيعة الإبستيمولوجية، أو النقد ~~الإبستيمولوجي. # فتأسيس الحاضر واستشراف المستقبل لا يحصل عنده إلا بتحقيق هذه ~~القطيعة المعرفية مع مساحة كبيرة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي، ~~ومع أنواع الفهوم التي تشكلت حول هذا الفكر في الماضي، وأريد لها ~~أن تستمر وتبني وتشيد. # ظهر مفهوم القطيعة الإبستيمولوجية على يد الفيلسوف الفرنسي ~~غاستون باشلار ms035 (1884-1962م) ليدل على مفهومين: # الأول: # تخلي العالم في المختبر عن المعرفة التقليدية ~~الشائعة، والأخذ بالمعرفة العلمية الموضوعية ~~القائمة على التجربة والبرهان. # الثاني: # القطيعة بين الأنظمة المعرفية في تاريخ العلم، ~~والنظام المعرفي هو مجموعة من المفاهيم والمقولات ~~وطرائق التفكير التي تمكننا من حل المشكلات أو ~~التوصل إلى معرفة جديدة ترقي حياتنا. فعندما يصل ~~النظام المعرفي الذي نستخدمه إلى طريق مسدود ولا ~~يستطيع معالجة الإشكاليات التي تواجهنا، لا بد لنا ~~من تغيير الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء؛ أي ~~التخلي بوعي تام عن ذلك النظام المعرفي القديم، ~~وتبني نظام معرفي جديد يستطيع التعامل مع ~~الإشكاليات التي عجز النظام المعرفي القديم عن ~~التعامل معها، فالتطور العلمي لا يتوقف على ~~التراكم الكمي فحسب، بل على آليات التفكير الجديد ~~أيضا، وفيما اشتغل باشلار على المفهوم الأول ~~لمصطلح القطيعة المعرفية تبنى المفهوم الثاني ~~وطوره ثلاثة من المفكرين هم: الفيلسوف الناقد ~~الفرنسي ميشيل فوكو (1926م- 1984م) الذي اتبع ~~طرائق بحث جديدة في كتابه «تاريخ الجنون»، ولويس ~~التوسير (1916-1990م) الذي أعاد قراءة ماركس قراءة ~~بنيوية؛ فبين أن ماركس في كهولته قد قطع صلته ~~الأيديولوجية والمثالية بالفلسفة الألمانية، وتبنى ~~مقاربة علمية، ونظرية قرأ فيها الأشياء قراءة ~~نسقية توضح بنيتها الداخلية ونظامها الهيكلي. ~~ومؤرخ العلم الأمريكي توماس كوهن (1922-1996م) ~~صاحب كتاب «بنية الثورات العلمية» الذي برهن فيه ~~على أن «التطور العلمي ليس بالضرورة تراكميا ~~وتدريجيا، وإنما قد يتأتى من ثورات بنيوية يتم ~~فيها تغيير نسق البحث وآلياته، وأصبح للقطيعة ~~المعرفية مفهوم مختلف شيئا ما لدى كل واحد من ~~هؤلاء المفكرين الثلاثة.» # 96 # فاستعار الباحثون العرب هذه الآلية ضمن جملة الآليات المنهجية من ~~الفكر الغربي المعاصر، وحاولوا إنزالها في قراءة الخريطة الفكرية ~~والنظم المعرفية العربية الإسلامية. وهنا ينبغي استحضار سياقات ~~الفكر الغربي الذي جرت فيه هذه القطيعة أو القطائع، والمطارحات ~~التي واكبت هذا السجال الفكري الغربي منذ الصراع بين الكنيسة ~~والعلماء، وما أسفر عنه من دعوات اتجهت نحو القطيعة مع هذا التفكير ~~الكنسي في بداية الصراع إلى الدعوة للقطيعة مع الدين وكل ms036 أشكال التدين. # 97 # فكان لتطور العلوم الحقة دور بارز في تأكيد هذه القطيعة على ~~مستوى أدوات التحليل والبرهنة ومناهج النظر التي ظلت مهيمنة على ~~الحقل المعرفي الغربي؛ فسافرت المناهج في الغرب من حقل معرفي إلى ~~آخر دون اعتبار للفوارق بين موضوع العلوم الحقة والعلوم الإنسانية؛ ~~ولهذا يرى الجابري ضرورة استعارة هذا المفهوم وتوظيفه في قراءة ~~تاريخ الفلسفة العربية وتشريح التراث العربي الإسلامي والعقل الذي ~~أنتجه. يقول: «صحيح أن «القطيعة الإبستيمولوجية» مفهوم باشلاري، ~~استعمله في تاريخ العلم، حيث أعطاه معنى محدودا بحدود هذا ~~التاريخ، ولكنني أخذت هذا المفهوم واستعملته في مجال آخر هو تاريخ ~~الفلسفة؛ الفلسفة العربية-الإسلامية، التي بينت طبيعتها كما ~~أفهمها، باعتبارها قراءات مستقلة متوازنة لفلسفة معينة، وبذلك فلا ~~تاريخ لها ، هكذا وظفت المفهوم توظيفا جديدا في مجال آخر، وهو ~~بالنسبة لي مفهوم إجرائي مكنني من أن ألاحظ أشياء لم أكن ~~ألاحظها من قبل طرحه كأداة للعمل.» # 98 # ويرى أن الخاصية الإجرائية لهذا المفهوم تمكنه من استعماله دون ~~أن يثير أية مشكلة في علاقته مع موضوعه؛ ولهذا يقدم تعريفا ~~لمفهوم القطيعة المعرفية يتجاوز به المفهوم الراديكالي الشمولي ~~الذي اعتمده عبد الله العروي، يقول: «إن القطيعة التي ندعو إليها ~~ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، ~~القطيعة التي تحولنا من «كائنات تراثية» إلى «كائنات لها تراث»؛ ~~أي إلى شخصيات يشكل التراث أحد مقوماتها، المقوم الجامع بينها في ~~شخصية أعم هي شخصية الأمة صاحبة التراث»، # 99 # متجاوزا الطروحات الفاسدة المنادية بإلقاء التراث في ~~المتاحف أو تركه «هناك» في مكانه في التاريخ. # ولهذا فإن رفض التراث بهذا الشكل الميكانيكي موقف لا علمي ولا ~~تاريخي، ويعتبر هذا النقد أقسى نقد تتلقاه النظرة التحليلية ~~الماركسية العربية التي يتزعمها عبد الله العروي، من خلال تأكيده ~~على القطيعة الكلية النهائية مع تراث الأمة، ولا يرى فيه عامل ~~استنهاض للهمم والعزائم بقدر ما يشكل عائقا نحو البناء، ويتهمه - ~~أي الجابري - بالانحياز الكلي للتراث الأوروبي، يقول: «يطرح بعض ~~المثقفين العرب الذين يبدو أن صلتهم ms037 ب «التراث» الأوروبي أقوى من ~~صلتهم بالتراث العربي الإسلامي مشكلة استيعاب الفكر العربي المعاصر ~~لمكتسبات الليبرالية «قبل وبدون أن يعيش مرحلة الليبرالية»، ~~ويقصدون بالليبرالية: «النظام الفكري المتكامل الذي تكون في ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي حاربت به الطبقة ~~البورجوازية الأوروبية الفتية الأفكار والأنظمة الإقطاعية ... ~~تلك هي إشكالية عبد الله العروي، وزكي نجيب محمود، وماجد فخري ~~وآخرين كثيرين، منهم من يطرحها من منظور فرنسي ديكارتي، ومنهم من ~~يطرحها من منظور أنجلوسكسوني تجريبي وضعي، وذلك حسب نوع «التراث» ~~الأوروبي الذي يشكل منظومته المرجعية الثقافية والفكرية»، # 100 # وهنا لم تعد المشكلة - في رأي الجابري - مشكلة اختيار ~~بين منهج «تاريخي» وآخر «وظيفي» وثالث «بنيوي» قد يصلح أحدها في ~~ميدان وقد لا يصلح، وإنما لا تصلح إلا عندما يكون الموضوع منفصلا ~~عن الذات، يتمتع بنوع من الاستقلالية، فتكون مشكلة المنهج في هذه ~~الحالة هي - أولا وقبل كل شيء - مشكلة الموضوعية. # 101 # وتتجه القطيعة عند الجابري إلى دوائر تعبر عن طموحه ~~ليس المعرفي فقط، بل الأيديولوجي، وعن الانتظارات المرجو إنجازها ~~من خلال هذا المفهوم. # اتجهت القطيعة عند الجابري إلى القطع مع نماذج تراثية تنتمي إلى ~~عصر الانحطاط العربي، ومع بنيتها الفكرية والمنهجية، فقد نادى ب ~~«إحداث قطيعة إبستيمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر ~~الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر»؛ # 102 # لأن هذا العقل ساهم في تشكيل بنيته عناصر متعددة على ~~رأسها «الممارسة النظرية» (النحوية، والفقهية، والكلامية) التي ~~سادت خلال هذه الفترة، وانحصر فيها هذا العقل في بنية فكرية أحادية ~~وآلية منهجية وحيدة هي «القياس» الذي وقع الإفراط في استعماله دون ~~التقيد بشروط صحة هذا النوع من الاستدلال. # وانتقلت هذه البنية الفكرية والشاكلة الثقافية من عصر الانحطاط ~~إلى عصرنا الحاضر، فاستخدمها بعض المنادين بالإصلاح، فدعوا إلى ~~«قياس الغائب على الشاهد»؛ الغائب هنا هو المستقبل، والشاهد هو ~~الماضي المجيد؛ ليبرهنوا على أن «ما تم في الماضي يمكن تحقيقه في ~~المستقبل»، وهذا - في نظر الجابري - غير ممكن، بل مستحيل اعتماده ~~في تأسيس العرب مشروعهم النهضوي ms038 عليه، وإنما السبيل في استخدام ~~وابتكار طرائق علمية موضوعية حديثة لتحقيق النهضة، من خلال تكسير ~~هذه البنية الثابتة للعقل العربي وآليته المنهجية «القياس» في شكله ~~الميكانيكي اللامتغير الذي يجمد الزمان ويلغي التطور. # 103 # ولهذا انصب عمله في اتجاه تكسير هذه الثوابت من خلال ~~أدوات ومفاهيم هذه المرحلة العقلية بأدوات ذهنية قادرة على حل ~~المشكلات التي طرحتها هذه المرحلة - وما تزال - على العقل العربي. ~~وقد اتجه الجابري منذ بداية مشروعه إلى البحث - من خلال القطيعة ~~المعرفية - عن «الفرقة الناجية»، ومن خلال توصيفات هذه القطيعة ~~ولائحتها المفاهيمية في المخزون الفكري العربي، وكشف عورات «الفرق ~~الضالة» - غير العقلانية - فيه التي لوثت فكرها بفكر خارجي غنوصي، ~~ولم تستجب للمعايير الإبستيمولوجية والعقلانية الباشلارية. # فحازت الفرقة المغربية الأندلسية الرشدية عنده شرف التمثيل، ~~وإنها الوحيدة المؤهلة لقيادة العقلانية العربية، وإنجاز القطيعة ~~المعرفية، بل أكثر من هذا يتأسف الجابري على ضياع دولة ابن رشد ~~التي شيدها على طريقة أفلاطون وزاد فيها من طموحاته، وأن ~~الانتقال الديمقراطي في العالم العربي لا يتيسر إلا من خلال ~~المشروع الرشدي العقلاني لمواجهة الحتمية الخلدونية التي تقول ~~بالهرم وحتميته. # 104 # فالتقطيع الذي مارسه الجابري أفسد منهجه التحليلي الإبستيمولوجي ~~في بعده الإجرائي على الأقل، كما حدده في خطواته المنهجية وبنائه ~~الفكري، وصبغه بصبغة التحليل الأيديولوجي الانتقائي البراغماتي ~~لخريطة معرفية دون أخرى أشبه - في نظري - بالتقطيع الجغرافي ~~للخريطة العربية، فالتركيز على الفلسفة المغربية الأندلسية ~~واستبعاد نظيرتها المشرقية فيه كثير من التجني. # ويعزز الجابري هذه القطيعة المعرفية وإعلان تحيزاته للفلسفة ~~المغربية الأندلسية بنص، بعد أن انتقد الفلسفة المشرقية وخروجها أو ~~إخراجها من دائرة الفلسفة العربية الإسلامية، لتدخل دائرة الفلسفة ~~الإشراقية الفارسية، يقول: «لنول وجهنا شطر المغرب العربي إذن ~~حيث سنجد الفلسفة العربية الإسلامية قد «قطعت» مع إشكالية المشارقة ~~لتتبنى إشكالية المغاربة (في المغرب الأقصى والأندلس خاصة). هنا ~~أيضا ستواصل الفلسفة نضالها من أجل نفس القضية؛ قضية العقل ~~والعقلانية، لكن بعد أن طرحها من جديد بمنهج جديد وفي آفاق جديدة ~~(...) كل ذلك كان بمثابة إعادة تأسيس للفلسفة ms039 في الفكر العربي ~~والثقافة العربية، لقد فشلت الفلسفة في تحقيق حلمها في المشرق، ~~وعليها الآن أن تبدأ من «الصفر» في المغرب.» # 105 # والبداية من الصفر حكم بالإعدام على ما سبق في ~~التاريخ، وقطع لصلات الأجيال بعضها ببعض، حتى في علم الوراثة لا ~~يجوز الفصل والقطع، فإذا كان يجوز في التراثات الأخرى - وهذا غير ~~حاصل البتة، وإنما هناك استمرار - فإنه بالنسبة للتراث العربي ~~مستحيل؛ لأن المفاهيم والمقولات تورث بين الأمة وأبنائها، على ~~فرض الاختلاف والتباين في كثير من الأحيان، وهذا يتنافى مع ما ~~أعلنه من الانخراط في التراث، فالثورة الحقيقية هي في التواصل ~~والتلاقح بين المشرق والمغرب. # صحيح أن المغاربة أبدعوا، لكن أيضا استفادوا من تجربة المشرق، ~~وأسسوا عليها حسب خصوصياتهم، وتجربة ابن تومرت التي تحدث عنها كانت ~~واحدة من التجارب التي انطلقت ثورتها من الفكر العقلاني العربي ~~المشرقي في علم الكلام والخلافيات والمناظرات. # 106 # فالتأكيد على الخصوصية المغربية وتفردها مسألة في ~~غاية الأهمية والحيوية، وكذلك البعد الجغرافي في الإبداع والأصالة ~~لكن إلغاء الخصوصيات الأخرى والتأكيد على فشلها أفسد جانبا ~~مهما في مشروع الجابري وشوش عليه؛ وهو التكامل في ~~الجهود. # وقد ميز الجابري بين لحظتين تاريخيتين في الفلسفة العربية، ~~بينهما من التمايز والاختلاف والقوة المنهجية والمعرفية، ما جعله ~~يلغي ما لم يعنه في مشروعه. يقول: «لقد ميزنا في هذه الصيرورة ~~بين لحظتين ألغت الثانية منهما الأولى وقطعت معها، اللحظة الأولى ~~هي لحظة حلم الفارابي كما عاشه ابن سينا، واللحظة الثانية هي لحظة ~~حلم ابن باجة كما طوره ابن رشد، فما تبقى من تراثنا لا يمكن أن ~~يكون منتميا إلى اللحظة الأولى لأن اللحظة الثانية ألغتها ~~تاريخيا. والتاريخ يؤكد ذلك، فكل من عاش أو يعيش لحظة ابن سينا ~~بعد ابن رشد إنما قضى ويقضي حياته (الفكرية) خارج التاريخ، وبالفعل ~~قضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التاريخ (جمود وانحطاط)؛ ~~لأننا تمسكنا بلحظة ابن سينا بعد أن «أدخلها» الغزالي في الإسلام ~~وعاش الأوربيون التاريخ الذي خرجنا منه؛ لأنهم أخذوا منا ابن رشد ms040 ~~فعاشوا لحظته وما زالوا يفعلون.» # 107 # فهذا الربط بين تقدم أوروبا وأخذها للرشدية، وحضورها في ~~التاريخ إلى اليوم وتخلفنا، هي دعوة إلى استعادة هذه الرشدية كما ~~فهمها الغرب وشغلها رجال الفكر الغربيون في صراعهم مع اللاهوت ~~الكنسي، ومواجهة سلطانه بمفاهيمها ومقولاته في الفصل بين الحقيقة ~~الدينية والحقيقة الفلسفية. # وترجع شهرة ابن رشد في نظر طه عبد الرحمن إلى «احتياج رجال الفكر ~~الغربيين في القرون الوسطى إلى من يقرب لهم فلسفة «أرسطوطاليس»، ~~كما يعينهم على مواجهة سلطان اللاهوت الكنسي، فقد أقبلت أوروبا في ~~هذه الفترة على ترجمة كتب «أرسطو» النفسية والطبيعية وما بعد ~~الطبيعية بعد أن لم تكن تعرف من كتبه إلا جزءا ضئيلا من منطقه. ~~فوجدت في ابن رشد خير من يوضح ويفصل لها المضامين الجديدة لهذه ~~الترجمات، لا سيما وأنه بدا أقدر من غيره على العودة إلى الأصول ~~«الأرسطية»، كما أن دخول فلسفة «أرسطو» إلى «أوروبا» أدى إلى ~~زعزعة السلطة اللاهوتية ذات التوجه «الأوغسطيني» في النفوس. وقد ~~وجد أهل الفكر اللاتيني في ابن رشد خير من يستندون إليه ويحتمون به ~~في تقرير وتمرير دعاويهم المناهضة لهذه السلطة، كما ترجع شهرته ~~أيضا إلى انقسام المفكرين اللاتين بشأن فلسفته وإصدار الكنيسة ~~لفتاوى تحرم الاشتغال بها، فقد انقسم هؤلاء المفكرون إلى فئتين ~~متصارعتين: فئة الموالين، ويأتي على رأسهم «سيغردي برابنت» الذي ~~دعا إلى تقديم أصول الفلسفة على أصول العقيدة، وفئة المعادين، وعلى ~~رأسهم «ألبير الكبير» و«توماس الأكويني» وأصدرت الكنيسة قرارات ~~تحرم الخوض في قضايا رشدية مخصوصة وتمنع تدريس مذهبه في الجامعات ~~كجامعة «باريس»، فهذه العوامل المختلفة: «الحاجة إلى الشارح» ~~و«الحاجة إلى الظهير» و«الدخول في الصراع» و«الإفتاء والتحريم» ~~ساعدت كلها على ترسيخ اسم ابن رشد في الأوساط الفكرية والعلمية ~~«الأوروبية»، ولما كان العرب المحدثون أصلا مقلدين لا مجتهدين، ~~فلا تستغرب أن يجعلوا شهرة ابن رشد بين أظهرهم كشهرته بين ~~الأوروبيين، سواء بسواء، ولو لم تواجههم العوامل التي واجهت هؤلاء ...» # 108 # فأي روح رشدية يمكن استعادتها كما يحلم الجابري وغيره من ~~«العقلانيين» العرب؟ ويرى ms041 [الجابري] أن ما تبقى من تراثنا ~~الفلسفي، أي ما يمكن أن يكون فيه قادرا على أن يعيش معنا عصره، لا ~~يمكن إلا أن يكون رشديا فلننظر - يتابع كلامه - على ما تبقى من ~~الرشدية كعناصر صالحة للتوظيف في حياتنا الفكرية المعاصرة. # 109 ~~(1) # ما جعل الرشدية تدخل التاريخ هو قطيعتها مع ~~السينيوية في صورتها التي اختارها لها ابن سينا (...) ~~ولنقطع بدورنا قطيعة تامة ونهائية مع الروح السينيوية ~~«المشرقية» ولنخضها معركة حاسمة ضدها. ~~(2) # القطع مع الطريقة والمنهجية التي عالج بها الفكر ~~النظري - الكلام والفلسفة - العلاقة بين الدين ~~والفلسفة، لقد رفض طريقة المتكلمين في التوفيق بين ~~العقل والنقل ورفض طريق الفلاسفة الهادف إلى دمج الدين ~~في الفلسفة، والفلسفة في الدين، ويبرر هذه القطيعة ~~التي أنجزها ابن رشد - حسب تفسيره - بأن المتكلمين ~~ضيقوا على العقل وشوهوا الواقع من خلال تحكيم ~~عقلهم التجريبي التجزيئي في الدين، وأن الفلاسفة ~~حكموا «العلم» في الدين وقيدوا العلم بالفهم الذي ~~يكونونه لأنفسهم عن الدين. وابن رشد قطع مع هذا النوع ~~من التفسيرات والتأويلات والعلاقة بين الدين والفلسفة ~~وبدأ عصرا جديدا للتدوين وفق معطيات جديدة تؤسس ~~لهذه العقلانية التي يدافع عنها الجابري ويبشر بها في ~~مشروعه، لكن ابن رشد - في رأيه - لم يقطع فحسب بل ~~قدم البديل، الذي يمكننا من توظيفه في بناء ~~«العلاقة بين تراثنا والفكر العالمي المعاصر بشكل ~~يحقق لنا ما ننشده من أصالة ومعاصرة (...) فلنقتبس منه ~~هذا المنهج في تعاملنا مع تراثنا من الداخل ومع الفكر ~~العالمي المعاصر (...) فنبني لأنفسنا فهما علميا ~~موضوعيا للجانبين معا يساعدنا على الربط بينهما في ~~اتجاه تحديث أصالتنا وتأصيل حداثتنا.» # 110 # هكذا أسس الجابري لعلاقة التنافر بين عقلين ومجالين، مجال ~~البيان الذي يمثله ابن سينا ومجال البرهان الذي يمثله ابن رشد، ~~فالقطيعة التي «صورها بينهما تمس كلا من الإشكالية والمنهج ~~والمفاهيم، معتبرا أن الأول فكر داخل إشكالية هي غير إشكالية ~~الآخر وبجهاز معرفي يختلف عما لدى نظيره، مؤكدا أن ابن رشد حقق ~~تقدما على ابن سينا في الحقل الذي ينتميان إليه، # 111 # على ms042 مستوى المقدمات والمنطق الاستدلالي المعتمد، مع أن ~~التاريخ والمسار بين الرجلين وبين تيارات التراث الفكري للأمة يبين ~~أن هناك مشتركات تجمع بينهما، فمنهج القياس لم يكن منهج فئة دون ~~أخرى، والعقلانية لم يختص بها مجال دون آخر. # لكن المنهج الانتقائي الذي سلكه الجابري شوش بين مجالات ~~التراث، وخلق في وعي القارئ حالة من الانفصام بين حقول معرفية ~~شكلت فيما بينها حلقات متناغمة وإن اختلفت في طرق الاستمداد، ولا ~~يمكن أن نفسر هذا المنهج عند الجابري إلا بثقل البعد الأيديولوجي ~~في قراءته للخريطة الفكرية العربية الإسلامية لإشباع حاجات حددت ~~سلفا، فيتجه إلى التراث متوسلا به قصد إشباعها، فيختار لهذا ~~البعد خريطة معرفية محددة تشبع في نظره هذه الحاجات المعاصرة، ~~ويعتبر بلقزيز هذه الانتقائية «فضيحة» مست العقل العربي الناقد ~~في علاقته مع التراث العربي، ويمثل الجابري قمة هذه الانتقائية. # 112 # إن الانتساب إلى ابن رشد وفلسفته - كما يؤكد طه عبد الرحمن - ~~سواء عندنا أو عند الغرب هو «بث روح العلمانية في نفوس المسلمين ~~والعرب كما هي مبثوثة في الفكر الفلسفي الغربي، والدليل على ذلك ~~دليلان: # أحدهما: # أن الرشدية «اللاتينية» في القرن الثالث عشر ~~اشتهرت بخروجها عن الفلسفة اللاهوتية للكنيسة، وقد ~~استندت في هذا الخروج إلى فهم علماني لفلسفة ابن ~~رشد؛ حيث جعلت فيها فلسفة قائمة على ضربين من ~~المبادئ، كلاهما يصادم الفلسفة اللاهوتية المقررة: ~~مبادئ مادية تخالف ما تقرر في المجتمع المسيحي ~~من معتقدات دينية (...) إنكار العناية الإلهية، ~~الحرية وخلود النفس، والمبادئ المنهجية القائلة ~~بتكافؤ الحقيقة الدينية والعلمية الذي يترتب عليه ~~العمل بإحدى الحقيقتين دون الأخرى، فصار الرشديون ~~«اللاتين» إلى الاستغناء بالفلسفة «الأرسطية» عن ~~اللاهوت المسيحي. # أما الدليل الثاني: # فإن روح الرشدية «اللاتينية» التي تنبني على ~~مبدأ الفصل بين الدين والفلسفة استمرت إلى غاية ~~القرن السابع عشر، ممهدة على التدريج لظاهرة ~~التحلل من الدين التي انتشرت بين أصحاب عصر ~~التنوير، والتي تواصل تأثيرها وانتقل إلى ~~المحدثين، فحينئذ لا عجب أن ينصب ابن رشد ~~إماما للعقلانيين والعلمانيين والحداثيين، وبهذا ~~يتبين أن إرادة الانتساب ms043 إلى ابن رشد إنما هي ~~إرادة الانتساب إلى العلمانية كما تجلت في ~~أطوارها الثلاثة: «اللاتيني» و«الأنواري» و«الحداثي».» # 113 # صحيح أن للجابري - رحمه الله - مواقف من العلمانية ومن المركزية ~~والحداثة الغربية ما يفوق بها غيره من المفكرين العرب، واحترامه ~~للأسس العقدية الإسلامية، ولم يعلن مصادمته للثوابت، كما فعل غيره، ~~وهو الذي أعلن غير ما مرة أن العلمانية غير ذات موضوع في تاريخنا ~~الفكري والثقافي، لكن ابتكر لها بديلا هو الديمقراطية والعقلانية ~~للتخفيف من الحساسيات التي يثيرها المفهوم ومآلاته في الوعي ~~الشعبي العربي، وهو ما عبر عنه سابقا بنوع من الذكاء المنهجي ~~الذي سلكه الجابري في محاورة إشكالات الوعي العربي. # إن انبعاث الأمة وانبثاقها من جديد لن يكون عن طريق عقلانية ابن ~~رشد وفلسفته مهما بلغت من النضج؛ لأنها عقلانية عبرت عن طموحاتها ~~في سياقها التاريخي، وهي عقلانية نسبية محكومة بالزمان وبالأفق ~~الفكري الذي فكرت فيه ومن خلاله. إن الأمة أكبر من عقلية ابن رشد ~~وغيره وتاريخها لا يعبر عنه ابن رشد وحده، وإنما تتجدد بمقوماتها ~~وأسسها الفكرية المطلقة - الوحي - وبعقلية مستوعبة لجميع مدارس ~~الأمة الفكرية والقدرة على استثماره، وفق المعطيات الجديدة التي ~~تحياها، ويعبر طه عبد الرحمن عن هذا النفس بقوله: «فإني أنصرف عن ~~ابن رشد وعن الرشدية، وأنا مطمئن إلى صواب انصرافي عنهما لتمام ~~إيقاني بأن انبعاث الأمة العربية الإسلامية لن يكون عن طريق فكر ~~ابن رشد، ولو استنفر الرشديون عددهم وعدتهم كلها لبثه في ~~النفوس بالترغيب أو الترهيب، إلا أن ينسلخوا عن جلدتهم ويلبسوا ~~غيرها، فيذوبوا في أهلها ذوبان الثلجة في البحر، أما أن يطمعوا في ~~أن يحققوا لهذه الأمة انبعاثها بواسطة هذا التقليد مع بقائهم هم ~~أنفسهم عربا مسلمين متميزين عمن يقلدون، فذاك أمر دونه ولوج الجمل ~~في سم الخياط.» # 114 # ولم يكتف الجابري بالدعوة إلى القطيعة بين مفكر وآخر، بل ~~القطيعة حتى داخل الشخصية الواحدة، كما هو الحال مع ابن خلدون بين ~~عقلانيته ومنهجه في التفكير وبين أسسه المرجعية التي استند إليها ~~في قانونه التاريخي، وأن عقلانيته ms044 لا علاقة لها بالمرجعية ~~الإسلامية، وهو يعالج إشكالية الذاتي والموضوعي في فكر ابن خلدون، ~~بعد أن فصل بينه وبين ابن رشد في النظر إلى أحداث التاريخ ~~وتشكلها، فهو يرى أن ما يميز ابن خلدون عن «غيره من المؤرخين ~~السابقين له (...) هو صدوره في عمله التاريخي عن دوافع تختلف ~~اختلافا جذريا عن تلك التي وجهت غيره إلى التأليف التاريخي، ~~فبينما نجد كبار المؤرخين في الإسلام اتجهوا إلى التاريخ بدوافع ~~وأغراض دينية أو سياسية أو مجرد التسلية أو من أجل إبراز دروس ~~وعبر معينة، الشيء الذي يعني أن اهتمامهم بالتاريخ كان من أجل ~~شيء آخر، لا من أجل التاريخ ذاته نجد ابن خلدون يصدر، بالعكس من ~~ذلك، عن وعي تاريخي حاد جعل اهتمامه بالتاريخ لذات التاريخ لا ~~لشيء آخر»، # 115 # ويجرده - في أماكن أخرى - من القواعد المنهجية العلمية ~~الإسلامية التي اعتمدها في مقدمته يقول: «هناك حقيقة لا بد من ~~أخذها بعين الاعتبار الكامل، وهي أن فكر ابن خلدون كان مؤطرا أشد ~~ما يكون التأطير بالقوالب المنطقية القديمة الأرسطية الأصولية»، # 116 # وأن هذا المشروع الخلدوني اعترته عوائق إبستيمولوجية ~~حالت دون امتداده؛ وظل سجينا لقوالب فوق-واقعية؛ ولهذا لم يكن ~~صاحب المقدمة «ذا منهج تجريبي بالمعنى الحديث للكلمة (...) صحيح أن ~~ابن خلدون قد اعتمد الاستقراء، ولكن لا لاستخلاص النتائج بل لتأييد ~~«النتائج» التي يضعها أولا (...) هذا المنهج الاستقرائي ~~التاريخي-الاستنباطي التجريبي قد أدخل كثيرا من التشويش، وغير ~~قليل من الغموض على الخطاب الخلدوني، وجعله لا يعطي ما فيه مباشرة ~~بل يقدم نفسه للتأويل منذ الوهلة الأولى.» # 117 # يلاحظ على الجابري في تعامله مع فكر ابن خلدون وابن رشد نوعا من ~~التعامل الازدواجي على مستوى المفاهيم والأطر المرجعية المؤطرة ~~لكل توجه. ففي الوقت الذي يعزز مرجعية ابن رشد يتعامل مع علم ابن ~~خلدون بنوع من التشويش والمأساوية كما يسميها. # وما يفسر هذا أنه عندما تستعصي شخصية معينة على أدواته وآلياته ~~المنهجية يلجأ إلى هذا النوع من التفسير الذي يغلب عليه التناقض ~~أحيانا، كما سنرى أيضا بعد قليل ms045 في التصنيف المعرفي الذي اعتمده ~~على مستوى الخريطة الفكرية للأمة. ولهذا فإن الذين اشتغلوا ~~بالعقلانية داخل الفكر العربي - ومنهم الجابري - هيمن عليهم المسح ~~الغربي والجغرافية الغربية، محاولين تركيب العقول من عقل واحد، ~~وهذا مستحيل ومن مفارقات «الذين دافعوا عن العقل والعقلانية دفاعا ~~حازما ذهبوا (...) إلى حد الإيغال في تحويل العقلانية إلى عقيدة ~~فكرية لا سبيل إلى مساءلة بديهياتها، الأمر الذي قضى بتحويل ~~«الدوغما» العقلانية نفسها إلى ممارسة فكرية لا عقلانية (...) دون أن ~~يخضعوا قواعد العقلانية نفسها لفحص عقلاني. ويقع ضمن ذلك الفحص ~~معرفة ما إذا كانت العقلانية نظرية مطلقة أم نسبية، قائمة على نظام ~~أكسيومي (فرضي، استنباطي) أم على مسلمات غير قابلة للمراجعة، مثلما ~~يقع ضمنه التفكير في ما إذا كانت العقلانية ثمرة نظام من المعرفة ~~خاص بثقافة معينة وبحقبة من تاريخ الفكر معينة، أم أنها كونية: ~~مفارقة للزمان وللجغرافية الثقافية؟» # 118 # يغيب هذا النوع من الأسئلة في الوعي العربي المعاصر - كما يذكر ~~بلقزيز - تاركة مكانها لخطاب مغلق استهلاكي لمنظومات، ومفاهيم ~~العقلانية الوافدة من ثقافات وأزمنة مختلفة معبرة عن نفسها في نصوص ~~عربية متباينة المراجع: أرسطية، ديكارتية، اسبينوزية، كانطية، ~~وهيغلية، الجامع بينها رفض مساءلة قواعد العقلانية. # 119 # وهي الفسيفساء التي جمعها الجابري من مرجعياته المنهجية، وحاول ~~من خلالها إعادة تصنيف المعرفة الإسلامية، وتجاوز التصنيف التقليدي ~~القائم على معيارية معينة، فالحاجة إلى حلم النهضة فرضت عليه ~~استئناف النظر في تصنيف المعرفة وفق حاجات الحاضر لا وفق حاجات ~~الماضي، فانتهى به التحليل إلى رصد ثلاث أنظمة معرفية متمايزة ~~ومتصادمة في الثقافة العربية - حسب تعبيره - وذلك منذ بداية ~~تمثلها، كثقافة عالمية مع عصر التدوين والترجمة. نظم معرفية يقدم ~~كل منها رؤية خاصة للعالم، ويوظف مفاهيم معينة وآليات في إنتاج ~~المعرفة: # النظام المعرفي البياني الذي تحمله اللغة العربية، ~~وعلى أسس ومفاهيم منهجية قائمة على النحو واللغة ~~والفقه والكلام والبلاغة، كرس رؤية للعالم قائمة ~~على الانفصال واللاسببية، ومنهاجا في إنتاج المعرفة ~~قوامه قياس الغائب على الشاهد أو الفرع على الأصل؛ ~~فهذه القاعدة الإبستيمية في نظره ms046 هي أصل الخلل في بنية ~~العقل العربي. # النظام المعرفي العرفاني (الغنوصي) الذي كرس رؤية ~~خاصة للعالم قوامها المشاركة والاتصال الروحاني ~~المباشر بالموضوع. # 120 # النظام المعرفي البرهاني الذي ارتبط دخوله إلى ~~الثقافة العربية بعهد الترجمة في عصر المأمون، وأسس ~~لنفسه من خلال العلوم والفلسفة اليونانية الأرسطية، ~~وكرس رؤية للعالم مبنية على الترابط السببي وعلى ~~إنتاج معرفي قائم على ربط النتائج بمقدماتها. # 121 # وقد عاشت هذه الأنظمة في تاريخ الثقافة العربية على إيقاع ~~التداخل والتصادم، ابتداء من عصر التدوين والتأسيس؛ لأن كل نظام ~~معرفي كان يسعى إلى تأسيس نسقه وترتيب مقولاته وبناء منهجياته ~~والدفاع عن أطروحاته، وقد كان هذا التداخل يتخذ طابعا محدودا، ~~دون أن يفقد كل نظام خصوصياته، وحصل هذا الأمر في لحظات الدفاع عن ~~الأيديولوجيات الدينية التي كانت ذات علاقة مباشرة بالعقيدة الإسلامية. # 122 # فهذا التداخل بين البيان والبرهان في لحظات تاريخية ~~أفقد العقل محدداته المنهجية والمعرفية من خلال ما أسماه ~~بالتداخل التلفيقي # 123 # بين النظامين. ويبقى النظام البرهاني المعرفي في نظر ~~الجابري متميزا، منهجا ورؤية عن البيان والعرفان بكونه يعتمد ~~منهج أرسطو، ويوظف جهازه المفاهيمي والهيكل العام للرؤية التي ~~شيدها عن العالم، وعن الكون والإنسان والله، مما جعل منه عالما ~~معرفيا خاصا يختلف عن عالم البيان والعرفان ويدخل معهما، ~~وبكيفية خاصة مع البيان في علاقة احتكاك وصدام # 124 # لاختلاف طرائق النظر وتحصيل المعرفة. # فالبيان يتخذ من النص والإجماع والاجتهاد سلطات مرجعية أساسية، ~~ويهدف إلى تشييد تصور للعالم يخدم عقيدة دينية معطاة هي العقيدة ~~الإسلامية أو بالأحرى نوعا من الفهم لها، بينما البرهان يعتمد قوى ~~الإنسان المعرفية الطبيعية، من حس وتجربة ومحاكمة عقلية، وحدها ~~دون غيرها. # 125 # هكذا يفصل الجابري بين مناهج وأنظمة معرفية ليؤسس لنظام أحادي ~~التصور والرؤية، ويراهن عليه في تحقيق حلم النهضة، ويجرد العقل ~~العربي من كل القيم المعيارية، وافتعل صراعا بينها، في الوقت الذي ~~ينبغي أن ننظر إلى هذه الأنظمة على أنها بنيان متراص ومتكامل ~~يعبر عن ثراء هذا الفكر، وحيوية عقله المنتج. # إن هذا المثلث ms047 المعرفي الذي أقامه الجابري يعكس التصور، والتحليل ~~الأيديولوجي رغم التأكيدات التي قدمها والجدارات التي أقامها بين ~~التحليل المعرفي والأيديولوجي، فإن هذا الأخير ظل ملازما له في ~~كل خطواته التحليلية، ولم يستطع أن ينفك عنه؛ لأن الشواغل ~~اليومية التي كان يحياها والانتماء الحزبي له أرغماه على استصحاب ~~هذه الرؤية ومحدداتها المنهجية والمعرفية، فوجود هذه الأنظمة ~~المعرفية في الثقافة العربية القديمة وامتدادها في الحاضر شكل في ~~رأي الجابري أزمة الفكر العربي المعاصر، أزمة الإبداع فيه؛ لأنه ~~محكوم بسلطة السلف وآلياته الذهنية. # لهذا كانت القطيعة عنده «استراتيجية معرفية» في أفق بناء الذات ~~بالشروط التي يراها مناسبة لتجاوز الأزمة؛ أزمة العقل العربي ~~المعاصر. أزمة «عقل قوامه مفاهيم ومقولات وآليات ذهنية تنتمي إلى ~~ثلاث نظم معرفية متنافرة تكلست وجمدت فيها الحياة باكتساح الطرقية ~~الصوفية ورؤاها السحرية الخرافية للساحة الاجتماعية الثقافية اكتساحا.» # 126 # ورهان الجابري في تجاوز هذه الأزمة هو نشر المعرفة «العلمية» ~~على أوسع نطاق ومفاهيمها وطرائق التفكير المؤسسة لها، ولتأسيس هذه ~~المعرفة يرى ضرورة قيام «إنتلجنسيا عربية جديدة: عربية بانتظامها ~~في التراث العربي لتجديده من الداخل، وجديدة بانتظامها في الفكر ~~العالمي المعاصر ومواكبتها له بقصد توظيف أدواته المنهجية ورؤاه ~~العلمية في إعادة بناء الماضي وتغيير الحاضر وتشييد المستقبل. إنه ~~دون هذه النخبة سيبقى الفكر العربي سجين المعارف القديمة يجترها ~~على أنها جديدة، وسيظل يعاني ليس من أزمة الإبداع فقط بل ربما من ~~سكرات الموت وخطر الانقراض.» # 127 # فالأفق الذي يخطط له الجابري يرتكز على تأسيس عقلانية نقدية ~~تتحرر من التبعية للآخر، التي لا تتم إلا عبر التحرر من هيمنة التراث # 128 # فتتشابك عنده الحلقتان، وتتعانقان من أجل تدشين عصر ~~تدوين جديد من خلال الدعوة إلى كتابة تاريخنا الثقافي بصورة ~~عقلانية نقدية. # إن المنطق التحليلي الذي استند عليه الجابري، والمهووس بالبعد ~~الأيديولوجي، يحمل في طياته كثيرا من الثغرات، حين عمد إلى شل ~~قدرات التراث العربي، وتمزيق أوصاله وتفكيك آلياته، وبانتقائية ~~مفرطة وتعسفية لا تنسجم، ومنطق التكامل الذي أعلنه ولا تستجيب ~~للضرورة المنهجية المعرفية التي بشر ms048 بها منذ البداية، فالنهضة ~~التي ناضل من أجلها الجابري من خلال سلاح النقد للعقل العربي لا ~~يمكن أن يحققها البرهان العقلي الذي دافع عنه، وحاول التشابك معه ~~وتبيئته في الثقافة العربية، اعتبارا لكونيته، والذي تنعدم فيه ~~الصفات الوراثية لأمة تنهض من خلال نظام فكري معياري. # ولطه عبد الرحمن رأي مخالف للتقسيم الثلاثي الوارد في متن ~~الجابري، حين اعتبره تقسيما فاسدا، ودلل على فساده بازدواجية ~~المعايير التي اعتمدها، في مقابل ذلك يقترح تقسيمات تعتمد معايير ~~جديدة، إما بحسب اللفظ أو المضمون أو بحسب الصورة الاستدلالية. ~~يقول: «هذا الازدواج الذي لا يؤدي إليه إلا عدم تحصيل الملكة في ~~العلوم الصورية والمنهجية؛ ولو أن الجابري اعتمد معيارا موحدا، ~~لكان له الخيار في تقسيمات متعددة، كل تقسيم منها يقوم على معيار ~~معين، كالتقسيم بحسب المضمون (العقل والعلم والعرفان مثلا) أو ~~التقسيم بحسب الصيغة اللفظية (القول والعبارة والإشارة مثلا ) أو ~~التقسيم بحسب الصورة الاستدلالية (البرهان والحجاج والتحاج)، وهو ~~أقرب التقسيمات إلى العمل بمعيار العقلانية المجردة التي ظل ~~الجابري يناضل من أجلها، فيكون «البرهان» هو نظام الآلية ~~الاستنباطية، و«الحجاج» هو نظام الآلية القياسية، و«التحاج» هو ~~نظام الآلية التناقضية.» # 129 # فهذا التقسيم حسب طه «البرهان والحجاج والتحاج» يفيد ترتيبا ~~استدلاليا صحيحا، وهو التقسيم نفسه الذي باشره الجابري في ~~أبحاثه، لكنه - حسب تقدير طه - أساء صوغه باتخاذه لتقسيم ~~مغالط. # هو اختلاف مرجعي منهجي أساسا بين عالمين، لكل منهما شأن ~~مقدر في سياق البحث عما يعين على الخروج من ورطة التخلف، وليس ~~في سياق التناحر، والتنابز بالألقاب، قد نتفق معهما في جانب، ~~ونختلف معهما في جوانب، وتلك حيوية الفكر والمنهج، واختلاف زوايا ~~النظر لا ينقص من قيمتهم، ولا يرجح كفة أحدهما على الآخر، خصوصا ~~وأن عقل الأمة في حاجة إلى كل الجهود المبذولة، على فرض الاختلاف ~~والتناقض في بعض الأحيان، المهم تلك الحركة الفكرية التي تحرك ~~الرواكد، وتستشرف المستقبل، وتستوعب الحاضر والماضي. # تتحقق النهضة بكل مكونات الأمة الجغرافية والتاريخية والفكرية، ~~أما الاختزال فأعتقد أنه واحد من العوائق المعرفية والنفسية ms049 في ~~تراجع الفكر العربي المعاصر، كما تعكس أزمة العقل الناقد بآليات ~~وأدوات، ورؤى خارج الذات، وغير مستوعبة للتحولات الفكرية الداخلية ~~والخارجية، إنها أزمة الأسس والمرجعيات. ~~(4) المبحث الرابع: ملاحظات نقدية حول الأسس ~~المنهجية والمرجعية في مشروع ~~الجابري # أثبتنا في الصفحات السابقة من هذا الفصل أهمية المشروع الفكري ~~والمنهجي الذي أنجزه الجابري؛ الأهمية التي تفسرها المشاريع ~~الفكرية التي أنجزت وكتبت حول المشروع على اختلاف مرجعياتها ~~وأطرها الفكرية، منها ما اتجه إلى البحث عن مصادر مادة المشروع ~~وأدواته المنهجية والمعرفية محاولة سد الثغرات والنقائص التي ~~اعترته والتصويب في إطار حوار «العقلانية النافعة والروح الجماعية الصالحة» # 130 # لربح رهان المستقبل، ومنها ما اتجه إلى التحامل والتشكيك # 131 # والاتهام في بعض الأحيان». # وسبيلنا في هذا المبحث أن نتتبع بعض هذه الملاحظات حول الآليات ~~المنهجية التي شغلها الجابري في مشروعه، ملتزمين قدر الإمكان بما ~~يخدم الموضوع وينمي الأفكار ويقرب المسافات، ويبحث عن نقاط القوة ~~في المشروع؛ لتحصيل التراكم في مجال البناء المعرفي والمنهجي، وعن ~~نقاط الضعف لتجاوزها والتنبيه عليها، وإن كانت المباحث السابقة قد ~~تعرضت لجزء من نقائص المشروع وأشارت إليها، وبعض نقاطه المضيئة؛ ~~فإن هذا المبحث يواصل هذا النقد على مستويين: مستوى المفاهيم ~~والنقد الإبستيمولوجي الذي اختاره الجابري في مشروعه. ~~(4-1) على مستوى المفاهيم # إن «الصراع» اليوم يكاد ينحصر بين الحضارات والثقافات حول ~~الأفكار ومفاهيمها ومناهجها؛ لأن امتلاك المزيد من المفاهيم ~~وإنتاجها والسيطرة عليها والقدرة على ترويجها والتمكين لها، ~~تمكين للمشروع الحضاري لمجتمع هذه المفاهيم؛ ولهذا كانت وما ~~تزال المشكلة المنهجية المعرفية في الفكر المعاصر هي مشكلة ~~المفاهيم والمناهج وتحولاتها من حقل معرفي إلى آخر، وقد شهد ~~الغرب هذا النقاش والصراع بين مفاهيم الكنيسة ومفاهيم الطبيعة ~~- المادة، سالت فيها الدماء، وبعد ذلك انتقل الصراع بين العلوم ~~الحقة (الفيزياء - الرياضيات - العلوم الطبيعية) التي شهدت ~~نقلة نوعية على مستوى إنتاج المفاهيم والمناهج إلى درجة أغرت ~~علماء الإنسانيات باستعارتها؛ لأنها في رأيهم أقدر على تحقيق ~~«العلمية» و«الموضوعية» وتحقيق أفضل النتائج. لكن هذه ~~الاستعارة لم تسلم من انتقادات الاتجاهات ms050 الرافضة لفكرة ~~«الوحدة المنهجية بين العلوم الطبيعية والإنسانية أمثال ~~«ريكرت» و«فندلباند» رافضين النظر إلى العلوم الطبيعية كمثل ~~أعلى للفهم العقلي للواقع، فهم يؤكدون على وجود تعارض بين ~~علوم؛ مثل الفيزياء أو الكيمياء أو الفسيولوجيا تهدف إلى ~~تعميمات عن ظواهر متكررة ومطردة ويمكن التنبؤ بها وبين علوم ~~التاريخ تريد إدراك الخصائص الفردية لموضوعاتها.» # 132 # فالوحدة المنهجية والمفاهيمية مرفوضة لأنها قائمة على افتراض ~~غير مؤكد فحواه أن المنهجيات الموظفة من قبل علماء الطبيعة هي ~~وحدها المتصفة بالعلمية، فهذا التداخل بين المفاهيم والإنزال ~~القسري لها في مجال العلوم الإنسانية ودراسة النظم الثقافية ~~شكل حلقة من حلقات التخلف في الفكر الغربي، وكانت ضريبته ~~قاسية عبر عنها ماركوز ب «إنسان البعد الواحد» في هذا الفكر ~~حيث تم اختزاله في البعد المادي، وعبر عنها عبد الوهاب ~~المسيري بالواحدية المادية أو «النموذج التراكمي الذي يؤمن بأن ~~كل المشتركين في العلوم (...) يفكرون بالطريقة نفسها ويسألون ~~الأسئلة نفسها، مما يعني أن ثمة حقيقة موضوعية ثابتة واحدة ~~نحاول الوصول إليها جميعا وبالطريقة نفسها، وهذا ما يؤدي إلى ~~تراكم الإجابات وتشابكها على مستوى الجنس البشري بأسره، وهذا ~~التراكم والتشابك سيؤدي إلى التزايد التدريجي لدائرة المعلوم، ~~وبالتالي تقلص دائرة المجهول.» # 133 # ظل موضوع «المفاهيم وبناؤها واستثمارها موضوع بحث لا يكل ~~في حقول نشاطه الفكري والمعرفي، لذلك تعددت وسائط المعرفة ~~وتنوعت أشكالها، وصار التفكير والتفسير بواسطة الملكات يبنى ~~على تشكيل المفاهيم، سواء كان التشكيل بواسطة التجريد أو ~~بواسطة التعميم، ثم شمل التشكيل بواسطة الحكم ما يخص استعمالات ~~المفاهيم واستثماراتها، فأصبحت صناعة المفاهيم الجديدة شغل ~~الفلسفة والفن ومختلف العلوم.» # 134 # فالمفاهيم التي ابتكرها الغرب لم تخضع لمسطرة، ولنمطية واحدة ~~في التفسير والاستقرار المفهومي، بل أصبح لكل مرحلة تاريخية في ~~الفكر الغربي مفاهيمها ومصطلحاتها، فمفاهيم العصر الوسيط ليست ~~هي مفاهيم العصر الحديث، ومفاهيم الحداثة ليست بالضرورة هي ~~مفاهيم ما بعد الحداثة. # يعكس هذا التحول وعدم الاستقرار المفهومي حاجات هذا المجتمع، ~~وقدرته على التوليد وفق هذه الحاجات، ووفق نسقية معرفية كمية ~~تراكمية، بل لم تكن هذه ms051 المفاهيم على درجة واحدة في قبولها ~~والاشتغال بها ابتداء من القرن الثامن عشر على أقل تقدير، وهو ~~ما يطرح صعوبة تداول هذه المفاهيم التي استقوى واستنجد بها ~~الفكر العربي المعاصر في تحليله لأنظمة الثقافة العربية، ~~وينشد بها النهضة. # فكثير من هذه المفاهيم والمنهجيات التي كانت ثمرة طبيعية ~~لتطور الآخر استقرت في بنية هذا الفكر، فلم نعد نتصور المناهج ~~ومفاهيمها إلا لائحة محددة من المفاهيم والأدوات الجاهزة، ~~وربطت مصير الأمة وشعوبها بقدرتها على تمثل هذه اللائحة، ~~والانخراط في تفاصيلها، مما جعل الفكر العربي المعاصر يفقد ~~الزمان والرؤية والمنهج في هذا الشأن - النهضة - بتقمص لسان ~~الآخر وعقله وروحه. # وما تزال هذه واحدة من المعضلات والمعيقات الكبرى في الفكر ~~النقدي العربي المعاصر، بكل ألوانه: النقد الأدبي، والرواية، ~~والمسرح، والشعر، والقصة، والفن التشكيلي ... حيث يتم توظيفها ~~بشكل يشوش على القارئ، ويفصل بينه وبين الموضوع، وبين الفكر ~~والواقع، وبين الإمكان والممكن. # وأعتقد أنه لا يمكن ~~مواجهة هذه المعضلة بمقدمات يكتبها الجابري # 135 # أو العروي # 136 # أو حسين مروة # 137 # أو طيب تزيني # 138 # وغيرهم ممن اهتم بمشكلة المنهج في الفكر العربي ~~المعاصر ومحاولة تجاوز الكائن منها، مثنى وثلاث ورباع، بل ~~القضية - في رأيي - أعمق وأخطر، تحتاج إلى جهود علمية مؤسساتية ~~تنهض بأهمية الترجمة، والتبيئة من خلال دراسات مستوعبة لحركة ~~المفاهيم الوافدة والمنقولة من فضاءاتها المتعددة ومآلاتها قبل ~~نقلها. # فنقل مفهوم فقد صلاحيته في موطنه الأصلي - الأفكار ~~والمفاهيم الميتة بتعبير مالك بن نبي - ومحاولة إعادة الحياة ~~إليه في فكرنا المعاصر يعتبر إهانة «للعقلانية» العربية ~~الناقلة والقارئة على حد سواء، وإهانة للجهد المبذول ~~وتبديده، أما إذا كان المفهوم ما يزال يحافظ على فعاليته ~~وقدرته على التوجيه فمسطرة المرور والانتقال والاستعمال تحتاج ~~إلى خبراء لتجنب الفوضى في ميدان الفكر، والعلم الذي ينبغي أن ~~يكون أول من ينتظم؛ لأنه الحلقة الأقوى في تاريخ الحضارات، وفي ~~التشكيل والتشكل. # فالانتظام في نسقية هذه المفاهيم وتاريخيتها ووضعيتها ~~الإبستيمولوجية، وفهمها هو الذي «سيؤدي بنا إلى إدراك عملية ~~النقل والترجمة وفهم فهمنا لها حينما ms052 نقوم بنقلها، مما سيتولد ~~عن ذلك تأويلات تبحث عن (...) الانسجام ~~لهذه المفاهيم في أوضاعنا ~~الإبستيمولوجية، وأيضا قدرة ذلك الفهم على استنبات تلك ~~المفاهيم المنقولة كلا «أو بعضا».» # 139 # وما لم ننجز هذا العمل تبق مفاهيمنا مفاهيم مبهمة ~~وملتبسة بعيدة عن الفعل، وتعرض الذات للانسلاخ عن ~~هويتها. # ومشروع محمد عابد الجابري واحد من المشاريع الفكرية التي ~~انفتحت على المفاهيم المعرفية الغربية ومناهجها، واعتمدها في ~~الدراسة كمداخل أساسية في صياغة الرؤية والمنهج، وتحديد ~~المحددات المنهجية، لكن أول ما يلاحظ أن سعي الجابري إلى ~~تبيئة مفاهيم موضوعاته التي استعارها من الفكر العالمي المعاصر ~~- الفرنسي بالدرجة الأولى - لم يأخذ منه كبير عناء ووقت، بل ~~اكتفى بالتأكيد على أهميتها في مجالها الأول والبحث عن ~~علاقتها بمجالها الثاني - العقل العربي - مع إجراء تعديلات ~~طفيفة على المستوى النظري تبقى في نهاية التحليل قاصرة عن ~~الوفاء بالغرض رغم تأكيداته يقول: «(...) ونحن عندما نستعير ~~مفهوم «اللاشعور السياسي» من دوبري لا نأخذه بكل حمولته ولا ~~بنفس مضمونه، بل نتصرف فيه بالقدر الذي يفرضه موضعنا الذي ~~يختلف اختلافا غير قليل عن موضوعه.» # 140 # فالكم الهائل من المفاهيم المرجعية التي نجدها في مشروعه ~~(البنيوية، الإبستيمولوجية، العقلانية، الجدلية، التفكيكية ...) ~~يطرح صعوبة توحيد هذه المفاهيم في موضوع واحد، مما سيكون له ~~أثر سلبي على مستوى النتائج، فتناقض هذه المرجعيات وتعدد ~~خلفياتها الفلسفية يخلق فوضى على مستوى التحليل، والقدرة على ~~التحكم في مسار البحث. # وهي الملاحظة والمؤاخذة التي سجلها طه عبد الرحمن في ~~مشروعه النقدي على الجابري حين قرر أن «الآليات المنقولة ~~التي توسل بها الجابري لا تشكل نسقا متماسكا؛ وذلك بسبب ~~تضارب اقتضاءاتها المنهجية والمعرفية فيما بينها، ولعدم إيراد ~~المعايير التي بمقتضاها تم له تخير هذه الآليات من مجالات ~~متنافرة؛ مثل: البنيوية والتكوينية والعقلانية والجدلية (...) ~~انعكست آثار اضطرابها وتفرقها التجزيئية على تحليله للثقافة العربية»، # 141 # من خلال آليات أربع: «آلية تخصيص العقل»، و«آلية ~~المتابعة»، و«آلية التقسيم»، و«آلية المماثلة». # 142 # فهذا «الفيض» الهائل من المناهج الذي وظفه الجابري في ~~دراسة الفكر العربي، والتنظير للمجتمع أنزلت ms053 إنزالا ~~قسريا، فلم تخضع للدراسة النقدية الكافية قبل تشغيلها؛ ~~ولهذا فالمنهج العقلاني الذي اختاره قضيته الأساسية، وتوجه ~~إلى تبيئته في الفلسفة العربية خضع إلى منطق الاختزال ~~والتجزيء، فكان يختار وفق هذا المنهج من النصوص العربية ما ~~يلبي هذا الطموح العقلاني «لزم في نظره تحقيقه والانتفاع به ~~وفق مقتضيات الحداثة وشروط التطلع إلى المستقبل، وما كان ~~منها مجانبا أو مخاصما لهذه العقلانية وجب عنده تركه، وإن ~~دعت الضرورة إلى تحقيقه قصد المقارنة والمقابلة فليجتزأ منه ~~بعينات تؤخذ منها العبرة ويحصل بها الاتعاظ.» # 143 # ويعترض طه عبد الرحمن على هذه المنهجية الانتقائية التفاضلية ~~من خلال ثلاثة اعتراضات: # أولا: # أنها لم تبرهن على تحصيل الدربة في استخدام ~~الآليات العقلانية المنقولة؛ من مفاهيم ~~مصطنعة، وقواعد مقررة، ومناهج متبعة، ونظريات ~~مسطرة، فضلا عن أن تبرهن على الإحاطة بتمام ~~تقنياتها وبكمال وجوه إجرائيتها. # ثانيا: # أنها لم تمهد لإنزال هذه الآليات العقلانية ~~(...) بنقد كاف وشامل لها حتى تتبين مدى ~~كفايتها الوصفية وقدرتها التحليلية وقوتها ~~الاستنتاجية. # ثالثا: # أنها لم تجر النقد على العقلانية المعاصرة ~~من حيث هي اختيار منهجي مخصوص، لا سيما وأن ~~المراجعة قد أخذت تتطرق إلى هذا الاختيار، وأن ~~حدوده أخذت تفقد دقتها ووضوحها في موطنه ~~الأصلي عند من وضعوا أصوله ورتبوا مسائله. # 144 # كما اعترض على المفاهيم التي وظفها الجابري في مشروعه؛ ~~نحو: «مفاهيم القطيعة» و«النظام المعرفي» و«البنية» ~~و«اللامعقول» و«الأكسيومية» (...) فإن إقحامها في التراث لا بد ~~أن ينعكس عليه بما لا يوافق بنيته في كليتها؛ فمعلوم أن هذه ~~الآليات وضعت في أصلها لموضوعات مغايرة لموضوع التراث، وعلى ~~مقتضى شروط مخالفة لشروطه، فيكون إنزالها على التراث من غير ~~ممارسة أشد أساليب النقد عليها سببا في التصرف فيه بغير ~~أحكامه اللازمة له، فيؤدي هذا التصرف إلى إخراج التراث على ~~صورة لا تحافظ على بنيته في تداخل أجزائها وتساند عناصرها، إن ~~لم تفصل بين هذه الأجزاء والعناصر فصلا، ونقابل بينها مقابلة ~~ضاربة بعضها ببعض.» # 145 # وتبدو هذه الاعتراضات التي قدمها طه عبد الرحمن واحدة من ~~الثغرات المنهجية الكبرى ms054 «للعقلانية» العربية، فالغرب لم يعرف ~~عقلانية واحدة بل عقلانيات فلسفية تصل في كثير من الأحيان إلى ~~حد التنافي، عبرت عن طموحاتها في كل مرحلة وبأدوات مفاهيمية ~~منهجية مختلفة، فكان منطق التجاوز هو المتحكم في هذه المراحل ~~التاريخية-الفكرية، ونشاط الاتجاهات النقدية في الفكر الغربي ~~المعاصر خير معبر عن هذا التحول والدينامية، وقد كانت ~~اللحظة الأقوى في تاريخ الفكر الغربي العقلاني مع ديكارت في ~~كتابه «مقال في المنهج» مرورا بكانط ونقد العقل الخالص ~~(النظري) إلى هيغل والفهم الغائي للعقل إلى مدرسة فرنكفورت مع ~~هابرماس في نقده للعقل الأداتي الأنواري، وتأسيسه لمفهوم العقل ~~التواصلي ودريدا ونقد تمركزات العقل. # لهذا فالنقد الذي خضع له مفهوم العقل وشتى تمظهراته ~~وإرهاصاته «يجمل في اتجاهين رئيسيين؛ الأول: يرمي إلى تخليص ~~المفهوم مما ألحقت به الميتافيزيقا من حمولات ومركبات الخارجة ~~عنه وعن طاقاته وقدراته، وامتد هذا إلى نقد الحداثة ومذهبيات ~~القداسة والمطابقة. والثاني: هدفه الحفاظ على مكتسبات العقل ~~وإبقاؤه الموجه للحداثة بوصفها مشروعا لم يكتمل، لكن هذين ~~الاتجاهين، وما بينهما كثير، أكسبا مفهوم العقل دلالات ~~ومعاني كثيرة، متحولة ومتغيرة بتغير الحقب التاريخية ~~والظروف الاجتماعية والمعطيات العلمية، ولا يخفي هذا التحول ~~والتغير المصادرات التي لحقت مفهوم العقل كما لا يخفي ~~الحمولات الإضافية التي لحقت به (...) وهذا ناجم عن التوظيفات ~~المتعارضة له بوصفه تجليا للقوة والسلطة.» # 146 # فتتكاثر دلالاته ومفهومات في أرضيات ثقافية حسب المنطلقات ~~والمحددات الفلسفية والتوظيفات الراهنة له، وقد يحط رحاله في ~~أرض أخرى دون مكملات ومصححات وظروف نفسية واجتماعية وثقافية؛ ~~مما يجعله يفقد صلابته وقدرته على التحرك والفعل. # وإن كنا نسجل - ونحن بصدد ملاحظات حول عقلانية الجابري - أن ~~عقلانية الجابري تختلف عن العقلانيات العربية الأخرى السائدة ~~في الفكر العربي المعاصر - كما عند العروي ومحمد أركون - ~~عقلانية تحاول أن تؤسس لنفسها من داخل التراث من خلال استعادة ~~الرشدية والخلدونية والشاطبية كي تبني عليها إضافات مطابقة ~~لحاجات العصر والتاريخ # 147 # مع الاستعانة بمنجزات العقلانية الغربية خصوصا ~~اللحظة الديكارتية وعقلانية عصر الأنوار بشكل عام. # رغم التأكيدات التي نجدها في كتابات ms055 الجابري واختياراته ~~العقلانية وانتظامه في التراث، ظل التشبث والتوسل بالعقلانية ~~المنقولة عنده مبدأ ومنهجا ورؤية، رغم الاعتراضات التي بسط ~~بعضا منها أثناء تبيئة مفاهيمه، لكنها لا تقوى في نظر طه عبد ~~الرحمن في النقد الموجه للعقلانية، وغير كافية في بيان الصفات ~~السلبية لهذه العقلانية التي تبناها؛ كفحش التجريد ونقص التوجيه، # 148 # وقد أدى هذا الإنزال القسري لهذه الآليات ~~العقلانية - في نظره - إلى أمرين اثنين: ~~(1) # استبعاد أجزاء من التراث بحجة ضآلة درجتها من ~~العقلانية أو انعدامها منها. ~~(2) # حمل أجزاء منه على وجوه من التأويل تفصلها عن ~~بقية الأجزاء الأخرى، # 149 # وكان هذا العمل واضحا في التقسيم ~~الثلاثي الذي اعتمده الجابري - البياني والعرفاني ~~والبرهاني - وإقصاء البيان والعرفان لانعدام شرائط ~~العقلانية فيها رغم استنادهما إلى سلطة النص ~~«الوحي» واعتماد البرهان الذي استوفى في نظره هذه ~~الشرائط، مما جعله يسقط في نسقية مغلقة منذ ~~البداية ومحاولة تعميمها في المرحلة الموالية، بل ~~يرغم العقل العربي على التبني الإلزامي للعقل ~~البرهاني الأرسطي. # هذه «الإطلاقية البرهانية الأرسطية» كما يسميها طه، أريد ~~لها أن تكون هي المعيار في تقويم علوم الأمة، وأن كل إنتاج ~~علمي خارج سياق تلك العقلانية قليل القيمة والأهمية، فيعاب على ~~الجابري هذه الإطلاقية وإخضاع العقل المعرفي العربي للتقنين ~~البرهاني الصارم. # 150 # في الوقت الذي ينبغي - حسب طه - أن يمتد في الأنساق الأخرى، ~~التي تعينه على الإبداع والخلق، بدل هذا الحصر المضر، لهذا فإن ~~«تجاهل الجابري للوظيفة التوحيدية للعقل المكون قد جعله يبني ~~تحليله للعقل العربي جعله يبني تحليله على أساس قسمة هذا ~~العقل، لا على أساس وحدته. وبدلا من أن يرد مختلف تجليات ~~هذا العقل في مجالات الفقه وعلم الكلام والتصوف والفلسفة إلى ~~البنية العضوية الواحدة التي تصدر عنها، فإنه سيعمد إلى تشطير ~~هذا العقل تشطيرا ثلاثيا وقطعيا إلى عقل بياني وعرفاني ~~وبرهاني. وهو لن يكتفي بأن ينزل كل «عقل» من هذه العقول ~~منزلة الجوهر الفرد القائم بذاته والمنغلق على نفسه، بل سيدير ~~بين هذه الكيانات الجوهرية حرب مواقع وخنادق.» # 151 # وهو مما قلل ms056 من القوة الإبستيمية في مشروع الجابري؛ لأن ~~الأصل في معانقتها الانتقال من التجزيء إلى التكامل، وهو ما لم ~~يحدث في أجزاء كبيرة من مشروعه الفكري، وإن أكد على ذلك في ~~مقدمات كتبه المنهجية البنائية. # وقد اتخذت العقلانية عن الجابري مسارات دشنها انطلاقا من ~~الاتكاء على التمييز الذي اعتمده لالاند في تقسميه للعقل، بين ~~العقل المكون والعقل المكون ثم مسار العقلانية اليونانية ~~التي كان لها السبق في هذا النوع من التفكير، فالطبيعة موضوع ~~هذه العقلانية، يقول: «فالطبيعة بأسرها - في نظر أرسطو؛ قمة ~~الفلسفة اليونانية - قابلة لأن يتعقلها العقل على الرغم مما ~~يكتنفها من فوضى ويرافق حوادثها من غموض، ذلك لأن العقل - ~~بمعنى النظام - هو أساسها، ولأن من ينظر إليها بعين العقل لا ~~يرى فيها إلا العقل، ومن هنا كان العقل في التصور اليوناني ~~الأرسطي هو «إدراك الأسباب». # 152 # وفي الاتجاه والمسار نفسه سارت الفلسفة الحديثة في أوروبا، ~~مستعرضا التطورات الحاصلة في هذه العقلانية وعن طبيعتها ~~الثابتة الكونية، والمحاولات التي جرت في هذا التاريخ لتحقيق ~~ما أسماه نوعا من المطابقة بين الطبيعة والعقل، بل أيضا إلى ~~المصالحة بين الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية إنقاذا لوحدة ~~الحقيقة ووحدة العقل معا. # 153 # فالعقل عنده «لعب حسب القواعد» التي مصدرها الواقع لا غيره، ~~وأن العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل، ويستند في ذلك - كعادته - ~~إلى التعريف الذي قدمه أولمو للعقل «ليس القواعد التي يعمل ~~بها العقل هي التي تحدده وتعرفه بل قدرته على استخلاص ~~عدد لا نهائي منها، والتي تشكل ماهيته، والعقلانية بهذا ~~الاعتبار تغدو ليس الإيمان بمطابقة مبادئ العقل مع قوانين ~~الطبيعة وحسب بل الاقتناع بكون النشاط العقلي يستطيع بناء ~~منظومات تتسع لتشمل مختلف الظواهر.» # 154 # فهذا الانبهار بالعقلانية - بل التعبير السليم النزعة ~~العقلانية؛ لأن بينهما فارقا في الفكر العربي المعاصر - تجد ~~اعتراضات قوية من التيارات نفسها، من داخل هذا الفكر تعبر عن ~~مفارقات الوعي العربي، حين اعتبرت التشبث بالعقلانية الغربية ~~بكل أوصافها ومحدداتها نكاية في العقلانية العربية التي ~~تتميز بخصوصياتها وأوصافها ومحدداتها الذاتية، فالذين ms057 ~~دافعوا عن العقلانية الغربية وحاولوا تبيئتها ذهبوا إلى حد ~~الإيغال في تحويلها إلى عقيدة فكرية، إلى سبيل مساءلة ~~بديهياتها، الأمر الذي حولها حسب هذا التحليل، إلى ممارسة ~~فكرية لا عقلانية. # 155 # والمفارقة الثانية التي نجدها عند الجابري أثناء تحديد ~~تعريفاته للعقل العربي، يسجل مفارقة بينه وبين العقل اليوناني ~~الأوروبي؛ حيث العلاقة بين العقل العربي والطبيعة هي علاقة ~~تأملية تبسيطية، وليست «اكتشافا للعلاقات التي تربط ظواهر ~~الطبيعة بعضها ببعض، ليست عملية يكتشف العقل نفسه من خلالها في ~~الطبيعة، بل هي التمييز في موضوعات المعرفة (...) بين الحسن ~~والقبيح، بين الخير والشر. ومهمة العقل ووظيفته، بل وعلامة ~~وجوده، هي حمل صاحبه على السلوك الحسن ومنعه من إتيان القبيح.» # 156 # وإن كان للجابري من فضل في اكتشاف العلاقة ~~الترابطية بين العقل والقيم الأخلاقية في المنظومة الإسلامية ~~والحقيقة الواقعية كما ينص على ذلك في قوله «إن معنى «العقل» - ~~ويضعه بين قوسين - في اللغة العربية وبالتالي في الفكر العربي ~~يرتبط أساسا بالسلوك والأخلاق.» # 157 # إلا أن هذا الاكتشاف معيب عنده عندما جرد هذا ~~العقل من القدرات الاستكشافية لقوانين الطبيعة، ومن بعده ~~التجريبي، وإبقائه في دائرة التأمل. # فالمفهوم الذي تحدده النصوص القرآنية وتقدمه النصوص التراثية ~~للعقل - الجاحظ والشهرستاني - يتعارض مع «النظرة الموضوعية ~~التي هي نظرة تحليلية تركيبية تحلل الشيء إلى عناصره الأساسية ~~لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه.» # 158 # وهي النظرة التي يجب أن نحتكم إليها في قراءتنا ~~للتراث العربي - حسب الجابري - فالعقل الذي تحدث عنه القرآن ~~وقدمته لغته ولغة الجاحظ والشهرستاني؛ إنما هي لغة عقل ~~الجاهلية أساسا. # 159 # فجرى هذا المنهج الذي اقتبسه الجابري في الثقافة العربية ~~بوسائل «فوقية متعددة من مجالات ثقافية غربية مختلفة: فقه ~~العلم التكويني (بياجي) وفقه العلم العقلاني (لالاند وباشلار) ~~والبنيوية وفلسفة التاريخ الهيجلية والماركسية، مع ما يرد من ~~انتقادات على هذه الوسائل المنهجية. ومن الممكن رد هذه ~~الوسائل إلى صنفين أساسيين؛ وسائل عقلانية: آلية القطيعة ~~المعرفية، وآلية التقابل، وآلية التنسيق الاستنتاجي، وآلية ~~التأسيس وإعادة التأسيس وآلية التأزيم (أي اصطناع ms058 أزمة الأسس)، ~~وآلية التفكيك، وآلية ترتيب وإعادة الترتيب، أما الوسائل ~~الفكرانية (الأيديولوجية) المقتبسة: آلية التوظيف، وآلية ~~الدمج، وآلية التصارع، وآلية الانعكاس والتبرير (السياسي ~~والتاريخي والمادي) وآلية الاستعارة التي زودت خطاب الجابري ~~برصيد هام من الألفاظ والتعابير ذات الأصل السياسي أو ~~العسكري مثل «التحالف» و«المصالحة» و«المناصرة» و«الاصطدام» ~~و«فك الارتباط» و«صد الهجمات» و«لحظة الانفجار». # 160 # لا يعني هذا النقد وهذه الملاحظات التي قدمها طه عبد الرحمن ~~الرفض المطلق لهذه الآليات الخارجية - كما يسميها - أو أنها ~~مذمومة وغير صالحة، وإنما يشترط في نقلها وتشغليها أن يتقدمها ~~النقد، ومدى ملاءمتها، ومناسبتها للموضوع المدروس - تراثا كان ~~أو فكرا معاصرا - وإنما الاعتراضات الواردة على هذه الآليات ~~المنهجية «تنبني على قرارات تجعلها تنظر في الظاهرة المدروسة - ~~لا من جهة موجبات بنائها الداخلي - وإنما من جهة متعلقاتها ~~الخارجية فحسب، حتى لا يكاد يبقى من هذه الظاهرة عند بعض ~~المتمسكين بهذه المنهجيات المادية إلا اعتبارات تاريخية أو ~~اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية (أسباب خارجية)، أما أسبابها ~~الداخلية التي تجعل لها ذاتا متميزة عن التاريخ أو الاجتماع ~~أو السياسة والاقتصاد فلا علم لهم بها.» # 161 # وقد انصب اهتمام الجابري أثناء اشتغاله في تحديد ~~محدداته المنهجية على الفصل بين الموضوع، والذات ويراها ~~الخطوة الأولى في تحقيق الموضوعية، واللحظة الأولى من المنهج ~~الذي اقترحه ويحاول تطبيقه «لحظة الموضوعية أو تحقيق الانفصال ~~عن الموضوع» # 162 # فلا يكتمل النقد العقلاني عنده إلا بتبني هذا ~~الطرف الملازم للموضوعية، والتحرر من المسبقات والرغبات ~~الحاضرة لمواجهة الموضوع مباشرة؛ لأنه مادة مستقلة غير ~~واعية. # إن مفهوم الموضوعية كما تبلور في الفكر الغربي، يعتقد أن ~~للموضوعات وجودا مستقلا عن ذواتنا وأن الحقائق يجب أن تظل ~~مستقلة عن قائلها ومدركيها، وبهذه الطريقة يمكن أن نصل إلى ~~تصور موضوعي دقيق للواقع يكاد يكون «فوتوغرافيا» # 163 # يرغم الباحث أن يتجرد من «ذاتيته وخصوصيته ~~الحضارية بل والإنسانية، ومن عواطفه وحواسه وحسه الخلقي وكليته ~~الإنسانية، بحيث يمكنه أن يسجل ويصف بحياد شديد لدرجة تموت ~~معها الأشياء، ويتشيأ الإنسان، ويرصد من الخارج كما ترصد الأشياء»؛ ms059 # 164 # ولهذا تستبعد الموضوعية فكرة المعنى وتقرأ ~~الألفاظ. # ويبرر الجابري هذا الالتزام بالموضوعية في التحليل بأن ~~المكتسبات المنهجية للعلوم الألسنية المعاصرة - البنيوية - ~~تقدم لنا طريقة في التعامل الموضوعي مع النصوص التي يلخصها في ~~هذه القاعدة «يجب تجنب قراءة المعنى قبل قراءة الألفاظ (...) ~~والتحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات ~~الحاضرة، يجب وضع كل ذلك (المسبقات والرغبات) بين قوسين، ~~والانصراف إلى مهمة واحدة وهي استخلاص معنى النص من ذات النص ~~نفسه، أي من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه.» # 165 # واتخذت هذه الموضوعية عنده مستويين من العلاقة: # المستوى الأول: # مستوى العلاقة الذاهبة من الذات إلى ~~الموضوع، وتعني فصل الموضوع عن الذات. # المستوى الثاني: # مستوى العلاقة الذاهبة من الموضوع إلى ~~الذات، وتعنى فصل الذات عن الموضوع. # ويعزز هذه الخطوة بثلاث عمليات كبرى من خلال «المعالجة ~~البنيوية» و«التحليل التاريخي» و«الطرح الأيديولوجي». فهذا ~~المستوى من التصور في رأيه هو القادر على حل معضلة اللاعلمية ~~وتحقيق العلمية والعقلانية في الدراسة، والتفسير للتراث وفق ~~نموذج العلوم الألسنية والإنسانية. # تعتبر مشكلة الموضوعية واحدة من المشكلات في هذا الفكر، فإذا ~~رآها الجابري مدخلا أساسيا لحل إشكال المنهجية التي لم تعد ~~عنده مسألة «اختيار بين منهج تاريخي وآخر وظيفي وثالث بنيوي، ~~قد يصلح أحدها في ميدان وقد لا يصلح، وإنما لا تصلح إلا عندما ~~يكون الموضوع - منفصلا عن الذات - يتمتع بنوع من الاستقلالية، ~~فتكون مشكلة المنهج في هذه الحالة هي أولا وقبل كل شيء مشكلة الموضوعية.» # 166 # فإنها في نظري تزيد من تعميق المشكلة بدل حلها، فالموضوعية ~~لم تتحقق حتى في أدق العلوم الفيزيائية والطبيعية، ويؤكد هذا ~~الكلام حركة الاحتجاج والرفض للوحدة المنهجية والدعوة إلى ~~الفصل بين النسقين، على اعتبار أن بين مجالات العلوم الطبيعية ~~والإنسانية فروقات كبيرة، ولهذا استحالت الموضوعية في هذه ~~العلوم ولم تجن ما كان منتظرا منها وأن «المحتويات المعرفية ~~لتلك العلوم، بما فيها من فروض ونظريات لا تنجو من تأثيرات ~~الأنساق الثقافية، فما يراه عالم الطبيعيات في الظاهرة التي ~~يعاينها يتحدد على نحو وفق ms060 تصوراته واهتماماته السابقة، ~~التي لا تستبعد أن يكون للسياقات الثقافية ضلع في تحديدها.» # 167 # فوقع بين المناهج الكمية والنوعية نوع من الاستقطاب الحاد - ~~حسب تعبير المسيري - بين الموضوعي (في تأليه الكون وإنكار ~~الذات) والذاتي (في إنكار الكون وتأليه الذات)، وبين فريق من ~~فلاسفة القرن العشرين حاول حل إشكالية ثنائية الذات والموضوع ~~عن طريق إلغائها تماما، # 168 # فالفصل بين الذات والموضوع هو اغتيال مزدوج للذات ~~والموضوع معا، كما هو واضح عند اتجاه البنيوية الذي عرف بموت ~~الإنسان أو فلسفة موت الإنسان. # 169 # فالمنهج الخارجي أو الأسباب المضمونية الخارجية - بتعبير طه ~~عبد الرحمن - مطلوب في توصيف الظواهر لكن غير كاف في الحكم ~~على الموضوع، بل لا بد من آليات داخلية ونظرة معيارية قيمية ~~للموضوع خاصة بكل نسق معرفي، هكذا تتكامل الأبعاد بين التحليل ~~الخارجي والمعيارية الداخلية، خصوصا عندما يتعلق الأمر ~~بالثقافة العربية الإسلامية؛ ولهذا «فلا موضوعية لمن يجعل ~~الصنفين صنفا واحدا والسببين سببا واحدا.» # 170 # ولتجاوز النموذج الموضوعي المتلقي في التفسير يقدم المسيري ~~نموذجا تفسيريا اجتهاديا بديلا عن هذا النموذج؛ لأنه ~~يفقد للإنسان خصوصياته، ويميت المعرفة ويغتالها، ف «الافتراضات ~~التي يستند إليها الفكر الموضوعي تنبع من العقلانية المادية ~~لعصر التنوير، وقد ثبت أنها افتراضات إما خاطئة تماما أو ~~بسيطة إلى درجة كبيرة؛ ولذا فمقدرتها التفسيرية ضعيفة»، # 171 # ولهذا أخفق الجابري إلى درجة كبيرة في تحقيق ~~الوفاء بمنظومته المنهجية التي حددها فلم يكن الحياد ~~الموضوعي سبيله في تحليل النظم الثقافة العربية ولا المنهج ~~العلمي العقلاني غايته، ولا الانتظام المنهجي العقلاني عائده ~~الحضاري، فانتقل من تجاوز أنساق منهجية كانت سائدة إلى نسق ~~مغلق اختزالي تجزيئي. # للمنهجية انتماء حضاري وذاكرة تاريخية وشعور ذاتي وفلسفة ~~خاصة وعمق ثقافي مرتبط بالعقيدة وطموحات كل حضارة؛ ولهذا فإن ~~«انتساب الأدوات المنهجية المهيمنة إلى بيئات ومنطلقات معرفية ~~معينة من شأنه أن يجعل منها ألحانا ناشزة، إذا ما تم إقحامها ~~دون ضبط أو توليف وربما إعادة تأليف على «النوتات» التي تعزفها ~~الجوقات البحثية في بيئات حضارية مغايرة.» # 172 # فالمفاهيم لكي تكتسب ms061 مصداقيتها ومشروعيتها، لا بد أن تتبلور ~~داخل سياق ثقافي وتطور اجتماعي يستمد فاعلتيه من منظومة ~~ثقافية مهيمنة وموجهة لحركة المجتمع وإلا ظل مفارقا لموضوعه ~~أشبه بزرع عنصر غريب في جسم إنسان وإعادة «قراءته على ضوء كل ~~قضية منفردة حسب واقعها وظروفها الخاصة [وهذا هو الأهم] وهذه ~~هي القضية الشائكة التي يتجنبها معظم الباحثين الذين يستسهلون ~~تبني أيديولوجيا تعطي تصورات شاملة وتقدم حلولا جاهزة ~~وأحكاما تفصيلية وقطعية مسبقة تريح الباحث وتعفيه من عبء ~~التحليل الموضوعي والتحري الدقيق لكل قضية يتصدى لها على حدة.» # 173 # أما مجرد «انتظام المفهوم بمقولاته النظرية و«عقلانية» ~~أهدافه فغير كاف للتعبير عن حقيقة الواقع المادي، والإنساني ~~المتسم بخصائص حركية غاية في التعقيد، بل إنه في هذه الحالة لا ~~يخدم سوى تقديم صورة مشوهة للواقع عبر عملية اختزال وتبسيط؛ ~~لذلك فإن استنساخ أو سلخ المفاهيم الغربية عن واقع نشأتها وعن ~~بنيتها الثقافية، ومن ثم إسقاطها على واقع اجتماعي حضاري مغاير ~~كالمجتمع العربي الإسلامي، في محاولة لتفسير أو لمعالجة ~~إشكالاته وظواهره السياسية والاجتماعية يحول دون إنتاج فكر ~~متفاعل مع واقعه ومعبر عنه.» # 174 # وتتحول إلى نسق مغلق غير منفتح على المفاهيم ~~الأخرى، وتدخل معها في تصادم؛ تصادم هوية المفاهيم المنقولة ~~الخارجية مع هوية المفاهيم الأصلية الداخلية. # وهو ما تفسره تلك الثنائيات المتناقضة في الفكر العربي ~~المعاصر، ثنائيات تعبر عن أزمة الهوية والأسس والمرجعيات ~~داخل هذا الفكر، لهذا فإن «عملية اقتباس المفاهيم الغربية ليست ~~مجرد ترجمة لغوية بسيطة، وساذجة لكلمات ومفردات ذات دلالات ~~واضحة، بل هي علمية معقدة يجب أن تخضع لتحليل نقدي تفكيكي يفصل ~~بين المفهوم وأبعاده الفلسفية العميقة المرتبطة بمنظومات فكرية ~~وعقدية وثقافية شاملة تعكس في جوهرها التصورات (السائدة في ~~المجتمع الغربي حول الكون والإنسان والحياة) المغايرة لما هو ~~سائد في المجتمعات العربية الإسلامية.» # 175 # لقد ظلت هذه المنهجيات تعبر عن طموحات خارج طموحات الأمة، ~~ومجسدة لأزمة الانتماء الحضاري، ومشوشة على المشاريع التي طرحت ~~في الساحة الفكرية العربية، فكانت الخلاصة التي انتهى إليها ~~مالك بن نبي أنه عندما ms062 «يسيطر التشويش وانعدام التماسك على ~~عالم الأفكار تظهر علاماتهما في أبسط الأعمال»، # 176 # فيسود الاضطراب المنهجي والفوضى المفهومية، وتتعطل ~~الأعمال الكبرى. # ونختم هذه الملاحظات بما أثير حول النقد الإبستيمولوجي عند ~~الجابري، لكن هذه المرة من داخل شاكلة ثقافية وفكرية تنتمي إلى ~~تيارات مختلفة من المغاربة بالتحديد، زملاء للجابري، الأمر ~~يتعلق بمحمد وقيدي وكمال عبد اللطيف ونور الدين أفاية وسعيد بن ~~سعيد، خلال الندوة التي نظمتها مجلة الوحدة ونشرتها في العدد ~~المزدوج 26-27 سنة 1986م تحت عنوان «العقلانية والمشروع ~~العربي: نقد العقل العربي في مشروع الجابري». ~~(4-2) على مستوى الاختيار الإبستيمولوجي # فمن الملاحظات المسجلة على مشروعه ما قدمه محمد وقيدي حول ~~تعاطيه مع مفهوم الإبستيمولوجية داخل هذا المشروع، فيرى أن ~~الجابري لم يوظفها بمفهومها المعاصر بقدر ما اكتفى بطابعها ~~الحديث، يقول: «إن تطور الإبستيمولوجيا في مشروع الجابري لا ~~تحضر كإبستيمولوجيا، وإنما تختزل قبل أن تحضر، تختزل في ~~مجموعة من المفاهيم التي أخذها عن باشلار أو عن بياجي أو عن ~~غيرهما وهي مجموعة محدودة من المفاهيم، وبعد هذه المرحلة ~~أصبحنا نجد أن الاهتمامات بالإبستيمولوجيا بدأت تتضاءل في ~~قوتها بالنسبة للجابري، وأصبحت الاهتمامات بالتراث هي الطاغية، ~~بقدر ما اتسعت دائرة الاهتمامات التراثية ضاقت دائرة ~~الاهتمامات الإبستيمولوجية، وأصبحت هذه الاهتمامات ملخصة في ~~جملة من المفاهيم.» # 177 # ويتساءل وقيدي بعد هذه الملاحظة عن درجة الانسجام بين مفاهيم ~~الإبستيمولوجية، والمفاهيم الأخرى المختلفة الأصول، والقيمة ~~المعرفية التي استند إليها الجابري في مشروعه، وإلى أي حد يمكن ~~القول إن أصول هذه المناهج اختفت، وأخذت مكانها ضمن بنية منهج ~~جديد داخل هذا المشروع. # وشعور وقيدي بنوع من الضبابية المفهومية المستعارة، وقضايا ~~الفكر العربي المعاصر، وهمومه؛ جعله يتساءل عن السبب الذي من ~~أجله لم تنشأ عندنا فلسفة عربية مستقلة، ليس بمعنى الاستقلال ~~المطلق عن التراث الغربي، لكن بالمعنى الذي تكون فيه تعبيرا ~~عن الذات، والمنحى نفسه نجده عند طه عبد الرحمن في كتابه «فقه ~~الفلسفة»، هذه الفلسفة التي ظلت رهينة القوالب والمقاسات ~~المنهجية الغربية، فالترجمة لا تنتج فلسفة ولا فكرا ms063 ولا ~~منهجا، فهي غير كافية في الإنتاج المعرفي، فهي في أحسن ~~الأحوال تكرار لمفاهيم غربية بلغة عربية. # أما الأستاذ كمال عبد اللطيف فقد اتجه إلى كشف بعض تناقضات ~~المشروع، أثناء نقده لنماذج فكرية وفلسفية واستعانته بنماذج ~~في التفكير أو البرهنة أو في النتائج المتوصل إليها يقول: «لقد ~~انتقد الجابري المنظومة المرجعية الغربية الليبرالية ~~والماركسية الدوغمائية وقد أطلق عليها اسم «سلف الليبرالي ~~والماركسي العربي» وانتقد المنظومة العربية الإسلامية وسماها ~~«سلف الشيخ» وأثناء نقده للمنظومات المرجعية المذكورة كان ~~يستعين بالتراث الفلسفي الغربي في أبعاده النقدية، ويدعو إلى ~~تتميم ما بدأته الرشدية والخلدونية ومباحث الأصول التي أنتجها ~~الشاطبي، فهل يتعلق الأمر بتوفيقية جديدة؟ وهل «الاستقلال» ~~المقصود مزيج من قبيل ما ذكرنا؟ وفي سياق هذه الكتابة، يضيف ~~الباحث: نجد أنفسنا أمام اختيارين؛ [أولا:] التفتح الفكري ~~الفلسفي الذي يتيح للباحث معاصرة بلا حدود، [ثانيا:] التقوقع ~~الأيديولوجي القومي الذي لا يتوقف عن التذكير بالحدود والفواصل ~~والأزمنة داخل الزمان.» # 178 # ويؤاخذ كمال عبد اللطيف الجابري على هذه التوفيقية وما ~~يشوبها من التباس، والحسم - يقصد بالدرجة الأولى موقف العروي ~~من التراث، الذي خالفه الجابري - في الاختيار لنموذج نقدي، دون ~~نماذج أخرى باسم الاستقلال والخصوصية؛ فإنه لم يولد في نظره ~~سوى العقم، وتدعيم التأخر، هكذا تكلم كمال عبد اللطيف، في سياق ~~الدفاع عن أطروحة العروي النقدية التي حسمت مع التراث، من خلال ~~طي صفحته. # أما الرؤية النقدية الثالثة فيمثلها سعيد بنسعيد الذي اتجه ~~إلى العمق التحليلي نفسه الذي اعتمده الجابري، النقد ~~الإبستيمولوجي وتحدث عن البلبلة التي أثارها ويثيرها انتقال ~~المفاهيم المنهجية من العلوم الحقة (مجال الرياضيات والفيزياء) ~~إلى العلوم الإنسانية في الفكر الغربي، وصعوبة تداولها في ~~الفكر العربي، حين نقل المفاهيم كما ولدت وجربت عند المشتغلين ~~بالعلوم الإنسانية في العالم الغربي وفي فرنسا بصفة خاصة إلى ~~مجال اشتغاله، # 179 # فالمفاهيم التي اشتغل عليها الجابري في مشروعه - ~~حسب تقدير بنسعيد - مرت في انتقالها من مراحل شوشت على طراوتها ~~المعرفية والمنهجية، من مجالها الأصلي (الفيزياء) إلى مجال ~~العلوم الإنسانية في الغرب، ms064 ثم إلى مجال التراث العربي، وهو ما ~~يقوي من إمكانية تقويض المفهوم المنقول لبعض وظائف المتن ~~التراثي العربي. # أما ملاحظات نور الدين أفاية فقد مست غموض النقد ~~الإبستيمولوجي عند الجابري، وأنه غير محدد بما فيه الكفاية، ~~وأن النقد عنده يتداخل مع القراءة التشخيصية وأحيانا يدل على ~~استراتيجية تهدف إلى تأزيم الثقافة العربية من خلال ما أسماه ب ~~«أزمة الأسس وإعادة التأسيس»، ومن خلال الكشف عن مناطقها، ~~ومكوناتها التأسيسية. # 180 # هي محاولات نقدية جريئة تؤمن بضرورة إعادة التأسيس، والتدقيق ~~في مخرجات المشروع النقدي للعقل العربي، هي نقد النقد في سياق ~~تطوير وتثوير المشروع الجابري، حيث كشفت عما اعتبرته جنوحا في ~~فكره. وآلياته التفسيرية عبرت عنه المفاهيم الإبستيمولوجية ~~التي تبناها مثل مفهوم القطيعة الذي شوش على مشروعه، وإن ~~سلك في استدراكاته على المفهوم مسلك التوسط بعيدا عن القطيعة ~~الكبرى كما نجدها عند التيارات اليسارية الماركسية «العروي ~~وحسين مروة»، وتنشيط هذه الآليات وفق مطامحه ~~الأيديولوجية. # وأنقل له نصا يعبر عن هذا النزوع الأيديولوجي وغلبته، وأنه ~~المحدد الأساس في عملية الانتظام في قراءة مضامين التراث ~~العربي الإسلامي، وهو الخوف من اكتساح الساحة الفكرية المعاصرة ~~من قبل ما أسماه بقوى «رجعية» و«ظلامية» و«تغريبية» وإن كنا ~~نقدر هذا النزوع، ونتفهم دوافعه، لكن أن يكون هو المحدد فهذا ~~مما يختلف حوله. يقول: «فلماذا لا نملأ ساحتنا الثقافية بقضايا ~~من تراثنا لها علاقة مباشرة باهتمامات شعوبنا؛ اهتمامات ~~النخبة والشباب والجماهير: قضايا اللغة وتجديدها، وقضايا ~~الشريعة، وشروط التجديد فيها، وإمكانيات تطبيقها وتطويرها، ~~والعقيدة وأنواع الانحلال الملصقة بها الفكرية والسياسية، أضف ~~إلى ذلك قضايا التاريخ والأدب والفلسفة التي يزخر بها تراثنا. ~~قد يقول البعض: هذه قضايا ميتة، تنتمي إلى زمن ثقافي مضى ~~وانقضى (...) ونحن لا نحتاج إلى أن نذكر هؤلاء باكتساح التيارات ~~الرجعية والاغترابية لساحتنا الثقافية»، # 181 # هو خطاب نقدي لتيارات القطيعة مع هذا ~~التراث. # لكن لا عيب عندي أن تستبطن هذه المناهج وهذه الآليات أبعادا ~~أيديولوجية - ليس بمفهوم الإقفال والإلغاء - بمقادير معينة، ~~وأن تستبطن هذه الأخيرة أبعادا معرفية منهجية، ms065 فثمة علاقة ~~تفاعلية، وإنما الخلاف فيما ذهب إليه عبد الإله بلقزيز واشتغلت ~~عليه تيارات الفكر العربي المعاصر هو أن يصبح البعد ~~الأيديولوجي هو القابض على المصير المعرفي، يأتمر بأوامره ~~وينتهي بنواهيه، وهي نقطة شكلت ثغرة وعيبا منهجيا ~~ومعرفيا في تاريخ الفكر العربي المعاصر، يلزم ترتيب ~~العلاقات بينهما. # إن المشروع الفكري الذي قدمه الجابري بقي حلما معلقا، ~~فلا هو حقق عقلانية ابن رشد ولا أسس دولته ولا استنبت حداثة ~~الغرب؛ لأن المشروع لم يستند في كثير من تفاصيله إلى أسس ~~مرجعية ذات صلة بالأمة، مرجعية الإسلام كقوة مؤطرة وموجهة ~~لحركة الفكر والنهضة والحضارة وإلى عمقها التاريخي. لكن رغم ما ~~قيل عن المشروع وما قدمنا من ملاحظات حول المسار النقدي في ~~مشروع الجابري، يبقى فكره - في رأيي - واحدا من المشاريع ~~الفكرية القليلة في الفكر العربي المعاصر التي استطاعت أن تجد ~~لنفسها مساحة محترمة مع جميع الاتجاهات الفكرية: يمينية - ~~يسارية - إسلامية، بدرجات متفاوتة. # ويمكن الاستعانة به خصوصا في الجانب المتعلق بموقفه من ~~المركزية الغربية وحداثتها، وكشفه لانزلاقاتها وسوء التوظيف ~~لهذه الحداثة، وما راكمه على المستوى المنهجي يمكن البناء عليه ~~في بلورة مشاريع مستقبلية؛ كما يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز في ~~مواصلة مسيرة النقد وتصحيح الاختلالات التي طرحها برؤية ~~تأصيلية وأكثر انسجاما مع الذات، وأكثر جرأة في التعامل مع ~~المناهج والمفاهيم الوافدة، كما يشكل مشروعه نقطة مضيئة في ~~بيان عورات الخطاب العربي المعاصر وتفكيك آلياته وعوامل فشله ~~من خلال إبراز تناقضاته. # 182 # كما أحسن عندما وضع التراث في ميزان النقد وحرك العقول ~~الراكدة بحرارة تجربته وبحسه المنهجي الراقي، ونقل الإنسان ~~العربي من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث تملكه ولا ~~يملكها، فردود الفعل اتجاه مشروعه مؤشر على هذا التحول، في ~~المعرفة التراثية، لكن بإمكان المشروع أن يتحول إلى فاعل ~~أساسي، لو ارتبط أكثر مما ذكرنا؛ أي الانتقال من «تشخيص العيوب ~~ونقدها إلى وضع آلية نقدية بديلة؛ أي إن تتويج العمل كان ~~ممكنا بتأسيس معرفة بديلة يمكن بها قراءة التراث دون المساس ~~به، فما كان ms066 ينقص الجابري - حسب نقاده - أن يتخذ موقفا محددا ~~من التراث بدلا من هذا النفس القلق بإزائه، وهذا الدمج بين ~~التراث والحداثة.» # 183 # صحيح أن الجابري قدم مقترحات في هذا الاتجاه، لكنها تبقى دون ~~طموحات النهضة والواقع العربي، وهو الاعتراف الذي عثرنا عليه ~~في كتاباته الأخيرة «لماذا فشلنا في تحقيق حلم النهضة؟» أما ~~الجواب عن الفشل، فالسؤال يحمل جزءا منه، أما الجزء الآخر ~~فيكمن في الأدوات التي اشتغلت عليها تيارات الفكر العربي ~~المعاصر، حين راهنت على خلطة هجينة من المناهج النقدية ~~الغربية، وانتقائية من التراث، في تقويم إشكالات الواقع العربي ~~واستشراف آفاقه، دون امتلاك رؤية ناظمة لأعطاب ذلك ~~الواقع. # خلطة كشفت عن وعي مقلوب لعقل هذا الفكر، وعن استمرارية ~~تبعيته لعقل الآخر إذ «يبدو أن النقاد العرب الذين تناصت ~~نقودهم مع المنهجية الغربية وفاقا لحالة الاندماج لم يستطيعوا ~~أن يختاروا حالة منهجية تصلح للتبني والتحليل، إذ غالبا ما ~~تبرز الانتقائية والتلفيقية في خطاباتهم النقدية، مما يدل على ~~أن الخطاب النقدي العربي المندمج مع الغرب لم يتمكن من استبانة ~~الملامح النظرية النقدية الصالحة للدراسة، وأن المرجعية ~~المسيطرة تظهر بشكل إرادي أو لا إرادي في بنية المعرفة النقدية.» # 184 # وهو اتجاه بدأ يتقوى ويدرك حجم المعاناة التي ~~يحياها الخطاب النقدي العربي المعاصر في فلسفته النقدية الذي ~~مثل نسخا مشوهة عن التجربة الغربية. # 185 # لا تخرج الانتقادات الكثيرة - على اختلاف في درجتها ~~ومرجعياتها وأدواتها - التي وجهت لمشروع الجابري في رأيي عن ~~الرغبة في تجويد أطروحات الفكر العربي المعاصر، والرفع من ~~منسوبها في مواجهة التحديات، وتنويع أدواتها التفسيرية. ~~انتقادات لا تنقص من قيمة المشروع وصاحبه، بل تزيد من قوته ~~وتأكيد على استمرار الروح النقدية العقلانية التي دشنها في ~~تحليله لنظم الثقافة العربية، واستئنافها وفق معطيات الواقع ~~المعاصر، لهذا فنحن لا نؤسس رؤانا واختياراتنا، على أساس ~~انتكاسة الآخرين وفشلهم، أو لعيوب في فلسفاتهم؛ بقدر ما نؤسس ~~على أساس نوع من تراكم خبرات عقول الأمة، وتجاربها الفاشلة ~~والناجحة، كما نؤسس على معيارية ذاتية قائمة على منطق داخلي، ms067 ~~أثبت جدارة عطائه على امتداد التاريخ الحضاري للأمة، والانفتاح ~~الواعي على كل الممارسات الإنسانية الراقية وعطاءاتها ~~المتواصلة، تراعي خصوصيتها وخصوصيات الآخرين، وتعترف بنسبيتها ~~ضمن النسق الحضاري الإنساني العام. # الفصل الثاني # | المدرسة العلمانية في الفكر العربي المعاصر: الأصول المرجعية ~~والمنهجية # ننطلق في هذا العمل من رؤية مؤسسة وبانية من خلال أصولنا المعرفية ~~والمنهجية، ومن رؤية واقعية تستكشف حاجيات الأمة، وتتجاوز الاختلالات ~~التي رافقت هذا الاتجاه في فكرنا العربي المعاصر: مرجعياته التأسيسية، ~~ومحدداته المنهجية، واختبار مدى فعالية المفهوم في واقع الأمة ~~وإمكانيات استمراره أو تجاوزه أو البحث عن طريق ثالث يتيح فرص الحوار ~~والنقد والبناء، ومن منطلق يستوعب التحديات الراهنة التي تواجهها ~~خصوصا بعد مرحلة ما سمي بالربيع الديمقراطي، والإقرار بالتعددية ~~الفكرية والثقافية ضمن الوحدة الجامعة، ما دام الوضع الحالي لا يقبل ~~غير هذه القسمة، فتجديد المفاهيم وتعبئتها بمضامين جديدة أصبح عند كثير ~~من النخب العربية من الخيارات الممكنة في إعادة تدبير إشكالات ~~المرحلة وتدويرها. # أعادت تحولات المنطقة العربية شبكة من المفاهيم إلى درجة الصفر، على ~~مستوى الحوار الفكري والسياسي، مما فتح وسيفتح مساحات أوسع بين النخب ~~للبحث في العلاقة الطبيعية بين المفاهيم المتداولة في حقل الفكر ~~العربي المعاصر، ومدى مصداقيتها الإجرائية، وعن علاقتها بمفاهيم ~~الأمة. # من هذه المفاهيم الإشكالية: إشكالية الدين والدولة، الدين والسياسة، ~~الدولة الدينية أم الدولة المدنية العلمانية، الدولة المدنية ذات ~~المرجعية الإسلامية، إشكالية المعرفة والقيم الدينية، الثابت والمتحول ~~في هذه المعرفة، المرجعية الدينية والزمانية، المطلق والنسبي. # ثنائيات إشكالية بدأت تأخذ حظها في النقاش المعرفي من جديد، وهو ما ~~يستدعي فتح ملفات علمية بعيدة عن التحيزات الأيديولوجية، والنظر إلى ~~أفق أوسع يرتبط بشكل أدق بمصير المنطقة العربية الإسلامية، والعوامل ~~المنتجة للنهضة الحقيقية بدل السير في دروب مظلمة. # أنا لست ضد التعدد المذهبي الأيديولوجي والفكري المنهجي، لكن ما ~~يهمنا هو الحكم على خلاصات كل شكل من أشكال هذا التعدد ما قدم وما ~~أخر لهذا المجتمع، فالأفق والمآل هو المعيار الحاسم لكل اتجاه فكري ~~فلسفي أريد أن يساهم في معالجة إشكالات ms068 المجتمع العربي، في الوقت ذاته ~~إقصاء أي تيار يمكن أن يساهم في البناء من مرجعية مغايرة يساهم في ~~تكرار تجارب الماضي القريب، ويكرس مظاهر العنف الفكري ويعمق جراحات ~~الأمة. إنما السبيل الأقرب إلى الصواب البحث عن مناطق توحد هذه الطاقات ~~لتساهم في نحت مشروع عربي إسلامي حضاري يتجاوز فجوات الجيل الأول ~~والثاني. # إن المقصد الذي انتدبنا أنفسنا إليه في هذا الفصل يتوخى فتح حوار ~~معرفي مع أنموذج فكري عرف عنه الالتزام الصارم بقيم العلمنة في ~~المجال المعرفي، ومن خلال الدعوة المتكررة إلى تبني هذا النموذج بكل ~~آلياته المنهجية والمعرفية؛ لأنه ثورة عقلية تنويرية، لا مستقبل للعرب ~~والمسلمين إلا بالانخراط الطوعي فيه، ساعتها «سيتم الاعتراف بنا في هذا ~~العالم كأمة وحضارة وشعوب حين نناضل من أجل عالم علماني يعترف فيه ~~الجميع بالجميع بمعزل عن فرضيات الدين والمعتقد. وسنتمكن من تحرير ~~الأرض والوعي والحضارة من الاحتلال والاستيطان، ومن تحصين مجتمعاتنا من ~~الطائفية والفتنة يوم نناضل من أجل الحريات الفردية والكرامة الإنسانية ~~والمساواة بين بني البشر، ونقاوم من أجل قيم التنوير والحداثة ~~والعقلانية والعلمانية، والتي هي غنيمتنا المنسية منذ معاركنا الوطنية ~~ضد الاستعمار»، # 1 # ليعود من جديد من بوابة الفكر والثقافة العلمانية، مهما ~~حاول دعاتها التحرر الكاذب من أسطورة النموذج الغربي، والارتباط ~~بالوطن. # الإصرار على هذه السبيل إصرار على التقليد والتبعية وقلب للحقائق ~~والمعطيات، إنه أنموذج المفكر الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية محمد ~~أركون الذي تحمل عناء النضال الفلسفي المشبع بالقيم العلمانية ~~الفرنسية في نقد العقل الإسلامي، من خلال الدعوة إلى فك الارتباط ~~بأصول هذا العقل، وتحريره من «أسطوراته التاريخية»، ومعانقة أسباب ~~التحرر التي تتيحها العقلانية الحداثية الغربية، التي يرى فيها منجاة ~~«العرب من الخسران والضياع والتخلف عن ركب الأمم والتقدم»، # 2 # ومن خلال أدوات تأويلية للتراث العربي الإسلامي (النسبي ~~والمطلق). أو من خلال استيراد ما سمي بعلم التأويل «الهرمينوطيقا» ~~في قراءة النصوص، وهي ظاهرة فكرية منهجية بدأت تأخذ حيزا مقدرا في ~~مناهج قراءة النصوص المقدسة أو النسبية على حد سواء. # ويهمنا في هذا ms069 الفصل أن نعالج موقف أركون وجهوده في بناء نموذجه ~~المعرفي والمنهجي الذي يعتبره المدخل الطبيعي في تحقيق التنوير ~~العقلاني الإسلامي بعيدا عن المنهجية الإسلامية، المنبثقة من أصولها ~~التأسيسية (الوحي) التي اعتبرها مسئولة إلى حد كبير عن تشظي العقل ~~الإسلامي وتخلفه عن فتوحات الحداثة العقلية، من خلال ثلاثة مباحث ~~أساسية نراها تجيب عن جزء مهم من الإشكالات المنهجية في الفكر العلماني ~~العربي المعاصر. ~~(1) المبحث الأول: أصول ومرجعية البناء المنهجي في الفكر العلماني # 3 # العربي المعاصر # في الوقت الذي سعى فيه الجابري من خلال مشروعه إلى تبرير ~~اختياراته المعرفية والمنهجية في تشريح مكونات العقلية العربية ~~الإسلامية، من خلال المكونات القومية للذات العربية مع تلفيقية ~~مبررة بينها وبين إنجازات الغير، والبحث في التراث عن مسوغات ~~لهذه التوجهات، إن كنا قد اعترفنا بفضلها في إثارة إشكالات حقيقية ~~مرتبطة بعلاقة العقل العربي بتراثه حين حاولت أن تنقله من مجرد ~~موضوع إلى إشكالية معرفية ومنهجية، في وقت حسمت اتجاهات أخرى ~~الموضوع واتجهت نحو الاستلاب الثقافي والمنهجي رغم مرارة هذا ~~القرار وتبعيته، نجد المدرسة العلمانية في الفكر العربي المعاصر - ~~خصوصا مع محمد أركون - قد نحت المنحى ذاته، حين سعت إلى تثبيت ~~منهجية العلوم الإنسانية في نسختها الغربية لتعمق هي الأخرى من ~~جراحات وآلام العقل العربي، وتوسع الهوة بينه وبين مرجعياته، ~~بدل تقريبها منطلقة من أرضية الحداثة وعقيدتها المنهجية. # فخاضت معركة المفاهيم مع ثقافة الأمة وأصولها المرجعية، معتبرة ~~المعركة على مستوى العلوم الإنسانية المدخل الأساس لعلمنة المجتمع ~~العربي الإسلامي، ومن خلال الوصل بين لحظات انطلاق الحداثة الغربية ~~وثوراتها المنهجية الفكرية، حين قوضت أسس التفكير الكنسي ~~الديني وفككت مؤسساته، وأعلنت ميلاد نمط جديد على مستوى آليات ~~التحليل والنقد، وبين اللحظة التاريخية للعقل العربي الإسلامي ~~لتحريره من كل القيود العقدية والتاريخية التي حالت - حسب تحليلها ~~- دون تحقيق الإنجاز المطلوب. # لعل أبرز معالم الحضارة الغربية الحديثة توجهها العلماني ~~الداعي إلى فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، بل «يرتبط ~~بروز الفكر العلماني الذي تبناه مفكرو الأنوار الغربيين بإدراك ~~المفكر الغربي الحاجة إلى ms070 الفصل بين المؤسستين الدينية ~~والسياسية في المجتمع الغربي لتحقيق السلام الداخلي، وتطوير مجتمع ~~سياسي متعدد الأديان يسمح بتقويم الأفراد بناء على إنجازاتهم ~~الفردية ومساهماتهم في تطوير المجتمع السياسي، بدلا من التعويل ~~على انتماءاتهم الدينية؛ لهذا الغرض اقتنع قادة المجتمع الغربي ~~ومفكروه أن لا طريق لإحلال السلام بين الفرق الدينية المتصارعة ما ~~لم يقبل الجميع بالاحتكام إلى عدد من المبادئ السياسية المشتركة ~~التي تسمح بإحقاق الحقوق وتوفير العدل، وتحول بين سيطرة فرقة دينية ~~محددة على السلطة، ومن ثم استخدامها لفرض رؤية ضيقة على الجميع. ~~وهكذا لاقت فكرة الدولة العلمانية قبولا واسعا في المجتمعات ~~الغربية الناهضة بدءا من القرن الخامس عشر الميلادي.» # 4 # لكنه فصل معكوس تماما للعلاقة بين السلطتين، ففي الوقت الذي ~~كانت المعادلة تنطلق من السلطة الدينية نحو السلطة السياسية مستغلة ~~نفوذها، أصبحت المعادلة عكسية، من السلطة السياسية إلى السلطة ~~الدينية، فظلت العلاقة بين السلطتين علاقة مد وجزر حسب ~~السياقات التاريخية والأهداف الموجهة لكل واحدة منها؛ لهذا ف ~~«إن تلازم الوعي الديني والنهوض الحضاري حقيقة تاريخية وشرط موضوعي. ~~فالحضارات الإنسانية عبر التاريخ تعود في جذورها إلى وعي ديني ~~ورؤية كونية متعالية، بدءا من حضارات الهلال الخصيب ومصر ~~الفرعونية، ومرورا بالحضارات الصينية والهندية والفارسية ~~والإغريقية والرومانية، وانتهاء بالحضارتين الإسلامية والغربية. ~~ولقد وثق المؤرخ الغربي الشهير أرنولد توينبي العلاقة بين الدين ~~والحضارة وأظهر في كتابه دراسة الحضارة أن العلاقة بين الدين ~~والحضارة علاقة المقدمة بنتيجتها». # 5 # السياقات التاريخية التي أفرزت الصراع بين الكنيسة والفكر الغربي ~~الحر ليست قاعدة ثابتة في الحكم وتعميم النتائج، فما قام به بعض ~~مفكري الغرب من «تسفيه للإله، فلا يمكن بحال أن يعزل ذلك عن جو ~~التغميض الديني، وما ارتكبت بعض الأنسقة الكنسية من أخطاء، وما ~~مارسته من قهر أو تبنته من شكليات، وبالتالي لا يمكن أخذ هؤلاء ~~المفكرين المناهضين لإله الكنيسة، والمعبد كقاعدة في تقييم كل ~~الأديان وعبر كل العصور وفي كل المجتمعات»؛ # 6 # لأن التعميم تعمية وتعطيل لأركان المنهج السليم الذي ~~يقر بالاختلاف والتعدد في السياقات. ms071 ~~(1-1) الفكر العلماني العربي المعاصر ومراحل إعادة بناء ~~المفهوم ~~(أ) الاتجاه الإسقاطي الخارجي # ونعني به الاتجاه الذي سار إلى تبني تاريخ الغرب ~~والانخراط في مساره وتفاصيله وإسقاطه على تجربة الأمة، ~~وانتهى إلى تبني تلك الخلاصات التي انتهى إليها الفكر ~~الغربي في صراعه مع الكنيسة والاجتهاد في تنزيلها على واقع ~~اجتماعي وفكري، يختلف أشد الاختلاف عن موطن النشأة، وسلك ~~في ذلك كل الوسائل الممكنة والمتاحة، فحاول افتعال الصراع ~~داخل السياق العام لثقافة الأمة والبحث عن تناقضاتها بين ~~الجوانب «العقلانية» و«اللاعقلانية». # ومحاولة فك ذلك الارتباط الوثيق وتلك الجدلية الطبيعية ~~بين الوحي والعقل والواقع بأدوات منهجية أصبغ عليها صبغة ~~«العلمية» مشبعة بعقائد أصحابها ومرتبطة بمعادلات اجتماعية ~~نفسية يصعب في غالب الأحيان الفصل بينها إذا لم يؤت ~~الإنسان سعة من العلم وبسطة في الفهم، فاستند إلى ~~أطروحة مفادها أن تحقيق حلم النهضة والتحديث والتقدم ~~إنما يتوقف بشكل كبير على استصحاب التجربة الغربية ~~المسيحية ويتأسس على ما فعلته أوروبا مع الفكر الكنسي، إذ ~~لم تتقدم وتتحرر إلا بعزلها لهذا الفكر وأدواته التفسيرية ~~الخاطئة. والنهضة العربية الفعلية - إذا ما أريد لها أن ~~تحصل - تتطلب الاتصال بهذه المرحلة من الفكر الغربي ~~وتطبيقاته المنهجية. # 7 # وهو الشرط الذي وضعه هذا الاتجاه للخروج مما أسماه ~~بالمرحلة الأرثوذكسية الجامدة، فحاولوا معارضة الإسلام ~~ومنهجه بنفس المركبات الذهنية التي واجه بها رواد الإصلاح ~~في الغرب الفكر الكنسي. # وبهذا «يجعلون المعركة الدائرة هنا امتدادا للمعركة ~~التي دارت هناك، ومن ثم تقرر النتيجة في هذه المعركة كما ~~تقررت في تلك.» # 8 # وهي إقصاء الإسلام من المجال الحياتي ~~والمؤسسات المجتمعية واعتباره عائقا معرفيا، وسلطة ~~ضاغطة على العقل تكبله بتوجيهاتها الإيمانية ~~«الخرافية»، وتحول بينه وبين الإبداع الخلاق والإنتاج ~~الحضاري، فيحاولون «فرض التطابق على غير التطابق وفرض ~~التشابه على غير التشابه، ويحولون البلاد العربية ~~الإسلامية إلى مسرح يكرر أداء تمثيلية جرت وقائعها في بلاد ~~أخرى وضمن ظروف ومعطيات مختلفة (...) أما ما هو أنكى فكونها ~~تمثيلية فاشلة في محتواها.» # 9 # فعلى غرار «تجربة المناهج الغربية في نضالها المرير ms072 ضد ~~التفكير الديني قام الاتجاه الوضعي في بلادنا ليبني ~~أفكاره على أساسها متجاهلا الفروق التاريخية والثقافية ~~الموجودة بين البنية الفكرية المسيحية وبين البنية الإسلامية.» # 10 # وظهرت دعوة هذا الاتجاه قوية في تبني مقولات المناهج ~~الغربية وامتدت لتشمل كل ميادين البحث: الإنسانية، ~~والاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية ... فجعلوا التجربتين ~~المسيحية والإسلامية تشتركان على مستوى المقدمات المعرفية، ~~وتصوراتها لكثير من الحقائق المعرفية والكونية والإنسانية، ~~واعتمادهما على المنحى نفسه في التحليل؛ لهذا نجد عند هذا ~~الاتجاه إصرارا غير مسبوق في الدعوة إلى قراءة مقدمات ~~انتقال أوروبا من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، كما ~~حاول افتعال الصراع بين التحليل العقلي العلمي والتفسير ~~الديني في ثقافة الأمة، وبين مدارسها الفكرية. # فالذي وقع في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية إنما هو ~~نوع من الثراء الفكري فالصراع ليس «صراعا بين عقل ولا ~~عقل، وإنما هو صراع فيما بين مقولات يحمل كل منها عقلا ~~محددا، ومن ثم يمكن تحديد الخلافات الجوهرية بين المقولات ~~(...) ولهذا فمن الخطأ أن تسحب التجربة التاريخية الأوروبية ~~فيما يتعلق بالصراع بين الكنيسة وخصومها على ما يجري من ~~صراع في ساحتنا، فالسمات هنا مختلفة في حالة المتصارعين ~~حين تقارن بالسمات التي مثلت المتصارعين هناك.» # 11 # ف «العقل الذي يعتمد على منهج القياس كأسلوب ~~وحيد للمعرفة والمحاجة يتحول بين الأشلاء الناتجة عن ~~عملية التفكيك. لا ثقافة العرب ولا حضارة الغرب تدخل في ~~وعيه كعملية متكاملة أو كسيرورة تاريخية، كماض وكمستقبل. ~~إنها تلغي التاريخ والمستقبل، لا ترى من تراث الشرق أو ~~الغرب إلا لحظات متقطعة من قبلها ومما يليها، فهي لحظات ~~ثابتة راكدة راهنة. الحاضر وحده هو الزمن بالنسبة لهذا الوعي.» # 12 # وقد مثل هذه المرحلة من التفكير أغلب اتجاهات الفكر ~~العربي المعاصر من القوميين واليساريين والعلمانيين، قبل ~~أن تحدث بعض الارتدادات الإيجابية النسبية من هذه ~~الاتجاهات، فالقومية العربية كانت في بداية تشكلها ~~تيارا علمانيا قبل أن تعدل من مفردات خطابها وتنقحها ~~من بعض المشوشات وترتبط بالماضي العربي، وتاريخه ورموزه مع ~~إيمانها بضرورة الاستفادة من الآخر، وفق هذه المحددات ~~(اللغة، ms073 التاريخ، المصير المشترك) مع ارتباط محتشم بالدين ~~أثناء مراجعات هذا التيار لأطروحاته تعتبره ضمير الأمة ~~الجمعي، لكن دون أن يكون عنصرا فاعلا في النهضة ~~والتحديث. # أما تيار الاستقلال عن التصورات الدينية (الإسلام) ~~وتكريس قطيعة نهائية مع التفسيرات العقائدية ومفارقات ~~العقل السلفي. فتيار اليسار الماركسي العربي الراديكالي ~~الذي يرى في الانخراط الكلي في الآخر، وفي مشروعه ومدارسه ~~من خلال تبني المدرسة الماركسية بأدواتها ومفاهيمها ~~مدخلا أساسيا في معالجة مشكلات العجز، والتأخر ~~التاريخي كمنهج مطبق لا كمنهج لتطبيق - بتعبير ~~الجابري. # أما الوجه الآخر لهذا التيار الإسقاطي الذي جعلناه ~~أنموذجا للاشتغال، فالأمر يتعلق بالمفكر الجزائري محمد ~~أركون من خلال مشروعه الفكري (نقد العقل الإسلامي) والدعوة ~~إلى علمنة المجتمعات العربية الإسلامية. # مشروع تؤطره مجموعة من الهواجس والإشكالات منذ البداية ~~هي منطلقه ومرتكزه في إنجاز ما أسماه ب «إحياء الاجتهاد في ~~الفكر الإسلامي المعاصر» وتأسيس تاريخي منفتح وتطبيقي لهذا ~~الفكر متجاوزا كل الحدود والحواجز التي فرضتها العقلية ~~الوثوقية و«منفتح على علوم الإنسان والمجتمع ومناهجها ~~وتساؤلاتها كما هي ممارسة عليه اليوم في الغرب، وتطبيق ~~عملي في نفس حركة البحث؛ لأنه يهدف إلى تلبية حاجيات ~~وآمال الفكر الإسلامي المعاصر وسد نواقصه منذ أن اضطر ~~هذا الفكر لمواجهة الحداثة المادية والعقلية .» # 13 # فقد أراد - كما يؤكد دائما - أن «ينقض أخطر مشكلة تواجه ~~العرب والمسلمين عموما، ألا وهي مشكلة «الحداثة العقلية ~~والفكرية». إنها مشكلة دخول العصر بكل ما للكلمة من معنى، ~~وبكل ما يتضمنه ذلك من إشكاليات وعقبات وآلام ومخاضات.» # 14 # هذا هو الأفق المعرفي الذي خطط له أركون وسعى ~~إلى تثبيت أركانه في الساحة العربية والإسلامية، وقد ظل ~~هاجس العلمنة واحدا من الإشكالات والأسئلة الكبرى التي ~~شغلت هذا الفكر واتخذ مستويات متعددة وتعبيرات مختلفة حسب ~~تعدد السياقات. # فارتبط بإشكالات مفاهيمية كالديمقراطية والتقدم ~~والحداثة، لكن قبل الشروع في رهانات العلمنة مع أركون نقف ~~عند لحظاتها في الفكر العربي المعاصر، حددها الأستاذ كمال ~~عبد اللطيف في ثلاث لحظات أساسية. # 15 # اللحظة الأولى: دولة الإسلام ودولة العلم ~~والمدنية # ويمثلها الحوار الذي ms074 دار بين محمد عبده وفرح أنطون على ~~صفحات «الجامعة» و«المنار» حول تاريخ الإسلام والمسيحية، ~~حيث دافع عن ضرورة الفصل بين متطلبات الدين ومتطلبات ~~الدنيا بالإضافة إلى تلويحه بشعارات التسامح والمواطنة. ~~ويرى أن الخلاصة الأساسية لهذا الجدال تتجلى في المعالجة ~~المباشرة والصريحة لمسألة العلمنة في الخطاب العربي ~~المعاصر، وإعادة بناء المفهوم والتفكير فيه من جديد وفق ~~معطيات جديدة. # اللحظة الثانية: نحو تأريخ وضعي للسلطة السياسية ~~في الإسلام # ويمثل هذه المرحلة علي عبد الرازق (1888-1966م) بنصه ~~الشهير «الإسلام وأصول الحكم» 1925م الذي يعرض فيه موقفا ~~نقديا من مسألة إحياء الخلافة الإسلامية. وهذه اللحظة ~~امتداد لجدل اللحظة الأولى: أصلها وتطورها. كما أقام ~~تمييزا فاصلا بين النبوة والممارسة السياسية، ويدافع عن ~~ضرورة الاحتكام في مجال السياسة إلى ما يسميه بأحكام ~~العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة. # ويدافع كمال عبد اللطيف عن هذه اللحظات التاريخية وعن ~~الاختيارات التي دافع عنها فرح أنطون بحماسة كبيرة وعقلية ~~أنوارية ورجحان كثير من جوانب البرهنة التاريخية لعلي عبد ~~الرزاق، كما مثلت هذه المرحلة اتجاهين اثنين: الاتجاه ~~الليبرالي مع فرح أنطون، الذي يرجع له الفضل - في رأيه - ~~إلى إدخال مفهوم الخلاص الأنواري الوضعي لتجاوز الخلاص ~~المسيحي الأخروي بل الخلاص الديني على وجه العموم، بهذه ~~التسوية يتكلم كمال عبد اللطيف، ثم التجربة الكمالية التي ~~قدمت - في نظره - كثيرا من المعطيات الواقعية لفهم نص ~~الإسلام وأصول الحكم. # اللحظة الثالثة: إعادة بناء المفهوم # وهنا المحاولات والمساهمات التي حاولت داخل الفكر العربي ~~الإسلامي المعاصر أن تؤسس لهذا الموضوع من داخل البنية ~~الفكرية للأمة، باعتباره موضوعا داخليا وانشغالات نابعة ~~من واقعية وراهنية الواقع العربي والإصرار على اعتبار ~~العلمانية أساس الوحي الإسلامي وليست ظاهرة طارئة، وأن ~~التجربة التاريخية تقدم براهين على أصالة هذا المفهوم، ~~وتبرز في هذا الاتجاه بشكل قوي اختيارات محمد أركون ~~أنموذجا لإعادة بناء هذا المفهوم وتركيبه في إطار أفق ~~فلسفي تاريخي جديد داخل دائرة أوسع يتجاوز الدائرة ~~السياسية، أفق ساهمت فيه معه ثلة من المفكرين العرب على ~~اختلاف أطرهم المرجعية واختياراتهم السياسية لكن يتسلحون ms075 ~~بنفس الآليات المعرفية والتاريخية، أمثال العروي والجابري ~~وحسن حنفي وحليم بركات وعبد الإله بلقزيز. # 16 # فكيف ينظر أركون إلى هذا الموضوع؟ وما هي ~~المقاربات التي يقدمها، ما هي رهاناته وأفقه؟ أسئلة نحاول ~~أن نعالجها في هذا المطلب. ~~(1-2) أركون ورهانات العلمنة في الفكر العربي المعاصر # في سياق إعادة بناء مفهوم العلمنة يقدم أركون مفاهيم جديدة ~~وأوسع مما هو متداول عند أغلب الاتجاهات العلمانية في الفكر ~~العربي المعاصر، من خلال تحطيم منطق الثنائيات وتوسيع مجال ~~التفكير فيها، ومن هنا «الحاجة إلى ضرورة إعادة النظر في ~~المفاهيم التي ترتبط بهذا المفهوم، والتي غالبا ما ترتب في ~~إطار تقابلات ثنائية حدية وحادة من قبيل حق ديني، وحق طبيعي، ~~وعقلي، وروحي، وعقلاني، وخيالي. إن تفكيك المفاهيم المذكورة ~~داخل بنيتها الروحية المتقاطعة يتيح إمكانية بناء وتأمل جديد، ~~وبالتالي إمكانية بلورة نتائج جديدة خاصة وأن المسيحية لم ~~تنقرض، وأن الإسلام يعرف انتفاضات متشنجة وحادة هنا وهناك.» # 17 # هكذا فكر أركون في الموضوع وانتقد المداخل التي تم اعتمادها ~~في مقاربة إشكالات العرب ومخاضاتهم المعاصرة. أما المدخل ~~والمقاربة الأركونية المفضلة فتتجاوز «مجرد التفريق البسيط ~~للمفهوم بين الشئون الروحية والشئون الزمنية» # 18 # إلى تأسيس مفهوم جديد غير مفكر فيه، وهو المعنى ~~الفلسفي والمعرفي والإيجابي، من خلال علمنة العقل العربي ~~الإسلامي الذي يسيطر عليه البيان والوجدان، وإنتاج عقل قادر ~~على المساءلة والنقد، فهي موقف منفتح للروح إزاء قضايا المعرفة ~~وقضايا المجتمع، هذا الموقف يتعارض مع عقل أبدي خالد منسجم ~~تماما بشكل مسبق مع تعاليم الوحي الجامع، «عقل يبدو متعاليا ~~وخاضعا لتحديدات كلام الله المعنوية وإكراهاته في آن معا»، # 19 # ويقدم مقاربات للمفهوم تتركز على الحاجة إلى الفهم ~~ومواجهة كل المطلقات والقيود التي تحجم العقل والإنسان عن ~~الإبداع. # فالعلمنة كما يفهمها «تتركز في مجابهة السلطات الدينية التي ~~تخنق حرية التفكير في الإنسان ووسائل تحقيق هذه الحرية (...) ~~ولهذا فإن مهامها في إلحاحها الشديد على الفهم والنقد داخل ~~توتر عام في الإنسان وبمواجهة «ضابط» ما موجود دائما، ~~وضرورة أن يوجد سواء كنا نعيش ms076 في مجتمع الدولة-الكنسية أم في ~~مجتمع الدولة القومية الحداثية.» # 20 # إنه التحلل الكامل من كل ضابط قيمي يضبط سلوك ~~الإنسان، ويرشد تصرفه والتمرد على الأخلاق والعقائد والدعوة ~~إلى الاستقلال العقلي، وهذا ما يتطلب في رأيه افتتاحا ~~باستمرار في اتجاه الشك المستمر، يشبه الشك الذي افتتحه كل من ~~ماركس ونيتشه في القرن التاسع عشر اتجاه المسيحية «وهذا النقد ~~قابل تماما للتطبيق على الإسلام»، # 21 # فدفع بكل مقولاته إلى نهايتها، كالوفاء بحقوق ~~العقل كاملة غير منقوصة، إذ ليس هناك حقيقة خارج هذا ~~العقل. # لهذا فالعلمنة عنده «قفزة نوعية في تاريخ المجتمعات البشرية، ~~فهي التي نقلت البشرية من الفضاء العقلي للقرون الوسطى إلى ~~الفضاء العقلي للتقدم والحداثة.» # 22 # هذا صحيح بالنسبة لأوروبا، أما التعميم كمقياس غير ~~أخلاقي فلم تكن البشرية كلها تشترك في المقدمات المعرفية، ~~وليست على خطة تاريخية واحدة، لكن آليات الاشتغال وأفقه ~~المعرفي كانت عاملا أساسيا في هذه التحديدات ~~والاستنتاجات. # ورهان أركون في أفق العلمنة هو الانخراط الكلي في الحداثة، ~~ويطرح السؤال: من أين نبدأ في دراسة هذا الموضوع، من الإسلام ~~أم من الحداثة؟ فيجيب: سوف نبدأ وبالضرورة من الحداثة، لأنها ~~خياره الأول والأخير ولأننا - يقول: «غاطسون ومنغمسون في ~~المناخ الذي خلقته الحداثة.» # 23 # أما الإسلام فلا «يمكن لأي شخص عاقل أن يقول إنه يمثل ~~حاليا الحداثة»؛ # 24 # لأنه أصبح يمثل نوعا من التقليد والتراث، ومن ~~تراكم المعارف والمواقف الثقافية المكرورة، ولا يقوى على تحريك ~~التاريخ الذي حركه لحظة انبثاقه الأول، فالإسلام في «زمن النبي ~~ولحظة انبثاق الخطاب القرآني كان يمثل تغيرا، بل وتغيرا ~~جذريا بالقياس إلى ما قبله، وكان يمثل حركة تاريخية مندفعة ~~بكل قوة وانطلاق، وعلى الأصعدة كافة.» # 25 # وكان «يمثل لحظة حداثة حقيقية لا شك فيها، أي لحظة ~~تحريك وتغيير لعجلة التاريخ.» # 26 # لكن لما «ترسخت الدولة الإسلامية (...) تم تشكيل - تدريجيا ~~- فكر ثابت تحول بالتدرج إلى أرثوذكسية؛ أي تحول من طاقة ~~تغيرية انبثاقية إلى تصور ثابت وثبوتي للحقيقة، إلى تصور ملجوم ~~ومسجون للحقيقة»، # 27 # يمنع الدخول في المساءلة ms077 والنقد، ويضع حواجز ~~المرور إلى عالم ظل في رأيه غير مفكر فيه داخل هذه الثقافة، ~~إنه عالم الغيب. # فهو يصر على اختياراته الفكرية لإنجاز هذه المهام من خلال ~~الاستعانة بمنجزات العلوم الإنسانية، والفتوحات التي دشنها ~~المثقفون الفرنسيون، أمثال: فوكو ورولان بارت وغريماس وبيير ~~بورديو وجورج بالاندييه واعتناق الإبستيمولوجية الجديدة، التي ~~لا تميز بين إنسان وآخر بسبب العرق أو الدين أو بين المجتمعات ~~البشرية أمام مناهج العلوم الإنسانية ونظرتها المنفتحة إلى ~~أبعد الحدود. # ولهذا السبب يرى أننا «مجبرون منهجيا على الانطلاق من ساحة ~~الحداثة العقلية والفكرية؛ لأن الحداثة أضافت مشاكل جديدة لم ~~تكن تطرح سابقا وافتتحت منهجيات جديدة تتيح لنا توسيع حقل ~~المعرفة دون إدخال يقينيات دوغماية تعسفية، هذا هو الشيء ~~الجديد فعلا، وهنا يكمن جوهر الحداثة»، # 28 # حداثة الشك الشامل والقطيعة الكلية مع مقومات ~~الذات، والانغماس في الآخر وتراثه. # ويميز أركون بين الحداثة والتحديث؛ لأنهما مصطلحان غير ~~متطابقين، لا يدلان على الشيء نفسه. «فالحداثة هي موقف للروح ~~أمام مشكلة المعرفة، إنها موقف للروح أمام كل المناهج التي ~~يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع. أما التحديث ~~فهو مجرد إدخال للتقنية والمخترعات الحديثة الأوروبية ~~الاستهلاكية وإجراء تحديث شكلي أو خارجي لا يرافقه أي تغير ~~جذري في موقف المسلم للكون والعالم.» # 29 # وينتقد بشدة الاتجاهات النقدية في الفكر العربي المعاصر، ~~التي عجزت عن إدخال تغييرات جذرية في موقف المسلم حين فشلت في ~~إنجاز مهمة الشك «المنهجي والعلمي» وزحزحة اليقينيات المنهجية، ~~كما فشلت كل التجارب العربية والإسلامية مثل نموذج الجزائر، ~~وتجربة شاه إيران؛ لأنها مارست التحديث «دون حداثة عقلية أو ~~فكرية أو ثقافية». # 30 # يطرح أركون مشكلة الحداثة من خلال التاريخ المقارن للثقافات ~~والعقائد والتجارب، أي من خلال التجربة اللاتينية المسيحية ~~فالغربية من جهة، ثم من خلال التجربة العربية الإسلامية، # 31 # وارتبط عنده هذا الرهان الحداثي العلماني بضرورة ~~الاطلاع ودراسة التاريخ التطوري والتصاعدي لتجربة الحداثة ~~الراهنة في مهدها الأصلي، من خلال مسيرة القرون الأربعة ~~الأخيرة (ق16م حتى نهاية ق20م). # وينتقد - كعادته - التيار «التنويري» ms078 في العالم العربي ~~الإسلامي بالقصور في فهم وهضم هذه المسيرة التنويرية ~~الغربية. يقول: «فمعرفة مثقفي عصر (النهضة) العربية والأجيال ~~التي تلتهم حتى الآن بأوروبا وحداثتها كانت على الرغم من ~~فائدتها وإيجابياتها ناقصة ومبتورة، وأحيانا أخرى مشوهة ~~وغير واقعية على الإطلاق.» # 32 # والسبب في رأيه هو طغيان الأيديولوجيا على مستوى ~~التفسير، والمقاربة لكثير من القضايا العربية، مما حال دون ~~فهم موضوعي للذات، ولتجربة الآخر. # ومشروع العلمنة عند أركون في المجتمعات العربية لا يمكن ~~«الحديث عنه [القول للكاتب] إذا كنا لا نمتلك نظرة معقولة ~~ومقبولة عن ظاهرة التقديس والعامل الروحي، والمتعالي والأنطولوجيا»، # 33 # ويعول على الحداثة العقلية والفكرية لتأمين مستقبل ~~العلمنة، ورهانه في ذلك علمنة التعليم وتعميم المنهج المقارن ~~للأديان والمذاهب، يقول: «الحل يكمن في تعليم تاريخ الأديان ~~والأنثربولوجيا الدينية على الطريقة الحديثة، والتوقف كليا ~~عن إعطاء حق الكلام في الفضاء المدني العام للمجتمع لذلك ~~الخطاب التقليدي الطائفي الذي يفرض نفسه وكأنه الدين الوحيد.» # 34 # هكذا يصادر الحق في الاختلاف ويناقض مبادئ الحداثة الغربية ~~في نسختها الفرنسية والاعتراف بالآخر، فتكون العلمنة عنده ~~تشريع اللامعنى واللامنطق واللاواقع، وإقصاء للفكر المخالف، ~~فمعالجة المشاكل الحارقة والصعبة يكون عن طريق المنع من اختيار ~~مذهب ضد آخر أو دين ضد دين آخر. # 35 # فهذه الدعوة غير مقبولة حتى عند أشد المتشددين في الغرب ~~وأكثرهم تطرفا؛ لأن لكل مجتمع تحيزاته كما لكل فرد تحيزاته ~~أيضا، فلو قيل هذا الكلام في المجتمع اليهودي لكانت الضريبة ~~غالية والمصير مجهولا، فهذا التصور يسلم الأمة للرياح ~~العاتية، وللغموض والتطبيع الثقافي والمسخ الحضاري، وإنكار ~~لخصوصياتها الحضارية. # لاستكمال مشروع العلمنة اتجهت جهود أركون إلى نقد المفاهيم ~~وفتح المعركة مع القاموس اللغوي للعقل الإسلامي الذي شكله نص ~~الوحي؛ لأن الإبقاء على لغة تاريخية مغلقة لا يقودنا إلى ~~الانخراط الفعلي في الحداثة بقدر ما يخلق حالة من التشويش ~~والإرباك على مستوى الفهم والاستيعاب. # ومن ثم وجب استبدال بمعجم هذه اللغة الإيماني «اللاهوتي ~~الدوغمائي» التقليدي معجما قادرا على استيعاب مفردات الحداثة ~~ومعطيات العصر وإشكالاته، فهذا المعجم يقول: ms079 «أصبحت كواهلنا ~~تنوء تحت ثقل أكياسه (...) فهو أثقل من أن تتحمله أو تستطيع حمله ~~بعد الآن.» # 36 # ويميز في هذا بين أنواع الخطابات المتداولة على ~~أساس معايير تبدو غير دقيقة وغير علمية بين الخطاب العلمي ~~الفلسفي والخطاب الديني الذي يستند في أطروحاته إلى مادة لغوية ~~خاصة (العربية) وعلى أسلوب تعبيري بياني ويعتمد الإثارة ~~الخاطفة والضربة البيانية الصاعقة والمجاز الباهر المدهش.» # 37 # مما يجعل التعبير بهذه اللغة عن موضوعات يحاول أركون ~~مقاربتها، مثل موضوع الظاهرة الدينية، يبدو في نظره شديد ~~الصعوبة بالقياس إلى اللغات الأوروبية الحديثة التي سبقتها إلى ~~العلمنة وافتتاح الحداثة، وتخلصت من التأثيرات الدينية ~~والشحنات الدينية التي تضغط على الفكر وتسجنه في سياج ضيق ومحدود؛ # 38 # لهذا لا تقوى العربية على إنجاز مهام كبرى في ~~تاريخ العرب والمسلمين كالتي أنجزتها اللغات الأوروبية. # والسبب في رأيه أن هذه اللغات لم ترتبط بنص الإنجيل، ولم ~~تتقيد بمصطلحاته ومفاهيمه، عكس العربية التي ظل جهازها ~~المفاهيمي يتمتع بعدم الاستقلالية عن الوحي يصعب معها بلورة ~~المصطلح العربي بطريقة علمية كما يحصل في اللغات الأخرى وإعادة ~~تشغيله. كما أن إنجاز الحداثة لا يمكن التفكير فيها داخل هذه ~~اللغة وبرموزها إلا إذا حررناها من ثقل المعجم اللغوي ومن ~~شحنته الدينية، ولإنجاز هذه المهمة فنحن - يقول: «بحاجة إلى ~~اشتقاق المصطلحات الجديدة، والاختراعات اللغوية الجديدة في ~~العربية من أجل أن نستوعب الحداثة الفكرية في العلوم (...) وإلى ~~حركة ترجمة واسعة لا تقل أهمية عن حركة الترجمات الكبرى التي ~~سادت في العصور الكلاسيكية زمن المأمون وأدت إلى ازدهار ~~الفكر العربي»، # 39 # مع بطلان التسوية بين التجربة التاريخية التي يدعو ~~إليها أركون لتدشين الحداثة العقلية العربية المعاصرة. # فالتجربة الأولى فعل اختياري صدر عن إرادة وإثبات الذات ~~وتحقيق إمكاناتها الواسعة مارسها أهلها وهم في موقع قوة، إذ ~~شرعوا في تأسيس هوية ثقافية وشخصية حضارية خاصتين بهم، وتتمتع ~~بدرجة عالية من الاستقلالية بينما التجربة التي يدعو إليها لا ~~يتوفر فيها الحد الأدنى من هذه الشروط. # 40 # ولتسهيل هذه المهمة نخضع نص الوحي للنقد ms080 التاريخي، ونقله من ~~إطاره اللاهوتي - كما يقول - إلى المجال اللساني التداولي يخضع ~~لما يخضع له أي نص أدبي بشري دون اعتبار لأصله السماوي. # ويميز أركون بين مستويين من الوحي: الوحي المكتوب «المصحف» ~~وهو في نظره لا يمثل الحقيقة المطلقة؛ نظرا لارتباطه ~~بالأيديولوجيات التأسيسية، ووحي «شفهي» وهو الأهم في نظره، لم ~~يفكر فيه داخل بنية الفكر الإسلامي المعاصر، ويشكك في الروايات ~~الرسمية التي اعتمدت النسخة الأخيرة للمصحف، فهو لا يفهم معنى ~~الوحي، إنها «كلمة شديدة الخطورة والأهمية لا يمكننا استخدامها ~~بسهولة، بمعنى أننا لا نفهمها جيدا وهي بحاجة لأن تخضع لدراسة ~~جديدة لا تقدم أي تنازل للتصورات التي فرضتها العقائد ~~الدوغمائية الراسخة (...) ولا توجد أي مكتبة في العالم ولا أي ~~كتاب في أي لغة من لغات العالم يطرح مشكلة الوحي على طريقة ~~العقلانية الحديثة ومنهجيتها.» # 41 # فإن وجدت فإنها صممت وأنجزت ضمن منظور التيولوجيات ~~التقليدية، ويقدم تعريفا له يمتاز بخصيصة فريدة - كما يقول - ~~أنه «يستوعب بوذا وكونفوشيوس والحكماء الأفارقة وكل الأصوات ~~الكبرى التي جسدت التجربة الجماعية لفئة بشرية ما من أجل ~~إدخالها في قدر تاريخي جديد، وإغناء التجربة البشرية عن ~~الإلهي. إنه يستوعب كل ذلك ولا يقتصر فقط على أديان الوحي التوحيدية»، # 42 # وهكذا يمكننا - يتابع الكلام - أن نسير في اتجاه ~~فكر ديني آخر غير السائد، يتجاوز كل التجارب المعروفة ~~للتقديس، فلا شيء ثابت. # مما يجعل الوحي ظاهرة لغوية ثقافية تسري عليها كل التعديلات ~~والتأويلات، لأن الحداثة التي انطلق منها أدخلت منهجيات جديدة ~~وطرحت إشكالات وتساؤلات لا قبل للعرب بها، وتتيح إمكانية ~~توسيع حقل المعرفة عنده وكذا توسيع دائرة التشكيك في المفاهيم ~~الثابتة التي بناها الوحي، واعتبرت من قواعد البناء المعرفي ~~والمنهجي، فدون إجراء هذه العملية يبقى التحليل ناقصا يقول: ~~«بدءا من الاستخدام الذي كان القرآن قد أجراه، فإن مصطلح ~~الإسلام كان قد امتد تدريجيا، واتسع لكي يشمل مجالات شديدة ~~الاختلاف. إنه لم يعد يكفي لتعريفه القول بأن الأمر يتعلق ~~بدين مميز من قبل شعائره، أو هو «دين الإسلام» أو أن ms081 الإسلام ~~هو الدين الذي أتى به محمد. نحن نرى فيما يخص تحليلنا أن مفهوم ~~الدين نفسه ينبغي أن يعاد التفكير فيه على ضوء المنجزات ~~العديدة للعلم المعاصر.» # 43 # فالعلم بالمفهوم الذي يقدمه أركون وبالأفق الذي اشتغل عليه، ~~ليس هو الحل الوحيد لمشكلات الإنسانية، وغير قادر على ذلك، بل ~~هو «أحد الطرق للاقتراب من الحقيقة، وليس مهيمنا على الدين ~~والفلسفة والفن»، # 44 # وبالتالي فالتغيير الذي يطالب به أركون خارج حدود ~~العلم ذاته ومنطقه الحجاجي البرهاني، فإذا جاز هذا المنطق في ~~نموذج ثقافي معين، فإنه لا تقبله النماذج الأخرى، وهذا جار في ~~كل النماذج والأنساق الفكرية العالمية. # يعبر منهج أركون عن «خلط لا يطاق بين الثوابت اللغوية واللغة ~~القابلة للتطور والتطوير، ذلك أن الوحي المسطور (لغة ومفاهيم ~~ومعاني الكلمات) يشكل دائرة من الثبات، حيث تعد المفاهيم ~~النابعة منه مقصودة لذاتها؛ لأنها تعبير عن مفاهيم شرعية لا ~~يجوز التنازل عنها بأي حال ولا التفريط فيها وعدم تبديدها؛ لأن ~~ذلك يشكل جزءا من مهمة أساسية في بناء المفاهيم الإسلامية ~~وإلا فقدت هذه المفاهيم وظيفتها (...) إنه تبديد مع سبق الإصرار ~~والترصد لتلك المفاهيم، وهو موقف يعبر عن استخفاف وتصرف ~~بالحقائق الشرعية والمفاهيم الدينية بصورة ليست هي بالتجديد، ~~وإنما هي في حقيقتها تقع من حيث هدفها ومحتواها في دائرة ~~التبديد الخطير وطمس حقيقة الثابت اللغوي الشرعي والنابع من ~~حقيقة أساسية وهي حفظ الذكر.» # 45 ~~(1-3) الأساس الأنطولوجي (الوجودي) للعلمنة «التأصيل ~~الداخلي» # عندما لا تسعف الإسقاطات الخارجية ، وتضعف حجج الإقناع في ~~التمكين للمشاريع والتصورات والقناعات، يتم اللجوء إلى المنطق ~~الداخلي وتغليف تلك القناعات بمسوغات ومبررات داخلية، وإن ~~الأمر ليس فيه استيراد من الخارج ولا إسقاط تعسفي. # لهذا ينطلق محمد أركون في التأسيس للعلمنة والبحث عن الشرعية ~~من نقطة الخلافة الإسلامية باعتبارها المسوغ التاريخي لعملية ~~بناء العلمنة في المجتمعات العربية، مستعرضا جملة من التطورات ~~والوقائع التي وقعت بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # وما جرى في تاريخ ~~الصحابة، وأن «السلطة على مدار التاريخ الإسلامي كلها كانت ~~سلطة ms082 زمنية مضبوطة و«موجهة» من قبل السيادة الدينية»، # 46 # وأن تاريخ العرب والمسلمين لم يخل من محاولات ~~للعلمنة. يكفي أن نلجأ إلى تفكيك كتابة التاريخ حتى نستطيع ~~الوصول إلى مراحل التدشين الأولى لها، هكذا اختار وبعناية ~~ثلاثة مفاهيم مركزية تعينه في بلوغ المقصد «الخليفة، والإمام، ~~والسلطان»، فالخليفة يقابل بالفرنسية كلمة # vicaire ~~، فالخليفة هو نائب ~~النبي الذي يضمن استمرارية وظائفه، أما الإمام فهو الذي يقود ~~المؤمنين أثناء الصلاة ويحدد اتجاه مكة ويتقدم عليهم، إنه قائد ~~روحي، أما السلطان فيعني الشخص الذي يمارس السلطة بالمعنى ~~السياسي الدنيوي.» # 47 # ليستقر اختياره على المفهوم الأخير لارتباطه بالسلطة الزمنية ~~ويجد مبررا للفصل بينه وبين الروحي، ومسوغا تاريخيا ~~لدعوته، حين يؤكد ذلك بقوله: «لقد وجدت سابقا في المجتمعات ~~المدعوة إسلامية تجارب معمقة يمكن أن نصفها بالعلمانية لم تصل ~~إلى درجة الوعي الواضح بذاتيتها، ولم تلق في يوم من الأيام ~~لها تنظيرا.» # 48 # وهو العمل الذي شرع أركون في خطواته الأولى مستعملا منهج ~~الباحث الأركيولوجي (الحفر التاريخي)، وهو يفترض أن العلمنة ~~ملازمة لتاريخ البشرية وليست خارجة عنها، ولو في صورة ضعيفة ~~وغير مؤكدة، والاعتراضات التي نشأت في الأمة إلى فترة الفتنة ~~وعملية الاغتيالات وبروز التشيع والخوارج التي يفسرها بصراعات ~~وخلافات سوسيولوجيا وثقافية وبتنافس على اقتناص السلطة وممارستها.» # 49 # وبالمنهج التفكيكي الذي يخلصنا من الأوهام التي ~~ارتبطت بهذا التاريخ، ونستطيع أن نصل إلى ما حدث بالفعل منذ ~~بدء التجربة التأسيسية للخلافة وإعادة كتابة التاريخ وفق ~~المنهجيات الجديدة للحداثة، لهذا «ينبغي أن نفكك الأرثوذكسية ~~المغلقة من الداخل، ولن يتم ذلك إلا ببحث تاريخي محرر يمكن له ~~وحده أن يوصلنا إلى أبواب العلمنة في الإسلام.» # 50 # وإعادة كتابة التاريخ ينبغي أن تبدأ عنده بإعادة كتابة قصة ~~تشكل النص القرآني من خلال دراسة نقدية؛ أي نقد القصة الرسمية ~~للتشكيل التي رسخها التراث (الوحي) المنقول نقدا جذريا كما ~~حدث في قراءة الروايات المتعلقة بالإنجيل والتوراة. # وما لم يجر تفكيك هذه الأنظمة اللاهوتية التيولوجيا ~~«المسلمة، والمسيحية، واليهودية» المغلقة فلا أعتقد - يقول ~~الكاتب - أن هناك ms083 حلا حاسما، بل ستبقى هذه الأنظمة وتظل ~~تمارس أنواعا من الاستبعاد والنفي المتبادل، ما لم نتمكن ~~ونتدرب على المنهجيات التاريخية الحديثة لتفكيك بنياتها «التي ~~صممت وعاشت طيلة قرون وقرون بصفتها التعبير الأعلى والنهائي عن ~~الحقيقة الواحدة المطلقة.» # 51 # فهو يراهن على الانفتاح المنهجي، وعلى كل السلالات ~~المفاهيمية التي أنتجها الغرب، وعلى القلق الإبستيمولوجي ~~(المعرفي) ويعتبره السلاح الأقوى في المضي نحو هذا التدشين ~~المعرفي في العقل الإسلامي، أما الارتهان إلى الماضي ومصطلحاته ~~فهو ضرب من الحمق الفكري والغباء المنهجي. # ويعاتب زملاءه من المفكرين العرب على سوء تشغيلهم لهذه ~~المنهجيات، يقول: «انظروا كيف يطبق المنهج الماركسي والمنهجي ~~البنيوي ومنهج علم النفس على الثقافة العربية والآداب العربية، ~~النتائج خطيرة ومخيبة للآمال في معظم الأحيان»؛ # 52 # لأنها لم تمارس النقد الجذري لأصول هذه الثقافة. ~~هكذا يدعو أركون إلى تزييف الوعي، وتفكيك أنظمة التفكير العربي ~~الإسلامي، دون أن يعيد التفكير في البناء وفق معطياتها ~~الذاتية، وهذه واحدة من العيوب الأساسية في هذا المشروع لأنه ~~يفكك دون أن يركب، بل أكاد أجزم أن التركيب لم يكن في الاعتبار ~~وغير مفكر فيه عنده. # لتعزيز التوجه إلى العلمنة، يتابع أركون الحفر في ذاكرة ~~الأمة التاريخية وتجاربها الحديثة، مستشهدا بتجربتين ~~تاريخيتين: لبنان وتركيا، ويشيد بالتجربة التركية وبجرأتها في ~~افتتاح وتدشين مسار جديد داخل العالم الإسلامي، وطرح مسألة ~~العلمنة بشكل قوي، وفي الوقت نفسه ينتقدها لأنها لم تصل إلى ~~عمق المجتمع؛ أي العلمنة الفكرية المعرفية والوجدانية. وبالفعل ~~كانت المقدمات الحضارية والعقائدية للمجتمع التركي رغم مظاهر ~~الانحلال عائقا معرفيا وتاريخيا في امتداد مشروع العلمنة، ~~وما تعيشه تركيا اليوم يعبر عن هذا العمق الحضاري ~~لشعبها. # أما النموذج الثاني فهو نموذج لبنان باعتباره المناخ ~~المناسب للعلمنة، وحلا للطائفية والتوترات الدائمة التي ~~تحياها. لهذا يكتسب لبنان أهمية قصوى في مشروعه نظرا لمشاهد ~~التطرف التي يحتضنها، وما يحدث في هذا البلد - يقول - يمكن ~~ملاحظته في مصر وسوريا والعراق، حيث توجد أقليات مسيحية. إنها ~~مسألة التعايش بين الطوائف المختلفة. # 53 # هذه النماذج يراها صالحة لطرح مشكلة ms084 «الإسلام ~~والعلمنة» فالتعايش يكمن في نظره في إلغاء الخصوصيات الدينية - ~~على الأقل في المجتمعات التي تعرف الطائفية - وعلمنة الحياة، ~~ويرتبط عنده وجود الإسلام واستمراره في الحياة بإنجاز هذه ~~المهمة. # إن التجارب التي قدمها أركون لا تنهض دليلا ولا مسوغا ~~على دعواه، كما أن مسوغ الطائفية والأقليات المسيحية معيار غير ~~علمي وغير ديمقراطي - بالمفهوم الثقافي والسياسي - وغير مقنع ~~حتى للمسيحيين أنفسهم وللطوائف الدينية الأخرى. وأعتقد أن ~~التعايش لا يكمن في الإلغاء، وإنما في الاحتفاظ بالخصوصيات ~~والبحث عن المشتركات، وهي نقطة خلاف بينه وبين الجابري الذي ~~رفض تعميم المشكلات الخاصة بكل قطر عربي. # ويؤكد على ضرورة علمنة التعليم في المجتمعات العربية ~~والإسلامية ويطالب بإلغاء البرامج التربوية السائدة والطرق ~~اللاتاريخية والعقائد التبشيرية لتعليم الدين في المدارس ~~العامة وإحلال تاريخ الأديان والأنثروبولوجيا الدينية محله، ~~وتدريس تاريخ الأنظمة التيولوجية بصفتها أنظمة ثقافية، وليس ~~بصفتها أنظمة من العقائد المطلقة التي يستبعد بعضها بعضا # 54 # في أفق الأنسنة وتخريب الأديان وتشريع للامعنى ~~واللعب الحر والرقص على الأجناب والقول باللانص، كما ترى ~~التفكيكية. هذا هو العائد المعرفي لأركون ومن سار على دربه من ~~الاتجاهات في الفكر العربي المعاصر. # وفي سياق تعزيز اختياراته «العلمنة» ينبغي التأكيد على ~~نقطتين أساسيتين في رأيه: # الأولى: # تتعلق بالدولة الإسلامية، وأنها كانت في ~~الأساس علمانية معتمدا على رسالة ابن ~~المقفع «رسالة الصحابة» التي يجد فيها مسوغا ~~تاريخيا في تثبيت توجهاته. # أما الثانية: # فمتعلقة بالشريعة، ويحاول أن يجيب عن سؤال ~~طرحه: كيف حصل أن اقتنع ملايين البشر أن ~~الشريعة ذات أصل إلهي؟ للإجابة عن السؤال ~~احتمى أركون كعادته بالمنهج التفكيكي - ~~التحليلي «العلمي» - المحرر في كتابة التاريخ، ~~فيرى أن الشريعة حسب الرواية الرسمية قد ~~«تشكلت تدريجيا بفعل ممارسة القضاة الذين ~~كان عليهم مواجهة حل مسائل المسلمين المتفرقة ~~والعديدة (...) تنتسب هذه النصوص الفقهية ~~القضائية إلى أربعة رؤساء: مذهب مالك بن أنس، ~~وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهذه هي ~~المدارس الأرثوذكسية التي تقاسمت العالم الإسلامي.» # 55 # لكن الأمور في نظره جرت على غير العادة، وإن «عمل القضاة ms085 كان ~~يستوحي أساسا الأعراف المحلية السابقة على الإسلام، والتي ~~كانت تختلف حسب الأماكن، وكان الرأي الشخصي للقضاة هو الذي ~~يفصل في المسائل المطروحة في نهاية الأمر، أما الرجوع إلى ~~القانون القرآني فلم يحدث إلا بشكل متقطع، وليس بشكل منتظم كما ~~حاولت الرواية الرسمية أن تشيعه.» # 56 # فجاءت استنتاجاته على شاكلة الاستنتاجات الاستشراقية للرواية ~~الرسمية التي وضعوها تحت ما يسمى محك النقد التاريخي، أمثال ~~غولدزيهر وشاخت، وأن الأشياء في نظرهم قد جرت بشكل مختلف وأن ~~الرواية التي اخترعها التراث ليست إلا وهما، وذلك من أجل ~~إسباغ الصفة الإلهية على قانون أنجز داخل المجتمعات الإسلامية ~~وبشكل وضعي كامل. # 57 # فالمبادئ الأربعة التي اعتمدها الإمام الشافعي في ~~أصوله التشريعية (القرآن، الحديث، الإجماع، القياس) غير قابلة ~~للتطبيق، فقراءة القرآن قد أثارت اختلافا تفسيريا كبيرا. ~~وأما الأمر مع الحديث فإن القضية أشد عسرا. # 58 # فأركون لم يستوعب - كما يقول المسيري - الدرس المعرفي ~~الإسلامي والمسافة الفاصلة بين المطلق والنسبي وأن ما حدث في ~~التاريخ لا يمكن أن يفسر وفق نمطية معرفية ومنهجية أحادية ~~التصور والرؤية، ووفق نماذج معرفية مناقضة للنموذج المعرفي ~~الإسلامي القائم على معايير تعترف بالكلي مقابل الجزئي، ويظل ~~هذا التفسير الذي قدمه أركون للمعطيات السابقة بنماذجه ~~المعرفية - الفرنسية بالضبط - وبثوابت كلية ونهائية مستمدة من ~~النموذج المعرفي العلماني الشامل # 59 # للحضارة الغربية ونهاياتها الفكرية والمنهجية ~~والفلسفية التي لا تقوى على أن تكون معيارا عاما ووسيطا ~~مرجعيا تفسر كل الأحداث. ~~(1-4) أدوات وآليات الاشتغال المنهجي في مشروع محمد أركون # نرصد في هذه النقطة أهم الآليات والأدوات المنهجية التي ~~اشتغل عليها أركون في مشروعه، والمرجعيات التي اعتمدها في بناء ~~منظومته المفاهيمية؛ لأن معرفة الخريطة المرجعية، وأدوات ~~الاشتغال من شأنها أن تعين الباحث على معرفة كثير من خبايا ~~الموضوع، والتحكم في مفاتيح النقد والتحليل والتجاوز، وتحقيق ~~الاستقلال الفكري والمنهجي الذي نتوخاه، دون الارتهان لأدوات ~~عبرت عن نفسها في مراحل تاريخية، وعن قضايا وإشكالات مجتمع ~~ناهض وفق نسقية حضارية معينة هو المجتمع الغربي. # إذا كان الجابري قد حدد مداخل ms086 ومحددات لرؤيته المنهجية، ~~وشواغله الفكرية، وقضايا الفكر العربي المعاصر، وخريطة عمله ~~«العقل العربي»، وآليات اشتغاله مستعينا بالمرجعيات التي ~~تحدثنا عنها في الفصل الأول، فإن الأستاذ محمد أركون - رحمة ~~الله عليهم جميعا - قد اختار هو الآخر مجال اشتغاله «العقل ~~الإسلامي» - على اختلاف في المسافات بين المشروعين - وأدواته ~~المنهجية تقترب من أدوات الجابري أحيانا، وتبتعد عنها في ~~الأفق المعرفي الباحث عنه. أدوات يرى ضرورة استيعابها وهضمها ~~لولوج عالم الحضارة المعاصرة، وتجاوز حالات التيه والتخلف ~~العلمي والمعرفي للعرب والمسلمين. # فإن كانت هذه الأدوات أكثر وضوحا عند الجابري من خلال ~~المقدمات التي دبج بها مشروعه، فإن الأمر يختلف في مشروع ~~أركون، فهي لا تبدو واضحة إلا من خلال تتبع مسار أفكاره، ~~وترقب خطوات بحثه، مع ما يطبع عمله من تكرار في الأفكار ~~والمعطيات حتى لا تكاد تميز بين هذا الكتاب أو ذاك، إلا من ~~خلال العنوان وبعض الجزئيات، لكن نستطيع أن نحدد المرجعية ~~الكبرى لمنهجياته وأدواته ومحددات الرؤية عنده، إنها مرجعية ~~الحداثة، وهي الأرضية التي فضل الانطلاق منها؛ فهي الخيار ~~الأفضل عنده والقاسي لأننا - يقول: «مجبرون منهجيا على ~~الانطلاق من ساحتها العقلية والفكرية؛ لأنها أضافت مشاكل جديدة ~~لم تكن تطرح سابقا، وافتتحت منهجيات جديدة تتيح لنا توسيع ~~حقل المعرفة دون إدخال تقنيات دوغمائية تعسفية. هذا هو الشيء ~~الجديد فعلا، وهنا يكمن جوهر الحداثة.» # 60 # ويحدد موقفه المبدئي والمنهجي من خلال تأثيث مشروعه بكل ~~السلالات المفاهيمية والمنهجية، التي أنجبتها تجربة الحداثة ~~الغربية، ويدعو إلى إنزالها وتطبيقها إلى أبعد الحدود، وكسر ~~الحواجز بين الحقول المعرفية، ودون اعتبار للخصوصيات، بل ~~ويراهن عليها في تحقيق وإنجاز مهام استعجالية داخل الفكر ~~العربي الإسلامي، من خلال تأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي له، فكل ~~ما أنجزه وينجزه يسير في هذا الاتجاه الطويل والصعب ومنفتح على ~~علوم الإنسان، ومناهجها وتساؤلاتها كما هي ممارسة عليه اليوم ~~في الغرب. # 61 # لهذا نجد أن أحد مرتكزات الفعل المنهجي والنقدي التي استند ~~إليها تتمحور حول «زعزعة المشروعية الدينية والسلطة العقدية، ~~من أجل العمل على إحلال المشروعية البشرية ms087 مكانها، وفرض قطيعة ~~حاسمة بين ما يسميه بالذروة الإلهية للسيادة من جهة وبين ~~الذروة البشرية، التي تقوم على السيادة الشعبية من جهة ثانية.» # 62 # لا يعتمد أركون على منهج واحد بعينه، بل يختار المنهجية ~~المتعددة الاختصاصات يجمع فيها بين خليط من العقائد ~~والأيديولوجيات الفكرية؛ لأنها تستجيب لطموحاته، حيث يتداخل ~~التحليل الاجتماعي والتاريخي والمنهجية الألسنية ~~والأنثروبولوجية والتفكيكية والمنهجية الحفرية ... لكنه تداخل ~~أضر لا شك بمشروعه وجر عليه كثيرا من الانتقادات ~~المنهجية والعلمية. # لنتحدث قليلا، وبشيء من التفصيل عن هذه المنهجية المتعددة ~~الاختصاصات. ~~(أ) المنهجية التاريخية # تتيح هذه المنهجية للباحث التوصل ل «فهم أفضل للماضي ~~وإرساء قواعد صلبة لفكر وممارسة تاريخية، تكون أكثر ~~احتراما ومراعاة للواقع الحقيقي»، # 63 # وتعين على دراسة ما حدث بالضبط في تاريخ العرب ~~والمسلمين، فهي وحدها - يقول - القادرة على رصد هذه ~~التحولات بموضوعية نادرة ف «أنا [الكلام لأركون] أنظر إلى ~~مجموعة الأحداث كما حصلت في التاريخ بالضبط، وأراقبها كما ~~يراقب العالم الجيولوجي الهزة الأرضية»، # 64 # دون تدخل الميولات والعواطف، وترك الأحداث ~~والأشياء تتكلم بحرية. # وهو ما يقصده بالروح المستقلة نحو الأحداث، ولافتتاح هذه ~~الروح يتطلب نضالا طويلا ومريرا للذات ضد الذات، ~~والتمرين على المنهجيات، وكيفية استخدام المفاهيم والأدوات ~~السائدة في مختلف العلوم، وتحرير العقل الإسلامي من كل ~~التفسيرات الأيديولوجية التي رافقته منذ أن دخلت الظاهرة ~~القرآنية مسرح التاريخ، التي لم تقدم حلولا واضحة وقاطعة ~~لكل المشاكل. فهو يصر ويلح على اتباع المنهجية ~~التاريخية، قبل شيء آخر؛ لأن لها القدرة حسب رأيه في كشف ~~ما حصل، وهكذا نجدها تحتل مكانة محورية في مشروعه العام ~~«نقد العقل الإسلامي». # 65 # ويفضل هذه المنهجية على النقد المنهجي الفلولوجي الذي لا ~~يزال يصر عليه التحليل الاستشراقي في دراسة التراث ~~العربي الإسلامي؛ لأنها تهمل في نظره الاهتمام بالخيالات ~~والأساطير والأحلام التي رافقت الأحداث داخل النص (الوحي). ~~إنها تهمل ما يسمى بالسيكولوجيا التاريخية. # 66 # تتيح أولوية هذا النقد التاريخي لأركون الوصول إلى مرحلة ~~ما قبل الإسلام، و«تحرير الفكر من كل أشكال التصور ~~والإدراك التي فرضتها ms088 الأدبيات الإسلامية، التي رمت في ~~ظلمات الجهل والجاهلية كل جوانب المجتمع العربي السابق على الإسلام»، # 67 # وإلى جانب هذا التحليل وهذه المنهجية يجيء ~~«التحليل الأنثروبولوجي لكي يقوي ويوسع ويعمق من نتائج ~~التحري التاريخي والدراسة التاريخية». # 68 # الغرض هو تحليل التجربة الدينية واستكشاف مجال التقديس ~~في التاريخ، فكل الدراسات التي أنجزت لم تستطع أن تصل إلى ~~هذا العمق التاريخي، وظلت سمتها الأساسية البعثرة ~~والتفتيت؛ ولهذا يحتاج هذا الواقع «دراسة آنية بنيوية ~~تمفصلية تاريخية تبين لنا منشأ هذا التقديس». # 69 # فالنص المقدس (الوحي الإسلامي) في نظره يشترك مع النصوص ~~كافة في انتمائها وخضوعها جميعا لمنطق التاريخ، فهي من ~~«التاريخ ولدت وفيه تقدست وبه انفعلت وفيه أثرت. فالتاريخ ~~مجالها، وفي التاريخ أسرارها ومكامنها، ومن التاريخ ~~أساطيرها وأسطورتها. كما أن في العلوم التاريخية ~~والإنسانية الحديثة مفاتيحها.» # 70 # فكانت مهمته تتركز في الشروع بكتابة تاريخ ~~التقديس عند العرب، ثم بشكل أوسع لدى كل المجتمعات التي ~~اعتنقت الإسلام، وذلك ضمن تشكيل أنثروبولوجيا دينية وثقافية # 71 # فينتهي بنا التحليل إلى أسئلة غير مألوفة في ~~تاريخ التقديس العربي وغير مفكر فيها. ~~(ب) المنهجية التفكيكية # يفسر هاشم صالح هذه الآلية المنهجية بأنها «تعرية آليات ~~الفكر الذي ولد النظريات المختلفة والتشكيلات الأيديولوجية ~~المتنوعة والتركيبة الخيالية والأنظمة الإيمانية ~~والمعرفية، وكل ذلك من أجل نزع البداهة عنها وتبيان منشئها ~~وتاريخيتها وبالتالي نسبيتها.» # 72 # فالانفتاح على الحداثة ونتائجها وعقلانيتها لن ~~يتم بشكل جيد وفعلي ودائم وناجح إلا بتفكيك مفهوم ~~الدوغمائية والأرثوذكسية الملازمتين للتراث العربي ~~الإسلامي، فالتزام هذه المنهجية من شأنه أن يفتح سراديب في ~~هذا الفكر كانت مغلقة منذ القرن الرابع الهجري ويؤهله ~~للانفتاح على منجزات الحداثة، فمرحلة التفكيك عنده «مرحلة ~~استكشافية داخلية للتراث لم يسبق لها مثيل». # 73 # ومن خلال هذه المنهجية - يقول هاشم صالح - استطاع أركون ~~أن يحدث زحزحات عديدة لا زحزحة واحدة، داخل ساحة الفكر ~~الإسلامي العربي، خلخلة وزحزحة الأسس والمنطلقات ~~والتصورات الراسخة في الذهنية الإسلامية من أن الإسلام ~~لا يفصل بين الروحي والزمني. وأثبت بجهده الخاص، ومن خلال ~~هذه ms089 المنهجية، ضعف هذه الاعتقادات، وزحزحة للذهنية ~~الاستشراقية التي اعتمدت المقولات نفسها في دراسة التراث ~~العربي الإسلامي، متأثرا بأعمال هايدغر ودريدا رائدي ~~المدرسة التفكيكية، لكن دون أن يقدم براهين على ضعف هذه ~~الاعتقادات. ~~(ج) المنهجية الأركيولوجية # لا تؤدي التفكيكية أدوارها إلا من خلال تعزيزها ~~بالمنهجية الحفرية الأثرية للوصول إلى الحدث التأسيسي ~~الأول للعقل الإسلامي ف «النص القرآني قد ولد عشرات ~~التفاسير والأدبيات التأويلية منذ ظهوره وحتى اليوم (...) ~~وتراكم التأويلات يشبه تراكم الطبقات الجيولوجية للأرض فوق ~~بعضها البعض، فنحن لا نستطيع أن نتوصل إلى الحدث التدشيني ~~الأول لهذا العقل في طراوته وطزاجته الأولية، إلا إذا ~~اخترقنا كل الطبقات الجيولوجية المتراصة، وكل الأدبيات ~~التفسيرية التي تحجبه عن أنظارنا.» # 74 # وهي المنهجية ذاتها التي شغلها ميشيل فوكو من خلال ~~كتابه: «في الكلمات والأشياء» (1966م) وأركيولوجيا المعرفة ~~(1969م)، والضجة التي أحدثها في أوروبا ضد المنهجية ~~التقليدية الديكارتية، فسار أركون في المسار ذاته، مع ~~تعديلات واختلاف في الموضوع، لكن دون إجراءات نقدية صارمة ~~فتركها مائعة، كما تأثر بمؤسس مدرسة الحوليات الفرنسي ~~لوسيان فيفر، الذي يعتبره إحدى الحلقات الكبرى التي فتحت ~~الطريق أمامه على صعيد المنهج، واعتبر مدرسته ومنهجه ~~بمثابة الصاعقة أو الوحي الذي نزل عليه، يقول: «ولولا مجيء ~~لوسيان فيفر من باريس وإلقائه لتلك المحاضرة العصماء ~~وحضوري إياها بطريقة تشبه الصدفة لربما بقيت نائما كغيري ~~دون أن أحس بشيء.» # 75 # لكن هذه المدرسة لم تستمر في إشباع طموحه المنهجي، ~~بالرغم من إنجازاتها الضخمة فتطرفت في اتجاه معاكس، فراح ~~يبحث عن أرضية منهجية جديدة تلبي هذا الطموح، ولهذا ~~تحظى منهجية علم النفس التاريخي باهتمام خاص عنده، لأنها ~~«تركز على الخيال والمخيال والأسطورة والوعي الجماعي؛ ~~كعامل أساسي ومحرك في التاريخ الإسلامي بالإضافة إلى ~~الاقتصاد والماديات.» # 76 ~~(د) المنهجية الألسنية السيميائية # يفضل أركون الاشتغال بالنقد الألسني في تحليل النص ~~الديني «الوحي»، هذه المنهجية التي كانت صاعدة بقوة في ~~الستينيات مع أسماء وازنة في هذا المجال، أمثال فرناند ~~دو سوسير وجاكبسون وبنفنست، وتكتسي عنده أهمية كبرى، وخاصة ~~بحكم اشتغاله المستمر ms090 على النصوص القديمة خصوصا النص ~~القرآني، لهذا تعينه على كيفية القراءة من خلال تفكيك لغته ~~ألسنيا يقول: «[و]لكي أعرف كيف تشكل، ولكي أسائله على ~~صعيده الأول المباشر: صعيد اللغة العربية والإسلامية ~~الكلاسيكية، ولهذا السبب أقول: إن لعلم الألسنيات أهمية ~~عظمى فيما يخص مجالنا المعرفي، مجال تاريخ الفكر الإسلامي، ~~ومن يقوم بكتابة تاريخ التفسير في الإسلام، يجد فائدة ~~كبيرة في المنهجية الألسنية.» # 77 # فالهدف من هذا الاختيار المنهجي هو تحرير القارئ من هيبة ~~النص الديني، ومن سلطته المتعالية فوق الزمان والمكان؛ لكي ~~يتساوى مع أي نص آخر بشري يخضع لكل التعديلات وتجريده من ~~قدسيته، وإدخاله في ظروفه التاريخية، ليصل إلى ما كان يخطط ~~له، أنسنة الدين، وإرجاعه إلى الإنسان وإحلال الأساطير ~~محله. # يشكل «التحليل السيميائي عند أركون رياضة عقلية ومران ~~منهجي يحمل صاحبه على التحلي بالنزاهة والموضوعية ~~والانسلاخ عن رواسب الذات، حتى تكون المسافة بين المؤول ~~والنص على مستوى من البعد والتناهي لا يسمح بإسقاط الأحكام التيولوجية» # 78 # على النص المؤول، فهو يمثل عنده «فضيلة ~~ثمينة جدا خصوصا أن الأمر يتعلق هنا بقراءة نصوص محددة ~~كانت قد ولدت وشكلت طيلة أجيال عديدة الحساسية ~~والمخيال الجماعي والفردي، وعندئذ نتعلم كيف نقيم مسافة ~~منهجية اتجاه النصوص، أو بيننا وبين النصوص المقدسة دون ~~إطلاق أي حكم من الأحكام التيولوجية التي تغلق باب ~~التواصل مع المؤمنين فورا». # 79 # و«تنزع القراءة الألسنية عند أركون بإفراط إلى إسقاط ~~خصائص النص الأدبي البشري على النص الموحى، وإلغاء كل ~~مميزات النص الموحى، حتى باتت خصائص المرسل مصدر النص ~~متطابقة عنده في الحالتين، وحيث إن النص الأدبي الذي ~~أنتج في سياقات معينة يصعب إيجاد الانسجام في متنه، إذا ~~استمر تأليفه ردحا من الزمن، نظرا إلى فعل الزمان ~~والمكان في الإنسان المبدع، فكذلك الشأن في القرآن.» # 80 # فإذا كان الواقع الغربي قد قبل هذا المغامرة الفكرية في ~~لحظة من لحظاته التاريخية فإن «الواقع العربي يرفض هذا ~~الترف الفكري، [وتلك المغامرة] يرفض أن تسحب مظلة الحداثة، ~~بمفاهيمها الغربية والمدارس والمشاريع النقدية التي ms091 ~~أفرزتها، على النصوص الدينية بصفة محددة لأنسنة الدين (...) ~~ويمثل خطأ منهجيا في استخدام أدوات نقدية مثيرة للجدل في ~~تحليل نصوص غير أدبية (...) ويحدث فوضى دلالية داخل واقعنا ~~الثقافي الحضاري.» # 81 ~~(ه) الزحزحة المنهجية # لمزيد من التشكيك والهدم، يلجأ أركون إلى هذه الآلية، ~~ويفسر فائدتها في تعرية الآليات السوسيولوجية الحقيقية ~~التي حافظت في كل مكان على التعارض الأولى الذي ذكره ~~القرآن؛ أي التناقض والتضاد الذي أنجزه بين المجتمعات ~~«المتوحشة» والفكر «المتوحش» من جهة وبين المجتمعات ~~المدجنة والإسلامية التي أرادها الله وحماها وقادها [جاهلية/إسلام]. # 82 # في محاولة توسيع دائرة النقاش حول الإشكالات القديمة، ~~وإخراجها من إطارها الضيق، وإما تغييرها كليا وطرح ~~إشكالية أخرى عن طريق النظر للمشكلة من زاوية جديدة ~~واستخدام منهجية جديدة، ورفع الستار عن الأصول الخادعة ~~التي تختبئ وراء الشعارات «الدينية» المستبطنة على هيئة ~~حقائق منزلة. # 83 # فزحزحة هذه اليقينيات يؤسس في نظره لمساحة أوسع للحوار ~~بين الأديان والأصوات الحرة الأخرى، ويبقي دائرة التواصل ~~الكوني واسعة منفتحة. وهذه مهمة الأنثروبولوجيا السياسية ~~لكن أركون - وكعادته دائما - ينتظر من يشغل هذه ~~الآليات، وإعادة تنشيطها من أجل دراسة الفكر الإسلامي ~~وتجديده، ولا يعادل هذه الزحزحة إلا الشك الشامل والهدم ~~الكلي للثوابت والأصول حتى نتواصل. # وأعتقد أن الأمر لا يسير وفق هذه المنهجية المعكوسة، ~~وليس بالسهولة التي يعتقدها، فالحوار والتواصل لا يتم إلا ~~على أساس ثوابت واضحة وأصول واعتقادات راسخة، قد لا نختلف ~~مع أركون على مستوى مفهوم الآلية المنهجية وأهميتها، لكن ~~موطن الاختلاف في وظيفتها التي أراد أن تؤديها، والمهام ~~المنوطة بها لإنجازها، وهي معضلة المفاهيم المستعارة وعسر ~~انسيابها في مجال تداولي مخصوص ومغاير. ~~(و) المنهجية السلبية # يوظف أركون هذه المنهجية في «دراسة كل ما حذفه العقل ~~المؤسس والمؤسس على هيئة إطلاقية نهائية من ساحة ~~اهتمامه راميا إياه في مهاوي البدع والضلال. إن الكشف ~~عن هذه القارة المجهولة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي ~~يمثل اليوم ضرورة فكرية ومنهجية قصوى من أجل «انطلاقة» ~~الفكر العربي المعاصر»، # 84 # أي دراسة اللامفكر فيه في تاريخ الفكر ms092 العربي ~~الإسلامي، وإثارة بعض الإشارات المجهرية التي وقعت في ~~تاريخ الأمة، وإحياء بعض الاتجاهات المحذوفة والمطموسة، ~~والمضطهدة والمنسية - حسب اعتقاده - في إطار التحقيق ~~التاريخي متأثرا بجوزيف فان هيس في الدراسة التي خصصها ~~لابن الرواندي المنبوذ، ويدعو إلى تعميم هذه المنهجية على ~~كل تاريخ العقل الأرثوذكسي منذ القرن الرابع الهجري إلى اليوم. # 85 # يريد أن يجعل تاريخ الأمة تاريخ مروق وخروج عن الثوابت ~~والأصول، وإعلان العصيان على المقومات الذاتية الحضارية ~~للأمة، يوظف هذه المنهجيات كمنطلقات في إطار تأسيس ما ~~سماه ب «الإسلاميات التطبيقية» التي استوحاها من كتاب ~~«الأنثروبولوجيا التطبيقية» لروجيه باستيد، متجاوزا ~~الإسلاميات الكلاسيكية [المنهج الاستشراقي]، التي تناولت ~~الفكر الإسلامي في القرن 19م، والثغرات المنهجية والمعرفية ~~لهذا المنحى التحليلي، فهي في غالبها دراسات اصطبغت بصيغة ~~تبشيرية كولونيالية تعكس جهد نظرة خارجية ورؤيتها وتسبح في ~~المحيط العام لهذه العرقية المركزية. # 86 # ويعتبرها نقطة الانطلاق الإجبارية لكل تحليل، ويبقى باب ~~هذه المنهجية مفتوحا في وجه الجميع، ليس بالضرورة أن يكون ~~الباحث فيها مسلما، والمهم أنه يكون منتميا إلى قدر ~~ومصير تاريخي محدد، بغض النظر عن المعتقدات والانتماءات، ~~أي إنجاز دراسة مجردة عن التحيزات الأيديولوجية والحرص ~~على التحقيق «العلمي الموضوعي». # ويحدد أركون مهام هذه المنهجية دون ماهيتها - فهو لم ~~يؤسس لهذا العلم، وإنما اكتفى بتركيبه من مصطلحين ~~متناقضين مرجعيا ومعرفيا كما يقول المختار الفجاري - ~~في إعادة المفاهيم وتعريفاتها ونقدها نقدا فلسفيا ~~يحررها من الحمولات الدينية والتفسيرات الإيمانية العتيقة # 87 # وخلق الظروف الملائمة لممارسة فكر إسلامي محرر ~~من المحرمات العتيقة والميتولوجيات البالية، ومحررا من ~~الأيديولوجيات الناشئة حديثا، كما تتجه هذه المنهجية إلى ~~دراسة الإسلام ضمن منظورين متكاملين: # 88 ~~(1) # كفعالية علمية داخلية للفكر الإسلامي، ~~تستبدل التراث الافتخاري والهجومي الطويل الذي ~~ميز موقف الإسلام من الأديان الأخرى بالموقف ~~المقارن. يتطلب الأمر هنا جهدا كبيرا من أجل ~~تحرير هذا الفكر، طبقا للفكرة الباشلارية ~~التي تقول بأنه لا يمكن أن يتقدم الفكر العلمي ~~إلا بتهديم المعارف الخاطئة الراسخة. ~~(2) # كفعالية علمية متضامنة مع الفكر المعاصر ~~كله، إن الإسلاميات التطبيقية تدرس ms093 الإسلام ~~ضمن منظور المساهمة العامة لإنجاز ~~الأنثروبولوجيا الدينية. # يخضع أركون بهذا العمل القرآن لمحك النقد التاريخي ~~المقارن والتحليل الألسني التفكيكي وللتأمل الفلسفي ~~المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه، ~~لمواجهة ما يسميه بفرضيات الموقف الإيماني أو اليقينيات ~~العدوانية للخطاب الأيديولوجي بالمسار «المضمون للفكر العلمي». # 89 # كما تسعى أيضا إلى الكشف عن العلاقة المتبادلة ما بين ~~المصير التاريخي للمجتمعات العربية الإسلامية، وتقدم ~~الحداثة في الغرب كانت قد تجاهلتها الإسلاميات الكلاسيكية، ~~واكتفت بالدراسة الإيجابية لتاريخ الإسلام # 90 # فيلجأ إلى المنهجية السلبية ضمن منظور ~~الإسلاميات التطبيقية على إنجاز اللامفكر فيه أو المستحيل ~~التفكير فيه، وتبقى هذه المسلكية المنهجية هي القادرة في ~~نظره على الإمساك بمعضلات المجتمعات العربية، وإنتاج خطاب ~~يلائم المرحلة، وعلى طرح مشكلات حقيقية مرتبطة بمسار العرب ~~الإبستيمولوجي، مسار مرتبط أيضا بالاكتشاف المتدرج ~~للحداثة وبتساؤلاتها حول المنسي، والمتنكر واللامفكر فيه ~~ضمن ماضي العرب، ويعتبر موضوع «الإسلام والعلمنة» إحدى ~~الإشكالات الكبرى التي تعالجها الإسلاميات التطبيقية ~~وإعادة تنظيم وترتيب العلاقة بين المفهومين، وتأسيس إطار ~~نظري فكري يتيح مواجهات كل الصعوبات والمشاكل المعيشة في ~~الواقع العربي المعاصر. # لقد راهن محمد أركون في التمكين لهذه الآليات في مجال ~~الثقافة العربية الإسلامية للخروج من الانغماس في الحداثة ~~الاستهلاكية، إلى الانغماس في الحداثة الفكرية والعقلية، ~~لكنه رهان لم يلج إليه من بابه الطبيعي، وهو تأكيد أسبقية ~~الذات العربية الإسلامية بمفاهيمها الحضارية ومقولاتها ~~وثقافتها المنهجية على الغيرية التي جعلها المقياس ~~والأولوية في إنشاء هذه الحداثة. # كما أن هذا التعدد المنهجي الذي نصادفه في متنه الفكري ~~فبدل أن يتحول إلى عامل قوة، تحول إلى عامل ضعف في مشروعه، ~~فالخلط العقائدي لهذه المناهج حول النص الإسلامي - الوحي ~~والتراث - لا شك أنه أضر بمساره التجديدي، فلم يستطع ~~معه تحقيق وإنجاز عملية الإبداع التي راهن عليها، فإذا ~~«كان الاعتداد بالزاد العلمي والمنهجي محمودا عند البعض ~~ومنبئا عن استقلال الكيان، وتفرد الشخصية، فإنه في ~~قراءة أركون جرحة موجبة للقدح، لا مزية جالبة للمدح». # 91 # فالقارئ لخطابه النقدي «لا يكاد يتبين خطابه المستقل ~~الذي يتميز به ms094 بين الخطابات الأخرى، لكثرة اللغات التي ~~يتحدث بها، والمناهج التي يستخدمها، والأعلام الذين ~~يتقمصهم، ومن فرط ما يحشده من المفاهيم والأدوات» # 92 # لهذا كان الشغل الشاغل لأركون وهمه الدائم هو ~~«جلب برامج الحداثة الفكرية والإعلان عنها والترويج لها ~~والتوصية بالاستفادة منها. ومن هنا كان الرجل مستوردا ~~ماهرا وعارضا جيدا، ولم يكن صاحب حدس أصلي ورؤية ثاقبة» # 93 # دون أن يعني ذلك غمط حق الرجل في بعض الإشارات ~~الإيجابية، والجدة التي جاء بها مشروعه، كما أومأ إلى ~~ذلك طه عبد الرحمن. # لكن لم يكن ذلك كافيا في رأي نقاده من الشاكلة الثقافية ~~نفسها، الذين يرون في المشروع خروجا عن بعض القواعد ~~المنهجية. # فإذا كان «هاجسه: الجدة والتنوع إلى حد أن تآليفه ~~تكاد تكون معرضا للحداثة الفكرية على تعدد مجالاتها ~~واختلاف مذاهبها ومناهجها، بيد أنه إذا كانت مواكبة كل ~~تطور يحصل في مجال العلم والفكر أمرا مطلوبا ومحمودا ~~فإنه لا ينبغي للجدة أن تطغى على الأصالة، ولا التعدد ~~أن يطمس الوحدة. وبكلام آخر: لا ينبغي للانفتاح على الجديد ~~والمتعدد والطارئ والمتحول أن يتم على حساب الصرامة ~~الفكرية. فلا بد لكل عمل فكري أن ينطوي على قدر من ~~الوحدة والترابط، ولا بد لكل مبحث من أن يراعي شرائط ~~الوثوق والإحكام. نقول ذلك [الكلام لعلي حرب] لأننا نلحظ ~~أن قراءة أركون العلمية تفتقر إلى الوحدة المنهجية.» # 94 # بل أكثر من ذلك يعتبر علي حرب استنجاد أركون بالحداثة ~~وإفرازاتها لا يكفي لكي تكون القراءة التي يقدمها منتجة أو ~~علمية. صحيح أنه لا يمكن تجاوز الإمكانات المنهجية ~~والمعرفية التي تقدمها الحداثة، لكن الاعتداد بها كليا ~~واستخدامها ليس دليلا على أنها القراءة الأصح. # 95 # لهذا فإن قراءة أركون، من خلال الاختيارات التي استقر ~~عليها، لا تبدو فيها أصالة الإبداع والاستقلال المسئول ~~المطلوب من المثقف العضوي داخل مجتمع يعاني من مركبات ~~الأزمة؛ ويسعى إلى تجاوزها، رغم تأكيداته المتكررة حول ~~الإبداع، لكنه سقط في فخ التكرار، دون أن تكون له لغته ~~التحليلية المستقلة المعبرة عن الإشكالات الحقيقية التي ~~يسعى ms095 إلى معالجتها؛ لذلك نلمس عنده «تضخما في الأجهزة ~~والأدوات التي يستخدمها هناك فعلا آلية مفهومية جبارة - ~~ولكن يتم ذلك على حساب لغة أركون وخطابه - ذلك أن لغته ~~تكاد تضيع بين اللغات الأخرى». # 96 # هذه بعض الانتقادات القاسية التي طالت متن أركون ~~ومنهجيته المتعددة المداخل، مما يعبر عن خلطة هجينة من ~~المناهج ضاعت فيها ومعها لمسات الإبداع التي كنا في أمس ~~الحاجة إليها لتجاوز أعطاب التخلف ومركبات ~~التأخر. ~~(2) المبحث الثاني: اختبار المفهوم في التداول الثقافي المعرفي ~~والاجتماعي العربي المعاصر # اختبار تداولية المفاهيم وترحالها من مجال إلى آخر أصبح علما ~~قائما بذاته في كل العلوم والحقول المعرفية. وفي سبيل تحقيق هذا ~~الغرض أنشئت المختبرات العلمية في كل التخصصات لوضع عينات من ~~المفاهيم المرتبطة بتخصصاتها تحت مجهر الاختبار والنقد والتمحيص ~~والتشريح - ليس بالمعنى العضوي للمفهوم، إنما بالمعنى التحليلي ~~النقدي التفكيكي - والوقوف عند مسيرتها ومشاقها ومتاعبها وأوزارها ~~وذنوبها المعرفية والمنهجية، ليس في عالمنا العربي الإسلامي، بل في ~~عالم الأمم والحضارات قديما وحديثا ومعاصرا. بل تكاد هذه القضية ~~تطبع أغلب الأعمال الفكرية لكبار المفكرين بعناوين واضحة تبرز ~~مركزية المفاهيم في كبريات المشاريع الفكرية، والتحكم في مساراتها ~~المنهجية ومآلاتها في الإنسان والطبيعة. # ويعتبر مفهوم العلمانية واحدا من المفاهيم المركزية التي شغلت ~~مساحة واسعة في الفكر الغربي منذ وقت مبكر، وبلغ ذروته خلال القرن ~~الثامن عشر الميلادي، وما يزال إلى اليوم والشيء ذاته في الفكر ~~العربي المعاصر، وفي وعي النخب العربية، بل دارت حوله كثير من ~~المعارك الثقافية، والمعرفية، والاجتماعية والسياسية، وتشابكت ~~النخب العربية فيما بينها حول تداولية المفهوم، وقدرته على تثبيت ~~وجوده المعرفي والثقافي، من خلال جدل التراث والحداثة، ومفاهيم ~~التجاوز والقطيعة، والاستمرارية، حين دفع بمنظومته الفكرية ~~والنفسية في اتجاه التدمير الممنهج لمقومات العقل العربي الإسلامي، ~~وتخريب دفاعاته ضد التبديل والتغيير. # فتحولات المفهوم في الفكر العربي المعاصر مؤشر على صعوبة ~~التداول، وعدم الرضا الذي قوبل به في الذاكرة العربية الإسلامية، ~~بل في أوساط ثقافية لها اعتبارها المقدر حين رأت في تداولية ~~المفهوم قلبا للحقائق وتشويها للمشكلات ms096 الحقيقية للعرب، لكن قبل ~~الحديث عن تداولية المفهوم وإجرائيته في الفكر العربي المعاصر، نقف ~~عند المفهوم في موطنه الأصلي، ليس من باب التأريخ، لكن من باب ~~تحولاته وموقف التيارات الفكرية منه، قبل أن نناقش موقعه في فكرنا ~~المعاصر، وموقف تياراته منه. ~~(2-1) اختبار تداولية المفهوم في الفكر الغربي # ما ميز تاريخ الأفكار في الغرب كما تؤكد أكثر من دراسة، # 97 # أو أغلبها هو هذا التنوع والتعدد في المدراس ~~الفكرية التي نبتت على تربته الجغرافية، تنوع صاحبته قدرة ~~هذه المدارس على مراجعة ما تنتجه من مفاهيم وأفكار ومناهج، ~~لهذا «يلاحظ أن مراجعات العلمانية والحداثة في العالم الغربي ~~بلغت أبعادا لربما لم تصلها بين العلمانيين العرب» # 98 # لأسباب ذات ارتباط بطبيعة تلك المدارس واختلاف ~~انتماءاتها المرجعية العقدية، وأخرى ذات ارتباط بخلاصات ما ~~أنتجه الغرب ذاته، من مواقف واتجاهات معادية للإنسان ~~واختياراته الكبرى. # وقد نال مفهوم العلمانية، ومشتقاته في الغرب حظه من ~~المراجعة، والنقد الإبستيمولوجي، بعد أن ظهرت نتائجه السلبية ~~على مستويات متعددة من حياة المجتمعات الغربية، لهذا فإن الكشف ~~عن هذه المراجعات لا شك أنه يرينا حجم ما تحدثه المفاهيم في ~~كينونة الإنسان أفرادا وجماعات. # تأتي في مقدمة هذه المراجعات أعمال المفكر الأمريكي اليهودي ~~إرفنج كريستول الذي يصف الرؤية العلمانية بالرؤية الدينية ~~لأنها «تحتوي مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا ~~يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافيزيقا لاهوتية. وفي ~~هذا الدين [العلماني] يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها [تأليه ~~الإنسان]، كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع ~~الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن ~~يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني. ذلك أن المقدرة ~~على الخلق، التي كانت من صفات الإله، أصبحت في المنظومة ~~الدينية العلمانية من صفات الإنسان، ومن هنا ظهرت فكرة التقدم.» # 99 # وقد وصلت هذه العلمنة إلى مستويات تجريد العقائد الدينية من ~~مقوماتها، وحولتها إلى نوع من المهدئات النفسية لمواجهة تحديات ~~العقيدة الجديدة [العلمانية]، لكن رغم هذه الهيمنة التي ~~مارستها على جميع المؤسسات، فإن ms097 إرفنج كريستول يقدم مقدمات ~~فلسفية مفادها أن هذه العقيدة بدأت تفقد مصداقيتها بالتدريج، ~~ويعود ذلك في رأيه إلى سببين اثنين: # 100 ~~(أ) # بإمكان الفلسفة العقلانية العلمانية أن تزودنا ~~بوصف دقيق للمسلمات الضرورية لتأسيس نسق ~~أخلاقي، ولكنها لا يمكن أن تزودنا بهذا النسق ~~نفسه. فالعقل قادر على تفكيك الأنساق الأخلاقية، ~~ولكنه ليس قادرا على توليدها، إذ إن الإنسان يقبل ~~الأنساق الأخلاقية من منطلق إيماني غير عقلي، ~~والعقل المحض لا يمكن أن يتوصل إلى أن جماع ~~المحارم خطأ (...) فظهرت أجيال قلقة لا تجد لنفسها ~~مخرجا من الوضع غير الطبيعي الذي صنعته العقيدة ~~الجديدة، لهذا يتحدث كريستول عن البربرية ~~العلمانية. ~~(ب) # لا يمكن أن يكتب البقاء لمجتمع إنساني إن كان ~~أعضاؤه يعتقدون أنهم يعيشون في عالم لا معنى له. ~~والواقع أننا منذ القرن التاسع عشر - يقول كريستول ~~- نجد أن تاريخ الفكر الغربي رد فعل الإحساس بأن ~~العلمانية أدت إلى ظهور عالم لا معنى له، وهي ~~تحاول أن تحل هذه المشكلة، بأن تؤكد للإنسان ~~أنه يسيطر على نفسه وعلى الطبيعة من خلال ~~الاستقلال والإبداع، وهو أمر يراه مجرد خداع ~~للنفس. # فالتيارات التي ظهرت في الغرب لم تعد تؤمن بالعقيدة ~~الإنسانية [الهيومانية] من التفكيكية إلى ما بعد الحداثة التي ~~أعلنت موت الإنسان. وهو اعتقاد بدأ يأخذ موقعه في المجتمع ~~الغربي، فالانتماء الديني بدأ يتزايد في هذا المجتمع، وتتسع ~~مساحته، بعد أن شعر بالحرمان وفقدان المعنى، وظهور علامات ~~مفارقة لهذا المعنى. # ويشبه هذا المنحى النقدي الذي انتهى إليه كريستول، ما انتهى ~~إليه أيضا مفكر من حجم ريتشارد ترناس # 101 # في تحليله لمراحل تطور الفكر الغربي، من الصيغة ~~الإغريقية القديمة إلى ما بعد الحداثة # 102 # وبروز لحظة «متميزة بحشد من الصراعات الدرامية ~~المثيرة والحلول المذهلة من طاليس وفيثاغورث إلى أفلاطون ~~وأرسطو (...) من بيكون وديكارت إلى كانط وهيغل، من جميع هؤلاء ~~إلى دارون وأينشتاين، وفرويد ومن بعدهم.» # 103 # لحظة وصفها بالتراجيديا التي صنعت الفكرة الغربية ~~وأسسها المرجعية. # أما المراجعة الثانية التي يقدمها المسيري فتتعلق بجهود ~~الباحثة الهنغارية أجنيس ms098 ~~هيلر # Agne Sheller ~~(1929م) حين أكدت أن الحضارة الغربية ~~تلاقى فيها مصدران: المصدر الإغريقي والمصدر المسيحي، وأن هذا ~~التلاقي أدى إلى علمنة الحياة اليومية والمساحة الأخلاقية، ~~والعلمنة في تصورها تفكيك للعلاقة بين الإيمان والالتزام ~~والكنيسة (أي الدين) بحيث لا يعد أحدهما شرطا ~~للآخر. # و«قد أخذت العلمنة شكل تمحور الفلسفة حول مبحث الإنسان، ~~وإدخال مبحث الإله في هذا العالم؛ أي تماهي مبحث الإنسان ~~والطبيعة (الكون).» # 104 # وهي الفكرة التي عبرت عنها هيلر بإحلال أسطورة ~~الأصل الإغريقية، محل أسطورة الأصل الدينية، وعبر عنها المسيري ~~بوحدة الوجود، لتصل إلى الأنسنة الشاملة [الطبيعة والأديان] ~~وتأليه الإنسان. # تحولات أدت حسب المسيري إلى إسقاط سؤال نشأة الكون ومصدر ~~العالم ليبرز سؤال: ماذا يفعل الإنسان في العالم؟ وما حدود ~~قدراته؟ فتهاوى النسق المطلق لصالح السياق الاجتماعي الذي تم ~~تكريس نسبيته ونسبية معاييره. # ففقدت بذلك المعايير والقيم الضابطة للسلوك الاجتماعي ~~الإنساني. ودخل العالم (الإنسان والكون) مرحلة جديدة من خيبة ~~الأمل والظن وظهور نزعة تشاؤمية بمستقبل هذا العالم، إنها ~~«أزلية علمانية خالية من المعنى» # 105 # كما يعبر ماكس فيبر. # أما المحاولة النقدية الثالثة التي قدمها المسيري، فترتبط ~~بموقف عالم الاجتماع زيجمونت باومان # 106 # الذي يرى أن مشكلة المشاكل التي تعانيها الحداثة ~~هي مشكلة أخلاقية، فقد سقط ملف الأخلاق من الحداثة مع تزايد ~~النسبية الكاملة، وغياب المطلق وهيمنة فكرة الجسد، فغابت فكرة ~~الجماعة والمجتمع والهوية الجمعية التي تشترط تجاوزا للذات/الجسد. # 107 # انتهت الدراسات النقدية لفكرة العلمانية في الفكر الغربي إلى ~~استحالة اجتثاث الدين من حياة الناس، وهزيمة العلمانية أو على ~~الأقل «لم تف بوعودها لا في العالم الأول (حيث تنتشر العنصرية ~~والجريمة والنسبية الفلسفية) ولا في العالم الثالث (حيث تحالفت ~~العلمانية مع الفاشية والقوى العسكرية)؛ لذا فقد نحت مصطلح ما ~~«بعد العلمانية» (...) وكلمة «ما بعد» هنا تعني في واقع الأمر ~~«نهاية» (...) كما تعني أن نموذج العلمانية قد دخل مرحلة الأزمة، ~~لكن لم يحل محله نموذج آخر.» # 108 # ويكشف واقع الغرب اليوم عن أزمة هذا المفهوم، تعبر عنه ~~مؤشرات العلاقات الإنسانية ms099 والاقتصادية والبيئية، واقع يكشف ~~أيضا عن اختلاط دلالات المفهوم، # 109 # الذي أنتج مفاهيم ذات علاقة بهذا الواقع الذي ~~وصفناه، مثل ««التسلع» و«التوثن» و«التشيؤ» التي تستخدم لوصف ~~بعض الظواهر التي أفرزتها المجتمعات العلمانية الحديثة»، # 110 # تتجه كلها إلى تجسيد نموذج كامن يوجه الفكر ~~العلماني في كل مراحله، لهذا جاءت صفارات إنذار من كبار ~~الفلاسفة في الغرب تحذر من هذا الدين الجديد، الذي جرد ~~الإنسان من كل خصائصه الفطرية، ورمى به في ساحة العبث ~~والتمرد على اليقينيات والثوابت، حيث ظهرت نماذج من الإنسان ~~لا نموذج واحد، إذ لكل فلسفة نموذجها الإنساني، الأمر الذي حمل ~~هؤلاء الفلاسفة إلى اعتبار المعرفة التي ينتجها الإنسان سبب ~~هذه المشكلات والانقسامات التي تحياها الإنسانية ~~المعاصرة. # فتاريخ الغرب - كما يذكر المسيري - هو تاريخ العلمنة للطبيعة ~~والإنسان من خلال الحملات الإمبريالية التي شنها على شعوب ~~العالم، بل ما تزال تجليات هذه العلمنة طاغية في علاقة هذا ~~الغرب مع هذه الشعوب، على مستويات متعددة (الاقتصادية - ~~السياسية - الفنية والإعلامية والرياضية ...) # ويمكن الإشارة في هذا السياق أيضا إلى دراسة حديثة تأريخية ~~حول موضوع العلمانية والدين في ثلاث مناطق أساسية في العالم ~~وهي: مصر، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، للمفكر ~~الأمريكي سكوت هيبارد. # وتقف الدراسة عند منحنيات التدافع والصراع بين الدين ~~والسياسة في هذه البلدان الثلاثة وعوامل الأفول والصعود، ~~مستشهدا بأمثلة من حضور الخطاب الديني والقيمي في السياسة ~~الأمريكية المعاصرة وفي جل خطابات رؤسائها إلى اليوم - من ~~فرانكلين روزفلت إلى عهد أوباما - حيث «ظل الدين خاصية محورية ~~للسياسة الأمريكية. وعلى الرغم من وجود انفصال مؤسسي ما بين ~~الكنيسة والدولة، ظل الدين - تحديدا الدين المسيحي ~~البروتستانتي - متأصلا داخل القومية والثقافة الأمريكية» # 111 # التي ترفض التقليد العلماني، وترى نفسها دولة ~~مسيحية على نحو واضح. # ف «على الرغم من غرس القيم والأفكار العلمانية في الدستور ~~الأمريكي، أواخر القرن الثامن عشر، ظلت القومية الدينية ~~الصريحة مؤثرة على نحو هائل.» # 112 # لتنتهي الدراسة من خلال عناوينها الكبرى إلى سقوط ~~العلمانية في هذه البلدان - بمفهوم من المفاهيم التي استعرضها ~~الكاتب ms100 - والتشديد على أن الدين بإمكانه أن يكون مصدرا للوحدة ~~والسلام، لا مصدرا للخلاف والنزاع. # وهو الموقف ذاته الذي يتبناه آلان تورين حين بدأ يراجع ~~العلاقة بين العلمانية والدين داخل المجتمع الفرنسي، ~~وبالخصوص داخل المدرسة الفرنسية، رافضا للحدود الوهمية ~~الفاصلة بين الدين والسلوك الاجتماعي، معتبرا عودة الدين إلى ~~التأطير والتوجيه براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ~~وتعقيداته، وبعد أن تعثرت الباراديغمات القديمة في تقديم ~~الحلول، خصوصا الباراديغم السياسي والاجتماعي والعسكري، وفي ~~اعتقاده أن «معرفة الواقعة الدينية أمر ضروري للغاية؛ أولا: ~~لأن تاريخ الديانات يساعدنا على فهم تاريخنا وحاضرنا.» # 113 # فلا يرى حدودا فاصلة وقاطعة بين الحياة العامة، ~~والحياة الخاصة؛ لأن ذلك في رأيه يسيء إلى الفكر والعمل ~~الدينيين، وأيضا السياسيين، ولأن لكل الديانات نشاطات ورؤية عامة. # 114 # ويختم تورين بدمغة تاريخية، واقعية تعزز عنده فرضية هذا ~~التحول الباراديغمي في التحليل، بأن ثمة «عددا كبيرا من ~~طرائق التحديث الحالية يجمع في الغالب بين مكونات دينية وأشكال ~~قديمة من التنظيم الاجتماعي والحياة الثقافية.» # 115 # فالتشابك بين الديني والتربوي والاجتماعي في ~~المدرسة الفرنسية هو البراديغم الجديد القادر على شحذ القيم ~~التربوية في المجتمع الفرنسي، ويكسبه القدرة على السير نحو ~~جوهر الحداثة، وليس العكس، فهو يلح أن «على المدرسة ~~[الفرنسية] الرسمية ألا تتجاهل الواقع الديني عامة والمعتقدات ~~المتنوعة والطقوس الدينية خاصة.» # 116 # أعتقد أن هذا جزء يسير من المراجعات التي يطالعنا ~~بها هذا الفكر؛ التي تعبر عن العمق الأصيل للإنسان وعلاقته ~~الأزلية بالتدين، أيا كان شكل هذا التدين، وهو عبرة لمن لا ~~يزال يصر على طريق الخطأ، # 117 # في إقصاء الدين من المجال العام، وبالأخص في مجال ~~تأطير السلوك المعرفي والاجتماعي. ~~(2-2) اختبار تداولية المفهوم في الفكر العربي الإسلامي المعاصر: ~~دراسة في بعض المواقف # لم يكن الفكر العربي المعاصر في معزل عن المراجعات التي ~~عرفتها المدارس الغربية، ليس تقليدا لقانون المراجعة في ~~الغرب، بل لأن ظروفا عربية واقعية أرغمت الجميع على الاستجابة ~~لقانون المراجعة الشاملة للمفاهيم التي غزتنا في عقر دارنا، ~~قانون تحكم فيه أيضا نفاذ ms101 منسوب هذه المفاهيم على مستوى ~~إجرائيتها وفاعليتها الواقعية. # ونرصد في هذه النقطة مجموعة من المواقف الفكرية العربية ذات ~~العمق العربي الأصيل والمنهجي الرصين، التي تصدت لمفهوم ~~العلمانية في الفكر العربي المعاصر، متجاوزين المواقف السجالية ~~والتبجيلية للمفهوم لأنها لا تخدم الموضوع ولا تفي بالمقصود، ~~كاشفين لثغراته المنهجية والمعرفية والثقافية. # ويأتي نقد محمد عابد الجابري - رحمة الله عليه - في قائمة ~~الرافضين لتداولية المفهوم بالمعنى الذي نشأ وطرح في الغرب، ~~حين أكد أن هذا الطرح لا علاقة له بعموم الوطن العربي لهذا لا ~~يستسيغ الجابري طرح المسألة بهذا الاسم وتحت هذا العنوان ف ~~«ليس هناك في أي قطر عربي ما يبرر طرح العلمانية فيه، بالمعنى ~~الذي تفهم به هذه المسألة في أوروبا، والذي يتمحور أساسا في ~~«فصل الدين عن الدولة»، هذا الفصل الذي لا معنى له، في أوروبا ~~من دون الكنيسة التي كانت تتقاسم السلطة مع الدولة، السلطة على ~~الأفراد. أما في الوطن العربي الحديث والمعاصر، وطن الدول ~~العربية (...) فليس هناك ما يبرر طرح المشكل بهذا الاسم وتحت هذا العنوان»، # 118 # بل إن واقع العلوم الإنسانية والاجتماعية - ~~باعتبارها الحاضن الأساس لقيم العلمنة - في الغرب والعالم ~~العربي لم تعد تتحمل هذا الخرق القاتل بين الظواهر الاجتماعية ~~والإنسانية والقيم المجتمعية، بعد أن اتضح حجم الكوارث في ~~منظومة القيم والعلاقات الموجهة لسلوك الإنسان مع ذاته ومع ~~الطبيعة. وموقف الجابري من المفهوم لا يعني التخلي عنه بشكل ~~نهائي، وإنما ليعيد تركيبه وفق مطامح أيديولوجيا جديدة ومن ~~خلال مرجعية مغايرة مستبدلا إياه بمفهومي العقلانية ~~والديمقراطية؛ لأنهما أقدر على التعبير عن طموحاتنا من ~~مفهوم العلمانية. # لكن تبقى ملاحظاته في العمق المنهجي الذي نتوخاه، وتكشف عن ~~صعوبة تداول المفهوم في الفكر العربي المعاصر، وتعري جانبا من ~~الصراعات الفكرية، والمرجعية التي عاشها عقل هذا الفكر، ويؤكد ~~أن هذا الشعار ما يزال مدعاة للبس وسوء الفهم في الفكر ~~العربي المعاصر، وحصل فيه نوع من الشطط في استعماله يقول: «إن ~~مسألة «العلمانية» في الوطن العربي مسألة مزيفة ، بمعنى أنها ~~تعبر عن حاجات بمضامين ms102 غير متطابقة مع تلك الحاجات: إن الحاجة ~~إلى الاستقلال في إطار هوية قومية واحدة، والحاجة إلى ~~الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات والحاجة إلى الممارسة ~~العقلانية للسياسة هي حاجات موضوعية فعلا، إنها مطالب معقولة ~~وضرورية في وطننا العربي، ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها بل ~~مشروعيتها عندما يعبر عنها بشعار ملتبس كشعار «العلمانية».» # 119 # بل ذهب الجابري أبعد من ذلك حين اعتبر الأسئلة التي طرحها ~~مفهوم العلمانية في الوطن العربي أسئلة مزيفة وضلالا فكريا، ~~إذ «لا شيء يعتم الرؤية ويوقع في التيه الوجداني والضلال ~~الفكري كالأسئلة المزيفة. الأسئلة المزيفة هي كأسئلة الأطفال، ~~أسئلة تطرح مشاكل مزيفة يعيشها الوعي على أنها مشاكل حقيقية. ~~وخطورة السؤال المزيف تكمن في أنه يستدعي جوابا مزيفا يثير ~~بدوره مشكلة أو مشكلات مزيفة؛ ذلك لأن كل سؤال لا يطرح إلا ~~ويحمل معه مشروع جواب (...) والأسئلة المزيفة هي في الغالب أسئلة ~~لا تستمد إشكاليتها من الواقع، بل هي تعبر عن إشكالية فكر ~~حالم، أو فكر مجرد، ميتافيزيقي (...) مشكلة تستقي مضمونها ~~وتحديداتها من مجال آخر. وثنائية الدين والدولة في الفكر ~~العربي الحديث هي من هذا النوع الأخير من المشاكل. ذلك أن ~~السؤال «هل الإسلام دين ودولة؟» سؤال لم يسبق أن طرح قط في ~~الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى أواخر القرن الماضي، ~~وإنما طرح ابتداء من منتصف القرن الماضي بمضمون لا ينتمي إلى ~~التراث الإسلامي، مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج ~~الحضاري الأوروبي الذي كان العرب وما زالوا يطمحون إلى تحقيقه ~~في أوطانهم، وبالخصوص ما يتعلق بالتقدم والنهضة.» # 120 # فهو لا يمل في مطالبة الفكر العربي المعاصر بضرورة مراجعة ~~مفاهيمه وتدقيقها وتطويعها حتى تستجيب لحاجاتنا الموضوعية ~~وإشكالاتنا الحقيقية والواقعية، بدل الاستمرار في الأسئلة، ~~والأجوبة المزيفة، والمضاعفة لزيف الوعي العربي المعاصر. ~~فاختلاط المفاهيم في نظره أحد العوائق الإبستيمية في تطور ~~العقل العربي المعاصر، وفشل مشروع النهضة. # ويزيد الجابري توضيحا لهذا الإشكال - المفهوم، حين اعتبر ~~مشكلة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة ليست مشكلا عربيا ~~يعم الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، بل ms103 هو مشكل قطري ~~محلي يعني مناطق بعينها، قاطعا الطريق على أنصار التعميم ~~لأطروحة المفهوم، كاشفا عن السياق التاريخي لهذا التخصيص، من ~~خلال الصراع القائم بين عرب المشرق، والسلطة العثمانية التي ~~حكمت باسم الإسلام بلدانا عربية فيها أقليات دينية غير مسلمة، ~~مما جعل المسألة تتخذ في رأيه «طابع الاضطهاد الديني: اضطهاد ~~«دولة» الأغلبية المسلمة، أو التي تحكم باسمها، لأقليات دينية ~~وطنية لها الحق نفسه، في الوطن الذي لغيرها من السكان. في هذه ~~الأقطار كان من المقبول تماما أن تطرح المسألة على أنها مسألة ~~«دين ودولة» ونوع العلاقة الواجب إقامتها بينهما، ولكن لا على ~~أنها مشكلة «العلمانية» بالمفهوم الأوروبي للكلمة، بل على أنها ~~مشكلة الديمقراطية، أعني أنها مشكلة تنظيم السلطة داخل دولة ~~وطنية حديثة.» # 121 # ونداء الكتلة التاريخية الذي أطلقه يعبر عن هذا المنحى ~~التوافقي في فكر الجابري بين تيارات المجتمع، بعد تحريره من ~~المفاهيم المشوشة. # 122 # إن طرح المفهوم في الساحة الثقافية العربية بهذا الشكل ~~السلبي يزيد من تعميق المشكل بدل حله، ويوسع دائرة الخلاف بين ~~تيارات الأمة الفكرية، وبالتالي انعدام إمكانية أي حوار بناء ~~ومستقل بينها لتجاوز الوضع المقلوب للمفاهيم، في النسق الفكري ~~والمنهجي للعقل العربي المعاصر. # في السياق ذاته تأتي محاولات طه عبد الرحمن، بعمق فلسفي جديد ~~أخذت طابعا أخلاقيا منطقيا، من خلال مفهوم منهجي، هو ~~مفهوم السياق التداولي للمفاهيم، وشرائط الحوارية النافعة ~~بينها وبين هذا السياق التداولي. # مراجعة كشفت هي الأخرى عن ظاهرة التقليد المنهجي، والمعرفي ~~التي ابتلي بها الفكر العربي المعاصر في علاقته مع المفاهيم ~~الغازية. هو تقليد الفصل بين الدين والقيم الأخلاقية الإسلامية ~~وشئون الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية والعلمية. # وهو ما رصده في متونه النقدية بآليات منهجية معرفية في غاية ~~الدقة المنطقية والواقعية، فصل أضر حسب طه بكثير من المقولات ~~المرتبطة بحياة الإنسان، منها صعوبة تعريف الإنسان ذاته. يقول: ~~«وقد تجلى نسيان العلمانيين لوجود الإنسان غير المرئي في ~~إطلاقهم لمقولات عدة تضافرت على تضييق هذا الوجود، جاعلة ~~الإنسان أشبه بالحيوان الزاحف منه بالحيوان الطائر » # 123 # حين ms104 فصلت بين العالم المرئي وغير المرئي لهذا ~~الإنسان، منتقدا بشدة هذا الفصل حين ظهر له «أن الإنسان محاط ~~بالغيب إحاطة الشهادة به، بل إن إحاطته به فوق إحاطتها؛ وما ~~ذاك إلا أن الإنسان لا تنحصر ذاته في «النفس»، بل تتعدى إلى ~~«الروح»، ولا تنحصر رؤيته في «البصر»؛ فإذا كان يحيا بنفسه في ~~العالم المرئي، فإنه يحيا في العالم الغيبي، لا يني يرتحل من ~~أحدهما إلى الآخر موسعا وجوده؛ وإذا كان يرى ببصره المباني ~~المرئية، فإنه يرى معانيها الغيبية، فلا تنفك تترقى معرفته، ~~وتأتيه بيقين من بعد يقين.» # 124 # وجاءت جهود طه لإبطال مسلمات دعاة العلمنة في الفكر ~~العربي المعاصر، وبيان قصورها المنهجي، وصعوبة تداولها الثقافي ~~والمعرفي، مهما اجتهد أصحابها في البرهنة، وإيراد ~~الشواهد. # ونقد طه للعلمانية يستوي مع التصور الذي اعتمده المسيري ~~«العلمانية الجزئية» ويسميها بالعلمانية الأدنى، و«العلمانية ~~الشاملة» يسميها بالعلمانية المتصاعدة التي تبلغ حد إنكار ~~العالم غير المرئي «الغيبي»، فيكون المفهوم عند طه قد ضيق ~~الوجود الإنساني، ومنعه من الامتداد في العوالم الأخرى، وهو ~~ما أطلق عليه اسم مسلمة «قصور الوجود الإنساني» في الفكر ~~العلماني، ليس هذا فقط بل أمعن هذا التيار «العلماني» وأوغل في ~~إنجاز فصل ثان (بعد الفصل الأول، بين السياسة والدين) هذه ~~المرة بين الدين والأخلاق واصفا هذا الفصل ببؤس فكري شنيع ~~ابتلي به المقلدة من المفكرين العرب. # ب «ذلك يجنون على عقولهم بما لا يجنيه عليهم عدوهم (...) إذ ~~يضيقون مجال أفكارهم ومسرح خيالاتهم ويقطعون عن أنفسهم أسباب ~~الإبداع والإثراء التي تنطوي عليها مناحي ثقافتهم عند مقابلتها ~~بمناح من ثقافة غيرهم، كما يضيعون فرص الاستقلال بفكرهم ~~والتحرر مما يرد عليهم، بل يستبعدون كليا إمكانات تصرفهم في ~~الوارد عليهم، لا تصحيحا ولا توسيعا ولا توجيها، قانعين بأن ~~يظلوا عيالا على غيرهم من مفكري الحداثة». # 125 # فصاغ طه رده على شكل دعاوى، منها دعوى انحصار الأخلاق في ~~التعامل بين الأفراد، فهذه الدعاوى «تختزل الأخلاق في التعامل ~~بين أفراد البشر بعضهم مع بعض. وفي هذا الاختزال إفقار للأخلاق ~~بما ms105 لا يزيد عليه؛ لأن تعامل الإنسان يتعدى تعامله مع ~~الآخرين إلى التعامل مع سائر المخلوقات (...) بحيث يتعين عليه ~~أن يأخذ بالقيم الأخلاقية في تصرفاته معها ...» # 126 # وثمة محاولة علمية ثالثة، لكن هذه المرة من خارج جغرافية ~~الفكر العربي، محاولة جاءت من الفرس لا تقل أهمية عن المحاولات ~~التي قدمنا، هي محاولة الفيلسوف والفيزيائي الإيراني مهدي ~~كلشني الذي يؤكد على «محدودية الرؤية العلمانية ومعطياتها ~~المرفوضة في الإطار العلمي، وأنه ينبغي للعلم أن يستعيد طابعه ~~وخصوصيته الدينية، من أجل التمهيد لتبلور مختلف الأبعاد ~~الوجودية للإنسان» # 127 # ف «يصبح العلم والإلهيات - الدين - في إطار هذه ~~الرؤية - يقصد التكامل - محاولة كبيرة لفهم الكون ولإدراك ~~ذواتنا، مع أن لكل من الاتجاهين فقهه الخاص، غير أن الجانب ~~المشترك بينهما يتمثل في أهداف واسعة. يشكل العلم محاولة ~~لاكتشاف النظام الكوني، بينما يسعى الدين لاستيعاب المعنى أو ~~المضمون الكوني، ويشهد كلاهما تحديد طبيعة العلاقة بين ~~الأبعاد المتنوعة للكون، وفيما لو نجحنا في ذلك فإنه ينبغي أن ~~يتوحدا في النهاية.» # 128 # فالأسئلة التي يطرحها العلم، والصورة التي يكونها عن الكون ~~تكون خارج إطار الحركة التي يصنعها العلم، ويبقى الدين هو ~~الوحيد المؤهل للإجابة عنها، لهذا فإننا في حاجة للحصول على ~~فهم متكامل # 129 # للأبعاد بين المرجعية الدينية والعلمية، خصوصا ~~بعد موجة النقد للأسس الفلسفية والنظرية للعلم التي دشنها ~~العقل المعاصر، وبدأت التحذيرات حول خطورة تعميم نتائج العلم، ~~وإقصاء منظومة القيم الدينية، من ساحة التوجيه، التأويل ~~والتفسير للظواهر. # في حين يرى رشيد الغنوشي أن «العلمانية انتهت إلى عملية ~~تصحر إنساني تحول المجتمع البشري في نهايتها إلى مجتمع ~~ذئاب (...) [وأن] فكرة العلمانية في المحصلة النهائية ضد ~~المجتمع المدني، بل هي موت الإنسان، لأنها ضد الغيرية، بينما ~~المدنية هي الغيرية، هي الإيثار هي ثمرة لتصعيد الدوافع ~~والاستعلاء الروحي والخلقي والجمالي.» # 130 # يضيف: «لقد حررت العلمانية العقل الغربي إلى حد ~~كبير من الأساطير والأوهام ومن تسلط الكنيسة ودكتاتورية ~~الإقطاع، وأعادت للنشاط الدنيوي اعتباره، ونادت بالإنسان ~~مركزا للكون والسيادة الشعبية، وأسست للحداثة بما هي ms106 تطور ~~للعلوم والتقنيات، وتسخير للطبيعة وإعادة تنظيم المجتمع على ~~أسس عقلية، غير أنها اقترنت بسلبيات أخرى مثل المركزية الغربية ~~ومركزية الدولة واختزال الإنسان في بعد واحد، ولكننا كمسلمين ~~لا نحتاج لهذه العلمانية من أجل تحرر العقول والمجتمعات من ~~الأوهام والتسلط وتقدم العلوم والتقنيات، ففي الإسلام ما يغني ~~عنها وفي شكل أعمق وأوسع.» # 131 # ونختم جملة هذه المواقف بموقف فلسفي في غاية الدقة المنهجية ~~والعلمية، إنه موقف سيد نقيب محمد العطاس في دراسته الموسومة ب ~~«مداخلات فلسفية في الإسلام والعلمانية» وهي دراسة ذات عمق ~~منهجي مقارن بين مرجعيتين حضاريتين: المرجعية الغربية ~~وخلاصاتها الفكرية، والمنهجية، وفلسفتها الوجودية، وبين ~~المرجعية الإسلامية وما أنتجته من رؤى حول العالم، ومنظومات ~~قيمية، ينفي فيها أن تكون المنهجية الغربية قادرة على حل ~~المشكلات الإنسانية بالعمق الفلسفي العلماني نفسه الذي أنتجته، ~~يقول: «ونحن لا نعتقد أبدا أن هذه المزاعم الخاصة بالعلمنة ~~وما يتعلق بتجربة الإنسان الغربي ووعيه ومعتقداته، يمكن أن ~~تكون ممثلة لأوضاعنا أو أن تنطبق عليها؛ ذلك لأن العلمنة التي ~~تتضح حقيقتها جلية عندنا تستخدم في وصف الإنسان الغربي وثقافته ~~وحضارته لا يمكن القبول بصحتها إذا أريد لها أن تكون وصفا ~~لما يحدث في العالم أجمع وللإنسانية كلها (...) إن الإسلام يرفض ~~أن تطبق عليه مفاهيم علماني وعلمنة وعلمانية؛ لأن هذه ~~المفاهيم غريبة عنه، ولا تنطبق عليه البتة. إن هذه المفاهيم ~~تنتمي إلى التاريخ الفكري الأوروبي وهي نتاج طبيعي للتجربة ~~الدينية والوعي الديني للإنسان الغربي.» # 132 # وهكذا «تتأكد وجاهة اعتراضنا بأن المرجعيات التي ~~أقام عليها الغربيون فهمهم وتفسيرهم لشئون الحياة والوجود ~~الإنسانيين لا معول عليها، ولا يمكن قبولها وخاصة ما دام ~~الأمر يتعلق بالدين.» # 133 # ومن أجل ذلك يدعو العطاس إلى تحرير المنهجية المعرفة ~~الإسلامية والإنسانية من تأثيرات المرجعية الغربية العلمانية، ~~ومن مفاهيمها، وخلفياتها. يقول: «لقد واجهت الإنسانية في ~~مسيرتها المضطربة عبر الأجيال تحديات عديدة، إلا أنه لم يكن ~~منها ما هو أكثر خطورة على الإنسان وهدما لحياته من التحدي ~~الذي تمثله الحضارة الغربية. إني لأجازف بالقول إن ms107 التحدي ~~الأكبر الذي يخترق وجودنا في هذا العصر إنما هو تحدي المعرفة، ~~ولكن ليست المعرفة في مقابل الجهل وإنما المعرفة كما تم فهمها ~~وتصورها ونشرها في العالم بواسطة الحضارة الغربية. إنها ~~المعرفة التي أصبحت هي نفسها مسألة مشكلة، إذ إنها قد فقدت ~~غايتها الحقيقية بسبب تصورها غير القويم، بحيث إنها جلبت ~~الفوضى والاضطراب في حياة الإنسان بدل أن تكون سبب أمن وسلام ~~وعدل (...) إنها معرفة جلبت - لأول مرة في التاريخ - الفوضى ~~والاضطراب في مملكات الطبيعة الثلاث، أعني مملكات الحيوان ~~والنبات والجماد» # 134 # بسبب اختياراتها الفلسفية والمنهجية الخاطئة، ~~الكامنة في إبستيمولوجية الفصل بين الإنتاج المعرفي ومنظومة ~~القيم. # الفصل الذي دشنته الفلسفة العلمانية بكل فروعها وتخصصاتها. ~~فلسفة عملت على إسقاط ل «سؤال نشأة الكون ومصدر العالم، ليبرز ~~سؤال: ماذا يفعل الإنسان في العالم؟ وما حدود قدراته؟ وبذلك ~~تهاوى النسق المطلق لصالح السياق الاجتماعي الذي تم تكريس ~~نسبيته ونسبية معاييره. وهكذا تراجعت مفاهيم مثل العار والحياء ~~والانحراف. بسبب غياب أية معيارية، وحل محلها تحقيق الذات». # 135 # خلاصة هذه القراءة - المتعددة المنظورات - انتهت إلى أن ~~مفهوم العلمانية مفهوم ملتبس متعدد الدلالات سواء تعلق الأمر ~~بموطنه الأصلي - الغرب - أو في العالم العربي، بل داخل هذه ~~القراءة قناعة راسخة بإفلاس النموذج العلماني على جميع الصعد. ~~فإن كان هذا النموذج قد ساهم في تحرير العقل الغربي من خرافات ~~الكنيسة، وأطلق خياله في الإبداع، فإنه في المقابل قتل فيه ~~المعنى والقصدية من الحياة وألغى الأسئلة الكلية من حياته، بل ~~ثمة تشديد على ضرورة عودة الدين والقيم إلى التفاعل بين ~~الإنسان وساحة تحركه الفنية والاقتصادية والسياسية ~~والمعرفية. # كما تكشف لنا أيضا عنصر أساسي داخل الفكر العربي المعاصر، ~~هو تناقض مرجعيات هذا الفكر، وهي إحدى العوائق التي عملت على ~~تعميق الهوة بين هذه النخب ومجتمعاتها مما يحفزنا على ضرورة ~~إعادة التفكير العربي المعاصر إلى قواعد الحوار المثمر والنافع ~~حول الإشكالات الحقيقية للأمة، وتسعيرها التسعيرة الحقيقية ~~والواقعية، وفي مستوى التحديات الراهنة، بدل البقاء في أزمنة ~~الغير وإشكالاته المزيفة، والتحلي بالجرأة الكافية ms108 في معانقة ~~هموم الذات، ومراجعة السنوات العجاف التي أنشأها هذا التيار في ~~فكرنا المعاصر. # ثمة ملاحظة جوهرية لا ينبغي أن تحجب عنا، ونحن نعالج إشكال ~~العلمنة في الفكر العربي المعاصر، وهي ضرورة إدراك المسافة بين ~~المفهوم كما هو في الواقع وتمظهراته وتعقيداته، وبين رفض النخب ~~له أو تبنيه، فلا تخلو مجتمعاتنا من مظاهر للعلمنة، فلا الدولة ~~العربية ومؤسساتها علمانية كما ينادي دعاة العلمنة، ولا هي ~~إسلامية كما ينادي دعاة الإسلامية، وهي القضية التي دفعت ~~الجابري إلى استشكال المفهوم على مستوى الواقع العربي بين دعاة ~~العلمنة والأسلمة للدولة العربية على حد سواء، فلا «المطالب ~~بالعلمانية محق في وصفه الدولة العربية القائمة اليوم بأنها ~~غير علمانية، بالمفهوم الأوروبي للكلمة، ولا المطالب بالدولة ~~الإسلامية محق هو الآخر في وصفه للدولة العربية القائمة اليوم ~~بأنها «غير» مسلمة بالمعنى الذي يتصور به الدولة المسلمة، ~~الطرفان محقان فيما ينفيان، ولكنهما غير محقين فيما يثبتان». # 136 # مواقف تعبر كلها عن أزمة حقيقية تعيشها النخب العربية حول ~~شكل ومفهوم الدولة العربية الإسلامية، ساهم فيها الوسيط ~~المرجعي لتيارات الفكر العربي المعاصر ف «التدخل الاستعماري ~~واختراقه المفضوح والقوي للنخب العربية أوقعا مشروع هذه الدولة ~~في أزمة أخلاقية منكرة لم تكن ضرورية جرتها عليها القطائع ~~المتعددة التي أحدثها الاستعمار وآثاره الباقية»، # 137 # بل مشروع النهضة والكيان الحضاري للأمة هو المتضرر ~~الأكبر من عملية الاختراق هذه، وما تزال ضريبته قاسية على ~~الأمة إلى اليوم. # يستبطن واقع الأمة كثيرا من مظاهر العلمنة في وجدانه وطقوسه ~~الدينية، وموقفه مما يجري من الأحداث والتحولات وما يتلقاه من ~~وسائل الإعلام، وما يختزنه من كل ما يرد إليه من السلع ~~والماركات المسجلة، فهو يستبطن ما سماه عبد الوهاب المسيري ~~ب «العلمنة البنيوية الكامنة» التي تتسرب إلينا وتتغلغل في ~~وجداننا دون أي شعور منا من خلال منتجات حضارية يومية وأفكار ~~شائعة وتحولات اجتماعية تبدو كلها بريئة، أو لا علاقة لها ~~بالعلمانية أو الإيمانية، ولكنها في واقع الأمر تخلق جوا ~~خصبا مواتيا لانتشار الرؤية العلمانية الشاملة للكون وتصوغ ~~سلوك ms109 من يتبناها وتوجهه وجهة علمانية». # 138 # هي إذن معركة ثقافية بامتياز ليس في اتجاه النخب، وإنما في ~~اتجاه المجتمع ومؤسساته الحاضن الأقوى لقيم العلمنة رغم بعض ~~مظاهر التدين التي تظهر في سلوكاته، وبعض مواقف الرفض التي ~~يعلنها الشارع العربي ومؤسساته. ~~(3) المبحث الثالث: ملاحظات نقدية حول الاشتغال المنهجي في الفكر ~~العلماني العربي المعاصر # إن الإلغاءات القسرية التي مارسها تيار العلمنة في الفكر العربي ~~المعاصر لا شك أنها أضرت بكثير من قناعات عقل هذا الفكر، وتركت ~~آثارها السلبية على جزء كبير من منظومة التفكير للإنسان العربي ~~المسلم، وشوهت معالمه الثقافية ودفعته في اتجاه التفكيك ~~والتشتيت؛ تفكيك للعروة الوثقى بين الأبعاد المادية والقيمية في ~~سلوكه، وتدمير مركبات الوعي حين حولت الدين إلى دوائر هامشية ~~مستقلة وفي زاوية ضيقة لا علاقة له بصناعة أشكال الوعي ~~المتعددة. # فصل أنتج أيضا قلقا معرفيا شديد الحساسية، انتهى إلى بدء ~~رحلة جديدة في مسار طويل من تاريخ الفكر العربي المعاصر، هي رحلة ~~الهوية الحضارية المتكاملة الأبعاد، جعلته يعيد تقليب الملفات ~~الكبرى التي أرغمته على تلك الرحلة الفاشلة والمتعبة، رحلة الوعي ~~العكسي من الغيرية إلى الذات، إلى الوعي السوي من الذات وأفقها إلى ~~الغيرية وعلاقتها بالذات. ليس هذا فحسب في عالمنا العربي الإسلامي؛ ~~بل في عالم الغرب الذي لم يعد يطيق عوالم متعددة في عالم واحد؛ ~~لهذا فإن مراجعة هذه المدرسة على مستوى مرجعياتها وآلياتها يرينا ~~حجم الدمار الذي تعرض له عقل الفكر العربي الإسلامي، وكذا حجم ~~المعاناة التي عاناها جراء هذا التبني غير الشرعي لفكر الغير ~~واحتضانه. # إن «الخطاب العلماني خطاب حلولي، هو خطاب يؤله الإنسان، وحينما ~~يؤله الإنسان نفسه فإنه يلغيها»، # 139 # وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد لدعاة العلمانية بوحدة ~~الوجود عند كل من الحلاج وابن عربي وأبي حيان التوحيدي، وهي مقدمة ~~العلمانية، حيث تعتبر الإنسان مرجعية ذاته. # ف «التفسيرات الحرفية التي تطابق بين النص القرآني والواقع ~~التاريخي أو الحقائق العلمية تسقط فيما يسمى عصر الربوبية، وهي ~~الدعوة التي ظهرت في القرن الثامن عشر في أوروبا فيما ms110 يسمى عصر ~~العقل والاستنارة، والتي ترى أنه بوسع الإنسان أن يصل إلى حقيقة ~~الكون وإلى منظومات أخلاقية ومعرفية وجمالية دون حاجة لوحي، وإنما ~~من خلال عقله.» # 140 # تسربت هذه الربوبية إلى فكرنا وإلى الدراسات القرآنية ~~المعاصرة من خلال المطابقة بين الوحي والواقع، فيتداخل المطلق مع ~~النسبي دون إدراك للمسافة الطبيعية بينهما، وقد انتشرت التفسيرات ~~الحرفية ذات التوجه العلماني «ثمرة أزمة حضارية تتعلق بمحاولة ~~اللحاق بالغرب وفقدان الثقة بالذات ...» # 141 # فدخل الفكر العربي المعاصر في حالة من التعبد ~~بالمفاهيم والمقولات الغربية؛ أي التماهي معها إلى حد القداسة ~~والتقديس، تقديس الإنسان، هذه الرؤية التي نجد لها أصداء في فلسفة ~~نيتشه حين أعلن «موت الله» وإطلاق شعار «الإنسان الأعلى». # إن إصرار الاتجاه العلماني على إبعاد التصورات ~~الدينية-الإسلامية من حقل الدراسات المعرفية والمنهجية، على ~~اعتبارها من العوائق المانعة للإبداع في الفكر العربي المعاصر وعلى ~~طول التاريخ، استرجاعا لصدى الصراع الذي شهدته الساحة الفكرية ~~الغربية، لتبرير جزء من عجزه الفكري الإبداعي في الساحة العربية ~~المعاصر، إلا أن هذا الإصرار تنقضه الأدلة الواقعية لتاريخ هذا ~~الغرب (النموذج)، كما تنقضه الشواهد والنماذج الفكرية ذات التوجه ~~الديني في التأسيس لإبستيمولوجيا عربية معاصرة بمواصفات منهجية ~~تجمع بين تجربتها الحضارية وأصولها المعرفية والمنهجية، وبين ~~التجربة الإنسانية الغنية دون استلاب من الماضي العربي الإسلامي أو ~~الحاضر الغربي. # إن تفسير الفقر الإبداعي في الفكر العربي المعاصر بالمؤامرة بين ~~أهل السياسية و«رجال الدين» من قبل الاتجاه العلماني يخفي وراءه ~~كثيرا من التناقضات التي يعبر عنها ويحملها مشروعه الفكري، ويعترض ~~أبو يعرب المرزوقي على هذا الادعاء المزيف من خلال تاريخ الغرب ~~نفسه، كاشفا قلق حجج هذا الاتجاه وضعف منطقه التبريري، يقول: «هل ~~يمكن لمن يعلم تاريخ الغرب الحالي من بدايات نهضته إلى الآن أن ~~يجهل الحروب الدينية التي عرفها الغرب؟ لم نعرف حتى واحدا في ~~المئة. هل لنا حرب المئة عام؟ وحرب الثلاثين سنة؟ والحرب بين ~~الكاثوليك والبروتستانت؟ أوليست الحرب الدينية سارية المفعول إلى ~~الآن في موطن الفلسفة الإنجليزية ذاتها؟ كل ذلك لم يمنع ms111 من وجود ~~الإبداع الفلسفي؟ لماذا لم يقل أحد إن هذه الحروب هي بين الظلامية ~~والتنويرية لو كانت التنويرية العربية فعلا تنويرية؟» # 142 # فهذا الجو الذي عاشه الغرب لم يمنع من ظهور مبدعين من حجم ديكارت ~~ونيوتن، ليفضح أوهام الفكر الفلسفي العربي المعاصر التي استند ~~إليها في معركته المنهجية مع التيار البنائي العربي المعاصر، ولعل ~~الثنائيات التي روج لها وبثها في عقل الأمة تمثل قمة هذه ~~الأوهام «الدين» و«الدولة»، «العلم» و«الغيب». # لهذا فإن «فهمنا الفكرين الفلسفي والديني هذا الفهم لم يعد ~~بوسعنا أن نعود إلى الخصومة الساذجة بين عقل بلا نقل ونقل بلا عقل، ~~لكأن معتقدات الفلسفة القديمة والكلام الساذج ما تزال سارية ~~المفعول، ولكأن الفكر العربي المعاصر لم يسمع بالثورة التي حدثت في ~~إبستيمولوجيا العلوم الطبيعية من خلال ما وجهته إليها ~~إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية منذ نهايات القرن التاسع عشر، بل ~~وحتى (إبستيمولوجيا) الفنون الأدبية والجماليات منذ النصف الثاني ~~من القرن العشرين ...» # 143 # كأن الغرب - يقول المسيري - لم يشهد تداخل الديني ~~والزمني. # إن الاتجاهات النقدية التي ظهرت في الغرب واستطاعت أن تؤسس ~~لإبستيمولوجيا معاصرة هي اتجاهات دينية، فالثورة التي شهدتها ~~العلوم الإنسانية والتي دشنها كثير من الفلاسفة الرافضين للوحدة ~~المنهجية بين العلوم الطبيعية والإنسانية، إنما منطلقها الاعتقاد ~~الديني الذي يرى صعوبة المماثلة بين الظاهرة المادية الصرفة، ~~والظاهرة الإنسانية المعقدة في تركيبها النفسي والاجتماعي. وتمس ~~قضايا هذا المبحث قضية المفاهيم والمرجعية في مشروع أركون. ~~(3-1) على مستوى المفاهيم # إن القارئ لمشروع أركون يقف عند شبكة من المفاهيم السائبة ~~السيالة التي يستعملها في كثير من الأحيان، ليس لبناء نسق ~~معرفي متكامل الأركان، إنما كل مسعاه التشكيك في الأصول، ~~والمرجعيات المرتبطة بالذات، والاتجاه نحو المرجعيات المغايرة؛ ~~لهذا يقع «المشروع الأركوني في فخ المشاريع اليتوبية التي ~~تعتقد بأنها أقدر من غيرها على تحرير العقول من أسر الفكر ~~المنغلق، وبأنها تملك الحقيقة التي بها يتم فعل التحرير ~~والتجاوز. فمشروعه في المحصلة لا يعدو أن يكون وهما من أوهام ~~الحداثة التي فضح المشروع التفكيكي زيفها وبطلان دعواها.» ms112 # 144 # بل «أضحى جليا (...) أن الخطاب الأركوني مسكون بهاجس التحرير ~~والتبشير؛ الأمر الذي جعله يتناقض مع ما يروم تحقيقه، وكأني به ~~يعيد ما حاول «مارتن لوثر» فعله، في محاولة لتجديد العقل ~~اللاهوتي الغربي، فهو إن نهج العلمية في نقد العقل المعياري ~~فإنه لم يبرح أرض هذا العقل، أي العقل الدوغمائي؛ لأن العقل ~~النقدي يرفض النعوت والتسمية والنمذجة، وهو ما يفتقر إليه خطاب أركون». # 145 # إن «المتأمل في آليات المنهج الأركوني يجد أنه يتبنى التفكيك ~~استراتيجية لنقد هذا العقل، والتفكيك - كما هو معروف - مشروع ~~نقدي جاء لتصحيح مسار الحداثة وإعادة الاعتبار لخطاب الاختلاف ~~وثقافة المغايرة، # 146 # وذلك بتقويض كل الخطابات المركزية التي تدعي ~~امتلاك الحقيقة، والحفر فيما سكت عنه بفعل الحضور؛ أي إبراز ~~اللامعقول واللامفكر فيه.» # 147 # فالعدة المنهجية التي راهن عليها أركون في ~~قراءة العقل العربي الإسلامي والحفر في تراثه هي منهجية نسبية ~~احتمالية في مفاهيمها وسياقاتها وبراهينها، إذ ليست كل منهجية ~~مستحدثة علمية استدلالية برهانية. # ما استحدثه الغرب من مناهج ارتبط بفترات من تاريخه الحديث ~~والمعاصر، سياقات تكشف عن أيديولوجياتها وفهمها الوهمي ~~والمغلوط والمشوه لكثير من الأنساق المعرفية والحضارية - ~~الأنثروبولوجيا - على سبيل المثال لا الحصر - فجدير ب «القراءة ~~العلمية أن تخلق فضاءها البرهاني الذي يكون عنوان مسيرتها في ~~البحث عن حقائق الأشياء، هي القراءة التي تولد أدواتها ~~وتثبت قدرتها على مجابهة القراءات المعادية لها، أما تلك التي ~~تركب العلمية متهمة الخطابات المناهضة - تراثية كانت أم ~~معاصرة - بالمعيارية والدوغمائية والأرثوذوكسية، ثم ترتد على ~~عقبيها وتنحو المنحى نفسه، فتتحول إلى دوغمائية جديدة أشد ~~ضراوة، وأبلغ مذهبية، لهي زائفة ومخاتلة تزيد من غربة العقل ~~العربي في التمرد على ثوابته، والوقوع فريسة العقل الغربي». # 148 # فدعاوى التأويلية في الفكر العربي المعاصر هي «دعاوى في ~~المحصلة، قتل للذات المؤولة في العقل العربي، وحبس لأنظمة ~~الثقافة العربية الإسلامية في سجن الثقافة الغربية التي ترى ~~نفسها المركز الذي يملك المعرفة الخالصة والتفكير العلمي ~~الموضوعي، أما غيره فهامش وأطراف، بل المتخلف الوحشي، هو الشرق ~~السحر، الأسطورة والخرافة، ms113 التي يجد فيها فضاء للتجريب وإثبات ~~«نظرية المخيال» كرؤية نقدية تنظر إلى الآخر - الشرق من الخارج ~~ضمن ما عرف بالدراسات الاستشراقية»، # 149 # رغم إعلانه الرفض لهذا النوع من الدراسات التي ~~هيمنت على حقل الثقافة العربية الإسلامية في كل مراحلها، إلا ~~أن هذا الإعلان سرعان ما ينهار أمام ضغط الأيديولوجية، ليتجه ~~نحو تجديد آليات التحليل الاستشراقي في سياق علمنة الفكر ~~النقدي العربي. # إن الخروج من الأوهام المنهجية لعقل الفكر العربي المعاصر لا ~~يتأتى بالانخراط غير الواعي في فكر الغير، ونقل معاركه إلى ~~ساحتنا المعاصرة والانشغال بها، إنما الخروج يتأتى من خلال ~~وعي الذات وما تملك من قدرات وطاقات فاعلة، وتجاوز القراءات ~~الأيديولوجية الاستهلاكية الباحثة عن الدليل لاعتقاداتها، وهي ~~القراءات التأويلية المدرسية التي أفسدت المعنى، وأصلت ~~للفوضى واللامعنى في التأويل، قديما وحديثا، فتأويلية أركون ~~تأويلية اللامعنى وتشتيت الذات والموضوع معا. # لهذا جاء جهده مشتتا بين «غايات لا يمكن حصرها أو تحقيقها، ~~فهو خطاب يعمل على إقحام العلمية الموضوعية في فضاء الدين ~~الإسلامي، الذي يعتقد أنه يسيطر بدوغمائيته لإنشاء تيولوجيا ~~جديدة تحت ستار مشروع «سيميائية اللغة الدينية» كهاجس معرفي ~~يرمي من خلاله المشروع الأركوني إلى المحافظة على السلطة ~~الرمزية لهذا الدين، وهو ما يجعله يناهض طروحاته العلمية التي ~~ترفض المتعالي والمقدس والمطلق مثلما يتأبى الخطاب القرآني ~~في جوانب كثيرة منه على الصرامة الموضوعية.» # 150 # يعبر المنحى الذي سار عليه أركون في مشروع نقد العقل ~~الإسلامي عن أزمة العقل العربي المعاصر في علاقته مع خلاصات ~~العقل الغربي، ويعبر عن سوء تدبير لطبيعة العلاقة التي ~~ينبغي أن تسود بين خلاصات التجربتين: تجربة العقل الغربي ~~وتجربة العقل الإسلامي بين ثوابتهما ومتغيراتهما، فطريقة ~~القياس على العقلانية الغربية ومنهجياتها، والإصرار على تبني ~~شاكلتها الثقافية «لا تبني نظاما معرفيا، ولا تقود إلى ~~تشكيل وعي شمولي حول ثقافة المجتمع العربي ولا حول ثقافة ~~الغرب؛ وبالتالي فهي لا يمكن أن تقود إلى نقد أي من النظامين ~~أو دراستهما دراسة مقارنة. إنها تفكك النظامين وتتركهما دون ~~إعادة تركيب»؛ # 151 # لهذا فإن القياس ms114 الحضاري وعي منهزم. # يمثل محمد أركون في الفكر العربي المعاصر أحد الاتجاهات ~~التمجيدية والتبجيلية لفكر الحداثة ومنجزاتها، ويدعو إلى ~~الانخراط غير المشروط في أدواتها وتجاوز الماضي العربي وتراثه ومنطلقاته، # 152 # ومصطلحاته ولغته؛ لأنها غير قادرة على المواكبة، ~~ومرتبطة بنص (الوحي) مما يعوق عملية الإبداع عكس اللغات ~~الأوروبية. # فعمل على إنزال - كما قلنا - كل السلالات المفاهيمية للحداثة ~~لافتضاض العقل الإسلامي، وتخريب ثوابته والتشكيك فيها، ~~وزحزحتها؛ لهذا كانت واحدة من الثغرات المنهجية في هذا ~~المشروع؛ عجزه عن صياغة مفهوم نقدي عربي قادر على قراءة مشكلات ~~الفكر العربي المعاصر، مما يجعل أركون عبارة عن «تقني يطبق ~~وينفذ المناهج الغربية على التراث العربي الإسلامي»، # 153 # دون إخضاعها للمساءلة والنقد، وهو قادر على ذلك - ~~لو أراد - في صرامة متناهية، لكن الانبهار بالحداثة والتقليد ~~المرذول حال دون هذه العملية، وكان موقفه - كما جميع ~~الحداثيين العرب - أكثر ضعفا من المواقف التي وصفها ~~بالأرثوذكسية والسلفية؛ لأنه فشل في تقديم بديل أو بدائل ~~مقنعة. # وقد كان هذا الموقف يلازمه في كل خطوات بحثه، من أن المناخ ~~الثقافي العربي غير مستعد لقبول هذه الأطروحات، وإن كان كمال ~~عبد اللطيف ذهب عكس ما قلناه، حين أكد أن أركون على المستوى ~~المنهجي كان أشد حرصا على «التجديد المنهجي في المقاربة ~~والمعالجة، وعلى كتابة مقالات ذات طابع منهجي صرف، أكثر مما ~~نلاحظ وقوفه على نتائج وخلاصات نهائية»، # 154 # لكن هذا الحرص المنهجي بقي محدودا في عطائه، ~~وملتزما بمجال غير مجال الفكر العربي الإسلامي بعيدا عن ~~اهتماماته وانشغالاته؛ ولهذا يعاب على أركون - كما يقول ~~الجابري - هروبه إلى الأمام وغموضه على مستوى الرؤية والمآلات ~~من خلال تأسيسه لعلاقة تنافر وعداء مع أصول الثقافة العربية ~~الإسلامية. # فإذا كان كمال عبد اللطيف يرى في جهوده تأصيلا منهجيا ~~ومساهمة في تأسيس مقالة قوية في المنهج # 155 # من خلال محاولاته تفكيك أصول التراث بالنقد ~~والتحليل والهدم، فإننا نرى أن التأصيل المنهجي لا يكون ~~باستعارة أدوات خارجية ومخاصمة للأدوات التي أنتجتها هذه ~~الثقافة؛ ولهذا لا اعتبار للخلاصات التي انتهى إليها ms115 كمال عبد ~~اللطيف إلا من باب التسويق لهذا النموذج، ومحاولة تبديد الجهود ~~واستغفال العقول، فالتأمل في الأدوات التي اشتغل عليها أركون ~~لا يعدو أن يكون تكرارا لما ألفه تاريخ الفكر الإسلامي في ~~الدراسات الاستشراقية من نصب العداء لهذه الثقافة وتحنيط ~~لمقوماتها وتحييدها عن جهود البناء والمعركة الحضارية التي ~~تخوضها الأمة، إذ لا مجال للتحديث والتجديد إلا من داخل أصولنا ~~ومرجعيتنا الفكرية، مع الانفتاح الواعي والناضج على الآخر ~~الإنساني - لا الغرب وحده. # صحيح أن أركون اجتهد على مستوى المنجزات النظرية، وتعامل ~~مع المدارس المنهجية الفكرية الغربية تعاملا يوحي بهضمه لهذه ~~الآليات، وهو الذي اشتغل أزيد من ثلاثين سنة في السوربون ~~باحثا ومنظرا حتى لقب برائد ومجدد الفكر الإسلامي، لكن ~~جهوده النقدية اتجهت - للأسف - ليس إلى البناء كما روج له ~~بعض المعجبين به، # 156 # وإنما كان غرضه التفكيك؛ تفكيك آليات العقل ~~الإسلامي على غرار التجربة الغربية التي انخرط في مشروعها منذ ~~هايدغر مرورا بدريدا الذي طور آليات العبث والتبديد للمدرسة ~~التفكيكية في جو غير جو المجتمع الفرنسي الرافض لهذا النوع من ~~المغامرة في تبديد معطيات الثقافة الفرنسية وأسس ثورتها، فإذا ~~«فشل البنيويون في تحقيق المعنى، فإن التفكيكيين نجحوا في ~~تحقيق اللامعنى، ورفضوا كل شيء ولم يقدموا بديلا أو بدائل مقنعة»، # 157 # فسار الخطاب النقدي العربي الحداثي مسير نظيره ~~الغربي شكلا ومضمونا، ويستخدمون المصطلح النقدي الغربي بكل ~~دلالته، وهو مشبع بتصورات الفلسفة الغربية، ومتحيز ~~لمركزيته ف «يصلون إلى نفس النتائج التي توصلت إليها الحداثة ~~الغربية في تعاملها مع النصوص: فلا نص ولا دلالة ثابتة، لا ~~تفسير نهائي للنص، لا تفسير مفضل أو موثوق به، كل القراءات ~~إساءة قراءات ...» # 158 # هكذا «فشل النقاد الحداثيون في بحث مصطلح نقدي خاص بهم، ~~تمتد جذوره في واقعنا الثقافي العربي، وفي تنقية المصطلح ~~الوافد من عوالقه الثقافية الغربية، وعن مناخه الفكري ~~والاجتماعي والسياسي، الذي أنتجه (...) وهنا تكمن الأزمة ~~الحقيقية للنقاد الحداثيين العرب»، # 159 # كما يؤدي نقل هذا المصطلح إلى إحداث فوضى واضطراب ~~في حقله الثقافي التداولي الثاني و«يتعارض ms116 أحيانا مع القيم ~~المعرفية التي طورها الفكر العربي المختلف». # 160 # وقد دخل الاتجاه الحداثي عندنا في متاهات مفاهيمية وفي كثير ~~من الأحيان مفاهيم سمتها الأساسية الغموض وإشارات شديدة ~~التعقيد، في الوقت الذي يمكن فيه التعبير عن كل هذه الالتواءات ~~بأبسط العبارات وأبلغها # 161 # حين أغرقونا بمقولات منقولة ومحرفة لسنوات لا نكاد ~~نرى فيها الحقائق كما هي إلا من خلال مراياهم. ~~(3-2) على مستوى المرجعية # ثمة حقيقة مؤلمة في الفكر الحداثي العربي تعبر عن جوهر ~~الأزمة المرجعية الحداثية العربية هي «ازدواجية الولاء، التي ~~تفسرها عملية الانشطار الدائمة والتناقضات القائمة والمستمرة ~~عند الحداثيين العرب الذين يضعون قدما في المشرق العربي ~~وقدما في الغرب الأوروبي والأمريكي»، # 162 # فيعيشون «حالات التأرجح بين ادعاء الأصالة وإنشاء ~~حداثة عربية، تختلف عن الحداثة الغربية في مقولاتها ومصطلحها ~~النقدي، في الوقت الذي تكشف فيه كتاباتهم بصفة مستمرة عن ~~تأثرهم الواضح - إن لم يكن نقلهم الصريح - عن الحداثة بمفهومها الغربي.» # 163 # الهروب من الماضي العربي لا يفسره إلا السقوط ~~المريب والمخزي في الماضي الغربي، فهم في كلتا الحالتين ~~ماضويون. # وهذه أخطر حالات الاغتراب، فكان أمرهم عجيبا؛ فهم يدعون إلى ~~«الانقطاع عن تراثهم، ويمجدون تراث غيرهم، وتهربا من مواجهة ~~حاضرهم أو ماضيهم ينتقدونه جملة وتفصيلا لتبرير اتباع حاضر ~~غيرهم، فالحداثة تعني عندهم انقطاعا عن الماضي إذا كان هذا ~~الماضي هو ماضي الذات العربية، أما إذا كان ماضي الغرب فهي ~~اتصال واستمرار وثيقان، هما آفتان خطيرتان تلازمان هذا الفكر: ~~آفة الانقطاع وآفة الاتصال»، # 164 # مما يجعل الدعوة إلى الانخراط في التراث وحل ~~مشكلات المجتمع العربي دعوى فارغة من محتواها، وغير ذات موضوع ~~في الخطاب الحداثي. # وبفعل الغفلة والتغافل عن الشروط الذاتية لاستنبات الحداثة ~~وتأصيلها ساد الاضطراب المنهجي والازدواجية في كل المشاريع ~~الفكرية التي قاربت مشكلة التأخر والتخلف العربي الإسلامي. ~~وهكذا لم يتمكن «الحداثيون العرب من بلورة مفاهيم وأطر فكرية ~~وثقافية لتطلعهم الفكري والسياسي بعيدا عن النموذج الغربي، ~~وانحصرت جل أطروحاتهم ومشاريعهم في تمثل التجربة الغربية، ~~واعتبر بعضهم (...) أن التغريب شرط ضروري ms117 لا بد منه للتحديث»، # 165 # وكتابات أركون وعبد الله العروي لا تخرج عن هذا ~~السياق، بل أكثرها دعوة لتسليم الأمة إلى رياح التغريب وتخريب ~~المناعات الذاتية لها. # إن عملية «التحديث كعملية مجتمعية ليست مرتبطة بمركز الغرب ~~ومحوريته بشكل عفوي وكامل، فهو ليس وحده الذي وصل إلى مستوى ~~متقدم من التحديث، فالكثير من الشعوب، قديما وحديثا وصلت إلى ~~مستوى متطور من الحداثة والتحديث بعيدا عن مركزية الغرب ~~ونمطه الحداثي»، # 166 # لكن رغم ذلك بقي التعميم السمة الغالبة لهذه ~~الكتابات لنموذج معرفي محكوم بظروف داخلية وتاريخية غير قابلة ~~للتكرار، وبهذا فإن مفتاح الحداثة عندنا ليس على هذه الشاكلة، ~~وإنما من خلال «استنفار الجهود العقلية والعلمية الذاتية في ~~اتجاه التطوير والنهضة، وكل تحديث لا ينطلق من الذات ~~بإمكاناتها وآفاقها سيتحول إلى مشروع يناقض الحداثة.» # 167 # فنحن لسنا ضد الحداثة كما يتوهم البعض، بل نحن في أمس ~~الحاجة إلى حداثة، لكنها حداثة «تهز الجهود وتدمر التخلف ~~وتحقق الاستنارة، لكنها يجب أن تكون حداثتنا نحن، وليست نسخة ~~شائهة من الحداثة الغربية»، # 168 # وهو التوجه الذي نجده عند التيار البنائي في الفكر ~~العربي الإسلامي المعاصر، الذي يرى ضرورة التأسيس الداخلي ~~والنقد للفكر الحداثي كما نشأ في الغرب، فنحن «لا نستطيع أن ~~نصنع التاريخ بتقليد خطى الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، ~~بل بأن نفتح دروبا جديدة (...) كما لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا ~~بأفكار أصيلة تستجيب لسائر المشكلات على الصعيد الأخلاقي، أو ~~على صعيد الأفكار الفعالة؛ لتجابه مشكلات التطور في مجتمع ~~يعيد بناء نفسه.» # 169 # فبدل أن يتصدى هذا التيار لمشكلات الأمة من خلال الإطار ~~العقدي والحضاري، الذي تكونت فيه عبر تاريخها، نجده يتجه ~~كليا وفق نمطية استلابية لهذا الوافد الفكري، الذي لم يستطع ~~معه أن يقدم لواقع الأمة خطابا موضوعيا وإيجابيا عن الآخر ~~وعن الذات. فظلت مشكلتهم - كما يقول ابن نبي - هي الخلط بين ~~«أمرين: الانفتاح الكامل على كل رياح الفكر وبين تسليم القلعة ~~للمهاجمين كما يفعل الجيش الخائن، فهؤلاء مردوا بإدمان على ~~تقليد الآخرين؛ ms118 ليس لديهم أي مفهوم عن ابتكار هذا الغير، ولا ~~عن دوافع هذا الابتكار وعن تكاليفه في جميع المجالات التي ~~يقلدونهم فيها، وكان الأجدر بهم أن يبتكروا هم أنفسهم وفق ~~دوافعهم الخاصة بدل أن يقلدوا.» # 170 # ف «إذا صح أن الواقع الحداثي الغربي (...) يتميز بقطع الصلة ~~بكل ماض وقديم، صح معه أيضا أنه يفتح آفاقا مستقبلية، ويطرق ~~أبوابا جديدة لا يمكن أن يتطلع إليها من يبقى متمسكا بما مضى ~~وما قدم، ومن هنا يكون هذا الواقع الحداثي ممارسة إبداعية ~~مستمرة وشاملة، ولو أنها ممارسة إبداعية تخص أهل الغرب، ولا ~~تلزم غيرهم من الأمم، وإذا نحن تأملنا هذه القراءات - يقصد ~~القراءات الحداثية للوحي - في ضوء هذه الحقيقة تبين لنا أن ~~أصحابها لم يمارسوا فيها الفعل الحداثي في إبداعيته، ولا ~~انطلقوا فيه من خصوصية تاريخهم، بقدر ما أعادوا إنتاج الفعل ~~الحداثي كما حصل في تاريخ غيرهم مقلدين أطواره وأدواره، ~~ويتجلى هذا التقليد في كون خططهم الثلاث # 171 # المستمدة من واقع الصراع، الذي خاضه «الأنواريون» ~~في أوروبا مع رجال الكنيسة، والذي أفضى بهم إلى تقرير مبادئ ~~ثلاثة أنزلت منزلة قوام الواقع الحداثي الغربي.» # 172 # وهذه المبادئ الثلاثة هي: ~~(1) # الاشتغال بالإنسان وترك الاشتغال بالإله. ~~(2) # التوسل بالعقل وترك الوحي. ~~(3) # التعلق بالدنيا وترك التعلق بالآخرة. # وإذا دققنا - يقول الكاتب - في الخطط التي اتبعها أهل ~~القراءة الحداثية في الفكر العربي المعاصر، وجدناها مأخوذة من ~~هذه المبادئ الضابطة للواقع الغربي، مع ما في هذا الإنزال من ~~«عيوب منهجية صريحة تفقد التحليلات الحاصلة قيمتها، كما تفقد ~~النتائج المتوصل إليها مصداقيتها»، # 173 # فالمنهجيات والنظريات التي وظفت في دراسة الوحي ~~وفق الخطط الثلاثة «فخطة التأنيس اختصت عندهم بنقل الوحي من ~~وضعه الإلهي إلى الوضع البشري قاصدة إلغاء القدسية منه، فصارت ~~على تقرير المماثلة اللغوية بين القرآن وغيره من النصوص ~~البشرية، كما اختصت خطة التعقيل بالتعامل مع الآيات القرآنية ~~بجميع المنهجيات والنظريات الحديثة، قاصدة إلغاء الغيبية منها، ~~فانتهت إلى تقرير المماثلة الدينية بين القرآن وسواه من النصوص ~~الدينية، واختصت خطة التأريخ بوصل الآيات ms119 القرآنية بظروفها ~~وسياقاتها المختلفة، قاصدة إلغاء الحكمية فيها.» # 174 # ولعل هذه الخطة تنطبق على الآليات المنهجية التي اشتغل عليها ~~أركون من خلال المنهجيات التي ذكرناها من المنهجية الألسنية ~~والتاريخية والأنثروبولوجية الدينية والزحزحة والمنهجية ~~التفكيكية. # هكذا ظلت انشغالات أركون خارج انشغالات الذات وهمومها، مما ~~جعل مفكرا في مستوى الجابري يطرح مشكلة الإبداع وأزمته في ~~الفكر العربي المعاصر، لكن مدخل تحليل الأزمة لم يكن ~~موفقا، إذ انتهى إلى أن أزمة هذا الفكر في ارتباطه بنموذج ~~- هو نموذج السلف - وبآلياته الذهنية. # 175 # ليست الأزمة في الارتباط بهذا النموذج، كما ليس منطلقها عدم ~~الانفتاح على الآخر، بل العكس؛ هذا الانفتاح غير المعقلن وغير ~~المنضبط والراشد هو الذي أضر بعملية الإبداع وعمق الأزمة، ~~بل إن «عمليات الإبداع والتطور في كل المجتمعات الإنسانية كانت ~~وليدة ظروف التفاعل المنطلق مع منهج الذات الحضارية (...) فلا ~~إبداع معرفي واجتماعي وثقافي في إطار التقليد والجمود، كما لا ~~يتم - أي الإبداع - في إطار الانسلاخ والاستلاب والقطيعة ~~التامة والشاملة مع الذاكرة الحضارية للأمة». # 176 # لنخرج إذن من عقدة التقليد والنقل الأعمى ومن الإصرار على ~~مركزية الغرب، بل «يمكن القول إن الذين يعيشون في الهامش وحدهم ~~هم الذين ما زالوا يعتقدون - لفرط إحباطهم وحرمانهم - أن ~~الاتصال بالحضارة والوصول إلى سعادتها مرتبط بتقليد الغرب أو ~~الذهاب إليه في الوقت الذي أصبح يسد عليهم في الداخل وعلى ~~الصعيد العالمي كل الأبواب للنفوذ بالفعل إلى ثمار هذه الحضارة.» # 177 # هكذا عبرت الاتجاهات التغريبية - العلمانية - عن شكل من ~~أشكال احتضان القيم الثقافية الغربية، وعن وعي سياسي زائف ~~وضعها خارج اهتمامات الشعوب، وركبت مركبة الأنظمة وسارت معها ~~«ويكفي أن نقارن في ذلك خريف الفكر العلماني وهامشيته في الفكر ~~العربي والإسلامي المعاصر، بالرجوع إلى بداية تشكل وظهور ~~مجموعة من النخب التي تبنت الأنماط الإصلاحية للمجتمع ~~العربي، وكيف أن العزل والتهميش رافقها منذ البداية، وأن القوة ~~والإشعاع اللذين كانت تتمتع بهما في بداية ظهورها قد تحللا على ~~الهامش التاريخي لأحداث الأمة وتطوراتها تماما، كما كان ~~موقعها، بل حتى التي تحملت ms120 فيها مسئوليات الحكم في فترات ~~لاحقة، لم تستطع تثبيت نفسها أمام الرفض الشعبي إلا بواسطة ~~القهر والغلبة والنفوذ السلطوي الاستبدادي.» # 178 # فتحولت هذه الأيديولوجية - كما يقول برهان غليون - إلى ~~عقائدية من نوع وطبيعة عقائديات القرون الوسطى، وإلى علموية ~~جافة منحطة، احتلت الموقع الذي كان يحتله نظام المعرفة الوسطوي ~~النص اللاهوتي ، # 179 # وبقاء النظام المعرفي لهذه النخبة متعاليا، ~~وطبيعة العلاقة بينها وبين الأمة متباعدة، وهو الاتجاه الذي ~~أكده منير شفيق حين فرق بين النخبة الغربية والنخبة ~~العربية المتغربة، يقول: «إن النخبة في الغرب ابنة تجربته ~~وحضارته، وهي وإن نزلت لفئاته الشعبية من خارجها إلا أنه نزول ~~من فئات أعلى تنتسب إلى المجتمع نفسه وإلى الحضارة نفسها. أما ~~النخبة المتغربة فسمتها أنها هبطت من خارج المجتمع إلى فئاته ~~الشعبية، وهذا ما أخرجها من الدائرة الحضارية كليا قبل أن ~~تناقش نخبويتها بالنسبة إلى الفئات الكادحة، وإن هذا الفرق بين ~~النخبة في الغرب والنخبة عندنا فرق جوهري وأساسي؛ ولهذا فقدت ~~«نخبتنا» الهوية التي احتفظت بها الجماهير، مما يشكل المصدر ~~لأزمة عميقة، والمنبع الأول لأخطاء النخبة وعجزها؛ الأمر الذي ~~فرض العودة إلى طرح موضوع الهوية، وإعطائه الأولوية.» # 180 # يبقى موضوع الهوية الحضارية واحدا من الشواغل ~~الأساسية في العودة إلى الذات، والقدرة على القبض على المشكلات ~~الحقيقية للأمة بمفاهيمها ومناهجها. # يبقى مشروع أركون واحدا من المشاريع الفكرية العلمانية في ~~الفكر العربي المعاصر، التي لم تستطع أن تحدث خلخلة في بنية ~~الذات العربية بالشكل الإيجابي، وقوبل في كثير من الأحيان ~~بالرفض المطلق ليس في العالم العربي فحسب؛ بل في الغرب أيضا، ~~حين حاول أن يتجرأ على الفكر الفرنسي، ويمارس النقد «العلمي» ~~فاتهم بالأصولي المتزمت، إذ لم تشفع له سنوات الانتماء لهذا ~~الفكر من التهمة بالأصولية، وهي الفرضية التي تؤكد أن الولاء ~~للغرب خدعة انطلت على نخبنا الفكرية، فهم كاسحات ألغام ليس ~~إلا، وهي الاعترافات التي عبر عنها أركون نفسه عندما امتلك ~~الجرأة في نقد الفكر الفرنسي، اتهم بالأصولي المسلم ~~المتزمت. # مشروع بنى ذاته على صيغ مفاهيمية غير ms121 قابلة للتواصل مع ~~تيارات الفكر العربي والإسلامي، ولا تشجع على التفاهم، صيغ ~~سالبة احتقارية للذات، والعقل العربي الإسلامي من خلال استعارة ~~مفاهيم من الحقل المعرفي الغربي مثل الأوصاف التي وصف بها هذه ~~الذات: «الوثوقية - اللاهوتية - العدوانية - الخرافية - ~~الدوغمائية - الأرثوذكسية - الانغلاقية ...» كما يفتقر مشروعه ~~إلى نوع من الذكاء المنهجي والمعرفي؛ إذ اتجه مباشرة إلى إعلان ~~الحرب على المقدسات وتخريبها، عكس الجابري، الذي احتاط لهذا ~~الأمر وعقد مع الإسلام علاقة ود واحترام وتقدير، بل أعاد ~~تنظيم مشروعه على أساس العلاقة معه # 181 # وفق تصوراته، المهم عنده هو عدم إثارة ~~الحساسيات، وتجنب الدخول في مربع الخداع الذي دخل فيه أركون ~~والتيارات «الحداثية» التغريبية، وأنجزت قطيعة كلية مع ~~هوية الأمة. # وأعتقد أن هذا النوع من المشاريع لم يعد قادرا على ~~التفاعل مع الذات مهما حاولت الانتساب إليها، خصوصا بعد ~~التحولات النسبية لبعض رموز هذا التيار نحو الهوية الحضارية ~~للأمة ومحدداتها المنهجية والفكرية ومفاهيمها، وكذا ~~التحولات التي تشهدها المنطقة، وعودة الدين إلى الحياة. # إن إبداع الأمة وعطاءها المأمول والمنشود لن يكون إلا من ~~خلال إطارها العقدي والحضاري، وكل خروج عن هذا الإطار ضياع ~~للجهد وضلال منهجي، ف «نموذج المجتمع العربي الإسلامي يختلف ~~اختلافا بينا وجوهريا عن نماذج المجتمعات التي عرفتها ~~أوروبا، فهذا يجعل منذ البداية عملية تطبيق مناهج الغرب على ~~تحليل المجتمعات العربية الإسلامية نهجا غير علمي وانحرافا ~~عن سواء السبيل. # لا ينفصل المنهج العلمي عما يحمل من مفاهيم ومعايير ونماذج ~~مجتمعية، كما أن الذي يقرر علمية نتائج أي بحث هو مدى رؤيتها ~~للأشياء كما هي، ومدى دفعها إلى أخذ موقف صحيح إلى جانب ما ~~هو حق وضد ما هو باطل، لا انتسابها إلى هذا المنهج أو ذاك من ~~المناهج الغربية التي تدعي احتكار العلمية»، # 182 # كما «أخفق المشروع العلماني في تحقيق أهدافه ~~المعلنة، رغم الجهود التي رفدته، ورغم تعدد أسباب الإخفاق، ~~فإن العامل الحاسم يكمن في إصرار النخبة العلمانية على فرض ~~مشروعها التحديثي وإقحام الثقافة وأساليب الحياة الغربية في ~~الممارسات المحلية باستخدام الإرغام والقوة ms122 (...) وعجزها عن ~~إدراك حقيقة أساسية وهامة، وهي أن محرك التغيير والتجديد يرتكز ~~في التحليل الأخير على الجوانب النفسية والثقافية للمجتمع، وهي ~~جوانب لا يمكن التأثير فيها إلا من خلال الحوار الحر الهادف ~~إلى إقناع الجمهور بقيمة وصواب الأفكار والممارسات المقترحة، ~~لا من خلال الإكراه والترويع.» # 183 # ف «في الواقع، مهما كانت الخلافات بين الأيديولوجيات ~~المتعددة المستدخلة وتلاوينها، فإنها في العمق تبقى دائما ~~مستنسخة عن مفاهيم ومعايير تاريخ وهوية المركزية الغربية، ~~ومن خلالها تفسر وتؤول وتحاكم مفاهيم ومعايير السكان المحليين.» # 184 # هكذا أعد هذا الاتجاه كفنه بيده، ومنطق التاريخ يخبرنا أن ~~الأمم لا تنطلق في نهوضها من أفكار الآخرين واعتقاداتهم، فإن ~~حدث فبمقدار، ويأتي في المرتبة التالية. وإنما من رأسمالها ~~الذاتي (نموذج ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، اليابان، ~~المنطقة الآسيوية)، كما أن منطق الطب الشرعي يخبرنا أن استعارة ~~الأرحام مخالف للفطرة وللموجهات المنهجية للأمة، فلا إنجاب ~~خارج الرحم الأصلي، وإلا فقد الجنين معادلاته الاجتماعية ~~والنفسية والعاطفية وانتماءه للوطن، فلكل أمة حواملها الفكرية ~~والمنهجية والثقافية. # ف «استرفاد الحداثة وجلب مناهجها التأويلية ليس كافيا ~~للارتقاء بالقراءة إلى أفق الإبداع، ومرتبة البرهانية؛ بل لا ~~بد من إعادة الصوغ والعجن، وإضفاء الوسم الذاتي على فتوحات ~~العلم الحديث من خلال السبر والكشف والحدس المتبصر، فيستقل ~~الباحث بلغته، ويجدد في أداته، ويفتح لنفسه مجال حرث مبتكر» # 185 # وجديد، وهو الاعتقاد السائد بين الباحثين. # الحاجة إلى الأدوات التحليلية والمناهج المعرفية لا تبرر ~~التقديس الأعمى لها، بل قد نشأت عبر محاولات الفهم والتجربة ~~والخصوصية والخطأ، وطرأ عليها طارئ التغيير والتبديل، الحذف ~~والتعديل، وهو ما تؤكده كثير من التجارب البحثية، و«تظل كفاءة ~~هذه المناهج مرهونة بعدة شروط، أهمها: تماثل الظاهرة والظروف ~~المحيطة بها مع الظواهر التي نشأت تلك الأدوات لدراستها، فإذا ~~تغيرت تلك العوامل أصبحت الوسائل قاصرة عن الوفاء بغايتها ~~ووجب التدخل فيها بالتعديل والتطوير أو الاستعانة بأدوات ~~مكملة، بل إن تلك الوسائل قد تهجر لأسباب لا علاقة لها ~~بكفاءتها، بل بشيوع فلسفة عامة أو رؤى ومفاهيم مغايرة للعالم ~~من ms123 قبل نخب علمية ناشئة.» # 186 # إن ما كتبه محمد أركون عن الفكر والمعرفة والمنهج في الثقافة ~~العربية المعاصرة لم يحرر العقل العربي في الاتجاه الذي خطط ~~له، بل انعكس ذلك سلبا على هذا العقل حين أسس لردة فعل ~~سلبية تجاه ما بذله من الجهد، في الوقت الذي كان ينبغي أن ينتج ~~أكثر لو وعى بنية هذا العقل الثابتة والمتغيرة، ومقاصده ~~وخصوصية مناهجه، إلا أن الاختيار الأيديولوجي-المعرفي لأركون ~~حرمه من الامتداد في ثقافة الأمة، كما حرم اتجاهات أخرى ذات ~~المنحى التفكيكي السلبي. ~~(أ) في الحاجة إلى تحرير المنهجية المعرفية المعاصرة من ~~الرؤية الغربية العلمانية # لقد بات من الأولويات المعرفية في فكرنا المعاصر أن ~~تحرير مجموع الأمة إنما ينطلق من قدرتها على تحرير ذاتها ~~من الرؤية الغربية للمعرفة، انسجاما مع ما أثبتناه في ~~الصفحات السابقة أثناء الحديث عن إنجاز مرحلة جديدة في ~~علاقتنا مع ما استحدثه الآخر من مناهج في قراءة واقعه ~~ونصوص ثقافته. # التحرير الذي يحرر الأمة والإنسانية من شيطنة الحداثة، ~~ومن غلوها المادي، ومن غطرسة العولمة ومكائدها. # التحرير الذي يجد مخرجه في معانقة المعرفة التوحيدية ~~الكونية المؤمنة بالطبيعة الفطرية للإنسان، ومن ثم فإن ~~اجتراح أفق معرفي جديد يمر عبر الآليات النقدية المنهجية ~~لهذه المعرفة العلمانية التي أريد لها أن تكون هي الأساس ~~في التوجيه، والوسيط المعرفي في قراءة مسارنا الحضاري ~~العام، من خلال «زاويتين اثنتين: زاوية تلتزم مبدأ المسافة ~~معها ومع منجزاتها الحضارية، وزاوية تفكر في شق طرائق أخرى ~~لا تتعارض مع القداسة، ولا تركن إلى العلمنة، وتعيد بناء ~~مفهوم جديد للعقل والعقلانية، يتنزل العقل بمقتضى هذا ~~البناء في مكانه الحقيقي وتعطى تبعا لهذا دلالات أخرى ~~لمفهوم رؤية العالم، وقيمة المعرفة والحقيقة، وجميع ~~المفاهيم المتشعبة عنها.» # 187 # متجاوزين من خلال هذا المنظور المفهوم البسيط للعلمانية ~~إلى معالجة المفهوم المركب، أو ما سماه المسيري ~~بالعلمانية الشاملة التي اعتبرها «أيديولوجية كاسحة، لا ~~يوجد فيها مجال للإنسان أو القيم (...) وهي فصل القيم ~~والغايات الدينية والأخلاقية والإنسانية عن الدولة، وعن ~~مرجعيتها النهائية، وعن حياة ms124 الإنسان العامة والخاصة، ~~وتطبيق القانون الطبيعي المادي على كل مناحي الحياة، ~~وتصفية أي ثنائية، بحيث يتم تسوية كل الظواهر الإنسانية ~~بالظواهر الطبيعية، فتنزع القداسة تماما عن العالم، ~~ويتحول إلى مادة استعمالية، يمكن إدراكها بالحواس الخمس، ~~كما يمكن لمن عنده القوة الكافية لهزيمة الآخرين أن يوظفها ~~لصالحه. ونتيجة لهذا يظهر العلم والتكنولوجيا المنفصلان عن ~~القيمة والغاية»، # 188 # بذلك سقط ملف القيم من برنامج الحداثة ~~العلمانية. # لا شك أن تحرير المعرفة من هذه الألغام الكاسحة الحالقة ~~سبيل إلى إعادة المعنى للحياة وما ينتجه الإنسان من خلال ~~الاستناد إلى قيم الوحي الثابتة؛ لأن «المعرفة التي يتم ~~الآن نشرها في العالم بصورة منهجية منظمة ليست بالضرورة ~~معرفة حقيقية وصحيحة، ولكنها مصطبغة بخصائص ثقافة الغرب ~~وحضارته، ومشربة بروحها، ومكيفة وفق غاياتها، وإذن فهذه ~~العناصر هي التي يجب تشخيصها وفرزها، ثم فصلها وعزلها عن ~~هيكل المعرفة ومادتها بحيث تميز المعرفة مما أشرب بتلك العناصر.» # 189 # فالمعرفة الحقيقية والصحيحة - يقول العطاس - هي التي ~~يدرك فيها الإنسان كينونته، ويجد فيها جوابا لأسئلته ~~النهائية، ويدرك سعادته فيها، معرفة تتضافر وتتكامل فيها ~~كل المعطيات المادية والغيبية، السننية والكونية. تحرير ~~يعيد قراءة الوسيط المرجعي - الغرب - ولهذا التيار مقولاته ~~ومفاهيمه، ووضعها موضع النقد والتحليل والتفكيك من أجل ~~فهمها وإعادة إنتاجها. إنها «اللحظة التي ينهض فيها العقل ~~معلنا استقلاله وقدرته على تمثيل نفسه، ومنبئا عن ~~انكسار المركزية الأوروبية والرأسمالية الغربية»، # 190 # استقلال يعترف بحق كل ثقافة في الاختلاف ~~والتأويل لقضاياها. ~~(ب) الحوار الإسلامي العلماني: من أجل رؤية ~~مستقبلية # عطفا على ما تحدثنا عنه في مبحث اختبار تداولية المفهوم ~~- العلمانية - في الفكر العربي المعاصر، والأثر السلبي ~~للصراع الذي حدث بين تيارات هذا الفكر، وعموم الأمة ~~واستمرار نزيف الجهود وتبديد الطاقات وتضييع الفرص، فإن ~~الحوار بين تيارات الفكر العربي المعاصر - على اختلاف ~~مرجعياتها - حتمية تاريخية وواقعية؛ نظرا للتحديات التي ~~تواجه مجتمعاتها المعاصرة، فالهروب إلى الأمام أو الوراء ~~بات سلاح الضعفاء؛ لأنه خيار يزيد من ضعف قدراتنا في تحقيق ~~النهضة، إذ لم تعد الأمة تتحمل هذه ms125 الصراعات بين تياراتها ~~الفكرية، في حين هي في أمس الحاجة إلى البحث عما يقويها ~~ويسندها في مواجهة هذه التحديات. # لا سبيل إلى هذا الأمر الجلل إلا فضيلة الحوار بين ~~تياراتها، حيث تتاح فرص اكتشاف مناطق القوة ومواقف ~~الاتفاق، ومناطق الضعف ومواقف الاختلاف عند كل تيار، حيث ~~عادت كثير من القضايا بين تيارات الأمة إلى الواجهة وإلى ~~درجة الصفر، من قبيل : الدولة الدينية أم الدولة المدنية؟ ~~مشكلة القيم؟ مشكلة الحريات الفردية أم مشكلة العنف؟ مشكلة ~~الأسلمة أم العلمنة على مستوى المعرفة؟ خصوصا بعد صعود ~~التيارات الإسلامية إلى الحكم أو المشاركة فيه مع التيارات ~~ذاتها. # حوار يكتشف فيه التيار العلماني الوجه «الحقيقي للإسلام، ~~ولطاقات مشروعه الحضاري وإمكاناته في تحقيق انتماء الأمة ~~وتحريكها نحو أهداف التحرر والتقدم والقوة والانعتاق من ~~أسر التخلف الموروث والاستلاب الحضاري (...) وللوجه المشرق ~~للصحوة الإسلامية كتيار بعث وإحياء واجتهاد وتجديد، ~~وتبديد الصورة الظالمة التي تصورها جميعا كرجعية وجمود ~~وغلو (...) وأيضا اكتشاف الإسلاميين حقيقة موقف هذا الفصيل ~~العلماني، وكيف أن علمانيته ليست (...) مرادفة للعمالة ~~والكفر والإلحاد ... والكشف عما لدى هؤلاء العلمانيين من ~~علوم وخبرات ومهارات وإمكانات من الأهمية بمكان [يمكن] ~~توظيفها في خدمة المشروع الحضاري الإسلامي»، # 191 # وبالمناسبة فإن اتجاهات الفكر العلماني ليست ~~على درجة واحدة في موقفها من مشكلات الأمة، ويمكن رصد ثلاث ~~اتجاهات كبرى: # 192 ~~(1) # اتجاه الدعوة إلى الانخراط الكلي والشامل في ~~النموذج الغربي والقطيعة مع التراث. ~~(2) # اتجاه يدعو إلى التحديث حسب «قواعد» وخطوات ~~التجربة الغربية، لكن من داخل قارة التراث ~~والتاريخ الإسلامي. ~~(3) # اتجاه يدعو إلى التجديد والنهضة من داخل ~~التراث وبأدوات التراث، أو بما يناسبها مما ~~يمكن استعارته. # قد ترد اعتراضات حول طبيعة هذا الحوار، مع أي اتجاه ~~نتحاور؟ المسألة عندي تتعلق بجميع الاتجاهات، وبمنطق الربح ~~والخسارة؛ ماذا نربح إذا أقصينا اتجاها دون آخر؟ وماذا ~~نخسر؟ ماذا لو كان الحوار يشمل الجميع؟ لكن مع ترتيب ~~الأولى فالأولى؟ إذا احترمت إرادة الأمة فالدعوة إلى ~~الحوار مع تيار العلمنة «لا تعني بأية حال قبول مشروعه، ~~ولكنها تعبر عن حرص ms126 على توفير حق التعبير لأصحاب الرأي ~~المخالف؛ دفاعا عن صحة المجتمع وسعيا إلى إنجاح المشروع ~~الوطني العام الذي هو ملك للأمة بمختلف قواها وتياراتها، ~~وليس ملكا لفصيل سياسي دون آخر.» # 193 # حوار يستند إلى قاعدة الاعتراف برسالة الإسلام في النهوض ~~والإصلاح، ليس على المستوى السياسي فقط؛ بل اعتراف يشمل ~~رسالته الحضارية الإنسانية، ف «لا يمكن تحقيق تقدم معتبر ~~على طريق النهضة والحداثة في الوطن العربي من دون الإسلام ~~وبعيدا عنه.» # 194 # من شأن التحول في الرؤى بين دعاة العلمانية والإسلامية ~~تقريب وجهات النظر في عدد من القضايا التي تعد من ~~المختلف فيها - وهي غير ذلك - ومن خلال الاحتكام إلى ~~مرجعية جامعة أن يكسب الأمة مناعة ضد التفسخ والانحلال ~~المعرفي والقيمي والانسلاخ عن هويتها مهما اشتدت عليها ~~الأزمات. لكن يبقى رأي النخب العربية حول عدد من القضايا ~~حالة لا تمثل الأمة إلا من خلال قدرة هذه النخب على التمسك ~~بمرجعيتها النهائية؛ لأن المشكلة الحقيقية في رأيي نابعة ~~من عدم التوافق حول الإطار المرجعي الذي يوحد الجهود، ~~ويبدد الخلافات، معيار القياس لإشكالاتها. # إن الرهان الذي عولت عليه تيارات الفكر العربي ~~المعاصر في شقها «الحداثي» في تحديث الذهنية العربية ~~الإسلامية لم ينتج إلا مزيدا من التأخر والتخلف، رغم بعض ~~مظاهر الحداثة وشكلياتها، فالأصل هو أن تتجه الجهود إلى ~~منابع المشكلات ومنابع الحل لا أن تحوم حولها، فقد انعكس ~~المنظور الغربي للمناهج على أهم الدراسات العربية النقدية، ~~فلم تستطع أن تنفك عن هذا المنظور إلا في أجزاء ~~قليلة. # ونحن هنا نتفق مع الكاتب العراقي عبد الله إبراهيم فيما ~~انتهى إليه على مستوى الآليات النقدية في الفكر العربي ~~المعاصر، حين وصفها بأنها آليات سعت إلى انتزاع شرعيتها ~~المعرفية من خلال تمثل «الآخر»، # 195 # فالاستنطاق لمتون هذا الفكر التي انتخبناها ~~كشف عن ذهنية حاولت أن تقرأ الذات بمنظور الآخر و«صار ~~عندها «المعيار الغربي» بمعطياته المنهجية هو الذي يحدد ~~«موقع الذات» و«درجة الأهمية»، وهي صفة تلازم «التأثير ~~السلبي» ولا تليق ب «المثاقفة الإيجابية»» # 196 # التي ينبغي أن ms127 تبصم مسار ثقافتين عريقتين: ~~العربية الإسلامية والغربية، وهو «أمر لا يمكن تفسيره إلا ~~بالإخلاص ل «الآخر»، والتعبير عن إشكالياته المعرفية، وليس ~~توظيف كشوفاته توظيفا خلاقا في الممارسة النقدية الذاتية» # 197 # رغم ما يعتري هذا التوظيف من صعوبات منهجية ~~وفنية، سواء تعلق الأمر بالمفاهيم أو بمرجعيات هذه ~~المناهج. # كما أن الكشف عن مرجعيات التكوين والانطلاق في الإصلاح ~~عند تيارات الفكر العربي المعاصر لا يعني إنكار هذه ~~المرجعيات أو التقليل من شأنها، أو بيان ضعف قدراتها ~~التدبيرية وعوارها التصوري المنهجي، أو اختلال نسقيتها ~~بالنسبة لموطنها الأصلي؛ لأنها كسب إنساني مقدر ينبغي ~~التعامل معه في إطار دائرة المشترك والمنجز الإنساني، لكن ~~دون الانسلاخ عن ذواتنا ونكران معطياتنا الحضارية ~~والتصورية، إنما وجه الاعتراض على هذه المرجعيات اعتبارها ~~مرجعيات نهائية حاسمة، وإلزام عقل الأمة بالتبني القسري ~~لها دون امتلاك حق السؤال والاعتراض، ودون مبرر واقعي ~~تاريخي أو نفسي يراعي الخريطة التكوينية والإدراكية ~~للإنسان العربي وتحيزاته ونماذجه المعرفية، وهو القرار ~~المعرفي والمنهجي الذي يؤطر خطوات الفصل الثالث من هذه ~~الدراسة. # الفصل الثالث # | المدرسة البنائية التأصيلية في الفكر العربي المعاصر: الرؤية ~~والمنهج # (دراسة في نماذج) # عاشت الأمة العربية الإسلامية أطوارا حضارية متقلبة ومتناقضة في ~~تشكيلها الفكري والمنهجي، وكانت مسرحا لتجارب فكرية ومشاريع إصلاحية ~~منذ طرح سؤال النهضة، وأطوارا متنقلة بين مدارس فكرية غريبة الهوية ~~والحضارة، لم تثمر ما كانت ترجو وتصبو إليه من تحقيق النهضة والتقدم ~~والحضارة، فظلت متأرجحة في تصوراتها بين حقول معرفية ولدت لديها ~~أزمة عميقة في نسقها الفكري وبنائها المنهجي، وشوهت معالمها ~~الحضارية. # وكان الضعف التاريخي والحضارة سببا مباشرا في التمكين لمنظورات ~~ومنهجيات متعددة في نسقها الفكري والمعرفي، وغياب بدائل داخلية من ~~شأنها المنافسة والمزاحمة والتدافع الحضاري الإيجابي، فظلت خاضعة ~~للبدائل الغربية ومركزيتها التي اختارتها «النخب» العربية بديلا ~~وقبلتها المفضلة - رؤية ومنهجا - لا تبغي عنها حولا، معتقدة صوابية ~~الوجهة والتوجه، فكانت الحصيلة كما يرى الجميع ويتفق، لا هي أمة أصالة ~~ولا أمة معاصرة، لا هي حداثية ولا هي تراثية، أمة التناقضات والنماذج ~~الفكرية والمنهجية ms128 المجربة والمخصبة خارج رحم الأمة، فترك التطبيق ~~التعسفي لنماذج فكرية متأرجحة ولمنهجياتها آثارا مدمرة على الشاكلة ~~الثقافية للأمة، وأفقدها استقلالها التاريخي والفكري، فضاعت كثير من ~~الجهود في تحقيق حلم النهضة. # ونسوق شهادة وفاة واقعية موقعة لأحد رموز التيار القومي العربي، ~~الدكتور محمد عابد الجابري، على الفشل الذي منيت بها تيارات الأمة، ~~وكساد بضاعتها الفكرية وعدتها المنهجية، ويصوغ هذا الفشل على شكل ~~تساؤلات: «هل تمكن العرب فعلا من تحقيق نهضتهم؟ وهل حققوا من ~~التقدم ما يكفي لجعل مشروع النهضة يتحول فعلا إلى مشروع ثورة؟» ~~إشكالات تعبر عن القلق، يقول: «ومهما تنوعت الآراء واختلفت ~~الاتجاهات، فإن أحدا منا نحن العرب المعاصرين لن يجادل في مشروعية طرح ~~مثل هذه الأسئلة، وفي هذا الوقت بالذات، ودون أن نستخلص من هذه الأسئلة ~~أو من المعطيات - التي تستحثنا على طرحها - نتائج قد تكون أكبر مما ~~ينبغي، فإن الواقع اليومي الذي يفرض نفسه علينا في الظروف الراهنة ~~يجعلنا نشعر فعلا وكل يوم بأن «شيئا ما» لم يتحقق، أو لم ينجز في ~~هذه «النهضة» العربية، وبالتالي نشعر بأننا لم ننجز بعد نهضتنا كاملة»، # 1 # لأنها مشاريع أسست على مقدمات خاطئة، ولافتقادها لإطار ~~مرجعي جامع وموحد، يجمع شتات أفكارها ويرتبها في نسق حضاري ~~جامع. # وقد شكلت هذه التيارات محور أزمة فكرية ومنهجية عميقة، ولهذا فإن ~~«النخب الفكرية في واقعنا العربي الإسلامي لا يمكن أن تتوجه إلى الفعل ~~الحضاري إلا بقدر تمسكها بمرجعية عميقة الجذور ومرتبطة بكيانها ~~التاريخي (...) فالمجتمع الإسلامي المعاصر لا يمكن أن ينطلق إلى تأكيد ~~ذاته من خلال مرجعية خارجية مستمدة من تاريخ مغاير، ومن فكر وافد (...) ~~ومن ثم يغدو النهوض من خلال تأكيد الذات هو الخيار الحضاري الوحيد أمام ~~كل البدائل الفكرية التي روج لها سدنة الغرب في واقعنا العربي المعاصر.» # 2 # ومن هنا برزت جهود البناء والتأصيل للخيار الحضاري العربي الإسلامي، ~~وتجاوز الخيارات الاغترابية والمقارباتية والمقارناتية، وإشاعة ~~المرتكزات المنهجية والفكرية والمعرفية الإسلامية القادرة على الإمساك ~~بالمعضلات الحضارية للأمة، مع الانفتاح والتفاعل الإيجابي مع الخيارات ~~الإنسانية المتاحة ms129 في ظل هذه المرتكزات والأصول، ومنهاجية مفاهيمية ~~متحررة من إكراهات الماضي وثقله واستلابية الحاضر وضغطه. # ويمكن التأريخ لهذه الجهود من العمليات والمحاولات التي دشنها كثير ~~من رواد وقادة الفكر العربي والإسلامي، محاولات تؤشر كلها - كما يقول ~~طه جابر العلواني - إلى ضرورة بناء «فقه النقد» الإبستيمولوجي من ~~عمليات التعامل والتفاعل مع الفكر الغربي، ونقد أسسه ومناهجه. # البدايات التي دشنها محمد إقبال، والندوي، ومالك بن نبي، وعلي ~~شريعتي، وإسماعيل راجي الفاروقي، وسيد قطب، ومنير شفيق، وعبد الوهاب ~~المسيري، وطه عبد الرحمن، وغيرهم، ممن كتب الله له أن يكتب في هذا ~~المجال (مجال التأصيل الأصيل)، دون أن ننسى جهود المعهد العالمي للفكر ~~الإسلامي في إطار «إسلامية المعرفة». # فانصبت كل هذه الجهود على إعادة الاعتبار للمنظومة الفكرية والنواظم ~~المنهجية الإسلامية في عملية البناء المعرفي؛ أولا: لإعادة الثقة بهذه ~~المنظومة وقدرتها، ثانيا: على البناء والتحرر والاستقلال الحضاري، ~~وتقديم نموذج معرفي تفاعلي غير مستبد وغير متمركز، نموذج يحرر ~~الإنسانية من تغول النموذج الغربي ومن مواليده الفكرية ونماذجه ~~المنهجية. لكن طبيعة الموضوع تفرض علينا اختيار الاشتغال على نموذجين ~~من نماذج هذا الخطاب التأصيلي البنائي الحداثي، أعتبرهما قد استوفيا ~~الشرائط الفكرية والمنهجية في البناء الفكري المعرفي المنهجي المعاصر، ~~من خلال استيعاب الأدوات الداخلية التي أنتجتها ممارسة الأمة ~~التاريخية، وهضم الأدوات الخارجية والقدرة على تفكيكها ونقدها. # النموذج الأول: # نموذج مغربي دأب منذ وقت مبكر «بداية السبعينيات» ~~على إبراز رسالة المدرسة البنائية الأصيلة في كشف كثير ~~من عيوب مدارس الفكر العربي المعاصر واضطراب عباراتها ~~وقلقها، وبناء منظومة فكرية تعيد للأمة عزتها بين ~~الأمم، نموذج طه عبد الرحمن. # أما النموذج الثاني: # فهو نموذج مشرقي مصري عرف هو الآخر بدقة مفاهيمه ~~ومعاركه الفكرية القوية، ومتابعته لمستجدات الساحة ~~الفكرية العالمية. إنه نموذج عبد الوهاب المسيري، فبين ~~الأنموذجين (طه عبد الرحمن، وعبد الوهاب المسيري) ~~متحدات على مستوى مرجعيات البحث المعرفي والمنهجي، ~~والتأسيس لنماذجهما الفكرية. # فكلاهما اتجها إلى نقد أطروحات الفكر الفلسفي الغربي، وتحرير الفكر ~~العربي المعاصر من سطوة مفاهيمه ومرجعياته، وبناء مقدمات إبستيمية في ms130 ~~التعامل مع الفكر الإنساني تتجاوز كل التحيزات الجغرافية ~~والتاريخية. # نموذجان يشتركان في أفق اشتغالهما بالتجديد المنهجي المعرفي المرتبط ~~بالرؤية التوحيدية الكونية، والتأسيس لحداثة إسلامية إنسانية معاصرة، ~~حداثة ينتقل فيها الإنسان من إنسان الآلة - مجموع غرائز وماديات وشهوات ~~وآلة مسخرة - إلى إنسان الآية - مجموع قيم ومقاصد. # فإبراز جهود هذه النماذج التوليدية البنائية لا يلغي السابق جملة، ~~كما لا يقبله جملة، إنما يؤسس لتحيزات العقل العربي المعاصر، وفق ~~أصوله التداولية وما تقتضيه الحكمة الإنسانية من الانفتاح الراشد على ~~ثمراتها. ~~(1) المبحث الأول: مشروع طه عبد الرحمن: الرؤية والمنهج # يندرج المشروع الذي نقدمه في إطار المحاولات الجادة الجدية التي ~~تعرفها الساحة الفكرية العربية المعاصرة، وفي ظل التدافع بين قيم ~~الإسلام ومشاريعه في مستوياتها المتعددة، وقيم الحداثة الغربية ~~ومشاريعها بسلبياتها وبعض إيجابياتها، كما يندرج ضمن سياقات ~~متعددة، لعل أبرزها الانتكاسات المتتالية للخطابات التغريبية، وفي ~~سياق صياغة معادلة حضارية ناجعة ومتوازنة بين ضوابط الانفتاح ~~ومخاطر الانغلاق. # محاولة من شأنها تحديد معالم منهجية ضابطة لحركة انتقال الأفكار ~~والمناهج ومفاهيمها، مشروع عرف صاحبه بكفاءته الحوارية العالية مع ~~كثير من القضايا الفكرية المعاصرة التي كانت إلى وقت قريب من ~~المسلمات التي لا تتزعزع، وكان عليها الرهان أكبر في إنجاز ~~تحولات كبرى. # فكان له مسار آخر إبداعي يتجاوز الآليات التحليلية التي استنبتت ~~في ثقافة الأمة، مسار ينطلق من الإيمان العميق بقدرة العقلية ~~العربية الإسلامية على الإبداع خارج القوالب الفكرية الخارجية التي ~~ابتليت بها النخب العربية المقلدة. # وتبدأ هذه الممارسة البنائية الأصيلة عند طه عبد الرحمن من ~~محورين أساسيين يراهما الأقدر على مواجهة التحديات الراهنة: ~~«الروح العقلانية النافعة»، و«الروح الجماعية الصالحة»، اللتين ~~ثورتهما الممارسة الحوارية الحاصلة على شرائطهما المعلومة، «فلا ~~يحتاج مجتمعنا في القرن الجديد إلى شيء احتياجنا إلى هاتين الروحين المتكاملتين» # 3 # من خلال اختبار اختياراتنا الفكرية، وفتح آفاق واسعة ~~للحوار، والتواصل والعمل المشترك النافع للأمة، بدل الاستمرار في ~~ممارسة الشذوذ الفكري والمنهجي؛ لأنه طريق موصد وغير مثمر، داعيا ~~إلى تثبيت الرحل أولا قبل البدء في الممارسة النقدية. # فكان اختياره ms131 على مستوى المرجعيات مخالفا لما ألفناه عند من ~~سبقوه، إذ لم يكن طه عبد الرحمن ناقدا فقط، بل جمع بين النقد ~~والبناء والإنشاء والإبداع، فقد توسل في عمله وسائل ومفاهيم ~~وطرائق تضاهي في قوتها المنهجية وسائل الحداثيين العرب، إن لم ~~تتعداها جدة ودقة؛ لأن مستنده لم يكن النظر العميق التقليدي، ~~وإنما كان مستجدات البحث المنهجي الصريح. # 4 # استمد وسائله المنهجية ومفاهيمها النظرية من علمين دقيقين عرفا ~~منذ زمن يسير «انقلابا» في أدواتهما ومبادئهما ومضمونهما: # 5 # علم اللسانيات بأقسامه الثلاثة: الداليات والدلاليات ~~والتداوليات، التي اعتمد عليها في قسم كبير في كتابه «أصول الحوار» ~~وأصبحت مصطلحا ملازما له في كل أبحاثه، باعتباره أوفى المصطلحات ~~بالغرض من غيرها، واشتق منه مفهوم «المجال التداولي». # وهو من المفاهيم الإبداعية في منهجية طه، كما كانت اللغة العربية ~~المرجعية الأم في اصطناع أدوات بحثه العلمية. يقول: «لقد غلب على ~~الباحثين العرب في وضع مصطلحاتهم العلمية وبناء أجهزتهم الوصفية ~~التفسيرية، الاشتغال بقوالب اللغة الأجنبية: الفرنسية والإنجليزية، ~~فلا نكاد نجد عند معظمهم من المعاني العلمية إلا ما كان نقلا ~~حرفيا لمصطلحات أجنبية من غير وعي بأصول بعضها النسبية، وفائدتها ~~المحدودة. وبلغ سلطان هذه المعايير على هؤلاء درجة أصبحت معها ~~ألفاظهم «أشكالا» منقطعة الصلة بدلالاتها اللغوية، وفاقدة لأسباب ~~الإنتاج والتعبير في الفكر العلمي.» # 6 # فهذه الغلبة في المصطلح والتداول لم تغن الأمة ولم تحقق لها ~~وظائفها. وسعيا في تحقيق الاستقلال عن المعايير الأجنبية وطرد هذا ~~الاحتلال المفاهيمي في إنتاج المعرفة يقول طه عبد الرحمن: «اجتهدنا ~~قدر المستطاع في الأخذ بأسباب اللغة العربية في التعبير والتبليغ، ~~ووظائفها في التنظير (...) وتمهيد الطريق لممارسة علمية باللسان ~~العربي في ميدان تحليل الخطاب.» # 7 # أما المرجعية الثانية التي اعتمدها فهي المنطق، فقد تدققت وسائله ~~وتشعبت أبوابه وتعددت مستوياته واتسع مجاله، فاستعانت به مختلف ~~العلوم في ضبط مناهجها وتنسيق نتائجها، واستفادت منه العلوم ~~الإنسانية على الخصوص طرقا في البحث الدقيق والوصف المحكم. على ~~ضوء هذه المرجعيات أنتج طه عبد الرحمن صيغا مفاهيمية وجهت مشروعه ~~الفكري والمنهجي، ms132 وأغنت الحقل المعرفي العربي الإسلامي المعاصر، ~~وأعادت له معماريته الفنية والجمالية. # لم تساهم الدراسات التغريبية في نظره إلا في إفقار الإنسان ~~العربي المسلم من خلال إغراقه بمفاهيم إسقاطية، وتقليد لأهلها، فكل ~~الدعوات التي شهدتها الساحة الفكرية العربية لم تساهم إلا في ~~تكريس هذا الإفقار من خلال التقليد بدل الإبداع، أما «الواجب في ~~دعوة التجديد الصحيحة هو أن تغني العربي أو المسلم، لا أن ~~تفقرهما، ولا سبيل إلى تحقيق هذا الغنى لهما إلا بأن نترك محاكاة ~~أصحاب هذا التقرير فيما يعتقدون ويفكرون ويقولون.» # 8 # كما كان للمنهجية الأصولية حضور متميز نظرا لما تتميز به من قوة ~~في بناء الاعتراضات وردها، وصياغة الإشكالات، حيث اعتبرها هي ~~العطاء المنطقي الإسلامي غير «الأرسطي» البارز في عموم التراث ~~الإسلامي. # أما الاعتبار الثاني: أن هذه المنهجية أسهمت في دراسة الظاهرة ~~الخطابية بما يثير الإعجاب، وضمنت أدوات علمية ما زالت تحتفظ ~~بفائدتها الإجرائية، ثم إنها ذات طابع موسوعي، حيث تتداخل فيها ~~علوم متعددة، وتتعاضد فيما بينها، حتى كانت أوسع المنهجيات ~~الإسلامية على الإطلاق. # كما أن استئناف العطاء المعرفي الإسلامي يقتضي الصلة بالعطاء ~~المعرفي الماضي من غير جمود عليه، وما وجدت في جوانب المنهجية ~~الإسلامية عموما أصلح للقيام بهذه الصلة من المنهجية الأصولية؛ ~~لما تتميز به من إبداع وتكامل وانفتاح. # 9 # هكذا شرع في بناء وتأسيس منهجه من خلال المحورين ~~التاليين: ~~(1-1) منهجية بناء المفاهيم والمصطلحات # تنطلق هذه المدرسة في عملية التجديد الفكري والمنهجي من نقطة ~~ارتكاز في صناعة الأفكار وبناء المنهجيات، وتثبيت الأنظمة ~~الفكرية، من بناء المفاهيم؛ إيمانا منها بأن المعركة اليوم هي ~~معركة المفاهيم، إذا صحت صح الإنتاج المعرفي والمنهجي، وإذا ~~فسدت فسد، وتعطلت مسيرة الأمة؛ ولهذا لا أحد ينكر أن «المجتمع ~~المسلم اليوم يكابد من التحديات المعنوية مقدار ما يكابده من ~~التحديات المادية، ويتصدر التحديات المعنوية ما يواجهه من تيه ~~فكري ممثل في فتنة مفهومية كبرى لا يعرف كيف يخرج منها، إذ لا ~~تفتأ تتوارد عليه كثرة متكاثرة من المفاهيم التي تضعها ~~المجتمعات الأخرى، فيأخذ ms133 في التخبط في معاقدها ومغالقها، بل ~~في متاهاتها وأحابيلها، لا قدرة له على استيعابها، ولا طاقة له ~~على صرفها، والواقع أن المجتمع المسلم ما لم يهتد إلى إبداع ~~مفاهيمه أو إعادة إبداع مفاهيم غيره، حتى كأنها من إبداعه ~~ابتداء، فلا مطمع في أن يخرج من هذا التيه الفكري الذي أصاب العقول.» # 10 # فهذه الصناعة المفهومية هي التي تمنح للأمة حق الارتقاء - ~~كما يقول طه - إلى رتبة الاستقلال في تقديم إجابات واقعية ~~لمشكلاتها المعاصرة، ودفع التحديات التي تواجهها بعيدا عن ~~تقليد تجارب الآخرين واستعارة ألسنتهم. # فقد خسرت الأمة معركتها الحضارية؛ لأنها خسرت معركة ~~المفاهيم، وخاضت معاركها بأسلحة الغير لا بأسلحتها، كما تخوض ~~الجيوش العربية معاركها - إن كانت لها معارك - بأسلحة مستعارة ~~من الغرب، وهو يعلم مداها ومفعولها ومدة صلاحيتها، حتى إذا ما ~~قدر لها أن ترد على الهجومات المباغتة أو المنظمة، فإن العدو ~~يعلم أنها أسلحة خفيفة لا تقوى على المواجهة، وغير ذات مفعول ~~في المعركة، ولهذا لم «تتعرض الأمة المسلمة في تاريخها لحرب ~~مفهومية أو على الأصح لاعتداء مفهومي، تعرضها له في أيامنا ~~هذه، وقد اتخذ هذا الاعتداء شكل إلزام الأمة بمفاهيم مخصوصة ~~الغرض منها إعادة صياغة عقول المسلمين وأخلاقهم حتى يسهل ~~قيادهم، سعيا وراء إفساد عاداتهم وطبائعهم (...) ويتبع ~~«المعتدون المفهوميون» في هذا الإلزام أساليب عدة # 11 # ذكر منها ثمانية نماذج، # 12 # كلها تتجه إلى محو شخصية الأمة المفهومية الأصلية، ~~وإدخالها في دائرة التزييف والاحتواء الحضاري والإملاء. # هذا الأسلوب «الذي ما فتئ أصحاب الاعتداء المفهومي ~~يستحدثونها ويلقون بها إلى الأمة المسلمة كلما جددوا ~~استراتيجيتهم في الهيمنة، معبئين لها كل وسائل الضغط والقهر ~~التي يملكون، ويتولى ترويجها عنهم وكلاؤهم ووسطاؤهم من ~~الإعلاميين والمثقفين، فيخدع بها الكثيرون من أبناء هذه الأمة.» # 13 # فكل هذه النماذج والأساليب التي قدمها من الاعتداء المفهومي، ~~تدخل في إطار مساهمته فيما أسماه «دفع التحديات المفهومية التي ~~تواجه أمتنا المسلمة، لكي تجد طريقها إلى فكر مستقل ومبدع، حتى ~~إذا أخذت من غيرها لم يكن عن ضعف، ولا مع ms134 شعور بعقدة نقص، وإذا ~~أعطت غيرها لم يكن عن متعة، ولا مع شعور بعقدة عظمة، وأفضى بنا ~~هذا التفكير إلى أن نجهز أنفسنا لجهاد مفهومي في ساحة الفكر الفلسفي»، # 14 # في أفق تحرير المثقف المسلم من عقدة «الخوف من ~~الإبداع»، والارتهان لشبكة مفاهيمية فقدت قيمتها، وبعث الهمة ~~فيه لصناعة مفاهيم مخصوصة كما «يصنعها غيره، فيقابل المفهوم ~~بالمفهوم والتعريف بالتعريف والتدليل بالتدليل، بل في نهاية ~~المطاف يقابل التنظير بالتنظير، فيكون بذلك إيذانا بولادة أمة جديدة»، # 15 # تملك قرارها العلمي والمعرفي، وذات سيادة مفاهيمية ~~تملك خرائط تفكيرها وأدوات إبداعها، إذ لا إبداع إلا في إطار ~~هذا التنظير المفاهيمي الذي يراعي خصوصيات الأمة. # ويفتح طه عبد الرحمن في إطار هذه الاستراتيجية المفهومية ~~ثغرات في الجهاز المفاهيمي المهيمن على حقل الدراسات العربية ~~المعاصرة، ويخلق للقارئ مشاكل في أفق البحث عن طرق الحل، وسد ~~الخلل، فهو يرى أنه «لا بد لعمل يعيد الصلة بهذه الآلة - آلة ~~صناعة المفاهيم المنطقية واللغوية - أن يستصعبه القارئ العربي، ~~نظرا لأنه يحدث انقطاعا في ما كان مألوفا له منذ أمد ~~بعيد، فضلا عن الدقة البالغة التي تختص بها هذه الآلة، ~~والتي تدعو أصلا إلى زيادة التركيز للذهن وتسديد للانتباه، ~~ومهما يكن من أمر فإن هذا القارئ مطالب اليوم بأن يخرج عن ~~مألوفه الذي لم يفلح إلا قليلا في زحزحته عن ركوده العلمي، ~~كما هو مطالب بأن يجهد نفسه بما يبلغ نهاية طاقته، إن هو ~~أراد أن يحدد عطاءه ويضمن استمراره، فلا اجتهاد بغير إجهاد ولا ~~بقاء بغير عطاء»، # 16 # فيشرك معه القارئ في عملية البناء والتجديد ~~المعرفي، فيكون الجهد جهدين: جهد الباحث وجهد القارئ. # هكذا يتصور المعادلة بين الباحث والأمة، لا طرف دون آخر، ~~فكان وضع المصطلح والمفهوم في الإنتاج العربي الإسلامي أحد أهم ~~انشغالاته؛ لتحرير المعرفة العربية الإسلامية مما أسماه بطور ~~استهلاك المصطلح الأجنبي، بحيث ظل الإنتاج المعرفي العربي ~~مشدودا إلى هذه المرحلة من الاستهلاك ناقلا لمحتوياته ~~ومفاهيمه، والانتقال إلى طور جديد هو «طور إنتاج المصطلح ~~الأصلي» البديل للمفاهيم ms135 المتداولة، وهو طور لا يبلغه الباحث ~~إلا إذا اكتسب القدرة على ممارسة التنظير، أي إنه حصل الملكة ~~المنطقية التي تؤهله لبناء المناهج والنظريات والنماذج حسب حاجته، # 17 # وإنتاج هذا المصطلح وبلوغ هذا الطور على مستوى ~~الإنتاج ارتبط عنده باستيفاء ثلاث شرائط ومعايير: # 18 ~~(1) # العمل بأحدث الضوابط والشروط النظرية والمنهجية ~~في وضع المصطلح العلمي. ~~(2) # استثمار الإمكانات التعبيرية والتبليغية التي ~~تختص بها اللغة العربية، والتي لم تقع الاستفادة ~~منها على المستوى الفلسفي. ~~(3) # مراعاة التوجهات العملية للتراث العربي ~~الإسلامي، التي تجعل له خصوصية معينة. # الالتزام بهذه المعايير يمنح الباحث والبحث العلمي الفلسفي ~~بالدرجة الأولى قدرة على الإبداع، إبداع المفاهيم، وإبداع على ~~مستوى الإنتاج، أما «ملاحقة المصطلح الأجنبي فتحول دون فعاليته ~~وإنتاجيته داخل الممارسة الفكرية التي وفد عليها، ذلك أن هذا ~~المصطلح يبقى جاهلا لآثار أصله الأجنبي وداخلا في شبكات ~~معرفية مرتبطة بهذا الأصل، بحيث يحتاج مستعمله العربي إلى ~~إحضارها في ذهنه كلما اشتغل به، فيبقى غير قادر على الإبداع بواسطته»، # 19 # الأمر الذي جعله يصف الإنتاج العربي الفكري ~~والفلسفي بأنه إنتاج مقلد لا غير، يخلو من أي صفة إبداعية، ~~رغم ادعاء أصحابه الوصل بالإبداع؛ لأنه فكر بوسيلة غير ~~وسيلته هو، وأنتج بغير آلياته. # ومسلك طه عبد الرحمن للمفهوم الأصيل وحل معضلة الفكر ~~الفلسفي، الترجمة، باعتبارها أحد المداخل الأساسية التي أوتي ~~منها الإبداع العربي الإسلامي قديما وحديثا تدشين طور جديد ~~في هذا المجال بعد الطور الأول والثاني الذي تم في المرحلة ~~العباسية والحديثة، لكن بمقاييس ومعايير جديدة، تتيح إمكانات ~~إنتاج مفاهيم أكثر قوة وارتباطا بمجالها التداولي الأصلي. وما ~~لم ينجز عقل الأمة هذه المرحلة وفق حاجاته يبقى استقلاله ~~استقلالا منقوصا. # طور دشنه بنقد مسلمات الترجمة العربية الحديثة التي لم ~~تسلم من عيوب واعوجاجات عطلت مسيرة النهضة الفكرية والفلسفية ~~للأمة، لإخلالها بركن من أركان الترجمة هو «الاستقلال ~~المسئول»، وظلت مرتبطة بالتطبيق الغربي ومبنية على مسلمات ~~ذكر منها ثلاثا كلها باطلة: # أولاها: «مسلمة المماثلة بين التجربتين القديمة والتجربة ~~الحديثة في الترجمة»، وبطلان هذه المماثلة من أوجه ms136 نذكر منها: # 20 ~~(أ) # أن التجربة الأولى للترجمة - في العصر العباسي - ~~فعل اختياري صدر عن إرادة إثبات الذات وتحقيق ~~إمكاناتها الواسعة، بينما التجربة الثانية انفعال ~~اضطراري دفاعا عن النفس وحماية الحدود. ~~(ب) # التجربة الأولى مارسها أهلها وهم في موقع قوة، ~~إذ شرعوا في تأسيس هوية ثقافية وشخصية حضارية ~~خاصتين بهم، بينما المتأخرون منهم يمارسون التجربة ~~الثانية من موقع ضعف ولد لديهم شعورا حادا ~~بتخلف مجتمعاتهم وعقدا نفسية تهدد هويتهم ~~وشخصيتهم. ~~(ج) # أن التجربة كانت تتخير النصوص التي ينبغي نقلها ~~بحيث لا تصادم القيم الأخلاقية التي تشبعت بها ~~الروح الإسلامية، بينما التجربة الثانية تتهافت ~~على نقل كل النصوص، لا تبالي إن أضرت بالقيم ~~الأخلاقية الإسلامية أو لم تضر بها. ~~(د) # أن تجربة الترجمة الأولى نقلت نصوصا أنتجتها ~~حضارة غابرة، ولو أن بعض آثارها باقية، في حين أن ~~التجربة الثانية تنقل نصوصا تنتجها حضارة قائمة ~~بيدها أسباب صنع التاريخ الإنساني في هذا ~~العصر. # التجربة الأولى - في نظره - تتمتع بدرجة عالية من الاستقلال ~~بوجود رغبة داخلية، بينما التجربة الثانية لا تتمتع بهذه ~~الدرجة من الاستقلال، فهي مجبرة ومستضعفة. وهذا رد واضح على ~~أطروحة الجابري التي دعا فيها إلى تأسيس وبدء عصر تدوين جديد، ~~يشابه ويماثل عصر التدوين الأول، والتمكين للجوانب العقلانية ~~من كلا التراثين من الاستمرار فينا: تراث الأمة وتراث الغرب. # 21 # أما ثاني هذه المسلمات ف «الترجمة الواحدة للكتاب الواحد»، ~~مع ما في هذا العمل من ضياع للجهد وإهدار له، حيث تتعدد ~~الترجمات لكتاب واحد. أما المسلمة الثالثة ف «الترجمة الواحدة ~~للمترجم الواحد». # من شأن هذه الاعتراضات زعزعة أصول الترجمة المعتمدة في الفكر ~~العربي المعاصر، وقدرتها على التشكيك في المفاهيم التي ترجمت ~~واعتمدت أساسيات في التحديث والنهضة والتقدم، فتكون المشاريع ~~التي اقترحت على الأمة من النوع الخارجي الذي لم تحصل معه ~~فائدة؛ لأنه حصل وقف نماذج مقتبسة خارج المجال التداولي ~~الأصلي، فقدم - وكعادته في الاستدلال والاعتراض وورود ~~الشبهات، وهو أسلوب منطقي فقهي أصولي كان له شأن عظيم في صياغة ~~الفروض المنهجية عند ms137 طه - شبها مختلفة على هذا الاقتباس ~~الخارجي: «شبهة الخلط» و«ضعف الاستدلال» و«استبدال التراث» ~~و«دوام الاقتباس» و«تمييع الهوية». # 22 # وكل «هذه الشبهات تبين أن محاولة تحديث الفكر الإسلامي ~~العربي لا تخرج عن نطاق الأخذ بأفكار الآخرين وعن حد التشبه ~~بعقولهم، ومعلوم أن الأخذ الذي ليس معه عطاء لا يكون إلا ~~تقليدا، وأن التشبه الذي ليس معه استقلال لا يكون إلا ~~اعتقالا، وحينئذ لا يكون تحديث الفكر الإسلامي العربي ~~تحديثا حقيقيا، وإنما تحديث وهمي وحسب». # 23 # لقد ميز في هذا المشروع بين ثلاثة أنواع من الترجمة : # 24 ~~(أ) # الترجمة التحصيلية التي تتوخى الحرفية اللفظية، ~~بحيث لا لفظ من ألفاظ النص إلا نقلته، وقد تزيد ~~ألفاظها عن ألفاظ النص الأصلي. ~~(ب) # الترجمة التوصيلية التي تتوخى الحرفية ~~المضمونية، بحيث لا معنى من معاني النص إلا نقلته، ~~سواء طابقت ألفاظ النص الأصلي أو باينتها، لكن ~~الراجح أن تباينها. ~~(ج) # الترجمة التأصيلية التي تتوخى التصرف في النص ~~الأصلي، ألفاظا ومعاني بالقدر الذي يمكن ~~المتلقي من اكتساب القدرة على التفلسف في النص ~~والإبداع فيه، حيث تدخل المفاهيم في حالة تفاعل، ~~ويكتسي المنقول صفة الإقامة الطبيعية، ويكتسب ~~جنسيته، وقد كان مشروعه كله يتجه نحو إبداع عتاد ~~مفاهيمي يقتدر به الإنسان العربي على الإبداع ~~الفكري والاستقلال عن المفاهيم الغربية، تفوق ~~المفاهيم المنقولة وأكثر ارتباطا بمجالها ~~التداولي، ولهذا فإن بعض ما أنشأناه - يقول طه: ~~«يبدو خيرا من مقابلاتها في أصولها الأجنبية، وما ~~ذاك إلا أنه توفر لنا بصدد القضايا المعروضة في ~~هذه الأصول، من وجوه التعبير في لساننا أو من ~~عناصر المعرفة في ثقافتنا، ما لم يتوفر في هذه ~~الأصول نفسها - الأصول الأجنبية - لا لقصور فيها، ~~وإنما لوجود الاختلاف بين الأمم في طرق أداء المقاصد.» # 25 # بهذا العمل يفتح طه عبد الرحمن آفاقا واسعة للمعرفة العربية ~~الإسلامية ويمكنها من آليات التثاقف الإيجابي المثمر، بدل ~~الاستمرار في التقليد والتبعية واستنساخ التجارب، ولهذا ليس ~~صحيحا ما ذهب إليه الأستاذ عمر كوش في كتابه «أقلمة المفاهيم» ~~من اتهام مجهودات طه التأصيلية بأنها جهود ms138 مبنية على ~~ميتافيزيقا ينغلق معها النص عنده على حقائق ومعان ليفسح ~~المجال للمعنى (الوحيد). # 26 # كما تنطلق عنده عملية التأصيل - يضيف الكاتب - في إطار ~~مشروعه الهادف إلى إحياء التفلسف العربي، من ثنائيات متقابلة: ~~الأنا/الآخر، يضع الذات في مواجهة الآخر، مما يفسح المجال ~~عنده إلى بروز منطق الإلغاء والإقصاء والتهميش، وأن جهوده تمثل ~~الفكر المنغلق في الفكر العربي المعاصر، مع في هذا الحكم من ~~مصادرة الحق في الاختلاف، الأمر الذي جعل طه يتهم الناقد ~~العربي بقلة العلم والاطلاع والمعرفة، فالناقد العربي يقرأ ~~قليلا ويكتب كثيرا. # فنحن لا نحتاج - يقول عمر كوش - «ولا نفتقر إلى التأصيل بقدر ~~ما نفتقر إلى الإبداع والخلق، أي سبر أغواره وطرح مشكلاته، ~~دون أي تقابل ميتافيزيقي مع تراثنا أو مع الآخر (الغرب)، ~~وبشكل يمكننا من خلق وتأسيس مفاهيم لها علاقة مع ~~مشكلاتنا في هذه العصر وصيرورتنا». # 27 # لا أعتقد أن الإبداع والخلق يمكن إنجازه خارج ~~التأصيل وفي استقلال تام عن جهود الاتكاء على ذات فاعلة، هي ~~الذات والهوية العربية الإسلامية، وما يجعل كلام الأستاذ ~~عمر كوش حول التأصيل غير ذي معنى وفارغا من محتواه ويجعل ~~دعواه مردودة وباطلة، هو أن الغرب نفسه عندما خطط لانطلاقته ~~أصل لذاته بالرجوع إلى العقيدة المسيحية وإلى التراث ~~الإغريقي، وأسس لمركزيته من خلال هذا العمق التاريخي. # تسعى جهود طه عبد الرحمن البنائية لإخراج الأمة من النماذج ~~الفكرية والمنهجية المتأرجحة الفاقدة لإطار مرجعي، إلى نموذج ~~وسطي قائم على إطار مرجعي سمته الثبات والمرونة والاستيعاب، ~~إطار الإسلام منهجا ورؤية وحضارة، وإكسابها القدرة على ~~التواصل الحضاري الواعي الموصول بتاريخها وحاضرها ومستقبلها، ~~ويخلص الأمة من الوصاية الخارجية، ويمكنها من تحقيق ~~خصوصيتها، مجددة أسباب الاتصال بالآخر - عكس ما ذهب إليه عمر ~~كوش في المقالة السابقة - وهي بهذا تضاد «الاستقلال المنقول، ~~الذي يتعاطى فيه المرء تقليد الآخر في مقصد استقلاله ومسلكه، ~~لا يقدر على أن يتبين بنفسه ما إذا كان هذا التقليد المزدوج ~~ينفعه أو يضره»، # 28 # لتسلك الأمة بعد تحقيق استقلالها عن الوصاية ~~الخارجية طريق الإبداع الموصول ms139 بإسلامها وتراثها واكتشاف ~~الذات. ونقفل هذا المحور بقاعدتين منهجيتين اشتغل عليهما طه ~~عبد الرحمن في وضع المفاهيم، وتفيدان في التمرس بالإبداع بقدر ~~ما تفيدان كذلك في ممارسة النقد: # 29 # القاعدة الأولى: # كل أمر معترض عليه، حتى تثبت بالدليل ~~صحته، وسماها ب «النقد الإثباتي»، ومثل هذا ~~النقد يدفع عنا آفة الإسقاط التي يقع فيها ~~مقلدة المتأخرين، وهم الذين لا قدرة لهم على ~~نقد ما يرد عليهم من خارج مجالهم التداولي؛ ~~ذلك أن تحصيل الأدلة المثبتة هو أحد الطرق ~~الموصلة إلى إنتاج أمثال هذه المفاهيم في ~~مجالها التداولي الأصلي، أو إعادة إنتاجها في ~~غير هذا المجال، فيصبح المنقول الذي تثبت صحته ~~بعزلة المأصول، وكلتا الحالتين - الإنتاج ~~وإعادة الإنتاج - علامة على التوسل بأسباب ~~الإبداع. # القاعدة الثانية: # كل أمر مأصول مسلم به، حتى يثبت بالدليل ~~فساده، وسمى هذه القاعدة ب «النقد الإبطالي»، ~~فهذا النقد يدرأ عنا آفة الإسقاط التي يقع ~~فيها مقلدة المتقدمين الذين يقدرون على نقد ما ~~يصدر من مجالهم التداولي، فتحصيل الأدلة ~~المبطلة هو أحد الطرق الموصلة إلى إنتاج أضداد ~~هذه المفاهيم في مجالها التداولي ~~الأصلي. # وبهذا يتبين - يقول طه - أننا في ممارستنا ~~المفهومية بعيدون عن تقليد المتقدمين بعدنا ~~عن تقليد المتأخرين، إذ لا نعمد إلى تغطية ~~المفاهيم المنقولة بالمفاهيم المأصولة، وإنما ~~نعيد إبداعها بما يجعلها تحمل جديدا، # 30 # لتكون هذه المعركة هي معركة تأسيس ~~الآليات المنهجية وفرشا نظريا لها. ~~(1-2) التجديد في المنهج: القواعد والأسس # سعى طه عبد الرحمن منذ باكورة أعماله إلى إنجاز عمل إبداعي ~~فكري منهجي تنفرد به الأمة العربية الإسلامية عن غيرها، وهذا ~~حق من حقوق الاختلاف، والخروج من دائرة الاتباع إلى دائرة ~~الإبداع موصولة بعقيدتها وتراثها، متجاوزا ما هو متداول في ~~الساحة الفكرية العربية المعاصرة، فقد هاله ما يدور من سموم ~~فكرية وأدوات أصابها الصدأ في تشريح التاريخ الفكري التراثي ~~للأمة، واستبداله بتراث أجنبي أو التعامل معه وفق مطامح ~~أيديولوجية فضفاضة. # عمل انطلق من تفحص أشهر الأعمال والمشاريع التي أنجزت في ~~مجال الدراسات المنهجية المعاصرة في الفكر ms140 العربي المعاصر، ~~فانتهى إلى أن هذه الأعمال تنكبت الصواب المنهجي في قراءة ~~تراث الأمة؛ لأن أغلب النقاد توسلوا في دراسته بأدوات «البحث ~~التي اصطنعها المحدثون من مفاهيم ومناهج ونظريات، معتقدين أنهم ~~بهذا التقليد قد استوفوا شرائط النظر العلمي الصحيح ...» # 31 # فمحص هذه الآليات والوسائل المنهجية، فما وجدنا ~~- يقول: «في أكثرها ما تناسب مقتضياته مقتضيات الممارسة التراثية»، # 32 # كما أن التمكن من «هذه المناهج لم يكن من نصيبهم، ~~ولا التفنن في استخدامها كان طوع أيديهم.» # 33 # فكان الوضع المنهجي المعكوس محركا ومحرضا للكشف عن خفي ~~الأوهام وعن دقيق التلبيسات التي انبنى عليها هذا الوضع، وقد ~~جاء كتابه «تجديد المنهج في تقويم التراث» ليشكل نقلة نوعية ~~في مجال البحث المنهجي المعاصر، ويزعزع بعض «الثوابت» المنهجية ~~التي كانت إلى وقت قريب لا تناقش وغير قابلة للمراجعة. # مشروع قدم تصورا متكاملا لقراءة التراث وفق منهجية علمية ~~صارمة ودقيقة وواضحة وغير مسبوقة، يقول: «لقد نحونا في تقديم ~~التراث منحى غير مسبوق ولا مألوف، فهو غير مسبوق لأننا نقول ~~بالنظرة التكاملية، حيث يقول غيرنا بالنظرة التفاضلية، وهو غير ~~مألوف؛ لأننا توسلنا فيه بأدوات «مأصولة»، حيث توسل غيرنا ~~بأدوات منقولة»، # 34 # فكانت محاولته لا مجرد انعطاف في الدرس التراثي، ~~وإنما انقطاع حقيقي فيه. وذكر هنا ثلاثة مظاهر تبين هذا الانقطاع: # 35 # أولها: # إذا كان الغالب على الأبحاث السابقة هو ~~النظر في التراث من أجل «تحديثه» أو «عقلنته» ~~أو «استصلاحه» أو «تنقيته» تحت ضغط الاستعجال ~~الثقافي والسياسي الظرفي، فإن بحثي لم يكن هدف ~~هذا وذاك، وإنما كان هو معرفة التراث من حيث ~~محدداته الموضوعية ومقوماته الذاتية على ~~مقتضى موجبات النظر العلمي الخالص، إذ لا يجوز ~~الاشتغال بتلك الأهداف إلا بعد تمام المعرفة ~~بهذه المحددات والمقدمات التراثية. # ثانيها: # أن الدراسات السابقة تمسكت في دراسة التراث ~~بالمضامين والمحتويات، باعتبارها أهم ما فيه؛ ~~فإن دراستي - يقول - اشتغلت أساسا بالوسائل ~~أو الآليات التي تم بها إنشاء هذه المضامين ~~وتبليغها وتقويمها. # ثالثها: # أنه إذا كان الغالب على الأعمال السابقة ~~تقسيم التراث أقساما متعددة ms141 وتفضيل بعضها على ~~بعض، ثم الانتهاء إلى حفظ أقل قسم منها بحجة ~~أنه هو الذي يستجيب لمتطلبات الحداثة، فإن ~~عملي لا يقسم ولا يفضل ولا ينتهي إلى حذف ولا ~~إلى استثناء. # هكذا اجتهد طه عبد الرحمن في الاحتفاظ بنوع من التوازن ~~والانسجام بين التراث وأدوات القراءة، فلم ينقلها من تراثات ~~أخرى قديمة ولا حديثة، بل أدوات من داخل هذا التراث، حرصا على ~~«استيفاء المقتضى المنطقي الذي يوجب أن يكون المنهج مستمدا ~~من الموضوع ذاته لا مسلطا عليه من خارجه»، # 36 # وسمى هذه الأدوات باسم «الآليات المأصولة» مقابل ~~«الآليات المنقولة»، لكن دون عد كل أداة منقولة مذمومة - حتى ~~لا يتوهم المتوهمون - أو غير صالحة، وإنما اشترط كل نقل شرائط ~~مرور، وأن يتقدم هذا النقل نقد كاف يمتحن فائدة الآلية ~~المنقولة ومناسبتها للموضوع. # ولا يكاد يخلو فصل من فصول الكتاب من «ممارسة منهجية، إما ~~وضعا لمفاهيم أو إنشاء لتعاريف أو صوغا لدعاوى أو تقريرا ~~لقواعد أو تحريرا لأدلة أو إيرادا لاعتراضات»، # 37 # فتوجه بنقده إلى الآليات المنهجية المنقولة في ~~دراسة التراث، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك قصور هذه الآليات ~~في تحقيق أغراض الدراسة؛ لأنها توسلت بآليات خارجية سماها ب ~~«الآليات الاستهلاكية» أو «الآليات الفرعية» أو «الآليات ~~الفوقية»، وحصرها في صنفين أساسيين: صنف «الآليات العقلانية» ~~وصنف «الآليات الأيديولوجية» أو الفكرانية باصطلاحه. # 38 # وخصص جانبا مهما في كتابه لنقد الآليات العقلانية في ~~قراءة التراث، ووقف عند حدود استعمال الآليات المجردة في ~~النقد، واختلاف «العقلانيين» اختلافا شديدا في تحديد الشرائح ~~التراثية التي تمثل أفضل تمثيل النموذج العقلاني. # فتوزعت اهتماماتهم بين النصوص الفقهية، والفلسفية، واللغوية، ~~والكلامية، ومنهم من يجمع بين أجزاء هذه النصوص، فما كان من ~~هذه «النصوص واضح الانتساب إلى العقلانية، لزم في نظرهم تحقيقه ~~والانتفاع به وفق مقتضيات الحداثة وشروط التطلع إلى المستقبل، ~~وما كان منها مجانبا أو مخاصما لهذه العقلانية، وجب عندهم ~~تركه، وإن دعت الضرورة إلى تحقيقه قصد المقارنة والمقابلة، ~~فليتجزأ منه بعينيات تؤخذ منها العبرة، ويحصل بها الاتعاظ.» # 39 # وينتقد ms142 طه أصحاب هذا التوجه، وأنهم لم يبرهنوا على تحصيل ~~الدربة في استخدام هذه الآليات، ولا أحاطوا بتمام تقنياتها ~~وبكمال وجوه إجرائيتها، كما لم يقوموا بنقد كاف وشامل لها حتى ~~تتبين مدى كفايتها الوصفية وقدرتها التحليلية وقوتها الاستنتاجية»، # 40 # كما انتقد الآليات المسيسة لقصورها هي الأخرى في ~~تحقيق أغراض التراث لأن النص التراثي أقرب إلى «التأنيس»، ~~ويقصد بالتأنيس «إيلاء الجانب الأخلاقي والمعنوي والروحي وظيفة ~~رئيسية في النهوض بالفكر، فتكون قيمة النص المقروء من جهة ~~التأنيس كامنة في الفوائد العملية والآثار المعنوية التي ~~يولدها عند القارئ أكثر مما تكمن في الجوانب التسييسية ~~والمادية، فالنص التراثي هو على الحقيقة «وحدة تأنسية» وليس ~~وحدة تسييسية ، كما يعتقد الفكرانيون، # 41 # ليؤسس لنظر تكاملي وفق آليات منهجية تتجاوز ~~الثغرات التي خلفها الاشتغال السياسي والعقلاني المجرد، فجاء ~~بناؤه المنهجي مستوفيا للشرائط والقواعد التي قعد لها، ليس ~~في قراءة التراث فحسب بل في كل قراءة. # 42 # أولاها: # ينبغي للقراءة أن تعتني بآليات النص ~~التراثي اعتناءها بمضامينه، وأن نتوسل بهذه ~~الآليات في فهم هذه المضامين؛ لأن هذا ~~التراث مشبع بهذه الآليات على قدر كبير، ولا ~~سيما اللغوية والمنطقية. # ثانيها: # ينبغي اعتماد المستجدات في باب المناهج، لا ~~في طمر هذه الآليات التراثية أو طمس معالمها، ~~وإنما استخراجها وتحديث إجرائيتها. # ثالثها: # إجراء النقد والتمحيص الكافيين لكل آلية ~~مقتبسة من تراث أجنبي قبل تنزيلها على التراث ~~العربي الإسلامي، حتى نتبين كفايتها الوصفية ~~أو التفسيرية؛ الآليات العقلانية على سبيل ~~المثال. # رابعها: # أنه ينبغي ألا يتخذ تنقيح - أو تلقيح - ~~الآليات اتجاها واحدا، فتنقح الآليات ~~الإسلامية العربية بواسطة الآليات الغربية من ~~دون العكس، بل ينبغي إجراء هذا التنقيح في ~~الاتجاهين معا، فتنفتح الآليات الغربية ~~بواسطة الآليات الإسلامية العربية؛ لأن من شأن ~~هذا الجهد أن يفتح طريق الإبداع للمفكر ~~العربي، فيخصب الآليات الأصلية ويبعث فيها ~~الحياة، ومن جهة ثانية يفتح في الآليات ~~الحديثة آفاقا لم تخطر على بال ~~واضعيها. # هذه هي أمهات القواعد التي أسس عليها طه عبد الرحمن عمله ~~الاجتهادي المتواصل في استئناف العطاء المعرفي ms143 الإسلامي ~~المعاصر المبني على النظر المسدد بأخلاق الدين ومقاصده، ~~ولأن «النمط المعرفي الحديث غير مناسب إن لم يكن غير صالح ~~للتوسل به في بناء معرفة إسلامية حقيقية؛ لأن مناهجه العقلية ~~ونتائجه العلمية تنبني على أصلين؛ أحدهما: فصل العلم عن ~~الأخلاق، ويتفرع عليه مبدأ الموضوعية الجامدة، ومبدأ التساهل ~~المسبب. والثاني: فصل العقل عن الغيب، ويتفرع عليه مبدأ ~~السببية الجامدة، ومبدأ الآلية المسيبة»، # 43 # فتحتاج الأمة إلى نمط معرفي محفوظ من هاتين ~~الآفتين: آفة الانقطاع عن الأخلاق، وآفة الانقطاع عن ~~الغيب. # وقد زاوج في مساره النقدي بين الآليات المادية والمعنوية، ~~تكاملية من شأنها أن تعيد للعقل العربي الإسلامي صفاءه ~~وفاعليته في النهوض الحضاري المعاصر، ف «ينهض على تطهير نفسه ~~من الطبقات العقلية والمحلية الموروثة عن النمط المعرفي ~~المتداول، كما تعيد إليه رسوخ وحدة النظر، فينهض إلى تجديد ~~المعرفة تجديدا يزداد فيه عملا بعلمه وكمالا بعقله، فيكون ~~علمه نافعا وعقله كاملا». # 44 # ولأول مرة - على مستوى المنهج - تصدر دراسات ذات عمق منهجي ~~تتخذ من الإسلام مرجعية الانطلاق في الفكر العربي المعاصر، في ~~مساءلة النمط المعرفي الغربي الحداثي خارج الآليات المعهودة، ~~و«أخلاقيات السطح»؛ لأن أمر الحداثة وفتنتها واعوجاجاتها بلغت ~~مبلغا لا ينفع في تقويمها اعتماد هذه الآليات المنهجية، فدفع ~~هذه الأسباب المؤذية التي خلقتها الحداثة وما كسبت لا يكون إلا ~~بقيم تعلو درجات على هذه الأسباب. # وجاءت الممارسة النقدية عنده تحمل عناصر الجدة والإبداع غير ~~معهودة عند من سبقوه في هذا المجال. يقول: «جئنا بنقد أخلاقي ~~غير معهود لمظاهر أساسية من الحداثة تعد عند سوانا سببا يحمله ~~على تعظيم أمر الحداثة الغربية، في حين تعد عندنا سببا يدعونا ~~إلى تعظيم حاجتنا إلى أخلاق الدين لحصول الانتفاع بهذه الحداثة»، # 45 # وإلا ظل الجهد ضائعا والتحليل والنقد خاليا من ~~أية قيمة إنسانية، وبعد علمي يراعي حقوق الآخرين في السؤال ~~والأخذ والرفض، واختيار أدوات الحكم على الأشياء والأفكار، أما ~~الدعوة إلى تسوية المفاهيم المنهجية على عقل واحد فذلك تحكم ~~ومصادرة للمطلوب. فيحدد اختيارات الأمة الكبرى التي لا ms144 تقبل ~~المساومة (الإسلام) أرضية الإبداع والبناء والتوجهات، لا أخلاق ~~علمية ولا علمانية كما يتوهم أهل الحداثة عندنا، ليؤسس لمشروع ~~معرفي ناهض تحدده أخلاق الإسلام ونظامه المعرفي والمنهجي، مع ~~الانفتاح الواعي والمبصر على مستجدات المعرفة الإنسانية ~~ومناهجها. # وإذا كان من فضل لهذه المدرسة فإنها استطاعت أن تخرج الفكر ~~العربي الإسلامي من النماذج الفكرية المتأرجحة الخارجية وتقترح ~~بدائل واقعية وعملية، وأن تبدع في إطار الثوابت الفكرية ~~والمنهجية للأمة، وتقدم قراءة جديدة لواقع الفكر العربي ~~المعاصر، وتشخص أزماته المركبة، وأن مبلغ هذا الفكر هو تكرار ~~وتقليد أقوال وأفعال الآخرين دون أن يمتلك الجرأة الكافية في ~~أن يقول لنا منهجنا ولكم منهجكم. # إن المدخل الأساس والطبيعي لنهضة الأمة وتأسيس حداثة إسلامية ~~راشدة هو مدى قدرتها على حصول قراءة جديدة للقرآن الكريم؛ ذلك ~~أن «القرآن هو سر وجود الأمة المسلمة، وسر صنعها للتاريخ، فإذا ~~كان هذا الوجود والتاريخ ابتدآ مع «البيان النبوي» أو قل ~~«القراءة النبوية» للقرآن، قد دشنت بذلك الفعل الحداثي ~~الإسلامي الأول إن جاز هذا التعبير في حقها، فإن استئناف هذا ~~الوجود لعطائه ومواصلة هذا التاريخ لمساره، وبالتالي تدشين ~~الفعل الحداثي الإسلامي الثاني، كل هذا لا يتحقق إلا بإحداث ~~قراءة أخرى تجدد الصلة بهذه القراءة النبوية. ومعيار حصول هذا ~~التجديد هو أن تكون هذه القراءة الثانية قادرة على توريث ~~الطاقة الإبداعية في هذا العصر كما أورثتها القراءة المحمدية ~~في عصرها.» # 46 # هكذا رفع طه عبد الرحمن قلم التحدي المعرفي والمنهجي ضد ~~التغول الغربي وحداثته ووسطائه من أبناء هذه الأمة، وكشف قلق ~~عباراتهم وتهافت أطروحاتهم، وفعلا كان تحديا قويا وناجحا ~~إلى أبعد الحدود رؤية ومنهجا، فلم يكن طه عبد الرحمن في ~~مشروعه الفلسفي عدميا تفكيكيا، بل كان تفكيكيا إنشائيا ~~مبدعا، ومحاورا ذكيا، حجته البرهان العقلي والمنطق ~~الأخلاقي والواقعي. # مشروع سعى من خلال عمقه التأويلي إلى تحرير الإنسان العربي ~~من معتقد بمفاهيم الغرب إلى منتقد لها، فالانتقاد - كما يقول ~~- دليل القوة، والاعتقاد دليل ضعف، والمنتقد مقاوم لكل مظاهر ~~الفساد المعرفي والمنهجي، فينقل فعل التفلسف العربي ms145 من تقليد ~~الغير، إلى إكسابه القدرة على إنشاء فلسفته الخاصة، ويحيي فيه ~~أسباب الدخول في الحداثة المبدعة الراشدة لا المقلدة ~~المشوهة. ~~(2) المبحث الثاني: عبد الوهاب المسيري: رؤية معرفية منهجية ~~بديلة # نقف في هذا المبحث عند تجربة فكرية غنية في مسارها، متميزة في ~~أدائها، قوية في منهجها، إنها تجربة المفكر المصري عبد الوهاب ~~المسيري رحمة الله عليه. متميزة لأنها حاولت تحرير الفكر العربي ~~المعاصر من المسار المتحيز للفكر الغربي والاستقلال عن هذه ~~التحيزات، والفكر الإنساني من الثنائيات المتناقضة ومن حداثة الغرب ~~الداروينية. # وما يجعل هذا المشروع في صلب اهتماماتنا هو عمق التحليل الذي ~~يقترحه في دراسة القضايا والإشكالات والبدائل التي يطرحها، على ~~مستوى الآليات المنهجية البديلة أو النظام المعرفي البديل لما هو ~~متداول منذ عصر النهضة العربية إلى اليوم. # بديل يرى فيه القدرة للخروج من مصائب الحضارة الغربية وتحيزاتها ~~السلبية، لكن لهذا التأسيس وهذا البناء عند المسيري مقدمات واضحة ~~ومعالم بارزة ينبغي التحكم فيها وفهمها، وإلا كان الأمر إعادة ~~وتكرارا للتجارب الماضية. ومن المداخل التي اعتمدها المسيري في ~~تأسيس بدائله نقد النموذج المعرفي الغربي كخطوة أساسية في توليد ~~نماذجنا المعرفية العربية الإسلامية، وهكذا سنركز في هذا المبحث ~~على خطوتين أساسيتين: ~~(2-1) النموذج المعرفي الغربي: رؤية نقدية # يؤمن المسيري إيمانا عميقا بأن امتلاك رؤية معرفية منهجية ~~بديلة مستقلة عن النموذج المعرفي الغربي إنما تبدأ عنده من ~~تأسيس ما سماه ب «المحور النقدي للمشروع الحضاري الإسلامي»، # 47 # الذي تبدأ أولى خطواته بنقد المشروع الغربي ~~المهيمن وكل نماذجه وتفكيك منظومته المعرفية، وقد ساعده على ~~ذلك تمرسه بالآليات المنهجية وخبرته في التعامل معها على ~~اختلاف تكويناتها العقدية. # وقد حدد المسيري موقفه القوي والصريح من هذه الحضارة ~~وآلياتها، ودعا إلى إجراء نقد صارم وحاد. يقول: «إن ما أدعو ~~له من نقد كلي وشامل للنموذج الحضاري الغربي الحديث واكتشاف ~~تحيزاته لا يعني أن نقوم بتهنئة أنفسنا، فليس الهدف هو تمجيد ~~التراث أو إسباغ الشرعية على الوضع القائم في بلادنا (...) وإنما ~~تأكيد فكرة أن استيراد هذا النموذج لن ms146 يفيدنا كثيرا في ~~محاولتنا الإصلاح والتغيير»، # 48 # كما تهدف الممارسة النقدية عنده إلى كسر ثوابت هذا ~~الغرب. # كسر مركزيته وتأكيد نسبيته، وهو أحد المداخل الأساسية في كشف ~~الخاص والعام في هذه الحضارة. إن النقد عند المسيري هو أساسا ~~«عملية تهدف إلى الفهم المتعمق، أي يجعل من الممكن أن نعزل ما ~~هو خاص بالغرب عما يصلح لأن يكون عاما عالميا، فما هو ~~عالمي يعبر عن إنسانية مشتركة، ومن ثم لن يكون من الصعب ~~تبنيه وفق شروط نسقنا النظري المستقل النابع من أسئلة واقعنا وقضاياه»، # 49 # ويراهن المسيري في هذا النقد أن يستعيد الغرب ~~نسبيته وأن يتحول إلى مركز من المراكز، لا أن يبقى مركزا ~~مسيطرا وموجها وحيدا للمراكز الأخرى. # فيواكب كسر هذا الثابت عنده نزع «صفة العالمية والمطلقية عن ~~الحضارة الغربية، وتوضيح أن كثيرا من «القوانين العلمية»، ~~التي يدافع عنها دعاة التغريب، باعتبارها تصلح لكل زمان ومكان، ~~هي نتيجة تطور تاريخي وحضاري محدد، وثمرة تضافر ظروف فريدة في ~~لحظة فريدة»، # 50 # وإنجاز هذا العمل لا يمكن أن يتم في نظره إلا من ~~خلال استعادة المنظور العالمي المقارن، بحيث يصبح «التشكيل ~~الحضاري الغربي تشكيلا حضاريا واحدا له خصوصيته وسماته ~~مثلما لكل التشكيلات الأخرى خصوصيتها وسماتها»، # 51 # ولهذا لا اعتبار لمنهجية التعميم التي تحاول فرض ~~نمط حضاري معرفي تشكل في ظروف ذاتية خاصة على تشكيلات ~~حضارية خاصة لها مسار تاريخي معين، وقد فشلت كل محاولات ~~التعميم في العالم العربي الإسلامي؛ لأنها لم تدرك هذه ~~الخصوصيات. # ويجزم المسيري باستحالة تكرار النماذج في سياقات حضارية ~~مختلفة، وتبنيها في توليد نماذجنا المعرفية والحضارية كمسلمة ~~ثابتة، يقول: «يجب أن نعرف أن المشروع الغربي لسد كل الثغرات ~~وللتوصل للقانون العام مشروع مستحيل من الناحيتين المعرفية ~~والعلمية، فمن الناحية المعرفية يفترض هذا النموذج بساطة العقل ~~وبساطة واقع الإنسان الطبيعي والاجتماعي، وبساطة الدال اللغوي، ~~وبساطة المدلول الإنساني، وبساطة العلاقة بينهما، وهو يفترض ~~بيقين كامل متعصب أن رقعة المجهول ستتناقص بالتدريج وستتزايد ~~رقعة المعلوم، وأن تحكم الإنسان في الواقع سيصبح كاملا، ms147 وهو ~~افتراض أقل ما يوصف به أنه طفولي سخيف.» # 52 # فأزمة هذا النموذج أزمة مركبة تنطلق - حسب المسيري - من أنه ~~نموذج «يضمر نزعات عدمية معادية للإنسان، فهو مشروع يصفي ظاهرة ~~الإنسان كظاهرة متميزة في الكون (حتى تصفى كل الثنائيات)، وهو ~~ينكر على الإنسان أي خصوصية، وينكر أن عقله مبدع فعال، ومن ثم ~~ينفي مركزيته في الكون»، # 53 # فأنشأ نظام التماثل بين الظواهر الإنسانية ~~والمادية الصماء، فلا فرق بين الإنسان عنده واليرقة، كما يقول ~~المسيري. # فسقطت في هذا النموذج المعرفي كل الحدود الإنسانية ومعها كل ~~الهويات، لإنجاز الوحدة المنهجية بين هذه الظواهر، والوصول ~~إلى درجة عالية من اليقينية والشمولية في التفسير، مستبعدة ~~الإنسان كعنصر فاعل ومؤثر في المعرفة ومسارها، وحولته إلى ~~عنصر متلق سلبي، لتحقيق النظر الموضوعي؛ فينحصر عمل وجهد ~~الإنسان المعرفي في عملية تراكمية، تلغي كل خاصية ذاتية ~~له. # وينتقد المسيري العقلانية المادية الغربية أو ما يسميه ~~بالموضوعية المتلقية، وهي النماذج الإدراكية والتفسيرية التي ~~تبنتها الاستنارة الفكرية الغربية بعقلانيتها المادية، حين ~~اعتبرت «المعرفة عملية تراكمية تتكون من مجرد التقاط أكبر قدر ~~ممكن من تفاصيل الواقع كما هو تقريبا بصورة فوتوغرافية، وأن ~~المعطيات الحسية تتراكم لتكون أفكارا بسيطة من تلقاء نفسها ~~وبشكل آلي (...) فلا يختلف باحث عن آخر في إدراك الحقائق، فإن ~~عملية التراكم هذه ستؤدي إلى التوصل إلى معرفة موضوعية خالية ~~من التحيزات»، # 54 # فلا اعتبار لذاكرة الإنسان الباحث وآماله وأحلامه ~~باعتبارها تشكل عائقا في طريق التلقي الموضوعي والرصد ~~الفوتوغرافي، كل هذا يعني عند المسيري أنه لا يوجد «فرق بين ~~الإنسان والطبيعة بين العلوم الطبيعية والإنسانية، ومن ثم ~~استبعدت كل العناصر التي تتجاوز سطح المادة، أي استبعدت كل ما ~~يميز الإنسان كإنسان، وانتهى الأمر باستبعاد الطبيعة البشرية ~~ذاتها بوصفها نقطة مرجعية، وتم تأكيد أن البحث العلمي الحقيقي ~~لا بد أن يستبعد الذات والخيال والقيم، فهو يجب أن يكون ~~موضوعيا ومنفصلا عن القيمة»، # 55 # ويطلب من الباحث أن يتجرد من ذاكرته التاريخية. ~~مما يجعل هذه الموضوعية المتلقية موضوعية منزوعة الجذور لا ms148 ~~انتماء لها. لكن هذا النموذج التفسيري مني بإخفاقات؛ لأن ~~«الافتراضات التي استند إليها الفكر الموضوعي تنبع من ~~العقلانية المادية لعصر التنوير، وقد ثبت أنها افتراضات إما ~~خاطئة أو بسيطة إلى درجة كبيرة، ولذا فمقدرتها التفسيرية ضعيفة»، # 56 # رغم ذلك يؤكد المسيري أن لهذا النموذج فعاليته في ~~مجاله (عالم الظواهر الطبيعية)، لكنه يفقدها ويصبح أداة اختزال ~~حين يطبق على الظواهر الإنسانية، كما عرف استقطابا حادا بين ~~العلماء في الغرب انتهى إلى أزمة المنهج في الفكر الغربي، ~~وواكبته احتجاجات وانتقادات منذ عصر النهضة، ومراجعات للأسس ~~المنهجية التي أفرزتها العقلانية المادية الغربية الأنوارية في ~~مجالات شملت كل ميادين المعرفة (النقد الأدبي - اللغة - ~~الفلسفة - التاريخ - العلوم الطبيعية والإنسانية]. # ويطالبنا المسيري بإعادة تعريف الغرب «وفقا لما يطرحه ~~والنتائج التي يحصدها من هذا الطرح، وعدم الاكتفاء بتعريفه ~~وفقا لما يفرضه هو من تحيزاته، ثم الوقوف والتحرك في الحاضر ~~صوب مستقبل تسوده قيم الإنسانية المشتركة وليس الفردوس الأرضي المزعوم.» # 57 # من شأن هذه القدرة في إعادة التعريف وإنشاء خرائط ~~إدراكية بديلة أن تعيد ترتيب العلاقة بين الغرب والأمة على ~~المستوى المعرفي والحضاري، ونخرج من دائرة الموضوعية المتلقية ~~السلبية الكسولة - بتعبير المسيري - التي سقطنا فيها أثناء ~~بناء مشاريعنا الفكرية واختياراتنا المنهجية. هذا السقوط منعنا ~~من رصد الجوانب السلبية في هذا النموذج، فعملية النقل السلبية ~~التي مارسها رواد النهضة على تعدد توجهاتهم ومرجعياتهم تحولت ~~- في رأي المسيري - إلى آلة فوتوغرافية أسكتت ذاكرة الأمة ~~وقتلت مقدراتها وقدرتها على الإبداع والخلق. # فالخريطة الإدراكية للنخبة العربية، مع ما تعانيه من فقر - ~~على مستوى المرجعيات - أدت إلى تصور أن نهضة الغرب هي نهضة ~~الأمة على أساس هذا التماثل غير الطبيعي، فحين تتبنى أمة من ~~الأمم النماذج الإدراكية لمجتمعات أخرى يتوقف عندها الإبداع ~~والحلم (ولعل الجابري يشترك مع المسيري في المقدمات والملاحظات ~~نفسها، مع اختلاف على مستوى الرؤية والمنهج)، فوقعت في التبعية الإدراكية، # 58 # أي إن الآخر هو الذي يصوغ المقولات والنماذج ~~التحليلية والتفسيرية، واستبطانها بوعي أو بدون وعي ويعتبر ~~«إمبريالية المقولات» تعبيرا عن ms149 هذه التبعية الإدراكية للغرب. ~~يقول: «وأعتقد أنه يتحكم في رؤيتنا للعالم مخزوننا الإدراكي ~~المشبع بالهزيمة. لقد قامت المقولات التحليلية الغربية بغزونا ~~منذ نهاية القرن التاسع عشر وأصبحنا ننظر إلى أنفسنا من خلال ~~المقولات الغربية.» # 59 # فهذا الإسهال المصطلحي والمفاهيمي - يقول المسيري - الذي ~~أصابنا وأصاب جهاز التفكير عندنا هو «إحدى مشاكل الفكر العربي ~~الذي ما يزال فكرا موضوعيا، أي يتعامل مع المضامين المباشرة ~~ولا يصل إلى العلاقات الكامنة أو إلى النموذج الكامن» # 60 # في كل ما يستورده ويستهلكه من المعرفة والحضارة ~~الغربية. ويرى المسيري أن النماذج المعرفية الإدراكية ليست ~~معايير واحدة ومماثلة، إذ «لكل نموذج معرفي معاييره الداخلية ~~(أو مرجعيته النهائية) التي تتكون من معتقدات وفروض ومسلمات ~~وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذوره الكامنة وأساسه ~~العميق وتزوده ببعده الغائي، وهو جوهر النموذج والقيمة الحاكمة ~~التي تحدد النموذج وضوابط السلوك، حلال النموذج وحرامه، وما هو ~~مطلق ونسبي من منظوره، فهي باختصار مسلمات النموذج الكلية أو ~~مرجعيته التي تجيب عن الأسئلة الكلية والنهائية.» # 61 # وعلى ضوء هذه الحقيقة والمرجعيات يحدد المسيري مفهوم المنهج ~~في البحث العلمي، إذ المنهج ليس هو مجرد آليات وإجراءات تقنية ~~يوظفها الباحث في دراسة الظواهر، بل هو «إجراءات وآليات تتضمن ~~تحيزات محددة وأعباء أيديولوجية»، # 62 # إذ من خلالها يتم «استبقاء بعض التفاصيل والمعطيات ~~والمعلومات، واستبعاد أو تهميش البعض الآخر حسب خريطة الباحث ~~الإدراكية، وحسب النموذج المعرفي الذي يحدد من خلاله الجوهري ~~من الهامشي، وعليه فالمنهج هو تعبير عن طريقة تفكير الباحث ~~ورؤيته للعالم.» # 63 ~~(يصدق هذا التحليل على النماذج السابقة القومية ~~والعلمانية واليسارية أثناء تعاملها مع التراث ومخزون الأمة ~~الحضاري ورموزها.) # فالمنهج عنده رؤية معرفية يبنى من خلال النموذج المعرفي لكل ~~أمة، ومن خلاله تحدد الأسئلة والمقدمات ونحصل النتائج، وفي ~~حالة عدم امتلاك هذه الرؤية وهذا المنهج سنجد أنفسنا نطرح ~~أسئلة حددت لنا سلفا قد لا تعنينا كثيرا، ونصل في نهاية ~~الأمر إلى نتائج تدعم وجهة نظر الآخر، وتهمل قضايا مصيرية في ~~الأمة ونرغم على الدخول في حركة ms150 تاريخية خطية أحادية التصور ~~والرؤية والنموذج، وتهمل التعددية والحق في الاختلاف. # فهذا الإحساس والإدراك بعدم براءة هذه النماذج والآليات ~~المنهجية الموظفة في تحليل بنية المجتمع العربي الفكرية ~~واستبطانها لنماذجها القيمية؛ جعل المسيري يدعو إلى ضرورة ~~إخضاع المنهج الذي نستخدمه لعملية «تقييم حتى نكتشف تحيزاته ~~وننقي آلياته منها، أو على الأقل نطوعها بحيث يمكن توظيفه ~~وتوظيف آلياته داخل إطارنا المعرفي، فيمكن أن أستخدم المنهج ~~البنيوي في التحصيل دون أن أصبح بنيويا معاديا للإنسان، وأن ~~أستخدم المنهج التفكيكي دون أن أصبح تفكيكيا عدميا»، # 64 # داعيا إلى تجاوز الخطاب الاختزالي، وتبني الخطاب ~~التفسيري التركيبي في تقييم النماذج المعرفية الغربية لأن ~~«التوقف عند المستوى الجزئي مع بقاء البناء على حاله قد يؤدي ~~إلى عملية ترقيع وتلفيق تفقدنا هويتنا دون أن نكتسب هوية جديدة.» # 65 # بهذه الرؤية يتجاوز المسيري النماذج المعرفية ~~التفسيرية، التي عرفها تاريخ المناهج في الغرب وهيمنت على ~~الفكر العربي الحديث والمعاصر، العلماني، القومي، المادي، ~~ليؤسس لخريطة إدراكية ولنموذج معرفي يستمد مقوماته من النموذج ~~المعرفي الإسلامي التوليدي. ~~(2-2) النموذج المعرفي الإسلامي التوليدي، البديل: الأسس ~~والمنطلقات # لم يقف المسيري عند نقطة الرصد لمنزلقات النموذج المعرفي ~~الغربي وتحيزاته، وانتقاده للتيارات التغريبية في الوطن العربي ~~وفشلها في صناعة نماذجها المعرفية الخاصة، بل فعل هذا بكفاءة ~~عالية، لكن تجاوزه إلى اقتراح بديل معرفي لتجاوز مثالب النماذج ~~المستعارة، من خلال الأسس المنهجية الآتية: ~~(أ) الهوية العربية الإسلامية # شكلت الهوية العربية الإسلامية أهم عناصر النموذج ~~الذي حاول المسيري «صكه للبناء وللإعمار، وهو نموذج مستلهم ~~من البيئة العربية الإسلامية وغير مهزوم أمام الآخر» # 66 # من المرجعية الكبرى للأمة - الوحي - لا ~~خارجها، ودفاعه عن هذه الهوية - المرجعية - ليس من باب ~~«الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من ~~مثقفي الأمة، وإنما عن دراية بسبل تأكيد الهوية، فأولى ~~خطوات النهضة إنما تبدأ عنده بإعادة الثقة فيما نملك، ~~فلدينا قيمة مطلقة من استخلافنا في الأرض، إلى جانب قيم ~~واقعية متمثلة في الموروث الحضاري القيمي»، # 67 # نسمات هذا البديل نابعة من هذه المرجعية ms151 ~~المطلقة: القرآن والسنة «اللذان يحويان القيم الإسلامية ~~المطلقة والإجابة الإسلامية على الأسئلة النهائية»، # 68 # لكن لا ليكرر النموذج المرفوض - نموذج ~~الموضوعية المتلقية - والوصول إلى قوانين صارمة نهائية ~~وصيغ جبرية تفسر كل شيء، وتستبعد الذات الإنسانية، ~~فالنموذج «المقترح لن يسقط في الموضوعية المتلقية، والتي ~~تفترض عقلا قادرا على الإحاطة بكل شيء، وواقع بسيط يمكن ~~الإحاطة به، كما أنه لن يسقط في الذاتية التي تعني ذاتا ~~متمحورة حول نفسها لا تكثرت بتركيبة الواقع، وتحاول أن ~~تملي رؤيتنا وإرادتنا عليه.» # 69 # ارتباط مفهوم الاجتهاد بهذا النموذج البديل عنده سيحول ~~دون السقوط في المنحى الذي حاربه في النموذج المتلقي، لأن ~~المنطلقات المرجعية مختلفة، فالنموذج الاجتهاد التفسيري ~~تتسم فيه بالتوليدية والانفتاح والتركيب، عكس النموذج ~~المتلقي الذي تتسم فيه بالتراكم والانغلاق والاختزال، وأن ~~محاولة «المعرفة الكاملة والتحكم الكامل محاولة شيطانية ~~مستحيلة؛ لأن الواقع الإنساني مركب ثري ولا نهاية لهذا ~~التركيب وهذا الثراء.» # 70 # وأهم منطلقات هذا النموذج المعرفي هو إدراك أن «ثمة ~~حيزا إنسانيا يترك فيه الإنسان ويمارس إنسانيته، ومن ثم ~~يصبح مختلفا عن الكائنات الطبيعية، فهو كائن مركب وعنصر ~~حر مسئول لا يتجاوز حتميات النظام الطبيعي المادي، ولا ~~يمكن أن يرد في كليته إليه، ولا يمكن أن يمزج بالظواهر ~~الطبيعية ويذوب فيها (...) وهذا يعني أن ثمة ثنائية أساسية ~~تترجم نفسها إلى انفصال بين الإنسان المركب والواقع ~~الطبيعي المادي.» # 71 # فالمقولة الإنسانية جوهر هذا النموذج بإمكانات هذا ~~الإنسان وعلامات تميزه وتفرده كائنا فريدا مركبا، ~~والعالم من «منظور النموذج البديل ليس مادة مصمتة، بل تتسم ~~بثنائية لا يمكن تصفيتها، وبدلا من استخدام مقولات مادية ~~تفسيرية وحسب، تفرض الواحدية على الواقع وتسوي الإنسان ~~بالطبيعة، يمكن استخدام مقولات تفسيرية مادية، غير مادية، ~~كمية/كيفية مستمدة من النظام الطبيعي متجاوزة له في ذات ~~الوقت، ومن ثم يمكننا من خلالها التعامل مع ظاهرة الإنسان ~~في كل تركيبتها.» # 72 # نموذج يعترف بكل الثنائيات، ولا يعمل على ~~تصفيتها: ثنائية الإنسان والطبيعة، ثنائية الخالق ~~والمخلوق، وهي الثنائيات التي استطاع المسيري أن يؤسس من ~~خلالها نماذجه ms152 التفسيرية وخرائطه الإدراكية، ومن ثم استطاع ~~قراءة الأحداث على تنوع مجالاتها وساحاتها (الفكرية ~~والسياسية، والفنية والأدبية ...) من خلال وضعها داخل نماذج ~~فضفاضة لا تنغلق على ذاتها. # 73 # وعلى هذا الأساس ف «الإنسان ووحداته الاجتماعية لا يمكن ~~تصفيتها لصالح الدولة، والماضي لا يمكن إسقاطه أو تجاهله ~~لصالح الحاضر، ولا يمكن إلغاء الحاضر لصالح الماضي أو ~~المستقبل، والإنساني لا يمكن تجاهله لصالح الطبيعي»، # 74 # بذلك يزحزح المسيري كل العقائد المنهجية التي ~~عرفها الفكر الغربي والعربي على حد سواء، ويعيد تركيب ~~وصياغة المنهجيات والآليات التفسيرية، وفق النموذج المعرفي ~~الإسلامي، ووفق الخريطة الإدراكية التي يؤسسها النموذج ~~الذي سماه ب «نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي»، بمعنى ~~أنه «يسمح بوجود ثغرات بين الأسباب والنتائج، بين الكل ~~والجزء، وبين الأجزاء بعضها وبعض (...) ولذا لا يسقط في ~~الواحدية أو التماسك العضوي.» # 75 # ووجود الله تعالى هو «ضمان ألا تسد هذه ~~الثغرة وألا تصفى ثنائية الإنسان والطبيعة؛ إذ تظل هناك ~~مقولة تفسيرية غير مادية تشكل ثنائية كبرى، هي ثنائية ~~الخالق والمخلوق، تتفرع عنها كل الثنائيات الأخرى.» # 76 # فالإنسان في هذا الكون يتمتع بكامل الحرية دون أن يعني ~~ذلك استقلاله عن الله تعالى وإرادته ومشيئته، فيكون ~~النموذج الاجتهادي هو الذي يحدد المسافة بين المطلق (الله ~~تعالى)، والنسبي (العقل الإنساني وإرادته) في تفسير ~~الأحداث ورصدها وتركيبها. نموذج لا يطمح «للتحكم الكامل ~~والمعرفة الكاملة أو التفسير النهائي أو اليقين المطلق، ~~فإنه لن يحاول الوصول إلى نظرية كبرى شاملة نهائية، وإنما ~~إلى نظرية كبرى وشاملة نسبيا أو داخل حدود ما هو ممكن إنسانيا». # 77 ~~(ب) تحرير المصطلحات والمفاهيم من التحيزات # في سبيل استكمال البناء، يطرح المسيري إشكالية المصطلح ~~والتحيز، فبناء النماذج المعرفية والآليات التحليلية يفرض ~~إدراك هذا التحيز المصطلحي، بمعنى أن ثمة اختلافات جوهرية ~~تحددها اللغة الإنسانية، إذ لا توجد «لغة إنسانية واحدة ~~تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوناته، ~~أي لا بد من الاختيار، وكل لغة مرتبطة إلى حد كبير ببيئتها ~~الحضارية وأكثر كفاءة في التعبير عنها.» # 78 # ويدرك المسيري ms153 أهمية المعجم العربي في توليد المفاهيم ~~وبناء النموذج المعرفي، لأن اللغة مرتبطة بحضارتها، فلا ~~يمكن أن تنتج بلغة غيرنا ومفاهيمها، فجهاز مفاهيمنا ينبغي ~~توليده وبالضرورة من هذه اللغة المتجذرة تاريخيا ~~وحضاريا، فمعظم المصطلحات التي نستخدمها في العلوم ~~الإنسانية تم استيرادها من الغرب «بأمانة وموضوعية دون ~~إدراك للمفاهيم المتحيزة، ولهذا فقد الإنسان العربي ~~القدرة على تسمية الأشياء، ومن لا يسمي الأشياء يفقد ~~السيطرة على الواقع والمقدرة على التعامل معه بكفاءة». # 79 # والتحيز في المصطلح - كما يرى المسيري - تحيز مزدوج، ~~تحيز سياقه، وتحيز من صاغه. ولهذا فإن «المصطلحات التي ~~نستوردها تم سكها في العالم الغربي بعناية بالغة تنبع من ~~تجارب تاريخية ونماذج تحليلية ورؤى معرفية ووجهات نظر ~~غربية (...) ومرتبطة بسياقها الحضاري الذي نشأت فيه.» # 80 # ويدعو إلى تنقية المعجم المصطلحي والمفهومي ~~المتداول منذ القرن التاسع عشر وإنشاء، وتوليد مفاهيم ~~بديلة تعبر عن حقيقة الرؤى التي نحملها ونبشر بها وتحررنا ~~من تحيزات الحضارة الغربية . # أما منهجية بناء هذه المفاهيم وتوليدها فتبدأ عنده ~~بالدعوة إلى إلغاء الاعتماد على الترجمة للأسماء والأشياء ~~ومعانيها، والنظر إلى الظاهرة في سياقها، بحيث تتم دراسة ~~المصطلح الغربي الذي يشير إليها في سياقه الأصلي دراسة ~~جيدة، والتعرف على مدلولاته، ومحاولة توليد المصطلح من ~~داخل المعجم العربي، بحيث لا يكون ترجمة حرفية # 81 # دون أن يعني ذلك انغلاقا على الذات؛ لأن ~~«الانفتاح الحقيقي هو عملية تفاعل مع الآخر نأخذ منه ونعطي ~~ونبدع من خلال معجمنا؛ لأن الإبداع من خلال معجم الآخر مستحيل.» # 82 # لذا يرى ضرورة تفعيل المعجم العربي حتى نتمكن من توليد ~~معارفنا ومناهجنا واكتساب القدرة على التواصل والتعبير عن ~~هويتنا الحضارية، فمن الظواهر ما لا يمكن التعبير عنها ~~بواسطة النماذج المستوردة بسبب حدودها الإدراكية. # وعندما نتمكن - الكلام للمسيري - من تحقيق الجهد ~~التفكيكي النقدي الإبداعي للنموذج المعرفي الغربي، وتوضيح ~~هويته وإعادة تركيبه، وزيادة القدرة التوليدية للنموذج ~~البديل، وتحول الغرب إلى مركز من المراكز، سننظر إلى الغرب ~~بدون قلق ودون مركب نقص، ليس كما فعل ويفعل دعاة التغريب، ~~وإنما يمكننا دراسته ms154 كمتتالية حضارية تتسم بما تتسم به من ~~سلبيات وإيجابيات، # 83 # ونتعامل معه برؤية نقدية إبداعية منفتحة ووفق ~~قيمنا الحضارية. # ما قدمناه من جهد لهذه المحاولة لا يعني أن الأمر قد ~~صفي نهائيا، بل هي محاولة جريئة تنتظرها محاولات أكثر ~~جرأة في إطار عمل مؤسساتي يحتضن الأفكار، ويمكن لها في ~~مؤسسات المجتمع. تلك مشكلة المشاريع الفكرية في عالم العرب ~~والمسلمين. لكن يكفي أن أفكار الرجل أعادت ترتيب كثير من ~~القضايا على المستوى المنهجي ونفثت نفسا جديدا في العقل ~~العربي المسلم، وقدم جهدا متميزا في منهجية بناء ~~المعرفة، من خلال مفهوم مركزي في مشروعه الفكري، هو مفهوم ~~التحيز، وإعادة تشكيل العقل العربي، من عقل تراكمي اختزالي ~~إلى عقل تركيبي اجتهادي بنائي توليدي. # | خاتمة # نصل إلى خاتمة الموضوع، وإلا فإن الموضوع من وجهة نظر الفكر المنهجي ~~يمثل بداية وفاتحة مرحلة جديدة لاستئناف النظر في قضايا ما تزال فيها ~~الجهود قليلة وفردية، فالمسألة ليست مسألة بحث يكتب في مرحلة من ~~المراحل، بقدر ما هي قضية الأمة المركزية المطروحة على استمرار، التي ~~تستدعي تكاثف الجهود؛ وتجميع الطاقات الإبداعية على اختلافها وتنوعها ~~في الأمة، التي تقف اليوم على عتبة تحولات جوهرية تضعها بين مصيرين لا ~~ثالث لهما: # إما المشاركة في تأسيس مشروع حضاري عالمي واستئناف عملها التجديدي، ~~وإما التبعية الدائمة والمركبة للآخر. ولهذا كان سعينا في هذا العمل ~~إبراز بعض الإشكالات المعرفية والمنهجية التي حالت دون الانطلاقة ~~الطبيعية لها في مشروع استكمال استقلالها الاستقلال الفكري والمنهجي، ~~لصياغة الحلول المناسبة لإشكالاتها وتوسيع أفق عملها وانتظاراتها ~~المستقبلية. # وقد ميزنا في هذا العمل بين ثلاث مدارس في الفكر العربي ~~المعاصر: # المدرسة القومية التي استشعرت مبكرا قضية التحيز لاختيارات الأمة ~~وبرامج عملها، وحقها في المحافظة على تميزها الحضاري، بعد محاولات ~~نقدية من الداخل، لكنها بقيت وفية في كثير من أطروحاتها على مستوى ~~التحليل للإطار المرجعي للحضارة الغربية، ولم تستطع أن تنجز ما وعدت، ~~لعجز في تصورها أو خلل في أدوات العمل عندها. # المدرسة العلمانية التي فضلت الإبحار خارج المياه الإقليمية ms155 ~~والحدود الجغرافية والتاريخية للأمة، وانخرطت بشكل كلي في مشروع الآخر ~~الذي رأت فيه الحل النهائي لأزمتها، فشرعت في استيراد النماذج الجاهزة ~~والمعلبة، دون اعتبار للشروط الحضارية والتاريخية لهذه النماذج ~~وللمجتمع المراد تحديثه، فافتقدت آليات التحليل عندها للزمن التاريخي ~~وللوعي الحضاري، في حين أن عملية التحديث والنهضة عملية شاقة يرتبط ~~فيها ما هو نفسي بالتاريخي والواقعي والعقدي. # أما النموذج الثالث الذي اشتغلنا عليه «المدرسة البنائية التأصيلية ~~في الفكر العربي المعاصر» فقد توخى أن تسلك الأمة مسلكها الطبيعي ~~الذي سلكته كل أمم العالم في مشاريعها النهضوية، مسلك الذات والهوية ~~الحضارية العربية الإسلامية، لا مسلك المقايسة المعكوسة، دون أن يعني ~~ذلك بخس جهود المدارس الأخرى. # وخلصنا في هذه الدراسة المتواضعة إلى نتائج تقريبية غرضها البحث عن ~~سبل المواجهة لكل مظاهر القصور في الأمة، أكدنا فيها أن اهتمامات ~~وانشغالات الفكر العربي المعاصر لم تكن تعكس حقيقة هموم الأمة بقدر ما ~~كانت قضايا مستعارة، كانت نتيجتها الهزيمة، التي يقر بها رواد هذا ~~الفكر (من القوميين واليساريين) على كل المستويات. # هذا الفشل يرجع في تقديرنا إلى طبيعة الفكرة التي يحملها هذا الفكر ~~وضعف دلالتها الوظيفية الاجتماعية، أي إنها تفتقد إلى مبرر وجودها ~~واستمرارها في الواقع والوجدان العربي، فطبيعة الفكرة الدافعة هي التي ~~تقف وراء أي مشروع ومقدار قوتها في لحظة الانطلاق، وهذا ما افتقدت إليه ~~الفكرة التي شكلت نقطة ارتكاز في مشروع هذا الفكر الذي نظر إلى ~~مجتمعه بمركبات ذهنية خارج السياق العربي وبعنف في كثير من ~~الأحيان. # وإن الأسس والمنطلقات المنهجية التي ابتكرها الغرب كانت استجابة ~~ذاتية، ووفق منطق داخلي وتطورات تاريخية مرتبطة بالسياق الغربي، غير ~~قابلة للتعميم الصارم، لهذا فإن أي تناول علمي لهذه الأسس، ومحاولة ~~تقريبها إلى المجال التداولي العربي الإسلامي، ينبغي - وبالضرورة - أن ~~يضع في الاعتبار هذا السياق التاريخي والحضاري. # كما حاولنا خلال هذا العمل أن نبرهن أن المشكلة المنهجية التي تواجه ~~الأمة في حاضرها ومستقبلها هي مشكلة المفاهيم، حيث ظلت وإلى الآن تحت ~~الاستعمار المفهومي الغربي (في التربية، والاقتصاد، والسياسة، والمعرفة ms156 ~~وفروعها ...) دون أن تقوى على صناعة مفاهيمها الذاتية، وأن أي تخطيط ~~للمستقبل إنما يبدأ من معركة المفاهيم وتحقيق الاستقلال على مستوى ~~مقولات التحليل والتفسير، مع تطوير منهجية استيعاب المفهوم الوافد ~~وتتبع آثاره في ثقافة الأمة ودرجة انسجامه مع أصولها؛ لأن فهم ~~المنهجيات الوافدة واستيعابها هو ارتقاء في المواجهة وخروج من التبعية ~~وقدرة على الإبداع. # إن حل القضايا الخلافية الفكرية والمعرفية بين دعاة التقليد للغرب ~~والاستقلال الحضاري سبيله الحوار النافع بحثا عن نقاط الاتفاق ~~وتعزيزها - لأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا - ونقاط الاختلاف وتقريب ~~وجهات النظر فيها. ويبدو أن التحولات الراهنة للواقع أكبر تحد للنخب ~~العربية على إجراء نقد ذاتي وعقلاني لبدء مرحلة جديدة حول المرتكزات ~~الفكرية والمنهجية المخلصة لها من أمراض التقليد التاريخي ~~والغربي. # التأصيل لقواعد المنهجية الإسلامية لا بد أن يرتكز على مكونات وعناصر ~~متكاملة، وإغفال عنصر من هذه العناصر سيضر لا محالة بالموقف الفكري ~~المنهجي السليم، ويفوت على الأمة توطين الذات، ويضعفها في ساحة ~~المواجهة مع الاختيارات المنهجية الأخرى. # اختيارات ترتبط بالوحي إطارا منهجيا، ومرجعيا شاملا للمعرفة ~~الإسلامية، وبناء التصورات والاختيارات الكبرى، ثم التراث بمدارسه ~~المختلفة التي تعتبر ترسانة فكرية وخبرة منهجية لا يمكن تجاهلها في أي ~~بناء فكري ومنهجي، فإذا جاز لأمم العالم أن تفرط في تراثها، فإنه لا ~~يجوز للأمة العربية الإسلامية التي يشكل التاريخ ذاكرتها الحضارية، ~~بشرط تطوير منهجية القراءة والاستيعاب. منهجية قادرة على استصحاب قيم ~~الحق الثابتة فيه، والواقع وما يفرزه من إشكالات معرفية، ومعالجات ~~منهجية لطوارئ الأحداث والقضايا. # كما لا تستغني عن الانفتاح على التراث الإنساني العالمي - لا الغربي ~~- ومستجدات المنهجيات وفق منهجية تجنبنا تكرار التجارب ~~الفاشلة. # هذه الدراسة جهد مقل أحسبه لبنة في الفكر المنهجي تنتظره لبنات ~~أخرى، حاولنا فيه قدر الوسع والطاقة أن نلامس بعضا من الإشكالات ~~المنهجية، ومجالات وأسباب القصور فيها في الفكر العربي المعاصر، وحاجة ~~الأمة إلى وصفات منهجية تشفي العلل، وتزيد المناعة الذاتية قوة ~~وصلابة. # والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء ~~السبيل. # حرر ببني ملال، 13 ms157 من ذي الحجة 1439ه، الموافق 25 غشت ~~2018م. # د. عبد الله أخواض # | لائحة المصادر والمراجع # (1) # ابن نبي، مالك: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار ~~الفكر، دمشق، سوريا، ط1، 1988م. ~~(2) # إبراهيم، عبد الله: المطابقة والاختلاف، المركزية ~~الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات، المركز ~~الثقافي العربي، ط1، 1997م. ~~(3) # أبي نادر، نايلة: التراث والمنهج بين أركون والجابري، ~~الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2008م. ~~(4) # الإدريسي، حسين: محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل ~~العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2010م. ~~(5) # أركون، محمد: # الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة هاشم ~~صالح، مركز الإنماء القومي، لبنان، ~~1987م. # الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، دار الساقي ~~ط3، 1998م. # تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مركز ~~الإنماء القومي، بيروت ط2، 1996م. ~~(6) # أمزيان، محمد: منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية ~~والمعيارية، بيت الحكمة للترجمة والنشر ط3، 1996م. ~~(7) # أنور علا، مصطفى: أزمة المنهج في العلوم الإنسانية، ضمن ~~كتاب قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، ~~منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة المنهجية ~~الإسلامية (12)، ط1، 1996م. ~~(8) # بارة، عبد الغني: الهرمينوطيقا والفلسفة: نحو مشروع عقل ~~تأويلي، منشورات الاختلاف ط1، 2008م. ~~(9) # بلقزيز، عبد الإله: أسئلة الفكر العربي المعاصر: السلسلة ~~الشهرية المعرفة للجميع، عدد21 أكتوبر 2001م. ~~(10) # بوحسن، أحمد: في المناهج النقدية المعاصرة، مكتبة دار ~~الأمان للنشر والتوزيع، ط1، 2004م. ~~(11) # ترناس، رتشار: آلام العقل الغربي، فهم الأفكار التي قامت ~~بصياغة نظرتنا إلى العالم، ترجمه إلى العربية فاضل جتكر، ~~دار الكلمة، المملكة العربية السعودية ط1، 2010م. ~~(12) # تزيني، طيب: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر ~~الوسيط، دار دمشق للطباعة والنشر. ~~(13) # تورين، آلان: براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة ~~جورج سليمان، المنظمة العربية للترجمة ط1، 2011م. ~~(14) # الجابري، محمد عابد: # في نقد الحاجة إلى الإصلاح، مركز دراسات ~~الوحدة العربية، ط1، 2005م. # الخطاب النهضوي العربي مراجعة نقدية، مركز ~~دراسات الوحدة العربية ط3، 2009م. # إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات ~~الوحدة العربية ط6، 2010م. # الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية ~~نقدية، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1988م. # العقل الأخلاقي العربي، المركز الثقافي ~~العربي، دار النشر المغربية، البيضاء، ~~ط1، 2001م. # العقل السياسي العربي: ms158 محدداته وتجلياته، ~~المركز الثقافي العربي، ط1، 1991م. # تكوين العقل العربي، المركز الثقافي العربي، ~~ط4، 1991م. # بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية ~~لنظم المعرفة في الثقافة العربية، المركز ~~الثقافي العربي، ط2، 1991م. # مسألة الهوية العروبة والإسلام والغرب، ~~مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ~~ط1، 1995م. ~~(15) # جبرون، امحمد: مفهوم الدولة الإسلامية، أزمة الأسس ~~وحتمية الحداثة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ~~ط1، 2014م. ~~(16) # الجراري، عباس: خطاب المنهج، منشورات السفير، ~~ط1، 1990م. ~~(17) # حرب، علي: نقد النص، المركز الثقافي العربي، ~~ط4، 2005م. ~~(18) # الحسن، العباقي: القرآن الكريم والقراءة الحداثية، دراسة ~~تحليلية نقدية لإشكالية النص عند محمد أركون، أنوار للنشر ~~والتوزيع، ط1، 2010م. ~~(19) # الحصري، ساطع: أبحاث مختارة في القومية العربية: الأعمال ~~الكاملة، سلسلة التراث القومي (17) طبعة خاصة، ~~1985م. ~~(20) # حمودة، عبد العزيز: المرايا المحدبة من البنيوية إلى ~~التفكيك، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون ~~والآداب، الكويت، عدد: 232، أبريل 1998م. ~~(21) # الخطيب، سليمان: أنماط انتقال الأفكار وآلياتها بين ~~التفاعل والاستلاب، ضمن كتاب الحوار والغرب: آلياته - ~~أهدافه - دوافعه، سلسلة التأصيل النظري للدراسات الحضارية ~~(1)، 2008م. ~~(22) # خليل، عماد الدين: مدخل إلى إسلامية المعرفة، المعهد ~~العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1991م. ~~(23) # زويد، المطيري منصور: الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع: ~~الدواعي والإمكان، كتاب الأمة، العدد 33، السنة ~~1413ه. ~~(24) # سكوت، هيبارد: السياسة الدينية والدول العلمانية: مصر ~~والهند والولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة الأمير سامح ~~كريم، عالم المعرفة ع413، 2014م. ~~(25) # سيف، عبد الفتاح إسماعيل: بناء المفاهيم الإسلامية ضرورة ~~منهجية، المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية، ~~سلسلة ندوات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ~~ط1، 1992م. ~~(26) # شبار، سعيد: # الاجتهاد والتجديد في الفكر العربي الإسلامي ~~المعاصر، دراسة في الأسس المرجعية والمنهجية، ~~المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، ~~2007م. # الحداثة في التداول الثقافي العربي الإسلامي ~~نحو إعادة بناء المفهوم، منشورات الزمن ~~ع36، 2002م. ~~(27) # شفيق، منير: # الإسلام في معركة الحضارة، دار البراق للنشر ~~والتوزيع، ط1، 1991م. # قضايا التنمية والاستقلال في الصراع ~~الحضاري، ط2، 1992م. ~~(28) # صالح، أماني: منهجية التجديد من خلال الاستفادة من بعض ~~الاقترابات والمفاهيم والأدوات الغربية: نموذج لتوظيف ~~الاقتراب البنائي الوظيفي، كتاب المنهجية الإسلامية، ~~المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار ms159 السلام للطباعة للنشر ~~والتوزيع والترجمة، ط1، 2010م. ~~(29) # عبد الباقي، لؤي: قراءة نقدية للمفاهيم الحديثة في ~~الخطاب العربي المعاصر، أيديولوجيا الحداثة وثقافة فكر ~~المستعار، مقال من الإنترنت، موقع الجمعية الدولية ~~للمترجمين واللغويين العرب. ~~(30) # عبد الرحمن، طه: # بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل ~~الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث ~~والنشر، ط1، 2014م. # سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي ~~للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، ~~ط4، 2009م. # في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز ~~الثقافي العربي، ط2، 2007م. # تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز ~~الثقافي العربي، ط1، 1994م. # روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة ~~الائتمانية، المركز الثقافي العربي، ط1، ~~2012م. # الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز ~~الثقافي العربي، ط1، 2005م. # حوارات من أجل المستقبل، منشورات جريدة ~~الزمن، العدد 13، أبريل 2000م. ~~(31) # عبد اللطيف، كمال: التفكير في العلمانية: إعادة بناء ~~المجال السياسي في الفكر العربي، أفريقيا الشرق 2002، ~~بيروت لبنان. ~~(32) # ابن عدي، يوسف: قراءات في التجارب الفكرية العربية ~~المعاصرة: رهانات وآفاق، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ~~بيروت، ط1، 2011م. ~~(33) # العطاس، سيد محمد نقيب: مداخلات فلسفية في الإسلام ~~والعلمانية، ترجمة محمد طاهر الميساوي، المعهد العالي ~~العالمي للفكر والحضارة الإسلامية، دار الفجر ودار النفائس ~~للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2000م. ~~(34) # غريغوار، منصور مرشو وخوان أنطونيو باتشيكو: العقلانية ~~في الفكر العربي المعاصر، دار الفكر، دمشق ~~ط1، 2012م. ~~(35) # غليون، برهان: العقلانية ونقد العقل: ملاحظات منهجية، ~~ندوة العقلانية العربية والمشروع الحضاري، (6) منشورات ~~المجلس القومي للثقافة العربية، سلسلة الندوات، الطبعة ~~الأولى، 1992م. ~~(36) # الغنوشي، رشيد: مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني، ~~المركز المغاربي للبحوث والترجمة 1999م. ~~(37) # فكار، رشدي: تأملات إسلامية في قضايا الإنسان والمجتمع، ~~مكتبة وهبة، القاهرة ط2، 1987م. ~~(38) # كلشني، مهدي : من العلم العلماني إلى العلم الديني، قضايا ~~إسلامية معاصرة، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، ~~ترجمة سرمد الطائي، ط1، 2003م. ~~(39) # كوش، عمر: أقلمة المفاهيم: تحولات المفهوم في ارتحاله، ~~المركز الثقافي العربي، ط1، 2002م. ~~(40) # محفوظ، محمد: الإسلام، الغرب وحوار المستقبل، المركز ~~الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2000م. ~~(41) # محمد، يحيى: نقد العقل العربي في الميزان، دراسة مطارحات ~~«نقد العقل العربي» ms160 للمفكر المغربي محمد عابد الجابري، ~~أفريقيا الشرق، المغرب، 2009م. ~~(42) # المرزوقي، أبو يعرب: آفاق فلسفة عربية معاصرة، بالاشتراك ~~مع الطيب التيزيني، دار الفكر المعاصر، دمشق، ~~ط1، 2001م. ~~(43) # مروة، حسين: النزعات المادية في الفلسفة العربية ~~الإسلامية، دار الفارابي، بيروت، لبنان. ~~(44) # المسيري، عبد الوهاب: # رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر، ~~سيرة غير ذاتية غير موضوعية، الهيئة العامة ~~لقصور الثقافة، القاهرة، ط1، 2000م. # إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة ~~للاجتهاد، تصدير المقدمة، تحرير المعهد ~~العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة المنهجية ~~الإسلامية (9) ط2، 1996م. # الثقافة والمنهج: تحرير سوزان حرفي، دار ~~الفكر دمشق، ط1، 2009م. # العلمانية والحداثة والعولمة، تحرير سوزان ~~حرفي، ط1، 2013م. # العلمانية الجزئية والشاملة، دار الشروق، ~~ط1، 2002م. ~~(1) المجلات والدوريات ~~(45) # أركون، محمد: الإسلام والحداثة، ندوة مواقف، دار ~~الساقي، الطبعة الأولى، 1990م. ~~(46) # بلعقروز، عبد الرزاق: من عقلانية الحداثة إلى ~~عقلانية الإيمان التوحيدي، مجلة إسلامية المعرفة، ~~السنة التاسعة عشرة، ع76، 2014م. ~~(47) # الربيعو، تركي علي: مدخل لدراسة أزمة النمط الحضاري ~~المهيمن، مجلة منبر الحوار، ع30، 1993م. ~~(48) # زكريا، خضر: الباحث الاجتماعي العربي والسياسة، مجلة ~~الوحدة العربية، العدد 58-59، 1989م، منشورات المركز ~~القومي العربي. ~~(49) # سليمان، خالد محمد: المناهج النوعية والكمية، قراءة ~~أولية في المنطلقات المعرفية، مجلة إسلامية المعرفة، ~~السنة التاسعة، العدد 33-34، صيف وخريف 2003م. ~~(50) # شبار، سعيد: في مفهوم «النخبة» ودور الوسيط أو ~~المصدر الثقافي، مجلة الكلمة، ع25، السنة السادسة، ~~خريف 1420ه/1999م. ~~(51) # الشريف، ماهر: كي تتحقق النهضة لا بد من استكمال ~~بناء القومية العربية، مجلة الطريق، مجلة فكرية سياسية ~~تصدر مرة كل شهر أسسها أنطوان ثابت 1941م، السنة ~~السادسة والخمسون، ع6، 1997م. ~~(52) # شلق، الفضل: الاجتهاد وأزمة الحضارة العربية: مجلة ~~الاجتهاد، مجلة متخصصة تعنى بقضايا الدين والمجتمع ~~والتجديد العربي الإسلامي، دار الاجتهاد بيروت، العدد ~~8، السنة الثانية، صيف 1990م. ~~(53) # الشهاب، أحمد: نحو تناول علمي لمفهوم العولمة، مجلة ~~الكلمة، مجلة فكرية ثقافية إسلامية تصدر عن منتدى ~~الكلمة للدراسات والأبحاث، السنة السادسة ، ~~ع25، 1999م. ~~(54) # صافي، لؤي: جدلية التنمية، حركة التجديد الحضاري بين ~~الاتجاه الإسلامي والعلماني: مراجعة نقدية، مجلة منبر ~~الحوار، السنة التاسعة، العدد 34، خريف 1994م. ms161 ~~(55) # عمارة، محمد: الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين، ~~مجلة منبر الحوار، ع15، السنة الرابعة، خريف ~~1989م. ~~(56) # غليون، برهان: هل يسهم تجديد الفكر القومي في بلورة ~~مشروع نهضة عربية جديدة، مجلة الطريق، مجلة فكرية ~~سياسية تصدر مرة كل شهر، أسسها أنطوان ثابت 1941م، ~~ع6، السنة السادسة والخمسون 1997م. ~~(57) # القاسمي، علي: مفهوم القطيعة مع التراث في فكر ~~الجابري: مجلة الثقافة المغربية، تصدرها وزارة ~~الثقافة، ع35، يناير 2001م. ~~(58) # كوثراني، وجيه: الديمقراطية ومشكلة الأقليات في ~~الفكرين القومي والإسلامي: حوار من أجل نظرة جديدة، ~~منبر الحوار، ع34، السنة التاسعة 1994م. ~~(59) # مجلة الوحدة العربية، العقلانية والمشروع العربي، ~~ندوة «نقد العقل العربي في مشروع الجابري»، السنة ~~الثالثة، ع26-27، 1986م. ~~(60) # المسيري، عبد الوهاب: في أهمية الدرس المعرفي، مجلة ~~إسلامية المعرفة، العدد العشرون، السنة ~~الخامسة. ~~(61) # المسيري، عبد الوهاب: نحو نموذج تفسيري اجتهادي ~~(بدلا من النموذج الموضوعي المتلقي)، مجلة إسلامية ~~المعرفة، ع16 السنة الرابعة، 1999م. ms162